{"ً":{"ٌ":660,"ٍ":"فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/fqmtr/","files":["fqmt1p.pdf|المقدمة","fqmt1.pdf","fqmt2.pdf","fqmt3.pdf","fqmt4.pdf","fqmt5.pdf","fqmt6.pdf","fqmt7.pdf","fqmt8.pdf","fqmt9.pdf","fqmt10.pdf","fqmt11.pdf","fqmt12.pdf","fqmt13.pdf","fqmt14.pdf","fqmt15.pdf"]},"ّ":"الكتاب: فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للإمام المنذري (ت ٦٥٦ هـ)\nالمؤلف: أبو محمد حسن بن علي بن سليمان البدر الفيومي القاهري (٨٠٤ - ٨٧٠ هـ)\nقدم له: فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان\nدراسة وتحقيق وتخريج: أ. د. محمد إسحاق محمد آل إبراهيم\nالناشر: المُحقِّق\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م\nيُطلَب من: المُحقِّق، أو مكتبة دار السلام، الرياض - المملكة العربية السعودية\nعدد الأجزاء: ١٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3143,"ٕ":7,"ٖ":1780758698,"ٗ":117},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14","15"],"ٚ":[{"title":"مقدمة فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":5},{"title":"أهمية هذا الكتاب","level":2,"page":7},{"title":"القسم الأول ترجمة الحافظ المنذري","level":2,"page":11},{"title":"ولادته ونشأته","level":3,"page":11},{"title":"نشأته وتعلمه","level":3,"page":11},{"title":"شيوخه","level":3,"page":13},{"title":"ومن أهم شيوخه","level":3,"page":13},{"title":"تلاميذه","level":3,"page":14},{"title":"مؤلفاته","level":3,"page":15},{"title":"ثناء العلماء عليه","level":3,"page":15},{"title":"أهم مؤلفاته","level":3,"page":17},{"title":"وفاته","level":3,"page":19},{"title":"القسم الثاني دراسة موجزة لكتاب الترغيب والترهيب للمنذري","level":2,"page":20},{"title":"الباعث على تأليفه","level":3,"page":21},{"title":"موضوعه","level":3,"page":21},{"title":"مصادره وكيفية عزوه إليها","level":3,"page":22},{"title":"اصطلاحه في الكتاب","level":3,"page":26},{"title":"حكمه على الحديث","level":3,"page":29},{"title":"القيمة العلمية للكتاب","level":3,"page":30},{"title":"تعقبات على الترغيب والترهيب","level":3,"page":34},{"title":"مختصرات الترغيب والترهيب","level":3,"page":34},{"title":"القسم الثالث ترجمة الشارح","level":2,"page":39},{"title":"اسمه، ونسبه، ونسبته","level":3,"page":41},{"title":"شيوخه","level":3,"page":42},{"title":"وأما أقرانه","level":3,"page":45},{"title":"تلاميذه","level":3,"page":46},{"title":"مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه وبعضر الانتقادات التي وجهت إليه","level":3,"page":47},{"title":"عقيدته","level":3,"page":48},{"title":"آثاره العلمية","level":3,"page":49},{"title":"القسم الرابع: التعريف بكتاب فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب","level":2,"page":50},{"title":"نسبة الكتاب إليه وسبب تأليفه","level":3,"page":50},{"title":"سبب تأليفه","level":4,"page":52},{"title":"موضوع الكتاب","level":3,"page":53},{"title":"موارد المؤلف في الكتاب، وطريقته في النقل منها","level":3,"page":54},{"title":"أولا: موارد المؤلف في الكتاب","level":4,"page":54},{"title":"ثانيا: منهجه وطريقته في النقل","level":4,"page":65},{"title":"المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب، والمآخذ عليه","level":3,"page":67},{"title":"أولا: القيمة العلمية للكتاب","level":4,"page":67},{"title":"ثانيا: أهم المآخذ عليه","level":4,"page":69},{"title":"وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، وصور منها","level":3,"page":71},{"title":"عملي في الكتاب","level":3,"page":81},{"title":"أولا: تحقيق النص","level":4,"page":81},{"title":"منهجي في التحقيق","level":5,"page":83},{"title":"توثيق النص","level":4,"page":85},{"title":"نماذج من النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق","level":2,"page":87},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":117},{"title":"فصل فيما يتعلق بما [يخصه] قوله: \"الحمد لله\"","level":2,"page":125},{"title":"فصل في ذكر أولاده - ﷺ -","level":2,"page":160},{"title":"الترغيب في الإخلاص والصدق والنية","level":1,"page":188},{"title":"خاتمة في المدح والذم","level":2,"page":228},{"title":"فصل","level":2,"page":262},{"title":"المعصية بأحد الحرمين","level":2,"page":346},{"title":"الترهيب من الرياء، وما يقوله من خاف شيئا منه","level":2,"page":355},{"title":"[من صلى فطولها من أجل الناس]","level":2,"page":357},{"title":"[سيدنا عوف بن مالك الأشجعي الصحابي]","level":2,"page":378},{"title":"[عبد الملك بن مروان]","level":2,"page":378},{"title":"[المعصية بأحد الحرمين]","level":2,"page":384},{"title":"فصل","level":2,"page":457},{"title":"فصل","level":2,"page":458},{"title":"[الترغيب في إتباع الكتاب والسنة]","level":2,"page":462},{"title":"الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء","level":2,"page":523},{"title":"خاتمة الباب","level":2,"page":588},{"title":"[الترغيب في البداءة بالخير ليستن به والترهيب من البداءة بالشر خوف أن يستن به]","level":2,"page":590},{"title":"كتاب العلم","level":1,"page":624},{"title":"الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين","level":2,"page":624},{"title":"فصل","level":2,"page":636},{"title":"فصل","level":2,"page":637},{"title":"فصل","level":2,"page":714},{"title":"الترغيب في الرحلة في طلب العلم","level":2,"page":723},{"title":"الترغيب بها سماع الحديث وتبليغه ونسخه والترهيب من الكذب على رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":747},{"title":"الترغيب في مجالسة العلماء","level":2,"page":775},{"title":"الترغيب بها إكراه العلماء وإجلالهم وتوقيرهم والترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم","level":2,"page":782},{"title":"[الترهيب من تعلم العلم لغير وجه الله تعالى]","level":2,"page":803},{"title":"الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير","level":2,"page":820},{"title":"فصل","level":2,"page":826},{"title":"الترهيب من كتم العلم","level":2,"page":833},{"title":"الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه، ولقول ما لا يفعله","level":2,"page":843},{"title":"الترهيب من الدعوى في العلم والقرآن","level":2,"page":880},{"title":"الترهيب من المراء والجدال - وهو: المخاصمة والمحاججة وطلب القهر والغلبة - والترغيب في تركه للمحق والمبطل","level":2,"page":905},{"title":"كتاب الطهارة","level":1,"page":928},{"title":"الترهيب من التخلي على طرق الناس أو ظلهم أو مواردهم والترغيب في الانحراف عن استقبال القبلة واستدبارها","level":2,"page":928},{"title":"الترهيب من التخلي على طرق الناس أو ظلهم أو مواردهم","level":2,"page":931},{"title":"الترهيب من البول في الماء والمغتسل والحجر","level":2,"page":955},{"title":"الترهيب من الكلام على الخلاء","level":2,"page":972},{"title":"الترهيب من إصابة البول الثوب وغيره وعدم الاستنزاه منه","level":2,"page":990},{"title":"الترهيب من دخول الرجال الحمام بغير أزر ومن دخول النساء بأزر وغيرها إلا نفساء أو مريضة وما جاء في النهي عن ذلك","level":2,"page":1015},{"title":"الترهيب من تأخير الغسل لغير عذر","level":2,"page":1064},{"title":"الترغيب في الوضوء وإسباغه","level":2,"page":1087},{"title":"نواقض الوضوء على مذهب الإمام الشافعي","level":2,"page":1144},{"title":"نواقض الوضوء على مذهب الإمام أحمد بن حنبل","level":2,"page":1146},{"title":"الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده","level":2,"page":1177},{"title":"الترهيب من ترك التسمية على الوضوء عمدا","level":2,"page":1200},{"title":"الترغيب في السواك وما جاء في فضله","level":2,"page":1210},{"title":"الترغيب في تخليل الأصابع والترهيب من تركه وترك الإسباغ إذا خلا شيء من القدر الواجب","level":2,"page":1245},{"title":"الترغيب في كلمات يقولهن بعد الوضوء","level":2,"page":1266},{"title":"الترغيب في ركعتين بعد الوضوء","level":2,"page":1283},{"title":"[كتاب الصلاة]","level":1,"page":1314},{"title":"[الترغيب في الأذان وما جاء في فضله]","level":2,"page":1314},{"title":"[الترغيب في إجابة المؤذن وماذا يجيبه وما يقول بعد الأذان]","level":2,"page":1372},{"title":"الترغيب في الإقامة","level":2,"page":1407},{"title":"[الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر]","level":2,"page":1411},{"title":"[الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة]","level":2,"page":1419},{"title":"[الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها]","level":2,"page":1426},{"title":"[الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تخميرها]","level":2,"page":1448},{"title":"[الترهيب من البصاق في المسجد وإلى القبلة، الباب إلى آخره]","level":2,"page":1470},{"title":"[الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظهر وما جاء في فضلها]","level":2,"page":1516},{"title":"[الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها]","level":2,"page":1579},{"title":"[الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراتا أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة]","level":2,"page":1599},{"title":"[ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهن ولزومها وترهيبهن من الخروج منها]","level":2,"page":1615},{"title":"[الترغيب في الصلوات الخمس والإيمان بوجوبها]","level":2,"page":1631},{"title":"[الترغيب في الصلاة مطلقا وفضل الركوع والسجود]","level":2,"page":1702},{"title":"[الترغيب في الصلاة في أول وقتها]","level":2,"page":1741},{"title":"[الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا]","level":2,"page":1761},{"title":"[الترغيب في كثرة الجماعة]","level":2,"page":1793},{"title":"[الترغيب في الصلاة في الفلاة","level":2,"page":1799},{"title":"[الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعة والترهيب من التأخير عنهما]","level":2,"page":1805},{"title":"[الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر]","level":2,"page":1832},{"title":"[الترغيب في صلاة النافلة في البيوت]","level":2,"page":1859},{"title":"[الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة]","level":2,"page":1871},{"title":"[الترغيب على المحافظة على الصبح والعصر]","level":2,"page":1893},{"title":"[الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر]","level":2,"page":1917},{"title":"[الترغيب في أذكار يقولها بعد صلاة الصبح وصلاة العصر والمغرب]","level":2,"page":1941},{"title":"[الترهيب من فوات العصر]","level":2,"page":1959},{"title":"الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسان والترهيب منها عند عدمها","level":2,"page":1967},{"title":"[الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون]","level":2,"page":1977},{"title":"[الترغيب في الصف الأول وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر]","level":2,"page":1986},{"title":"[الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج]","level":2,"page":2013},{"title":"فرعان لهما تعلق بوصل الصفوف","level":2,"page":2016},{"title":"الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهم","level":2,"page":2024},{"title":"[الترغيب في التأمين خلف الإمام وفي الدعاء وما يقوله في الاستفتاح والاعتدال]","level":2,"page":2040},{"title":"[الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود]","level":2,"page":2065},{"title":"[الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، وإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع]","level":2,"page":2076},{"title":"[الترهيب من رفع البصر إلى السماء في الصلاة]","level":2,"page":2159},{"title":"[الترهيب من الالتفات في الصلاة وغيره مما يذكر]","level":2,"page":2165},{"title":"الترهيب من مسح الحصى وغيره في مواضع السجود والنفخ فيه لغير ضرورة","level":2,"page":2188},{"title":"الترهيب من وضع اليد على الخاصرة في الصلاة","level":2,"page":2195},{"title":"الترهيب من المرور بين يدي المصلي","level":2,"page":2198},{"title":"الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا","level":2,"page":2212},{"title":"فصل فى النفل واشتقاقه","level":2,"page":2274},{"title":"الترغيب في المحافظة على ثنتي عشرة ركعة من السنة في اليوم والليلة","level":2,"page":2274},{"title":"الترغيب في المحافظة على ركعتين قبل الصبح","level":2,"page":2285},{"title":"الترغيب في الصلاة قبل الظهر وبعدها","level":2,"page":2301},{"title":"الترغيب في الصلاة قبل العصر","level":2,"page":2315},{"title":"الترغيب في الصلاة بين المغرب والعشاء","level":2,"page":2319},{"title":"الترغيب في الصلاة بعد العشاء","level":2,"page":2335},{"title":"الترغيب في صلاة الوتر وما جاء فيمن لم يوتر","level":2,"page":2337},{"title":"الترغيب في أن ينام الإنسان طاهرا ناويا القيام","level":2,"page":2353},{"title":"الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوي إلى فراشه وما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى","level":2,"page":2360},{"title":"الترغيب في كلمات يقولهن إذا استيقظ من الليل","level":2,"page":2391},{"title":"الترغيب في قيام الليل","level":2,"page":2394},{"title":"الترهيب من صلاة الإنسان وقراءته حال النعاس","level":2,"page":2454},{"title":"الترهيب من نوم الإنسان إلى الصباح وترك قيام شيء من الليل","level":2,"page":2462},{"title":"الترغيب في آيات وأذكار يقولها إذا أصبح وإذا أمسى","level":2,"page":2472},{"title":"الترغيب في قضاء الإنسان ورده إذا فاته من الليل","level":2,"page":2538},{"title":"الترغيب في صلاة الضحى","level":2,"page":2542},{"title":"الترغيب في صلاة التسبيح","level":2,"page":2570},{"title":"[عدة في خدم المصطفى - ﷺ -]","level":2,"page":2587},{"title":"الترغيب في صلاة التوبة","level":2,"page":2599},{"title":"[بعض مناقب أبي بكر الصديق]","level":2,"page":2601},{"title":"الترغيب في صلاة الحاجة ودعائها","level":2,"page":2612},{"title":"الترغيب في صلاة الاستخارة وما جاء في تركها","level":2,"page":2641},{"title":"كتاب الجمعة","level":1,"page":2656},{"title":"الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها","level":2,"page":2656},{"title":"في الترهيب من ترك الجمعة","level":2,"page":2662},{"title":"الترغيب في الغسل يوم الجمعة","level":2,"page":2757},{"title":"فصل يذكر فيه الأغسال المسنونة","level":2,"page":2772},{"title":"الترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير لغير عذر","level":2,"page":2780},{"title":"الترهيب من تخطي الرقاب يوم الجمعة","level":2,"page":2807},{"title":"الترهيب من الكلام والإمام يخطب والترغيب في الإنصات","level":2,"page":2815},{"title":"الترهيب من ترك الجمعة لغير عذر","level":2,"page":2843},{"title":"الترغيب في قراءة سورة الكهف وما يذكر معها ليلة الجمعة ويوم الجمعة","level":2,"page":2868},{"title":"كتاب الصدقات","level":1,"page":2876},{"title":"الترغيب في أداء الزكاة وأداء وجوبها","level":2,"page":2876},{"title":"[الترهيب من منع الزكاة وما جاء في زكاة الحلي]","level":2,"page":2911},{"title":"فصل","level":2,"page":2977},{"title":"الترغيب في العمل على الصدقة بالتقوى والترهيب من التعدي فيها والخيانة واستحباب ترك العمل لمن لا يثق بنفسه وما جاء في المكاسين والعشارين والعرفاء","level":2,"page":3004},{"title":"فصل","level":2,"page":3040},{"title":"الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاءه في ذم الطمع والترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده","level":2,"page":3066},{"title":"ترغيب من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزل لها بالله تعالى","level":2,"page":3181},{"title":"الترهيب من أخذ ما دفع من غير طيب نفس المعطي","level":2,"page":3185},{"title":"ترغيب من جاءه شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس في قبوله سيما إن كان محتاجا والنهي عن رده وإن كان غنيا عنه","level":2,"page":3194},{"title":"ترهيب السائل أن يسأل بوجه الله غير الجنة وترهيب المسؤول بوجه الله أن يمنع","level":2,"page":3208},{"title":"الترغيب في الصدقة والحث عليها وما جاء في جهد المقل ومن تصدق بما لا يجب","level":2,"page":3225},{"title":"[الترغيب في صدقة السر]","level":2,"page":3313},{"title":"الترغيب في الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم","level":2,"page":3331},{"title":"الترهيب من أن يسأل الإنسان مولاه أو قريبه من فضل ماله فيبخل عليه أو يصرف صدقته إلى الأجانب وأقرباؤه محتاجون","level":2,"page":3341},{"title":"[الترغيب في القرض وما جاء في فضله]","level":2,"page":3347},{"title":"[الترغيب في التيسير على المعسر وإنظاره والوضع عنه]","level":2,"page":3355},{"title":"الترغيب في الإنفاق في وجوه الخير كرما والترهيب من الإمساك والادخار شحا","level":2,"page":3375},{"title":"الترغيب في إطعام الطعام وسقي الماء والترهيب من منعه","level":2,"page":3452},{"title":"فصل","level":2,"page":3507},{"title":"الترغيب في شكر المعروف ومكافأة فاعله والدعاء له وما جاء فيمن لم يشكر ما أولي إليه","level":2,"page":3519},{"title":"كتاب الصيام","level":1,"page":3531},{"title":"الصوم الترغيب في الصوم مطلقا وما جاء في فضله وفضل دعاء الصائم","level":2,"page":3531},{"title":"فصل","level":2,"page":3576},{"title":"الترغيب في صيام رمضان احتسابا وقيام ليله سيما ليلة القدر وما جاء في فضله","level":2,"page":3578},{"title":"الترهيب من إفطار شيء من رمضان من غير عذر","level":2,"page":3598},{"title":"الترغيب في صوم ست من شوال","level":2,"page":3600},{"title":"الترغيب في صيام يوم عرفة لمن لم يكن بها وما جاء في النهي عنها لمن كان بها حاجا","level":2,"page":3602},{"title":"الترغيب في صيام شهر الله المحرم","level":2,"page":3606},{"title":"الترغيب في صوم يوم عاشوراء والتوسيع فيه على العيال","level":2,"page":3617},{"title":"الترغيب في صوم شعبان وما جاء في صيام النبي -ﷺ- له وفضل ليلة نصفه","level":2,"page":3623},{"title":"الترغيب في صوم ثلاثة أيام من كل شهر سيما الأيام البيض","level":2,"page":3628},{"title":"الترغيب في صوم الاثنين والخميس","level":2,"page":3636},{"title":"الترغيب في صوم الأربعاء والخميس والجمعة والسبت والأحد وما جاء في النهي عن تخصيص الجمعة بالصوم أو السبت","level":2,"page":3639},{"title":"الترغيب في صوم يوم وإفطار يوم وهو صوم داود ﵇","level":2,"page":3644},{"title":"ترهيب المرأة أن تصوم تطوعا وزوجها حاضر إلا أن تستأذنه","level":2,"page":3647},{"title":"ترهيب المسافر من الصوم إذا كان يشق عليه وترغيبه في الإفطار","level":2,"page":3648},{"title":"الترغيب في السحور سيما بالتمر","level":2,"page":3654},{"title":"الترغيب في تعجيل الفطر وتأخير السحور","level":2,"page":3657},{"title":"الترغيب في الفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء","level":2,"page":3659},{"title":"الترغيب في إطعام الطعام","level":2,"page":3661},{"title":"ترغيب الصائم في أكل المفطرين عنده","level":2,"page":3663},{"title":"ترهيب الصائم من الغيبة والفحش والكذب ونحو ذلك","level":2,"page":3664},{"title":"الترغيب في الاعتكاف","level":2,"page":3668},{"title":"الترغيب في صدقة الفطر وبيان تأكيدها","level":2,"page":3669},{"title":"كتاب العيدين والأضحية","level":1,"page":3673},{"title":"الترغيب في إحياء ليلتي العيدين","level":2,"page":3673},{"title":"الترغيب في التكبير في العيد وذكر فضله","level":2,"page":3674},{"title":"الترغيب في الأضحية وما جاء فيمن لم يضح مع القدرة ومن باع جلد أضحيته","level":2,"page":3675},{"title":"الترهيب من المثلة بالحيوان ومن قتله لغير الأكل وما جاء في الأمر بتحسين القتلة والذبحة","level":2,"page":3679},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":3682},{"title":"الترغيب في الإحرام من المسجد الأقصى","level":2,"page":3682},{"title":"الترغيب في النفقة في الحج والعمرة وما جاء فيمن أنفق فيهما من مال حرام","level":2,"page":3699},{"title":"الترغيب في العمرة في رمضان","level":2,"page":3702},{"title":"الترغيب في التواضع في الحج والتبذل ولبس الدون من الثياب اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام","level":2,"page":3705},{"title":"الترغيب في الإحرام والتلبية ورفع الصوت بها","level":2,"page":3710},{"title":"الترغيب في الإحرام من المسجد الأقصى","level":2,"page":3715},{"title":"الترغيب في الطواف واستلام الحجر الأسود والركن اليماني وما جاء في فضلهما وفضل المقام ودخول البيت","level":2,"page":3726},{"title":"[الترغيب في العمل الصالح في عشر ذي الحجة وفضله]","level":2,"page":3782},{"title":"الترغيب في الوقوف بعرفة والمزدلفة وفضل يوم عرفة","level":2,"page":3795},{"title":"الترغيب في رمي الجمار وما جاء في رفعها","level":2,"page":3804},{"title":"الترغيب في حلق الرأس بمنى","level":2,"page":3806},{"title":"الترغيب في شرب ماء زمزم وما جاء في فضله","level":2,"page":3808},{"title":"ترهيب من قدر على الحج فلم يحج وما جاء في لزوم المرأة بيتها بعد قضاء فرض الحج","level":2,"page":3811},{"title":"الترغيب في الصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة وبيت المقدس وقباء","level":2,"page":3814},{"title":"الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات وما جاء في فضلها وفضل أحد ووادي [القرى]","level":2,"page":3857},{"title":"الترهيب من إخافة أهل المدينة أو إرادتهم بسوء","level":2,"page":3921},{"title":"كتاب الجهاد","level":1,"page":3933},{"title":"الترغيب في الرباط في سبيل الله ﷿","level":2,"page":3936},{"title":"الترغيب في الحراسة في سبيل الله تعالى","level":2,"page":3968},{"title":"الترغيب في النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة وخلفهم ها أهليهم","level":2,"page":3986},{"title":"الترغيب في احتباس الخيل في الجهاد لا رياء ولا سمعة وما جاءه في فضلها، والترغيب فيها يذكر منها والنهي عن قص نواصيها لأن فيها الخير والبركة","level":2,"page":4000},{"title":"ترغيب الغازي والمرابط في الإكثار من العمل الصالح من الصوم والصلاة والذكر ونحو ذلك","level":2,"page":4034},{"title":"الترغيب في الغدوة في سبيل الله والروحة وما جاء في فضل المشي والغبار في سبيل الله والخوف فيه","level":2,"page":4042},{"title":"الترغيب في سؤال الشهادة في سبيل الله","level":2,"page":4069},{"title":"الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه","level":2,"page":4072},{"title":"الترغيب في الجهاد في سبيل الله تعالى وما جاء في فضل الكلم فيه والدعاء عند الصف والقتال","level":2,"page":4097},{"title":"الترغيب في إخلاص النية في الجهاد وما جاء فيمن يولد الأجر والغنيمة والذكر وفضل الغزاة إذا لم يغنموا","level":2,"page":4154},{"title":"الترهيب من الفرار من الزحف","level":2,"page":4178},{"title":"الترغيب في الغزاة في البحر وأنها أفضل من عشر غزوات في البر","level":2,"page":4188},{"title":"الترهيب من الغلول والتشديد فيه وما جاء فيمن ستر على غال","level":2,"page":4202},{"title":"الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء","level":2,"page":4234},{"title":"الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغز ولم ينو الغزو وذكر أنواع من الموت تلحق أربابها بالشهداء والترهيب من الفرار من الطاعون","level":2,"page":4325},{"title":"فصل","level":2,"page":4342},{"title":"كتاب قراءة القرآن","level":1,"page":4383},{"title":"الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة","level":2,"page":4383},{"title":"الترهيب من نسيان القرآن بعد تعلمه وما جاء فيمن ليس في جوفه منه شيء","level":2,"page":4465},{"title":"الترغيب في دعاء يدعى به لحفظ القرآن","level":2,"page":4472},{"title":"الترغيب في تعاهد القرآنه وتحسين الصوت به","level":2,"page":4476},{"title":"الترغيب في قراءة سورة الفاتحة وما جاء في فضلها","level":2,"page":4507},{"title":"الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمران وما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها","level":2,"page":4530},{"title":"الترغيب في قراءة آية الكرسي وما جاء في فضلها","level":2,"page":4552},{"title":"الترغيب في قراءة سورة الكهف أو عشر من أولها أو عشر من آخرها","level":2,"page":4566},{"title":"الترغيب في قراءة سورة يس وما جاء في فضلها","level":2,"page":4569},{"title":"الترغيب في قراءة سورة تبارك الذي بيده الملك","level":2,"page":4574},{"title":"الترغيب في قراءة ﴿إذا الشمس كورت﴾ وما يذكر معها","level":2,"page":4578},{"title":"الترغيب في قراءة إذا زلزلت وما يذكر معها","level":2,"page":4580},{"title":"الترغيب في قراءة ألهاكم التكاثر","level":2,"page":4584},{"title":"الترغيب في قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾","level":2,"page":4585},{"title":"الترغيب في قراءة المعوذتين","level":2,"page":4600},{"title":"كتاب الذكر والدعاء","level":1,"page":4605},{"title":"الترغيب في الإكثار من ذكر الله سرا وجهرا","level":2,"page":4605},{"title":"الترغيب في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى","level":2,"page":4644},{"title":"الترهيب من أن يجلس الإنسان مجلسا لا يذكر الله فيه ولا يصلى على نبيه محمد - ﷺ -","level":2,"page":4667},{"title":"الترغيب في كلمات يكفرنا لغط المجلس","level":2,"page":4672},{"title":"الترغيب في قول لا إله إلا الله وما جاء في فضلها","level":2,"page":4677},{"title":"الترغيب في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له","level":2,"page":4708},{"title":"الترغيب في التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد على اختلاف أنواعه","level":2,"page":4715},{"title":"الترغيب في جوامع من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير","level":2,"page":4782},{"title":"الترغيب في قول لا حول ولا قوة إلا بالله","level":2,"page":4798},{"title":"الترغيب في أذكار تقال بالليل والنهار غير مختصة بالصباح والمساء","level":2,"page":4810},{"title":"الترغيب في آيات وأذكار بعد الصلوات المكتوبات","level":2,"page":4826},{"title":"الترغيب فيما يقوله ويفعله من رأى في منامه ما يكره","level":2,"page":4858},{"title":"الترغيب في كلمات يقولهن من يأرق أو يفزع بالليل","level":2,"page":4866},{"title":"الترغيب فيما يقول إذا خرج من بيته إلى المسجد وغيره وإذا دخلهما","level":2,"page":4884},{"title":"الترغيب فيما يقوله من حصلت له وسوسة في الصلاة وغيرها","level":2,"page":4901},{"title":"الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار","level":2,"page":4912},{"title":"الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله","level":2,"page":4962},{"title":"الترغيب في كلمات يستفتح بها الدعاء وبعض ما جاء في اسم الله الأعظم","level":2,"page":5000},{"title":"الترغيب في الدعاء في السجود ودبر الصلوات وجوف الليل الأخير","level":2,"page":5015},{"title":"[الترهيب من استبطاء الإجابة وقوله دعوت فلم يستجب لي]","level":2,"page":5020},{"title":"الترهيب من رفع المصلي رأسه إلى السماء وقت الدعاء وأن يدعو الإنسان وهو غافل","level":2,"page":5025},{"title":"الترهيب من دعاء الإنسان على نفسه وولده وخادمه وماله","level":2,"page":5030},{"title":"الترغيب في إكثار الصلاة على النبي -ﷺ- والترهيب من تركها عند ذكره -ﷺ- كثيرا دائما","level":2,"page":5032},{"title":"كتاب البيوع وغيرها","level":1,"page":5094},{"title":"مشروعية البيع","level":2,"page":5094},{"title":"الترغيب في الاكتساب بالبيع وغيره","level":2,"page":5100},{"title":"الترغيب في البكور في طلب الرزق وفيه وما جاء في نوم الصبحة","level":2,"page":5123},{"title":"[الترغيب في ذكر الله تعالى في الأسواق ومواطن الغفلة]","level":2,"page":5132},{"title":"الترغيب في الاقتصاد في طلب الرزق والإجمال فيه وما جاء في ذل الحرص وحب المال","level":2,"page":5144},{"title":"[الترغيب في طلب الحلال والأكل منه والترهيب ما اكتساب الحرام وأكله ولبسه ونحو ذلك]","level":2,"page":5190},{"title":"[الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور]","level":2,"page":5222},{"title":"[الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء]","level":2,"page":5264},{"title":"[الترغيب في إقالة النادم]","level":2,"page":5288},{"title":"[الترهيب من بخس الكيل والوزن]","level":2,"page":5291},{"title":"[الترهيب من الغش والترغيب في النصيحة في البيع وغيره]","level":2,"page":5299},{"title":"[الترهيب من الاحتكار]","level":2,"page":5332},{"title":"[ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب ومن الحلف وإن كانوا صادقين]","level":2,"page":5348},{"title":"[الترهيب من خيانة أحد الشريكين الآخرة]","level":2,"page":5379},{"title":"[الترهيب من التفريق بين الوالدة وولدها بالبيع ونحوه]","level":2,"page":5388},{"title":"[الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوج أن ينوبا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت]","level":2,"page":5397},{"title":"[الترهيب من مطل الغني والترغيب في إرضاء صاحب الدين]","level":2,"page":5440},{"title":"[الترغيب في كلمات يقولهن المديون والمهموم والمكروب والمأسور]","level":2,"page":5457},{"title":"[الترهيب من اليمين الكاذبة الغموس]","level":2,"page":5487},{"title":"[الترهيب من الربا]","level":2,"page":5517},{"title":"[الترهيب من غصب الأرض وغيرها]","level":2,"page":5557},{"title":"[الترهيب من البناء فوق الحاجة تفاخرا وتكاثرا]","level":2,"page":5570},{"title":"[الترهيب من منع الأجير أجره والأمر بتعجيل إعطائه]","level":2,"page":5620},{"title":"[ترغيب المملوك وأداء حق الله تعالى وحق مواليه]","level":2,"page":5627},{"title":"[ترهيب العبد من الإباق من سيده]","level":2,"page":5643},{"title":"[الترغيب في العتق والترهيب من اعتباد الحر أو بيعه]","level":2,"page":5651},{"title":"(فصل)","level":2,"page":5671},{"title":"كتاب النكاح","level":1,"page":5672},{"title":"الترغيب في غض البصر والترهيب من إطلاقه ومن الخلوة","level":2,"page":5674},{"title":"[الترغيب في النكاح سيما بذات الدين الولود]","level":2,"page":5713},{"title":"فصل","level":2,"page":5745},{"title":"فصل يذكر فيه خلق آدم وتزويجه بحواء وخروجهما من الجنة وتوبة الله عليهما وغير ذلك مما يتعلق بالحديث","level":2,"page":5769},{"title":"فصل في تزويج آدم بحواء ﵍","level":2,"page":5776},{"title":"فصل في خروج آدم وحواء من الجنة وبكائها وتوبة الله عليهما","level":2,"page":5778},{"title":"[الترهيب من ترجيح إحدى الزوجات وترك العدل بينهم]","level":2,"page":5825},{"title":"[الترغيب في النفقة على الزوجة والعيال والترهيب من إضاعتهم وما جاء في النفقة على البنات وتأديبهن","level":2,"page":5836},{"title":"فصل","level":2,"page":5858},{"title":"فصل","level":2,"page":5861},{"title":"[الترغيب في الأسماء الحسنة وما جاء في النهي عن الأسماء القبيحة وتغييرها]","level":2,"page":5875},{"title":"[فصل]","level":2,"page":5892},{"title":"[الترغيب في تأديب الأولاد]","level":2,"page":5905},{"title":"[الترهيب أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه أو يتولى غير مواليه]","level":2,"page":5912},{"title":"[الترهيب من إفساد المرأة على زوجها والعبد علي سيده]","level":2,"page":5973},{"title":"[ترهيب المرأة أن تسأل زوجها الطلاق من غير بأس]","level":2,"page":5979},{"title":"[ترهيب المرأة أن تخرج من بيتها متعطرة متزينة]","level":2,"page":5987},{"title":"[الترهيب من إفشاء السر سيما ما كان بين الزوجين]","level":2,"page":5996},{"title":"كتاب اللباس والزينة","level":1,"page":6005},{"title":"[الترغيب في لبس الأبيض من الثياب]","level":2,"page":6006},{"title":"[الترغيب في القميص والترهيب من طوله وطول غيره مما يلبس وجره خيلاء وإسباله في الصلاة وغيرها]","level":2,"page":6011},{"title":"[الترغيب في كلمات يقولهن من لبس ثوبا جديدا]","level":2,"page":6035},{"title":"[الترهيب من لبس النساء الرقيق من الثياب التي تصف البشرة]","level":2,"page":6041},{"title":"[ترهيب الرجال من لبسهم الحرير وجلوسهم عليه والتحلي بالذهب وترغيب النساء في تركهما]","level":2,"page":6053},{"title":"[الترهيب من تشبه الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في لباس أو كلام أو حركة أو نحو ذلك]","level":2,"page":6110},{"title":"[الترغيب في ترك الترفع في اللباس تواضعا واقتداء بأشرف الخلق محمد -ﷺ- وأصحابه والترهيب من لباس الشهرة والفخر والمباهاة]","level":2,"page":6130},{"title":"[الترغيب في الصدقة على الفقير بما يلبسه كالثوب ونحوه]","level":2,"page":6173},{"title":"[الترغيب في إبقاء الشيب وكراهة تتفه]","level":2,"page":6177},{"title":"[الترهيب من خضب اللحية بالسواد]","level":2,"page":6184},{"title":"[ترهيب الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجة]","level":2,"page":6192},{"title":"[الترغيب في الكحل بالإثمد للرجال والنساء]","level":2,"page":6210},{"title":"[كتاب الطعام وغيره]","level":1,"page":6215},{"title":"[الترغيب في التسمية على الطعام والترهيب من تركها]","level":2,"page":6215},{"title":"[الترهيب من استعمال أواني الذهب أو الفضة وتحريمه على الرجال والنساء]","level":2,"page":6226},{"title":"[الترهيب من الأكل والشرب بالشمال وما جاء في النهي عن النفخ في الإناء والشرب من في السقاء ومن ثلمة القدح]","level":2,"page":6237},{"title":"[الترغيب في الأكل من جوانب القصعة دون وسطها]","level":2,"page":6258},{"title":"[الترغيب في أكل الخل والزيت ونهس اللحم دون تقطيعه بالسكين إن صح الخبر]","level":2,"page":6268},{"title":"[الترغيب في الاجتماع على الطعام]","level":2,"page":6280},{"title":"[الترهيب من الإمعان في الشبع والتوسع في المآكل والمشارب شرها وبطرا]","level":2,"page":6286},{"title":"[الترهيب من أن يدعى الإنسان إلى الطعام فيمتنع من غير عذر والأمر بإجابة الداعي وما جاء في طعام المتباريين]","level":2,"page":6323},{"title":"[الترغيب في لعق الأصابع قبل مسحها لإحراز البركة]","level":2,"page":6340},{"title":"[الترغيب في حمد الله تعالى بعد الأكل]","level":2,"page":6349},{"title":"[الترغيب في غسل اليد قبل الطعام إن صح الخبر وبعده والترهيب أن ينام وفي يده ريح الطعام لا يغسلها]","level":2,"page":6364},{"title":"[كتاب القضاء وغيره]","level":1,"page":6373},{"title":"[الترهيب من تولي السلطنة والقضاء والإمارة لا سيما لمن لا يثق بنفسه وترهيب من وثق بنفسه أن يسأل شيئا من ذلك]","level":2,"page":6373},{"title":"[ترغيب من ولي شيئا من أمور المسلمين في العدل إماما كان أو غيره وترهيبه أن يشق على رعيته أو يجور أو يغشهم أو يحتجب عنهم أو يغلق بابه دون حوائجهم]","level":2,"page":6411},{"title":"[ترهيب من ولي شيئا من أمور المسلمين أن يولي عليهم رجلا وفي رعيته خير فيه]","level":2,"page":6472},{"title":"[ترهيب الراشي والمرتشي والساعي بينهما]","level":2,"page":6475},{"title":"[الترهيب من الظلم ودعاء المظلوم وخذله والترغيب في نصرته]","level":2,"page":6483},{"title":"[الترغيب في كلمات يقولهن من خاف ظالما]","level":2,"page":6528},{"title":"[الترغيب في الامتناع عن الدخول على الظلمة والترهيب من الدخول عليهم وتصديقهم وإعانتهم]","level":2,"page":6535},{"title":"[الترهيب من إعانة المبطل ومساعدته والشفاعة المانعة من حد من حدود الله وغير ذلك]","level":2,"page":6554},{"title":"[ترهيب الحاكم وغيره من إرضاء الناس بما يسخط الله ﷿]","level":2,"page":6564},{"title":"[الترغيب في الشفقة على خلق الله تعالى من الرعية والأولاد والعبيد وغيرهم ورحمتهم والرفق بهم والترهيب من ضد ذلك ومن تعذيب العبد والدابة وغيرهما بغير سبب شرعي وما جاء في النهي عن وسم الدواب في وجوهها]","level":2,"page":6572},{"title":"فصل","level":2,"page":6676},{"title":"[ترغيب الإمام وغيره من ولاة الأمور في اتخاذ وزير صالح وبطانة حسنة]","level":2,"page":6681},{"title":"[الترهيب من شهادة الزور]","level":2,"page":6686},{"title":"[كتاب الحدود وغيرها]","level":1,"page":6699},{"title":"[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما]","level":2,"page":6699},{"title":"[الترهيب من أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويخالف قوله فعله]","level":2,"page":6770},{"title":"[الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته]","level":2,"page":6786},{"title":"[الترهيب من مواقعة الحدود وانتهاك المحارم]","level":2,"page":6809},{"title":"[الترغيب في إقامة الحدود والترهيب من المداهنة فيها]","level":2,"page":6822},{"title":"[الترهيب من شرب الخمر وبيعها وشرائها وعصرها وحملها وأكل ثمنها والتشديد في ذلك والترغيب في تركه والتوبة منه]","level":2,"page":6840},{"title":"[الترهيب من الزنا سيما بحليلة الجار والمغيبة والترغيب في حفظ الفرج]","level":2,"page":6923},{"title":"فصل","level":2,"page":6965},{"title":"[الترهيب من اللواط وإتيان البهيمة والمرأة في دبرها سواء كانت زوجته أو أجنبية]","level":2,"page":6982},{"title":"[الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق]","level":2,"page":7021},{"title":"[الترهيب من قتل الإنسان نفسه]","level":2,"page":7043},{"title":"[الترهيب أنه يحضر الإنسان قتل إنسان ظلما أو ضربه وما جاء فيمن جرد ظهر مسلم بغير حق]","level":2,"page":7063},{"title":"[الترغيب في العفو عن القاتل والجاني والظالم والترهيب من إظهار الشماتة بالمسلم]","level":2,"page":7067},{"title":"[الترهيب من ارتكاب الصغائر والمحقرات من الذنوب والإصرار على شيء منها]","level":2,"page":7090},{"title":"[كتاب البر والصلة وغيرهما]","level":1,"page":7101},{"title":"[الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما]","level":2,"page":7101},{"title":"[الترهيب من عقوق الوالدين]","level":2,"page":7154},{"title":"[الترغيب في صلة الرحم وإن قطعت والترهيب من قطعها]","level":2,"page":7183},{"title":"[الترغيب في كفالة اليتيم ورحمته والنفقة عليه والسعي على الأرملة والمسكين]","level":2,"page":7223},{"title":"[الترهيب من أذى الجار وما جاء في تأكيد حقه]","level":2,"page":7250},{"title":"[الترغيب زيارة الإخوان والصالحين وما جاء في إكراه الزائرين]","level":2,"page":7283},{"title":"[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل]","level":2,"page":7297},{"title":"[الترهيب أن يحقر المرء ما قدم إليه، ويحتقر ما عنده أن يقدمه للضيف]","level":2,"page":7329},{"title":"[الترغيب في الزرع وغرس الأشجار المثمرة]","level":2,"page":7332},{"title":"[الترهيب من البخل والشح والترغيب في الجود والسخاء]","level":2,"page":7342},{"title":"[الترهيب من عود الإنسان في هبته]","level":2,"page":7369},{"title":"[الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه]","level":2,"page":7378},{"title":"فصل","level":2,"page":7396},{"title":"[كتاب الأدب وغيره","level":1,"page":7398},{"title":"الترغيب في الحياء وما جاء في فضله والترهيب من الفحش والبذاء]","level":2,"page":7398},{"title":"[الترغيب في الخلق الحسن وفضله والترهيب من الخلق السيئ وذمه]","level":2,"page":7418},{"title":"[الترغيب في الرفق والأناة والحلم]","level":2,"page":7467},{"title":"[الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام وغير ذلك مما يذكر]","level":2,"page":7500},{"title":"[الترغيب في إفشاء السلام وما جاء في فضله وترهيب المرء من حب القيام له]","level":2,"page":7509},{"title":"فصل","level":2,"page":7549},{"title":"[الترغيب في المصافحة والترهيب من الإشارة في السلام وما جاء في السلام على الكفار]","level":2,"page":7552},{"title":"[الترهيب أن يطلع الإنسان في دار قبل أن يستأذن]","level":2,"page":7582},{"title":"[الترهيب أن يتسمع حديث قوم يكرهون أن يسمعه]","level":2,"page":7594},{"title":"[الترغيب في العزلة لمن لا يأمن على نفسه عند الاختلاط]","level":2,"page":7597},{"title":"[الترهيب من الغضب والترغيب في دفعه وكظمه وما يفعل عند الغضب]","level":2,"page":7625},{"title":"[الترهيب من التهاجر والتشاحن والتدابر]","level":2,"page":7655},{"title":"[الترهيب من قوله لمسلم يا كافر]","level":2,"page":7682},{"title":"[الترهيب من السباب واللعن لا سيما لمعين آدميا كان أو دابة وغيرهما وبعض ما جاء في النهي عن سب الديك والبرغوث والريح والترهيب من قذف المحصنة والمملوك]","level":2,"page":7693},{"title":"الترهيب من السباب واللعن لاسيما لمعين آدميا كان أو دابة وغيرهما، وبعض ما جاء في النهي عن سب الديك والبرغوث والريح، والترهيب من قذف المحصنة والمملوك","level":2,"page":7695},{"title":"[الترهيب من سب الدهر]","level":2,"page":7743},{"title":"الترهيب من ترويع المسلم ومن الإشارة إليه بسلاح ونحوه","level":2,"page":7756},{"title":"[النهى عن حمل السلاح على المسلم]","level":2,"page":7767},{"title":"الترغيب في الإصلاح بين الناس","level":2,"page":7773},{"title":"الترهيب من النميمة","level":2,"page":7788},{"title":"الترهيب من الغيبة والبهت وبيانهما والترغيب في تركهما","level":2,"page":7802},{"title":"الترغيب في الصمت إلا عن خير والترهيب من كثرة الكلام","level":2,"page":7866},{"title":"الترهيب من الحسد وفضل سلامة الصدر","level":2,"page":7950},{"title":"الترغيب في التواضع والترهيب من الكبر والعجب والافتخار","level":2,"page":7981},{"title":"الترهيب من القول للفاسق والمبتدع يا سيدي ونحوها من الكلمات الدالة على التعظيم","level":2,"page":8048},{"title":"الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب","level":2,"page":8050},{"title":"ترهيب ذي الوجهين واللسانين","level":2,"page":8133},{"title":"[الترهيب من الحلف بغير الله ﷾ سيما بالأمانة ومن قوله أنا بريء من الإسلام أو كافر أو نحو ذلك]","level":2,"page":8138},{"title":"الترهيب من احتقار المسلم وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى","level":2,"page":8156},{"title":"الترغيب في إماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك مما يذكر","level":2,"page":8174},{"title":"الترغيب في قتل الوزغ وما جاء في قتل الحيات وغيرها مما يذكر","level":2,"page":8196},{"title":"الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة والترهيب من إخلافه ومن الخيانة والغدر وقتل المعاهد أو ظلمه","level":2,"page":8267},{"title":"القتل في سبيل الله يكفر الدنوب كلها إلا الأمانة","level":2,"page":8270},{"title":"الترغيب في الحب في الله تعالى والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع ونحوهم لأن المرء مع من أحب","level":2,"page":8304},{"title":"الترهيب من السحر وإتيان الكهان والعرافين والمنجمين بالرمل والعصى أو نحو ذلك وتصديقهم","level":2,"page":8359},{"title":"الترهيب من الطيرة","level":2,"page":8385},{"title":"فوائد يختم بها الباب","level":2,"page":8390},{"title":"الترهيب من تصوير الحيوانات والطيور في البيوت وغيرها","level":2,"page":8398},{"title":"الترهيب من اقتناء الكلب إلا لصيد أو ماشية","level":2,"page":8419},{"title":"الترهيب من اللعب بالنرد","level":2,"page":8442},{"title":"الترغيب في الجليس الصالح والترهيب من الجليس السيئ","level":2,"page":8448},{"title":"الترهيب أن ينام المرء على سطح لا تحجير له أو يركب البعر عند ارتجاجه","level":2,"page":8465},{"title":"الترهيب أن ينام الإنسان على وجهه من غير عذر","level":2,"page":8473},{"title":"الترهيب من الجلوس بين الظل والشمس والترغيب في الجلوس مستقبل القبلة","level":2,"page":8480},{"title":"الترهيب من سفر الرجل وحده أو مع آخر فقط وما جاء في خير الأصحاب","level":2,"page":8484},{"title":"ترهيب المرأة أن تسافر وحدها بغير محرم","level":2,"page":8494},{"title":"الترغيب في ذكر الله تعالى لمن ركب دابة","level":2,"page":8502},{"title":"الترهيب من استصحاب الكلب والجرس في سفر وغيره","level":2,"page":8512},{"title":"الترغيب في الدلجة وهو السير بالليل والترهيب من السفر أوله ومن التعريس في الطرق والافتراق في المنزل والترغيب في الصلاة إذا عرس الناس","level":2,"page":8522},{"title":"الترغيب في ذكر الله تعالى لمن عثرت دابته","level":2,"page":8533},{"title":"الترغيب في كلمات يقولوهن من نزل منزلا","level":2,"page":8539},{"title":"الترغيب في دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب سيما المسافر","level":2,"page":8545},{"title":"[الترغيب في دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب سيما المسافر]","level":2,"page":8551},{"title":"الترغيب في الموت في الغربة","level":2,"page":8556},{"title":"الترغيب في سكنى الشام وما جاء في فضلها","level":2,"page":8559},{"title":"كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة","level":1,"page":8588},{"title":"الترغيب في التوبة والمبادرة بها","level":2,"page":8588},{"title":"الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى والترهيب من الاهتمام بالدنيا والإقبال عليها","level":2,"page":8685},{"title":"الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان","level":2,"page":8700},{"title":"الترغيب في المداومة على العمل","level":2,"page":8707},{"title":"الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم","level":2,"page":8715},{"title":"الترغيب في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل والترهيب من حبها والتكاثر فيها والتنافس وبعض ما جاء في عيش النبي - ﷺ - وأصحابه في المأكل والملبس والمشرب ونحو ذلك","level":2,"page":8807},{"title":"فصل في عيش السلف","level":2,"page":8941},{"title":"الترغيب في البكاء من خشية الله تعالى","level":2,"page":9091},{"title":"الترغيب في ذكر الموت وقصر الأمل","level":2,"page":9117},{"title":"الترغيب في الخوف وفضله","level":2,"page":9199},{"title":"الترغيب في الرجاء وحسن الظن بالله سيما عند الموت.","level":2,"page":9233},{"title":"كتاب الجنائز وما يتقدمها","level":1,"page":9251},{"title":"الترغيب في سؤال العفو والعافية","level":2,"page":9252},{"title":"الترغيب في كلمات يقولهن من رأى مبتلى","level":2,"page":9268},{"title":"الترغيب في الصبر سيما لمن ابتلي في نفسه أو ماله وفضل البلاء والمرض والحمى وما جاء فيمن فقد بصره","level":2,"page":9273},{"title":"الترغيب في كلمات يقولهن من آلمه شيء من جسده","level":2,"page":9404},{"title":"الترهيب من تعليق التمائم والحروز","level":2,"page":9411},{"title":"[الترغيب في الحجامة ومتى يحتجم]","level":2,"page":9431},{"title":"[الترغيب في عيادة المرضى وتأكيدها والترغيب في دعاء المريض]","level":2,"page":9467},{"title":"[الترغيب في كلمات يدعى بهن للمريض وكلمات يقولهن المريض]","level":2,"page":9498},{"title":"[الترغيب في الوصية والعدل فيها والترهيب من تركها أوالمضارة فيها وما جاء فيمن يعتق ويتصدق عند الموت]","level":2,"page":9510},{"title":"الترهيب من كراهية الإنسان الموت والترغيب في تلقيه بالرضى والسرور إذا نزل حبا للقاء الله ﷿","level":2,"page":9528},{"title":"فائدة فيها بشرى","level":2,"page":9539},{"title":"[الترغيب في كلمات يقولهن من مات له ميت]","level":2,"page":9543},{"title":"[الترغيب في حفر القبور وتغسيل الموتى وتكفينهم]","level":2,"page":9557},{"title":"[الترغيب في تشييع الميت وحضور دفنه]","level":2,"page":9588},{"title":"الترغيب في كثرة المصلين على الجنازة وفي التعزية","level":2,"page":9622},{"title":"[الترغيب في الإسراع بالجنازة وتعجيل الدفن]","level":2,"page":9643},{"title":"فوائد يختم بها الباب","level":2,"page":9653},{"title":"[الترغيب في الدعاء للميت وإحسان الثناءعليه والترهيب من سوي ذلك]","level":2,"page":9660},{"title":"الترهيب من النياحة على الميت والنعي ولطم الخد وخمش الوجه وشق الجيب","level":2,"page":9687},{"title":"إن الميت ليعذب ببكاء الحي","level":2,"page":9699},{"title":"لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة","level":2,"page":9704},{"title":"النهي عن النعي","level":2,"page":9712},{"title":"ليس منا من حلق ولا خرق ولا صلق","level":2,"page":9724},{"title":"الترهيب من إحداد المرأة على غير زوجها فوق ثلاث","level":2,"page":9730},{"title":"[الترهيب من أكل مال اليتيم بغير حق]","level":2,"page":9739},{"title":"الترغيب في زيارة الرجال القبور والترهيب من زيارة النساء واتباعهن الجنائز","level":2,"page":9743},{"title":"الترهيب من المرور بقبور الظالمين وديارهم ومصارعهم مع الغفلة عما أصابهم وبعض ما جاء في عذاب القبر ونعيمه وسؤال منكر ونكير ﵉","level":2,"page":9785},{"title":"فوائد يختم بها الباب","level":2,"page":9880},{"title":"[الترهيب من الجلوس على القبر وكسر عظم الميت]","level":2,"page":9882},{"title":"كتاب البعث وأهوال يوم القيامة","level":1,"page":9890},{"title":"فصل في النفخ في الصور وقيام الساعة","level":2,"page":9890},{"title":"فصل في الحشر وغيره","level":2,"page":9914},{"title":"فصل في ذكر الحساب وغيره","level":2,"page":9958},{"title":"فصل في الحوض والميزان والصراط","level":2,"page":10042},{"title":"فصل في الشفاعة وغيرها","level":2,"page":10103},{"title":"كتاب صفة الجنة والنار الترغيب في سؤال الجنة والاستعاذة من النار","level":1,"page":10194},{"title":"الترهيب من النار أعاذنا الله منها بمنه وكرمه","level":2,"page":10204},{"title":"فصل في شدة حرها وغير ذلك","level":2,"page":10235},{"title":"فصل في ظلمتها وسوادها وشررها","level":2,"page":10241},{"title":"فصل في أوديتها وجبالها","level":2,"page":10244},{"title":"فصل في بعد قعرها","level":2,"page":10252},{"title":"فصل في سلاسلها وغير ذلك","level":2,"page":10261},{"title":"فصل في حياتها وعقاربها","level":2,"page":10273},{"title":"فصل في شراب أهل النار","level":2,"page":10276},{"title":"فصل في طعام أهل النار","level":2,"page":10284},{"title":"شراب أهل النار","level":2,"page":10288},{"title":"في عظم أهل النار وقبحهم فيها","level":2,"page":10289},{"title":"فصل في تفاوته في العذاب وذكر هونهم عذابا","level":2,"page":10304},{"title":"فصل في بكائهم وشهيقهم","level":2,"page":10318},{"title":"الترغيب الجنة ونعيمها ويشتمل على فصول","level":2,"page":10323},{"title":"فصل في صفة دخول أهل الجنة الجنة وغير ذلك","level":2,"page":10342},{"title":"عدد أبواب الجنة ثمانية","level":2,"page":10350},{"title":"فصل فيما لأدنى أهل الجنة","level":2,"page":10382},{"title":"فصل في درجات الجنة وغرفها","level":2,"page":10405},{"title":"فصل في بناء الجنة وترابها وحصبائها وغير ذلك","level":2,"page":10415},{"title":"فصل في حياض الجنة وعرفها ...","level":2,"page":10430},{"title":"فصل في أنهار الجنة","level":2,"page":10439},{"title":"فصل في شجر الجنة وثمارها","level":2,"page":10448},{"title":"عظم شجرة طوبى","level":2,"page":10459},{"title":"ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب","level":2,"page":10467},{"title":"فصل في أكل أهل الجنة وشربهم وغير ذلك","level":2,"page":10472},{"title":"فصل في ثيابهم وحللهم","level":2,"page":10488},{"title":"فصل في فرش الجنة","level":2,"page":10496},{"title":"فصل في صفة نساء أهل الجنة","level":2,"page":10503},{"title":"فصل في غناء الحور العين","level":2,"page":10536},{"title":"فصل في سوق الجنة","level":2,"page":10545},{"title":"فصل في تزاورهم ومراكبهم","level":2,"page":10560},{"title":"فصل في زيارة أهل الجنة ربهم ﵎","level":2,"page":10571},{"title":"فصل في نظر أهل الجنة إلى ربهم ﵎","level":2,"page":10588},{"title":"رؤية أهل الجنة ربهم ﷿","level":2,"page":10598},{"title":"فصل في أن أعلى ما يخطر على البال أو يجوزه العقل من حسن الصفات المتقدمة فالجنة وأهلها فوق ذلك","level":2,"page":10614},{"title":"فصل في خلود أهل الجنة فيها وأهل النار فيها وما جاء في ذبح الموت","level":2,"page":10626},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":10652}],"ٛ":{"المقدمة,1":1,"المقدمة,2":2,"المقدمة,3":3,"المقدمة,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565,"1,566":566,"1,567":567,"1,568":568,"1,569":569,"1,570":570,"1,571":571,"1,572":572,"1,573":573,"1,574":574,"1,575":575,"1,576":576,"1,577":577,"1,578":578,"1,579":579,"1,580":580,"1,581":581,"1,582":582,"1,583":583,"1,584":584,"1,585":585,"1,586":586,"1,587":587,"1,588":588,"1,589":589,"1,590":590,"1,591":591,"1,592":592,"1,593":593,"1,594":594,"1,595":595,"1,596":596,"1,597":597,"1,598":598,"1,599":599,"1,600":600,"1,601":601,"1,602":602,"1,603":603,"1,604":604,"1,605":605,"1,606":606,"1,607":607,"1,608":608,"1,609":609,"1,610":610,"1,611":611,"1,612":612,"1,613":613,"1,614":614,"1,615":615,"1,616":616,"1,617":617,"1,618":618,"1,619":619,"1,620":620,"1,621":621,"1,622":622,"1,623":623,"1,624":624,"1,625":625,"1,626":626,"1,627":627,"1,628":628,"1,629":629,"1,630":630,"1,631":631,"1,632":632,"1,633":633,"1,634":634,"1,635":635,"1,636":636,"1,637":637,"1,638":638,"1,639":639,"1,640":640,"1,641":641,"1,642":642,"1,643":643,"1,644":644,"1,645":645,"1,646":646,"1,647":647,"1,648":648,"1,649":649,"1,650":650,"1,651":651,"1,652":652,"1,653":653,"1,654":654,"1,655":655,"1,656":656,"1,657":657,"1,658":658,"1,659":659,"1,660":660,"1,661":661,"1,662":662,"1,663":663,"1,664":664,"1,665":665,"1,666":666,"1,667":667,"1,668":668,"1,669":669,"1,670":670,"1,671":671,"1,672":672,"1,673":673,"1,674":674,"1,675":675,"1,676":676,"1,677":677,"1,678":678,"1,679":679,"1,680":680,"1,681":681,"1,682":682,"1,683":683,"1,684":684,"1,685":685,"1,686":686,"1,687":687,"1,688":688,"1,689":689,"1,690":690,"1,691":691,"1,692":692,"1,693":693,"1,694":694,"1,695":695,"1,696":696,"1,697":697,"1,698":698,"1,699":699,"1,700":700,"1,701":701,"1,702":702,"1,703":703,"1,704":704,"1,705":705,"1,706":706,"1,707":707,"1,708":708,"1,709":709,"1,710":710,"1,711":711,"1,712":712,"1,713":713,"1,714":714,"1,715":715,"1,716":716,"1,717":717,"1,718":718,"1,719":719,"1,720":720,"1,721":721,"1,722":722,"1,723":723,"1,724":724,"1,725":725,"1,726":726,"1,727":727,"1,728":728,"1,729":729,"1,730":730,"1,731":731,"1,732":732,"1,733":733,"1,734":734,"1,735":735,"1,736":736,"1,737":737,"1,738":738,"1,739":739,"1,740":740,"1,741":741,"1,742":742,"1,743":743,"1,744":744,"1,745":745,"1,746":746,"1,747":747,"1,748":748,"1,749":749,"1,750":750,"1,751":751,"1,752":752,"1,753":753,"1,754":754,"1,755":755,"1,756":756,"1,757":757,"1,758":758,"1,759":759,"1,760":760,"1,761":761,"1,762":762,"1,763":763,"1,764":764,"1,765":765,"1,766":766,"1,767":767,"1,768":768,"1,769":769,"1,770":770,"1,771":771,"1,772":772,"1,773":773,"1,774":774,"2,5":775,"2,6":776,"2,7":777,"2,8":778,"2,9":779,"2,10":780,"2,11":781,"2,12":782,"2,13":783,"2,14":784,"2,15":785,"2,16":786,"2,17":787,"2,18":788,"2,19":789,"2,20":790,"2,21":791,"2,22":792,"2,23":793,"2,24":794,"2,25":795,"2,26":796,"2,27":797,"2,28":798,"2,29":799,"2,30":800,"2,31":801,"2,32":802,"2,33":803,"2,34":804,"2,35":805,"2,36":806,"2,37":807,"2,38":808,"2,39":809,"2,40":810,"2,41":811,"2,42":812,"2,43":813,"2,44":814,"2,45":815,"2,46":816,"2,47":817,"2,48":818,"2,49":819,"2,50":820,"2,51":821,"2,52":822,"2,53":823,"2,54":824,"2,55":825,"2,56":826,"2,57":827,"2,58":828,"2,59":829,"2,60":830,"2,61":831,"2,62":832,"2,63":833,"2,64":834,"2,65":835,"2,66":836,"2,67":837,"2,68":838,"2,69":839,"2,70":840,"2,71":841,"2,72":842,"2,73":843,"2,74":844,"2,75":845,"2,76":846,"2,77":847,"2,78":848,"2,79":849,"2,80":850,"2,81":851,"2,82":852,"2,83":853,"2,84":854,"2,85":855,"2,86":856,"2,87":857,"2,88":858,"2,89":859,"2,90":860,"2,91":861,"2,92":862,"2,93":863,"2,94":864,"2,95":865,"2,96":866,"2,97":867,"2,98":868,"2,99":869,"2,100":870,"2,101":871,"2,102":872,"2,103":873,"2,104":874,"2,105":875,"2,106":876,"2,107":877,"2,108":878,"2,109":879,"2,110":880,"2,111":881,"2,112":882,"2,113":883,"2,114":884,"2,115":885,"2,116":886,"2,117":887,"2,118":888,"2,119":889,"2,120":890,"2,121":891,"2,122":892,"2,123":893,"2,124":894,"2,125":895,"2,126":896,"2,127":897,"2,128":898,"2,129":899,"2,130":900,"2,131":901,"2,132":902,"2,133":903,"2,134":904,"2,135":905,"2,136":906,"2,137":907,"2,138":908,"2,139":909,"2,140":910,"2,141":911,"2,142":912,"2,143":913,"2,144":914,"2,145":915,"2,146":916,"2,147":917,"2,148":918,"2,149":919,"2,150":920,"2,151":921,"2,152":922,"2,153":923,"2,154":924,"2,155":925,"2,156":926,"2,157":927,"2,158":928,"2,159":929,"2,160":930,"2,161":931,"2,162":932,"2,163":933,"2,164":934,"2,165":935,"2,166":936,"2,167":937,"2,168":938,"2,169":939,"2,170":940,"2,171":941,"2,172":942,"2,173":943,"2,174":944,"2,175":945,"2,176":946,"2,177":947,"2,178":948,"2,179":949,"2,180":950,"2,181":951,"2,182":952,"2,183":953,"2,184":954,"2,185":955,"2,186":956,"2,187":957,"2,188":958,"2,189":959,"2,190":960,"2,191":961,"2,192":962,"2,193":963,"2,194":964,"2,195":965,"2,196":966,"2,197":967,"2,198":968,"2,199":969,"2,200":970,"2,201":971,"2,202":972,"2,203":973,"2,204":974,"2,205":975,"2,206":976,"2,207":977,"2,208":978,"2,209":979,"2,210":980,"2,211":981,"2,212":982,"2,213":983,"2,214":984,"2,215":985,"2,216":986,"2,217":987,"2,218":988,"2,219":989,"2,220":990,"2,221":991,"2,222":992,"2,223":993,"2,224":994,"2,225":995,"2,226":996,"2,227":997,"2,228":998,"2,229":999,"2,230":1000,"2,231":1001,"2,232":1002,"2,233":1003,"2,234":1004,"2,235":1005,"2,236":1006,"2,237":1007,"2,238":1008,"2,239":1009,"2,240":1010,"2,241":1011,"2,242":1012,"2,243":1013,"2,244":1014,"2,245":1015,"2,246":1016,"2,247":1017,"2,248":1018,"2,249":1019,"2,250":1020,"2,251":1021,"2,252":1022,"2,253":1023,"2,254":1024,"2,255":1025,"2,256":1026,"2,257":1027,"2,258":1028,"2,259":1029,"2,260":1030,"2,261":1031,"2,262":1032,"2,263":1033,"2,264":1034,"2,265":1035,"2,266":1036,"2,267":1037,"2,268":1038,"2,269":1039,"2,270":1040,"2,271":1041,"2,272":1042,"2,273":1043,"2,274":1044,"2,275":1045,"2,276":1046,"2,277":1047,"2,278":1048,"2,279":1049,"2,280":1050,"2,281":1051,"2,282":1052,"2,283":1053,"2,284":1054,"2,285":1055,"2,286":1056,"2,287":1057,"2,288":1058,"2,289":1059,"2,290":1060,"2,291":1061,"2,292":1062,"2,293":1063,"2,294":1064,"2,295":1065,"2,296":1066,"2,297":1067,"2,298":1068,"2,299":1069,"2,300":1070,"2,301":1071,"2,302":1072,"2,303":1073,"2,304":1074,"2,305":1075,"2,306":1076,"2,307":1077,"2,308":1078,"2,309":1079,"2,310":1080,"2,311":1081,"2,312":1082,"2,313":1083,"2,314":1084,"2,315":1085,"2,316":1086,"2,317":1087,"2,318":1088,"2,319":1089,"2,320":1090,"2,321":1091,"2,322":1092,"2,323":1093,"2,324":1094,"2,325":1095,"2,326":1096,"2,327":1097,"2,328":1098,"2,329":1099,"2,330":1100,"2,331":1101,"2,332":1102,"2,333":1103,"2,334":1104,"2,335":1105,"2,336":1106,"2,337":1107,"2,338":1108,"2,339":1109,"2,340":1110,"2,341":1111,"2,342":1112,"2,343":1113,"2,344":1114,"2,345":1115,"2,346":1116,"2,347":1117,"2,348":1118,"2,349":1119,"2,350":1120,"2,351":1121,"2,352":1122,"2,353":1123,"2,354":1124,"2,355":1125,"2,356":1126,"2,357":1127,"2,358":1128,"2,359":1129,"2,360":1130,"2,361":1131,"2,362":1132,"2,363":1133,"2,364":1134,"2,365":1135,"2,366":1136,"2,367":1137,"2,368":1138,"2,369":1139,"2,370":1140,"2,371":1141,"2,372":1142,"2,373":1143,"2,374":1144,"2,375":1145,"2,376":1146,"2,377":1147,"2,378":1148,"2,379":1149,"2,380":1150,"2,381":1151,"2,382":1152,"2,383":1153,"2,384":1154,"2,385":1155,"2,386":1156,"2,387":1157,"2,388":1158,"2,389":1159,"2,390":1160,"2,391":1161,"2,392":1162,"2,393":1163,"2,394":1164,"2,395":1165,"2,396":1166,"2,397":1167,"2,398":1168,"2,399":1169,"2,400":1170,"2,401":1171,"2,402":1172,"2,403":1173,"2,404":1174,"2,405":1175,"2,406":1176,"2,407":1177,"2,408":1178,"2,409":1179,"2,410":1180,"2,411":1181,"2,412":1182,"2,413":1183,"2,414":1184,"2,415":1185,"2,416":1186,"2,417":1187,"2,418":1188,"2,419":1189,"2,420":1190,"2,421":1191,"2,422":1192,"2,423":1193,"2,424":1194,"2,425":1195,"2,426":1196,"2,427":1197,"2,428":1198,"2,429":1199,"2,430":1200,"2,431":1201,"2,432":1202,"2,433":1203,"2,434":1204,"2,435":1205,"2,436":1206,"2,437":1207,"2,438":1208,"2,439":1209,"2,440":1210,"2,441":1211,"2,442":1212,"2,443":1213,"2,444":1214,"2,445":1215,"2,446":1216,"2,447":1217,"2,448":1218,"2,449":1219,"2,450":1220,"2,451":1221,"2,452":1222,"2,453":1223,"2,454":1224,"2,455":1225,"2,456":1226,"2,457":1227,"2,458":1228,"2,459":1229,"2,460":1230,"2,461":1231,"2,462":1232,"2,463":1233,"2,464":1234,"2,465":1235,"2,466":1236,"2,467":1237,"2,468":1238,"2,469":1239,"2,470":1240,"2,471":1241,"2,472":1242,"2,473":1243,"2,474":1244,"2,475":1245,"2,476":1246,"2,477":1247,"2,478":1248,"2,479":1249,"2,480":1250,"2,481":1251,"2,482":1252,"2,483":1253,"2,484":1254,"2,485":1255,"2,486":1256,"2,487":1257,"2,488":1258,"2,489":1259,"2,490":1260,"2,491":1261,"2,492":1262,"2,493":1263,"2,494":1264,"2,495":1265,"2,496":1266,"2,497":1267,"2,498":1268,"2,499":1269,"2,500":1270,"2,501":1271,"2,502":1272,"2,503":1273,"2,504":1274,"2,505":1275,"2,506":1276,"2,507":1277,"2,508":1278,"2,509":1279,"2,510":1280,"2,511":1281,"2,512":1282,"2,513":1283,"2,514":1284,"2,515":1285,"2,516":1286,"2,517":1287,"2,518":1288,"2,519":1289,"2,520":1290,"2,521":1291,"2,522":1292,"2,523":1293,"2,524":1294,"2,525":1295,"2,526":1296,"2,527":1297,"2,528":1298,"2,529":1299,"2,530":1300,"2,531":1301,"2,532":1302,"2,533":1303,"2,534":1304,"2,535":1305,"2,536":1306,"2,537":1307,"2,538":1308,"2,539":1309,"2,540":1310,"2,541":1311,"2,542":1312,"2,543":1313,"2,544":1314,"2,545":1315,"2,546":1316,"2,547":1317,"2,548":1318,"2,549":1319,"2,550":1320,"2,551":1321,"2,552":1322,"2,553":1323,"2,554":1324,"2,555":1325,"2,556":1326,"2,557":1327,"2,558":1328,"2,559":1329,"2,560":1330,"2,561":1331,"2,562":1332,"2,563":1333,"2,564":1334,"2,565":1335,"2,566":1336,"2,567":1337,"2,568":1338,"2,569":1339,"2,570":1340,"2,571":1341,"2,572":1342,"2,573":1343,"2,574":1344,"2,575":1345,"2,576":1346,"2,577":1347,"2,578":1348,"2,579":1349,"2,580":1350,"2,581":1351,"2,582":1352,"2,583":1353,"2,584":1354,"2,585":1355,"2,586":1356,"2,587":1357,"2,588":1358,"2,589":1359,"2,590":1360,"2,591":1361,"2,592":1362,"2,593":1363,"2,594":1364,"2,595":1365,"2,596":1366,"2,597":1367,"2,598":1368,"2,599":1369,"2,600":1370,"2,601":1371,"2,602":1372,"2,603":1373,"2,604":1374,"2,605":1375,"2,606":1376,"2,607":1377,"2,608":1378,"2,609":1379,"2,610":1380,"2,611":1381,"2,612":1382,"2,613":1383,"2,614":1384,"2,615":1385,"2,616":1386,"2,617":1387,"2,618":1388,"2,619":1389,"2,620":1390,"2,621":1391,"2,622":1392,"2,623":1393,"2,624":1394,"2,625":1395,"2,626":1396,"2,627":1397,"2,628":1398,"2,629":1399,"2,630":1400,"2,631":1401,"2,632":1402,"2,633":1403,"2,634":1404,"2,635":1405,"2,636":1406,"2,637":1407,"2,638":1408,"2,639":1409,"2,640":1410,"2,641":1411,"2,642":1412,"2,643":1413,"2,644":1414,"2,645":1415,"2,646":1416,"2,647":1417,"2,648":1418,"2,649":1419,"2,650":1420,"2,651":1421,"2,652":1422,"2,653":1423,"2,654":1424,"2,655":1425,"2,656":1426,"2,657":1427,"2,658":1428,"2,659":1429,"2,660":1430,"2,661":1431,"2,662":1432,"2,663":1433,"2,664":1434,"2,665":1435,"2,666":1436,"2,667":1437,"2,668":1438,"2,669":1439,"2,670":1440,"2,671":1441,"2,672":1442,"2,673":1443,"2,674":1444,"2,675":1445,"2,676":1446,"2,677":1447,"3,5":1448,"3,6":1449,"3,7":1450,"3,8":1451,"3,9":1452,"3,10":1453,"3,11":1454,"3,12":1455,"3,13":1456,"3,14":1457,"3,15":1458,"3,16":1459,"3,17":1460,"3,18":1461,"3,19":1462,"3,20":1463,"3,21":1464,"3,22":1465,"3,23":1466,"3,24":1467,"3,25":1468,"3,26":1469,"3,27":1470,"3,28":1471,"3,29":1472,"3,30":1473,"3,31":1474,"3,32":1475,"3,33":1476,"3,34":1477,"3,35":1478,"3,36":1479,"3,37":1480,"3,38":1481,"3,39":1482,"3,40":1483,"3,41":1484,"3,42":1485,"3,43":1486,"3,44":1487,"3,45":1488,"3,46":1489,"3,47":1490,"3,48":1491,"3,49":1492,"3,50":1493,"3,51":1494,"3,52":1495,"3,53":1496,"3,54":1497,"3,55":1498,"3,56":1499,"3,57":1500,"3,58":1501,"3,59":1502,"3,60":1503,"3,61":1504,"3,62":1505,"3,63":1506,"3,64":1507,"3,65":1508,"3,66":1509,"3,67":1510,"3,68":1511,"3,69":1512,"3,70":1513,"3,71":1514,"3,72":1515,"3,73":1516,"3,74":1517,"3,75":1518,"3,76":1519,"3,77":1520,"3,78":1521,"3,79":1522,"3,80":1523,"3,81":1524,"3,82":1525,"3,83":1526,"3,84":1527,"3,85":1528,"3,86":1529,"3,87":1530,"3,88":1531,"3,89":1532,"3,90":1533,"3,91":1534,"3,92":1535,"3,93":1536,"3,94":1537,"3,95":1538,"3,96":1539,"3,97":1540,"3,98":1541,"3,99":1542,"3,100":1543,"3,101":1544,"3,102":1545,"3,103":1546,"3,104":1547,"3,105":1548,"3,106":1549,"3,107":1550,"3,108":1551,"3,109":1552,"3,110":1553,"3,111":1554,"3,112":1555,"3,113":1556,"3,114":1557,"3,115":1558,"3,116":1559,"3,117":1560,"3,118":1561,"3,119":1562,"3,120":1563,"3,121":1564,"3,122":1565,"3,123":1566,"3,124":1567,"3,125":1568,"3,126":1569,"3,127":1570,"3,128":1571,"3,129":1572,"3,130":1573,"3,131":1574,"3,132":1575,"3,133":1576,"3,134":1577,"3,135":1578,"3,136":1579,"3,137":1580,"3,138":1581,"3,139":1582,"3,140":1583,"3,141":1584,"3,142":1585,"3,143":1586,"3,144":1587,"3,145":1588,"3,146":1589,"3,147":1590,"3,148":1591,"3,149":1592,"3,150":1593,"3,151":1594,"3,152":1595,"3,153":1596,"3,154":1597,"3,155":1598,"3,156":1599,"3,157":1600,"3,158":1601,"3,159":1602,"3,160":1603,"3,161":1604,"3,162":1605,"3,163":1606,"3,164":1607,"3,165":1608,"3,166":1609,"3,167":1610,"3,168":1611,"3,169":1612,"3,170":1613,"3,171":1614,"3,172":1615,"3,173":1616,"3,174":1617,"3,175":1618,"3,176":1619,"3,177":1620,"3,178":1621,"3,179":1622,"3,180":1623,"3,181":1624,"3,182":1625,"3,183":1626,"3,184":1627,"3,185":1628,"3,186":1629,"3,187":1630,"3,188":1631,"3,189":1632,"3,190":1633,"3,191":1634,"3,192":1635,"3,193":1636,"3,194":1637,"3,195":1638,"3,196":1639,"3,197":1640,"3,198":1641,"3,199":1642,"3,200":1643,"3,201":1644,"3,202":1645,"3,203":1646,"3,204":1647,"3,205":1648,"3,206":1649,"3,207":1650,"3,208":1651,"3,209":1652,"3,210":1653,"3,211":1654,"3,212":1655,"3,213":1656,"3,214":1657,"3,215":1658,"3,216":1659,"3,217":1660,"3,218":1661,"3,219":1662,"3,220":1663,"3,221":1664,"3,222":1665,"3,223":1666,"3,224":1667,"3,225":1668,"3,226":1669,"3,227":1670,"3,228":1671,"3,229":1672,"3,230":1673,"3,231":1674,"3,232":1675,"3,233":1676,"3,234":1677,"3,235":1678,"3,236":1679,"3,237":1680,"3,238":1681,"3,239":1682,"3,240":1683,"3,241":1684,"3,242":1685,"3,243":1686,"3,244":1687,"3,245":1688,"3,246":1689,"3,247":1690,"3,248":1691,"3,249":1692,"3,250":1693,"3,251":1694,"3,252":1695,"3,253":1696,"3,254":1697,"3,255":1698,"3,256":1699,"3,257":1700,"3,258":1701,"3,259":1702,"3,260":1703,"3,261":1704,"3,262":1705,"3,263":1706,"3,264":1707,"3,265":1708,"3,266":1709,"3,267":1710,"3,268":1711,"3,269":1712,"3,270":1713,"3,271":1714,"3,272":1715,"3,273":1716,"3,274":1717,"3,275":1718,"3,276":1719,"3,277":1720,"3,278":1721,"3,279":1722,"3,280":1723,"3,281":1724,"3,282":1725,"3,283":1726,"3,284":1727,"3,285":1728,"3,286":1729,"3,287":1730,"3,288":1731,"3,289":1732,"3,290":1733,"3,291":1734,"3,292":1735,"3,293":1736,"3,294":1737,"3,295":1738,"3,296":1739,"3,297":1740,"3,298":1741,"3,299":1742,"3,300":1743,"3,301":1744,"3,302":1745,"3,303":1746,"3,304":1747,"3,305":1748,"3,306":1749,"3,307":1750,"3,308":1751,"3,309":1752,"3,310":1753,"3,311":1754,"3,312":1755,"3,313":1756,"3,314":1757,"3,315":1758,"3,316":1759,"3,317":1760,"3,318":1761,"3,319":1762,"3,320":1763,"3,321":1764,"3,322":1765,"3,323":1766,"3,324":1767,"3,325":1768,"3,326":1769,"3,327":1770,"3,328":1771,"3,329":1772,"3,330":1773,"3,331":1774,"3,332":1775,"3,333":1776,"3,334":1777,"3,335":1778,"3,336":1779,"3,337":1780,"3,338":1781,"3,339":1782,"3,340":1783,"3,341":1784,"3,342":1785,"3,343":1786,"3,344":1787,"3,345":1788,"3,346":1789,"3,347":1790,"3,348":1791,"3,349":1792,"3,350":1793,"3,351":1794,"3,352":1795,"3,353":1796,"3,354":1797,"3,355":1798,"3,356":1799,"3,357":1800,"3,358":1801,"3,359":1802,"3,360":1803,"3,361":1804,"3,362":1805,"3,363":1806,"3,364":1807,"3,365":1808,"3,366":1809,"3,367":1810,"3,368":1811,"3,369":1812,"3,370":1813,"3,371":1814,"3,372":1815,"3,373":1816,"3,374":1817,"3,375":1818,"3,376":1819,"3,377":1820,"3,378":1821,"3,379":1822,"3,380":1823,"3,381":1824,"3,382":1825,"3,383":1826,"3,384":1827,"3,385":1828,"3,386":1829,"3,387":1830,"3,388":1831,"3,389":1832,"3,390":1833,"3,391":1834,"3,392":1835,"3,393":1836,"3,394":1837,"3,395":1838,"3,396":1839,"3,397":1840,"3,398":1841,"3,399":1842,"3,400":1843,"3,401":1844,"3,402":1845,"3,403":1846,"3,404":1847,"3,405":1848,"3,406":1849,"3,407":1850,"3,408":1851,"3,409":1852,"3,410":1853,"3,411":1854,"3,412":1855,"3,413":1856,"3,414":1857,"3,415":1858,"3,416":1859,"3,417":1860,"3,418":1861,"3,419":1862,"3,420":1863,"3,421":1864,"3,422":1865,"3,423":1866,"3,424":1867,"3,425":1868,"3,426":1869,"3,427":1870,"3,428":1871,"3,429":1872,"3,430":1873,"3,431":1874,"3,432":1875,"3,433":1876,"3,434":1877,"3,435":1878,"3,436":1879,"3,437":1880,"3,438":1881,"3,439":1882,"3,440":1883,"3,441":1884,"3,442":1885,"3,443":1886,"3,444":1887,"3,445":1888,"3,446":1889,"3,447":1890,"3,448":1891,"3,449":1892,"3,450":1893,"3,451":1894,"3,452":1895,"3,453":1896,"3,454":1897,"3,455":1898,"3,456":1899,"3,457":1900,"3,458":1901,"3,459":1902,"3,460":1903,"3,461":1904,"3,462":1905,"3,463":1906,"3,464":1907,"3,465":1908,"3,466":1909,"3,467":1910,"3,468":1911,"3,469":1912,"3,470":1913,"3,471":1914,"3,472":1915,"3,473":1916,"3,474":1917,"3,475":1918,"3,476":1919,"3,477":1920,"3,478":1921,"3,479":1922,"3,480":1923,"3,481":1924,"3,482":1925,"3,483":1926,"3,484":1927,"3,485":1928,"3,486":1929,"3,487":1930,"3,488":1931,"3,489":1932,"3,490":1933,"3,491":1934,"3,492":1935,"3,493":1936,"3,494":1937,"3,495":1938,"3,496":1939,"3,497":1940,"3,498":1941,"3,499":1942,"3,500":1943,"3,501":1944,"3,502":1945,"3,503":1946,"3,504":1947,"3,505":1948,"3,506":1949,"3,507":1950,"3,508":1951,"3,509":1952,"3,510":1953,"3,511":1954,"3,512":1955,"3,513":1956,"3,514":1957,"3,515":1958,"3,516":1959,"3,517":1960,"3,518":1961,"3,519":1962,"3,520":1963,"3,521":1964,"3,522":1965,"3,523":1966,"3,524":1967,"3,525":1968,"3,526":1969,"3,527":1970,"3,528":1971,"3,529":1972,"3,530":1973,"3,531":1974,"3,532":1975,"3,533":1976,"3,534":1977,"3,535":1978,"3,536":1979,"3,537":1980,"3,538":1981,"3,539":1982,"3,540":1983,"3,541":1984,"3,542":1985,"3,543":1986,"3,544":1987,"3,545":1988,"3,546":1989,"3,547":1990,"3,548":1991,"3,549":1992,"3,550":1993,"3,551":1994,"3,552":1995,"3,553":1996,"3,554":1997,"3,555":1998,"3,556":1999,"3,557":2000,"3,558":2001,"3,559":2002,"3,560":2003,"3,561":2004,"3,562":2005,"3,563":2006,"3,564":2007,"3,565":2008,"3,566":2009,"3,567":2010,"3,568":2011,"3,569":2012,"3,570":2013,"3,571":2014,"3,572":2015,"3,573":2016,"3,574":2017,"3,575":2018,"3,576":2019,"3,577":2020,"3,578":2021,"3,579":2022,"3,580":2023,"3,581":2024,"3,582":2025,"3,583":2026,"3,584":2027,"3,585":2028,"3,586":2029,"3,587":2030,"3,588":2031,"3,589":2032,"3,590":2033,"3,591":2034,"3,592":2035,"3,593":2036,"3,594":2037,"3,595":2038,"3,596":2039,"3,597":2040,"3,598":2041,"3,599":2042,"3,600":2043,"3,601":2044,"3,602":2045,"3,603":2046,"3,604":2047,"3,605":2048,"3,606":2049,"3,607":2050,"3,608":2051,"3,609":2052,"3,610":2053,"3,611":2054,"3,612":2055,"3,613":2056,"3,614":2057,"3,615":2058,"3,616":2059,"3,617":2060,"3,618":2061,"3,619":2062,"3,620":2063,"3,621":2064,"3,622":2065,"3,623":2066,"3,624":2067,"3,625":2068,"3,626":2069,"3,627":2070,"3,628":2071,"3,629":2072,"3,630":2073,"3,631":2074,"3,632":2075,"3,633":2076,"3,634":2077,"3,635":2078,"3,636":2079,"3,637":2080,"3,638":2081,"3,639":2082,"3,640":2083,"3,641":2084,"3,642":2085,"3,643":2086,"3,644":2087,"3,645":2088,"3,646":2089,"3,647":2090,"3,648":2091,"3,649":2092,"3,650":2093,"3,651":2094,"3,652":2095,"3,653":2096,"3,654":2097,"3,655":2098,"3,656":2099,"3,657":2100,"3,658":2101,"3,659":2102,"3,660":2103,"3,661":2104,"3,662":2105,"3,663":2106,"3,664":2107,"3,665":2108,"3,666":2109,"3,667":2110,"3,668":2111,"3,669":2112,"3,670":2113,"3,671":2114,"3,672":2115,"3,673":2116,"3,674":2117,"3,675":2118,"3,676":2119,"3,677":2120,"3,678":2121,"3,679":2122,"3,680":2123,"3,681":2124,"3,682":2125,"3,683":2126,"3,684":2127,"3,685":2128,"3,686":2129,"3,687":2130,"3,688":2131,"3,689":2132,"3,690":2133,"3,691":2134,"3,692":2135,"3,693":2136,"3,694":2137,"3,695":2138,"3,696":2139,"3,697":2140,"3,698":2141,"3,699":2142,"3,700":2143,"3,701":2144,"3,702":2145,"3,703":2146,"3,704":2147,"3,705":2148,"3,706":2149,"3,707":2150,"3,708":2151,"3,709":2152,"3,710":2153,"3,711":2154,"3,712":2155,"3,713":2156,"3,714":2157,"3,715":2158,"4,5":2159,"4,6":2160,"4,7":2161,"4,8":2162,"4,9":2163,"4,10":2164,"4,11":2165,"4,12":2166,"4,13":2167,"4,14":2168,"4,15":2169,"4,16":2170,"4,17":2171,"4,18":2172,"4,19":2173,"4,20":2174,"4,21":2175,"4,22":2176,"4,23":2177,"4,24":2178,"4,25":2179,"4,26":2180,"4,27":2181,"4,28":2182,"4,29":2183,"4,30":2184,"4,31":2185,"4,32":2186,"4,33":2187,"4,34":2188,"4,35":2189,"4,36":2190,"4,37":2191,"4,38":2192,"4,39":2193,"4,40":2194,"4,41":2195,"4,42":2196,"4,43":2197,"4,44":2198,"4,45":2199,"4,46":2200,"4,47":2201,"4,48":2202,"4,49":2203,"4,50":2204,"4,51":2205,"4,52":2206,"4,53":2207,"4,54":2208,"4,55":2209,"4,56":2210,"4,57":2211,"4,58":2212,"4,59":2213,"4,60":2214,"4,61":2215,"4,62":2216,"4,63":2217,"4,64":2218,"4,65":2219,"4,66":2220,"4,67":2221,"4,68":2222,"4,69":2223,"4,70":2224,"4,71":2225,"4,72":2226,"4,73":2227,"4,74":2228,"4,75":2229,"4,76":2230,"4,77":2231,"4,78":2232,"4,79":2233,"4,80":2234,"4,81":2235,"4,82":2236,"4,83":2237,"4,84":2238,"4,85":2239,"4,86":2240,"4,87":2241,"4,88":2242,"4,89":2243,"4,90":2244,"4,91":2245,"4,92":2246,"4,93":2247,"4,94":2248,"4,95":2249,"4,96":2250,"4,97":2251,"4,98":2252,"4,99":2253,"4,100":2254,"4,101":2255,"4,102":2256,"4,103":2257,"4,104":2258,"4,105":2259,"4,106":2260,"4,107":2261,"4,108":2262,"4,109":2263,"4,110":2264,"4,111":2265,"4,112":2266,"4,113":2267,"4,114":2268,"4,115":2269,"4,116":2270,"4,117":2271,"4,118":2272,"4,119":2273,"4,120":2274,"4,121":2275,"4,122":2276,"4,123":2277,"4,124":2278,"4,125":2279,"4,126":2280,"4,127":2281,"4,128":2282,"4,129":2283,"4,130":2284,"4,131":2285,"4,132":2286,"4,133":2287,"4,134":2288,"4,135":2289,"4,136":2290,"4,137":2291,"4,138":2292,"4,139":2293,"4,140":2294,"4,141":2295,"4,142":2296,"4,143":2297,"4,144":2298,"4,145":2299,"4,146":2300,"4,147":2301,"4,148":2302,"4,149":2303,"4,150":2304,"4,151":2305,"4,152":2306,"4,153":2307,"4,154":2308,"4,155":2309,"4,156":2310,"4,157":2311,"4,158":2312,"4,159":2313,"4,160":2314,"4,161":2315,"4,162":2316,"4,163":2317,"4,164":2318,"4,165":2319,"4,166":2320,"4,167":2321,"4,168":2322,"4,169":2323,"4,170":2324,"4,171":2325,"4,172":2326,"4,173":2327,"4,174":2328,"4,175":2329,"4,176":2330,"4,177":2331,"4,178":2332,"4,179":2333,"4,180":2334,"4,181":2335,"4,182":2336,"4,183":2337,"4,184":2338,"4,185":2339,"4,186":2340,"4,187":2341,"4,188":2342,"4,189":2343,"4,190":2344,"4,191":2345,"4,192":2346,"4,193":2347,"4,194":2348,"4,195":2349,"4,196":2350,"4,197":2351,"4,198":2352,"4,199":2353,"4,200":2354,"4,201":2355,"4,202":2356,"4,203":2357,"4,204":2358,"4,205":2359,"4,206":2360,"4,207":2361,"4,208":2362,"4,209":2363,"4,210":2364,"4,211":2365,"4,212":2366,"4,213":2367,"4,214":2368,"4,215":2369,"4,216":2370,"4,217":2371,"4,218":2372,"4,219":2373,"4,220":2374,"4,221":2375,"4,222":2376,"4,223":2377,"4,224":2378,"4,225":2379,"4,226":2380,"4,227":2381,"4,228":2382,"4,229":2383,"4,230":2384,"4,231":2385,"4,232":2386,"4,233":2387,"4,234":2388,"4,235":2389,"4,236":2390,"4,237":2391,"4,238":2392,"4,239":2393,"4,240":2394,"4,241":2395,"4,242":2396,"4,243":2397,"4,244":2398,"4,245":2399,"4,246":2400,"4,247":2401,"4,248":2402,"4,249":2403,"4,250":2404,"4,251":2405,"4,252":2406,"4,253":2407,"4,254":2408,"4,255":2409,"4,256":2410,"4,257":2411,"4,258":2412,"4,259":2413,"4,260":2414,"4,261":2415,"4,262":2416,"4,263":2417,"4,264":2418,"4,265":2419,"4,266":2420,"4,267":2421,"4,268":2422,"4,269":2423,"4,270":2424,"4,271":2425,"4,272":2426,"4,273":2427,"4,274":2428,"4,275":2429,"4,276":2430,"4,277":2431,"4,278":2432,"4,279":2433,"4,280":2434,"4,281":2435,"4,282":2436,"4,283":2437,"4,284":2438,"4,285":2439,"4,286":2440,"4,287":2441,"4,288":2442,"4,289":2443,"4,290":2444,"4,291":2445,"4,292":2446,"4,293":2447,"4,294":2448,"4,295":2449,"4,296":2450,"4,297":2451,"4,298":2452,"4,299":2453,"4,300":2454,"4,301":2455,"4,302":2456,"4,303":2457,"4,304":2458,"4,305":2459,"4,306":2460,"4,307":2461,"4,308":2462,"4,309":2463,"4,310":2464,"4,311":2465,"4,312":2466,"4,313":2467,"4,314":2468,"4,315":2469,"4,316":2470,"4,317":2471,"4,318":2472,"4,319":2473,"4,320":2474,"4,321":2475,"4,322":2476,"4,323":2477,"4,324":2478,"4,325":2479,"4,326":2480,"4,327":2481,"4,328":2482,"4,329":2483,"4,330":2484,"4,331":2485,"4,332":2486,"4,333":2487,"4,334":2488,"4,335":2489,"4,336":2490,"4,337":2491,"4,338":2492,"4,339":2493,"4,340":2494,"4,341":2495,"4,342":2496,"4,343":2497,"4,344":2498,"4,345":2499,"4,346":2500,"4,347":2501,"4,348":2502,"4,349":2503,"4,350":2504,"4,351":2505,"4,352":2506,"4,353":2507,"4,354":2508,"4,355":2509,"4,356":2510,"4,357":2511,"4,358":2512,"4,359":2513,"4,360":2514,"4,361":2515,"4,362":2516,"4,363":2517,"4,364":2518,"4,365":2519,"4,366":2520,"4,367":2521,"4,368":2522,"4,369":2523,"4,370":2524,"4,371":2525,"4,372":2526,"4,373":2527,"4,374":2528,"4,375":2529,"4,376":2530,"4,377":2531,"4,378":2532,"4,379":2533,"4,380":2534,"4,381":2535,"4,382":2536,"4,383":2537,"4,384":2538,"4,385":2539,"4,386":2540,"4,387":2541,"4,388":2542,"4,389":2543,"4,390":2544,"4,391":2545,"4,392":2546,"4,393":2547,"4,394":2548,"4,395":2549,"4,396":2550,"4,397":2551,"4,398":2552,"4,399":2553,"4,400":2554,"4,401":2555,"4,402":2556,"4,403":2557,"4,404":2558,"4,405":2559,"4,406":2560,"4,407":2561,"4,408":2562,"4,409":2563,"4,410":2564,"4,411":2565,"4,412":2566,"4,413":2567,"4,414":2568,"4,415":2569,"4,416":2570,"4,417":2571,"4,418":2572,"4,419":2573,"4,420":2574,"4,421":2575,"4,422":2576,"4,423":2577,"4,424":2578,"4,425":2579,"4,426":2580,"4,427":2581,"4,428":2582,"4,429":2583,"4,430":2584,"4,431":2585,"4,432":2586,"4,433":2587,"4,434":2588,"4,435":2589,"4,436":2590,"4,437":2591,"4,438":2592,"4,439":2593,"4,440":2594,"4,441":2595,"4,442":2596,"4,443":2597,"4,444":2598,"4,445":2599,"4,446":2600,"4,447":2601,"4,448":2602,"4,449":2603,"4,450":2604,"4,451":2605,"4,452":2606,"4,453":2607,"4,454":2608,"4,455":2609,"4,456":2610,"4,457":2611,"4,458":2612,"4,459":2613,"4,460":2614,"4,461":2615,"4,462":2616,"4,463":2617,"4,464":2618,"4,465":2619,"4,466":2620,"4,467":2621,"4,468":2622,"4,469":2623,"4,470":2624,"4,471":2625,"4,472":2626,"4,473":2627,"4,474":2628,"4,475":2629,"4,476":2630,"4,477":2631,"4,478":2632,"4,479":2633,"4,480":2634,"4,481":2635,"4,482":2636,"4,483":2637,"4,484":2638,"4,485":2639,"4,486":2640,"4,487":2641,"4,488":2642,"4,489":2643,"4,490":2644,"4,491":2645,"4,492":2646,"4,493":2647,"4,494":2648,"4,495":2649,"4,496":2650,"4,497":2651,"4,498":2652,"4,499":2653,"4,500":2654,"4,501":2655,"4,502":2656,"4,503":2657,"4,504":2658,"4,505":2659,"4,506":2660,"4,507":2661,"4,508":2662,"4,509":2663,"4,510":2664,"4,511":2665,"4,512":2666,"4,513":2667,"4,514":2668,"4,515":2669,"4,516":2670,"4,517":2671,"4,518":2672,"4,519":2673,"4,520":2674,"4,521":2675,"4,522":2676,"4,523":2677,"4,524":2678,"4,525":2679,"4,526":2680,"4,527":2681,"4,528":2682,"4,529":2683,"4,530":2684,"4,531":2685,"4,532":2686,"4,533":2687,"4,534":2688,"4,535":2689,"4,536":2690,"4,537":2691,"4,538":2692,"4,539":2693,"4,540":2694,"4,541":2695,"4,542":2696,"4,543":2697,"4,544":2698,"4,545":2699,"4,546":2700,"4,547":2701,"4,548":2702,"4,549":2703,"4,550":2704,"4,551":2705,"4,552":2706,"4,553":2707,"4,554":2708,"4,555":2709,"4,556":2710,"4,557":2711,"4,558":2712,"4,559":2713,"4,560":2714,"4,561":2715,"4,562":2716,"4,563":2717,"4,564":2718,"4,565":2719,"4,566":2720,"4,567":2721,"4,568":2722,"4,569":2723,"4,570":2724,"4,571":2725,"4,572":2726,"4,573":2727,"4,574":2728,"4,575":2729,"4,576":2730,"4,577":2731,"4,578":2732,"4,579":2733,"4,580":2734,"4,581":2735,"4,582":2736,"4,583":2737,"4,584":2738,"4,585":2739,"4,586":2740,"4,587":2741,"4,588":2742,"4,589":2743,"4,590":2744,"4,591":2745,"4,592":2746,"4,593":2747,"4,594":2748,"4,595":2749,"4,596":2750,"4,597":2751,"4,598":2752,"4,599":2753,"4,600":2754,"4,601":2755,"4,602":2756,"4,603":2757,"4,604":2758,"4,605":2759,"4,606":2760,"4,607":2761,"4,608":2762,"4,609":2763,"4,610":2764,"4,611":2765,"4,612":2766,"4,613":2767,"4,614":2768,"4,615":2769,"4,616":2770,"4,617":2771,"4,618":2772,"4,619":2773,"4,620":2774,"4,621":2775,"4,622":2776,"4,623":2777,"4,624":2778,"4,625":2779,"4,626":2780,"4,627":2781,"4,628":2782,"4,629":2783,"4,630":2784,"4,631":2785,"4,632":2786,"4,633":2787,"4,634":2788,"4,635":2789,"4,636":2790,"4,637":2791,"4,638":2792,"4,639":2793,"4,640":2794,"4,641":2795,"4,642":2796,"4,643":2797,"4,644":2798,"4,645":2799,"4,646":2800,"4,647":2801,"4,648":2802,"4,649":2803,"4,650":2804,"4,651":2805,"4,652":2806,"4,653":2807,"4,654":2808,"4,655":2809,"4,656":2810,"4,657":2811,"4,658":2812,"4,659":2813,"4,660":2814,"4,661":2815,"4,662":2816,"4,663":2817,"4,664":2818,"4,665":2819,"4,666":2820,"4,667":2821,"4,668":2822,"4,669":2823,"4,670":2824,"4,671":2825,"4,672":2826,"4,673":2827,"4,674":2828,"4,675":2829,"4,676":2830,"4,677":2831,"4,678":2832,"4,679":2833,"4,680":2834,"4,681":2835,"4,682":2836,"4,683":2837,"4,684":2838,"4,685":2839,"4,686":2840,"4,687":2841,"4,688":2842,"4,689":2843,"4,690":2844,"4,691":2845,"4,692":2846,"4,693":2847,"4,694":2848,"4,695":2849,"4,696":2850,"4,697":2851,"4,698":2852,"4,699":2853,"4,700":2854,"4,701":2855,"4,702":2856,"4,703":2857,"4,704":2858,"4,705":2859,"4,706":2860,"4,707":2861,"4,708":2862,"4,709":2863,"4,710":2864,"4,711":2865,"4,712":2866,"4,713":2867,"4,714":2868,"4,715":2869,"4,716":2870,"4,717":2871,"4,718":2872,"4,719":2873,"4,720":2874,"4,721":2875,"4,722":2876,"4,723":2877,"4,724":2878,"4,725":2879,"4,726":2880,"4,727":2881,"4,728":2882,"4,729":2883,"4,730":2884,"4,731":2885,"4,732":2886,"4,733":2887,"4,734":2888,"4,735":2889,"4,736":2890,"4,737":2891,"4,738":2892,"4,739":2893,"4,740":2894,"4,741":2895,"4,742":2896,"4,743":2897,"4,744":2898,"4,745":2899,"4,746":2900,"4,747":2901,"4,748":2902,"4,749":2903,"4,750":2904,"4,751":2905,"4,752":2906,"4,753":2907,"4,754":2908,"4,755":2909,"4,756":2910,"5,5":2911,"5,6":2912,"5,7":2913,"5,8":2914,"5,9":2915,"5,10":2916,"5,11":2917,"5,12":2918,"5,13":2919,"5,14":2920,"5,15":2921,"5,16":2922,"5,17":2923,"5,18":2924,"5,19":2925,"5,20":2926,"5,21":2927,"5,22":2928,"5,23":2929,"5,24":2930,"5,25":2931,"5,26":2932,"5,27":2933,"5,28":2934,"5,29":2935,"5,30":2936,"5,31":2937,"5,32":2938,"5,33":2939,"5,34":2940,"5,35":2941,"5,36":2942,"5,37":2943,"5,38":2944,"5,39":2945,"5,40":2946,"5,41":2947,"5,42":2948,"5,43":2949,"5,44":2950,"5,45":2951,"5,46":2952,"5,47":2953,"5,48":2954,"5,49":2955,"5,50":2956,"5,51":2957,"5,52":2958,"5,53":2959,"5,54":2960,"5,55":2961,"5,56":2962,"5,57":2963,"5,58":2964,"5,59":2965,"5,60":2966,"5,61":2967,"5,62":2968,"5,63":2969,"5,64":2970,"5,65":2971,"5,66":2972,"5,67":2973,"5,68":2974,"5,69":2975,"5,70":2976,"5,71":2977,"5,72":2978,"5,73":2979,"5,74":2980,"5,75":2981,"5,76":2982,"5,77":2983,"5,78":2984,"5,79":2985,"5,80":2986,"5,81":2987,"5,82":2988,"5,83":2989,"5,84":2990,"5,85":2991,"5,86":2992,"5,87":2993,"5,88":2994,"5,89":2995,"5,90":2996,"5,91":2997,"5,92":2998,"5,93":2999,"5,94":3000,"5,95":3001,"5,96":3002,"5,97":3003,"5,98":3004,"5,99":3005,"5,100":3006,"5,101":3007,"5,102":3008,"5,103":3009,"5,104":3010,"5,105":3011,"5,106":3012,"5,107":3013,"5,108":3014,"5,109":3015,"5,110":3016,"5,111":3017,"5,112":3018,"5,113":3019,"5,114":3020,"5,115":3021,"5,116":3022,"5,117":3023,"5,118":3024,"5,119":3025,"5,120":3026,"5,121":3027,"5,122":3028,"5,123":3029,"5,124":3030,"5,125":3031,"5,126":3032,"5,127":3033,"5,128":3034,"5,129":3035,"5,130":3036,"5,131":3037,"5,132":3038,"5,133":3039,"5,134":3040,"5,135":3041,"5,136":3042,"5,137":3043,"5,138":3044,"5,139":3045,"5,140":3046,"5,141":3047,"5,142":3048,"5,143":3049,"5,144":3050,"5,145":3051,"5,146":3052,"5,147":3053,"5,148":3054,"5,149":3055,"5,150":3056,"5,151":3057,"5,152":3058,"5,153":3059,"5,154":3060,"5,155":3061,"5,156":3062,"5,157":3063,"5,158":3064,"5,159":3065,"5,160":3066,"5,161":3067,"5,162":3068,"5,163":3069,"5,164":3070,"5,165":3071,"5,166":3072,"5,167":3073,"5,168":3074,"5,169":3075,"5,170":3076,"5,171":3077,"5,172":3078,"5,173":3079,"5,174":3080,"5,175":3081,"5,176":3082,"5,177":3083,"5,178":3084,"5,179":3085,"5,180":3086,"5,181":3087,"5,182":3088,"5,183":3089,"5,184":3090,"5,185":3091,"5,186":3092,"5,187":3093,"5,188":3094,"5,189":3095,"5,190":3096,"5,191":3097,"5,192":3098,"5,193":3099,"5,194":3100,"5,195":3101,"5,196":3102,"5,197":3103,"5,198":3104,"5,199":3105,"5,200":3106,"5,201":3107,"5,202":3108,"5,203":3109,"5,204":3110,"5,205":3111,"5,206":3112,"5,207":3113,"5,208":3114,"5,209":3115,"5,210":3116,"5,211":3117,"5,212":3118,"5,213":3119,"5,214":3120,"5,215":3121,"5,216":3122,"5,217":3123,"5,218":3124,"5,219":3125,"5,220":3126,"5,221":3127,"5,222":3128,"5,223":3129,"5,224":3130,"5,225":3131,"5,226":3132,"5,227":3133,"5,228":3134,"5,229":3135,"5,230":3136,"5,231":3137,"5,232":3138,"5,233":3139,"5,234":3140,"5,235":3141,"5,236":3142,"5,237":3143,"5,238":3144,"5,239":3145,"5,240":3146,"5,241":3147,"5,242":3148,"5,243":3149,"5,244":3150,"5,245":3151,"5,246":3152,"5,247":3153,"5,248":3154,"5,249":3155,"5,250":3156,"5,251":3157,"5,252":3158,"5,253":3159,"5,254":3160,"5,255":3161,"5,256":3162,"5,257":3163,"5,258":3164,"5,259":3165,"5,260":3166,"5,261":3167,"5,262":3168,"5,263":3169,"5,264":3170,"5,265":3171,"5,266":3172,"5,267":3173,"5,268":3174,"5,269":3175,"5,270":3176,"5,271":3177,"5,272":3178,"5,273":3179,"5,274":3180,"5,275":3181,"5,276":3182,"5,277":3183,"5,278":3184,"5,279":3185,"5,280":3186,"5,281":3187,"5,282":3188,"5,283":3189,"5,284":3190,"5,285":3191,"5,286":3192,"5,287":3193,"5,288":3194,"5,289":3195,"5,290":3196,"5,291":3197,"5,292":3198,"5,293":3199,"5,294":3200,"5,295":3201,"5,296":3202,"5,297":3203,"5,298":3204,"5,299":3205,"5,300":3206,"5,301":3207,"5,302":3208,"5,303":3209,"5,304":3210,"5,305":3211,"5,306":3212,"5,307":3213,"5,308":3214,"5,309":3215,"5,310":3216,"5,311":3217,"5,312":3218,"5,313":3219,"5,314":3220,"5,315":3221,"5,316":3222,"5,317":3223,"5,318":3224,"5,319":3225,"5,320":3226,"5,321":3227,"5,322":3228,"5,323":3229,"5,324":3230,"5,325":3231,"5,326":3232,"5,327":3233,"5,328":3234,"5,329":3235,"5,330":3236,"5,331":3237,"5,332":3238,"5,333":3239,"5,334":3240,"5,335":3241,"5,336":3242,"5,337":3243,"5,338":3244,"5,339":3245,"5,340":3246,"5,341":3247,"5,342":3248,"5,343":3249,"5,344":3250,"5,345":3251,"5,346":3252,"5,347":3253,"5,348":3254,"5,349":3255,"5,350":3256,"5,351":3257,"5,352":3258,"5,353":3259,"5,354":3260,"5,355":3261,"5,356":3262,"5,357":3263,"5,358":3264,"5,359":3265,"5,360":3266,"5,361":3267,"5,362":3268,"5,363":3269,"5,364":3270,"5,365":3271,"5,366":3272,"5,367":3273,"5,368":3274,"5,369":3275,"5,370":3276,"5,371":3277,"5,372":3278,"5,373":3279,"5,374":3280,"5,375":3281,"5,376":3282,"5,377":3283,"5,378":3284,"5,379":3285,"5,380":3286,"5,381":3287,"5,382":3288,"5,383":3289,"5,384":3290,"5,385":3291,"5,386":3292,"5,387":3293,"5,388":3294,"5,389":3295,"5,390":3296,"5,391":3297,"5,392":3298,"5,393":3299,"5,394":3300,"5,395":3301,"5,396":3302,"5,397":3303,"5,398":3304,"5,399":3305,"5,400":3306,"5,401":3307,"5,402":3308,"5,403":3309,"5,404":3310,"5,405":3311,"5,406":3312,"5,407":3313,"5,408":3314,"5,409":3315,"5,410":3316,"5,411":3317,"5,412":3318,"5,413":3319,"5,414":3320,"5,415":3321,"5,416":3322,"5,417":3323,"5,418":3324,"5,419":3325,"5,420":3326,"5,421":3327,"5,422":3328,"5,423":3329,"5,424":3330,"5,425":3331,"5,426":3332,"5,427":3333,"5,428":3334,"5,429":3335,"5,430":3336,"5,431":3337,"5,432":3338,"5,433":3339,"5,434":3340,"5,435":3341,"5,436":3342,"5,437":3343,"5,438":3344,"5,439":3345,"5,440":3346,"5,441":3347,"5,442":3348,"5,443":3349,"5,444":3350,"5,445":3351,"5,446":3352,"5,447":3353,"5,448":3354,"5,449":3355,"5,450":3356,"5,451":3357,"5,452":3358,"5,453":3359,"5,454":3360,"5,455":3361,"5,456":3362,"5,457":3363,"5,458":3364,"5,459":3365,"5,460":3366,"5,461":3367,"5,462":3368,"5,463":3369,"5,464":3370,"5,465":3371,"5,466":3372,"5,467":3373,"5,468":3374,"5,469":3375,"5,470":3376,"5,471":3377,"5,472":3378,"5,473":3379,"5,474":3380,"5,475":3381,"5,476":3382,"5,477":3383,"5,478":3384,"5,479":3385,"5,480":3386,"5,481":3387,"5,482":3388,"5,483":3389,"5,484":3390,"5,485":3391,"5,486":3392,"5,487":3393,"5,488":3394,"5,489":3395,"5,490":3396,"5,491":3397,"5,492":3398,"5,493":3399,"5,494":3400,"5,495":3401,"5,496":3402,"5,497":3403,"5,498":3404,"5,499":3405,"5,500":3406,"5,501":3407,"5,502":3408,"5,503":3409,"5,504":3410,"5,505":3411,"5,506":3412,"5,507":3413,"5,508":3414,"5,509":3415,"5,510":3416,"5,511":3417,"5,512":3418,"5,513":3419,"5,514":3420,"5,515":3421,"5,516":3422,"5,517":3423,"5,518":3424,"5,519":3425,"5,520":3426,"5,521":3427,"5,522":3428,"5,523":3429,"5,524":3430,"5,525":3431,"5,526":3432,"5,527":3433,"5,528":3434,"5,529":3435,"5,530":3436,"5,531":3437,"5,532":3438,"5,533":3439,"5,534":3440,"5,535":3441,"5,536":3442,"5,537":3443,"5,538":3444,"5,539":3445,"5,540":3446,"5,541":3447,"5,542":3448,"5,543":3449,"5,544":3450,"5,545":3451,"5,546":3452,"5,547":3453,"5,548":3454,"5,549":3455,"5,550":3456,"5,551":3457,"5,552":3458,"5,553":3459,"5,554":3460,"5,555":3461,"5,556":3462,"5,557":3463,"5,558":3464,"5,559":3465,"5,560":3466,"5,561":3467,"5,562":3468,"5,563":3469,"5,564":3470,"5,565":3471,"5,566":3472,"5,567":3473,"5,568":3474,"5,569":3475,"5,570":3476,"5,571":3477,"5,572":3478,"5,573":3479,"5,574":3480,"5,575":3481,"5,576":3482,"5,577":3483,"5,578":3484,"5,579":3485,"5,580":3486,"5,581":3487,"5,582":3488,"5,583":3489,"5,584":3490,"5,585":3491,"5,586":3492,"5,587":3493,"5,588":3494,"5,589":3495,"5,590":3496,"5,591":3497,"5,592":3498,"5,593":3499,"5,594":3500,"5,595":3501,"5,596":3502,"5,597":3503,"5,598":3504,"5,599":3505,"5,600":3506,"5,601":3507,"5,602":3508,"5,603":3509,"5,604":3510,"5,605":3511,"5,606":3512,"5,607":3513,"5,608":3514,"5,609":3515,"5,610":3516,"5,611":3517,"5,612":3518,"5,613":3519,"5,614":3520,"5,615":3521,"5,616":3522,"5,617":3523,"5,618":3524,"5,619":3525,"5,620":3526,"5,621":3527,"5,622":3528,"5,623":3529,"5,624":3530,"5,625":3531,"5,626":3532,"5,627":3533,"5,628":3534,"5,629":3535,"5,630":3536,"5,631":3537,"5,632":3538,"5,633":3539,"5,634":3540,"5,635":3541,"5,636":3542,"5,637":3543,"5,638":3544,"5,639":3545,"5,640":3546,"5,641":3547,"5,642":3548,"5,643":3549,"5,644":3550,"5,645":3551,"5,646":3552,"5,647":3553,"5,648":3554,"5,649":3555,"5,650":3556,"5,651":3557,"5,652":3558,"5,653":3559,"5,654":3560,"5,655":3561,"5,656":3562,"5,657":3563,"5,658":3564,"5,659":3565,"5,660":3566,"5,661":3567,"5,662":3568,"5,663":3569,"5,664":3570,"5,665":3571,"5,666":3572,"5,667":3573,"5,668":3574,"5,669":3575,"5,670":3576,"5,671":3577,"5,672":3578,"5,673":3579,"5,674":3580,"5,675":3581,"5,676":3582,"5,677":3583,"5,678":3584,"5,679":3585,"5,680":3586,"5,681":3587,"5,682":3588,"5,683":3589,"5,684":3590,"5,685":3591,"5,686":3592,"5,687":3593,"5,688":3594,"5,689":3595,"5,690":3596,"5,691":3597,"5,692":3598,"5,693":3599,"5,694":3600,"5,695":3601,"5,696":3602,"5,697":3603,"5,698":3604,"5,699":3605,"5,700":3606,"5,701":3607,"5,702":3608,"5,703":3609,"5,704":3610,"5,705":3611,"5,706":3612,"5,707":3613,"5,708":3614,"5,709":3615,"5,710":3616,"5,711":3617,"5,712":3618,"5,713":3619,"5,714":3620,"5,715":3621,"5,716":3622,"5,717":3623,"5,718":3624,"5,719":3625,"5,720":3626,"5,721":3627,"5,722":3628,"5,723":3629,"5,724":3630,"5,725":3631,"5,726":3632,"5,727":3633,"5,728":3634,"5,729":3635,"5,730":3636,"5,731":3637,"5,732":3638,"5,733":3639,"5,734":3640,"5,735":3641,"5,736":3642,"5,737":3643,"5,738":3644,"5,739":3645,"5,740":3646,"5,741":3647,"5,742":3648,"5,743":3649,"5,744":3650,"5,745":3651,"5,746":3652,"5,747":3653,"5,748":3654,"5,749":3655,"5,750":3656,"6,5":3657,"6,6":3658,"6,7":3659,"6,8":3660,"6,9":3661,"6,10":3662,"6,11":3663,"6,12":3664,"6,13":3665,"6,14":3666,"6,15":3667,"6,16":3668,"6,17":3669,"6,18":3670,"6,19":3671,"6,20":3672,"6,21":3673,"6,22":3674,"6,23":3675,"6,24":3676,"6,25":3677,"6,26":3678,"6,27":3679,"6,28":3680,"6,29":3681,"6,30":3682,"6,31":3683,"6,32":3684,"6,33":3685,"6,34":3686,"6,35":3687,"6,36":3688,"6,37":3689,"6,38":3690,"6,39":3691,"6,40":3692,"6,41":3693,"6,42":3694,"6,43":3695,"6,44":3696,"6,45":3697,"6,46":3698,"6,47":3699,"6,48":3700,"6,49":3701,"6,50":3702,"6,51":3703,"6,52":3704,"6,53":3705,"6,54":3706,"6,55":3707,"6,56":3708,"6,57":3709,"6,58":3710,"6,59":3711,"6,60":3712,"6,61":3713,"6,62":3714,"6,63":3715,"6,64":3716,"6,65":3717,"6,66":3718,"6,67":3719,"6,68":3720,"6,69":3721,"6,70":3722,"6,71":3723,"6,72":3724,"6,73":3725,"6,74":3726,"6,75":3727,"6,76":3728,"6,77":3729,"6,78":3730,"6,79":3731,"6,80":3732,"6,81":3733,"6,82":3734,"6,83":3735,"6,84":3736,"6,85":3737,"6,86":3738,"6,87":3739,"6,88":3740,"6,89":3741,"6,90":3742,"6,91":3743,"6,92":3744,"6,93":3745,"6,94":3746,"6,95":3747,"6,96":3748,"6,97":3749,"6,98":3750,"6,99":3751,"6,100":3752,"6,101":3753,"6,102":3754,"6,103":3755,"6,104":3756,"6,105":3757,"6,106":3758,"6,107":3759,"6,108":3760,"6,109":3761,"6,110":3762,"6,111":3763,"6,112":3764,"6,113":3765,"6,114":3766,"6,115":3767,"6,116":3768,"6,117":3769,"6,118":3770,"6,119":3771,"6,120":3772,"6,121":3773,"6,122":3774,"6,123":3775,"6,124":3776,"6,125":3777,"6,126":3778,"6,127":3779,"6,128":3780,"6,129":3781,"6,130":3782,"6,131":3783,"6,132":3784,"6,133":3785,"6,134":3786,"6,135":3787,"6,136":3788,"6,137":3789,"6,138":3790,"6,139":3791,"6,140":3792,"6,141":3793,"6,142":3794,"6,143":3795,"6,144":3796,"6,145":3797,"6,146":3798,"6,147":3799,"6,148":3800,"6,149":3801,"6,150":3802,"6,151":3803,"6,152":3804,"6,153":3805,"6,154":3806,"6,155":3807,"6,156":3808,"6,157":3809,"6,158":3810,"6,159":3811,"6,160":3812,"6,161":3813,"6,162":3814,"6,163":3815,"6,164":3816,"6,165":3817,"6,166":3818,"6,167":3819,"6,168":3820,"6,169":3821,"6,170":3822,"6,171":3823,"6,172":3824,"6,173":3825,"6,174":3826,"6,175":3827,"6,176":3828,"6,177":3829,"6,178":3830,"6,179":3831,"6,180":3832,"6,181":3833,"6,182":3834,"6,183":3835,"6,184":3836,"6,185":3837,"6,186":3838,"6,187":3839,"6,188":3840,"6,189":3841,"6,190":3842,"6,191":3843,"6,192":3844,"6,193":3845,"6,194":3846,"6,195":3847,"6,196":3848,"6,197":3849,"6,198":3850,"6,199":3851,"6,200":3852,"6,201":3853,"6,202":3854,"6,203":3855,"6,204":3856,"6,205":3857,"6,206":3858,"6,207":3859,"6,208":3860,"6,209":3861,"6,210":3862,"6,211":3863,"6,212":3864,"6,213":3865,"6,214":3866,"6,215":3867,"6,216":3868,"6,217":3869,"6,218":3870,"6,219":3871,"6,220":3872,"6,221":3873,"6,222":3874,"6,223":3875,"6,224":3876,"6,225":3877,"6,226":3878,"6,227":3879,"6,228":3880,"6,229":3881,"6,230":3882,"6,231":3883,"6,232":3884,"6,233":3885,"6,234":3886,"6,235":3887,"6,236":3888,"6,237":3889,"6,238":3890,"6,239":3891,"6,240":3892,"6,241":3893,"6,242":3894,"6,243":3895,"6,244":3896,"6,245":3897,"6,246":3898,"6,247":3899,"6,248":3900,"6,249":3901,"6,250":3902,"6,251":3903,"6,252":3904,"6,253":3905,"6,254":3906,"6,255":3907,"6,256":3908,"6,257":3909,"6,258":3910,"6,259":3911,"6,260":3912,"6,261":3913,"6,262":3914,"6,263":3915,"6,264":3916,"6,265":3917,"6,266":3918,"6,267":3919,"6,268":3920,"6,269":3921,"6,270":3922,"6,271":3923,"6,272":3924,"6,273":3925,"6,274":3926,"6,275":3927,"6,276":3928,"6,277":3929,"6,278":3930,"6,279":3931,"6,280":3932,"6,281":3933,"6,282":3934,"6,283":3935,"6,284":3936,"6,285":3937,"6,286":3938,"6,287":3939,"6,288":3940,"6,289":3941,"6,290":3942,"6,291":3943,"6,292":3944,"6,293":3945,"6,294":3946,"6,295":3947,"6,296":3948,"6,297":3949,"6,298":3950,"6,299":3951,"6,300":3952,"6,301":3953,"6,302":3954,"6,303":3955,"6,304":3956,"6,305":3957,"6,306":3958,"6,307":3959,"6,308":3960,"6,309":3961,"6,310":3962,"6,311":3963,"6,312":3964,"6,313":3965,"6,314":3966,"6,315":3967,"6,316":3968,"6,317":3969,"6,318":3970,"6,319":3971,"6,320":3972,"6,321":3973,"6,322":3974,"6,323":3975,"6,324":3976,"6,325":3977,"6,326":3978,"6,327":3979,"6,328":3980,"6,329":3981,"6,330":3982,"6,331":3983,"6,332":3984,"6,333":3985,"6,334":3986,"6,335":3987,"6,336":3988,"6,337":3989,"6,338":3990,"6,339":3991,"6,340":3992,"6,341":3993,"6,342":3994,"6,343":3995,"6,344":3996,"6,345":3997,"6,346":3998,"6,347":3999,"6,348":4000,"6,349":4001,"6,350":4002,"6,351":4003,"6,352":4004,"6,353":4005,"6,354":4006,"6,355":4007,"6,356":4008,"6,357":4009,"6,358":4010,"6,359":4011,"6,360":4012,"6,361":4013,"6,362":4014,"6,363":4015,"6,364":4016,"6,365":4017,"6,366":4018,"6,367":4019,"6,368":4020,"6,369":4021,"6,370":4022,"6,371":4023,"6,372":4024,"6,373":4025,"6,374":4026,"6,375":4027,"6,376":4028,"6,377":4029,"6,378":4030,"6,379":4031,"6,380":4032,"6,381":4033,"6,382":4034,"6,383":4035,"6,384":4036,"6,385":4037,"6,386":4038,"6,387":4039,"6,388":4040,"6,389":4041,"6,390":4042,"6,391":4043,"6,392":4044,"6,393":4045,"6,394":4046,"6,395":4047,"6,396":4048,"6,397":4049,"6,398":4050,"6,399":4051,"6,400":4052,"6,401":4053,"6,402":4054,"6,403":4055,"6,404":4056,"6,405":4057,"6,406":4058,"6,407":4059,"6,408":4060,"6,409":4061,"6,410":4062,"6,411":4063,"6,412":4064,"6,413":4065,"6,414":4066,"6,415":4067,"6,416":4068,"6,417":4069,"6,418":4070,"6,419":4071,"6,420":4072,"6,421":4073,"6,422":4074,"6,423":4075,"6,424":4076,"6,425":4077,"6,426":4078,"6,427":4079,"6,428":4080,"6,429":4081,"6,430":4082,"6,431":4083,"6,432":4084,"6,433":4085,"6,434":4086,"6,435":4087,"6,436":4088,"6,437":4089,"6,438":4090,"6,439":4091,"6,440":4092,"6,441":4093,"6,442":4094,"6,443":4095,"6,444":4096,"6,445":4097,"6,446":4098,"6,447":4099,"6,448":4100,"6,449":4101,"6,450":4102,"6,451":4103,"6,452":4104,"6,453":4105,"6,454":4106,"6,455":4107,"6,456":4108,"6,457":4109,"6,458":4110,"6,459":4111,"6,460":4112,"6,461":4113,"6,462":4114,"6,463":4115,"6,464":4116,"6,465":4117,"6,466":4118,"6,467":4119,"6,468":4120,"6,469":4121,"6,470":4122,"6,471":4123,"6,472":4124,"6,473":4125,"6,474":4126,"6,475":4127,"6,476":4128,"6,477":4129,"6,478":4130,"6,479":4131,"6,480":4132,"6,481":4133,"6,482":4134,"6,483":4135,"6,484":4136,"6,485":4137,"6,486":4138,"6,487":4139,"6,488":4140,"6,489":4141,"6,490":4142,"6,491":4143,"6,492":4144,"6,493":4145,"6,494":4146,"6,495":4147,"6,496":4148,"6,497":4149,"6,498":4150,"6,499":4151,"6,500":4152,"6,501":4153,"6,502":4154,"6,503":4155,"6,504":4156,"6,505":4157,"6,506":4158,"6,507":4159,"6,508":4160,"6,509":4161,"6,510":4162,"6,511":4163,"6,512":4164,"6,513":4165,"6,514":4166,"6,515":4167,"6,516":4168,"6,517":4169,"6,518":4170,"6,519":4171,"6,520":4172,"6,521":4173,"6,522":4174,"6,523":4175,"6,524":4176,"6,525":4177,"6,526":4178,"6,527":4179,"6,528":4180,"6,529":4181,"6,530":4182,"6,531":4183,"6,532":4184,"6,533":4185,"6,534":4186,"6,535":4187,"6,536":4188,"6,537":4189,"6,538":4190,"6,539":4191,"6,540":4192,"6,541":4193,"6,542":4194,"6,543":4195,"6,544":4196,"6,545":4197,"6,546":4198,"6,547":4199,"6,548":4200,"6,549":4201,"6,550":4202,"6,551":4203,"6,552":4204,"6,553":4205,"6,554":4206,"6,555":4207,"6,556":4208,"6,557":4209,"6,558":4210,"6,559":4211,"6,560":4212,"6,561":4213,"6,562":4214,"6,563":4215,"6,564":4216,"6,565":4217,"6,566":4218,"6,567":4219,"6,568":4220,"6,569":4221,"6,570":4222,"6,571":4223,"6,572":4224,"6,573":4225,"6,574":4226,"6,575":4227,"6,576":4228,"6,577":4229,"6,578":4230,"6,579":4231,"6,580":4232,"6,581":4233,"6,582":4234,"6,583":4235,"6,584":4236,"6,585":4237,"6,586":4238,"6,587":4239,"6,588":4240,"6,589":4241,"6,590":4242,"6,591":4243,"6,592":4244,"6,593":4245,"6,594":4246,"6,595":4247,"6,596":4248,"6,597":4249,"6,598":4250,"6,599":4251,"6,600":4252,"6,601":4253,"6,602":4254,"6,603":4255,"6,604":4256,"6,605":4257,"6,606":4258,"6,607":4259,"6,608":4260,"6,609":4261,"6,610":4262,"6,611":4263,"6,612":4264,"6,613":4265,"6,614":4266,"6,615":4267,"6,616":4268,"6,617":4269,"6,618":4270,"6,619":4271,"6,620":4272,"6,621":4273,"6,622":4274,"6,623":4275,"6,624":4276,"6,625":4277,"6,626":4278,"6,627":4279,"6,628":4280,"6,629":4281,"6,630":4282,"6,631":4283,"6,632":4284,"6,633":4285,"6,634":4286,"6,635":4287,"6,636":4288,"6,637":4289,"6,638":4290,"6,639":4291,"6,640":4292,"6,641":4293,"6,642":4294,"6,643":4295,"6,644":4296,"6,645":4297,"6,646":4298,"6,647":4299,"6,648":4300,"6,649":4301,"6,650":4302,"6,651":4303,"6,652":4304,"6,653":4305,"6,654":4306,"6,655":4307,"6,656":4308,"6,657":4309,"6,658":4310,"6,659":4311,"6,660":4312,"6,661":4313,"6,662":4314,"6,663":4315,"6,664":4316,"6,665":4317,"6,666":4318,"6,667":4319,"6,668":4320,"6,669":4321,"6,670":4322,"6,671":4323,"6,672":4324,"6,673":4325,"6,674":4326,"6,675":4327,"6,676":4328,"6,677":4329,"6,678":4330,"6,679":4331,"6,680":4332,"6,681":4333,"6,682":4334,"6,683":4335,"6,684":4336,"6,685":4337,"6,686":4338,"6,687":4339,"6,688":4340,"6,689":4341,"6,690":4342,"6,691":4343,"6,692":4344,"6,693":4345,"6,694":4346,"6,695":4347,"6,696":4348,"6,697":4349,"6,698":4350,"6,699":4351,"6,700":4352,"6,701":4353,"6,702":4354,"6,703":4355,"6,704":4356,"6,705":4357,"6,706":4358,"6,707":4359,"6,708":4360,"6,709":4361,"6,710":4362,"6,711":4363,"6,712":4364,"6,713":4365,"6,714":4366,"6,715":4367,"6,716":4368,"6,717":4369,"6,718":4370,"6,719":4371,"6,720":4372,"6,721":4373,"6,722":4374,"6,723":4375,"6,724":4376,"6,725":4377,"6,726":4378,"6,727":4379,"6,728":4380,"6,729":4381,"6,730":4382,"7,5":4383,"7,6":4384,"7,7":4385,"7,8":4386,"7,9":4387,"7,10":4388,"7,11":4389,"7,12":4390,"7,13":4391,"7,14":4392,"7,15":4393,"7,16":4394,"7,17":4395,"7,18":4396,"7,19":4397,"7,20":4398,"7,21":4399,"7,22":4400,"7,23":4401,"7,24":4402,"7,25":4403,"7,26":4404,"7,27":4405,"7,28":4406,"7,29":4407,"7,30":4408,"7,31":4409,"7,32":4410,"7,33":4411,"7,34":4412,"7,35":4413,"7,36":4414,"7,37":4415,"7,38":4416,"7,39":4417,"7,40":4418,"7,41":4419,"7,42":4420,"7,43":4421,"7,44":4422,"7,45":4423,"7,46":4424,"7,47":4425,"7,48":4426,"7,49":4427,"7,50":4428,"7,51":4429,"7,52":4430,"7,53":4431,"7,54":4432,"7,55":4433,"7,56":4434,"7,57":4435,"7,58":4436,"7,59":4437,"7,60":4438,"7,61":4439,"7,62":4440,"7,63":4441,"7,64":4442,"7,65":4443,"7,66":4444,"7,67":4445,"7,68":4446,"7,69":4447,"7,70":4448,"7,71":4449,"7,72":4450,"7,73":4451,"7,74":4452,"7,75":4453,"7,76":4454,"7,77":4455,"7,78":4456,"7,79":4457,"7,80":4458,"7,81":4459,"7,82":4460,"7,83":4461,"7,84":4462,"7,85":4463,"7,86":4464,"7,87":4465,"7,88":4466,"7,89":4467,"7,90":4468,"7,91":4469,"7,92":4470,"7,93":4471,"7,94":4472,"7,95":4473,"7,96":4474,"7,97":4475,"7,98":4476,"7,99":4477,"7,100":4478,"7,101":4479,"7,102":4480,"7,103":4481,"7,104":4482,"7,105":4483,"7,106":4484,"7,107":4485,"7,108":4486,"7,109":4487,"7,110":4488,"7,111":4489,"7,112":4490,"7,113":4491,"7,114":4492,"7,115":4493,"7,116":4494,"7,117":4495,"7,118":4496,"7,119":4497,"7,120":4498,"7,121":4499,"7,122":4500,"7,123":4501,"7,124":4502,"7,125":4503,"7,126":4504,"7,127":4505,"7,128":4506,"7,129":4507,"7,130":4508,"7,131":4509,"7,132":4510,"7,133":4511,"7,134":4512,"7,135":4513,"7,136":4514,"7,137":4515,"7,138":4516,"7,139":4517,"7,140":4518,"7,141":4519,"7,142":4520,"7,143":4521,"7,144":4522,"7,145":4523,"7,146":4524,"7,147":4525,"7,148":4526,"7,149":4527,"7,150":4528,"7,151":4529,"7,152":4530,"7,153":4531,"7,154":4532,"7,155":4533,"7,156":4534,"7,157":4535,"7,158":4536,"7,159":4537,"7,160":4538,"7,161":4539,"7,162":4540,"7,163":4541,"7,164":4542,"7,165":4543,"7,166":4544,"7,167":4545,"7,168":4546,"7,169":4547,"7,170":4548,"7,171":4549,"7,172":4550,"7,173":4551,"7,174":4552,"7,175":4553,"7,176":4554,"7,177":4555,"7,178":4556,"7,179":4557,"7,180":4558,"7,181":4559,"7,182":4560,"7,183":4561,"7,184":4562,"7,185":4563,"7,186":4564,"7,187":4565,"7,188":4566,"7,189":4567,"7,190":4568,"7,191":4569,"7,192":4570,"7,193":4571,"7,194":4572,"7,195":4573,"7,196":4574,"7,197":4575,"7,198":4576,"7,199":4577,"7,200":4578,"7,201":4579,"7,202":4580,"7,203":4581,"7,204":4582,"7,205":4583,"7,206":4584,"7,207":4585,"7,208":4586,"7,209":4587,"7,210":4588,"7,211":4589,"7,212":4590,"7,213":4591,"7,214":4592,"7,215":4593,"7,216":4594,"7,217":4595,"7,218":4596,"7,219":4597,"7,220":4598,"7,221":4599,"7,222":4600,"7,223":4601,"7,224":4602,"7,225":4603,"7,226":4604,"7,227":4605,"7,228":4606,"7,229":4607,"7,230":4608,"7,231":4609,"7,232":4610,"7,233":4611,"7,234":4612,"7,235":4613,"7,236":4614,"7,237":4615,"7,238":4616,"7,239":4617,"7,240":4618,"7,241":4619,"7,242":4620,"7,243":4621,"7,244":4622,"7,245":4623,"7,246":4624,"7,247":4625,"7,248":4626,"7,249":4627,"7,250":4628,"7,251":4629,"7,252":4630,"7,253":4631,"7,254":4632,"7,255":4633,"7,256":4634,"7,257":4635,"7,258":4636,"7,259":4637,"7,260":4638,"7,261":4639,"7,262":4640,"7,263":4641,"7,264":4642,"7,265":4643,"7,266":4644,"7,267":4645,"7,268":4646,"7,269":4647,"7,270":4648,"7,271":4649,"7,272":4650,"7,273":4651,"7,274":4652,"7,275":4653,"7,276":4654,"7,277":4655,"7,278":4656,"7,279":4657,"7,280":4658,"7,281":4659,"7,282":4660,"7,283":4661,"7,284":4662,"7,285":4663,"7,286":4664,"7,287":4665,"7,288":4666,"7,289":4667,"7,290":4668,"7,291":4669,"7,292":4670,"7,293":4671,"7,294":4672,"7,295":4673,"7,296":4674,"7,297":4675,"7,298":4676,"7,299":4677,"7,300":4678,"7,301":4679,"7,302":4680,"7,303":4681,"7,304":4682,"7,305":4683,"7,306":4684,"7,307":4685,"7,308":4686,"7,309":4687,"7,310":4688,"7,311":4689,"7,312":4690,"7,313":4691,"7,314":4692,"7,315":4693,"7,316":4694,"7,317":4695,"7,318":4696,"7,319":4697,"7,320":4698,"7,321":4699,"7,322":4700,"7,323":4701,"7,324":4702,"7,325":4703,"7,326":4704,"7,327":4705,"7,328":4706,"7,329":4707,"7,330":4708,"7,331":4709,"7,332":4710,"7,333":4711,"7,334":4712,"7,335":4713,"7,336":4714,"7,337":4715,"7,338":4716,"7,339":4717,"7,340":4718,"7,341":4719,"7,342":4720,"7,343":4721,"7,344":4722,"7,345":4723,"7,346":4724,"7,347":4725,"7,348":4726,"7,349":4727,"7,350":4728,"7,351":4729,"7,352":4730,"7,353":4731,"7,354":4732,"7,355":4733,"7,356":4734,"7,357":4735,"7,358":4736,"7,359":4737,"7,360":4738,"7,361":4739,"7,362":4740,"7,363":4741,"7,364":4742,"7,365":4743,"7,366":4744,"7,367":4745,"7,368":4746,"7,369":4747,"7,370":4748,"7,371":4749,"7,372":4750,"7,373":4751,"7,374":4752,"7,375":4753,"7,376":4754,"7,377":4755,"7,378":4756,"7,379":4757,"7,380":4758,"7,381":4759,"7,382":4760,"7,383":4761,"7,384":4762,"7,385":4763,"7,386":4764,"7,387":4765,"7,388":4766,"7,389":4767,"7,390":4768,"7,391":4769,"7,392":4770,"7,393":4771,"7,394":4772,"7,395":4773,"7,396":4774,"7,397":4775,"7,398":4776,"7,399":4777,"7,400":4778,"7,401":4779,"7,402":4780,"7,403":4781,"7,404":4782,"7,405":4783,"7,406":4784,"7,407":4785,"7,408":4786,"7,409":4787,"7,410":4788,"7,411":4789,"7,412":4790,"7,413":4791,"7,414":4792,"7,415":4793,"7,416":4794,"7,417":4795,"7,418":4796,"7,419":4797,"7,420":4798,"7,421":4799,"7,422":4800,"7,423":4801,"7,424":4802,"7,425":4803,"7,426":4804,"7,427":4805,"7,428":4806,"7,429":4807,"7,430":4808,"7,431":4809,"7,432":4810,"7,433":4811,"7,434":4812,"7,435":4813,"7,436":4814,"7,437":4815,"7,438":4816,"7,439":4817,"7,440":4818,"7,441":4819,"7,442":4820,"7,443":4821,"7,444":4822,"7,445":4823,"7,446":4824,"7,447":4825,"7,448":4826,"7,449":4827,"7,450":4828,"7,451":4829,"7,452":4830,"7,453":4831,"7,454":4832,"7,455":4833,"7,456":4834,"7,457":4835,"7,458":4836,"7,459":4837,"7,460":4838,"7,461":4839,"7,462":4840,"7,463":4841,"7,464":4842,"7,465":4843,"7,466":4844,"7,467":4845,"7,468":4846,"7,469":4847,"7,470":4848,"7,471":4849,"7,472":4850,"7,473":4851,"7,474":4852,"7,475":4853,"7,476":4854,"7,477":4855,"7,478":4856,"7,479":4857,"7,480":4858,"7,481":4859,"7,482":4860,"7,483":4861,"7,484":4862,"7,485":4863,"7,486":4864,"7,487":4865,"7,488":4866,"7,489":4867,"7,490":4868,"7,491":4869,"7,492":4870,"7,493":4871,"7,494":4872,"7,495":4873,"7,496":4874,"7,497":4875,"7,498":4876,"7,499":4877,"7,500":4878,"7,501":4879,"7,502":4880,"7,503":4881,"7,504":4882,"7,505":4883,"7,506":4884,"7,507":4885,"7,508":4886,"7,509":4887,"7,510":4888,"7,511":4889,"7,512":4890,"7,513":4891,"7,514":4892,"7,515":4893,"7,516":4894,"7,517":4895,"7,518":4896,"7,519":4897,"7,520":4898,"7,521":4899,"7,522":4900,"7,523":4901,"7,524":4902,"7,525":4903,"7,526":4904,"7,527":4905,"7,528":4906,"7,529":4907,"7,530":4908,"7,531":4909,"7,532":4910,"7,533":4911,"7,534":4912,"7,535":4913,"7,536":4914,"7,537":4915,"7,538":4916,"7,539":4917,"7,540":4918,"7,541":4919,"7,542":4920,"7,543":4921,"7,544":4922,"7,545":4923,"7,546":4924,"7,547":4925,"7,548":4926,"7,549":4927,"7,550":4928,"7,551":4929,"7,552":4930,"7,553":4931,"7,554":4932,"7,555":4933,"7,556":4934,"7,557":4935,"7,558":4936,"7,559":4937,"7,560":4938,"7,561":4939,"7,562":4940,"7,563":4941,"7,564":4942,"7,565":4943,"7,566":4944,"7,567":4945,"7,568":4946,"7,569":4947,"7,570":4948,"7,571":4949,"7,572":4950,"7,573":4951,"7,574":4952,"7,575":4953,"7,576":4954,"7,577":4955,"7,578":4956,"7,579":4957,"7,580":4958,"7,581":4959,"7,582":4960,"7,583":4961,"7,584":4962,"7,585":4963,"7,586":4964,"7,587":4965,"7,588":4966,"7,589":4967,"7,590":4968,"7,591":4969,"7,592":4970,"7,593":4971,"7,594":4972,"7,595":4973,"7,596":4974,"7,597":4975,"7,598":4976,"7,599":4977,"7,600":4978,"7,601":4979,"7,602":4980,"7,603":4981,"7,604":4982,"7,605":4983,"7,606":4984,"7,607":4985,"7,608":4986,"7,609":4987,"7,610":4988,"7,611":4989,"7,612":4990,"7,613":4991,"7,614":4992,"7,615":4993,"7,616":4994,"7,617":4995,"7,618":4996,"7,619":4997,"7,620":4998,"7,621":4999,"7,622":5000,"7,623":5001,"7,624":5002,"7,625":5003,"7,626":5004,"7,627":5005,"7,628":5006,"7,629":5007,"7,630":5008,"7,631":5009,"7,632":5010,"7,633":5011,"7,634":5012,"7,635":5013,"7,636":5014,"7,637":5015,"7,638":5016,"7,639":5017,"7,640":5018,"7,641":5019,"7,642":5020,"7,643":5021,"7,644":5022,"7,645":5023,"7,646":5024,"7,647":5025,"7,648":5026,"7,649":5027,"7,650":5028,"7,651":5029,"7,652":5030,"7,653":5031,"7,654":5032,"7,655":5033,"7,656":5034,"7,657":5035,"7,658":5036,"7,659":5037,"7,660":5038,"7,661":5039,"7,662":5040,"7,663":5041,"7,664":5042,"7,665":5043,"7,666":5044,"7,667":5045,"7,668":5046,"7,669":5047,"7,670":5048,"7,671":5049,"7,672":5050,"7,673":5051,"7,674":5052,"7,675":5053,"7,676":5054,"7,677":5055,"7,678":5056,"7,679":5057,"7,680":5058,"7,681":5059,"7,682":5060,"7,683":5061,"7,684":5062,"7,685":5063,"7,686":5064,"7,687":5065,"7,688":5066,"7,689":5067,"7,690":5068,"7,691":5069,"7,692":5070,"7,693":5071,"7,694":5072,"7,695":5073,"7,696":5074,"7,697":5075,"7,698":5076,"7,699":5077,"7,700":5078,"7,701":5079,"7,702":5080,"7,703":5081,"7,704":5082,"7,705":5083,"7,706":5084,"7,707":5085,"7,708":5086,"7,709":5087,"7,710":5088,"7,711":5089,"7,712":5090,"7,713":5091,"7,714":5092,"7,715":5093,"7,716":5094,"7,717":5095,"7,718":5096,"7,719":5097,"7,720":5098,"7,721":5099,"7,722":5100,"7,723":5101,"7,724":5102,"7,725":5103,"7,726":5104,"7,727":5105,"7,728":5106,"7,729":5107,"7,730":5108,"7,731":5109,"7,732":5110,"7,733":5111,"7,734":5112,"7,735":5113,"7,736":5114,"7,737":5115,"7,738":5116,"7,739":5117,"7,740":5118,"7,741":5119,"7,742":5120,"7,743":5121,"7,744":5122,"7,745":5123,"7,746":5124,"7,747":5125,"7,748":5126,"7,749":5127,"7,750":5128,"7,751":5129,"7,752":5130,"7,753":5131,"7,754":5132,"7,755":5133,"7,756":5134,"7,757":5135,"7,758":5136,"7,759":5137,"7,760":5138,"7,761":5139,"7,762":5140,"7,763":5141,"7,764":5142,"7,765":5143,"8,5":5144,"8,6":5145,"8,7":5146,"8,8":5147,"8,9":5148,"8,10":5149,"8,11":5150,"8,12":5151,"8,13":5152,"8,14":5153,"8,15":5154,"8,16":5155,"8,17":5156,"8,18":5157,"8,19":5158,"8,20":5159,"8,21":5160,"8,22":5161,"8,23":5162,"8,24":5163,"8,25":5164,"8,26":5165,"8,27":5166,"8,28":5167,"8,29":5168,"8,30":5169,"8,31":5170,"8,32":5171,"8,33":5172,"8,34":5173,"8,35":5174,"8,36":5175,"8,37":5176,"8,38":5177,"8,39":5178,"8,40":5179,"8,41":5180,"8,42":5181,"8,43":5182,"8,44":5183,"8,45":5184,"8,46":5185,"8,47":5186,"8,48":5187,"8,49":5188,"8,50":5189,"8,51":5190,"8,52":5191,"8,53":5192,"8,54":5193,"8,55":5194,"8,56":5195,"8,57":5196,"8,58":5197,"8,59":5198,"8,60":5199,"8,61":5200,"8,62":5201,"8,63":5202,"8,64":5203,"8,65":5204,"8,66":5205,"8,67":5206,"8,68":5207,"8,69":5208,"8,70":5209,"8,71":5210,"8,72":5211,"8,73":5212,"8,74":5213,"8,75":5214,"8,76":5215,"8,77":5216,"8,78":5217,"8,79":5218,"8,80":5219,"8,81":5220,"8,82":5221,"8,83":5222,"8,84":5223,"8,85":5224,"8,86":5225,"8,87":5226,"8,88":5227,"8,89":5228,"8,90":5229,"8,91":5230,"8,92":5231,"8,93":5232,"8,94":5233,"8,95":5234,"8,96":5235,"8,97":5236,"8,98":5237,"8,99":5238,"8,100":5239,"8,101":5240,"8,102":5241,"8,103":5242,"8,104":5243,"8,105":5244,"8,106":5245,"8,107":5246,"8,108":5247,"8,109":5248,"8,110":5249,"8,111":5250,"8,112":5251,"8,113":5252,"8,114":5253,"8,115":5254,"8,116":5255,"8,117":5256,"8,118":5257,"8,119":5258,"8,120":5259,"8,121":5260,"8,122":5261,"8,123":5262,"8,124":5263,"8,125":5264,"8,126":5265,"8,127":5266,"8,128":5267,"8,129":5268,"8,130":5269,"8,131":5270,"8,132":5271,"8,133":5272,"8,134":5273,"8,135":5274,"8,136":5275,"8,137":5276,"8,138":5277,"8,139":5278,"8,140":5279,"8,141":5280,"8,142":5281,"8,143":5282,"8,144":5283,"8,145":5284,"8,146":5285,"8,147":5286,"8,148":5287,"8,149":5288,"8,150":5289,"8,151":5290,"8,152":5291,"8,153":5292,"8,154":5293,"8,155":5294,"8,156":5295,"8,157":5296,"8,158":5297,"8,159":5298,"8,160":5299,"8,161":5300,"8,162":5301,"8,163":5302,"8,164":5303,"8,165":5304,"8,166":5305,"8,167":5306,"8,168":5307,"8,169":5308,"8,170":5309,"8,171":5310,"8,172":5311,"8,173":5312,"8,174":5313,"8,175":5314,"8,176":5315,"8,177":5316,"8,178":5317,"8,179":5318,"8,180":5319,"8,181":5320,"8,182":5321,"8,183":5322,"8,184":5323,"8,185":5324,"8,186":5325,"8,187":5326,"8,188":5327,"8,189":5328,"8,190":5329,"8,191":5330,"8,192":5331,"8,193":5332,"8,194":5333,"8,195":5334,"8,196":5335,"8,197":5336,"8,198":5337,"8,199":5338,"8,200":5339,"8,201":5340,"8,202":5341,"8,203":5342,"8,204":5343,"8,205":5344,"8,206":5345,"8,207":5346,"8,208":5347,"8,209":5348,"8,210":5349,"8,211":5350,"8,212":5351,"8,213":5352,"8,214":5353,"8,215":5354,"8,216":5355,"8,217":5356,"8,218":5357,"8,219":5358,"8,220":5359,"8,221":5360,"8,222":5361,"8,223":5362,"8,224":5363,"8,225":5364,"8,226":5365,"8,227":5366,"8,228":5367,"8,229":5368,"8,230":5369,"8,231":5370,"8,232":5371,"8,233":5372,"8,234":5373,"8,235":5374,"8,236":5375,"8,237":5376,"8,238":5377,"8,239":5378,"8,240":5379,"8,241":5380,"8,242":5381,"8,243":5382,"8,244":5383,"8,245":5384,"8,246":5385,"8,247":5386,"8,248":5387,"8,249":5388,"8,250":5389,"8,251":5390,"8,252":5391,"8,253":5392,"8,254":5393,"8,255":5394,"8,256":5395,"8,257":5396,"8,258":5397,"8,259":5398,"8,260":5399,"8,261":5400,"8,262":5401,"8,263":5402,"8,264":5403,"8,265":5404,"8,266":5405,"8,267":5406,"8,268":5407,"8,269":5408,"8,270":5409,"8,271":5410,"8,272":5411,"8,273":5412,"8,274":5413,"8,275":5414,"8,276":5415,"8,277":5416,"8,278":5417,"8,279":5418,"8,280":5419,"8,281":5420,"8,282":5421,"8,283":5422,"8,284":5423,"8,285":5424,"8,286":5425,"8,287":5426,"8,288":5427,"8,289":5428,"8,290":5429,"8,291":5430,"8,292":5431,"8,293":5432,"8,294":5433,"8,295":5434,"8,296":5435,"8,297":5436,"8,298":5437,"8,299":5438,"8,300":5439,"8,301":5440,"8,302":5441,"8,303":5442,"8,304":5443,"8,305":5444,"8,306":5445,"8,307":5446,"8,308":5447,"8,309":5448,"8,310":5449,"8,311":5450,"8,312":5451,"8,313":5452,"8,314":5453,"8,315":5454,"8,316":5455,"8,317":5456,"8,318":5457,"8,319":5458,"8,320":5459,"8,321":5460,"8,322":5461,"8,323":5462,"8,324":5463,"8,325":5464,"8,326":5465,"8,327":5466,"8,328":5467,"8,329":5468,"8,330":5469,"8,331":5470,"8,332":5471,"8,333":5472,"8,334":5473,"8,335":5474,"8,336":5475,"8,337":5476,"8,338":5477,"8,339":5478,"8,340":5479,"8,341":5480,"8,342":5481,"8,343":5482,"8,344":5483,"8,345":5484,"8,346":5485,"8,347":5486,"8,348":5487,"8,349":5488,"8,350":5489,"8,351":5490,"8,352":5491,"8,353":5492,"8,354":5493,"8,355":5494,"8,356":5495,"8,357":5496,"8,358":5497,"8,359":5498,"8,360":5499,"8,361":5500,"8,362":5501,"8,363":5502,"8,364":5503,"8,365":5504,"8,366":5505,"8,367":5506,"8,368":5507,"8,369":5508,"8,370":5509,"8,371":5510,"8,372":5511,"8,373":5512,"8,374":5513,"8,375":5514,"8,376":5515,"8,377":5516,"8,378":5517,"8,379":5518,"8,380":5519,"8,381":5520,"8,382":5521,"8,383":5522,"8,384":5523,"8,385":5524,"8,386":5525,"8,387":5526,"8,388":5527,"8,389":5528,"8,390":5529,"8,391":5530,"8,392":5531,"8,393":5532,"8,394":5533,"8,395":5534,"8,396":5535,"8,397":5536,"8,398":5537,"8,399":5538,"8,400":5539,"8,401":5540,"8,402":5541,"8,403":5542,"8,404":5543,"8,405":5544,"8,406":5545,"8,407":5546,"8,408":5547,"8,409":5548,"8,410":5549,"8,411":5550,"8,412":5551,"8,413":5552,"8,414":5553,"8,415":5554,"8,416":5555,"8,417":5556,"8,418":5557,"8,419":5558,"8,420":5559,"8,421":5560,"8,422":5561,"8,423":5562,"8,424":5563,"8,425":5564,"8,426":5565,"8,427":5566,"8,428":5567,"8,429":5568,"8,430":5569,"8,431":5570,"8,432":5571,"8,433":5572,"8,434":5573,"8,435":5574,"8,436":5575,"8,437":5576,"8,438":5577,"8,439":5578,"8,440":5579,"8,441":5580,"8,442":5581,"8,443":5582,"8,444":5583,"8,445":5584,"8,446":5585,"8,447":5586,"8,448":5587,"8,449":5588,"8,450":5589,"8,451":5590,"8,452":5591,"8,453":5592,"8,454":5593,"8,455":5594,"8,456":5595,"8,457":5596,"8,458":5597,"8,459":5598,"8,460":5599,"8,461":5600,"8,462":5601,"8,463":5602,"8,464":5603,"8,465":5604,"8,466":5605,"8,467":5606,"8,468":5607,"8,469":5608,"8,470":5609,"8,471":5610,"8,472":5611,"8,473":5612,"8,474":5613,"8,475":5614,"8,476":5615,"8,477":5616,"8,478":5617,"8,479":5618,"8,480":5619,"8,481":5620,"8,482":5621,"8,483":5622,"8,484":5623,"8,485":5624,"8,486":5625,"8,487":5626,"8,488":5627,"8,489":5628,"8,490":5629,"8,491":5630,"8,492":5631,"8,493":5632,"8,494":5633,"8,495":5634,"8,496":5635,"8,497":5636,"8,498":5637,"8,499":5638,"8,500":5639,"8,501":5640,"8,502":5641,"8,503":5642,"8,504":5643,"8,505":5644,"8,506":5645,"8,507":5646,"8,508":5647,"8,509":5648,"8,510":5649,"8,511":5650,"8,512":5651,"8,513":5652,"8,514":5653,"8,515":5654,"8,516":5655,"8,517":5656,"8,518":5657,"8,519":5658,"8,520":5659,"8,521":5660,"8,522":5661,"8,523":5662,"8,524":5663,"8,525":5664,"8,526":5665,"8,527":5666,"8,528":5667,"8,529":5668,"8,530":5669,"8,531":5670,"8,532":5671,"8,533":5672,"8,534":5673,"8,535":5674,"8,536":5675,"8,537":5676,"8,538":5677,"8,539":5678,"8,540":5679,"8,541":5680,"8,542":5681,"8,543":5682,"8,544":5683,"8,545":5684,"8,546":5685,"8,547":5686,"8,548":5687,"8,549":5688,"8,550":5689,"8,551":5690,"8,552":5691,"8,553":5692,"8,554":5693,"8,555":5694,"8,556":5695,"8,557":5696,"8,558":5697,"8,559":5698,"8,560":5699,"8,561":5700,"8,562":5701,"8,563":5702,"8,564":5703,"8,565":5704,"8,566":5705,"8,567":5706,"8,568":5707,"8,569":5708,"8,570":5709,"8,571":5710,"8,572":5711,"8,573":5712,"8,574":5713,"8,575":5714,"8,576":5715,"8,577":5716,"8,578":5717,"8,579":5718,"8,580":5719,"8,581":5720,"8,582":5721,"8,583":5722,"8,584":5723,"8,585":5724,"8,586":5725,"8,587":5726,"8,588":5727,"8,589":5728,"8,590":5729,"8,591":5730,"8,592":5731,"8,593":5732,"8,594":5733,"8,595":5734,"8,596":5735,"8,597":5736,"8,598":5737,"8,599":5738,"8,600":5739,"8,601":5740,"8,602":5741,"8,603":5742,"8,604":5743,"8,605":5744,"8,606":5745,"8,607":5746,"8,608":5747,"8,609":5748,"8,610":5749,"8,611":5750,"8,612":5751,"8,613":5752,"8,614":5753,"8,615":5754,"8,616":5755,"8,617":5756,"8,618":5757,"8,619":5758,"8,620":5759,"8,621":5760,"8,622":5761,"8,623":5762,"8,624":5763,"8,625":5764,"8,626":5765,"8,627":5766,"8,628":5767,"8,629":5768,"8,630":5769,"8,631":5770,"8,632":5771,"8,633":5772,"8,634":5773,"8,635":5774,"8,636":5775,"8,637":5776,"8,638":5777,"8,639":5778,"8,640":5779,"8,641":5780,"8,642":5781,"8,643":5782,"8,644":5783,"8,645":5784,"8,646":5785,"8,647":5786,"8,648":5787,"8,649":5788,"8,650":5789,"8,651":5790,"8,652":5791,"8,653":5792,"8,654":5793,"8,655":5794,"8,656":5795,"8,657":5796,"8,658":5797,"8,659":5798,"8,660":5799,"8,661":5800,"8,662":5801,"8,663":5802,"8,664":5803,"8,665":5804,"8,666":5805,"8,667":5806,"8,668":5807,"8,669":5808,"8,670":5809,"8,671":5810,"8,672":5811,"8,673":5812,"8,674":5813,"8,675":5814,"8,676":5815,"8,677":5816,"8,678":5817,"8,679":5818,"8,680":5819,"8,681":5820,"8,682":5821,"8,683":5822,"8,684":5823,"8,685":5824,"8,686":5825,"8,687":5826,"8,688":5827,"8,689":5828,"8,690":5829,"8,691":5830,"8,692":5831,"8,693":5832,"8,694":5833,"8,695":5834,"8,696":5835,"8,697":5836,"8,698":5837,"8,699":5838,"8,700":5839,"8,701":5840,"8,702":5841,"8,703":5842,"8,704":5843,"8,705":5844,"8,706":5845,"8,707":5846,"8,708":5847,"8,709":5848,"8,710":5849,"8,711":5850,"8,712":5851,"8,713":5852,"8,714":5853,"8,715":5854,"8,716":5855,"8,717":5856,"8,718":5857,"8,719":5858,"8,720":5859,"8,721":5860,"8,722":5861,"8,723":5862,"8,724":5863,"8,725":5864,"8,726":5865,"8,727":5866,"8,728":5867,"8,729":5868,"8,730":5869,"8,731":5870,"8,732":5871,"8,733":5872,"8,734":5873,"8,735":5874,"8,736":5875,"8,737":5876,"8,738":5877,"8,739":5878,"8,740":5879,"8,741":5880,"8,742":5881,"8,743":5882,"8,744":5883,"8,745":5884,"8,746":5885,"8,747":5886,"8,748":5887,"8,749":5888,"8,750":5889,"8,751":5890,"8,752":5891,"8,753":5892,"8,754":5893,"8,755":5894,"8,756":5895,"8,757":5896,"8,758":5897,"8,759":5898,"8,760":5899,"8,761":5900,"8,762":5901,"8,763":5902,"8,764":5903,"8,765":5904,"9,5":5905,"9,6":5906,"9,7":5907,"9,8":5908,"9,9":5909,"9,10":5910,"9,11":5911,"9,12":5912,"9,13":5913,"9,14":5914,"9,15":5915,"9,16":5916,"9,17":5917,"9,18":5918,"9,19":5919,"9,20":5920,"9,21":5921,"9,22":5922,"9,23":5923,"9,24":5924,"9,25":5925,"9,26":5926,"9,27":5927,"9,28":5928,"9,29":5929,"9,30":5930,"9,31":5931,"9,32":5932,"9,33":5933,"9,34":5934,"9,35":5935,"9,36":5936,"9,37":5937,"9,38":5938,"9,39":5939,"9,40":5940,"9,41":5941,"9,42":5942,"9,43":5943,"9,44":5944,"9,45":5945,"9,46":5946,"9,47":5947,"9,48":5948,"9,49":5949,"9,50":5950,"9,51":5951,"9,52":5952,"9,53":5953,"9,54":5954,"9,55":5955,"9,56":5956,"9,57":5957,"9,58":5958,"9,59":5959,"9,60":5960,"9,61":5961,"9,62":5962,"9,63":5963,"9,64":5964,"9,65":5965,"9,66":5966,"9,67":5967,"9,68":5968,"9,69":5969,"9,70":5970,"9,71":5971,"9,72":5972,"9,73":5973,"9,74":5974,"9,75":5975,"9,76":5976,"9,77":5977,"9,78":5978,"9,79":5979,"9,80":5980,"9,81":5981,"9,82":5982,"9,83":5983,"9,84":5984,"9,85":5985,"9,86":5986,"9,87":5987,"9,88":5988,"9,89":5989,"9,90":5990,"9,91":5991,"9,92":5992,"9,93":5993,"9,94":5994,"9,95":5995,"9,96":5996,"9,97":5997,"9,98":5998,"9,99":5999,"9,100":6000,"9,101":6001,"9,102":6002,"9,103":6003,"9,104":6004,"9,105":6005,"9,106":6006,"9,107":6007,"9,108":6008,"9,109":6009,"9,110":6010,"9,111":6011,"9,112":6012,"9,113":6013,"9,114":6014,"9,115":6015,"9,116":6016,"9,117":6017,"9,118":6018,"9,119":6019,"9,120":6020,"9,121":6021,"9,122":6022,"9,123":6023,"9,124":6024,"9,125":6025,"9,126":6026,"9,127":6027,"9,128":6028,"9,129":6029,"9,130":6030,"9,131":6031,"9,132":6032,"9,133":6033,"9,134":6034,"9,135":6035,"9,136":6036,"9,137":6037,"9,138":6038,"9,139":6039,"9,140":6040,"9,141":6041,"9,142":6042,"9,143":6043,"9,144":6044,"9,145":6045,"9,146":6046,"9,147":6047,"9,148":6048,"9,149":6049,"9,150":6050,"9,151":6051,"9,152":6052,"9,153":6053,"9,154":6054,"9,155":6055,"9,156":6056,"9,157":6057,"9,158":6058,"9,159":6059,"9,160":6060,"9,161":6061,"9,162":6062,"9,163":6063,"9,164":6064,"9,165":6065,"9,166":6066,"9,167":6067,"9,168":6068,"9,169":6069,"9,170":6070,"9,171":6071,"9,172":6072,"9,173":6073,"9,174":6074,"9,175":6075,"9,176":6076,"9,177":6077,"9,178":6078,"9,179":6079,"9,180":6080,"9,181":6081,"9,182":6082,"9,183":6083,"9,184":6084,"9,185":6085,"9,186":6086,"9,187":6087,"9,188":6088,"9,189":6089,"9,190":6090,"9,191":6091,"9,192":6092,"9,193":6093,"9,194":6094,"9,195":6095,"9,196":6096,"9,197":6097,"9,198":6098,"9,199":6099,"9,200":6100,"9,201":6101,"9,202":6102,"9,203":6103,"9,204":6104,"9,205":6105,"9,206":6106,"9,207":6107,"9,208":6108,"9,209":6109,"9,210":6110,"9,211":6111,"9,212":6112,"9,213":6113,"9,214":6114,"9,215":6115,"9,216":6116,"9,217":6117,"9,218":6118,"9,219":6119,"9,220":6120,"9,221":6121,"9,222":6122,"9,223":6123,"9,224":6124,"9,225":6125,"9,226":6126,"9,227":6127,"9,228":6128,"9,229":6129,"9,230":6130,"9,231":6131,"9,232":6132,"9,233":6133,"9,234":6134,"9,235":6135,"9,236":6136,"9,237":6137,"9,238":6138,"9,239":6139,"9,240":6140,"9,241":6141,"9,242":6142,"9,243":6143,"9,244":6144,"9,245":6145,"9,246":6146,"9,247":6147,"9,248":6148,"9,249":6149,"9,250":6150,"9,251":6151,"9,252":6152,"9,253":6153,"9,254":6154,"9,255":6155,"9,256":6156,"9,257":6157,"9,258":6158,"9,259":6159,"9,260":6160,"9,261":6161,"9,262":6162,"9,263":6163,"9,264":6164,"9,265":6165,"9,266":6166,"9,267":6167,"9,268":6168,"9,269":6169,"9,270":6170,"9,271":6171,"9,272":6172,"9,273":6173,"9,274":6174,"9,275":6175,"9,276":6176,"9,277":6177,"9,278":6178,"9,279":6179,"9,280":6180,"9,281":6181,"9,282":6182,"9,283":6183,"9,284":6184,"9,285":6185,"9,286":6186,"9,287":6187,"9,288":6188,"9,289":6189,"9,290":6190,"9,291":6191,"9,292":6192,"9,293":6193,"9,294":6194,"9,295":6195,"9,296":6196,"9,297":6197,"9,298":6198,"9,299":6199,"9,300":6200,"9,301":6201,"9,302":6202,"9,303":6203,"9,304":6204,"9,305":6205,"9,306":6206,"9,307":6207,"9,308":6208,"9,309":6209,"9,310":6210,"9,311":6211,"9,312":6212,"9,313":6213,"9,314":6214,"9,315":6215,"9,316":6216,"9,317":6217,"9,318":6218,"9,319":6219,"9,320":6220,"9,321":6221,"9,322":6222,"9,323":6223,"9,324":6224,"9,325":6225,"9,326":6226,"9,327":6227,"9,328":6228,"9,329":6229,"9,330":6230,"9,331":6231,"9,332":6232,"9,333":6233,"9,334":6234,"9,335":6235,"9,336":6236,"9,337":6237,"9,338":6238,"9,339":6239,"9,340":6240,"9,341":6241,"9,342":6242,"9,343":6243,"9,344":6244,"9,345":6245,"9,346":6246,"9,347":6247,"9,348":6248,"9,349":6249,"9,350":6250,"9,351":6251,"9,352":6252,"9,353":6253,"9,354":6254,"9,355":6255,"9,356":6256,"9,357":6257,"9,358":6258,"9,359":6259,"9,360":6260,"9,361":6261,"9,362":6262,"9,363":6263,"9,364":6264,"9,365":6265,"9,366":6266,"9,367":6267,"9,368":6268,"9,369":6269,"9,370":6270,"9,371":6271,"9,372":6272,"9,373":6273,"9,374":6274,"9,375":6275,"9,376":6276,"9,377":6277,"9,378":6278,"9,379":6279,"9,380":6280,"9,381":6281,"9,382":6282,"9,383":6283,"9,384":6284,"9,385":6285,"9,386":6286,"9,387":6287,"9,388":6288,"9,389":6289,"9,390":6290,"9,391":6291,"9,392":6292,"9,393":6293,"9,394":6294,"9,395":6295,"9,396":6296,"9,397":6297,"9,398":6298,"9,399":6299,"9,400":6300,"9,401":6301,"9,402":6302,"9,403":6303,"9,404":6304,"9,405":6305,"9,406":6306,"9,407":6307,"9,408":6308,"9,409":6309,"9,410":6310,"9,411":6311,"9,412":6312,"9,413":6313,"9,414":6314,"9,415":6315,"9,416":6316,"9,417":6317,"9,418":6318,"9,419":6319,"9,420":6320,"9,421":6321,"9,422":6322,"9,423":6323,"9,424":6324,"9,425":6325,"9,426":6326,"9,427":6327,"9,428":6328,"9,429":6329,"9,430":6330,"9,431":6331,"9,432":6332,"9,433":6333,"9,434":6334,"9,435":6335,"9,436":6336,"9,437":6337,"9,438":6338,"9,439":6339,"9,440":6340,"9,441":6341,"9,442":6342,"9,443":6343,"9,444":6344,"9,445":6345,"9,446":6346,"9,447":6347,"9,448":6348,"9,449":6349,"9,450":6350,"9,451":6351,"9,452":6352,"9,453":6353,"9,454":6354,"9,455":6355,"9,456":6356,"9,457":6357,"9,458":6358,"9,459":6359,"9,460":6360,"9,461":6361,"9,462":6362,"9,463":6363,"9,464":6364,"9,465":6365,"9,466":6366,"9,467":6367,"9,468":6368,"9,469":6369,"9,470":6370,"9,471":6371,"9,472":6372,"9,473":6373,"9,474":6374,"9,475":6375,"9,476":6376,"9,477":6377,"9,478":6378,"9,479":6379,"9,480":6380,"9,481":6381,"9,482":6382,"9,483":6383,"9,484":6384,"9,485":6385,"9,486":6386,"9,487":6387,"9,488":6388,"9,489":6389,"9,490":6390,"9,491":6391,"9,492":6392,"9,493":6393,"9,494":6394,"9,495":6395,"9,496":6396,"9,497":6397,"9,498":6398,"9,499":6399,"9,500":6400,"9,501":6401,"9,502":6402,"9,503":6403,"9,504":6404,"9,505":6405,"9,506":6406,"9,507":6407,"9,508":6408,"9,509":6409,"9,510":6410,"9,511":6411,"9,512":6412,"9,513":6413,"9,514":6414,"9,515":6415,"9,516":6416,"9,517":6417,"9,518":6418,"9,519":6419,"9,520":6420,"9,521":6421,"9,522":6422,"9,523":6423,"9,524":6424,"9,525":6425,"9,526":6426,"9,527":6427,"9,528":6428,"9,529":6429,"9,530":6430,"9,531":6431,"9,532":6432,"9,533":6433,"9,534":6434,"9,535":6435,"9,536":6436,"9,537":6437,"9,538":6438,"9,539":6439,"9,540":6440,"9,541":6441,"9,542":6442,"9,543":6443,"9,544":6444,"9,545":6445,"9,546":6446,"9,547":6447,"9,548":6448,"9,549":6449,"9,550":6450,"9,551":6451,"9,552":6452,"9,553":6453,"9,554":6454,"9,555":6455,"9,556":6456,"9,557":6457,"9,558":6458,"9,559":6459,"9,560":6460,"9,561":6461,"9,562":6462,"9,563":6463,"9,564":6464,"9,565":6465,"9,566":6466,"9,567":6467,"9,568":6468,"9,569":6469,"9,570":6470,"9,571":6471,"9,572":6472,"9,573":6473,"9,574":6474,"9,575":6475,"9,576":6476,"9,577":6477,"9,578":6478,"9,579":6479,"9,580":6480,"9,581":6481,"9,582":6482,"9,583":6483,"9,584":6484,"9,585":6485,"9,586":6486,"9,587":6487,"9,588":6488,"9,589":6489,"9,590":6490,"9,591":6491,"9,592":6492,"9,593":6493,"9,594":6494,"9,595":6495,"9,596":6496,"9,597":6497,"9,598":6498,"9,599":6499,"9,600":6500,"9,601":6501,"9,602":6502,"9,603":6503,"9,604":6504,"9,605":6505,"9,606":6506,"9,607":6507,"9,608":6508,"9,609":6509,"9,610":6510,"9,611":6511,"9,612":6512,"9,613":6513,"9,614":6514,"9,615":6515,"9,616":6516,"9,617":6517,"9,618":6518,"9,619":6519,"9,620":6520,"9,621":6521,"9,622":6522,"9,623":6523,"9,624":6524,"9,625":6525,"9,626":6526,"9,627":6527,"9,628":6528,"9,629":6529,"9,630":6530,"9,631":6531,"9,632":6532,"9,633":6533,"9,634":6534,"9,635":6535,"9,636":6536,"9,637":6537,"9,638":6538,"9,639":6539,"9,640":6540,"9,641":6541,"9,642":6542,"9,643":6543,"9,644":6544,"9,645":6545,"9,646":6546,"9,647":6547,"9,648":6548,"9,649":6549,"9,650":6550,"9,651":6551,"9,652":6552,"9,653":6553,"9,654":6554,"9,655":6555,"9,656":6556,"9,657":6557,"9,658":6558,"9,659":6559,"9,660":6560,"9,661":6561,"9,662":6562,"9,663":6563,"9,664":6564,"9,665":6565,"9,666":6566,"9,667":6567,"9,668":6568,"9,669":6569,"9,670":6570,"9,671":6571,"9,672":6572,"9,673":6573,"9,674":6574,"9,675":6575,"9,676":6576,"9,677":6577,"9,678":6578,"9,679":6579,"9,680":6580,"9,681":6581,"9,682":6582,"9,683":6583,"9,684":6584,"9,685":6585,"9,686":6586,"9,687":6587,"9,688":6588,"9,689":6589,"9,690":6590,"9,691":6591,"9,692":6592,"9,693":6593,"9,694":6594,"9,695":6595,"9,696":6596,"9,697":6597,"9,698":6598,"9,699":6599,"9,700":6600,"9,701":6601,"9,702":6602,"9,703":6603,"9,704":6604,"9,705":6605,"9,706":6606,"9,707":6607,"9,708":6608,"9,709":6609,"9,710":6610,"9,711":6611,"9,712":6612,"9,713":6613,"9,714":6614,"9,715":6615,"9,716":6616,"9,717":6617,"9,718":6618,"9,719":6619,"9,720":6620,"9,721":6621,"9,722":6622,"9,723":6623,"9,724":6624,"9,725":6625,"9,726":6626,"9,727":6627,"9,728":6628,"9,729":6629,"9,730":6630,"9,731":6631,"9,732":6632,"9,733":6633,"9,734":6634,"9,735":6635,"9,736":6636,"9,737":6637,"9,738":6638,"9,739":6639,"9,740":6640,"9,741":6641,"9,742":6642,"9,743":6643,"9,744":6644,"9,745":6645,"9,746":6646,"9,747":6647,"9,748":6648,"9,749":6649,"9,750":6650,"9,751":6651,"9,752":6652,"9,753":6653,"9,754":6654,"9,755":6655,"9,756":6656,"9,757":6657,"9,758":6658,"9,759":6659,"9,760":6660,"9,761":6661,"9,762":6662,"9,763":6663,"9,764":6664,"9,765":6665,"9,766":6666,"9,767":6667,"9,768":6668,"9,769":6669,"9,770":6670,"9,771":6671,"9,772":6672,"9,773":6673,"9,774":6674,"9,775":6675,"9,776":6676,"9,777":6677,"9,778":6678,"9,779":6679,"9,780":6680,"10,5":6681,"10,6":6682,"10,7":6683,"10,8":6684,"10,9":6685,"10,10":6686,"10,11":6687,"10,12":6688,"10,13":6689,"10,14":6690,"10,15":6691,"10,16":6692,"10,17":6693,"10,18":6694,"10,19":6695,"10,20":6696,"10,21":6697,"10,22":6698,"10,23":6699,"10,24":6700,"10,25":6701,"10,26":6702,"10,27":6703,"10,28":6704,"10,29":6705,"10,30":6706,"10,31":6707,"10,32":6708,"10,33":6709,"10,34":6710,"10,35":6711,"10,36":6712,"10,37":6713,"10,38":6714,"10,39":6715,"10,40":6716,"10,41":6717,"10,42":6718,"10,43":6719,"10,44":6720,"10,45":6721,"10,46":6722,"10,47":6723,"10,48":6724,"10,49":6725,"10,50":6726,"10,51":6727,"10,52":6728,"10,53":6729,"10,54":6730,"10,55":6731,"10,56":6732,"10,57":6733,"10,58":6734,"10,59":6735,"10,60":6736,"10,61":6737,"10,62":6738,"10,63":6739,"10,64":6740,"10,65":6741,"10,66":6742,"10,67":6743,"10,68":6744,"10,69":6745,"10,70":6746,"10,71":6747,"10,72":6748,"10,73":6749,"10,74":6750,"10,75":6751,"10,76":6752,"10,77":6753,"10,78":6754,"10,79":6755,"10,80":6756,"10,81":6757,"10,82":6758,"10,83":6759,"10,84":6760,"10,85":6761,"10,86":6762,"10,87":6763,"10,88":6764,"10,89":6765,"10,90":6766,"10,91":6767,"10,92":6768,"10,93":6769,"10,94":6770,"10,95":6771,"10,96":6772,"10,97":6773,"10,98":6774,"10,99":6775,"10,100":6776,"10,101":6777,"10,102":6778,"10,103":6779,"10,104":6780,"10,105":6781,"10,106":6782,"10,107":6783,"10,108":6784,"10,109":6785,"10,110":6786,"10,111":6787,"10,112":6788,"10,113":6789,"10,114":6790,"10,115":6791,"10,116":6792,"10,117":6793,"10,118":6794,"10,119":6795,"10,120":6796,"10,121":6797,"10,122":6798,"10,123":6799,"10,124":6800,"10,125":6801,"10,126":6802,"10,127":6803,"10,128":6804,"10,129":6805,"10,130":6806,"10,131":6807,"10,132":6808,"10,133":6809,"10,134":6810,"10,135":6811,"10,136":6812,"10,137":6813,"10,138":6814,"10,139":6815,"10,140":6816,"10,141":6817,"10,142":6818,"10,143":6819,"10,144":6820,"10,145":6821,"10,146":6822,"10,147":6823,"10,148":6824,"10,149":6825,"10,150":6826,"10,151":6827,"10,152":6828,"10,153":6829,"10,154":6830,"10,155":6831,"10,156":6832,"10,157":6833,"10,158":6834,"10,159":6835,"10,160":6836,"10,161":6837,"10,162":6838,"10,163":6839,"10,164":6840,"10,165":6841,"10,166":6842,"10,167":6843,"10,168":6844,"10,169":6845,"10,170":6846,"10,171":6847,"10,172":6848,"10,173":6849,"10,174":6850,"10,175":6851,"10,176":6852,"10,177":6853,"10,178":6854,"10,179":6855,"10,180":6856,"10,181":6857,"10,182":6858,"10,183":6859,"10,184":6860,"10,185":6861,"10,186":6862,"10,187":6863,"10,188":6864,"10,189":6865,"10,190":6866,"10,191":6867,"10,192":6868,"10,193":6869,"10,194":6870,"10,195":6871,"10,196":6872,"10,197":6873,"10,198":6874,"10,199":6875,"10,200":6876,"10,201":6877,"10,202":6878,"10,203":6879,"10,204":6880,"10,205":6881,"10,206":6882,"10,207":6883,"10,208":6884,"10,209":6885,"10,210":6886,"10,211":6887,"10,212":6888,"10,213":6889,"10,214":6890,"10,215":6891,"10,216":6892,"10,217":6893,"10,218":6894,"10,219":6895,"10,220":6896,"10,221":6897,"10,222":6898,"10,223":6899,"10,224":6900,"10,225":6901,"10,226":6902,"10,227":6903,"10,228":6904,"10,229":6905,"10,230":6906,"10,231":6907,"10,232":6908,"10,233":6909,"10,234":6910,"10,235":6911,"10,236":6912,"10,237":6913,"10,238":6914,"10,239":6915,"10,240":6916,"10,241":6917,"10,242":6918,"10,243":6919,"10,244":6920,"10,245":6921,"10,246":6922,"10,247":6923,"10,248":6924,"10,249":6925,"10,250":6926,"10,251":6927,"10,252":6928,"10,253":6929,"10,254":6930,"10,255":6931,"10,256":6932,"10,257":6933,"10,258":6934,"10,259":6935,"10,260":6936,"10,261":6937,"10,262":6938,"10,263":6939,"10,264":6940,"10,265":6941,"10,266":6942,"10,267":6943,"10,268":6944,"10,269":6945,"10,270":6946,"10,271":6947,"10,272":6948,"10,273":6949,"10,274":6950,"10,275":6951,"10,276":6952,"10,277":6953,"10,278":6954,"10,279":6955,"10,280":6956,"10,281":6957,"10,282":6958,"10,283":6959,"10,284":6960,"10,285":6961,"10,286":6962,"10,287":6963,"10,288":6964,"10,289":6965,"10,290":6966,"10,291":6967,"10,292":6968,"10,293":6969,"10,294":6970,"10,295":6971,"10,296":6972,"10,297":6973,"10,298":6974,"10,299":6975,"10,300":6976,"10,301":6977,"10,302":6978,"10,303":6979,"10,304":6980,"10,305":6981,"10,306":6982,"10,307":6983,"10,308":6984,"10,309":6985,"10,310":6986,"10,311":6987,"10,312":6988,"10,313":6989,"10,314":6990,"10,315":6991,"10,316":6992,"10,317":6993,"10,318":6994,"10,319":6995,"10,320":6996,"10,321":6997,"10,322":6998,"10,323":6999,"10,324":7000,"10,325":7001,"10,326":7002,"10,327":7003,"10,328":7004,"10,329":7005,"10,330":7006,"10,331":7007,"10,332":7008,"10,333":7009,"10,334":7010,"10,335":7011,"10,336":7012,"10,337":7013,"10,338":7014,"10,339":7015,"10,340":7016,"10,341":7017,"10,342":7018,"10,343":7019,"10,344":7020,"10,345":7021,"10,346":7022,"10,347":7023,"10,348":7024,"10,349":7025,"10,350":7026,"10,351":7027,"10,352":7028,"10,353":7029,"10,354":7030,"10,355":7031,"10,356":7032,"10,357":7033,"10,358":7034,"10,359":7035,"10,360":7036,"10,361":7037,"10,362":7038,"10,363":7039,"10,364":7040,"10,365":7041,"10,366":7042,"10,367":7043,"10,368":7044,"10,369":7045,"10,370":7046,"10,371":7047,"10,372":7048,"10,373":7049,"10,374":7050,"10,375":7051,"10,376":7052,"10,377":7053,"10,378":7054,"10,379":7055,"10,380":7056,"10,381":7057,"10,382":7058,"10,383":7059,"10,384":7060,"10,385":7061,"10,386":7062,"10,387":7063,"10,388":7064,"10,389":7065,"10,390":7066,"10,391":7067,"10,392":7068,"10,393":7069,"10,394":7070,"10,395":7071,"10,396":7072,"10,397":7073,"10,398":7074,"10,399":7075,"10,400":7076,"10,401":7077,"10,402":7078,"10,403":7079,"10,404":7080,"10,405":7081,"10,406":7082,"10,407":7083,"10,408":7084,"10,409":7085,"10,410":7086,"10,411":7087,"10,412":7088,"10,413":7089,"10,414":7090,"10,415":7091,"10,416":7092,"10,417":7093,"10,418":7094,"10,419":7095,"10,420":7096,"10,421":7097,"10,422":7098,"10,423":7099,"10,424":7100,"10,425":7101,"10,426":7102,"10,427":7103,"10,428":7104,"10,429":7105,"10,430":7106,"10,431":7107,"10,432":7108,"10,433":7109,"10,434":7110,"10,435":7111,"10,436":7112,"10,437":7113,"10,438":7114,"10,439":7115,"10,440":7116,"10,441":7117,"10,442":7118,"10,443":7119,"10,444":7120,"10,445":7121,"10,446":7122,"10,447":7123,"10,448":7124,"10,449":7125,"10,450":7126,"10,451":7127,"10,452":7128,"10,453":7129,"10,454":7130,"10,455":7131,"10,456":7132,"10,457":7133,"10,458":7134,"10,459":7135,"10,460":7136,"10,461":7137,"10,462":7138,"10,463":7139,"10,464":7140,"10,465":7141,"10,466":7142,"10,467":7143,"10,468":7144,"10,469":7145,"10,470":7146,"10,471":7147,"10,472":7148,"10,473":7149,"10,474":7150,"10,475":7151,"10,476":7152,"10,477":7153,"10,478":7154,"10,479":7155,"10,480":7156,"10,481":7157,"10,482":7158,"10,483":7159,"10,484":7160,"10,485":7161,"10,486":7162,"10,487":7163,"10,488":7164,"10,489":7165,"10,490":7166,"10,491":7167,"10,492":7168,"10,493":7169,"10,494":7170,"10,495":7171,"10,496":7172,"10,497":7173,"10,498":7174,"10,499":7175,"10,500":7176,"10,501":7177,"10,502":7178,"10,503":7179,"10,504":7180,"10,505":7181,"10,506":7182,"10,507":7183,"10,508":7184,"10,509":7185,"10,510":7186,"10,511":7187,"10,512":7188,"10,513":7189,"10,514":7190,"10,515":7191,"10,516":7192,"10,517":7193,"10,518":7194,"10,519":7195,"10,520":7196,"10,521":7197,"10,522":7198,"10,523":7199,"10,524":7200,"10,525":7201,"10,526":7202,"10,527":7203,"10,528":7204,"10,529":7205,"10,530":7206,"10,531":7207,"10,532":7208,"10,533":7209,"10,534":7210,"10,535":7211,"10,536":7212,"10,537":7213,"10,538":7214,"10,539":7215,"10,540":7216,"10,541":7217,"10,542":7218,"10,543":7219,"10,544":7220,"10,545":7221,"10,546":7222,"10,547":7223,"10,548":7224,"10,549":7225,"10,550":7226,"10,551":7227,"10,552":7228,"10,553":7229,"10,554":7230,"10,555":7231,"10,556":7232,"10,557":7233,"10,558":7234,"10,559":7235,"10,560":7236,"10,561":7237,"10,562":7238,"10,563":7239,"10,564":7240,"10,565":7241,"10,566":7242,"10,567":7243,"10,568":7244,"10,569":7245,"10,570":7246,"10,571":7247,"10,572":7248,"10,573":7249,"10,574":7250,"10,575":7251,"10,576":7252,"10,577":7253,"10,578":7254,"10,579":7255,"10,580":7256,"10,581":7257,"10,582":7258,"10,583":7259,"10,584":7260,"10,585":7261,"10,586":7262,"10,587":7263,"10,588":7264,"10,589":7265,"10,590":7266,"10,591":7267,"10,592":7268,"10,593":7269,"10,594":7270,"10,595":7271,"10,596":7272,"10,597":7273,"10,598":7274,"10,599":7275,"10,600":7276,"10,601":7277,"10,602":7278,"10,603":7279,"10,604":7280,"10,605":7281,"10,606":7282,"10,607":7283,"10,608":7284,"10,609":7285,"10,610":7286,"10,611":7287,"10,612":7288,"10,613":7289,"10,614":7290,"10,615":7291,"10,616":7292,"10,617":7293,"10,618":7294,"10,619":7295,"10,620":7296,"10,621":7297,"10,622":7298,"10,623":7299,"10,624":7300,"10,625":7301,"10,626":7302,"10,627":7303,"10,628":7304,"10,629":7305,"10,630":7306,"10,631":7307,"10,632":7308,"10,633":7309,"10,634":7310,"10,635":7311,"10,636":7312,"10,637":7313,"10,638":7314,"10,639":7315,"10,640":7316,"10,641":7317,"10,642":7318,"10,643":7319,"10,644":7320,"10,645":7321,"10,646":7322,"10,647":7323,"10,648":7324,"10,649":7325,"10,650":7326,"10,651":7327,"10,652":7328,"10,653":7329,"10,654":7330,"10,655":7331,"10,656":7332,"10,657":7333,"10,658":7334,"10,659":7335,"10,660":7336,"10,661":7337,"10,662":7338,"10,663":7339,"10,664":7340,"10,665":7341,"10,666":7342,"10,667":7343,"10,668":7344,"10,669":7345,"10,670":7346,"10,671":7347,"10,672":7348,"10,673":7349,"10,674":7350,"10,675":7351,"10,676":7352,"10,677":7353,"10,678":7354,"10,679":7355,"10,680":7356,"10,681":7357,"10,682":7358,"10,683":7359,"10,684":7360,"10,685":7361,"10,686":7362,"10,687":7363,"10,688":7364,"10,689":7365,"10,690":7366,"10,691":7367,"10,692":7368,"10,693":7369,"10,694":7370,"10,695":7371,"10,696":7372,"10,697":7373,"10,698":7374,"10,699":7375,"10,700":7376,"10,701":7377,"10,702":7378,"10,703":7379,"10,704":7380,"10,705":7381,"10,706":7382,"10,707":7383,"10,708":7384,"10,709":7385,"10,710":7386,"10,711":7387,"10,712":7388,"10,713":7389,"10,714":7390,"10,715":7391,"10,716":7392,"10,717":7393,"10,718":7394,"10,719":7395,"10,720":7396,"10,721":7397,"10,722":7398,"10,723":7399,"10,724":7400,"10,725":7401,"10,726":7402,"10,727":7403,"10,728":7404,"10,729":7405,"10,730":7406,"10,731":7407,"10,732":7408,"10,733":7409,"10,734":7410,"10,735":7411,"10,736":7412,"10,737":7413,"10,738":7414,"10,739":7415,"10,740":7416,"10,741":7417,"11,5":7418,"11,6":7419,"11,7":7420,"11,8":7421,"11,9":7422,"11,10":7423,"11,11":7424,"11,12":7425,"11,13":7426,"11,14":7427,"11,15":7428,"11,16":7429,"11,17":7430,"11,18":7431,"11,19":7432,"11,20":7433,"11,21":7434,"11,22":7435,"11,23":7436,"11,24":7437,"11,25":7438,"11,26":7439,"11,27":7440,"11,28":7441,"11,29":7442,"11,30":7443,"11,31":7444,"11,32":7445,"11,33":7446,"11,34":7447,"11,35":7448,"11,36":7449,"11,37":7450,"11,38":7451,"11,39":7452,"11,40":7453,"11,41":7454,"11,42":7455,"11,43":7456,"11,44":7457,"11,45":7458,"11,46":7459,"11,47":7460,"11,48":7461,"11,49":7462,"11,50":7463,"11,51":7464,"11,52":7465,"11,53":7466,"11,54":7467,"11,55":7468,"11,56":7469,"11,57":7470,"11,58":7471,"11,59":7472,"11,60":7473,"11,61":7474,"11,62":7475,"11,63":7476,"11,64":7477,"11,65":7478,"11,66":7479,"11,67":7480,"11,68":7481,"11,69":7482,"11,70":7483,"11,71":7484,"11,72":7485,"11,73":7486,"11,74":7487,"11,75":7488,"11,76":7489,"11,77":7490,"11,78":7491,"11,79":7492,"11,80":7493,"11,81":7494,"11,82":7495,"11,83":7496,"11,84":7497,"11,85":7498,"11,86":7499,"11,87":7500,"11,88":7501,"11,89":7502,"11,90":7503,"11,91":7504,"11,92":7505,"11,93":7506,"11,94":7507,"11,95":7508,"11,96":7509,"11,97":7510,"11,98":7511,"11,99":7512,"11,100":7513,"11,101":7514,"11,102":7515,"11,103":7516,"11,104":7517,"11,105":7518,"11,106":7519,"11,107":7520,"11,108":7521,"11,109":7522,"11,110":7523,"11,111":7524,"11,112":7525,"11,113":7526,"11,114":7527,"11,115":7528,"11,116":7529,"11,117":7530,"11,118":7531,"11,119":7532,"11,120":7533,"11,121":7534,"11,122":7535,"11,123":7536,"11,124":7537,"11,125":7538,"11,126":7539,"11,127":7540,"11,128":7541,"11,129":7542,"11,130":7543,"11,131":7544,"11,132":7545,"11,133":7546,"11,134":7547,"11,135":7548,"11,136":7549,"11,137":7550,"11,138":7551,"11,139":7552,"11,140":7553,"11,141":7554,"11,142":7555,"11,143":7556,"11,144":7557,"11,145":7558,"11,146":7559,"11,147":7560,"11,148":7561,"11,149":7562,"11,150":7563,"11,151":7564,"11,152":7565,"11,153":7566,"11,154":7567,"11,155":7568,"11,156":7569,"11,157":7570,"11,158":7571,"11,159":7572,"11,160":7573,"11,161":7574,"11,162":7575,"11,163":7576,"11,164":7577,"11,165":7578,"11,166":7579,"11,167":7580,"11,168":7581,"11,169":7582,"11,170":7583,"11,171":7584,"11,172":7585,"11,173":7586,"11,174":7587,"11,175":7588,"11,176":7589,"11,177":7590,"11,178":7591,"11,179":7592,"11,180":7593,"11,181":7594,"11,182":7595,"11,183":7596,"11,184":7597,"11,185":7598,"11,186":7599,"11,187":7600,"11,188":7601,"11,189":7602,"11,190":7603,"11,191":7604,"11,192":7605,"11,193":7606,"11,194":7607,"11,195":7608,"11,196":7609,"11,197":7610,"11,198":7611,"11,199":7612,"11,200":7613,"11,201":7614,"11,202":7615,"11,203":7616,"11,204":7617,"11,205":7618,"11,206":7619,"11,207":7620,"11,208":7621,"11,209":7622,"11,210":7623,"11,211":7624,"11,212":7625,"11,213":7626,"11,214":7627,"11,215":7628,"11,216":7629,"11,217":7630,"11,218":7631,"11,219":7632,"11,220":7633,"11,221":7634,"11,222":7635,"11,223":7636,"11,224":7637,"11,225":7638,"11,226":7639,"11,227":7640,"11,228":7641,"11,229":7642,"11,230":7643,"11,231":7644,"11,232":7645,"11,233":7646,"11,234":7647,"11,235":7648,"11,236":7649,"11,237":7650,"11,238":7651,"11,239":7652,"11,240":7653,"11,241":7654,"11,242":7655,"11,243":7656,"11,244":7657,"11,245":7658,"11,246":7659,"11,247":7660,"11,248":7661,"11,249":7662,"11,250":7663,"11,251":7664,"11,252":7665,"11,253":7666,"11,254":7667,"11,255":7668,"11,256":7669,"11,257":7670,"11,258":7671,"11,259":7672,"11,260":7673,"11,261":7674,"11,262":7675,"11,263":7676,"11,264":7677,"11,265":7678,"11,266":7679,"11,267":7680,"11,268":7681,"11,269":7682,"11,270":7683,"11,271":7684,"11,272":7685,"11,273":7686,"11,274":7687,"11,275":7688,"11,276":7689,"11,277":7690,"11,278":7691,"11,279":7692,"11,280":7693,"11,281":7694,"11,282":7695,"11,283":7696,"11,284":7697,"11,285":7698,"11,286":7699,"11,287":7700,"11,288":7701,"11,289":7702,"11,290":7703,"11,291":7704,"11,292":7705,"11,293":7706,"11,294":7707,"11,295":7708,"11,296":7709,"11,297":7710,"11,298":7711,"11,299":7712,"11,300":7713,"11,301":7714,"11,302":7715,"11,303":7716,"11,304":7717,"11,305":7718,"11,306":7719,"11,307":7720,"11,308":7721,"11,309":7722,"11,310":7723,"11,311":7724,"11,312":7725,"11,313":7726,"11,314":7727,"11,315":7728,"11,316":7729,"11,317":7730,"11,318":7731,"11,319":7732,"11,320":7733,"11,321":7734,"11,322":7735,"11,323":7736,"11,324":7737,"11,325":7738,"11,326":7739,"11,327":7740,"11,328":7741,"11,329":7742,"11,330":7743,"11,331":7744,"11,332":7745,"11,333":7746,"11,334":7747,"11,335":7748,"11,336":7749,"11,337":7750,"11,338":7751,"11,339":7752,"11,340":7753,"11,341":7754,"11,342":7755,"11,343":7756,"11,344":7757,"11,345":7758,"11,346":7759,"11,347":7760,"11,348":7761,"11,349":7762,"11,350":7763,"11,351":7764,"11,352":7765,"11,353":7766,"11,354":7767,"11,355":7768,"11,356":7769,"11,357":7770,"11,358":7771,"11,359":7772,"11,360":7773,"11,361":7774,"11,362":7775,"11,363":7776,"11,364":7777,"11,365":7778,"11,366":7779,"11,367":7780,"11,368":7781,"11,369":7782,"11,370":7783,"11,371":7784,"11,372":7785,"11,373":7786,"11,374":7787,"11,375":7788,"11,376":7789,"11,377":7790,"11,378":7791,"11,379":7792,"11,380":7793,"11,381":7794,"11,382":7795,"11,383":7796,"11,384":7797,"11,385":7798,"11,386":7799,"11,387":7800,"11,388":7801,"11,389":7802,"11,390":7803,"11,391":7804,"11,392":7805,"11,393":7806,"11,394":7807,"11,395":7808,"11,396":7809,"11,397":7810,"11,398":7811,"11,399":7812,"11,400":7813,"11,401":7814,"11,402":7815,"11,403":7816,"11,404":7817,"11,405":7818,"11,406":7819,"11,407":7820,"11,408":7821,"11,409":7822,"11,410":7823,"11,411":7824,"11,412":7825,"11,413":7826,"11,414":7827,"11,415":7828,"11,416":7829,"11,417":7830,"11,418":7831,"11,419":7832,"11,420":7833,"11,421":7834,"11,422":7835,"11,423":7836,"11,424":7837,"11,425":7838,"11,426":7839,"11,427":7840,"11,428":7841,"11,429":7842,"11,430":7843,"11,431":7844,"11,432":7845,"11,433":7846,"11,434":7847,"11,435":7848,"11,436":7849,"11,437":7850,"11,438":7851,"11,439":7852,"11,440":7853,"11,441":7854,"11,442":7855,"11,443":7856,"11,444":7857,"11,445":7858,"11,446":7859,"11,447":7860,"11,448":7861,"11,449":7862,"11,450":7863,"11,451":7864,"11,452":7865,"11,453":7866,"11,454":7867,"11,455":7868,"11,456":7869,"11,457":7870,"11,458":7871,"11,459":7872,"11,460":7873,"11,461":7874,"11,462":7875,"11,463":7876,"11,464":7877,"11,465":7878,"11,466":7879,"11,467":7880,"11,468":7881,"11,469":7882,"11,470":7883,"11,471":7884,"11,472":7885,"11,473":7886,"11,474":7887,"11,475":7888,"11,476":7889,"11,477":7890,"11,478":7891,"11,479":7892,"11,480":7893,"11,481":7894,"11,482":7895,"11,483":7896,"11,484":7897,"11,485":7898,"11,486":7899,"11,487":7900,"11,488":7901,"11,489":7902,"11,490":7903,"11,491":7904,"11,492":7905,"11,493":7906,"11,494":7907,"11,495":7908,"11,496":7909,"11,497":7910,"11,498":7911,"11,499":7912,"11,500":7913,"11,501":7914,"11,502":7915,"11,503":7916,"11,504":7917,"11,505":7918,"11,506":7919,"11,507":7920,"11,508":7921,"11,509":7922,"11,510":7923,"11,511":7924,"11,512":7925,"11,513":7926,"11,514":7927,"11,515":7928,"11,516":7929,"11,517":7930,"11,518":7931,"11,519":7932,"11,520":7933,"11,521":7934,"11,522":7935,"11,523":7936,"11,524":7937,"11,525":7938,"11,526":7939,"11,527":7940,"11,528":7941,"11,529":7942,"11,530":7943,"11,531":7944,"11,532":7945,"11,533":7946,"11,534":7947,"11,535":7948,"11,536":7949,"11,537":7950,"11,538":7951,"11,539":7952,"11,540":7953,"11,541":7954,"11,542":7955,"11,543":7956,"11,544":7957,"11,545":7958,"11,546":7959,"11,547":7960,"11,548":7961,"11,549":7962,"11,550":7963,"11,551":7964,"11,552":7965,"11,553":7966,"11,554":7967,"11,555":7968,"11,556":7969,"11,557":7970,"11,558":7971,"11,559":7972,"11,560":7973,"11,561":7974,"11,562":7975,"11,563":7976,"11,564":7977,"11,565":7978,"11,566":7979,"11,567":7980,"11,568":7981,"11,569":7982,"11,570":7983,"11,571":7984,"11,572":7985,"11,573":7986,"11,574":7987,"11,575":7988,"11,576":7989,"11,577":7990,"11,578":7991,"11,579":7992,"11,580":7993,"11,581":7994,"11,582":7995,"11,583":7996,"11,584":7997,"11,585":7998,"11,586":7999,"11,587":8000,"11,588":8001,"11,589":8002,"11,590":8003,"11,591":8004,"11,592":8005,"11,593":8006,"11,594":8007,"11,595":8008,"11,596":8009,"11,597":8010,"11,598":8011,"11,599":8012,"11,600":8013,"11,601":8014,"11,602":8015,"11,603":8016,"11,604":8017,"11,605":8018,"11,606":8019,"11,607":8020,"11,608":8021,"11,609":8022,"11,610":8023,"11,611":8024,"11,612":8025,"11,613":8026,"11,614":8027,"11,615":8028,"11,616":8029,"11,617":8030,"11,618":8031,"11,619":8032,"11,620":8033,"11,621":8034,"11,622":8035,"11,623":8036,"11,624":8037,"11,625":8038,"11,626":8039,"11,627":8040,"11,628":8041,"11,629":8042,"11,630":8043,"11,631":8044,"11,632":8045,"11,633":8046,"11,634":8047,"11,635":8048,"11,636":8049,"11,637":8050,"11,638":8051,"11,639":8052,"11,640":8053,"11,641":8054,"11,642":8055,"11,643":8056,"11,644":8057,"11,645":8058,"11,646":8059,"11,647":8060,"11,648":8061,"11,649":8062,"11,650":8063,"11,651":8064,"11,652":8065,"11,653":8066,"11,654":8067,"11,655":8068,"11,656":8069,"11,657":8070,"11,658":8071,"11,659":8072,"11,660":8073,"11,661":8074,"11,662":8075,"11,663":8076,"11,664":8077,"11,665":8078,"11,666":8079,"11,667":8080,"11,668":8081,"11,669":8082,"11,670":8083,"11,671":8084,"11,672":8085,"11,673":8086,"11,674":8087,"11,675":8088,"11,676":8089,"11,677":8090,"11,678":8091,"11,679":8092,"11,680":8093,"11,681":8094,"11,682":8095,"11,683":8096,"11,684":8097,"11,685":8098,"11,686":8099,"11,687":8100,"11,688":8101,"11,689":8102,"11,690":8103,"11,691":8104,"11,692":8105,"11,693":8106,"11,694":8107,"11,695":8108,"11,696":8109,"11,697":8110,"11,698":8111,"11,699":8112,"11,700":8113,"11,701":8114,"11,702":8115,"11,703":8116,"11,704":8117,"11,705":8118,"11,706":8119,"11,707":8120,"11,708":8121,"11,709":8122,"11,710":8123,"11,711":8124,"11,712":8125,"11,713":8126,"11,714":8127,"11,715":8128,"11,716":8129,"11,717":8130,"11,718":8131,"11,719":8132,"11,720":8133,"11,721":8134,"11,722":8135,"11,723":8136,"11,724":8137,"11,725":8138,"11,726":8139,"11,727":8140,"11,728":8141,"11,729":8142,"11,730":8143,"11,731":8144,"11,732":8145,"11,733":8146,"11,734":8147,"11,735":8148,"11,736":8149,"11,737":8150,"11,738":8151,"11,739":8152,"11,740":8153,"11,741":8154,"11,742":8155,"11,743":8156,"11,744":8157,"11,745":8158,"11,746":8159,"11,747":8160,"11,748":8161,"11,749":8162,"11,750":8163,"11,751":8164,"11,752":8165,"11,753":8166,"11,754":8167,"11,755":8168,"11,756":8169,"11,757":8170,"11,758":8171,"11,759":8172,"11,760":8173,"11,761":8174,"11,762":8175,"11,763":8176,"11,764":8177,"11,765":8178,"11,766":8179,"11,767":8180,"11,768":8181,"11,769":8182,"11,770":8183,"11,771":8184,"11,772":8185,"11,773":8186,"11,774":8187,"11,775":8188,"11,776":8189,"11,777":8190,"11,778":8191,"11,779":8192,"11,780":8193,"11,781":8194,"11,782":8195,"12,5":8196,"12,6":8197,"12,7":8198,"12,8":8199,"12,9":8200,"12,10":8201,"12,11":8202,"12,12":8203,"12,13":8204,"12,14":8205,"12,15":8206,"12,16":8207,"12,17":8208,"12,18":8209,"12,19":8210,"12,20":8211,"12,21":8212,"12,22":8213,"12,23":8214,"12,24":8215,"12,25":8216,"12,26":8217,"12,27":8218,"12,28":8219,"12,29":8220,"12,30":8221,"12,31":8222,"12,32":8223,"12,33":8224,"12,34":8225,"12,35":8226,"12,36":8227,"12,37":8228,"12,38":8229,"12,39":8230,"12,40":8231,"12,41":8232,"12,42":8233,"12,43":8234,"12,44":8235,"12,45":8236,"12,46":8237,"12,47":8238,"12,48":8239,"12,49":8240,"12,50":8241,"12,51":8242,"12,52":8243,"12,53":8244,"12,54":8245,"12,55":8246,"12,56":8247,"12,57":8248,"12,58":8249,"12,59":8250,"12,60":8251,"12,61":8252,"12,62":8253,"12,63":8254,"12,64":8255,"12,65":8256,"12,66":8257,"12,67":8258,"12,68":8259,"12,69":8260,"12,70":8261,"12,71":8262,"12,72":8263,"12,73":8264,"12,74":8265,"12,75":8266,"12,76":8267,"12,77":8268,"12,78":8269,"12,79":8270,"12,80":8271,"12,81":8272,"12,82":8273,"12,83":8274,"12,84":8275,"12,85":8276,"12,86":8277,"12,87":8278,"12,88":8279,"12,89":8280,"12,90":8281,"12,91":8282,"12,92":8283,"12,93":8284,"12,94":8285,"12,95":8286,"12,96":8287,"12,97":8288,"12,98":8289,"12,99":8290,"12,100":8291,"12,101":8292,"12,102":8293,"12,103":8294,"12,104":8295,"12,105":8296,"12,106":8297,"12,107":8298,"12,108":8299,"12,109":8300,"12,110":8301,"12,111":8302,"12,112":8303,"12,113":8304,"12,114":8305,"12,115":8306,"12,116":8307,"12,117":8308,"12,118":8309,"12,119":8310,"12,120":8311,"12,121":8312,"12,122":8313,"12,123":8314,"12,124":8315,"12,125":8316,"12,126":8317,"12,127":8318,"12,128":8319,"12,129":8320,"12,130":8321,"12,131":8322,"12,132":8323,"12,133":8324,"12,134":8325,"12,135":8326,"12,136":8327,"12,137":8328,"12,138":8329,"12,139":8330,"12,140":8331,"12,141":8332,"12,142":8333,"12,143":8334,"12,144":8335,"12,145":8336,"12,146":8337,"12,147":8338,"12,148":8339,"12,149":8340,"12,150":8341,"12,151":8342,"12,152":8343,"12,153":8344,"12,154":8345,"12,155":8346,"12,156":8347,"12,157":8348,"12,158":8349,"12,159":8350,"12,160":8351,"12,161":8352,"12,162":8353,"12,163":8354,"12,164":8355,"12,165":8356,"12,166":8357,"12,167":8358,"12,168":8359,"12,169":8360,"12,170":8361,"12,171":8362,"12,172":8363,"12,173":8364,"12,174":8365,"12,175":8366,"12,176":8367,"12,177":8368,"12,178":8369,"12,179":8370,"12,180":8371,"12,181":8372,"12,182":8373,"12,183":8374,"12,184":8375,"12,185":8376,"12,186":8377,"12,187":8378,"12,188":8379,"12,189":8380,"12,190":8381,"12,191":8382,"12,192":8383,"12,193":8384,"12,194":8385,"12,195":8386,"12,196":8387,"12,197":8388,"12,198":8389,"12,199":8390,"12,200":8391,"12,201":8392,"12,202":8393,"12,203":8394,"12,204":8395,"12,205":8396,"12,206":8397,"12,207":8398,"12,208":8399,"12,209":8400,"12,210":8401,"12,211":8402,"12,212":8403,"12,213":8404,"12,214":8405,"12,215":8406,"12,216":8407,"12,217":8408,"12,218":8409,"12,219":8410,"12,220":8411,"12,221":8412,"12,222":8413,"12,223":8414,"12,224":8415,"12,225":8416,"12,226":8417,"12,227":8418,"12,228":8419,"12,229":8420,"12,230":8421,"12,231":8422,"12,232":8423,"12,233":8424,"12,234":8425,"12,235":8426,"12,236":8427,"12,237":8428,"12,238":8429,"12,239":8430,"12,240":8431,"12,241":8432,"12,242":8433,"12,243":8434,"12,244":8435,"12,245":8436,"12,246":8437,"12,247":8438,"12,248":8439,"12,249":8440,"12,250":8441,"12,251":8442,"12,252":8443,"12,253":8444,"12,254":8445,"12,255":8446,"12,256":8447,"12,257":8448,"12,258":8449,"12,259":8450,"12,260":8451,"12,261":8452,"12,262":8453,"12,263":8454,"12,264":8455,"12,265":8456,"12,266":8457,"12,267":8458,"12,268":8459,"12,269":8460,"12,270":8461,"12,271":8462,"12,272":8463,"12,273":8464,"12,274":8465,"12,275":8466,"12,276":8467,"12,277":8468,"12,278":8469,"12,279":8470,"12,280":8471,"12,281":8472,"12,282":8473,"12,283":8474,"12,284":8475,"12,285":8476,"12,286":8477,"12,287":8478,"12,288":8479,"12,289":8480,"12,290":8481,"12,291":8482,"12,292":8483,"12,293":8484,"12,294":8485,"12,295":8486,"12,296":8487,"12,297":8488,"12,298":8489,"12,299":8490,"12,300":8491,"12,301":8492,"12,302":8493,"12,303":8494,"12,304":8495,"12,305":8496,"12,306":8497,"12,307":8498,"12,308":8499,"12,309":8500,"12,310":8501,"12,311":8502,"12,312":8503,"12,313":8504,"12,314":8505,"12,315":8506,"12,316":8507,"12,317":8508,"12,318":8509,"12,319":8510,"12,320":8511,"12,321":8512,"12,322":8513,"12,323":8514,"12,324":8515,"12,325":8516,"12,326":8517,"12,327":8518,"12,328":8519,"12,329":8520,"12,330":8521,"12,331":8522,"12,332":8523,"12,333":8524,"12,334":8525,"12,335":8526,"12,336":8527,"12,337":8528,"12,338":8529,"12,339":8530,"12,340":8531,"12,341":8532,"12,342":8533,"12,343":8534,"12,344":8535,"12,345":8536,"12,346":8537,"12,347":8538,"12,348":8539,"12,349":8540,"12,350":8541,"12,351":8542,"12,352":8543,"12,353":8544,"12,354":8545,"12,355":8546,"12,356":8547,"12,357":8548,"12,358":8549,"12,359":8550,"12,360":8551,"12,361":8552,"12,362":8553,"12,363":8554,"12,364":8555,"12,365":8556,"12,366":8557,"12,367":8558,"12,368":8559,"12,369":8560,"12,370":8561,"12,371":8562,"12,372":8563,"12,373":8564,"12,374":8565,"12,375":8566,"12,376":8567,"12,377":8568,"12,378":8569,"12,379":8570,"12,380":8571,"12,381":8572,"12,382":8573,"12,383":8574,"12,384":8575,"12,385":8576,"12,386":8577,"12,387":8578,"12,388":8579,"12,389":8580,"12,390":8581,"12,391":8582,"12,392":8583,"12,393":8584,"12,394":8585,"12,395":8586,"12,396":8587,"12,397":8588,"12,398":8589,"12,399":8590,"12,400":8591,"12,401":8592,"12,402":8593,"12,403":8594,"12,404":8595,"12,405":8596,"12,406":8597,"12,407":8598,"12,408":8599,"12,409":8600,"12,410":8601,"12,411":8602,"12,412":8603,"12,413":8604,"12,414":8605,"12,415":8606,"12,416":8607,"12,417":8608,"12,418":8609,"12,419":8610,"12,420":8611,"12,421":8612,"12,422":8613,"12,423":8614,"12,424":8615,"12,425":8616,"12,426":8617,"12,427":8618,"12,428":8619,"12,429":8620,"12,430":8621,"12,431":8622,"12,432":8623,"12,433":8624,"12,434":8625,"12,435":8626,"12,436":8627,"12,437":8628,"12,438":8629,"12,439":8630,"12,440":8631,"12,441":8632,"12,442":8633,"12,443":8634,"12,444":8635,"12,445":8636,"12,446":8637,"12,447":8638,"12,448":8639,"12,449":8640,"12,450":8641,"12,451":8642,"12,452":8643,"12,453":8644,"12,454":8645,"12,455":8646,"12,456":8647,"12,457":8648,"12,458":8649,"12,459":8650,"12,460":8651,"12,461":8652,"12,462":8653,"12,463":8654,"12,464":8655,"12,465":8656,"12,466":8657,"12,467":8658,"12,468":8659,"12,469":8660,"12,470":8661,"12,471":8662,"12,472":8663,"12,473":8664,"12,474":8665,"12,475":8666,"12,476":8667,"12,477":8668,"12,478":8669,"12,479":8670,"12,480":8671,"12,481":8672,"12,482":8673,"12,483":8674,"12,484":8675,"12,485":8676,"12,486":8677,"12,487":8678,"12,488":8679,"12,489":8680,"12,490":8681,"12,491":8682,"12,492":8683,"12,493":8684,"12,494":8685,"12,495":8686,"12,496":8687,"12,497":8688,"12,498":8689,"12,499":8690,"12,500":8691,"12,501":8692,"12,502":8693,"12,503":8694,"12,504":8695,"12,505":8696,"12,506":8697,"12,507":8698,"12,508":8699,"12,509":8700,"12,510":8701,"12,511":8702,"12,512":8703,"12,513":8704,"12,514":8705,"12,515":8706,"12,516":8707,"12,517":8708,"12,518":8709,"12,519":8710,"12,520":8711,"12,521":8712,"12,522":8713,"12,523":8714,"12,524":8715,"12,525":8716,"12,526":8717,"12,527":8718,"12,528":8719,"12,529":8720,"12,530":8721,"12,531":8722,"12,532":8723,"12,533":8724,"12,534":8725,"12,535":8726,"12,536":8727,"12,537":8728,"12,538":8729,"12,539":8730,"12,540":8731,"12,541":8732,"12,542":8733,"12,543":8734,"12,544":8735,"12,545":8736,"12,546":8737,"12,547":8738,"12,548":8739,"12,549":8740,"12,550":8741,"12,551":8742,"12,552":8743,"12,553":8744,"12,554":8745,"12,555":8746,"12,556":8747,"12,557":8748,"12,558":8749,"12,559":8750,"12,560":8751,"12,561":8752,"12,562":8753,"12,563":8754,"12,564":8755,"12,565":8756,"12,566":8757,"12,567":8758,"12,568":8759,"12,569":8760,"12,570":8761,"12,571":8762,"12,572":8763,"12,573":8764,"12,574":8765,"12,575":8766,"12,576":8767,"12,577":8768,"12,578":8769,"12,579":8770,"12,580":8771,"12,581":8772,"12,582":8773,"12,583":8774,"12,584":8775,"12,585":8776,"12,586":8777,"12,587":8778,"12,588":8779,"12,589":8780,"12,590":8781,"12,591":8782,"12,592":8783,"12,593":8784,"12,594":8785,"12,595":8786,"12,596":8787,"12,597":8788,"12,598":8789,"12,599":8790,"12,600":8791,"12,601":8792,"12,602":8793,"12,603":8794,"12,604":8795,"12,605":8796,"12,606":8797,"12,607":8798,"12,608":8799,"12,609":8800,"12,610":8801,"12,611":8802,"12,612":8803,"12,613":8804,"12,614":8805,"12,615":8806,"12,616":8807,"12,617":8808,"12,618":8809,"12,619":8810,"12,620":8811,"12,621":8812,"12,622":8813,"12,623":8814,"12,624":8815,"12,625":8816,"12,626":8817,"12,627":8818,"12,628":8819,"12,629":8820,"12,630":8821,"12,631":8822,"12,632":8823,"12,633":8824,"12,634":8825,"12,635":8826,"12,636":8827,"12,637":8828,"12,638":8829,"12,639":8830,"12,640":8831,"12,641":8832,"12,642":8833,"12,643":8834,"12,644":8835,"12,645":8836,"12,646":8837,"12,647":8838,"12,648":8839,"12,649":8840,"12,650":8841,"12,651":8842,"12,652":8843,"12,653":8844,"12,654":8845,"12,655":8846,"12,656":8847,"12,657":8848,"12,658":8849,"12,659":8850,"12,660":8851,"12,661":8852,"12,662":8853,"12,663":8854,"12,664":8855,"12,665":8856,"12,666":8857,"12,667":8858,"12,668":8859,"12,669":8860,"12,670":8861,"12,671":8862,"12,672":8863,"12,673":8864,"12,674":8865,"12,675":8866,"12,676":8867,"12,677":8868,"12,678":8869,"12,679":8870,"12,680":8871,"12,681":8872,"12,682":8873,"12,683":8874,"12,684":8875,"12,685":8876,"12,686":8877,"12,687":8878,"12,688":8879,"12,689":8880,"12,690":8881,"12,691":8882,"12,692":8883,"12,693":8884,"12,694":8885,"12,695":8886,"12,696":8887,"12,697":8888,"12,698":8889,"12,699":8890,"12,700":8891,"12,701":8892,"12,702":8893,"12,703":8894,"12,704":8895,"12,705":8896,"12,706":8897,"12,707":8898,"12,708":8899,"12,709":8900,"12,710":8901,"12,711":8902,"12,712":8903,"12,713":8904,"12,714":8905,"12,715":8906,"12,716":8907,"12,717":8908,"12,718":8909,"12,719":8910,"12,720":8911,"12,721":8912,"12,722":8913,"12,723":8914,"12,724":8915,"12,725":8916,"12,726":8917,"12,727":8918,"12,728":8919,"12,729":8920,"12,730":8921,"12,731":8922,"12,732":8923,"12,733":8924,"12,734":8925,"12,735":8926,"12,736":8927,"12,737":8928,"12,738":8929,"12,739":8930,"12,740":8931,"12,741":8932,"12,742":8933,"12,743":8934,"12,744":8935,"12,745":8936,"12,746":8937,"12,747":8938,"12,748":8939,"12,749":8940,"13,5":8941,"13,6":8942,"13,7":8943,"13,8":8944,"13,9":8945,"13,10":8946,"13,11":8947,"13,12":8948,"13,13":8949,"13,14":8950,"13,15":8951,"13,16":8952,"13,17":8953,"13,18":8954,"13,19":8955,"13,20":8956,"13,21":8957,"13,22":8958,"13,23":8959,"13,24":8960,"13,25":8961,"13,26":8962,"13,27":8963,"13,28":8964,"13,29":8965,"13,30":8966,"13,31":8967,"13,32":8968,"13,33":8969,"13,34":8970,"13,35":8971,"13,36":8972,"13,37":8973,"13,38":8974,"13,39":8975,"13,40":8976,"13,41":8977,"13,42":8978,"13,43":8979,"13,44":8980,"13,45":8981,"13,46":8982,"13,47":8983,"13,48":8984,"13,49":8985,"13,50":8986,"13,51":8987,"13,52":8988,"13,53":8989,"13,54":8990,"13,55":8991,"13,56":8992,"13,57":8993,"13,58":8994,"13,59":8995,"13,60":8996,"13,61":8997,"13,62":8998,"13,63":8999,"13,64":9000,"13,65":9001,"13,66":9002,"13,67":9003,"13,68":9004,"13,69":9005,"13,70":9006,"13,71":9007,"13,72":9008,"13,73":9009,"13,74":9010,"13,75":9011,"13,76":9012,"13,77":9013,"13,78":9014,"13,79":9015,"13,80":9016,"13,81":9017,"13,82":9018,"13,83":9019,"13,84":9020,"13,85":9021,"13,86":9022,"13,87":9023,"13,88":9024,"13,89":9025,"13,90":9026,"13,91":9027,"13,92":9028,"13,93":9029,"13,94":9030,"13,95":9031,"13,96":9032,"13,97":9033,"13,98":9034,"13,99":9035,"13,100":9036,"13,101":9037,"13,102":9038,"13,103":9039,"13,104":9040,"13,105":9041,"13,106":9042,"13,107":9043,"13,108":9044,"13,109":9045,"13,110":9046,"13,111":9047,"13,112":9048,"13,113":9049,"13,114":9050,"13,115":9051,"13,116":9052,"13,117":9053,"13,118":9054,"13,119":9055,"13,120":9056,"13,121":9057,"13,122":9058,"13,123":9059,"13,124":9060,"13,125":9061,"13,126":9062,"13,127":9063,"13,128":9064,"13,129":9065,"13,130":9066,"13,131":9067,"13,132":9068,"13,133":9069,"13,134":9070,"13,135":9071,"13,136":9072,"13,137":9073,"13,138":9074,"13,139":9075,"13,140":9076,"13,141":9077,"13,142":9078,"13,143":9079,"13,144":9080,"13,145":9081,"13,146":9082,"13,147":9083,"13,148":9084,"13,149":9085,"13,150":9086,"13,151":9087,"13,152":9088,"13,153":9089,"13,154":9090,"13,155":9091,"13,156":9092,"13,157":9093,"13,158":9094,"13,159":9095,"13,160":9096,"13,161":9097,"13,162":9098,"13,163":9099,"13,164":9100,"13,165":9101,"13,166":9102,"13,167":9103,"13,168":9104,"13,169":9105,"13,170":9106,"13,171":9107,"13,172":9108,"13,173":9109,"13,174":9110,"13,175":9111,"13,176":9112,"13,177":9113,"13,178":9114,"13,179":9115,"13,180":9116,"13,181":9117,"13,182":9118,"13,183":9119,"13,184":9120,"13,185":9121,"13,186":9122,"13,187":9123,"13,188":9124,"13,189":9125,"13,190":9126,"13,191":9127,"13,192":9128,"13,193":9129,"13,194":9130,"13,195":9131,"13,196":9132,"13,197":9133,"13,198":9134,"13,199":9135,"13,200":9136,"13,201":9137,"13,202":9138,"13,203":9139,"13,204":9140,"13,205":9141,"13,206":9142,"13,207":9143,"13,208":9144,"13,209":9145,"13,210":9146,"13,211":9147,"13,212":9148,"13,213":9149,"13,214":9150,"13,215":9151,"13,216":9152,"13,217":9153,"13,218":9154,"13,219":9155,"13,220":9156,"13,221":9157,"13,222":9158,"13,223":9159,"13,224":9160,"13,225":9161,"13,226":9162,"13,227":9163,"13,228":9164,"13,229":9165,"13,230":9166,"13,231":9167,"13,232":9168,"13,233":9169,"13,234":9170,"13,235":9171,"13,236":9172,"13,237":9173,"13,238":9174,"13,239":9175,"13,240":9176,"13,241":9177,"13,242":9178,"13,243":9179,"13,244":9180,"13,245":9181,"13,246":9182,"13,247":9183,"13,248":9184,"13,249":9185,"13,250":9186,"13,251":9187,"13,252":9188,"13,253":9189,"13,254":9190,"13,255":9191,"13,256":9192,"13,257":9193,"13,258":9194,"13,259":9195,"13,260":9196,"13,261":9197,"13,262":9198,"13,263":9199,"13,264":9200,"13,265":9201,"13,266":9202,"13,267":9203,"13,268":9204,"13,269":9205,"13,270":9206,"13,271":9207,"13,272":9208,"13,273":9209,"13,274":9210,"13,275":9211,"13,276":9212,"13,277":9213,"13,278":9214,"13,279":9215,"13,280":9216,"13,281":9217,"13,282":9218,"13,283":9219,"13,284":9220,"13,285":9221,"13,286":9222,"13,287":9223,"13,288":9224,"13,289":9225,"13,290":9226,"13,291":9227,"13,292":9228,"13,293":9229,"13,294":9230,"13,295":9231,"13,296":9232,"13,297":9233,"13,298":9234,"13,299":9235,"13,300":9236,"13,301":9237,"13,302":9238,"13,303":9239,"13,304":9240,"13,305":9241,"13,306":9242,"13,307":9243,"13,308":9244,"13,309":9245,"13,310":9246,"13,311":9247,"13,312":9248,"13,313":9249,"13,314":9250,"13,315":9251,"13,316":9252,"13,317":9253,"13,318":9254,"13,319":9255,"13,320":9256,"13,321":9257,"13,322":9258,"13,323":9259,"13,324":9260,"13,325":9261,"13,326":9262,"13,327":9263,"13,328":9264,"13,329":9265,"13,330":9266,"13,331":9267,"13,332":9268,"13,333":9269,"13,334":9270,"13,335":9271,"13,336":9272,"13,337":9273,"13,338":9274,"13,339":9275,"13,340":9276,"13,341":9277,"13,342":9278,"13,343":9279,"13,344":9280,"13,345":9281,"13,346":9282,"13,347":9283,"13,348":9284,"13,349":9285,"13,350":9286,"13,351":9287,"13,352":9288,"13,353":9289,"13,354":9290,"13,355":9291,"13,356":9292,"13,357":9293,"13,358":9294,"13,359":9295,"13,360":9296,"13,361":9297,"13,362":9298,"13,363":9299,"13,364":9300,"13,365":9301,"13,366":9302,"13,367":9303,"13,368":9304,"13,369":9305,"13,370":9306,"13,371":9307,"13,372":9308,"13,373":9309,"13,374":9310,"13,375":9311,"13,376":9312,"13,377":9313,"13,378":9314,"13,379":9315,"13,380":9316,"13,381":9317,"13,382":9318,"13,383":9319,"13,384":9320,"13,385":9321,"13,386":9322,"13,387":9323,"13,388":9324,"13,389":9325,"13,390":9326,"13,391":9327,"13,392":9328,"13,393":9329,"13,394":9330,"13,395":9331,"13,396":9332,"13,397":9333,"13,398":9334,"13,399":9335,"13,400":9336,"13,401":9337,"13,402":9338,"13,403":9339,"13,404":9340,"13,405":9341,"13,406":9342,"13,407":9343,"13,408":9344,"13,409":9345,"13,410":9346,"13,411":9347,"13,412":9348,"13,413":9349,"13,414":9350,"13,415":9351,"13,416":9352,"13,417":9353,"13,418":9354,"13,419":9355,"13,420":9356,"13,421":9357,"13,422":9358,"13,423":9359,"13,424":9360,"13,425":9361,"13,426":9362,"13,427":9363,"13,428":9364,"13,429":9365,"13,430":9366,"13,431":9367,"13,432":9368,"13,433":9369,"13,434":9370,"13,435":9371,"13,436":9372,"13,437":9373,"13,438":9374,"13,439":9375,"13,440":9376,"13,441":9377,"13,442":9378,"13,443":9379,"13,444":9380,"13,445":9381,"13,446":9382,"13,447":9383,"13,448":9384,"13,449":9385,"13,450":9386,"13,451":9387,"13,452":9388,"13,453":9389,"13,454":9390,"13,455":9391,"13,456":9392,"13,457":9393,"13,458":9394,"13,459":9395,"13,460":9396,"13,461":9397,"13,462":9398,"13,463":9399,"13,464":9400,"13,465":9401,"13,466":9402,"13,467":9403,"13,468":9404,"13,469":9405,"13,470":9406,"13,471":9407,"13,472":9408,"13,473":9409,"13,474":9410,"13,475":9411,"13,476":9412,"13,477":9413,"13,478":9414,"13,479":9415,"13,480":9416,"13,481":9417,"13,482":9418,"13,483":9419,"13,484":9420,"13,485":9421,"13,486":9422,"13,487":9423,"13,488":9424,"13,489":9425,"13,490":9426,"13,491":9427,"13,492":9428,"13,493":9429,"13,494":9430,"13,495":9431,"13,496":9432,"13,497":9433,"13,498":9434,"13,499":9435,"13,500":9436,"13,501":9437,"13,502":9438,"13,503":9439,"13,504":9440,"13,505":9441,"13,506":9442,"13,507":9443,"13,508":9444,"13,509":9445,"13,510":9446,"13,511":9447,"13,512":9448,"13,513":9449,"13,514":9450,"13,515":9451,"13,516":9452,"13,517":9453,"13,518":9454,"13,519":9455,"13,520":9456,"13,521":9457,"13,522":9458,"13,523":9459,"13,524":9460,"13,525":9461,"13,526":9462,"13,527":9463,"13,528":9464,"13,529":9465,"13,530":9466,"13,531":9467,"13,532":9468,"13,533":9469,"13,534":9470,"13,535":9471,"13,536":9472,"13,537":9473,"13,538":9474,"13,539":9475,"13,540":9476,"13,541":9477,"13,542":9478,"13,543":9479,"13,544":9480,"13,545":9481,"13,546":9482,"13,547":9483,"13,548":9484,"13,549":9485,"13,550":9486,"13,551":9487,"13,552":9488,"13,553":9489,"13,554":9490,"13,555":9491,"13,556":9492,"13,557":9493,"13,558":9494,"13,559":9495,"13,560":9496,"13,561":9497,"13,562":9498,"13,563":9499,"13,564":9500,"13,565":9501,"13,566":9502,"13,567":9503,"13,568":9504,"13,569":9505,"13,570":9506,"13,571":9507,"13,572":9508,"13,573":9509,"13,574":9510,"13,575":9511,"13,576":9512,"13,577":9513,"13,578":9514,"13,579":9515,"13,580":9516,"13,581":9517,"13,582":9518,"13,583":9519,"13,584":9520,"13,585":9521,"13,586":9522,"13,587":9523,"13,588":9524,"13,589":9525,"13,590":9526,"13,591":9527,"13,592":9528,"13,593":9529,"13,594":9530,"13,595":9531,"13,596":9532,"13,597":9533,"13,598":9534,"13,599":9535,"13,600":9536,"13,601":9537,"13,602":9538,"13,603":9539,"13,604":9540,"13,605":9541,"13,606":9542,"13,607":9543,"13,608":9544,"13,609":9545,"13,610":9546,"13,611":9547,"13,612":9548,"13,613":9549,"13,614":9550,"13,615":9551,"13,616":9552,"13,617":9553,"13,618":9554,"13,619":9555,"13,620":9556,"13,621":9557,"13,622":9558,"13,623":9559,"13,624":9560,"13,625":9561,"13,626":9562,"13,627":9563,"13,628":9564,"13,629":9565,"13,630":9566,"13,631":9567,"13,632":9568,"13,633":9569,"13,634":9570,"13,635":9571,"13,636":9572,"13,637":9573,"13,638":9574,"13,639":9575,"13,640":9576,"13,641":9577,"13,642":9578,"13,643":9579,"13,644":9580,"13,645":9581,"13,646":9582,"13,647":9583,"13,648":9584,"13,649":9585,"13,650":9586,"13,651":9587,"13,652":9588,"13,653":9589,"13,654":9590,"13,655":9591,"13,656":9592,"13,657":9593,"13,658":9594,"13,659":9595,"13,660":9596,"13,661":9597,"13,662":9598,"13,663":9599,"13,664":9600,"13,665":9601,"13,666":9602,"13,667":9603,"13,668":9604,"13,669":9605,"13,670":9606,"13,671":9607,"13,672":9608,"13,673":9609,"13,674":9610,"13,675":9611,"13,676":9612,"13,677":9613,"13,678":9614,"13,679":9615,"13,680":9616,"13,681":9617,"13,682":9618,"13,683":9619,"13,684":9620,"13,685":9621,"13,686":9622,"13,687":9623,"13,688":9624,"13,689":9625,"13,690":9626,"13,691":9627,"13,692":9628,"13,693":9629,"13,694":9630,"13,695":9631,"13,696":9632,"13,697":9633,"13,698":9634,"13,699":9635,"13,700":9636,"13,701":9637,"13,702":9638,"13,703":9639,"13,704":9640,"13,705":9641,"13,706":9642,"13,707":9643,"13,708":9644,"13,709":9645,"13,710":9646,"13,711":9647,"13,712":9648,"13,713":9649,"13,714":9650,"13,715":9651,"13,716":9652,"13,717":9653,"13,718":9654,"13,719":9655,"13,720":9656,"13,721":9657,"13,722":9658,"13,723":9659,"13,724":9660,"13,725":9661,"13,726":9662,"13,727":9663,"13,728":9664,"13,729":9665,"13,730":9666,"13,731":9667,"13,732":9668,"13,733":9669,"13,734":9670,"13,735":9671,"13,736":9672,"13,737":9673,"13,738":9674,"13,739":9675,"13,740":9676,"13,741":9677,"13,742":9678,"13,743":9679,"13,744":9680,"13,745":9681,"13,746":9682,"13,747":9683,"13,748":9684,"13,749":9685,"13,750":9686,"14,5":9687,"14,6":9688,"14,7":9689,"14,8":9690,"14,9":9691,"14,10":9692,"14,11":9693,"14,12":9694,"14,13":9695,"14,14":9696,"14,15":9697,"14,16":9698,"14,17":9699,"14,18":9700,"14,19":9701,"14,20":9702,"14,21":9703,"14,22":9704,"14,23":9705,"14,24":9706,"14,25":9707,"14,26":9708,"14,27":9709,"14,28":9710,"14,29":9711,"14,30":9712,"14,31":9713,"14,32":9714,"14,33":9715,"14,34":9716,"14,35":9717,"14,36":9718,"14,37":9719,"14,38":9720,"14,39":9721,"14,40":9722,"14,41":9723,"14,42":9724,"14,43":9725,"14,44":9726,"14,45":9727,"14,46":9728,"14,47":9729,"14,48":9730,"14,49":9731,"14,50":9732,"14,51":9733,"14,52":9734,"14,53":9735,"14,54":9736,"14,55":9737,"14,56":9738,"14,57":9739,"14,58":9740,"14,59":9741,"14,60":9742,"14,61":9743,"14,62":9744,"14,63":9745,"14,64":9746,"14,65":9747,"14,66":9748,"14,67":9749,"14,68":9750,"14,69":9751,"14,70":9752,"14,71":9753,"14,72":9754,"14,73":9755,"14,74":9756,"14,75":9757,"14,76":9758,"14,77":9759,"14,78":9760,"14,79":9761,"14,80":9762,"14,81":9763,"14,82":9764,"14,83":9765,"14,84":9766,"14,85":9767,"14,86":9768,"14,87":9769,"14,88":9770,"14,89":9771,"14,90":9772,"14,91":9773,"14,92":9774,"14,93":9775,"14,94":9776,"14,95":9777,"14,96":9778,"14,97":9779,"14,98":9780,"14,99":9781,"14,100":9782,"14,101":9783,"14,102":9784,"14,103":9785,"14,104":9786,"14,105":9787,"14,106":9788,"14,107":9789,"14,108":9790,"14,109":9791,"14,110":9792,"14,111":9793,"14,112":9794,"14,113":9795,"14,114":9796,"14,115":9797,"14,116":9798,"14,117":9799,"14,118":9800,"14,119":9801,"14,120":9802,"14,121":9803,"14,122":9804,"14,123":9805,"14,124":9806,"14,125":9807,"14,126":9808,"14,127":9809,"14,128":9810,"14,129":9811,"14,130":9812,"14,131":9813,"14,132":9814,"14,133":9815,"14,134":9816,"14,135":9817,"14,136":9818,"14,137":9819,"14,138":9820,"14,139":9821,"14,140":9822,"14,141":9823,"14,142":9824,"14,143":9825,"14,144":9826,"14,145":9827,"14,146":9828,"14,147":9829,"14,148":9830,"14,149":9831,"14,150":9832,"14,151":9833,"14,152":9834,"14,153":9835,"14,154":9836,"14,155":9837,"14,156":9838,"14,157":9839,"14,158":9840,"14,159":9841,"14,160":9842,"14,161":9843,"14,162":9844,"14,163":9845,"14,164":9846,"14,165":9847,"14,166":9848,"14,167":9849,"14,168":9850,"14,169":9851,"14,170":9852,"14,171":9853,"14,172":9854,"14,173":9855,"14,174":9856,"14,175":9857,"14,176":9858,"14,177":9859,"14,178":9860,"14,179":9861,"14,180":9862,"14,181":9863,"14,182":9864,"14,183":9865,"14,184":9866,"14,185":9867,"14,186":9868,"14,187":9869,"14,188":9870,"14,189":9871,"14,190":9872,"14,191":9873,"14,192":9874,"14,193":9875,"14,194":9876,"14,195":9877,"14,196":9878,"14,197":9879,"14,198":9880,"14,199":9881,"14,200":9882,"14,201":9883,"14,202":9884,"14,203":9885,"14,204":9886,"14,205":9887,"14,206":9888,"14,207":9889,"14,208":9890,"14,209":9891,"14,210":9892,"14,211":9893,"14,212":9894,"14,213":9895,"14,214":9896,"14,215":9897,"14,216":9898,"14,217":9899,"14,218":9900,"14,219":9901,"14,220":9902,"14,221":9903,"14,222":9904,"14,223":9905,"14,224":9906,"14,225":9907,"14,226":9908,"14,227":9909,"14,228":9910,"14,229":9911,"14,230":9912,"14,231":9913,"14,232":9914,"14,233":9915,"14,234":9916,"14,235":9917,"14,236":9918,"14,237":9919,"14,238":9920,"14,239":9921,"14,240":9922,"14,241":9923,"14,242":9924,"14,243":9925,"14,244":9926,"14,245":9927,"14,246":9928,"14,247":9929,"14,248":9930,"14,249":9931,"14,250":9932,"14,251":9933,"14,252":9934,"14,253":9935,"14,254":9936,"14,255":9937,"14,256":9938,"14,257":9939,"14,258":9940,"14,259":9941,"14,260":9942,"14,261":9943,"14,262":9944,"14,263":9945,"14,264":9946,"14,265":9947,"14,266":9948,"14,267":9949,"14,268":9950,"14,269":9951,"14,270":9952,"14,271":9953,"14,272":9954,"14,273":9955,"14,274":9956,"14,275":9957,"14,276":9958,"14,277":9959,"14,278":9960,"14,279":9961,"14,280":9962,"14,281":9963,"14,282":9964,"14,283":9965,"14,284":9966,"14,285":9967,"14,286":9968,"14,287":9969,"14,288":9970,"14,289":9971,"14,290":9972,"14,291":9973,"14,292":9974,"14,293":9975,"14,294":9976,"14,295":9977,"14,296":9978,"14,297":9979,"14,298":9980,"14,299":9981,"14,300":9982,"14,301":9983,"14,302":9984,"14,303":9985,"14,304":9986,"14,305":9987,"14,306":9988,"14,307":9989,"14,308":9990,"14,309":9991,"14,310":9992,"14,311":9993,"14,312":9994,"14,313":9995,"14,314":9996,"14,315":9997,"14,316":9998,"14,317":9999,"14,318":10000,"14,319":10001,"14,320":10002,"14,321":10003,"14,322":10004,"14,323":10005,"14,324":10006,"14,325":10007,"14,326":10008,"14,327":10009,"14,328":10010,"14,329":10011,"14,330":10012,"14,331":10013,"14,332":10014,"14,333":10015,"14,334":10016,"14,335":10017,"14,336":10018,"14,337":10019,"14,338":10020,"14,339":10021,"14,340":10022,"14,341":10023,"14,342":10024,"14,343":10025,"14,344":10026,"14,345":10027,"14,346":10028,"14,347":10029,"14,348":10030,"14,349":10031,"14,350":10032,"14,351":10033,"14,352":10034,"14,353":10035,"14,354":10036,"14,355":10037,"14,356":10038,"14,357":10039,"14,358":10040,"14,359":10041,"14,360":10042,"14,361":10043,"14,362":10044,"14,363":10045,"14,364":10046,"14,365":10047,"14,366":10048,"14,367":10049,"14,368":10050,"14,369":10051,"14,370":10052,"14,371":10053,"14,372":10054,"14,373":10055,"14,374":10056,"14,375":10057,"14,376":10058,"14,377":10059,"14,378":10060,"14,379":10061,"14,380":10062,"14,381":10063,"14,382":10064,"14,383":10065,"14,384":10066,"14,385":10067,"14,386":10068,"14,387":10069,"14,388":10070,"14,389":10071,"14,390":10072,"14,391":10073,"14,392":10074,"14,393":10075,"14,394":10076,"14,395":10077,"14,396":10078,"14,397":10079,"14,398":10080,"14,399":10081,"14,400":10082,"14,401":10083,"14,402":10084,"14,403":10085,"14,404":10086,"14,405":10087,"14,406":10088,"14,407":10089,"14,408":10090,"14,409":10091,"14,410":10092,"14,411":10093,"14,412":10094,"14,413":10095,"14,414":10096,"14,415":10097,"14,416":10098,"14,417":10099,"14,418":10100,"14,419":10101,"14,420":10102,"14,421":10103,"14,422":10104,"14,423":10105,"14,424":10106,"14,425":10107,"14,426":10108,"14,427":10109,"14,428":10110,"14,429":10111,"14,430":10112,"14,431":10113,"14,432":10114,"14,433":10115,"14,434":10116,"14,435":10117,"14,436":10118,"14,437":10119,"14,438":10120,"14,439":10121,"14,440":10122,"14,441":10123,"14,442":10124,"14,443":10125,"14,444":10126,"14,445":10127,"14,446":10128,"14,447":10129,"14,448":10130,"14,449":10131,"14,450":10132,"14,451":10133,"14,452":10134,"14,453":10135,"14,454":10136,"14,455":10137,"14,456":10138,"14,457":10139,"14,458":10140,"14,459":10141,"14,460":10142,"14,461":10143,"14,462":10144,"14,463":10145,"14,464":10146,"14,465":10147,"14,466":10148,"14,467":10149,"14,468":10150,"14,469":10151,"14,470":10152,"14,471":10153,"14,472":10154,"14,473":10155,"14,474":10156,"14,475":10157,"14,476":10158,"14,477":10159,"14,478":10160,"14,479":10161,"14,480":10162,"14,481":10163,"14,482":10164,"14,483":10165,"14,484":10166,"14,485":10167,"14,486":10168,"14,487":10169,"14,488":10170,"14,489":10171,"14,490":10172,"14,491":10173,"14,492":10174,"14,493":10175,"14,494":10176,"14,495":10177,"14,496":10178,"14,497":10179,"14,498":10180,"14,499":10181,"14,500":10182,"14,501":10183,"14,502":10184,"14,503":10185,"14,504":10186,"14,505":10187,"14,506":10188,"14,507":10189,"14,508":10190,"14,509":10191,"14,510":10192,"14,511":10193,"14,512":10194,"14,513":10195,"14,514":10196,"14,515":10197,"14,516":10198,"14,517":10199,"14,518":10200,"14,519":10201,"14,520":10202,"14,521":10203,"14,522":10204,"14,523":10205,"14,524":10206,"14,525":10207,"14,526":10208,"14,527":10209,"14,528":10210,"14,529":10211,"14,530":10212,"14,531":10213,"14,532":10214,"14,533":10215,"14,534":10216,"14,535":10217,"14,536":10218,"14,537":10219,"14,538":10220,"14,539":10221,"14,540":10222,"14,541":10223,"14,542":10224,"14,543":10225,"14,544":10226,"14,545":10227,"14,546":10228,"14,547":10229,"14,548":10230,"14,549":10231,"14,550":10232,"14,551":10233,"14,552":10234,"14,553":10235,"14,554":10236,"14,555":10237,"14,556":10238,"14,557":10239,"14,558":10240,"14,559":10241,"14,560":10242,"14,561":10243,"14,562":10244,"14,563":10245,"14,564":10246,"14,565":10247,"14,566":10248,"14,567":10249,"14,568":10250,"14,569":10251,"14,570":10252,"14,571":10253,"14,572":10254,"14,573":10255,"14,574":10256,"14,575":10257,"14,576":10258,"14,577":10259,"14,578":10260,"14,579":10261,"14,580":10262,"14,581":10263,"14,582":10264,"14,583":10265,"14,584":10266,"14,585":10267,"14,586":10268,"14,587":10269,"14,588":10270,"14,589":10271,"14,590":10272,"14,591":10273,"14,592":10274,"14,593":10275,"14,594":10276,"14,595":10277,"14,596":10278,"14,597":10279,"14,598":10280,"14,599":10281,"14,600":10282,"14,601":10283,"14,602":10284,"14,603":10285,"14,604":10286,"14,605":10287,"14,606":10288,"14,607":10289,"14,608":10290,"14,609":10291,"14,610":10292,"14,611":10293,"14,612":10294,"14,613":10295,"14,614":10296,"14,615":10297,"14,616":10298,"14,617":10299,"14,618":10300,"14,619":10301,"14,620":10302,"14,621":10303,"14,622":10304,"14,623":10305,"14,624":10306,"14,625":10307,"14,626":10308,"14,627":10309,"14,628":10310,"14,629":10311,"14,630":10312,"14,631":10313,"14,632":10314,"14,633":10315,"14,634":10316,"14,635":10317,"14,636":10318,"14,637":10319,"14,638":10320,"14,639":10321,"14,640":10322,"14,641":10323,"14,642":10324,"14,643":10325,"14,644":10326,"14,645":10327,"14,646":10328,"14,647":10329,"14,648":10330,"14,649":10331,"14,650":10332,"14,651":10333,"14,652":10334,"14,653":10335,"14,654":10336,"14,655":10337,"14,656":10338,"14,657":10339,"14,658":10340,"14,659":10341,"14,660":10342,"14,661":10343,"14,662":10344,"14,663":10345,"14,664":10346,"14,665":10347,"14,666":10348,"14,667":10349,"14,668":10350,"14,669":10351,"14,670":10352,"14,671":10353,"14,672":10354,"14,673":10355,"14,674":10356,"14,675":10357,"14,676":10358,"14,677":10359,"14,678":10360,"14,679":10361,"14,680":10362,"14,681":10363,"14,682":10364,"14,683":10365,"14,684":10366,"14,685":10367,"14,686":10368,"14,687":10369,"14,688":10370,"14,689":10371,"14,690":10372,"14,691":10373,"14,692":10374,"14,693":10375,"14,694":10376,"14,695":10377,"14,696":10378,"14,697":10379,"14,698":10380,"14,699":10381,"14,700":10382,"14,701":10383,"14,702":10384,"14,703":10385,"14,704":10386,"14,705":10387,"14,706":10388,"14,707":10389,"14,708":10390,"14,709":10391,"14,710":10392,"14,711":10393,"14,712":10394,"14,713":10395,"14,714":10396,"14,715":10397,"14,716":10398,"14,717":10399,"14,718":10400,"14,719":10401,"14,720":10402,"14,721":10403,"14,722":10404,"14,723":10405,"14,724":10406,"14,725":10407,"14,726":10408,"14,727":10409,"14,728":10410,"14,729":10411,"14,730":10412,"14,731":10413,"14,732":10414,"14,733":10415,"14,734":10416,"14,735":10417,"14,736":10418,"14,737":10419,"14,738":10420,"14,739":10421,"14,740":10422,"14,741":10423,"14,742":10424,"14,743":10425,"14,744":10426,"14,745":10427,"14,746":10428,"14,747":10429,"14,748":10430,"14,749":10431,"14,750":10432,"14,751":10433,"14,752":10434,"14,753":10435,"14,754":10436,"14,755":10437,"14,756":10438,"14,757":10439,"14,758":10440,"14,759":10441,"14,760":10442,"14,761":10443,"14,762":10444,"14,763":10445,"14,764":10446,"14,765":10447,"15,5":10448,"15,6":10449,"15,7":10450,"15,8":10451,"15,9":10452,"15,10":10453,"15,11":10454,"15,12":10455,"15,13":10456,"15,14":10457,"15,15":10458,"15,16":10459,"15,17":10460,"15,18":10461,"15,19":10462,"15,20":10463,"15,21":10464,"15,22":10465,"15,23":10466,"15,24":10467,"15,25":10468,"15,26":10469,"15,27":10470,"15,28":10471,"15,29":10472,"15,30":10473,"15,31":10474,"15,32":10475,"15,33":10476,"15,34":10477,"15,35":10478,"15,36":10479,"15,37":10480,"15,38":10481,"15,39":10482,"15,40":10483,"15,41":10484,"15,42":10485,"15,43":10486,"15,44":10487,"15,45":10488,"15,46":10489,"15,47":10490,"15,48":10491,"15,49":10492,"15,50":10493,"15,51":10494,"15,52":10495,"15,53":10496,"15,54":10497,"15,55":10498,"15,56":10499,"15,57":10500,"15,58":10501,"15,59":10502,"15,60":10503,"15,61":10504,"15,62":10505,"15,63":10506,"15,64":10507,"15,65":10508,"15,66":10509,"15,67":10510,"15,68":10511,"15,69":10512,"15,70":10513,"15,71":10514,"15,72":10515,"15,73":10516,"15,74":10517,"15,75":10518,"15,76":10519,"15,77":10520,"15,78":10521,"15,79":10522,"15,80":10523,"15,81":10524,"15,82":10525,"15,83":10526,"15,84":10527,"15,85":10528,"15,86":10529,"15,87":10530,"15,88":10531,"15,89":10532,"15,90":10533,"15,91":10534,"15,92":10535,"15,93":10536,"15,94":10537,"15,95":10538,"15,96":10539,"15,97":10540,"15,98":10541,"15,99":10542,"15,100":10543,"15,101":10544,"15,102":10545,"15,103":10546,"15,104":10547,"15,105":10548,"15,106":10549,"15,107":10550,"15,108":10551,"15,109":10552,"15,110":10553,"15,111":10554,"15,112":10555,"15,113":10556,"15,114":10557,"15,115":10558,"15,116":10559,"15,117":10560,"15,118":10561,"15,119":10562,"15,120":10563,"15,121":10564,"15,122":10565,"15,123":10566,"15,124":10567,"15,125":10568,"15,126":10569,"15,127":10570,"15,128":10571,"15,129":10572,"15,130":10573,"15,131":10574,"15,132":10575,"15,133":10576,"15,134":10577,"15,135":10578,"15,136":10579,"15,137":10580,"15,138":10581,"15,139":10582,"15,140":10583,"15,141":10584,"15,142":10585,"15,143":10586,"15,144":10587,"15,145":10588,"15,146":10589,"15,147":10590,"15,148":10591,"15,149":10592,"15,150":10593,"15,151":10594,"15,152":10595,"15,153":10596,"15,154":10597,"15,155":10598,"15,156":10599,"15,157":10600,"15,158":10601,"15,159":10602,"15,160":10603,"15,161":10604,"15,162":10605,"15,163":10606,"15,164":10607,"15,165":10608,"15,166":10609,"15,167":10610,"15,168":10611,"15,169":10612,"15,170":10613,"15,171":10614,"15,172":10615,"15,173":10616,"15,174":10617,"15,175":10618,"15,176":10619,"15,177":10620,"15,178":10621,"15,179":10622,"15,180":10623,"15,181":10624,"15,182":10625,"15,183":10626,"15,184":10627,"15,185":10628,"15,186":10629,"15,187":10630,"15,188":10631,"15,189":10632,"15,190":10633,"15,191":10634,"15,192":10635,"15,193":10636,"15,194":10637,"15,195":10638,"15,196":10639,"15,197":10640,"15,198":10641,"15,199":10642,"15,200":10643,"15,201":10644,"15,202":10645,"15,203":10646,"15,204":10647,"15,205":10648,"15,206":10649,"15,207":10650,"15,208":10651,"15,690":10652,"15,691":10653,"15,692":10654,"15,693":10655,"15,694":10656,"15,695":10657,"15,696":10658,"15,697":10659,"15,698":10660,"15,699":10661,"15,700":10662,"15,701":10663,"15,702":10664,"15,703":10665,"15,704":10666,"15,705":10667,"15,706":10668,"15,707":10669,"15,708":10670,"15,709":10671,"15,710":10672,"15,711":10673,"15,712":10674,"15,713":10675,"15,714":10676,"15,715":10677,"15,716":10678,"15,717":10679,"15,718":10680,"15,719":10681,"15,720":10682,"15,721":10683,"15,722":10684,"15,723":10685,"15,724":10686,"15,725":10687},"ٜ":{"المقدمة":[1,4],"1":[5,774],"2":[5,677],"3":[5,715],"4":[5,756],"5":[5,750],"6":[5,730],"7":[5,765],"8":[5,765],"9":[5,780],"10":[5,741],"11":[5,782],"12":[5,749],"13":[5,750],"14":[5,765],"15":[5,725]},"ٝ":["المقدمة,1","المقدمة,2","المقدمة,3","المقدمة,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,694","3,695","3,696","3,697","3,698","3,699","3,700","3,701","3,702","3,703","3,704","3,705","3,706","3,707","3,708","3,709","3,710","3,711","3,712","3,713","3,714","3,715","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,656","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,671","4,672","4,673","4,674","4,675","4,676","4,677","4,678","4,679","4,680","4,681","4,682","4,683","4,684","4,685","4,686","4,687","4,688","4,689","4,690","4,691","4,692","4,693","4,694","4,695","4,696","4,697","4,698","4,699","4,700","4,701","4,702","4,703","4,704","4,705","4,706","4,707","4,708","4,709","4,710","4,711","4,712","4,713","4,714","4,715","4,716","4,717","4,718","4,719","4,720","4,721","4,722","4,723","4,724","4,725","4,726","4,727","4,728","4,729","4,730","4,731","4,732","4,733","4,734","4,735","4,736","4,737","4,738","4,739","4,740","4,741","4,742","4,743","4,744","4,745","4,746","4,747","4,748","4,749","4,750","4,751","4,752","4,753","4,754","4,755","4,756","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671","5,672","5,673","5,674","5,675","5,676","5,677","5,678","5,679","5,680","5,681","5,682","5,683","5,684","5,685","5,686","5,687","5,688","5,689","5,690","5,691","5,692","5,693","5,694","5,695","5,696","5,697","5,698","5,699","5,700","5,701","5,702","5,703","5,704","5,705","5,706","5,707","5,708","5,709","5,710","5,711","5,712","5,713","5,714","5,715","5,716","5,717","5,718","5,719","5,720","5,721","5,722","5,723","5,724","5,725","5,726","5,727","5,728","5,729","5,730","5,731","5,732","5,733","5,734","5,735","5,736","5,737","5,738","5,739","5,740","5,741","5,742","5,743","5,744","5,745","5,746","5,747","5,748","5,749","5,750","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,668","6,669","6,670","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","6,688","6,689","6,690","6,691","6,692","6,693","6,694","6,695","6,696","6,697","6,698","6,699","6,700","6,701","6,702","6,703","6,704","6,705","6,706","6,707","6,708","6,709","6,710","6,711","6,712","6,713","6,714","6,715","6,716","6,717","6,718","6,719","6,720","6,721","6,722","6,723","6,724","6,725","6,726","6,727","6,728","6,729","6,730","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","7,597","7,598","7,599","7,600","7,601","7,602","7,603","7,604","7,605","7,606","7,607","7,608","7,609","7,610","7,611","7,612","7,613","7,614","7,615","7,616","7,617","7,618","7,619","7,620","7,621","7,622","7,623","7,624","7,625","7,626","7,627","7,628","7,629","7,630","7,631","7,632","7,633","7,634","7,635","7,636","7,637","7,638","7,639","7,640","7,641","7,642","7,643","7,644","7,645","7,646","7,647","7,648","7,649","7,650","7,651","7,652","7,653","7,654","7,655","7,656","7,657","7,658","7,659","7,660","7,661","7,662","7,663","7,664","7,665","7,666","7,667","7,668","7,669","7,670","7,671","7,672","7,673","7,674","7,675","7,676","7,677","7,678","7,679","7,680","7,681","7,682","7,683","7,684","7,685","7,686","7,687","7,688","7,689","7,690","7,691","7,692","7,693","7,694","7,695","7,696","7,697","7,698","7,699","7,700","7,701","7,702","7,703","7,704","7,705","7,706","7,707","7,708","7,709","7,710","7,711","7,712","7,713","7,714","7,715","7,716","7,717","7,718","7,719","7,720","7,721","7,722","7,723","7,724","7,725","7,726","7,727","7,728","7,729","7,730","7,731","7,732","7,733","7,734","7,735","7,736","7,737","7,738","7,739","7,740","7,741","7,742","7,743","7,744","7,745","7,746","7,747","7,748","7,749","7,750","7,751","7,752","7,753","7,754","7,755","7,756","7,757","7,758","7,759","7,760","7,761","7,762","7,763","7,764","7,765","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627","8,628","8,629","8,630","8,631","8,632","8,633","8,634","8,635","8,636","8,637","8,638","8,639","8,640","8,641","8,642","8,643","8,644","8,645","8,646","8,647","8,648","8,649","8,650","8,651","8,652","8,653","8,654","8,655","8,656","8,657","8,658","8,659","8,660","8,661","8,662","8,663","8,664","8,665","8,666","8,667","8,668","8,669","8,670","8,671","8,672","8,673","8,674","8,675","8,676","8,677","8,678","8,679","8,680","8,681","8,682","8,683","8,684","8,685","8,686","8,687","8,688","8,689","8,690","8,691","8,692","8,693","8,694","8,695","8,696","8,697","8,698","8,699","8,700","8,701","8,702","8,703","8,704","8,705","8,706","8,707","8,708","8,709","8,710","8,711","8,712","8,713","8,714","8,715","8,716","8,717","8,718","8,719","8,720","8,721","8,722","8,723","8,724","8,725","8,726","8,727","8,728","8,729","8,730","8,731","8,732","8,733","8,734","8,735","8,736","8,737","8,738","8,739","8,740","8,741","8,742","8,743","8,744","8,745","8,746","8,747","8,748","8,749","8,750","8,751","8,752","8,753","8,754","8,755","8,756","8,757","8,758","8,759","8,760","8,761","8,762","8,763","8,764","8,765","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,556","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","9,577","9,578","9,579","9,580","9,581","9,582","9,583","9,584","9,585","9,586","9,587","9,588","9,589","9,590","9,591","9,592","9,593","9,594","9,595","9,596","9,597","9,598","9,599","9,600","9,601","9,602","9,603","9,604","9,605","9,606","9,607","9,608","9,609","9,610","9,611","9,612","9,613","9,614","9,615","9,616","9,617","9,618","9,619","9,620","9,621","9,622","9,623","9,624","9,625","9,626","9,627","9,628","9,629","9,630","9,631","9,632","9,633","9,634","9,635","9,636","9,637","9,638","9,639","9,640","9,641","9,642","9,643","9,644","9,645","9,646","9,647","9,648","9,649","9,650","9,651","9,652","9,653","9,654","9,655","9,656","9,657","9,658","9,659","9,660","9,661","9,662","9,663","9,664","9,665","9,666","9,667","9,668","9,669","9,670","9,671","9,672","9,673","9,674","9,675","9,676","9,677","9,678","9,679","9,680","9,681","9,682","9,683","9,684","9,685","9,686","9,687","9,688","9,689","9,690","9,691","9,692","9,693","9,694","9,695","9,696","9,697","9,698","9,699","9,700","9,701","9,702","9,703","9,704","9,705","9,706","9,707","9,708","9,709","9,710","9,711","9,712","9,713","9,714","9,715","9,716","9,717","9,718","9,719","9,720","9,721","9,722","9,723","9,724","9,725","9,726","9,727","9,728","9,729","9,730","9,731","9,732","9,733","9,734","9,735","9,736","9,737","9,738","9,739","9,740","9,741","9,742","9,743","9,744","9,745","9,746","9,747","9,748","9,749","9,750","9,751","9,752","9,753","9,754","9,755","9,756","9,757","9,758","9,759","9,760","9,761","9,762","9,763","9,764","9,765","9,766","9,767","9,768","9,769","9,770","9,771","9,772","9,773","9,774","9,775","9,776","9,777","9,778","9,779","9,780","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","10,532","10,533","10,534","10,535","10,536","10,537","10,538","10,539","10,540","10,541","10,542","10,543","10,544","10,545","10,546","10,547","10,548","10,549","10,550","10,551","10,552","10,553","10,554","10,555","10,556","10,557","10,558","10,559","10,560","10,561","10,562","10,563","10,564","10,565","10,566","10,567","10,568","10,569","10,570","10,571","10,572","10,573","10,574","10,575","10,576","10,577","10,578","10,579","10,580","10,581","10,582","10,583","10,584","10,585","10,586","10,587","10,588","10,589","10,590","10,591","10,592","10,593","10,594","10,595","10,596","10,597","10,598","10,599","10,600","10,601","10,602","10,603","10,604","10,605","10,606","10,607","10,608","10,609","10,610","10,611","10,612","10,613","10,614","10,615","10,616","10,617","10,618","10,619","10,620","10,621","10,622","10,623","10,624","10,625","10,626","10,627","10,628","10,629","10,630","10,631","10,632","10,633","10,634","10,635","10,636","10,637","10,638","10,639","10,640","10,641","10,642","10,643","10,644","10,645","10,646","10,647","10,648","10,649","10,650","10,651","10,652","10,653","10,654","10,655","10,656","10,657","10,658","10,659","10,660","10,661","10,662","10,663","10,664","10,665","10,666","10,667","10,668","10,669","10,670","10,671","10,672","10,673","10,674","10,675","10,676","10,677","10,678","10,679","10,680","10,681","10,682","10,683","10,684","10,685","10,686","10,687","10,688","10,689","10,690","10,691","10,692","10,693","10,694","10,695","10,696","10,697","10,698","10,699","10,700","10,701","10,702","10,703","10,704","10,705","10,706","10,707","10,708","10,709","10,710","10,711","10,712","10,713","10,714","10,715","10,716","10,717","10,718","10,719","10,720","10,721","10,722","10,723","10,724","10,725","10,726","10,727","10,728","10,729","10,730","10,731","10,732","10,733","10,734","10,735","10,736","10,737","10,738","10,739","10,740","10,741","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","11,27","11,28","11,29","11,30","11,31","11,32","11,33","11,34","11,35","11,36","11,37","11,38","11,39","11,40","11,41","11,42","11,43","11,44","11,45","11,46","11,47","11,48","11,49","11,50","11,51","11,52","11,53","11,54","11,55","11,56","11,57","11,58","11,59","11,60","11,61","11,62","11,63","11,64","11,65","11,66","11,67","11,68","11,69","11,70","11,71","11,72","11,73","11,74","11,75","11,76","11,77","11,78","11,79","11,80","11,81","11,82","11,83","11,84","11,85","11,86","11,87","11,88","11,89","11,90","11,91","11,92","11,93","11,94","11,95","11,96","11,97","11,98","11,99","11,100","11,101","11,102","11,103","11,104","11,105","11,106","11,107","11,108","11,109","11,110","11,111","11,112","11,113","11,114","11,115","11,116","11,117","11,118","11,119","11,120","11,121","11,122","11,123","11,124","11,125","11,126","11,127","11,128","11,129","11,130","11,131","11,132","11,133","11,134","11,135","11,136","11,137","11,138","11,139","11,140","11,141","11,142","11,143","11,144","11,145","11,146","11,147","11,148","11,149","11,150","11,151","11,152","11,153","11,154","11,155","11,156","11,157","11,158","11,159","11,160","11,161","11,162","11,163","11,164","11,165","11,166","11,167","11,168","11,169","11,170","11,171","11,172","11,173","11,174","11,175","11,176","11,177","11,178","11,179","11,180","11,181","11,182","11,183","11,184","11,185","11,186","11,187","11,188","11,189","11,190","11,191","11,192","11,193","11,194","11,195","11,196","11,197","11,198","11,199","11,200","11,201","11,202","11,203","11,204","11,205","11,206","11,207","11,208","11,209","11,210","11,211","11,212","11,213","11,214","11,215","11,216","11,217","11,218","11,219","11,220","11,221","11,222","11,223","11,224","11,225","11,226","11,227","11,228","11,229","11,230","11,231","11,232","11,233","11,234","11,235","11,236","11,237","11,238","11,239","11,240","11,241","11,242","11,243","11,244","11,245","11,246","11,247","11,248","11,249","11,250","11,251","11,252","11,253","11,254","11,255","11,256","11,257","11,258","11,259","11,260","11,261","11,262","11,263","11,264","11,265","11,266","11,267","11,268","11,269","11,270","11,271","11,272","11,273","11,274","11,275","11,276","11,277","11,278","11,279","11,280","11,281","11,282","11,283","11,284","11,285","11,286","11,287","11,288","11,289","11,290","11,291","11,292","11,293","11,294","11,295","11,296","11,297","11,298","11,299","11,300","11,301","11,302","11,303","11,304","11,305","11,306","11,307","11,308","11,309","11,310","11,311","11,312","11,313","11,314","11,315","11,316","11,317","11,318","11,319","11,320","11,321","11,322","11,323","11,324","11,325","11,326","11,327","11,328","11,329","11,330","11,331","11,332","11,333","11,334","11,335","11,336","11,337","11,338","11,339","11,340","11,341","11,342","11,343","11,344","11,345","11,346","11,347","11,348","11,349","11,350","11,351","11,352","11,353","11,354","11,355","11,356","11,357","11,358","11,359","11,360","11,361","11,362","11,363","11,364","11,365","11,366","11,367","11,368","11,369","11,370","11,371","11,372","11,373","11,374","11,375","11,376","11,377","11,378","11,379","11,380","11,381","11,382","11,383","11,384","11,385","11,386","11,387","11,388","11,389","11,390","11,391","11,392","11,393","11,394","11,395","11,396","11,397","11,398","11,399","11,400","11,401","11,402","11,403","11,404","11,405","11,406","11,407","11,408","11,409","11,410","11,411","11,412","11,413","11,414","11,415","11,416","11,417","11,418","11,419","11,420","11,421","11,422","11,423","11,424","11,425","11,426","11,427","11,428","11,429","11,430","11,431","11,432","11,433","11,434","11,435","11,436","11,437","11,438","11,439","11,440","11,441","11,442","11,443","11,444","11,445","11,446","11,447","11,448","11,449","11,450","11,451","11,452","11,453","11,454","11,455","11,456","11,457","11,458","11,459","11,460","11,461","11,462","11,463","11,464","11,465","11,466","11,467","11,468","11,469","11,470","11,471","11,472","11,473","11,474","11,475","11,476","11,477","11,478","11,479","11,480","11,481","11,482","11,483","11,484","11,485","11,486","11,487","11,488","11,489","11,490","11,491","11,492","11,493","11,494","11,495","11,496","11,497","11,498","11,499","11,500","11,501","11,502","11,503","11,504","11,505","11,506","11,507","11,508","11,509","11,510","11,511","11,512","11,513","11,514","11,515","11,516","11,517","11,518","11,519","11,520","11,521","11,522","11,523","11,524","11,525","11,526","11,527","11,528","11,529","11,530","11,531","11,532","11,533","11,534","11,535","11,536","11,537","11,538","11,539","11,540","11,541","11,542","11,543","11,544","11,545","11,546","11,547","11,548","11,549","11,550","11,551","11,552","11,553","11,554","11,555","11,556","11,557","11,558","11,559","11,560","11,561","11,562","11,563","11,564","11,565","11,566","11,567","11,568","11,569","11,570","11,571","11,572","11,573","11,574","11,575","11,576","11,577","11,578","11,579","11,580","11,581","11,582","11,583","11,584","11,585","11,586","11,587","11,588","11,589","11,590","11,591","11,592","11,593","11,594","11,595","11,596","11,597","11,598","11,599","11,600","11,601","11,602","11,603","11,604","11,605","11,606","11,607","11,608","11,609","11,610","11,611","11,612","11,613","11,614","11,615","11,616","11,617","11,618","11,619","11,620","11,621","11,622","11,623","11,624","11,625","11,626","11,627","11,628","11,629","11,630","11,631","11,632","11,633","11,634","11,635","11,636","11,637","11,638","11,639","11,640","11,641","11,642","11,643","11,644","11,645","11,646","11,647","11,648","11,649","11,650","11,651","11,652","11,653","11,654","11,655","11,656","11,657","11,658","11,659","11,660","11,661","11,662","11,663","11,664","11,665","11,666","11,667","11,668","11,669","11,670","11,671","11,672","11,673","11,674","11,675","11,676","11,677","11,678","11,679","11,680","11,681","11,682","11,683","11,684","11,685","11,686","11,687","11,688","11,689","11,690","11,691","11,692","11,693","11,694","11,695","11,696","11,697","11,698","11,699","11,700","11,701","11,702","11,703","11,704","11,705","11,706","11,707","11,708","11,709","11,710","11,711","11,712","11,713","11,714","11,715","11,716","11,717","11,718","11,719","11,720","11,721","11,722","11,723","11,724","11,725","11,726","11,727","11,728","11,729","11,730","11,731","11,732","11,733","11,734","11,735","11,736","11,737","11,738","11,739","11,740","11,741","11,742","11,743","11,744","11,745","11,746","11,747","11,748","11,749","11,750","11,751","11,752","11,753","11,754","11,755","11,756","11,757","11,758","11,759","11,760","11,761","11,762","11,763","11,764","11,765","11,766","11,767","11,768","11,769","11,770","11,771","11,772","11,773","11,774","11,775","11,776","11,777","11,778","11,779","11,780","11,781","11,782","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","12,19","12,20","12,21","12,22","12,23","12,24","12,25","12,26","12,27","12,28","12,29","12,30","12,31","12,32","12,33","12,34","12,35","12,36","12,37","12,38","12,39","12,40","12,41","12,42","12,43","12,44","12,45","12,46","12,47","12,48","12,49","12,50","12,51","12,52","12,53","12,54","12,55","12,56","12,57","12,58","12,59","12,60","12,61","12,62","12,63","12,64","12,65","12,66","12,67","12,68","12,69","12,70","12,71","12,72","12,73","12,74","12,75","12,76","12,77","12,78","12,79","12,80","12,81","12,82","12,83","12,84","12,85","12,86","12,87","12,88","12,89","12,90","12,91","12,92","12,93","12,94","12,95","12,96","12,97","12,98","12,99","12,100","12,101","12,102","12,103","12,104","12,105","12,106","12,107","12,108","12,109","12,110","12,111","12,112","12,113","12,114","12,115","12,116","12,117","12,118","12,119","12,120","12,121","12,122","12,123","12,124","12,125","12,126","12,127","12,128","12,129","12,130","12,131","12,132","12,133","12,134","12,135","12,136","12,137","12,138","12,139","12,140","12,141","12,142","12,143","12,144","12,145","12,146","12,147","12,148","12,149","12,150","12,151","12,152","12,153","12,154","12,155","12,156","12,157","12,158","12,159","12,160","12,161","12,162","12,163","12,164","12,165","12,166","12,167","12,168","12,169","12,170","12,171","12,172","12,173","12,174","12,175","12,176","12,177","12,178","12,179","12,180","12,181","12,182","12,183","12,184","12,185","12,186","12,187","12,188","12,189","12,190","12,191","12,192","12,193","12,194","12,195","12,196","12,197","12,198","12,199","12,200","12,201","12,202","12,203","12,204","12,205","12,206","12,207","12,208","12,209","12,210","12,211","12,212","12,213","12,214","12,215","12,216","12,217","12,218","12,219","12,220","12,221","12,222","12,223","12,224","12,225","12,226","12,227","12,228","12,229","12,230","12,231","12,232","12,233","12,234","12,235","12,236","12,237","12,238","12,239","12,240","12,241","12,242","12,243","12,244","12,245","12,246","12,247","12,248","12,249","12,250","12,251","12,252","12,253","12,254","12,255","12,256","12,257","12,258","12,259","12,260","12,261","12,262","12,263","12,264","12,265","12,266","12,267","12,268","12,269","12,270","12,271","12,272","12,273","12,274","12,275","12,276","12,277","12,278","12,279","12,280","12,281","12,282","12,283","12,284","12,285","12,286","12,287","12,288","12,289","12,290","12,291","12,292","12,293","12,294","12,295","12,296","12,297","12,298","12,299","12,300","12,301","12,302","12,303","12,304","12,305","12,306","12,307","12,308","12,309","12,310","12,311","12,312","12,313","12,314","12,315","12,316","12,317","12,318","12,319","12,320","12,321","12,322","12,323","12,324","12,325","12,326","12,327","12,328","12,329","12,330","12,331","12,332","12,333","12,334","12,335","12,336","12,337","12,338","12,339","12,340","12,341","12,342","12,343","12,344","12,345","12,346","12,347","12,348","12,349","12,350","12,351","12,352","12,353","12,354","12,355","12,356","12,357","12,358","12,359","12,360","12,361","12,362","12,363","12,364","12,365","12,366","12,367","12,368","12,369","12,370","12,371","12,372","12,373","12,374","12,375","12,376","12,377","12,378","12,379","12,380","12,381","12,382","12,383","12,384","12,385","12,386","12,387","12,388","12,389","12,390","12,391","12,392","12,393","12,394","12,395","12,396","12,397","12,398","12,399","12,400","12,401","12,402","12,403","12,404","12,405","12,406","12,407","12,408","12,409","12,410","12,411","12,412","12,413","12,414","12,415","12,416","12,417","12,418","12,419","12,420","12,421","12,422","12,423","12,424","12,425","12,426","12,427","12,428","12,429","12,430","12,431","12,432","12,433","12,434","12,435","12,436","12,437","12,438","12,439","12,440","12,441","12,442","12,443","12,444","12,445","12,446","12,447","12,448","12,449","12,450","12,451","12,452","12,453","12,454","12,455","12,456","12,457","12,458","12,459","12,460","12,461","12,462","12,463","12,464","12,465","12,466","12,467","12,468","12,469","12,470","12,471","12,472","12,473","12,474","12,475","12,476","12,477","12,478","12,479","12,480","12,481","12,482","12,483","12,484","12,485","12,486","12,487","12,488","12,489","12,490","12,491","12,492","12,493","12,494","12,495","12,496","12,497","12,498","12,499","12,500","12,501","12,502","12,503","12,504","12,505","12,506","12,507","12,508","12,509","12,510","12,511","12,512","12,513","12,514","12,515","12,516","12,517","12,518","12,519","12,520","12,521","12,522","12,523","12,524","12,525","12,526","12,527","12,528","12,529","12,530","12,531","12,532","12,533","12,534","12,535","12,536","12,537","12,538","12,539","12,540","12,541","12,542","12,543","12,544","12,545","12,546","12,547","12,548","12,549","12,550","12,551","12,552","12,553","12,554","12,555","12,556","12,557","12,558","12,559","12,560","12,561","12,562","12,563","12,564","12,565","12,566","12,567","12,568","12,569","12,570","12,571","12,572","12,573","12,574","12,575","12,576","12,577","12,578","12,579","12,580","12,581","12,582","12,583","12,584","12,585","12,586","12,587","12,588","12,589","12,590","12,591","12,592","12,593","12,594","12,595","12,596","12,597","12,598","12,599","12,600","12,601","12,602","12,603","12,604","12,605","12,606","12,607","12,608","12,609","12,610","12,611","12,612","12,613","12,614","12,615","12,616","12,617","12,618","12,619","12,620","12,621","12,622","12,623","12,624","12,625","12,626","12,627","12,628","12,629","12,630","12,631","12,632","12,633","12,634","12,635","12,636","12,637","12,638","12,639","12,640","12,641","12,642","12,643","12,644","12,645","12,646","12,647","12,648","12,649","12,650","12,651","12,652","12,653","12,654","12,655","12,656","12,657","12,658","12,659","12,660","12,661","12,662","12,663","12,664","12,665","12,666","12,667","12,668","12,669","12,670","12,671","12,672","12,673","12,674","12,675","12,676","12,677","12,678","12,679","12,680","12,681","12,682","12,683","12,684","12,685","12,686","12,687","12,688","12,689","12,690","12,691","12,692","12,693","12,694","12,695","12,696","12,697","12,698","12,699","12,700","12,701","12,702","12,703","12,704","12,705","12,706","12,707","12,708","12,709","12,710","12,711","12,712","12,713","12,714","12,715","12,716","12,717","12,718","12,719","12,720","12,721","12,722","12,723","12,724","12,725","12,726","12,727","12,728","12,729","12,730","12,731","12,732","12,733","12,734","12,735","12,736","12,737","12,738","12,739","12,740","12,741","12,742","12,743","12,744","12,745","12,746","12,747","12,748","12,749","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","13,22","13,23","13,24","13,25","13,26","13,27","13,28","13,29","13,30","13,31","13,32","13,33","13,34","13,35","13,36","13,37","13,38","13,39","13,40","13,41","13,42","13,43","13,44","13,45","13,46","13,47","13,48","13,49","13,50","13,51","13,52","13,53","13,54","13,55","13,56","13,57","13,58","13,59","13,60","13,61","13,62","13,63","13,64","13,65","13,66","13,67","13,68","13,69","13,70","13,71","13,72","13,73","13,74","13,75","13,76","13,77","13,78","13,79","13,80","13,81","13,82","13,83","13,84","13,85","13,86","13,87","13,88","13,89","13,90","13,91","13,92","13,93","13,94","13,95","13,96","13,97","13,98","13,99","13,100","13,101","13,102","13,103","13,104","13,105","13,106","13,107","13,108","13,109","13,110","13,111","13,112","13,113","13,114","13,115","13,116","13,117","13,118","13,119","13,120","13,121","13,122","13,123","13,124","13,125","13,126","13,127","13,128","13,129","13,130","13,131","13,132","13,133","13,134","13,135","13,136","13,137","13,138","13,139","13,140","13,141","13,142","13,143","13,144","13,145","13,146","13,147","13,148","13,149","13,150","13,151","13,152","13,153","13,154","13,155","13,156","13,157","13,158","13,159","13,160","13,161","13,162","13,163","13,164","13,165","13,166","13,167","13,168","13,169","13,170","13,171","13,172","13,173","13,174","13,175","13,176","13,177","13,178","13,179","13,180","13,181","13,182","13,183","13,184","13,185","13,186","13,187","13,188","13,189","13,190","13,191","13,192","13,193","13,194","13,195","13,196","13,197","13,198","13,199","13,200","13,201","13,202","13,203","13,204","13,205","13,206","13,207","13,208","13,209","13,210","13,211","13,212","13,213","13,214","13,215","13,216","13,217","13,218","13,219","13,220","13,221","13,222","13,223","13,224","13,225","13,226","13,227","13,228","13,229","13,230","13,231","13,232","13,233","13,234","13,235","13,236","13,237","13,238","13,239","13,240","13,241","13,242","13,243","13,244","13,245","13,246","13,247","13,248","13,249","13,250","13,251","13,252","13,253","13,254","13,255","13,256","13,257","13,258","13,259","13,260","13,261","13,262","13,263","13,264","13,265","13,266","13,267","13,268","13,269","13,270","13,271","13,272","13,273","13,274","13,275","13,276","13,277","13,278","13,279","13,280","13,281","13,282","13,283","13,284","13,285","13,286","13,287","13,288","13,289","13,290","13,291","13,292","13,293","13,294","13,295","13,296","13,297","13,298","13,299","13,300","13,301","13,302","13,303","13,304","13,305","13,306","13,307","13,308","13,309","13,310","13,311","13,312","13,313","13,314","13,315","13,316","13,317","13,318","13,319","13,320","13,321","13,322","13,323","13,324","13,325","13,326","13,327","13,328","13,329","13,330","13,331","13,332","13,333","13,334","13,335","13,336","13,337","13,338","13,339","13,340","13,341","13,342","13,343","13,344","13,345","13,346","13,347","13,348","13,349","13,350","13,351","13,352","13,353","13,354","13,355","13,356","13,357","13,358","13,359","13,360","13,361","13,362","13,363","13,364","13,365","13,366","13,367","13,368","13,369","13,370","13,371","13,372","13,373","13,374","13,375","13,376","13,377","13,378","13,379","13,380","13,381","13,382","13,383","13,384","13,385","13,386","13,387","13,388","13,389","13,390","13,391","13,392","13,393","13,394","13,395","13,396","13,397","13,398","13,399","13,400","13,401","13,402","13,403","13,404","13,405","13,406","13,407","13,408","13,409","13,410","13,411","13,412","13,413","13,414","13,415","13,416","13,417","13,418","13,419","13,420","13,421","13,422","13,423","13,424","13,425","13,426","13,427","13,428","13,429","13,430","13,431","13,432","13,433","13,434","13,435","13,436","13,437","13,438","13,439","13,440","13,441","13,442","13,443","13,444","13,445","13,446","13,447","13,448","13,449","13,450","13,451","13,452","13,453","13,454","13,455","13,456","13,457","13,458","13,459","13,460","13,461","13,462","13,463","13,464","13,465","13,466","13,467","13,468","13,469","13,470","13,471","13,472","13,473","13,474","13,475","13,476","13,477","13,478","13,479","13,480","13,481","13,482","13,483","13,484","13,485","13,486","13,487","13,488","13,489","13,490","13,491","13,492","13,493","13,494","13,495","13,496","13,497","13,498","13,499","13,500","13,501","13,502","13,503","13,504","13,505","13,506","13,507","13,508","13,509","13,510","13,511","13,512","13,513","13,514","13,515","13,516","13,517","13,518","13,519","13,520","13,521","13,522","13,523","13,524","13,525","13,526","13,527","13,528","13,529","13,530","13,531","13,532","13,533","13,534","13,535","13,536","13,537","13,538","13,539","13,540","13,541","13,542","13,543","13,544","13,545","13,546","13,547","13,548","13,549","13,550","13,551","13,552","13,553","13,554","13,555","13,556","13,557","13,558","13,559","13,560","13,561","13,562","13,563","13,564","13,565","13,566","13,567","13,568","13,569","13,570","13,571","13,572","13,573","13,574","13,575","13,576","13,577","13,578","13,579","13,580","13,581","13,582","13,583","13,584","13,585","13,586","13,587","13,588","13,589","13,590","13,591","13,592","13,593","13,594","13,595","13,596","13,597","13,598","13,599","13,600","13,601","13,602","13,603","13,604","13,605","13,606","13,607","13,608","13,609","13,610","13,611","13,612","13,613","13,614","13,615","13,616","13,617","13,618","13,619","13,620","13,621","13,622","13,623","13,624","13,625","13,626","13,627","13,628","13,629","13,630","13,631","13,632","13,633","13,634","13,635","13,636","13,637","13,638","13,639","13,640","13,641","13,642","13,643","13,644","13,645","13,646","13,647","13,648","13,649","13,650","13,651","13,652","13,653","13,654","13,655","13,656","13,657","13,658","13,659","13,660","13,661","13,662","13,663","13,664","13,665","13,666","13,667","13,668","13,669","13,670","13,671","13,672","13,673","13,674","13,675","13,676","13,677","13,678","13,679","13,680","13,681","13,682","13,683","13,684","13,685","13,686","13,687","13,688","13,689","13,690","13,691","13,692","13,693","13,694","13,695","13,696","13,697","13,698","13,699","13,700","13,701","13,702","13,703","13,704","13,705","13,706","13,707","13,708","13,709","13,710","13,711","13,712","13,713","13,714","13,715","13,716","13,717","13,718","13,719","13,720","13,721","13,722","13,723","13,724","13,725","13,726","13,727","13,728","13,729","13,730","13,731","13,732","13,733","13,734","13,735","13,736","13,737","13,738","13,739","13,740","13,741","13,742","13,743","13,744","13,745","13,746","13,747","13,748","13,749","13,750","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","14,14","14,15","14,16","14,17","14,18","14,19","14,20","14,21","14,22","14,23","14,24","14,25","14,26","14,27","14,28","14,29","14,30","14,31","14,32","14,33","14,34","14,35","14,36","14,37","14,38","14,39","14,40","14,41","14,42","14,43","14,44","14,45","14,46","14,47","14,48","14,49","14,50","14,51","14,52","14,53","14,54","14,55","14,56","14,57","14,58","14,59","14,60","14,61","14,62","14,63","14,64","14,65","14,66","14,67","14,68","14,69","14,70","14,71","14,72","14,73","14,74","14,75","14,76","14,77","14,78","14,79","14,80","14,81","14,82","14,83","14,84","14,85","14,86","14,87","14,88","14,89","14,90","14,91","14,92","14,93","14,94","14,95","14,96","14,97","14,98","14,99","14,100","14,101","14,102","14,103","14,104","14,105","14,106","14,107","14,108","14,109","14,110","14,111","14,112","14,113","14,114","14,115","14,116","14,117","14,118","14,119","14,120","14,121","14,122","14,123","14,124","14,125","14,126","14,127","14,128","14,129","14,130","14,131","14,132","14,133","14,134","14,135","14,136","14,137","14,138","14,139","14,140","14,141","14,142","14,143","14,144","14,145","14,146","14,147","14,148","14,149","14,150","14,151","14,152","14,153","14,154","14,155","14,156","14,157","14,158","14,159","14,160","14,161","14,162","14,163","14,164","14,165","14,166","14,167","14,168","14,169","14,170","14,171","14,172","14,173","14,174","14,175","14,176","14,177","14,178","14,179","14,180","14,181","14,182","14,183","14,184","14,185","14,186","14,187","14,188","14,189","14,190","14,191","14,192","14,193","14,194","14,195","14,196","14,197","14,198","14,199","14,200","14,201","14,202","14,203","14,204","14,205","14,206","14,207","14,208","14,209","14,210","14,211","14,212","14,213","14,214","14,215","14,216","14,217","14,218","14,219","14,220","14,221","14,222","14,223","14,224","14,225","14,226","14,227","14,228","14,229","14,230","14,231","14,232","14,233","14,234","14,235","14,236","14,237","14,238","14,239","14,240","14,241","14,242","14,243","14,244","14,245","14,246","14,247","14,248","14,249","14,250","14,251","14,252","14,253","14,254","14,255","14,256","14,257","14,258","14,259","14,260","14,261","14,262","14,263","14,264","14,265","14,266","14,267","14,268","14,269","14,270","14,271","14,272","14,273","14,274","14,275","14,276","14,277","14,278","14,279","14,280","14,281","14,282","14,283","14,284","14,285","14,286","14,287","14,288","14,289","14,290","14,291","14,292","14,293","14,294","14,295","14,296","14,297","14,298","14,299","14,300","14,301","14,302","14,303","14,304","14,305","14,306","14,307","14,308","14,309","14,310","14,311","14,312","14,313","14,314","14,315","14,316","14,317","14,318","14,319","14,320","14,321","14,322","14,323","14,324","14,325","14,326","14,327","14,328","14,329","14,330","14,331","14,332","14,333","14,334","14,335","14,336","14,337","14,338","14,339","14,340","14,341","14,342","14,343","14,344","14,345","14,346","14,347","14,348","14,349","14,350","14,351","14,352","14,353","14,354","14,355","14,356","14,357","14,358","14,359","14,360","14,361","14,362","14,363","14,364","14,365","14,366","14,367","14,368","14,369","14,370","14,371","14,372","14,373","14,374","14,375","14,376","14,377","14,378","14,379","14,380","14,381","14,382","14,383","14,384","14,385","14,386","14,387","14,388","14,389","14,390","14,391","14,392","14,393","14,394","14,395","14,396","14,397","14,398","14,399","14,400","14,401","14,402","14,403","14,404","14,405","14,406","14,407","14,408","14,409","14,410","14,411","14,412","14,413","14,414","14,415","14,416","14,417","14,418","14,419","14,420","14,421","14,422","14,423","14,424","14,425","14,426","14,427","14,428","14,429","14,430","14,431","14,432","14,433","14,434","14,435","14,436","14,437","14,438","14,439","14,440","14,441","14,442","14,443","14,444","14,445","14,446","14,447","14,448","14,449","14,450","14,451","14,452","14,453","14,454","14,455","14,456","14,457","14,458","14,459","14,460","14,461","14,462","14,463","14,464","14,465","14,466","14,467","14,468","14,469","14,470","14,471","14,472","14,473","14,474","14,475","14,476","14,477","14,478","14,479","14,480","14,481","14,482","14,483","14,484","14,485","14,486","14,487","14,488","14,489","14,490","14,491","14,492","14,493","14,494","14,495","14,496","14,497","14,498","14,499","14,500","14,501","14,502","14,503","14,504","14,505","14,506","14,507","14,508","14,509","14,510","14,511","14,512","14,513","14,514","14,515","14,516","14,517","14,518","14,519","14,520","14,521","14,522","14,523","14,524","14,525","14,526","14,527","14,528","14,529","14,530","14,531","14,532","14,533","14,534","14,535","14,536","14,537","14,538","14,539","14,540","14,541","14,542","14,543","14,544","14,545","14,546","14,547","14,548","14,549","14,550","14,551","14,552","14,553","14,554","14,555","14,556","14,557","14,558","14,559","14,560","14,561","14,562","14,563","14,564","14,565","14,566","14,567","14,568","14,569","14,570","14,571","14,572","14,573","14,574","14,575","14,576","14,577","14,578","14,579","14,580","14,581","14,582","14,583","14,584","14,585","14,586","14,587","14,588","14,589","14,590","14,591","14,592","14,593","14,594","14,595","14,596","14,597","14,598","14,599","14,600","14,601","14,602","14,603","14,604","14,605","14,606","14,607","14,608","14,609","14,610","14,611","14,612","14,613","14,614","14,615","14,616","14,617","14,618","14,619","14,620","14,621","14,622","14,623","14,624","14,625","14,626","14,627","14,628","14,629","14,630","14,631","14,632","14,633","14,634","14,635","14,636","14,637","14,638","14,639","14,640","14,641","14,642","14,643","14,644","14,645","14,646","14,647","14,648","14,649","14,650","14,651","14,652","14,653","14,654","14,655","14,656","14,657","14,658","14,659","14,660","14,661","14,662","14,663","14,664","14,665","14,666","14,667","14,668","14,669","14,670","14,671","14,672","14,673","14,674","14,675","14,676","14,677","14,678","14,679","14,680","14,681","14,682","14,683","14,684","14,685","14,686","14,687","14,688","14,689","14,690","14,691","14,692","14,693","14,694","14,695","14,696","14,697","14,698","14,699","14,700","14,701","14,702","14,703","14,704","14,705","14,706","14,707","14,708","14,709","14,710","14,711","14,712","14,713","14,714","14,715","14,716","14,717","14,718","14,719","14,720","14,721","14,722","14,723","14,724","14,725","14,726","14,727","14,728","14,729","14,730","14,731","14,732","14,733","14,734","14,735","14,736","14,737","14,738","14,739","14,740","14,741","14,742","14,743","14,744","14,745","14,746","14,747","14,748","14,749","14,750","14,751","14,752","14,753","14,754","14,755","14,756","14,757","14,758","14,759","14,760","14,761","14,762","14,763","14,764","14,765","15,5","15,6","15,7","15,8","15,9","15,10","15,11","15,12","15,13","15,14","15,15","15,16","15,17","15,18","15,19","15,20","15,21","15,22","15,23","15,24","15,25","15,26","15,27","15,28","15,29","15,30","15,31","15,32","15,33","15,34","15,35","15,36","15,37","15,38","15,39","15,40","15,41","15,42","15,43","15,44","15,45","15,46","15,47","15,48","15,49","15,50","15,51","15,52","15,53","15,54","15,55","15,56","15,57","15,58","15,59","15,60","15,61","15,62","15,63","15,64","15,65","15,66","15,67","15,68","15,69","15,70","15,71","15,72","15,73","15,74","15,75","15,76","15,77","15,78","15,79","15,80","15,81","15,82","15,83","15,84","15,85","15,86","15,87","15,88","15,89","15,90","15,91","15,92","15,93","15,94","15,95","15,96","15,97","15,98","15,99","15,100","15,101","15,102","15,103","15,104","15,105","15,106","15,107","15,108","15,109","15,110","15,111","15,112","15,113","15,114","15,115","15,116","15,117","15,118","15,119","15,120","15,121","15,122","15,123","15,124","15,125","15,126","15,127","15,128","15,129","15,130","15,131","15,132","15,133","15,134","15,135","15,136","15,137","15,138","15,139","15,140","15,141","15,142","15,143","15,144","15,145","15,146","15,147","15,148","15,149","15,150","15,151","15,152","15,153","15,154","15,155","15,156","15,157","15,158","15,159","15,160","15,161","15,162","15,163","15,164","15,165","15,166","15,167","15,168","15,169","15,170","15,171","15,172","15,173","15,174","15,175","15,176","15,177","15,178","15,179","15,180","15,181","15,182","15,183","15,184","15,185","15,186","15,187","15,188","15,189","15,190","15,191","15,192","15,193","15,194","15,195","15,196","15,197","15,198","15,199","15,200","15,201","15,202","15,203","15,204","15,205","15,206","15,207","15,208","15,690","15,691","15,692","15,693","15,694","15,695","15,696","15,697","15,698","15,699","15,700","15,701","15,702","15,703","15,704","15,705","15,706","15,707","15,708","15,709","15,710","15,711","15,712","15,713","15,714","15,715","15,716","15,717","15,718","15,719","15,720","15,721","15,722","15,723","15,724","15,725"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"7":[3],"11":[4,5,6],"13":[7,8],"14":[9],"15":[10,11],"17":[12],"19":[13],"20":[14],"21":[15,16],"22":[17],"26":[18],"29":[19],"30":[20],"34":[21,22],"39":[23],"41":[24],"42":[25],"45":[26],"46":[27],"47":[28],"48":[29],"49":[30],"50":[31,32],"52":[33],"53":[34],"54":[35,36],"65":[37],"67":[38,39],"69":[40],"71":[41],"81":[42,43],"83":[44],"85":[45],"87":[46],"117":[47],"125":[48],"160":[49],"188":[50],"228":[51],"262":[52],"346":[53],"355":[54],"357":[55],"378":[56,57],"384":[58],"457":[59],"458":[60],"462":[61],"523":[62],"588":[63],"590":[64],"624":[65,66],"636":[67],"637":[68],"714":[69],"723":[70],"747":[71],"775":[72],"782":[73],"803":[74],"820":[75],"826":[76],"833":[77],"843":[78],"880":[79],"905":[80],"928":[81,82],"931":[83],"955":[84],"972":[85],"990":[86],"1015":[87],"1064":[88],"1087":[89],"1144":[90],"1146":[91],"1177":[92],"1200":[93],"1210":[94],"1245":[95],"1266":[96],"1283":[97],"1314":[98,99],"1372":[100],"1407":[101],"1411":[102],"1419":[103],"1426":[104],"1448":[105],"1470":[106],"1516":[107],"1579":[108],"1599":[109],"1615":[110],"1631":[111],"1702":[112],"1741":[113],"1761":[114],"1793":[115],"1799":[116],"1805":[117],"1832":[118],"1859":[119],"1871":[120],"1893":[121],"1917":[122],"1941":[123],"1959":[124],"1967":[125],"1977":[126],"1986":[127],"2013":[128],"2016":[129],"2024":[130],"2040":[131],"2065":[132],"2076":[133],"2159":[134],"2165":[135],"2188":[136],"2195":[137],"2198":[138],"2212":[139],"2274":[140,141],"2285":[142],"2301":[143],"2315":[144],"2319":[145],"2335":[146],"2337":[147],"2353":[148],"2360":[149],"2391":[150],"2394":[151],"2454":[152],"2462":[153],"2472":[154],"2538":[155],"2542":[156],"2570":[157],"2587":[158],"2599":[159],"2601":[160],"2612":[161],"2641":[162],"2656":[163,164],"2662":[165],"2757":[166],"2772":[167],"2780":[168],"2807":[169],"2815":[170],"2843":[171],"2868":[172],"2876":[173,174],"2911":[175],"2977":[176],"3004":[177],"3040":[178],"3066":[179],"3181":[180],"3185":[181],"3194":[182],"3208":[183],"3225":[184],"3313":[185],"3331":[186],"3341":[187],"3347":[188],"3355":[189],"3375":[190],"3452":[191],"3507":[192],"3519":[193],"3531":[194,195],"3576":[196],"3578":[197],"3598":[198],"3600":[199],"3602":[200],"3606":[201],"3617":[202],"3623":[203],"3628":[204],"3636":[205],"3639":[206],"3644":[207],"3647":[208],"3648":[209],"3654":[210],"3657":[211],"3659":[212],"3661":[213],"3663":[214],"3664":[215],"3668":[216],"3669":[217],"3673":[218,219],"3674":[220],"3675":[221],"3679":[222],"3682":[223,224],"3699":[225],"3702":[226],"3705":[227],"3710":[228],"3715":[229],"3726":[230],"3782":[231],"3795":[232],"3804":[233],"3806":[234],"3808":[235],"3811":[236],"3814":[237],"3857":[238],"3921":[239],"3933":[240],"3936":[241],"3968":[242],"3986":[243],"4000":[244],"4034":[245],"4042":[246],"4069":[247],"4072":[248],"4097":[249],"4154":[250],"4178":[251],"4188":[252],"4202":[253],"4234":[254],"4325":[255],"4342":[256],"4383":[257,258],"4465":[259],"4472":[260],"4476":[261],"4507":[262],"4530":[263],"4552":[264],"4566":[265],"4569":[266],"4574":[267],"4578":[268],"4580":[269],"4584":[270],"4585":[271],"4600":[272],"4605":[273,274],"4644":[275],"4667":[276],"4672":[277],"4677":[278],"4708":[279],"4715":[280],"4782":[281],"4798":[282],"4810":[283],"4826":[284],"4858":[285],"4866":[286],"4884":[287],"4901":[288],"4912":[289],"4962":[290],"5000":[291],"5015":[292],"5020":[293],"5025":[294],"5030":[295],"5032":[296],"5094":[297,298],"5100":[299],"5123":[300],"5132":[301],"5144":[302],"5190":[303],"5222":[304],"5264":[305],"5288":[306],"5291":[307],"5299":[308],"5332":[309],"5348":[310],"5379":[311],"5388":[312],"5397":[313],"5440":[314],"5457":[315],"5487":[316],"5517":[317],"5557":[318],"5570":[319],"5620":[320],"5627":[321],"5643":[322],"5651":[323],"5671":[324],"5672":[325],"5674":[326],"5713":[327],"5745":[328],"5769":[329],"5776":[330],"5778":[331],"5825":[332],"5836":[333],"5858":[334],"5861":[335],"5875":[336],"5892":[337],"5905":[338],"5912":[339],"5973":[340],"5979":[341],"5987":[342],"5996":[343],"6005":[344],"6006":[345],"6011":[346],"6035":[347],"6041":[348],"6053":[349],"6110":[350],"6130":[351],"6173":[352],"6177":[353],"6184":[354],"6192":[355],"6210":[356],"6215":[357,358],"6226":[359],"6237":[360],"6258":[361],"6268":[362],"6280":[363],"6286":[364],"6323":[365],"6340":[366],"6349":[367],"6364":[368],"6373":[369,370],"6411":[371],"6472":[372],"6475":[373],"6483":[374],"6528":[375],"6535":[376],"6554":[377],"6564":[378],"6572":[379],"6676":[380],"6681":[381],"6686":[382],"6699":[383,384],"6770":[385],"6786":[386],"6809":[387],"6822":[388],"6840":[389],"6923":[390],"6965":[391],"6982":[392],"7021":[393],"7043":[394],"7063":[395],"7067":[396],"7090":[397],"7101":[398,399],"7154":[400],"7183":[401],"7223":[402],"7250":[403],"7283":[404],"7297":[405],"7329":[406],"7332":[407],"7342":[408],"7369":[409],"7378":[410],"7396":[411],"7398":[412,413],"7418":[414],"7467":[415],"7500":[416],"7509":[417],"7549":[418],"7552":[419],"7582":[420],"7594":[421],"7597":[422],"7625":[423],"7655":[424],"7682":[425],"7693":[426],"7695":[427],"7743":[428],"7756":[429],"7767":[430],"7773":[431],"7788":[432],"7802":[433],"7866":[434],"7950":[435],"7981":[436],"8048":[437],"8050":[438],"8133":[439],"8138":[440],"8156":[441],"8174":[442],"8196":[443],"8267":[444],"8270":[445],"8304":[446],"8359":[447],"8385":[448],"8390":[449],"8398":[450],"8419":[451],"8442":[452],"8448":[453],"8465":[454],"8473":[455],"8480":[456],"8484":[457],"8494":[458],"8502":[459],"8512":[460],"8522":[461],"8533":[462],"8539":[463],"8545":[464],"8551":[465],"8556":[466],"8559":[467],"8588":[468,469],"8685":[470],"8700":[471],"8707":[472],"8715":[473],"8807":[474],"8941":[475],"9091":[476],"9117":[477],"9199":[478],"9233":[479],"9251":[480],"9252":[481],"9268":[482],"9273":[483],"9404":[484],"9411":[485],"9431":[486],"9467":[487],"9498":[488],"9510":[489],"9528":[490],"9539":[491],"9543":[492],"9557":[493],"9588":[494],"9622":[495],"9643":[496],"9653":[497],"9660":[498],"9687":[499],"9699":[500],"9704":[501],"9712":[502],"9724":[503],"9730":[504],"9739":[505],"9743":[506],"9785":[507],"9880":[508],"9882":[509],"9890":[510,511],"9914":[512],"9958":[513],"10042":[514],"10103":[515],"10194":[516],"10204":[517],"10235":[518],"10241":[519],"10244":[520],"10252":[521],"10261":[522],"10273":[523],"10276":[524],"10284":[525],"10288":[526],"10289":[527],"10304":[528],"10318":[529],"10323":[530],"10342":[531],"10350":[532],"10382":[533],"10405":[534],"10415":[535],"10430":[536],"10439":[537],"10448":[538],"10459":[539],"10467":[540],"10472":[541],"10488":[542],"10496":[543],"10503":[544],"10536":[545],"10545":[546],"10560":[547],"10571":[548],"10588":[549],"10598":[550],"10614":[551],"10626":[552],"10652":[553]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104,105,106,107,108,109,110,111,112,113,114,115,116,10652,10653,10654,10655,10656,10657,10658,10659,10660,10661,10662,10663,10664,10665,10666,10667,10668,10669,10670,10671,10672,10673,10674,10675,10676,10677,10678,10679,10680,10681,10682,10683,10684,10685,10686,10687],"numbers":{"1":188,"2":208,"3":219,"4":229,"5":232,"6":236,"7":241,"8":245,"9":246,"10":248,"11":249,"12":251,"13":258,"14":258,"15":262,"16":312,"17":322,"18":318,"19":325,"20":330,"21":336,"22":343,"23":343,"24":344,"25":348,"26":350,"27":353,"28":357,"29":361,"30":367,"31":368,"32":372,"33":373,"34":374,"35":375,"36":377,"37":379,"38":380,"39":380,"40":380,"41":388,"42":392,"43":392,"44":395,"45":395,"46":398,"47":400,"48":408,"49":409,"50":416,"51":417,"52":418,"53":420,"54":432,"55":435,"56":435,"57":442,"58":444,"59":446,"60":457,"61":462,"62":481,"63":483,"64":485,"65":487,"66":488,"67":489,"68":490,"69":492,"70":494,"71":496,"72":500,"73":513,"74":516,"75":517,"76":520,"77":523,"78":527,"79":538,"80":545,"81":550,"82":551,"83":553,"84":557,"85":557,"86":559,"87":559,"88":562,"89":563,"90":573,"91":575,"92":578,"93":583,"94":584,"95":590,"96":601,"97":609,"98":618,"99":621,"100":625,"101":628,"102":631,"103":633,"104":634,"105":636,"106":644,"107":649,"108":651,"109":653,"110":659,"111":663,"112":663,"113":665,"114":667,"115":668,"116":672,"117":673,"118":676,"119":676,"120":676,"121":676,"122":681,"123":687,"124":692,"125":692,"126":692,"127":693,"128":696,"129":697,"130":697,"131":699,"132":707,"133":707,"134":708,"135":708,"136":709,"137":711,"138":712,"139":714,"140":715,"141":720,"142":723,"143":724,"144":731,"145":733,"146":734,"147":735,"148":739,"149":739,"150":747,"151":750,"152":753,"153":754,"154":757,"155":759,"156":761,"157":762,"158":764,"159":768,"160":771,"161":775,"162":777,"163":781,"164":782,"165":788,"166":792,"167":793,"168":794,"169":794,"170":795,"171":795,"172":795,"173":798,"174":800,"175":800,"176":801,"177":803,"178":806,"179":808,"180":810,"181":811,"182":811,"183":812,"184":813,"185":815,"186":815,"187":820,"188":820,"189":822,"190":822,"191":823,"192":825,"193":826,"194":827,"195":828,"196":829,"197":831,"198":833,"199":834,"200":834,"201":836,"202":836,"203":838,"204":839,"205":841,"206":843,"207":846,"208":851,"209":854,"210":856,"211":858,"212":858,"213":861,"214":865,"215":867,"216":868,"217":868,"218":869,"219":871,"220":872,"221":874,"222":876,"223":877,"224":877,"225":878,"226":880,"227":899,"228":901,"229":902,"230":905,"231":910,"232":911,"233":913,"234":917,"235":918,"236":920,"237":921,"238":924,"239":931,"240":933,"241":939,"242":940,"243":942,"244":945,"245":946,"246":950,"247":955,"248":959,"249":959,"250":964,"251":966,"252":970,"253":972,"254":973,"255":990,"256":990,"257":999,"258":1001,"259":1001,"260":1007,"261":1007,"262":1009,"263":1012,"264":1012,"265":1014,"266":1015,"267":1016,"268":1020,"269":1024,"270":1031,"271":1036,"272":1047,"273":1051,"274":1057,"275":1058,"276":1059,"277":1060,"278":1065,"279":1074,"280":1074,"281":1089,"282":1094,"283":1101,"284":1103,"285":1109,"286":1110,"287":1111,"288":1112,"289":1115,"290":1115,"291":1116,"292":1119,"293":1120,"294":1122,"295":1132,"296":1133,"297":1134,"298":1134,"299":1134,"300":1135,"301":1137,"302":1147,"303":1153,"304":1155,"305":1158,"306":1161,"307":1161,"308":1163,"309":1172,"310":1173,"311":1177,"312":1184,"313":1189,"314":1189,"315":1197,"316":1200,"317":1201,"318":1203,"319":1210,"320":1212,"321":1217,"322":1223,"323":1227,"324":1229,"325":1229,"326":1231,"327":1232,"328":1232,"329":1233,"330":1234,"331":1235,"332":1237,"333":1237,"334":1239,"335":1241,"336":1242,"337":1245,"338":1250,"339":1252,"340":1252,"341":1253,"342":1253,"343":1256,"344":1259,"345":1260,"346":1260,"347":1260,"348":1261,"349":1264,"350":1266,"351":1273,"352":1278,"353":1283,"354":1285,"355":1289,"356":1292,"357":1312,"358":1317,"359":1320,"360":1320,"361":1323,"362":1324,"363":1325,"364":1327,"365":1327,"366":1328,"367":1331,"368":1336,"369":1340,"370":1342,"371":1345,"372":1346,"373":1348,"374":1351,"375":1352,"376":1352,"377":1354,"378":1355,"379":1356,"380":1357,"381":1358,"382":1361,"383":1361,"384":1362,"385":1365,"386":1366,"387":1369,"388":1372,"389":1376,"390":1379,"391":1385,"392":1390,"393":1391,"394":1393,"395":1394,"396":1400,"397":1401,"398":1402,"399":1403,"400":1403,"401":1404,"402":1407,"403":1407,"404":1410,"405":1411,"406":1411,"407":1417,"408":1417,"409":1419,"410":1421,"411":1421,"412":1422,"413":1425,"414":1426,"415":1433,"416":1434,"417":1434,"418":1437,"419":1437,"420":1439,"421":1439,"422":1442,"423":1446,"424":1448,"425":1448,"426":1454,"427":1455,"428":1455,"429":1456,"430":1459,"431":1459,"432":1460,"433":1463,"434":1470,"435":1470,"436":1478,"437":1478,"438":1480,"439":1482,"440":1484,"441":1485,"442":1485,"443":1490,"444":1492,"445":1493,"446":1494,"447":1496,"448":1498,"449":1500,"450":1501,"451":1501,"452":1501,"453":1502,"454":1506,"455":1511,"456":1513,"457":1516,"458":1516,"459":1529,"460":1533,"461":1533,"462":1535,"463":1535,"464":1537,"465":1539,"466":1540,"467":1541,"468":1542,"469":1544,"470":1548,"471":1549,"472":1553,"473":1556,"474":1557,"475":1557,"476":1557,"477":1559,"478":1561,"479":1562,"480":1562,"481":1563,"482":1563,"483":1564,"484":1565,"485":1566,"486":1569,"487":1570,"488":1571,"489":1572,"490":1573,"491":1576,"492":1577,"493":1579,"494":1581,"495":1584,"496":1585,"497":1586,"498":1587,"499":1588,"500":1589,"501":1593,"502":1599,"503":1602,"504":1603,"505":1609,"506":1610,"507":1611,"508":1612,"509":1613,"510":1615,"511":1617,"512":1619,"513":1620,"514":1623,"515":1625,"516":1626,"517":1626,"518":1626,"519":1627,"520":1628,"521":1631,"522":1637,"523":1641,"524":1642,"525":1643,"526":1643,"527":1644,"528":1646,"529":1647,"530":1648,"531":1650,"532":1652,"533":1653,"534":1654,"535":1656,"536":1659,"537":1660,"538":1660,"539":1665,"540":1666,"541":1669,"542":1670,"543":1673,"544":1681,"545":1682,"546":1682,"547":1687,"548":1690,"549":1693,"550":1694,"551":1695,"552":1695,"553":1696,"554":1697,"555":1698,"556":1698,"557":1700,"558":1701,"559":1702,"560":1708,"561":1709,"562":1714,"563":1714,"564":1720,"565":1724,"566":1725,"567":1726,"568":1727,"569":1728,"570":1729,"571":1730,"572":1731,"573":1733,"574":1741,"575":1744,"576":1744,"577":1744,"578":1753,"579":1755,"580":1755,"581":1756,"582":1757,"583":1759,"584":1759,"585":1762,"586":1764,"587":1772,"588":1776,"589":1777,"590":1777,"591":1778,"592":1783,"593":1784,"594":1788,"595":1791,"596":1793,"597":1796,"598":1799,"599":1801,"600":1802,"601":1805,"602":1809,"603":1810,"604":1816,"605":1818,"606":1819,"607":1822,"608":1823,"609":1824,"610":1824,"611":1825,"612":1826,"613":1829,"614":1830,"615":1831,"616":1832,"617":1835,"618":1836,"619":1837,"620":1838,"621":1838,"622":1840,"623":1841,"624":1841,"625":1850,"626":1850,"627":1851,"628":1853,"629":1855,"630":1855,"631":1856,"632":1857,"633":1859,"634":1862,"635":1863,"636":1864,"637":1864,"638":1866,"639":1867,"640":1868,"641":1871,"642":1871,"643":1871,"644":1874,"645":1878,"646":1879,"647":1881,"648":1882,"649":1883,"650":1884,"651":1884,"652":1885,"653":1887,"654":1887,"655":1888,"656":1890,"657":1891,"658":1893,"659":1894,"660":1895,"661":1897,"662":1899,"663":1900,"664":1901,"665":1901,"666":1913,"667":1917,"668":1919,"669":1921,"670":1922,"671":1925,"672":1927,"673":1928,"674":1931,"675":1932,"676":1933,"677":1936,"678":1941,"679":1944,"680":1945,"681":1948,"682":1949,"683":1951,"684":1954,"685":1956,"686":1959,"687":1962,"688":1962,"689":1965,"690":1967,"691":1970,"692":1970,"693":1972,"694":1977,"695":1979,"696":1980,"697":1984,"698":1984,"699":1986,"700":1989,"701":1992,"702":1993,"703":1996,"704":1997,"705":1999,"706":2001,"707":2002,"708":2004,"709":2006,"710":2006,"711":2008,"712":2008,"713":2008,"714":2012,"715":2013,"716":2014,"717":2015,"718":2017,"719":2018,"720":2020,"721":2021,"722":2021,"723":2022,"724":2022,"725":2023,"726":2024,"727":2025,"728":2027,"729":2028,"730":2032,"731":2037,"732":2038,"733":2040,"734":2050,"735":2051,"736":2053,"737":2054,"738":2055,"739":2056,"740":2057,"741":2058,"742":2060,"743":2061,"744":2065,"745":2075,"746":2076,"747":2078,"748":2081,"749":2082,"750":2083,"751":2084,"752":2085,"753":2089,"754":2089,"755":2090,"756":2091,"757":2091,"758":2091,"759":2093,"760":2093,"761":2094,"762":2095,"763":2116,"764":2118,"765":2119,"766":2120,"767":2121,"768":2121,"769":2125,"770":2125,"771":2132,"772":2134,"773":2135,"774":2142,"775":2143,"776":2147,"777":2149,"778":2154,"779":2157,"780":2159,"781":2160,"782":2161,"783":2162,"784":2163,"785":2165,"786":2173,"787":2175,"788":2176,"789":2179,"790":2180,"791":2181,"792":2182,"793":2183,"794":2183,"795":2184,"796":2188,"797":2189,"798":2191,"799":2191,"800":2195,"801":2196,"802":2202,"803":2202,"804":2202,"805":2209,"806":2211,"807":2212,"808":2220,"809":2221,"810":2223,"811":2224,"812":2225,"813":2226,"814":2227,"815":2228,"816":2229,"817":2230,"818":2231,"819":2232,"820":2235,"821":2235,"822":2236,"823":2237,"824":2238,"825":2238,"826":2240,"827":2241,"828":2241,"829":2241,"830":2241,"831":2242,"832":2244,"833":2245,"834":2247,"835":2249,"836":2249,"837":2250,"838":2264,"839":2274,"840":2283,"841":2285,"842":2286,"843":2289,"844":2290,"845":2291,"846":2292,"847":2301,"848":2304,"849":2304,"850":2305,"851":2308,"852":2309,"853":2310,"854":2310,"855":2312,"856":2313,"857":2315,"858":2316,"859":2317,"860":2317,"861":2318,"862":2319,"863":2324,"864":2326,"865":2327,"866":2329,"867":2331,"868":2334,"869":2335,"870":2337,"871":2341,"872":2342,"873":2344,"874":2344,"875":2346,"876":2352,"877":2353,"878":2355,"879":2356,"880":2356,"881":2357,"882":2358,"883":2358,"884":2360,"885":2372,"886":2373,"887":2374,"888":2376,"889":2377,"890":2378,"891":2380,"892":2381,"893":2382,"894":2382,"895":2382,"896":2384,"897":2385,"898":2385,"899":2387,"900":2390,"901":2391,"902":2392,"903":2393,"904":2394,"905":2402,"906":2402,"907":2404,"908":2405,"909":2405,"910":2407,"911":2408,"912":2409,"913":2410,"914":2411,"915":2413,"916":2414,"917":2416,"918":2417,"919":2419,"920":2420,"921":2421,"922":2422,"923":2423,"924":2424,"925":2425,"926":2426,"927":2426,"928":2427,"929":2428,"930":2429,"931":2429,"932":2435,"933":2435,"934":2436,"935":2436,"936":2438,"937":2440,"938":2442,"939":2443,"940":2445,"941":2446,"942":2447,"943":2447,"944":2448,"945":2449,"946":2450,"947":2452,"948":2453,"949":2454,"950":2456,"951":2460,"952":2462,"953":2462,"954":2464,"955":2465,"956":2466,"957":2466,"958":2470,"959":2472,"960":2474,"961":2476,"962":2477,"963":2480,"964":2480,"965":2492,"966":2493,"967":2494,"968":2496,"969":2498,"970":2500,"971":2501,"972":2504,"973":2505,"974":2506,"975":2508,"976":2509,"977":2511,"978":2513,"979":2513,"980":2514,"981":2515,"982":2516,"983":2516,"984":2517,"985":2519,"986":2522,"987":2523,"988":2523,"989":2530,"990":2531,"991":2532,"992":2536,"993":2538,"994":2547,"995":2550,"996":2553,"997":2554,"998":2555,"999":2555,"1000":2558,"1001":2559,"1002":2559,"1003":2560,"1004":2561,"1005":2562,"1006":2563,"1007":2566,"1008":2567,"1009":2567,"1010":2570,"1011":2576,"1012":2583,"1013":2583,"1014":2585,"1015":2600,"1016":2605,"1017":2606,"1018":2612,"1019":2628,"1020":2629,"1021":2635,"1022":2640,"1023":2641,"1024":2648,"1025":2662,"1026":2668,"1027":2668,"1028":2668,"1029":2670,"1030":2671,"1031":2682,"1032":2683,"1033":2686,"1034":2687,"1035":2690,"1036":2696,"1037":2696,"1038":2703,"1039":2712,"1040":2720,"1041":2728,"1042":2731,"1043":2732,"1044":2734,"1045":2737,"1046":2738,"1047":2741,"1048":2742,"1049":2743,"1050":2744,"1051":2746,"1052":2749,"1053":2750,"1054":2758,"1055":2758,"1056":2766,"1057":2767,"1058":2779,"1059":2780,"1060":2780,"1061":2780,"1062":2792,"1063":2793,"1064":2794,"1065":2794,"1066":2800,"1067":2801,"1068":2803,"1069":2804,"1070":2806,"1071":2807,"1072":2808,"1073":2811,"1074":2812,"1075":2815,"1076":2815,"1077":2815,"1078":2821,"1079":2823,"1080":2825,"1081":2827,"1082":2827,"1083":2833,"1084":2833,"1085":2843,"1086":2847,"1087":2853,"1088":2853,"1089":2855,"1090":2858,"1091":2858,"1092":2860,"1093":2861,"1094":2864,"1095":2865,"1096":2866,"1097":2868,"1098":2872,"1099":2873,"1100":2874,"1101":2874,"1102":2876,"1103":2877,"1104":2880,"1105":2884,"1106":2884,"1107":2885,"1108":2885,"1109":2886,"1110":2887,"1111":2889,"1112":2889,"1113":2892,"1114":2892,"1115":2893,"1116":2894,"1117":2895,"1118":2895,"1119":2898,"1120":2901,"1121":2902,"1122":2904,"1123":2907,"1124":2908,"1125":2909,"1126":2912,"1127":2914,"1128":2914,"1129":2915,"1130":2916,"1131":2916,"1132":2948,"1133":2948,"1134":2955,"1135":2956,"1136":2956,"1137":2958,"1138":2959,"1139":2960,"1140":2960,"1141":2963,"1142":2964,"1143":2964,"1144":2964,"1145":2965,"1146":2968,"1147":2969,"1148":2969,"1149":2969,"1150":2970,"1151":2977,"1152":2982,"1153":2983,"1154":2983,"1155":2985,"1156":2988,"1157":2989,"1158":2990,"1159":3004,"1160":3007,"1161":3016,"1162":3017,"1163":3017,"1164":3020,"1165":3022,"1166":3023,"1167":3030,"1168":3031,"1169":3033,"1170":3036,"1171":3037,"1172":3040,"1173":3043,"1174":3048,"1175":3048,"1176":3054,"1177":3057,"1178":3058,"1179":3059,"1180":3060,"1181":3061,"1182":3062,"1183":3063,"1184":3065,"1185":3066,"1186":3069,"1187":3069,"1188":3071,"1189":3073,"1190":3073,"1191":3074,"1192":3076,"1193":3077,"1194":3077,"1195":3078,"1196":3079,"1197":3083,"1198":3083,"1199":3085,"1200":3096,"1201":3097,"1202":3101,"1203":3105,"1204":3107,"1205":3112,"1206":3112,"1207":3113,"1208":3113,"1209":3117,"1210":3121,"1211":3121,"1212":3122,"1213":3126,"1214":3136,"1215":3137,"1216":3138,"1217":3140,"1218":3141,"1219":3145,"1220":3146,"1221":3147,"1222":3151,"1223":3153,"1224":3154,"1225":3156,"1226":3158,"1227":3159,"1228":3161,"1229":3161,"1230":3162,"1231":3162,"1232":3162,"1233":3163,"1234":3164,"1235":3167,"1236":3176,"1237":3176,"1238":3178,"1239":3181,"1240":3183,"1241":3185,"1242":3186,"1243":3186,"1244":3190,"1245":3191,"1246":3191,"1247":3192,"1248":3194,"1249":3198,"1250":3199,"1251":3200,"1252":3202,"1253":3202,"1254":3206,"1255":3207,"1256":3207,"1257":3208,"1258":3211,"1259":3213,"1260":3214,"1261":3214,"1262":3215,"1263":3225,"1264":3225,"1265":3225,"1266":3226,"1267":3226,"1268":3235,"1269":3236,"1270":3236,"1271":3237,"1272":3237,"1273":3238,"1274":3239,"1275":3239,"1276":3242,"1277":3245,"1278":3245,"1279":3249,"1280":3252,"1281":3253,"1282":3255,"1283":3255,"1284":3260,"1285":3261,"1286":3265,"1287":3265,"1288":3269,"1289":3270,"1290":3270,"1291":3274,"1292":3274,"1293":3275,"1294":3276,"1295":3277,"1296":3283,"1297":3284,"1298":3287,"1299":3288,"1300":3289,"1301":3289,"1302":3290,"1303":3291,"1304":3293,"1305":3294,"1306":3295,"1307":3296,"1308":3297,"1309":3299,"1310":3301,"1311":3302,"1312":3304,"1313":3309,"1314":3313,"1315":3318,"1316":3320,"1317":3321,"1318":3322,"1319":3323,"1320":3327,"1321":3331,"1322":3336,"1323":3338,"1324":3339,"1325":3340,"1326":3341,"1327":3342,"1328":3345,"1329":3346,"1330":3347,"1331":3350,"1332":3350,"1333":3352,"1334":3354,"1335":3355,"1336":3356,"1337":3356,"1338":3357,"1339":3357,"1340":3359,"1341":3360,"1342":3360,"1343":3361,"1344":3362,"1345":3363,"1346":3363,"1347":3366,"1348":3366,"1349":3366,"1350":3368,"1351":3368,"1352":3372,"1353":3374,"1354":3375,"1355":3375,"1356":3391,"1357":3393,"1358":3396,"1359":3398,"1360":3399,"1361":3400,"1362":3400,"1363":3403,"1364":3404,"1365":3407,"1366":3408,"1367":3408,"1368":3412,"1369":3414,"1370":3416,"1371":3417,"1372":3420,"1373":3420,"1374":3425,"1375":3425,"1376":3426,"1377":3427,"1378":3427,"1379":3428,"1380":3430,"1381":3432,"1382":3434,"1383":3434,"1384":3440,"1385":3440,"1386":3446,"1387":3447,"1388":3448,"1389":3450,"1390":3452,"1391":3454,"1392":3455,"1393":3456,"1394":3456,"1395":3457,"1396":3459,"1397":3459,"1398":3462,"1399":3463,"1400":3463,"1401":3464,"1402":3464,"1403":3466,"1404":3467,"1405":3467,"1406":3470,"1407":3471,"1408":3472,"1409":3473,"1410":3475,"1411":3476,"1412":3477,"1413":3477,"1414":3483,"1415":3484,"1416":3486,"1417":3487,"1418":3488,"1419":3489,"1420":3490,"1421":3491,"1422":3493,"1423":3494,"1424":3497,"1425":3502,"1426":3502,"1427":3507,"1428":3512,"1429":3512,"1430":3516,"1431":3516,"1432":3519,"1433":3520,"1434":3523,"1435":3524,"1436":3525,"1437":3526,"1438":3527,"1439":3529,"1440":3530,"1441":3532,"1442":3533,"1443":3551,"1444":3551,"1445":3551,"1446":3554,"1447":3554,"1448":3561,"1449":3563,"1450":3566,"1451":3567,"1452":3567,"1453":3568,"1454":3568,"1455":3569,"1456":3570,"1457":3571,"1458":3571,"1459":3572,"1460":3572,"1461":3572,"1462":3573,"1463":3573,"1464":3573,"1465":3574,"1466":3574,"1467":3574,"1468":3575,"1469":3576,"1470":3576,"1471":3578,"1472":3578,"1473":3579,"1474":3579,"1475":3579,"1476":3580,"1477":3580,"1478":3581,"1479":3581,"1480":3582,"1481":3582,"1482":3583,"1483":3583,"1484":3584,"1485":3585,"1486":3585,"1487":3586,"1488":3586,"1489":3587,"1490":3588,"1491":3588,"1492":3589,"1493":3589,"1494":3591,"1495":3591,"1496":3593,"1497":3593,"1498":3593,"1499":3594,"1500":3594,"1501":3594,"1502":3595,"1503":3595,"1504":3595,"1505":3596,"1506":3596,"1507":3596,"1508":3597,"1509":3598,"1510":3598,"1511":3599,"1512":3600,"1513":3600,"1514":3601,"1515":3601,"1516":3602,"1517":3602,"1518":3602,"1519":3603,"1520":3603,"1521":3603,"1522":3604,"1523":3604,"1524":3604,"1525":3604,"1526":3606,"1527":3611,"1528":3612,"1529":3616,"1530":3617,"1531":3619,"1532":3619,"1533":3620,"1534":3620,"1535":3620,"1536":3620,"1537":3623,"1538":3623,"1539":3623,"1540":3624,"1541":3624,"1542":3624,"1543":3624,"1544":3625,"1545":3625,"1546":3625,"1547":3626,"1548":3626,"1549":3626,"1550":3627,"1551":3628,"1552":3628,"1553":3628,"1554":3628,"1555":3630,"1556":3628,"1557":3628,"1558":3629,"1559":3629,"1560":3629,"1561":3631,"1562":3631,"1563":3632,"1564":3633,"1565":3634,"1566":3634,"1567":3635,"1568":3635,"1569":3636,"1570":3636,"1571":3637,"1572":3637,"1573":3637,"1574":3638,"1575":3639,"1576":3639,"1577":3639,"1578":3640,"1579":3640,"1580":3640,"1581":3641,"1582":3641,"1583":3641,"1584":3641,"1585":3642,"1586":3642,"1587":3642,"1588":3643,"1589":3643,"1590":3644,"1591":3644,"1592":3645,"1593":3645,"1594":3645,"1595":3646,"1596":3647,"1597":3647,"1598":3647,"1599":3647,"1600":3648,"1601":3648,"1602":3649,"1603":3649,"1604":3649,"1605":3650,"1606":3650,"1607":3650,"1608":3651,"1609":3651,"1610":3652,"1611":3652,"1612":3652,"1613":3653,"1614":3654,"1615":3654,"1616":3654,"1617":3654,"1618":3654,"1619":3655,"1620":3655,"1621":3655,"1622":3655,"1623":3656,"1624":3656,"1625":3656,"1626":3656,"1627":3657,"1628":3657,"1629":3657,"1630":3657,"1631":3658,"1632":3658,"1633":3659,"1634":3659,"1635":3659,"1636":3660,"1637":3661,"1638":3661,"1639":3663,"1640":3663,"1641":3664,"1642":3664,"1643":3665,"1644":3665,"1645":3665,"1646":3666,"1647":3666,"1648":3666,"1649":3668,"1650":3668,"1651":3669,"1652":3670,"1653":3670,"1654":3670,"1655":3670,"1656":3673,"1657":3673,"1658":3674,"1659":3674,"1660":3675,"1661":3676,"1662":3676,"1663":3677,"1664":3677,"1665":3677,"1666":3678,"1667":3678,"1668":3678,"1669":3679,"1670":3679,"1671":3679,"1672":3679,"1673":3680,"1674":3680,"1675":3680,"1676":3681,"1677":3681,"1678":3682,"1679":3682,"1680":3683,"1681":3683,"1682":3684,"1683":3684,"1684":3684,"1685":3685,"1686":3685,"1687":3685,"1688":3686,"1689":3686,"1690":3687,"1691":3687,"1692":3688,"1693":3688,"1694":3688,"1695":3688,"1696":3689,"1697":3689,"1698":3689,"1699":3690,"1700":3690,"1701":3691,"1702":3691,"1703":3691,"1704":3692,"1705":3692,"1706":3693,"1707":3693,"1708":3693,"1709":3694,"1710":3695,"1711":3696,"1712":3696,"1713":3697,"1714":3697,"1715":3697,"1716":3698,"1717":3699,"1718":3699,"1719":3699,"1720":3700,"1721":3700,"1722":3700,"1723":3700,"1724":3702,"1725":3702,"1726":3703,"1727":3703,"1728":3704,"1729":3704,"1730":3704,"1731":3705,"1732":3705,"1733":3705,"1734":3705,"1735":3706,"1736":3707,"1737":3707,"1738":3707,"1739":3708,"1740":3708,"1741":3708,"1742":3709,"1743":3709,"1744":3709,"1745":3710,"1746":3710,"1747":3711,"1748":3711,"1749":3711,"1750":3712,"1751":3712,"1752":3715,"1753":3722,"1754":3722,"1755":3722,"1756":3726,"1757":3726,"1758":3726,"1759":3734,"1760":3735,"1761":3739,"1762":3740,"1763":3741,"1764":3746,"1765":3746,"1766":3749,"1767":3754,"1768":3754,"1769":3755,"1770":3755,"1771":3757,"1772":3757,"1773":3761,"1774":3761,"1775":3761,"1776":3761,"1777":3762,"1778":3762,"1779":3766,"1780":3769,"1781":3777,"1782":3782,"1783":3789,"1784":3790,"1785":3792,"1786":3793,"1787":3793,"1788":3793,"1789":3794,"1790":3795,"1791":3796,"1792":3796,"1793":3797,"1794":3797,"1795":3798,"1796":3799,"1797":3799,"1798":3799,"1799":3800,"1800":3800,"1801":3800,"1802":3801,"1803":3801,"1804":3802,"1805":3803,"1806":3804,"1807":3804,"1808":3805,"1809":3805,"1810":3806,"1811":3806,"1812":3806,"1813":3808,"1814":3808,"1815":3809,"1816":3809,"1817":3810,"1818":3810,"1819":3811,"1820":3811,"1821":3811,"1822":3812,"1823":3812,"1824":3813,"1825":3813,"1826":3813,"1827":3814,"1828":3818,"1829":3818,"1830":3823,"1831":3823,"1832":3827,"1833":3827,"1834":3831,"1835":3833,"1836":3834,"1837":3838,"1838":3839,"1839":3844,"1840":3845,"1841":3847,"1842":3848,"1843":3849,"1844":3849,"1845":3851,"1846":3852,"1847":3852,"1848":3854,"1849":3855,"1850":3855,"1851":3857,"1852":3857,"1853":3861,"1854":3869,"1855":3870,"1856":3872,"1857":3873,"1858":3875,"1859":3877,"1860":3877,"1861":3878,"1862":3878,"1863":3879,"1864":3879,"1865":3880,"1866":3881,"1867":3882,"1868":3886,"1869":3890,"1870":3892,"1871":3892,"1872":3893,"1873":3894,"1874":3895,"1875":3896,"1876":3897,"1877":3901,"1878":3903,"1879":3904,"1880":3905,"1881":3909,"1882":3909,"1883":3916,"1884":3916,"1885":3916,"1886":3918,"1887":3921,"1888":3921,"1889":3922,"1890":3923,"1891":3923,"1892":3924,"1893":3924,"1894":3926,"1895":3926,"1896":3936,"1897":3939,"1898":3942,"1899":3945,"1900":3948,"1901":3949,"1902":3951,"1903":3952,"1904":3952,"1905":3952,"1906":3953,"1907":3954,"1908":3954,"1909":3955,"1910":3955,"1911":3956,"1912":3956,"1913":3958,"1914":3961,"1915":3964,"1916":3966,"1917":3967,"1918":3968,"1919":3970,"1920":3972,"1921":3972,"1922":3972,"1923":3973,"1924":3974,"1925":3974,"1926":3974,"1927":3975,"1928":3975,"1929":3977,"1930":3978,"1931":3986,"1932":3986,"1933":3988,"1934":3989,"1935":3990,"1936":3991,"1937":3992,"1938":3992,"1939":3994,"1940":3995,"1941":3996,"1942":3997,"1943":3998,"1944":4000,"1945":4000,"1946":4001,"1947":4002,"1948":4010,"1949":4011,"1950":4013,"1951":4014,"1952":4015,"1953":4015,"1954":4016,"1955":4016,"1956":4016,"1957":4017,"1958":4017,"1959":4018,"1960":4021,"1961":4021,"1962":4021,"1963":4023,"1964":4023,"1965":4026,"1966":4028,"1967":4028,"1968":4032,"1969":4032,"1970":4033,"1971":4034,"1972":4034,"1973":4035,"1974":4035,"1975":4035,"1976":4036,"1977":4038,"1978":4039,"1979":4039,"1980":4040,"1981":4040,"1982":4040,"1983":4042,"1984":4043,"1985":4043,"1986":4044,"1987":4045,"1988":4045,"1989":4053,"1990":4054,"1991":4055,"1992":4055,"1993":4056,"1994":4057,"1995":4059,"1996":4060,"1997":4060,"1998":4061,"1999":4063,"2000":4065,"2001":4065,"2002":4066,"2003":4067,"2004":4067,"2005":4069,"2006":4069,"2007":4070,"2008":4072,"2009":4073,"2010":4074,"2011":4076,"2012":4079,"2013":4081,"2014":4082,"2015":4084,"2016":4085,"2017":4086,"2018":4087,"2019":4088,"2020":4088,"2021":4089,"2022":4090,"2023":4090,"2024":4091,"2025":4091,"2026":4092,"2027":4094,"2028":4095,"2029":4097,"2030":4098,"2031":4099,"2032":4101,"2033":4103,"2034":4104,"2035":4105,"2036":4106,"2037":4106,"2038":4108,"2039":4109,"2040":4109,"2041":4110,"2042":4118,"2043":4121,"2044":4122,"2045":4123,"2046":4124,"2047":4125,"2048":4126,"2049":4128,"2050":4128,"2051":4129,"2052":4134,"2053":4134,"2054":4135,"2055":4138,"2056":4138,"2057":4140,"2058":4142,"2059":4143,"2060":4143,"2061":4144,"2062":4144,"2063":4147,"2064":4147,"2065":4148,"2066":4149,"2067":4150,"2068":4151,"2069":4154,"2070":4158,"2071":4161,"2072":4162,"2073":4167,"2074":4167,"2075":4168,"2076":4169,"2077":4171,"2078":4171,"2079":4171,"2080":4171,"2081":4173,"2082":4174,"2083":4178,"2084":4179,"2085":4180,"2086":4181,"2087":4181,"2088":4184,"2089":4188,"2090":4196,"2091":4196,"2092":4200,"2093":4200,"2094":4202,"2095":4206,"2096":4207,"2097":4209,"2098":4212,"2099":4213,"2100":4221,"2101":4223,"2102":4226,"2103":4227,"2104":4230,"2105":4231,"2106":4231,"2107":4234,"2108":4234,"2109":4236,"2110":4236,"2111":4238,"2112":4241,"2113":4242,"2114":4249,"2115":4249,"2116":4250,"2117":4253,"2118":4254,"2119":4259,"2120":4261,"2121":4262,"2122":4267,"2123":4268,"2124":4270,"2125":4270,"2126":4281,"2127":4284,"2128":4285,"2129":4286,"2130":4287,"2131":4288,"2132":4288,"2133":4289,"2134":4291,"2135":4292,"2136":4292,"2137":4298,"2138":4301,"2139":4303,"2140":4303,"2141":4306,"2142":4309,"2143":4310,"2144":4314,"2145":4315,"2146":4316,"2147":4317,"2148":4317,"2149":4320,"2150":4323,"2151":4323,"2152":4323,"2153":4325,"2154":4332,"2155":4337,"2156":4340,"2157":4341,"2158":4341,"2159":4342,"2160":4342,"2161":4350,"2162":4352,"2163":4354,"2164":4354,"2165":4355,"2166":4356,"2167":4358,"2168":4359,"2169":4364,"2170":4364,"2171":4367,"2172":4369,"2173":4369,"2174":4370,"2175":4371,"2176":4372,"2177":4372,"2178":4373,"2179":4377,"2180":4377,"2181":4378,"2182":4378,"2183":4378,"2184":4383,"2185":4391,"2186":4394,"2187":4397,"2188":4401,"2189":4403,"2190":4404,"2191":4405,"2192":4410,"2193":4413,"2194":4414,"2195":4415,"2196":4416,"2197":4419,"2198":4420,"2199":4421,"2200":4424,"2201":4425,"2202":4427,"2203":4427,"2204":4428,"2205":4429,"2206":4431,"2207":4436,"2208":4436,"2209":4439,"2210":4441,"2211":4442,"2212":4444,"2213":4445,"2214":4445,"2215":4447,"2216":4448,"2217":4448,"2218":4455,"2219":4458,"2220":4459,"2221":4462,"2222":4465,"2223":4465,"2224":4466,"2225":4469,"2226":4472,"2227":4476,"2228":4478,"2229":4485,"2230":4486,"2231":4486,"2232":4486,"2233":4495,"2234":4498,"2235":4503,"2236":4504,"2237":4507,"2238":4513,"2239":4518,"2240":4520,"2241":4526,"2242":4527,"2243":4530,"2244":4531,"2245":4533,"2246":4534,"2247":4539,"2248":4540,"2249":4540,"2250":4542,"2251":4543,"2252":4545,"2253":4546,"2254":4548,"2255":4549,"2256":4550,"2257":4552,"2258":4559,"2259":4562,"2260":4566,"2261":4568,"2262":4569,"2263":4572,"2264":4573,"2265":4574,"2266":4575,"2267":4576,"2268":4577,"2269":4578,"2270":4580,"2271":4581,"2272":4584,"2273":4585,"2274":4585,"2275":4591,"2276":4593,"2277":4593,"2278":4593,"2279":4594,"2280":4595,"2281":4597,"2282":4600,"2283":4600,"2284":4601,"2285":4601,"2286":4605,"2287":4612,"2288":4612,"2289":4613,"2290":4613,"2291":4619,"2292":4620,"2293":4620,"2294":4620,"2295":4621,"2296":4622,"2297":4623,"2298":4623,"2299":4624,"2300":4626,"2301":4628,"2302":4629,"2303":4630,"2304":4631,"2305":4632,"2306":4633,"2307":4637,"2308":4638,"2309":4638,"2310":4639,"2311":4640,"2312":4640,"2313":4641,"2314":4641,"2315":4641,"2316":4644,"2317":4649,"2318":4653,"2319":4653,"2320":4654,"2321":4657,"2322":4655,"2323":4659,"2324":4660,"2325":4661,"2326":4663,"2327":4664,"2328":4665,"2329":4665,"2330":4667,"2331":4668,"2332":4668,"2333":4670,"2334":4672,"2335":4672,"2336":4674,"2337":4674,"2338":4675,"2339":4675,"2340":4676,"2341":4677,"2342":4678,"2343":4678,"2344":4682,"2345":4687,"2346":4688,"2347":4690,"2348":4692,"2349":4692,"2350":4693,"2351":4695,"2352":4696,"2353":4696,"2354":4698,"2355":4699,"2356":4700,"2357":4700,"2358":4701,"2359":4702,"2360":4702,"2361":4703,"2362":4704,"2363":4708,"2364":4708,"2365":4709,"2366":4710,"2367":4710,"2368":4711,"2369":4712,"2370":4712,"2371":4713,"2372":4715,"2373":4715,"2374":4716,"2375":4716,"2376":4716,"2377":4717,"2378":4720,"2379":4721,"2380":4722,"2381":4724,"2382":4726,"2383":4727,"2384":4727,"2385":4728,"2386":4731,"2387":4731,"2388":4732,"2389":4734,"2390":4736,"2391":4737,"2392":4739,"2393":4739,"2394":4741,"2395":4746,"2396":4747,"2397":4750,"2398":4752,"2399":4753,"2400":4755,"2401":4756,"2402":4761,"2403":4762,"2404":4762,"2405":4764,"2406":4764,"2407":4767,"2408":4769,"2409":4769,"2410":4771,"2411":4774,"2412":4774,"2413":4775,"2414":4775,"2415":4776,"2416":4776,"2417":4777,"2418":4777,"2419":4778,"2420":4780,"2421":4780,"2422":4781,"2423":4782,"2424":4785,"2425":4786,"2426":4787,"2427":4789,"2428":4792,"2429":4792,"2430":4793,"2431":4793,"2432":4794,"2433":4795,"2434":4796,"2435":4797,"2436":4797,"2437":4797,"2438":4798,"2439":4800,"2440":4801,"2441":4802,"2442":4804,"2443":4804,"2444":4805,"2445":4805,"2446":4806,"2447":4810,"2448":4813,"2449":4813,"2450":4813,"2451":4814,"2452":4814,"2453":4815,"2454":4815,"2455":4819,"2456":4821,"2457":4821,"2458":4822,"2459":4823,"2460":4823,"2461":4823,"2462":4824,"2463":4826,"2464":4826,"2465":4838,"2466":4842,"2467":4847,"2468":4848,"2469":4850,"2470":4851,"2471":4851,"2472":4853,"2473":4854,"2474":4854,"2475":4855,"2476":4858,"2477":4859,"2478":4861,"2479":4866,"2480":4867,"2481":4869,"2482":4870,"2483":4873,"2484":4884,"2485":4887,"2486":4887,"2487":4889,"2488":4896,"2489":4897,"2490":4898,"2491":4899,"2492":4899,"2493":4901,"2494":4904,"2495":4904,"2496":4906,"2497":4909,"2498":4912,"2499":4925,"2500":4930,"2501":4935,"2502":4935,"2503":4935,"2504":4937,"2505":4939,"2506":4940,"2507":4943,"2508":4944,"2509":4946,"2510":4947,"2511":4948,"2512":4959,"2513":4959,"2514":4962,"2515":4972,"2516":4972,"2517":4977,"2518":4979,"2519":4982,"2520":4983,"2521":4984,"2522":4985,"2523":4986,"2524":4987,"2525":4987,"2526":4988,"2527":4988,"2528":4992,"2529":4992,"2530":4993,"2531":4994,"2532":4995,"2533":4996,"2534":4997,"2535":4997,"2536":5000,"2537":5002,"2538":5002,"2539":5003,"2540":5004,"2541":5005,"2542":5005,"2543":5007,"2544":5009,"2545":5010,"2546":5013,"2547":5015,"2548":5015,"2549":5018,"2550":5019,"2551":5020,"2552":5020,"2553":5025,"2554":5025,"2555":5028,"2556":5030,"2557":5031,"2558":5032,"2559":5035,"2560":5035,"2561":5036,"2562":5037,"2563":5037,"2564":5044,"2565":5045,"2566":5045,"2567":5046,"2568":5048,"2569":5048,"2570":5049,"2571":5051,"2572":5052,"2573":5052,"2574":5053,"2575":5058,"2576":5060,"2577":5061,"2578":5063,"2579":5063,"2580":5064,"2581":5064,"2582":5066,"2583":5067,"2584":5068,"2585":5069,"2586":5070,"2587":5070,"2588":5071,"2589":5076,"2590":5078,"2591":5078,"2592":5081,"2593":5082,"2594":5083,"2595":5084,"2596":5084,"2597":5086,"2598":5086,"2599":5091,"2600":5091,"2601":5092,"2602":5092,"2603":5103,"2604":5104,"2605":5107,"2606":5112,"2607":5115,"2608":5116,"2609":5116,"2610":5120,"2611":5116,"2612":5119,"2613":5123,"2614":5124,"2615":5126,"2616":5127,"2617":5127,"2618":5128,"2619":5133,"2620":5136,"2621":5137,"2622":5138,"2623":5142,"2624":5142,"2625":5144,"2626":5147,"2627":5147,"2628":5148,"2629":5149,"2630":5151,"2631":5152,"2632":5153,"2633":5156,"2634":5157,"2635":5160,"2636":5161,"2637":5161,"2638":5163,"2639":5161,"2640":5162,"2641":5167,"2642":5170,"2643":5171,"2644":5172,"2645":5173,"2646":5174,"2647":5174,"2648":5175,"2649":5177,"2650":5182,"2651":5182,"2652":5184,"2653":5185,"2654":5186,"2655":5186,"2656":5188,"2657":5190,"2658":5198,"2659":5198,"2660":5199,"2661":5200,"2662":5200,"2663":5201,"2664":5203,"2665":5204,"2666":5206,"2667":5207,"2668":5208,"2669":5209,"2670":5209,"2671":5212,"2672":5215,"2673":5215,"2674":5216,"2675":5217,"2676":5218,"2677":5219,"2678":5219,"2679":5220,"2680":5221,"2681":5222,"2682":5240,"2683":5242,"2684":5246,"2685":5247,"2686":5249,"2687":5251,"2688":5254,"2689":5255,"2690":5256,"2691":5259,"2692":5259,"2693":5261,"2694":5262,"2695":5264,"2696":5265,"2697":5266,"2698":5267,"2699":5268,"2700":5269,"2701":5270,"2702":5271,"2703":5271,"2704":5274,"2705":5275,"2706":5281,"2707":5282,"2708":5283,"2709":5285,"2710":5286,"2711":5288,"2712":5289,"2713":5291,"2714":5292,"2715":5293,"2716":5296,"2717":5299,"2718":5301,"2719":5303,"2720":5303,"2721":5304,"2722":5305,"2723":5307,"2724":5307,"2725":5313,"2726":5315,"2727":5316,"2728":5317,"2729":5319,"2730":5326,"2731":5327,"2732":5329,"2733":5330,"2734":5330,"2735":5332,"2736":5337,"2737":5338,"2738":5339,"2739":5342,"2740":5343,"2741":5343,"2742":5345,"2743":5346,"2744":5347,"2745":5348,"2746":5351,"2747":5351,"2748":5355,"2749":5359,"2750":5361,"2751":5362,"2752":5363,"2753":5365,"2754":5367,"2755":5368,"2756":5371,"2757":5372,"2758":5373,"2759":5374,"2760":5375,"2761":5378,"2762":5379,"2763":5385,"2764":5388,"2765":5397,"2766":5397,"2767":5398,"2768":5399,"2769":5399,"2770":5401,"2771":5402,"2772":5404,"2773":5404,"2774":5406,"2775":5407,"2776":5408,"2777":5409,"2778":5411,"2779":5413,"2780":5418,"2781":5419,"2782":5419,"2783":5420,"2784":5423,"2785":5426,"2786":5427,"2787":5428,"2788":5429,"2789":5429,"2790":5430,"2791":5433,"2792":5436,"2793":5437,"2794":5440,"2795":5444,"2796":5448,"2797":5448,"2798":5449,"2799":5451,"2800":5454,"2801":5457,"2802":5457,"2803":5461,"2804":5462,"2805":5464,"2806":5466,"2807":5470,"2808":5471,"2809":5472,"2810":5473,"2811":5474,"2812":5475,"2813":5477,"2814":5483,"2815":5484,"2816":5486,"2817":5487,"2818":5489,"2819":5494,"2820":5496,"2821":5499,"2822":5499,"2823":5500,"2824":5501,"2825":5502,"2826":5503,"2827":5505,"2828":5505,"2829":5507,"2830":5508,"2831":5508,"2832":5510,"2833":5511,"2834":5514,"2835":5514,"2836":5515,"2837":5518,"2838":5520,"2839":5521,"2840":5522,"2841":5524,"2842":5524,"2843":5530,"2844":5531,"2845":5532,"2846":5532,"2847":5533,"2848":5533,"2849":5536,"2850":5537,"2851":5538,"2852":5539,"2853":5541,"2854":5541,"2855":5543,"2856":5544,"2857":5545,"2858":5545,"2859":5546,"2860":5549,"2861":5550,"2862":5550,"2863":5552,"2864":5553,"2865":5555,"2866":5555,"2867":5557,"2868":5557,"2869":5560,"2870":5562,"2871":5563,"2872":5564,"2873":5564,"2874":5566,"2875":5567,"2876":5570,"2877":5599,"2878":5606,"2879":5608,"2880":5608,"2881":5609,"2882":5610,"2883":5611,"2884":5614,"2885":5615,"2886":5617,"2887":5617,"2888":5618,"2889":5619,"2890":5620,"2891":5623,"2892":5625,"2893":5627,"2894":5628,"2895":5628,"2896":5633,"2897":5634,"2898":5635,"2899":5636,"2900":5637,"2901":5638,"2902":5640,"2903":5641,"2904":5643,"2905":5643,"2906":5645,"2907":5647,"2908":5648,"2909":5649,"2910":5650,"2911":5651,"2912":5653,"2913":5655,"2914":5656,"2915":5658,"2916":5659,"2917":5660,"2918":5667,"2919":5669,"2920":5670,"2921":5671,"2922":5671,"2923":5674,"2924":5675,"2925":5680,"2926":5680,"2927":5681,"2928":5682,"2929":5696,"2930":5698,"2931":5699,"2932":5701,"2933":5702,"2934":5702,"2935":5704,"2936":5705,"2937":5708,"2938":5710,"2939":5711,"2940":5713,"2941":5719,"2942":5720,"2943":5722,"2944":5722,"2945":5723,"2946":5725,"2947":5725,"2948":5727,"2949":5730,"2950":5731,"2951":5732,"2952":5735,"2953":5738,"2954":5746,"2955":5749,"2956":5752,"2957":5754,"2958":5756,"2959":5762,"2960":5762,"2961":5764,"2962":5765,"2963":5766,"2964":5766,"2965":5767,"2966":5768,"2967":5783,"2968":5788,"2969":5793,"2970":5794,"2971":5794,"2972":5795,"2973":5796,"2974":5799,"2975":5800,"2976":5801,"2977":5802,"2978":5804,"2979":5807,"2980":5808,"2981":5809,"2982":5810,"2983":5812,"2984":5813,"2985":5814,"2986":5816,"2987":5817,"2988":5818,"2989":5819,"2990":5820,"2991":5823,"2992":5823,"2993":5824,"2994":5825,"2995":5828,"2996":5833,"2997":5836,"2998":5837,"2999":5838,"3000":5839,"3001":5841,"3002":5843,"3003":5844,"3004":5846,"3005":5846,"3006":5848,"3007":5849,"3008":5849,"3009":5852,"3010":5853,"3011":5854,"3012":5856,"3013":5856,"3014":5858,"3015":5858,"3016":5859,"3017":5860,"3018":5861,"3019":5861,"3020":5864,"3021":5866,"3022":5866,"3023":5867,"3024":5868,"3025":5871,"3026":5872,"3027":5873,"3028":5875,"3029":5876,"3030":5877,"3031":5885,"3032":5888,"3033":5892,"3034":5893,"3035":5896,"3036":5897,"3037":5908,"3038":5909,"3039":5912,"3040":5913,"3041":5917,"3042":5926,"3043":5926,"3044":5927,"3045":5928,"3046":5928,"3047":5929,"3048":5930,"3049":5934,"3050":5935,"3051":5941,"3052":5942,"3053":5946,"3054":5947,"3055":5948,"3056":5949,"3057":5951,"3058":5952,"3059":5953,"3060":5954,"3061":5956,"3062":5957,"3063":5958,"3064":5961,"3065":5965,"3066":5966,"3067":5967,"3068":5969,"3069":5973,"3070":5974,"3071":5976,"3072":5979,"3073":5982,"3074":5987,"3075":5988,"3076":5992,"3077":5994,"3078":5996,"3079":5999,"3080":6000,"3081":6001,"3082":6003,"3083":6004,"3084":6004,"3085":6009,"3086":6010,"3087":6011,"3088":6012,"3089":6017,"3090":6017,"3091":6019,"3092":6019,"3093":6021,"3094":6023,"3095":6025,"3096":6025,"3097":6025,"3098":6027,"3099":6029,"3100":6030,"3101":6031,"3102":6032,"3103":6032,"3104":6033,"3105":6033,"3106":6035,"3107":6036,"3108":6039,"3109":6041,"3110":6044,"3111":6048,"3112":6053,"3113":6059,"3114":6060,"3115":6061,"3116":6061,"3117":6062,"3118":6064,"3119":6072,"3120":6074,"3121":6077,"3122":6077,"3123":6078,"3124":6079,"3125":6081,"3126":6083,"3127":6085,"3128":6086,"3129":6087,"3130":6088,"3131":6090,"3132":6091,"3133":6093,"3134":6093,"3135":6094,"3136":6099,"3137":6100,"3138":6105,"3139":6110,"3140":6112,"3141":6112,"3142":6113,"3143":6115,"3144":6120,"3145":6127,"3146":6129,"3147":6130,"3148":6131,"3149":6132,"3150":6135,"3151":6136,"3152":6137,"3153":6138,"3154":6142,"3155":6143,"3156":6144,"3157":6144,"3158":6146,"3159":6149,"3160":6149,"3161":6150,"3162":6152,"3163":6156,"3164":6157,"3165":6158,"3166":6159,"3167":6160,"3168":6162,"3169":6162,"3170":6163,"3171":6163,"3172":6164,"3173":6165,"3174":6165,"3175":6166,"3176":6167,"3177":6167,"3178":6170,"3179":6173,"3180":6174,"3181":6176,"3182":6177,"3183":6181,"3184":6181,"3185":6182,"3186":6182,"3187":6183,"3188":6184,"3189":6192,"3190":6195,"3191":6198,"3192":6202,"3193":6203,"3194":6203,"3195":6209,"3196":6210,"3197":6211,"3198":6211,"3199":6215,"3200":6216,"3201":6218,"3202":6219,"3203":6222,"3204":6226,"3205":6231,"3206":6234,"3207":6234,"3208":6237,"3209":6240,"3210":6242,"3211":6247,"3212":6248,"3213":6250,"3214":6250,"3215":6252,"3216":6252,"3217":6253,"3218":6254,"3219":6258,"3220":6265,"3221":6268,"3222":6269,"3223":6274,"3224":6276,"3225":6276,"3226":6277,"3227":6278,"3228":6280,"3229":6281,"3230":6283,"3231":6284,"3232":6284,"3233":6286,"3234":6291,"3235":6295,"3236":6296,"3237":6297,"3238":6300,"3239":6301,"3240":6301,"3241":6303,"3242":6304,"3243":6305,"3244":6305,"3245":6306,"3246":6309,"3247":6311,"3248":6311,"3249":6313,"3250":6313,"3251":6315,"3252":6316,"3253":6317,"3254":6318,"3255":6319,"3256":6319,"3257":6320,"3258":6323,"3259":6328,"3260":6330,"3261":6331,"3262":6332,"3263":6335,"3264":6337,"3265":6340,"3266":6341,"3267":6343,"3268":6345,"3269":6346,"3270":6349,"3271":6350,"3272":6351,"3273":6360,"3274":6364,"3275":6365,"3276":6368,"3277":6370,"3278":6372,"3279":6372,"3280":6373,"3281":6374,"3282":6374,"3283":6384,"3284":6386,"3285":6390,"3286":6391,"3287":6392,"3288":6393,"3289":6393,"3290":6396,"3291":6397,"3292":6399,"3293":6399,"3294":6401,"3295":6402,"3296":6403,"3297":6403,"3298":6404,"3299":6409,"3300":6411,"3301":6414,"3302":6415,"3303":6416,"3304":6417,"3305":6418,"3306":6421,"3307":6422,"3308":6423,"3309":6423,"3310":6424,"3311":6426,"3312":6427,"3313":6428,"3314":6432,"3315":6436,"3316":6437,"3317":6440,"3318":6441,"3319":6441,"3320":6441,"3321":6442,"3322":6443,"3323":6443,"3324":6444,"3325":6446,"3326":6447,"3327":6447,"3328":6449,"3329":6450,"3330":6450,"3331":6451,"3332":6452,"3333":6453,"3334":6454,"3335":6456,"3336":6457,"3337":6458,"3338":6461,"3339":6462,"3340":6462,"3341":6465,"3342":6466,"3343":6467,"3344":6468,"3345":6472,"3346":6473,"3347":6475,"3348":6475,"3349":6479,"3350":6481,"3351":6479,"3352":6480,"3353":6480,"3354":6480,"3355":6483,"3356":6483,"3357":6486,"3358":6487,"3359":6488,"3360":6490,"3361":6492,"3362":6493,"3363":6493,"3364":6495,"3365":6499,"3366":6500,"3367":6502,"3368":6503,"3369":6505,"3370":6507,"3371":6507,"3372":6508,"3373":6508,"3374":6509,"3375":6510,"3376":6511,"3377":6511,"3378":6512,"3379":6523,"3380":6524,"3381":6525,"3382":6526,"3383":6527,"3384":6528,"3385":6529,"3386":6530,"3387":6535,"3388":6538,"3389":6539,"3390":6540,"3391":6544,"3392":6546,"3393":6548,"3394":6549,"3395":6549,"3396":6551,"3397":6554,"3398":6557,"3399":6559,"3400":6560,"3401":6562,"3402":6563,"3403":6564,"3404":6567,"3405":6569,"3406":6569,"3407":6571,"3408":6572,"3409":6575,"3410":6575,"3411":6576,"3412":6577,"3413":6577,"3414":6579,"3415":6580,"3416":6581,"3417":6583,"3418":6583,"3419":6584,"3420":6588,"3421":6591,"3422":6593,"3423":6593,"3424":6594,"3425":6596,"3426":6596,"3427":6597,"3428":6599,"3429":6603,"3430":6606,"3431":6609,"3432":6614,"3433":6622,"3434":6622,"3435":6625,"3436":6631,"3437":6632,"3438":6635,"3439":6636,"3440":6638,"3441":6640,"3442":6640,"3443":6642,"3444":6643,"3445":6644,"3446":6645,"3447":6645,"3448":6646,"3449":6652,"3450":6656,"3451":6656,"3452":6657,"3453":6659,"3454":6661,"3455":6661,"3456":6664,"3457":6665,"3458":6668,"3459":6669,"3460":6671,"3461":6672,"3462":6673,"3463":6675,"3464":6676,"3465":6679,"3466":6680,"3467":6681,"3468":6682,"3469":6684,"3470":6686,"3471":6690,"3472":6691,"3473":6693,"3474":6693,"3475":6697,"3476":6699,"3477":6705,"3478":6709,"3479":6710,"3480":6711,"3481":6713,"3482":6714,"3483":6715,"3484":6717,"3485":6721,"3486":6724,"3487":6739,"3488":6740,"3489":6740,"3490":6742,"3491":6746,"3492":6746,"3493":6751,"3494":6751,"3495":6753,"3496":6754,"3497":6755,"3498":6757,"3499":6758,"3500":6762,"3501":6764,"3502":6764,"3503":6766,"3504":6767,"3505":6768,"3506":6768,"3507":6770,"3508":6774,"3509":6775,"3510":6776,"3511":6776,"3512":6778,"3513":6780,"3514":6781,"3515":6783,"3516":6783,"3517":6783,"3518":6784,"3519":6786,"3520":6788,"3521":6789,"3522":6790,"3523":6790,"3524":6792,"3525":6799,"3526":6800,"3527":6802,"3528":6803,"3529":6805,"3530":6806,"3531":6807,"3532":6809,"3533":6810,"3534":6811,"3535":6812,"3536":6813,"3537":6815,"3538":6819,"3539":6822,"3540":6822,"3541":6823,"3542":6824,"3543":6826,"3544":6834,"3545":6838,"3546":6840,"3547":6840,"3548":6843,"3549":6851,"3550":6852,"3551":6854,"3552":6856,"3553":6857,"3554":6859,"3555":6861,"3556":6865,"3557":6866,"3558":6867,"3559":6867,"3560":6871,"3561":6872,"3562":6872,"3563":6873,"3564":6874,"3565":6875,"3566":6875,"3567":6878,"3568":6878,"3569":6879,"3570":6879,"3571":6882,"3572":6884,"3573":6884,"3574":6888,"3575":6890,"3576":6892,"3577":6892,"3578":6894,"3579":6901,"3580":6902,"3581":6902,"3582":6902,"3583":6903,"3584":6907,"3585":6907,"3586":6907,"3587":6908,"3588":6909,"3589":6909,"3590":6910,"3591":6911,"3592":6912,"3593":6913,"3594":6914,"3595":6915,"3596":6916,"3597":6917,"3598":6918,"3599":6918,"3600":6920,"3601":6921,"3602":6921,"3603":6923,"3604":6927,"3605":6931,"3606":6934,"3607":6937,"3608":6937,"3609":6938,"3610":6938,"3611":6939,"3612":6939,"3613":6943,"3614":6943,"3615":6943,"3616":6944,"3617":6946,"3618":6946,"3619":6949,"3620":6950,"3621":6950,"3622":6951,"3623":6951,"3624":6952,"3625":6952,"3626":6952,"3627":6953,"3628":6953,"3629":6954,"3630":6954,"3631":6955,"3632":6956,"3633":6959,"3634":6961,"3635":6961,"3636":6962,"3637":6962,"3638":6965,"3639":6969,"3640":6971,"3641":6973,"3642":6973,"3643":6974,"3644":6975,"3645":6976,"3646":6978,"3647":6979,"3648":6980,"3649":6982,"3650":6984,"3651":6986,"3652":6986,"3653":6990,"3654":6993,"3655":6994,"3656":6997,"3657":6998,"3658":7002,"3659":7002,"3660":7009,"3661":7009,"3662":7010,"3663":7010,"3664":7012,"3665":7012,"3666":7013,"3667":7014,"3668":7014,"3669":7015,"3670":7019,"3671":7021,"3672":7021,"3673":7023,"3674":7024,"3675":7025,"3676":7026,"3677":7026,"3678":7027,"3679":7027,"3680":7028,"3681":7028,"3682":7029,"3683":7029,"3684":7030,"3685":7030,"3686":7031,"3687":7032,"3688":7032,"3689":7034,"3690":7034,"3691":7035,"3692":7036,"3693":7038,"3694":7039,"3695":7040,"3696":7040,"3697":7043,"3698":7045,"3699":7046,"3700":7046,"3701":7051,"3702":7053,"3703":7059,"3704":7059,"3705":7064,"3706":7065,"3707":7065,"3708":7067,"3709":7068,"3710":7068,"3711":7069,"3712":7071,"3713":7072,"3714":7073,"3715":7073,"3716":7076,"3717":7076,"3718":7077,"3719":7078,"3720":7078,"3721":7079,"3722":7080,"3723":7081,"3724":7083,"3725":7084,"3726":7086,"3727":7087,"3728":7090,"3729":7091,"3730":7094,"3731":7094,"3732":7095,"3733":7096,"3734":7096,"3735":7097,"3736":7097,"3737":7098,"3738":7098,"3739":7099,"3740":7101,"3741":7103,"3742":7107,"3743":7107,"3744":7107,"3745":7110,"3746":7112,"3747":7114,"3748":7115,"3749":7116,"3750":7118,"3751":7118,"3752":7120,"3753":7120,"3754":7121,"3755":7127,"3756":7129,"3757":7130,"3758":7131,"3759":7132,"3760":7132,"3761":7134,"3762":7136,"3763":7137,"3764":7137,"3765":7138,"3766":7142,"3767":7144,"3768":7147,"3769":7148,"3770":7149,"3771":7151,"3772":7153,"3773":7154,"3774":7166,"3775":7166,"3776":7167,"3777":7169,"3778":7170,"3779":7170,"3780":7171,"3781":7172,"3782":7172,"3783":7172,"3784":7175,"3785":7175,"3786":7176,"3787":7177,"3788":7178,"3789":7180,"3790":7183,"3791":7184,"3792":7185,"3793":7187,"3794":7187,"3795":7191,"3796":7191,"3797":7193,"3798":7193,"3799":7194,"3800":7195,"3801":7195,"3802":7197,"3803":7198,"3804":7200,"3805":7201,"3806":7202,"3807":7203,"3808":7205,"3809":7206,"3810":7207,"3811":7209,"3812":7210,"3813":7211,"3814":7212,"3815":7213,"3816":7214,"3817":7214,"3818":7215,"3819":7215,"3820":7215,"3821":7216,"3822":7216,"3823":7217,"3824":7218,"3825":7218,"3826":7218,"3827":7219,"3828":7220,"3829":7221,"3830":7222,"3831":7223,"3832":7224,"3833":7225,"3834":7226,"3835":7227,"3836":7227,"3837":7228,"3838":7229,"3839":7230,"3840":7230,"3841":7230,"3842":7233,"3843":7233,"3844":7236,"3845":7236,"3846":7236,"3847":7237,"3848":7237,"3849":7245,"3850":7247,"3851":7250,"3852":7250,"3853":7253,"3854":7254,"3855":7254,"3856":7255,"3857":7256,"3858":7256,"3859":7257,"3860":7258,"3861":7259,"3862":7259,"3863":7261,"3864":7261,"3865":7262,"3866":7263,"3867":7263,"3868":7264,"3869":7265,"3870":7266,"3871":7270,"3872":7270,"3873":7270,"3874":7272,"3875":7272,"3876":7273,"3877":7273,"3878":7273,"3879":7274,"3880":7274,"3881":7275,"3882":7276,"3883":7278,"3884":7279,"3885":7280,"3886":7280,"3887":7281,"3888":7282,"3889":7282,"3890":7282,"3891":7284,"3892":7286,"3893":7286,"3894":7287,"3895":7288,"3896":7289,"3897":7289,"3898":7290,"3899":7291,"3900":7292,"3901":7293,"3902":7295,"3903":7297,"3904":7297,"3905":7299,"3906":7306,"3907":7309,"3908":7311,"3909":7313,"3910":7316,"3911":7316,"3912":7317,"3913":7318,"3914":7318,"3915":7319,"3916":7320,"3917":7321,"3918":7324,"3919":7326,"3920":7329,"3921":7332,"3922":7332,"3923":7332,"3924":7335,"3925":7335,"3926":7335,"3927":7336,"3928":7337,"3929":7338,"3930":7338,"3931":7339,"3932":7340,"3933":7342,"3934":7343,"3935":7344,"3936":7345,"3937":7346,"3938":7348,"3939":7348,"3940":7349,"3941":7351,"3942":7352,"3943":7352,"3944":7353,"3945":7354,"3946":7354,"3947":7356,"3948":7359,"3949":7360,"3950":7361,"3951":7361,"3952":7361,"3953":7362,"3954":7362,"3955":7365,"3956":7365,"3957":7367,"3958":7368,"3959":7369,"3960":7369,"3961":7373,"3962":7375,"3963":7376,"3964":7378,"3965":7379,"3966":7380,"3967":7381,"3968":7381,"3969":7382,"3970":7382,"3971":7383,"3972":7384,"3973":7384,"3974":7385,"3975":7385,"3976":7386,"3977":7387,"3978":7387,"3979":7389,"3980":7390,"3981":7391,"3982":7392,"3983":7393,"3984":7393,"3985":7394,"3986":7394,"3987":7398,"3988":7400,"3989":7400,"3990":7401,"3991":7401,"3992":7402,"3993":7405,"3994":7406,"3995":7408,"3996":7410,"3997":7411,"3998":7412,"3999":7413,"4000":7416,"4001":7418,"4002":7423,"4003":7427,"4004":7428,"4005":7431,"4006":7431,"4007":7432,"4008":7433,"4009":7434,"4010":7435,"4011":7435,"4012":7437,"4013":7437,"4014":7438,"4015":7439,"4016":7439,"4017":7439,"4018":7440,"4019":7441,"4020":7442,"4021":7442,"4022":7443,"4023":7444,"4024":7445,"4025":7445,"4026":7446,"4027":7447,"4028":7448,"4029":7449,"4030":7449,"4031":7452,"4032":7453,"4033":7454,"4034":7456,"4035":7457,"4036":7457,"4037":7458,"4038":7459,"4039":7459,"4040":7460,"4041":7463,"4042":7463,"4043":7464,"4044":7464,"4045":7464,"4046":7465,"4047":7467,"4048":7467,"4049":7469,"4050":7470,"4051":7470,"4052":7471,"4053":7471,"4054":7472,"4055":7473,"4056":7473,"4057":7474,"4058":7476,"4059":7481,"4060":7483,"4061":7486,"4062":7486,"4063":7487,"4064":7491,"4065":7492,"4066":7493,"4067":7495,"4068":7497,"4069":7497,"4070":7498,"4071":7500,"4072":7501,"4073":7501,"4074":7502,"4075":7503,"4076":7504,"4077":7504,"4078":7505,"4079":7506,"4080":7506,"4081":7507,"4082":7509,"4083":7511,"4084":7514,"4085":7517,"4086":7519,"4087":7519,"4088":7520,"4089":7520,"4090":7520,"4091":7521,"4092":7526,"4093":7527,"4094":7528,"4095":7528,"4096":7530,"4097":7532,"4098":7534,"4099":7534,"4100":7534,"4101":7537,"4102":7539,"4103":7543,"4104":7543,"4105":7545,"4106":7546,"4107":7547,"4108":7549,"4109":7550,"4110":7552,"4111":7552,"4112":7552,"4113":7555,"4114":7555,"4115":7557,"4116":7557,"4117":7558,"4118":7559,"4119":7559,"4120":7559,"4121":7560,"4122":7560,"4123":7561,"4124":7564,"4125":7577,"4126":7577,"4127":7579,"4128":7582,"4129":7582,"4130":7583,"4131":7585,"4132":7586,"4133":7588,"4134":7589,"4135":7591,"4136":7594,"4137":7597,"4138":7603,"4139":7603,"4140":7605,"4141":7608,"4142":7610,"4143":7611,"4144":7612,"4145":7613,"4146":7614,"4147":7616,"4148":7618,"4149":7619,"4150":7620,"4151":7621,"4152":7622,"4153":7623,"4154":7625,"4155":7630,"4156":7631,"4157":7631,"4158":7633,"4159":7633,"4160":7637,"4161":7637,"4162":7637,"4163":7641,"4164":7643,"4165":7644,"4166":7644,"4167":7645,"4168":7646,"4169":7647,"4170":7648,"4171":7651,"4172":7653,"4173":7655,"4174":7658,"4175":7659,"4176":7659,"4177":7660,"4178":7660,"4179":7662,"4180":7663,"4181":7663,"4182":7664,"4183":7665,"4184":7666,"4185":7666,"4186":7667,"4187":7667,"4188":7667,"4189":7670,"4190":7670,"4191":7672,"4192":7677,"4193":7678,"4194":7678,"4195":7678,"4196":7679,"4197":7681,"4198":7682,"4199":7684,"4200":7687,"4201":7687,"4202":7688,"4203":7692,"4204":7693,"4205":7696,"4206":7699,"4207":7699,"4208":7700,"4209":7701,"4210":7706,"4211":7708,"4212":7708,"4213":7709,"4214":7711,"4215":7711,"4216":7712,"4217":7713,"4218":7714,"4219":7715,"4220":7716,"4221":7717,"4222":7719,"4223":7719,"4224":7719,"4225":7724,"4226":7725,"4227":7725,"4228":7726,"4229":7730,"4230":7733,"4231":7734,"4232":7735,"4233":7735,"4234":7737,"4235":7737,"4236":7737,"4237":7737,"4238":7737,"4239":7737,"4240":7737,"4241":7737,"4242":7737,"4243":7737,"4244":7737,"4245":7737,"4246":7737,"4247":7737,"4248":7737,"4249":7737,"4250":7737,"4251":7737,"4252":7737,"4253":7737,"4254":7773,"4255":7773,"4256":7775,"4257":7775,"4258":7779,"4259":7780,"4260":7781,"4261":7781,"4262":7782,"4263":7782,"4264":7783,"4265":7784,"4266":7785,"4267":7786,"4268":7788,"4269":7791,"4270":7794,"4271":7794,"4272":7794,"4273":7795,"4274":7796,"4275":7797,"4276":7798,"4277":7799,"4278":7802,"4279":7803,"4280":7804,"4281":7804,"4282":7805,"4283":7806,"4284":7807,"4285":7807,"4286":7808,"4287":7811,"4288":7815,"4289":7819,"4290":7821,"4291":7822,"4292":7822,"4293":7825,"4294":7827,"4295":7828,"4296":7828,"4297":7832,"4298":7834,"4299":7834,"4300":7836,"4301":7842,"4302":7844,"4303":7845,"4304":7847,"4305":7847,"4306":7848,"4307":7849,"4308":7854,"4309":7854,"4310":7855,"4311":7856,"4312":7858,"4313":7858,"4314":7860,"4315":7861,"4316":7861,"4317":7863,"4318":7863,"4319":7866,"4320":7867,"4321":7871,"4322":7871,"4323":7872,"4324":7874,"4325":7877,"4326":7880,"4327":7880,"4328":7881,"4329":7882,"4330":7883,"4331":7883,"4332":7884,"4333":7887,"4334":7887,"4335":7888,"4336":7888,"4337":7888,"4338":7893,"4339":7893,"4340":7895,"4341":7895,"4342":7898,"4343":7898,"4344":7906,"4345":7906,"4346":7906,"4347":7908,"4348":7910,"4349":7911,"4350":7912,"4351":7914,"4352":7916,"4353":7916,"4354":7920,"4355":7922,"4356":7923,"4357":7926,"4358":7926,"4359":7928,"4360":7928,"4361":7930,"4362":7931,"4363":7931,"4364":7935,"4365":7936,"4366":7937,"4367":7939,"4368":7941,"4369":7942,"4370":7942,"4371":7946,"4372":7947,"4373":7948,"4374":7948,"4375":7950,"4376":7956,"4377":7957,"4378":7959,"4379":7959,"4380":7960,"4381":7960,"4382":7961,"4383":7967,"4384":7967,"4385":7970,"4386":7975,"4387":7977,"4388":7979,"4389":7981,"4390":7986,"4391":7986,"4392":7989,"4393":7992,"4394":7994,"4395":7996,"4396":7999,"4397":8001,"4398":8001,"4399":8002,"4400":8003,"4401":8004,"4402":8007,"4403":8007,"4404":8008,"4405":8009,"4406":8010,"4407":8012,"4408":8013,"4409":8013,"4410":8014,"4411":8014,"4412":8015,"4413":8015,"4414":8016,"4415":8016,"4416":8019,"4417":8020,"4418":8020,"4419":8022,"4420":8026,"4421":8027,"4422":8028,"4423":8029,"4424":8032,"4425":8033,"4426":8033,"4427":8034,"4428":8036,"4429":8039,"4430":8040,"4431":8042,"4432":8042,"4433":8048,"4434":8050,"4435":8092,"4436":8093,"4437":8094,"4438":8095,"4439":8095,"4440":8096,"4441":8097,"4442":8098,"4443":8099,"4444":8101,"4445":8102,"4446":8103,"4447":8103,"4448":8104,"4449":8104,"4450":8112,"4451":8114,"4452":8115,"4453":8115,"4454":8116,"4455":8116,"4456":8118,"4457":8118,"4458":8119,"4459":8120,"4460":8121,"4461":8122,"4462":8123,"4463":8124,"4464":8124,"4465":8126,"4466":8127,"4467":8128,"4468":8129,"4469":8130,"4470":8130,"4471":8133,"4472":8134,"4473":8135,"4474":8135,"4475":8137,"4476":8138,"4477":8138,"4478":8144,"4479":8145,"4480":8147,"4481":8147,"4482":8148,"4483":8150,"4484":8154,"4485":8154,"4486":8156,"4487":8160,"4488":8161,"4489":8164,"4490":8165,"4491":8167,"4492":8168,"4493":8168,"4494":8169,"4495":8172,"4496":8173,"4497":8174,"4498":8178,"4499":8179,"4500":8179,"4501":8180,"4502":8183,"4503":8185,"4504":8187,"4505":8190,"4506":8190,"4507":8192,"4508":8193,"4509":8193,"4510":8194,"4511":8194,"4512":8195,"4513":8196,"4514":8196,"4515":8201,"4516":8205,"4517":8209,"4518":8210,"4519":8211,"4520":8212,"4521":8218,"4522":8219,"4523":8220,"4524":8221,"4525":8223,"4526":8223,"4527":8224,"4528":8224,"4529":8231,"4530":8235,"4531":8235,"4532":8241,"4533":8242,"4534":8245,"4535":8261,"4536":8267,"4537":8267,"4538":8268,"4539":8269,"4540":8273,"4541":8275,"4542":8275,"4543":8276,"4544":8277,"4545":8280,"4546":8281,"4547":8281,"4548":8284,"4549":8284,"4550":8284,"4551":8285,"4552":8285,"4553":8291,"4554":8292,"4555":8293,"4556":8295,"4557":8296,"4558":8297,"4559":8299,"4560":8301,"4561":8301,"4562":8301,"4563":8301,"4564":8301,"4565":8309,"4566":8311,"4567":8312,"4568":8315,"4569":8316,"4570":8317,"4571":8318,"4572":8318,"4573":8319,"4574":8320,"4575":8324,"4576":8325,"4577":8329,"4578":8330,"4579":8332,"4580":8333,"4581":8336,"4582":8336,"4583":8337,"4584":8338,"4585":8339,"4586":8341,"4587":8342,"4588":8342,"4589":8343,"4590":8344,"4591":8345,"4592":8345,"4593":8347,"4594":8348,"4595":8348,"4596":8348,"4597":8352,"4598":8352,"4599":8353,"4600":8355,"4601":8355,"4602":8356,"4603":8359,"4604":8360,"4605":8361,"4606":8362,"4607":8365,"4608":8366,"4609":8368,"4610":8369,"4611":8370,"4612":8371,"4613":8373,"4614":8376,"4615":8376,"4616":8377,"4617":8377,"4618":8378,"4619":8379,"4620":8398,"4621":8398,"4622":8399,"4623":8399,"4624":8404,"4625":8404,"4626":8408,"4627":8408,"4628":8409,"4629":8412,"4630":8413,"4631":8413,"4632":8413,"4633":8414,"4634":8415,"4635":8417,"4636":8442,"4637":8442,"4638":8448,"4639":8452,"4640":8452,"4641":8453,"4642":8455,"4643":8456,"4644":8456,"4645":8457,"4646":8457,"4647":8458,"4648":8459,"4649":8459,"4650":8461,"4651":8462,"4652":8462,"4653":8463,"4654":8465,"4655":8467,"4656":8467,"4657":8468,"4658":8469,"4659":8473,"4660":8475,"4661":8480,"4662":8482,"4663":8482,"4664":8483,"4665":8483,"4666":8483,"4667":8483,"4668":8483,"4669":8483,"4670":8483,"4671":8483,"4672":8483,"4673":8483,"4674":8483,"4675":8483,"4676":8483,"4677":8483,"4678":8483,"4679":8483,"4680":8483,"4681":8483,"4682":8483,"4683":8483,"4684":8483,"4685":8483,"4686":8483,"4687":8483,"4688":8483,"4689":8483,"4690":8483,"4691":8483,"4692":8483,"4693":8483,"4694":8483,"4695":8483,"4696":8483,"4697":8484,"4698":8485,"4699":8487,"4700":8489,"4701":8492,"4702":8494,"4703":8494,"4704":8497,"4705":8498,"4706":8502,"4707":8503,"4708":8504,"4709":8510,"4710":8512,"4711":8512,"4712":8515,"4713":8515,"4714":8516,"4715":8518,"4716":8519,"4717":8519,"4718":8520,"4719":8520,"4720":8520,"4721":8522,"4722":8524,"4723":8525,"4724":8526,"4725":8529,"4726":8530,"4727":8531,"4728":8533,"4729":8535,"4730":8539,"4731":8540,"4732":8551,"4733":8552,"4734":8553,"4735":8554,"4736":8555,"4737":8556,"4738":8556,"4739":8557,"4740":8589,"4741":8591,"4742":8593,"4743":8593,"4744":8594,"4745":8595,"4746":8600,"4747":8602,"4748":8603,"4749":8604,"4750":8605,"4751":8606,"4752":8613,"4753":8614,"4754":8615,"4755":8622,"4756":8625,"4757":8626,"4758":8628,"4759":8629,"4760":8631,"4761":8632,"4762":8633,"4763":8636,"4764":8636,"4765":8642,"4766":8644,"4767":8645,"4768":8650,"4769":8657,"4770":8662,"4771":8663,"4772":8665,"4773":8665,"4774":8667,"4775":8669,"4776":8670,"4777":8670,"4778":8671,"4779":8675,"4780":8675,"4781":8677,"4782":8678,"4783":8682,"4784":8685,"4785":8686,"4786":8688,"4787":8689,"4788":8691,"4789":8696,"4790":8697,"4791":8698,"4792":8699,"4793":8699,"4794":8699,"4795":8700,"4796":8705,"4797":8707,"4798":8707,"4799":8707,"4800":8707,"4801":8708,"4802":8708,"4803":8713,"4804":8715,"4805":8715,"4806":8717,"4807":8718,"4808":8720,"4809":8722,"4810":8723,"4811":8723,"4812":8725,"4813":8727,"4814":8729,"4815":8732,"4816":8734,"4817":8735,"4818":8737,"4819":8738,"4820":8740,"4821":8742,"4822":8744,"4823":8754,"4824":8757,"4825":8758,"4826":8759,"4827":8762,"4828":8763,"4829":8768,"4830":8768,"4831":8772,"4832":8773,"4833":8774,"4834":8775,"4835":8776,"4836":8777,"4837":8779,"4838":8780,"4839":8783,"4840":8786,"4841":8787,"4842":8788,"4843":8789,"4844":8789,"4845":8790,"4846":8791,"4847":8793,"4848":8794,"4849":8795,"4850":8796,"4851":8797,"4852":8797,"4853":8798,"4854":8805,"4855":8807,"4856":8820,"4857":8824,"4858":8825,"4859":8826,"4860":8832,"4861":8834,"4862":8835,"4863":8836,"4864":8836,"4865":8837,"4866":8839,"4867":8841,"4868":8842,"4869":8844,"4870":8844,"4871":8845,"4872":8846,"4873":8849,"4874":8850,"4875":8851,"4876":8852,"4877":8855,"4878":8857,"4879":8859,"4880":8860,"4881":8861,"4882":8862,"4883":8865,"4884":8865,"4885":8867,"4886":8869,"4887":8869,"4888":8869,"4889":8870,"4890":8871,"4891":8872,"4892":8872,"4893":8874,"4894":8875,"4895":8876,"4896":8878,"4897":8882,"4898":8882,"4899":8884,"4900":8885,"4901":8887,"4902":8890,"4903":8890,"4904":8892,"4905":8893,"4906":8895,"4907":8895,"4908":8897,"4909":8897,"4910":8898,"4911":8898,"4912":8900,"4913":8903,"4914":8904,"4915":8905,"4916":8906,"4917":8909,"4918":8913,"4919":8914,"4920":8915,"4921":8917,"4922":8918,"4923":8919,"4924":8919,"4925":8919,"4926":8920,"4927":8922,"4928":8923,"4929":8924,"4930":8934,"4931":8934,"4932":8935,"4933":8937,"4934":8941,"4935":8941,"4936":8942,"4937":8943,"4938":8943,"4939":8943,"4940":8943,"4941":8945,"4942":8945,"4943":8945,"4944":8946,"4945":8946,"4946":8949,"4947":8952,"4948":8954,"4949":8954,"4950":8954,"4951":8956,"4952":8956,"4953":8957,"4954":8957,"4955":8959,"4956":8966,"4957":8966,"4958":8970,"4959":8972,"4960":8972,"4961":8972,"4962":8974,"4963":8975,"4964":8978,"4965":8978,"4966":8982,"4967":8983,"4968":8984,"4969":8987,"4970":8988,"4971":8988,"4972":8990,"4973":8991,"4974":8995,"4975":8996,"4976":9000,"4977":9001,"4978":9001,"4979":9001,"4980":9002,"4981":9003,"4982":9004,"4983":9005,"4984":9006,"4985":9008,"4986":9009,"4987":9012,"4988":9018,"4989":9020,"4990":9026,"4991":9036,"4992":9038,"4993":9039,"4994":9040,"4995":9040,"4996":9041,"4997":9045,"4998":9046,"4999":9047,"5000":9048,"5001":9050,"5002":9053,"5003":9057,"5004":9057,"5005":9059,"5006":9059,"5007":9060,"5008":9060,"5009":9061,"5010":9068,"5011":9068,"5012":9069,"5013":9071,"5014":9075,"5015":9076,"5016":9081,"5017":9084,"5018":9084,"5019":9086,"5020":9087,"5021":9089,"5022":9090,"5023":9091,"5024":9091,"5025":9092,"5026":9092,"5027":9093,"5028":9093,"5029":9094,"5030":9094,"5031":9095,"5032":9095,"5033":9095,"5034":9096,"5035":9096,"5036":9097,"5037":9097,"5038":9102,"5039":9103,"5040":9104,"5041":9108,"5042":9109,"5043":9110,"5044":9111,"5045":9111,"5046":9114,"5047":9115,"5048":9115,"5049":9117,"5050":9121,"5051":9121,"5052":9122,"5053":9126,"5054":9128,"5055":9130,"5056":9130,"5057":9133,"5058":9133,"5059":9134,"5060":9134,"5061":9134,"5062":9134,"5063":9134,"5064":9135,"5065":9136,"5066":9142,"5067":9142,"5068":9142,"5069":9144,"5070":9146,"5071":9147,"5072":9147,"5073":9147,"5074":9148,"5075":9148,"5076":9149,"5077":9149,"5078":9149,"5079":9151,"5080":9152,"5081":9159,"5082":9164,"5083":9165,"5084":9166,"5085":9168,"5086":9170,"5087":9172,"5088":9172,"5089":9175,"5090":9177,"5091":9179,"5092":9181,"5093":9181,"5094":9181,"5095":9181,"5096":9182,"5097":9183,"5098":9183,"5099":9189,"5100":9194,"5101":9194,"5102":9196,"5103":9199,"5104":9199,"5105":9200,"5106":9202,"5107":9202,"5108":9208,"5109":9209,"5110":9210,"5111":9210,"5112":9211,"5113":9214,"5114":9216,"5115":9217,"5116":9217,"5117":9220,"5118":9223,"5119":9227,"5120":9227,"5121":9230,"5122":9230,"5123":9231,"5124":9231,"5125":9233,"5126":9235,"5127":9238,"5128":9240,"5129":9241,"5130":9242,"5131":9245,"5132":9249,"5133":9252,"5134":9255,"5135":9258,"5136":9258,"5137":9259,"5138":9261,"5139":9262,"5140":9263,"5141":9263,"5142":9268,"5143":9273,"5144":9274,"5145":9282,"5146":9282,"5147":9286,"5148":9290,"5149":9290,"5150":9291,"5151":9293,"5152":9293,"5153":9295,"5154":9296,"5155":9298,"5156":9298,"5157":9299,"5158":9305,"5159":9311,"5160":9312,"5161":9315,"5162":9315,"5163":9316,"5164":9317,"5165":9322,"5166":9322,"5167":9324,"5168":9326,"5169":9326,"5170":9327,"5171":9327,"5172":9328,"5173":9331,"5174":9333,"5175":9333,"5176":9333,"5177":9335,"5178":9337,"5179":9339,"5180":9339,"5181":9339,"5182":9340,"5183":9341,"5184":9342,"5185":9343,"5186":9344,"5187":9345,"5188":9347,"5189":9347,"5190":9347,"5191":9348,"5192":9350,"5193":9352,"5194":9352,"5195":9353,"5196":9356,"5197":9357,"5198":9358,"5199":9359,"5200":9360,"5201":9363,"5202":9364,"5203":9365,"5204":9368,"5205":9369,"5206":9370,"5207":9371,"5208":9371,"5209":9373,"5210":9374,"5211":9374,"5212":9374,"5213":9375,"5214":9375,"5215":9377,"5216":9377,"5217":9379,"5218":9379,"5219":9379,"5220":9381,"5221":9382,"5222":9382,"5223":9382,"5224":9383,"5225":9384,"5226":9394,"5227":9394,"5228":9395,"5229":9395,"5230":9397,"5231":9398,"5232":9402,"5233":9402,"5234":9402,"5235":9402,"5236":9403,"5237":9403,"5238":9404,"5239":9407,"5240":9408,"5241":9411,"5242":9412,"5243":9414,"5244":9416,"5245":9417,"5246":9429,"5247":9430,"5248":9431,"5249":9437,"5250":9437,"5251":9439,"5252":9439,"5253":9444,"5254":9447,"5255":9452,"5256":9453,"5257":9455,"5258":9456,"5259":9457,"5260":9465,"5261":9466,"5262":9467,"5263":9467,"5264":9473,"5265":9474,"5266":9475,"5267":9475,"5268":9476,"5269":9477,"5270":9478,"5271":9478,"5272":9482,"5273":9489,"5274":9489,"5275":9489,"5276":9490,"5277":9492,"5278":9493,"5279":9497,"5280":9497,"5281":9498,"5282":9505,"5283":9505,"5284":9507,"5285":9507,"5286":9508,"5287":9508,"5288":9516,"5289":9516,"5290":9518,"5291":9519,"5292":9519,"5293":9519,"5294":9519,"5295":9519,"5296":9519,"5297":9519,"5298":9541,"5299":9541,"5300":9541,"5301":9541,"5302":9541,"5303":9541,"5304":9541,"5305":9541,"5306":9541,"5307":9541,"5308":9541,"5309":9541,"5310":9541,"5311":9541,"5312":9541,"5313":9591,"5314":9592,"5315":9592,"5316":9592,"5317":9592,"5318":9608,"5319":9609,"5320":9609,"5321":9610,"5322":9610,"5323":9622,"5324":9630,"5325":9634,"5326":9634,"5327":9635,"5328":9637,"5329":9637,"5330":9642,"5331":9643,"5332":9648,"5333":9650,"5334":9660,"5335":9669,"5336":9670,"5337":9673,"5338":9677,"5339":9678,"5340":9678,"5341":9680,"5342":9680,"5343":9682,"5344":9687,"5345":9694,"5346":9694,"5347":9697,"5348":9698,"5349":9699,"5350":9699,"5351":9701,"5352":9702,"5353":9703,"5354":9704,"5355":9704,"5356":9708,"5357":9709,"5358":9710,"5359":9712,"5360":9715,"5361":9715,"5362":9720,"5363":9722,"5364":9724,"5365":9728,"5366":9729,"5367":9730,"5368":9739,"5369":9739,"5370":9740,"5371":9740,"5372":9741,"5373":9743,"5374":9743,"5375":9753,"5376":9753,"5377":9753,"5378":9756,"5379":9764,"5380":9776,"5381":9782,"5382":9782,"5383":9782,"5384":9782,"5385":9794,"5386":9794,"5387":9794,"5388":9794,"5389":9794,"5390":9794,"5391":9794,"5392":9794,"5393":9794,"5394":9794,"5395":9794,"5396":9794,"5397":9794,"5398":9794,"5399":9794,"5400":9866,"5401":9868,"5402":9868,"5403":9868,"5404":9868,"5405":9868,"5406":9868,"5407":9868,"5408":9890,"5409":9895,"5410":9898,"5411":9903,"5412":9904,"5413":9904,"5414":9906,"5415":9907,"5416":9910,"5417":9913,"5418":9914,"5419":9914,"5420":9919,"5421":9921,"5422":9923,"5423":9924,"5424":9925,"5425":9928,"5426":9928,"5427":9929,"5428":9930,"5429":9932,"5430":9932,"5431":9933,"5432":9939,"5433":9940,"5434":9940,"5435":9942,"5436":9943,"5437":9945,"5438":9945,"5439":9946,"5440":9946,"5441":9947,"5442":9947,"5443":9958,"5444":9959,"5445":9960,"5446":9962,"5447":9963,"5448":9963,"5449":9964,"5450":9964,"5451":9965,"5452":9966,"5453":9968,"5454":9970,"5455":9972,"5456":9975,"5457":9975,"5458":9977,"5459":9978,"5460":9978,"5461":9983,"5462":9986,"5463":9986,"5464":9987,"5465":9994,"5466":10011,"5467":10037,"5468":10038,"5469":10041,"5470":10042,"5471":10042,"5472":10046,"5473":10047,"5474":10053,"5475":10059,"5476":10061,"5477":10062,"5478":10063,"5479":10066,"5480":10066,"5481":10074,"5482":10074,"5483":10074,"5484":10075,"5485":10078,"5486":10079,"5487":10081,"5488":10082,"5489":10083,"5490":10084,"5491":10087,"5492":10091,"5493":10093,"5494":10098,"5495":10099,"5496":10103,"5497":10106,"5498":10108,"5499":10116,"5500":10123,"5501":10128,"5502":10131,"5503":10132,"5504":10133,"5505":10134,"5506":10136,"5507":10149,"5508":10153,"5509":10164,"5510":10165,"5511":10181,"5512":10181,"5513":10183,"5514":10185,"5515":10187,"5516":10191,"5517":10192,"5518":10192,"5519":10194,"5520":10197,"5521":10199,"5522":10199,"5523":10202,"5524":10204,"5525":10204,"5526":10206,"5527":10208,"5528":10209,"5529":10210,"5530":10213,"5531":10215,"5532":10216,"5533":10217,"5534":10217,"5535":10221,"5536":10221,"5537":10223,"5538":10223,"5539":10225,"5540":10226,"5541":10226,"5542":10227,"5543":10228,"5544":10235,"5545":10235,"5546":10236,"5547":10236,"5548":10236,"5549":10237,"5550":10239,"5551":10241,"5552":10242,"5553":10242,"5554":10243,"5555":10244,"5556":10246,"5557":10247,"5558":10247,"5559":10247,"5560":10248,"5561":10248,"5562":10249,"5563":10250,"5564":10252,"5565":10252,"5566":10254,"5567":10256,"5568":10257,"5569":10257,"5570":10259,"5571":10260,"5572":10261,"5573":10262,"5574":10263,"5575":10264,"5576":10265,"5577":10266,"5578":10268,"5579":10273,"5580":10273,"5581":10273,"5582":10273,"5583":10273,"5584":10273,"5585":10280,"5586":10281,"5587":10282,"5588":10284,"5589":10286,"5590":10288,"5591":10289,"5592":10289,"5593":10290,"5594":10290,"5595":10294,"5596":10294,"5597":10295,"5598":10296,"5599":10297,"5600":10297,"5601":10298,"5602":10300,"5603":10302,"5604":10304,"5605":10305,"5606":10306,"5607":10306,"5608":10309,"5609":10310,"5610":10311,"5611":10314,"5612":10314,"5613":10314,"5614":10315,"5615":10316,"5616":10318,"5617":10321,"5618":10321,"5619":10323,"5620":10341,"5621":10342,"5622":10356,"5623":10363,"5624":10363,"5625":10365,"5626":10366,"5627":10366,"5628":10377,"5629":10379,"5630":10380,"5631":10382,"5632":10385,"5633":10386,"5634":10387,"5635":10389,"5636":10398,"5637":10399,"5638":10399,"5639":10400,"5640":10402,"5641":10402,"5642":10403,"5643":10405,"5644":10408,"5645":10409,"5646":10411,"5647":10414,"5648":10415,"5649":10419,"5650":10420,"5651":10423,"5652":10424,"5653":10425,"5654":10425,"5655":10430,"5656":10432,"5657":10434,"5658":10436,"5659":10436,"5660":10439,"5661":10441,"5662":10442,"5663":10442,"5664":10443,"5665":10444,"5666":10444,"5667":10445,"5668":10446,"5669":10448,"5670":10449,"5671":10451,"5672":10456,"5673":10456,"5674":10459,"5675":10464,"5676":10465,"5677":10465,"5678":10467,"5679":10468,"5680":10469,"5681":10469,"5682":10471,"5683":10472,"5684":10473,"5685":10473,"5686":10474,"5687":10475,"5688":10479,"5689":10479,"5690":10480,"5691":10480,"5692":10482,"5693":10482,"5694":10483,"5695":10483,"5696":10486,"5697":10488,"5698":10489,"5699":10492,"5700":10493,"5701":10493,"5702":10494,"5703":10496,"5704":10499,"5705":10501,"5706":10503,"5707":10504,"5708":10505,"5709":10506,"5710":10507,"5711":10508,"5712":10509,"5713":10510,"5714":10511,"5715":10523,"5716":10523,"5717":10524,"5718":10524,"5719":10525,"5720":10526,"5721":10536,"5722":10540,"5723":10540,"5724":10541,"5725":10541,"5726":10542,"5727":10545,"5728":10550,"5729":10556,"5730":10558,"5731":10559,"5732":10560,"5733":10563,"5734":10566,"5735":10567,"5736":10567,"5737":10568,"5738":10570,"5739":10571,"5740":10573,"5741":10575,"5742":10586,"5743":10588,"5744":10590,"5745":10594,"5746":10598,"5747":10602,"5748":10608,"5749":10611,"5750":10612,"5751":10614,"5752":10616,"5753":10617,"5754":10619,"5755":10619,"5756":10620,"5757":10620,"5758":10623,"5759":10624,"5760":10626,"5761":10628,"5762":10629,"5763":10638,"5764":10640,"5765":10642},"number_max":5765,"number_pages":{"188":1,"208":2,"219":3,"229":4,"232":5,"236":6,"241":7,"245":8,"246":9,"248":10,"249":11,"251":12,"258":14,"262":15,"312":16,"322":17,"318":18,"325":19,"330":20,"336":21,"343":23,"344":24,"348":25,"350":26,"353":27,"357":28,"361":29,"367":30,"368":31,"372":32,"373":33,"374":34,"375":35,"377":36,"379":37,"380":40,"388":41,"392":43,"395":45,"398":46,"400":47,"408":48,"409":49,"416":50,"417":51,"418":52,"420":53,"432":54,"435":56,"442":57,"444":58,"446":59,"457":60,"462":61,"481":62,"483":63,"485":64,"487":65,"488":66,"489":67,"490":68,"492":69,"494":70,"496":71,"500":72,"513":73,"516":74,"517":75,"520":76,"523":77,"527":78,"538":79,"545":80,"550":81,"551":82,"553":83,"557":85,"559":87,"562":88,"563":89,"573":90,"575":91,"578":92,"583":93,"584":94,"590":95,"601":96,"609":97,"618":98,"621":99,"625":100,"628":101,"631":102,"633":103,"634":104,"636":105,"644":106,"649":107,"651":108,"653":109,"659":110,"663":112,"665":113,"667":114,"668":115,"672":116,"673":117,"676":121,"681":122,"687":123,"692":126,"693":127,"696":128,"697":130,"699":131,"707":133,"708":135,"709":136,"711":137,"712":138,"714":139,"715":140,"720":141,"723":142,"724":143,"731":144,"733":145,"734":146,"735":147,"739":149,"747":150,"750":151,"753":152,"754":153,"757":154,"759":155,"761":156,"762":157,"764":158,"768":159,"771":160,"775":161,"777":162,"781":163,"782":164,"788":165,"792":166,"793":167,"794":169,"795":172,"798":173,"800":175,"801":176,"803":177,"806":178,"808":179,"810":180,"811":182,"812":183,"813":184,"815":186,"820":188,"822":190,"823":191,"825":192,"826":193,"827":194,"828":195,"829":196,"831":197,"833":198,"834":200,"836":202,"838":203,"839":204,"841":205,"843":206,"846":207,"851":208,"854":209,"856":210,"858":212,"861":213,"865":214,"867":215,"868":217,"869":218,"871":219,"872":220,"874":221,"876":222,"877":224,"878":225,"880":226,"899":227,"901":228,"902":229,"905":230,"910":231,"911":232,"913":233,"917":234,"918":235,"920":236,"921":237,"924":238,"931":239,"933":240,"939":241,"940":242,"942":243,"945":244,"946":245,"950":246,"955":247,"959":249,"964":250,"966":251,"970":252,"972":253,"973":254,"990":256,"999":257,"1001":259,"1007":261,"1009":262,"1012":264,"1014":265,"1015":266,"1016":267,"1020":268,"1024":269,"1031":270,"1036":271,"1047":272,"1051":273,"1057":274,"1058":275,"1059":276,"1060":277,"1065":278,"1074":280,"1089":281,"1094":282,"1101":283,"1103":284,"1109":285,"1110":286,"1111":287,"1112":288,"1115":290,"1116":291,"1119":292,"1120":293,"1122":294,"1132":295,"1133":296,"1134":299,"1135":300,"1137":301,"1147":302,"1153":303,"1155":304,"1158":305,"1161":307,"1163":308,"1172":309,"1173":310,"1177":311,"1184":312,"1189":314,"1197":315,"1200":316,"1201":317,"1203":318,"1210":319,"1212":320,"1217":321,"1223":322,"1227":323,"1229":325,"1231":326,"1232":328,"1233":329,"1234":330,"1235":331,"1237":333,"1239":334,"1241":335,"1242":336,"1245":337,"1250":338,"1252":340,"1253":342,"1256":343,"1259":344,"1260":347,"1261":348,"1264":349,"1266":350,"1273":351,"1278":352,"1283":353,"1285":354,"1289":355,"1292":356,"1312":357,"1317":358,"1320":360,"1323":361,"1324":362,"1325":363,"1327":365,"1328":366,"1331":367,"1336":368,"1340":369,"1342":370,"1345":371,"1346":372,"1348":373,"1351":374,"1352":376,"1354":377,"1355":378,"1356":379,"1357":380,"1358":381,"1361":383,"1362":384,"1365":385,"1366":386,"1369":387,"1372":388,"1376":389,"1379":390,"1385":391,"1390":392,"1391":393,"1393":394,"1394":395,"1400":396,"1401":397,"1402":398,"1403":400,"1404":401,"1407":403,"1410":404,"1411":406,"1417":408,"1419":409,"1421":411,"1422":412,"1425":413,"1426":414,"1433":415,"1434":417,"1437":419,"1439":421,"1442":422,"1446":423,"1448":425,"1454":426,"1455":428,"1456":429,"1459":431,"1460":432,"1463":433,"1470":435,"1478":437,"1480":438,"1482":439,"1484":440,"1485":442,"1490":443,"1492":444,"1493":445,"1494":446,"1496":447,"1498":448,"1500":449,"1501":452,"1502":453,"1506":454,"1511":455,"1513":456,"1516":458,"1529":459,"1533":461,"1535":463,"1537":464,"1539":465,"1540":466,"1541":467,"1542":468,"1544":469,"1548":470,"1549":471,"1553":472,"1556":473,"1557":476,"1559":477,"1561":478,"1562":480,"1563":482,"1564":483,"1565":484,"1566":485,"1569":486,"1570":487,"1571":488,"1572":489,"1573":490,"1576":491,"1577":492,"1579":493,"1581":494,"1584":495,"1585":496,"1586":497,"1587":498,"1588":499,"1589":500,"1593":501,"1599":502,"1602":503,"1603":504,"1609":505,"1610":506,"1611":507,"1612":508,"1613":509,"1615":510,"1617":511,"1619":512,"1620":513,"1623":514,"1625":515,"1626":518,"1627":519,"1628":520,"1631":521,"1637":522,"1641":523,"1642":524,"1643":526,"1644":527,"1646":528,"1647":529,"1648":530,"1650":531,"1652":532,"1653":533,"1654":534,"1656":535,"1659":536,"1660":538,"1665":539,"1666":540,"1669":541,"1670":542,"1673":543,"1681":544,"1682":546,"1687":547,"1690":548,"1693":549,"1694":550,"1695":552,"1696":553,"1697":554,"1698":556,"1700":557,"1701":558,"1702":559,"1708":560,"1709":561,"1714":563,"1720":564,"1724":565,"1725":566,"1726":567,"1727":568,"1728":569,"1729":570,"1730":571,"1731":572,"1733":573,"1741":574,"1744":577,"1753":578,"1755":580,"1756":581,"1757":582,"1759":584,"1762":585,"1764":586,"1772":587,"1776":588,"1777":590,"1778":591,"1783":592,"1784":593,"1788":594,"1791":595,"1793":596,"1796":597,"1799":598,"1801":599,"1802":600,"1805":601,"1809":602,"1810":603,"1816":604,"1818":605,"1819":606,"1822":607,"1823":608,"1824":610,"1825":611,"1826":612,"1829":613,"1830":614,"1831":615,"1832":616,"1835":617,"1836":618,"1837":619,"1838":621,"1840":622,"1841":624,"1850":626,"1851":627,"1853":628,"1855":630,"1856":631,"1857":632,"1859":633,"1862":634,"1863":635,"1864":637,"1866":638,"1867":639,"1868":640,"1871":643,"1874":644,"1878":645,"1879":646,"1881":647,"1882":648,"1883":649,"1884":651,"1885":652,"1887":654,"1888":655,"1890":656,"1891":657,"1893":658,"1894":659,"1895":660,"1897":661,"1899":662,"1900":663,"1901":665,"1913":666,"1917":667,"1919":668,"1921":669,"1922":670,"1925":671,"1927":672,"1928":673,"1931":674,"1932":675,"1933":676,"1936":677,"1941":678,"1944":679,"1945":680,"1948":681,"1949":682,"1951":683,"1954":684,"1956":685,"1959":686,"1962":688,"1965":689,"1967":690,"1970":692,"1972":693,"1977":694,"1979":695,"1980":696,"1984":698,"1986":699,"1989":700,"1992":701,"1993":702,"1996":703,"1997":704,"1999":705,"2001":706,"2002":707,"2004":708,"2006":710,"2008":713,"2012":714,"2013":715,"2014":716,"2015":717,"2017":718,"2018":719,"2020":720,"2021":722,"2022":724,"2023":725,"2024":726,"2025":727,"2027":728,"2028":729,"2032":730,"2037":731,"2038":732,"2040":733,"2050":734,"2051":735,"2053":736,"2054":737,"2055":738,"2056":739,"2057":740,"2058":741,"2060":742,"2061":743,"2065":744,"2075":745,"2076":746,"2078":747,"2081":748,"2082":749,"2083":750,"2084":751,"2085":752,"2089":754,"2090":755,"2091":758,"2093":760,"2094":761,"2095":762,"2116":763,"2118":764,"2119":765,"2120":766,"2121":768,"2125":770,"2132":771,"2134":772,"2135":773,"2142":774,"2143":775,"2147":776,"2149":777,"2154":778,"2157":779,"2159":780,"2160":781,"2161":782,"2162":783,"2163":784,"2165":785,"2173":786,"2175":787,"2176":788,"2179":789,"2180":790,"2181":791,"2182":792,"2183":794,"2184":795,"2188":796,"2189":797,"2191":799,"2195":800,"2196":801,"2202":804,"2209":805,"2211":806,"2212":807,"2220":808,"2221":809,"2223":810,"2224":811,"2225":812,"2226":813,"2227":814,"2228":815,"2229":816,"2230":817,"2231":818,"2232":819,"2235":821,"2236":822,"2237":823,"2238":825,"2240":826,"2241":830,"2242":831,"2244":832,"2245":833,"2247":834,"2249":836,"2250":837,"2264":838,"2274":839,"2283":840,"2285":841,"2286":842,"2289":843,"2290":844,"2291":845,"2292":846,"2301":847,"2304":849,"2305":850,"2308":851,"2309":852,"2310":854,"2312":855,"2313":856,"2315":857,"2316":858,"2317":860,"2318":861,"2319":862,"2324":863,"2326":864,"2327":865,"2329":866,"2331":867,"2334":868,"2335":869,"2337":870,"2341":871,"2342":872,"2344":874,"2346":875,"2352":876,"2353":877,"2355":878,"2356":880,"2357":881,"2358":883,"2360":884,"2372":885,"2373":886,"2374":887,"2376":888,"2377":889,"2378":890,"2380":891,"2381":892,"2382":895,"2384":896,"2385":898,"2387":899,"2390":900,"2391":901,"2392":902,"2393":903,"2394":904,"2402":906,"2404":907,"2405":909,"2407":910,"2408":911,"2409":912,"2410":913,"2411":914,"2413":915,"2414":916,"2416":917,"2417":918,"2419":919,"2420":920,"2421":921,"2422":922,"2423":923,"2424":924,"2425":925,"2426":927,"2427":928,"2428":929,"2429":931,"2435":933,"2436":935,"2438":936,"2440":937,"2442":938,"2443":939,"2445":940,"2446":941,"2447":943,"2448":944,"2449":945,"2450":946,"2452":947,"2453":948,"2454":949,"2456":950,"2460":951,"2462":953,"2464":954,"2465":955,"2466":957,"2470":958,"2472":959,"2474":960,"2476":961,"2477":962,"2480":964,"2492":965,"2493":966,"2494":967,"2496":968,"2498":969,"2500":970,"2501":971,"2504":972,"2505":973,"2506":974,"2508":975,"2509":976,"2511":977,"2513":979,"2514":980,"2515":981,"2516":983,"2517":984,"2519":985,"2522":986,"2523":988,"2530":989,"2531":990,"2532":991,"2536":992,"2538":993,"2547":994,"2550":995,"2553":996,"2554":997,"2555":999,"2558":1000,"2559":1002,"2560":1003,"2561":1004,"2562":1005,"2563":1006,"2566":1007,"2567":1009,"2570":1010,"2576":1011,"2583":1013,"2585":1014,"2600":1015,"2605":1016,"2606":1017,"2612":1018,"2628":1019,"2629":1020,"2635":1021,"2640":1022,"2641":1023,"2648":1024,"2662":1025,"2668":1028,"2670":1029,"2671":1030,"2682":1031,"2683":1032,"2686":1033,"2687":1034,"2690":1035,"2696":1037,"2703":1038,"2712":1039,"2720":1040,"2728":1041,"2731":1042,"2732":1043,"2734":1044,"2737":1045,"2738":1046,"2741":1047,"2742":1048,"2743":1049,"2744":1050,"2746":1051,"2749":1052,"2750":1053,"2758":1055,"2766":1056,"2767":1057,"2779":1058,"2780":1061,"2792":1062,"2793":1063,"2794":1065,"2800":1066,"2801":1067,"2803":1068,"2804":1069,"2806":1070,"2807":1071,"2808":1072,"2811":1073,"2812":1074,"2815":1077,"2821":1078,"2823":1079,"2825":1080,"2827":1082,"2833":1084,"2843":1085,"2847":1086,"2853":1088,"2855":1089,"2858":1091,"2860":1092,"2861":1093,"2864":1094,"2865":1095,"2866":1096,"2868":1097,"2872":1098,"2873":1099,"2874":1101,"2876":1102,"2877":1103,"2880":1104,"2884":1106,"2885":1108,"2886":1109,"2887":1110,"2889":1112,"2892":1114,"2893":1115,"2894":1116,"2895":1118,"2898":1119,"2901":1120,"2902":1121,"2904":1122,"2907":1123,"2908":1124,"2909":1125,"2912":1126,"2914":1128,"2915":1129,"2916":1131,"2948":1133,"2955":1134,"2956":1136,"2958":1137,"2959":1138,"2960":1140,"2963":1141,"2964":1144,"2965":1145,"2968":1146,"2969":1149,"2970":1150,"2977":1151,"2982":1152,"2983":1154,"2985":1155,"2988":1156,"2989":1157,"2990":1158,"3004":1159,"3007":1160,"3016":1161,"3017":1163,"3020":1164,"3022":1165,"3023":1166,"3030":1167,"3031":1168,"3033":1169,"3036":1170,"3037":1171,"3040":1172,"3043":1173,"3048":1175,"3054":1176,"3057":1177,"3058":1178,"3059":1179,"3060":1180,"3061":1181,"3062":1182,"3063":1183,"3065":1184,"3066":1185,"3069":1187,"3071":1188,"3073":1190,"3074":1191,"3076":1192,"3077":1194,"3078":1195,"3079":1196,"3083":1198,"3085":1199,"3096":1200,"3097":1201,"3101":1202,"3105":1203,"3107":1204,"3112":1206,"3113":1208,"3117":1209,"3121":1211,"3122":1212,"3126":1213,"3136":1214,"3137":1215,"3138":1216,"3140":1217,"3141":1218,"3145":1219,"3146":1220,"3147":1221,"3151":1222,"3153":1223,"3154":1224,"3156":1225,"3158":1226,"3159":1227,"3161":1229,"3162":1232,"3163":1233,"3164":1234,"3167":1235,"3176":1237,"3178":1238,"3181":1239,"3183":1240,"3185":1241,"3186":1243,"3190":1244,"3191":1246,"3192":1247,"3194":1248,"3198":1249,"3199":1250,"3200":1251,"3202":1253,"3206":1254,"3207":1256,"3208":1257,"3211":1258,"3213":1259,"3214":1261,"3215":1262,"3225":1265,"3226":1267,"3235":1268,"3236":1270,"3237":1272,"3238":1273,"3239":1275,"3242":1276,"3245":1278,"3249":1279,"3252":1280,"3253":1281,"3255":1283,"3260":1284,"3261":1285,"3265":1287,"3269":1288,"3270":1290,"3274":1292,"3275":1293,"3276":1294,"3277":1295,"3283":1296,"3284":1297,"3287":1298,"3288":1299,"3289":1301,"3290":1302,"3291":1303,"3293":1304,"3294":1305,"3295":1306,"3296":1307,"3297":1308,"3299":1309,"3301":1310,"3302":1311,"3304":1312,"3309":1313,"3313":1314,"3318":1315,"3320":1316,"3321":1317,"3322":1318,"3323":1319,"3327":1320,"3331":1321,"3336":1322,"3338":1323,"3339":1324,"3340":1325,"3341":1326,"3342":1327,"3345":1328,"3346":1329,"3347":1330,"3350":1332,"3352":1333,"3354":1334,"3355":1335,"3356":1337,"3357":1339,"3359":1340,"3360":1342,"3361":1343,"3362":1344,"3363":1346,"3366":1349,"3368":1351,"3372":1352,"3374":1353,"3375":1355,"3391":1356,"3393":1357,"3396":1358,"3398":1359,"3399":1360,"3400":1362,"3403":1363,"3404":1364,"3407":1365,"3408":1367,"3412":1368,"3414":1369,"3416":1370,"3417":1371,"3420":1373,"3425":1375,"3426":1376,"3427":1378,"3428":1379,"3430":1380,"3432":1381,"3434":1383,"3440":1385,"3446":1386,"3447":1387,"3448":1388,"3450":1389,"3452":1390,"3454":1391,"3455":1392,"3456":1394,"3457":1395,"3459":1397,"3462":1398,"3463":1400,"3464":1402,"3466":1403,"3467":1405,"3470":1406,"3471":1407,"3472":1408,"3473":1409,"3475":1410,"3476":1411,"3477":1413,"3483":1414,"3484":1415,"3486":1416,"3487":1417,"3488":1418,"3489":1419,"3490":1420,"3491":1421,"3493":1422,"3494":1423,"3497":1424,"3502":1426,"3507":1427,"3512":1429,"3516":1431,"3519":1432,"3520":1433,"3523":1434,"3524":1435,"3525":1436,"3526":1437,"3527":1438,"3529":1439,"3530":1440,"3532":1441,"3533":1442,"3551":1445,"3554":1447,"3561":1448,"3563":1449,"3566":1450,"3567":1452,"3568":1454,"3569":1455,"3570":1456,"3571":1458,"3572":1461,"3573":1464,"3574":1467,"3575":1468,"3576":1470,"3578":1472,"3579":1475,"3580":1477,"3581":1479,"3582":1481,"3583":1483,"3584":1484,"3585":1486,"3586":1488,"3587":1489,"3588":1491,"3589":1493,"3591":1495,"3593":1498,"3594":1501,"3595":1504,"3596":1507,"3597":1508,"3598":1510,"3599":1511,"3600":1513,"3601":1515,"3602":1518,"3603":1521,"3604":1525,"3606":1526,"3611":1527,"3612":1528,"3616":1529,"3617":1530,"3619":1532,"3620":1536,"3623":1539,"3624":1543,"3625":1546,"3626":1549,"3627":1550,"3628":1557,"3630":1555,"3629":1560,"3631":1562,"3632":1563,"3633":1564,"3634":1566,"3635":1568,"3636":1570,"3637":1573,"3638":1574,"3639":1577,"3640":1580,"3641":1584,"3642":1587,"3643":1589,"3644":1591,"3645":1594,"3646":1595,"3647":1599,"3648":1601,"3649":1604,"3650":1607,"3651":1609,"3652":1612,"3653":1613,"3654":1618,"3655":1622,"3656":1626,"3657":1630,"3658":1632,"3659":1635,"3660":1636,"3661":1638,"3663":1640,"3664":1642,"3665":1645,"3666":1648,"3668":1650,"3669":1651,"3670":1655,"3673":1657,"3674":1659,"3675":1660,"3676":1662,"3677":1665,"3678":1668,"3679":1672,"3680":1675,"3681":1677,"3682":1679,"3683":1681,"3684":1684,"3685":1687,"3686":1689,"3687":1691,"3688":1695,"3689":1698,"3690":1700,"3691":1703,"3692":1705,"3693":1708,"3694":1709,"3695":1710,"3696":1712,"3697":1715,"3698":1716,"3699":1719,"3700":1723,"3702":1725,"3703":1727,"3704":1730,"3705":1734,"3706":1735,"3707":1738,"3708":1741,"3709":1744,"3710":1746,"3711":1749,"3712":1751,"3715":1752,"3722":1755,"3726":1758,"3734":1759,"3735":1760,"3739":1761,"3740":1762,"3741":1763,"3746":1765,"3749":1766,"3754":1768,"3755":1770,"3757":1772,"3761":1776,"3762":1778,"3766":1779,"3769":1780,"3777":1781,"3782":1782,"3789":1783,"3790":1784,"3792":1785,"3793":1788,"3794":1789,"3795":1790,"3796":1792,"3797":1794,"3798":1795,"3799":1798,"3800":1801,"3801":1803,"3802":1804,"3803":1805,"3804":1807,"3805":1809,"3806":1812,"3808":1814,"3809":1816,"3810":1818,"3811":1821,"3812":1823,"3813":1826,"3814":1827,"3818":1829,"3823":1831,"3827":1833,"3831":1834,"3833":1835,"3834":1836,"3838":1837,"3839":1838,"3844":1839,"3845":1840,"3847":1841,"3848":1842,"3849":1844,"3851":1845,"3852":1847,"3854":1848,"3855":1850,"3857":1852,"3861":1853,"3869":1854,"3870":1855,"3872":1856,"3873":1857,"3875":1858,"3877":1860,"3878":1862,"3879":1864,"3880":1865,"3881":1866,"3882":1867,"3886":1868,"3890":1869,"3892":1871,"3893":1872,"3894":1873,"3895":1874,"3896":1875,"3897":1876,"3901":1877,"3903":1878,"3904":1879,"3905":1880,"3909":1882,"3916":1885,"3918":1886,"3921":1888,"3922":1889,"3923":1891,"3924":1893,"3926":1895,"3936":1896,"3939":1897,"3942":1898,"3945":1899,"3948":1900,"3949":1901,"3951":1902,"3952":1905,"3953":1906,"3954":1908,"3955":1910,"3956":1912,"3958":1913,"3961":1914,"3964":1915,"3966":1916,"3967":1917,"3968":1918,"3970":1919,"3972":1922,"3973":1923,"3974":1926,"3975":1928,"3977":1929,"3978":1930,"3986":1932,"3988":1933,"3989":1934,"3990":1935,"3991":1936,"3992":1938,"3994":1939,"3995":1940,"3996":1941,"3997":1942,"3998":1943,"4000":1945,"4001":1946,"4002":1947,"4010":1948,"4011":1949,"4013":1950,"4014":1951,"4015":1953,"4016":1956,"4017":1958,"4018":1959,"4021":1962,"4023":1964,"4026":1965,"4028":1967,"4032":1969,"4033":1970,"4034":1972,"4035":1975,"4036":1976,"4038":1977,"4039":1979,"4040":1982,"4042":1983,"4043":1985,"4044":1986,"4045":1988,"4053":1989,"4054":1990,"4055":1992,"4056":1993,"4057":1994,"4059":1995,"4060":1997,"4061":1998,"4063":1999,"4065":2001,"4066":2002,"4067":2004,"4069":2006,"4070":2007,"4072":2008,"4073":2009,"4074":2010,"4076":2011,"4079":2012,"4081":2013,"4082":2014,"4084":2015,"4085":2016,"4086":2017,"4087":2018,"4088":2020,"4089":2021,"4090":2023,"4091":2025,"4092":2026,"4094":2027,"4095":2028,"4097":2029,"4098":2030,"4099":2031,"4101":2032,"4103":2033,"4104":2034,"4105":2035,"4106":2037,"4108":2038,"4109":2040,"4110":2041,"4118":2042,"4121":2043,"4122":2044,"4123":2045,"4124":2046,"4125":2047,"4126":2048,"4128":2050,"4129":2051,"4134":2053,"4135":2054,"4138":2056,"4140":2057,"4142":2058,"4143":2060,"4144":2062,"4147":2064,"4148":2065,"4149":2066,"4150":2067,"4151":2068,"4154":2069,"4158":2070,"4161":2071,"4162":2072,"4167":2074,"4168":2075,"4169":2076,"4171":2080,"4173":2081,"4174":2082,"4178":2083,"4179":2084,"4180":2085,"4181":2087,"4184":2088,"4188":2089,"4196":2091,"4200":2093,"4202":2094,"4206":2095,"4207":2096,"4209":2097,"4212":2098,"4213":2099,"4221":2100,"4223":2101,"4226":2102,"4227":2103,"4230":2104,"4231":2106,"4234":2108,"4236":2110,"4238":2111,"4241":2112,"4242":2113,"4249":2115,"4250":2116,"4253":2117,"4254":2118,"4259":2119,"4261":2120,"4262":2121,"4267":2122,"4268":2123,"4270":2125,"4281":2126,"4284":2127,"4285":2128,"4286":2129,"4287":2130,"4288":2132,"4289":2133,"4291":2134,"4292":2136,"4298":2137,"4301":2138,"4303":2140,"4306":2141,"4309":2142,"4310":2143,"4314":2144,"4315":2145,"4316":2146,"4317":2148,"4320":2149,"4323":2152,"4325":2153,"4332":2154,"4337":2155,"4340":2156,"4341":2158,"4342":2160,"4350":2161,"4352":2162,"4354":2164,"4355":2165,"4356":2166,"4358":2167,"4359":2168,"4364":2170,"4367":2171,"4369":2173,"4370":2174,"4371":2175,"4372":2177,"4373":2178,"4377":2180,"4378":2183,"4383":2184,"4391":2185,"4394":2186,"4397":2187,"4401":2188,"4403":2189,"4404":2190,"4405":2191,"4410":2192,"4413":2193,"4414":2194,"4415":2195,"4416":2196,"4419":2197,"4420":2198,"4421":2199,"4424":2200,"4425":2201,"4427":2203,"4428":2204,"4429":2205,"4431":2206,"4436":2208,"4439":2209,"4441":2210,"4442":2211,"4444":2212,"4445":2214,"4447":2215,"4448":2217,"4455":2218,"4458":2219,"4459":2220,"4462":2221,"4465":2223,"4466":2224,"4469":2225,"4472":2226,"4476":2227,"4478":2228,"4485":2229,"4486":2232,"4495":2233,"4498":2234,"4503":2235,"4504":2236,"4507":2237,"4513":2238,"4518":2239,"4520":2240,"4526":2241,"4527":2242,"4530":2243,"4531":2244,"4533":2245,"4534":2246,"4539":2247,"4540":2249,"4542":2250,"4543":2251,"4545":2252,"4546":2253,"4548":2254,"4549":2255,"4550":2256,"4552":2257,"4559":2258,"4562":2259,"4566":2260,"4568":2261,"4569":2262,"4572":2263,"4573":2264,"4574":2265,"4575":2266,"4576":2267,"4577":2268,"4578":2269,"4580":2270,"4581":2271,"4584":2272,"4585":2274,"4591":2275,"4593":2278,"4594":2279,"4595":2280,"4597":2281,"4600":2283,"4601":2285,"4605":2286,"4612":2288,"4613":2290,"4619":2291,"4620":2294,"4621":2295,"4622":2296,"4623":2298,"4624":2299,"4626":2300,"4628":2301,"4629":2302,"4630":2303,"4631":2304,"4632":2305,"4633":2306,"4637":2307,"4638":2309,"4639":2310,"4640":2312,"4641":2315,"4644":2316,"4649":2317,"4653":2319,"4654":2320,"4657":2321,"4655":2322,"4659":2323,"4660":2324,"4661":2325,"4663":2326,"4664":2327,"4665":2329,"4667":2330,"4668":2332,"4670":2333,"4672":2335,"4674":2337,"4675":2339,"4676":2340,"4677":2341,"4678":2343,"4682":2344,"4687":2345,"4688":2346,"4690":2347,"4692":2349,"4693":2350,"4695":2351,"4696":2353,"4698":2354,"4699":2355,"4700":2357,"4701":2358,"4702":2360,"4703":2361,"4704":2362,"4708":2364,"4709":2365,"4710":2367,"4711":2368,"4712":2370,"4713":2371,"4715":2373,"4716":2376,"4717":2377,"4720":2378,"4721":2379,"4722":2380,"4724":2381,"4726":2382,"4727":2384,"4728":2385,"4731":2387,"4732":2388,"4734":2389,"4736":2390,"4737":2391,"4739":2393,"4741":2394,"4746":2395,"4747":2396,"4750":2397,"4752":2398,"4753":2399,"4755":2400,"4756":2401,"4761":2402,"4762":2404,"4764":2406,"4767":2407,"4769":2409,"4771":2410,"4774":2412,"4775":2414,"4776":2416,"4777":2418,"4778":2419,"4780":2421,"4781":2422,"4782":2423,"4785":2424,"4786":2425,"4787":2426,"4789":2427,"4792":2429,"4793":2431,"4794":2432,"4795":2433,"4796":2434,"4797":2437,"4798":2438,"4800":2439,"4801":2440,"4802":2441,"4804":2443,"4805":2445,"4806":2446,"4810":2447,"4813":2450,"4814":2452,"4815":2454,"4819":2455,"4821":2457,"4822":2458,"4823":2461,"4824":2462,"4826":2464,"4838":2465,"4842":2466,"4847":2467,"4848":2468,"4850":2469,"4851":2471,"4853":2472,"4854":2474,"4855":2475,"4858":2476,"4859":2477,"4861":2478,"4866":2479,"4867":2480,"4869":2481,"4870":2482,"4873":2483,"4884":2484,"4887":2486,"4889":2487,"4896":2488,"4897":2489,"4898":2490,"4899":2492,"4901":2493,"4904":2495,"4906":2496,"4909":2497,"4912":2498,"4925":2499,"4930":2500,"4935":2503,"4937":2504,"4939":2505,"4940":2506,"4943":2507,"4944":2508,"4946":2509,"4947":2510,"4948":2511,"4959":2513,"4962":2514,"4972":2516,"4977":2517,"4979":2518,"4982":2519,"4983":2520,"4984":2521,"4985":2522,"4986":2523,"4987":2525,"4988":2527,"4992":2529,"4993":2530,"4994":2531,"4995":2532,"4996":2533,"4997":2535,"5000":2536,"5002":2538,"5003":2539,"5004":2540,"5005":2542,"5007":2543,"5009":2544,"5010":2545,"5013":2546,"5015":2548,"5018":2549,"5019":2550,"5020":2552,"5025":2554,"5028":2555,"5030":2556,"5031":2557,"5032":2558,"5035":2560,"5036":2561,"5037":2563,"5044":2564,"5045":2566,"5046":2567,"5048":2569,"5049":2570,"5051":2571,"5052":2573,"5053":2574,"5058":2575,"5060":2576,"5061":2577,"5063":2579,"5064":2581,"5066":2582,"5067":2583,"5068":2584,"5069":2585,"5070":2587,"5071":2588,"5076":2589,"5078":2591,"5081":2592,"5082":2593,"5083":2594,"5084":2596,"5086":2598,"5091":2600,"5092":2602,"5103":2603,"5104":2604,"5107":2605,"5112":2606,"5115":2607,"5116":2611,"5120":2610,"5119":2612,"5123":2613,"5124":2614,"5126":2615,"5127":2617,"5128":2618,"5133":2619,"5136":2620,"5137":2621,"5138":2622,"5142":2624,"5144":2625,"5147":2627,"5148":2628,"5149":2629,"5151":2630,"5152":2631,"5153":2632,"5156":2633,"5157":2634,"5160":2635,"5161":2639,"5163":2638,"5162":2640,"5167":2641,"5170":2642,"5171":2643,"5172":2644,"5173":2645,"5174":2647,"5175":2648,"5177":2649,"5182":2651,"5184":2652,"5185":2653,"5186":2655,"5188":2656,"5190":2657,"5198":2659,"5199":2660,"5200":2662,"5201":2663,"5203":2664,"5204":2665,"5206":2666,"5207":2667,"5208":2668,"5209":2670,"5212":2671,"5215":2673,"5216":2674,"5217":2675,"5218":2676,"5219":2678,"5220":2679,"5221":2680,"5222":2681,"5240":2682,"5242":2683,"5246":2684,"5247":2685,"5249":2686,"5251":2687,"5254":2688,"5255":2689,"5256":2690,"5259":2692,"5261":2693,"5262":2694,"5264":2695,"5265":2696,"5266":2697,"5267":2698,"5268":2699,"5269":2700,"5270":2701,"5271":2703,"5274":2704,"5275":2705,"5281":2706,"5282":2707,"5283":2708,"5285":2709,"5286":2710,"5288":2711,"5289":2712,"5291":2713,"5292":2714,"5293":2715,"5296":2716,"5299":2717,"5301":2718,"5303":2720,"5304":2721,"5305":2722,"5307":2724,"5313":2725,"5315":2726,"5316":2727,"5317":2728,"5319":2729,"5326":2730,"5327":2731,"5329":2732,"5330":2734,"5332":2735,"5337":2736,"5338":2737,"5339":2738,"5342":2739,"5343":2741,"5345":2742,"5346":2743,"5347":2744,"5348":2745,"5351":2747,"5355":2748,"5359":2749,"5361":2750,"5362":2751,"5363":2752,"5365":2753,"5367":2754,"5368":2755,"5371":2756,"5372":2757,"5373":2758,"5374":2759,"5375":2760,"5378":2761,"5379":2762,"5385":2763,"5388":2764,"5397":2766,"5398":2767,"5399":2769,"5401":2770,"5402":2771,"5404":2773,"5406":2774,"5407":2775,"5408":2776,"5409":2777,"5411":2778,"5413":2779,"5418":2780,"5419":2782,"5420":2783,"5423":2784,"5426":2785,"5427":2786,"5428":2787,"5429":2789,"5430":2790,"5433":2791,"5436":2792,"5437":2793,"5440":2794,"5444":2795,"5448":2797,"5449":2798,"5451":2799,"5454":2800,"5457":2802,"5461":2803,"5462":2804,"5464":2805,"5466":2806,"5470":2807,"5471":2808,"5472":2809,"5473":2810,"5474":2811,"5475":2812,"5477":2813,"5483":2814,"5484":2815,"5486":2816,"5487":2817,"5489":2818,"5494":2819,"5496":2820,"5499":2822,"5500":2823,"5501":2824,"5502":2825,"5503":2826,"5505":2828,"5507":2829,"5508":2831,"5510":2832,"5511":2833,"5514":2835,"5515":2836,"5518":2837,"5520":2838,"5521":2839,"5522":2840,"5524":2842,"5530":2843,"5531":2844,"5532":2846,"5533":2848,"5536":2849,"5537":2850,"5538":2851,"5539":2852,"5541":2854,"5543":2855,"5544":2856,"5545":2858,"5546":2859,"5549":2860,"5550":2862,"5552":2863,"5553":2864,"5555":2866,"5557":2868,"5560":2869,"5562":2870,"5563":2871,"5564":2873,"5566":2874,"5567":2875,"5570":2876,"5599":2877,"5606":2878,"5608":2880,"5609":2881,"5610":2882,"5611":2883,"5614":2884,"5615":2885,"5617":2887,"5618":2888,"5619":2889,"5620":2890,"5623":2891,"5625":2892,"5627":2893,"5628":2895,"5633":2896,"5634":2897,"5635":2898,"5636":2899,"5637":2900,"5638":2901,"5640":2902,"5641":2903,"5643":2905,"5645":2906,"5647":2907,"5648":2908,"5649":2909,"5650":2910,"5651":2911,"5653":2912,"5655":2913,"5656":2914,"5658":2915,"5659":2916,"5660":2917,"5667":2918,"5669":2919,"5670":2920,"5671":2922,"5674":2923,"5675":2924,"5680":2926,"5681":2927,"5682":2928,"5696":2929,"5698":2930,"5699":2931,"5701":2932,"5702":2934,"5704":2935,"5705":2936,"5708":2937,"5710":2938,"5711":2939,"5713":2940,"5719":2941,"5720":2942,"5722":2944,"5723":2945,"5725":2947,"5727":2948,"5730":2949,"5731":2950,"5732":2951,"5735":2952,"5738":2953,"5746":2954,"5749":2955,"5752":2956,"5754":2957,"5756":2958,"5762":2960,"5764":2961,"5765":2962,"5766":2964,"5767":2965,"5768":2966,"5783":2967,"5788":2968,"5793":2969,"5794":2971,"5795":2972,"5796":2973,"5799":2974,"5800":2975,"5801":2976,"5802":2977,"5804":2978,"5807":2979,"5808":2980,"5809":2981,"5810":2982,"5812":2983,"5813":2984,"5814":2985,"5816":2986,"5817":2987,"5818":2988,"5819":2989,"5820":2990,"5823":2992,"5824":2993,"5825":2994,"5828":2995,"5833":2996,"5836":2997,"5837":2998,"5838":2999,"5839":3000,"5841":3001,"5843":3002,"5844":3003,"5846":3005,"5848":3006,"5849":3008,"5852":3009,"5853":3010,"5854":3011,"5856":3013,"5858":3015,"5859":3016,"5860":3017,"5861":3019,"5864":3020,"5866":3022,"5867":3023,"5868":3024,"5871":3025,"5872":3026,"5873":3027,"5875":3028,"5876":3029,"5877":3030,"5885":3031,"5888":3032,"5892":3033,"5893":3034,"5896":3035,"5897":3036,"5908":3037,"5909":3038,"5912":3039,"5913":3040,"5917":3041,"5926":3043,"5927":3044,"5928":3046,"5929":3047,"5930":3048,"5934":3049,"5935":3050,"5941":3051,"5942":3052,"5946":3053,"5947":3054,"5948":3055,"5949":3056,"5951":3057,"5952":3058,"5953":3059,"5954":3060,"5956":3061,"5957":3062,"5958":3063,"5961":3064,"5965":3065,"5966":3066,"5967":3067,"5969":3068,"5973":3069,"5974":3070,"5976":3071,"5979":3072,"5982":3073,"5987":3074,"5988":3075,"5992":3076,"5994":3077,"5996":3078,"5999":3079,"6000":3080,"6001":3081,"6003":3082,"6004":3084,"6009":3085,"6010":3086,"6011":3087,"6012":3088,"6017":3090,"6019":3092,"6021":3093,"6023":3094,"6025":3097,"6027":3098,"6029":3099,"6030":3100,"6031":3101,"6032":3103,"6033":3105,"6035":3106,"6036":3107,"6039":3108,"6041":3109,"6044":3110,"6048":3111,"6053":3112,"6059":3113,"6060":3114,"6061":3116,"6062":3117,"6064":3118,"6072":3119,"6074":3120,"6077":3122,"6078":3123,"6079":3124,"6081":3125,"6083":3126,"6085":3127,"6086":3128,"6087":3129,"6088":3130,"6090":3131,"6091":3132,"6093":3134,"6094":3135,"6099":3136,"6100":3137,"6105":3138,"6110":3139,"6112":3141,"6113":3142,"6115":3143,"6120":3144,"6127":3145,"6129":3146,"6130":3147,"6131":3148,"6132":3149,"6135":3150,"6136":3151,"6137":3152,"6138":3153,"6142":3154,"6143":3155,"6144":3157,"6146":3158,"6149":3160,"6150":3161,"6152":3162,"6156":3163,"6157":3164,"6158":3165,"6159":3166,"6160":3167,"6162":3169,"6163":3171,"6164":3172,"6165":3174,"6166":3175,"6167":3177,"6170":3178,"6173":3179,"6174":3180,"6176":3181,"6177":3182,"6181":3184,"6182":3186,"6183":3187,"6184":3188,"6192":3189,"6195":3190,"6198":3191,"6202":3192,"6203":3194,"6209":3195,"6210":3196,"6211":3198,"6215":3199,"6216":3200,"6218":3201,"6219":3202,"6222":3203,"6226":3204,"6231":3205,"6234":3207,"6237":3208,"6240":3209,"6242":3210,"6247":3211,"6248":3212,"6250":3214,"6252":3216,"6253":3217,"6254":3218,"6258":3219,"6265":3220,"6268":3221,"6269":3222,"6274":3223,"6276":3225,"6277":3226,"6278":3227,"6280":3228,"6281":3229,"6283":3230,"6284":3232,"6286":3233,"6291":3234,"6295":3235,"6296":3236,"6297":3237,"6300":3238,"6301":3240,"6303":3241,"6304":3242,"6305":3244,"6306":3245,"6309":3246,"6311":3248,"6313":3250,"6315":3251,"6316":3252,"6317":3253,"6318":3254,"6319":3256,"6320":3257,"6323":3258,"6328":3259,"6330":3260,"6331":3261,"6332":3262,"6335":3263,"6337":3264,"6340":3265,"6341":3266,"6343":3267,"6345":3268,"6346":3269,"6349":3270,"6350":3271,"6351":3272,"6360":3273,"6364":3274,"6365":3275,"6368":3276,"6370":3277,"6372":3279,"6373":3280,"6374":3282,"6384":3283,"6386":3284,"6390":3285,"6391":3286,"6392":3287,"6393":3289,"6396":3290,"6397":3291,"6399":3293,"6401":3294,"6402":3295,"6403":3297,"6404":3298,"6409":3299,"6411":3300,"6414":3301,"6415":3302,"6416":3303,"6417":3304,"6418":3305,"6421":3306,"6422":3307,"6423":3309,"6424":3310,"6426":3311,"6427":3312,"6428":3313,"6432":3314,"6436":3315,"6437":3316,"6440":3317,"6441":3320,"6442":3321,"6443":3323,"6444":3324,"6446":3325,"6447":3327,"6449":3328,"6450":3330,"6451":3331,"6452":3332,"6453":3333,"6454":3334,"6456":3335,"6457":3336,"6458":3337,"6461":3338,"6462":3340,"6465":3341,"6466":3342,"6467":3343,"6468":3344,"6472":3345,"6473":3346,"6475":3348,"6479":3351,"6481":3350,"6480":3354,"6483":3356,"6486":3357,"6487":3358,"6488":3359,"6490":3360,"6492":3361,"6493":3363,"6495":3364,"6499":3365,"6500":3366,"6502":3367,"6503":3368,"6505":3369,"6507":3371,"6508":3373,"6509":3374,"6510":3375,"6511":3377,"6512":3378,"6523":3379,"6524":3380,"6525":3381,"6526":3382,"6527":3383,"6528":3384,"6529":3385,"6530":3386,"6535":3387,"6538":3388,"6539":3389,"6540":3390,"6544":3391,"6546":3392,"6548":3393,"6549":3395,"6551":3396,"6554":3397,"6557":3398,"6559":3399,"6560":3400,"6562":3401,"6563":3402,"6564":3403,"6567":3404,"6569":3406,"6571":3407,"6572":3408,"6575":3410,"6576":3411,"6577":3413,"6579":3414,"6580":3415,"6581":3416,"6583":3418,"6584":3419,"6588":3420,"6591":3421,"6593":3423,"6594":3424,"6596":3426,"6597":3427,"6599":3428,"6603":3429,"6606":3430,"6609":3431,"6614":3432,"6622":3434,"6625":3435,"6631":3436,"6632":3437,"6635":3438,"6636":3439,"6638":3440,"6640":3442,"6642":3443,"6643":3444,"6644":3445,"6645":3447,"6646":3448,"6652":3449,"6656":3451,"6657":3452,"6659":3453,"6661":3455,"6664":3456,"6665":3457,"6668":3458,"6669":3459,"6671":3460,"6672":3461,"6673":3462,"6675":3463,"6676":3464,"6679":3465,"6680":3466,"6681":3467,"6682":3468,"6684":3469,"6686":3470,"6690":3471,"6691":3472,"6693":3474,"6697":3475,"6699":3476,"6705":3477,"6709":3478,"6710":3479,"6711":3480,"6713":3481,"6714":3482,"6715":3483,"6717":3484,"6721":3485,"6724":3486,"6739":3487,"6740":3489,"6742":3490,"6746":3492,"6751":3494,"6753":3495,"6754":3496,"6755":3497,"6757":3498,"6758":3499,"6762":3500,"6764":3502,"6766":3503,"6767":3504,"6768":3506,"6770":3507,"6774":3508,"6775":3509,"6776":3511,"6778":3512,"6780":3513,"6781":3514,"6783":3517,"6784":3518,"6786":3519,"6788":3520,"6789":3521,"6790":3523,"6792":3524,"6799":3525,"6800":3526,"6802":3527,"6803":3528,"6805":3529,"6806":3530,"6807":3531,"6809":3532,"6810":3533,"6811":3534,"6812":3535,"6813":3536,"6815":3537,"6819":3538,"6822":3540,"6823":3541,"6824":3542,"6826":3543,"6834":3544,"6838":3545,"6840":3547,"6843":3548,"6851":3549,"6852":3550,"6854":3551,"6856":3552,"6857":3553,"6859":3554,"6861":3555,"6865":3556,"6866":3557,"6867":3559,"6871":3560,"6872":3562,"6873":3563,"6874":3564,"6875":3566,"6878":3568,"6879":3570,"6882":3571,"6884":3573,"6888":3574,"6890":3575,"6892":3577,"6894":3578,"6901":3579,"6902":3582,"6903":3583,"6907":3586,"6908":3587,"6909":3589,"6910":3590,"6911":3591,"6912":3592,"6913":3593,"6914":3594,"6915":3595,"6916":3596,"6917":3597,"6918":3599,"6920":3600,"6921":3602,"6923":3603,"6927":3604,"6931":3605,"6934":3606,"6937":3608,"6938":3610,"6939":3612,"6943":3615,"6944":3616,"6946":3618,"6949":3619,"6950":3621,"6951":3623,"6952":3626,"6953":3628,"6954":3630,"6955":3631,"6956":3632,"6959":3633,"6961":3635,"6962":3637,"6965":3638,"6969":3639,"6971":3640,"6973":3642,"6974":3643,"6975":3644,"6976":3645,"6978":3646,"6979":3647,"6980":3648,"6982":3649,"6984":3650,"6986":3652,"6990":3653,"6993":3654,"6994":3655,"6997":3656,"6998":3657,"7002":3659,"7009":3661,"7010":3663,"7012":3665,"7013":3666,"7014":3668,"7015":3669,"7019":3670,"7021":3672,"7023":3673,"7024":3674,"7025":3675,"7026":3677,"7027":3679,"7028":3681,"7029":3683,"7030":3685,"7031":3686,"7032":3688,"7034":3690,"7035":3691,"7036":3692,"7038":3693,"7039":3694,"7040":3696,"7043":3697,"7045":3698,"7046":3700,"7051":3701,"7053":3702,"7059":3704,"7064":3705,"7065":3707,"7067":3708,"7068":3710,"7069":3711,"7071":3712,"7072":3713,"7073":3715,"7076":3717,"7077":3718,"7078":3720,"7079":3721,"7080":3722,"7081":3723,"7083":3724,"7084":3725,"7086":3726,"7087":3727,"7090":3728,"7091":3729,"7094":3731,"7095":3732,"7096":3734,"7097":3736,"7098":3738,"7099":3739,"7101":3740,"7103":3741,"7107":3744,"7110":3745,"7112":3746,"7114":3747,"7115":3748,"7116":3749,"7118":3751,"7120":3753,"7121":3754,"7127":3755,"7129":3756,"7130":3757,"7131":3758,"7132":3760,"7134":3761,"7136":3762,"7137":3764,"7138":3765,"7142":3766,"7144":3767,"7147":3768,"7148":3769,"7149":3770,"7151":3771,"7153":3772,"7154":3773,"7166":3775,"7167":3776,"7169":3777,"7170":3779,"7171":3780,"7172":3783,"7175":3785,"7176":3786,"7177":3787,"7178":3788,"7180":3789,"7183":3790,"7184":3791,"7185":3792,"7187":3794,"7191":3796,"7193":3798,"7194":3799,"7195":3801,"7197":3802,"7198":3803,"7200":3804,"7201":3805,"7202":3806,"7203":3807,"7205":3808,"7206":3809,"7207":3810,"7209":3811,"7210":3812,"7211":3813,"7212":3814,"7213":3815,"7214":3817,"7215":3820,"7216":3822,"7217":3823,"7218":3826,"7219":3827,"7220":3828,"7221":3829,"7222":3830,"7223":3831,"7224":3832,"7225":3833,"7226":3834,"7227":3836,"7228":3837,"7229":3838,"7230":3841,"7233":3843,"7236":3846,"7237":3848,"7245":3849,"7247":3850,"7250":3852,"7253":3853,"7254":3855,"7255":3856,"7256":3858,"7257":3859,"7258":3860,"7259":3862,"7261":3864,"7262":3865,"7263":3867,"7264":3868,"7265":3869,"7266":3870,"7270":3873,"7272":3875,"7273":3878,"7274":3880,"7275":3881,"7276":3882,"7278":3883,"7279":3884,"7280":3886,"7281":3887,"7282":3890,"7284":3891,"7286":3893,"7287":3894,"7288":3895,"7289":3897,"7290":3898,"7291":3899,"7292":3900,"7293":3901,"7295":3902,"7297":3904,"7299":3905,"7306":3906,"7309":3907,"7311":3908,"7313":3909,"7316":3911,"7317":3912,"7318":3914,"7319":3915,"7320":3916,"7321":3917,"7324":3918,"7326":3919,"7329":3920,"7332":3923,"7335":3926,"7336":3927,"7337":3928,"7338":3930,"7339":3931,"7340":3932,"7342":3933,"7343":3934,"7344":3935,"7345":3936,"7346":3937,"7348":3939,"7349":3940,"7351":3941,"7352":3943,"7353":3944,"7354":3946,"7356":3947,"7359":3948,"7360":3949,"7361":3952,"7362":3954,"7365":3956,"7367":3957,"7368":3958,"7369":3960,"7373":3961,"7375":3962,"7376":3963,"7378":3964,"7379":3965,"7380":3966,"7381":3968,"7382":3970,"7383":3971,"7384":3973,"7385":3975,"7386":3976,"7387":3978,"7389":3979,"7390":3980,"7391":3981,"7392":3982,"7393":3984,"7394":3986,"7398":3987,"7400":3989,"7401":3991,"7402":3992,"7405":3993,"7406":3994,"7408":3995,"7410":3996,"7411":3997,"7412":3998,"7413":3999,"7416":4000,"7418":4001,"7423":4002,"7427":4003,"7428":4004,"7431":4006,"7432":4007,"7433":4008,"7434":4009,"7435":4011,"7437":4013,"7438":4014,"7439":4017,"7440":4018,"7441":4019,"7442":4021,"7443":4022,"7444":4023,"7445":4025,"7446":4026,"7447":4027,"7448":4028,"7449":4030,"7452":4031,"7453":4032,"7454":4033,"7456":4034,"7457":4036,"7458":4037,"7459":4039,"7460":4040,"7463":4042,"7464":4045,"7465":4046,"7467":4048,"7469":4049,"7470":4051,"7471":4053,"7472":4054,"7473":4056,"7474":4057,"7476":4058,"7481":4059,"7483":4060,"7486":4062,"7487":4063,"7491":4064,"7492":4065,"7493":4066,"7495":4067,"7497":4069,"7498":4070,"7500":4071,"7501":4073,"7502":4074,"7503":4075,"7504":4077,"7505":4078,"7506":4080,"7507":4081,"7509":4082,"7511":4083,"7514":4084,"7517":4085,"7519":4087,"7520":4090,"7521":4091,"7526":4092,"7527":4093,"7528":4095,"7530":4096,"7532":4097,"7534":4100,"7537":4101,"7539":4102,"7543":4104,"7545":4105,"7546":4106,"7547":4107,"7549":4108,"7550":4109,"7552":4112,"7555":4114,"7557":4116,"7558":4117,"7559":4120,"7560":4122,"7561":4123,"7564":4124,"7577":4126,"7579":4127,"7582":4129,"7583":4130,"7585":4131,"7586":4132,"7588":4133,"7589":4134,"7591":4135,"7594":4136,"7597":4137,"7603":4139,"7605":4140,"7608":4141,"7610":4142,"7611":4143,"7612":4144,"7613":4145,"7614":4146,"7616":4147,"7618":4148,"7619":4149,"7620":4150,"7621":4151,"7622":4152,"7623":4153,"7625":4154,"7630":4155,"7631":4157,"7633":4159,"7637":4162,"7641":4163,"7643":4164,"7644":4166,"7645":4167,"7646":4168,"7647":4169,"7648":4170,"7651":4171,"7653":4172,"7655":4173,"7658":4174,"7659":4176,"7660":4178,"7662":4179,"7663":4181,"7664":4182,"7665":4183,"7666":4185,"7667":4188,"7670":4190,"7672":4191,"7677":4192,"7678":4195,"7679":4196,"7681":4197,"7682":4198,"7684":4199,"7687":4201,"7688":4202,"7692":4203,"7693":4204,"7696":4205,"7699":4207,"7700":4208,"7701":4209,"7706":4210,"7708":4212,"7709":4213,"7711":4215,"7712":4216,"7713":4217,"7714":4218,"7715":4219,"7716":4220,"7717":4221,"7719":4224,"7724":4225,"7725":4227,"7726":4228,"7730":4229,"7733":4230,"7734":4231,"7735":4233,"7737":4253,"7773":4255,"7775":4257,"7779":4258,"7780":4259,"7781":4261,"7782":4263,"7783":4264,"7784":4265,"7785":4266,"7786":4267,"7788":4268,"7791":4269,"7794":4272,"7795":4273,"7796":4274,"7797":4275,"7798":4276,"7799":4277,"7802":4278,"7803":4279,"7804":4281,"7805":4282,"7806":4283,"7807":4285,"7808":4286,"7811":4287,"7815":4288,"7819":4289,"7821":4290,"7822":4292,"7825":4293,"7827":4294,"7828":4296,"7832":4297,"7834":4299,"7836":4300,"7842":4301,"7844":4302,"7845":4303,"7847":4305,"7848":4306,"7849":4307,"7854":4309,"7855":4310,"7856":4311,"7858":4313,"7860":4314,"7861":4316,"7863":4318,"7866":4319,"7867":4320,"7871":4322,"7872":4323,"7874":4324,"7877":4325,"7880":4327,"7881":4328,"7882":4329,"7883":4331,"7884":4332,"7887":4334,"7888":4337,"7893":4339,"7895":4341,"7898":4343,"7906":4346,"7908":4347,"7910":4348,"7911":4349,"7912":4350,"7914":4351,"7916":4353,"7920":4354,"7922":4355,"7923":4356,"7926":4358,"7928":4360,"7930":4361,"7931":4363,"7935":4364,"7936":4365,"7937":4366,"7939":4367,"7941":4368,"7942":4370,"7946":4371,"7947":4372,"7948":4374,"7950":4375,"7956":4376,"7957":4377,"7959":4379,"7960":4381,"7961":4382,"7967":4384,"7970":4385,"7975":4386,"7977":4387,"7979":4388,"7981":4389,"7986":4391,"7989":4392,"7992":4393,"7994":4394,"7996":4395,"7999":4396,"8001":4398,"8002":4399,"8003":4400,"8004":4401,"8007":4403,"8008":4404,"8009":4405,"8010":4406,"8012":4407,"8013":4409,"8014":4411,"8015":4413,"8016":4415,"8019":4416,"8020":4418,"8022":4419,"8026":4420,"8027":4421,"8028":4422,"8029":4423,"8032":4424,"8033":4426,"8034":4427,"8036":4428,"8039":4429,"8040":4430,"8042":4432,"8048":4433,"8050":4434,"8092":4435,"8093":4436,"8094":4437,"8095":4439,"8096":4440,"8097":4441,"8098":4442,"8099":4443,"8101":4444,"8102":4445,"8103":4447,"8104":4449,"8112":4450,"8114":4451,"8115":4453,"8116":4455,"8118":4457,"8119":4458,"8120":4459,"8121":4460,"8122":4461,"8123":4462,"8124":4464,"8126":4465,"8127":4466,"8128":4467,"8129":4468,"8130":4470,"8133":4471,"8134":4472,"8135":4474,"8137":4475,"8138":4477,"8144":4478,"8145":4479,"8147":4481,"8148":4482,"8150":4483,"8154":4485,"8156":4486,"8160":4487,"8161":4488,"8164":4489,"8165":4490,"8167":4491,"8168":4493,"8169":4494,"8172":4495,"8173":4496,"8174":4497,"8178":4498,"8179":4500,"8180":4501,"8183":4502,"8185":4503,"8187":4504,"8190":4506,"8192":4507,"8193":4509,"8194":4511,"8195":4512,"8196":4514,"8201":4515,"8205":4516,"8209":4517,"8210":4518,"8211":4519,"8212":4520,"8218":4521,"8219":4522,"8220":4523,"8221":4524,"8223":4526,"8224":4528,"8231":4529,"8235":4531,"8241":4532,"8242":4533,"8245":4534,"8261":4535,"8267":4537,"8268":4538,"8269":4539,"8273":4540,"8275":4542,"8276":4543,"8277":4544,"8280":4545,"8281":4547,"8284":4550,"8285":4552,"8291":4553,"8292":4554,"8293":4555,"8295":4556,"8296":4557,"8297":4558,"8299":4559,"8301":4564,"8309":4565,"8311":4566,"8312":4567,"8315":4568,"8316":4569,"8317":4570,"8318":4572,"8319":4573,"8320":4574,"8324":4575,"8325":4576,"8329":4577,"8330":4578,"8332":4579,"8333":4580,"8336":4582,"8337":4583,"8338":4584,"8339":4585,"8341":4586,"8342":4588,"8343":4589,"8344":4590,"8345":4592,"8347":4593,"8348":4596,"8352":4598,"8353":4599,"8355":4601,"8356":4602,"8359":4603,"8360":4604,"8361":4605,"8362":4606,"8365":4607,"8366":4608,"8368":4609,"8369":4610,"8370":4611,"8371":4612,"8373":4613,"8376":4615,"8377":4617,"8378":4618,"8379":4619,"8398":4621,"8399":4623,"8404":4625,"8408":4627,"8409":4628,"8412":4629,"8413":4632,"8414":4633,"8415":4634,"8417":4635,"8442":4637,"8448":4638,"8452":4640,"8453":4641,"8455":4642,"8456":4644,"8457":4646,"8458":4647,"8459":4649,"8461":4650,"8462":4652,"8463":4653,"8465":4654,"8467":4656,"8468":4657,"8469":4658,"8473":4659,"8475":4660,"8480":4661,"8482":4663,"8483":4696,"8484":4697,"8485":4698,"8487":4699,"8489":4700,"8492":4701,"8494":4703,"8497":4704,"8498":4705,"8502":4706,"8503":4707,"8504":4708,"8510":4709,"8512":4711,"8515":4713,"8516":4714,"8518":4715,"8519":4717,"8520":4720,"8522":4721,"8524":4722,"8525":4723,"8526":4724,"8529":4725,"8530":4726,"8531":4727,"8533":4728,"8535":4729,"8539":4730,"8540":4731,"8551":4732,"8552":4733,"8553":4734,"8554":4735,"8555":4736,"8556":4738,"8557":4739,"8589":4740,"8591":4741,"8593":4743,"8594":4744,"8595":4745,"8600":4746,"8602":4747,"8603":4748,"8604":4749,"8605":4750,"8606":4751,"8613":4752,"8614":4753,"8615":4754,"8622":4755,"8625":4756,"8626":4757,"8628":4758,"8629":4759,"8631":4760,"8632":4761,"8633":4762,"8636":4764,"8642":4765,"8644":4766,"8645":4767,"8650":4768,"8657":4769,"8662":4770,"8663":4771,"8665":4773,"8667":4774,"8669":4775,"8670":4777,"8671":4778,"8675":4780,"8677":4781,"8678":4782,"8682":4783,"8685":4784,"8686":4785,"8688":4786,"8689":4787,"8691":4788,"8696":4789,"8697":4790,"8698":4791,"8699":4794,"8700":4795,"8705":4796,"8707":4800,"8708":4802,"8713":4803,"8715":4805,"8717":4806,"8718":4807,"8720":4808,"8722":4809,"8723":4811,"8725":4812,"8727":4813,"8729":4814,"8732":4815,"8734":4816,"8735":4817,"8737":4818,"8738":4819,"8740":4820,"8742":4821,"8744":4822,"8754":4823,"8757":4824,"8758":4825,"8759":4826,"8762":4827,"8763":4828,"8768":4830,"8772":4831,"8773":4832,"8774":4833,"8775":4834,"8776":4835,"8777":4836,"8779":4837,"8780":4838,"8783":4839,"8786":4840,"8787":4841,"8788":4842,"8789":4844,"8790":4845,"8791":4846,"8793":4847,"8794":4848,"8795":4849,"8796":4850,"8797":4852,"8798":4853,"8805":4854,"8807":4855,"8820":4856,"8824":4857,"8825":4858,"8826":4859,"8832":4860,"8834":4861,"8835":4862,"8836":4864,"8837":4865,"8839":4866,"8841":4867,"8842":4868,"8844":4870,"8845":4871,"8846":4872,"8849":4873,"8850":4874,"8851":4875,"8852":4876,"8855":4877,"8857":4878,"8859":4879,"8860":4880,"8861":4881,"8862":4882,"8865":4884,"8867":4885,"8869":4888,"8870":4889,"8871":4890,"8872":4892,"8874":4893,"8875":4894,"8876":4895,"8878":4896,"8882":4898,"8884":4899,"8885":4900,"8887":4901,"8890":4903,"8892":4904,"8893":4905,"8895":4907,"8897":4909,"8898":4911,"8900":4912,"8903":4913,"8904":4914,"8905":4915,"8906":4916,"8909":4917,"8913":4918,"8914":4919,"8915":4920,"8917":4921,"8918":4922,"8919":4925,"8920":4926,"8922":4927,"8923":4928,"8924":4929,"8934":4931,"8935":4932,"8937":4933,"8941":4935,"8942":4936,"8943":4940,"8945":4943,"8946":4945,"8949":4946,"8952":4947,"8954":4950,"8956":4952,"8957":4954,"8959":4955,"8966":4957,"8970":4958,"8972":4961,"8974":4962,"8975":4963,"8978":4965,"8982":4966,"8983":4967,"8984":4968,"8987":4969,"8988":4971,"8990":4972,"8991":4973,"8995":4974,"8996":4975,"9000":4976,"9001":4979,"9002":4980,"9003":4981,"9004":4982,"9005":4983,"9006":4984,"9008":4985,"9009":4986,"9012":4987,"9018":4988,"9020":4989,"9026":4990,"9036":4991,"9038":4992,"9039":4993,"9040":4995,"9041":4996,"9045":4997,"9046":4998,"9047":4999,"9048":5000,"9050":5001,"9053":5002,"9057":5004,"9059":5006,"9060":5008,"9061":5009,"9068":5011,"9069":5012,"9071":5013,"9075":5014,"9076":5015,"9081":5016,"9084":5018,"9086":5019,"9087":5020,"9089":5021,"9090":5022,"9091":5024,"9092":5026,"9093":5028,"9094":5030,"9095":5033,"9096":5035,"9097":5037,"9102":5038,"9103":5039,"9104":5040,"9108":5041,"9109":5042,"9110":5043,"9111":5045,"9114":5046,"9115":5048,"9117":5049,"9121":5051,"9122":5052,"9126":5053,"9128":5054,"9130":5056,"9133":5058,"9134":5063,"9135":5064,"9136":5065,"9142":5068,"9144":5069,"9146":5070,"9147":5073,"9148":5075,"9149":5078,"9151":5079,"9152":5080,"9159":5081,"9164":5082,"9165":5083,"9166":5084,"9168":5085,"9170":5086,"9172":5088,"9175":5089,"9177":5090,"9179":5091,"9181":5095,"9182":5096,"9183":5098,"9189":5099,"9194":5101,"9196":5102,"9199":5104,"9200":5105,"9202":5107,"9208":5108,"9209":5109,"9210":5111,"9211":5112,"9214":5113,"9216":5114,"9217":5116,"9220":5117,"9223":5118,"9227":5120,"9230":5122,"9231":5124,"9233":5125,"9235":5126,"9238":5127,"9240":5128,"9241":5129,"9242":5130,"9245":5131,"9249":5132,"9252":5133,"9255":5134,"9258":5136,"9259":5137,"9261":5138,"9262":5139,"9263":5141,"9268":5142,"9273":5143,"9274":5144,"9282":5146,"9286":5147,"9290":5149,"9291":5150,"9293":5152,"9295":5153,"9296":5154,"9298":5156,"9299":5157,"9305":5158,"9311":5159,"9312":5160,"9315":5162,"9316":5163,"9317":5164,"9322":5166,"9324":5167,"9326":5169,"9327":5171,"9328":5172,"9331":5173,"9333":5176,"9335":5177,"9337":5178,"9339":5181,"9340":5182,"9341":5183,"9342":5184,"9343":5185,"9344":5186,"9345":5187,"9347":5190,"9348":5191,"9350":5192,"9352":5194,"9353":5195,"9356":5196,"9357":5197,"9358":5198,"9359":5199,"9360":5200,"9363":5201,"9364":5202,"9365":5203,"9368":5204,"9369":5205,"9370":5206,"9371":5208,"9373":5209,"9374":5212,"9375":5214,"9377":5216,"9379":5219,"9381":5220,"9382":5223,"9383":5224,"9384":5225,"9394":5227,"9395":5229,"9397":5230,"9398":5231,"9402":5235,"9403":5237,"9404":5238,"9407":5239,"9408":5240,"9411":5241,"9412":5242,"9414":5243,"9416":5244,"9417":5245,"9429":5246,"9430":5247,"9431":5248,"9437":5250,"9439":5252,"9444":5253,"9447":5254,"9452":5255,"9453":5256,"9455":5257,"9456":5258,"9457":5259,"9465":5260,"9466":5261,"9467":5263,"9473":5264,"9474":5265,"9475":5267,"9476":5268,"9477":5269,"9478":5271,"9482":5272,"9489":5275,"9490":5276,"9492":5277,"9493":5278,"9497":5280,"9498":5281,"9505":5283,"9507":5285,"9508":5287,"9516":5289,"9518":5290,"9519":5297,"9541":5312,"9591":5313,"9592":5317,"9608":5318,"9609":5320,"9610":5322,"9622":5323,"9630":5324,"9634":5326,"9635":5327,"9637":5329,"9642":5330,"9643":5331,"9648":5332,"9650":5333,"9660":5334,"9669":5335,"9670":5336,"9673":5337,"9677":5338,"9678":5340,"9680":5342,"9682":5343,"9687":5344,"9694":5346,"9697":5347,"9698":5348,"9699":5350,"9701":5351,"9702":5352,"9703":5353,"9704":5355,"9708":5356,"9709":5357,"9710":5358,"9712":5359,"9715":5361,"9720":5362,"9722":5363,"9724":5364,"9728":5365,"9729":5366,"9730":5367,"9739":5369,"9740":5371,"9741":5372,"9743":5374,"9753":5377,"9756":5378,"9764":5379,"9776":5380,"9782":5384,"9794":5399,"9866":5400,"9868":5407,"9890":5408,"9895":5409,"9898":5410,"9903":5411,"9904":5413,"9906":5414,"9907":5415,"9910":5416,"9913":5417,"9914":5419,"9919":5420,"9921":5421,"9923":5422,"9924":5423,"9925":5424,"9928":5426,"9929":5427,"9930":5428,"9932":5430,"9933":5431,"9939":5432,"9940":5434,"9942":5435,"9943":5436,"9945":5438,"9946":5440,"9947":5442,"9958":5443,"9959":5444,"9960":5445,"9962":5446,"9963":5448,"9964":5450,"9965":5451,"9966":5452,"9968":5453,"9970":5454,"9972":5455,"9975":5457,"9977":5458,"9978":5460,"9983":5461,"9986":5463,"9987":5464,"9994":5465,"10011":5466,"10037":5467,"10038":5468,"10041":5469,"10042":5471,"10046":5472,"10047":5473,"10053":5474,"10059":5475,"10061":5476,"10062":5477,"10063":5478,"10066":5480,"10074":5483,"10075":5484,"10078":5485,"10079":5486,"10081":5487,"10082":5488,"10083":5489,"10084":5490,"10087":5491,"10091":5492,"10093":5493,"10098":5494,"10099":5495,"10103":5496,"10106":5497,"10108":5498,"10116":5499,"10123":5500,"10128":5501,"10131":5502,"10132":5503,"10133":5504,"10134":5505,"10136":5506,"10149":5507,"10153":5508,"10164":5509,"10165":5510,"10181":5512,"10183":5513,"10185":5514,"10187":5515,"10191":5516,"10192":5518,"10194":5519,"10197":5520,"10199":5522,"10202":5523,"10204":5525,"10206":5526,"10208":5527,"10209":5528,"10210":5529,"10213":5530,"10215":5531,"10216":5532,"10217":5534,"10221":5536,"10223":5538,"10225":5539,"10226":5541,"10227":5542,"10228":5543,"10235":5545,"10236":5548,"10237":5549,"10239":5550,"10241":5551,"10242":5553,"10243":5554,"10244":5555,"10246":5556,"10247":5559,"10248":5561,"10249":5562,"10250":5563,"10252":5565,"10254":5566,"10256":5567,"10257":5569,"10259":5570,"10260":5571,"10261":5572,"10262":5573,"10263":5574,"10264":5575,"10265":5576,"10266":5577,"10268":5578,"10273":5584,"10280":5585,"10281":5586,"10282":5587,"10284":5588,"10286":5589,"10288":5590,"10289":5592,"10290":5594,"10294":5596,"10295":5597,"10296":5598,"10297":5600,"10298":5601,"10300":5602,"10302":5603,"10304":5604,"10305":5605,"10306":5607,"10309":5608,"10310":5609,"10311":5610,"10314":5613,"10315":5614,"10316":5615,"10318":5616,"10321":5618,"10323":5619,"10341":5620,"10342":5621,"10356":5622,"10363":5624,"10365":5625,"10366":5627,"10377":5628,"10379":5629,"10380":5630,"10382":5631,"10385":5632,"10386":5633,"10387":5634,"10389":5635,"10398":5636,"10399":5638,"10400":5639,"10402":5641,"10403":5642,"10405":5643,"10408":5644,"10409":5645,"10411":5646,"10414":5647,"10415":5648,"10419":5649,"10420":5650,"10423":5651,"10424":5652,"10425":5654,"10430":5655,"10432":5656,"10434":5657,"10436":5659,"10439":5660,"10441":5661,"10442":5663,"10443":5664,"10444":5666,"10445":5667,"10446":5668,"10448":5669,"10449":5670,"10451":5671,"10456":5673,"10459":5674,"10464":5675,"10465":5677,"10467":5678,"10468":5679,"10469":5681,"10471":5682,"10472":5683,"10473":5685,"10474":5686,"10475":5687,"10479":5689,"10480":5691,"10482":5693,"10483":5695,"10486":5696,"10488":5697,"10489":5698,"10492":5699,"10493":5701,"10494":5702,"10496":5703,"10499":5704,"10501":5705,"10503":5706,"10504":5707,"10505":5708,"10506":5709,"10507":5710,"10508":5711,"10509":5712,"10510":5713,"10511":5714,"10523":5716,"10524":5718,"10525":5719,"10526":5720,"10536":5721,"10540":5723,"10541":5725,"10542":5726,"10545":5727,"10550":5728,"10556":5729,"10558":5730,"10559":5731,"10560":5732,"10563":5733,"10566":5734,"10567":5736,"10568":5737,"10570":5738,"10571":5739,"10573":5740,"10575":5741,"10586":5742,"10588":5743,"10590":5744,"10594":5745,"10598":5746,"10602":5747,"10608":5748,"10611":5749,"10612":5750,"10614":5751,"10616":5752,"10617":5753,"10619":5755,"10620":5757,"10623":5758,"10624":5759,"10626":5760,"10628":5761,"10629":5762,"10638":5763,"10640":5764,"10642":5765}},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة فضيلة الشيخ/ عبد الله بن محمد الغنيمان</span>\nرئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية (سابقا) والمدرس بالمسجد النبوي الشريف المدينة المنورة\n\nالحمد لله رب العالمين ملك يوم الدين، إله الأولين والآخرين ومرجع الخلق أجمعين ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]. وصلى الله وسلم على الهادي الأمين، المبعوث رحمةً للعالمين وآله وصحبه أجمعين، وإخوانه المرسلين.\nوبعد فإنَّ كتاب \"الترغيب والترهيب\" للمنذري عظيم الفائدة كبير العائدة إذ تأثيره في المسلمين عظيم ونفعه بإذن الله تعالى ظاهر وكبير ولكن الناس يعدلون عنه إما لعدم معرفة أهميته أو لكبير حجمه أو لغير ذلك، وإلا هو أحسن من رياض الصالحين للنووي ﵀ الجميع، ومن ينظر فيه نظر المتأمل يعرف أنه عدة وزاد لكل مربٍ تربية دينية طاهرة، وإنه ضروري لكل داعية وواعظ يستنير به ويستمد التوفيق إلى الطريق الهادي المستقيم.\nثم من المعلوم أنه يشتمل على ألفاظ غريبة وأمور عامة وكلمات جامعة وغير ذلك فيحتاج قارئه إلى بيان ذلك وتفصيل ما جمل فيه وشرح ما يشكل، مع أن كلمات الرسول - ﷺ - من الفصاحة والبيان في مكان عال، ولكن كثيرا من الناس ليس عندهم الخبرة في كلامه فيكون غريبًا عليهم، كما أنه - ﷺ - قد أعطي جوامع الكلام.","vol":"المقدمة","page":1},{"text":"وعلى كل فموضوع الكتاب مهم جدًّا الذي هو الترغيب والترهيب إذ هو أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي من حيث النظر إلى تأثيره، ولهذا أكثر الله تعالى من ذكره في القرآن. فذكر الجنة وما فيها من النعيم والنار وما أعد لأهلها فيها من العذاب. ولا يوجد كلام يؤثر في القلوب مثل كلام الله تعالى ثم من بعده كلام رسوله - ﷺ - إذ هو وحي من الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤].\nومن هنا تتبين أهميته من هذا الوجه وذلك كافٍ في أهميته، وفيه أوجه أخرى أيضًا مهمة لكل طالب من بيان مراد الرسول - ﷺ - وما يدل عليه كلامه وما فيه من ينابيع العلم والهدى وكله دعوة للعباد وإرشاد لهم لما فيه الخير عاجلًا وآجلًا.\nمع أن الله تعالى أعطى رسوله من البيان والفصاحة وقوة الحجة ما لا يخفى على من نظر في كلامه وكذلك رسل الله تعالى الذين أرسلهم إلى بني آدم لم يكن معهم جيوش، وقوة ترغم الناس على اتباعهم وإنما معهم البيان والإرشاد بالقول والعِظة الحسنة قال تعالى: جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥] وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] فقد أعطى الله تعالى رسله قوة البيان وفصاحة اللسان ووضوح الحجة ما تميزوا به ومن ينظر في دعواتهم لقوم في القرآن يتبين له ذلك، وأعظهم في ذلك نبينا - ﷺ - وعليهم أجمعين.","vol":"المقدمة","page":2},{"text":"ولهذا أعظم ما يوعظ به ويوجه به الناس ويدعوا هو كلام رسول الله - ﷺ - وذلك بعد كلام رب العالمين تعالى وتقدس وقد عرف ذلك العلماء.\nوإذا كان حديث رسول الله - ﷺ - يشتمل على كلمات غريبة وأمور عامة وكلمات جامعة وكل ذلك يحتاج إلى إيضاح وتبيين فهذا الكتاب الذي هو \"فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب\" وضعه مؤلفه لذلك فقد أفاد وأجاد، وبذل جهدًا كبيرًا في شرحه، وطالع على ذلك كتبًا كثيرة وظهر ذلك جليًّا لمن نظر فيه، ولذلك يقول: \"فجمعت عليه فوائد جمة لا يقدر على تحصيلها إلا من عنده عزيمة وذكاء وهمة، ولا أقصد بذلك التبجح والإشاعة، وإنما أقصد النفع والثواب\".\nوذكر أنه طالع عليه كتبًا كثيرةً، فهو جمع شرحه من كتب كثيرة بعضها مفقود أو في حكمه، وبعضها مخطوط وكثير منها مطبوع، ولا شك أن استخراج الفوائد والمسائل من الكتب له قيمة وفيه جهد كبير، مع أن هذا الشرح يعتبر الشرح الوحيد المستوعب لكتاب \"الترغيب والترهيب\" للمنذري رحمه الله تعالى والعبرة بالمعاني لا بكثرة الكلام، فالشارح جمع همته عليه وأمضى وقته فيه وكرر قراءته ونقحه فجاء مرضيًا مقيدًا، وكثرة النقول لا تضيره.\nوما زال العلماء ينقل بعضهم عن بعض، ويرون كتب العلم مشاع لكل أحد وحسن النقل يدل على الفهم وحسن الاختيار، ومؤلف هذا الشرح نقوله بهذه الصفة مع أنه إذا نقل ذكر المنقول عنه وأحال إليه غالبًا.","vol":"المقدمة","page":3},{"text":"وعلى كل المقصود بيان ما قاله الرسول - ﷺ - حتى يعمل به ويحصل بذلك ما رتب عليه من الوعد الكريم من الله الرحيم.\nثم جهد المحقق وخدمته لهذا الشرح أضافت أهمية له وقيمة أخرى فقد جمع ما استطاع جمعه من نُسَخِة ثم صحَّح وقابلَ وخرّج الأحاديث مع بيان الحكم وترجم للأعلام وبين ما يحتاج إلى بيان وتعقب الشارح في مواضع اتبع فيها طريقة الأشاعرة في تأويل الصفات فبين الصواب، ووضع الفهارس المفيدة، ومحاسن التحقيق كثيرة قد نبّه على بعضها وهو ممن مارس التحقيق وقرأ المخطوطات كثيرًا فتحصل على خبرة واسعة مع تخصصه في الحديث.\nأسأل الله تعالى أن يثيبه ويزيده من العلم والخير، ويبارك جهده في نفع المسلمين وخصوصًا طلبة العلم وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.\nقاله وكتبه\nعبد الله بن محمد الغنيمان\nوذلك في ٢٨/ ١٢/ ١٤٣٩ هـ","vol":"المقدمة","page":4},{"text":"المقدمة\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد:\nفقد تنوَّعت اهتمامات العلماء وجهودُهم في خدمة السنة وتدوينها، فكثرت مجالات التصنيف فيها وتعددت فنونها، فمنها ما كان متعلقًا بجمع أحاديث الترغيب والترهيب في تصانيف مستقلة، جمع فيها مصنفوها النصوص التي فيها إيقاظ للقلوب وتحريك للمشاعر لتندفع نحو الإخلاص لله والاتِّباع لشرعه، وذلك بالترغيب في فضائل الأعمال وثوابها في الجنة والنعيم المقيم، وبالترهيب من مساوئ الأعمال، وعقابها في الدار الآخرة، نار وقودها الناس والحجارة، وقد كان من أبرز من صنَّف في هذا الفن واشتهر تصنيفه بين الخلائق في الآفاق الإمام الحافظ زكي الدين أبو محمد، عبدالعظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، (ت:٦٥٦ هـ) فجمع كتاب الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، الذي حوى كثيرًا من أحاديث السنة النبوية مجردةً عن الأسانيد، وقد كتب الله له القبول بل إن الإمام المنذري أصبح يُعْرَفُ به ولأهمية هذا الكتاب والعناية به وإبراز نفعه اهتم به الحافظ ابن حجر وهو من جملة الكتب التي اختارها ونسخها بيده، واختصره (^١). وقال الشيخ محمد أبو زهو عن كتاب الترغيب والترهيب: \"هو من أحسن الكتب في جمع الحديث، وبيان درجة كل حديث، وعليه جُل اعتماد\n_________\n(^١) كما في الجواهر والدرر (٢/ ٧١٤)، واختصاره طبعه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، سيأتي تفصيله.","vol":"1","page":5},{"text":"الوعّاظ والمرشدين في عصرنا الحاضر\" (^١). فحظي بعناية كثير من العلماء الذين جاؤوا بعده، وذلك بالشرح، والاختصار، والتعقيب، والتعليق، والتنقيح.\nوكان ممن اعتنى به الشيخ: حسن بن علي الفيومي في شرحه الذي بين أيدينا، والمسمى: (فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب)، وهو من الشروح القيِّمة، تحما جمع فيه ما كان متفرقًا في كتب عدة، مع الإضافة والتعقيب والتنبيه، والاعتناء بذكر الفوائد وبيان الغريب والكلام على الرجال، وعنايته بشرح مشكلات الحديث وبيان ما فيه من فقه وأحكام، مع عنايته بشرح المفردات اللغوية، والمسائل النَّحوية، والكلام على بعض مسائل المصطلح، والرجال، والجرح والتعديل، فهو جامع لعلوم مختلفة، حيث جمع ما كان متفرقًا في موضع واحدٍ، تسهيلًا للقارئ، وتوفيرًا له من عناء التشتت. وما في شرح الفيومي من كثرة الموارد التي أثرت كتابَه بمادة علمية عظيمة، وبنصوص لعلماء الأمة قيمة، منها ما كان في مصنفات مطبوعة ومتداولة، ومنها ما زال مخطوطًا إلى الان، ومنها ما هو مفقود أو في حكمه.\nوغيرها من الفوائد الجمَّة التي حواها هذا السفر العظيم.\nأردتُ إثراء المكتبة الإسلامية بكتاب هو في رأي مما تمس الحاجة إليه، وقد بذلتُ جهدي في توثيق النص وإخراج هذا الكتاب بهذه الحلة القشيبة، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك (^٢).\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون لأبي زهو، ص ٤٣٣.\n(^٢) ولأهمية هذا الكتاب قامت جامعة نجران بطرح الكتاب وتقسيمه على عدد من الطلاب في رسائل علمية وبقي من الكتاب جزء كبير لم يوزع حتى الآن وقد اطلعت على الرسالة الأولى التي سجلها الأخ أسعد الفيفي فجزاه الله خيرًا.","vol":"1","page":6},{"text":"بعد أن انتهيت من تحقيق \"كتاب التنوير شرح الجامع الصغير\" للصنعاني قبل أكثر من عشر سنوات بحثتُ عن كتاب مفيد اشتغل عليه فوقع اختياري على كتاب: \"الفتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب\" وهو كتاب مفيد يستفيد منه الخاصة والعامة، وبدأت بالبحث عن نُسَخه المخطوطة فاهتديت بحمد الله وتوفيقه إلى نُسَخ متفرقة كوّنت من مجموعها نسخة كاملة، فاقتنيتها جميعها وسيأتي وصف تفصيلي لها قريبًا إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أهمية هذا الكتاب:</span>\nيعتبر هذا الكتاب هو الشرح الوحيد المفصل المطول المستوعب الجامع لكتاب: الترغيب والترهيب للمنذري.\nعاش المؤلف طول حياته يشتغل في كتاب الترغيب والترهيب، جمعًا وقراءةً وتدريسًا واستشارةً، وتظهر شخصيته شارحًا بارعًا يقظًا مدققًا واسع الإطلاع على كل ما يخص الحديث رواية ودراية، فهذا الشرح عصارة حياته العلمية. قال السخاوي في الضوء اللامع: وكان ممن اعتنى بالترغيب للمنذري وأتقنه مع النواجي (^١) وغيره، وكذا قرأ فيه وفي غيره على شيخنا ابن خضر (^٢) والشهاب المحلي (^٣) خطيب جامع ابن ميالة والبرهان\n_________\n(^١) هو: محمد بن محمد بن حسن بن علي البدر أبو الفضل ت: ٨٥٩ هـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٩/ ٧٤).\n(^٢) هو: محمد بن أبي بكر بن خضر الصفدي ت: ٨٦٢ هـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٧/ ١٦٧).\n(^٣) هو: محمد بن أحمد بن محمد أبو عبد الله بن الشهاب المحلي ت: ٨٦٤ هـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٧/ ٣٩).","vol":"1","page":7},{"text":"الكركي (^١) بل سمع فيه على شيخنا - يعني: ابن حجر - وأقرأ وكتب منه عدة نسخ بخطه المنسوب الذي جوَّده ظنا على البسراطي المقسي، قرأه على العامة بالجامع المشار إليه، وزاد اعتناؤه به حتى حصل فوائد في شرح كثير من أحاديثه التقطها في طول عمره من بطون الكتب (^٢). وقال في الجواهر والدرر: إن هذا الكتاب لم ينتشر إلا مِنْ قِبَلِه، فقد حكى البدر حسن الفيومي، إمام جامع الزاهد بالمقسم وكان أكثر أهل العصر اعتناءً بهذا الكتاب. (^٣).\nوَفْرة الأحاديث النبوية والآثار التي حرص المؤلف على إضافتها لتوضيح معاني الأحاديث وشرحها لإبراز الأمر الذي يعالجه كل حديث بوضوح تام.\nوكون الشرح يتعلق بأهم مصدر في موضوع الترغيب والترهيب وهو كنز ثمين أودع فيه المؤلف نقولات من أمهات المصادر بعضها مفقود حتى الآن حاول خلالها كشف اللثام عما رأى أنه بحاجة إلى ذلك.\nلم يقتصر المؤلف على تخريج الأحاديث والآثار وشرحها فقط بل تطرق كثيرًا إلى شرح الغريب من أَلفاظ الحديث، ويتعرض لضبط أسماء الأعلام والأمكنة، ويتعرض كثيرًا للحكم الفقهي للحديث وخلاف العلماء فيه، وإزالة ما يتوهم من تعارض بين حديثين، فجاء شرحًا زاخرًا مكتمل\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن موسى بن بلال الكركي ت: ٨٥٣ هـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (١/ ٧٥).\n(^٢) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٣/ ١١١.\n(^٣) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي، ص ٧١٣.","vol":"1","page":8},{"text":"الجوانب في غالب مادته.\nخدم الفيومي \"كتاب الترغيب والترهيب\" خدمة جليلة ففيه روايات زائدة على ما في الترغيب وزيادات في متون الأحاديث، وأحكام على الأحاديث مغايرة لكثير مما أضافه من الروايات مع ذكر أسباب ورود أحاديث لم يرد ذكر سبب ورودها في كتاب المنذري، وفيه من الفوائد النافعة المهمة، ولم يكتف بذلك بل ذكر قصصًا كثيرة لتوضيح معنى الحديث، ومن هنا يعتبر هذا الكتاب ديوانًا ضخمًا للأحاديث النبوية ذات الدلالات العلمية في موضوعات مختلفة، ويكاد ينفرد بنصوص نادرة ثمينة تعتبر شاهدًا على كتب فُقِدَت من تراثنا.\nوجعلت خطة الدراسة والتحقيق والتعليق تنقسم إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: ترجمة موجزة للحافظ الإمام المنذري.\nالقسم الثاني: دراسة موجزة لكتابه الترغيب والترهيب.\nالقسم الثالث: ترجمة للشارح الفيومي.\nالقسم الرابع: التعريف بكتاب فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ثم بيان خدمتي للكتاب تحقيقًا وتعليقًا وشرحًا وتوضيحًا.\nثم الفهارس الفنية التي تُيسِّر الاستفادة من الكتاب.\nوإني لأرجو أن أكون قد وُفِّقْتُ في خدمة هذا الشرح وإحيائه.\nوأهدي عملي هذا لوالديّ: أمي رحمها الله تعالى رحمة واسعة وغفر لها وأسكنها فسيح جناته، ووالدي أطال الله عمره وأحسن عمله وألبسه لباس الصحة والعافية ورزقني بره، وختم له بالحسنى.","vol":"1","page":9},{"text":"وَفِي الختام أسأَل الله الْكَرِيم رب الْعَرْش الْعَظِيم أَن يَجْعَل هَذَا الْعَمَل خَالِصا لوجهه وسببا للفوز بِأَعْلَى دَرَجَات الْجنَّة وَأَن ينفع بِهِ الْمُسلمين وَأَن يَجعله فِي ميزَان حسناتي يَوْم الدّين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n\nوكتبه\nأ. د. محمد إسحاق محمد آل إبراهيم\nالرياض، حي الريان.\naal_ibrahim@yahoo.com","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>القسم الأول ترجمة الحافظ المنذري </span>(^١)\nهو: الإمام الحافظ الناقد، زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد بن سعيد المنذري الشامي، ثم المصري الشافعي (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>ولادته ونشأته:</span>\nولادته: وُلِد المنذري في غرة شعبان، سنة ٥٨١ هـ بمصر وأصله من الشام (^٣). وكان مولده بفسطاط مصر بكوم الجارح، الذي كان يتصل برحبة موقف الطحانين، حيث كانت دارهم هناك (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>نشأته وتعلمه:</span>\nنشأ عبد العظيم في مصر بعد أن أنهى الأيوبيون فيها حكم دولة العبيديين المسماة \"بالدولة الفاطمية\" سنة ٥٦٧ هـ، وهو عهد ليس ببعيد عن حياة المؤلف.\n_________\n(^١) وقد استفدتُ في هذه الترجمة مِن الدكتور بشار عواد: المنذري وكتابه التكملة. ومِن كل مَن كتب عن المنذري وكتابه، خاصة مما كتبه محققو كتاب: عُجَالة الإملاءِ المتَيسرةِ من التذنيب. لبرهان الناجي ط. المعارف.\n(^٢) هكذا ذُكِرَ نَسَبُه في ترجمة والده، وذكر أن أصلهم من الشام وأن والده مصري المولد والدار انظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، (٤/ ١٥٣)، وابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، (٧/ ٤٧٩).\nأما نسبة \"المنذري\" فقد قال الدكتور بشار عواد: \"ليس لدينا معلومات أكيدة فيما إذا كانت هذه النسبة إلى أحد أجدادهم، أو أنها نسبة إلى المناذرة اللخميين أصحاب الدولة المشهورة\". المنذري وكتابه التكملة (ص: ٢٢ - ٢٣).\n(^٣) انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م، (١٣/ ٢٤٥).\n(^٤) المنذري وكتابه التكملة (ص: ٢٥).","vol":"1","page":11},{"text":"واعتنى به والده منذ نعومة أظفاره، فأخذه بالتعليم والتثقيف حيث أسمعه بإفادته سنة ٥٩١ هـ. وحمله والده ليسمع بإفادته من أحد شيوخ الحنابلة بمصر إذ ذاك هو أبو عبد الله محمد بن حمد بن حامد بن مفرج الأنصاري الأرتاحي الأصل، المصري المولد والدار، المتوفى بمصر سنة ٦٠١ هـ. فقال الحافظ المنذري في ترجمة الشيخ المذكور: \"وهو أول شيخ سمعت منه الحديث بإفادة والدي - ﵁ - وأجاز لي في شهر رمضان المعظم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وسمعت منه قبل ذلك\" (^١).\nوتوفي والده وهو في سن الثامنة والثلاثين من عمره تقريبًا فترك ولده صبيًا لم يبلغ الحادية عشرة من عمره، وبذلك ذاق الحافظ المنذري مرارة اليتم وهمومه، وقد استمر الحافظ المنذري في العناية بهذا الشأن، فحضر مجالس العلماء، وأنصت إليهم وأخذ عنهم، ولازم الإمام الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي المتوفى سنة ٦١١ هـ، فقرأ عليه الكثير، وانتفع به انتفاعًا عظيمًا، وبه تخرج (^٢).\nفبدأ المنذري تعلمه مبكّرا فقرأ القرآن وتأدب وتفقه ثم سمع الحديث في صغره من جماعة في مكة ودمشق وحران والرها والإسكندرية (^٣).\n_________\n(^١) التكملة لوفيات النقلة (٢/ ٧٣).\n(^٢) انظر: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٢٠)، طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٠٨).\n(^٣) تذكرة الحفاظ، (٤/ ١٥٣).","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>شيوخه:</span>\nتتلمذ المنذري على كثير من علماء زمانه وتعلم على أيديهم، منهم: أبو عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي (ت: ٦٠١ هـ) وهو أول شيخ لقيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ومن أهم شيوخه:</span>\nطاف المنذري البلاد المصرية والشامية وزار بلاد الحرمين وتتلمذ في تلك البلاد على كثير من المشايخ جمعهم في معجم كبير ترجم لهم فيه (^١) وفيما يلي أهم شيوخه:\n١ - أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجمّاعيلي ت: ٦٠٠ هـ (^٢).\n٢ - أبو الثناء حامد بن أحمد بن حمد الأنصاري الأرتاحي ت سنة ٦١٢ هـ.\n٣ - الحسن بن علي بن الحسين الأسدي المعروف بابن البن ت سنة ٦٢٥ هـ.\n٤ - أبو نزار ربيعة بن الحسن بن علي اليماني الذماري ت سنة ٦٠٩ هـ.\n٥ - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل المعروف بالوراق ت سنة ٦١٦ هـ.\n٦ - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ت سنة ٦٢٠ هـ.\n٧ - أبو محمد عبد الكريم بن عتيق بن عبد الملك الربعي ت سنة ٦١٦ هـ.\n_________\n(^١) انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، (٢٣/ ٣٢١). والسبكي، طبقات الشافعية (٨/ ٢٦٠).\n(^٢) انظر: التكملة لوفيات النقلة (٢/ ١٩).","vol":"1","page":13},{"text":"٨ - أبو الحسن علي بن المبارك بن الحسن الواسطي ت سنة ٦٣٢ هـ.\n٩ - علي بن المفضل المقدسي ت سنة ٦١١ هـ.\n١٠ - علي بن نصر بن المبارك الواسطي المعروف بابن البناء ت سنة ٦٢٢ هـ.\n١١ - أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن أحمد المعروف بابن طبرزد ت سنة ٦٠٧ هـ.\n١٢ - أبو عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي ت سنة ٦٠١ هـ. وخلق كثير لقيهم بالحرمين ومصر والشام والجزيرة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>تلاميذه:</span>\nبرع المنذري في علوم كثيرة، لا سيما في الحديث وعلومه، وفاق أهل زمانه فيه وذاع صيته في البلاد وأشير إليه بالبنان ورحل إليه طلاب العلم من أصقاع مختلفة، وكان قد درّس بالجامع الظافري ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية وانقطع بها عشرين سنة، يصنف ويفيد ويتخرج به العلماء (^٢)، ومن الذين أخذوا عنه: ومن أهم تلاميذه:\n١ - أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكندي الدشنائي ت سنة ٦٧٧ هـ.\n٢ - أحمد بن محمد بن عبد الله الحلبي المعروف بابن الظاهري ت سنة ٦٩٦ هـ.\n٣ - إسماعيل بن عيسى القفطي ت سنة ٦٧١ هـ.\n_________\n(^١) انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، (١٦/ ٤٦٢ - ٤٦٣).\n(^٢) ابن شهبة، طبقات الشافعية، (٢/ ١١٢).","vol":"1","page":14},{"text":"٤ - شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ت سنة ٧٠٥ هـ.\n٥ - أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني ت سنة ٧٠١ هـ.\n٦ - محمد بن الحسن بن عبد الرحيم القنائي ت سنة ٦٩٢ هـ.\n٧ - أبو الفتح محمد بن علي بن دقيق العيد ت سنة ٧٠٢ هـ.\nوخلق سواهم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>مؤلفاته:</span>\nإضافة إلى ما اشتغل به من التدريس والرواية، ألّف الحافظ المنذري مصنفات عظيمة النفع، منها: الترغيب والترهيب - (وهو كتاب نفيس، موضوع هذا البحث)، ومختصر صحيح مسلم، ومختصر سنن أبي داود، وتكلم على رجاله وله عليه حواش مفيدة، وشرح التنبيه في الفروع (^٢)، والأربعين، والمعجم في مجلد، والموافقات في مجلد (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثناء العلماء عليه:</span>\nقال السّبكي: كَانَ ﵀ قد أُوتيَ بالمكيال الأوفى من الْوَرع وَالتَّقوى والنصيب الوافر من الْفِقْه وَأما الحَدِيث فَلَا مراء فِي أَنه كَانَ من أحفظ أهل زَمَانه وَمن فُرسان أقرانه لَهُ الْقدَم الراسخة فِي معرفَة صَحِيح الحَدِيث من\n_________\n(^١) تذكرة الحفاظ، (٤/ ١٥٣)، وسير أعلام النبلاء، (١٦/ ٤٦٣).\n(^٢) التثنيه في الفروع لأبي إسحاق الشيرازي، إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي، هدية العارفين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (١/ ٥٨٦).\n(^٣) سير أعلام النبلاء، (١٦/ ٤٦٣)، وشذرات الدهب، (٧/ ٤٨٠).","vol":"1","page":15},{"text":"سقيمه وَحفظ أَسمَاء الرِّجَال حفظًا مفرطَ الذكاء عظيمه والخبرة بأحكامه والدراية بغريبه وَإِعْرَابه وَاخْتِلَاف كَلَامه (^١).\nقال ابن ناصر الدين: كان حافظا كبيرًا حجة ثقة عمدة، له كتاب الترغيب والترهيب والتكملة لوفيات النقلة (^٢).\nوقال ابن قاضي شهبة: برع في العربية والفقه وسمع الحديث بمكة ودمشق وحران والرها، والإسكندرية ... وتخرج به العلماء في فنون العلم وبه تخرج الدمياطي وابن دقيق العيد والشرف عز الدين وطائفة في الحديث وعلومه (^٣).\nقال تلميذه الشريف عز الدين الحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ (^٤): كان عديم النظير في معرفة علوم الحديث على اختلاف فنونه، عالما بصحيحه وسقيمه ومعلوله وطرقه، متبحرًا في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله، قيما بمعرفة غريبه وإعرابه واختلاف ألفاظه، ماهرا في معرفة رواته وجرحهم وتعديلهم\n_________\n(^١) طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٠٨).\n(^٢) شذرات الذهب، (٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠).\n(^٣) طبقات الشافعية، (٢/ ١١٢)، وشذرات الذهب، (٧/ ٤٨٠).\n(^٤) هو الحافظ، المؤرخ، الشريف، عز الدين، أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسيني، المصري ويعرف بابن الحلبي، نقيب الأشراف بمصر، المتوفى سنة خمس وتسعين وستمائة ٦٩٥ هـ. روى عن فخر القضاء أحمد بن الحباب، وسمع من الزكي المنذري فأكثر، ومن الرشيد العطار، وعبد الغني بن بنين، والكمال الضرير، وطبقتهم ومن بعدهم. وطلب الحديث على الوجه وكان ذا فهم وإتقان وخرج التخاريج المفيدة، وله وفيات ذيل بها على شيخه المنذري إلى سنة أربع وسبعين وستمائة، انظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، (٥٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، والصفدي، أعيان العصر وأعوان النصر، (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).","vol":"1","page":16},{"text":"ووفياتهم ومواليدهم وأخبارهم، إماما حجة ثبتًا ورعًا متحريًا فيما يقوله وينقله متثبتًا فيما يرويه ويتحمله (^١).\nووصفه الحافظ الذهبي بـ \"الإمام الحافظ المحقق شيخ الإسلام\".\nوقال: \"كان متين الديانة، ذا نسك وورع وسمت وجلالة\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"كان ثبتًا حجةً متبحرًا في علوم الحديث، عارفًا بالفقه والنحو مع الزهد والورع والصفالت الحميدة\" (^٣). وقد وصفه شمس الدين بن خلكان بأنه \"حافظ مصر\" (^٤).\nهذه الشهادات من علماء كبار وأئمة حفاظ تدل على نبوغ المنذري وإمامته وبلوغه المرتبة العظيمة بين علماء عصره وقد ولّاه السلطان الملك الكامل الأيوبي مشيخة دار الحديث الكاملية فسكن المنذري دار الحديث الكاملية بقية عمره، فما كان يخرج منها إلا لصلاة الجمعة (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>أهم مؤلفاته:</span>\nكان المنذري محدثًا فقيهًا، لذلك جاءت مؤلفاته معظمها في هذين العلمين: رواية ودراية الحديث، وعلم الرجال. وقد استوعب الدكتور بشار عواد في كتابه \"المنذري وكتابه التكملة\" عددًا كبيرًا من مؤلفات وتخاريج\n_________\n(^١) شذرات الذهب، (٧/ ٤٨٠)، وتذكرة الحفاظ، (٤/ ١٥٣).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣١٩ - ٣٢٢).\n(^٣) العبر (٣/ ٢٨١ - ٢٨٢).\n(^٤) وفيات الأعيان (٣/ ٣٣١٠).\n(^٥) الطبقات الكبرى (٥/ ١٠٩).","vol":"1","page":17},{"text":"المنذري، وفَصَّل القول في كل مؤلف، موضحًا ما إذا كان مطبوعًا أو مخطوطًا أو مفقودًا، مع تعريف موجز لها (^١).\nوسأقتصر هنا على ذكر بعض مؤلفاته دون الاستيعاب:\n١ - الترغيب والترهيب. وسيأتي الكلام عنه مفصلًا بعد قليل.\n٢ - كفاية المتعبد وتحفة المتزهد (^٢).\n٣ - مختصر سنن أبي داود (^٣).\n٤ - مختصر صحيح مسلم (^٤).\n٦ - شرح التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي.\nقال الذهبي: \"وصنف شرحًا كبيرًا للتنبيه\" (^٥).\nوقال اليونيني: \"وعلق على التنبيه في مذهب الشافعي كتابًا نفيسًا يدخل في أحد عشر مجلدًا\" (^٦). كما ذكره حاجي خليفة عند كلامه على شراح التنبيه (^٧).\n_________\n(^١) المنذري وكتابه التكملة (ص: ١٧٥ - ١٩٦).\n(^٢) وقد طبع الكتاب ضمن الرسائل المنيرية (٣/ ٦٦ - ٨٢).\n(^٣) وقد طبع الكتاب بتحقيق أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي في مطبعة السنة المحمدية بمصر عام ١٣٦٩ هـ في ثمان مجلدات وفي آخره لحق هام. ثم صُوّر في بيروت ١٤٠٠ هـ، ونشرته دار المعرفة.\n(^٤) طبع الكتاب بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وقام على طبعه مكتبة المعارف بالرياض.\n(^٥) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٢١).\n(^٦) ذيل مرآة الزمان (١/ ٢٤٩).\n(^٧) كشف الظنون (١/ ٤٨٩ - ٤٩٣).","vol":"1","page":18},{"text":"٧ - الخلافيات ومذهب السلف (^١).\n٨ - التكملة لوفيات النقلة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>وفاته:</span>\nبعد حياةٍ حافلةٍ بالعلم والإفادة والتصنيف توفي الإمام المنذري في رابع ذي القعدة سنة ٦٥٦ هـ، ودفن بسفح المقطم ورثاه غير واحد بقصائد حسنة (^٣).\n_________\n(^١) ذكره المنذري في مقدمة الترغيب والترهيب (١/ ٣٥).\n(^٢) وقد طبع الكتاب في أربع مجلدات بتحقيق الدكتور: بشار عواد معروف، ونشرته مؤسسة الرسالة سنة ١٤٠١ هـ.\n(^٣) سير أعلام النبلاء، (١٦/ ٤٦٣)، وشذرات الذهب، (٧/ ٤٨٠).","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>القسم الثاني دراسة موجزة لكتاب الترغيب والترهيب للمنذري</span>\nأولًا: الباعت على تأليفه.\nثانيًا: موضوعه.\nثالثًا: مصادره وكيفية عزوه إليها.\nرابعًا: اصطلاحه في الكتاب ومناقشته.\nخامسًا: حكمه على الحديث.\nسادسًا: القيمة العلمية للكتاب.\nسابعًا: الكتب المؤلفة في هذا الفن.\nقام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بدراسة مفصلة شاملة لكتاب \"الترغيب والترهيب\" أوضح فيها منهج المنذري في كتابه، وناقشه في اصطلاحه وكشف عن تساهل الحافظ المنذري في التصحيح، وأبان عن كثرة الأوهام والأخطاء في الكتاب.\nوتلك الدراسة التي قدمها الألباني لكتاب الترغيب والترهيب لها أهميتها وخطرها وقيمتها؛ لأنها جاءت بعد استقراء تام للكتاب، واستعراض شامل، حيث ميز صحيحه من سقيمه، وحسنه من ضعيفه حسب ما يراه، وقد استغرق منه هذا العمل نحو ربع قرن من الزمان (^١).\n_________\n(^١) انظر: صحيح الترغيب (١/ ٦٤ - ٦٨). ومقدمة صحيح الترغيب (ص: ٧).","vol":"1","page":20},{"text":"وقد استفدتُ مما كتبه الشيخ الألباني في هذه الدراسة الموجزة لكتاب الترغيب والترهيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الباعث على تأليفه:</span>\nلقد أوضح الحافظ المنذري الباعث له على تأليف كتاب الترغيب والترهيب فقال في مقدمته: \"لما وفقني الله - ﷾ - لإملاء كتاب مختصر أبي داود، ولإملاء كتاب الخلافيات ومذاهب السلف وذلك من فضل الله علينا، وسعة منه، سألني بعض الطلبة أولي الهمم العالية ممن اتصف بالزهد في الدنيا والإقبال على الله ﷿ بالعلم والعمل، - زاده الله قربًا منه وعزوفًا عن دار الغرور - أن أملي كتابًا جامعًا في الترغيب والترهيب، مجردًا عن التطويل بذكر إسناد أو كثرة تعليل، فاستخرتُ الله تعالى، وأسعفته بطَلبته؛ لما وقر عندي من صدق نيته، وإخلاص طويته، وأمليت عليه هذا الكتاب ... \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>موضوعه:</span>\nجمع المؤلف فيه الأحاديث الواردة الصريحة في الترغيب بأمر من الأمور المطلوبة، أو الترهيب من أمرٍ من الأمور المنهي عنها، في مختلف أبواب الشريعة كالإخلاص، والعلم، والصلاة، والبيوع والمعاملات، والأدب، والبر والصلة، والزهد، وصفة الجنة والنار، وغيرها.\nوقد جعل هذه الأبواب في كتب، ثم فرع هذه الكتب إلى عناوين مختلفة وأورد تحت كل عنوان ما يخصه من أحاديث الترغيب أو الترهيب.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة الترغيب (١/ ٣٥ - ٣٦).","vol":"1","page":21},{"text":"وقد التزم الإمام المنذري ألا يورد من الأحاديث إلا ما كان صريحًا في الترغيب والترهيب إلا في حالات نادرة. هذا ما نص عليه في مقدمته (^١)، وقد سار على هذا المنهج في كتابه فتجده كثيرًا ما يعدل عن ذكر أحاديث نظرًا لعدم صراحتها في الترغيب أو الترهيب، فمثلًا: في الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوي إلي فراشه من كتاب الصلاة، عندما ذكر جملة في الأحاديث الصريحة في الترغيب قال: \"وفي الباب أحاديث كثيرة من فعل النبي - ﷺ - ليست من شرط كتابنا أضربنا عن ذكرها\" (^٢).\nوفي الترغيب في كلمات يقولهن إذا استيقظ من الليل من الكتاب نفسه قال: \"وفي الباب أحاديث كثيرة من فعله - ﷺ - ليست صريحة في الترغيب لم أذكرها\" (^٣).\nوفي الترغيب في الاعتكاف من كتاب الصيام قال: \"وأحاديث اعتكاف النبي - ﷺ - مشهورة في الصحاح وغيرها ليستْ من شرط كتابنا\" (^٤).\nوالأمثلة على ذلك كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>مصادره وكيفية عزوه إليها:</span>\nاعتمد المنذري في تخريج أحاديث الكتاب على مصادر السنة الأصلية المعتمدة، وقد أوضحها في مقدمته للكتاب، وقسمها إلى أقسام، بناء على الاستيعاب وعدمه.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة الترغيب (١/ ٣٦).\n(^٢) انظر: الترغيب (١/ ٤٢٠).\n(^٣) انظر: الترغيب (١/ ٤٢١).\n(^٤) انظر: الترغيب (٢/ ١٥٠).","vol":"1","page":22},{"text":"أ - الأصول السبعة وبعض لواحقها وهي:\n١ - موطأ مالك.\n٢ - كتاب صحيح البخاري.\n٣ - صحيح مسلم.\n٤ - سنن أبي داود وكتاب المراسيل له.\n٥ - جامع الترمذي.\n٦ - سنن النسائي الكبرى وكتاب اليوم والليلة له.\n٧ - سنن ابن ماجه.\nوهذه الأصول السبعة - كما سماها المنذري - إضافة إلى صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم، قد استوعب جميع ما فيها من أحاديث الترغيب والترهيب حيث قال: \"ولم أترك شيئًا من هذا النوع من الأصول السبعة، وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم إلا ما غلب عليّ فيه ذهول حال الإملاء، أو نسيان، أو أكون قد ذكرتُ فيه ما يغني عنه، وقد يكون للحديث دلالتان فأكثر، فأذكره في باب ثم لا أعيده، فيتوهم الناظر أني تركته، وقد يرد الحديث عن جماعة من الصحابة بلفظ واحد وبألفاظ متقاربة، فأكتفي بواحد منها عن سائرها\" (^١).\nب - كتب المسانيد والمعاجم وهي:\n١ - مسند الإمام أحمد.\n٢ - مسند أبي يعلى الموصلي.\n_________\n(^١) انظر: الترغيب (١/ ٣٧).","vol":"1","page":23},{"text":"٣ - مسند أبي بكر البزار.\n٤ - كتاب المعجم الكبير.\n٥ - المعجم الأوسط.\n٦ - المعجم الصغير، الثلاثة للطبراني.\nوهذه المصادر قال عنها: \"وكذلك لا أترك شيئًا من هذا النوع من المسانيد والمعاجم إلا ما غلب عليّ فيه ذهول أو نسيان، أو يكون ما ذكرت أصلح إسنادًا مما تركت، أو يكون ظاهر النكارة جدًا، وقد أجمع على وضعه وبطلانه\" (^١).\nج - كتب أخرى وهي:\n١ - صحيح ابن خزيمة.\n٢ - كتب ابن أبي الدنيا.\n٣ - شعب الإيمان.\n٤ - الزهد الكبير، كلاهما للبيهقي.\n٥ - كتاب الترغيب والترهيب لأبي القاسم الأصبهاني.\nوهذه المصادر لم يلتزم استيعاب ما فيها، بل قال عنها: \"وأضفتُ إلى ذلك جملًا من الأحاديث معزوة إلى أصولها\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة الترغيب (١/ ٣٧).\n(^٢) انظر: الترغيب (١/ ٣٨).","vol":"1","page":24},{"text":"ثم ذكر المصادر السابقة إلا كتاب الترغيب والترهيب للأصبهاني، فقد قال عنه: \"واستوعبت جميع ما في كتاب أبي القاسم الأصبهاني، مما لم يكن في الكتب المذكورة وهو قليل، وأضربتُ عن ذكر ما قيل فيه من الأحاديث المحققة الوضع\" (^١).\nتلك بعض المصادر الأساسية التي اعتمد عليها في تخريج أحاديث الكتاب.\nوهناك مصادر لم يذكرها في مقدمته، وقد عزا إليها في أثناء الكتاب كعمل اليوم والليلة لابن السني (^٢)، والتمهيد، وكتاب العلم كلاهما لابن عبد البر (^٣)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (^٤)، والتاريخ الكبير للبخاري (^٥)، وكتاب الإيمان لابن أبي شيبة (^٦)، وكتاب الثواب لأبي الشيخ (^٧). وغيرها من المصادر وهي كثيرة، يلاحظها المتتبع لكتاب الترغيب والترهيب.\nوقد أوضح المنذري طريقته في العزو إلى المصادر السابقة فقال: \"فأذكر الحديث، ثم أعزوه إلى من رواه من الأئمة أصحاب الكتب المشهورة وقد\n_________\n(^١) انظر: الترغيب (١/ ٣٨).\n(^٢) انظر: الترغيب (١/ ٣٠٧).\n(^٣) انظر: الترغيب (١/ ٣٧٨).\n(^٤) انظر: الترغيب (١/ ٤١٧).\n(^٥) انظر: الترغيب (١/ ٣٨٥).\n(^٦) انظر: الترغيب (٢/ ٩٥).\n(^٧) انظر: الترغيب (١/ ٣٦).","vol":"1","page":25},{"text":"أعزوه إلى بعضها دون بعض طلبًا للاختصار، لا سيما إن كان في الصحيحين أو في أحدهما\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وإذا كان الحديث في الأصول السبعة لم أعزه إلى غيرها من المسانيد والمعاجم إلا نادرًا لفائدة طلبًا للاختصار، وقد أعزوه إلى صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم إن لم يكن متنه في الصحيحين\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>اصطلاحه في الكتاب:</span>\nالإمام المنذري من أهل الصناعة الحديثية لذلك اختار منهجًا لكتابه الترغيب يسلكه في الحكم على الحديث وقد بيّن منهجه في إطلاق الحكم على الحديث في مقدمة الكتاب والذي يغفل عنه كثير من الناس عند النقل، ومنهم الوعاظ والخطباء، فيبدون ارتياحهم واطمئنانهم نحو أحاديث في أسانيدها كذاب أو وضاع أو متهم نظرا لسكوت المنذري عليها.\nلقد عُني المنذري في كتابه ببيان مرتبة الحديث من صحة أو ضعف، حيث قال في مقدمته: \"ثم أشير إلى صحة إسناده، وحسنه أو ضعفه ونحو ذلك\" (^٣).\nوقد اتخذ في بيان مرتبة الحديث اصطلاحًا قرره في مقدمته، وسار عليه في كتابه، وها أنا أورده بتمامه كما نص عليه في مقدمته، وقد جعلتهُ في نقاط من أجل الإيضاح (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الترغيب (١/ ٣٨).\n(^٢) انظر: الترغيب (١/ ٣٦).\n(^٣) انظر: الترغيب (١/ ٣٦).\n(^٤) انظر: مقدمة صحيح الترغيب للألباني (ص:١٤ - ١٥).","vol":"1","page":26},{"text":"قال - ﵀ -:\nأ - \"فإذا كان إسناد الحديث صحيحًا أو حسنًا أو ما قاربهما، صدرتُه بلفظ (عن)، وكذلك إن كان:\n١ - مرسلًا.\n٢ - أو منقطعًا.\n٣ - أو معضلًا.\n٤ - أو في إسناده راوٍ مبهم.\n٥ - أو ضعيف وثق.\n٦ - أو ثقة ضعف، وبقية رواة الإسناد ثقات أو فيهم كلام لا يضر.\n٧ - أو روي مرفوعًا، والصحيح وقفه.\n٨ - أو متصلًا، والصحيح إرساله.\n٩ - أو كان إسناده ضعيفًا، لكن صححه أو حسنه بعض من خرجه.\nقال: \"أصدره بلفظ (عن) ثم أشير إلى إرساله، أو انقطاعه، أو عضله أو ذلك الراوي المختلف فيه.\nفأقول: \"رواه فلان من رواية فلان، أو من طريق فلان، أو في إسناده فلان، أو نحو هذه العبارة، وقد لا أذكر الراوي المختلف فيه، فأقول: إذا كان رواة إسناد الحديث ثقات، وفيهم من اختلف فيه: إسناده حسن أو مستقيم أو لا بأس به، ونحو ذلك حسبما يقتضيه حال الإسناد والمتن، وكثرة الشواهد.","vol":"1","page":27},{"text":"ب - وإذا كان في الإسناد من قيل فيه:\n١ - كذاب أو وضاع.\n٢ - أو متهم، أو مجمع على تركه أو ضعفه، أو ذاهب الحديث، أو هالك أو ساقط، أو ليس بشيء، أو ضعيف جدًا.\n٣ - أو ضعيف فقط، أو لم أر فيه توثيقًا، بحيث لا يتطرق إليه احتمال التحسين، صدرته بلفظ (روي) ولا أذكر ذلك الراوي، ولا ما قيل فيه البتة، فيكون للإسناد الضعيف دلالتان: تصديره بلفظ (روي)، وإهمال الكلام عليه في آخره\" (^١).\nهذا هو اصطلاح الحافظ المنذري في كتابه، ومن خلال استعراضه يتبين أن الحافظ المنذري قد قسم أحاديث الكتاب - حسب ما يراه - إلى ثلاثة أقسام:\n١ - ما كان صحيحًا أو حسنًا أو ما قاربهما، وهذا القسم صدره بـ (عن)، وأهمل الكلام عليه في آخره.\nولم يوضح الإمام المنذري مراده بقوله \"وما قاربهما\" ولعله أراد ما قارب الصحيح والحسن من حيث الاحتجاج والقبول، وهو الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه ويكون مرشحًا ليرتقي إلى درجة الحسن، إذا وجد لراويه الضعيف متابع، أو لحديثه شاهد معتبر.\n٢ - ما كان مرسلًا أو منقطعًا أو معضلًا ... إلخ الأنواع التي ذكرها، وهذه يصدر أحاديثها بـ (عن)، ويبين ما فيها في آخر الحديث، وفي بعض هذه\n_________\n(^١) انظر: مقدمة الترغيب (١/ ٣٦ - ٣٧).","vol":"1","page":28},{"text":"الأنواع - كما سبق - يستغني عن توضيح ما فيها في آخر الحديث بأن يعطي الحديث حكمًا مجملًا كقوله: إسناده حسن أو مستقيم ... إلخ.\n٣ - ما كان في إسناده كذاب أو وضاع أو متهم أو مجمع على تركه ... إلخ ما ذكره، وهذا النوع من الأحاديث يصدره بـ (روي)، ويهمل الكلام عليه في آخره (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>حكمه على الحديث:</span>\nلقد تبين من خلال استعراض اصطلاح الحافظ المنذري في كتابه، أنه قسم أحاديث الكتاب إلى ثلاثة أقسام:\nقسم صدره بـ (عن)، وأهمل الكلام عليه في آخره وهو عنده صحيح أو حسن أو ما قاربهما.\nوقسم صدره بـ (عن) أيضًا لكنه تكلم عليه في آخره فيوضح ما إذا كان مرسلًا أو منقطعًا أو معضلًا ... إلخ.\nوقسم صدره بـ (روي)، وأهمل الكلام عليه في آخره، وهو عنده ضعيف.\nوهناك أحاديث صرح الإمام المنذري بتصحيح أو تحسين أسانيدها أو توثيق رجال أسانيدها - وهي قليلة بالنسبة للأحاديث التي اكتفى بالإشارة إليها حسب اصطلاحه - فيقول مثلًا بعد إيراده الحديث: إسناده صحيح، أو حسن، أو\n_________\n(^١) وقد شرح الشيخ الألباني كل هذه المصطلحات في مقدمة صحيح الترغيب، وأطال وأفاد كعادته ﵀ فمن أراد الإستزادة والإستفادة فعليه مراجعة ما فصله الشيخ في مقدمته المشار إليها.","vol":"1","page":29},{"text":"مستقيم، أو لا بأس به، أو رجاله ثقات، أو رجال الصحيح ... ونحو ذلك.\nوقد حصل له أوهام وتساهل في ذلك، وقد استدرك المؤلف الناجي في (العجالة) عليه شيئًا يسيرًا، فلينظر على سبيل المثال أرقام الفقرات التالية: ١٣٣، ٢٨٧، ٤١٦ وأشار الشيخ الألباني إلى بعض الأمثلة (^١)، لكنه ذكر أرقامًا فقط، وأحال على القسم الثاني من الكتاب وهو ضعيف الترغيب.\nويمكن الاطلاع على الأمثلة للأحاديث التي حسن أو صحح أسانيدها، أو وثق رجال أسانيدها من أول الكتاب إلى آخر كتاب أثناء التحقيق، ليتضح ما حصل للحافظ المنذري من تساهل وأوهام في تقوية الأسانيد الضعيفة صراحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>القيمة العلمية للكتاب:</span>\nلقد اشتمل كتاب الترغيب والترهيب على ميزات عديدة، واتصف بصفات مهمة جعلته رائدًا في بابه، فردًا في فنه، فاستحق بذلك أن يصفه الحافظ الذهبي النقاد: بأنه كتاب نفيس، كما نقله عنه ابن العماد (^٢).\nوقد وصفه برهان الدين الناجي بقوله: \"أجاد ترتيبه وتصنيفه، وأحسن جمعه وتأليفه فهو فرد في فنه، منقطع القرين في حسنه\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة صحيح الترغيب ١/ ٥٨.\n(^٢) شذرات الذهب ٥/ ٢٧٨.\n(^٣) انظر: عجالة الإملاء (ص: ١٣١).","vol":"1","page":30},{"text":"ونعته الكتاني بقوله: \"وهو كتاب عظيم الفائدة\" (١).\nووصفه مؤلفه بقوله: \"وأمليتُ هذا الكتاب: صغير الحجم غزير العلم حاويًا لما تفرق في غيره من الكتب\" (٢).\nوقال الشيخ محمد أبو زهو - وهو بصدد الحديث عن الكتاب - \"هو من أحسن الكتب في جمع الحديث، وبيان درجته، وعليه جل اعتماد الوعاظ والمرشدين في عصرنا الحاضر\" (٣).\nوأصبح هذا الكتاب من الكتب المنتشرة التي عمت بها الفائدة، فأخذ الطلبة والعلماء بقراءته على الشيوخ باعتباره أحسن ما كتب في هذا الفن (٤). والاستفادة منه في وعظهم وإرشادهم وخطبهم.\nوأود هنا أن أذكر أهم المميزات العلمية لهذا الكتاب وقد جعلتُها في نقاط:\n١ - حسن التبويب والترتيب والتصنيف للأحاديث، واشتماله على أحاديث الترغيب والترهيب، على حين أن بعض من ألف في هذا الفن اقتصر على أحاديث الترغيب.\n٢ - الالتزام بإيراد الأحاديث الصريحة في الترغيب والترهيب وترك ما سوى ذلك.","vol":"1","page":31},{"text":"٣ - اهتمامه بشرح الغريب، وتفسير المراد، وضبط ما يشكل من الألفاظ والأماكن والرواة.\nقال الدكتور بشار عواد: \"قد جمعتُ ما أورده من الشروح، والنكت اللغوية في كتابه الترغيب والترهيب، فجاء في كتيب ليس بالصغير\" (١).\nالعناية ببيان مرتبة الأحاديث حسب اصطلاحه الذي قرره في مقدمته، وتلك الأحكام التي أصدرها المؤلف على الأحاديث، والعلل التي أوضحها كالإرسال والانقطاع والإعضال وغير ذلك، لها قيمة وأهمية كبيرة في جملتها ولا أدل على ذلك من اهتمام من جاء بعده بأقواله وأحكامه على الأحاديث وهم كثير، ومنهم من يصرح باستفادته منه، ومنهم من لم يصرح، ومن الذين استفادوا منه من غير أن يصرحوا بذلك - فيما ظهر لي - الحافظ الدمياطي في كتابه \"المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح\"، والهيثمي في \"مجمع الزوائد\".\nفإن من يلقي نظرةً على الكتابين يلاحظ المطابقة في أحاديث كثيرة بين حكمهما وحكم المنذري في كتابه \"الترغيب والترهيب\"، مما يجعل المطلع يكاد يجزم بأنهما قد تبعا المنذري - ﵀ -.\nوفي الحقيقة إِن من يقرأ هذا الكتاب يظهر له بوضوح إمامة المنذري ورسوخ قدمه في هذا العلم الشريف، وبراعته في النقد.","vol":"1","page":32},{"text":"٥ - كثرة المصادر التي اعتمد عليها في تخريج أحاديث الكتاب، وقد بلغ ما نص عليه في المقدمة واحدًا وعشرين مصدرًا كلها مصادر أساسية أصيلة تروي الأحاديث بالإسناد، إضافة إلى مصادر أخرى عزا إليها في أتناء الكتاب من غير أن يشير إليها في مقدمته، وقد سبق تفصيل القول في ذلك.\n٦ - استيعابه لعدد كبير من أحاديث الترغيب والترهيب، وقد بلغتْ بالمكرر خمسة آلاف وأربعمائة واثنين وسبعين حديثًا (^١).\n٧ - أفرد المؤلف للرواة المختلف فيهم المشار إليهم في كتابه، بابًا جعله في آخر الكتاب، ورتبهم على حروف المعجم، وقد بلغ عددهم مائة وثلاثًا وثمانين راويًا، وأورد ما ذكره الأئمة فيهم من جرح وتعديل على سبيل الإيجاز والاختصار، وقد يبدي رأيه في بعض الرواة، وله اهتمام في توضيح من أخرج له الشيخان أو أحدهما، وهل هو على سبيل الاستشهاد أو المتابعات، أو في الأصول، كما يهتم كثيرًا في ذكر تحسين الترمذي وتصحيحه، وتصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم لأحاديث الرواة.\nوقد لقي كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري قبولًا واسعًا، فاعتنى به كثير من العلماء، وتناولوه بالبحث والدراسة، والشرح والاختصار، والتعليق والتهذيب، والتصحيح والتضعيف، وأذكر فيما يلي بعضًا من تلك الجهود:\n_________\n(^١) وهذا حسب ترقيم محيي الدين عبد الحميد في طبعته للكتاب.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>تعقبات على الترغيب والترهيب:</span>\nللحافظ برهان الدين الناجي (ت: ٩٠٠ هـ) تعقبات كثيرة هامة ومفيدة ومختصرة على الترغيب جمعها في كتاب سماه (عجالة الإملاء المتيسرة من التذنيب لما وقع للحافظ المنذري من الوهم وغيره في كتابه الترغيب والترهيب) (^١) حققه إبراهيم بن حماد الريس ومحمد بن عبد الله بن علي القناص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>مختصرات الترغيب والترهيب:</span>\n- مختصر الترغيب والترهيب، المؤلف: عبد الله بن سالم بن غنيمه، الحبري الواسطي السعدي منه نسخة في المتحف البريطاني رقم الحفظ: ١٥٩٤.\n- مختصر الترغيب والترهيب اسم المؤلف: محمد، الناصري في الظاهرية (ضمن مكتبه الأسد) دمشق سوريا رقم الحفظ: ٢٤/ ٣٢١.\n- تلخيص الفتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب لحسن بن علي الفيومي. اسم المؤلف: علي بن محمد بن محمد، المنوفي الشاذلي (ت:٩٣٩ هـ) دار الكتب الوطنيه تونس، رقم التسلسل ١٧٩٨.\n- مختصر الترغيب والترهيب اسم المؤلف: أحمد بن علي بن محمد، ابن حجر العسقلاني (ت:٨٥٢ هـ) وقال الأستاذ/ عصام محمد الشَّنْطِي في كتابه (المخطوطات العربية في الهند (ص ٣٥ وما بعدها): ومما رأيت من مخطوطات المكتبة الأولى (الأمانة) وقيدت ملاحظات حولها ما يلي:\n_________\n(^١) وقد طبع بتحقيق: إبراهيم بن حماد الريِّس ومحمد بن عبد الله بن علي القناص. في عام ١٤٢٠ هـ، من مكتبة المعارف بالرياض. وقد طبع بتحقيق: حسين عكاشة في عام ١٤١٩ هـ، من مكتبة الصحابة الإمارات العربية، الشارقة.","vol":"1","page":34},{"text":"تلخيص الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، والتلخيص لابن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، نسخة نفيسة بخطه، وعليها مطالعة محمد مرتضى الحسيني الزَّبِيدي، مؤرخة في سنة ١١٧٤ هـ، وهو صاحب \"تاج العروس\". اهـ\nوالكتاب مطبوع بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي وقد اعتمد على نسخ هندية باسم \"تهذيب الترغيب والترهيب\" وذكر له اسمًا آخر في المقدمة وهو مختصر الترغيب والترهيب وطبع بتحقيق: مروان نور الدين سوار. مجلد ط. دار الحديث في القاهرة. وكذلك حققه وضبطه وأَكمله وعلق حواشيه الدكتور أُسامة عبدالعظيم وكذلك بتحقيق: عبد الحميد النعماني، ومحمد عثمان الماليكانوي، دار إحياء المعارف، ماليكاؤن - ناسك، ١٣٨٠ هـ / ١٩٦٠ م، تصوير مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م. ذكر السخاوي في \"الجواهر والدرر\" ٢/ ٦٦١، والسيوطي في \"نظم العقيان \" ص ٥٠ أنّ لابن حجر مختصرًا وتلخيصًا لترغيب المنذري.\nلكن المطبوع ليس عليه بصمات ابن حجر. يراجع مكتبة المصغّرات الفيلمية بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية رقمه في القسم ٥٧١.\n- مختصر الترغيب والترهيب اسم المؤلف: أحمد بن تركي بن أحمد، المنشليلي (ت: ٩٧٩ هـ) مكتبة الملك عبد العزيز المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية رقم الحفظ: مجموعة حكمت رقم: ٤٩٨ (١٤٩/ ٢٣٢).","vol":"1","page":35},{"text":"- مختصر الترغيب والترهيب (النصف الثاني) اسم المؤلف: إسماعيل بن عبد الله، الاسكداري النقشبندي (ت: ١١٨٢ هـ) مكتبة الملك عبد العزيز المدينة المنورة المملكة العربية السعودية رقم الحفظ: مجموعة عثمان رقم: ٣٥٨.\n- التيسير والتقريب مختصر الترغيب والترهيب محمد بن عمار بن محمد، ابن عمار (ت: ٨٤٤ هـ) (^١) المكتبة الوطنية بباريس، فرنسا رقم الحفظ: ٧٤٢.\n- مختصر الترغيب والترهيب للشّيخ العلّامة المحدّث، الإمام البارع، اللّغويّ النّحويّ الأديب؛ القاضي: جمال الدّين محمّد بن عمر بن مبارك بن عبد الله بن عليّ. الحميريّ، الحضرميّ، الشّافعي. الشّهير بـ (بحرق). توفي ليلة العشرين من شعبان سنة ٩٣٠ هـ (بكجرات الهند)، فشيّعه خلق كثير، ودفن في مدينة (أحمد آباد) (^٢).\n- تحفة الحبيب للحبيب بالزوائد في الترغيب والترهيب للحافظ أبي العباس شهاب الدين البوصيري، أحمد بن أبي بكر، المتوفى سنة أربعين وثمانمائة للهجرة، ذكره السخاوي في الضوء اللامع وقال: مات قبل أن يهذِّبه ويبيِّضه، فبيَّضه ولده على خلل كثير فيه (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٨/ ٢٣٢، ومعجم المؤلفين لكحالة ١١/ ٧٤.\n(^٢) انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد ٨/ ١٧٧، ومعجم المؤلفين لكحالة ١١/ ٨٩.\n(^٣) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ١/ ٢٥٢، ومعجم المؤلفين لكحالة ١/ ١٧٥.","vol":"1","page":36},{"text":"- التقريب إلى كتاب الترغيب والترهيب، للحافظ شمس الدين: محمد بن أبي بكر الصفدي الناصري، المشهور بابن الديري، المتوفى سنة (٨٦٢ هـ).\n- تلخيص فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب، لعلي بن محمد بن محمد المنوفي، المتوفى سنة تسع وثلاثين وتسعمائة للهجرة، وهو مخطوط في دار الكتب الوطنية بتونس برقم (١٧٩٨)، ونسخة في المكتبة المركزية بجامعة الملك سعود برقم (٦٦٧٠/ ف)، ونسخة بمركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بمكة برقم (١٧٥) (^١).\n- شرح الترغيب والترهيب للشيغ محمد بن حياة بن إبراهيم السندي الأصل، المتوفى سنة ثلاث وستين ومئة وألف للهجرة (^٢).\n- مختصر الترغيب والترهيب للشيخ أحمد بن علي بن سليمان بن أحمد الشرفي الحسني الذماري، المتوفى سنة اثنتين ومائتين وألف للهجرة (^٣).\n- تهذيب الترغيب والترهيب للشيخ محمد بن يحيى بن أمان الهندي الحنفي، المتوفى بعد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، المدرس بالمسجد الحرام، ذكره صاحب فتح القريب المجيب على تهذيب الترغيب والترهيب.\n_________\n(^١) انظر: معجم المؤلفين لكحالة ٧/ ٢٣٠، والأعلام للزركلي ٥/ ١٦٤.\n(^٢) انظر: الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة للكتاني ص ١٨١، ومعجم المؤلفين لكحالة ٩/ ٢٧٥. وقد تم التواصل مع ولده، للحصول على نسخة من الكتاب، فأفادنا بعدم وجود شرح لوالده على الترغيب والترهيب.\n(^٣) معجم المؤلفين لكحالة ٢/ ٨.","vol":"1","page":37},{"text":"- فتح القريب المجيب على تهذيب الترغيب والترهيب، للشيخ علوي بن عباس بن عبد العزيز المالكي الحسني المكي، المتوفى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة.\n- تعليق على الترغيب والترهيب للشيخ مصطفى بن محمد بن مصطفى المعروف بابن عمارة، حيث علق عليه وشرح غريبه أثناء تحقيقه للكتاب.\n- صحيح وضعيف الترغيب والترهيب للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المتوفى سنة عشرين وأربعمائة وألف للهجرة.\n- المنتقى من كتاب الترغيب والترهيب للدكتور/ يوسف القرضاوي.\n- الأحاديث التي ضعَّفها الحافظ المنذري في كتاب الترغيب والترهيب من أول الكتاب إلى آخر باب الترهيب من اليمين الكاذب الغموس، للدكتور خالد بن صالح الزهراني، رسالة علمية نال بها درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى عام ١٤٢٠/ ١٤٢١ هـ.\n- الأحاديث التي ضعَّفها الحافظ المنذري في كتاب الترغيب والرهيب من باب الترهيب من الرياء إلى آخر الكتاب، للدكتور إدريس بن موسى آدم إدريس، رسالة علمية نال بها درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى عام ١٤٢٥/ ١٤٢٦ هـ.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>القسم الثالث ترجمة الشارح</span>\nعاش الفيومي في بداية القرن التاسع الهجري، وقد شهدت مصر والشام في عهد سلاطين المماليك نشاطًا علميًا فريدًا في كميته ونوعيته (^١)، ويرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل خارجية وداخلية.\nأما العوامل الخارجية، فأهمها: سقوط بغداد، حيث اتجهت الأنظار بعد ذلك إلى مصر والشام، ولاذ إليهما من نجا من العلماء والأدباء، وكذلك سقوط أجزاء كثيرة من الأندلس في أيدي الأسبان، فهاجر منها كثير من العلماء إلى مصر، وبهذا انتقل النشاط العلمي من العراق والأندلس إلى مصر، فأصبحت القاهرة تتبوأ مركز القيادة في كل شيء حتى في مختلف العلوم وصنوف المعارف زهاء الثلاثة القرون التي عاشت فيها دولة المماليك (^٢).\nوأما العوامل الداخلية، فأهمها:\nما شعر به العلماء من عظم المسؤولية التي تحتِّم عليهم تعويض الخسارة الكبرى التي لحقت بالمكتبة الإسلامية من جرَّاء غزو التتار، فقاموا بالتدوين والتأليف، وتنافسوا في ذلك تنافسًا شديدًا كان له أثره الفعال في قيام تلك\n_________\n(^١) الأيوبيون والمماليك في مصر والشام لسعيد عاشور، ص ٣٥٤.\n(^٢) عصر سلاطين المماليك لمحمود رزق ٣/ ٩.","vol":"1","page":39},{"text":"الحركة العلمية الناهضة.\nما أبداه السلاطين والأمراء من رعاية واضحة للعلم وأهله تمثَّلت في الأمور التالية:\nتعظيم أهل العلم، وتقديمهم في مسائل كثيرة، واستشارتهم في أمور الدولة.\nإنشاء دور التعليم وتنظيمها ورصد الأوقاف عليها، وتزويدها بمساكن؛ لإيواء شيوخها وطلابها. إنشاء دور الكتب، وتزويدها بالمراجع المهمة التي تعين المدرسين وطلاب العلم في تحصيلهم العلمي.\nوقد نتج عن هذا النشاط العلمي في عصر السلاطين المماليك نبوغ عدد كبير من العلماء في كل فن من فنون العلم والمعرفة فازدان العصر بكبار العلماء، وحسبُ القارئ أن ينظر في واحد من كتب التراجم لذلك العصر ليقف مبهورًا أمام تلك الكثرة الكاثرة من أساطين العلم والمعرفة.\nكما نتج عن هذا النشاط العلمي كثرة المؤلفات الموسوعية في كل المجالات العلمية من تفسير، وحديث، وفقه، وأدب، وتاريخ، وجغرافيا، وفلك، وفلاحة، ومعارف عامة.\nومن يستعرض بعض هذه الموسوعات يجد أنها عنوان لتحد كبير من هذه الأمة لأعدائها، ورد فعل للمحاولات التي بذلها المغول والصليبيون لطمس الحضارة الإسلامية، كما أنَّ الباحث في هذه الموسوعات يخيل إليه كأنَّ العلوم قد نسيت فوقف أهل هذا العصر أنفسهم على جمعها وتبويبها وعرضها من جديد، وتحمل هذه الموسوعات بين طياتها الثقافة المتكاملة","vol":"1","page":40},{"text":"التي حفظت شخصية الأمة أمام أشرس الهجمات.\nولا شك أنَّ هذا التراث الضخم الذي خلَّفه أولئك العلماء الأفذاذ يحتاج مِنَّا إلى خدمة جليلة بما أتينا من إمكانات مادية ومعنوية، محافظة عليه، وتيسيرًا للإفادة منه.\nلم تذكر كتب التراجم ترجمة شاملة للفيومي، بل لم أقف على من ترجم له غير ما ذكره الحافظ السخاوي في الضوء اللامع، وهو مع ذلك لم يذكر شيئًا عن نشأته ولا أسرته ولا بداية طلبه للعلم، إلى غير ذلك من الأمور المهمة المتعلقة بشخصيته، وهذا النقص في ترجمته له أثر بالغ في عدم فهمنا لشخصيته من جوانبها المختلفة، ورغم هذا الغموض المحيط بشخصيته، فسأحاول عرض جوانب من حياته على ضوء ما ورد في ترجمته عند السخاوي، وذلك من خلال المطالب التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>اسمه، ونسبه، ونسبته:</span> هو: حسن بن علي بن سليمان البدر أبو محمد الفيومي القاهري الشافعي (^١).\nمولده ونشأته: ولد تقريبًا سنة أربع وثمانمائة (^٢)، وليس لدينا معلومات عن أسرته ولا عن نشأته وطلبه للعلم في أي فترة، سوى ما ذكره السخاوي بقوله: وحفظ في صغره مع القرآن العمدة والتنبيه في الفقه وعرضهما في سنة سبع عشرة على جماعة. ثم قال: وكان ممن اعتنى بالترغيب للمنذري\n_________\n(^١) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٣/ ١١٢.\n(^٢) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٣/ ١١٢.","vol":"1","page":41},{"text":"وأتقنه، وأقرأ وكتب منه عدة نسخ بخطه المنسوب الذي جوده ظنًا على البسراطي المقسي، وربما استمد في ذلك مني، ورام قراءة ما كتبه عليَّ، وتردد بآخره للشمس ابن قاسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>شيوخه:</span>\nليس لدينا معلومات وافية عن شيوخه، إلَّا أنَّ السخاوي ذكر عددًا قليلًا من شيوخه، وسوف أذكرهم مع تعريف موجز لكل واحد، منهم وأضيف إليهم من وقفت عليهم من شيوخٍ آخرين، ذكرهم الشارح في كتابه موضوع البحث:\n\n• الزاهد، أحمد بن محمد بن سليمان الشهاب أبو العباس بن أبي أحمد القاهري، الشافعي، ويعرف بالزاهد، توفي رابع عشر ربيع الأول سنة (٨١٩ هـ) (^١)، وقد ذكر السخاوي في الجواهر والدرر عند ذكر الكتب التي كتبها الحافظ ابن حجر بخط يده فقال: ومنها: الترغيب والترهيب للمنذري في مجلدين. ويقال: إن هذا الكتاب لم ينتشر إلّا من قبله، فقد حكى البدر الحسن الفيومي، إمام جامع الزاهد بالمقسم (^٢) وكان أكثر أهل العصر اعتناءً بهذا الكتاب، مع قلة بضاعته، قال: أول ما وقفت على هذا الكتاب أحضرته\n_________\n(^١) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٢/ ١١١.\n(^٢) هذا الجامع بخط المقس خارج القاهرة، كان موضعه كوم تراب فنقله الشيخ أحمد المعروف بالزاهد، وأنشأ موضعه هذا الجامع، فكمل في شهر رمضان سنة ثماني عشرة وثمانمائة، وهدم بسببه عدّة مساجد قد خرب ما حولها، وبُنِيَ بأنقاضها هذا الجامع،\nانظر: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي (٤/ ١٤١).","vol":"1","page":42},{"text":"إلى الشيخ أحمد الزاهد، أسأله عن مؤلفه (^١).\n\n• الولي العراقي، أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، ولي الدين أبو زرعة العراقي المصري الشافعي، وتوفي في السابع والعشرين من شعبان سنة (٨٢٦ هـ) (^٢).\n\n• السخاوي، محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد الملقب شمس الدين أبو الخير، السخاوي، القاهري الشافعي، ولد في ربيع الأول سنة (٨٣١ هـ)، وتوفي سنة (٩٠٢ هـ) (^٣).\n\n• ابن قاسم، عمر بن قاسم بن محمد بن علي الأنصاري الشافعي المقرئ، ويعرف بالنشار،، توفي سنة (٩٣٨ هـ) (^٤).\n\n• الحافظ ابن حجر، ذكره السخاوي بقوله: وحفظ في صغره مع القرآن العمدة والتنبيه في الفقه وعرضهما في سنة سبع عشرة على جماعة منهم الولي العراقي وشيخنا.\n\n• البرهان الكركي، إبراهيم بن موسى بن بلال بن عمران بن مسعود بن دمج، برهان الدين الكركي ثم القاهري الشافعي ويعرف بالكركي، ولد سنة\n_________\n(^١) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي، ص ٧١٣.\n(^٢) انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٨٠، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ١/ ٣٣٦.\n(^٣) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٨/ ٢، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني ١/ ١٨٤.\n(^٤) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٦/ ١١٣، والأعلام للزركلي ٥/ ٥٩.","vol":"1","page":43},{"text":"خمس أو ست وسبعين وسبعمائة، وتوفي في شهر رمضان سنة (٨٥٣ هـ) (^١).\n\n• النواجي: محمد بن محمد بن حسن بن علي بن عثمان البدر، أبو الفضل بن الشمس النواجي القاهري الشافعي، ولد سنة بضع وثمانين وسبعمائة، وتوفي يوم الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى سنة (٨٥٩ هـ) (^٢).\n\n• ابن خضر، محمد بن أبي بكر بن خضر بن موسى بن حريز بن حراز الشمس أبو عبد الله الصفدي الناصري الشافعي القادري، ويعرف بابن الديري، ولد في العشر الأول من جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وتوفي في حادي عشر ذي الحجة سنة (٨٦٢ هـ) (^٣).\n\n• الشهاب المحلي، محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن هاشم الجلال أبو عبد الله بن الشهاب العباسي الأنصاري المحلي الأصل، القاهري الشافعي، ولد في مستهل شوال سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بالقاهرة، وتوفي يوم السبت مستهل سنة (٨٦٤ هـ) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ١/ ١٧٥، وطبقات المفسرين للداوودي ١/ ٢٤.\n(^٢) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٩/ ٧٤، وحسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي ١/ ٥٧٣.\n(^٣) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٧/ ١٦٧، والأعلام للزركلي ٦/ ٥٨.\n(^٤) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٧/ ٣٩، وطبقات المفسرين للداوودي ٢/ ٨٤.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>وأما أقرانه:</span>\nفقد ذكر السخاوي عددًا منهم فقال: وحفظ في صغره مع القرآن العمدة والتنبيه في الفقه، وعرضهما في سنة سبع عشرة على جماعة منهم الولي العراقي، وشيخنا، وأجاز له في آخرين ممن لم يجز كالبيجوري (^١)، والبرماوي (^٢)، والبلالي (^٣)، وابن النقاش (^٤)، والبوصيري (^٥).\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن أحمد البيجوري المصري الشيخ الفقيه برهان الدين، ولد قبل الخمسين وسبعمائة، وتوفي في يوم السبت رابع عشر رجب سنة خمس وعشرين وثمانمائة بالقاهرة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٤/ ٧١، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ١/ ١٧.\n(^٢) هو: محمد بن عبد الدائم بن موسى الشيخ الإمام العالم، شمس الدين أبو عبد الله العسقلاني الأصل البرماوي المصري، ولد منتصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وتوفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الثانية سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة ببيت المقدس. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٤/ ١٠١، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٧/ ٢٨٠.\n(^٣) هو: محمد بن علي بن جعفر الشمس العجلوني ثم القاهري الشافعي الصوفي، ويعرف بالبلالي، ولد قبل الخمسين وسبعمائة، وتوفي يوم الأربعاء رابع عشر شوال سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ودفن بمقابر الصوفية. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٨/ ١٧٨، وحسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي ١/ ٥٢٩.\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم المغربي الأصل المصري زين الدين أبو هريرة بن أبي أمامة بن النقاش، ولد في ذي الحجة سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وتوفي يوم الخميس عاشر ذي الحجة سنة تسع عشرة وثمانمائة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٤/ ٢٨، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٤/ ١٤٠.\n(^٥) هو: أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان بن عمر الشهاب أبو العباس الكناني البوصيري القاهري الشافعي، ولد في المحرم سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وتوفي فِي المحرم سنة أَرْبَعِينَ وَثَمَانمِائَة. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ١/ ٢٥١، وحسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي ١/ ٣٦٣.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>تلاميذه:</span>\nلم تذكر مصادر الترجمة تلاميذ الشارح، فلم تذكر أحدًا منهم على الإطلاق، ولكن بعد استعراض لتراجم الرجال في الفترة التي عاشها الشارح من الكتب المعنية بذلك، تبين أن عددًا ممن تتلمذوا على الشارح، وأخذوا عنه وبعضهم لازمه مدة طويلة، وسوف أذكر من وقفت عليه منهم مع ترجمة موجزة لكل واحد منهم:\n\n• عبد القادر بن محمد بن عبد الله بن الشيخ بدر، القويسني الأصل، المقسي القاهري الشافعي، ويعرف بابن سُعَيْدَة بالتصغير أو سُعدة، لكون جدته كان يقال لها سُعيدة، ولد سنة ست وثلاثين تقريبًا، وحفظ القرآن وتلاه لأبي عمرو على الزين جعفر السنهوري (^١) بعد أن جوَّده على فقيهه حسن الفيومي إمام الزاهد (^٢).\n\n• محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل ولي الدين بن فتح الدين أبي الفتح بن شمس الدين، النحريري الأصل، القاهري المالكي، ولد في ثاني عشر إحدى الجمادين سنة ثمان وثلاثين بالقاهرة، ونشأ فقرأ القرآن عند البدر حسن الفيومي إمام الزاهد (^٣).\n_________\n(^١) هو: جعفر بن إبراهيم بن جعفر بن سليمان بن زهير بن حريز بن عريف بن فضل بن فاضل الزين أبو الفتح القرشي الدهني السنهوري القاهري الأزهري الشافعي المقرئ، ولد تقريبًا - كما كتبه بخطه - سنة عشر وثمانمائة بسنهور، وتوفي في ذي القعدة سنة أربع وتسعين، ودفن بحوش صوفية سعيد السعداء. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٣/ ٦٨.\n(^٢) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٣/ ١١١.\n(^٣) المرجع السابق ٣/ ١١٢.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه وبعضر الانتقادات التي وجِّهت إليه:</span>\nلقد أثنى السخاوي على الفيومي، بحفظه القرآن في صغره، وكذلك حفظه للعمدة والتنبيه في الفقه وعرضهما على مشايخه.\nوقال عنه أيضًا: وكان أحد الصوفية بسعيد السعداء (^١) مديمًا إقراء الأَطفال بجانب محل إمامته.\nوهو ممن اعتنى بالترغيب والترهيب للمنذري وأتقنه، وأقرأ وكتب منه عدة نسخ بخطه المنسوب الذي جوَّده.\nوقرأ الترغيب والترهيب للمنذري على العامة بجامع المقسم، ثم قال: ونعم الرجل كان صلاحًا وسلامةَ فطرةٍ، لكنه كان قاصر الفضيلة.\nوقال في انتقاده: وزاد اعتناؤه به حتى حصَّلَ فوائد في شرح كثير من أحاديثه التقطها في طول عمره من بطون الكتب، مشتملة على الجيد وغيره مع التكرير والتبتير؛ لعدم تأهله، وضم ذلك تراجم جماعة من رواته ونحوهم، وبيَّن أنه استمد كثيرًا منه - أي: من السخاوي - ورام قراءة ما كتبه عَليه، وهو شيء كثير يكون نحو مجلدين فأكثر.\nوقال عنه في الجواهر والدرر: وكان أكثر أهل العصر اعتناءً بهذا الكتاب، مع قلة بضاعته (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ٤/ ٥٣: وهي دار سعيد السعداء خادم الخليفة المستنصر، ثمّ صارت في آخر الوقت سكن الوزير طلائع بن رزّيك وولده رزّيك بن طلائع.\n(^٢) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي، ص ٧١٣.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>عقيدته:</span>\nيتبيَّن من خلال شرحه أنه شافعي المذهب في الفقه، وأما عقيدته فقال تحت حديث رقم (١٣٥٥): \"فنحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا به ولا نشبهه بشيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) وما قاله رسول الله - ﷺ - فهو حق وصدق فما أدركنا علمه فبفضل الله وما خفي علينا ءامنا به ووكلنا علمه إلى الله ﷾ وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خوطبنا به وبالله التوفي\". إلا أنه ينقل كثيرا في تأويل الصفات ولا يرد على المؤولين الأشاعرة، وفيه قليل من التصوف فقد قال السخاوي: وكان أحد الصوفية بسعيد السعداء (^٢). ويدل على ذلك كثرة نقله عن كتب الصوفية\n\nمن أمثلة التأويل: تفسيره صفة التوفيق بخلق القدرة على الطاعة (^٣). تفسيره القرب؛ بالعلم في قول المصنف: وهو أقرب إلى كل مريد من حبل الوريد: أقرب، معناهُ أعلم به (^٤). تفسيره اليد بالقدرة في قوله - ﷺ -: \"والذي نفسُ محمد بيده، ما كَلْمٌ يُكْلَمُ في سبيل الله\" (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(^٢) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٣/ ١١٢.\n(^٣) انظر: مقدمة المؤلف.\n(^٤) انظر: مقدمة المؤلف، قوله: وهو أقرب إليه من حبل الوريد.\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٩٥، كتاب الإمارة برقم ١٨٧٦ من حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه قوله - ﷺ -: \"والذي نفس محمد بيده، ما من كَلْمٍ يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل\".\n(^٦) انظر اللوح من نسخة (س).","vol":"1","page":48},{"text":"تفسيره صفة الضحك بأنه استعارة في حق الله تعالى؛ لأنه لا يجوز عليه ﷾ الضحك المعروف في حقنا؛ لأنه إنما يصح من الأجسام، وممن يجوز عليه تغيير الحالات، والله ﷾ منزَّه عن ذلك (١).\nوالذي يظهر لي من خلال عمل الفيومي أنه أشعري المذهب، والمذهب الاعتقادي يجعل صاحبه غير خارج عنه في كل ما يكتب ويقول، ولهذا أدخل في شرحه هذا بعض مسائل عقيدة الأشاعرة خاصة تأويل بعض الصفات في كل مناسبة وبعضه بطريقة خفية على طريقة الزمخشري في تفسيره، وهذا لا يمنع الاستفادة من شرحه هذا ففيه جوانب مفيدة كثيرة كما ذكرتها سابقًا.\nوقد تعقبت المؤلف فيما ذكره من تأويلات بعض النصوص العقدية التي تخالف منهج السلف، وبينت الحق والصواب فيها معتمدًا على أقوال علماء السلف. وقد علقت على الأماكن التي انتبهت إليها فوجدت التأويل، وأخشى أن يكون قد فاتني شيء من ذلك سهوًا، فهذا اعتذار أقدمه تبريرًا لما فرَط منى إن سهوت عنه، أسأل الله أن يغفر لي ما قصرت فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>آثاره العلمية:</span> لم تذكر مصادر ترجمته ما تركه من آثار علمية، سوى كتابنا هذا: (فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب).\nوفاته: وبعد عمر مديد، حفل بالعلم والإفادة والتصنيف والوعظ، وافاه الأجل في جمادى الآخرة سنة سبعين وثمانمائة (٢) رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>القسم الرابع: التعريف بكتاب فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>نسبة الكتاب إليه وسبب تأليفه:</span>\nلقد ثبتت صحة نسبة الكتاب لمؤلفه بعدة أمور، منها:\nأولًا: نص الشارح على ذلك في بداية الكتاب فقال: قال مؤلفه حسن بن علي الفيومي المقيم بالجامع الزاهد وبالمقسم - عفا الله عنه -: \"الحمد لله رب العالمين ... \"إلخ. ثم قال في آخر مقدمته: \"وسميت هذا التعليق المبارك فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب\".\nثانيًا: ما ورد في ترجمته عند السخاوي حيث قال فيها: \"وكان ممن اعتنى بالترغيب للمنذري، وأتقنه (^١).\nثالثًا: ما جاء في طرة المخطوطات كلها للكتاب، حيث أُثبت عليها اسم الكتاب كاملًا، واسم مؤلفه. كما سيأتي قريبًا بإذن الله تعالى.\nرابعًا: أنه قد نصَّ عليه من ألَّف في الفنون والكتب، ومن ذلك: ما ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة عند حديثه عن كتاب الترغيب والترهيب للمنذري وشروحه، فقال: \"وشرح للفاضل الفيومي وهو في خزانة جامع القرويين بفاس\" (^٢). وقال: \"وليس ثمة تحريف في النسب كما قال مالكية الأحساء؛ لأن عبد الحي الكتاني قد صرح في فهرس الفهارس أكثر من مرة أن\n_________\n(^١) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٣/ ١١٢.\n(^٢) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة للكتاني، ص ١٨١.","vol":"1","page":50},{"text":"الفيومي هو الذي شرح الترغيب وأن أبا الحسن اختصره، فقال في ٣/ ٢٤٥: \"اختصار شرح الفيومي على الترغيب والترهيب لأبي الحسن شارح الرسالة\". وقال في ٣/ ٣٠٨: \"شرح الفيومي على الترغيب والترهيب\" (^١).\nما ذكره الكتاني في فهرس الفهارس عند ترجمة المنذري فقال: \"وله كتاب الترغيب والترهيب وهو كتاب عظيم الفائدة شرحه جماعة وعلَّقوا عليه، واختصره الحافظ ابن حجر، وعلَّق عليه البرهان الناجي، وشرحه الفيومي\" (^٢).\nخامسًا: أنه قد نسبه إليه كل من نقل عنه، ومن ذلك ما يلي:\nقال محمد الفضيل الشبيهي الإدريسي الزرهوني (^٣): وقال الفيومي في شرح الترغيب: سئل الزركشي عن السراويل، هل لبسه النبي - ﷺ -؟ (^٤).\nقال إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي (^٥): قوله - ﷺ -: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" (^٦). أي: فليتخذ، يقال:\n_________\n(^١) المرجع السابق، ص ١٩٢.\n(^٢) فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات للكتاني ٢/ ٥٦٣.\n(^٣) هو: العلامة الفقيه، محمد الفضيل بن محمد، أبو عبد الله، الشبيهي الجوطي الإدريسي الحسني الزرهوني إقامة. ينتهي نسبه إلى إدريس الأول، مؤسس الدولة الإدريسية بالمغرب.\nانظر: فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات للكتاني ٢/ ٩٢٩، وإتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس لابن زيدان ٥/ ٥١٨.\n(^٤) الفجر الساطع على الصحيح الجامع للزرهوني ٨/ ٩٩.\n(^٥) هو: إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي أصلًا، والآيدوسي مولدًا، البروسوي، أبو الفداء، توفي سنة ثلاث وسبعين ومئة وألف ببروسة. انظر: معجم المؤلفين لكحالة ٢/ ٢٦٦.\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٣٣ كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - برقم ١١٠، ومسلم ١/ ١٠ كتاب المقدمة برقم ٣، من حديث أبي هريرة - ﷺ -، وفيه: \"ومن كذب علي متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار\".","vol":"1","page":51},{"text":"تبوأ الدار اتخذها مباءة، أي: مسكنا ومنزلًا، ولفظه أمر، ومعناه خبر يعني: فإن الله بوَّأه مقعده، أي: موضع قعوده منها. فقال: أنا ما كذبت عليه إنما كذبت له، كما في شرح الترغيب والترهيب المسمى بفتح القريب (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>سبب تأليفه:</span>\nوأما سبب تأليفه فقد قال الشارح نفسه في مقدمته: \"فإن كتاب الترغيب والترهيب إملاء الشيخ العلم العالم العلامة رحلة الحفاظ والمحدثين، إمام وقته وفريد عصره الحافظ أبي محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة المنذري الشافعي، من الكتب المباركات النافعات، مما ينبغي الاعتناء به، لا يستغني طالب العلم عنه، وقد اشتهر بين الناس غاية الاشتهار، وألفوا قراءته وسماعه في جميع البلاد والأمصار، ولا سيما في الأشهر الثلاثة، أشهر العبادة والغفران؛ وهي: رجب، وشعبان، ورمضان، وقد حضر لقراءته وسماعه الجمع التام؛ لكونه محذوف الأسانيد والطرق، يفهمه الخاص والعام، لكنَّ فيه ألفاظًا غريبة يُحتاج إلى الكشف عنها من كتب غريب الحديث والشروح، وكل من سألت منه عن شيء من ذلك مما يتعلق بهذا العلم العظيم لم يجبني جوابًا شافيًا يحصل به الحجة الواضحة والبرهان، ولم أرَ من قد شرحه من علماء هذا الزمان، فألهمتني المقادير الربانية المطالعة في شرح الأحاديت النبوية، وفي مناقب الصحابة والتابعين السادة المرضية، فله الحمد على ما ألهم وعلى ما أولانا من النعم، فجمعت عليه فوائد جمة لا يقدر على تحصيلها إلّا من أكثر من عمل في جد وذكاء وهمَّة\".\n_________\n(^١) روح البيان لإسماعيل للخلوتي ٣/ ٥٤٨.","vol":"1","page":52},{"text":"إذن يتبين لنا أنّ سبب تأليفه عدة عوامل، من أهمها ما يلي:\nأهمية الكتاب، وشهرته واعتياد الناس على قراءته وسماعه.\nكونه محذوف الأسانيد، يسهل فهمه على العام والخاص.\nأنّ فيه ألفاظًا غريبة، يحتاج إلى شرحها وبيان معانيها.\nأنَّه لا يوجد من قد شرح كتاب الترغيب والترهيب للمنذري، ممن سبق عصر الشارح. هذه هي مجمل الأسباب التي دعت الفيومي للقيام بهذا العمل المبارك والسفر العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>موضوع الكتاب:</span>\nالكتاب يقوم على شرح أحاديث الترغيب والترهيب للمنذري، وقد نصَّ مؤلفه على ذلك في مقدمته\" إذ يقول فيها: \"فإن كتاب الترغيب والترهيب إملاء الشيخ العلم العالم العلامة رحلة الحفَّاظ والمحدِّثين، إمام وقته وفريد عصره، الحافظ أبي محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة، المنذري الشافعي، من الكتب المباركات النافعات مما ينبغي الاعتناء به، لا يستغني طالب العلم عنه\". إلى أن قال: \"وقد حضر لقراءته وسماعه الجمع التام؛ لكونه محذوف الأسانيد والطرق، يفهمه الخاص والعام، لكنَّ فيه ألفاظًا غريبة يُحتاج إلى الكشف عنها من كتب غريب الحديث والشروح\".\nإذن يتبيَّن لنا من خلال كلام الشارح أنَّ موضوع الكتاب هو شرح أحاديث الترغيب والترهيب للمنذري.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>موارد المؤلف في الكتاب، وطريقته في النقل منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>أولًا: موارد المؤلف في الكتاب:</span>\nلقد تنوَّعت مصادر الشارح في شرحه ما بين كتب التفسير، وشروح الحديمت والفقه واللغة والغريب، وغير ذلك من العلوم والفنون، ونلاحظ أنه فيما يتعلق بالفقه فقد أكثر النقل عن الشافعية، وفي جانب الأخلاق والرقائق نجده ينقل كثيرًا من كتب الرقاق وهنا نذكر جملة من المصادر التي اعتمد عليها حيث نصَّ في مقدمته على الكتب التالية:\n- المنهاج شرح صحيح مسلم (^١) للنووي (^٢).\n- تهذيب الأسماء واللغات للنووي (^٣).\n- الأذكار للنووي (^٤).\n- رياض الصالحين للنووي (^٥).\n- بستان العارفين للنووي (^٦).\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) هو: يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة النووي، ولد في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وتوفي سنة ست وسبعين وستمائة. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ٣٩٥، وطبقات الشافعيين لابن كثير ١/ ٩٠٩.\n(^٣) مطبوع.\n(^٤) مطبوع.\n(^٥) مطبوع.\n(^٦) مطبوع.","vol":"1","page":54},{"text":"- شرح مشارق الأنوار (^١) للدميري (^٢).\n- كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (^٣) للمناوي (^٤).\n- تهذيب النفوس (^٥) للشيخ الإمام شمس الدين السعُودي الحنفي (^٦).\n- سلاح المؤمن في الذكر والدعاء (^٧) للشيخ تقي الدين الإمام (^٨).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار للصغاني شرحه الدميري ولم أقف عليه.\n(^٢) هو: محمد بن موسى بن عيسى بن علي الكمال أبو البقاء الدميري الأصل القاهري الشافعي، كان اسمه أولًا كمالًا بغير إضافة، ثم تسمى محمدًا. ولد في أوائل سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بالقاهرة، وتوفي في ثالث جمادى الأولى سنة ثمان. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٦١، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي، ١٠/ ٥٩.\n(^٣) طبع بتحقيقنا.\n(^٤) هو: محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الصدر أبو المعالي بن الشرف السلمي المناوي، ولد في ثامن رمضان سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وتوفي سنة ثلاث وثمانمائة. انظر: ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد للفاسي ١/ ٨٥، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٤٧.\n(^٥) لم أقف عليه. وقد ذكره الزركلي في الأعلام ٥/ ٣٢٩، والبغدادي في إيضاح المكنون (٣/ ٤٢٣).\n(^٦) هو: مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر الشَّمْس أبو عبد الله بن الشهَاب أبي الْعَبَّاس القاهري السعودي الْحَنَفِيّ، فقيه مصري من أهل القاهرة. ناب في الحكم وتصدى للتدريس. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٧/ ٣٣. والأعلام للزركلي ٥/ ٣٢٩.\n(^٧) مطبوع.\n(^٨) هو: محمد بن محمد بن علي بن همام بن راجي الله العسقلاني الأصل المصري، المعروف بابن الإمام، ولد في شعبان سنة سبع وسبعين وستمائة، توفي يوم الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة خمس وأربعين وسبعمائة. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢٢/ ٣٦٢، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٦٥.","vol":"1","page":55},{"text":"- حادي الأرواح (^١) لابن قيم الجوزية (^٢).\n- الروح (^٣) لابن قيم الجوزية.\n- مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ومثير الغرام إلى دار السلام في الجهاد وفضله (^٤) لابن النحاس (^٥).\n- تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (^٦) لابن النحاس.\n- حادي القلوب إلى لقاء المحبوب في الموت والاستعداد (^٧) لقاضي\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعيد بن حريز الزّرعيّ ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي الأصولي المفسّر النحوي. ولد في سابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة، وتوفي وقت عشاء الآخرة ليلة الخميس ثالث عشر شهر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. انظر: ذيل طبقات الحنابلة للسلامي ٥/ ١٧٠، وطبقات المفسرين للداوودي ٢/ ٩٣.\n(^٣) مطبوع.\n(^٤) مطبوع.\n(^٥) هو: أحمد بن إبراهيم بن محمد محيي الدين الدمشقي ثم الدمياطي الحنفي ثم الشافعي المجاهد، ويعرف بابن النحاس، أكثر المرابطة والجهاد حتى قتل شهيدًا في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وثمانمائة. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ١/ ٢٠٣، والأعلام للزركلي ١/ ٨٧.\n(^٦) مطبوع.\n(^٧) مخطوط، وله نسخة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية برقم ١٨٠٨٧. انظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة ١/ ٦٢٣، والأعلام للزركلي ٦/ ١٨٨.","vol":"1","page":56},{"text":"القضاة ابن الميلق (^١).\n- التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (^٢) للقرطبي.\n- التذكار في أفضل الأذكار (^٣) للقرطبي.\n- شرح الأحكام (^٤) لقاضي القضاة العراقي (^٥).\n- شرح أحكام عبد الحق (^٦) لابن عقيل البالسي (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) هو: محمد بن عبد الدائم بن محمد بن سلامة المصري الشاذلي المعروف بابن بنت الميلق القاضي ناصر الدين أبو المعالي، ولد سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وسبعمائة. انظر: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لابن حجر، ٥/ ٢٤٢. وحسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي ١/ ٥٢٧.\n(^٢) مطبوع.\n(^٣) مطبوع.\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) لم أقف عليه.\n(^٦) هو: عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد الأزدي أبو محمد الإشبيلي، ويعرف بابن الخراط، ولد سنة عشر وخمسمائة، وتوفي في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٩٣، والديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون ٢/ ٥٩.\n(^٧) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل، بهاء الدين أبو محمد العقيلي الطالبي البالسي الحلبي ثم المصري، ولد سنة أربع وتسعين وستمائة وقيل سنة سبعمائة، توفي في ربيع الأول سنة تسع وستمِن وسبعمائة ودفن بالقرافة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٩٦. والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ٣/ ٤٢.\n(^٨) لم أقف عليه.","vol":"1","page":57},{"text":"- المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح (^١) للحافظ شرف الدين الدمياطي.\n- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف (^٢) لابن رجب الحنبلي (^٣).\n- شرح الأربعين النواوية (^٤) لابن رجب الحنبلي.\n- التعيين في شرح الأربعين (^٥) للطوفي (^٦).\n- المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (^٧) لأبي القاسم الأصبهاني (^٨).\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) مطبوع.\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي الحنبلي، ولد ببغداد في ربيع الأول سنة ست وسبعمائة، وتوفي في شهر رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة. انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر،٣/ ١٠٨، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني ١/ ٣٢٨.\n(^٤) مطبوع.\n(^٥) مطبوع.\n(^٦) هو: سُلَيْمَان بن عبد القوي بن عبد الْكَرِيم بن سعيد بن الصفى، الْمَعْرُوف بِابن أبي عَبَّاس الْحَنْبَليِّ الطوفى، نجم الدّين، ولد سنة سبع وخمسين وستمائة، وتوفي فِي رَجَب سنة ست عشرة وسبعمائة. انظر: ذيل طبقات الحنابلة للسلامي ٤/ ٤٠٤، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ٢/ ٢٩٥.\n(^٧) مطبوع.\n(^٨) هو: محمد بن أبي بكر بن عمر الأصبهاني، أبو موسى المديني، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي في تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. انظر: =","vol":"1","page":58},{"text":"- شرح الأربعين الودعانية (^١) (^٢) للأصفهاني (^٣).\n- قمع النفوس ورقية الميؤوس (^٤) للحصني (^٥).\n- سير السلوك (^٦) للحصني.\n- حدائق الأولياء (^٧) لابن الملقن (^٨).\n_________\n= تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ٨٦، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/ ١٦٠.\n(^١) الأربعين الودعانية، جمع فيه أربعين خطبة. انظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة ١/ ٧٥١.\n(^٢) هو: محمد بن علي بن ودعان، القاضي، أبو نصر الموصلي، ذمه أبو طاهر السلفي، وأدركه، وسمع منه، وقال: هالك متهم بالكذب، توفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة في المحرم بالموصل عقيب رجوعه من بغداد عن اثنتين وتسعين سنة. انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٣/ ٦٥٧، والوافي بالوفيات للصفدي ١١/ ١٣.\n(^٣) لم أقف عليه.\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) هو: أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن الإمام العالم الرباني الزاهد الورع تقي الدين الحصني الدمشقي الحسيني، ولد في أواخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثمانمائة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٧٧، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني ١/ ١٦٦.\n(^٦) لم أقف عليه. ولعله يكون: سير السالك، أو تنبيه السالك على مصارع الممالك. كما عدهما ابن قاضي شهبة في ترجمته ٤/ ٧٧.\n(^٧) مطبوع باسم: طبقات الأولياء حققه نور الدين شربية.\n(^٨) هو: عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، سراج الدين أبو حفص الأنصاري الوادي آشي الأندلسي التكروري المصري الشافعي، ويعرف بابن النحوي؛ لأن أباه كان نحويًا، ولد في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وتوفي سادس عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة =","vol":"1","page":59},{"text":"- الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (^١) لابن الملقن.\n- شرح عمدة الأحكام (^٢) لابن العماد.\n- كشف الأسرار عما خفي على الأفكار (^٣) لابن العماد.\n- تسهيل المقاصد لزوار المساجد (^٤) لابن العماد.\n- القدوة فيما يتعلق بالإمام والمأموم وأحكامه (^٥) لابن العماد.\n- النهاية في غريب الحديث والأثر (^٦) لابن الأثير (^٧).\n- العَلم المشهور في فضل الشهور (^٨) لابن دحية الكلبي (^٩).\n_________\n= ٤/ ٤٣، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ٤/ ٢٠٩.\n(^١) مطبوع.\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) مطبوع.\n(^٤) مطبوع.\n(^٥) لم أقف عليه.\n(^٦) مطبوع.\n(^٧) هو: المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، مجد الدين أبو السعادات الجزري بن الأثير، ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وستمائة. انظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي ٣/ ٢٥٧، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ٣٦٦.\n(^٨) تم تحقيقه في رسالة ماجستير بجامعة الملك سعود برقم ع وع ٢٥٢.\n(^٩) هو: عمر بن حسن بن علي بن محمد، ابن دِحية الكلبي، الأندلسي، الداني الأصل السبتي، توفي ليلة رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وعاش نيفًا وثمانين سنة. انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٥/ ٢٨٢، وتاريخ الإسلام للذهبي ١٤/ ١١٣.","vol":"1","page":60},{"text":"- الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري (^١) للكِرمَاني (^٢).\n- مختصر مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب (^٣) للحسيني (^٤).\n- إعلام الساجد بأحكام المساجد (^٥) لأبي عبد الله الزركشي الشافعي (^٦).\n- الديباجة شرح ابن ماجه (^٧) للكمال الدميري.\n- مشارق الأنوار على صحاح الآثار (^٨) للقاضي عياض.\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) هو: محمد بن يوسف بن علي الكرماني ثم البغدادي، ولد في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة، وتوفى مرجعه من الحج في محرم سنة ست وثمانين وسبعمائة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ١٨٥، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ٦/ ٦٦.\n(^٣) هو: اختصار لحلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصفهاني. ولم أقف عليه.\n(^٤) هو: محمد بن الحسن بن عبد الله السيد الشريف شمس الدين أبو عبد الله الحسيني الواسطي، ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، وتوفي في ربيع الأول سنة ست وسبعين وسبعمائة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ١١٩، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ٥/ ١٦١.\n(^٥) مطبوع.\n(^٦) هو: محمد بن بهادر بن عبد الله التركي الأصل المصري، الشيخ بدر الدين الزركشي ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وتوفي في ثالث رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة بالقاهرة. انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ١٦٧، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ٥/ ١٣٣.\n(^٧) صدر منه ست رسائل علمية في جامعة أم القرى، ولم يكتمل.\n(^٨) مطبوع.","vol":"1","page":61},{"text":"- تاريخ كنز الدرر وجامع الغرر (^١) للدواداري (^٢).\n- شرح الإلمام (^٣) للشيخ شهاب الدين العريان الشافعي (^٤).\nهذه الكتب التي نص عليها الشارح في مقدمته، وهناك العديد من الكتب التي لم يشر إليها منها على سبيل المثال:\n- الرسالة القشيرية (^٥) للقشيري (^٦).\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) هو: أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري (مولده ووفاته: غير معروفين) مؤرخ مصري مملوكي نشأ وعاش في حارة الباطنية بالقاهرة. كان جده \"ابن أيبك\" صاحب صرخد، وكان والده \"عبد الله بن أيبك\" يعرف بالدواداري، انتسابًا لخدمة الأمير: سيف الدين بلبان الدوادار. انظر: الأعلام للزركلي ٢/ ٦٦، ومعجم المؤلفين لكحالة ٣/ ٦٥.\n(^٣) لم أقف عليه. وقال كحالة في معجم المؤلفين ٢/ ٢٠: من تصانيفه: لغات مسلم، وشرح الإلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق العيد.\n(^٤) هو: شهاب الدّين أحمد بن علي بن محمد بن قاسم العرياني المحدّث، ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة بدمشق، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة. انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر ١/ ١٣٥، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ١/ ٢٥٩.\n(^٥) مطبوع.\n(^٦) هو: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد الأستاذ أبو القاسم القشيري النيسابوري. ولد سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمس وستين وأربعمائة عن تسع وثمانين سنة. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ١٥٣، وطبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ١/ ٢٥٤.","vol":"1","page":62},{"text":"- قوت القلوب (^١) لأبي طالب المكي (^٢).\n- إحياء علوم الدين (^٣) للغزالي (^٤).\n- المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (^٥) للغزالي.\n- الرعاية (^٦) للمحاسبي (^٧).\n- لطائف المنن (^٨) لابن عطاء السكندري (^٩).\n_________\n(^١) مطبوع.\n(^٢) هو: محمد بن علي بن عطية، أبو طالب الحارثي المكي، توفي في جمادى الآخرة سنة ست وثمانين وثلاث مائة. انظر: تاريخ بغداد للخطيب ٤/ ١٥١، وتاريخ الإسلام للذهبي ٨/ ٥٩٩.\n(^٣) مطبوع.\n(^٤) هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، الإمام زين الدين أبو حامد الغزالي، الطوسي، الفقيه الشافعي، حجة الإسلام، توفي يوم الإثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/ ١٩١، وطبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٢/ ١٨.\n(^٥) مطبوع.\n(^٦) مطبوع.\n(^٧) هو: الحارث بن أسد المحاسبي البصري الأصل الزاهد المشهور، كنيته، أبو عبد الله، من أهل البصرة، توفي ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين. انظر: طبقات الصوفية للسلمي ص: ٥٨، ووفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان ٢/ ٥٧.\n(^٨) مطبوع.\n(^٩) هو: أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله تاج الدين أبو الفضل الإسكندراني الشاذلي. كان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه، وتوفي في نصف جمادى الآخرة سنة =","vol":"1","page":63},{"text":"- تفسير (^١) الزمخشري (^٢).\n- أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (^٣) للخطابي (^٤).\n- معالم السنن في شرح سنن أبي داوود (^٥).\nإنَّ المتأمل لهذا الكمّ الكثير من المصادر ليجد أنَّ هذا التنوع الكبير في موارد الشارح، قد صبغت الكتاب بصبغة ذات قيمة علمية كبيرة؛ إذ جمعت المتفرق من شرح الحديث في مكان واحد، وهذا يسهل على المطالع والباحث عناء البحث والتنقيب. وهذا جهد قيم مبارك مشكور قام به الشارح.\n_________\n= تسع وسبعمائة. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٩/ ٢٣، والديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون ١/ ٢٤٢.\n(^١) مطبوع، واسمه الكشاف.\n(^٢) هو: محمود بن عمر بن محمد بن عمر العلامة أبو القاسم الزمخشري. ولد في رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر، قرية من قرى خوارزم، وتوفي ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. انظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي ٣/ ٢٦٥، وطبقات المفسرين للسيوطي، ص ١٢٠.\n(^٣) مطبوع.\n(^٤) هو: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي الأديب، ويقال: أحمد بن محمد أبو سليمان. توفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر: التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد لابن نقطة، ص ٢٥٤، وتاريخ الإسلام للذهبي ٨/ ٦٣٢، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٢٨٢.\n(^٥) مطبوع.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثانيًا: منهجه وطريقته في النقل</span>\nجرى الشارح في شرحه على جمع الفوائد من العديد من المصادر، ولم يكن له إلّا ترتيب هذه الفوائد، إلّا ما ندر من المواضع التي يبين فيها رأيه.\nوهنا بيان منهجه، معتمدًا في ذلك على ما ذكره في مقدمته:\nيعزو كل ما نقله إلى الكتب المنقول عنها، ولا يترك تعمد ذلك إلا سهوًا أو لشهرته عند العلماء أو لعسر الكشف عنه.\nتتبَّع أبواب هذا الكتاب بابًا بابًا، وحديثًا حديثًا على الترتيب، إلّا أنه أحيانًا يقدِّم بعض الأحاديث على بعض، كما في تقديم الحديث الثامن عشر على الحديث السابع عشر من كتاب الإخلاص.\nأنه قد يترك بعض الأحاديث دون شرح كما في الأحاديث: السابع والثلاثين، والتاسع والثلاثين، والخمسين، والحادي والثمانين، والسادس والثمانين. وفي المخطوط بياضات حاولت ملأها سواء كانت تراجم أو كلمة ساقطة وميَّزتها بوضعها جميعها بين معكوفتين، قد يترجم للراوي الأعلى فقط دون شرح الحديث كما في الحديث الثالث والثلاثين.\nأنه قد يجمع أكثر من حديث في موضع واحد، كما في الأحاديث: الحادي عشر والثاني عشر، والثالث والأربعين والرابع والأربعين، والثالث والثمانين والرابع والثمانين.\nيذكر بعد كل حديث ما يتعلق به من ضبط، وتفسير، واختلاف لمذاهب العلماء في ذلك. ويهتم كثيرًا بضبط لفظ الحديث (^١).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: ٤٠.","vol":"1","page":65},{"text":"يذكر كل صحابي ونسبه ومولده ووفاته، وكم روى من الأحاديث، مثل: ترجمة عبد الله بن عمر وترجمة عبد الله بن عباس ﵃، وإن كان بياضا في مكان الترجمة ذكرتها وفق منهجه وجعلتها بين معقوفتين.\nرجال الحديث وأسماء أصحاب السنن ومولدهم ووفاتهم، مثل: ترجمة الإمام البيهقي، والترمذي، ... وهكذا.\nيذكر كثيرًا من موضوعات مصطلح الحديث، ويعلق عليها، مثل: تعريف الصحابي، وتعريف التابعي، ومعنى الحديث الشاذ، ومعنى الحديث الموقوف. والمرسل .. وهكذا.\nجعل فيه فروعًا تتعلق بالفقه، وفوائد وحكمًا ولطائف، وتنبيهات وأسئلة لها موقع في أماكنها لا يستغني الإنسان عنها.\nإذا ذكر شيئًا من الأحاديثِ أو الفوائدِ فإنه لا يعيده إلا لفائدة لم تذكر فيما مضى، كما في قصة النجاشي، حيث ذكرها في المقدمة، ثم كررها في الحديث الخامس عشر.\nأنه لا يذكر نص الحديث كاملًا في بداية الشرح، بل يفرقه في عدة مواضع من الشرح.\nإذا قال: \"قال الحافظ\"، فهو يقصد به الحافظ المنذري.\nإذا قال: \"قاله الدميري\"، فهو يقصد الكمال الدميري في كتابه: \"النجم الوهَّاج في شرح المنهاج\"، وأما إذا أراد الديباجة فهو ينص عليها بقوله: قاله في الديباجة.\nأنه ينقل أحيانًا عن بعض العلماء بذكر أسمائهم دون ذكر مصنَّفاتهم، كما فعل أثناء نقله عن القرطبي، فلم يحدد اسم كتابه وهو (المفهم)، فحصل هناك","vol":"1","page":66},{"text":"لبس بين القرطبي صاحب كتاب المفهم والقرطبي المفسر، وكذلك أثناء نقله عن القاضي عياض دون تحديد اسم كتابه وهو كتاب (مشارق الأنوار) من (إكمال المعلم) مع وجود كثير من النقولات المتشابهة فيهما وغيرهما.\nخروج الشارح من نقل لآخر دون الفصل بينهما بكلمة (انتهى) أو نحوها مما يدل على الفصل.\nأنه يترك فراغًا بعد الأسماء دون ذكر ترجمتها (^١)، ولعله ﵀ كان يتركها لعدم استحضارها، أو لعدم توفر المراجع لديه، وذلك بهدف الرجوع إليها وإكمالها، ولكنه لم يفعل إما لوفاته أو لعدم تمكنه من الرجوع إليها أو لعدم توفر المصادر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الرابع: القيمة العلمية للكتاب، والمآخذ عليه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>أولًا: القيمة العلمية للكتاب</span>\nلقد تميَّز هذا السفر المبارك بعدة مميزات، تجعله محط أنظار الباحثين؛ لأجل إخراجه في أفضل صورة؛ ليستفيد منه القارئ والمكتبة الإسلامية، ومن أبرز هذه المميزات ما يلي:\nتفرغ الشارح لشرحه وتدريسه وقراءته على الطلاب، قال السخاوي في الضوء اللامع: وكان ممن اعتنى بالترغيب للمنذري وأتقنه مع النواجي وغيره، وكذا قرأ فيه وفي غيره على شيخنا ابن خضر والشهاب المحلى خطيب جامع ابن ميالة والبرهان الكركي بل سمع فيه على شيخنا، وأقرأ\n_________\n(^١) مثل ترجمة ابن جرير الطبري، وعبد الله بن حزن، وقيس بن المضارب.","vol":"1","page":67},{"text":"وكتب منه عدة نسخ بخطه المنسوب الذي جوَّده ظنا على البسراطي المقسي، قرأه على العامة بالجامع المشار إليه، وزاد اعتناؤه به حتى حصل فوائد في شرح كثير من أحاديثه التقطها في طول عمره من بطون الكتب (^١). وقال في الجواهر والدرر: وكان أكثر أهل العصر اعتثاءً بهذا الكتاب (^٢).\nكثرة موارده في الكتاب، فقد اعتمد على مصادر من أمهات الكتب في شروح الحديث، والرجال، وتراجم الصحابة، والأحكام الفقهية، والتفسير، واللغة، والكلام على بعض مواضيع مصطلح الحديث.\nسلاسة عبارته وقربها من الفهم، وخاصة للعامة.\nأنه شرحٌ لاكثر كتب الترغيب والترهيب انتشارًا وأكثرها صحة، لذا كانت الحاجة ماسة لإخراجه للمكتبة الإسلامية.\nنقله عن كتب مخطوطه أو مفقودة، مثل: المستوفى في أسماء المصطفى لابن دحية الكلبي.\nأنَّه قد نقل عنه طائفة من أهل العلم ممن جاء بعده، مثل:\n١ - محمد الفضيل الشبيهي الإدريسي الزرهوني في الفجر الساطع على الصحيح الجامع.\n٢ - إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي في روح البيان.\nوقد مر معنا شيء من ذلك في مبحث إثبات نسبة الكتاب لمؤلفه.\n_________\n(^١) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٣/ ١١١.\n(^٢) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي، ص ٧١٣.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>ثانيًا: أهم المآخذ عليه:</span>\nكعادة جميع الكتب فإنها لا تخلو من مآخذ وملاحظات، وهذه طبيعة البشر، ولكن هذه المآخذ لا تقلل من شأن الكتاب، ولا تحط من قيمته، وإنما تذكر على سبيل التقويم وطلب الكمال والأفضل، وقد وقفت على بعض هذه المآخذ أثناء عملي في تحقيقه، ومنها:\n- أنه في كثير من المواضع يثقل بعض النصوص، من غير أن يذكر اسم من نقلها عنه أو مصدرها، ويكتفي بعبارة (قيل).\n- استشهاده بالأحاديث والآثار الضعيفة.\n- استطراده في بعض المواضع، مما قد يخرج بالشرح عن المراد منه.\n- تكراره للكلام في عدة مواضع، مما يشغل القارئ بما قد سبق ذكره، كما في قصة النجاشي حيث ذكرها في المقدمة، ثم أعادها في الحديث الخامس عشر.\n- دمجه لشرح بعض الأحاديث كما في الحديثين الحادي عشر والثاني عشر، والحديثين الثالث والأربعين والرابع والأربعين، والحديثين الثالث والثمانين والرابع والثمانين.\n- تركه لشرح بعض الأحاديث كما في الأحاديث: السابع والثلاثين والتاسع والثلاثين، والخمسين، والحادي والثمانين والسادس والثمانين.","vol":"1","page":69},{"text":"- وُجُودُ بعض الأوهام في العزو (^١) أو الخطأ في الاسم (^٢).\n- أنه ينقل أحيانًا عن بعض العلماء بذكر أسمائهم دون ذكر مصنَّفاتهم، كما فعل أثناء نقله عن القرطبي، فلم يحدد اسم كتابه وهو (المفهم)، فحصل هناك لبس بين القرطبي صاحب كتاب المفهم والقرطبي المفسر، وكذلك أثناء نقله عن القاضي عياض دون تحديد اسم كتابه وهو كتاب (مشارق الأنوار) من (إكمال المعلم) مع وجود كثير من النقولات المتشابهة فيهما وغيرهما.\n- خروج الشارح من نقل لآخر دون الفصل بينهما بكلمة (انتهى) أو نحوها مما يدل على الفصل.\n- أنه يترك فراغًا بعد الأسماء دون ذكر ما يعرف بها (^٣)، ولعله ﵀ كان يتركها لعدم استحضارها، أو عدم توفر المراجع لديه، وذلك بهدف الرجوع إليها وإكمالها، ولكنه لم يفعل إما لوفاته أو لعدم تمكنه من الرجوع إليها لعدم توفر المصادر.\n_________\n(^١) مثل قوله: قال الطبراني: وإنما قال ذلك عمر - ﵁ - والله أعلم -؛ لأن الناس كانوا حديث عهدٍ بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهّال أن استلام الحجر وتقبليه هو مثل ما كانت العرب تفعله، فأراد عمر - ﵁ - أن يُعْلَمَ أن استلامه وتقبيله لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف عند أمر نبيه؛ فهذا الكلام منقول عن الطبري وليس الطبراني.\n(^٢) مثل قوله في ترجمة ابن ماجه: سمع بمكة من محمد ويحيى بن أبي عمر العدني، والصواب: محمد بن يحيى العدني.\n(^٣) مثل ترجمة ابن جرير الطبري، وعبد الله بن حزن، وقيس بن المضارب.","vol":"1","page":70},{"text":"وقد حاولت جاهدًا سد ما أمكن سده من هذه الثغرات فخرج الكتاب بحلة قشيبة كاملًا أو قريبًا من الكمال. اسأل الله أن يسهل الاستفادة منه وأن يعم النفع به أن يجعله لوجهه الكريم إنه سميع مجيب الدعاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>وَصْفُ النُّسَخ الخَطِّيَّة المُعْتَمَدَةِ في التَّحقِيق، وصورٌ منها:</span>\nلمَّا كان من المسلّم به اهتمام كل محقق بجمع النسخ الخطية للكتاب المراد تحقيقه، للاطلاع عليها، واختيار ما يصلح منها للاعتماد عليه، ليخرج النص سليمًا قويمًا كاملًا أو قريبًا من الكمال فقد بذلت جهدي للوصول إلى ما يمكن من نسخ هذا الكتاب.\nوبعد جولة في فهارس المكتبات، وجدت لهذا الكتاب العظيم عدة نسخ، يَسَّرَتْ لي بفضل الله تحقيقه وإخراجه، وقد جاءت هذه النسخ على النحو التالي:\nأولًا: نسخة المتحف البريطاني ومصورتها في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وهي تشمل الجزء الأول فقط من بدايته عند قوله: \"بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم يسر وأعن، قال مؤلفه حسن بن علي الفيومي المقيم بالجامع الزاهد بالمقسم - عفا الله عنا وعنه -: الحمد لله رب العالمين ... \".\nوتنتهي عند نهاية شرح حديث سمرة بن جندب من باب الترهيب من ترك الصلاة تعمدًا وإخراجها عن وقتها تهاونًا. وفي نهايتها جاء قوله: هذا آخر الجزء الأولى من شرح الترغيب والترهيب المسمى فتح القريب المجيب","vol":"1","page":71},{"text":"على الترغيب والترهيب [...] (^١)، حسن بن علي الفيومي المقيم بالجامع الزاهدي بالمقسم. عفا الله عنه.\nوهي تحمل الرقم (٢٨٩٦)، وتحتوي على (٣٣٢) صفحة، في كل صفحة (٢٩) سطرًا. وهي بخط نسخي واضح. وعلى هامشها تعليقات وهي تتمم النقص الواقع، في النسخة المغربية الكاملة فكمّلت النقص من النسخة المغربية، فبمجموع هاتين النسختين تكون لدي نسخة كاملة والجزء الأول مكرر.\nثانيًا: نسخة خزانة القرويين بفاس، وقد تم تصويرها من مركز جمعة الماجد للمخطوطات بدبي، وهي بخط مغربي فاسي للناسخ: محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدلائي، بتاريخ ١٢٢٢ هـ. وهي تحمل الأرقام التالية على التوالي (٤٥٤١١١، ٤٥٤١١٢، ٤٥٦٧٨١، ٤٥٦٧٨٢، ٤٥٦٧٨٣).\nوتقع في خمس مجلدات، وعدد صفحاتها على التوالي (٢٨٠، ٢٧٩، ٣٢٥، ٢٠٤، ١٦١)، في كل صفحة (٣١) سطرًا. والمجلد الأول ناقص من أوله وبدأ الكتاب من قوله: \"قاله ابن الملقن .. \"، وفيه نقص آخر وهو أربعة أحاديث من آخرها.\nوجاء في آخر المجلد الأول: \"آخر الجزء الأول، علقه مؤلفه سامحه الله تعالى وأعانه على تكملة الباقي بسيدنا محمد (كذا) وآله، انتهى ما وجد منه سالمًا من البتر والتحريف بحمد الله تعالى وحسن عونه، وصلى الله على\n_________\n(^١) كلام غير واضح مقداره كلمتين.","vol":"1","page":72},{"text":"سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا، على يد كاتبه عبد ربه محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدلائي، ختم الله له بالحسنى ولطف به في الدارين، منتصف رجب الفرد عام عشرين ومائتين وألف، ونسأله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولسائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين\".\nوجاء في أول الجزء الثالث منها قوله: \"الحمد لله، هذا السفر الثالث من شرح الشيخ الفيومي على الترغيب والترهيب، والاثنان قبله استنسخها الناظر الأمين ناظر أحباس القرويين، الطالب الأمين السيد الحاج عبد النبي بن الحاج أحمد بنيس لجانب الحبس، لتلاشي أصلها، وهَيَّأَ عليه من وفر الأحباس فصارت من أجل ذلك حبسًا مؤبدًا ووقفًا مخلدًا من جملة أحباس القرويين يحترم بحرمته إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها وهو خير الوارثين، ومن بَدَّل أو غير فاللّه حسيبه عمّن حضر للصائر المذكور، وشهد على الناظر المذكور بذلك، وهو بأكمله [...] (^١). قيَّده أواخر رمضان المعظم عام اثنين وعشرين ومائتين وألف\".\nوجاء في آخر الجز الرابع قوله: \"قال مؤلفه، تم الجزء الخامس (^٢)، ويتلوه كتاب الجنائز. ووافق الفراغ منه في سابع عشر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وثمان مئة. وكتبه مؤلفه، حسن بن علي الفيومي المقيم بالجامع الزاهدي بالمقسم، وحسبنا الله وكفى. انتهى على يد الفقير إلى عفو الله وأحوجهم إلى\n_________\n(^١) كلام غير واضح.\n(^٢) هذا حسب تقسيم النسخة الهندية وهو نهاية الجزء الرابع من النسخة المغربية.","vol":"1","page":73},{"text":"رحمته، عُبَيد ربه وأسير ذنبه محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الدلائي، غفر الله له ولوالديه ولسائر المسلمين، بجاه سيد المرسلين (كذا) اللهم صلِّ وسلم عليه بدوام رب العالمين. والحمد لله رب العالمين. صبيحة يوم الجمعة تاسع وعشرين من جمادى الأولى عام ستة وعشرين ومائتين وألف. رزقنا الله خيره وخير ما بعده، وختم لنا ولمن دعا لنا بالرحمة والمغفرة بالحسنى. ثم الحمد لله رب العالمين وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، وأستغفره وأتوب إليه إنه هو الغفور الرحيم\".\nأما المجلد الخامس من النسخة المغربية فهي ناقصة من آخرها خمس لوحات، استدركتها من النسخة الهندية.\nرابعًا: نسخة السعيدية، حيدر آباد بالهند، وقد تم تصويرها من مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهي بخط مشرقي، ويعتقد أنها بخط المؤلف. وهي تمثِّل الجزأين الخامس والسادس كما هو مرقوم على أولهما، وتحمل الأرقام التالية على التوالي: (١٦٦١، ١٦٢٢). وتقع في مجلدين. فأما الجزء الخامس فعدد صفحاته (٣٨٥) في كل صفحة (٢١) سطرًا. وقد كتب على الغلاف: \"الجزء الخامس من فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب، تأليف الشيخ العلامة المحدث بدر الدين أبي الحسن بن علي الفيومي المقيم بالمقسم بالجامع الزاهدي، تغمَّده الله تعالى بالرحمة والرضوان، وكاتبه وقارئه وسامعه والمسلمين.","vol":"1","page":74},{"text":"كما يوجد عليها تملك في سنة ثمان وخمسين ومئة وألف للهجرة، مكتوب فيه: الحمد لله فقد منَّ الله علينا بتملك هذا الكتاب المبارك، وأنا الفقير إلى الله الغني، عبد الكريم بن عبد الله المكي القادري. كما أنَّ عليه ختم المكتبة السعيدية.\nوأما الجزء السادس منه فيحتوي على (٢٩٨) صفحة، في كل صفحة (٢١) سطرًا. وقد كتب على الغلاف: \"الجزء السادس وهو آخر جزء من شرح الترغيب للحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، والشرح المذكور للشيخ المحدث بدر الدين الحسن بن علي الفيومي، نزيل سيدي أحمد الزاهد بالمقسم، ونفع بعلومه\". وهي ناقصة من أولها إلى بداية كتاب الأدب، وناقص من آخرها آخر أربعة أحاديث. وهذان المجلدان نسخة ثانية للمجلد الرابع والخامس من النسخة المغربية.\nبعد انتهائي من تحقيق الكتاب وتقديمه للطبع وفقني الله للحصول على نسخة ثانية من الكتاب، ففرحت بها واقتنيتها وحاولت الاطلاع عليها بدقة وتأنٍ فاهتديت إلى أنها النسخة الأولى التي كتبها المؤلف شرحا لكتاب الترغيب والترهيب، دلني على ذلك كثرة الشطب والإلحاقات التي رافقت النسخة من بدئها إلى نهايتها.\nوالموجود من هذه النسخة ستة أجزاء: وهي كلها محفوظة في خزانة جامعة القرويين بفاس تحت الرقم العام ٨٠/ ١٣٨ ومنها صورة في معهد المخطوطات وفيما يلي وصف تلك النسخة:","vol":"1","page":75},{"text":"تبدأ هذه النسخة بالجزء الأول: ورقمه ٣٨٩/ ٨٤، وعدد أوراقه: ٣٧٠ وكل ورقة مكونة من وجهين أ وب وفي كل صفحة ٢١ سطرا تقريبًا، ومقاسه ١٤ + ٢٢ سم.\nالجزء الأول مبتور من أوله يبدأ الموجود منه بعد ترجمة أبي محمد سمرة بن جندب بن هلال بن حديج بقوله: قوله: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نَتَّخِذَ الْمَسَاجِدَ فِي دِيَارِنَا. قال صاحب العلم المشهور ذو النَسَبَيْن: إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله - ﷺ - بكذا أو نهانا عن كذا وجب حمله على الوجوب ... ويقابله في المطبوع (٣/ ١٧) حديث رقم ٤٣٢.\nوآخره ينتهي بصلاة الاستخارة بقوله: ويسمي حاجته أي يُعَين حاجته مثل أن يقول: إن كنت تعلم أن هذا الأمر من السفر أو التي صرح أو غير ذلك وتعاد ثانيا وثالثا وكذا صرح ابن الصلاح والله أعلم. انظره في المطبوع (٤/ ٤٩٩) حديث رقم ١٠٢٤.\nفي آخره: نسخه بخط المؤلف، بقلم نسخي، عليها تصحيحات، وبحواشيها تعليقات وشروح كثيرة، وضاعت بعض كلماتها بسبب الأرضة. وهي من تحبيس التاجر الحاج أبي العباس أحمد بن علي الشرابية على الشيخ محمد بن عبد السلام بناني.\nالجزء الثاني ورقمه: ٣٩٠/ ٨٤، وعدد أوراقه: ٢١١ ورقة ولكل ورقة وجهان أ وب وفي كل وجه ٢٥ سطرًا تقريبًا ومقاسه ١٤+٢٢ سم.\nوجاء في صفحة العنوان: الجزء الثاني من (فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب) تأليف كاتبه حسن بن علي الفيومي سامحه الله.","vol":"1","page":76},{"text":"ويبدأ بكتاب الجمعة: الترغيب في صلاتها والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها. ثم افتتح الكلام بقوله: الجمعة - تقال بضم الميم وإسكانها وفتحها، ثلاث لغات حكاهن الواحدي -. ويقابله في المطبوع (٤/ ٥٠٢) وبه يبدأ المجلد الثاني من النسخة المغربية المعتمدة.\nوينتهي: بالتَّرْغِيب فِي سُكْنى الْمَدِينَة إِلَى الْمَمَات وَمَا جَاءَ فِي فَضلهَا وَفضل أُحُد، ووادي العقيق، بقوله: في - هل المدينة يمانية أو شامية - وذلك أن قوله من ها هنا يفيد أنه ابتداء اليمن من هذه البقعة. وقوله: ما هاهنا أشار إلى أن هذه البقعة من الشام، ولم يتعرض إلى أنها ابتداء الشام أو لا، انتهى كلام ابن الأثير قاله الزركشي. في المطبوع (٦/ ٢٨٠)، وهو نهاية المجلد الثاني من النسخة المغربية المعتمدة.\nوفي آخره: انتهى الجزء الثاني من فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قاله مؤلفه عفا الله عنه.\nالجزء الثالث: ورقمه ٣٩١/ ٨٥، عدد أوراقه: ٣١١ ورقة ولكل ورقة وجهان أ وب وفي كل وجه ٢٠ سطرًا تقريبًا، ومقاسه ١٤+ ٢٢ سم.\nأوله: كتاب الجهاد: الترغيب في الرباط في سبيل الله ﷿، ويبدأ بقوله: عن سهل بن سعد الساعدي قوله - ﷺ -: \"رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ... \". ويقابله في المطبوع (٦/ ٢٨١) وهو أول المجلد الثالث من النسخة المغربية المعتمدة.\nوآخره مبتور: وينتهي الموجود منه بـ: قال النووي: ذكر الإمام أبو عبد الله التيمي المذكور قال: قرأت في بعض الحكايات أن بعض المبتدعة حين سمع","vol":"1","page":77},{"text":"قول النبي - ﷺ -: \"وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فلا يغمس يَدَهُ في الإناء حتى يغسلها، فَإِنه لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ\".\nالجزء الرابع: رقمه: ٣٩٢/ ٨٥، وعدد أوراقه: ٣٦٩ ورقة ولكل ورقة وجهان أ وب وفي كل وجه ٢١ سطرا تقريبًا، ومقاسه ١٤+٢٢ سم.\nوصفحة العنوان: الجزء الرابع من فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للمنذري جمع العبد الفقير الراجي عفو ربه القدير حسن بن علي الفيومي المقيم بالجامع الزاهدي بالمقسم عفا الله عنه.\nأوله يبدأ بكتاب النكاح بقوله: النكاح في اللغة: الضم والجمع ودخول الشيء في الشيء، ويطلق على العقد والوطء ويقابله في المطبوع (٨/ ٥٣٣).\nآخره: مبتور وينتهي الموجود منه أثناء الكلام عن الترهيب من الإمعان في الشبع والتوسع في المآكل والمشارب بقوله: قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - قَاعِدًا حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز فَرفع رَأسه قِبَلَ السَّمَاء ثمَّ خفض رأسه فَوضع يَده على جَبهته فَقَالَ سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله مَا أنزل من التَّشْدِيد .. وتقابله في المطبوع (٨/ ٢٧٢).\nويوجد بهذا الجزء بياض قليل، وبه نقص بعد الورقة ١٤٣ أثناء الكلام عن الترهيب من اللواط، وإتيان البهيمة والمرأة في دبرها سواء كانت زوجته أو أجنبية، وكتبت الورقتان ١٤٤ و١٤٥ بخط مغاير، وفيه سقط أيضا بعد الورقة ٣٥٤، أثناء الكلام عن الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم، وكتبت الأوراق من ٣٥٤ لـ ٣٥٨ بخط مغاير أيضًا كما كتبت الورقة ٣٦٦ بنفس الخط المغاير.","vol":"1","page":78},{"text":"الجزء الخامس: رقمه: ٣٩٣/ ٨٦، أوراقه: ٣١١ ورقة، ولكل ورقة وجهان أ وب وفي كل وجه ٢١ سطرًا تقريبًا، ومقاسه ١٤ + ٢٢ سم.\nصفحة العنوان: الجزء الخامس من فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للمنذري جمع فقير ربه المعترف بذنبه حسن بن علي الفيومي المقيم بالمقسم بالجامع الزاهدي.\nأوله: كتاب الأدب وغيره، تقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في مواضع من هذا التعليق. التَّرْغِيب فِي الْحيَاء وَمَا جَاءَ فِي فَضله والترهيب من الْفُحْش وَالْبذَاء. ويقابله في المطبوع (١٠/ ٧٢٢).\nوآخره: ينتهي التَّرْغِيب فِي الرَّجَاء وَحسن الظَّن بِالله ﷿ سِيمَا عِنْد الْمَوْت، بقوله: قوله في الحديث: قَالَ الله جلّ وَعلا أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي إِن ظن خيرا فَلهُ وَإِن ظن شرا فَلهُ. وفي الصحيح: \"أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء\". ويقابله في المطبوع (١٣/ ٣١١).\nوفي الجزء بياض قليل، وفرغ منه مؤلفه في ربيع الأول سنة ٨٥٩ هـ.\nالجزء السادس: رقمه ٣٩٤/ ٨٦، عدد أوراقه: ٣٢٣ ورقة، ولكل ورقة وجهان أ وب وفي كل وجه ٢١ سطرًا تقريبًا، ومقاسه ١٤ + ٢٢ سم.\nأوله مبتور، ويبدأ الموجود منه أثناء كتاب الجنائز (ويقابله في المطبوع ١٣/ ٣١٥): قوله - ﷺ -: \"رجل خاف على نفسه العَنَتَ فتعفف بنكاح امرأة\" الحديث.\nآخره مبتور أيضًا وينتهي الموجود منه: بالترغيب في البكور في طلب الرزق وغيره، بقوله: وفي حديث آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله","vol":"1","page":79},{"text":"- ﷺ -: \"بورك لأمتي في بكورها\".\nيوجد بياض قليل فيه.\nويبدو أن هذه النسخة مسودة المؤلف ﵀ لأن فيها شطبًا كثيرًا واستدراكات، وكثرة إلحاقات على هامش النسخة وعلى طُرَّتِها إثباتُ وقفٍ وعِدةُ تَمَلُّكات.\nوالنسخة التي اعتمدت عليها هي منسوخة من هذه النسخة. فيما يبدو لي. وكذلك فيها تقديم وتأخير.\nولم أتمكن من المقارنة بينهما بالتفصيل الدقيق وذلك لحصولي عليها بعد تقديم الكتاب للطبع إلا أنني سحبت المجلد الأول لإضافة واستدراك هذه المعلومات، وسأقارن بينهما في الطبعة الثانية إن شاء الله، وَيسّر.\nبعد دراسة متأنية وجادة لكل ما جمعته من أجزاء الكتاب وقع اعتمادي على النسخة المغربية وجعلتها أصلا، وأخذت من مجموع القطع الثلاث نسخة لفقتها، فتكون لديّ نسخة كاملة تامة مكونة من: القطعة الأولى وهي مصورة من المتحف البريطاني، والقطعة الثانية والثالثة مصورتان من المكتبة السعيدية، إضافة إلى النسخة المغربية المكونة من خمس مجلدات كما سبق وصفها جميعًا، واستفدت من هذه القطع كلها في استدراك ما وقع في النسخة الملفقة في سد بياض أو تصحيح خطأ أو حل عبارة غامضة وقد استنطقتها فأفادتني وساعدتني وأستطيع أن أجزم أن عملي كان موفقًا وقريبًا من الصواب في إخراج نص سليم كامل أو قريب من الكمال.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>عملي في الكتاب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>أولًا: تحقيق النص:</span>\n١ - اخترت أكمل النُّسخ واتخذتها أصلًا، اعتمدت عليه كما تقدم مفصلًا حسب توزيع المؤلف وهي نسخة المتحف البريطاني في حين قابلتها على نسخة مكتبة القرويين. وأثبت الزيادة إن كانت في إحداهما وأشرت إلى ذلك.\n٢ - ذكرت بدء ونهاية كل صفحة وميّزت الوجه نهاية كل صفحة، فأشير بالحرف (أ) لوجه الورقة الأول، وبالحرف (ب) لوجهها الثاني، واضعًا ذلك بين قوسين كبيرين بمحاذاة السطر الذي تنتهي به الكلمة الأخيرة من الصفحة، هكذا.\n٣ - راعيت كتابة النص وفق القواعد الإملائية المقررة، مع الالتزام بعلامات الترقيم.\n٤ - نبهت على الفروق ذات الأهمية عندما تختلف النسخة المغربية مع القطع الثلاث الأخرى التي ذكرت وصفها، أو إن كان ما في الكتاب مغايرًا لأصل النص من المصدر، واضعًا إياها بين معقوفتين مع الإشارة إلى ذلك في الحاشية، وأهملت ما رأيت أن ذكره يتعب ولا يفيد، مثل: سقط أو خطأ أو بياض أو طمس في نسخة وكان ثابتًا صحيحًا في نسخة أخرى لئلا أثقل النص وأشغل الباحث والقارئ والمستفيد.\nما كان من خطأ أو تصحيف، فإني أصوبه بين معقوفتين في صلب النصّ، ثم أشير إلى ذلك في الحاشية، معتمدًا في ذلك على القطع الثلاث، أو الكتب التي هي مصدر ذلك النقل إن وجدت أصل النقل.","vol":"1","page":81},{"text":"ما كان من سقط أو بياض أو طمس في النسخة المغربية وتحققت من صوابه من نسخة أخرى (القطع الثلاث) أو المصدر الذي ينقل عنه الشارح فإني أُثبته بين معقوفتين، وأشير إليه في الحاشية، فإن لم أجد لسد البياضات مصدرًا يُعتمد عليه فإني أتركه فراغًا منقوطًا هكذا [....]، مشيرًا في الهامش إلى ذلك ومقداره.\nما كان من لحق على النص في الحاشية، وثبت كونه من صلب المتن، فإني أثبته في موضعه دون الإشارة إليه في الحاشية؛ خشية الإطالة.\nتعقبت المؤلف فيما سها عنه من تأويلات بعض النصوص العقدية التي لا يحسن السكوت عليها، وتعقبته فيما شطح فيه، مبينًا وجه الحق والصواب من أقوال علماء السلف بإيجاز.\nولا شك أن المؤلف بذل جهده لجمع مادة شرحه للكتاب واستفاد من كل ما يقرب للمستفيد، وللباحث ما يسهل له الوصول إلى المقصود من شرح أصل الترغيب، وقد استطاع المؤلف حشد مصادر مختارة متميّزة لها ارتباط جيد بالموضوع، وتمكّن من تقريب معاني الأحاديث التي ساقها المنذري في كتابه وتسهّل الإستفادة، وقد قام الشارح بذلك خير قيام، وبذل ما يستطيعه في جمع مادة شرحه وتوج ذلك بقراءة الكتاب وإقرائه، وكل هذا يدل على عناية المؤلف بعمله وإضفاء الجودة عليه سالكًا كل الطرق لذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والكتاب كتاب ترغيب وترهيب وموضوعه يحتاج إلى تحفيز الهمم وشد العزم وفتح المسالك المتعددة واختيار ما يبسط معنى الترغيب ليسهل العمل - ويزيد الرغبة وكذلك سلك في تبسيط","vol":"1","page":82},{"text":"معنى الترهيب ليدخل الخوف والوجل ويجنب الوقوع فيه، وقد نجح المؤلف في ذلك أيما نجاح ووفّى ذلك حقه، ولا يخفى أن الكتاب كبير، جامع، متفرد في بابه وقد أدرك الشارح دقة موضوعه فبذل جهده في شرحه، ولم يدخر وسعًا في ذلك.\nوالموضوع ترغيب وترهيب تحلية وتخلية وقد نجح المؤلف في ذلك وقديما قالوا: قد يوجد في الأنهار ما لايوجد في البحار.\nصوّبت ما كان من خطأ في الآيات القرآنية في المتن دون الإشارة إلى ذلك.\nميَّزت الأحاديث عن بقية النص بتظليلها بالأسود الغامق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>منهجي في التحقيق:</span>\nكتبت الآيات بخط مصحف المدينة بين قوسين مزهرين، مع عزوها إلى موضعها بذكر اسم السورة ورقم الآية في الحاشية.\nذكرت مواطن الحديث بالعزو إلى من ذكرهم المنذري أو الفيومي مكتفيًا بالجزء والصفحة أو رقم الحديث فقط.\nذكرت تخريج أحاديث المنذري من مصادره التي يذكرها وذلك حسب ترتيبه لها أولا ثم أضفت مصادر التخريج الأخرى، خرّجت الأحاديث والآثار من مصادر السُّنَّة، مع بيان درجتها من صحة وضعف، معتمدًا على أئمة هذا الشأن.\nإذا ذكر الشارح حديثًا أو أثرًا دون ذكر مصدره والحكم عليه، فإني أجتهد في تخريجه وبيان حاله من مظانه من دواوين السُّنَّة المشهورة. وأتبعه بذكر","vol":"1","page":83},{"text":"الحكم على الحديث غالبًا، وبيان درجته، معتمدًا في ذلك على أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين إن وجدته، وقد قام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ - بتقسيم أحاديث الكتاب إلى صحيح وضعيف، وقد ذكرت حكمه على الأحاديث جميعها معتمدًا على الكتابين: صحيح الترغيب وضعيف الترغيب، وأضفت ما في سلسلتيه الصحيحة والضعيفة - إن كان الأمر يحتاج إلى ذلك -. وقد أُضطر لإبداء رأي في التصحيح أو التضعيف إذا لم أجد لواحدٍ ممن سبقني كلامًا في ذلك، متبعًا قواعد أئمتنا أئمة الجرح والتعديل.\nترجمت للرواة الواردين في النص - أحيانًا - إن كان الواقع يقتضي ذلك، ولم يترجم لهم المؤلف، فإن كانوا من رجال الكتب الستة؛ اعتمدت في ذلك على \"تقريب التهذيب\" للحافظ ابن حجر - غالبًا -، وأضيف إليه \"تهذيب الكمال\" - أحيانًا -، وإن لم يكونوا من رجال الكتب الستة، فإنني أنقل أقوال العلماء فيهم من كتب الجرح والتعديل التي بين يدي.\nأضفتُ النص الحديثي قبل شرحه لأن هذا شرح يسمى بالممزوج فالشارح لا يذكر نص الحديث بل يذكر الجزء الذي يشرحه وميّزت النص بتظليله كاملًا.\nرقّمت أحاديث الترغيب والترهيب ترقيمًا تسلسليًا من أول الكتاب إلى نهايته، معتمدًا على الطبعة التي اعتنى بها الشيخ مصطفى عمارة. بعض الأحاديث لم يشرحها الفيومي أو هي بياض في أصل المخطوط أضفت هذه الأحاديث مع التخريج بدون شرحها لإبقاء ترتيب الكتاب، كما هو وهي قليلة.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>توثيق النص:</span>\nوثَّقت النصوص التي نقلها الشارح من خلال الرجوع إلى مصادرها الأصلية ما أمكن، مقتصرًا على ذكر اسم الكتاب، والمؤلف، ورقم الجزء، والصفحة.\nفي كثير من المواضع ينقل المصنِّف بعض النصوص، من غير أن يذكر مَنْ نقلها عنه أو مصدَرَها، ويكتفي بعبارة (قيل). فعزوت تلك النصوص إلى مصادرها إن وقفت عليها قدر الإمكان.\nعزوت الأشعار إلى مصادرها منسوبة لقائليها، إن اهتديت لذلك.\nوثّقت كثيرًا من المسائل الفقهية التي ذكرها الشارح من الكتب المعتمدة لكل مذهب من المذاهب التي أشار إليها، وقد حرصت على عدم التوسُّع والاستقصاء في ذلك؛ لعدم إثقال الحواشي، ولأن المؤلف قد وفّى وكفّى غالبًا.\nالكتب المفقودة أشير إليها عند أول ورودها ثم لا أعلق عليها بعد ذلك، أو أستعيض عنها بكتب أخرى نقلتْ النص، كلّ ذلك بحسب استطاعتي.\nوفي الختام أحمد الله تعالى وأُثني عليه بما هو أهله، وأشكره أن يَسّر، وأعان على إتمام هذا الكتاب. وأتقدّم بشكري أيضا إلى كلّ من أسدى إليّ معونة، أو يدًا، أو نصحًا، أو مناقشة، أو تقويمًا للكتاب، وفي مقدّمتهم فضيلة الشّيخ الدّكتور: محمود أحمد ميرة الأستاذ المشارك في جامعة الإمام سابقًا، فأسأل الله أن يجزيه عنّي خير الجزاء.\nلَقَدْ كَلَّفَنِي إعْدَادُ هذا الكِتَابِ وإخْرَاجُه عناءً وتعبًا - على صُورَةٍ أَرْجُو أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةً مِمَّا تَركَهُ المُؤَلِّفُ - واستغرق مدة العمل فيه أكثر مِن ثمان","vol":"1","page":85},{"text":"سنوات، ولَا أُرِيدُ أَنْ أُزَكِّي عَمَلِي، ولَكِن حَسْبِي أَنني لَمْ أَدَّخِرْ وُسْعًا في خِدْمةِ هذا الكِتَاب. وقد حرصت على إعداده إعدادًا جيّدًا، فإن وُفِّقْت فمن الله وحده، وله الشَّكر والفضل والمِنّة، وإن زلّ قلمي، أو قصّرت عن التّعبير عمّا في نفسي، أو فاتني التعليق على ما ينبغي التنبيه عليه، أو استدراك ما فات المؤلف أو الشارح، فأستغفر الله منه، وأسأله الصفح، والتجاوز عنه. وصلى الله على نبيّنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم تسليما كثيرًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.\nالخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج.\nالفوائد العلمية النادرة.\nفهرس الأحاديث والآثار.\nفهرس المصادر والمراجع.\nفهرس الموضوعات.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>نماذج من النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق</span>\nالصفحة الأولى من نسخة المتحف البريطاني","vol":"1","page":87},{"text":"الصفحة الثانية من نسخة المتحف البريطاني","vol":"1","page":88},{"text":"الصفحة الأخيرة من نسخة المتحف البريطاني","vol":"1","page":89},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الأول من النسخة المغربية","vol":"1","page":90},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الأول من النسخة المغربية","vol":"1","page":91},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الثاني من النسخة المغربية","vol":"1","page":92},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني من النسخة المغربية","vol":"1","page":93},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الثالث من النسخة المغربية","vol":"1","page":94},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الثالث من النسخة المغربية","vol":"1","page":95},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الرابع من النسخة المغربية","vol":"1","page":96},{"text":"الصفحة الثانية من المجلد الرابع من النسخة المغربية","vol":"1","page":97},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الخامس من النسخة المغربية","vol":"1","page":98},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الرابع من النسخة المغربية","vol":"1","page":99},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الخامس من نسخة المكتبة السعيدية","vol":"1","page":100},{"text":"الصفحة الثانية من المجلد الخامس من نسخة المكتبة السعيدية","vol":"1","page":101},{"text":"الصفحة الثانية من المجلد الخامس من نسخة المكتبة السعيدية","vol":"1","page":102},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد السادس من نسخة المكتبة السعيدية","vol":"1","page":103},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد السادس من نسخة المكتبة السعيدية","vol":"1","page":104},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الأول من نسخة المؤلف","vol":"1","page":105},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الأول من نسخة المؤلف","vol":"1","page":106},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الثاني من نسخة المؤلف","vol":"1","page":107},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني من نسخة المؤلف","vol":"1","page":108},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الثالث من نسخة المؤلف","vol":"1","page":109},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الثالث من نسخة المؤلف","vol":"1","page":110},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الرابع من نسخة المؤلف","vol":"1","page":111},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الرابع من نسخة المؤلف","vol":"1","page":112},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد الخامس من نسخة المؤلف","vol":"1","page":113},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الخامس من نسخة المؤلف","vol":"1","page":114},{"text":"الصفحة الأولى من المجلد السادس من نسخة المؤلف","vol":"1","page":115},{"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد السادس من نسخة المؤلف","vol":"1","page":116},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nاللهم يسر وأعن ..\nيقول مؤلفه: حسن بن علي الفيومي، المقيم بالجامع الزاهدي بالمقسم - عفا الله عنه -:\nالحمد لله رب العالمين، أكمل الحمد على كلّ حال، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وسائر النبيين وكل وسائر الصالحين نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون. أما بعد]،،\nفإن \"كتاب الترغيب والترهيب\" إملاء الشيخ العلم العالم رحلة الحُفَّاظ والمحدّثين إمام وقته وفريد عصره الحافظ أبي محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة المنذري الشافعي من الكتب المباركات النافعات مما ينبغي الاعتناء به لا يستغني طالب العلم عنه، وقد اشتهر بين الناس غاية الإشتهار وألفوا قراءته وسماعه في جميع البلدان والأمصار ولاسيما في الأشهر الثلاثة أشهر العبادة والغفران وهي رجب وشعبان ورمضان، وقد حصل بقراءته وسماعه [النفع] التام لكونه محذوف الأسانيد، [واضح] يفهمه الخاص والعام لكن فيه ألفاظ غريبة تحتاج إلى الكشف عنها من كتب اللغة و[غريب] الحديث والشروح، وكل من سألت فيه عن شيء مما يتعلق بهذا العلم العظيم الشأن لم يجبني جوابًا شافيًا يحصل به الحجة الواضحة والبرهان، ولم أر [تعرض] لشرحه من علماء","vol":"1","page":117},{"text":"هذا الزمان، فألهمتني المقادير الربانية المطالعة في شرح الأحاديث النبوية وفي مناقب الصحابة والتابعين والسادة المرضية، فله الحمد على ما أنعم والشكر على ما أولانا من النعم فجمعت عليه فوائد جمة لا يقدر على تحصيلها إلا من عنده [عزيمة] وذكاء وهمة، وليس قصدي بذلك التبجح والإشاعة وإنما قصدت بذلك النفع والثواب، وإلى اللّه أمد أكف الضراعة ولم يكن لي يد في هذه الصناعة لاشتغالي عن العلم بالسعي على العيال خوف الإضاعة ولكني أرجو من اللّه التوفيق والاستطاعة.\nفطالعت عليه كتاب شرح مسلم (^١)، وتهذيب الأسماء واللغات (^٢) والأذكار (^٣) والرياض (^٤) وبستان العارفين في التصوف (^٥)، كلها للشيخ الإمام قطب زمانه يحيى النووي (^٦)، وكتاب شرح مشارق الأنوار للشيخ [﵀] وكتاب التناقيح على المصابيح لقاضي القضاة صدر الدين المناوي (^٧)\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجَّاج، طبعة: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الثانية.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات، طبعة: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n(^٣) الأذكار، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط ﵀.\n(^٤) رياض الصالحين، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان الطبعة الثالثة، المحقق: شعيب الأرنؤوط.\n(^٥) بستان العارفين، طبع دار الريان للتراث.\n(^٦) أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ).\n(^٧) وهو كتاب كَشْفُ المنَاهِجِ وَالتّنَاقِيحِ في تَخْريجِ أحَادِيثِ المَصَابِيحِ مؤلفه: محمد بن إبراهيم بن إسحاق السلمي المُنَاوِي ثم القاهري، الشافعيّ، صدر الدين، أبو المعالي =","vol":"1","page":118},{"text":"وكتاب [تهذيب النفوس] للشيخ الإمام شمس الدين السعودي الحنفي (^١) وكتاب سلاخ المؤمن للشيخ تقي الدين [ابن الإمام] (^٢) وكتاب حادي الأرواح وكتاب الروح و[كلاهما] لابن قيم الجوزية (^٣) وكتاب الجهاد (^٤) وهو [قبل] أذكار النووي في الجهاد خاصة وكتاب تنبيه الغافلين في الأمر بالمعروف (^٥) [وكلاهما] لابن [النحاس] المقتول شهيدًا المدفون بثغر دمياط - قدس اللّه روحه - وكتاب حادي المحبوب إلى لقاء المحبوب لقاضي القضاة ابن الميلق (^٦) وهو كتاب نافع جدًّا في الشهيد مع [شرحه]\n_________\n= (المتوفى: ٨٠٣ هـ) وقد من اللّه علينا بتحقيقه ونشره وطبع ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م عن الدار العربية للموسوعات، بيروت.\n(^١) وهو محمد بن أحمد بن عمر، أبو عبد اللّه السعودي الحنفي: فقيه مصري من أهل القاهرة قال السخاوي: ورأيت له كراريس من مصنف سماه: تهذيب النفوس في الوعظ (الضوء ٧: ٣٣).\n(^٢) وهو محمد بن محمد بن علي بن همام أبو الفتح، تقيّ الدين، الصروف بابن الإِمَام (المتوفى: ٧٤٥ هـ) وكتابه سلاح المؤمن في الدعاء والذكر طبع ١٤١٤ هـ عن دار ابن كثير - دمشق - بيروت.\n(^٣) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين بن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) وكتابه حادى الأرواح إلى بلاد الأفراح الناشر: مطبعة المدني، القاهرة، وكتاب الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة دار الكتب العلمية - بيروت.\n(^٤) هو مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ومثير الغرام إلى دار السَّلام لأبى زكريا أحمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي ثم الدمياطي (المتوفى: ٨١٤ هـ)، طبعة دار البشائر الإسلامية.\n(^٥) تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.\n(^٦) هو محمد بن عبد الدائم بن محمد بن سلامة القاضي ناصر الدين أبو عبد اللّه المصرى الشافعي الشاذلى المعروف بابن المبلق ولد سنة ٧٣١ وتوفى سنة ٧٩٧ سبع وتسعين =","vol":"1","page":119},{"text":"وذكر نتائجه وفوائده، وكتاب التذكرة (^١) وكتاب التذكار (^٢) وكلاهما للإمام القرطبي، وشرح الأحكام لقاضي القضاة العراقي (^٣)، وكتاب شرح أحكام عبد الحق لابن عقيل البالسي (^٤)، وكتاب المتجر الرابح في العمل الصالح للحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري (^٥) وكتاب اللطائف في الموسم العام من الوظائف وشرح الأربعين النواوية وكلاهما\n_________\n= وسبعمائة (إيضاح المكنون ٣/ ٣٨٨)، وكتابه اسمه حادى القلوب إلى لقاء المحبوب له نسخة مخطوطة في تشستربيتى برقم (٤٢٨٣)، ونسخة في لايبزك رقم (٠٢٤٦).\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة لأبى عبد اللّه محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ) دار المنهاج.\n(^٢) التذكار في أفضل الأذكار من القرآن الكريم، طبعة دار الكتب العلمية.\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب لأبى الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحُسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (المتوفى: ٨٠٦ هـ) الطبعة المصرية القديمة - وصورتها دور عدة منها (دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، ودار الفكر العربي).\n(^٤) شرح أحكام عبد الحق الإشبيلى كتابان الأول مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام لأبى القاسم عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التميمي المعروف بابن بزيزة (المتوفى ٦٦٢ هـ) ولم أهتد لمكانه مخطوطًا أو مطبوعًا، وكتاب شرح الأحكام أيضًا لمحمد بن علي بن محمد بن عقيل، أبي الحسن، نجم الدين البالسي (المتوفى ٨٠٤ هـ) وكذلك هو لم أهتد إليه.\n(^٥) المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح لأبى محمد شرف الدين عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي (المتوفى ٧٥٠ هـ) طبع بتحقيق الدهيش.","vol":"1","page":120},{"text":"لابن رجب الحنبلي (^١) وكتاب شرح الأربعين النواوية أيضًا للطوفي (^٢) وكتاب المغيث في غريب القرآن والحديث لأبي القاسم [الأصفهاني] (^٣) وكتاب شرح الأربعين الودعاني للأصفهاني (^٤) وكتاب قمع النفوس (^٥) وشيئًا من سير السلوك (^٦) وكلاهما للشيخ تقي الدين الحسني وكتاب حدائق الأولياء وشيئًا يسيرًا من شرح عمدة الأحكام كلاهما لابن الملقن (^٧) وكتاب شرح عمدة الأحكام وكتاب كشف الأسرار فيما خفى من الأفكار وتسهيل\n_________\n(^١) زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥ هـ) وكتابيه الأول اسمه لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف مطبوع لدى دار ابن حزم، والثانى جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم له عدة طبعات منها طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق الأرناؤوط.\n(^٢) سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: ٧١٦ هـ) وكتابه التعيين في شرح الأربعين طبع مؤسسة الريان.\n(^٣) محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني، أبو موسى (المتوفى: ٥٨١ هـ) وكتابه اسمه المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، طبعة جامعة أم القرى.\n(^٤) مخطوط شرح الأربعين الودعانية الأزهرية.\n(^٥) قمع النفوس ورقية المأيوس لأبى بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز تقي الدين الحصني (المتوفى ٨٢٩ هـ) مخطوط رقم الحفظ: ٩٢٤.\n(^٦) لم أعثر للمصنف على كتاب بهذا الاسم إلا أنه مذكور في خزانة التراث كتابا له اسمه تنبيه السالك على مظان المهالك محفوظ في رامبور ١/ ٣٣٣ (٧٢).\n(^٧) هو سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى ٨٠٤ هـ) وكتابيه حدائق الأولياء مطبوع دار الكتب العلمية وأما شرح عمدة الأحكام له فاسمه الإعلام بفوائد عمدة الأحكام طبع دار العاصمة.","vol":"1","page":121},{"text":"المقاصد لزوار المساجد وكتاب القدوة فيما يتعلق بالإمام والمأموم وكلاهما لابن العماد (^١) وكتاب النهاية في الحديث لابن الأثير (^٢)، وكتاب العلم المشهور في فضل الشهور لأبي الخطاب السبتي المشهور بابن دحية الكلبي (^٣)، وكتاب شرح البخاري للكرماني (^٤)، وكتاب مختصر مجمع الأحباب وكتاب إعلام الساجد بأحكام المساجد لأبي عبد اللّه الزركشي الشافعي (^٥)، وكتاب الديباجة في شرح ابن ماجة للكمال الدميري (^٦)، وكتاب\n_________\n(^١) شهاب الدين أبي العبَّاس أحمد بن عماد بن يوسف الأقفهسي القاهري الشافعي (ت ٨٠٨ هـ) وأما كتاباه شرح العمدة والقدوة فلم نظفر بهما وأما كتاباه كشف الأسرار وتسهيل المقاصد فهما مخطوطان عزونا لهما في مواضع العزو.\n(^٢) مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري بن الأثير (المتوفى: ٦٠٦ هـ) وكتابه النهاية في غريب الحديث والأثر، مطبوع.\n(^٣) أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الأندلسي الشهير بابن دحية الكلبي (المتوفى ٦٣٣ هـ) وكتابه مخطوط اسمه العلم المشهور في فضائل الايام والشهور رقم (٦٠١٦/ الجامعة الإسلامية).\n(^٤) محمد بن يوسف بن علي بن سعيد، شمس الدين الكرماني (المتوفى: ٧٨٦ هـ) وكتابه اسمه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري طبعة دار إحياء التراث.\n(^٥) أبو عبد اللّه بدر الدين محمد بن عبد اللّه بن بهادر الزركشي الشافعي (المتوفى: ٧٩٤ هـ) وله عدة مصنفات منها إعلام الساجد بأحكام المساجد مطبوع، ومختصر مجمع الأحباب لم أعثر عليه وأما مجمع الأحباب وتذكرة أولى الألباب فمطبوع حديثًا وهو لمحمد بن الحسن الواسطي الحسيني (٧١٧ - ٧٧٦ هـ).\n(^٦) كمال الدين، محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدَّمِيري أبو البقاء الشافعي (المتوفى: ٨٠٨ هـ) وكتابه الديباجة شرح ابن ماجة منه جزءان محققان في رسالة علمية تشتمل على المقدمة من شرح السنن.","vol":"1","page":122},{"text":"المشارق للقاضي عياض (^١) وكلتاب تاريخ كنز الدرر وتاريخ طالعت منه إلى آخر خلافة بني أمية (^٢) وكتاب شرح الإلمام للشيخ شهاب الدين العرياني الشافعي (^٣) وغير ذلك من الكتب التي لا أستحضرها الآن وكل من نقلت عنه شيئًا من هذه الكتب المذكورة عزوته إليه ولا أترك بعد ذلك إلا سهوًا أو لشهرته عند العُلماء أو لعسر الكشف عنه الآن وقد تتبعت أبواب هذا الكتاب بابًا بابًا وحديثًا حديثًا على الترتيب، وأذكر بعد كلّ حديث ما يتعلق به من ضبط وتفسير واختلاف مذاهب العُلماء في ذلك، وأذكر كلّ صحابي ونسبه ومولده ووفاته وكم روى من الأحاديث وأذكر بعضى رجال الحديث وأسماء أصحاب السنن ومولدهم ووفاتهم على سبيل الاختصار وجعلت فيه فروعا\n_________\n(^١) عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: ٥٤٤ هـ) وكتابه مشارق الأنوار على صحاح الآثار مطبوع.\n(^٢) أبو بكر بن عبد اللّه بن أيبك الدواداري وكتابه كنز الدرر وجامع الغرر مطبوع.\n(^٣) قال ابن العماد في شذرات الذهب في أخبار سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن علي بن محمد بن قاسم العرياني المحدّث، ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة بدمشق، [وسمع] من علي [أحمد بن] علي الجزري، والذهبي وغيرهما. وبمصر من الميدومي. وبالقدس من علي بن أيوب وغيره، وحصّل الكتب والأجزاء، ودار على الشيوخ، ورافق الشيخ زين الدّين العراقي كثيرًا. وأسمع أولاده، وصنّف \"لغات مسلم\"، و\"شرح الإلمام\"، ودرّس في الحديث بمدارس، وناب في الحكم. وكان محمود الخصال، توفي في جمادى الآخرة.\nولم أعثر على شرح الإلمام ولا ذكره إلا في هذا الموضع وكذلك ذكره الغزى في ديوان الإسلام (٣/ ٣١٦).","vol":"1","page":123},{"text":"تتعلق بالفقه وفوائد وحكم ولطائف وتنبيهات وأسئلة لها موقع في أماكنها لا يستغني الإنسان عنها، وإذا ذكرت شيئًا من الأحاديث والفوائد لم أعده إلا لفائدة لم تذكر فيما مضى.\n[سميت] هذا التعليق المبارك \"فتح القريب المجيب على الترهيب والترغيب\" وأنا أستمد من اللّه [المدد] على إكماله ليحصل به النفع ولطلب ثواب [اللّه] ونواله، وأسأل اللّه تعالى بكرمه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم مخلصا من شوائب الرياء ودواعي التعظيم وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه ومن سمعه، وأن يعمنا بفضله العظيم وهو حسبي ونعم الوكيل.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>فصل فيما يتعلق بما [يخصه] قوله: \"الحمد للّه</span>\"\nإنما افتتح كتابه بحمد اللّه تعالى بعد البسملة للاقتداء بكتاب اللّه تعالى إن اللّه تعالى ابتدأ كتابه العزيز بالحمد للّه، وللامتثال: لقد أمر اللّه تعالى نبيه - ﷺ - بذلك قال اللّه تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (^٣) (^٤). قال العُلماء: فيستحب البداءة بالحمد للّه لكل مصنف ودارس ومدرس وخطيب وخاطب وبين يدي سائر الأمور المهمة لفظًا، وفي الحديث عن النبي - ﷺ -: \"كلّ أمر ذي بال لا يبدؤ فيه بحمد اللّه تعالى فهو أقطع\" (^٥) وفي رواية: \"الحمد للّه فهو أجذم\" وفي رواية:\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ٥٩.\n(^٢) سورة النمل، الآية: ٩٣.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ١١١.\n(^٤) كلام غير واضح وأثبتنا ما يقتضيه السياق.\n(^٥) أخرجه ابن ماجة رقم (١٨٩٤)، وأبو داود رقم (٤٨٤٠)، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١٠٢٥٥)، وفي عمل اليوم والليلة رقم (٤٩٣)، وأحمد في مسنده (١٤/ ٣٢٩)، والبزار في مسنده (البحر الزخار) (١٤/ ١٩١) رقم (٧٨٩٨)، وابن حبان رقم (١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٩٥)، وفي الدعوات الكبير رقم (١) بلفظ: \"كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ، أَقْطَعُ\"، وفي لفظ: \"كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ\"، وفي بلفظ: \"كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللّهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ - أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ\" جميعهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -. =","vol":"1","page":125},{"text":"\"فهو أبتر\" وفي رواية: \"فهو أكتع\"؛ ومعنى: \"ذو بال\" أي له حال يهتم به قاله النووي (^١)، وقال في النهاية (^٢): البال: الحال والشأن، وأمر ذو بال أي شريف يحتفل له ويهتم به. والبال في غير هذا: القلب.\nقوله: \"أقطع\" أي ناقص قليل البركة؛ و\"أجذم\" بالجيم والذال المعجمة بمعناه، وكذلك أبتر، والبتر القطع قاله ابن الأثير (^٣). وكذلك أكتع أي ناقص أبتر، والمكتع: الذي قطعت يداه قاله ابن الأثير (^٤) أيضًا. قال النووي (^٥): روينا كلّ هذه الألفاظ سوى أبتر وأكتع في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي، ورويناه أيضًا من رواية كعب بن مالك الصحابي، والمشهور من رواته أي: هو من رواه أبو داود وابن ماجة والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة وصححه أبو عوانة وابن حبان وروي موصولًا ومرسلًا وإسناده جيد.\n_________\n= وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٧٢) رقم (١٤١) من حديث كعب بلفظ: \"كُلُّ أَمَرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ أَقْطَعُ أَوْ أَجْزَمُ\".\nوأورده الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري (١/ ٢٣) وعزاه لإسحاق بن راهويه من حديث الزهري قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد اللّه أكتع\" معضلًا.\n(^١) في كتاب الأذكار (ص ١١٢) الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.\n(^٢) النهاية في غير الحديث والأثر (١/ ١٦٤).\n(^٣) في النهاية (١/ ٩٣).\n(^٤) في النهاية (٤/ ٢٠٤).\n(^٥) في كتاب الأذكار صـ (١١٢).","vol":"1","page":126},{"text":"والمراد بحمد اللّه تعالى المذكور في الحديث ذكر اللّه تعالى وجاء في الحديث أيضًا بذكر اللّه، قال العُلماء ﵃: أو ما في معناه، وقد جاء في رواية: \"لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم\" (^١) خرجها ابن حبان من طريقين، قال ابن الصلاح: والحديث حسن (^٢) فالتسمية من أبلغ الثناء (^٣)، وقد جاء في كتاب النبي - ﷺ - أتى هرقل عظيم الروم أنه كتب إليه يدعوه إلى الإسلام فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد اللّه ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدي، وفيه أيضًا: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (^٤) (^٥).\nتنبيه: استحباب تصدير الكتاب ببسم اللّه الرحمن الرحيم بكمالها ولو لأهل الذمة، وأولى من كتبها في رسائله سليمان ﵊، وكان أولا يكتب باسمك اللهم حتى نزلت آية النمل فكتبها ﵊ بكمالها نقله الواحدي عن ميمون بن مهران (^٦)، وأصل ذلك أن الكفار كانوا\n_________\n(^١) أخرجها الخطيب في الجامع لخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٦٩)، والحافظ عبد القادر الرهاوي في كتاب الأربعين كما ذكر النووي في كتاب الأذكار (ص ١١٢)، وفي شرح مسلم (١/ ٤٣).\n(^٢) التوضيح (٢/ ١٢٢).\n(^٣) المجموع (١/ ٧٤).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ٦٤.\n(^٥) جزء من حديث أخرجه البخاري رقم (٧)، ومسلم رقم (١٧٧٣) في صلح الحديبية.\n(^٦) انظر تفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٧٣).","vol":"1","page":127},{"text":"يبتدؤون بأسماء آلهتهم في كتبهم تبركا وطلبا لتهوين الأمر المطلوب عليهم، فالمؤمن أولى أن يبتدأ في كتابه باسم اللّه تعالى طلبًا لذلك كذلك قاله في الديباجة، وكان رسم المتقدمين أيضًا إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان وبذلك جاءت الآثار (^١).\nقال ابن سيرين: قال النبي - ﷺ -: \"إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه\" (^٢)، ولكن المصطلح عليه الآن في المكاتبة أن يكتب اسمه تحت سطر البسملة ليكون شبيها بالقصة ثم يكتب المرسل إليه، واستقرت الأمة على كتابة البسملة في أول كلّ كتاب من كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب [مطولات] شعر فذهب إلى كتابتها في أول الشعر سعيد بن جبير وتابعه على ذلك [الترمذي]؟ قال أبو بكر الخطيب: وهو الذي نختاره ونستحبه.\nروى الحاكم في المستدرك من حديث طاوس عن ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول اللّه - ﷺ - عن بسم اللّه الرحمن الرحيم؟ فقال: \"هو اسم من أسماء اللّه تعالى وما بينه وبين اسم اللّه الأعظم إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب\" (^٣) ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٣/ ١٩٢).\n(^٢) انظر تفسير القرطبي (٩/ ٢٨٧٣).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٧٨٠)، وأبن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٧١٤)، والبيهقي في الشعب رقم (٢١٢٣)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٦٢).","vol":"1","page":128},{"text":"وقوله في حديث هرقل عظيم الروم أنه كتب إليه أمر بذلك لأن من صفته ﵊ أنه النبي الأمي الذي لا يحسن الكتابة، قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (^١)، نعم قال القرطبي (^٢): إن الكتابة وقعت على سبيل المعجزة في قصة الحديبية، فإن فيها: فأخذ النبي - ﷺ - الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب: هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد اللّه والمسألة عزيزة، وقد وقع فيها نزاع عظيم بها بلاد المغرب وأرسلوا إلى علماء الإسلام يسألون عنها ولها قصة غريبة.\nقوله: عظيم الروم، دليل على أن مثل ذلك جائز مطلوب للمصلحة والتآلف لأنه أدعى للقبول وهي حكاية مصطلحهم في الألقاب على أن إضافة عظمته إلى الروم مشعرة بأنه بضدها عند المسلمين.\nوقوله: من محمد بن عبد الله إلى آخره فيه إشارة إلى عز العبودية وشرفها في مقابلتها بتسمية هرقل بعظيم الروم أي فالشرف والعزة في هذه النسبة لا في تلك واللّه أعلم قاله في شرح الإلمام (^٣).\nقوله: يا أهل الكتاب، ففيه أن فضيلة أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى أعلى درجة من مخاطبة المشركين أهل الأوثان لما سبق لكم من شرف العلم بكتابهم وخاطبهم بذلك فرجعوا إلى ما فيه شواهد نبوته ﵇، وفيه:\n_________\n(^١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٨.\n(^٢) انظر تفسير القرطبي (١٣/ ٣٥٢).\n(^٣) شرح الإلمام للعرياني لم نعثر عليه والشارح ينقل عنه كثيرًا.","vol":"1","page":129},{"text":"تقريع لهم لأن خالفوه وتحسير عليهم في خروجهم عنه بعد ما أعطوه.\nوقوله: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ هي التوحيد كما فسرها بعد وسماها كلمة كما يطلق على القصيدة كلمة ونحو ذاك لاتحاد معناها وإن تعددت كلماتها وفي قوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي إنا كلنا كذلك فلا ندعوكم إلى ما نخالفكم فيه بل نختار لكم ما اخترناه لأنفسنا.\nتنبيه: نهي عن المسافرة بالقرآن إلى بلاد العدو (^١)، فإن قيل: قد كتب النبي - ﷺ - إلى هرقل بالقرآن وهو قوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ الآية، فما وجه التوفيق بينه وبين النهي عن المسافرة به؟ الجواب: أن النبي - ﷺ - إنما نهى عن المسافرة بالكل إذا ذاك المكتوب لم يكن إلا مختلطا من القرآن وغيره وما كان فيه غير الآية فلم يتمحض ولم يقصد بها التلاوة واللّه أعلم.\nفرع في المعنى أيضًا: يجوز أن يكتب كتابا إلى الكافر فيه آية يدعوه بها إلى الإسلام لحديث هرقل المتقدم، وقال في القبس (^٢): قال علماؤنا: إنما كتب لهم بالآية والآيتين على معنى الوعظ، وحرمة الآية والآيتين كحرمة الألفين. لكن علماءنا لم يجعلوا للقليل في ذلك حكم الكثير ولأجله جوَّزوا للجُنُب أن يقرأ الآيات اليسيرة على معنى التعوُّذ، انتهى.\nوهذا الكتاب يعني كتاب هرقل كان ذا بالٍ بل من المهمات وبدأ بالبسملة\n_________\n(^١) لحديث عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوّ أخرجه البخاري رقم (٢٩٩٠)، ومسلم رقم (١٨٦٩).\n(^٢) القبس شرح موطأ مالك (١/ ٦٠٥).","vol":"1","page":130},{"text":"دون الحمد، [ذكره] النووي في شرح مسلم (^١)، وفي هذا الكتاب جمل من القواعد. وأنواع من الفوائد منها: استحباب تصدير الكتاب ببسم اللّه الرحمن الرحيم، ومنها: التبرك بذكر اللّه تعالى في أول كتابه، ومنها: شكر اللّه تعالى على ما أولاه من النعم حيث يرفعه من درجة التعلم إلى التعليم.\nفائدة في ذكر رسله - ﷺ - إلى الملوك والقبائل (^٢): أما الرسل فعدتهم أحد عشر، منهم: عمرو بن أمية الضمري أرسله إلى النجاشي فأخذ الكتاب ووضعه على عينيه ونزل عن سريره فجلس على الأرض وأسلم وحسن إسلامه وصلى عليه النبي - ﷺ - صلاة الغائب، وروي أنه كان لا يزال يرى على قبره النور.\nومنهم: دحية بن خليفة الكلبي، بعثه رسول اللّه إلى قيصر ملك الروم واسمه هرقل فسأله عن النبي - ﷺ - وثبت عنده صحة نبوته فهم بالإسلام فلم توافقه الروم وخاف على ملكه فأمسك.\nومنهم: عبد اللّه بن حذافة السهمي بعثه رسول اللّه - ﷺ - إلى كسرى ملك فارس فمزق الكتاب فقال - ﷺ -: \"مزق اللّه ملكه\" فمزق اللّه ملكه وملك قومه:\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١٢/ ١٠٨).\n(^٢) دعوة النبي - ﷺ - للملوك والأمراء إلى الإسلام، أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب كتب النبي - ﷺ - إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الإسلام، برقم (١٧٧٤)، والترمذي والترمذي في أبواب الاستئذان، باب في مكاتبة المشركين برقم (٢٧١٦) من حديث أنس بن مالك - ﷺ -، وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢٥٨) دار صادر، وكنز الدرر وجامع الغرر لأبي بكر بن عبد اللّه بن أبيبك الدواداري (٣/ ١٤٤).","vol":"1","page":131},{"text":"﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ (^١).\nومنهم: عمرو بن العاصي بعثه رسول اللّه - ﷺ - إلى ملكي عمان وهما من الأسد فأسلما وصدقا وخليا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، فلم يزل عندهم حتى توفي النبي - ﷺ -.\nومنهم: أبو موسى الأشعري بعثه إلى اليمن ومعاذ بن جبل رفيقه فكانا جميعا في جملة اليمن داعيين إلى الإسلام فأسلم عامة أهل اليمن ملوكهم وعامتهم طوعا من غير قتال انتهى قاله في كنز الدرر (^٢).\nفائدة آخرى في ذكر كُتَّابه - ﷺ - وهم ثلاثة عشر: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعامر بن فهيرة، وعبد اللّه بن الأرقم، وأبيُّ بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وكان معاوية وزيد بن ثابت ألزمهم وأخصهم به، انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (^٣).\nتنبيه: هرقل: بكسر الهاء وفتح وإسكان الراء وكسر القاف حكاه الجوهري في صحاحه (^٤) وهو اسم علم له غير منصرف للعلمية والعجمة وهو صاحب حروب الشام ملك إحدى وثلاثين سنة وفي ملكه مات النبي\n_________\n(^١) سورة الحاقة، الآية: ٨.\n(^٢) كنز الدرر (٣/ ١٤٤ - ١٤٦).\n(^٣) كنز الدرر (٣/ ١٤٦).\n(^٤) الصحاح (٥/ ١٨٤٩).","vol":"1","page":132},{"text":"- ﷺ - ولقبه قيصر (^١) أرسل إلى أبي سفيان يطلبه إلى مجلسه ليفحص عن حال النبي - ﷺ - فقال أبو سفيان: إنه يأمرنا بالصلاة ونحوها وهو مذكور في حديث في أول صحيح البخاري.\nفائدة: كلّ من ملك الروم يقال له قيصر قال المطرز وابن خالويه وآخرون من الأئمة كلّ من ملك المسلمين يقال له أمير المؤمنين، ومن ملك الحبشة يقال له النجاشي، ومن ملك الروم يقال له قيصر، ومن ملك الفرس يقال له كسري، ومن ملك الترك يقال له خاقان، ومن ملك القبط يقال له فرعون ومن ملك مصر يقال له العزيز ومن ملك اليمن يقال له تبع ومن ملك حمير يقال له القَيْلُ بفتح القاف، وقيل: القيل أول درجة من الملك (^٢)، انتهى.\nسؤال: لم كانت بسم اللّه الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفا؟ فالجواب: إنما كانت تسعة عشر حرفًا.\nقيل: لأن اللّه تعالى خلق رؤساء الزبانية على جهنم تسعة عشر ملكًا كما قال اللّه تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (^٣) وأتباعهم لا يحصيهم إلا اللّه تعالى فمن قرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم كفاه اللّه بكل حرف منها واحدًا من الزبانية التسعة عشر ولم يسلطهم عليه ببركة ذكر اسمه تعالى انتهى قاله في كشف\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١/ ٥٣).\n(^٢) إكمال المعلم (٣/ ٤١٣ - ٤١٤)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٥) وشرح النووى على مسلم (٧/ ٢٣).\n(^٣) سورة المدثر، الآية: ٣٠.","vol":"1","page":133},{"text":"الأسرار (^١)، ذكره النووي في شرح مسلم عن رويفع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه اللّه تعالى من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم ليجعل اللّه تعالى له بكل حرف منها وقاية من كلّ واحد (^٢)، قال اللّه تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وهم يقولون في أفعالهم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nتنبيه: الرحمن صفة مبالغة من الرحمة بنيت على فعلان لأن رحمته وسعت كلّ شيء، والرحيم يقال لمن كثر منه ذلك، وقال الفارسي: إنما جيء بالرحيم بعد استغراق الرحمن بمعنى الرحمة لتخصيص المؤمنين به في قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (^٣) كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ (^٤) فخص بعد أن عم لما في الإنسان من أنواع الحكمة انتهي، قاله الكمال الدميري (^٥).\nتنبيه أيضًا: يتعلق ببسم اللّه الرحمن الرحيم: قال النووي في شرح مسلم (^٦): قال الكتاب من أهل العربية إذا قيل باسم اللّه تعين كتبه بالألف وإنما تحذف الألف إذا كتب بسم اللّه الرحمن الرحيم بكمالها وقال غيره\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٤).\n(^٢) راجع تفسير القرطبي (١/ ٩٢)، وابن كثير (١/ ١٢٠).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.\n(^٤) سورة العلق، الآيتان: ١ - ٢.\n(^٥) النجم الوهاج (١/ ١٨٨).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١١٠).","vol":"1","page":134},{"text":"لكثرة تكررها كذا علله أهل الأدب والكلام الآن على الحمد من وجوه، أحدها: في حد الحمد، والحمد هو الثناء الكامل على المحمود بذكر صفته الجميلة وأفعاله الحميدة سواء كان في مقابلة نعمة أم لا.\nوقال الإمام فخر الدين في تفسيره (^١): هو عبارة عن كلّ فعل يشعر بتعظيم المنعم لكونه منعما، والفعل إما بالقلب وهو اعتقاد كونه موصوفا بصفات الجلال، وإما باللسان وهو أن يذكر ألفاظًا دالة على اتصافه بصفات الكمال، وإما بالجوارح وهو أن يأتي بأفعال دالة على ذلك انتهي، الثاني: اختلف العُلماء هل الحمد المقيد أفضل أم المطلق؟ فذهب جمع من الخراسانيين إلى تفضيل الأول كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (^٢)، وقالوا: من حلف ليحمدن اللّه بأجل المحامد فطريقه أن يقول: الحمد للّه حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وذهبت طائفة من متكلمي المغاربة إلى ترجيح المطلق لتشعب جميع المحامد به، الوجه الثالث: التحميد أكمل من التسبيح كما قال الإمام فخر الدين، وأجاب عن تقديم التسبيح على التحميد في قوله ﵊ سبحان اللّه والحمد للّه بأن الحمد يدلّ على التسبيح لأن معنى التسبيح التنزيه من النقائص والتحميد فيه مع ذلك أنه محسن إلى خلقه فهو أكمل، الوجه الرابع: نبه الإمام فخر الدين. في تفسيره على أن من قال: الحمد للّه فتحت له أبواب الجنة الثمانية لأن الحمد\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (١/ ١٩٧).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.","vol":"1","page":135},{"text":"للّه ثمانية أحرف وأبواب الجنة ثمانية لذلك الخامس في أحكام الحمد للّه وهو ينقسم أربعة أقسام واجب ومندوب ومكروه وحرام، أما الأول: فهو واجب في الجملة [تعلقا أي يتعلق بأسمع]، وعند المعتزلة عقلا، ومن أمثلة هذا القسم الابتداء به في الخطبة فإنه ركن فيها، وأما الثاني: وهو المندوب فمن أمثلته الخُطبة عند الخِطبة وعند العقد وعند ابتداء الدعاء وبعد الأكل والشرب والعطاس والخروج من الخلاء وعند النوم واليقظة ونحو ذلك، وأما الثالث وهو المكروه فمن أمثلته الأماكن المستقذرة تنزيها لها كالمزبلة والمجزرة والأحوال المستكرهة كفرط الشبع والنوم ومدافعة الأخبثين، وقد نص القرافي (^١) - ﵀ - على كراهة الدعاء في ذلك كلّه، وما أحسن ما حكي عن سري السقطي أنه بقي يستغفر اللّه تعالى ثلاثين سنة في قوله الحمد للّه لوقوع حريق ببغداد أتى على دورها ودكاكينها فبلغه أن دكانه سلم فحمد اللّه تعالى على ذلك ثم راجع نفسه وقال: كان الواجب أن يحزنني ما أصاب إخواني المؤمنين؟ وأما الرابع: فهو حرام على الفرج بوقوع معصية وأوجب بعض العُلماء في الأمور الدنيوية ليكون لها عاقبة محمودة واستحبه في الدينية لأنها طاعة.\nقوله: اللّه: هو اسم للمعبود بحق الجامع لصفات الإلهية (^٢) وهو الباري ﷾ وهو أعظم الأسماء وأجمعها وأكثرها استعمالا ولذلك لم\n_________\n(^١) في الفروق (٤/ ٢٩٩).\n(^٢) المقصد الأسنى (ص ٦١).","vol":"1","page":136},{"text":"يثن ولم يجمع وذكر في القرآن في ألفين وثلاثمائة وستينا موطنا وأشهر الأقوال أنه مشتق (^١) قال العُلماء: واللام فيه لام الإضافة ولها معان الملك والاختصاص وغير ذلك (^٢) فجاءت هنا إشارة إلى استحقاقه تعالى لذلك وإخلاص العبودية له دون من سواه انتهى قاله في شرح الإلمام.\nوقرن الحمد للّه دون أسمائه لأنه اسم الذات بخلاف الرحمن وغيره فيستحق جميع صفاته الحسنى، قال البندنيجي: وأكثر أهل العلم على أن هذا الاسم هو الاسم الأعظم ومن خواص هذا الاسم أنك متى حذفت من خطه حرف بقي دالا عليه ﵎ فإن حذفت الألف بقي للّه، وإن حذفت اللام الأولى وأبقيت الألف بقي إله، وإن حذفتهما معا بقي: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] (^٣) وإن حذفت الثلاثة بقي هو الحي القيوم لا إله إلا هو.\nقوله: المبدئ المعيد، من أسمائه تعالى لأنه هو الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداء من غير سابق مثال قاله في النهاية (^٤)، وقال القشيري في شرح الأسماء الحسنى (^٥): المبدئ معناه الموجد لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقًا بمثله سمي إبداء وإذا كان مسبوقا بمثله سمي إعادة واللّه تعالى بدأ خلق\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ١٨٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٧٠)، وشرح النووى على مسلم (٦/ ٥٨).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٠٧.\n(^٤) النهاية (١/ ١٠٣).\n(^٥) شرح الأسماء الحسنى (ص ٢٠٣) المقصد الأسنى (ص ١٣١).","vol":"1","page":137},{"text":"الناس ثم هو الذي يعيدهم أي يحشرهم والأشياء كلها منه بدأت وإليه تعود وبه بدأت وبه تعود.\nتنبيه: المبدئ من العبيد هو الذي أطلعه اللّه على إبدائه فهو يشهد ابتداء الخلق فيبدئ بإذنه ما يبدئ من الخيرات قاله القشيري (^١).\nقوله: المعيد، المعيد: هو الذي يعيد الخلق ويبعثهم يوم القيامة قاله القشيري (^٢)، وقال في النهاية (^٣): المعيد هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة، ومنه الحديث: \"إن اللّه يحب الرجل القوي المبدئ المعيد على الفرس المبدئ المعيد\" أي: الذي أبدأ في غزوه وأعاد فغزى مرة بعد مرة أو جرب الأمور طورًا بعد طور والفرس المبدئ المعيد هو الذي غزى عليه صاحبه مرة بعد آخرى.\nوقيل: هو الذي قد ريض وأدب فهو طوع راكبه ومنه الحديث \"واصلح لي آخرتي التي فيها معادي\" (^٤) أي: ما نعود إليه يوم القيامة، انتهى.\nتنبيه: المعيد من العبيد هو الذي أطلعه اللّه تعالى على إعادته الخلق، والأمور كلها إليه فيعيد بإذنه ما يجب إعادته عليه ويشهد عاقبته ومعاده في عافية وسعادة على أحسن ما يكون (^٥).\n_________\n(^١) اصطلاحات الصوفية للقاشانى - ص ١٣٨.\n(^٢) شرح الأسماء الحسنى (ص ٢٠٣).\n(^٣) النهاية (٣/ ٣١٦).\n(^٤) جزء من حديث أخرجه مسلم رقم (٢٧٢٠).\n(^٥) اصطلاحات الصوفية (ص ١٣٨) للقاشانى.","vol":"1","page":138},{"text":"قوله: الغني، قال في النهاية (^١): الغني: هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يحتاج إليه، وهذا هو الغني المطلق، ولا يشارك اللّه تعالى فيه غيره، ومن أسمائه \"المغني\" وهو الذي يغني من يشاء من عباده. انتهى.\nتنبيه: الغني من العبيد: هو الذي أغناه اللّه عن جميع الخلائق وأعطاه كلما احتاج إليه من غير مسألة منه إلا بلسان الاستعداد لتحققه بفقره الذاتي وافتقاره إليه بجوامع هممه (^٢)، انتهى قاله القشيري.\nقوله: الحميد، أي المحمود على كلّ حال فعيل بمعنى مفعول قاله في النهاية (^٣)، وقال القشيري: الحميد هو المحمود المثنى عليه واللّه تعالى هو الحميد بحمده لنفسه أزلًا وبحمد عباده له أبدًا ويرجع بهذا إلى صفات الجلال والعلو والكمال فالحميد المطلق هو اللّه تعالى (^٤).\nتنبيه: الحميد من العبيد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله من غير\nمثنوية وذلك محمد - ﷺ - ومن يقرب منه من الأنبياء ومن عداهم من الأولياء والعلماء وكل واحد منهم حميد بقدر ما يحمد به من عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله [وإذا كان لا يخلوا واحد عن مذمة ونقص وإن كثرت محامده]، فالحميد المطلق هو اللّه تعالى (^٥) انتهى كلام القشيري.\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٩٠).\n(^٢) اصطلاحات الصوفية للقاشاني، (ص ١٤٥).\n(^٣) النهاية (١/ ٤٣٦).\n(^٤) المقصد الأسنى (ص ١٣٠).\n(^٥) المقصد الأسنى (ص ١٣٠).","vol":"1","page":139},{"text":"قوله: ومن أرشده إلى سبل النجاة ووفقه الرشد والإرشاد، والرشاد: نقيض الغي، والسبل: الطرق، والنجاة ضد الهلكة.\nقوله: ووفقه، التوفيق خلق قدرة الطاعة وتسهيل سبل الخير، وعكسه الخذلان وهو خلق قدرة المعصية فالموفق في شيء لا يعصي اللّه فيه، وفي الحديث \"لا يتوفق عبد حتى يوفقه اللّه تعالى\" (^١)، ولما كان التوفيق عزيزًا لم يذكر في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (^٢)، و﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (^٣) و﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (^٤) وفي أوائل الإحياء: أن النبي - ﷺ - قال: \"قليل من التوفيق خير من كثير من العلم\" (^٥) وذكره صاحب الفردوس: من حديث أبي الدرداء وقال: \"العقل بدل العلم\" (^٦).\nلطيفة: اللطف أيضًا من اللّه التوفيق والعصمة، ومن أسمائه تعالى اللطيف وهو الرفيق بعباده، قال السهيلي: لما جاء البشير إلى يعقوب وهو يهوذا\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ١٩٠).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٨٨.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٣٥.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٦٢.\n(^٥) إحياء علوم الدين (١/ ٣٠)، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (ص ٤١): لم أجد لَهُ أصلا، وَقد ذكره صَاحب الفردوس من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء وَقَالَ الْعقل بدل الْعلم وَلم يُخرجهُ وَلَده فِي مُسْنده.\n(^٦) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ٣٤٩). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤١٠٩).","vol":"1","page":140},{"text":"أعطاه يعقوب في البشارة كلمات كان يرويها عن أبيه عن جدّه عليهما الصلاة والسلام وهي: يا لطيفًا فوق كلّ لطيف ألطف بي في أموري كلها كما أحب ورضني في دنياي وآخرتي؛ ولما خرج يوسف ﵇ من السجن ودخل على ملك مصر [الريان بن الوليد] قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره انتهى قاله الكمال الدميري (^١).\nقوله: وما هجس وما كمن، أي ما يخطر ويدور في الضمائر من الأحاديث والأفكار، ومنه قوله في الحديث: \"وما هو إلا شيء هجس في نفسي\" قاله في النهاية (^٢).\nقوله: وهو أقرب إلى كلّ مريد من حبل الوريد أقرب معناه أعلم به من حبل الوريد لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا ولا يحجب علم اللّه شيء، وحبل الوريد: هو الوريد أضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين (^٣) والوريدان عرقان بين الأوداج وبين الكتفين (^٤) وهما صفحتا العنق تزعم العرب أنه من الوتين (^٥)، والوتين عرق مستبطن القلب أبيض غليظ كأنه قصبة معلق بالقلب يسقي كلّ عرق في الإنسان (^٦) وهو المذكور في قوله\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ١٩٠).\n(^٢) النهاية (٥/ ٢٤٧).\n(^٣) تفسير البغوي (٧/ ٣٥٨).\n(^٤) قاله أبو زيد تهذيب اللغة (١٤/ ١١٨).\n(^٥) الصحاح (٢/ ٥٥٠).\n(^٦) الإبانة (٣/ ٧).","vol":"1","page":141},{"text":"تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ (^١)، ويقال لمتعلق القلب من الوتين النياط وسمي نياطا لتعلقه بالقلب وسمي الوريد وريدا لأن الروح ترده (^٢) وحبل الوريد إذا قطع مات صاحبه (^٣) واللّه أعلم.\nقوله: أحمده، وهو أهل الحمد والتمجيد وقال المولى العلامة فخر الدين محمد الرازي (^٤): الحمد للّه أولى من أحمد اللّه لأنه أعم فائدة لأنه تعالى كان محمودا قبل حمد الحامدين بخلاف الثاني فإنه يفيد حمده فقط والألف واللام في الحمد للّه لاستغراق الجنس أي الحمد على تنوعه للّه وهو يقتض الذم وتقدم على الحمد مبسوطًا.\nقوله: وأشكره، الشكر مثل الحمد إلا أن الحمد أعم منه فإنك تحمد الإنسان على صفاته الجميلة وعلى معروفه ولا تشكره إلا على معروفه دون طبقاته، والشكر مقابلة النعم بالقول والفعل والنية فيثني على المنعم بلسانه ويذيب نفسه في طاعته ويعتقد أنه موليها وهو من شكرت الإبل يشكر إذ إصابت مرعى فسمنت عليه قاله في النهاية (^٥)، وقال في شرح الإلمام (^٦): والذي يتحرر أن الشكر يطلق على الفعل والقول جميعا لقوله تعالى:\n_________\n(^١) سورة الحاقة، الآية: ٤٦.\n(^٢) الإبانة (٣/ ٧).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٨/ ١٦٤).\n(^٤) تفسير الرازي (١/ ١٩١).\n(^٥) النهاية (٢/ ٤٩٣).\n(^٦) انظر شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (١/ ١١) لابن دقيق العيد.","vol":"1","page":142},{"text":"﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (^١)، ولقوله ﵊ حين ذكر له عمله في قيام الليل \"أفلا أكون عبدًا شكورًا\" (^٢) فالشكر مقابلة النعمة بالقول والعمل في الاعتقاد، قال الشاعر:\nأفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا\nوبينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه، ومنه: الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده، كما أن كلمة الإخلاص رأس الإيمان وإنما كان رأس الشكر لأن فيه إظهار النعمة أو الإشادة، بها، ولأنه أعم منه فهو شكر وزيادة، وفي حديث الدعاء: سبحانك اللهم وبحمدك انتهى.\nفائدة: قال في تهذيب النفوس الشكر من أعلى المقامات وهو فوق الرضا فإنه يتضمن الرضا وزيادة، والإيمان نصفان نصف شكر ونصف صبر (^٣) وحقيقته في العبودية ظهور أثر نعمة الله على [لسان] عبده ثناء واعترافا وعلى قلبه شهودًا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة (^٤)، وحد الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وقيل: الثناء على المحسن بذكر إحسانه (^٥)، وقال الجنيد: الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة فشكر العامة على المنعم والملبس وقوت الأبدان وشكر الخاصة على التوحيد والإيمان وقوت القلوب (^٦) انتهى، وقال\n_________\n(^١) سورة سبأ، الآية: ١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١١٣٠)، ومسلم رقم (٢٨١٩).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٢).\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٤).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٤).\n(^٦) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":143},{"text":"داود ﵊: يارب كيف أشكرك وشكري نعمة علي من عندك تستوجب بها شكرًا فقال: [الآن شكرتني يا داود] (^١).\nوفي خبر آخر إسرائيلي: أن موسى ﵊ قال: يارب خلقت آدم بيدك وأنفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء وفعلت وفعلت، فكيف إطلاق شكرك، فقال الله ﷿: \"علم أن ذلك مني فكانت معرفته بذلك شكرًا لي\" (^٢).\nوفي أثر إلهي يقول الله تعالى: أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن ماتوا فأنا أحييهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب (^٣). وقيل: من كتم النعمة فقد كفرها ومن ذكرها ونشرها فقد شكرها (^٤)، وهذا من قوله - ﷺ -: \"إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده\" (^٥). وفي هذا قيل (^٦):\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٦).\n(^٣) انظر تفسير الثعلبي (١/ ١٩٥)، ومدارج السالكين (٢/ ٢٣٦).\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٦).\n(^٥) أخرجه أحمد في مسنده (١٣/ ١٥٩) رقم (١٩٩٣٣)، والروياني في مسنده رقم (٩١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار رقم (٣٠٣٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١٣٥) رقم (٢٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٨٥) رقم (٦٠٩٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧١٢).\n(^٦) بصائر ذوي التمييز (٣/ ٣٤٠) ونسب لأبي تمام.","vol":"1","page":144},{"text":"ومن الرزيّة أنّ شكري صامت ... عما فعلت وأنّ برّك ناطق\nأأرى الصنيعة منك ثم أسرّها ... إني إذن ليد الكريم لسارق\nقوله: والشكر لديه من أسباب المزيد، ولديه بمعنى عنده.\nقوله: وأشهد الشهادة تكون بمعنى الحضور ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (^١) أي لا يحضرون مواضع الزور كأعياد اليهود والنصارى، قاله ابن عباس (^٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٣) أي من حضر [بمكة] رؤية الشهر فيلصمه قاله المبرد (^٤) وتكون بمعنى القول الملزم عند الحاكم فيكون بمعنى العلم وهو المراد هنا ومعنى أشهد أعلم وأتبين، روى أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي قال: \"كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء\" (^٥) أي المقطوعة قاله في النهاية (^٦).\nقوله: أن لا إله إلا الله، الإله: هو المعبود بحق وهو من أعظم أسماء الله\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٧٢.\n(^٢) تفسير القرطبي (١٣/ ٧٩).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(^٤) انظر الكامل (٤/ ١٠٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود رقم (٤٨٤١)، والترمذي رقم (١١٠٦) وقال: هذا حديث حسن غريب، وأحمد في مسنده (١٤/ ٢٠٦) رقم (٨٥١٨)، وابن حبان رقم (٢٧٩٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٩٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٤٥٢٠).\n(^٦) النهاية (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":145},{"text":"الحسنى، وقال - ﷺ -: \"مفتاح الجنة لا إله إلا الله\" (^١)، وفي البخاري (^٢): قيل لوهب أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله، قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك\"، وفي رواية غيره أن ابن عباس ذكر له قول وهب: فقال: صدق ولكن أنا أخبركم عن الأسنان ما هي، فذكر الصلاة والزكاة وشرائع الإسلام (^٣).\nفائدة: وفي كلمة لا إله إلا الله أسرار، منها: أن جميع حروفها جوف ليس فيها حرف شفهي إشارة إلى الإتيان بها من خالص الجوف وهو القلب، ومنها: أنه ليس فيها حرف معجم إشارة إلى التجرد عن كل معبود سواه، ومنها: أنها اثنا عشر حرفا كشهور السنة منها أربعة حرم وهي الجلالة حرف فرد وثلاثة سرد وهي أفضل كلماتها كما أن الحرم أفضل السنة فمن قالها مخلصًا كفرت عنه ذنوب سنة، ومنها: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة وهي ومحمد رسول الله أربعة وعشرون حرفًا كل حرف منها يكفر ذنوب ساعة (^٤).\nفائدة أيضًا: كلمة لا إله إلا الله فيها إثبات بعد نفي فلم كان النفي متقدمًا على الإثبات، وهل لا قدم الإثبات على النفي، فقيل: الله لا إله إلا هو، وقيل\n_________\n(^١) أخرجه البزار في مسنده رقم (٢٦٦٠) وابن عدى في الكامل (٦/ ١٧٢) من حديث معاذ بلفظ \"مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله\". قال البزار: وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ بن جبل.\n(^٢) باب ما جاء في الجنائز ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله (٢/ ٧١).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ١٩٢).\n(^٤) النجم الوهاج (١/ ١٩٢).","vol":"1","page":146},{"text":"عنه جوابان، الأول: أنه إنما بدئ بالنفي ردًّا على زاعم الشريك ومدعيه لأنه المناسب في اللسان أن يجاب مدعي الإثبات بالنفي ومدعي النفي بالإثبات، الجواب الثاني: إنما قدم النفي على الإثبات ليُفَرِّغَ الموحدُ قلبه مما سوى الله تعالى بلسانه كما فرغه بقلبه ليواطئ اللسان القلب فإذا فرغه أثبت فيه الله حتى لا يكون مع الله غيره ومتى شغل قلبه بغيره لم يصح توحيده لأنه ليس لله شريك والقلب المشغول بغير الله لا يصح شغله بالله في حال شغله بغير الله إذ المشغول لا يشغل، فالله تعالى يقول: \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" (^١) قاله في كشف الأسرار (^٢).\nسؤال فيه بشرى: لم كانت لا إله إلا الله أربع كلمات فيظهر في الجواب أنه لما كان النهار نصفين والليل نصفين كانت الأنصاف الأربعة فكانت الكلمات بعدد هذه الأنصاف ليكون لمن قالها في اليوم والليلة مغفورا له ذنوب ما عمل فيها قاله في الكشف أيضًا، قال السمرقندي: في كتاب الأربعين: ويقال: من قال لا إله إلا الله هدمت عنه أربعة آلاف سيئة كل كلمة تكفر ألف سيئة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد (ص ١٠٩)، وفي التاريخ الكبير (٢/ ١١٥)، والبزار في مسنده رقم (١٣٧)، والطبراني في الدعاء رقم (١٨٥٠)، والبيهقي في الشعب رقم (٥٦٧) من حديث عمر، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٤٩٨٩).\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ٣).\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٣).","vol":"1","page":147},{"text":"سؤال آخر يتعلق بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فيه بشرى أيضًا: لم كانت سبع كلمات ولم كانت أربعة وعشرين حرفًا؟ فالجواب إنما كانت لا إله إلا الله محمد رسول الله سبع كلمات لتكون بعدد أبواب جهنم فمن قالها كفى شر أبواب جهنم السبعة، قال الإمام فخر الدين: وإنما كانت أربعة وعشرين حرفا لتكون بعدد ساعات اليوم والليل إذ هي أربع وعشرون ساعة فمن قالها كتب له بعدد كل حرف عبادة ساعة وغفرت له ذنوب ساعة اليوم والليلة أجمع (^١)، انتهى.\nلطيفة: وجد على حاشية في كتاب الشفا أن ببلاد الهند ريحان أحمر مكتوب على ورقه لا إله إلا الله محمد رسول الله بأبيض بقلم القدرة (^٢) انتهى.\nلطيفة أخرى: حكي في عجائب المخلوقات عن عبد الرحمن بن هارون المغربي قال: ركبت بحر المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له البرطون وكان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر فصاد بها سمكة نحو الشبر فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا الله وفي قفاها محمد وخلف أذنها اليسرى محمد رسول الله انتهى، قاله في حياة الحيوان (^٣).\nقوله: وحده: هو مصدر في موضع نصب على الحال أي منفردا والواحد\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٣).\n(^٢) القبور (٢٧٤) لابن أبي الدنيا.\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى للدميري (٢/ ٤٠).","vol":"1","page":148},{"text":"المنفرد الذي لا مثل له ولا نظير له وهو أعظم أسماء الله الحسنى (^١).\nقوله: لا شىريك له، معناه: لا مشارك له في ملكه ولا في ذاته ولا في صفاته (^٢) فالشريك هو [المقارن] في الإيجاد والعدم تعالى عن ذلك، ولقد أحسن أبو العتاهية في شعره حيث قال (^٣):\nأَيَا عَجَبًا كيْفَ يُعْصَى الإِلَهُ ... أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ جَاحِدُ\nوَللَّهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ... عَلَيْكَ وَتَسْكِينَةٍ شَاهِدُ\nوَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ اَيَةٌ ... تَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (^٤)\nقوله: شهادة كافلة لي عنده بأعلى درجات أولى التوحيد كافلة، أي ضامن والكفالة الضمان.\nقوله: في دار القرار والتأبيد، ودار القرار هي الآخرة لأنها لا تزول.\nوقوله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله هذا اللفظ ورد في صحيح مسلم (^٥) في التشهد، والعرب تقول مررت برجل محمدي أي كثير الخصال الحميدة وألهم الله أهله أن يسموه ولما علم من حميد صفاته وفي المثل المشهور الألقاب تنزل من السماء وسمي نبينا محمدًا - ﷺ - لكثرة خصاله المحمودة (^٦).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ١٩٣).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ١٩٣).\n(^٣) ديوان أبي العتاهية - دار الكتب العلمية ص ٦٢.\n(^٤) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٥) رقم (٤٠٢).\n(^٦) الكواكب الدرارى (١٤/ ١٣٤).","vol":"1","page":149},{"text":"سؤال: لم كان اسم محمد - ﷺ - أربعة أحرف ولم كان [م ح م د] ولم كان على هذا الترتيب والشكل الخاص؟\nالجواب: أما الأول وهو أن جعل اسمه أربعة أحرف فقال النيسابوري: لأنَّ اسم الله تعالى أربعة أحرف فجعل اسمه أربعة أحرف ليوافق اسم الله تعالى، وقد قرن الله تعالى اسم محمد - ﷺ - باسمه في الشهادتين أثنى عليه بذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ (^١) أي لا أذكر إلا وتذكر معي، وقال حسان في هذا المعنى بمدحه - ﷺ -:\nأغر عَلَيْهِ للنبوة خَاتم ... من الله من مشهود يلوح وَيشْهد\nوَضم الإلَه اسم النَّبِي إِلَى اسْمه ... إِذا قَالَ فِي الْخمس الْمُؤَذّن اشْهَدْ\nوشق لَهُ من اسْمه ليجله ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد (^٢)\nوأما حروف اسمه ومعانيها فقال قوم: إن معنى الميم محق الكفر بالإسلام أو محو سيئات من أتبعه، وقيل: الميم منة الله على المؤمنين بمحمد - ﷺ - دل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣)، وقيل: منذر ومبشر، وقيل: الميم ملك أمته، وقيل: الميم المقام المحمود، وأما الحاء قيل لحكمه بين الخلق بحكم الله، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ\n_________\n(^١) سورة الشرح، الآية: ٤.\n(^٢) البداية والنهاية (٦/ ٢٨٥)، الخصائص الكبرى (١/ ١٣٤).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.","vol":"1","page":150},{"text":"وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^١)، وقيل: الحاء حياة أمته به، وأما الميم الثانية مغفرة الله لأمته وقيل الميم الثانية منادي الموحدين وقيل ملك به وأما الدال فهو الداعي إلى الله قال: الله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ (^٢)، فهو دليلهم في الدنيا ودليلهم في الآخرة إلى الجنة ذكره النيسابوري وأما وقوع هذه الأحرف على هذا الترتيب والشكل الخاص فقيل لأن الله تعالى خلق الخلق على سورة محمد - ﷺ - فالميم بمنزلة رأس الإنسان والحاء بمنزلة اليدين وباطن الحاء كالبطن وظاهرها كالظهر والميم مجمع الإليتين والمخرج وطرفا الدال كالرجلين شعر:\nله اسم صوّر الرّحمن ربّي ... خلائقه عليه كما تراه\nله رجل وفوق الرّجل ظهرٌ ... وتحت الرّأس قد خلقت يداه (^٣)\nوفي اسمه - ﷺ - عشر خصائص أضاف الله تعالى اسمه إلى نفسه.\nوالثانية تخليقه الخلق على سورة اسمه.\nوالثالثة: قرن اسمه مع اسمه.\nوالرابعة: كتب اسمه على ساق العرش، ويروى أنه تعالى لما خلق العرش اضطرب فلما كتب عليه اسم محمد سكن، وفيه تنبيه على أن هذا المخلوق الأكبر لم يسكن حتى كتب عليه اسم هذا المخلوق الأكبر.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٥.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٦.\n(^٣) قال الصالحي في سبل الهدى والرشاد (١/ ٤٠٩): فيه تكلف.","vol":"1","page":151},{"text":"والخامسة: اشتق اسمه من اسمه المحمود.\nوالسادسة: جري سفينة نوح باسمه.\nوالسابعة: وافق اسمه اسم الله تعالى في عدد الحروف.\nوالثامنة: سخرت الشياطين لسليمان بذكر اسمه.\nوالتاسعة: تاب الله على آدم باسمه لقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ...﴾ (^١) الآية، روي أن آدم ﵇ لما رأى اسم محمد - ﷺ - مكتوبا على العرش قال: اللهم إني أسألك بحق محمد أن تتوب علي فتاب عليه (^٢).\nوالعاشرة: كني آدم ﵇ بأبي محمد دون سائر أولاده تكنى بأشرف بنيه وولد عبده (^٣)، قال الواسطي في تفسيره: العبودية أشرف من الرسالة ولهذا قدم ذكر العبودية في قوله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وقال: أبو علي الدقاق لا يوجد شيء أشرف من العبودية ولا اسم أتم للمؤمن من الوصف بها كما قيل أنه قال: لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي، ولذلك دعي به النبي - ﷺ - في مقام تنزل الوحي ومقام الإسراء (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٧.\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الوسيط رقم (٦٥٠٢)، وفي المعجم الكبير (٢/ ١٨٢) رقم (٩٩٢)، والآجري في الشريعة رقم (٩٩٢) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٢٥): موضوع.\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٣ و٤).\n(^٤) الرسالة (٢/ ٣٤٩).","vol":"1","page":152},{"text":"فائدة: سمى الله تعالى نبيه محمدًا - ﷺ - عبدًا في عشرة مواضع من القرآن:\nأحدها في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (^١).\nالثاني في سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (^٢).\nالثالث في سورة سبحان: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (^٣).\nالرابع في الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (^٤).\nالخامس في أول الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (^٥).\nالسادس في سورة الزمر: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (^٦).\nالسابع في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣.\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ٤١.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ١.\n(^٤) سورة الكهف، الآية: ١.\n(^٥) سورة الفرقان، الآية: ١.\n(^٦) سورة الزمر، الآية: ٣٦.\n(^٧) سورة النجم، الآية: ١٠.","vol":"1","page":153},{"text":"الثامن في الآية التاسعة من سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (^١).\nالتاسع في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (^٢).\nالعاشر في سورة العلق: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ (^٣) انتهى. قاله في الديباجة. فهو أشرف المخلوقات، ومذهب أهل السنة والجماعة أن النوع الإنساني أفضل من الملائكة خلافا للمعتزلة. قال: ابن العماد وكما أن جنس البشر أفضل من جنس الملائكة لا يلزم منه تفضيل كل من أحاد بني آدم على جبريل (^٤) ﵊ (^٥).\n_________\n(^١) سورة الحديد، الآية: ٩.\n(^٢) سورة، الجن: ١٩.\n(^٣) سورة العلق، الآيتان: ٩ - ١٠.\n(^٤) انظر غرائب القرآن (١/ ٢٤٥) للنيسابورى، والتعقبات على المهمات (مخ ٢٣٣٣ ظاهرية/ لوحة ٧).\n(^٥) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن المطيعين من أمة محمد - ﷺ - هم أفضل من الملائكة؟ فأجاب: قد ثبت عن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن الملائكة قالت: يا رب جعلت بني آدم يأكلون في الدنيا ويشربون ويتمتعون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا قال: لا أفعل ثم أعادوا عليه قال: لا أفعل ثم أعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا فقال: وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان، ذكره عثمان بن سعيد الدارمي ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنن عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وعن عبد الله بن سلام أنه قال: ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل فقال للسائل: \"أتدري ما جبريل وما ميكائيل؟ إنما جبريل وميكائيل خلق مسخر كالشمس =","vol":"1","page":154},{"text":"قوله: \"ورسوله\" فالرسول هو الذي يبلغ خبر مرسله ولفظ الرسول أخص من النبي عند الجمهور (^١) فإن الرسول نبي وزيادة (^٢) فإنه الذي أوحي إليه للعمل والتبليغ بخلاف النبي فإنه الذي أوحي إليه للعمل فقط (^٣) وقد يكون المبعوث رسولا نبيا وقد يكون نبيًّا لا رسولًا وقد يكون رسولا لا نبيا فإن الملائكة منهم رسل وليس منهم نبيًّا قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ (^٤) ولم يقل أنبياء (^٥) انتهى قاله الحوفي وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في أذكار النوم.\nقوله: بالبشير النذير، قال: ابن دحية وأسماؤه - ﷺ - تقرب من المائة وقال بعض الصوفية يقرب من الألف. وقال: ابن العربي لله تعالى ألف اسم ولنبيه ألف اسم (^٦) فمنها البشير والنذير وقال: بعض العلماء ولرسول الله - ﷺ - أسماء كثيرة ذكرها الحافظ ابن عساكر (^٧) منها محمد وأحمد والحاشر هو الذي\n_________\n= والقمر وما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد - ﷺ - وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك. وهذا هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم وهو: أن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة. ولنا في هذه المسألة مصنف مفرد ذكرنا فيه الأدلة من الجانبين. (الفتاوى ٤/ ٣٤٤).\n(^١) المنهاج (١/ ١٩٤).\n(^٢) المفهم (١٢/ ٩٧)، وشرح النووى على مسلم (١/ ٤٤).\n(^٣) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٠٦) ومغني المحتاج (١/ ٩٥).\n(^٤) سورة الحج، الآية: ٧٥.\n(^٥) انظر شرح النووى على مسلم (١/ ٤٤).\n(^٦) أحكام القرآن (٣/ ٥٨٠)، وعارضة الأحوذى (١٠/ ٢٨١).\n(^٧) في تاريخ دمشق (٣/ ١٧) باب معرفة أسمائه وأنه خاتم رسل الله وأنبيائه - ﷺ -.","vol":"1","page":155},{"text":"يحشر الناس على قدمه (^١)، والعاقب هو آخر الأنبياء والعاقب والعقوب الذي يخلف من كان قبله في الخير، قاله في النهاية (^٢)، والمقفي والماحي وخاتم الأنبياء ونبي الرحمة ونبي الملحمة (^٣) وفي رواية \"نبي الملاحم ونبي التوبة والفاتح وطه ويس وعبد الله\" (^٤). وقال: البيهقي رحمة الله (^٥): زاد بعض العلماء فقال سماه الله في القرآن رسولًا نبيًّا أميًّا شاهدًا وداعيًا إلى الله بإذنه\n_________\n(^١) عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب\" أخرجه البخاري رقم (٣٥٣٢)، ومسلم رقم (٢٣٥٤).\n(^٢) عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب\" أخرجه البخاري رقم (٣٥٣٢)، ومسلم رقم (٢٣٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٦ - ٢٣٥٥) عن أبي موسى بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: \"أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة\" وزاد أحمد ٤/ ٣٩٥ (١٩٥٢٥) و٤/ ٤٠٤ (١٩٦٢١) و٤/ ٤٠٧ (١٩٦٥١)، وابن حبان (٦٣١٤) ونبى الملحمة. وأخرجه أحمد (٢٣٤٤٥) والبزار (٢٨٨٧) عن حذيفة بلفظ: أنا محمد وأحمد ونبي الرحمة ونبي التوبة والحاشر والمقفى ونبي الملاحم. قال البزار: لا نعلمه يروى عن حذيفة إلا من حديث عاصم، عن أبي وائل، وإنما أتى هذا الاختلاف من اضطراب عاصم، لأنه غير حافظ. وقال الهيثمى في المجمع ٨/ ٢٨٤: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه سوء حفظ.\nوصححه الألباني في الروض (١٠٢٨).\n(^٤) تاريخ دمشق (٣/ ٣٠ - ٣١)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢).\n(^٥) دلائل النبوة (١/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"1","page":156},{"text":"وسراجًا منيرًا، ورؤوفًا رحيمًا ومذكرًا وجعله رحمةً ونعمةً وهاديًا ع (^١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اسمي في القرآن محمد، وفي الإنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد وإنما سميت بأحيد لأني أحيد عن أمتي نار جهنم\" (^٢).\nومن أسمائه - ﷺ - المصطفى المختار من جميع الخلق وصفوة الشيء والماحي والشهيد المصدق النور الداعي الإمام الهادي المهاجر السراج المنير والأمين المذكر العامل المنصور المزمل المدثر خاتم النبيين روؤف رحيم الصاحب الشفيع المتوكل المبارك الآمر الناهي الطيب الكريم المحلل المحرم الواسع الرافع المخبر قاسم يكنى بأبي القاسم وأبي إبراهيم قاله بعض العلماء (^٣).\nقلت: وبعض هذه المذكورات صفات فإطلاقهم الاسم عليها مجاز.\nوأما نسبه فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانه بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأنه يكنى بأبي القاسم (^٤).\nقال النووي: اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب كثيرة جمعها القاضي عياض وغيره. أحدها: مذهب الشافعي وأهل الظاهر أنه لا\n_________\n(^١) انظر السيرة النبوية لابن كثير (ص ١٨٣).\n(^٢) أخرجه ابن عدى (١/ ٥٤٨) وابن عساكر (٣/ ٣٢) وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٨٦٥).\n(^٣) عيون الأثر (٢/ ٣٨٢).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١).","vol":"1","page":157},{"text":"يحل التكني بأبي القاسم لأحد سواء كان اسمه محمدًا أو أحمد أو لم يكن لظاهر الحديث. والثاني: أن هذا النهي منسوخ وأن هذا الحكم كان في أول الأمر لهذا المعنى المذكور في الحديث ثم نسخ قالوا فيباح التكني اليوم بأبي القاسم لكل أحد سواء من اسمه محمد وغيره وهذا مذهب مالك قال القاضي وبه قال: جمهور السلف وفقهاء الأمصار وجمهور العلماء قالوا وقد اشتهر أن جماعة تكنوا بأبي القاسم في العصر الأول وفيما بعد ذلك إلى اليوم مع كثرة فاعل ذلك وعدم الإنكار.\nوالثالث: مذهب ابن جرير أنه ليس بمنسوخ وإنما كان النهي للتنزيه والأدب ولا للتحريم.\nوالرابع: أن النهي عن التكني بأبي القاسم مخصوص بمن يكون اسمه محمدًا أو أحمد ولا بأس بالكنية وحدها لمن لا يسمى بواحد من الاسمين وهذا قول جماعة من السلف وجاء فيه حديث مرفوع عن جابر.\nالخامس: أنه ينهى عن التكني بأبي القاسم مطلقا وينهى عن التسمية بالقاسم لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم وقد غير مروان بن الحكم اسم ابنه عبد الملك وكان سماه أولا القاسم وقد فعله بعض الأنصار أيضًا.\nالسادس: التسمية بمحمد ممنوعة سواء كان له كنية أو لم تكن وجاء فيه حديث عن النبي - ﷺ -: \"تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنونهم\" (^١) وكتب عمر\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد رقم (١٢٦٤)، وأبو يعلى رقم (٣٣٨٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٥)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢٥٨)، والكلاباذي في بحر الفوائد صـ ٨٠ =","vol":"1","page":158},{"text":"إلى الكوفة \"فلا تسموا أحدًا باسم نبي \"وأمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمد حتى ذكر له جماعة أن النبي - ﷺ - أذن لهم في ذلك وسماهم به فتركهم قال: القاضي والأشبه أن فعل عمر هذا إعظاما لأسماء النبي - ﷺ - لئلا ينتهك الاسم كما سبق في الحديث: \"تسمونهم محمدًا ثم تلعنونهم\" وقيل فيه غير ذلك، انتهى (^١).\n_________\n= وقال الذهبي في التلخيص: الحكم بن عطية وثقه بعضهم وهو لين، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٦١٨٥).\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>فصل في ذكر أولاده - ﷺ </span>-\nأولهم: القاسم وبه كان يكنى ولد بمكة قبل النبوة وعاش أياما يسيرة قاله ابن حزم (^١): وقيل عاش سنتين، وقيل: عاش إلى أن ركب على الدابة وسار على النجيبة، ثم ولد له زينب قبل النبوة، وقيل: كانت أسن من القاسم وهي أكبر بناته (^٢) قال أبو عمر بن عبد البر (^٣): لا خلاف فيما علمته في أن زينب أكبر بناته - ﷺ - إلا ما لا يصح ولا يلتفت إليه وإنما الاختلاف بينها وبين القاسم أيهما ولد أولا فقالت طائفة من أهل العلم بالنسب القاسم ثم زينب وقال: ابن الكلبي زينب ثم القاسم انتهى.\nولدت زينب سنة ثلاثين من مولد رسول الله - ﷺ - قبل النبوة بعشر سنين وكان رسول الله - ﷺ - محبًّا فيها (^٤) تزوجها أبو العاص (^٥) واسمه القاسم قاله عز الدين بن جماعة (^٦)، وقيل: مهشم وقيل: هشيم (^٧) وكان أبو العاص مواخيًا لرسول الله - ﷺ - مصافيا وشكر له رسول الله - ﷺ - مصاهرته وأثنى عليه\n_________\n(^١) جوامع السيرة النبوية (ص ٣٠).\n(^٢) المختصر الكبير في سيرة الرسول (ص ٧٩) للكنانى.\n(^٣) في الاستيعاب (٤/ ١٨٥٣).\n(^٤) الاستيعاب (٤/ ١٨٥٤)، وعيون الأثر (٢/ ٣٥٨).\n(^٥) راجع ترجمة أبي العاص بن الربيع صهر رسول الله - ﷺ - في الاستيعاب (٤/ ١٧٠١)، أسد الغابة (٥/ ١٨٥)، الإصابة في تمييز الصحابة (٧/ ٢٠٦).\n(^٦) المختصر الكبير (ص ٧٩).\n(^٧) الاستيعاب (٤/ ١٧٠١)، والعقد الثمين (٦/ ٢٩٦).","vol":"1","page":160},{"text":"بذلك خيرًا (^١) وأسلمت زينب وهاجرت مسلمة حين أبى زوجها أبو العاص أن يسلم (^٢) وتركته على شركه فلم يزل مقيمًا عليه حتى كان قبل الفتح خرج في تجارة إلى الشام في قصة مطولة قال: ثم خرج حتى قدم على رسول الله - ﷺ - مسلمًا وحسن إسلامه ورد رسول الله - ﷺ - ابنته زينب على زوجها أبي العاص بالنكاح الأول ولم يحدث شيئًا بعد ست سنين، وروى أنه - ﷺ - ردها بنكاح جديد قال: ابن العطار في شرح العمدة الأول أصح وأشهر (^٣) وولدت زينب من أبي العاص غلامًا يقال له علي أردفه رسول الله - ﷺ - يوم الفتح على راحلته ومات صغيرًا (^٤) وماتت زينب في سنة ثمان من الهجرة في حياة رسول الله - ﷺ - وهي ابنة ثلاثين سنة (^٥) وغسلتها أم عطية الأنصارية (^٦) والله أعلم.\nقوله: \"أشرف من أظلت السماء\" الشرف العلو والسماء كل شيء ارتفع فهو سماء والسموات جمع سماء وهي سبع سموات بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وغلظ كل سماء خمسمائة عام (^٧) وجمعت السموات ووحدت\n_________\n(^١) العدة (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠)، والعقد الثمين (٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، وإمتاع الأسماع (٦/ ٢٨٣).\n(^٢) الاستيعاب (٤/ ١٨٥٤).\n(^٣) العدة (١/ ٤٩٠).\n(^٤) عيون الأثر (٢/ ٣٥٧).\n(^٥) العدة (١/ ٤٨٩).\n(^٦) تاريخ الإسلام (١/ ٣٥٠) وسير أعلام النبلاء (٢/ ١٠٣).\n(^٧) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٩٥).","vol":"1","page":161},{"text":"الأرض في جميع آيات القرآن لأن النبي - ﷺ - أسرى به إلى السموات ووطئها بقدميه الشريفتين فشرفت بذلك فجمعت.\nوأما الأرض فلم يطأ بقدميه الشريفتين منها سوى واحدة وهي العليا فأفردت، ولأن السموات محل الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ولم يثبت في الأرض مثل ذلك، فجمعت السموات حينئذ لشرفها ولذلك كان المختار أنها أفضل من الأرض (^١)، وروينا عن كعب الأحبار أنه قال: خلق الله السماء الدنيا من موج مكفوف، والثانية صخرة والثالثة، من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب، والسابعة من ياقوت (^٢)، وروى البيهقي (^٣) عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (^٤) قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم قال إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح غير أني لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا (^٥) والله أعلم قاله في الديباجة، واختلف أهل الهيئة هل هي متراكمات بلا تفاصل أوبين كل سماء والتي تليها خلا على قولين (^٦).\n_________\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٠٨).\n(^٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٩٦)، والنجم الوهاج (٢/ ١٠٨).\n(^٣) في الأسماء والصفات (٢/ ٢٦٧).\n(^٤) سورة الطلاق، الآية: ١٢.\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ١٠٨).\n(^٦) الإعلام (١/ ٩٦) وزاد: أصحهما الثاني، وفي وسطها المركز وهو نقطة مقدرة متوهمة وهو محط الأثقال إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يقارنه مانع.","vol":"1","page":162},{"text":"وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في المسند مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"إن غلظ كل أرض سبعمائة سنة وإن غلظ كل سماء خمسمائة سنة\" (^١).\nوأما السماء الأولى فقال بعضهم: إنها أفضل مما سواها لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (^٢) وكذلك الأرض الأولى لانتفاعنا بها ودفن الأنبياء بها وهي مهبط الوحي وغير ذلك وفي كلام بعضهم الأرض العليا أفضل مما تحتها لاستقرار ذرية آدم فيها ومنهم أفضل الأنبياء والمرسلين خاتمهم سيدنا رسول الله - ﷺ - بدليل قوله - ﷺ -: \"آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ، تحت لوائي\" (^٣) واختلف العلماء ﵃ في تفضيل السماء على الأرض والمذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض قاله ابن الملقن في شرح عمدة الأحكام (^٤)، وقيل الأرض أشرف لأنها مستقر الأنبياء خلقوا منها وعبدوا الله فيها ودفنوا فيها، وبه قال الأكثرون وهذا القول ضعيف (^٥).\nقوله \"وأقلت البيداء\" أقلت معناها حملت قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٩٢) من حديث العباس بن المطلب وفيه \"بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ\".\n(^٢) سورة الملك، الآية: ٥.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٣٠) من حديث عبد الله بن عباس.\n(^٤) المسمى بـ \"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\" (١/ ٩٩).\n(^٥) الإعلام (١/ ٩٩).","vol":"1","page":163},{"text":"أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ (^١) أي حملت والبيد بكسر الباء الموحدة جمع البيداء بالمد عبارة عن الأرض القفر التي لا نبات فيها ولا شجر.\nقوله: [ﷺ] قال: الأزهري (^٢) [وجماعات] (^٣) الصلاة في اللغة الدعاء قال: الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (^٤) أي ادع لهم (^٥)، والصلاة من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم (^٦)، وقال: بعض العلماء الصلاة من الله تعالى إرادة التشريف ورفع الدرجة والصلاة من الملائكة بمعنى الاستغفار (^٧)، وقال: بعض العلماء الصلاة من الملائكة بمعنى الاستغفار والثناء وطلب زيادة رفع الدرجة له والصلاة من الآدميين تضرع ودعاء (^٨)، وقال: بعض العلماء أيضا الصلاة من الآدميين الدعاء وطلب زيادة الدرجة له أيضًا (^٩) والصلاة في الشريعة عبارة عن أركان معلومة وأفعال مخصوصة ويكره إفراد الصلاة دون التسليم لأن الله\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٥٧.\n(^٢) تهذيب اللغة (١٢/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(^٣) زائدة في السياق وغير مفهومة.\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١٥٣.\n(^٥) ذكر ذلك ابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ١٦٧)، والفيومي في المصباح المنير (١/ ٣٦/ ٤٦).\n(^٦) الإعلام (١/ ١٠٣)، والنجم الوهاج (١/ ١٩٤)\n(^٧) المفاتيح (١/ ٢٠).\n(^٨) المفاتيح (١/ ٢٠) والإعلام (١/ ١٠٣).\n(^٩) المفاتيح (١/ ٢٠).","vol":"1","page":164},{"text":"تعالى أمر به بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^١) (^٢)، قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بالصلاة عليه - ﷺ - (^٣)، وفي مسند إسحاق بن راهويه من حديث أبي ذر مرفوعًا: \"إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي\" (^٤) وفي الحديث: \"كل خطبة لا يصلي فيها على النبي - ﷺ - شوهاء\" أي قبيحة (^٥).\nفائدة: وفي وجوب الصلاة عليه - ﷺ - أقوال: أحدهما: تجب في كل حالة.\nوالثاني: لا تجب بعد الإسلام إلا مرة. والثالث: تجب كلما ذكر واختاره الحليمي واللخمي والطحاوي (^٦).\nتنبيه: الطحاوي منسوب إلى طحا قرية من قرى الصعيد واسمه أحمد وهو من كبار الحنفية كان المزني خاله صنف المختصر في مذهب أبي حنيفة وكان إمامًا في الحديث له كتاب تهذيب الآثار في الحديث كتاب كبير (^٧) انتهى.\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ١٩٤)\n(^٣) انظر تفسير الطبري (٢٤/ ٤٩٤) والإعلام (١/ ١٠٤).\n(^٤) أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث رقم (١٠٦٤)، وابن أبي عاصم في كتاب الصلاة على النبي - ﷺ - رقم (٢٩).\n(^٥) النجم الوهاج (١/ ١٩٤).\n(^٦) النجم الوهاج (١/ ١٩٤).\n(^٧) انظر: الأنساب (٩/ ٥٣)، واللباب (٢/ ٢٧٦). وكتابه المذكور كتابان الأول شرح معانى الآثار طبع بدار عالم الكتب تحقيق (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء =","vol":"1","page":165},{"text":"والرابع: في كل مجلس. والخامس: في أول كل دعاء وآخره لقوله - ﷺ -: \"لا تجعلوني كقدح الراكب اجعلوني في أول الدعاء وفي وسطه وفي آخره\" (^١) رواه الطبراني عن جابر (^٢).\nقوله: \"وعلى آله\" أما الآل فقال النحاس (^٣): أصله أهل ثم أبدلت من الهاء ألفا فإن صغرته رددته إلى أصله فقلت أهيل (^٤). وقال: المهدوي أصله أول وقيل أهل قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفا وجمعه آلون وتصغيره أويل فيما حكى الكسائي، وحكى غيره أهيل، وقد ذكر عن النحاس، واختلف في حقيقته على أقوال كثيرة: أصحها عند الشافعي وموافقيه أنهم بنو هاشم وبنو المطلب هذا مذهب الشافعي (^٥) وبه قال: بعض المالكية وقال أبو حنيفة\n_________\n= الأزهر، والثانى شرح مشكل الآثار طبع دار الرسالة بتحقيق شعيب الأرناؤوط، أما المختصر المعروف بمختصر الطحاوى طبع بلجنة إحياء المعارف الهندية بتحقيق أبي الوفا الأفغانى.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٣١١٧)، وعبد بن حميد في المنتخب من المسند رقم (١١٣٢)، وابن أبي عاصم في الصلاة على النبي رقم (٧١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٥): رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ١٩٥).\n(^٣) أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المراديّ أبو جعفر النحّاس النحويّ المصريّ (٣٣٨ هـ) انظر كتاب الأنساب للسمعاني ١٣/ ٤٤ واللباب في تهذيب الأنساب لابن الاثير الجزري ٣/ ٣٠٠.\n(^٤) إعراب القرآن (١/ ٥٢) للنحاس.\n(^٥) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١١٢).","vol":"1","page":166},{"text":"ومالك هم بنو هاشم خاصة (^١) وبنو هاشم هم آل علي وآل العباس وآل حمزة وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب ومواليهم هكذا قاله صاحب القدوري في الصدقات (^٢).\nثانيها: عترته وأهل بيته هم فاطمة وعلي والحسن والحسين لأنه - ﷺ - لفَّ عليهم كساء وقال: هؤلاء أهل بيتي أو هم مع أزواجه لأنه المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق قاله الكرماني (^٣).\nثالثها: جميع الأمة واختاره الزهري وغيره من المحققين وهو قوي مختار، وقيل الأتقياء من المسلمين لأنه - ﷺ - سئل عن آله فقال \"كل مؤمن تقي\" (^٤) لكنه ضعيف (^٥).\nرابعها: قال بعض العلماء: هم قريش كلها قاله القاضي عياض.\nخامسها: هم بني قصي قاله أصبغ (^٦).\nسادسها: أن أهل البيت زوجاته خاصة قاله ابن عباس وغيره وذهبوا إلى أن البيت أريد به ساكنه وصحح ابن الفركاح دخول زوجاته في أهل بيته\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٧/ ١٧٦).\n(^٢) التجريد (٨/ ٤٢٢١) للقدورى.\n(^٣) الكواكب الدرارى (١٥/ ٥ - ٦).\n(^٤) أخرجه الكلاباذي في بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار صـ ٣٠٦.\n(^٥) المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٦٦)، الزاهر (٦٦)، كفاية النبيه (٣/ ٢١٨)، والإعلام (١/ ١١٢)، والنجم الوهاج (٢/ ١٦١).\n(^٦) شرح النووى على مسلم (٧/ ١٧٦).","vol":"1","page":167},{"text":"والخلاف عند الإمام أحمد أيضًا (^١).\nسابعها: آله فاطمة والحسن والحسين فقط قالته الرافضة ودليل الشافعي رحمه الله تعالى أنهم: بنو هاشم وبنو المطلب أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد\" (^٢) وقسم بينهم سهم ذوي القربى وهذه الأقوال كلها ذكره النووي في شرح مسلم (^٣) وابن الملقن في شرح عمدة الأحكام في أول الخطبة (^٤).\nتتمة: قال أصحابنا: لا يصلى على غير الأنبياء إلا تبعا لأن الصلاة في لسان السلف مخصوصة بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا ﷿ مخصوص بالله ﷾ وكما لا يقال محمد ﷿ وإن كان عزيزًا جليلًا، ولا يقال أبو بكر - ﵁ -، وإن صح المعنى، واختلف أصحابنا في النهي عن ذلك، هل هو تنزيه أم محرم أو مجرد أدب على ثلاثة أوجه الأصح الأشهر أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود، واتفقوا على أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم في ذلك فيقال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته وأتباعه لأن السلف لم يمنعوا منه وقد أمرنا به في التشهد وغيره (^٥).\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن عطية (٤/ ٣٨٤)، وتفسير القرطبي (١٤/ ١٨٢)، والإعلام (١/ ١١٢).\n(^٢) أخرجه الإمام الشافعي في التفسير (٢/ ٨٧٨)، وفي مسنده رقم (٤١٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٦٧).\n(^٤) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١١٢ - ١١٣).\n(^٥) شرح النووى على مسلم (٧/ ١٨٥).","vol":"1","page":168},{"text":"قال الشيخ أبو محمد الجويني: والسلام في معنى الصلاة فلا يفرد به غير الأنبياء (^١) انتهى. قاله في الديباجة.\nتتمة: والأصح أن الزكاة فقط حرام على آل النبي - ﷺ - قاله الكرماني (^٢)، وأما صدقة التطوع فقيل تحرم على النبي - ﷺ - وتحل لآله وهو الأصح، وقيل: تحل، وقيل: تحرم عليهما (^٣).\nقال المهلب (^٤): والحكمة في تحريمها عليه وعلى آله إما أنها مطهرة للملاك ولأموالهم قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ (^٥) فهي كغسالة الأوساخ وآل محمد منزهون عن أوساخ الناس وغسالاتهم، وإما أن أخذها مذلة وضعة وقال: ﵊ \"اليد العليا خير من اليد السفلى\" فجعل يد الآخذ سفلى، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكذا آلهم منزهون عن ذلك وعن الخضوع والافتقار إلى غير الله ﷿، ولهم اليد العليا، وقد فرض الله عليه وعلى الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام أن لا يطلبوا على شيء من الرسالة أجرًا فلو أخذوا الصدقة لكانت كالأجرة انتهى (^٦).\nوإما أنها لو أخذوها لقال الأعداء بأن محمدا يدعونا إلى ما يدعونا إليه\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٧/ ١٨٥).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٨/ ٣٢).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٧/ ١٧٦).\n(^٤) شرح الصحيح (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢) لابن بطال.\n(^٥) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(^٦) راجع شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، والكواكب الدرارى (٨/ ٣٦)، وعمدة القاري (٩/ ٨٧).","vol":"1","page":169},{"text":"ليأخذ أموالنا ويعطيها لأهل بيته قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (^١) ولهذا أمر أن تصرف إلى فقرائهم في بلدتهم.\nقال الطحاوي (^٢): قال أبو حنيفة: الصدقة فرضًا أو نفلًا حلال لهم لأنها كانت محرمة من أجل أن لهم الخمس من سهم ذوي القربى فلما انقطع عنهم ذلك بموت رسول الله - ﷺ - حل بذلك لهم ما كان حرم عليهم (^٣)، وقال: صاحباه يحرم عليهم كلاهما (^٤).\nقوله: \"والصحابة\": واختلف فيمن يطلق عليه اسم الصحبة على مذهبين أصحهما وهو مذهب البخاري وسائر المحدثين وجماعات من الفقهاء وغيرهم أنه كل مسلم رأى النبي - ﷺ - وصحبه ولو ساعة وإن لم يجالسه ويخالطه، والثاني وهو مذهب أهل الأصول أنه يشترط مجالسته (^٥)، والمختار في حده هو كل مسلم رأى رسول الله - ﷺ - ويدخل في هذا العميان ابن أم مكتوم الأعمى وغيره، وأما التابعي ففيه أيضًا: مذهبان أحدهما: الذي رأى صحابيًّا وصحبه ولو ساعة، والثاني أنه الذي جالس صحابيًّا والله أعلم (^٦).\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ٢٣.\n(^٢) شرح معاني الآثار (٢/ ١٠).\n(^٣) راجع شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٥٤٠).\n(^٤) الكواكب الدرارى (٨/ ٣٦).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤).\n(^٦) راجع في تعريف الصحابي: الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (٢/ ٤٨٣)، المقنع في علوم الحديث (٢/ ٤٩٠)، فتح المغيث (٤/ ٧٨)، الإحكام في أصول الأحكام (٥/ ٨٩)، المستصفى صـ ٣٠، البحر المحيط في أصول الفقه (٦/ ١٩٠).","vol":"1","page":170},{"text":"تنبيه: يستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأحياء، يقال: - ﵁ -، أو ﵀، أو رحمة الله عليه، ونحو ذلك، وأما ما قاله بعض العلماء: إن قول - ﵁ - مخصوص بالصحابة، ويقال في غيرهم ﵀ فقط فليس كما قال ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذي عليه الجمهور واستحبابه ودلائله أكثر من أن تحصر فإن كان المذكور صحابيًّا بن صحابي كعبد الله بن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن جعفر وأسامة بن زيد ونحوهم قيل ﵄ ليشمله وأباه جميعا (^١) انتهى قاله في الديباجة.\nفائدة: وقع في الباب الثالث في أعمال الباطن من القراءة: أن النبي - ﷺ - مات عن عشرين ألفًا من الصحابة لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة واختلف في اثنين منهم (^٢)، ولعله أراد عشرين ألفًا في المدينة وإلا فقد روى أبو زرعة الرازي أنه - ﷺ - مات عن مائة ألف وأربعة مائة وعشر ألفًا كل منهم صحبه وروى أعنه، وسمع منه انتهى (^٣). أفضلهم العشرة المشهود لهم بالجنة.\nوقال في مرآة الزمان (^٤): اعلم أن الصحابة خلق كبير تتعذر الإحاطة بعددهم وسئل أبو زرعة الرازي عن هذا فقال قبض رسول الله - ﷺ - عن مائة ألف وعشرين ألفًا ممن روى عنه وسمع منه ورآه وقد سُئل الخطيب أبو بكر بن أبي زرعة أيضا عن ذلك فقال ومن يضبط هذا، شهد معه حجة الوداع\n_________\n(^١) الأذكار (ص ١١٨ - ١١٩) والمجموع (٦/ ١٧٢).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٢٨٧).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٥٨).\n(^٤) مرآة الزمان (٤/ ٤٠٩).","vol":"1","page":171},{"text":"أربعون ألفا وتبوك سبعون ألفا وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - كان معه يوم الفتح عشرة آلاف وخرج من المدينة إلى غزوة تبوك في ثلاثين ألفا انتهى.\nقوله: \"صلاة دائمة\" تقدم معنى الصلاة قريبًا.\nقوله: \"في كل حين\" تقوى وتزيد، والنمو الزيادة.\nقوله: \"ولا ينفد ما دامت الدنيا والآخرة\" وإنما سميت الدنيا دنيا لأنها أدنى فيها العمل وإنما سميت الآخرة آخرة لأن كل شيء فيها مستأخر وهي دار جزاء وثواب (^١)، وقال أبو العباس القرطبي: الدنيا وزنها فعلى وألفها للتأنيث وهي من الدنو بمعنى القرب وهي صفة لموصوف محذوف كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (^٢) غير أنه أكثر استعمالها استعمال الأسماء فاستغنى عن موصفه فيها والمراد الدار الدنيا والحياة الدنيا التي تقابلها الدار الآخرة أو الحياة الأخرى (^٣). انتهى.\nقوله: \"ولا تبيد\" أي لا تفنى.\nقوله: \"أما بعد\" هذه الكلمة يأتي بها المتكلم إذا أراد الانتقال من أسلوب إلى غيره ومعناها أما بعد من حمد الله تعالى والصلاة على رسول الله (^٤) انتهى.\nوقال: بعضهم هي كلمة موضوعة للدلالة على اقتطاع من سابق واستئناف من لاحق انتهى.\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٥/ ١٩٤) من كلام عطاء الخراساني.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(^٣) المفهم (٢٢/ ١٤٠).\n(^٤) النجم الوهاج (١/ ١٩٥)، والتحبير شرح التحرير (١/ ١٠٧)، وغذاء الألباب (١/ ٣٣ - ٣٤).","vol":"1","page":172},{"text":"وقال ابن بطال: هو فصل بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر الذي يريد الخطيب إعلامه (^١)، ويستحب الإتيان بها في خطب الوعظ والجمع والعيد وغيرها وكذا في خطب الكتب المصنفة والمكاتبات اقتداء برسول الله - ﷺ -. وذكر ابن بطال أيضا أن رسول الله - ﷺ - كان يقولها في خطبه وشبهها رواه عنه خمسة وثلاثون صحابيا قاله ابن الملقن في شرح العمدة (^٢).\nوقال: الحافظ أبو محمد عبد القادر الرهاوي روى عن النبي - ﷺ - في خطبه وكتبه جمع من الصحابة نحو ثلاثين نفسًا (^٣)، انتهى.\nوقد عقد البخاري لها بابًا في كتاب الجمعة (^٤) وذكر فيه أحاديث كثيرة في ضبط دال أما بعد أربعة أوجه ضم الدال وفتحها من غير تنوين ورفعها منونة كذا نصبها (^٥).\nوأما حرف فيه معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء وبعد ظرف زمان واختلف العلماء في أول من تكلم بهذه الكلمة على خمسة أقوال:\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٥١٠).\n(^٢) اسم الكتاب بالكامل (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) ١/ ١١٥.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد (٢/ ١٠).\n(^٥) صناعة الكتاب (ص ١٨٢ - ١٨٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢٩)، وقد نظمها بعضهم فقال:\nجرى الخُلْفُ أما بعد من كان قائلًا ... لها خمسُ أقوالٍ وداودُ أقربُ\nوكانت له فصلَ الخطابِ وبعدَه ... فقُسٌ فسحبانُ فكعبٌ فَيْعُربُ\nانظر: حاشية الباجوري ١/ ٧.","vol":"1","page":173},{"text":"أحدها داود ﵊ قال: بعض المفسرين أو كثير أنها منهم فصل الخطاب الذي أوتي داود - ﷺ - وقال: المحققون فصل الخطاب الفصل بين الحق والباطل (^١).\nتتمة: قال الزمخشري (^٢) وغيره: لما جاء إخوة يوسف لطلب أخيهم أدوا إليه كتاب يعقوب فيه من يعقوب إسرائيل بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، فأما جدي فشدت يساره ورجلاه ورمي في النار ليحرق فنجاه الله وجعلها عليه بردًا وسلامًا، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوا بقميصه ملطخا بالدم وقالوا: قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابن وكان أخوه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته علي وإلا دعوت عليه دعوة تدرك السابع من ولدك، والسلام.\nوذكر الشيخ سراج الدين بن الملقن بسند ضعيف (^٣): لما جاء ملك الموت إلى يعقوب ﵇، قال له من جملة كلامه (أما بعد)، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء؛ ولو ثبت هذا لكان أول من تكلم بها يعقوب ﵊. انتهى. وثانيها: قس بن ساعدة الإيادي، قاله الكلبي. وثالثها: كعب بن لؤي، وهذه\n_________\n(^١) شرح النوويّ ٦/ ٣٩٤.\n(^٢) الكشاف (٢/ ٥٠١).\n(^٣) ذكره ابن الملقن في التوضيح (٧/ ٥٥٠) وقال: غرائب مالك للدارقطني بسند ضعيف.","vol":"1","page":174},{"text":"مشهورة. ورابعها: يعرب بن قحطان. خامسها: سحبان بن وائل، وهو القائل:\nلقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد، أني خطيبها (^١)\nقوله: \"زاده الله قربًا منه وعزوفًا\" يقال: عزفت نفسي عن الشيء تعزف عزوفًا، أي زهدت فيه وانصرفت عنه، ذكره الجوهري في صحاحه (^٢).\nقوله: \"عن دار الغرور\" الغرور الخديعة، وإنما سميت الدنيا بدار الغرور لأنها تخدع الناس بزينتها وزخرفها وتشغلهم عن طلب الآخرة والسعي لها.\nقوله \"وأسعفه\" يقال أسعفت الرجل في حاجته: إذا قضيتها له (^٣).\nقوله \"لما وقر عندي من صدق نيته\" أي: تمكن، قال أبو عثمان في كتاب الأفعال (^٤): ووقر الشيء في القلب معناه: تمكن، ذكره الجوهري في صحاحه (^٥).\nقوله: \"من صدق نيته\" والنية هي القصد، تقول العرب: نوى إلى الله بحفظه، أي: قصد إلى الله (^٦)، وسيأتي الكلام على النية قريبًا مبسوطًا [في الترغيب في إخلاص النية].\nوقوله: \"وإخلاص طويته\" والطوية هي ما يسره الإنسان ويكتمه عن الناس.\n_________\n(^١) انظر صناعة الكتاب (ص ١٧٦)، والإعلام (١/ ١١٥ - ١١٦).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٤٠٣).\n(^٣) مقاييس اللغة (٣/ ٧٣).\n(^٤) راجع كتاب الأفعال علي بن جعفر بن علي السعدي، أبو القاسم، المعروف بابن القَطَّاع الصقلي (٣/ ٣٠٢).\n(^٥) لم أجده في باب وقر وإنما ذكره في باب وكن (٦/ ٢٢١٥) فقال: وتقول: وكن الطائر بيضه يكنه وكنا، أي حضنه. وتوكن، أي تمكن.\n(^٦) الإعلام (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":175},{"text":"قوله: \"وأمليت عليه هذا الكتاب صغير الحجم غزير العلم \"أشار بذلك قدس الله سره إلى أن الهمم تقاصرت عن حفظ المطولات بل والمختصرات، وصارت على النزر اليسير مقاصرات، وحجم الشيء: ملمسه الناتئ تحت اليد والجمع حجوم، والكبر: نقيض الصغر لأن ما كثر حجمة أحجم الطلاب عن تحصيله وما اختصر رغبوا في إجماله وتفصيله، والاختصار حذف الفضول من كل شيء ومنه قوله - ﷺ -: \"أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا\" (^١)، وجوامع الكلم: قيل القرآن لأن الله تعالى جمع في ألفاظه اليسيرة معاني كثيرة، وكان - ﷺ - يتكلم بجوامع الكلم، قال الخليل (^٢): الكلام يبسط ليفهم ويختصر ليحفظ، فالمبسوط: ما كثر لفظه ومعناه، والمختصر: ما قل لفظه وكثر معناه (^٣).\nقوله: \"لأني لو فعلت ذلك\" لخرج هذا الإملاء إلى حد الإسهاب الممل، يقال: أسهب فهو مسهب بفتح الهاء إذا أمعن في الشيء وأطال (^٤).\nقوله: \"وأما دقائق العلل فلا مطمع في شيء منها لغير الجهابذة النقاد من أئمة هذا الشأن\" الجهابذة: جمع جهبذ، ولم توجد هذه اللفظة في أول\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في سننه (٥/ ٢٥٤) عن ابن عباس، والبيهقي في الشعب رقم (١٣٦٧) عن عمر بن الخطاب - ﵁ -. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ \"فُضِلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ... \" الحديث. ليس فيه \"واختصر لي الكلام اختصرًا\".\n(^٢) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري.\n(^٣) زيادة في المخطوطة المغربية: وكان - ﷺ - يتكلم بجوامع الكلم، قاله الكمال الدميري.\n(^٤) مجمع بحار الأنوار (٣/ ١٥٨).","vol":"1","page":176},{"text":"الصحاح، وفي القاموس (^١) في حرف الذال المعجم، الجهبذ بالكسر الناقد الجيد، وفي شرح ألفية العراقي (^٢): تفسيره بالناقد فقط، ووقع في كلام أبي شامة عند قول الشاطبي جهابذة النقاد أن الجهابذة جمع جهبذ وهو الحاذق في النقد والنقاد جمع ناقد يقال نقدت الدراهم إذا استخرجت منها الزائف وكنى بالجهابذة عن الحاذقين بهذا العلم المتضلعين منه (^٣)، قلت: وما حكاه أبو شامة يقتضي أن الجهبذ الحاذق في النقد لا مطلق الناقد (^٤) بخلاف ما وقع في شرح الألفية للعراقي [كلمات غير واضحة (^٥)].\nقوله: \"وأنبه على كثير مما مضى في حال الإملاء مما تساهل فيه أبو داود في السكوت عن تضعيفه، أو الترمذي في تحسينه أو الحاكم في تصحيحه، لا انتقادًا عليهم، بل مقباسًا لمتبصر في نظائرها\" يقال: اقتبس الرجل: أخذ من نور غيره قبسا، قاله ابن عطية في تفسيره [في سورة الحديد (^٦)].\nوالقبس: الشعلة من النار، واقتباسها: الأخذ منها؛ قال في القاموس (^٧): القبس محركًا: شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس، فمعنى كلام المنذري، رحمه الله تعالى، مقباسًا لمتبصر، يعني: أن الذي نبهت عليه حال\n_________\n(^١) القاموس المحيط (ص ٣٣٢).\n(^٢) شرح (التبصرة والتذكرة) ١/ ٢٧٥.\n(^٣) إبراز المعانى من حرز الأمانى (ص ٧٤٣).\n(^٤) فتح المغيث (١/ ٢٧٥).\n(^٥) والذي في شرح الألفية المسماة بالتبصرة والتذكرة: الجهبذُ، أي: الناقدُ (١/ ٢٧٥).\n(^٦) المحرر الوجيز (٥/ ٢٦٢).\n(^٧) القاموس المحيط (ص ٥٦٤).","vol":"1","page":177},{"text":"الإملاء نور يهتدى به في نظائر الأحاديث الذي تساهل فيها أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم.\nمثال ما تساهل فيه أبو داود: الحديث الذي رواه عنه المصنف في الترهيب من دخول الحمام وعبارته عن عائشة: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن دخول الحمامات\" (^١) رواه أبو داود ولم يضعفه، واللفظ له، والترمذي وابن ماجه؛ فقوله: \"ولم يضعفه\" يعني: سكت عنه، فيقتضي أنه حسن، قال المصنف: رووه كلهم من حديث أبي عذرة عن عائشة، ثم قال: قال أبو بكر الحازمي (^٢): لا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه، وأبو عذرة غير مشهور، فقد وُجد من أبي داود تساهل حيث لم يضعف هذا الحديث، فبيان المصنف لتضعيفه مقباسٌ يُستضاء به في نظير ذلك من الأحاديث التي في طريقها أبو عُذرة حتى يقضى عليها بالضعف.\nمثال ما تساهل فيه الترمذي: كالحديث الذي رواه عنه المصنف في الترهيب في ترك السنة، وعبارته عن عمرو بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال لبلال بن الحارث يومًا: \"اعلم يا بلال ... \" الحديث\" (^٣)، قال في آخره: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما من طريق كثير بن عبد الله، قال الترمذي: حديث\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود رقم (٤٠٠٩)، والترمذي رقم (٢٨٠٢) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة وإسناده ليس بذاك القائم، وابن ماجه رقم (٣٧٤٩)، وأحمد في مسنده (٤١/ ٤٦٦) رقم (٢٥٠٠٦)، وضعفه الألباني في غاية المرام رقم (١٩١).\n(^٢) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (ص ٢٤١).\n(^٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٦٧٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٩٦٥).","vol":"1","page":178},{"text":"حسن، قال المصنف: بل كثير بن عبد الله واه، فقد تساهل الترمذي حيث قضى عليه بالحسن فبيان المصنف لتضعيفه مقباس لتظيره من الأحاديث التي في طريقها كثير بن عبد الله حتى يقضى عليها بالضعف.\nومثال ما تساهل فيه الحاكم كالحديث الذي رواه عنه المصنف في الترهيب من [الرياء] وعبارته عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم وساق الحديث ثم قال في آخره: قال الحاكم - واللفظ له -: صحيح الإسناد (^١)، قال المصنف ﵀: كيف وعبد الواحد بن زيد الزاهد متروك الحديث، فقد تساهل الحاكم حيث قضى عليه بالصحة فبيان المصنف لتضعيفه مقياس يستضاء به في نظير ذلك من الأحاديث التي في طريقها عبد الواحد بن زيد حتى يقضى عليها بالضعف، هذا ما ظهر لي في معنى كلام المنذري والله أعلم، قاله الشيخ شمس الدين بن قاسم أيضًا.\nقوله - ﵁ -: وأنا استمد العون على ما ذكرت من الله القوي المتين العون، بمعنى الإعانة، والقوي: هو الذي لا يصعب عليه أمر من الأمور، وهو يفعل ما يختار، وقال في الديباجة: القوي التام القدرة الذي يستحيل عليه العجز وقوتنا قاصرة (^٢).\nتنبيه: القوي من العبيد الذي يقوى بقوة الله تعالى على قهر الشيطان وجنوده التي هي قوى نفسه من الغضب والشهوة والهوى ثم على قهر أعدائه\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٦٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٢١).\n(^٢) الأسنى (ص ٢٥٩).","vol":"1","page":179},{"text":"من شياطين الجن والإنس فلا يقاويه شيء من خلق الله إلا قهره، ولا يناويه أحد إلا غلبه (^١).\nقوله: المتين، والمتين هو الذي لا يحتاج إلى غيره في الأمور لكمال قوته، وقال في الديباجة: المتين الشديد القوة الذي لا تلحقه مشقة (^٢).\nواعلم أن القوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة، والله تعالى من حيث أنه بالغ القدرة تامها قوي، ومن حيث أنه شديد القوة متين، وذلك راجع إلى معنى القدرة (^٣).\nتنبيه: المتين من العبيد هو المتصلب في دينه الذي لم يتأثر عمن أراد إغواءه عن الحق لشدته لكونه أمتن كل متين (^٤).\nقوله: وأمد أكف الضراعة؛ الضراعة بمعنى التضرع، وأصل الضراعة الخضوع والتذلل (^٥)، قاله في الديباجة؛ وقال القاضي عياض (^٦): الضراعة هي شدة الفاقة والحاجة إلى من احتجت إليه، انتهى.\nقوله: وأن ينفع به كاتبه، النفع ضد الضر، يقال: نفعه كذا ينفعه وانتفع به،\n_________\n(^١) معجم اصطلاحات الصوفية (ص ١٣٧).\n(^٢) الأسنى (ص ٢٦٤).\n(^٣) المقصد الأسنى (ص ١٢٩).\n(^٤) معجم اصطلاحات الصوفية (ص ١٣٧).\n(^٥) المفهم (١٨/ ٦٦).\n(^٦) مشارق الأنوار (٢/ ٥٨).","vol":"1","page":180},{"text":"والاسم المنفعة، قاله الجوهري (^١)، وقال الراغب في مفرداته (^٢): النفع ما يستعان به في الوصول إلى الخيرات وما يتوصل به إلى الخير، فالنفع خير وضده الضر، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (^٣).\nقوله: وأن يرزقني من الإخلاص ما يكون كفيلا لي في الآخرة بالخلاص، قال القشيري (^٤): الإخلاص هو إفراد الحق ﷾ في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنُّعٍ لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى، انتهى، وسيأتي الكلام على الإخلاص في الباب بعده مبسوطًا وتقدم الكلام على الكفالة وإنها الضمان.\nقوله: في الآخرة بالخلاص؛ والآخرة هي دار القرار.\nسؤال: لم جعل الله الآخرة غائبة عن أبصارنا؟.\nقيل: قال أبو محمد السجزي: أراد الله تعالى أن يعمر الدنيا، فلو رأوا الآخرة لأعجبتهم وتركوا الدنيا فلم يعمروها، وأيضا لو رأوها لما جحدها أحد، وارتفعت المحبة، وقيل: وسميت الدنيا دنيا لدنوها قبل الآخرة، وقيل: لدناءتها كما حكى أن عيسى ﵊ رأى طيرًا حسنًا عليه من كل لون ثم نزع جلده فصار أقبح شيء، فقال: ما أنت؟ قال: الدنيا؛ فإن قيل:\n_________\n(^١) في الصحاح (٣/ ١٢٩٢).\n(^٢) مفردات القرآن (ص ٨١٩).\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٣.\n(^٤) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٥٩).","vol":"1","page":181},{"text":"لم مثلها الله ﷿ بالماء في قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (^١) الآية، قيل: لأن الماء ليس له قرار، وكذلك الدنيا، والآخرة هي دار القرار أيضًا، فالماء قليله فيه الكفاية، وكثيره مضر، كذلك الدنيا قليلها يكفي وكثيرها يطغي ولا يغني، وترك القليل والكثير يورث القناعة، وأيضًا الزرع يفسد بالماء الكثير كذلك القلب يفسد بالمال الكثير، وأيضا الماء كله لا يكون صافيا كذلك المال يكون حراما وشبهة وحلالا، وأيضا الماء يطهر النجاسات كذلك المال يطهر دنس الآثام، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ (^٢) الآية، وأيضًا الماء يصلح لزاد البادية كذلك المال يصلح لزاد القيامة والله أعلم، قاله في كشف الأسرار (^٣).\nقوله (ومن التوفيق ما يدلني على أرشد طريق) تقدم الكلام على التوفيق وتقدم الكلام أيضا على الرشد والإرشاد وعلى السبل وأنها الطرق.\nقوله (وأرجو منه الإعانة) الرجاء: ضد اليأس ممدود، وقد جاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ (^٤) أي: لا تخافون عظمة الله (^٥).\nقوله: (على حزن الأمر وسهله) الحزن: الصعب وهو ضد السهل.\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٣.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٨ و٩).\n(^٤) سورة نوح، الآية: ١٣.\n(^٥) الصحاح (٦/ ٢٣٥٢)، وتهذيب اللغة (١١/ ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"1","page":182},{"text":"قوله: (وأتوكل عليه) قال أبو عثمان الحيري: التوكل الاكتفاء بالله والاعتماد عليه، وقال حمدون: التوكل الاعتصام بالله تعالى، وقال سهل بن عبد الله أول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء ولا يكون له حركة ولا تدبير، وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلًا؟ قال: إذا رضي بالله وكيلًا، وقال أبو تراب النخشبي: التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكتابة، وقال الأستاذ أبو علي: التوكل ثلاث درجات التوكل ثم التسليم ثم التفويض، فالمتوكل سكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه (^١)، ولذلك أشار الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن عبد المحسن الواسطي (^٢) بقوله:\nتَوَكَّلْ عَلَى مَوْلاكَ وَارضَ بِمَا قَضَى ... وَسَلِّمْ وَفَوِّضْ فَالصِّعَابُ تَهُونُ\nوَإِنْ كنْتَ تَرْجُو فِي أمُورِكَ غَيْرَهُ ... فَذَاكَ جُنُون وَالْجُنُونُ فُنُونُ\nفقال في الإحياء (^٣): وقال بعضهم: رأيت زرارة بن أوفى بعد موته في الجنان، فقلت له: أي الأعمال أبلغ عندكم؟ قال: التوكل وقصر الأمل، ثم روى عن سعيد أنه قال: التوكل جماع الإيمان، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب\n_________\n(^١) الرسالة القشيرية (١/ ٢٩٩).\n(^٢) هو عبد الرحمن بن عبد المحسن بن عمر بن شهاب، المتوفى (٧٤٤ هـ) الإمام المفتي محدث واسط وعالمها وكبيرها الشيخ تقي الدين أبو الفرج الواسطي الشافعي المعجم المختص (١/ ١٣٧ - ١٣٨) وأعيان العصر (٣/ ٣٠ - ٣١).\n(^٣) الإحياء (٤/ ٤٥٤).","vol":"1","page":183},{"text":"التوكل عن ابن عباس مرفوعا: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أكرم الناس عند الله فليتق الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده\" (^١).\nوروى عن ابن أبي قدامة الرملي قال: قرأت هذه الآية ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ (^٢) ثم قال: لا ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله في أمره، ثم قال: والله لو عامل الله عبدًا بحسن التوكل عليه وصرف النية له بطاعته لاحتاجت إليه الأمراء، فمن دونهم فكيف يكون محتاجًا وموئله وملجؤه إلى الغني الحميد (^٣)، انتهى.\nقوله: واعتصم بحبله، وأما الاعتصام بحبل الله، والاعتصام بالله نوعان: اعتصام بالله واعتصام بحبل الله، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ (^٥)، والاعتصام هو: التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف، فالعصمة:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل على الله (٩)، وفي مكارم الأخلاق (٥)، والبيهقي في الزهد الكبير (٩٨٦)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٥٦٢٧)، والضعيفة (٤٦٠٢): ضعيف جدًّا.\n(^٢) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.\n(^٣) التوكل (٣٦) لابن أبي الدنيا وفيه عن أبي قدامة الرملى.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.\n(^٥) سورة الحج، الآية: ٧٨.","vol":"1","page":184},{"text":"الحمية والاعتصام الاحتماء، ومنه سميت القلاع العواصم لمنعها وحمايتها، ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن استمسك بهاتين العصمتين؛ فأما الاعتصام بحبله فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، والاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح، ولهذا اختلفت عبارات السلف ﵃ في الاعتصام بحبل الله تعالى بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى، فقال ابن عباس ﵄: الاعتصام بحبل الله هو التمسك بدين الله، وقال ابن مسعود: هو الجماعة (^١)، فإنها حبل الله الذي أمر به، وقال مجاهد وعطاء ﵄: الاعتصام بحبل هو التمسك بعهد الله، وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه، والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة وعلى السبب، وأصله في استعمال العرب: الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم، ويصلون بها المتفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور (^٢). وأما الاعتصام به فهو التوكل عليه والامتناع والاحتماء به (^٣) والله أعلم.\nقوله: (وهو حسبي ونعم الوكيل) ختم الخطبة بذلك، لأن الله تعالى وعد من تحصن بها بالأمن من محل يخشاه، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (١٢/ ١١).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٤٥٩).","vol":"1","page":185},{"text":"إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (^١) (^٢).\nوفي البخاري (^٣): عن ابن عباس ﵄: أن حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ومعنى حسبنا الله: كافينا، قال النحاس: قول الإنسان حسبي الله أحسن من حسبنا لما في ذلك من التعظيم (^٤).\nقوله: ونعم، هو فعل عند أهل البصرة للمدح، كبئس للذم، وفيها أربع لغات كما في فخذ (^٥)، والله أعلم.\nقوله: الوكيل، وفي معنى الوكيل عشرة أقوال (^٦).\nأحدها: المعين. والثاني: الكفيل، ذكرهما الماوردي (^٧). والثالث: الموكول إليه الأمور (^٨)، وذكره الواحدي في وسيطه (^٩) قال: وهو فعيل بمعنى مفعول.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٧٣ - ١٧٤.\n(^٢) الإعلام (١/ ١٣٠)\n(^٣) صحيح البخاري (٤٥٦٣).\n(^٤) المجموع (١/ ٧٨)، والإعلام (١/ ١٣٠).\n(^٥) الإعلام (١/ ١٣١).\n(^٦) الإعلام (١/ ١٣١).\n(^٧) الإعلام (١/ ١٣١).\n(^٨) ذكره الثعلبي في تفسيره (٣/ ٢١٤).\n(^٩) التفسير الوسيط (١/ ٥٢٣).","vol":"1","page":186},{"text":"الرابع: المعتمد والملجأ، ذكره أيضًا، الخامس: القائم بالأمور المصلح لما يخاف من فسادها، قاله ابن عطية (^١) السادس: الشاهد والحافظ بالوفاء، قاله الثعلبي (^٢). السابع: الحفيظ ذكره الهروي (^٣) الثامن: الكافي. التاسع: الكفيل بالرزق والقيام على الخلق بما يصلحهم، ذكره البيهقي في الاعتقاد (^٤). العاشر: الموكول إليه تدبيره البرية، ذكره إمام الحرمين في الإرشاد (^٥)، والله أعلم.\nولنشرع فيما قصدناه، أسأل الله الكريم إتمامه والنفع به لي ولإخواني ولجميع المسلمين بسر محمد - ﷺ - وآله الطيبين الطاهرين، آمين.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٨٣).\n(^٢) ذكره الثعالبي في الجواهر الحسان (٣/ ٣٣٧) و(٤/ ٢٧٠).\n(^٣) قال في تهذيب اللغة (٢/ ٣٤): قال ابن الأنباري: وقيل: الوكيل: الحافظ، وقيل: الوكيل: الكفيل، فنعم الكفيل الله بأرزاقنا. وقال أبو إسحاق: الوكيل في صفة الله جل وعز: الذي توكل بالقيام بجميع ما خلق.\n(^٤) الاعتقاد ص ٥٩.\n(^٥) الإرشاد (ص ١٥٣).","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الترغيب في الإخلاص والصدق والنية</span>\n١ - عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"انْطلق ثَلَاثَة نفر مِمَّن كَانَ قبلكُمْ حَتَّى آواهم الْمبيت إِلَى غَار فَدَخَلُوا فانحدرت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ عَلَيْهِم الْغَار، فَقَالُوا: إِنَّه لا ينجيكم من هَذِه الصَّخْرَة إِلَا أَن تدعوا الله بِصَالح أَعمالكُم، فَقَالَ رجل مِنْهُم: اللَّهُمَّ كَانَ لي أبَوَانِ شَيْخَانِ كبيران وَكنت لا أغبق قبلهمَا أَهلا وَلا مَالا فنأى بِي طلب شجر يَوْمًا فَلم أرح عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فحلبت لَهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فَكرِهت أَن أغبق قبلهمَا أَهلا أَو مَالا فَلَبثت والقدح على يَدي أنْتَظر استيقاظهما حَتَّى برق الْفجْر (زَاد بعض الروَاة والصبية يتضاغون عِنْد قدمي فَاسْتَيْقَظَا فشربا غبوقهما) اللَّهُمَّ إِن كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فَفرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ من هَذِه الصَّخْرَة فانفرجت شَيْئا لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج مِنْهَا، قَالَ النَّبِي - ﷺ -: قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ كَانَت لي ابْنة عَم كَانَت أحب النَّاس إِلَيّ فأردتها عَن نَفسهَا فامتنعت مني حَتَّى ألمت بهَا سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشْرين وَمِائَة دِينَار على أَن تخلي بيني وَبَين نَفسهَا فَفعلت حَتَّى إِذا قدرت عَلَيْهَا قَالَت لا يحل لَك أَن تفض الْخَاتم إِلَا بِحقِّهِ فتحرجت من الْوُقُوع عَلَيْهَا فَانْصَرَفت عَنْهَا وَهِي أحب النَّاس إِلَيّ وَتركت الذَّهَب الَّذِي أعطيتهَا اللَّهُمَّ إِن كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فافرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ، فانفرجت الصَّخْرَة غير أَنهم لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج مِنْهَا، قَالَ النَّبِي - ﷺ - وَقَالَ الثَّالِث: اللَّهُمَّ إِنِّي","vol":"1","page":188},{"text":"اسْتَأْجَرت أجراء وأعطيتهم أجرتهم غير رجل وَاحِد ترك الَّذِي لَهُ وَذهب فثمرت أجره حَتَّى كثرت مِنْهُ الأمْوَال فَجَاءَنِي بعد حِين فَقَالَ لي: يَا عبد الله أد إِلَيّ أجري فَقلت كل مَا ترى من أجرك من الإبل وَالْبَقر وَالْغنم وَالرَّقِيق، فَقَالَ يَا عبد الله: لا تستهزئ بِي فَقلت: إِنِّي لا أستهزئ بك فَأَخذه كله فساقه فَلم يتْرك مِنْهُ شَيْئا اللَّهُمَّ إِن كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فافرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ، فانفرجت الصَّخْرَة فَخَرجُوا يَمْشُونَ\" (^١).\nوَفِي رِوَايَة أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"بَيْنَمَا ثَلَاثَة نفر مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يَمْشُونَ إِذْ أَصَابَهُم مطر فأووا إِلَى غَار فانطبق عَلَيْهِم فَقَالَ بَعضهم لبَعض إِنَّه وَالله يَا هَؤُلاءِ لا ينجيكم إِلَا الصدْق فَليدع كلل رجل مِنْكُم بِمَا يعلم أَنه قد صدق فِيهِ فَقَالَ أحدهم اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنه كَانَ لي أجِير عمل لي على فرق من أرز فَذهب وَتَركه وَإِنِّي عَمَدت إِلَى ذَلِك الْفرق فزرعته فَصَارَ من أمره إِلَى أَن اشْتريت مِنْهُ بقرًا وَإنَّهُ أَتَانِي يطْلب أجره فَقلت لَهُ اعمد إِلَى تِلْكَ الْبَقر فَإِنَّهَا من ذَلِك الْفرق، فساقها فَإِن كنت تعلم أنَي فعلت ذَلِك من خشيتك فَفرج عَنَّا فانساحت عَنْهُم الصَّخْرَة ... \" فَذكر الحَدِيث قَرِيبًا من الأول. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - ﵁ -. بِاخْتِصَار وَيَأْتِي لَفظه فِي بر الْوَالِدين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤)، ومسلم (٢٧٤٣)، وأبو داود (٣٣٨٧)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٨٤٦١)، وأحمد (١٠/ ١٨٠)، وابن حبان (٨٩٧) من حديث ابن عمر. وأخرجه ابن حبان (٩٧١) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":189},{"text":"قَوْله: (وَكنت لا أغبق قبلهمَا أَهلا وَلا مَالا) الغبوق: بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هُوَ الَّذِي يشرب بالْعَشي وَمَعْنَاهُ كنت لَا أقدم عَلَيْهِمَا فِي شرب اللَّبن أَهلا وَلَا غَيرهم، يتضاغون بالضاد والغين المعجمتين أَي يصيحون من الْجُوع، السّنة: الْعَام المقحط الَّذِي لم تنْبت الأَرْض فِيهِ شيْئا سَوَاء نزل غيث أم لم ينزل تفض الْخَاتم هُوَ بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ كِنَايَة عَن الْوَطْء الْفرق بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء مكيال مَعْرُوف فانساحت هُوَ بِالسِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي تنحت الصَّخْرَة وزالت عَن الْغَار.\nقوله: (وعن ابن عمر)، المراد به عبد الله بن عُمر بن الخطاب - وهو أحد العبادلة الأربعة، وهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص، هكذا قال الإمام أحمد بن حنبل وسائر المحدثين قبل الإمام أحمد بن حنبل، فابن مسعود قال: ليس هو منهم (^١)، وقد نظم بعض الفضلاء ذلك في بيتين فقال - عفا الله عنه - (^٢):\nإنَّ الْعَبَادِلَةَ الأخْيَارَ أَرْبَعَة ... سُبَلُ الْعِلْمِ لِلإِسْلامِ فِي النَّاسِ\nابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ الْعَاصِ وَابْنُ أَبِي ... حَفْصِ الْخَلِيفَةِ وَالْحَبْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ\nولا يطلق العبادلة اصطلاحًا على غيرهم وإن أطلقه الجوهري في صحاحه (^٣)\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٧).\n(^٢) هو محمد بن عبد المحسن بن الحسن شرف الدين الأرمنتي، قاضي البهنسا انظر أعوان النصر (٤/ ٥٤٥ - ٥٤٧) والوافى بالوفيات (٤/ ٢٤ - ٢٥) وطبقات الشافعية (٩/ ١٦٦).\n(^٣) الصحاح (٢/ ٥٠٥) و(٦/ ٢٥٦٠) وليس فيهم عنده ابن مسعود كما ذكر المصنف تبعا للنووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":190},{"text":"على ابن مسعود لتقدم وفاته، وإنما خص هؤلاء من العبادلة بالذكر لكونهم من أصاغر الصحابة وفقهائهم وتأخروا وأخذ عنهم العلم والرواية (^١)، وأولاد عمر بن الخطاب - ﵁ -: عبد الله هذا، وحفصة، أمهما بنت مظعون الجمحية وعبيد الله أمه مليكة الخزاعية (^٢)، وعاصم أمه جميلة بنت عاصم (^٣) وعبد الله بن عمر هو القرشي العدوي المدني الصحابي الزاهد ابن الصحابي الزاهد، أسلم مع أبيه قبل بلوغه، وهاجر قبل أبيه، وأجمعوا على أنه لم يشهد بدرًا لصغره، وقيل: شهد أحدًا، وقيل: لم يشهدهما، روي له عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث وستمائة حديث، وثلاثون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأحد وثمانين حديثا، ومسلم بأحد وثلاثين حديثًا، روى عنه: أولاده الأربعة: سالم وحمزة وعبد الله وبلال وخلائق لا يحصون من كبار التابعين (^٤).\nواعلم أن ابن عمر أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله - ﷺ -، وهم: أبو هريرة ثم ابن عمر ثم أنس بن مالك ثم ابن عباس ثم جابر بن عبد الله ثم عائشة ﵃ (^٥)، وكان ابن عمر ﵄ شديد\n_________\n(^١) العدة في شرح العمدة (١/ ١٢٣ - ١٢٤)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٤٦١).\n(^٢) هي مليكة بنت جرول.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٥) في ترجمة عمر وزاد: وفاطمة وزيد أمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، ﵃، ومجبر واسمه عبد الرحمن، وأبو شمحة واسمه أيضا عبد الرحمن، وفاطمة، وبنات أخر.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٠).","vol":"1","page":191},{"text":"الاتباع لآثار الرسول - ﷺ - حتى إنه كان ينزل منازله، ويصلي في كل مكان صلى فيه رسول الله، وفي كل شيء من الأقوال والأفعال وفي الزهادة في الدنيا وغير ذلك، وسيأتي الكلام على شدة اتباعه لآثار الرسول - ﷺ - قريبا إن شاء الله تعالى، توفي ابن عمر - ﵁ -: بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر وقيل بستة أشهر، وقال يحيى بن بكير: توفي ابن عمر بمكة بعد الحج، ودفن بالمحصب، قال: وبعض الناس يقول توفي بفخ: وفخ بالخاء المعجمة موضع بقرب مكة ومناقبه كثيرة مشهورة قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله - ﷺ -: \"انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم\" الحديث، قال أهل اللغة: النفر من الثلاثة إلى العشرة (^٢) لا واحد له من لفظه، وكذلك الزود والرهط والقوم والنساء وأشباه هذا من الألفاظ لا واحد لها من لفظها (^٣)، وعن أبي عثمان المازري (^٤) أن البصريين أضافوا إلى رهط ونفر ولم يضيفوا إلى قوم وبشر، فقالوا: إن ثلاثة نفر وتسعة رهط، ولم يقولوا: تلاثة بشر وثلاثة قوم، لأن بشرًا يكون للكثير وقومًا يكون للقليل والكثير، ورهطًا ونفرًا لا يكونان\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٨ - ٢٨١).\n(^٢) العين (٨/ ٢٦٧)، الصحاح (٢/ ٨٣٣)، وجامع الأصول (١١/ ٣٣٤).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٧/ ٥٠)، وكفاية النبيه (٨/ ٢٢١)، والعدة (٢/ ٨٥٤).\n(^٤) كذا في الأصل وإنما هو المازني أبو عثمان (٢٤٧ هـ) بكر بن محمد بن حبيب المازني النحوي إمام العربية صاحب التصريف. انظر وفيات الأعيان ١: ٩٢ ومعجم الأدباء ٢: ٢٨٠ والسيرافي ٧٤ وأنباه الرواة ١: ٢٤٦.","vol":"1","page":192},{"text":"إلا للقليل فلذلك أضافوا إليه ما بين الثلاثة إلى العشرة؛ لأن ذلك في معنى ما كان في العدد (^١)، كذا في الباب، والرهط جمعه أرهط وأرهاط وأراهيط (^٢).\nقوله: \"حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوا\" الحديث، يقال: آوى إليه إذا رجع إليه، ويجوز فيه المد والقصر، والمد أكثر (^٣)، وسيأتي الكلام على ذلك في باب أذكار اليوم حين يأوي إلى فراشه؛ والغار بالغين المعجمة والمغار بزيادة ميم في أوله والمغارة بزيادة ميم في أوله وتاء في آخره، قاله في شرح الأحكام (^٤)؛ قال النووي في شرح مسلم: الغار هو النقب في الجبل (^٥)، وهو قريب من معنى الكهف، وقال الجوهري: الغار كالكهف في الجبل (^٦)، قال: والكهف كالبيت المنقوب في الجبل (^٧)، وقال ثعلب: هو المنخفض في الجبل، وكل مطمئن من الأرض غار (^٨)، وقال ابن الأثير في النهاية (^٩): هو الكهف، وتصغير الغار: غُوَير، وجمعه: غِيران (^١٠)، والله أعلم.\n_________\n(^١) الفائق (٣/ ٢٤٣).\n(^٢) الصحاح (٣/ ١١٢٨)، وشرح النووى على مسلم (٢/ ٧).\n(^٣) انظر السير الغريب (١/ ٤٠٣)، وكشف المشكل (٤/ ٧٠)، والنهاية (١/ ٨٢) والاقتضاب (٢/ ٢٢٥)، وشرح النووى على مسلم (٩/ ١٤٠) والكواكب الدرارى (٩/ ٦٢).\n(^٤) طرح التثريب (٤/ ١٨٧).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٩٨).\n(^٦) الصحاح (٢/ ٧٧٣).\n(^٧) الصحاح (٤/ ١٤٢٥).\n(^٨) المحكم (٦/ ٥١).\n(^٩) النهاية (٣/ ٣٩٥).\n(^١٠) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٩٨).","vol":"1","page":193},{"text":"قوله: \"فانحدرت صخرة من الجبل\" انحدرت: بالدال المهملة.\nقوله: \"فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم\" الحديث، تدعوا: بسكون الواو لأنه لفظ الجمع.\nقوله: \"قال رجل منهم: اللهم\" أصل اللهم: يا الله أمنِّا بخير، على الأصح، فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم في آخره (^١).\nقوله: \"كان لي أبوان شيخان كبيران\"، هو من باب التغليب إذ المقصود الأب والأم (^٢).\nقوله: \"وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا\" لا أغبق: بفتح الهمزة وضم الباء، يقال فيه: غبقت الرجل بفتح الباء أغبقه بضمها مع فتح الهمزة غبقا فاغتبق، وهذا الذي ذكرته من ضبطه، متفق عليه في كتب اللغة وكتب غريب الحديث والشروح، وقد يصحفه بعض من لا أنس له فيقول: أُغْبِقُ بضم الهمزة وكسر الباء، وهذا غلط، انتهى، قاله النووي في شرح مسلم (^٣)؛ وقد ضبطه الأصيلي رباعيا بضم الهمزة وكسر الباء الموحدة وكذلك هو كذلك في أواخر الأذكار أو الرياض، وكذا رأيته في نسخة منه، والصواب: بفتح الهمزة لأنه ثلاثي (^٤)، والله أعلم.\n_________\n(^١) قاله الفراء كما في الزاهر (ص ٦٢)، ومعالم السنن (١/ ٢٧٩) وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٤٠).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١٠/ ٦٦).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (١٧/ ٥٨).\n(^٤) انظر: مشارق الأنوار (٢/ ١٢٨)، ومطالع الأنوار (٥/ ١٢٦)، والأذكار (ص ٣٩٨).","vol":"1","page":194},{"text":"والغبوق: بفتح الغين المعجمة هو الذي يشرب بالعشي، قاله الحافظ (^١).\nقوله: \"فنأى بي طلب شجر يومًا\"؛ نأى ينأى مثل: سعى يسعى، ويقال مقلوبا ناء يناء (^٢)، فالأول بجعل الهمزة قبل الألف، وبه قرأ أكثر القراء السبعة في قوله تعالى: ﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ (^٣)، والثاني: عكسه كما تقدم وهما لغتان، وقراءتان ومعناهما بعد (^٤)، والنأي البعد أي بعد بي طلب المرعى في الشجر والرجوع عنه (^٥).\nقوله: \"فلم أرح عليها حتى ناما\" قال القاضي عياض في المشارق (^٦): أرح بضم الهمزة وكسر الراء للأصيلي، والإراحة رد الماشية بالعشي، ولغير الأصيلي: فلم أرح أي: بفتح الهمزة وضم الراء أي لم أرجع بالماشية، قال القاضي: هما سواء يقال: راح إبله وأراحها.\nقوله: \"فحلبت لهما غبوقهما\" الحديث، وغبوقهما ما كان معدًّا للغبوق وهو ما يشرب بالعشي، وتقدم ضبطه، والصبوح بالفتح لأنه يشرب في وقت الصباح (^٧).\n_________\n(^١) أى المنذرى.\n(^٢) فتح البارى (١/ ١٩٢).\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٨٣.\n(^٤) شرح النووى على مسلم (١٧/ ٥٦).\n(^٥) إكمال المعلم (٨/ ٢٣٦)، ومطالع الأنوار (٤/ ١١٥)، وفتح البارى (١/ ١٩٢).\n(^٦) مشارق الأنوار (١/ ٣٠١).\n(^٧) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٠٥)، والكوثر الجارى (٤/ ٥٠٦).","vol":"1","page":195},{"text":"قوله: \"فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا\" الحديث، قال الأهل هنا محمول على الأقرباء نحو الأخ والأخت.\nقوله: \"أو مالا\" أي: لا مملوكا ولا مملوكة، قاله الكرماني (^١). قوله: \"فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما\"، قرأ ابن محيصن والأعمش وأبو عمرو والكسائي وحمزة: لبثت ولبثتم بالإدغام في جميع القراءات، والباقون بالإظهار، فمن أدغم فللمجاورة في المخرج والمشاكلة في الهمس، ومن أظهر فلزيادة التاء بالتفشي وكلاهما عربيان صحيحان فصيحان، ومعناه: مكثت وأقمت (^٢) يقال: لبث يلبث لبثا ولباثا، واللبث واللباث المكث (^٣).\nقوله: \"والقدح على يدي\" والقدح هو: الإناء المعد للحلاب.\nقوله: \"حتى برق الفجر\"، بفتح الراء بمعنى: لمع وتلألأ (^٤)، وأما ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾ (^٥)، فهو بالكسر فمعناه: تحير (^٦)، ومن قرأ ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ بالفتح فإنما عنى بريقه إذا شخص وهو من المعنى الأول (^٧).\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٠٥).\n(^٢) تفسير الثعلبى (٢/ ٢٤٦)، والتفسير البسيط (٤/ ٣٨٥)، وزاد المسير (١/ ٢٣٤)\n(^٣) الصحاح (١/ ٢٩١).\n(^٤) شرح مسند الشافعي (٤/ ٢٩١)، ولسان العرب (١٠/ ١٥).\n(^٥) سورة القيامة، الآية: ٧.\n(^٦) معانى القراءات (٣/ ١٠٦)، التفسير البسيط (٢٢/ ٤٨٣)\n(^٧) الصحاح (٤/ ١٤٤٩)، واللباب (١٩/ ٥٥٠)، والتبيان (ص ٣٢٨ - ٣٢٩)، ومعترك الأقران (٢/ ٨٧).","vol":"1","page":196},{"text":"قوله: \"والصبية\" الصبية جمع صبي وهو الغلام (^١).\nقوله: \"يتضاغون\" بالضاد والغين المعجمتين، أي يضجون من الجوع، قاله الحافظ (^٢)، وقال الكرماني (^٣): هو من الضغاء وهو الصياح، وكذلك كل صوت دليل مغمور، انتهى.\nتنبيه: فإن قلت: نفقة الفروع - يعني الأولاد - مقدمة على نفقة الأصول، فلم تركهم جائعين؟\nقلت: لعل في دينهم نفقة الأصل مقدمة، أو كانوا يطلبون الزائد على سد الرمق، أو كان صياحهم لم يكن من الجوع، والله أعلم، قاله الكرماني (^٤).\nقوله: \"اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة\"؛ أي: أرحنا وأزلها عنا.\nقوله: \"فانفرجت حيث لا يستطيعون الخروج\" الحديث، انفرجت: أي اتسعت وانفتحت (^٥).\nقوله: \"قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليّ، فأردتها على نفسها\" أي: مستعلية عليها، وفي بعض النسخ: (فأردتها عن نفسها) أي:\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٣٩٨)، والعدة (١/ ٣١٣)، والمفاتيح (٦/ ١٢٨)، الكواكب الدرارى (٢١/ ١٤٩)، واللامع الصبيح (١٥/ ١٨)، وشرح المصابيح (٦/ ٢٢٠).\n(^٢) أى المنذرى.\n(^٣) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦٦).\n(^٤) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦٦).\n(^٥) السير الغريب (ص ١٨٠).","vol":"1","page":197},{"text":"بسبب نفسها ومن جهتها (^١).\nقوله: \"حتى ألمت بها سنة من السنين\" ألمت: بتشديد الميم بعدها علامة التأنيث، أي: نزلت بها سنة من سني القحط (^٢)، معناه: حلت بها وغشيتها (^٣)، قال الحافظ (^٤): والسنة: العام المقحط الذي لا تنبت الأرض فيه شيئا سواء نزل غيث أو لم ينزل، انتهى.\nقوله: \"فجائتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها\" الحديث، كذا هنا ووقع في البخاري في باب ما إذا اشترى شيئا لغيره \"فأعطيتها مائة دينار\" وظاهر الحديثين التعارض وجواب ما قاله الكرماني (^٥) إلى التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد إذ المائة كانت بالتماسها والعشرين تبرع منه كرامة لها.\nقوله: \"حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أحل لك، لا تفض الخاتم إلا بحقه\"، وفي رواية ذكرها النووي في الرياض (^٦): \"فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه\" تفض [بضم الفاء] وتشديد الضاد\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٠٥).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٠٥).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٥٩).\n(^٤) أى المنذرى.\n(^٥) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٠٥).\n(^٦) رياض الصالحين صـ ٣٣، تحقيق شعيب الأرناؤوط.","vol":"1","page":198},{"text":"وهو كناية عن الوطء، قاله الحافظ (^١)، ولم يذكر ضم الفاء، وزاد غيره: أي لا تكسره؛ والافتضاض بالفاء والاقتضاض بالقاف والافتراع بالتاء أيضًا كله بمعنى، يقال: اقتض الجارية بالقاف أي افتضها بالفاء ومعناه: لا تكسره، وهو عبارة عن إزالة عذرتها وكسر خاتم الله الذي جعله عليها (^٢)؛ والخاتم فيه لغتان: كسر التاء وفتحها (^٣) وهما قراءتان في السبع (^٤).\nقوله: \"إلا بحقه\"، أي بواجبه في الشرع الذي كانوا عليه، قاله في المشارق (^٥)، وقال غيره: والمراد بالحق هنا الوجه الجائز من النكاح لا بالباطل من الفاحشة (^٦)، أي: لا أجوز لك إزالة البكارة إلا بالحلال (^٧)، والله أعلم.\nقوله: \"فتحرجت من الوقوع عليها\" أي تجنبت عن الحرج واحترزت منه (^٨)، والحرج: الإثم كما يقال: تأثم: خرج عن الإثم، وتحنث: خرج عن\n_________\n(^١) أى المنذرى.\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٠)، ومطالع الأنوار (٥/ ٢٥٥).\n(^٣) السبعة في القراءات (ص ٥٢٢)، وشرح المشكاة (٩/ ٢٩١٢)، وطرح التثريب (٤/ ٤٠)، والكوثر الجارى (١/ ١٥٥).\n(^٤) السبعة في القراءات (ص ٥٢٢)، والحجة للقراء السبعة (٥/ ٤٧٦).\n(^٥) قاله في مطالع الأنوار (٢/ ٣٤٦)، وانظر مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢١٠) وفيه: ولا يفض الخاتم إلا بحقه أي بالوجه المباح الجائز وقال في (١/ ٢٣٠): تريد عذرتها لا تستبحها إلا بالنكاح الجائز.\n(^٦) إكمال المعلم (٨/ ٢٣٧).\n(^٧) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٠٥).\n(^٨) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"1","page":199},{"text":"الحنث (^١)، والتحرج والتأثم: أن يفعل ما ينفي به عن نفسه الحرج والإثم (^٢).\nقوله: \"وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال\" الحديث؛ فثمرت أجره بالثاء المثلثة، أي: نميته (^٣)، والنماء: هو الزيادة (^٤)، أى أكثرت في أجره (^٥)، قال الجوهري في صحاحه (^٦): يقال: ثمر الله ماله أي: كثره.\nقوله: في الرواية الأخرى \"فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز\" الحديث؛ الفرق: بفتح الفاء والراء مكيال معروف، انتهى، قاله الحافظ (^٧).\nوهذا الذي قاله الحافظ هو اللغة الفصحى الشهيرة، وزعم الباجي أنه الصواب، وليس كما قال، بل فيه لغة أخرى بإسكان الراء، حكاه ابن دريد (^٨) وجماعة غيره (^٩)، فهما لغتان (^١٠)، واختلف في مقدار الفرق، ففي صحيح\n_________\n(^١) سلاح المؤمن (ص ١٨٠).\n(^٢) شرح السنة (١/ ٥٨).\n(^٣) إكمال المعلم (٨/ ٢٣٨)، ومطالع الأنوار (٢/ ٥٨).\n(^٤) التقفية (ص ٦٠).\n(^٥) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٠٦).\n(^٦) الصحاح (٢/ ٦٠٦).\n(^٧) أى المنذرى.\n(^٨) جمهرة اللغة (٢/ ٧٨٥).\n(^٩) انظر المطلع على ألفاظ المقنع (ص ١٦٨).\n(^١٠) شرح النووى على مسلم (٤/ ٣).","vol":"1","page":200},{"text":"البخاري (^١) عن عائشة ﵂: \"أنها كانت تغتسل هي والنبي - ﷺ - من إناء واحد يقال له الفرق\"، وهو إناء يسع ستة عشر رطلًا (^٢)، وفي صحيح مسلم (^٣) عن سفيان بن عيينة أنه ثلاثة آصع، فيكون ستة عشر رطلًا أيضًا (^٤)، والآصع جمع صاع وفيه التذكير والتأنيث (^٥) وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثًا بالبغدادي (^٦)، هذا مذهب مالك والشافعي، وأحمد وأبي عبيد وجماهير العلماء (^٧)، وذلك معتبر على التقريب لا على التحديد وهذا هو الصواب المشهور (^٨)؛ وقال أبو حنيفة: الصاع يسع ثمانية أرطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد (^٩)، وقال في النهاية (^١٠): والمد مختلف فيه أيضا، فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز، وقيل: هو رطلان وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق، ويكون الصاع خمسة أرطال\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ١٦٧).\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٣٠١)، وغريب الحديث (١/ ٦٧٤) وعالم السنن (٤/ ٢٦٧) للخطابى، والغريبين (٥/ ١٤٤١)، وطرح التثريب (٢/ ٨٨).\n(^٣) رقم (٣١٩).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٨٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٤/ ٣) و(٨/ ١٢٢).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢) و(٨/ ١٢٢).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (٨/ ١٢٢).\n(^٨) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢).\n(^٩) شرح النووي على مسلم (٨/ ١٢٢).\n(^١٠) النهاية (٤/ ٣٠٨).","vol":"1","page":201},{"text":"وثلثا أو ثمانية أرطال، انتهى.\nوقيل: الفَرَقُ صاعان ونصف حكاه صاحب النهاية (^١) أيضًا ولكنه فرق بين المفتوح الراء والساكن الراء في المقدار، فقال في المفتوح الراء: ما تقدم من كونه ثلاثة آصع على الصحيح أو صاعين ونصفًا؛ وقال في الساكن الراء: إنه مائة وعشرون رطلا، وكذا نقله ابن الصباغ عن الشافعي، وقيل الفرق: إناء ضخم من مكاييل العراق، وحكاه صاحب المفهم، وقيل: هو مكيال أهل المدينة حكاه أيضا ولم يذكر تحريره على هذين القولين، انتهى، قاله في شرح الأحكام (^٢).\nتنبيه (^٣): المد مذكور وجمعه: أمداد، وقال بعضهم جمعه: مداد وتأول عليه قوله - ﷺ -: \"سبحان الله مداد كلماته\" (^٤) انتهى قاله في الديباجة.\nتنبيه أيضًا: في ذكر الصاع عن إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، كم وزن صاع النبي - ﷺ -؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، أنا حزرته، قلت: يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم، قال: من هو؟ قلت: هو فلان يقول: ثمانية أرطال، فغضب غضبا شديدا ثم قال لبعض جلسائه يا فلان: هات صاع عمك، ويا فلان: هات صاع جدتك، قال إسحاق:\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٤٣٧).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٨٨).\n(^٣) هذه زيادة في المخطوطة المغربية فقط، وليست في المصرية.\n(^٤) النجم الوهاج (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":202},{"text":"فاجتمعت آصع، فقال مالك: ما تحفظون في هذا؟ فقال: حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى رسول الله - ﷺ -، قال مالك: أنا حزرت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثًا، وذكر القصة بطولها (^١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"من أرز\" والأرز: الحب المعروف، وفيه ست لغات مشهورات، بفتح الهمزة وضمها وضم الراء، وأرز بضم الهمزة وسكون الراء، وأرز بضم الهمزة والراء وتخفيف الزاي كرسل ورُنُز بحذف الهمزة وبنون وهي لغة عبد القيس، ورز بحذف الهمزة والنون، انتهى، قاله القاضي عياض وغيره (^٢).\nتنبيه: فإن قلت: في البخاري باب من اشترى شيئا لغيره (^٣)، إن الفرق كان في الذرة.\nقلت: ذلك إما باعتباره أنهما حبان متقاربان فأطلق أحدهما على الآخر أو أن بعضه كان من هذا وبعضه من ذلك، أو كانا أجيرين؛ قال شارح تراجم البخاري: وجه الدلالة على جوازه أن المستأجر عيّن للأجير أجرة فبعد إعراضه عنه تصرف فيه، فلو لم يكن التصرف جائزًا لكان معصية فلا يتوسل بها إلى الله تعالى؛ وقد يجاب: بأن التوسل إنما كان برد الحق إلى مستحقه\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطنى في السنن (٢١٢٤)، وانظر مختصر الخلافيات (٢/ ٤٩٩).\n(^٢) الصحاح (٣/ ٨٦٣)، ومشارق الأنوار (١/ ٢٧)، ومطالع الأنوار (١/ ٢٣٨)، وكشف المشكل (٢/ ٤٨٦)، ومختار الصحاح ص ١٧، تحرير ألفاظ التنبيه ص ١٠٨، وعمدة القارى (١٢/ ٢٥).\n(^٣) صحيح البخاري باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي (٣/ ٧٩).","vol":"1","page":203},{"text":"بزيادته النامية لا بتصرفه، كما أن الجلوس مع المرأة كان معصية، والتوسل لم يكن إلا بترك الزنا والمسامحة بالجعل ونحوه، والله أعلم (^١).\nتنبيه: يحتمل أنه استأجره بفرق في الذمة ولم يسلمه إليه بل عرض عليه فلم يقبضه لرداءته فبقى على ملك المستأجر؛ لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه وهو ملكه فصح تصرفه سواء اعتده لنفسه أو للأجير، ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما، قال الخطابي: إنما تطوع به صاحبه وتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك توسل به للخلاص ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيه أكثر من الفرق الذي استأجره عليه، فلذلك حُمِدَ فعله، انتهى قاله الكرماني (^٢).\nوقال في الديباجة: قال الخطابي: قال قد احتج به أحمد بن حنبل وإسحاق في قولهما: إن من استودع مالا فاتجر فيه بغير إذن صاحبه إن الربح لرب المال، وقال أصحاب الرأي: الربح للمضارب، ويتصدق به وهو ضامن لرأس المال (^٣)، قال الخطابي: ويشبه على قول أحمد أن يكون هذا الرجل إنما استأجر على فرق أرز معلوم بعينه حتى تكون التجارة وقعت بمال الأجير، وإما إذا كانت الأجرة غير معينة، فإنما وقعت التجارة في مال\n_________\n(^١) زيادة في المخطوطة المغربية: قاله الكرماني في شرح البخاري انظر الكواكب الدرارى (١٠/ ١٥٧ - ١٥٨).\n(^٢) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦٨).\n(^٣) معالم السنن (٣/ ٩١).","vol":"1","page":204},{"text":"المستأجر لأنها من ضمانه فالربح له لأنه المالك والعامل والمتصرف فيه، وأنه لا حجة له في واحد من الأمرين أيهما كان لأن هذا قول ثناء ومدح استحقه هذا الرجل في أمر تبرع به لم يكن يلزمه من جهة الحكم فحُمد عليه، وإنما هو للترغيب في الإحسان والندب إليه، وليس من باب ما يجب ويلزم (^١)، انتهى.\nقوله: \"وإني عَمَدت إِلَى ذَلِك الْفرق فزرعته\" الحديث؛ يقال: عمدت للشيء بالفتح في الماضي أعمد بكسر الميم في المضارع عمدا، أي: قصدت له أي: تعمدت، وهو نقيض الخطأ (^٢)، والله أعلم.\nقوله: \"فقلت له: اعمد على تلك البقر فإنها من ذلك الفرق، فساقها\"؛ اعمد بكسر الميم، لأن الأمر مقتطع من المضارع.\nقوله: \"إن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا\"، فإن قلت: هم كانوا جازمين بأن الله عالم بذلك؟ فلم قالوا: (إن كنت) وهي كلمة الشك، قلت: على خلاف مقتضى الظاهر، أو يقال: إنهم لم يكونوا عالمين بأن لأعمالهم اعتبارًا عند الله تعالى ولا جازمين به، فقالوا: إن كنت تعلم أن لها اعتبارًا ففرج عنا، انتهى، قاله الكرماني (^٣).\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ٩٢).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٥١١)، ومجمل اللغة (ص ٦٢٨ - ٦٢٩)، وكشف المناهج (٣/ ٧٣ و٣/ ٤٠٨).\n(^٣) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ٩٧).","vol":"1","page":205},{"text":"لطيفة لها تعلق بالحديث: اعلم أن هؤلاء الثلاثة لم يذكروا طاعاتهم إلا وقد شهدوها فضلًا من الله عليهم فتوسلوا إلى نعمه بنعمه، كما أخبر الله تعالى عن زكريا ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ (^١) فتوسل إلى الله تعالى بسابق حسن عوائده فيه؛ وسألت امرأة بعض الملوك فقالت: إنك قد أحسنت لنا عام أول، ونحن محتاجون لإحسانك إلينا هذا العام، فقال: أهلًا وسهلًا بمن توسل لإحساننا بإحساننا وأعطاها وأجزل لها العطاء، ومن فتح له هذا الباب جاز له الإخبار بطاعته، ووجود معاملته لأنه حينئذ يتحدث بنعم الله ﷾، وقد كان بعض السلف يصبح فيقول: صليت البارحة كذا وكذا ركعة، تلوت كذا وكذا سورة، فيقال له: أما تخشى من الرياء، فيقول: ويحكم: وهل رأيت من يرائي بفعل غيره، وكان آخر يفعل مثل ذلك فيقال له: لم لا تكتم ذلك؟ فيقول: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (^٢) أنتم تقولون: لا نحدث، انتهى، قاله ابن عطاء الله في لطائف المنن (^٣).\nقوله: \"انساحت عنهم الصخرة\"، انساحت هو بالسين والحاء المهملتين أي: تنحت الصخرة وزالت عن فم الغار انتهى، قاله الحافظ (^٤).\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٤.\n(^٢) سورة الضحى، الآية: ١١.\n(^٣) لطائف المنن صـ ١٦٠. دار المعارف.\n(^٤) أى المنذرى.","vol":"1","page":206},{"text":"وقال صاحب النهاية (^١): أي، اندفعت واتسعت، ومنه ساحة الدار، قال الخطابي: روي بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة (^٢)، ويروى بالخاء وبالصاد، ولو قيل: إن الصاد فيها مبدلة من السين لم يكن غلطًا، يقال: ساخ في الأرض ويسوخ ويسيخ إذا دخل فيها، انتهى.\nففي هذا الحديث جواز التقرب إلى الله تعالى بما علم العبد أنه أخلصه له من عمل صالح ومناجاته تعالى بذلك، فهو دال على أن من أخلص لله تعالى ولو عملا واحدا أجيب دعاؤه حتى في المهمات، ويكون من عباده المخلصين، ففعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء.\nقال النووي: استدل أصحاب هذا الحديث على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي حال الاستسقاء وغيره بصالح عمله، ويتوسل إلى الله تعالى به، لأن هؤلاء فعلوه فاستجيب لهم، وقد يقال: في هذا شيء لأن فيه نوعا من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى، ومطلوب الدعاء الافتقار، ولكن ذكر النبي - ﷺ - هذا في معرض الثناء عليهم، وجميل فضائلهم، فهو دليل على تصويبه - ﷺ - فعلهم، وبالله التوفيق، انتهى، قاله النووي في الرياض (^٣).\nوفي هذا الحديث فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما على من سواهما من الأولاد والزوجة وغيرهم، وفيه: فضل العفاف والانكفاف عن\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٣٣) و(٣/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٤/ ٩٨).\n(^٣) قاله النووي في شرح مسلم (١٧/ ٥٦) وانظر الأذكار صـ ٣٩٨.","vol":"1","page":207},{"text":"المحرمات لا سيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها، وبترك ذلك لله تعالى خالصًا، وفيه: جواز الإجارة وفضل حسن العهد وأداء الأمانة والنماء في المعاملة، وفيه: إثبات كرامة الأولياء، وهو مذهب أهل الحق (^١) والله تعالى أعلم.\nقوله: (رواه البخاري ومسلم والنسائي) سيأتي الكلام على الثلاثة ومولدهم ووفاتهم.\n\n٢ - وَعَن أنس بن مَالك عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"من فَارق الدُّنْيَا على الْإِخْلَاص لله وَحده لَا شريك لَهُ وَأقَام الصَّلاة وَآتى الزَّكَاة فَارقهَا وَالله عَنهُ رَاض\" (^٢). رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ.\nقوله: عن أنس بن مالك، كنيته: أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بفتح الضادين المعجمتين [ابن زيد بن حرام، بالراء، ابن جندب، بضم الدال وفتحها، ابن عامر بن غنم، بفتح الغين المعجمة وإسكان النون، ابن عدى بن النجار بن ثعلبة] (^٣) بن عمرو بن الخزرج بن حارثة الأنصاري الخزرجي النجاري النضري خادم رسول الله - ﷺ -، وأمه أم سليم امرأة أبي طلحة، خدم رسول الله - ﷺ - عشر سنين وهي مدة إقامته بالمدينة، ثبت ذلك\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٥٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه رقم (٧٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٢)، والبزار في مسنده (٦٥٢٤)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده رقم (٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٥٧١٩).\n(^٣) من تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":208},{"text":"في الصحيح (^١) وروى عنه حديثًا كثيرًا، فروى أنس عن رسول الله - ﷺ - ألفي حديث ومائتي حديث وستة وثمانين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وثمانية وستين حديثا، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين حديثا ومسلم بأحد وسبعين حديثا، وكان - ﵁ - أكثر الصحابة أولادا لدعاء رسول الله - ﷺ - واتفق العلماء على مجاوزة عمره مائة سنة والذي عليه الجمهور أنه توفي سنة ثلاث وتسعين وقيل سنة تسعين وقيل غير ذلك وثبت في الصحيح أنه كان له قبل الهجرة عشر سنين فعمره فوق المائة كما ترى ودفن - ﵁ - في البصرة خارجا على نحو فرسخ ونصف ودفن هناك في موضع يعرف بقصر أنس وكان له بستان يحمل في السنة مرتين وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك وكان - ﵁ - أحد الرماة المصيبين، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢). والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راض\"، فيجب على المؤمن أن يكون مخلصا في إيمانه مخلصًا في توباته، مخلصًا في تعلم ما يجب عليه من العلم مخلصًا في تعليم من يعلم، مخلصا في القول والفعل والحركة والسكون والأخذ والعطاء في الظاهر والسرائر، يريد بهذا كله وجه الله والدار الآخرة، سواء قل أو كثر.\nواعلم أن الأعمال كلها أجساد والإخلاص هو الروح ولا ينفع جسد بلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٣٨) ومسلم (٥١ - ٢٣٠٩) عن أنس.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"1","page":209},{"text":"روح انتهى، قاله في عمدة السالك (^١).\nفائدة تتعلق بالإخلاص: قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح: اعلم وفقنا الله وإياك أن الشرط العام في قبول جميع أنواع الطاعات والفوز بأجرها وثوابها هو الإخلاص، وكل عمل لا يصدر عن إخلاص فهو إلى الهلاك أقرب (^٢).\nانتهى. وقال أنس - ﵁ -: الإخلاص هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن رجهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء (^٣)، وقد قال سيدنا سهل بن عبد الله التستري رحمة الله عليه: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به، والعمل كله هباء إلا بالإخلاص، وقال أيضا - ﵁ -: الناس موتى إلا العلماء، والعلماء سكارى إلا العاملين والعاملون مغرورون إلا المخلصين والمخلصون على وجل حتى يعلم ما يختم لهم به فإن أردت إحراز الثواب وحسن المآب فاجتهد في الإخلاص، وقد اختلف أقوال المشايخ رحمهم الله تعالى اختلافا كثيرا، وقد عبر كل واحد منهم بحسب ذوقه ورتبته وشهرته والقصد واحد، وإذا أردت الوقوف فاطلبه من كتب التصوف كقوت القلوب وإحياء علوم الدين ونحوهما، وإن أخذ الله بيدك ووفقك للأعمال الصالحات ورقى همتك عن الالتفات إلى ثوابها وجعل قصدك بها وجهه\n_________\n(^١) لم اهتد إلى المرجع المذكور وانظر نحو هذا الكلام لابن القيم في رسالته لأحد إخوانه (ص ٣٤ - ٣٥).\n(^٢) المتجر الرابح (ص ٩٧٤).\n(^٣) سنن ابن ماجه (عقب حديث رقم ٧٠).","vol":"1","page":210},{"text":"الكريم لا خوفا من الجحيم ولا رجاء دار النعيم فقد وفقك لأعلى رتب الإخلاص وجعلك من عباده المقربين الخواص، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (^١).\nوسُئل شقيق عن الإخلاص فقال: هو تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم سائغًا سهل المرور في الحلق، ويقال: لم يغص أحد باللبن قط (^٢).\nلطيفة: قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (^٣) الآية، أي: يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله تعالى لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل خالص من ذلك كله، قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دمًا، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق واللبن في الضرع وتبقي الفرث في الكرش فسبحانه ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمل انتهى (^٤).\nفالإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه (^٥) فلا يتم الإخلاص\n_________\n(^١) المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح ص ٩٧٤ - ٩٧٥.\n(^٢) الكشاف (٢/ ٦١٦).\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٦٦.\n(^٤) الكشاف (٢/ ٦١٦).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٣٠).","vol":"1","page":211},{"text":"إلا بالصدق ولا الصدق إلا بالإخلاص ولا يتمان إلا بالصبر (^١) ولا يحصل الإخلاص إلا بالنية الخالصة (^٢).\nتتمة: ولنذكر نبذة في الإخلاص من أقوال السادة الصوفية: قال النووي في بستان العارفين في التصوف (^٣): وأما حقيقة الإخلاص فهو روح العبادة ومعنى الإخلاص التصفية مما سوى الرب ﷻ وشغل القلب به، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (^٥) وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (^٧)، فإسلام الوجه لله تعالى إخلاص القصد والعمل له والإحسان فيه متابعة رسوله - ﷺ - وسنته، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (^٨) وهي الأعمال التي كانت على غير السنة أو أريد بها غير وجه الله تعالى (^٩).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٩١).\n(^٢) انظر الرسالة (٢/ ٣٦٠).\n(^٣) بستان العارفين (ص ٢٧) وانظر الأذكار (ص ٧).\n(^٤) سورة البينة، الآية: ٥.\n(^٥) سورة الزمر، الآيتان: ٢ - ٣.\n(^٦) سورة الزمر، الآية: ١٤.\n(^٧) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(^٨) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.\n(^٩) مدارج السالكين (٢/ ٨٩).","vol":"1","page":212},{"text":"قال النووي (^١): وروينا عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الإخلاص، ما هو؟ فقال: \"سألت جبريل ﵇ عن الإخلاص ما هو؟ \" فقال: سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ قال: \"سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي\" رواه القزويني في مسلسلاته (^٢)، والقشيري في رسالته (^٣) بسند ضعيف، وأخبرنا الشيخ الإمام أبو الفتوح عن صفوان بن عسال المرادي عن النبي - ﷺ - قال: إذا كان يوم القيامة يجيء الإخلاص والشرك فيجثوان بين يدي رب العزة فيقول الله ﷿ للإخلاص انطلق أنت وأهلك إلى الجنة ويقول للشرك انطلق أنت وأهلك إلى النار ثم تلى رسول الله - ﷺ -: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ (^٤) (^٥). وقال الحارث المحاسبي في كتاب الرعاية: الإخلاص أن تريده بطاعته ولا تريد سواه (^٦)، وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري (^٧) قال: الإخلاص إفراد الحق ﷾\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٢٦ - ٢٧).\n(^٢) أخرجه الطريثيثي في الأحاديث المسلسلات (٢) وابن الجوزى في المسلسلات (١١).\n(^٣) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٥٩).\n(^٤) سورة النمل، الآية: ٩٠.\n(^٥) أخرجه أبو أحمد الحاكم في الكنى (٥/ ٢٧٤)، والسهروردى في عوارف المعارف (ص ٢٣٠)، وابن فاخر في موجبات الجنة (٤٣)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٤٣٧).\nقال الحاكم: حديث عاصم بهذا الإسناد حديث منكر.\n(^٦) مقاصد الرعاية (ص ٥٤)، وشرح النووي على الأربعين (ص ٨).\n(^٧) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٥٩).","vol":"1","page":213},{"text":"بالقصد في الطاعة وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى. وعن حذيفة المرعشي: قال الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن (١).\nوقال الجنيد رحمة الله عليه: الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله؛ وقيل لسهل: أي شيء أشد على النفس فقال: الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب (٢).\nوقال بعضهم: الإخلاص: أن لا تطلب على عملك شاهدا غير الله تعالى ولا مجازيا سواه، وقال يوسف بن الحسين: أعز شيء في الدنيا الإخلاص. وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر.\nوقال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوساوس والرياء (٣)، وعن أبي عثمان المغربي قال: إخلاص العوام ما لا يكون للنفس فيه حظ وإخلاص الخواص ما يجري عليهم لا بهم فتبدو منهم الطاعات وهم عنها بمعزل ولا يقع لهم عليها رؤية ولا لهم عليها اعتداد (٤).","vol":"1","page":214},{"text":"وقال الفضيل بن عياض رحمة الله عليه: العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء (^١) فالصدق والإخلاص فرضان سيما على أهل الاختصاص (^٢)، وقيل: الإخلاص إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وقيل: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره (^٣)، وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله (^٤)، وقال بعض العارفين: علامة الإخلاص نور يجده العبد في قلبه يعرفه النقص في طاعته ويكشف له عن علة إخلاصه إذ لا يتخلص الإنسان من حبائل الشيطان إلا بالإخلاص ولذلك كان معروف الكرخي يضرب نفسه ويقول يا نفس أخلصي تتخلصي (^٥).\nثم قال الغزالي بعد هذا: فالعابد لأجل تنعم النفس بالشهوات في الجنة معلول العمل بل الحقيقة إن لا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين، فأما من يعمل لرجاء الجنة وخوف النار فهو مخلص بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج وإنما المطلوب الحق لذوي الألباب وجه الله تعالى فقط، وقال الخواص: من\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٩٢).\n(^٢) الوصايا القدسية لأبي بكر الخافى (مخ لايبزك/ لوحة ١٧٧).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٩١).\n(^٤) الغنية (٢/ ١١٢ - ١١٣)، ومدارج السالكين (٢/ ٩٢).\n(^٥) الإحياء (٤/ ٣٧٨).","vol":"1","page":215},{"text":"شرب من كأس الرياسة فقد خرج عن إخلاص العبودية، وقيل: الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ (^١)، والله تعالى أعلم.\nلطيفة تتعلق بالإخلاص والصدق: قال الشيخ الإمام العارف بالله القدوة أبو بكر الخافى في وصيته التي صنفها لأصحابه وأولاده: سألني الشيخ الإمام العالم العلامة العارف بالله تعالى جلال الحق والملة والدين الخجندى المدني قدس الله سره بالمدينة يوما فقال إن عشت فرضًا ألف سنة أي شيء تعمل في هذا العمر؟ قلت: أفعل كذا وكذا وعددت مما بلغ عقلي إليه من القربات فقال - ﵁ - أنا لا أفعل هكذا بل أصرف عمر تسعمائة وتسع وتسعين سنة إلى تحقيق مقامي الصدق والإخلاص ويكفيني معهما عمل سنة واحدة ما قال هذا إلا عن علم عميق ونظر دقيق روح الله روحه ونور ضريحه (^٢).\nلطيفة أخرى تتعلق بالإخلاص: قال الشيخ الإمام العلامة الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان (^٣): رأيت في مختصر الإحياء للشيخ شرف الدين بن يونس شارح التنبيه في باب الإخلاص: أن من أخلص لله تعالى في العمل وإن لم ينو ظهرت آثار بركته عليه وعلى عقبه إلى يوم القيامة كما قيل إنه لما أهبط آدم ﵊ إلى الأرض جاءته وحوش الفلاة تزوره وتسلم عليه فكان آدم ﵊ يدعو لكل\n_________\n(^١) الإحياء (٤/ ٣٨١).\n(^٢) الوصايا القدسية (مخ لايبزك/ لوحة ١٧٧).\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٤٧).","vol":"1","page":216},{"text":"جنس بما يليق به فجاءته طائفة من الظباء فدعا لهن ومسح على ظهورهن فظهر فيهن نوافج المسك فلما رأى بواقيها ذلك قالوا من أين هذا لكن فقلن زرنا صفي الله آدم فدعا لنا ومسح على ظهورنا فمضى البواقي إليه فدعا لهن ومسح على ظهورهن فلم يظهر بهن من ذلك شيء فقالوا قد فعلنا كما فعلتم فلم نر شيئًا مما حصل لكم فقالوا: أنتم كان عملكم لتناولوا ما نال إخوانكم وأولئك كان عملهم لله من غير شوب فظهر ذلك في نسلهم وعقبهم إلى يوم القيامة انتهى وهذه من زياداته على الإحياء والله أعلم.\nقوله في آخر حديث أنس: رواه ابن ماجه والحاكم، أما ابن ماجه فهو الإمام: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني صاحب كتاب السنن، سمع بمكة من محمد بن يحيى بن أبي عُمر العدني وأبي مروان محمد بن عثمان وغيرهما، وبالمدينة من إبراهيم بن المنذر الحزامي وغيره، وبمصر من يونس بن عبد الأعلى وغيره، وبدمشق والكوفة والبصرة وبغداد جماعة يكثر تعدادهم؛ قال محمد بن طاهر المقدسي الحافظ: لعمرك إن كتاب أبي عبد الله بن ماجه من نظر فيه علم منزلة الرجل من حسن الترتيب وغزارة الأبواب وترك التكرار، ولا يوجد فيه من النوازل والمقاطيع والمراسيل والرواية عن المجروحين إلا قدر يسير، وهذا الكتاب، وإن لم يشتهر عند أكثر الفقهاء فإن له بالري وما والاها من قوهستان ومازندران وطبرستان قدر عظيم عليه اعتمادهم، وله عندهم طرق كثيرة (^١). انتهى.\n_________\n(^١) التقييد لمعرفة السنن والمسانيد (١/ ١١٩ - ١٢٠).","vol":"1","page":217},{"text":"ومولده في سنة تسع ومائتين، وتوفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائتين وله أربع وستون سنة، انتهى، قاله في شرح الإلمام (^١)، قاله في الديباجة.\nوأما الحاكم: فهو الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع، الحافظ المصنف في علم الحديث عدة تصانيف لم يسبق إليها، سمع بنيسابور أبا العباس محمد بن يعقوب الشيباني الأصم والشيباني الأخرم (^٢)، وبمرو أبا العباس محمد المحبوبي وغيره، وببغداد وبهمذان وبالعراق جماعة، وسمع منه المشايخ أحمد بن أبي عثمان الحيري الزاهد والقفال الشاشي والدارقطني وخلق، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وتوفي سنة خمس وأربعمائة، وقيل: ثلاث والأول أصح. وكان إمام أهل الحديث في عصره، وقع من تصانيفه في أيدي الناس ما يبلغ ألفا وخمسمائة جزء (^٣) انتهى.\n_________\n(^١) شرح الإلمام (١/ ٥٩ - ٦١).\n(^٢) كذا وقع في الأصل والصواب أنهما شيخان للحاكم الأول محمَّد بن يعقوب بن يوسف بن مَعْقِل بن سنان بن عبد الله، أبو العباس الأصم، السِّناني المعْقِلي، الوراق، الأموي مولاهم، والثاني محمَّد بن يعقوب بن يوسف بن يعقوب بن عبد الله، أبو عبد الله، العدل الحافظ، الشَّيْباني، النَّيْسابُوري، المعروف قديمًا بابن الكِرْماني، وأخيرًا بابن الأخْرم. انظر الروض الباسم (٢/ ١٢٧٠ - ١٢٨٧).\n(^٣) طبقات الفقهاء الشافعية (١/ ١٩٨ - ٢٠٢)، طبقات علماء الحديث (٣/ ٢٣٧ - ٢٤٣).","vol":"1","page":218},{"text":"٣ - وَعَن أبي فراس رجل من أسلم قَالَ: نَادَى رجل، فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا الْإِيمَان؟ قَالَ: الْإِخْلَاص\". وَفِي لفظ آخر قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"سلوني عَمَّا شِئْتُم فَنَادَى رجل يَا رَسُول الله مَا الْإِسْلَام قَالَ إقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة. قَالَ: فَمَا الْإِيمَان قَالَ الْإِخْلَاص. قَالَ: فَمَا الْيَقِين قَالَ التَّصْدِيق\" (^١) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ مُرْسل.\nقوله: وعن أبي فراس، رجل من أسلم هو بلفظ الماضي اسم قبيلة من قبائل العرب.\nقوله: نادى رجل فقال يا رسول الله: ما الإيمان؟ قال: \"الإخلاص\"، وفي لفظ آخر قال: رسول الله - ﷺ -: \"سلوني عما شئتم\"، فنادى رجل فقال يا رسول الله ما الإسلام؟ فقال: \"إقام الصلاة وإيتاء الزكاة\" قال: فما الإيمان؟ قال: \"الإخلاص\" قال: فما اليقين؟ قال: \"الصدق\". وفي بعض النسخ: التصديق، وسيأتي الكلام على الإسلام وعلى إقام الصلاة وعلى الزكاة والإيمان في أماكن متفرقة من هذا التعليق.\nواعلم أن معرفة الإخلاص في التوبة وفي سائر الطاعات أن يراد به الحق جل وعلا ويقصد فيه الصدق وتفسيره: قصد القلب بالعمل لله ﷿ وحده والنظر إلى ثواب الله ﷿ في غير حب محمدة ولا كراهة مذمة ولا إرادة رياء وعجب وأول الإخلاص في التوحيد هو توحيد ذات الله ﷿ بنفي الشركاء عنه وإثبات صفاته بنفي النقائص والتشبيه عنها وهو تفسير\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (٦٤٤١، ٦٤٤٢)، وابن بشران في أماليه رقم (٣٠٨) وصححه الألباني في الترغيب والترهيب رقم (٣).","vol":"1","page":219},{"text":"سورة الإخلاص قال الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (^١) فأمر بتوحيد ذات الله الصمد وفيه إثبات صفاته لم يلد ولم يولد، وفيه نفي النقائص عن ذاته ولم يكن له كفوا أحد، وفيه نفي لشبهه بالذوات في ذاته وصفاته بنية الإخلاص قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٢)، وإنما سمي الإخلاص إخلاصا لأنه خلص من الآفات، تقول العرب: أخلص فلان لفلان المحبة أي لم يمازجها بشيء انتهى، قاله الهروي.\nوأما الصدق فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (^٣) وقال تعالى عز اسمه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^٤)، فالصدق مقام القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلًا إلا أرداه وصرعه، ومن صال به لم ترد صولته ومن نطق به علت على الخصوم كلمته فهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال وقد أمر\n_________\n(^١) سورة الإخلاص، الآية: ١.\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١١٩.\n(^٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":220},{"text":"الله تعالى أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) (^٢).\nواعلم أن حقيقة الصدق إسقاط ما سوى الحق سبحانه، وقيل حقيقة الوفاء مع وجود الصفا والصدق على ثلاثة أوجه: صدق النية أولا، ثم صدق اللسان، ثم صدق العمل، فأما صدق النية أن لا يريد بجميع أقواله وأفعاله غير الله تعالى، وأما صدق اللسان فأن لا يطلقه إلا إذا قام له شاهد من الحق، وأما صدق العمل فالجد فيه والحرص عليه من غير أن يقطعه عنه قاطع انتهى، قاله الهروي (^٣).\nواعلم أن الخير كله في بيت ومفتاحه الصدق، ومن أخذ المفتاح بيده فتح ودخل ومن فاته الصدق بقي على الباب.\nواعلم أن الصدق يجب عليك في الأقوال والأفعال، فعود لسانك يا أخي الصدق فإنك مسؤول عن أقوالك وأعمالك فعود لسانك الصدق في القليل والكثير والمزح والجد فإذا صار عادةً استرحت وقد مدح الحق ﷾ الصادقين في غير موضع من كتابه العزيز، وقال رجلٌ للنبي - ﷺ -: \"أوصني\" فقال: \"لا تكذب\" فلزم الصدق فخلص به من كل المعاصي وحث\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٥٧).\n(^٣) انظر مدارج السالكين (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٩).","vol":"1","page":221},{"text":"الصالحون عليه ويكفي الصادق شرفًا أن الخلق العام والخاص، والصالح والطالح مجمعون على مدحه وهو ثوبٌ شريف فلا يفوتك فمن لبسه مدح للعالم في أي عالم كان، قاله في كتاب عمدة السالك (^١).\nولنذكر نبذة تتعلق بالصدق من كلام القوم: ومن علامات الصدق طمأنينة القلب إليه ومن علامات الكذب حصول الريبة كما في الترمذي من حديث الحسن بن علي ﵄ عن النبي - ﷺ -: \"الصدق طمأنينة والكذب ريبة\" (^٢) وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: \"الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا\" (^٣) فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها وهي غايته فلا ينال درجتها كاذب البتة لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله ولا سيما كاذب على الله تعالى في أسمائه وصفاته بنفي ما أثبته لنفسه أو إثبات ما نفاه عن نفسه فليس في هؤلاء صديق أبدًا وسيأتي بابٌ في الصدق فيه جملة من الأحاديث وحديث كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك وفيه فوائد جمة، وقال الحارث المحاسبي: والصدق في وصف العبد هو استواء السر والعلانية والظاهر والباطن، وبالصدق يتحقق جميع المقامات والأحوال حتى إن الإخلاص يفتقر إلى الصدق وهو\n_________\n(^١) لم أهتد لهذا المرجع.\n(^٢) أخرجه الترمذي رقم (٢٥١٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٣٧٧).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٦٠٩٤)، ومسلم رقم (٢٦٠٧).","vol":"1","page":222},{"text":"لا يفتقر إلى شئ، لأن حقيقة الإخلاص هو إرادة الله تعالى بالطاعة، فقد يريد الله تعالى بالصلاة ولكنه غافل عن حضور القلب فيها، والصدق هو إرادة الله تعالى بالعبادة مع حضور القلب إليه تعالى فكل صادق مخلص وليس كل مخلص صادقًا وهذا معنى الاتصال والانفصال لأنه انفصل عن غير الله تعالى واتصل بالحضور بالله تعالى وهو معنى التخلي والتجلي، التخلي عما سواه والتجلي بالحضور بين يدي مولاه انتهى.\nوقال عبد الواحد بن زيد: الصدقُ الوفاء لله تعالى بالعمل (^١).\nوقيل موافقة السر النطق [وقيل استواء السر والعلانية] وقيل الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة وقيل كلمة. الحق عند من يخافه ويرجوه وقال الجنيد رحمة الله عليه حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب، وفي أثر إلهي: من صدقني في سريرته صدقته في علانيته عند خلقي (^٢).\nوقال سهل بن عبد الله رحمة الله عليه: أول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم، وقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلي من أن أضرب بسيفي في سبيل الله، وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل الله منه الفرض المؤقت، قيل: وما الفرض الدائم؟ قال: الصدق، وقيل من طلب الله بالصدق أعطاه مزية يبصر فيها الحق والباطل، وقيل\n_________\n(^١) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٦٤).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٦٢ و٢٦٥).","vol":"1","page":223},{"text":"عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وقيل ما أملق تاجر صدوق أي ما افتقر (^١).\nوقال النووي في بستان العارفين (^٢): روينا عن الأستاذ القاسم القشيرى ﵀ قال: الصدق عماد الأمر وبه تمامه وفيه نظامه وقال روينا عن ذي النون قال الصدق سيف الله تعالى ما وضعه على شئ إلا قطعه، وقال المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له من قلوب الناس من أجل صلاح قلبه، ولا يحب إطلاع الناس على الشئ من عمله، ومن علامة الصادق أن يختبر نفسه عند المدح والذم، فإنْ فرح بمدح ما ليس فيه أو حزن بذم ما فيه فهذا مراء كذاب، يقال في كتب الله المنزلة: عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ولمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب؟ وأعجب من ذلك: من أحب نفسه على اليقين وأبغض الناس على الظن، وقال بعضهم لبعض: من أحب المدح وكره الذم فهو منافق، وفي الخبر: الفرح بالمدح فإنه الذبح.\nوقال الثوري: إذا قيل لك بئس الرجل أنت تغضب وإذا قيل لك نعم الرجل أنت تفرح، فبئس الرجل أنت، وسئل بعض العلماء، ما علامة المنافق؟ فقال: إذا مدح بما ليس فيه ارتاح قلبه لذلك، وقال سفيان بن عيينة:\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n(^٢) بستان العارفين صـ ٢٨.","vol":"1","page":224},{"text":"لا يضر المدح من عرف نفسه، وأثني على رجل من الصالحين فقال: اللهم إن هؤلاء لا يعرفونني وأنت تعرفني، وقال آخر لما أثني عليه: اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وإني أشهدك على مقته، وقال علي لما أثني عليه: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرًا مما يظنون، وقال البيهقي في الشعب: قال بعض السلف: إذا مدح الرجل في وجهه فالتوبة منه أن يقول: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واغفر لي ما لا يعلمون واجعلني خيرًا مما يظنون، وكان سفيان - ﵁ - يقول: إذا رأيت الرجل يحب أن يحبه الناس كلهم ويكره أن يذكره أحد بسوء فاعلم أنه منافق، فهذا دخل في وصف الله تعالى المنافقين بقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ (^١) (^٢) انتهى.\nقوله في آخر حديث أبي فراس: رواه البيهقي، وهو مرسل، وأما البيهقي فهو الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى النيسابوري البيهقي الحافظ المصنف في علم الحديث والفقه والأصول والجامع بين المعقول والمنقول، سمع بنيسابور الحاكم وابن شاذان وابن محمش الزيادي وابن فورك وغيرهم، مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ووفاته في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، قال\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٩١.\n(^٢) قوت القلوب (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":225},{"text":"الجويني: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منّه إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله، نقله ابن عساكر (^١)، كتب الحديث وضبطه من صباه إلى أن نشأ وتفقه وبرع فيه وشرع في الأصول ورحل إلى العراق والحجاز والجبال ثم اشتغل بالتصنيف وألف من الكتب بما لعله يبلغ قريبا من ألف جزء مما لم يسبقه إليها أحد، جمع فيها بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث والصحيح والسقيم وذكر وجوه الجمع بين الأحاديث ثم بيان الفقه والأصول وشرح ما يتعلق بالعربية وأخذ عنه العلم كبار نيسابور وأكثروا الثناء عليه والدعاء له حين قرؤوا كتاب المعرفة له، وكان قانعًا من الدنيا بالقليل متجملًا في زهده وورعه وبقي إلى أن توفي وحمل إلى خسروجرد رحمه الله تعالى (^٢) انتهى، قاله في شرح الإلمام.\nوأما الحديث المرسل فهو ما أسنده التابعي أو تابع التابعي إلى النبي - ﷺ - من غير أن يذكر الصحابي الذي يروي الحديث وذهب جماهير المحدثين إلى أن المرسل لا يحتج به وقال الإمام مالك وأبو حنيفة والإمام أحمد وأكثر الفقهاء يحتج به، ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وبان بذلك صحته وذلك بأن يروى مسندًا ومرسلًا من جهة أخرى أو فعل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء سواء في هذا مرسل سعيد بن المسيب\n_________\n(^١) تبيين كذب المفترى (ص ٢٦٦).\n(^٢) طبقات علماء الحديث (٣/ ٣٢٩ - ٣٣١)، وتاريخ الإسلام (١٠/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":226},{"text":"وغيره هذا هو الصحيح عنده، ولو روي الحديث متصلا ومرسلًا أو مرفوعًا وموقوفا فالذي عليه الفقهاء وأهل الأصول وجماعة من المحدثين أن الحكم للوصل والرفع، وقيل: الإرسال والوقف ونقله الخطيب عن أكثر المحدثين قاله في التنقيح على كتاب المصابيح (^١).\n_________\n(^١) كشف المناهج (١/ ٥٧).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>خاتمة في المدح والذم</span>\nعن المقداد بن عَمْرو: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحثو في وجوه المداحين التراب رواه مسلم (^١)، قال النووي (^٢): ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث الواردة في النهي عن المدح وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه قال العلماء وطريق الجمع بينها أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير والازدياد منه أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحبًّا.\nقال النووي في كتاب الأذكار (^٣): مدح الإنسان والثناء عليه بجميل صفاته قد يكون في حضور الممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضوره، فلا منع منه إلا أن يجازف المادح ويدخل في الكذب، فيحرم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحا، ويستحب هذا المدح الذي لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحة ولم يجر إلى مفسدة بأن يبلغ الممدوح فيفتتن به، أو غير ذلك، وأما المدح في وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديت تقتضي إباحته أو استحبابه، وأحاديثه تقتضي المنع منه، ويجمع بينهما كما تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨ و٦٩ - ٣٠٠٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٦).\n(^٣) الأذكار (ص ٢٧٦).","vol":"1","page":228},{"text":"قوله: (أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحثي في وجوه المداحين التراب) هذا الحديث قد حمله على ظاهره المقداد الذي هو راويه ووافقه طائفة وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقة وقال آخرون معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئا لمدحهم وقيل إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا ولا تعجبوا وهذا ضعيف (^١) انتهى.\nقال الخطابى (^٢): المراد بالتراب هنا الحرمان فمعنى التراب ههنا الحرمان والخيبة كما يقال ليس في كفه إلّا التراب، وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الحديث على ظاهره ويرى أن يوضع التراب في كفه، وروي أن المقداد رأى رجلا يمدح رجلا فقام يحشي التراب بكفه في وجهه، وقال الحليمى (^٣): إنما أمر بحثو التراب في وجوه المادحين لأن الأغلب أنهم يكذبون فيغرون الممدوح فإذا حثا التراب في وجه المادح تغبر بذلك وجهه كما غبر وجه الممدوح. انتهى.\n\n٤ - وَعَن معَاذ بن جبل أَنه قَالَ حِين بعث إِلَى الْيمن يَا رَسُول الله أوصني، قَالَ: \"أخْلص دينك يكفك الْعَمَل الْقَلِيل\" (^٤) رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن ابْن أبي عمرَان وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد كَذَا قَالَ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٨).\n(^٢) معالم السنن (٣/ ١٣١).\n(^٣) المنهاج (٣/ ٨).\n(^٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٤١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٤٤)، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٤٣)، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورده الذهبي في التلخيص فقال: غير صحيح، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢١٦٠)، وضعيف الجامع (٢٤٠).","vol":"1","page":229},{"text":"قوله: معاذ بن جبل، قال أبو الفرج بن الجوزي كنيته: أبو عبد الرحمن فهو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري من بني جثم بن الخزرج كان من نجباء الصحابة، أسلم وعمره ثمان عشرة سنة، روى عنه ابن عباس وابن عمر وأنس وعبد الرحمن بن سمرة. وأبو موسى وطائفة من الصحابة وخلق من التابعين وكان عمر جمع القرآن في حياة النبي - ﷺ -، وجاء عن أنس مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ... \" الحديث. \"وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ\" (^١) وقال محمد بن كعب القرظي: قال النبي - ﷺ -: \"يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة\" (^٢) وقال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتًا لله حنيفا ولم يك من المشركين إنا كنا نشبه معاذًا بإبراهيم، والأمة معلم الخير، والقانت المطيع لله ولرسوله ومعاذ بن جبل كان يعلم الناس الخير ويطيع الله ورسوله (^٣).\nوقال فيه رسول الله - ﷺ -: \"نعم الرجل معاذ\" (^٤)، وقال عمر: عجزت النساء أن تلد مثل معاذ لولا معاذ هلك عمر، قاله في قضية امرأة تأخر حملها سنتين\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٣٧٩٠)، وابن ماجه رقم (١٥٤)، وأحمد في مسنده (٢٤/ ٢٥٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٩) رقم (٤١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١١): رواه الطبراني مرسلا، وفيه محمد بن عبد الله بن أزهر الأنصاري ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٥٩) رقم (٩٩٤٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٠).\n(^٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٧٩٥)، وأحمد في مسنده (١٥/ ٢٥٣).","vol":"1","page":230},{"text":"فاستشاره في رجمها فأشار بتأخيرها فوضعت غلاما قد خرجت ثنيتاه فاعترف أبوه به لشبهه به، فقال: ابني ورب الكعبة (^١).\nوكان معاذ طوالًا حسن الشعر أبيض براق الثنايا، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مات في طاعون عمواس سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وأردفه رسول الله - ﷺ - وراءه وقال: \"والله يا معاذ إني لأحبك\" (^٢) وبعثه إلى اليمن قاضيا بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيا في مخرجه وكان معاذ راكبًا (^٣).\nقوله: إنه قال حين بعث إلى اليمن يا رسول الله أوصني، قال: \"أخلص دينك يكفك العمل القليل\".\nواليمن: إقليم معروف يشتمل على بلاد كثيرة، قال ابن عبد البر (^٤): بعث رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل قاضيًا إلى اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن ثم أوصاه رسول الله - ﷺ - وعهد إليه ثم قال: \"يا معاذ يسر ولا تعسر وبشر ولا تنفر\" (^٥)؛ وفي حديث أنه قال - ﷺ - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"إنك ستأتي\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه رقم (٢٠٧٦)، والدارقطني في سننه (٤/ ٥٠٠)، والبيهقي في السنن (٧/ ٧٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود رقم (١٥٢٢)، والترمذي رقم (٢٣٥٠)، والنسائي (٣/ ٥٣).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٨ - ١٠٠).\n(^٤) الاستيعاب (٣/ ١٤٠٣).\n(^٥) أصل الحديث في البخاري رقم (٣٠٣٨)، ومسلم رقم (١٧٣٣) عن أبي بردة أن النبي - ﷺ -، بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال: \"يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا\".","vol":"1","page":231},{"text":"أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن هم آمنوا بذلك فأخبرهم أن الله فرض صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ... \" الحديث (^١)، استدل بعضهم بحديث معاذ هذا على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والصوم والزكاة ونحوها لكونه - ﷺ - قال: \"فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن عليهم ... \" فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم، هذا الاستدل ضعيف فإن المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها بل يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، والمختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا بمخاطبين بها، وقيل: مخاطبون بالمنهي دون المأمور (^٢) والله أعلم قاله في الديباجة.\n\n٥ - عَن ثَوْبَان قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"طُوبَى للمخلصين أُولَئِكَ مصابيح الْهدى تنجلي عَنْهُم كل فتْنَة ظلماء\" (^٣) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١٣٩٥، ١٤٩٦، ٤٣٤٧)، ومسلم رقم (١٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٩٨).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب رقم (٦٤٤٨)، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص والنية رقم (١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٢٢٥)، وضعيف الجامع رقم (٣٦٣٦): موضوع.","vol":"1","page":232},{"text":"قوله: وروي عن ثوبان - ﵁ -، ثوبان: هو مولى رسول الله - ﷺ - وكنيته أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ثوبان بن بجدد بباء موحدة مضمومة ثم جيم ساكنة ثم دال مهملة مكررة الأولى مضمومة، ويقال: ابن جحدر الهاشمي من أهل السراة موضع بين مكة واليمن، وقيل: إنه من حمير، وقيل: إنه من ألهان أصابه سبيً فاشتراه رسول الله - ﷺ - فأعتقه ولم يزل معه في السفر والحضر فلما توفي رسول الله - ﷺ - خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وابتنى فيها دارًا وتوفي بها سنة خمس وأربعين وقيل سنة أربع وخمسين، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وسبعةٌ وعشرون حديثًا روى له مسلم منها عشرة أحاديث (^١).\nفائدة: الموالي: جماعة منهم ثوبان هذا وأبو أسامة وأبو كبشة واسمه سليم شهد بدرًا ورويبع وأبو بكرة وأبو رافع، واسمه أسلم، وقيل غير ذلك، ومِدْعم: بكسر الميم وإسكان الدال وفتح العين المهملتين أسود، وكركرة: أيضًا من الموالي؛ واعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي - ﷺ - بل كان بعض منهم في وقت وبعض منهم في وقت آخر، واعلم أنهم ينسبون إلى القبيلة مولاهم لقوله - ﷺ -: \"مولى القوم من أنفسهم\" (^٢) وسواء أكان مولى عتاقة وهو الأكثر أو مولى حلف ومناصرة أو مولى إسلام بأن أسلم على يد واحد من القبيلة كالبخاري الإمام مولى\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٦٧٦١) عن أنس.","vol":"1","page":233},{"text":"الجعفيين أسلم بعض أجداده على يد واحد من الجعفيين انتهى، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١) وغيره.\nتتمة: في تاريخ نيسابور للحاكم ما حكاه ابن الصلاح في آخر النوع الرابع والستين من قوله رُوينا عن الزهري قال: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة قال فمن خلفت فيها يسود أهلها، قلت: عطاء بن رباح، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: من العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قال: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي أن يسودوا، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي عبدٌ أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: قلت: ميمون بن مهران، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: من العرب أم من الموالي؟ قال. قلت من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، فقال؟ من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، فقال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤).","vol":"1","page":234},{"text":"العرب، فقال: ويلك يا زهري فرجت عني! والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال: قلت: يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيعه سقط، انتهى (^١)، قاله في الديباجة.\nتنبيه: الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري المدني أحد الأئمة الإسلام وعالم أهل الحجاز والشام وكان الزهري أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقًا لمتون الأحاديث، ومع ذلك كان يقول: إعادة الأحاديث أشد من نقل الصخر، وكان يقول: ما صبر أحدٌ على العلم صبري ولا نشره نشري، وقال عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحدٌ أعلم بسنة ماضية من الزهري، وقال مالك: بقي الزهري وليس له في الدنيا نظير، وقال أيوب السختياني: ما رأيت أعلم منه، وكان من أسخى الناس ومن غريب حفظه أنه حفظ القرآن في ثمانين يومًا، رواه البخاري في تاريخه بإسناد صحيح (^٢) توفي ﵀، في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة (^٣) انتهى، قاله في الديباجة أيضًا.\nقوله - ﷺ -: \"طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى\" الحديث، طوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها، وقيل غير ذلك (^٤)، وتقدم الكلام على الإخلاص مبسوطًا في الأحاديث المتقدمة.\n_________\n(^١) ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١٩٨ - ١٩٩، ومقدمة ابن الصلاح (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\n(^٢) تاريخ البخاري (١/ ٢٢٠).\n(^٣) انظر تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٩٠ - ٩٢).\n(^٤) تهذيب اللغة (١٤/ ٢٩)، والنهاية (٣/ ١٤١).","vol":"1","page":235},{"text":"٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع: \"نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها فَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه، ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب امرئ مُؤمن إخلاص الْعَمَل لله والمناصحة لائمة الْمُسلمين وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ فَإِن دعاءهم مُحِيط من ورائهم\" (^١). رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث زيد بن ثَابت وَيَأْتِي فِي سَماع الحَدِيث إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود ومعاذ بن جبل والنعمان بن بشير وَجبير بن مطعم وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي قرصافة جندرة بن خيشنة وَغَيرهم من الصَّحَابَة ﵃ وَبَعض أسانيدهم صَحِيح.\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري، هو: أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد [بن] الأبجر بالباء الموحدة والجيم، الأنصاري الخزرجي الخدري واسم أم أبي سعيد أنيسة بنت أبي خارجة، استُصغر أبو سعيد يوم أحد فرُدّ وغزا بعد ذلك مع رسول الله - ﷺ - اثنتي عشرة غزوة وكان أبوه صحابيًا استشهد يوم أحد، روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ - ألفًا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (١٣٠٢)، وأبو نعيم في الحيلة (٥/ ١٠٥)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٥) عن أبي سعيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٣٧): رواه البزار، ورجاله موثقون، إلا أن يكون شيخ سليمان بن سيف، سعيد بن بزيغ؛ فإني لم أر أحدا ذكره. وإن كان سعيد بن الربيع فهو من رجال الصحيح؛ فإنه روى عنهما. والله أعلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٤). وأخرجه ابن حبان رقم (٦٧، ٦٨٠)، وأحمد (٣٥/ ٤٦٧)، وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (٩٠).","vol":"1","page":236},{"text":"حديث ومائة حديث وسبعين حديث، اتفق البخاري ومسلم على ستة وأربعين حديثًا وانفرد البخاري بستة عشر ومسلم باثنين وخمسين حديثًا، روى أبو سعيد عن جماعة من الصحابة أيضًا منهم أبو بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وأبو قتادة وعبد الله بن سلام وتوفي - ﵁ - بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة (^١) والله أعلم.\nقوله: إن النبي - ﷺ - قال في حجة الوداع، الحديث، سميت حجة الوداع بذلك لأن النبي - ﷺ - ودع الناس فيها وعلمهم في خطبته فيها أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع إلى من غاب فقال - ﷺ -: \"ليبلغ الشاهد منكم الغائب\" (^٢)، والمعروف في الرواية حجة الوداع بفتح الحاء وقال الهروي وغيره من أهل اللغة المسموع من العرب في واحدة الحج حجة بكسر الحاء، قالوا: والقياس فتحها لكونها اسمًا للمرة الواحدة وليست عبارة عن الهيئة حتى تكسر، قالوا فيجوز الكسر بالسماع والفتح بالقياس قاله النووي في شرح مسلم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"نضّر الله امرأ سمع مقالتي ... \" الحديث. [ويروى بالتخفيف والتشديد] فأكثر الشيوخ يشددون \"نضر\" وأكثر أهل الحديث يخففون، قال\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٣٧).\n(^٢) جزء من حديث أخرجه البخاري رقم (١٠٥)، ومسلم رقم (١٦٧٩) عن أبي بكرة.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٦).","vol":"1","page":237},{"text":"النضر بن شميل: معناه نعم الله وجهه وحسّنه، وقيل: أوصله نضرة النعيم من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه والبريق وإنما أراد حسن خلقه وقدره، وهذا الدعاء من النبي - ﷺ - لا بد من نيل بركته ووعده بالنضارة للمبلغ حثٌ على التبليغ وحضٌ على الإنذار به حسْب قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (^١) والتبليغ فرض على الكفاية (^٢)، والله أعلم.\nقوله: \"فوعاها\" يقال: وعيت الحديث أعيه وعيًا فأنا واع إذا حفظته وفهمته وفلان أوعى من فلان أي: أحفظ، ومنه حديث أبي أمامة \"لا يعذب الله قلبًا وعى القرآن\" (^٣) أي عقله إيمانًا به وعملًا، فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فإنه غير واع له (^٤) والله أعلم.\nقوله: \"فرب حامل فقه ليس بفقيه\" [لا فقه له]، يعني: رب شخص يكون عنده حديث مشتمل على أحكام فقهية لا يعلم ذلك الشخص تلك الأحكام المندرجة فيه فإذا أداه وسمعه شخص قادر على استخراج تلك الأحكام يحصل فائدة عظيمة للمسلمين فمن حمل حديثا فعليه نقله ونشره.\nوقوله: \"فرب حامل فقه\" الحديث. رب: أصله للتقليل ويستعمل للتكثير كثيرًا، ومن خصائص رب أنها لا تدخل إلا على نكرة وفيها لغات عشر الراء\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٩.\n(^٢) الديباجة (ص ١٩٣ - ١٩٤/ رسالة علمية)، وانظر عارضة الأحوذى (١٠/ ١٢٥).\n(^٣) أخرجه الديلمي عن عقبة بن عمر، كما في كنز العمال رقم (٢٤٠١).\n(^٤) النهاية (٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨).","vol":"1","page":238},{"text":"مضمومة والباء مخففة أو مشددة مفتوحة أو مضمومة أو مسكنة والراء مفتوحة والباء مشددة أو مخففة، وربت بتاء التأنيث، والباء شديدة أو خفيفة، وهي حرف عند البصريين، اسم عند الكوفيين، قاله الكرماني (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث لا يغل عليهم قلب امرئ مؤمن\" الحديث، يغل: بفتح الياء وضمها وكسر الغين فيهما، قال الهروي في الغريبين (^٢): فمن فتح الياء جعله من الغل وهو الحقد والشحناء، أي: لا يدخله حقد يزيله عن الحق، ومن ضم الياء جعله من الإغلال وهي الخيانة في كل شيء؛ قال الجوهري (^٣): يقال من الخيانة أغل يُغِل بضم الياء وكسر الغين؛ ومن الحقد غَل يَغِل بفتح الياء وكسر الغين، والأوجه كونه من الغلول هنا؛ ويروى يغل بالتخفيف من الوغول وهو الدخول في الشر، والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث يستصلح بها القلب، فمن تمسك بها طهر الله قلبه من الخيانة. والدغل والشر، انتهى، قاله في التنقيح (^٤)، وقال في تهذيب النفوس: معنى الحديث لا يبقى في القلب غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله وتخرجه منه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش وعلى خروجه من جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة، فهذه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٢٧).\n(^٢) الغريبين في القرآن والحديث ص ١٣٨٤.\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٧٨٣).\n(^٤) كشف المناهج (١/ ١٦٥ - ١٦٦).","vol":"1","page":239},{"text":"الثلاثة تملأه غلا ودغلا، ودواء هذا الغل واستفراغ أخلاطه تجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة (^١).\n[قوله: \"عليهن قلب مؤمن\" وعليهن في موضع الحال تقديره، لا يغل كائنا عليهن قلب مؤمن (^٢) \"إخلاص العمل لله\"، وحقيقته أن لا يقصد العبد بعبادته غير الله تعالى (^٣)].\nقوله: \"والمناصحة لأئمة المسلمين\" النصيحة: كلمة جامعة يعبر بها عن جملة هي (إرادة الخير) (^٤)، والمراد بأئمة المسلمين هم الولاة من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم ممن يلي أمور هذه الأمة، والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم من تعليم ما يجهلون من أمر الدين، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والشفقة على كبيرهم وصغيرهم، والترحم على صغيرهم وتخولهم بالموعظة الحسنة، وكف الأذى عنهم، قاله في شرح السنة (^٥).\nقوله: \"ولزوم جماعتهم\": المراد بلزوم الجماعة التي أمر بلزومها السواد الأعظم وكل ما كان عليه السواد الأعظم من أمر الإسلام فهو الحق الواجب\n_________\n(^١) مدارج السالكيين (٢/ ٨٩ - ٩٠).\n(^٢) الفائق (٣/ ٧٢)، وجامع الأصول (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، والنهاية (٣/ ٣٨١)، والديباجة (ص ١٩٤/ رسالة علمية).\n(^٣) الديباجة (ص ١٩٤/ رسالة علمية)، والفتوحات الربانية (٣/ ٢٥٦)، والزيادة من هامش على جانب المخطوط.\n(^٤) شرح السنة للبغوي (١٣/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٥) شرح السنة (١٣/ ٩٥).","vol":"1","page":240},{"text":"الذي لا يجوز من المسلمين خلافه (^١).\nقوله: \"فإن دعائهم يحيط من ورائهم\" وفي رواية: \"فإن دعوتهم تحيط من ورائهم\" أي تحوطهم وتكنفهم وتحفظهم، يريد أهل السنة دون أهل البدع، والدعوة المرة الواحدة من الدعاء، قاله في النهاية (^٢).\nوقال بعضهم (^٣): أحاط إذا أدار حول شيء، يعني: فإن دعوة المسلمين تدور من وراءهم ويكون اتفاقهم وإجماعهم على الدين حرزا وحصنا لهم يحفظهم عن كيد الشيطان وعن الضلال كما قال ﵇: \"عليكم بالسواد الأعظم\" (^٤) وقال: \"يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار\" (^٥) انتهى.\n\n٧ - عَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه - ﵁ -: أَنه ظن أَن لَهُ فضلًا على من دونه من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - إِنَّمَا ينصر الله هَذِه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم\" (^٦). رواه النسائي وغيره وهو في البخاري وغيره دون ذكر الإخلاص (^٧).\n_________\n(^١) شرح الصحيح (١٠/ ٣٣) لابن بطال.\n(^٢) النهاية (٢/ ١٢٢).\n(^٣) قاله المظهرى في المفاتيح (١/ ٣٢٥).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٩٥٠)، وعبد بن حميد في المنتخب رقم (١٢٢٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٤)، وابن بطة في الإبانة رقم (١١٨).\n(^٥) أخرجه أبن أبي عاصم في السنة رقم (٨٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٩٩).\n(^٦) أخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ٤٠٠ (٣٢٠٢)، وفي الكبرى رقم (٤٣٧٢)، والبيهقي في السنن (٣/ ٤٨٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٦).\n(^٧) أخرجه البخاري (٢٨٩٦)، والبزار (١١٥٩)، والنسائى في الكبرى (٤٣٧٢).","vol":"1","page":241},{"text":"قوله: وعن مصعب بن سعد عن أبيه، قال في شرح مشارق الأنوار: مصعب: ليس من الصحابة، ولم يصرح في هذا الحديث بأن أباه حدثه، فليس بمتصل، انتهى، ولذلك قال الحميدي بعد ذكر الحديث: هكذا أخرجه البخاري منقطعًا مرسلًا من رواية سليمان بن حرب (^١). والله أعلم.\nقوله: \"إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم\"، أي: بسبب دعوتهم كيلا يتكبر المجاهدون على الضعفاء الذين لا يقدرون على الجهاد لأنهم يدعون لهم بالنصرة في الخلوات (^٢)، وفي حديث آخر: \"أن النبي - ﷺ - كان يستفتح بصعاليك المهاجرين\" (^٣) يستفتح أي يستنصر ويستفتح بهم القتال، والصعاليك: الفقراء (^٤)، ومعنى الحديث: أن عباد الله الضعفاء دعاؤهم الله أشد إخلاصا لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وجعلوا همهم واحدا فأجيب دعاؤهم وزكت أعمالهم (^٥).\nقوله: وهو في البخاري، بدون ذكر الإخلاص، تقدم الكلام على الإخلاص.\nفائدة تتعلق بمناقب البخاري: وسبب تصنيف صحيحه؛ أما البخاري: فهو الإمام الجليل صاحب الصحيح، وكنيته: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن\n_________\n(^١) انظر: الجمع بين الصحيحين (١/ ١٩٦ ح ٢٠٢) للحميدى، وكشف المناهج (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، قال الحميدى: وجوده مسعر عن محمد بن طلحة عن أبيه فقال فيه: عن مصعب بن سعد عن أبيه، وأخرجه أيضًا أبو بكر البرقاني عن مسعر وعن غيره مسندًا.\n(^٢) المفاتيح (٤/ ٤٠١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٩٢) رقم (٨٥٧).\n(^٤) غريب الحديث (١/ ٢٤٨) لأبى عبيد، شرح السنة (١٤/ ٢٦٥)\n(^٥) شرح الصحيح (٥/ ٩٠) لابن بطال.","vol":"1","page":242},{"text":"إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري، ومعنى بردزبة بالعربية: الزارع، وأما اسم صحيحه فسماه مؤلفه البخاري (المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه)، وأما محله: فقال العلماء: هو أول مصنف صُنف في الصحيح المجرد، واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم، واتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحًا وأكثرهما فوائد، وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما، وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه.\nقال النووي (^١): فروينا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: فإن البخاري كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابا مختصرًا في الصحيح لسنن رسول الله - ﷺ - فوقع ذلك في قلبي وأخذت في جمع هذا الكتاب، وروينا من جهات عن البخاري قال: صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته بيني وبين الله ﷿، وروينا عن الفربري قال: قال البخاري: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.\nقال النووي (^٢): وبلغني عن الشيخ أبي زيد المروزي من أصحابنا وهو أجل من روى صحيح البخاري عن الفربري قال: رأيت النبي - ﷺ - في المنام فقال: إن أمتي تدرس الفقه ولا تدرس كتابي قلت: وما كتابك يا رسول الله،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٥).","vol":"1","page":243},{"text":"قال: جامع محمد بن إسماعيل البخاري، أو كما قال. قال النووي (^١): روينا عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري (تنبيه الفربرى منسوب إلى فربر بكسر الفاء وفتحها مدينة ببلاد الترك معروفة قاله في النهاية (^٢)، راوية صحيح البخاري قال: رأيت أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في النوم خلف النبي - ﷺ -، والنبي - ﷺ - يمشي كلما رفع قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع، وروى الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور (^٣) بإسناده عن أحمد بن حمدون قال: جاء مسلم بن الحجاج إلى البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله.\nقال النووي: وروينا عن الفربري قال: سمع الصحيح من البخاري تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري وقد روي أنه كان يحضر مجلس البخاري أكثر من عشرين ألف يأخذون عنه، وممن روى عنه من الأئمة الأعلام: الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان وكثير من الأئمة غير من ذكر، قال النووي: فاتفقوا على أن البخاري ولد بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وأنه توفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر ودفن يوم الفطر بعد الظهر\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٨).\n(^٢) النهاية (٣/ ٤٢٢).\n(^٣) ذكرها الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١١٤.","vol":"1","page":244},{"text":"سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن بخرتنك قرية على فرسخين من سمرقند، انتهى من تهذيب الأسماء واللغات (^١).\n\n٨ - عَن الضَّحَّاك بن قيس قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"إِن الله ﵎ يَقُول أَنا خير شريك فَمن أشرك معي شَرِيكا فَهُوَ لشريكي يَا أَيهَا النَّاس أَخْلصُوا أَعمالكُم فَإِن الله ﵎ لا يقبل من الأعْمَال إِلَّا مَا خلص لَهُ وَلا تَقولُوا هَذِه لله وللرحم فَإِنَّهَا للرحم وَلَيْسَ لله مِنْهَا شَيْء وَلا تَقولُوا هَذِه لله ولوجوهكم فَإِنَّهَا لوجوهكم وَلَيْسَ لله مِنْهَا شَيْء\" (^٢). رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ الْحَافِظ لَكِن الضَّحَّاك بن قيس مُخْتَلف فِي صحبته.\nقوله: وعن الضحاك بن قيس، قال الحافظ: مختلف في صحبته.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله ﵎ يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي، يأيها الناس أخلصوا أعمالكم فان الله ﵎ لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له\" الحديث، تقدم الكلام على الإخلاص مبسوطًا.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٧ - ٧٦).\n(^٢) أخرجه البزار كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢١)، والداقطني في سننه (١/ ١٧٧) رقم (١٣٣)، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤١٨)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣٣)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢١): رواه البزار عن شيخه: إبراهيم بن مجشر، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ: ولكن الضحاك بن قيس مختلف في صحبته. \"لكن ابن حجر أثبت له الصحبة تبعا للبخاري كما في \"الإصابة في تمييز الصحابة\" (٣/ ٤٧٨). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٢٧٦٤)، وصحيح الترغيب والترهيب رقم (٧).","vol":"1","page":245},{"text":"قوله: رواه البزار، واسمه: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي البصري صاحب المسند الكبير المعلل سمع هدبة بن خالد وعبد الأعلى بن حماد والحسن بن علي بن راشد وعبد الله بن معاوية الجمحي ومحمد بن يحيى بن فياض الزماني وطبقتهم. روى عنه: عبد الباقي بن قانع ومحمد بن العباس بن نجيح وأبو بكر الختلي وعبد الله بن الحسن وأبو الشيخ وخلق كثير. فإنه ارتحل في آخر عمره إلى أصبهان وإلى الشام والنواحي ينشر علمه ذكره الدارقطني فأثنى عليه وقال: ثقة يخطئ ويتكل على حفظه. قلت: توفي بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين (^١).\n\n٩ - عَن أبي أُمَامَة قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أَرَأَيْت رجلا غزا يلْتَمس الْأجر وَالذكر مَا لَهُ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا شَيْء لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاث مرار وَيَقُول رَسُول الله - ﷺ - \"لَا شَيْء لَهُ ثمَّ قَالَ إِن الله ﷿ لَا يقبل من الْعَمَل إِلَا مَا كَانَ لَهُ خَالِصا وابتغي وَجهه\" (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد وَسَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع فِي الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ -، أبو أمامة كنيته واسمه صدي بن عجلان بن قيس بن غيلان بن مضر، نزل الشام، مات سنة ست وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين، منسوب إلى باهلة: قبيلة معروفة (^٣)، وسيأتي الكلام على مناقبه،\n_________\n(^١) تذكرة الحفاظ (٢/ ١٦٦).\n(^٢) لم نقف عليه عند أبي داود، وإنما هو بهذا النص عند النسائي (٦/ ٢٥) وفي الكبرى رقم (٤٣٣٣)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٥٢).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٦).","vol":"1","page":246},{"text":"وكم روى من الحديث، والله أعلم.\nقوله: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا شيء ... \" الحديث. يعني: يريد أجر الجهاد في سبيل الله، ويريد مع ذلك أن يذكر بين الناس بغزوه أو شجاعته أو نحو ذلك (^١)، والذكر الشرف والفخر (^٢)، والله أعلم.\nقوله: ثم قال: \"إن الله ﷿ لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا ... \" الحديث. تقدم الكلام على الإخلاص.\nقوله: رواه أبو داود والنسائي، أما أبو داود اسمه: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشر السجستاني، طاف البلاد وصنف السنن، وكان إماما من أئمة أهل النقل، سمع أبا داود الطيالسي وسليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم الأزدي وغيرهم، روى عنه: ابنه عبد الله وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي وآخرون، وكان يقول: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها: ما ضمنته هذا الكتاب، يعني: كتاب السنن، جمعت فيه: أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ولد سنة اثنتين ومائتين وتوفي في شوال سنة خمس وسبعين، انتهى. قاله في شرح الإلمام (^٣).\nوأما النسائي: فهو الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٥٩٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٦٣).\n(^٣) شرح الإلمام (١/ ٤٠ - ٤٦).","vol":"1","page":247},{"text":"ابن سنان النسائي، إمام من أئمة هذا الشأن، صاحب تصانيف، قال أبو عبد الله بن منده: [الحفاظ] الذين خرجوا الحديث وميزوا الثابت والمعلول أربعة: أبو عبد الله البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وبعدهما أبو داود السجستاني وأبو عبد الرحمن النسائي، سمع بخراسان من قتيبة بن سعيد وغيره وبالبصرة: من عباس بن عبد العظيم العنبري وغيره، وبمصر من يونس بن عبد الأعلى وغيره، وبالكوفة: من أبي كريب محمد بن العلاء وهناد بن السري، وببغداد: من محمد بن إسحاق الصنعاني وغيره، أصله من نسا مدينة بخراسان، والنسب إليها نسوي أيضًا، دخل مصر وغيرها من البلاد، وتوفي بالرملة مدينة بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، انتهى، قاله أيضًا في شرح الإلمام (^١).\n\n١٠ - عَن أبي الدَّرْدَاء عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَا مَا ابْتغِي بِهِ وَجه الله تَعَالَى\" (^٢). رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ.\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﷺ -، اسمه عويمر، وقيل: عامر بن مالك، وقيل: أبي عامر، وقيل: أبي ثعلبة، وقيل: عامر بن زيد الأنصاري، تأخر إسلامه عن أول الهجرة، ولي قضاء دمشق لعثمان، ومات بدمشق سنة إحدى وقيل: سنة\n_________\n(^١) ١/ ٥٤ - ٥٨.\n(^٢) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (٦١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٢): رواه الطبراني، وفيه خداش بن المهاجر ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٣٠١٨)، وحسنه لغيره في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٩).","vol":"1","page":248},{"text":"اثنتين وثلاثين، وتزوج أم الدرداء الصحابية، وكان اسمها خيرة بفتح الخاء المعجمة من تحت ساكنة، فماتت، فتزوج أم الدرداء التابعية، واسمها هُجيمة، وكانت فقيهة فاضلة ﵂ (^١)، وسيأتي الكلام على مناقبه وكم روى عن رسول الله - ﷺ - من الحديث، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله\" الحديث، [ولفظة \"دنيا\" مقصورة غير منونة لأنها فُعلى من الدنو، وموصوفها محذوف، [ي: الحياة الدنيا (^٢)]، والدنيا: اسم لدار الحياة، وسميت بذلك لبعد الآخرة عنها (^٣)، وسيأتي الكلام عن الدنيا والزهد فيها في كتاب الزهد مبسوطًا.\n\n١١ - عَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ: يجاء بالدنيا يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال ميزوا مَا كَانَ مِنْهَا لله ﷿ فيماز ويرمى سائره فِي النَّار\" (^٤) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن شهر بن حَوْشَب عَنهُ مَوْقُوفًا. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَن شهر عَمْرو بن عنبسة - ﵁ - قَالَ: \"إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جِيءَ بالدنيا فيميز مِنْهَا مَا كَانَ لله مَا كَانَ لغير الله رمي بِهِ فِي نَار جَهَنَّم\" (^٥). مَوْقُوف أَيْضًا. قَالَ الْحَافِظ: وَقد يُقَال إِن مثل هَذَا لَا يُقَال من قبل الرَّأْي والِاجْتِهَاد فسبيله سَبِيل الْمَرفُوع.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) هذه الزيادة في المخطوطة المغربية فقط.\n(^٣) النهاية (٢/ ١٣٧)، وطرح التثريب (٢/ ٢٤).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب رقم (٦٤٣٢) موقوفًا، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٤).\n(^٥) أخرجه البيهقي في الشعب رقم (٦٤٣٣) موقوفًا، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٥).","vol":"1","page":249},{"text":"من قبل الرَّأْي وَالاجْتِهَاد فسبيله سَبِيل الْمَرْفُوع.\nقوله: وعن عبادة بن الصامت، كنيته: أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاري، من الطبقة الأولى، قال ابن سعد (^١): وأمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة، أسلمت قرة العين وبايعت النبي - ﷺ -، قال النووي: قلت وليس في الصحابيات من اسمها قرة العين سواها؛ شهد عبادة بن الصامت العقبة مع السبعين وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وكان عقبيًا بدريًّا شجريًّا أنصاريًّا، وهو أحد النقباء الاثني عشر، وكان - ﵁ - طوالًا حسنًا جميلًا، وجهه عمر بن الخطاب إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وكان بايع رسول الله - ﷺ - على أن لا تأخذه في الله لومة لائم؛ وقال الواقدي: وكان عبادة بن الصامت ممن جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ -، واختلفوا في وفاته، فحكى ابن سعد عن الواقدي: أنه مات بالرملة من أرض فلسطين سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، قال ابن سعد (^٢): وقد سمعت من يقول إنه توفي في خلافة معاوية بالشام وهو الصحيح، قال ابن سعد: كان له من الولد الوليد بن عبادة ومحمد؛ وقال الواقدي: كان له عبيد الله وداود وأم محمد والكامل، والكل من أم حرام، روى عبادة بن الصامت عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثمانين حديثًا، أخرجا له في الصحيحين. عشرة أحاديث، المتفق\n_________\n(^١) في الطبقات الكبرى (٨/ ٣٥٧).\n(^٢) في الطبقات الكبرى (٣/ ٥٤٦).","vol":"1","page":250},{"text":"عليه منها ستة، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديثين، وخرج له الإمام أحمد اثنين وأربعين حديثًا، وليس في الصحابة من اسمه عبادة بن الصامت سواه؛ وأخوه: أوس بن الصامت لأبيه وأمه وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وأدرك عثمان، وليس في الصحابة من اسمه أوس بن الصامت سواه، وليس له رواية عن رسول الله - ﷺ - (^١).\n\n١٢ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"من أخْلص لله أَرْبَعِينَ يَوْمًا ظَهرت ينابيع الْحِكْمَة من قلبه على لِسَانه\" (^٢). ذكره رزين الْعَبدَرِي فِي كتَابه وَلم أره فِي شَيْء من الْأُصُول الَّتِي جمعهَا وَلم أَقف لَهُ على إِسْنَاد صَحِيح وَلا حسن إِنَّمَا ذكر فِي كتب الضُّعَفَاء كالكامل وَغَيره لَكِن رَوَاهُ الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن الْمروزِي فِي زوائده فِي كتاب الزّهْد لعبد الله بن الْمُبَارك فَقَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة أَنبأَنَا حجاج عَن مَكْحُول عَن النَّبِي - ﷺ - فَذكره مُرْسلا وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَغَيره عَن مَكْحُول مُرْسلا وَالله أعلم.\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد: ٣/ ٥٤٦ و٦٢١، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).\n(^٢) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب رقم (٤٦٦)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٥) وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وضعفه الألباني في الترغيب والترهيب رقم (٦). ورواه ابن المبارك في الزهد والرقائق رقم (١٠١٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٣٤٣٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٧٠) عن محكول مرسلا، ورواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٨٩)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٤) عن أبي أيوب الأنصاري، قال ابن الجوزي: فيه يزيد الواسطي وهو يزيد بن عبد الرحمن، قال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، خالف الثقاة في الروايات، لا يجوز الاحتجاج به، وحجاج مجروح، ومحمد بن إسماعيل مجهول، ولا يصح لقاء مكحول لأبي أيوب.","vol":"1","page":251},{"text":"قوله: وروي عن ابن عباس ﵄؛ ابن عباس: هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو هاشم الهاشمي الصحابي بن الصحابي المكي ابن عم رسول الله - ﷺ -، يكنى بأبيه العباس وهو أكبر أولاده، وأمه: لبابة بنت الحارث الهلالية، وكان يقال لابن عباس حبر الأمة، والبحر لكثرة علمه، دعا له رسول الله - ﷺ - بالحكمة فقال: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\"، وأنه قال: \"اللهم زده علمًا وفقهًا\" وأنه قال: \"اللهم علمه الحكمة وتأويل القرآن\" فأخذ عنه الصحابة ذلك، وأنه قال: \"اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين\" وهي أحاديث صحاح كلها، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: رأيت جبريل مرتين ودعا لي رسول الله - ﷺ - بالحكمة مرتين (^١)، وهو حبر الأمة وبحر العلم، وحنكه رسول الله - ﷺ - بريقه حين ولد وهم في الشعب، وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (^٢)، وعاش ابن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد (٣٧٨) وعبد الله بن أحمد في زياداته على فضائل الصحابة (١٩١١) واللفظ له والطبراني في الكبير (١٠٦١٥) من طرق عن يحيى بن آدم الكوفي عن أبي كُدينة يحيى بن المهلب عن ليث به. وإسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم.\n(^٢) أخرجه أبن أبي شيبة (٣٢٢٢٠)، وأحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٨٦٣)، وأبو خيثمة في \"العلم\" (٤٨)، والطبري في \"تهذيب الآثار مسند ابن عباس\" (١/ ١٧٢)، وفي \"تفسيره\" (١/ ٩٠)، وأبو عروبة الحراني في \"المنتقى من الطبقات\" (ص ٦٨)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٦/ ١٩٣)، وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٣/ رقم ٤٢٦٠)، وأبو طاهر السلفي في \"فوائد حسان انتقاء عبد القادر الرهاوي\" (ص ١١٧)، والخطيب في \"تاريخه\" (١/ ١٧٤)، من طرق عن جعفر بن عون به. قال ابن كثير في \"تفسيره\" (١/ ٩): \"هذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود\".","vol":"1","page":252},{"text":"عباس بعد ابن مسعود خمسًا وثلاثين سنة، تشد إليه الرحال ويقصد من جميع الأقطار، ومشهور في الصحيحين تعظيم عمر بن الخطاب لابن عباس واعتداده به وتقديمه مع حداثة سنه، وعاش بعده ابن عباس نحو سبع وأربعين سنة يقصد ويستفتى ويعتمد، وهو آخر العبادلة الأربعة الذين تقدم ذكرهم، وكان ابن عباس أحد الستة من الصحابة الذين هم أكثرهم رواية عن رسول الله، وهم: أبو هريرة، ثم ابن عمر، ثم جابر، ثم ابن عباس، ثم أنس بن مالك، ثم عائشة ﵂، وتقدم ذكرهم أيضًا في ترجمة عبد الله بن عمر أول الباب؛ قال النووي: روينا عن الإمام أحمد بن حنبل قال: ستة من أصحاب رسول الله - ﷺ - أكثروا الرواية عنه وعُمِرُوا فذكرهم، روى ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث وستمائة حديث وستين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة وتسعين حديثا، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين حديثا، ومسلم بتسعة وأربعين حديثًا، ولد ابن عباس - ﵁ - عام الشعب وهو قبل الهجرة بثلاث سنين، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، ورجحه الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وقيل: غير ذلك، وكان ابن عباس قد عمي في آخر عمره، وفي ذلك يقول:\nإِنْ يَأْخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا ... فَفي لِساني وَقَلبي مِنهُما نورُ\nقَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ ... وَلي فَمٌ صَارِمٌ كالسَّيْفِ مَأْثُورُ (^١)\nوتوفي ابن عباس بالطائف سنة ثمان وستين من الهجرة في أيام عبد الله بن\n_________\n(^١) المجالسة (١٨٥٢).","vol":"1","page":253},{"text":"الزبير، وكان قد خرج من مكة، قاله الواقدي وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل، وقيل غير ذلك، وصلى عليه محمد ابن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة، قال النووي: وروينا عن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة ابن عباس، فلما وضع ليصلى عليه جاء طير أبيض فوقع على أكفانه فدخل فيها، فالتمس فلم يوجد، فلما سوى عليه التراب سمعنا من يسمع صوته ولا يرى شخصه يقرأ ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ (^١)، وكان العباس - ﵁ - قد كف بصره وكذلك عبد المطلب، وكان ابن عباس - ﵁ - يخضب لحيته بالصفرة، وكان لموضع الدمع من خدي ابن عباس أثر لكثرة بكائه، واستعمله علي - ﵁ - على البصرة ثم فارقها قبل قتل علي - ﵁ -، وعاد إلى الحجاز، وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدًا أعلم من ابن عباس بما سمعه من حديث رسول الله - ﷺ - وبقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، ولا أفقه منه ولا أعلم بتفسير القرآن وبالعربية والشعر والحساب والفرائض، وكان يجلس يومًا للتأويل ويومًا للفقه ويومًا للمغازي ويومًا للشعر ويوما لأيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، ولا سائلًا يسأله إلا وجده عالمًا، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\n_________\n(^١) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠.\n(^٢) راجع تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٤)، والاستيعاب (٣/ ٩٣٣)، وأسد الغابة (٣/ ١٨٦)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١).","vol":"1","page":254},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه\" الحديث، الينابيع: جمع ينبوع، وهو: عين الماء (^١)، والحكمة: علم الشرائع (^٢) وقال الإمام مالك في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣): الحكمة عندي المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له، وروى ابن وهب عن مالك قال: الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد (^٤)، وروى ابن القاسم عنه قال: يُقال: ما زهد عبد واتقى الله إلا أنطقه الله ﷿ بالحكمة (^٥)، وقال لي أبو داود سمعت مالكا يقول: من أحب أن يفتح الله له قريحة قلبه فليكن عمله في السر أكثر منه في العلانية؛ وفي أثر الزهد: يا بني إسرائيل، لا تقولوا العلم في السماء، من ينزل به؟ ولا في تخوم الأرض، من يصعد به؟ ولا من وراء البحار من يعبر به؟ العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين أظهر العلم على قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم؛ وآداب الروحانيين: رؤية الخير والشر منه ﷾ مع الانفصال عن الغضب عن الوسائط والأسباب؛ وأخلاق الصديقين: الوقوف مع الله بلا علاقة والدنو منه بترك النفس والصبر عليه علي قدر\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ١٢٨٧).\n(^٢) الكشاف (٤/ ٨٠)، ومدارك التنزيل (٣/ ١٤٨).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.\n(^٤) أورده القاضي عياض في المدارك ١/ ١٨٦.\n(^٥) البيان والتحصيل (١٧/ ٤٨٦)، وتفسير الثعالبي (١/ ٥٥٠).","vol":"1","page":255},{"text":"احتمال وسع العقول؛ وقال رسول الله - ﷺ -: \"كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير من الدنيا وما فيها\" (^١) فالحكمة العلم والعمل به، قال ابن قتيبة: لا يكون الرجل حكيمًا حتى يجمع العلم والعمل (^٢)، وقيل: الحكمة فهم معاني القرآن والعمل بما فيه، فالحكمة: هي فهم القرآن والعمل بما فيه، ولا يكتفي بتلاوة ألفاظ الكتاب حتى يعلم معناه، ويعمل بمقتضاه، فمن جمع له ذلك كله فقد أوتي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) الآية، وقال الفضيل: العلماء كثيرون والحكماء قليلون، وقال: الحكماء ورثة الأنبياء، قال: فالحكمة هي العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح وهي نور يقذف في القلب يفهم بها معنى العلم المنزل من السماء، ويحض على اتباعه والعمل به، ومن قال الحكمة السنة فقوله حق؛ لأن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه وتحض على اتباعه والعمل به، فالحكيم: هو العالم المستنبط لدقائق العلم المنتفع بعمله بالعمل به، ولأبي العتاهية شعر:\nوكيفَ تُحِبُّ أنْ تُدعى حَكيمًا ... وأنتَ لِكُلِّ مَا تَهوى رَكُوبُ\nوَتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهرًا لبَطنٍ ... وتذكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلَا تَتُوبُ (^٤)\nوقيل: الحكمة: علم يحدث بلا سبب، ويقال: الوقوف على حقائق\n_________\n(^١) قوت القلوب (١/ ٢٣٨)، وإحياء علوم الدين (١/ ٣٨).\n(^٢) منهاج القاصدين (ص ٤٣).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.\n(^٤) لطائف المعارف (ص ٨٤ - ٨٥).","vol":"1","page":256},{"text":"الأشياء عند النعوت (^١)، وقيل: الحكمة: الإصابة في القول والفعل والرأي (^٢)، ويقال: الإصابة في النظر (^٣).\nقال سفيان بن عيينة: ما أخلص عبد لله أربعين يوما إلا أنبت الله الحكمة في قلبه نباتا وأطلق لسانه بها وبصره عيوب الدنيا - داءها ودواءها - (^٤)، وقال النووي في بستان العارفين: روينا عن سهل التستري قال: من زهد في الدنيا أربعين يومًا صادقًا من قلبه مخلصًا في ذلك ظهرت له الكرامات، ومن لم تظهر له فإنه عدم الصدق في زهده، فقيل لسهل: كيف تظهر له الكرامات، قال: يأخذ ما يشاء من حيث شاء (^٥).\nقوله في آخر حديث ابن عباس: إنما ذكر في كتب الضعفاء كالكامل وغيره، قال شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر: ليس هو في الكامل أصلًا (^٦). قوله: حدثنا [حجاج بن] مكحول عن النبي - ﷺ -، فذكره مرسلا، ومكحول: تابعي، قاله النووي (^٧)، وتقدم معنى الحديث المرسل.\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣١) وتفسير الراغب (١/ ٣١٦) و(١/ ٥١٤).\n(^٢) قاله مجاهد انظر تفسير الطبرى (٥/ ١٠) وتفسير مجاهد (١/ ١١٦).\n(^٣) اللباب (٤/ ٤١٨).\n(^٤) حلية الأولياء (٧/ ٢٨٧)\n(^٥) بستان العارفين (ص ٢٧)\n(^٦) قلت: بل هو في الكامل في الضعفاء لابن عدي (٦/ ٥٣٣) من حديث أبي موسى الأشعري قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَخْلَصَ فِيهَا الْعِبَادَةَ أَخْرَجَ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قلبه\".\n(^٧) في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٣).","vol":"1","page":257},{"text":"قوله: رواه ابن عدي بسند ضعيف، وعده ابن الجوزي في الموضوعات.\nفائدة: اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل به، وإن كان ضعيفا كما ظهر من حاله فمقتضاه لا يترتب عليه تحليل ولا تحريم ولا هضم حق بل هو طاعة والطاعة لا حرج على فاعلها، وقد جاء في بعض الأحاديث الضعيفة أيضًا عن النبي - ﷺ -: \"من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإن لم أكن قلته\" (^١) أو كما قال، ذكره الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٢).\n\n١٣ - عَن أبي ذَر أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"قد أَفْلح من أخْلص قلبه للْإيمَان وَجعل قلبه سليما وَلسَانه صَادِقا وَنَفسه مطمئنة وخليقته مُسْتَقِيمَة وَجعل أُذُنه مستمعة وعينه ناظرة، فَأَما الأذن فقمع، وَالْعين مقرة بِمَا يوعي الْقلب، وَقد أَفْلح من جعل قلبه واعيا\" (^٣). رواه أحمد والبيهقي وفي إسناد أحمد احتمال للتحسين.\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ -، أبو ذر: اسمه جندب بن جنادة، وقيل: اسمه بريد\n_________\n(^١) أخرجه بنحوه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٣) عن سيدنا أنس ﵁.\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٠)\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده (٣٥/ ٢٣٩)، والبيهقي في الشعب رقم (١٥٧)، والطبراني في مسند الشاميين رقم (١١٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٢): رواه أحمد، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٤٩٨٥)، وفي ضعيف الجامع رقم (٤٠٧٥).","vol":"1","page":258},{"text":"بن جندب، وقيل: اسمه جندب بن عبد الله، وقيل: اسمه جندب بن السكن، والمشهور: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد الغفاري الحجازي، وكان أبو ذر من السابقين إلى الإسلام، ثبت في صحيح مسلم أنه قدم على رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، من اتبعك على هذا؟ قال: \"حر وعبد\"، وأنه أقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة، وأسلم ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي - ﷺ - ثم هاجر إلى المدينة، وصحبه ثم توفي رسول الله - ﷺ -، رُوي له عن رسول الله - ﷺ - مائتا حديث واحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر حديثًا، وتوفي أبو ذر بالربذة سنة اثنتين وثلاثين، وكان أبو ذر طويلًا عظيمًا، وكان زاهدًا متقللًا من الدنيا، وكان مذهبه - ﵁ - أن يحرم على الإنسان إدخار من زاد على حاجته، وكان - ﵁ - قوالًا بالحق - ﵁ -؛ ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليمًا ولسانه صادقًا ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة ... \" الحديث. تقدم الكلام على الإخلاص.\nأما قوله: \"جعل قلبه سليمًا\" القلب السليم: هو الخالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد (^٢).\n_________\n(^١) راجع ترجمته في: الطبقات الكبرى (٤/ ٢١٩)، والاستيعاب (١/ ٢٥٢)، وأسد الغابة (٥/ ٩٩)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٤٦)، والإصابة (٧/ ١٠٥).\n(^٢) تفسير البغوى (٣/ ٤٧١)، واللباب في علوم الكتاب (١٥/ ٥٠).","vol":"1","page":259},{"text":"وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله سبحانه في قلوبهم مرض.\nوقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة والله أعلم (^١).\nوأما قوله: \"ولسانه صادق\" تقدم الكلام على الصدق.\nوأما قوله: \"ونفسه مطمئنة\" النفس المطمئنة، قال مجاهد: هي التي أيقنت أن الله ربها وصبرت على أمره وطاعته، قال عطية هي الراضية بقضاء الله ﷿ وقيل: المطمئنة بذكر الله كما بينه قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٢) (^٣).\nوأما قوله: \"وخليقته مستقيمة\" الخليقة والخلق بمعنى واحد وهي الطبع والجبلة، ومعنى مستقيمة أَيْ: غَيْرَ مَائِلَةٍ إِلَى طَرِيقِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ.\nقوله - ﷺ -: \"فأما الأذن\" بإسكان الذال المعجمة وبضمها، وهما قراءتان ولغتان.\nوأما \"فقمع\" فبكسر القاف وفتح الميم وسكونها لغتان كنَطع ونِطع، وحكى الجوهري عن يعقوب فتح القاف وإسكان الميم، والقمع أي: بفتح الميم واحد الأقماع وهو ما يجعل في رؤوس الظروف ويصب فيه المائعات\n_________\n(^١) تفسير الثعلبي (٧/ ١٧١)، وتفسير البغوي (٣/ ٤٧١).\n(^٢) سورة الرعد، الآية: ٢٨.\n(^٣) تفسير البغوي (٥/ ٢٥٣).","vol":"1","page":260},{"text":"من الأشربة والأدهان؛ وفي رواية: \"ويل للأقماع الآذان\" شبه أسماع الذي يستمعون القول ولا يعونه ولا يحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجازًا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازًا، قاله العراقي في أماليه؛ ومنه الحديث: \"أول من يساق إلى النار الأقماع الذين إذا أكلوا لم يشبعوا\" وإذا لم يشبعوا، كان ما يأكلونه ويجمعونه يمر بهم مجتازا غير ثابت فيهم ولا باق عندهم، قاله في النهاية (^١).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٠٩).","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>فصل</span>\n١٥ - عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"إِنَّمَا الأعْمَال بِالنِّيَّةِ\" وَفِي رِوَايَة \"بِالنِّيَّاتِ\" \"وَإِنَّمَا لكل امرئ مَا نوى، فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينكحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ\" (^١). رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي قال الحافظ وزعم بعض المتأخرين أن هذا الحديث بلغ مبلغ التواتر وليس كذلك فإنه انفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي ثم رواه عن الأنصاري خلق كثير نحو مائتي راو وقيل سبعمائة راو وقيل أكثر من ذلك وقد روي من طرق كثيرة غير طريق الأنصاري ولا يصح منها شيء كذا قاله الحافظ علي بن المديني وغيره من الأئمة.\nوقال الخطابي: لا أعلم في ذلك خلافا بين أهل الحديث والله أعلم. أهـ\nقوله: عن عمر بن الخطاب، هو: أمير المؤمنين أبو حفص وأول من كناه بذلك رسول الله - ﷺ - كما رواه ابن الجوزي عنه (^٢)، والحفص في اللغة الأسد (^٣) عمر بن الخطاب بن نفيل بضم النون وفتح الفاء ابن عبد العزى بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١، ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣)، ومسلم رقم (١٩٠٧)، وأبو داود رقم (٢٢٠١)، والترمذي رقم (١٦٤٧)، والنسائي (١/ ٥٨).\n(^٢) التوضيح (٢/ ١٣٥).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":262},{"text":"رياح بكسر الراء ثم مثناة تحت وأبعد من قال بباء موحدة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف ثم راء ثم طاء مهملتين بن رزاح بفتح الراء والزاي بن عدي بن كعب بن لؤي بالهمز وتركه، بن غالب بن فهر العدوي القرشي المدني، ويجتمع مع رسول الله - ﷺ - في كعب بن لؤي، وأم عمر - ﵁ - اسمها: حنتمة، بالحاء المهملة ثم نون ثم مثناة فوق، بنت هاشم، ويعرف بذي الرمحين، ويقال: هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب المخزومي، ولد - ﵁ - بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية، ولما بعث رسول الله - ﷺ - كان عمر شديدًا عليه وعلى المسلمين ثم لطف الله تعالى به فأسلم قديما وأسلم بعد ست من النبوة، وقيل: خمس فأسلم بعد أربعين رجلا وإحدى عشر امرأة وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلا وعنترين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة وقيل: غير ذلك، وذكر ابن الجوزي (^١) أن عمر لما أسلم نزل جبريل ﵇ فقال: استبشر أهل السماء بإسلامه وكان إسلامه عزا أظهر به الإسلام بدعوة النبي - ﷺ - وفي صحيح البخاري (^٢): ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، وخبر إسلامه مشهور وأن سببه أن أخته فاطمة بنت الخطاب، كانت زوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة وكانت أسلمت هي وزوجها فسمع عمر بذلك فقصدهما ليعاقبهما\n_________\n(^١) صفة الصفوة (١/ ١٠٣).\n(^٢) هذا قول عبد الله بن مسعود في صحيح البخاري (٥/ ١١).","vol":"1","page":263},{"text":"فقرئ عليه القرآن فأوقع الله تعالى في قلبه الإسلام فأسلم ثم جاء إلى النبي - ﷺ - وأصحابه يجتمعون به في دار الصفا فأظهر إسلامه فكبر المسلمون فرحا بإسلامه، ورووا عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه\" (^١) واتفقوا على تسميته بالفاروق لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه وظهور ذلك فقيل: سماه الله بذلك وروت عائشة ﵂: بويع له بالخلافة يوم موت الصديق وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة بوصاية الصديق إليه فسار بأحسن سيرة وزين الإسلام بعدله وفتح الله به الفتوح الكثيرة كبيت المقدس وجميع الشام، دون الدواوين في العطاء ورتب الناس فيه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم وهو أول من ضرب بالدرة وحملها ومصر الأمصار وكسر الأكاسرة وقصر القياصرة ونور المساجد بصلاة التراوريح وأول من أرخ التاريخ من الهجرة، وأول قاض في الإسلام ولاه الصديق القضاء وأول من جمع القرآن في المصحف، وحج بالناس عشر سنين متوالية، وكان آدم أو أبيض قولان والجمهور على الثاني كما قال النووي (^٢)، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين الصديق انتهى.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٣٦٨٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٣)، وانظر عيون المعارف (ص ٢٨٩ - ٢٩٦) للقضاعي، وتاريخ عمر لابن الجوزي (ص ٥٧ - ٦٠)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٣٩ - ١٤٤)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢/ ١٣٥ - ١٤٢).","vol":"1","page":264},{"text":"تتمة: المؤاخاة كانت في أول سنة من سني الهجرة وعامتها بين المهاجرين والأنصار ولها سببان، أحدهما: أنه أجرأهم على ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحلف فإنهم كانوا يتوارثون بالحلف فنفاه - ﷺ - وأثبت من جنسه المؤاخاة لأن الإنسان إذا فطم عما يألفه علل بجنسه.\nوالثاني: أن المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال والمنازل فنزلوا على الإحسان فأكد هذه المخالطة بالمؤاخاة ولم يكن بعد غزوة بدر مواخاة لأن الغنائم وقعت بالقتال فاستغني المهاجرون بما كسبوا رضي الله تعالى عنهم أجمعين (^١)، انتهى قاله في الديباجة حج بالناس عشر سنين متوالية، وقد كان آدم أو أبيض قولان والجمهور على الثاني كما قاله النووي، وفي الصحيح أنه - ﷺ - قاله له: \"والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان أن سالكا فجا إلا سلك فجا [غير فجك\" (^٢)].\nومن كرامات عمر المشهورة أنه قال في خطبة الجمعة: يا سارية الجبل الجبل فالتفت الناس بعضهم لبعض فلم يفهموا مراده فلما قضى الصلاة قال له على ما هذا الذي قلته: قال وسمعته قال نعم، وكل أهل المسجد قال: وقع في خلدى أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتفاهم وهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوا وظفروا وأن جاوزوا هلكوا فخرج منه هذا الكلام فجاء البشير بعد شهر فذكروا أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة\n_________\n(^١) كشف المشكل (١/ ٢٢٠).\n(^٢) زيادة من الإعلام (١/ ١٤١).","vol":"1","page":265},{"text":"حين جاوزوا الجبل صوتا بشبه صوت عمر قال: فعدلنا إليه ففتح الله، رواه ابن عساكر (^١) بسند كل رواته ثقات (^٢).\nواتفقوا على أنه أول من سمي أمير المؤمنين وإنما كان يقال لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله - ﷺ - وهاجر إلى المدينة حين أراد النبي - ﷺ - الهجرة فتقدم قدامه في جماعة وشهد عمر مع رسول الله - ﷺ - بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وخيبر والفتح وحنينا والطائف وتبوك وسائر المشاهد كلها، وكان - ﵁ - شديدا على الكفار والمنافقين، روي له عن رسول الله خمسمائة حديث وتسعة وثلاثين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وعشرين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين حديثا ومسلم بأحد وعشرين حديثا، وختم الله لعمر - ﵁ - بالشهادة وكان يسألها، وتوفي - ﵁ - وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور، ثبت ذلك في الصحيح عن معاوية بن أبي سفيان، وقال الجمهور واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو لثلاث أو لتسع من ذي الحجة سنة تلاث وعشرين من الهجرة، وقال الفلاش: سنة أربع، وحمل إلى منزله وبقي ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام ومات، وقال عمرو\n_________\n(^١) أخرجه في تاريخ دمشق (٢٠/ ٢٥) والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٧٠)، وأبو نعيم في الدلائل (رقم ٥٢٥ - ٥٢٨)، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (رقم ٢٥٣٧)، وكرامات الأولياء (رقم (٦٧) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٣١): وهذا إسناد جيد حسن، وقال بعد أن أورده من طرق: فهذه طرق يشد بعضها بعضًا، وصححه الألباني في الصحيحة (٣/ ١٠١) رقم (١١١٠).\n(^٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"1","page":266},{"text":"بن علي: مات يوم السبت عشية المحرم، وروي عنه أنه قال حين احتضر ورأسه في حجر ابنه عبد الله:\nظَلُومٌ لِنَفْسِي غَيْرَ أنِّي مُسْلِمٌ ... أُصَلِّي الصَّلاةَ كلَّهَا وَأَصُومُ\nوكراماته كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه (^١).\nولنذكر نبذة مختصرة في قتل أمير المؤمنين من كتاب الشيخ الإمام العالم العلامة صدر المدرسين ومعيد الطالبين الشريف النسابة الذي ألف في ذلك وقرأته عليه بمنزله بطيبة الحينية، وأجازني به - نفع الله به وبعلومه -؛ قال - عفا الله عنه -: روى مسلم (^٢) وغيره أن عمر - ﵁ - خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني رأيت رؤيا لا أراها إلا عند حضور أجلي أن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين فحدثتهما أسماء بنت عميس فحدثتني أسماء أنه يقتلني رجل من الأعاجم، انتهى، وكان هذا القول منه - ﵁ - يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء، ورواه الحاكم (^٣) عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر - ﵁ - أنه قال على المنبر: رأيت في المنام كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات، فقلت: أعجمي يقتلني، انتهى، وقال رجل لابن سيرين: رأيت أن ديكا يصيح بباب إنسان، وينشد:\nقَدْ كَانَ مِنْ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا ... كَانَا هَيئُوا لِصَاحبهِ يَا قَوْمِ أَكْفَانَا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤ - ٥ و١٣)، والإعلام (١/ ١٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٥٦٧).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٩٧).","vol":"1","page":267},{"text":"فقال ابن سيرين: يموت صاحب هذه الدار بعد أربعة وثلاثين يوما، انتهى، وهو عدد حروف الديك بالجمل لأن الدال بأربعة والياء بعشرة والكاف بعشرين، وجاء آخر إلى ابن سيرين فقال: إني رأيت كأن ديكا يقول: الله الله الله، فقال: بقى من أجلك ثلاثة أيام فكان ذلك، لأن الديك قد أعلن أنه لا يبقى إلا الله تعالى، وتكرر اسم الله تعالى وهي الثلاثة أيام التي بقيت من عمره، وكان لرقية بنت النبي - ﷺ - من عثمان بن عفان ولد اسمه عبد الله، وبه كان يكنى بلغ ست سنين، نقره ديك في وجهه فمات بعد أمه في جمادي سنة أربع، ولم تلد له غيره (^١).\n[مباحث تتعلق بالرؤية] [التعبير] قول عمر - ﵁ - في الرؤيا: نقرني ديك ثلاثا، فيه إشارة إلى قوله تعالي: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ (^٢) وبالنقر إلى قوله ﵎: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (^٣) قال المفسرون: الصور ينقر فيه مع النفخ وعبر بالثلاث إلى بقية عمر الرائي، ولهذا قيل: إنه لم يمض عليه أربع ليال من الرؤية حتى طعن - ﵁ - كما ورد في الحديث، ورد أن الرؤيا كانت يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء.\n_________\n(^١) نزهة المجالس ومنتخب النفائس (١/ ٦٤) وهذا نقل عن كتاب نبذة من الخبر في تعبير رؤيا أمير المؤمنين عمر للشريف النسابة نقله البقاعي في عنوان الزمان (٢/ ١٦٣).\n(^٢) سورة طه، الآية: ٥٥.\n(^٣) سورة المدثر، الآية: ٨.","vol":"1","page":268},{"text":"وقوله في الرواية الثانية: نقرني نقرتين إشارة إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ (^١) (^٢).\nوقوله: ثلاثًا استنادًا إلى تأويل نبي الله يوسف ﵇ حين قص عليه ساقي الملك رؤياه فقال: إني رأيت كأني دخلت كرما فجثيت ثلاثة عناقيد فعصرتهن في الكأس ثم أتيت به الملك فشربه فقال له: ما أحسن ما رأيت أما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يبعث إليك الملك عند انقضائها فيردك إلى عملك فتعود كأحسن ما كنت فيه، وكان كذلك فعبر له بإخراجه من السجن إلى حال سبيله بعد ثلاث، وقال له الخباز: رأيت كأني خرجت من مطبخ الملك احمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز فوقع على أعلاهن طيرًا فأكل منها فقال له: بئس ما رأيت فعبر له السلال الثلاث ثلاثة أيام، ثم يبعث إليك الملك عند انقضائها فيقتلك ويصلبك وتأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئًا، فقال: قضى الأمر الذي فيه تستفتيان فعبر له الثلاث سلال بخروجه من السجن إلى القتل فعد ثلاثة أيام فناسب تعبير خروج الرائي من سجن الدنيا إلى بعد ثلاثة أيام إلى الآخرة، ولقوله - ﷺ -: \"الدنيا سجن المؤمن\" (^٣) فإذا مات خرج من السجن، والحكمة في نقر الديك دون التخميش بالرجل إكرامًا لعمر - ﵁ - فإن الفم أشر الأعضاء في الحيوان ولهذا\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٥٦.\n(^٢) عنوان الزمان (٢/ ١٦٤).\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (٢٩٥٦).","vol":"1","page":269},{"text":"قدم بالتطهير على غيره ولم يوقظه برجله تشريفًا له فإن الرجل تلامس القاذورات والنجاسات غالبًا فناسب إيقاظه بالعضو الشريف [من العضو الشريف] (^١) دون غيره وكونه نقرًا إشارة إلى الطعن دون غيره لأن النقر له نكاية في العضو كالطعن ولأن سلاح الطير منقاره (^٢).\nفإن قيل: قد فسر الرؤيا لنفسه بقوله: يقتلني رجل من الأعاجم، ثم قصها على أسماء بنت عميس ففسرتها له بمثل ما فسرها لنفسه ولم تزد على ذلك وقد قيل إن الرؤية على جناح طائر أو رجل طائر فيقع بأول تعبير، فالجمع بينهما أنه لم يقنع بتفسيره لنفسه لأن التأويل محتمل وليس مقطوعًا به لقول نبي الله يوسف ﵇ لساقي الملك وصاحب طعامه: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (^٣) فلم يقنع - ﵁ - بتأويل نفسه فوكل الأمر إلى غيره ليستثبت ذلك ويسمعه من غيره ويقوي عنده ما فسره لنفسه.\nفإن قيل: ورد في الصحيح عن أبي قتادة من قوله - ﷺ - في الرؤيا: \"إذا رأى أحدكم ما يسوءه فليتفل عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها\" (^٤) وفي رواية: \"من الشيطان فإنها لا تضره\"، وفي رواية: \"فلا يحدث بها أحدًا\" ولم ينقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - في الرؤيا أنه تفل ولا تعوذ ولا سأل ولا\n_________\n(^١) كذا في النسختين ولا توجد تلك العبارة في عنوان الزمان (٢/ ١٦٤).\n(^٢) عنوان الزمان (٢/ ١٦٤).\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ٤١.\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٦٩٩٥، ٣٢٩٢، ٧٠٤٤)، ومسلم رقم (٢٢٦١).","vol":"1","page":270},{"text":"كتم فلعله فعل ذلك عمدًا لما قوي عنده من دنو أجله وعلمه أن الحذر لا يدفع القدر وما قدر فهو كائن ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^١) ولهذا قال وهو مطعون: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (^٢) ولعله اختار لقاء ربه وآثر الآخرة على الدنيا، ومال إلى قوله - ﷺ -: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه\" (^٣) وكقول عائشة قالت: كنت أعوذ النبي - ﷺ - وأنفث في مرضه فلما كان في المرض الذي قبض فيه فعلت. ذلك فرفع يده وقال: \"في الرفيق الأعلى\"، وذلك لما خير بين الآخرة والأولى.\nولعله نسى التعوذ للأمر المحتوم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ (^٤)؛ وقوله - ﷺ - في الحديث: \"إذا تعوذ لم يضره\" فلعل معناه في عقله كما قيل فيمن \"أتى أهله إذا سمى الله تعالى وقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان\" أي في عقله وكما فسر وإلا فالشيطان مسلط على الآدمي إلا أنْ يكون معصومًا كالنبي أو محفوظًا كالولي لقوله - ﷺ - لعمر بن الخطاب: \"ما سلكت فجًّا إلا سلك الشيطان فجًّا غير فجك\"، وفي البخاري (^٥) من حديث عائشة أم المؤمنين قالت: وكانت إحدانا تعوذه\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٣٤.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٨.\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٦٥٠٧)، ومسلم رقم (٢٦٨٤).\n(^٤) سورة النحل، الآية: ٤٠.\n(^٥) رقم (٤٤٥١).","vol":"1","page":271},{"text":"- ﷺ - بدعاء إذا مرض فذهبت أعوذه فرفع رأسه إلى السماء وقال: \"في الرفيق الأعلى\" مرتين لا أنها تدفع المقدور من الموت، ويحتمل أن المراد بالتعوذ على حالتين أن فعل المأثور دفع عنه المقدور وإلا فلا كما قيل في صلة الرحم أنه إن وصل رحمه زيد في عمره وإلا فلا يزاد على الأجل المسمى والله أعلم.\nولعل تفسيره لنفسه أنه ألهم إجابة دعوته لنفسه أخذًا من قوله في الحديث: \"اللهم ارزقني شهادة في بلد رسولك\" ولعل النقرات الثلاث فيها إشارة إلى قتل الخلفاء الثلاث على التوالي عمر وعثمان وعلي ﵃ ورضي عنا بهم، والحكمة في قصة الرؤيا على أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق ﵂ لعله من علمه بتكرار دخول النبي - ﷺ - بيت أبي بكر كل يوم طرفي النهار كما ورد في الصحيح عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، وفيه: فلم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار بكرة وعشيًّا فلعل قوله: \"الله الله الله\" يذكر بها الرائي ليكون ذاكرًا للشهادة عند الموت، ولأن الديك من دواب الأرض، ففي التعبير أنه من رأى في منامه أن دابة تكلمه فقد اقترب أجله ففي التنزيل ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (^١) ولأن الديك يسرع في مشيه ودابة الأرض إذا خرجت تسرع في مشيها فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ولأن الديك مكسو\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ٨٢.","vol":"1","page":272},{"text":"بالريش والدابة ذات وبروريش، وقال أهل التعبير: جميع الحيوان الذي ليس بناطق كالبهائم والطير إذا نطق بشيء في المنام فإن كلامه حق والرؤيا صحيحة، ورواه حذيفة عن النبي - ﷺ - تفسير الصرخات الثلاث بثلاثة أيام لأن الدابة إذا خرجت تصرخ ثلاث صرخات والثلاث صرخات إشارة إلى قرب النفخات الثلاث في الصور ولأن من علامات دنو الساعة خروج الدابة وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها فناسب هذا التفسير بذلك لهذه المعاني (^١).\nواسم القاتل لعمر - ﵁ - فيروز، وكنيته: أبو لؤلؤة، وكان مجوسيًا لعنه الله، وهو عبد المغيرة بن شعبة، وهذا بخلاف فيروز اليماني التابعي المختلف في صحبته قاتل الكذاب العنسي مدعي النبوة صاحب صنعاء، ولم يبلغ الصحابة ﵃ قتل فيروز العنسي إلا بعد وفاته، ومنهم: فيروز الديلمي الصحابي أسلم وتحته أختان فقال النبي - ﷺ -: \"اختر إحداهما وفارق الأخرى\" (^٢)، وأما سبب قتله لعمر - ﵁ - فيما روي عن ابن سعد (^٣) بإسناد صحيح إلى الزهري قال: كان عمر - ﵁ - لا يأذن لسبي قد احتلم أن يدخل\n_________\n(^١) عنوان الزمان (٢/ ١٦٥ - ١٦٧).\n(^٢) فرق بينهما خليفة بن خياط والواقدي وانتصر لذلك أبي أحمد الحاكم ولم يفرق بينهما النووي والمزي اتظر تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٢ - ٥٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢٣/ ترجمة ٤٧٧٦). وأما خبر زواج الأختين: أخرجه ابن ماجه (١٩٥٠ و١٩٥١) والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٢٨ - ٣٢٩ رقم ٨٤٣ و٨٤٤ و٨٤٥). وحسنه الألباني.\n(^٣) في الطبقات الكبرى (٣/ ٣٤٥) وانظر فتح الباري (٧/ ٦٣) وعمدة القارى (١٦/ ٢١٠).","vol":"1","page":273},{"text":"المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر غلاما عنده صنعا ويستأذنه أن يدخل المدينة ويقول: إن عنده أعمالا ينفع الناس بها أنجح من حذاء نقاس نجار، فأذن له فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة فشكى إلى عمر شدة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل فانصرف ساخطًا فلبث عمر ليالي فمر به العبد، فقال: ألم أحدث أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إليه عابسا فقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعدني العبد، وهذا القول فراسة غيبية من عمر - ﵁ - فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وينظفه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج ليوقظ الناس: الصلاة الصلاة، وكان عمر - ﵁ - يفعل ذلك، فلما دنا منه وثب عليه وطعنه ثلاث طعنات، إحداهما: تحت السرة قد خرقت الصفاق (^١) وهي التي قتلته؛ وفي حديث أبي رافع (^٢): كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة وكان يستغله أربعة دراهم أي كل يوم، فلقي عمر فقال: إن المغيرة أثقل علي، فقال: اتق الله وأحسن إليه، وفي نية عمر أنه يلقى المغيرة فيكلمه فيخفف عنه، فقال العبد: وسع الناس عدله غيري، فأضمر على قتله، واصطنع خنجرًا له رأسان وشحذه، أي: سنَّه وسمَّه فتحين صلاة الغداة حتى قام عمر فقال: أقيموا صفوفكم\n_________\n(^١) الصفاق: الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر أو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله تاج العروس (٢٦/ ٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٢٧٣١).","vol":"1","page":274},{"text":"فكبر فلما كبر طعنه في كتفه وفي خاصرته فسقط، وفي رواية (^١): أن عمر دخل بأبي لؤلؤة البيت ليصلح له ضبة، فقال له: مر المغيرة أن يضع عني من خراجه، قال: إنك لتكسب كسبا كثيرًا فاصبر، انتهى (^٢).\nوالحكمة في قصة الرؤيا على أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق ﵂ لعله من علمه بتكرار دخول النبي - ﷺ - بيت أبي بكر كل يوم طرفي النهار كما ورد في الصحيح عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، وفيه: فلم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار بكرة وعشيا فلعلها سمعت من النبي - ﷺ - شيئًا يدل على قتله ولم يذكره لعمر ولا لغيره وأيضا فإن أسماء كان عندها علم من تعبير الرؤيا وكان أبو بكر الصديق - ﵁ - من علماء التعبير.\nوالحكمة في كون الديك أحمر إشارة إلى لون الدم الذي يخرج منه بالطعن فإن الحمرة من ألوان الدماء ولهذا يقال في المبالغة موت أحمر، قال شيخ الإسلام العسقلاني المشهور بابن حجر (^٣) لما وقف على ذلك ما نصه:\n_________\n(^١) أخرجه ابن شبة في أخبار المدينة (٣/ ١٠٩). وتمام الخبر: فاصبر واتق الله هل أنت صانع لى رحى؟ قال: نعم والله لأصنعن لك رحى تتحدث بها العرب، فقال عمر: أوعدنى الخبيث، وخرج إلينا فقال: لو قتلت أحدا بسوء الظن لتلت هذا العلج، إنه نظر إلى نظرة لم أشك أنه أرد قتلى فقل ما مكث حتى طعنه. وحسنه الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣).\n(^٢) راجع ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - في: الاستيعاب (٣/ ١١٤٤)، وأسد الغابة (٣/ ٦٤٢)، والرياض النضرة في مناقب العشرة (٢/ ٢٧١)، وصفة الصفوة (١/ ١٠١).\n(^٣) عنوان الزمان (٢/ ١٦٦).","vol":"1","page":275},{"text":"أو لأن منقار الديك مجاور لعرفه وهو أحمر والأعجمي أحمر كما جاء رجل أحمر كأنه من الموالي، وحديث: \"بعثت إلى الأسود والأحمر\" وفسر بالعرب والعجم، انتهى، والحكمة في كون النقرات ثلاثًا إشارة إلى أنه - ﷺ - كان إذا سلم سلم ثلاثًا وإذا تكلم بأمر أعاده ثلاثًا ليحفط عنه كما رواه البخاري (^١) عن أنس، والمراد بالسلام الاستئذان، وقد ورد التصريح به في الحديث، ولعل الديك فعل ذلك لعمر - ﵁ - فالأولى لينتبه والثانية ليستيقظ والثالثة ليستعد لأمر الله تعالى، واقتصر على الثلات لأنها أقل مدة معتبرة في الشرع غالبا فلم يزد عليها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ (^٢)، وتنبني على الثلاث مسائل كتيرة لا تنحصر ليس هنا محل ذكرها، وقوله: \"ثلاثا\" إشارة إلى عدد الطعنات فإنه ورد أنه طعنه بالخنجر ثلاثا كما سنذكره في صفة قتله - ﵁ -، وقول أسماء في التعبير: يقتلك أعجمي لأن الديك فيها ما أصله متوحش كاليمني والحبشي ويلزم المحرم الضمان بإتلافه وفرخه وبيضه وغير المتوحش وهو الأهلي فلا ضمان فيه ولأن الديك يعبر عنه بالرجل المملوك لأن نوحا ﵇ أرسله ليسلك له الطريق ويعرفه عنها فلما أنقذه غدر فصار مكسوفا في البيوت كالمملوك ومنع من الطيران دون غيره من الطيور ويعبر عنه بالمحارب من قبل المماليك لأن من\n_________\n(^١) رقم (٩٤).\n(^٢) سورة هود، الآيتان: ٦٤ - ٦٥.","vol":"1","page":276},{"text":"شأنه محاربة جنسه من الديكة والإقبال على قتالهم ولا يفر عنه ولم يذكر في الرؤيا محل النقر، وقد ورد أنها كانت في الجوف والسر في وقوع الرؤيا ليلة الجمعة لأنه قريب من آخر الأسبوع إشارة إلى آخر عمر الرائي، وقد قال النبي - ﷺ -: \"إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب\" (^١) فتخصيص الديك بالرؤية تفاؤلا بكنيته فإن من جملتها أبو نبهان إشارة إلى إيقاظه وانتباهه وأبو المنذر إشارة إلى إنذاره هاعلامه وأبو اليقظان إشارة إلى يقظته واعتداده للأمر الذي ينزل به، وقوله في الحديث: \"إذا سمعتم صياح الديكة فسألوا الله من فضله فإنه رأت ملكًا\" (^٢) ولعل هذا الديك الذي نقر عمر - ﵁ -: أن الملك الذي رأه في تلك الحالة [حالة صياحه وحالة نقره وفى كل بقول إذ لم يثبت في الرؤية صياحه كما لم يثبت في الحديث رؤية الملك ينقره قاله كاتبه، ملك الموت وتخصيص ليلة الجمعة بالرؤية لأن في صباحيتها تقوم الساعة، فقد روي أبو هريرة في حديث طويل أن رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال: وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مسيخة يوم الجمعة (^٣) أي مصغية مستمعة يتوقع قيام الساعة من حين يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الثقلان الجن والإنس ومن مات قامت قيامته، وأما\n_________\n(^١) أخرجه البزار البحر الزخار (١٧/ ٢٨٨)، والدولابي في الكنى والأسماء رقم (٩٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣٣٠٣)، ومسلم رقم (٢٧٢٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٠٤٦)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٢١٢ (١٤٤٦) والكبرى (١٧٦٦).\nوصححه الألباني في المشكاة (١٣٥٩) وصحيح أبي داود (٩٦١).","vol":"1","page":277},{"text":"تفسير ابن سيرين للذي رأى الديك يقول الله الله الله ثلاثًا أنه بقي من عمره ثلاثة أيام استنادًا إلى قوله - ﷺ -: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة\" (^١) ولعل هذا الديك قال ذلك تعجبًا من الرائي حيث بقي من أجله ثلاثة أيام وهو غافل عما يراد به وهو منزول به.\nولعل قوله: \"الله الله الله\" يذكر بها الرائى ليكون ذاكرا للشهادة عند الموت، ولأن الديك من دواب الأرض ففى التعبير أن من رأى في منامه أن دابة تكلمه فقد اقترب أجله ففي التنزيل ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (^٢)، ولأن الديك يسرع في مشيه ودابة الأرض إذا خرجت تسرع في مشيها فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، ولأن الديك مكسوا بالريش والدابة ذات وبر وريش، وقال أهل التعبير جميع الحيوان الذي ليس بناطق كالبهائم والطير إذا نطق بشئ في المنام فإن كلامه حق والرؤيا صحيحة.\nوروى حذيفة عن النبي - ﷺ - تفسير الصرخات الثلاثة بثلاثة أيام؛ لأن الدابة إذا خرجت تصرخ ثلاث صرخات والثارث صرخات إشارة إلى قرب النفخات الثلاث في الصور، ولأن من علامات دنو الساعة خروج الدابة وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها؛ فناسب هذا التعبير بذلك لهذه المعاني.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (١٦٩) عن أبي ذر. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٢٦).\n(^٢) سورة النمل، الآية: ٨٢.","vol":"1","page":278},{"text":"وأما تفصيل قتل أمير المؤمنين عمر - ﵁ -، فروي البخاري في صحيحه (^١) عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب - ﵁ - قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: كيف فعلتما أتخافان أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قالا حملناها أمرًا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا لا، فقال عمر - ﵁ -: إن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي فما أتت عليه أربعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيهن خللًا فكبروا وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حتى طعنه فصار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينًا وشمالًا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم تسعة، وفي رواية سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا.\nقوله: قتلني أو أكلني الكلب، عبر بالأكل عن القتل، لأن الأكل يذهب الشيء المأكول من الوجود إلى البطون، فالقاتل يذيب المقتول من الوجود إلى القبور، ويسكنه القبور. والله أعلم.\nقوله: الكلب، أي: العقور، لأنه مقتول مأمور بقتله في الحل والحرم، مناسب تسميته بذلك لكفره وإباحة دمه، وقد مثل الله تعالى الكافر بالكلب فقال:\n_________\n(^١) رقم (٣٧٠٠).","vol":"1","page":279},{"text":"﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ (^١) فالكلب إن دعوته جاءك يلهث وإن زجرته ذهب وهو يلهث، فالكافر إن أمرته لم يأتمر وإن زجرته لم ينزجر، ففي التنزيل من قصة هود ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦)﴾ (^٢).\nقوله: حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، وفي رواية أبي إسحاق اثنا عشر رجلًا معه، وهو ثالث عشر، زاد ابن سعد من رواية إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون: وعلى عمر إزار أصفر، قد رفعه على صدره، فلما طعن قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (^٣).\nقوله: طرح عليه برنسًا، وفي (ذيل الاستيعاب) لابن فتحون أن: طارح البرنس على فيروز رجل من المهاجرين يقال له: حطان التميمي اليربوعي، وقيل: عبد الله بن عوف (^٤)، والأول: أصح، فإن صح الثاني حمل على الاشتراك، وجاء أن عبد الله بن عوف المذكور احتز رأس أبي لؤلؤة، وفيه إشارة إلى جواز المثلة بأهل الفساد كما يفعل بقطاع الطريق إذا قطعوا وأخذوا الأموال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٥)، انتهى.\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٧٦.\n(^٢) سورة الشعراء، الآية: ١٣٦.\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٨.\n(^٤) في النسخة المغربية عبد الرحمن بن عوف والذي في الفتح عبد الله بن عوف فتح الباري (٧/ ٦٣).\n(^٥) سورة المائدة، الآية: ٣٣.","vol":"1","page":280},{"text":"فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي رأى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله، وفي البخاري: قال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف فقرأ: إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال يا ابن عباس: انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء: فقال غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، فالحمد لله الذي لم يجعل موتي على يد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة.\nقوله: فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، اعلم أنه لم يذكر في الحديث قضية إتمام صلاة عمر، فلعله لما طعن قدم عبد الرحمن لأمور، إما لكون صلاته بطلت باعتبار ما خرج من الدم بالطعن الذي لا يعفى عنه في الصلاة، وتقديم عبد الرحمن لإتمام الصلاة فيه دليل على جواز الاستخلاف إذا أحدث الإمام، وجواز الإقتداء بإمام بعد إمام على التعاقب ويدل لذلك قصة الصديق - ﵁ - حين أم الناس في مرض رسول الله - ﷺ -، والثاني: أنه غلب عن إتمام فعل الصلاة فقدم غيره ليتمها، لأن القيام ركن في فرض الصلاة فإن عجز عن القيام صلى قاعدا فإن عجز فعلى جنب (فإن عجز فعلى) اليمين فإن عجز فمستلقيا فإن عجز أومأ بالأفعال وتلفظ بالأقوال، ويكون سجوده أخفض من ركوعه فإن عجز عن الإيماء أجرى الأفعال على قلبه والترتيب","vol":"1","page":281},{"text":"فيما ذكرنا واجب ولا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتا ولهذا قالوا لا يتصور الإكراه على ترك الصلاة فإن أكره على ترك أفعال الصلاة على حسب حاله، لزمه الإعادة فإن الإكراه ممنوع (^١) نادر وإذا وقع لا يدوم غالبًا، وأما بقية صلاة نفسه فلعله أتمها بالإيماء، وأجرى الأفعال على قلبه (^٢)؛ فقال أبو صالح لابنه: وأخبرني أنه دخل على عمر - ﵁ - في الليلة التي طعن فيها فأيقظ عمر لصلاة (الصبح فقال:)، نعم ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، قال: وجرحه يثعب دما، أي: يجري، والله أعلم؛ وجميع ما في هذا الحديث من التفسير للشيخ العلامة الإمام الشريف النسابة (^٣).\nقوله: قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ العُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ إلى (^٤) وهو الانتفاع، أو بما يحصل منهم من (^٥) عليهم من كل يوم.\nقوله: العلوج؛ والعلج: هو الكافر الغليظ الشديد، وقد يكون من الموالي (^٦)، والله أعلم.\n[وكان العباس (أكثرهم رقيقا) فقال: إن شئت فعلت، أو إن شئت قتلته،\n_________\n(^١) بياض بمقدار كلمة واحدة.\n(^٢) انظر تحفة المحتاج (٢/ ٢٦ - ٢٧) ونهاية المحتاج (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠) وحواشيه.\n(^٣) بياض بمقدار ٦ كلمات.\n(^٤) بياض بمقدار ٣ كلمات.\n(^٥) بياض بمقدار ٤ كلمات وهو رسالته المسماة نبذة من الخبر في تعبير رؤيا أمير المؤمنين عمر للشريف النسابة الحسن بن محمد بن أيوب الحسنى.\n(^٦) روضة الطالبين (١٠/ ٢٨٥) والنجم الوهاج (٩/ ٣٧٧).","vol":"1","page":282},{"text":"فقال: كذبت بعدما تكلموا بلسانك وصلوا قبلتكم وحجوا حجتكم.\nقوله: إن شئت فعلت؛ أي: قتلت، هذا يحتمل أمرين، أقلهما: أنه استفتى أو تطييبا لقلبه - ﵁ -، فقال له عمر: كذبت هو من باب التدريب كفعل الوالد لولده لأنك قلت غير ما تعتقده من قتل المسلم بغير حق لأنك تعتقد أن المسلم لا يجوز قتله إلا بإحدى ثلاث الثجب الزاني والثفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة؛ ويحتمل قوله: (كذبت) أي: أخطأ فإن العرب تعبر عن الخطأ بالكذب (^١).\nقوله: بعدما تكلموا بلسانكم، أي: أقروا بالشهادة، وهي تعظم الدم والمال، وقد قال - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس\" (^٢) الحديث.\nقوله: وصلوا قبلتكم، وقد نهى - ﷺ - عن قتل المصلين (^٣).\nقوله: وحجوا حجتكم، أي: أتوا بجملة من شرائع الإسلام، وفيه: إشارة إلى أنه شرط لصحة الإسلام التزام الأحكام، وبه قال مالك خلافًا للشافعي ﵄؛ فإن قيل: لم يذكر له الزكاة، وهي من شرائع الإسلام؟ فالجواب: أن المتحدث عنهم السبي وهم أرقاء، والرقيق: لا زكاة عليه لأنه لا يملك مالا، ولو ملكه السيد على الأخص، بخلاف الحج، فإنه يصح من\n_________\n(^١) انظر فتح الباري (٧/ ٦٤)، وعمدة القارى (١٦/ ٢١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٣٦ - ٢٢) عن ابن عمر. وأخرجه البخاري (٢٩٤٦) ومسلم (٣٣ و٣٤ - ٢١) عن أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨) عن أبي هريرة. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٤٨١/ التحقيق الثاني).","vol":"1","page":283},{"text":"المسلم الحر ومن الرقيق بإذن سيده، والله أعلم؛ فاحتُمل - ﵁ - إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: إلا بأس)، وقائل يقول: (أخاف عليه) فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه.\nقوله: فأتي بنبيذ فشربه، أي: ماء زبيب أو تمر منقوع، وهو النقاع، والله أعلم، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه فعلموا أنه ميت إلى أن قالوا: [أوصى] يا أمير المؤمنين استخلف، فقال: ما أجد أحدا لهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن بن عوف، وقال: يَشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك وغلا فليستعن له إليكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، إلى آخر الحديث؛ وفي البخاري أيضا من قوله - ﵁ -: (فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة، فاسمعوا له وأطيعوا) وفي رواية في غير الصحيح: (أن ولده عبد الله دخل عليه حين آيس منه، فقال: يا أمير المؤمنين، استخلف على أمة محمد - ﷺ -، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله وغنمه لا راعي لها لَلُمْتَه، وقلت: تركت أمانتك ضائعة، فكيف بأمة محمد - ﷺ -، فقال: إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن أترك فقد ترك رسول الله - ﷺ -، وقال - ﵁ -: إذا أنا قبضت فتربصوا ثلاث ليال وليصل بكم صهيب وانتظروا أخاكم طلحة، وكان بالشام، فإن قدم فتشاوروا أيها النفر فإنما أنتم ستة ثم يتبع الأقلون الأكثرون، فمن خالفكم فاضربوا عنقه، فلم يقدم طلحة فتشاور الخمسة فأسلموا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف فبايع عثمان بن عفان أمير","vol":"1","page":284},{"text":"المؤمنين، واستفاض الإسلام في خلافة عمر بن الخطاب، وعظم حتى كان أعظم من أن يعد أو يحصى وأعز الله بالإسلام فلم يزل كذلك حتى قتل - ﵁ -)، وفي الحديث عن بلال - ﷺ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله ﷿ باهى ملائكته بأهل عرفة وباهى بعمر خاصة\" خرجه تمام الرازى في فوائده (^١)، فلما قبض - ﵁ - غسل وكفن وصلى عليه ودفن بالروضة الشريفة إلى جانب أبي بكر ﵄ وعلى ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان مدة خلافته عشر سنين ونصف سنة وأياما، لكن سفينة جبر الكسر فرواها عشر سنين لما روى سفينة [الحذاء]- ﵁ - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون بعد ذلك الملك\" قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتان وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنا عشر سنة وخلافة علي ست سنين ﵃ أجمعين] (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنية\" وفي رواية: \"بالنيات\" أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، وهذا الحديث قد رواه عن النبي - ﷺ - من الصحابة غير عمر بن الخطاب نحو عشرين صحابيًّا، وإن كان البزار (^٣) قال: لا نعلم هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب عن رسول الله - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، وقال ابن منده الحافظ: في جمعه لطرق هذا الحديث: رواه عن النبي - ﷺ - غير عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص وعلي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري وعبد\n_________\n(^١) رقم (٣٣١).\n(^٢) جميع ما بين المعكوفتين زيادة من المخطوطة المغربية فقط.\n(^٣) مسند البزار البحر الزخار (١/ ٣٨٠).","vol":"1","page":285},{"text":"الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وابن عباس ومعاوية وأبو هريرة وعبادة بن الصامت. وعتبة بن عبد السلمي وهلال بن سويد وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله وأبو ذر وعتبة بن المنذر وعقبة بن مسلم (^١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام، وقد روي عن جماعة عن الصحابة ذكرهم ابن منده، ولكن لم يثبت من حديث أحد منهم، قال النووي (^٢): وقد أجمع العلماء ﵃ على عظيم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وصحته، وأنه أصل من أصول الدين، وقد خطب به النبي - ﷺ - فقال: \"أيها الناس، إنما الأعمال بالنية\" كما رواه البخاري في أحد المواضع السبعة كما سيأتي، وخطب به عمر - ﵁ - على منبر رسول الله - ﷺ - كما أخرجه أيضًا وقال أبو داود: إنه نصف الفقه.\nوقال الإمام الشافعي ﵀: يدخل في هذا الحديث ثلث العلم، وكذا قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره أنه ثلث العلم، وسببه كما قال البيهقي وغيره أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين ولهذا كانت نية المؤمن خير من عمله، ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النية (^٣).\n_________\n(^١) انظر التوضيح (٢/ ١٦٠ - ١٦١)، وعمدة القارى (١/ ٢٠).\n(^٢) في شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٣).\n(^٣) بستان العارفين (ص ١٤)، والكواكب الدراري (١/ ٢٢)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"1","page":286},{"text":"قال الشيخ سراج الدين بن الملقن ﵀ (^١): قول إمامنا الشافعي يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه مراده الأبواب الكلية من الطهارة بأنواعها والصلاة بأقسامها والزكاة والصيام والاعتكاف والحج والعمرة والأيمان والنذور والأضحية والكفارة والجهاد والطلاق والخلع والظهار والعتق والكناية والتدبير ونحوها والبيع والإجارة وسائر المعاملات والرجعة والوقف والهبة وكناية الطلاق ونحوها عند من يقول كنايتها مع النية كالصريح وهو الصحيح وكذا إن كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر فأوفاه ألفا صرفه إلى ما سواه منهما وشبه ذلك والله أعلم، وقال آخرون: هو ربع الإسلام وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من العلماء ينبعي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث تنبيها للطالب على النية.\nوقال الكرماني (^٢): وكان السلف ﵃ يستحبون افتتاح كلامهم بحديث النية بيانا لإخلاصهم فيه، ونقل الخطابي هذا عن الأئمة (^٣)، وبه صدر البخاري كتابه الصحيح وأقامه مقام الخطبة له إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا والآخرة (^٤) وقد\n_________\n(^١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٦٠).\n(^٢) بستان العارفين (ص ١٤)، والكواكب الدراري (١/ ١٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٥٦)","vol":"1","page":287},{"text":"فعل ذلك البخاري وغيره فابتدؤوا به قبل كل شيء، وقد ذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه (^١) في أول كتابه في بدء الوحي ثم في الإيمان ثم في العتق ثم في الهجرة ثم في ترك الحبل في النذور (^٢)، وأخرجه مسلم في الجهاد وهو متواتر من آخره وآحاد من أوله.\nفقوله: \"إنما الأعمال بالنية\" الحديث، قال جماهير العلماء من أهل اللغة والعربية والأصول والفقه: \"إنما\" لفظة موضوعة للحصر تفيد تثبت تحصيل المذكور وتنفي ما سواه وهذا التركيب مفيد للحصر اتفاقا من المحققين إذ لا عمل إلا بالنية فتقدير هذا الحديث أن الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية (^٣)، والمراد بالأعمال أعمال الطاعات وهي حركات البدن دون الأعمال المباحات (^٤)، ويحتمل أنها صحة الأعمال، ويحتمل أنها كمال الأعمال (^٥) ويحتمل أنها حصول الأعمال ويحتمل أنها قبول الأعمال (^٦) والأول أولى التقادير كلها لأنه الأقرب إلى الحقيقة (^٧)، وأبو\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).\n(^٢) بستان العارفين (ص ١٣)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٣٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).\n(^٤) شرح الأربعين للنووي (ص ٩)، والتعيين (ص ٢٨).\n(^٥) إحكام الأحكام (١/ ٦١)، وطرح التثريب (٢/ ٧).\n(^٦) شرح الأربعين (ص ١٠)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٦٠ - ٦١).\n(^٧) إحكام الأحكام (١/ ٦١).","vol":"1","page":288},{"text":"حنيفة يقدر أنها كمال الأعمال فصحح الوضوء والغسل بغير نية ووافق على أنه لابد في التيمم من النية (^١)، والنيات جمع نية بتشديد الياء ويقال بتخفيفها وهي القصد بالقلب إلى الفعل.\nواعلم أن النية لغة هي القصد يقال: نواك الله بخير أي قصدك به (^٢) والنية شرعا: قصد الشيء مقترنا بفعله فإن قصد وتراخى عليه فهو عزم قاله الماوردي وعبارة بعضهم أنها تصميم القلب على الفعل (^٣)، وقال أبو سليمان الخطابي: معنى النية قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له، وقيل: عزيمة القلب أي عزم القلب (^٤)، وقال القاضي البيضاوي: النية انباعث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالًا ومآلًا (^٥)، وشرعت النية لتمييز العبادات عن العادات (^٦) كالجلوس في المسجد فإنه قد يكون للإعتكاف تارة وللإستراحة أخرى وله نظائر كالطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والعتق وغير ذلك من العبادات لا تصح إلا بالنية فالوضوء عمل فإذا غسل الإنسان أعضاءه فقد\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣١٣)، والتعيين (ص ٣٥).\n(^٢) البيان (١/ ١٠١)، والتعيين (ص ٢٨).\n(^٣) كفاية النبيه (١/ ٢٦٦)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٧٨).\n(^٤) أعلام الحديث (١/ ١١٢).\n(^٥) تحفة الأبرار (١/ ١٩ - ٢٠)\n(^٦) شرح الأربعين (ص ١١)، والفروق (٢/ ٦٤) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ١٧٦ - ١٧٨)، وشرح الإلمام (٤/ ٥٣٨).","vol":"1","page":289},{"text":"يكون قصده التبرد وقد يكون قصده الوضوء فالمميز النية، والاعتكاف عمل فإذا جلس الإنسان في مسجد فقد يكون مقصوده الاستراحة وقد يكون مقصوده الاعتكاف، فالمميز النية كما تقدم، والصلاة عمل فإذا نوى أن يصلي أربع ركعات فقد يكون يقصد بها الظهر وقد يقصد إيقاعها عن العصر فالمميز هو النية، وكذلك العتق قد يقصد به عن كفارة الظهار وقد يقصد به لغيرها فالمميز هو النية وإلى هذا المعنى أشار - ﷺ - حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال - ﷺ -: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (^١) وكلمة الله أي دعوته إلى الإسلام، وفي هذا الحديث دليل على أن العمل لا يصح إلا بالنية وأنه لا يصح في صورتين الأولى أن يكون بغير نية، والثانية أن يكون لا بنية التقرب فلا يصح، والنية محلها القلب فإن اقتصر على القلب ولم يلفظ بلسانه جاز. ويندب التلفظ بالمنوي، وقال الزبيري: يجب أن يساعد القلب اللسان ولو نوى التبرد ويغلبه رفع الحدث أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف، قاله الكمال الدميري (^٢).\nتنبيه: أما إزالة النجاسة فالمشهور عند الشافعية أنها لا تفتقر إلى نية لأنها من باب التروك والتروك لا يحتاج إلى نية، وقد نقلوا الإجماع فيها وشذ\n_________\n(^١) انظر شرح النووي على الأربعين (ص ١١ - ١٢)، والحديث أخرجه البخاري رقم (١٢٣)، ومسلم رقم (١٩٠٤).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":290},{"text":"بعض الأصحاب فأوجبها وهو باطل، انتهى قاله النووي (^١).\nفرع: تدخل النية في الطلاق والعتاق والقذف، ومعنى دخولها أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح وإن أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أو ثلاثا ما وقع ما نوى، وإن نوى بالصريح غير مقتضاه دين فيما بينه وبين الله ولا تقبل منه في الظاهر والله أعلم.\nتنبيه: ومن مسائل النية أنه لو وطئ امرأة أجنبية يظنها زوجته أو أمته لا إثم عليه، وإن وطئها يعتقدها أحنبية فإذا هي مباحة له أثم، ولولا مصادفة المحل المباح لحد، وكذا لو شرب مباحا يعتقده حراما أثم وبالعكس لا يأثم ولو قال لامرأته أنت طالق يظنها أجنبية طلقت زوجته لمصادفة الطلاق محله ولو قال لأجنبية وظنها زوجته اختلف فيه، وإلا شبهه طلاق زوجته باعتبار نيته وقيل لا تطلق، لفوات المحل، ولو قال لرقيق له أنت حر يظنه أجنبيًّا عتق لمصادفة العتق محله قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٢).\nفائدة: ينبغي للإنسان إذا أكل أو شرب أو نام أن يقصد بذلك التقوي على طاعة الله تعالى، أو راحة البدن للتنشيط للطاعة، وكذلك إذا أراد جماع زوجته يقصد بذلك أيضًا الحاجة وتحصيل ولد صالح يعبد الله تعالى أو إعفاف نفسه وصيانتها إلى التطلع إلى حرام أو الفكر فيه لأن العمل إذا كان خاليًا عن النية كان عادة لا عبادة أو كان واقعا على وجه اللهو واللعب، أو\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣١١)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٣٦ - ٣٧).","vol":"1","page":291},{"text":"على طريق الاتفاق كأفعال البهائم فلا يصله وسيلة ولا قربة قال العلماء من أهل اللغة والأصول والفقه: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية فالنية أبلغ من العمل فالمباحات تقلب بالنيات طاعات فالنية أساس العمل فإذا كان الأساس صحيحا صح البناء ولهذا المعنى تقبل النية بغير العمل، فإذا نوى حسنة فإنه يجزي عليها ولو عمل حسنة بغير نية لم يجاز بها، فمن حرم النية في هذه الأفعال فقد حرم خيرًا عظيمًا ومن وفق لها فقد أصاب فضلا جسيمًا قاله النووي في بستان العارفين (^١).\nتنبيه: دل الحديث على أن النيات معيار للأعمال فحيث صلحت النية صلح العمل وحيث فسدت فسد العمل وحيث لا نية فالعمل كلا عمل، فالعمل إن خلا عن النية فلا ثواب فيه، وإن قارنت النية فله أحوال ثلاثة، أحدها: أن تقصد به الآخرة والناس فيه على ثلاث مراتب، الأولى: أن يفعل ذلك خوفا من الله تعالى، وهذه عبادة العبيد، الثانية: أن يفعل ذلك لطلب الجنة ونحو ذلك وهذه عبادة التجار (^٢).\nقال الغزالي: والعبادة مع الرجاء أفضل منها مع الخوف لأن العبادة مع الرجاء تورث المحبة (^٣)، الثالثة: أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى وتأدية للشكر ويرى نفسه مع ذلك مقصرًا، وهذه عبادة الأحرار، وإليها الإشارة\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٢٩).\n(^٢) شرح الأربعين النووية (ص ٧) للنووي.\n(^٣) شرح النووي على الأربعين (ص ٧).","vol":"1","page":292},{"text":"بقوله - ﷺ -: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا\" (^١)، وقوله - ﷺ -: \"لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" (^٢).\nالحال الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الدنيا والآخرة جميعا، فذهب بعض العلماء إلى أن عمله مردود وإلى هذا ذهب الحارث المحاسبي في كتاب الرعاية فقال: الإخلاص أن تريد بطاعته ولا تريد سواه (^٣)، الحال الثالث: أن يفعل ذلك لمحض الدنيا حتى ينال بذلك ولاية أو منزلة ونحو ذلك فهذا محض النفاق ولأن المنافق يبطن خلاف ما يظهر (^٤).\nفائدة أخرى: وقال ابن الحاج في أول كتابه المدخل (^٥): وبعد فإني كنت كثيرًا ما أسمع سيدي القدوة أبا محمد بن أبي جمرة رحمه الله تعالى يقول: وددت أنه لو كان في الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم ويقعد للتدريس في علم النية ليس إلا أو كلاما هذا معناه، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع النيات.\nقوله - ﷺ -: \"وإنما لكل امرئ ما نوى\"، من خير أو شر، فهو من باب حذف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٣٠) و(٤٨٣٦) و(٦٤٧١) ومسلم (٧٩ و٨٠ - ٢٨١٩) عن المغيرة.\n(^٢) شرح النووي على الأربعين (ص ٧) والحديث أخرجه مسلم (٢٢٢ - ٤٨٦) عن عائشة.\n(^٣) شرح النووي على الأربعين (ص ٧ - ٨).\n(^٤) شرح النووي على الأربعين (ص ٨).\n(^٥) المدخل (١/ ٦).","vol":"1","page":293},{"text":"المضاف نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^١) أي: أهل القرية، قال العلماء: فائدة ذكره بعد إنما الأعمال بالنيات بيان أن تعيين المنوي شرط، فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا أو غير ذلك من الصلوات، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين لأوهم ذلك، وفي قوله - ﷺ -: \"وإنما لكل امرئ ما نوى\" دليل على أنه لا تجوز النية نيابة في العبادات ولا التوكيل في النية، وقد استثنى من ذلك تفرقة الزكاة وذبح الأضحية فيجوز التوكيل في النية والتفرقة والذبح مع القدرة، وفي الحج يجوز ذلك مع عدم القدرة ودفع الدين إن كان ذلك عن جهة واحدة لم يحتج إلى نية، وإن كان عن جهتين كمن عليه ألفان بأحدهما رهن فأدى ألفا، وقال: جعلته عن ألف الرهن صُدّق، فإن لم ينو شيئا حالة الدفع نوى بعد ذلك وجعله عما شاء وليس لنا نية تتأخر عن العمل وتصح إلا في هذه المسألة، وتقدم الكلام على معنى ذلك، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله\" الحديث، وأصل الهجرة: المجافاة والترك (^٢)، والمراد هنا: ترك الوطن ومفارقة الأهل (^٣) وهي في الشريعة مفارقة بلد الشرك والانتقال منه إلى دار\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٨٢.\n(^٢) شرح النووي على الأربعين (ص ١٢).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٨).","vol":"1","page":294},{"text":"الإسلام خوف الفتنة وطلبا لإقامة الدين (^١)، وسمي الذين تركوا توطن مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك (^٢)، وفي الحقيقة مفارقة ما يكره اللّه ﷿ إلى ما يحبه وقد ثبت في الحديث: المجاهد من جاهد نفسه، والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه (^٣) كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون إلى المدينة وقد هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة جماعة (^٤).\nتنبيه: فتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة وكان في رمضان (^٥) وكانت الهجرة في الإسلام مرتين إلى الحبشة كما سيأتي بيانه، وأن المسلمين أصحاب الهجرتين إلا ما خصه الدليل (^٦) وأنها فتح بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وفيه خلاف واختار الشافعي قول الصلح والجمهور على قول العنوة، وقد أراد الشافعي أنه ﵊ فعل فيها ما يفعله من صالح فملكهم أنفسهم وأموالهم وأراضيهم (^٧)، قال في المفهم (^٨): وذلك متفق عليه\n_________\n(^١) شرح النووي على الأربعين (ص ١٥)، والتعيين (ص ٢٨).\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ١٨).\n(^٣) التعيين (ص ٢٨) والحديث رواه أحمد ٦/ ٢١ وابن حبان (الإحسان ١١/ ٢٠٤) والطبراني في المعجم الكبير ١٨/ ٣٠٩ من حديث فضالة بن عبيد بنحوه.\n(^٤) التعيين (ص ٢٨).\n(^٥) العدة في شرح العمدة (٢/ ٩٧٧).\n(^٦) التعيين (ص ٢٨).\n(^٧) المفهم (١١/ ١٣١).\n(^٨) المفهم (١١/ ١٣١).","vol":"1","page":295},{"text":"وأنه لم يجر عليها حكم الغنيمة ولا الفيء فكان ذلك أمرا خاصا بمكة لشرفها وحرمتها بخلاف غيرها، وينبني على ذلك بيع دورها وإجارتها، انتهى قاله في شرح الإلمام.\nتنبيه آخر: قال العلماء: النجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، والحبشة والحبش من السودان كما أن فرعون اسم لمن ملك مصر وتبع لمن ملك اليمن وقيصر لمن ملك الروم وكسرى لمن ملك الفرس، وتقدم شيء من ذلك في قصة هرقل في الخطبة، واسم هذا النجاشي الملك الصالح أصحمة بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين وميم وهاء وهذا هو الذي وقع في صحيح مسلم (^١)، وهو الصواب المعروف فيه، وهكذا هو في كتب الحديث والمغازي وغيرها، وقيل: صحمة بفتح الصاد وإسكان الحاء المهملة، ورواه ابن شيبة في مسنده (^٢)، وحكى ابن المنذر وابن دحية: والحبشة يقولون أصخمة بالخاء المعجمة وذكرها مقاتل في التفسير وذكر أن اسمه مكحول بن صعصعة (^٣)، وقيل: مصحمة حكاه البيهقي في دلائل النبوة (^٤)، وقيل: غير ذلك، قال ابن قتيبة وابن عيينة: ومعناه بالعربية عطية وهو سيد التابعين، وقيل: أسلم قبل الفتح ومات قبله أيضًا ولم يهاجر وقد\n_________\n(^١) رقم (٩٥٢).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٦٣)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢٢)، ورياض الأفهام (٣/ ١٨٩).\n(^٣) التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح (ص ٨٠٥)، ونواهد الأبكار (٣/ ١١١ - ١١٢).\n(^٤) دلائل النبوة (٢/ ٣١٠).","vol":"1","page":296},{"text":"عده ابن منده في جملة الصحابة والأولى خلافه لأن الصحيح أن الصحابي من رآه النبي - ﷺ - أو رأى النبي - ﷺ - من المسلمين، وصلى عليه النبي - ﷺ - ولم يره وأسلم على يديه عمرو بن العاصي وغيره ثم هاجر من الحبشة فصحب النبي - ﷺ - فصار لغزا، يقال: صحابي أسلم على يدي تابعي، وله مناقب كثيرة، ولهم أيضا [نجاشي] آخر جاء ذكره فيمن كتب إليه النبي - ﷺ - مثل كسرى وقيصر وغيرهما انتهى قاله في شرح الإلمام.\nفائدة: في ذكر إسلام النجاشي أرسل رسول الله - ﷺ - عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فأخذ كتاب رسول الله - ﷺ - ووضعه على عينيه ونزل عن سريره فجلس على الأرض ثم أسلم حين حضره جعفر بن أبي طالب وأصحابه وحسن إسلامه فكان هو السبب في إسلامه (^١)، قال الحافظ أبو نعيم (^٢) عن أبي بردة عن أبيه قال: أمرنا رسول اللّه - ﷺ - أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي فبلغ ذلك قريشا [فبعثوا] عمرو بن العاصي أو عمارة بن الوليد فجمعوا للنجاشي هدية، فقدمنا وقدما على النجاشي فأتيا بالهدية فقبلها وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاصي أن أناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك، فقال النجاشي: في أرضنا؟ قالوا: نعم، فبعث إلينا فقال لنا جعفر لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاصي عن يمينه وعمارة عن يساره\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ عن عمرو بن أمية الضمري.\n(^٢) في حلية الأولياء (١/ ١١٤).","vol":"1","page":297},{"text":"والقسيسين والرهبان جلوس، فلما انتهينا قالوا لنا اسجدوا للملك فقال جعفر: ما نسجد إلا لله ﷿، قال لهم النجاشي: وما ذاك، قال جعفر: إن اللّه ﷿ بعث فينا رسولًا وهو الرسول الذي بشر به عيسى ﵇، قال: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (^١) فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، قال: فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى عمرو بن العاص: قال: أصلح اللّه حالك إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم، قال جعفر يقول قول اللّه ﷿: هو روح اللّه وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر، قال فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه وقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء فيما تقولون عن ابن مريم على ما نزل مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده وأنا أشهد أنه رسول اللّه وأنه الذي بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما بقيتم وأمر لنا بطعام وكسوة، وقال: ردوا عليهما هديتهما.\nوفي رواية أم سلمة (^٢): لما دخل جعفر على النجاشي جمع أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم، فقال جعفر بن أبي طالب: أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي\n_________\n(^١) سورة الصف، الآية: ٦.\n(^٢) أخرجها أحمد في مسنده (٣/ ٢٦٣) من حديث جعفر بن أبي طالب - ﵁ -.","vol":"1","page":298},{"text":"الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف وكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته.\nفدعانا إلى اللّه ﷿ لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان ... فذكر الحديث إلى أن قال: ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى بن مريم ﵇ لحق انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما ثم قال لجعفر وأصحابه اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون ردوا عليهما هدايهما [فلا حاجة فيها فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما هداياهما (^١)] وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار ونزل قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (^٢) انتهى قاله في مختصر مجمع الأحباب (^٣).\nتنبيه: ومن مناقب النجاشي ومحبته لرسول الله - ﷺ - أنه أصدق عنه في أم حبيبة أربعة آلاف على ما رواه أبو داود متصلًا (^٤) عن أم حبيبة وعن الزهري مرسلًا (^٥) وقيل: أصدقها أربعمائة دينار، وقيل: أربعمائة درهم كما ذكره المنذري، واستدل أصحابنا بالحديث على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم والمراد فيمن يليق به ذلك الفقير، وأما ما فعله النجاشي\n_________\n(^١) زيادة في المخطوطة المغربية فقط.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(^٣) مجمع الأحباب (مخ ٢٠٣٢ تشستربيتى/ لوحة ١٥٠ - ١٥١).\n(^٤) في سننه رقم (٢١٠٧).\n(^٥) سنن أبي داود رقم (٢١٠٨).","vol":"1","page":299},{"text":"فكان من ماله تبرعا أكرم به النبي - ﷺ - لا أنه ﵊ أداه ولا عقد به، وقد نهى عمر عن التغالي في صدقات النساء وقال: لو كانت مكرمة أو تقوى لكان الأولى بها النبي - ﷺ - وأنه ما أصدق امرأة من نسائه ولا أخذ لامرأة من بناته أكثر من خمسمائة، قال الإمام في النهاية (^١): وهذا نهي استحباب لا يكره أي كراهة تحريم والنزول إلى هذا المبلغ المذكور إنما تخاطب به المرأة المالكة لنفسها والسيد في تزويج أمته فأما الأب إذا زوج ابنته الصغيرة فليس له أن ينزل عن مهر مثلها انتهى قاله في شرح الإلمام.\nفائدة: يذكر فيها وفاة النجاشي، توفي - ﵁ - في رجب سنة تسع من الهجرة وصلى عليه رسول اللّه - ﷺ - صلاة الغائب، وعن أبي هريرة - ﵁ -. أن رسول اللّه - ﷺ - قال: إن النجاشي قد مات فخرج رسول اللّه - ﷺ - وأصحابه إلى البقيع فصفوا خلفه وتقدم رسول اللّه - ﷺ - فكبر أربع تكبيرات رواه الجماعة (^٢) وابن ماجه عن حذيفة بن أسيد أن النبي - ﷺ - خرج بهم فقال: \"صلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم\"، قالوا: من هو؟ قال: \"النجاشي\" (^٣)؛ حذيفة بن أسيد أبو سريحة الغفاري بالسين المهملة له صحبة شهد الحديبية مع رسول اللّه - ﷺ -\n_________\n(^١) نهاية المطلب (١٣/ ٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٤٥) و(١٣١٨) و(١٣٢٨) و(١٣٣٣) و(٣٨٨١)، ومسلم (٦٢ و٦٣ - ٩٥١)، وابن ماجه (١٥٣٤)، وأبو داود (٣٢٠٤)، والترمذى (١٠٢٢)، والنسائى في المجتبى ٤/ ١١٤ (١٩٨٧) و(١٩٨٨).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٥٣٧). وصححه الألباني في صحيح الأحكام (٩٠)، الإرواء (٣/ ١٧٦).","vol":"1","page":300},{"text":"وهي أول مشاهده ولم يبايع تحت الشجرة يومئذ وقيل: بايع ونزل الكوفة (^١)، وفي رواية: نعى النبي - ﷺ - النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصلى بهم وكبر أربع تكبيرات (^٢)، هذه الأحاديث صحيحة وفيها فوائد: منها الصلاة على الميت وأجمعوا على أنها فرض كفاية قاله ابن العطار (^٣) وخفى عليه فإن الصحيح عند المالكية أنها سنة على الكفاية، ووجوبها وجوب السنن، وقالت الشافعية إنها تسقط بواحد على الصحيح، وقيل: باثنين، وقيل بثلاثة، وقيل بأربعة (^٤)، ومنها: الصلاة على الميت الغائب عن البلد وهو مذهب الشافعي وموافقيه وهو قول أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أن الصلاة على الميت الغائب لا تجوز وهو قول أصحاب الرأي، وزعموا أن النبي - ﷺ - كان مخصوصًا بذلك (^٥) فإن الأرض دحيت له حتى رأى النجاشي كما دحيت له حتى رأى المسجد الأقصى، وأجابوا أيضًا: بأن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يصلي عليه وهذا ضعيف لأن الاقتداء به - ﷺ - واجب على الكافة (^٦)، ثم قال الخطابي (^٧):\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٢٩١) وأسد الغابة (١/ ٧٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٣٣)، ومسلم (٦٢ - ٩٥١).\n(^٣) العدة شرح العمدة (٢/ ٧٦٣).\n(^٤) المنهاج (ص ٦٠) وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢١)، والنجم الوهاج (٣/ ٥٣).\n(^٥) شرح السنة (٥/ ٣٤١)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢١).\n(^٦) معالم السنن (١/ ٣١١)، والمجموع (٥/ ٢٥٣)، والإعلام (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٢).\n(^٧) شرح السنة (٥/ ٣٤٢).","vol":"1","page":301},{"text":"ولا دليل فيه لأن النجاشي كان مسلمًا بين قوم كفار فقضى النبي - ﷺ - حقه في الصلاة عليه، فأما الميت المسلم في البلد الآخر فليس كهو لأنه قضى حقه غيره من المسلمين في بلده؛ ومنها: المعجزة الظاهرة لرسول اللّه - ﷺ - لإعلامه بموت النجاشي وهو بالحبشة في اليوم الذي مات فيه (^١)، ومنها: الخروج إلى المصلى لصلاة الغائب، وقد تمسك به المالكية والحنفية في منع الصلاة على الميت في المسجد، ولا يتم لهم ذلك إلا بنقل يخصه وإنما خرج بهم إلى المصلى لأنه أبلغ في إظهار أمره المشتمل على هذه المعجزة (^٢)، ومنها: أن تكبيراتها أربع - وبه قال الشافعي والجمهور وخالفه الشيعة فقالوا: يكبر خمسًا ووردت فيه أحاديث (^٣)، وجاء أن عليا كان يكبر على أهل بيته سبعا تعظيما لشأنهم فهو خاص بهم، وفي شرح الموطأ من حديث سليمان بن أبي خثيمة قال: كان النبي - ﷺ - يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانية حتى مات النجاشي فخرج إلى المصلي فصف الناس وراءه وكبر أربعا ثم ثبت على أربع حتى توفاه اللّه (^٤)، كذا استند القرطبي في الشرح المذكور (^٥)؛ ومنها: استحباب الإعلام بالميت لا على الصورة نعى الجاهلية\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢١ - ٢٢).\n(^٣) العدة (٢/ ٧٦٤).\n(^٤) الاستذكار (٣/ ٣٠).\n(^٥) المفهم (٨/ ٨٨).","vol":"1","page":302},{"text":"بل مجرد إعلام الصلاة عليه (^١).\nفائدة: قال في شرح الإلمام (^٢): وأفاد بعض علمائنا أنه ينبغي أنه يصلي كل ليلة على من مات في غير بلده وغسل فإنه يكتب له ثواب الصلاة في أقطار الأرض واستشكل من حيث أنه لم يرد، ولو كان مطلوبا لفعله الصحابة؛ قلنا: إذا شرع أصل عبادة لم يضر اختلاف الأوصاف كما استنبط بلال - ﵁ - من مشروعية النوافل شكر الوضوء، وأقره عليه.\nقوله: \"فمن كانت هجرته\" الحديث، الهجرة بكسر الهاء واسم الهجرة يقع على أمور، الهجرة الأولى: هجرة الصحابة من مكة إلى الحبشة حين أذى المشركون رسول اللّه - ﷺ - ففروا بدينهم إلى النجاشي [وكانت هذه بعد البعثة بخمس سنين قاله البيهقى] (^٣)، وعدد المهاجرين فيها اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة (^٤) وكانت هذه الهجرة بعد البعثة بثلاث عشرة سنة وكان يجب على كل من أسلم بمكة أن يهاجر إلى النبي - ﷺ - إلى المدينة، وأطلق جماعة أن الهجرة كانت واجبة من مكة إلى المدينة وهذا ليس على إطلاقه فإنه لا خصوصية للمدينة وإنما الواجب الهجرة إلى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢١).\n(^٢) شرح الإلمام لابن العماد.\n(^٣) شرح الأربعين (ص ١٢) للنووى وما بين المعكوفين إضافة من المصدر المذكور وانظر دلائل النبوة (٢/ ٢٩٧).\n(^٤) الإشارة (ص ١١٦)، والمختصر الكبير (ص ٣٦).","vol":"1","page":303},{"text":"رسول الله - ﷺ - حيث كان (^١).\nالهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة؛ الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول اللّه - ﷺ - ليتعلموا الشرائع ويرجعوا إلى قومهم فيعلموهم (^٢)؛ الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي النبي - ﷺ - ثم يرجع إلى مكة؛ الهجرة الخامسة: هجرة ما نهى اللّه عنه وهي أعم (^٣)؛ الهجرة السادسة: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فإنهم لما هاجروا أولًا إلى الحبشة رجعوا لما بلغهم عن المشركين سجودهم مع رسول اللّه - ﷺ - عند قراءة سورة النجم فلقوا من المشركين أشد مما عهدوا فهاجروا ثانيًا كما هو معروف في السير فلا يقال كلاهما هجرة إلى الحبشة فاكتفى بذكر الهجرة إليها مرة (^٤) انتهى.\nوكان عدد المهاجرين إلى الحبشة في الثانية ثلاثة وثمانين وثماني عشرة امرأة، الهجرة السابعة: هجرة من كان مقيمًا ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام ولا يحل له الإقامة بدار الكفر كما صرح به بعض الشافعية (^٥) انتهى، قال الماوردي (^٦): فإن صار له\n_________\n(^١) شرح الأربعين (ص ١٢ - ١٣) للنووي وهنا تقدمت العبارة في المخطوط فعبارة وكانت هذه الهجرة بعد البعثة ... تتمة لقوله الهجرة الثانية من مكة إلى المدينة.\n(^٢) شرح الأربعين (ص ١٥) للنووي.\n(^٣) شرح الأربعين (ص ١٥) للنووي.\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٢٢).\n(^٥) شرح الأربعين (ص ١٥) للنووي.\n(^٦) في الحاوي الكبير (١٤/ ٢٦٩).","vol":"1","page":304},{"text":"فيها أهل وعشيرة وأمكنه إظهار دينه لم يجز له أن يهاجر لأن المكان الذي هو فيه قد صار دار إسلام؛ الهجرة الثامنة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن كما رواه أبو داود والإمام أحمد منه قوله - ﷺ -: \"ستكون هجرة بعد هجرة وألزمهم مهاجر إبراهيم ... \" الحديث (^١)، فهذه ثمانية أقسام للهجرة ذكرت في شرح الأحكام للعراقى (^٢).\nوقال ابن العربي (^٣): قسم العلماء ﵃: الذهاب في الأرض قسمين هربا وطلبا فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:\nالأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وهي باقية إلى يوم القيامة والتي انقطعت بالفتح هي القصد على النبي - ﷺ - حيث كان.\nالثاني: الخروج من أرض البدعة، قال أبو القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحل لأحد أن يقول بأرض يسب فيها السلف.\nالثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.\nالرابع: الفرار من الأذية في البدن وذلك على فضل من اللّه تعالى أخص فيه فإذا خشى على نفسه فقد أذن الله تعالى في الخروج عنه والفرار بنفسه للّه ليصب من ذلك المحذور وأول من فعله إبراهيم ﵊ حين\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٨٢)، وأحمد في مسنده (١١/ ٤٥٥).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٢٢).\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ٦١١ - ٦١٣) وقد لخصها النووي في شرح الأربعين (ص ١٣ - ١٥).","vol":"1","page":305},{"text":"خاف من قومه فقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (^١) وقال تعالى مخبرا عن موسى ﵊: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (^٢)، الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة إلى الأرض النزهة وقد أذن - ﷺ - للعرب حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح (اسم مكان)، السادس: الخروج خوفا من الأذية في المال فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه. وأما قسم الطلب فينقسم قسمين طلب دين وطلب دنيا وطلب الدين ينقسم إلى تسعة أنواع:\nالأول: سير العبرة قال اللّه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ (^٣) ويقال: إن ذا القرنين إنما طاف ليرى عجائبها.\nالثاني: سفر الحج.\nالثالث: سفر الجهاد.\nالرابع: سفر المعاش. الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت وهو جائز لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٤)، السادس: في طلب العلم، السابع: قصد البقاع قال - ﷺ -: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد\" (^٥)، الثامن: الثغور للرباط بها، التاسع: زيارة\n_________\n(^١) سورة العنكبوت، الآية: ٢٦.\n(^٢) سورة القصص، الآية: ٢١.\n(^٣) سورة الروم، الآية: ٩.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (١١٨٨)، ومسلم رقم (١٣٩٧).","vol":"1","page":306},{"text":"الإخوان في الله تعالى، قال رسول اللّه - ﷺ -: \"زار رجل أخًا له في قرية فأرصد الله على مدرجته ملكًا فقال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية ... \" الحديث (^١)، انتهى.\nمعنى الحديث: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى اللّه ورسوله ثوابا وأجرا أو نحو ذلك من التقديرات فمن هاجر إلى اللّه تعالى كان أجره على اللّه وكانت هجرته مقبولة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه\" الحديث، ولفظ دنيا مقصورة غير منونة لأنها فعلى من الدنو وموصوفها محذوف أي: الحياة الدنيا (^٣)، فأخبر النبي - ﷺ - أن هذه الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا للّه ورسوله ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى اللّه ورسوله حقا وكفاه وشرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب الدنيا يصيبها أي يحصلها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر والثاني خاطب وليس واحد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (٢٥٦٧).\n(^٢) المفهم (١٢/ ٥٢)، وشرح النووي على الأربعين (ص ١٥ - ١٦) وإحكام الأحكام (١/ ٦٢) وطرح التثريب (٢/ ٢٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٨).","vol":"1","page":307},{"text":"منهما مهاجر (^١)، والسبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة لأنهم نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمي أم قيس فسمي مهاجر أم قيس (^٢).\nتنبيه: لم يسم أحد فيمن صنف في الصحابة، هذا الرجل الذي ذكروا أنه كان يسمى مهاجر أم قيس فيما رأيت، وأما أم قيس المذكورة: فقد ذكر أبو الخطاب بن دحية أن اسمها قيلة وهي معدودة في الصحابيات (^٣)، انتهى [قال بعض مشايخنا: والحكمة في عدم تسمية الصحابي المذكور الستر على الصحابي لئلا يسيئ أحد الظن بالصحابي (^٤)].\nوقوله: في الحديث: \"ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها\" يحتمل أن مهاجر أم قيس المذكور كان يحبها لمالها وجمالها، فجمعهما في التعريض به، ويحتمل أنه كان يطلب نكاحها وغيره من الناس هاجر لتحصيل دنيا من جهة ما فعرض بهما ويحتمل غير ذلك (^٥).\nفائدة: فإن قيل: النكاح من [المطلوبات الشرعية] والهجرة إليه هجرة إلى اللّه ورسوله فلم كانت من الدنيا.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٢) شرح الأربعين للنووي (ص ١٦).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٢٥ - ٢٦).\n(^٤) قاله ابن الملقن في الإعلام (١/ ٢٠٤) و(٢/ ٦٠٤)، وما بين المعكوفين زيادة في المخطوطة المغربية فقط.\n(^٥) الإعلام (١/ ٢٠٥) والتوضيح (٢/ ١٩٣)، وعمدة القاري (١/ ٢٨).","vol":"1","page":308},{"text":"قيل: في بيانه أنه لم يخرج في الظاهر له وإنما خرج في الظاهر لطلب الهجرة فلما أبطن خلاف ما أظهر استحق العتاب واللوم ويقاس من خرج في الصورة الظاهرة لطلب الحج وقصد التجارة وكذلك يقاس سائر الأعمال كطلب العلم لطلب منصب ونحوه (^١) واللّه أعلم.\nفالهجرة على حد واحد في الفعل وإنما كانت هذه للّه وهذه لغير اللّه بما احتوت عليه الجوارح الباطنة وهي النية وقد قال الإمام المازري (^٢): ألا ترى أن الساجد للّه والساجد للصنم في الصورة واحد، وإنما كانت هذه عبادة وهذه كفر بالنية (^٣) وفيه أن العمل للدنيا ليس من القربات في شئ وأن الديني لا يقبل ما لم يقترن به قصد الثواب إلى اللّه تعالى حتى قال العلماء: من أدى نفقة زوجته أو قريبه أو وفى دينه من غير قصد لامتثال الشرع لم يثبت على ذلك فسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما، وقد سئل النبي - ﷺ - عن اختلاف نيات الناس وما يقصد بها من الرياء والشجاعة والعصبية وغير ذلك في سبيل اللّه فقال: \"من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه\" فخرج بها كلما سألوا عنه من المقاصد الدنيوية (^٤) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) شرح الأربعين للنووي (ص ١٦).\n(^٢) كذا في المخطوط عزو القول للمازرى والذى في المدخل لابن الحاج عزوه لمالك بن أنس.\n(^٣) المدخل (١/ ٧ - ٨).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٥).","vol":"1","page":309},{"text":"قوله: رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم الكلام على البخاري وأبو داود والنسائي وسيأتي الكلام على مسلم بن الحجاج، وأما الترمذي فهو منسوب إلى ترمذ، قال أبو سعد السمعاني (^١): هي بلدة قديمة على أطراف نهر بلخ الذي يقال له جيحون ويقال في النسبة إليه ترمذي بكسر التاء والميم وبضمها وتفتح التاء مع كسر الميم ثلاثة أوجه حكاها السمعاني (^٢) واللّه أعلم.\nقوله: في الكلام على رواة الحديث فإنه مما انفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التميمي قال الحفاظ: لم يصح حديث: \"إنما الأعمال بالنيات\" عن النبي - ﷺ - إلا من رواية عمر بن الخطاب، ولا عن عمر إلا من رواية علقمة بن أبي وقاص، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى انتشر فرواه عنه الخلق الكثير والجم الغفير (^٣)، ومن أعيانها مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وشعبة وابن عيينة وغيرهم (^٤). واللّه أعلم.\n_________\n(^١) عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي، أبو سعد (المتوفى: ٥٦٢ هـ).\n(^٢) الأنساب (٣/ ٤١).\n(^٣) في الحاشية: الجم الجماعة الكبيرة والغفير من الغفر وهو الستر وسمى الجماعة الكبيرة بذلك لسترهم وجه الأرض واللّه أعلم.\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٣).","vol":"1","page":310},{"text":"تتمة: علقمة بن [أبى] (^١) وقاص هو الليثي (^٢)، ومحمد بن إبراهيم هو أبو عبد اللّه التيمي (^٣) ويحيى بن سعيد هو أبو سعيد الأنصاري وهم تابعيون يروي بعضهم عن بعض (^٤)، ويحيى بن سعيد الأنصاري أجمعوا على جلالته وإمامته، قال الإمام أحمد بن حنبل ما رأيت مثله في كل أحواله، وقال: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال ابن معين: أقام يحيى عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: لا ترى عينيك مثل يحيى، وقال ابن حبان في الثقات: كان يحيى من سادات أهل زمانه حفظا وورعا وفهما وفضلا وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن النظر في البحث عن الثقات وترك الضعفاء، روى له أصحاب الكتب الستة نقل أنه كان يصلي العصر فيستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه الإمام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وابن معين وغيرهم هيبة له وإعظاما يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى المغرب لا يجلسون، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة (^٥)\n_________\n(^١) كذا في الأصل وإنما هو علقمة بن وقاص الليثي.\n(^٢) انظر: جامع الأصول (١٢/ ٦٠٨)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ترجمة ٤٠٢١).\n(^٣) انظر لترجمته تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٦).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٥).\n(^٥) حدث خلط للشارح بين يحيى بن سعيد الأنصارى ويحيى بن سعيد القطان فترجم للأنصارى بترجمة القطان انظر لترجمة يحيى بن سعيد الأنصارى جامع الأصول (١٢/ ١٠٠٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٥٣ - ١٥٤)، وانظر لترجمة يحيى بن سعيد القطان جامع الأصول (١٢/ ١٠٠٦) وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٥٤ - ١٥٥).","vol":"1","page":311},{"text":"واللّه أعلم. [قوله: وقد روى من طرق كثيرة، غير طريق الأنصاري، ولا يصح منها شيء كذا قاله الحافظ علي بن المديني (^١)].\nتنبيه: قوله: علي بن المديني، والمديني: نسبة إلى مدينة رسول اللّه - ﷺ -، نسب إليها لأن أصله كان منها، وكان من أعلم أهل زمانه بعلل الأحاديث، مات ابن المديني في القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين عن أربع وسبعين سنة (^٢)، انتهى. قاله في الديباجة.\n\n١٦ - عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ\" قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: \"يُخْسَفُ بِأَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ\" (^٣) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.\nقوله: وعن عائشة ﵂؛ عائشة هي: أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن غنم بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، يلتقي والدها مع النبي - ﷺ - في مرة بن كعب، قال أبو عمر بن عبد اللّه: لم يختلفوا في اسم أبيها وجدها، وأن لقب أبي بكر عتيق، وأمها: أم رومان بضم الراء المهملة، وحكي ابن عبد البر أنه يقال: بفتحها أيضًا، واسم أم رومان: زينب بنت عامر، وقيل: بنت\n_________\n(^١) زيادة في المخطوطة المغربية فقط.\n(^٢) انظر جامع الأصول (١٢/ ٧١٢ - ٧١٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٥٠ - ٣٥١).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٢١١٨)، ومسلم رقم (٢٨٨٣) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":312},{"text":"دهمان من بني مالك بن كنانة، توفيت أم رومان سنة ست من الهجرة في ذي الحجة، وقد صح أنها كانت في الإفك حية، وكان الإفك في شعبان سنة ست، ونزل النبي - ﷺ - في قبرها واستغفر لها، أسلمت قبل الهجرة، وتزوج رسول اللّه - ﷺ - عائشة ﵂ قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث وهي ابنة ست سنين، وقيل: سبع سنين، وقال عبد الغني: والأول أصح، وبنى بها في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره على الصحيح، وقيل: غير ذلك وهي ابنة تسع وولدت سنة أربع من النبوة (^١)، وتوفي رسول اللّه - ﷺ - وهي ابنة ثماني عشرة سنة (^٢)، وعن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت (^٣)؛ وعن عروة بن الزبير قال: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة (^٤)؛ وعن عطاء بن أبي رباح قال: كانت عائشة ﵂ أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة (^٥)، واعلم أن رسول\n_________\n(^١) المختصر الكبير (ص ٩٣).\n(^٢) مرآة الزمان (٧/ ٤١٠).\n(^٣) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٣٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ١٦٥)، وانظر العدة (١/ ١٠١)، وسمط النجوم العوالى (١/ ٤٥٠) نقلا عن أنساب الأشراف للبلاذرى (١/ ٤١٨) وفيه اشتغلت بدل استقلت.\n(^٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ١٨٢)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٢٧٥٩)، وانظر العدة (١/ ١٠١)، وعيون الأثر (٢/ ٣٦٩).\n(^٥) رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٤)، واللالكائي في أعتقاد أهل السنة (٢٧٦٢)، وانظر العدة (١/ ١٠١)، وعيون الأثر (٢/ ٣٦٩).","vol":"1","page":313},{"text":"اللّه - ﷺ - مات عن تسع من أزواجه وعائشة. أفضلهن بلا خلاف؛ وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ وجهان، حكاهما صاحب التتمة، وادعى الثعلبي الإجماع على أن خديجة أول الناس إسلاما، وهذا يقتضي ترجيح تفضيلها على عائشة ﵂ (^١)، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"ما تزوجت شيئا من نسائي ولا زوجت شيئا من بناتي إلا بوحي جاءني جبريل عن ربي ﷿\" (^٢)؛ وكنية عائشة أم عبد اللّه، كناها رسول اللّه - ﷺ - بأم عبد اللّه بابن أختها عبد اللّه بن الزبير (^٣).\nواعلم أن عائشة أم المؤمنين اختصت بفضائل لم يشركها أحد من أزواج النبي - ﷺ - فيها، الأولى: أنه - ﷺ - لم يتزوج بكرًا غيرها؛ الثانية: أن جبريل ﵇ جاء النبي - ﷺ - بصورتها قبل أن يتزوجها؛ الثالثة: أنها كانت أحب نساء النبي - ﷺ - إليه؛ الرابعة: كان أبوها أحب الرجال إليه وأعزهم عليه؛ الخامسة: لم ينكح النبي - ﷺ - امرأة أبواها مهاجران بلا خلاف سواها، السادسة: كان لها يومان وليلتان في القسم دونهن لما وهبتها سودة أم المؤمنين يومها وليلتها؛\n_________\n(^١) العدة في شرح العمدة (١/ ١٠١).\n(^٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٤٩٥) في ترجمة (إسماعيل بن يحيى بن عبيد اللّه التيمى) وقال: يحدث عن الثقات بالبواطيل ... ثم ذكر الحديث وقال: هذا الحديث باطل بهذا الإسناد. وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٢٥١) وقال: غريب، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٩/ ١٤٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٧٣٩) (٤٩٧٠)، وابن حبان (٧١١٧) وقال الألباني: صحيح الصحيحة (١٣٢).","vol":"1","page":314},{"text":"السابعة: أنها كانت تغضب فيترضاها ولم يثبت ذلك لغيرها؛ الثامنة: لم ينزل الوحي على رسول اللّه - ﷺ - في لحاف امرأة غيرها؛ التاسعة: أنها رأت جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي؛ العاشرة: نزل براءتها من السماء في قصة الإفك؛ الحادية عشرة: جعل براءتها قرآنا يتلى يوم القيامة؛ الثانية عشرة: لم ينزل بها أمرٌ إلا جعل اللّه ﵎ لها منه مخرجا وللمسلمين بركة؛ الثالثة عشرة: نزل آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول اللّه - ﷺ - الناس، وقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؛ الرابعة عشرة: أنها خيرت فاختارت اللّه ﵎ ورسوله على الفور وكن لها تبعا في ذلك؛ الخامسة عشرة: كانت أفصحهن لسانًا؛ السادسة عشرة: كانت ﵂ أكثرهن علمًا؛ السابعة عشرة: اختياره - ﷺ - أن يمرض في بيتها؛ الثامنة عشرة: اجتماع ريق رسول اللّه - ﷺ - وريقها في آخر أنفاسه ﵊؛ التاسعة عشرة: وفاته بين سحرها ونحرها؛ العشرون: وفاته - ﷺ - في يومها؛ الحادية والعشرون: في بيتها بقعة هي أفضل بقاع الأرض مطلقًا، وهي مدفنه - ﷺ -، وادعى القاضي عياض وغيره الإجماع عليه؛ الثانية والعشرون: لم يرو عن النبي - ﷺ - الحديث امرأة أكثر منها، روي لها عن رسول اللّه - ﷺ - ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا ومسلم بثمانية وستين حديثا، وروى عنها من الصحابة عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن الزبير وعبد اللّه بن قيس الأشعري وعبد اللّه بن عامر بن ربيعة وأبو هريرة","vol":"1","page":315},{"text":"ونيف وستون رجلا وامرأة من التابعين في الصحيح (^١)، انتهى، ذكره ابن الفرات الحنفي في تاريخه.\nقوله - ﷺ -: \"يغزوا جيش الكعبة\" الحديث، أي: يقصد عسكر من العساكر تخريب الكعبة (^٢).\nقوله: \"فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم\" وفي رواية: \"ببيداء المدينة\" وبيداء المدينة الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة (^٣)، وفي الصحاح (^٤): والبيداء المفازة التي لا شيء فيها، وقال بعض العلماء: البيداء كل أرض ملساء لا شيء بها (^٥)، وسميت أيضًا بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر وكل مفازة تسمي بيداء (^٦)، وجمعها بيد وهي ما باد الشيء يبيد كأنها تبيد سالكها أي: تهلكه، ومنه قوله: أبيدت خضراء قريش، أي: أهلكت (^٧) وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، وأكثر ما ترد البيداء، ويراد بها هذه، ومنه الحديث: \"أن قومًا يغزون البيت فإذا نزلوا بالبيداء بعث الله جبريل ﵇ فيقول: يا بيداء أبيديهم فتخسف بهم\" أي: أهلكيهم والإبادة الإهلاك أباده يبيده وباد هو يبيد، ومنه الحديث أيضًا: \"فإذا\n_________\n(^١) انظر العدة (١/ ١٠٠ و١/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٠/ ١٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٨/ ٩٢) و(١٨/ ٥) والكواكب الدراري (٨/ ٧٥).\n(^٤) الصحاح (٢/ ٤٥٠).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٥).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٨/ ٩٢) والكواكب الدراري (٨/ ٧٥).\n(^٧) مطالع الأنوار (١/ ٥٥٩).","vol":"1","page":316},{"text":"والإبادة الإهلاك أباده يبيده وباد هو يبيد، ومنه الحديث أيضًا: \"فإذا هم بديار باد أهلها\" أي: هلكوا وانقرضوا انتهى، قاله ابن الأثير في النهاية (^١).\nقولها ﵂: قالت: قلت: يا رسول اللّه، كيف يخسف بأولهم وآخرهم، الحديث، الخسف بالصالح ونحوه ليس حربا له بل لفراغ أجله (^٢).\nقوله: وفيهما أسواقهم ومن ليس منهم، أي: أهل أسواقهم أو رعاياهم (^٣)؛ ومن ليس منهم: أي: من ليس ممن يقصد التخريب بل هم الضعفاء والأسارى (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"ثم يبعثون على نياتهم\" أي: فيما يستسرون من الصلاح والفساد لأنه ربما يكون فيهم من هو مكره على حضوره معهم غير راض به، انتهى. وفي الرواية الأخرى: \"ثم يبعثون على ما في أنفسهم\" ومعناه: كمعنى قوله في الحديت الآخر: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم، إذا كثر الخبث\" (^٥) وقال الكرماني: (^٦) أي يخسف بالكل لشؤم الأشرار، ثم إنه تعالى يعامل كلا منهم في الحشر بحسب قصده، إن خيرا فخير وإن شرًا فشر، انتهى.\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١٧١).\n(^٢) انظر كشف المشكل (٤/ ٣٧٦).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٠/ ١٣).\n(^٤) الكواكب الدراري (١٠/ ١٣ - ١٤).\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٣٣٤٦)، ومسلم رقم (٢٨٨٠).\n(^٦) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٤).","vol":"1","page":317},{"text":"فائدة: إذا أنزل اللّه بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم، وقد يشكل فيقال كيف يصيب العذاب من لم يفعل أفعالهم، والجواب: من وجهين: أحدهما: أن يكون فيهم من هو راض بأفعالهم أو غير منكر لها فيعذب برضاه بالمعصية وسكوته عن الإنكار فإن الصالحين من بني إسرائيل لما أنكروا على المفسدين ثم واكلوهم وشاربوهم وصافوهم عم العذاب الكل، والجواب الثاني: أن يكون إصابة العذاب لهم لا على وجه التعذيب ولكن يكون إماتة لهم عند انتهاء آجالهم كما هلكت المواشي والبهائم في الطوفان بآجالها لا بالتعذيب (^١)، واللّه أعلم، وجد في حواشي المشارق من نسخة معتمدة.\n\n١٨ - عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ رَجعْنَا من غَزْوَة تَبُوك مَعَ النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ \"إِنَّ أَقْوَامًا خَلْفَنَا بِالْمَدِينهِ، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلَا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ\" (^٢) رواه البخاري وأبو داود ولفظه إن النبي - ﷺ - قَالَ: \"لقد تركْتُم بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلا أنفقتم من نَفَقَة وَلا قطعْتُمْ من وَاد إِلَّا وهم مَعكُمْ قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَكيف يكونُونَ مَعنا وهم بِالْمَدِينَةِ قَالَ حَبسهم الْمَرَض\".\nقوله - ﷺ -: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه، وكم روى عن النبي - ﷺ - من الأحاديث قريبًا.\n_________\n(^١) كشف المشكل (٢/ ٥١٢ - ٥١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٢٨٣٩)، وأبو داود رقم (٢٥٠٨)، وأخرجه مسلم رقم (١٩١١) من حديث جابر.","vol":"1","page":318},{"text":"قوله: قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي - ﷺ -، غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة، وخرج إليها رسول اللّه - ﷺ - (^١)، ويأتي الكلام عليها في الصدق، وفيه حديث كعب بن مالك في تخلفه عنها، وفيه: فوائد جمة مبسوطا إن شاء اللّه تعالى.\nقوله: \"فقال: إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا\" الحديث، خلفنا بإسكان اللام، والشعب بكسر الشين المعجمة هو الطريق في الجبل (^٢).\nوقوله: \"إلا وهم معنا حبسهم العذر\" أي الفقر والضعف أي من حيث استحقاق الثواب وحبسهم العذر جوابًا لقول من يقول لأي شيء يكونون معكم، قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقوله: وفي رواية أبي داود: \"لقد تركتم بالمدينة قومًا ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم\" وفي آخره قال: \"حبسهم المرض\" قال النووي (^٣): ففي هذه الراوية والتي قبلها فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو أو غيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه.\n_________\n(^١) انظر المختصر الكبير (ص ٦٧).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ١٧٨) و(٣/ ٢١) و(٢٣/ ١٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٧).","vol":"1","page":319},{"text":"وفيه أيضًا أن من نوى خيرا فله أجر ما نواه وإن عاقه عنه عائق تفضلًا من اللّه تعالى وجزاءً على نيته (^١)، ولهذا شواهد من السنة ذكره المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود، فإذا كان الشرع - ﷺ - قد نزل العاجر عن الطاعة مع الفاعل لها إذا صحت نيته لقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما\" (^٢) وله نظائر في الحديث، فتنزيل العاجر عن المعصية التارك لها قهرا مع نية تركها اختيارا لو أمكنه منزلة التارك لها المختار أولى (^٣)، واللّه أعلم.\nوقال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (^٤): هذا الحديث يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساويا وفي فضل اللّه متسع وثوابه فضل لا استحقاق فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل، وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة، قال: والأول أصح، ذكره في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٥) الآية، انتهى.\nقال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٣٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٢٩٩٦).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٢٩٦).\n(^٤) تفسير القرطبي (٥/ ٣٤٢).\n(^٥) سورة النساء، الآية: ٩٥.","vol":"1","page":320},{"text":"الجهاد (^١)، وفيه دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين ولكن لا يكون لهم ثواب المجاهدين بل يكون لهم ثواب نياتهم إن كانت لهم نية صالحة كما قال - ﷺ -: \"ولكن جهاد ونية\" (^٢) وفيه أن الجهاد فرض كفاية وليس بفرض عين، وفيه رد على من يقول إنه كان في زمن النبي - ﷺ - فرض عين وبعده فرض كفاية، والصحيح أنه كان فرض كفاية من حين شرع وهذه الآية ظاهرة في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٣) (^٤).\nقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ قرئ بنصب الراء ورفعها قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصبها والباقون برفعها (^٥)، وقرئي [في الشاذ] بجرها فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع فوصف القاعدين أو بدل منهم، ومن جر فوصف للمؤمنين أو بدل منهم (^٦). واللّه أعلم.\nفإذا تقرر ما ذكرناه، فسير القلوب أبلغ من سير الأبدان، كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت وكم من قاعد على فراشه في بيته\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٥/ ٣٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١٨٣٤)، ومسلم رقم (١٣٥٣).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٥) حجة القراءات (ص ٢١٠) والتيسير في القراءات السبع (ص ٩٧).\n(^٦) انظر: إعراب القرآن ومعاني القرآن (٢/ ١٧٠ - ١٧١) للنحاس (١/ ٢٣٤)، ومشكل إعراب القرآن (١/ ٢٠٦) لمكى بن أبي طالب.","vol":"1","page":321},{"text":"وقلبه متصل بالمحل الأعلى قال رجل لبعض العارفين باللّه: قد قطعت إليك مسافة قال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك، شعر (^١):\nجِسْمِي مَعِي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمُ ... فَالْجِسْمُ فِي غُربَةٍ وَالرُّوحُ فِي وَطَنِ (^٢)\n\n١٧ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"إِنَّمَا يبْعَث النَّاس على نياتهم\" (^٣). رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ أيْضا من حَدِيث جَابر إِلَّا أنه قَالَ \"يحْشر النَّاس\".\nقوله: وعن أبي هريرة، اختلفوا في اسمه واسم أبيه على أقوال نحو ثلاثين قولًا (^٤). وقال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر فسميت في الإسلام عبد الرحمن وإنما كناني أبي أبا هريرة لأني كنت أرعى غنما فوجدت هرة فجعلتها في كفي فقال أبي: أنت أبو هريرة (^٥) ولم يرو عن رسول اللّه - ﷺ - أحد من الرجال أكثر مما روي عنه أبو هريرة فإنه روى عنه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة حديث\n_________\n(^١) ذكره الخرائطي في اعتلال القلوب (٢/ ٣٢١).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٢٥١).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٢٩)، وأحمد في مسنده (١٥/ ٤٤)، وأبو يعلى رقم (٦٢٤٧).\nوصححه الألباني في الجامع الصغير رقم (٢٣٧٩)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (١٣): صحيح لغيره. وأخرجه ابن ماجه ايضا رقم (٤٢٣٠) عن جابر بن عبد اللّه.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٧٠).\n(^٥) تاريخ دمشق (٦٧/ ٢٩٨)، ومرآة الزمان (٧/ ٤١٨).","vol":"1","page":322},{"text":"وأربعة وسبعين حديثًا، وإنما صحبه أربع سنين (^١)، قال الواقدي: وهو من قبيلة من اليمن يقال لها دوس من الأزد، واسم أمه: أميمة بنت صفيح بن الحارث وخاله سعيد بن صفيح من أشد أهل زمانه (^٢)، وقال أبو هريرة: نشأت يتيما وهاجرت مسكينًا وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدوا إذا ركبوا فزوجنيها اللّه، والحمد للّه الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إمامًا (^٣).\nقوله: كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان كذا ذكرها الذهبي في تجريد الصحابة (^٤) أن اسمها بسرة، وقال: ما رأيت أحدًا ذكرها، والعجب أن هذا رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية (^٥) في أوائل ترجمة أبي هريرة من حديث أبي بكر بن خلاد فذكر الحديث ابن ماجه عقبه بما رواه ابن علية عن الجريري فذكر الحديث إلى أن قال: \"كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان لعقبة رحلي وطعام بطني ... \" الحديث (^٦).\nوقوله: \"الحمد للّه الذي جعل الدين قوامًا\" قوام الشيء عماده.\n_________\n(^١) مرآة الزمان (٧/ ٤٢٦).\n(^٢) المعارف (ص ٢٧٧).\n(^٣) طبقات ابن سعد ٥/ ٢٣١، ومرآة الزمان (٧/ ٤١٩).\n(^٤) تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢٥٢).\n(^٥) حلية الأولياء (١/ ٣٧٩).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه رقم (٢٤٤٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٢٣٣٨٠)، وابن حبان رقم (٧١٥٠).","vol":"1","page":323},{"text":"الذي يقوم به يقال: فلان قوام أهل بيته (^١) والقائم الدائم المستمر الذي يعمل ولا يترك.\nقوله: (وجعل أبا هريرة إمامًا) والإمام القدوة في الدين (^٢)، قال اللّه تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (^٣) أي: قدوة يقتدى بنا في الخير (^٤)، وكان ابن عمر يقول في دعائه: اللهم اجعلنا من أئمة المسلمين (^٥)، وقال الشيخ أبو القاسم القشيري شيخ الصوفية: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى (^٦)، يعني: بتوفيق اللّه تعالى وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه (^٧)، وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة بل أن يكونوا قدوة في الدين (^٨)، وقيل: سألوا أن يجعل اللّه تعالى كل واحد منهم إمامًا (^٩)، قال الزمخشري: وعن بعضهم أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها وقد نزلت هذه الآية في العشرة المبشرين بالجنة (^١٠) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ٢٠١٧ - ٢٠١٨)، والنهاية (٤/ ١٢٤).\n(^٢) أحكام القرآن (٣/ ٤٥٦).\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.\n(^٤) تفسير القرطبي (١٣/ ٨٣).\n(^٥) أحكام القرآن (٣/ ٤٥٦)، وتفسير القرطبي (١٣/ ٨٣).\n(^٦) لطائف الإشارات (٢/ ٦٥٢).\n(^٧) أحكام القرآن (٣/ ٤٥٦) وتفسير القرطبي (١٣/ ٨٣).\n(^٨) تفسير القرطبي (١٣/ ٨٣).\n(^٩) تفسير النسفى (٢/ ٥٥٢).\n(^١٠) الكشاف (٣/ ٢٩٦).","vol":"1","page":324},{"text":"وكان قدوم أبي هريرة - ﵁ - سنة سبع والنبي - ﷺ - بخيبر فسار إلى خيبر حتى قدم على النبي - ﷺ - ثم قدم معه إلى المدينة وكان أبو هريرة - ﵁ - بعيد ما بين المنكبين ذا ضفيرتين أفرق الثنيتين يصفر لحيته ويعفها، ويحف شاربه، وكان أحسن الناس خلقا مزاحا - ﵁ - (^١) ومناقبه كثيرة مشهورة.\nقوله - ﷺ -: \"إنما يبعث الناس على نياتهم\" الحديث، وفي الرواية الأخرى: \"يحشر الناس على نياتهم\" الحديث، فمن كانت نيته في الدنيا النصحية للّه ورسوله والمسلمين ويحب لهم ما يحب بُعث على هذه النية وجُوزِي عليها وإن كانت نيته بضد ذلك بعث عليها واستحق الجزاء بها، واللّه أعلم.\n\n١٩ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن اللّه لا ينظر إِلَى أجسامكم وَلا إِلَى صوركُمْ وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ\" (^٢) رواه مسلم.\nقوله: وعن أبي هريرة أيضًا، تقدم الكلام على مناقبه في الحديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم [وأموالكم] ولكن ينظر إلى قلوبكم\"، وفي حديث آخر: \"إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^٣) الحديث، معنى النظر هاهنا [الإحسان] والرحمة والعطف، لأن النظر في الشاهد دليل المحبة وترك النظر دليل البغض والكراهة وميل الناس إلى الصورة المعجبة والأموال الفائقة\n_________\n(^١) المعارف (ص ٢٧٨).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٥٦٤).\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (٢٥٦٤).","vol":"1","page":325},{"text":"واللّه تعالى يتقدس عن شبه المخلوقين فجعل نظره إلى ما هو السر واللب وهو القلب والعمل والنظر يقع على الأجسام والمعاني فما كان بالأبصار فهو للأجسام وما كان بالبصائر فهو للمعاني انتهى، قاله في النهاية (^١).\nوقال بعض العلماء: معنى نظر اللّه هنا مجازاته ومحاسبته إنما يكون ذلك على ما في القلب دون الصورة الظاهرة ونظر اللّه ورؤيته محيطة بكل شيء فحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا قلبه خرابا من التقوى ويكون ممن ليس له شيء من ذلك قلبه مملوءا بالتقوى فيكون أكرم عند اللّه ﷿ بل ذلك هو الأكثر وقوعا كما في الصحيح عن حارثة بن وهب عن النبي - ﷺ - قال: \"ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو لأقسم على اللّه لأبره\" (^٢) قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^٣).\nتتمة: وقال القرطبي (^٤): في قوله - ﷺ -: \"إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم\" الحديث، فيه نظر اللّه تعالى الذي هو رؤيته الموجودات وإطلاعه عليها لا يخص موجودا دون موجود بل يعم جميع الأشياء إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ثم قد جاء في الشرع نظر اللّه تعالى بمعنى رحمته للمنظور إليه وبمعنى قبول أعماله ومجازاته عليها وهذا هو النظر الذي\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٤٩١٨)، ومسلم رقم (٢٨٥٣).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٧٦).\n(^٤) المفهم (٢١/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"1","page":326},{"text":"يخص بعض الأشياء وينفي عن بعضها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (^١)، فقوله - ﷺ -: \"إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم\" أي: يثيبكم عليها ولا تقربكم منه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (^٢) ويستفاد من هذا الحديث فوائد:\nأحدها: صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته بتحقيق علومه وتصحيح مقاصده وعروضه وتطهيره عن مذموم صفاته واتصافه بمحمودها، فإنه كما كان القلب هو محل نظر اللّه فحق للعالم بقدر إطلاع اللّه تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته اللّه تعالى بسببه.\nالثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب مقدم على أعمال بالجوارح لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن باللّه تعالى مخلص فيما يعمله ثم لا يكمل ذلك إلا بمراقبة الحق فيه (^٣) وهو الذي عبر عنه بالإحسان حيث قال: \"أن تعبد اللّه كأنك تراه\" (^٤) وبقوله: \"إن في\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.\n(^٢) سورة سبأ، الآية: ٣٧.\n(^٣) إبطال التأويلات لأخبار الصفات (١/ ٣٦٨).\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٩).","vol":"1","page":327},{"text":"الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\" (^١) الحديث.\nالثالثة: أنه لما كانت القلوب هي المصححة للأعمال الظاهر وأعمال القلب غيبت عنا فلا نقطع بعيب أحد لما نرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم اللّه من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطًا أو معصية يعلم اللّه من قلبه وصفا محمودًا يغفر له بسببه فالأعمال إما رأت ظنية لا أدلة قطعية، ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة وعدم احتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة بل نحتقر ونذم تلك الحالة السيئة لا تلك الذات المتسببة، فتدبر هذا فإنه نظر دقيق (^٢) انتهى، قاله في الديباجة.\nواعلم أن القلب عضو شريف فيه نور الإيمان وأنه موضع التقوى قال - ﷺ -: \"التقوى هاهنا وأشار إلى قلبه\" (^٣)، والأعمال وسائل بها يتقرب العباد إلى اللّه تعالى وبها يظهر المطيع من العاصي فصار كل منهما محل نظره تعالى بخلاف الصور لأن المقصود منها ما هو في بواطنها من معرفة خالقها والعلم بذاته وصفاته وبخلاف الأموال، لأن الدنيا ما تزن عند اللّه جناح بعوضة فما ظنك بالأموال، انتهى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٠٧ - ١٥٥٩) عن النعمان بن بشير.\n(^٢) جميع ما سبق نقلا عن المفهم (٢١/ ٨٣ - ٨٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٩/ ٣٧٤)، وأبو يعلى رقم (٢٩٢٣).","vol":"1","page":328},{"text":"ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب وهو من نحو قوله - ﷺ -: \"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\" (^١).\nفائدة: قال الإمام المازري: احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس (^٢) فالعقل هو التثبت في الأمور وجمعه عقول سمي بذلك لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه، وقيل: هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوانات وهو ضد الحمق، وقال المحاسبي: هو نور في القلب يفيد الإدراك وذلك النور يقل ويكثر فإذا قوي فمع ملاحظة الهوي قيل لعمرو بن العاص ما بال قومك لو يؤمنوا وقد وصفهم اللّه بالعقل فقال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ (^٣) وكانت قريش تدعي أهل الإحلام والنهى، فقال تلك عقول كادها اللّه تعالى أي: لم يصحبها التوفيق، وقال: قوم أحلامهم أذهانهم وأن العقل لا يعطي لكافر إذ لو كان له عقل لآمن إنما الكافر الذَّهن، روي الترمذي الحكيم بسنده أن رجلًا قال: يا رسول اللّه ما أعقل فلانا النصراني؟ فقال: مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول اللّه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ\n_________\n(^١) انظر شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٩) و(١٦/ ١٢١).\n(^٣) سورة الطور، الآية: ٣٢.","vol":"1","page":329},{"text":"السَّعِيرِ (١٠)﴾ (^١) (^٢) وأجاب الجمهور: عن هذا يحمل هذا على العقل النافع، واختلف العلماء في محل العقول فقال أصحابنا وجمهور المتكلمين أنه في القلب، وقال أصحاب أبي حنيفة وأكثر الأطباء أنه في الدماغ (^٣)، واللّه أعلم.\n\n٢٠ - عَن أبي كبْشَة الأنمَارِي - ﵁ - أَنه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول ثَلَاث أقسم عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه، قَالَ: مَا نقص مَال عبد من صَدَقَة وَلا ظلم عبد مظْلمَة صَبر عَلَيْهَا إِلَّا زَاده اللّه عزا وَلا فتح عبد بَاب مَسْألة إِلَا فتح اللّه عَلَيْهِ بَاب فقر أَو كلمة نَحْوهَا، وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لأربعة نفر عبد رزقه اللّه مَالا وعلما فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ ربه ويصل فِيهِ رَحمَه وَيعلم للّه فِيهِ حَقًا فَهَذَا بِأَفْضَل الْمنَازل وَعبد رزقه اللّه علما وَلم يرزقه مَالا فَهُوَ صَادِق النِّيَّة يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته فأجرهما سَوَاء وَعبد رزقه اللّه مَالا وَلم يرزقه علما يخبط فِي مَاله بِغَيْر علم وَلا يَتَّقِي فِيهِ ربه وَلا يصل فِيهِ رَحمَه وَلا يعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بأخبث الْمنَازل وَعبد لم يرزقه اللّه مَالا وَلا علما فَهُوَ يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت فِيهِ بِعَمَل فلان فَهُوَ بنيته فوزرهما سَوَاء\" (^٤). رواه أحمد والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) سورة الملك، الآية: ١٠.\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٩)، والكواكب الدراري (١/ ٢٠٥)، والنجم الوهاج (١/ ٢٧٠).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٩/ ٥٦١)، والترمذي رقم (٢٣٢٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣١٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٠٢٥).","vol":"1","page":330},{"text":"ورواه ابن ماجه ولفظه \"قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: مثل هَذِه الأمة كَمثل أَرْبَعَة نفر رجل آتَاهُ اللّه مَالا وعلما فَهُوَ يعْمل بِعِلْمِهِ فِي مَاله يُنْفِقهُ فِي حَقه وَرجل آتَاهُ اللّه علما وَلم يؤته مَالا وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ لي مثل هَذَا عملت فِيهِ بِمثل الَّذِي يعْمل، قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - فهما فِي الأجر سَوَاء وَرجل آتَاهُ اللّه مَالا وَلم يؤته علما فَهُوَ يخبط فِي مَاله يُنْفِقهُ فِي غير حَقه وَرجل لم يؤته اللّه علما وَلا مَالا وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ لي مثل هَذَا عملت فِيهِ مثل الَّذِي يعْمل، قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - فهما فِي الْوزر سَوَاء\" (^١).\nقوله: عن أبي كبشة الأنماري؛ أبو كبشة [المزحجي له صحبة (^٢)]، اسمه عمرو بن سعد، وقيل: عامر بن سعد، وقيل: عمر بن سعد، وقيل: غير ذلك نزل الشام وكان قدومه إليها مع عمر روى له أبو داود والترمذي والبيهقي هذا الحديث، وأبو كبشة الذي في الكتب الستة ثلاثة الأنماري ها والسدوسي والسلولي (^٣) قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفطوه ... \" الحديث.\nأي: اقسم باللّه عليهن، والقسم هو الحلف.\nقوله - ﷺ -: \"ما نقص مال من صدقة ... \"الحديث. وعدم نقص المال من الصدقة لأجل أن اللّه تعالى يبارك فيه (^٤)، وسمي المال مالا لميل القلوب به\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٢٨)، وأحمد (٢٩/ ٥٥٢).\n(^٢) زيادة في المخطوطة المغربية.\n(^٣) انظر: جامع الأصول (١٢/ ٦١١ و٨٢٠).\n(^٤) شرح السنة (٦/ ١٣٣).","vol":"1","page":331},{"text":"عن اللّه ﷿ (^١)، وقد روي عن غير واحد من أهل اليقين والمعرفة أنهم عدوا الدراهم أو وزنوها ثم تصدقوا منها فوجدوها بحالها لم تنقص، والإسناد صحيح (^٢)، والنبي - ﷺ - صادق لكن أفهامنا تقصر عن إدراك مثلها، فنكل علمه إلى قائله ﵊ وإلى باعثه ﷻ، قاله صاحب المغيث (^٣)، وذكر العلماء أيضا في نقص المال وجهين، أحدهما: معناه أن يبارك فيه وتدفع عنه المفسدات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا يدرك بالحس والعادة، والوجه الثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المترتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة (^٤)، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده اللّه عزًا\" المظلمة بفتح الميم وكسر اللام اسم ما أخذه الظالم ظلما قوله: (فصبر) أي: العبد (عليها) أي: على تلك المظلمة ولو كان متضمنا لنوع عن المذلة (إلا زاده اللّه بها عزا) أي: عنده تعالى، كما أنه يزيد للظالم عنده ذلا بها أو يزيده اللّه بها عزا له في الدنيا معاقبة، كما يحصل للظالم ذل بها ولو بعد حين من المدة، بل ربما ينقلب الأمر ويجعل الظالم تحت ذل المظلوم جزاء وفاقا، قوله (ولا فتح عبد) أي: على نفسه (باب مسألة) أي: باب سؤال وطلب من الناس لا\n_________\n(^١) قاله الثوري كما في شرح السنة (١٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٣٤٢)، ورياض الأفهام (٣/ ٢٨٤).\n(^٣) المجموع المغيث (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤١).","vol":"1","page":332},{"text":"لحاجة وضرورة، بل لقصد غنى وزيادة (إلا فتح اللّه عليه باب فقر) أي: باب احتياج آخر وهلم جرا، أو بأن سلب عنه ما عنده من النعمة فيقع في نهاية من النقمة، كما هو مشاهد في أصحاب التهمة، ومثل حاله بالحمار الذي ليس له الذنب، وهو دائر في الطلب، فدخل في بستان حريصا عليه فقطع الحارث أذنيه، وشبه أيضا بكلب في فمه عظم، ومر على نهر لطيف يظهر من تحته عظم نظيف، ففتح الكلب فمه حرصا على أخذ ما في قعر الماء فوقع ما في فمه من العظم في الماء، فالحرص شؤم والحريص محروم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللّه مالا وعلما فهو يتقي اللّه فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم للّه فيه حقا فهذا بأفضل المنازل\" الحديث، تقدم الكلام على النفر في أول الباب في حديث الغار مبسوطا، ويجوز في قوله: \"وعبد رزقه اللّه مالًا\" الكسر والرفع، والمراد بالرحم: صلة الأقارب، والمراد بقوله: \"يعلم للّه فيه حقًّا\" الزكاة المفروضة الواجبة في ماله.\nقوله - ﷺ -: \"وعبد رزقه اللّه علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ... \" الحديث. قال العلماء: ومتى اقترن بالنية قول أو سعى تأكد الجزاء والتحق صاحبه بالعامل لهذا الحديث، وقد حمل قوله \"فهما في الأجر سواء\" على استوائهما في أصل أجر العمل دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل دون من نواه ولم\n_________\n(^١) مرعاة المفاتيح (٨/ ٣٣٠٨).","vol":"1","page":333},{"text":"يعمله فإنهما لو استويا من كل وجه لكتب لمن هم بحسنة ولم يعملها عشر حسنات وهو خلاف النصوص ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١) وقال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضل عليهم المجاهدون هم القاعدون من أهل الأعذار (^٢) انتهى، فالعاقل يغبط من أنفق ماله في سبل الخيرات ونيل علو الدرجات (^٣).\nواعلم أن من عجز عن عمل خير وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر كما قال في هذا الحديث قال: لو كان لي مال لعملت فيه ما عملت فيه فلان أنهما سواء في الأجر أو الوزر، وقد قيل إنهما سواء في أصل الأجر دون المضاعفة فإنها تختص بالعامل كما تقدم نقله فمن هاهنا كان أرباب الهمم العالية لا يرضون بمجرد هذه المشاركة ويطلبون أن يعملوا أعمالا تقاوم الأعمال التي عجزوا عنها ليفوزوا بثواب يقاوم ثواب تلك الأعمال ويضاعف لهم كما يضاعف أولئك فيستووا هم وأولئك العمال في الأجر كله (^٤). انتهى.\nلطيفة في المعنى: روى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال: يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في اللّه تعالى فيوجد للغني فضل عمل\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٤).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٢٤٦).\n(^٤) لطائف المعارف (ص ٢٤٩).","vol":"1","page":334},{"text":"فيما كان يصنع في ماله فيرفع على صاحبه فيقول الفقير: يا رب لم رفعته وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك فيقول اللّه تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله فيقول يا رب لقد عملت لو أعطيتني مالا لصنعت مثل ما صنع فيقول: صدق فارفعوه إلى منزل صاحبه ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في اللّه تعالى فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض لم رفعته علي فيقول بما كان يعمل في صحته، فيقول: يارب لقد عملت لو صححتني لعملت كما كان عمل، فيقول اللّه: صدق فارفعوه على درجة صاحبه ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في اللّه تعالى.\nفيقول مثل ذلك ويؤتى بحسن الخلق وسيئ الخلق فيقول يا رب لم رفعته عليّ وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك، فيقول: بحسن خلقه فلا يجد له جوابًا انتهى، قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وعبد لم يرزقه اللّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، فوزرهما سواء\" ذم النبي - ﷺ - الرجل المذموم لتمنيه المعصية لا من جهة حبه أن يكون له من النعمة مثل ما لأخيه، وهذا هو الحسد، ومدح الأول، لأنه من الغبطة لا من الحسد، والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات، قال اللّه تعالى حاكيا عن قارون ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ\n_________\n(^١) لطائف المعارف (٢٤٦).","vol":"1","page":335},{"text":"لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^١) (^٢) فإن قول القائل بلسانه: لو أن لي مالا لعملت فيه بالمعاصي كما عمل فلان ليس هو العمل بالمعصية التي هم بها، وإنما أخبر عما هم به فقط مما متعلقه إنفاق المال في المعاصي وليس له مال بالكلية، وأيضًا في الكلام بذلك محرم، فكيف يكون معفو عنه غير معاقب؟ (^٣)، واللّه أعلم.\n\n٢١ - عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ فِيمَا يروي عَن ربه ﷿ إِن اللّه كتب الْحَسَنَات والسيئات ثمَّ بَين ذَلِك فَمن هم بحسنة فَلم يعملها كتبهَا اللّه عِنْده حَسَنَة كَامِلَة فَإِن هم بهَا فعملها كتبهَا اللّه عِنْده عشر حَسَنَات إِلَى سَبْعمِائة ضعف إِلَى أَضْعَاف كثِيرَة وَمن هم بسيئة فَلم يعملها كتبهَا اللّه عِنْده حَسَنَة كَامِلَة وَإِن هُوَ هم بهَا فعملها كتبهَا اللّه سَيِّئَة وَاحِدَة زَاد فِي رِوَايَة أَو محاها وَلا يهْلك على اللّه إِلَا هَالك\" (^٤) رواه البخاري ومسلم.\nقوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقب ابن عباس قريبًا.\nقوله - ﷺ -: \"إن اللّه كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ... \" الحديث. وفي نسخة: \"ثم بين ذلك في كتابه، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة\"، وفي حديث أبي هريرة الذي بعده: \"وإذا أراد عبدي أن يعمل حسنة فلم يعملها اكتبوها له حسنة ما لم يعملها\" (^٥) ففي هذا الحديث والأحاديث بعده بيان ما أكرم اللّه تعالى به هذه الأمة زادها اللّه تعالى شرفا وكرما وخفف عنهم\n_________\n(^١) سورة القصص، الآيات: ٧٩ - ٨٣.\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٢٤٦).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٧).\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٦٤٩١)، ومسلم رقم (١٣١).\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٧٥٠١)، ومسلم رقم (١٢٩).","vol":"1","page":336},{"text":"مما كان على غيرهم من الإصر والثقل والمشاق (^١)، وفيه: بيان ما كانت الصحابة ﵃ عليه من المسارعة إلى الانقياد لأحكام الشرع (^٢)، والظاهر أن المراد بقوله - ﷺ - في الرواية الأخرى عن اللّه ﷿: \"وإذا تحدث بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها\" المراد بالتحدث: حديث النفس وهو الهم (^٣)، ولا يتوقف ذلك على أن تحدثه به لسانه (^٤).\nقال النووي ﵀: وقد دل على ذلك قوله في حديث ابن عباس ﵄: \"وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة\" والظاهر: أن المراد إذا منعه من ذلك عذر ولا تكتب له الحسنة بمجرد الهم مع الانكفاف عن الفعل بلا عذر، ويحتمل حمله على إطلاقه وأن مجرد الهم بالخير قربة، وإن لم يمنع منه مانع (^٥)، وفي حديث خريم بن فاتك: \"من هم بحسنة فلم يعملها فعلم اللّه أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة\" (^٦) فهذا يدل على أن المراد بالهم هنا هو العزم الذي يوجد معه الحرص على العمل لا مجرد الخطرة التي تخطر ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم (^٧).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٢).\n(^٤) طرح التثريب (٨/ ٢٢٩).\n(^٥) طرح التثريب (٨/ ٢٢٩).\n(^٦) أخرجه أحمد (٣١/ ٣٨٣).\n(^٧) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٣).","vol":"1","page":337},{"text":"قوله - ﷺ - في الحسنة: \"فإن هم بها فعملها كتبها اللّه عنده عشر حسنات\" وفي حديث أبي هريرة: \"فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها ... \" الحديث. فمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فمعناه: أن التضعيف بعشر أمثالها لابد منه بفضل اللّه ورحمته ووعده الذي لا يخلفه (^١)، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢) (^٣).\nوفي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم في الدعوات في الحسنات يقول اللّه ﵎: \"مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ\" (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"إلى سبعمائة ضعف\"، قال النووي (^٥): وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٦)، وقد حكى أبو الحسن الماوردي أقضى القضاة عن بعض العلماء أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة وهو غلط، فقيل: المراد: يضاعف هذا التضعيف وهو السبعمائة، وقيل: المراد: يضاعف فوق السبعمائة لمن يشاء، وفي رواية لابن ماجه: \"إلى سبعمائة ضعف\" (^٧).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٢).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٣٦).\n(^٤) أخرجه مسلم رقم (٢٦٨٧).\n(^٥) في شرح مسلم (٢/ ١٥٢).\n(^٦) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(^٧) أخرجه ابن ماجه رقم (١٦٣٨).","vol":"1","page":338},{"text":"قوله: \"إلى أضعاف كثيرة\" فقد ورد التضعيف بذلك في الحديث، ففيه التصريح بالمذهب الصحيح المختار عند العلماء أن التضعيف لا يقف على سبعمائة (^١) فالزيادة بعد تكثير التضعيف إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة يحصل لبعض الناس دون بعض على حسب مشيئته ﷾ (^٢).\nوقال الكرماني (^٣): وإن قلنا إن معنى تضاعف السبعمائة ضعف بأن يزيد عليها فذلك في مشيئة اللّه، وأما المتحقق فهو إلى سبعمائة فقط، وقال في موضع آخر (^٤): فإن قلت: كيف يكون سبعمائة فقط واللّه يضاعف لمن يشاء، قلت: هذا أقله والتخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائدة واللّه أعلم.\nفزيادة المضاعفة على العشر لمن يشاء اللّه أن يضاعف له دليله قوله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﷾: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٥) فدلت هذه الآيات على أن النفقة في سبيل اللّه تضاعف بسبع مائة ضعف (^٦).\nتتمة: قال الجوهري (^٧): ضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، هذا في غير\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٢).\n(^٣) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٦٩).\n(^٤) في الكواكب الدراري (٩/ ٨٠).\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(^٦) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٣٦ - ١٠٣٧).\n(^٧) في الصحاح (٤/ ١٣٩٠).","vol":"1","page":339},{"text":"الوصية انتهى، ودليل الزيادة على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إن اللّه تعالى يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة ثم تلى ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١) (^٢). وخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"من دخل السوق فقال لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب اللّه له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة\" (^٣) وفي حديث تميم الداري مرفوعًا: \"من قال أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له أحدًا صمدًا عشر مرات كتب اللّه له أربعين ألف ألف حسنه\" (^٤) وفي حديث الصيام: \"فإنه لي وأنا أجزي به\" يدل على أن الصيام لا يعلم قدر مضاعفتة ثوابه إلا اللّه تعالى لأنه أفضل أنواع الصبر وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، قاله ابن رجب (^٥).\nوفي حديث ابن عباس من حج من مكة ماشيا حتى يرجع كتب اللّه بكل خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم، قيل: ومن حسنات\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٦/ ٤٤٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي رقم (٣٤٢٨).\n(^٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٤٧٣) وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" والخليل بن مرة ليس بالقوي عند أصحاب الحديث قال محمد بن إسماعيل: هو منكر الحديث.\n(^٥) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٣٩ - ١٠٤٠).","vol":"1","page":340},{"text":"الحرم قال: \"بكل حسنة مائة ألف حسنة\" قال شيخ الإسلام قاضي القضاة ولي الدين العراقي (^١): قال والدي في شرح الترمذي: فهذا أكثر ما رأيته ورد في التضعيف وهو بكل خطوة سبعين ألف ألف حسنة، قال: والجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة أنه لم يرد بحديث أبي هريرة انتهاء التضعيف بدليل أن في بعض طرقه كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فقد بين بهذه الزيادة أن التضعيف يزاد على السبعمائة، والزيادة من الثقة على الصحيح، انتهى واللّه أعلم.\nواعلم أن مضاعفة الإخلاص في الحسنات زيادة على العشر يكون بحسب حسن الإسلام كما جاء ذلك مصرحًا في حديث أبي هريرة وغيره تكون بحسب كمال الإخلاص وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه وبحسب الحاجة إليه، واللّه أعلم قاله الكرماني (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسن كاملة، وإن هم هو بها فعملها كتبها اللّه سيئة واحدة\" الحديث، قال الإمام المازري: مذهب القاضي أبي بكر بن أبي الطيب أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ويحمل ما وقع في هذه الأحاديث وأمثالها على أن ذلك فيمن لم يوطن نفسه على المعصية، وإنما يمر ذلك بفكره من غير\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٤/ ١٠٤).\n(^٢) راجع جامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٣١٦).","vol":"1","page":341},{"text":"استقرار، ويسمى هذا (همًا)، ويفرق بين الهم والعزم، وهذا مذهب القاضي أبي الطيب وطائفة كبيرة من الفقهاء والمحدثين، وأخذوا بظاهر الحديث، قال القاضي عياض ﵀: عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب، قال الله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (^١) أي: عزمت عليه قلوبكم وقصدتموه إذ كسب القلب عزمه ونيته، وفي الآية دليل لما عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها لكنهم قالوا: إن هذا العزم يكتب سيئة، وليست السيئة التي هم بها لكونه لم يعملها، وقطعه عنها قاطع غير خوف الله تعالى والإنابة لكن نفس الإصرار والعزم معصيةً فتكتب معصية، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، فإن تركها عبدي بأن عمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها الحديث.\n[فإن تركها خشية الله تعالى كتبت حسنة كما جاء في الحديث: \"إنما تركها من جرائي\" فصار تركه لها لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك، وعصيانه هواه حسنة، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم، وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف الناس، هل يكتب حسنة؟ قال: لا، لأنه إنما حمله على تركها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له، هذا آخر كلام القاضي، وهو ظاهر حسن ولا مزيد عليه، وقد تظاهرت\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٥.","vol":"1","page":342},{"text":"نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر (^١)، والله أعلم، ومذهب الجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه بخلاف الخاطر (^٢)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.\nقال الإمام أبو جعفر الطحاوى هذا الحديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب وعقدها وبذلك جزم النووي أيضا خلافا لمن قال أنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة (^٣). والله أعلم.\n\n٢٢ - عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يَقُول الله ﷿ إِذا أَرَادَ عَبدِي أَن يعْمل سَيِّئَة فَلَا تكتبوها عَلَيْهِ حَتَّى يعملها فَإِن عَملهَا فاكتبوها بمِثْلِهَا وَإِن تَركهَا من أَجلي فاكتبوها لَهُ حَسَنه وَإِن أَرَادَ أَن يعْمل حَسَنَة فَلم يعملها اكتبوها لَهُ حَسَنَة فَإِن عَملهَا فاكتبوها لَهُ بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة\" (^٤). رواه البخاري واللفظ له ومسلم.\n\n٢٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم (^٥) \"قَالَ رَسُول الله ﷺ من هم بحسنة فَلم يعملها كتبت لَهُ حَسَنة وَمن هم بحسنة فعملها كتبت لَهُ عشر حَسَنَات إِلَى سَبْعمِائة ضعف وَمن هم بسيئة فَلم يعملها لم تكْتب عَلَيْهِ وَإِن عَملهَا كتبت\".\n_________\n(^١) راجع شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٢).\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٧٥٠١)، ومسلم رقم (١٢٩).\n(^٥) رقم (١٣٠).","vol":"1","page":343},{"text":"٢٤ - وَفِي أُخْرَى لَهُ \"قَالَ عَن مُحَمَّد رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قَالَ الله ﷿ إِذا تحدث عَبدِي بِأَن يعْمل حَسَنَة فَأَنا أَكتبهَا لَهُ حَسَنَة مَا لم يعملها فَإِذا عَملهَا فَأَنا أَكتبهَا لَهُ بِعشر أَمْثَالهَا وَإِذا تحدث بِأَن يعْمل سَيِّئَة فَأَنا أغفرها لَهُ مَا لم يعملها فَإذا عَملهَا فَأَنا أَكتبهَا لَهُ بِمِثْلِهَا وَإِن تَركهَا فاكتبوها لَهُ حَسَنَة إِنَّمَا تَركهَا من جراي\" (^١).\nقوله ﷺ: \"إنما تركها من جرائي\" قال الحافظ (^٢): هو بفتح الجيم وتشديد الراء أي من أجلي. وقال غيره: أي من أجلي وبسببي، وجراء: تمد وتقصر يقال: فعلت ذلك من جراك ومن جرائك أي من أجلك (^٣)، وهذا يدل على أن المراد من قدر على ما هم من المعصية فيتركه لله ﷿، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه للمعصية بهذا القصد عمل صالح فإما إن هم بمعصية ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو مراءاة لهم فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله تعالى محرم وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم فإذا اقترن بذلك ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك (^٤).\nوأما إن سعى في تحصيلها بما أمكنه ثم حال بينه وبينها العذر فقد ذكر\n_________\n(^١) مسلم رقم (١٢٩).\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٣٢٦).\n(^٣) الصحاح (٦/ ٢٣٠٢)، ومطالع الأنوار (٢/ ١٠٨)\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٥).","vol":"1","page":344},{"text":"جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي ﷺ: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل\" (^١) ومن سعى في حصول المعصية جهده ثم عجز عنها فقد عمل وكذلك قوله - ﷺ -: \"بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\" (^٢).\nوقوله ﷺ في الحديث: \"ما لم تتكلم به أو تعمل\" (^٣) يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما هم به لسانه أنه يعاقب على الهم حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه، ويدل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي كبشة الأنماري الذي تقدم قريبًا: \"لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان \" يعني الذي يعصي الله تعالى في ماله قال \"فهما في الوزر سواء\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٢٦٩).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣١)، ومسلم رقم (٢٨٨٨).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٥٢٦٩) ومسلم رقم (١٢٧).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٥ - ١٠٤٦).","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المعصية بأحد الحرمين</span>\nتنبيه: تضمنت نصوص هذه الروايات كتابة الحسنات والسيئات والهم بالحسنة والهم بالسيئة وتقدم الكلام على ثلاث، وبقي الهم بالسيئة إذا عملها كتبها الله سيئة واحدة كما في حديث ابن عباس، ففيه إشارة إلى أنها غير مضاعفة كما صرح به في الحديث المذكور، ولكن السيئة تعظم أحيانًا بشرف الزمان ومكان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١) قال قتادة (^٢) في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وقد روى في حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان، وكان جماعة من الصحابة يتقون سكني الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة يعني، بغير مكة أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة (^٣)، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات (^٤)، وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة والحسنة\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٣٦.\n(^٢) أخرجه: الطبري في تفسيره (١٢٩٧٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٧٩٣ (١٠٠١٠).\n(^٣) أخرجه: عبد الرزاق (٨٨٧١).\n(^٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦٣٥.","vol":"1","page":346},{"text":"على نحو ذلك وقد تضاعف السيئات لشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم أجرا ممن عصاه على بعد (^١).\nقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس: زاد في رواية: \"أو محاها\" يعني أن عمل السيئة أن تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب كالتوبة والاستعفار وعمل الحسنات (^٢).\nوقوله بعد ذلك: \"ولا يهلك على الله هالك\" أي: لا يعاقب مع هذه المسامحة إلا مفرط غاية التفريط يعني بعد هذا الفضل العظيم والرحمة الواسعة فيه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات: \"لا يهلك على الله إلا من هلك وألقي بيديه إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب في الحسنات وأعرض عنها\" ولهذا قال ابن مسعود - ﵁ -: ويل لمن غلب وحداته عشراته، وروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ مرفوعا هكذا: من غلب واحدة عشرا انتهى كلام ابن رجب (^٣).\nسؤال: ما معنى قوله: ويل لمن غلب آحاده أعشاره، قيل: الآحاد السيئات لأن كل سيئة تكتب بواحدة والأعشار أصول الحسنات وتضاعيف الحسنات فإن الحسنة بعشر أمثالها قاله ابن العماد في كشف الأسرار (^٤).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٠ - ١٠٤٢).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٥٣).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٥٣).\n(^٤) كشف الأسرار (لوحة ٧٨).","vol":"1","page":347},{"text":"تنبيه: قال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلى من الدنيا جميعًا.\nسؤال آخر: ما الحكمة في إضعاف الحسنات؟ قال النيسابوري: لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء في مطالبته فيدفع إليهم واحدة وتبقى له تسعة ثم توفي العباد من أصواب حسناته ولا يوفي من التضعيفات لأنها فضل من الله تعالى قد ذكر البيهقي في كتاب البعث والنشور فقال: إن التضعيفات فضل من الله تعالى لا يتعلق بها العباد بل يدخرها للعبد إذا أدخله الجنة أثابه بها قاله أيضا في كشف الأسرار (^١)، وفي حديث مرسل أخرجه ابن أبي الدنيا أن النبي - ﷺ - قال لرجل يا فلان إنك تبني وتهدم يعني تعمل الحسنات والسيئات فقال يا رسول الله سوف أبني ولا أهدم\" (^٢)، علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية ما أحسن الحسنة بعد الحسن وأقبح السيئة بعد الحسنة ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها النكسة أصعب من المرض الأول (^٣).\n\n٢٥ - عَن معن بن يزِيد ﵄ قَالَ: كَانَ أبي يزِيد أخرج دَنَانِير يتَصَدَّق بهَا فوضعها عِنْد رجل فِي الْمَسْجِد فَجئْت فأخذتها فَأَتيْته بهَا فَقَالَ وَالله مَا إياك أردْت فَخَاصَمته إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة رقم (١٨٨).\n(^٣) هذا كله زيادة في المخطوطة المغربية، ولعله سقط من المخطوطة المصرية.","vol":"1","page":348},{"text":"وَلَك مَا أخذت يَا معن\" (^١) رواه البخاري.\nقوله: وعن معن بن يزيد [هو معن بن يزيد بن الأخنس بن حبيب بن جرة بن زعب بن مالك بن عفاف بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، أبو يزيد السلمي، له ولأبيه ولجده صحبة، وقد اختلف في نسبه نزل الكوفة، وقدم مصر سنة ثلاث وأربعين، وصار إلى الإسكندرية، وكان له بدمشق دار، وشهد يوم مرج راهط مع الضحاك بن قيس سنة أربع وستين، وقتل ابنه ثور بن معن بن يزيد يومئذ.\nوروي عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن معن بن يزيد بن الأخنس هو وأبوه وجده شهدوا بدوا، قال: ولا أعلم رجلا هو وابنه وابن ابنه مسلمين شهدوا بدرا غيرهم، ولم يتابعه أحد على هذا القول (^٢)].\nقوله: كان أبي يزيد أخرج دنانير، فتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فذكر الحديث إلى أن قال: فخاصمته إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: \"لك ما نويت يا يزيد من أجر الصدقة، ولك ما أخذت يا معن\" الحديث، أي: لك ما نويت يا يزيد من أجر الصدقة وهو التقرب والثواب، لأنك نويت أنا تتصدق بها على من يحتاج إليها، ورأيتك تحتاج إليها\" وقوله: \"ولك ما أخذت يا معن لأنك أخذتها محتاجا إليهًا\" ففي هذا الحديث إشارة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١٤٢٢).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٨/ الترجمة ٦١١٨).","vol":"1","page":349},{"text":"إلى جواز التصدق على الفرع، وذلك إنما يجوز في الصدقة النافلة فيحمل عليها، فأخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه وإن كان أكثر الصحابة على خلافه، فإن الرجل إنما يمنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة، فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل إستحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع صدقة إلى من يظنه فقيرًا فكان غنيًا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلَعُ على حقيقته، انتهى، قاله ابن رجب (^١).\n\n٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: قَالَ رجل: لأتصدقن اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وزانية وغني فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته، وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله\" (^٢).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (١٤٢١)، ومسلم رقم (١٠٢٢)، والنسائي (٥/ ٥٥).","vol":"1","page":350},{"text":"رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائيِّ قَالَا فِيهِ \"فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد تقبلت ... \" ثمَّ ذكر الحَدِيث.\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"قال رجل: لأتصدقن بصدقة\" أي: والله لأتصدقن بصدقة (^١).\nقوله: \"فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون، تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق\" أي: على التصدق على سارق، ولفظ: \"تصدق على سارق\" إخبار في معنى التعجب أو الإنكار وهو بلفظ المجهول (^٢).\nفوله: \"فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية\" الحديث، فلما جوزي بوضعه في يد زانية حمد الله تعالى على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو أسوأ حالا من الزانية، أو يجري لك الحمد مجرى سبحان الله في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيمًا لله تعالي، فلما تعجبوا من فعله وقالوا: تصدق على الزانية تعجب أيضًا من فعل نفسه، وقال: الحمد لله، انتهى، قاله الكرماني (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"فأتى فقيل له: أما صدقتك على سارق\" الحديث، وفي الرواية\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٧/ ١٩١).\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ١٩١).\n(^٣) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٩١).","vol":"1","page":351},{"text":"الأخرى: \"صدقتك فقد قبلت\" أتي بلفظ المجهول وعبارة بعضهم على البناء للمفعول ومعناه: أتاه آت في المنام أو سمع هاتفا ملكا أو غيره أو أفتى له عالم نبيا أو غيره والله أعلم قاله الكرماني (^١) وغيره.\nواعلم أنه استعمل لعل في قوله لعله تارة استعمال عسى وأخرى استعمال كاد، وفيه دليل على أن الله يجزي العبد على حسب نيته في الخير لأن هذا المتصدق لما قصد بصدقته وجه الله تعالى قبلت منه ولم يضره وضعها عند من لا يستحقها وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة المفروضة فلا يجزئ دفعها إلى الأغنياء وإن كان فيه اعتبار لمن تصدق عليه بأن يتحول عن الحال المذمومة إلى الحال المحمودة فيستعف السارق من سرقته والزانية من زناها والغني من إمساكه انتهى قاله الكرماني (^٢)، وقال الإمام القرطبي (^٣): فيه إشعار بألم قلبه إذا ظن أن صدقته لم توافق محلها وإن ذلك لم ينفعه ولذلك كرر الصدقة فلما علم الله تعالى صحة نيته تقبلها منه واعلمه بقبول صدقاته ويستفاد منه صحة الصدقة وإن لم توافق محلًّا مرضيًّا إذا حسنت نية المتصدق، فأما لو علم المتصدق أن المتصدق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية لحزم عليه ذك فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، انتهى.\n_________\n(^١) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٩٢).\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ١٩٢).\n(^٣) المفهم (٩/ ٣٦).","vol":"1","page":352},{"text":"٢٧ - عَن أبي الدَّرْدَاء يبلغ بِهِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ\" (^١) رَوَاهُ النَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي ذَر أَو أبي الدَّرْدَاء على الشَّك.\nقوله: وعن أبي الدرداء يبلغ به النبي - ﷺ -، أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل غير ذلك، واختلفوا في أنه شهد أحدا أم لا، وأنه لم يشهد بدر، وقد شهد أكثر المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وولاه أمير المؤمنين القضاء بدمشق وفرض له عمر أربعمائة درهم في الشهر وألحقه بالبدريين وكان - ﵁ -: تاجرًا قبل البعثة فلما بعث النبي - ﷺ - ترك التجارة واشتغل بالعبادة وقال فيه النبي - ﷺ -: \"نعم الفارس عويمر\" وقال فيه \"حكيم أمتي عويمر\" وقرأ القرآن على النبي - ﷺ - وجمعه في حياته، قال الذهبي: ولما مرض أبو الدرداء دخل عليه أصحابه يعودونه فقالوا: ما تشتكي، قال: ذنوبي، فقالوا: ما تشتهي قال أشتهي الجنة، فقالوا: ألا ندعوا لك طبيبا، قال: الطبيب هو الذي أمرضني، وقال عبد الله بن عتبة: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عمل أبي الدرداء قالت: التفكر والاعتبار، توفي أبو الدرداء بدمشق سنة اثنتين وثلاثين في\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣/ ٢٥٨) وفي السنن الكبرى رقم (١٤٦٣)، وابن ماجه رقم (١٣٤٤)، والبزار في مسنده (١٠/ ٨٧)، وابن خزيمة رقم (١١٧٢)، وأخرجه ابن حبان رقم (٢٥٨٨) عن أبي ذر أو أبي الدرداء على الشك، وحسنه الألباني في الجامع الصغير رقم (١٠٨٨٥).","vol":"1","page":353},{"text":"خلافة عثمان - ﵁ - ومناقبه كثيرة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من أتى فراشه هو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى\" الحديث وفي بعض النسخ فغلبته عينه على الأفراد هو عن النوم، وروي عن سعيد بن المسيب - ﵁ - قال: \"من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزو وحيل بينه وبين ذلك بلغه الله ما نواه\" (^٢).\nوقال أبو عمران الجوني: ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه قد نواه، انتهى، وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يقول الله ﷿ للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر فيقولون ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا في صحفنا فيقول إنه نواه إنه نواه\" (^٣) قلت: ولهذا المعنى ونحوه قيل إن نية المؤمن خير من عمله قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٤) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) راجع في ترجمته: الاستيعاب (٣/ ١٢٢٧)، وأسد الغابة (٤/ ١٨)، والإصابة (٤/ ٦٢١).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٥٢).\n(^٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا كما في فتح الباري ١١/ ٣٩٤ ومن طريقه السلفي في الطيوريات (٣٥٣٥) وأورده العيني في عمدة القاري (١/ ٣٥) وعزاه لأبي يعلى.\n(^٤) التعيين (ص ٣٧ - ٣٨).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الترهيب من الرياء، وما يقوله من خاف شيئا منه</span>\nالرياء مشتق من الرؤية والسمعة من السماع، والرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس برؤيتهم خصال الخير (^١)، وقيل: الرياء هو أن تكون طاعة الإنسان بين الناس أحسن وأتم من طاعته في خلوته، وبعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض (^٢)، قال الفضيل بن عياض ﵀: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص الخلاص من هذين، ومعنى قوله ﵀: أن من عزم على عبادة الله تعالى ثم تركها مخافة أن يطلع عليه الناس فهو مرائي (^٣) لأنه لو كان عمله لله تعالى لم يضره إطلاع الناس عليه، ومن عمل لأجل أن يراه الناس فقد أشرك في الطاعة (^٤)، وقد قال الله تعالى في الخبر الرباني: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك\" (^٥)، والحاصل أن الباعث على العمل أي الحامل للشخص عليه إن كان لله تعالى فهو الإخلاص فإن تركه من أجل الناس فهو رياء والمخلص من أخلص لله تعالى\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٢٩٧).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ٣٠١).\n(^٣) شرح الأربعين (ص ٩) للنووي.\n(^٤) تسهيل المقاصد (لوحة ٩٦).\n(^٥) أخرجه مسلم رقم (٢٩٨٥).","vol":"1","page":355},{"text":"ولم ير نفسه مخلصًا ولا رأى عمله مخلصا بل يثق برحمة الله تعالى ومتى رأى نفسه في مقام الإخلاص خيف عليه من العجب بل ينبغي أن يكون على وجل وإن كان الباعث له على العمل نظرالناس إليه والطمع في إكرامهم والقرب منهم فهذا محض الرياء وإن كان الباعث له الأمرين فظاهر الحديث أنه مردود عليه يحمله، وقال السمرقندي: ما فعله لله تعالى قبل وما فعله للناس ردَّ، ومثال ذلك: من صلى الظهر وقصد بها أداء ما افترض الله عليه ولكن طولها وحسن أفعالها وأطال قراءتها من أجل الناس فأصل الصلاة منه مقبول لأنه بها في الأول وجه الله تعالى، وأما طوله فيها من أجل الناس غير مقبول لقصده به غير الله تعالى (^١).\n_________\n(^١) شرح الأربعين للنووي (ص ١٠) وتسهيل المقاصد (لوحة ٩٦).","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>[من صلى فطولها من أجل الناس]</span>\nوسُئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عمن صلى فطول صلاته من أجل الناس فقال: نرجو له أن لا يحبط عمله (^١)، ومراده مجموع عمله وكلام السمرقندي يوضحه، وما ذكره الفضيل يستثني منه مسألة لا يكون الترك فيها من أجل الناس رياء، وذلك إذا كان الشخص يعلم أنه متى فعل الطاعة بحضرة الناس أذوه واغتابوه فإن الترك من أجلهم لا يكون رياء بل شفقة عليهم ورحمة وعلى ذلك يحمل قوله - ﷺ -: \"ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يقفن في مواقف التهم\" (^٢) لأنه إذا وقف فيها خاض الناس في عرضه فكأنه بوقوفه حملهم على المعصية وموقعا لهم فيها (^٣)، والله أعلم.\n\n٢٨ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: إِن أول النَّاس يقْضى يَوْم الْقِيَامَة عَلَيْهِ رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك قَاتَلت لِأن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وقرأ القرآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها، قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (٤٧٧) بلفظ: \"من أقام نفسه مقام التهمة، فلا يلومن من أساء به الظن\" من قول عمر وانظر المقاصد الحسنة (ص ٦٥١).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٩٦).","vol":"1","page":357},{"text":"تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قارئ فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من أَصْنَاف المَال فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها، قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل تحب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار\" (^١) رَوَا مسلم وَالنَّسَائيِّ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلاهُمَا بِلَفْظ وَاحِد.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال\" الحديث، قال النووي (^٢): قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير وجه الله وإدخالهم النار فيه دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٣) انتهى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٩٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٣) وفي السنن الكبرى رقم (٤٣٣٠)، والترمذي رقم (٢٣٨٢)، وابن حبان رقم (٤٠٨)، وابن خزيمة رقم (٢٤٨٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٠).\n(^٣) سورة البينة، الآية: ٥.","vol":"1","page":358},{"text":"قال الماوردي (^١): والإخلاص في كلامهم النية وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين أموالهم في وجوه الخير لله محمول على من فعل ذلك لله مخلصًا، وفي الخبر أيضًا أنه يقال لهم يوم القيامة: \"صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم فقد قيل ذلك\" أخرجه مسلم في صحيحه بمعناه.\nواعلم أن أنواع النية في الجهاد لا تنحصر لتنوع المقاصد فيه ولكن نذكر منها ما هو الغالب وجودًا أو يقاس عليه ما قد يقع والتوفيق بيد الله ﷾ فمنهم من يقصد بجهاده وجه الله ﷾ لاستحقاقه هذه العبادة وأمره بها وافتراضها على عباده من غير التفات عنده إلى جزاء عليها في الآخرة، وهذا عزيز الوجود نادر الإمكان (^٢)، ومثهم من يحمله على الجهاد غيرة الإسلام والحرص على إعلاء كلمة الله وإعزازها وإذلال كلمة الكفر وأهلها (^٣)، ومنهم من يقصد بجهاده الجنة والنجاة من النار من غير تصور لغير ذلك وهذا هو الغالب وجودا، وقد قال بعضهم أن هذا القصد لا يكفيه في نيل رتبة الشهادة والظاهر الصحيح أن هذا القصد كاف في نيلها، ومما يدل على ذلك ترغيب الله في الجنة لمن جاهد في سبيله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^٤) الآية\n_________\n(^١) في الحاوي الكبير (٢/ ٩١).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٦١٢).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٦١٣).\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١١١.","vol":"1","page":359},{"text":"والآيات في هذا كثيرة والشريعة كلها طافحة بأن الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة غير معلولة لأن الله تعالى ذكر صفة الجنة وما أعد فيها للعاملين ترغيبا للنالس في العمل ومحال أن يرغبهم في العمل للثواب ويكون ذلك الثواب معلولًا مدخولًا (^١).\nواعلم أن هذه النيات الثلاث كافيات في نيل المقصود كفيلات بدار الخلود غير أن هذه النية الأخيرة كالقشر بالنسبة إلى الأولى والثانية، وأما غزى رياء وسمعة وافتخارا ليقال هو غاز أو شجاع أو نحو ذلك ولك يخطر بباله قصد التقرب إلى الله تعالى البتة فهذا ليس بشهيد عند الله تعالى بلا خلاف بل هو خليق في صفقته بالخسران وجدير في آخرته بالمذلة والهوان وهو أحد الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة قبل الخلائق وإنما استوجب من الله تعالى هذا المقت العظيم وحق عليه العذاب الأليم لتقربه بالعبادة إلى غير من شرعها ويستحقها لذاته وعبد بها غيره، فختم له بالإشراك وقد قال النبي - ﷺ -: \"اليسير من الرياء شرك\" (^٢) وإذا كان اليسير من الرياء شرك فكيف بالكثير سيما عند الخاتمة، نعوذ بالله من أسباب سخطه وموجبات عقابه، فإن غزى ونيته الأجر وأن يذكر أيضا بالغزو والشجاعة\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦١٣ - ٦١٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٩٨٩)، والطبراني في المعجم الأوسط رقم (٧١١٢) وفي المعجم الصغير رقم (٨٩٢) وفي المعجم الكبير (٢٠/ ١٥٣) رقم (٣٢١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٤) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين.","vol":"1","page":360},{"text":"والإقدام ونحو ذلك وكان بحيث لو وجد قتالًا بين من لا يعرفه ولا يتوقع منه مدحًا ولا منزلة وكان في ليل مظلم لا يرى فعله فيه أحد لم يقاتل ولو وجد قطاع طريق ونحوهم غير كفار لم تحمله رؤية الناس على قتال لهم طلبا للمحمدة وحدها فهذا أيضًا ليس بشهيد في الآخرة، وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهيد لقوله - ﷺ - في حديث أبي أمامة في رجل غزى يلتمس الأجر والذكر لا شيء له، وكذلك قال أبو الدرداء - ﵁ - في الرجل يحب أن يحمد ويؤجر فقال: لا أجر له ولو ضرب بسيفه حتى ينقطع انتهى، قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد الذي ألفه (^١).\nقوله: \"ولكنك قاتلت ليقال: فلان جريء، فقد قيل\" جريء: بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد أي شجاع قاله المنذري، وقال النووي: أي حاذق مقدام (^٢). قوله: \"ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار\" السحب الجر بعنف (^٣). قوله: \"ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل\" الجواد هو [الذي يعطي بلا مسألة صيانة للآخذ من ذل السؤال].\n\n٢٩ - عَن الْوَليد بن أبي الْوَليد أبي عُثْمَان الْمَدِينيِّ أَن عقبَة بن مُسلم حَدثهُ أَن شفيا الأصبحي حَدثهُ أَنه دخل الْمَدِينَة فَإِذا هُوَ بِرَجُل قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ من هَذَا قَالُوا أَبُو هُرَيْرَة قَالَ فدنوت مِنْهُ حَتَّى قعدت بَين يَدَيْهِ وَهُوَ\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦٢٠ - ٦٣٣) باختصار.\n(^٢) رياض الصالحين (ص ٤٥٨).\n(^٣) الدر المصون (٩/ ٤٩٨)، ونظم الدرر (١٧/ ١١٤).","vol":"1","page":361},{"text":"يحدث النَّاس فَلَمَّا سكت وخلا قلت لَهُ أَسأَلك بِحَق وبحق لما حَدَّثتنِي حَدِيثا سمعته من رَسُول الله - ﷺ - وعقلته وعلمته فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله - ﷺ - علقته وعلمته ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة فَمَكثْنَا قَلِيلا ثمَّ أفاق فَقَالَ لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله - ﷺ - أَنا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة أُخْرَى ثمَّ أفاق وَمسح عَن وَجهه فَقَالَ أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله - ﷺ - أَنا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة شَدِيدَة ثمَّ مَال خارا على وَجهه فأسندته طَويلًا ثمَّ أفاق فَقَالَ حَدثنِي رَسُول الله - ﷺ - أَن الله ﵎ إِذا كانَ يَوْم الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بَينهم وكل أمة جاثية فَأول من يدعى بِهِ رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل الله وَرجل كثير المَال فَيَقُول الله ﷿ للقارئ ألم أعلمك مَا أنزلت على رَسُولي قَالَ بلَى يَا رب قَالَ فَمَا علمت فِيمَا علمت قَالَ كنت أقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار فَيَقُول الله ﷿ لَهُ كذبت وَتقول لَهُ الْمَلائِكَة كذبت وَيَقُول الله ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان قارئ وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتى بِصَاحِب المَال فَيَقُول الله ﷿ ألم أوسع عَلَيْك حَتَّى لم أدعك تحْتَاج إِلَى أحد قَالَ بلَى يَا رب قَالَ فَمَاذَا عملت فِيمَا آتيتك قَالَ كنت أصل الرَّحِم وأتصدق فَيَقُول الله لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان جواد وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل الله فَيَقُول الله لَهُ فِي مَاذَا قتلت فَيَقُول أَي رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول الله","vol":"1","page":362},{"text":"لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله بل أردْت أَن يُقَال فلأن جريء فقد قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول الله - ﷺ - على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق الله تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْوَليد أَبُو عُثْمَان الْمَدِينيِّ وَأَخْبرنِي عقبَة أَن شفيا هُوَ الَّذِي دخل على مُعَاوِيَة فَأخْبرهُ بِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان وحَدثني الْعَلَاء بن أبي حَكِيم أَنه كَانَ سيافًا لمعاوية قَالَ فَدخل عَلَيْهِ رجل فَأخْبرهُ بِهَذَا عَن أبي هُرَيْرَة فَقَالَ مُعَاوِيَة قد فعل بهؤلاء هَذَا فَكيف بِمن بَقِي من النَّاس ثمَّ بَكَى مُعَاوِيَة بكاء شَدِيدا حَتَّى ظننا أَنه هَالك وَقُلْنَا قد جَاءَ هَذَا الرجل بشر ثمَّ أَفاق مُعَاوِيَة وَمسح عَن وَجهه وَقَالَ صدق الله وَرَسُوله - ﷺ - من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لا يبخسون أُولَئِكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُم فِي الآخرة إِلَّا النَّار وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ\" (^١). وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه نَحْو هَذَا لم يخْتَلف إِلَّا فِي حرف أَو حرفين.\nقوله: عن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المديني الوليد بن أبي الوليد عثمان، أبو عثمان المدني، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: مولى عثمان، وقال بعضهم: الوليد بن الوليد، وهو وهم. قال عبد الرحمن: سُئل أبو زرعة عنه فقال: ثقة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٢٣٨٢)، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٨٢٤)، وابن خزيمة رقم (٢٤٨٢)، وابن حبان رقم (٤٠٨)، وصححه الألباني في الجامع الصغير رقم (٢٥٩٣).","vol":"1","page":363},{"text":"قوله: أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا حدثه، الشفي هو الأصبحي أبو سهيل، وقيل: أبو عبيد، شفي بن ماتع الأصبحي المصري، يعد في تابعي المصريين، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه ابنه، توفي سنة خمس ومائة، وهو أصح ما قيل في تاريخ وفاته (^١).\n[قوله: قد دنوت منه حتى قعدت بين يديه، الدنو هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي: والله (^٢)] لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - ﷺ -، الحديث؛ لأحدثنك هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي والله لأحدثنك، ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه، وحدثنا هو قائم مقام المفعولين لقوله لأحدثنك قاله الكرماني (^٣).\nقوله: ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، نشغ بفتح النون والشين المعجمتين وبعدها غين معجمة أي شهق حتى كاد يغشى عليه إشفاقا وخوفا انتهى قاله الحافظ (^٤). وقال الكرماني (^٥): النشغ الشهيق من الصدر حتى كاد يبلغ به الغشي أي يعلوه نفسه كأنه شهيق من شدة ما يرد عليه انتهى.\nقوله: أن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، وأما معاوية المذكور في الحديث، فيكنى أبا عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٥٠٨).\n(^٢) زيادة في المخطوطة المغربية فقط.\n(^٣) في الكواكب الدراري (٢/ ٦٠).\n(^٤) أى المنذري.\n(^٥) في الكواكب الدراري (١٤/ ٢٥).","vol":"1","page":364},{"text":"حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي مع رسول الله - ﷺ - في عبد مناف، وأمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد بالخيف من منى، بويع لمعاوية بالكوفة في شهر بيع الأول سنة إحدى وأربعين وكانت خلافته منذ صالحه الحسن - ﵁ - فاجتمع الناس عليه تسع عشرة سنة وأربعة أشهر سبعة عشر يوما وعمره يومئذ ثمان وخمسون سنة وشهور (^١).\n[والناس مجتمعون عليه فيها ولي مروان بن الحكم المدينة وخالد بن العاص بن هشام مكة،، وقيل في سنة اثنتين وأربعين مات عمرو بن العاصي وقيل بل في سنة ثلاثة وأربعين وكانت ولايته مصر عشر سنين متفرقة وأربعة أشهر، قال المسعودي: مات عمرو بن العاصي وله من العمر تسعون سنة وولي معاوية فمان ابنه عبد الله وقيل بل ولي مكانه أخاه معاوية بن عتبة بن أبي سفيان وهو الصحيح وخلف عمرو بن العاصي من الدنانير ألفين ثلاثمائة ألف دينار ومن الورق ألفي ألف دينار، وغلال بمائة ألف دينار بمصر خزنة وضيعته المعروفة بالرهط وكان قيمتها عشرة ألف دينار انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢) وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا] (^٣).\nقوله: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية فدخل عليه\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٨٥٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠١ - ١٠٢).\n(^٢) كنز الدرر وجامع الغرر (٤/ ١٥).\n(^٣) زيادة في المخطوطة المغربية فقط.","vol":"1","page":365},{"text":"رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة. العلاء بن أبي حكيم الشامي وكان سيافا لمعاوية، واسم أَبِي حَكِيم يحيى. رَوَى عَن: شفي بْن ماتع الأصبحي، ومعاوية بْن أَبي سفيان رَوَى عَنه: أَبُو عُثْمَان الْوَلِيدُ بْنُ أَبي الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ قال البخاري: يعد في الشاميين. وَقَال العجلي: شامي، تابعي، ثقة.\nقوله: ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (^١)، قيل: نزلت هذه الآية في أهل الرياء (^٢) والله أعلم.\nقوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، الفصيح في العاصي إثبات الياء ويجوز حذفها، وهذا الذي يستعمله معظم المحدثين أو كلهم، كنيته: أبو محمد وقيل أبو عبد الده، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل أبو نصير عبد الله بن عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم القرشي الزاهد العابد الصحابي بن الصحابي كان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة وقيل: إحدى عشرة سنة، وأمه ريطة بنت مُنيَّة بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم، أسلمت وقالوا: وكان النبي - ﷺ - يقول: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، أسلم عبد الله قبل أبيه وكان كثير العلم مجتهدًا في العبادة وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله - ﷺ -، وثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: ما كان أحدًا أكثر حديثًا عن رسول الله - ﷺ - منه إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ١٥.\n(^٢) الهداية (٥/ ٣٣٦١) والتفسير البسيط (١١/ ٣٦٨).","vol":"1","page":366},{"text":"ولا أكتب، وكان - ﵁ -، تلاء للقرآن، روي له عن سول - ﷺ - الله سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة عشر حديثا وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين حديثا، وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة وشهد مع أبيه فتح الشام وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك، توفي عبد الله سنة ثلاث وستين وقيل خمس وستين بمصر وقيل غير ذلك، وكان عمره ثنتين وسبعين سنة ومناقبه كثيرة (^١).\n\n٣٠ - عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِي قَالَ قلت يَا رَسُول الله - ﷺ - أَخْبرنِي عَن الْجِهَاد والغزو فَقَالَ يَا عبد الله بن عَمْرو إِن قَاتَلت صَابِرًا محتسبا بَعثك الله صَابِرًا محتسبا وَإِن قَاتَلت مرائيا مكاثرا بَعثك الله مرائيا مكاثرا يَا عبد الله بن عَمْرو على أَي حَال قَاتَلت أَو قتلت بَعثك الله على تِلْكَ الْحَال\" (^٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.\nقوله: فقال: يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبا وإن قاتلت مراءيا مكاثرا بعثك الله مراءيا مكاثرًا، الاحتساب هو [طلب الثواب والاجتهاد في تحسين النية وإخلاصها لله]، وتقدم معنى الرياء في أول الباب.\n_________\n(^١) راجع: الاستيعاب (٣/ ٩٥٦)، وأسد الغابة (٣/ ٢٤٥)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨١)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٧٩)، والإصابة (٤/ ١٦٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٥١٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٩٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن (٩/ ٢٨٣)، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح رقم (٣٨٤٧).","vol":"1","page":367},{"text":"قوله: \"على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال\" [الحالة هي الصفة، يشير إلى قوله - ﷺ -: \"الناس مجزيون بأعمالهم\"].\n\n٣١ - عَن أبي بن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: بشر هَذِه الأمة بالسناء والرفعة وَالدّين والتمكين فِي الأرْض فَمن عمل مِنْهُم عمل الآخِرَة للدنيا لم يكن لَهُ فِي الآخِرَة من نصيب\" (^١) رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"بشر هَذِه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بِالدّينِ والتمكين فِي الْبِلَاد والنصر فَمن عمل مِنْهُم بِعَمَل الآخِرَة للدنيا فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَة من نصبب\".\nقوله: عن أبي بن كعب، هو: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، وقيل: أبي بن كعب بن المنذر بن قيس الأنصاري الخزرجي النجاري المدني له كنيتان أحدهما أبو المنذر كناه بها رسول الله - ﷺ -، والثانية: أبو الطفيل كناه بها عمر بن الخطاب كنى بابنه الطفيل، وأمه: اسمها صهيلة بضم الصاد بنت الأسود وهي عمة أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، والأوس والخزرج هم جماع الأنصار وهما ابنا حارثة بالحاء والثاء بن ثعلبة، وأما النجار فقيل سمي بذلك لأنه اختتن بالقدوم، وقيل ضرب وجهه رجل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٥/ ٤٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٥٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٦٤١٦، ٩٨٥٢)، وصححه الألباني في الجامع رقم (٥١٣٦).","vol":"1","page":368},{"text":"بالقدوم فنجره أي نحته، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بسبعة، وقال محمد بن سعد الواقدي: أول من كتب لرسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة أبي بن كعب وأول من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان، توفي - ﵁ - بالمدينة ودفن بها، قيل: سنة ثلاثين في خلافة عثمان قال أبو نعيم الأصبهاني: وهذا هو الصحيح وقيل غير ذلك، قال ابن عبد البر: والأكثر أنه مات في خلافة عمر وكان أبيض الرأس واللحية لا يغير شيبه قصيرًا نحيفًا - ﵁ - ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض\" الحديث، السناء بالمد ارتفاع المنزلة والقدر عند الله ﷿ وقد سني يسني أي ارتفع والسنا بالقصر الضوء وفيه: \"عليكم بالسنا والسنوت\" بالقصر نبات معروف من الأدوية له حمل إذا يبس وحركته الريح سمعت له زجلا، الواحدة سناة وبعضهم يرويه بالمد قاله في النهاية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب\" الحديث، قال الشيخ زين الدين بن رجب قد ورد الوعيد على العمل لغير الله عمومًا في الحديث (^٣)، انتهى.\n_________\n(^١) رأجع: الاستيعاب (١/ ٦٥)، وأسد الغابة (١/ ٦١)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٨)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٩)، والإصابة (١/ ١٨٠).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤١٤).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩).","vol":"1","page":369},{"text":"واعلم أن العمل لغير الله أقسام تارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مراءات المخلوقين لغير أمر دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (^١) الآية، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ (^٢) الآية، ولذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (^٣) الآية، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي تتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله تعالى والعقوبة وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال يقول الله تعالى: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك\" (^٤) وغيره من الأحاديث (^٥)، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٦) الآية، وممن روي عنه هذا المعنى وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا طائفة من السلف\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٤٢.\n(^٢) سورة الماعون، الآية: ٤.\n(^٣) سورة الأنفال، الآية: ٤٧.\n(^٤) أخرجه مسلم رقم (٢٩٨٥).\n(^٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩ - ٨٠).\n(^٦) سورة الكهف، الآية: ١١٠.","vol":"1","page":370},{"text":"منهم: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وسعيد بن المسيب وغيره، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يقبل الله عملا فيه حبة من خردل من رياء\" (^١) وسيأتي هذا الحديث في الأصل ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين، فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنية أو التجارة نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية، وقد ذكرت أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا أنه لا أجر له، وقال الإمام أحمد بن حنبل - ﷺ - عنه أن التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم ولا يكونوا مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخالطه به غيره، وأما إذا كان العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فإن كان خاطرا أو وديعة فلا يضره بلا خلاف وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازي على أصل نيته في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد بن حنبل وابن جرير الطبري ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازي بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، فأما إذا عمل العامل لله خالصا ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك ففرح بفضل الله ورحمته فاستبشر بذلك لم يضره ذلك، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) أورده ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (١/ ٨٢).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٢)","vol":"1","page":371},{"text":"٣٢ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله إِنِّي أَقف الْموقف أُرِيد وَجه الله وَأُرِيد أَن يرى موطني، فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول الله - ﷺ - حَتَّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^١) (^٢) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شرطيهما وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه ثمَّ قَالَ رَوَاهُ عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك فَأرْسلهُ لم يذكر فِيهِ ابْن عَبَّاس.\nقوله: عن ابن عباس، هو: عبد الله بن عباس تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا قريبًا.\nقوله: إني أقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني فلم يرد رسول الله - ﷺ - حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية، والمراد بقوله: \"إني أقف الموقف\" وفي الرواية الأخرى \"وأريد أن يرى موطني\" الموطن المشهد من مشاهد الحرب قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (^٣) (^٤). قوله: رواه عبدان عن ابن المبارك فأرسله أما الحديث المرسل فتقدم الكلام عليه والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٢٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٣٨)، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد رقم (١٢) عن طاووس مرسلا، لم يذكر فيه ابن عباس، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٩).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٢٥.\n(^٤) المفاتيح (٥/ ٥٣٠).","vol":"1","page":372},{"text":"وأما ابن المبارك، اسمه: عبد الله بن المبارك أدرك جماعة من التابعين وأكثر روايته عن الأئمة وأعلام التابعين، قال أبو الفرج بن الجوزي ولد عبد الله بن المبارك سنة ثلاث عشرة ومائة وهو من تابع التابعين، وتوفي [بهيت] لما قفل من البحر سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاثين وستين سنة (^١)، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا في مواضع من هذا التعليق إن شاء الله تعالى.\n\n٣٣ - عَن أبي هِنْد الدَّارِيّ أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يَقُول من قَامَ مقَام رِيَاء وَسُمْعَة رايا الله بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَسمع\" (^٢) رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه أَنه \"سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من رايا بِالله لغير الله فقد برئ من الله\" (^٣).\nقوله: عن أبي هند الداري، أبو هند الداري، اسمه: برير بن عبد الله وهو أخو تميم لأمه وتميم الداري كنى بابنته رقية لم يولد له غيرها، وإنما العقب لأخيه لأمه أبي هند (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) صفة الصفوة (٢/ ٣٢٣ - ٣٣١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٧/ ٧)، والدارمي رقم (٢٧٩٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣١٩) رقم (٨٠٣)، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٠٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٦): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٢٤).\n(^٣) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للطبراني في الكبير، وضعفه الألباني في الجامع الصغير رقم (١٢٣٦٩).\n(^٤) الاستيعاب (٤/ ١٧٧٣)، وأسد الغابة (٦/ ٣١٧)، والإصابة (٧/ ٣٦٤).","vol":"1","page":373},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من قام مقام رياء وسمعة راءى الله به يوم القيامة وسمع\" تقدم الكلام على الرياء والسمعة واشتقاقهما في أول الباب وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث بعده مبسوطًا.\n\n٣٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: من سمع النَّاس بِعَمَلِهِ سمع الله بِهِ سامع خلقه وصغره وحقره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو يعني ابن العاصي تقدم الكلام على مناقبه قريبًا.\nقوله - ﷺ -: \"من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره\" الحديث، وفي رواية: \"أسامع خلقه\" بالألف يقال: سمعت بالرجل تسميعا وتسمعة إذا شهرته وسامع بالرفع اسم فاعل من سمع وأسامع جمع أسمع\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤١)، وأحمد ٢/ ١٦٢ (٦٥٠٩) و٢/ ١٩٥ (٦٨٣٩) و٢/ ٢١٢ (٦٩٨٦) و٢/ ٢٢٣ (٧٠٨٥) والزهد (٢٣٨)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٧٠ رقم ١٤١٨٧) و(١٣/ ٥٢٩ رقم ١٤٤١٤) و(١٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥ رقم ١٤٤٤٧) و(١٣/ ٥٥٥ رقم ١٤٤٤٨) و(١٣/ ٥٥٦ رقم ١٤٤٤٩) والأوسط (٥/ ١٧٢ رقم ٤٩٨٤)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٤٨ - ١٤٦ رقم ٦٤٠٢).\nقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٢: رواه الطبراني في الكبير واللفظ له، والأوسط بنحوه وقال: \"سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة\". رواه أحمد باختصار قول ابن عمر، وقال فيه: فذرفت عينا عبد الله بن عمر. وسمى الطبراني الرجل، وهو خيثمة بن عبد الرحمن، فبهذا الاعتبار رجال أحمد، وأحد أسانيد الطبراني في الكبير رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٦٦) وصحيح الترغيب (٢٥).","vol":"1","page":374},{"text":"وأسمع جمع قلة لسمع وسمع فلان بعمله إذا أظهره ليسمع فمن رواه سامع خلقه بالرفع جعله من صفة الله تعالى أي سمع الله سامع خلقه به الناس، ومن رواه سامع أراد أن الله تعالى يسمع به أسماع خلقه يوم القيامة، وقيل: أراد من سمع الناس بعمله سمعه الله وأراه ثوابه من غير أن يعصيه وقيل: من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك ثوابه، وقيل: أراد أن يفعل فعلا صالحا في السر ثم يظهره ليسمعه الناس ويحمد عليه فإن الله يسمع به ويظهر للناس غرضه وإن عمله لم يكن خالصا وقيل يريد من نسب إلى نفسه عملا صالحا لم يفعله وادعى خيرا لم يصنعه فإن الله يفضحه ويظهر كذبه ومنه الحديث \"إنما فعله سمعة ورياء\" أي: ليسمعه الناس ويروه (^١) والله تعالى أعلم.\n\n٣٥ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِي - ﷺ - من سمع سمع الله بِهِ وَمن يراء يراء الله بِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nسمع بتَشْديد الْمِيم وَمَعْنَاهُ من أظهر عمله للنَّاس رِيَاء أظهر الله نِيَّته الْفَاسِدَة في عمله يَوْم الْقِيَامَة وفضحه على رُؤُوس الأشهاد.\nقوله: عن جندب بن عبد الله، هو: جندب بن عبد الله بن [سفيان البجلي العلقي وعلقة بفتح العين واللام: بطن من بجيلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث. له صحبة ليست بالقديمة، يكنى أبا عبد الله، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، قدمها مع\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٠١ - ٤٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٩٩) و(٧١٥٢)، ومسلم (٤٨ - ٢٩٨٧).","vol":"1","page":375},{"text":"مصعب بن الزبير.\nروى عنه من أهل البصرة: الحسن، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، وأبو السوار العدوي، وبكر بن عبد الله، ويونس بن جبير الباهلي، وصفوان بن محرز، وأبو عمران الجوني، وروى عنه من أهل الكوفة عبد الملك بن عمير، والأسود بن قيس، وسلمة بن كهيل.\nوله رواية عن أُبي بن كعب، وحذيفة، روى عنه الحسن، أن النبي - ﷺ - قال: \"من صلى صلاة الصبح كان في ذمة الله ﷿ فانظر لا يطلبنك الله بشيء من ذمته\". قال ابن منده، وأبو نعيم: ويقال له: جندب الخير، والذي ذكره ابن الكلبي أن جندب الخير هو جندب بن عبد اللّه بن الأخرم الأزدي الغامدي (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"من سمَّع سمع الله به\" الحديث. فسر الحافظ هذا الحديث فقال: سمع هو بتشديد الميم ومعناه: من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد، انتهى.\nفائدة: الأشهاد الملائكة الحفظة وقيل عموم الملائكة وقال الضحاك: هم الأنبياء والمرسلون، ودليله قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (^٢) وقيل: الأنبياء والملائكة والعلماء الذين بلغوا الرسالات، وقال قتادة: هم الخلائق أجمع (^٣) قال الله\n_________\n(^١) أسد الغابة (١/ ٥٦٦ ترجمة ٨٠٤).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤١.\n(^٣) تفسير القرطبي (٩/ ١٨).","vol":"1","page":376},{"text":"تعالى ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (^١) فقيل: الحفظة يشهدون للأنبياء بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب واحدهم شاهد كطائر وأطيار وصاحب وأصحاب (^٢) ويجوز أن يكون شهيدا كشريف وأشراف ويتيم وأيتام (^٣) انتهى قاله في الديباجة، وفسره النووي أيضًا أبسط من ذلك، فقال نقلا عن العلماء (^٤): معناه من رايًا بعمله وسمَّعه للناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيرا سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه على رؤوس الأشهاد وقيل معناه: من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه وقيل: أراه الله تعالى ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه وقيل: معناه من أراد بعمله الناس أسمعه الله وكان ذلك حظه منه انتهى.\n\n٣٦ - وَعَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من قَامَ مقَام رِيَاء رايا الله بِهِ وَمن قَامَ مقَام سمعة سمع الله بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسنَاد حسن (^٥).\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٥١.\n(^٢) التفسير البسيط (٤/ ١٨).\n(^٣) تفسير ابن عطية (٤/ ٥٦٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٦).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٥٦ رقم ١٠١)، والضراب في ذم الرياء (٢٧). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٣: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧).","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>[سيدنا عوف بن مالك الأشجعي الصحابي]:</span>\nقوله: وعن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي، كنيته: أبو عبد الرحمن ويقال: أبو محمد ويقال: أبو حماد ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني أول مشاهده مع النبي - ﷺ - خيبر وشهد معه فتح مكة وكانت معه راية أشجع، نزل الشام وسكن دمشق وكانت داره عند سوق الغزل، روي له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وستون حديثا، روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة، روى عنه أبو أيوب الأنصاري والمقدام بن معدي كرب وأبو هريرة، وروى عنه من التابعين جماعات واتفقوا على أنه توفي بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة<span data-type=\"title\" id=toc-57> عبد الملك بن مروان </span>(^١). انتهى.\n\n[عبد الملك بن مروان]:\nتنبيه: في ذكر خلافة عبد الملك بن مروان ونسبه، أما نسبه: فكان يكنى بأبي الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكل بني أمية يلقون رسول الله - ﷺ - في عبد مناف، وأمه: عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس، روى أن حبرا من أحبار الروم من أهل الشام أحسبه راهبا قدم المدينة فبينما هو يمشي في بعض أزقتها رأى عبد الملك بن مروان وهو غلام يسعى وعلى يديه بازي فاستوقفه الحبر ثم سأله عن نفسه فأخبره عبد الملك فقال له الحبر: إني مبشرك ببشارة فما جزاءي عليها فقال عبد الملك: إذا عرفت\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٠ ترجمة ٤٧٢).","vol":"1","page":378},{"text":"البشارة عرفت قدر جزاءي بها فقال له الحبر إنك نملك الأرض فقال عبد الملك: الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فقال له الحبر: ما لي عندك إن كان ما قلته حقا، فقال عبد الملك: أرأيت إن ضمنت لك أيكون من ذلك ما لم يقدر، قال: لا، قال: أفرأيت إن لم أضمن أيمنع من ذلك ما قدر أو يتأخر عن حينه، فقال له الحبر: لا فقال عبد الملك: فما أرى للضمان وجها وإن يكن ما تقول حقا وتأتينا نحسن إليك إن شاء الله تعالى، وبويع له بالخلافة في شهر رمضان سنة ست وستين، وقيل: سنة خمس وستين وله إحدى وأربعون سنة وأشهر وكانت خلافته في أصح الروايات سنة إحدى وعشرين سنة وستة أشهر وخلص له الأمر ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر وكان لما مات أخوه عبد العزيز ولي مصر عبد الله بن مروان أخوه أيضا وهو صاحب المسجد بمصر المعروف بمسجد عبد الله وكان عبد الله حدثا فإنه كان آخر ولد مروان انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (^١).\n\n٣٧ - وَعَن معَاذ بن جبل عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا من عبد يقوم فِي الدُّنْيَا مقَام سمعة ورياء إِلَّا سمع الله بهِ على رُؤُوس الْخَلائق يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n_________\n(^١) كنز الدرر (٤/ ١٣٥ - ١٣٧) و(٤/ ٢٤٢).\n(^٢) أخرجه البزار (٢٦٥٧)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١١٩ رقم ٢٣٧) والشاميين (١٠٣١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٣: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨).","vol":"1","page":379},{"text":"٣٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ من رايا بِشَيْء فِي الدُّنْيَا من عمله وَكله الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ انْظُر هَل يُغني عَنْك شَيْئا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا (^١).\nقوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"من رايا بشيء في الدنيا من عمله وكله الله إليه يوم القيامة\" تقدم الكلام على الرياء.\nوقوله: \"وكله الله إليه يوم القيامة\" وكله بمعنى جعله معتمدًا على [الشيء] (^٢).\n\n٣٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تزين بِعَمَل الآخِرَة وَهُوَ لا يريدها وَلا يطْلبهَا لعن فِي السَّمَوَات وَالأرْض رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط (^٣).\n\n٤٠ - وَرُوِيَ عَن الْجَارُود قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من طلب الدُّنْيَا بِعَمَل الآخِرَة طمس وَجهه ومحق ذكره وَأثبت اسْمه فِي النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٩/ ١٦٣ رقم ٦٤٢١) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩).\n(^٢) كشف المناهج (٤/ ٣٥٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٩٦ رقم ٤٧٧٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا ابن أبي ذئب، تفرد به إسماعيل بن يحيى. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذاب. قال الألباني: موضوع الضعيفة (٤٥٧٤)، وضعيف الترغيب (١١).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٦٨ رقم ٢١٢٨)، وأبو نعيم في المعرفة (١٦٤٨). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٠: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٤٧) وضعيف الترغيب (١٢).","vol":"1","page":380},{"text":"قوله: عن الجارود، هو: الجارود بن [المعلى بن العلاء، وقيل: الجارود بن عمرو بن العلاء، وقيل: الجارود بن المعلى بن عمرو بن حنش بن يعلى، قاله ابن إسحاق.\nوقال الكلبي: الجارود، واسمه بشر بن حنش بن المعلى، وهو الحارث بن يزيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس العبدي، وأمه دريمكة بنت رويم من بني شيبان، وإنما لقب الجارود، لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل، فأصابهم وجردهم.\nوفد على رسول الله - ﷺ - سنة عشر في وفد عبد القيس، فأسلم، وكان نصرانيا، ففرح النبي - ﷺ - بإسلامه، فأكرمه وقربه، وتروى عنه من الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين: أبو مسلم الجذمي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وزيد بن علي أبو القموص، وابن سيرين (^١)].\nفائدة تتعلق باسم الجارودية: أما الجارودية ففرقة من الزيدية من الشيعة وهم من أبي الجارود نسبوا إليه زعموا أن النبي - ﷺ - نص على إمامة علي بالوصف والتسمية وأن أن الناس كفروا بتركهم الاقتداء به بعد النبي - ﷺ - ثم بعده الحسن ثم الحسين ثم إن الإمامة شورى في ولديهما فمن خرج منهم داعيا إلى سبيل ربه وكان عالما فاضلا انتهى قاله في الأنساب (^٢).\n_________\n(^١) أسد الغابة (١/ ٤٩٨ ترجمة ٦٥٧).\n(^٢) الأنساب (٣/ ١٦٨) للسمعاني.","vol":"1","page":381},{"text":"* قوله - ﷺ - في حديث الجاورد: \"ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء\".\n(^١) [خشية الله تعالى كتبت حسنة كما جاء في الحديث: \"إنما تركها من جرائي\" (^٢) فصار تركه لها لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك، وعصيانه هواه حسنة، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم، وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف النالس، هل يكتب حسنة؟ قال: لا، لأنه إنما حمله على تركها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له، هذا آخر كلام القاضي (^٣)، وهو ظاهر حسن ولا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر، والله أعلم (^٤)، ومذهب الجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه بخلاف الخاطر (^٥)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.\nقوله - ﷺ -: \"إنما تركها من جرائي\" قال الحافظ: هو بفتح الجيم وتشديد\n_________\n(^١) هذه الصفحة ليست لها علاقة بما قبلها.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٥ - ١٢٩) عن أبي هريرة.\n(^٣) قاله القاضي عياض كما في إكمال المعلم (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦).\n(^٤) قاله النووي كما في شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥١).\n(^٥) قاله القاضي عياض في إكمال المعلم ٥/ ٤٠٤، وعنه النووي في شرح النووي على مسلم (١١/ ١٠٨ - ١٠٧)، وابن حجر في فتح البارى (٨/ ٦١٣).","vol":"1","page":382},{"text":"الراء أي من أجلي وقال غيره: أي من أجلي وبسببي، وجراء: تمد وتقصر يقال: علت ذلك من جراك ومن جرائك أي من أجلك، وهذا يدل على أن المراد من قدر على ما هم من المعصية فيتركها لله ﷿، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه للمعصية بهذا القصد عمل صالح فأما إن هم بمعصية ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو مراءاة لهم فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله تعالى محرم وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم فإذا اقترن بذلك ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك، وأما إن سعى في تحصيلها بما أمكنه ثم حال بينه وبينها العذر فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي - ﷺ -: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل\" (^١) ومن سعى في حصول المعصية جهده ثم عجز عنها فقد عمل وكذلك قوله - ﷺ -: \"بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\" (^٢) وقوله - ﷺ - في الحديث: \"ما لم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٢٨) و(٥٢٦٩) و(٦٦٦٤)، ومسلم (٢٠١ و٢٠٢ - ١٢٧)، وأبو داود (٢٢٠٩)، وابن ماجه (٢٠٤٠) و(٢٠٤٤)، والترمذي (١١٨٣)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٣ (٣٤٥٩) و٦/ ٤٤ (٦٣٤٠) و٦/ ٤٥ (٣٤٦١) وفي الكبرى (٥٥٩٧) و(٥٥٩٨)، وابن خزيمة (٨٩٨) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١) و(٦٨٧٥) و(٧٠٨٣)، ومسلم (١٤ و١٥ - ٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨) و(٤٢٦٩)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٥٦٢ (٤١٥٦) و٦/ ٥٦٤ (٤١٥٨) و(٤١٥٩) و٦/ ٥٦٥ (٤١٦٠) و(٤١٦١) عن أبي بكرة.","vol":"1","page":383},{"text":"تتكلم به أو تعمل\" يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما هم به لسانه أنه يعاقب على الهم حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه، ويدل على ذلك قوله - ﷺ - في حديث أبي كبشة الأنماري الذي تقدم قريبًا: \"لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان\" (^١) يعني الذي يعصي الله تعالى في ماله فهما في الوزر سواء (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[المعصية بأحد الحرمين]:</span>\nتنبيه: تضمنت نصوص هذه الروايات كتابة الحسنات والسيئات والهم بالحسنة والهم بالسيئة وتقدم الكلام على ثلاث، وبقي الهم بالسيئة إذا عملها كتبها الله سيئة واحدة كما في حديث ابن عباس، ففيه إشارة إلى أنها غير مضاعفة كما صرح به في الحديث المذكور، ولكن السيئة تعظم أحيانًا بشرف الزمان ومكان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٣) قال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وقد روي في حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان، وكان جماعة من الصحابة\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه (٤٢٢٨). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني كما سبق.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٥ - ١٠٤٧).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٣٦.","vol":"1","page":384},{"text":"يتقون سكنى الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة يعني، بغير مكة أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة (^١)، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات (^٢)، وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة والحسنة على نحو ذلك (^٣) وقد تضاعف السيئات لشرفا فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم أجرا ممن عصاه على بعد (^٤).\nقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس: زاد في رواية: \"أو محاها\" يعني أن عمل السيئة إما تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب كالتوبة والاستعفار وعمل الحسنات (^٥).\nوقوله بعد ذلك: \"ولا يهلك على الله هالك\" أي: لا يعاقب مع هذه المسامحة إلا مفرط غاية التفريط يعني بعد هذا الفضل العظيم والرحمة الواسعة فيه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات: \"لا يهلك على الله\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨٨٧١)، والأزرقى في أخبار مكة (٢/ ١٣٤) والفاكهى في أخبار مكة (١٤٣١).\n(^٢) أخرجه الثعلبى في التفسير (٧/ ١٧).\n(^٣) أخبار مكة (٢/ ١٣٧).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٠ - ١٠٤٢).\n(^٥) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٥٢).","vol":"1","page":385},{"text":"إلا من هلك وألقي بيديه إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب في الحسنات وأعرض عنها\" ولهذا قال ابن مسعود - ﵁ -: ويل لمن غلب وحدانه عشراته (^١)، وروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ مرفوعا هكذا: هلك من غلب واحده عشرًا (^٢) انتهى كلام ابن رجب (^٣).\nسؤال: ما معنى قوله: ويل لمن غلب آحاده أعشاره، قيل: الآحاد السيئات لأن كل سيئة تكتب بواحدة والأعشار أصول الحسنات وتضاعيف الحسنات فإن الحسنة بعشر أمثالها قاله ابن العماد في كشف الأسرار (^٤).\nتنبيه: قال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلى من الدنيا جميعًا (^٥).\nسؤال آخر: ما الحكمة في إضعاف الحسنات؟ قال النيسابوري: لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء في طاعته فيدفع إليهم واحدة وتبقى له تسعة ثم\n_________\n(^١) تفسير الطبرى (١٠/ ٢١٤).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ١٢٤) عن ابن مسعود موقوفًا. وذكره الرازى في تفسيره (١١/ ٢٢٦) عن ابن عباس مرفوعا من رواية الكلبى عن أبي صالح بلفظ: لما نزلت هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوأ فكيف الجزاء، فقال ﵊: \"إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره\".\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٥٣ - ١٠٥٤).\n(^٤) كشف الأسرار (لوحة ٤٤).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٥٨٥)، والطبرى في التفسير (٧/ ٢٩) عن قتادة.","vol":"1","page":386},{"text":"توفي العباد من أصول حسناته ولا يوفي من التضعيفات لأنها فضل من الله تعالى قد ذكر البيهقي في كتاب البعث والنشور فقال: إن التضعيفات فضل من الله تعالى لا يتعلق بها العباد بل يدخرها للعبد إذا أدخله الجنة أثابه بها (^١) قاله أيضا في كشف الأسرار (^٢)، وفي حديث مرسل أخرجه ابن أبي الدنيا أن النبي - ﷺ - قال لرجل: \"يا فلان إنك تبني وتهدم يعني تعمل الحسنات والسيئات\" فقال يا رسول الله: سوف أبني ولا أهدم (^٣)، علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية ما أحسن الحسنة بعد الحسنة وأقبح السيئة بعد الحسنة ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها النكسة أصعب من المرض الأول (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"يقول الله تعالى وإذا تحدث عبدي لله\" (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة\" تقدم معناه في الأحاديث قبله.\nتنبيه: وورد في حديث آخر أن النبي - ﷺ - قال: \"ومن قام برجل مسلم مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة\" (^٦) أي من أظهر\n_________\n(^١) روح البيان (١/ ٣٨٠).\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ٤٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (١٨١) عن عبد الله بن شقيق مرسلًا.\n(^٤) لطائف المعارف (ص ٦٤).\n(^٥) هاتان اللوحتان مكررتان بما سبق.\n(^٦) أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٢٢٩ (١٨٠١١)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٤٥)، وأبو داود (٤٨٨١)، والفسوي في المعرفة (٢/ ٣٥٦)، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني =","vol":"1","page":387},{"text":"رجلا بصلاح وليس بصالح أو شهره بين الناس بالصلاح والزهد ليعتقدوه ويحصل له جاه عندهم ليأخذ منهم شيئًا كما ترى في زماننا يعتقدون الجهال ويغترون بهم فيأمر الله تعالى ملائكته أن يظهروا أنه كذاب (^١)، انتهى.\n\n٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يخرج فِي آخر الزَّمَان رجال يختلون الدُّنْيَا بِالدّينِ يلبسُونَ للنَّاس جُلُود الضَّأْن من اللين ألسنتهم أحلى من الْعَسَل وَقُلُوبهمْ قُلُوب الذئاب يَقُول الله ﷿ أبي يغترون أم عَليّ يجترئون فَبِي حَلَفت لأبْعَثَن على أُولَئِكَ مِنْهُم فتْنَة تدع الْحَلِيم حيران رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة يحيى بن عبيد سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة فَذكره وَرَوَا مخْتَصرا من حَدِيث ابْن عمر وَقَالَ حَدِيث حسن (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"يخرج آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين\" الحديث معنى يختلون الدنيا بالدين يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يريك دينا وورعا حتى إذا\n_________\n= (٢٨٠٧)، وأبو يعلى (٦٨٥٨)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٤٨٥)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٤٥ رقم ٣٥٧٢) والكبير (٢٠/ ٣٠٩ رقم ٧٣٥) والشاميين (٢٠٦) و(٣٥٨٩)، والحاكم ٤/ ١٢٧ - ١٢٨، والبيهقي في الشعب (٩/ ٨٤ - ٨٥ رقم ٦٢٩١ و٦٢٩٢). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٤).\n(^١) شرح المشكاة (١٠/ ٣٢١٨ - ٣٢١٩) للطيبي.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٠) ومن طريقه الترمذي (٢٥١٥) وأبو القاسم الحلبى في حديثه (١٥) وابن عبد البر في الجامع (١١٤٠) والبغوى في شرح السنة (٤١٩٩)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٧)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٧). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٣).","vol":"1","page":388},{"text":"ظفر بشيء من أمر الدنيا انكشف ضميره الخبيث قبح الله الفاعل لذلك، يقال ختله يختله إذا خدعه وراوغه والختل الخداع (^١) وهو أن يعمل الرجل عملا وفي نيته بعمله أن يخدع الناس وختل الذئب الصيد إذا تخفى له، ومنه حديث الحسن في طلاب العلم وصنفٌ تعلموه للاستطالة والختل أي للخداع، قاله في النهاية (^٢).\nقوله: \"يلبسون للناس جلود الضأن من اللين\" يضرب المثل بلين جلود الضأن كما في الحديث [كناية عن إظهار التمسكن والتلين مع الناس].\nقوله: \"ألسنتهم أحلى من العسل قلوبهم قلوب الذئب\" وفي رواية قلوبهم أمر من الصبر \"يلبسون للناس جلود الضأن من اللين يشترون الدنيا بالدين\" وفي سنن أبي داود وابن ماجه عن أبي الدرداء أن النبي - ﷺ - قال: \"أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس صوف الكباش قلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأبيحن لهم فتنة تاع الحليم حيران\" (^٣) وهو في الحلية من حديث\n_________\n(^١) كشف المناهج (٤/ ٣٥٢).\n(^٢) النهاية (٢/ ٩).\n(^٣) أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٦٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٣٩)، وابن عساكر في ذم من لا يعمل بعلمه (٩)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (٢/ ٣٧). قال العراقي في تخريج الإحياء (٧٥): أخرجه ابن عبد البر بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":389},{"text":"فرقد السبخي عن أنس قال أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء ما بال عبادي يدخلون بيوتي يعني المساجد بقلوب غير طاهرة وأيد غير نقية أبي يغترون أو إياي يخادعون وجلالي وعلوي في ارتفاعي لأبتلينهم ببلية تدع الحليم منهم حيران لا ينجو منهم إلا من دعا كدعاء الغريق (^١)، وفي الحلية أيضا أن الأوزاعي حدث عن هارون بن رباب الأسدي وكان من الزهاد أنه قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم حسن يقولون سبحانك وبحمدك على حكمك بعد علمك ويقول الأربعة الأخر: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك (^٢) انتهى.\nقوله: \"أبي يغترون\"، ومعنى \"أبي يغترون\" أي بإمهالي يغترون، وقوله في الحديا: \"فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تاع الحليم حيران\" فبي للقسم، وتدع الحليم تترك، وأراد بالحليم العالم قاله في شرح المصابيح (^٣).\nلطيفة: وروى أبو طالب المكي في قوت القلوب أن رجلا كان يخدم موسى ﵇ فجعل يقول حدثني موسى - ﷺ -، حدثني موسى نجي الله، حدثني موسى كليم الله حتى أثرى وكثر ماله.\nففقده موسى ﵇ وجعل يسأل عنه فلا يحس له أثرا حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال يا موسى أتعرف ذاك\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٤٨)، والكلاباذى في بحر الفوائد (١٠٧٣).\n(^٢) الحلية (٣/ ٥٥).\n(^٣) المفاتيح (٥/ ٣١٧)، وشرح المشكاة (٥/ ٤٤٦) للطيبى.","vol":"1","page":390},{"text":"الرجل الذي كان يخدمك قال: نعم، قال: هو هذا الخنزير فقال موسى - ﷺ -: \"يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله لم أصابه ذلك، فأوحى الله تعالى إليه لو دعوتني بالذي دعى به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكن أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين، فالذي يطلب الدنيا بإظهار الزهد فيها فإن ذلك خداع قبيح جدًّا\" (^١).\nلطيفة أخرى: كان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يعيب على من لبس عباءة وفي قلبه شهوة من شهوات الدنيا تساوي أكثر من قيمة العبادة يشير أي أن إظهار الزهد في الدنيا باللباس الدني إنما يصلح لمن فرغ قلبه من التعلق بها بحيث لا يتعلق قلبه بأكثر من قيمة ما لبسه في الظاهر حتى يستوي ظاهره وباطنه في الفراغ من الدنيا وما أحسن قول بعض العارفين وقد سئل عن الصوفي فقال: الصوفي من لبس الصوف على الصبا وسلك كريق المصطفى وذاق الهوى بعد الجفا وكانت الدنيا منه خلف القفا، ذكره ابن رجب الحنبلي (^٢)، وقال كعب الأحبار: يظهر في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون الناس ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ويأتون ويؤثرون الدنيا على الآخرة، وفي آخر الحديث: \"يقربون الأغنياء دون الفقراء أولئك الجبارون أعداء الرحمن\" (^٣).\n_________\n(^١) قوت القلوب (١/ ٢٤٩).\n(^٢) مجموع رسائل ابن رجب (ص ٨٠).\n(^٣) قوت القلوب (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":391},{"text":"٤٢ - وَرُوِيَ عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من تحبب إِلَى النَّاس بِمَا يحبونَ وبارز الله بِمَا يكْرهُونَ لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط (^١).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه في باب الرياء.\nقوله - ﷺ -: \"من تحبب إلى الناس بما يحبون وبارز الله بما يكرهون لقى الله وهو عليه غضبان\" الحديث، غضب الله تعالى هو [ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يراه من أليم عذابه وما يشاهده من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها].\n\n٤٣ - وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تعوذوا بِالله من جب الْحزن قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا جب الْحزن قَالَ وَاد فِي جَهَنَّم تتعوذ مِنْهُ جَهَنَّم كل يَوْم مائَة مرّة وَمِائَة قيل يَا رَسُول الله وَمن يدْخلهُ قَالَ الْقُرَّاء المراؤون بأعمالهم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَابْن مَاجَه (^٢) وَلَفظه تعوذوا بِالله من جب\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٦٦ - ١٦٧ رقم ٢٨١٧). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن سليمان. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود الشاذكوني، وهو متروك.\nوقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٦٤٥) وضعيف الترغيب (١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٧٠) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٩/ ١٦٨ رقم ٦٤٣٥)، والترمذي (٢٥٤١)، وابن ماجه (٢٥٦)، والطبراني في الدعاء (١٣٩٠ و١٣٩١) والأوسط (٣/ ٢٦١ رقم ٣٠٩٠)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٤٤٣). قال البخاري: أبو معاذ لا يعرف له سماع من ابن سيرين، وهو مجهول. وقال الترمذي: هذا حديث غريب.\nوقال ابن عدى: وهذا حديث قد رُوي عن بُكَير بن شهاب الدامغاني، عن ابن سِيرين، عن أبي هريرة، فلا يسوى الروايتين شيئا، وعمار بن سيف له غير ما ذكرت، والضعف بين في =","vol":"1","page":392},{"text":"الْحزن قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا جب الْحزن قَالَ وَاد فِي جَهَنَّم تتعوذ مِنْهُ جَهَنَّم كل يَوْم أَرْبَعمِائَة مرّة قيل يَا رَسُول الله وَمن يدْخلهُ قَالَ أعد للقراء المرائين بأعمالهم وَإِن من أبْغض الْقُرَّاء إِلَى الله ﷿ الَّذين يزورون الْأُمَرَاء وَفِي بعض النّسخ الْأُمَرَاء الجورة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِنَحْوِهِ (^١) إِلَّا أَنه قَالَ يلقى فِيهِ الغرارون قيل يَا رَسُول الله وَمَا الغرارون قَالَ المراؤون بأعمالهم فِي الدُّنْيَا.\nقوله: وروي عنه، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"تعوذوا بالله من جب الحزن\" قالوا: وما جب الحزن؟ قال: \"واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم مائة مرة\" الحديث، وفي آخره: قيل يا رسول الله: ومن يدخله، قال: \"القراء المراءون بأعمالهم\" وفي رواية: \"تتعوذ منه جهنم كل يوم أربع مائة مرة\" أعد ذلك الجب للقراء المرائين بأعمالهم، وفي حديث آخر ذكره أسد بن موسى أنه ﵊ قال: \"إن في جهنم لواديًا، وإن جهنم لتتعوذ من شر ذلك الوادي في كل يوم سبع مرات وإن في ذلك الوادي لجبا إن جهنم والوادي ليتعوذان من شر ذلك الجب وإن في\n_________\n= حديثه. وقال الهيثمى في المجمع ٧/ ١٦٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بكير بن شهاب الدامغاني وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦)، والمشكاة (٢٧٥).\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٠٢ رقم ٦٤٨٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سليمان التيمي إلا محمد بن الفضل، تفرد به محمد بن ماهان. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٣٨٨ - ٣٨٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن الفضل بن عطية، وهو مجمع على ضعفه. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٦)، والضعيفة (٥١٥٢).","vol":"1","page":393},{"text":"ذلك الجب لحية إن جهنم والوادي وذلك الجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن\" (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء الجورة\" قال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك (^٢)، قال أبو عمر: روى ابن عباس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس الأمراء والفقهاء\" وفي رواية: \"إذا فسدت فسدت الأمة السلطان والعلماء\" (^٣) وفي حديث إسماعيل بن سميع عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العلماء أمناء - يعني على الرسل - على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان يعني في الظلم فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم\" (^٤) ويقال: شر الأمراء أبعدهم من العلماء وشر العلماء أقربهم من الأمراء (^٥) وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه\n_________\n(^١) أخرجه أسد بن موسى في الزهد (٢٤) عن ثور بن يزيد معضلا.\n(^٢) جامع بيان العلم (١٠٩٧).\n(^٣) أخرجه تمام في الفوائد (١٥١٦)، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (٣٦)، والحلية ٤/ ٩٦، وابن عبد البرّ في جامع بيان العلم (١١٠٨) و(١١٠٩). وضعفه السيوطي في الجامع الصغير (٥٠٤٧)، والألباني في الضعيفة (١٦).\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١١٣)، والشجرى في الأمالى (٣٤٠)، والديلمى (٢١٣٧) ومن طريق الحاكم (٢١٣٨) وأبى نعيم (٢١٣٩). قال أبو جعفر: حفص هذا كوفي، حديثه غير محفوظ. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٦٧٠).\n(^٥) جامع بيان العلم (١/ ٦٤٤).","vol":"1","page":394},{"text":"لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم (^١)، الحديث، وعن حذيفة - ﵁ -: قال: إياكم ومواقف الفتن قيل: وما مواقف الفتن قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول له ما ليس فيه (^٢) وسيأتي الكلام في الدخول على الأمراء وتصديقهم على كذبهم في بابه إن شاء الله تعالى.\n\n٤٤ - وَرَوَاهُ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن فِي جَهَنَّم لواديا تستعيذ جَهَنَّم من ذَلِك الْوَادي فِي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة مرّة أعد ذَلِك الْوَادي للمرائين من أمة مُحَمَّد - ﷺ - لحامل كتاب الله والمتصدق فِي غير ذَات الله والحاج إِلَى بَيت الله وللخارج فِي سَبِيل الله. (^٣) قَالَ الْحَافِظ رفع حَدِيث ابْن عَبَّاس غَرِيب وَلَعَلَّه مَوْقُوف وَالله أعلم.\n\n٤٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أحسن الصَّلَاة حَيْثُ يرَاهُ النَّاس وأساءها حَيْثُ يَخْلُو فَتلك استهانة استهان بهَا ربه ﵎ رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي كِتَابه وَأَبُو يعلى كِلَاهُمَا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن مُسلم الهجري عَن أبي الْأَحْوَص عَنهُ (^٤) وَرَوَاهُ من هَذِه الطّرق ابْن جرير\n_________\n(^١) جامع بيان العلم (١١٢٨).\n(^٢) جامع بيان العلم (١١٠٣).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٧٥ رقم ١٢٨٠٣). وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٢: رواه الطبراني عن شيخه: يحيى بن عبد الله بن عبدويه، عن أبيه ولم أعرفهما، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٣٧٣٨)، وإسحاق كما في المطالب العالية (٣٢١٣) وإتحاف الخيرة (١/ ٢٥٨ رقم ٣٩٥/ ١)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٦٥)، وأبو يعلى (٥١١٧)، =","vol":"1","page":395},{"text":"الطَّبَرِيّ مَرْفُوعا أَيْضا وموقوفا على ابْن مَسْعُود وَهُوَ أشبه (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود، هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمح (^٢) الهذلي حليف بني زهرة الكوفي وأمه أم عبد بنت عبد ود، أسلمت وهاجرت فهو صحابي بن صحابية وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وشهد مع رسول الله - ﷺ - بدر وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد كلها وهو صاحب نعل رسول الله - ﷺ - كان يلبسه إياها إذا قام فإذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود في ذراعه، وكان - ﵁ - كثير الولوج على رسول الله - ﷺ - والخدمة له، وثبت في صحيح مسلم عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذنك على أن يرفع الحجاب وسمع سوادي حتى أنهك\" (^٣)، والسواد\n_________\n= والجرجانى في أماليه (٢٦٣)، والضراب في ذم الرياء (٢٦ و٤٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (٥٠٥ و٥٠٦)، والبيهقي في الصغير (١/ ٣٠٤ رقم ٨٤٩) والكبرى (٢/ ٤١٢ رقم ٣٥٨٤) والشعب (٤/ ٤٨٣ رقم ٢٨٥١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٩٩١).\nقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢١: رواه أبو يعلى، وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف. وقال البوصيرى: هذا حديث حسن. وقال ابن حجر: حديث حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٣٧) وضعيف الترغيب (١٨).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٢٧ (٨٤٠٤)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٦٤)، والطبرى في تهذيب الآثار - مسند عمر (٢/ ٧٩٩ رقم ١١٢٦)، والضراب في ذم الرياء (٣٩) موقوفًا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٣٧) وضعيف الترغيب (١٨).\n(^٢) في الأصل شمخ والتصويب من تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٦ - ٢١٩٦) عن ابن مسعود.","vol":"1","page":396},{"text":"بكسر السين السرار وكان يعرف بصاحب السواد والسواك والنعل، روي له عن رسول الله - ﷺ - ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين حديثا، نزل الكوفة في آخر أمره، وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، قيل: عاد إلى المدينة واتفقوا على أنه توفي وهو ابن بضع وستين سنة، والذين قالوا: توفي بالمدينة، قالوا: دفن بالبقيع قيل: وصلى عليه عثمان وقيل الزبير وقيل عمار بن ياسر، وكان - ﵁ - من كبار الصحابة وساداتهم وفقائهم ومقدميهم في القرآن والفقه والفتاوى، ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى - ﵁ - قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وكنا جئنا وما نرى ابن مسعود وأمه.\nإلا من أهل بيت رسول الله - ﷺ - لما نرى من كثرة دخوله ودخول أمه على رسول الله - ﷺ - ولزومهم له (^١) وبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة وكتب إليهم بعثت إليكم عمار أميرًا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرًا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله - ﷺ - من أهل بدر فاقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي وقال أبو ظبية: مرض ابن مسعود فعاده عثمان فقال: ما تشتكي؟ قال ذنوبي قال مما تشتهي قال رحمة ربي قال: ألا آمر لك بطبيب، قال: الطبيب أمرضني قال: ألا آمرك بعطاء قال لا حاجة لي فيه قال: يكون لبناتك قال: أتخشى علي بناتي الفقر وإني قد أمرتهن أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٦٣) و(٤٣٨٤)، ومسلم (١١٠ و١١١ - ٢٤٦٠).","vol":"1","page":397},{"text":"إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من قرأ كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدًا\" (^١) ومناقبه - ﵁ - كثيرة مشهورة (^٢).\nقوله: رواه عبد الرزاق وأبو يعلى من رواية إبراهيم بن مسلم الهجري الهجري بفتح الهاء والجيم منسوب إلى هجر مدينة باليمن.\nقوله: \"من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة\" استهانة بها وبه ﵎ الحديث.\nقوله: وقوله: عن أبي الأحوص الجشمي، واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة ولأبيه صحبة.\n\n٤٦ - وَعَن شَدَّاد بن أَوْس - ﵁ - أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يَقُول من صَامَ يرائي فقد أشرك وَمن صلى يرائي فقد أشرك وَمن تصدق يرائي فقد أشرك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد الْمجِيد بن بهْرَام عَن شهر بن حَوْشَب وَسَيَأْتِي أتم من هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٧٢١)، وابن السنى في اليوم والليلة (٦٨٠). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٨٩) وضعيف الترغيب (٩٧٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٨ - ٢٩٠ ترجمة ٣٣٣).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٥ - ١٢٦ (١٧١٤٠)، والبزار (٣٤٨٢)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٨١ رقم ٧١٣٩)، وابن عدى (٥/ ٦٣)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (١٦٢)، والحاكم (٤/ ٣٢٩)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٦٥ - ١٦٦ رقم ٦٤٢٧). وصححه الحاكم. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢١: رواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب، وضعفه أحمد وغيره، وضعفه غير واحد، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩) و(٢١).","vol":"1","page":398},{"text":"قوله: وعن شداد بن أوس الصحابي، هو: أبو يعلى قيل: أبو عبد الرحمن شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام وهو ابن أخي حسان بن ثابت شاعر رسول الله - ﷺ - وهو أنصاري نجاري مدني سكن بيت المقدس وأعقب به، روي له عن رسول الله - ﷺ - خمسون حديثا روى البخاري منها حديثا ومسلم أخر، روى عنه ابنه يعلى وجماعة من التابعين توفي - ﵁ - ببيت المقدس سنة ثمان وخمسين وقيل: إحدى وأربعين وقيل: أربع وستين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن وحديثه المذكور \"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة\" (^١) الحديث رواه مسلم، قالوا: وكان شداد عليما حليما كثير العبادة والوارع والخوف من الله تعالى ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من صام يرائي فقد أشرك ومن صلى يرائي فقد أشرك\" الحديث، وفي كتاب النوازل الخفية: سئل إبراهيم بن يوسف عن رجل صلى رياء أيؤجر عليه قال: لا ولكن عليه الوزر، وقال بعضهم: يكفر بذلك وقال بعضهم لا أجر له ولا وزر عليه وصار كأنه لم يعمل ذلك العمل (^٣).\nقوله: رواه البيهقي من طريق عبد الحميد بن بهرام. تقدم الكلام على البيهقي.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٧ - ١٩٥٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٢ ترجمة ٢٤٧).\n(^٣) انظر الأشباه والنظائر (ص ٣٣) لابن نجيم.","vol":"1","page":399},{"text":"٤٧ - وَعَن ربيح بن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - وَنحن نتذاكر الْمَسِيح الدَّجَّال فَقَالَ أَلا أخْبركُم بِمَا هُوَ أخوف عَلَيْكُم عِنْدِي من الْمَسِيح الدَّجَّال فَقُلْنَا بلَى يَا رَسُول الله فَقَالَ الشّرك الْخَفي أَن يقوم الرجل فَيصَلي فيزين صلَاته لما يرى من نظر رجل رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ (^١) ربيح بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف وحاء مُهْملَة وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nوأما قوله: عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ربيح بضم الراء وفتح الباء وسكون الياء وبالحاء المهملة وسيأتي الكلام عليه قاله الحافظ رحمه الله تعالى.\nقوله: في حديثه: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر المسيح الدجال\". قال القاضي عياض (^٢): واختلف في المسيح الدجال فأكثر الرواة يقول إنه بفتح الميم وكسر السين المخففة مثل المسيح بن مريم ولا فرق بينهما في اللفظ ولكن عيسى بن مريم مسيح هدى والدجال مسيح\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠ (١١٢٥٢)، وابن ماجه (٤٢٠٤)، والطبرى في تهذيب الآثار - مسند عمر (٢/ ٧٩٤ رقم ١١١٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٧٨١)، وابن عدي (٤/ ١١١)، والحاكم ٤/ ٣٢٩، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ١٥٥ رقم ٦٤١٣).\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ٢٣٧: هذا إسناد حسن كثير بن يزيد وربيح بن عبد الرحمن مختلف فيهما. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠)، والمشكاة (٥٣٣٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٨٧).","vol":"1","page":400},{"text":"ضلالة، ورواه بعض الرواة مسيح بكسر الميم والسين المشددة وقاله غير واحد كذلك إلا إنه بالخاء المعجمة وقاله بعضهم بكسر الميم وتخفيف السين والدجال بفتح الدال والجيم المشددتين فقيل سمي بذلك لأنه ممسوح العين وقيل لأنه أعور والأعور يسمى مسيحًا.\nوسمي دجالا لتمويهه والدجل التمويه والتغطية يقال دجل فلان إذا موه ودجل الحق غطاه بباطله، وحكى غيره أنه سمي دجالا لكذبه وهو كاذب وجمع دجال دجالون وسمي مسيحا لأنه يسمح الأرض كلها إلا مكة والمدينة أي يطأها (^١)، قال العلماء: له عينان مغيبتان إحداهما طافئة بالهمز ذاهبة النور عمياء لا تبصر شيئا والثانية طافية بلا همز أي ناتئة كأنها عنبة طافية لكنه يبصر بها ويمكث في الأرض أربعين يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامنا مكتوب بين عينيه كافر، وأنه يتبعه سبعون ألفا سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة وان عيسى ﵊ ينزل من السماء فيقتل الدجال بباب لير البلدة المعروفة بقرب بيت المقدس وكل هذه الألفاظ ثابتة عن رسول الله - ﷺ - في صحيح مسلم وبعضها في البخاري (^٢) قاله في شرح مشارق الأنوار.\nوأما الدجال فإنه محبوس يخرج في آخر الزمان يدل عليه حديث تميم الداري وقيل إنه لم يولد بعد وسيولد في أخر الزمان والأول هو الصحيح وإنه\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٨٤).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٨٤ - ١٨٥) وجميعه كلام النووى بلفظه.","vol":"1","page":401},{"text":"يركب حمارًا عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا وهذا يقتضي أن يكون هذا الحمار أكبر حمار في الدنيا فراكبه ينبغي أن يكون أكبر إنسان في الدنيا وكذا قال في خبر الجساسة فإذا أعظم إنسان رأيناه لكن في حديث أبي داود في وصف الرجال أنه قصير أفحج وإنما يكون قصيرًا بالنسبة إلى نوع الإنسان فمقتضى ذلك أن يكون فيهم من هو أطول منه ولهذا قيل إن وصفه بالأكبرية إنما يعني بذلك [عظم فتنته وكبر محنته إذ ليس بين يدى الساعة أعظم ولا أكبر منها ويحتمل أنه يريد به: أنه ينتفخ أحيانا حتى يكون في عين الناظر إليه أكبر من كل نوع الإنسان، كما في حديث ابن صياد أنه انتفخ عن غضبه حتى ملأ الطريق، والله أعلم بحقيقة ذلك (^١) انتهى قاله في الديباجة.\nقوله: بلَى يَا رَسُول الله فَقَالَ الشّرك الْخَفي أَن يقوم الرجل فَيصَلي فيزين صلَاته لما يرى من نظر رجل وفي الحديث بعده فيزين صلَاته جاهدا لما يرى من نظر النَّاس إِلَيْهِ فَذَلِك شرك السرائر، الرياء نوعان أحدهما: أن لا يريد بطاعته إلا الناس، الثاني أن يريد بطاعته الناس ورب الناس وكلاهما محبط للعمل ونقل هذا القول في الحلية (^٢) عن بعض السلف قال الفضيل بن عياض ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما، ومعنى كلامه رحمه الله تعالى: أن من عزم على فعل عبادة ثم تركها مخافة أن يراه الناس فهو مرائي لأن العامل لله تعالى\n_________\n(^١) المفهم (٢٣/ ١٢٥).\n(^٢) الحلية (٨/ ٩٥).","vol":"1","page":402},{"text":"لا يضره إطلاع الناس عليه (^١)، وتقدم ذلك في أول الباب، والمراد بترك العمل في كلام الفضيل: أن يتركه بالكلية أو يخرجه عن الوقت كمن ترك صلاة الضحى أو صوم التطوع مخافة أن يراه الناس أما لو تركها ليصليها في الخلوة ولم يفوتها فهذا مستحب إلا أن يكون عالما يقتدى به فصلاته جهرا أفضل لقوله - ﷺ -: \"إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي\" وإن كان قصده بإفشاء عمله التودد والتقرب إلى الناس لاعتقادهم فيه حبط عمله، قال - ﷺ -: \"من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به\" (^٢) قاله في شرح العمدة.\nتنبيه: قوله في آخر حديث ابن مسعود رواه عبد الرزاق وأبو يعلى من رواية إبراهيم بن مسلم الهجري، الهجري بفتح الهاء والجيم منسوب إلى مدينة باليمن.\nوقوله: عن أبي الأحوص الجشمي، واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة ولأبيه صحبة.\nقوله: وعن شداد بن أوس الصحابي، هو: أبو يعلى قيل: أبو عبد الرحمن شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن رحام وهو ابن أخي حسان بن ثابت شاعر رسول الله - ﷺ - وهو انصاري نجاري مدني سكن بيت المقدس وأعقب به، روي له عن رسول الله - ﷺ - خمسون حديثا روى البخاري منها حديثا ومسلم أخر، روى عنه ابنه يعلى وجماعة من التابعين توفي - ﵁ - ببيت\n_________\n(^١) انظر شرح الأربعين النووية للنووي (ص ٨ - ٩) وتسهيل المقاصد (لوحة ٩٦).\n(^٢) انظر شرح الأربعين النووية للنووي (ص ٨ - ٩).","vol":"1","page":403},{"text":"المقدس سنة ثمان وخمسين وقيل: إحدى وأربعين وقيل: أربع وستين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن وحديثه المذكور \"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة\" (^١) الحديث رواه مسلم، قالوا: وكان شداد عليما حليما كثير العبادة والوارع والخوف من الله تعالى ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من صام يرائي فقد أشرك ومن صلى يرائي فقد أشرك\" الحديث، وفي كتاب النوازل الخفية: سئل إبراهيم بن يوسف عن رجل صلى رياء أيؤجر عليه قال: لا ولكن عليه الوزر، وقال بعضهم: يكفر بذلك وقال بعضهم: لا أجر له ولا وزر عليه وصار كأنه لم يعمل ذلك العمل (^٣)، وقال الحارث المحاسبي: إذا افتتح هو الطاعة على الرياء ثم أخلص في أثنائها فإن كانت متعددة كقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا إذا افتتحه على الرياء ثم أخلص فيه [صح] ما اقترن به الإخلاص وبطل ما اقترن به الرياء وكل ذلك بمثابة عبادات رائى في بعضهن وأخلص في بعضهن وإن كانت عبادة متحدة كالصلاة والصوم والحج والاعتكاف فقد اختلف العلماء\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٧ - ١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذى (١٤٠٩)، والنسائى في المجتبى ٧/ ١٤٤ (٤٤٤٦) و٧/ ١٤٨ (٤٤٥٢) و٧/ ١٤٩ (٤٤٥٣) و٧/ ١٤٩ (٤٤٥٤) و٧/ ١٥٠ (٤٤٥٥)، وابن ماجه (٣١٧٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٢ ترجمة ٢٤٧).\n(^٣) الأشباه والنظائر (ص ٣٣) لابن نجيم.","vol":"1","page":404},{"text":"في ذلك فقال بعضهم: لا يعتد بشيء منها هذا هو الظاهر، وقال بعضهم لا يعتد له بافتتاحها دون ما عداه وقال آخرون: يعتد بالجميع فإنه ما أتى بذلك إلا لله ﷿ فإن التكبير والتسبيح والركوع والسجود لا يكون إلا لله ﷿ (^١).\nوقال الحليمي (^٢): ثبت بالكتاب والسنة أن كل عمل أمكن أن يراد به وجه الله إذا لم يعمل بمجرد التقرب به إليه وابتغاء رضوانه حبط ولم يستوجب به ثوابا إلا أن الترك تفصيلا وهو أن العمل إذا كان من جملة الفرائض وكان على هذا الوجه سقط به الفرض عنه ولم يؤاخذ به في الآخرة ولم يعاقب بما عوقب به التارك ولكنه لا يستوجب به ثوابا وإنما ثوابه ثناء الناس عليه في الدنيا ومدحهم إياه بما فعل وإن كان العمل [من باب] التطوع ففعله يريد به وجوه الناس دون وجه الله تعالى فإن الرياء يحبطه بالكلية بخلاف الأول حيث يحصل على سقوط الفرض عنه، فإن قيل: فإن لم يشتغل به ولم يرجوه [ولم يعلم أحد] أنه فعل خيرًا أو شرًّا، فالجواب: أنه لا يؤجر بشيء عاجل ولا آجل [فإنما هو] رجل خسر الدنيا والآخرة (^٣). انتهى قاله في الديباجة، وقال في الديباجة أيضا: وأما ما ورد في الشركة فهو [محمول على] ما إذا [كان قصد الرياء مساويا لقصد الثواب أو أغلب منه أما إذا كان ضعيفا\n_________\n(^١) مقاصد الرعاية لحقوق الله (ص ٩٧ - ٩٨) للعز بن عبد السلام.\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (٣/ ١١٤).\n(^٣) المنهاج في شعب الإيمان (٣/ ١١٤ - ١١٥).","vol":"1","page":405},{"text":"بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقة وسائر الأعمال ولا ينبغي أن يفسد الصلاة ولا يبعد أن يقال إن الذي أوجب عليه صلاة خالصة لوجه] الله تعالى والخالص [ما لا] يشوبه شيء فلا يكون [مؤديا] للواجب مع [هذا] الشوب والعلم عند [الله] فيه (^١) انتهى.\nقوله: رواه البيهقي من طريق عبد الحميد بن بهرام.\nقوله: عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ربيح بضم الراء وفتح الباء وسكون الياء وبالحاء المهملة وسيأتي الكلام عليه قاله الحافظ رحمه الله تعالى.\nقوله: في حديثه: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال. قال القاضي عياض (^٢): واختلف في المسيح الدجال فأكثر الرواة يقول إنه بفتح الميم وكسر السين المخففة مثل المسيح بن مريم ولا فرق بينهما في اللفظ ولكن عيسى مسيح هدى والدجال مسيح ضلالة، ورواه بعضهم بكسر الميم وتخفيف السين الدجال بفتح الدال والجيم المشددتين فقيل: سمي بذلك لأنه ممسوح العين وقيل لأنه أعور والأعور يسمى مسيحًا.\nوسمي دجالا لتمويهه والدجل التمويه والتغطية يقال أدجل فلان إذا موه ودجل الحق غطاه بباطله، وحكى غيره أنه سمي دجالا لكذبه وهو كاذب\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٣٠٩).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٨٧).","vol":"1","page":406},{"text":"وجمع دجال دجالون وسمي مسيحا لأنه يسمح الأرض كلها إلا مكة والمدينة أي يطأها (^١)، قال العلماء: له عينان معينتان أحدهما طافئة بالهمز ذاهبة النور عمياء لا تبصر شيئا والثانية طافية بلا همز أي ناتئة كأنه عنبة طافية لكنه يبصر بها ويمكث في الأرض أربعين يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامنا مكتوب بين عينيه ك ف ر (^٢).\nوأنه يركب حمار عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا (^٣) وهذا يقتضي أن يكون هذا الحمار أكبر حمار في الدنيا فراكبه ينبغي أن يكون أكبر إنسان في الدنيا وكذا قال في خبر الجساسة فإذا أعظم إنسان رأيناه (^٤) لكن في حديث أبي داود في وصف الدجال أنه قصير أفحج (^٥) وإنما يكون قصيرًا بالنسبة إلى\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٢٦٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٨٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٨٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٦٧) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٣١ - ٣٢)، والحاكم (٤/ ٥٣٠) عن جابر بلفظ: يخرج الدجال في خفة من الدين وإدبار من العلم، وله أربعون يوما يسيحها، اليوم منها كالسنة واليوم كالشهر واليوم كالجمعة، ثم سائر أيامه مثل أيامكم، وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا، يأتي الناس، فيقول: أنا ربكم وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه ك ف ر، يقرأه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب، يمر بكل ماء ومنهل، إلا المدينة ومكة، حرمهما الله عليه، وقامت الملائكة بأبوابها. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩٦٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٩ - ٢٩٤٢) عن فاطمة بنت قيس.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٣٢٠) عن عبادة بن الصامت مرفوعا بلفظ: إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا، إن مسيح الدجال رجل قصير، أفحج، جعد، أعور =","vol":"1","page":407},{"text":"نوع الإنسان فمقتضى ذلك أن يكون فيهم من هو أطول منه ولهذا قيل إن وصفه بالأكبرية إنما يعني بذلك عظم فتنته وكبر محنته إذ ليس بين يدي الساعة أعظم ولا أكبر منها، ويحتمل أن يريد بذلك أنه ينتفخ أحيانا حتى يكون في عين الناظر إليه أكبر من نوع الإنسان كما في حديث ابن صياد أنه انتفخ عند غضبه حتى ملأ الطريق والله أعلم بحقيقة ذلك (^١) قاله في الديباجة، وأنه يتبعه سبعون ألفًا سبعون ألفًا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة وأن عيسى ﵊ ينزل من السماء فيقتل الدجال بباب لد البلدة المعروفة بقرب بيت المقدس وكل هذه الألفاظ ثابتة عن رسول الله - ﷺ - في صحيح مسلم وبعضها في البخاري (^٢) قاله في شرح مشارق الأنوار وأما الدجال فإنه محبوس يخرج في آخر الزمان يدل عليه حديث تميم الداري وقيل إنه لم يولد بعد وسيولد في آخر الزمان والأول هو الصحيح (^٣) انتهى، وسيأتي الكلام مبسوطًا على المسيح الدجال في أواخر هذا التعليق إن شاء الله تعالى.\n\n٤٨ - وَعَن مَحْمُود بن لبيد قَالَ خرج النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إيَّاكُمْ وشرك السرائر قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا شرك السرائر قَالَ يقوم الرجل فَيصَلي\n_________\n= مطموس العين، ليس بناتئة، ولا حجراء، فإن ألبس عليكم، فاعلموا أن ربكم ليس بأعور.\nوصححه الألباني في المشكاة (٥٤٨٥).\n(^١) المفهم (٢٣/ ١٢٥).\n(^٢) قاله النووى في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(^٣) انظر: بستان العارفين (ص ٣٥٥).","vol":"1","page":408},{"text":"فيزين صلَاته جاهدا لما يرى من نظر النَّاس إِلَيْهِ فَذَلِك شرك السرائر رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه. (^١)\nقوله: وعن محمود بن لبيد قال الحافظ: محمود بن لبيد رأى النبي - ﷺ - ولم يصح له منه سماع فيما أرى انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر قالوا يا رسول الله وما شرك السرائر قال يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر\" تقدم الكلام على الرياء. (^٢).\n\n٤٩ - وَعَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن عمر - ﵁ -: خرج إِلَى الْمَسْجِد فَوجدَ معَاذًا عِنْد قبر رَسُول الله - ﷺ - يبكي فَقَالَ مَا يبكيك قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْيَسِير من الرِّيَاء شرك وَمن عادى أَوْلِيَاء الله فقد بارز الله بالمحاربة إِن الله يحب الْأَبْرَار الأتقياء الأخفياء الَّذين إِن غَابُوا لم يفتقدوا وَإِن حَضَرُوا لم يعرفوا قُلُوبهم مصابيح الْهدى يخرجُون من كل غبراء مظْلمَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد لَهُ وَغَيره قَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَلَا عِلّة لَهُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٢٧ (٨٤٠٣)، وابن خزيمة (٩٣٧)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٥٠٢ رقم ٢٨٧٢). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣١).\n(^٢) زيادة في المخطوطة المغربية.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩)، وابن أبي الدنيا في الأولياء (٦) والتواضع (٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٧٩٨ و١٧٩٩)، والضراب في ذم الرياء (١٦١)، وابن لال (٤٢)، والحاكم (١/ ٤) و(٣/ ٢٧٠)، و(٤/ ٣٢٨)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٦٣ رقم =","vol":"1","page":409},{"text":"قوله: عن زيد بن أسلم عن أبيه هو زيد بن أسلم [القريشى العدوى المدنى، مولى عمر بن الخطاب، - ﵁ -، التابعى الصالح الفقيه، ﵀. روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين، ﵃. وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبى صالح السمان، وآخرين من التابعين. روى عنه الزهرى، ويحيى الأنصارى، وأيوب السختيانى، ومحمد بن إسحاق التابعيون، ومالك، والثورى، ومعمر، وخلائق من الأئمة.\nقال يحيى بن معين: سمع زيد بن أسلم من ابن عمر، ولم يسمع جابرا ولا أبا هريرة. وقال محمد بن سعد: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ -، وكان ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها، أدنى خصلة فينا التواسى بما في أيدينا، وما رأيت فيه\n_________\n= ٤٩٥٠) و(٧/ ١٤٥ رقم ٧١١٢) والصغير (٢/ ١٢٣ رقم ٨٩٢)، وأبو نعيم في المعرفة (٥٩٥٩ و٥٩٦٠ و٥٩٦١ و٥٩٦٢) والحلية (١/ ١٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٤٦) والزهد (١٩٥). وصححه الحاكم في الموضع الأول ووافقه الذهبى. وتعقبه الذهبى في الموضع الثانى فقال: أبو قحذم قال أبو حاتم يكتب حديثه وقال النسائي ليس بثقة. وقال في الموضع الثالث: فيه عيسى بن عبد الرحمن بن فروة تركه النسائي. قال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٧٨ - ١٧٩: هذا إسناد فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف رواه الحاكم من طريق عياش بن عباس عن عيسى به وقال لا علة له. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٩٧٥) من رواية أبي قحذم. وضعفه من رواية ابن ماجه وغيره في المشكاة (٥٣٢٨)، الروض النضير (٨٦٣)، ضعيف الترغيب (٢٠) و(١٨٦٦).","vol":"1","page":410},{"text":"متمارين ولا متنازعين في حديث لا ينفعهما، وكان أبو حازم يقول لهم: لا يرينى الله يوم زيد، وقدمنى بين يدى زيد أنه لم يبق أحد أرضى لنفسى ودينى غيره، فأتاه نعى زيد فعقر، فما قام ولا شهده، وكان أبو حازم يقول: اللهم إنك تعلم أنى أنظر إلى زيد فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف بملاقاته ومحادثته. ومناقبه كثيرة، توفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: ثلاث وأربعين (^١)].\nقوله: \"اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة\" الأولياء: جمع ولي، والولي: هو من الوَلْي وهو القرب والدنو، والولي فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول، ويترتب على ولايته الولى إجابة دعوته، وقال أبو سعيد: إذا أراد الله أن يوالي عبده فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب ثم رفعه إلى مجلس الأنس به ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية وكشف له عن الجلال والعظمة فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقى بلا هوى فحينئذ صار العبد زمنا فانيا فوقع في حفظه سبحانه وبرئ من دعاوي نفسه (^٢)] وفي الحديث الآخر: \"من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب\" آذنته بمعنى أعلمته، قال الشافعي وأبو حنيفة (^٣): إذا لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٠ ترجمة ١٨٥).\n(^٢) الرسالة (٢/ ٤١٩).\n(^٣) الفقيه والمتفقه (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":411},{"text":"فأولياء الله تعالى تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم كما أن أعداءهم تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء\" الحديث، الأبرار جمع البر وهو الطائع وكثيرا ما يخص بالأولياء الزهاد والأتقياء قاله في النهاية (^٢)، والأتقياء جمع تقي والأخفياء: جمع خفي، وهو بمعنى خاف، ومن خفيت الشيء أخفيه أي: فهؤلاء المذكورون في الحديث هم الغرباء الممدوحون المغبطون ولقلتهم في الناس جدا سموا غرباء فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات فأهل الإسلام في الناس غرباء وأهل العلم في المؤمنين غرباء وأهل السنة الذين يميزونه من الأهواء والبدع فهم غرباء والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين لهم أشد هؤلاء غربة ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا فلا غربة عليهم (^٣).\nوكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غرباء بين اثنتين وسبعين فرقة ذات اتباع ورياسات ومناصب وولايات فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله تعالى على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه (^٤).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٦٩).\n(^٢) النهاية (١/ ١١٦).\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ١٨٦).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ١٨٨).","vol":"1","page":412},{"text":"وقال الحسن البصري: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها للناس حال وله حال (^١).\nومن صفات هؤلاء الغرباء التمسك بالسنة إذا رغب الناس عنها وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وهؤلاء هم القابضون على الجمر فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله بين الناس غرباء ولقد أخبر - ﷺ - عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبا وسيعود غريبا وإن أهله يصيرون غرباء ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينسبوا إلى غير رسوله - ﷺ - ولم يدعوا إلى غير ما جاء به فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه (^٢) قاله في تهذيب النفوس، قال - ﷺ -: \"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء، فقيل ومن الغرباء يا رسول الله؟. قال ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم\" (^٣) وفي رواية \"الغرباء ناس صالحون بين ناس كثيرون، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم\" (^٤) رواه أحمد وفي الترمذي: \"فطوبى للغرباء. قيل ومن الغرباء قال: الذين يصلحون إذا فسد\n_________\n(^١) الغرباء (٧) للآجرى.\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ١٨٦ - ١٨٨ بتصرف).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٧٥) والمسند (٢٣)، وابن وضاح في البدع (١٦٨)، والآجرى في الغرباء (٦). وصححه الألباني في الصحيحة (١٦١٩).\n(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ٧٣ (١٦٦٩٠) عن عبد الرحمن بن سنة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٧٨: رواه عبد الله والطبراني، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك.","vol":"1","page":413},{"text":"الناس\" (^١) وفي رواية: \"الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي والذين يحيون ما أماتوه من شريعتي\" (^٢)، وفي حديث آخر: قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: \"الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس\" (^٣) وفي المسند عن عبد الله بن عمرو قال: إن أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: \"الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى بن مريم يوم القيامة\" (^٤).\nقوله: \"بدأ الإسلام غريبًا\" ضبطناه بالهمز من الابتداء، واعلم أن الغربة المذكورة في الحديث معناها قلة من يعين على القيام بالحق فيكون القائم به غريبا لفقدان المساعد وعدم المعاضد فلا ينهض القائم حينئذ إلا قوة إيمانه ووفور إيقانه فلذلك قال - ﷺ -: \"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء\" (^٥) أي أنه كان في أول أمره أي الإسلام كالغريب الوحيد\n_________\n(^١) أخرجه الآجرى في الغرباء (١)، وأبو عمرو الدانى في الفتن (٢٨٨) عن عبد الله بن مسعود. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٧٣)\n(^٢) أخرجه الترمذى دون قوله والذين يحيون ما أماتوه من شريعتى (٢٦٣٠). وضعفه جدا الألباني في المشكاة (١٧٠).\n(^٣) أخرجه القضاعى في مسند الشهاب (١٠٥٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٩٠٢) من طريق كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده. وكثير ضعيف والراوى عنه إسحاق الحنينى ضعيف جدًّا.\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد (٤٠٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٨١٣)، وابن أبي الدنيا في التواضع (١٦)، والآجرى في الشريعة (٣٧). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٨٥٩).\n(^٥) لطائف المنن (ص ١٥٧).","vol":"1","page":414},{"text":"الذي لا أهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ، وسيعود غريبًا كما كان أي يقل المسلمون آخر الزمان فيصيرون كالغرباء (^١) فطوبى للغرباء أي الجنة، أولئك المسلمين الذين كانوا أول الإسلام ويكونون في آخره، فطوبى فعلى من الطيب، تقول العرب طوباك طوبى لك وأما طوبى التي في القرآن وحسن مآب، فروي عن ابن عباس أن معناها [الجنة] وقرة عين، وقال عكرمة: نعم ما لهم وقال الضحاك: عطية لهم، وعن قتادة: أصابوا خيرًا، وقيل: دوام الخير، وقيل الجنة، وقيل: شجرة فيها، وكل هذه أقوال محتملة في الحديث (^٢)، وإنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا وآخرا بلزومهم دين الإسلام (^٣)، [يريد - ﷺ - لأنهم قاموا بأمر الله في بلاده وعباده حيت تقاعدت همم الناس عن القيام انتهى قاله في لطائف المنن لابن عطاء الله (^٤) والله تعالى أعلم.\nقال الغزالي في الإحياء في أواخر الباب الثالث من أبواب العلم (^٥): قد صارت تلك العلوم [غريبة] بحيث يمقت [ذاكرها] ولذلك قال الثوري: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط لأنه إن نطق بالحق أبغضوه (^٦)] وقال أبو العباس القرطبي: يحتمل أن يريد بالحديث المهاجرون إذ هم\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٤٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٦).\n(^٣) النهاية (٣/ ٣٤٨).\n(^٤) لطائف المنن (ص ١٥٧).\n(^٥) إحياء علوم الدين (١/ ٣٨).\n(^٦) زيادة في المخطوطة المغربية.","vol":"1","page":415},{"text":"تغربوا على أوطانهم فرارا بأديانهم فيكون معناه إن آخر الزمان تشتد فيه المحن على المسلمين فيفرون بأديانهم ويغتربون عن أوطانهم كما فعل المهاجرون.\nوقد ورد في الحديث قيل: من الغرباء؟ قال: هم النزاع من القبائل إشارة إلى هذا المعنى، النزاع جمع نازع ونزيع وهو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته أي بعد وغاب (^١)، وقيل: لأنه ينتزع إلى وطنه أي ينجذب ويميل والمراد الأول أي طوبى للمهاجرين الذين هجروا أوطانهم [في الله تعالى] (^٢) قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"يخرجون من كل غبراء مظلمة\" أي: ذات غبار أو ذات غبرة وهو لون الغبار، وقال في النهاية: الغبراء هي التي لا يهتدى للخروج منها (^٣).\n\n٥٠ - وَعَن مَحْمُود بن لبيد أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشّرك الْأَصْغَر قَالُوا وَمَا الشّرك الْأَصْغَر يَا رَسُول الله قَالَ الرِّيَاء يَقُول الله ﷿ إِذا جزى النَّاس بأعمالهم اذْهَبُوا إِلَى الَّذين كُنْتُم تراؤون فِي الدُّنْيَا فانظروا هَل تَجِدُونَ عِنْدهم جَزَاء وَرَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَغَيره. (^٤)\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ١٢٧).\n(^٢) النهاية (٥/ ٤١).\n(^٣) النهاية (٣/ ٣٣٧).\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٨ (٢٣٦٣٠ و٢٣٦٣١) و٥/ ٤٢٩ (٢٣٦٣٦)، وابن خزيمة في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٣٨٤)، والضراب في ذم الرياء (١٢ و٣١)، والبيهقي في =","vol":"1","page":416},{"text":"قَالَ الْحَافِظ ﵀: ومحمود بن لبيد رأى النَّبِي - ﷺ - وَلم يَصح لَهُ مِنْهُ سَماع فِيمَا أرى وَقد خرج أَبُو بكر بن خُزَيْمَة حَدِيث مَحْمُود الْمُتَقَدّم فِي صَحِيحه مَعَ أَنه لَا يخرج فِيهِ شَيْئا من الْمَرَاسِيل وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَن البُخَارِيّ قَالَ لَهُ صُحْبَة.\nقَالَ: وَقَالَ أبي: لَا يعرف لَهُ صُحْبَة وَرجح ابْن عبد الْبر أَن لَهُ صُحْبَة وَقد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد عَن مَحْمُود بن لبيد عَن رَافع بن خديج وَقيل إِن حَدِيث مَحْمُود هُوَ الصَّوَاب دون ذكر رَافع بن خديج فِيهِ وَالله أعلم.\n\n٥١ - وَعَن أبي سعيد بن أبي فضَالة وَكَانَ من الصَّحَابَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِذا جمع الله الْأَوَّلين والآخرين يَوْم الْقِيَامَة ليَوْم لَا ريب فِيهِ نَادَى مُنَاد من كَانَ أشرك فِي عمله لله أحدا فليطلب ثَوَابه من عِنْده فَإِن الله أغْنى الشُّرَكَاء عَن الشّرك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير من جَامعه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\n_________\n= الشعب (٩/ ١٥٤ رقم ٦٤١٢)، والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٠٢: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٥١) وصحيح الترغيب (٣٢).\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٦٦ (١٥٨٣٨) و٤/ ٢١٥ (١٧٨٨٨)، والترمذي (٣١٥٤)، وابن ماجه (٤٢٠٣)، والدولابي في الكنى (٢٠٩)، وابن حبان (٤٠٤) و(٧٣٤٥)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٠٧ (٧٧٨)، وابن منده في المعرفة (١/ ٨٨٤)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٦٣٩٨). وقال الترمذى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن بكر. وقال الألباني: حسن صحيح - \"المشكاة\" (٥٣١٨)، وصحيح الترغيب (٣٣).","vol":"1","page":417},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد بن أبي فضالة، وكان من الصحابة وأبو سعيد هذا ذكره ابن عبد البر في الصحابة أيضا وقال أنصاري له صحبة يعد في أهل المدينة وذكر له هذا الحديث (^١)، وقال في الديباجة: أبو سعد هذا هو ابن أبي فضالة الأنصاري الحارثي ويقال ابن فضالة ويقال له أبو سعيد أيضا (^٢) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده\" الحديث، وفي الأثر يقول الله تعالى يوم القيامة: \"اذهب فخذ أجرك ممن عملت له لا أجر لك عندنا\".\nتنبيه: الأثر المذهب المختار الذي قاله المحققون وغيرهم واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف وهو أن الأثر يطلق على المروي مطلقا سواء كان عن رسول الله - ﷺ - أو عن صحابي وقال الفقهاء الخراسانيون: الأثر هو ما يضاف إلى الصحابي موقوفًا عليه (^٣)، والله أعلم.\n\n٥٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: قَالَ الله ﷿ أَنا أغْنى الشُّرَكاء عَن الشّرك فَمن عمل لي عملًا أشرك فِيهِ غَيْرِي فَأَنا مِنْهُ بَرِيء وَهُوَ\n_________\n(^١) الاستيعاب (٤/ ١٦٦٨ الترجمة ٢٩٩١) وفيه: أبو سعد بن أبي فضالة الحارثي الأنصاري.\n(^٢) كذا قال المزى كما في تهذيب الكمال (٣٣/ الترجمة ٧٣٨٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٣).","vol":"1","page":418},{"text":"للَّذي أشرك رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ ورواة ابْن مَاجَه ثِقَات (^١).\nقوله - ﷺ -: \"عن أبي هريرة\"، تقد الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" قال النووي (^٢): هكذا وقع في حديث أبي هريرة ووقع في بعض الأصول: \"تركته وشركه\"، وفي بعضها: \"وشريكه\" وفي بعضها: \"وشركته\".\nقوله - ﷺ -: \"قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك\" الحديث ومعنى الحديث: أنا أغنى عن المشاركة وغيرها فمن عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله بل أتركه لذلك الغير، والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ويأثم به، والمعنى أن المراد منه الإخلاص في الأعمال والأقوال (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٦ - ٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢)، والبزار (٨٣٠١)، وابن خزيمة في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٣٥٢) والصحيح (٩٣٨)، والطبرى في تهذيب الآثار - مسند عمر (٢/ ٧٩٠ - ٧٩١ رقم ١١١٢ - ١١١٤)، وابن حبان (٣٩٥)، والبيهقي في الآداب (٨٢١) والأربعون (٣٨) والأسماء والصفات (٤٥٨)، والشعب (٩/ ١٤٣ - ١٤٤ رقم ٦٣٩٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"1","page":419},{"text":"٥٣ - وَعَن شهر بن حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم قَالَ لما دخلت مَسْجِد الْجَابِيَة ألفينا عبَادَة بن الصَّامِت فَأخذ يَمِيني بِشمَالِهِ وشمال أبي الدَّرْدَاء بِيَمِينِهِ فَخرج يمشي بَيْننَا وَنحن ننتجي وَالله أعلم بِمَا نتناجى فَقَالَ عبَادَة بن الصَّامِت لَئِن طَال بكما عمر أَحَدكُمَا أَو كلاكما لتوشكان أَن تريا الرجل من ثبج الْمُسلمين يَعْنِي من وسط قراء الْقُرْآن على لِسَان مُحَمَّد - ﷺ - قد أَعَادَهُ وأبداه فأحل حَلَاله وَحرم حرَامه وَنزل عِنْد مَنَازِله لَا يحور مِنْهُ إِلَّا كَمَا يحور رَأس الْحمار الْمَيِّت قَالَ فَبَيْنَمَا نَحن كَذَلِك إِذْ طلع علينا شَدَّاد بن أَوْس وعَوْف بن مَالك ﵄ فَجَلَسَا إِلَيْهِ فَقَالَ شَدَّاد إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم أَيهَا النَّاس لما سَمِعت من رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من الشَّهْوَة الْخفية والشرك فَقَالَ عبَادَة بن الصَّامِت وَأَبُو الدَّرْدَاء اللَّهُمَّ غفرا أولم يكن رَسُول الله - ﷺ - قد حَدثنَا أَن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد فِي جَزِيرَة الْعَرَب فَأَما الشَّهْوَة الْخفية فقد عرفناها هِيَ شهوات الدُّنْيَا من نسائها وشهواتها فَمَا هَذَا الشّرك الَّذِي تخوفنا بِهِ يَا شَدَّاد فَقَالَ شَدَّاد أَرَأَيْتُم لَو رَأَيتُمْ رجلا يُصَلِّي لرجل أَو يَصُوم لرجل أَو يتَصَدَّق لَهُ لقد أشرك قَالَ عَوْف بن مَالك عِنْد ذَلِك أَفلا يعمد الله إِلَى مَا ابْتغِي بِهِ وَجهه من ذَلِك الْعَمَل كُله فَيقبل مَا خلص لَهُ ويدع مَا أشرك بِهِ قَالَ شَدَّاد عِنْد ذَلِك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن الله ﷿ قَالَ أَنا خير قسيم لمن أشرك بِي من أشرك بِي شَيْئا فَإِن جسده وَعَمله وقليله وَكَثِيره لشَرِيكه الَّذِي أشرك بِهِ أَنا عَنهُ غَنِي رَوَاهُ أَحْمد وَشهر يَأْتِي ذكره وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَلَفظه عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم أَنه كَانَ فِي مَسْجِد دمشق مَعَ نفر من","vol":"1","page":420},{"text":"أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - فيهم معَاذ بن جبل فَقَالَ عبد الرَّحْمَن يَا أَيهَا النَّاس إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشّرك الْخَفي فَقَالَ معَاذ بن جبل اللَّهُمَّ غفرا أوما سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول حَيْثُ وَدعنَا إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد فِي جزيرتكم هَذِه وَلَكِن يطاع فِيمَا تَحْتَقِرُونَ من أَعمالكُم فقد رَضِي بذلك فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أنْشدك الله يَا معَاذ أما سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من صَامَ رِيَاء فقد أشرك وَمن تصدق رِيَاء فقد أشرك فَذكر الحَدِيث وَإِسْنَاده لَيْسَ بالقائم وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالْحَاكِم من رِوَايَة عبد الْوَاحِد بن زيد عَن عبَادَة بن نسي قَالَ دخلت على شَدَّاد بن أَوْس فِي مُصَلَّاهُ وَهُوَ يبكي فَقلت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَا الَّذِي أبكاك قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول الله - ﷺ - قلت وَمَا هُوَ قَالَ بَيْنَمَا أَنا عِنْد رَسُول الله - ﷺ - إِذْ رَأَيْت بِوَجْهِهِ أمرا سَاءَنِي فَقلت بِأبي وَأمي يَا رَسُول الله مَا الَّذِي أرى بِوَجْهِك قَالَ أمرا أتخوفه على أمتِي الشّرك وشهوة خُفْيَة قلت وتشرك أمتك من بعْدك قَالَ يَا شَدَّاد إِنَّهُم لا يعْبدُونَ شمسا وَلَا وثنا وَلَا حجرا وَلَكِن يراؤون النَّاس بأعمالهم قلت يَا رَسُول الله الرِّيَاء شرك هُوَ قَالَ نعم قلت فَمَا الشَّهْوَة الْخفية قَالَ يصبح أحدهم صَائِما فتعرض لَهُ شَهْوَة من شهوات الدُّنْيَا فيفطر قَالَ الْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ صَحِيح الْإِسْنَاد. (^١)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٥ - ١٢٦ (١٧١٤٠)، والشاشى (١٣١٧)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٨١ رقم ٧١٣٩)، والحاكم ٤/ ٣٢٩، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩، والضياء في المختارة ٨/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٣٩٢). قال الضياء: إسناده حسن.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٠ - ٢٢١ رواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب، =","vol":"1","page":421},{"text":"قلت: كَيفَ وَعبد الْوَاحِد بن زيد الزَّاهِد مَتْرُوك وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا من رِوَايَة رواد بن الْجراح عَن عَامر بن عبد الله عَن الْحسن بن ذكْوَان عَن عبَادَة بن نسي عَن شَدَّاد قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن أخوف مَا أَخَاف على أمتِي الْإِشْرَاك بِالله أما إِنِّي لست أَقُول يعْبدُونَ شمسا وَلَا قمرا وَلَا وثنا وَلَكِن أعمالا لغير الله وشهوة خُفْيَة (^١) وعامر بن عبد الله لَا يعرف ورواد يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وروى الْبَيْهَقِيّ عَن يعلي بن شَدَّاد عَن أَبِيه قَالَ كُنَّا نعد الرِّيَاء فِي زمن النَّبِي - ﷺ - الشّرك الْأَصْغَر.\nقوله: وعن شهر بن حوشب، شهر بن حوشب الشامي تابعي مشهور قرأ القرآن على ابن عباس، وكان عالما كثير الرواية حسن الحديث (^٢)، [توفي سنة مائة وقيل سنة إحدى ومائة (^٣)]، وقال الدولابي: شهر لا يشبه حديثه حديث الناس (^٤). وهو الذي روى أن آدم - ﵇ - لما قتل ابنه أخاه مكث مائة سنة لا\n_________\n= وثقه أحمد وغير واحد، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١).\nوأخرجه البزار (٢٦٦٣) والبيهقي في الشعب (٩/ ١٦٩ - ١٧٠ رقم ٦٤٣٦) بإسناد آخر.\nقال الهيثمى في المجمع ٧/ ٥٤: رواه البزار، وفيه محمد بن السائب الكلبي وهو كذاب.\nوقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٤٩) وضعيف الترغيب (٢١).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٥). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٣٧٨) وضعيف الترغيب (٢١).\n(^٢) تاريخ دمشق (٢٣/ ٢١٧)، والعبر في خبر من غبر (١/ ٩٠).\n(^٣) زيادة في المخطوطة المغربية.\n(^٤) ميزان الاعتدال (٢/ ٢٦١).","vol":"1","page":422},{"text":"يضحك ثم أنشأ يقول:\nتَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحْ\nتَغَيَّرَ كُلَّ ذِي طَعْمِ وَلَوْنٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحْ (^١)\nونقل أبو عيسى الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: شهر حسن الحديث وقوى أمره (^٢).\nوذهب إلى الاحتجاج به جماعة وقال يعقوب بن شيبة: شهر بن حوشب ثقة طعن فيه بعضهم، ووثقه ابن معين والإمام أحمد بن حنبل والعجلي والفسوي وروى له مسلم في صحيحه مقرونًا، روى له الأربعة (^٣) قاله في الديباجة.\nوقال فقيه الشافعية في زمانه أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي في كتاب التعديل والتجريح له والحافظ الثقة أبو جعفر العقيلي في كتاب الضعفاء والمتروكين من تأليفه: إن شهرا دخل بيت المال فسرق خريطة فقيل فيه:\nلَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِيْنَهُ بِخَرِيْطَةٍ ... فَمَنْ يَأْمَنُ القُرَّاءَ بَعْدَكَ يَا شَهْرُ؟ (^٤)\nوقيل أنه كان على على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أنه أخذ خريطة، فقيل فيه: لَقَدْ بَاعَ شهْرٌ دِيْنَهُ بِخَرِيْطَةٍ ... البيت وتوفى شهر بن حوشب\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٥/ ٦٠).\n(^٢) سنن الترمذى عقب حديث (٢٦٩٧) باب ما جاء في التسليم على النساء.\n(^٣) انظر تهذيب الكمال (١٢/ الترجمة ٢٧٨١).\n(^٤) كذا قال ابن دحية الكلبى في أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب (ص ٥٠) وما ذكره ليس موجودا في الضعفاء وإنما ذكره بإسناده ابن عدى في الكامل (٦/ ١٧٠ - ١٧١) وابن عساكر في التاريخ (٢٣/ ٢٣٠ - ٢٣٢).","vol":"1","page":423},{"text":"سنة مئة وقيل سنة إحدى ومائة (^١).\nتتمة: وأفتى أهل البصرة بقطع يده على مذهب مالك ﵀، قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالكي في كتاب عيون المجالس مسألة، قال الإمام مالك في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم: من سرق من بيت المال أو من المغنم هان كان السارق أحد الجيش ما يجب فيه القطع قطع (^٢) والله أعلم، قاله في العلم المشهور انتهى.\nوفي شرح الإلمام: لا يجب القطع على من سرق من بيت المال، وبه قال علي وقال: إن له فيه نصيبا وهذا قول عامة أهل العلم، وقال حماد يقطع (^٣)، وهذا من عطف الخاص على العام فإن الخيانة تعم الانتهاب، والاختلاس والانتهاب أخذ المال على المجاهرة والمغالبة كالغصب (^٤) وكذلك الاختلاس فإنه يؤخذ سلبًا ومكابرة على غفلة (^٥) انتهى.\nقوله: عن عبد الرحمن بن غنم بفتح الغين المعجمة، بن كريب بن هانئ بن ربيعة الأشعري الشامي، ذكره ابن يونس وابن منده وآخرون في الصحابة وهو قول الأكثرين وأنكر ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا هو تابعي\n_________\n(^١) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (١٢/ ترجمة ٢٧٨١).\n(^٢) أداء ما وجب من بيان الوضاعين في شهر رجب (ص ٥٠ - ٥٢)، والعلم المشهور (مخطوط/ لوحة ٩٥) وانظر عيون المسائل (ص ٤٧٣ مسألة ١١٠٥).\n(^٣) انظر الأشراف (٧/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(^٤) البدائع: ١٤٣/ ٧، تكملة الفتح: ٣٦٨/ ٧، تبيين الحقائق: ٢٢٤/ ٥.\n(^٥) النهاية (٢/ ٦١).","vol":"1","page":424},{"text":"مخضرم وكان مسلمًا في عهد رسول الله - ﷺ - ولم يره ولم يفد إليه، وقال الأولون قدم على رسول الله - ﷺ - في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصابه، كان يسكن فلسطين وقدم دمشق؛ قال ابن يونس: وقدم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين، وروى عن النبي - ﷺ - وعن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا مالك الأشعري وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له باليمن إلى أن مات وكان عبد الرحمن أفقه أهل الشام وعليه تفقه عامة التابعين وكان له جلالة وقد توفي - ﵁ - سنة ثمان وسبعين (^١) انتهى.\nقوله: قال: لما دخلت مسجد الجابية؛ الجابية قرية بدمشق قيل موضع بالشام بجانب [نوى] على نحو ثلاثة أميال منها من جهة الشمال وإليه ينسب باب الجابية أحد.\nأبواب دمشق وهي أرض خصب وخير، سميت بذلك لكثرة مياهها فإن الجابية اسم للحوض، وقيل: سميت بها لاجتماع الناس بها وكثرتهم فيها فإن الجابية أيضا جماعة القوم (^٢) انتهى، قاله في شرح الإلمام والله أعلم.\nقوله: ألفينا عبادة بن الصامت معناه: وجدناه ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (^٣) ومنه الحديث أيضًا: \"لا ألفين أحدكم يوم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٢ - ٣٠٢ الترجمة ٣٥٨).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٦٠).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٠.","vol":"1","page":425},{"text":"القيامة\" أي لا أجدن (^١).\nقوله: عبادة بن الصامت، هو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر أبو الوليد الأنصاري الخزرجي وهو أحد النقباء الاثني عشر له أحاديث وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ - أقام بحمص يعلم الناس في زمن عمر ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ولي القضاء ببيت المقدس، ولما حضرته الوفاة تحلل من أصحابه ثم أوصاهم أن لا يبكوا عليه فإذا مات توضؤوا ودخلوا مساجدهم فصلوا واستغفروا له ولأنفسهم ثم يسرعوا لحفرته ولا تتبعوه نائحة ولا يضعوا تحته أرجوانا وتوفي بالرملة، قال ابن حبان: ودفن بالقدس وله ثمانون سنة وقال غيره: مات سنة أربع وثلاثين وله اثنان وسبعون سنة وقيل مات في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين (^٢) انتهى.\nقوله: فخرج يمشي بيننا ونحن ننتجي والله أعلم بما نتناجي، مأخوذ من النجو وهو السر يقال: انتجى القوم وتناجوا تساروا إن سار بعضهم بعضا قاله الجوهري في صحاحه (^٣).\nقوله: لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين يعني من وسط قراء القرآن (^٤)، الحديث، يوشك أن يكون كذا: أي يقرب ويدنو ويسرع يقال:\n_________\n(^١) كشف المشكل (٣/ ٤٦٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ الترجمة ٢٨١).\n(^٣) الصحاح (٦/ ٢٥٠٣).\n(^٤) النهاية (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":426},{"text":"أوشك يوشك إيشاكا فهو موشك وقد وشك وشكا ووشاكة قاله في النهاية (^١).\nقوله: قد أعاده وأبداه فأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله لا يحور منه إلا كما يحور رأس الحمار الميت، الحديث، أي: لا يرجع فيكم بخير ولا ينتفع بما حفظه من القرآن كما لا ينتفع بالحمار الميت صاحبه، يحور: بالحاء المهملة والراء ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى﴾ (^٢) قاله في النهاية في باب الحاء مع الراء (^٣) والله أعلم.\nقوله: فبينما نحن كذلك إذ طلع علينا شداد بن أوس وعوف بن مالك ﵄، سيأتي الكلام على مناقبهما في أماكن متعددة من هذا التعليق.\nقوله: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من الشهوة الخفية والشرك\" وفي الرواية الأخرى: \"أمرًا لأتخوفه على أمتي الشرك وشهوة خفية\"، اعلم أن المشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق ونحوهم (^٤)، ويطلق أيضا على المرائي وهو الشرك الأصغر والشرك الخفي، والله أعلم.\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٨٩).\n(^٢) سورة الانشقاق، الآية: ١٤.\n(^٣) النهاية (١/ ٤٥٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٧ - ٥٨).","vol":"1","page":427},{"text":"قوله: \"وشهوة خفية\" الشهوة الخفية قيل هو كل شيء من المعاصي يضمره صاحبه ويصر عليه وإن لم يعمله وقيل: هو أن يرى جارية حسناء فيغض بصره ثم ينظر بقلبه كما كان يبصر بعينيه قال الأزهري: والقول الأول غير أني أستحسن أن أنصب الشهوة الخفية وأجعل الواو بمعنى مع كأنه قال إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء مع الشهوة الخفية للمعاصي فكأنه يرائي الناس بترك المعاصي والشهوة في قلبه مخفاة وقيل الرياء ما كان ظاهرا من العمل والشهوة الخفية حب إطلاع الناس على العمل انتهى قاله في النهاية (^١).\nقوله: فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: \"اللهم غفرا\"، [تقدم الكلام على قوله \"اللهم\" (^٢)] وأما غفرا: فهو بفتح الغين وإسكان الفاء مصدر غفر يغفر وهو سؤال المغفرة وهو آكد من السؤال بالفعل وأصل الغفر التغطية يقال غفر الله لك يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة، والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمذنبين (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب\" قال أبو عبيد: قال الأصمعي: هو اسم صقع من الأرض وهو ما بين حفر أبي موسى\n_________\n(^١) انظر: غريب الحديث (٤/ ١٧١) لابن سلام، وتهذيب الآثار (٢/ ٨١١ - ٨١٢)، وتهذيب اللغة (٦/ ١٨٨)، والنهاية (٢/ ٥١٦).\n(^٢) زيادة في المخطوطة المغربية.\n(^٣) النهاية (٣/ ٣٧٣).","vol":"1","page":428},{"text":"الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل بئر بن إلى منقطع السماوة في العرض (^١)، وقيل: هو من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ومن جدة وساحل البحر وما والاها إلى أطراف الشام عرضًا (^٢)، وقيل: هذا عام أريد به خاص وهو الحجاز وهي بلاد سميت به لأنها حجزت بين نجد والغور (^٣)، وقال مالك بن أنس: أراد بجزيرة العرب المدينة نفسها وإذا أطلقت الجزيرة في الحديث ولم تضف إلى العرب فإنما يراد بها ما بين دجلة والفرات قاله في النهاية (^٤).\nوقال الإمام الشافعي (^٥): جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها أي قراها كخيبر للمدينة والطائف لمكة، قال النووي (^٦): وحكى الهروى (^٧) عن مالك انها المدينة فقط كما تقدم نقله عن النهاية والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة والمدينة واليمامة واليمن وأخذ بهذا الحديث مالك والشافعي\n_________\n(^١) غريب الحديث (٣/ ٤٤١) لأبى عبيد وهو قول أبي عبيد.\n(^٢) غريب الحديث (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢).\n(^٣) الميسر (١/ ٩٠)، وتحفة الأبرار (١/ ١٣٩)، والكواكب الدرارى (٢/ ٢١)، وعمدة القارى (٢/ ٢٧).\n(^٤) النهاية (١/ ٢٦٨).\n(^٥) الأم (٤/ ١٨٧).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١١/ ٩٣).\n(^٧) في الأصل الجوهري والتصويب من شرح صحيح مسلم كما سبق وكلام الهروي نقله القاضي عياض كما في إكمال المعلم (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":429},{"text":"وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب وقالوا لا يجوز تمكينهم من سكناها ولكن الشافعي ﵀ خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عند مكة واليمامة ومخالفيها دون اليمن وغير مما هو من جزيرة العرب (^١) وهكذا فسره أصحابنا كما فسره الشافعي وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم (^٢) وهذا الذي نقل عن الأصمعي قاله أيضا ابن الكلبي وغيره (^٣) والله أعلم.\nتنبيه: قال الأزهري: سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها وأحاط بالجانب الشمال دجلة والفارت وقيل سميت جزيرة العرب لإحاطة البحار بها من نواحيها وانقطاعها عن المياه العظيمة وأصل الجزر في اللغة القطع وأضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم (^٤).\nفائدة: قول الشافعي في الكلام على جزيرة العرب وهي مكة والمدينة واليمامة، واليمامة مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف سميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الكواكب من مسيرة ثلاثة أيام، وقال\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٩٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٩٤)\n(^٣) انظر البلدان (ص ٨٤) لابن الفقيه.\n(^٤) تهذيب اللغة (١٠/ ٣١٩)، والصحاح (٢/ ٦١٣)، والفائق (١/ ٣٠٩)، وشرح النووي على مسلم (١١/ ٩٣).","vol":"1","page":430},{"text":"الجوهري: اليمامة بلاد اسمها جوا فقيل جو اليمامة فسميت باسم هذه المرأة لكثرة ما أضيف إليها (^١). والله أعلم.\nقوله: قال عوف بن مالك \"أفلا يعمد إلى الله إلا ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به\" الحديث، يعمد: بكسر الميم في المضارع وفتح الميم في الماضي ومعناه يقصد (^٢).\nوقوله: \"فيقبل ما خلص له\" بفتح لام خلص وضمها. قوله: في رواية الإمام أحمد والحاكم من رواية عبد الواحد بن زيد بن عبادة بن نسي، نسي بضم النون وفتح السن وكسر الياء مشددة مثل قصي. قوله: عن الحسن بن ذكوان، ذكوان بالذال المعجمة المفتوحة وسكون الكاف.\nقوله: فقلت بأبي وأمي يا رسول الله: ما الذي أرى بوجهك؟ قال: \"أمرا لأتخوفه على أمتي\" الحديث، فيه جواز التفدية بالأبوين للكبير والشيخ ونحوهما وقد قال جماهير العلماء بذلك وكرهه عمر بن الخطاب وكذلك كرهه الحسن البصري وكرهه بعضهم من التفدية بالمسلم من أبويهما قال النووي: والصحيح الجواز مطلقا لأنه ليس فيه حقيقة فداء وإنما هو كلام بر وإلطاف وإعلام بمحبته أو منزلته عنده، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقا وقد جمع النبي - ﷺ - أبويه للزبير ولسعد بن أبي وقاص (^٣)\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٢٠١)، والصحاح (٦/ ٢٣٠٦).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٨/ ١٩٠)، وكشف المناهج (٣/ ٧٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٨٤).","vol":"1","page":431},{"text":"انتهى قاله في الديباجة، وقيل: هذا خاص بالنبي - ﷺ - قاله في شرح الإلمام والله أعلم.\nقوله: إنهم لا يعبدون شمسا ولا وثنا ولا حجرا ولكن يراؤون الناس بأعمالهم، الحديث؛ قال الإمام السهيلي (^١): لا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه، وقال نفطويه (^٢): ما كان معبودا مصورا فهو صنم وغير المصور وثن.\n\n٥٤ - وَعَن الْقَاسِم بن مخيمرة أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: لا يقبل الله عملًا فِيهِ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من رِيَاء رَوَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ مُرْسلًا (^٣).\nقوله: وعن القاسم بن مخيمرة هو الهمذاني روى عن جماعة من الصحابة وقال يحيى بن معين لم يسمع من أحد من أصحاب النبي - ﷺ - وقال أبو حاتم: هو صدوق كان معلما بالكوفة لم يجتمع على مائدته أدمان قط من طعام مات سنة مائة أو سنة إحدة ومائة، انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"لا يقبل الله عملًا فيه مثقال حبة من خردل من رياء\" أي وزن حبة من خردل. قوله: راوه ابن جرير الطبري، ابن جرير اسمه [محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى أبو جعفر. وهو في طبقة الترمذى،\n_________\n(^١) الروض الأنف (١/ ٣٥٧).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٤٧).\n(^٣) أخرجه أبو إسحاق الفزارى في السير (٤٩٧)، والضراب في ذم الرياء (١٤). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢).","vol":"1","page":432},{"text":"والنسائي. سمع عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن منيع البغوى، ومحمد بن حميد الرازى، والوليد بن شجاع، وأبا كريب محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبا سعيد الأشج، وعمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن يسار، وغيرهم من شيوخ البخارى ومسلم. وحدث عنه أحمد بن كامل، ومحمد بن عبد الله الشافعي، ومخلد بن جعفر، وخلائق.\nقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى في تاريخ بغداد: استوطن الطبرى بغداد، وأقام بها حتى توفى، وكان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله تعالى، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعانى، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم في الأحكام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله كتاب التاريخ المشهور، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب تهذيب الآثار، لم أر سواه في معناه، لكنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، وتفرد بمسائل حفظت عنه.\nقال الخطيب: وسمعت علي بن عبد الله السمسار يحكى أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة. وعن الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، قال: لو سافر رجل إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير الطبرى لم يكن هذا كثيرا، أو كلاما هذا معناه. وروينا عنه أنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة،","vol":"1","page":433},{"text":"فقالوا: هذا مما يفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. وكذلك قال لهم في التاريخ، فأجابوه بمثل جواب التفسير، فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره نحو ما اختصر التفسير. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما أعلم تحت أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.\nوروينا أن أبا بكر بن مجاهد إمام الناس في القراءات استمع ليلة لقراءة محمد بن جرير، فقال: ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يحسن يقرأن هذه القراءة. وروى الخطيب، عن القاضي أحمد بن كامل، قال: توفى أبو جعفر محمد بن جرير وقت المغرب ليلة الاثنين ليومين بقيا من شهر شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن ضحوة يوم الاثنين في داره، ولم يغير شيبه، وكان السواد في شعر رأسه ولحيته كثيرا، وكان مولده في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، مديد القامة، فصيح اللسان، ولم يؤذن به أحد، واجتمع عليه ما لا يحصيهم عددا إلا الله تعالى، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، وزاره خلق كثير من أهل الدين والأدب، ورثاه ابن الأعرابى، وابن دريد، وغيرهما، ولقد أجاد ابن دريد وأبلغ في ترثيته (^١)].\nقوله: مرسلا؛ الحديث المرسل: ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين، وأي راو كان عند الأصوليين، والمسند ما كان متصلا إلى قائله فعند مالك وأصحابه تجب به الحجة ولا يلزم به العمل كما جب بالمسند\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٨ - ٧٩ ترجمة ٨).","vol":"1","page":434},{"text":"سواء، ويحتج بالحديث المرسل إذا اعتضد بأحد أربعة أمور أن يسند من جهة أخرى أو يرسل أو يقول به بعض الصحابة أو أكثر العلماء فمتى وجد واحد من هذه الأربعة جاز الاحتجاج به (^١).\nوقد أجمعت الأئمة الأربعة في حديث العباس الذي رواه أبو داود والترمذي في تعجيل الزكاة أن العباس سأل النبي - ﷺ - في تعجيل الزكاة قبل أن تحل فرخص له في ذلك (^٢) لكن أجاب البيهقي (^٣) أنه مرسل أو محمول على أنه استسلف منه صدقة عامين أو صدقة مالين لكل واحد حول منفرد فهذا الحديث روي مرسلا ومتصلا وقال به من الصحابة ابن عمر وقال به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي وغيره والحاكم صحح إسناده والمشهور أنه مرسل صحيح والله أعلم انتهى قاله في الديباجة.\n\n٥٥ - وَرُوِيَ عَن عدي بن حَاتِم قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يُؤمر يَوْم الْقِيَامَة بناس من النَّاس إِلَى الْجنَّة حَتَّى إِذا دنوا مِنْهَا واستنشقوا رِيحهَا ونظروا إِلَى قُصُورهَا وَمَا أعد الله لأهلها فِيهَا نُودُوا أَن اصرفوهم عَنْهَا لَا نصيب لَهُم فِيهَا فيرجعون بحسرة مَا رَجَعَ الْأَولونَ بِمِثْلِهَا فَيَقُولُونَ رَبنَا لَو أدخلتنا النَّار قبل أَن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٣٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٦٢٤)، والترمذى (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥)، والحاكم (٣/)، والبيهقي في الصغير (٢/ ٦٦ رقم ١٢٤٣) والكبرى (٤/ ١٨٦ - ٤٨٧ رقم ٧٣٦٥ و٧٣٦٦ و١٠/ ٩٣ رقم ١٩٩٦٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وحسنه الألباني في الإرواء (٨٥٧)، صحيح أبي داود (١٤٣٦).\n(^٣) انظر: السنن الكبرى (٤/ ١٨٧).","vol":"1","page":435},{"text":"ترينا مَا أريتنا من ثوابك وَمَا أَعدَدْت فِيهَا لأوليائك كَانَ أَهْون علينا قَالَ ذَاك أردْت بكم كُنْتُم إِذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وَإِذا لَقِيتُم النَّاس لقيتموهم مخبتين تراؤون النَّاس بِخِلَاف مَا تعطوني من قُلُوبكُمْ هبتم النَّاس وَلم تهابوني وأجللتم النَّاس وَلم تجلوني وتركتم للنَّاس وَلم تتركوني الْيَوْم أذيقكم أَلِيم الْعَذَاب مَعَ مَا حرمتم من الثَّوَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: عن عدي بن حاتم، هو عدي بن حاتم الطائي الموصوف بالكرم الجواد بن الجواد، كنيته أبو طريف ويقال أبو وهيب، وفد على النبي - ﷺ - في شعبان سنة سبع وله رواية وقيل: إنه لما قدم على النبي - ﷺ - نزع وسادة له فألقاها تحته وسأله عن أشياء فأجابه بها ثم أسلم وحسن إسلامه ورجع إلا بلاده ولما ارتد العرب ثبت عدي وقومه على الإسلام وجاء بصدقاتهم إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٦)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦ رقم ٥٤٧٨) والكبير (١٧/ ٨٥ - ٨٦ رقم ١٩٩ و٢٠٠) وعنه ابن مردويه فيما انتقاه على الطبراني (١٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢٤ - ١٢٥)، والبيهقي في البعث والنشور (٥٩٩) والشعب (٩/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم ٦٣٩٠)، وابن الجوزى في الموضوعات (٣/ ١٦١ - ١٦٢).\nقال أبو حاتم بن حبان: هذا حديث باطل لا أصل له من كلام رسول الله - ﷺ -. وأبو جنادة يروى عن الأعمش ما ليس من حديثه لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: أبو جنادة حصين بن المخارق يضع الحديث. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا أبو جنادة السلولي. قال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش لم نكتبه إلا من حديث أبي جنادة.\nوقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه أبو جنادة، وهو ضعيف. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٢٣).","vol":"1","page":436},{"text":"الصديق وكانت أول صدقة قدم بها عليه وكانت ثلثمائة بعير وقد حضر فتح المدائن وشهد مع علي حروبه، قال أبو حاتم السجستاني: عاش عدي مائة وثمانين سنة وقال خليفة: مائة وعشرين، وقال ابن سعد: كان زمن المختار سنة ثمان وستين وهو ابن عشرين ومائة سنة، وطئ أبي القبيلة اسمه جلهمة بن أدد، وإنما سمي طيا لأنه أول من طوى المناهل، وقيل: أول من طوى بئرا، والنسبية فيه على غير القياس لأن قياسه طيي بوزن طغي فقالوا فيه طائي بوزن طاعي، قال العلماء: ولم تبلغنا أن أحدا من الصحابة عمر مثل سلمان الفارسي فإنه عاش مائتين وخمسين سنة وقيل غير ذلك (^١).\nقوله - ﷺ -: \"يؤمر يوم القيامة بناس من الناس إلى الجنة حتى إذا دنوا منها\" والدنو القرب.\nقوله - ﷺ -: \"كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين\" الحديث، الإخبات: الخشوع والتواضع، يقال أخبت لله وفي الله أي تواضع قاله الجوهري في صحاحه وابن الأثير في النهاية (^٢)، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (^٤) قال ابن عباس وقتادة في التفسير هم المتواضعون وقال مجاهد: المخبت المطمئن إلى الله\n_________\n(^١) انظر: الطبقات (٦/ ٢٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٧) و(١/ ٣٢٧ - ٣٢٨ الترجمة ٣٩٨)، والأنساب (٦/ ٢١)، واللباب (٢/ ٢٧١)، وفتح البارى (٨/ ١٠٢).\n(^٢) الصحاح (١/ ٢٤٧)، والنهاية (٢/ ٤).\n(^٣) سورة الحج، الآية: ٣٤.\n(^٤) سورة هود، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":437},{"text":"تعالى والخبت المكان المطمئن من الأرض وقال الأخفش الخاشعون وقال النخعي المخلصون وقال الكلبي هم الرقيقة قلوبهم وقال عمر بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا وهذه الأقوال تدور على معنين: التواضع والسكون على الله تعالى (^١). انتهى.\nقوله: عن أبي الدرداء أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل عامر بن زيد الأنصاري تأخر إسلامه عن أول الهجرة ولي قضاء دمشق لعثمان - ﵁ - مات بدمشق سنة إحدى وقيل سنة اثنتين وثلاثين وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا والله اعلم. قوله - ﷺ -: \"إن الإبقاء على العمل أشد من العمل\" الحديث. الإبقاء المداومة.\nقوله: \"وإن الرجل ليعمل العمل فيكتب له عمل صالح معمول به في الشر يضعف أجره سبعين ضعفا فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه فيكتب علانية ويمحي تضعيف أجره كله\" الحديث. وروى الترمذي وقال حديث حسن عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله - ﷺ - إن الرجل يعمل العمل يسره فإذا اطلع عليه سره قال له أجران أجر السر وأجر العلانية قال الترمذي قيل معناه أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير لقوله - ﷺ -: \"أنتم شهداء الله في الأرض\" (^٢) أما إن أعجبه لكونه يعظم ويكرم فهذا رياء ورواه ابن حبان في صحيحه فقال معناه أنه يستره إن وفقه الله تعالى لذلك العمل\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٥ - ٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٦٠ - ٩٤٩) عن أنس.","vol":"1","page":438},{"text":"فعسى أن يستديمه فيه فإن سره لله لتعظيمه الناس له فرياء فلا يكون له أجران ولا أجر، وأما التحدث بالعمل فيجوز لمن تمكن عند الحاجة إليه أو ليقتدى به (^١) انتهى.\nقال الحارث المحاسبي (^٢): ومن عمل طاعة في السر ثم أخبر بها الناس فله حالان أحدهما: أن يظهر ذلك ليحصل على أغراض المرائين فهذا مسمع ومن سمع سمع الله به للحديث؛ الثانية: أن يقول ذلك ليقتدى به فإن كان ممن لا يقتدى به ولا يلتفت إليه فلا يحدث بشيء من ذلك احترازًا من التسميع وإن كان ممن يقتدى به كافة الناس فإن وثق بأنه من الرياء إذا تحدث بذلك فليتحدث وإن كان ممن يعتقد فيه بعض الناس دون بعض فلا تتحدث به عند من لا يعتقد فيه ويتحدث به عند من يعتقد فيه إذا أمن من الرياء.\nقد جاء أثر معروف أن العبد ليعمل العمل سرا لا يطلع عليه أحدا إلا لله فيتحدث به فينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية فإن تحدث به للسمعة وطلب الجهاد والمنزة عند غير الله تعالى يطلبه كما لو فعله لذلك؛ فإن قيل: إذا تاب هذا يعود له ثواب عمله؛ قيل: إن كان قد عمله لغير الله وأوقعه بهذه النية فإنه لا ينقلب صالحا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٣٨٤)، وابن ماجه (٤٢٢٦)، وابن حبان (٣٧٥). وقال الترمذى: هذا حديث غريب وقد روى الأعمش، وغيره عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن النبي - ﷺ - مرسلًا وأصحاب الأعمش لم يذكروا فيه عن أبي هريرة. وقال أبو حاتم في العلل (٢٧٦): الصحيح عندي مرسل. وضعفه الألباني في \"الضعيفة\" (٤٣٤٤).\n(^٢) مقاصد الرعاية لحقوق الله (ص ٩٩ - ١٠٠).","vol":"1","page":439},{"text":"بالتوبة بل حسب التوبة أن تمحو عنه عقابه فيصيره له وعليه، وأما إن عمله لله خالصا ثم عرض له عجب أو رياء أو تحدث به ثم تاب ذلك وندم فهاذ قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط وقد يقال إنه لا يعود إليه بل يستأنف العمل، والمسألة مبنية على أصل وهو أن الردة هل تحبط العمل أو لا تحبطه إلا بالموت عليها، ففيه للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل فإن قلنا تحبط العمل بنفسها فمتى أسلما استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الإسلام قلنا لا تحبط إلا إذ مات مرتدا فمتى عاد إلى الإسلام عاد إليه ثواب عمله، وهكذا العبد إذا فعل حسنة ثم فعل سيئة تحبطها ثم تاب من تلك السيئة هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة يخرج على هذا الأصل ولم يزل في نفسي من هذه المسألة ولم أزل حريصا على الصواب فيها وما رأيت أحدا شفي فيها والذي يظهر والله أعلم وبه المستعان ولا قوة إلا بالله إن الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل ويكون الحكم فيها للغالب وهو يقهر المغلوب ويكون الحكم له حتى كأن المغلوب لم يكن فإذا غلبت على العبد الحسنات دفعت حسناته الكثيرة سيئاته ومتى تاب من السيئة ترتب على توبته منها حسنات كثيرة قد تربى وتزيد على هذه الحسنة التي حبطت بالسيئة فإذا عرفت التوبة وصحت وتشأت من صميم القلب أحرقت ما مر عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن فإن التائب من الذنب لم يكن له ذنب، يفيد هذا إن السيئات والذنوب هي أمراض قلبيه كما أن الحمى والأوجاع أمراض بدنية والمريض إذا عوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وانفصل منها حتى كأنه لم يضعف قط","vol":"1","page":440},{"text":"فالقوة المتقدمة بمنزلة الحسنات والمرض بمنزلة الذنوبة والصحة والعافية بمنزلة التوبة سواء بسواء، وكما أن من المرضى من لا تعود إليه صحته أبدا لضعف عافيته ومنهم من تعود كما كانت لتقاوم الأسباب وتدافعها وعود البدن إلى كماله الأول؛ ومنهم من يعود أصح مما كان وأقوى والله أعلم قاله ابن قيم الجوزية (^١).\nفائدة: فينبغي أن يحترز الإنسان من إظهار عمله من جهاد وغيره إلا أن يخلص له نية يثق بها في التحدث به لمن يعلم أنه يقتدى به أو يزيد في قلبه قوة وجرأة وسماحة مثل أن يذكر عن نفسه أنه ثبت لكذا وكذا فارس وأنفق في سبيل الله وخاطر بنفسه في كذا وكذا ونحو ذلك فيقوي قلبه قلب السامع ويجود بماله وبنفسه ويزيد عن قلبه ظلمة الجبن والبخل لأن النفوس مجبولة على التجرئ والتشبه بالأقران ويبني الزمان، وهذا كان قصد السلف ﵃ في ذكر ما يحكونه من أفعالهم مع أنه إن وجد مقصوده في الاقتداء يحصل بعزو ذلك الفعل إلى من لا يسميه وذلك مثل أن تقول اتفق لبعض الغزاة كذا أو لبعض من أدركناه كذا أو رأيت شخصا وقع له كذا وكذا أو اعرف شخصا جرى له كذا وكذا ونحو هذه العبارات مما لا يفهم المخاطب أنه هو الفاعل ويحصل به المقصود من الاقتداء ونحوه وقد كان أكثر السلف ﵃ يجتهدون على إخفاء أعمالهم مطلقا وإن ظنوا أنهم يقتدى بهم فيها لعدم ثقة المرء بنفسه في أكبر الأحوال فإن الرياء كما جاء في الحديث\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص ١١ - ١٣).","vol":"1","page":441},{"text":"أخفى من دبيب النمل انتهى قاله ابن النحاس في كتابه الذي ألفه في الجهاد (^١).\nقوله: في آخر حديث أبي الدرداء قال الحافظ: أظنه موقوفًا قال علماء الحديث: الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين هو الذي يرويه التابعي عن النبي - ﷺ - من غير أن يذكر الصحابي (^٢).\n\n٥٧ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا كَانَ آخر الزَّمَان صَارَت أمتِي ثَلَاث فرق فرقة يعْبدُونَ الله خَالِصا وَفرْقَة يعْبدُونَ الله رِيَاء وَفرْقَة يعْبدُونَ الله ليستأكلوا بِهِ النَّاس فَإِذا جمعهم الله يَوْم الْقِيَامَة قَالَ للَّذي يستأكل النَّاس بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي فَيَقُول وَعزَّتك وجلالك أستأكل بِهِ النَّاس قَالَ لم ينفعك مَا جمعت انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذي كَانَ يعبده رِيَاء بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالك رِيَاء النَّاس قَالَ لم يصعد إِلَيّ مِنْهُ شَيْء انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذي كَانَ يعبده خَالِصا بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالك أَنْت أعلم بذلك من أردْت بِهِ أردْت بِهِ ذكرك ووجهك قَالَ صدق عَبدِي انْطَلقُوا بِهِ إِلَى الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة عبيد بن إِسْحَاق الْعَطَّار وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات وَالْبَيْهَقِيّ عَن مولى أنس وَلم يسمه قَالَ قَالَ أنس قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فَذكره بِاخْتِصَار (^٣).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦٤٢ - ٦٤٣).\n(^٢) كذا هو بالأصل وهو غلط بين فالحديث الموقوف: ما أضيف إلى صحابي كذلك، وأما ما ذكره فهو تعريف المرسل. انظر: كشف المناهج (١/ ٥٦ - ٥٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد (٤٩٤) وذم الرياء (٤١٣)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٠٩ - ٢١٠ رقم ٥١٠٥)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٣٨ رقم ٦٣٨٩)، والأصبهانى =","vol":"1","page":442},{"text":"قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا كان آخر الزمان صارت أمتي ثلاث فرق\" فذكره إلى أن قال: \"وفرقة يعبدون الله ليستأكلوا به الناس فإذا جمعهم الله يوم القيامة قال للذي يستأكل الناس بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي فيقول وعزتك وجلالك أستأكل به الناس\" الحديث، فائدة: وفي تاريخ ابن النجار عن ابن المبارك قال: قدمت على سفيان الثوري مكة فوجدته مريضًا شارب دواء فقلت له إني أريد أن أسألك عن أشياء قال: فقل، قلت: أخبرني عن الناس قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن الأشراف، قال: الأتقياء، قلت: فمن الغوغاء. قال: الذين يكتبون الأحاديث يريدون أن يستأكلوا أموال الناس، قلت: فمن السفلة؟ قال: الظلمة (^١) انتهى.\nوقال أبو العباس الروياني: الغوغاء من يخالط المفسدين والمجرمين\n_________\n= في الترغيب والترهيب (٩٨)، وابن فاخر في موجبات الجنة (٣١٠)، والكلاباذى في بحر الفوائد (١٠٨٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الوارث إلا قطري الخشاب، تفرد بهما: عبيد بن إسحاق العطار.\nوقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن إسحاق العطار، وهو متروك. وقال في ١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن إسحاق العطار، وقد ضعفه الجمهور، ورضيه أبو حاتم الرازي، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (٥١٥٣) وضعيف الترغيب (٢٥).\n(^١) الأربعين في إرشاد السائرين (ص ١١٩)، والتاسع من المشيخة البغدادية (٨٤)، وذكر الإمام ابن منده (٥٣)، وحياة الحيوان (٢/ ٢٦٣).","vol":"1","page":443},{"text":"ويخاصم الناس بلا حاجة ولذلك قالوا أكثر من الغوغاء (^١).\nفائدة أخرى: قال سحنون من أصحاب الإمام مالك: لأن اطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلى من طلبها بالدين والأخبار (^٢)، سحنون: بفتح السين وضمها طائر حديد الذهن بالمغرب يسمونه سحنونا لحدة ذهنه وذكائه وبه سمي سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني وهو لقب فرد، واسمه: عبد السلام وهو تلميذ بن القاسم وهو مضيف المدونة وكان قبل ذلك كتبها أسد بن الفرات عن ابن القاسم غير مرتبة ثم بخل بها على سحنون فدعا عليه ابن القاسم أن لا ينفع الله بها ولا به وكذلك كان فالعمل على مدونة سحنون ووفاته ﵀ في شهر رجب الفرد سنة أربعين ومائتين وولد في شهر رمضان سنة ستين ومائة (^٣) والله أعلم.\nقوله: رواه الطبراني من رواية عبيد بن إسحاق العطار [قال الأزدي: متروك الحديث وضعفه ابن معين والدارقطني، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر، وقال البخاري عنده مناكير ورضيه أبو حاتم الرازي ووثقه ابن حبان وغيره].\n\n٥٨ - وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بصحف مختمة فتنصب بَين يَدي الله تَعَالَى فَيَقُول ﵎ ألقوا هَذِه واقبلوا هَذِه فَتَقول الْمَلَائِكَة وَعزَّتك وجلالك مَا رَأينَا إِلَّا خيرا فَيَقُول الله ﷿ إِن هَذَا كَانَ\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٢٦٣).\n(^٢) التاج والإكليل (٢/ ١١٥).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ٢٤).","vol":"1","page":444},{"text":"لغير وَجْهي وَإِنِّي لا أقبل إِلَّا مَا ابْتغِي بِهِ وَجْهي رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا رُوَاة الصَّحِيح وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وعنه تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يؤتي يوم القيامة بصحف مختمة\" أي: من أعمال بني آدم يقال: ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم شدد للمبالغة قاله الجوهري في صحاحه (^٢) في معنى هذا الحديث أسيد عن شمر بن عطية قال: يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات فيقول رب العزة ﵎: \"صليت يوم كذا وكذا ليقال صلى فلان أنا الله لا إله إلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٧٨)، والبزار (٧٣٨٨)، والعقيلى في الضعفاء (١/ ٢١٨)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٩٧ رقم ٢٦٠٣) و(٦/ ١٨٣ رقم ٦١٣٣)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (١٦٣)، والدارقطنى (١٣٢)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٥٨ - ١٥٩ رقم ٦٤١٧)، والشجرى في الأمالى (٢٥٥٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٢٢).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه والحارث بن غسان رجل من أهل البصرة ليس به بأس قد حدث عنه جماعة من أهل العلم. وقال العقيلى: ولا يتابع عليه بهذا الإسناد وقد حدث هذا الشيخ (يعنى الحارث بن غسان) بمناكير.\nوقال الطبراني في الأول: لم يرو هذا الحديث عن أبي عمران إلا الحارث بن عبيد. وقال في الثانى: لم يرو هذا الحديث عن أبي عمرأن الجوني إلا الحارث بن غسان. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٣٥٠: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزار. وضعفه جدًّا الألباني في الضعيفة (٢٦٧٢) و(٥١٥٤) وضعيف الترغيب (٢٦).\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٩٠٨).","vol":"1","page":445},{"text":"أنا لي الدين الخالص سمت يوم كذا وكذا يقال صام فلان أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص، تصدقت يوم كذا وكذا ليقال تصدق فلان أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص فما زال يمحي شيء بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء فيقول ملكان ألغير الله كنت تعمل\" قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأى فهو مرفوع وقد روي رفع معناه الدارقطني (^١) والله أعلم.\n\n٥٩ - وَرُوِيَ عَن معَاذ - ﵁ - أَن رجلا قَالَ حَدثني حَدِيثا سمعته من رَسُول الله - ﷺ - قَالَ فَبكى معَاذ حَتَّى ظَنَنْت أَنه لا يسكت ثمَّ سكت ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لي يَا معَاذ قلت لَهُ لبيْك بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ إِنِّي محدثك حَدِيثا إِن أَنْت حفظته نفعك وَإِن أَنْت ضيعته وَلم تحفظه انْقَطَعت حجتك عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة يَا معَاذ إِن الله خلق سَبْعَة أَمْلَاك قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالأرْض ثمَّ خلق السَّمَوَات فَجعل لكل سَمَاء من السَّبْعَة ملكا بوابا عَلَيْهَا قد جللها عظما فتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من حِين أصبح إِلَى أَن أَمْسَى لَهُ نور\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٦١٦ - ٦١٧) وزاد: وقد رفع معناه الدارقطني في سننه من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يجاء يوم القيامة بصحف مختومة فتنصب بين يدي الله ﷿ فيقول الله تعالى: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيرًا فيقول الله ﷿ - وهو أعلم -: إن هذا كان لغيري ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي\" وهو حديث الباب.\nقلت: أما قول شمر بن عطية: أخرجه الطبرى في تهذيب الآثار - مسند عمر (٢/ ٨٠١ رقم ١١٣١).","vol":"1","page":446},{"text":"كنور الشَّمْس حَتَّى إِذا صعدت بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ذكرته فكثرته فَيَقُول الْملك للحفظة اضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه أَنا صَاحب الْغَيْبَة أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمل من اغتاب النَّاس يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ ثمَّ تَأتي الْحفظَة بِعَمَل صَالح من أَعمال العَبْد فتمر فتزكيه وتكثره حَتَّى تبلغ بِهِ إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بالسماء الثَّانِيَة قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه إِنَّه أَرَادَ بِعَمَلِهِ هَذَا عرض الدُّنْيَا أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ يفتخر على النَّاس فِي مجَالِسهمْ قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد يبتهج نورا من صَدَقَة وَصِيَام وَصَلَاة قد أعجب الْحفظَة فتجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاء الثَّالِثَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه أَنا ملك الْكبر أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ يتكبر على النَّاس فِي مجَالِسهمْ قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد يزهر كَمَا يزهر الْكَوْكَب الدُّرِّي لَهُ دوِي من تَسْبِيح وَصَلَاة وَحج وَعمرَة حَتَّى يجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاء الرَّابِعَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه اضربوا ظَهره وبطنه أَنا صَاحب الْعجب أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ إِذا عمل عملا أَدخل الْعجب فِي عمله قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد حَتَّى يجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاء الْخَامِسَة كَأَنَّهُ الْعَرُوس المزفوفة إِلَى بَعْلهَا فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه واحملوه على عَاتِقه أَنا ملك الْحَسَد إِنَّه كَانَ يحْسد النَّاس مِمَّن يتَعَلَّم وَيعْمل بِمثل عمله وكل من كَانَ","vol":"1","page":447},{"text":"يَأْخُذ فضلًا من الْعِبَادَة يحسدهم وَيَقَع فيهم أَمرنِي رَبِّي أَن لا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من صَلَاة وَزَكَاة وَحج وَعمرَة وَصِيَام فيجاوزون بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه إِنَّه كَانَ لا يرحم إنْسَانا قطّ من عباد الله أَصَابَهُ بلَاء أَو ضرّ بل كَانَ يشمت بِهِ أَنا ملك الرَّحْمَة أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة من صَوْم وَصَلَاة وَنَفَقَة واجتهاد وورع لَهُ دوِي كَدَوِيِّ الرَّعْد وضوء كضوء الشَّمْس مَعَه ثَلَاثَة آلاف ملك فيجاوزون بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَيَقُول لَهُم الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه واضربوا جوارحه اقفلوا على قلبه إِنِّي أحجب عَن رَبِّي كل عمل لم يرد بِهِ وَجه رَبِّي إِنَّه أَرَادَ بِعَمَلِهِ غير الله إِنَّه أَرَادَ بِهِ رفْعَة عِنْد الْفُقَهَاء وذكرا عِنْد الْعلمَاء وصوتا فِي الْمَدَائِن أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي وكل عمل لم يكن لله خَالِصا فَهُوَ رِيَاء وَلا يقبل الله عمل الْمرَائِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من صَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَحج وَعمرَة وَخلق حسن وَصمت وَذكر لله تَعَالَى وتشيعه مَلَائِكَة السَّمَوَات حَتَّى يقطعوا بِهِ الْحجب كلهَا إِلَى الله ﷿ فيقفون بَين يَدَيْهِ وَيشْهدُونَ لَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالح المخلص لله قَالَ فَيَقُول الله لَهُم أَنْتُم الْحفظَة على عمل عَبدِي وَأَنا الرَّقِيب على نَفسه إِنَّه لم يردني بِهَذَا الْعَمَل وَأَرَادَ بِهِ غَيْرِي فَعَلَيهِ لَعْنَتِي فَتَقول الْمَلَائِكَة كلهَا عَلَيْهِ لعنتك ولعنتنا وَتقول السَّمَوَات كلهَا عَلَيْهِ لعنة الله ولعنتنا وتلعنه السَّمَوَات السَّبع وَمن فِيهِنَّ قَالَ","vol":"1","page":448},{"text":"معَاذ قلت يَا رَسُول الله أَنْت رَسُول الله وَأَنا معَاذ قَالَ اقتد بِي وَإِن كَانَ فِي عَمَلك تَقْصِير يَا معَاذ حَافظ على لسَانك من الوقيعة فِي إخوانك من حَملَة الْقُرْآن واحمل ذنوبك عَلَيْك وَلَا تحملهَا عَلَيْهِم وَلَا تزك نَفسك بذمهم وَلَا ترفع نَفسك عَلَيْهِم وَلَا تدخل عمل الدُّنْيَا فِي عمل الآخِرَة وَلَا تتكبر فِي مجلسك لكَي يحذر النَّاس من سوء خلقك وَلَا تناج رجلا وعندك آخر.\nوَلَا تتعظم على النَّاس فَيَنْقَطِع عَنْك خير الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَلَا تمزق النَّاس فتمزقك كلاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار قَالَ الله تَعَالَى والناشطات نشطا النازعات ٢ أَتَدْرِي مَا هن يَا معَاذ قلت مَا هن بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ كلاب فِي النَّار تنشط اللَّحْم والعظم قلت بِأبي أَنْت وَأمي فَمن يُطيق هَذِه الْخِصَال وَمن ينجو مِنْهَا قَالَ يَا معَاذ إِنَّه ليسير على من يسره الله عَلَيْهِ قَالَ فَمَا رَأَيْت أَكثر تِلَاوَة لِلْقُرْآنِ من معَاذ للحذر مِمَّا فِي هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك فِي كتاب الزّهْد عَن رجل لم يسمه عَن معَاذ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي غير الصَّحِيح وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا وَرُوِيَ عَن عَليّ وَغَيره وَبِالْجُمْلَةِ فآثار الْوَضع ظَاهِرَة عَلَيْهِ فِي جَمِيع طرقه وبجميع أَلْفَاظه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك (٤٥٢) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب مرسلا، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢١٤ - ٢١٥) مختصرا، وابن الجوزى في الموضوعات (٣/ ١٥٤ - ١٦١) عن معاذ بطوله وأتم منه.\nقال ابن حبان: وهذه قصة مشهورة لأحمد بن عبد الله الجويباري عن يحيى بن سليمان الإفريقي عن ثور بن يزيد وقد سرقه من الجويباري عبد الله بن وهب الفسوي فحدث به عن محمد بن القاسم الأسدي عن ثور بن يزيد. وقال ابن الجوزى: موضوع على رسول =","vol":"1","page":449},{"text":"قوله: وروى عن معاذ هو معاذ بن جبل تقدم الكلام عليه، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"يا معاذ، إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السموات والأرض ثم خلق السموات والأرض فجعل لكلا من السبعة ملكًا بوابًا عليها قد جللها عظمًا\". ففيه دليل على أن للسماء أبوابا حقيقة وحفظة موكلين بها وإثبات الاستئذان والله أعلم قاله الكرماني (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فتقعد الحفظ بعمل العبد من حين أن يصبح إلى أن أمسى له نور كنور الشمس\" الحديث، الحفظة: هما ملكان حافظان لأعمال العبد أحدهما عن يمينه يكتب حسناته والآخر عن يساره يكتب سيئاته وجعل الله كاتب الحسنات أمينا على كاتب السيئات فإذا كان الليل قال كاتب الحسنات لكاتب السيئات اطرح حسنة واطرح أنت عشر سيئات حتى يصعد\n_________\n= الله - ﷺ -، ولقد أبدع الذي وضعه واجترأ على الشريعة، وهو مشهور بأحمد بن عبد الله الجويباري رواه عن يحيى بن سلام الإفريقي عن ثور بن يزيد، وقد سرقه من الجويباري عبد الله بن وهب النسوي، فحدث به عن محمد بن القاسم الأسدي عن ثور، فأما الجويباري فأكذب الناس، قد وضع على رسول الله - ﷺ - ما لا يحصى، وعبد الله بن وهب وضاع أيضا، قال ابن حبان: هو دجال يضع الحديث على الثقات، وأما القاسم المكفوف فقد نسبه ابن حبان إلى وضع الحديث أيضا، قال: ولا يحل ذكر سلم الخواص في الكتب إلا على سبيل الاعتبار. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٢٧).\n(^١) قاله النووي كما في شرح النووي على مسلم (٢/ ٢١٢) وعنه الكرمانى في الكواكب الدرارى (٤/ ٩).","vol":"1","page":450},{"text":"عمله وليس فيه سيئة فإذا مات العبد قال الملكان الموكلان به: ربنا قد مات عبدك فلان افتأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله ﷿ سماواتي مملوءة من خلقي فيقولون ربنا فنقيم في الأرض فيقول الله ﷿ أرضي مملوءة من خلقي فيقولون ربنا فأين نقيم: فيقول الله ﷿ أقيما عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وهللاني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون انتهى قاله في مختصر عجائب المخلوقات (^١).\nقوله: حتى إذا صعدت به إلى السماء الدنيا والسمو العلوي يقال: سمى يسمو سموا فهو سام ومنه حديث ابن زميل: رجل طوال إذا تكلم يسمو أي يرأسه ويديه يقال فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها ومنه حديث أم معبد وإن صمت سما وعلاه البهاء أي ارتفع وعلا على جلسائه انتهى قاله في النهاية (^٢).\nقوله: الدنيا، والدنيا اسم لهذه الحياة لبعد الآخرة عنها والسماء الدنيا لقربها من ساكني الأرض ويقال سماء الدنيا على الإضافة روي عن كعب الأحبار أنه قال: خلق اللّه سماء الدنيا من موج مكفوف والثانية صخرة والثالثة حديد والرابعة نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوت (^٣) وتقدم ذكر ذلك في الخطبة.\n_________\n(^١) عجائب المخلوقات (ص ٦٠) للقزوينى.\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٠٥).\n(^٣) أخرجه إسحاق كما في إتحاف الخيرة (٦/ ١٤٦ رقم ٥٥٨٣) والمطالب العالية (٣٤٣١)، والطبرى في التفسير (٢٣/ ٧٩)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٥ - ١٦ رقم ٥٦٦١) وأبو =","vol":"1","page":451},{"text":"فائدة في عمر الدنيا: قال ابن سلام في تاريخه: اختلف الناس في مدة ما مضى من الزمان من لدن هبوط آدم إلى هجرة نبينا محمد - ﷺ - اختلافا متباينا ونحن نذكر بعض ما قيل في ذلك، روى ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما بين آدم على نبينا محمد - ﷺ - خمسة آلاف سنة وسبع مائة سنة وخمسين سنة، فمن آدم على نوح ألفان ومائتان سنة ومن نوح إلى إبراهيم ألف ومائة سنة وثلاث وأربعون سنة ومن إبراهيم إلى موسى خمس مائة سنة وخمس وسبعون سنة، ومن موسى على داود مائة سنة وتسع وسبعون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنة، ومن عيسى إلى محمد - ﷺ - ستمائة سنة، وروى الواقدي أنه قال: من هبوط آدم إلى مولد نبينا محمد - ﷺ - أربعة آلاف سنة وستمائة سنة، وروى عن وهب بن منبه أنه قال: مضى من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة، هذا ما رواه محمد بن سلام القضاعي من الأخبار المسندة في تاريخه والله أعلم، قاله في تاريخ كنز الدرر (^١) وهو تاريخ مبسوط في سبعة أجزاء.\nقوله: فيقول الملك للحفظة اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري، فالغيبة\n_________\n= الشيخ في العظمة (٥٦٢) عن الربيع بن أنس.\nوأخرجه الثعلبى من طريقين في التفسير (٩/ ٣٥٧) عن الربيع بن أنس ويزيد عن كعب الأحبار. ونسبه البغوى في التفسير (٥/ ١٢٥)، وابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٩٦)، والدميرى في النجم الوهاج (٢/ ١٠٨) لكعب الأحبار.\n(^١) كنز الدرر (٢/ ١٢ - ١٣).","vol":"1","page":452},{"text":"ذكرك أخاك بما يكره وسيأتي الكلام على الغيبة مبسوطا في بابه إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه\" أنه أراد بعمله هذا عرض الدنيا، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، العرض هو ما يقتنى من المال وغيره.\nقوله: \"وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة وصيام\" فذكره إلى أن قال: \"أنا ملك الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم\" وسيأتي الكلام أيضًا على الكبر في بابه مبسوطًا.\nقوله: \"وتصعد الحفظة بعمل العبد\" يزهر كما يزهر الكوكب الدري، يزهر: بضم الياء وسكون الزاي وكسر الهاء أي يضيء، والكوكب الدري فيه ثلاث لغات قرئ بها في السبع الأكثرون بضم الدال وتشديد الياء بلا همز دري والثانية: بضم الدال مهموز ممدود دُرئ، والثالثة: بكسر الدال مهموز ممدود دِرئ وهو الكوكب العظيم قيل سمي دريا لبياضه كالدر، وقيل إضاءته (^١)، وسيأتي الكلام على ذلك في درجات الجنة وغرفها أبسط من هذا والله أعلم.\nقوله: وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء السابعة من صوم وصلاة\n_________\n(^١) انظر: الزاهر (١/ ١٩٤)، وإكمال المعلم (٨/ ٣٦٢)، والنهاية (٢/ ١١٣)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٨).","vol":"1","page":453},{"text":"ونفقة واجتهاد وورع له دوي كدوي الرعد، اختلف العلماء في الرعد والبرق فقال ابن عباس: الرعد ملك يسمعون صوته والبرق سوط من نور يزجر به الملك السحاب، وقيل: الرعد ملك والبرق أجنحته، وروى أنه - ﷺ - قال: \"بعث الله السحاب فنطقت أحسن النطق وضحكت أحسن الضحك فالرعد نطقها والبرق ضحكها\" (^١) وقيل: الرعد صوت ملك يسوق السحاب (^٢).\nقوله: \"قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه اضربوا جوارحه اقفلوا على قلبه\" بقطع الهمزة يقال: أقفل الباب وقفل الأبواب مثل أغلق وغلق قاله الجوهري (^٣).\nقوله: \"ولا تناج رجلا وعندك آخر\" التناجي التسار وانتجى القوم وتناجوا إذا سار بعضهم بعضًا وتقد ذلك، وقال بعض العلماء: وإنما نهى عن ذلك لأنه سبب الحزن قال الخطابي (^٤): إنما يحزنه ذلك لأحد معنيين أحدهما: ربما يتوهم أن جوابهما لتثبيت رأي فيه غائل له، والثاني: أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة فهو يحزن صاحبه، ففي الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يتناجى اثنان دون الثالث فإذن ذلك يؤذي المؤمن والله\n_________\n(^١) ذكره الرويانى في بحر المذهب (٢/ ٥١٢). وابن الرفعة في كفاية النبيه (٤/ ٥٤٣)، والدميرى في النجم الوهاج (٢/ ٥٨٣).\n(^٢) انظر: تفسير ابن عطبية (١/ ١٠٢) وتفسير القرطبى (١/ ٢١٧)، وتفسير الثعالبى (١/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٨٠٣).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ١١٧).","vol":"1","page":454},{"text":"يكره أذى المؤمن\" (^١) وفي رواية ابن مسعود في الصحيحين: \"فإن ذلك يحزنه\"، ورواه مسلم ولفظه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد\" (^٢)، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن وكذلك يحرم عليهم التحدث بلسان لا يعرفه مع قدرتهم على لسانه، ففي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث وكذلك ثلاثة وأكثر بحضرة واحد وهي نهي تحريم (^٣) قال النووي قدس الله\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٤٤٤)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٨١ رقم ١٩٨٦) و(٥/ ١٧٤ رقم ٤٩٨٨). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (ح ٦٩٢)، عن عبد الوهاب بن الورد، عن الحسن بن كثير، عن عكرمة بن خالد مرفوعا مرسلا.\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٣٠٤) وقال: قاله لي محمد قال: حدثنا ابن المبارك به مرفوعا ثم قال: قال أبو عبد الله: قال ابن المبارك بالري: عن ابن عباس، وكان في كتابه مرسلا والآخرون لا يسندونه غير ابن المبارك.\nوقال الطبراني: لم يرو عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: ابن المبارك. وقال الهيثمى في المجمع ٨/ ٦٤: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير الحسن بن كثير، ووثقه ابن حبان، وعبد الوهاب بن الورد اسمه وهيب بن الورد، كما ذكر شيخ الحفاظ المزي. وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة (٦/ ١٥٦): هذا إسناد رجاله ثقات، عكرمة هو ابن خالد، والحسن هو ابن كثير وثقه ابن حبان، وعبد الوهاب بن الورد اسمه وهيب بن الورد.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٩٠) وفي الأدب المفرد (١١٦٩)، ومسلم (٣٧ و٣٨ - ٢١٨٤)، وأبو داود (٤٨٥١)، والترمذى (٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣٧٧٥) عن ابن مسعود.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٦٧).","vol":"1","page":455},{"text":"روحه (^١): ومذهب ابن عمر ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهي عام في كل الأزمان وفي الحضر والسر وقال بعض العلماء وبعض أهل اللغة: إنما النهي في السفر دون الحضر لأن السفر مظنة الخوف وادعى بعضهم أن هذه الأحاديث منسوخة وأن هذا كان في أول الإسلام فلما فشى الإسلام وأمن الناس سقط النهي وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، أما إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس بالإجماع.\nقوله: \"ولا يمزق الناس فتمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار\"، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ (^٢) فذكره إلى أن قال: \"كلاب في النار تنشط اللحم والعظم\"، قال الأصمعي: النشط للحيات هو اللسع بسرعة وإخلاس (^٣) يقال نشطته الحية وانتشطته نشطًا أي عضته بنابها وكذلك كل شيء اختلسته فقد انتشطته، قاله الجوهري في صحاحه (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٤/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٢) سورة النازعات، الآية: ٢.\n(^٣) غريب الحديث (٤/ ٣٩٢)، والمجموع المغيث (٣/ ٣٠١).\n(^٤) الصحاح (٣/ ٩٠٠) و(٣/ ١١٦٤).","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>فصل</span>\n٦٠ - عَن أبي عَليّ رجل من بني كَاهِل قَالَ خَطَبنَا أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيّ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا هَذَا الشّرك فَإِنَّهُ أخْفى من دَبِيب النَّمْل فَقَامَ إِلَيْهِ عبد الله بن حزن وَقيس بن الْمضَارب فَقَالا وَالله لَنخْرجَنَّ مِمَّا قلت أَو لنأتين عمر مَأْذُونا لنا أَو غير مَأْذُون فَقَالَ بل أخرج مِمَّا قلت خَطَبنَا رَسُول الله - ﷺ - ذَات يَوْم فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا هَذَا الشّرك فَإِنَّهُ أخْفى من دَبِيب النَّمْل فَقَالَ لَهُ من شَاءَ الله أَن يَقُول وَكيف نتقيه وَهُوَ أخْفى من دَبِيب النَّمْل يَا رَسُول الله قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من أَن نشْرك بك شَيْئا نعلمهُ ونستغفرك لما لَا نعلمهُ. رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته إِلَى أبي عَليّ مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١) وَأَبُو عَليّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَلم أر أحدا جرحه وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بنَحْوِهِ من حَدِيث حُذَيْفَة إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ يَقُول كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٧٠ (٢٩٥٤٧)، وأحمد ٤/ ٤٠٣ (١٩٦٠٦)، والبخاري في التاريخ الكبير ٩/ ٥٨، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٠ رقم ٣٤٧٩). وقال الطبراني: لم يروه عن عبد الملك بن أبي سليمان إلا ابن نمير، ولا يروى عن أبي موسى إلا من هذا الوجه.\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي علي، ووثقه ابن حبات. وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٦/ ٥٠٨: رواه أحمد بن حنبل والطبراني ورواته إلى أبي علي محتج بهم في الصحيح، وأبو علي وثقه ابن حبان ولم أر أحدا ضعفه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦).\n(^٢) أخرجه المروزى في مسند أبي بكر (١٧)، وأبو يعلى (٥٨)، وابن السنى (٢٨٦). وقال الهيثمى ١٠/ ٢٢٤: رواه أبو يعلى من رواية ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن =","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>فصل</span>\nقوله: عن أبي على رجل من بني كاهل أبو علي اسمه (^١) وبنو كاهل اسم قبيلة من قبائل العرب [وهم بنو كاهل بن نمير بن أسيد بن عمرو بن تميم].\nقوله: خطبنا أبو موسى الأشعري، أبو موسى الأشعري، اسمه عبد بن قيس الأشعري، هاجر من اليمن إلى مكة ثم هاجر منها إلى الحبشة ثم هاجر من الحبشة إلى المدينة ثلاث هجرات، توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين ودفن بمكة.\nتنبيه: قوله: الأشعري، هذه النسبة إلى أشعرة وهي قبيلة مشهورة من اليمن، والأشعر هو ثبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له الأشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه منهم أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري وممن ينسب إلى ذلك خلق كثير انتهى.\nقوله: فقال: أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب، الحديث؛ عبد الله بن حزن [فهو عبد الله بن حزن أدرك عمر. روى عنه أبو علي الكاهلي]؛ وأما قيس بن\n_________\n= حذيفة، وليث مدلس، وأبو محمد إن كان هو الذي روى عن ابن مسعود، أو الذي روى عن عثمان بن عفان، فقد وثقه ابن حبان، وإن كان غيرهما فلم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني كما في هامش صحيح الترغيب (١/ ١٢٢).\n(^١) بياض بمقدار كلمة واحدة.","vol":"1","page":458},{"text":"المضارب [وهذان الرجلان من المخضرمين، لأن من يكون في زمن عمر - ﵁ - يخوف أميره بعمر دون أخواله لا بد أن يكون أدرك العصر النبوي].\n[قوله: فقالا والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون، عمر هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين (^١)].\nقوله: فقال: بل أخرج مما قلت أي عن الشرك أنه أخفى من دبيب النمل خطبنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال: \"يأيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل\" الحديث، قال الحربي: هذا شرك رياء وهو أن يعمل عملا يرائي به غير الله تعالى فكأنه أشرك فيه غير الله تعالى وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٢) الآية، قال سعيد بن جبير: لا يرائي، وقال الكرماني رحمه الله تعالى (^٣): فإن قلت ورد الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل وهو يدل على أنه قد يخرج من الإيمان إلى الكفر وهو لا يشعر قلت: الرياء قسمان ما في عقد الإيمان وهو الشرك الأكبر وهو كفر بين وما في الأعمال وعقد الإيمان سالم وهو الأصغر، وهذا هو المراد هنا بقرينة \"فيكم\" كما ستأتى هذه اللفظة في حديث معقل بن يسار.\nقوله: فقال له من شاء الله أن يقول وكيف تتقيه وهو أخفى من دبيب النمل\n_________\n(^١) زيادة في المخطوطة المغربية.\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(^٣) الكواكب الدرارى (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":459},{"text":"يا رسول الله قال: قولوا: \"اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه\" الحديث وفي رواية أبي يعلى أنه يقول ذلك كل يوم ثلاث مرات، وروى الترمذي الحكيم في نوادره عن معقل بن يسار قال: قال أبو بكر - ﵁ - وشهد به على رسول الله - ﷺ - قال: ذى رسول الله - ﷺ - الشرك فقال: \"هو فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب الله عنك صغائر الشر وكباره تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا نعلم يقولها ثلاثًا\" (^١) قاله في منافع الحيوان (^٢) وفي مختصر مجمع الأحباب من مسانيد سفيان الثوري، عن أبي بكر الصديق أيضا قال قال رسول الله - ﷺ -: \"الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا\" فقال أبو بكر: يا رسول الله: وكيف النجاة والمخرج؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"أعلمك شيئًا إذا قلته برئت من الشرك، قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا لا اعلم وأستغفرك لما لا نعلم ولا أعلم\" (^٣)، وقال بعضهم\n_________\n(^١) أخرجه المروزى في مسند أبي بكر (١٨)، وأبو يعلى (٥٩)، والحكيم الترمذى (١٥٠٥).\nقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٤: رواه أبو يعلى عن شيخه: عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك.\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٥٠٠).\n(^٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٣٠)، وابن عدى في الكامل (١٠/ ٦٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٢)، والضياء في المختارة ١/ ١٤٩ - ١٥٠ (٦٢ و٦٣). قال ابن عدي: وهذا عن الثوري، ليس يرويه غير يحيى بن كثير. وقال أبو نعيم: تفرد به عن الثوري: يحيى بن كثير. قال الضياء: إسناده ضعيف.","vol":"1","page":460},{"text":"يقول أيضًا (^١): اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك الكريم خالصا ولا تجعل لأحد فيه شركا.\nتنبيه: روى الدارقطني والطبراني في معجمه الأوسط عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: لما كلم الله تعالى موسى ﵇ كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة النظلمة من مسيرة عشرة فراسخ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد (٦١٥) من طريق الحسن أن عمر كان يقول، فذكره. وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ٢٦١) من طريق مطيع بن إبراهيم، قال: سمعت أبىِ، وعبد العزيز بن أبي عثمان، بلاغا.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٦٥ رقم ٧٧) وقال الطبراني: لم يروه عن قتادة إلا الحسن بن جعفر تفرد به هانئ بن يحيى. وقال الهيثمى في المجمع ٨/ ٢٠٣: رواه الطبراني في الصغير، وفيه الحسين بن أبي جعفر الجفري وهو متروك.","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>[الترغيب في إتباع الكتاب والسنة]</span>\n٦١ - عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة - ﵁ - قَالَ: وعظنا رَسُول الله - ﷺ - موعظة وجلت مِنْهَا الْقُلُوب وذرفت مِنْهَا الْعُيُون فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا قَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد وَإنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكم ومحدثات الأُمُور فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. (^١)\nقَوْله: عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ أَي اجتهدوا على السّنة والزموها واحرصوا عَلَيْهَا كَمَا يلْزم العاض على الشَّيء بنواجذه خوفًا من ذَهَابه وتفلته والنواجذ: بالنُّون وَالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة هِيَ الأنياب وَقيل الأضراس.\nقوله: وعن العرباض بن سارية - ﵁ -، كنيته: أبو نجيح السلمي الصحابي، كان من أهل الصفة وهو من البكّائين نزل بالشام وسكن حمص روى عن رسول الله - ﷺ -، روى عنه: أبو أمامة الباهلي وغيره من الصحابة وخلق من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٦ (١٧١٤٢) و(١٧١٤٤) و(١٧١٤٥) و٤/ ١٢٧ (١٧١٤٦ و١٧١٤٧)، والدارمى (٩٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذى (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢ و٤٣ و٤٤)، وابن حبان (٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٧ و٣٠٠٧)، ظلال الجنة (٢٦ - ٣٤) وصحيح الترغيب (٣٧).","vol":"1","page":462},{"text":"التابعين، توفى سنة خمس وسبعين، وقيل: توفي في زمن ابن الزبير (^١).\nقوله: (وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة) الحديث، الموعظة: الموعظة ما يوعظ به والوعظ والموعظة معناهما التخويف (^٢)، وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود والترمذي موعظة بليغة وفي روايتهم: أن ذلك كان بعد صلاة الصبح، وفيه: إشارة إلى أنه يستحسن تحري ذلك الوقت للوعظ لحدة الذهن وصفاء الخاطر حينئذ ففيه استحباب عظة الرجل أصحابه لينفعهم في دينهم ودنياهم، وفيه أيضا استحباب الإبلاغ في الموعظة لترقيق القلوب فيكون أسرع إلى الإجابة (^٣) انتهى.\nوكان النبي - ﷺ - كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الدائمة كخطب الجمع والأعياد وقد أمر الله بذلك في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (^٤) وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (^٥) ولكنه لا يديم وعظهم بل يتخولهم به أحيانا قاله ابن رجب الحنبلي (^٦).\nقوله: (وجلت منها القلوب) أي خافت والوجل الخوف والفزع وهو من\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٠ الترجمة ٤٠٢).\n(^٢) قاله النووي في شرح الأربعين (ص ٨١).\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٦٣.\n(^٥) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(^٦) جامع العلوم والحكم (ص ٢١٣ - ٢١٤).","vol":"1","page":463},{"text":"باب ضرب، قال أبو بكر الآجري ولم يقل: صرخنا من موعظته ولا زعقنا ولا طرقنا رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا رقصنا ولا قمنا كما يفعل في زماننا هذا كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان، وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون ويسكتون ولا يصيحون ويتحازنون ولا يتماوتون انتهى بدليل أن النبي - ﷺ - أصدق الناس لهجة وأنصحهم لأمته وأصحابه ﵃ أرق قلوبًا ولو كان محمودا لكانوا أولى الناس به فلو كان هذا جائزًا صحيحا مشروعًا لكانوا يفعلونه بين يدي النبي - ﷺ - ولكن منكر باطل (^١).\n[فائدة في تلبيس إبليس لابن الجوزي] قال أبو الفرج بن الجوزي: اعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع فجرى من بعض غربائهم نحو ما أنكرنا فبالغ رسول الله - ﷺ - في الإنكار عليه فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ فذكره إلى أن قال عن ثابت عن أنس قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - يومًا فإذا رجل قد صعق فقال النبي - ﷺ -: \"من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا قد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله\" (^٢) قال ابن شاهين: وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث فذكره إلى أن قال عن أنس بن مالك قال: ذكر عنده هؤلاء الذين\n_________\n(^١) الأربعون (ص ٩٧ - ٩٨).\n(^٢) أخرجه الضراب في ذم الرياء (١٣٨)، وابن الجوزى في القصاص (٢١٦) وتلبيس إبليس (ص ٢٢٤ - ٢٢٥)، وابن لال كما في الزيادات على الموضوعات (٢/ ٧١٠). قال الذهبى في الميزان (١/ ١٤٣): وهذا باطل، ذكره ابن طاهر.","vol":"1","page":464},{"text":"يصعقون عند القراءة فقال أنس: لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم حتى سمحت للقوم حنينا حين أخذتهم الموعظة وما سقط منهم أحد (^١).\nتنبيه: فإن قيل: فقد صح عن جماعة من السلف ﵃ أنهم صرخوا عند سماع القرآن والمواعظ فقد روى عن عمر بن الخطاب أنه سمع قارئا يقرأ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ (^٢) فصاح صيحة خر مغشيًّا عليه فحمل إلى أهله فلم يزل مريضًا شهرًا، وروى أن زرارة بن أوفى قرأ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (^٣) فصعق ومات في المحراب، فالجواب: أين الدر من الصدف والمسك من الجيف هيهات قياس الملائكة بالحدادين والمحققين بالمجرمين (^٤) انتهى.\nفائدة: نقل القرطبي عن أبي بكر الطرطوشي ﵀ أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤون شيئًا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والسبابة هل الحضور معهم حلال أو لا؟ فقال مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة در ضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل وإنما كان يجلس النبي - ﷺ - مع\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٢) سورة الطور، الآية: ٧.\n(^٣) سورة المدثر، الآية: ١٦.\n(^٤) المفهم (١٩/ ٧٧ - ٧٨).","vol":"1","page":465},{"text":"أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير مع الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين والله أعلم بالصواب (^١).\nقوله: وذرفت منها العيون، بالذال المعجمة والراء المهملة المفتوحتين قال الجوهري (^٢): يقال ذرفت عينه إذا سال منها الدمع وهو من باب ضرب، وهذان الوصفان الدال عليهما وهما وجلت وذرفت بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٤) الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٥) والآيات في ذلك كثيرة، وكان النبي - ﷺ - إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش (^٦) وسيأتي الكلام على هذا الحديث قريبا في محله والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١١/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٣٦١).\n(^٣) سورة الأنفال، الآية: ٢.\n(^٤) سورة الحج، الآية: ٣٧.\n(^٥) سورة الحج، الآية: ١٦.\n(^٦) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٢).\nوالحديث أخرجه مسلم (٤٣ و٤٤ - ٨٦٧) عن جابر.","vol":"1","page":466},{"text":"قوله: فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع\"، فيه جواز الحكم بالقرائن فهو يدل على أنه كان - ﷺ - قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها فلذلك فهموا أنها موعظة مودع (^١) فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل ولذلك أمر النبي - ﷺ - أن يصلي صلاة مودع لأن من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجهها ولربما كان قد وقع منه - ﷺ - تعريض في تلك الخطبة بالتوديع انتهى قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^٢).\nقوله: فأوصنا، يعنون وصية جامعة كافية فافهم لما فهوا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها وسعادة له في الدنيا والآخرة (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة\" ففيه استحباب استدعاء الوصية والوعظ من أهلها واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل وفاتهم فجمع في ذلك كل ما يحتاج، فإن التقوى والسمع والطاعة امتثال المأمورات واجتناب المحذورات وتكاليف الشرع ليست إلا بذلك قاله الطوفي (^٤).\nفهاتان الكلمتان تجمعان شهادة الدنيا والآخرة أما التقوى فهي كلمة كاملة بسعادة الآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله للأولين والآخرين كما\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢١٤).\n(^٢) جامع العلوم والجكم (٢/ ٧٦٧).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٧٦٧).\n(^٤) التعيين (ص ٢١٤).","vol":"1","page":467},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (^١) (^٢).\nتنبيه: التقوى في القرآن تطلق على ثلاثة أشياء، أحدها: الخشية والهيبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (^٣)، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٤)، والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٥)، قال ابن عباس: أطيعوه حق طاعته، قال مجاهد: هو أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر، والثالث: في تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ (^٦)، ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى فعلم أن حقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية وهي تنزيه القلب عما ذكرنا، ثم قال: حقيقة التقوى هي اجتناب كل ما فيه ضررٌ للدين (^٧)، انتهى، قاله في الديباجة.\nوأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٣١.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٧).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٤١.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨١.\n(^٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(^٦) سورة النور، الآية: ٥٢.\n(^٧) منهاج العابدين (ص ١٢٨ - ١٣٠).","vol":"1","page":468},{"text":"مصالح العباد في معايشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال علي بن طالب: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن كان فاجر عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله (^١)، انتهى، قاله ابن رجب (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وإن تأمر عليكم عبدٌ وحشي\" وفي رواية: \"حبشي ... أوصيكم بسمع كلام الخليفة والأئمة وطاعتهم وإن كان الخليفة عبدًا حبشيًا ... \" واعلم أنه لايجوز أن يكون الخليفة عبدًا ولكن المراد بالعبد هنا من جعله الخليفة حاكمًا على قوم في كل بلد يعني اقبلوا أقوال الخليفة ونوابه وأطيعوه وإن كان من جعله الخليفة واليا عليكم عبدًا حبشيًا لأن طاعة نائب الخليفة طاعةٌ للخليفة وطاعة الخليفة طاعة الرسول وطاعة الرسول طاعة الله تعالى فقوله: \"وإن أمّر عليكم عبدًا\" وفي الراوية الأخرى \"حبشي\"، هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي - ﷺ - وهو مما اطلع عليه النبي - ﷺ - من أمر أمته بعده وولاية العبيد عليهم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا ولا ينافي هذا قوله - ﷺ -: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان\" (^٣) وقوله - ﷺ - \"الناس تبع لقريش\" (^٤) وقوله: \"الأئمة من قريش\" (^٥) لأن ولاية العبيد قد\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٠/ ١٥ رقم ٧١٠٢).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٧ - ٧٦٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٩٥) و(٧١٤٥)، ومسلم (١ ز ٢ - ١٨١٨) عن أبي هريرة.\n(^٤) أخرجه مسلم (٣ - ١٨١٩) عن جابر.\n(^٥) أخرجه الطيالسي (٢١٣٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٣٨٨)، وأحمد ٣/ ١٢٩ (١٢٣٠٧) و٣/ ١٨٣ (١٢٩٠٠)، والنسائي في الكبرى (٥٩٤٢)، وأبو يعلى (٣٦٤٤) و(٤٠٣٢)، =","vol":"1","page":469},{"text":"تكون من جهة إمام قرشي ويشهد لذلك قوله: الأئمة من قريش أبرارها وفجارها أمراء، ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمّرت عليكم قريش عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا ... \" (^١) إسناده جيد ولكنه روي عن علي - ﵁ - مَوقوفًا، وقال الدارقطني هو أشبه (^٢) وقد قيل إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه المثل وإن لم يصح وقوعه قال أبو سليمان الخطابي (^٣): ضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يصح في الموجود وكما قال النبي - ﷺ -: \"من بنى مسجدًا ولو كمفحص قطاء لبيضها بنى الله له مثله في الجنة\" (^٤)، ومفحص القطاة لا يصلح مسجدًا للناس أو لآدمي ونظائر هذا في الكلام كبيرة.\nفائدة: فإن قيل كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيًا حرًّا؟\nفالجواب: من وجهين، أحدهما: أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه لا أن الخليفة يكون عبدًا، والوجه الثاني: أن المراد لو قهر عبدٌ\n_________\n= والبيهقي ٨/ ٢٤٧ (١٦٥٤١) من حديث أنس بن مالك. وصححه الألباني في الإرواء (٥٢٠) وصحيح الترغيب (٢١٨٨) و(٢٢٥٩).\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥١٧) و(١٥١٨).\n(^٢) العلل (٣/ ١٩٨ رقم ٣٥٩).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١)، وشرح السنة (١/ ٢٠٦).\n(^٤) أخرجه البزار (٤٠١٧)، وابن حبان (١٦١٠) و(١٦١١)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢١٧، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٧٩) عن ابن عباس. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٢).","vol":"1","page":470},{"text":"مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ووجبت طاعته ولم شق العصا عليه والله أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ... \" الحديث، الظاهر أن هذا بوحي أوحي إليه بأنه - ﷺ - كُشِفَ له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم كما صح في حديث أبي سعيد وغيره ويحتمل أنه بنظر واستدلال فإن اختلاف المقاصد والشهوات سبب لإختلاف الآراء والمقامات ويجوز أن يكون بقياس أمته بعده على أمم الأنبياء السابقين بعدهم بدليل قوله - ﷺ -: \"لم تكن نبوة إلا كان بعدها اختلاف\" (^٢) أو كما قال، قاله الطوفي (^٣).\nوقال ابن رجب (^٤): فهذا إخبارٌ منه - ﷺ - بما وقع بعده من كثرة الإختلاف في أصول الدين وفروعه في الأقوال والأفعال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه - ﷺ - من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي من كان ما هو عليه وأصحابه ﵃ ولذلك أمر\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٤٧).\n(^٢) لم أجده بهذا اللفظ ولكن ورد بلفظ: قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية. أخرجه أحمد ٤/ ٤٣٢ (١٩٨٨٤) و٤/ ٤٣٥ (١٩٩٠١) و(١٩٩٠٢)، والترمذى (٣١٦٨) و(٣١٦٩)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٥١ رقم ٣٢٨) عن عمران بن حصين. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذى (٦١٨).\n(^٣) التعيين (ص ٢١٥).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣)، ومختصر أبي داود (٧/ ١٢)، وشرح الأربعين (ص ٨١).","vol":"1","page":471},{"text":"في هذا الحديث عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده فقال - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي\" فالسنة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسك بما كان هو عليه وأصحابه ﵃ والخلفاء الراشدين الذين أمر بالإقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كذا قاله المنذري وغيره.\nوهذا ما اشتهر عند الخاصة والعامة الأربعة الذين ولوا الأمر بعد رسول الله - ﷺ - واستدل بالحديث على جواز إطلاق السنة على [طريقتهم] كإطلاقها على طريقة النبي - ﷺ - وعلى الفضيلة التامة لهم خلفاء وصفهم بكونهم راشدين، ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا (^١).\nواستدل أيضًا بهذا الحديث على أن الواحد منهم إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولي على أن النبي - ﷺ - عالمًا بأنهم الذين يكون الأمر بعده فيهم (^٢).\nوقد يستدل به على أن قولهم وطريقتهم حجة مأخوذ بها وذلك لأن قوله ﵇: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\"، ليس المراد منه أن يكون الشيء الواحد سنته وسنتهم فسنته وحدها حجةٌ مأخوذٌ بها فأشعر بأن سنتهم أيضًا كذلك والله أعلم، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) شرح السنة (١/ ٢٠٨)، جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٥).\n(^٢) معالم السنن ٤/ ٢٧٨، وعارضة الأحوذى (١/ ١٤٨)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٦).","vol":"1","page":472},{"text":"تنبيه: الخليفة من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده والهاء فيه للمبالغة وجمعه الخلفاء على معنى التذكير لا على اللفظ مثل ظريف وظرفاء ويجمع على اللفظ \"خلائف\" كظريفة وظرائف انتهى، قاله في النهاية (^١).\nوفي تاريخ كنز الدرر وقال علماء اللغة: الخليفة هو القائم مقام غيره خلف عمن يقدمه وقال الجوهري: ويقال خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته فقال خلفه في قومه خلافة فإن الخليفة هو السلطان الأعظم وقيل إن الله تعالى ذكر خمسة نفر بالخلافة .. آدم وداود وهارون وصالح .. أما آدم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢)، وصالحًا في قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (^٣)، وفي معنى خلافة آدم قولان أنه خليفة عن الله تعالى في أرضه في إقامة شرعه روي عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ والثاني أنه خلف عمن تقدمه في الأرض قبله وهو مروي عن ابن عباس أيضًا والأول أصح وأظهر لأن آدم ﵇ كان بهذه المتابة وقال أبو اسحاق الثعلبي سأل عمر بن الخطاب طلحة والزبير وسلمان الفارسي وكعب الأحبار أخليفة أنا أم ملك؟ فقال طلحة والزبير ما ندري وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية ويقسم بينهم بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله ويقضي بينهم بكتاب الله عز\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٦٩).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٥٥.\n(^٣) سورة النمل، الآية: ٦٢.","vol":"1","page":473},{"text":"وجل وفي رواية إن جبيت من أرض المسلمين درها ووضعته في غير حقه فأنت ملك ولست خليفة كأبي بكر - ﵁ -، فقال كعب: ما كنت أحسب في المجلس من يعرف الخليفة من الملك غيري؟ ولكن الله ألهم سلمان حكمًا وعلمًا (^١)، انتهى.\nفائدة: جميع خلفاء بني مروان أربعة عشر رجلًا أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد بن مروان ومدة خلافتهم من خلص لهم الأمر هالى حين قتل مروان بن محمد إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر، خمسة أيام منها فتنة ابن الزبير، وأيامه تسع سنين واثنان وعشرون يومًا، فخلص لهم اثنان وثمانون سنةً وشهورًا فكان من مدة ملكهم ألف شهر وقد تأولوا قوله تعالى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ (^٢)، أنها أيام بني أمية، روى الترمذي وغيره أن رجلًا قام إلى الحسن بن علي بعد تنازله لمعاوية فقال له: يا مُسوِّد وجوه المؤمنين! فقال لا تؤنبني أى لا توبخنى رحمك الله فإن النبي - ﷺ - أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ (^٣) وأنزلت ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (^٤) تملكها بعدك بنو أمية قال القاسم راوي الحديث: فعددناها فإذا\n_________\n(^١) كنز الدرر (٢/ ٢٤ - ٢٥).\n(^٢) سورة القدر، الآية: ٢.\n(^٣) سورة الكوثر، الآية: ١.\n(^٤) سورة القدر، الآية: ١ - ٣.","vol":"1","page":474},{"text":"هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص يومًا (^١) انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢).\nوفي حديث سفينة - ﵁ - عن النبي - ﵁ - قال: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا وقد صححه الإمام أحمد بن حنبل واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة وفي رواية أخرى ثم تكون ملكًا أو قال ملوكًا ثم يقول سفينة: أمسك أبو بكر سنتين وخلافة عمر عشرةً وعثمان اثنتي عشر وعلي ستة\".\nوفي رواية أخرى عن سفينة: \"فكان خلافة الحسن تمام ثلاثين سنة وثلاثة عشر يومًا من أول خلافة أبي بكر\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٣٥٠). وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل وقد قيل عن القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن، والقاسم بن الفضل الحداني هو ثقة؛ وثقه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، ويوسف بن سعد رجل مجهول ولا نعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذى (٦٣٦).\n(^٢) كنز الدرر (٤/ ٤٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٠ (٢١٩١٩) و(٢١٩٢٣) و٥/ ٢٢١ (٢١٩٢٨)، وأبو داود (٤٦٤٦) و(٤٦٤٧)، والترمذى (٢٢٢٦)، وابن عاصم في السنة (١١٨١)، وابن حبان (٦٩٤٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان وقال ابن أبي عاصم: وحديث سفينة ثابت من جهة النقل، وقال ابن عبد البر: قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء. قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سفينة: الخلافة بعدي ثلاثون سنةً. يثبت؟ قال: نعم، قد رواه بهز، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة. وحسبت أنه قال: ورفع من ذكر بهز. تاريخه (١١٥٨).\nوقال الخلال في السنة (ص ٤١٩): أخبرنا أبو بكر المروذي قال: ذكرت لأبي عبد الله =","vol":"1","page":475},{"text":"تنبيه: واختلف في اسم سفينة فقيل رومان وقيل مهران وقيل طهمان وقيل عمير وهو مولى رسول الله - ﷺ - وكان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم النبي - ﷺ - ما عاش فأعتقته بالشرط المذكور سمي سفينة لأنه كان مع النبي - ﷺ - في السفر فكلما أُعيِيَ إنسان ألقى عليه سيفه وترسه فحمل شيئًا كثيرًا فقال له النبي - ﷺ -: \"أنت سفينة\" (^١).\nتتمة: ذكر أبو منصور الثعالبي في كتابه لطائف المعارف (^٢): أن مروان بن محمد كان يقول نجد في المدخر في علومنا أن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم، وأظن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فأنا مروان بن محمد بن مروان فبلغ ذلك عبد الله بن علي فقال غلط أبو عبد الملك: أنا أكثر عينات منه لأني عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباسر بن عبد المطلب بن عمرو بن عبد مناف، وكان هو الذي قتله، وذلك أن العساكر تجهزت من خراسان وغيرها من قبل السفاح لحرب مروان ومقدمها عبد الله بن علي بن عبد الله عم السفاح فتقدم مروان إلى الزاب وكانت الواقعة على كاف، فانكسر مروان وهرب إلى الشام فتبعه عبد الله بالجيوش إلى فلسطين فهرب مروان إلى مصر فتبعه عبد الله بن علي وجرّد خلفه عامر بن إسماعيل فلحقه بقرية من قرى\n_________\n= حديث سفينة فصححه. وقال: قلت: إنّهم يطعنون في سعيد بن جمهان، فقال: سعيد بن جمهان ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة ٤٦٠، ١٥٣٤، ١٥٣٥.\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦ الترجمة ٢١٧).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٥٨ - ٥٩)، وكنز الدرر (٤/ ٤٤٤).","vol":"1","page":476},{"text":"مصر تسمى بوصير غربي النيل بصعيد مصر فقتله هناك وكانت قتلته ليلة الأربعاء وقيل ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو الصحيح ثم تفرق بنو أمية في البلاد وقتل أكثرهم ولحق بعضهم بالمغرب فكانت مدة ولايته إلى أن بويع السفاح خمس سنين وشهرًا إلى أن قُتل خمس سنين وعشرة أشهر وكان عمره يوم قتل خمسة وخمسين سنة وقيل ستًا وخمسين، انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (^١).\nقوله - ﷺ -: \"الراشدين\" الراشد اسم فاعل والراشد الذي أتى بالرشد واتصف به والرشد خلاف الغي فالراشد ضد الغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه وهم يريدون بالراشدين الخلفاء الأربعة الذين تقدم ذكرهم وليس المراد أنه لا يكون من غير هؤلاء الأربعة، الذين تقدم ذكرهم، وليس المراد أن لا يكون الخليفة غير الأربعة، بل يكون الخليفة موجودًا واحدًا بعد واحد إلى قرب القيامة، وأيضًا أراد - ﷺ - بهذا تفضيل هذه الأربعة على غيرهم وحسن قيامهم على الدين ومنه قوله - ﷺ -: \"اقتدوا بالذي من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي\" (^٢).\nوقوله \"المهديين\" يعني: أن الله يهديهم إلى الحق ولا يضلهم عنه والمهدي من هداه الله ﷿ إلى الحق وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة وبه سمي المهدي الذي بشر به النبي - ﷺ - أنه يجيء في آخر\n_________\n(^١) كنز الدرر (٤/ ٤٤٥).\n(^٢) المفاتيح (١/ ٢٧٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨٠ - ٧٨١).","vol":"1","page":477},{"text":"الزمان والمهدي يظهر بالمغرب والمشهور ظهوره بمكة أو المدينة أو العراق والله أعلم، فالأقسام ثلاثة راشد وغاو وضال فالراشد من عرف الحق واتبعه، والغاوي من عرف الحق ولم يتبعه والضال لم يعرفه بالكلية (^١) ومنه الحديث \"وإرشاد الضال\" أي هدايته الطريق وتعريفه قاله في النهاية (^٢)، فكل راشدٍ مهتدٍ وكل مهتد هداية تامة فهو راشد لأن الهداية إنما تتم بعد معرفة الحق والعمل به، أيضًا (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"عضوا عليها بالنواجذ\" أي اجتهدوا على السنة والزموها واحرصوا عليها كَمَا يَلْزَمُ الْعَاضُّ عَلَى الشَّيءِ بِنَوَاجِذ خَوْفًا مِنْ ذهابه وتفلُّته. (^٤).\nوقال الخطابي (^٥): وقد يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيب الإنسان من وجع المصيبة عند مشاهدة العدول عن أمر الله تعالى واتباع سنة رسول الله - ﷺ - كما يفعله المتألم بما يصيبه من الوجع واعلم أن إتباع سنة رسول الله - ﷺ - جالبٌ لمحبة الله تعالى لقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٦)، وبالسمع والطاعة تحصل السلامة من الفتن والتحرز عن\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨١).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٢٥)\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨١).\n(^٤) مختصر السنن (٧/ ١٢).\n(^٥) مختصر السنن (٧/ ١٢).\n(^٦) سورة آل عمران، الآية: ٣١.","vol":"1","page":478},{"text":"الآفات وبتقوى الله تحصل النجاة في الدارين من المهلكات فاشتمل ما أوصاهم به على بيان أهم المهمات انتهى. قاله في الديباجة.\nوالنواجذ: بالنون والجيم والذال المعجمة هي الأنياب وقيل الأضراس، انتهى. قاله المنذري.\nوقال بعض العلماء هذا مثلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدين لأن العض بالنواجذ عض بجميع الفم والأسنان وهي أواخر الأسنان وقيل التي بعد الأنياب وهي أربعة أضراس في أقصى الناب وهو السن الذي بين الناب والضرس نبت بعد أن شيب الإنسان وتسمى أضراس العقل والحلم، قيل: هي الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك وفي الحديث \"أن النبي - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه\" (^١)، والمراد بها هاهنا الضواحك لأنه - ﷺ - كان معظم ضحكه تبسمًا (^٢) (^٣).\nتنبيه: جملة الأسنان اثنتان وثلاثون سنة فالثنايا أربع اثنتان من فوق واثنتان من أسفل فإذن الثنايا هي أوائل ما يبدو للناظر في مُقدم الفم ثم الرباعيات على جانب ثم الرباعيات على جانب الرباعيات اثنتان من جانب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨١١) و(٧٤١٤ و٧٤١٥) و(٧٥١٣)، ومسلم (٢٠ و٢١ - ٢٧٨٦) عن ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٦٤٢) عن عبد الله بن الحارث بن جزء. وقال الترمذى: هذا حديث صحيح غريب. وصححه الألباني في المشكاة (٥٧٩٦).\n(^٣) انظر النهاية (٥/ ٢٠)، والميسر (١/ ٨٩)، والمفاتيح (١/ ٢٧٣)، والمعين في شرح الأربعين (ص ٣٣٥)، ونخب الأفكار (٢/ ١٥١) و(٥/ ٣٠٨) والفتح المبين (١/ ٤٧٥).","vol":"1","page":479},{"text":"واثنتان من جانب واحدة من فوق واحدة من تحت فم الأضراس وهي عشرون ضرسًا من كل جانب عشر ومنها الضواحك وهي أربعة من الجانبين ثم الطواحن وهم اثنا عشر طاحنًا من الجانبين ثم النواجذ وهي الأواخر من كل جانب اثنتان، واحدة من أعلى الفم وأخرى من أسفله ويقال له ضرس الحلم وضرس العقل وقيل النواجذ الأضراس كلها والله أعلم، قاله في شرح المصابيح (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وإياكم ومحدثات الأمور\" أي اتقوها واحذروا الأخذ بها \"فإنها بدعة\" والمراد ما أحدث من الأمور غير راجع إلى أصل أو دليل شرعي وإلا فسنة الخلفاء الراشدين من محدثات الأمور وقد أُمِرنَا باتباعها وسواها بسنته في وجوب الاقتداء بها وما ذاك إلا لرجوعها إلى أصل شرعي واعتمادها على دليل مرعي فإذن قوله: \"إياكم ومحدثات الأمور\" عالم مراد به الخاص وبذلك قوله: \"بسنة الخلفاء الراشدين\" عام مراد به الخاص إذ لو فرض خليفة راشد في عامة أموره سن سنة لا يعضدها دليل شرعي لما جاز اتباعها فيجب تحذير الأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة (^٢).\nقوله: \"فإن كل بدعة ضلالة\" أي كل بدعة لا يساعدها دليل الشرع ضلالة، لأن من فيها جاء به الشرع فيما لا يرجع إليه بوجه يكون ضلالة إذ ليس بعد\n_________\n(^١) انظر المخصص (١/ ١٢٧)، والعزيز شرح الوجيز (١٠/ ٣٧٥)، وروضة الطالبين (٩/ ٢٨١)، ومرقاة المفاتيح (١/ ٢٥٣).\n(^٢) التعيين (ص ٢١٦ - ٢١٧).","vol":"1","page":480},{"text":"الحق إلا الضلال، وفي بعض روايات هذا الحديث: \"فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\" (^١) انتهى.\nفقوله - ﷺ -: \"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\" فالمراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة وملخص ذلك أن البدعة بدعتان، بدعة هدى وبدعة ضلالة، فما كان على خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله فهو في حيز المدح ومن هذا قول عمر - ﵁ - عن التراويح: (نعمت البدعة هذه)، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة لأن النبي - ﷺ - لم يسنها وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ولا كانت زمن أبي بكر وإنما جمع الناس عليها عمر وندبهم إليها فيها فبهذا إنما هي بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\"، وقوله: \"اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي\" وعلى هذا يحمل قوله - ﷺ -: \"كل محدثة بدعة\" إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة وأكثر ما تستعمل البدع عرفًا في الذم (^٢) والله أعلم، قاله في الديباجة. انتهى.\n\n٦٢ - وَعَن أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأنِّي رَسُول الله قَالُوا بلَى قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد\n_________\n(^١) التعيين (ص ٢١٨).\n(^٢) انظر تفسير غريب ما في الصحيحين (١/ ٣٠٢)، والنهاية (١/ ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"1","page":481},{"text":"الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بهِ فَإِنَّكُم لن تضلوا وَلنْ تهلكوا بعده أبدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيدَ (^١).\nقوله: عن أبي شريح الخزاعي، أبو شريح بضم السين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة اسمه خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي الكعبي وقيل اسمه: عبد الرحمن بن عمرو وقيل: هانئ بن عمرو وقيل: كعب بن عمر وقيل: عمرو بن خويلد والمشهور خويلد بن عمرو وله صحبة، أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بني كعب الثلاثة يوم الفتح وكان من عقلاء الرجال، رُوي له عن رسول الله - ﷺ - عشرون حديثا ذكر البخاري منها ثمان\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ١٢٥ (٣٠٠٠٦) وعنه عبد بن حميد (٤٨٣) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٣٠٢)، والمروزى في مختصر قيام الليل (ص ١٧٨)، والبغوى في معجم الصحابة (٢٠١٨)، وابن حبان في صحيحه (١٢٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨٨ رقم ٤٩١)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ رقم ١٧٩٢) و(٣/ ٣٩١ - ٣٩٢ رقم ١٨٥٨)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٩٥ - ١٩٦).\nقال ابن أبي حاتم في العلل (١٦٥٣): وسمعت أبي، وسئل عن حديث أبي خالد الأحمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح، عن النبي - ﷺ -: إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وسبب طرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا. ورواه الليث، عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير. ورواه أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن مسلم بن أبي حرة، عن نافع بن جبير، قال النبي - ﷺ - ... مرسلا. قال أبي: هذا أشبه، قد أفسد الحديثين.\nوقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٦٩: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٧١٣) وصحيح الترغيب (٣٨).","vol":"1","page":482},{"text":"وستين، مات بالمدينة سنة ثمان وستين والله أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به\" الحديث وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إني تارك فيكم ثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض طرفه في يد الله ﷿ وطرفه الآخر في أيديكم فاستمسكوا به ألا وعترتي\" (^٢) وعن أبي هريرة قال النبي - ﷺ -: \"إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما، كتاب الله وسنتي\" (^٣) خرجهما الوائلي في الإبانة من طرق، قاله القرطبي في كتاب التذكار (^٤) فأوجب علينا التمسك بكتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه وسنة نبيه - ﷺ - والرجوع إليهما عند الاختلاف.\n\n٦٣ - وَرُوِيَ عَن جُبَير بن مطعم قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي - ﷺ - بِالْجُحْفَةِ فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ وَأَنِّي رَسُول الله وَأَن الْقُرْآن جَاءَ\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٣ الترجمة ٨٠٤)، والإصابة (٤/ ١٠١، ١٠٢)، والاستيعاب (٤/ ١٠١ - ١٠٣)، وأسد الغابة (٥/ ٢٢٥، ٢٢٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٤ (١١١٥٤) و٣/ ١٧ (١١١٣١) و٣/ ٢٦ (١١٢١١) و٣/ ٥٩ (١١٥٦١)، والترمذى (٣٧٨٨). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٦١).\n(^٣) أخرجه البزار (٨٩٩٣)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٥٠)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٦٣٢)، والدارقطنى (٤٦٠٦)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٩٥ رقم ٢٠٣٣٧). وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٦١)، والمشكاة (١٨٦).\n(^٤) التذكار (ص ٧٤ - ٧٥).","vol":"1","page":483},{"text":"من عِنْد الله قُلْنَا بلَى قَالَ فأبشروا فَإِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بِهِ فَإِنَّكُم لن تهلكوا وَلنْ تضلوا بعده أبدا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير (^١).\nقوله: عن جبير بن مطعم، كنيته: أبو محمد ويقال: أبو عدي هو جبير بن مطعم بكسر العين بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني، أسلم عام خيبر، وقيل: أسلم يوم فتح مكة روي له رسول - ﷺ - ستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، روى عنه سليمان بن صرد الصحابي وابناه محمد ونافع بن جبير وسعيد بن المسيب وآخرون، قال الزبير بن بكار: كان من حكماء قريش وسادتهم توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وقال ابن سنة تسع وخمسين، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٥٤)، والبزار (٣٤٢١)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٠٩ رقم ١٠٤٤) والكبير (٢/ ١٢٦ رقم ١٥٣٩) وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٢٩)، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جبير بن مطعم إلا من هذا الوجه، وقد روي عن غير جبير نحو من هذا الكلام، ولا نعلم رواه عن الزهري إلا أبو عبادة الأنصاري.\nقال البيهقي: ورواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. قال البخاري: وهذا أصح. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٦٩: رواه البزار والطبراني في الكبير والصغير، وفيه أبو عبادة الزرقي، وهو متروك الحديث. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٦ - ١٤٧ الترجمة ١٠٣).","vol":"1","page":484},{"text":"قوله - ﵁ -: بايع النبي - ﷺ - بالجحفة، فقال: \"أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله\"، الجحفة: بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية على ستة أميال من البحر وثمان مراحل من المدينة وقيل سبع مراحل ونحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة وسميت بذلك لأن السيل اجتحفها في وقت وحمل أهلها وهي مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح المثناة تحت كما ذكر مسلم في رواية وحكى القاضي كسر الهاء والصحيح الأول وهي الآن خربة لا يصل إليها أحد لوخمها وإنما يحرم الناس من رابغ وهي على محاذيها وهي ميقات أهل مصر والشام وذكر بعضهم أن مهيعة قريب من الجحفة والمعتمد ما قدمنا أنها هي الجحفة نفسها وأما في ذلك الوقت فكانت مسكن اليهود (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا أو لن يضلوا بعده أبدًا\"، تضلوا: هو بكسر الضاد، قاله الجوهري الضلالة: هي من ضد الرشاد (^٢).\n\n٦٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أكل طيبا وَعمل فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الْجنَّة قَالُوا يَا رَسُول الله إِن هَذَا فِي أمتك الْيَوْم كثير قَالَ وسيكون فِي قوم بعدِي رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت\n_________\n(^١) انظر إكمال المعلم (٤/ ١٦٩ - ١٧٠)، ومطالع الأنوار (٢/ ١٩٤) و(٤/ ٨٢)، وشرح النووي على مسلم (٨/ ٨١).\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٧٤٨).","vol":"1","page":485},{"text":"وَغَيره وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري. أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بالباء الموحدة والجيم، الأنصاري الخزرجي الخدري واسم امه أنيسة بنت أبي حارث، استُصِغَرَ أبوسعيد يوم أحد فرد وغزا بعد ذلك مع رسول الله - ﷺ - اثنتي عشرة غزوة وكان أبوه صحابيًا استشهد يوم أحد، روي له عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث ومائة حديث وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ست وأربعين وانفرد البخاري بست عشر ومسلم باثنين وخمسين حديثًا، توفي - ﵁ - بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٥٤٨)، والفسوي في مشيخته (١١٧)، والترمذي في العلل (٦١٩) والسنن (٢٥٢٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٦)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٥ - ٢٦ رقم ٣٥٢٠)، والحاكم (٤/ ١٠٤)، والبيهقي في الشعب (٧/ ١٠٥ رقم ٥٣٦٨)، والهروى في ذم الكلام (١٤٨٨)، وابن الجوزى في العلل (١٢٥٢) من طريق الإمام أحمد.\nقال أحمد: ما سمعت بأنكر من هذا الحديث لا أعرف هلال بن مقلاص ولا أبا بشر وأنكر الحديث إنكارا شديدا. قال الترمذى: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعرف أبا بشر هذا، ولا أدري ما هذا الحديث وعرف هذا الحديث من هذا الوجه وضعفه. وقال في السنن: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث إسرائيل. وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي وائل، عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسرائيل. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٨٥٥)، المشكاة (١٧٨)، وضعيف الترغيب (٢٩) و(١٠٦٨).","vol":"1","page":486},{"text":"والله أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من أكل طيبًا وعمل في سُنَّةٍ وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّة\" الحديث المرادَ بالطيب الحلال والسنة سيرة النبي - ﷺ - وطريقته في الدين وتطلق السنة أيضًا على الأحاديث المروية عن النبي - ﷺ - وعلى المندوب والتطوع والنفل والمرغب فيه والمستحب وكلما كان فعله راجحًا على تركه ولا إثم في تركه وقال سن رسول الله - ﷺ - كذا أي جعله شرعًا عامًا (^٢) انتهى قاله في الديباجة.\nقوله: \"وأمن الناس بوائقه\" والبوائق: قال الهروي الدواهي وهي الشر وغائلته (^٣).\n\n٦٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تمسك بِسنتي عِنْد فَسَاد أمتِي فَلهُ أجر مائَة شَهِيد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحسن بن قُتَيْبَة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فَلهُ أجر شَهِيد (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٣٧ الترجمة ٧٩٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٥٦).\n(^٣) غريب الحديث (١/ ٣٤٨).\n(^٤) أخرجه ابن عدى في الكامل (٣/ ١٧٤)، وابن بشران (٥٠١) و(٧٠٠)، والبيهقي في الزهد (٢٠٧). قال ابن عدى: وللحسن بن قتيبة هذا أحاديث غرائب حسان، وأرجو أنه لا بأس به. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٣٢٦) وضعيف الترغيب (٣٠).\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣١٥ رقم ٥٤١٤) وعنه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٠٠)، والبغوى في الأنوار (١٢٣٧) وعند أجر مائة شهيد. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن =","vol":"1","page":487},{"text":"٦٦ - وَعنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله - ﷺ - خطب النَّاس فِي حجَّة الْوَدَاع فَقَالَ إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد بأرضكم وَلَكِن رَضِي أَن يطاع فِيمَا سوى ذَلِك مِمَّا تحاقرون من أَعمالكُم فاحذروا إِنِّي قد تركت فِيكُم مَا إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تضلوا أبدا كتاب الله وَسنة نبيه الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nاحْتج البُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ وَاحْتج مُسلم بِأبي أويس وَله أصل فِي الصَّحِيح.\nقوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"من تمسك بسنتي بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد\" تقدم الكلام على السنة في الحديث قبله وسيأتي الكلام على الشهيد في بابه مبسوطًا والله أعلم وتقدم الكلام في ابن عباس ومناقبه.\nوقوله: في حديث ابن عباس الذي بعده \"إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه\" الحديث، العصمة: المنعة، العاصم المانع الحامي.\nوالاعتصام: الإمتساك بالشيء، افتعال منه، ومنه شعر أبي طالب:\nوأبْيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمالَ اليَتامى عِصْمَةٌ للأرامِلِ\n_________\n= عطاء إلا عبد العزيز بن أبي رواد، وتفرد به: ابنه عبد المجيد. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد العزيز عن عطاء. وضعفه الألباني في المشكاة (١٧٦) والضعيفة (٣٢٧) وضعيف الترغيب (٣١).\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٢٨) والدلائل (٥/ ٤٤٩) والكبرى (١٠/ ١٩٤ - ١٩٥ رقم ٢٠٣٣٦)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٤٢٥ رقم ٨٠٨). وصححه الحكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠).","vol":"1","page":488},{"text":"أي: يمنعهم من الضياع والحاجة، ومنه الحديث: \"فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم\" وحديث الإفك فعصمها الله بالورع (^١).\nفالاعتصام تمثيل لوثوق المعتصِم بحماية المعتصَم به.\nوفي حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ -: \"إن هذا القرآن هو حبل الله ... \" الحديث، قيل: المراد بحبل الله عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهتدى به، فالحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم ويصلون بها المفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور (^٢)، وتقدم الكلام عليه.\n\n٦٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ الاقتصاد فِي السّنة أحسن من الاجْتِهَاد فِي الْبِدْعَة رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).\nقوله: الاقتصاد في السنة أحسن من الاجتهاد في البدعة، الاقتصاد الاعتدال والتوسط في المعيشة وغيرها، وفي الحديث: \"ما عال من اقتصد\" أي: ما افتقر\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) انظر إكمال المعلم (٥/ ٥٦٨ و٧/ ٤٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ١٢ و١٥/ ١٨١).\n(^٣) أخرجه أحمد في الزهد (٨٧٦)، والمروزى في السنة (ص ٣٠)، وابن بطة في الاعتصام (١٦١) و(١٧٨) و(٢٠١) و(٢٤٦)، والحاكم (١/ ١٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢٨ رقم ٤٧٤٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤١).","vol":"1","page":489},{"text":"من اعتدل في معيشته، قاله الأصبهاني شارح الأربعين حديثا الودعانية (^١)؛ وقوله: أحسن من الاجتهاد في البدعة سيأتي الكلام على البدع وتنوعها قريبًا إن شاء الله.\nقوله: رواه الحاكم موقوفًا تقدم الكلام على الحاكم وعلى الحديث الموقوف.\n\n٦٨ - وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ [عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ] (^٢)، قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ مرعوب فَقَالَ وأطيعوني مَا كنت بَين أظْهركُم وَعَلَيْكُم بِكِتَاب الله أحلُّوا حَلَاله وحرموا حرَامه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^٣).\nقوله: عن أبي أيوب الأنصاري، اسمه: خالد بن زيد بن كليب الخزرجي الأنصاري الصحابي الجليل المدني ثم الشامي، وأمه: هند بنت سعد بن\n_________\n(^١) شرح الأربعين الودعانية (ص ٣٢٢/ ح ١٢).\n(^٢) سقط من الأصل.\n(^٣) أخرجه أحمد في العلل (١/ ٢٥٦)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٨ رقم ٦٥)، وتمام في الفوائد (٧٤٨ و٧٤٩). وقال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٤/ ٢٤٤): قال غريب وحديث أربعة من الصحابة وبعضهم عن بعض نعيم والمقدام وأبو أيوب وعوف، تفرد به سليمان بن عبد الرحمن عن معاوية بن صالح الأودي عن محمد بن جبير عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن نعيم.\nوقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٠: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٧٢) وصحيح الترغيب (٤٢).","vol":"1","page":490},{"text":"امرئ القيس، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - ونزل - ﷺ - في داره حين قدم المدينة مهاجرًا فأقام عنده شهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده فانتقل إليها، وكان أبو أيوب قد سأل رسول الله - ﷺ - أن يكون هو في العلو وأبو أيوب في أسفل الدار فأجابه رسول الله - ﷺ - إلى ذلك، وقدم على ابن عباس البصرة، قال: إني أخرج من مسكني كما خرجت لرسول الله - ﷺ - عن مسكنك فأعطاه ما أغلق عليه الدار وعشرين ألفًا وأربعين عبدًا، وهو ممن غلبت عليه كنيته، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة وخمسون حديثًا، أخرج البخاري منها ثمانية، وكان مع علي في حروبه، مات بالقسطنطينية سنة إحدى وخمسين، وذلك مع يزيد بن معاوية، خرج معه فمرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم ففعلوا، فقبره قريب من سورها معروف إلى اليوم معظم يستسقون به فيسقون، وعلى قبره قبة عظيمة ويزار ويتبرك به إلى يومنا هذا، وهذا من أعجب (^١) الأشياء وأغربها، وهو أن مسلما يقاتل الإفرنج فيقتل منهم ما شاء الله أن يقتل من أكابرهم ثم إنه لما قتل عندهم ودفن يفعلون بقبره ما ذكرناه، وهذا من بعض كرامات أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقيل: لما بنى رسول الله - ﷺ - بصفية بنت حيي، وذلك بعد فتح خيبر في بعض الطريق فبات بها رسول الله - ﷺ - في قبة وبات أبو أيوب متوشحًا بسيفه يحرس رسول الله - ﷺ - ويطوف بالقبة حتى أصبح رسول الله - ﷺ -، فلما رأى مكانه قال: \"ما لك\n_________\n(^١) مجمع الأحباب (لوحة ٢٠١ و٢٠٢).","vol":"1","page":491},{"text":"يا أبا أيوب؟ \" قال: يا رسول الله لقد خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قَتَلْتَ أباها وزوجها وقومَها، وكانت حديثه عهد بكفر فخفت عليك منها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني\" (^١)، قاله في مختصر الأحباب، وآخي رسول الله بينه وبين مصعب بن عمير (^٢) ومناقبه كثيرة مشهورة.\nقوله - ﷺ -: \"وعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه\"، أي الزموا العمل بالقرآن (أحلوا حلاله وحرموا حرامه) يعني ما أحله افعلوه وما حرمه لا تقربوه ومحصوله ما دمت بينكم حيا فعليكم اتباع ما أقول وأفعل فإن الكتاب علي نزل وأنا أعلم الخلق به وأما بعدي فالزموا القرآن فما أذن في فعله افعلوه وما نهى عنه فانتهوا.\n\n٦٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِع مُشَفع من اتبعهُ قَادَهُ إِلَى الْجنَّة وَمن تَركه أَو أعرض عَنهُ أَو كلمة نَحْوهَا زج فِي قَفاهُ إِلَى النَّار رَوَاهُ الْبَزَّار هَكَذَا مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود وَرَوَاهُ مَرْفُوعا من حَدِيت جَابر وَإسْنَاد الْمَرْفُوع جيد (^٣).\n_________\n(^١) انظر حلية الأولياء (١/ ٣٦١ - ٣٦٣)، والاستيعاب (٢/ ٤٢٦)، وسيرة ابن هشام (٢/ ٤٢٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٧ الترجمة ٧٢٢).\n(^٢) انظر أسد الغابة (١/ ٥٧٢).\n(^٣) أما حديث ابن مسعود: أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣١ (٣٠٠٥٤)، وأحمد في الزهد (٨٤٧)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٩٣) و(٩٦) و(١٠٧)، والبزار (١٢١/كشف الأستار)، وعبد الرحمن بن أحمد الرازي في فضائل القرآن (١٢٤)، والفريابي في فضائل =","vol":"1","page":492},{"text":"قوله: عن عبد الله بن مسعود، وروي له عن رسول الله - ﷺ - ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا (^١)، وتقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ: \"إن هذا القرآن شافع مشفع\" فذكر إلى أن قال: \"ومن تركه أو أعرض عنه\" يعني: القرآن \"زخ في قفاه إلى النار\" الحديث، زخه بالزاي والخاء المعجمة: دفعه في وهدة، وفي حديث أبي موسى: \"من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة ومن يتتبع القرآن يزخ في قفاه ويقذف به في نار جهنم\" (^٢)، والزج بالزاي والجيم الحديدة التي في أسفل الرمح، يقال:\n_________\n= القرآن (٢٣)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٢ رقم ٨٦٥٥)\nوأخرجه الطبراني (١٠/ ١٩٨ رقم ١٠٤٥٠) وابن عدى في الكامل (٤/ ٣٠)، وابن أبي شريح في المائة الشريحية (٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٨) عن ابن مسعود مرفوعًا.\nوقال الدارقطنى في العلل (٧٤٨): والصحيح، عن ابن مسعود، موقوف. قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧١: رواه البزار هكذا موقوفا على ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٢).\nوأما حديث جابر: أخرجه البزار (١٢٢/ كشف الأستار)، وابن حبان (١٧٩٣)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠ رقم ١٨٥٥) عن جابر. قال البزار: لا نعلم أحدا يرويه عن جابر إلا من هذا الوجه. قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧١: ورجال حديث جابر المرفوع ثقات، ورجال أثر ابن مسعود فيه المعلى الكندي، وقد وثقه ابن حبان. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠١٩) وصحيح الترغيب (١٤٢٣).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٨).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الفضائل (ص ٢٥ رقم ٥٤، ٥٥)، وفي غريب الحديث (٤/ ١٧٢ - ١٧٣)، وسعيد بن منصور في التفسير (٨)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٢٦ (٣٠٠١٤) و٧/ ١٤٢ (٣٤٨٢١)، والدارمى (٣٣٧١)، والفريابي في الفضائل (ص ١٢٨ - ١٢٩ رقم =","vol":"1","page":493},{"text":"أزججت الرجل أزجه زجا إذا طعنته بالزج وهي الحديدة التي في أسفل الرمح، والزج أيضًا: طرف المرفق، والزج بضم الزاي، قاله الجوهري في صحاحه (^١).\nقوله: رواه البزار هكذا موقوفًا على ابن مسعود، تقدم الكلام على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.\n\n٧٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ خطب رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ إِن اللّه قد أعْطى كل ذِي حق حَقه إِلَا أَن اللّه قد فرض فَرَائض وَسن سننا وحد حدودا وَأحل حَلالا وَحرم حَرَامًا وَشرع الدّين فَجعله سهلا سَمحا وَاسِعًا وَلم يَجعله ضيقا أَلا إِنَّه لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلا دين لمن لَا عهد لَهُ وَمن نكث ذمَّة الله طلبه وَمن نكث ذِمَّتِي خاصمته وَمن خاصمته فلجت عَلَيْهِ وَمن نكث ذمَّتِي لم ينل شَفَاعَتِي وَلم يرد على الْحَوْض الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير. (^٢)\n_________\n= (٢٢)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٦٧)، الآجري في أخلاق أهل القرآن (ص ٤٠ رقم (٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٧) والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٩٦ رقم ١٨٦٦).\n(^١) الصحاح (١/ ٣١٨ - ٣١٩) و(١/ ٤٢٢).\n(^٢) أخرجه مسدد كما في إتحاف الخيرة ١/ ١٣٨ رقم ١٢٧/ ٢) والمطالب (٢٩١٣/ ١)، وأبو يعلى (٢٤٥٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١٣ رقم ١١٥٣٢).\nقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك الحديث. قال البوصيرى: هذا إسناد مداره على حسين بن قيس الرحبي المعروف بحنش، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري والساجي والعقيلي والدارقطني وابن عدي وابن عبد البر وغيرهم. رواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٣٣).","vol":"1","page":494},{"text":"قَوْله: فلجت عَلَيْهِ بِالْجِيم أَي ظَهرت عَلَيْهِ بِالْحجَّةِ والبرهان وظفرت بِهِ.\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"وشرع الدين فجعله سهلا سمحا واسعا ولم ضيقًا\" الحديث، قد تكرر في الحديث ذكر الشرع والشريعة وهو: ما شرع اللّه تعالى لعباده من الدين أي سنه لهم وافترضه عليهم، يقال: شرع لهم يشرع شرعا فهو شارع، وقد شرع الدين شرعا إذا أظهره وبينه والشارع الطريق الأعظم والشريعة مورد الإبل على الماء الجاري (^١). انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"ومن نكث ذمة الله طلبه، ومن نكث ذمتي خاصمته، ومن خاصمته، فلجت عليه\" الحديث، والمراد بقوله: \"ومن \"نكث ذمة اللّه\" النكث: نقض العهد، يقال: نكث الحبل والعهد فانتكث أي نقضه فانتقض (^٢)، والله أعلم، والمراد بذمة الله تعالى أي ضمان الله وعهده وأهل الذمة أهل العهد وهو ما أعطوا من الأمان على دمائهم وقيل للمعاهد ذمي من ذلك (^٣).\nوقوله: \"ومن خماصمته\" المخاصمة المحاججة والمجادلة. وقوله: \"فلجت عليه\" بالجيم أي ظهرت عليه بالحجة والبرهان، وظفرت به، والبرهان هو الحجة القاطعة (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٦٠).\n(^٢) النهاية (٥/ ١١٤).\n(^٣) تفسير غريب ما في الصحيحين (ص ١٠١)، ومطالع الأنوار (٣/ ٧٨).\n(^٤) التعيين (ص ٨)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٦٤٦).","vol":"1","page":495},{"text":"٧١ - وَعَن عَابس بن ربيعَة قَالَ رَأَيْت عمر بن الْخطاب - ﵁ - يقبل الْحجر يَعْني الأسود وَيَقُول إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر لَا تَنْفَع وَلَا تضر وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - يقبلك مَا قبلتك. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتّرمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: وعن عابس بن ربيعة، وعابس بفتح العين المهملة وبعد الألف باء موحدة مكسورة وسين مهملة، ابن ربيعة النخعي، روى عن عمر وعلي وحذيفة وعائشة، قال أبو داود: جاهلي، سمع من عمر - ﵁ - (^٢).\nقوله: رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر الأسود، تقدم الكلام على مناقب عمر - ﵁ -، وهذا الحديث أصل عظيم في الإتباع واقتفاء الآثار النبوية وترك ما كانت الجاهلية عليه من تعظيم الأصنام والأحجار. والإعلام بأن النفع والضر بيد الله ﷿ وأن الأحجار لا تنفع من حيث هي بل لما أودع فيها (^٣)، ففي هذا الحديث متابعة السنن وإن لم نعقل معناها (^٤)؛ قال الطبري (^٥): إنما قال ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، والله أعلم، لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر - ﵁ - أن يظن الجهال أن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله، فأراد عمر - ﵁ - أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٩٧) و(١٦٠٥) و(١٦١٠)، ومسلم (٢٤٨ و٢٤٩ و٢٥٠ و٢٥١ - ١٢٧٠) و(٢٥٢ - ١٢٧١)، وأبو داود (١٨٧٣)، والترمذى (٨٦٠)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢٢٧ (٢٩٥٨) و٥/ ٢٢٨ (٢٩٥٩).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣ الترجمة ٣٠٠١).\n(^٣) العدة (٢/ ١٠٠٠)، والإعلام (٦/ ١٩٠ - ١٩١).\n(^٤) معالم السنن (٢/ ١٩١)، كشف المشكل (١/ ٩٦)، والإعلام (٦/ ١٩٠).\n(^٥) انظر شرح الصحيح (٤/ ٢٧٨) لابن بطال.","vol":"1","page":496},{"text":"يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف على أمر نبيه ﵊، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله تعالى بتعظيمها وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر - ﵁ - على مجانبة هذا الاعتقاد وأنه لا ينبغي أن يُعبد إلا من يملك الضر والنفع وهو الله تعالى، قاله الحافظ المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود (^١).\nوقال شيخ الإسلام النووي قدس الله سره (^٢): هذا الحديث فيه فوائد منها: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه أى من غير صوت يظهر من التقبيل، وكذا يستحب السجود على الحجر أيضًا بأن يضع جبهته عليه فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وطاووس والشافعي وأحمد قال، وبه أقول، وانفرد الإمام مالك عن العلماء فقال: السجود عليه بدعة، واعترض عليه القاضي عياض المالكي لشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء، وأما الركن اليماني فيستلمه ولا يقبله بل يقبل اليد بعد استلامه، هذا مذهبنا، وبه قال جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵃، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه، وقال مالك والإمام أحمد: يستلمه ولا يقبل اليد بعده، وعن مالك رواية أنه يقبله، وعن الإمام\n_________\n(^١) انظر معالم السنن (٢/ ١٩١)، ومختصر السنن (٢/ ٣٧٣)، والعدة شرح العمدة (٢/ ١٠٠٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٦).","vol":"1","page":497},{"text":"أحمد رواية أنه يقبله، والله أعلم. وأما قول عمر - ﵁ -: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع فأراد به بيان الحديث على الإقتداء برسول الله - ﷺ - في تقبيله، ونبه على أنه لولا الإقتداء لما فعلته (^١).\nتتمة: قال أبو سعيد الخدري: حججنا مع عمر بن الخطاب في أولى حجة حجها في إمارته، فلما دخل المسجد الحرام دنا من الحجر فقبله واستلمه وقال: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، الحديث، فقال له علي - ﵁ -: بلى يا أمير المؤمنين إنه ليضر وينفع، ولو علمت ذلك في كتاب الله لعلمت الذي أقول لك إن صح كما أقول، قال اللّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^٢) الآية، فلما أقروا أنه الرب ﷿ وأنهم العبيد وكتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه من الحجج وأنه يبعث وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافاه بالموافاة فهو أمين الله ﷿ في هذا المكان، ألا ترى أنه يقول إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك هو هذا العهد (^٣)، قاله في مختصر مجمع الأحباب (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.\n(^٣) أخرجه ابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٣٣٥)، والحاكم (١/ ٤٥٧)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٤٨٠ - ٤٨١ رقم ٣٧٤٩). قال الحاكم: ليس من شرط الشيخين فإنهما لم يحتجا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي، وتعقبه الذهبى فقال: قلت: أبو هارون ساقط. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٥٣٥): وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدًّا.\n(^٤) مجمع الأحباب (الوحة ٧٢ - ٧٣).","vol":"1","page":498},{"text":"فائدة: اعلم أن التقبيل لا يشرع إلا للحجر الأسود والمصحف ولأيدي الصالحين والعلماء، ومما يسن له التقبيل بين عيني الموتى وشفاههم وكذا شفة من نطق بحكمة أو علم ينتفع به وكل ذلك ثابت في الأحاديث الصحيحة وفعل السلف؛ فأما تقبيل الأحجار والقبور والجدران والستور وأيدي الظلمة والفسقة واستلامها فلا يجوز حتى حجارة الكعبة والقبر النبوي أو الحجرة أو ستورها أو صخرة بيت المقدس فإن ذلك تعظيم وهو خاص بالله تعالى، فلا يجوز إلا فيما أذن فيه، قاله ابن العطار في شرح العمدة (^١)، واللّه أعلم.\nفائدة لها مناسبة بحديث تقبيل الحجر الأسود: مِنَ الْبِدَع تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَهُوَ بِدْعَةٌ لَا تَجُوزُ، وَقَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ دَوْسُهُ وَلَا يَجُوزُ بَوْسُهُ، لَكِنَّ دَوْسَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَرُبَّمَا كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَمَّا بَوْسُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَارْتكَابُ الْبِدَعِ لَا يَجُوزُ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ عمر - ﵁ -: فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، هَذَا وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي هُوَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ وَهُوَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ؟ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِكْرَامُهُ وَرَفْعُهُ مِنْ تَحْتِ الْأَقْدَامِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي إِكْرَامِ الْخُبْزِ أَحَادِيثُ لَا أَعْلَمُ فِيهَا شَيْئًا صَحِيحًا وَلَا حَسَنًا. انتهى، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٢).\n_________\n(^١) العدة شرح العمدة (٢/ ١٠٠١).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٥١٥ - ٥١٦)، وذكره السيوطي في الحاوي (١/ ٢٢١).","vol":"1","page":499},{"text":"٧٢ - وَعَن عُرْوَة بن عبد الله بن قُشَيْر قَالَ حَدثني مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه قَالَ أتيت رَسُول اللّه - ﷺ - فِي رَهْط من مزينة فَبَايَعْنَاهُ وَإنَّهُ لمُطلق الأزرار فأدخلت يَدي فِي جنب قَمِيصه فمسست الْخَاتم قَالَ عُرْوَة فَمَا رَأَيْت مُعَاوِيَة وَلا ابْنه قطّ فِي شتاء وَلا صيف إِلَا مطلقي الأزرار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ ابْن مَاجَه إِلَا مُطلقَة أزرارهما (^١).\nقوله: عن عروة بن عبد الله بن قشير، وهو الجعفي، عن ابن سيرين وطائفة، وعنه سفيان وزهير بن معاوية، وثق (^٢).\nقوله: قال حدثني معاوية بن قرة عن أبيه، ووالد معاوية هو قرة بن إياس المزني، له صحبة وهو جد إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة (^٣).\nوذكر الدارقطني: أن هذا الحديث تفرد به عروة بن قشير بن معاوية بن قرة بن إياس المزني أبو إياس البصري، روى عن أنس بن مالك وعائذ بن عمرو وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مغفل المزني وغيرهم، روى عنه: ابن إياس بن معاوية وشعبة وشهر بن حوشب وعروة بن عبد الله بن قشير وغيرهم، وثقه الجماعة، وذكره ابن حبان فيهم، كان معاوية بن قرة يقول:\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٥٦ و١/ ٤٢٦ و١/ ٤٦٠)، وأحمد ٣/ ٤٣٤ (١٥٥٨١) و٤/ ١٩ (١٦٢٤٣) و٥/ ٣٥ (٢٠٣٦٨)، وأبو داود (٤٠٨٢)، والترمذى في الشمائل (٥٩)، وابن ماجه (٣٥٧٨)، وابن حبان (٥٤٥٢) والبغوي في الجعديات (٢٦٨٢). وصححه الألباني في \"المشكاة\" (٤٣٣٦)، \"صحيح الترغيب\" (٤٥).\n(^٢) الكاشف (٢/ ١٩).\n(^٣) المؤتلف والمختلف (٢/ ١٠٥١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٠ الترجمة ٥٠٩).","vol":"1","page":500},{"text":"لقيت من أصحاب النبي - ﷺ - كثيرًا منهم خمسة وعشرين رجلا من مزينة، وكان يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ -، قيل: إنه ولد يوم الجمل ومات سنة عشرة ومائة وهو ابن ست وسبعين سنة، روى له الجماعة (^١).\nوأما ولده إياس بن معاوية بن قرة بن إياس فروى عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير وابن المسيب وابنه وغيرهم، كان يقول: أذكر الليلة التي ولدت فيها قذفت أمي على رأسي جفنة، وقال عبد الله بن شوذب: كان يقال يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، وكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم، وكان إياس على قضاء البصرة، وكان فقيهًا عفيفا، دخل عليه ثلاث نسوة فقال: أما واحدة فمرضع والأخرى بكر والأخرى ثيب، فقيل له: بما علمت ذلك؟ قال: أما المرضع فلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر فلما دخلت فلم تلتفت إلى أحد، وأما الثيب. فلما دخلت نظرت ورمت بعينها (^٢)، انتهى، قاله في الديباجة.\nقوله: أتيت رسول اللّه - ﷺ - في رهط من مزينة، الحديث؛ الرهط: ما دون العشرة من الرجال خاصة، لا يكون لهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، والجمع: أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط (^٣)، وتقدم الكلام على النفر والرهط في حديث الصخرة في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، واللّه أعلم؛\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٨/ الترجمة ٦٠٦٥).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣/ الترجمة ٥٩٤).\n(^٣) الصحاح (٣/ ١١٢٨).","vol":"1","page":501},{"text":"ومزينة: اسم قبيلة معروفة.\nقوله: فبايعناه، والمبايعة: المعاهدة، مأخوذة من البيع، وسيأتي الكلام على ذلك في مواضع متعددة من هذا التعليق، والله اعلم.\nقوله: وإنه لمطلق الإزار، أي: لمفتوح الإزار؛ والأزرار: جمع زر، وهي ما يعلق بالعروة، والعروة: حلق الجيب (^١).\nقوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه، قال الحافظ: جيب القميص هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه، يعني: كان جيب قميص رسول الله - ﷺ - واسعا ولم يكن مشدودًا، وكانت عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة فربما يشدونها وربما يتركونها (^٢)، وروى الحاكم وابن خزيمة وأبو داود والنسائي عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - أنه قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد أفنصلي في الثوب الواحد، قال: \"نعم [وازرره ولو بشوكة] \" (^٣) أي إذا كان جيب القميص واسعًا يظهر منه عورته، فعليه أن يزرره (^٤).\nوأشار النووي - قدس الله روحه - إلى أنه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك تنعقد الصلاة ثم تبطل عند الانحناء، هذا هو الأصح، وقيل: لا تنعقد أصلًا (^٥).\n_________\n(^١) المفاتيح (٥/ ١٥).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٦٣٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٣٨ (٧٧٧) والكبرى (٨٤٣)، وابن خزيمة (٧٧٧) و(٧٧٨)، وابن حبان (٢٢٩٤)، والحاكم (١/ ٢٥٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وحسنه الألباني في الإرواء (٢٦٨).\n(^٤) المفاتيح (٢/ ٩٣).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ١٩٥).","vol":"1","page":502},{"text":"قال النووي في كتب الفقه (^١): فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ فَلْيُزِرَّهُ، أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أي لعدم الشرط لتستدام الصحة.\nوقد اختلف العلماء في صلاة الرجل محلول الأزرار وليس عليه إزار، فمنعه الإمام أحمد بن حنبل والشافعي لعلة النظر لعورته إلا إذا استتر ذلك بلحيته أو نحوها، وأجازه مالك وأبو حنيفة والثوري وأصحاب الرأي (^٢).\nواعلم أنه لو اتزر وصلى على علو بحيث ترى عورته من تحته لا يضره بخلاف ما لو رئيت من طوقه ونحو ذلك، وهذا عكس الخف فإنه يجب أن يستر محل الفرض من أسفل لا من أعلى (^٣). انتهى. [قاله في شرح (الإلمام)].\nقوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه. الحديث، جيب القميص: هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه (^٤)، يعني كان جيب قميص رسول الله - ﵁ - واسعًا ولم يكن مشدودًا (^٥)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي: عن أنس بن مالك - ﵁ -: كان قميص رسول الله - ﷺ - قطنًا قصير الطول قصير الكمين (^٦)]، سئل الشيخ الإمام محمد بن عبد اللّه الزركشي الشافعي: عن\n_________\n(^١) انظر منهاج الطالبين (ص ٣١)، والنجم الوهاج (٢/ ١٩٤).\n(^٢) انظر رياض الأفهام (٢/ ٤٥٧) والمفهم (٥/ ٤١).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ١٩٤).\n(^٤) قاله المنذرى كما في باب (الترهيب من النياحة على الميت والنعي ولطم الخدّ وخمش الوجه وشق الجيب) كتاب الجنائز.\n(^٥) شرح المصابيح (٥/ ٢٠) لابن الملك.\n(^٦) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٤٥٨).","vol":"1","page":503},{"text":"كيفية قميص النبي - ﷺ - هل كان مفتوح الصدر أو على هيئة الدلق فأجاب - قدس الله سره -: ظاهر النقل يقتضي أنه كان مفتوحًا لحديث عروة بن عبد الله بن قشير المتقدم وفي آخره (وانه لمطلق الإزار)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان قميص رسول الله - ﷺ - قطنًا قصير الطول قصير الكمين (^١).\nمسألة أيضًا في السراويل: سئل الزركشي أيضًا عن السراويل: هل لبسه النبي - ﷺ -؟ فأجاب - رحمه الله تعالى - أيضاُ: وأما السراويل فروى الترمذي: أن النبي - ﷺ - اشتراه لكن لم يذكر أنه لبسه، فاعتمد على ذلك بعضهم وهو الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه (^٢) فقال: إنه اشتراه ولم يلبسة، وصار لبسه حسنًا لأجل (الستر)، وقال الزركشي: قلت: لكن البيهقي في شعب الإيمان روى عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله إنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار وفي السفر والحضر (^٣) [وأول من لبسه إبراهيم ﵊، وجوز في تركه النبي - ﷺ - ولم يلبسه\n_________\n(^١) مر تخريجه.\n(^٢) الفتاوى (٢/ ٥٥٠) للسبكي.\n(^٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٥١)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠ رقم ٦٥٩٤)، والبيهقي في الآداب (٥٠٩) والشعب (٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤ رقم ٥٨٣٠).\nقال ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٤٧): هذا حديث لا يصح، قال الدارقطني: الحمل فيه على يوسف بن زياد لأنه مشهور بالأباطيل، ولم يروه عن الإفريقي غيره، وقال ابن حبان: الافريقي يروي الموضوعات عن الأثبات، وضعفه يحيى.","vol":"1","page":504},{"text":"عثمان أبدًا إلا يوم قتل] وعن علي - ﵁ - قال: كنت قاعدًا عند النبي - ﷺ - في البقيع يوم (وجد) مطر فمرت امرأة على حمار ومعها (مكاري) فهوت يد الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض النبي - ﷺ - عنها بوجهه، قال: فقال: يا رسول اللّه إنها متسرولة، قال: \"اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي\" يقولها ثلاثًا، \"أيها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم وخصوا بها نسائكم إذا خرجن من بيوتهن\" (^١) انتهى، نقل من تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال للشيخ صلاح الدين العلائي، وفي تاريخ أصبهان عن مالك عن ابن عتاهية أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الأرض تستغفر للمصلي بالسراويل\" (^٢).\nفرع: ومما يكره في الصلاة السدل وهو إرسال ثوبه عليه من كتفيه وهو متزر وبطنه مكشوفة وأجازه ابن مالك وأصحابه، وقال أبو الفرج من\n_________\n(^١) أخرجه الفسوى في مشيخته (٤١)، والبزار (٨٩٨)، والعقيلى في الضعفاء (١/ ٥٤)، وابن عدى (١/ ١٣٤)، والبيهقي في الآداب (٥١١) وابن الجوزي في الموضوعات (١٤٣٨).\nقال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ -، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وابراهيم بن زكريا، هذا لم يتابع على هذا الحديث وهو منكر الحديث. وقال العقيلى: لا يعرف هذا الحديث إلا بهذا الشيخ فلا يتابع عليه. قال أبو حاتم في العلل (١٤٧٦): هذا حديث منكر، وإبراهيم مجهول.\nوقال ابن عدي: \"وهذا الحديث منكر لا يرويه عن همام غير إبراهيم بن زكريا، ولا أعرفه إلا من هذا الوجه\". وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به إبراهيم بن زكريا.\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في طبقات أصبهان (٤/ ١٥١)، وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٨٧). وقال الألباني: منكر الضعيفة (١٨٢٤).","vol":"1","page":505},{"text":"المالكية: ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وهو شاذ (^١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.\nقوله في حديث عروة: فمسست الخاتم، مسست هو بكسر السين الأولى، هذه هي اللغة المشهورة في لغة قليلة بفتحها حكاه أبو عبيدة والجوهري، وقال الجوهري: يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مسا، فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة ﵀: مسست الشيء بالفتح أمُسه بضم الميم (^٢).\nوالخاتم فيه لغتان كسر التاء وفتحها، وهما قراءتان قرئ بهما في السبع، أي خاتم النبوة أي خاتمه الذي ختمت به النبوة وهو أثر كان بين كتفيه - ﷺ - نُعت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يعلم بها أنه النبي - ﷺ - المبشر به في الكتب وصيانة يصون بها نبوته عن تطرق التكذيب والقدح فيها صيانة المستوثق بالختم (^٣). وقيل: مكتوب عليه لا إله إلا اللّه محمد رسول الله (^٤)، وقيل: مكتوب عليه توجه فإنك منصور (^٥).\nفائدة [جليلة] في صفة الخاتم وقدره: في سائر الأحاديث بين كتفيه، [وقد ذكر في حديث أنه على ظهر رسول الله - ﷺ - ولم يبين محله من ظهره، وقد\n_________\n(^١) انظر إكمال المعلم (٢/ ٤٣١)، ورياض الأفهام (٢/ ٤٥٦)، والمفهم (٥/ ٤٠ - ٤١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ١٦١).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٢٠٩)، شرح المشكاة (٣/ ٨٢٦) للطيبى، الكواكب الدرارى (٣/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٣٧٣).\n(^٥) شرف المصطفى (٢/ ١١١).","vol":"1","page":506},{"text":"اختلفت الأحاديث في صفته وقدره (^١)]، ففي حديث السائب بن يزيد أنه كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة وهو في الصحيحين، والحجلة: بفتح الحاء والجيم كما هو في الصحيح المشهور، وقال الترمذي: المراد بالحجلة هذا الطائر المعروف، زرها: بيضها، والصواب: أنها حجلة السرير، واحدة: الحجال، والحجلة: بيت العروس كالقبة يزين بالثياب والستور، ولها أزرار كبار وهو [البشخانة]، وزرها: هو الذي يدخل في عروتها، هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور، قال: وروى البيهقي في دلائل النبوة عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما شك في موت النبي - ﷺ -، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه - ﵁ -، فقالت: توفي رسول الله - ﷺ - فقد رفع الخاتم من بين كتفيه، وكان هذا الذي عرف به موته، وأفاد الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه أنه قال: لم يبعث اللّه نبيًا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا نبينا - ﷺ -، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه (^٢).\nوفي حديث جابر بن سمرة: فكأنه بيضة حمام، رواه مسلم (^٣)، وفي رواية الترمذي: كأنه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة تشبه جسده (^٤)، وفي حديث أبي زيد بن أخطب أنه قيل له: وما الخاتم؟ قال: شعيرات مجتمعات، رواه\n_________\n(^١) زيادة في المخطوطة المغربية.\n(^٢) الروض الأنف (٢/ ٢٢١ - ٢٢٨)، وسبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٥ - ٥٠)، وحياة الحيوان (١/ ٣٢٥ - ٣٢٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٠ - ٢٣٤٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٠٩ - ٢٣٤٤)، والترمذى (٣٦٤٤) والشمائل (١٧).","vol":"1","page":507},{"text":"الترمذي في الشمائل (^١)، ورواه الحاكم بلفظ: شعر مجتمع (^٢)، وفي حديث عبد الله سرجس قال: رأيت النبي - ﷺ - وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدًا، ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال التآليل، رواه مسلم وغيره (^٣).\nقوله: عند ناغض كتفه، قال الجمهور: والنغض أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، والناغض من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ناغضا لتحركه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ (^٤) أي: يحركونها على سبيل الهزء (^٥).\nوقوله: \"جمعًا\"، بضم الجيم وإسكان الميم، والمراد: جمع الكف وهو أن يجمع الأصابع ويضمها، يقال: ضربه بجمع كفه، بضم الجيم (^٦).\nقوله: وعليه خيلان، بكسر الخاء المعجمة وإسكان الياء، جمع خال وهو الشامة في الجسد أي: النقطة، والتي تكون في الجسد سوداء (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى في الشمائل (٢٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤١ (٢٢٨٨٩)، والحاكم (٢/ ٦٠٦).\nوصححه الألباني في مختصر الشمائل (ص ٣١ رقم ١٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٢ - ٢٣٤٦).\n(^٤) سورة الإسرا، الآية: ٥١.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٨)، والمفهم (٥٩/ ١٩ - ٦٠).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٩) وكشف المناهج (٥/ ١٣٤)، وشرح المصابيح (٦/ ٢١٣) لابن الملك.","vol":"1","page":508},{"text":"وقوله: كأمثال الثآليل، جمع ثؤلول وهو هذه الحبة التي تظهر على الجلد كالحمصة فوقها دونها، وقال أبو الربيع سليمان بن سبع في كتاب شفاء الصدور (^١): هو شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرالت متواليالت كأنها عرف فرس بمنكبه الأيمن، وفي رواية عن أبي رمثة: مثل التفاحة (^٢)، وروي عن ابن عمر: مثل البندقة من لحم عليه مكتوب محمد رسول الله، رواه ابن عساكر (^٣). انتهى.\nوقال ابن حبان: وكانت ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر، وكانت تقرأ من أسفلها ليكون اسم الله تعالى فوق الجميع، وعن ابن هشام: تشبيهه بالمحجم، يعني: كأثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئًا، وجاء في صحيح البخاري: كأنه بضعة ناشزة، أي: مرتفعة على جسده، وفي رواية: فراشه مثل السلعة، والسلعة: غدة تظهر بين الجلد واللحم إذا غزت باليد تحركت، قاله القاضي عياض ﵀، وهذه الروايات متقاربه متفقة على أنه شاخص في جسده قدر بيضة الحمامة، وهو نحو بيضة الحجلة، وأما رواية الكف فظاهره المخالفة فتتأول على وفق الروايالت الكثيرة، ويكون معناه على هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة، ثم إن السهيلي ﵀\n_________\n(^١) طرح الترتيب في شرح التقريب (٤/ ٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٦٣ (١٧٤٩٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٤٢)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٨٠ (٧١٨). وصححه الألباني في موارد الظمآن (١٥٢٢).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٦٣٠٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٩٣٢).","vol":"1","page":509},{"text":"قال: لم ندر هل خلق بالنبي - ﷺأو وضع فيه بعد ما وضع أو حين نبئ، قال السهيلي: والحكمة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه لما ملئ قلبه - ﷺ - حكمة ويقينا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درًا، ولما روي عن جابر - ﵁ - قال: أردفني رسول الله - ﷺ - خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفمي فكان ينم عليّ مسكًا، ورأيته في بعض النسخ فكان يشج على مسكًا، أي: أشم منه مسكا وهو من شج الشراب إذا مزجه بالماء، كأنه كان يخلط النسيم الواصل على مشمه بريح المسك. انتهى.\nوأما وضعه عند نغص الكتف [أي: أعلاه] فلأنه - ﵁ - معصوم من وسوسة الشيطان فذلك الموضع يوسولس الشيطان لابن آدم، وروى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه سنة أن يريه موضع الشيطان منه، فأراه جسدا كالبلور يرى داخله من خارجه، والشيطان في صورة ضفدع عند نغص كتفه يحاذي قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة قد أدخله إلى قلبه يوسوس إذا ذكر الله العبد خفس أي تأخر (^١)، انتهى، قاله العراقي (^٢) في شرح الأحكام.\nفائدة أخرى تتعلق بخاتم النبوة: ذكره السهيلي عن رواية ابن إسحاق أن النبي - ﷺ - لما كان في بني سعد نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه ومج الآخر بمنقاره في فيه ثلجا أو بردا أو نحو هذا، وهي رواية غريبة، ذكرها\n_________\n(^١) الروض الأنف (٢/ ١٧٨)، وسبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٢) طرح التثريب (٤/ ٤٠ - ٤٢).","vol":"1","page":510},{"text":"يونس عنه؛ وفي أوائل المجالسة للدينوري أنه أقبل عليه أبيضان لأنهما نسران إلى آخره؛ وفي المستدرك: فأقبل عليه طيران أبيضان كأنهما نسران، وذكر الحديث بطوله، وروى ابن أبي الدنيا وغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي وكيف علمت حنى استيقنت؟ قال: \"يا أبا ذر أتاني ملكان فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة، فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني فرجحنهم، ثم قال: زنه بألف وزنني فرجحتهم، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه معد الشيطان\" الحديث، وفيه: \"ثم قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي ووليا عني، فكأني أعاين الأمر معاينة\" وفي هذا الحديث من الفوائد أن خاتم النبوة لم تكن قبل ذلك، واختلف الناس في صفته على عشرين قولًا، حكاها الحافظ قطب الدين؛ وتقدم بعض ذاك في الفائدة قبل هذه، وروى الحاكم والترمذي في المناقب عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي - ﷺ - في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله - ﷺ - وقال: هذا سيد الخلق أجمعين هذا رسول رب العالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك بهذا، فقال: أنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا لله تعالى وسلم على رسول الله - ﷺ -، ولا يفعل ذلك إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم","vol":"1","page":511},{"text":"النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة حتى رجع فصنع لهم طعامًا فلما أتاهم به وكانوا في رعية الإبل فأرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من النوم وجدهم قد سبقوا إلى فيء الشجرة فلما أجلس، قال: فيء الشجرة عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الرومان، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. (^١)\nسؤال: فلم جعل خاتم النبوة بين كتفيه؟ قيل: فهو خاتم الأنبياء بالرحمة، وأيضًا الختم على الشيء يقتضي ثباته وعدم تغيره، كما ختم له - ﷺ - بالنبوة والسعادة، كذلك ختم على قلوب الكافرين بالشقاوة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ (^٢) الآية، انتهى، قاله في كشف الأسرار (^٣).\nلطيفة: سئل شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين السبكي (^٤)، قدس الله روحه، عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي - ﷺ - حين شق فؤاده، وقول الملك: هذا حظ الشيطان منك، فقال: تلك علقة خلقها اللّه تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فإن نكت من قلبه - ﷺ - شق فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه وشيًا، هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان منه - ﷺ - حظ، وإنما الذي نقاه الملك أمر هو في الجبلالت البشرية فأزيل القابل الذي\n_________\n(^١) هذه زيادة في المخطوطة المغربية: انظر الروض الأنف (٢/ ١٦٨ - ١٧٠) و(٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، وحياة الحيوان (٢/ ٢٧٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية:٧.\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٣٥).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":512},{"text":"لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب، قيل له: فلم خلق الله تعالى هذا القابل في هذه الذات الشريفة وكان يمكن أن لا يخلقه ﷾ فيها، فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني فلابد منه ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده، والله أعلم.\nتنبيه: قد شق صدره - ﷺ - مرتين، مرة في حال صباه عند مرضعته أم حليمة السعدية ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء، ومرة أخرى ليلة المعراج في حال كهولته ليصير قلبه مثل قلوب الملائكة (^١)، وقال قوم: هو في أول شق صدره ابن ثلات سنين، قاله في شرح الإلمام.\n\n٧٣ - وَعَن زيد بن أسلم قَالَ رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي محلولا أزراره فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - يَفْعَله رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن الْوَليد بن مُسلم عَن زيد وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن زيد (^٢).\nقوله: عن زيد بن أسلم (هو أبو أسامة زيد بن أسلم القريشى العدوى\n_________\n(^١) انظر شرح المصابيح (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧) لابن الملك.\n(^٢) أخرجه البزار (١٢٧/ كشف الأستار)، وابن خزيمة (٧٧٩)، وابن حبان (٥٤٥٣)، الحاكم ١/ ٢٥٠، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٤٠ رقم ٣٢٩٦). قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد.\nوقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٥: رواه البزار وأبو يعلى، وفيه عمرو بن مالك، ذكره ابن حبان في الثقات، قال: يغرب ويخطئ. وقال ابن حجر في إتحاف المهرة ٨/ ٣٢٠: قلت: رواية الشاميين عن زهير بن محمد منكرة. قال البخاري وغيره. وذكر الترمذي في (العلل) عن البخاري، أنه قال: أنا أتقي حديث هذا الشيخ كأن حديثه موضوع. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٤).","vol":"1","page":513},{"text":"المدنى، مولى عمر بن الخطاب، - ﵁ -، التابعى الصالح الفقيه، ﵀. روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين، ﵃. وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبى صالح السمان، وآخرين من التابعين. روى عنه الزهري، ويحيى الأنصاري، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون، ومالك، والثوري، ومعمر، وخلائق من الأئمة.\nقال يحيى بن معين: سمع زيد بن أسلم من ابن عمر، ولم يسمع جابرا ولا أبا هريرة. وقال محمد بن سعد: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ -، وكان ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها، أدنى خصلة فينا التواسى بما في أيدينا، وما رأيت فيه متمارين ولا متنازعين في حديث لا ينفعهما، وكان أبو حازم يقول لهم: لا يرينى الله يوم زيد، وقدمنى بين يدى زيد أنه لم يبق أحد أرضى لنفسى ودينى غيره، فأتاه نعى زيد فعقر، فما قام ولا شهده، وكان أبو حازم يقول: اللهم إنك تعلم أنى أنظر إلى زيد فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف بملاقاته ومحادثته. ومناقبه كثيرة. توفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: ثلاث وأربعين. وحكى البخارى في تاريخه أن علي بن الحسين، ﵄، كان يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطا مجالس قومه، فقيل له: تتخطا مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب، فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه (^١).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٠ الترجمة ١٨٥).","vol":"1","page":514},{"text":"قوله: رأيت ابن عمر يصلي محلول أزراره، الحديث، وتقدم الكلام على الأزرار في الحديث قبله قوله: رواه ابن خزيمة في صحيحه عن الوليد بن مسلم؛ الوليد بن مسلم كنيته: أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية، وقيل: مولى العباس بن محمد أخي المنصور، كان عالم أهل الشام في زمانه، قال ابن المديني: ما رأيت في الشاميين مثل الوليد، وقد أغرب أحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد، قاله ابن جوصا: لم نزل. نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد بن مسلم صلح أن يلي القضاء، ومصنفاته سبعون كتابا، قال الذهبي: وكان الوليد واسع العلو ثقة لكنه يدلس، وكان إمامًا في المغازي، وقرأ القرآن على يحيى النهاري، وحدث عنه من شيوخه الليث بن سعد وغيره، ولد سنة تسع عشرة ومائة وحج سنة أربع وتسعين ومائة، ومات بعد الحج قبل أن يصل إلى دمشق سنة خمس (^١).\nقوله: ورواه البيهقي وغيره عن زهير بن محمد، هو زهير بن محمد بن (قمير بن شعبة المروزي، نزيل بغداد، كنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن عبد الرزاق وروح وعنه ابن ماجه والمحاملي وابن عياش القطان قالى البغوي: ما رأيت أحدا بعد أحمد أفضل منه حدثني ابنه محمد أنه كان يختم في رمضان تسعين ختمة قال الخطيب ثقة ورع زاهد تحول فرابط بطرسوس توفي سنة ثمان وخمسين ومئتين (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤٧ الترجمة ٦٧١).\n(^٢) تهذيب الكمال (٩/ الترجمة ٢٠١٦)، والكاشف (١/ ٤٠٧).","vol":"1","page":515},{"text":"٧٤ - وَعَن مُجَاهِد قَالَ كنَّا مَعَ ابْن عمر ﵀ فِي سفر فَمر بمَكَان فحاد عَنهُ فَسئلَ لم فعلت ذَلِك قَالَ رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - فعل هَذَا فَفعلت رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد قَوْله حاد بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي تنحى عَنهُ وَأخذ يَمِينا أَو شمالا (^١).\nقوله: عن مجاهد، هو مجاهد (بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومى، مولاهم مولى عبد الله بن أبي السائب، ويقال: مولى السائب بن أبي السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، ﵃. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبي ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين.\nروى عنه طاووس، وعكرمة، وعمر وبن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن أبي نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (١/ ١٩٤ رقم ٢٥٢)، وأحمد ٢/ ٣٢ (٤٨٧٠)، والبزار (١٢٨/ كشف الأستار)، وابن بطة في الإبانة (٧٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١١٥). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٤: رواه أحمد والبزار، ورجاله موثقون. وقال البوصيرى: رواه أحمد بن حنبل والبزار بإسناد جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦).","vol":"1","page":516},{"text":"قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة (^١).\nقوله: كنا مع ابن عمر في سفر بمكان فحاد عنه، الحديث، تقدم الكلام على مناقب ابن عمر في أول هذا التعليق مبسوطًا.\nقوله: فحاد عنه، بالحاء المهملة والدال المهملة أيضًا، أي: تنحي عنه وأخذ يمينا أو شمالًا، انتهى، قاله المنذري.\n\n٧٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه كَانَ يَأْتِي شَجَرَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فيقيل تحتهَا ويخبر أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يفعل ذَلِك رَوَاهُ الْبَزَّار بإسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر، تقدم.\nقوله: أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها، الحديث، كان ابن عمر شديد الاتباع لآثار رسول الله - ﷺ - حتى أنه كان ينزل منازله ويصلي في كل مكان صلى فيه رسول الله - ﷺ -، ويترك ناقته في مبرك ناقة رسول اللّه - ﷺ -، ونقلوا أن النبي - ﷺ - نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء كيلا تيبس (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٣ الترجمة ٥٥٣).\n(^٢) أخرجه البزار (٥٩٠٨ و٥٩٠٩). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٥: رواه البزار، ورجاله موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":517},{"text":"قال ابن بطال (^١): وإنما كان ابن عمر يصلي في تلك المواضع التي صلى فيها رسول الله - ﷺ - على وجه التبرك بها ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين (^٢). وأما ما روي أن ابن عمر - ﵁ - كره ذلك فلأنه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم ويرى ذلك واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزاما شديدًا أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها ليعلم بفعله، وذلك أنها غير واجب كما فعل ابن عباس في ترك الأضحية (^٣).\nقال النوويُّ: روينا عن الزهري قال: لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله - ﷺ - ستين سنة فلم يخف عليه شيء من أمره - ﷺ - ولا من أمر أصحابه؛ وعن مالك قال: أقام ابن عمر ستين سنة تقدم عليه وفود الناس،\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٢/ ١٢٦).\n(^٢) قلت: التبرك بالأماكن والأشخاص وبآثار الصالحين من غير الأنبياء لا يجوز لعدم ورود الدليل الشرعي، ولإجماع الصحابة ﵃ على تركه، ولسد ذرائع الغلو المذموم المفضي إلى الشرك والبدع، قال ابن رجب في الحكم الجديرة بالإذاعة (ص: ٥٤): التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي - ﷺ - ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم، فدلّ على أن هذا لا يُفعل، إلَّا مع النبي - ﷺ -، مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه. انظر للتفصيل: فتح الباري لابن رجب (٣/ ٤٢٧). وتيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص ١٥٣، ١٥٤). وفتح الباري لابن حجر مع تعليقات ابن باز (٣/ ١٤٣). والتوسل أنواعه وأحكامها للشيخ الألباني (ص ١٤٤ - ١٤٥).\nوعقيدة التوحيد للشيخ الفوزان (ص ٢٣٤ - ٢٣٦).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٤/ ١٥٠).","vol":"1","page":518},{"text":"وروينا عن البخاري الإمام قال: قال جابر بن عبد الله: لم يكن أحد منهم ألزم لطريق النبي - ﷺ - ولا اتبع من ابن عمر (^١).\nتنبيه: قوله (روينا) أكثر الناس يقولون (روينا) بفتح الواو مخففة من روى يروي إذا نقل عن غيره مثل رمى يرمي، والأجود: (رُوِّينَا) بضم الراء وكسر الواو ومشددًا، أي: روانا مشايخنا أي: نقلوا لنا فسمعنا، كذا حرر هذه اللفظة بعض أئمة الحديث، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٢)، والله أعلم.\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق، وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه فقصصته على حفصة فقصت على رسول اللّه - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن عبد اللّه رجل صالح\"، وفي رواية الصحيح: \"إن أخاك رجل صالح\" أو \"إن عبد الله رجل صالح\" (^٣)، قال نافع: كان ابن عمر - ﵁ -. إذا اشتد عجبه بشيء من ماله تقرب به إلى الله تعالى فكان رفيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له، وكان - ﵁ - كثير الحج، وكان كثير الصدقة فربما تصدق في اليوم الواحد بثلاثين ألفًا، ومناقبه كثيرة مشهورة - ﵁ - (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٩).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٤ - ١٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٠١٥ و٧٠١٦) و(٧٠٢٨ و٧٠٢٩) و(٧٠٣١)، ومسلم (١٤٠ - ٢٤٧٩) وابن ماجه (٣٩١٩).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).","vol":"1","page":519},{"text":"٧٦ - وَعَن [أَنَسِ] ابْن سِيرِين قَالَ كنت مَعَ ابْن عمر ﵀ بِعَرَفَات فَلَمَّا كَانَ حِين رَاح رحت مَعَه حَتَّى أَتَى الإِمَام فصلى مَعَه الأولى وَالْعصر ثمَّ وقف وَأَنا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفاضَ الامام فأفضنا مَعَه حَتَّى انْتهى إِلَى الْمضيق دون المأزمين فَأَنَاخَ وأنخنا وَنحن نحسب أَنه يُرِيد أَن يُصَلَّي فَقَالَ غُلَامه الَّذِي يمسك رَاحِلَته إِنَّه لَيْسَ يُرِيد الصَّلاة وَلكنه ذكر أَن النَّبِي - ﷺ - لما انْتهى إِلَى هَذَا الْمَكَان قضى حَاجته فَهُوَ يحب أَن يقْضِي حَاجته رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقَالَ الْحَافِظ ﵀ والآثَار عَن الصَّحَابَة ﵃ فِي اتباعهم لَهُ واقتفائهم سنته كَثِيرَة جدا. وَالله الْمُوفق لَا رب غَيره.\nقوله: عن ابن سيرين، ابن سيرين، اسمه: محمد، ومحمد يكنى بأبي بكر، وسيرين يكنى بأبي عمرو، مولى أنس بن مالك، من كبار التابعين بالبصرة، كان عالمًا فاضلًا متقنًا زاهدًا، من أورع أهل زمانه، وسمع جماعة من الصحابة: عبد الله بن عمر وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عباس وأبا بكرة، ومولاه أنس بن مالك وهو الذي تولى غسله وتكفينه وأم عطية الأنصارية وجماعة من أعلام التابعين، وقال أبو عوانة: رأيت محمد بن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر اللّه ﷿، وكان ابن سيرين أعلم أهل زمانه بالرؤيا، وقد أثنى اللّه ﷿ على يوسف - ﵇ -\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٣١ (٦١٥١). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٥: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٨).","vol":"1","page":520},{"text":"فعلمها، فرأى في المنام كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في وصيته وقال: يموت الحسن وأموت بعده، هو أشرف مني، فمات رحمه الله تعالى في شوال سنة عشر ومائة بعد الحسن بن أبي الحسن بمائة يوم (^١)، انتهى.\nقوله: كنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح رحت معه حتى أتى الإمام فصلى معه الأولى والعصر، الحديث، والمراد بالإمام: الإمام الأعظم وهو الخليفة أو نائبة في إقامة الحج، والمراد بالأولى قال النووي: يعني صلاة الظهر وبدأ الشافعي في الجديد بها، وإن كان في القديم بدأ بالصبح لأن جبريل ﵊ بدأ بها، ولأنها أول صلاة وجبت بطلوع الشمس، ولذلك سميت الأولى، وسميت الظهر ظهرًا، قيل: لأنها أول صلاة ظهرت حين صلاها جبريل - ﵇ - بالنبي - ﷺ - (^٢).\nقوله: ثمَّ وقف وَأَنا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفَاضَ الإمام فأفضنا مَعَه، الإفاضة: الدفع، يقال: أفاض الناس من عرفات أي: دفعوا منها، فالمراد: أفاض من وقوف عرفة أي: رجع، انتهى، قاله الكرماني (^٣).\nقوله: حتى انتهى إلى المضيق دون المأزمين، والسنة: أن يسلك في طريقه إلى المزدلفة على طريق المأزمين وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٢ - ٨٤ الترجمة ١١)، وتهذيب الكمال (٢٥/ الترجمة ٥٢٨٠)، وتذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٦٠٠٦). قلنا كذا هو ترجم في هذا الموضع لمحمد بن سيرين وإنما الحديث عن أنس بن سيرين أخيه.\n(^٢) انظر الحاوى (٢/ ١٢)، وكفاية النبيه (٢/ ٣٢٨).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٣/ ٢١).","vol":"1","page":521},{"text":"من تلك الناحية، والمأزمين: بهمزة بعد الميم الأولى، ويجوز ترك الهمزة كما في رأس ونظائره، والزاي مكسورة، والمأزم: المضيق بين جبلين، هذا أصله في اللغة، ومراد الفقهاء: الطريق الذي بين الجبلين وهما جبلان بين عرفات ومزدلفة، قاله النووي (^١).\nخاتمة: اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه لقول النبي - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: \"إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم\" (^٢)، قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، فإذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب (^٣)، وقال ابن مهدي (^٤): إذا روينا أحاديث الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات تساهلنا في الأسانيد.\n_________\n(^١) الإيضاح (ص ٢٩٦)، والمجموع (٨/ ١٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٠ و١٣١ - ١٣٣٧) و(٤١٢ - ١٣٣٧) عن أبي هريرة.\n(^٣) الأذكار (ص ٤٧).\n(^٤) دلائل النبوة (١/ ٣٤)، والمدخل إلى الإكليل (ص ٢٩)، الجامع (١٢٦٧) للخطيب.","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء</span>\n٧٧ - عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه من صنع أمرا على غير أمرنَا فَهُوَ رد وَابْن مَاجَه وَفِي رِوَايَة لمُسلم من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد (^١).\nقوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها، ومن مناقبها: أن رسول الله - ﷺ - لم يتزوج بكرًا غيرها، تزوجها رسول الله - ﷺ - قبل الهجرة بسنتين، وذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه أن عائشة أسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر أسنانا فيمن أسلم، وروي أنها كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم يعطها امرأة غيرها، منها: أن جبريل - ﵇ - أتي بصورتها في سرقة من حرير، وقال: هذه زوجتك، وروى أنه أتي بصورتها في راحته، وقيل: إنه قبض - ﷺ - ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافها، ونزلت براءتها من السماء، توفيت ﵂ سنة ست وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلا فدفنت من ليلتها بعد الوتر، واجتمع على جنازتها أهل المدينة وأهل العوالي، وقالوا: لم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧ - ١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤) باللفظ الأول. وأخرجه مسلم (١٨ - ١٧١٨) باللفظ الثانى.","vol":"1","page":523},{"text":"ير ليلة أكثر ناسا منها، ومناقبها كثيرة مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" الحديث.\nقال النووي (^٢): هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلامه - ﷺ -، وهو على اختصاره وإيجازه من أعظم قواعد الشرع وأعمها وأنفعها إذ يندرج في منطوقه ومفهومه ما لا يحصى من الفوائد (^٣)، وقد قال العلماء: إنه ربع الإسلام أو ثلث الإسلام أو نصف الإسلام بسبب ما يترتب عليه من القضايا والأحكام، وهذا الحديث مما ينبغي أن يعتني بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإبطاله للاستدلال به، والله أعلم، ففيه الحث على الإتباع والتحذير من الابتداع، وقد ألفت الناس كتبا في البدع كالطرطوسي (^٤) وأبي شامة الدمشقي (^٥): وهو أحد شيوخ الشيخ محيي الدين\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٢ الترجمة ١١٨٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٦).\n(^٣) التعيين (ص ٩٢).\n(^٤) كذا هو بالسين وإنما هو بالشين المعجمة محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان ابن أيوب الفهري الطرطوشي أصله منها، يكنى: أبا بكر، ويعرف: بابن أبي وندقة [المتوفى: ٥٢٠ هـ] وكتابه هو الحوادث والبدع مطبوع طبعة دار ابن الجوزى بحقيق على الحلبى.\n(^٥) هو الإمام، الحافظ، العلامة، شهاب الدين، أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، المقدسي، ثم الدمشقي، الشافعي، المقرئ، النحوي، (المتوفى: ٦٦٥ هـ) وكتابه اسمه الباعث على إنكار البدع والحوادث مطبوع طبعة دار الهدى - القاهرة تحقيق عثمان أحمد عنبر [البداية والنهاية: ١٣/ ٢٥٠، ٢٥١. طبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ٦١ - ٦٣. فوات الوفيات: ١/ ٢٥٢، ٢٥٣. شذرات الذهب: ٥/ ٣١٨، ٣١٩].","vol":"1","page":524},{"text":"النووي، كذا قاله الحافظ العسقلاني ابن حجر وآخرهم وأبو عبد الله بن الحاج صاحب المدخل فاستقصى في بيان المحدثات والبدع والضلالات وشدد، وفي بعض ما ذكره نظر بسبب أحاديث لم يطلع عليها وقواعد وأصول لم يلتفت إليها، انتهى، قاله في شرح الإلمام.\nقوله - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" الأمر هنا معناه الشرع الذي شرعه الله تعالى ورسوله - ﷺ -، واستمر العمل به، واسم الإشارة قد استعمل للتعظيم.\nقوله: \"ما ليس منه\"، قال العلماء: ما ليس منه، أي: ما ليس له في الدين أصل ثابت بوجه، فهذا هو المحدث الضلالة، وأما ما صورته محدثه ولمعناه أصل شرعي يلتحق به، فليس بضلالة، بل بعضه مندوب وبعضه واجب كما هو معروف مشهور، ولا يظن خفاؤه، فقوله: \"في أمرنا\" المراد بع دين الإسلام، وإنما عبر عنه بهذا اللفظ تنبيها على أن الدين هو أمرنا الذي نهتم به ونشتغل به بحيث لا يخلوا عنه شيء من أقوالنا وأفعالنا، وهذا الحديث كالميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء (^١)، فهذا الحديث منطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، والمراد بأمر هنا دينه وشرعه كما تقدم، فالمعنى إذًا:\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٨٣ - ١٨٤).","vol":"1","page":525},{"text":"أن كل من كان عمله خارجا عن الشرع، ليس مقيد بالشرع، فهو مردود على فاعله غير مقبول منه بل معذب عليه ومسؤول عنه؛ وعن أبي عبيدة قال: جمع النبي - ﷺ - جميع أمر الآخرة في كلمة: \"من أحدث في أمرنا\"، وجمع أمر الدنيا في كلمة: \"إنما الأعمال بالنيات\" (^١).\nوقوله: في رواية مسلم: \"ليس عليه أمرنا\": إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول، ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود؛ والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات؛ فأما العبادات: فما كان منها خارجا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله كما تقدم، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه؛ وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوها: فما كان منها بغير أوضاع الشريعة كجعل حد الزان عقوبة مالية وما أشبه ذلك فإنه مردود من أصله ولا ينتقل به الملك لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، انتهى، قاله ابن رجب (^٢).\nوفي هذا الحديث دليل على أن النبي - ﷺ - أُعطِي الولاية والسيادة على سائر ملوك الأرض، والكل تحت أمره ونهيه بقوله: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" أي: مردود غير مقبول منه، وفيه: دليل على أن الحاكم إذا\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ١٨٤).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٨٣ - ١٨٩) مختصرا.","vol":"1","page":526},{"text":"حكم بحكم يخالف نص الكتاب أو السنة أو القياس الجلي نقض حكمه (^١)، والله أعلم.\n\n٧٨ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا خطب احْمَرَّتْ عَيناهُ وَعلا صَوته وَاشْتَدَّ غَضَبه كَأنَّهُ مُنْذر جَيش يَقُول صبحكم ومساكم وَيَقُول بعثت أَنا والساعة كهاتين ويقرن بَين أصبعيه السبابَة وَالْوُسْطَى وَيَقُول أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة ثمَّ يَقُول أَنا أولى بِكُل مُؤمن من نَفسه من ترك مَالا فلاهله وَمن ترك دينا أَو ضيَاعًا فَإِلَيَّ وَعلي رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا (^٢).\nقوله: عن جابر بن عبد الله، هو: جابر بن عبد الله الصحابي ابن الصحابي، كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، وهو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالراء ابن عمرو بن سواد بن سلمة بكسر اللام الأنصاري السلمي المدني، وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله - ﷺ -، روي له عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثًا، وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثا، توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١٠/ ٢٠٥)، ومنهاج الطالبين (ص ٣٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٣ و٤٤ و٤٥ - ٨٦٧)، وابن ماجه (٤٥)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٠٥ (١٣٢٧) و٣/ ٣٤٢ (١٥٩٤) و()، وابن حبان (١٠).","vol":"1","page":527},{"text":"قد ذهب بصره في آخر عمره، فحيث أطلق جابر في الحديث فالمراد به جابر بن عبد الله، وإذا أرادوا جابر بن سمرة قيدوه بسمرة (^١).\nقوله: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، الحديث؛ قال النووي (^٢): في الحديث جمل من الفوائد ومهمات من القواعد فيستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة ويرفع صوته لأنه هو المقصود من الخطبة ويجزل كلامه، ويكون مطابقا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب وترهيب.\nوفي هذا الحديث دليل على وجوب الخطبة لقوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (^٣)، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا وتحذيره خطبا جسيمًا (^٤)، لأن المقصود بالخطبة الوعظ والتحذير، وقد كان النبي - ﷺ - يواظب على الوصية بالتقوى في خطبته، كما رواه مسلم (^٥)، وروي أنه - ﷺ - قال في خطبته: \"الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٢ - ١٤٣ ترجمة ١٠٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٢ - ١٥٦).\n(^٣) المجموع (٤/ ٥١٥ - ٥١٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٦).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٤٨٦). وعزوه الحديث لمسلم تبعه ابن الملقن في البدر المنير (١١/ ٤١٢) وتعقبه ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١١٩) فقال: لم أر هذا، وؤع مسند أحمد \"عن النعمان بن بشير سمعت رسول اللّه - ﷺ - يخطب: أنذركم النار أنذركم النار\" ... الحديث، وفي رواية له: \"سمع أهل السوق صوته\".","vol":"1","page":528},{"text":"صادق يحكم فيها ملك قادر، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا\" (^١)؛ وهذا الغرض هو مقصود الخطبة، ولا يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، بل لابد من الحث على الطاعة والمنع من المعاصي (^٢)، وهذا هو المراد بقول الفقهاء في كتب الفقه: والوصية بالتقوى؛ والتقوي: امتثال أمر الله تعالى واجتناب نهيه، ولهذا قال إمام الحرمين في الوصية في بالتقوى في الخطبة لا يكفى أن يقول: اتقوا الله، بل لابد من فصل [يهز السامع كما جرى عليه الأولون] (^٣).\nقوله: الدنيا عرض، العرض بفتحتين: حطام الدنيا ومالها قل أو كثر، وإنما سمي عرضا لأن المال لا يبقى على أحد بل هو سريع الانتقال من مالك إلى مالك كالأعراض القائمة بالجواهر (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في المسند (٦٧٢) والأم (١/ ٢٣٢) عن عمرو بن دينار مرسلًا. وأخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٨٨ رقم ٧١٥٨) وابن عدى في الكامل (٥/ ٤٥٠)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ٥٨٠٧ و٥٨٠٨) عن شداد بن أوس. قال ابن عدى: ولأبي مهدي سعيد بن سنان هذا غير ما ذكرت من الأحاديث، وعامة ما يرويه وخاصة عن أبي الزاهرية غير محفوظة ولو قلت إنه هو الذي يرويه عن أبي الزاهرية لا غيره، جاز ذلك لي، وكان من صالحي أهل الشام وأفاضلهم، إلا أن في بعض رواياته ما فيه.\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٨٨ - ١٨٩: رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو مهدي سعيد بن سنان وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني في المشكاة (٥٢١٧).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٤٦٨).\n(^٣) انظر مقدمة نهاية المطلب (ص ٢٥٤)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٦٨).\n(^٤) شرح الأربعين الودعانية (ح ٣٦/ ص ٢٩٢).","vol":"1","page":529},{"text":"وقال القرطبي (^١): قوله: \"كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته\"، كان هذا من غالب أحواله - ﵇ -، وهذا أوقع في النفس وادعى لتأثير الوعظ في القلب، فينبغي للواعظ أن يتاعطاه، وأما اشتداد غضبه فيحتمل أن يكون عند أمر خولف فيه أو أن صفته صفة للغضب.\nوقوله: \"كأنه منذر جيش\"، ومنذر الجيش: هو المخبر بجيش العدو الذي يخوف به (^٢)، أي: هو مخبرهم بما يحذرون منه من مجيء عدوهم صباحا أو مساءًا، وأصل الإنذار: الإعلام، يقال: أنذرته أنذره إنذارًا إذا أعلمته فأنا منذر ونذير أي: معلم ومخوف ومحذر، ومن هذا قوله - ﷺ -: \"إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أنذر جيشًا فقال: أنا النذير العريان\" لأنه أبين للعين وأغرب وأشنع عن المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعينهم تكون على مكان عالٍ، فإذا رأى العدو وقد أقبل نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه ويبقى عريانا (^٣).\nقوله: \"صبحكم ومساكم\"، أي: أتاكم الجيش وقت الصباح وأتاكم وقت المساء، أو سيصبحكم العدو، ومعناه: الإغارة وكذلك مساكم أي: سيمسيكم (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، أي: بعثني اللّه قريبا من الساعة فتنبهوا من نوم الغفلة (^٥)، ويجوز في الساعة النصب والضم؛ قال النووي:\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٣٦).\n(^٢) المفهم (٧/ ١٣٧).\n(^٣) النهاية (٣/ ٢٢٥) و(٥/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٤) المفاتيح (٢/ ٣٢٩)، وشرح المصابيح (٢/ ٢٣٩) لابن الملك.\n(^٥) المفاتيح (٢/ ٣٢٩).","vol":"1","page":530},{"text":"والمشهور النصب لأن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما إشارة إلى ما بينه وبين الساعة كقرب السبابة من الوسطى؛ ولهذا ذكر السهيلي أن ذلك نصف سبع أصبع فيكون تأخير القيامة بمقدار ذلك (^١)، والله أعلم؛ واختلف في المراد به، فقيل: المراد بينهما شيء يسير كما بين الإصبعين في الطول؛ وقال القاضي عياض: يحتمل أنه تمثيل لمقاربتهما وأنه ليس بينهما أصبع أخرى كما أنه لا نبي بينه وبين الساعة، وقال بعضهم: المراد به أنه - ﷺ - ليس بينه وبين الساعة نبي كما أنه ليس بين السبابة والوسطى أصبع، قال القاضي: ويحتمل أنه لتقريب ما بينهما بالمدة وأن التقارب بينهما كنسبة التقارب بين الإصبعين تقريبا لا تحديدًا (^٢)، انتهى، وقيل: هو إشارة إلى قربه من الساعة، ثم اختلفوا في معنى القرب: هل هو بالنسبة إلى طول ما بين الإصبعين طولا أو عرضا ورجحوا الطول، والله أعلم.\nقوله: \"ويقرن بين إصبعيه\" بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكي كسرها أيضا، وسميت السبابة بذلك لأنهم كانوا يشيرون بها عند السب (^٣)، والسبابة أيضًا تسمى بالمسبحة بكسر الموحدة المشددة، وهي التي تلي الإبهام، وسميت أيضا بالسبابة لأن الناس يشيرون بها، وسميت بالمسبحة\n_________\n(^١) عزاه السهيلي للطبرى كما في الروض الأنف (٤/ ٤٢٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٤)، والبعلى في المطلع على ألفاظ المقنع (١/ ١٠٠)، وفتح البارى (١١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":531},{"text":"لأن المصلي يشير بها إلى التوحيد والتنزيه لله ﷿ عن الشريك (^١).\nفائدة: قوله - ﷺ -: \"بعثت أنا الساعة كهاتين\"، وقد قيل: ثبت أن النبي - ﷺ - سئل عن الساعة؟ فقال: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" الحديث، هذا يدل على أنه لم يكن عنده - ﷺ - علم بالساعة، ورويتم عنه - ﷺ - في هذا الحديث أنه قال: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" وهذا يدل على أنه - ﷺ - كان عالما بهذا، فكيف يأتلف الخبران؟ فيقال له: قد نطق القرآن العظيم بقوله الحق: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا﴾ (^٢) الآية، فلم يكن يعلمها هو ولا غيره؛ وأما قوله: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" فمعناه: أنا النبي الآخر فلا يليني نبي آخر وإنما يليني القيامة كما تلي السبابة الوسطى وليس بينهما أصبع أخرى، وهذا لا يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها، وهي مع ذلك دانية لأن شروحها متتابعة، وقد ذكر الله تعالى الأشراط في القرآن فقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (^٣) أي: دنت، وأولها: النبي - ﷺ - لا نبي آخر الزمان، وقد بعث - ﷺ - وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بين - ﷺ - ما يليه من الأشراط فقال: \"أن تلد الأمة ربتها\" إلى غير ذلك، قاله في التذكرة (^٤).\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٥/ ٤٤٠ - ٤٤١)، والكواكب الدراري (٢١/ ٨٠)، وفتح الباري (١١/ ٣٤٩).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.\n(^٣) سورة محمد، الآية: ١٨.\n(^٤) التذكرة (ص ١٢١٨ - ١٢١٩).","vol":"1","page":532},{"text":"قوله - ﷺ -: \"أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله\"، تقدم الكلام على كتاب الله وهو القرآن في الأحاديث المتقدمة، وتقدم الكلام أيضًا على قوله: \"أما بعد\" في الخطبة مبسوطًا، وأول من تكلم بها.\nقوله: \"وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -\"، قال النووي (^١): ضبطناه بالوجهين بضم الهاء وفتح الدال وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضًا، كذا جاءت الرواية بالوجهين، وقال القاضي عياض: رويناه في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره الهروي، وفسره على رواية الفتح بالطريق والسيرة، أي: أحسن الطرق طريق محمد - ﷺ - وسيرته، يقال: فلان حسن الهدي أي الطريقة والمذهب، ومنه: \"اهتدوا بهدي عمار\"، وأما رواية علي الضم فمعناه: الدلالة والإرشاد، والهدي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (^٣) وهدي للمتقين، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (^٤)، أي: بينا لهم الطريق، منه قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ (^٥)، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ (^٦) والهدي: بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد هو الذي تفرد الله\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٤).\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ٥٢.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٩.\n(^٤) سورة فصلت، الآية: ١٧.\n(^٥) سورة الملك، الآية: ٣.\n(^٦) سورة البلد، الآية: ١٠.","vol":"1","page":533},{"text":"تعالى به في الكتاب والسنة، جمعها: دلائل، والدلالة بكسر الدال وفتحها.\nقوله - ﷺ -: \"وشر الأمور محدثاتها\" أي: الأمور المنكرة التي ليست تعرف في الكتاب والسنة.\nقوله: \"وكل بدعة ضلالة\" هذا الحديث من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" وكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال الظاهرة والباطنة؛ وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدعة اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر - ﵁ - لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون: كذلك نعمت البدعة هذه (^١).\nقوله: نعمت البدعة هذه، هو ثناء عليها، من النعمة، ومن نعم الشيء بكسر العين وفتحها أي: حسن والنعمة هو ما يتنعم به، قال الخليل: وأصل النعمة: الخفض والدعة، نعم الرجل وأنعم صار في نعمة (^٢)، وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال: المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما: من الخير الذي لا خلاف فيه، فهذه بدعة محدثة غير مذمومة، وقد\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨٣) والحديث: أخرجه: مالك في الموطأ (٣٠١)، والبخاري (٢٠١٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ١٨)، ومطالع الأنوار (٤/ ١٨١).","vol":"1","page":534},{"text":"قال عمر - ﵁ - في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه، يعني: أنها محدثة لم تكن، هذا آخر كلام الشافعي (^١).\nوقال النووي (^٢): البدعة بكسر الباء في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول اللّه - ﷺ -، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة؛ وقال الشيخ الإمام المجتمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع الكلام وبراعته أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام في آخر كتاب القواعد، البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول اللّه - ﷺ -، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، قال: والطريق في معرفة ذلك: أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو المندوب فهي مندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة، وللبدع الواجبة أمثلة، منها: الاشتغال لعلم النحو الذي يفهم به كلام اللّه تعالى وكلام رسوله - ﷺ -، وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتي حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ الثاني: حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة؛ الثالث: تدوين دواوين أصول الفقه؛ الرابع: الكلام في الجرح والتعدي وتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين، ولا يتأتي ذلك إلا بما ذكرناه؛ وللبدعة المحرمة أمثلة، منها: مذاهب القدرية والجبرية\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢٣).\n(^٢) تهديب الأسماء واللغات (٣/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"1","page":535},{"text":"والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة؛ وللبدعة المندوبة أمثلة، منها: أحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها: التراويح والكلام في دقائق التصوف والجدل، ومنها: جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله؛ وللبدع المكروهة أمثلة: كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف، وأما تلحين القرآن بحيث يغير ألفاظه عن الوضع العربي فالأصح أنه من البدع المحرمة؛ وللبدع المباحة أمثلة، منها: المصافحة في عقيب الصبح والعصر، ومنها: التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام، وقد يختلف في بعض ذلك. فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله - ﷺ - فما بعده، وكذلك الاستعاذة والبسملة، هذا آخر كلامه.\nقوله - ﷺ -: \"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه\"، أي: أحق، قال الأصحاب: فكان النبي - ﷺ - إذا احتاج إلى طعام أو غيره وجب على صاحبه بذله له - ﷺ -، ولكن هذا وإن كان جائزًا لم يقع (^١).\nقوله: \"من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ\"، الضياع والضيعة: بفتح الضاد العيال المحتاجون الضائعون، والمراد: من ترك أطفالًا وعيالًا وذا حاجة يضيعون بعده، أي: لا شيء لهم (^٢)، قيل: إنه كان - ﷺ -\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦١).","vol":"1","page":536},{"text":"يقضيه من مال مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه، وقيل: كان هذا القضاء واجبًا عليه - ﷺ -، وقيل: تبرع منه، والخلاف فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم، والصحيح: أنه كان واجبا عليه، واختلف أصحابنا في قضاء دين من مات وعليه دين، قيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب، وهذا الذي قاله النبي - ﷺ - بعد ما فتح الله عليه الفتوح واتسعت أموال بيت المال، وقد كان النبي - ﷺ - في ابتداء الإسلام لا يصلي على من ترك دينا لا وفاء له لئلا تساهل الناس في الاستدانة ويهملوا الوفاء فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح الله عليه عاد يصلي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء، واختلف أصحابنا: هل هو من الخصائص أو لا؟ فقال بعضهم: كان من خصائصه - ﷺ - ولا يلزم الإمام أن يقضيه من بيت المال، وقال بعضهم: ليس من خصائصه بل يلزم كل إمام أن يقضي من بيت المال دين من مات وعليه دين إذا لم يخلف وفاء وكان في بيت المال سعة ولم يكن هناك أهم منه، والله أعلم، قاله النووي (^١)، ومعنى هذا الحديث: أن النبي - ﷺ - قال: \"أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالًا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلى نفقتهم ومؤونتهم\" والله أعلم، قاله النووي في شرح مسلم (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦٠ - ٦١).","vol":"1","page":537},{"text":"٧٩ - وَعَن مُعَاوِيَة - ﵁ -: قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أَلا إِن من كَانَ قبلكُمْ من أهل الْكتاب افْترقُوا على ثِنْتَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَإِن هَذِه الأمة ستفرق على ثَلاث وَسبعين ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار وَوَاحِدَة فِي الْجنَّة وَهِي الْجَمَاعَة رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَزَاد فِي رِوَايَة وَإنَّهُ ليخرج فِي أمتِي أَقوام تتجارى بهم الأهْوَاء كمَا يتجارى الْكَلْب بِصَاحِبِهِ لا يبْقى مِنْهُ عرق وَلا مفصل إِلَّا دخله (^١) قَوْله الْكَلْب بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام قَالَ الْخطابِيّ هُوَ دَاء يعرض للإنْسَان من عضة الْكَلْب الْكَلْب قَالَ وعلامة ذَلِك فِي الْكَلْب أَن تحمر عَيناهُ وَلا يزَال يدْخل ذَنبه بَين رجلَيْهِ فَإِذا رأى إنْسَانا ساوره.\nقوله: عن معاوية، كنيته: أبو عبد الرحمن، معاوية بن أبي سفيان، صحابي بن الصحابي بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، يجتمع أبوه وأمه في عبد شمس، أسلم هو وأبوه أبو سفيان وأخوه يزيد بن أبي سفيان وأمه هند في فتح مكة، وقيل: إنه أسلم في عمرة القضاء وكتم إسلامه، شهد مع رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٢ (١٦٩٣٧)، والدارمى (٢٥٦٠)، وأبو داود (٤٥٩٧)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١) و(٣/ ٣٨٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١) و(٢) و(٦٥) و(٦٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٧٦ - ٣٧٧ رقم ٨٨٤ و٨٨٥) والشاميين (١٠٠٥ و١٠٠٦)، والحاكم ١/ ١٢٨. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٥١)، والصحيحة (٢٠٤). وقوله وزاد ... إلخ هي عند أحمد وأبى داود وإنما زاد أحمد بعدها قوله وَاللهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ - ﷺ -، لَغَيْرُكُمْ مِنَ النَّاسِ أَحْرَى أَنْ لَا يَقُومَ بِهِ.","vol":"1","page":538},{"text":"حنينًا، وأعطاه من غنائم هوزان مائة بعير وأربعين أوقية، كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم ثم حسن إسلامهما، ولما بحث أبو بكر الصديق الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد، فلما مات يزيد استخلفه على عمله بالشام وهو بدمشق فأقره عمر - ﵁ - مكانه، ولما ولاه عمر بن الخطاب الشام مكان أخيه يزيد بقي أميرًا خلافة عمر ثم أقره عثمان، وولي الخلافة بعد ذلك عشرين سنة تقريبا، ولي دمشق أربع سنين في خلافة عمر، واثنتا عشرة سنة من خلافة عثمان مع ما أضاف إليه من باقي الشام، وأربع سنين تقريبًا أيام خلافة علي وستة أشهر خلافة الحسن، وسلم إليه الحسن الخلافة سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربعين، والأول أصح، واتفقوا على أنه توفي بدمشق، والمشهور أنه توفي يوم الخميس لثمان بقين من رجب، وقيل: لنصف رجب سنة ستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وخمسين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل: غير ذلك، وروي عنه أنه قال: ما زلت أطمع بالخلافة منذ قال لي رسول الله - ﷺ -: \"إن وليت فأحسن\"، ومناقبه كثيرة مشهورة، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثلاثة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري أربعة، ومسلم بخمسة، والله أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إلا أن من كان قبلكم افترقوا على ثنتين وسبعين ملة\" الحديت، اختلف في أهل الكتاب من هم؟ هم اليهود والنصارى دون غيرهم كمن\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠١ - ١٠٤ الترجمة ٥٨٨).","vol":"1","page":539},{"text":"يؤمن بزبور داود وصحف إبراهيم وشيث، فلا يسمون أهل الكتاب؛ لأن الزبور فيه مواعظ فقط، فلذلك لا يسمون بخلاف التوراة والإنجيل، وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (^١) اليهود والنصارى، وعلى هذا القول: اختلف العلماء في طائفتين من هم، وهم: السامرة ضرب من اليهود، والصابئة ضرب من النصارى، هل يقاتلون مقاتلة اليهود والنصارى أم لا، فالذي أفتى به أبو سعيد الاصطخري لما استفتاه القاهر من خلفاء بني العباس في الصابئين أنهم يقتلون، وعلل ذلك بأنهم يعتقدون أن الفلك حي ناطق وأن الكواكب السبعة آلهة مدبرة، والمذهب المشهور أنهم إن وافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم كانوا منهم وإن خالفوهم لم يكونوا منهم، وكان حكمهم حكم عبدة الأوثان (^٢)، والله أعلم، قاله في الديباجة.\nقوله: \"افترقوا على ثنتين وسبعين ملة\"، والملة: ما شرع الله لعباده على لسان النبي - ﷺ - ليتوصلوا به إلى النجاة، ثم توسع فيها بعد ذلك فاستعملت في الملل الباطلة (^٣).\nقوله: \"وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين\" قال بعض العلماء: الفرقة التي زادت في هذه الأمة هي التي تبغض العلماء وتعادي الفقهاء،\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٦.\n(^٢) انظر المجموع شرح المهذب (١٦/ ٢٣٢ - ٢٣٥).\n(^٣) شرح المشكاة (٢/ ٦٤٠)، وكشف المناهج (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":540},{"text":"ولم يكن ذلك فيمن تقدم قبلنا من الأمم (^١)، بل كانوا منقادين لعلمائهم محبين لهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه، بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (^٢)، والأمة: يجوز أن يراد بهم أمة الدعوة فتندرج سائر أرباب الملل الذين ليسوا على قبلتنا أو أمة الإجابة، فالمراد: نحل أهل القبلة، وقال بعض العلماء: الأمة عبارة عن أهل ذلك الزمان على أي ملة كانوا، وقد تطلق الأمة على الزمن مجازًا (^٣)، والله أعلم، وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليأتين على أمتي ما أتى علي بني إسرائيل\" فذكر الحديث، إلى أن قال: \"وأن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة\" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" قال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة\".\nقوله - ﷺ -: \"ثنتان وسبعون في النار\"، أي: كلهم يفعلون ويعتقدون ما هو موجب دخول النار فإن كان كفرًا وماتوا عليه دخلوها ولا يخرجون، وإلا\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي (٧/ ١٤١).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٣١.\n(^٣) المفاتيح (١/ ٧٢)، وكشف المناهج (١/ ١٤٥)، وشرح المصابيح (١/ ١٧٧) لابن الملك.","vol":"1","page":541},{"text":"فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنهم وإن شاء أدخلهم النار ثم أخرجهم (^١).\nوقوله: \"أمتي\"، إشارة إلى أن الفرق المبتدعة كلهم مسلمون (^٢). انتهى.\nقوله: \"وواحدة في الجنة\"، وهي: الأمة والجماعة التي أمر بلزومها السواد الأعظم، وقال: كل ما كان عليه السواد الأعظم من أهل الإسلام فهو الحق الواجب الذي لا يجوز لأحد من المسلمين خلافه، وقال آخرون: الجماعة التي أمر النبي - ﷺ - بلزومها جماعة أئمة المسلمين، وذلك لأن الله تعالى جعلهم حجة على خلقه، وإليهم يفزع العامة في دينهم ودنياهم، وهم المعنيون بقوله - ﷺ -: \"لن تجتمع أمتي على ضلالة\"، وسئل عبد الله بن المبارك عن الجماعة الذي ينبغي أن يقتدى بهم، فقال: أبو بكر وعمر، وكر واحدا بعد واحد من العلماء، وقال آخرون: الجماعة التي أمر النبي - ﷺ - بلزومها هم الصحابة لأنهم كالنجوم بهم يهتدى من اقتدى، وهم الذين ضمن الله لنبيه - ﷺ - أن لا يجمعهم على ضلالة، وقال آخرون: الجماعة هم أهل الإسلام، وفي حديث أبي بكرة حجته في ذلك لأنه ﵊ أمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم فقال: إن الجماعة المأمورين بإتباعها هي السواد الأعظم مع الإمام الجامع لهم، وإذا لم يكن لهم إمام وتفرق الناس أحزابًا فالواجب اعتزال تلك الفرق كلها كما أمر به النبي - ﷺ - أبا ذر (^٣)،\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٧٨).\n(^٢) المفاتيح (١/ ٢٧٨).\n(^٣) انظر شرح الصحيح (١٠/ ٣٣ - ٣٥) لابن بطال.","vol":"1","page":542},{"text":"انتهى، قاله في الديباجة.\nوروى الدارقطني عن أسامة بن شريك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم\" (^١) وثبت في الصحيح: \"ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا\" (^٢) وثبت في الصحيح أيضًا: \"ذروني ما تركتكم عليه، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا\" (^٣) الحديث، فتبين بهذه الأحاديث أن لزوم الجماعة واجب.\nقوله - ﷺ -: \"وأنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء\"، أي: تتواقعون في الأهواء الفاسدة ويتداعون فيها، أي: تدخل فيهم تلك الأهواء، جمع: الهوى، والمراد هنا: البدعة (^٤).\nقوله: \"كما يتجارى الكلب بصاحبه\"، أي: كما يدخل الكلب في جميع أعضاء الرجل، فكذا البدعة تدخل وتؤثر في جميع أعضاء المبتدع بحيث لا يقدر أن يزيلها عنه (^٥)، قال الحافظ ﵀: الكلب داء يعرض للإنسان من\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١/ ١٨٦ رقم ٤٨٩)، واللالكائى في أصول السنة (١٤٤). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١٨: رواه الطبراني وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١). وصححه الألباني في الإرواء (١٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٠ - ١٣٣٧) عن أبي هريرة\n(^٤) النهاية (١/ ٣٦٤)، والمفاتيح (١/ ٢٨٠)، وكشف المناهج (١/ ١٤٦).\n(^٥) المفاتيح (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":543},{"text":"عضة الكلب، الكلب فذكره وفي آخره: \"فإذا رأى إنسانًا ساوره\" أي: واثبه، قال الشاعر (^١):\nفَبِتُّ كأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِلَةٌ ... مِنَ الرُّقْشِ في أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعُ\nالضئيلة: الحية، شبه تجارى الكلب بصاحبه بجري الفرس (^٢).\nوقال بعض العلماء: هو داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحدا إلا كلب، فإذا عقر هذا الكلب إنسانًا فأعرض له من ذلك أعراض رديئة، منها: أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشًا، ولا يزال يستسقى حتى إذا سُقى الماء لم يشربه، فإذا استحكمت هذه العلة به فقعد للبول خرج منه على هيئة صور الكلاب الصغار، وقيل: إن هذا المعضوض ينتظر به سبعة أيام، فإن بال على هذه الهيئة يبرأ منه وإلا هلك، واجتمعت العرب على أن دواة قطرة من دم ملك تخلط بها فيشفاه، فالكلب داء عظيم إذا تجارى بالإنسان وتمادى هلك، كما تقدم ذكره، شبه - ﷺ - تمكن الأهواء من قلوب أهل البدع بتمكن الكلب من الكلب بحيث لا يقبل الانفصال (^٣).\n_________\n(^١) البيت للنابغة انظر غريب الحديث لابن سلام (٣/ ٣١٧)، والحيوان (٤/ ٣٨١)، وغريب الحديث (٢/ ٤٩٢) لابن قتيبة، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٣٠).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٦٤)، والعدة شرح العمدة (٣/ ١٧٠٣).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٩٥)، وشرح المشكاة (٢/ ٦٤١ - ٦٤٢)، وحياة الحيوان (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، وشرح المصابيح (١/ ١٧٨) لابن الملك.","vol":"1","page":544},{"text":"فئدة في عجائب المخلوقات: إن بقرية من أعمال حلب بئر يقال لها بئر الكلب إذا شرب منها من عضه الكلب برئ، وهي مشهورة، قال بعض أهل القرية: إذا لم يجاوز المكلوب أربعين يومًا وشرب منها برئ، أما إذا جاوز الأربعين فإنه يموت ولو شرب منها، وذكر أنه شاهد ثلاثة أنفس مكلوبين فشربوا فسلم اثنان، وكانا لم يبلغا الأربعين ومات الثالث وكان قد تجاوز الأربعين، وهذا البئر منها يشرب أهل تلك الضيعة (^١)، انتهى.\n\n٨٠ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ سِتَّة لعنتهم ولعنهم الله وكل نَبِي مجاب الزَّائِد فِي كتاب الله ﷿ والمكذب بِقدر الله والمتسلط على أمتِي بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذلّ الله والمستحل حُرْمَة الله والمستحل من عِتْرَتِي مَا حرم الله والتارك السّنة. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا أعرف لَهُ عِلّة (^٢).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٧٩).\n(^٢) أخرجه الترمذى (٢١٥٤)، والأزرقى في أخبار مكة (٢/ ١٢٥)، والفاكهى في أخبار مكة (١٤٨٤ و١٤٨٥ و١٤٨٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٤) و(٣٣٧)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٤٦٠ و٣٤٦١) وابن حبان في صحيحه (٥٧٤٩)، والطبراني في الكبير (٣/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم ٢٨٨٣)، وفي الأوسط (٢/ ١٨٦ رقم ١٦٦٧)، وفي الدعاء (٢٠٩٠)، وابن بطة في الإبانة (١٥٣١)، والحاكم (١/ ٣٦ و٢/ ٥٢٥ و٤/ ٩٠).\nقال أبو زرعة في العلل (١٧٦٧): حديث ابن أبي الموالي خطأ، والصحيح: حديث عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن علي بن الحسين، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٨٩) وضعيف الترغيب (٣٥) والظلال (٤٤).","vol":"1","page":545},{"text":"قوله: وعن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله - ﷺ -: \"ستة لعنتهم لعنهم الله، وكل نبي مجاب\"، وفي بعض النسخ: \"وكل نبي يجاب\" أي: مستجاب الدعوة، ومعناه: ستة أشخاص دعوت عليهم بسوء لعنهم الله، ودعائي مقبول لأن كل نبي مجاب الدعوة، أحد الستة: الزائد في كتاب الله، أي: في القرآن أو في حكم الله، قيل: هو الذي يتأول القرآن على غير تأويله وسائر كتب الله تعالى كالتوراة والإنجيل كذلك (^١).\nالثاني: التكذيب بقدر الله تعالى، عده العلماء كبيرة من الكبائر، والمكذب بقدر الله هو الذي يقول بخلق أفعال العباد، والقدر بفتح الدال وإسكانها: قدر الله الذي يجب الإيمان به كله خيره وشره حلوه ومره نفعه وضره لما روى ابن ماجه عن عدي بن حاتم أن النبي - ﷺ - قال له: \"أسلم تسلم\" قال: فقلت: وما الإسلام؟ قال: \"أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها\" (^٢)، ولما كان الإيمان بالقدر من أعظم أركان الإيمان عقبه به، ومذهب أهل الحق إثبات القدر كما جاء به القرآن والسنة الصحيحة المشهورة، ومعناه: أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٨٧)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٥)، والطبراني في الكبير ١٧/ (١٧/ ٨١ رقم ١٨٢)، والبيهقي في القضاء والقدر (١٩٧ و١٩٨). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الجامع (٦٣٩٩) وضعيف ابن ماجه (٨٧).","vol":"1","page":546},{"text":"وعلم ﷾ أنها ستقع في أوقاتها معلومة عنده ﷾، وخالفت القدرية هذا وزعمت أنه ﷾ لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها وأنها مستأنفة العلم، أي: إنما علمها ﷾ بعد وقوعها، وكذبوا على الله تعالى، وتعالى الله عن إفكهم علوًا كبيرًا (^١).\nقال الخطابي (^٢): القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره، ولذلك سماهم النبي - ﷺ - مجوسًا لمشابهة مذهبهم مذهب المجوس القابلين بالأهين اثنين، فالقدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار، اختص به العليم الخبير، وحجبة عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، وقد طوي الله علم القدر عن العالم فلا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، قال النووي (^٣): المراد بالقدر هنا القدر المعروف، وهو: ما قدره الله تعالى وقضاه وسبق به علمه وإرادته، انتهى، قاله في الديباجة.\nتتمة: روى البيهقي في كتاب الشهادات (^٤) عن الربيع قال: سئل الشافعي عن القدر، فأنشأ يقول:\nمَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ ... وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ\nخَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ ... فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنْ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٤).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٣١٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢٠٥).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٣٤٨ - ٣٤٩ رقم ٢٠٨٩٦).","vol":"1","page":547},{"text":"عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ ... وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ\nفَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ ... وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ\nالثالث: المتسلط على أمتي بالجبروت، أي: المستولي الغالب بالكبرياء والعظمة لإعزاز من أذله الله كالكفار وإذلال من أعزه الله تعالى كالمؤمنين (^١).\nالرابع: قوله - ﷺ -: \"والمستحل حرمة الله تعالى\"، وهو: المستحل في حرم مكة ما لا يجوز فعله (^٢).\nالخامس: المستحل من عترتي ما حرم الله، قال في النهاية (^٣): عترة الرجل أخص رجاله، وعترة النبي - ﷺ - بنو عبد المطلب، وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم أولاده وعلي وأولاده، وقيل: عترته الأقربون والأبعدون منهم، ومنه حديث أبي بكر الصديق: نحن عترته - ﷺ - وبيضته التي تفقأت عنهم، لأنهم كلهم من قريش، ومنه حديثه الآخر قال للنبي - ﷺ - حين شاور أصحابه في أساري بدر: عشيرتك وقومك، أراد بعشيرته العباس ومن كان فيهم من بني هاشم، وبقومه قريشًا.\nوقال ابن الأعرابي: العترة الذرية، وقال القتيبي: العشيرة (^٤)، والمشهور المعروف أن عترته أهل بيته الذين حرمت عليهم الزكاة (^٥)، والله أعلم.\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢١٤)، وشرح المصابيح (١/ ١٢٧) لابن الملك.\n(^٢) المفاتيح (١/ ٢١٥).\n(^٣) النهاية (٣/ ١٧٧).\n(^٤) انظر تهذيب اللغة (٢/ ١٥٧).\n(^٥) النهاية (٣/ ١٧٧).","vol":"1","page":548},{"text":"السادس: التارك السنة، تارك السنة من الستة الذين لعنهم الله، وكل نبي مجاب، فتارك السنة هو الذي يعرض عنها بالكلية أو بترك بعضها استخفافًا، وقلة مبالاة بها (^١)، ومعنى السنة: ما وضعه النبي - ﷺ - من أحكام الدين، وذلك قد يكون فرضا في كزكاة الفطر، وغير فرض كصلاة العيد، والله أعلم.\nتتمة: قال الأوزاعي: رأيت رب العزة في المنام، فقال: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قلت: بفضلك يا رب، ثم قلت: رب أمتني على الإسلام، فقال ﷻ: وعلى السنة، فقلت: وعلى السنة (^٢).\nقال الشيخ محيي الدين النووي (^٣): كنية الأوزاعي أبو عمرو الشامي الدمشقي، وكان اسمه عبد العزيز فسمى نفسه عبد الرحمن، فهو: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، وكان أصله من سبي السند، فالأوزاعي منسوب إلى الأوزاع بطن من حمير، وقيل: من همدان بسكون الميم، وقيل: الأوزاع قرية عند باب الفراديس، وقيل: هو نسبة إلى أوزاع القبائل أي فرقها، وبقايا من قبائل شتى، كان إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة، وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك، وكان يسكن دمشق خارج باب الفراديس ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطا إلى\n_________\n(^١) انظر: المفاتيح (١/ ٢١٥ - ٢١٦)، وشرح المصابيح (٢/ ٥٧٣)، وشرح المصابيح (١/ ١٢٨) لابن الملك.\n(^٢) حلية الأولياء (٦/ ١٤٢).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩٨ - ٣٠٠ الترجمة ٣٥٥).","vol":"1","page":549},{"text":"أن مات، وهو من تابعي التابعين، وأجمعت العلماء على إمامته وجلالته وكمال فضله وعلو مرتبته، قيل: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة، وقيل: أفتى في ثمانين ألف مسألة، وما كان أحد أعلم بالسنة من الأوازعي، لقد جمع بين العبادة والورع والقول بالحق، وذكر أبو إسحاق الشيرازي في الطبقات: الأوزاعي سئل عن الفقه، يعني: استفتى ثلاث عشرة سنة، وأقوال السلف في أقواله ومناقبه كثيرة، ولد - ﵁ - سنة ثمان وثمانين، ومات في سنة سبع وستين ومائة في خلافة أبي جعفر، ومات في حمام بيروت، دخل الحمام فذهب لقضاء حاجة، وأغلق عليه الباب، ولما فتح الباب فوجده ميتا متوسد يمينه مستقبل القبلة، وقال أبو الفتح: قال الأوزاعي: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوما بيوم وساعة بساعة، فالساعة التي لا يذكر الله فيها إذا مرت ندم عليها حسرات، فكيف إذا مرت ساعة مع ساعة ويوم مع يوم، وكان - ﵁ - لا يكلم أحدا بعد صلاة الفجر، وقال: من أطال قيام الليل هون الله عليه يوم القيامة، انتهى.\n\n٨١ - وَعَن أبي بَرزَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِنَّمَا أخْشَى عَلَيْكُم شهوات الغي فِي بطونكم وفروجكم ومضلات الْهوى رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة وَبَعض أسانيدهم رُوَاته ثِقَات (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٤٢٠ (١٩٧٧٣) و٤/ ٤٢٣ (١٩٧٨٧)، والفسوى في مشيخته (٢٣)، والبزار (٣٨٤٤) و(٤٥٠٣)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٨٨)، والطبراني في الصغير (١/ ٣٠٩ رقم ٥١١)، والبيهقي في المدخل (٨٣٠).","vol":"1","page":550},{"text":"٨٢ - وَعَن عَمْرو بن عَوْف - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِنِّي أَخَاف على أمتِي من ثَلَاث من زلَّة عَالم وَمن هوى مُتبع وَمن حكم جَائِر رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق كثير بن عبد الله وَهُوَ واه وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ فِي مَوَاضِع وصححها فِي مَوضِع فَأنْكر عَلَيْهِ وَاحْتج بهَا ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن عمرو بن عوف (هو أبو عبد الله عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى، كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله - ﷺ -، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى: (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) (^٢). توفى في آخر خلافة معاوية. له عن النبي - ﷺ - أحاديث. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إني أخاف على أمتي من ثلاث، من زلة عالم ومن هوى متبع\n_________\n= قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٨٨: رواه أحمد والبزار والطبراني في الثلاثة، ورجاله رجال الصحيح؛ لأن أبا الحكم البناني الراوي عن أبي برزة بينه الطبراني فقال: عن أبي الحكم، هو علي بن الحكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢) و(٢١٤٣).\n(^١) أخرجه المعافى بن عمران في الزهد (٢١٦)، والبزار (٣٣٨٤)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٧ رقم ١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (١١٢٧). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٨٧: رواه البزار، وفيه كثير بن عبد الله بن عوف، وهو متروك، وقد حسن له الترمذي. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (٣٦).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٣ الترجمة ٤٥٦).","vol":"1","page":551},{"text":"ومن حكم جائر\" [قال ابن عباس: ويل للعالم من الاتباع يزل زلة فيرجع عنها ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق وقال بعضهم مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق أهلها فقد استبان لك أيها الأخ كما تضاعف حسنة العالم إذا اقتدى به كذلك تضاعف سيئته إذا اقتدي به فكم من رجل كان يحسن صلاته مدة سنين فرأى عالما يسيء صلاته ويتهاون بالطمأنينة فيها والخشوع فترك ما كان عليه واقتدى بالعالم في ذلك واتخذه عادة ظنا منه أن هذه الصفة تجزئ وإن مثل هذا العالم لا يفعل إلا ما يجوز والنفوس قد طبعت على الميل إلى الراحة وإيثار الرخص وإتباع الأيسر من الواجبات والنفور عن العزائم والتشديدات فلو قيل له لم تسيء صلاتك لقال وما نسبتي إلى العالم فلان وقد رأيته يصلي كذلك فإن كنت منكرا فأنكر عليه فما أنا بأعلم منه ونحو هذا الكلام وقس على هذا جميع ما يصدر من المتلبسين بالعلم فتجد ذلك أعظم الأسباب في جرأة الجاهلين على الذنوب وارتكابهم المعاصي وقلة مبالاتهم بالمخالفات وأشد ما في ذلك على العالم أن العاصي ربما كان يأتي المعصية مع استشعار الخوف والندم وغير ذلك من الأسباب التي تصغر تلك المعصية وإن كانت كبيرة فإذا رأى العالم يفعلها صغرت في عينه وهانت في قلبه وأتاها بإقدام وجرأة فإن كانت صغيرة صارت بذلك كبيرة وإن كانت كبيرة كانت فاحشة غليظة موبقة وبعدت عليه التوبة منها لأنه يأتيها بنوع تأويل باطل يرجع إلى تقليد العالم فيها والاقتداء به وأنه إنما أتاها لعلمه أن فيها رخصة لا يعلمها الجاهل وإثم جميع ذلك على العالم الذي اقتدي به في الضلال وأقامه مقام إبليس في الإضلال ومثل هذا العالم يجب","vol":"1","page":552},{"text":"عليه فيما يرتكبه أمران أحدهما: ترك الذنب.\nوالآخر: إخفاؤه عمن يقتدى به فيه فكل هذه الأمور وأشباهها مما تعظم به الصغائر وتنتقل إلى رتب الكبائر فيجب على مرتكبها إن لم يوفق للتوبة منها أن يحترز عما تعظم به ولا يغفل عن عظمة من عصاه ويشكر مولاه على ستر الجميل في مخالفته وحمله عليه في عصيانه ويتلبس أبدا بالندم والانكسار ويتوقع التوبة والعفو بشهود الفاقة والافتقار ويتطهر ما أمكنه عن الذنوب أجمع فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (^١)].\n\n٨٣ - وَرُوِيَ عَن غُضَيْف بن الْحَارِث الثمالِي قَالَ: بعث إِلَيّ عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَان إِنَّا قد جَمعنَا النَّاس على أَمريْن، فَقَالَ: وَمَا هما قَالَ رفع الأَيْدِي على المنابر يَوْم الْجُمُعَة والقصص بعد الصُّبْح وَالْعصر فَقَالَ أما إنَّهُمَا أمثل بدعتكم عِنْدِي وَلست بمجيبكم إِلَى شَيْء مِنْهُمَا قَالَ لم قَالَ لِأن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا أحدث قوم بِدعَة إِلَّا رفع مثلهَا من السّنة فتمسك بِسنة خير من إِحْدَاث بِدعَة. رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار (^٢).\nقوله: عن غضيف بن الحارث الثمالي، الثمالي بالثاء المثلثة مضمومة منسوب إلى ثمال بطن من الأزد.\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣٦٥ - ٣٦٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٥ (١٦٩٧٠)، وابن شبة في تاريخ المدينة (١/ ٩ - ١٠)، والمروزى في السنة (٩٧)، والبزار (١٣١/ كشف الأستار). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٨٨: رواه أحمد والبزار، وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو منكر الحديث. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٠٧) وضعيف الترغيب (٣٧).","vol":"1","page":553},{"text":"قوله: بعث إلي عبد الملك بن مروان، عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي الأموي، كان والي المدينة من جهة معاوية ولد مروان على عهد رسول الله - ﷺ -، ولم يصح له سماع من النبي - ﷺ - والرواية لأنه خرج إلى الطائف مع أبيه وهو طفل لا يعقل حين نفى النبي - ﷺ - أباه الحكم إليها، وكان مع أبيه فيها حتى استُخلف عثمان فردهما إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم فتح مكة، وطرده النبي - ﷺ - إلى الطائف لأنه كان يفشي سره، مات في خلافة عثمان، ولما توفي معاوية بن يزيد بايع بعض الناس مروان بالخلافة، روى عن عمر وعثمان وعلي وزيد وبسرة بنت صفوان، وروى عنه: ابنه عبد الملك وسهل بن سعد وعروة بن الزبير وعلي بن الحسن ومجاهد وغيرهم، وكان كاتبًا لمعاوية في خلافته في خلافته، وولي له أمر المدينة والموسم غير مرة، بويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية، وكان الضحاك قد غلب على دمشق وبايع فيها لابن الزبير، ثم دعا إلى نفسه، فقصده مروان ووافقه بمرج راهط فقتله، وغلب على دمشق، وقدم مصر لغزو أهل المغرب سنة سبع وثلاثين ثم قدمها بعدما بويع له بالشام في جمادي الأول سنة خمس وثلاثين، وتوفي في رمضان منها سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة خمس وستين، ودفن بباب الجابية أو باب الصغير بدمشق، والله أعلم (^١).\nقوله: إنا قد جمعنا الناس على أمرين، فقال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: إنهما أمثل\n_________\n(^١) انظر تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٧ - ٨٨ الترجمة ٥٦٥)، وتهذيب الكمال (٢٧/ ٣٨٧ - ٣٨٩ الترجمة ٥٨٧٠).","vol":"1","page":554},{"text":"بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منهما، الحديث؛ المراد برفع الأيدي على المنابر، رفع أيديهم عند الدعاء، ومن البدع: القصص بعد الصبح والعصر، أي: المواعظ، وعن خباب بن الأرت أنه رأى ابنه عبد الله قص فلما رجع اتزر وأخذ السوط، وقال: أمع العمالقة أنت؟ هذا قرن قد طلع (^١)، قال ابن عبد البر (^٢): فهذا خباب سمى القصص بدعة، لأن القصص أحدث عليهم، ولم يكونوا يعرفونه، وقال - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" فكان مما أحدث بعده - ﷺ - ما أحدثه القصاص بعده مما أنكره غير واحد من الصحابة، وكان ابن عمر ينكره ويقول: لم تكن القصص في زمن النبي - ﷺ - ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر، وانما كان القصص حين كانت الفتنة، انفرد به ابن ماجه وإسناده حسن (^٣).\nفهذا يعارض ما رواه الأئمة عن تميم الداري: أنه أول من قص على الناس استأذن عمر في ذلك فأذن له (^٤)، وسيأتي الكلام على ذلك أواخر الباب إلا أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٩١ (٢٦١٩٧) ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١١ - ١٢)، وابن الجوزى في القصاص والمذكرين (١٩٨).\n(^٢) التمهيد (٤/ ١٢).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٧٥٤)، وابن حبان (٦٢٦١). وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٢٢ - ١٢٣: هذا إسناد فيه العمري وهو ضعيف واسمه عبد الله. وضعفه الألباني في التعليق على ابن ماجه.\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٤٩ (١٥٧١٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٩ رقم ٦٦٥٦) والشاميين (١٧٠٠). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٩٠: رواه أحمد والطبرإني في الكبير، وفيه بقية بن الوليد، وهو ثقة مدلس.","vol":"1","page":555},{"text":"يقال أنه استأذن في القصص وقص بعد وفاة عمر، ويعارضه أيضًا حديث أوس بن أبي أوس قال: إنا لقعود عند رسول الله - ﷺ - يقص علينا ويذكرنا إذ أتاه رجلٌ، إلى آخره، وهو حديث صحيح (^١)، وإنَّما عنى بها أنها من بدعة الهيئة الاجتماعية عليه في وقت معين فإن النبي - ﷺ - لم يكن يعين وقت معين يقص على أصحابه فيه غير خطبه الراتبة في الجمع والأعياد، وإنما كان يذكرهم أحيانًا، وعند حدوث أمر محتاج إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة اجتمعوا على تعيين وقت له كما صح عن ابن مسعود أنه كان يذكر أصحابه كل خميس، وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص كل ثلاثة أيام مرة، ومن هذا قول الحسن: القصص بدعة ونعمت البدعة كم من أخ يستفاد ودعوة مستجابة وحاجة مقضية (^٢).\nوالبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع، وإنما أطلق عليها بدعة باعتبار أنها لم تكن كذلك من رسول الله - ﷺ -، فالبدع الحسنة متفق على جوازها وفعلها، وأما البدع المستقبحة وهي كل ما كان مخالفا للشريعة، واعلم أن كل ما كان مكروهًا فإنكاره مستحب لا واجب، والسكوت عنه مكروه، وما كان محرما فإنكاره واجب، والسكوت عنه حرام (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٨ (١٦١٦٣)، وابن ماجه (٣٩٢٩)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٧٢ - ٤٧٣ (٤٠١٦ - ٤٠١٨). وصححه الألباني في الصحيحة (٤٠٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨٦).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٣٥)، وتنبيه الغافلين (ص ٤٣٠).","vol":"1","page":556},{"text":"٨٤ - وروى عَنهُ الطَّبَرَانِيّ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: مَا من أمة ابتدعت بعد نبيها فِي دينهَا إِلَّا أضاعت مثلهَا من السّنة (^١).\nقوله - ﷺ -: في رواية الطبراني: \"ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة\"، وفي الحديث قبله وهو حديث غضيف بن الحارث: فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة، قال عبد الله بن عباس: لا يأتي على الناس زمان إلا أماتوا سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيى البدع إلا من هون الله عليه إسخاط الناس ومخالفتهم فيما أرادوا ونهيهم عما اعتادوا، ومن ليس كذلك أحسن الله تعويضه، قال رسول الله - ﷺ -: \"إنك لن تدع شيئا إلا عوضك الله خيرا منه\" (^٢) انتهى، قاله في الديباجة.\n\n٨٥ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا تَحت ظلّ السَّمَاء من إِلَه يعبد [مِنْ دُونِ اللهِ] أعظم عِنْد الله من هوى مُتبع. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن أبي عَاصِم فِي كتاب السّنة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٩٩ رقم ١٧٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٨).\n(^٢) قاله القرطبي في التذكرة (ص ٣٣٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٨٧)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٣ رقم ٧٥٠٢)، وابن عدى (٣/ ١٢٥ - ١٢٦). قال ابن عدي وهذا إن كان البلاء فيه من الحسن وإلا من الخصيب بن جحدر ولعله أضعف منه. وقال ابن الجوزى في الموضوعات (٣/ ١٣٩): هذا حديث موضوع على رسول الله - ﷺ -، وفيه جماعة ضعاف والحسن بن دينار والخصيب كذابان عند علماء النقل. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٨٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه الحسن بن دينار، وهو متروك الحديث.\nوقال الألباني في ضعيف الترغيب (٣٩): موضوع.","vol":"1","page":557},{"text":"قوله: عن أبي أمامة، أبو أمامة اسمه صدي بن عجلان [الباهلي، صحب النبي - ﷺ - وروى عنه، كان في حجة، قال سليم بن عامر: جاء رجل إلى أبي أمامة فقال: يا أبا أمامة إني رأيت في منامي الملائكة تصلي عليك وكلما خرجت وكلما قمت وكلما جلست، فقال: إني أقول اللهم غفرًا دعونا عنكم وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة ثم قرأ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١\" (^١)، قال ابن عيينة: كان آخر من بقي من أصحاب النبي - ﷺ - بالشام أبو أمامة الباهلي، وروى الواقدي: أن عبد الله بن بسر آخر من مات بالشام من الصحابة، أبو أمامة مات سنة خمس وثمانين في قرية يقال لها دنبرة على عتبة الباب، روى له الجماعة (^٢)، انتهى، قاله في الديباجة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"ما تحت ظل السماء من إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع \" الحديث، قال الليث بن سعد: لو رأيت ما صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته (^٣)، وقال ابن رجب ﵀: فمن أحب شيئا وأطاعه وأحب عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان يحب ولا يبغض إلا لله ولا يوالي ولا يعادي إلا لله فالله إلهه حقا، ومن أحب هواه وأبغض له ووالى عليه وعادى\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٤١.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٦ الترجمة ٧١٨)، وتهذيب الكمال (١٣/ الترجمة ٢٨٧٢).\n(^٣) حلية الأولياء (٩/ ١١٦)، ومناقب الشافعي (١/ ٤٥٣)، وذم الكلام (١١١٨).","vol":"1","page":558},{"text":"عليه فإلهه هواه، وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله ﷿ فقد عبده كما قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ (^١) الآية (^٢). انتهى.\n\n٨٦ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ وَأما المهلكات فشح مُطَاع وَهوى مُتبع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ. رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا (^٣) وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي انْتِظَار الصَّلَاة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\n\n٨٧ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله حجب التَّوْبَة عَن كل صَاحب بِدعَة حَتَّى يدع بدعته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن (^٤)\n_________\n(^١) سورة يس، الآية: ٦١.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٢٥).\n(^٣) أخرجه البزار (٦٤٩١)، والدولابى في الكنى (٨٤٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٢٨ رقم ٥٤٥٢)، وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٣٣) و(٥٢٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٦٩ - ٢٦٨)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤ رقم ٧٣١).\nوقال الهيثمى في المجمع ١/ ٩١: رواه البزار، والطبراني في الأوسط ببعضه، وقال: إعجاب المرء بنفسه من الخيلاء، وفيه زائدة بن أبي الرقاد وزياد النميري، وكلاهما مختلف في الاحتجاج به. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٣) و(٤٥٣).\n(^٤) أخرجه إسحاق (٣٩٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٧)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٨١ رقم ٤٢٠٢)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٥٤ - ٥٥ رقم ٩٠١١)، وابن الجوزى في العلل (٢١١ و٢١٢). قال المؤلف: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - ومدار الطريقين على محمد بن عبد الرحمن الكوفي القشيري. قال ابن عدي: هو منكر الحديث مجهول وهو من مشائخ بقية المجهول. =","vol":"1","page":559},{"text":"وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن عَاصِم فِي كتاب السّنة من حَدِيث ابْن عَبَّاس (^١) وَلَفْظهمَا قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَبى الله أَن يقبل عمل صَاحب بِدعَة حَتَّى يدع بدعته وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث حُذَيْفَة (^٢) وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يقبل الله لصَاحب بِدعَة صوما وَلَا صَلاة وَلَا حجا وَلَا عمْرَة وَلَا جهادا وَلَا صرفا وَلَا عدلا يخرج من الإسلام كمَا يخرج الشّعْر من الْعَجِين.\nقوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته\" الحديث، قال الإمام الشافعي: البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة محمود [وما خالف السنة فهو مذموم] ومن ذلك قول عمر في التراويح: نعم البدعة، والجواب الصحيح: أن عمر بن الخطاب له التصرف\n_________\n= وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ١٨٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤)، والصحيحة (١٦٢٠).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٥٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٩)، والخطيب في تاريخ بغداد ١٥/ ٢٤٣، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢١٠). قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - وفيه مجاهيل. وقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ١١: هذا إسناد رجاله كلهم مجهولون قاله الذهبي في الكاشف وقال أبو زرعة لا أعرف أبا زيد ولا المغيرة.\nوقال الألباني: منكر الضعيفة (١٤٩٢)، وضعيف الترغيب (٤٠)، الظلال (٣٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٩). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ١٠: هذا إسناد ضعيف فيه محمد بن محصن وقد اتفقوا على ضعفه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٤٩٣) وضعيف الترغيب (٤٠).","vol":"1","page":560},{"text":"في ذلك لقوله - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي\" وكان - ﵁ - من أجلهم، ولهذا سماها العلماء سنة، وإنما أطلق هو عليها بدعة لما رأى أنها لم تكن كذلك من رسول ال - ﷺ -، والبدعة المذمومة: فهو ما خالفت سنة، فمن ذلك صلاة الرغائب فإنها موضوعة وكذب على رسول الله - ﷺ - ولو اجتمع الناس على قارئ في مسجد في قيام الليل كانوا مبتدعين بلا شك، لأن ذلك لم يكن معهودا في عصرهم، والله أعلم.\nقوله - ﷺ - في رواية ابن ماجه من حديث حذيفة: \"لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا حجًّا ولا عمرةً ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا\" قال في الديباجة: حديث موضوع، ولفظ الصرف والعدل تكرَّر في السنة كثيرًا، فالصرف: التوبة، وقيل: الندم، والعدل: الفدية، وقيل: الفريضة، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في إخافة أهل المدينة ومن أرداهم بسوء وفي غيره من المواضع، وقال الفضيل بن عياض رحمة الله عليه: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، وإذا رأيت مبتدعًا في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرفع الله لصاحب البدعة عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام (^١)، انتهى.\nوروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام\" (^٢) ذكره أبو\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٨/ ١٠٣).\n(^٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، والآجرى في الشريعة (٢٠٣٩) و(٢٠٤٠)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥ رقم ٦٧٧٢)، وابن عدى (٣/ ١٦٩)، وابن =","vol":"1","page":561},{"text":"الفرج بن الجوزي قال أبو عبد الله القرطبي: وقد استدل جماعة من العلماء بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (^١) فإن من جالس أهل البدع والأهواء والريب حكمه حكمهم (^٢).\nقوله: \"يخرج من الإسلام كلما تخرج الشعر من العجين\" وفي رواية: \"كما تسل الشعرة من العجين\"، جاء مثله في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قاله: قال حسان يا رسول الله ائذن لي في أبي سفيان، قال: كيف بقرابتي منه؟ قال: والذي أكرمك لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، فقال في ذلك أبياته: هجوت محمدًا (^٣)، ومعناه: لأخلصن نسبك من هجوه بحيث لا تبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله من الهجو كما أن الشعرة إذا سلت من العجين لا تبقى شيء منها بخلاف لو سلت من شيء صلب فانهار بما انقطعت فبقيت فيه منها بقية (^٤)، انتهى، قاله في الديباجة.\n\n٨٨ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إيَّاكُمْ والمحدثات فَإِن كل محدثة ضَلَالَة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن\n_________\n= الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٧١). قال ابن حبان: باطل. قال ابن عدي: هذا حديث باطل موضوع الخشنى يروى عن الثقات ما لا أصل له.\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٦٨.\n(^٢) تفسير القرطبي (٥/ ٤١٨) (٧/ ١٣ و١٤٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٧ - ٢٤٩٠).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٨).","vol":"1","page":562},{"text":"حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيت حسن صَحِيح وَتقدم بِتَمَامِهِ بِنَحْوِهِ (^١).\nقوله: وعن العرباض بن سارية، تقدم الكلام عليه قريبًا.\nقوله - ﷺ -: \"إياكم والمحدثات، فإن كل محدثة ضلالة\" قال الإمام القرطبي (^٢): معنى قوله - ﷺ -: \"إياكم والمحدثات\" يعني ما لم يوافق كتابا ولا سنة ولا عمل الصحابة، وقد بين هذا بقوله - ﷺ -: \"من سن في الإسلام سنة حسنة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة\" الحديث، وهذا إشارة إلى ما هو قبيح وحسن، وهو أصل هذا الباب، انتهى.\n\n٨٩ - وَرُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: إِن إِبْلِيس قَالَ أهلكتهم بِالذنُوبِ فأهلكوني بالاستغفار فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أَنهم مهتدون فَلَا يَسْتَغْفِرُونَ. رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَغَيره (^٣).\nقوله: عن أبي بكر الصديق، واسمه عبد الله على الصحيح المشهور، وقيل: اسمه عتيق، والصواب الذي عليه كافة العلماء أن عتيقًا لقبًا له لعتقه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٦) واللفظ له، وابن حبان (٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦)، والصحيحة (٩٣٧ و٣٠٠٧)، وظلال الجنة (٢٦ - ٣٤).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢/ ٨٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٧)، وأبو يعلى (١٣٦)، والطبراني في الدعاء (١٧٨٠).\nقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٠٧): رواه أبو يعلى، وفيه عثمان بن مطر، وهو ضعيف. وذكره البوصيري في الإتحاف (٣/ ٩٦ ب) مختصرًا، ثم قال: رواه أبو يعلى الموصلي، وابن أبي عاصم بسند ضعيف. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٤١).","vol":"1","page":563},{"text":"من النار، وقيل: لحسن وجهه وجماله، قاله الليث بن سعد وجماعة، وروى الترمذي بإسناده عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن أبا بكر عتيق الله من النار فمن يومئذ سمي عتيقًا\" وقال مصعب بن الزبير وغيره: سمي عتيقا لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق، ففي المسند عن علي بن أبي طالب أن الله تعالى هو الذي سمى أبا بكر صديقًا على لسان جبريل ومحمد - ﷺ -، وسبب تسميته بذلك أنه بادر إلى تصديق رسول الله - ﷺ - ولازم الصدق فلم يقع منه هناة ما، ولا وقفة في حال من الأحوال، فهو أبو بكر بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله - ﷺ - في مرة بن كعب، وبينه وبين مرة ستة آباء كما بين النبي - ﷺ - وبين مرة، كما اتفق لهما في العمر، أسلم أبوه يوم الفتح وعاش إلا خلافة عمر، أسلم أبوه وأمه وصحبا النبي - ﷺ -، ولا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا النبي - ﷺ - إلا آل أبي بكر، وهم: عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأمه: اسمها أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، واعلم أن أبا بكر الصديق كانت له في الإسلام المواقف الرفيعة وخصائص لم يشاركه فيها أحد من الصحابة، منها: قضية ليلة الإسراء وثباته وجوابه للكفار في ذلك، ومنها: هجرته مع رسول الله - ﷺ - وترك عياله وأطفاله وملازمته في الغار وغير ذلك؛ روى الصديق عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث واثنين وأربعين حديثا، اتفق البخاري","vol":"1","page":564},{"text":"ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث، وسبب قلة رواياته مع تقدم صحبته وملازمته النبي - ﷺ - أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها، وصحب النبي - ﷺ - من حين أسلم إلى أن توفي رسول الله - ﷺ -، فلم يفارقه في حضر ولا سفر، وكما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا ويأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار بكرة وعشيًا، الحديث، ومنها: أنه لم يرد في القرآن الكريم اسم الصحبة لغيره، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (^١) والمراد به: أبو بكر الصديق - ﵁ - بالاتفاق، وورد النص القاطع في صحبته، قال بعض العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر كفر لتكذيبه نص القرآن (^٢).\nومنها: قوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فكان له في هذه المعية والتسمية مزيد اختصاص لم يشاركه فيه صحابي، وكان اسم أبي بكر في حياة رسول الله - ﷺ - لا يفارق اسم رسول الله - ﷺ - فإنه كان يقال له: يا صاحب رسول الله - ﷺ -، وبعده: يا خليفة رسول الله - ﷺ - حين توفي \" ومنها: أنه أول من أسلم من الرجال، ومنها: تسميته صديقا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٤٠.\n(^٢) قاله الحسين بن الفضل كما في تفسير البغوى (٤/ ٤٩)، والطيبى في شرح المشكاة (١٢/ ٣٨٥٠)، ونقله القرطبي في التفسير (٥/ ١٤٦)، والعينى في عمدة القارى (١٦/ ١٧٣)، والهيثمى في الزواجر (ص ٤٩).","vol":"1","page":565},{"text":"وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (^١)، ومنها: خلافة رسول الله - ﷺ - له وكفاه فخرًا قول المهاجرين والأنصار: يا خليفة رسول الله - ﷺ -؛ ومنها: إرسال الكلام إليه مع جبريل ﵇ من الحق ﷻ، وهذه الخصلة لم يشاركه فيها غير خديجة ﵂، ومنها: أن الله تعالى قال له على لسان جبريل ﵇: هل أنت راض عني في فقرك، ومنها: أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام في السماء تخللت بالعباءة من أجله - ﵁ - فإنه [تخلل بالعباءة] (^٢)، ومنها: أنه أنفق جميع ماله على رسول الله - ﷺ -، ومنها: ملازمته لرسول الله - ﷺ - في الغار وسائر الطريق، ومنها: تقدم النبي - ﷺ - له في الصلاة من مراجعته في ذلك، ومنها: إشارة النبي - ﷺ - في أن الأمر له من بقاء في قوله: \"تجدين أبا بكر\" ولا شك أن هذا كالصريح في استخلافه، ومنها: الأمر بسد خوخةٍ إلا خوخته - ﵁ -، ومنها: السر الذي وقر [وقر: أي تمكن] في صدره لما روى أنه - ﷺ - قال: \"ما سبقكم أبو بكر\" إلى أن قال: \"ولكن بسر وقر في صدره\" (^٣) الحديث، ومنها: أنه كان يفتي في حضرة رسول الله - ﷺ -، ومنها: ثباته يوم وفاة رسول الله - ﷺ - وقيامه ذلك القيام وتسكين قلوب الصحابة بالقرآن وهو - ﵁ - لم يزل ساكن القلب مع القرآن، ومنها: قيامه بمصلحة البيعة، ومنها: قيامه في أمر الردة\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٣٣.\n(^٢) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١١/ ١٠٦): الحمد لله لم يتخلل أبو بكر بالعباءة ولا الملائكة تخللوا بالعباءة وذلك كذب. والله أعلم.\n(^٣) قال الألباني في الضعيفة (٩٦٢): لا أصل له مرفوعًا.","vol":"1","page":566},{"text":"وتجهيز جيش أسامة، ومنها: أنه أفضل الأمة وأحبهم إلى رسول الله - ﷺ -، ومنها: قوله - ﷺ -: \"لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخي وصاحبي\" (^١) رواه البخاري من حديث ابن عباس.\nوكان النبي - ﷺ - يكرم أبا بكر ويبجله، وقيل: إن أبا بكر عطش في الغار عطشا شديدًا فقال له رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا بكر عليك بصدر الغار\"، قال أبو بكر: فأتيت صدر الغار فوجدت عينًا تجري أحلى من العسل وأطيب من ريح المسك فشربت فقال النبي - ﷺ -: \"أتدري مم شربت يا أبا بكر؟ \" فقال: الله ورسوله أعلم، فقال: \"أمر الله تعالى ملكًا أن يجري لك عينًا من الكوثر إلى الغار\" فبكى أبو بكر - ﵁ -، وقال: يا رسول الله ولي عند الله تعالى هذه المنزلة، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"والذي بعثني بالحق نبيًّا إنه لا يدخل الجنة من يبغضك ولو كان له عمل سبعين صديقًا\" (^٢).\nوفي مسند الإمام أحمد: عن سعيد بن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي - ﷺ - مكان الوزير، فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام وثانيه في الغار وثانيه في العريش يوم بدر وثانيه في القبر ولم يكن رسول الله - ﷺ - يقدم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٦) و(٣٦٥٤) و(٣٩٠٤)، ومسلم (٢ - ٢٣٨٢) عن أبي سعيد الخدرى. وأخرجه البخاري (٤٦٧) و(٣٦٥٦) و(٣٦٥٧) عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (٣ و٤ و٥ و٦ و٧ - ٢٣٨٣) عن ابن مسعود.\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ١٤٩ - ١٥٠) بلفظ: والذي بعثني بالحق نبيا لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان له عمل سبعين نبيّا. ووهى إسناده الحافظ السيوطي في الخصائص [١/ ٤٦٣ - ٤٦٤].","vol":"1","page":567},{"text":"عليه أحدًا (^١)، وقال رسول الله - ﷺ - لجبريل ﵇: \"يا جبريل هل على أمتي من حساب يوم القيامة؟ \" قال: نعم إلا أبا بكر الصديق، يقول الله تعالى له: فانطلق فادخل الجنة، فيقول: وعزك لا أدخل الجنة حتى يدخل معي من أحبني في دار الدنيا، وقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله خلقني من (^٢) نوره،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٣/ ٦٣). وصححه وتعقبه الذهبى فقال: في رواته مجهول.\n(^٢) هذه زيادة في لوحة [٧٧] لا علاقة لها بما سبق.\nوقد أفتى الفريابي في هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية، هل يحكم بفسقه أم يكون ذلك مرخصا فيه، وهل كان يريد قتل الحسين، أم كان قصده الدفع، وهل يسوغ الترحم عليه، أم السكوت عنه فضلًا؟ فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن المسلم فهو الملعون، وقد قال ﵊: \"المسلم ليس بلعان\" وكيف يجوز لعن المسلم، [ولا يجوز لعن البهائم]، وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص من النبي - ﷺ -، ويزيد صح إسلامه وما صح قتله للحسين - ﵁ - ولا أمره ولا رضاه بذلك ومهما لم يصح ذلك منه لم يجز أن يعلن ذلك به، فإن إساءة الظن أيضًا بالمسلم حرام، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وقال - ﷺ -: \"إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء، ومن أراد ان يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله لم يقدر على ذلك، وإذا لم يعلم وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا لو ثبت على مسلم أن قتل مسلما لم يجز لعنه فكيف بمن تاب من قتل، وبم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ فإذا لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا لله ﷿، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصيا بالإجماع بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة لم لم تلعن إبليس؟، ولا يقال للاعن لم لعنت، ومن أين [٧٨].\n(عرفت أنه ملعون مطرود؟) والملعون: هو المبعد من رحمة الله ﷿، وذلك =","vol":"1","page":568},{"text":"خلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر من نور أبي بكر، وخلق عثمان من نور عمر، وخلق عليًّا من نور عثمان، وخلق الخلق كلهم من نور علي بن أبي طالب\" (^١).\nوقيل: إنه إذا كان يوم القيامة ينصب حول العرش ثلاث كراسي فيجلس على أحدهم النبي ﷺ وعلى الثاني أبو بكر وعلى الثالث إبراهيم الخليل ﵊، وينادي مناد: يا له من صديق بين حبيب وخليل (^٢).\nوتوفي الصديق - ﵁ - وله ثلاث وستون سنة، وتوفي بين المغرب والعشاء\n_________\n= (غيب) لا يوقع عليه، (ولا يعرف إلا في من مات كافرًا،)، فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه فجائز (بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا كل صلاة:) اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنه كان مؤمنا، والله أعلم].\nقلت: هذه فتوى الغزالى لا الفريابى نقلها ابن خلكان في وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، والعواصم من القواصم (٨/ ٧٩ - ٨٠) لابن الوزير.\n(^١) أخرجه أبو نعيم في أماليه كما في لسان الميزان (١/ ٣٢٨) عن أبي هريرة مرفوعا، وقال أبو نعيم: هذا باطل يخالف كتاب الله.\n(^٢) هذا الخبر أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٥٠) عن معاذ بن جبل بلفظ: إذا كان يوم القيامة نصب لإبراهيم منبر أمام العرش، ونصب لي منبر أمام العرش، ونصب لأبي بكر كرسي، فنجلس عليها، وينادي مناد: يا لك من صديق بين خليل وحبيب. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٥٨٩) وقال: لا يصح. وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات (٢١٦): هذا باطل. وذكره الحافظ في اللسان (٦٤٣٦) تحت ترجمة محمد الحليمي وقال: روى عن آدم بن أبي إياس أحاديث منكرة بل باطلة. وقال الألباني في الضعيفة (٥٥١٩): موضوع.","vol":"1","page":569},{"text":"سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وأوصي أن تغسله أسماء، وأن يدفن إلى جنب النبي - ﷺ -، وصلى عليه عمر بين الروضة والمنبر (^١).\nفائدة: فيها بشرى لمحبي أبي بكر وعمر ﵄: روى أبو سعد في شرف النبوة (^٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، ويؤتى بمنبرين من نور فينصب أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يسار العرش ويعلوهما شخصان فينادي الذي عن يمين العرش: معاشر الخلائق من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا رضوان خازن الجنة إن الله تعالى أمرني أن أسلم مفاتيح الجنة إلى محمد - ﷺ -، ومحمد أمرني أن أسلمهما إلى أبي بكر وعمر ليدخلا محبيهما الجنة، ثم ينادي الذي عن يسار العرش: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك خازن النار إن الله تعالى أمرني أن أسلم مفاتيحها إلى محمد - ﷺ - ومحمد أمرني أن أسلم مفاتيحها إلى أبي بكر وعمر ليدخلا مبغضيهما النار\" (^٣) انتهى.\n_________\n(^١) انظر حلية الأولياء (١/ ٢٨ - ٣٧)، وشرف المصطفى (٥/ ٣٩١ - ٤٢٤)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٨١ - ١٨٤ الترجمة ٧٢٧)، والرياض النضرة (١/ ٧٣ - ٢٦٨).\n(^٢) شرف المصطفى (٥/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n(^٣) أخرجه ابن فاخر في موجبات الجنة (٣١٧) عن عائشة، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ١٥٦) عن أبي سعيد. قال أبو بكر الدينوري: لم يرو هذا الحديث عن فضيل بن مرزوق غير الحسن بن عبيد الله العجلي. اهـ. والحسن - أو الحسين - هذا لم أعرفه. وفي إسناده الحسين بن عبيد الله العجلي قال الدارقطني: كان يضع الحديث وقال ابن عدي: =","vol":"1","page":570},{"text":"فائدة أخرى: خرج الصابوني عن محمد بن وزير قال: رأيت النبي - ﷺ - في المنام فدنوت منه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال لي: وعليك السلام يا محمد بن وزير، ألك حاجة؟ فقلت: نعم يا رسول الله، إني شيخ ضعيف السماعة كثير العيال أرد أن تعلمني دعوات أدعو بها في سفري وحضري وأستعين بها على أموري، فقال لي: أقعد هو ذا عليك ثلاث دعوات فادع بها في كل وقت وشدة، وفي دبر كل صلاة قل: \"يا قديم الإحسان، يا من إحسانه فوق كل إحسان يا مالك الدنيا والآخرة\" ثم التفت فقال: \"اجتهد أن تموت على الإسلام وعلى حب هؤلاء هذا أبو بكر وهذا عمر وهذا عثمان وهذا علي، فإنك لا تمسك النار\" (^١) انتهى، قاله في مختصر مجمع الأحباب.\nقوله - ﷺ -: \"إن إبليس قال: أهلكتهم بالذنوب فأهلكوني بالاستغفار\" الحديث، إبليس عدو الله، كنيته: أبو مرة، واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة يقال لها الجن، أم ليس من الملائكة، والصحيح أنه من الملائكة وأنه اسم أعجمي، قال الواحدي: قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي: آيس، والمبلس: المكتئب الحزين الآيس، واختلفوا أنه من الملائكة، فروي عن طاووس.\n_________\n= يشبه أن يكون ممن يضع الحديث. ينظر ميزان الاعتدال (١/ ٥٤١)، وانظر: الكشف الحثيث لسبط ابن العجمي (١/ ٩٩).\n(^١) الرياض النضرة (١/ ٥٠).","vol":"1","page":571},{"text":"ومجاهد عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، وكان اسمه عزازيل، فلما عصى الله ﷿ لعنه وجعله شيطانا مريدا، وسماه إبليس، قالوا: وقول الله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ هو (^١) أي: من طائفة من الملائكة يقال لهم الجن، وقال الحسن بن عبد الرحمن بن يزيد وشهر بن حوشب: ما كان من الملائكة، والاستثناء منقطع والمعنى عندهم: أن الملائكة وإبليس أمروا بالسجود فأطاعت الملائكة كلهم وعصى إبليس، والصحيح: أنه من الملائكة لأنه لم ينقل أن غير الملائكة أمر بالسجود، والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، والله أعلم، وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة في عقوبته وتكثير معاصيه وغوايته، نسأل الله الكريم اللطف (^٢) والعصمة من إغوائه بمحمد وآله (^٣).\nقوله: \"فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون فلا يستغفرون\"، الأهواء: جمع هوى، واختلفوا في تفسيره، فقيل: الهوى هو:\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٥٠.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٦ - ١٠٧ الترجمة ٤١).\n(^٣) هذا من التوسل الممنوع قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١/ ٢١): ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل بالنبي - ﷺ -، ولا بالرجل الصالح بعد موته، ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار، ولا في غير ذلك من الأدعية.\nو\"الدعاء مخ العبادة\" والعبادة مبناها على السنة والاتباع؛ لا على الهوى، والابتداع فإنما يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع. وانظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام (الفصل الثالث ص ٢٢٨ - ٢٣٢).","vol":"1","page":572},{"text":"ميل النفس وشهواتها (^١)، وقيل: الهوى محبة اللذة بالمراد ولذلك لا يكون إلا مذموما، قال ابن عباس: الهوى إله معبود ثم تلا قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (^٢) (^٣)، وإنما سمى الهوى هو لأنه يهوى بصاحبه في النار أو لأنه يجعل القلب في الهوى لا يستقر كذا نقله القرطبي عن الشعبي (^٤).\n\n٩٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: لكل عمل شرة وَلكُل شرة فَتْرَة فَمن كَانَت فترته إِلَى سنتي فقد اهْتَدَى وَمن كَانَت فترته إِلَى غير ذَلِك فقد هلك رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٥)\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٨٤٩)، والتعريفات (ص ٢٥٧).\n(^٢) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.\n(^٣) أدب الدنيا والدين (ص ٢٩).\n(^٤) تفسير القرطبي (١٦/ ١٦٦).\n(^٥) أخرجه أحمد ٢/ ١٨٨ (٦٧٦٤) و٢/ ٢١٠ (٦٩٥٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١)، وابن خزيمة (٢١٠٥)، والبزار (٢٣٤٥ و٢٣٤٦ و٢٣٤٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٢٣٦ و١٢٣٧). قال ابن أبي حاتم في العلل (١٩٢٧): قال أبي: روى هذا الحديث مسلم الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -. ورواه الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وقد اختلفوا في هذا الحديث أيضًا، حديث الحكم بن عتيبة:\nفأما ابن أبي ليلى، فإنه يقول: عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -. والناس يقولون: عن الحكم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن النبي - ﷺ -، مرسلا. قال أبي: وحديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا أشبه. وصححه الألباني في \"الظلال\" (٥١)، وصحيح الترغيب (٥٦).","vol":"1","page":573},{"text":"وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضًا (^١) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لكل عمل شرة وَلكُل شرة فَتْرَة فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَادًّا وَقَارِبًا، فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأصَابِعِ، فَلَا تَعُدُّوهُ.\nالشرة: بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء بعْدهَا تَاء تَأْنِيث هِيَ النشاط والهمة وشرة الشَّبَاب أَوله وحدته.\nقوله: عن عبد الله بن عمر، وتقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى\" الحديث، الشرة: بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء وبعدها تاء تأنيث هي النشاط والهمة، وشرة الشباب أوله وحدته، انتهى، قاله المنذري.\nقوله: في رواية ابن حبان: \"فإن كان صاحبها سادا وقاربا فارجوه وإن أشير إليه إليه بالأصابع، فلا تعدوه\" ومعنى ذلك: أن من كان مستقيمًا متوسطًا في العمل من غير علو ولا تقصير وسدد أي جعل عملًا متوسطًا، وقارب أي دنى من الاستواء غلو غلو ولا تقصير وسدد أى جعل عمله متوسطا و(قارب)؛ أي: دنا من الاستواء والاستقامة فارجوه، أي: كونوا منه على رجاء الخير، ومن بالغ في العمل وأتعب نفسه وأشير إليه بالأصابع فلا تعدوه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٤٥٣)، وابن حبان (٣٤٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٢٤٢).\nقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: حسنا لصحيحة (٢٨٥٠)، صحيح الترغيب (٥٧).","vol":"1","page":574},{"text":"صالحًا فإنه لا قدرة له على المداومة لحصول الملل وافتتانه له بإشارة الناس إليه بالأصابع، وروى الترمذي عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بحسب ابن آدم من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله تعالى\" (^١) انتهى، قاله في التنقيح على المصابيح (^٢).\nتنبيه: قيل للحسن البصري إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع، فقال: لم يعن ذلك النبي - ﷺ - إنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في زمانه (^٣)، قيل: معنى الحديث تحذير من يشار إليه أن يغتر بما يمدح به من خير وهو يعلم من نفسه غير ذلك، والله أعلم.\n\n٩١ - وَعَن أنس - ﷺ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني رَوَاه مسلم (^٤).\nقوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على ترجمته.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى عقب (٢٤٥٣) عن أنس معلقًا. وأخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع (٣٠)، وابن بشران في الأمالى (١٣٨٧) موصولا عن أنس. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٧٢ رقم ٦٨٩٠) من حديث أبي هريرة. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الكريم إلا عبد العزيز بن الحصين، تفرد به: علي ابن حجر. قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٩٦ - ٢٩٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد العزيز بن حصين، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٣٢١) والضعيفة (١٦٧٠).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٣١٨)، وكشف المناهج (٤/ ٤٢١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع (٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (٥ - ١٤٠١).","vol":"1","page":575},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فمن رغب عن سنتي فليس مني\" الحديث، والأصل في السنة: الطريقة والسيرة، وإذا أضاف السنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي - ﷺ - ونهى عنه، وندبه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث (^١).\nواعلم أن السنة كانت تنزل كما ينزل القرآن وهي أحد وجوه الوحي وكانت تنزل على أنواع أخرى منها رؤية الملك وتكليمه، ومنها: رؤية النوم ويعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (^٢) ولما كان نبينا - ﷺ - لا ينطق عن الهوى كان تحريمه كتحريم الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (^٣) إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٤)، ومنها: النفث في الروع وهو العقل والقلب (^٥).\nقوله: رواه مسلم، هو. الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري من بني قشير، قبيلة من العرب معروفة النيسابوري، منسوب إلى نيسابور بفتح النون من أعظم مدن خراسان، وخراسان إقليم عظيم معروف،\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) سورة النجم، الآيات: ٣ - ٤.\n(^٣) سورة الأعرف، الآية: ١٥٧.\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.\n(^٥) انظر المفاتيح (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":576},{"text":"قال أبو الفتح الهمداني: يقال له أيضًا خرسان بحذف الألف وإسكان الراء، وقال عبد القادر الرهاوي في كتابه الأربعين قال: أمهات مدائن خراسان أربع نيسابور ومرو وبلخ وهراه، وإنما قيل لها نيسابور لأن سابور لما رآها قال: يصلح أن تكون هنا مدينة، وكانت قصبان مرتفعة وأن تبنى مدينة، فقيل: نيسابور القصب، فالإمام مسلم صاحب التصانيف أحد الأئمة الحفاظ في هذه الصناعة، وقد أعظم الله به النفع للمسلمين ورفع له وللبخاري ذكرا صالحا في الغابرين، وقد أجمع الخلائق على جلالته وأمانته وعلو مرتبته، ومن أكبر الدلائل على جلالته وورعه كتاب الصحيح الذي لم يوجد في كتاب بعده ولا قبله مثله، صنف مسلم ﵀ في علم الحديث كتبا كثيرة، منها: هذا الكتاب الصحيح الذي منَّ الله العظيم وله الحمد والنعمة والفضل والمنة به على المسلمين، أبقى لمسلم به ذكرا جميلا وثناء حسنا إلى يوم الدين، يقال: إنه ولد سنة أربع ومائتين، وجزم ابن الأثير في جامعه أنه ولد سنة ست ومائتين، وأنه توفي عشية يوم الأحد لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة، رحل إلى العراق والشام والحجاز ومصر، ولقد أخذ الحديث عن إسحاق بن راهويه والإمام أحمد بن حنبل وحرملة، وقد بغداد غير مرة وحدث بها، وكان قدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين، روى عنه الترمذي حديثا واحدا، قال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة الرازي وأبا حاتم يعدان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل عصرهما، وسئل ابن عقدة: أيهما أحفظ هو أم البخاري،","vol":"1","page":577},{"text":"فقال: كلاهما عالم، فأعيد عليه السؤال، فقال: يقع لمحمد يعني البخاري الغلط في أهل الشام، وأما مسلم فقل ما يوجد له غلط في النقل لأنه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل، قال مسلم بن الحجاج: صنفت تدوين الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة، قال أحمد بن سلمة: كتبت مع مسلم في تأليف صحيحة خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديت، واتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز صحيح البخاري. وصحيح مسلم، وكتاب البخاري أصح منه عند الجمهور، وأكثر فوائد هذا مذهب جمهور العلماء، لكن كتاب مسلم في دقائق الأسانيد ونحوها أجود، وينبغي لكل راغب في علم الحديث أن يعتني به ويتفطن إلى تلك الدقائق فيرى فيها العجائب من المحاسن واللطائف الظاهرات والخفيات وقل من يساويه، وخالف أبو علي النيسابوري، فقال: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم ووافقه على ذلك بعض شيوخ العرب، والصحيح الأول (^١)، والله أعلم، قاله في مختصر مجمع الأحباب.\n\n٩٢ - وَعَن عَمْرو بن عَوْف - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لِبلَال بن الْحَارِث يَوْمًا اعْلَم يَا بِلَال قَالَ مَا أعلم يَا رَسُول الله قَالَ اعْلَم أَن من أَحْيَا سنة من سنتي أميتت بعدِي كَانَ لَهُ من الأجر مثل من عمل بهَا من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن ابتدع بِدعَة ضَلَالَة لا يرضاها الله وَرَسُوله كَانَ عَلَيْهِ مثل آثام من عمل بهَا لا ينقص ذَلِك من أوزار النَّاس شَيْئا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه\n_________\n(^١) انظر تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٩ - ٩٢ الترجمة ٥٧٠).","vol":"1","page":578},{"text":"كِلَاهُمَا من طَرِيق كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن (^١). قَالَ الْحَافِظ بن كثير بن عبد الله مَتْرُوك رَوَاهُ كمَا تقدم وَلَكِن للْحَدِيث شَوَاهِد.\nقوله: عن عمرو بن عوف، هو عمرو بن عوف (بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى أبو عبد الله، كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله - ﷺ -، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (^٢). توفى في آخر خلافة معاوية. له عن النبي - ﷺ - أحاديث. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (^٣).\nقوله: إن رسول الله - ﷺ - قال لبلال بن الحارث يومًا: اعلم يا بلال، الحديث، هو أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة بن حلاوة المزني، نسب إلى أمه مزينة، وبلال هذا مدني، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكان يسكن جبليهم الأشعر والأجرد، ويأتي\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٦٧٧)، وابن ماجه (٢٠٩ و٢١٠)، والبزار (٣٣٨٥ و٣٣٨٦)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٦ رقم ١٠). قال الترمذى: هذا حديث حسن. وضعفه جدا الألباني في الظلال (٤٢)، المشكاة (١٦٨) و(١٦٨٢) وضعيف الترغيب (٤٢).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٣ ترجمة ٤٥٦).","vol":"1","page":579},{"text":"المدينة كثيرًا، وفد إلى رسول الله - ﷺ - في وفد مزينة في شهر رجب سنة خمس من الهجرة، وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة، ثم سكن البصرة، وتوفي سنة ستين، وهو ابن ثمانين سنة أقطعه النبي - ﷺ - المعادن القبلية (^١)، والقبلية بفتح القاف والباء معا اسم موضع، قيل منسوبه إلى ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وهي من الفرع، والفرع: بضم الفاء بلد، وقيل: الفرع موضع بينه وبين مدينة النبي - ﷺ - خمسة فراسخ، أعطى النبي - ﷺ - معادن القبيلة بلال بن الحارث ليعمل فيها ويخرج منها الذهب والفضة لنفسه، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم (^٢)، وإنما أقطع بلالا المعادن وهو من أهل المدينة، وأهل المدينة أسلموا راغبين غير مكروهين، ومن أسلم على شيء فهو له لحديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ -[لما قدم المدينة] جعلوا له كل أرض لم يبلغها الماء يصنع فيها [ما شاء] لأنه من أرض مزينة، لأنه لم يكن من المدينة، وفي هذا الحديث: إقطاع الإمام وهو جائز فيها لا ملك عليه لأحد من موات الأرض يقطعه من رأى من الخير والنفع للمسلمين (^٣).\nقوله: كالفيء يضعه حيث يراه فيما هو للمسلمين نفعًا، ويكون بقدر ما يقوم به المرء وعماله، ولا خلاف بين العلماء أن الإمام لا يجوز ما ملك\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٥ - ١٣٦ ترجمة ٨٧).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٥٠٣).\n(^٣) انظر الأموال لابن سلام (١/ ٣٩٦ - ٤٠٠).","vol":"1","page":580},{"text":"بالإحياء أو غيره مما يصح به الملك ومسارح القوم التي لأغنامهم ومواشيهم لا يجوز للإمام أن يقطعها أحدا لأنها تجري مجرى الملك المعين (^١).\nأعجوبة غريبة: في الطبراني الكبير عن بلال بن الحارث قال: خرجنا مع رسول ال - ﷺ - في بعض أسفاره فخرج لحاجته فأتيته بإداوة من ماء فسمعت عنده خصومة ولغطا لم أسمع مثلها، فقال: \"اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون، فسألوني أن أسكنهم، فأسكنت المسلمين الجلس وأسكنت المشركين الغور\" (^٢) فيه كثير المزني ضعيف، وقال (^٣): الجلس القرى والجبال، والغور ما بين الجبال والبحار، قال: ما رأينا أحدا أصيب بالجلس إلا سلم وما أصيب أحد بالغور إلا لم يسلم، قاله في حياة الحيوان (^٤)، روى بلال بن الحارث عن رسول الله ثمانية أحاديث (^٥)، انتهى.\nقوله - ﷺ - لبلال بن الحارث: \"اعلم أن من أحيى سنة من سنتي أميتت بعدي\" الحديث، المراد بإحياء السنة: العمل بها بنفسه أو حث الغير على\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ١٤٦)، والمنتقى شرح الموطأ (٦/ ٣٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٣٧١ رقم ١١٤٣)، وأبو الشيخ في العظمة (١١٣٥)، وابن أخى ميمون الدقاق في الفوائد (٢٦٢). قال الهيثمى في المجمع ١/ ٢٠٣: وفيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وقد أجمعوا على ضعفه، وقد حسن الترمذي حديثه. وقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (٢٠٧٤).\n(^٣) القائل كثير بن عبد الله كما في المصادر السابقة.\n(^٤) حياة الحيوان (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":581},{"text":"العمل بها (^١)، والإماتة على ضد ذلك يقول: \"من أحيا سنة من سنتي تركت\" لم يعمل بها فمن أظهرها وعمل بها أو دعا أحدًا إلى العمل بها فله من الأجر مثل أجور العامل بها وافيًا، وعلى ضد هذا ثم أحدث بدعة ضلالة (^٢)، والله أعلم.\nقوله: \"ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله \" فعلم من قوله بدعة ضلالة أن البدعة نوعان: بدعة حسنة وبدعة سيئة، فالبدعة الحسنة ما جوزها الأئمة من المسلمين مثل الآذان الثاني في يوم الجمعة والتأذين على المنارة، والبدعة السيئة ما أنكرها أئمة المسلمين كالبناء على القبور وتجصيصها وغير ذلك (^٣)، والله أعلم.\nقوله: رواه الترمذي وقال: حديث حسن معترض عليه فإن كثير بن عبد الله هذا واه، وقال أبو داود: كذاب، وضرب الإمام أحمد على حديثه في المسند ولم يحدث به، قاله في الديباجة (^٤).\nفائدة: الترمذي هو الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الضرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف الجامع وكتالب العلل تصنيف رجل متقن، وبه كان\n_________\n(^١) شرح المصابيح (١/ ١٧٥) لابن الملك.\n(^٢) المفاتيح (١/ ٢٧٥).\n(^٣) المفاتيح (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(^٤) الديباجة (ص ١٠٤/ رسالة علمية).","vol":"1","page":582},{"text":"يضرب المثل، تلمذ لمحمد بن إسماعيل البخاري وشركه في جماعة من شيوخه، سمع بالحجاز من محمد بن أبي عمر المعدني، وبالبصرة من محمد بن بشار ومن محمد بن المثنى وغيرهما، وبواسط من أبي الشعثاء علي بن الحسن، وبالكوفة من أبي كريب محمد بن العلاء ومحمد بن عثمان بن كرامة، وروى عنه أنه قال: صنفت هذا الكتاب يعني المسند الصحيح وعرضته على علماء خراسان فرضوا به وعرضته على علماء الحجاز وعرضته على علماء العراق فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما كان في بيته نبي يتكلم، وروي عن عبد الله بن محمد الأنصاري أنه قال: كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم، قيل: لم؟ قال: لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا أن يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد ضم أحاديث وبيَّنها فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم، وتوفي بترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين (^١)، انتهى، قاله في شرح الإمام، والله أعلم.\n\n٩٣ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لقد تركتكم على مثل الْبَيْضَاء لَيْلهَا كنهارها لَا يزِيغ [بَعْدِي] عَنْهَا إِلَّا هَالك رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب السّنة بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n_________\n(^١) شرح الإلمام (١/ ٤٧ - ٤٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٨) و(٤٩) والحاكم (١/ ٩٦).\nوصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٧) وصحيح الترغيب (٥٩).","vol":"1","page":583},{"text":"قوله: عن العرباض بن سارية، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك\" الحديث، المراد بالبيضاء الشريعة، يعني على شريعة كاملة نقية لا خفاء فيها، وقوله: \"لا يزيغ عنها إلا هالك\" الزيغ: الميل، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (^١) الآية، قال ابن عطية في تفسيره (^٢): التوبة من الله تعالى رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، وقد يكون في الأكثر رجوعا عن حالة المعصية إلى حالة الطاعة، وقد يكون رجوعا من طاعة إلى أكمل منها، توبته في هذه الآية على نبيه - ﷺ - لأنه رجع به من حالة إلى حالة أكمل منها، وأما توبته على المهاجرين والأنصار فهو الرجوع بهم من التقصير إلى الطاعة والجد في الغدو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق الذي كاد قلوبهم فرجوع من حالة محطوطة إلى حالة غفران ورضوان، وأما الزيغ الذي كادت قلوب فريق منهم أن تواقعه فهو فرقة همت بالانصراف لما وجدوا من المشقة، والزيغ الميل كما تقدم، قاله في الديباجة.\n\n٩٤ - وَعَن عَمْرو بن زُرَارَة قَالَ: وقف عَليّ عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود وَأَنا أقص فَقَالَ: يَا عَمْرو لقد ابتدعت بِدعَة ضَلَالَة أَو إِنَّك لأهدى من مُحَمَّد وَأَصْحَابه فَلَقَد رَأَيْتهمْ تفَرقُوا عني حَتَّى رَأَيْت مَكَاني مَا فِيهِ أحد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١٧.\n(^٢) المحرر الوجيز (٣/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"1","page":584},{"text":"فِي الْكَبِير بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح (^١). قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَتَأْتِي أَحَادِيث مُتَفَرِّقَة من هَذَا النَّوْع فِي هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عن عمرو بن زرارة، هو: عمرو بن زرارة بن (قيس بن عمرو النخعي من أهل الكوفة، أدرك عصر النبي - ﷺ -، وكان ممن سيره عثمان بن عفان من الكوفة إلى دمشق روى عنه ابنه سعيد بن عمرو وأبو إسحاق السبيعي).\nقوله: وقف عَليّ عبد الله بْن مَسْعُود وَأَنا أقص، فَقَالَ: يَا عَمْرو لقد ابتدعت بِدعَة ما أَو إِنَّك لأهدى من مُحَمَّد - ﷺ - وَأَصْحَابه فَلَقَد رَأَيْتهمْ تفَرقُوا عني حَتَّى رَأَيْت مَكَاني مَا فِيهِ أحد، الحديث، تقدم الكلام على مناقب ابن مسعود وعلى البدعة الضالة، قال بعض العلماء ﵃: أما بعد، تسليم الاحتجاج بهذه الأخبار يعني التي أدت لحديث ابن مسعود يعني هذا مع عمرو بن زرارة فليس فيه تصريح بالنهي عن القص فلعله سمعه يقول ما يخاف أن يؤدي إلى فتنة في النفوس، فقال له ما قال لأجل ذلك، فإن عمر - ﵁ - أفضل من ابن مسعود، وقد أذن لتميم الداري في القصِّ عليه حيث لا يخشى فيه فتنة دينية ولو كان القص منكرا لم يجز ذلك، ولم يفعله عمر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٣١)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٢٧ رقم ٨٦٣٧) و(٩/ ١٢٨ رقم ٨٦٣٨). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٨٩: رواه الطبراني في الكبير، وله إسنادان أحدهما رجاله رجال الصحيح، رواه عن الأسود عن عبد الله. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٠).","vol":"1","page":585},{"text":"- ﵁ -، وهذا الجواب عن كل منكر مخالف لذلك، وفي معجم الطبراني الكبير من رواية عمرو بن دينار أن تميما الداري استأذن عمر في القصص فأبى أن يأذن له تم استأذنه فأبى أن يأذن له ثم استأذنه فقال: إن شئت وأومأ بيده يعني الذبح، ورجال إسناده ثقات، فانظر توقف عمر في إذنه في حق رجل من الصحابة الذين كل واحد منهم عدل مؤتمن وأين مثل تميم في التابعين ومن بعدهم، فلو كان القص منكرا لم يقره عمر وهو يعلمه، فضلا عن أن يأذن فيه، لكن عمل بإذنه وأقره عليه فليس بمحدث ضلالة ولا منكر، فالقاص المبتدع من ليس في قصه أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر أو بيانا لكتاب الله أو من قصه لكن لم يخلص نيته في ذلك ولم يجب عليه لعدم الحاجة إلى ذلك منه، وأما من قصه أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو بيانا لكتاب الله فهو مأمور بذلك من الله ورسوله على الوجوب أن يم يقم بذلك غيره قياما يغني عن قيامه هو به، وقد أشار عمر إلى تميم لما سأله أن يقص بأنه الذبح لما يخشى عليه من الترفع عليهم والإعجاب (^١)، ولو كان نفس القص مهلكة عند عمر لما أذن فيه ولا أقر عليهم، والله أعلم.\nوقيل (^٢): المتكلمون على الناس ثلاثة أصناف: مذكر وواعظ وقاص؛ فالمذكر: الذي يذكر الثاس آلاء الله ونعماءه ويبعثهم به على الشكر؛ والواعظ: يخوفهم بالله وينذرهم عقوبته فيردعهم به عن المعاصي؛\n_________\n(^١) قاله أبو الفضل العراقي في الباعث على الخلاص (ص ٨٢).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ١٨٨).","vol":"1","page":586},{"text":"والقاص: هو الذي يروي لهم أخبار الماضيين ويسرد عليهم القصص ولا يأمن أن يزيد فيها أو ينقص، والمذكر والواعظ مأمون عليهم ذلك.\nوقال النووي في شرح المهذب في باب الاعتكاف (^١): قال الشافعي قدس الله سره في الأم والجامع الكبير: لا بأس أن يقص في المسجد لأن في القصص وعظ وتذكير، قال: وأما الحديث المباح فالأولى تركه في المسجد، فإن فعل فلا بأس، وهذا الذي قاله الشافعي محمول على قراءة الأحاديث المشهورة والمغازي والرقائق ونحوها مما ليس فيه موضوع، ولا يحتمله عقوق العامة، ولا ما ذكره أهل التواريخ والقصص من يقص الأنبياء وحكاياتهم فيها أن بعض الأنبياء جرى له فيها كذا وكذا فإن هذا كله يمنع منه، هذا كلامه، وفيه تصريح بأنه لا يجوز التحدث بالقصص والحكايات الموضوعة كسيرة عنترة والبطال ونحوهما، والله أعلم.\n_________\n(^١) المجموع (٦/ ٥٣٣ - ٥٣٤).","vol":"1","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>خاتمة الباب</span>\nقال ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس (^١): ومن تلبيس إبليس على الفقهاء أن يحسن ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون من هؤلاء قصاص ومراد الشيطان (أن) يمنحهم من الحضور عند القصاص في موضع يلين فيه القلب ويخشع، والقصاص لا يذمون من حيث هذا الاسم لأن الله تعالى قال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ (^٣) لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ثم غالبهم الخلط فيما يورده، وربما اعتمد على ما أكثره محال، فأما إذا كان القصص صدقا ويوجب وعظا، فهو ممدوح، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص مدون، وقد كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء، وقد حضر ابن عمر - ﵁ - مجلس عبيد الله بن عمير، وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص، ثم [خست] هذه الصناعة فتعرض لها الجهال فبعد عنهم المميزون من الناس وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص، وما يعجب الجهلة، وتنوعت البدع في هذا الفن.\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (ص ١١٠ - ١١١).\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ٣.\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٧٦.","vol":"1","page":588},{"text":"وفي حديث ابن عمر أنه دخل المسجد فرأى قاصًا صياحًا فقال: اخفض صوتك: ألم تعلم أن الله تعالى بغض كل شحاج، الشحاج: رفع الصوت، وقد شحج فهو شحاج (^١)، انتهى.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٤٨).","vol":"1","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>[التَّرْغِيب فِي الْبدَاءَة بِالْخَيرِ ليستن بِهِ والترهيب من الْبدَاءَة بِالشَّرِّ خوف أَن يستن بِهِ]</span>\nالبداية: لحن، وصوابه: البداءة بضم الباء والمد، والبداءة بفتح الباء وإسكان الدال والقصر، والبدوءة بالضم والمد، انتهى، قاله النووي في تخييره (^١).\n\n٩٥ - عَن جرير - ﷺ - قَالَ كنَّا فِي صدر النَّهَار عِنْد رَسُول الله - ﷺ - فَجَاءَهُ قوم غزَاة مجتابي النمار والعباء متقلدي السيوف عامتهم من مُضر بل كلهم من مُضر فتمعر وَجه رَسُول الله - ﷺ - لما رأى مَا بهم من الْفَاقَة فَدخل ثمَّ خرج فَأمر بِلَالًا فَأذن وَأقَام فصلى ثمَّ خطب فَقَالَ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخر الْآيَة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢) وَالْآيَة الَّتِي فِي الْحَشْر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (^٣) تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثَوْبه من صَاع بره من صَاع تمره حَتَّى قَالَ وَلَو بشق تَمْرَة قَالَ فجَاء رجل من الْأَنْصَار بصرة كَادَت كَفه تعجز عَنْهَا بل قد عجزت قَالَ ثمَّ تتَابع النَّاس حَتَّى رَأَيْت كومين من طَعَام وَثيَاب حَتَّى رَأَيْت وَجه رَسُول ال - ﷺ - يَتَهَلَّل كَأَنَّهُ مذهبَة\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥١).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١.\n(^٣) سورة فصلت، الآية: ١٨.","vol":"1","page":590},{"text":"فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ بِاخْتِصَار الْقِصَّة (^١).\nقَوْله: مجتابي هُوَ بِالْجِيم الساكنة ثمَّ تَاء مثناة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة والنمار جمع نمرة وَهِي كسَاء من صوف مخطط أَي لابسي النمار قد خرقوها فِي رؤوسهم والجوب الْقطع وَقَوله: تمعر هُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة أَي تغير.\nوَقَوله: كَأَنَّهُ مذهبَة ضَبطه بعض الْحفاظ بدال مُهْملَة وهاء مَضْمُومَة وَنون وَضَبطه بَعضهم بذال مُعْجمَة وبفتح الْهَاء وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة وَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور وَمَعْنَاهُ على كلا التَّقْدِيرَيْنِ ظهر الْبشر فِي وَجهه - ﷺ - حَتَّى استنار وأشرق من السرُور والمذهبة صحيفَة منقشة بِالذَّهَب أَو ورقة من القرطاس مطلية بِالذَّهَب يصف حسنه وتلألؤه - ﷺ -.\nقوله: عن جَرير، هو بفتح الجيم، وكنيته: أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله. فهو جرير بن عبد الله بن جابر البجلي الأحمسي بالمهملتين الكوفي، والبجلي: منسوب إلى بجلة بفتح الباء الموحدة، وهي بنت صعب بن سعد العشيرة أم ولد، تنسب إليها القبيلة المعروفة، نزل جرير الكوفة ثم تحول إلى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٩ و٧٠ و٧١ - ١٠١٧) و(١٥ - ١٠١٧)، والنسائي في الكبرى (٢٣٤٦) والمجتبى ٤/ ٥٥٥ (٢٥٧٣)، والترمذى (٢٦٧٥)، وابن ماجه (٢٠٣).","vol":"1","page":591},{"text":"قرقيسيا، وتوفي بها سنة إحدى وخمسين، قال ابن قتيبة: دخل جرير المدينة على رسول الله - ﷺ - في رمضان سنة عشر من الهجرة فبايعه وأسلم وكان إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله - ﷺ -، وقيل: إن رسول الله - ﷺ - بسط الرداء وأكرمه وقال: \"إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه\"، وكان جرير بديع الجمال صحيح الإسلام مليح الصورة، كأنَّ على وجهه شقة قمر، وكان سيد قومه، وكان عمر بن الخطاب - ﷺ - يقول: جرير يوسف هذه الأمة بحسنة، وكان جرير كبير القدم طويل القامة يصل إلى سنام البعير وكان نعله ذراعًا وكان يخضب لحيته إذا دخل الليل ويغسلها بالنهار إذا أصبح، وبعثه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رسولا إلى معاوية لدخل في الطاعة، فلما لم يدخل فيها دخل فيها المهاجرون والأنصار، وصَالحُ المؤمنين كان جرير تلك الحروب والفتن، فلم يحضر في شيء منها، وأقام بالجزيرة ونواحيها، وقال جرير: ما حجبني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم، ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده الكريمة على صدري، فقال: \"اللهم ثبته واجعله مهديًا\" روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١)، والله أعلم.\nقوله: فجاءه في صدر النهار عند رسول الله - ﷺ -، الحديث، صدر النهار: أوله.\nقوله: فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، العراة: جمع عار،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٧ - ١٤٨ الترجمة ١٠٤).","vol":"1","page":592},{"text":"ومجتابي النمار أو العباء كأنه شك من الراوي، أي: لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم، والجوب القطع، انتهى، قاله المنذري، يقال: اجتبت القمص والغلام، أي: دخلت فيهما، وكل شيء قطع وسطه، فهو مجوب ومجوت، وبه سمي جيب القميص، ومنه حديث علي - ﵁ - \"أخذت إهابًا معطونًا فجوبت وسطه وأدخلته في عنقي\" (^١)، وسيأتي الكلام على حديث علي في محله، فالاجتباب تقوير موضع دخول رأس الإنسان من الثوب، ويسمي ذلك الموضع المقور من الثوب جيبًا (^٢)، والاجتباب: القطع والخرق، ومنه قوله تعالى: (جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (^٣) أي: نحتوه وقطعوه (^٤)، والنمار: جمع نمرة وهي كساء من صوف مخطط، انتهى، قاله المنذري؛ وقال بعض العلماء: كل شملة مخططة من مآزر العرب كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض، وهي من الصفات له، أراد أنه جاءه قوم لابسي أزر مخططه من صوف (^٥).\nفجاء هؤلاء القوم وقد فتحوا فيها جيوبا أدخلوا منها رؤوسهم فلبسوها، يصف سوء حالهم، وإنما يفعل ذلك عند الحاجة، وقد فسر الخطابي (^٦) بأنهم\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٣١٠).\n(^٢) مطالع الأنوار (٢/ ١٩٠).\n(^٣) سورة الفجر، الآية: ٩.\n(^٤) رياض الصالحين (ص ٧٨).\n(^٥) النهاية (٥/ ١١٨).\n(^٦) غريب الحديث (٢/ ٢٩٧).","vol":"1","page":593},{"text":"قطعوا النمار قطعا وشقوها أزرًا لحاجتهم (^١)، والعباء بالمد وبفتح العين جمع عباءة وعباية لغتان مشهورتان، قال ابن السكيت: الأكثر المد، ضرب من الأكسية غلاظ مخطط، وقد يقع على الواحد لأنه جنس، انتهى، قاله ابن الأثير وغيره (^٢).\nقوله: متقلدي السيوف، والتقليد: جعل نجاد السيف على المنكب، قاله الكرماني (^٣). قوله: عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، مضر: اسم قبيلة من قبائل العرب، أبوهم: إلياس، ولقبه: قيس بن مضر.\nقوله: فتمعر وجه رسول الله - ﷺ -، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: تغير، وقال بعض العلماء أي تغير وانقبض كراهية لذلك، والأصل فيه قلة النضارة وعدم إشراق اللون مأخوذ من قوله: مكان أمعر وهو الجدب الذي ليس فيه خصب (^٤)، وقيل: أصله من المعر وهو ذهاب الشعر فكأنه ذهاب الدم من الوجه.\nقوله: لما رأى بهم من الفاقة، والفاقة: الفقر والاحتياج.\nقوله: فصلى ثم خطب، أي: صعد منبرًا صغيرًا، وفي كتاب الديباجة أن هذه الخطبة كانت بعد صلاة الظهر (^٥)، وفي خطبة النبي - ﷺ - دليل على\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٢/ ١٩٠).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ١٤٩)، والصحاح (٦/ ٢٤١٨)، ومشارق الأنوار (٢/ ٦٤)، والنهاية (٣/ ١٧٥)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (٤/ ٨٩).\n(^٤) معالم السنن (١/ ٨٢)، والنهاية (١/ ٤٣٣).\n(^٥) الديباجة (ص ٨٤/ رسالة علمية).","vol":"1","page":594},{"text":"استحباب جمع الناس للأمور المهمة ووعظهم وحثهم على مصالحهم وتحذيرهم من القبائح (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فقال: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (^٢) الآية\"، وتلاوته - ﷺ -: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) الآية.\nتنبيه: للصحابة ﵃ على أنهم كنفس واحدة إذ كانوا مخلوقين من نفس واحدة فينبغي لهم أن يواسي بعضهم بعضًا ولأنها أبلغ في الحث بالصدقة عليهم لما فيها من تأكد الحق لكونهم أخوة (^٣)، هالى هذا المعنى أشار النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: \"إن المؤمنين في مثل توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعي سائر الجسد بالحمى والسهر\" (^٤) وفي معناه الحديث الثابت عن رسول الله - ﷺ -: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\" (^٥) ولهذا المعنى قال العلماء ﵃: إذا قحط في إقليم من مقاليم الإسلام ينبغي لغيرهم أن يستسقوا لهم فإن المسلمين كنفس واحدة، يؤيد ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (^٦) وتلاوته - ﷺ -: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (^٧) فيه من\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٢).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١.\n(^٣) المصدر السابق (٧/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٦٦ - ٢٥٨٦) عن النعمان بن بشير.\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٤٤٦)، ومسلم (٦٥ - ٢٥٨٥) عن أبي موسى.\n(^٦) سورة المائدة، الآية: ٣٢.\n(^٧) سورة الحشر، الآية: ١٨.","vol":"1","page":595},{"text":"الحث على الصدقة وإن كان لفظ الآية عاما في الصدقة وغيرها من أنواع الخير، انتهى، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام.\nقوله - ﷺ -: \"تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة\" الحديث، أي: ليتصدق الرجل، لفظه الخبر ومعناه الأمر (^١)، ومثله قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) (^٢) أي: ليتربصن وهو من كلام العرب، يعبرون عن الأمر بالخبر مبالغة في تحقيق الطلب، وفيه: الحث على الصدقة، وإن كان المال في غاية القلة ألا تراه ذكر الصاع والدرهم فقال: من ديناره من درهمه حتى قال: ولو بشق تمرة، وشق التمرة جانبها على أنه قد جاء في الحديث أنه - ﷺ - سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل (^٣)، وأشار إلى أن المتصدق إذا قلّ، ماله كان أكثر أجرًا من متصدق كثرت أمواله لأن في تصدق المقل قهرا للنفس وتركا للشهوة وتفويضا وتوكلا على الله تعالى، وإليه أشار بقوله - ﷺ -:\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٤١)، والنهاية (٣/ ١٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤١١ (١٥٤٠١)، وأبو داود (١٤٤٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٣٣ (٢٥٤٥) عن عبد الله بن حبشى. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١١٩٦) وصحيح الترغيب (١٣١٨).\nوأخرجه أحمد ٢/ ٣٥٨ (٨٧٠٢)، وأبو داود (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤) و(٢٤٥١)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم (١/ ٤١٤) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٤٧٢)، وصحيح الترغيب (٨٨٢).","vol":"1","page":596},{"text":"\"سبق درهم مائة ألف درهم\" (^١) وسيأتي الكلام على معناه في الصدقة إن شاء الله، فإن قيل: قد ثبت عنه - ﷺ - قال: \"وإنما الصدقة عن ظهر غنى\" (^٢) وثبت عنه - ﷺ - أنه قال لكعب بن مالك: \"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك\" (^٣)، قلنا: قوله - ﷺ -: \"وإنما الصدقة عن غنى\"، فليس بينه وبين قوله حين سئل أي الصدقة أفضل، قال: \"جهد المقل\" منافاة إذا أراد إخراج ما تفتقر الحاجة إليه، وإن كان شيئًا يسيرًا؛ وأما قوله - ﷺ - لكعب بن مالك: \"أمسك عليك بعض مالك\" فهو منطبق على ما ذكرناه من إمساك ما يحتاج إليه في نفقته ونفقة من يقوته وفضل دين إن كان، فإن قيل: قد ثبت أن الصديق - ﵁ - خرج من ماله بأسره حتى تخلل بعباءة فلم ينكره رسول الله - ﷺ -، قلنا: الناس يتفاوتون في التوكل، وأين رتبة كعب بن مالك من رتبة الصديق - ﵁ -، فلما كان كعب بن مالك ممن لا يثبت على القلة، قلت له: امسك عليه بعض مالك، ولما كان الصديق - ﵁ - قد انتهى له الغاية القصوى في التوكل والثقة بما عند الله تعالى أقره رسول الله - ﵁ - على الخروج من الدنيا، وقد ثبت عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٧٩ (٨٩٢٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٣٤ (٢٥٤٦) و٤/ ٥٣٥ (٢٥٤٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٣)، وابن حبان (٣٣٤٧). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٢٦) و(٥٣٥٥) و(٥٣٥٦) عن أبي هريرة، والبخاري (١٤٢٧) ومسلم (٩٥ - ١٠٣٤) عن حكيم بن حزام.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٤١٨) ومسلم (٥٣ - ٢٧٦٩).","vol":"1","page":597},{"text":"رسول الله أنه قال: \"لم يفضل أبو بكر بكثرة صلاة ولا صوم ولكن بشيء وقر في قلبه\" وفي رواية: \"لسر وقر في صدره\" أي: سكن فيه وثبت من الوقار والحلم والرزانة، وقد وقر وقارا، قاله في النهاية (^١)، وروى البغوي بإسناده في معالم التنزيل: إن أبا بكر الصديق - ﵁ - لما خرج مهاجرا نزل جبريل ﵇ على النبي - ﷺ - فقال: إن رب العالمين يقرأ على أبي بكر السلام ويقول له: \"هل أنت راض عني في فقرك هذا أم ساخط\" فبكى أبو بكر - ﷺ - وقال: أسخط على ربي أنا راضٍ أنا راضٍ قالها ثلاثًا (^٢)، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام (^٣).\nقوله: فجاء رجل من الأنصار كادت كفه تعجز عنها؛ الأنصار: هم الذين آووا رسول الله - ﵁ - ونصروه لما هاجر إلى المدينة، والأفصح في (تعجز)\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٢١٣).\n(^٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٨٥)، وابن المقرئ (١٦٦)، وابن شاهين في مذاهب السنة (١٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٠٥) وفضاءل الخلفاء (٦٣)، والثعلبى في التفسير (٩/ ٢٣٦)، والواحدى في الوسيط (١١٦٦)، والبغوى في التفسير (٨/ ٣٤).\nقال ابن حبان: العلاء بن عمرو شيخ يروي عن أبي إسحاق الفزاري العجائب لا يجوز الاحتجاج به بحال.\nقال أبو نعيم: (غريب من حديث الثوري، لم نكتبه إلا من حديث الفزاري، وحديث الأسواري لم نكتبه إلا عن محمد بن عمر بن سلم). وقال ابن كثير: هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه. وقال العراقى في تخريج الإحياء (٦٢١): أخرجه ابن حبان والعقيلي في الضعفاء، قال الذهبي في الميزان: هو كذب.\n(^٣) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٣٣٩)، والكواكب الدراري (٧/ ١٩٦).","vol":"1","page":598},{"text":"كسر الجيم وفي الماضي الفتح، هذه اللغة الفصحى، ومنه قوله تعالى: (يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ) (^١).\nقوله: ثم تتابع الناس، تتابع الناس هو بالباء الموحدة، قال أهل اللغة: التتابع بالباء الموحدة في الخير (والتتايع) بالياء المثناة من تحت في الشر (^٢)، قال أبو الطفيل عامر بن واثلة صاحب رسول الله - ﷺ:\nوَمَا شَابَ رَأْسِي مِنْ سِنِينَ تَتَابَعتْ ... عَلَيَّ وَلَكِنْ شَيّبَتْنِي الْوَقَائِعُ (^٣)\nقوله: حتى رأيت كومين من طعام، الحديث؛ هو بفتح الكاف وضمها، أي جبلين، قال عياض ﵀: ضبطه بعضهم بالفتح وبعضهم بالضم، قال أبو مروان بن سراج بالضم اسم لما كُوِّم، وبالفتح المرة الواحدة، قال: والكومة بالضم الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء، والكوم المكان المرتفع، قال عياض: والفتح هنا أولى لأنه المقصود هنا لأن مقصوده الكثرة (^٤).\nقوله: حتى رأيت وجه رسول الله تهلل، الحديث، أي: استنار فرحًا وسرورًا، أما سبب سروره - ﷺ - ففرحًا لمبادرة المسلمين لطاعة الله تعالى وبذل أموالهم لله تعالى وامتثالهم أمر رسول الله - ﷺ - ولدفع هؤلاء المحتاجين وشفقة المسلمين بعضهم على بعض وتعاونهم على البر والتقوى، وينبغي للإنسان إذا رأى شيئًا\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٣١.\n(^٢) غريب الحديث (١/ ١٠٣) لابن الجوزى.\n(^٣) المجالسة (١٠١٣).\n(^٤) إكمال المعلم (٣/ ٥٤٠).","vol":"1","page":599},{"text":"من هذا القبيل أن يفرح ويظهر السرور، ويكون فرحة لما ذكرناه، وبما حصل من الأجر للصحابة ﵃ (^١).\nقوله: كأنه مذهبة، قال الحافظ: ضبطه بعض الحفاظ بدال مهملة وهاء مضمومة ونون، انتهى، والمذهبة: تأنيث المذهب، والمذهب: نقرة في الجبل يجتمع فيها ماء المطر، شبه صفاء وجهه الكريم بإشراق السرور عليه بصفاء هذا الماء المجتمع في الحجر والمذهب أيضًا؛ والمذهبة: الإناء الذي يذهب فيه أي: ما يجعل فيه الذهب، فيكون قد شبه وجهه الكريم بصفاء الدهن، انتهى، قال الحافظ ﵀: وضبطه بعضهم بذال معجمة وفتح الهاء وبعدها باء موحدة وهو الصحيح المشهور، وعليه اقتصر الحميدي في \"الجمع بين الصحيحين\" (^٢).\nقوله: وقال أبو القاسم الأصبهاني في كتابه (^٣): والمذهبة صحيفة مشتقة بالذهب أو ورقة من القرطاس مطلية بالذهب، انتهى، وقال بعض العلماء: المذهبة من الشيء المذهب، وهو: المموه بالذهب أو من قولهم: فرس مذهب إذا علت حموته البقرة والأنثى مذهبة، وإنما خص الأنثى بالذكر لأنها أصفى لونًا وأرق بشرة، قاله في النهاية (^٤)، وفي حديث آخر: \"كأن وجهه ورقة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٣)، والديباجة (ص ٨٩/ رسالة علمية).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) الترغيب والترهيب (١/ ٤٠٤).\n(^٤) النهاية (٢/ ١٧٣).","vol":"1","page":600},{"text":"مصحف\" يريد في حسنه ووضاءته كما في الحديث الآخر: \"كأنها مذهبة\" قيل: وهي إشارة إلى بياضه الممتزج بصفرة كلون الذرة، ويحتمل أنه يريد بها كأنه فضة مذهبة، أي: الذهب كما قال الشاعر: كأنها فضة يعلوها ذهب، فهو أبلغ في حسن الوجه وإشراقه.\nقوله: أبو القاسم الأصبهاني، الأصبهاني بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة والهاء في آخره نون (هذه) النسبة إلى أشهر بلدة بالجبال، زاد الرشاطي في الأنساب أن بأصبهان (قرية فرسان) ولذلك يكتبها بعضهم بالفاء وهي بالفارسية راية الفرسان ولم يكن (يحمل لواء) الملك إلا أهل أصبهان، وقيل: سميت بأصبهان بن نوح الذي بناها، انتهى، إنما قيل لهذا على ما سمعت بعضهم أنها تسمى بالعجمية سباهان وسباه: العسكر وهان: الجمع، وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة بهذا الموضع مثل عسكر فارس وكرمان والأهواز فعرب، فقيل أصبهان، خرج منها كثير من العلماء في كل فن (^١).\n\n٩٦ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ -: قَالَ: سَأَلَ رجل على عهد رَسُول الله - ﷺ - فَأمْسك الْقَوْم ثمَّ إِن رجلا أعطَاهُ فَأعْطى الْقَوْم فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سنّ خيرا فاستن بِهِ كَانَ لَهُ أجره وَمثل أجور من تبعه غير منقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن سنّ شرا فاستن بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وزره وَمثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم\n_________\n(^١) انظر: اللباب (١/ ٦٩)، والروض المعطار (ص ٤٣).","vol":"1","page":601},{"text":"شَيْئًا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هريرة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من سن في الإسلام سنة حسنة\" الحديث، أي: أتى بطريقة مرضية يقتدى به فيها فله أجره، وفي عامة نسخ المصابيح فله أجران، وهو غير سديد رواية ومعنى، وإنما الصواب \"أجره\"، والضمير يعود إلى من صاحب الطريقة أي: له أجر عمله وأجر من عمل بسنته (^٣)، كذا قاله في شرح مشارق الأنوار، فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٧ (٢٣٢٨٩)، والبزار (٢٩٦٣ و٢٩٦٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٥١) و(١٥٤٢)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٩٤ رقم ٣٦٩٣)، والحاكم ٢/ ٥١٦ - ٥١٧ عن حذيفة. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٥٢٠ (١٠٧٤٩)، وابن ماجه (٢٠٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١١٦ رقم ٢٦٥٦). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٦٧: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عبيدة بن حذيفة، وقد وثقه ابن حبان.\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حماد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة إلا مؤمل ورواه سليمان بن حرب وغيره، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي عبيدة بن حذيفة، مقطوعا، وقد رواه عبد الوارث بن سعيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، كما رواه مؤمل، عن حماد.\nقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٢٨: هذا إسناد صحيح رواه مسلم في صحيحه والترمذي في جامعه من حديث جرير بن عبد الله. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٩٤) عن حكيم بن حزام. وانظر: الميسر (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":602},{"text":"من اختراع الأباطيل [والمستقبحات] (^١)، وسبب هذا الكلام في هذا الحديث أنه قال في أوله فجاء رجل بصرة كادت (كفه تعجر) عنها بل قد عجزت، فتتابع الناس فكان هذا الفضل العظيم للباديء هذا الخير والفاتح لباب هذا الإحسان (^٢).\nوالتقييد بقوله - ﷺ -: \"من سن في الإسلام سنة حسنة\" يقتضي أنما صدر في الكفر من الخير لا أجر له فيه، واحتج بعض الفضلاء على أن من يؤتي به من أنواع البر لا يوصف بالبدعة وإن لم يكن يقع مثله في زمن النبي - ﷺ - (^٣).\nقال ابن بطال شارح البخاري: إن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة على جهة القرب لله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق وغير ذلك، ثم أسلم يكتب له كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد ورد الشرع به فوجب فعله، انتهى (^٤).\nوقال غيره من العلماء: ولو صام الكافر في حال كفره لم يصح بلا خلاف سواء أسلم بعد ذلك أم لا، بخلاف ما إذا تصدق في كفره ثم أسلم فإن الصحيح أنه يثاب عليها لقوله - ﷺ -: \"أسلمت على ما أسلفت من خير\" (^٥) انتهى.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٤)، والديباجة (ع ٨٩/ رسالة علمية).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٤)، والديباجة (ع ٨٩ - ٩٠/ رسالة علمية).\n(^٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١/ ٣٠٣) للحميدي، والنهاية (١/ ١٠٦).\n(^٤) انظر شرح الصحيح (١/ ٩٩) لابن بطال، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٤١)، والكواكب الدراري (١/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٥) المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٥٣).","vol":"1","page":603},{"text":"تنبيه: ابن بطال، كنيته: أبو الحسن علي بن خليفة بن بطال القرطبي شارح البخاري، توفي ﵀ سنة تسع وأربعين وأربع مائة، وهو أحد شيوخ أبي عمر بن عبد البر، والله أعلم.\nوفي الحديث وهو حديث حسن بيان كرم الله تعالى حيث جعل لفاعل السنة أجور كل من اقتدى به فيها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن هذا تظهر عظمة النبي - ﷺ - (وما له من أجر) فإنه - ﷺ - سن للناس سننًا لا تدخل تحت الإحصاء فهم يعملون به إلى يوم القيامة، والأجور مستمرة للنبي - ﷺ - من غير أن ينقص من أجورهم شيء، والله أعلم.\nقوله: وعن حذيفة، هو: ابن اليمان، كنيته: أبو عبد الله، واسم اليمان حسل بضم الحاء وإسكان السين المهملتين، ويقال: حسيل بالتصغير واليماني لقبه حسل لقب لأنه أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار فسماه دومة اليماني لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن، أسلم أبو حذيفة وأبوه وذهبا إلى رسول الله - ﷺ -، وشهدا جميعا أحدا، وقتل أبوه يومئذ، قتله المسلمون خطأ فوهب لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت ﵂ على المشهور عند المحدثين إثبات الياء في اليماني والداجي وعبد الرحمن بن أخي الداجي بن الهادي (^١)، والله أعلم.\nقوله: سأل رجل على عهد رسول الله - ﷺ -، فأمسك القوم، ثم إن رجلا أعطاه فأعطى القوم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"من سن خيرا فاستن به كان له\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٣ - ١٥٥ ترجمة ١١٤).","vol":"1","page":604},{"text":"أجره ومثل أجور من تبعه\" الحديث، وفي الحديث الآخر وهو حديث أنس بن مالك: \"إيما داع دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع كان له مثل أجور من اتبعه\" (^١) وما أشبهه من الأحاديث، وهذه الأحاديث تدخل في عموم الدلالة على الخير، قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (^٢) (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (^٣) وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (^٤) الآية، ففي هذه الأحاديث الحث على استحباب الدعاء إلى الخير والطاعة وتحريم الدعاء إلى الضلالة والبدعة، وإنه من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور تابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أو كان مسبوقًا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو آداب وغير ذلك، وهو مثل قوله: \"من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة\" الحديث، قاله في الديباجة (^٥).\nقوله: رواه الإمام أحمد، هو: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، صاحب المسند، قال أحمد بن محمد الكندي: قد رأيت الإمام أحمد بن حنبل في النوم، فقلت: يا أبا عبد الله، ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، ثم قال: يا أحمد\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٥). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧١٢).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٤.\n(^٥) الديباجة (ص ٩٣ - ٩٤/ رسالة علمية).","vol":"1","page":605},{"text":"ضربت فيّ ستين سوطًا، قلت: نعم يا رب، قال: هذا وجهي قد أبحتك فلتنظر إليه (^١)؛ ورئي الإمام أحمد بن حنبل في المنام أيضًا، فقيل له: ما فعل الله بك يا إمام؟ فقال: قدم لي مائدة عليها من ألوان الأطعمة حتى المكتبك، وسمعته يقول ﷿ ذكره: [كردد ده ده ده] (^٢) أنا صاحب العزة، خضع كل شيء لسطاني ولعزي، ما قرئت على مريض إلا عافاه ولا مجنون إلا شفاه، وقال أبو بكر أحمد بن الحجاج حدثني رجل من أهل طرسوس قال: دعوت الله ﷿ أن يريني أهل القبور حتى أسألهم عن الإمام أحمد بن حنبل ما فعل الله به؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام كأن أهل القبور قد قاموا على قبورهم فبادروني بالكلام فقالوا: يا هذا تدعوا الله أن يريك إيانا تسألنا عن رجل لم يزل منذ فارقكم تحلية الملائكة تحت شجرة طوبى، قال أبو محمد عبد الحق: وهذا الكلام من أهل القبور إنما هو إخبار عن علو درجة أحمد بن حنبل وارتفاع مكانه وعظم منزلته، فلم يقدروا أن يعبروا عن عظمة حاله وعما هو فيه إلا بهذا وما هو في معناه (^٣)، قال صاجما العلم المشهور (^٤): رحلت إلى مدينة واسط بالعراق فقرأت مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن حثبل، وفيه أربعون ألف حديث بزيادات ابنه عبد الله، قال حنبل بن إسحاق:\n_________\n(^١) الروح (ص ٤٩).\n(^٢) كذا هو بالأصل وحاشا أن يكون ما ذكر صوابا فهو من خرافات وضلالات الصوفية التي تعتمد طلاسما وألفاظا سريانية في أدعيتها الضالة.\n(^٣) الروح (ص ٤٩).\n(^٤) العلم المشهور (لوحة (٥٤/ خ).","vol":"1","page":606},{"text":"جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب قد جمعته من سبعمائة ألف وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله - ﷺ - فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة (^١). وكان قتيبة بن سعيد صاحب مالك بن أنس وشيخ أحمد بن حنبل يقول: أحمد بن حنبل إمام الدنيا، وقد ألف الناس في فضائله وأفردوا لها كتابًا كبيرًا، واختلف ولداه الإمامان أبو عبد الرحمن عبد الله، والثاني بأصبهان صالح، في أي شهر ولد الإمام أحمد؟ فحدثنا غير واحد من شيوخنا عن الثقة أبي علي الحداد فذكره إلى أن قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: سمعت عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل يقول: سمعت والدي يقول: ولدت سنة أربع وستين ومائتان أولها في شهر ربيع الآخر، قال عبد الله: وتوفي في يوم الجمعة ضحوة، ودفناه بعد العصر وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر غلبنا على الصلاة عليه، وكنا قد صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكانت له ثمان وسبعون سنة، قال عبد الله: خضب أبي رأسه ولحيته بالحاء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وسنده إلى أبي نعيم فذكره إلى أن حدثنا أبو الفضل صالح بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يقول: ولدت سنة أربع وستين ومائة في أولها في شهر ربيع الأول، قال أبو الفضل: وتوفي أبي في يوم الجمعة لثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول من\n_________\n(^١) الفروسية (ص ٢٧١).","vol":"1","page":607},{"text":"سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكان سنه من يوم ولد إلى أن توفي سبعة وسبعين سنة، قال (ابن دحية) صاحب العلم المشهور: وقول أبي الفضل هو الصواب لأنه الذي يقتضيه الحساب أنه ولد على قوليهما سنة أربع وستين، وإنما اختلفا في الشهر فقط، وقيده بظاهر الحديث من الجانب المغربي من بغداد على دجلة وقد زرته غير مرة (^١)، انتهى، وسيأتي الكلام على مناقبه أبسط من هذا.\nقوله: ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، ابن ماجه: الإمام الحافظ العلامة المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني المتقن الحجة ذو الرحلة الواسعة والعلوم النافعة، سمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام وغيرها من البلاد جماعة يطول ذكرهم، قال الرافعي في أماليه: كان ابن ماجه من أئمة الحديت المعتبرين الموثوق بقولهم وكتابهم، صنف التفسير والتاريخ وجامع السنن، وكان يقول: عرضت هذه السنن على الحافظ أبي زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي فنظر فيها وقالوا: ما أظن أن وقع هذا في أيدي الناس إلا بتعطيل هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال لعله لا يكون فيه تمام الثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف، وكان لأبي زرعة المنتهى في الحفظ، وكان لقب لأبيه بفتح الميم والجيم، وبينهما ألفٌ وفي آخره هاء ساكنة، قال أبو يعلى الخليلي وأبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: قال\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١١٠ - ١١٢ ترجمة ٤٦)، والعلم المشهور الوحة ٥٤ و٥٥/خ).","vol":"1","page":608},{"text":"الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ: كتاب السنن لابن ماجه كتاب حسن لولا ما كدره من الأحاديث الواهية، وليست بالكثيرة، وعدد كتب الكتاب المذكور اثنان وثلاثون كتابًا، قال أبو الحسن بن القطان: في السنن ألف وخمس مائة باب وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث، ولد أبو عبد الله في سنة تسع ومائتين، وتوفي لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين (^١)، والله أعلم، قاله في الديباجة.\n\n٩٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ من نفس تقتل ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم.\nقوله - ﷺ - \"ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها\" لأنه أول من سن القتل بابن آدم الأول هو قابيل، أي: على قابيل أول ولد لآدم ﵇، بسبب أنه سن القتل في بني آدم بقتله أخاه هابيل ظلمًا (^٣)، وهو أول من عصى على وجه الأرض، وقتل وكفر من الإنس، ولما فعل ذلك بأخيه هرب وبنى قرية يقال لها جمرة، وقابيل: هو أول من عبد النار،\n_________\n(^١) انظر ترجمته: تهذيب الكمال (٢٧/ الترجمة ٥٧١٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) و(٦٨٦٧) و(٧٣٢١)، ومسلم (٢٧ - ١٦٧٧)، والترمذى (٢٦٧٣)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٧٤ (٤٠٢٠)، وابن ماجه (٢٦١٦).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":609},{"text":"وأنه أشقى البرية كلها وأن عليه نصف عذاب الخلق كلهم (^١).\nوروى الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \"أشقى الناس ثلاثة: عاقر ناقة ثمود، وابن آدم الذي قتل أخاه، ما سفك على الأرض من دم إلا حقه منه لأنه لأول من سن القتل، والثلث: قاتل علي بن أبي طالب وهو ابن ملجم، لعنه الله\" (^٢).\nوفي الحديث يقاسم ابن أدم أهل النار قسمة صحاحًا (^٣) يعني: قابيل الذي قتل أخاه قابيل أي: أنه تقاسم قسمة صحيحة، فله نصفها ولهم نصفها؛ الصحاح: بالفتح بمعنى الصحيح يقال: درهم صحيح وصحاح، ويجوز أن يكون بالضم كطوال في طويل، ومنهم من يرويه بالكسر، ولا وجه له، قاله\n_________\n(^١) كنز الدرر (٢/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٥١٨ رقم ١٤٣٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، والواحدى في الوسيط (٢٨٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤) و(٧/ ٢٩٩): \"قلت: سقط من الأصل الثالث، والظاهر أنه قاتل علي ﵁، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس\"، وقال في (٧/ ٢٩٩): \"قلت: وأسقط الثالث، والظاهر أنه: قاتل علي ابن أبي طالب كما ورد؛ رواه الطبراني، وفيه حكيم بن جبير؛ وهو متروك، وضعفه الجمهور، وقال أبو زرعة: محله الصدق إن شاء الله، وابن إسحاق مدلس\". قال أبو نعيم: غريب من حديث سعيد لم نكتبه إلا من حديث سلمة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩٨٧).\n(^٣) أخرجه البزار (٢٤٧٦)، والطبرى في التفسير (٨/ ٣٣٤) والطحاوى في مشكل الآثار (٧/ ٢٠٤)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٤٢ رقم ٤٩٣٩) عن عبد الله بن عمرو موقوفا. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٦٨: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، إلا أني لم أر من ترجم لشيخ البزار عبد الله بن إسحاق العطار، يروي عن عفان.","vol":"1","page":610},{"text":"ابن الأثير في النهاية (^١).\nوقابيل: هو أول من يساق إلى النار، قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (^٢) وهما: قابيل وإبليس، فإن ابن آدم الأول المذكور هنا قابيل أخاه هابيل لما تنازعا تزويج إقليميا فأمرهما آدم ﵇ أن يقربا قربانا فمن يقبل قربانه كانت له فتقبل قربان هابيل فحسده قابيل فقتله بغيًا وعدوانًا (^٣).\nقال الماوردي في سبب هذا القتل منها قولان، أحدهما: أن قابيل وتوئمته كانتا من ولادة الجنة، وهابيل وتوأمه كانتا من ولادة الأرض، والثاني: أن توأمة قابيل كانت أحسن من توأمة هابيل فاختصما إلى آدم ﵇ فأمرهما أن يقربا قربانا، وكان هابيل راعيا فقرب سخلة، وكان قابيل حراثًا فقرب حزمة زرع فنزلت نار من السماء رفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فكان ذلك علامة القبول (^٤)، انتهى.\nوقيل: ولدت حواء لآدم ﵇ أربعين [بطنًا] (^٥) في كل بطن ذكر وأنثى،\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٢).\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ٢٩.\n(^٣) المفهم (١٥/ ١١٢).\n(^٤) النكت والعيون (٢/ ٢٨).\n(^٥) كذا بالأصل وصوابه: أربعين ولدا في عشرين بطنا. انظر: تفسير البغوى (٣/ ٤١)، وبستان العارفين (ص ٣٨٣)، والمنتظم (١/ ٢١٧)، والكامل (١/ ٣٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٠).","vol":"1","page":611},{"text":"قال الكسائي: إلا شيث ﵇ فإنها حملت به وحده (^١) لأن نور المصطفى - ﷺ - يصل إليه، وكان آدم ﵇ يزوج كل بطن بأنثى من بطن آخر ولا يزوج أحدا من نفس البطن، فأراد آدم ﵇ أن يزوج أخت قابيل لهابيل فحسده قابيل وقتله، كما تقدم، والحسد أول معصية عصى الله بها في السماء وأول معصية عصى الله بها في الأرض، أول من حسد في السماء إبليس حسد آدم ﵇ فلم يسجد له، وأول من حسد في الأرض قابيل فقتل هابيل، فكان الحسد حاملا لإبليس على الكفر وحاملا لقابيل على القتل (^٢).\nتتمة: قال أبو حامد الغزالي ﵀ (^٣): والحسد أنواع، الأول: أن يتمنى زوال النعمة عن غيره وحصولها، الثاني: أن يتمنى مجرد زوالها وإن لم تحصل له إما لأن عنده مثلها أو لكونه لا يطلبها لنفسه، وهذا أشر من الأول؛ الثالث: أن يكره حدوث النعمة لغيره وهو حرام، ويجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويستحب أن يحمد الله تعالى على حصول النعمة لغيره كما يحمد الله تعالى عليها إذا حصلت له، قال جبريل ﵊ حين شرب اللبن ليلة الإسراء الحمد لله، لو شربت الخمر لغوت أمتك، الرابع: أن لا يكره النعمة لغيره إذا كانت مساوية للنعمة التي عليه ويكره له حصول منزلة ودرجة أعلى من منزلته ودرجته ويرضى\n_________\n(^١) عرائس المجالس (ص ٦٩).\n(^٢) تنبيه الغافلين (١/ ١٧٨ - ١٧٩)، وأدب الدنيا والدين (ص ٢٦٩).\n(^٣) الإحياء (٣/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"1","page":612},{"text":"بالمساواة ولا يرضى بالزيادة، فهذه الأنواع كلها حرام يشملها اسم الحسد، والحسود غير راض بقسمة الله تعالى وحكمته في الخلق، فمن أعطى شيئا من هذه الأشياء فليشكر الله تعالى، ومن وجد في قلبه مرضا من هذه الأمراض فعليه بالتوبة حتى يزول فإن لم يعالجه أثم، والله أعلم، انتهى.\nتتمة: وروى أن آدم ﵊ نزل إلى مكة وجعل قابيل وصيا على أهل بيته فقتل قابيل هابيل، فلما رجع آدم قال: أين هابيل؟ قال قابيل: لا أدري، فقال آدم: اللهم العن أرضا شربت دمه فم ذلك الوقت ما شربت الأرض دما، ثم إن آدم ﵇ بقي مائة عام لا يبتسم حتى جاءه ملك فقال له: حياك الله يا آدم وبياك، قال: ما يبكيك، قال: اضحك؛ وقال مقاتل: وكان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل هربت منه الطير والوحش وشاكت الأشجار وحمضت الفواكه وتملحت المياه واغبرت الأرض؛ وفي حديث وهب: تأبل آدم على ابنه المقتول كذا وكذا عاما لم يصب حواء، أي: امتنع من غشيانها أعواما وتوحش عنها، والفعل منه أبل يأبل إبالة إذا تنسك وترهب.\nفائدة: الحكمة في أن الله تعالى بعث إلى قابيل لما قتل أخاه هابيل غرابا ولم يبعث له الطيور ولا من الوحش لأن القتل كان مستغربا جدًا إذ لم يكن معهودًا قبل ذلك فناسبه الغراب؛ وروى أن قابيل حمل أخاه ومشى حتى أروح فلم يدر ما يصنع به فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر ثم بحث في الأرض بمنقاره ودفن أخاه فاقتدى به قابيل فكان بعث الغراب حكمة ليرى","vol":"1","page":613},{"text":"ابن آدم كيفية المواراة وهو معنى: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) (^١)، واختلف في أول من سن القبر، فقيل: الغراب لما قتل قابيل هابيل لقوله تعالى تعلم الدفن ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، والأول أصح (^٢).\nلطيفة: أسند عن أبي مرواح قال: بعث نوح ﵇ بالغراب والحمامة حيث استقرت السفينة على الجودي تلتمسان له الجد، يعني: الأرض، فأما الغراب فرأى جيفة فوقع عليها وأكل منها، وأما الحمامة فجاءت عاضة على غصن شجرة بطين، قال: فدعا للحمامة بالبركة وأما الغراب فلعنه وقال له قولًا شديدًا (^٣)، انتهى.\nتتمة: قالوا ولم يمت آدم ﵇ حتى رأى من نسله أربعين ألفا، ولم يبق من نسله أحد إلا نسل نوح ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ (^٤) الآية، ذرية نوح ﵇ سام وحام ويافث، أبو الروم، قال سمعت وهب بن منبه يقول: إن سام بن نوح أبو العرب وفارس والروم، وإن حام بن نوح ﵇ أبو السودان، وإن يافث بن نوح أبو الترك، وأن يأجوج ومأجوج هم بنوهم (^٥)، وقال بعض الفقهاء: ومن\n_________\n(^١) سورة عبس، الآية: ٢١.\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٢٤١).\n(^٣) روضة العقلاء (ص ١١٣).\n(^٤) سورة الصافات، الآيتان: ٧٧ - ٧٨.\n(^٥) تاريخ ابن خيثمة (٣٣٢٠).","vol":"1","page":614},{"text":"ذلك يأجوج ومأجوج والأتراك فمن يافث والسودان من حام والباقون من سام (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها\"، والكفل: بكسر الكاف، والمرد به: الجزء والنصيب، وقال الخليل: هو الضعف (^٢) أي نصيبٌ من دم كل امرئ فقتل ظلمًا (^٣)، قال: وهذا الحديث من قواعد الإسلام، وهو: أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل منة اقتدى به في ذلك فعمل مثل عمله إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح: \"من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة\" وللحديث الصحيح أيضًا: \"ما من داع يدعو إلى هدى، وما من داع يدعو إلى ضلالة\" وتقدم ذلك (^٤).\nوقال القرطبي: يدخل في عموم هذا الحديث نفس الذمي والمعاهد إذا قتل ظلما لأن نفسا نكرة في سياق النفي فهي للعموم، وقوله: \"لأنه أول من سن القتل\" نص على تعليل ذلك الأمر لأنه لما قال: \"أول من قتل\" كان قتله ذلك تنبيها لمن أتى بعده وتعليمًا له فيمن قتل كأنه اقتدى به في ذلك فكان\n_________\n(^١) المدهش (ص ٦٥).\n(^٢) إكمال المعلم (٥/ ٤٧٨)، مشارق الأنوار (١/ ٣٦٤).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ١٥٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٦٦).","vol":"1","page":615},{"text":"عليه من وزره، وهذا جارٍ في الخير والشر كما قرر (^١).\n\nوَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من سنّ سنة حَسَنة فَلهُ أجرهَا مَا عمل بهَا فِي حَيَاته وَبعد مماته حَتَّى تتْرك وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ إثمها حَتَّى تتْرك وَمن مَاتَ مرابطا جرى عَلَيْهِ عمل المرابط حَتَّى يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ. (^٢)\nقَالَ الْحَافِظ: وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لِبلَال بن الْحَارِث اعْلَم يَا بِلَال قَالَ مَا أعلم يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّه من أَحْيَا سنة من سنتي قد أميتت بعدِي كَانَ لَهُ من الأجر مثل من عمل بهَا من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن ابتدع بِدعَة ضَلَالَة لَا يرضاها الله وَرَسُوله كَانَ عَلَيْهِ مثل آثام من عمل بهَا لَا ينقص ذَلِك من أوزار النَّاس شَيْئا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه (^٣).\nقوله: وروى عن واثلة بن الأسقع، هو: واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة أبو الأسقع، ويقال: أبو قِرصافة بكسر القاف،\n_________\n(^١) المفهم (١٥/ ١٢١ - ١٢٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٧٤ رقم ١٨٤) والشاميين (٢٥٦٠)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٣٩٨). قال ابن عدى: ولعمر بن رؤبة غير ما ذكرت وليس بالكثير، وإنما أنكروا عليه أحاديثه عن عَبد الواحد النصري. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٨: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦٥) و(١٢٢٢).\n(^٣) سبق تخريجه برقم (٩٢) وهو ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":616},{"text":"ويقال: أبو الخطاب، ويقال: أبو شداد الليثي الكناني، أسلم قبل تبوك والنبي - ﷺ - يتجهز لها، وشهدها مع النبي - ﷺ -، وكان من أهل الصفة فلما قبض النبي - ﷺ - خرج إلى الشام، وكان يشهد المغازي بدمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي - ﷺ - ثلاث سنين، روي له عن النبي - ﷺ - ستة وخمسون حديثا، روي له البخاري حديثا ومسلم آخر، سكن الشام ثم اسوطن بيت حيرين وهي بلدة بقرب بيت المقدس ودخل البصرة، وكان له دار، روى عنه: عبد الواحد بن عبد الله النصري بالصاد المهملة وأبو إدريس الخولاني ومكحول وغيرهم، توفي سنة ست أو خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر، قال سعيد بن خالد: توفي سنة ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح: الأول، قال قتادة: كان آخر أصحاب النبي - ﷺ - موتا بمكة عبد الله بن عمر، وكان آخرهم موتًا بالمدينة جابر بن عبد الله، وآخرهم موتًا بمصر سهل بن سعد، وآخرهم موتًا بالكوفة عبد الله بن أوفى، وآخرهم موتا بالبصرة أنس بن مالك، وآخرهم موتا بدمشق واثلة بن الأسقع، وآخرهم موتا بحمص عبد الله بن بسر يعني بعد أبي أمامة (^١)، انتهى، قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك\" الحديث، أي: أتى بطريقة مرضية يقتدى به فيها فله أجره، وتقدم الكلام على ذلك في البداءة بالخير، وقال بعض العلماء في قوله: \"من سن سنة حسنة\" أي: فعل فعلا بحيث يقتدى به، وكذلك إذا فعل فعلا قبيحًا\n_________\n(^١) انظر ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤١ - ١٤٢ ترجمة ٦٦٢)، وتهذيب الكمال (٣٠/ الترجمة ٦٦٥٩).","vol":"1","page":617},{"text":"فاقتدى به، ويفيد الترغيب في الخير المتكرر إثمه بسبب الاقتداء، والتحذير من الشر المتكرر إثمه بحسب الاقتداء (^١). والله أعلم.\n\n٩٨ - وَعَن سهل بن سعد ﵄ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن هَذَا الْخَيْر خَزَائِن ولتلك الخزائن مَفَاتِيح فطوبى لعبد جعله الله ﷿ مفتاحا للخير مغلاقا للشر وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن أبي عَاصِم وَفِي سَنَده لين وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيّ بِقصَّة (^٢).\nقوله: \"عن سهل بن سعد\" هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنًا، فسماه النبي - ﷺ - سهلًا. شهد سهل قضاء رسول الله في المتلاعنين، قال الزهرى: سمع من النبي - ﷺ -، وكان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سثة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخارى بأحد عشر. روى عنه الزهري،\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٩٦ و٢٩٨). ولم يخرجه الترمذى.\nوضعفه جدا الألباني في المشكاة (٥٢٠٨)، وحسنه فيصحيح الترغيب (٦٦) والصحيحة (١٣٣٢).","vol":"1","page":618},{"text":"وأبو حازم، وغيرهما (^١).\nقوله: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن هذا الخير خزائن، لتلك الخزائن مفاتيح\" الحديث. قال العلماء ﵃: قد جعل الله ﷾ لكل مطلوب مفتاحا يفتح به، وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم، وأن من أنفع أبواب العلم باب معرفة مفاتيح الخير والشر، ولا يوفق لمعرفتها والعمل بها إلا من وفقه الله تعالى، فإن الله ﷾ جعل لكل خير وشر مفتاحًا وبابًا يدخل منه إليه كما جعل الشرك والكفر والإعراض عما بعث الله به رسوله - ﷺ - والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا للنار، وجعل مفتاح الصلاة والطهور كما قال - ﷺ -: \"مفتاح الصلاة الطهور\"، قال ابن العربي قوله - ﷺ -: \"مفتاح الصلاة الطهور\"، من مجاز التشبيه؛ لأن الحديث لما كان مانعًا من الصلاة كان كالقفل الموضوع على الحدث حتى إذا توضأ انحل الغلق، وهذه استعارة بديعة، وكذلك قوله: \"مفتاح الجنة الصلاة\" بيَّن فيه أن أبواب الجنة مغلقة تفتحها الطاعات وركن الطاعات الصلاة، وقد ذكر البخاري عن وهب بن منبه أنه قال: \"مفتاح الجنة لا إله إلا الله، وما من مفتاح إلا له أسنان\" (^٢) يعني: العبادات؛ فإن جئت بالمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح، ويتفاضل الإنسان في الفعل في الصغر والكبر والتأصيل والتفريع،\n_________\n(^١) انظر ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧)، وتهذيب الكمال (١٢/ الترجمة ٢٦١٢).\n(^٢) رواه البخاري تعليقًا ٣/ ٨٨ في الجنائز في فاتحته، قال الحافظ في الفتح: وقد وصله المصنف في التاريخ، وأبو نعيم في الحلية.","vol":"1","page":619},{"text":"فكذلك العبادات، انتهى؛ وجعل مفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدقة، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسنة السؤال وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح كل خير الرغبة في الله تعالى والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل، وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان، وجعل المعاصي مفتاح الكبر، وجعل الكذب مفتاح النفاق، وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم وأخذ المالى من غير حله، وجعل الخمر مفتاح كل إثم، وجعل النظر مفتاح النظر، وجعل مفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالأسحار، ومفتاح التقوى لا حول ولا قوة إلا بالله، ومفتاح الجنة والولاية الذكر، وجعل مفتاح إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب، وجعل الإعراض عما جاء به الرسول - ﷺ - مفتاح كل بدعة وضلالة، وهذه الأمور لا يصدق بها إلا من له بصيرة صحيحة وعقل يعرض به عما في نفسه وما في الوجود من خير أو شر، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعله الله له، وكان أنس بن مالك يقول: إن الله جعل للخير مفاتيح وللشر مفاتيح وإن ثابت البناني من مفاتيح الخير (^١)، انتهى، قاله في حادي الأرواح (^٢).\n_________\n(^١) الزهد (١٤٢٠) لأحمد.\n(^٢) حادي الأرواح (ص ٦٨ - ٦٩).","vol":"1","page":620},{"text":"قوله: \"فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر\"؛ طوبى عند النحويين فعلى من الطيب، قلبت الياء فيه واوًا لانضمام ما قبلها وهو طيب العيش له، وقيل: طوبى هي الخير وأقصى الأمنية، وقيل: طوبى اسم الجنة، وقيل: اسم شجرة وقيل غير ذلك (^١).\nقوله: \"وويل لعبد جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير\"، الحديث؛ الويل: دعاء بالهلكة، يقال لكل واقع في هلكة، والويل والحزن والهلاك: المشقة من العذاب (^٢)، وسيأتي الكلام على ذلك قريبًا أبسط من هذا.\n\n٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله مَا من دَاع يَدْعُو إِلَى شَيْء إِلَّا وقف يَوْم الْقِيَامَة لَازِما لدعوته مَا دَعَا إِلَيْهِ وَإِن دَعَا رجل رجلا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات (^٣).\nقوله: عن أبي هريرة؛ هو أحفظ هذه الأمة، وقال النبي - ﷺ - فيه: \"أبو هريرة وعاء العلم\"، ودعا له النبي - ﷺ - أن يرزقه علما لا ينسى، وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره (^٤)، قال أبو هريرة: حفظت من رسول الله - ﷺ - وعائين، فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٦).\n(^٢) النهاية (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٠٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١١٢). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٢٩: هذا إسناد ضعيف ليث هو ابن أبي سليم ضعفه الجمهور. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٣)، والظلال (١١٢).\n(^٤) تاريخ دمشق (٦٧/ ٣٤١).","vol":"1","page":621},{"text":"الماء، الوعاء: ما يوضع فيه الشيء؛ وبثثته حتى نشرته وفرقته، والمراد: الحديث الذي رواه والبلعوم مجرى الطعام، ولقائل أن يقول: كيف استجاز كتم الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وقد قال - ﷺ -: \"بلغوا عني ولو آية\"، وكيف يقول رسول الله - ﷺ - ما إذا قتل راويه وكيف يستجيز المسلمون من الصحابة الإخبار قتل من يروي عن رسول الله - ﷺ -؟ فالجواب: أن هذا الذي كتمه ليس أمر الشريعة فإنه لا يجوز كتمانها، وقد كان أبو هريرة يقول: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) (^١) فكيف يظن به أنه يكتم شيئًا من الشريعة بعد هذه الآية وبعد أمر رسول الله - ﷺ - أن يبلغ عنه، وقد كان يقول لهم: \"ليبلغ الشاهد منكم الغائب\"، وإنما هذا المكتوم مثل أن يقول: فلان منافق وستقتلون عثمان وهلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش بنو فلان، فلو صرح بأسمائهم لكذبوه وقتلوه، حكاه أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، قاله في حاشية كتاب المشارق (^٢)، تقدم الكلام على مناقبه - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"ما من داع يدعوا إلى شيء إلا وقف يوم القيامة لازمًا لدعوته ما دعا إليه وإن دعا رجل رجلًا\"، ومعنى الحديث، والله أعلم، أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.\n(^٢) كشف المشكل (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٥).","vol":"1","page":622},{"text":"به إلى يوم القيامة وهو موافق للحديث الصحيح من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة وللحديث الصحيح من دل على خير فله مثل أجر فاعله ويدل لذلك من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ (^١)، وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>كتاب العلم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين</span>\nتقدم الكلام على الكتاب وأنه في اللغة مأخوذ من الكتب وهو الضم، يقال: تكتبت بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة، وللكتابة بالقلم كتابة لاجتماع الحبر، والباب في اللغة: ما يتوصل به إلى المقصود، وفي الاصطلاح: ما افتتح به أحكام مندرجة تحت اسم خاص، وقد يدرج في الباب ما لا يصدق عليه اسم الترجمة لتعلقه بها (^١). والله أعلم.\nقوله: الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه، قد تظاهرت الآيات والأخبار والآثار وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد في أسبابه وتعليمه، فأما الآيات: قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (^٢)، وقال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (^٣)، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (^٤) وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١/ ١٠٦)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٤١٩).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(^٣) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(^٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":624},{"text":"مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (^١)؛ وأما الأحاديث فسنذكر الأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، فالعلم: معرفة المعلوم على ما هو عليه، فإذا قلت: عرفت زيدًا فالمراد: شخصه، وإذا قلت: علمت زيدًا، أردت العلم بأحواله من فضل ونقص، انتهى (^٢).\n\n١٠٠ - عَن مُعَاوِيَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدِّين\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه (^٣) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَزَاد فِيهِ وَمن لم يفقهه لم يبال بِهِ (^٤). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٥) وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا الْعلم بالتعلم وَالْفِقْه بالتفقه وَمن يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين و(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (^٦) وَفِي إِسْنَاده راو لم يسم.\n_________\n(^١) سورة المجادلة، الآية: ١١.\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ٤٣٩)\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١) و(٣١١٦) و(٧٣١٢)، ومسلم (٩٨ - ١٠٣٧) و(١٠٠ - ١٠٣٧) و(١٧٥ - ١٠٣٧)، وابن ماجه (٢٢١).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٧٣٨١)، والطبراني في الشاميين (٤٢٨). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٨٣: رواه أبو يعلى - وفي الصحيح منه: \"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين\" - وفيه الوليد بن محمد الموقري، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٦٧٠٨).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٩٥ رقم ٩٢٩) والشاميين (٧٥٨)، والبيهقي في المدخل (٣٥٢). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم، وعتبة بن أبي حكيم وثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وضعفه جماعة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٢)، وصحيح الترغيب (٦٧).\n(^٦) سورة فاطر، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":625},{"text":"قوله: عن معاوية؛ هو: معاوية بن أبي سفيان، فيمن نزل الشام من الصحابة، وهو من الموصوفين بالدهاء والحلم، وذكروا أن عمر بن الخطاب لما دخل الشام ورأى معاوية قال: هذا كسرى العرب، ولما حضرته الوفاة أوصى أن يكفن في قميص كان رسول الله - ﷺ - كساه إياه، وأن يجعل مما يلي جسده، وكان عنده قلامة أظفار رسول الله - ﷺ - فأوصى أن تسحق وتجعل في عينيه وفمه، وقال: افعلوا ذلك بي وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين (^١)، وقال ابن قتيبة في المعارف (^٢): لم يولد لمعاوية في خلافته ولد، وكان معاوية صاحبه (وصهره - ﷺ -) وكاتبه وأمينه على وحي الله تعالى (^٣)، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين\" الحديث، فيه: فضيلة العلم والفقه في الدين والحث عليه، وسببه: أنه قائد إلى الله تعالى (^٤).\nوأقيم قوله - ﷺ -: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" مقتضاه: أن من لم يفقهه في الدين لا يراد به خيرًا، وكفى بذلك حسرة وشقاوة (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠١ - ١٠٢ الترجمة ٥٨٨).\n(^٢) المعارف (ص ٢٥٠).\n(^٣) تاريخ بغداد (١/ ٥٧٧).\n(^٤) انظر شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٨)، وفى الديباجة (جزء من رسالة علمية ص ١٤٥) قال: وسببه أنه قائد إلى التقوى والتقوى قائد إلى الجنة.\n(^٥) مفتاح دار السعادة (١/ ٦٠).","vol":"1","page":626},{"text":"وقوله: \"من يرد الله به خيرًا\" مشتق من الإرادة وهي عند الجمهور صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وقيل: اعتقاد النفع أو الضر، وقيل: ميل يتبعه الاعتقاد، وهذا لا يصح في الإرادة القديمة، وقوله: \"خيرًا\" أي: منفعة وهي اللذة (^١)، فالمعنى: من يرد الله به جميع الخيرات (^٢)، و\"يفقهه في الدين\" أي: يفهمه، إذ الفقه الفهم، وفي بعض الروايات: \"من يرد الله به خيرًا يفهمه في الدين \"وكلاهما صحيح المعنى (^٣)، فأصل الفقه في اللغة: الفهم، والتفقه: أخذ الفقه شيئًا فشيئًا، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، وفي الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية (^٤).\nفالفقه: الفهم، كما تقدم والتبصر بكلام الله وكلام رسوله - ﷺ -، فرب سامع لم يفهم ورب سامع فهم، ورب فاهم وغيره أفهم منه، قيل: استفتى الحسن البصري في مسألة فأجاب، فقيل له: إن فقهاءنا لا يقولون مثل هذا فقال: وهل رأيت فقيها قط، الفقيه القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا الذي لا يداري ولا يماري، ينشر حكمة الله فإن قبلت منه حمد الله تعالى وإن ردت عليه حمد الله تعالى (^٥)، وفقه عن الله أمره ونهيه وعلم من صفاته ما يحبه ويكرهه، فذلك هو العالم الذي قيل فيه: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\"،\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٣٧).\n(^٢) عمدة القارى (٢/ ٥١)، وإرشاد السارى (٥/ ٢٠٤).\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٢).\n(^٤) النجم الوهاج (١/ ١٩١).\n(^٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٠).","vol":"1","page":627},{"text":"فإذا لم يكن بهذه الصفة فهو من المغرورين (^١)، انتهى، قاله في الديباجة.\nقوله: في رواية أبي يعلى: \"ومن لم يفقهه لم يبل به\" معناه: أنه لا يبالي به، المراد به عدم الالتفات له (والقبول بنفي السبب وإرادة المسبب).\n\n١٠١ - وَعَن عبد الله يَعْنِى ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا فقهه فِي الدّين وألهمه رشده\" رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن مسعود (^٣)، تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) الديباجة (ص ١٣٩ - ١٤٠)، والنجم الوهاج (٦/ ٢٨٢).\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٨٩١)، والبزار (١٧٠٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩٧ رقم ١٠٤٤٥)، وابن عدى في الكامل (١/ ٤٠٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٧)، والبيهقي في القضاء والقدر (١٦٤) والمدخل (٣٥٤). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى، عن عبد الله إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن أبي بكر بن عياش إلا أحمد بن محمد بن أيوب.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش. تفرد به عنه أبو بكر بن عياش، واختلف في اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه شعبة. قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢١: رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني في الضعيفة (٥٠٣٢) وضعيف الترغيب (٤٤): منكر بهذا التمام.\n(^٣) زاد في المخطوطة المغربية: عبد الله بن مسعود بن غافل بالغين المعجمة والفاء، الهذلي، حليف بني زهرة الكوفي، كنيته: أبو عبد الرحمن، وأمه: أم عبد بنت عبد ود، أسلمت وهاجرت، فهو صحابي بن صحابية، وكان كثير الولوج على رسول الله - ﷺ - والخدمة له، وكان من كبار الصحابة وساداتهم وفقهائهم ومقرئيهم في القرآن والفقه والفتاوي، وفي الحديث قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"إذنك على أن ترفع الحجاب، وأن ترفع سوادي =","vol":"1","page":628},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إذا أراد به خيرًا فقهه في الدين وألهمه رشده\" تقدم الكلام على معنى الخيرية في الحديث قبله، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، يقال: فقه الرجل بالكسر يفقه فقها إذا فهم وعلم، وفقه بالضم إذا صار عالمًا ويفقهه في الدين أي: يجعله فقيها عالما بالأحكام الشرعية ذا بصيرة فيه، فيصير قلبه ينبوع العلم يستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز (^١).\nقال الإمام أبو عبد الله الحكيم الترمذي (^٢): الفقه هو انكشاف الغطاء عن الأمور، فإذا عبد الله بما أمر ونهى بعد أن فهمه وعدله وانكشف له الغطاء عن تدبيره فيما أمر ونهى فهي العبادة الخالصة، وذلك أن الذي يؤمر بالشيء زين ما أمر وشين ما نهى عنه عمل على بصيرة وعلى عليه أقوى ونفسه بها أسخى وحمد على ذلك وشكر، والذي يعمى عن ذلك فهو حامد القلب كسلان الجوارح، ثم إن الإنسان إذا أخذ حظًا وافرًا من الفقه ينبغي أن\n_________\n= حتى أنهاك \"رواه مسلم، السواد بكسر السين المهملة وبالدال، واتفق العلماء على أن المراد به السرار بكسر السين وبالراء المكررة وهو السر والمساررة، يقال: ساودت الرجل مساودة إذا ساررته، وفيه (دليل) لجواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول، فإذا جعل الأمير والقاضي أو غيرهما رفع الستر الذي على بابه علامة في الإذن في الدخول عليه (اللناس عامة) أو لطائفة خاصة أو لشخص أو جعل علامة غير ذلك جاز (اعتمادها) والدخول إذا وجدت بغير استئذان، وكذا إذا جعل الرجل ذلك علامة بينه وبين خدمه (ومماليكه) وكبار أولاده وأهله فمتى أرخى حجابه لا يجوز (الدخول عليه إلا باستئذان فإذا رفعه جاز) جاز بلا استئذان، والله أعلم، قاله في الديباجة، وتقدم الكلام على ترجمته مبسوطًا. قلت: وهذا كله كلام النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٥٠).\n(^١) الميسر (١/ ٩٧).\n(^٢) نوادر الأصول (١/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"1","page":629},{"text":"لا يقتصر عليه ويكن ينظر في علم الزهد وفي كلام الحكماء وشمائل الصالحين، فإن الإنسان إذ تعلم الفقه ولم ينظر في الزهد والحكمة قسى قلبه وساء خلقه والقلب القاسي بعيد من الله تعالى، انتهى، قاله في شرح مشارق الأنوار. والمراد بقوله: \"يفقهه في الدين\" ما شرعه الله لعباده من الأحكام؛ والعباد: جمع عبد، وقيل المراد بالفقه: فهم الأشياء كما تقدم، قال ابن بطال (^١): التفهم للعلم هو الفقه فيه، ولا يتم العلم إلا بالتفهيم ولذلك قال علي - ﵁ -: والله ما عندنا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مؤمن، فجعل الفهم درجة أخرى بعد حفظ كتاب الله تعالى، لأن بالفهم له تتبين معانيه وأحكامه، وقد نفى ﵊ العلم عمن لا فهم له فقال: \"رب حامل فقه لا فقه له\"، وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلوب يدرك فهم المعاني، فمن أراد الفهم فليحضر خاطره ويفرغ ذهنه وينظر إلى بساط الكلام ومخرج الخطاب ويتدبر اتصاله بما قبله وانفصاله منه، ثم يسأل ربه ﵎ أن يلهمه إلى إصابة المعنى، ولا يتم ذلك إلا لمن علم كلام العرب ووقف على أغراضها في تخاطبها وله عودة قريحة وثاقب ذهن، ألا ترى أن ابن عمر - ﵁ - فهم من بساط الحديث ونفس القصة أن الشجرة هي النخلة لسؤاله - ﷺ - لهم عنها حين أتى الجمار وقوي ذلك عنده بقوله ﷿: ﴿ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة، شبهها الله تعالى بالمؤمن، انتهى.\n_________\n(^١) شرح الصحيح (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":630},{"text":"١٠٢ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أفضل الْعِبَادَة الْفِقْه وَأفضل الدّين الْوَرع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن أبي ليلى (^١).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر مبسوطا في أول هذا التعليق.\nقوله - ﷺ -: \"أفضل العبادة الفقه\"، الفقه: التوصل إلى علم غائب بعلم حاضر، أي: يجعله عالما بالأحكام الشرعية فقيها ذا بصيرة فيبصر قلبه ينبوع الحكمة (^٢)، قال الشافعي: الْعِلمُ زَيْنٌ وَتَشْرِيفٌ لِصَاحِبِهِ (^٣).\nقوله: \"وأفضل الدين الورع\"، تقدم الكلام على الدين في الحديث قبله، والورع في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منه، يقال: ورع الرجل يرع بالكسر فيهما ورعا ورعة فهو ورع، وورع من كذا ثم استعير للكف عن\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذى في نوادر الأصول (١١١) و(١٤٠٦)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٥١ رقم ١١١٤) والأوسط (٩/ ١٤٠٧ رقم ٩٢٦٤) والكبير (١٣/ ٧٣ رقم ١٣٧٠٦) و(١٣/ ٢٠٥ رقم ١٣٩٢٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٢٩٠)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٧١ و٧٢). وقال الطبراني في الأوسط: \"لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا ابن أبي ليلى، ولا عن ابن أبي ليلى إلا خالد؛ تفرد به سليمان\". قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٠: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه محمد بن أبي ليلى، ضعفوه لسوء حفظه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٥).\n(^٢) الميسر (١/ ٩٧).\n(^٣) هو صدر من بيت ينسب لأبى الأسود الدؤلى عجزه: * فَاطْلُبْ - هُدِيتَ - فُنُونَ الْعِلْمِ وَالأدباء، انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٢٢)، الفقيه والمتفقه (١/ ١٨٧).","vol":"1","page":631},{"text":"المباح والحلال، قاله في النهاية (^١)، وسيأتي الكلام على الورع في باب منفرد يبسط في الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.\nقوله: في إسناده محمد بن أبي ليلى، وأما ابن أبي ليلى الفقيه المكرر في كتب الفقه الذي له مذهب معروف فاسمه: محمد بن عبد الرحمن الأنصاري القاضي الكوفي، يروي عن شعبة وغيره وخلق، سيء الحفظ، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، روي له الأربعة (^٢).\nوأما: عبد الرحمن بن أبي ليلى فهو من أجلّ التابعين، قال عبد الرحمن بن الحارث: ما شعرت أن النساء ولدت مثله، قال عبد الملك بن عمير: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى. في حلقه فيها نفر من أصحاب النبي - ﷺ - يستمعون لحديثه وينصتون له فيهم البراء بن عازب، مات سنة ثلاث وثمانين، واسم أبي ليلى: يسار، وقيل: بلال، وقيل: داود، وقيل: لا يعرف اسمه، وأبو ليلى صحابي، قتل مع علي بصفين، وعبد الرحمن ثقة إمام، ذكره العقيلي في كتابه لأنه كان يصحب الأمراء مع أنه كان يقول: أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم من الأنصار إذا سئل عن شيء أحدهم أحب أن يكتبه صاحبه، وقال ابن سيرين: جلست إلى ابن أبي ليلى وأصحابه يعظمونه كأنه أمير (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٧٤).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٥/ الترجمة ٥٤٠٦)، وتذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٦١٣٨).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤ الترجمة ٣٦١).","vol":"1","page":632},{"text":"١٠٣ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فضل الْعلم خير من فضل الْعِبَادَة وَخير دينكُمْ الْوَرع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: عن حذيفة بن اليماني، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع\"، يريد ﵊ أن العالم وإن كان فيه تقصير في عبادته أفضل من جاهل مجتهد في العبادة لأن العالم يعرف ما يأتي به وما يجتنب، والعابد الجاهل\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٩٦٩)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٩٦ - ١٩٧ رقم ٣٩٦٠)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٥٤٠)، والحاكم (١/ ٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢١١ - ٢١٢)، والبيهقي في المدخل (٤٥٥). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، وإنما يعرف هذا الكلام من كلام مطرف، ولا نعلم رواه، عن الأعمش إلا عبد الله بن عبد القدوس، ولم نسمعه إلا من عباد بن يعقوب. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبد الله بن عبد القدوس.\nقال ابن عدى: وهذا لا أعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش، وعبد الله بن عبد القدوس له غير ما ذكرت من الحديث، وعامة ما يرويه في فضائل أهل البيت.\nقال أبو نعيم: لم يروه متصلا عن الأعمش، إلا عبد الله بن عبد القدوس ورواه جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن مطرف، عن النبي - ﷺ - من دون حذيفة ورواه قتادة وحميد بن هلال، عن مطرف من قوله. قال البيهقي: هذا الحديث يروى مرفوعا بأسانيد ضعيفة وهو صحيح من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٠: رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وفيه عبد الله بن عبد القدوس، وثقه البخاري وابن حبان، وضعفه ابن معين وجماعة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٨) و(١٧٤٠).","vol":"1","page":633},{"text":"منهوك فربما أتى بالشيء وهو يظن أنه صواب وهو خطأ، وتقدم الكلام على الورع في الحديث قبله.\n\n١٠٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قَلِيل الْعلم خير من كثير الْعِبَادَة وَكفى بِالْمَرْءِ فقها إِذا عبد الله وَكفى بِالْمَرْءِ جهلا إِذا أعجب بِرَأْيهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^١) وَفِي إِسْنَاده إِسْحَاق بن أسيد وَفِيه تَوْثيق لين وَرفع هَذَا الحَدِيث غَرِيب قَالَ الْبَيْهَقِيّ ورويناه صَحِيحا من قَول مطرف بن عبد الله بن الشخير ثمَّ ذكره وَالله أعلم.\nقوله: عن عبد الله بن عمرو، يعني: ابن العاص، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"قليل العلم خير من كثير العبادة\" الحديث، اعلم: أن العلم أنواع، وكل ذلك بحمد الله تعالى حسنٌ، وليس كالفقه، وينبغي أن يكون تعلم الفقه أهم إليه من غيره، لأن من تعلم الفقه تيسر عليه سائر العلوم، والفقه هو قوام الدين، ففرض على كل إنسان أن يتعلم قدر ما يحتاج إليه لأمر دينه مما لابد له منه من أحكام الوضوء والصلاة وسائر شرائع الإسلام\n_________\n(^١) أخرجه الدولابى في الكنى (١٤٨٨)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٠١ - ٣٠٢ رقم ٨٦٩٨) والكبير (٣١/ ٦١٩ - ٦٢٠ رقم ١٤٥٤١) ومسند الشاميين (٢٠٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٣ - ١٧٤)، والبيهقي في المدخل (٤٥٣) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٥)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٢٥ - ٤٢١)، وفي الفقيه والمتفقه (٩٠).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن رجاء بن حيوة إلا إسحاق أبو عبد الرحمن، تفرد به: الليث. وقال الهيثمى ١/ ١٢٠: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه إسحاق بن أسيد، قال أبو حاتم: لا يشتغل به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٦).","vol":"1","page":634},{"text":"ولأمور معاشه وما وراء ذلك ليس بفرض خاص، فإن تعلم الزيادة فهو أفضل وإن ترك فلا إثم عليه، انتهى، قاله أبو الليث السمرقندي (^١).\nقوله: \"وكفى بالمرء فقها إذا عبد الله\"، تقدم الكلام على الفقه في الأحاديث قبله.\nقوله: وفي إسناده إسحاق بن أسيد، هو: إسحاق بن أسيد (الخراساني: نزيل مصر قال أبو حاتم لا يشتغل به ومشاه غيره).\nقوله: قال البيهقي: ورويناه من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير، بكسر الشين وتشديد الخاء المعجمتين، الحرشي بفتح الحاء المهملة والراء وشين معجمة، العامري أبو عبد الله البصري، أخو يزيد وهانئ، وكان من سادات التابعين، وكان ثقة، له فضل وورع وأدب، وكان بينه وبين رجل كلام فكذب عليه، وقال: اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر مكانه ميتا فرفع ذلك إلى زياد، فقال: قتلت الرجل؟ فقال: لا، ولكن دعوة وافقمت أجلًا، وكان - ﵁ - يلبس المطارف والبرانس ويركب الخيل ويغشى السلطان، وهو مع ذلك قرة عين، مات سنة خمس وتسعين، وله كرامات، وربما (أضاء) سوطه وغيره، ورأى الأموات يقظة على قبورهم، وكلم بعضهم، ومناقبه كثيرة مذكور في الحلية وطبقات ابن سعد (^٢)، انتهى.\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣١٢).\n(^٢) طبقات ابن سعد (٧/ ١٤١ - ١٤٦)، وحلية الأولياء (٢/ ١٩٨ - ٢١١).","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>فصل</span>\n١٠٥ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: من نفس عَن مُؤمن كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَمن يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ بِهِ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة وَمَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده وَمن أَبْطَأَ بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه. رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٨ - ٢٦٩٩)، وأبو داود (١٤٥٥) و(٣٦٤٣) و(٤٩٤٦)، والترمذي (١٤٢٥ و٢٦٤٦ و٢٩٤٥)، والنسائي في الكبرى (٧٢٤٤ - ٧٢٥٠)، وابن ماجه (٢٢٥) و(٢٤١٧) و(٢٥٤٤)، وابن حبان (٨٤) و(٧٦٨)، والحاكم ١/ ٨٩. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٩).","vol":"1","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>فصلٌ</span>\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة\" الحديث، هذا حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، ومعنى تنفيس الكربة أو الغمة بضم الكاف وسكون الراء، وجمعها كرب بضم الكاف وفتح الراء، قال الجوهري (^١): الكربة بالضم الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكرب على وزن الضرب فتقول منه كربة الغم إذا اشتدَّ عليه.\nوقوله: \"نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة\" هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص لهذا المعنى كقوله - ﷺ -: \"إنما يرحم الله من عباده الرحماء\" (^٢)، وقوله - ﷺ -: \"إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا\" (^٣) والكرب: هو الشدة العظيمة التي ترفع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أن يخفف عنه منها مأخوذ من تثفس الخناق كأنه يرجى له الخناق، حتى تأخذ نفسا، والتفريج أعظم من ذلك وهو أن يزيل عنه الكربة\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ٢١١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٨٤) و(٥٦٥٥) و(٦٦٥٥) و(٧٣٧٧) و(٧٤٤٨)، ومسلم (١١ - ٩٢٣) عن أسامة بن زيد.\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٧ و١١٨ و١١٩ - ٢٦١٣) عن هشام بن حكيم.","vol":"1","page":637},{"text":"فتفرج فتفرج عنه كربته ويزول همه وغمه فجزاء التنفيس التنفيس وجزاء التفريج التفريج كما في الحديث: \"أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة\" (^١)، ويدخل في هذا إعانة المسلم، وتفريج الكرب عنه، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو لمساعدته أو إشارته ورأيه ودلالته، والله أعلم (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وَمن ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة \" الحديث، الستر المندوب إليه هنا، المراد به: الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالأذى والفساد، وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى أولى الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها وهو بَعْدُ متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها ممن قدر على ذلك فلا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"وَمن يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة\" (أي: من\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٠٤ - ١٠٠٥). والحديث أخرجه أبو داود (١٦٨٢)، والترمذى (٢٤٤٩)، وأبو يعلى (١١١١). قال الترمذي عقب الحديث (٢٤٤٩): هذا حديث غريب وقد روي عن عطية، عن أبي سعيد موقوفًا وهو أصح عندنا وأشبه. وقال أبو حاتم كما في العلل (٢٠٠٧): الصحيح موقوف الحفاظ لا يرفعونه. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (١٩١٣)، ضعيف أبي داود (٣٠٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٥).\n(^٣) المصدر السابق (١٦/ ١٣٥).","vol":"1","page":638},{"text":"كان له دين على فقير فساهله بأن يمهله من وقت أداء دينه إلى وقت يحصل له مال، أو يترك بعض دينه، ويطلب الباقي (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علمًا\"، ونكر \"علمًا\" ليتناول كل نوع من أنواع علوم الدين، ويندرج تحته قليلة وكثيرة (^٢)، وفي الحديث: دليل على شرف العلم وفضله، وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل في سلوك الطريق الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلم، ويدخل فيه سلوك الطريق المعنوية إلى حصول العلم مثل حفظه ودراسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم له ونحو ذلك من الطردق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم (^٣).\nقوله: \"سهل الله له به طريقا إلى الجنة\"، قد يراد بذلك أن الله تعالى يسهل له العلم الذي يطلبه وسلك طريقه وييسره عليه، فإن العلم طريق موصل إلى الجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ (^٤) قال بعض السلف: فهل من طالب علم فيعان عليه، وقد يراد أيضا أن الله تعالى ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به والعمل بمقتضاه فيكون سببا لهدايته ولدخوله الجنة، وقد ييسر الله لطالب العلم\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٣٠٥).\n(^٢) الميسر (١/ ١٠٣).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠١٦).\n(^٤) سورة القمر، الآية: ١٨.","vol":"1","page":639},{"text":"علوما أخرى ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى الجنة كما قيل: \"من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم\"، وكما قيل: \"ثواب الحسنة حسنة بعدها\"، وقد يدخل في ذلك أيضًا تسهيل طريق الجنة الحسنى يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع به، فإن العلم يدل على الله تعالى من أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقه ولم يعرج عنه وصل على الله إلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فسهلت عليه الطريق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريق إلى الله إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، والله أعلم؛ قاله ابن رجب (^١).\nففي هذا الحديث فضل إزالة الكربة عن المدين وفضل الستر عليه وفضل إنظاره وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم، والمراد: العلم الشرعي بشرط أن يقصد بذلك وجه الله تعالى، وإن كان هذا شرطا في كل عبادة لكن عادة لا يقيدون هذه المسألة به لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس ويغفل عنه بعض الناس ونحوهم، والله أعلم (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وَمَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة\" الحديث، هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حمل\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٠١٦ - ١٠١٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١).","vol":"1","page":640},{"text":"على تعلم القرآن وتعليمه فلا خلاف في استحبابه، وقد كان النبي - ﷺ - يأمر من يقرأ القرآن فيستمع لقراءته كما أمر ابن مسعود أن يقرأ وقال: \"إني أحب أن أسمعه من غيري\" (^١)، وروي يزيد الرقاشي عن أنس - ﵁ - قال: كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقًا حلقًا يقرءون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله ﷿ (^٢)؛ وروى عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من قوم صلوا صلاة الغداة ثم قعدوا في صلاتهم يتعاطون كتاب الله ويتدارسونه إلا وكل الله بهم ملائكة يستغفرون لهم حتى يخوضوا في حديث غيره\" (^٣) وهذا يدل على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لدراسة القرآن؛ وقد روى عن الأوزاعي أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال: أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مروان فأخذ الناس بذلك، وعن ابن وهب قال: قلت لمالك أرأيت القوم يجتمعون فيقرأون جميعًا سورة واحدة حتى يختموها فأنكر ذلك وعابه، وقال: ليس هكذا كان يصنع الناس، إنما كان يقرأ الرجل على الرجل يعرضه وكانوا لا يرفعون أصواتهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٢٤٧ - ٨٠٠).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٤٠٨٨). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٣٢: ويزيد الرقاشي ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن السنى في رياضة المتعلمين (لوحة ١٠٤) قال: حدثني سلم بن معاذ، ثنا أبو شيبة بن أبي بكر، ثنا عمرو بن هاشم، ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن عطية العوفى عن أبي سعيد. قلت: عطية ضعيف.","vol":"1","page":641},{"text":"بالذكر ولا بالقراءة ولا يفعلون ذلك جماعة (^١).\nوقوله - ﷺ -: \"ويتدارسونه بينهم\" يشعرك بأنه ليس المراد يجتمعون للتلاوة صوتا واحدًا متراسلين لأن الدراسة إنما تكون تلقينًا أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم، وأما الاجتماع على صوت واحد فليس بمروي عنهم، وقال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا أنس بن مالك يقول: الاجتماع يكره بعد صلاة الفجر لقراءة القرآن، بدعة ما كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا يخلوا كل بنفسه ويقرأ ويذكر ثم ينصرفون (^٢)، وقد ذكر ابن بطال في شرح البخاري عن العلماء أنهم قالوا: الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة لها، كيف تلقوها من صاحب الشريعة فإنهم أعرف بالمقال وأنقد بالحال، قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره وتأوله بعض أصحابه، ويلتحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة أو رباط ونحوهما، ويكون الحديث خرج مخرج الغالب (^٣).\nوقوله - ﷺ -: \"إلا حفتهم الملائكة\" يلتفون بهم ويدورون حولهم للتبرك\n_________\n(^١) انظر جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٢٠ - ١٠٢١)، والمدخل (١/ ٩١).\n(^٢) انظر جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٢١ - ١٠٢٢)، والمدخل (١/ ٩٢).\n(^٣) انظر المدخل (١/ ٩٠)، وشرح الصحيح (٣/ ٢٦٨) لابن بطال، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١ - ٢٢).","vol":"1","page":642},{"text":"والرغبة فيما عندهم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ونزلت عليهم السكينة\" قيل: المراد بالسكينة هنا الرحمة وهو الذي اختاره القاضي عياض وهو ضعيف لعطف الرحمة عليهم، وقيل: الطمأنينة والوقار، وهذا حسن (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وغشيتهم الرحمة\" أي: سترتهم ولابستهم، والرحمة ضد القسوة.\nقوله - ﷺ -: \"وذكرهم الله فيمن عنده\" يعني: الملائكة المقربين من رحمته المواظبين بالطاعة، ويقرب منه قوله تعالى: \"وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه\"، ومعنى \"فيمن عنده\" دنو المنزلة والقرب من رحمة الله تعالى، دل الحديث على فضيلة حلق الذكر وهي: كل جماعة اجتمعوا لله تعالى في قراءة قرآن أو سماع حديثه أو تعلم علم الشريعة. والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" معناه: أن العمل هو الذي يبلغ العبد درجات الآخرة من الطاعة، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله تعالى لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات، فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، فينبغي أن لا يتكل الإنسان على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، قال ابن مسعود - ﵁ -: يأمر الله بالصراط\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤٠٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١).","vol":"1","page":643},{"text":"فيضرب على جهنم فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرًا أوائلهم كلمح البصر ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم يمر الرجل سعيا حتى يمر الرجل مشيًا حتى يمر الرجل يتلبط على بطنه فيقول: يارب لم بطأت بي فيقول: \"إنما لم أبطئ، إنما بطأ بك عملك\"، وفي هذا المعنى يقول بعضهم:\nلَعَمْرُكَ مَا الْإِنْسَانُ إِلَّا بِدِينِهِ ... فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالَا عَلَى النَّسَبِ\nلَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ ... وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّقِيَّ أَبَا لَهَبِ\nقاله ابن رجب أيضًا (^١).\n\n١٠٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة وَإِن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا لطَالب الْعلم رضَا بِمَا يصنع وَإِن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأرْض حَتَّى الْحيتَان فِي المَاء وَفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر على سَائِر الْكَوَاكِب وَإِن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء إِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلا درهما إِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَا يعرف إِلَا من حَدِيث عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بِمُتَّصِل وَإِنَّمَا يرْوى عَن عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة عَن دَاوُد بن جميل عَن كثير بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء عَن النَّبِي - ﷺ - وَهَذَا أصح، قَالَ المملي ﵀: وَمن هَذِه الطَّرِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ فِي\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٢٨ - ١٠٣١).","vol":"1","page":644},{"text":"الشّعب وَغَيرهَا وَقد رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن كثير بن قيس عَن يزِيد بن سَمُرَة عَنهُ وَعَن الأوْزَاعِيّ عَن عبد السَّلَام بن سليم عَن يزِيد بن سَمُرَة عَن كثير بن قيس عَنهُ قَالَ البُخَارِيّ وَهَذَا أصح وَرُوِيَ غير ذَلِك وَقد اخْتلف فِي هَذَا الحَدِيث اخْتِلَافا كثيرا ذكرت بعضه فِي مُخْتَصر السّنَن وبسطتة فِي غَيره وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء، أبو الدرداء، اسمه: عويمر، وقيل: عامر، وتقدم الكلام على مناقبه - ﵁ -، وسيأتي الكلام عليه أيضًا مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا\" أي: يطلبه، فاستعار له اللمس \"سهل الله له طريقا إلى الجنة\"، تقدم الكلام عليه، ويحتمل أن يكون المراد: الطريق الحسية والمعنوية، وهي الطريق الموصلة إلى تكرير وحفظ ومطالعة ومراجعة ومذاكرة ومدارسة ونحو ذلك (^٢).\nقوله: \"وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع\" الحديث، اختلف الناس في المراد بالملائكة، فقيل: المراد بهم عموم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٦ (٢١٧١٥ و٢١٧١٦)، والدارمى (٣٥٤)، وأبو داود (٣٦٤١) و(٣٦٤٢)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣) و(٢٣٩)، وابن حبان (٨٨)، والبيهقي في الآداب (٨٦٢) والأربعون (٣) والمدخل (٣٤٧ و٣٤٨) والشعب (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١ رقم ١٥٧٣ و١٥٧٤)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٧٢ و١٧٣ و١٧٤ و١٧٥ و١٧٦ و١٧٧ و١٧٨)، والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (٤). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٧٠).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠١٦).","vol":"1","page":645},{"text":"الملائكة، وقيل المراد: الكرام الكاتبون (^١)؛ وقوله: \"لتضع أجنحتها لطالب العلم\" قيل معناها: أنها تتواضع لطالب العلم توقيرا لعلمه وتليين الجانب له والانقياد، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ (^٢) أي: تواضع لهم، وقيل: معنى وضع الجناح هو عبارة عن ترك الطيران والنزول للذكر كما في الحديث الآخر: \"إلا نزلت عليهم السكينة وحفت بهم الملائكة\"، وقيل: معناه بسط الأجنحة حقيقة وهي فرشها تحت قدمي طالب العلم لتحمله عليها وتبلغه حيث يقصد من البلاد أو المواضع في طلب العلم (^٣)، وقيل: المراد بذلك المعونة وتيسير السعي في طلب العلم (^٤)، وقيل: تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلا من الأيدي (^٥) لأن جناح الطائر يده (^٦).\n_________\n(^١) الميسر (١/ ١٠٣).\n(^٢) سورة، الآية:\n(^٣) معالم السنن (١/ ٦١) و(٤/ ١٨٣).\n(^٤) شرح السنة (١/ ٢٧٧)، وشرح المشكاة (٢/ ٦٧٣) للطيبى.\n(^٥) المجموع المغيث (١/ ٣٦٣)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٦٤).\n(^٦) ذكر في هامش الأصل: (وليست هذه الخصوصية لأحد من عباد الله إلا لطالب العلم، فما ظنك بالأخيار منهم، والربانيين، جعلنا الله تعالى منهم، وفيهم الربانيون العلماء، قيل: سموا بذلك لقيامهم بالكتب والعلم، وقيل: نسبوا إلى علم الرب، وقيل: نسبوا إلى العلم بالرب، وقيل: لأنهم أصحاب العلم والديانة، فحسبك بمن توقره الملائكة وتدعوا له وتستغفر، ولولا ما علمت الملائكة أن منزلته منزلة عظيمة عند الله ما وقرته، ولو لم يكن في طلب العلم إلا دعاء الملائكة له لكان جزيلا بأن ينافس فيه، فإن أخذ ما يرغب في دعوة =","vol":"1","page":646},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وأن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض\"، \"من في السموات\" يعني: الملائكة ومن فيها من الأنبياء، وإنما يستغفر له أهل السموات وهم الملائكة لأنهم عرفوا بتعريفهم وعظموا قولهم وهم أنهم يقولون الملائكة عباد الله ويمنعون من قال هم بنات الله وأنهم آلهة فيكون نفع عليهم عائد إليهم فيدعون لهم مكافأة بصنيعهم.\nقوله: \"ومن في الأرض\" يعني: من عليها من السموات، وإنما يستغفر لهم أهل الأرض، وأما بنو آدم فبقاؤهم وصلاحهم مربوط برأيهم وفتواهم، وأما غير بنو آدم من الحيوان فما من شيء على وجه الأرض إلا وله مصلحة موجودة بوجود العلم مفقودة بفقد العلم، من ذلك بيان الحلال من الحيوانات والحرام منها وما لا يجوز قتلها وما يجوز قتلها، وكيفية قتلها يعني: من يعقل ومن لا يعقل لأن من لا يعقل ينتفع بالعالم لكونه يعلم الناس إحسان القتلة والذبحة والرفق بكل شيء، ويحتمل أن يكون استغفار هذه الأنصاف المذكورة بعضها بالحقيقة وبعضها بالمجاز وهو أن يكتب الله تعالى له بعدد كل حيوان من الأنواع المذكورة مغفرة وحكمة أي: صلاح العالم بالعلم، وما من شيء من الأصناف المذكورة إلا له مصلحة موجودة، ويحتمل أن يكون استغفار له في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما (^١).\n_________\n= يرجوا بركتها من رجل صالح، فما الظن بدعاء قوم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فلله در العلم ومن به تردي وتعسًا للجهل ومن في أوديته تردَّي).\n(^١) انظر المفاتيح (١/ ٣١٤)، والمدخل (١/ ٨٩)، ومفتاح دار السعادة (١/ ٦٥)، ومجموع رسائل ابن رجب (١/ ٢٩).","vol":"1","page":647},{"text":"قوله: \"حتى الحيتان في الماء\" إنما خص الحيتان بالذكر لأنها ليست داخلة في جملة من في السموات ولا في جملة من في الأرض، إذ هي في الماء، ولهذا قيل: \"حتى الحيتان في الماء\" والماء كان موجودًا قبل السموات والأرض، كما قيل: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^١) قبل خلق السموات والأرض بخمسين عامًا، ولهذا المعنى: إذا مات العالم بكى عليه كل الخلق حتى الطير في الهواء والسمك في الماء قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) فأهل الذكر في الآية هم العلماء فهم يسألون عن النوازل وبفتواهم يعبد الله ويطاع ويمتثل أمره ويجتنبه نهيه، وورد عنه - ﷺ - أنه قال: \"لمجلس علم عند الله تعالى خير من عبادة ألف سنة لا يعصى الله فيها طرفة عين\"، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣) الآية، إن الخشية لله أفضل من الذكر باللسان، لأن الخشية لله هي المقصود والمطلوب، ولا يراد الذكر إلا لأجلها، وهي لا تحصل إلا للعلماء لأنه ﷿ قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ وإنما للحصر، وقال تعالى: ﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٤) فأي هذا الخير وهذا الفضل من الذكر باللسان ولا خلاف بين الأمة أن الخير المتعدي أفضل من الخير القاصر على المرء نفسه\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ٧.\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٤٣.\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(^٤) سورة العنكبوت، الآية: ٤٣.","vol":"1","page":648},{"text":"فبان أن هذا أفضل الذكر (^١)، والعالم أفضل من العامل لخمسة أشياء، أحدهما: أن العلم قد يكون بغير عمل ولا يكون العمل عملا بغير علم؛ والثاني: مقام العلماء مقام الأنبياء ومقام العمل مقام الأولياء؛ والثالث: العمل لازم والعلم متعدي كالسراج؛ والرابع: ينفع العلم بغير عمل ولا ينفع العمل بغير العلم؛ وأيضًا العمل منا والعلم من الله تعالى.\nقوله - ﷺ -: \"وفضل العالم على العابد كفضل القمر على الكواكب\"، قيل: المراد بالعالم: من له اعتقاد صحيح يؤدي فرائض الله تعالى ولا يشتغل بنوافل كذا مما هو فرض على الكفاية، قال في شرح السنة (^٢): فضل العلم من حيث أن نفعه يتعدى إلى كافة الخلق، وفيه: إحياء الدين وهو تلو النبوة، فإن العلماء ورثة الأنبياء، قال - ﷺ -: \"العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر\" أي: كبير.\nقوله: وقد روى الأوزاعي، تقدم الكلام على الأوزاعي قريبًا.\n\n١٠٧ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﷺ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة وَطَلَبه عبَادَة ومذاكرته تَسْبِيح والبحث عَنهُ جِهَاد وتعليمه لمن لَا يُعلمهُ صَدَقَة وبذله لأَهله قربَة لأنه معالم الْحَلَال وَالْحرَام ومنار سبل أهل الْجنَّة وَهُوَ الأنيس فِي الوحشة والصاحب فِي الغربة والمحدث فِي الْخلْوَة وَالدَّلِيل على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالسِّلَاح على الْأَعْدَاء والزين عِنْد الأخلاء\n_________\n(^١) المدخل (١/ ٨٩).\n(^٢) شرح السنة (١/ ٢٧٨).","vol":"1","page":649},{"text":"يرفع الله بِهِ أَقْوَامًا فيجعلهم فِي الْخَيْر قادة قَائِمَة تقتص آثَارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى إِلَى رَأْيهمْ ترغب الْمَلَائِكَة فِي خلتهم وبأجنحتها تمسحهم ويستغفر لَهُم كل رطب ويابس وحيتان الْبَحْر وهوامه وسباع الْبر وأنعامه لِأَن الْعلم حَيَاة الْقُلُوب من الْجَهْل ومصابيح الْأَبْصَار من الظُّلم يبلغ العَبْد بِالْعلمِ منَازِل الأخيار والدرجات العلى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة التفكر فِيهِ يعدل الصّيام ومدارسته تعدل الْقيام بِهِ توصل الْأَرْحَام وَبِه يعرف الْحَلَال من الْحَرَام وَهُوَ إِمَام الْعَمَل وَالْعَمَل تَابعه يلهمه السُّعَدَاء ويحرمه الأشقياء رَوَاهُ ابْن عبد الْبر النمري فِي كتاب الْعلم من رِوَايَة مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَطاء الْقرشِي حَدثنَا عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي عَن أَبِيه عَن الْحسن عَنهُ وَقَالَ هُوَ حَدِيث حسن وَلَكِن لَيْسَ لَهُ إِسْنَاد قوي وَقد روينَاهُ من طرق شَتَّى مَوْقُوفا كَذَا قَالَ ﵀ وَرَفعه غَرِيب جدا وَالله أعلم (^١).\nقوله: عن معاذ بن جبل، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية\" تقدم الكلام على العلم وتعلمه.\nقوله: \"والزين عند الأخلاء\"، الأخلاء: جمع خليل، وهو الصديق.\nقوله - ﷺ -: \"ترغب الملائكة في خلتهم\"، بضم الخاء أي: في مصاحبتهم.\nقوله - ﷺ -: \"يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه\"، الهوام:\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٦٨ و٢٦٩) مرفوعا وموقوفًا. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٤٧).","vol":"1","page":650},{"text":"جمع هامة [ولا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من أحناش الأرض (^١)].\nقوله: \"وسباع البر وأنعامه\"، والأنعام: الإبل والبقر والغنم [واحدها نعم، وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، والأنعام يذكر ويؤنث، قال اللّ تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (^٢) وقال في موضع آخر: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ (^٣) (^٤)].\nقوله: \"به توصل الأرحام\"، والأرحام: الأقارب، وصلتهم الإحسان إليهم بما تيسر على حسب حاله وحالهم إما بجاه أو مال أو كلمة طيبة (^٥).\nقوله: حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي، بفتح المهملة وشدة الميم المكسورة، منسوب إلى بني العم بطن من تميم، والله أعلم.\nقوله: وقال: هو حديث حسن، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري (^٦): ولعله الحسن اللفظي لا الحسن المصطلح بين أهل هذا الشأن أي: المحدثين.\n\n١٠٨ - وَعَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي - ﵁ - قَالَ أتيت النَّبِي - ﷺ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِد متكئ على برد لَهُ أَحْمَر فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله إِنِّي جِئْت أطلب الْعلم\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ٢٠٦٢).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٦٦.\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ٢١.\n(^٤) الصحاح (٥/ ٢٠٤٣).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢٠١).\n(^٦) المتجر الرابح (ص ٨).","vol":"1","page":651},{"text":"فَقَالَ مرْحَبًا بطالب الْعلم إِن طَالب الْعلم تحفه الْمَلَاِئِكَة بأجنحتها ثمَّ يركب بَعضهم بَعْضًا حَتَّى يبلغُوا السَّمَاء الدُّنْيَا من محبتهم لما يطْلب رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وروى ابْن مَاجَه نَحوه بِاخْتِصَار وَيَأْتِي لَفظه إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\nقوله: عن صفوان بن عسال المرادي، وعسال: بفتح العين المهملة وسين مشددة وهو مرادي كوفي، غزا مع رسول الله - ﷺ - ثنتي عشر غزوة، ومن مناقبه أن عبد الله بن مسعود روى عنه وروى عنه جماعة من التابعين، روي له عن رسول الله - ﷺ - عشرون حديثًا (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"مرحبا بطالب العلم\" وفي حديث عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: \"سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله - ﷺ -\" رواه الترمذي، وحديث أبي هارون العبدي، واسمه: عمارة بن جوين، عن أبي سعيد الخدري أيضًا قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول: مرحبًا بوصية رسول الله - ﷺ -، إن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الناس لكم تبع، وإن رجالًا يأتوكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرًا\"، وفي رواية: \"يأتيكم رجال من قبل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣٩ (١٨٠٩٣)، وابن الأعرابى (١٤٤٩)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ٣٧)، والطبراني في الكبير (٨/ ٥٤ رقم ٧٣٤٧)، وأبو نعيم في المعرفة (٣٨١٨).\nوقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٣١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.\nوحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣٩٧) وصحيح الترغيب (٧١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٩ الترجمة ٢٦٤).","vol":"1","page":652},{"text":"المشرق\" رواه الترمذي في العلم (^١)، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى (^٢): ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ (^٣) قيل: المراد بالسائل هنا السائل عن الدين، أي: لا تنهره بالغلظة وأجبه برفق ولين، قاله سفيان، قال ابن العربي: وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم على الكفاية، وقد كان أبو الدرداء ينظر في أصحاب الحديث وببسط ردائه لهم ويقول: مرحبًا بأحبة رسول الله - ﷺ -، وكان أبو سعيد الخدري - ﷺ - إذا رأى الشباب قال: مرحبًا وأهلا بوصية رسول الله - ﷺ - مرحبًا، أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نوسع لكم في المجلس ونفقهكم.\nقوله - ﷺ -: \"إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها\" الحديث، حفته الملائكة أي: أطافوا به واستداروا حوله للتبرك والرغبة فيما عنده، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (^٤).\n\n١٠٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم وَوَاضِع الْعلم عِنْد أَهله كمقلد الْخَنَازِير الْجَوْهَر واللؤلؤ وَالذَّهَب رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَغَيره (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٦٥٠) و(٢٦٥١)، وابن ماجه (٢٤٧) و(٢٤٩)، والحاكم (١/ ٨٨).\nوصححه الحاكم وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٨٠)، وصححه في هداية الرواة (٢١٢).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ١٠١).\n(^٣) سورة الضحى، الآية: ١٠.\n(^٤) سورة الزمر، الآية: ٧٥.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤)، والسهمي في تاريخ جرجان ص ٣١٦. وقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٣٠: هذا إسناد ضعيف لضعف حفص بن سليمان البزار. وصحح الألباني شطره الأول (٧٢) وضعفه جدا بتمامه في ضعيف الترغيب (٤٨).","vol":"1","page":653},{"text":"قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب\" الحديث، وذكر أبو عمر في كتاب العلم، وقال في بعض طرقه: \"اطلبوا العلم ولو بالصين\" فهذا الحديث يدل على أن طلب العلم فرض على كل مكلف ذكرا أو أنثى، فالحديث شامل لفرض العين وفرض الكفاية، ومعلوم أن فرض الكفاية لا يجب على الجميع، فظاهره مشكل لكن الصحيح في الأصول أن فرض الكفاية يخاطب به الجميع ثم يسقط بفعل البعض، فذهب الإشكال، والله أعلم، واعلم أن طلب العلم فريضة على قدر ما يحتاج إليه الإنسان في خاصة نفسه من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة إن وجبت والحج إن استطاع إليه سبيلا دون فروض الكفايات، فتعلم أحكامه فرض عين لابد لكل مكلف من معرفته وأمر معاشه ما له بد من بيع وشراء ونحو ذلك، قال السيد الجليل الزاهد مالك بن دينار: من طلب العلم لنفسه فالقليل منه يكفيه، ومن طلب للناس فحوائج الناس كثيرة (^١).\nوقال النووي في مقدمة شرح المهذب (^٢): فرض العين هو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي يتعين عليه فعله إلا به ككيفية الوضوء والصلاة ونحوها، وفيه جماعات الحديث المروي في مسند أبي يعلى الموصلي هو\n_________\n(^١) جامع بيان العلم (١/ ٥٣٨).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٤ - ٢٥).","vol":"1","page":654},{"text":"حديث أنس: \"طلب العلم فريضة على كل مسلم\" وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتًا فمعناه صحيح، وحمله آخر على فرض الكفاية؛ وأما أصل واجب الإسلام وما يتعلق بالعقائد فيكفى فيه التصديق بكل ما جاء به رسول الله - ﷺ - واعتقاده اعتقادًا جازمًا سليمًا من كل شك، ولا يتعين على المصدق تعلم أدلة المتكلمين، هذا هو الصحيح الذي عليه السلف والفقهاء المحققون من المتكلمين وغيرهم، فإن النبي - ﷺ - لم يطالب أحدا بشيء سوى ما ذكرناه وكذلك الخلفاء ومن سواهم من الصحابة فمن بعدهم من الصدر الأول، بل الصواب للعوام وجماهير الفقهاء والمتفقهين الكف عن الخوض في دقائق الكلام مخافة من الاختلاط، انتهى. وقال ابن عبد البر (^١): قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض عين على كل امرئ في خاصة نفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه عن أهل ذلك الموضع، والذي يلزم الجميع فرضه ولا يسع الإنسان جهله الشهادة باللسان والإقرار بالقلب بأن الله وحده لا شريك له ولا شبيه له ولا مثل، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد والشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه حق وأن البعث بعد الموت حق وأن القرآن كلام الله وما فيه حق من عند الله يجب الإيمان بجميعه وأن الصلوات الخمس فرض، ويلزمه من عملها ما لا يتم إلا به من طهارتها وسائر أحكامها، وأن صوم رمضان فرض ويلزمه علم ما يفسد صومه وما لا يتم إلا به، وإن كان ذا مال لزمه فرضا أن يعرف ما\n_________\n(^١) جامع بيان العلم (١/ ٥٦ - ٦٠).","vol":"1","page":655},{"text":"تجب فيه الزكاة؟ ومتى تجب؟ وفي كم تجب؟ ولزمه أن يعلم بأن الحج فرض عين مرة واحدة في دهره إن استطاع إليه سبيلًا، إلى أشياء يلزمه حملها ولا يعذر بجهلها نحو تحريم الزنا والربا وتحريم الخمر والخنزير وأكل الميتات والأنجاس كلها والغصب والرشوة في الحكم والشهادة بالزور وأكل أموال الناس بالباطل وما كان مثل هذا كله مما نطق به الكتاب وأجمعت الأمة عليه ثم سائر العلم وطلبه، والتفقه فيه وتعليم الناس إياه وفتواهم به في مصالح دينهم ودنياهم فرض على الكفاية يلزم الجميع فرضه، فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين لا خلاف بين العلماء في ذلك، والله أعلم. انتهى.\nفروع، الأول: لا يلزم الإنسان تعلم كيفية الوضوء والصلاة وشبهها إلا بعد وجوب ذلك الشيء، فغن كان بحيث لو صبر إلى دخول الوقت لم يتمكن من تمام تعلمها مع الفصل في الوقت، فهل يلزمه التعلم قبل الوقت؟ تردد في فيه الغزالي، والصحيح: ما جزم به غيره، وهو أنه يلزمه تقدم التعلم كما يلزمه السعي إلى الجمعة كمن بعد منزله قبل الوقت ثم إن كان الواجب على الفور، وكان يعلم الكيفية على الفور وإن كان على التراخي كالحج فعلى التراخي ثم الذي يجب من ذلك كله ما يتوقف إذ أن الواجب عليه غالبًا دون ما يطرأ نادرًا، فإن وقع وجب التعلم حينئذ؛ الثاني: في وجوب تعلم أدلة القبلة أوجه، أحدها: فرض عين، والثاني: فرض كفاية، وأصحها فرض كفاية إلا من سافر سفرًا فتتعين لعموم حاجة الأسفار إلى ذلك، الثالث: البيع والنكاح وشبهه لأصله، الرابع: يلزم المكلف معرفتها بحل وبحرم من","vol":"1","page":656},{"text":"المأكول والمشروب والملبوس ونحو ذلك ما لا غناء به عنه غالبا، وكذلك أحكام عشرة النساء إذا كان له زوجة وحقوق المماليك إن كان له ونحو ذلك، الخامس: قال الشافعي والأصحاب: على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الصغار بما سيتعين عليهم بعد البلوغ فيعلمه الولي الطهارة والصلاة والصيام ونحوها، ويعرفه تحريم الزنا واللواط والسرقة وشرب المسكر والكذب والغيبة والنميمة وشبهها ويعرفه أن البلوغ يدخل في التكليف، وقيل: هذا التعليم مستحب، والصحيح: وجوبه ودليل وجوب تعلم الولد الصغير والمملوك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (^١) قال علي بن أبي طالب ومجاهد وقتادة معناه: علموهم ما ينجون به من النار، وهذا ظاهر، وثبت في الصحيحين عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ -: \"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته\"، ثم أجرة التعليم في مال الصبي لأنه يعود عليه نفعه، السادس: علم القلب، وهو معرفة أمراضه كالحسد والعجب وشبهها، فقال الغزالي: معرفة حدودها وأشباهها وطبها وعلاجها فرض عين، وقال غيره: إن رزق المكلف قلبا سليما من هذه الأمراض كفاه ذلك، ولا يلزمه تعلم دوائها، وإن لم يسلم نظر إن تمكن من تطهير قلبه من ذلك بلا تعلم لزمه التطهير كما يلزم ترك الزنا ونحوه من غير تعلم أدلة الترك، فإن لم يتمكن من الترك إلا بتعلم العلم المذكور تعين\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٦.","vol":"1","page":657},{"text":"حينئذ، والله أعلم، قاله في الديباجة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وواضع العلم عند أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب\" الحديث، وقال في الإحياء: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: إني رأيت أني أقلد أعناق الخنازير، فقال: أنت تعلم الحكمة غير أهلها، قال الغزالي في الإحياء: في الكلام على قواعد العقائد في القسم الثالث: لو قال قائل: رأيت فلانا يقلد الدر في أعناق الخنازير وكنى به عن إفشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها، فالمستمع قد سبق إلى فهمه ظاهرة، والمحقق إذا نظر علم أن ذلك الإنسان لم يكن معه در ولا كان في موضعه خنازير فتفطن لدرك السر فيتفاوت الناس لذلك، ومن ذلك قول الشاعر:\nرجلَانِ خياط وَآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل\nلَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ... ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل\nانتهى، قاله في الديباجة (^٢)، وسيأتي الكلام على الجملة قريبا مبسوطًا؛ وروى عنه - ﷺ - أنه قال: \"لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب\" خرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس (^٣)، والمراد بذلك: العلم لمن ليس أهلا له.\n_________\n(^١) الديباجة (ص ١٦٤ - ١٦٦/ رسالة علمية).\n(^٢) الديباجة (ص ١٦٢/ رسالة علمية).\n(^٣) أخرجه البغوى في جزئه (١٠) وعنه الدارقطني في المؤتلف والمختلف (٢/ ١٠٧٢)، وابن الأعرابى في المعجم (٩٩٤)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ١١٧)، والرامهرمزى في أمثال الحديث (ص ١٢٢)، وابن عدى (٩/ ٧١)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٢٨٧٨).\nقال ابن حبان: وهذا لم يحدث به شعبة ولا يزيد بن هارون وإنما هو من حديث يحيى بن =","vol":"1","page":658},{"text":"١١٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من جَاءَهُ أَجله وَهُوَ يطْلب الْعلم لَقِي الله وَلم يكن بَينه وَبَين النَّبِيين إِلَّا دَرَجَة النُّبُوَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على ترجمته - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"من جاء أجله وهو يطل العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة\"، وروي الدارمي عن الحسن مرسلًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة في الجنة\" (^٢) ويكفيه أن الله تعالى يغفر له ما مضى من ذنوبه كما رواه الدارقطني مرفوعًا: \"من طلب العلم كان كفارة له\" (^٣) كذا رواه عن النبي\n_________\n= عقبة بن أبي العيزار عن محمد بن جحادة. قال ابن عدى: وعند يحيى بن عقبة عن محمد بن جحادة، عن أنس أحاديث غيرها رواه، عن يحيى بن عقبة الربيع بن ثعلب وعنه ابنه محمد بن الربيع. وليحيى بن عقبة غير ما ذكرت وعامة ما يرويه، لا يتابع عليه. وقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (٤٧٨٦).\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٧٤ رقم ٩٤٥٤)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٥٨١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ١٣٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا محمد بن الجعد، تفرد به العباس بن بكار. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن الجعد، وهو متروك. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٥٦) وضعيف الترغيب (٤٩).\n(^٢) أخرجه الدارمى (٣٦٦)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (٢١٤).\n(^٣) أخرجه الدارمى (٥٨٠)، والترمذى (٢٦٤٨). وقال الترمذى: هذا حديث ضعيف الإسناد، أبو داود اسمه نفيع الأعمى يضعف في الحديث، ولا نعرف لعبد الله بن سخبرة =","vol":"1","page":659},{"text":"- ﷺ -، وروى أيضًا هو عن ابن مسعود موقوفا قال: \"منهومان لا يشبعان: صاحب العلم، وصاحب الدنيا، ولا يستويان، أما صاحب العلم فيزداد رضي من الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان\"، ورواه البيهقي مختصرًا عن النبي - ﷺ - (^١).\n_________\n= كبير شيء ولا لأبيه. وقال الألباني: موضوع، المشكاة (٢٢١)، الضعيفة (٥٠١٧).\n(^١) أخرجه الدارمى (٣٤٤)، وابن الأعرابى (١٠٠٩)، والآجرى في أخلاق العلماء (٣٨)، والبيهقي في المدخل (٤٤٩) عن ابن مسعود موقوفا. ورواه الشاشى (٦٩٢)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٨٠ رقم ١٠٣٨٨)، وابن عدى (٥/ ٢٢٩) عن ابن مسعود مرفوعًا.\nقال ابن عدى: وهذا الحديث أيضا ليس يرويه عن إسماعيل غير أبي بكر الداهري. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٣٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو بكر الداهري، وهو ضعيف. وضعفه الألباني موقوفا ومرفوعا في المشكاة (٢٦١). ويروى مرفوعًا من حديث أنس وابن عباس: أما حديث ابن عباس:\nأخرجه أبو خيثمة في العلم (١٤١)، وإسحاق في مسند ابن عباس (٨٨٣)، والبزار (٤٨٨٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٠ رقم ٥٦٧٠) والكبير (١١/ ٧٦ رقم ١١٠٩٥) قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - من وجه أحسن من هذا الوجه. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٣٥: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، والبزار، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٨٤ (٢٦١١٨)، والدارمى (٣٤٦) عن ابن عباس موقوفا.\nوأما حديث أنس: أخرجه ابن عدى (٧/ ٥٥٧ - ٥٥٨)، والحاكم (١/ ٩٢)، والبيهقي في المدخل (٤٥٠ و٤٥١) والشعب (١٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨ رقم ٩٧٩٨). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في المشكاة (٢٦٠).","vol":"1","page":660},{"text":"تتمة: قال الخطيب البغدادي (^١): يستحب لطالب العلم أن يكون عزبًا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجية وطلب المعيشة عن كمال الطلب، وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا (^٢)، أي: تعلموا العلم قبل أن تصيروا سادة منظورًا إليكم فتستحيوا أن تتعلموا بعد الكبر فتبقوا جهالًا (^٣)، وقيل: أراد قبل أن تتزوجوا وتشتغلوا بالزواج عن طلب العلم (^٤).\nوفي كامل ابن عدي في ترجمة أحمد بن سلمة الكوفي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: \"ما أفلح صاحب عيال قط\" (^٥).\nوفي الإحياء في آفات النكاح قال (^٦): رئي سفيان ابن عيينة على باب سلطان، فقيل: ما هذا موقفك؟ قال: وهل رأيت ذا عيال أفلح، ثم أسند، يعني: الخطيب البغدادي عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أحب الله عبدا اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد\" (^٧)، قال: واتفقوا على أن الهم\n_________\n(^١) الجامع (١/ ١٠١).\n(^٢) أخرجه وكيع في الزهد (١٠٢).\n(^٣) قاله أبو عبيد في غريب الحديث (٣/ ٣٦٩).\n(^٤) قاله شمر كما في تهذيب اللغة (١٣/ ٢٦). وانظر النجم الوهاج (١/ ١٩٨).\n(^٥) أخرجه ابن عدى (١/ ٣١٢). وقال ابن عدى: وهذا الكلام من قول ابن عيينة، وهذا منكر عن النبي - ﷺ -، ولم أجد هذا الحديث فيما عندي عن أحمد بن حفص، حدثناه بعض أصحابنا عنه، وأحمد بن سلمة هذا له من المناكير عن الثقات غير ما ذكرت، وليس هو ممن يحتج بروايته.\n(^٦) إحياء علوم الدين (٢/ ٣٤).\n(^٧) لم أجده في الجامع للخطيب وإنما رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥) عن ابن مسعود موقوفا وعزاه له ابن الجوزى في الموضوعات (٢/ ٢٧٨) والذهبى في الميزان (٢/ ٥٨١) =","vol":"1","page":661},{"text":"وأحزان وكثرة الأشغال والعلائق مورثة النسيان بالخاصة؛ لأن هموم الدنيا تورث ظلمة القلب، وهموم الآخرة تنور القلب، ونظير ذلك الفكرة في الصلاة في أمر الدنيا تمنع من كمال الأجر، وفي الآخرة تحمل على الخشوع وسكون الأعضاء، قال سحنون: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع، وسئل الحسن: ما عقوبة العالم إذا آثر الدنيا؟ قال: موت قلبه. انتهى (^١).\nوقال الإمام الشافعي: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نَبْل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم العربية رق طبعه، ومن لم يصن نفسه ولم ينفعه علمه، قاله في النهاية (^٢).\nوقال علي لكميل بن زياد: يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق (^٣). وقال الشافعي: من طلب الدنيا فعليه بالعلم، ومن طلب الآخرة فعليه بالعلم (^٤).\n_________\n= مرفوعًا. وقال ابن الجوزى: هذا حديث موضوع على رسول الله - ﷺ -. قال الدارقطني: إسحاق بن وهب كذاب مترك حدث بالأباطيل.\n(^١) النجم الوهاج (١/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٢) لم أجده في النهاية وإنما ذكره الماوردى في أدب الدنيا والدين (ص ٤٠)، والمجموع (١/ ٢٠)، وأسنده البيهقي في المدخل (٥١١) ومناقب الشافعي (١/ ٢٨٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٢١٨) و(١٢/ ٢٥٢)، والهروى في ذم الكلام (١١٢٢).\n(^٣) إحياء علوم الدين (١/ ٧)، وأسنده الأبهرى في الفوائد (١٦) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٩ - ٨٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٤٠٨).\n(^٤) النجم الوهاج (١/ ١٩٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٥٤)، وأسنده البيهقي في مناقب الشافعي (٢/ ١٣٩).","vol":"1","page":662},{"text":"١١١ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من طلب علما فأدركه كتب الله لَهُ كِفْلَيْنِ من الْأجر وَمن طلب علما فَلم يُدْرِكهُ كتب الله لَهُ كفلا من الأجر. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات وَفِيهِمْ كَلَام (^١).\nقوله: عن واثلة بن الأسقع، هو واثلة بن الأسقع بن كعب، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من طلب علمًا فأدركه كتب له كفلين من الأجر، ومن طلب علمًا فلم يدركه كتب له كفلا من الأجر\" الحديث؛ الكفل: هو النصيب من الأجر أو الوزر (^٢).\nقوله: ورواته فيهم كلام، قال أبو عمر (^٣): أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديمًا في روايتها عن كلٍ، ولم ينتقدوا فيها كانتقادهم في أحاديث الأحكام، والله أعلم.\n\n١١٢ - وَرُوِيَ عَن سَخْبَرَة - ﵁ - قَالَ مر رجلَانِ صلى رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ يذكر فَقَالَ اجلسا فإنكما على خير فَلَمَّا قَامَ رَسُول الله - ﷺ - وتفرق عَنهُ أَصْحَابه\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (١/ ١٩٩ - ٢٠٠ رقم ٢٦٤)، وعنه ابن حبان في المجروحين (٣/ ٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٦٨ رقم ١٦٥)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢١٣)، والخطيب في الجامع (٣٧). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٣: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال البوصيرى: هذا إسناد ضعيف، لضعف يزيد بن ربيعة الدمشقي، ورواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وفيهم كلام وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب (٥٠).\n(^٢) قاله المنذرى عند ذكره للحديث (١٠٦٥) باب الترغيب في التبكير إلى الجمعة.\n(^٣) جامع بيان العلم (١/ ٢٠٢).","vol":"1","page":663},{"text":"قاما فَقَالا يَا رَسُول الله إِنَّك قلت لنا اجلسا فإنكما على خير ألنا خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة قَالَ مَا من عبد يطْلب الْعلم إِلَا كَانَ كفَّارَة مَا تقدم. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nسَخْبَرَة: بِالسِّين الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة الساكنة وباء مُوَحدَة وَرَاء بعْدهَا تَاء تَأْنِيث فِي صحبته اخْتِلَاف. وَالله أعلم.\nقوله: عن سخبرة، سخبرة بالسين المهملة المفتوحة والخاء المعجمة الساكنة وباء موحدة مفتوحة وراء بعدها تاء تأنيث، في صحبته خلاف، قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"اجلسا فإنكما على خير\" الحديث، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله - ﷺ - ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرءون القرآن ويدعون الله، والأخرى يتعلمون ويعلمون، فقال النبي - ﷺ -: \"كل على خير، هؤلاء يقرءون القرآن ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلمًا فجلس معهم\" (^٢) ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وعن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٦٤٨)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم ٦٦١٥ و٦٦١٦)، وأبو الطاهر المخلص (٥٣٠). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٣: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو داود الأعمى، وهو كذاب. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٥١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٩)، والطيالسى (٢٣٦٥). وضعفه الألباني في المشكاة (٢٥٧)، والضعيفة (١١). ثم صححه في الصحيحة تحت (٣٥٩٣) دون قوله (وإنما بعثت معلمًا).","vol":"1","page":664},{"text":"عبد الله بن عمرو أيضًا قال: دخل النبي - ﷺ - المسجد وقوم يذكرون الله وقوم يتذاكرون الفقه، فقال النبي - ﷺ -: \"كلا المجلسين على خير، أما الذين يذكرون الله ﷿ ويسألون ربهم فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يعلمون الناس ويتعلمون، وإنما بعثت معلمًا وهذا أفضل فقعد معهم\" (^١) قال القرطبي. وقيل لابن سيرين في نومه: أما إنك لو أتيت الحلق التي يتذاكر فيها الفقه لوجدت جبريل - ﵇ - معهم (^٢)، وقال صالح المري [سمعت الحسن البصري يقول]: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلم (^٣).\n\n١١٣ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: سبع يجرى للْعَبد أجرهن وَهُوَ فِي قَبره بعد مَوته من علم علما أَو كرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلًا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته رَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث قَتَادَة تفرد بِهِ أَبُو نعيم عَن الْعَزْرَمِي وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ثمَّ قَالَ مُحَمَّد بن عبد الله الْعَزْرَمِي ضَعِيف (^٤) غير\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٨٨)، والدارمي (٣٦١)، والبزار (٢٤٥٨)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٩٤ - ٩٥ رقم ١٤٧٠٩). وانظر ما قبله.\n(^٢) بستان العارفين (ص ٤٢٧)، وجامع بيان العلم (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٣) جامع بيان العلم (١/ ٢٣٦).\n(^٤) أخرجه البزار (٧٢٨٩)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٣)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٢٢ - ١٢٣ رقم ٣١٧٥). قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث قتادة تفرد به أبو نعيم عن العرزمي. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٦٧: =","vol":"1","page":665},{"text":"أَنه قد تقدمه مَا يشْهد لبعضه وهما يَعْنِي هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث الَّذِي ذكره قبله لَا يخالفان الحَدِيث الصَّحِيح فقد قَالَ فِيهِ إِلَّا من صَدَقَة جَارِيَة وَهُوَ يجمع مَا وردا بِهِ من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان انْتهى. قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم: وَقد رَوَاهُ ابن مَاجَه وَابن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عن أنس، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"سبع يجرى للْعَبد أجرهن وَهُوَ فِي قَبره بعد مَوته من علم علمًا\" الحديث، بدأ بالعلم للاهتمام به، والمراد بالعلم هو المنتفع به إما بإرشاد المتعلمين أو تصشيف في كتاب ينتفع مطالعه، والمراد بالعلم المنتفع به هو العلم المحمود وهو العلم بالله ﷿ وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكوت أرضه وسمائه والعلم بشريعة نبيه - ﷺ -، ويدخل فيه: علم التفسير والحديث والفقه (^١).\nقوله في آخر الحديث: \"أَو ترك ولدا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته\"، وفي حديث آخر: \"أو ترك ولدا صالحًا يستغفر له\" وفي رواية: \"أو له بدل يستغفر له\"، والمراد بالاستغفار: الدعاء، والولد الصالح: الذي يدعو له بعد موته بالخير ويدعو له صفة للولد لا شرط له؛ لأن ثواب الولد الصالح يصل إلى والده\n_________\n= رواه البزار، وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٧٣) و(٩٥٩) و(٢٦٠٠).\n(^١) مختصر منهاج القاصدين (ص ٢٠).","vol":"1","page":666},{"text":"كلما عمل صالحًا، فهذا دعاء الولد يصل والده وينتفع به، وكذلك أمره ﵊ بالسلام على المقبرة والدعاء لهم، ما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل إليهم ويأتيهم، ويروي عنه ﵊ أنه قال: \"الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها\" (^١) وسيأتي الكلام قريبًا على بقية ألفاظ الحديث.\nقوله: ورواه البيهقي، ثم قال: محمد بن عبيد الله العرزمي ضعيف، بفتح العين المهملة وسكون الراء وفتح الزاي وآخره ميم، نسبة إلى عرزم، قال ابن الأثير: وظني أنه بطن من فزارة، وجبانة عرزم بالكوفة معروفة، ولعل هذا البطن نزلوا بها فنسبت إليه (^٢)، والله أعلم.\n\n١١٤ - وَعَن عمر - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا اكْتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صَاحبه إِلَى هدى أَو يردهُ عَن ردى وَمَا استقام دينه حَتَّى يَسْتَقِيم عقله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَالصَّغِير إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ حَتَّى\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٠/ ٣٠٠ - ٣٠١ رقم ٧٥٢٧) و(١١/ ٤٧٢ رقم ٨٨٥٥) عن ابن عباس. قال البيهقي: قال أبو علي الحافظ: وهذا حديث غريب من حديث عبد الله بن المبارك، لم يقع عند أهل خراسان، ولم أكتبه إلا من هذا الشيخ، قد رواه ببعض معناه محمد بن خزيمة البصري أبو بكر، عن محمد بن أبي عياش، عن ابن المبارك، وابن أبي عياش، ينفرد به. وقال الذهبى في الميزان (٤/ ٧٠): محمد بن جابر بن أبي عياش المصيصي لا أعرفه، وخبره منكر جدا. وقال الألباني: منكر جدا الضعيفة (٧٩٩).\n(^٢) قاله السمعانى في الأنساب (٩/ ٢٧١)، وابن الأثير في اللباب (٢/ ٣٣٤).","vol":"1","page":667},{"text":"يَسْتَقِيم عمله. وإِسنادهما مُتَقَارب (^١).\nقوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على مناقبه - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"مَا اكْتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صَاحبه إِلَى هدى أَو يردهُ عَن ردى\"، الهدى: ضل الضلال.\n\n١١٥ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر وَأبي هُرَيْرَة ﵄ أنَّهُمَا قَالا لباب يتعلمه الرجل أحب إِنِّي من ألف رَكْعَة تَطَوّعا وَقَالا قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا جَاءَ الْمَوْت لطَالب الْعلم وَهُوَ على هَذِه الْحَالة مَاتَ وَهُوَ شَهِيد. رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط إِلَا أَنه قَالَ خير لَهُ من ألف رَكْعَة (^٢).\nقوله: عن أبي ذر وأبي هريرة ﵄، تقدم الكلام على مناقبهما ﵄.\nقولهما: أنهما قالا: لباب يتعلمه الرجل أحب إليَّ من ألف ركعة تطوعًا،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ٥ رقم ٦٧٦) والأوسط (٥/ ٧٩ رقم ٤٧٢٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا ابنه عبد الرحمن، تفرد به: أصبغ بن الفرج. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢١: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وقال فيه: \"حتى يستقيم عقله\" بدل: عمله، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٦٧١٠) وضعيف الترغيب (٥٢).\n(^٢) أخرجه الفسوى في المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٩٧)، والبزار (٨٥٧٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٥٥)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٤٠٥ - ٤٠٦ رقم ٧٧٠٤)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٥) و(٢١١)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٤٢). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٤: رواه البزار، وفيه هلال بن عبد الرحمن الحنفي، وهو متروك. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٢١٢٦) وضعيف الترغيب (٥٣).","vol":"1","page":668},{"text":"وقد نص الأئمة الأربعة ﵃ على أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، قال النووي في خطبة منهاجه (^١): أما بعد، فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات وإن أنفقت فيه نفائس الأوقات. فالاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات وفضل العلم كبير قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢) الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣)، والصلاة أفضل من الصيام المتطوع به، فيكون العلم أفضل من النافلة بطريق الأولى، فإن العلم مصباح يستضاء به من ظلمة الجهل والهوى، فمن سار في طريق على غير مصباح لم يأمن أن يقع في بئر وبوار أي: هلاك فيعطب، قال ابن سيرين: إن قومًا تركوا العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا بغير علم، والله ما عمل أحد بغير علم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح (^٤).\nوقد قال الربيع بن خثيم: تفقه ثم اعتزل فأول تلبيس إبليس على العباد إيثارهم العمل على العلم، والعلم أفضل من النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم العمل، وما فهموا من العمل إلا عمل الحوارج وما علموا أن العلم عمل القلب، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح، انتهى، قاله ابن\n_________\n(^١) المنهاج (١/ ٧).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(^٤) قاله ابن رجب في لطائف المعارف (ص ١٢٥).","vol":"1","page":669},{"text":"الجوزي (^١). ولهذا المعنى كان فضل العلم النافع الدال على معرفة الله وخشيتة ومحبته ومحبة ما يحب وكراهة ما يكره لاسيما عند غلبة الجهل والتعبد به أفضل من التطوع بأعمال الجوارح.\nقال الإمام الشافعيُّ: ليس بعد الفريضة أفضل من طلب العلم (^٢). وقال أبو الدرادء: مذاكرة العلم خير من قيام الليل (^٣). وفي الحلية عن سلمان الفارسي أن النبي - ﷺ - قال: \"نوم على علم خير من صلاة على جهل\" (^٤).\nوقال ابن مسعود: أنتم في زمان العمل فيه أفضل من العلم، وسيأتي زمان العلم فيه أفضل من العمل، وكذلك الانشغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من الصوم والصلاة مع غش القلوب ودغلها (^٥).\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (١/ ١٢١).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٩)، والبيهقي في مناقب الشافعي (٢/ ١٣٨)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ٢٥)، وابن أبي حاتم في مناقب الشافعي (ص ٩٧).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) بلفظ: \"تفكر ساعة خير من قيام ليلة\".\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٨٥)، والخلال في ذكر من لم يكن عنده إلا حديث (٩٤). وذكره بلفظ المصنف الدميرى في النجم الوهاج (١/ ١٩٧). قال أبو نعيم: كذا رواه الأعمش عن أبي البختري، وأرسله أبو البختري عن سلمان، أيضًا. وقال الخلال: ليس لإسماعيل عن الأعمش إلا هذا الحديث وليس لمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن إسماعيل غيره. وقال الدارقطنى كما في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ١١٨): تفرد به أحمد بن يحيى الصوفي ولم نكتبه إلا عن أبي عبيد القاسم بن إسماعيل. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٦٩٧).\n(^٥) لطائف المعارف (ص ٢٥٥).","vol":"1","page":670},{"text":"وروى أبو بكر الصديق عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من تعلم بابا من العلم فعمل به أو علمه جاهلا يعمل به كان خيرًا له من أن لو كانت الدنيا ما بين المشرق والمغرب ذهبا حمراء فأنفقها في سبيل الله\" قاله أبو الفرج بن الجوزي في منهاجه بغير سند (^١).\nوعن ابن عباس ﵄: تذكر العلم بعض ليلة أحب إلي من قيام ليلة (^٢).\nوعنه أيضًا ﵄ قال: من رأى الغدو إلى العلم ليس بجهاد فقد نقصى في رأيه وعقله (^٣).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ -: قال: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة (^٤).\nوعن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: أتهجد بالليل أو أكتب العلم؟ قال: اكتب العلم، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي: قلت وإنما قال له ذلك لأن كتابة العلم تتعدة نفعها إلى غيره فله أجره وأجر من انتفع بذلك في حياته وبعد موته أبدًا، وأما التهجد فليس له إلا أجره فقط (^٥)، والله أعلم.\n_________\n(^١) منهاج القاصدين (١/ ١٧).\n(^٢) أخرجه ابن لال في حديثه (١٨)، والبيهقي في المدخل (٤٥٦) و(٤٦٠).\n(^٣) قاله أبو الدرداء كما في جامع بيان العلم (١/ ١٥٢) بلاغا.\n(^٤) الفقيه والمتفقه (١/ ١٦ و١٧).\n(^٥) المتجر الرابح (ص ٢٨).","vol":"1","page":671},{"text":"قوله: عن أبي ذر، اسمه: جندب بن جنادب الغفاري، قال أبو الفرج: في اسمع اختلاف كبير، وكان يتعبد قبل مبعث النبي - ﷺ - بمكة قديمًا، وقال: كنت في الإسلام رابعًا، ورجع إلى قومه فأقام عندهم حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم هاجر إلى المدينة، وكان شجاعًا ينفرد وحده فيفسح الطريق، وقال: صليت قبل أن ألقى رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين، قيل: لمن؟ قال: لله ﷿، قيل: فأين كنت تتوجه؟ قال: حيث وجهني الله، وقيل: ما أقلت الغبراء أي: حملت، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر، والغبراء: الأرض، والخضراء: السماء، توفي أبو ذر بالمدينة بفلاة من الأرض، وشهده عصابة من المؤمنين فقال لهم وهو محتضر: لو كان عندي ثوب يسعني كفنًا أو لامة أي: ثوب يسعني لما تكفنت إلا في ثوب هو لي أو لها، وإني أنشدكم الله تعالى لا يكفنني منكم رجل كان أميرا ولا عريفا ولا بريدا ولا نقيبًا، ولم يكن في القوم أحدٌ إلا وقد أصاب من ذلك إلا فتى من الأنصار، فقال: أنا أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين من ثيابي من غزل أمي، قال: أنت فكفني فكفنه الأنصار، ودفنه مع النفر الذي معه في سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود (^١)، قاله في مختصر مجمع الأحباب.\n\n١١٦ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا أَبَا ذَر لِأن تَغْدُو فتعلم آيَة من كتاب الله خير لَك من أَن تصلي مائَة رَكعَة وَلِأن تَغْدُو فتعلم بَابا من\n_________\n(^١) حلية الأولياء (١/ ١٥٦ - ١٧٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠ ترجمة ٧٨١).","vol":"1","page":672},{"text":"الْعلم عمل بِهِ أَو لم يعْمل بِهِ خير لَك من أَن تصلي ألف رَكْعَة. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله - ﷺ - لأبي ذر: \"لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي ألف ركعة\" الحديث، أي: تطوعًا، الغدو: هو الذهاب أول النهار.\n\n١١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَا ذكر الله وَمَا وَالاهُ وعالمًا ومتعلمًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢١٩)، وابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة (٥٤)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٤). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٢٩ - ٣٠: هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد وعبد الله بن زياد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٤) و(٨٦٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤١١٢)، والترمذي (٢٣٢٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٢٦)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٣٢٦)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٢٢٨ رقم ١٥٨٠)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٣٥). قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب.\nقال الدارقطنى في العلل (٢١١٧): يرويه ابن ثوبان، وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، واختلف عنه؛ فرواه علي بن ميمون العطار، عن أبي خليد عتبة بن حماد، عن ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. وخالفه يحيى بن اليمان، رواه عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب قوله، وهو وهم، وقيل عن ابن ثوبان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن أبي وائل، ولا يصح. ورواه خالد بن يزيد العدوي، عن الثوري، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. ولم يتابع خالد على هذا لقول. وحسنه الألباني في الصحيح (٢٧٩٧) وصحيح الترغيب (٧٤) و(٣٢٤٤).","vol":"1","page":673},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا.\nتتمة تتعلق بمناقبه - ﵁ -: قال عمر بن حبيب حضرت مجلس الرشيد فجرت مسألة فتنازعها الحضور وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث يرويه عن أبي هريرة، فقال بعضهم: كان أبو هريرة متهما فيما يرويه عن رسول الله - ﷺ -، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله - ﷺ - وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي الله - ﷺ - وعن غيره فنظر إليّ الرشيد نظر المغضب فقمت من المجلس وانصرفت إلى منزلي فلم ألبث حتى قيل: صاحب الرشيد بالباب فدخل إلي وقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم إني دفعت عن صاحب نبيك - ﷺ - وأجللت نبيك - ﷺ - أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف وبين يديه القطع، فلما رآني قال: يا عمر بن حبيب، في ما تلقاني أحد من الرد مثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عليه فيه ازدراء على رسول الله - ﷺ - وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذا بين فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام والصلاة والصيام والطلاق والنكاح والحدود وكله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه، وقال: يا عمر بن حبيب أحييتني أحياك الله، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم (^١)، مات سنة ست أو سبع\n_________\n(^١) أخرجه المعافى بن عمران في الجليس الصالح (ص ٤٦٥ - ٥٦٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٧).","vol":"1","page":674},{"text":"ومائتين، وعمر بن حبيب هذا هو العدوي القاضي البصري من بني عدي، ولي قضاء البصرة (^١)، قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله\" الحديث، فالدنيا وكل ما فيها ملعونة، أي: مبعدة عن الله تعالى لأنها تشغل عنه إلا العلم النافع الدال على الله تعالى وعلى معرفته وطلب قربه ورضاه وذكر الله وما والاه مما يقرب إلى الله تعالى، فهذا هو المقصود من الدنيا، فإن الله ﷿ إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوام ذكره، قال ابن مسعود: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٢) أي: يذكر فلا ينسى، وإنما شرع الله تعالى إقام الصلاة للذكر وكذلك الحج والطواف، وأفضل أهل العبادات أكثرهم لله تعالى ذكرا فيها، فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها، قاله ابن رجب (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ومما والاه\" أي: طاعة الله تعالى والسلامة، من اللعن الذي هو الإبعاد خير كبير، وهو أخذ الفضلين السلامة والغنيمة، انتهى، قاله في حدائق الأولياء (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢١/ ٢٩٠ - ٢٩٦ الترجمة ٤٢١١).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٨٨٥).\n(^٤) حدائق الأولياء (١/ ٦٦).","vol":"1","page":675},{"text":"١١٨ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تعلم بَابا من الْعلم ليعلم النَّاس أعطي ثَوَاب سبعين صديقا. رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس وَفِيه نَكَارَة (^١).\n\n١١٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من رجل تعلم كلمة أَو كلِمَتَيْنِ أَو ثَلاثًا أَو أَرْبعا أَو خمْسا مِمَّا فرض الله ﷿ فيتعلمهن ويعلمهن إِلَّا دخل الْجنَّة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَمَا نسيت حَدِيثا بعد إِذْ سَمِعتهنَّ من رَسُول الله - ﷺ -. رَوَاهُ أَبُو نعيم وَإِسْنَاده حسن لَو صَحَّ سَماع الْحسن من أبي هُرَيْرَة (^٢).\n\n١٢٠ - وَعنهُ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أفضل الصَّدَقَة أَن يتَعَلَّم الْمَرْء الْمُسلم علما ثمَّ يُعلمهُ أَخَاهُ الْمُسلم. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق الْحسن أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة (^٣).\n\n١٢١ - وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق وَرجل آتاهُ الله الْحِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٤) الْحَسَد يُطلق وَيُرَاد بِهِ تمني زَوَال النِّعْمَة\n_________\n(^١) أخرجه ابن بشران في الأمالي (١٠٩٢). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٥٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٣٤ (٨٤٠٩) و٢/ ٤٢٧ (٩٥١٧)، وابن زيدان في مسنده (٤٢)، وأبو بكر النصيبى في الفوائد (٦٦)، والقطيعي في الألف دينار (١٢٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٨٠) و(٢/ ٢٧٦) والحلية (٢/ ١٥٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٠٤) وضعيف الترغيب (٥٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٤٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٧)، الإرواء (٦/ ٢٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٣) و(١٤٠٩) و(٧١٤١) و(٧٣١٦) و(٧٥٢٨)، ومسلم (٢٦٨ - ٨١٦)، وابن ماجه (٤٢٠٨).","vol":"1","page":676},{"text":"عَن الْمَحْسُود وَهَذَا حرَام وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْغِبْطَة وَهُوَ تمني مثل مَا لَهُ وَهَذَا لا بَأْس بِهِ وَهُوَ المُرَاد هُنَا.\nقوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لا حسد إلا في اثنتين\" الحديث، قال الحافظ: الحسد يطلق ويراد به: تمني زوال النعمة عن المحسود، وهذا حرام؛ ويطلق ويراد به الغبطة وهو: تمني مثل حاله، وهذا لا بأس به وهو المراد هنا، انتهى.\nوفسره غيره مبسوطًا فقال: الحسد قسمان حقيقي ومجازي، فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها وهذا حرام بإجماع المسلمين مع النصوص الصريحة، وأما الحسد المجازي: فهو الغبطة وهو: أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير تمني زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهو مستحب، والمراد في الحديث: لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين، قاله النووي (^١).\nفهذا حسد منافسة وغبطة يدل على علو همة صاحبه وكبر نفسه وطلبها التشبيه بأهل الخير والفضل، وحق لمن نال من النفائس العالية ما يحق لمثله أن يحسد ويغبط بمثله، فمن اتصف بذلك فهو محسود إذ حصل على النعمة التامة الحقيقية، وكل ذي نعمة محسود عليها فيا طرباه دنيا وأخرى (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٧).\n(^٢) انظر حدائق الأولياء (١/ ٥٥٤)، وبدائع الفوائد (٢/ ٢٣٧)، وطرح التثريب (٤/ ٧٢)، وفتح الباري (١/ ١٦٧)، والمفهم (٧/ ٧٧)، ومبارق الأزهار (١/ ٥٤).","vol":"1","page":677},{"text":"تنبيه في الفرق بين الغبطة والحسد: والغبطة والنفاسة وإن كانا من الحسد فقد يكون لهما وجه يبيحهما الشرع، والفرق بين الغبطة والحسد: أن الغابط يود أن يكون له مثل نعمة المغبوط من غير أن تنقص من نعمته شيء وهو الذي يبيحه الشرع المطهر، والحاسد الذي يود أن تزول نعمة المحسود ومن غير أن يناله منها شيء هو الذي يحرمه الشرع (^١)، انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل آتاه الله مالا فسلكه على هلكته في الحق\" أي: إنفاقه في الطاعات، والحق هنا واحد الحقوق وهو يستعمل في المندوب كما يستعمل في الواجب، ومنه الحديث وهو قوله - ﷺ -: \"إن في المال حقا سوى الزكاة\" (^٢) وقال ابن بطال: إنفاق المال في حقه على ثلاثة أقسام:\nالأول: أن ينفق على نفسه وأهله ومن يلزمه النفقة عليه غير مقتر يجب لهم ولا مسرف في ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (^٣) وهذه النفقة أفضل من الصدقة ومن جميع النفقة.\nوالقسم الثاني: أداء الزكاة وإخراج حق الله تعالى لمن وجب عليه النفقة.\nوالقسم الثالث: صلة الأهل البعداء ومواساة الصديق وإطعام الجائع وصدقة التطوع كلها، فهذه صدقة مندوب إليها مأجور عليها لقوله - ﷺ -:\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٣٠٢) وشرح المشكاة (٢/ ٦٢٢)، والكواكب الدراري (٢/ ٤١).\n(^٢) طرح التثريب (٤/ ٧٤).\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٧.","vol":"1","page":678},{"text":"\"الساعي على الأرملة واليتيم والمجاهد في سبيل الله\" (^١)، ولا يخفى أن الرجل خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فالمرأة كذلك (^٢)، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها\" الحديث، اعلم أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) قال الإمام مالك ﵀ (^٤): الحكمة عندي المعرفة بدين الله والفقه فيه والإتباع له، وروى ابن وهب عن مالك أيضًا قال (^٥): الحكمة نور يقذفه الله تعالى في قلب العبد، وتقدم ذلك في أوائل هذا التعليق، وقال الإمام أبو حنيفة: الحكمة هي العلم بأحكام الدين. بدلائلها، وقال الإمام الشافعي: الفقيه العالم بالأحكام الشرعية والحكيم العالم بأدلتها (^٦)، قال الغزالي: الفقيه العالم بظواهر الأحكام والحكيم العالم بأسرارها أيضًا، فكل حكيم فقيه وليس كل فقيه حكيم، مثاله: أن الفقيه يعلم وجوب الصوم بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (^٧) وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٨) والحكيم يعلم مع ذلك أن سر الصوم قهر النفس وكسر\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٣/ ٤٠٥ - ٤٠٩).\n(^٢) طرح التثريب (٤/ ٧٤).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.\n(^٤) تفسير الطبرى (٢/ ٥٧٦)، وترتيب المدارك (٢/ ٦٢).\n(^٥) ترتيب المدارك (٢/ ٦٢)، والدورى في ما رواه الأكابر (٤٩).\n(^٦) شرح الأربعين الودعانية (ح / ١٤ ص ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(^٧) سورة البقرة، الآية: ١٨٣.\n(^٨) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.","vol":"1","page":679},{"text":"الشهوات والتخلق بأخلاق الله وأخلاق الملائكة وغير ذلك من الأسرار المذكورة في مواضعها وغير أهل الحكمة هو الذي لا يفهمها ولا يعقلها (^١).\nوقال ابن دريد (^٢): الحكمة كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم ومنه قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (^٣) أي: الحكمة، وقيل: الحكمة العلم الديني، وقيل: هي [سداد] القول وإحكام الفعل، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (^٤) قال يعنى المعرفة بالقرآن (^٥)، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (^٦) قال: الفقه والعقل والإصابة في القول (^٧). وقال في حدائق الأولياء (^٨): والمراد بالحكمة هنا الفقه (في الدين) كما فسرها به والقضاء والتعليم هو فائدة الحكمة (واليقين) والفقه في الدين، وقيل: الحكمة السنة.\nقوله - ﷺ -: \"فهو يقضي بها ويعلمها احتسابًا\" ومعناه: يعمل بها ويعلمها\n_________\n(^١) شرح الأربعين الودعانية (ح ١٤/ ع ٢٣٦ - ٢٣٧).\n(^٢) جمهرة اللغة (١/ ٥٦٤).\n(^٣) سورة مريم، الآية: ١٢.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.\n(^٥) تفسير الطبرى (٥/ ٨ - ٩).\n(^٦) سورة لقمان، الآية: ١٢.\n(^٧) تفسير الطبرى (١٨/ ١٨٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (١٦٧٤٨).\n(^٨) حدائق الأولياء (١/ ٦٧).","vol":"1","page":680},{"text":"احتسابا أي: يقضي بذلك على نفسه وغيره ويعلمها لإخوانه (^١)، انتهى.\nتنبيه: فإن قلت: لم ذكر مالا في قوله: \"ورجل آتاه الله مالًا\" والحكمة في قوله: \"ورجل آتاه الله الحكمة\"؟ قلت: لأن الحكمة المراد بها معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها، أي: الشريعة فأراد التعريف بلام العهد بخلاف المال، ولهذا يدخل فيه أي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم، قال ابن بطال: وفيه من الفقه، أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي ربه تعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل حاله، انتهى، قاله الكرماني في شرح البخاري (^٢).\n\n١٢٢ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مثل مَا بَعَثَني الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كمثل غيث أصَاب أَرضًا فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة طيبَة قبلت المَاء وأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير فَكَانَ مِنْهَا أجادب أَمْسَكت المَاء فنفع الله بهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسقوا وزرعوا وَأصَاب طَائِفَة أُخْرَى مِنْهَا إِنَّمَا هِيَ قيعان لا تمسك مَاء وَلا تنْبت كلأ فَذَلِك مثل من فقه فِي دين الله تَعَالَى ونفعه مَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعلم وَعلم وَمثل من لم يرفع بذلك رَأْسًا وَلم يقبل هدى الله الَّذِي أرْسلت بِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: عن أبي موسى، اسمه: عبد الله بن قيس تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٨).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (١٥ - ٢٢٨٢).","vol":"1","page":681},{"text":"قوله - ﷺ -: \"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم\"، فالهدى هو الدلالة المؤدية إلى البعيد، والعلم هو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل معناه النقيض، وقيل: الهدى والعلم هو الطريقة، انتهى، قاله الكرماني (^١).\nقوله: \"كمثل غيث\"، مثل: بفتح المثلثة، المراد منه هاهنا: الصفة العجيبة الشأن لا القول السائد، فالمثل في الأصل بمعنى المثل الذي هو النظير ثم استعير لكل ما فيه غرابة من قصة وحال وصفة، أي: إن صفة ما بعثني الله به كصفة غيثا أصاب أرضًا، وإنما ضرب المثل بالغيث وهو المطر للمشابهة بينه وبين العلم إذ الغيث يحيى البلد الميت والعلم يحيى القلب الميت، انتهى، وقيل: إنما اختير الغيث من بين سائر المطر ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذ، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (^٢) قاله الكرماني (^٣).\nوقد كان الناس في الزمان الأول قبل المبعث وهم على فترة من الرسل قد امتحنوا بموت القلوب ونضوب العلم أي: ذهابه حتى أصابهم الله برحمة من عنده فأفاض عليهم بحال الوحي السماوي فأشبهت حالتهم حال من توالت عليهم السنون حتى تداركهم الله بلطفه (^٤) قوله - ﷺ -: \"أصاب أرضًا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٥٥).\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ٢٨.\n(^٣) الكواكب الدراري (٢/ ٥٦ - ٥٧).\n(^٤) الكواكب الدراري (٢/ ٥٧).","vol":"1","page":682},{"text":"فكانت منها طائفة طيبة\" الحديث، الطائفة من الشيء قطعة منه، هكذا في جميع نسخ مسلم طائفة، ووقع في البخاري: \"وكان منها نقية قبلت الماء\" بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مشددة وهو بمعنى: طيبة، وهذا هو المشهور في روايات البخاري (^١)، وقبلت: من القبول، وفي بعضها بالياء أخت الواو مشددة، قالوا معناه: أمسكت، قاله الكرماني (^٢).\nقوله: \"وأنبتت الكلأ والعشب الكثير\" أما العشب والكلأ والحشيش فكلها أسماء للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس، والعشب والكلأ مقصورًا مختصان بالرطب، والكلأ بالهمز يقع على اليابس والرطب (^٣).\nقوله: \"وكان منها أجادب أمسكت الماء\"، أما الأجادب: فبالجيم والدال المهملة جمع جديب، وقال بعض العلماء (^٤): أجادب جمع أجدب، وأجدب جمع جدب مثل كلب وأكلب وأكالب، وهي: الأرض التي لا تنبت كلأ، قال الأصمعي: أي جرداء بارزة لا يسترها النبات، وقال القاضي عياض في الشرح: لم يُروَ هذا الحرف في مسلم ولا في غيره إلا بالدال المهملة من الجدب الذي هو: ضد الخصب، قال: وعليه شرح الشارحون، والمراد هاهنا: الأرض الصلبة التي تمسك الماء ولا تنبت سماها أجادب لأنها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ٥٥ - ٥٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٦).\n(^٤) أعلام الحديث للخطابي (١/ ١٩٨) - ونقل عنه المؤلف بتصرف.","vol":"1","page":683},{"text":"لصلابتها لا تنبت (^١).\nقوله: \"فشربوا منها وسقوا\" قال أهل اللغة: سقى وأسقى بمعنى لغتان، وقيل: سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقيا، قاله الكرماني (^٢).\nقوله: \"وزرعوا\" هكذا وقع في البخاري \"وزرعوا\"، ووقع في غير كما في صحيح مسلم: \"ورعوا\" بالراء من الرعي وكلاهما صحيح (^٣).\nقوله: \"وأصاب طائفة أخرى\" بالنصب، أي: وأصاب الغيث طائفة، أي: قطعة أخرى من الأرض (^٤). قوله: \"منها\"، أي: من الأرض.\nقوله: \"إنما هي قيعان\" بكسر القاف جمع قاع وهو الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها أي: التي لا يقف على وجهها ماء يدخل فيها ولا تنبت شيئا، وهذا هو المراد في الحديث كما صرح به النبي - ﷺ - في الحديث: \"لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ\" (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"فذلك مثل من فقه في دين الله\" والفقه في اللغة هو الفهم كما تقدم يقال منه: فقه بكسر القاف يفقه كفرح يفرح إذا فهم، وأما الفقه الشرعي فقال صاحب العين (^٦) والهروي وغيرهما: يقال منه فقه بضم القاف إذا صار\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧)، والكواكب الدراري (٢/ ٥٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧).\n(^٤) الكواكب الدراري (٢/ ٥٦).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧)، والمفاتيح (١/ ٢٥٢).\n(^٦) انظر: العين للخليل الفراهيدي (٣/ ٣٧٠).","vol":"1","page":684},{"text":"الفقه سجية له، وقال ابن دريد بكسرها كالأول (^١)، والمراد بقوله - ﷺ -: \"فقه في دين الله\" هذا الثاني فيكون مضموم القاف على المشهور، وفقه بفتح القاف قال ابن عطية (^٢): إذا غلب غيره في الفقه، وقد روى الحديث بالوجهين يعني بضم القاف وكسرها، المشهور الضم، قاله النووي في شرح مسلم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\" الحديث، ذلك إشارة إلى المثل المذكور كناية عن عدم الالتفات، أي: لم يلتفت إلى التعلم والتعليم ولم يشتغل في ذلك، والله أعلم (^٤).\nومعنى الحديث التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس، فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتًا وينبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب بالشرب والرعي والزرع وغيرها، وكذلك النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيى به قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع؛ والنوع الثاني من الأرض: ما لا يقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب، وكذلك النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليس لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهاد في الطاعة\n_________\n(^١) شَرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧).\n(^٢) تفسير ابن عطية (٢/ ٢٧٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧).\n(^٤) انظر المفاتيح (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":685},{"text":"والعمل به فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم والنوع الثالث من الأرض هي: السباخ التي لا تنبت ونحوها فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذلك النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لينفع غيرهم، فهؤلاء لا خير فيهم (^١). انتهى.\n(أي: الأول للمنتفع النافع، والثاني للنافع غير المنتفع، والثالث لغيرهما، أو الأول إشارة إلى العلماء والثاني إلى النقلة والثالث إلى من لا ينقل، وقال في حدائق الأولياء (^٢): فالأول العالم علم دراية والثاني رواية كالأجادب والثالث من لا علم له، وهذا مثال ضرب لمن حل انتفاعه بالعلم والهدى فعلم وعمل، ولمن علم ولم يعمل، ولمن لا يعلم ولا يعمل (^٣)، انتهى).\nوقال الشيخ الإمام محيى السنة (^٤): فالنبي - ﷺ - جعل مثل العالم كمثل المطر، ومثل قلوب الناس كمثل الأرض في قبول العلم، فشبه من تحمل العلم وتفقه فيه بالأرض الطيبة أصابها المطر فنبتت وانتفع بها الناس، وشبه من تحمل العلم ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت ولكنها تمسك الماء\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٦٧).\n(^٣) شرح المشكاة (٢/ ٦١٧)، وعمدة القاري (٢/ ٧٩).\n(^٤) شرح السنة (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":686},{"text":"فيأخذه الناس وينتفعون به، وشبه من لهم يفهم ولم يحمل بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء فهو الذي لا خير فيه، انتهى.\nوقال بعض العلماء: أشار النبي - ﷺ - في ضرب المثل إلى الأعلى والأسفل، فشبه ما جاء به النبي - ﷺ - بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة فمنهم العالم العامل المعلم فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم: من بلغه الشرع فلم يؤمن ولم يقبل فشبهه النبي - ﷺ - بالقيعان السبخة التي لا تقبل الماء في نفسها وتفسده على غيرها فلا يكون منها ولا يحصل بما حصل فيها نفع، وسكت عن الوسط إما لأنه داخل في الأول بوجه النفع الحاصل منهم في الدين فيؤخذ عنهم ألفاظ الحديث حسبما روي في كتابه ويتفقه فيه على غيره، وهو معنى قوله - ﷺ -: \"رب حامل فقه ليس بفقيه\"، وإما لأنه أخبرنا بالأهم فالأهم وهما الطائفتان المتقابلتان العليا والسفلى (^١). انتهى.\nففي هذا الحديث أنواع من العلم، منها: ضرب الأمثال، ومنها: فضل العلم والتعليم وشدة الحث عليهما وذم الإعراض عن العلم، والله أعلم (^٢).\n\n١٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﵁ - إِن مِمَّا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره وَولدا صَالحا تَركه أَو مُصحفا\n_________\n(^١) المفهم (١٩/ ٢٤ - ٢٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٨).","vol":"1","page":687},{"text":"وَرثهُ أَو مَسْجِدًا بناه أَو بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيل بناه أَو نَهرا أجراه أَو صَدَقَة أخرجهَا من مَاله فِي صِحَّته وحياته تلْحقهُ من بعد مَوته. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه مثله إِلَّا أَنه قَالَ أَو نَهرًا كراه وَقَالَ يَعْنِي حفره وَلم يذكر الْمُصحف (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إِن مِمَّا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره\" الحديث، في باب سماع الحديث: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علمن ينتفع به أو ولد صالح يدعو له\" رواه مسلم وغيره (^٢)، قال القاضي بن العربي: الذي لا ينقطع عمله بعد موته وهم ستة، هؤلاء الثلاثة، وقال - ﷺ -: \"ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له حسنات إلى يوم القيامة\" (^٣)، وقال - ﷺ -: \"من سن سنة حسنة في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٤٢)، وابن خزيمة (٢٤٩٠)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٢١ - ١٢٢ رقم ٣١٧٤). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٣٥: هذا إسناد مختلف فيه وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه عن محمد بن يحيى الذهلي به. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٧٧) و(١١٢) و(٢٧٥)، والمشكاة (٢٥٤)، الإرواء (٦/ ٢٩)، الروض النضير (١٠١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤ - ١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذى (١٣٧٦)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٢١٩ (٣٦٧٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٣٢٠) و(٦٠١٢)، ومسلم (١٢ - ١٥٥٣) عن أنس.","vol":"1","page":688},{"text":"القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا\" (^١) وقال - ﷺ -: \"كل عامل يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر\" (^٢) قال القرطبي في كتاب منهج العباد (^٣): فعلى هذا يكونون تسعة لا ستة، قلنا: هذه راجعة إلى المذكورات في الحديث، لأن الغرس داخل في الصدقة وكذلك المسجد والبيت والنهر، وأما المصحف فداخل في العلم، وأما السنة الحسنة فتشمل الجميع فعم الرباط (^٤).\nقال العلماء (^٥): معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع مجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء المذكورة في الحديث لكونه سببها لأنها أصول الخير وأغلب ما يقصده أهل الفضل أن تبقى بعدهم لأن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلف من تعليم وتصنيف، وكذلك الصدقة الجارية.\nقال العلماء: الصدقة الجارية بعد الموت أي: الدارة المتصلة كالوقوف الموصدة لأبواب البر، ومنه الحديث: \"الأرزاق جارية\" أي: دارة متصلة قاله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥ - ١٠١٧) عن جرير.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٣٩٥١) و٦/ ٢٠ (٢٣٩٥٤)، وأبو داود (٢٥٠٠)، والترمذى (١٦٢١) والحاكم ٢/ ٧٢ و١٤٤. وقال الترمذى: وحديث فضالة حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢١٨).\n(^٣) ذكره القرطبي في التفسير (١٥/ ٢١٦) وسماه: كتاب منهج العباد ومحجة السالكين والزهاد.\n(^٤) انظر الميسر (١/ ٩٩)، وتحفة الأبرار (١/ ١٤٩)، والمفاتيح (١/ ٣٠٤).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).","vol":"1","page":689},{"text":"في النهاية (^١). فمعنى الصدقة الجارية أي: يجري نفعها ويدوم أجرها (^٢) وهي محمولة عند العلماء على الوقف (^٣).\nوالوقف مصدر وقف يقف وقفًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ (^٤) ويراد به التحبيس والتسبيل، والفصيح: وقف، ولا يقال: أوقف إلا في لغة تميمة، وعليها العامة وهو من القرب المندوب إليها بأدلة خاصة، قال الشافعي ﵀: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارا ولا أرضًا، وإنما حبس أهل الإسلام، يعني: هذا التحبيس المعروف وهو إشارة منه إلى حقيقة شرعية، ويدلا على مشروعية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فعموم قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٥) ولذلك لما سمعها أبو طلحة رغب في وقف بيرحاء، وكانت أحب أمواله إليه (^٦)، وسيأتي الكلام عليها مبسوطًا، فتدخل الصدقة في الوقف فكان حجة على من أنكره من الحنفية، ويدخل فيها بناء القناطر والمطاهر والغراس، كما تقدم، وسبل الخيرات بالوصايا ونحوها.\nوفيه: بيان أن فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه بالتعليم والتصنيف\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٦٤).\n(^٢) مطالع الأنوار (٢/ ١١١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥)، وكفاية النبيه (١٢/ ٥)، والنجم الوهاج (٥/ ٤٥٣).\n(^٤) سورة الصافات، الآية: ٢٤.\n(^٥) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.\n(^٦) النجم الوهاج (٥/ ٤٥٣).","vol":"1","page":690},{"text":"والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع (^١)، فيدخل فيه علوم الشرع، ويخرج غيرها لأنها وإن انتفع بها في الدنيا فالسياق يخصصه بالانتفاع الأخروي، وهل المراد الذي من شأنه أن ينتفع به وإن لم يتيسر الانتفاع أو لابد من الانتفاع ليدوم سبب الثواب، الظاهر الثاني: ولو وقف على المشتغلين بالعلم كان فيه أجران أجر الصدقة وأجر الانتفاع بالعلم.\nوفيه: أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت من الولد وغيره (^٢).\nوفيه: أن الصدقة عن الميت تنفعه ويصل ثوابها من الولد وغيره أيضا، وقد أجمع العلماء عليها وعلى الدعاء وهو نافع من الصالح وغيره، غير أن الوصف بالصلاح خرج مخرج الغالب لأنه ترجى إجابته أكثر من غيره، ولذلك ذكر الولد في الحديث بقوله: \"أو ولد صالح يدعو له\" لأنه من كسبه.\nوفيه: أنه يصح قضاء الدين عن الميت من كل أحد (^٣).\nوفيه: أن الحج يجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه ممن أدى فرضه وهو داخل في قضاء الدين إن كان حجا واجبًا، وكذلك إن أوصى بحج التطوع عندنا، وهو من باب الوصايا، وأما إذا مات وعليه صيام فالصحيح، أن الولي يصوم عنه، وله أن يطعم عنه، وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوها فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).","vol":"1","page":691},{"text":"الميت، وفي ذلك خلاف بين العلماء، والله أعلم (^١).\n\n١٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٢).\n\n١٢٥ - وَعَن أبي قَتَادَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - خير مَا يخلف الرجل من بعده ثَلاث ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَصدقَة تجْرِي يبلغهُ أجرهَا وَعلم يعْمل بِهِ من بعده رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^٣).\n\n١٢٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - عُلَمَاء هذِه الْأم رجلَانِ رجل آتَاهُ الله علما فبذله للنَّاس وَلم يَأْخُذ عَلَيْهِ طَمَعا وَلم يشتر بِهِ ثمنا فَذَلِك تستغفر لَهُ حيتان الْبَحْر ودواب الْبر وَالطير فِي جو السَّمَاء وَرجل آتَاهُ الله علما فبخل بِهِ عَن عباد الله وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وشرى بِهِ ثمنا فَذَلِك يلجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وينادي مُنَاد هَذَا الَّذِي آتَاهُ الله علما فبخل بِهِ عَن عباد الله وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وَاشْترى بِهِ ثمنا وَكَذَلِكَ حَتَّى يفرغ الْحساب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤ - ١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذى (١٣٧٦)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٢١٩ (٣٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٩٤)، وابن حبان (٣٠١٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٤١)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٦٣)، وابن خزيمة (٢٤٩٥)، والدينورى في المجالسة (٣٥٠٠)، وابن حبان (٩٣) و(٤٩٠٢)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٨ - ٧ رقم ٣٤٧٢) والصغير (١/ ٢٤٢ رقم ٣٩٥). وصححه الألباني في \"أحكام الجنائز\" (٢٢٤) \"صحيح الترغيب\" (٧٩) و(١١٣) \"الروض\" (١٠١٣).","vol":"1","page":692},{"text":"الْأَوْسَط وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن خِدَاش وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَحده فِيمَا أعلم (^١).\n\n١٢٧ - وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: عَلَيْكُم بِهَذَا الْعلم قبل أَن يقبض وَقَبضه أَن يرفع وَجمع بَين إصبعيه الْوُسْطَى وَالَّتِي تلِي الْإِبْهَام هَكَذَا ثمَّ قَالَ الْعَالم والمتعلم شريكان فِي الْخَيْر وَلا خير فِي سَائِر النَّاس رَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَنهُ (^٢).\nقَوْله: وَلَا خير فِي سَائِر النَّاس أَي فِي بَقِيَّة النَّاس بعد الْعَالم والمتعلم وَهُوَ قريب الْمَعْنى من قَوْله الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذكر الله وَمَا وَالَاهُ وعالما ومتعلما. وَتقدم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (٧/ ١٧١ رقم ٧١٨٧)، وابن عبد البر في جامع العلم (١٨٢). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن العوام إلا عبد الله بن خراش، ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن خراش، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدي، ووثقه ابن حبان.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٥٧) وضعيف الترغيب (٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٦ (٢٢٢٩٠)، والدارمى (٢٤٦)، وابن ماجه (٢٢٨)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢١٥ رقم ٧٨٦٧) و(٨/ ٢٢٠ رقم ٧٨٧٥) و(٨/ ٢٣٢ رقم ٧٩٠٦)، وابن عدى (٦/ ٢٨١)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ٩٠ - ٩١). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٩٩ - ٢٠: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وعند ابن ماجه طرف منه، وإسناد الطبراني أصح؛ لأن في إسناد أحمد علي بن يزيد وهو ضعيف جدا، وهو عند الطبراني من طرق في بعضها الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس صدوق، يكتب حديثه، وليس ممن يتعمد الكذب. والله أعلم. وقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٣١: هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان والجمهور على تضعيفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٩)، الإرواء (٢/ ١٤٣)، المشكاة (٢٧٧ و٢٧٨).","vol":"1","page":693},{"text":"قوله: عن أبي أمامة، اسمه: صدي بن عجلان، وتقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يرفع\" الحديث، وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا\" (^١).\nقال ابن بطال (^٢): معنى الحديث أن الله ﷾ لا يهب العلم لخلقه ثم ينتزعه بعد أن تفضل به عليهم، والله يتعالى أن يسترجع ما وهب لعباده من علمه الذي يؤدي إلى معرفته والإيمان به وبرسله، وإنما يكون قبض العلم بتضييع التعلم فلا يوجد فيمن تبقى من يخلف من مضى، وقد أنذر ﵊ بقبض الخير كله ولا ينطق عن الهوى، انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"العالم والمتعلم شريكان في الخير، ولا خير في سائر الناس\" الحديث، أي: في بقية الناس بعد العالم والمتعلم، قاله المنذري.\nقال القرطبي: هذا الحديث ليس على ظاهره فإن المستمع والمحب ليسا مما لا خير فيه، وقد ذكر أبو عمر من حديث أبي بكرة عن النبي - ﷺ - قال: \"اغد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًّا، ولا تكن من الخامسة فتهلك\" (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٠) و(٧٣٠٧)، ومسلم (١٣ و١٤ - ٢٦٧٣).\n(^٢) شرح الصحيح (١/ ١٧٧).\n(^٣) أخرجه البزار (٣٦٢٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (٦١١٦)، والدينورى في المجالسة (١٨٩٣)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٣١ رقم ٥١٧١) والصغير (٢/ ٦٣ رقم ٧٨٦) =","vol":"1","page":694},{"text":"قال عطاء: قال لي مسعر بن كدام: يا عطاء، وردتنا في هذا الحديث زيادة لم تكن في أيدينا، وإنما كان في أيدينا: \"اغد عالمًا أو متعلمًا\" يا عطاء: ويل لمن لم يكن فيه واحدة من هذه (^١).\nقال أبو عمر: الخامسة التي فيها الهلاك معاداة العلماء وبغضهم، ومن لم يحبهم فقد أبغضهم أو قارب ذلك، وفيه الهلاك.\nوقال معاوية بن قرة: قال أبو الدرداء: اطلبوا العلم فإن عجزتم فأحبوا اهله فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم (^٢)، وكان يقول: اغد عالمًا أو متعلمًا أو محبًّا (^٣)، كما تقدم في حديث أبي بكرة، وكان - ﵁ -: يقول: تفكر ساعة خير من عبادة ليلة (^٤)، ومن شعره - ﵁ -:\nيُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللهُ إِلَا مَا أَرَادَ\n_________\n= وجزء من اسمه عطاء (١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٣٦)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٥١).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله - ﷺ - من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، عن أبي بكرة وعطاء بن مسلم ليس به بأس ولم يتابع عليه. قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٢: رواه الطبراني في الثلاثة والبزار، ورجاله موتقون. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٨٣٦).\n(^١) انظر مشكل الآثار (١٥/ ٤٠٦/ ح ٦١١٦)، والحلية (٧/ ٣٣٦)، وجامع بيان العلم (١/ ١٤٧ - ١٤٨/ ح ١٥١).\n(^٢) الطبقات (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨).\n(^٣) الآداب الشرعية (٢/ ٣٥).\n(^٤) الطبقات (٧/ ٣٩٢)، وسير السلف (١/ ٥٥٥).","vol":"1","page":695},{"text":"يَقُولُ الْمَرْءُ: فَائِدَتِي وَمَالِي ... وَتَقْوَى اللهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا (^١)\nوكان أبو الدرداء - ﵁ - في آخر عمره يقول (^٢): أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكا بلا ورق، قاله في الديباجة.\n\n١٢٨ - وَعَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن مثل الْعلمَاء فِي الأرْض كَمثل النُّجُوم يهتدى بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر فَإِذا انطمست النُّجُوم أوشك أَن تضل الهداة رَوَاهُ أَحْمد عَن أبي حَفْص صَاحب أنس عَنهُ وَلم أعرفهُ وَفِيه رشدين أَيْضًا (^٣).\nقوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إن العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة\"، قوله في هذا الحديث: \"أوشك\" معناها أسارع، مثل النبي - ﷺ - حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات فما دام العلم باقيًا فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حملته، فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال كما في\n_________\n(^١) الاستيعاب (٤/ ١٦٤٨)، وسير السلف (١/ ٥٥٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في مداراة الناس (١٣) والإشراف (٢٥٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٧ (١٢٦٠٠)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ٢٨ - ٢٩)، والرامهرمزي في الأمثال (ص ٨٧)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٧٠). وقال الهيثمى في المجمع (١/ ١٢١). رواه أحمد، وفيه رشدين بن سعد، واختلف في الاحتجاج به، وأبو حفص صاحب أنس مجهول. والله أعلم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٨٧٤) وضعيف الترغيب (٦٠).","vol":"1","page":696},{"text":"الحديث: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن بقبض العلماء\" (^١) وتقدم هذا الحديث.\n\n١٢٩ - وَعَن سهل بن معَاذ بن أنس عَن أَبِيه ﵃ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من علم علما فَلهُ أجر من عمل بهِ لَا ينقص من أجر الْعَامِل شَيْء رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَسَهل يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ (^٢).\nقوله - ﷺ -: عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه؛ وسهل سيأتي الكلام عليه، كما ذكره الحافظ ﵀.\nقوله - ﷺ -: \"من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل شيئًا\" تقدم معناه في قوله: \"من سن سنة حسنة\".\n\n١٣٠ - وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ ذكر لرَسُول الله - ﷺ - رجلَانِ أَحدهمَا عَابِد وَالْآخر عَالم فَقَالَ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فضل الْعَالم على العابد كفضلي على أدناكم ثمَّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله وَمَلَائِكَته وَأهل السَّمَوَات وَالأرْض حَتَّى النملة فِي جحرها وَحَتَّى الْحُوت ليصلون على معلم النَّاس الْخَيْر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيت عَائِشَة مُخْتَصرا قَالَ معلم الْخَيْر يسْتَغْفر لَهُ كل شَيْء حَتَّى الْحيتَان فِي الْبَحْر (^٣).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠١٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٤٠)، الطبراني في الكبير ٢٠/ ١٩٨ (٤٤٦)، وأبو نعيم في المستخرج (٤٠). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٠).\n(^٣) أخرجه الترمذى (٢٦٨٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٣٣ رقم ٧٩١١)، وتمام في الفوائد (٤٣) و(١٢٤٣ و١٢٤٤)، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب سمعت أبا =","vol":"1","page":697},{"text":"قوله: عن أبي أمامة؛ اسمه: صُدَيّ، بضم الصاد وفتح الدال وتشديد الياء، بن عجلان الباهلي نزيل حمص بعد أن سكن مصر، وكان من علماء الصحابة وأعيانهم، وكان عمره في حجة الوداع ثلاثين سنة، مات سنة إحدى وثمانين، وقيل: ست وثمانين بقرية دنود على عشرة أميال من حمص، وكان مكثر أو أكثر رواياته عند الشاميين، عاش إحدى وتسعين سنة، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقيل: عبد الله بن بسر آخرهم. والله أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض ليصلون على معلمي الناس الخير\" أي: العلم، فالجليل ﷻ وملائكته يعظم طالب العلم، فكيف العالم، ونور العلم يزيد على نور العبادة كما مثله في الحديث الآخر، فالقمر بالنسبة إلى باقي الكواكب.\nقوله: \"إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير\" الصلاة في اللغة: الدعاء،\n_________\n= عمار الحسين بن حريث الخزاعي، يقول: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: عالم عامل معلم يدعى كبيرا في ملكوت السموات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨١)، وصححه في المشكاة (٢١٣).\nوأما حديث عائشة: أخرجه البزار ١٨/ ١٨٤ (١٦٩). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٤: رواه البزار، وفيه محمد بن عبد الملك، وهو كذاب أيضا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٢).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٦ الترجمة ٧١٨).","vol":"1","page":698},{"text":"وهي من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى: الاستغفار، ومن الآدمي: تضرع ودعاء، وتقدم الكلام على شيء من ذلك مبسوطًا؛ وجحر النملة: بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة هو الخرق في الأرض، وجحر النملة: مسكنها، والله أعلم.\nقوله: في رواية البزار: \"معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر\" والمراد بالخير هنا: العلم، وتقدم الكلام على الحكمة في استغفار الحيتان للعالم وأهل السموات والأرض قريبًا مبسوطًا.\n\n١٣١ - وَعَن ثَعْلَبَة بن الحكم الصَّحَابِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الله ﷿ للْعُلَمَاء يَوْم الْقِيَامَة إِذا قعد على كرسيه لفصل عباده إِنِّي لم أجعَل علمي وحلمي فِيكُم إِلَّا وَأَنا أُرِيد أَن أَغفر لكم على مَا كَانَ فِيكُم وَلا أُبَالِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقَالَ الْحَافِظ ﵀ وَانْظُر إِلَى قَوْله ﷾ علمي وحلمي وأمعن النّظر فِيهِ يَتَّضِح لَك بإضافته إِلَيْهِ ﷿ أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهِ علم أَكثر أهل الزَّمَان الْمُجَرّد عَن الْعَمَل بِهِ وَالْإِخْلَاص.\nقوله: عن ثعلبة بن الحكم الصحابي، هو: ثعلبة بن الحكم بن (عرفطة بن الحارث بن لقيط بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٨٤ رقم ١٣٨١)، وأبو الحسن السكرى في مشيخته (٢٩).\nوقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٦: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني: موضوع بهذا التمام الضعيفة (٨٦٧) وضعيف الترغيب (٦١).","vol":"1","page":699},{"text":"بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني، ثم الليثي، قال: كنت غلامًا على عهد رسول الله - ﷺ - روى عنه: سماك بن حرب، ويزيد بن أبي زياد، شهد خيبر، نزل البصرة، ثم انتقل إلى الكوفة (^١).\nقوله: \"يقول الله ﷿ للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم\".\nقال الحافظ ﵀: وانظر إلى قوله ﷾: \"علمي وحلمي\" وأمعن النظر فيه يتضح لك بإضافته إليه ﷿ أنه ليس المراد به علم أكثر أهل الزمان المجرد عن العمل به والإخلاص، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي: وهذ الحديث وأشباهه وجميع أحاديث هذا الباب إنما هي في حق العالم العامل المبتغي بعلمه وجه الله ﷿؛ وأما العامل غير العامل فهو من أشد الناس عذابا يوم القيامة، وكذا العالم الذي لم يبتغ بعلمه وجه الله تعالى لا يشم رائحة الجنة وهو أحد الثلاثة الذين تسعر بهم النار قبل الخلائق كلهم (^٢).\nفصل: في ذكر نبذة تتعلق بفضل العلم والعلماء من كلام القوم، فالعالم يغفر له ما لا يغفر للجاهل كما روى الطبراني بإسناد جيد مرفوعا إلى النبي - ﷺ -: \"إن الله إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد، قال للعلماء: إني كنت أعبد بفتواكم، وقد علمت أنكم تخلطون كلما يخلط الناس، وإني لم\n_________\n(^١) أسد الغابة (١/ الترجمة ٥٩٢)، وتهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٨٤٠).\n(^٢) المتجر الرابح (ص ١٤).","vol":"1","page":700},{"text":"أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم\" (^١)، قال صاحب الأنوار ﵀: خص اللّه العلماء بفضيلة بخلاف غيرهم أن الله ﷿ يعبد بفتواهم ويعرف جلاله بهم غير أنهم مطالبون بشكر النعمة فيدفعون لوجود كل فتنة ومحنة وحادثة وبدعة، وهذا مقام عظيم، إذ به يعبد الله. وبه ينتهي عن معاصيه وتترك، فكل من ترك معصية أو بدعة ففي صحيفته، وكل من أطاع الله وعبده فكذلك في صحيفته أيضًا (^٢).\nقال في المدخل (^٣): وقد ورد أن الله تعالى يأمر يوم القيامة بأهل البلاء إلى الجنة والعلماء وقوف في المحشر فيقولون: يا ربنا بفضل علمنا دخلوا الجنة، أي: إنهم علموهم ما يلزمهم من الأحكام في بلائهم وما لهم على ذلك من الأجور وكيفية الصبر وما للصابرين فامتثلوا ذلك منهم، فكان سببا لما جرى، ثم يأمر الله تعالى بالمجاهدين والصابرين إلى غير ذلك من الطوائف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والعلماء وقوف يقولون: يا ربنا بفضل\n_________\n(^١) أخرجه الرويانى (٥٤٢)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣ رقم ٤٢٦٤) والصغير (١/ ٣٥٤ رقم ٥٩١)، وعنه أبو نعيم في المعرفة (٤٤٤٤)، وابن عدى في الكامل (٥/ ١٧٨ - ١٧٧)، والبيهقي في المدخل (٥٦٧)، وابن المقرب في أربعينه (ص ٧٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٢ و٢٣٣). قال ابن عدى: وهذأ الحديث بهذا الإسناد باطل، وإن كان الراوي عنه صدقة بن عبد الله ضعيف، وابن شابور ثقة وقد روى عنه. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٦ - ١٢٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٨٦٨).\n(^٢) المدخل (١/ ٦٨).\n(^٣) المدخل (١/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"1","page":701},{"text":"علمنا بفضل علمنا، فيقول الله ﷿: \"أنتم عندي كأنبيائي، اذهبوا فاخترقوا الصفوف فاشفعوا تشفعوا\"، وإذا كان كذلك فينبغي الاعتناء بأمر العالم وتقدمة رتبته بالذكر على غيره من الرتب الباقية، انتهى.\nوقال يحيى بن معاذ: رأى رجل منصور بن عمار في المنام فقال: ما صنع الله بك؟ فقال: قال لى يا منصور جئتنى بتخليط كثير ولكن قد عفوت عنك، كنت تحببني إلى الناس أو إلى خلقي ثم أمر لي بكرسي فوضع، فقال: مجدني بين ملائكتي كما مجدتني في الأرض بين خلقي (^١).\nوقال ابن عباس ﵄: ليوم واحد من العالم الذي يتعلم الناس منه الخير أفضل عند الله وأعظم أجرا من عبادة الناس مائة سنة.\nوقال عيسى بن مريم ﵊: \"من تعلم وعلم وعمل فذلك يدعى عظيما في ملكوت السموات\" (^٢).\nوقال الحسن: لولا العلماء لصار الناس كالبهائم، وإنما أراد بذلك أن الناس يخرجون بالتعليم عن حد البهيمية إلى حد الإنسانية (^٣).\nوعن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الأنبياء قادة والفقهاء سادة ومجالستهم زيادة\" (^٤)، وجاء في الحديث: \"من صلى الفريضة ثم قعد يعلم\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٩/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، والرسالة (١/ ٧٤ - ٧٥)، وصفة الصفوة (١/ ٤٦٤).\n(^٢) أخرجه أبو خيثمة في العلم (٧)، وأحمد في الزهد (٣٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٣).\n(^٣) إحياء علوم الدين (١/ ١١).\n(^٤) أخرجه الدارقطنى في السنن (٣٠٨٦)، والقضاعى في مسند الشهاب (٧٣٠٧)، والبيهقي في المدخل (٤٤١) والشعب (١٣/ ١٥٢ - ١٥٣ رقم ١٠٠٩٦). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٤٢).","vol":"1","page":702},{"text":"الناس الخير نودي في السموات عظيمًا\" (^١) وبهذا تواطأت الأخبار ونقلت الأمة خلفا عن خلف، أعني: تعظيم العالم ورفع منزلته على غيره إذ أنه ليس بعد درجة الأنبياء إلا درجتهم ثم بعد درجتهم درجة الشهداء، وقد جاء في الحديث الذي خرجه الحافظ أبو نعيم في كتاب رياضة المتعلمين بإسناده عن رسول الله - ﷺ - قال: \"يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء\" (^٢) زاد غير أبي نعيم: \"فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء\" (^٣) وقد روي هذا عن الحسن البصري من قوله وهو أشبه، وهذا بيّنٌ؛ لأن دم الشهداء إنما هو في ساعة من نهار أو ساعات ثم انفصل الأمر فيه إلى إحدى الحسنين، ومداد\n_________\n(^١) ذكره ابن الحاج في المدخل (١/ ١٢١).\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٥٣) عن أبي الدرداء.\n(^٣) أخرجه ابن عمشليق في جزئه (١٤) من حديث عمران بن حصين. وأخرجه ابن الجوزى في العلل المتناهية (٨٣) من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٧٩ و٢/ ٢٧٦) وابن الجوزى (٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو. والسهمى في تاريخ جرجان (ص ٩٢) و(ص ٢٢٢)، وابن الجوزى (٨٥) من حديث النعمان بن بشير. قال ابن الجوزى عن حديث ابن عمر: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -.\nقال الخطيب: رجاله كلهم ثقات غير محمد بن الحسن ونراه مما صنعت يداه. وقال عن حديث ابن عمرو: وهذا لا يصح، قال أحمد بن حنبل: محمد بن يزيد الواسطي لا يروي عن عبد الرحمن بن زياد شيئا وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات.\nوقال عن حديث النعمان: هذا لا يصح أما هارون بن عنترة، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به يروي المناكير التي يسبق إلى القلب أنه المعتمد لها ويعقوب القمي ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٣٢).","vol":"1","page":703},{"text":"العلماء هو وظيفة العمر ليلًا ونهارًا (^١)، ومما أنشده الأديب أبو الحسن علي بن أحمد الفنجكردي لنفسه (^٢):\nمِدَادُ الْفَقِيهِ عَلَى ثَوْبِهِ ... أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْغَالِيهْ\nوَمَنْ طَلَبَ الْفِقْهَ ثُمَّ الْحَدِيثَ ... فَإِنَّ لَهُ هِمًّةً عَالِيَهْ\nوَلَوْ تَشْتَرِي النَّاسُ هَذِي الْعُلُومَ ... بِأَرْوَاحِهِمْ لَمْ تَكُنْ غَالِيَهْ\nوقال علي - ﵁ -: العالم أعظم أجرًا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، وإذا مات العالم انثلمت ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء إلى يوم القيامة (^٣).\nوقال الفضيل بن عياض: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله تعالى لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعًا وعز الإسلام وأهله ولكنهم ذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم\n_________\n(^١) المدخل (١/ ٦٨).\n(^٢) النكت على مقدمة ابن الصلاح (٣/ ٥٩١)، وفتح المغيث (٣/ ٩٧). وأما الفنجكردى فهو: الأديب أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الفنجكردي من أهل نيسابور، وفنجكرد من قراها. قال السمعانى: هو الأستاذ البارع، صاحب النظم والنثر الجاريين في سلك السلامة الباقيين معه على هرمه وطعنه في السن على كمال الطراوة. قرأ أصول اللغة على أبي يوسف يعقوب بن أحمد الأديب، وغيره، وأحكمها وتخرج فيها. وكان سليم النفس، أمين الجنب، عفيفا، خفيفا، طريف المحاورة، قاضيا للحقوق، محمود الأحوال، مرضي السيرة، حسن الاعتقاد، مكبا على الاستفادة والإفادة، مشتغلا بنفسه، أصابته علة أزمنته ومنعته الخروج. انظر: التحبير (١/ ٥٦٢) والمنتخب من شيوخ السمعانى (١٢٢٥).\n(^٣) أخرجه الخطيب في الجامع (٣٤٧)، وعياض في الإلماع (ص ٤٨).","vol":"1","page":704},{"text":"وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس فذلوا وهانوا على الناس (^١).\nوكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء الدنيا: يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية وبيوتكم كسرية وأبوابكم ظاهرية وأخفافكم جالوتية ومراكبكم قارونية وأوانيكم فرعونية وموائدكم جاهلية ومذاهبكم سلطانية، فأين المحمدية (^٢)؟ قاله في حياة الحيوان. وقال يحيى بن معين: من عاجل الرياسة فاته كثير من العلم، وقيل: إن السيادة تحصل بالعلم وكلما زاد العلم زادت السيادة.\nقوله: تسودوا بفتح الواو المشدد مشتقا من السويد الذي من السياد، قاله الكرماني (^٣). وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: عليكم بالعلم فوالذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم، وإن أحدًا لم يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم (^٤).\nوقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٩٢).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٦١)، وحياة الحيوان (١/ ٥٠٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢/ ٤١).\n(^٤) ذكره بتمامه الغزالى في الإحياء (١/ ٨). وأخرج قوله وإن أحدا إلى آخره، وكيع في الزهد (٥١٨)، وابن أبي شيبة (٢٦١٢٣ و٢٦١٢٤)، وأحمد في الزهد (٨٩٩).\n(^٥) أخرجه أبو هلال العسكرى في الحث على طلب العلم (ص ٥٢ - ٥٣)، وأبو الحسين الطيورى في الطيوريات (٥٠٤).","vol":"1","page":705},{"text":"وسُئل عبد الله بن المبارك: من الناسُ؟ قال العلماء قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن السفهاء؟ قال: الذي يأكل الدنيا بدينه (^١).\nقال يحيى بن معاذ - ﵁ -: العلماء الصادقون أشفق على العباد من الآباء والأولاد، لأن الآباء يحفظونهم من عاهات الدنيا والعلماء يحفظونهم من عاهات الدنيا والآخرة.\nوقال بعضهم (^٢): الولادة نوعان، أحدهما: هذه المعروفة، والثانية: ولادة القلب والروح، قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب لهم، وقد قرأ: (وهو أب لهم)، ومعنى هذه القراءة في قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (^٣) إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع على ثبوت أبوته، قالى: فالشيخ والمعلم والمؤدب أبو الروح والوالد أبو الجسم (^٤). وعن الشيخ نور الدين الهاشمي: من علم العلم كان خير أب ذاك أبو الروح لا أبو الجسد (^٥)، قيل للإسكندر: لم تكرم معلمك فوق إكرام أبيك؟ فقالى: إن معلمي سبب حياتي الباقية وأبي سبب حياتي الفانية (^٦)، وسئل بعض العلماء: العلم أفضل أم المال؟ قال: العلم، قيل: فما بالى الناس ترى أهل العلم على أبواب أصحاب\n_________\n(^١) أخرجه الدينورى في المجالسة (٣٠٠)، وابن بشران في الأمالى (٥٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٦٧ - ١٦٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٨٨)، والطيورى في الطيوريات (٥٨٧).\n(^٢) قاله ابن تيمية كما في الروح (ص ٨٣)، ومدارج السالكين (٣/ ٧٠).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٦.\n(^٤) مدارج السالكين (٣/ ٧٠).\n(^٥) أدب الدنيا والدين (ص ٧٧).\n(^٦) التبر المسبوك (١/ ١٠٦).","vol":"1","page":706},{"text":"الأموال أكثر مما ترى أصحاب الأموال على أبواب العلماء، قال: لأن العلماء عرفوا منفعة الأموال والحاجة إليها، وجهل أصحاب الأموال منفعة العلم وفضله (^١)، ذكره صاحب كتاب النوازل للحنفية، والله أعلم.\n\n١٣٢ - وَرُوِيَ عَن أبي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يبْعَث الله الْعباد يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يُمَيّز الْعلمَاء فَيَقُول يَا معشر الْعلمَاء إِنِّي لم أَضَع علمي فِيكُم لأعذبكم اذْهَبُوا فقد غفرت لكم. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\n\n١٣٣ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - بجاء بالعالم وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجنَّة وَيُقَال للْعَالم قف حَتَّى تشفع للنَّاس رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيره (^٣).\n_________\n(^١) قاله بزرجمهر كما في أدب الدنيا والدين (ص ٣٧).\n(^٢) أخرجه الرويانى (٥٤٢)، والطبراني في الصغير (١/ ٣٥٤ رقم ٥٩١)، وابن عدى في الكامل (٥/ ١٧٧)، والبيهقي في المدخل (٥٦٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٢ و٢٣٣)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٥٨)، وابن عساكر في المعجم (١٠٧٠)، وابن الجوزى في الموضوعات (١/ ٢٦٣). وقال الطبراني: لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد تفرد به عمرو بن أبي سلمة. قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل. قال أحمد بن حنبل: لا تحل عندي الرواية عن موسى بن عبيدة. قال ابن حبان: ولا يحل الاحتجاج بخبر طلحة بن زيد.\nوقال العراقى في تخريج الإحياء (١٤): رواه الطبراني من حديث أبي موسى بسند ضعيف. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٦ - ١٢٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٨٦٨) وحكم عليه بالوضع فيضعيف الترغيب (٦٢).\n(^٣) أخرجه الأصبهانى فيالترغيب والترهيب (٢١٥٧). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٦٣).","vol":"1","page":707},{"text":"١٣٤ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يبْعَث الْعَالم وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجنَّة وَيُقَال للْعَالم اثْبتْ حَتَّى تشفع بِمَا أَحْسَنت أدبهم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره (^١).\n\n١٣٥ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمرو قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فضل الْعَالم على العابد سَبْعُونَ دَرَجَة مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ حضر الْفرس سبعين عَاما وَذَلِكَ لَان الشَّيْطَان يبدع الْبِدْعَة للنَّاس فيبصرها الْعَالم فينهى عَنْهَا وَالْعَابِد مقبل على عبَادَة ربه لا يتَوَجَّه لهَا وَلا يعرفهَا رَوَاهُ الْأصْبَهَانِيّ (^٢) وَعجز الحَدِيث يشبه المدرج.\nحضر الْفرس يَعْنِي عدوه.\nقوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"فضل العالم على العابد سبعون درجة، ما بين كل درجتين، حضر الفرس سبعون عامًا\" الحديث، حضر الفرس: هو بضم الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة بعدها راء مهملة، وأحضر فحضر فهو محضر إذا عدا، ومنه الحديث: أنه أقطع الزبير حُضرَ فرسه بأرض المدينة (^٣)، وقد فسره الحافظ ﵀ بغير ضبط لحروفه، فقال: هو عدوه أي: جريه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٣/ ٣٢٧) و(٨/ ١٨٩)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٢٣٤ رقم ١٥٨٨)، والخطيب في المسفق والمفترق (١/ ٦٩١). وقال البيهقي: تفرد به مقاتل بن سليمان. وقال الألباني في الضعيفة (٦٨٠٥) وضعيف الترغيب (٦٤): موضوع.\n(^٢) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٤٣). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٦٥) وقال في الضعيفة (٦٥٧٨): منكر جدًّا.\n(^٣) النهاية (١/ ٣٩٨).","vol":"1","page":708},{"text":"١٣٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فَقِيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة روح بن جنَاح تفرد بِهِ عَن مُجَاهِد عَنهُ (^١).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد\" الحديث، يقول: وجود فقيه واحد بين الناس أشد على الشيطان من ألف عابد لأن الفقيه يأمر الناس بالدين والسنة ويصلحهم بالإرشاد والنصيحة، والشيطان يأمرهم بالمنكر والفحشاء والمعاصي والبغضاء (^٢).\nقال الغزالي في أوائل الإحياء: قد سأل فرقد السبخي الحسن البصري عن شيء فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك يا فريقد، وهل رأيت فقيهًا بعينك، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه والمداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم، ولم يقل [يعني الحسن البصري]:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٠٨)، والفاكهى في أخبار مكة (٢٨٣)، وابن ماجه (٢٢٢)، والترمذي (٢٦٨١)، والفريابى في الفوائد (٢١)، وابن المنذر في الأوسط (٢٤)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ٢٤ و٢٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٧٨ رقم ١١٠٩٩) والشاميين (١١٠٩). وقال الترمذى: هذا حديث غريب ولا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الوليد بن مسلم. وقال الألباني: موضوع، المشكاة (٢١٧)، وضعيف الترغيب (٦٦) وقال: ضعيف جدًّا.\n(^٢) انظر المفاتيح (١/ ٣١٨) وشرح المشكاة (٢/ ٦٧٨) للطيبى.","vol":"1","page":709},{"text":"الحافظ لفروع الفتاوى، فهذا هو الفقيه الذي أشد على الشيطان من ألف عابد، وأما غيره من فقهاء زماننا فلا (^١).\nتتمة: فرقد السبخي، كنيته: أبو يعقوب، فرقد بن يعقوب السبخي، بفتح السين والباء الموحدة، وفي آخره معجمة نسبته إلى السبخة وهي مكان بالبصرة، كان يأوى إليها فنسب إليها، وأصله من عباد أهل أرمينية، وانتقل إلى البصرة، وروى عن الحسن البصري، وروى عن أنس بن مالك، وروى عنه: العراقيون، قال أحمد: رجل صالح، لم يكن صاحب حديث.\nوقال ابن عدي: كان يعد من صالحي أهل البصرة، وليس له كثير حديث، كان يقول: إن ملوك بني إسرائيل كانوا يقتلون قراءهم على الدين، وإن ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا (^٢)، وقال: قرأت في التوراة، من أصبح حزينًا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه، ومن جالس غنيًا فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ومن أصابته مصيبة فشكاها إلى الناس كأنما يشكو ربه ﷿ (^٣)؛ وقال: قرأت في التوراة، أمهات الخطايا ثلاث: الكبر والحسد والحرص، فاستل من هؤلاء الثلاث ست فصارت تسعًا: الشبع والنوم والراحة وحب المال وحب الجماع وحب الرياسة (^٤)، وتوفي ﵀، قيل: سنة إحدى\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٢) حلية الأولياء (٣/ ٤٦).\n(^٣) حلية الأولياء (٣/ ٤٥ - ٤٦).\n(^٤) حلية الأولياء (٣/ ٤٥).","vol":"1","page":710},{"text":"وثلاثين ومائة، ولم يكن بالحافظ للحديث، انتهى، قاله ابن الأثير في الأنساب (^١)، والله أعلم.\n\n١٣٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا عبد الله بِشَيْء أفضل من فقه فِي دين ولفقيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد وَلكُل شَيْء عماد وعماد هَذَا الدّين الْفِقْه وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة لِأن أَجْلِس سَاعَة فأفقه أحب إِلَيّ من أَن أحيي لَيْلَة الْقدر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَا أَنه قَالَ أحب إِلَيّ من أَن أحيي لَيْلَة إِلَى الصَّباح وَقَالَ الْمَحْفُوظ هَذَا اللَّفْظ من قَول الزُّهْرِيّ (^٢).\n_________\n(^١) اللباب (٢/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه الحكيم الترمذى في نوادر الأصول (١١٣) و(١٤٠٧)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ٢٣)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٩٤ رقم ٦١٦٦)، وابن عدى (٢/ ٥٠)، والدارقطنى (٣٠٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٩٢ - ١٩٣)، والقضاعى في مسند الشهاب (٢٠٦)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٢٣١ - ٢٣٢ رقم ١٥٨٤) و(٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤ رقم ١٥٨٧)، والخطيب في الجامع (١٣٢٨) وتاريخ بغداد (٣/ ٧٠٣)، وابن الجوزى في: العلل (١٩٤ و١٩٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلا يزيد بن عياض. قال الدارقطنى في العلل (١٦٧٦): حدث به عمر بن سعيد المنبجي، عن هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن روح بن جناح، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - ووهم فيه. وإنما رواه الوليد بن مسلم، عن روح بن جناح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -.\nوعند روح بن جناح، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة البيت المعمور، وسئل الشيخ أبو الحسن، عن روح بن جناح متروك؟ قال: لا. وقال أبو نعيم: رواه هياج بن بسطام، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان نحوه تفرد به يزيد بن عياض عن صفوان. قال ابن الجوزى: هذا لا يصح عن رسول الله - ﷺ - وفيه خلف بن يحيى. قال أبو =","vol":"1","page":711},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما عبد الله بشيء أفضل من فقه، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك، وبسنده عن أبي هريرة أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: \"لكل شيء دعامة، ودعامة الإسلام الفقه في الدين، والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد\" (^١) وفي تاريخ أصبهان في ترجمة محمد بن أبان عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: \"التفقه في الدين حق على كل مسلم\" (^٢).\n\n١٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَنه مر بسوق الْمَدِينَة فَوقف عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا أهل السُّوق مَا أعجزكم قَالُوا وَمَا ذَاك يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: ذَاك مِيرَاث رَسُول الله\n_________\n= حاتم: الرازي لا يشتغل بحديثه وأما محمد بن إبراهيم متروك. وقال ابن الجوزى في الموضع الثانى: قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن أبي أبي الربيع قال هيثم كان أبو الربيع يكذب وقال يحيى ليس بثقة وقال الدارقطني: متروك وقال ابن حبان: يروي عن الأئمة الموضوعات. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يزيد بن عياض، وهو كذاب. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٦٥١) و(٤٤٦١) و(٥١٥٩) وضعيف الترغيب (٦٧).\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع كما في المطالب (٣٠٨٨)، وابن عدى في الكامل (٢/ ٥٠)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤ رقم ١٥٨٧) وابن الجوزى في العلل (١٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٩٢ - ١٩٣)، والخطيب في الجامع (١٣٢٨). قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن أبي أبي الربيع قال هيثم كان أبو الربيع يكذب وقال يحيى ليس بثقة وقال الدارقطني: متروك وقال ابن حبان: يروي عن الأئمة الموضوعات.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٤٤).","vol":"1","page":712},{"text":"- ﷺ - يقسم وَأَنْتُم هَا هُنَا أَلا تذهبون فتأخذون نصيبكم مِنْهُ قَالُوا وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي الْمَسْجِد فَخَرجُوا سرَاعًا ووقف أَبُو هُرَيْرَة لَهُم حَتَّى رجعُوا فَقَالَ لَهُم مَا لكم فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَة قد أَتَيْنَا الْمَسْجِد فَدَخَلْنَا فِيهِ فَلم نر فِيهِ شَيْئا يقسم فَقَالَ لَهُم أَبُو هُرَيْرَة وَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِد أحدا قَالُوا بلَى رَأينَا قوما يصلونَ وقوما يقرؤون الْقُرْآن وقوما يتذاكرون الْحَلَال وَالْحرَام فَقَالَ لَهُم أَبُو هُرَيرَة وَيحكم فَذَاك مِيرَاث مُحَمَّد - ﷺ -. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١١٤ - ١١٥ رقم ١٤٢٩). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن الرومي إلا علي بن مسعدة. قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٣ - ١٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وقال العراقي في تخريج الإحياء (٩٢٥): أخرجه الطبراني في المعجم الصغير بإسناد فيه جهالة أو انقطاع. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٣).","vol":"1","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>فصل</span>\n١٣٩ - وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - العلم علمَان علم فِي الْقلب فَذَاك الْعلم النافع وَعلم على اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على ابْن آدم رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي تَارِيخه بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ ابْن عبد الْبر النمري فِي كتاب الْعلم عَن الْحسن مُرْسلا بِاِسْنَاد صَحِيح (^١).\nقوله: فصل، عن جابر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ - \"العلم علمان: علم في القلب، فذلك العلم النافع؛ وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم\" الحديث، قال الشيخ زين الدين بن رجب ﵀ في شرح الأربعين النواوية: العلم قسمان، أحدهما: ما كان ثمرته في القلب وهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخشوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٥٦٨)، وابن الجوزى في العلل (٨٨) عن جابر. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٦١) وابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٨٢ (٣٤٣٦١) والدارمى (٣٧٧) والحكيم الترمذى في نوادر الأصول (٩٨٥)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٥٠) عن الحسن مرسلا. وأخرجه الدارمى (٣٧٦) عن الحسن قوله. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح: يحيى بن يمان. قال أحمد: ليس بحجة في الحديث وقال أبو داؤد يخطئ في الأحاديث ويقلبها.\nوقال العراقى في تخريج الإحياء (٧١): أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر وابن عبد البر من حديث الحسن مرسلا بإسناد صحيح، وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد وأعله ابن الجوزي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٦٨).","vol":"1","page":714},{"text":"ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع؛ والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان، وهو كما في الحديث: \"القرآن حجة لك أو عليك\" (^١)، فأول ما يرفع من العلم: العلم النافع وهو: العلم الباطن الذي يخالط القلوب ويصلحها، ويبقى علم اللسان حجة فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته، ثم لا يبقى إلا القرآن في المصاحف وليس ثم من يعلم معانيه ولا حدوده ولا أحكامه، ثم يسري في آخر الزمان فلا يبقى في المصاحف ولا في القلوب منه شيء بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة (^٢)، انتهى.\n\n١٤٠ - وَرُوِيَ عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْعلم علمَان فَعلم ثَابت فِي الْقلب فَذَاك الْعلم النافع وَعلم فِي اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله على عباده رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس والأصبهاني فِي كِتَابه وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الفضيل بن عِيَاض من قَوْله غير مَرْفُوع (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (٢٢ - ١٦) عن ابن عمر.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠١٨ - ١٠١٩).\n(^٣) أخرجه أبو العباس الأصم (٥٥٩)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٤/ ١٠١)، وابن بشران (١٢٢٤)، والشجرى في الأمالى (٣٠٠)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٣٩)، والسمعانى في المنتخب من شيوخه (١/ ١٢٠)، وابن الجوزى في العلل (٨٩)، والديلمى من طريق أبي نعيم كما في الغرائب الملتقطة (٢١٣٢). وأخرجه البيهقي في الشعب (٣/ ٢٩٣ رقم ١٦٨٦) عن الفضيل قوله.\nقال ابن الجوزى: فيه أبو الصلت وهو كذاب بإجماعهم. وقال العراقى في تخريج الإحياء (٧١): أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر وابن عبد البر من حديث الحسن مرسلا بإسناد =","vol":"1","page":715},{"text":"قوله: عن أنس، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"العلم علمان، فعلم ثابت في القلب\" فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان، فذلك حجة الله على عباده، الحديث؛ ومنه قول أبي هريرة - ﵁ -: حفظت من رسول الله - ﷺ - وعائين (^١)، أي: نوعين من العلوم، فبثثت أحدهما، أي: نشرته، يقال: بث الخير وأبثه بمعنى، أي: نشرته (^٢)، والآخر: لو بثثته لقطع هذا البلعوم، البلعوم بضم الموحدة مجرى الطعام في الحلق وهو المرئ (^٣).\nوقال ابن بطال (^٤): المراد من الوعاء الثاني: أحاديث أشراط الساعة وما عرف به النبي - ﷺ - من فساد الدين وتغيير الأحوال والتضييع لحقوق الله تعالى، ولو كانت الأحاديث التي يحدث بها من الحلال والحرام لما وسعه كتمها بحكم الآية. قال الكرماني (^٥): وأقول هذا الحديث هو قطب مدار استدلالات المتصوفة في الطامات والشطحات، قالوا: والمراد بالأول،\n_________\n= صحيح، وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد وأعله ابن الجوزي. وقال الألباني في الضعيفة (٣٩٤٥): منكر مرفوعا، وقال في ضعيف الترغيب (٦٩): ضعيف جدًّا.\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٠).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ١٣٧).\n(^٣) النهاية (١/ ١٥٢).\n(^٤) شرح الصحيح (١/ ١٩٥).\n(^٥) الكواكب الدراري (٢/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"1","page":716},{"text":"يعني: الوعاء الأول علم الأحكام والأخلاق، وبالوعاء الثاني: علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان، قال قائلهم:\nتَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحْ\nيا رُب جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا\nولاستحل رجال مسلمون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا\nوقال بعضهم: العلم المكنون والسر المصون علمنا، وهو نتيجة الخدمة وثمرة الحكمة لا يظفر به إلا الغواصون في بحار المجاهدات ولا يسعد بها إلا المصطفون بأنوار المجاهدات، إذ هي أسرار متمكنة في القلوب لا تظهر إلا بالرياضة وأنوار ملمعة في الغيوب لا تنكشف إلا للمرتاضة، وأقول: نعم ما قال، ولكن بشرط أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين الإيمانية، إذ ما بعد الحق إلا الضلال، انتهى، قاله الكرماني في شرح البخاري (^١).\nوقال سهل بن عبد الله التستري: العلماء ثلاثة: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون، وعالم بأمر الله لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام، وعالم بالله عالم بأيام الله وهم الصديقون (^٢).\nقوله: بأيام الله، يعني: بنعمه الباطنة وبعقوباته الغامضة، ثم قال: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء نيام إلا الخائفين والخائفون منقطعون إلا\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) قوت القلوب (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، وإحياء علوم الدين (١/ ٧٥).","vol":"1","page":717},{"text":"المحبين والمحبون أحياء شهداء وهم المؤثرون لله تعالى على كل حال (^١).\nوقال مرة أخرى: الدنيا كلها أموات إلا أهل العلم، والعلم حجة على صاحبه إلا العمال والعاملون على سنن الهلاك إلا المخلصين، والمخلصون على خطر حتى ينظر بم يختم لهم (^٢).\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي: صدق سهل في كلامه هذا قال - ﷺ - في صحيح مسلم: \"إنما الأعمال بالخواتيم\"، انتهى.\nوقال الثوري: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبأمر الله فذلك العالم الكامل، وعالم بالله غير عالم بأمر الله، فذلك التقي الخائف، وعالم بأمر الله غير عالم بالله فذلك العالم الفاجر (^٣). قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يا حملة العلم، اعملوا فإنما العالم من علم ثم عمل ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم يقعدون خلفا فيباهي بعضهم بعضًا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه إن جلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه ﷿\" (^٤) انتهى.\n_________\n(^١) قوت القلوب (١/ ٢٤٣).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٤٣٤)، واقتضاء العلم العمل (٢٢).\n(^٣) قوت القلوب (١/ ٢٤٢).\n(^٤) أخرجه الدارمى (٣٩٤)، والخطيب في الجامع (٣٠) واقضاء العلم العمل (٩) موقوفا على علي بن أبي طالب.","vol":"1","page":718},{"text":"وقال في النهاية (^١): الناس ثلاثة: عالم رباني، هو منسوب إلى الرب، العالم الرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله تعالى، وقيل: العالم العابد المعلم ومنه حديث ابن الحنفية قال حين توفي ابن عباس: مات رباني هذه الأمة.\nويروى أن سفيان الثوري كان ينشد متمثلًا، وهو لسابق البربري:\nإذ العلم لم تعمل به كان حجة ... عليك ولم تعذر بما انت جاهله\nفإن كنت قد أوتيت علما فإنما ... يصدق قول المرء ما هو فاعله (^٢)\nتتمة: العلم علمان: علم ظاهر، وهو حجة الله على خلقه، وعلم باطن وهو العلم النافع (^٣).\nوكان للنبي - ﷺ - علم عن الله لم يطلع عليه جبريل ولا ميكائيل، فإن الله تعالى كلم موسى تكليمًا، وكلم محمدًا - ﷺ - ورآه كفاحا، وأن حلم الأنبياء وحي، وأن كلام الصديقين والأولياء بالإلهام، وفوائده من قلوبهم حتى أنطقهم بالحكم ونفع بهم الأمة (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٨١).\n(^٢) جامع بيان العلم (١/ ٦٩٨ - ٦٩٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣٦١)، والحسين المروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك (١١٦١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ٤/ ١٠١ (٥٦٦)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ١٩٠ - ١٩١ عن الحسن البصرى.\n(^٤) تلبيس إبليس (ص ٢٨٥).","vol":"1","page":719},{"text":"قال أبو الفرج بن الجوزي (^١): قلت: الإلهام للشيء لا ينافي العلم ولا يتسع به عنه، وليس الإلهام من العلم في شيء إنما هو ثمرة العلم والتقوى فيوفق صاحبها للخير، ويلهم الرشد، واعلم أن العلم الإلهامي الملقي في القلوب لا يكفي عن العلم المنقول كما أن العلوم العقلية لا تكفي عن العلوم الشرعية، فإن العقلية كالأغذية، والنقلية كالأدوية، ولا ينوب هذا عن هذا.\nتتمة أيضا في علم الشريعة والحقيقة: أنبأنا عبد الكريم فذكره إلى أن قال: سمعت أبا بكر الدقاق يقول: كنت مارًا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين للشريعة فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر، قال أبو الفرج بن الجوزي: قلت: وقد بينه الفقيه أبو حامد الغزالي في بعض كتب الإحياء، فقال: من قال الحنفية تخالف الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان، وقال ابن عقيل: جعلت الصوفية الشريعة أسماء وقالوا: المراد منها الحقيقة بعد هذا سواء واقع في النفوس من إلقاء الشياطين، وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمعذور مخدوع، انتهى، قاله ابن الجوزي في تلبيس إبليس (^٢).\n\n١٤١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن من الْعلم كهَيئَةِ الْمكنون لا يُعلمهُ إِلَّا الْعلمَاء بِالله تَعَالَى فَإِذا نطقوا بِهِ لَا يُنكره إِلَّا أهل\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(^٢) تلبيس إبليس (ص ٢٨٧).","vol":"1","page":720},{"text":"الْغرَّة بِالله ﷿ رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي الْمسند وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فِي الْأَرْبَعين الَّتِي لَهُ فِي التصوف (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله ﷿\" الحديث، قال القرشي: هي أسرار الله تعالى يبديها إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراية وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص (^٢).\nوقال أبو سعيد الخراز: للعارفين خزائن أودعوها علوما غريبة وأنباء عجيبة يتكلمون فيها بلسان الأبدية ويخبرون عنها بعبارة الأزلية وهو من العلم المجهول (^٣).\nفقوله بلسان الأبدية، وعبارة الأزلية: إشارة إلى أنهم بالله ينطقون، وقد قال اللّه تعالى على لسان نبيه - ﷺ -: \"وبي ينطق\" وهو العلم اللدني الذي قال الله تعالى في حق الخضر ﵇: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (^٤) (^٥)، وأسند من\n_________\n(^١) أخرجه السلمى في الأربعون في التصوف (٣٢) ومن طريقه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٩١٩)، والبحيرى في فوائده (٦٦)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٤٨٤). وضعفه العراقى في تخريج الإحياء (٢٩). قال الألباني في الضعيفة (٨٧٠) وضعيف الترغيب (٧٠): ضعيف جدا، وقال في الضعيفة (٥١١٦): منكر.\n(^٢) عوارف المعارف (٢/ ٣١٦) للسهروردى.\n(^٣) حلية الأولياء (١٠/ ٢٤٦ - ٢٤٧) وعوارف المعارف (٢/ ٣١٦) للسهروردى.\n(^٤) سورة الكهف، الآية: ٦٥.\n(^٥) عوارف المعارف (٢/ ٣١٦) للسهروردى.","vol":"1","page":721},{"text":"طريق أبي نعيم الأصفهاني عن جابر بن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إن معادن التقوى تعلمك إلى ما قد عملت علم ما لم تعلم\".\nوقوله: فإذا نطقوا به، لا ينكره إلا أهل الغِرة بالله ﷿، الحديث (^١)، الغرة: الغفلة، والجمع: غِرَّات، ومنه قول الشاعر:\nيُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... في بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا (^٢)\nوقال سعيد بن جبير: الغِرة بالله: أن يتمادى الرجل بالمعصية ويتمنى على الله المغفرة، قاله القرطبي في التذكرة (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٣١٥).\n(^٢) قاله أمية بن أبي الصلت كما في الدلائل في غريب الحديث (١/ ١٣٨).\n(^٣) التذكرة (ص ١٢٨).","vol":"1","page":722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الترغيب في الرحلة في طلب العلم</span>\nالرحلة: الارتحال، وأما الرُّحلة بالضم فهو: المرحول إليه، قاله الكرماني (^١)، ومما أنشده الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور الحضرمي (^٢):\nرَحَلْتُ أَطْلُبُ أَصْلَ الْعِلْمِ مُجْتَهِدًا ... وَزِينَةُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا الْأَحَادِيثُ\nلَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلَّا بَازِلٌ ذَكَرٌ ... وَلَيْسَ يُبْغِضُهُ إِلَّا الْمَخَانِيثُ\nلا تَعْجَبَنَّ بِمَالٍ سَوْفَ تَتْرُكهُ ... فَإنَّمَا هَذه الدُّنْيَا مَوَارِيثُ\nومما أنشده الإمام الشافعي ﵀ (^٣):\nكُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ ... إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ\nالْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ، حَدَّثَنَا ... وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ\nوقيل:\nأهل المدارس والحواني غالبا ... يتحاسبون على حطام فان\nمالوا إلى الدنيا فمالت عنهم ... وخلوا من المعروف والعوفان\n\n١٤٢ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ بِهِ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة. رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْبَاب قبله (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٧٢).\n(^٢) الرحلة في طلب الحديث (ص ٩٦ رقم ٢٨)\n(^٣) طبقات الشافعية (١/ ٢٩٧) للسبكى، وطبقات الشافعيين (ص ٤٧) لابن كثير.\n(^٤) أخرجه مسلم (٣٨ - ٢٦٩٩)، ومر بتمامه برقم (١٠٥).","vol":"1","page":723},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة\" الحديث، وتقدم بتمامه في الباب قبله، وقد يراد بذلك أن الله تعالى ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به والعمل بمقتضاه فيكون سببًا لهدايته ولدخوله الجنة، وقد ييسر الله تعالى لطالب العلم علوما أخرى ينتفع بها وتكون موصلة له إلى الجنة كما قيل: \"من عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم\" (^١) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.\n\n١٤٣ - وَعَن زر بن حُبَيْش قَالَ أتيت صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي - ﵁ - قَالَ مَا جَاءَ بك قلت أنبط الْعلم قَالَ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من خَارج من بَيته فِي طلب الْعلم إِلَّا وضعت لَهُ الْمَلائِكَة أَجْنِحَتهَا رضَا بِمَا يصنع رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد. (^٢)\nقَوْله: أنبط الْعلم أَي أطلبه وأستخرجه.\nقوله: عن زر بن حبيش - ﵁ - هو: زر بن حبيش بن حباشة بن أوس بن بلال، روى عن أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وصفوان بن عسال وغيرهم،\n_________\n(^١) ذكره ابن المقرئ في المعجم (٣١٥) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٦٣) عن عبد الواحد بن زيد.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٥٣٥ و٣٥٣٦)، وابن ماجه (٢٢٦)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٤٣ (١٦٣)، وابن خزيمة (١٩٣)، وعنه ابن حبان (٨٥) و(١٣٢٥)، والحاكم ١/ ١٠٠. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٥).","vol":"1","page":724},{"text":"ذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، قال عاصم: وكان زر بن حبيش علويًا، وكان أبو وائل معظما لزر بن حبيش، وكان زر أكبر من أبي وائل، وكان أبو وائل عثمانيا وكان مصلاهما في مسجد واحد، فما رأيت واحدًا منهما قط يكلم صاحبه في شيء مما هو عليه حتى ماتا [بلغ زر من العمر مائة سنة واثنتين وعشرين سنة، وتوفي سنة إحدى وثمانين، وقيل سنة اثنتين وثمانين، وقيل: سنة ثلاث وثمانين، وقال أبو نعيم: مات وهو ابن سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة (^١)، قاله في الديباجة.\nقوله: أتيت صفوان بن عسال المرادي، صفوان بن عسال غزا مع النبي - ﷺ - ثنتي عشرة غزوة، وسكن الكوفة، روى عن النبي - ﷺ -، ومن مناقبه أن عبد الله بن مسعود روى عنه (^٢).\nقوله: ما جاء بك؟ قال: أنبط العلم، الحديث؛ قال الحافظ: أنبط العلم، أي: أطلبه وأستخرجه، انتهى، وقد ضبطه الجوهري فقال: أُنْبِط بضم الهمزة وسكون النون وكسر الباء وبالطاء المهملة في آخره مأخوذ من أنبط الحفار إذا بلغ الماء، ومنه: استنباط العلم، وهو: استخراجه شيئا فشيئا، وأما فعله اللازم فيقال: نبط الماء ينبط بفتح أوله وضم ثالثه وكسره نبوطا، أي: نبع (^٣)،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٦ - ١٩٧ ترجمة ١٧٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٩ ترجمة ٢٦٤)، والديباجة (ص ١٧٧/ رسالة علمية).\n(^٣) الصحاح (٣/ ١١٦٢ - ١١٦٣).","vol":"1","page":725},{"text":"وقال ابن الأثير في النهاية (^١): وأصله من نبط الماء ينبط إذا نبع وانبط الحفار بلغ الماء في البئر، والاستنباط الاستخراج، ومنه الحديث: \"ورجل ارتبط فرسا ليستنبطها\" أي يطلب نسلها ونتاجها، وفي رواية: \"يستبطنها\" أي يطلب ما في بطنها، ومعنى قوله: \"ينبط علمًا\" أي: يظهره ويفشيه. انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"ما من خارج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع\" الحديث، أي: فرشت لتكون تحت أقدامه إذا مشى، قاله في النهاية (^٢)، وقال في موضع آخر: أي: تضعها لتكون وطاءً له إذا مشى (^٣)، وقيل: أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم وترك الطيران، وقيل: أراد به إظلالهم بها، ومنه الحديث الآخر: \"تظلهم الطير بأجنحتها\" وجناح الطير يده، انتهى.\nوقال أبو نصر عن معنى قوله - ﷺ -: \"وضعت له الملائكة أجنحتها\" قال: يحتمل أن المراد بذلك إسراع الملائكة في صحبته، لأن ذا الجناح يسرع في طيرانه، وهكذا كما قالت امرأة أعرابية:\nفلو أن ذا ود يطير لوده ... لطرت إليه حيث كان من الأرض\nولكن جناحي قص عن إثر وده ... فما لي من بسط إليه ولا قبض\nأرادت بذلك الإسراع في مرضات لغاية، وشبهت بذلك فعل الطائر من\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٨).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٩٧).\n(^٣) النهاية (١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":726},{"text":"بسط جناحه، وقد قيل: هو كناية عن التواضع، يعني: الملائكة يتواضعون له كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (^١)، أراد بذكر الجناح: التواضع، وكذلك هاهنا ذكره أبو الليث السمرقندي في كتابه النوازل (^٢).\nوقيل: يكنو بها عن الطيران إليه لتسمع العلم على ما جاء في حديث أبي هريرة في قوله - ﷺ -: \"وحفتهم الملائكة\" أي: أطافوا حولهم، وقيل: تكف عن الطيران توقيرًا لطالب العلم وتعظيما له، وقيل: تبسط أجنحتها له (تبسطها بالدعاء) كما قيل في الحديث: \"وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض\" والاستغفار من الملائكة بمعنى الدعاء، وقال: في أجنحتهم الخبر على ظاهره أنهم يبسطون أجنحتهم حتى يمرون عليها إلا أن جناحهم لا يحول بين قدميه وبين الأرض لأنهم خلقوا من الثور فليس لهم جسم كثيف وإنما لهم جسم لطيف (^٣).\nتتمة: قال الشيخ محي الدين النووي في كتابه بستان العارفين (^٤): أخبرنا الحافظ عبد القادر الرهاوي فذكر السند إلى أن قال: سمعت أبا يحيى السَّاجي ﵀ قال: كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فأسرعنا المشي وكان معنا رجل ماجن، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٢٤.\n(^٢) انظر معالم السنن (١/ ٦١) و(٤/ ١٨٣).\n(^٣) انظر المجموع المغيث (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣).\n(^٤) بستان العارفين (ص ٤٩ - ٥١).","vol":"1","page":727},{"text":"الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ في قوله: فما زال في موضعه حتى جفت رجلاه وسقط، قال الحافظ عبد القادر الرهاوي: إسناد هذا الحديث أو قال هذه الحكاية كالأخذ باليدين أو كرأى العين لأن رواتها أعلام أئمة، وذكر النووي أيضًا في الكتاب المذكور فذكر السند إلى أن قال: سمعت أبا داود السجستاني يقول: كان في أصحاب الحديث رجل خليع إلى أن سمع بحديث النبي - ﷺ -: \"أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع\" فجعل في نعليه مسامير حديد وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة فأصابته الأكلة في رجليه (^١)، وذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي في كتابه شرح صحيح مسلم هذه الحكاية فقال فيها: وشلت يداه ورجلاه وسائر أعضائه، ورأيت في بعض الروايات أنه تفسخت بنيته؟ قوله: وشلت رجلاه ويداه، أي: يبست ووقفت حركتها، وهو: بفتح الشين على اللغة الفصيحة، وفيها لغة أخرى بضمها، والله أعلم، وقال النووي: وفي هذا المعنى ما وجد في زماننا هذا وتواترت الأخبار به وثبت عند القضاة أن رجلا ببلاد بصرى في أوائل سنة خمس وستين وستمائة كان سيئ الاعتقاد في أهل الخير، وله ابن يعتقد فيهم، فجاء ابنه من عند شيخ صاله ومعه مسواك، فقال لابنه: ما الذي أعطاك شيخك؟ قال: هذا المسواك، قال: فأخذ المسواك وأدخله في دبره احتقارًا له، فبقي مدة، ثم ولد ذلك الرجل الذي استدخل المسواك جروا قريب الشبه بالسمكة فقتله ثم مات\n_________\n(^١) إسناده صحيح. وانظر مشيخة الرازي (ص ٢١٠)، وملء العيبة (٢/ ٣٣٥).","vol":"1","page":728},{"text":"الرجل في الحال أو بعد يومين؛ قال النووي: وذكر الإمام أبو عبد الله التيمي المذكور وقال: قرأت في بعض الحكايات أن بعض المبتدعة حين سمع قول النبي - ﷺ -: \"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده\" الحديث، فقال ذلك المبتدع على سبيل التهكم: أنا أدري أين باتت يدي في الفراش، فأصبح وقد أدخل يده في دبره إلى ذراعه، عافانا الله الكريم من بلائه، ووفقنا لتنزيه السنن وتعظيم شفائه، قال التيمي: فليتق المرء الاستخفاف بالسنن ومواضع التوقيف، فانظر كيف وصل إليهما شؤم فعلهما.\nتتمة: ومعنى الحديث ما قاله الإمام الشافعي وغيره من العلماء: أن النائم تطوف يده في نومه على درنه فلا يأمن أنها مرت على نجاسة من دم بثرة أو قملة أو برغوث أو مرت على محل الاستنجاء وما أشبه ذلك (^١). انتهى.\nوقال النووي (^٢): قال الشافعي أيضًا معنى: \"لا يدري أين باتت يده\": أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تمر يده على ذلك الموضع النجس أو على بترة أو على قملة أو قذر غير ذلك، والله أعلم؛ وفي هذا الحديث دلائل كثيرة لمذهبنا ومذهب الجمهور، ومنها: أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته وإن قلت ولم تغيره فإنها تنجسه لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جدًا، وكانت\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٥١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٩ - ١٨١).","vol":"1","page":729},{"text":"عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تنقص عن قلتين بل لا تقاربهما، ومنها: الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، وأنها إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها، ومنها: [أن الغسل سبعا] ليس عاما في جميع النجاسات، وإنما ورد به الشرع في ولوغ الكلب خاصة، ومنها: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار بل يبقى نجسًا معفوًا عنه في حق الصلاة، ومنها: استحباب غسل النجاسة بالماء لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي الحقيقة أولى، ومنها: أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش، ومنها: استحباب الأخذ بالاحتياط إلى حد الوسوسة والنهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها نهي تنزيه لا تحريم، فلو خالف وغمس لم يفسد الماء (ولم يأثم الغامس)، وعن الحسن البصري وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير أنه ينجس إن كان قام من نوم الليل، وهو ضعيف، فإن الفضل في الماء من اليد الظاهر فلا ينجس بالشك، والحديث محمول على [التنزيه ثم مذهبنا]، ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها سواء قام من نوم الليل.\nأو النهار أو شك في نجاستها من غير نوم؛ وعن الإمام أحمد رواية: إن كان قام من نوم الليل كره له كراهة تحريم أو نوم النهار فكراهة تنزيه، ووافقه داود الظاهري اعتمادًا على لفظ المبيت في الحديث، وهذا مذهب ضعيف جدًا، فإن النبي - ﷺ - نبه على العلة بقوله: \"فإنه لا يدري أين باتت يده\"، وهذا","vol":"1","page":730},{"text":"عام لوجود احتمال النجاسة من نوم الليل والنهار، وفي اليقظة وذكر الليل أولا لكونه الغالب، هذا كله إذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تيقن طهارتها وأراد غسلها قبل غمسها، فقد قال جماعة من أصحابنا حكمه حكم الشك لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فسد الباب لئلا يتساهل فيه من لا يعرف، والأصح الذي ذهب إليه الجمهور أنه لا كراهة، والله أعلم.\n\n١٤٤ - وَعَن قبيصَة بن الْمخَارِق - ﵁ - قَالَ أتيت النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا قبيصَة مَا جَاءَ بك قلت كَبرت سني ورق عظمي فأتيتك لتعلمني مَا يَنْفَعنِي الله تَعَالَى بِهِ فَقَالَ يَا قبيصَة مَا مَرَرْت بِحجر وَلا شجر وَلا مدر إِلَّا اسْتغْفر لَك يَا قبيصَة إِذا صليت الصُّبْح فَقل ثَلَاثًا سُبْحَانَ الله الْعَظِيم وَبِحَمْد تعاف من الْعَمى والجذام والفلج يَا قبيصَة قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك مِمَّا عنْدك وأفض عَليّ من فضلك وانشر عَليّ من بركاتك رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده راو لم يسم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٦٠ (٢٠٦٠٢) ومن طريقه ابن بشران في الأمالى (١١٣٣)، والطبراني في الدعاء (٧٣٣) والكبير (١٨/ ٣٦٨ رقم ٩٤٠)، وابن السنى في اليوم والليلة (١٣٣ و١٣٤). وقال الهثيمى في المجمع ١/ ١٣٢: رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم. وقال في ١٠/ ١١١: رواه الطبراني، وفيه نافع: أبو هرمز، وهو ضعيف. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٣٣٧): هذا حديث غريب، أخرجه أحمد هكذا لم ينسب الحسن ولم يسم أبا كريمة، وقد ذكر الحسيني في رجال المسند أبا كريمة فيمن لم يسم من الكنى، فلم يزد في التعريف به على ما في هذا السند إلا أنه نسب الحسن، فقال: روى عنه الحسن البصري، ووهم في ذلك، فإن يزيد بن هارون لم يدرك الحسن البصري، لأن مولده بعد وفاة الحسن بسبع سنين، وقد ذكر الحاكم أبو أحمد في الكنى في باب أبي كريمة ثلاثة أحدهم أبو كريمة فرات روى عنه الحسن بن عمرة الرقي.","vol":"1","page":731},{"text":"قوله: عن قبيصة بن المخارق، هو: قبيصة بن المخارق بن (عبد الله بن شداد بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة العامري الهلالي عداده في أهل البصرة، وفد على النبي - ﷺ - يكنى أبا بشر، قال أبو العباس محمد بن يزيد: لقبيصة صحبة، روى عنه: أبو عثمان النهدي، وأبو قلابة، وابنه قطن بن قبيصة) (^١).\nقوله: أتيت النبي - ﷺ - فقال: \"يا قبيصة، ما جاء بك؟ \" قلت: قد كبرت سني ورق عظمي، أي: ضعف.\nقوله: فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به، فقال: \"يا قبيصة، إذا صليت الصبح فقل ثلاثًا: سبحان الله العظيم وبحمده، تعافى من العمى والجذام والفلج\" إلى آخره، وروى الإمام أحمد والنسائي في عمل اليوم والليلة عنه أنه قال للنبي - ﷺ -: علمني كلمات ينفعني الله بهن، فقال - ﷺ -: \"أما لدينك، فإذا صليت الغداة فقل ثلاث مرات سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنك إذا قلتهن أمنت من العمى والجذام والبرص والفالج؛ وأما لآخرتك فقل: اللهم اهدني من عندك وأفض علي من فضلك\n_________\n= قلت: والحسن المذكور يكنى أبا المليح، وهو ثقة يروي عن فرات بن سلمان الرقي، فيشبه أن يكون هو المراد. وأبو المليح من طبقات شيوخ يزيد بن هارون، وفرات موثق عند أحمد وغيره، فلولا الرجل المبهم لكان السند حسنًا، والله أعلم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٩٢٨)، وضعيف الترغيب (٧١).\n(^١) الاستيعاب (٣/ الترجمة ٢١٠١)، وأسد الغابة (٤/ الترجمة ٤٢٦٥).","vol":"1","page":732},{"text":"وانشر علي من رحمتك وأنزل علي من بركاتك\" ثم قال - ﷺ -: \"أما إنه من وافى بهن يوم القيامة ولم يتركهن فتح الله لقارئها أبواب الجنة\" انتهى، قوله: \"والفالج\" داء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو داء معروف يرخي نصف البدن في الغالب، واشتقاقه من الفلج وهو النصف من كل شيء، قاله صاحب كتاب المغيث في غريب القرآن والحديث (^١).\n[قوله: الجذام: بالذال المعجمة، علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم ينقطع ويتناثر، ويتصور ذلك في كل عضو لكن في الوجه أغلب (^٢)، وأما البرص فهو بياض يكون في الجلد يذهب دمويته وعلامته: أن يعصر المكان فلا يحمر؛ لأنه ميت، ولا يلتحق به البهق؛ لأنه بياض على غير هذا الوجه (^٣).\n\n١٤٥ - وَعَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من غَدا إِلَى الْمَسْجِد لا يُرِيد إِلَّا أَن يتَعَلَّم خيرا أَو يُعلمهُ كَانَ لَهُ كَأَجر حَاج تَاما حجَّته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٤).\nقوله: عن أبي أمامة، تقدم.\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ٦٣٤).\n(^٢) الحاوي الكبير (٩/ ٣٤٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٧/ ٢٣١).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٩٤ رقم ٧٤٧٣)، والشاميين (٤٢٣) وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٧)، والحاكم ١/ ٩٧، والبيهقي في الآداب (٨٦٠) والمدخل (٣٧٠).\nوصححه الحاكم. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٢ - ١٢٣: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون كلهم. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٨٦).","vol":"1","page":733},{"text":"قوله: \"من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه\" الحديث، الغدو: وهو الذهاب أول النهار.\n\n١٤٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من جَاءَ مَسْجِدي هَذَا لم يَأْته إِلَّا لخير يتعلمة أَو يُعلمهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله وَمن جَاءَ بِغَيْر ذَلِك فَهُوَ بِمَنْزِلَة الرجل ينظر إِلَى مَتَاع غَيره رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ترك وَلا أجمع على ضعفه (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، اختلف في اسمه اختلافا كثيرًا جدًا، وتقدم ذلك، واختلف العلماء في الأصح منها، والأصح عند المحققين، والأكثر ما صححه البخاري وغيره من المتقنين أنه عبد الرحمن بن صخر، وروى البيهقي وغيره عن الشافعي أنه قال: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، قال النووي: روينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله: ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا، فقال النبي\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٧)، وابن حبان (٨٧)، وأبو يعلى (٦٤٧٢)، والحاكم ١/ ٩١، والبيهقي في الآداب (٨٦١) والشعب (٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣ رقم ١٥٧٥). وقال الدارقطنى في العلل (٢٠٦٦): اختلف فيه على سعيد المقبري، فرواه أبو صخرة حميد بن زياد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. وخالفه عبيد الله بن عمر فرواه عن سعيد المقبري، عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن كعب الأحبار قوله. ورواه ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن كعب الأحبار قوله، وقول عبيد الله بن عمر أشبه بالصواب. وصححه الحاكم والبوصيرى كما في الزجاجة (١/ ٣١). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٧).","vol":"1","page":734},{"text":"- ﷺ -: \"اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني\" (^١) انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهدين\" الحديث، والمراد هنا: العلم، وورد عنه - ﷺ - أنه قال: \"ما أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر\" (^٢) فتبين من هذا الحديث أن أعظم أعمال الآخرة إنما هو طلب العلم، قال الله العظيم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (^٣) فجعل العلماء في ثاني درجة من ملائكته وفي ثالث درجة منه ﷾، أعني في الشهادة.\n\n١٤٧ - وَرُوِيَ عَن عَليّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا انتعل عبد قطّ وَلا تخفف وَلَا لبس ثوبا فِي طلب علم إِلَّا غفر الله لَهُ ذنُوبه حَيْثُ يخطو عتبَة دَاره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط (^٤). قَوْله: تخفف أَي لبس خفه.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٧٠). والحديث أخرجه مسلم (١٥٨ - ٢٤٩١).\n(^٢) ذكره أبو العرب في طبقات علماء إفريقية (ص ٥٤) من كلام البهلول بن راشد.\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٧ رقم ٥٧٢٢)، وتمام في الفوائد (١٧٩٠). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن يحيى التيمي. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٣٢ - ١٣٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذاب. وقال الألباني في الضعيفة (٢٦٧٦) وضعيف الترغيب (٧٢): موضوع.","vol":"1","page":735},{"text":"قوله: عن علي، واسمه: حيدرة، قال الإمام السهيليُّ: ذكر قاسم بن ثابت في تسميته حيدرة ثلاثة أقوال، الأول: أن اسمه في الكتب القديمة أسد، والأسد هو حيدرة، والثاني: أن أمه فاطمة بنت أسد، ولدته وكان أبوه غائبا فسمته باسم أبيها، فقدم أبوه فسماه عليا، والثالث: أنه كان يلقب في صغره بحيدرة، ولأن الحيدرة الممتلئ لحما العظيم البطن، وكذلك كان - ﵁ -، وسيأتي الكلام على مناقبه، وسبب قتله ومن قتله في أول باب النكاح مبسوطًا إن شاء الله تعالى (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ما انتعل عبد قط ولا تخفف ولا لبس ثوبًا في طلب علم\" الحديث، أي: لبس نعله وخفه ولبس ثوبه، هكذا فسره الحافظ: لبس النعل مستحب لما روى عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يلبس النعال التي ليس فيها شعر (^٢)، وعن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها: \"استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل\" (^٣) وقال: \"إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع\" (^٤)، وعن جابر أيضًا قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن ينتعل الرجل قائمًا\" (^٥)، وفي رواية: \"لا يمشي أحدكم في نعل واحدة\" (^٦)، وفي رواية:\n_________\n(^١) الروض الأنف (٧/ ١٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٥١)، ومسلم (٢٥ - ١١٨٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٦ - ٢٠٩٦)، والنسائي في الكبرى (٩٧١٥)، وابن حبان (٥٤٥٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٨٥٥)، ومسلم (٦٨ - ٢٠٩٧) عن أبي هريرة.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤١٣٥). وصححه الألباني في المشكاة (٤٤١٤) والصحيحة (٧١٩).\n(^٦) أخرجه مسلم (٧٣ - ٢٠٩٩) عن جابر.","vol":"1","page":736},{"text":"\"ولا يمشي في خف واحد ولينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعًا\" (^١).\nقوله: \"ولينعلهما\" فبضم الياء؛ وأما فقه هذه الروايات ففيه ثلاثة مسائل، أحدها: تستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والتشريف والزينة والنظافة ونحو ذلك كلبس النعل والخف والمداس والسراويل والكم وحلق الرأس وترجيله وقص الشارب ونتف الإبط والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار والوضوء والغسل والتيمم ودخول المسجد والخروج من الخلاء ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة وتناول الأشياء الحسنة ونحو ذلك مما هو في معناه، فيستحب التيامن فيه؛ الثانية: يستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد السابق في المسألة الأولى، من ذلك: خلع النعل والخف والمداس والسراويل والكم والخروج من المسجد ودخول الخلاء والاستنجاء وتناول أحجار الاستنجاء ومس الذكر والامتخاط والاستنثار وتعاطي المستقذرات وأشباهها، فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها؛ وأجمع العلماء على تقديم اليمين على اليسار في اليدين والرجلين في الوضوء، وأنه لو خالف ذلك في الوضوء وغيره فاته الفضل وكان مكروهًا لما ثبت في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بأسانيد جيدة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم\" (^٢) فهذا نص في الأمر بتقديم اليمين فمخالفته\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بشطره الأول عن جابر (٧١ - ٢٠٩٩) وشطره الثانى (٦٧ - ٢٠٩٧) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٤١)، وابن ماجه (٤٠٢)، وابن خزيمة (١٧٨)، وابن حبان (١٠٩٠). وصححه الألباني في تخريج المشكاة (٤٠١).","vol":"1","page":737},{"text":"مكروهة أو محرمة، وقد انعقد الإجماع على أنها ليست محرمة ولم يخالف فيه إلا الشيعة. ثم من أعضاء لوضوء ما لا يستحب فيه التيامن وهو الأذنان والكفان والخدان، ثم يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين (^١)، انتهى، قاله في الديباجة.\nوالثالثة: فيكره المشي في نعل واحدة أو خف واحد أو مداس واحد إلا لعذر، وقال العلماء: وسببه أن ذلك تشويهٌ ومُثْلَةٌ ومخالفٌ للوقار؛ ولأن الرجل المنتعلة تصير أرفع من الأخرى فيعسر عليه مشيه، وربما كان مشيا للعثار (^٢)، وكما لو لبس خفا أبيض وآخر أسود أو خضب نصف لحية أو حلق بعض رأسه وخرج على الناس كذلك حاسرًا لرجل، وقال بعضهم: إن إحدى الرجلين تكتسب الحرارة والبرودة دون الأخرى فيتأذى البدن بذلك، وإذا انقطعت إحدى نعليه أو خفيه وهو طريق المسجد أو غيره استحب أن ينزع الأخرى لنهيه - ﷺ - أن يمشي الرجل في نعل واحدة، وقال: \"ليحفيهما جميعا أو لينعلهما جميعا\"، وهذه الآداب الثلاثة مجمع على استحبابها، وأنها ليست واجبة (^٣)، والله أعلم.\nتتمة: أفاد ابن الجوزي أن من واظب على البداءة في لبس النعل باليمين والخلع باليسار أمن من وجع الطحال، وأفاد غيره أن سورة الممتحنة إذا كتبت وسُقي المطحول ماءها يبرأ بإذن الله تعالى، انتهى، قاله في حياة الحيوان (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٠ - ١٦١) و(١٤/ ٧٤ - ٧٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٧٤ - ٧٥).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٢٨٩).","vol":"1","page":738},{"text":"١٤٨ - وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من خرج فِي طلب الْعلم فَهُوَ فِي سَبِيل الله حَتَّى يرجع. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: عن أنس، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع\" يعني: أن رجوعه طاعة مكتوبة، ومن كان هذا حاله فهو مرضي عنه.\n\n١٤٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من غَدا يُرِيد الْعلم يتعلمه لله فتح الله لَهُ بَابا إِلَى الْجنَّة وفرشت لَهُ الْمَلَائِكَة أكنافها وصلت عَلَيْهِ مَلَائِكَة السَّمَوَات وحيتان الْبَحْر وللعالم من الْفضل على العابد كالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر على أَصْغَر كَوْكَب فِي السَّمَاء وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء إِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَلَكنهُمْ ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظه وَمَوْت الْعَالم مُصِيبَة لَا تجبر وثلمة لَا تسد وَهُوَ نجم طمس موت قَبيلَة أيسر من موت عَالم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَيْسَ عِنْدهم موت الْعَالم إِلَى آخِره (^٢) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^٣) من رِوَايَة الْوَليد\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٦٤٧)، والبزار (٦٥٢٠)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ١٧)، والطبراني في الصغير (١/ ٢٣٤ رقم ٣٨٠). قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب ورواه بعضهم فلم يرفعه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٣٧)، وحسنه في صحيح الترغيب (٨٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذى (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣ و٢٣٩)، وابن حبان (٨٨). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٧٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤ رقم ١٥٧٦)، وعبد الغنى المقدسى في نهاية المراد (٤٠). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٧٣).","vol":"1","page":739},{"text":"ابن مُسلم حَدثنَا خَالِد بن يزِيد بن أبي مَالك عَن عُثْمَان بن أَيمن عَنهُ وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب بعده حَدِيث أبي الردين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عن أبي الدرداء، واسمه: عويمر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح الله له بابًا إلى الجنة\" الغدو: الذهاب.\nقوله: \"وفرشت له الملائكة أكنافها\" أي: أجنحتها، قال الجوهري في صحاحه (^١): والكنف الجانب، وكنفا الطائر: جناحاه، قيل: إنما فرشتها لتكون وطئًا له إذا مشى.\nوقيل: إنه بمعنى التواضع تعظيما لحقه فتضم أجنحتها له تواضعًا، ويحتمل أن يكون المراد به: وضع الأجنحة بعضها بجنب بعض إظلالًا له كما يحكي عن فعل الطير بداود النبي - ﷺ - وكما في الحديث الآخر: \"تظلهم الطير بأجنحتها\"، وفي رواية أخرى: \"يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء لمحبتهم لما يطلب\"، وقيل: غير ذلك.\nقوله: \"وصلت عليه ملائكة السموات\" وتقدم معنى صلاة الملائكة أنه الاستغفار والدعاء له.\nقوله - ﷺ -: \"وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء\" الحديث، ومعلوم أن القمر إذا تكامل ضوءه ونوره كان ضوء النجوم معه في حكم المطموس ولا يظهر لها مع القمر أثر، فالعابد شبه بالنجم لأنه في ضياء ونور في الجملة وعمل صالح، والعالم شبه بالقمر ليلة\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٤٢٤).","vol":"1","page":740},{"text":"البدر، ونور القدر ليلة البدر ينسي عنده نور البدر مع ما يعم به من المنفعة وانتشار نوره وبث أشعته في الأرض برا وبحر ليستضاء بنوره، ويكادُ يُلحِقُ الليلةَ المقمرة بالنهار ضياء إلا أن نور الشمس إذا جاء تلافي معه نور القمر.\nقوله - ﷺ -: \"والعلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم\" الحديث، فهذا غاية في التفضيل، وأن من خلف الشيء قام مقامه فيشمله من فضل أصله كالتيمم لما خلف الوضوء لحقه من فضل الوضوء، ومعلوم أن العلماء يخلفون الأنبياء فيما أوحي إلى الأنبياء؛ لأن النبي - ﷺ - إنما أرسل لتبين التنزيل قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^١) الآية، والعلماء يقومون هذا المقام بعد النبي - ﷺ - فإنهم يحفظون الشريعة وما أنزل إلى الرسول فيبلغونه للناس، ويبينون لهم ما أشكل عليهم من أمر دينهم الذي بيانه على الرسول - ﷺ -، فسدَّ العلماء في ذلك مسد الأنبياء وقاموا مقامهم فكانوا في المعنى أنبياء لأنهم يكلمون الناس بما أوحى الله تعالى، والوحي أتى إليهم بواسطة الرسول - ﷺ - كما أتى الوحي إلى النبي - ﷺ - بواسطة الملك إلا أنهم ليسوا أنبياء في الحقيقة ولكنهم نابوا عن الأنبياء، وقد جعل رتبتهم تلي رتبة الأنبياء إلا أن قوله: \"وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم\"، تنبيه: على أن جمع الحطام ليس من شيم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحق الوارث لهم والنازل منزلتهم أن يكون فيما ورثه عنهم لا يتخذ العلم سوقا ويجعله\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":741},{"text":"لكسب الدنيا طريقًا، قال الخطابي ﵀ كلامًا معناه: أن العلماء كانوا ورثة الأنبياء، وما ورثوا عن الأنبياء تعليم الناس كيفية الإحسان إلى كل شيء، ألهم الله تعالى الأشياء الاستغفار للعلماء مكافأة لهم على ذلك، فمن ثم قال النبي - ﷺ -: \"إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف البحر\" (^١).\nلطيفة: قال القشيري: يقال إن سليمان ﵊ سأل الله تعالى أن يأذن له أن يضيف يوما جميع الحيوانات فأذن له فأخذ سليمان في جمع الطعام مدة طويلة فأرسل الله تعالى حوتًا واحدًا من البحر فأكل كل ما جمعه سليمان ﵊ في تلك المدة، ثم استزاده فقال سليمان ﵇: لم يبق لي شيء، وقال له: أنت تأكل كل يوم مثل هذا، فقال: رزقي كل يوم ثلاثة أضعاف هذا، ولكن الله لم يطعمني اليوم إلا ما أطعمتني أنت، فليتك لم تضفني فإني بقيت اليوم جائعًا حين كنت ضيفك (^٢).\nأعجوبة: روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في \"كتاب المتفق والمفترق\" (^٣) في ترجمة أسامة بن زيد التنوخي أنه ولي خراج مصر للوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان وهو الذي بني مقياس النيل العتيق الذي بجزيرة فسطاط مصر، ذكره ابن يونس في تاريخه، ثم روى الخطيب في\n_________\n(^١) معالم السنن للخطابي ٤/ ١٨٣.\n(^٢) حياة الحيوان للدميري (١/ ٣٨٠).\n(^٣) (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":742},{"text":"ترجمته عن زيد بن أسلم أن صنما كان بالإسكندرية يقال له: شراحيل على حشفة من حشف البحر مستقبلا بأصبع من أصابع كفه القسطنطينية لا يدري أكان مما عمله سليمان النبي - ﷺ - أو عمله الإسكندر تصاد عنده الحيتان وكانت تدور حوله وحول الإسكندرية، وكان قدم الصنم طول قامة الرجل إذا انبطح ومد يده، فكتب أسامة بن زيد هذا وهو عامل مصر للوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين إن عندنا بالإسكندرية صنما يقال له شراحيل من نحاس وقد غلت علينا الفلوس، فإن رأى الأمير أن ننزله ونجعله فلوسا فعلنا، وإن رأى غير ذلك فليكتب إلينا في أمره فكتب إليه لا تنزله حتى أبعث إليك أمناء يحضرونه فبعث إليه رجالا أمناء حتى أنزله عن الحشفة فوجد عينيه. ياقوتتين حمراوتين ليس لهما قيمة وضربه فلوسًا فانطلقت الحيتان ولم ترجع إلى ذلك المكان، انتهى، قاله في حياة الحيوان (^١).\nفائدة في قوله - ﷺ -: \"العُلماء ورثة الأنبياء\" الحديث، أي: العُلماء باللّه؛ لأن العلم باللّه يورث الخشية قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٢)، قال ابن عطاء اللّه السكندري في كتابه لطائف المنن (^٣): اعلم أن قول رسول اللّه - ﷺ -: \"العُلماء ورثة الأنبياء، علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إلا إن الدنيا ملعونة ملعون\n_________\n(^١) حياة الحيوان للدميري (١/ ٣٨٤).\n(^٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(^٣) لطائف المنن (ص ١٥).","vol":"1","page":743},{"text":"ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه وعالما ومتعلما، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم\" ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (^١) وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر العلم، وحيثما وقع العلم في كتاب اللّه تعالى وكلام رسوله - ﷺ -، فإنما المراد به العلم النافع التي تكتنفه الخشية وتكون معه الإنابة، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٢)، الآية، فلم يجعل علم من لم يخشه من العُلماء علما، فشاهد العلم الذي هو مطلوب اللّه الخشية للّه، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لأربابها وصرف الهمة إلى اكتسابها والجمع الادخار والمباهاة وطول الأمل ونسيان الآخرة فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون من ورثة الأنبياء، فعلماء الباطن ﵃ أحق بالإرث وأولى وأقرب نسبة وأغلى لأن علمهم تلزمه الخشية وتكتنفه العظمة، وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه، فكل صاحب علم لا خشية له فليس بأهل أن يكون وارثًا، ومثل من هذه الأوصاف أوصافه كمثل الشمعة تضيء على غيرها وهي تحرق نفسها، جعل اللّه علمه من هذا وصفه حجة عليه وسببا في تكثير العقوبة لديه، وذكر أمثلة كثيرة فيها ذكر اللام على من هذه صفته اختصرتها بطولها، واللّه أعلم؛ قال ابن عطاء اللّه في لطائف المنن.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٨.\n(^٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":744},{"text":"وهاهنا نكتة: وهو أنه - ﷺ - لم يقل علماء أمتي كرسل بني إسرائيل، فمن الناس من ظن أن النبي - ﷺ - نبئ في نفسه والرسول هو الذي أرسل لغيره، وليس الأمر كما ظن هذا القائل، ولو كان كذلك فلم ذا خص الأنبياء دون الرسل بالذكر في قوله: \"علماء أمتي كرسل بني إسرائل\" فدل على أن حكم الأنبياء يعمها، وإنما الفرق ما قال بعض أهل العلم أن النبي لا يأتي بشريعة وإنما يجيء مقررًا لشرع من كان قبله كيوشع بن نون فإنه إنما أتي مقررًا لشريعة موسى - ﷺ - وآمرًا بالعمل بما في التوراة، ولم يأت بشرع عندئذ، والرسول كموسى - ﵇ -، فقد أتى بشرع جديد وهو ما تضمنته التوراة، فقال - ﷺ -: \"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل\" أي: يأتون مقررين ومؤكدين وآمرين بما جئت به لا أنهم يأتون بشرع جديد (^١). انتهى.\nتنبيه: ما اشتهر من قوله - ﷺ -: \"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل\" فلم يعرف له مخرج بعد البحث عنه ولم يوجد في كتاب معبتر، قاله الكمال الدميري (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسد\" الحديث، الثلمة: بضم الثاء المثلثة وبسكون اللام الخلل في الحائط وغيره، ويقال في السيف ثلم بالفتح، وفي الإناء ثلم إذا انكسر من شفته شيء، قاله الجوهري في\n_________\n(^١) لطائف المنن (ص ١٤).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":745},{"text":"صحاحه (^١)؛ وعن علي - ﵁ - قال: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه (^٢)، واللّه أعلم.\nخاتمة: وما أحسن ما قاله بعض الفضلاء، ويقال: إنه الشافعي، قدس اللّه سره:\nإِذَا مَا مَاتَ ذُو عِلْمِ وَفَهْم ... فَقَدْ ثَلمَتْ مِنَ الإِسْلامِ ثُلْمَهْ\nوَمَوْتُ الصالح الْمَرْضِيِّ نَقْضٌ ... فَفِي مَرْآهُ لِلأسْرَارِ نَسْمَهْ\nوَمَوْتُ الْعَادِلِ الْمَلِكِ الْمُوَلَّى ... بِحُكْمِ الْحَقِّ مَنْقَصَةً وَقَصْمَهْ\nوَمَوْتُ فَتَى كثِيرِ الْجُودِ مَحْلٌ ... فَفِي إِبَقَاءِهِ خَصْبٌ وَنِعْمَهْ\nوَمَوْتُ الْفَارِسِ الكَرَّارِ ذُلّ ... فَكَمْ شَهَدَتْ لَهُ بِالنَّصْرِ عَزْمَهْ\nفَحَسْبُكَ خَمْسَةٌ يُبْكَى عَلَيْهمْ ... وَمَوْتُ الْغَيْرِ تَخْفِيفٌ وَرَحْمَهْ\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٨٨١).\n(^٢) الإحياء (١/ ٧) ومناهج التحصيل (١/ ٥١).","vol":"1","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الترغيب بها سماع الحديث وتبليغه ونسخه والترهيب من الكذب على رسول اللّه - ﷺ </span>-\n١٥٠ - عَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول نضر اللّه امْرأ سمع منا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سَمعه فَرب مبلغ أوعى من سامع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ رحم اللّه امْرأ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١) قَوْله نضر هُوَ بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وتخفيفها حَكَاهُ الْخطابِيّ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاء لَهُ بالنضارة وَهِي النِّعْمَة والبهجة وَالْحسن فَيكون تَقْدِيره جمله اللّه وزينه وَقيل غير ذَلِك.\nقوله: عن ابن مسعود، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"نضر اللّه امرأ سمع منا حديثًا\" الحديث، نضر: هو بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها، حكاه الخطابي، انتهى، قاله الحافظ.\nوقال بعضهم: رواه أبو عبيدة بالتخفيف، ورواه الأصمعي بالتشديد، ورجح التخفيف الخطابي وابن خلاد، ولم يذكر العسكري سواه، وكلاهما يقال، وإنما الكلام في الرِّواية يقال: نضَّر اللّه وجهه ونَضَر وجهه وأنضر اللّه وجهه ثلاث لغات (^٢)، قيل معناه: الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٦٥٧) و(٢٦٥٨)، وابن ماجة (٢٣٢)، وابن حبان (٦٦ و٦٨ و٦٩).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٨٩)، المشكاة (٢٣٠).\n(^٢) انظر مشارق الأنوار (٢/ ١٦).","vol":"1","page":747},{"text":"والحسن، فيكون تقديره: زينه اللّه وجمله، قاله المنذري؛ وقيل: أوصله اللّه إلى نضرة النعيم وهي نعميها (^١)، قال اللّه تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (^٣) وقيل (^٤): ليس هذا من الحسن، إنما معناه: حسن اللّه وجهه في الناس أي: جاهه وقدره، وكان بعض أهل العلم يقول: إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرة لقوله - ﷺ -: \"نضر اللّه امرأً\" يعني: أنها دعوة أجيبت (^٥)، ومما أنشده هبة اللّه بن الحسن الشيرازي (^٦):\nعَلَيْكَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ ... عَلَى مَنْهَج لِلدِّينِ مَا زَالَ مُعْلَمَا\nوَمَا النُّورُ إِلا فِي الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... إِذَا مَا دَجَى اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا\nوَأَعْلَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى السُّنَنِ اعْتَزَى ... وَأَغْبَى الْبَرَايَا مَنْ إِلَى الْبِدَعِ انْتَمَى\nوَمَنْ تَرَكَ الآثَارَ ضُلِّلَ سَعْيُهُ ... وَهَلْ يَتْرُكُ الآثَارَ مَنْ كَانَ مُسْلِمَا؟\nقوله: \"فبلغه كما سمعه\" وتأدية الحديث كما سمع لا تكاد تحصل إلا من الكتاب لأن الحفظ خوان، وروى أبو هريرة أن رجلًا شكى إلى رسولى اللّه - ﷺ - الحفظ، فقالى: \"استعن على حفظك بيمينك \" يعني: الكتاب (^٧)، وروى\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٤/ ١٧٧).\n(^٢) سورة المطففين، الآية: ٢٤.\n(^٣) سورة الإنسان، الآية: ١١.\n(^٤) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٤٦٧)\n(^٥) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٢).\n(^٦) تساعيات العطار (٥٩)، ومسألة العلو والنزول في الحديث (ص ١٨) لابن القيسراني.\n(^٧) أخرجه الترمذي (٢٦٦٦)، والبزار (٨٩٨٩)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٤٤ رقم ٨٠١)، =","vol":"1","page":748},{"text":"عن رافع بن خديج قال: قلنا يا رسول اللّه إنا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟ قال: \"اكتبوا ولا حرج\" (^١)، وقال في النهاية (^٢): وفي الحديث: \"لا تكتبوا عني غير القرآن\" وجه الجمع بين هذا. الحديث وبين إذنه في كتابة الحديث، فإنه قد ثبت إذنه فيها، أن الإذن في الكتابة ناسخ للمنع منها بالحديث الثابت وبإجماع الأمة على جوازها، وقيل: إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، والأولى الوجه، انتهى.\nقالى أبو الفرج بن الجوزي (^٣): ولتعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول اللّه - ﷺ - وحركاته وأفعاله فاجتمعت الشريعة من رواية هذا ورواية هذا، وقد\n_________\n= والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٨٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٥٩ و٦٩)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (٦٢٥)، والخطيب في تقييد العلم (ص ٦٥ و٦٦ و٦٧) وفي الجامع لأخلاق الراوي (٥٥٤) عن أبي هريرة، قال أبو حاتم في العلل (٢٥٤١): هذا حديث منكر، وخصيب ضعيف الحديث.\nوقال الترمذي: هذا حديث إسناده ليس بذلك القائم وسمعت محمد بن إسماعيل، يقول: الخليل بن مرة منكر الحديث. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٢: رواه البزار، وفيه الخصيب بن جحدر، وهو كذاب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٧٦١).\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٧٣)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٧٦ رقم ٤٤١٠)، وابن شاهين في ناسخ الحديث (٦٢٦)، والخطيب في تقييد العلم (ص ٧٢ و٧٣). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو مدرك، روى عن رفاعة بن رافع، وعنه بقية، ولم أر من ذكره.\n(^٢) النهاية (٤/ ١٤٨).\n(^٣) تلبيس إبليس (ص ٢٨٩).","vol":"1","page":749},{"text":"قال رسول اللّه - ﷺ -: \"بلغوا عني ولو آية\" انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"فرب مبلغ\" هو: بفتح لام مبلغ، أي: مبلغ إليه.\nقوله: \"أوعى من سامع\" أوعى: أفعل التفضيل من الوعي وهو: الحفظ وقع صفة لمبلغ، وسامع: أي سامع مني، ولابد من هذا التقدير لأن المقصود ذلك، انتهى، قاله الكرماني (^١).\nففي هذا الحديث دليل على تبليغ العلم ونشره، وقد ثبت في صحيح البخاري: \"بلغوا عني ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" (^٢)، ومعناه: لينزل منزلة من النار، يقال: بوأه اللّه منزلا، أي: أسكنه إياه، وتبوأت منزلا: اتخذته، والمباءة: المنزل، قاله في النهاية (^٣).\n\n١٥١ - وَعَن زيد بن ثَابت قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول نضر اللّه امْرأ سمع منا حَدِيثا فَبَلغهُ غَيره فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه ثَلاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص الْعَمَل للّه ومناصحة وُلَاة الأمر وَلُزُوم الْجَمَاعَة فَإِن دعوتهم تحيط من وَرَاءَهُمْ وَمن كَانَت الدُّنْيَا نِيَّته فرق اللّه عَلَيْهِ أمره وَجعل فقره بَين عَيْنَيْهِ وَلم يَأْته من الدُّنْيَا إِلَا مَا كتب لَهُ وَمن كَانَت الآخِرَة نِيَّته جمع اللّه أمره وَجعل غناهُ فِي قلبه وأتته الدُّنْيَا وَهِي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٦١) عن عبد الله بن عمرو.\n(^٣) النهاية (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":750},{"text":"راغمة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وروى صَدره إِلَى قَوْله لَيْسَ بفقيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه بِزِيَادَة عَلَيْهِمَا (^١).\nقوله: عن زيد بن ثابت، هو: زيد بن ثابت، الصحابي الأنصاري النجاري المدني القرطبي، كاتب الوحي والمصحف، كان عمره حين قدم رسول اللّه المدينة إحدى عشرة سنة، وحفظ قبل قدوم رسول اللّه - ﷺ - المدينة مهاجرا ست عشرة سورة، وقتل أبوه ولزيد بن ثابت ست سنين، واستصغره النبي - ﷺ - يوم بدر فرده، وكان يكتب الوحي لرسول اللّه - ﷺ - ويكتب له المراسلات أيضًا إلى الناس، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطا (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فرب حاول فقه إلى من هو أفقه منه\" الحديث، فرق النبي - ﷺ - بين ناقل السنة وواعيها، ودل على فضل الواعي بقوله - ﷺ -: \"فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه\"، ولوجوب الفضل لأحدهما أثبت الفضل للآخر.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم\" تقدم الكلام مبسوطا على الثلاث في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، ودواء هذا الغل واستفراغ أخلاطه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٠)، والترمذى (٢٦٥٦)، والنسائي في الكبرى (٥٨١٦)، وابن ماجة (٢٣٠)، وابن حبان (٦٧) و(٦٨٥). قال الألباني: صحيح - الصحيحة (٩٥٠)، تخريج فقه السيرة (٣٩)، صحيح الترغيب (٩٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٠ - ٢٠٢ الترجمة ١٨٦).","vol":"1","page":751},{"text":"تجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة، فأخبر النبي - ﷺ - إن هذه الثلاث تنفي الغل من قلب المسلم (^١)، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"ومناصحة الأمراء\"، النصح لولاة الأمر هو: طاعتهم بها الحق ومعونتهم عليه وتذكيرهم وإعلامهم بما شغلوا عنه أو جهلوه بها أمر دينهم ومصالح دنياهم (^٢)، ولا يغتلهم ولا يذمهم ولا يلعنهم ولا يدعو عليهم، ومن النصيحة للولاة الدعاء لهم بالخير والصلاح بظهر الغيب كما قال الفضيل رحمة اللّه عليه: لو أن لي دعوة مجابة لجعلتها لإمام المسلمين، لأن بها صلاحه صلاح الدنيا والدين، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إما شفاها أو رسالة، ويصدهم عن الظلم ويقبحه ويذكر لهم غوائل الظلم وشره وعواقبه.\nقوله: \"ولزوم الجماعة\" فحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف كتيرًا لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃، وبها حديث آخر: \"عليكم بالجماعة، فإن يد اللّه على الفسطاط، والفسطاط مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط\"، ومعنى هذا الحديث: أن جماعة أهل الإسلام بها كنف اللّه ووقايته، فأقيموا بينهم ولا تفارقوهم، قاله بها النهاية (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٩٠).\n(^٢) المفهم (٢/ ١٠).\n(^٣) النهاية (٣/ ٤٤٥).","vol":"1","page":752},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فإن دعوتهم تحيط من ورائهم\" الحديث، قال ابن الأثير في النهاية (^١): الدعوة المرة الواحدة من الدعاء أي: تحوطهم وتحفظهم، والظاهر: فتح الميم في \"مَنْ وراءهم\"، فهي موصولة مفعولا لتحيط.\nقوله: \"وَمن كَانَت الآخِرَة نِيَّته جمع اللّه أمره وَجعل غناهُ فِي قلبه وأتته الدُّنْيَا وَهِي راغمة\" أي: كارهة.\n\n١٥٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ -: قَالَ خَطَبنَا رَسُول اللّه - ﷺ - بِمَسْجِد الْخيف من منى فَقَالَ نضر اللّه امْرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وَبَلغهَا من لم يسْمعهَا ثمَّ ذهب بهَا إِلَى من لم يسْمعهَا أَلا فَرب حَامِل فقه لَا فقه لَهُ وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط (^٢).\nقوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: خطبنا رسول اللّه - ﷺ - لمسجد الخيف من مني، الحديث؛ مسجد الخيف بفتح الخاء المعجمة وهو مسجد بمنى عظيم واسع جدًا، فيه عشرون بابًا، قال أهل اللغة: الخيف ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، وبه سمي مسجد الخيف (^٣)، ويستحب الإكثار من الصلاة في مسجد\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٢٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٢٢٥ (١٣٣٥٠)، وابن ماجة (٢٣٦)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٧٠ - ١٧١ رقم ٩٤٤٤). وقال الطبراني: لم يرو هذأ الحديث عن زيد بن أسلم إلا ابنه، تفرد به عطاف بن خالد ومحمد بن شعيب بن شابور. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩١).\n(^٣) غريب اللغة (١/ ٢٧٥) والصحاح (٤/ ١٣٥٩)، والنهاية (٢/ ٩٣)، والمجموع شرح المهذب (٨/ ٢٣٨).","vol":"1","page":753},{"text":"الخيف، فقد روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا منهم: موسى - ﷺ -، كأني أنظر إليه وعليه عباءتان قطوانيتان وهو محرم على بعير من إبل شنوءة مخطوم بخطام ليف له ضفيرتان\" (^١) وسيأتي الكلام على هذا الحديث وتفسير غريبه في الحج إن شاء اللّه تعالي، وأن يصلي أمام المنارة عند الأحجار التي أمامها، فقد روى الأوزاعي أنه مصلى رسول اللّه - ﷺ -، ويستحب أن يحافظ على حضور الجماعة فيه مع الإمام في الفرائض، فقد روى الأزرقي في مسجد الخيف والصلاة فيه آثارًا كثيرة وبسط القول في فضله وبيان مساحته وما يتعلق به، انتهى، قاله النووي في منسكه الكبير (^٢).\n\n١٥٣ - وَعَن جُبَير بن مطعم قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - بالخيف خيف منى يَقُول نضر اللّه عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وَبَلغهَا من لم يسْمعهَا فَرب حَامِل فقه لَهُ وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ثَلَاث لا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُؤمن إخلاص الْعَمَل للّه والنصيحة لائمة الْمُسلمين وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ فَإِن دعوتهم تحفظ من وَرَاءَهُمْ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣١٢ رقم ٥٤٠٧) والكبير (١١/ ٤٥٢ رقم ١٢٢٨٣).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا محمد بن فضيل، تفرد به: عبد اللّه بن هاشم الطوسي. وقال الهيثمى في المجمع ٣/ ٢٢١ و٢٩٧: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٠٢٣) وصحيح الترغيب (١١٢٧).\n(^٢) الإيضاح في مناسك الحج والعمرة (ص ٣٧٠).","vol":"1","page":754},{"text":"مُخْتَصرا وَمُطَولًا إِلَّا أَنه قَالَ تحيط بياء بعد الْحَاء رَوَوْهُ كلهم عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن عبد السَّلَام عَن الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبيه وَله عِنْد أَحْمد طَرِيق عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ وَإسْنَاد هَذِه حسن (^١).\nقوله: عن جبير بن مطعم، هو: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، كنيته: أبو محمد، وقيل: أبو عدي الصحابي الجليل، روى عنه: ابناه ومحمد بن نافع وسليمان بن صرد وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبد اللّه بن بابا وطائفة، وكان علامة بالنسب، أخذه من أبي بكر، وكان حليما وقورًا سيدا، قال ابن إسحاق: حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر وغيره قالوا: أعطى رسول اللّه - ﷺ - المؤلفة قلوبهم فأعطى جبير بن مطعم مائة من الإبل وحسن إسلامه، وسلحه عمر بسيف النعمان بن المنذر حين أتي به، توفي سنة تسع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين (^٢). انتهى.\nقوله: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - بالخيف، خيف مني، يقول: \"نضر اللّه عبدًا سمع مقالتي فحظها ووعاها\" تقدم في حديث زيد وابن مسعود وأنس: \"امرأ سمع مقالتي\"، وفي حديث جبير هذا: \"عبدًا\" وتقدم الكلام على تفسير ألفاظ هذا الحديث في الأحاديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"فإن دعوتهم تحوط من وراءهم\" هكذا رواه الإمام أحمد وابن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٨٠ (١٦٧٣٨) و٤/ ٨٢ (١٦٧٥٤)، وابن ماجة (٣٠٥٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم ١٥٤١ - ١٥٤٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٢)، الروض النضير (٢٧٦)، الصحيحة (٤٠٣).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٦ - ١٤٧ الترجمة ١٠٣).","vol":"1","page":755},{"text":"ماجة، ورواه الطبراني في الكبير إلا أنه قال: \"فإن دعوتهم تحيط\" بياء بعد الحاء، انتهى، قاله الحافظ المنذري، قال في النهاية (^١): أي: تحدق بهم من جميع جوانبهم، يقال: حاطه وأحاط به، ومنه: قولهم: أحطت به علما أي: أحدق علمي به من جميع جهاته، وعرفته، وفي حديث العباس قلت: يا رسول اللّه، ما أغنيت عن عمك، يعني: أبا طالب يحوطك ويغضب لك، يقال: حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا حفظه وصانه وذب عنه وتوفر على مصالحه، انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"والنصيحة لأئمة المسلمين\"، والمراد بالأئمة: أصحاب الحكومة وهم الولاة من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم ممن يلي أمور هذه الأمة افتراض طاعتهم، وقد يتأول ذلك في الأئمة الذين هم علماء الدين، ومن نصيحتهم قبول ما رووه إذا انفردوا ومتابعتهم إذا اجتمعوا (^٢). واللّه أعلم.\nقوله في الكلام على رجال الحديث: رووه كلهم عن محمد بن إسحاق، هو: أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المدني التابعي، صاحب كتاب المغازي، كان عالما بالمغازي وعلوم الشرع، قدم بغداد وحدّث بها، رأى أنس بن مالك، وعليه عمامة سوداء والصبيان خلفه يشيرون ويقولون: هذا صاحب رسول اللّه - ﷺ -، لا يؤت حتى يلقى الرجال، مات ابن إسحاق ببغداد سنة خمسين ومائة، ودفن بمقبرة الخيرزان وهو اليوم مشهور بمشهد الإمام أبي حنيفة (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤٦١).\n(^٢) شرح السنة (١٣/ ٩٥).\n(^٣) تهذيب الكمال (٢٤/ الترجمة ٥٠٥٧)، وتذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٥٧٧٤).","vol":"1","page":756},{"text":"قوله: وله عند أحمد طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري، هو: صالح بن كَيسان بفح الكاف وبالياء الساكنة والسين المهملة المدني التابعي أبو محمد، ويقال: أبو الحارث مؤدب أولاد عمر بن عبد العزيز، رأى ابن عمر وابن الزبير، وقال ابن مَعين: سمع منهما، وروى عن نافع وسالم والأعرج وسليمان بن يسار ونافع بن جبير والزهري وجماعة؛ وقال مصعب بن الزبير: كان مولى لامرأة من دوس، وكان عالمًا جامعًا للفقه والحديث والمروءة؛ سئل الإمام أحمد عنه، فقال: خرج وقال هو أكبر من الزهري ووثقه ابن مَعين وغيره، قال الحاكم: مات وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وابتدأ بالعلم وهو ابن تسعين سنة، قال الذهبي: هذا غلط فاحش من الحاكم أبي عبد اللّه، ولعله لم يجاوز السبعين، ولو كان ابتدأ على ما ورخ لأخذ عن سعد وأبي هريرة وعائشة، قال الواقدي: مات بعد الأربعين ومائة (^١)، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام.\n\n١٥٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - اللَّهُمَّ ارْحَمْ خلفائي قُلْنَا يَا رَسُول اللّه وَمن خلفاؤك قَالَ الَّذين يأْتونَ من بعدِي يروون أحاديثي ويعلمونها النَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^٢).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٣/ الترجمة ٢٨٣٤)، وتذهيب تهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٢٨٧٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٧٧ رقم ٥٨٤٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا هشام بن سعد، ولا عن هشام إلا أبي فديك، تفرد به أحمد بن عيسى العلوي. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أحمد بن عيسى بن عبد اللّه الهاشمي، قال الدَّارقُطْنِي: كذاب. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٧٤).","vol":"1","page":757},{"text":"قوله - ﷺ -: \"اللهم ارحم خلفائي\" الحديث، الخليفة: من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده (^١)، وقال الجوهري (^٢): فقال خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته، يقال: خلفه في قومه خلافة، قال اللّه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ (^٣) والهاء فيه، في: الخليفة، للمبالغة، وجمعه: الخلفاء على معنى التذكير لا على اللفظ مثل ظريف وظرفاء.\nجاء أعرابي إلى أبي بكر الصديق فقال: أنت خليفة رسول اللّه - ﷺ -، قال: لا، قال: فأنت الخالفة بعده، اعلم أن الخالفة في اللغة: الذي لا غناء عنده ولا خير فيه (^٤)، وكذلك الخلف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (^٥) وفي حديث آخر: إن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"على خلفائي رحمة اللّه\" قيل: من خلفاؤك؟ قال: \"من يحيون سنتي ويعلمونها عباد اللّه\" رواه ابن عبد البر في كتاب العلم والهروي في ذم الكلام من حديث الحسن (^٦)، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٦٩).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٣٥٦).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٤٢.\n(^٤) النهاية (٢/ ٦٩).\n(^٥) سورة مريم، الآية: ٥٩.\n(^٦) أخرجه ابن بطة في الإبانة (٣٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٢٠)، والهروى في ذم الكلام (٧٠٨). وقال الألباني: باطل الضعيفة (٨٥٤).","vol":"1","page":758},{"text":"١٥٥ - وَعَن أبي الردين قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من قوم يَجْتَمعُونَ على كتاب اللّه يتعاطونه بَينهم إِلَّا كَانُوا أضيافا للّه وَإِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة حَتَّى يقومُوا أَو يخوضوا فِي حَدِيث غَيره وَمَا من عَالم يخرج فِي طلب علم مَخَافَة أَن يَمُوت أَو انتساخه مَخَافَة أَن يدرس إِلَا كَانَ كالغازي الرَّائِح فِي سَبِيل اللّه وَمن يبطئ بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (^١).\nقوله: عن أبي الردين، واسمه [لم يذكر شيء في تسميته، سكن الشام] (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ما من قوم يجتمعون على كتاب اللّه يتعاطونه بينهم إلا كانوا أضيافًا للّه إلا حفتهم الملائكة\" الحديث، ففي هذا الحديث دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وتقدم ذلك، وقال مالك: يكره (^٣).\nقوله: \"وإلا حفتهم الملائكة\" أي: يطوفون بهم ويدورون حولهم للتبرك والرغبة فيما عندهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣٧ رقم ٨٤٤). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه إسماعيل بن عيَّاش، وهو مختلف في الاحتجاج به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧٥).\n(^٢) الكنى لمن لا يعرف له اسم (ص ٣٠)، ومعرفة الصحابة (٥/ ٢٨٩١)، والإصابة (٧/ الترجمة ٩٨٩٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١ - ٢٢).\n(^٤) النهاية (١/ ٤٠٨).","vol":"1","page":759},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وما من عالم يخرج في طلب العلم مخافة أن يموت أو انتساخه مخافة أن يدرس إلا كان كالغازي الرائح في سبيل اللّه\" الحديث، قال الحافظ ﵀: وناسخ العلم النافع له أجره وأجر من قرأه ونسخه أو عمل به من بعده ما خطه والعمل به لهذا الحديث وامثتاله، وناسخ غير النافع مما يوجب الإثم عليه وزره ووزر من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده ما بقي خطه والعمل به لما تقدم من الأحاديث: \"من سن سنة حسنة وسيئة\" واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ومن يبطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" تقدم الكلام على ذلك قريبًا.\nقوله في الكلام على رجال الحديث: رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش؛ أما إسماعيل بن عيَّاش فمثناة من تحت وبالشين المعجمة، فهو: إسماعيل بن عياش بن سليم أبو عتبة العنسي الجمعي، عالم الشام، وأحد مشايخ الإسلام، قال أبو خيثمة: كان أحول، وعن يحيى الوحاظي قال: ما أكبر نفسا منه، كنا إذا أتينا مزرعته لا يرضى لنا إلا بالخروف والخبيص، وسمعته يقول: ورثت من أبي أربعة يلاف دينار فأنفقتها في طلب العلم، وكان يحفظ شيئًا كثيرًا أربعين ألف حديث، قال يعقوب الفسوى: تكلم فيه قوم وهو ثقة عدل، وكان أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا: يغرب عن ثقات الحجازيين ووثقه يحيى بن مَعين، وقال: ليس به بأس في الشاميين، وقال دجيم: هو في الشاميين غاية، وقال البخاري: إذا حدّث عن أهل بلده فصحيح وعن غيرهم فيه نظر، وقال ابن عدي: لا يخلو عن غلط، قال الذهبي: وفي الجملة يحتج به في الشاميين خاصة، فعلم صنعته هنا، ولد","vol":"1","page":760},{"text":"سنة اثنتين أو ستا أو ثمان ومائة، ومات سنة إحدى وثمانين ومائة (^١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.\n\n١٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم يَنْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٢) وَتقدم هُوَ وَمَا يَنْتَظِم فِي سلكه وَيَأْتِي لَهُ نَظَائِر فِي نشر الْعلم وَغَيره إِن شَاءَ اللّه تَعَالَي، قَالَ الْحَافِظ وناسخ الْعلم النافع لَهُ أجره وَأجر من قَرَأَهُ أَو نسخه أَو عمل بِهِ من بعده مَا بَقِي خطه وَالْعَمَل بِهِ لهَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله وناسخ غير النافع مِمَّا يُوجب الإِثْم عَلَيْهِ وزره ووزر من قَرَأَهُ أَو نسخه أَو عمل بِهِ من بعده مَا بَقِي خطه وَالْعَمَل بِهِ لما تقدم من الأحَادِيث من سنّ سنة حَسَنَة أَو سَيِّئَة وَاللّه أعلم.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث\" قال النووي: هكذا هو في نسخ مسلم، \"انقطع عمله\" وفي كثير منها \"أمله\" وكلاهما صحيح، والأول أجود وهو المذكور في الأحاديث (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\"، المراد بالصدقة الجارية: الوقف، والمراد بالعلم: المنتفع به\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣/ الترجمة ٤٧٢)، وتذهيب تهذيب الكمال (١/ الترجمة ٤٧٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤ - ١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠/ ١)، والترمذي (١٣٧٦)، والنسائي ٦/ ٢١٩ (٣٦٧٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨).","vol":"1","page":761},{"text":"ليشمل المؤلفات وغيرها، ويدخل فيها وقفه أجنبي عليه أيضًا، وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة لا دعاؤه ولا غيره، فالدليل على انتفاعه بما نسب إليه في حياته هذا الحديث، فاستثناء هذه الثلاث من عمله يدلّ على أنها منه فإنه هو الذي تسبب إليها، ولذلك روى أن: \"من سن سنة حسنة فاستن به كان له أجره وأجر من تبعه\" (^١) الحديث، وقد دل على هذا أيضًا قوله - ﷺ -: \"لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل\" (^٢) (^٣) فإذا كان هذا في العقاب ففي الفضل والثواب أولى وأحرى (^٤).\n\n١٥٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من صلى عَليّ فِي كتاب لم تزل الْمَلَائِكَة تستغفر لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِك الْكتاب رَوَاهُ الطبَرَانِيّ وَغَيره وَرُوِيَ من كَلَام جَعْفَر بن مُحَمَّد مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَهُوَ أشبه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٧ (٢٣٢٨٩)، والبزار (٢٩٦٣ و٢٨٦٤)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٥١) و(١٥٤٢)، والحاكم ٢/ ٥١٦ - ٥١٧. وقال الألباني حسن صحيح صحيح الترغيب (٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) و(٦٨٦٧) و(٧٣٢١)، ومسلم (٢٧ - ١٦٧٧) عن ابن مسعود.\n(^٣) هنا تقديم وتأخير يختلف عن المطبوع من الترغيب فراعينا ترتيب المطبوع.\n(^٤) الروح (ص ١١٧ - ١١٨).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٣٢ رقم ١٨٣٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٦٩٧)، وابن الجوزى في الموضوعات (١/ ٢٢٨). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسحاق. قال ابن الجوزى: موضوع فيه يزيد بن عياض، قال يحيى: ليس بشيء، سئل مالك عن ابن سمعان فقال كذاب، فقيل فيزيد بن =","vol":"1","page":762},{"text":"قوله - ﷺ -: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب \"الحديث، والمراد: باستغفار الملائكة الدعاء؛ وذكر القابسي القدسي أبو حفص عمر من حديث أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر اللّه ﷿ جبريل ﵈ أن يأتيهم، فيسألهم من هم؟ فيأتيهم فيسألهم، فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول اللّه ﷿ لهم: ادخلوا الجنة طال ما كنتم تصلون على نبيي - ﷺ - (^١)، وخرج عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور عليها قباب من در ثم ينادي مناد: أين الفقهاء؟ وأن الأئمة والمؤذنون؟ اجلسوا على هذه فلا روع\n_________\n= عياض قال أكذب وأكذب، وقال النسائي: متروك الحديث وفيه إسحاق بن وهب قال الدَّارقُطْنِي: كذاب متروك يحدّث بالأباطيل، وقال ابن حبان: يضع الحديث.\nقال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ٣٠١: وله (أى بشر بن عبيد) عن يزيد بن عياض، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعًا: من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له. وهذا موضوع.\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٣٦ - ١٣٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بشر بن عبيد الدارسي، كذبه الأزدي وغيره. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٣٣١٦)، وقال: موضوع ضعيف الترغيب (٧٦).\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٤٦٨) ومن طريقه السمعانى في أدب الإملاء (ص ٩٦) وابن الجوزى في الموضوعات (١/ ٢٦٠)، وابن المقرب في أربعين حديثًا (١٣) عن أنس.\nقال الخطيب هذا حديث موضوع والحمل فيه على الرقي والله أعلم.","vol":"1","page":763},{"text":"عليكم ولا حزن حتى يفرغ اللّه فيما بينه وبين العباد من الحساب\" (^١) انتهى، قاله القرطبي في تذكاره (^٢)، وقال المعافي بن عمران: كتابة حديث واحد أحب إليّ من صلاة ليلةٍ (^٣).\n\n١٥٨ - وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٤) وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد وَغَيرهَا حَتَّى بلغ مبلغ التَّوَاتُر وَاللّه أعلم.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" الحديث، وقال الحافظ: وهذا الحديث قد روي عن غير واحد من الصحابة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها حتى بلغ مبلغ التواتر، واللّه أعلم، انتهى.\nهذا باب عظيم أحاديثه في نهاية الصحة، وقيل: إنها متواترة، روى أبو بكر في مسنده والقاضي أبو بكر بن العربي أنه رواه عن النبي - ﷺ - نحو من أربعين نفسًا من الصحابة، وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٣٥٣)، قال أبو نعيم: غريب من حديث مسعر، تفرد به الحسن عن إسماعيل، ويعرف بالحسن بن يزيد الجصاص، بغدادي سكن الموصل. وقال الخطيب: هذا حديث غريب من حديث مسعر تفرد به إسماعيل بن يحيى التيمي عنه، وكان ضعيفا سيء الحال جدًا.\n(^٢) التذكرة (ص ٨٢٨).\n(^٣) تلبيس إبليس (١/ ١٢١) وصفة الصفوة (٢/ ٣٥٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (١١٠) و(٦١٩٧)، ومسلم (٣ - ٣).","vol":"1","page":764},{"text":"أنه روي عن أكثر من ستين صحابيًا مرفوعًا، وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده: عدد ما رواه فبلغ بهم سبعة وثمانين صحابيًا، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا نعرف حديثًا اجتمع على روايتُه العشرة إلا هذا، ولا حديثًا يروي عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة ثم لم يزل في ازدياد، وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحهما من حديث علي والزبير وأنس وأبي هريرة وغيرهم، وأما إيراد أبي عبد اللّه الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين من حديث أنس في أفراد مسلم فليس بصواب، فقد اتفقا عليه، واللّه أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فليتبوأ مقعده من النار\" وهو بكسر اللام هذا هو الأصل، وبالسكون هو المشهور، قال العُلماء: معناه فلينزل، وقيل: فليتخذ منزله من النار، قال الخطابي: وأصله من مباءة الإبل وهي إعطائها، والتبوؤ: اتخاذ المباءة أي المنزل، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه موضعا لمقامه، قال الجوهري: تبوأت منزلا أي نزلته، ثم قيل: إنه دعاء بلفظ الأمر يريد أن اللّه تعالى يبوئه مقعده من النار وخرج مخرج الأمر، ومعناه: الدعاء، وقيل: هو خبر بلفظ الأمر أي معناه، فقد استوجب ذلك فليوطن نفسه عليه، وذلك لأن الأمر يرد بمعنى الخبر، والخبر يرد بمعنى الأمر لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (^٢) وهو أمر بالتربص وهذا كثير مشهور (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.\n(^٣) انظر أعلام الحديث (١/ ٢١٢) للخطابي، وكشف المشكل (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩) لابن الجوزي، وشرح النووي على مسلم (١/ ٦٨)، والكواكب الدراري (٢/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"1","page":765},{"text":"قال النووي ﵀ (^١): اعلم أن هذا الحديث يشتمل على فوائد وجمل من القواعد، إحداها: تقرير هذه القاعدة أن الكذب عند المتكلمين من أصحابنا الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه عمدا كان أو سهوًا، هذا مذهب أهل السنة، وقال المعتزلة: شرطه العمدية، الثانية: تحريم الكذب عليه - ﷺ - وأنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة، وإباحة الكذب عليه - ﷺ - موقعة إلى إبطال شرعه وتحريف دينه، ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله هذا هو المشهور من مذاهب العُلماء من الطوائف، وقال الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين: يكفر من تعمد الكذب عليه - ﷺ -، كذا حكى هذا المذهب عنه، ولده: إمام الحرمين، وكان يقول في دروسه كثيرًا: من كذب على رسول اللّه - ﷺ - كفر وأراق دمه، وضعف إمام الحرمين هذا القول، وقال إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وأنه هفوة عظيمة من والده، والصواب ما قدمناه عن الأصحاب، ثم إن كذب عليه - ﷺ - عمدًا في حديث واحد فسق وردت رواياته كلها وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العُلماء منهم الإمام أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي وأبو بكر الصيرفي من فقهاء أصحابنا الشافعية وأصحاب الوجوه فيهم: لا تؤثر توبته في ذلك ولا تقبل روايتُه بل يختم جرحه دائمًا.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٩)","vol":"1","page":766},{"text":"قال النووي (^١): هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية والمختار القطع بصحة توبته في هذا قبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على رواية من كان كافرًا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا؛ الثالث: أنه لا فرق بين تحريم الكذب عليه - ﷺ - بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع خلافًا للكرامية الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب وتابعهم كثيرون من الجهلة الذي يكسبون أنفسهم الزهد أو ينسبهم جهلة مثلهم، واللّه أعلم.\nثم معنى الحديث: أن هذا جزاؤه وقد يجازى به، وقد يعفو اللّه الكريم عنه ولا يقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كلّ ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر فكلها يقال فيها: هذا جزاؤه، وقد يجازى وقد يعفو اللّه الكريم عنه، ثم إن جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها بل لابد من خروجه منها بفضل اللّه ورحمته ولا يخلد في النار إذا مات على التوحيد، واعلم أن مذهب أهل السنة: أن من ارتكب كبيرة ومات قبل التوبة إن شاء اللّه تعالى عفا عنه ويدخله الجنة أول مرة، وإن شاء عذبه في النار ثم يدخله\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٧٠).","vol":"1","page":767},{"text":"الجنة، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة، وقالت المعتزلة: صاحب الكبيرة إذا مات بغير التوبة لا يعفى عنه ويخلد في النار، واللّه أعلم (^١).\n\n١٥٩ - وعن سمرة بن جُندُبٍ عن النبي - ﷺ - قال: \"من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين\". رواه مسلم وغيره (^٢).\nقوله: (عن سمرة بن جندب)، هو: سمرة بن جندب بضم الدال وفتحها بن هلال بن حريج بحاء مهملة ثم راء مكسورة ثم ياء مثناة من تحت ثم جيم الفزاري، كنيته: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن وأبو عبد اللّه وأبو سليمان، توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوجها أنصاري وكان في حجره حتى كبر وأجازه النبي - ﷺ - في المقاتلة في غزوة أحد وغزا بعد ذلك مع النبي - ﷺ - غزوات ثم سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا سافر إلى الكوفة ويستخلفه على الكوفة إذا سافر إلى البصرة، وكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر، وكان شديدًا على الخوارج، ولهذا تبغضه الحرورية ومن قاربهم في مذهبهم، وكان الحسن وابن سيرين وفضلاء البصرة يثنون عليه، روي له عن النبي - ﷺ - مائة وثلاثة وعشرون حديثًا، توفى بالبصرة سنة تسع أو ثمان وخمسين، وقال البخاري: توفي بعد أبي هريرة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين، سقط في قدر مملوء ماء حارًا بسب كزاز شديد أصابه، الكزاز: داء يكون من شدة البرد، وكان النبي - ﷺ - يعرض عليه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٨ - ٦٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في المقدمة (١/ ٨)، وابن ماجة (٣٩)، وابن حبان (٢٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٥).","vol":"1","page":768},{"text":"غلمان الأنصار في كلّ سنة فمر غلام فأجازه في البعث وعرض عليه سمرة بعده فرده، فقال سمرة: لقد أجزت هذا ورددتني ولو صارعته لصرعته، قال: \"فدونكه، فصارعه فصرعه\" فأجازه في البعث يوم أحد، واللّه أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: (من حديث عني بحديث يرى أنه كذب ...) الحديث، ذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من \"يرى\" وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء من \"يرى\" فمعناه يظن، وأما من فتحها فظاهر ومعناه: وهو يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يظن أيضًا، فقد حكى رأي بمعنى ظن، قاله النووي (^٢).\nقوله - ﷺ -: (فهو أحد الكاذبين)، قال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: ضبطناه بكسر الباء وفتح النون على الجميع، وهذا هو المشهور من اللفظ، وقال: الرِّواية فيه عندنا \"الكاذبين\" على الجميع، رواه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المستخرج على صحيح مسلم في حديث سمرة \"الكاذبين\" بفح الباء وكسر النون على الثنية والجمع، واحتج به على أن الراوي له يشارك البادئ بهذا الكذب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة \"الكاذِبَيْن\" أو \"الكاذِبِيْن\" على الشك في التثنية أو الجمع، وقيد ذلك لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذبًا، وأما ما يظنه ولا يعلمه فلا إثم عليه في روايتُه عن غيره (^٣).\nوأما فقه هذا الحديث ففيه: تغليظ الكذب والتعرض له أن من غلب على\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦ ترجمة ٢٣٣)، وتهذيب الكمال (١٢/ الترجمة ٢٥٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"1","page":769},{"text":"ظنه ما يرويه كذبا فرواه كان كاذبًا، وكيف لا يكون كاذبًا وهو مخبر بما لم يكن (^١)، وإنما سمي المحدّث به كاذبًا لأنه رأى أن ذلك كذب، فالتحدّث به صار معينًا لمن افتراه على فريته فاشترك معه في الوزر كمن أعان ظالمًا على ظلمه (^٢)، ويؤخذ منه أنه يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعًا لو غلب على ظنه وضعه، فمن رواه وعلم حاله أو ظنه ولم يبين حال راويته فهو داخل في ذلك مندرج في جملة الكذابين على رسول اللّه - ﷺ -، واعلم أن الكذب على رسول اللّه - ﷺ - من أعظم أنواع الكذب بعد كذب الكافر على اللّه تعالي، وقد روي عنه - ﷺ - أنه قال: \"إياكم والحديث وكثرة الروايات عني، فمن قال عني فلا يقولن إلا حقًّا وصدقًا\"، وقد هاب جماعة من الصحابة والتابعين الرِّواية عن النبي - ﷺ - لأجل هذا الحديث خوفا من الزيادة والنقصان والغلط فيه حتى أن بعض التابعين كان يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول اللّه - ﷺ -، انتهى، قاله النووي (^٣).\nولقد دار بين الزهري وربيعة معاتبة فقال ربيعة للزهري: ألا إنما أخبر الناس برأيي إن شاؤوا أخذوا وإن شاؤوا تركوا وأنت إنما تخبرهم عن رسول اللّه - ﷺ - فانظر ما تخبرهم به، انتهى، قاله الكرماني (^٤)، وكان عمر بن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٥).\n(^٢) الميسر (١/ ٩٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٧١)، والكواكب الدراري (٢/ ١١٥).\n(^٤) الكواكب الدراري (٢/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"1","page":770},{"text":"الخطاب يشدد في ذلك ويقول: أقلوا الرِّواية عن رسول اللّه - ﷺ - وأنا شريككم، يريد في التقليل (^١)؛ وكان ابن مسعود - ﵁ - يقل الرواية عن رسول اللّه - ﷺ -، وإذا روى تغير لونه؛ وليس قوله - ﷺ - \"فليتبوأ مقعده من النار\" جاريا على المفهوم من صيغة الخبر وإنما هو أمر بمعنى الخبر تقديره: فإنه يتبوأ مقعده من النار (^٢) وهو مثل قوله - ﷺ -: \"إذا لم تستح فاصنع ما شئت\" ليس المراد بأن يصنع ما يشاء، وإنما تقديره: إذا لم تستح فإنك تصنع ما تشاء لأنه إنما يمنعك الحياء فإذا زال فإنك لا تبالي بما تصنع وهو أبلغ في الذم لأن الراضي بترك الحياء راض بجملة القبائح (^٣) فنسأل اللّه السلامة وسلوك سبل الاستقامة، قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه.\n\n١٦٠ - وَعَن الْمُغيرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول: \"إِن كذبًا عَليّ لَيْسَ ككذب على أحد فَمن كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار\". رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٤).\nقوله: (عن المغيرة بن شعبة)، والمغيرة: بضم الميم على المشهور، وحكى ابن قتيبة وابن السكيت وغيره أنه يقال: بكسرها أيضًا، وكان المغيرة أحد دهاة العرب، وكنيته أبو عبد اللّه، ويقال: أبو عيسى، ويقال: أبو محمد،\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٧/ ٢١).\n(^٢) انظر غريب الحديث (٣/ ٣٢)، وأعلام الحديث (١/ ٢١٢).\n(^٣) انظر غريب الحديث (٢/ ٣١) لأبى عبيد، وغريب الحديث (١/ ٣٦٥) لابن قتيبة، وأعلام الحديث (٣/ ٢١٩٨)، وكشف المشكل (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤) وتحفة الأبرار (٣/ ٢٧٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤ - ٤).","vol":"1","page":771},{"text":"المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بالعين المفتوحة الثقفي الكوفي الصحابي، أسلم عام الخندق، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة وستة وثلاثون حديثًا، روى عنه جماعة من الصحابة ومن التابعين جماعة كثيرة، وكان مغيرة موصوفًا بالدهاء، قال جماعة: إنه أحصن بثلثماثة امرأة في الإسلام، وقيل: ألف امرأة وشهد الحديبية مع رسول اللّه - ﷺ - وولاه عمر بن الخطاب البصرة مدّة ثم نقله عنها فولاه الكوفة فلم يزل عليها فأقره عثمان عليها ثم عزله وشهد اليمامة وفتح الشام وذهبت عينه يوم اليرموك وشهد القادسية وفتح نهاوند وكان على ميسرة النعمان بن مقرن وشهد فتح همدان وغيرها واعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان واستعمله معاوية على الكوفة فلم يزل عليها حتى توفي بها سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، قالوا: وهو أول من وضع ديوان البصرة (^١).\nكتب الحافظ أبو عمر بن عبد البر على استيعابه زيادة في ترجمة المغيرة، قال (^٢): لما قتل عثمان وبايع الناس عليا دخل عليه المغيرة بن شعبة فقال له: يا أمير المؤمنين إن لك عندي نصيحة، قال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة بن عبيد اللّه على الكوفة والزبير بن العوام على البصرة وابعث إلى معاوية بعهده إلى الشام حتى تلزمه طاعتك فإذا استقرت لك الخلافة فأدرها كيف شئت برأيك، فقال علي - ﵁ -: أما طلحة والزبير فأرى فيهما رأيي، وأما معاوية فلا واللّه لا يراني اللّه مستعملا له أبدًا ما دام\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٨ - ١١٠ ترجمة ٥٩٩).\n(^٢) الاستيعاب (٤/ ١٤٤٧).","vol":"1","page":772},{"text":"على حاله ولكني أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون فإن أبى حاكمته إلى اللّه تعالى فانصرف عنه المغيرة مغضبا لما لم يقبل نصيحته، فلما كان الغد أتاه فقال: يا أمير المؤمنين نظرت فيما قلت لك بالأمس وفيما جاوبتني فيه فرأيت أنك وفقت للخير وطلبت الحق، ثم خرج عنه، فلقيه الحسن وهو خارج فقال: أاللّه ما قال هذا الأهور، قال: أتاني بالأمس بكذا وأتاني اليوم بكذا، فقال: نصح لك أمس، وخدعك اليوم، فقال له علي: إن أقررت معاوية على ما بيده كنت متخذ المضلين عضدًا، فقال المغيرة في ذلك:\nنصحتُ عليًّا في ابنِ هندٍ نصيحةً ... فردَّ فلَمْ أنصَحْ لهُ الدهرَ ثانيَهْ\nفقلتُ لهُ أرسلْ إليهِ بعهدهِ .. على الشامِ حتّى يستقرَّ معاويَهْ\nويعلمَ أهلُ الشام أنْ قد ملكتَهُ ... فأمُّ ابن هندٍ بعدَ ذلك هاوِيَهْ\nفلَمْ يقبلِ النُّصْحَ الذي جئتهُ بهِ ... وكانَتْ لهُ تلكَ النصيحةُ كافيَهْ\nانتهى.\nقوله - ﷺ -: (إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد ...) الحديث، وفي الحديث أيضًا: \"لا تكذبوا علي فإنه من يكذب عليّ يلج النار\" (^١) وهذا الحديث أصل عظيم في التحذير من الكذب على رسول اللّه - ﷺ - والتشديد فيه بالوعيد الشديد، وقد أشار ﵊ بقوله: (إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد) أن الكذب عليه كذب على اللّه تعالى لأنه يدخل في الشريعة ما ليس منها ويخرج منها ما هو فيها، فإن أقواله وأفعاله وحركته\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٦)، ومسلم (١ - ١)، وابن ماجة (٣١)، والترمذي (٢٦٦٠) عن علي بن أبي طالب.","vol":"1","page":773},{"text":"وسكونه ونطقه وسكوته حجج من حجج الله تعالى وأدلته من أدلته فالمغير لها معرض إلى المخالفة لأحكام الله تعالى بما وضعه واخترعه وضرره أشد من ضرر المعاصي المختصة بأربابها لأن في هذا مضرة بالخلق عمومًا، انتهى.\nخاتمة: قال الإمام القرطبي في كتابه التذكرة (^١): قال علماؤنا: فتخويفه - ﷺ - بالنار على الكذب دليل على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه فحذار مما وضعه أعداء الدين وزنادقة المسلمين في باب الترغيب والترهيب وغير ذلك، وأعظمهم ضررًا أقوام من المنسوبين إلى الزهد وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونًا إليهم فضلوا وأضلوا، وقد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدثين أن رجلا من الزهاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت أن أرغبهم فيه، فقيل له النبي - ﷺ - قال: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، فقال: أنا ما كذبت عليه إنما كذبت له، وزعم بعضهم: أن هذا كذب له - ﷺ - لا كذب عليه، كما تقدم، وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة ونهاية الغفلة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ٨٠)، والتذكار في أفضل الأذكار (ص ١٧٠).","vol":"1","page":774},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الترغيب في مجالسة العُلماء</span>\n١٦١ - عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"إِذا مررتم برياض الْجنَّة فارتعوا\"، قَالُوا: يَا رَسُول اللّه وَمَا رياض الْجنَّة؟ قَالَ: \"مجَالِس الْعلم\". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه راو لم يسم (^١).\nقوله: \"عن ابن عباس\"، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول اللّه، وما رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم\" الحديث.\nالرتع: هو الأكل والشرب في خصب وسعة، انتهى، قاله الحافظ المنذري، والخصب بكسر الخاء المعجمة ضد الجدب، وورد عنه - ﷺ - أنه قال: \"لمجلس علم عند اللّه أفضل من عبادة ألف سنة لا يعصى اللّه فيها طرفة عين\" (^٢) ولهذا المعنى إذا مات العالم بكى عليه كلّ الخلق حتى الطير في الهواء والسمك في الماء، وروي أنه - ﷺ - قال: \"لا تجلسوا مع كلّ عالم إلا عالمًا يدعوكم من خمس إلى خمس، من الشك إلى اليقين، ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٩٥ رقم ١١١٥٨). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧٧).\n(^٢) ذكره ابن الحاج في مدخله (ص: ٨٩)، ولم أجده مسندا عند أحد.","vol":"2","page":5},{"text":"إلى الرهبة\" خرجه أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث جابر (^١).\nوقال الإمام أبو بكر بن العربي في مراقي الزلف: قال أبو حنيفة - ﵁ -: الحكايات عن العُلماء ومجالستهم أحب إليّ من كثير من الفقه لأنها آداب القوم وأخلاقهم؛ قال الغزالي ﵀: في أوائل الإيحاء: قال بعضهم: العُلماء سراج الأزمنة، كلّ واحد مصباح زمانه، يستضيء به أهل عصره.\nتتمة: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها\"رواه الترمذي (^٢)، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري عفا اللّه عنهما: شبه النبي - ﷺ - الحكمة بالضالة وهي الشيء الضائع، ومعناه: أن المؤمن لا يزال يطلب الحكمة ويسعى في طلبها كما أن صاحب الضالة يطلبها وينشدها حتى يجدها، وفيه معنى آخر: وهو أن صاحب الضالة لا يتركها إذا وجدها عند صغير لصغره ولا عند حقير لحقارته، كذلك طالب العلم لا يأنف من أخذه عمن وجده عنده؛ وفيه معنى آخر وهو أن من كانت الضالة عنده لا يجوز له أن يكتمها ولا يحبسها عن صاحبها لأنه قد وجد ضالته عنده وهو مستحقها\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٧٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٥١٠). قال أبو نعيم: وهذا الحديث كلام كان شقيق كثيرا ما يعظ به أصحابه والناس، فوهم فيه الرواة فرفعوه وأسندوه.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٦٨٧)، وابن ماجة (٤١٦٩). قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإبراهيم بن الفضل المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه. وقال الألباني: ضعيف جدًا المشكاة (٢١٦).","vol":"2","page":6},{"text":"فيجب عليه أن يبذله له، واللّه أعلم، قاله في كتابه \"المتجر الرابح\" (^١).\n\n١٦٢ - عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"إِن لُقْمَان قَالَ لِابْنِهِ: يَا بني عَلَيْك بمجالسة الْعلمَاء واسمع كلَام الْحُكَمَاء فَإِن اللّه ليحيي الْقلب الْمَيِّت بِنور الْحِكْمَة كمَا يحيي الأرْض الْميتَة بوابل الْمَطَر\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عبيد اللّه بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ لغير هَذَا الْمَتْن وَلَعَلَّه مَوْقُوف وَاللّه أعلم (^٢).\nقوله: \"عن أبي أمام\"، هو الباهلي، واسمه: صدي بن عجلان، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إن لقمان قال لابنه: يا بني عليك بمجالسة العُلماء واسمع كلام الحكماء\"، كان لقمان أسود اللون وكان حبشيًّا من النوبة، وكان منشؤه وتعلمه ببلاد الشام، ومات بها وقبره بمدينة الرملة من أعمال فلسطين، وكان ساكنا في هذه المواضع، وكان في زمن داود - ﵇ -، وكان عبدًا لرجل من بني إسرائيل كان قد اشتراه بثلاثين مثقالًا ذهبًا، وكان يعمل له وقصته مع مولاه مطولة، اختصرتها، وقال في آخرها: فأعتقه مولاه، وكان يختلف إلى داود - ﷺ - ويقتبس منه الحكمة، قال: وأرسل اللّه إليه ملكًا فظنه في الحكمة غطاء\n_________\n(^١) المتجر الرابح (ص ١٩ - ٢٠).\n(^٢) أخرجه الرامهرمزى في الأمثال (ص ٨٧ - ٨٨)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٩٩ رقم ٧٨١٠).\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبيد اللّه بن زحر عن علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف لا يحتج به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧٨).","vol":"2","page":7},{"text":"فأصبح وهو أحكم أهل الأرض، وعن الدارمي قال: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًّا نجارًا، واختلف العُلماء في نبوته فقال الإمام أبو إسحاق الثعلبي (^١): اتفق العُلماء على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا إلا عكرمة والشعبي كلاهما قالا: كان نبيًّا، وتفردا بهذا القول، وقال الجمهور: كان لقمان وليًّا قاضيًا في بني إسرائيل، واسمه: لقمان بن باعور بن ماخور بن تارخ وهو آزر، وقيل: لقمان بن عنقاء بن سدون بن خالة أيوب - ﵇ -، وقيل: ابن أخته، واللّه أعلم.\nتنبيه: وابن لقمان الذي قال له: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (^٢)، فقيل: اسمه أنعم، وقال بعض العُلماء: اسم ابن لقمان ثاران، وقيل: مشكم، وقيل: أنعم (^٣)، واللّه أعلم. فائدة: قال النووي في أذكاره فإن قيل: إذا ذكر لقمان ومريم، هل يصلى عليهما كالأنبياء، أم يترضى عنهما كالصحابة والأولياء أم نقول ﵉؟ فالجواب: أن الجماهير من العُلماء على أنهما ليسا بنبيين، وقد شذ من قال: نبيان، ولا التفات إليه ولا تعريج عليه، فإذا عرف ذلك فقد قال بعض العُلماء: كلاما يفهم منه أنه يقول قال لقمان أو مريم - ﷺ - لأن مقامهما ترفعان عن حال من يقال - ﵁ - لما في القرآن العزيز مما يرفعهما، والذي أراه أن هذا لا بأس به، وأن الأرجح أن يقال - ﵁ - أو عنهما\n_________\n(^١) عرائس المجالس (ص ٣٧٧ - ٣٨٣)، وتفسير الثعلبي (٧/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(^٣) تفسير القرطبي (١٤/ ٦٤)، والبداية والنهاية (٢/ ١٢٣).","vol":"2","page":8},{"text":"لأن هذا رتبة غير الأنبياء ولم يثبت كونهما نبيين، وقد نقل إمام الحرمين إجماع العُلماء على أن مريم ليست بنبية، ذكره في الإرشاد، ولو قال - ﵇ - أو ﵉، فالظاهر أنه لا بأس به، انتهى (^١).\nقوله: في حديث أبي أمامة الباهلي \"إن اللّه ليحيي القلب الميت بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل المطر\" الحديث، تقدم الكلام على الحكمة مبسوطًا في أول هذا التعليق، وتقدم قريبًا من كلام الأئمة، والوابل: المطر الشديد، والطل أضعف المطر، قال اللّه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (^٢) وقال اللّه تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (^٣) الآية، فالمطر أثر رحمته التي تحيي بها القلوب الغافلة الميتة ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (^٥) الآية، انتهى.\nوذكر إن إبراهيم ﵊ أمره ربه يدعو الخلق إليه، فقال: يا رب كيف أدعوهم إليه مع قساوة قلوبهم فأمره اللّه بالخروج إلى الساحل فأخرج اللّه له دابة من البحر طولها فرسخ في فرسخ فمزقتها السباع والطيور\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٢٢٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٥.\n(^٣) سورة الروم، الآية: ٥٠.\n(^٤) سورة الروم، الآية: ٥٠.\n(^٥) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.","vol":"2","page":9},{"text":"ثم أحياها اللّه تعالى فسبحت في الماء، فقال اللّه تعالى له: \"إن اللّه أحيا مما ترى لقادر على أن يحيى القلوب الميتة\"، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ (^١) انتهى من كتاب الزاهد أبي الحسن بن فرحون القرطبي.\nوالمقصود أن حياة القلب بالعلم والهمة والناس إذا شاهدوا ذلك من الرجل حيِّ القلب، وللحياة مراتب، المرتبة الأولى: حياة الأرض بالنبات قال اللّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (^٢)، المرتبة الثاثية: حياة النمو والغذاء وهي مشتركة بين النبات والحيوان، والمرتبة الثالثة: حياة الحيوان بقدر زائد على النبات وهو إحساسه وحركته، ولهذا يألم بقطع بعرض ما يتصل به، المرتبة الرابعة: حياة الحيوان الذي لا يتغذى بالطعام والشراب كحياة الملائكة وحياة الأرواح مع مفارقتها الأبدان، المرتبة الخامسة: حياة العلم مع موت الجهل، فإن الجهل موت لأهله، كما قيل:\nوَفي الجهلِ قَبْلَ الموْتِ مَوْتٌ لأهْلِه ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ\nوَأَرْوَاحُهُمْ في وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهمْ ... وَلَيْسَ لهمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ\nوَإِنَّ امرأ لم يحيى بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... وَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الممات نُشُورُ\n_________\n(^١) سورة الأحقاف، الآية: ٣٣.\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٦٥.","vol":"2","page":10},{"text":"فالجاهل ميت القلب والروح وإن كان حي البدن، فجسده قبر يمشي على وجه الأرض، قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] شبههم في موت قلوبهم بأهل القبور فإنهم ماتت أرواحهم وصارت أجسامهم قبورًا لها، فكما لا يسمع أصحاب القبور لا يسمع هؤلاء، وليس هذا تشبيهًا بموت البدن بل ذلك موت القلب والروح، والمقصود (قوله) لأن العلم حياة القلوب من الجهل فالقلب ميت وحياته بالعلم والإيمان، وإذا كانت الحياة من الحس والحركة، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ولم تتحرك له كانت ميتة حقيقة، واللّه أعلم (^١).\n\n١٦٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قيل يَا رَسُول اللّه أَي جلسائنا خير قَالَ من ذكركُمْ اللّه رُؤْيَته وَزَاد فِي علمكُم مَنْطِقه وذكركم بِالآخِرَة عمله رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا مبارك بن حسان (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٨) باختصار.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد (٦٣١)، وابن أبي الدنيا في الأولياء (٢٥)، وأبو يعلى (٢٤٣٧). قال البوصيرى في إتحاف الخيرة (٦/ ٣٨٢): هذا إسناد رواته ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٨٣٠)، وضعيف الترغيب (٧٩).","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الترغيب بها إكراه العُلماء وإجلالهم وتوقيرهم والترهيب من إضاعتهم وعدم المبالاة بهم</span>\n١٦٤ - عَن جَابر - ﵁ -: أَنَّ النَّبِي - ﷺ - كَانَ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد يَعْنِي فِي الْقَبْر ثمَّ يَقُول أَيهمَا أَكثر أخذا لِلْقُرْآنِ فَإِذا أُشير إِلَى أَحدهمَا قدمه فِي اللَّحْد رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: عن جابر، حيث أطلق جابرًا فالمراد: جابر بن عبد اللّه، وحيث أرادوا جابر بن سمرة، قيدوه بسمرة.\nقوله: \"أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، يعني في القبر\" الحديث رواه البخاري في صحيحه، ورواه الترمذي بنحوه، وصححه، ولفظ النسائي: عن هشام بن عامر الأنصاري قال: شكونا إلى رسول اللّه - ﷺ - يوم أحد، فقلنا: يا رسول اللّه الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: \"احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد\"، قالوا: فمن تقدم يا رسول اللّه؟ قال: \"قدموا أكثركم قرآنًا\" وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (١٣٤٣) و(١٣٤٧) و(١٣٥٣) و(٤٠٧٩)، وابن ماجة (١٥١٤)، وأبو داود (٣١٣٨)، والترمذى (١٠٣٦)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٠٠ (١٩٧١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢١٥ و٣٢١٦ و٣٢١٧)، والترمذى (١٧١٣)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٣٤ (٢٠٢٨) و٤/ ١٤٥ (٢٠٢٩) و٤/ ١٤٧ (٢٣٣٠) و(٢٠٣٤) و٤/ ١٤٨ (٢٠٣٥) و(٢٠٣٦) والكبرى (٢١٤٨ و٢١٤٩) و(٢١٥٣ - ٢١٥٦)، والطبراني في الكبير =","vol":"2","page":12},{"text":"وهشام هذا: هو هشام بن عامر بن أمية بن النجار بن مالك بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار النجاري والد سعد بن هشام، له ولأبيه صحبة، قيل: كان اسمه في الجاهلية شهابًا فسماه النبي - ﷺ - هشاما، واستشهد يوم أحد، وسكن البصرة، ومات بها، له في الكتب الستة هذا الحديث (^١).\nوأما الأربعة أمر النبي - ﷺ - يوم أحد أن يجمع الاثنان والثلاثة في قبر واحد، وفي رواية \"في ثوب واحد\" وكلاهما صحيح، لأنه ضاقت عليهم الثياب ففعلوا ذلك فيها، وفي القبر كما جاء مصرحا به، وذلك جائز للضرورة ككثرة القتلى والموتى بطاعون أو هدم أو غرق أو القحط أو الوباء، وبالناس ضعف بسبب القحط أو شغل الحرب وعز إفراد كلّ ميت بقبر أو لم يوجد إلا كفن واحد فلا يحرم على الأصح (^٢)، وأما عند عدم الضرورة فقال الرافعي: إنه لا يستحب (^٣)، وقال غيره: إنه ممنوع، وصرح في شرح المهذب: بتحريمه ولو بعد حين ما بقي من الأول شيء (^٤)، نعم إن نبش فرأى العظام\n_________\n= (٢٢/ ١٧٢ رقم ٤٤٧). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (١٧٠٣)، الإرواء (٧٤٣).\n(^١) أسد الغابة (٥/ ٣٧٧ ترجمة ٥٣٧٩)، وتهذيب الكمال (٣٠/ ٢١٢ - ٢١٤ الترجمة ٦٥٨٠).\n(^٢) انظر العزيز شرح الوجيز (٢/ ٤٥٤)، وروضة الطالبين (٢/ ١٣٨)، وكفاية النبيه (٥/ ١٥٣)، وتحفة المحتاج (٣/ ١٧٤).\n(^٣) العزيز شرح الوجيز (٢/ ٤٥٤).\n(^٤) المجموع (٥/ ٢٨٤).","vol":"2","page":13},{"text":"جعلها ناحية، ويدفن معها، نص عليه الشافعي ﵀ (^١)، ولا فرق بين الرجلين والمرأتين والرجل والمرأة للضرورة، وقال ابن الصباغ: إذا كان بينهما زوجية أو محرمية فلا منع، ويجعل بين الرجال والنساء حاجز من تراب، وكذا بين الرجلين والمرأتين على الصحيح (^٢).\nقال النووي ﵀ (^٣): الذي تحرر أنها ثلاث مسائل، إحداها: ابتداء دفن الاثنين من نوع كرجلين أو امرأتين فيكره بلا ضرورة، الثانية: ابتداء دفن رجل وامرأة والذي يظهر فيها التحريم في غير المحارم، والسيد والزوج، الثالثة: نبش ميت ليدفن معه آخر، فهذا حرام ما لم يَبْل جميع الأول بقول أهل الخبرة، فإن حفره فوجد فيه العظام طمه ولم يتم حفره، فإن رآها بعد إتمام الحفر جعلها في جنب القبر ودفن الميت معها، انتهى.\nفرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة قدم إلى القبلة الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة (^٤).\nفرع آخر: قال النووي (^٥): وأما الفساقى في التي تعمل هذا الزمان لجمع الموتى، ففيه: إدخال ميت على ميت وهو حرام لما فيه من الهتك الول وظهور\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٨٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٨١ - ٨٢).\n(^٤) المجموع شرح المهذب (٥/ ٢٨٤).\n(^٥) النجم الوهاج (٣/ ٨٢).","vol":"2","page":14},{"text":"رائحته، فيجب إنكار ذلك في الاكتفاء به في الدفن نظرٌ من وجهين، أحدهما: على هيئة الدفن المفهوم شرعًا، والثاني: أنها ليست معدة لكتم الرائحة، انتهى.\nقوله: \"من قتلى أحد\" غزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، روى أنه - ﷺ - غزا ستة وثلاثين غزوة، ثمانية عشر منها خرج بنفسه، وثمانية عشر بعص سرية ولم يخرج بنفسه، وروى في بعض الأخبار أنه غزى أربعين غزوة، وروى أكثر من ذلك، فمنها: غزوة أحد، وذلك أن قريشًا لما رجعوا من بدر جمعوا جمعًا كبيرًا في السنة الثانية وخرجوا إلى المدينة وكان القتال عند أحد وكانت الهزيمة على الكفار، وقتل من المسلمين يومئذ سبعون رجلًا وجرح كثير منهم وانهزم الباقون ثم صرف اللّه عنهم الكفار فرجعوا فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وهو إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (^١) أي: رجع الأمر عليكم، انتهى، قاله السمرقندي في كتابه بستان العارفين (^٢). قال في شرح السنة (^٣): السنة في الشهيد أن تنزع عنه الفراء والجلود والخفاف والأسلحة، ويدفن بما عليه من ثياب الحرب، وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينزع شيء من الثياب التي قتل فيها فإن لم يكن له ثوب سابغ وجب تتميمه لقصة مصعب بن عمير، وسيأتي ذلك في الزهد في الدنيا، وإذا استشهد الجنب فالأصح أنه لا يغسل عن الجنابة، وكذلك منقطعة\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٢.\n(^٢) بستان العارفين (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣).\n(^٣) شرح السنة (٥/ ٣٦٦).","vol":"2","page":15},{"text":"الحيض قبل الاغتسال لا تغسل أيضًا على الصحيح، وهذا الحديث صريح في الشهيد أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور، والأصح أنه حرام، وفرق أبو حنيفة بين الغسل والصلاة فأثبت الصلاة وأسقط الغسل، واستدل الجمهور بأن الشهيد حي بنص القرآن.\nوقال الشافعي: جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصل عليهم، ولم يصح حديث يخالف ذلك، وقال المزني: يصلى على الشهيد ولا يغسل كما قال أبو حنيفة لأنه روي أنه - ﷺ - صلى على حمزة وهو قول الثوري وأصحابه في الرأي وإسحاق، وقال الحسن وابن المسيب يغسل ويصلى عليه لأن كلّ ميت يجنب، وإنما لم يغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك، وقال الأولون: صلاته على حمزة دعاؤه لأن الصلاة في اللغة الدعاء.\nتنبيه: الشهيد الذي تثبت له هذه الأحكام هو المقتول في قتال الكفار بسبب من أسبابه، والشهداء على ثلاثة أقسام: من قتل في معركة الكفار فهذا لا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، كما تقدم، الثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم ومن قتل دون ماله وغيرهم، فهذا يغسل ويصلى وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول، والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه بمن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، فهذا أيضًا لا يغسل ولا يصلى","vol":"2","page":16},{"text":"عليه وليس له في الآخرة ثواب الشهداء (^١)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في الجهاد.\nقوله في الحديث: \"ثم يقول: أيهما أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد\"، أما تقديم الأكثر قرآنا فلفضيلته، والتقديم في شيئين في اللحد قبل غيره وإلى جهة القبلة، قال العُلماء: يقدم الأسن الأقرأ إلى القبلة لهذا الحديث، وهذا إذا لم يكن أحدهما أب الآخر، كان كان الابن أفضل فإن كان قدم مطلقا، وكذا تقدم الأم على البنت والابن يقدم على الأم المذكورة، ويظهر أن الخنثى كذكر مع أنثى (^٢).\nفرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة، قدم إلى القبلة الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة (^٣).\nوفي هذا الحديث فضيلة قراءة القرآن وعظيم ما أوتوه إذا كانوا عاملين به، وفيه: استخبار الحاكم عن الفضلاء ورفعهم إلى مراتبهم وقبول من يثق به في تعريف أحوالهم وإن من كان أقرأ كان أفضل لفضل علمه وعمله، وفيه: الحث على تعليمه وأن لا يغفلوه لإكرام اللّه أهله في الحياة والممات (^٤).\n_________\n(^١) انظر شرح السنة (٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وروضة الطالبين (٢/ ١١٨ - ١٢٠)، والمجموع (٥/ ٢٦٧ - ٢٦٠)، والنجم الوهاج (٣/ ٦٨ - ٧٥).\n(^٢) كفاية النبيه (٥/ ١٥٣).\n(^٣) المجموع (٥/ ٢٨٤)، وكفاية النبيه (٥/ ١٥٣).\n(^٤) انظر شرح صحيح البخارى لابن بطال (٣/ ٣٣٤).","vol":"2","page":17},{"text":"قوله: فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، أراد بالإشارة هنا العبارة فلا يجوز أن يخاطب النبي - ﷺ - قوما فيجيبونه بالإشارة دون العبارة، انتهى.\nقوله - ﷺ - في آخر الحديث: \"أنا شهيد على هؤلاء\" أي: بقتلهم في سبيل اللّه، أي: شهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم للّه تعالى ففيه رفعة شأنهم يأن يكون شاهدهم سيد الأولين والآخرين (^١)، انتهى.\n\n١٦٥ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِن من إجلال اللّه إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ وإكرام ذِي السُّلْطَان المقسط. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: عن أبي موسى الأشعري، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إِن من إجلال اللّه إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ\" الحديث، إكرام ذي الشيبة هو: الشيخ المسلم وحامل القرآن.\nقال ابن عبد البر (^٣): حملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه. قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي: ما أحسن هذا، وهذا هو الكمال (^٤).\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٤٣٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٣). وحسنه الألباني في المشكاة (٤٩٧٢) وصحيح الترغيب (٩٨).\n(^٣) التمهيد (١٧/ ٤٣٠).\n(^٤) التذكار (ص ١٤٨).","vol":"2","page":18},{"text":"قال الغزالي في الإحياء في أواخر الباب الأول من كتاب تلاوة القرآن (^١): عن الفضيل بن عياض: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو أو لا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن، انتهى.\nقال أبو عمر: روى أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"القرآن أفضل من كلّ شيء، فمن وقر القرآن فقد وقر اللّه، ومن استخف بالقرآن فقد استخف بحق اللّه تعالى، حملة القرآن هم المحفوفون برحمة اللّه تعالى المعظمون كلام اللّه الملبسون نور اللّه فمن والاهم فقد والى اللّه ومن عاداهم فقد استخف بحق اللّه ﷿\" (^٢)، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي قال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"أكرموا حملة القرآن فمن أكرمهم فقد أكرمني ومن أكرمني فقد أكرم اللّه ﷿ إن اللّه لينصت للقرآن ويستمع من أهله ألا ولا تنقصوا حملة القرآن حقوقهم فإنهم من اللّه بمكان، كاد حملة القرآن أن يكونوا أنبياء إلا أنه لا يوحى إليهم التالي والمستمع آية من كتاب اللّه ﷿ خير مما دون العرش إلى السماء السابعة السفلى التالي والسامع من كتاب اللّه خير من صبير ذهبا، قيل: يا رسول اللّه وما صبير؟ قال: يعني مثل أحد في الميزان\" (^٣)،\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٢٧٤).\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ١٨٩). وفيه علي بن الحسن السامى: واهٍ جدًّا جدًّا متهم. وذكره السيوطى في الزيادات على الموضوعات (ص ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٣) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٠٠). وقال: إنه غريب جدًّا من رواية الأكابر عن الأصاغر وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ١٤٣): وفيه من لا يعرف وأحسبه غير صحيح. وقال الألباني في الضعيفة (٢٦٧٩): منكر.","vol":"2","page":19},{"text":"خرجه الوائلي في كتاب الإبانة (^١)، وقال: حديث غريب، قاله القرطبي في تذكاره (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"غير الغالي فيه\" الغالي فيه: المتجاوز فيه عن الحد، وقيل: هو الذي يقول في القرآن برأى من عند نفسه، قال اللّه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (^٣) أي: لا تتجاوزوا الحد في الدين الذي أنتم مطلوبون به (^٤)، فالغلو: التجاوز عن الحد والقرب، والغالي: المتجاوز في أمر الدين عامله وبين، ومنه الحديث، وحامل القرآن غير الغالي فيه إنما قال ذلك لأن من أخلاقه وآدابه التي أمر اللّه بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وأصل الغلو: الارتفاع ومجاوزة القدر في كلّ شيء (^٥)، انتهى.\nوقال ابن قيم الجوزية: الغلو مجاوزة الحد والغلو والتقصير كلّ واحد مذموم في الدين، فالغلو مجاوزته وتعديه وما أمر اللّه تعالى بأمر إلا وللشيطان\n_________\n(^١) هو الإمام العالم الحافظ المجود شيخ السنة، أبو نصر؛ عبيد اللّه بن سعيد بن حاتم بن أحمد، الوائلي البكري السجستاني، شيخ الحرم، ومصنف الإبانة الكبرى في أن القرآن غير مخلوق، وهو مجلد كبير دال على سعة علم الرجل بفن الأثر. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥٤).\n(^٢) التذكار (ص ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.\n(^٤) تفسير الثعالبى (٢/ ٣٣١).\n(^٥) النهاية (٣/ ٣٨٢).","vol":"2","page":20},{"text":"فيه نزعتان، فأما إلى غلو ومجاوزة، وأما إلى تفريط وتقصير وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد، والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول اللّه - ﷺ - وترك أقوال الناس وآراءهم بما جاء به، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم (^١)، انتهى.\nقوله: \"ولا الجافي عنه\" الجافي: المتجانب عن العمل بأحكام القرآن والجفاء البعد عن الشيء يقال: جفاه إذا بعد عنه وأجفاه إذا أبعده، ومنه الحديث: \"اقرءوا القرآن ولا تجفوا عنه\" أي: تعاهده ولا تبتعدوا عن تلاوته، والجفاء أيضًا ترك الصلة والبر، قاله في النهاية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وإكرام ذي السلطان المقسط\" أي: العادل.\nلطيفة: قال ابن العماد في بعفر مؤلفاته: وإنما خصت هذه الثلاث المذكورة في الحديث لأنها راجعة إلى أوصاف الرب ﷿، فذو الشيبة حصل له كبر السن، والباري ﷾ له الكبرياء، وحامل القرآن كذلك لأن القرآن كلام اللّه وكلامه صفته فكأنه اتصف بشيء من صفات الرب ﷿ ولبس جها حلة الكرامة، فوجب أن يعامل بالإجلال والمهابة، وكذلك الإمام المقسط يعني السلطان العادل لما اتصف بالعدل الذي ضد الجور، والعدل من صفاته ﷿ وجب أن يعامل بالإجلال وبالسمع والطاعة والمبادرة إلى امتثال أمره ونهيه لأنه أمر بأمر اللّه تعالى.\n_________\n(^١) الروح (ص ٢٥٧).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٨١).","vol":"2","page":21},{"text":"قال اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^١)، قال العُلماء: المراد بأولي الأمر: من أوجب اللّه تعالى طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العُلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما قول من قال: الصحابة خاصة فقد أخطأ (^٢).\nوهذه الآية فيها الحث على السمع والطاعة إذ بذلك تجتمع كلمة المسلمين، فإن الخلاف يسبب فساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (^٣)، انتهى، واللّه أعلم.\n\n١٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ الْبركَة مَعَ أكابركم. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٤).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"البركة مع أكابركم\" وسيأتي أحاديث في الزهد، وفيها: \"خيركم من طال عمره وحسن عمله\".\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٥).\n(^٤) أخرجه البزار (١٩٥٧/ كشف الأستار)، وابن حبان (٥٥٩)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٣ رقم ٨٩٩١)، والحاكم (١/ ٦٢). وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥: رواه البزار والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: \"البركة مع أكابركم\". وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (١٧٧٨)، وصحيح الترغيب (٩٩).","vol":"2","page":22},{"text":"١٦٧ - وَعنهُ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ منا من لم يوقر الْكَبِير وَيرْحَم الصَّغِير وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر. رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صحِيحه (^١).\nقوله: وعنه أيضًا، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير\" الحديث، وفي حديث آخر رواه الترمذي في أبواب البر قال أنس بن مالك: جاء شيخ يريد النبي - ﷺ -، فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي - ﷺ -: \"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا\" وفي الترمذي أيضًا عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض اللّه له من يكرمه عند سنه\" وفي رواية \"عند كبره\" وهو حديث غريب (^٢)، قوله: \"قيض اللّه له\" معناه: سبب وقدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ (^٣) أي: سببنا، يقال: هذا قيضٌ لهذا وقياس له، أي: مساوٍ له، قاله في النهاية (^٤)؛ وقوله: \"ما أكرم شاب شيخًا\" أطلق ولم يقيد بالإسلام ليكون عاما، وقوله \"صغيرنا\" لسوء أدبه.\nقوله: \"ويوقر كبيرنا\" لشيبه وعجزه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٧ (٢٣٢٩)، والترمذى (١٩٢١)، وابن حبان (٤٥٨) و(٤٦٤)، والطبراني (١١/ ٧٢ رقم ١١٠٨٣). قال الترمذى: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٠) و(١٣٦٧) والضعيفة (٥٠٣٣).\n(^٢) أخرجه الترمذى (٢٠٢٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠٤)، المشكاة (٤٩٧١).\n(^٣) سورة فصلت، الآية: ٣٥.\n(^٤) النهاية (٤/ ١٣٢).","vol":"2","page":23},{"text":"وقوله: \"فليس منا\" الحديث، معناه عند أهل العلم: أنه ليس ممن اهتدى بهدينا واهتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا أي لا أنه أخرجه بين المؤمنين كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني، وهكذا القول في كلّ الأحاديث الواردة بنحو هذا القول، واللّه أعلم، انتهى، قاله النووي في شرح مسلم وغيره (^١).\n\n١٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ يبلغ بِهِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف حق كَبِيرنَا. رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\n\n١٦٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لَيْسَ من أمتِي من لم يجل كَبِيرنَا وَيرْحَم صَغِيرنَا وَيعرف لعالمنا. رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ: \"لَيْسَ منا\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٠٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٢٢ (٧٠٧٣)، والبخارى في الأدب المفرد (٣٥٤)، وأبو داود (٤٩٤٣)، والحاكم (١/ ٦٢). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٠).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢٣ (٢٢٧٥٥)، وابن أبي الدنيا في العيال (١٨٥)، والبزار (٢٧١٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٣٢٨)، والطبراني في مكارم الأخلاق (١٤٧)، والحاكم ١/ ١٢٢. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٧ و٨/ ١٤: رواه أحمد والطبراني، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٠١).","vol":"2","page":24},{"text":"١٧٠ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا ويجل كَبِيرنَا\". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن شهَاب عَن وَاثِلَة وَلم يسمع مِنْهُ (^١).\n\n١٧١ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن جدّه أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف شرف كَبِيرنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ وَيعرف حق كَبِيرنَا (^٢).\n\n١٧٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - تعلمُوا الْعلم وتعلموا للْعلم السكينَة وَالْوَقار وتواضعوا لمن تعلمُونَ مِنْهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣).\nقوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار\" الحديث تقدم الكلام على فضل العلم وتعلمه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٩٥ رقم ٢٢٩). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٤: رواه الطبراني، والزهري لم يسمع من واثلة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٢).\n(^٢) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٣٥٨) و(٣٦٣)، وأبو داود (٤٩٤٣)، والترمذى (١٩٢٠)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٥٢٠). وقال الطوسي: وهذا حديث حسن.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٠٠ رقم ٦١٨٤)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٥٤٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٩ - ١٣٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير، وهو متروك الحديث. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٥١٦٠)، وضعيف الترغيب (٨١).","vol":"2","page":25},{"text":"قوله: \"وتعلموا للعلم السكينة والوقار\" السكينة هي الوقار كما فسره أئمة اللغة لكن في بعض طرق الحديث في صحيح البخاري: \"وعليكم بالسكينة والوقار\" قال القاضي عياض في المشارق (^١): كرر فيه الوقار للتأكيد، وقال في الصحاح (^٢): الوقار الحلم والرزانة، وقال النووي قدس اللّه روحه (^٣): الظاهر أن بينهما فرقًا وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت. والإقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وتواضعوا لمن تعلمون منه\" التواضع مطلوب من الطالب لشيخه، قال أبو الليث السمرقندي (^٤): ينبغي للمتعلم أن يعظم أستاذه فإن بتعظيمه تظهر فيه بركة العلم، وإذا استخف يذهب عنه بركة العلم، ويقال: إنما ينتفع المتعلم بكلام العالم إذا كان في المتعلم ثلاث خصال: التواضع في نفسه والحرص على التعلم والتعظيم للعالم، فإن بتواضعه ينجع فيه العلم وبحرصه يستخرج العلم وبتعظيمه يستعطف العالم، فأول ما يحتاج إليه المتعلم أن يصحح نيته لينتفع بما يتعلم وينتفع به من يأخذ عنه، فإذا أراد به أن يصحح نيته يحتاج أن ينوي ثلاثة أشياء: أحدها: أن ينوي بتعلمه الخروج\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢١٦).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٨٤٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٠٠).\n(^٤) بستان العارفين (ص ٣١٣ - ٣١٥).","vol":"2","page":26},{"text":"من الجهل، والثاني: أن ينوي به منفعة الخلق لأن النبي - ﷺ - قال: \"خير الناس من ينفع الناس\"، والثالث: أن ينوي إحياء العلم لأن الناس لو تركوا العلم لذهب العلم كما روي عن النبي - ﷺ - قال: \"تعلموا العلم قبل أن يرفع ورفعه ذهاب العُلماء\" وينبغي للمتعلم أن ينوي به وجه اللّه تعالى والدار الآخرة ولا ينوي به طلب الدنيا لأنه إذا طلب به وجه اللّه تعالى ينال الأمرين جميعا، وإذا لم يقدر على تصحيح النية فالمتعلم أفضل من تركه فإنه إذا تعلم العلم فإنه يرجى له أن يصحح النية، قال مجاهد: طلبنا العلم وما لنا فيه كبير نية تم رزقنا اللّه فيه النية، ولا ينبغي للمتعلم أن يدع شيئًا من الفرائض أو يؤخرها عن وقتها فتذهب بركة علمه، ولا ينبغي أن يؤذي أحدًا لأجل تعلمه فتذهب بركة علمه أيضًا، ولا ينبغي أن يكون بخيلا بعلمه إذا استعار منه إنسان كتابا أو استعان به لتفهيم مسألة أو نحوه ولا ينبغي أن يبخل به، فإنه يقصد بتعلمه منفعة الخلق وينبغي للمتعلم أن يوقر العلم أولا، ولا ينبغي أن يضع الكتاب على التراب، وينبغي للمتعلم أن يرضى بالدون من العيش من غير أن يترك حظ نفسه من الكل والشرب والنوم، وينبغي للمتعلم أن يقل معاشرة الناس والنساء ومخالطتهم ولا يشتغل بما لا يعنيه، ويقال بها المثل: من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، وينبغي للمتعلم إذا وقع بينه وبين شخص منازعة أو خصومة أن يستعمل الرفق والإنصاف ليكون فرقا بينه وبني الجاهل لأن النبي - ﷺ - قال: \"ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه\" أي: عابه، انتهى، قاله بها بستان العارفين.","vol":"2","page":27},{"text":"١٧٣ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: اللَّهُمَّ لا يدركني زمَان أَو قَالَ لا تدركوا زَمَانا لا يتبع فِيهِ الْعَلِيم وَلَا يستحى فِيهِ من الْحَلِيم قُلُوبهم قُلُوب الأعَاجِم وألسنتهم أَلْسِنَة الْعَرَب. رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (^١).\nقوله: \"عن سهل بن سعد الساعدي\" [هو هو أبو العبَّاس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني، كان اسمه حزنًا، فسماه النبي - ﷺ - سهلا. شهد سهل قضاء رسول اللّه - ﷺ - في المتلاعنين.\nقال الزهري: سمع من النبي - ﷺ -، وكان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روي له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما (^٢)].\nقوله - ﷺ -: \"لا يدركني زمان\" أو قال: \"لا تدركوا زمانًا لا يتبع فيه العليم\" الحديث، المراد باتباع العليم: العالم بالأحكام الشرعية المبتغي فيها وجه اللّه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤٠ (٢٢٨٧٩)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٧٥ - ٢٧٦. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٣: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٧١)، وضعيف الترغيب (٨٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧).","vol":"2","page":28},{"text":"قوله: رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، اسمه: عبد اللّه بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء، قال الأزهري في تهذيب اللغة: قال ابن الأعرابي: يقال: في فلان لهيعة: إذا كان فيه فترة وكسل، وقال بعضهم أيضًا: رجل فيه لهيعة ولهاعة: أي غفلة، وقيل: هي التواني في البيع والشراء حتى يغبن فيه، وقال صاحب المحكم: اللهع التفهق في الكلام، ولهيعة اسم منه، وقيل: مشتقة من الهلع مقلوبة منه، وعبد اللّه بن لهيعة هذا هو الإمام البارع أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بضم الفاء وإسكاء الراء وبالعين المهملة الحضرمي، ويقال الغافقي المصري، قاضي مصر، وقال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا، روى عن عطاء وابن أبي مليكة والأعرج وعمرو بن شعيب، وروى عنه: يحيى بن بكير وقتيبة والمقبري، قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، وقال النووي: هو الإمام البارع، قال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع، وقال: حججت لألقى ابن لهيعة، وقال ابن مهدي: حدّثني واللّه الصادق البار عبد اللّه بن لهيعة، وقال الفلاس: احترقت كتبه، فمن روى عنه قبل ذلك كابن المبارك والمنقري فهو أصح ممن كتب عنه بعد ذلك وكان احترق كتبه سنة سبعين ومائة، قال البيهقي: أجمع أصحاب الحديث على ضعفه وترك الاحتجاج بما انفرد به، وفصل ابن سعد بين أول أمره وآخره فحديث ابن المبارك وابن وهب والمقرئ عنه أحسن وأجود، وبعض الأئمة صحح رواية هؤلاء عنه، واحتج","vol":"2","page":29},{"text":"بها، توفي ابن لهيعة بمصر سنة أربع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة سبع وتسعين (^١)، واللّه أعلم.\n\n١٧٤ - وَعَن أبي أمَامَة عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَةٌ لا يَسْتَخِفُّ بحَقِّهِمْ إِلَّا مُنَافِقٌ: ذُو الشَّيْبَةِ فِي الإِسْلَامِ، وَذُو الْعِلْمِ، وَإِمَامٌ مُقْسِطٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عبيد اللّه بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ لغير هَذَا الْمَتْن (^٢).\nقوله: عن أبي أمامة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق، ذو الشيبة في الإسلام أي: المسلم، وذو العلم وإممام مقسط\" الحديث، وذو العلم هو العالم بالأحكام الشرعية المبتغى بذلك وجه اللّه تعالي، والإمام المقسط هو السلطان العادل في أحكامه وأقواله وأفعاله بما يسوغ شرعا، وتقدم الكلام على الثلاثة في أحاديث الباب مبسوطًا في ذلك وحامل القرآن وفي هذا الحديث وذو العلم.\n\n١٧٥ - وَعَن عبد اللّه بن بسر - ﵁ -: قَالَ لقد سَمِعت حَدِيثا مُنْذُ زمَان إِذا كنت فِي قوم عشْرين رجلًا أَو أقل أَو أَكثر فتصفحت وُجُوههم فَلم ترَ فيهم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤ الترجمة ٣٢٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٢ رقم ٧٦١٩)، والبيهقي في المدخل (٦٦٧). قال البيهقى: خالد بن يزيد هذا هو ابن عبد الرحمن بن مالك الشامي ليس بالقوي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٧: رواه الطبراني في الكبير من رواية عبيد اللّه بن زحر عن علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٣).","vol":"2","page":30},{"text":"رجلًا يهاب فِي اللّه ﷿ فَاعْلَم أَن الأمر قد رق. رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن (^١).\n\n١٧٦ - وَرُوِيَ عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع النَّبِيّ - ﷺ - يَقُول لا أَخَاف على أمتِي إِلَّا ثَلَاث خلال أَن يكثر لَهُم من الدُّنْيَا فيتحاسدوا [فيقتتلوا] وَأَن يفتح لَهُم الْكتاب يَأْخُذهُ الْمُؤمن يَبْتَغِي تَأْوِيله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] وَأَن يرَوا ذَا علم فيضيعوه وَلا يبالوا عَلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله: عن أبي مالك الأشعري، أبو مالك الأشعري، اسمه: (كعب بن عاصم الأشعري كنيته أبو مالك، وقيل: اسم أبي مالك عمرو) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٨ (١٧٦٧٩)، والطبراني في الشاميين (١٠٠٨ و١٠٠٩)، وابن بشران (٦٠٢)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٣٥٥ - ٣٥٦ رقم ٨٦٥٧). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٣: رواه أحمد، والطبراني في الكبير بنحوه، وإسناده حسن، ورجاله موثقون، وأزهر بن عبد اللّه قال فيه البخاري: إنه أزهر بن سعيد. قال فيه الذهبي: تابعي حسن الحديث.\nوقال في ٧/ ٢٧٦: رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد جيد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٩٣ رقم ٢٩٣٦) والشاميين (١٦٦٥). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن إسماعيل بن عيَّاش عن أبيه، ولم يسمع من أبيه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٦٥٧)، وضعيف الترغيب (٨٤) و(١٧٢٥).\n(^٣) الاستيعاب (٣/ الترجمة ٢١٩٦)، وأسد الغابة (٦/ الترجمة ٦٢١٨).","vol":"2","page":31},{"text":"قوله - ﷺ -: \"لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال\" أي: خصال.\nقوله: \"أن يكثر لهم من الدنيا فيتحاسدوا\" الحسد معروف، وتقدم الكلام عليه، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا في بابه.\nقوله: \"وأن يفتح لهم الكتاب يأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون\" الآية، المراد بالكتاب القرآن، وسيأتي الكلام على ذلك، ومذاهب العُلماء واختلافهم في باب الطيرة، أو قبله.\nقوله: \"وإن يروا ذا علم فيضيعونه ولا يبالون عليه\" ذا علم بمعنى: صاحب علم، المراد بتضييعه عدم الاهتمام به وبعلومه، وكذلك عدم الاهتمام بالدين، وذلك من علامات الساعة، واللّه أعلم.","vol":"2","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>[الترهيب من تعلم العلم لغير وجه اللّه تعالى]</span>\n١٧٧ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"من تعلم علما مِمَّا يبتغى بِهِ وَجه اللّه تَعَالَى لا يتعلمه إِلَّا ليصيب بِهِ عرضا من الدُّنْيَا لم يجد عرف الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة يَعْنِي رِيحهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (^١) وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي أول بَاب الرِّيَاء وَفِيه: \"رجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قارئ فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار\" الحَدِيث رَوَاهُ مسلم وَغَيره.\nقوله: \"عن أبي هريرة، تقدم\". قوله - ﷺ -: \"من تعلم علما مما يبتغى به وجه اللّه تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب عرضًا من الدنيا\" الحديث، العرض: بفتح العين والراء هو ما يقتنى من المال وغيره.\nقوله: \"لم يجد عرف الجنة\" وعرف الجنة: بفتح العين المهملة وسكون الراء، قال الحافظ: يعني ريحها. قال في النهاية (^٢): \"لم يجد عرف\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٢)، وأبو داود (٣٦٦٤)، وابن حبان (٧٨). وصححه الألباني في \"اقتضاء العلم العمل\" (١٠٢)، \"المشكاة\" (٢٢٧)، وصحيح الترغيب (١٠٥).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢١٧).","vol":"2","page":33},{"text":"الجنة\" يعني ريحها الطيبة، والعرف: الريح، ومنه حديث عليّ: \"أرض الكوفة أرض سواء سهلة معروفة\" أي: طيبة العرف، أي الريح، وعرف الجنة يحتمل معنيين:\nأحدهما: التهديد والزجر عن طلب الدنيا بعمل الآخرة والمبالغة في ذلك لا القنوط الكلي عن دخول الجنة واليأس الجزمي عن وجدان الرحمة كما ذهب إليه الجهال المبتدعة ولأن النصوص الثابتة المتواترة ناطقة بدخول أهل الإيمان في رياض الجنة والخلاص من النيران وإن مسهم نفحة من العذاب ولفحة من العقاب، ولهذا قال ﵊: \"لم يجد عرفها يوم القيامة\" وهو اليوم الموصوف بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^١) ولم يقل على الإطلاق، فهذا الذي تعلم العلم للأغراض الفانية ولصاحب الأمراض الحادثة في تضاعيف الدماغ المانعة عن إدراك الروائح الفائحة من الرياض الرائضة ومن الجنة العالية، ولا يهتدى إليها من الأمراض الكائنة في القلب المخلة بالعوامل الإيمانية (^٢).\nوالثاني: أنه لا يدخل الجنة قبل العذاب وملابسة العقاب بل يعذب بقدر ذنبه في الدنيا وطلبها بعمل العقبى، انتهى.\nفتعلم العلم لغير وجه اللّه كأن يريد به الرياء والسمعة بين الناس وكمن يتعلمه للرئاسة أو للمال أو لتعظيم الناس له فذلك العالم يستحق دخول\n_________\n(^١) سورة المطففين، الآية: ٦.\n(^٢) انظر الميسر (١/ ١٠٧)، وشرح المشكاة (٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣).","vol":"2","page":34},{"text":"النار، فهذا الحديث أبلغ زجر وردع عن نية غير صالحة، وسبب هذا واللّه أعلم: أن في الدنيا جنة معجلة وهي معرفة اللّه تعالى ومجبته والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته والعلم النافع يدلّ على ذلك، فمن لله علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا فاز بالجنة الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة، ولهذا كان أشد الناس عذابا في الآخرة عالم لم ينفعه علمه وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات فلم يستعملها إلا للتوصل إلى أخس الأمور وأدناها قيمة وأحقرها كمن كانت عنده جواهر نفسية ولها قيمة عظيمة فباعها بشيء مستقذر لا ينتفع به، بل حال من يطلب الدنيا بعلمه أقبح وأقبح، وكذلك من يطلب الدنيا بإظهار الزهد فيها، فإن ذلك خداع قبيح جدًا، قاله ابن رجب الحنبلي (^١)، قال الإمام أبو حامد (^٢): فانظر إلى هذه الدرجة العليا كيف رجحت بهذا العالم المسكين إلى أسفل سافلين، قال الإمام مالك ﵀: ليس العلم بكثرة الرِّواية وإنما العلم نور يقذفه اللّه في القلوب، ومن كتاب سير السلف (^٣): قال إبراهيم الخواص: ليس العلم بكثرة الرِّواية إنما العلم لمن اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم، ثم قال: وهذا البحث كلّه إنما هو إذا سلم طالب العلم من\n_________\n(^١) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٧٩).\n(^٢) كذا هو أبو حامد وإنما هذا كلام القرطبى نقله عنه ابن الحاج في المدخل (١/ ١٦ - ١٧).\n(^٣) سير السلف الصالحين (ص ١٣٢٥) والنقل عن المدخل (١/ ١٧ - ١٨).","vol":"2","page":35},{"text":"عوض يأخذه عليه مما هو معلوم في الوقت، فإن كان ثم معلوم يطلبه على علمه فقد زاد ذما على مذمومات تقدم ذكرها، واللّه أعلم.\n\n١٧٨ - وَرُوِيَ عَن كعْب بن مَالك قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من طلب الْعلم ليجاري بِهِ الْعلمَاء أَو ليماري بِهِ السُّفَهَاء وَيصرف بِهِ وُجُوه النَّاس إِلَيْهِ أدخلهُ اللّه النَّار. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَغَيره وَالْحَاكم شَاهدا وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: عن كعب بن مالك، هو الأنصاري الشاعر وهو أحد الثلاثة الذين أنزل اللّه فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (^٢) روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ثمانون حديثًا، للبخاري منها أربعة، شهد العقبة مع السبعين، مات بالمدينة سنة خمسين، وسيأتي الكلام على مناقبه في مواضع من هذا التعليق مبسوطًا إن شاء اللّه.\nقوله - ﷺ -: \"من طلب العلم ليجاري به العُلماء\" الحديث، قال ابن الأثير في النهاية (^٣): ليجري مع العُلماء في المناظرة والجدال ليظهر علمه إلى الناس رياء وسمعة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٦٥٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٤١)، وذم الغيبة (٣)، وابن عدى (٢/ ١٦٥)، والحاكم ١/ ٨٦، والبيهقى في الشعب (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠ رقم ١٦٣٦).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٦)، والمشكاة (٢٢٥).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ١١٨.\n(^٣) النهاية (١/ ٢٦٤).","vol":"2","page":36},{"text":"قوله - ﷺ -: \"أو ليماري به السفهاء\" والمماراة المجادلة على مذهب الشك (^١)، فإن كلّ واحد من المتحاجين يشك فيما يقوله صاحبه أو يشككه بما يورد على حجته (^٢)، والمراد بالسفهاء الجهال فإن عقولهم ناقصة (^٣)، والمعنى فيه: أن النية هي ركن العمل أو شرطه الذي لا يعتد به إلا بها فإذا عدمت لم يكن شيئًا وإذا فسدت فسد الهوى (^٤)، فمن يطلب بالعلم الرياسة على الخلق والتعاظم عليهم وأن ينقاد الخلق ويخضعوا له ويصرفوا إليه وجوههم وأن يظهر للناس زيادة علمه على العُلماء أو ليعلوا به عليهم ونحو ذلك فهذا وعيده النار لأن قصد التكبر على الخلق في نفسه محرم، فإذا استعمل فيه آلة الآخرة كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من المال والسلطان (^٥).\nوقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"أول خلق اللّه تسعر بهم النار ثلاثة منهم: العالم الذي قرأ القرآن ليقال قارئ، وتعلم العلم ليقال عالم وأنه يقال له قد قيل، وأمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في النار\" وذكر مثل ذلك المتصدق ليقال: \"إنه جواد\" وفي المجاهد يقال له:\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٢٢).\n(^٢) مشكاة المصابيح (٢/ ٦٨١)، ومرقاة المفاتيح (١/ ٣٠٤).\n(^٣) مشكاة المصابيح (٢/ ٦٨١).\n(^٤) عارضة الأحوذي (١٠/ ١٢٢).\n(^٥) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨٠).","vol":"2","page":37},{"text":"\"شجاع\" (^١) وعن علي - ﵁ - قال: يا حملة العلم، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم فوافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف علمهم عملهم ويخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقًا حلقًا فيباهي بعضهم بعضا حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه ﷿ (^٢).\nقوله: رواه الحاكم شاهدًا، اعلم أن لأهل الحديث ألفاظًا يعرف بها حال الحديت هل تفرد به راويه أم لا منها الشاهد ومثاله ما رواه مسلم والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول اللّه - ﷺ - مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي - ﷺ -: \"ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟ \" فلم يذكر أحد من أصحاب عمرو بن دينار \"فدبغوه\" إلا ابن عيينة، فوجد له شاهد وهو ما رواه مسلم من رواية عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، \"إذا دبغ الإهاب فقد طهر\".\n\n١٧٩ - وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا تعلمُوا الْعلم لتباهوا بِهِ الْعلمَاء وَلا تماروا بِهِ السُّفَهَاء وَلا تخَيرُوا بِهِ الْمجَالِس فَمن فعل ذَلِك فَالنَّار النَّار. رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب الغافقي عَن ابْن جريح عَن أبي الزبير عَنهُ وَيحيى هَذا ثِقة احْتج بِهِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٢ - ١٩٠٥).\n(^٢) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨١).","vol":"2","page":38},{"text":"الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَلا يلْتَفت إِلَى من شَذَّ فِيهِ (^١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِنَحْوِهِ من حَدِيث حُذَيْفَة (^٢).\nقوله: عن جابر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لا تعلموا العلم لتباهوا به العُلماء ولا تمار به السفهاء\" المباهاة هي المفاخرة، وتقدم الكلام على المماراة، والسفهاء في الحديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"لا تحبروا به المجالس\" أي: تحسنوا به المجالس وتزينوا من التحبير وهو التزيين والتحسين، قال الأصمعي: كان يقال لطفيل الغنوي بفتح الغين المعجمة في الجاهلية محبر لأنه كان يحسن الشعر (^٣)، والحبر أيضًا الحبور وهو السرور ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ (^٤) ينعمون ويكرمون ويسرون (^٥)، وقال يحيى بن أبي كثير: الحبرة اللذة والسماع (^٦)، انتهى.\nقوله: رووه كلهم من رواية يحيى بن أيوب الغافقي.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٤)، وابن حبان (٧٧)، والحاكم ١/ ٨٦، والبيهقي في المدخل (٤٧٩ و٤٨٠) والشعب (٣/ ٢٦٩ رقم ١٦٣٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٢٥٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٨) تخريج اقتضاء العلم العمل (١٠٠ - ١٠٢).\n(^٣) تهذيب اللغة (٥/ ٢٢)، والصحاح (٢/ ٦٢٠).\n(^٤) سورة الروم، الآية: ١٥.\n(^٥) الصحاح (٢/ ٦٢٥).\n(^٦) تفسير عبد الرزاق (٢٧٨٦)، وتفسير الطبرى (١٨/ ٤٧٢).","vol":"2","page":39},{"text":"١٨٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر عَن النَّبِي - ﷺ - من طلب الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء ويماري بِهِ السُّفَهَاء أَو ليصرف وُجُوه النَّاس إِلَيْهِ فَهُوَ في النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَة (^١).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من طلب العلم ليباهي به العُلماء ويماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه\" تقدم الكلام على المباهاة والمماراة، ومعنى \"يصرف به وجوه الناس إليه\" أي: يقلبهم إليه مأخوذ من قوله صرفت الصبيان:\nقلبتهم (^٢)، وخرج ابن عدي من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - بنحوه، وزاد فيه: \"ولكن تعلموه لوجه اللّه والدار الآخرة\" (^٣).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء أو لتجادلوا به الفقهاء أو تصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بعلمكم ما عند اللّه فإنه يبقى ويذهب ما سواه، انتهى، قاله ابن رجب (^٤)، وقال عيسى ابن مريم: كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ولا يطلبه ليعمل به (^٥)، وقال الحسن: ما رأيتُ فقيها يداري ولا يماري إنما ينشر حكمة اللّه ﷿ فإن قبلت حمد اللّه ﷿ وإن ردت حمد اللّه ﷿ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٣) وحسنه الألباني في المشكاة (٢٢٥ و٢٢٦) وصحيح الترغيب (١٠٩).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٣٨٦).\n(^٣) الكامل (٧/ ٢١٦).\n(^٤) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨١).\n(^٥) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨١).\n(^٦) أخلاق العُلماء للآجري (ص ٥٨).","vol":"2","page":40},{"text":"١٨١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من تعلم الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء ويماري بهِ السُّفَهَاء وَيصرف بهِ وُجُوه النَّاس أدخلهُ اللّه جَهَنَّم. رَوَاهُ ابْن مَاجَة أَيْضًا (^١).\n\n١٨٢ - وَعَن ابْن عمر عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تعلم علما لغير اللّه أَو أَرَادَ بِهِ غير اللّه فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة كِلَاهُمَا عَن خَالِد بن دريك عَن ابْن عمر وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَال إسنادهما ثِقَات (^٢).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من تعلم علما لغير اللّه أو أراد به غير اللّه فليتبوأ مقعده من النار\" الحديث، قوله \"فليتبوأ\" بكسر اللام هو الأصل وبالسكون هو المشهور، والتبوء: إتخاذ المبأة أي المنزل، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا تأخذه موضعا لمقامه، قال أبو سليمان الخطابي: وهو أمر يشبه التهديد والوعيد، ومعناه: لينزلن منزلة منها، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في الكذب على رسول اللّه - ﷺ -.\nقوله: عن خالد بن دريك (بضم أوله وفتح الراء عن ابن عمر وعائشة مرسلا وعن عبد اللّه بن محيريز وعنه قتادة وأيوب وثقه النسائي وابن مَعين وابن حبان).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٦٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٦٥٥)، وابن ماجة (٢٥٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أيوب إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٥).","vol":"2","page":41},{"text":"١٨٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"إِن نَاسًا من أمتِي سيتفقهون فِي الدّين يقرؤون الْقُرْآن يَقُولُونَ نأتي الأُمَرَاء فنصيب من دنياهم ونعتز لَهُم بديننا وَلا يكون ذَلِك كَمَا لَا يجتنى من القتاد إِلَّا الشوك كذَلِك لَا يجتنى من قربهم إِلَّا\" قَالَ ابْن الصَّباح كَأَنَّهُ يَعْنِي الْخَطَايَا. رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن ناسًا من أمتي سيتفقهون في الدين يقرؤون القرآن يقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتز لهم بديننا ولا يكون ذلك كلما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك\" الحديث، القتاد: شجر كثير الشوك ينبت بنجد وتهامة وهو أعظم وأصغر، فالأعظم الذي له شوك، والأصغر التي التي ثمرها نفاخة كنفاخة العشر، والمراد هنا: التقاد الأعظم، قاله في الصحاح.\nقوله: \"كذلك لا يجتنى من قربهم إلا\" قال ابن الصلاح: كأنه يعني الخطايا؛ ابن الصباح: اسمه محمد بن الصباح البغدادي.\nوقوله: \"إلا\" من الاكتفاء، فحديث ابن عباس حديث حسن، وهو علم من أعلام النبوة، فإن كثيرًا من العُلماء الذي يقرؤون القرآن وهم كما قال اللّه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٥٠ رقم ٨٢٣٦) والشاميين (٢٥٥٦). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: هشام بن عمار. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٦) و(١٣٥٧)، المشكاة (٢٦٢)، الضعيفة (١٢٥٠).","vol":"2","page":42},{"text":"يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (^١) الآية، قاله في الديباجة (^٢)، وخرجه الطبراني ولفظه: \"أن ناسًا من أمتي يقرؤون القرآن ويتعمقون في الدين يأتيهم الشيطان يقول: لو أتيتم الملوك فأصبتم من دنياهم واعتزلتموهم بدينكم إلا، ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا\".\nلطيفة: روى البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار قال: مثل قراء هذا الزمان مثل رجل نصسب فخًا فجاء عصفور فوقع في فخه فقال: ما لي أراك متغيبًا في التراب، قال: للتواضع، قال: فمم خببت؟ قال: من طول العبادة، قال: فما هذه الحبة فيك؟ قال: أعددتها للطائعين، فلما أمسى تناول الحبة فوقع الفخ في عنقه فخنقه، فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العبادة اليوم، قاله في حياة الحيوان (^٣).\n\n١٨٤ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"من تعلم صرف الْكَلَام لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوب الرِّجَال أَو النَّاس لم يقبل اللّه مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صرفا وَلَا عدلَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٤) قَالَ الْحَافِظ: يشبه أَن يكون فِيهِ انْقِطَاع فَإِن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل ذكره البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَلم يذكرُوا لَهُ رِوَايَة عَن الصَّحَابَة وَاللّه أعلم.\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآيتان: ١٠٣ - ١٠٤.\n(^٢) الديباجة (ص ٢٥٧/ رسالة علمية).\n(^٣) الشعب (٩/ ٢١٤ - ٢١٥ رقم ٦٥٥٦) وحياة الحيوان (٢/ ١٦١ - ١٦٢).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٥٠٠٦) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٧/ ٤٤ - ٤٥ رقم ٤٦٢٠)، وفي الأداب (٣٩١). وضعفه الألباني في المشكاة (٤٨٠٢)، وضعيف الترغيب (٨٧).","vol":"2","page":43},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\"، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال\" الحديث، صرف الكلام: هو بفتح الصاد أي: من تعلم فصاحة الكلام وأنواع البلاغة من أنواع الشعر وغيره من العلوم ليجعل قلوب الناس مائلة إليه لم يقبل اللّه منه صرفًا ولا عدلًا (^١)، والمراد من صرف الكلام هو فضله وما يتكلفه الإنسان فوق الحاجة فيه، وإنما كره النبي - ﷺ - ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع ولما يخالطه من الكذب والتزيد (^٢)، يقال: فلان لا يحسن صرف الكلام أي فضل بعضه على بعض وهو من صرف الدراهم وتفاضلها (^٣)، فأمر النبي - ﷺ - أن يكون الكلام قصدًا بقدر الحاجة غير زائد عليها ليوافق ظاهره باطنه وسره علنه (^٤)، وحينئذ: ففي الحديث من أنواع الجناس التام بين صرف وصرف، وهو أشرف أنواع الجناس كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (^٥).\nقوله: \"لم يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا\" يعني: فريضة ولا نافلة على أحد التفاسير (^٦)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا فيمن أخاف أهل المدينة أو أرادهم بسوء.\n_________\n(^١) المفاتيح (٥/ ١٦٨).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ١٣٦).\n(^٣) النهاية (٣/ ٢٤).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ١٣٦).\n(^٥) سورة الروم، الآية: ٥٥.\n(^٦) المفاتيح (٥/ ١٦٨).","vol":"2","page":44},{"text":"١٨٥ - وعن ابن مسعود - ﵁ -؛ أنه قال: \"كيف بكم إذا لبستْكم فتنةٌ، يَربو فيها الصغيرُ، ويَهرَمُ فيها الكبيرُ، وتُتَّخَذُ سنةً، فإن غُيّرتْ يومًا قيلَ: هذا منكرٌ! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلَّت أُمناؤكم، وكثُرتْ أُمراؤُكُم، وقَلَّتْ فقهاؤكُم، وكَثُرتْ قراؤكم، وتُفُقِّهَ لِغيرِ الدين، والتُمست الدنيا بعملِ الآخرةِ\". رواه عبد الرزاق في \"كتابه\" موقوفًا (^١).\nقوله: عن ابن مسعود، فهو: عبد اللّه بن مسعود، يقال له: ابن أم عبد، أم عبد اللّه بن مسعود وهي بنت عبد ود من هذيل بن مدركة، أسلمت وبايعت النبي - ﷺ -، ذكر مصعب بن سعد أن عمر - ﷺ - فرض الأعطية ففرض لأم عبد ألف درهم، حكاه ابن سعد في الطبقات الصغري، انتهى.\nقوله: \"كيف بكم إذا ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير\" الحديث، وهذ يدلّ على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا التفات إليه، فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبي الدرداء وأنس، وهذه هي الفتنة العظمى.\n\n١٨٦ - وَعَن عَليّ - ﵁ -: أَنه ذكر فتنا تكون فِي آخر الزَّمَان فَقَالَ لَهُ عمر مَتى ذَلِك يَا عَليّ قَالَ إِذا تفقه لغير الدّين وَتعلم الْعلم لغير الْعَمَل والتمست الدُّنْيَا بِعَمَل الآخِرَة رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضًا فِي كلتَابه مَوْقُوفًا (^٢) وَتقدم حَدِيث ابْن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٧٤٢)، وابن أبي شيبة في المُصَنِّف (٣٧١٥٦)، والدارمى (١٩١) و(١٩٢)، والحاكم ٤/ ٥١٤ - ٥١٥. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١١).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٧٤٣). وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (٨٨).","vol":"2","page":45},{"text":"عَبَّاس الْمَرْفُوع وَفِيه وَرجل آتَاهُ اللّه علمًا فبخل بِهِ عَن عباد اللّه وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وشرى بِهِ ثمنا فَذَلِك يلجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وينادي مُنَاد هَذَا الَّذِي آتَاهُ اللّه علما فبخل بِهِ عَن عباد اللّه وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعًا وَاشْترى بِهِ ثمنًا وَكَذَلِكَ حَتَّى يفرغ الْحساب.\nقوله: عن عليّ، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: أن عليًّا ذكر فتنًا تكون في آخر الزمان، فقال عمر: متى ذلك أي علي؟ قال: إذا تفقه لغير اللّه وتعلم العلم لغير العمل، الحديث، وقال علي أيضًا - ﵁ -: إذا كان الفقه لغير الدين وطلب العلم لغير العمل به وطلبت الدنيا بأعمال الآخرة فحينئذ تدفهم الفتن دف الرحى تفالها، وقال: جلس ابن مسعود يومًا فنظر إلى قوم قد اجتمعوا حوله يطلبون الحديث فالتفت إلى حارثة وقال: يا حارثة ألم تر إلى هؤلاء قد اجتمعوا ليتعلموا، فقال حارثة: قد اجتمعوا ليتعلموا ثم يتركوا، فقال ابن مسعود: صدقت واللّه الذي لا إله إلا هو، واجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل فاطلع عليهم من كومة وهو يبكي ولحيته ترجف، فقال: عليكم بالقرآن عليكم بالطواف عليكم بالعبادة، ويحكم، ليس هذا زمان حديث إنما زمان بكاء وتضرع واستكانة ودعاء كدعاء الغريق، وإنما هذا زمان السوء، احفظ لسانك وأخف بكائك وعالج قلبك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر (^١).\n_________\n(^١) خرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٥٩)، وانظر الآثار السابقة في مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (١/ ٨١).","vol":"2","page":46},{"text":"قوله: فاطلع من كومة، بفاح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب المطالع، وحكي فيها الضم (^١)، وقال الحسن: لا يكون حظ أحدكم من العلم أن يقول له الناس عالمًا، وفي بعض الآثار: أن عيسى ﵊ قال: كيف يكون من أهل العلم من يطلب العلم ليحدّث به ولا يطلبه ليعمل به، وقال بعض السلف: بلغنا أن الذي يطلب الأحاديث ليحدّث بها لا يجد ريح الجنة، يعني: من ليس له غرض في طلبها إلا الحديث بها دون العمل بها.\nتنبيه: ومن هذا القبيل كراهة السلف الصالح الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها والإكثار منها، وروى ابن لهيعة عن عبد اللّه بن أبي جعفر مرسلًا عن النبي - ﷺ - قال: \"أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار\" (^٢) وقال علقمة: أجرأكم على الفتيا أقلكم علمًا، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت مائة وعشرين من الأنصار ومن أصحاب رسول اللّه - ﷺ - يسأل أحدهم عن المسألة ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه، وفي رواية: فيؤدها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول (^٣) وهو ابن مسعود - ﵁ - قال: إن الذي يفتي الناس في كلّ ما يستفتونه لمجنون (^٤)، وسئل عمر بن عبد\n_________\n(^١) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٣/ ٣٩٣).\n(^٢) أخرجه الدارمي (١٥٧).\n(^٣) رواه ابن المبارك في الزهد ص ١٩، والدارمي (١٣٥) ١/ ٦٥، وابن سعد في الطبقات ٦/ ١١٠، وأبو خيثمة في العلم ٢١ ص ١٠، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٢ - ١٣.\n(^٤) رواه الدارمي ١١٧١/ ٧٣، وأبو خيثمة في العلم ١٠ ص ٨، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٩٧ - ١٩٨ و٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.","vol":"2","page":47},{"text":"العزيز عن مسألة فقال: ما أنا على الفتيا بجريء، وكتب إلى بعض عماله: إني واللّه ما إني بحريص على الفتيا ما وجدت منه بدًا، وليس هذا الأمر لمن ود أن الناس احتاجوا إليه، إنما هذا الأمر لمن ود أنه وجد من يكفيه، وعنه - ﵁ - أنه قال: أعلم الناس بالفتوى أسكتهم وأجهلهم بها أنطقهم، وقال سفيان الثوري: أدركنا الفقهاء وكانوا يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدون بدًا، وإذا أعفوا منها كان أحب إليهم، وقال الإمام أحمد بن حنبل: من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد كانت للضرورة، قيل له: فأيهما أفضل، الكلام أو السكوت؟ قال: الإمساك أحب إليّ، قيل له: فإذا كانت الضرورة فجعل يقول: الضرورة الضرورة، وقال: الإمساك أسلم؛ وليعلم المفتي أنه يرفع عن اللّه أمره ونهيه وأنه موقف ومسؤول عن ذلك، قال الربيع بن خثيم: أيها المفتون، انظروا كيف تفتون عن اللّه، وعن ابن المنكدر قال: إن العالم بين اللّه وبين خلقه فلينظر كيف يدخل عليهم، وكان ابن سيرين: إذا سئل عن شيء من الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان، وكان النخعي يسأل فتظهر عليه الكراهة ويقول: ما وجدت أحدًا تسأل غيري، وقال: قد تكلمت لو وجدت بك ما تكلمت، وإن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء، وعن محمد بن واسمع قال: أول من يدعى للحساب الفقهاء، وعن مالك أنه كان إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال بعض العُلماء لبعض المفتين: إذا سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص المسائل وليكن تخليص نفسك أولا، وقال آخر: إذا سئلت عن شيء فتفكر إن وجدت لنفسك مخرجًا فتكلم وإلا فاسكت،","vol":"2","page":48},{"text":"وكلام السلف في هذا يطول، وفيما ذكرنا كفاية لمن تدبر، واللّه أعلم (^١).\nخاتمة: وتقدم في حديث ابن عباس المرفوع: \"ورجل أتاه اللّه علما فبخل به عن عباد اللّه وأخذ عليه مطمعا وشرى به ثمنًا\" الحديث (^٢)، قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (^٣): وإذا تعين على العالم نشر العلم وتعليمه وكانت عنده كفايته ثم ضن بعلمه أي يبخل حتى يأخذ عليه أجرًا فهو المراد بالآية وهي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (^٤) والحديث، وأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة لقوله - ﷺ -: \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللّه\" أخرجه البخاري (^٥)، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته لأن إحياء نفسه أوجب، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق - ﵁ -. لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له: في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) انظر الآثار السابقة في مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (١/ ٨١ - ٨٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (رقم ٧١٨٧) قال المنذرى (١/ ٥٦): في إسناده عبد اللّه بن خراش وثقه ابن حبان وحده. وقال الهيثمي (١/ ١٢٤): فيه عبد اللّه بن خراش ضعفه البخارى وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدى ووثقه ابن حبان.\n(^٣) تفسير القرطبي (١/ ٣٣٦).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٤١.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٧٣٧).","vol":"2","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الترغيب في نشر العلم والدلالة على الخير</span>\n١٨٧ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: إن مما يلحق المؤمنين من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمهُ ونشره وولدا صالحا تركه، أو مصحفًا ورثه أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابن سبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته. رواه ابن ماجة بإسناد حسن والبيهقي، ورواه ابن خزيمة في صحيحه بنحوه (^١).\nالدلالة: بكسر الدال وفتحها، ويقال: دلولة بضم اللام.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره\" الحديث، وقدم العلم على جميع الانتقاصات للاهتمام به.\nقوله: \"وولدا صالحًا تره أو مصحفا ورثه\" الحديث، وتقدم الكلام على هذا الحديث وما يشبهه مبسوطًا.\n\n١٨٨ - وَعَن أَبِى قَتَادَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"خير مَا يخلف الرجل من بعده ثَلاث ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَصدقَة تجْرِي يبلغهُ أجرهَا وَعلم يعْمل بِهِ من بعده، رَوَاهُ ابْن مَاجَة بِإِسْنَاد صَحِيح وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إِلَّا من ثلاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم يُنْتَفع بِهِ أَو ولد\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٤٢)، والبيهقى في الشعب (٣١٧٤)، وابن خزيمة (٢٤٩٠). وحسنه الألباني في المشكاة (٢٥٤) وصحيح الترغيب (٧٧) و(١١٢) و(٢٧٥).","vol":"2","page":50},{"text":"صَالح يَدْعُو لَهُ\". رَوَا مسلم (^١).\nقوله: عن أبي قتادة، وأبو قتادة: اسمه.\nقوله: \"خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث، ولد صالح يدعو له أو صدقة يجري ما يبلغه أجرها\" قال العُلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة كونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف، وفيه: فضيلة الزواج لرجاء ولد صالح، وفيه: دليل الصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، وفيه: بيان فضيلة العلم والحث على الاستكثار منه والترغيب في توريثه بالعلم والتصنيف والإيضاح وانه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع، وفيه: أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهو مجمع عليها، وكذلك قضاء الدين، وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه وهو داخل في قضاء الدين إذا كانا حجًّا واجبًا، وإذا كان تطوعًا ووصى به فهو من باب الوصايا (^٢)، وتقدم الكلام على شيء من ذلك مبسوطًا، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٤١)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٦٣)، وابن خزيمة (٢٤٩٥)، والدينورى في المجالسة (٣٥٠٠)، وابن حبان (٩٣) و(٤٩٠٢)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٨ - ٧ رقم ٣٤٧٢) والصغير (١/ ٢٤٢ رقم ٣٩٥) عن أبي قتادة. وصححه الألباني في أحكام الجنائز (٢٢٤) صحيح الترغيب (٧٩) و(١١٣) الروض (١٠١٣). وأما حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم (١٤ - ١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذى (١٣٧٦)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٢١٩ (٣٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٩٤)، وابن حبان (٣٠١٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨٥).","vol":"2","page":51},{"text":"١٨٩ - وَرُوِيَ عَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا تصدق النَّاس بِصَدقَة مثل علم ينشر. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَغَيره (^١).\nقوله: عن سمرة بن جندب، وجندب بفتح الدال وضمها مع ضم الجيم، وبكسر الجيم أيضًا مع فتح الدال وكسرها، والجنادب جمع ذلك وهو شبه الجراد، وقيل: هو الجراد بعينه، واللّه أعلم. قوله - ﷺ -: \"ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر\" تقدم الكلام على نشر العلم وفضله.\n\n١٩٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"نعم الْعَطِيَّة كلمة حق تسمعها ثمَّ تحملهَا إِلَى أَخ لَك مُسلم فتعلمها إِيَّاه\". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَيُشبه أَن يكون مَوْقُوفًا (^٢).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"نعم العطية كلمة حق تسمعها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعلهما إياه\" الحديث، المراد بالعطية الحق العتاطية من العلم النافع.\nقوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على فضائله.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٣١ رقم ٦٩٦٤). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عون بن عمارة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدًا في ضعيف الترغيب (٨٩)، والضعيفة (٤٤٣٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٢ رقم ١٢٤٢١). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك. وضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (٢٠٣٨) وضعيف الترغيب (٩٠).","vol":"2","page":52},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم عن الأجود\" إلى قوله: \"وأنا أجود ولد آدم\" الحديث، فدل هذا الحديث على أنه - ﷺ - أجود ولد آدم على الإطلاق وأفقههم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده - ﷺ - بجميع أنواع الجود من بذل للعلم والمال وبذل نفسه للّه تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم، ولم يزل - ﷺ - على هذه الخصال الحميدة منذ نشأته وكان جوده - ﷺ - كلّه للّه وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير محتاج أو ينفقه في سبيل اللّه أو يتألفه على الإسلام من يتقوى الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء تعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان جوده - ﷺ - يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، واللّه أعلم، قاله ابن رجب (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وأجودكم من بعدي رجل علم علمًا فنشر علمه يُبعث يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وحدَه\" الأُمَّة الرَّجُلُ المنْفرِدُ بِدِينٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾. وَفِيهِ \"لولَا أنَّ الكِلاب أُمَّة تُسَبِّح لأمَرْت بقَتْلِهَا\"، يُقَالُ لِكُلِّ جِيل مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ أُمة، قاله صاحب النهاية (^٢).\n\n١٩١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَلا أخْبركُم عَن الأجود الأجود اللّه الأجود الأجود وَأَنا أَجود ولد آدم وأجودكم من بعدِي\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ١٦٣ - ١٦٤).\n(^٢) النهاية (١/ ٦٨).","vol":"2","page":53},{"text":"رجل علم علما فنشر علمه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَحده وَرجل جاد بِنَفسِهِ للّه ﷿ حَتَّى يقتل. رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: عن أنس أيضًا، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من رجل ينعش لسانه حقًّا يعمل به بعده إلا جرى له أجره إلى يوم القيامة\" الحديث، ينعش: أي يقول ويذكر، قاله الحافظ وهو في كتاب الرقائق لابن المبارك بنحوه عن أنس يرفعه، قال: \"من أنعش حقًّا بلسانه له أجره حتى يأتي اللّه يوم القيامة فيوفيه ثوابه\" وفي إسناده مجهول، انتهى.\n\n١٩٢ - وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من رجل ينعش لِسَانه حَقًا يعْمل بِهِ بعده إِلَّا جرى لَهُ أجره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ وفاه اللّه ثَوَابه يَوْم الْقِيَامَة. رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (^٢) وَلَكِن الْأُصُول تعضده.\nقَوْله: ينعش أَي يَقُول وَيذكر.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٧٩٠)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٣٠١)، وابن عدى في الكامل (٢/ ٢٠)، والبيهقى في الشعب (٣/ ٢٦٦ رقم ١٦٣٢). قال ابن عدى: وأيوب بن ذكوان هذا له غير ما ذكرته من الحديث قليل وعامة ما يرويه، لا يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٦ و٩/ ١٣ رواه أبو يعلي، وفيه سويد بن عبد العزيز، وهو متروك الحديث. وقال الألباني: موضوع في الضعيفة (٥٨٨٢) وضعفه جدًّا: في ضعيف الترغيب (٩١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٢٦٦ (١٣٨٠٣)، وأبو الطاهر المخلص (١٨١٥)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١٣٢١ - ١٣ رقم ٧٢٧٥ و٧٢٧٦) والخطيب في موضح أوهام الجمع (٣/ ٤٨٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٧: رواه أحمد، وفيه عبيد اللّه بن عبد اللّه بن موهب، قال أحمد: لا يعرف. قلت: وشيخ ابن موهب مالك بن حالك بن حارثة الأنصاري، لم أر من ترجمه. وضعفه الألباني في الترغيب (٩٢).","vol":"2","page":54},{"text":"١٩٢ - م - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول: \"أَرْبَعَة تجْرِي عَلَيْهِم أُجُورهم بعد الْمَوْت رجل مَاتَ مرابطًا فِي سَبِيل اللّه وَرجل علم علمًا فَأَجره يجْرِي عَلَيْهِ مَا عمل بِهِ وَرجل أجْرى صَدَقَة فأجرها لَهُ مَا جرت وَرجل ترك ولدا صَالحًا يَدْعُو لَهُ\". رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١) وَهُوَ صَحِيح مفرقا من حَدِيت غير وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٠ (٢٢٢٤٧) و٥/ ٢٦٩ (٢٢٣١٨) و(٢٢٣١٩)، والروياني (١٢٢٣)، والآجرى في أخلاق العُلماء (ص ٤٣)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٥ رقم ٧٨٣١). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٧: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار، وفيه ابن لهيعة ورجل لم يسم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٤).","vol":"2","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>فصل</span>\n١٩٣ - وَعَن أبي مَسْعُود البدري أَن رجلًا أَتَى النَّبِي - ﷺ - ليستحمله فَقَالَ: إِنَّه قد أبدع بِي فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"ائْتِ فلانًا فَأَتَاهُ فَحَمله\". قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"من دلّ على خير فَلهُ مثل أجر فَاعله أَو قَالَ عَامله\". رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقَوْله: أبدع بِي هُوَ بِضَم الْهمزَة وَكسر الدَّال يَعْنِي طلعت ركابي يُقَال أبدع بِهِ إِذا كلت ركابه أَو عطبت وَبَقِي مُنْقَطِعًا بِهِ.\nقوله: عن أبي مسعود البدري، وأبو مسعود: هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيدة، ويقال: سيدة الأنصاري، ويقال له البدري، وقال البخاري: لم يشهد بدرًا، والأصح أنه كان ينزل بدرًا فنسب إليها.\nقوله: \"إن رجلَّا أتى النبي - ﷺ - يستحمله، فقال: إنه قد أبدع بي\"، وفي بعض النسخ: بدع بي، بحذف الهمزة وتشديد الدال، ونقله القاضي عياض عن جمهور رواة مسلم، والصواب ما ذكره الحافظ: أبدع بي، وهو معروف اللغة يعني: طلعت ركابي معناه: هلكت دابتي وهي مركوبي، قال الحافظ: يقال أبدع به إذا كلت ركابه أو عطبت وبقى منقطعًا، انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"من دل على خير فله مثل أجر فاعله\" أو قال: \"عامله\"، الحديث، أي: من علم أو عمل أو زيارة أو شفاعة أو إغاثة ملهوف أو حضور\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٣ - ١٨٩٣)، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذى (٢٦٧١)، وابن حبان (٢٨٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٦٠) وصحيح الترغيب (١١٥).","vol":"2","page":56},{"text":"ميت أو عبادة وغير ذلك مما لا ينحصر مما يصدق عليه أنه طاعة أو معروف فإنه يدخل في مسمى الخيرية وسواء كان بعبارة أو إشارة أو كتابة أو تأليف أو غير ذلك فله مثل أجر فاعله أي: وإن تعدد من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، لأنه مفرد مضاف فكان عامًا، وهو نظير: \"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة\" ومقتضاه أنه ربما زاد أجره على الفاعل فإنه لو دل مائة مثلا على خير فعملوا به كان لكل عامل أجر وله مائة أجر بعددهم، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، ومن هاهنا عظمت درجات العُلماء، والأصل في المثل المشابهة من كلّ وجهٍ، وقد تتخلف أمور منها لدليل (^١)، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام، واستنبط ابن حبان من قوله: \"من دل على خير فله مثل أجر فاعله\" أن المؤذن يكون له مثل أجر من صلى بأذانه لأنه دعاه إلى ذلك، انتهى، ففي هذا الحديث فضل الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله، وفيه فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم، والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابًا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثوابًا ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء (^٢).\n\n١٩٤ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ أَتَى رجل النَّبِي - ﷺ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا عِنْدِي مَا أعطيكه وَلَكِن ائْتِ فلَانا فَأتى الرجل فَأعْطَاهُ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من دلّ على خير فَلهُ مثل أجر فَاعله أَو عَامله. رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ\n_________\n(^١) شرح الإلمام (٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٩).","vol":"2","page":57},{"text":"الْبَزَّار مُخْتَصرا الدَّال على الْخَيْر كفاعله (^١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير والأوسط من حَدِيث سهل بن سعد (^٢).\n\n١٩٥ - وعَنْ أنس - ﵁ - عَن النّبِي - ﷺ - قَالَ الدَّال على الْخَيْر كفاعله وَاللّه يحب إغاثة اللهفان. رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة زِيَاد بن عبد الله النميري وَقد وثق. وَلَه شَوَاهِد (^٣).\nقوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٧٤٢) والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٣٦)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٣/ ٥٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٦٦) عن ابن مسعود. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد اللّه، عن النبي - ﷺ -، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وضعفه الألباني في الصحيحة (٤/ ٣١٧ عند ذكره لحديث أبي مسعود برقم ١٦٦٥). وأخرجه ابن حبان (٢٨٩) و(١٦٦٨) عن أبي مسعود البدرى.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤ رقم ٢٣٨٤) والكبير (٦/ ١٨٦ رقم ٥٩٤٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي حازم إلا عمران، تفرد به ابن عائشة، ولا يروى عن سهل بن سعد إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٦: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمران بن محمد، يروي عن أبي حازم، ويروي عنه عبد اللّه بن محمد بن عائشة، وليس هو عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب؛ لأن ذاك مدني. وقال الطبراني في هذا: إنه بصري، وابن سعيد لم يسمع من أبي حازم، ولم أجد من ذكر هذا. وقال في ٣/ ١٣٧: رواه الطبراني في الأوسط وقال، لا يروى عن سهل إلا بهذا الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٧).\n(^٣) أخرجه البزار (٧٥٢١)، وأبو يعلى (٤٢٩٦). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٧: رواه البزار، وفيه زياد النميري؛ وثقه ابن حبان - وقال: يخطئ - وابن عدي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. ورواه أبو يعلى كذلك. وضعفه جدًّا الألباني في ضعيف الترغيب (٩٣).","vol":"2","page":58},{"text":"قوله - ﷺ -: \"الدال على الخير كفاعله\"، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. قوله: \"واللّه يحب إغاثة اللهفان\"، اللهفان: هو المضطر.\nقوله: رواه البزار من رواية زياد بن عبد اللّه النميري (عن أنس وعنه سهل بن أبي صالح ضعفه ابن مَعين وقال في موضع آخر: ليس به بأس وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به قال في الميزان: وذكره ابن حبان في الثقات وذكره في الضعفاء أيضًا فقال: لا يجوز الاحتجاج به).\n\n١٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذَلِك من أُجُورهم شَيْئًا وَمن دَعَا إِلَى ضَلالَة كَانَ عَلَيْهِ من الإِثْم مثل آثام من اتبعهُ لا ينقص ذَلِك من آثامهم شَيْئًا رَوَاهُ مسلم وَغَيره (^١) وَتقدم هُوَ وَغَيره فِي بَاب الْبدَاءَة بِالْخَيرِ.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه\" الحديث، الهدى: خلاف الضلال، والدعاء إلى الهدى شعبة من الرسالة، لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثت لتؤدي عن اللّه عز تعالى وتهدي عباده، فمن كان داعيا إلى اللّه تعالى فهدى اللّه به عبدًا فقد أخذ شعبة من الرسالة واحتظى من ثواب الرسل حظًا من الكرامة، وقال اللّه تعالى لداود ﵊: \"لأن تأتيني بعبد آبق أحب إلى من عبادة الثقلين\"، وقال رسول اللّه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦ - ٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذى (٢٦٧٤)، وابن ماجة (٢٥٦)، وابن حبان (١١٢).","vol":"2","page":59},{"text":"- ﷺ - لعلي - ﵁ -: \"لأن يهدي اللّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم\"، روي ذلك في الصحيحين، والنعم عند اللغويين الإبل، وقال ابن الأعرابي: النعم الإبل خاصة والأنعام الإبل والبقر والغنم، وهذا يدلّ على فضل العلم والتعليم وشرف منزلته وأهله بحيث إذا اهتدى رجل واحد بالعلم كان خيرًا له من حمر النعم، وهي خيار وأشرفها وأعزها عند أهلها، فما الظن بمن يهتدي به كلّ يوم طوائف من الناس، والنعم كبيرة الفائدة شديد الانقياد ليس لها شراسة الدواب ولا نفرة السباع، ولشدة حاجة الناس إلهًا لم يخلق اللّه لها سلاحًا شديدًا كأنياب السباع وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش، وخلقت ذلولا تنقاد بالأيدي، ولما كان مأكلها الحشيش اقتضت الحكمة الإلهية لها أفواهًا واسعة وأسنانًا حدادًا وأضراسًا صلابًا لتطحن بها الحب والنوى: \"لأن يهدي اللّه بك رجلًا واحدًا خير لك\" أجرًا وثوابًا من أن يكون لك \"حمر النعم\" فصدق بها، انتهى؛ وفيه: البشرى لمن هذا حاله.\n[قوله: \"كان له من الأجر مثل أجور من تبعه\" يقول: من دل قوما على فعل خير أو عمل صالح فبقدر ما يحصل لكل واحد منهم بذلك العمل من الثواب يحصل لهذا الدال من غير أن ينقص من أجور الفاعلين شيئًا، وكذلك الحكم إذا كان على ضد هذا وأهل السنة ذهبوا إلى أن أفعال العباد لا تقتضي لذاتها ثوابا لكن الحكمة البالغة والسنة الجارية منه ﷾ استمرت على ارتباط العمل الصالح بالثواب والعمل السيء بالعقاب من غير أن تؤثر الأفعال فيهما بصفة الإيجاد والصدور، ومباشرة الفعل والتسبب إليه سببان في الارتباط وتعلق الثواب والعقاب، انتهى].","vol":"2","page":60},{"text":"١٩٧ - وَعَن عَليّ - ﵁ - فِي قَوْل تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (^١) قَالَ: \"علمُوا [أَنْفُسَكُمْ وَ] (^٢) أَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ\". رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفًا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).\nقوله: عن علي، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: \"علموا أهليكم الخير\"، وقال علي بن أبي طالب ومجاهد وقتادة معناه: علموهم ما ينجون به من النار، وهذا ظاهر، وثبت في الصحيحين عن ابن عمر عن رسول اللّه - ﷺ -: \"كلكم راع ومسؤول عن رعيته\".\nلطيفة: قد روي أن عيسى ﵊ اجتاز في سياحة فرأى حجرًا صغيرًا ينبع منه ماء كثيرًا فوقف عنده وتعجب من كثرة ذلك الماء فسأل اللّه تعالى أن يكلمه ذلك الحجر ليسأله عن ذلك، فقال الحجر: يا روح اللّه منذ سمعت قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فأنا أبكي خوفا من تلك النار، فسأل عيسى ﵊ من اللّه ﷿ أن يجير ذلك الحجر من النار فأجاره اللّه ﷿ فأعلمه بذلك ثم أتى عليه بعد حين\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٢) سقط من الأصل.\n(^٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٤)، والبيهقى في المدخل (٣٧٢) والشعب (١١/ ١٥٦ رقم ٨٣٣١). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٩).","vol":"2","page":61},{"text":"فوجده باكيًا كما كان، فقال عيسى - ﵇ - \"ما هذا البكاء، وقد أجرت من النار\" فقال: يا روح اللّه، ذلك بكاء الخوف وهذا بكاء السرور شكرًا للّه ﷿، وكفى هذا موعظة وحسرة أن الحجارة أعقل من الإنسان، وقد دل على ذلك آيات أصرح ما فيها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ..﴾ (^١) الآية، قاله في مختصر مجمع الأحباب.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٧٤.","vol":"2","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الترهيب من كتم العلم</span>\n١٩٨ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"من سُئِلَ عَن علم فكتمه ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ الْحَاكم بِنَحْوِهِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَة قَالَ: \"مَا من رجل يحفظ علما فيكتمه إِلَّا أَتَى يَوْم الْقِيَامَة ملجوما بلجام من نَار\" (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار\" الحديث، الممسك عن الكلام ممثل بمن ألجم نفسه بلجام، قال الخطابي: والمراد بالعلم ما يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فرضه كمن يرى كافرًا يريد الإسلام يقول: علموني الإسلام وكمن يرى رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها فيقول: علموني كيف أصلي وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام فيقول: أفتوني وأرشدوني فإنه يلزمه في هذا وأمثاله تعريف الجواب، ومن منعه استحق الوعيد، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة للناس إلى معرفتها، ومنهم من يقول إنه علم الشهادة، قال سحنون: هذا الحديث إنما حكم في الشهادة، قال ابن العربي: الصحيح\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذى (٢٦٤٩)، وابن ماجة (٢٦١) و(٢٦٦) والحاكم ١/ ١٥١. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٠).","vol":"2","page":63},{"text":"خلافه لأن في الحديث من سئل عن علم ولم يقل شهادة ونحن مأمورون بالعمل بالظاهر حتى يرد ما يلزمه، وروى الحافظ أبو نعيم في فضل العالم العفيف عن ابن مسعود عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"ما أتى اللّه عالمًا إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ من النبيين أن يبينه ولا يكتمه\" انتهى، قاله في الديباجة، فليحذر العالم من ذلك؛ وقوله \"فكتمه\" يقتضي أنه لا يرد جواب سائله لقوله؛ والمراد: ما يجب بذله، وأما السائل فلا تنهر، قال: من نهر السائل، أي: رده بلا جواب، قاله في حدائق الأولياء (^١).\n\n١٩٩ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: \"من كتم علما ألْجمهُ اللّه يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار\" رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح لا غُبَار عَلَيْهِ (^٢).\n\n٢٠٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"من سُئِلَ عَن علم فكتمه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مُلجمًا بلجام من نَار وَمن قَالَ فِي الْقُرْآن بِغَيْر مَا يعلم جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مُلجمًا بلجام من نَار\". رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته ثِقَات مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير والأوسط بسَنَد جيد بالشطر الأول فَقَط (^٣).\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (٢/ ٣٩١).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٩٦)، والحاكم (١/ ١٠٢). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢١).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٢٥٨٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٧١ رقم ٧١٨٧) والكبير (١١/ ٥ رقم ١٠٨٤٥) و(١١/ ١٤٥ رقم ١١٣١٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد اللّه بن خراش، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وابن =","vol":"2","page":64},{"text":"قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله - ﷺ -: \"من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار، ومن قال في القرآن بغير ما يعلم\" الحديث، قال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين: ومن الكبائر أن يسأل عن علم شرعي فيكتمه مع تعين الجواب عليه، وقد عده الذهبي وابن القيم من الكبائر ومن غير تقييد، والذي يظهر أنه لا يكون من الكبائر إلا إذا تعين الجواب عليه كما ذكرنا، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (^١) الآية، ومنها: تفسير القرآن برأيه وتفسير القرآن بالرأي هو من أنواع قول الزور، والإخبار عن اللّه تعالى بأنه أراد ما يتحقق إرادته إياه، واللّه أعلم.\nقوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من كتم علما مما ينفع اللّه به الناس في أمر الدين ألجمه اللّه يوم القيامه بلجام من نار\" فخرج بهذا الحديث أنه يجوز كتم علم لم ينفع اللّه به الناس كالسحر ونحوه.\nوقوله: \"ألجم يوم القيامة بلجام من نار\" وإنما عذب فمه لأن الفم موضع خروج العلم، فلما لم يُجب السائل وسكت جازاه اللّه عن سكوته بلجام من النار، واللّه أعلم.\n_________\n= عدي، ووثقه ابن حبان. وقال في ١/ ١٦٣: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير باختصار قوله: في القرآن، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٩٤).\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٥٠.","vol":"2","page":65},{"text":"تتمة: قد صح عن أبي هريرة أنه قال: حفظت عن رسول اللّه - ﷺ - جرابين، فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (^١)، أما الجواب على حديث أبي هريرة فقيل: إن الذي كتمه هو ما يتعلق بالفتن، وما شجر بين الصحابة فلهذا كتمه خوفا على نفسه ونحو ذلك، فأما الأحكام وما فيه وعد ووعيد وترغيب وصلاح الأمة فهذا هو المنهي عن كتمه (^٢)، واللّه أعلم.\n\n٢٠١ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"من كتم علما مِمَّا ينفع اللّه بِهِ النَّاس فِي أَمر الدّين ألْجمهُ اللّه يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار\" رَوَاهُ ابْن مَاجَة (^٣) قَالَ الْحَافِظ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث دون قَوْله مَا ينفع اللّه بِهِ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة غير من ذكر مِنْهُم جَابر بن عبد اللّه وَأنس بن مَالك وَعبد اللّه بن عَمْرو وَعبد اللّه بن مَسْعُود وَعَمْرو بن عبسة وَعلي بن طلق وَغَيرهم.\n\n٢٠٢ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد اللّه - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا لعن آخر هَذِه الأمة أَولهَا فَمن كتم حَدِيثا فقد كتم مَا أنزل اللّه. رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَفِيه انْقِطَاع وَاللّه أعلم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (١٢٠).\n(^٢) شرح الصحيح (١/ ١٩٥) لابن بطال.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة (٢٦٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٩٥).\n(^٤) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير (٣/ ١٩٧)، وابن ماجة (٢٦٣)، والآجرى في الشريعة (١٩٨٥ و١٩٨٦). وضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (١٥٠٧) وضعيف الترغيب (٩٦).","vol":"2","page":66},{"text":"قوله: عن جابر، هو: ابن عبد اللّه، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا لعن آخر هذه الأمة أولها\" الحديث، هو على ظاهره، ويدخل في ذلك الرافضة وغيرهم الذين يلعنون أكابر الصحابة ويكفرون الأمة، انتهى، قاله في التنقيح (^١)، وقال صاحب كنز الدرر (^٢): قال هشام بن عبد الملك لزيد بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي: بلغني أن أباك يريد الخلافة ولا تصلح لك لأنك ابن أمة فقال زيد: قد كان إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ابن أمة وإسحاق ابن حرة وآخرج اللّه تعالى من صلب إسماعيل خير ولد آدم، فقال له هشام: قم عني، فقال زيد: لا تراني بعدها إلا حيث تكره، ولما جرى ما جري، والقصة مطولة، وقتل زيد في سنة اثنتين وعشرين ومائة وصلب ولم يزل مصلوبا إلى سنة ست وعشرين ثم أنزل بعد أربع سنين وآخرق، ولما قتل زيد في خلافة هشام بن عبد الملك قام بالأمر بعده ولده يحيى ومضى إلى خراسان فاجتمع بها خلق كثير وبايعوه ووعدوه بالقيام معه ومقاتلة الأئمة وبذلوا له الطاعة فبلغ ذلك جعفر بن محمد الصادق فكتب إليه ينهاه عن ذلك ويعرفه أن مقتول كما قتل أبوه، وكان كما أخبر جعفر بن محمد الصادق، فإن أمير خراسان قتله بجرجان ثم تفرقت الزيدية ثلاث فرق: جارودية وسليمانية وبترية بفتح التاء، فالجارودية، قال ابن السمعاني في الأنساب (^٣): الجارودية\n_________\n(^١) كشف المناهج (٤/ ٤٩٦).\n(^٢) لم أجده في كنز الدرر وإنما ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد (٤/ ١١٧).\n(^٣) الأنساب (٣/ ١٦٨).","vol":"2","page":67},{"text":"فرقة من الزيدية وهم أصحاب أبي الجارود بن المنذر وكان من أصحاب زيد بن علي زعموا أن النبي - ﷺ - نص على خلافة علي بن أبي طالب وأن الناس كفروا بنصب غيره وأن علي بن أبي طالب أفضل الخلق بعد رسول اللّه - ﷺ - وأولاهم بالأمر من جميع الناس وَتَبرَّوا من أبي بكر وعمر وزعموا أن الإمامة مقصورة في ولد فاطمة وزعموا أن النبي - ﷺ - نص على إمامة علي - ﵁ - بالوصف دون التسمية، وأن الناس كفروا بترك الاقتداء به بعد النبي - ﷺ - ثم بعده الحسن ثم بعده الحُسين ثم إن الأمر شورى بعدهم فمن خرج منهم داعيا إلى ربه وكان عالما فاضلًا فهو الإمام، وقال (^١): السليمانية منسوبون إلى سليمان بن جرير من الزيدية أثبتوا إمامة أبي بكر وعمر وزعموا أن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي خطأ لا يبلغ درجة الفسق، وكفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة ﵃، انتهى.\n\n٢٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ مثل الَّذِي يتَعَلَّم الْعلم ثمَّ لا يحدّث بِهِ كمثل الَّذِي يكنز الْكَنْز ثمَّ لا ينْفق مِنْهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\n_________\n(^١) الأنساب (٧/ ١٩٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢١٣ رقم ٦٨٩)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٤٩٢). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٢) والصحيحة (٣٤٧٩).","vol":"2","page":68},{"text":"قوله - ﷺ -: \"مثل الذي يعلم العلم ولا يحدّث به كمثل الذي يكنز الكنز ولا ينفق منه\" الحديث، الكنز: هو ما لم تؤد زكاته، وما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا تحت سبع أرضين (^١).\nقوله: وفي إسناده ابن لهيعة، ابن لهيعة: اسمه عبد اللّه، تقدم الكلام عليه مبسوطًا، واللّه أعلم.\n\n٢٠٤ - وَعَن عَلْقَمَة بن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه عَن جدّه قَالَ خطب رَسُول اللّه - ﷺ - ذَات يَوْم فَأثْنى على طوائف من الْمُسلمين خيرا ثمَّ قَالَ مَا بَال أَقوام لا يفقهُونَ جيرانهم وَلا يعلمونهم وَلا يعظونهم وَلا يأمرونهم وَلا ينهونهم وَمَا بَال أَقوام لا يتعلمون من جيرانهم وَلا يتفقهون وَلا يتعظون وَاللّه ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أَو لأعاجلنهم الْعقُوبَة ثمَّ نزل فَقَالَ قوم من تَرَوْنَهُ عَنى بهؤلاء قَالَ الأشْعَرِيين هم قوم فُقَهَاء وَلَهُم جيران جُفَاة من أهل الْمِيَاه والأعراب فَبلغ ذَلِك الأشْعَرِيين فَأتوا رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالُوا يَا رَسُول اللّه ذكرت قوما بِخَير وذكرتنا بشر فَمَا بالنا فَقَالَ ليعلمن قوم جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أَو لأعاجلنهم الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا فَقَالُوا يَا رَسُول اللّه أنفطن غَيرنَا فَأَعَادَ قَوْله عَلَيْهِم فَأَعَادُوا قَوْلهم أنفطن غَيرنَا فَقَالَ ذَلِك أَيْضا فَقَالُوا أمهلنا سنة فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم ثمَّ قَرَأَ رَسُول اللّه - ﷺ - هَذِه\n_________\n(^١) الحاوى (٣/ ٧٢).","vol":"2","page":69},{"text":"الآيَة ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (^١) الآيَة رَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبير عَن بكير بن مَعْرُوف عَن عَلْقَمَة (^٢).\nقوله: عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدّه، عبد الرحمن بن أبزى مولى نافع بن عبد الحارث، مختلف في صحبته، سكن الكوفة، وقال البخاري: له صحبة، ذكره غير واحد من الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي - ﷺ - وصلى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله علي - ﷺ -: على خراسان، روى له الجماعة، وابناه: سعيد بن عبد الرحمن وعبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبزى.\nقوله - ﷺ -: \"ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم\" الحديث، كان النبي - ﷺ - (يستعمل على الناس من يعلمهم ويفقههم في الدين ويأمرهم بالمعروف والأعراب: ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس. ولا واحد له من لفظه. وسواء أقام بالبادية أو المدن. والنسب إليهما: أعرابي وعربي وفي حديث سطيح\"يقود خيلًا عرابًا\" أي عربية منسوبة إلى العرب، فرقوا بين الخيل والنالس، فقالوا في الناس: عرب وأعراب، وفي الخيل:\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٧٨.\n(^٢) أخرجه الطبراني في جامع المسانيد (٦٨٥٥)، وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (١١١٨).\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بكير بن معروف، قال البخارى: ارم به، ووثقه أحمد في رواية، وضعفه في أخرى، وقال ابن عدى أرجو أنه لا بأس به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٩٧).","vol":"2","page":70},{"text":"عراب (^١)، وتقدم الكلام على الفقه في أول كتاب العلم.\nقوله: \"فقال: قوم من ترَوْنَهُ عَنى بهؤلاء قَالَ الأشْعَرِيين هم قوم فُقَهَاء وَلَهُم جيران جُفَاة من أهل الْبادية والأعراب\"، والأعراب: ساكنوا البادية، والأشعريون: أهل قبيلة منسوبة إلى أشعر، وأشعر أبو قبيلة من اليمن وهو أشعر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، تقول العرب: جاءني الأشعرون بحذف ياء النسب (^٢)، وقال شارح مشارق الأنوار: صوابه الأشعرين، وذلك لأنهم يقولون: يمانون وتهامون وسعدون وأشعرون (^٣)، انتهى.\nقوله: رواه الطبراني عن بكير بن معروف (الأسدي أبو معاذ، وقيل: أبو الحسن النيسابوري، ويقال: الدامغاني، صاحب التفسير: كان على قضاء نيسابور، ثم سكن دمشق وهاه ابن المبارك وقد وثقه غيره، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به ليس حديثه بالمنكر جدًا).\n\n٢٠٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"تناصحوا فِي الْعلم فَإِن خِيَانَة أحدكُم فِي علمه أَشد من خيانته فِي مَاله وَإِن اللّه مسائلكم\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرَ أيْضًا وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَبَا سعيد الْبَقَّال واسْمه سعيد بن الْمَرْزُبَان فِيهِ خلاف يَأْتِي (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٧٠٠).\n(^٣) انظر التوضيح (١٩/ ٢٤١)، وعمدة القارى (١٥/ ١٩٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقل (١١١)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٠ رقم ١١٧٠١)، وتمام في الفوائد (١٥١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٠)، والخطيب في الجامع (١٤٤٩ =","vol":"2","page":71},{"text":"قوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله: \"تناصحوا في العلم، فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله\" الحديث، وفي رياضة الدينوري: \"تناصحوا في العلم، ولا يكتمن بعضكم بعضًا، فإن خيانة الرجل في العلم أشد من خيانته في المال\" (^١) وقال أبو الدرداء: أحب عباد اللّه إلى اللّه الذي يحببون عباد اللّه إلى اللّه ويحببون اللّه إلى عباده، والذي يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة بذكر اللّه، وقال يحيى بن معاذ: إن العبد إذا صدق فيما بينه وبينه اللّه تعالى جعل اللّه كلامه جلاء في قلوب المؤمنين وشكرا في أفواه المذنبين وروضة في عيون الصادقين وريحانة لأنوف المخلصين، وقال مالك بن دينار: بلغني أنه يدعى يوم القيامة المذكر الأصدق فيوضع على رأسه تاج الملك ثم يؤمر به إلى الجنة فيقول: إلا هي إن أقواما كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت فيه، قال: فيفعل بهم مثل ما فعل به ثم ينطلق به إلى الجنة لكرامته على اللّه ﷿، وقال أبو مكين: لم يتصدق المتصدق بصدقة أفضل من عبد وعظ قوما من المسلمين موعظة قاموا عنده بخير.\n_________\n= و١٤٥٠) وتاريخ بغداد (٤/ ٦٨ و٧/ ٣٧٦ و٧/ ٤٢٤). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٤١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو سعد البقال، قال أبو زرعة: لين الحديث، مدلس، قيل: هو صدوق؟ قال: نعم، كان لا يكذب. وقال أبو هشام الرفاعي: حدّثنا أبو أسامة قال: حدّثنا أبو سعد البقال، وكان ثقة. وضعفه شعبة لتدليسه والبخاري ويحيى بن مَعين، وبقية رجاله موثقون. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٧٨٣) وضعيف الترغيب (٩٨).\n(^١) أخرجه الدينورى في رياضة المتعلمين (مخ/ لوجة ٢١) وزاد وإن اللّه ﷿ سائلكم عنه.","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه، ولقول ما لا يفعله</span>\n٢٠٦ - عَن زيد بن أَرقم - ﵁ - أَنا رَسُول اللّه - ﷺ - كَانَ يَقُول: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع وَمن قلب لَا يخشع وَمن نفس لَا تشبع وَمن دَعْوَة لَا يُسْتَجَاب لَهَا\". رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث (^١).\nقوله: عن زيد بن أرقم، هو: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو أنيسة زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك الأنصاري الخزرجي المدني، غزا مع رسول اللّه - ﷺ - سبع عشرة غزوة، استصغره رسول اللّه - ﷺ - يوم أحد، وكان يتيمًا في حجر عبد اللّه بن رواحة وسار معه في غزوة مؤتة، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - سبعون حديثًا، اتفقا على أربعة وللبخاري حديثان ولمسلم ستة، نزل الكوفة، وتوفي بها سنة ست وخمسين، وقال محمد بن سعد وآخرون سنة ثمان وستين، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٣ - ٢٧٢٢)، والنسائي في الكبرى (٧٨١٥ و٧٨١٦) و(٧٨٤٣) والمجتبى ٨/ ٣٤٦ (٥٥٠٢) و٨/ ٣٩١ (٥٥٨٢). وأخرجه الترمذي (٣٤٨٢) والنسائي في الكبرى (٧٨٢٥) والمجتبى ٨/ ٣٣٥ (٥٤٨٦) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص. وصححهما الألباني في صحيح الترغيب (١٢٣) و(٨٢٦) وصحيح الجامع (١٢٨٦) و(١٢٩٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٩ الترجمة ١٨٤).","vol":"2","page":73},{"text":"قوله: كان رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع\" الحديث، وفي الحديث أيضًا عن جابر أن النبي - ﷺ - قال: \"سلوا اللّه علما نافعا وتعوذوا باللّه من علم لا ينفع\" (^١) ذكره أبو عمر.\nقال الغزالي في الإحياء (^٢): ولا ينكر كون العلم ضارا لبعض الناس كما يضر لحم الطير وأنواع الحلاوة اللطيفة بالطفل الرضيع، بل رب شخص ينفعه الجهل في بعض الأمور، فقد حكي أن بعض الناس شكى إلى طبيب عقم زوجته وأنها لا تلد، فجس الطبيب نبضها، وقال: لا حاجة بك إلى دواء الولادة فإنك ستموتين بعد أربعين يومًا، وقد دل النبض على ذلك، فاستشعرت المرأة خوفًا عظيمًا وتنغص عليها عيشها وأخرجت أموالها وأوصت وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت المدة فلم تمت فجاء زوجها إلى الطبيب فقال: لم تمت، فقال الطبيب: قد علمت ذلك فجامعها الآن فإنها تلد، فقال: كيف ذاك، قال: رأيتها سمينة وقد انعقد الشحم على فرجها وعلمت أنها لا تهزل إلا بخوف الموت فخوفتها بذلك حتى هزلت وزال المانع من الولادة، قال: فلهذا تعوذ النبي - ﷺ - من علم لا ينفع، فاعتبر بهذه الحكاية، ولا تكن باحثًا عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها، انتهى، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٣٨٤٣)، وأبو يعلى (١٩٢٧) و(١٩٨٠) و(٢١٩٦). وحسنه الألباني في الصحيحة (١٥١١).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٣٠ - ٣١).","vol":"2","page":74},{"text":"قوله: \"ومن قلب لا يخشع\" الخشوع: الخضوع.\nقوله: \"ومن نفس لا تشبع\" استعاذة من الحرص والطمع والشره، وتعلق النفس بالآمال البعيدة، ويحتمل وجهين، أحدهما: أنها لا تقنع بما آتاها اللّه تعالى ولا يفتر عن الجمع لشدة ما فيها من الحرص الإنساني أن يراد به كثرة الأكل (^١).\nقوله: \"ومن دعاء لا يستجاب\" أي: لا يستجاب ولا يعتد به فكأنه غير مسموع، وقال الخطابي (^٢): الدعاء الذي لا يسمع معناه: لا يجاب، ومن هذا قول المصلي: سمع اللّه لمن حمده، يريد استجاب اللّه دعاء من حمده، قال الشاعر:\nدَعَوْتُ اللّهَ حَتى خِفْتُ أَنْ لا ... يَكْونَ اللّهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ\nوقال القرطبي (^٣): العلم الذي لا ينفع هو الذي لا يعمل به كما قال ﵊: \"العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه وأتعب صاحبه نفسه في جمعه ثم لم يصل إلى نفعه\" (^٤) انتهى، وفي رواية البيهقي: \"اللهم إني أعوذ بك من شر هذه الأربع\"، وروى عنه - ﷺ - أنه كان يقول:\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٥٧٨).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٩٦).\n(^٣) المفهم (٢٢/ ١٠٠).\n(^٤) أخرجه الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٥٠)، وابن خير في فهرسته (ص ٩) من طريق الطبراني قال: حدّثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد اللّه بن مسلم الكجي ويقال الكشي قال حدّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن محمد بن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة. قال الذهبى: هذا يتهم به زيد، وقال: رفاعة الهاشمي، هو زيد بن عَبد اللّه بن مسعود الأديب، كذاب أشر، ركب أسانيد لأربعين حديثًا فسرقها منه ابن ودعان وادعاها.","vol":"2","page":75},{"text":"\"اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما\" والحمد للّه على كلّ حال [حديث زيد بن أرقم هذا أو غيره من الأدعية المسجوعة، دليل لما قاله العُلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو المكلف، فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما يحصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظا فلا بأس به بل هو حسن، واللّه أعلم (^١)].\n\n٢٠٧ - وَعَن أُسَامَة بن زيد - ﵁ - أَنه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول يجاء بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتابه فيدورها كَمَا يَدُور الْحمار برحاه فتجتمع أهل النَّار عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ يَا فلَان مَا شَأْنك أَلَسْت كنت تَأمر بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر فَيَقُول كنت آمركُم بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتيه وأنهاكم عَن الشَّرّ وآتيه، قَالَ: وَإِنِّي سمعته يَقُول يَعْنِي النَّبِي - ﷺ - مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي بِأَقْوَام تقْرض شفاههم بمقاريض من نَار قلت من هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ خطباء أمتك الَّذين يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ\"، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^٢) وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أنس وَزَاد ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَة لَهما ويقرؤون كتاب اللّه وَلَا يعْملُونَ بِهِ (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤١)، وكشف المناهج (٢/ ٣٣٥).\n(^٢) أخرجه البخارى (٣٢٦٧) و(٧٠٩٨)، ومسلم (٥١ - ٢٩٨٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٥٠٩) و(٥٧٠) وذم الكذب (٤٥) و(١٠٨)، وابن حبان (٥٣)، والبيهقى في الكبرى (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١ رقم ١٦٣٧) و(٧/ ٣٨ رقم ٤٦١١) و(٧/ ٣٩ رقم ٤٦١٤). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩١) وصحيح الترغيب (١٢٥) و(٢٣٢٧).","vol":"2","page":76},{"text":"قَالَ الْحَافِظ: وَسَيَأْتِي أَحَادِيت نَحوه فِي بَاب من أَمر بِمَعْرُوف أَو نهى عَن مُنكر وَخَالف قَوْله فعله.\nقوله: عن أسامة بن زيد، هو مولى رسول اللّه - ﷺ - وابن مولاه وابن مولاته وحِبّه، كنيته: أبو محمد، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو يزيد، وقيل: أبو خارجة أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى الكلبي الهاشمي، وأمه: أم أيمن (بَرَكَةُ)، وفي صحيح البخاري عن أسامة - ﵁ -: أن رسول اللّه - ﷺ - كان يأخذه والحسن بن علي فيقول: \"اللهم أحبهما فإني أحبهما\" ويقال في رواية له أيضًا قال: كان النبي - ﷺ - يقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الآخرى ثم يضمهما ثم يقول: \"اللهم إني أرحمهما فارحمهما\"، وفي الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: أراد النبي - ﷺ - أن ينحي كخاط أسامة، فقلت: دعني أفعل، فقال: يا عائشة أحبيه فإني أحبه، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وولاه رسول اللّه - ﷺ - إمراة الجيش وفيهم عمر بن الخطاب، وعقد له اللواء، وتوفي رسول اللّه - ﷺ - وله عشرون سنة، وقيل: تسع عشرة سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي قائف [القائف في اللغة: متبع الآثار، والجمع: قافة كبائع وباعة] والنبي - ﷺ - شاهد وأسامة بن زيد وزيد مضطجعان فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبي - ﷺ - فأعجبه، قال العُلماء ﵃: سبب سروره - ﷺ - أن أسامة كان لونه أسود وكان طويلا خرج إلى أمه، وكان أبوه زيد قصيرًا أبيض، وقيل بين البياض والسواد، وكان بعض","vol":"2","page":77},{"text":"المنافقين قصد المغايظة والإيذاء فدفع اللّه ذلك، وله الحمد والمنة (^١).\nفائدة: في ذكر موالي رسول اللّه - ﷺ - منهم: زيد بن حارثة وثوبان بن يجدد وأبو كبشة واسمه سليم، ورويفع وأبو بكر وهرمز وآنسة ورباح وأبو رافع ورافع ومدعم الأسود وهو الذي قتل بوادي القرى وكركرة الذي كان على ثقل رسول اللّه - ﷺ - وسفينة وسلمان الفارسي وأيمن وهم كثيرون. واعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي - ﷺ -.\nبل كان بعض منهم في وقت، قال عبد اللّه بن المبارك وغيره: إذا أقام إنسان في بلد أربع سنين نسب إليه، وينسبون إلى القبيلة مولاهم، وتقدم شيء من ذلك مبسوطًا (^٢).\nقوله: \"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه\" الحديث، الإندلاق: خروج الشيء من مكانه بسرعة، يريد: خروج أمعائه من جوفه، ومنه اندلق السيف من جفنه إذا شقه وخرج منه، قاله في النهاية (^٣)، والأقتاب: الأمعاء واحدتها عند الكسائي قتبة بالكسر وهي مؤنثة، وعند الأصمعي قتبة، وتصغيرها قتيبة، وبها سمى الرجل قتيبة قاله أبو عبيد (^٤)، وروي: \"فتنفلق\" بدل \"فتندلق\".\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١١٣ - ١١٥ الترجمة ٤٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤ و٢٨).\n(^٣) النهاية (٢/ ١٣٠).\n(^٤) غريب الحديث (٢/ ٣١).","vol":"2","page":78},{"text":"قوله: وزاد ابن أبي الدنيا والبيهقي في رواية لهما: \"ويقرؤون كتاب اللّه ولا يعملون به\" وذكر أبو عمر عن أبي هريرة - ﵁ - قال: إن في جهنم أرجاء تدور بعلماء السوء فيشرف عليهم بعض من كان يعرفهم فيقول: ما صيركم إلى هذا، وإنما كنا نتعلم منكم، قالوا: إنا كنا نأمركم بالأمر ونخالفكم إلى غيره (^١)، وروى عن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"إن الذين يأمرون الناس بالصبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم فيقال لهم: من أين أنتم؟ فيقولون: نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا\" (^٢)، القصب: بضم القاف الأمعاء، وجمعه: أقصاب وهي المصارين (^٣)، وقد وصف كعب الأخبار علماء السوء فقال: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ويأتون، يؤثرون الدنيا على الآخرة، يقربون الأغنياء دون الفقراء يتغايرون على العلم كما يتغاير النساء على الرجال، يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره أولئك الجبارون أعداء الرحمن؛ وقال ابن مسعود - ﵁ -: سيأتي على الناس زمان ملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع يومئذ بالعلم عالمه ولا متعلمه فتكون قلوب علمائهم مثل الصباح ذوات الملح ينزل عليها قطر السماء فلا يوجد لها عذوبة، وذلك إذا مالت قلوبهم إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة فعند\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٨٧٧). والخبر أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٧٧).\n(^٢) أخرجه ابن بهلول في أماليه (١١).\n(^٣) النهاية (٤/ ٦٧ و٣٤٤).","vol":"2","page":79},{"text":"ذلك يسلبها اللّه ﷿ ينابيع الحكمة وتطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم، فما أخصب الألسن يومئذ وما أجدب القلوب (^١).\nقال الغزالي في الباب السادس من آفات العلم (^٢): العُلماء السوء علماء الدنيا الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها \" وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب أن اللّه تعالى يقول: \"إن أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة مناجاتي من قلبه\" يا معشر القراء يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد؟ وقال عبد اللّه بن وهب: بلغني أن القضاة يحشرون مع السلاطين وأن العُلماء يحشرون مع الأنبياء، قال الغزالي: ومعنى القضاة كلّ فقيه طلب الدنيا بعلمه، وروى الدارمي عن النبي - ﷺ - قال: \"خيار الناس خيار العُلماء وشرار الناس شرار العُلماء\".\nقوله: وإني سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار\" الحديث، اختلف الناس في تاريخ الإسراء، فقال ابن الأثير (^٣): الصحيح عندي أنه كان ليلة الاثنين ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وبهذا جزم شيخ الإسلام النووي في شرح مسلم (^٤) وجزم في فتاويه (^٥) في كتاب الصلاة بأنه\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٦٤).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٥٨ - ٦٣).\n(^٣) الكامل (١/ ٥١).\n(^٤) شرح صحيح مسلم (٢/ ٥٦٨).\n(^٥) فتاوى الإمام النووي (ص: ٣٥).","vol":"2","page":80},{"text":"كان في شهر ربيع الأول، وفي سير الروضة (^١) أنه كان في شهر رجب، وإنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين جليس الملك ليلا وجليسه نهارًا، قال أهل التاريخ: ولد النبي - ﷺ - عام الفيل وأقام في بني سعد خمس سنين ثم توفيت أمه بالأبواء وهو ابن ست وكفله جدّه عبد المطلب ثم توفي وهو ابن ثمان سنين فكفله عمه أبو طالب وخرج معه إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة ثم خرج في تجارة لخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وتزوجها في تلك السنة، وبنت قريش الكعبة ورضيت بحكمه فيها وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وبعث وهو ابن أربعين سنة وتوفي أبو طالب وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا وتوفيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام ثم خرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة بعد ثلاثة أشهر من موت خديجة فأقام بها شهرا ثم رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي، فلما أتت له خمسون قدم جن نصيبين فأسلموا، فلما أتت له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسري به - ﷺ -، وعاش ثلاثًا وستين سنة ونحر في حجة الوداع ثلاثًا وستين بدنة بيده، وأعتق ثلاثًا وستين رقبة - ﷺ -، قاله في حياة الحيوان (^٢).\n\n٢٠٨ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"الزَّبَانِيَة أسْرع إِلَى فسقة الْقُرَّاء مِنْهُم إِلَى عَبدة الأوْثَان فَيَقُولُونَ: يبْدَأ بِنَا قبل عَبدة الأَوْثَان فَيُقَال لَهُم لَيْسَ من يعلم كمن لَا يعلم\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم وَقَالَ: غَرِيب\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١٠/ ٢٥٦)، كتاب السير.\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"2","page":81},{"text":"من حَدِيث أبي طوالة تفرد بِهِ الْعمريّ عَنهُ يَعْنِي عبد اللّه بن عبد الْعَزِيز الزَّاهِد (^١).\nقَالَ الْحَافِظ ﵀: وَلِهَذَا الحَدِيث مَعَ غرابته شَوَاهِد وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة الصَّحِيح إِن أول من يَدْعُو اللّه يَوْم الْقِيَامَة رجل جمع الْقُرْآن ليقال قارئ وَفِي آخِره أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق اللّه تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَتقدم لفظ الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي الرِّيَاء.\nقوله: عن أنس، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"الزبانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة الوثان\" الحديث، الزبانية عند العرب: الشرط، وسمى بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها وهو مشتق من الزبن وهو الدفع، وقيل: مفرده زباني وزابن أو زبنيت مثل عفريت، والعرب لا تكاد تعربه وتجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل أبابيل، وقيل: واحدة زبنى كأنه نسبة إلى الزبن ثم غير للنسبة كقولهم: أمسى بكسر الهمزة، قاله الكرماني (^٢).\nقوله: \"إلى عبدة الأوثان\" جمع وثن، وتقدم تفسيره في الرياء.\n_________\n(^١) أخرجه ابن مردويه في ما انتقاه على الطبراني (١٥٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٨٦)، وابن الجوزى في الموضوعات (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧). قال ابن الجوزى: وقد رواه جابر بن مرزوق الجدي عن العمري، وهو حديث لا يصح عن رسول اللّه - ﷺ -، وجابر بن مرزوق ليس بشيء، ولعل عبد الملك الجدي أخذه منه، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بجابر بن مرزوق فإنه روى هذا الحديث وهو خبر باطل، ما قاله رسول اللّه - ﷺ - ولا رواه أنس. قال الألباني في ضعيف الترغيب (٩٩): منكر.\n(^٢) الكواكب الدرارى (١٤/ ٧٠).","vol":"2","page":82},{"text":"قوله: فقال لهم: \"ليس من يعلم كمن لا يعلم\" الحديث، قال أبو الدرداء - ﵁ -: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وقال أبو الدرداء أيضًا: إن أخوف ما أخاف أن يقال لي: قد علمت فماذا عملت فيما عملت؟ ويكفي في ذلك العالم إذا لم يعمل قول اللّه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (^١) يثقله حملها ولا ينفعه علمها، فكل من علم ثم لم يعمل بعلمه فهذا مثله (^٢)، انتهى.\nوقال بكر بن حبيش: إن في جهنم لواديًا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كلّ يوم سبع مرات وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تلك الحية كلّ يوم سبع مرات يبدأ بفسقة حملة القرآن، فيقولون: أي رب بدئ بنا قبل عبدة الأوثان، فقيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم لأن عذاب من يعلم أكبر من عذاب من لا يعلم، إذ زيادة العلم تقوي الحجة، قال اللّه تعالى: ﴿أفمن يعلم كمن لا يعلم﴾ [*]، وقال في أزواج النبي - ﷺ -: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (^٣) انتهى، قاله ابن الجوزي في تلبيس إبليس (^٤).\n_________\n(^١) سورة الجمعة، الآية: ٥.\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٣٥٧).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٠.\n(^٤) تلبيس إبليس (ص ١٠٢ - ١٠٣).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع!!","vol":"2","page":83},{"text":"قوله: رواه أبو نعيم وقال: غريب من حديث أبي طوالة، تفرد به العمري، يعني: عبد اللّه بن عبد العزيز الزاهد، انتهى. أبو طوالة: بضم الطاء المدني عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معمر، ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء المدينة، فلم يزل بها حتى مات عمر، ثقة كثير الحديث، توفي في آخر سلطان بني أمية، روى له الجماعة وهو مدني ثقة كان يسرد الصوم ويحدّث حديثًا حسنًا (^١).\n\n٢٠٩ - وَرُوِيَ عَن صُهَيْب قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"مَا آن بِالْقُرْآنِ من اسْتحلَّ مَحَارمه\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ (^٢).\nقوله: عن صهيب، كنيته: أبو يحيى صهيب بن سنان بن خالد، وله أخ يقال له مالك بن سنان، وأمه اسمها: ليلى وهي من بني عمرو بن تميم، وكان صهيب يعرف بالرومي وليس منهم بل هو من النمر بن قاسط، وإنما أصابه سبي أخذته الروم بنينوى من أرض الموصل وهو صغير فتكلم بلسانهم وكانت فيه لكنة، فابتاعته كلبٌ فقدمت به إلى مكة فاشتراه عبد اللّه بن جدعان فأعتقه، وقيل: بل هرب من الروم بمال كثير فتحالف ابن جدعان\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٥/ ٢١٧ - ٢٢٠ الترجمة ٣٣٨٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٩١٨)، والبزار (٢٠٨٤). قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي. وقال أبو حاتم في العلل (١٦٤٧): هذه كلها منكرة، ليست فيها حديث يمكن أن يقال إنه صحيح، وكأنه شبه الموضوع، وحديث ابنه أنكرها، ومحل يزيد محل الصدق، والغالب عليه الغفلة، فيحتمل أن يكون سمع من أبي المبارك هذا، وهو شبه مجهول، ومحمد بن يزيد أشد غفلة من أبيه، مع أنه كان رجلًا صالحا لم يكن من أحلاس الحديث. وضعفه الألباني في المشكاة (٢٢٠٣/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (١٠٠).","vol":"2","page":84},{"text":"وأقام معه إلى أن هلك، وقال الواقدي: أسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلًا، ولما هاجر رسول اللّه - ﷺ - إلى المدينة لحقه صهيب، فقالت له قريش: لا تفجعنا في نفسك ومالك فرد إليهم ماله، فقال له النبي - ﷺ -: \"ربح البيع\" فنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (^١) روى عنه أنه قال: صحبت رسول اللّه - ﷺ - قبل أن يوحى إليه.\nوروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"صهيب سابق الروم وسلمان سابق فارس وبلال سابق الحبشة\" وروى عنه - ﷺ - أنه قال: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليحب صهيبا حب الوالدة ولدها\" توفي - ﵁ -: بالمدينة سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وثلَاثين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: ابن سبعين، ودفن بالبقيع (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ما آمن بالقرآن من استحل محارمه\" الحديث، هذا محمول على ظاهره فإن من استحل ما حرمه اللّه فقد كذب به فهو كافر اتفاقًا، وأما من فعل ما حرمه القرآن من غير استحلال فهذا مذنب وليس بكافر عند العُلماء كافة إلا ما ذهب إليه الخوارج من تكفير أهل المعاصي، انتهى، قاله في التنقيح (^٣).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٠٧.\n(^٢) الاستيعاب (٢/ الترجمة ١٢٢٦)، وأسد الغابة (٣/ الترجمة ٢٥٣٨)، وتهذيب الكمال (١٣/ الترجمة ٢٩٠٤).\n(^٣) كشف المناهج (٢/ ٢٤٤).","vol":"2","page":85},{"text":"٢١٠ - وَعَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: لا تَزُول قدما عبد حَتَّى يسْأَل عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن علمه فيمَ فعل فِيهِ وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن جِسْمه فيمَ أبلاه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من حَدِيث معَاذ بن جبل عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا تزَال قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن شبابه فيمَ أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن علمه مَاذَا عمل فِيهِ (^١).\nقوله: عن أبي برزة، أبو برزة اسمه: (نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد اللّه. قال الحاكم أبو عبد اللّه في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد اللّه بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول اللّه - ﷺ - عبد اللّه، وقال: نيار شيطان، وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديمًا، وشهد مع رسول اللّه - ﷺ - فتح مكة. روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى (٥٥٤)، والترمذى (٢٤١٧)، وأبو يعلى (٧٤٣٤)، والبيهقى في المدخل (٤٩٤) عن أبي برزة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسعيد بن عبد اللّه بن جريج هو بصري، وهو مولى أبي برزة، وأبو برزة اسمه: نضلة بن عبيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٦) و(٣٥٩٢)، والصحيحة (٩٤٦)، والروض النضير (٦٤٨).\nوأخرجه الدارمى (٥٥٦)، والبزار (٢٦٤٠)، والبيهقى في المدخل (٤٩٣) والشعب (٣/ ٢٧٨ - ٢٨٠ رقم ١٦٤٨) عن معاذ بن جبل. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٧) وصححه برقم (٣٥٩٣).","vol":"2","page":86},{"text":"ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدي، والأزرق بن قيس، وغيرهم، نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفي بها، وقيل: توفي بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفي سنة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد اللّه في تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة، - ﵁ - (^١).\nقوله - ﷺ -: \"لَا تَزُول قدما عبد حَتَّى يسْأَل عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن علمه فيمَ فعل فِيهِ وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن جِسْمه فيمَ أبلاه\"، وفي رواية البيهقي من حديث معاذ بن جبل عن النبي - ﷺ - قال: \"ما تزول قدمًا عبد حتى يسأل عن أربع\" الحديث، هذا مقام مخوف لأنه لم يقل وعن علمه ما قال فيه، وإنما قال عمل فيه، فلينظر العبد لنفسه ما عمل فيما علم، هل صدق اللّه في ذلك وأخلصه حتى يدخل تحت قوله وفيمن أثنى عليه بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ (^٢) أو خالف علمه بفعله فيدخل في قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٤) الآية، والأخبار بهذا المعنى كثيرة جدًّا، ذكره القرطبي في التذكرة (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٩ - ١٨٠ الترجمة ٧٢٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(^٣) سورة الصف، الآية: ٢.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٤٤.\n(^٥) التذكرة (ص ٦٣٢).","vol":"2","page":87},{"text":"تنبيه: قوله: \"فيم أفناه\" هذه (ما) الاستفهامية دخل عليها حرف الجر فسقطت ألفها، وقال الكرماني: أصله (فيما) فحذفت الألف (^١).\n\n٢١١ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لا يَزُول قدما ابْن آدم يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن خمس عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن شبابه فيمَ أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَمَا عمل فِيمَا علم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي - ﷺ - إِلَّا من حَدِيث حُسَيْن بن قيس قَالَ الْحَافِظ حُسَيْن هَذَا هُوَ حَنش وَقد وَثَّقَهُ حُصَيْن بن نمير وَضَعفه غَيره وَهَذَا الحَدِيث حسن فِي المتابعات إِذا أضيف إِلَى مَا قبله وَاللّه أعلم (^٢).\n\n٢١٢ - وَرُوِيَ عَن الْوَليد بن عقبَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ: \"إِن أُنَاسًا من أهل الْجنَّة ينطلقون إِلَى أنَاس من أهل النَّار فَيَقُولُونَ بِمَ دَخَلْتُم النَّار فوَاللّه مَا دَخَلنَا الْجنَّة إِلَّا بِمَا تعلمنا مِنْكُم فَيَقُولُونَ إِنَّا\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢٥/ ٢٣٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٤١٦)، والبزار (١٤٣٥)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٤٦)، والبيهقى في الشعب (٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨ رقم ١٦٤٧). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - إلا من حديث الحُسين بن قيس، وحسين بن قيس يضعف في الحديث من قبل حفظه. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد اللّه بن مسعود إلا من هذا الوجه، وقد تقدم ذكرنا لحسين بن قيس بلينه فاستغنينا عن إعادة ذكره، ولا نعلم روى ابن عمر عن عبد اللّه بن مسعود إلا هذين الحديثين. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٨)، والصحيحة (٩٤٦)، والروض النضير (٦٤٨).","vol":"2","page":88},{"text":"كُنَّا نقُول وَلَا نَفْعل\". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: عن الوليد بن عقبة، (هو أبو وهب الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القريشي الأموي، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه - ﷺ -، فالوليد أخو عثمان بن عفان لأمه.\nأسلم يوم فتح مكة هو وأخوه خالد بن عقبة. قال ابن عبد البر: أظنه لما أسلم كان قد ناهز الحلم. وقال ابن ماكولا: كان طفلا. وقال غيرهما: كان كبيرًا، وبعثه رسول اللّه - ﷺ - على صدقات بني المصطلق. قال ابن عبد البر: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (^٢) نزلت في الوليد بن عقبة، وذلك أن رسول اللّه - ﷺ - بعثه مصدقا إلى بني المصطلق، فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعو الصدقة؟ لأنهم خرجوا إليه يتلقونه وهم متقلدون السيوف فرحًا وسرورًا بقدومه، فخافهم فرجع وأخبر النبي - ﷺ - بردتهم،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٥٠ رقم ٤٠٥) والأوسط (١/ ٣٧ - ٣٨ رقم ٩٩) قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد إلا أبو بكر الداهري، تفرد به: زهير. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٥ و٧/ ٢٧٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو بكر عبد اللّه بن حكيم الداهري، وهو ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (١٢٦٨) وضعيف الترغيب (١٠١) و(١٣٩٦).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ٦.","vol":"2","page":89},{"text":"فبعث إليهم رسول اللّه - ﷺ - خالد بن الوليد، فأخبروه الخبر وأنهم مسلمون، فنزلت الآية.\nقال: ومما يرد قول من قال: كان صغيرًا، أن الزبير بن بكار وغيره من علماء السير ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجًا من مكة ليردا أختهما أم كلثوم بنت عقبة عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة يوم الحديبية قبل الفتح، فمن يكون صغيرًا يوم الفتح لا يقوي لرد أخته قبل ذلك، ثم ولاه عثمان الكوفة، وكان من رجال قريش ظرفًا، وحلمًا، وشجاعة، وكرما، وأدبا، وكان شاعرا، وهو الذي صلى صلاة الصبح بأهل الكوفة أربع ركعات، فقال: أزيدكم، وكان سكران.\nقال ابن عبد البر: وخبر صلاته سكران قوله: أزيدكم، بعد أن صلى بهم الصبح أربعا، مشهور من رواية الثقات من أهل الحديث، ولما شهدوا عليه بالشرب أمر عثمان فجلد وعزل من الكوفة، واستعمل عليها بعده سعيد بن العاص، ولما قتل عثمان اعتزل الوليد الفتنة، وأقام بالرقة إلى أن توفي بها، وله بها عقب. روى عنه ثابت بن الحجَّاج، والشعبي، وغيرهما (^١).\nقوله: \"إِن أُنَاسًا من أهل الْجنَّة ينطلقون إِلَى أنَاس من أهل النَّار فَيَقُولُونَ بِمَ دَخَلْتُم النَّار فوَاللّه مَا دَخَلنَا الْجنَّة إِلَّا بِمَا تعلمنا مِنْكُم فَيَقُولُونَ إِنَّا كنَّا نقُول وَلَا نَفْعل\" الحديث، قال حاتم الأصم رحمة اللّه عليه: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علما فانتفعوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤٥ - ١٤٦ الترجمة ٦٦٩).","vol":"2","page":90},{"text":"هو (^١)، وقال ابن عيينة عن فضيل بن عياض (^٢): يغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنبٌ.\n\n٢١٣ - وَعَن مَالك بن دِينَار عَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من عبد يخْطب خطْبَة إِلَّا اللّه ﷿ سائله عَنْهَا أَظُنهُ قَالَ مَا أَرَادَ بهَا قَالَ جَعْفَر كانَ مَالك بن دِينَار إِذا حدّث بِهَذَا الحَدِيث بَكَى حَتَّى يَنْقَطِع ثمَّ يَقُول تحسبون أَن عَيْني تقر بكلامي عَلَيْكُم وَأَنا أعلم أَن اللّه ﷿ سائلي عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة مَا أردْت بِهِ. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ مُرْسلا بِإِسْنَاد جيد (^٣).\nقوله: عن مالك بن دينار عن الحسن، هو: مالك بن دينار (هو أبو يحيى مالك بن دينار البصري الزاهد التابعي الناجي، بالنون والجيم، مولى امرأة من بني ناجية بن سلمة بن لؤي بن غالب بن فهر. سمع مالك بن أنس، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللّه، وسعيد بن جبير، وآخرين من الأئمة. روى عنه أبان بن يزيد، والسري بن يحيى، وعبد اللّه بن شوذب، وجفر بن سليمان، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وعبد السَّلام بن حرب، وأخوه عثمان ابن دينار. قال النسائي: هو ثقة. توفي\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٦٣).\n(^٢) المدخل (٤٤٩) للبيهقي، وتنبيه الجاهلين (ص ٤٣٥).\n(^٣) أخرجه أحمد في الزهد (١٩٢٢) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٣/ ٢٨٠ رقم ١٦٤٩)، وأبن أبي الدنيا في الصمت (٥١٠) وذم الكذب (٤٦). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢١٢٢) وضعيف الترغيب (١٠٢) و(١٣٩٥).","vol":"2","page":91},{"text":"سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل: سنة تسع وعشرين (^١).\nقوله: عن الحسن البصري (هو الإمام المشهور المجمع على جلالته في كلّ فن، أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار التابعي البصري، بفتح الباء وكسرها، الأنصاري، مولاهم مولى زيد بن ثابت، وقيل: مولى جميل بن قطبة، وأمه اسمها خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، ﵂. ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، - ﵁ -. قالوا: فربما خرجت أمه في شغل فيبكي فتعطيه أم سلمة، ﵂، ثديها فيدر عليه، فيرون أن تلك الفصاحة والحكم من ذلك، ونشأ الحسن بوادي القري، وكان فصيحا، رأى طلحة بن عبيد اللّه، وعائشة، ﵂، ولم يصح له سماع منها. وقيل: إنه لقي علي بن أبي طالب، - ﵁ -، ولم يصح، وسمع ابن عمر، وأنسا، وسمرة، وأبا بكرة، وقيس بن عاصم، وجندب بن عبد اللّه، ومعقل بن يسار، وعمرو بن تغلب، بالمثناة والغين المعجمة، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبا برزة الأسلمي، وعمران بن الحصين، وعبد اللّه بن مغفل، وأحمر بن جزء، وعائد بن عمرو المزني الصحابيين، ﵃. وسمع خلائق من كبار التابعين، روى عنه خلائق من التابعين وغيرهم.\nوقال الفضيل بن عياض، ﵀: سألت هشام بن حسان: كم أدرك الحسن من أصحاب رسول اللّه - ﷺ -؟ قال: مائة وثلاثين، قلت: فابن سيرين؟ قال: ثلاثين. وروينا عن الحسن، قال: غزونا غزوة إلى خراسان معنا فيها\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٠ - ٨١ الترجمة ٥٤٣).","vol":"2","page":92},{"text":"ثلاثمائة من أصحاب رسول اللّه - ﷺ -، وكان الرجل منهم يصلي بنا ويقرأ الايالت من السورة ثم يركع، قال يحيى بن مَعين، وأبو حاتم، وابن أبي خيثمة، وغيرهم: ولم يصح للحسن سماع من أبي هريرة، فقيل ليحيى: يجيء في بعض الحديث عن الحسن، قال: حدّثنا أبو هريرة؟ قال: ليس بشيء، قيل له: فسالم الخياط قال: سمعتُ الحسن يقول: سمعتُ أبا هريرة، فقال: سالم الخياط ليس بشيء، وأثنى علي ابن المديني، وأبو زرعة على مراسيل الحسن، قال مطر الوراق: كان الحسن كأنما كان في الآخرة، فهو يخبر عما رأى وعاين. وقال أبو بردة: لم أر من لم يصحب النبي - ﷺ - أشبه بأصحابه من الحسن، وقال الربيع بن أنس: اختلفت إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء اللّه، ما من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبله، وقال محمد بن سعد: كان الحسن جامعًا، عالمًا، رفيعًا، فقيهًا، ثقة، مأمونا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم، جميلًا، وسيمًا. وقدم مكة فأجلسوه على سرير، واجتمع الناس إليه، فيهم طاووس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن شعيب، فحدّثهم، فقالوا، أو قال بعضهم: لم ير مثل هذا قط. وقال بكر بن عبد اللّه: الحسن أفقه من رأينا. ومناقبه كثيرة مشهورة. توفي سنة عشر ومائة، ومن حكم الحسن ما ذكره الشافعي، - ﵁ -، في المختصر في قول اللّه تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (^١)، قال الحسن: كان غنيًّا عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستن به الحكام بعده. وقال في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^٢) الآية: لولا هذه\n_________\n(^١) آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٧٩.","vol":"2","page":93},{"text":"الآية لرأيت الحكام هلكوا، ولكن أثنى على هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده (^١).\nقال الغزالي في أوائل الإحياء في الباب الخامس من أبواب العلم (^٢): كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء وأقربهم هديًا بالصحابة، واتفقت العُلماء في حقه على ذلك، وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب وفساد الأعمال ووساوس النفوس والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس، وقيل له: يا أبا سعيد: إنك لتتكلم بكلام ليس يسمع من غيرك، فمن أين أخذته؟ قال: من حذيفة بن اليمان - ﵁ -، قال: وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة، فمن أين أخذته؟ قال: خصني به رسول اللّه - ﷺ -، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير يسبقني، وقال مرة: أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير، وكان حذيفة قد خص أيضًا بعلم المنافقين، وكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة يسألونه عن الفتن العامة والخاصة، وكان يسأل المنافقين فيخبر بعدد من بقي ولا يعين أسماءهم، وكان عمر إذا دعي إلى جنازة نظر فإن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك، وكان يسمى صاحب السر، والعناية بمقامات القلب وأحواله هو دأب علماء الآخرة لأن القلب هو الساعي إلى قرب الرب ﷿، وقد صار هذا الفن غريبا مندرسا فإذا تعرض العالم لشيء منه واستبعد، قيل: هذا تزويق المذكرين فأين التحقيق، ويرون ان\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦١ - ١٦٢ الترجمة ١٢٢).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٧٧ - ٧٨).","vol":"2","page":94},{"text":"التحقيق في دقائق المجادلات، ولقد صدق القائل:\nالطرق شتى، طريق الحق واحدة ... والسالكون طريق الحق أفراد\nلا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم ... فهم على مهل يمشون قصاد\nوالناس في غفلة عما يراد بهم ... وجلهم عن طريق الحق رفاد\nانتهى، وهذه الأبيات أنشدها أبو طالب المكي في القوت: لعبد الواحد بن زيد الإمام الزاهد، هذه عبارته، واللّه أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد يخطب خطبة إلا اللّه ﷿ سائله عنها\" أظنه قال: \"ما أراد بها\" الحديث، المراد بالخطبة: الموعظة.\n\n٢١٤ - وَعَن لُقْمَان يَعْنِي ابْن عَامر قَالَ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء - ﵁ - يَقُول إِنَّمَا أخْشَى من رَبِّي يَوْم الْقِيَامَة أَن يدعوني على رُؤُوس الْخَلَائق فَيَقُول لي يَا عُوَيْمِر فَأَقُول لبيْك رب فَيَقُول مَا عملت فِيمَا علمت رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢).\nقوله: عن لقمان، يعني: ابن عامر (الوصابي ويقال: الأوصابي أيضًا، أبو عامر الشامي الحمصي، قال أبو حاتم: يكتب حديثه روى عن أبي الدرداء مرسلًا (^٣).\nقوله: قال كان أبو الدرداء يقول: إنما أخشى من ربي يوم القيامة يدعوني على رؤوس الخلائق، فيقول: يا عويمر، فأقول: لبيك رب، فيقول: ما عملت\n_________\n(^١) قوت القلوب (١/ ٢٦٣).\n(^٢) أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٤٩)، والبيهقى في الشعب (٣/ ٣٠٢ رقم ١٧١١) والمدخل (٤٨٩) و(٤٩٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٩).\n(^٣) تهذيب الكمال (٢٤/ الترجمة ٥٠١١).","vol":"2","page":95},{"text":"فيما علمت؟ الحديث، أبو الدرداء، اسمه عامر، وعامر إذا صغر عويمر، وفي حديث أن النبي - ﷺ - صغره فقالي: عويمر سلمان أعلم منك، والمراد: ما عملت فيما علمت؟ العلم، هل عمل به أو خالف قوله فعله، وقال ابن مسعود - ﵁ -: ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه ﷿ كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، أو قال: لليلته، ثم يقول ابن آدم ما غرك بي، ما عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟\n\n٢١٥ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ: تعرضت أَو تصديت لرَسُول اللّه - ﷺ - وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ فَقلت يَا رَسُول اللّه أَي النَّاس شَرّ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"اللَّهُمَّ غفرا سل عَن الْخَيْر وَلا تسْأَل عَن الشَّرّ شرار النَّاس شرار الْعلمَاء فِي النَّاس\"رَواهُ الْبَزَّار وَفِيه الْجَلِيل بن مرّة وَهُوَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: عن معاذ بن جبل، تقدم.\nقوله: تعرضت أو تصديت لرسول اللّه - ﷺ - وهو يطوف بالبيت؟ التصدي التعرض للشيء، وقيل: هو الذي يستشرق ناظرًا إليه، قاله في النهاية (^٢).\nقوله: فقلت: يا رسول اللّه، أي الناس شر؟ فقال: \"شرار الناس شرار العُلماء في الناس\" الحديث، وروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال:\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٦٤٩)، والطبراني في الشاميين (٤٤٧)، وابن عدى (٣/ ٢٨٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٤٢) و(٥/ ٢١٩ - ٢٢٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٥: رواه البزار، وفيه الخليل بن مرة، قال البخاري: منكر الحديث، ورد ابن عدي قول البخاري، وقال أبو زرعة: شيخ صالح. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٤١٨)، وضعيف الترغيب (١٠٣).\n(^٢) النهاية (٣/ ١٩).","vol":"2","page":96},{"text":"\"ليأتين على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة وقلوبهم من الهدى خراب علماؤهم يومئذ شر علماء تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود\" قاله أبو الليث السمرقندي في كتابه بستان العارفين (^١)، وروى الدارمي عن النبي - ﷺ - قال: \"خيار الناس خيار العُلماء وشرار الناس شرار العُلماء\" (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"اللهم غفرًا\" فمعناه: سؤال الاستعاذة، أي: نسألك أن تعيذنا من ذلك وأن تغفر لنا، والغفر: الستر، وتقدم الكلام على شيء من ذلك.\nقوله: رواه البزار، وفيه الخليل بن مرة، البزار: اسمه أبو بكر، والخليل بن مرة (هو الضبعي: ضعفه ابن مَعين، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ليس بمتروك، وقال أبو زرعة: شيخ صالح).\n\n٢١٥ - م - وَرُوِيَ عَن أبي بَرزَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"مثل الَّذِي يعلم النَّاس الْخَيْر وينسى نَفسه مثل الفتيلة تضيء على النَّاس وَتحرق نَفسهَا\" رَوَا الْبَزَّار (^٣).\n_________\n(^١) بستان العارفين (١/ ٣٧٥). والخبر أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٨)، والدينورى في المجالسة (٥١٩) موقوفًا. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (١٩٣٦).\n(^٢) أخرجه الدارمى (٣٨٢). وضعفه الألباني في المشكاة (٢٦٧).\n(^٣) أخرجه أبو الحُسين القدورى في جزء حديثه (١٦)، ومن طريقه الخطيب في اقتضاء العلم (٧١)، والطبراني كما في المنتقى من المعجم الكبير للطبراني (مجموع ٦/ ق ٨٢/ أ).\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن جابر =","vol":"2","page":97},{"text":"٢١٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"رب حَامِل فقه غير فَقِيه وَمن لم يَنْفَعهُ علمه ضره جَهله اقرإ الْقُرْآن مَا نهاك فَإِن لم ينهك فلست تقرؤه\". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه شهر بن حَوْشَب (^١).\nقوله: عن عبد اللّه بن عمر، وتقدم الكلام على مناقبه. قوله - ﷺ -: \"رب حمامل فقه غير فقيه\" الحديث، تقدم الكلام على (ربَّ) وعلى معنى الحديث. قوله: \"اقرأ القرآن ما نهاك، فإن لم ينهك فلست تقرؤه\" أو قال\"فلا تقرؤه\" وقال الحسن: إن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرؤه.\nقوله في الكلام على الرجال وفيه: شهر بن حوشب، تقدم الكلام عليه مبسوطًا في الرياء.\n\n٢١٧ - وَعَن جُنْدُب بن عبد اللّه الأزْدِيّ - ﵁ -: صَاحب النَّبِي - ﷺ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: \"مثل الَّذِي يعلم النَّاس الْخَيْر وينسى نَفسه كمثل السراج يضيء للنَّاس وَيحرق نَفسه\". الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^٢).\n_________\n= السحيمي، وهو ضعيف لسوء حفظه واختلاطه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٠) و(٢٣٢٩).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٦٢٢ رقم ١٤٥٤٣) وفي الشاميين (١٣٤٥)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢٠٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٣٩٢ و٧٤١).\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه شهر بن حوشب؛ وهو ضعيف، وقد وثق. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥٢٤) وضعيف الترغيب (١٠٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٦٥ رقم ١٦٨١) و(٢/ ١٦٧ رقم ١٦٨٥)، وأبو الشيخ في أمثال الحديث (٢٧٦). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٣٢: رواه الطبراني من طريقين في =","vol":"2","page":98},{"text":"قوله: عن جندب بن عبد اللّه الأزدي صاحب النبي - ﷺ -، هو: جندب بن عبد اللّه الأزدي (هو ابن سفيان البجلي العلقي وعلقة بفتح العين واللام: بطن من بجيلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث. له صحبة ليست بالقديمة، يكنى أبا عبد اللّه، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، قدمها مع مصعب بن الزبير. روى عنه من أهل البصرة: الحسن، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، وأبو السوار العدوي، وبكر بن عبد اللّه، ويونس بن جبير الباهلي، وصفوان بن محرز، وأبو عمران الجوني، وروى عنه من أهل الكوفة عبد الملك بن عمير، والأسود بن قيس، وسلمة بن كهيل (^١).\nقوله - ﷺ -: \"مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج\" الحديث، المراد بالخير هنا العلم.\n\n٢١٨ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"كلّ بُنيان وبال على صَاحبه إِلَّا مَا كانَ هَكَذَا وَأَشَارَ بكفه وكل علم وبال على صَاحبه إِلَّا من عمل بِهِ\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير أَيْضًا وَفِيه هانئ بن المتَوَكل تكلم فِيهِ ابْن حبَان (^٢).\n_________\n= إحداهما: ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وفي الأخرى علي بن سليمان الكلبي، ولم أعرفه، وبقية رجالهما ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٣١) و(٢٣٢٨).\n(^١) الاستيعاب لابن عبد البر: ١/ الترجمة ٣٤٠، وأسد الغابة ١/ الترجمة ٨٠٤، وتهذيب الكمال ٥/ الترجمة ٩٧٣.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٥ رقم ١٣١) والشاميين (٣٣٨٠). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه هانئ بن المتوكل، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به بحال. وضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (٢٦٠٨) وضعيف الترغيب (١٠٥).","vol":"2","page":99},{"text":"قوله: عن واثلة بن الأسقع، هو: واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي، وقيل: إنه واثلة بن عبد اللّه بن الأسقع، قيل: أسلم والنبي - ﷺ - يتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي - ﷺ - ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ستة وخمسون حديثًا، روى له البخاري حديثًا ومسلم آخر، سكن الشام فسكن دمشق، ثم استوطن بيت جبرين، وهي بلدة بقر بيت المقدس، ودخل البصرة، وكان له بها دار، روى عنه عبد الواحد بن عبد اللّه البصري، بالصاد المهملة، وشداد بن عبد اللّه بن عامر اليحصبي، وأبو إدريس الخولاني، ومكحول، وأبو المليح، ويونس بن ميسرة، وخلق سواهم، توفي بدمشق سنة ست أو خمس وثمانين، وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر. وقال سعيد بن خالد: توفي سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح الأول (^١).\nقوله - ﷺ -: \"كلّ بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا وأشار بكفه\" الحديث؛ الوبال في الأصل الثقل والمكروه، ويريد به في الحديث العذاب في الآخرة (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤١ - ١٤٢ الترجمة ٦٦٢).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٤٦).","vol":"2","page":100},{"text":"قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (^١): أما البنيان فما كان منه ضروريًا يكن الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه، وذلك حفظ نفسه وستر عورته، وقال النبي - ﷺ -: \"ليس لابن آدم حق سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء\" (^٢)، وهذا القدر هو الذي لا يسأل عنه العبد في الآخرة إن شاء اللّه، وقد جاء الحض علي بناء المساجد والقناطر إلى غير ذلك من مصالح المسلمين.\nقوله: \"وكل علم وبال على صاحبه\" الحديث، تقدم معنى الوبال.\nقوله: وفيه هانئ بن المتوكل، هو: هانئ بن المتوكل بن (إسحاق الإسكندراني بن إبراهيم بن حرملة الإسكندراني مولى لبني شبابة من فهم، كان فقيها نزل الإسكندرية، توفي بعد الثلاثين ومائتين، وكان مسنا قال ابن حبّان: كان يدخل عليه لما كبر فيجيب، فكثرت المناكير في روايتُه، فلا يجوز الاحتجاج به بحال (^٣).\n\n٢١٩ - وَروِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ علمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَالْبَيْهَقِيّ (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٠٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤١) والحاكم (٤/ ٣١٢). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٦٣) والمشكاة (٥١٨٦).\n(^٣) المجروحين (٣/ ٩٧)، والمؤتلف والمختلف (٣/ ١٣٧٤).\n(^٤) أخرجه الدينورى في المجالسة (٩٠)، والطبراني في الصغير (١/ ٣٠٥ رقم ٥٠٧)، والبيهقى في الشعب (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤ رقم ١٦٤٢). قال العراقى في تخريج الإحياء (٨): =","vol":"2","page":101},{"text":"٢٢٠ - وَرُوِيَ عَن عمار بن يَاسر - ﵁ - قَالَ بَعَثَنِي رَسُول اللّه - ﷺ - إِلَى حَيّ من قيس أعلمهم شرائع الإِسْلَام فَإِذا قوم كَأَنَّهُمْ الْإِبِل الوحشية طامحة أَبْصَارهم لَيْسَ لَهُم هم إِلَّا شَاة أَو بعير فَانْصَرَفت إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ يَا عمار مَا عملت فقصصت عَلَيْهِ قصَّة الْقَوْم وأخبرته بِمَا فيهم من السهوة فَقَالَ يَا عمار أَلا أخْبرك بِأَعْجَب مِنْهُم قوم علمُوا مَا جهل أولَئِكَ ثمَّ سَهوا كسهوهم\" رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: عن عمار بن ياسر، كنيته: أبو اليقظان عمار بن ياسر العبسي الشامي الدمشقي، كان من السابقين إلى الإسلام وكان هو وأبوه وأمه سمية ممن أسلم أولا، وكان إسلام عمار وصهيب في وقت واحد حين كان النبي - ﷺ - في دار الأرقم، وأسلم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - اثنان وستون حديثًا اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، قتل - ﵁ - بصفين مع علي بن أبي طالب في شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث، وقيل: أربع وتسعين سنة، وأوصى أن يدفن بثيابه فدفنه علي بن أبي طالب بثيابه ولم يغسله، وكان - ﵁ - آدم اللون طويلًا\n_________\n= رواه الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف. وضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (١٦٣٤) وضعيف الترغيب (١٥٦).\n(^١) أخرجه البزار (١٤٣١). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلم رواه عن النبي - ﷺ - إلا عمار، ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٥: رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه عباد بن أحمد العزرمي، قال الدَّارقُطْنِي: متروك. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (١٠٧).","vol":"2","page":102},{"text":"لا يغير شيبه، وثبت في الصحيحين أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"ويح عمار، تقتله الفئة الباغية\" وكانت الصحابة ﵃ يوم صفين يتبعونه حيث توجه لعلمهم أنه مع الفئة العادلة بهذا الحديث، قالوا: وكان عمار أول من بنى مسجدًا للّه تعالى في الإسلام، بنى مسجد قباء وشهد قتال اليمامة في زمن أبي بكر فأشرف على صخرة ونادى: يا معاشر المسلمين، أمن الجنة تفرون، إليّ إليّ أنا عمار بن ياسر، وقطعت أذنه وهو يقاتل أشد القتال، ومناقبه كثيرة مشهورة رضي اللّه تعالى عنه (^١).\nتنبيه: قوله: \"ويح عمار\" ويح فلان: كلمة ترحم وتوجع، يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف، يقال: ويح زيد ويحًا له وويحٌ له، وفي الحديث أيضًا أنه قال لعمار: \"ويس ابن سمية\"، وفي رواية: \"يا ويس ابن سمية\" ويس: كلمة ترحم وترفق مثل ويح، وحكمها حكمه، قاله في النهاية (^٢) واللّه أعلم.\nقوله: بعثني رسول اللّه إلى حي من قيس، أصل الحي منزل القبيلة ثم سميت القبيلة به إتساعًا لأن بعضهم يحيى ببعض (^٣)، قيس: حي من مضر، أبوهم: إلياس ولقبه قيس بن مضر، ومضر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء والصفات (٢/ ٣٧ - ٣٨ الترجمة ٤٦٥).\n(^٢) النهاية (٥/ ٢٣٥).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١/ ٢٠٨).","vol":"2","page":103},{"text":"غير منصرف وهو: مضر بن نزار بن معد بن عدنان (^١).\nقوله: فإذا قوم كأنهم الإبل الوحشية طامحة أبصارهم ليس لهم هم إلا شاة أو بعير، الحديث، الطمح هو طمح بصره إلى الشيء ارتفع وكل مرتفع طامح (^٢).\n\n٢٢١ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِنِّي لا أَتَخَوَّف على أمتِي مُؤمنا وَلا مُشْركًا فَأَما الْمُؤمن فيحجزه إيمَانه وَأما الْمُشرك فيقمعه كفره وَلَكِن أَتَخَوَّف عَلَيْكُم منافقا عَالم اللِّسَان يَقُول مَا تعرفُون وَيعْمل مَا تنكرون رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من رِوَايَة الْحَارِث وَهُوَ الأَعْوَر وَقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَغَيره (^٣).\nقوله: عن علي بن أبي طالب، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إني لا أتخوف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، فأما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمعه كفره\" الحديث، الحجز المنع، وأما القمع فهو من قمعته وأقمعته بمعنى قهرته وزجرته فانقمع.\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١/ ٢٠٨).\n(^٢) الصحاح (١/ ٣٨٨)، والإفصاح (٨/ ٢٩٠).\n(^٣) أخرجه إسحاق كما في اتحاف الخيرة (٣٨٥ و٣٨٦) والمطالب العالية (٢٩٨٧/ ١ و٢)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٥٠ رقم ١٠٢٤) والأوسط (٧/ ١٢٨ رقم ٧٠٦٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا عباد بن بشر. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٧: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٨) و(١٣٩٨).","vol":"2","page":104},{"text":"قوله: \"ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون\" المراد بعالم اللسان هو العالم، ووري عن عمر - ﵁ - أنه قال على المنبر: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليما، قال: يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور أو قال: المنكر (^١)، وسئل حذيفة - ﵁ -: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به (^٢)، وقال بلال بن سعد: المنافق يقول ما تعرف ويعمل ما تنكر، ومن هنا كان الصحابة ﵃ يخافون النفاق على أنفسهم، ولما تقرر عند الصحابة ﵃ أن النفاق هو خلاف السر والعلانية، خشي بعضهم أن يغير عليه خشوع قلبه ورقته وحضوره عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك نفاقا، وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كلّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قال الحسن (^٣)، وقال الحسن أيضًا: من النفاق اختلاف القلب واللسان واختلاف السريرة والعلانية، واختلاف الدخول والخروج (^٤)، وقالت طائفة من السلف: خشوع\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١١)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٦٨٥)، والبيهقى في الشعب (٣/ ٣٧٢ رقم ١٦٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد في السنة (٧١٦)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٨٢)، وابن بطة في الإبانة (٩١٤).\n(^٣) أخرجه: أبو نعيم في صفة النفاق ونعت المنافقين (١٢٨).\n(^٤) أخرجه: الفريابي في صفة المنافق (٤٩)، وابن بطة في الإبانة (٩١٠)، وأبو نعيم في صفة النفاق ونعت المنافقين (١٢٨).","vol":"2","page":105},{"text":"النفاق أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع، وقد روي معنى ذلك عن عمر - ﵁ -، قاله ابن رجب (^١). قوله: رواه الطبراني من رواية الحارث وهو الأعور الحارث هو: الأعور الهمداني بإسكان الميم وبالدال المهملة ينسب إلى همدان قبيلة من العرب (وهم ولد همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان).\n\n٢٢٢ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم بعدِي كلّ مُنَافِق عليم اللِّسَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَزَّار وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عمر بن الْخطاب (^٢).\nقوله: عن عمران بن حصين ﵄: اعلم أن العُلماء اختلفوا في إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيح إسلامه وصحبته، فلهذا قلت: ﵄ (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كلّ منافق عليم اللسان\" تقدم تفسير ذلك في الحديث قبله.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢٥٨).\n(^٢) أخرجه البزار (٣٥١٤)، والفريابى في صفة النفاق (٢٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٧ رقم ٥٩٣). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٧: رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٢). وأخرجه أحمد ١/ ٢٢ (١٤٣) و١/ ٤٤ (٣١٠)، وعبد بن حميد (١١) عن عمر بن الخطاب. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠١٣) وصحيح الترغيب (١٣٣).\n(^٣) الأذكار (ص ٥٥٨).","vol":"2","page":106},{"text":"٢٢٣ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِن الرجل لَا يكون مُؤمنا حَتَّى يكون قلبه مَعَ لِسَانه سَوَاء وَيكون لِسَانه مَعَ قلبه سَوَاء وَلا يُخَالف قَوْله عمله ويأمن جَاره بوائقه رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (^١).\nقوله: عن أنس بن مالك، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن الرجل لا يكون مؤمنا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء ويكون لسانه مع قلبه سواء ولا يخالف قوله عمله ويأمن جاره بوائقه\" الحديث، المراد بقوله: \"لا يكون مؤمنًا\" كامل الإيمان، والمراد بالبوائق: الشر وغائلته.\n\n٢٢٤ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: إِنِّي لأحسب الرجل ينسى الْعلم كمَا تعلمه للخطيئة يعملها. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا من رِوَايَة الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد اللّه عَن جدّه عبد اللّه وَلم يسمع مِنْهُ وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nقوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلَّمه للخطيئة يعملها\" وهذا\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٥٣)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة من طريق ابن لال (٨٤٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٠٤) وضعيف الترغيب (١٠٩) و(١٣٩٧).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٣)، وزهير بن حرب في العلم (١٣٢)، والدارمى (٣٨٨)، وأبو داود في الزهد (١٦٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٨٩ رقم ٨٩٣٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٩٩: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، إلا أن القاسم لم يسمع من جدّه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٠) و(١٤٧٤).","vol":"2","page":107},{"text":"الحديث هو بمعنى قوله - ﷺ -: \"من قارف الذنب ذهب عنه من عقله قدر لا يعود إليه أبدًا\" قاله في الديباجة.\nقوله: رواه الطبراني موقوفًا من رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه عن جدّه عبد اللّه، هو: القاسم (بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن مسعود الهذلي المسعودي، أبو عبد الرحمن الكوفي قاضيها، أخو معن بن عبد الرحمن روى عن أبيه، وأبي ذر، وعبد اللّه بن عمر، وجابر بن سمرة. روى عنه الأعمش، والمسعودي، ومسعر، وآخرون. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال يحيى بن مَعين: هو ثقة. وقال أحمد بن عبد اللّه: هو ثقة، رجل صالح، وكان لا يأخذ على القضاء والفتيا أجرًا، واتفقوا على توثيقه. قال علي بن المديني: لم يلق القاسم أحدًا من أصحاب رسول اللّه - ﷺ - غير جابر بن سمرة، قيل له: فلقي ابن عمر؟ فقال: كان يحدّث عنه حديثين، ولم يسمع منه شيئًا (^١).\nوتقدم الكلام على الحديث الموقوف في مواضع.\n\n٢٢٥ - وَعَن مَنْصُور بن زَاذَان قَالَ: نبئت أَن بعض من يلقى فِي النَّار تتأذى أهل النَّار بريحه فَيُقَال لَهُ وَيلك مَا كنت تعْمل مَا يكفينا مَا نَحن فِيهِ من الشَّرّ حَتَّى ابتلينا بك وبنتن رِيحك فَيَقُول كنت عَالما فَلم أنتفع بعلمي. رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٤ الترجمة ٤٩٧).\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد (٢٢٥٥)، وأبو نعيم من طريق الإمام أحمد في الحلية (٣/ ٥٩)، والبيهقى في الشعب (٣/ ٣١٥ رقم ١٧٥٥). وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (١١١).","vol":"2","page":108},{"text":"قوله: عن منصور بن زاذان هو منصور بن زاذان (الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، مولى عبد اللّه بن أبي عقيل الثقفي أخي المغيرة بن أبي عقيل، ويقال: كنية أبيه زاذان: أبو عقيل عن أنس وأبي العالية والحسن وعنه شعبة وهشيم ثقة كبير الشأن سريع القراءة جدًا مات سنة ثمان وعشرين ومائة وقيل سنة تسع وعشرين ومائة وقيل مات في الطاعون سنة الوباء سنة إحدى وثلاثين ومائة (^١).\nقوله: نبئت، معناها: أخبرت. قوله: فيقال له: ويلك ما كنت تعمل؟ وَيْلَك كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى الْمُخَاطَبِ. قوله: فيقول: كنت عالمًا فلم أنتفع بعلمي، معناه: لم أعمل بعلمي الذي تعلمته.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٨/ الترجمة ٦١٩١) والكاشف: ٣/ الترجمة ٥٧٣٣، وتذكرة الحُفَّاظ: ٢/ ١٤١، وتذهيب التهذيب: ١٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧.","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الترهيب من الدعوى في العلم والقرآن</span>\n٢٢٦ - عَن أبي بن كعْب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: قَامَ مُوسَى - ﷺ - خَطِيبًا فِي بني إِسْرَائِيل فَسئلَ أَي النَّاس أعلم فَقَالَ أَنا أعلم فعتب اللّه عَلَيْهِ إِذْ لم يرد الْعلم إِلَيْهِ فَأوحى اللّه إِلَيْهِ أَن عبدًا من عبَادي بمجمع الْبَحْرين هُوَ أعلم مِنْك قَالَ: يَا رب كيفَ بِهِ فَقيل لَهُ احْمِلْ حوتًا فِي مكتل فَإِذا فقدته فَهُوَ ثمَّ فَذكر الحَدِيث فِي اجتماعه بالخضر إِلَى أَن قَالَ فَانْطَلقَا يمشيان على سَاحل الْبَحْر لَيْسَ لَهما سفينة فمرت بهما سفينة فَكَلمُوهُمْ أَن يحملوهما فَعرف الْخضر فحملوهما بِغَيْر نول فجَاء عُصْفُور فَوَقع على حرف السَّفِينه فَنقرَ نقرة أَو نقرتين فِي الْبَحْر فَقَالَ الْخضر يَا مُوسَى مَا نقص علمي وعلمك من علم اللّه إِلَّا كنقرة هَذَا العصفور فِي هَذَا الْبَحْر فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِي رِوَايَة بَيْنَمَا مُوسَى يمشي فِي مَلأ من بني إِسْرَائِيل إِذْ جَاءَهُ رجل فَقَالَ لَهُ هَل تعلم أحدا أعلم مِنْك قَالَ مُوسَى لا فَأوحى اللّه إِلَى مُوسَى بل عَبدنَا الْخضر فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيل إِلَيْهِ. الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: عن أبي بن كعب، أبي بضم الهمزة وفتح الباء الموحّدة بن المنذر الأنصاري الخزرجي النجاري، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، ذكر البخاري منها سبعة أحاديث، وكان - ﵁ - رجلًا\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٤٧٢٥) و(٤٧٢٦) و(٤٧٢٧) و(٧٤٧٨)، ومسلم (١٧٠ و١٧١ و١٧٢ و١٧٣ و١٧٤ - ٢٣٨٠)، والترمذى (٣١٤٩)، وابن حبان (٦٢٢٠).","vol":"2","page":110},{"text":"قصيرًا نحيفًا أبيض الرأس واللحية، شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها من المشاهد، وكان - ﵁ -. كاتب الوحي وهو أحد الستة الذي حفظوا القرآن على عهد رسول اللّه - ﷺ - وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهد رسول اللّه أيضًا وأقرأ الصحابة لكتاب اللّه (^١).\nفائدة: في الذين حفظوا القرآن في زمن النبي - ﷺ -، وقد نظم ذلك بعض الفضلاء في بيتين فقال:\nومن حفظ القرآن وقت نبينا ... بغير خلاف ستة بالهدى بانوا\nأبي وأبو الدرداء زيد بن ثابت ... أبو زيد الأنصاري معاذ وعثمان\nفائدة أخرى: في الذين كانوا يفتون في حياة رسول اللّه - ﷺ - أربعة عشر من أصحابه، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وحذيفة وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وسلمان وأبو موسى الأشعري (^٢)، قاله في الكافي.\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - أَن رسول اللّه - ﷺ - قال لأبي بن كعب: \"إن اللّه\nأمرني أن أقرأ عليك القرآن\"، قال: سماني اللّه لك؟ قال: \"نعم\" قال: وقد ذكرت عند رب العزة، قال: \"نعم\" فذرفت عيناه (^٣)، الحديث، ذرفت: بفتح\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٨ - ١١٠ الترجمة ٤٤).\n(^٢) انظر كشف المشكل (٢/ ١٤٧) لابن الجوزى.\n(^٣) أخرجه البخارى (٣٨٠٩) و(٤٩٥٩) و(٤٩٦٠)، ومسلم (٢٤٥ و٢٤٦ و١٢١ و١٢٢ - ٧٩٩).","vol":"2","page":111},{"text":"الراء أي سال منها الدمع، والبكاء للسرور والفرح، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة منها: استحباب قراءة القرآن على الحذاق فيه وأهل العلم به والفضل وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه، ومنها: المنقبة الشريفة لأبي بقراءة النبي - ﷺ - عليه، ولا يعلم أحدًا من الناس شاركه في هذه المنقبة، واختلفوا في الحكمة في قراءة النبي - ﷺ - على أن يقال بعضهم: إنما قرأ النبي - ﷺ - على أبي ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه في المنزلة، وقيل: لأن أبيًا كان أسرع أخذًا لألفاظ رسول اللّه - ﷺ - فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ويعلم غيره، وقيل: للتنبيه على جلالة أبي وأهليته لأخذ القرآن عنه فكان يعده - ﷺ - رأسًا وإمامًا في إقراء القرآن، ومنها: ذكر اللّه تعالى له ونصه في هذه المنزلة الرفيعة، ومنها: البكاء للسرور والفرح بما يسر الإنسان به ويعطاه من معالى الأمور، وأما قوله - ﵁ -: أسماني اللّه لك؟ إنما سأل أبي - ﵁ - عن تسمية اللّه تعالى له لجواز أن يكون اللّه تعالى أمره أن يقرأ على رجلٍ من أمته ولم يعينه فأراد أبي أن يتحقق هل نص عليه أو قال: على رجل، فيؤخذ منه: الاستثبات في المحتملات، وفي رواية عن أنس بن مالك أيضًا أن رسول اللّه - ﷺ - قال لأبي: \"إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^١) \" قال: وسماني اللّه لك؟ قال: \"نعم\" فبكى أبي - ﵁ -، وإنما خص هذه السورة بالقراءة على أبي لكونها\n_________\n(^١) سورة البينة، الآية: ١.","vol":"2","page":112},{"text":"وجيزة جامعة لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته، والإخلاص وتطهير القلب وذكر معادهم من الجنة والنار وتقسيمهم إلى السعداء والأشقياء وخير البرية وشرهم وأحوالهم قبل البعثة وبعدها مع وجازة السورة فإنَّها من قصار المفصل، وكان الوقت يقتضي الاختصار (^١)، واللّه أعلم، سماه رسول اللّه - ﷺ - سيد الأنصار وسماه عمر سيد المسلمين، توفي - ﵁ - سنة تسع عشرة أو عشرين أو ثلاثين بالمدينة، ومناقبه كثيرة مشهورة، تقدم بعضها.\nقوله - ﷺ -: \"قام موسى - ﷺ - خطيبًا في بني إسرائيل\" الحديث، هو: موسى بن عمران لا موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب - ﵇ - لما روي أنه قيل لابن عباس - ﵁ - إن فلانًا يزعم أن الخضر ليس صاحبه موسى بن عمران وإنما صاحبه موسى بن ميشا، فقال: كذب عدو اللّه، انتهى، واعلم أن لابن عباس في قصة موسى والخضر تماريين، تمار بينه وبين الحر [بن قيس] في صاحب موسى أهو الخضر أم غيره؟ وتمار بينه وبين نوف البكالي أي في موسى أهو موسى بن عمران أم غيره (^٢).\nنوف البكالي: بفتح النون وسكون الواو وبالفاء، ونوف هذا هو ابن فضالة بن رشيد، وفضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة أبو يزيد القاص البكالي\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٦).\n(^٢) انظر الكواكب الدرارى (٢/ ٤٧)، وفتح البارى (١/ ١٦٩) (٨/ ٤١٣) وهدى السارى (١/ ٣١٤).","vol":"2","page":113},{"text":"الحميري، ينسب إلى بني بكال بكسر الباء وتخفيف الكاف، وقيل: البكالي بفتح الموحّدة وبتشديد الكاف، كان يهوديًّا في جملة من تهود من حمير فأسلم وحسن إسلامه، سكن الشام وسمع الحديث وأتى أصحاب رسول اللّه - ﷺ - وسمع الحديث منهم وأسنده عنهم، منهم: عبد اللّه بن عمرو بن العاصي وثوبان مولى رسول اللّه - ﷺ - وهو ابن امرأت كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه وهو منصرف في اللغة الفصيحة وفي بعضها غير منصرف وكتب بدون الألف، وكان يقص بالكوفة وغيرها، انتهى، قاله صاحب العلم المشهور (^١).\nقال ابن بطال (^٢): وفيه جواز التماري في العلم إذا كان كلّ واحد يطلب الحقيقة ولم يكن متعنتًا، وفيه الرجوع إلى قول أهل العلم عند التنازع.\nتنبيه: في قول ابن عباس: كذب عدو اللّه، فإن قلت: كيف يكون عدو اللّه وهو مؤمن وكان عالمًا قاصًا إمامًا لأهل دمشق، قلت: قال العُلماء: قاله على وجه التغليظ والزجر عن مثل قوله لا إنه يعتقد أنه عدو اللّه وكذبه حقيقة إنما قاله مبالغة في إنكاره وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة الإنكار، وحال الغضب تطلق الألفاظ ولا يراد بها حقا يقينًا، انتهى، قاله الكرماني (^٣).\n_________\n(^١) هو أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي المعروف بابن دحية الكلبى وكتابه هو العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور وكلامه في (٤٤) وانظر الكواكب الدرارى (٢/ ١٤٠).\n(^٢) شرح الصحيح (١/ ١٦٠).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٢/ ١٤١).","vol":"2","page":114},{"text":"وقال صاحب العلم المشهور وهو ابن دحية الكلبي: وإنما كذبه ابن عباس لأنه خالف رسول اللّه - ﷺ - (^١)، انتهى.\nقوله: \"في بني إسرائيل\"، بنو إسرائيل هم أولاد يعقوب - ﵇ -، وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم، ومعناه: في لسانهم صفوة اللّه، وقيل: عبد اللّه (^٢).\nفائدة: بنو إسرائيل ذرية يعقوب - ﵇ -، ويعقوب إسرائيل اللّه وهو اسم أعجمي، فمعناه: عبد اللّه كما تقدم.\nقال السهيلي: سمي إسرائيل لأنه أسري ذات ليلة حين هاجر إلى اللّه فسمي إسرائيل أي: سرى إلى اللّه (^٣)، قال وهب: دخل يعقوب وولده مصر وهم اثنان وتسعون إنسانًا ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى وهم ستمائة ألف مقاتل وخمس مائة وبضع وسبعون رجلًا سوى الذرية والزمنى وكانت الذرية ألف ألف سوى المقاتلة وأقام يعقوب - ﵇ - بمصر بعد موافاته بأهله وولده أربع وعشرين سنة ثم حضرته الوفاة، فلما احتضر جمع بنيه فقال: ما تعبدون من بعدي، قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ثم قال: يا بني إن اللّه اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ومات هو وأخوه العيص في يوم واحد، وعمرهما جميعًا\n_________\n(^١) العلم المشهور (خ/ ٤٤).\n(^٢) الكشاف (١/ ١٣٠).\n(^٣) تفسير القرطبى (١/ ٣٣١).","vol":"2","page":115},{"text":"مائة وسبعون وأربعون سنة، وكانا في بطن واحدة (^١)، وقال ابن عباس: كلّ الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوح وهود وشعيب وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد - ﷺ - (^٢)، انتهى، قاله في الديباجة.\nقوله: \"فسئل: أي الناس أعلم؟ \" يعني: أي شخص من أشخاص الإنسان أعلم من غيره.\nقوله: \"فقال: أنا\" قال ذلك بسبب اعتقاده، وإلا فكان الخضر أعلم منه كما صرح به في هذا الحديث بقوله: فأوحى اللّه تعالى إليه أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك.\nقوله: \"فغضب اللّه عليه\" إذ لم يرد العلم إليه، أي: إلى اللّه تعالى، وفي بعضها إلى اللّه أي كان حقه أن يقول: اللّه أعلم، فإن مخلوقات اللّه تعالى لا يعلمها إلا هو قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (^٣) ويجوز في يرد العلم وفي أمثاله ضم الدال وفتحها وكسرها (^٤).\nتنبيه: في قوله: \"فعتب اللّه عليه\" معناه: في هذا الحديث لوم اللّه تعالى له وهو أخذته إياه وتعنيفه بالكلام الموحى إليه حين قال ما قال، وأهل العتب\n_________\n(^١) انظر المصدر السابق (٩/ ٢٦٨).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ١٤١).\n(^٣) سورة المدثر، الآية: ٣١.\n(^٤) الكواكب الدرارى (٢/ ١٤١).","vol":"2","page":116},{"text":"في اللغة الموحّدة يقال: عتبت عليه عتبًا وعتابًا ومعتبةً بفتح الميم والتاء، وقد تكسر، وعاتبته معاتبة وعتبا أيضًا إذا واخذته بما في نفسك من الموجدة التي كانت عن جنايته ومن أجله، وأعتبته عتابًا وعتبى بالضم مقصورًا إذا أرضيت من موجدته عليك، ومنه: قوله لعله يستعتب أي يعترف ويلوم نفسه ويعتبها، قاله عياض، وقد تكون بمعنى السخط والغضب لكن في غير حديث موسى على نبينا وعليه السَّلام (^١)، انتهى، قاله في العلم المشهور (^٢).\nقوله: \"فَأوحى اللّه إِلَيْهِ إن عبدا من عبَادي بمجمع البحرين هو أعلم منك\" بكسر إن لأن الإيحاء فيه معنى القول، ومجمع البحرين قيل: هما بحرا فارس والروم فبحر فارس مما يلي المشرق، قاله قتادة، وبحر الروم مما يلي المغرب، وقيل: هما بحر الكر والرس بديار أرمينية، وقيل: هما بحرا الأردن وبحر القلزم، وقيل: مجمع البحرين طنجة آخر ساحل المغرب الآتي من أفريقية ومن جميع الجهات ليس بعدها سوى البحر، وقيل: الزقاق وركوبه لا يستطاع ولا تطاق أمواجه كأنها الجبال وقعره لا يدرك ولا ينال، وقيل: إن اجتماع موسى - ﵇ - بالخضر - ﵇ - تحت جبل يعرف بجبل الخلفا بموضع يعرف الآن بماء الحياة على مقربة من مدينة سبتة (^٣).\n_________\n(^١) انظر إكمال المعلم (٧/ ٣٦٦)، ومطالع الأنوار (٤/ ٣٧١).\n(^٢) العلم المشهور (لوحة ٤٦).\n(^٣) انظر تفسير القرطبي (١١/ ٩)، وحياة الحيوان (١/ ٣٨١)، وعمدة القارى (٢/ ٥٩)، والعلم المشهور (لوحة ٤١ و٤٢).","vol":"2","page":117},{"text":"قال ذو النسبين ابن دحية الكلبي مصنف العلم المشهور: وقد وقفت عليه ومشيت على ذلك الساحل والناس يحفرون في الرمل فيستخرجون ماء حلوا عذبًا فراتا، والعجيب أن موج البحر الملح يضرب عليه، ومن ذلك الموضع يجازى الزقاق إلى جزيرة الأندلس (^١)، انتهى، وقيل: البحران موسى والخضر كانا بحرين في العلم (^٢).\nقوله: \"قال: يا رب، كيف به؟ \" أي: وكيف الاجتماع به؟\nقوله: \"فقيل: احمل حوتا\" الحوت السمكة وكانت سمكة مالحة كما صرح به في بعض الروايات.\nتنبيه: وجمع الحوت أحوات وحوتة وحيتان، قال اللّه تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (^٣) وهذا يمكنه أن يقع من الحوت بإرسال من اللّه كإرسال السحاب أو بوحي والهام كالوحي إلى النحل أو بإشعار في ذلك اليوم نحو ما يشعر اللّه الدواب يوم الجمعة بأمر الساعة حسبما يقتضيه قول رسول اللّه - ﷺ -: \"ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقًا من قيام الساعة\" الحديث ويحتمل أن يكون ذلك من الحوت شعورًا بالسلامة في ذلك اليوم على نحو شعور حمام الحرم بالسلامة، قال أصحاب القصص: كان الحوت يقرب ويكثر حتى يمكن\n_________\n(^١) العلم المشهور (لوحة ٤١ و٤٢).\n(^٢) انظر تفسير القرطبي (١١/ ٩).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٦٣.","vol":"2","page":118},{"text":"أخذه باليد فإذا كان ليلة الأحد غاب بجملته، وقيل: يغيب أكثر فلم يبق منه إلا القليل، والقصة في ذلك مشهورة (^١).\nفائدة: فيها أعجوبة قال أبو حامد الأندلسي: رأيت سمكة بمدينة سبتة من نسل الحوت الذي أكل منه موسى - ﷺ - وفتاه أي: صاحبه وهو يوشع بن نون (وإنما قيل فتاه: لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم منه) وأحيا الله نصفه فاتخذ سبيله في البحر سربًا، ونسلها في البحر إلى الآن في ذلك الموضع وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبرا واحدًا أحد جانبيها شوك وعظام وجلد رقيق على أحشائها وعينها ورأسها نصف رأس، من رآها من هذا الجانب استقذرها ويحسب أنها مأكولة ميتة ونصفها الآخر صحيح والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الأماكن البعيدة، قال ابن عطية: وأنا رأيتها كذلك، قال: ومن غريب ما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ في قصص هذه الآية: ما مست شيئا قط إلا حيي، قال: ومن غريبه أيضًا أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجرًا طريقًا وأن موسى ﵇ مشى عليه تبعا للحوت حتى أفضى به ذك الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها: وجد موسى الخضر، وكان أبو الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى موسى ﵇ للمناجاة لم يحتج للطعام، ولما مشى لبشر لحقه الجوع (^٢)، انتهى، قاله صاحب العلم المشهور.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٧٨).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٣٨٠ - ٣٨١).","vol":"2","page":119},{"text":"سؤال: إن قيل: لمَ لمْ يجع موسى ﵇ في أربعين ليلة وهو قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (^١) وصبر، ولم يصبر نصف يوم حتى قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (^٢) والنصب: التعب.\nقيل: لأن سفر الخضر سفر تأديب فزاد البلاء على البلاء حتى جاع في أقل من نصف يوم، وحضوره الجبل سفر اللقاء فأنساه هيبة الموقف الطعام والشراب، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (^٣).\nأعجوبة: روى الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: انْطَلَقَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وَرَجُلٌ كَافِرٌ يَصِيدَانِ السَّمَكَ فَجَعَلَ الْكَافِرُ يُلْقِي شَبَكَتَهُ وَيَذْكُرُ آلِهَتَهُ فَيَجِيءُ مُدَفَّقًا، ويُلْقِي الْمُؤْمِنُ وَيَذْكَرُ اللهَ ﷿ فَلَا يَجِيءُ شَيْءٌ قَالَ: فتعَاوَدَا ذَلِكَ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ ثُمَّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ صَادَ سَمَكَةً فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ فَاضْطَرَبَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَاءِ فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَرَجَعَ الْكَافِرُ وَقَدِ امْتَلأَتْ سَفِينَتُهُ، فَأَسِفَ مَلَكُ الْمُؤْمِنِ فَقَالَ: رَبِّ عَبْدُكَ هَذَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَدْعُوكَ رَجَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَعَبْدُكَ الْكَافِرُ رَجَعَ وَقَدِ امْتَلأَتْ سَفِينَتُهُ، قَالَ اللهُ ﷿ لِمَلَكِ الْمُؤْمِنِ: تَعَالَ فَأَرَاهُ\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٤٢.\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ٦٢.\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٣١).","vol":"2","page":120},{"text":"مَسْكَنَ الْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ: مَا يَضُرُّ عَبْدِيَ الْمُؤمِنَ مَا أَصَابَهُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى هَذَا، وَأَرَاهُ مَسْكَنَ الْكَافِرِ فِي النَّارِ فَقَالَ: هَلْ يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ لا أَصَابَهُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ.\nأعجوبة أخرى: في آخر صفوة الصفوة (^١) عن أبي العباس بن مسروق قال: كنت باليمن فرأيت صيادًا يصطاد السمك على بعض السواحل وإلى جانبه ابنة له كلما اصطاد سمكة فتركها في درخلة معه ردتها الصبية إلى الماء فالتفت الرجل فلم يجد شيئًا، فقال: يا بنية، أي شيء عملت بالسمك؟ قالت: يا أبت أليس سمعتك تروي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لا تقع سمكة في شبكة إلا إذا غفلت عن ذكر الله تعالى\"، فلم نحب أن نأكل شيئًا غفل عن ذكر الله تعالى فبكى الرجل ورمى بالصنارة، انتهى، قاله الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان (^٢). قوله: \"في مكتل\" المكتل بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق وهو القفة الكبيرة، وتجمع على مكاتل، وقيل: المكاتل القفاف، وقيل: المكتل شبه الزنبيل، قال ابن وهب: المكتل تسع من خمسة عشر صاعًا إلى عشرين، وكذا قاله عياض، وقيل: هو خرج من سعف أو حلفا يحمل على الدابة، قال ابن دريد سمى زنبيلا، لأنه يحمل به، والزبل هو العرق المذكور في حديث الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان فأتى بعرق وهو بفتح العين المهملة\n_________\n(^١) صفة الصفوة (٢/ ٥٣٥).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٤١).","vol":"2","page":121},{"text":"والراء، هذا الصواب المشهور في الرواية واللغة، وكذا حكاه القاضي عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه كثير من شيوخنا فوهم بإسكان الراء وليس بشيء وهو جمع عرقة وهي الضفيرة من الخوص يصنع منها القف وغيرها، قاله في العلم المشهور (^١)، والفرق عن الفقهاء ما يتسع خمسة عشر صاعا وهي ستون مدا، والله أعلم.\nقوله: \"فإذا فقدته\" أي: ذهب منك.\nقوله: \"فهو ثمَّ\"، هو بفتح الثاء المثلثة أي: هناك إشارة إلى المكان.\nتنبيه: جعل الله تعالى الحوت له آية أي علامة لمكان الخضر ولقائه ولذلك أنه لما قال موسى: أين أطلبه؟ قال الله ﷿ على الساحل عند الصخرة، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقيل: أخذ سمكة مملوحة، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني وكان يمشي ويتبع أثر الحوت، أي: ينتظر فقدانه، فرقد موسى ﵇ فاضطرب الحوت ووقع في البحر.\nقيل: إن يوشع حمل الخبز والحوت في المكتل فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء؛ ويوشع: بضم الياء التحتانية وبفتح الشين المعجمة وإهمال العين ابن نون\n_________\n(^١) العلم المشهور (لوحة ٤٦).","vol":"2","page":122},{"text":"وهو مصروف كنوح، وإنما قيل فتاه: لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم منه، انتهى، قاله الكرماني (^١).\nقوله: \"فانطلقا يمشيان على ساحل البحر\" أي: يطلبان السفينة.\nقوله: \"فمرت بهما سفينة\" فكلموهم أن يحملوهما فعرف الخضر فحملوهما بغير نول هو بفتح النون أي بغير جعل ولا أجر، والنول والنوال بالواو العطاء، والمنال والمنالة الجعل، والنيل بالياء النوال، قاله عياض (^٢)، والفعل منه نلته ونولته: بمعنى أعطيته، وفي رواية: \"فحملوهما بغير أجر\"، والخضر بفتح الخاء وكسر الضاد وهو الذي ثبت عن رسول الله - ﷺ - ضبطه، وقيل: في ضبطه غير ذلك، وإنما سمى الخضر خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا تهتز من خلفه خضراء.\nوالفروة بالفاء والراء المهملة، قال ابن الأثير (^٣): هي الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، وقيل: قطعة من حشيش يابس، قاله الحربي، وقال عبد الرزاق: هي الأرض اليابسة يعني الهشيم (^٤).\nوقوله: فإذا هي تهتز من تحته خضراء، يقال: اهتزت الأرض إذا أنبتت، واهتز النبات إذا طال وهزته الريح، قاله الخليل بن أحمد، وقال غيره:\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٣٢).\n(^٣) النهاية (٣/ ٤٤١).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ١٥٤).","vol":"2","page":123},{"text":"تحركت بالنبات عند وقوع المطر عليها (^١)، وهذا من آيات الخضر أنه يجلس على الأرض لا نبات فيها فتنبت لحينها، وعلى حشيش يابس فيخضر من ساعته (^٢).\nوقوله: خضراءً على وزن فعلاء، ومنهم من رواه: خضرًا بفتح الخاء وكسر الضاء، أي: نباتًا أخضر غضا ناعمًا، وفي رواية: خضيرًا وكلاهما صحيح (^٣).\nوكنية الخضر أبو العباس، واختلفوا في اسمه اختلافا كثيرًا، فقيل: اسمه عامر حكاه أبو جعفر النسابة، وقال ابن منبه: اسمه إيليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن ثالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇، وقيل: اسمه خضرون بن قابيل بن آدم ﵇، وقيل: هو من ولد عيص بن إسحاق وأن أباه ملكا عظيمًا في حكاية يطول ذكرها، وقيل: هو أرميا، وأغرب ما روي في ذلك قول من قال إنه ابن فرعون صاحب موسى على نبينا وعليه السلام، ذكره النقاش في تفسيره، وحكى أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب في تأليفه في أخبار مصر وفضائلها، فذكر الخضر وأنه من فرعون موسى لصلبه، وكان آمن بموسى ولحق به مع من لحق من بني إسرائيل (^٤)، وقيل: من أبناء الملوك\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) العلم المشهور (لوحة ٣٩).\n(^٣) مطالع الأنوار (٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩).\n(^٤) العلم المشهور (لوحة ٣٩) وانظر حياة الحيوان (١/ ٢٣٨) وقصص الأنبياء (٢/ ٢١٧ - ٢١٨).","vol":"2","page":124},{"text":"الذين زهدوا في الدنيا، وكان في أيام أفريدون قبل موسى ﵇، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقى إلى أيام موسى، قاله جار الله (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة\" الحديث، العصفور: بضم العين، وحكى ابن رشيق في كتاب الغرائب: والشذوذ عصفور بالفتح والأنثى عصفورة، قال حمزة: سمي عصفورًا لأنه عصى وفر وهو أنواع منها ما هو مطرب بصوته ويعجب بصوته وحسنه ويتميز الذكر منها بلحية سوداء كما للرجل والتيس والديك، وليس في الأرض طائر ولا سبع ولا بهيمة أحنى من العصفور على ولده ولا أشد له عشقا، وذلك مشاهد عند أخذ فراخها، ووكره في العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح، وإذا خلت مدينة عن أحلها ذهبت العصافير منها، فإذا عادوا إليها عادت العصافير.\nتنبيه: روى البيهقي وابن عساكر بسندهما إلى أبي مالك قال: مَرَّ بِعُصْفُورٍ يَدُورُ حَوْلَ عُصْفُورَةٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا يَقُولُ لَهَا؟ قَالُوا: لَا يَا نَبِيَّ اللهِ. قَالَ: إنَّهُ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ وَيَقُولُ لَهَا زَوِّجِينِي نَفْسَك أُسْكِنُكِ أَيَّ غُرَفِ دِمَشْقَ شِئْتِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ: كَذَبَ الْعُصْفُورُ فَإِنَّ غُرَفَ دِمَشْقَ مَبْنِيَّةٌ بِالصُّخُورِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُسْكِنَهَا هُنَاكَ، وَلَكِنْ كُلُّ خَاطِبٍ كَاذِبٌ. وكان سليمان ﵇ يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها، قال الله ﷾ حكاية عنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ\n_________\n(^١) تفسير الكشاف (٢/ ٧٣١)، وانظر تاريخ الرسل والملوك (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦).","vol":"2","page":125},{"text":"الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] وكذلك كان يعرف لغات ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والله أعلم قاله في حياة الحيوان (^١).\nقوله: \"فنقر\" أي: العصفور \"نقرة أو نقرتين في البحر\" فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في هذا البحر، الحديث، قال العلماء ﵃: لفظ النقص هنا ليس على ظاهره وإنما معناه: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر، وهذا على التقريب إلى الأفهام وإلا فنسبة علمهما أقل وأحقر، أي: إن علم الله تعالى لا يدخله نقص، وإنما المقصود بذلك التمثيل بعدم النقص إذ كان نقصه العصفور من البحر لا يظهر لرائيه فكأنه لم ينقص منه شيئا فكذلك هذا في علم الله تعالى، وذكر النقص هنا مجاز على كل وجه ومحال في علم الله تعالى ومعلوماته في حقه ﷾، وإنما يتصور في حقنا، وقد جاء في رواية البخاري: ما علمي وعلمك في نجب علم الله تعالى إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره، أي: جنب معلوم الله تعالى، وقد يطلق العلم بمعنى المعلوم وهو من إطلاق المصدر ولإرادة المفعول كقولهم: درهم ضرب السلطان، أي: مضروبه، وقد جاء في طرق الروايات الصحيحة: \"ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار غمس هذا العصفور بمنقاره\" (^٢).\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (٢٣/ ٢٣٢) وحياة الحيوان (٢/ ١٦٠ - ١٦١). والبداية والنهاية (٢/ ٣٢٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"2","page":126},{"text":"قال الإمام فخر الدين الرازي (^١): نسبة ذلك القدر القليل الذي أخذه ذلك العصفور من ذلك إلى كلية ذلك الماء مسبة متناه إلى غير متناه، فأين إحدى النسبتين من الأخرى، انتهى.\nقوله: وفي رواية: \"بينا موسى يمشي في ملأ من بني إسرائيل\" الملأ بالقصر الجماعة، وهذه القصص التي أخبر الله تعالى بها محمدًا - ﷺ - عن موسى وصاحبه الخضر عليهما الصلاة والسلام تأديب منه له، وفي هذا الحديث فضل عظيم للخضر لأن كليم الله موسى ﵇ ذهب في الساعة ليتعلم من علمه مع عظم شأنه في أنبياء الله.\nتنبيه: في قوله تعالى في قصة الخضر وموسى ﵉ أيضًا: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] أي: دهرًا وزمانًا غير محدود بل يسير أبدًا، وقال ابن عمر: الحقب ثمانون سنة، وقال مجاهد: سبعون سنة، وقيل: ثلاثمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون، وأقل ما قيل فيه أن الحقب سنة (^٢)، فهذا نبي الله وصفيه وأشرف الخلق نفسًا وأكملهم عقلًا وأوفاهم عصمة، أعني في زمانه أجمع على أن يمشي طول عمره في طلب زائد علم لا يجب عليه فكيف بطلب علم واجب تفتقر الشريعة إليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (٢١/ ٤٧٨ - ٤٧٩).\n(^٢) انظر تفسير القرطبي (١١/ ١١) و(١٩/ ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"2","page":127},{"text":"وحديث الخضر هذا يشتمل على فوائد كثيرة منها: وجوب التواضع لأن الله تعالى عاتب موسى ﵊ حين لم يرد العلم إليه، وأراه من هو أعلم منه، ومنها: استدل العلماء بسؤال موسى السبل إلى لقاء الخضر ﵇ على استحباب الرحلة في طلب العلم واستحباب الإكثار منه، ومنها: أنه يستحب للعالم الرغبة في التزيد من العلم والحرص عليه ولا يقنع بما عنده وإن كان من العلم بمحل عظيم أن يأخذ ممن هو أعلم منه ويسعى إليه في تحصيله كما لم يكتف موسى ﵇ بعلمه، ومنها: حمل الزاد وإعداده للسفر بخلاف قول السادة الصوفية، ومنها: الأدب مع العالم وحرمة المشايخ وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لا يفهم ظاهره من أفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والوفاء بعهودهم والاعتذار عند مخالفة عهدهم، ومنها: إثبات كرامات الأولياء على قول من يقول الخضر ولي، ومنها: جواز سؤال الطعام عند الحاجة وجواز الإجارة وجواز إجارة السفينة وجواز ركوب السفينة والدابة وسكنى الدار ولبس الثوب ونحو ذلك بغير أجرة برضا صاحبه لقوله - ﷺ -: \"فحملوهما بغير نول\"، ومنها: أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول ويقضي له حاجته ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب بل من مروءات الأصحاب وحسن العشرة ودليله حمل فتاه غداءهما، والله أعلم، ومنها: الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى - ﷺ - (^١).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٤٢ - ١٤٧) باختصار.","vol":"2","page":128},{"text":"٢٢٧ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"يظْهر الْإِسْلام حَتَّى تخْتَلف التُّجَّار فِي الْبَحْر وَحَتَّى تخوض الْخَيل فِي سَبِيل الله ثمَّ يظْهر قوم يقرؤون الْقُرْآن يَقُولُونَ من أَقرَأ منا من أعلم منا من أفقه منا ثمَّ قَالَ لأصحابه هَل فِي أُولَئِكَ من خير وَقَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ أُولَئِكَ مِنْكُم من هَذِه الْأمة وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار\". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضًا من حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب (^٢).\nقوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على بعض مناقبه مبسوطا، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"يظهر الإسلام حتى يختلف التجار في البحر\" التجار بكسر التاء مع تخفيف الجيم وبضم التاء مع تشديد الجيم جمع تاجر، قاله في الصحاح.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٨٣)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٢١ رقم ٦٢٤٢). قال البزار: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن زيد بن أسلم إلا خالد بن يزيد العمري. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٧٦: رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجال البزار موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عمر كما في إتحاف الخيرة (١/ ٢٥٠ رقم ٣٨٠/ ١)، وابن أبي شيبة كما في إتحاف الخيرة (١/ ٢٥٠ رقم ٣٨٠/ ٣)، وإسحاق كما في اتحاف الخيرة (١/ ٢٥٠ رقم ٣٨٠/ ٢)، والبزار (١٣٢٣)، وأبو يعلى (٦٦٩٨)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٢٨٤) و(٢٩٩). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٥ - ١٨٦: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٦).","vol":"2","page":129},{"text":"قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: عن رسول الله - ﷺ - أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال: \"اللهم هل بلغت\" ثلاث مرات، الحديث؛ معنى الحديث، والله أعلم، التبليغ واجب عليَّ، وقد بلغت فاشهد لي به، قال ابن بطال (^١): لما أخذ الله تعالى على أنبيائه الميثاق في تبليغ دينهم لأممهم وجعل العلماء ورثة الأنبياء وجب عليهم أيضًا التبليغ والنشر حتى يظهر على جميع الأديان وكان في عصره - ﷺ - فرض عين، وأما اليوم فهو فرض كفاية لانتشار الدين وعمومه.\nقوله: فقام عمر بن الخطاب - ﵁ - وكان أواها فقال: اللهم ونعم وحرضت وجهدت ونصحت، اختلفوا في معنى الأواه الذي جاء في الحديث، الأواه: الخاشع المتضرع (^٢)، وقال ابن مسعود: الأواه الدعاء، وعليه أكثر المفسرين، وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله، وقال كعب الأحبار: الأواه الذي يكثر التأوه، وكان إبراهيم ﵊ يكثر أن يقول: آه من النار قبل أن لا ينفع آه، وقيل: هو الذي يتأوه من الذنوب، وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله ﷿، قيل: هو الخائف من النار، وأصله من التأوه، وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء، قاله البغوي (^٣)، وقيل: الأواه الرجاع، وقيل: المراد بالأواه الحزين الذي غلب عليه الخوف\n_________\n(^١) شرح الصحيح (١/ ١٧٩).\n(^٢) قاله عبد الله بن شداد كما في تفسير الطبرى (١٢/ ٤٢) وتفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٩٥).\n(^٣) تفسير البغوى (٤/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"2","page":130},{"text":"وكأنه اشتق من التأوه وهو التوجع يطلق لفظ الأواه عليه لكثرة قوله آه، ويقال: رقيق القلب ويقال: موقن، وقال أبو عبيدة: الأواه المتأوه شفقا المتضرع يقينا ولزوما للطاعة (^١)، وقال الأزهري: الأواه الكثير التأوه خوفا من الله تعالى (^٢)؛ سؤال: فإن قيل: ما الحكمة؟ وما معنى التأوه الذي سمى الله به إبراهيم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (^٣)؟ الجواب عنه: أن يقال إن الله ﷾ سماه أواها من كثرة ما ينوح على نفسه، والثاني: ما قيل إن الأواه الدعاء وكان إبراهيم ﵊ أكثر الناس دعاء فكذلك سماه أواهًا، الثالث: الأواه: الخائف كما تقدم فلما كان إبراهيم أشد الناس خوفا سماه أواها، الرابع: ما قيل إن الأواه السيد وهو ما روي أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -: يا سيد، فقال: ذاك أبي إبراهيم - ﷺ -، فلذلك سماه أواهًا، والله اعلم، قاله في كشف الأسرار.\n\n٢٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَامَ لَيْلَة بِمَكَّة من اللَّيْل فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَل بلغت ثَلَاث مَرَّات فَقَامَ عمر بن الْخطاب وَكَانَ أواها فَقَالَ اللَّهُمَّ نعم وحرضت وجهدت وَنَصَحْت فَقَالَ لَيظْهرَن الْإِيمَان حَتَّى يرد الْكفْر إِلَى مواطنه ولتخاضن الْبحار بالإس وليأتين على النَّاس زمَان يتعلمون فِيهِ الْقُرْآن يتعلمونه ويقرؤونه ثمَّ يَقُولُونَ قد قَرَأنَا وَعلمنَا\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) شرح السنة (١٤/ ٣٦٧).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١١٤.","vol":"2","page":131},{"text":"فَمن ذَا الَّذِي هُوَ خير منا فَهَل فِي أُولَئِكَ من خير قَالُوا يَا رَسُول الله من أُولَئِكَ قَالَ أُولَئِكَ مِنْكُم وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\n\n٢٢٩ - وَعَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر ﵄ لَا أعلمهُ إِلَّا عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَالَ إِنِّي عَالم فَهُوَ جَاهِل. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن لَيْث هُوَ ابْن أبي سليم عَنهُ وَقَالَ لا يرْوى عَن النَّبِي - ﷺ - إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ وَسَتَأْتِي أَحَادِيث تنتظم فِي سلك هَذَا الْبَاب فِي الْبَاب بعده إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عن مجاهد، هو: مجاهد بن جبر بفتح الجيم وإسكان الموحدة وبالراء أبو الحجاج المكي المقرئ المفسر الإمام مولى السائب بن أبي السائب المخزومي رأى ابن عباس وقرأ عليه القرآن ثلاثين مرة، وروى عن عائشة وأم سلمة وأبي هريرة وغيرهم، قال ابن معين وأبو زرعة وغيرهما: ثقة، وقال ابن عمر له: وددت أن نافعًا حفظ حفظك، وقال الأعمش: ما لهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٥٠ رقم ١٣٠١٩) عن أم الفضل وعبد الله بن عباس. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٦: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، إلا أن هند بنت الحارث الخثعمية التابعية لم أر من وثقها ولا جرحها. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٥٩ رقم ٦٨٤٦). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن رسول الله - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، تفرد به: محمد بن كثير. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٢).","vol":"2","page":132},{"text":"يتقون تفسير مجاهد، قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب، وقال: وكان لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب فنظر إليها، ذهب إلى حضرموت إلى بئر برهوت، وذهب إلى بابل وعليها وال صديق له، فقال: تعرض عليّ هاروت وماروت فدعا رجلا من الشجرة، فقال: اذهب بهذا، فقال: بشرط أن لا تدعو الله عندهما، قال مجاهد: وذهب بي إلى قلعة فقلع حجرًا، وقال: خذ برجلي فهوي به حتى انتهى إلى جفوة، فإذا هما معلقين منكسين كالجبلين العظيمين فلما رأيتهما قلت: سبحان الله خالقكما فاضطربا فكأن جبال الدنيا تدكدكت فغضى علي وعلى اليهودي، ثم أفاق قبلي فقال: أهلكت نفسك وأهلكتني، مات ﵀ سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع (^١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: عن ابن عمر، لا أعلمه إلا عن النبي - ﷺ -، الحديث، كان ابن عمر - ﵁ - شديد الاتباع لآثار رسول الله - ﷺ -، ويبرك ناقته في تبرك ناقته - ﷺ -، وقيل: إن النبي - ﷺ - كان يبرك تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء لئلا تيبس، بل قل نظيره في المتابعة لرسول الله - ﷺ - من الأقوال والأفعال وفي الزهد في الدنيا، وقال نافع: لما مات ابن عمر كان قد أعتق ألف إنسان أو أكثر من ذلك، وكان - ﵁ - أكثر أكله مع المساكين، وكان لا توضع له مائدة إلا وعليها يتيم، وكان - ﵁ - ثوبه إلى نصف الساق، وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة العشاء مع الجماعة أحيا بقية ليله، وسمع ابن عمر رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة فأراه قبر النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر،\n_________\n(^١) تذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٦٥٢٨).","vol":"2","page":133},{"text":"فقال: هؤلاء، وكان - ﵁ - إذا أتى المدينة أتى قبر النبي فسلم عليه ثم سلم على أبي بكر ثم سلم على عمر ثم يبكي ويقول: يا أبتاه يا أبتاه (^١)، انتهى، قاله في مجمع الأحباب، وتقدم الكلام على مناقبه في أوائل هذا التعليق مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"من قال إني عالم فهو جاهل\" الحديث، كما قيل العالم عالم ما كان يرى نفسه أنه جاهل، فإذا رأى نفسه أنه عالم فقد جهل، بل مسترشد متعلم يقعد مع إخوانه يرشدهم ويسترشد منهم ويعلمهم ويتعلم منهم، انتهى.\nقوله: رواه الطبراني عن ليث بن أبي سليم، هو: ليث بن أبي سليم، واسمه: (ليث بن أبي سليم بن أبي ذنيم الكوفي القرشي أبو بكير، مولاهم مولى عتبة أو عنبسة بن أبي سفيان، واسم أبي سليم أيمن، ويقال: أنس. روى ليث عن مجاهد، وطاووس، وعطاء بن أبي رباح، وابن الزبير، وابن أبي مليكة، والشعبي، وطلحة بن مصرف، وأبي بردة، وآخرين. روى عنه الثوري، وشعبة، وزائدة، وشريك، وزهير بن معاوية، والحسن بن صالح، وإسماعيل بن علية، وأبو إسحاق الفزاري، وآخرون. واتفق العلماء على ضعفه، واضطراب حديثه، واختلال ضبطه. توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة، رحمه الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) انظر ترجمته من حلية الأولياء (١/ ٢٩٢ - ٣١٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٤ - ٧٥ ترجمة ٥٣٧).","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الترهيب من المراء والجدال - وهو: المخاصمة والمحاججة وطلب القهر والغلبة - والترغيب في تركه للمحق والمبطل</span>\n٢٣٠ - عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من ترك المراء وَهُوَ مُبْطل بني لَهُ بَيت فِي ربض الْجنَّة وَمن تَركه وَهُوَ محق بني لَهُ فِي وَسطهَا وَمن حسن خلقه بني لَهُ فِي أَعْلَاهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^٢) من حَدِيث ابْن عمر وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَنا زعيم بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة لمن ترك المراء وَهُوَ محق وببيت فِي وسط الْجنَّة لمن ترك الْكَذِب وَهُوَ مازح وببيت فِي أَعلَى الْجنَّة لمن حسنت سَرِيرَته.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٠٠)، والبيهقى في الآداب (٣٢٢) والكبرى (١٠/ ٤٢٠ رقم ٢١١٧٦) والشعب (٧/ ١٩٤ رقم ٤٨٦٧ و١٠/ ٣٧٦ رقم ٧٦٥٣) عن أبي أمامة.\nوحسنه الألباني في الصحيحة (٢٧٣) وصحيح الترغيب (١٣٨) و(٢٦٤٨). وأخرجه الترمذي (١٩٩٣)، وابن ماجه (٥١)، والبزار (٦٦٢٦) عن أنس بن مالك. وقال الترمذي: وهذا الحديث حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٥٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني ٢/ ٩٢٣ (٣٩٤٦)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٦٩ رقم ٨٧٨) وقال: لم يرو هذه الأحاديث عن عبد الله بن عمر إلا عقبة، تفرد بها: عتيق. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عقبة بن علي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٣) والضعيفة (٥٥٣٦).","vol":"2","page":135},{"text":"ربض الْجنَّة: هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا حولهَا.\nقوله: عن أبي أمامة، هو: الباهلي، واسمه: صدي بن عجلان، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من ترك المراء وهو مبطل بني له ربض في الجنة، ومن تركه وهو محق بني له في وسطها\" الحديث، المراء: الجدال والتماري، والمماراة المجادلة على مذهب الشك، ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه، ويمتريه كما يمترى الحالب اللبن من الضرع (^١)، وهو المنازعة في القول أو العمل أو الاعتقاد بقصد الباطل، فإن كان يقصد الحق فهو جدال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٢) الآية، وحد المراء (^٣): كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ وإما في المعنى، والباعث عليه إما الترفع بإظهار الفضل أو إلى تنقيص الغير، وإنما كان لتارك المراء وهو محق بيتا في الجنة لشدة ذلك على النفس وأكثر ما يغلب على المذاهب والعقائد، فإن المراء طبع فإذا ظن أن له عليه ثوابًا اشتد حرصه عليه، وينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة، وإذا رأى مبتدعًا تلطف في نصحه في خلوة لا بطرق المجادلة فإذا عرف أن النصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه، قال - ﷺ -: \"رحم الله من كف\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٢٢) وكشف المناهج (٤/ ٢٤١).\n(^٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٦.\n(^٣) إحياء علوم الدين (٣/ ١١٧)، والأربعين في أصول الدين (ص ٧٥) للغزالي.","vol":"2","page":136},{"text":"لسانه عن أعراض الناس\" وفي رواية: \"رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه\" قال هشام بن عروة: كان يردد ﵇ قوله هذا سبع مرات، وكل من تعود أن يجادل الناس مدة وأثنى عليه الناس ووجد لنفسه بسبب ذلك عزا وقبولا تقوت فيه هذه المهلكات ولا يستطيع عنها نزوعًا إذا اجتمع عليه سلطان الكبر والغضب والرياء وحب الجاه والتقدم بالفضل، وآحاد هذه الصفات تشق مجاهدتها فكيف بمجموعها (^١).\nولما كان المراء أمره أصعب من ترك الكذب كان جزاء تاركه قصرا في وسط الجنة، \"ومن تركه وهو محق بني له في وسطها\" المحق: المتكلم بالحق يعني من ترك المجادلة مع أن ما يقوله حق استحق أن يسكن وسط الجنة (^٢)، وربض الجنة: بفتح الراء والباء الموحدة وبالضاد المعجمة وهو ما حولها، انتهى، قاله الحافظ المنذري، وقال ابن الأثير (^٣): ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي تكون تحت المدن وتحت القلاع، وقال بعض العلماء أيضًا: ربض الجنة حواليها من داخلها لا من خارجها، والمراد بالبيت هنا القصر.\nقوله: \"ومن حسن خلقه بنى الله له في أعلاها\" سيأتي الكلام على حسن الخلق في بابه مبسوطا إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ١١٨).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ١٧٩).\n(^٣) النهاية (٢/ ١٨٥).","vol":"2","page":137},{"text":"قوله - ﷺ - في رواية الطبراني: \"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق\" الحديث، قال أبو سليمان الخطابي (^١): الزعيم في اللغة هو الضامن والكفيل والزعامة الكفالة، والزعيم أيضًا الحميل، ومنه قوله ﷿: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (^٢) انتهى.\nوفي حديث آخر: \"الزعيم غارم\" [الزعيم: الكفيل،] والغارم الضامن (^٣)، والكفيل أيضًا الضامن وكافل اليتيم القائم بأمره والكفالة الحمالة والكفيل والضمين، والزعيم بمعنى (^٤).\nقال الماوردي: غير أن العرف جار بأن الضمين مستعمل في الأموال والحميل في الديات والزعيم في الأموال العظام والكفيل في النفوس (^٥).\nوالكفيل من أسماء الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (^٦) وأجمعت عليه الأمة (^٧)، ولهذا استدل البيهقي للكفالة بالبدن بحديث البخاري الذي فيه أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ١١٠).\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ٧٢.\n(^٣) النهاية (٢/ ٣٠٣).\n(^٤) كشف المناهج (٢/ ١٠٩).\n(^٥) كفاية النبيه (١٠/ ١٢١)، ومغني المحتاج (٣/ ١٩٨).\n(^٦) سورة النحل، الآية: ٩١.\n(^٧) الأسماء والصفات (١/ ١٧٣).","vol":"2","page":138},{"text":"أن يسلفه ألف دينار، وفيه: فأتني بالكفيل، فقال: كفى بالله وكيلًا (^١)، واستدل به الشيخ في المهذب بصحة الكفالة بالبدن، والمذهب صحة الكفالة بالبدن (^٢) وهي أنواع من الضمان لأن المضمون ينقسم إلى حق في الذمة وإلى عين وبصحتها قال الأئمة الثلاثة، وكافة العلماء مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ (^٣) أي كفيلًا عنه، وبحديث الخشبة الذي يقدم، ولأن بالناس حاجة إليها كما في كفالة المال، فإذا تكفل ببدن من عليه مال لم يشترط العلم بقدره لأنه تكفل بالبدن لا بالمال، وقيل: يشترط بناء على أنه إذا مات غرم الكفيل ما عليه من الدين، والمذهب صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف، ومنعها في حدود الله تعالى كحد السرقة والخمر والزنا للأمر بسترها والسعي في إسقاطها ما أمكن، والله أعلم (^٤).\nقوله: \"وببيت في الجنة لمن حسنت سريرته\" السريرة ما يكتم عن الخلق، اعلم أنه لما كان المراء أمره أصعب من ترك الكذب كان جزاء تاركه قصرًا في وسط الجنة، وأما تحسين الخلق فإنه أعلى من ذلك رتبة وأعرق منزلة، فكان قصر صاحبه في أعلى الجنة، قال الله تعالى لأشرف المرسلين: ﴿وَإِنَّكَ\n_________\n(^١) السنن الكبرى (٦/ ١٢٦) بوب عليه فقال: باب ما جاء في الكفالة ببدن من عليه حق ولفظ الحديث: قال: فأتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا.\n(^٢) المهذب (٢/ ١٥٣).\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ٧٨.\n(^٤) انظر المجموع (١٤/ ٤٦ - ٤٩)، وكفاية النبيه (١٠/ ١٦٦ - ١٦٨)، وكفاية الأخيار (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).","vol":"2","page":139},{"text":"لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^١) والخلق بضم لامه وسكونها الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورتها الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع (^٢).\nقال الغزالي في الإحياء (^٣): من الآفة الرابعة من آفات اللسان المراء والمجادلة بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره قال مسلم بن يسار: إياكم والمراء فإنها ساعات جهل العالم وعندها يبتغي الشيطان زلته، وقيل: ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا بالجدل، وقال مالك بن أنس: ليس هذا الجدال من الدين بشيء، وقال أيضًا: المراء يقسي القلب ويورث الضغائن، وقال لقمان لابنه: يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك، انتهى، قاله في الديباجة.\n\n٢٣١ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي أُمَامَة وواثلة بن الْأَسْقَع وَأنس بن مَالك ﵃ قَالُوا خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا وَنحن نتمارى فِي شَيْء من أَمر الدّين فَغَضب غَضبا شَدِيدا لم يغْضب مثله ثمَّ انتهرنا فَقَالَ مهلا يَا أمة مُحَمَّد إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِهَذَا ذَروا المراء لقلَّة خَيره ذَروا المراء\n_________\n(^١) سورة القلم، الآية: ٤.\n(^٢) النهاية (٢/ ٧٠).\n(^٣) الإحياء (٣/ ١١٦ - ١١٧).","vol":"2","page":140},{"text":"فَإِن الْمُؤمن لَا يُمَارِي ذَروا المراء فَإِن المماري قد تمت خسارته ذَروا المراء فَكفى إِثْمًا أَن لا تزَال مماريا ذَروا المراء فَإِن المماري لَا أشفع لَهُ يَوْم الْقِيَامَة ذَروا المراء فَأَنا زعيم بِثَلَاثَة أَبْيَات فِي الْجنَّة فِي رباضها ووسطها وأعلاها لمن ترك المراء وَهُوَ صَادِق ذَروا المراء فَإِن أول مَا نهاني عَنهُ رَبِّي بعد عبَادَة الْأَوْثَان المراء. الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١) عن أبي الدرداء وأبي أمامة ووائلة بن الأسقع وأنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبهم ﵃.\nقوله: قالوا: خرج علينا رسول الله - ﷺ - يوما ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين فغضب غضبا شديدًا لم يغضب مثله ثم انتهرنا فقال: \"مهلًا يا أمة محمد\" الحديث، تقدم الكلام على المماراة في أول الباب وسيأتي الكلام على الغضب في بابه، وتقدم الكلام على تفسير الآية، وسيأتي الكلام عليها أيضًا مبسوطًا في الوضوء، والله أعلم. قوله - ﷺ -: \"ذروا المراء فإن المماري قد نمت خسارته\" الحديث، النماء الزيادة.\n\n٢٣٢ - وَعَن معَاذ بن جبل قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"أَنا زعيم بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة وببيت فِي وسط الْجنَّة وببيت فِي أَعلَى الْجنَّة لمن ترك المراء وَإِن كَانَ محقا وَترك الْكَذِب وَإِن كَانَ مازحا وَحسن خلقه\". رَوَاهُ الْبَزَّار\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، والآجرى في الشريعة (١١١)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٥٢ رقم ٧٦٥٩). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٦ و٧/ ٢٥٩: رواه الطبراني في الكبير، وفيه كثير بن مروان، وهو ضعيف جدًّا. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (١١٤).","vol":"2","page":141},{"text":"وَالطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثة وَفِيه سُويد بن إِبْرَاهِيم أَبُو حَاتِم (^١).\nقوله: عن معاذ بن جبل، تقدم الكلام على مناقبه. قوله - ﷺ -: \"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة\" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله.\nوقوله: \"لمن ترك الكذب وهو مازح\" الحديث، أشار بذلك إلى أن الكذب قد يكون باطلا، وقد لا يكون كذلك وهو الكذب المضر فإنه باطل، وأما الكذب النافع لإصلاح ذات البين وفي الحرب وعلى المرأة بشرطه، فإنه ليس بباطل، فإن النبي - ﷺ - وصفه بالصلاح فقال: \"ليس يصلح الكذب إلا في ثلاث\" (^٢) الحديث، وقد يكون الكذب واجبًا وقد يكون مندوبًا وقد يكون حرامًا وقد يكون مكروها، فقوله: \"وهو باطل\" جملة حالية، أي في حال كونه باطلًا (^٣)، ففي الصحيحين عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من\n_________\n(^١) أخرجه الدولابى في الكنى (١٥٨٣)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥ رقم ٥٣٢٨) والصغير (٢/ ٧٤ رقم ٨٠٥) والكبير (٢٠/ ١١٠ رقم ٢١٧). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٧: رواه الطبراني في الثلاثة - ويأتي حديث ابن عباس في حسن الخلق - وإسناده حسن - إن شاء الله -. وقال ٨/ ٢٢: رواه الطبراني في الثلاثة والبزار، وفي إسناد الطبراني محمد بن الحصين، ولم أعرفه، والظاهر أنه التميمي وهو ثقة، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٩٣٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٩١٣)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٤٣٦ - ٤٣٥ رقم ١٠٥٨٧) عن أسماء بنت يزيد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أسماء، إلا من حديث ابن خثيم. وحسنه الألباني في الصحيحة (٥٤٥).\n(^٣) المفاتيح (٥/ ١٧٩)، وكشف المناهج (٤/ ٢٤٠ - ٢٤١).","vol":"2","page":142},{"text":"المهاجرات الأول: أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس بكذاب من يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرًا\" (^١) ورخص في الكذب في ثلاث الكذب في الحرب وإصلاح ذات البين وكذب الرجل على امرأته.\nتتمة: قوله - ﷺ - في الحديث قبله وهو حديث أبي الدرداء: \"ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رياضها ووسطها وأعلاها\" وهو مذكور في حديث معاذ هذا أيضًا، فجعل البيت العلوي جزءا لأعلى المقامات الثلاثة وهو حسن الخلق، والأوسط لأوسطها وهو ترك الكذب، والأدنى لأدناها وهو ترك المماراة وإن كان معه حق، ولا ريب أن حسن الخلق يشتمل على هذا كله (^٢)، وقد عد بعض العلماء المراء بالباطل مطلقا من الكبائر (^٣)، وفيه حديث ضعيف.\nقوله في آخر الحديث وَفِيه سُوَيْد بن إِبْرَاهِيم أَبُو حَاتِم سويد بن إبراهيم البصري العطار: ضعفه النسائي وغيره ووثقه ابن معين وغيره قال الحافظ ولا بأس به في المتابعات.\n\n٢٣٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -: قَالَ: \"كُنَّا جُلُوسًا عِنْد بَاب رَسُول الله - ﷺ - نتذاكر ينْزع هَذَا بِآيَة وَينْزع هَذَا بِآيَة فَخرج علينا رَسُول الله - ﷺ - كمَا يفقأ فِي وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ يَا هَؤُلاءِ بِهَذَا بعثتم أم بِهَذَا أمرْتُم لا ترجعوا بعدِي كفَّارًا\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٢٦٩٢)، ومسلم (١٥١ - ٢٦٠٥).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٩٣).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٢٦٣). والحديث المشار إليه هو حديث الباب.","vol":"2","page":143},{"text":"يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه سُوَيْد أَيْضًا (^١).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: كنا جلوسا عند باب رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر ينزع هذا بآية وينزع هذا بآية فخرج علينا رسول الله - ﷺ - كأنما يفقأ في وجهه حب الرمان، ومعنى فقئ في وجهه حب الرمان أنه - ﷺ - احمر وجهه، وكان كثيرًا ما يتفق له ذلك عند الغضب - ﷺ -، وكان - ﷺ - لا يغضب إلا لله تعالى، روى أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي - ﷺ - من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - يعرف رضاه وغضبه بوجهه كان إذا رضي فكأنما [ملاحك الجدر وجهه، وإذا غضب خسف لونه واسود قال أبو بكر: سمعت أبا الحكم الليثي يقول: هي] (^٢) المرآة توضع في الشمس فيرى ضوءها في الجدار (^٣)، وفي الصحيحين من حديث كعب بن مالك: وهو يبرق وجهه من السرور، وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٨/ ٧٦ رقم ١١)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٢٥ رقم ٨٤٧٠) والكبير (٦/ ٣٧ رقم ٥٤٤٢). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا سويد أبو حاتم صاحب الطعام وهو سويد بن إبراهيم روى عنه صفوان بن عيسى وجماعة ليس به بأس.\nعبد الرحمن بن المبارك ثقة بصري. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٦: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٠).\n(^٢) سقط من الأصل وأضفناه من أخلاق النبي.\n(^٣) أخلاق النبي (١٤٢). وضعفه العراقي في تخريج الإحياء (٨٥٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٤١٨) و(٣٥٥٦) و(٤٦٧٧)، ومسلم (٥٣ - ٢٧٦٩).","vol":"2","page":144},{"text":"قوله - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" الحديث، رجع هاهنا تستعمل استعمال صار معنى وعملًا، أي: لا تصيروا بعدي كفارًا (^١).\nوقال المظهري في شرح المصابيح (^٢): يعني إذا فارقت الدنيا فأثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ولا تحاربوا المسلمين ولا تأخذوا أموالهم بالباطل، وقال محيي السنة (^٣): لا تكن أفعالكم شبيهة بأعمال الكفار في ضرب رقاب المسلمين، وقال القاضي عياض (^٤): لا ترجعوا بعدي كفارًا، فقال الطبري معناه: أي بعد فراقي من موقفي هذا، وكان هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع، أو يكون بعدي أي خلافي أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به أو لأنه يكون تحقق - ﷺ - أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد مماته.\nتنبيه: وحجة الوداع: سميت بذلك لأن النبي - ﷺ - ودع الناس فيها وعلمهم في خطبته فيها أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع إلى من غاب فقال - ﷺ -: \"ليبلغ الشاهد منكم الغائب\" (^٥) انتهى، وقال ابن فارس: سألت موسى بن هارون عن هذا، فقال: هؤلاء أهل الردة وقتلهم أبو بكر - ﵁ -، وقيل: لا\n_________\n(^١) شواهد التوضيح (ص ١٩٧).\n(^٢) المفاتيح (٣/ ٣٣٠).\n(^٣) شرح السنة (٧/ ٢١٩).\n(^٤) إكمال المعلم (١/ ٢٢٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٦).","vol":"2","page":145},{"text":"ترجعوا بعدي كفارًا فرقا مختلفين يقتل بعضكم بعضًا كفعل الكفار مضاهين لهم متعادون، والمسلمون متآخون يحقن بعضهم دماء بعض، قاله صاحب المغيث (^١).\nقوله: \"يضرب بعضكم رقاب بعض\" الرواية يضرب بعضكم برفع الباء على الحال أي ضاربا بعضكم رقاب بعض، هذا هو الصواب، وكذا رواه المتقدمون والمتأخرون، وبه يصح المقصود هنا، ونقل القاضي عياض (^٢) أن بعض العلماء ضبط بإسكان الباء على أنه بدل من ترجعوا أو جزاء الشرط مقدر بعد النهي (^٣)، أي: فإن ترجعوا كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض على مذهب الكسائي، قاله في شرح مشارق الأنوار، قال القاضي عياض: (^٤) وهو إحالة للمعنى والصواب الضم.\nتنبيه: فإن قلت: ليس لكل شخص إلا رقبة واحدة ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنها؛ قلت: البعض وإن كان مفردا لكنه يعني الجمع كأنه قال: لا تضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه تفيد التوزيع، أ. هـ، قاله الكرماني (^٥).\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٣/ ٥٨).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٣٢٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٥) وعمدة القارى (٢/ ١٨٧).\n(^٤) إكمال المعلم (١/ ٣٢٤).\n(^٥) الكواكب الدرارى (٢/ ١٣٩)، وعمدة القارى (٢/ ١٨٧).","vol":"2","page":146},{"text":"قال النووي، قدس الله روحه (^١): قيل في معنى الحديث ستة أقوال وزاد غيره سابعًا، أحدها: أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق، ثانيها: أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام، ثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤتي إليه، رابعها: أنه فعل كفعل الكفار، خامسها، المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تفكروا بل دوموا مسلمين، سادسها: حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إلا لبسه؛ قال الأزهري في كتاب تهذيب اللغة (^٢): ويقال للابس السلاح كافر، سابعها: قاله الخطابي معناه (^٣): لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا، وأظهر الأقوال الرابع، وهو اختيار القاضي عياض رحمه الله تعالى.\n\n٢٣٤ - وَعَن [أبي أُمَامَةَ] (^٤) - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا ضل قوم بعد هدى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل ثمَّ قَرَأَ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ (^٥) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَغَيره وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٦).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٥) وعمدة القاري (٢/ ١٨٧).\n(^٢) تهذيب اللغة (١٠/ ١١٢).\n(^٣) غريب الحديث (٢/ ٢٤٩).\n(^٤) في الأصل عن أبي هريرة.\n(^٥) سورة الزخرف، الآية: ٨٥.\n(^٦) أخرجه الترمذي (٣٢٥٣)، وابن ماجه (٤٨)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٣٥ و١٣٦)، والحاكم ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح إنما نعرفه من =","vol":"2","page":147},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل\" الحديث، الجدل مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث الجدل على الباطل وطلب المغالبة به لا لإظهار الحق، فإن ذلك محمود لقوله تعالى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^١) قاله ابن الأثير (^٢)، وقال بعض العلماء: المراد بالجدل هاهنا المباحثة المفضية إلى الشكوك في المعتقدات وإيغار الصدور، وفي شعب البيهقي عن معروف الكرخي أنه قال: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًا أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل (^٣)، انتهى، أما الجدال لإظهار الحق وإفحام أهل الباطل فغير ممنوع بل هو مطلوب، قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.\n\n٢٣٥ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن أبْغض الرِّجَال إِلَى الله الألد الْخصم. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٤).\n_________\n= حديث حجاج بن دينار وحجاج ثقة مقارب الحديث، وأبو غالب اسمه: حزور. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٤١).\n(^١) سورة النحل، الآية: ١٢٥.\n(^٢) النهاية (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٣) شعب الإيمان (٣/ ٢٩٦ رقم ١٦٩٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٤٥٧) و(٤٥٢٣) و(٧١٨٨)، ومسلم (٥ - ٢٦٦٨)، والترمذي (٢٩٧٦)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٣١٨ (٥٤٦٧) والكبرى (٥٩٤٤) و(١٠٩٦٩).","vol":"2","page":148},{"text":"الألد بتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة هُوَ الشَّديد الْخُصُومَة الْخصم بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة هُوَ الَّذِي يحجّ من يخاصمه.\nقوله: عن عائشة، تقدم الكلام على فضائلها مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم\" قال الحافظ ﵀: الألد: بتشديد الدال المهملة هو الشديد الخصومة، انتهى، وقال بعض العلماء: الألد من لديدي الوادي وهما جانباه لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر (^١)، ومنه حديث علي - ﵁ -: رأيت النبي - ﷺ - في النوم، فقلت: يا رسول الله ما لقيت بعدك من الأود واللدد، قاله في النهاية (^٢)، ومنه أيضًا حديث عثمان فأنا منهم بين ألسن لداد وقلوب شداد (^٣)، وكانت الجاهلية تتمادح بذلك، فذمه رسول الله - ﷺ - لأنه قل ما يكون في حق قال الله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥] (^٤).\nقوله: الخصم: هو بفتح الحاء وبكسر الصاد المهملة هو الذي يحج من يخاصمه، انتهى، قاله الحافظ، ونقل الشيخ محيى الدين في أذكاره عن بعضهم قال (^٥): ما رأيت شيئًا أذهب للدين ولا أنكد للعيش ولا أضيع للذة ولا أنقص\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٢/ ١٢٢١)، وإكمال المعلم (٨/ ١٦٢)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٩).\n(^٢) النهاية (٤/ ٢٤٤).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) إكمال المعلم (٨/ ١٦٢).\n(^٥) الأذكار (ص ٥٧١).","vol":"2","page":149},{"text":"للمروءة من الخصومة، وقال بعض العلماء: أما الخصومة في الحق وطلبه على وجهه والجدال بالتي هي أحسن فغير مذموم، فالمذموم هو الجدال بالباطل في دفع حق أو إثبات باطل كما تقدم، قاله النووي في مسلم (^١).\nتنبيه: قال أبو العباس القرطبي (^٢): هذا الخصم المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطريق التي أرشد الله إليها كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وسلف أمته إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية، ومدار أكثرها على مباحث سوفسطانية (^٣) أو مناقشات لفظية لم تكن في القرون الثلاثة، وإنما حدثت بعد المائتين في زمان المأمون، وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة في القرون الثلاثة متمسكين بالكتاب والسنة معرضين عن شبه المحدثين لم ينظروا في الجواهر والعرض، انتهى.\n\n٢٣٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ كفى بك إِثْمًا أَن لا تزَال مخاصما. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٩) والكلام للقاضى عياض إكمال المعلم (٨/ ١٦٢).\n(^٢) المفهم (٢٢/ ٤٩).\n(^٣) في الحاشية أي مموهة وسوفسطا مأخوذ من سوف وهو الحكمة ومن أسطا وهو التلبيس ومعناه الحكمة المموهة ومنه اشتقت السفسطة.\n(^٤) أخرجه الترمذي (١٩٩٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٥٧ رقم ١١٠٣٢)، والبيهقي في الشعب (١١/ ١٦ - ١٧ رقم ٨٠٧٤ و٨٠٧٥). قال الترمذي: وهذا الحديث حديث =","vol":"2","page":150},{"text":"٢٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ المراء فِي الْقُرْآن كفر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيره من حَدِيث زيد بن ثابت. (^٢)\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"المراء في القرآن كفر\" الحديث، المراء: الجدال والتماري، والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما أي من المتناظرين يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع (^٣)، وسبب ذلك أن القرآن قد ظهر صدقه وثبتت معجزته واستقر علمه، فإن نازع فيه منازع كان كافرًا (^٤)، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من جحد آية من القرآن فقد حل ضرب عنقه، ومن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده\n_________\n= غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٩٦)، وضعيف الترغيب (١١٥).\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٠٠ (٧٩٨٩) و٢/ ٤٢٤ (٩٤٧٩)، وأبو داود (٤٦٠٣)، والنسائي في الكبرى (٨٠٣٩)، وابن حبان (١٤٦٤). وصححه الألباني في المشكاة (٢٣٦)، وصحيح الترغيب (١٤٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ١٥٢ رقم ٤٩١٦). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٧: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٤).\n(^٣) النهاية (٤/ ٣٢٢).\n(^٤) عارضة الأحوذي (٨/ ١٦٠).","vol":"2","page":151},{"text":"ورسوله فلا سبيل عليه إلا أن يصيب حدًا فيقام عليه\" (^١) انفرد به ابن ماجه، وروي مرفوعًا وموقوفًا على ابن عباس، والله أعلم؛ قال أبو عبيد ﵀ (^٢): ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل ولكنه على الاختلاف في اللفظ، وهو أن يقرأ الرجل على حرف فيقول الآخر ليس هو هكذا ولكنه على خلافه وكلاهما منزل مقروء بهما، فإذا جحد كل واحد منهما قراءة صاحبه لم يؤمن أن يكون ذلك يخرجه إلى الكفر لأنه نفى حرفا أنزله الله تعالى على نبيه، والتنكير في المراء إيذانًا بأن شيئًا منه كفر فضلًا عما زاد عليه، وقيل: إنما جاء هذا في الجدال والمارء في الآيات التي فيها ذكر القدر ونحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام وأصحاب الأهواء والآراء دون ما تضمنته من الأحكام وأبواب الحلال والحرام، فإن ذلك قد جرى بين الصحابة فمن بعدهم من العلماء، وذلك فيما يكون الغرض منه والباحث عليه وظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز، والله أعلم.\nوقال في شرح السنة (^٣): قيل مع المراء الشك لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ (^٤) أي: في شك، وقيل: هو الجدال المشكك، وذلك أنه إذا جادل في القرآن أداه ذلك إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه ويؤديه ذلك إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٣٩). وقال الألباني: ضعيف، الضعيفة (١٤١٦).\n(^٢) غريب الحديث (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٦)، والنهاية (٤/ ٣٢٢).\n(^٣) شرح السنة (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٤) سورة الكهف، الآية: ١٧.","vol":"2","page":152},{"text":"الجحود فسماه كفرًا باسم ما يخشى من عاقبته إلا من عصمه الله تعالى، وقيل: هو المراء في قراءته وهو أن ينكر الرجل بعض القراءات المروية التي أنزلت على رسول الله - ﷺ -، فإذا أنكرها فقد كفر لأنه أنكر القرآن.\nتنبيه: قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١): قال علماؤنا: متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن أو طلبا لاعتقاد المجسمة كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وايضاح معانيها أو كما فعل صبيغ.\nالقسم الأول (أي الزنادقة والقرامطة) لا شك في كفرهم، وأن حكم الله تعالى فيهم القتل من غير استتابة.\nالثاني الصحيح: القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد.\nالثالث: اختلف السلف في جواز ذلك بناء على الجواب في جواز تأويلها. الرابع: الحكم فيه الأدب البليغ كما فعله عمر - ﵁ - بصبيغ، أ. هـ.\nفائدة: قال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي (^٢): يروى من حديث ثوبان عن النبي - ﷺ - قال: \"سيكون أقوام من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٤/ ١٣ - ١٤).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"2","page":153},{"text":"المسائل، أولئك شرار أمتي\" (^١)، قال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يغمون بها عبد الله (^٢)، قال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرم العبد بركة العلم ألقى علي لسانه المغاليط، ولقد رأيتهم أقل الناس علمًا (^٣)، وقال ابن وهب عن الإمام مالك: أدركت هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم يريد المسائل (^٤)، قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: المراء في العلم يقسي القلوب ويورث الضغن (^٥)، أ. هـ.\nتنبيه: من البدع الجدل في القرآن وتتبع المتشابه منه، وقد عد العلماء المراء في القرآن من الكبائر، واستدلوا عليه بحديث أبي هريرة المتقدم (^٦).\n\n٢٣٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي - ﷺ - أَن عِيسَى ﵇ قَالَ إِنَّمَا الأمُور ثَلَاَثة أَمر تبين لَك رشده فَاتبعهُ وَأمر تبين غيهُ فاجتنبه وَأمر اخْتلف فِيهِ فَرده إِلَى عَالم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بأْس بِهِ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٩٨ رقم ١٤٣١)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ١٠٨ - ١٠٩). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يزيد بن ربيعة، وهو متروك. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٣٧١٧).\n(^٢) أخلاق العلماء (ص ١١٠) للآجرى.\n(^٣) جامع بيان العلم وفضله (٢٠٨٣).\n(^٤) جامع بيان العلم وفضله (٢٠٦٢).\n(^٥) جامع بيان العلم وفضله (٨٨٧).\n(^٦) الكبائر للذهبي (ص ٢٢٣)، وتنبيه الغافلين (ص ٢٦٣).\n(^٧) أخرجه أبو عبيد في الخطب والمواعظ (١٢٣)، وعبد بن حميد (٦٧٥)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١٧٣٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٨ رقم ١٠٧٧٤)، وأبو الطاهر =","vol":"2","page":154},{"text":"قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على فضائله، قال أبو الفرج بن الجوزي (^١): ولد عبد الله بن عباس في الشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان - ﵁ - حبر الأمة فسمي البحر لغزارة علمه، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى أن مات، ودعا له رسول الله - ﷺ - فقال: \"اللهم فقهه في العلم وعلمه التأويل\" (^٢).\nوقال ابن عباس ﵄: رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول الله - ﷺ - بالحكمة مرتين (^٣)، وقال طاووس: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس (^٤)، وكانت الدموع قد حفرت في خده أخدودًا من كثرة البكاء، توفي - ﵁ - بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى وسبعين سنة، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"أن عيسى ابن مريم\" الحديث، رفع عيسى عليه الصلاة\n_________\n= المخلص (٣٠٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١٨ - ٢١٩). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٧: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٥٠٣٤) وضعيف الترغيب (١١٦).\n(^١) المنتظم (٦/ ٧٢ - ٧٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٦٦ (٢٣٩٧) و١/ ٣١٤ (٢٨٧٩) و١/ ٣٢٨ (٣٠٣٢) و١/ ٣٣٥ (٣١٠٢)، وابن حبان (٧٠٥٥) وصححه الألباني في المشكاة (٦١٤٨).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات متمم الصحابة (١/ ١٢٩)، وأحمد في الفضائل (١٩١١) والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٦٤ رقم ١٠٦١٥).\n(^٤) أخرجه أحمد في الفضائل (١٨٣٧) و(١٨٣٨)، والفسوى في التاريخ (١/ ٥٤٢).","vol":"2","page":155},{"text":"والسلام وهو ابن ثلات وثلاثين سنة (^١)، وسيأتي الكلام عليه في مواضع من هذا التطبيق.\nقوله: \"إنما الأمور ثلاثة، أمر تبين لك رشده فاتبعه\" أي: استبان يعني تبين وظهر، والرشد: الهدى، أي: استقامته، أي: ظاهره، كوجوب الصلاة والصوم فاتبعه.\nقوله: \"وأمر تبين لك غيه فاجتنبه\" والغي: ضد الرشد، وهو: الضلال، والاجتناب: التباعد عن الشيء.\nقوله: \"وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه\" أي: رده إلى كتاب الله وأعرضه عليه ليتكشف لك حكمة اللّه تعالى بوجود عينه أو بوجود نظيره وشبهه، انتهى، وقال بعض العلماء: [\"وأمر اختلف فيه\" أي: اختلف فيه الناس من تلقاء أنفسهم، من غير] أن يبين الله ورسوله حكمة كتعيين وقت القيامة وحكم أطفال الكفار (^٢)، فالأمور ثلاثة أنواع، أي: المتعلقة بأحكام الدين ثلاثة، الأول: ما هو صواب ورشد ظاهر فاتبعه كالواجبات الخمس التي هي أصول الدين، والثاني: ما هو ضلالة وغير ظاهر كبطلان دين الإسلام فاجتنبه، والثالث: ما لا يكون للشارع حكم ظاهر فيه كالمتشابه فكل علمه إلى الله تعالى كمتشابهات القرآن والعلم بوقت يوم قيام الساعة وأحوال\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٤٣ و٧/ ٢٧٣)، والعلل رواية عبد الله (١٠٩٨)، والدينورى في المجالسة (٢٥٩٩) عن سعيد بن المسيب.\n(^٢) شرح المصابيح (١/ ١٨٦) لابن ملك.","vol":"2","page":156},{"text":"أطفال الكفار (^١). تلخيصه: ما علمت كونه ثابتًا بالنص فاعمل به وما علمت كونه باطلا بالنص فلا تعمل به، وما لم يثبت حكمه بنفي ولا إثبات بالنص فتوقف فيه وكِل علمه إلى الله تعالى ولا تقل فيه شيئًا (^٢)، انتهى.\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(^٢) شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٦٤٩).","vol":"2","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>كتاب الطَّهَارَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>التَّرْهِيب من التخلي على طرق النَّاس أَو ظلهم أَو مواردهم وَالتَّرْغِيب فِي الانحراف عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها</span>\nالكتاب في اللغة، مصدر، يقال: كتب يكتب كتبًا وكتابًا وكتابةً، وجمعه كتب بضم التاء وإسكانها، وأصل الكتب: الضم، ومنه كتيبة الخيل لاجتماعها وانضمامها، ثم أطلق الكتاب على المكتوب كذا بضم حروفه، وفي اصطلاح الفقهاء: ما يجمع أمورًا من علم، ثم منهم من يعبر عنها تارة بالأبواب وتارة بالفصول، والطهارة: بفتح الطاء تستعمل من حيث اللغة بإزاء النظافة والتنقي من الأدناس الحسية كالأنجاس والمعنوية كالمآثم يقال: ثوب طاهر ونفس طاهرة، وأما الطهارة بالضم فعند بعض أهل اللغة: فضل ما تطهر به، وهي بالفتح في اصطلاح الفقهاء عبارة عن: رفع الحدث وإزالة النجس، ويشبه أن يكون إطلاق الطهارة على ما لا يرفع حدثا ولا يزيل خبثًا كالغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والأغسال المسنونة وطهارة المتيمم والمستحاضة من مجاز السنة كما أطلق على التراب وضوءًا في قوله - ﷺ -: \"الصعيد وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج\" (^١)، واعلم أن\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٤٨٦)، وعبد الرزاق (٩١٢) و(٩١٣) وعنه أحمد ٥/ ١٥٥ (٢١٣٧١)، وابن أبي شيبة ١/ ١٤٤ (١٦٦١)، وأحمد ٥/ ١٤٦ (٢١٣٠٤) و(٢١٣٠٥) =","vol":"2","page":158},{"text":"قولهم إزالة النجاسة قد يوهم اعتبار تعاطيها منا، ومعلوم أنه ليس كذلك، فإنه لو مر سيل على متنجس أو وقع ثوب في ماء كثير وزال به أثر النجاسة طهر، فلو قيل وزوال النجس لانتفى التوهم المذكور (^١)، انتهى، قاله ابن الأبياني شارح التبريزي.\nفائدة: قال أبو الفرج بن الجوزي، قدس الله روحه (^٢): اعلم أن الطهارة لها أربع مراتب، الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات، والثانية: تطهير الجوارح من الذنوب والآثام، والثالثة: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة، والرابعة: تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهذا هو الغاية القصوى، انتهى.\nتنبيه: وأما الباب: فهو ما يتوصل منه إلى الشيء، وجمعه: أبواب، قال الزمخشري: وإنما بوب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم لأن القارئ إذا ختم بابًا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان\n_________\n= و٥/ ١٨٠ (٢١٥٦٨)، والبخارى في التاريخ الكبير (٦/ ٣١٧)، وأبو داود (٣٣٢ و٣٣٣)، والترمذي (١٢٤)، والبزار (٣٩٧٣ و٣٩٧٤)، والنسائي في المجتبى ١/ ٤٥٧ (٣٢٦) والكبرى (٣٠٧). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني صحيح أبى داود (٣٥٨ و٣٥٩)، والمشكاة (٥٣٠)، والإرواء (١٥٣).\n(^١) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٧٧)، ومنحة البارى (١/ ١٣٠)، والنجم الوهاج (١/ ٢٢٢).\n(^٢) منهاج القاصدين (١/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"2","page":159},{"text":"أنشط له وأهز لعطفه وأبعث على الدرس والتحصيل بخلاف ما لو استمر على الكتاب طوله، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلًا وطوى فرسخًا وانتهى إلى رأس بريد ونشط للمسير، ومن ثم كان القرآن سورًا، وجزأه القراء أسباعًا وعشورًا وأخماسًا وأجزاءًا، انتهى، قاله الكمال الدميري (^١).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٦٤).","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>التَّرْهِيب من التخلي على طرق النَّاس أَو ظلهم أَو مواردهم</span>\n٢٣٩ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ اتَّقوا اللاعنين قَالُوا وَمَا اللاعنان يَا رَسُول الله قَالَ الَّذِي يتخلى فِي طرق النَّاس أَو فِي ظلهم رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (^١).\nقَوْله: \"اللاعنين\" يُرِيد الْأَمريْنِ الجالبين اللَّعْن وَذَلِكَ أَن من فعلهمَا لعن وَشتم فَلَمَّا كَانَا سَببا لذَلِك أضيف الْفِعْل إِلَيْهِمَا فَكَانَا كَأَنَّهُمَا اللاعنان.\nقوله: \"عن أبي هريرة\"، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"اتقوا اللاعنين\" قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله، الحديث، قال النووي (^٢): وقع في صحيح مسلم: \"اللعانين\"، وفي رواية: \"اللاعنين\" والروايتان صحيحتان ظاهرتان، وفي الترمذي وأبي داود: \"الملاعن\"، وفي المفهم (^٣): \"اللاعنين\" يروى هكذا وصحيح روايتنا: \"اللعانين\" بالتشديد على المبالغة؛ واللعن: الطرد والبعد، وقد فسرهما بالتخلي في الطرق والظلال، وقد فسر الحافظ ﵀ اللاعنين فقال: يريد الأمرين الجالبين للعن، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم فلما كانا وسببا لذلك أضيف الفعل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨ - ٢٦٩)، وأبو داود (٢٥)، وابن خزيمة (٦٧)، وأبو عوانة (٥٥٨ و٥٥٩)، وابن حبان (١٤١٥)، والحاكم ١/ ١٨٥ - ١٨٦.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦١).\n(^٣) المفهم (٣/ ١٤٩).","vol":"2","page":161},{"text":"إليهما فكانا كأنهما اللاعنان، انتهى؛ قال النووي، قدس الله سره (^١): يعني عادة الناس لعنه وشتمه، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود، وأما رواية مسلم فمعناها والله أعلم: اتقوا فعل اللاعنين.\nقوله: قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله، قال: \"الذي يتخلى في طرق الناس\"، وفي رواية ابن منده: \"في طريق المسلمين ومجالسهم\" (^٢)، وذلك محمول على المواضع المشتركة التي لا تختص بأحد، أما ما اختص بالمستنجي فلا شك في جوازه، وما اختص به غيره فلا شك في تحريمه حتى لو تجمر بجدار الغير أو بجدار موقوف ونحوه فإنه حرام، وهو مما يتساهل الناس فيه، وحينئذ فيجب تطهيره والتحلل من صاحبه إن أضر ذلك به، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.\nوالتخلي: الجلوس للحاجة فمعناه يتغوط في موضع يمر الناس فيه، وعبر عنه بالتخلي لأنه لا يكون إلا خاليًا ولم يذكر البول (^٣)، وقد صرح النووي في الروضة بكراهته من زياداته (^٤)، والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) أخرجه ابن الجارود في المنتقى (٣٣)، وأبو عوانة (٥٥٨ و٥٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (٢٦٦) بلفظ: \"الذي يتغوط على طريق الناس، أو في مجلس قوم\" وعزاه ابن الملقن في البدر المنير لابن منده وقال: قال ابن منده: إسناده صحيح (٢/ ٣١٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٢).\n(^٤) روضة الطالبين (١/ ٦٥).","vol":"2","page":162},{"text":"قوله: \"أو في ظلهم\" سيأتي الكلام على الظل الذي اتخذه الناس مقيلًا، ونهى عن التخلي في الظل والطريق لما في ذلك من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره، وقد صرح الخطابي وغيره بتحريم ذلك، وقد عدوه من الصغائر (^١)، والله أعلم.\n\n٢٤٠ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث البرَاز فِي الْمَوَارِد وقارعة الطَّرِيق والظل\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا عَن أبي سعيد الْحِمْيَرِي عَن معَاذ وَقَالَ أَبُو دَاوُد هُوَ مُرْسل يَعْنِي أَن أَبَا سعيد لم يدْرك معَاذًا (^٢).\nالْملَاعن: مَوَاضِع اللَّعْن.\nقَالَ الْخطابِيّ: وَالْمرَاد هُنَا بالظل هُوَ الظل الَّذِي اتَّخذهُ النَّاس مقيلا ومنزلا ينزلونه وَلَيْسَ كل ظلّ يحرم قَضَاء الْحَاجة تَحْتَهُ فقد قضى النَّبِي - ﷺ - حَاجته تَحت حايش من النّخل وَهُوَ لَا محَالة لَهُ ظلّ انْتهى.\nقوله: عن معاذ، تقدم الكلام عليه، وتوفي - ﵁ - شهيدًا بالطاعون سنة ثماني عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وآخى رسول الله - ﷺ - بين معاذ بن جبل وبين ابن مسعود، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وسبعة وخمسون\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢٢)، وتنبيه الغافلين (ص ٣٢٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٢٨)، وأبو داود (٢٦)، والحاكم ١/ ١٦٧. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال البوصيري في الزجاجة ١/ ٤٨: هذا إسناد ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٦)، المشكاة (٣٥٥)، الإرواء (٦٢).","vol":"2","page":163},{"text":"حديثا، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"اتقوا الملاعن الثلاث\" الحديث، الملاعن مواضع اللعن أي: اتقوا الأمور التي هي سبب اللعن الحاملين للناس عليه والداعين إليه (^١).\nوالملاعن: جمع ملعنة كمقبرة ومجزرة موضع القبر والجزر، وهي الفعلة التي يُلعن بها فاعلها كأنها مكان للعن ومحل له (^٢)، وسميت ملاعن: لأن الناس يلعنون فاعل ذلك فهو مواضع اللعن (^٣)، وما ذاك إلا أنه مرافق المسلمين، فمن جاء يرتفق بها يجد هناك نجاسة فيقول: لعن الله من فعل هذا، والنبي - ﷺ - بأمته رؤوف رحيم فنهاهم أن يفعلوا ما يلعنون بسببه (^٤)، وقد قال ابن هبيرة في كتاب اتفاق الأئمة الأربعة واختلافهم (^٥): اتفقوا على أن الطريق لا يجوز تضييقها، انتهى.\nقوله: \"البراز في الموارد\" البراز: بفتح الباء، وأكثر الرواة يقولونه بكسر الباء وهو غلط اسم للفضاء الواسع من الأرض، ثم سمي به الحدث، ومنه الحديث: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد البراز أبعد\" (^٦) فكنوا به عن قضاء الغائط كما كنوا بالخلاء عنه لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية من الناس،\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢١)، والمجموع (٢/ ٨٧).\n(^٢) الفائق في غريب الحديث (٣/ ٣١٨)، والنهاية (٤/ ٢٥٥).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٢٧).\n(^٤) المدخل (١/ ٢٤٧).\n(^٥) إجماع الأئمة الأربعة واختلافهم (٢/ ١٩)، والمدخل (١/ ٢٤٧).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥)، وأبو داود (٢). وصححه الألباني في المشكاة (٣٤٤).","vol":"2","page":164},{"text":"ويبرز الرجل أي خرج إلى البراز للحاجة (^١)، وهو عبارة عن الخارج المعروف من دبر الآدمي (^٢)؛ وفي الحديث: \"كان رسول الله - ﷺ - يتبرز لحاجته فأتيته بالماء فيتغسل به\" (^٣) قوله \"يتبرز\" فمعناه يأتي البراز بفتح الباء (^٤)، وتقدم الكلام عليه، قوله \"فيتغسل به\" فمعناه يستنجي به ويغسل محل الاستنجاء (^٥)، والله أعلم.\nوأما البراز بكسر الباء فهو مصدر المبارزة يقال: بارزته في الحرب مبارزة وبرازا، قاله المغيث في غريب القرآن والحديث (^٦)، وروى الطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي \"المبارزة\" في الدعوات الكبير من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد قضاء الحاجة أبعد، فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفيه، قَالَ: وَلَبِسَ أَحَدَهُمَا، فَجَاءَ طَائر فَأَخَذَ خُفَّهُ الْآخَرَ فَحَلَّقَ بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَاسْتُلِبَ مِنْهُ أَسْوَدُ سَالِخٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"هَذِهِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١١٨)، والصحاح (٣/ ٨٦٤).\n(^٢) قال الجوهري هو الغائط الصحاح (٣/ ٨٦٤)، وقال النووي في تعريف الغائط: وأصل الغائط المطمئن من الأرض ثم صار عبارة عن الخارج المعروف من دبر الآدمي. انظر شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧١ - ٢٧١) عن أنس.\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٧٨)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٨).\n(^٦) المجموع المغيث (١/ ١٤٨).","vol":"2","page":165},{"text":"عَلَى رِجْلَيْهِ، وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ\" (^١).\nقوله: \"في الموارد\" أي: المجاري والطرق إلى الماء، واحدها مورد وهو مفعل من الورود، يقال: وردت الماء أرده وروده إذا أحضرته لشرب، والمورد الماء الذي يرد عليه، قاله في النهاية (^٢)، وقال بعضهم: الموارد: طرق الماء (^٣)، وقيل: المواضع التي يرد الناس إليها (^٤)، قال العلماء: يكره التغوط والبول في الموارد وبقرب المياه وإن لم يصل إليها لعموم النهي ولما فيه من إيذاء المارة بالماء ولما يخاف من وصوله إلى المياه (^٥).\nقوله: \"وقارعة الطريق\" قال ابن الأثير في النهاية: وإنما أطلقت القارعة على الطريق لما فيها من القرع وهو الذي بالجرار والنعال\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (١٠٤١) و(١٠٥٤)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٢١ - ١٢٢ رقم ٩٣٠٤)، وابن عدى في الكامل (٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٣٦٣). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا سعد بن طريف تفرد به حبان بن علي ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. قال ابن عدى: وهذا لا يرويه، عن أبي سعد غير حبان وعن حبان رواه أحمد بن الصلت ولحبان بن علي أحاديث صالحة وعامة حديثه إفرادات وغرائب، وهو ممن يحتمل حديثه ويكتب. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعد بن طريف، واتهم بالوضع.\n(^٢) النهاية (٥/ ١٧٣).\n(^٣) كفاية النبيه (١/ ٤٤١)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٣).\n(^٤) تحفة الأبرار (١/ ١٨٢)، وكفاية النبيه (١/ ٤٤١)، والمفاتيح (١/ ٣٨٣).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٨).","vol":"2","page":166},{"text":"وغيرهما (^١)، انتهى، وقارعة الطريق أعلاه، قاله الأزهري والجوهري وغيرهما (^٢)، وقيل: وسطه (^٣)، وقيل: صدره، وقيل: ما برز منه، وكله متقارب (^٤)، والمراد شارع المارين وهو نفس الطريق، والمعنى فيه: تأذي المارة، والمراد بالطريق هنا المسلوك، وأما الطريق المهجور فلا منع فيه، وفي البيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ عَلَى طَرِيقٍ عَامِرٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللهِ\" (^٥)\n_________\n(^١) لم أجده في النهاية وإنما ذكره بنحوه أبو عبد الله بطال في النظم المستعذب (ص ٣٧) قال: قارعة الطريق سميت قارعة؛ لأنها تقرع، أي: تصيبها الأرجل والحوافر والأظلاف والأخفاف، فاعلة بمعنى مفعولة.\n(^٢) انظر: غريب الحديث (٣/ ١٠٢٤) للحربي، وتهذيب اللغة (١/ ١٥٥)، والصحاح (٣/ ١٢٦٣).\n(^٣) النهاية (٤/ ٤٥).\n(^٤) المجموع (٢/ ٨٧) و(٣/ ١٦٢)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٨٨) للنووي.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٢٠ رقم ٥٤٢٦) والصغير (٢/ ٧٧ رقم ٨١١)، وابن عدى في الكامل (٩/ ٢٨٩)، والحاكم (١/ ١٨٦)، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٥٨ - ١٥٩ رقم ٤٧٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا محمد بن عمرو أبو سهل الأنصاري، تفرد به: كامل بن طلحة الجحدري. قال ابن عدى: ومحمد بن عمرو أبو سهل هذا هو عزيز الحديث، وله غير ما ذكرت أحاديث أيضًا، وأحاديثه أفرادات، ويكتب حديثه في جملة الضعفاء، وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٤: رواه الطبراني في الأوسط - وله في الصحيح: اتقوا اللعانين - وفيه محمد بن عمرو الأنصاري، ضعفه يحيى بن معين، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وضعفه ابن حجر =","vol":"2","page":167},{"text":"الحديث، السخيمة: الغائط (^١).\nقوله: \"والظل\" المراد هنا بالظل هو: الظل الذي اتخذه الناس مقيلًا ومنزلًا، فإن قيل: ليس كل ظل يحرم قضاء الحاجة تحته فقد قضى النبي - ﷺ - حاجته حائش من نخل وهو لا محالة له ظل، انتهى، قاله الحافظ نقلًا عن الخطابي (^٢)، والحائش النخل الملتزق المجتمع كأنه لالتفافه يحوش شيء بعضه بعضًا (^٣)، وهذا محمول على ما ليس له ثمر وكان ممن لا ينتفع به يكره ذلك، ولا فرق بين شجر يملكه أو لا يملكه، ولا بين وقت الثمرة أو غيره، نعم القائل بتحريمه تحت الثمرة لا يقول بذلك عند عدم الثمرة، لأن التنجيس لم يتحقق (^٤)، قال شيخنا جمال الدين الإسنوي: والذي ينبغي أن يقال: إنه لا يكره البول تحت شجرة لا ثمر لها وإذا كانت مثمرة قبل طلوع الثمرة، وفي الشرح الصغير للرافعي بحث في أن النهي عن الغائط تحت المثمرة أضر منه على البول لأن الغائط يظهر في التراب أو يغسل، ولعل هذا الحديث محمول على حالة الثمرة أو على الحالة الأولى قبل أن يتخذ الكنف ونحو ذلك.\n_________\n= في التمييز (ص ٢٧٦). وضعفه الألباني في الإرواء (١/ ١٠١) والضعيفة (٥١٥١) وضعيف الترغيب (١١٧).\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٩٣).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢١ - ٢٢).\n(^٣) النهاية (١/ ٤٦٨).\n(^٤) انظر المجموع (٢/ ٨٧)، وكفاية النبيه (١/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٤).","vol":"2","page":168},{"text":"وفيه من الفقه: اسْتِحْبَابُ الاِسْتِتَارِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِحَائِطٍ أَوْ هَدَفٍ أَوْ وَهْدَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَغِيبُ جَمِيعُ شَخْصِ الْإِنْسَانِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ وَهَذ سُنَّةٌ متأكده (^١)، والواجب ستر العورة عنهم فقط وسبب مجيئه ﵊ للحايش أكثر من غيره ما فيه من زيادة الستر من غالب الجوانب ومن القبلة من الجهتين وعن الشمس أو القمر وقد يكون في الهدف نحو من ذلك، لسبب استدارته أو ارتفاعه، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الحميري، اسمه: أبو سعيد (لحميري شامي، قال ابن القطان: مجهول. وروايته عن معاذ مرسلة).\n\n٢٤١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول اتَّقوا الْملاعن الثَّلاث قيل مَا الْملاعن الثَّلاث يَا رَسُول اللّه قَالَ أَن يقْعد أحدكُم فِي ظلّ يستظل بِهِ أَو فِي طَرِيق أَو نقع مَاء\" رَوَاهُ أَحْمد (^٢).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"اتقوا الملاعن الثلاث\" الحديث، تقدم الكلام على الملاعن الثلاث، وتقدم الكلام أيضا على الظل في الحديث قبله ومواضع الظل في الشتاء ومواضع الظل في الصيف، وكذلك المتحدث بفتح الدال موضع الحديث الذي جرت عادة الناس التحدث فيه، ويسمى النادي، وفي معناه:\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٣٥)، وروضة الطالبين (١/ ٦٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٩٩ (٢٧١٥). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٧).","vol":"2","page":169},{"text":"كلّ موضع يقصد لمعيشة أو لمقيل مسافر ومبيته ونحو ذلك إلا أمكنة المكس فإنها أسوأ حالًا من الأخلية (^١)، واللّه أعلم.\nقوله: \"أو في نقع ماء\" قيل: النقع الماء الناقع وهو المجتمع (^٢).\n\n٢٤٢ - وَعَن حُذَيْفَة بن أسيد ﵁ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من آذَى الْمُسلمين فِي طرقهم وَجَبت عَلَيْهِ لعنتهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٣).\nقوله: عن حذيفة بن أسيد، هو حذيفة بن أسيد (بن خالد بن الأغوس بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مليل، قاله خليفة، وقال ابن الكلبي: حذيفة بن أسيد بن الأغوز بن واقعة بن حرام بن غفار، فقال خليفة: الأغوس بالغين المعجمة والسين، وقال الكلبي مثله إلا أنه جعل عوض السين زايا، وقال عوض وقيعة: واقعة، وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، ونزل الكوفة، وتوفي بها، وصلى عليه زيد بن أرقم، وكبر عليه أربعا، روى عنه: أبو الطفيل، والشعبي، والربيع بن عميلة، وحبيب بن حماز، وهو بكنيته أشهر (^٤).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٩٣).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٠٨).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١٧٩ رقم ٣٠٥٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢٠/ ١٢٣) قال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٣٦): تفرد به أبو العوام عمران القطَّان عن قتادة عن أبي الطفيل عنه. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٤: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٢٩٤) وصحيح الترغيب (١٤٨).\n(^٤) أسد الغابة (١/ الترجمة ١١٠٨، و٦/ الترجمة ٥٩٤٧)، وتهذيب الكمال (٥/ الترجمة ١١٤٥).","vol":"2","page":170},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم\" الحديث.\nتنبيه: هل يجوز لعن فاعل ذلك؟ ظاهر الحديث جوازه، وهذا معنى قول القرطبي العادي والشرعي (^١)، واقتصر النووي على قوله عادة لأنه محل نظر (^٢)، فإن اللعن الوارد في السنة غالبًا في أهل الكبائر، وهذا قد يقال إنه لا ينتهي إلى التحريم فضلًا أن يكون كبيرة لكن يحرم الرافعي في الشهادات نقلًا عن صاحب العدة بأن التغوط حرام في الطريق وارتضاه (^٣) وتبعه عليه في الروضة (^٤)، وأما في شرحيه لمسلم والمهذب فقال: ظاهر كلام الأصحاب أن الكراهة للتنزيه، وينبغي أن يكون محرما لهذه الأحاديث الواردة، وفي كلام الخطابي والقرطبي إشارة إليه لما فيه من إيذاء المسلمين (^٥)، وقد روى البيهقي عن ابن سيرين كما سيأتي قال: قال رجل لأبي هريرة: أفتيتنا في كلّ شيء، يوشك أن تفتينا في الخراء، فقال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"من سل سخيمته على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين\" لكن قال شيخنا الذهبي: هو حديث منكر، وضعفة، نعم لا يجوز لعن المعين على ما صححه الجمهور ولو كان كافرًا لاحتمال وفاته على الإسلام والتوبة، وأما أبو بكر بن العربي\n_________\n(^١) المفهم (٣/ ١٥٠).\n(^٢) انظر شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦١ - ١٦٢) والإيجاز في شرح سنن أبي داود (ص ١٦٢).\n(^٣) العزيز شرح الوجيز (١٣/ ٧ - ٨).\n(^٤) روضة الطالبين (١/ ٦٥).\n(^٥) معالم السنن (١/ ٢١ - ٢٢)، والمفهم (٣/ ١٥٠)، والمجموع (٢/ ٨٧).","vol":"2","page":171},{"text":"فصحح الجواز (^١)، وقال النووي في الأذكار: وظواهر الأحاديث يقتضي جوازه (^٢) واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام.\n\n٢٤٣ - وَعَن مُحَمَّد بن سِيرِين ﵁: قَالَ: قَالَ رجل لأبي هُرَيْرَة أفتيتنا فِي كلّ شَيْء يُوشك أَن تفتينا فِي الخراء فَقَالَ: سَمِعت رَسول اللّه - ﷺ - يَقُول: \"من سل سخيمته على طَرِيق من طرق الْمُسلمين فَعَلَيهِ لعنة اللّه وَالْمَلائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ \"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا مُحَمَّد بن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ (^٣).\nقَوْله: \"يُوشك\" بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَفتحهَا لغية، مَعْنَاهُ: يكَاد ويسرع والخراء والسخيمة الْغَائِط.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٧٤).\n(^٢) الأذكار (ص ٥٦٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٢٠ رقم ٥٤٢٦) والصغير (٢/ ٧٧ رقم ٨١١)، وابن عدى في الكامل (٩/ ٢٨٩)، والحاكم (١/ ١٨٦)، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٥٨ - ١٥٩ رقم ٤٧٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا محمد بن عمرو أبو سهل الأنصاري، تفرد به: كامل بن طلحة الجحدري. قال ابن عدى: ومحمد بن عمرو أبو سهل هذا هو عزيز الحديث، وله غير ما ذكرت أحاديث أيضًا، وأحاديثه أفرادات، ويكتب حديثه في جملة الضعفاء. وصححه الحاكم.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٤: رواه الطبراني في الأوسط - وله في الصحيح: اتقوا اللعانين - وفيه محمد بن عمرو الأنصاري، ضعفه يحيى بن معين، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وضعفه ابن حجر في التمييز (ص ٢٧٦). وضعفه الألباني في الإرواء (١/ ١٠١) والضعيفة (٥١٥١) وضعيف الترغيب (١١٧).","vol":"2","page":172},{"text":"قوله: عن محمد بن سيرين، هو: محمد بن سيرين الأنصاري التابعي الإمام في التفسير والحديث وتعبير الرؤيا والمقدم في الزهد والورع، واسم أم محمد بن سيرين: صفية مولاة أبي بكر الصديق، طيبها ثلاث من أزواج النبي - ﷺ - ودعين لها وحضر أملاكها ثمانية عشر بدريًّا منهم أبي بن كعب يدعو لهم بالبنون، وأولادها ستة: محمد هذا ومعبد وأنس ويحيى وحفصة وكريمة، وكلهم روات ثقات، وحبس ﵁ بدين كان عليه، قال له السجان: إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك وإذا أصبحت فتعال، فقال: لا واللّه، لا أعينك على خيانة الملك، وكان حبسه في دين له في ثمرة زيت ابتاعه فوقع فيه ما نجسه وكانت قيمته أربعين ألفًا وكان يقول: عيرت رجلًا بشيء من ثلاثين سنة أحسبني عوقبت به، وكانوا يرون أنه كثير الفقر، كثير البكاء بالليل، مر يومًا برواس قد أخرج رأسًا مشويًا فأغمي عليه وادعى رجل عليه بدرهمين، فقيل له: أتحلف؟، قال: نعم، قيل: على درهمين، قال: نعم ولا أطعمه حراما، وأنا أعلم، وهو مولى أنس بن مالك، كلفه أنس بن مالك على عشرين ألفًا فأداها إليه وعتق، وكان له ثلاثون ولدًا، وقيل: أربعون من امرأة واحدة، فماتوا في حياته إلا عبد اللّه، وقضى ما على أبيه من الدين المذكور فلم يمت حتى ملك ثلثماثة ألف درهم، توفي محمد بن سيرين بالبصرة سنة عشر ومائة، وكانت وفاته بعد الحسن البصري بمائة يوم وهو ابن نيف وثمانين سنة، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٢ - ٨٥ الترجمة ١١).","vol":"2","page":173},{"text":"قوله: قال رجل لأبي هريرة: أفتيتنا في كلّ شيء، يوشك أن تفتنيا في الخراء، الحديث؛ يوشك: معناه يكاد ويسرع، وفي حديث سلمان قال له الكفار: إن نبيكم يعلمكم كلّ شيء حتى الخراءة (^١)، قال: قال أجل، الحديث؛ الخراءة بالكسر وتخفيف الراء وهي اسم لهيئة المحدّث، وأما نفس المحدّث فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها (^٢)، وفي النهاية: الخراءة التخلي والقعود للحاجة (^٣)، قال الخطابي: وأكثر الرواة يفتحون الخاء (^٤)، وقال الجوهري: إنها الخراءة بالفتح والمد، يقال خرى خراءة مثل كره كراهة (^٥)، ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم (^٦).\nقوله: أجل، معناه: نعم، وهو بتخفيف اللام، ومراد سلمان ﵁: أنه علمنا كلما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرت آنفًا أيها القائل فإنه علمنا أدائها فنهانا فيها عن كذا وكذا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٧ - ٢٦٢)، وابن ماجة (٣١٦)، وأبو داود (٧)، والترمذي (١٦)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤٥ (٤١) و١/ ٢٥٠ (٤٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥٣ - ١٥٤).\n(^٣) النهاية (٢/ ١٧).\n(^٤) إصلاح غلط المحدّثين (ص ٢١)، وغريب الحديث (٣/ ٢٢٥)، ومعالم السنن (١/ ١١).\n(^٥) الصحاح (١/ ٤٧).\n(^٦) النهاية (٢/ ١٧).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٤).","vol":"2","page":174},{"text":"قوله: \"من سل سخيمته على طريق من طرق المسلمين فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين\" الحديث، والسخيمة: بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة، وجمعها سخائم، والمراد بها هنا الغائط (^١)، وتقدم تفسير اللعنة في الباب، وفي حديث آخر في أبي داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس في حديث معلول أن النبي - ﷺ - كان يدعوا فيقول: \"واسلل سخيمة قلبي\" (^٢)، فالمراد بالسخيمة في هذا الحديث: الحقد في النفس (^٣)، وفي حديث آخر: \"نعوذ بك من السخيمة\" والسخائم أي الحقود (^٤)، ومقتضى حديث ابن سيرين المتقدم أن يكون هذا الفعل كبيرة، لكن منده ضعيف، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٥).\n\n٢٤٤ - وَعَن جَابر بن عبد اللّه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"إيَّاكُمْ والتعريس على جواد الطَّرِيق وَالصَّلاة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى الْحَيَّات وَالسِّبَاع وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا الْملَاعن\" رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَرُوَاته ثِقَات (^٦).\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ١١٦)، والنهاية (٢/ ٣٥١)، والمجموع (٢/ ٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٣٨٣٥)، وأبو داود (١٥١٠ و١٥١١)، والترمذي (٣٥٥١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الظلال (٣٨٤)، وصحيح الجامع (٣٤٨٥).\n(^٣) النهاية (٢/ ١٧).\n(^٤) النهاية (٢/ ١٧).\n(^٥) تنبيه الغافلين (ص ٣٢٤).\n(^٦) أخرجه ابن ماجة (٣٢٩). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٩) و(٣١٢٦)، الإرواء (١/ ١٠١)، الصحيحة (٢٤٣٣) دون قوله والصلاة عليها.","vol":"2","page":175},{"text":"قوله: عن جابر بن عبد اللّه، كنيته: أبو عبد اللّه، استشهد يوم أحد، قال جابر: غزوت مع رسول اللّه - ﷺ - تسع عشرة غزوة، توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان قد ذهب بصره في آخر عمره، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"إيَّاكُمْ والتعريس على جواد الطَّرِيق وَالصَّلاة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى الْحَيَّات وَالسِّبَاع وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإنَّهَا الْملَاعن\" الحديث، التعريس هو نزول المسافر آخر الليل ليستريح (^١)، وقد نص الشافعي ﵀ على تحريم التعريس على قارعة الطريق، وليس فيه إلا إرشاد المسافر إلى مصلحته وصونه عما يرد بالطريق من الهوام ونحوها، فقضاء الحاجة في الطريق أولى بالتحريم مع ما فيه من القبح بالأذى وجلب اللعن والنهي الشديد، والملاعن: جمع ملعنة وهي مواضع اللعن (^٢) وسيأتي الكلام على هذا الحديث مبسوطا في بابه إن شاء اللّه تعالى.\n\n٢٤٥ - وَعَن مَكْحُول ﵁ قَالَ نهى رَسُول اللّه - ﷺ - أَن يبال بِأَبْوَاب الْمَسَاجِد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (^٣).\nقوله: عن مكحول، هو مكحول الدمشقي، أسند عن عدة من الصحابة منهم: أنس بن مالك وروى عن حذيفة وعبد اللّه بن عمرو بن العاصي\n_________\n(^١) انظر: الصحاح (٣/ ٩٤٨)، ومجمل اللغة (ص ٦٥٨)، والنهاية (٣/ ٢٠٦).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٢٩٤).\n(^٣) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (١/ ٣٦)، وأبو داود في المراسيل (٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٥٠).","vol":"2","page":176},{"text":"وآخرين (^١)، وقال القشيري (^٢): كان الغالب على مكحول الحزن، فلما كان في مرض موته وجدوه ضاحكًا، فقيل له في ذلك، فقال: ولم لا أضحك وقد دنا فراق ما كنت أحذره وقدومي على ما كنت أرجوه وآمله وهو اللّه تعالى.\nقوله: نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبال بأبواب المساجد، الحديث؛ قال العُلماء: ينبغي أن تعظم المساجد وتحترم لأنها بيوت اللّه تعالى في الأرض وأن لا يبال بأبوابها للنهي الوارد في الحديث، قال النووي: حائط المسجد محترم من خارجه وداخله له حكم المسجد في وجوب صيانته وتعظيمه وتعظيم حرماته وتحريم البصاق فيه والاستنجاء والبول في أصل جداره ونحو ذلك، وكذلك سطحه والبئر الذي فيه وكذا رحبته، وقد نص الشافعي والأصحاب على صحة الاعتكاف في رحبة المسجد وسطحه وصحة صلاة المأموم فيها مقتديا بمن في المسجد (^٣)، ورحبة المسجد: هو المكان الرحب أي المتسع الذي يجعل غالبًا أمام باب المسجد وهو المكان المحوط لأجل المسجد وهو أخص من الحريم، وقال صاحب الشامل والبيان: المراد بالرحبة ما كان مضافًا إلى المسجد محجورًا عليه (^٤).\n_________\n(^١) انظر ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ الترجمة ٦٠٥)، وتهذيب الكمال (٢٨/ الترجمة ٦١٦٨).\n(^٢) الرسالة (٢/ ٤٦٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٧٨ - ١٧٩) وتسهيل المقاصد الوحة ٤٦/ خ).\n(^٤) المجموع (٦/ ٥٠٧)، وتسهيل المقاصد (لوحة ٤٦/ خ).","vol":"2","page":177},{"text":"فائدة: لا ينبغي لأحد تصغير المسجد، وقد روى الإمام [أبو] (^١) أحمد بسنده عن أبي هريرة أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"لا تقولوا مسيجد ولا مصيحف\" (^٢) ونهى عن تصغير الأسماء، قال عبد الحق: إنه موضوع (^٣).\nوقال النووي: قال الصيمرى وغيره من أصحابنا: لا بأس بإغلاق المسجد في غير أوقات الصلوات لصيانتها وحفظها، قال: وهذا إذا خيف إستهانتها وضياع ما فيها ولم تدع حاجة إلى فتحها، أما إذا لم يخف من فتحها مفسدة ولا انتهاك حرمة وكان فتحها رفقا بالناس فالسنة فتحها، ولم يغلق مسجد رسول اللّه - ﷺ - في زمنه ولا بعده، ولو كان في المسجد بئر مسبلة أو سقاية ماء للشرب لم يجز غلقه ومنه الناس من الاستقاء والشرب، انتهى، قاله في تسهيل المقاصد لزوار المساجد (^٤).\nتنبيه: قال العُلماء تكره الصلاة في قارعة الطريق لهذا الحديث، وفي حديث آخر أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت اللّه\n_________\n(^١) سقط من الأصل وأثبتناه من تسهيل المقاصد (لوحة ٢٨/ خ).\n(^٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ١٦٢)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٣٠٣٧).\nوقال ابن عدى: وهذا الحديث عن عباد بن راشد عن الحسن موضوع. وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى (٤/ ٢٠٩): هذا حديث موضوع، وكان إسحاق هذا كذابًا.\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٨/ خ).\n(^٤) تسهيل المقاصد (لوحة ٤٤ و٤٥/ خ).","vol":"2","page":178},{"text":"العتيق، رواه الترمذي (^١)، واختلفوا في معني النهي فقيل: لغلبة النجاسة، وقيل: لأن مرور الناس يشغله، وفي قول إن الصلاة في الشارع باطلة تغليبا لحكم الظاهر على الأصل (^٢)، انتهى، قاله في الديباجة.\nقوله: في حديث مكحول: رواه أبو داود في مراسيله، اسمه: سليمان بن الأشعث، قال النووي: هو الإمام أبو داود السجستاني بكسر السين وفتحها، والكسر أشهر، روى عنه الترمذي والنسائي وغيرهما، واتفق العُلماء على الثناء عليه ووصفه بالعلم والحلم والحفظ التام والإتقان والورع والفهم الثاقب في الحديث، وقال الحافظ أبو نعيم: كان أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة وسمع بمصر والحجاز والشام والعراق وخراسان، وقال موسى بن هارون: خلق أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة، وقال محمد بن مخلد: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث فلما صنف كتاب السنن وقرأه على الناس صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه، وقال أبو داود: كتبت عن رسول اللّه - ﷺ - خمس مائة ألف حديث، انتخبت منها هذا الكتاب يعني: كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث، وقال النووي: روينا عن الحسن بن محمد بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٧٤٦)، والترمذي (٣٤٦ و٣٤٧). قال الترمذي: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه. وضعفه الألباني في المشكاة (٧٣٨)، الإرواء (٢٨٧).\n(^٢) انظر: شرح السنة (٢/ ٤١١ - ٤١٢)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"2","page":179},{"text":"إبراهيم الرازي قال: رأيتُ النبي - ﷺ - في المنام فقال: \"من أراد أن يتمسك بالسنن فليقرأ كتاب أبي داود\"، ولد أبود داود سنة ثلاثين ومائتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين (^١)، قاله في مختصر مجمع الأحباب.\nفرع: قال العُلماء: يحرم البول في المسجد وإن كان في إناء على الراجح، وكذلك يحرم البول على القبور المتحرمة كما يحرم الجلوس عليها، ويكره بقربها، واللّه أعلم (^٢).\nفرع آخر أيضًا: يحرم عليه أن يستجمر بجدار المسجد من خارج لأنه يحترم، وكذلك جدار الغير، ويكره في جدار نفسه، قال ابن الحاج المالكي في كتابه (المدخل) (^٣): ويحرم عليه أن يستجمر بحائط الوقف أو باصبعه ويمسح ما أصابه في الحائط، وهذا النوع قد كثر وهو محرم، واللّه أعلم.\n\n٢٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من لم يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلم يستدبرها فِي الْغَائِط كتب لَهُ حَسَنة ومحي عَنهُ سَيِّئَة. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٤)، قَالَ الْحَافِظ وَقد جَاءَ النَّهْي عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٧ الترجمة ٧٧٧).\n(^٢) انظر المجموع شرح المهذب (٢/ ٩٢ - ٩٣)، وكفاية الأخيار (ص ٣٥).\n(^٣) المدخل (٢/ ١٩٩).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٨٢ - ٨٣ رقم ١٣٢١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا حسين، ولا عن حسين إلا إبراهيم، ولا عن إبراهيم إلا القاسم، تفرد به: أحمد بن حرب. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٦: رواه الطبراني في الأوسطـ، =","vol":"2","page":180},{"text":"فِي الْخَلَاء فِي غير مَا حَدِيث صَحِيح مَشْهُور تغني شهرته عَن ذكره لكَونه نهيا مُجَردا وَاللّه ﷾ أعلم.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة ومحي عنه سيئة\"، قال الحافظ - ﵀ -: وقد جاء النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في الخلاء في غير حديث نهيا مجردًا، واللّه أعلم، لما روي الشافعي عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول\" قال البغوي في شرح السنة: هذا حديث صحيح، هذا كلام بسط وتأنيس للمخاطبين لئلا يستخشنونه ولا يستحيوا من مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم كما لا يستحيي الولد من مسألة الوالد فيما عز وعرض له من أمر، قال: وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء وأن الواجب عليهم تأديب الأولاد وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، وفيه دليل على أنه مختص بالصحراوية، صرح أصحاب الشافعي لأن الغائط بها يكون دون البنيان.\nوقوله: في هذا الحديث: \"فإذا ذهب أحدكم\" يدلّ عليه لأن الذاهب إنما يطلق على التوجه إلى الصحراء ويقال في البنيان دخل، قال النووي (^١): وقد\n_________\n= ورجاله رجال الصحيح، إلا شيخ الطيراني وشيخ شيخه، وهما ثقتان. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٩٨) وصحيح الترغيب (١٥١).\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥٤ - ١٥٥).","vol":"2","page":181},{"text":"اختلف العُلماء في النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط على مذاهب أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان، وهذا مروي عن العبَّاس بن عبد المطلب وعبد اللّه بن عمر وعن الشعبي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، والمذهب الثاني: إنه لا يجوز ذلك لا في البنيان ولا في الصحراء وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو ثور وأحمد في رواية، والمذهب الثالث: جواز ذلك في الصحراء والبنيان جميعًا وهو مذهب عروة بن الزبير وربيع شيخ مالك وداود الظاهري؛ والمذهب الرابع: لا يجوز الاستقبال لا في الصحراء ولا في البنيان ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حينفة وأحمد رحمهما اللّه، واحتج المانعون مطلقا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقًا، واحتج من أباح مطلقا بحديث ابن عمر أنه رأى النبي - ﷺ - مستقبلًا بيت المقدس مستدبرًا القبلة، وبحديث عائشة أن النبي - ﷺ - بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال - ﷺ -: \"أو قد فعلوها\" حولي بمقعدتي، أي: إلى القبلة، رواه أحمد وإسناده حسن، واحتج من أباح الاستدبار دون الاستقبال بحديث سلمان، واحتج من حرج الاستقبال والاستدبار في الصحراء وأباحهما في البنيان حديث ابن عمر وحديث عائشة وبحديث جابر وبحديث مروان الأصفر، فهذه أحاديث صحيحة مصرحة بالجواز في البنيان وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة","vol":"2","page":182},{"text":"وغيرها وردت بالنهي، فتحمل على الصخر التجمع بين الأحاديث، ولا خلاف بين العُلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها بل يجب الجمع بينهما والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرنا فوجب المصير إليه، واللّه أعلم.\nقوله: \"أو قد فعلوا\" هو بفتح الواو وهي واو العطف، وهو استفهام توبيخ وتقريع (^١)، والمقعدة موضع القعود لقضاء حاجة الإنسان (^٢)، انتهى، قاله في الديباجة.\nمسائل أربع، لما تعلق بما تقدم، ذكرها النووي في شرح مسلم (^٣):\nالمسألة الأولى: حيث جوزنا الاستقبال والاستدبار، قال جماعة من أصاحبنا هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة، والمختار أنه إن كان عليه مشقة في كيف التحرف عن القبلة فلا كراهة، وغن لم يكن مشقة فالأولى تجنبه للخروج من خلاف العُلماء، ولا يطلق عليه الكراهة للأحاديث الصحيحة.\nالمسألة الثانية: إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز، واللّه أعلم.\nالمسألة الثالثة: لا يحرم استقبال بيت المقدس ولا استدباره بالبول والغائط، لكن يكره، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٥٣).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٩٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥٥ - ١٥٦).","vol":"2","page":183},{"text":"المسألة الرابعة: يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان، هذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد وداود، واختلف فيه أصحاب مالك فجوزه ابن القاسم وكرهه ابن حبيب، والصواب: الجواز، فإن التحريم إنما يثبت بالشرع ولم يرد فيه نهي، واللّه أعلم.\nفائدة: والفرق من حيث المعنى بين الصحاري والبيوت، أن الصحاري لا تخلوا عن مصل من ملك أو جني أو إنسي، فربما وقع بصره على فرجه فيتأذى به، وأما الحس في البنيان فموضع الشياطين، وأيضًا لا مشقة في تجنبه في الصحراء بخلاف البيوت، وهذه الأدلة تدل على عدم التحريم في البنيان لكن الأدب أن يتوقى ذلك، وفي أثر: \"أن للّه خلقًا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن فلا قبلة لها\" (^١).\nفائدة أيضًا: واختلفوا في علة النهي عن استقبال القبلة واستدبارها فالأصح أنه لاحترام عين الكعبة لما روى من حديث سراقة بن مالك عن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة اللّه ﷿ ولا يستقبل القبلة\" (^٢) وعلى هذا فيحرم استقبال المصحف واستدباره بالبول والغائط لأنه أعظم حرمة من الكعبة (^٣)، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) انظر شرح السنة (١/ ٣٦٢)، والمجموع (٢/ ٨٢ - ٨٣)، وكفاية النبيه (١/ ٤٤٤).\n(^٢) أخرجه الخطابي في غريب الحديث (٢/ ٥٥٩) موقوفًا.\n(^٣) انظر إحكام الأحكام (١/ ٩٦)، والعدة في شرح العمدة (١/ ١١٩)، والمفهم (٣/ ١٤٧).","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الترهيب من البول في الماء والمغتسل والحجر</span>\n٢٤٧ - عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه نهى أَن يبال فِي المَاء الراكد رَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَة وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن جابر، تقدم الكلام عليه.\nقوله: نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبال في الماء الراكد، وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"لا يبولن أحدكم في الماء الناقع\" (^٢) انفرد به ابن ماجة، الناقع: الطويل المكث، وفي حديث آخر: \"الذي لا يجري\" (^٣) تفسير للدائم وإيضاح لمعناه، ويحتمل أنه احترز به عن راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها، فالراكد هو الدائم الساكن (^٤) قال بعض العُلماء: وإنما نهى عن البول في الماء الراكد لأنه ما دون القلتين فيتنجس بملاقاة البول، وإن كان قلتين فلعله يتغير ويبول فيه واحد بعد واحد فيؤدي إلى التغير (^٥)، واللّه تعالى أعلم).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٤ - ٢٨١)، وابن ماجة (٣٤٣)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤٠ (٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٣٤٥)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٦٨ رقم ٢٨٢٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٢٨). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي فروة إلا عبد السَّلام، تفرد به: سليمان. قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٥١: هذا إسناد ضعيف ابن أبي فروة اسمه إسحاق متفق على تركه. وضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (٤٨١٤) وضعيف الجامع (٦٣٢٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٩٥ و٩٦ - ٢٨٢) عن أبي هريرة.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٧).\n(^٥) المفاتيح (١/ ٤٢٦).","vol":"2","page":185},{"text":"ففي هذا الحديث دليل على أن البول في الماء الراكد مكروه أو حرام وأصحاب الشافعي فصلوا فقالوا إن كان الماء الراكد كثيرًا يكره ولا يحرم، ولو قيل يحرم لم يكن بعيدًا فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحققين، والأكثر من أهل الأصول وفيه من المعنى أنه يقذره، لأن النفوس تعافه، ويحدّث بسبب ذلك لها الوسواس في الطهارة، وربما أدى إلى تنجسه بالإجماع لتغيره أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك طرفه بتحريك الطرف الآخر ينجس بوقوع نجاسة فيه، وأما الماء الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحاب الشافعي أنه مكروه، والصواب المختار أنه يحرم البول فيه لأنه ينجسه ويتلف بالميتة ويضر غيره باستعماله (^١).\nقال النووي (^٢): قال أصحابنا وغيرهم من العُلماء: والتغوط في الماء كالبول فيه وأفحش من البول، وفي الليل أشد كراهة لما قيل إن الجن بالليل تأوي إليه فتخشى من آفة تصيبه من جهتهم (^٣)، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، وكذلك إذا بال بقرب البئر بحيث يجري إليه فجرى إليه لعموم نهي النبي - ﷺ - عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارين بالماء، وكله مذموم قبيح منهي عنه على التفصيل ولم يختلف في هذا أحد من العُلماء (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٨٨)، وروضة الطالبين (١/ ٦٥).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٣٥)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٨)، والنفح الشذى (٢/ ١٤٧).","vol":"2","page":186},{"text":"تنبيه: وملخص الحكم في المسألة إذا وقع في الماء الراكد نجاسة ولم يتغير في ذلك مذاهب السلف أشهرها إن كان قلتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دونهما ينجس وهذا مذهبنا ومذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد وإسحاق (^١).\nفرع في حد القلتين: قال بعضهم: إن أردت أن تعرف القلتين في موضع يكون قدر ذلك ذراعًا وربعًا في ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا، هذا إذا كان الموضع مربعًا، وإن كان ممدودًا فذراعان طولًا في عرض ذراع، واللّه أعلم (^٢).\nوالثاني: إن بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء، وإليه ذهب عبد اللّه بن عمرو بن العاصي ومحمد بن المنكدر؛ والثالث: إن بلغ ذنوبين لم ينجس، روي عن ابن عباس وعكرمة؛ والرابع: إن بلغ أربعين دلوا لم ينجس روي عن أبي هريرة؛ والخامس: إن كان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر ينجس وإلا فلا؛ والسادس: لا يتحرك كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير، حكي عن ابن عباس وابن المسيب والحسن وعكرمة والأوزاعي وسفيان الثوري وداود النخعي، قال ابن المنذر: بهذا المذهب أقول، واختاره الغزالي في الإحياء والروماني في الحلية، وقال في البحر: وأما إحكام المسألة هو اختياري\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١١٢).\n(^٢) انظر: أسنى المطالب (١/ ١٤)، والفتاوى الفقهية (١/ ٢٢) للهيتمي، والإقناع (١/ ٢٨)، ومغنى المحتاج (١/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"2","page":187},{"text":"واختاره جماعة رأيتهم بخراسان والعراق، قال النووي: وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا (^١)، واللّه أعلم، قاله في الديباجة.\nفائدة: روى الزهري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: خمس تورث النسيان، أكل التفاح الحامض، والبول في الماء الراكد، والحجامة على نقرة القفا، وإلقاء القمل في التراب، وأكل سؤر الفأرة، قاله أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (^٢).\nتنبيه: قال العُلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرًا، وكذلك يكره الاغتسال في العين الجارية، قال الشافعي في البويطي: أكره للرجل الجنب أن يغتسل في البئر معينة كان أو دائمة، وفي الماء الراكد الذي لا يجري، قال الشافعي: سوءا قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه، هذا نصه، وكذا صرح الأصحاب وغيرهم بمعناه، وهذا كلّه على كراهة التنزيه ولا للتحريم، وإذا اغتسل فيه من الجنابة فهل يصير الماء مستعملًا؟ فيه تفصيل معروف عند أصحابنا وهو إن كان قلتين فصاعدًا لم يصر مستعملًا، ولو اغتسل فيه جماعات في أوقات متكررات، وإنما إذا كان الماء دون قلتين فإن انغمس فيه الجنب بغير نية ثم لما صار تحت الماء نوى ارتفعت جنابته وصار الماء مستعملًا (^٣) واللّه أعلم، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١١٢ - ١١٣).\n(^٢) بستان العارفين (ص ٣٦٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٩).","vol":"2","page":188},{"text":"٢٤٨ - وَعنهُ قَالَ: \"نهى رَسُول اللّه - ﷺ - أَن يبال فِي المَاء الْجَارِي\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد جيد.\nقوله: وعنه، تقدم الكلام عليه.\nقوله: نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبال في الماء الجاري، الحديث؛ وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيرًا جاريا لم يكره البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتبابه وإن كان قليلا جاريًا يكره فقد قال جماعة من أصحابنا، وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقا لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي وغيره، وشذ غيره فيستعمله مع أنه نجس (^١)، والمختار أنه لا يحرم، وفي المسألة اضطراب للنووي، واللّه أعلم.\n\n٢٤٩ - وَعَن بكر بن مَاعِز قَالَ: سَمِعت عبد اللّه بن يزِيد يحدّث عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"لا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلائِكَة لا تدخل بَيْتا فِيهِ بَوْل منتقع وَلا تبولن فِي مغتسلك\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣١٢ رقم ٢٠٧٧). وقال الطبراني: لا يروى عن ابن يزيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: يحيى بن عباد. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٤: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وقال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي (١/ ٣٢): وقال الشيخ ولي الدين يعارضه ما رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥١٦)، وصحيح الترغيب (١٥٣).","vol":"2","page":189},{"text":"قوله: عن بكر بن ماعز (بكر بن ماعز بن مالك الكوفي، كنيته أبو حمزة، روى عن: الربيع بن خثيم، وعبد اللّه بن يزيد الأنصاري الخطمي وله صحبة، روى عنه: سعيد بن مسروق الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد اللّه السبيعي، وأبو طعمة نسير بن ذعلوق الثوري، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وثقه ابن مَعين والعجلى وابن حبان (^١).\nقوله: سمعتُ عبد اللّه بن يزيد يحدّث عن رسول اللّه - ﷺ -، هو: عبد اللّه بن يزيد (عبد اللّه بن يزيد، بن زيد بن حصين بن عمرو الحارث بن خطمة، واسمه: عبد اللّه بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري، أبو موسى الخطمي، وإنما سمي خطمة، لأنه ضرب رجلًا على خطمه، شهد الحديبية مع رسول اللّه - ﷺ -، وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد الجمل وصفين، والنهروان مع علي بن أبي طالب، وكان أميرا على الكوفة روى عنه: ابنه موسى، وعدي بن ثابت الأنصاري، وهو ابن ابنته، وأبو بردة بن أبي موسى، والشعبي، وكان الشعبي كتابه، وكان من أفاضل الصحابة، وصحب أبوه النبي - ﷺ - وشهد أحدا وما بعدها، وهلك قبل فتح مكة (^٢).\nقوله: \"لَا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلَائِكَة لا تدخل بَيْتا فِيهِ بَوْل منتقع\" الحديث، والمراد بالملائكة: الذين ينزلون بالبركة والرحمة في دون الحفظة، فإنهم لا يفارقون الإنسان على حال من الأحوال (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٧٥٤)، وتذهيب تهذيب الكمال (٢/ الترجمة ٧٥٦).\n(^٢) أسد الغابة (٣/ الترجمة ٣٢٥١)، وتهذيب الكمال (١٦/ الترجمة ٣٦٥٦).\n(^٣) معالم السنن (١/ ٧٥)، والميسر (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":190},{"text":"فائدة: قال أبو الليث السمرقندي: اختلف الناس في ذكر الحفظة وهم الكرام الكاتبون، فقال بعضهم: يكتبون جميع أفعال بني آدم وأقوالهم، وقال بعضهم: لا يكتبون إلا ما كان فيه أجر أو إثم، وقال بعضهم: يكتبون الجميع، فإذا صعدوا إلى السماء حذفوا ما لا أجر ولا إثم عليه، ومعنى قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (^١) يمحو ما لا أجر فيه ولا إثم عليه، ويثبت ما فيه أجر أو إثم، ثم روى هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٢) قال: يكتب من قول ابن آدم الخير والشر ولا يكتب ما سوى ذلك، قال هشام: نحو قولك: يا غلام اسقني ويا غلام اعلف الدابة.\nوقال الحسن البصري: يكتب جميع ما يلفظ به، وقال ابن جريج: هما ملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، لا يكتب إلا بشهادة صاحبه إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن نام فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، وقال بعضهم: هم أربعة اثنان بالنهار واثنان بالليل، [وقال عبد اللّه بن المبارك: هم خمسة اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة] والخامس لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، واختلف في الكفار هل يكون عليهم حفظة قال بعضهم: لا يكون عليهم حفظة لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد، وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) سورة الرعد، الآية: ٣٩.\n(^٢) سورة ق، الآية: ١٨.\n(^٣) سورة الرحمن، الآية: ٤١.","vol":"2","page":191},{"text":"قال أبو الليث: لا نأخذ بهذا القول بل عليهم الحفظة، والآية تذكر الحفظة في شأن الكفار، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ (^١)، وقال في آية آخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ (^٢) فأخبر اللّه تعالى أن الكفار يكون لهم كتابًا ويكون عليهم حفظة، فإن قيل: الذي يكون عن يمينه إذا لم يكن له حسنة، إيش يكتب؟ قيل له: الذي يكتب عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون شاهدًا على ذلك وإن لم يكتب (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ولا تبولن في مغتسلك\" قال المنذري: وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، وإن كان المكان صلبًا فيخيل إليه أنه يصيبه شيء من رشاشه فيحصل منه الوسواس (^٤)، انتهى.\nفائدة: يكره أن يبول قائمًا بلا عذر أو يتغوط لما روى ابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عمر أنه قال: رآني رسول اللّه - ﷺ - وأنا أبول قائمًا، فقال: \"يا عمر، لا تبل قائمًا\" قال: فما بلت بعدها قائمًا (^٥)؛ وفي الترمذي والنسائي وابن ماجة\n_________\n(^١) سورة الانفطار، الآيات: ٩ - ١١.\n(^٢) سورة الانشقاق، الآية: ١٠.\n(^٣) بستان العارفين (ص ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(^٤) قاله الخطابي في معالم السنن (١/ ٢٢)، وعنه النووي كما في تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٧٢)، وابن الأثير كما في النهاية (١/ ٤٤٥).\n(^٥) أخرجه ابن ماجة (٣٠٨)، وابن حبان (١٤٢٣)، والحاكم ١/ ١٨٥، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٦٥ رقم ٤٩٣). قال الترمذي عقب حديث (١٢): وحديث عمر إنما روي من =","vol":"2","page":192},{"text":"بإسناد حسن عن عائشة قالت: من حدّثكم أن النبي كان يبول قائمًا فلا تصدقوه (^١)؛ لكن في الشيخين عن حذيفة بن اليمان أن النبي - ﷺ - أتى سباطة قوم فبال قائمًا (^٢)؛ السباطة: الموضع الذي يرمي فيه القمامة والأوساخ، فإن قيل: كيف بال قائما وقد نهى عن ذلك؟ قالوا فيه من أربعة أوجه، أحدها: أنه قيل إنه منسوخ بنهيه عن البول قائمًا بعد ذلك، والثاني: أنه كان لمرض منعه من القعود، وقال أبو هريرة: بال رسول اللّه - ﷺ - قائما لجرح كان بمأبضه، قال الزجاج: المأبض بطن الركبة؛ والثالث: أنه استشفى بذلك من مرض كان به، وقال الشافعي: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا.\nوالرابع: يحتمل أنه يكون البول أعجله ولم يجد سوى ذلك المكان ولم يتمكن من القعود لكثرة الأنجاس، فإن قيل: كيف قال لحذيفة ﵁ إذن، وقد كان إذا أراد الخلاء أبعد؟ فالجواب: أن السباطة تكون في الأفنية فأراد أن يستتر به من الناس، واللّه أعلم (^٣).\n_________\n= حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني النبي - ﷺ - أبول قائمًا، فقال: يا عمر، لا تبل قائمًا، فما بلت قائما بعد. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٦٣)، الضعيفة (٩٣٤).\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٣٠٧) والترمذي (١٢) والنسائي في المجتبى ١/ ٢٣٤ (٢٩) قال الترمذي: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٤) و(٢٢٥) و(٢٢٦) و(٢٤٧١)، ومسلم (٧٣ و٧٤ - ٢٧٣).\n(^٣) انظر: كشف المشكل (١/ ٣٧٨) لابن الجوزي، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٥ - ١٦٦)، والكواكب الدرارى (٣/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"2","page":193},{"text":"وفيه: أن مدافعة البول مكروهة لأنه بال على السباطة قائمًا ولم يؤخره (^١)، وفي الإحياء: عن الأطباء أن بولة في الحمام في الشتاء قائما خير من شربة دواء (^٢)، انتهى.\n\n٢٥٠ - وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ لقِيت رجلًا صحب النَّبِي - ﷺ - كمَا صَحبه أَبُو هُرَيْرَة قَالَ نهى رَسُول اللّه - ﷺ - أَن يمتشط أَحَدنَا كلّ يَوْم أَو يَبُول فِي مغتسله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي أول حَدِيث (^٣).\nقوله: عن حميد بن عبد الرحمن (الحميري البصري، روى عن: أهبان ابن امرأة أبي ذر الغفاري، وسعد بن هشام بن عامر الأنصاري، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وأبي بكرة الثقفي، وأبي هريرة، وثلاثة من ولد سعد بن أبي وقاص، وروى عنه جعفر بن أبي وحشية، والحسن البصري، وقتادة، ومحمد بن سيرين وأبو التياح يزيد بن حميد الضبعي، متفق على توثيقه وكان ابن سيرين يقول: كان حميد بن عبد الرحمن أفقه أهل البصرة قبل أن يموت بعشر سنين (^٤).\nقوله: لقيت رجلًا صحب النبي - ﷺ - كما صحبه أبو هريرة، الحديث.\n_________\n(^١) قاله الخطابي في المعالم (١/ ٢١)، والنفح الشذى (١/ ١٦٠)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٢).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٢٩٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٨١)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٩٦ (٢٤٣). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٢)، وصحيح الترغيب (١٥٤)، والمشكاة (٤٧٢).\n(^٤) تهذيب الكمال (٧/ الترجمة ١٥٣٣).","vol":"2","page":194},{"text":"والرجل المبهم هل هو الحكم بن عمرو، وجزم به ابن السكن، وقيل: عبد اللّه بن سرجس، وقيل: ابن مغفل (^١) وهو الراجح، فقد جاء مصرحًا به (^٢).\nقوله: \"نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله\" الحديث؛ فيه: النهي عن البول في المغتسل، [وعن الامتشاط كلّ يوم، بل يكون وقتًا دون وقت كما أن الأوجه كذلك، ويدل على ذلك قوله ﵇]، وتقدم الكلام على البول في المغتسل مبسوطًا، قال العُلماء في كتب الفقه: والمستحب أن يستاك عرضًا، ويدهن غبًّا، ويكتحل وترًا (^٣)، والإمتشاط مقتبس من الإدهان، وقد روى أنه - ﷺ - قال: \"استاكوا عرضًا وادهنوا غبًّا واكتحلوا وترًا\" (^٤) لكنه ضعيف لا يحتج به كما قال النووي (^٥)، والغب: قال ابن فارس (^٦): أن ترد الإبل الماء وتدعه يومًا، وبهذا فسره الإمام أحمد بن\n_________\n(^١) الأحكام الوسطى (١/ ١٢٧)، وبيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٢٧)، والإمام (١/ ١٥٤)، والمحرر (ص ٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٣٠٤)، وأبو داود (٢٧)، والترمذي (٢١)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤٠ (٣٦) عن عبد اللّه بن مغفل ولفظه: لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه. قال الألباني: صحيح، دون قوله: فإن عامة الوسواس منه، وانظر المشكاة (٣٥٣)، وصحيح الجامع الصغير (٦٨١٥ و٧٥٩٧).\n(^٣) انظر التنبيه (ص ١٤).\n(^٤) قال النووي في المجموع (١/ ٢٨٠): هذا الحديث ضعيف غير معروف قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ بحثت عنه فلم أجد له أصلًا ولا ذكرًا في شيء من كتب الحديث واعتنى جماعة بتخريج أحاديث المهذب فلم يذكروه أصلًا.\n(^٥) المجموع (١/ ٢٨٠).\n(^٦) مجمل اللغة (ص ٦٨٠).","vol":"2","page":195},{"text":"حنبل في حديث (^١)، وبه قال بعض الشارحين (^٢)، وقيل: أن يدهن ثم يترك إلى أن يجف ثم يدهن، وهو قول من فسر الغب بالوقت، واللّه أعلم.\n\n٢٥١ - وَعَن عبد اللّه بن مُغفل ﵁. أَن النَّبِي - ﷺ - نهى أَن يَبُول الرجل فِي مستحمه وَقَالَ إِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ \"رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لا نعرفه مَرْفُوعًا إِلَّا من حَدِيث أَشْعَث بن عبد اللّه وَيُقَال لَهُ أَشْعَث الأعْمَى (^٣). قَالَ الْحَافِظ إِسْنَاده صَحِيح\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١/ ٢٤٩)، وقول أحمد بن حنبل في الوقوف والترجل (ص ١١٦) وعقبه بحديث عبد اللّه بن مغفل قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يترجل الرجل إلا غبًّا. وآخرجه أحمد ٤/ ٨٦ (١٦٧٩٣)، أبو داود (٤١٥٩)، والترمذي في السنن (١٧٥٦)، وفي الشمائل (٣٤)، والحربي في غريب الحديث ص ٤١٥، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٠ (٥٠٩٩) والكبرى (٩٢٦٤)، وابن حبان (٥٤٨٤)، والبغوي في شرح السنة (٣١٦٥)، وابن ماسى في نسخة محمد بن عبد اللّه الأنصارى (٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٠١).\n(^٢) قاله العمرانى في البيان (١/ ٩٣)، وعنه نقله النووي في المجموع (١/ ٢٨١) وتهذيب اللغة (٤/ ٥٧).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٥٦ (٢٠٥٦٣) و(٢٠٥٦٩) و(٢٠٥٧٠)، وابن ماجة (٣٠٤)، وأبو داود (٢٧)، والترمذي في السنن (٢١) والعلل الكبير (١٢)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤٠ (٣٦). قال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه، ويرون أن أشعث هذا هو ابن جابر الحداني، وروى معمر فقال: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن. وقال في السنن: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد اللّه، ويقال له أشعث الأعمى. وحسنه النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩١). قال الألباني: صحيح، دون قوله: فإن عامة الوسواس منه، وانظر المشكاة (٣٥٣)، وصحيح الجامع الصغير (٦٨١٥ و٧٥٩٧). وضعفه في ضعيف الترغيب (١١٩).","vol":"2","page":196},{"text":"مُتَّصِل وَأَشْعَث بن عبد اللّه ثِقَة صَدُوق وَكذَلِكَ بَقِيَّة رُوَاته وَاللّه أعلم.\nقوله: عن عبد اللّه بن مغفل، بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة، كنيته: أبو معبد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو زياد عبد اللّه بن مغفل بن عبد غنم المزني المدني البصري، وكان عبد اللّه من أهل بيعة الرضوان، قال: إني من رفع أغصان الشجرة عن رسول اللّه - ﷺ -، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة فابتنى بها دارا قرب الجامع وكان أحد البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (^١) الآية، قال السهيلي: والبكاؤون بنو مقرن المازني وهم سبعة: النعمان، ونعيم، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول اللّه - ﷺ - ولم يشاركهم في هذه المكرمة أحد غيرهم، وقيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم، وروي أنهم قدموا على رسول اللّه - ﷺ - في أربعمائة راكب من مزينة، قال ابن مسعود: إن للإيمان بيوتًا وإن للنفاق بيوتًا، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن، ومن البكائين علية بن زيد وعبد اللّه بن مغفل والعرباض بن سارية وأبو ليلى واسمه عبد الرحمن بن عمرو وسالم بن عمير، انتهى، وكان عبد اللّه بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أول من دخل مدينة تستر حين فتحها المسلمون، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٩٢.","vol":"2","page":197},{"text":"بحديث ومسلم بآخر، روى عنه جماعات من التابعين، منهم الحسن البصري ومطرف وأبو العالية وغيرهم، توفي ﵁. بالبصرة سنة ست وستين، وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته بذلك، ومناقبه كثيرة مشهورة، ووالده مغفل، ذكره ابن عبد البر في الصحابة، وقال أبو جعفر الطبري: مغفل هذا هو أخو ذي النجاد المزني، توفي مغفل بطريق مكة قبل أن يدخلها قبل فتح مكة بقليل سنة ثمان (^١)، قاله في الديباجة.\nقوله: \"نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: إن عامة الوسواس منه\"، هذا الحديث رواه الأربعة، والمراد بالمستحم الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام (^٢)، وهذا الحديث ترجم عليه ابن حبان فقال: باب ذكر الزجر عن البول في المغتسل الذي مجري له، وما فهمه أبو حاتم صحيح، والسبب في ذلك أنه إذا كانا له مجري اندفع ما فيه من البول بأول اغتساله (^٣)، انتهى.\nفيستحب لمن بال أو تغوط وأراد أن يغتسل بالماء أن ينتقل عن مجلسه لئلا يلحقه الرشاش الذي عامة الوسواس منه، وقد حرم قوم من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخص فيه بعضهم منهم\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩٥ - ٢٩١ ترجمة ٣٣٤)، وتهذيب الكمال (١٦/ ترجمة ٣٥٩٠).\n(^٢) النهاية (١/ ٤٤٥).\n(^٣) كشف المناهج (١/ ١٩٨).","vol":"2","page":198},{"text":"ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال إن عامه الوسواس منه فقال: ربنا اللّه لا شريك له (^١)، إن الوسواس من الشيطان فلم يلتفت إليه فإن شرك، وقال ابن المبارك: قد وسع في المغتسل إذا جرى فيه الماء، واعلم أن الماء الوارد على النجاسة يدفعها ويحكم بطهارة الماء إذا زالت أو استهلكت وتغير به، وكذا لو زالت بشمس ونحوها ثم صب الماء عليها طهر المحل، وفي الحديث أنه يستحب أن يتقى الإنسان مكان التهم والمخاوف وأن يسد باب الشيطان ما أمكنه، وفيه: الأمر بالانتقال إلى مكان آخر، وهذا إذا استنجي بالماء بخلاف الحجر فإن تجمر به فلا ينتقل لئلا يجف الخارج أو يطرأ نجس آخر أو ينتشر فيمتنع الاستجمار، ويستثنى الأخلية المتخذة لذلك فلا ينتقل فيها مطلقًا، وفيه: إنه يأخذ بأصل الطهارة إذا حصل شك في وصول الرشاش فإنه سماه وسواسًا لكن الاحتياط بغسل محل الشك أولى، وقد أغرب الذهبي فغير الوسواس هنا بالجنون، ذكره في مختصر البيهقي، وفيه: استعمال الحمية خوفًا من الوقوع فيما يضر، والتحفظ من المؤذيات، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام.\nقال الخطابي (^٢): وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول ويسيل منه الماء، أي: كالأخلية المعدة لذلك، أو كان المكان صلبًا أو مبلطًا يتخيل المغتسل أنه أصابه شيء من رشاشه فيحصل منه الوسواس، انتهى.\n_________\n(^١) شرح السنة (١/ ٣٨٤).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٢).","vol":"2","page":199},{"text":"٢٥٢ - وَعَن قَتَادَة عَن عبد اللّه بن سرجس ﵁ قَالَ نهى رَسُول اللّه - ﷺ - أَن يبال فِي الْجُحر قَالُوا لِقَتَادَة مَا يكره من الْبَوْل فِي الْجُحر قَالَ يُقَال إِنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن قتادة عن عبد اللّه بن سرجس، وسرجس: بفتح السين المهملة وكسر الجيم المزني البصري حليف بني مخزوم، وفي صحيح مسلم عن عاصم الأحول عن عبد اللّه بن سرجس قال: رأيتُ رسول اللّه - ﷺ - وأكلت معه خبزًا أو قال ثريدًا، فقلت: يا رسول اللّه غفر اللّه لك، قال: \"ولك\" قال عاصم: استغفر لك يا رسول اللّه، قال: \"نعم ولك\" ثم تلا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢) روي له عن رسول اللّه - ﷺ - سبعة عشر حديثًا، روى له مسلم منها ثلاثة أحاديث، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٣).\nقوله: \"نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبال في الجحر\"، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر، قال: يقال إنها مساكن الجن، الحديث؛ الجحر: بضم الجيم وسكون الحاء الثقب المستدير النازل، وهو ما استدار، ويعبر عنه بالبخش، وألحق بالجحر السرب وهو بفتح السين والراء وهو المنبطح، وقال بعضهم: وهو المستطيل (^٤)، أي: ويجتنب أن يبول في ثقب أو سرب لأنه - ﷺ - نهى أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٨٢ (٢٠٧٧٥)، وأبو داود (٢٩)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٣٩ (٣٤) والكبرى (٣٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٠)، الإرواء (٥٥).\n(^٢) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٩ الترجمة ٣٠٠).\n(^٤) انظر: تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٧)، كفاية النبيه (١/ ٤٣٩)، وكفاية الأخيار (ص ٣٤)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٢).","vol":"2","page":200},{"text":"يبال في الجحر لأنها مساكن الجن، ولأنه ربما كان فيها بعض الهوام فخرج فيؤذيه أو ينجسه، قال النووي: وينبغي تحريم ذلك للنهي الصريح إلا أن يعد لذلك يعني الجحر أو السرب فلا حظر ولا كراهة (^١).\nتنبيه: إذا كان الرجل في الأرض الفضاء فلا ينبغي له أن يبول في جحر الأرض فإنه يخاف أن يصيبه الأذى من الجن، ويقال إن سعد بن عبادة وكان سيدا جوادا ذا رياسة غيورًا بال في جحر الأرض فأصابته آفة من الجن فمات، ففي الحاكم عن عون بن محمد أن سعد بن عبادة الخزرجي أتى سباطة قوم فبال قائمًا فخر ميتًا، فقالت الجن في ذلك:\nنَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَج سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْم فَلَمْ تُخْطِ فُؤَادَهْ\nوفي الشامل وغيره أن سبب موته أنه بال في جحر (^٢)، وتقدم الكلام على السباطة، وتأول بعض العُلماء فقال: أي أصبناه بعينين، يقال إن عيون الجن أنفذ من أسنة الرماح، وقال: الإصابة بالعين حق (^٣)، وإن لها تأثيرا في النفوس والطباع إبطالا كقول من يزعم من الطبيعة أنه لا شيء إلا ما تدركه الحواس وما عداها فلا حقيقة له (^٤)، انتهى.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٩٢).\n(^٢) كفاية النبيه (١/ ٤٣٩)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٢).\n(^٣) انظر غريب الحديث (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، والكواكب الدراري (٢١/ ٢٣).\n(^٤) الكواكب الدراري (٢١/ ٢٣).","vol":"2","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الترهيب من الكلام على الخلاء</span>\nالخلاء: اسم للموضع الذي يقضي فيه الحاجة، سمي خلاء لأن الشخص يخلو فيه (^١)، وقيل: لأن فيه شيطانًا يسمى الخلاء فسمى خلاء باسم شيطانه (^٢)، واللّه أعلم.\n\n٢٥٣ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَتَنَاجَى اثْنَان على غائطهما ينظر كلّ وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى عَورَة صَاحبه فَإِن اللّه يمقت على ذَلِك\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَه فِي صَحِيحه وَلَفظه كَلَفْظِ أبي دَاوُد قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول لا يخرج الرّجلَانِ يضربان الْغَائِط كاشفين عَن عوراتهما يتحدّثان فَإِن اللّه ﷿ يمقت على ذَلِك (^٣) رَوَوْهُ كلهم من رِوَايَة هِلال بن عِيَاض أَو عِيَاض بن هِلَال عَن أبي سعيد وعياض هَذَا روى لَهُ أَصْحَاب السّنَن وَلا أعرفهُ بِجرح وَلا عَدَالَة وَهُوَ فِي عداد المجهولين.\nقَوْله: \"يضربان الْغَائِط\" قَالَ أَبُو عَمْرو صَاحب ثَعْلَب يُقَال ضربت الأَرْض إِذا أتيت الْخَلَاء وَضربت فِي الأَرْض إِذا سَافَرت.\n_________\n(^١) الميسر (١/ ١٣٣)، والكواكب الدراري (٢/ ١٨٤)، وشرح المصابيح (١/ ٢٤٦) لابن الملك.\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٢٨٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجة (٣٤٢)، وأبو داود (١٥)، والنسائي في الكبرى (٣٦ و٣٧)، وابن خزيمة (٧١)، وابن حبان (١٤٢٢). وصححه الألباني في الصحيحة (٣١٢٠)، وصحيح الترغيب (١٥٥).","vol":"2","page":202},{"text":"٢٥٤ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"لَا يخرج اثْنَان من الْغَائِط فيجلسان يتحدّثان كاشفين عَن عوراتهما فَإِن اللّه ﷿ يمقت على ذَلِك\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد لين (^١).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"لا يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه\" الحديث، المناجاة: المسارة، وانتجى القوم وتناجوا أي سار بعضهم بعضًا (^٢)، وتقدم الكلام على ذلك في أوائل هذا التعليق.\nقوله: \"ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة صاحبه\"، وأغرب الماوردي فحكى في باب ستر العورة وجهًا أنه يحرم على الإنسان أن ينظر إلى فرج نفسه بلا حاجة (^٣)، واللّه أعلم؛ فيحرم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، وهذا لا خلاف فيه، وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٣٥)، الطبراني في الأوسط (٢/ ٦٥ - ٦٦ رقم ١٢٦٤)، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة إلا عبيد ورواه سفيان الثوري وغيره: عن عكرمة بن عمار، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد الخدري. قال الدارقطني في العلل (٢٢٩٤): وأشبهها بالصواب حديث عياض بن هلال، عن أبي سعيد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٧: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٥٦).\n(^٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٥٠٣)، والمحكم (٧/ ٥٥٩)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ١٦٧).\n(^٣) الحاوى (٢/ ١٧٠).","vol":"2","page":203},{"text":"والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع، ونبه - ﷺ - بنظر الرجل إلى عورة الرجل على نظره إلى عورة المرأة، وذلك بالتحريم أولي، وهذا التحريم في حق غير الزوج والسادة (^١)، أما الزوجان والسادة فسيأتي حكمه؛ وأما نظر الرجل إلى محارمه ونظرهن إليه فالصحيح أنه يباح ما فوق السرة وتحت الركبة، وقيل: لا يحل إلا ما يظهر في حال الخدمة والتصرف، وأما ضبط العورة في حق الأجانب فعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، وفي السرة والركبة ثلاثة أوجه أصحها: ليستا بعورة والثاني أنهما عورة، والثالث السرة عورة دون الركبة (^٢).\nتنبيه: لكل واحد من الزوجين النظر إلى عورة صاحبه جميعا لأنه محل استمتاعهما (^٣)؛ وأما الفرج نفسه ففيه ثلاثة أوجه، أصحها أنه مكروه لكل واحد منهما من غير حاجة وليس بحرام، والثاني: حرام عليهما وإليه ميل أبي عبد اللّه الذهبي، والثالث: أنه حرام على الرجل مكروه للمرأة، وخص الفارقي الخلاف بغير حالة الجماع وجوزه عند الجماع قطعًا، والمعروف إطلاقه (^٤)، وخص بعضهم الخلاف بالرجل وقطع بجواز نظرها إلى ذكره (^٥)،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٣٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٣١).\n(^٣) النجم الوهاج (٧/ ٣٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ٣٠)، والنجم الوهاج (٧/ ٣٦).\n(^٥) انظر: كفاية الأخيار (١/ ٣٥٢).","vol":"2","page":204},{"text":"وصرح الجرجاني وغيره بطرده في الرجل والمرأة؛ والنظر إلى باطن فرجها أشد كراهة أو تحريما (^١).\nواختلفوا في معناه، فقيل: يورث العمى للناظر وصحح هذا ابن الصلاح (^٢)، وقيل للولد فعلى هذا يخرج الممسوح، وقيل: يورث العمى في القلب أشار إليه ابن الجوزي (^٣)، وفي كتب الفقه أنه لا بأس به للرجل أن\n_________\n(^١) انظر: الوسيط (٥/ ٣١)، والعزيز شرح الوجيز (٧/ ٤٧٩)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٣٠).\n(^٢) شرح مشكل الوسيط (٣/ ٥٣٩ - ٥٤٠). وحديث: إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى. أخرجه أبو حاتم في العلل (٢٣٩٤)، وابن عدى في الكامل (٢/ ٧٥)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٥٣ رقم ١٣٥٤٠ و١٣٥٤١) عن ابن عباس.\nقال أبو حاتم: هذه الثلاثة الأحاديث موضوعة، لا أصل لها، وكان بقية يدلس، فظنوا هؤلاء أنه يقول في كلّ حديث: حدثنا، ولا يفتقدوا الخبر منه. قال ابن عدي: \"حدّثناه بهذا الإسناد ثلاثة أحاديث آخر مناكير، وهذه الأحاديث يشبه أن تكون بين بقية وابن جريج بعض المجهولين أو بعض الضعفاء، لأن بقية كثيرًا ما يدخل بين نفسه وبين ابن جريج بعض الضعفاء أو بعض المجهولين، إلا أن هشام بن خالد قال: عن بقية، حدّثني ابن جريج\". وقال ابن حبان: \"في نسخة كتبناها بهذا الإسناد، كلها موضوع، يشبه أن يكون بقية سمعه من إنسان ضعيف عن ابن جريج فدلس عليه، فالتزق كلّ ذلك به\". وحكم عليه بالوضع ابن الجوزى في الموضوعات (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣) والذهبى في ميزان الاعتدال (١/ ٣١١)، والألباني في الضعيفة (١٩٥) و(١٩٦). وجود إسناده ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط (٣/ ٥٣٩).\n(^٣) النجم الوهاج (٧/ ٣٥ - ٣٦).","vol":"2","page":205},{"text":"يمس فرج امرأته ولها أن تمس فرجه، سأل أبو يوسف أبا حنيفة عنه، فقال: لا بأس به، وأرجو أن يعظم أجر المرأة بذلك (^١)، وجوز أصبغ بن الفرج من أصحاب مالك للزوج أن يلحس فرج زوجته بلسانه (^٢)، واللّه أعلم، قاله في الديباجة.\nقوله: \"فإن اللّه يمقت على ذلك\"، المقت في الأصل أشد البغض في الكلام على حدّثه من غير حاجة مكروه فإن انضم إلى ذلك كشف العورة حرم، وحينئذ لا يشكل المقت على ذلك فإنه إشارة إلى المجموع ولا يرجع إلى التحدّث فقط أي مع الستر أو من وراء حجاب، فلو سكتا وكشفا العورة حرم، فيكره الكلام والذكر على البول والغائط حال قضاء الحاجة سواء كان في الصحراء أو في البنيان وسواء في ذلك جميع الأذكار، وإلا كلام الضرورة كما إذا رأى طفلًا أو أعمى يقع في بئر أو حية تقصد إنسانا لم يكره إنذاره بل يجب على ما قال أصحابنا، فإذا عطس لا يحمد اللّه تعالى ولا يشمت عاطسًا ولا يرد السَّلام ولا يجيب المؤذن، ويكون المسلم مقصرًا لا يستحق جوابًا، والكلام بهذا كلّه مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، فلو عطس حمد اللّه تعالى بقلبه ولا يحرك لسانه، وكذلك يفعل حال الجماع، قال المحب الطبري: وينبغي أن لا يأكل ولا يشرب (^٣).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٣٤، مغني المحتاج ٣/ ١٣٤، وكشاف القناع ٥/ ١٦.\n(^٢) النجم الوهاج (٧/ ٣٥).\n(^٣) انظر: شرح السنة (١/ ٣٨٢)، وبحر المذهب (١/ ١٣٩)، والمجموع (٢/ ٨٨ - ٨٩) وشرح صحيح مسلم (٤/ ٨٥) والأذكار (ص ٦٨ - ٦٩).","vol":"2","page":206},{"text":"قال النووي (^١): روينا عن ابن عمر ﵄ قال: مر رجل بالنبي - ﷺ - وهو يبول فسلم عليه فلم يرد - ﵇ -، رواه مسلم في صحيحه (^٢)؛ فإذا لم يرد السَّلام مع أنه واجب فغيره أولي، وعن المهاجر بن قنفد - ﵁ - قال: أتيت النبي وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علي حتى توضأ ثم اعتذر إلى وقال: \"إني كرهت أن أذكر اللّه تعالى إلا على طهر\" أو قال: \"إلا على طهارة\" حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة بأسانيد صحيحة (^٣).\nقوله - ﷺ - في رواية ابن خزيمة: \"لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما\" الحديث (يمشيان إلى قضاء الحاجة وعورتهما مكشوفة، فإن اللّه تعالى يبغض هذا الفعل وهو عدم المبالاة بكشف العورة والنظر إلى عورة الغير، ولم يفض أي الكلام إلى التحريم كما لم يفض إليه في قوله - ﷺ -: \"إن أبغض الحلال إلى اللّه تعالى الطلاق\" (^٤) أي: يكرهه إلا أن يقال ذلك اقترن به ما صرفه عن التحريم وهو قوله \"الحلال\" (^٥)، لا يخرج الرجلان:\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٦٨ - ٦٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٥ - ٣٧٠)، وابن ماجة (٣٥٣)، وأبو داود (١٦)، والترمذي (٢٧٢٠)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤١ (٣٧).\n(^٣) أخرجه ابن ماجة (٣٥٠)، وأبو داود (١٧)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤١ (٣٨).\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٣)، والصحيحة (٨٣٤).\n(^٤) أخرجه ابن ماجة (٢٠١٨)، وأبو داود (٢١٧٨) عن ابن عمر. وضعفه الألباني في الإرواء (٢٠٤٠)، ضعيف أبي داود (٣٧٣ - ٣٧٤)، الرد على بليق (١١٣).\n(^٥) النجم الوهاج (١/ ٢٩٤).","vol":"2","page":207},{"text":"بكسر الجيم لأنه مجزوم على أنه نهي فحرك لالتقاء الساكنين (^١).\nقوله: \"يضربان الغائط\" الضرب في اللغة الإسراع في السير، والأصل فيه أن الذاهب في الأرض يضربها برجله (^٢)، قال الحافظ: قال أبو عمر صاحب ثعلب يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت (^٣)، وتقدم الكلام على الضرب.\nقوله: رووه كلهم من رواية هلال بن عياض أو عياض بن هلال عن أبي سعيد، قاله المنذري، والصواب في اسم الراوي عن أبي سعيد عياض بن هلال، وقيل: هلال بن عياض، وقيل: عياض بن أبي زهير الأنصاري، روى عنه: يحيى بن كثير، قال ابن حبان في كتاب الثقات: عياض بن هلال ومن قال إنه هلال بن عياض فقد وهم، روى له الأربعة، وليس له في الكتب سوى هذا الحديث وحديث آخر في سجود السهو (^٤)، واللّه أعلم، قاله في الديباجة.\nفائدة: قال أبو الليث السمرقندي (^٥) لا ينبغي للجالس لقضاء الحاجة أن يتكلم في تلك الحالة لأن الملائكة يتنحون عنه ويستترون عنه في ذلك الوقت، فإذا تكلم في ذلك فقد أتعبهم في العود إليه ليكتبوا قوله، وليستتر\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٣٨٥).\n(^٢) الميسر (١/ ١٣٧).\n(^٣) وكذلك نقله البغوى في شرح السنة (١/ ٣٨١ - ٣٨٢).\n(^٤) تهذيب الكمال (٢٢/ ٥٧٣ - ٥٧٥ الترجمة ٤٦١٢).\n(^٥) بستان العارفين (ص ٣٤١ - ٣٤٢).","vol":"2","page":208},{"text":"ما استطاع لأن النبي - ﷺ - أمر بهذا فقيل: يا رسول اللّه أريت لو لم يكن معه أحد، قال: \"فاللّه أحق أن يستحيا منه، ولأن معه صاحبيه فينبغي أن لا يؤذيهما\" (^١)، انتهى.\nفوائد تتعلق بهذا الباب، منها: إذا أراد الإنسان قضاء الحاجة فإن كان معه شيء فيه ذكر اللّه تعالى نحاه، أي: أزاله استحبابًا، قال أنس بن مالك: كان رسول اللّه - ﷺ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، رواه أبو داود (^٢)، وقيل سببه: إنه كان عليه مكتوب محمد رسول اللّه - ﷺ - ثلاثة أسطر، والسر فيه تعظيم اسم اللّه تعالى عن مكان القاذورات، [وقد ألحق به ما عليه اسم النبي - ﷺ -] (^٣) وضابطه: كلّ اسم معظم (^٤). ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج وعكسه دخول المسجد والخروج منه، وهذا لا يختص بالبنيان في أصح الوجهين فيقدم يساره إذا بلغ موضع جلوسه في الصحراء أو مناة إذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (١٩٢٠)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٩٤) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في المشكاة (٣١١٧)، آداب الزفاف ص (٣٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي في المجتبى ٨/ ١٥٠ (٥٢٥٧)، وفي الكبرى (٩٥٤٢)، وابن ماجة (٣٠٣)، وأبو يعلى (٣٥٤٣)، وابن حبان (١٤١٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٨٧). قال أبو داود: هذا حديث منكر. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٤٣)، ضعيف أبي داود (٤)، مختصر الشمائل (٧٥).\n(^٣) هذه الزيادة من كفاية النبيه (١/ ٤٣٠).\n(^٤) انظر الحاوى (١/ ١٥٨) والمهذب (١/ ٥٤)، والبيان (١/ ٢٠٤)، والمجموع (٢/ ٧٣ - ٧٤)، وكفاية النبيه (١/ ٤٢٨ - ٤٣٠).","vol":"2","page":209},{"text":"فرغ، ويقول عند إرادة الدخول إلى الخلاء: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (^١)، وورد في رواية الطبراني في كتاب الدعاء أنه - ﷺ - كان يستعيذ فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم (^٢)، ويستحب تقديم البسملة على هذه الاستعاذة، ففي الحديث في سنن ابن ماجة والترمذي عن علي أن النبي - ﷺ - قال: \"ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا: باسم اللّه\" (^٣).\nوالستر بكسر السين الحجاب وبالفتح مصدر ستر الشيء أستره إذا أعطيته، والخبث بضم الخاء والباء وإسكانها جمع خبيث وهم ذكران الشياطين والخبائث جمع خبيثة وهي إناثهم، وقيل بالإسكان الشر وقيل:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٢) و(٦٣٢٢)، ومسلم (١٢٢ - ٣٧٥) عن أنس.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٢٩٩)، والطبراني في الدعاء (٣٦٦) والكبير (٨/ ٢١٠ رقم ٧٨٤٩)، وابن عدى (٦/ ٣٠٥) عن أبي أمامة. وروى عن أنس: أخرجه الطبراني في الدعاء (٢٩٩) والأوسط (٨/ ٣٤٥ رقم ٨٨٢٥)، وابن السنى في اليوم والليلة (١٨). وروى عن ابن عمر: أخرجه الطبراني في الدعاء (٣٦٧)، وابن السنى في اليوم والليلة (٢٥). قال أبو زرعة في العلل (١٣): إسماعيل ضعيف، فأرى أن يقال: الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، فإن هذا دعاء. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٨٩): هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤١٨٧) و(٤١٨٩).\n(^٣) انظر الحاوى (١/ ١٥٨) والمهذب (١/ ٥٤)، والبيان (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، والمجموع (٢/ ٧٤ - ٧٥) والأذكار (ص ٦٧ - ٦٨)، كفاية النبيه (١/ ٤٣١). والحديث أخرجه ابن ماجة (٢٩٧)، والترمذي (٦٠٦). وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بذاك القوي. وصححه الألباني في المشكاة (٣٥٨)، الإرواء (٥٠).","vol":"2","page":210},{"text":"الكفر، والخبائث المعاصي (^١)، وقال الكرماني: وأصل الخبث في كلامهم المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم وإن كان من الكل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام وإن كان من الشراب فهو الضار (^٢)، انتهى.\nوالنجس: بإسكان الجيم وكسر النون تبعا للرجس وليس المراد أنه نجس العين بل هو نجس الفعل، وقد صرح البغوي في شرح السنة بأن الشيطان عينه طاهرة، واستدل على ذلك بأنه - ﷺ - أمسك إبليس في الصلاة ولم يقطعها (^٣)، والخبيث خبيث الفعل، والمخبث بضم الميم وبالخاء المعجمة الساكنة معناه صاحب الأعوان الخبثاء، قاله أبو الفرج الجوزى (^٤).\nتنبيه: فإن قيل: لم قدمت هاهنا التسمية على الاستعاذة وقدمت الاستعاذة على التسمية في قراءة القرآن، وفي التعوذ في الصلاة؟ فالجواب: أن التسمية هنا إنما قدمت لأن الاستعاذة دعاء والدعاء عبادة والعبادة ينبغي أن تبتدأ بالتسمية، والتسمية هاهنا ليست قرآنا بخلاف القراءة فإن التسمية من القرآن ومن نفس السورة، فلهذا قدمت الاستعاذة عليها في القراءة، انتهى، قاله في إعلام السنن (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨٧)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٧١).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ١٨٤).\n(^٣) شرح السنة (٣/ ٢٧٥).\n(^٤) قاله أبو عبيد في غريب الحديث (٢/ ١٩٢) وعنه نقله ابن الجوزى في غريب الحديث (١/ ٢٦١).\n(^٥) انظر: المجموع (٢/ ٧٥)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٦).","vol":"2","page":211},{"text":"وإنما خص بذلك حال الخلاء لأن الشياطين يحضرون في الأخلية وهي مواضع يحرم فيها ذكر اللّه فقدم لها الاستعاذة احترازًا منهم، وقد قال - ﷺ -: \"إن هذه الحشوش محتضرة، أي: يحضرها الشياطين، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليتعوذ باللّه\" (^١) أ. هـ.\nومنها: أن يقول عند خروجه من الخلاء: غفرانك (^٢)، الحمد للّه الذي أذهب عني الأذى وعافاني، رواه ابن ماجة والنسائي (^٣)؛ وقال القاضي حسين والمحاملي وغيرهما: ويستحب تكرار غفرانك مرتين (^٤)؛ وروى الطبراني وابن السني عن ابن عمر كان رسول اللّه - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: \"الحمد للّه الذي أذاقني لذته وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه\" (^٥).\n_________\n(^١) أعلام السنن (١/ ٢٣٧)، والكواكب الدراري (٢/ ١٨٤ - ١٨٥). وآخرجه ابن ماجة (٢٩٦)، وأبو داود (٦). وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٣٠٠)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، والنسائي في الكبرى (٩٨٢٤)، وابن خزيمة (٩٠)، وابن حبان (١٤٤٤) عن عائشة. وصححه الألباني في الإرواء (٥٢)، المشكاة (٣٥٦)، صحيح أبي داود (٢٢).\n(^٣) أخرجه ابن ماجة (٣٠١) عن أنس، والنسائي في الكبرى (٩٨٢٥ و٩٨٢٦ و٩٨٢٧) عن أبي ذر. وقال النووي في المجموع ٢/ ٧٥: وإسناده مضطرب غير قوي. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٧٤)، الإرواء (٥٣).\n(^٤) النجم الوهاج (١/ ٢٩٧).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الدعاء (٣٧٠)، وابن السنى في اليوم والليلة (٢٥) عن ابن عمر. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٢١٩): هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤١٨٧) و(٤١٨٩).","vol":"2","page":212},{"text":"وفي مصنفي ابن أبي شيبة وعبد الرزاق أن نوحًا - ﵇ - كان يقول: الحمد للّه الذي أذاقني لذته وأبقى معي منفعته وأذهب عني أذاه، وكان - ﷺ - إذا أكل قال: \"الحمد اللّه\"، وإذا شرب قال: \"الحمد للّه\" وإذا ركب قال: \"الحمد للّه\" وإذا اكتسى قال: \"الحمد للّه\"، وإذا احتذى قال: \"الحمد للّه\" فوصفه اللّه بالشكر فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (^١) (^٢).\nقوله في الحديث: \"غفرانك\" بنصب النون أي أسألك غفرانك وهو منصوب بإضمار الطلب، والغفران: الستر، وفي معنى تعقيب الخروج بالاستغفار قولان، أحدهما: أنه سأل المسامحة لترك الذكر في تلك الحالة، والثاني: معناه طلب نعمائه عليه بتسهيل خروج الأذي، وأن لا يحبسه ائلا يقضي إلى شهوته وانكسار عورته، وقال بعضهم أيضًا: وفي تخصيصه بذلك قولان، أحدهما: التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم بها عليه من إطعامه وهضمه وتسهيل مخرجه فلجأ إلى الاستغفار من التقصير، والثاني: أنه استغفر من مده تركه ذكر اللّه تعالى مدّة لبثه على الخلاء فإنه كان لا يترك ذكر اللّه تعالى بلسانه أو قلبه إلا عند قضاء الحاجة فكأنه رأى ذلك تقصيرًا\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٣.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٤١)، وابن أبي الدنيا في الشكر (٢٠٦)، والطبرى في التفسير (١٤/ ٤٥٣) والبيهقي في الشعب (٦/ ٢٧٠ رقم ٤١٥٧) عن مجاهد. وأخرجه المحاملي في الأمالى (٦٨) عن سلمان. وآخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنِّف ١/ ١٢ (٩) و٦/ ١١٤ (٢٩٩٠٦) عن العوام بن حوشب. وأخرجه عبد الرزاق في التفسير (١٥٣٩)، والطبرى في التفسير (١٤/ ٤٥٤) عن قتادة.","vol":"2","page":213},{"text":"فتداركه بالاستغفار (^١)، واللّه أعلم.\nقوله: أذهب عني الأذي، والأذى: لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه قذر منتن، ومن سبيل مكروه (^٢).\nقوله: وعافاني، العافية: دفاع اللّه تعالى عن العبد، فمعنى عافني أي من احتباسه أو من نزول الأمعاء معه (^٣)، واللّه أعلم.\nومنها: الاستنجاء، قال العُلماء: والاستنجاء واجب من البول والغائط، والأفضل: أن يجمع بين الماء والحجر لأن اللّه تعالى مدح أهل قباء على ذلك فأنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (^٤) الآية، قال الشعبي: لما نزلت هذه الآية قال النبي - ﷺ -: \"يا أهل قبلتنا هذا الماء الذي أثنى اللّه عليكم\" قالوا: ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء؛ وفي رواية: فسألهم رسول اللّه - ﷺ - عن ذلك فقالوا: كنا نتبع الحجارة الماء (^٥)، ولأن العين تزول\n_________\n(^١) انظر شأن الدعاء (ص ١٤١)، ومعالم السنن (١/ ٢٢ - ٢٣)، والنهاية (٣/ ٣٧٣)، والميسر (١/ ١٣٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٦١ - ٦٢)، وكفاية النبيه (١/ ٤٣٦).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٢٩٧).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ٢٩٧).\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٨.\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢٤٧) عن ابن عباس. قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢١٢: رواه البزار، وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، وهو الذي أشار بجلد مالك. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ٣٢٣: ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال: ليس له ولا لأخويه عمران وعبد اللّه حديث مستقيم وعبد الله بن شبيب ضعيف أيضًا. وضعفه الألباني في الإرواء (١/ ٨٣).","vol":"2","page":214},{"text":"بالحجر والأثر بالماء فلا يخامر النجاسة، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأنه يزيل العين والأثر، والحجر لا يزيل إلا العين (^١).\nقال العُلماء: وفي معنى الحجر كلّ جامد طاهر قالع غير محترم لحصول الغرض به سواء كان من خشب أو خزف أو حشيش أو نبات أو غيرها لأن التنصيص على الحجر خرج مخرج الغالب، واحترزنا بالجامد عن المائع، وبالطاهر عن النجس والمتنجس، واحترزنا بالقالع عن نحو الزجاج والقصب الأملسين فإنه يبسط النجاسة وعند ذلك يتعين الماء، واحترزنا بغير المحترم مما له حرمة وهو أنواع.\nمنها: ما كتب عليه شيء من العلم أو اسم معظم، وقال القاضي حسين: أوراق التوراة والإنجيل مما لا حرمة له لأنهما مبدلان، ومنها: المطعومات لأن النبي - ﷺ - نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: \"إنه طعام إخوانكم الجن\" (^٢) فإذا نهينا عن مطعومات الجن فمطعوم الإنس أولى، وقيل: إن أحرق العظم جاز الاستنجاء به.\nوقال بعضهم: فيه وجهان صحح النووي وغيره المنع وما يؤكل من الفواكه رطبًا لا يابسًا كاليقطين لا يجوز الاستنجاء به برطبه، وكذلك كلّ ما يأكله الآدميون خصوصًا وما يشترك معهم فيه البهائم فإن كان أكل البهائم له\n_________\n(^١) انظر: التنبيه (١/ ١٨)، والمهذب (١/ ٥٧ - ٥٨)، والمنهاج (١/ ١١) والمجموع (٢/ ٩٤ و٩٨ - ٩٩)، وكفاية النبيه (١/ ٤٤٦ و٤٤٩ - ٤٥٠)، وكفاية الأخيار (ص ٣١ - ٣٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٠ - ٤٥٠)، والترمذي (١٨) و(٣٢٥٨).","vol":"2","page":215},{"text":"أكثر جاز، وإن كان العكس فلا، وإن استويا فوجهان (^١).\nتتمة: ذكر السهيلي (^٢): في خروج النبي - ﷺ - إلى الطائف قال: روينا في حديث شعبة يقرأه الحافظ أبي بكر بن العربي بسنده إلى جابر بن عبد اللّه قال: بينا أنا مع رسول اللّه - ﷺ - مشى إذ جاءت حية فقامت إلى جنبه وأدنت فاها إلى أذنه كأنها تناجيه فقال - ﷺ -: \"نعم، فانصرفت\" قال جابر: فسألته: فأخبرني أنه رجل من الجن وأنه قال: مر قومك ألا يستنجوا بالروث ولا بالرمة فإن اللّه ﷾ جعل لنا في ذلك رزقًا.\nقال ابن العربي (^٣): وقد بينا في كتب الأصول أن الجن خلق من خلق اللّه تعالى يأكلون ويشربون وينكحون بإجماع من المسلمين ردا على الفلاسفة الذين ينكرون وجودهم وجهلوا حقائقهم بناء على أصولهم الفاسدة في أنهم بسائط غير مركبة، والملائكة إنما لم تأكل وتشرب لعادة أجراها فيهم لا بطبيعة خلقت لهم، انتهى.\nومنها: جزء الحيوان المتصل يمنع الاستنجاء به لحرمته، ويجوز الشيخان الاستنجاء بخشن الديباج مع الإثم لكن في تأييم المرأة بذلك نظر إلا أن يكون من جهة السرف (^٤)، انتهى.\n_________\n(^١) انظر: المجموع (٢/ ١١٨ - ١١٩)، والنجم الوهاج (١/ ٣٠٢ - ٣٠٤).\n(^٢) الروض الأنف (٤/ ٣٢).\n(^٣) المسالك (٧/ ٣٣٧)، وعارضة الأحوذي (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩).\n(^٤) النجم الوهاج (١/ ٣٠٤).","vol":"2","page":216},{"text":"تتمة: واعلم أن لإجزاء الحجر شروطًا وهي: بقاء الخارج رطبًا، وأن لا ينتقل عن الموضع الذي حصل فيه عند الخروج، ولا يختلط به نجاسة أجنبية، فإن اختلط به نجاسة أجنبية أو انتقل عن المحل الذي صادفه وقت الخروج تعين الماء قطعًا، فلو استنجى بحجر ثم غسله وجف واستنجى به ثانيًا جاز، ومن الشروط: أن لا يجف لأنه إذا جف لا يزيله إلا الماء، وأفتى القفال والقاضي بأنه إذا قلعه كفى، واختاره الروياني، وبقية الشروط مذكورة في كتب الفقه، فمن أراد ذلك فليطلب مظانها (^١).\nفروع: الاستنجاء بالتراب والفحم، نص الشافعي فيهما على الإجزاء وعدمه، فقيل قولان مطلقًا، والمذهب إن كان التراب منعقد كالمدر والفحم صح وإلا فلا، قال القاضي حسين: فإن جوزناه بالتراب احتاج أن يستنجي أربع مرات لأن التراب في الأولى التصق بالمحل وفي الثانية تناثر عنه وفي الثالثة يلتصق بالمحل فيحتاج إلى رابعة ويندب خامسة للإيتار، وإن منعناه ففعل تعين الماء، وكذا الفحم المتفتت، انتهى، قاله الكمال الدميري (^٢).\nوالثاني: لا يجب الاستنجاء على الفور بل يجوز تأخيره عن\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٣٠٥) وأتم الكلام في الشروط فقال: قال: (ولا يطرأ أجنبي) أي: نجس أجنبي كما لو استنجى بشيء نجس، فإن استنجى بحجر ثم غسله وجف واستنجى به ثانيًا .. جاز. قال: (فلو ندر أو انتشر فوق العادة) المراد: عادة غالب الناس، وقيل: عادة نفسه. قال: (ولم يجاوز صفحته) إن كان غائطا (وحشفته) إن كان بولا (.. جاز الحجر في الأظهر).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٣٠٤).","vol":"2","page":217},{"text":"الوضوء في الأضح بشرط أن لا يمس شيئًا ناقضًا، والأفضل تقديمه على الوضوء اقتداء برسول اللّه - ﷺ -، وللخروج من الخلاف فإن بعض العُلماء اشترط تقديمه وهو الإمام أحمد بن حنبل وهو قول لنا، وأما تأخيره عن التيمم فلا يجوز على الأصح لأن التيمم موضوع لاستباحة الصلاة ولا استباحة مع وجود النجاسة (^١)، واللّه أعلم.\nالثالث: ويسن أن ينضح فرجه وداخل سراويله وإزاره بعد الاستنجاء دفعا للوسواس، وقال في الإحياء: يقول بعد الفراغ من الاستنجاء: اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش (^٢)، انتهى.\nفائدة: يستحب أن يبدأ في الاستنجاء بالماء بالقبل وبغيره بالدبر، ويعتمد المستنجي في اليد على الأصبع الوسطى وفي استحباب شم اليد بعد الاستنجاء وجهان، قال الماوردي: يبنى ذلك ما لو شمها فأدرك فيها رائحة النجاسة هل يكون ذلك دليلًا على نجاسة المحل، وقد شرح في زوائد الروضة بنجاسة اليد دون المحل وهو مشكل، انتهى، قاله الكمال الدميري (^٣).\nفائدة: من الآداب أن يطلب موضعًا لينًا للبول، فإن كانت الأرض صلبة حكمها بشيء أو ضربها برجله حتى تلين وأن لا يبصق على الخارج منه ولا\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٣٠٠).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٣١٠).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ٢٩٥ و٣٠٩ - ٣١٠).","vol":"2","page":218},{"text":"ينظر إليه ولا إلى فرجه وأن لا يدخل الخلاء حافيًا ولا مكشوف الرأس ولا ينظر إلى السماء ولا يلتفت ولا يعبث بيده ولا يستاك، فإن ذلك يورث النسيان؛ ونقل في البحر عن بعض الأصحاب: أنه يكره أن يقول أهرقت الماء لقوله -ﷺ-: \"لا يقل أحدكم أهرقت الماء ولكن ليقل بُلتُ\" (^١) والحديث رأيته سندًا في تاريخ ابن النجار وغيره، قاله الدميري في شرحه (^٢)، والله اعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٦٢ رقم ١٥٠) والشاميين (٣٣٩٩) عن واثلة بن الأسقع. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢١٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة، وقد أجمعوا على ضعفه.\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الترهيب من إصابة البول الثوب وغيره وعدم الاستنزاه منه</span>\n٢٥٥ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله -ﷺ- مر بقبرين فَقَالَ: \"إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كبِير بلَى إِنَّه كبِير، أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأما الآخر فَكَانَ لا يسْتَتر من بَوْله\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَهَذَا أحد أَلْفَاظه وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\n٢٥٦ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢) أَن النَّبِي -ﷺ- مر بحائط من حيطان مَكَّة أَو الْمَدِينه فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما فَقَالَ النَّبِي -ﷺ-: \"إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كبِير ثمَّ قَالَ بلَى كَانَ أَحدهمَا لا يسْتَتر من بَوْله وَكَانَ الآخر يمشي بالنميمة\" الحَدِيت وَبَوَّبَ البُخَارِيّ عَلَيْهِ بَاب من الْكَبَائِر أَن لا يسْتَتر من بَوْله. قَالَ الْخطابِيّ (^٣) قَوْله وَمَا يعذبان فِي كبِير مَعْنَاهُ أنَهُمَا لم يعذبا فِي أَمر كَانَ يكبر عَلَيْهِمَا أَو يشق فعله لَو أَرَادَا أَن يفعلاه وَهُوَ التّنزُّه من الْبَوْل وَترك النميمة وَلم يرد أَن الْمعْصِيَة فِي هَاتين\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٢١٨) و(١٣٦١) و(٦٠٥٢)، ومسلم (١١١ - ٢٩٢)، وابن ماجه (٣٤٧)، وأبو داود (٢٠ و٢١)، والترمذى (٧٠)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢٣٦ (٣١) و٤/ ١٧٦ (٢٠٨٦) والكبرى (٢٧) و(٢٢٠٧) و(١١٥٤٩).\n(^٢) أخرجه البخارى (٢١٦) و(٦٠٥٥)، والنسائى في المجتبى ٤/ ١٧٦ (٢٠٨٧) والكبرى (٢٢٠٦)، وابن خزيمة (٥٥ و٥٦).\n(^٣) معالم السنن (١/ ١٩).","vol":"2","page":220},{"text":"الخصلتين لَيست بكبيرة فِي حق الدّين وَأَن الذَّنب فيهمَا هَين سهل، قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم ولخوف توهم مثل هَذَا استدرك فَقَالَ -ﷺ- بلَى إِنَّه كَبِير وَالله أعلم.\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- مر بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؟ بلى إنه كبير\" الحديث، قال الحافظ نقلًا عن الخطابي في قوله -ﷺ-: \"وما يعذبان في كبير\" معناه: فإنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يرد -ﷺ- أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين وأذن الذنب فيهما هين سهل، قال الحافظ: ولخوف توهم مثل هذا استدراك -ﷺ- فقال: \"بلى إنه كبير\".\nتنبيه: قال الخطابي: منسوب إلى جد من أجداده اسمه الخطابي، واسم أبي سليمان الخطابي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب (^١).\nقال ابن بطال في قوله: \"وما يعذبان في كبير\" يعني: عندكم، وهو كبير يعني عند الله تعالى كقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (^٢) وكيف لا\n_________\n(^١) انظر: المؤتلف والمختلف (١/ ٥٩ - ٦٠)، ومعجم الأدباء (٢/ ٤٨٦ - ٤٩٠)، والتقييد (ص ١٤٤ - ١٤٦). وقد صوب الحموى وابن نقطة وغيرهما أن اسمه حمد بدون همزة القطع.\n(^٢) سورة النور، الآية: ١٤.","vol":"2","page":221},{"text":"يكون كبيرًا وهما يعذبان فيه، ففي هذا الحديث أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له وهو مذهب أهل السنة والجماعة وجمهور المعتزلة أيضًا وهو مما يجب اعتقاد حقيقته وهو مما نقلته الأمة متواترًا، واشتهر بحيث لا يخفى فمن أنكر عذاب القبر أو نعمته فهو كافر كذب الله ورسوله في خبرهما (^١)، والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة\"، وحقيقة النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بنيهم، وهو محرم بالاتفاق فإنه بغيضر عند الله، ويجب بغض من أبغضه الله تعالى، وسيأتي الكلام على النميمة مبسوطًا في بابه إن شاء الله تعالى، ففيه غلظ تحريم المشي بالنميمة، فالمشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح ولاسيما مع قوله: \"كان يمشي بالنميمة\" كان التي للحالة المستمرة غالبًا وهي من الكبائر على الأصح، ولهذا: \"لا يدخل الجنة قتات \" وهو: النمام، أما لو نقله للنصيحة وترك مفسدة أو دفع مضرة وإيصال خبر يتعلق بالغير لا يكون محرمًا ولا مكروهًا بل قد يندب أو يستحب (^٢).\nقوله -ﷺ- \"وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله \" الحديث، قال النووي - ﵀: فيه ثلاث روايات، الأول: \"يستتر\" بتائين مثناتين، والثانية:\n_________\n(^١) شرح الصحيح (١/ ٣٢٢ - ٣٢٤)، والعدة في شرح العمدة (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٥١٦).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٥١)، والعدة (١/ ١٤٢)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٥٣٠ - ٥٣١).","vol":"2","page":222},{"text":"\"يستنزه\" بالزاي والهاء، والثالثة: \"يستبرئ \" بالباء الموحدة وبالهمز- بعد الراء، وهذه الثلاثة في البخاري وغيره: وكلها صحيحة (^١)، وفي رواية: \"لا يستنتر\" بالمثناة، وفي رواية: \"يستنثر\" بثاء مثلثة، ومعنى: \"لا يستتر\" من الستر يجوز أن يكون لا يبالي بكشف عورته وهو ما فهمه البغوي، ويجوز أن يريد: لا يجعل بينه وبين بوله حجابًا، توفيقا بين المعنيين وهو أولى (^٢)، ومعناه: لا يتجنبه ويحترز منه (^٣).\nوقال ابن بطال: معناه: لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول (^٤)، قال بعضهم: \"لا يستتر\" أي: لا يتحفظ منه فيكون مجازًا إذ الحقيقة فيه ستر العورة، وهذا ستر معنوي، ورجح الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد المجاز لأن التنبيه ليس على كشف العورة إذ لا تعلق له بالبول بدليل: \"من بوله \"، وفي رواية: \"عن بوله \" بمعنى واحد (^٥)، وقال القاضي في المشارق (^٦): قيل (من) بمعنى في، أي: لا يستتر في تلك الحالة أي: بكشف عورته، قال: والصحيح أنه للبيان أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترة ولا يتحفظ منه، ويدل عليه ما جاء في مسلم: \"لا\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٠١).\n(^٢) كشف المناهج (١/ ١٩١).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٠١).\n(^٤) شرح الصحيح (١/ ٣٢٥).\n(^٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٠٥ - ١٠٦)، والعدة (١/ ١٤٠ - ١٤١)، والنفح الشذى (٢/ ١٨٦ - ١٨٧)، والإعلام (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧).\n(^٦) مشارق الأنوار (١/ ٣٨٣).","vol":"2","page":223},{"text":"يستنزه، وفي البخاري: \"لا يستبرئ\" كما تقدم، قاله في شرح الإلمام.\nومعنى: \"لا يستنزه\" من الاستنزاه أي: النزاهة وهو البعد، ومعناه: لا يتحفظ منه ويبعد (^١).\nومعنى: \"لا يستبرئ\" أي: لا يستفرغ البول جهده بعد فراغه منه يخرج منه بعد وضوءه (^٢).\nومعنى: \"يستنتر\" بالمثناة كما تقدم من نتر الذكر وهو إمرار أصابع اليد من ظاهره على مجرى البول حتى يخرج ما فيه، ومعنى \"يستنثر\"بثاء مثلثة كما تقدم أي: ينثر بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه (^٣)، ففي الحديث أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا بال أحدكم فلينثر ذكره\" ثلاث مرات (^٤)، بمعنى بعد البول، قال الأصحاب: هذا الأدب وهو النثر والتنحنح مستحب، فلو ترك ذلك فلم ينثر ولم يتنحنح واستنجى عقب انقطاع البول ثم توضأ فاستنجاؤه صحيح ووضوئه كامل لأن الأصل عدم خروج شيء آخر، قال الشافعي: يستبرئ البائل من البول لئلا يقطر عليه، وأحب أن يقيم ساعة قبل الوضوء وينثر ذكره، وقال الروياني: يمشي خطوة أو خطوات، وكل أحد أعرف بطبعه، والمختبر أن ذلك يختلف باختلاف الناس، والمقصود أنه يظن\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ١١٩)، ومشارق الأنوار (١/ ٨٧) و(٢/ ١١).\n(^٢) شرح الصحيح (١/ ٢٣٥) لابن بطال.\n(^٣) شرح السنة (١/ ٣٧٢)، ومطالع الأنوار (١/ ٤٧٩).\n(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ٣٤٧ (١٩٠٥٣) و(١٩٠٥٤)، وابن ماجه (٣٢٦). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٢١)، وضعيف الجامع (٤١٣).","vol":"2","page":224},{"text":"انقطاع البول، فمن الناس من يحصل هذا المقصد بلا عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرير، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من يحتاج إلى مشي خطوات، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء، هذا وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة، ويكره حشو الذكر بقطنة ونحوها، والنتر بالتاء المثناة، قال الجوهري: إنه الحدث بعنف من غير مبالغة، وذكر هذا الحديث، وأما النثر في الاستنشاق وفي الوليمة فبالثاء المثلثة (^١)، قاله في الديباجة.\nومعنى الجميع: عدم اجتنابه والتحرز منه، ففي الحديث دليل على أن الاستبراء من البول والتنزه عنه واجب إذ لا يعذب الإنسان إلا على ترك الواجب، وكذلك إزالة جميع النجاسات قياسا على البول وهو قول أكثر العلماء (^٢)، أما بول الآدمي فلا خلاف فيه (^٣)، وأما غيره فمذهب الشافعي نجاسته، وقال مالك: لا يجب إزالة النجاسة بل هي سنة، ويعذب على تركها إذا سالت النجاسة مثلا على يديه بخلاف ما إذا لم تسل (^٤)، وقيل: تجب (^٥)، والثالث وهو الأشهر عندهم: تسقط مع العجز والنسيان لا مع الذكر (^٦)، وعند أبي حنيفة: يعفى عند قدر الدرهم فلا يجب الاستنجاء إلا عند الانتشار\n_________\n(^١) انظر المجموع (٢/ ٩٠ - ٩١).\n(^٢) التذكرة (٣٩٩).\n(^٣) نقل الإجماع ابن المنذر كما في الأوسط (٢/ ١٣٨).\n(^٤) المنتقى للباجى ١/ ٤١، وإكمال المعلم ٢/ ٧٧، وشرح الصحيح (١/ ٢٤٥) لابن بطال.\n(^٥) المنتقى للباجى ١/ ٤١.\n(^٦) القبس لابن العربى ص ١٤٩، والمسالك ٢/ ٩٠.","vol":"2","page":225},{"text":"والكثرة، ولكن يسن (^١)، والحديث ظاهر في الوجوب وفي إضافة العذاب إلى البول خاصة دون سائر المعاصي إشارة إلى ما يترتب على ذلك من بطلان صلاته التي هي أعظم أركان الإسلام، ولهذا قال: \"تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه\" (^٢)، وقد ورد أن بعضهم ضمه القبر أو ضغطه بسبب ذلك (^٣).\n_________\n(^١) مختصر اختلاف العلماء (١/ ١٢١) للطحاوى، وشرح السنة ١/ ٣٦٣، القبس ٢/ ٩١.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٨)، والدينورى في المجالسة (٣١)، وابن المقرئ (١١٧٦)، والدارقطنى (٤٦٤)، والحاكم (١/ ١٨٣) عن أبى هريرة. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ووافقه الذهبى. وقال البوصيرى في الزجاجة (١/ ٥١): هذا إسناد صحيح رجاله من آخرهم محتج بهم في الصحيحين. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: (١١/ ٦٦ - رقم: ١١١٠٤) والحاكم فيالمستدرك: (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، والدارقطنى (٤٦٦) عن ابن عباس. وقال الدارقطنى: لا بأس به. وقال النووى في المجموع (٢/ ٥٤٨): رواه عبد بن حميد -شيخ البخاري ومسلم- في \"مسنده\" من رواية ابن عباس بإسناد كلهم عدول ضابطون بشرط \"الصحيحين \" إلا رجلا واحدا، وهو أبو يحيى القتات فاختلفوا فيه فجرحه الأكثرون، ووثقه يحيى بن معين في رواية عنه، وروى له مسلم في \"صحيحه\" وله متابع على حديثه وشواهد تقتضي مجموعها حسنه وجواز الاحتجاج به. وأخرجه الدارقطنى في السنن (٤٥٩) عن أنس.\nقال الدارقطنى عن حديث أبى هريرة: الصواب مرسل وعن حديث أنس: المحفوظ مرسل. رواه عبد بن حميد -شيخ البخاري ومسلم- في \"مسنده\" من رواية ابن عباس بإسناد كلهم عدول ضابطون بشرط \"الصحيحين\" إلا رجلا واحدا، وهو أبو يحيى القتات فاختلفوا فيه فجرحه الأكثرون، ووثقه يحيى بن معين في رواية عنه، وروى له مسلم في \"صحيحه\" وله متابع على حديثه وشواهد تقتضي مجموعها حسنه وجواز الاحتجاج به. وصححه الألباني في الإرواء (٢٨٠) وصحيح الترغيب (١٥٨) و(١٥٩).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ١٠٥).","vol":"2","page":226},{"text":"وفيه دليل على أن العذاب للروح والجسد (^١).\nفبول ما لا يأكل لحمه نجس بالإجماع خلافا للأوزاعي، وكذلك بول ما يؤكل لحمه على الصحيح، وفي قول اختاره ابن المنذر وابن خزيمة والروياني أن رولث ما يؤكل لحمه بوله طاهر لأن النبي -ﷺ- أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل وطاف على بعير، والجواب: أن شرب الأبوال كان للتداوي وهو جائز بالنجاسات غير الخمر، قال الشافعي: خبرهم منسوخ، وطوافه على البعير لا يدل على طهارة بوله كما أن حمله أمامة في الصلاة لا يدل على طهارة بولها، وأما بول الصبي الذي لم يطعم غير اللبن فنص الشافعي على نجاسته، ونقل ابن العربي وابن عبد البر وابن بطال عنه أنه طاهر ومردود (^٢)، وقال في مختصر مجمع الأحباب: قيل أن رسول الله -ﷺ- أخذ الحسين وهو صغير فوضعه فبال فأصاب البول إزاره -ﷺ- فقالت له أم الفضل: أعطني إزارك أغسله؟ فقال: \"إنما يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام\" (^٣)، حدثنا أحمد بن موسى بن معقل حدثنا أبو اليمان المصري قال: سألت الشافعي\n_________\n(^١) بحر الكلام (ص ٢٥٠ - ٢٥١) للنسفى، وشرح النووى على مسلم (١٧/ ٢٠١).\n(^٢) نقلا عن: النجم الوهاج (١/ ٤١٠).\n(^٣) أخرجه إسحاق (٢٢٧٣) و(٢٢٧٤)، وأحمد ٦/ ٣٣٩) ٢٦٨٧٥) و(٢٦٨٧٧) و(٢٦٨٧٨)، وابن ماجه (٥٢٢)، وأبو دا ود (٣٧٥)، وابن خزيمة (٢٨٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (٥٩١) و(٥٩٢)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٢٥ - ٢٦ رقم ٣٨ و٣٩ و٤٠ و٤١)، والحاكم (١/ ١٦٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في المشكاة (٥٠١) وصحيح أبى داود (٤٠١).","vol":"2","page":227},{"text":"عن حديث النبي -ﷺ-: \"يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية\" والماءان جميعا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي فهمت: قلت: نعم، قال: إن الله تعالى لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير فصار بول الغلام من الماء والطين وصار بول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت، قلت: نعم، قال: نفعك الله بالشرح (^١)، قال الأصحاب في الفرق بين الصبي والصمبية من جهة المعنى فرقين، أحدهما. أن بولها أثخن وألصق بالمحل، والثاني: أن النفوس أعلق بالذكور دون الإناث فيكثر حمل الذكور فناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح دفعا للحرج والعسر بخلاف الإناث (^٢)، وقال الشيخ تقي الدين: ذكر بعضهم أن بول الصبي يقع في محل واحد وبول الصبية يقع منتشرًا فاحتيج إلى صب الماء في مواضع متعددة (^٣)، والذي نقل عن الشافعي حسن متعين القول به، والعجيب في أن الأصحاب لم يذكروه في كتبهم وهو قول إمامهم، وقال عبد الله بن وهب وعبارته أن التراب إذا طرح في الماء [طهر]، والضلع إذا طرح في الماء أنتن، ولقائل أن يقول هذا موجود في بول الكبير، ولكن صرف عن ذلك الإجماع (^٤)، انتهى، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) هذا النص نقله ابن ماجه كما السنن عقب حديث (٥٢٥).\n(^٢) المجموع (٢/ ٥٩٠)، والنجم الوهاج (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ١٢٠).\n(^٤) انظر: الإعلام بفوائدة عمدة الأحكام (١/ ٦٨٦ - ٦٨٧).","vol":"2","page":228},{"text":"وقال بعض العلماء: الصحيح الفرق للنص المذكور لأن الجارية أكد في الصفة، قيل: إنه أصفر ثخين له رائحة يؤثر في المحل وبول الغلام أبيض رقيق كالماء (^١)، وقال في التهذيب أن طبع الأنثى أَحَرُّ فبولها ألصق بالمحل (^٢)، وقيل: الفرق أن بول الصبية يسبب استيلاء الرطوبة والبرد على مزاجها يكون أغلظ وأنتن فيفتقر بولها إلى مزيد مبالغة بخلاف الصبي (^٣)، انتهى.\nقوله: في رواية البخاري وابن خزيمة أنَّ النبي -ﷺ- مرَّ بحائط من حيطان مكة أو المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، الحائط: هو البستان إذا كان سياج دائر، وبوب البخاري -رحمة الله عليه- باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله.\n\n٢٥٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"عَامَّة عَذَاب الْقَبْر فِي الْبَوْل فاستنزهوا من الْبَوْل\" رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبرانيِّ فِي الْكَبِير وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنيِّ كلهم من رِوَايَة أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَنهُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنيِّ إِسْنَاده لا بَأْس بِهِ والقتات مُخْتَلف فِي توثيقه (^٤).\n_________\n(^١) بحر المذهب (٢/ ١٨٩).\n(^٢) التهذيب للبغوي (١/ ٢٠٧).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٢١٤).\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد في المنتخب (٦٤٢)، والبزار (٤٩٥٧)، والطحاوى في مشكل الآثار (٥١٩٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٧٩ - رقم: ١١١٠٤) و(١١/ ٨٤ رقم: ١١١٢٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، والدارقطني (٤٦٦)، والبيهقي في إثبات عذاب =","vol":"2","page":229},{"text":"قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"عامة عذاب القبر من البول، فاستنزهوا من البول\" الحديث، وقد صح التحذير من عدم التنزه من البول في أول الباب وأن عامة عذاب القبر منه، وأن من صلى ولم يستبرئ من البول فقد صلى بغير طهور، وترك الصلاة كبيرة بلا شك، وفيه دليل في الحديث قبله على نجاسة البول وأن الأبوال كلها نجسة، والاحتراز منها واجب لقوله في الحديث الآخر \"لا يستبربئ من البول\" كما تقدم.\nقوله: رواه البزار والطبراني والحاكم من رواية أبي يحيى القتات، أبو يحيى القتات هو بفتح القاف وتشديد المثناة فوق ثم مثناة أخرى بعد الألف الكوفي الكناني، اسمه: زاذان، وقيل: دينار، وقيل: عبدا لرحمن، وقيل: مسلم، وقيل: يزيد، وقبل: زبان بكسر الزاي وتشديد الباء ثم نون، روى عن مجاهد وعطاء وحبيب بن أبي ثابت، روى عنه: الأعمش وسفيان وإسرائيل وحديج\n_________\n= القبر (١٢١). وقال الدارقطني: لا بأس به.\nوقال النووى في المجموع (٢/ ٥٤٨): رواه عبد بن حميد -شيخ البخاري ومسلم- في \"مسنده\" من رواية ابن عباس بإسناد كلهم عدول ضابطون بشرط \"الصحيحين \" إلا رجلا واحدا، وهو أبو يحيى القتات فاختلفوا فبه فجرحه الأكثرون، ووثقه يحيى بن معين في رواية عنه، وروى له مسلم في \"صحيحه\" وله متابع على حديثه وشواهد تقتضي مجموعها حسنه وجواز الاحتجاج به.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٧: وفيه أبو يحيى القتات وثقه ابن معين في رواية وضعفه الباقون. وصححه الألباني في الإرواء (٢٨٠) وصحيح الترغيب (١٥٨).","vol":"2","page":230},{"text":"بضم الحاء المهملة وفتح الدال بن معاوية وجماعة، قال أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرة مناكير جدًّا، وقال ابن عدي: يكتب حديته على ما فيه، واختلفت الروايات على ابن معين فيه، وقال النسائي: ليس بالقوي (^١).\nوتقدم الكلام على مجاهد، والله أعلم.\n\n٢٥٨ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"تنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل\" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيِّ وَقَالَ الْمَحْفُوظ مُرْسل (^٢).\n\n٢٥٩ - وَعَن أبي بكرَة -﵁-: قَالَ بَيْنَمَا النَّبِي -ﷺ- يمشي بيني وَبَين رجل آخر إِذْ أتَى على قبرين فَقَالَ: \"إِن صَاحِبي هذَيْن القبرين يعذبان فائتياني بجريدة\" قَالَ أَبُو بكرَة: فاستبقت أَنا وصاحبي فَأتَيْته بجريدة فَشَقهَا نِصْفَيْنِ فَوضع فِي هَذَا الْقَبْر وَاحِدَة وَفِي ذَا الْقَبْر وَاحِدَة وَقَالَ: \"لَعَلَّه يُخَفف عَنْهُمَا مَا دامتا رطبتين إنَّهُمَا يعذبان بِغَيْر كبِير الْغَيْبَة وَالْبَوْل\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا من رِوَايَة بَحر بن مرار عَن جده أبي بكرَة وَلم يُدْرِكهُ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الكمال (٣٤/ الترجمة ٧٦٩٩)، وتذهيب تهذيب الكمال (١٠/ الترجمة ٨٤٩٨).\n(^٢) أخرجه الدارقطني في السنن (٤٥٩) عن أنس. قال الدارقطني: المحفوظ مرسل. وصححه الألباني في الإرواء (٢٨٠) وصحيح الترغيب (١٥٩).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٨٦٧)، وأحمد ٥/ ٣٥ (٢٠٣٧٣)، وابن ماجه (٣٤٩)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٢٧، والبزار (٣٦٣٦)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٣٧٤٧)، وابن عدي في الكامل ٢/ ٤٨٧، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٢٤) =","vol":"2","page":231},{"text":"قوله: عن أبي بكرة، أبو بكرة: اسمه نفيع بن الحارث بن كلدة من ثقيف، ونفيع بضم النون ثم فاء مفتوحة، وكلدة: بفتح اللام، وقيل: اسمه مسروح، وبكرة: بفتح الباء الموحدة وإسكان الراء والكاف صحابي جليل وهو من الموالي، وتقدم الكلام على الموالي وعددهم، وأمه: اسمها سمية بضم السنن، كانت أمة للحارث بن كلدة، وكني بأبي بكرة لأنه كان بحصن الطائف فأسلم، وعجز عن الخروج فتدلى ببكرة فكني بأبي بكرة لذلك توفي ﵁ سنة إحدى وخمسين، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله: بينما النبي -ﷺ- يمشي بيني وبين رجل آخر إذ أتى على قبرين فقال: إن صاحبي هذين القبرين يعذبان فأتياني بجريدة، الحديث؛ الجريدة: السعفة التي جرد عنها الخوص أي الغصن من النخل بدون الورق وإذا لم يجرد عنها الخوص يسمى سعفة (^٢).\n_________\n= و(١٢٥). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي بكرة، إلا من حديث الأسود بن شيبان، ولم يجوده عن الأسود بن شيبان، إلا مسلم بن إبراهيم ورواه أبو داود الطيالسي، عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مرار، عن أبي بكرة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٠) و(٢٨٤١).\n(^١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٩٨ - ١٩٩ الترجمة ٧٤٣).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة (١/ ٤٥٢)، والسير الغريب (ص ٢٧٥)، والنظم المستعذب (٢/ ٣٦).","vol":"2","page":232},{"text":"قال ابن بطال (^١): إنما خص الجريد بالغرز على القبر دون سائر النبات والثمار لأن النخلة أطول الثمار بقاء فتطول مدة التخفيف عنهما وهي شجرة شبهها النبي -ﷺ- بالمؤمن، وقيل: إنها شجرة خلقت من فضل طينة آدم ﵇.\nقوله: فأتيته بجريدة فشقتا نصفين فوضع في هذا القبر واحدة وفي ذا القبر واحدة، الحديث، قال النووي -قدس الله روحه- قال العلماء ﵃ (^٢): أما وضعه -ﷺ- الجريدتين على القبر فهو محمول على أنه -ﷺ- سأل الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته -ﷺ- بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا، وقيل: يحتمل أنه كان -ﷺ- يدعو لهما تلك المدة.\nقوله: قال: \"لعله يخفف عنهما ما كانتارطبتين \" لعل هنا بمعنى عسى (^٣): ويخفف عنهما أي: العذاب، وفي بعض ألفاظ الحديث: \"ما داما رطبتين، ما لم ييبسا\" بفتح الموحدة وكسرها لغة أيضًا، والضمير فيه راجع إلى الكسرتين، وفي بعضها \"إلى أن ييبسا\" وفي بعضها \"إلا أن ييبسا\" وقيد بقوله: \"ما لم ييبسا\" لأنه يحتمل أنه أراد بذلك أن الجريدة تسبح ما دامت رطبة لأن النداوة التي فيها كالحياة التي في الحيوان فإذا يبست ذهب تسبيحها، وقيل: لكونهما يسبحان ما دامتا رطبتين وليس لليابس تسبيح، فتحصل البركة بتسبيحهما لصاحب القبر، ولهذا جعل غاية التخفيف جفافهما، وهذا على\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٣) شرح المشكاة (٣/ ٧٦٩) للطيبى.","vol":"2","page":233},{"text":"بعض التأويلات في ذلك، وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (^١) قالوا معناه: وإنْ من شيء حي إلا يسبح بحمده ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه على عمومه، ثم اختلف هؤلاء هل يسبح حقيقة أو فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحًا منزهًا بصورة حاله؟ والمحققون على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله ﷾ فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (^٢) وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها وجاء النص به وجب المصير إليه، والله أعلم، ولهذا استحب العلماء ﵃ قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث، لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريدة فتلاوة القرآن أولى (^٣).\nوقال شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني أيضًا (^٤): وإذا حصلت البركة بتسبيح الجماد فالقرآن الذي هو أشرف الذكر من الآدمي الذي هو اشرف الحيوان أولى بحصول البركة بقراءته، ولاسيما إذا كان القارئ رجلًا صالحًا، انتهى.\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٧٤.\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٥٢).\n(^٤) الإمتاع (ص ٨٦).","vol":"2","page":234},{"text":"والمشهور من مذهب الشافعي -﵀- أنه لا يصل ثواب القراءة إلى الميت، وقال بعض أصحابه يصل ثوابها إلى الميت، وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك وأما الصوم والصلاة فمذهب الشافعي﵀- وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابهما إلى الميت إلا إذا كان الصوم واجبًا على الميت فقضاه عنه وليه أو من أذن له الولي فإن فيه قولان للشافعي أشهرها عنه أنه لا يصح، وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح، وستأتي أدلته قاله النووي في شرح صحيح مسلم (^١).\nفائدة فيها بشرى: قد ذكر الإمام القرطبي في التذكرة عن الشيخ الفقيه الإمام القاضي عبد العزيز بن عبد السلام أنه كان يفتي في حياته بأنه لا يصل للميت ثواب ما يقرأ، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (^٢) فلما توفي رآه بعض أصحابه ممن كان يجالسه ويسأله عن ذلك فقال له: إنك كنت تقول إنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويهدى إليه، فكيف الأمر؟ فقال له: كنت أقول ذلك في دار الدنيا، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم الله تعالى بي ذلك وأنه يصل إليه ذلك (^٣)، انتهى.\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١/ ٩٠).\n(^٢) سورة النجم، الآية: ٣٩.\n(^٣) التذكرة (ص ٢٩٢ - ٢٩٣).","vol":"2","page":235},{"text":"وهذا قول الإمام أحمد بن حنبل وبه قال صاحب الحاوي والقاضي حسين (^١).\nفائدة أخرى: قد ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن الحصيب الصحابي -﵁- أوصى أن يجعل في قبره جريدتان ففيه إنه تبرك بفعل مثل ما فعل النبي -ﷺ-، وقد أنكر الخطابي -﵀- ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث وقال: لا أصل له ولا وجه له (^٢)، والله أعلم.\nفائدة أخرى: قال الحافظ العسقلاني مسألة (^٣): هل يغرس الريحان أو الجريد على باب منزل القبر أو على قافية اللحد؟ الجواب: والله أعلم، أنه ورد في الحديث الصحيح مطلقًا فيحصل المقصود بأي موضع غرس من القبر، ورأيت هنا بخط الشيخ الإمام الصالح شمس الدين بن حسان ﵀ قال: مر بي في بعض طرق الحديث أن الغرس كان عند الرأس ثم رأيته في الدارمي (^٤).\n_________\n(^١) انظر العزيز شرح الوجيز (٦/ ١٠٧)، وروضة الطالبين (٥/ ١٩١).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٠٢).\n(^٣) انظر: الجواب الشافي عن السؤال الخافي للعسقلانى (ص:٤٩)، وكذلك ابن حجر الهيتمى في الفتاوى الفقهية الكبرى (٢/ ٩) وشمس الدين بن حسان المذكور هو محمد بن محمد ابن علي بن حسَّان بن محمد المقدسي، العلامة شمس الدين ابن حسَّان من تلامذة ابن حجر العسقلانى انظر الجواهر والدرر (٣/ ١١٦١).\n(^٤) أخرجه الدارمى في السنن (٧٦٦)، وهو عند عبد بن حميد (٦٢٠)، عن ابن عباس بلفظ: ثم أخذ جريدة رطبة فكسرها، فغرز عند رأس كل قبر منهما قطعة.","vol":"2","page":236},{"text":"٢٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"أَكثر عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل\" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلا أعلم لَهُ عِلّة قَالَ الْحَافِظ وَهُوَ كَمَا قَالَ (^١).\n\n٢٦١ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁-: قَالَ مر النَّبِي -ﷺ- فِي يَوْم شَدِيد الْحر نَحْو بَقِيع الْغَرْقَد قَالَ وَكَانَ النَّاس يَمْشُونَ خَلفه قَالَ فَلَمَّا سمع صَوت النِّعَال وقر ذَلِك فِي نَفسه فَجَلَسَ حَتَّى قدمهم أَمَامه فَلَمَّا مر ببقيع الْغَرْقَد إِذا بقبرين قد دفنُوا فيهمَا رجلَيْنِ، قَالَ فَوقف النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ من دفنتم هَاهُنَا الْيَوْم، قَالُوا فلَان وَفُلَان، قَالُوا يَا نَبِي الله وَمَا ذَاك قَالَ أما أَحدهمَا فَكَانَ لا يتنزه من الْبَوْل وَأما الآخر فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأخذ جَرِيدَة رطبَة فَشَقهَا ثمَّ جعلهَا على القبرين قَالُوا يَا نَبِي الله لم فعلت هَذَا قَالَ ليخففن عَنْهُمَا، قَالُوا يَا رَسُول الله حَتَّى مَتى هما يعذبان قَالَ غيب لا يُعلمهُ إِلَّا الله وَلَوْلا تمرغ قُلُوبكُمْ وتزيدكم فِي الحَدِيث لسمعتم مَا أسمع رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه كلَاهُمَا من طَرِيق عَليّ بن يزِيد الالهاني عَن الْقَاسِم عَنهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٦ (٨٣٣١) و٢/ ٣٨٨ (٩٠٣٣) و٢/ ٣٨٩ (٩٠٥٩)، وابن ماجه (٣٤٨)، والدينورى في المجالسة (٣١)، وابن المقرئ (١١٧٦)، والدارقطني (٤٦٤)، والحاكم (١/ ١٨٣) عن أبى هريرة. قال الدارقطني: صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ووافقه الذهبى. وقال البوصيرى في الزجاجة (١/ ٥١): هذا إسناد صحيح رجاله من آخرهم محتج بهم في الصحيحين. وصححه الألباني في الإرواء (٢٨٠) وصحيح الترغيب (١٦١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٦ (٢٢٢٩٢)، وابن ماجه (٢٤٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢١٦ رقم ٧٨٦٩). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٨ و٣/ ٥٦: رواه أحمد، وفيه علي بن يزيد [بن =","vol":"2","page":237},{"text":"قوله: عن أبي أمامة، وهو الباهلي، تقدم الكلام عليه.\nقوله: مر النبي -ﷺ- نحو بقيع الغرقد، الحديث، البقيع هنا بالباء الموحدة بلا خلاف هو مدفن أهل المدينة وهو المكان المتسع من الأرض، وسمي بقيع الغرقد لغرقد كان فيه وهو ما عظم من العوسج، والغرقد من شجر العضاة، واحدته غرقدة، والعضاة شجر له شوك مثل الطلح والسدر، قال: وبلغني أن الغرقد كبار العوسج، وقال قوم: لا يكون بقيعا إلا وفيه شجر، سميت المقبرة بذلك لأنه كان فيها، وقطع فذهب الشجر وبقي الاسم، ويقال له شجر اليهود لأنه يقول: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله (^١)، والنقيع بالنون هو الذي حماه رسول الله -ﷺ-، والنقيع في الأصل كل موضع يستنقع فيه الماء (^٢)، وبه سمي هذا.\nقوله: وكان الناس يمشون خلافه فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه فجلس حتى قدمهم أمامه، الحديث، أمامه أي قدامه، لأنه -ﷺ- خشي أن يقع في نفسه شيء من الكبر.\n_________\n= علي] الألهاني عن القاسم، وكلاهما ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢١) و(١٦٧٣).\n(^١) انظر: العين (١/ ١٨٤)، وغريب الحديث (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤) لابن قتيبة، ومجمل اللغة (ص ١٣٢)، ومشارق الأنوار (١/ ١١٥) و(٢/ ١٣٣)، والإفصاح (٧/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وكشف المشكل (١/ ١٩١)، والنهاية (١/ ١٤٦) و(٣/ ٣٦٢)، وشرح النووى على مسلم (٧/ ٤١).\n(^٢) مطالع الأنوار (١/ ٥٨٤)، وتهذيب اللغة (٤/ ١٧٧).","vol":"2","page":238},{"text":"قوله: وقر ذلك في نفسه، معناه: تمكن، قال أبو عثمان في كتاب الأفعال: ووقر الشيء في القلب معناه: تمكن (^١)، وتقدم ذلك في الكلام على الخطبة.\nقوله -ﷺ-: \"أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول \" تقدم الكلام على ذلك في أول الباب، وتقدم الكلام على النميمة.\nقوله: \"وأخذ جريدة رطبة فشقها ثم جعلها على القبر\" الحديث، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: قال علماؤنا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفف عنها بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن (^٢)، انتهى، ويحتمل أن يكون قد أوحي إليه -ﷺ- تخفيف العذاب عنهما إلى وقت الجفاف، وقال الخطابي ﵀: هذا من بركة أثره ودعائه -ﷺ- بالتخفيف عنهما (^٣).\nتنبيه: قوله: رواه أحمد وابن ماجه كلا من طريق علي بن يزيد الألهاني (قال الدارقطني: متروك، وقال البخاري منكر الحديث، وقال أبو زرعة ليس بقوي ووثقه أحمد وابن حبان).\n\n٢٦٢ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنه -﵁- قَالَ خرج علينا رَسُول الله -ﷺ- فِي يَده الدرقة فوضعها ثمَّ جلس فَبَال إِلَيْهَا فَقَالَ بَعضهم انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة فَسَمعهُ النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ وَيحك مَا علمت مَا أصَاب صَاحب بني\n_________\n(^١) الأفعال (٤/ ٢٤٠).\n(^٢) التذكرة (ص ٢٧٦).\n(^٣) معالم السنن (١/ ١٩ - ٢٠)، والمفاتيح (١/ ٣٧٢)، وشرح المصابيح (١/ ٢٤٩).","vol":"2","page":239},{"text":"إِسْرَائِيل كَانُوا إِذا أَصَابَهُم الْبَوْل قرضوه بِالْمَقَارِيضِ فنهاهم فعذب فِي قَبره\" رَوَا ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحة (^١).\nقوله: عن عبد الرحمن بن حسنة، هو: أخو شرحبيل بن حسنة، له صحبة، روى عن: النبي -ﷺ- هذا الحديث الواحد، وحسنة أمهما، واختلف في اسم أبيه وفي نسبه، فذكر جماعة أنه عبد الرحمن بن عبد الله بن المطاع وذكره في الاستيعاب في ترجمة أخيه شرحبيل، وقال الزبير: شرحبيل بن عبد الله بن عمرو وأخوه شرحبيل بن حسنة الصحابي، قال النووي: شرحبيل بن حسنة الصحابي مذكور في المهذب في كتاب السير في قتل الشيخ الذي فيه رأي، وحسنة أمه، واسم أبيه عبد الله بن المطاع بن عبد الله بن الغطريف بن عبد العزى السهمي، وقتل الكندي، كنيته أبو عبد الله، أسلم شرحبيل قديمًا هو وأخوه لأمه جنادة وجابر، وهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثم استعمله أبو بكر على جيوش الشام، ولم يزل واليًا لعمر على بعض نواحي الشام إلى أن توفي في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وله سبع وثمانون سنة، طعن هو وأبو عبيدة في يوم واحد (^٢)، انتهى.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٦ (١٧٧٥٨) و(١٧٧٦٠)، وابن ماجه (٣٤٦)، وأبو داود (٢٢)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢٣٥ (٣٠) وفي الكبرى (٢٦)، وإبن حبان (٣١٢٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٢)، والمشكاة (٣٧١)، وصحيح أبي داود (١٦).\n(^٢) انظر: الاستيعاب (٢/ الترجمة ١١٦٧) و(٢/ الترجمة ١٤٠٠)، وأسد الغابة (٣/ الترجمة ٣٢٨٩)، وتهذيب الكمال (/ ١٢ الترجمة ٢٧١٩) و(١٧/ الترجمة ٣٨٠٠).","vol":"2","page":240},{"text":"قوله: خرج علينا رسول الله -ﷺ- وفي يده الدرقة فوضعها ثم جلس فبال إليها، الحديث؛ الدرقة: الجحفة، والجمع: درق.\nقوله: فقال بعضهم: انظروا يبول كما تبول المرأة فسمعه النبي -ﷺ-، فقال: \"ويحك، أما علمت ما أصاب بني إسرائيل\" الحديث، ويحك وويلك والفرق بينهما؟ اعلم أن ويحك كلمة رحمة كقوله -ﷺ- لعمار بن ياسر: \"ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية\" (^١)، لأنها كلمة ترحم وتوجع، فقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وحكى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ويح كلمة رحمة، وقال الهروي: ويح كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرئى له، وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف يقال: ويح زيد وويحًا له وويحٌ له؛ وويل: كلمة عذاب تجري على ألسنتنا وتستعمل من غير قصد إلي ما وضعت له أولا كقولهم: عقرى حلقى، وقاتله الله، ما أشجعه، وما أشبه ذلك، كقوله -ﷺ-: \"ويل أمه مسعر حرب \" (^٢) انتهى. وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇.\nقوله: \"كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض\"، وقرضوه بالضاد المعجمة أي: قطعوه بها، والمقراض: المقص، قاله عياض (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٨٩ (٢٦٤٨٢) و٦/ ٣١٥ (٢٦٦٨٠) واللفظ له، ومسلم (٧٢ و٧٣ - ٢٩١٦) عن أم سلمة.\n(^٢) انظر شرح الصحيح لابن بطال (٩/ ٣٣٢)، وإكمال المعلم (١/ ٣٢٥)، وغريب الحديث (٢/ ٤٨٦) لابن الجوزى، وشرح المشكاة (٣/ ٧٨٣) للطيبى. والحديث أخرجه البخارى (٢٧٣١) عن المسور بن مخرمة ومروان.\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ١٨٠).","vol":"2","page":241},{"text":"وفي الحديث يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب عليهم القرض كما أوجب على بني إسرائيل (^١).\n\n٢٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: كنَّا نمشي مَعَ رَسُول الله -ﷺ- فمررنا على قبرين فَقَامَ فقمنا مَعَه فَجعل لَونه يتَغَيَّر حَتَّى رعد كم قَمِيصه فقُلْنَا مَا لَك يَا رَسُول الله فَقَالَ أما تسْمَعُونَ مَا أسمع ققُلْنَا وَمَا ذَاك يَا نَبِي الله قَالَ هَذَانِ رجلانِ يعذبان فِي قبورهما عذَابا شَدِيدا فِي ذَنْب هَين قُلْنَا فيمَ ذَلِك قَالَ كَانَ أَحدهمَا لا يستنزه من الْبَوْل وَكَانَ الآخر يُؤْذِي النَّاس بِلِسَانِهِ وَيمْشي بَينهم بالنميمة فَدَعَا بجريدتين من جرائد النّخل فَجعل فِي كل قبر وَاحِدَة قُلْنَا وَهل يَنْفَعهُمْ ذَلِك قَالَ نعم يُخَفف عَنْهُمَا مَا دامتا رطبتين رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه. (^٢)\nقَوْله فِي ذَنْب هَين يَعْنِي هَين عِنْدهمَا وَفِي ظنهما أَو هَين عَلَيْهِمَا اجتنابه لَا إِنَّه هَين فِي نفس الأَمر لِأَن النميمة مُحرمَة اتِّفَاقًا.\n\n٢٦٤ - وَعَن شفي بن ماتع الأصبحي -﵁-: عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ أَرْبَعَة يُؤْذونَ أهل النَّار على مَا بهم من الأذَى يسعون بَين الْحَمِيم والجحيم يدعونَ بِالْويلِ وَالثُّبُور يَقُول أهل النَّار بَعضهم لبَعض مَا بَال هَؤُلاءِ قد آذونا على مَا بِنَا من الأذَى قَالَ فَرجل مغلق عَلَيْهِ تَابُوت من جمر وَرجل يجر أمعاءه وَرجل يسيل فوه قَيْحا ودما وَرجل يَأْكُل لَحْمه قَالَ فَيُقَال لصَاحب التابوت مَا\n_________\n(^١) عمدة القارى (٣/ ١٣٩).\n(^٢) أخرجه إسحاق (٢٠٧)، وأحمد ٢/ ٤٤١ (٩٦٨٦)، وابن حبان (٨٢٤)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٢٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٣) و(٢٨٢٣). ولم يذكر المصنف تحته شرحًا.","vol":"2","page":242},{"text":"بَال الأبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا من الأذَى فَيَقُول إِن الأبْعَد مَاتَ وَفِي عُنُقه أَمْوَال النَّاس مَا يجد لَهَا قَضَاء أَو وَفَاء ثمَّ يُقَال للَّذي يجر أمعاءه مَا بَال الأبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا من الأذَى فَيَقُول إِن الأبْعَد كَانَ لا يُبَالِي أَيْن أصَاب الْبَوْل مِنْهُ لا يغسلهُ، وَذكر بقِيّة الحَدِيث. رَوَاه ابْن أبي الدُّنْيَا في كتاب الصمت وَكتاب ذمّ الْغَيْبَة وَالطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لين وَأَبُو نعيم وَقَالَ شفي بن ماتع مُخْتَلف فِيهِ (^١) فَقيل لَهُ صُحْبَة وَيَأْتي الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي الْغَيْبَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عن شفي بن ماتع الأصبحي، هو: [ويقال: ابن عبد الله الأصبحي، أبو عثمان، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو عبيد المصري، والد حسين بن شفي ذكره الصغاني فيمن اختلف في صحبته (^٢)، والذي قاله ابن يونس والجماعة أنه تابعي، وحديثه عن النبي -ﷺ- مرسل وقد مات سنة خمس ومائة بعد أبي الطفيل وذلك مما يحقق كونه تابعيا وقال ابن سعد: له أحاديث، وتوفي في خلافة يزيد بن عبد الملك يعني المتوفى عشيا في شعبان سنة خمس ومائة وكانت خلافته أربع سنين وشهرًا (^٣)،.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٩٤)، وأسد بن موسى في الزهد (٤٠)، وهناد (٢/ ٥٧٧ - ٥٧٨)، وابن أبى الدنيا في الصمت (١٨٦) و(٣٢٣) وذم الغيبة (٤٩) وصفة النار (٢٢٩)، والطبرى في صريح السنة (٣٦)، والخرائطى في المساوئ (١٨٦)، والطبراني في الكبير (٧/ ٣١٠ رقم ٧٢٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٦٧ - ١٦٨). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩: روأه الطبراني في الكبير، وهو هكذا في الأصل المسموع، ورجاله موثقون. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٢) و(١١٣٣) و(١٦٨٤).\n(^٢) انظر: نقعة الصديان (الذين في صحبتهم نظر) للصغاني (ص:٢٨ رقم ٨٠).\n(^٣) انظر: تهذيب الكمال (١٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤ الترجمة ٢٧٦٤)، وجامع التحصيل (ص ١٩٦)، وإكمال تهذيب الكمال (٦/ ٢٨٥).","vol":"2","page":243},{"text":"قال الحافظ: قال أبو نعيم: شفي بن ماتع مختلف في صحبته (^١).\nقوله: \"أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى يسعون بَين الْحَمِيم والجحيم يدعونَ بِالْويلِ وَالثّبُور\" الحديث؛ أصل الحميم: الماء الحار الويل كلمة عذاب وقيل أنها كلمة عذاب وقبوح، والثبور الهلاك وثبره أى أهلكه إهلاكًا. قوله: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، التابوت والتابوت [هو الصندوق وهو الذي يحرز فيه المتاع].\nقوله: ورجل يجر أمعاءه، الأمعاء جمع معىً وهي المصارين.\nقوله: ورجل يسيل فوه قيحا ودمًا، الحديث؛ وإثبات الميم في فيه لغة فاشية نظما ونثرًا، ففي الحديث: \"لخلوف فم الصائم\" (^٢) وزعم أبو علي وابن عصفور أنها لا تثبت إلا في الشعر نحو قول الشاعر:\nكالحوت لا يلهيه شيء يلهمه ... يصبح ظمآن وفي البحر فمه (^٣)\nوالقيح والدم معروفان.\n\n٢٦٥ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁-. عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: اتَّقوا الْبَوْل فَإِنَّهُ أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد في الْقَبْر\" رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير أَيْضا بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٤).\n_________\n(^١) ومعرفة الصحابة (٣/ ١٤٩١)، والإصابة (٣/ ٣٩٩).\n(^٢) أخرجه البخارى (١٨٩٤) عن أبى هريرة.\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٣٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبى عاصم في الأوائل (٩٣)، والحكيم الترمذى في نوادر الأصول (٧٢٣)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٣٣ رقم ٧٦٠٥ و٧٦٠٧) والشاميين (٣٤٣٩ و٣٤٤١). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٩: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٧٨٢) وضعيف الترغيب (١٢٣). ولم يذكر المصنف تحته شرحًا.","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>التَّرْهِيب من دُخول الرِّجَال الْحمام بِغَيْر أزر وَمن دُخُول النِّسَاء بأزر وَغَيرهَا إِلَّا نفسَاء أَو مَرِيضَة وَمَا جَاءَ فِي النَّهي عَن ذَلِك</span>\nاعلم أن الحمام عربي مذكر اللفظ لا يؤنث بالاتفاق كما نقله الأزهري في تهذيب اللغة عن العرب، وجمعه حمامات (^١)، مشتق من لفظة الحميم وهو الماء الحار، قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (^٢) ويقال: حمام مبارك (^٣)، وسمع تأنيثه في قول الشاعر: وإذا دخلت سمعت فيها رنة [لغط المعاول في بيوت هداد (^٤)].\n\n٢٦٦ - عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل حليلته الْحمام رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتّرمِذِيّ وَحسنه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٧/ ٢٢٦)، والمحكم (٢/ ٥٥٢)، والمجموع (٣/ ١٥٩)، والقول التمام في آداب دخول الحمام (ص ٢٦) لابن العماد.\n(^٢) سورة محمد، الآية: ١٥.\n(^٣) المجموع (٣/ ١٥٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٤٣).\n(^٤) الصحاح (٥/ ١٧٧٨).\n(^٥) أخرجه أحمد ٣/ ٣٣٩ (١٤٦٥١)، والترمذى (٢٨٠١)، والنسائى في المجتبى ١/ ٥١٥ (٤٠٦) والكبرى (٦٧٤١)، والحاكم (١/ ١٦٢) و(٤/ ٢٨٨). وقال الترمذى: هذا =","vol":"2","page":245},{"text":"قوله: عن جابر، هو: جابر بن عبد الله، وتقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر\" الحديث، الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب واليوم الآخر هو يوم القيامة، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في حديث جبريل المطول.\nوقوله: \"ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام\" الحليلة: هي الزوجة، كان الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء يتورعون عن دخول الحمام، وذكر القاضي عياض في القسم الثاني من الشفاعة أنه حكي عن أحمد بن حنبل قال: كنت يومًا مع جماعة تجردوا ودخلوا الحمام فاستعملت الحديث: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر\" ولم أتجرد، فرأيت تلك الليلة قائلا يقول لي: يا أحمد، أبشر فإن الله تعالى قد غفر لك باستعمال السنة وجعلك إماما يقتدى بك، قلت: من أنت؟ قال: جبريل (^١)، قاله في الديباجة.\n\n٢٦٧ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ستفتح عَلَيْكُم أَرض الْعَجم وستجدون فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الحمامات فَلَا يدخلنها الرِّجَال إِلَّا بالأزر وامنعوها النِّسَاء إِلَّا مَرِيضَة أَو نفسَاء رَوَاهُ ابْن مَاجَه\n_________\n= حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث طاووس، عن جابر إلا من هذا الوجه.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٤)، غاية المرام (١٩٠).\n(^١) انظر: الشفا (٢/ ١٦)، والمفاتيح (٥/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"2","page":246},{"text":"وَأَبُو دَاوُد وَفِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم (^١).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بالأزر وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء\" الحديث؛ الحمامات: جمع حمام كما تقدم، وأول من اتخذ الحمام نبي الله سليمان بن داود ﵉، روى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعري عن النبي -ﷺ- قال: \"أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود ﵉، فلما دخله وجد حرة وغمة، فقال: أوه أوه من عذاب الله قبل أن لا يكون أوه\" (^٢)، وحكي عن غير\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٣٥٠)، وابن ماجه (٣٧٤٨)، وأبو داود (٤٠١١)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٥٠ رقم ١٤٦٤٣) و(١٤/ ٩٦ - ٩٧ رقم ١٤٧١٢)، والبيهقي في الآداب (٥٧١) والكبرى (٧/ ٥٠٤ رقم ١٤٨٠٤) والشعب (١٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨ رقم ٧٣٨٥). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨١٩)، وضعيف الترغيب (١٢٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوائل (١٢) والأوسط (١/ ٣٧ رقم ٤٦١)، وابن عدى في الكامل (١/ ٤٦٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٨٦)، وابن الجوزى في العلل (٥٦٦) عن أبى موسى. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إبراهيم بن مهدي. قال ابن عدى: وإسماعيل بن عبد الرحمن يعرف بحديث الحمامات وقد ذكرنا له بإسناده حديثا آخر، ولا أعرف له غيرهما. قال أبو نعيم: تفرد به الأبار عن إسماعيل.\nقال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول الله -ﷺ- وإسماعيل أحاديثه منكرة قال أبو بكر الخطيب وإبراهيم بن مهدي ضعيف. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٠٧: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي وهو ضعيف.","vol":"2","page":247},{"text":"واحد من العلماء الإجماع على دخوله (^١)، وسيأتي تفصيل ذلك، وذكر بعضهم في دخوله خلافًا بين الصحابة على أقوال، أحدها: الجواز مطلقًا وهو قول أبي الدرداء وابن عباس وغيرهما.\nالثاني: المنع منه مطلقًا، وهو محكي عن ابن عمر روي عنه أنه قال: الحمام من النعيم الذي أحدثوه، فهذا يقتضي أن تركه أولى، الثالث: المنع منه إلا لمريضة أو نفساء وهو مروي أيضًا عن ابن عمر وعائشة ﵄، والرابع: منع النساء مطلقًا دون الرجال بالأزر (^٢)، فقد روي في ذلك أحاديث ستأتي إن شاء الله تعالى، فعن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: \"المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من بيتها إذا هي في قعر بيتها\" (^٣).\nوقد جاء في دخول الحمام عن السلف آثار متعارضة في الإباحة والكراهة على أقوال، وأما أصحاب الشافعي فكلامهم فيه قليل، وممن تكلم فيه الإمام الفقيه الحافظ أبو بكر بن السمعاني الروزي (^٤)، قال النووي: وجملة القول\n_________\n(^١) نقله ابن المنذر في الإجماع (ص ٥٥)، والمازرى في المعلم (٢/ ٢٤٤)، والقاضى عياض في إكمال المعلم (٥/ ١٣٤)\n(^٢) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ٧٥) للحافظ أبى المحاسن الحسينى الدمشقى.\n(^٣) أخرجه الترمذى (١١٧٣)، والبزار (٢٠٦١) و(٢٠٦٢) و(٢٠٦٥)، وابن خزيمة (١٦٨٥ و١٦٨٦ و١٦٨٧)، وابن حبان (٥٥٩٨ و٥٥٩٩). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني في الإرواء (٢٧٣)، وصحيح الترغيب (٣٤٤)، والصحيحة (٢٦٨٨).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","vol":"2","page":248},{"text":"في دخول الحمام أنه مباح للرجال بشرط الستر وغض البصر ومكروه للنساء إلا بعذر من نفاس أو مرض، وإنما كره للنساء لأن أمرهن مبني على المبالغة في الستر، ولما في وضع ثيابهن في غير بيوتهن من الهتك، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة.\nفائدة: وللداخل آداب منها أن يتذكر بحره حر النار، ويستعيذ بالله من حرها وشمأله الجنة وأن يكون قصده التنظيف والتطهير دون التنعم والترفه، وأن لا يدخله إذا رأى فيه عاريًا، ولا يقرأ القرآن ولا يسلم، ويستغفر الله تعالى إذا خرج، ويصلي ركعتين، فقد كانوا يقولون: يوم الحمام يوم إثم؟ وذكر الغزالي في الإحياء كلامًا حسنًا طويلًا مختصره أنه لا بأس بدخول الحمام، دخل أصحاب رسول الله -ﷺ- الحمامات بالشام، وعلى داخله واجبات وسنن، فمن الواجبات وت عورته عن نظر غيره ومسه، ف يتعاطى أمرها وإزالة وسخها إلا بيده، وواجبات في عورة غيره أن يغض بصره عنها، وأن ينهي عن كشفها لأن النهي عن المنكرات واجب فعليه ذلك، قال: ولا يسقط الإنكار في هذه الأزمان بترك دخول الحمام إذ لا يخلو من عورات مكشوفة لاسيما فوق العانة وتحت السرة، ولهذا يستحب إخلاء الحمام، قال: والسنن عشرة، النية بأن لا يدخل عبثًا لا لغرض الدنيا بل يقصد التنظيف المحبوب وأن يعطي الحمامي الأجرة قبل دخوله، ويقدم رجله اليسرى في دخوله قائلًا: بسم الله الرحمن الرحيم من الرجس والنجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، وأن يدخل وقت الخلوة أو يتكلف إخلاء","vol":"2","page":249},{"text":"الحمام وأن لا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول، وأن لا يكثر ضب الماء بل يقتصر على قدر الحاجة فهو المأذون فيه، وأن يتذكر بحرارته حرارة جهنم، وأن لا يكثر من الكلام ويكره دخلوه بين المغرب والعشاء وقريبا من المغرب، وأن يشكر الله إذا فرغ على هذه النعمة وهي النظافة، وقيل: إن الحار في الشتاء من النعيم الذي يسأل عنه، وقال ابن عمر: الحمام من النعيَم الذي أحدثوه، هذا من جهة الشرع، وأما من جهة الطب فقد قيل: بولة في الشتاء في الحمام قائما خير من شربة دواء، قال في الإحياء أيضًا: أجمع أربعون طبيبًا على أن البول قائما في الشتاء دواء من تسعين داء وغسل القدمين بالماء البارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس، ويكره، من جهة الطب صب الماء البارد على الرأس عند الخروج من الحمام وشربه، ولا بأس بقوله لغيره عافاك الله ولا بالمصافحة ولا بأن يدلكه غيره يعني في غير عورته (^١).\n\n٢٦٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله -ﷺ- نهى عَن دُخُول الحمامات ثمَّ رخص للرِّجَال أَن يدخلوها فِي المآزر\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم يُضعفهُ وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَلم يرخص للنِّسَاء (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ١٣٢ (٢٥٠٠٦) و٦/ ١٣٩ (٢٥٠٨٥) و٦/ ١٧٩ (٢٥٤٥٧)، والبخارى في التاريخ الكبير (٩/ ٦١)، وابن ماجه (٣٧٤٩)، وأبو داود (٤٠٠٩)، والترمذى (٢٨٠٢). قال الترمذى: هذا حديث، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة =","vol":"2","page":250},{"text":"قَالَ الْحَافِظ ﵀ رَوَوْهُ كلهم من حَدِيث أبي عذرة عَن عَائِشَة وَقد سُئِلَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ عَن أبي عذرة هَل يُسمى فَقَالَ لا أعلم أحدا سَمَّاهُ وَقَالَ أَبُو بكر بن حَازِم لا يعرف هَذَا الحَدِيث إِلَّا من هَذَا الْوَجْه وَأَبُو عذرة غير مَشْهُور وَقَالَ التِّرْمِذِيّ إِسْنَاده لَيْسَ بِذَاكَ الْقَائِم.\nقوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله: نهى رسول الله -ﷺ- ثم رخص للرجال أن يدخلوها في المأزر؛ وزاد ابن ماجه: نهى الرجال والنساء، وزاد أيضًا: ولم يرخص للنساء، الحديث، فدخول الحمام مباح للرجال، قال الغزالي في الإحياء (^١): دخل أصحاب رسول الله -ﷺ- حمامات الشام، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح أن ابن عباس ﵄ دخل حمام الجحفة (^٢)، وروى أيضًا عن أبي الدرداء أنه كان يدخل الحمام ويقول: نعم البيت الحمام، يذهب الطينة يعني الوسخ ويذكر بالنار؛ وروى عن ابن عمر نحوه (^٣)، وقال أبو هريرة: نعم البيت الحمام يدخله المؤمن فيزيل به الدرن ويستعيذ بالله فيه من النار؛ وجاء أن عليا وابنه الحسين وابن عمر وأبا هريرة وجرير بن عبد الله البجلي وعطاء\n_________\n= وإسناده ليس بذاك القائم. وضعفه الألباني في غاية المرام (١٩١)، وضعيف الترغيب (١٢٥).\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٢٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٠٣ (١١٦٩) و٣/ ٣٤٦ (١٤٧٩١).\n(^٣) انظر: مصنف ابن أبى شيبة ١/ ١٠٣ (١١٦٧) عن أبى الدرداء، و١/ ١٠٤ (١١٧٣) عن ابن عمر.","vol":"2","page":251},{"text":"وغير واحد دخلوه (^١)، فدخول الحمام مباح للرجال، هذا إذا دخله الإنسان إزالة الأوساخ والتنظيف ونحوه فإن دخله لغير حاجته بل يقصد الترفه والتزيين للأغراض الدنيوية فظهر كلام الغزالي في الإحياء وأبو بكر السمعاني إنه مكروه (^٢).\nواعلم أن دخول الحمام للرجال ينقسم على خمسة أقسام: واجب، ومستحب، ومباح، ومكروه، وحرام، فقد يعرض وجوبه في بعض الأحوال، وذلك كالدخول للغسل من الجنابة أو حصول نجاسة على البدن، ويتعذر إزالة ذلك في البيت أو بالماء البارد، فهذا يجب به دخول الحمام لأن ما لا يتم بالواجب إلا به فهو واجب، وقد يعرض استحبابه كما إذا دخله لغسل مندوب كالعيدين والجمعة ونحوهما أو لإزالة وسخ يتأذى به وانتهى به إلى حد يمنع الخشوع في الصلاة، ولم يمكنه الاغتسال خارجه، وقد تعرض إباحته كما إذا دخله لاتساخ رأسه أو بدنه أو للتداوي، وقد تعرض كراهته كما إذا دخله لغرض فاسد أو دخله بني المغرب والعشاء أو قبل الغروب فإن ذلك وقت انتشار الشياطين، وقد أمر النبي -ﷺ- بكف الصبيان حتى تذهب فحمة العشاء، أو دخله وهو صائم فإنه يضعف عن الصوم أو دخله وفيه مبتلى، وقد تعرض الكراهة من جهة الطب كما إذا دخله من به حمى أو ورم\n_________\n(^١) انظر: مصنف ابن أبى شيبة ١/ ١٠٣ (١١٦٨) و١/ ١٠٤ (١١٧٠) عن أبى هريرة، و(١١٧١) عن جرير و(١١٧٢) عن الحسين بن على و(١١٧٤) عن على، و١/ ١٠٥ (١١٨٥) عن عطاء، وطاوس، ومجاهد.\n(^٢) القول التمام في آداب دخول الحمام (ص ٣١) لابن العماد.","vol":"2","page":252},{"text":"أو أخلاط مستعدة لأن تعفن فتجلب حمى أو تسيل فتجلب ورمًا أو دخله وهو شبعان قبل هضم الطعام، وقد تعرض له الحرمة بأن يكون دخوله حراما كما إذا دخله مكشوف العورة أو دخله وفيه من لم يستر عورته أو أداه الدخول إلى خلوة محرمة كالخلوة بالأمرد الحسن ونحوه أو كان فيه تصاوير أو للفخر والترفه، ويكثر من استعمال الماء ويسرف فيه، فليعلم المرء المسلم أن ماء الحمام مال وقد نهى رسول الله -ﷺ- عن إضاعة المال (^١)، فهذا تحريم دخوله الحمام، فإذا نوى الداخل بدخوله الغسل الواجما أو المستحب أو تنظيف رأسه أو بدنه فإن ذلك مندوب إليه الرجال مأمورون به، قال النبي -ﷺ-: \"حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده\" أخرجاه في الصحيحين (^٢)، وقال الإمام أحمد حدثنا يعقوب فذكره إلى أن قال عن طاوس: قلت لعبد الله بن عباس يزعمون أن رسول الله -ﷺ- قال: \"اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم وإن لم تكونوا جنبا ومسوا من الطيب\" فقال ابن عباس: أما الطيب فلا أدري وأما الغسل فنعم (^٣)، هذا حكم الرجال (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠ و١١ - ١٧١٥) عن أبى هريرة.\n(^٢) أخرجه البخارى (٨٩٧) و(٨٩٨) و(٣٤٨٧)، ومسلم (٩ - ٨٤٩) عن أبى هريرة.\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٦٥ (٢٣٨٣) و١/ ٣٣٠ (٣٠٥٨) و١/ ٣٦٧ (٣٤٧١)، والبخارى (٨٨٤) و(٨٨٥)، ومسلم (٨ - ٨٤٨) عن ابن عباس.\n(^٤) انظر: القول التمام في آداب دخول الحمام (ص ٣٢ - ٣٣) لابن العماد.","vol":"2","page":253},{"text":"٢٦٩ - وعنها ﵂ قَالَت: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول: \"الْحمام حرَام على نسَاء أمتِي \" رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعنها، تقدم الكلام عنها ﵂.\nقوله -ﷺ-: \"الحمام حرام على نساء أمتي\" الحديث، أما النساء فاختلف في إباحة الدخول لهن، فنقل عن الروياني وغيره عن أبي هريرة أنه يحرم عليهن الدخول مطلقا إلا لضرورة، وهذا ظاهر كلامه في الإحياء، ويدل عليه حديث أبي مليح كما سيأتي، وإستدل في الإحياء بقوله: \"لا يحل للرجل أن يدخل حليلته الحمام إلا والبيت مستحم\" وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- قال \"بيت بالشام لا يحل لمؤمنين أن يدخلوه ولا بمئزر\" ولا يحل للمؤمنات أن تدخله البتة وهذا إذا لم تدع ضرورة، فإن دعت ضرورة كغسل من حيض أو نفاس أو جنابة أو وسخ ولم يمكنها الغسل خارجه جاز الدخول، قال الغزالي: وحينئذ فتدخل بمئزر سابغ، وصحح النووي في باب الجزية من الروضة جواز الدخول للمرأة مطلقا لكن مع الكراهة، وكذلك في شرح المهذب في أواخر باب الغسل، والجواب عن أحاديث الباب فيه عسر وإنما يباح لهن الدخول بشروط:\nالأول: أن يأذن لها الزوج في ذلك فإن لم يأذن حرم، ويكره للزوج أن يأذن لها فيه، قال الغزالي في الإحياء: ويكره له أن يدفع لها الأجرة لأنه يعينها على\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٨٩). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٣٩) وصحيح الترغيب (١٦٥).","vol":"2","page":254},{"text":"المكروه، وهذا إذا لم تدع ضرورة كما تقدم (^١).\nالثاني: أن لا يختلطن بالرجال فإن دخل في الحمام رجال ونساء نظر إن خلا فيه رجل بامرأة أجنبية حرم لأن ذلك محرم في غير الحمام ففيه أولى (^٢).\nالثالث: أن لا يدخلن إلا بمئزر وليس ذلك خاصا بالمرأة بل يشترك فيه الرجل والمرأة والخنثى ولابد في الثوب أن يكون مانعا من ظهور البشرة كالصلاة، ثم الواجب على المرأة الداخلة مع نسوة أن تستر ما بين السرة والركبة ولا يجب عليها بستر الزائد على ذلك وهذا معنى قول الغزالي: ألا تدخل إلا بمئزر سابغ أي للعورة (^٣).\nواعلم أن للمرأة أربع عورات:\nإحداها: عورة الصلاة في جميع بدنها إلا الوجه والكفين.\nثانيها: عورتها بالنسبة إلى محارمها الذكور وهي ما بين السرة إلى الركبة على الصحيح.\nثالثها: عورتها بالنسبة إلى نظر الذمية وهو ما زاد على البادي حال المهنة، وأما البادي حال المهنة فلا يحرم كشفه بحضرة الذمية ولا تمنع منه الذمية على الأشبه في الرافعي وهذا تفريع على أنه يحرم نظر الذمية إلى المسلمة.\nرابعها: عورتها بالنسبة إلى الزوج وهو حلقة الدبر خاصة لأن للزوج النظر\n_________\n(^١) انظر: القول التمام في آداب دخول الحمام (ص ٣٣ - ٣٥) لابن العماد.\n(^٢) القول التمام (ص ٤٠).\n(^٣) القول التمام (ص ٤٠ - ٤١).","vol":"2","page":255},{"text":"إلى جميع بدنها وليس له النظر إلى حلقة الدبر كما قاله الدارمي في الاستذكار، وفي تحريم نظره إلى فرجها وجهان أصحهما الجواز مطلقا مع الكراهة، ونظره إلى باطن فرجها أشد كراهة، يقال إن الولد بسبب ذلك يخلق أعمى، وتقدم شيء من ذلك قريبًا (^١).\nالشرط الرابع: أن لا يدخلن الحمام إلا مع نسوة المسلمين فإذا دخلت امرأة مع نسوة كتابيات أو حربيات فوجهان أصحهما في الشرح والروضة في كتابي النكاح والجزية التحريم لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (^٢)، واعلم أن ما صححه الرافعي من تحريم الدخول مع الكتابيات محمول على ما إذا كشفت المسلمة الزائد على ما بين السرة والركبة كما هو الغالب، أما إذا سزت الجميع إلا ما يبدوا حال المهنة فلا وجه للتحريم في الحمام مع الجواز في غيره، ولو كان في الحمام كتابيات فدخلت مسلمة وانفردت بخلوة لم يمتنع لانتفاء المعنى، والله أعلم (^٣).\nفائدة: الرافعي هو الحبر العلامة إمام الدين عبد الكريم القزويني كان رحمه من بيت عالم أبوه وجده وجدته، قال في الأمالي: إنها كانت تفتي النساء في الرقائق، إنه منسوب إلى رافعان بلدة معروفة بقزوين، وقيل: إلى\n_________\n(^١) القول التمام (ص ٤١ - ٤٣).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٣١.\n(^٣) القول التمام (ص ٤٣).","vol":"2","page":256},{"text":"رافع بن خديج الصحابي، رآه ابن الصلاح والحافظ المنذري، توفي سنة ثلاث أو أربع وعشرين وستمائة وهو ابن ست وستين سنة، وكان إذا خرج إلى المسجد أضاءت له الكروم وكذلك والده، قاله الدميري في شرح المنهاج (^١).\nفائدة: إذا أتى الداخل الحمام قال الغزالي (^٢): يستحب له أن يقول عند إرادة الدخول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج كالخلاء (^٣)، وتقدم الكلام على ضبط هذا الذكر قريبًا، فإذا أراد أن ينزع ثوبه قال: بسم الله لما رواه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان من حديث أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- قال: \"ستر ما بين أعين الجن عورات بني آدم إذا نزع الرجل ثوبه أن يقول باسم الله ولا ينزع ثوبه حتى يسد المئزر\" (^٤).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٠٠).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ١٣١).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ١٣٩).\n(^٤) أخرجه الحكيم الترمذى (٤٦٦)، والطبراني في الدعاء (٣٦٨) والأوسط (٣/ ٦٧ - ٦٨ رقم ٢٥٠٤) و(٧/ ١٢٨ رقم ٧٠٦٦)، وابن السنى في اليوم والليلة (٢١) و(٢٧٤)، وابن عدى في الكامل (٤/ ١٤٨ و٤٢٧) و(٧/ ٥٦٨)، والإسماعيلى في المعجم (١٦٥)، وتمام في الفوائد (١٧٠٨ و١٧٠٩ و١٧١٠) قال ابن عدي وهذا الحديث لم يكن يعرف إلا بسعيد بن مسلمة، عن الأعمش ثم وجدناه من حديث سعد بن الصلت، عن الأعمش، ولا يرويه، عن الأعمش غيرهما.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٥: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما فيه سعيد بن مسلمة الأموي، ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن حبان وابن عدي، وبقية رجاله موثقون. وصححه الألباني في الإرواء (٥٠)، والمشكاة (٣٥٨).","vol":"2","page":257},{"text":"مسألة: هل يسلم على ما في الحمام أم لا؟ قال بعض الحنفية: لا نص عليه في الخلاصة، الثاني: يصح، الثالث: على المستتر ولا يسلم على المكشوف، حكاه البخاري عن حماد عن إبراهيم النخعي، وكذا قال أبو الليث: يسلم على من كان مستورا، وتوقف الإمام أحمد بن حنبل في هذه المسألة، وقال: وقال لا احفظ فيها شيئا، وقال في الإحياء: فإن سلم عليه لم يرد، قيل يسكت ولا بأس بأن يصافح غيره.\nتنبيه: ينبغي لداخل الحمام إذا دخله أن يتذكر به عذاب جهنم ويستعيذ بالله من النار ويسأله الجنة فقد كان السلف ﵃ يذكرون النار بدخول الحمام وكان ذلك لهم عبادة، دخل ابن وهب الحمام فسمع تاليا يتلو ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ (^١) فغشي عليه، وتزوج صلة بن أشيم فدخل الحمام ثم دخل على زوجته تلك الليلة فظل يصلي حتى أصبح وقال دخلت بالأمس بيتا ذكرني بالنار ودخلت الليلة بيتا ذكرني بالجنة ولم يزل فكري فيهما حتى أصبحت، كان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمام يقول: يا بر يا رحيم من علينا وقنا عذاب السموم، صب بعض الصالحين على نفسه ماء من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله تعالى ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (^٢) فهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة وما فيها من الألم يذكر بألم النار،\n_________\n(^١) سورة الغافر، الآية: ٤٧.\n(^٢) سورة الحج، الآية: ١٩.","vol":"2","page":258},{"text":"فبعض البقاع يذكر بالنار كالحمام (^١) والله أعلم.\nفائدة أخرى: يجوز الطلاء بالنورة للرجال والنساء، روى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعري عن النبي -ﷺ- قال: \"أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود ﵉\" الحديث تقدم في أول الباب بزيادة \"وأما النساء فإنهن مأمورات بإظهار الزينة للزوج وهذا منه (^٢)، وقد ذكر الحسن أن بلقيس كان شعراء الساقين وإنهم بسبب ذلاك اتخذوا لسيدنا سليمان النورة والحمام، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد قال: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ (^٣) فإذا امرأة شعراء فقال سليمان ﵊: ما يذهب هذا؟ قالوا: النورة، قال: فجعلت النورة يومئذ (^٤)، وأما الرجال فيجوز لهم ذلك لما روي في سنن ابن ماجه أن أم سلمة قالت: \"كان رسول الله -ﷺ- إذا أطلى بدأ بعورته فطلاها وسائر جسده\" الحديث إسناده صحيح ورجاله ثقات (^٥) ورواه أبو داود الطيالسي عن أم سلمة أن النبي -ﷺ- كان يتنور ويلي عانته بيده (^٦)، وفي مراسيل أبي داود عن ابي معشر زياد بن كليب أن رجلا نور رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٣١٨ - ٣١٩).\n(^٢) الإلمام بآداب الحمام (ص ١٧٣).\n(^٣) سورة النمل، الآية: ٤٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٠٥ (١١٨٧) و٦/ ٣٣٦ (٣١٨٥٣).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٣٧٥١). وضعفه الألباني.\n(^٦) أخرجه الطيالسي في مسنده (١٦١٠)، وابن ماجه (٣٧٥٢). وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه (٤١٧٤).","vol":"2","page":259},{"text":"فلما بلغ العانة كف ونور رسول الله -ﷺ- نفسه (^١)، وعن مكحول قال: لما قدم أبو الدرداء وأصحاب رسول الله -ﷺ- الشام دخلوا الحمام وأطلوا بالنورة (^٢)، وروى ابن أبي شيبة عن مالك بن إسماعيل عن كامل عن حبيب قال: دخل الحمام عطاء وطاوس ومجاهد فأطلوا فيه (^٣)، وقد كره طائفة من السلف الإطلاء بالنورة (^٤)، أسند الخرائطي عن ابن عباس قال: أيها الناس اتقوا الله بى لا تكذبوا فوالله ما أطلى نبي قط (^٥)، وروى ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب (^٦) قال: كان عمر رجلًا أهدب وكان يحلق عنه الشعر، وذكرت له النورة فقال: النورة من النعيم (^٧)، وروى عن الحسن قال: كان النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر لا يطلون وهذا من مراسيل الحسن (^٨)، وقد تكلم فيها بعضهم والصحيح الأول وأن الإطلاء بها حسن مالم يفض ذلك إلى ما يتوصل به إلى محرم (^٩)، انتهى.\nتنبيه: النورة من الأجسام الحجرية الحريفية وأجودها البيضاء وغير\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٤٦٩).\n(^٢) أخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق (٨١٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٠٥ (١١٨٥).\n(^٤) الإلمام بآداب الحمام (ص ١٧٦).\n(^٥) أخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق (٨١١).\n(^٦) كذا بالأصل وانما هو على ابن أبى عائشة.\n(^٧) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٠٥ (١١٩٢).\n(^٨) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٠٥ (١١٨٦).\n(^٩) الإلمام بآداب الحمام (ص ١٧٧).","vol":"2","page":260},{"text":"المطفأة شديدة الحرارة محرقة والمطفأة منها إذا بقيت يومين أو ثلاثة فإنها لا تحرق والمغسولة خفيفة يابسة (^١)، وقال في الإحياء (^٢): قد قيل من جهة الطب أن الحمام بعد النورة أمان من الجذام، وقيل النورة في كل شهر تطفئ الحرارة وتبقي اللون وتزيد في الجماع.\nلطيفة: قال أبو الليث السمرقندي (^٣): يكره للإنسان أن يتنور وهو نجب فقد روي عن خالد بن معدان عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من تنور قبل أن يغتسل جاءته كل شعرة يوم القيامة فتقول يا رب سله لما ضيعني ولم يغسلني\" وإذا أراد الرجل أن يتنور ينبغي له أن لا يقرب النساء قبل ذلك بيوم وليلة وإذا خرج من الحمام لا يقرب امرأته بعد تمام يوم وليلة. انتهى.\n\n٢٧٠ - وَعَن أبي أَيُّوب الأنْصَارِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم جَاره وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر من نِسَائِكُم فَلا يدْخل الْحمام، قَالَ فَنَمَيْتُ بذلك إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز -﵁-: فِي خِلافَته فَكتب إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن سل مُحَمَّد بن ثَابت عَن حَدِيثه فَإِنَّهُ رَضِي فَسَألهُ ثمَّ كتب إِلَى عمر فَمنع النِّسَاء عَن الْحمام، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ\n_________\n(^١) الآداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ٦٤).\n(^٢) الإحياء (١/ ١٤٠).\n(^٣) بستان العارفين (ص ٣٧٢).","vol":"2","page":261},{"text":"لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسنَاد وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير والأوسط من رِوايَة عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَليسَ عِنْده ذكر عمر بِن عبد الْعَزيز (^١).\nقوله: عن أبي أيوب الأنصاري، واسمه فْي زيد بن خالد تقدم الكلام على فضائله.\nقوله: -ﷺ- \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نساءكم فلا تدخل الحمام\" سيأتي الكلام على الجار والصمت واليوم الآخر وبقية الألفاظ التي تتعلق بالحمام تقدمت.\nقوله: في خلافته، الحديث، يقال نميت الحديث أنميه إذا باغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد هكذا قاله أبو عبيد وابن قتيبة وغيرهما (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٥٥٩٧)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٨٨ - ٢٨٩ رقم ٨٦٥٨) والكبير (٤/ ١٢٤ رقم ٣٨٧٣)، والحاكم (٤/ ٢٨٩)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٥٠٤ رقم ١٤٨٠٧) والشعب (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣ رقم ٧٣٧٩). وصححه الحاكم.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٨: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد ضعفه أحمد وغيره. وقال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٦).\n(^٢) غريب الحديث (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠) لأبى عبيد، والصحاح (٦/ ٢٥١٦)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (ص ٥٧١)، وكتاب الأفعال (٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، والنهاية (٢/ ١٢١).","vol":"2","page":262},{"text":"وعمر بن عبد العزيز هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أبي أمية بن عبد شمس القرشي الأموي التابعي ولي عمر الخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك وبويع له بالخلافة حين مات ابن عمه سليمان بن عبد الملك لعشر خلون من صفر سنة ٩٩ هـ وكانت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة أبي بكر الصديق فملأ الأرض قسطا وعدلا وسن سننا حسنة وأمات الطرائق السيئة وصلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته وقال: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله -ﷺ- من هذا الفتى، وكان عمر بن عبد العزيز على ما شهر وذكر من الخير والصلاح والزهد والقيام وتلاوة القرآن حتى نسب إلى عمر بن الخطاب في حسن السيرة فقيل العمرين وكان الناس في أيامه ليس لهم اشتغال إلا في مثل ما هو عليه من الصلاح ويلقى الرجل صاحبه فيقول له: أنت صائم وإلا مفطر وكم تصوم في الجمعة يوما وكم وردك في كل ليلة ركعة وما تحفظ من القرآن وأشباه ذلك من أفعال الخير، وما أحسن كلام ابن العميد ههنا.\nقوله: المرء أشبه شيء بزمانه وصيغة كل زمان سجية من سجايا سلطانه (^١) وكان -﵁- يسمى راهب بني أمية، وقيل لما تولى عمر سمع الصراخ في بيته فجاء الناس يسألون ما الخبر؟ فقيل: إنه خبر نسائه وأهله وقال: من شاءت أن تقيم ومن شاءت أن تنطلق فقد جاءني أمر شغلني عن محادثة النساء لا ينتفع أهل عمر بعدها بمحادثة النساء، وكان يرى أثر المني في ثيابه\n_________\n(^١) خاص الخاص (ص ١١).","vol":"2","page":263},{"text":"ويقول شغلنا أمر الناس وصلاحهم عن إصلاح أجسامنا وروي أن السدي دخل عليه في أول خلافته فقال: عمر أيسرك ما رأيت أم أساءك؟ فقال: سرني للناس وساءني لك فقال عمر: إني أخاف أن أكون أوبقت نفسي، فقال له: ما أحسن حالك إن كنت تخاف ولكني أخاف عليك ألا تخاف، فقال: عظني، فقال: إن أبانا آدم خرج بخطيئة واحدة، وبكى يوما عمر بن عبد العزيز فبكت زوجته فاطمة لبكائه وبكى أهل الدار معهما، ثم قالت له زوجته: بالله يا أمير المؤمنين لما [بكيت؟ قال: يا فاطمة ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير ثم خرج وغشي عليه، وروي أنه لما كان في خلافة المعتصم بالله ابن الرشيد بلغه أنه في بعض الديور بالروم قميص لعمر بن عبد العزيز ما وضعه عليه ذو علة إلا وأبرأه الله تعالى من علته فسير المعتصم إلى ملك الروم رسولا يقول: إن هذا القميص لنا ونحن أحق به منكم إذ هو من آثار سلفنا وكان قد بلي الروم من المعتصم بما لم يبلوا بمثله من غيره فسير ملك الروم إلى ذلك الأمير يطلب القميص هايفاده فحضر كبير ذلك الدير أنفذني رسولا فإني سأسد باب هذا الطلب فأنفذه فلما مثل بين يدي المعتصم سأله عن القميص وهل الذي بلغه عنه له صحة؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: ولما لا أحضرته؟ أنقضتم المهادنة بيننا إذ الشرط لا نطلب منكم شيئا كائنا ما كان فتمنعوه، قال كبير الدير: يا أمير المؤمنين فهذا القميص لمن كان؟ قال لأحد خلفائنا المسلمين، فقال: وثبت ذلك عند أمير المؤمنين؟ قال: نعم قال: وكذلك هو عندنا ثابت فيا","vol":"2","page":264},{"text":"أمير المؤمنين لتكن أنت مثل ذلك الخليفة واعمل بعمله يكن لباسك أجمعه كهذا القميص الذي طلبت، قال: فأصرفه المعتصم وأعاده إلى بلاده مكرما من غير جواب، انتهى. قاله في تاريخ كنز الدرر، توفي عمر بن عبد العزيز بدير سمعان قرية قريبة من حمص وقبره هناك مشهور يزار ويتبرك به. ولد بمصر سنة إحدى وستين وتوفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة وعمره تسع وثلاثون سنة وستة أشهر، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله: فَكتب إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن سل مُحَمَّد بن ثَابت عَن حَدِيثه فَإِنَّهُ رَضِي فَسَأَلهُ ثمَّ كتب إِلَى عمر فَمنع النِّسَاء عَن الْحمام الحديث، أبو بكر هذا هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بالحاء المفتوحة والزاي الساكنة الأنصاري أبو محمد ولي القضاء والإمرة والموسم زمن عمر بن عبد العزيز، مات بالمدينة سنة عشرين ومائة (^٢) والله أعلم، فهذه الآثار كلها تدل على إباحة الحمام للرجال دون النساء وتقدم الكلام على إباحة دخول النساء الحمام بالشروط التي تقدم ذكرها.\nقوله: ورواه الطبراني في الكبير من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث، عبد الله بن صالح هذا [هو عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، مولاهم، أبو صالح المصري كاتب الليث بن سعد صالح الحديث وله\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧ - ٢٤ الترجمة ٤٤٢)، وتهذيب الكمال (٢١/ ٤٣٢ - ٤٤٧ الترجمة ٤٢٧٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٩٥ الترجمة ٧٣٩).","vol":"2","page":265},{"text":"مناكير، قال صالح جزرة: كان ابن معين يوثقه وهو عندي يكذب في الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، يحيى بن بكير أحب إلينا منه، وقال أبو حاتم: سمعت ابن معين يقول أقل أحواله أن يكون قرأ هذه الكتب على الليث وأجازها له، قال وسمعت أحمد بن حنبل يقول كان أول أمره متماسكًا ثم فسد بآخره، وقال عبد الملك بن شعيب بن الليث ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: صدوق أمين ما علمت وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يتعمد، وقال ابن حبان كان في نفسه صدوقًا إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له فسمعت ابن خزيمة يقول كان له جار كان بينه وبينه عداوة كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله ويرميه بين كتبه فيتوهم عبد الله أنه خطه فيتحدث به وقد روى عنه البخاري في صحيحه].\n\n٢٧١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"احْذَرُوا بَيْتا يُقَال لَهُ الْحمام قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّه ينقي الْوَسخ قَالَ فاستتروا\" رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ رَوَاهُ النَّاس عَن طَاوس مُرْسلا قَالَ الْحَافِظ وَرُوَاته كلهم مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَفظه اتَّقوا بَيْتا يُقَال لَهُ الْحمام قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّه يذهب الدَّرن وينفع الْمَرِيض قَالَ فَمن دخله فليستتر (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير بِنَحْوِ الْحَاكِم وَقَالَ فِي أَوله\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٨٨٨)، والحكيم الترمذى في نوادر الأصول (٧٥٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧ رقم ١٠٧٣٢)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٢٠٢)، والحاكم","vol":"2","page":266},{"text":"شَرّ الْبيُوت الْحمام ترفع فِيهِ الأصْوَات وَتكشف فِيهِ العورات.\nالدَّرن بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء هُوَ الْوَسخ.\nقوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على فضائله كان علي بن عبد الله بن عباس إذا طاف بالبيت كأن الناس حوله مشاة وهو راكب من طوله لأنه كان مفرطا في الطول وكان مع هذا الطول يكون إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب (^١)، وقال محمد بن الحسن مؤلف مجمع الأحباب (^٢): إن الإمام عبد الله بن\n_________\n= (٤/ ٢٢٨)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٥٠٤ رقم ١٤٨٠٥ و١٤٨٠٦) والشعب (١٠/ ١٩٩ - ٢٠١ رقم ٧٣٧٥ و٧٣٧٦ و٧٣٧٧). قال البزار: وهذا الحديث إنما يروله الناس، عن ابن طاووس، عن أبيه عن النبي -ﷺ- مرسلا، ولا نعلم أحدا قال فيه: عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- إلا يوسف، عن يعلى عن الثوري، ورواه غير يوسف، عن يعلى عن الثوري، عن ابن طاووس، عن أبيه عن النبي -ﷺ-. وصححه الحاكم.\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٧: رواه البزار، والطبراني في الكبير إلا أنه قال: \"قالوا: يا رسول الله، إنه يذهب بالدرن، وينفع المريض\". ورجاله عند البزار رجال الصحيح، إلا أن البزار قال: رواه الناس عن طاوس مرسلًا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٧٤٤) والإرواء (٢٥٨٢)، وضعيف الترغيب (١٢٧).\n(^١) وفيات الأعيان (٣/ ٢٧٧)، وتاريخ ابن الوردى (٢/ ١٩٢).\n(^٢) مجمع الأحباب، وتذكرة أولي الألباب لمحمد بن حسن بن عبد الله بن محمد بن القاسم الحسيني، الشافعي. المتوفى: سنة ٧٧٦، ست وسبعين وسبعمائة. في مجلدات. رتبه: على تراجم الرجال الزاهدين. ابتدأ تراجم كتابه: بالصديق الأكبر -﵁-. (كشف الظنون ٢/ ١٥٩٦).","vol":"2","page":267},{"text":"عباس كان من أحواله الصبر والرضا فإنه لما ذهب بصره كان صابرا راضيا كثير الإيمان والرضا بالقضاء والصبر على البلاء، ولقد وصف الله عباده الصابرين بأوصاف كثيرة وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (^١) والهدى والصلوات والرحمة مجموعة للصابرين والآيات والأخبار في الصبر لا تنحصر ولقد أحسن من قال (^٢):\nيا أيها الراضي بأحكامنا ... لا بد أن تحمد عقبى الرضى\nفوض إلينا وابق مستسلمًا ... فالراحة العظمى لمن فوضا\nوإن تعلقت بأسبابنا ... فلا تكن عن بابنا معرضا\nكان فينا خلقا باقيا من ... كل ما يأتي وما قد مضى\nلا ينعم المرء بمحبوبه ... حتى يرى الخيرة فيما قضى\nقوله -ﷺ-: \"احذروا بيتًا يقال له الحمام قالوا: يا رسول الله إنه ينقي الوسخ، قال: فاستتروا\" وفي رواية الحاكم: \"اتقوا بيتا يقال له الحمام فقالوا يا رسول الله إنه يذهب الدرن وينفع المريض قال: فمن دخله فليستتر\" وفي رواية الطبراني وقال في أوله: \"شر البيوت الحمام ترفع فيه الأصوات وتكشف فيه العورات \"يباح للرجال دخول الحمام بالشروط المتقدمة وعليهم غض أبصارهم وصون عوراتهم فقد روى أن الرجل إذا دخل الحمام عاريًا لعنه\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٥٧.\n(^٢) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ١٧٥).","vol":"2","page":268},{"text":"ملكاه (^١) وقال العلماء: كشف العورة في حال الخلوة بحيث لا يراه آدمي إن كان لحاجة جاز وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف في كراهته وتحريمه والأصح عند الشافعية أنه حرام (^٢) قاله في النهاية، وقال ابن بطال (^٣): أجمعوا على وجوب ستر العورة عن أعين الناظرين، وقال أئمة الفتوى: من دخل الحمام بغير مئزر تسقط شهادته واختلفوا فيمن نزع مئزره ودخل الحوض وبدت عورته عند دخوله فقال مالك والشافعي: تسقط وقال أبو حنيفة: لا تسقط لأنه يعذر به إذ لا يمكن التحرز منه واتفقوا على أن للرجل أن يرى عورة أهله وترى عورته (^٤).\nوقال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره (^٥): أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام وفي مبارزهم حتى ترى النهي ذو الشيبة قائما منتصبا وسط الحمام وخارجه باديا عن عورته وضاما فخذه بين فخذيه ولا أحد يعيب عليه، هذا أمر الرجال، فكيف أمر النساء لا سيما بالديار المصرية فلا حول ولا قوة إلا باللّه.\n_________\n(^١) انظر: النجم الوهاج (١/ ٤٠٠)، وتحفة المحتاج (١/ ٢٨٤)، والإقناع (١/ ٧٠).\n(^٢) انظر: شرح النووى على مسلم (٤/ ٢٢)، والكواكب الدرارى (٣/ ١٤٠)، وعمدة القارى (٣/ ٣٢٨).\n(^٣) شرح الصحيح (١/ ٣٩٥).\n(^٤) شرح الصحيح (١/ ٣٩٦) لابن بطال.\n(^٥) تفسير القرطبى (١٢/ ٢٢٤).","vol":"2","page":269},{"text":"قوله: رواه الناس عن طاوس مرسلا، قال ورواته محتج بهم في الصحيح قال الحافظ عبد الحق الإشبيلى في أحكامه: هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب (^١) والله أعلم، وطاوس هو طاوس بن كيسان الحميري اليمني تابعي جليل أحد فقهاء الإسلام، روى عن ابن عباس توفي سنة ست ومائة وهو ابن نيف وسبعين سنة (^٢).\nقوله: مرسلا وحقيقة المرسل عند المحدثين إضافة التابعي أمرا إلى رسول اللّه -ﷺ- من غير ذكر الصحابي والشافعي ﵀ لا يحتج بالمرسل، وأما ما في كتب المذهب من أنه يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب فليس الأمر كذلك على الإطلاق فقد ذكر البيهقي والخطيب أن الشافعي ترك بعض مراسيل سعيد بن المسيب وعمل ببعض مراسيل غيره، وأبو حنيفة يرى المرسل حجة (^٣) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا.\nقوله: في الرواية الأخرى ورواه الطبراني وقال في أوله \"شر البيوت الحمام ترفع فيه الأصوات وتكشف فيه العورات\" الحديث روى عن نافع أن ابن عمر دخل الحمام وعليه إزار فلما دخل إذا هو بهم عراة قال: فجعل وجهه نحو الجدار ثم قال: ائتني بثوب يا نافع قال: فأتيته به فالتف به وغطى على وجهه ثم ناولني يده فقدته حتى خرج منه ثم لم يدخله بعد ذلك، وقيل له بعد\n_________\n(^١) الأحكام الصغرى (١/ ١٥٠) والوسطى (١/ ٢٤٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥١ ترجمة ٢٦٩).\n(^٣) كشف المناهج (١/ ٥٧).","vol":"2","page":270},{"text":"ذلك: ألا تدخل الحمام؟ فكره ذلك. فقيل: إنك تستر، فقال: إني أكره أن أرى عورة غيري (^١)، وقال أيضا -﵁- إني لأغتسل في البيت المظلم فأحني ظهري إذا أخذت ثوبي حياء من ربي ﷿ (^٢)، وأسند الخرائطي عن صالح الدهان قال: دخل جابر بن زيد الحمام فرأى قوما عراة فقال: سبحان اللّه مسلمون هؤلاء ثم وضع يده على عينيه وخرج (^٣). قلت: وهكذا انزعاج القلوب النيرة المتبعة للسنة وأما القلوب المظلمة فلا تتأسف على البدع ولا تبالي بل هي مرتكبة للمعاصي والدواهي (^٤)، وعن سلمان الفارسي -﵁-: قال: لأن أموت ثم أنشر ثم أموت ثم أنشر ثم أموت ثم أنشر أجب إلي من أن أرى عورة الرجل ويراها مني (^٥)، وقد امتنع ابن عمر من الدخول إلى الحمام لهذا السبب (^٦) فيكره دخول الحمام وفيه قوم عراة بغير أزر، فروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين كراهة ذلك (^٧) لئلا يرى عورتهم (^٨) فيجب على الداخل\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٢٥ - ١١٢٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٠٠ (١١٢٨)، وأحمد في الزهد (١١٠٨)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٠) عن أبى موسى.\n(^٣) أخرجه الخرائطى في المساوئ (٨٢٨).\n(^٤) سلوة الأحزان (ص ١٨).\n(^٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١/ ١٠١ (١١٣٣)، وأحمد في الزهد (٨٣٩).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٢٥ و١١٢٦).\n(^٧) ابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٠٣ (١١٦٤).\n(^٨) الآداب والأحكام المتعلقة بالحمام (ص ٥١ - ٥٢) لابن كثير، والإلمام بآداب الحمام (ص ١٠٧ - ١٠٨).","vol":"2","page":271},{"text":"إلى الحمام ستر عورته بما لا يصف البشرة وأن يغير ما يراه من المنكر إن أمكنه بيده وإلا بلسانه وإلا بقلبه ويكون ذلك برفق فيقول: استتروا ستركم اللّه، ومن دخل الحمام بغير سترة فسق ولا تقبل شهادته كما تقدم سواء كان رجلا أو امرأة وكذلك إذا دخل بسترة ثم نزعها بحضرة الناس وجعل عريانا يغتسل بالسدر ونحوه أو لا يغتسل فإن ذلك فسق مسقط للشهادة (^١).\nتنبيهات: تنبه أيها الداخل إلى الحمام لأمور:\nأحدها: غض البصر عن النظر فقد قال مولانا ﷻ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (^٢) الآية.\nالثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يراه مكشوف العورة وعليك العمل بذلك حسب استطاعتك.\nالثالث: حفظ عورتك والحذر من كشفها بين الناس فإن كنت خاليا في خلوة أو في ظهر لا يراك أحد فلك كشفها وتركه أولى (^٣).\nوإذا دخلت الحمام وقتا من أوقات الصلاة فاحذر أن تجلس غير مصل حتى يخرج الوقت ثم تخرج فتصلي فإن تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر شرعي كبيرة من الكبائر فاحذره وتب إلى الله منه فإن لم يكن لابد من جلوسك في الحمام حتى يخرج الوقت فاغتسل من الجنابة إن كنت\n_________\n(^١) سلوة الأحزان (ص ١٨).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٣٠.\n(^٣) انظر: القول التمام (ص ٩٦ و٩٧).","vol":"2","page":272},{"text":"جنبا ثم استر عورتك وهي ما بين سرتك وركبتك واستر الركبة والسرة واجعل على عاتقك منشفة أو سترة ما حتى تخرج من الخلاف وصل داخل الحمام، قال أبو العباس ابن تيمية: فقد نص الإمام أحمد بن حنبل على عدم جواز الصلاة ولبس على عاتقه شيء ولو لم يجد مئزرا طرح على عاتقه خرقة أو نحوها فارتكاب الكراهة خير من تفويت الصلاة وخروجها عن وقتها، وقد اختلف العلماء في جواز الصلاة في الحمام، فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى جوازها مع الكراهة.\nوقال الإمام أحمد في المشهور عنه: إنها لا تصح مطلقا في مسلخه ووسطه وقيل إن ضاق الوقت عليه صلى فيه وإلا فلا لأن مراعاة الوقت أولى من مراعاة المكان فإن كان في الوقت سعة أسرع في الاغتسال وخرج إلى المسجد فإن خشي ذهاب الوقت في ذهابه إلى المسجد صلى ظاهر الحمام لأن ظاهره أسهل في الكراهة من داخله وهو قول الجمهور: فيكره الصلاة في الحمام لقوله - ﷺ -: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\" رواه الإمام الشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري والصحيح في سبب النهي أنها مأوى الشياطين لما يكشف فيها من العورات وقيل لغلبة النجاسة فيه فلو صلى موقنا من تحقق طهارته أو في المسلخ كره على الأول دون الثاني\" وإياك أن تكون كما قال بعض السلف: يدخل أحدكم فينقي بدنه ويملأ قلبه درنا ووسخا لما يفعل من كشف عورته ورؤيته عورة غيره ويؤخر الصلاة عن","vol":"2","page":273},{"text":"وقتها ويكثر اللغو في الحديث الباطل ويرى المنكرات المتعددة فلا يغيرها ولقد ابتلينا في هذه الأزمان بهذه البلية وإنها لبلية عظيمة مخالطة من يكره مخالطته من فجار الناس وهم مرتكبون لعدة منكرات ومن ذهب يغير عليهم آذوه وسبوه لقلة حيائهم وعدم دينهم ومروءتهم وإذا وعظوا فلا ينزجرون وإذا أمروا بالستر فلا يستترون وإذا نصحوا فلا يقبلون فإنا للّه وإنا إليه راجعون.\nفرع: وإذا دخل وقت الصلاة بطلوع الفجر ولم يمكنه إذا اغتسل أن يصلي حتى تطلع الشمس لكون الماء بعيدا أو الحمام مغلقة أو لكونه فقيرا ليس معه أجرة الحمام فإنه يتيمم ويصلي في الوقت ولا يؤخر الصلاة حتى تفوت وإن لم يستيقظ إلا وق ضاق الوقت عن الاغتسال وكان الماء موجودا فهذا يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس عند أكثر العلماء فإن الوقت في حين من حين يستيقظ بخلاف اليقظان فإن الوقت في حقه من حين طلوع الفجر ولابد من الصلاة في وقتها ولا يجوز لأحد تأخيرها عن الوقت أصلا. انتهى قاله أبو العباس أحمد بن تيمية الحنبلي (^١).\nفائدة: واعلم أن عورة الرجل من سرته إلى ركبته عند جمهور العلماء، وهل السرة أو الركبة من العورة أو لا فيه خلاف تقدم، قال أبو حنيفة: السرة ليست من العورة والركبة من العورة، وقال بعض أصحاب الشافعي وأهل\n_________\n(^١) انظر: الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ١٨٢ - ١٨٤) ومجموع الفتاوى (٢١/ ٤٤٨ و٢٢/ ١٦١ - ١٦٢).","vol":"2","page":274},{"text":"الظاهر: لا عورة إلا القبل والدبر (^١) وهذا كله بالنسبة إلى النظر واللمس وأما جميع البدن فإنه يحرم لمسه والنظر إليه إذا كان بشهوة سواء في ذلك الوجه وغيره وسواء الأمرد والملتحي واللّه أعلم (^٢).\nتتمة: هل الفخذ عورة أم لا؟ فيه أقوال:\nأحدها: إنها عورة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد.\nوالقول الثاني: إنها ليست بعورة وهو مشهور من مذهب الإمام أحمد ورواية عن مالك وإليه ذهب داود الظاهري واختاره أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي.\nوالقول الثالث: إنها عورة في الجماعة فأما مع الواحد والاثنين فلا.\nوالقول الرابع: إنها عورة في المسجد وليست بعورة في الحمام.\nوالصحيح إنها عورة مخففة ليست كالقبل والدبر فكشفها مع الواحد والاتنين أخف خطرا من كشفها في الجمع الكبير واللّه أعلم (^٣).\nفائدة في تحسين الخلق في الحمام: قال رسول اللّه - ﷺ - \"خياركم أحاسنكم أخلاقًا\" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا وروى هشام بن عروة عن أبيه\n_________\n(^١) انظر: الأوسط (٥/ ٦٧)، وشرخ الصحيح (٢/ ٣٢) لابن بطال، والبيان (٢/ ١١٧)، واختلاف الأئمة (١/ ١٠٠ - ١٠١)، والمجموع (٣/ ١٦٨).\n(^٢) الإلمام (ص ١٠٩)، وسلوة الأحز ان (ص ١٨).\n(^٣) الإلمام (ص ٩٤ و٩٦ و١٠٢ و١٠٣).","vol":"2","page":275},{"text":"قال: مكتوب في الحكمة: لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك منبسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء (^١)، ينبغي أن يعامل الناس في الحمام بالخلق الحسن والمروءة وإعانة الضعيف والشيخ الكبير وأن يدلك ظهر من لا يستطيع دلك ظهر نفسه ويساعده بما معه من قوة أو حاجة إذا طلبت منه ولا يمنع أحدا من الاغتراف من الحوض الجالس عليه ولا يزدري بأحد فقد نهى رسول اللّه - ﷺ - عن احتقار الناس فقال: \"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم\" (^٢) فينبغي أن لا يحتقر ممن يراه شعثا أو ضعيفا وذا عيال بل يساعدهم ويعينهم على تطهيرهم، ويحرم على داخل الحمام أن يمكن أحد من غسل عورته بل يتولى غسله هو بنفسه ولا بأس بما جرت به العادة من ذلك القيم ظهر المتغسل وإخراج الوسخ بالكف ونحو ذلك فيباح إذا لم ينظر إلى العورة أو يمسها ولا بأس بالتكبيس في الحمام وغيره لأنه من باب التداوي (^٣) لما ذكره ابن أبي شيبة من حديث عمر بن الخطاب فذكره حتى قال: جئت رسول الله -ﷺ- فأجده في ظل شجرة فإذا غلام أسود يغمز ظهره فسألته فقال: إن الناقة اقتحمت بي (^٤) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد (٢٧٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٢ - ٢٥٦٤)، وابن ماجه (٤٢١٣)، وأبو داود (٤٨٨٢)، والترمذى (١٩٢٧) عن أبى هريرة.\n(^٣) الإلمام (ص ١٧٠).\n(^٤) انظر: مسند الفاروق (٣/ ٦٦)، والإلمام (ص ١٧٠ - ١٧٣) و(ص ١٨٤ - ١٨٥)، والقول التمام (ص ١٢٢ - ١٢٣)، وسلوة الأحزان (ص ١٨). والحديث أخرجه: البزار (٢٨٢)، =","vol":"2","page":276},{"text":"فرع: قال في الإلمام: فإذا دخل المغتسل إلى الحمام للغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس أو لاتساخ رأسه أو بدنه أو للتداوي فإنه يستحب له أن يغسل بالسدر أو الخطمى للحديث الوارد بذلك في أبي داود (^١)، واللّه أعلم.\n\n٢٧٢ - وَعَن قاص الأجناد بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَنه حدث أَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يقعدن على مائدة يدار عَلَيْهَا الْخمر وَمن كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل الْحمام إِلَّا بإزار وَمن كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلا يدْخل حليلته الْحمام رَوَاهُ أَحْمد. (^٢)\n_________\n= وابن الأعرابى (٢٤٢٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٩٥ رقم ٨٠٧٧) و\"الصغير\" (١/ ١٤٨ رقم ٢٢٦) ومن طريقه الضياء في المختارة ١/ ١٨٣ - ١٨٤ (٩١).\nقال البزار: وهذا الحديث لا يروى عن النبي - ﷺ - إلا عن عمر عنه، ولم يروه عن عمر إلا\nأسلم ورواه عن زيد هشام بن سعد وعبد اللّه بن زيد. وقال الطبراني: لم يروه عن زيد بن أسلم إلا هشام بن سعد، ولا عن هشام بن سعد إلا أبو القاسم بن أبي الزناد تفرد به عبد الرحمن بن يونس. وقال الضياء: إسناده حسن.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٩٦: رواه البزار، والطبراني في الأوسط والصغير، ورجال البزار والطبراني رجال الصحيح خلا عبد اللّه بن زيد بن أسلم، وقد وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه ابن معين وغيره. وقال العراقى في تخريج الإحياء (ص ١٦٥): أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمر بسند ضعيف.\n(^١) الإلمام بآداب الحمام (ص ١٦٨)، وسلوة الأحزان (ص ١٨).\n(^٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (٦٢)، وأحمد ١/ ٢٠ (١٢٥)، وأبو يعلى (٢٥١)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٤٣٣ - ٤٣٤ رقم ١٤٥٤٩) والشعب (١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤ رقم ٧٣٨٠). =","vol":"2","page":277},{"text":"وَقاص الأجناد لَا أعرفهُ وَرُوِىَ آخِره أَيْضًا عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه أَبُو خيرة لَا أعرفهُ أَيْضًا. (^١)\nالحليلة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة هِيَ الزَّوْجَة.\nقوله: عن قاص الأجناد بالقسطنطينية، قال الحافظ -﵀-: قاص الأجناد لا أعرفه، قال صاحب الإلمام (^٢): إسناد هذا الحديث جيد، وقاص الأجناد قيل اسمه عبد الله بن يزيد.\nوالقاص بفتح القاف وبعد الألف صاد مهملة نسبة إلى القصص والمواعظ، وقد نسب لذلك غير واحد، وأما القصاص بضم القاف فجمع قاص وهو الذي يقرأ القصص على الناس، قال أهل اللغة: القصة الأمر بالخير وقد اقتصصت الحديث إذا رويته على وجهه وقص عليه الخير قصصا بفتح القاف، والاسم أيضًا القصص بالفتح، والقصص بكسر القاف اسم جمع القصة (^٣)، واللّه أعلم.\n_________\n= قال ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ١٧٧): هذا إسناد حسن، ليس فيه مجروح، ولم يخرجوه. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٧: رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم. وصححه الألباني في الإرواء (١٩٤٩) وصحيح الترغيب (١٦٧).\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢١ (٨٢٧٥)، والطبراني في الشاميين (٣٤٧٠)، والمخلص في المخلصيات (١٠٦٤). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٧: رواه أحمد، وفيه أبو خيرة، قال الذهبي: لا يعرف. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (١٦٨).\n(^٢) الإلمام بآداب الحمام (ص ٣٩).\n(^٣) انظر: الصحاح (٣/ ١٠٥١)، والنهاية (٤/ ٧٠).","vol":"2","page":278},{"text":"قوله: بالقسطنطينية، والقسطنطينية بفتح القاف وإسكان السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية وبعدها ياء ساكنة ثم نون، قال النووي: هذا هو المشهور، ونقله في المشارق عن المتقنين والأكثرين وعن بعضهم زيادة ياء مشددة بعد النون (^١)، وفي الديباجة وشرح مشارق الأنوار للشيخ وجيه الدين بضم القاف وإسكان السين وضم الطاء الأولى كما تقدم، وفي مختصر الأنساب لابن السمعاني (^٢) مثل الضبط الأول خلا الطاء الأولى فإنه قال بفتحها وهي مدينة مشهورة من أعظم مدن الروم وهي مثلثة الشكل منها جانبان في البحر وجانب بالبر وفيه باب الذهب وطولها تسعة أميال وعليها سور حصين طول ارتفاعه أحد وعشرون ذراعا ولها من الأبواب مائة باب أكبرها الباب المصمت وهو الباب الكبير وهو ممزوج بالذهب وبها القصر المشهور، بناها قسطنطين الملك وهو أول من أظهر دين النصرانية من ملوك الروم، قالوا ولها سبعة أسوار، وسمك سورها الكبير أحد وعشرون ذراعًا وفيه مائة باب وهي على خليج نصب في البحر الرومي وهي متصلة ببلاد رومية والأندلس، وقد جاء في ذكرها حديث، قال مسلم بإسناده لأبي هريرة قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: \"لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من ولد إسحاق فإذا جاؤها فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم قالوا لا إله إلا اللّه واللّه أكبر فيسقط أحد جانبيها ثم يقولون لا إله إلا اللّه واللّه أكبر فيسقط الجانب\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٩٩)، وشرح النووى على مسلم (١٨/ ٢١ - ٢٢).\n(^٢) الأنساب (١٠/ ٤١٩)، واللباب (٣/ ٣٦).","vol":"2","page":279},{"text":"الآخر فيقولون الثالثة كذلك فتفرج لهم فيدخلوها فيغنمون ما فيها فبينما هم يقسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ أن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون\" وهو حديث طويل وفيه \"أمارات الساعة\" وانفرد بإخراجه مسلم (^١)، وقال ثور بن يزيد: هي القسطنطينية وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا أيوب حدثنا أبو قبيل قال: كنا عند عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فقال: قال رسول اللّه -ﷺ-: \"مدينة هرقل\" (^٢) يعني القسطنطينية، ومدينة رومية الكبرى من مدائن الروم ذكر في كتاب المسالك والممالك (^٣) أن طولها من الباب الغربي إلى الباب الشرقي في ثمانية وعشرون ميلا ولها سورا من حجارة بينهما مقدار ستون ذراعا فصار سمك السور الأول اثنان وسبعون ذراعا وسمك الثاني اثنان وأربعون ذراعا وبين السورين نهر مغطى بباب من نحاس طول كل بلاطة سبعة وأربعين ذراعًا، قال: والنهر الذي يدخل فيها من البحر يدخل فيه المراكب بقلوعها فتقف على جوانبه التجار تبيع وتشتري وفي داخلها كنسية\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٩٢٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٦ (٦٦٤٥)، والدارمى (٥٠٣)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٥٦ - ٢٥٧، والطبراني في الكبير (١٤/ ١٣٠ رقم ١٤٧٤٩) والأوائل (٦١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٢) و(٤/ ٥٠٨) و(٤/ ٥٥٥). وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢١٩: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٤).\n(^٣) المسالك والممالك ص ١١٣ - ١١٥.","vol":"2","page":280},{"text":"وطولها ميل وأبوابها من الذهب الأحمر انتهى، قاله في تاريخ كنز الدور (^١).\nقوله: إن عمر بن الخطاب قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام \"سيأتي الكلام على الخمر، وأما الحليلة فهي الزوجة وتقدم الكلام على دخول الرجال والنساء بالمئزر بالشروط المتقدمة.\n\n٢٧٣ - وَعَن أبي الْمليح الْهُذلِيّ -﵁-: أَن نسَاء من أهل حمص أَو من أهل الشأم دخلن على عَائِشَة -﵂- فَقَالَت أنتن اللَّاِتي تدخلن نساءكن الحمامات سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول مَا من امْرَأَة تضع ثِيَابهَا فِي غير بَيت زَوجهَا إِلَا هتكت السّتْر بَينهَا وَبَين رَبهَا\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\nوروى أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم أَيْضا من طَرِيق دراج أبي السَّمْح عَن السَّائِب أَن نسَاء دخلن على أم سَلمَة -﵂- فسألتهن من أنتن قُلْنَ من أهل حمص قَالَت من أَصْحَاب الحمامات قُلْنَ وَبهَا باس قَالَت\n_________\n(^١) كنز الدرر (١/ ١٢١ - ١٢٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ١٧٣ (٢٥٤٠٧) و(٢٥٤٠٨) و٦/ ٢٦٧ (٢٦٣٠٤)، وابن ماجه (٣٧٥٠)، وأبو داود (٤٠١٠)، والترمذى (٢٨٠٣)، والحاكم (٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩). وقال الترمذى: هذا حديث حسن. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٠).","vol":"2","page":281},{"text":"سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول أَيّمَا امْرَأَة نزعت ثِيَابهَا فِي غير بَيتهَا خرق اللّه عَنْهَا ستره (^١).\nقوله: عن أبي المليح، أبو المليح الهذلي اسمه [قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عمير، وقيل: ابن أسامة بن عامر بن عمير بن حنيف بن ناجية بن عمرو بن الحارث بن كثير بن هند بن طابخة بن لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر البصري، وقال الدارقطني: أبو المليح بن أسامة بن عمير بن عامر بن أقيشر واسم الأقيشر عمير قال أبو زرعة، ومحمد بن سعد: ثقة (^٢)].\nقوله: أتى نساء من أهل حمص أو من الشام دخلن على عائشة -﵂- فقالت: أنتن اللاتي تدخلن نساءكن الحمامات، الحديث، أما حمص فمدينة معروفة من مشارق الشام لا تنصرف وإن كانت اسما ثلاثيا ساكن الأوسط لأنها عجمية اجتمع فيها العجمية والعلمية والتأنيث كماه وجور ونظائرهما وهي من المدن الفاضلة، وفي حديث ضعيف \"إنها من مدن الجنة\" وكانت في أول الأمر أشهر بالفضل من دمشق وهي في مستوى من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٥٦٩)، وأبو يعلى (٧٠٣١)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣١٤ رقم ٧١٠) و(٢٣/ ٤٠٢ رقم ٩٦٢)، والحاكم (٤/ ٢٨٩). وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبى. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٧: رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقال البوصيرى في اتحاف الخيرة ١/ ٣٠٣: هذا إسناد ضعيف؟ لضعف عبد اللّه بن لهيعة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧١).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣٤/ الترجمة ٧٦٤٨).","vol":"2","page":282},{"text":"الأرض حصينة مقصودة من سائر النواحي وأهلها في خصب ورغد وعيش وفي نسائها جمال فائق، وكافت في قديم الزمان أكثر البلاد وأحسنها، ويقال إنها مطلسمة لا يدخلها حية ولا عقرب ومتى وصلت الحية والعقرب إلى باب المدينة هلكت وتحمل من تراب حمص للبلاد فيوضع على لسعة العقرب فيبرأ ولها على القبة العالية التي وسطها صنم من نحاس على صورة إنسان راكب على فرس يدور مع الريح كيفما دارت وفي حائط القبة حجر فيه صورة عقرب يحيي المللذوغ والملسوع ومعه طين يطبعه على تلك الصورة ويدعه على اللذعة واللسعة وجميع شوارعها وأزقتها أو طرقها مفروش بالحجر الصلد وبها جامع كبير جدا وأهلها موصوفون بالرقاعة وقلة العقل وذكر الثعلبي في كتاب العرائس في فضل الشام أنه نزل حمص تسعمائة رجل من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين (^١).\nقول عائشة: أنتن اللاتي تدخلن نساءكن الحمامات سمعت رسول اللّه -ﷺ- يقول: \"ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر فيما بينها وبين ربها\" الحديث.\nقال العلماء: ويترتب في إتيان النساء الحمام مفاسد منها ترك الصلاة ومنها لإظهار الزينة التي أمرت بإخفائها ومنها التشويش على الرجال بما يظهر من تحت الثوب من الحلي والقماش الملون أو مشية بتمايل أو رائحة طيبة\n_________\n(^١) انظر: ربيع الأبرار (٥/ ٤٣٩)، وعرائس المجالس (ص ٣٢٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨٦)، وحياة الحيوان (٢/ ١٩٠)، وخريدة العجائب (ص ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"2","page":283},{"text":"ونحو ذلك من الفضائل التي يفعلها نساء أهل الزمان فإن ذلك مما يفتح طرق الشياطين ويتمادى به كثير من الناس، قال معاذ بن جبل -﵁-: أخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبس رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغني وكلفن الفقير ما لا يجد. رواه الإمام أحمد (^١)، وعن أبي أمامة -﵁- أن رسول اللّه -ﷺ- قال: \"إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال رب اجعل لي بيتًا فكان الحمام قال فاجعل لي مجلسًا فالأسواق ومجامع الطرق، قال فاجعل لي مصائد قال النساء\" (^٢)، ورواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن أبي أمامة بزيادة \"إن إبليس لما أنزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيمًا، فاجعل لي بيتا، قال: الحمام، قال: فاجعل لي مجلسًا، قال: الأسواق ومجامع الطرقات، قال: فاجعل لي طعامًا، قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فاجعل لي شرابا، قال: كل مسكر، قال:\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٨٥)، وابن أبى شيبة في المصنف ٧/ ٤٦٦ (٣٧٢٨١)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٢١٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) من طريق الإمام أحمد، وابن بشران (١٤٢٩)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ١٨١ رقم ١٠١٤٦) والزهد الكبير (٤٣٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٣١٢)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ١٣٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٧٨٨) وضعيف الجامع (٨٨١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٧ رقم ٧٨٣٧)، والكلاباذى في بحر الفوائد (٨٧٩) و(١١١٥). قال العراقى في تخريج الإحياء ص ٩١٢: أخرجه الطبراني في الكبير وإسناده ضعيف جدًّا ورواه بنحوه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف أيضًا. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١١٩: رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر جدًّا الضعيفة (٦٠٥٤).","vol":"2","page":284},{"text":"فاجعل لي مؤذنًا، قال: المزمار، قال: فاجعل لي قرآنًا، قال: الشعر، قال: فاجعل لي كتابًا، قال، الوشم، قال: فاجعل لي حديثًا، قال: الكذب، قال: فاجعل لي رسلًا، قال: الكهنة، قال: فاجعل لي مصائد، قال: النساء\" (^١).\nوفي صحيح مسلم: \"فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل من النساء\" (^٢) وفي الصحيحين من حديث أسامة أن رسول اللّه -ﷺ- قال: \"ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء\" (^٣) ومن المفاسد المترتبة على دخول النساء الحمام فالمرأة المفسدة قد لا تتمكن من فعل ما تريد إلا بحجة الحمام فإن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان.\nقال اللّه ﷿ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (^٤) وقال في النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (^٥) قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني اعص النساء في المعروف حتى لا يأتينك بالمنكر واتق شرارهن وكن مع خيارهن على حذر فإنهن لا يسارعن إلى خير بل هن إلى الشر أسرع فينبغي للرجل الحازم أن لا يمكن أهله من دخول الحمام إلا في خلوة وقد استحب ذلك جماعة من السلف وقال بعضهم: الدرهم الذي أخلي به الحمام أحب إلي من الدرهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في مصائد الشيطان (٤٣). وانظر التخريج السابق.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٩ - ٢٧٤٢) عن أبى سعيد الخدرى.\n(^٣) أخرجه البخارى (٥٠٩٦)، ومسلم (٩٧ و٩٨ - ٢٧٤٠).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٧٦.\n(^٥) سورة يوسف، الآية: ٢٨.","vol":"2","page":285},{"text":"الذي أتصدق به (^١).\nفائدة: قال الشافعية: يحرم على المسلمة التعري بحضرة الكتابية قال اللّه تعالى: ﴿لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (^٢) الآية. وتقدم ذلك عن قيس بن الحارث قال: كتب عمر -﵁- إلى أبي عبيدة: بلغني أن نساء من نساء المسلمين فقيل يدخلن الحمامات ومعهن نساء من أهل الكتاب فأزجر عن ذلك وحل دونه، فقال أبو عبيدة وهو غضبان ولم يكون -﵁- غضوبا: اللهم أيما امرأة دخلت الحمام من غير علة ولا سقم تريد بذلك أن تبيض وجهها سود وجهها يوم تبيض وجوه فيجب منع الذميات من دخول الحمام مع المسلمات وكذلك الإماء الكافرات، أما المملوك العفيف فقال جماعة من أصحاب الشافعي: هو كالمحرم في النظر وقال أبو حنيفة والإمام أحمد: لا يكون محرما ولا كالمحرم فيحرم دخوله مع سيدته الحمام سواء كان مميزا أو بالغا، وأما الطفل الذي لا يميز فيجوز بلا خلاف، وأما البالغ الممسوح فجوزه بعضهم ومنعه بعضهم وكذلك المجذوب الذي نقيت أنثياه والخصي الذي نقي ذكره والعنين العاجز عن الجماع والمخنث والشيخ الهرم فجوز قوم نظر هؤلاء إلى النِّساء ومنعه آخرون، فأما من جوز نظرهم إليهن فقال: إنهم ليسوا من أولي الإربة ومن منعه قال لعموم قوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ\n_________\n(^١) الإلمام (ص ١٣٣ - ١٣٦).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٣١.","vol":"2","page":286},{"text":"﴿أَبْصَارِهِمْ﴾ (^١) قال ابن الصباغ في الشامل: لا يجوز للخصي النظر إلى بدن المرأة إلا أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته وكذلك المخنث ويحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية سواء كان في حمام أو بيت أو طريق (^٢) واللّه أعلم.\nقوله: رواه أحمد وأبو يعلى من طريق دراج أبي السمح، دراج لقب أبي السمح القرشي السهمي المصري القاضي مولى عبد اللّه بن عمرو بن العاصي رأى مولاه عمرو بن العاصي وكان دراج كريمًا إذا أتاه من يطلب العلم يحدثه حتى يطعم عنده، توفي سنة عشرين ومائة، وروى له البخاري في الأدب وغيره والأربعة (^٣).\n\n٢٧٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام إِلَا بمئزر وَمن كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل حليلته الْحمام وَمن كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فليسع إِلَى الْجُمُعَة وَمن اسْتغنى عَنْهَا بلهو أَو تِجَارَة اسْتغنى اللّه عَنهُ وَاللّه غَنِي حميد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار دون ذكر الْجُمُعَة وَفِيه عَليّ بن يزِيد الألْهَانِي (^٤).\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣٠.\n(^٢) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ١٠٧ - ١٠٨) و(ص ١١٠ - ١١١).\n(^٣) تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ١٧٩٧).\n(^٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣١٨)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢١٨ رقم ٧٣٢٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن فضيل بن مرزوق إلا علي بن يزيد، تفرد به: محمد بن حرب. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٨: رواه الطبراني في الأوسط،\n=","vol":"2","page":287},{"text":"قوله: عن أبي سعيد الخدري: تقدم الكلام على فضائله.\nقوله: \"ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليسع إلى الجمعة ومن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه\" الحديث، والمراد بقوله \"استغنى اللّه عنه\" أي طرحه ورمى به من عينه فعل من استغنى عن الشيء فلم يلتفت إليه، وقيل جزاه جزاء استغنائه عنها كقوله تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (^١) قال ابن الأثير في النهاية (^٢).\nقوله: \"ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر\" تقدم.\nقوله: وفيه علي بن يزيد الألهاني، هو علي بن يزيد بن [أبي هلال الألهاني، ويقال: الهلالي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحسن، الشامي الدمشقي].\n\n٢٧٥ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أنَهَا سَأَلت رَسُول اللّه -ﷺ- عَن الْحمام فَقَالَ: \"إِنَّه سَيكون بعدِي حمامات وَلَا خير فِي الحمامات للنِّسَاء فَقَالَت يَا رَسُول اللّه إِنَّهَا تدخله بإزار فَقَالَ لا وَإِن دَخلته بإزار وَدرع وخمار وَمَا من امْرَأَة تنْزع خمارها فِي غير بَيت زَوجهَا إِلَا كشفت السّتْر فِيمَا بَينهَا وَبَين رَبهَا\"\n_________\n= والبزار باختصار ذكر الجمعة، وفيه علي بن يزيد الألهاني، ضعفه أبو حاتم وابن عدي، ووثقه أحمد وابن حبان. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٦).\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٦٧.\n(^٢) النهاية (٣/ ٣٩١).","vol":"2","page":288},{"text":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة عبد اللّه بن لَهِيعَة (^١). قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله -ﷺ-: \"إنه سيكون بعدي حمامات ولا خير في الحمامات للنساء، فقالت: يا رسول اللّه إنها تدخله بإزار، فقال: لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار\" الحديث، الدرع هو القميص الخصيف السابغ الذي يستر ظهور القدمين قاله ابن أبي زيد المالكي في كتابه الرسالة (^٢)، والخمار هو ما يغطي به الرأس (^٣)، وتقدم الكلام على دخولهن الحمام بالشروط المتقدمة واللّه أعلم.\nقوله: رواه الطبراني من رواية عبد اللّه بن لهعية، وعبد اللّه بن لهيعة تقدم الكلام.\n\n٢٧٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: \"من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل الْحمام وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدْخل حليلته الْحمام من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يشرب الْخمر من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلا يجلس على مائدة يشرب عَلَيْهَا الْخمر من\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٢١ رقم ٣٢٨٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عروة إلا أبو الأسود، تفرد به ابن لهيعة. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٢١٦)، وضعيف الترغيب (١٢٨).\n(^٢) الرسالة (ص ٣٧).\n(^٣) النهاية (٢/ ٧٨).","vol":"2","page":289},{"text":"كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يخلون بِامْرَأَة لَيْسَ بَينه وَبَينهَا محرم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه يحيى بن أبي سُلَيْمَان الْمدنِي (^١).\nقوله: عن ابن عباس تقدم.\nقوله: \"ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينه وبينها محرم\" الحديث المحرم القرابة وهو من يحرم عليه نكاحها.\nقوله: فيه يحيى بن أبي سليمان المدني.\n\n٢٧٧ - وَرُوِيَ عَن الْمِقْدَام بن معد يكرب -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ-: \"إِنَّكُم ستفتحون أفقا فِيهَا بيُوت يُقَال لَهَا الحمامات حرَام على أمتِي دُخُولهَا فَقَالُوا: يَا رَسُول اللّه إِنَّهَا تذْهب الوصب وتنقي الدَّرن قَالَ: فَإِنَّهَا حَلأل لذكور أمتِي فِي الأزر حرَام على إناث أمتِي\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nالْأُفق بِضَم الْألف وَسُكُون الْفَاء وَبِضَمِّهَا أَيْضًا هِيَ النَّاحِيَة والوصب الْمَرَض. قوله: عن المقدام بن معد كرب، هو المقدام بن معد كري الكندي بفتح الكاف وكسرها، وأما كرب فيجوز كسر الباء مع التنوين على الإضافة ويجوز فتحها على البناء، كنيته أبو كريمة وقيل أبو صالح وأبو يحيى وأبو\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩١ رقم ١١٤٦٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٩: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن أبي سليمان المدني، ضعفه البخاري وأبو حاتم، ووثقه ابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٤ رقم ٦٧١) والشاميين (١٨٥٧). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٨: رواه الطبراني، وفيه مسلمة بن علي الخشني، وقد أجمعوا على ضعفه. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٢٩).","vol":"2","page":290},{"text":"بسر والأول أشهر، وفد على رسول اللّه -ﷺ- في وفد كنده، ضرب النبي -ﷺ- على منكبيه ثم قال \"أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا\" الحديث وعداده في أهل الشام سكن حمص وروى له عن النبي -ﷺ- سبعة وأربعون حديثا روى عنه خالد بن معدان وراشد بن سعد وجبير بن نفير وغيرهم، توفي بالشام سنة سبع وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة روى له الجماعة سوى مسلم (^١).\nقوله: -ﷺ- \"إنكم ستفتحون أفقا فيها بيوت يقال لها الحمامات حرام على أمتي دخولها\" الحديث، الأفق: بضم الألف وسكون الفاء وبضمها أيضا هي الناحية قاله الحافظ، وقال بعض العلماء: هي الناحية والجانب وجمعها آفاق والآفاق النواحي وآفاق الأرض نواحيها وأطرافها ورجل أفقي بفتح الهمزة وألفا إذا كان من آفاق الأرض وبعضهم يقول بضمها وهو القياس هذا خطأ لغوي وأما قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ (^٢) فقال مجاهد والحسن والسدي والمنهال وابن قتيبة أن الآفاق ما يفتح من القرى وفي أنفسهم فتح مكة (^٣). انتهى قاله في الديباجة.\nقوله: فقالوا يا رسول اللّه إنها تذهب الوصب وتنقي الدرن قال \"فإنها\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٢ - ١١٣ ترجمة ٦٠٣).\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ٥٣.\n(^٣) انظر: الصحاح (٤/ ١٤٤٦)، وتفسير البغوى (٧/ ١٧٩)، ومشارق الأنوار (١/ ٤٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٩)، والنهاية (١/ ٥٦).","vol":"2","page":291},{"text":"حلال لذكور أمتي في الأرض حرام على إناث أمتى\" الوصب المرض قاله الحافظ والدرن الوسخ وتقدم الكلام على دخول الرجال والنساء الحمامات بالشروط المتقدمة واللّه أعلم.\nفائدة: قال الغزالي في الإحياء (^١): يستحب للإنسان أن يعطي الأجرة قبل الدخول فإن ما يستوفيه مجهول وكذا ما ينتظره الحمامي فتسليم الأجرة قبل الدخول دفع للجهالة من أحد العوضين انتهى.\nخاتمة الباب: تتعلق بالطب: قال الفقيه أبو الليث السمرقندي في كتابه بستان العارفين: إذا أراد الإنسان أن يدخل الحمام لا ينبغي له أن يدخل بدفعة واحدة في البيت الداخل ولكن ينبغي أن يمكث في كل بيت قليلا ثم يدخل في الآخر وكذلك في حال الخروج ويكره أن يصب على رأسه بعدما يخرج ماء بارد.\nأو يشرب ماء باردًا فإن ذلك يضر البدن، ويقال دخول الحمام في أيام الصيف أنفع للبدن من أيام الشتاء ولا ينبغي للحمام أن يكون سخينا جدًّا في أيام الصيف فإن ذلك يخاف منه الآفة وإذا خرج من الحمام في أيام الشتاء ينبغي له أن يلبس ثيابا أسرع ما أمكنه كيلا يجد برد الهواء فيضره، وينبغي له أن يغطي رأسه لكيلا يصيبه وجع الرأس فإن أراد أن يتنور يستحب له أن لا يقرب النساء قبل ذلك بيوم وليلة ويقال إكثار الاغتسال بالماء البارد يشوه\n_________\n(^١) الإحياء (١/ ١٣٩).","vol":"2","page":292},{"text":"البشرة ويهيج به المرء، ويقال الغسل في أيام الصيف أرفق بالبدن إذا لم يكن حارا شديدا ولا باردًا شديدًا، ودخول الحمام جائعا يتولد منه اليبوسة في البدن، وإن كان في حال الامتلاء يخاف منه داء في البطن والديدان في الأمعاء، وقال ابن المقنع من دخل الحمام وهو شبعان فأصابه القولنج فلا يلومن إلا نفسه، ومن أكل السمك الطري وقام من المائدة ودخل الحمام فأصابه القولنج والفالج فلا يلومن إلا نفسه (^١) انتهى.\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٧٢).","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الترهيب من تأخير الغسل لغير عذر</span>\nالغسل هو بفتح الغين وضمها والفتح أفصح عند اللغويين والضم أشهر عند الفقهاء، وبالكسر ما يغسل به من سدر ونحوه فالغسل بضم الغين هو اسم للاغتسال وهو في الاصطلاح غسل البشرة والشعر وهو المراد هنا وهو أيضًا اسم الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل وهو الاسم أيضًا من غسلته، وأما الغسل بالفتح فهو مصدر غسل الشيء غسلًا (^١) قاله النووي في شرح مسلم: لو أريد به الماء فهو مضموم وأما في المصدر فيجوز به الضم والفتح لغتان مشهورتان (^٢) واعلم أن حقيقته هو جريان الماء على العضو (^٣)، ولا يشترط الدلك وإمرار اليد تقول العرب غسلتني السماء ولا يدخل فيه لإمرار اليد، وقد وصفت عائشة ﵂ غسل رسول اللّه -ﷺ- من الجنابة ولم تذكر دلكا (^٤)، ولما كان الغسل من الجنابة معلوما قبل الإسلام بقية من دين إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما بقي الحج والنكاح لم يحتاجوا إلى تفسيره بل خوطبوا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٥) الآية وهي\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٣/ ١١٠)، والنجم الوهاج (١/ ٣٧٤).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ٩٩).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٤/ ٢).\n(^٤) الكواكب الدرارى (٣/ ١١٠).\n(^٥) سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"2","page":294},{"text":"دليل الباب وذلك نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو رسول اللّه -ﷺ- (^١)، وأما الحدث الأصغر فلم يكن معروفا عندهم قبل الإسلام فلذلك بين أعضاءه وكيفيته والسبب الموجب له (^٢) انتهى.\n\n٢٧٨ - عَن عمار بن يَاسر -ﷺ- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ ثَلاثَة لا تقربهم الْمَلَائِكَة جيفة الْكَافِر والمتضمخ بالخلوق وَالْجنب إِلَا أَن يتَوَضَّأ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن الْحسن بن أبي الْحسن عَن عمار وَلم يسمع مِنْهُ (^٣) وَرَوَاهُ هُوَ وَغَيره عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن يحيى بن يعمر عَن عمار قَالَ قدمت على أَهلِي لَيْلَا وَقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران فَغَدَوْت على رَسُول اللّه -ﷺ- فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ السَّلَام وَلم يرحب بِي وَقَالَ اذْهَبْ فاغسل عَنْك هَذَا فغسلته ثمَّ جِئْت فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ ورحب بِي وَقَالَ إِن الْمَلأئِكَة لا تحضر جَنَازَة الْكَافِر بِخَير وَلا المتضمخ بزعفران وَلا الْجنب قَالَ وَرخّص للْجنب إِذا نَام أَو أكل أَو شرب أَن يتَوَضَّأ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن يسار في السير والمغازى (١/ ٢١٠) عن عبد اللّه بن كعب بن مالك.\n(^٢) الروض الأنف (٥/ ٤٠٥)، والنجم الوهاج (١/ ٣٧٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤١٨٠)، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٥٦ رقم ٨٩٧٤). وضعفه الألباني في المشكاة (٤٦٤)، وحسنه في صحيح الترغيب (١٧٣).\n(^٤) أخرجه الطيالسى (٦٨١)، وأحمد ٤/ ٣٢٠ (١٨٨٨٦)، وأبو داود (٤١٧٦) و(٤١٧٧)، والبزار (١٤٠٢)، وأبو يعلى (١٦٣٥)، والطبراني في الشاميين (٢٤٥٢)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٢١٣ رقم ٩٨٢) و(٥/ ٥٥ - ٥٦ رقم ٨٩٧٢ و٨٩٧٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٠).","vol":"2","page":295},{"text":"قَالَ الْحَافِظ ﵀ المُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ هُنَا هم الَّذين ينزلون بِالرَّحْمَةِ وَالْبركَة دون الْحفظَة فَإِنَّهُم لا يفارقونه على حَال من الأحْوَال ثمَّ قيل هَذَا فِي حق كل من أخر الْغسْل لغير عذر ولعذر إِذا أمكنه الْوضُوء فَلم يتَوَضَّأ وَقيل هُوَ الَّذِي يُؤَخِّرهُ تهاونا وكسلا ويتخذ ذَلِك عَادَة وَاللّه أعلم.\nقوله: عن عمار بن ياسر تقدمن الكلام على فضائله.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ\" قال الحافظ قدس اللّه سره: والمراد بالملائكة هنا هم الذين ينزلون بالرحمة والبركة دون الحفظ فإنهم لا يفارقونه على حال من الأحوال (^١) انتهى، وزاد بعض العلماء أيضا: المراد بالملائكة غير الحفظة وغير ملائكة الموت، وقيل أراد لا تحضره الملائكة بخير (^٢).\nقوله: \"جيفة الكافر\" المراد بجيفة الكافر ذاته حيا لأنه نجس قال اللّه تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (^٣) (^٤)، وقد جاء في رواية أبي داود عن عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر عن عمار فذكره إلى أن قال: \"إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير\" والجنازة بكسر الجيم وفتحها وسيأتي الكلام على ذلك في الجنائز مبسوطًا.\n_________\n(^١) معالم السنن ١/ ٧٥.\n(^٢) النهاية ١/ ٣٠٢ والنجم الوهاج ١/ ٣٧٧.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٢٨.\n(^٤) المفاتيح (١/ ٤٢٤)، وشرح المشكاة (٣/ ٨٢١)، وشرح المصابيح (١/ ٣٠٢).","vol":"2","page":296},{"text":"وعطاء الخراساني كنيته أبو عثمان، قال الحافظ أبو نعيم: كان عطاء الخراساني يغازي ويحيي الليل صلاة فإذا ذهب من الليل ثلثه أو نصفه نادى يا فلان ويا فلان قوموا وصلوا فإن قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شراب الصديد ومقطعات الحديد الوحا الوحا النجا النجا ثم يقبل على صلاته، أسند عن أنس بن مالك وعبد اللّه بن عمر وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة توفي سنة خمس وثلاثين ومائة (^١) قاله في مختصر مجمع الأحباب.\nقوله: \"والمتضمخ بالخلوق\" المتضمخ بالضاد والخاء المعجمتين أي متدهن بالطيب مكثر منه يقال تضمخ بالطيب إذا تلطخ به وتلوث وأكثر منه (^٢)، والخلوق بفتح الخاء طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة وهو العبير أيضا على تفسير الأصمعي (^٣) قال أبو عبيد: العبير بفتح العين وكسر الموحدة عند العرب هو الزعفران وحده (^٤) وقد ورد تارة بإباحته وتارة بالنهي عنه والنهي أكثر وأثبت وإنما نهي عنه لأنه من طيب النساء وكن أكثر استعمالا له منه والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة قاله في النهاية (^٥)، وقال بعض العلماء وكراهة الخلوق\n_________\n(^١) الحلية (٥/ ١٩٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥ الترجمة ٤١٠).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٨/ ٦٩).\n(^٣) النهاية (٢/ ٧١).\n(^٤) الغريب المصنف (٢/ ٤٢٠).\n(^٥) النهاية (٢/ ٧١).","vol":"2","page":297},{"text":"إنما هو للرجال والخنثاء دون النساء (^١)، وقد صح النهي عن التخلق بالخلوق والحكمة في ذلك أن التخلق تشبه بالنساء (^٢) وقد ثبت أنه -ﷺ- قال \"لعن اللّه المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجل\" (^٣).\nقوله: وروى أبو داود وغيره عن عطاء الخراشي عن يحيى بن يعمر عن عمار قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشققت يداي فلقوني بزعفران \"أي لطخوني بمال خلقتني به\" فتخلق أي تلطخ فغدوت على رسول اللّه -ﷺ- فسلمت عليه فلم يرد علي السلام ولم يرجب بي وقال: \"اذهب فاغسل هذا عنك\" فذهبت فغسلته ثم جئت فسلمت عليه فرد علي ورحب بي انتهى قاله المنذري، وقد يروى في حديث أنس بن مالك قال: \"نهى رسول اللّه -ﷺ- أن يتزعفر الرجل\" رواه الشيخان (^٤) قال الترمذي: معنى كراهة التزعفر للرجل أن يتطيب به (^٥)، وقال البغوي (^٦): النهي عن التزعفر للرجل يتناول الكثير منه\n_________\n(^١) كشف المناهج (٤/ ٣٧).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٩/ ٢١٦)، والعدة شرح العمدة (٣/ ١٣١١)، والمفاتيح (١/ ٤٢٤).\n(^٣) أخرجه البخارى (٥٨٨٥)، وابن ماجه (١٩٠٤)، وأبو داود (٤٠٩٧)، والترمذى (٢٧٨٤) عن ابن عباس.\n(^٤) أخرجه البخارى (٥٨٤٦)، ومسلم (٧٧ - ٢١٠١)، وأبو داود (٤١٧٩)، والترمذى (٢٨١٥)، والنسائى في المجتبى ٥/ ٦٨ (٢٧٢٦) عن أنس.\n(^٥) السنن عقب حديث (٢٨١٥).\n(^٦) شرح السنة (١٢/ ٧٩).","vol":"2","page":298},{"text":"أما القليل منه فقد وردت الرخصة فيه للرجل فإنَّ النبيﷺ- رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع من زعفران فقال \"مهيم\" فقال: تزوجت امرأة فقال \"ما أصدقتها؟ \" قال: وزن نواة من ذهب قال \"بارك اللّه لك أولم ولو بشاة\" (^١) الحديث، الردع بالراء والدال والعين المهملات لطخ من بقية لون الزعفران وقيل أثر الزعفران ولونه (^٢) قال النووي: والصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أتر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولم يتعمد التزعفر، وقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال وكذا نهي الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء وقد نهي الرجال عن التشبه بالنساء، وهو الصحيح في معنى الحديث وهو الذي اختاره القاضي والمحققون قال القاضي وقيل إنه رخص في ذلك العروس أيام عرسه وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيدة أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه وقيل كان في أول الإسلام من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا علامة لسروره وزواجه قال وهذا غير معروف وقيل لعله كان يسيرا فلم يكره وقيل يحتمل أنه كان بثيابه دون بدنه وقد ذهب مالك وأصحابه إلى جواز لبس الثياب المزعفرة وحكاه مالك\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١٥٧٠)، وابن ماجه (١٩٠٧)، وأبو داود (٢١٠٩)، والترمذى (٠٩٤) و(١٩٣٣)، والنسائى في المجتبى ٥/ ٥٣٦ (٣٣٩٧) و٥/ ٥٣٧ (٣٣٩٨) و(٣٣٩٩) و٥/ ٥٤٧ (٣٤١٣) واللفظ له. وصححه الألباني في الإرواء (١٩٢٣).\n(^٢) الصحاح للجوهري (٣/ ١٢١٨)، ورياض الأفهام (٤/ ٦٦٧)، والكواكب الدرارى (٧/ ١٥٨).","vol":"2","page":299},{"text":"عن علماء المدينة وهو مذهب ابن عمر وغيره، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز ذلك للرجل (^١).\nوقوله: \"مهيم\" كلمة يمانية معناها ما شأنك؟ أو ما هذه الحالة (^٢).\nوقوله: \"وزن نواة من ذهب\" قال الخطابي النواة اسم لقدر معلوم عندهم فسروها بخمسة دراهم من ذهب وكذا فسرها أكثر العلماء (^٣)،\nوقال أحمد بن حنبل: هي ثلاثة دراهم وثلث وقيل المراد نواة التمر أي وزنها من ذهب والصحيح الأول وقال بعض المالكية ربع دينار عند أهل المدينة وظاهر كلام أبي عبيد أنه دفع خمسة دراهم قال ولم يكن هناك ذهب إنما خمسة دراهم تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية (^٤) والله أعلم.\nقوله: \"ولا الجنب إلا أن يتوضأ\" وفي الرواية الأخرى، ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب إن توضأ، قال الحافظ: \"ثلائة لا تقربهم الملائكة\" وعد منهم الجنب ثم قيل هذا في حق كل من أخر الغسل لغير عذر ولعذر إن أمكنه الوضوء فلم يتوضأ وقيل هو الذي يؤخره تهاونا وكسلا واتخذ ذلك عادة والله أعلم انتهى.\nقال العلماء وسمي الجنب جنبا لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والقراءة\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٩/ ٢١٦).\n(^٢) غريب الحديث (٢/ ١٩١)، وأعلام الحديث (٢/ ٩٩٤) ومعالم السنن (٣/ ٢١٠)، وشرح السنة (٩/ ١٣٤)، ومشارق الأنوار (١/ ٣٩٥)، وشرح الزركشى على مختصر الخرقى (٥/ ٢٧٩).\n(^٣) معالم السنن (٣/ ٢١٠).\n(^٤) شرح النووى على مسلم (٩/ ٢١٦).","vol":"2","page":300},{"text":"ويتباعد عنها والجنابة في اللغة البعد وسمي الجنب جنبا أيضا لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر وقيل لمجانبته الناس ضى يغتسل، والجنب في الشرع الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني ويقع على الواحد وعلى الاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد فقال رجل جنب ورجلان جنب ورجال جنب وامرأة وامرأتان ونسوة جنب بلفظ واحد وقد يجمع على أجناب وجنبين وأجنب جنب أجنابًا (^١) قاله في الديباجة.\nوقيل ليس معناه من أصابته جنابة فأخر الاغتسال ولكنه الجنب الذي يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة لأن النبي -ﷺ- كان ينام وهو جنب ويطوف على نساءه بغسل واحد انتهى، وزاد بعض العلماء على ما قاله المنذري أنه يدل على قلة دينه وخبث باطنه (^٢).\nتنبيه: وأما أحكام المسلم فيحرم على الجنب الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله واللبث في المسجد وقراءة القرآن ويجوز له العبور من غير لطف سواء كان لحاجة أم لا، وحكي عن سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه أنه لا يجوز له العبور إلا أن لا يجد بدا منه فيتوضأ ثم يمر، وقال أحمد يحرم المكث ويباح العبور للحاجة لا لغيرها وقال المزني وداود وابن المنذر: يجوز للجنب المكث في المسجد مطلقًا (^٣) انتهى قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٣٠٢).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٠٢).\n(^٣) المهذب (١/ ٦٣)، والتهذيب (١/ ٢٨١)، والغاية والتقريب (ص ٧)، والمجموع (٢/ ١٥٥) و(٢/ ١٦٠)، والنجم الوهاج (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣).","vol":"2","page":301},{"text":"قوله: ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ، قال العلماء يستحب للجنب أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يجامع حتى يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة (^١)، ففي الصحيحين عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- كان يفعل ذلك (^٢)، وفي الحديث أيضا قالوا يا رسول اللّه أيرقد أحدنا وهو جنب قال نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد (^٣) ففيه دليل على استحباب الوضوء للجنب قبل النوم ويستحب للمحدث أيضا حدثا أصغر أن يتوضأ قبل النوم نقله النووي عن الأصحاب (^٤) واختلفوا في وضوء الجنب فعند الشافعية أنه يستحب وفي مذهب مالك قولان أحدهما: الوجوب وعليه داود الظاهري وقد ورد بصيغة الأمر في بعض الروايات الصحيحة وهو قوله -ﷺ- \"توضأ وانضح ذكرك\" (^٥) لما سأله عمر أنه تصيبه الجنابة من الليل والقائلون بالوجوب اختلفوا في علته فقال النووي قال أصحابنا علته لأنه يخفف الحدث فشأنه أنه يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء وربما نشط للغسل فيغتسل بالبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في يومه\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٣٨٦).\n(^٢) أخرجه البخارى (٢٨٦) و(٢٨٨)، ومسلم (٢١ و٢٢ - ٣٠٥).\n(^٣) أخرجه البخارى (٢٨٧) و(٢٨٩) و(٢٩٠)، ومسلم (٢٣ و٢٤ و٢٥ - ٣٠٦) عن ابن عمر.\n(^٤) المجموع (١/ ٣٢٤).\n(^٥) كذا بالأصل وصوابه قوله لعمر: \"توضأ واغسل ذكرك، ثم نم\".","vol":"2","page":302},{"text":"ذلك ولأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب فيزول ذلك بالوضوء (^١) واختلف في وجوبه للجنب عند المالكية وقال به أهل الظاهر، ونقله ابن العربي عن الشافعي ولا يعرف في مذهبه غير الاستحباب وعليه أكثر العلماء وقال بعض أشياخ المالكية: لا تسقط العدالة بتركه لاختلاف العلماء فيه والمراد به الوضوء الشرعي وفي رواية شعبة اغسل ذكرك ثم توضأ وارقد هذا هو الصحيح يعني الأمر بغسل الذكر قبل الوضوء (^٢) وقال الطوسي الأكبر: وإنما أمر بالوضوء عند النوم لأن الأرواح تصعد إلى اللّه تعالى وهي تبعث على ما فارقت أجسادها عليه في الدنيا (^٣)، والطوسي الأكبر هو أبو حامد أحمد بن محمد الغزالي الأكبر عم حجة الإسلام وهو أحد الأئمة من أصحاب الوجوه متفقة على أبي طاهر الزيادي ومات بطوس سنة خمس وثلاثين وأربعمائة قاله تاج الدين السبكي في طبقاته (^٤) قاله في شرح الإلمام.\nتتمة: هذا الوضوء لا يبطله الحدث وإنما يبطل بالواقع بين الجماعين بمعاودة الجماع وإذا نام ولم يتوضأ فليستغفر اللّه تعالى، وتقدم أن مالكا لا\n_________\n(^١) أنظر: المعلم (١/ ٣٧١)، شرح النووي على مسلم (٣/ ٢١٨)، وإحكام الأحكام (١/ ١٣٥ - ١٣٦) والكواكب الدراري (٣/ ١٥١ - ١٥٢)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٥٠).\n(^٢) المسالك (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٦)، والعدة شرح العمدة (١/ ٢١٣)، ورياض الأفهام (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).\n(^٣) المسالك (٢/ ٢٠٧).\n(^٤) ترجمه السبكى في طبقات الشافعيين (٤/ ٨٧ - ٩٠) وابن قاضى شهبة في طبقات الشافعية (١/ ٢٠٤/ ٢٠٥).","vol":"2","page":303},{"text":"يجوزه على قول قاله ابن العربي، وعلله بأنه لم يشرع لرفع حدث ينقضه الحدث، وإنما شرع عبادة فلا ينقضه إلا ما أوجبه (^١) والله أعلم.\nفرع في الوضوء بعد الوطئ: إذا قيل ما الوضوء وحقيقته؟ فهل الأولى أن ينوي به رفع الحدث الأصغر أو سنة العود أو رفع جنابة ما أصابه الماء من الأعضاء المغسولة؟\nالظاهر الأولى لتكون عبادة مستقلة أو مخففة للحدث بزوال أحد الحدثين ويندرج فيه سنة الغسل (^٢) واللّه أعلم.\n\n٢٧٩ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب كرم اللّه وَجهه عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لا تدخل الْمَلائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة وَلا كلب وَلا جنب\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n٢٨٠ - وَعَن الْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ ثَلَاثة لا تقربهم الْمَلائِكَة الجنب والسكران والمتضمخ بالخلوق (^٤).\n_________\n(^١) المسالك (٢/ ٢٠٦)، وعارضة الأحوذى (٩/ ٥ - ٦).\n(^٢) انظر: فتح العزيز (٢/ ١٧٩)، والمجموع (٢/ ١٨٣)، وفتح القريب (ص ٤٣).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ١٥٠ (١٢٩٠)، وابن ماجه (٣٦٥٠)، وأبو داود (٢٢٧) و(٤١٥٢)، (٤) والنسائى في المجتبى ١/ ٤١٣ (٢٦٦) و٧/ ٦٤ (٤٣١٩) والكبرى (٢٥٣) و(٤٧٧٤)، وابن حبان (١٢٠٥)، والحاكم (١/ ١٧١). وصححه الحاكم. وضعفه الألباني في المشكاة (٤٦٣) وضعيف أبى داود (٣٠) وضعيف الترغيب (١٣١).\n(^٤) أخرجه البزار كم في كشف الأستار (٢٩٣٠). قال البزار: رواه غير العباس بن أبي طالب مرسلًا، ولا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا هذا الوجه، وروي عن عمار نحوه. وقال الهيثمي في المجمع =","vol":"2","page":304},{"text":"قوله: عن علي بن أبي طالب تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب\" الحديث قال الخطابي إن الجنب تصحيف وصوابه جبت بالباء الموحدة وبالتاء المثناة فوق ومرده ما رواه الإمام أحمد في مسنده \"لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا ذو جنابة\" أي ولا صاحب جنابة تقدم الكلام على الجنب وسيأتي الكلام على الصورة والكلب في بابهما إن شاء اللّه تعالى.\nسؤال: لم أمر بغسل جميع البدن في الجنابة دون البول؟\nقيل: لأن تحت كل شعرة جنابة وأيضا كل عضو من أعضائك وجد لذة التمتع فيجب لكل عضو شكر وأيضا لمخالفة الكفار فإنهم لا يغتسلون فأمرك بالغسل لمخالفتهم ويقال لأنه ليس في الجنة اغتسال ليريهم قدر الجنة وأيضا التمتع على وفاق النفس والاغتسال على مخالفتها وخلاف الهوى واجب ولأن المني جاوز مياه المشركين في صلب آدم -ﷺ- فقال اغتسل منه لأن زهومة مياه المشركين أصاب ماءك قاله في كشف الأسرار (^١).\nفائدة: قال الغزالي في الإحياء (^٢): ولا ينبغي أن يحلق أو يقلم أو يستحد أو يخرج الدم أو يبين من نفسه جزءًا وهو جنب إذ ترد إليه سائر أجزائه في\n_________\n= (٥/ ٧٢): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا العباس بن أبي طالب، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٠٤) وصحيح الترغيب (١٧٤) و(٢٣٧٤).\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٤٢/ خ).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٥١).","vol":"2","page":305},{"text":"الآخرة فيعود جنبًا ويقال إن كل شعرة تطالبه بجنابتها. انتهى.\nفائدة أخرى: خروج المني يوجب الغسل من الرجل والمرأة في النوم واليقظة ولا فرق عند الشافعي وأصحابه بين خروجه بجماع أو احتلام أو استمناء أو نظر أو بغير سبب سواء خرج بشهوة أو غيرها وسواء تلذذ بخروجه أو لا وسواء خرج كثيرا أو يسيرا من الرجل والمرأة العاقل أو المجنون فإن رأى منيا في فراش نام فيه هو وغيره ممن يمكن أن يمني فلا غسل عليه احتمال أنه من صاحبه ولا يجب على صاحبه لاحتمال أنه من الآخر ولا يجوز أن يصلي أحدهما خلف الآخر قبل الاغتسال والمستحب لكل واحد منهما أن يغتسل نص عليه الشافعي في الأم، واختلف فيما إذا اغتسل الجنب ثم خرج منه مني بعد ذلك فقال الشافعي ﵀ إذا أمنى واغتسل ثم خرج مني منه على القرب بعد غسله لزمه الغسل ثانية سواء كان ذلك قبل أن يبول بعد المني أو بعد بوله وبه قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة: إن كان بعد البول فلا غسل عليه وقبله فيه الغسل وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد وعنه رواية ثالثه أنه يجب الغسل مطلقا، وقال مالك وسفيان والثوري وأبو يوسف وإسحاق بن راهويه لا غسل عليه على الإطلاق وعن الإمام أحمد رواية نحوه وهي أشهر الروايات عنه (^١) انتهى واللّه أعلم.\n_________\n(^١) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ١١٧ - ١٢٠) بتصرف.","vol":"2","page":306},{"text":"فائدة ثالثه: قال النووي ﵀ (^١): والنية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم وقال أبو حنيفة والثوري يصح الوضوء والغسل بغير نية وقال في الإلمام ومحل النية القلب باتفاق العلماء فلو نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية، فإذا اتفقت النية واللسان فهو أكمل وقيل أن مالكا كره النطق باللسان فيما فرضه النية (^٢) وقال الإمام أبو العباس بن تيمية قد قال العلماء هل يستحب التلفظ بالنية على قولين: فقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب التلفظ بها لكونه أوكد وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد لا يستحب التلفظ بها لأن ذلك بدعة لم ينقل عن رسول اللّه -ﷺ- أحد من أمته أنه تلفظ بالنية ولا علم ذلك أحد من المسلمين ولو كان مشروعا لم يهمله -ﷺ- وأصحابه مع أن الأمة مبتلاة به كل يوم وليلة قال: وهذا القول أصح [الأقوال] (^٣) بل التلفظ بالنية نقص في العقل والدين أما في الدين فإنه بدعة وأما في العقل فلأن هذا بمنزلة من إذا كان يأكل طعاما فقال أنوي بوضع يدي في هذا الإناء أخذ لقمة منه فأضعها في فمي فأمضغها ثم أبلعها لأشبع فهذا حمق وجهل وذلك لأن النية تتبع العمل فمتى علم العبد ما يفعل كان قد نواه ضرورة فلم يتصور ما وجود العلم بالفعل أن يفعل بلا نية إنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد مثل من نسي الجنابة واغتسل\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣١٢)، والإلمام (ص ١٤٦).\n(^٢) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ١٤٦).\n(^٣) زيادة من مجموع الفتاوى.","vol":"2","page":307},{"text":"من نظافة ومن يريد أن يعلم غيره الوضوء ولم يرد أن يتوضأ لنفسه (^١) انتهى.\nفروع: الأول: من وجب عليه وضوء وغسل أجزأه الغسل على ظاهر المذهب لأنهما طهارتان فتداخلتا كغسل الجنابة والحيض (^٢).\nالثاني: إذا اجتمع على المرأة غسل جنابة وغسل حيض فاغتسلت لأحدهما أجزأها عنهما لأن فرضهما واحد فأجزأ نية أحدهما (^٣).\nالثالث: يكره الوضوء بعد الغسل إذا لم يحدث لم روي في أبي داود عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول اللّه -ﷺ- لا يتوضأ بعد الغسل (^٤)، فحاصله أنه لا يشرع وضوءان في غسل واحد سواء أكان جنبا محدثا أو جنبا فقط (^٥).\nالرابع: في كيفية النية في الغسل إذا أراد الإنسان الغسل الواجب نوى الغسل من الجنابة إن كان جنبا أو الحيض إن كانت المرأة حائضا وكذا الغسل من النفاس إن كانت نفساء لأنه الذي عليه فلو نوى أحدهما غير ما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٣١ - ٢٣٢) و(١٨/ ٢٦٢ - ٢٦٤) وانظر الإلمام (ص ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٩٣).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٢٧) والإلمام (ص ١٥٤).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٥٧٩)، وأبو داود (٢٥٠)، والترمذى (١٠٧)، والنسائى في المجتبى ١/ ٤٠٧) (٢٥٧) و١/ ٥٣٤ (٤٣٥) والكبرى (٢٤٥). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (٤٤٥).\n(^٥) المجموع (٢/ ١٩٥).","vol":"2","page":308},{"text":"عليه فإن تعمد فلا يصح وإن غلط صح كما قاله النووي في شرح المهذب (^١) وتكون النية مقارنة للفعل كما قاله أصحاب الشافعي (^٢)، ويكفيه أيضا نية إذا فرض الغسل وكذا في الغسل بحذف الفرض وكذا الغسل لفروض أو فريضة الغسل أو الطهارة للصلاة أو رفع الحدث عن جميع البدن وكذا إن أطلق في الأصح لأن الحدث هو المنع من الصلاة والواجب من الغسل النية أي لا عمل بدونها للمخير والمشهور وقتها عند غسل أول جزء من البدن فأي جزء بدأ بغسله واقترنت النية اعتد به وبما بعده لأنه لا ترتيب في الغسل (^٣).\nوالواجب منه أيضا إيصال الماء للشعر والبشرة سواء قل الشعر أو كثر خف أو كثف وسواء شعر الرأس أو البدن وسواء أصوله وما استرسل منه لأن الحدث عم جميع البدن فوجب تعميمه بالغسل (^٤) ولقوله -ﷺ- \"تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة\" رواه أبو داود وقد روي عنه -ﷺ- أنه قال \"من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسله فعل به كذا وكذا من النار\" وهو صحيح الإسناد فلو بقيت شعرة لم يغسلها ويصبها الماء لم يجزه ويجب غسل الذؤابة \"الذؤابة جمعها الذوائب وهي الشعر المضفر من شعر الرأس وذؤابة الجميع أعلاه واللّه أعلم\" ونقض الضفائر إن لم يصل الماء\n_________\n(^١) انظر: العزيز (١/ ١٠٠)، وفتح العزيز (١/ ٣٢٠)، المجموع (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(^٢) انظر: التنبيه (١/ ٣٠)، والمهذب (١/ ١٣٤)، والمجموع (٣/ ٢٧٧)، والنجم الوهاج (١/ ٣١٣).\n(^٣) انظر المجموع (١/ ٣٢٣)، والنجم الوهاج (١/ ٣١٥ - ٣١٦)، والإلمام (ص ١٤٧).\n(^٤) انظر: المجموع (٢/ ١٨٤)، ونهاية المحتاج (١/ ٢٢٤).","vol":"2","page":309},{"text":"للشعر والبشرة إلا به (^١) ويلزم الثيب أيضا غسل ما ظهر من فرجها إذا قعدت لقضاء الحاجة على الأصح (^٢) واللّه أعلم.\nالخامس: احتلم ولم ير المني أو شك هل خرج منه شيء أو لا لم يلزمه الغسل فإن رأى المني ولم يذكر احتلاما لزمه الغسل لما روت عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- سئل عن الرجل يجد البلل ولم يذكر احتلاما؟ قال: \"يغتسل\"، وعن الرجل يرى أنه احتلم ولم يجد البلل فقال: \"لا غسل عليه\" رواه الدارمي وأبو داود والترمذي وغيرهم لكنه ضعيف (^٣).\nالسادس: إذا رأى في ثوبه منيا أو في فراش لا ينام فيه غيره ولم يذكر احتلاما وجب عليه الغسل على الصحيح المنصوص ويجب عليه إعادة كل صلاة لا يحتمل حدوث المني بعدها وأطلق الجمهور المسألة وقيدها الماوردي بما إذا رأى المني في باطن الثوب فإن رآه في ظاهره فلا يحل لاحتمال أنه أصابه من غيره ولأن لبن الخفاش يشبه مني الآدمي في لونه ورائحته وفي ذلك قصة غريبة اتفقت لأبي يوسف مع أبي حنيفة رحمهما اللّه (^٤).\nالسابع: خرج منه شيء وأشكل عليه أهو مني أو مذي فالأصح أنه يتخير من أن يجعله منيا فيغتسل أو مذيا فيتوضأ ويغسل ما أصابه منه (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٨٧).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٨٦) و(٦/ ٣١٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٤٢).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٤٢ - ١٤٣)، والنجم الوهاج (١/ ٣٨٠).\n(^٥) النجم الوهاج (١/ ٣٨١).","vol":"2","page":310},{"text":"الثامن: في الوضوء قبل الغسل: ففي الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين -﵂- أنه -ﷺ- توضأ وضوءه للصلاة، وعن أبي ثور أنه شرط ونقل ابن المنذر الإجماع على خلافه والأصح.\nاستحباب التسمية في أوله وقيل: لا لأن نظمها نظم القرآن وقيل الأولى أن يقول بسم اللّه العظيم الحمد للّه على الإسلام قال ابن الصلاح: لم أجد لأحد من أصحابنا تعرضا لنيته إلا لمحمد بن عقيل الشهرزوري كما روي فإنه قال ينوي به الغسل قال وأنا أقول إن كان غير محدث فالأمر كما قال وإن كان جنبا محدثا فينوي بوضوئه رفع الحدث الأصغر إلا أن يكون جنبا غير محدث فينوي سنة الغسل ويتصور في تجرد الجنابة عن الحدث في إتيان الغلام والبهيمة فإذا لف على ذكره خرقة وأولج في فرج امرأة وإذا أنزل بنظر أو فكر أو احتلم قاعدا (^١) انتهى قاله كمال الدين الدميري.\nالتاسع: يحرم بالجنابة ما يحرم بالحدث من الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله بل هي أولى لغلظ حكمها (^٢).\nفائدة في المني: اختلف العلماء في طهارته ونجاسته فقال الشافعي وأحمد بطهارته وقال مالك وأبو حنيفة بنجاسته، والذين قالوا بنجاسته اختلفوا في كيفية إزالته فقال مالك يغسل رطبه ويابسه وقال أبو حنيفة يغسل رطبه ويفرك يابسه ودليل الطهارة قول عائشة -﵂- كنت أفرك المني من ثوب\n_________\n(^١) النجم الوهاب (١/ ٣٩٠).\n(^٢) النجم الوهاب (١/ ٣٨٢).","vol":"2","page":311},{"text":"رسول اللّه -ﷺ- فركا فيصلي فيه، فإنه لو كان نجسا لما طهر بالفرك لأن النجس لا يطهر إلا بالماء وفي البخاري عن ابن عباس أنه قال أمطه عنك ولو بإذخرة فإنما هو كالمخاط والبصاق وعن عائشة -﵂- أنه نزل بها ضيف فأعطته ملاءة فنام فيها فأجنب فغسلها ثم ردها فقالت من قال له يفسد علينا ملاءتنا لقد كنت أفركه من ثوب رسول اللّه -ﷺ- فيصلي فيه (^١)، وقال النووي رحمه اللّه تعالى (^٢): ذهب كثيرون إلى طهارة المني روي ذلك عن علي بن أبي طالب وان عمر وعائشة وداود وأحمد في أصح الروايتين عنه وهو مذهب الشافعي وأصحاب الحديث ولنا قول شاذ أن مني المرأة نجس دون مني الرجل وقول أشذ منه أن مني الرجل والمرأة نجس والأصح طهارة المني من سائر الحيوان إلا من الكلب والخنزير واستدل الشافعي على طهارته بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (^٣) وإن من جملة بني آدم الأنبياء ولم يكن ليخلقهم من ماء نجس (^٤).\nوالاستدلال بحديث: \"كنت أفركه من ثوب رسول اللّه -ﷺ-\" قد ضعف فإنه يحتمل أن يكون ذلك من مني النبي -ﷺ- والنبي -ﷺ- فضلاته طاهرة فلا\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، والعدة (١/ ٢٢١ - ٢٢٣)،\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٩٧ - ١٩٨). وانظر التعليقة (٢/ ٩٣٨) ونهاية المطلب (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، وشرح السنة (٢/ ٩٠)، والبيان (١/ ٤١٩ - ٤٢١)، والمجموع (٢/ ٥٥٣ - ٥٥٥).\n(^٣) الإسراء، الآية: ٧٠.\n(^٤) تفسير الشافعى (٢/ ١٠٤٢) ومعرفة السنن (٣/ ٣٨٠) للبيهقى.","vol":"2","page":312},{"text":"يلزم من طهارة منيه طهارة مني غيره والجواب بعد تسليم الحكم أن الغالب كون هذا المعنى عن جماع لأنه -ﷺ- لا يحتلم لأن الشيطان لا يعترضه في النوم وإذا كان عن جماع فالغالب أنه يختلط بماء المرأة فيدل ذلك على الطهارة مطلقا وبه استدل على [طهارة] رطوبة فرج المرأة (^١).\nتنبيه: منى المرأة يبرز إلى ظاهر فرجها ودليل ذلك حديث هل على المرأة من غسل إذا احتلمت قال: \"نعم إذا رأت الماء\" خلافا لمن أنكر ذلك وأوجب الغسل عليها بإنزال المني إلى باطن فرجها والمنقول عن مالك أنه يوجب الغسل بإنزال المني من الصلب حتى لو نزل إلى ذكره فأمسك ذكره فرجع المني وجب عليه الغسل وعند الشافعي لا يجب لأنه لم يبرز من الذكر وقياس ما ذكره في الرجل أن يقول في المرأة مثله حتى يجب عليها الغسل بوصول المني إلى باطن الفرج (^٢) قاله ابن العماد في شرح العمدة.\nفرع: إذا سبق مني الرجل مني المرأة يشبه الولد بالوالد وإن سبق مني المرأة مني الرجل يشبه الوالدة (^٣).\nفرع آخر في المذي: وهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة وعند شهوة الجماع لا بشهوة ولا تدفيق ولا يعقبه فتور ويكون ذلك في الرجل والمرأة وفي النساء أكثر منه في الرجال ويقال أنه مني لم يكمل لكنه نجس\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٩٨ - ١٩٩)، والعدة (١/ ٢٢٤)، والإعلام (٢/ ٨٢ - ٨٣).\n(^٢) انظر: العدة شرح العمدة (١/ ٢١٩)، ورياض الأفهام (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٢١/ ٢١٨).","vol":"2","page":313},{"text":"لأن الولد لا يخلق منه والغالب أن الرجل إذا خالط أهله يسبقه المذي فإذا واقع أهله عقيب خروج المذي صار منيه متنجسا لملاقته لرأس الذكر وكذلك لو بال ولم يغسل ذكره ثم جامع أهله وخرج منيه كمن غير جماع فعليه التحرز من رطوبة الفرج حال الجماع لأنها تتنجس بملاقاة رأس الذكر وفيه لغات مذي بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة ومذي بكسر الذال وتشديد الياء ومذي بكسر الذال وتخفيف الياء فالأولتان مشهورتان أولهما أفصحهما وأشهرهما والثالثة حكاها أبو عمرو الزاهد عن ابن الأعرابي يقال مذي وأمذى ومذي الثالثة بالتشديد (^١).\nوأما حكم خرج المذي: فقد أجمع العلماء على أنه لا يوجب الغسل وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد يوجب الوضوء لهذا الحديث وهو: كنت مذاء وفي الحديث من الفوائد أنه لا يوجب الغسل فإنه يوجب الوضوء وأنه نجس ولهذا أوجب النبي -ﷺ- غسل الذكر والمراد به عند الشافعي والجماهير غسل ما أصابه المذي لا غسل جميع الذكر وحكي عن مالك وأحمد في رواية عنهما إيجاب غسل جميع الذكر واللّه أعلم (^٢).\nفرع آخر: إذا أحدث الإنسان في أثناء غسله جاز له أن يتمه ولا يمنع الحدث صحته لكن لا يصلي به حتى يتوضأ كذا في زوائد الروضة وحمله في المهمات على صورة خاصة وهو ما إذا أحدث بعد فراغ أعضاء الوضوء (^٣) انتهى.\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢١٣).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢١٣).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠).","vol":"2","page":314},{"text":"فرع آخر: لا يجوز الغسل بحضرة الناس إلا مستور العورة ويجوز في الخلوة مكشوفها والستر أفضل وينبغي للمغتسل من الإناء كالإبريق أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها وهو أنه إذا استنجى وطهر محل الاستنجاء بالماء أن يغسله بعد ذلك بنية غسل الجنابة لأنه إذا لم يغسله ربما غفل عنه بعد ذلك فلا يصح غسله لتركه ذلك ولو ذكره احتاج إلى مس فرجه فينتقض وضوءه أو إلى كلفة إلى لف خرقة على يده (^١) واللّه أعلم.\nتنبيه: ومن سنن الغسل استصحاب النية إلى آخر الغسل والابتداء بالميامن يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر وهذا متفق على استحبابه وكذا الابتداء بأعلى البدن واستقبال القبلة وتكرار الغسل ثلاثا ويستحب إفاضة الماء على جميع البدن ثلاث مرات صرح به خلق من العلماء وعدوه منه قال النووي: مذهبنا إن ذلك الأعضاء في الغسل وفي الوضوء سنة ليس بواجب وبه قال العلماء كافة إلا مالكا والمزني فإنهما شرطاه في صحة الغسل والوضوء واختلف العلماء في المضمضة والاستنشاق في الغسل فأوجبهما أبو حنيفة ونفى الوجوب مالك والشافعي لقوله -ﷺ- في الرواية الأخرى \"أما أنا فإني أفيض على رأسي أكفًّا\" المراد ثلاث حفنات (^٢).\nأجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل وهو\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٤٠٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٨٤ - ١٨٥).","vol":"2","page":315},{"text":"جريان الماء على العضو وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي والمستحب ألا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي والمد رطل وثلث وذلك معتبر على التقريب لا على التحديد ولنا وجه أن الصاع ههنا ثمانية أرطال والمد رطلان (^١) وبغداد بدالين معجمتين ومهملتين ومهملة ثم معجمة وعكسه وبغدان ومغدان ومعدان والزوراء ومدينة السلام (^٢) قاله ابن الأبياني في شرح التبريزي وأجمع العلماء على أن النهي في الإسراف في الماء لو كان على شاطئ البحر والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه وقيل تحريم (^٣) وقال ابن العماد في القول التمام في آداب دخول الحمام والزيادة في الغسل على الثلاث مكروهة على الصحيح وقيل حرام وقيل خلاف الأولى ومحل الخلاف ما إذا توضأ من نهر أو ماء مملوك فإن توضأ من ماء موقوف على من يتطهر أو يتوضأ منه حرمت الزيادة وحرم السرف بلا خلاف لأن الزيادة غير مأذون فيها والماء الذي في المدارس من هذا القبيل لأنه إنما يوقف إنما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء الشرعي ولم تقصد إباحته في غير ذلك (^٤). انتهى.\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٤/ ٢).\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٣٨).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٤/ ٢).\n(^٤) القول التمام (ص ٦٧).","vol":"2","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الترغيب في الوضوء وإسباغه</span>\nأصل الوضوء في اللغة من الوضاءة وهي الحسن والنظافة وسمي وضوء الصلاة وضوءا لأنه ينظف المتوضأ ويحسنه وكذلك الطهارة أصلها النظافة والتنزه (^١). وفي الشريعة غسل أعضاء مخصوصة ومسح الرأس (^٢).\nوالمعنى اللغوي موجود فيه مشاهدة فإن الذي يواظب على الوضوء يكون وجهه أحسن ممن لا يواظب وإن استويا فى أصل الخلقة والجمال ولذلك يرى المواظب على الصلاة حسن الوجه نيره والذي لا يصلي على وجهه ظلمة وقتام لأن ترك الصلاة من أعظم الكبائر وقال ابن عمر -﵄- لا أعلم بعد الشرك وقتل النفس أعظم من ترك الصلاة ذكره ابن حزم واختاره فالذي يصلي تظهر الحسنة على وجهه لأن اللّه تعالى سمى الصلوات حسنات فقال ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^٣) والمراد بالحسنات هنا الصلوات بدليل أن النبي -ﷺ- فسر ذلك كذلك قاله في تهذيب النفوس.\nفائدة: قال القاضي عياض: اختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة فذهب\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ٩٩).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٣١١)، وحدود بن عرفة (ص ٣٢)، والتعريفات (ص ١٤٢) للجرجانى.\n(^٣) سورة هود، الآية: ١١٤.","vol":"2","page":317},{"text":"ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم وقال الجمهور بل كان قبل ذلك فرضا قال واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة على المحدث خاصة فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء كالصلاة فرض بدليل قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^١) وذهب قوم إلى أن ذلك كان ثم نسخ وهل لكل صلاة على الندب فيه قولان، وقيل بل لم يشرع إلا لمن أحدث ولكن تجديده لكل صلاة مستحب وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم فيه خلاف ومعنى الآية عندهم إذا قمتم محدثين هذا كلام القاضي، قال النووي واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا.\nوالثاني: لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة.\nوالثالث: يجب بالأمرين.\nوهذا هو الراجح عند أصحابنا وأجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة وأما المعذور كمن لم يجد ماء ولا ترابًا ففيه أربعة أقوال للشافعي وهي مذاهب العلماء، قال فكل واحد منها قائلون أصحها عند أصحابنا يجب عليه أن يصلي على حاله ويجب أن يعيد إذا\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"2","page":318},{"text":"تمكن من الطهارة. والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء. والثالث: يستحب أن يصلي ويجب القضاء. والرابع: يجب أن يصلي ولا يجب القضاء وهذا القول اختيار المزني وأشهب وهو أقوى الأقوال دليلا (^١) والله أعلم قاله في الديباجة.\nتنبيه: أشهب قال الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه وأشهب المذكور هو ابن عبد العزيز بن داود الفقيه المالكي المصري ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي وهي سنة وخمسين ومائة وتوفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما.\nقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعوا على الشافعي بالموت فذكر ذلك للشافعي فقال رحمة الله عليه:\nتمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد\nفقل للذي يبقى خلاف الذي ... مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد\nقال: فمات الشافعي فاشترى أشهب من تركته عبدا فاشتريته من تركته بعد ثلاثين يوما، والطيش خفة العقل (^٢).\n\n٢٨١ - عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي - ﷺ - فِي سُؤال جِبْرَائِيل إِيَّاه عَن الإِسْلَام فَقَالَ: \"الإِسْلام: أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن تقيم الصَّلاة وتؤتي الزَّكاة وتحج وتعتمر وتغتسل من الْجَنَابَة وَأَن تتمّ\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٩ الترجمة ٥٣٣).","vol":"2","page":319},{"text":"الْوضُوء وتصوم رَمَضَان قَالَ فَإِذا فعلت ذَلِك فَأَنا مُسلم قَالَ: نعم، قَالَ: صدقت، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه هَكَذَا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوهِ بِغَيْر هَذَا السِّيَاق (^١).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم، والمراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال أبو الفرج بن الجوزي: كنية ابن عمر أبو عبد الرحمن عبد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمه: زينب بنت مظعون، أسلم قبل أبيه بمكة ولم يكن بالغًا وهاجر مع أبيه إلى المدينة وعرض على رسول الله -ﷺ- يوم بدر فرده ويوم أحد فرده وعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمسة عشر سنة فأجازه (^٢)، قال نافع: فحدثت به عمر بن عبد العزيز في الغزو فقال: هذا فصل بين الصغير والكبير (^٣)، فهذا الحديث هو عمدة الجمهور في أن البلوغ يكون باستكمال خمس عشرة سنة قمرية، وروى الدارقطني أن النبي قال: \"إذا بلغ المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود\" (^٤) فبلوغ الصبي عند استكماله خمس عشرة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة في الإيمان (١١٩) والمصنف ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢ (١٤٦٩٦) و٦/ ١٧٠ - ١٧١ (٣٠٤٢٩)، وأحمد ١/ ٥٢ (٣٧٤)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٣٧٠) و(٣٧٤)، والنسائى في الكبرى (٥٨٥٢)، وابن خزيمة (١) و(٣٠٦٥)، وأبو عوانة (٤)، وابن حبان (١٧٣). وصححه الألباني فى الإرواء (١/ ٣٤) والصحيحة (٢٩٠٣)، وصحيح الترغيب (١٧٥) و(١١٠١).\n(^٢) صفة الصفوة (١/ ٢١٤).\n(^٣) أخرجه البخارى (٢٦٦٤)، ومسلم (٩١ - ١٨٦٨)، وأبو داود (٤٤٠٧).\n(^٤) قال البيهقى في الكبرى (٦/ ٩٤): إسناده ضعيف لا يصح.","vol":"2","page":320},{"text":"سنة قمرية، وقيل: بالطعن فيها، وقيل: حتى ستة أشهر منها واعتبر الشافعي ﵀ أن يكون ذلك من تمام ولادته، وهكذا جميع الأحكام المترتبة عليه لا تثبت بخروج بعضه ولا أكثره عند الشافعي بل بجميعه من الإرث والعدة وغيرهما، وهذا السن تحديد لا تقريب، ولا فرق في ذلك بين الغلام والجارية، وعن مالك إنكار البلوغ بالسن، وعن أبي حنيفة أن بلوغ الغلام بثماني عشرة، وفي الجارية عنه روايتان إحداهما كذلك والثانية لتسع عشرة؛ والبلوغ يحصل بذلك أو بخروج المني لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (^١) ولقوله - ﷺ -: \"رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم\" (^٢) وهذا بالإجماع في الغلام والصحيح أن الجارية كذلك للآية والحديث، وفي وجه ضعيف أن الاحتلام ليس بلوغا في النساء لندرته فيهن (^٣) فعلى هذا قال الأصحاب: إذا احتلمت تؤمر بالاغتسال كما تؤمر بالوضوء من الحدث، وخالفهم الإمام ووقت إمكانه استكمال تسع سنين ولا عبرة بما يخرج قبل ذلك، وقيل: بمضي ستة أشهر من العاشرة، وقيل بتمامها (^٤)، وتزيد المرأة حيضا وحبلا فيحكم ببلوغ الحامل إذا كاثت ذات زوج إذا ولدت قبل ولادتها بستة أشهر ولحظة وإن كانت مطلقة وأتت بولد يلحقه\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٥٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٤٠١) و(٤٤٠٣)، والنسائى في الكبرى (٧٥٠٢)، وابن خزيمة (١٠٠٣) و(٣٠٤٨)، وابن حبان (١٤٣)، والحاكم (١/ ٢٥٨ و٢/ ٥٩ و٤/ ٣٨٩) عن على بن أبى طالب. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٥).\n(^٣) انظر: النجم الوهاج (٤/ ٣٩٩ - ٤٠٠).\n(^٤) النجم الوهاج (٤/ ٤٠٠).","vol":"2","page":321},{"text":"بحكم بلوغها قبل الطلاق بلحظة (^١)، انتهى، قاله في الديباجة.\nومن مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: رأيت في المنام كأن بيدي قطعة إستبرق، ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت فقصتها حفصة على رسول الله -ﷺ- فقال: \"إن أخاك رجل صالح\"، أخرجاه في الصحيحين (^٢)، وعن عبيد الله بن عدي وكان مولى لابن عمر أنه قدم من العراق فقال لابن عمر: أهديت لك هدية، قال: وما هي؟ قال: جوارش، قال: وما هي؟ قال: تهضم الطعام، قال: والله ما ملأت بطني طعامًا منذ أربعين سنة فما أصنع بهديتك (^٣)؛ وجاء سائل لابن عمر فقال لابنه: أعطه دينارًا فأعطاه فلما انصرف قال له ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه فقال: لو أعلمت أن الله يقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم فلم يكن غائبًا أحب إلى من الموت، أتدري ممن يتقبل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٤) (^٥).\nقوله -ﷺ- في سؤال جبريل إياه عن الإسلام، فقال: \"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة\" الحديث، جبريل ﵊ قال علماء التأويل: جبر اسم وائل من أسماء الله\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، ومغنى المحتاج (٣/ ١٣٤).\n(^٢) أخرجه البخارى (٧٠١٥ و٧٠١٦)، وابن حبان (٧٠٧٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود في الزهد (٢٩٥) و(٣١١)، وابن أبى الدنيا في إصلاح المال (٣٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٠)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٤٦٩ رقم ٢٥٩٤).\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٢٧.\n(^٥) صفة الصفوة (١/ ٢١٩)، وتاريخ دمشق (٣١/ ١٤٦).","vol":"2","page":322},{"text":"تعالى فخير بمنزلة عبد وائل هو الله تعالى، ومعناه: عبد الله، وقد ثبت أن جبريل -﵇- كان يأتي النبي -ﷺ- في صورة دحية الكلبي، وقال ابن عباس: جبريل صاحب الوحي والعذاب إذا أراد الله تعالى أن يهلك قوما سلطه عليهم كما فعل بقوم لوط، وقال الكلبي: سأل النبي -ﷺ- جبريل أن يأتيه في صورته التي خلقه الله عليها فقال: لا تستطيع أن تثبت، فقال: \"بلى\" فظهر في ستمائة جناح سد الأفق جناح منها فشاهد رسول الله -ﷺ- أمرًا عظيمًا فصعق، فذلك معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ (^١)، وقال ابن عباس قال رسول الله -ﷺ- لجبريل: \"إن الله وصفك بالقوة والطاعة والأمانة فأخبرني عن ذلك\" فقال: أما قوتي فإني رفعت قرى قوم لوط من تخوم الأرض على جناحي إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبتها عليهم، وأما طاعة المخلوقات لي فإني آمر رضوان خازن الجنة متي شئت بفتحها، وكذلك مالك خازن النار، وأما أمانتي فإن الله أنزل من السماء مائة كتاب وأربعة كتب لم يأمن عليها غيري (^٢).\nقوله: فقال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله والفرق بين الإسلام والإيمان ألف الشيخ عز الدين بن عبد السلام فيه جزءًا لطيفًا (^٣) وأحسن ما قيل أن كلا منهما يطلق على الآخر من ناحية الشرع لا من جهة اللغة وأن كل\n_________\n(^١) سورة النجم، الآية: ١٣.\n(^٢) كنز الدرر (١/ ٦٨ - ٦٩).\n(^٣) جزء الفرق بين الإيمان والإسلام للعز بن عبد السلام.","vol":"2","page":323},{"text":"واحد شرط في الآخر (^١).\nقوله: وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إلى آخره وتحج وتعتمر الحديث إلى آخره سيأتي الكلام على كل واحدة من ذلك في موضعها مبسوطا في حديث جبريل الطويل وسيأتي بغير هذا السياق والله أعلم.\n\n٢٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن أمتِي يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة غرا محجلين من آثَار الْوضُوء فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢) وَقد قيل إِن قَوْله من اسْتَطَاعَ إِلَى آخِره إِنَّمَا هُوَ مدرج من كلَام أبي هُرَيْرَة مَوْقُوف عَلَيْهِ ذكره غير وَاحِد من الْحفاظ وَالله أعلم.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على فضائله، واختلف العلماء في اسمه اختلافا كثيرًا جدًا، قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: لم يختلف في اسم أحد في الجاهلية ولا في الإسلام كالاختلاف فيه، وذكر ابن عبد البر أنه اختلف فيه على عشرين قولا، وذكر غيره نحو ثلاثين قولا، واختلف العلماء في الأصح منها والأصح عند المحققين والأكثرين ما صححه البخاري وغيره من المتقنين أنه عبد الرحمن بن صخر، وذكر الحافظ تقي الدين محمد بن مخلد الأندلسي في مسنده لأبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢١٥).\n(^٢) أخرجه البخارى (١٣٦)، ومسلم (٣٤ و٣٥ - ٢٤٦). وقال الدارقطنى في العلل (١٤٨٨) عن زيادة يطيل غرته: والصحيح أنه موقوف.","vol":"2","page":324},{"text":"وسبعين حديثا (^١)، وتقدم الكلام على إسلام أمه وعليه مبسوطًا.\nقوله -ﷺ-: \"إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء\" الحديث الأمة: الجماعة، وأمة محمد -ﷺ- على معنيين أمة الدعوة وهي من بعث إليهم النبي -ﷺ-، وأمة الإجابة الذين آمنوا وصدقوه، وهذه هي المراد بها هنا، وأما أمة الدعوة فليس هذا الحكم ثابت لجميعهم لأن من أمة الدعوة اليهود والنصارى (^٢)، وقد قال -ﷺ-: \"لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا وجبت له النار\" (^٣).\nوقوله: \"يدعون\" إما من الدعاء بمعنى النداء أي: ينادون إلى موقف الحساب والميزان وغير ذلك بصفتهم وهي الغرة والتحجيل ويعرفون من بين سائر الأمم بهذه العلامة كما يعرف المجرمون بسيماهم، وإما من الدعاء بمعنى التسمية نحو دعوت ابني زيدًا أي: سميته به (^٤)، قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\nقوله: \"غرًّا محجلين من آثار الوضوء\"، غرًّا جمع أغر أي: ذو غرة، وهي بالضم أي: بيض الوجوه واليدين والرجلين من نور الوضوء بالفرس الأغر،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٧٠)، وشرح النووى على مسلم (١/ ٦٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١١)، والكواكب الدرارى (٢/ ١٧٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤٠ - ١٥٣) عن أبى هريرة.\n(^٤) انظر: الميسر (١/ ١٢٣)، وإحكام الأحكام (١/ ٩٢) والعدة شرح العمدة (١/ ١٠٧ - ١٠٨)، والمفاتيح (١/ ٣٥٣)، وشرح المشكاة (٣/ ٧٤٨ - ٧٤٩)، والكواكب الدرارى (٢/ ١٧٢).","vol":"2","page":325},{"text":"والأغر الأبرص، قال أهل اللغة: الغرة بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، واستعمل في الشهرة وطيب الذكر؛ والتحجيل: بياض في قوائم الفرس في يديها ورجليها أو في ثلاث منها أو في رجليه قل أو كثر، وإذا كان البياض في قوائمه الأربع فهو محجل، وإذا كان في الرجلين جميعا فهو محجل الرجلين وإن كان في إحدى رجليه فهو محجل الرجل اليمنى أو اليسرى، وإن كان في ثلاث قوائم بدون رجل أو يد فهو محجل الثلاث، وأصله من الحجل وهو الخلخال ثم استعير للنور الذي يعلو أعضاء المتوضئ يوم القيامة (^١)؛ وقد جاء في الحديث: \"غرًّا من السجود محجلين من الوضوء\" سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيهًا بغرة ألفرس وتحجله، وذلك أن النبي -ﷺ- قال: \"لكم سيما ليست لأحد من الأمم\" والسيما العلامة فيها ثلاث لغات تقصر وهو الأفصح وبه جاء القرآن والمد والثالثة السيمياء بزيادة ياء مع المد لا غير (^٢) قاله في الديباجة، وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري: الغرة بياض في وجه الفرس والتحجيل بياض في قوائمه، وذلك مما يكسبه حسنًا وجمالًا فشبه النبي -ﷺ- النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرة والتحجيل ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان مما يزينه لا مما يشينه وقريب من\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٥٧٨)، والمفهم (٣/ ١٢٦)، والكواكب الدرارى (٢/ ١٧٢)، والتوضيح (٤/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٢٥).","vol":"2","page":326},{"text":"هذا قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (١) والمراد من ذلك الحديث بيض موضع الوضوء من الوجوه والأيدي والأقدام (٢) انتهى.\nوقال النووي: ومعنى الحديث أنهم إذا دعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة كانوا على هذه العلامة وأنهم يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من آثار الو ضوء (٣) والله أعلم.\nواعلم أن هذه الأحاديث مصرحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغرة فيكون في الوجه في موضعين الأول في الناصية ويستحب غسلها في الوضوء والثاني يستحب غسل الأذن كما نقله الدارمي عن الشافعي وكان ابن سريج يفعله وصفحة العنق كما قاله في المهذب (٤)؛ وقال النووي: قال أصحابنا: هو غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدا على القدر الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه وأما تطويل التحجيل فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في القدر المستحب في التحجيل على أوجه أحدها أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب من غير توقيت والثاني يستحب إلى نصف العضد والساق والعضد من الإنسان وغيره الساعد وهو ما بين المرفق إلى","vol":"2","page":327},{"text":"الكتف والثالث يستحب إلى المنكبين والركبتين كما كان يفعله أبو هريرة وأحاديث الباب تقتضي هذا كله وأما دعوى الإمام الحسن بن بطال المالكي والقاضي عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين فغير واضحة وكيف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله -ﷺ- وأبي هريرة وهو مذهبنا لا خلاف عندنا فيه كما ذكرناه ولو خالف فيه من خالف كان محجوجا بهذه السنن الصحيحة وأما احتجاجهما بقوله -ﷺ- \"من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم\" فلا يصح الاحتجاج به لأن المراد من زاد في عدد المرات أو نقمر عن المرة بأن لم يكملها (^١) وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة زادها الله تشريفًا.\nوقال آخرون ليس الوضوء مختص بهذه الأمة وإنما الذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل فيه فقط واحتجوا بالحديث الآخر \"هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي \" قال ابن العطار في باب التيمم: والمشهور من قول العلماء أن الوضوء لم يكن خاصا بهذه الأمة وخصت بالتيمم بدلا عن الوضوء والغسل ومنهم من قال الوضوء لنا وللأنبياء دون أممهم وأجاب الأولون عن هذا الحديث بجوابين أحدهما إنه حديث ضعيف معروف الضعف والثاني أنه لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة والله اعلم.\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٥).","vol":"2","page":328},{"text":"قوله: \"فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل\" وقد قيل إن قوله \"فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل\" إنما هو مدرج من كلام أبي هريرة إلى آخره، قاله الحافظ المنذري.\nفائدة: في قوله \"فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل\" في الكلام حذف تقديره فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل والعرب قد تحذف أحد الشيئين لدلالة الثاني عليه كقولهم: قطع الله يد ورجل من قالها ومعنى الحديث أي قدر أن يطيل غرته أي يغسل غرته بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلى تحت الحنك طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا فكنى بالغرة عن نور الوجه (^١).\nسؤال: فإن قيل: من آمن من هذه الأمة ومات قبل أن يتوضأ والأطفال الذين ماتوا قبل سن التمييز هل يبعثون غرا محجلين لكونهم من الأمة أم يبعثون بغير غرة وتحجيل كما هو ظاهر الخبر أو يفصل بين من ترك الوضوء عمدا وبين غيره لأن التارك عمدًا يستحق الحرمان كما أن شارب الخمر إذا مات قبل التوبة لا يشربها وإن دخل الجنة فيه نظر وقال بعض العلماء ظاهر الحديث أن الغرة والتحجيل لا يكونان إلا لمن توضأ من أمته -ﷺ- فيدل على أن العصاة الذين لم يتوضأوا قط ولا صلوا لا يكون لهم غرة ولا تحجيل (^٢)\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٣/ ٧٤٩)، والكواكب الدرارى (٢/ ١٧٣).\n(^٢) قاله شيخ الإسلام ابن تيمية مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٠٧). وقال في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧١): هذا الحديث دليل على أنه إنما يعرف من كان أغر محجلا وهم الذين=","vol":"2","page":329},{"text":"وقد نقل خلافه.\nوقال الشيخ أبو عمران الزناتى شارح رسالة ابن أبي زيد: قال العلماء الغرة والتحجيل حكم ثابت لأمة محمد -ﷺ- من توضأ منهم ومن لم يتوضأ كما قالوا لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة لأن أهل القبلة كل من آمن بالله من أمته وسواء صلى أم لم يصل ولم يعرف هذا النقل لغيره وقواعد السنة تساعده (^١).\nلطيفة: قال الشيخ تقي الدين القشيري: قوله -ﷺ- \"من آثار الوضوء\" المعروف فيه ضم الواو ويجوز أن يقال بفتح الواو أي من آثار الماء المستعمل في الوضوء فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء فيجوز أن ينسب إلى كل منهما قال وقد ذكر في الحديث الأمر بتطويل الغرة ولم يذكر الأمر بتطويل التحجيل مع إن الحديث ورد بهما فلم خص الغرة بالتطويل دون التحجيل؟\nوأجاب: بأنه غلب ذكر الغرة فهو من باب تغليب أحد الاثنين على الآخر إذا كان لشيء واحد (^٢) انتهى.\n_________\n= يتوضؤون للصلاة. وأما الأطفال فهم تبع للرجل. وأما من لم يتوضأ قط ولم يصل: فإنه دليل على أنه لا يعرف يوم القيامة.\n(^١) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٤١٤) والتوضيح (٤/ ٣٤ - ٣٥)، وعمدة القارى (٢/ ٢٥٠).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"2","page":330},{"text":"وأجاب غيره بشيئين آخرين: أحدهما: أنه إنما خص الغرة بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء وآكدها في الغسل.\nوالثاني: أنه أول عضو يقع عليه البصر يوم القيامة (^١) فلذلك خص بالذكر محافظة على تطويل الغرة فيه ليكثر نوره يوم القيامة حتى يصير كالعلم انتهى.\n\n٢٨٣ - وَلمُسلم عَن أبي حَازِم قَالَ كنت خلف أبي هُرَيْرَة وَهُوَ يتَوَضَّأ للصَّلاة فَكَانَ يمد يَده حَتَّى يبلغ إبطه فَقلت لَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَة مَا هَذَا الْوضُوء فَقَالَ يَا بني فروخ أَنْتُم هَاهُنَا لَو علمت أَنكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأت هَذَا الْوضُوء سَمِعت خليلي رَسُول الله -ﷺ- يَقُول تبلغ الْحِلْية من الْمُؤمن حَيْثُ الْوضُوء\" وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذَا إِلَّا أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الْحِلْية تبلغ مَوَاضِع الطّهُور (^٢).\n\"الْحِلْية\" مَا يحلى بِهِ أهل الْجنَّة من الأساور وَنَحْوهَا.\nقوله: ولمسلم من رواية أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ أنتم ههنا لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء ...\n_________\n(^١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٤١١) والتوضيح (٤/ ٣٢)، وفتح البارى (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٠ - ٢٥٠)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٧ (١٥٤)، وأبو يعلى (٦٢٠٢)، وابن خزيمة (٧)، وابن حبان (١٠٤٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٢)، وصحيح الترغيب (١٧٦)، والمشكاة (٢٩١).","vol":"2","page":331},{"text":"الحديث، أبو حازم بالحاء المهملة والزاي اثنان أحدهما أبو حازم الأشجعي الراوي عن أبي هريرة وغيره اسمه سلمان مولى عزة الأشجعية كوفي نبيل روى عن أبي هريرة وجالسه خمس سنين وعن الحسن والحسين وغيرهم وثقه الإمام أحمد وابن معين مات في خلافة عمر بن عبد العزيز في حدود المائة، والثاني هو أبو حازم الراوي عن سهل بن سعد هو الأعرج المدني واسمه سلمة بن دينار أبو عبد العزيز (^١)، ففي هذه الراوية دلالة على استحباب تطويل الغرة والتحجيل وأنكرت المالكية ذلك وتقدم الكلام على ذلك ونسبوا أبا هريرة إلى الانفراد به وليس كما قالوا الشافعي قد قال بذلك وقد كان جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة يغسلون أيديهم إلى الآباط وأرجلهم إلى أنصاف الساقين (^٢) قاله في شرح عمدة الأحكام.\nقوله: يا بني فروخ أنتم ههنا، فروخ بفتح الفاء وضم الراء المشددة وفتح الخاء المعجمة غير مصروف للعلمية والعجمة وهم العجم لكثرة هذه النسبة فيهم وقال صاحب العين: فروخ بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم -ﷺ- من ولد كان بعد إسماعيل وإسحاق كثر نسله ونما عدده فولد العجم الذين هم في وسط البلاد (^٣) انتهى قال القاضي عياض إنما أراد أبو هريرة هنا الموالي منهم وكان خطابه لأبي حازم فخاطبه وهو واحد بلفظ الجمع وإنما نظمه في\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨).\n(^٢) انظر: المفهم (٣/ ١٢٦)، والإلمام (٤/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، والعدة (١/ ١٠٧).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٠)","vol":"2","page":332},{"text":"سلكه لسؤاله عن ذلك بصيغة الإنكار فبكته لاعتراضه وجمعه مع من لا يفهم والله أعلم، قال القاضي: إنما أراد أبو هريرة بكلامه هذا أنه لا ينبغي لمن يقتدى به إذا ترخص في أمر في ضرورة أو تشدد فيه الوسوسة أو لاعتقاده في ذلك مذهبا شذ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة والجهلة لئلا يترخص برخصة لغير ضرورة أو يعتقد إنما يشدد فيه وهو الفرض اللازم (^١) قاله في شرح الأحكام.\nقوله -ﷺ- \"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء\" أي ماء الوضوء قال الحافظ الحلية ما تحلى به أهل الجنة من الأساور ونحوها انتهى وقال بعض العلماء سميت حلية لأنها تحلي تلك الجوارح في أعين الناظرين (^٢) والحلية النور الحاصل في الأعضاء من أثر الوضوء وهو جمال لصاحبه كما يكون الحلي جمال للمرأة يقال حليته أحليه تحلية إذا ألبسته الحلية (^٣).\n\n٢٨٤ - وَعنهُ -﵁-: أَن رَسُول الله -ﷺ- أتَى الْمقْبرَة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم عَن قريب لاحقون وددت أَنا قد رَأينَا إِخْوَاننَا، قَالُوا أولسنا إخوانك يَا رَسُول الله قَالَ أنتُم أَصْحَابِي وإخواننا الَّذين لم يَأْتُوا بعد، قَالُوا كيفَ تعرف من لم يَأْتِ بعد من أمتك يَا رَسُول الله قَالَ\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٥٣ - ٥٤)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٢) نوادر الأصول (٣/ ٤٨).\n(^٣) كشف المشكل (٣/ ٤٤٧)، والنهاية (١/ ٤٣٥)، والمفاتيح (١/ ٣٥٤)، والمفهم (٣/ ١٢٧)، وشرح المصابيح (١/ ٢٣٤).","vol":"2","page":333},{"text":"أَرَأَيت لَو أَن رجلا لَهُ خيل غر محجلة بَين ظَهْري خيل دهم بهم أَلا يعرف خيله قَالُوا بلى يَا رَسُول الله، قَالَ فَإِنَّهُم يأْتون غرا محجلين من الْوضُوء وَأنا فرطهم على الْحَوْض\" رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^١).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: إن رسول الله -ﷺ- أتى المقبرة ... الحديث، المقبرة بضم الباء وفتحها وكسرها ثلاث لغات ولغة الكسر قليلة (^٢).\nقوله: فقال \"السلام عليكم دار قوم مؤمنين إنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون\" قال في النهاية (^٣): سمى موضع القبر دارا تشبيها بدار الأحياء لاجتماع الموتى فيهم وفي حديث الشفاعة \"فاستأذن علي ربي في داره\" أي في حضرة قدسه وقيل في جنته فإن الجنة تسمى دار السلام.\nوفيه أن اسم الدار تقع على المقابر لأنها تقع على الخراب والمسكون (^٤).\nتنبيه: قوله \"دار\" منصوب على النداء أي يا أهل دار فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامهم وقيل منصوب على الاختصاص قال صاحب\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٦٤)، وأحمد ٢/ ٣٠٠ (٧٩٩٣) و٢/ ٤٠٨ (٩٢٩٢)، ومسلم (٣٩ و٤٠ - ٢٤٩)، وابن ماجه (٤٣٠٦)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٧ (١٥٥) والكبرى (١٤٣)، وابن خزيمة (٦)، وابن حبان (١٠٤٦). وصححه الألباني في أحكام الجنائز (١٩٠)، الإرواء (٧٧٦)، وصحيح التركيب (١٧٧).\n(^٢) شرح النووى علي مسلم (٣/ ١٣٧).\n(^٣) النهاية (٢/ ١٣٩).\n(^٤) معالم السنن (١/ ٣١٧ - ٣١٨).","vol":"2","page":334},{"text":"المطالع: ويجوز جره على البدل من الضصر في \"عليكم\" (^١).\nقوله: \"وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون\" فأتى بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه، للعلماء فيه أقوال أحدها: أنه ليس للشك ولكنه -ﷺ- قاله للتبرك وامتثال أمر الله تعالى في قوله ﷿ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^٢) (^٣).\nوالثاني: حكاه الخطابي وغيره أنه عادة المتكلم يحسن به كلامه ويزينه به كما يقول الرجل لصاحبه إنك إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء الله وإن آذيتني لم أخنك إن شاء الله ولا يريد بذلك الشك في كلامه حكاه الخطابي وغيره (^٤).\nوالثالث: أن الاستثناء عائد إلى اللحوق في ذلك المكان وقيل إن بمعنى إذ ومعناه إذ شاء الله لأنه -﵇- على يقين من وفاته على الإيمان (^٥) ففي هذا الحديث دليل على استحباب زيارة القبور والسلام على أهلها والدعاء لهم والترحم عليهم (^٦) قال الخطابي وغيره فيه أن السلام على الأموات والأحياء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت الجاهلية\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٣/ ٥٤)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٧ - ١٣٨) و(٧/ ٤١).\n(^٢) سورة الكهف، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٤٧)، وشرح النووى على مسلم (١/ ١٣٨)، وشرح المشكاة (٣/ ٧٥٤).\n(^٤) معالم السنن (١/ ٣١٨)، وشرح النووى على مسلم (١/ ١٣٨).\n(^٥) معالم السنن (١/ ٣١٨)، وشرح النووى على مسلم (١/ ١٣٨).\n(^٦) شرح النووى على مسلم (٧/ ٤١).","vol":"2","page":335},{"text":"عليه من قولهم:\nعليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ماشاء أن يترحما (^١)\nوهذا هو الجواب عن حديث \"لا تقل عليك السلام فإنها تحية الموتى\" أي في أشعار العرب، وأما أحاديث تقدم السلام فكثيرة وهي السنة، فالمقصود أن سلام الأحياء والأموات مخالف لما كان عليه أهل الجاهلية وفي بعض طرق الحديث أن النبي -ﷺ- كان يخرج في آخر الليل فيزور البقيع وفيه فضيلة الدعاء آخر الليل وفضيلة زيارة قبور البقيع (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أو لسنا بإخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي وإخوننا الذين لم يأتوا بعد\" قال العلماء ﵃: في هذا الحديث جواز التمني لا سيما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل الصلاح والمراد بقوله -ﷺ- \"وددت أنا قد رأينا إخواننا\" أي رأيناهم في الحياة، قال القاضي عياض وقيل المراد تمني لقاءهم بعد الموت (^٣).\nقوله: \"قالوا أو لسنا بإخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي\" قال الإمام الباجي: \"بل أنتم أصحابي\" ليس نفيا لأخوتهم ولكن ذكر مزيتهم الزائدة بالصحبة فهؤلاء أخوة صحابة والذين لم يأتوا أخوة ليسوا بصحابة كما قال\n_________\n(^١) غريب الحديث (١/ ٦٩٢) ومعالم السنن (٤/ ١٩٥)، وشرح النووى على مسلم (٧/ ٤١).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٧/ ٤١).\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٤٨)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٨).","vol":"2","page":336},{"text":"الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (^١) (^٢) ففرق بين الصحبة والأخوة في الصداقة لمزيد الصحبة وزيادتها على الأخوة العامة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وليس في قوله \"بل أنتم أصحابي\" يعني أنهم ليسوا بإخواني بل خصهم بأفضل مزيتهم ووصفهم بأفضل مراتبهم ووصفهم بأخص صفاتهم (^٣) قال القاضي عياض: ذهب أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث وغيره من الأحاديث على أنه يجوز أن يكون في آخر أمته من هو أفضل من بعض الصحابة ولا حجة له في ذلك وإن قوله \"خيركم قرني\" على الخصوص معناه خير الناس قرني أي السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم فهؤلاء أفضل الأمة وهم المرادون بالحديث (^٤)، فإن الصحابة ﵃ جمعوا بين الأخوة والصحبة (^٥).\nتنبيه: اختلفوا في المراد بالسابقين في الآية في قوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ (^٦) فقال سعيد بن المسيب: هم من صلى إلى القبلتين وقال الشعبي: أهل بيعة الرضوان وقال محمد بن كعب القرظي وعطاء: هم أهل\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٠.\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٤٨)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٨).\n(^٣) شرح المشكاة (٣/ ٧٥٤).\n(^٤) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٨).\n(^٥) شرح المشكاة (٣/ ٧٥٤).\n(^٦) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.","vol":"2","page":337},{"text":"بدر (^١). والله أعلم.\nوقوله -ﷺ- \"أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله ... الحديث\" أما \"بين ظهري\" فمعناه بينهما يقال هو نازل بين ظهريهم أي بينهم، وأما الدهم وهو الأسود والدهمة السمواد وأما البهم فجمع البهيم فقيل الشوداء أيضا وقيل البهم الذي لا يخالط لونه لون سواه سواء أكان أبيض أو أسود أو أحمر أو أصفر بل يكؤق لونه حالصا يقال أسود بهيم وأشقر بهيم وكميث بهيم وهذا قول ابن السكيت وأبي حاتم السجستاني وغيرهما (^٢).\nتنبيه: قال في النهاية: وفي الحديث \"ما من أمتي أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة قالوا وكيف تعرفه مع كثرة الخلائق\".\nقال أرأيت لو دخلت صيرة فيها خيل دهم وفيها فهرس أغر محجل أما كنت تعرفه منها؟ الحديث، الصيرة حظيرة تتخذ للداوب من الحجارة وأغصان الشجر وجمعها صير قال الخطابي قال أبو عبيد صيرة بالفتح وهو غلط (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض\" الحديث، تقدم الكلام على الغرة والتحجيل وأما الفرط فهو\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٩).\n(^٣) النهاية (٣/ ٦٦).","vol":"2","page":338},{"text":"الذي يقدم القوم الموارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستسقاء ويستسقي لهم ومنه قيل للطفل الميت الله اجعله لنا فرطا أي أجرا يتقدمنا حتى نرد عليه، وأنا فرطهم معناه أنه -ﷺ- يتقدم الأمة فيهيئ لهم في الجنة منزلا ونزلا كما يتقدم فرط القافلة ويعد لهم ما يفتقرون إليه من الأسباب (^١)؛ وفي هذا الحديث بشارة لهذه الأمة زادها الله شرفا فهنيئا لمن كان رسول الله -ﷺ- فرطه (^٢) اللهم أدخلنا في شفاعته وأمتنا على محبته آمين.\n\n٢٨٥ - وَعَن زر عَن عبد الله -﵁- أَنهم قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ تعرف من لم تَرَ من أمتك قَالَ غر محجلون بلق من آثَار الْوضُوء\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣) وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطبَرَانِيّ بإسْنَاد جيد نَحوه من حَدِيث أبي أُمَامَة (^٤).\nقوله: وعن زر عن عبد الله -﵁-[هو ابن مسعود].\nقوله: \"إنهم قالوا يا رسول الله كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: غر محجلون بلق من آثار الوضوء\" تقدم تفسير ذلك.\n_________\n(^١) انظر: النهاية (٣/ ٤٣٤).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٩).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٤٠٢ (٣٨٢٠) و١/ ٤٥١ (٤٣١٧) و١/ ٤٥٢ (٤٣٢٩)، وابن ماجه (٢٨٤)، وأبو يعلى (٥٠٤٨) و(٥٣٠٠)، وابن حبان (١٠٤٧) و(٧٢٤٢). وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (١٧٨).\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦١ (٢٢٢٥٧)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٦ رقم ٧٥٠٩). قال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٥): رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون.","vol":"2","page":339},{"text":"٢٨٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَنا أول من يُؤذن لَهُ بِالسّجُود يَوْم الْقِيَامَة وَأَنا أول من يرفع رَأسه فَأنْظر بَين يَدي فأعرف أمتِي من بَين الأُمَم وَمن خَلْفي مثل ذَلِك وَعَن يَمِيني مثل ذَلِك وَعَن شمَالي مثل ذَلِك فَقَالَ رجل كيفَ تعرف أمتك يَا رَسُول الله من بَين الأُمَم فِيمَا بَين نوح إِلَى أمتك قَالَ هم غر محجلون من أثر الْوضُوء لَيْسَ لاحَدَّ كذَلِك غَيرهم وأعرفهم أَنهم يُؤْتونَ كتبهمْ بأيمانهم وأعرفهم تسْعَى بَين أَيْديهم ذُرِّيتهمْ\" رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَهُوَ حَدِيث حسن فِي المتابعات (^١).\nقوله: عن أبي الدرداء، أبو الدرداء اسمه عامر وقيل عويمر تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة وأنا أول من يرفع رأسه\" الحديث، سيأتي الكلام على ذلك في الشفاعة إن شاء الله تعالى في أواخر الكتاب.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٩ (٢١٧٣٧)، والبزار (٤١٣٢)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٢٦١)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٠٤ رقم ٣٢٣٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٨). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم يروى بلفظه عن رسول الله -ﷺ- حديث فلذلك كتبناه وسعد بن مسعود هذا فليس بالمعروف، وعبد الله بن جبير فلا نعرفه بالنقل، ولكن لما ذكر في هذا الحديث زيادة لفظ ليس في حديث غيره كتبناه من أجل ذلك وبينا علته. وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبى.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٠).","vol":"2","page":340},{"text":"٢٨٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا تَوَضَّأ العَبْد الْمُسلم أَو الْمُؤمن فَغسل وَجهه خرج من وَجهه كل خَطِيئَة نظر إِلَيْهَا بِعَيْنيهِ مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قطر المَاء فَإِذا غسل يَدَيْهِ خرج من يَدَيْهِ كل خَطِيئَة كانَت بطشتها يَدَاهُ مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قطر المَاء فَإِذا غسل رجلَيْهِ خرجت كل خَطِيئَة مشتها رِجْلَاهُ مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قطر المَاء حَتَّى يخرج نقيا من الذُّنُوب\" رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَلَيْسَ عِنْد مَالك وَالتِّرْمِذِيّ غسل الرجلَيْن (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا توضأ العبد المؤمن أو المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليه بعينه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء\" الحديث، فقوله \"إذا توضأ العبد المؤمن أو المسلم\" هذا شك من الراوي وكذا قوله \"مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء\" فهو شك من الراوي أيضًا (^٢)، وقال: غير هذا القائل قوله \"مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء\" ليس شك من الراوي بل هو لأحد الأمرين (^٣)، قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقوله -ﷺ-: \"خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه\" المراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر كما جاء في الحديث الآخر ما لم تغش الكبائر، قال\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٦٧)، وأحمد (٨٠٢٠)، ومسلم (٣٢ - ٢٤٤)، والترمذى (٢)، وابن خزيمة (٤)، وابن حبان (١٠٤٠).\n(^٢) انظر: الاستذكار (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣) و(٢١/ ٢٦١)، وإكمال المعلم (٢/ ٤١)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٣)، والمفاتيح (١/ ٣٤٩).\n(^٣) انظر: مبارق الأزهار (١/ ٢٠٥)، ومرقاة المفاتيح (١/ ٣٤٥).","vol":"2","page":341},{"text":"القاضي عياض: المراد بخروجها مع الماء المجاز والاستعارة في غفرانها لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة (^١)، وبهذا استدل أبو حنيفة على نجاسة الماء المستعمل ولا حجة فيه، وعند مالك: أن الماء المستعمل طاهر مطهر غير أنه يكره استعياله مع وجود غيره للخلاف فيه، وعند الشافعي وأصبغ: أنه طاهر غير مطهر، وقيل: إنه مشكوك فيه، وقد سماه بعضهم ماء الذنوب (^٢)، والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت تفعلها يداه ومشتها رجلاه\" فمعناه: اكتسبتها (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه\" الحديث، ففيه دليل لمذهب العلماء كافة أن الواجبب غسل الرجلين خلافا للشيعة الرافضة وإبطال قولهم الواجب مسح الرجلين دون الغسل (^٤)، والله أعلم.\n\n٢٨٨ - وَعَن عُثْمان بن عَفَّان -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من تَوضَّأ فَأحْسن الْوضُوء خرجت خطاياه من جسده حَتَّى تخرج من تَحت أَظْفَاره وَفِي رِوَايَة أَن عُثْمَان تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- تَوَضَّأ مثل وضوئي هَذَا ثمَّ قالَ من تَوَضَّأ هَكَذَا غفر لَهُ مَا تقدم مق ذَنبه وَكَانَت صلَاته ومشيه إِلَى\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٤١)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٣).\n(^٢) المفهم (٣/ ١١٩).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٣).\n(^٤) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣٣).","vol":"2","page":342},{"text":"الْمَسْجِد نَافِلَة رَوَاهُ مسلم (^١) وَالنَّسَائِيّ مُخْتَصرا وَلَفظه قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من امرئ يتَوَضَّأ فَيحسن وضوءه إِلَّا غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الصَّلاة الْأُخْرَى حَتَّى يُصليهَا وَإِسْنَاده على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه مُخْتَصرا بِنَحْوِ رِوَايَة النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِاخْتِصَار وَزَاد فِي آخِره وَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَلا يغتر أحد وَفِي لفظ النَّسَائِيّ قَالَ من أتم الْوضُوء كَمَا أمره الله فالصلوات الْخمس كَفَّارَات لما بَينهُنَّ (^٢).\nقوله: عن عثمان، تقدم الكلام على بعض مناقبه وأنه يجوز صرف عفان وعدمه، ومن بعض مناقب عثمان -﵁-: قال حذيفة بعث النبي -ﷺ- إلى عثمان في جيش العسرة وجيش العسرة هو جيش غزوة تبوك فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار فصبت بين يدي رسول الله -ﷺ- فجعل النبي -ﷺ- يقول بيده ويقلبها ظهرا لبطن ويقول \"غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا\" (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨ - ٢٢٩) و(٣٣ - ٢٤٥).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٦٥)، وأحمد ١/ ٥٧ (٤٠٠) و(٤٠٦) و١/ ٦٦ (٤٧٣) و١/ ٦٩ (٥٠٣)، ومسلم (١٠ و١١ - ٢٣١)، وابن ماجه (٢٨٥) و(٤٥٩)، والبزار (٤٢٧ و٤٢٨)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٤ (١٥٠) و(١٥١) والكبرى (١٧٣)، وابن خزيمة (٢)، وأبو عوانة في المستخرج (٦٧٨)، وابن حبان (١٠٤١) و(١٠٤٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٢).\n(^٣) أخرجه ابن عدى في الكامل (١/ ٥٥٣)، وأبو نعيم في فضائل الخلفاء (٧٨). قال ابن عدى: وهذا الحديث بهذا الإسناد غير محفوظ، وروى عن إسحاق بن إبراهيم هذا عبيد =","vol":"2","page":343},{"text":"والله اعلم.\nقوله -ﷺ-: \"من توضأ فأحسن الوضوء\" الحديث، الوضوء بضم الواو هو الفعل وأصل الوضوء من الوضاءة وهو الحسن والنظافة وتقدم الكلام على ذلك في أول الباب وكذلك تقدم الكلام على الطهارة، والوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به، وإحسان الوضوء إكماله بمراعاة فرائضه وسننه وآدابه، والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"خرجت الخطايا من جسده\" تقدم الكلام على خروج الخطايا من الماء وأن المراد بهذا الاستعارة والمقصود بها الإعلام بتكفير الخطايا ونحوها من كتاب الحفظة وأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة.\nقوله: وفي رواية أن عثمان توضأ تم قال: رأيت رسول الله -ﷺ- توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: \"من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه\" المراد بغفران الذنوب سترها، والمراد الصغائر كما سيأتي الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"وكانت صلاته ومشيته إلى المسجد نافلة\" يعني زيادة على ثواب الفرض.\nقوله: في رواية النسائي \"ما من امرئ مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء\" تقدم الكلام على إحسان الوضوء.\nقوله: في آخر الحديث وزاد ابن ماجه قال رسول الله -ﷺ- \"ولا يغتر أحد\"\n_________\n= الله بن موسى، وأبو نعيم الفضل بن دكين وسعيد بن سليمان الواسطي وأحاديثه غير محفوظة.","vol":"2","page":344},{"text":"المراد بذلك والله أعلم أن الإنسان إذا أذنب ذنبا ثم توضأ ولم يتب من الذنب قد يغتر بذلك ويقول غفر لي بالوضوء (^١) والله أعلم.\n\n٢٨٩ - وَعنهُ -﵁- أَنه تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ مثل وضوئي هَذَا ثمَّ أتى الْمَسْجِد فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه قَالَ وَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- لا تغتروا\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (^٢).\n\n٢٩٠ - وَعنهُ -﵁-: أَيْضا أَنه دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ ثمَّ ضحك فَقَالَ لاصحاب أَلا تَسْألونِي مَا أضحكني فَقَالُوا مَا أضْحكك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- تَوَضَّأ كمَا تَوَضَّأت ثمَّ ضحك فَقَالَ أَلا تَسْألونِي مَا أضْحكك فَقَالُوا مَا أضْحكك يَا رَسُول الله فَقَالَ إِن العَبْد إِذا دَعَا بِوضُوء فَغسل وَجهه حط الله عَنهُ كل خَطِيئَة أَصَابَهَا بِوَجْهِهِ فَإِذا غسل ذِرَاعَيْهِ كَانَ كَذَلِك وَإِذا طهر قَدَمَيْهِ كَانَ كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَرَوَاهُ الْبَزَّار بإِسْنَاد صَحِيح وَزَاد فِيهِ فَإِذا مسح رَأسه كَانَ كَذَلِك (^٣).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"إن العبد إذا دعا بوضوء فغسل وجهه حط الله عنه كل خطيئة\n_________\n(^١) انظر: الكواكب الدرارى (٢٢/ ٢٠٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٦٤ (٤٥٩) و١/ ٦٦ (٤٧٨)، والبخارى (٦٤٣٣)، وابن ماجه (٢٨٥)، وابن حبان (٣٦٠).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٥٨ (٤١٥)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ١/ ٧٤ (٥٥٣)، والبزار (٤٢٠ و٤٢١)، والطبراني في الشاميين (٢٦٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٩٧).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٤).","vol":"2","page":345},{"text":"أصابها بوجهه\" الوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به والمراد بحط الخطايا غفرانها والغفران الستر والمبراد الصغائر.\n\n٢٩١ - وَعَن حمْرَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ دَعَا عُثْمَان -﵁- بِوضُوء وَهُوَ يُرِيد الْخُرُوج إِلَى الصَّلاة فِي لَيْلَة بَارِدَة فَجِئْته بِمَاء فَغسل وَجهه وَيَديه فَقلت حَسبك الله وَاللَّيْلَة شَدِيدَة الْبرد فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لا يسبغ عبد الْوضُوء إِلَّا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: عن حمران هو بضم الحاء المهملة وإسكان الميم وراء وهو حمران بن أبان مدني قرشي أموي كنيته أبو يزيد وقيل أبو زيد وكان من سبي عين التمر حين فتحها خالد بن الوليد في أول خلافة عمر وقيل في أول خلافة أبي بكر وهو رجل من النمر بن قاسط وقال ابن معين هو حمران بن أبا وقيل إنه وجد مختونا يوم سبي سباه المسيب بن نجية الفزاري في أيام أبي بكر الصديق وكان لعثمان بن عفان -﵁- عدة من الموالي المشهور منهم حمران وكيسان، وكان حمران يهوديا واسمه طويد وقيل غير ذلك كما تقدم وأسلم فأعتقه عثمان وكان يكتب له ويحجبه ثم تزوج امرأة في عدتها فجلده عثمان ونفاه إلى البصرة وهو الذي سعى بعامر بن عبد قيس حتى نفاه عثمان إلى الشام وذكره ابن سعد في الطبقات في الطبقة الثانية في التابعين من أهل المدينة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (١٥٠)، والبزار (٤٢٢). قال البزار: ولا نعلم أسند محمد بن كعب، عن حمران إلا هذا الحديث. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٧: رواه البزار، ورجاله موثقون، والحديث حسن -إن شاء الله-. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٥٠٣٦) وضعيف الترغيب (١٣٢).","vol":"2","page":346},{"text":"وفي أهل البصرة فقال: حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان روى عن عثمان وتحول إلى البصرة فنزلها.\nوكان كثير الحديث ولم أرهم يحتجون بحديثه وقيل إنه أفشى سر عثمان فنفاه إلى البصرة وقيل سبب نفيه أن عثمان بعثه للكوفة ليكشف عما قيل عن الوليد بن عقبة فرشاه الوليد فلم يخبر عثمان وأخبر مروان فأخبر مروان عثمان -﵁-. فنفاه (^١).\nقوله: دعا عثمان بوضوء وهو يريد الخروج في ليلة باردة فجئته بماء فغسل وجهه ويديه فقلت حينئذ والليلة شديدة البرد، الحدلمجما، تقدم الكلام على الوضوء وأنه بفتح الواو وأنه الماء الذي يتوضأ به وبالضم هو الفعل ففي هذا الحديث دليل على جواز الاستعانة واستحبابها في حق من يحضر له الماء لأنه إعانة على طاعة، والاستعانة تفرض على ثلاثة أوجه:\nالأول: أن يستعين بمن يحضر له الماء ولا كراهة فيه (^٢) والأولى ألا يفعل ذلك لأن العبد في مقام الطاعة ينبغي أن يكون عبدا فيكون خادما لا مخدوما وقال بعضهم لأنه نوع من التنعم والتكبر وذلك لا يليق بحال المتعبد والأجر على قدر النصب (^٣) وأما في الأمور الدنيوية فله طلب الخدمة وقد نقل عن\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (٣٦/ ٨ - ٩)، وشرح الإلمام (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٦)، وتهذيب الكمال (٧/ الترجمة ١٤٩٦)، نزهة الألباب (١/ ٤٤٨).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٦٩)، وروضة الطالبين (١/ ٦٢).\n(^٣) انظر: نهاية المطلب (١/ ٩٦)، وفتح العزيز (١/ ٤٤٣)، وشرح الإلمام (٥/ ١١١)، والإقناع (١/ ٥١)، ومغنى المحتاج (١/ ١٩٢).","vol":"2","page":347},{"text":"عمر -﵁- أنه كان لا يستعين بأحد من عبيده في ماء الوضوء مع كثرتهم.\nالوجه الثاني: أن يستعين بمن يصب عليه الماء فهذا إن كان لعذر لضعف ونحوه فلا كراهة (^١) وقد استعان -ﷺ- بالمغيرة بن شعبة فصب عليه الماء لأنه -ﷺ- كان عليه جبة ضيقة الكمين وإن كان لغير عذر لم يكره على الصحيح (^٢).\nالوجه الثالث: أن يستعين بمن يغسل له أعضاء الوضوء فهذا مكروه (^٣) فإن استعان بجاريته أو زوجته لم يصح لأن اللمس ناقض إلا أن يغتسل بحائل أو تكون الجارية محرما له كالأخت والعمة (^٤)، وقد تجب هذه الاستعانة كما في حق مقطوع اليدين فإن لم يجد من يعينه وجب عليه استئجار من يحضر له الماء ويغسل له أعضاء وضوءه (^٥).\nقوله: فقلت له حسبك والليلة شديدة البرد، حسبك معناها يكفيك.\nقوله -ﷺ-: \"لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر\" تقدم الكلام على تفسير ذلك في الأحاديث قبله.\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٦٩) وروضة الطالبين (١/ ٦٢)، والإقناع (١/ ٥١)، ومغنى المجتاج (١/ ١٩٢).\n(^٢) أخرجه البخارى (٣٦٣) و(٢٩١٨) و(٤٤٢١) و(٥٧٩٨) و(٥٧٩٩)، ومسلم (٧٧ و٧٨ و٧٩ و٨١ و١٠٥ - ٢٧٤).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٦٩)، وروضة الطالبين (١/ ٦٢).\n(^٤) انظر: المجموع (٢/ ٢/ ٢٦ - ٣٠)، والنجم الوهاج (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣)\n(^٥) المجموع (١/ ٣٩٢)، والنجم الوهاج (١/ ٣٥٥).","vol":"2","page":348},{"text":"لطيفة فيها بشرى: قال السهروردي: قد ورد في الآثار أن المؤمن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه الشياطين في أقطار الأرض خوفا منه لأنه يتأهب للدخول على الملك فإذا كبر حجب عنه إبليس وضرب بينه وبينه سرادق لا ينظر إليه وواجهه الجبار ﵎ بوجهه فإذا قال الله أكبر اطلع الملك في قلبه فإذا رآه ليس في قلبه أكبر من الله تعالى فيقول صدقت الله في قلبك كما تقول ويتشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش ويكشف له بذلك النور ملكوت السموات والأرض ويكتب له حشو ذلك النور حسنات (^١) أ. هـ والله أعلم.\n\n٢٩٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الْخصْلَة الصَّالِحَة تكون فِي الرجل فيصلح الله بهَا عمله كله وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنُوبه وَتبقى صلَاته لَهُ نَافِلَة\"، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة بشار بن الحكم (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام.\n_________\n(^١) عوارف المعارف (٢/ ٣٥٣).\n(^٢) أخرجه البزار كما في اتحاف الخيرة (١/ ٣١٣ رقم ٥٢٧/ ١) والمطالب العالية (٨٢/ ٢)، وأبو يعلى (٣٢٩٧) وعنه ابن عدى في الكامل (٢/ ١٨٥) والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٨٩ - ٢٨٨ رقم ٢٠٠٦)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٤٠ رقم ٧١٠٢)، والسهمى في تاريخ جرجان (١/ ٤٨٩). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٥: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، وفيه بشار بن الحكم، ضعفه أبو زرعة وابن حبان، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وضعفه الألبا ني في الضعيفة (٢٩٩٩) وضعيف الترغيب (١٣٣).","vol":"2","page":349},{"text":"قوله -ﷺ-: \"وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقى صلاته له نافلة\" الطهور بفتح الطاء الماء الذي يتطهر به وبضمها الفعل الذي هو المصدر والمراد به ههنا الوضوء والطهارة في اللغة النظافة وفي الشرع فعل ما يستباح به الصلاة من وضوء أو غسل أو تيمم أو إزالة نجاسة (^١) ولفظها يشمل طهارة الجسم وطهارة النفس فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٢) ومن الثاني ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ (^٣)، و﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (^٤) (^٥).\nقوله: \"وتبقى له صلاته نافلة\" أي زيادة.\nقوله: من رواية بشار بن الحكم [ضعفه ابن حبان وغيره وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به].\n\n٢٩٣ - وَعَن عبد الله الصنَابحِي -﵁-: أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا تَوَضَّأ العَبْد فَمَضْمض خرجت الْخَطَايَا من فِيهِ فَإِذا استنثر خرجت الْخَطَايَا من أَنفه فَإِذا غسل وَجهه خرجت الْخَطَايَا من وَجهه حَتَّى تخرج من تَحت أشفار عَيْنَيْهِ فَإذا غسل يَدَيْهِ خرجت الْخَطَايَا من يَدَيْهِ حَتَّى تخرج من تَحت أظفار يَدَيْهِ فَإِذا\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١/ ١٠٢)، وفتح القريب (١/ ٢٤).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ٨٢.\n(^٥) النجم الوهاج (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":350},{"text":"مسح بِرَأْسِهِ خرجت الْخَطَايَا من رَأسه حَتَّى تخرج من أُذُنَيْهِ فَإِذا غسل رجلَيْهِ خرجت الْخَطَايَا من رجلَيْهِ حَتَّى تخرج من تَحت أظفار رجلَيْهِ ثمَّ كانَ مَشْيه إِلَى الْمَسْجِد وَصلاته نَافِلَة\" رَوَاهُ مَالك وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلا عِلّة لَهُ والصنابحي صَحَابِيّ مَشْهُور (^١).\nقوله: عن عبد الله الصنابجي قال الحافظ: هو صحابي مشهور انتهى، والصنابجي ممن قصد النبي -ﷺ- فقبض النبي -ﷺ- وهو بالجحفة فقدم المدينة فإذا رسول الله -ﷺ- قد قبض (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"إذا توضأ العبد فتوضأ خرجت الخطايا من فيه\" الحديث ولم يذكر غسل الكفين هنا وهو في مسند أحمد.\nقوله -ﷺ-: \"فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه\" وتقدم معنى خروج الخطايا وأنها الصغائر. قوله -ﷺ-: \"حتى تخرج من تحت أشفار عينيه\" وأشفار العينين حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر وهو الهدب الأعلى والأسفل وحرف كل شيء شفره (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٦٦)، وأحمد ٤/ ٣٤٩ (١٩٠٩١)، البخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٣٢٢، وفي الصغير ١/ ١٦٦، والنسائى في الأربعون (١٧) والمجتبى ١/ ٣٠١ (١٠٧) والكبرى (١٣١)، والحاكم (١/ ١٢٩ - ١٣٠)، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٣٣ رقم ٣٨٣) والشعب (٤/ ٢٥٤ رقم ٢٤٧٨). وصححه الحاكم وقال الذهبى: لا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٧/ الترجمة ٣٩٠٥).\n(^٣) الصحاح (٢/ ٧٠١)، والاقئضاب في غريب الموطأ (١/ ٦٠).","vol":"2","page":351},{"text":"قوله -ﷺ-: \"حتى تخرج من أذنيه\" وفي حديث الصنابجي هذا دليل لقول مالك أن الأذنين من الرأس والمراد بذلك أنهما يمسحان كما تمسح الرأس لأنهما يمسحان مع الرأس (^١) ويحكى عن ابن شهاب أنه قال: ما أقبل منهما على الوجه فهو مع الوجه يغسل معه وما يلي الرأس من الرأس فيمسح معها (^٢) انتهى قاله في الديباجة.\n\n٢٩٤ - وَعَن عَمْرو بن عَنْبَسَة السّلمِيّ -﵁- قَالَ كنت وَأَنا فِي الْجَاهِلِيَّة أَظن أَن النَّاس على ضَلَالَة وَأنهُمْ لَيْسُوا على شَيْء وهم يعْبدُونَ الاَّوْثَان فَسمِعت بِرَجُل فِي مَكَّة يخبر أَخْبَارًا فَقَعَدت على رَاحِلَتي فَقدمت عَلَيْهِ فَإِذا رَسُول الله -ﷺ- فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَقلت يَا نَبِي الله فالوضوء حَدثيي عَنهُ فَقَالَ مَا مِنْكُم رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق فيستنثر إِلَّاخرت خَطَايَا وَجهه من فِيهِ وخياشيمه ثمَّ إِذا غسل وَجهه كمَا أمره الله إِلَّاخرت خَطَايَا وَجهه من أَطْرَاف لحيته مَعَ المَاء ثمَّ يغسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين إِلَّاخرت خَطَايَا يَدَيْهِ من أنامله مَعَ المَاء ثمَّ يمسح رَأسه إِلَّاخرت خَطَايَا رَأسه من أَطْرَاف شعره مَعَ المَاء ثمَّ يغسل رجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّاخرت خَطَايَا رجلَيْهِ من أنامله مَعَ المَاء فَإِن هُوَ قَامَ وَصلى فَحَمدَ الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ ومجده\n_________\n(^١) انظر: المنتقى (١/ ٧١)، والمسالك (٢/ ١١٧).\n(^٢) انظر: المفهم (٢/ ١٢٠)، وقال القفال في حلية العلماء (١/ ١٢٥): وذهب الشعبي والحسن بن صالح إلى أن ما أقبل منهما على الوجه من الوجه فيغسل معه وما أدبر منهما عنه يمسح مع الرأس.","vol":"2","page":352},{"text":"بِالَّذِي هُوَ لَهُ أهل وَفرغ قلبه لله تَعَالَى إِلَّا انْصَرف من خطيئته كيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: \"ثم كان مشيه إلى المسجد وصلائه نافلة\" تقدم معنى هذا في آخر حديث قبله.\nقوله: عن عمرو بن عبسة السلمي كنيته أبو نجيح وقيل أبو شعيب فهو عمرو بن عبسة بعين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين ثم سين مهملة على وزن عدسة وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث والأسماء والتواريخ وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد السلمي الصحابي الصالح له رواية أسلم قديما وأنه قدم على رسول الله -ﷺ- فأسلم رابع أربعة فطلب من النبي -ﷺ- الإقامة بمكة معه فقال لا تقدر على ذلك الآن ولكن ارجع إلى قومك فإذا سمعت بخروجي فائتني وأنه أتى النبي -ﷺ- بعد ذلك مهاجرا وأقام ببني سليم حتى مضت بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر ثم قدم المدينة وشهد اليرموك ثم سكن حمص إلى أن مات وحديث هجرته طويل مشتمل على جمل من أنواع العلم والأصول والقواعد وهو بجملته في صحيح مسلم قبيل صلاة الخوف وكان أخا لأبي ذر لأمه أمهما رملة بنت رفعة بن حرام بن غفار روى عن النبي -ﷺ- وكان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام ويراها باطلا وضلالا وكانت تظله سحابة في الهجير على قدر ما فيها فقيل لم يخرج له\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤ - ٨٣٢)، وابن ماجه (٢٨٣)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٥ (١٥٢) والكبرى (١٨٢)، وابن خزيمة (٢٦٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦).","vol":"2","page":353},{"text":"البخاري شيئا وإنما أخرج مسلم روى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وأبو أمامة وسهل بن سعد وجماعة من التابعين (^١).\nقوله: فقلت يا رسول الله فالوضوء حدثني عنه \"ما منكم رجل يقرب وضوءه\" وفي رواية \"ما من أحد\" وهو أعم وعلى الأولى فالنساء كذلك لما ورد أنهم شقائق الرجال وإنما الخطاب كان مع الرجال فذكر الرجل كذلك.\nقوله: يقرب وضوءه معناه يحضر الماء الذي يتوضأ به.\nقوله: فيمضمض ويستنشق فيستنثر، أما حقيقة المضمضة قال النووي: فقال أصحابنا كمالها أن يجعل الماء في فمه ثم يديره ثم يمجه وأما أقله فإنه يجعل الماء في فيه ولا يشترط إدارته على الشرط الذي قاله الجمهور، وأما الاستنشاق فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس إلى أقصاه، ويستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائما فيكره له ذلك لحديث لقيط بن سبرة أن النبي -ﷺ- قال \"وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا\" (^٢) وهو حديث صحيح، قال أصحابنا وعلى أي صفة أوصل الماء إلى الأنف والفم حصلت المضمضة والاستنشاق (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣١ - ٣٢ الترجمة ٤٥٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠٧)، وأبو داود (٢٣٦٦)، والترمذى (٧٨٨)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢٨٧ (٩٠) والكبرى (١١٧) عن لقيط بن صبرة. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٣٠)، المشكاة (٤٠٥).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٥).","vol":"2","page":354},{"text":"وقوله: فيستنثر وقال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثين الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط وغبار وشبهه قيل ذلك لما فيه من المعونة على القراءة وتنقية مجرى النفس الذي به التلاوة وبإزالة ما به من الثقل تصح مجاري الحروف وجاء في بعض الروايات \"فليستنثر فإن الشيطان يبيت على خياشيمه\" (^١) قاله الكرماني (^٢) قال أهل اللغة مأخوذ من النثرة وهو طرف الأنف، قال الأزهري روى سلمة عن الفراء أنه قال نثر الرجل وانتثر إذا حرك النثرة في الطهارة (^٣).\nواعلم أن السنة في المضمضة والاستنشاق تتأدى بالجمع والفصل على مذهب الشافعي ﵀ وهذا الخلاف في الأفضل والا فلو توضأ واستنشق كيف كان فقد أدى سنتها فالرافعي يصحح قول الفصل بغرفتين، ومعنى الفصل أن لا ينقل إلى الأنف حتى يفرغ من الفم، والنووي يصحح قول الجميع بثلاث غرف \"جمع الغرفة بالضم\" وهو قدر ما يغرف من الماء بالكف وجمعها غرف وهو الأكثر في الأحاديث فالجمع بين المضمضة والاستنشاق أفضل وعلى هذا فقيل يجمع بينهما بثلاث غرفات، وقوله: قطعا تبع فيه شرح المهذب والكفاية لكن في النهاية الجزم بامتناع الخلط إذا اشترطنا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق فاستدرك التنبيه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٣٢٩٥)، ومسلم (٢٣ - ٢٣٨) عن أبى هريرة.\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢/ ٢١١).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٥٩) وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٥).\n(^٤) انظر الهداية إلى أوهام الكفاية (٢٠/ ٣٠ - ٣١).","vol":"2","page":355},{"text":"فائدة: المعتبر في المضمضة والاستنشاق عدد الغرفات وفي غيرها عدد الغسلات، واختلف العلماء في وجوب المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب أحدها مذهب مالك والشافعي وأصحابهما أنهما سنتان في الوضوء والغسل وذهب إليه من السلف الحسن البصري والزهري وجماعات كبيرة والمذهب الثاني أنهما واجبان في الوضوء والغسل لا يصحان إلا بهما وهو المشهور عن أحمد بن حنبل ومذهب ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق بن راهويه ورواية عن عطاء والمذهب الثالث أنهما واجبان في الغسل دون الوضوء وهو مذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والمذهب الرابع أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل والمضمضة سنة فيهما ومذهب أبي ثور وأبي عبيد وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل (^١) والله أعلم.\nوقد أجمع العلماء ﵃ على كراهية الزيادة على الثلاث والمراد بالثلاث المستوعبة للعضو وأما إذا لم يستوعب العضو إلا بغرفتين فهي غسلة واحدة ولو شك هل غسل ثلاثا أو اثنين جعل ذلك اثنتين وأتى بثالثة وهذا هو الصواب الذي قاله الجمهور من أصحابنا (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"إلا خرت خطايا وجهه من فيه وخياشيمه\" أي سقطت وذهبت ويروى \"جرت\" بالجيم أي جرت مع ماء الوضوء (^٣) والصحيح بالخاء وهو\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٦٢ - ٣٦٣)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٧).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٩).\n(^٣) النهاية (٢/ ٢١).","vol":"2","page":356},{"text":"رواية الجمهور (^١) وفي الحديث إعلام بتكفير الخطايا ومحوها وإلا فليست أجساما حتى يصح منها الخروج، والمراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر ثم لايبعد أن يكون بعض الأشخاص يغفر له الكبائر والصغائر بحسب ما يحضره من الإخلاص ويراعيه من الإحسان والآداب وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (^٢).\nقوله: \"من فيه وخياشيمه\" والخياشيم جمع خيشوم وهو أقصى الأنف والخياشيم عظام رقاق في أصل الأنف بينه وبين الدماغ (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ثم يغسل يديه إلى المرفقين\" والمرفقين مجتمع عظم الساعد وعظم العضد، وقيل رأس عظم الساعد فقط (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"ثم يغسل رجليه إلى الكعبين\" يستحب تقديم اليمنى في غسل اليدين والرجلين قال القفال في محاسن الشريعة: والحكمة في تقديم اليمين أن لفظها مأخوذ من اليمن وهو حصول الخير والشمال تسمى الشؤم (^٥)، فإن قدم اليسرى كان مكروها نص عليه في الأم (^٦) انتهى.\nقوله -ﷺ-: \"فإن هو قام وصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٢٠٨)، وشرح النووى على مسلم (٦/ ١١٧).\n(^٢) المفهم (٣/ ١١٩).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٦/ ١١٧).\n(^٤) البيان (١/ ١٢٠)، وكفاية النبيه (١/ ٢٩٩).\n(^٥) محاسن الشريعة (ص ٦٢).\n(^٦) النجم الوهاج (١/ ٣٥٢).","vol":"2","page":357},{"text":"أهل وفرغ قلبه لله\" الحديث، مجده ذكره بالتعظيم، وفرغ قلبه أي حاضرا لله وجعل خاليًا عن الأشغال الدنيوية (^١).\nقوله -ﷺ-: \"إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه\" يعني لا ذنب له، و\"كيوم\" يجوز فيه فتح الميم وكسرها والله أعلم.\nفائدة جليلة يذكر فيها الحكمة في غسل أعضاء الوضوء ذكرها الشيخ الإمام العلامة شمس الدين السعودي في كتابه تهذيب النفوس وهو كتاب نافع أربع مجلدات فقال: قلت: هذا الحديث يعني حديث عمرو بن عبسة وما أشبهه من الأحاديث محمولة على ما قاله الإمام أبو عبد الله بن الحاج المالكي في المدخل فإنه قال: أفعال الوضوء مرتبة على ما هو أسرع حركة من غيره بدأ به، فبدأ بالمضمضة أولا على سبيل السنة لأنه أكثر الأعضاء حركة فيما ذكر لأن غيره من الأعضاء قد يسلم وهو كثير العطب قليل السلامة في الغالب، ألا ترى ما ورد فى الحديث في شأنه وهو أن الأعضاء في كل يوم تناشده من أن يسلمها من آفاته لأنه إذا هلك لا يهلك وحده بل يهلك نفسه ويهلك إخوانه، فإذا جاء المؤمن إلى غسل فمه يذكر إذ ذاك أن طهارة الظاهر إنما هي إشارة إلى طهارة الباطن فوجد إذ ذاك أنه مطلوب منه الطهارة الباطنة فتاب إلى الله تعالى وأقلع مما تكلم به لسانه ونطق ثم يتوب إلى الله تعالى مما شم به أنفه واستنشق ثم يتوب إلى الله تعالى مما نظرت إليه\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٢١٢).","vol":"2","page":358},{"text":"العينان والتذت فإذا تاب من هذه الأمور دخل إذ ذاك في قوله -﵇-: \"التوبة تجب ما قبلها\" جاء الحديث: \"فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه\" ثم بعد ذلك أمره الشرع بغسل اليدين لأنه إذا تكلم اللسان ونظرت العينان بطشت اليد أو لمست فاليدان بعدهما في ترتيب المخالفة فأمر بطهارتهما، فإذا جاء لطهارتهما ابتدأ بطهارتهما باطنا فتاب مما لمست يداه أو تحركت؛ الندم. توبة، التوبة تجب ما قبلها، جاء الحديث: \"فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه\" ثم بعد ذلك أمره الشرع بمسح رأسه، وإنما أمره بالمسح ولم يأمره والله أعلم بالغسل لأجل أنه لم يقع منه مخالفة بنفسه وإنما هو مجاور لمن يقع منه مخالفة وهو اللسان والعينان، فلما لم يكن بنفسه هو المخالف لكن كان مجاورًا للمخالف أعطي حكما بين حكمين فأمر بالمسح ولم يؤمر بالغسل، وأيضا فقد اختلف الناس في الأذنين هل هما من الرأس أم لا؟ والأذنان يسمعان ما لا ينبغي لكن لما كان السمع قد يطرأ على الإنسان في الغالب وهو لا يتعمده خفف أمره فكان المسح، فإذا مسحه قدم طهارته الباطنة بالتوبة مما سمعت منه الأذنان وما وقع فيه من مجاورة تلك الأعضاء، الندم توبة، التوبة تجب ما قبلها، جاء الحديث: \"فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه\" ثم أمر الشرع بعد ذلك بغسل رجليه لأن العينين إذا نظرتا وتكلم اللسان ولمست اليد وسمعت الأذن حينئذ تسعى الرجل فالرجل آخر الجميع في المخالفة فجعلت آخر","vol":"2","page":359},{"text":"الجميع في الغسل فغسلها إذ ذاك، وقدم طهارتهما الباطنة فابتدأ بالتوبة مما سعت فيه من المخالفة، الندم توبة، التوبة تجب ما قبلها، جاء الحديث: \"فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أطفار رجليه\" فلما أن غسل رجليه على هذا الترتيب أراد صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه أن يقيمه في أكمل الحالات وأتمها فقال: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء\" إشارة منه -﵇- إلى تطهير القلب من الالتفات إلى العوارض والخواطر والوسواس والنزعات ففهم المؤمن إذا ذاك المراد فامتثل طهارة القلب مما ينبغي من تجديد الإيمان وتجديد التوبة والإخلاص، ولهذا المعنى كان سيدي أبو محمد ﵀ يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون إيمانه جديدا في كل وقت ويحترز عليه لئلا يكون خَلِقًا، والخلق أن لا يتعاهد نفسه بتجديد الشهادة والتوبة، كان بعض الفضلاء يستيقظ من الليل فيمر بيديه على وجهه ويتشهد فقيل له في ذلك فقال: أما تشهدي فأتفقد به الإيمان هل بقي أم لا؟ لأن أعمالي لا تشبه أعمال المؤمنين، وأما تمشية يدي على وجهي فأتفقده إن كان حول إلى القفا أو مسخ به أم لا؟ فإذا وجدته سالمًا حمدت الله الذي ستر علي بفضله ولم يعاقبني ويفضحني بعملي، هذا قوله، وكان له قدم في الدين وسبق وتقدم، وسيأتي اسم قائل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، فما بالك بأحوالنا اليوم على ما يشاهد بعضنا من بعض، فبالأولى","vol":"2","page":360},{"text":"والأحرى أن يتفقد الإيمان اليوم في كل وقت وحين، فلما أن أمره صاحب الشرع صلوات الله وسلامه بتطهير الباطن وتطهير الظاهر شرع له إذ ذاك الدعاء وهو قوله: \"اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين\" إشارة منه إن شاء الله تعالى في قبول ما أتى به لقوله -ﷺ-: \"الدعاء مخ العبادة\" فكمل الحال وتمت النعمة، وقيل: الدعاء بتخييره من أي أبواب الجنة يدخل لأن هذا عبد قد تاب من كل ما جنى وتطهر باطنا وظاهرا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (^١) ولأجل هذا المعنى جاء الحديث، فمن امتثل ما ذكر من إسباغ الوضوء وكماله إن صلاته نافلة، والنوافل: الزوائد، أي: لم تجد من الذنوب شيئا تكفره الصلاة للتوبة المتقدمة والتطهير الظاهر والباطن فبقيت صلاته نافلة، أي: زائدة، فكان موضعها رفع الدرجات لا غير؛ فيحصل لنا من هذا أنه يتوب مما تكلم به اللسان وشم الأنف ونظرت العينان وسمعت الأذن وبطشت اليد وسمعت الرجل وخطر بالقلب وإن كان سالما من ذلك كله كانت التوبة للغفلات الواقعة، فإن كان سالما من الغفلات كانت التوبة لعدم التوفية بحق الربوبية كما يجب لها، وذلك لا يقدر عليه العبد أصلا، فهذه سبعة منضمة إلى شروط وجوب الطهارة والفرائض والسنن، والفضائل التي نص عليها العلماء فيه (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة البقر ة، الآية: ٢٢٢.\n(^٢) المدخل (١/ ٣٥ - ٣٨).","vol":"2","page":361},{"text":"٢٩٥ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁-: أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أَيّمَا رجل قَامَ إِلَى وضوئِهِ يُرِيد الصَّلَاة ثمَّ غسل كفيه نزلت كل خَطِيئَة من كفيه مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لِسَانه وشفتيه مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا غسل وَجهه نزلت كل خَطيئَة من سَمعه وبصره مَعَ أول قَطْرَة فَإِذا غسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ سلم من كل ذَنْب كَهَيْئَته يَوْم وَلدته أمه قَالَ فَإذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رفع الله دَرَجَته وَإِن قعد قعد سالمًا\" رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق عبد الحميد بن بهْرَام عَن شهر بن حَوْشَب وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ لغير هَذَا الْمَتْن وَهُوَ إِسْنَاد حسن فِي المتابعات لا بَأْس بِهِ (^١).\nقوله: عن أبي أمامة، اسمه: صدي بن عجلان، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة\" الوضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به، وتقدم معنى الصلاة في اللغة والشرع في مواضع من هذا التعليق.\nقوله: \"ثم غسل كفيه نزلت كل خطيئة من كفيه مع أول قطرة\" تقدم معنى ذلك في الأحاديث قبله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٣ (٢٢٢٦٧)، والآجري في الأربعون حديثًا (٢٢)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٦ رقم ٨٠٦١). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٢: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفي إسناد أحمد عبدالحميد بن بهرام عن شهر، واختلف في الاحتجاج جمهما، والصحيح أنهما ثقتان، ولا يقدح الكلام فيهما. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧).","vol":"2","page":362},{"text":"قوله: \"فإذا قام إلى الصلاة رفع الله درجته\" رفع الدرجات أعلى المنازل في الجنة.\nقوله: قوله رواه أحمد وغيره من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوسب، هو عبد الحميد بن بهرام (الفزاري المدائني روى عن: شهر بن حوشب أحاديث كثيرة، وعن: عاصم الأحول حديثا واحدا في الدعاء، ورأي عكرمة مولى ابن عباس، ووصفه، وثَّقه أحمد وابنُ معين وأبو داود. وأثنى عليه شعبة، وقال: نعم الشيخ. وقال ابنُ معين في روايةٍ والنسائيُّ والعجليُّ، وابنُ عديّ: لا بأس به، وقال أبو حاتم: أحاديثه عن شهرٍ صحاح، لا أعلم روى عن شهر بن حوشب أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها، وقال ابنُ عدي: هو في نفسه لا بأس به وإنما عابوا عليه كثرة رواياته عن شهر وشهر ضعيفٌ وقال الخطيبُ: الحمل في الصحيفة التي ذكر أنها منكرة على شهر، لا على عبد الحميد (^١).\n\n٢٩٦ - وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء غسل يَدَيْهِ وَوَجهه وَمسح على رَأسه وَأُذُنَيْهِ وَغسل رجلَيْهِ ثمَّ قَامَ إِلَى صَلَاة مَفْرُوضَة غفر لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم مَا مشت إِلَيْهِ رجله وقبضت عَلَيْهِ يَدَاهُ وَسمعت إِلَيْهِ أذنَاهُ وَنظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَحدث بهِ نَفسه من سوء، قَالَ وَالله لقد سمعته من نَبِي الله -ﷺ- مَا لَا أحصيه (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٦/ الترجمة ٣٧٠٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٣ (٢٢٢٧٢)، وأحمد بن منيع في مسنده كما في إتحاف الخيرة =","vol":"2","page":363},{"text":"٢٩٧ - وَرَوَاهُ أَيْضا بِنَحْوِهِ من طَرِيق صَحِيح وَزَاد فِيهِ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الْوضُوء يكفر مَا قبله ثمَّ تصير الصَّلَاة نَافِلَة (^١).\n\n٢٩٨ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا تَوَضَّأ الرجل الْمُسلم خرجت ذنُوبه من سَمعه وبصره وَيَديه وَرجلَيْهِ فَإِن قعد قعد مغفورا لَهُ\" وَإسْنَاد هَذِه حسن (^٢).\n\n٢٩٩ - وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضًا إِذا تَوَضَّأ الْمُسلم فَغسل يَدَيْهِ كفر عَنهُ مَا عملت ليداه فَإِذا غسل وَجهه كفر عَنهُ مَا نظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَإِذا مسح بِرَأْسِهِ\n_________\n= (١/ ٣٠٦ رقم ٥١٨/ ٥)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٦ رقم ٨٠٣٢) وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٢٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٤). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٢: رواه أحمد والطبراني بنحوه في الكبير، وفيه أبو مسلم، ولم أجد من ترجمه بثقة ولا جرح، غير أن الحاكم ذكره في الكنى، وقال: روى عنه أبو حازم. وهنا روى عنه أبان بن عبد الله. وكذلك ذكره ابن أبي حاتم. وقال في ١/ ٣٠٠: رواه الطبراني في الكبير من رواية أبي مسلم الثعلبي عنه، ولم أر من ذكره، وبقية رجاله موثقون.\n(^١) أخرجه الطيالسى (١٢٢٥)، وأبو عبيد في الطهور (٢٢)، وأحمد ٥/ ٢٥١ (٢٢١٦٢) وأبو سعيد الأشج في حديثه (٨٦)، والمروزى في مختصر قيام الليل (ص ٣٤)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٢٥ رقم ٧٥٧٠). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٣: رواه أحمد من طريق صحيحة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧).\n(^٢) أخرجه وأحمد ٥/ ٢٥١ (٢٢١٧١) و٥/ ٢٥٦ (٢٢٢٠٦)، وابن السماك في الثانى من أماليه (١)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٢٣ رقم ٧٥٦٠) والبيهقى في الشعب (٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣ رقم ٢٥٢٤). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٣: رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧) وقال إسناد هذه حسن.","vol":"2","page":364},{"text":"كفر بِهِ مَا سَمِعت أذنَاهُ فَإِذا غسل رجلَيْهِ كفر عَنهُ مَا مشت إِلَيْهِ قدماه ثمَّ يقوم إِلَى الصَّلَاة فَهِيَ فَضِيلَة، وَإسْنَاد هَذِه حسن أَيْضًا (^١).\n\n٣٠٠ - وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي الْكَبِير قَالَ أَبُو أُمَامَة لَو لم أسمعهُ من رَسُول الله -ﷺ- إِلَا سبع مَرَّات مَا حدثت بِهِ قَالَ إِذا تَوَضَّأ الرجل كَمَا أَمر ذهب الإِثْم من سَمعه وبصره وَيَديه وَرجلَيْهِ وَإِسْنَاده حسن أَيْضًا (^٢).\nقوله: في رواية الطبراني: قال أبو أمامة: لو لم أسمعه من رسول الله -ﷺ- إلا سبع مرات ما حدثت به، الحديث أنه لا يرى ظاهره التحديث إلا بما سمعه أكثر من ذلك، ومعلوم أن من سمع مرة واحدة جاز له الرواية بل تجب عليه\n_________\n(^١) أخرجه الروياني (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٤٢ رقم ١٠٩٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٢). قال الطبراني: لم يروه عن زكريا بن ميسرة إلا يونس بن محمد.\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٢: وأبو غالب مختلف في الاحتجاج به، وبقية رجاله ثقات، وقد حسن الترمذي لأبي غالب وصحح له أيضًا. وصححه الألباني في صحيح الترغيِب (١٨٧) وقال إسنادها حسن.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٠ و٢١)، وأحمد ٤/ ١١٣ (١٧٠٢١) و٥/ ٢٦٤ (٢٢٢٧٥) و(٢٢٢٨١، والنسائى في الكبر ى (١٠٧٥٣) واليوم والليلة (٨٠٧)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٣٩ - ١٤٠ رقم ١٥٠٥) والكبير (٨/ ١٢٤ رقم ٨٥٦٥ و٧٥٦٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الحكم إلا سليمان، تفرد به: محمد بن سليمان.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٣: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، وقال فيه: من بات طاهرا على ذكر الله، وإسناده حسن. وقال الألباني: إسناده حسن صحيح الترغيب (١٨٧).","vol":"2","page":365},{"text":"إذا تعين لها؟ وجوابه أن معناه لو لم أتحققه وأجزم به لما حدثت به، وذكر المرات بيانا لصورة حاله ولم يرد أن ذلك شرط (^١)، والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه\" الحديث، تحسين الوضوء، فيه الحكمة في غسل الأعضاء المذكورة في الوضوء دون ما عداها أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع من هذه الأعضاء فأمر أولا بغسلها تنبيها على طهارتها [الباطنة] (^٢)؛ ترتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة فما كان إلى التحرك أسرع من غيره أمر بغسله فأمر بالوجه أولا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٣) فأمر بالوجه أولا وفيه الفم والأنف والعينان فابتدئ بالمضمضة على وجه السنة لأن اللسان أكتر الأعضاء وأشدهم حركة فيما ذكر لأن غيره من أعضاء قد يسلم وهو كثير العطب قليل السلامة غالبا، ثم الأنف ليتوب مما شم به، ثم غسل جميع الوجه ليتوب مما نظر ثم غسلت اليدان ليتوب من البطش تم خصت الرأس بالمسح لأنه مجاور لما يقع منه المخالفة وهو اللسان والعينان ولم يكن مخالفا بنفسه، ثم الأذن لأجل السماع، ثم الرجل لأجل المشي، ثم أرشده بعد ذلك إلى تجديد الإيمان بالشهادتين فافهم سر ذلك، قاله في هادي النبيه (^٤)، وتقدم\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٦/ ١١٨).\n(^٢) زيادة من المخطوط.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(^٤) هادى النبيه (لوحة ٩/ ب/ ظاهرية رقم ٢١٢١).","vol":"2","page":366},{"text":"شيء من ذلك فيما قاله صاحب المدخل.\nفائدة فيها بشرى: روى الإمام أحمد في المسند عن أبي أمامة أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: \"ما من عبد مسلم يسمع أذان صلاة فقام إلى وضوئه إلا غفر له بأول قطرة تصيب كفه من ذلك الماء فبعدد ذلك القطر حتى يفرغ من وضوئه إلا غفر له ما سلف من ذنوبه وقام إلى صلاته وهي نافلة\" قال أبو غالب قلت لأبي أمامة أنت سمعت هذا من النبي -ﷺ- فقال: أي والذي بعثه بالحق بشيرا ونذيرا غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع ولا ثمان ولا عشر وصفق بيديه (^١) والله أعلم.\n\n٣٠١ - وَعَن ثَعْلَبَة بن عباد عَن أَبِيه -﵁- قَالَ: مَا أَدْرِي كم حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله -ﷺ- أَزْوَاجًا أَو أفرادا قَالَ مَا من عبد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء فَيغسل وَجهه حَتَّى يسيل المَاء على ذقنه ثمَّ يغسل ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يسيل المَاء على مرفقيه ثمَّ غسل رجلَيْهِ حَتَّى يسيل المَاء من كعبيه ثمَّ يقوم فَيصَلي إِلَّا غفر لَهُ مَا سلف من ذَنبه\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لين (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٤ (٢٢١٨٨)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٥ رقم ٨٠٢٨)، وابن بشران (٨٢٦). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣: رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو غالب مختلف في الاحتجاج به، وبقية رجاله ثقات، وقد حسن الترمذي لأبي غالب وصحح له أيضًا.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٦) ومن طريقه الطبراني كما في جامع المسانيد والسنن (٥٦٧٣) وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٨٦١)، والطحاوى في معاني الآثار","vol":"2","page":367},{"text":"الذقن بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْقَاف أَيْضًا وَهُوَ مُجْتَمع اللحيين من أسفلهما.\nقوله: عن ثعلبة بن عباد [العبدي البصري، روى عن: سمرة بن جندب، وأبيه عباد العبدي، وله صحبة، قال علي بن المديني: الأسود يروي عن مجاهيل منهم: ثعلبة بن عباد وذكره بن حبان في الثقات وقال بن حزم مجهول وتبعه بن القطان وكذا نقل ابن المواق عن العجلي (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء\" الحديث، أي يأتي به تاما بكمال صفته وآدابه وفي هذا الحديث الحث على الاعتناء بتعليم آداب الوضوء وشروطه والعمل بذلك والاحتياط فيه والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء ولا يترخص بالاختلاف فينبغي أن يحرص على التسمية والنية والمضمضة والاستنشاق ومسح جميع الرأس ومسح الأذنين ودلك الأعضاء والتتابع في الوضوء وترتيبه وغير ذلك منت المختلف فيه وتحصيل ماء طهور بالإجماع فقد روى الإمام أحمد بمسنده أن رسول الله -ﷺ- قال: \"مفتاح الجنة الصلاة ومفتاح الصلاة الطهور\".\n_________\n= (١٨٢ و١٨٣)، والطبراني كما في جامع المسانيد (٥٦٧٣) من طريق أبى الوليد. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٤: رواه الطبراني في الكبير، ورواه بإسناد آخر فقال: عن ثعلبة بن عمارة، وقال: هكذا رواه إسحاق الدبري عن عبد الرزاق. ووهم في اسمه، والصواب ثعلبة بن عباد. ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٨).\n(^١) تهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٨٤٤) وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٤).","vol":"2","page":368},{"text":"قوله -ﷺ-: \"حتى يسيل الماء على ذقنه\"، الذقن بفتح الذال المعجمة والقاف مجتمع اللحيين من أسفلهما قاله المنذري، واللحيان بفتح اللام العظمان الذان عليهما الأسنان واحدهما لحي بفتحهما.\nقوله -ﷺ-: \"ثم يقوم فيصلي إلا غفر له ما سلف من ذنب\" الحديث.\nفائدة: المغفرة مأخوذة من الغفر وهو الستر وغفران الذنوب هو سترها في الآخرة، وأما الرحمة فهي إنعام الله تعالى على عبده أو إرادة ذلك، فعلى الأول هي صفة فعل، وعلى الثاني فهي صفة ذات، والرحمة أعم من المغفرة فهي من باب ذكر العام بعد الخاص كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لِي إنك أنت الغفور الرحيم﴾ الغفور في مقابلة اغفر لي والرحيم في مقابلة ارحمني فالأول للأول والثاني للثاني، وقد يأتي على خلاف ذلك بمعنى آخر وفيه التصريح بتفرده تعالى بذلك وانحصاره فيه لا إله غيره قاله في شرح الإلمام.\nتتمة: واعلم أن للوضوء فروض وشروط وآداب ونواقض، ففروض الوضوء أربعة: قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^١) هذه الآية تقتضي فرضية هذه الأعضاء الأربعة قال الجمهور: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وبهذا قرأ ابن عباس أو فسره فالفرائض المتفق عليها هي ما قال الله تعالى في كتابه العزيز فأول ما ذكر الله تعالى غسل الوجه، الفرض الثاني غسل اليدين إلى المرفقين فرض\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"2","page":369},{"text":"فيه، الفرض الثالث مسح الرأس اكتفى فيه الشافعي فيما يصدق عليه اسم الرأس من ثلاث شعرات أو شعرة واحدة وعن مالك الكل أو الثلثان أو الثلث وعن أبي حنيفة مقدار الناصية والصحيح من مذهبه مقدار ثلاثة أصابع ولا يختلفون أن مسح الرأس كله أفضل لأن رسول الله -ﷺ- فعله غالبا ومذهب الإمام أن مسح الرأس جميعها فرض، الفرض الرابع غسل الرجلين إلى الكعبين أي معهما هذه جملة متفق على فرضيتها أعني الأعضاء الأربعة وهذا القدر اقتصر عليه أبو حنيفة وزاد مالك والشافعي وأحمد النية عند غسل الوجه وكيفيتها أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث أو الطهارة للفرض أو أداء فرض الوضوء أو أداء الوضوء بحذف الفرض أو أداء الطهارة كما ذكره في تقريبه أو الوضوء على الأصح أو استباحة الصلاة أو فريضة الوضوء وتقدم شيء من ذلك في باب الغسل والترتيب وزاد مالك والشافعي في القديم وأحمد الولاء وهو غسل العضو قبل جفاف الآخر وقبل الاشتغال بعمل آخر بين العضوين، وزاد الإمام أحمد بن حنبل التسمية والمضمضة والاستنشاق ذكره ابن الجوزي في منهاجه (^١) قاله في تهذيب النفوس.\nوأما شروط الوضوء فهي ثلاثة عشر: الإسلام والتمييز فالمميز هو من يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ولا ينضبط بسن بل يختلف باختلاف الأذهان (^٢) والعقل والعلم بكيفية الوضوء وتمييز فرائضه من سننه وقال\n_________\n(^١) منهاج القاصدين (١/ ٩٤).\n(^٢) المجموع (٧/ ٢٨).","vol":"2","page":370},{"text":"بعض العلماء إن اعتقد أن الجميع فرض صح وإلا فلا وهذا للعامة، والنقاء من الحيض والنفاس وألا يمنع مانع من جريان الماء على العضو من دهن كثيف ونحوه كوشم وكشطه واجب إن لم يخف ضررا يوجبما فوت العضو وكوسخ تحت ظفر فيقلم أظفاره ويزيل الوسخ أو المانع منه ومن جميع الأعضاء (^١) ودوام النية حكما لا ذكرا وذلك بأن يصرفها إلى غيره كتبرد ونحوه ولو قطعها صح ما مضى ونوى لبقية أعضائه نية جديدة والماء المطلق والعلم بإطلاقه وأن يكون بعد تيقن الحدث وأن يكون بعد دخول الوقت في حق أصحاب الضرورات كمن به سلس البول والمستحاضة وألا يكون على يديه نجاسة علمية ولا حكمية (^٢).\nفرع: الشرط في اصطلاح العلماء ما يلزم من عدمه العدم لذاته ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم قيل ما كان خارج الماهية إلى آخرها وما كان داخلها وانقطع فإنه يسمى ركنا (^٣) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nوأما آداب الوضوء، فمن آدابه استقبال القبلة لما روي عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال \"خير المجالس ما استقبل به القبلة\" وأن يصلي عقبه، وأن يبدأ\n_________\n(^١) بحر المذهب (١/ ٢٥٣) والمجموع (١/ ٤٦٨) و(٢/ ٦٠٢)، والنجم الوهاج (١/ ٣٢٨).\n(^٢) انظر المقدمة الحضرمية (ص ٣٣) والمنهج القويم (١/ ٣٣)، وغاية البيان (١/ ٤٤ - ٤٥)، ونهاية المحتاج (١/ ١٥٣ - ١٥٥).\n(^٣) انظر المنهاج القويم (١/ ٣٣).","vol":"2","page":371},{"text":"في غسل وجهه بأعلاه وفي غسل اليدين والرجلين من أطراف الأصابع إن كان يغسل بنفسه، فإن صب عليه غيره غسل من مرفقيه وعقبه إلى أطراف الأصابع وأن يجعل الماء عن يساره وإن كان يقلب منه فإن غرف فعن يمينه والجلوس بحيمث لا يناله رشاش والشرب من فضل الوضوء بعد الفارغ من هيئاته ولا يلطم وجهه بالماء ولا يتكلم في أثنائه إلا بذكر الله (^١) ويكره الكلام بغير ذلك إلا لضرورة، وإياك والوسوسة في الوضوء فإنها من البدع التي تؤدي إلى الجنون، واعلم أن الشيطان الموكل بالوضوء يسمى الولهان يلعب بابن آدم أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.\nتتمة يذكر فيها طرف من أقوال العلماء في نواقض الوضوء على مذاهب الأئمة الأربعة:\nأما نواقض الوضوء على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة (^٢): الخارج من السبيلين معتادا كان أو غيره ينقض عند أبي حنيفة وأصحابه سوى الريح الخارجة من القبل غير منتنة ودودة من ذكر أو فرج لكن يستحب لها الوضوء والخارج من غير السبيلين ينقض إن سال نجسا والقيء ملء الفم بأن لا يضبط إلا بتكلف أو علق أو طعام أو ماء ولو من معدته والدم والقيح والصديد ولو من أذنه بوجع أو ماء أصفر من سرته أو دموع من عينيه من\n_________\n(^١) عمدة السالك (ص ١٤) والنجم الوهاج (١/ ٣٥٩).\n(^٢) انظر: الهداية (١/ ١٧ - ١٩)، والعناية شرح الهداية (١/ ٣٦ - ٥٥)، والبناية شرح الهداية (١/ ٢٥٦ - ٣١٠).","vol":"2","page":372},{"text":"بعينيه رمد ومص العلقة ممتلئة لا القراد وغرز الإبرة إذا ظهر أكثر من رأسها وقيل لا ينقض وكذا الحلال ونوم مضطجع ولو مريضا أو في الصلاة في الصحيح، والصحيح أنه إذا كان مقعده على الأرض لا ينقض كيف ما كان أو متكئا ولو على يديه قاعدا مربعا أو مادا رجليه أو محتبيا أو مقعيا أو قائما أو راكعا في الصلاة لا سجدة الشكر عند الإمام، وقهقهة مصل بالغ منتبه، والإغماء والجنون والسكر والنعاس الثقيل الذي يخفي عليه عامة ما قيل عنده والمباشرة الفاحشة بلا اشتراط مماسة الفرجين في الظاهر، ولا ينقض مس فرج أو ذكر أو دبر وسقوط لحم أو دودة من جرح أو فم أو أنف.\nأو أذن أو خروج ريح من جائفة أو عرق مدمى وماء من الأذن هذه الجملة منقولة من كتاب الشامل والله أعلم.\nنواقض الوضوء عند الإمام مالك بن أنس ﵀: قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١): الذي يوجما الوضوء عند أهل المدينة مالك وأصحابه أربعة أنواع أحدها ما يخرج من المخرجين ما خلا المني فإنه يوجما الغسل، والحجة في ذلك قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (^٢) وذلك كناية عن كل ما يخرج من الفرجين معتادا معروفا دون ما خرج منها نادرا.\nالثاني: ما غلب على العقل من الإغماء والنوم الثقيل والسكر والصرع، فإن كان النوم خفيفا لا يخامر العقل ولا يغمره لم يضر.\n_________\n(^١) هو ابن عبد البر وكلامه هذا في الكافى في فقه أهل المدينة (١/ ١٤٥ - ١٤٩) بتصرف.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٣.","vol":"2","page":373},{"text":"الثالث: الملامسة وهو ما دون الجماع من دواعي الجماع فمن قبل امرأة بشهوة كانت من ذوات محارمه أو غيرهن وجب عليه الوضوء التذ أو لم يلتذ وسواء مس منها عند مالك شعرها أو سائر جسدها.\nالرابع: مس الذكر واختلف عن مالك فيمن مس فرجه ناسيا أو بظاهر كفه وهو مع ذلك يستحب منه الوضوء، وفي أصحاب مالك من يجعل مسه من باب الملامسة ويعتبر في ذلك اللذة ويوجب الوضوء منه وإعادة الصلاة في الوقت وبعده وكان مالك ﵀ لا يوجب إعادة الصلاة منه إلا في الوقت والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>نواقض الوضوء على مذهب الإمام الشافعي:</span>\nأما مذهب الشافعي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم في النواقض فالمعتبر عنهم أنها أربعة أشياء (^١) أحدها: ما خرج من القبل أو الدبر سواء النادر كنحو الحصاة والمعتاد كالعذرة والبول وسواء العين والريح والنجس، والظاهر واستثنى من الظاهر المني لأنه لا ينقض على المعتمد حتى لو احتلم من نام ممكن المقعدة لم ينقض وضوءه وفائدة ذلك أنه لا يعيد وضوءه عند الاغتسال هذا إذا كان المخرج أصليا فإن كان المخرج الأصلي منسدا وانفتح مخرج غيره فإن كان تحت المعدة والمراد بها السرة وما حاذاها نقض الخارج منه إن كان الخارج معتادا وكذا النادر ولا ينقض ما خرج من\n_________\n(^١) انظر: حلية العلماء (١/ ١٤٣ - ١٥٢)، ونهاية المطلب (١/ ١١٩ - ١٣٠)، وبحر المذهب (١/ ١٤٠ - ١٥٣)، والبيان (١/ ١٧٠ - ١٩١)، ومنهاج الطالبين (ص ١٠ - ١١)، والنجم الوهاج (١/ ٢٦٤ - ٢٧٧).","vol":"2","page":374},{"text":"السبيلين كدم الفصد والحجامة والقيئ والرعاف وغير ذلك.\nوالثاني: زوال العقل بجنون أو إغماء وكذا السكر على المعتمد والمراد بالسكر الناقض ما ليس معه شعور دون أوائل النشوة وأما النوم الذي لا شعور معه فينقض إلا إذا أمكن المقعدة من الأرض بتربع أو تورك وكذا إن نام محتبيا على الأصح وملا يضر النعاس ولا الاستغراق في حديث النفس، ولو شك هل نعس أو نام أو هل مكن المقعدة أم لا لم يضره هذا الشك على أن الشافعي ﵀ والأصحاب قالوا إنه يستحب الوضوء من النوم مع تمكين المقعدة للخروج من خلاف العلماء ﵃.\nالثالث: حصول الملامسة من بشرتي ذكر وأنثى لا محرمية بينهما وهما في مظنة الشهوة ولا أثر لمس الشعر والسن والظفر والعضو المنفصل والصغيرة التي لا تشتهى على المعتمد في الجميع نعم العجوز الشوهاء ينقض على الأرجح فما ساقطة إلا ولها لاقطة والمراهق كالجل والخصي وكذا لمس العضو الأشل والزائد وبغير شهوة وعن غير قصد على الصحيح في الجميع نعم فلو لمس محرما بشهوة فكلمسها بغير شهوة.\nالرابع: مس فرج آدمي ببطن الكف بسبب أو غيره صغير أو كبير ذكر أو أنثى حي أو ميت قبلا كان الملموس أو دبرا أو محل الذكر المقطوع ينقض بلمسه إن بقي شيء شاخص قطعا وكذا إن لم يبق على الصحيح ولا أثر لمس فرج بهيمة ولا للمس بظهر الكف ولا برؤوس الأصابع وحروفها والله أعلم.","vol":"2","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>نواقض الوضوء على مذهب الإمام أحمد بن حنبل:</span>\nفقال ابن الجوزي ونواقض الوضوء سبعة (^١): أحدها: الخارج من السبيلين نادرا كان أو معتادا طاهرا كان أو نجسا كالريح والبول.\nالثاني: خروج النجاسات من بقية البدن فإن كانت بولا أو عذرة فلا فرق من قليلها أو كثيرها وإن كانت غير ذلك لم ينقض قليلها وينقض كثيرها وهو ما فحش في النفس.\nوالثالث: زوال العقل إلا بالنوم اليسير جالسا أو قائما راكعا أو ساجدا، وعن أحمد أن نوم الراكع والساجد ينقض بكل حال.\nوالرابع: أن يمس بشرة أنثى بشهوة وفي نقض الملموس روايتان.\nوالخامس: مس فرج الآدمي قبلا كان أو دبرا كبيرا أو صغيرا حيا أو ميتا.\nوالسادس: أكل لحم الجزور في أظهر الروايتين فإن شرب من ألبانها فعلى روايتين وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين.\nوالسابع: غسل الميت.\nفهذه الشروط والفروض والآداب والنواقض قد ذكرت وما عداها سنن وكل ذلك نقل من تهذيب النفوس.\nتنبيه: الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء المسلمين على ترك الوضوء مما مست النار وأن ذلك كان ثم نسخ كما قال جابر -﵁- (^٢).\n_________\n(^١) منهاج القاصدين (١/ ٩٦).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٤/ ٤٣).","vol":"2","page":376},{"text":"٣٠٢ - وَعَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الطّهُور شطر الإِيمَان وَالْحَمْد لله تملأ الْمِيزَان وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله تملآن أَو تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالأرْض وَالصَّلَاة نور وَالصَّدَقَة برهَان وَالصَّبْر ضِيَاء وَالْقُرْآن حجَّة لَك أَو عَلَيْك كل النَّاس يَغْدُو فبائع نَفسه فمعتقها أَو موبقها\" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ إسباغ الْوضُوء شطر الإِيمَان وَرَوَاهُ النَّسَائيِّ دون قَوْله كل النَّاس يَغْدُو إِلَى آخِره (^١).\nقَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَقد أفردت لهَذَا الحَدِيث وطرقه وَحكمه وفوائده جُزْءًا مُفردًا.\nقوله: عن أبي مالك، أبو مالك هذا أخرج له مسلم حديثين أحدهما هذا والثاني \"أربع من أمر الجاهلية\" وفي البخاري حديث رواه أبو عامر الأشعري أو أبو مالك الأشعري كذا على الشك وقد اختلف في اسم أبي مالك فقالى ابن أبي حاتم اسمه كعب بن عاصم ويقال عمرو وقالى ابن حبان اسمه الحارث بن مالك وقيل الحارث بن الحارث وقيل عبيد وقيل عبد الله وهو معدود في الشاميين فبهذا الاعتبار حال السند كلهم دمشقيون، توفي -﵁- في خلافة عمر (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"الطهور شطر الإيمان\" هذا حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام، قد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام والأحكام (^٣)، فأما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١ - ٢٢٣)، وابن ماجه (٢٨٠)، والترمذى (٣٥١٧)، والنسائى في المجتبى ٤/ ٤٥٢ (٢٤٥٦) والكبرى (٢٤٢٣)، وابن حبان (٨٤٤).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦ الترجمة ٧٥٩٨).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٠).","vol":"2","page":377},{"text":"الطهور فالمراد به عند الأكثرين: الفعل فالطهور بالضم التطهر، وبالفتح الماء الذي يتطفر به كالوضوء والوضوء والسحور والسحور (^١)، قال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا (^٢) فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بهما التطهر (^٣)، والماء الطهور في الفقه هو الذي يرفع الحدث ويزيل النجس والماء الطاهر غير الطهور هو الذي لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس كالمستعمل في الوضوء والغسل، ومنه حديث: \"ماء البحر هو الطهور ماؤه\" أي المطهر، قاله في النهاية (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"شطر الإيمان \" قال النووي: وأصل الشطر النصف، واختلفوا في معنى قوله -ﷺ-: \"الطهور شطر الإيمان \" فقيل: إن معناه أن الأجر فيه ينتهي تضعيف ثوابه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء لكن الوضوء تتوقف صحته على الإيمان فصار نصفا، وقيل: المراد من الإيمان هنا الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٥) أي: صلاتكم ببيت المقدس، وإنما جعل الطهارة شطر في صحة الصلاة، وشطر الشيء. نصفه لأن صحة الصلاة باجتماع أمرين الأركان والشرائط وأظهر الشروط وأقواها الطهارة فجعلت كأنها الشرط كله،\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٠).\n(^٢) النهاية (٣/ ١٤٧)، والميسر (١/ ١٢١).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٠)، النهاية (٣/ ١٤٧)، والميسر (١/ ١٢١).\n(^٤) النهاية (٣/ ١٤٧).\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.","vol":"2","page":378},{"text":"والشرط ما لابد منه وجعلت الطهارة شطر الإيمان على الاتساع لأن الإيمان هو الداعي إلى الصلاة والباعث عليها والطهور هو السبب إليها وليس يلزم من الشطر أن يكون نصفا حقيقيا، قال النووي وهذا القول أقرب الأقوال (^١).\nوقال أبو العباس القرطبي: إنه قول فاسد إذ لا يكون شرط الشيء شطره لغة ولا معنى (^٢)، قال وقيل معناه أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد في الظاهر وهما شطر الإيمان (^٣) وقال أبو منصور الديلمي من حديث أنس الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر، وروى الحافظ أبو نعيم والخطيب من حديث ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: \"الصبر نصف الإيمان\" (^٤).\nوروى الطبراني وابن حيان أن النبي -ﷺ- سئل عن الإيمان فقال \"الصبر والسماحة\" (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٠).\n(^٢) المفهم (٣/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٠٠).\n(^٤) أخرجه ابن الأعرابى (٥٩٢)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (٢٧١)، وتمام في الفوائد (١٠٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٥/ ٣٥٢)، والقضاعي في مسند شهاب (١/ ٢٦: ١٥٨) وابن الجوزي في العلل (٢/ ٣٣٠: ١٣٦٤).\nقال ابن الجوزي في العلل: تفرد به محمد بن خالد وهو مجروح، وقال يحيي والنسائي يعقوب بن حميد ليس بشيء وقال البيهقي في الشعب، والمحفوظ عن ابن مسعود من قوله غير مرفوع، وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٨): ولا يثبت رفعه وقال الألباني في الضعيفة برقم ٤٩٩) منكر.\n(^٥) أخرجه ابن أبى شيبة في المسند (٧٥٧)، وأحمد ٥/ ٣٨٥ (١٩٤٣٥)، وعبد بن حميد (٣٠٠)، وابن أبى الدنيا في مكارم الأخلاق (٥٩)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة =","vol":"2","page":379},{"text":"قوله -ﷺ-: \"والحمد لله تملأ الميزان\" أي ثوابها يملأ الميزان خيرًا، والمراد أن الثواب على ذلك كثير جدا بحيث لو كان له سلما لملأ ما بين السماء والأرض، وهذا الحديث طاهر في ثبوت الميزان في المعاد حقيقة خلافًا للمعتزلة أو بعضهم إذ قالوا الميزان الوارد ذكره في الكتاب والسنة كناية عن لإقامة العدل في الحساب لا أنه ميزان حقيقة ذو كفتين ولسان كما يقال يد فلان ميزان، والظواهر في إثبات كونه حقيقة مع أهل السنة وقد قيل للنبي -ﷺ- أين نجدك يا رسول الله في القيامة؟ قال: \"عند الحوض أو الصراط أو الميزان \" (^١) وهو كما تراه ظا هر فيما ذكرنا (^٢) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض\"\n_________\n= (٦٤٤)، والطبراني في المكارم (١٥٥) عن عمرو بن عبسة.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٥٤: رواه أحمد، وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد وثق على ضعف فيه. وقال في ١/ ١٦١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه شهر بن حوشب.\nوأخرجه ابن أبى خيثمة في أخبار المكيين (١٥٨)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٦٤٣) و(٦٤٥) و(٨٨٢)، والفاكهى (١٩٨)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٤٩ رقم ١٠٥)، والحاكم (٣/ ٦٢٦) عن عمير بن قتادة. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى ففال: أورد له حديثا ضعيفًا. قال الهيثمي هذا الحديث في المجمع ٥/ ٢٣٥: رواه الطبراني، وفيه بكر بن خنيس، وهو ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٥١) و(٥٥٤) والمشكاة (٤٦).\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٧٨ (١٢٨٢٥)، والترمذى (٢٤٣٣) عن أنس. وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في المشكاة (٥٥٩٥) وصحيح الترغيب (٣٦٢٥).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٧٥).","vol":"2","page":380},{"text":"هذا التردد في تملآن أو تملأ شك من بعض الرواة وكلا الأمرين جائز لغة لأن سبحان الله والحمد لله جملتان في اصطلاح النحاة ويصدق عليهما كلمة عند أهل اللغة كما يسمون الخطبة والرسالة والقصيدة كلمة ويقولون قال فلان كلمة، ومعنى سبحان اله نزهت الله عما لا يليق به ومعناه أن ثوابهما لو قدر جسما لملأ ما بين السماء والأرض كما تقدم وسببهما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى والتفويض إلى الله تعالى والاتكال عليه وشكر نعمه والاعتراف بسعة كرمه (^١).\nقوله -ﷺ-: \"والصلاة نور\" معناه أن الصلاة إذا فعلت بشروطها المصححة والمكملة نورت القلب بحيث تشرق فيه أنوار المعارف والمكاشفات حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول وجعلت قرة عيني في الصلاة، وأيضًا إنها تنور بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم وتنور وجه المصلي يوم القيامة فيكون ذا غرة وتحجيل لقوله -ﷺ- \"إن أمتى يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء\" وقيل معثاه أن الصلاة تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصراط المستقيم كما أن النور يستضاء به فهي نور بهذا الاعتبار، وقيل أن ثوابها يكون نورًا لصاحبها يوم القيامة وقيل لأنها نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة وكذلك تكون في الدنيا فمن صلى بالليل نار وجهه بالنهار (^٢) انتهى.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ١٧٦) وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٠١).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠١)، والمفهم (٣/ ١٠٢)، والتعيين (ص ١٧٦ - ١٧٧)، وشرح المشكاة (٣/ ٧٣٩ - ٧٤٠).","vol":"2","page":381},{"text":"قوله -ﷺ-: \"والصدقة برهان\" ذكر النووي فيه قولين أحدهما: أنها حجة لصاحبها في أداء حق المال، الثاني: أنها حجة في إيمان صاحبها لأن المنافق لا يفعلها غالبا والدليل على أنه حجة، لطالب الأجر من أجل أنها فرض يجازي الله به وعليه وقيل هي دليل على صحة إيمان صاحبها لطيب نفسه بإخراجها وذلك لعلاقة ما بين النفس والمال (^١).\nقوله: برهان، فالبرهان هو الحجة المركبة من مقدمات قاطعة وأصل البرهان الوضوح ويقال هذا برهان هذا أي وضوحه وهو مصدر كالقرآن والعداون (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"والصبر ضياء\" هذه هي الرواية المشهورة ورواه بعضهم \"والصوم\" بالميم ووجهه أن الصوم يبر عنه بالصبر وسمى النبي -ﷺ- شهر رمضان شهر الصبر كما سيأتي في الصوم، ومعناه الصبر المحبوب من الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصية الله تعالى والصبر على النائبات وأنواع المكاره الدنيويات لأن الصبر تجرع المرارات مع الرضا بالقدر والمراد أن الصبر لا يزال صاحبه مهتديًا مستمرًا على الصراط المستقيم (^٣) قال إبراهيم الخواص: الصبر الثبات على الكتاب والسنة قال\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠١)، والتعيين (ص ١٧٧).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٨٥)، والتعيين (ص ١٧٧)، والمعين على تفهم الأربعين (ص ٢٨١).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠١)، والمفهم (٣/ ١٠٣)، والتعيين (ص ١٧٧ - ١٧٨)، والمعين (ص ٢٨١).","vol":"2","page":382},{"text":"ابن عطاء هو الوقوف على البلاء بحسن الأدب وقال الأستاذ أبو علي الدقاق: حقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور فإما إظهار البلاء لا على الشكوى فلا ينافي الصبر لقول الله تعالى في أيوب ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (^١) مع أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (^٢) (^٣) وسيأتي الكلام على الصبر في بابه مبسوطًا.\nقوله -ﷺ-: \"والقرآن حجة لك أو عليك \" يعني إن عملت به واهتديت بأنواره كان حجة لك فين أعرضت عنه ولم تعمل به كان حجة عليك (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"كل الناس يغدو فبائع نفسه\" الحديث، معناه كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها أي يهلكها بسخط الله ﷿ (^٥).\n\n٣٠٣ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من مُسلم يتَوَضَّأ فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يقوم فِي صلَاته فَيعلم مَا يَقُول إِلَّا انْفَتَلَ وَهُوَ كَيَوْم وَلدته أمه الحَدِيث رَوَا مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم\n_________\n(^١) سورة ص، الآية: ٤٤.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠١ - ١٠٢)، وشَرح الأربعين (ص ٨٦) لابن دقيق العيد، والمعين (ص ٢٨٢).\n(^٤) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٢)، والمفهم (٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، والتعيين (ص ١٨٠)، والمعين (ص ٢٨٤).\n(^٥) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٢)، وشرح الأربعين (ص ٨٦) لابن دقيق العيد، والتعيين (ص ١٨١)، والمعين (ص ٢٨٥).","vol":"2","page":383},{"text":"وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن عقبة بن عامر، هو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني ولي مصر لمعاوية بن أبي سفيان ومات بها سنة ثمان وخمسين كان بريدا لعمر بن الخطاب -﵁- فأتاه إلى المدينة بفتح الشام وأخبره به ثم رجع إلى الشام من المدينة في يومين ونصف بدعائه عند قبر رسول الله -ﷺ- وتوسله به في تسهيل طريقه ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء\" الحديث، الإسباغ عبارة عن الإتيان بالوضوء بكمال سننه وآدابه (^٣) وفي الشرع عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة مفتتحه بالنيه (^٤) وتقدم الكلام عليه مبسوطا.\nقوله -ﷺ-: \"ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول إلا انفتل كيوم أمه\" أي رجع لا ذنب له.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧ - ٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩ و١٧٠ و٩٠٦)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٣٨ (١٥٦) والكبرى (٢٢٣)، وابن خزيمة (٢٢٢)، وابن حبان (١٠٥٠)، والحاكم (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩) واللفظ له. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٠) و(٣٩٥) و(٥٤٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٦ ترجمة ٤١٤).\n(^٣) شرح الإلمام (٣/ ٥١٢)، والمفاتيح (١/ ٣٩٩)، والكواكب الدرارى (٤/ ١٤٠).\n(^٤) الشافى في شرح مسند الشافعى (١/ ٦١)، والنجم الوهاج (١/ ٣١١)، وأسنى المطالب (١/ ٢٨)، وفتح الوهاب (١/ ١٤).","vol":"2","page":384},{"text":"٣٠٤ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إسباغ الْوضُوء فِي المكاره وإعمال الأقْدَام إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلَاة يغسل الْخَطَايَا غسلا رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: عن علي، هو علي بن أبي طالب كنيته أبو الحسن وكناه رسول الله -ﷺ- أبا تراب وهو أخو رسول الله -ﷺ- وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله -ﷺ- بالجنة وأحد أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله -ﷺ- وهو عنهم راض وأحد الخلفاء الراشدين وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين وأحد السابقين للإسلام ولم يسجد لصنم قط وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين نفسه وبات ليلة الهجرة على فراشه يقيه بنفسه وكان يحمل راية النبي -ﷺ- العظمى يتقدم بها في نحر العدو وشهد معه المشاهد كلها إلا تبوك فإن النبي -ﷺ- استخلفه على المدينة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الطهور (١٤)، وعبد بن حميد (٩١)، والبزار (٥٢٨ و٥٢٩)، وأبو يعلى (٤٨٨)، والحاكم (١/ ١٣٢). وصححه الحاكم. وقال الدارقطنى في العلل (٣٧٤): ضعيف.\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٦: رواه أبو يعلى والبزار ورجاله رجال الصحيح، وزاد البزار في أوله: \"ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا\"، وزاد في أحد طريقيه رجلا وهو أبو العياس غير مسمى وقال: إنه مجهول، قلت: أبو العياس بالياء المثناة آخر الحروف والسين المهملة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩١) و(٣١٣) و(٤٤٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٤ - ٣٥٠ الترجمة ٤٣٠).","vol":"2","page":385},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إسباغ الوضوء على المكاره\" المكاره هي جمع مكرهة وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه والكره بالضم والفتح المشقة والمعنى أن يتوضأ مع البرد الشديد والعلل التي يتأذى معها بمس الماء ومع إعوازه والحاجة إلى طلبه والسعي في تحصيله أو ابتياعه بالثمن الغالي وما أشبه ذلك من الأسباب الشاقة (^١)، فإسباغ الوضوء.\nفي شدة البرد من أفضل الأعمال ومن أعلى خصال الإيمان فلو لم يسبغ الوضوء بالغسل حتى ترك قدرا يسيرا من أي عضو من أعضاء الوضوء لم تصح طهارته (^٢) واستحق على ذلك العقوبة إذا ترك شيئا بذلك وكذا لو كان على أعضاء الوضوء ما يمنع وصول الماء إلى البشرة كشمعة أو أثر عجين أو طعام أو غير ذلك (^٣)، وقد توعد على ذلك بالنار ففي الحديث \"ويل للأعقاب من النار\" (^٤) وقد أجمحت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين صلاة الفرض والنفل، فلو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم، وهل يكفر، قال جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة أنه يكفر لتلاعبه (^٥).\n_________\n(^١) غريب الحديث (١/ ٢٨٤) للخطابى، ومشارق الأنوار (١/ ٣٤٠)، والنهاية (٤/ ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣١).\n(^٣) انظر: التعليقة (١/ ٣٠٦)، والمجموع (١/ ٤٢٦) و(٢/ ١٩٨).\n(^٤) أخرجه البخارى (٦٠) و(٩٦) و(١٦٣)، ومسلم (٢٦ و٢٧ - ٢٤١) عن عبد الله بن عمرو.\n(^٥) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٣).","vol":"2","page":386},{"text":"فائدة: نذكر فيها أحوال القوم في وضوءهم\nكان علي بن الحسين -﵁-: إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أقوم (^١)، وقد روى عن داود بن رشيد قال: قام رجل ليلة باردة ليتوضأ للصلاة فأصاب الماء باردا فنودي أما ترضى أنا أنمثاهم وأقمناك حتى تبكي علينا خرجه ابن السمعاني (^٢)، وقال داود بن رشيد أيضا: قام بعض أخواني في ليلة شديد البرد وكان عليه خلقان فضربه البرق فبكى فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم تبكي علينا (^٣)، وروى ابن سعد بإسناده أن عمر -﵁-: وصى ابنه عند موته فقال له: يا بني عليك بخصال الإيمان قال وما هي؟ قال الصوم في شدة الحر أيام الصيف وقتل الأعداء بالسيف والصبر على المعصية وإسباغ الوضوء في اليوم الشات وتعجيل الصلاة في يوم المغنم وترك ردغة الخبال، قال: وما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر (^٤)، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل عن عطاء بن يسار قال: قال موسى -ﷺ-: \"يا رب، من هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك؟ قال: هم البرية أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في الرقة والبكاء (١٤٨) ومن طريقه الدينورى في المجالسة (٧٨٧).\n(^٢) أخرجه الآجرى في فضل قيام الليل (٣٠)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٥٤١ - ٥٤٢ رقم ٢٩٨١). وانظر لطائف المعارف (ص ٣٢٨).\n(^٣) انظر المصادر السابقة.\n(^٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٥٩)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٢٧٠ رقم ٢٥٠١).","vol":"2","page":387},{"text":"بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري؛ كما تنيب النسور إلى أوكارها، ويكلفون بحبي؛ كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت؛ كما يغضب النمر إذا حرب\" (^١).\n\n٣٠٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أَلا أدلكم على مَا يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إسباغ الْوضُوء على المكاره وَكثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة فذلكم الرِّبَاط فذلكم الرِّبَاط فذلكم الرِّبَاط رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه بِمَعْنَاهُ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ إِلَّا أنَّهُمَا قَالا فِيهِ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا أدلكم على مَا يكفر الله بِهِ الْخَطَايَا وَيزِيد بِهِ فِي الْحَسَنَات وَيكفر بِهِ الذُّنُوب قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إسباغ الْوضُوء على المكروهات وَكثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة فذلكم الرِّبَاط رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن شُرَحْبِيل بن سعد عَنهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد (٣٨٩)، وابن أبى الدنيا في الأولياء (٣٧).\n(^٢) أما حديث أبى هريرة: أخرجه مالك في الموطأ (٤٤٥)، ومسلم (٤١ - ٢٥١)، وابن ماجه (٤٢٨)، والترمذي (٥١) و(٥٢)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٢ (١٤٨) والكبرى (١٧٨). وأما حديث أبى سعيد الخدري: أخرجه أحمد ٣/ ٣ (١٠٩٩٤)، وابن ماجه (٤٢٧) و(٧٧٦)، وابن خزيمة (١٧٧) و(٣٥٧)، وابن حبان (١٠٩٣).\nوقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (١٩٣) و(٣١١) وأما حديث شرحبيل بن","vol":"2","page":388},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ- \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات\" الحديث، قال القاضي عياض ﵀ (^١): محو الخطايا كناية عن غفرانها، قال ويحتمل محوها من كتاب الحفظة ويكون دليل على غفرانه، والعفو الستر كما تقدم ورفع الدرجات أعلى المنازل في الجنة.\nقوله -ﷺ- \"وإسباغ الوضوء على المكاره\" وإسباغ الوضوء إتمامه وإكماله وتقدم ذلك مبسوطا والمكاره يكون بشدة البرد والحر ونحو ذلك ويجوز أن يراد به إعواز الماء وضيقه حتى لا يقدر عليه إلا بالثمن الغالي (^٢) كما تقدم.\nقوله -ﷺ- \"وكثرة الخطى إلى المساجد\" وكثرة الخطى يكون ببعد الدار وكثرة التكرار (^٣).\nقوله -ﷺ- \"فذلك الرباط\" أي الرباط المرغب فيه وأصل الرباط الحبس على الشيء كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة وقيل ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل الجهاد جهاد النفس ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن أي أنه من أنواع الرباط هذا كلام القاضي وكله حسن (^٤)، وأما حكمة تكراره\n_________\n= سعد عن جابر: أخرجه ابن حبان (١٠٣٩). وصححه الألباني في صحمِح الترغيب (١٩٣) و(٣١٢).\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٥٥)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٤١).\n(^٢) غريب الحديث (١/ ٢٨٤).\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٥٥) وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٤١).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٥٥ - ٥٦)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٤١).","vol":"2","page":389},{"text":"فذلكم الرباط ثلاثا فقيل للاهتمام به وتعظيم شأنه وقيل كرره -ﷺ- على عادته في تكرار الكلام ليفهم عنه والأول أظهر (^١) والله أعلم.\nقوله: عن جابر بن عبد الله تقدم.\nقوله -ﷺ- \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب\" وفي الحديث \"ويرفع به الدرجات بدل \"ويكفر به الذنوب\" وهذا الباب من تعداد المكفرات والأعمال المضاعفات واسع جدا ولا يبرح المؤمن بين أمر مكفر وأمر رافع للدرجات ثم إن المكفرات لذنوب المؤمن لا تنحصر في أعماله الصالحة بل تكون مما يجريه الله عليه ويقدره من الأسقام والآلام والأعراض التي لا ينفك عنها الإنسان وآخرها الموت وهو كفارة لكل مسلم كما صح في الحديث.\nفإن قلت: قد قيد بعض الأحاديث التكفير بالصغائر فماذا يصنع صاحب الكبائر؟\nقلت: يلجأ إلى الله تعالى بالتوبة فإن الله يحب توبة العبد ما لم يغرغر كما ثبت في الحديث مما رواه الترمذي وقال فيه: حديث حسن.\nقوله: رواه ابن حبان عن شرحبيل بن سعد [أبو سعد الخطمي المدني مولى الأنصار يروي عن أبي هريرة وابن عباس وجابر وعنه ابن أبي ذئب ومالك وكنى عنه ولم يسمه، قال ابن عيينة: كان يفتي ولم يكن أحد أعلم\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٢/ ١٤٢).","vol":"2","page":390},{"text":"بالمغازي والبدريين منه، ثم احتاج فكأنهم اتهموه، وكانوا يخافون إذا جاء إلى الرجل يطلب منه فلم يعطه أن يقول: لم يشهد أبوك بدرا ضعفوه وقال الدارقطني ضعيف يعتبر به (^١)].\n\n٣٠٦ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁-: عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من أَسْبغ الْوضُوء فِي الْبرد الشَّديد كَانَ لَهُ من الأجر كفلان\" رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط (^٢).\nقوله: عن علي بن أبي طالب تقدم.\nقوله -ﷺ- \"من أسبغ الوضوء في البرد الشديد كان له من الأجر كفلان\" أي نصيبان والكفل هو النصيب من الأجر أو الوزر.\n\n٣٠٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أتانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّد أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأعْلَى قلت نعم فِي الْكَفَّارَات والدرجات وَنقل الأقْدَام للجماعات وإسباغ الْوضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة وَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَكَانَ من ذنُوبه كيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٢/ الترجمة ٢٧١٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٩٨ رقم ٥٣٦٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٤٢٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا أبو حفص العبدي واسمه عمر بن حفص. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن حفص العبدي، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٨٣٩) و(٨٤٠) وحكم عليه بالوضع وضعيف الترغيب (١٣٥).","vol":"2","page":391},{"text":"تَعَالَى فِي صَلاة الْجَمَاعَة وَقَالَ حَدِيث حسن (^١) السبرات جمع سُبْرَة وَهِي شدَّة الْبرد.\nقوله: عن ابن عباس تقدم.\nقوله -ﷺ- \"أتاني الليلة آت من ربي فقال يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى قلت نعم قال في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام للجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات\" الحديث، ويختصم الملأ الأعلى معناه يزدحم ويستبق في ترقيه إلى الله تعالى لأن الملأ الأعلى يتقرب إلى الله تعالى برفع الأعمال الصالحات (^٢) وقيل معنى يختصم يناظر ويتمنى (^٣) والملأ الأعلى هم الملائكة المقربون كجبريل وميكائيل وغيرهم من الملائكة المقربين (^٤) وسيأتي الكلام على رفع الدرجات ونقل الأقدام في الحلقات وأما السبرات فجمع سبرة وهي شدة البرد قاله المنذري.\nوأما قوله \"أتاني الليلة آت من ربي\" قال السهيلي (^٥): الوحي على سبعة أوجه:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٣٦٨ (٣٤٨٤)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والترمذى (٣٢٣٣) و(٣٢٣٤). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوصححه الألباني في الإرواء (٦٨٤) وصحيح الترغيب (١٩٤) و(٣٠٢) و(٤٠٨) و(٤٥١)، وصحيح الظلال (٣٨٨).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٢٦٢)، وشرح المشكاة (٣/ ٩٤٥)، وشرح المصابيح (١/ ٤٣٨).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٧٨).\n(^٤) النهاية (٤/ ٣٥١).\n(^٥) الروض الأنف (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"2","page":392},{"text":"أحدها: نزول الملك في صورة دحية. الثاني: على صورته له ستمائة جناح.\nالثالث: نزول إسرافيل في أول البعث. الرابع: النفث في الروع. الخامس: المنام كما في هذا الحديث. السادس: الصلصلة. السابع: بلا واسطة من وراء حجاب. أهـ.\nولم يذكر أنواعا أخرى كمجيء جبريل كشاب شديد بياض الثوب شديد سواد الشعر كما في حديث الإيمان والإسلام المطول وملك الجبال لما أتى إليه وقال: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، وقال في الديباجة: قال الخطابي وغيره: قال بعض العلماء: أقام -ﷺ- يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة عشر سنين بالمدينة وثلاث عشرة بمكة وكان قبل ذلك ستة أشهر يرى في المنام الوحي وهو جزء من ستة وأربعين جزءا (^١) والله أعلم وسيأتي كلام على الوحي مبسوطًا.\n\n٣٠٨ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من تَوَضَّأ وَاحِدَة فَتلك وَظِيفَة الْوضُوء الَّتِي لا بُد مِنْهَا وَمن تَوَضَّأ اثْنَيْنِ فَلهُ كفلان من الأجر وَمن تَوَضَّأ ثَلَاثًا فَذَلِك وضوئي ووضوء الأَنبِيَاء قبلي رَوَاهُ الإِمام أَحْمد وَابْن مَاجَه وَفِي إسنادهما زيد الْعمي وَقد وثق وَبَقِيَّة رُوَاة أَحْمد رُوَاة الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أطول مِنْهُ من حَدِيث عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ بِإِسْنَاد ضَعِيف (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١٥/ ٢١)، والكواكب الدرارى (٢٤/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه الطيالسى (٢٠٣٦)، وأحمد ٢/ ٩٨ (٥٧٣٥)، وابن ماجه (٤١٩)، وأبو يعلى (٥٥٩٨) والمعجم (٤٦)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥ رقم ١٣٩٦٨)، =","vol":"2","page":393},{"text":"قوله: عن أبي بن كعب تقدم.\nقوله -ﷺ- \"من توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء التي لابد منها\" الحديث أي غسل كل عضو مرة واحدة واستوعبه بالغسل.\nقوله -ﷺ-: \"من توضأ اثنين\" أي غسل كل عضو اثنين.\nقوله \"فله كفلان من الأجر\" تقدم معنى الكفل أنه النصيب من الأجر أو الوزر.\nقوله -ﷺ- \"من توضأ ثلاثًا فذلك وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي\" وفي البخاري عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- توضأ مرة مرة (^١).\nقال الشيخ تقي الدين: لم يزل الناس يفهمون من هذا اللفظ الاقتصار على\n_________\n= والدارقطنى في السنن (٢٥٨ و٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٢)، والحاكم (١/ ١٥٠). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: مداره على زيد العمي وهو واه. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٠ - ٢٣١: رواه أحمد، وفيه زيد العمي، وهو ضعيف، وقد وثق. وبقية رجاله رجال الصحيح، ولابن عمر عند ابن ماجه حديث مطول في هذا، وفي كل من الحديثين ما ليس في الآخر. والله أعلم. وأخرجه ابن ماجه (٤٢٠)، وابن المنذر في الأوسط (٤١١)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٨٨)، والشاشى (١٤٩٨)، والآجرى في الأربعبن (١٥)، والدارقطنى (٢٦٣).\nقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٦٢: هذا إسناد فيه زيد بن الحواري هو العمي ضعيف وكذلك الراوي عنه رواه الدارقطني في سننه من هذا الوجه رواه الإمام في مسنده عن أسود بن عامر عن إسرائيل عن زيد العمي عن نافع عن ابن عمر. وضعفه الألباني في الإرواء (٩٥)، والضعيفة (٤٧٣٥)، وضعيف الترغيب (١٣٦).\n(^١) أخرجه البخارى (١٥٧).","vol":"2","page":394},{"text":"مرة واحدة في غسل كل عضو وهو المعلوم منه (^١)، وأما الاقتصار على المرة فقال مالك لا أحبها إلا من العالم لأنه لابد من إيصال الماء إلى ما تحت الشعور الخفيفة وما استثني من الكثيفة وخالف فيه بعض المالكية (^٢).\nقال النووي: أجمع العلماء على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاث سنة وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة وثلاثا ثلاثا وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة.\nقال العلماء فاختلافها دليل على جواز ذلك كله وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزئ فعلى هذا يحمل اختلاف الأحاديث وأما اختلاف الرواة فيه عن الصحابي الواحد في القصة الواحدة فذلك محمول على أن بعضهم حفظ وبعضهم نسي فيؤخذ بما زاد الثقة كما تقرر في قبول زيادة الثقة الضابط واختلف العلماء في مسح الرأس فذهب الشافعي في طائفة إلى أنه يستحب فيه المسح ثلاث مرات كما في باقي الأعضاء.\nوذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والاكثرون إلى أن السنة مرة واحدة ولا يزاد عليها واحتج الشافعي وبما رواه أبو داود في سننه أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثا وبالقياس على باقي الأعضاء وأجاب عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز وأجمعوا على وجوب غسل\n_________\n(^١) شرح الإلمام (٤/ ٢١٣).\n(^٢) انظر شرح الإلمام (٤/ ٢١٥ - ٢١٦).","vol":"2","page":395},{"text":"الرجلين فخالفت الرافضة فأجازوا المسح وأخطئوا فخالفوا النصوص المتظاهرة (^١) والله أعلم.\nقوله: وفي إسنادهما زيد العمي.\nفروع لما تعلق بما ذكر: الأول: تكره الزيادة على الثلاث لما روي أن رسول الله -ﷺ- توضأ ثلاثا وفي حديث آخر \"فمن زاد على هذا ونقص فقد أساء وظلم\" رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح (^٢)، أي أساء الأدب بتركه السنة والتأدب بأدب الشرع وظلم نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء (^٣) وقال ابن الرفعة أيضا مراده أساء بالتعدي عن المرات وظلم بالزيادة على الثلاث وقيل عكسه فالزيادة على الثلاث مكروه على الصحيح وقيل حرام وقيل خلاف الأولى (^٤) ونقل الدارمي عن قوم أنه متى زاد على الثلاث لم يصح وضوءه (^٥).\nالثاني: توضأ مرة مرة ثم توضأ ثانيا كذلك قبل صلاة ثم ثالثًا كذلك نال\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٢)، وأبو داود (١٣٥)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٠ (١٤٥) والكبرى (١٠٣ و١٠٤) و(٢١٨). وقال الألباني: حسن صحيح، المشكاة (٤١٧)، صحيح أبي داود (١٢٤).\n(^٣) النهاية (٣/ ١٦١).\n(^٤) انظر: المجموع (١/ ٤٣٨ - ٤٤٠)، وشرح الإلمام (٤/ ٤٦ - ٤٧)، وكفاية النبيه (١/ ٣٣٦)، والنجم الوهاج (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(^٥) انظر: المجموع (١/ ٤٣٨ - ٤٤٠).","vol":"2","page":396},{"text":"فضيلة التثليث كما أفهمه كلام الفوراني والروياني والإمام وغيرهم، وفي فروق الجويني ما يقتضي خلافه (^١)، والله أعلم.\nالثالث: يكره الإسراف في الماء في الوضوء وكذا الغسل أيضا جزم المتولي بتحريمه (^٢) لما روى البيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن النبي -ﷺ- مر بسعد وهو يتوضأ فقال: \"ما هذا السرف يا سعد؟ \" قال: أفي الوضوء إسراف، وفي بعض الروايات: أفي الماء إسراف؟ قال: \"نعم وإن كنت على نهر جار\" (^٣)، وقال الشافعي ﵀: وقد يرفق الفقيه بالقليل فيكفي ويخرق الجاهل بالكثير فلا يكفي (^٤)، والفقهاء يذكرون أنه ﵊ توضأ بماء لا يبل الثرى (^٥)، ولم أجد له في المسانيد أثرًا (^٦)، قاله شارح الإلمام.\nالرابع: ما ابتدعه كثير من المتعبدين والمتفقهين في الوضوء أو الغسل من الوسواس في الطهارة، وقد سماه النبي -ﷺ- اعتداء، قال -ﷺ-: \"سيكون في هذه\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٣٤٩).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٣٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٢١ (٧٠٦٥)، وابن ماجه (٤٢٥)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧ رقم ٢٥٣٣). وضعفه الألباني في المشكاة (٤٢٧) والضعيفة (٤٧٨٢)، والإرواء (١٤٠)، والرد على بليق (٩٨). وصححه في الصحيحة (٣٢٩٢).\n(^٤) المهذب ١/ ٦٥، وبحر المذهب ١/ ١٧٨ - ١٧٩، والمجموع ٢/ ١٨٩، وكفاية النبيه (١/ ٥٥٦)، والنجم الوهاج (١/ ٣٢٤) و(١/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(^٥) انظر ما سبق.\n(^٦) قال النووى: لا أعلم له أصلا المجموع ٢/ ١٩٠. وقال الدميرى: لا يعرف النجم الوهاج ١/ ٣٩٥.","vol":"2","page":397},{"text":"الأمة قوم يعتدونٍ في الطهور والدعاء\" رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه (^١)، قال ابن القيم (^٢): لما ذكر حديث: \"سيكون في هذه الأمة قوم يعتدونٍ في الطهور\" إذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٣) وعلمت أن الله يحب عبادته أنتج لك هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة.\nوقال (^٤): فمنهم من ينتظر الحوض في الحمام حتى يفيض ثم يغتسل منه وحده ولا يمكن أحدا من استعماله حتى يفرغ، وهذا مبتدع مخالف للسنة، وقال ابن القيم: قال شيخنا: ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما يأذن به الله ويعبدوا الله بالبدع (^٥)، انتهى.\nوثبت في الصحيح أن رسول الله -ﷺ- كان يغتسل هو وعائشة من قصعة بينهما فيها أثر العجين، وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: كان الرجال والنساء على عهد رسول الله -ﷺ- يتوضئون من إناء واحد مع أن آنيتهم لم تكن قدر حوض الحمام ولا قريبا منه، بل صح أن الإناء الذي كان النبي ع -ﷺ- يغتسل منه هو وأهله قدر الفرق وهو قريب من خمسة أرطال بالدمشقي،\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٨٦٤)، وأبو داود (٩٦)، وابن حبان (٦٧٦٣ و٦٧٦٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٢ و٥٤٠). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه إرسال. وصححه الألباني في صحيح أبى داود (٨٦)، والإرواء (١/ ١٧١).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٤٧).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٠.\n(^٤) إغائة اللهفان (١/ ٢٢٥).\n(^٥) إغاثة اللهفان (١/ ٢٢٥).","vol":"2","page":398},{"text":"وتقدم الكلام على الفرق في أوائل هذا التعليق في حديث الغار (^١)، ومنهم من يتوضأ مرات ويغتسل مرات، وهذا أيضًا مبتدع مكروه على الصحيح، وقيل: حرام وإليه ذهب جماعات من العلماء واستدلوا فيه بقول النبي -ﷺ-: \"فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم\" وتقدم تفسير ذلك في الفرع الأول وهو دليل ظاهر، وحكي أبو الفرج ابن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل أن رجلا لو انغمس في الماء مرارًا كثيرة وشك هل صح لي الغسل أم لا، فماذا ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف ذلك؟ لأن النبي -ﷺ- قال: \"رفع القلم عن ثلاثة المجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ والصبي حتى يبلغ\" ومن ينغمس في الماء مرارا وشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون (^٢)، قلت: ومحل الخلاف في الكراهية والتحريم إنما هو إذا فعل ذلك بما يملكه أو في ثهر ونحوه، وأما إذا فعل ذلك في الحمام فإن ذلك حرام قطعا إذ يخرج وذمته مغمورة بمال الغير لاستعماله ما زاد على حاجته، وكذلك إذا توضأ من الحياض المسبلة التي تحمل إليها الماء لاستعمال غيره فإنه يحرم عليه أن يستعمل منها ما زاد على قدر الحاجة، انتهى، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٣)، وتقدم شيء من ذلك.\nالفرع الخامس: شك في أثناء وضوئه في غسل بعض الأعضاء بني على\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٢٢).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٥١٦ - ٥١٩).","vol":"2","page":399},{"text":"اليقين وهو أنه لم يفعل وإن شك بعد الفراغ فالأظهر المختار الصحة، قاله الكمال الدميري (^١).\nالسادس: يرتفع حدث كل شيء بغسله، وقال الإمام: يتوقف على فارغ الأعضاء وتطهر، فائدة الخلاف فيما لو أحدث في الأثناء هو أو غيره أن يتوضأ بماء كان قد استعمله في الأعضاء السابقة، فإن قلنا بالأول لم يجز أو بمقالة الإمام جاز، قاله أيضا الكمال في شرحه (^٢).\nالسابع: في نفض أعضاء الوضوء وتنشيفها، أما نفض أعضاء الوضوء فقد قال العلماء في كتب الفقه وأن لا ينفض يديه لقوله -ﷺ-: \"إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مرواح الشياطين\" (^٣) ثم إذا خالف ونفض يديه لم يكره لحديث ميمونة ﵂ أنه -ﷺ- اغتسل فأتيته بالمنديل فلم يأخذها وجعل ينفض\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٣٣٥).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٣٥٨).\n(^٣) أخرجه إسحاق (٣٤٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٠٣)، وابن عدي فيالكامل (٢/ ٥٧)، ومن طريق ابن حبان أخرجه ابن الجوزي فيالعلل المتناهية (١/ ٣٤٨). قال أبو حاتم في العلل (٧٣): هذا حديث منكر، والبختري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول.\nقال ابن حبان في ترجمة البختري: \"يروي عن أبيه عن أبي هريرة نسخة فيها عجائب، ولا يحل الاحتجاج به إذا انفرد؛ لمخالفته الأثبات في الروايات مع عدم تقدم عدالته \". وقال عنه ابن عدي: \"روى عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي (-ﷺ-) قدر عشرين حديثًا، عامتها مناكير، فيها: أشربوا أعينكم الماء، وفيها: الأذنان من الرأس\". وقال الذهبى في الميزان ١/ ٢٩٩: أنكر ما روى عن أبيه عن أبي هريرة- مرفوعًا: إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مراوح الشيطان. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٩٠٣).","vol":"2","page":400},{"text":"الماء بيديه، متفق عليه (^١)، وهذا رجح النووي في الروضة أنه لا يكره نفض اليد في الوضوء والغسل، وجزم الرافعي بأنه مكروه (^٢)، وأما تنشيف أعضاء الوضوء فيستحب أن لا ينشف أعضاء الوضوء وهو الأصح لحديث ميمونة المذكور، ففيه دليل على أنه لا يستحب تنشيف الأعضاء من ماء الطهارة، وقيل: يستحب، وقيل: يكره، وقيل: فعله وتركه سيان، وقيل: يكره صيفا لا شتاء، وبعضهم قال: إن كان هناك غبار لم يكره لأنه يتعلق بالجسد عند الرطوبة (^٣)، ويستثنى من عدم الاستحباب ما إذا اغتسل وفي توبه دم براغيث.\nفإنه لو لبسه على الرطوبة لانتشرت النجاسة، فمن قال إن دم البراغيث لا يعفى عنه إذا انتشر بعرق؟ نقول هنا كذلك، ومن قال بالعفو هناك في الظاهر أنه لا يقول به هاهنا لأنه يمكنه تنشيف بدنه قبل لبس الثوب ولا يمكنه دفع العرق (^٤)، والله أعلم، قاله ابن العماد في شرح العمدة.\nالثامن: وفي مسح الرقبة بعد الأذنين أوجه، أحدهما: أنه ليس بماء جديد لما روى عنه -ﷺ- أنه قال: \"مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة\" (^٥)، واختاره\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٢٧٤) و(٢٧٦)، ومسلم (٣٨ - ٣١٧).\n(^٢) انظر: الحاوى (١/ ١٣٤)، والمهذب (١/ ٤٤)، وروضة الطالبين (١/ ٦٣) والمجموع (١/ ٤٥٨)، والنجم الوهاج (١/ ٣٥٥).\n(^٣) انظر: المهذب (١/ ٤٤)، والمجموع (١/ ٤٦١ - ٤٦٢) وروضة الطالبين (١/ ٦٣)، وكفاية النبيه (١/ ٣١٣ - ٣١٤)، والنجم الوهاج (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\n(^٤) انظر كفاية النبيه (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٧٨) عن ابن عمر بلفظ: \"من توضأ ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة\". وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٦٩) و(٧٤٤).","vol":"2","page":401},{"text":"الروياني والغزالي\nوالوجه الثاني: وإليه ميل الأكثرين أنه أدب وليس بسنة.\nالوجه الثالث: أنه بدعة واختاره النووي (^١)، والله أعلم.\nالتاسع: قوله في الحديث: \"فأخرجنا له تورا من صفر\" شبه الطست، فيه: دليل على جواز الطهارة من إناء الصفر وهو النحاس (^٢)، وقال أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب بالكراهة، وروي فيه أثرًا أن العبد إذا توضأ حضرته الملائكة وذهبت عنه الشياطين فإن توضأ في إناء من نحاس ذهبت عنه الملائكة وحضرته الشياطين (^٣)، انتهى قاله ابن العماد في شرح العمدة.\n\n٣٠٩ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من أتم الْوضُوء كَمَا أمره الله فالصلوات المكتوبات كفَّارَات لما بَينهُنَّ رَوَاهُ النَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^٤).\nقوله: عن عثمان بن عفان، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات المكتوبات مكفرات لما بينهن\" الحديث، المكتوبات هي الصلوات الخمس المفروضات،\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٣٥١).\n(^٢) كفاية النبيه (١/ ٢٠٩) والنجم الوهاج (١/ ٢٥٥).\n(^٣) قوت القلوب (٢/ ١٥٢).\n(^٤) أخرجه أحمد ١/ ٥٧ (٤٠٦) و١/ ٦٦ (٤٧٣) و١/ ٦٩ (٥٠٣)، وعبد بن حميد (٥٨)، ومسلم (١١ - ٢٣١)، وابن ماجه (٤٥٩)، والبزار (٤١٦ و٤١٧)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٤ (١٥٠) والكبرى (١٨٠)، وابن حبان (١٠٤٣).","vol":"2","page":402},{"text":"وسيأتي الكلام على المفروضات إذا اتجنبت الكبائر في الأحاديث بعده.\n\n٣١٠ - وَعَن أبي أَيُّوب -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من تَوَضَّأ كمَا أَمر وَصلى كمَا أَمر غفر لَهُ مَا تقدم من عمل رَوَاهُ النَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه (^١).\nقوله: عن أبي أيوب الأنصاري، تقدم الكلام على بعض مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى كما أمر وتوضأ كما أمر غفر له ما قدم من عمل\" تقدم معنى الغفران وأنه الستر في الآخرة على العبد، والمراد غفران الصغائر دون الكبائر كما هو مذكور في الأحاديث الصحيحة ما اجتنبت الكبائر، واختلف السلف من أهل السنة في تأويل هذا الشرط في قوله: \"مما اجتنبت الكبائر\"، فقال جمهورهم هو شرط في معنى الوعد كله إن اجتنبت الكبائر كانت العبادات المذكورة كفارة للذنوب فإن لم تجتنب لم تكفر العبادات شيئا من الصغائر، وقالت فرقة: معنى قوله إن اجتنبت الكبائر أي التي لا تحطها العبادات وحطت الصغائر وبهذا أقول وهذا الذي يقتضيه حديث خروج الخطايا مع قطر الماء وغيره وذلك كله بشرط التوبة وتلك الصغائر ويحرم الإصرار عليها وهذا نص الحذاق الأصوليين وعلى التأويل الآخر\n_________\n(^١) أخرجه القاسم بن سلام في الطهور (٥)، وأحمد ٥/ ٤٢٣ (٢٣٥٩٥)، وعبد بن حميد (٢٢٧)، والدارمى (٧٤٤)، وابن ماجه (١٣٩٦)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٣ (١٤٩) والكبرى (١٧٩)، وابن حبان (١٠٤٢). وقال الألباني: حسن صحيح في صحيح الترغيب (١٩٦) و(٣٩٦).","vol":"2","page":403},{"text":"تجيء هذه مخصوصة في مجتنبي الكبائر فقط (^١)، حكاه ابن عطية في تفسيره في آخر سورة هود وقال ابن عطية أيضا: واختلف العلماء في هذه المسألة فجماعة من الفقهاء وأهل الحديث يرون أن الرجل إذا اجتنب الكبائر وامتثل الفرائض، كفرت صغائره كالنظر وشبهه قطعًا بظاهر هذه الآية وظاهر الحديث، وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما يحمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض بتكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة (^٢). ومحمل الكبائر عند الأصوليين في هذه الآية أجناس الكفر، والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها: قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) ذكره ابن عطية في قوله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْه﴾ (^٤) (^٥) انتهى.\nلطيفة: نختم بها الباب في وضوء النبي -ﷺ- في قوله: \"فخرج بلال بوضوء فمن ناضح ونائل\" (^٦) الحديث كان النبي -ﷺ- إذا توضأ كادوا\n_________\n(^١) تفسير ابن عطية (٣/ ٢١٣).\n(^٢) تفسير ابن عطية (٢/ ٤٤).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(^٥) المصدر السابق (٢/ ٤٤).\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٤٩ - ٥٠٣) عن أبى جحيفة.","vol":"2","page":404},{"text":"يقتتلون على وضوئه فمن أصاب من فضل ماء وضوئه شيئًا رش به جسده ومن لم يصب أخذ من بلل أخيه فيناله البلل (^١) ويؤخذ من هذا الحديث استحباب التبرك بما يلابس الصالحين وبما يلابسه الصالحون (^٢) والتبرك بخريطة المصحف وجلده وبكسوة الكعبة وبحملة القرآن والعلم وقد سمى الله ﵎ القرآن مباركا فقال: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (^٣) ويسمى حامله مباركًا فقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ (^٤) ومثله في الحج أيضا في حلق الرأس بمنى ففي صحيح مسلم \"أن النبي -ﷺ- لما رمى ونحر نسكه وحلق ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر\"، فقال: \"احلق فحلقه، فأعطاه أبا طلحة\"، فقال: \"اقسمه بين الناس\" (^٥). الحديث، ففيه التبرك بآثار الصالحين وادخار ذلك للنوائب والمهمات (^٦) فإن المقسوم عليهم شعره -ﷺ- الكريم ادخروه لذلك ومنهم من جعله معه في حفرته ومنهم من جعله متوارثا بينهم لتكون بركته بين\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٥٨٥٩)، ومسلم (٢٥٠ - ٥٠٣) عن أبى جحيفة.\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٢٠٥).\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٥٠.\n(^٤) سورة مريم، الآية: ٣٠ - ٣١.\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٢٦ - ١٣٠٥) عن أنس.\n(^٦) انظر شرح النووى على مسلم (٩/ ٥٤).","vol":"2","page":405},{"text":"ظهرانيهم (^١)، قال المؤلف: ولقد بلغني أن بعضر أمراء هذا الزمان وقعت له شعرة واحدة فهي لا تفارقه ووقع له امتحانات عظيمة ووقائع مهلكة ونجاه الله منها ببركتها اللهم أعد علينا وعلى المسلمين من بركاته -ﷺ- في الدنيا والآخرة قاله شارح الإلمام.\n_________\n(^١) انظر المفاتيح (٣/ ٣٢٤).","vol":"2","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الترغيب في المحافظة على الوضوء وتجديده</span>\n٣١١ - عَن ثَوْبَان -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"اسْتَقِيمُوا وَلنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَن خير أَعمالكُم الصَّلَاة وَلنْ يحافظ على الْوضُوء إِلَّا مُؤمن\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلا عِلّة لَهُ سوى وهم أبي بِلَال الأشْعَرِيّ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من غير طَرِيق أبي بِلَال وَقَالَ فِي أَوله سددوا وقاربوا وَاعْلَمُوا أَن خير أَعمالكُم الصَّلَاة الحَدِيث (^١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيت لَيْث هُوَ ابْن أبي سليم عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن عمرو (^٢) ومن حَدِيث أبي حَفْص الدِّمَشْقِي وَهُوَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٧٦ (٢٢٣٧٨) و٥/ ٢٨٠ (٢٢٤١٤) و٥/ ٢٨٢ (٢٢٤٣٣) و(٢٢٤٣٦)، وابن ماجه (٢٧٧)، وابن حبان (١٠٣٧)، والحاكم (١/ ١٣٠). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة! قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١/ ٤١: هذا الحديث رجاله ثقات أثبات إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان فإنه لم يسمع منه بلا خلاف لكن له طريق أخرى متصلة أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو يعلى الموصلي والدارمي في مسنده وابن حبان في صحيحه من طريق حسان بن عطية أن أبا كبشة حدثه أنه سمع ثوبان ورواه الحاكم من طريق سالم عن ثوبان وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة. قلت: علته أن سالم لم يسمع من ثوبان قاله أحمد وأبو حاتم والبخاري وغيرهم. وقال الألباني: حسن صحيح- الصحيحة (١١٥)، الروض (١٧٧)، والمشكاة (٢٩٢) وصحيح الترغيب (١٩٧) و(٣٧٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٨)، والبزار (٢٣٦٦) و(٢٣٦٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣ رقم ١٤٢٩٤) و(١٣/ ٤٤٣ رقم ١٤٢١٩٥) و(١٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥ رقم ١٤٢٩٨) =","vol":"2","page":407},{"text":"مَجْهُول عَن أبي أُمَامَة يرفعهُ (^١).\nقوله: عن ثوبان، هو ثوبان مولى رسول الله -ﷺ- كنيته أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ابن بجدد بموحدة مضمومة ثم جيم ساكنة ثم دال مهملة مكررة الأولى مضمومة ويقال ابن جحدر من أصحاب رسول الله -ﷺ- ومواليه الهاشمي من أهل المسرات موضع بين مكة واليمن وقيل إنه من اليمن من حمير وقيل من الهان أصابه سبي فاشتراه رسول الله -ﷺ- فأعتقه ولم يزل معه في الحضر والسفر فلما توفي رسول الله -ﷺ- خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وابتنى بها دارًا وتوفي سنة خمس وأربعين وقيل سنة أربع وخمسين روي له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وسبعة وعشرون حديثًا روى له مسلم عشرة أحاديث روى عنه جماعات من كبار التابعين (^٢) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"استقيموا ولن تحصوا\" الحديث، أي لن تحصوا ما لكم عند الله من الأجر والثواب إن استقمتم (^٣) وقيل معناه لن تحصوا جميع أعمال\n_________\n= و(١٣/ ٤٥٣ رقم ١٤٣١٢). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٤١: وإسناده ضعيف من أجل ليث بن أبي سليم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٨)، والإرواء (٢/ ١٣٧).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٩)، والمروزي (١٧٤)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٩٣ رقم ٨١٢٤) والبيهقي في الشعب (٤/ ٢٩٨ رقم ٢٥٤٧). وقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٤٢: هذا إسناد ضعيف لضعف تابعيه. وضعفه الألباني في الإرواء (٢/ ١٣٧)، والروض النضير (١٧٧). وصححه في صحيح الترغيب (١٩٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٠ - ١٤١ الترجمة ٩٦).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٢٦٧)، المسالك (٢/ ١٢٧)، ومطالع الأنوار (٢/ ٣٢٨/)، وتحفة الأبرار (١/ ١٧١)، والمفاتيح (١/ ٣٥٥).","vol":"2","page":408},{"text":"البر (^١) ومعنى الحديث لن تقدروا على الاستقامة كلها (^٢) وقيل معناه ولن تطيقوا القيام بشرط الاستقامة ورعاية حدودها وذلك لدقة أمرها وعسر المحافظة عليها (^٣) والمطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد فإن لم تقدروا عليها فالمقاربة فإن نزل عنها فالتفريط والإضاعة (^٤) وقد ورد أن استقامة الإيمان من أفضل الإيمان كما في المسند عن النبي -ﷺ- قال: \"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه\" (^٥) الحديث والمراد باستقامة إيمانه أعمال جوارحه فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة القلب ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله ومحبة طاعته وكراهة معصيته، قال الحسن البصري لرجل: فى او قلبك فإن حاجة الله تعالى إلى العباد صلاح قلوبهم يعني أن مراده منهم\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٢/ ٣٢٧)، والمجموع شرح المهذب (٤/ ٣).\n(^٢) شأن الدعاء (ص ١٢٤)، والاستذكار (١/ ٢٠٩)، والمسالك (٢/ ١٢٨)، ومشارق الأنوار (١/ ٢٠٦)، ومطالع الأنوار (٢/ ٣٢٨)، والنهاية (١/ ٢٩٨)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٢٧٠).\n(^٣) الديباجة (ص ٣٥٥/ رسالة علمية).\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٥) أخرجه أحمد ٣/ ١٩٨ (١٣٠٤٨)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٩)، وفي مكارم الأخلاق (٣٤٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٨٧) عن أنس. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٥٣: رواه أحمد، وفي إسناده علي بن مسعدة وثقه جماعة، وضعفه آخرون. وقال في ١/ ٥٧: رواه أحمد وفيه: علي بن مسعدة، وثقه يحيى بن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره.\nوحسنه الألباني في الصحيحة (٢٨٤١) وصحيح الترغيب (٢٥٥٢) و(٢٨٦٥).","vol":"2","page":409},{"text":"ومطلوبه صلاح قلوبهم ولا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة الله ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ويمتلئ من ذلك هذا هو حقيقة التوحيد ومعنى لا إله إلا الله فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له (^١)، قال القشيري: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عَنِ المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بَيْنَ يدي الله تَعَالَى. عَلَى حقيقة الصدق ولذلك قَالَ -ﷺ- استقيموا ولن تحصوا (^٢)، ولقد أخبر النبي -ﷺ- أن الناس لا يطيقوا الاستقامة حق الاستقامة كما في الحديث (^٣) فأصل الاستقامة استقامة العبد على التوحيد فمتى استقام العبد على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلها على طاعته فإن القلب هو ملك الأعضاء وهي جنوده فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه (^٤) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"سددوا وقاربوا\" فالسداد الاستقامة والإصابة والمقاربة القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير، قال العلماء: معنى الاستقامة لزوم طاعة الله تعالى وهي من جوامع الكلم وهي نظام الأمور (^٥) ومعنى الحديث اطلبوا\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٢٠).\n(^٢) الرسالة (٢/ ٣٥٧).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٠٧).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٠٩).\n(^٥) رياض الصالحين (ص ٦٢).","vol":"2","page":410},{"text":"بأعمالكم السداد والاستقامة أي الصواب وهي القصد في الأمر والعدل فيه أي اقتصدوا في الأمور كلها واتركوا الغلو فيها والتقصير واعملوا أعمالكم مستقيمة وإن عجزتم عنه فقاربوا أي اقربوا منه يقال قارب فلان في أموره إذا اقتصد ومنه الحديث أنه قال لعلي -﵁- \"سل الله السداد\" واذكر بالسداد تسديدك السهم أي إصابة القصد به ومنه الحديث \"مما من مؤمن يؤمن باللّه ثم يسدد\" أي يقتصد فلا يغلو ولا يسرف، قاله ابن الأثير وغيره (^١).\nقوله -ﷺ-: \"واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة\" الحديث، اختلف أصحاب الشافعي في أفضل عبادات البدن بعد الشهادتين فقال الجمهور: أفضلها الصلاة فرظ ونفلا لأن الله تعالى سماها إيمانا فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٢) أي صلاتكم إلى بيت المقدس لأنها تلو الإيمان الذي هو أفضل القرب لاشتمالها على نطق اللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان والجنان هو القلب ولأنها تجمع من القرب ما تفرق في غيرها من ذكر الله تعالى ورسوله -ﷺ- والقرآن والتسبيح واللبث والاستقبال والطهارة والستارة وترك الأكل والكلام وغير ذلك مع اختصاصها بالركوع والسجود وغيرهما (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" يتوجه للمحافظة على\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٣٥٨) و(٤/ ٣٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(^٣) المهذب (١/ ١٥٦)، وكفاية النبيه (٣/ ٢٩٤)، والنجم الوهاج (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).","vol":"2","page":411},{"text":"الوضوء معان أحدها مراقبة الوضوء حتى لا يقع فيه إهمال كما قال في قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (^١) والثاني إدامته والثالث إسباغه والاعتناء بآدابه (^٢) وقال ﵇: \"الطهور شطر الإيمان\" أي شطر الصلاة وقيل إنما كان شطره لأن الإيمان يطهر نجاسة الباطن والطهور يطهر نجاسة الظاهر (^٣) وقال اَخرون الصوم أفضل لقوله -ﷺ- قال الله تعالى: \"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\" الحديث، وقال الماوردي: أفضلها الطواف ورجحه الشيخ عز الدين وقال قوم الصلاة بمكة أفضل والصوم بالمدينة أفضل وقال القاضي الحج أفضل وقال ابن أبي عصرون: الجهاد أفضل ووقع في وسائل الحاجات للغزالي أن الدعاء أفضل العبادات ومراده من أفضلها وفي الحديث من حديث النعمان بن بشير: \"الدعاء هو العبادة\" وقال الغزالي في الإحياء (^٤): تختلف أفضليتها باختلاف أحوالها وأفعالها فلا يصح إطلاق القول بأفضلية بعضها كما لا يصح القول بأن الخبز أفضل من الماء فإن ذلك مخصوص بالجائع والماء مخصوص بالعطشان فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب فصددتى الغني الشديد البخل بدرهم أفضل من قيام ليلة وصيام ثلاثة أيام لما فيه من دفع حبه الدنيا والصوم إن استحوذ عليه شهوة\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٣٨.\n(^٢) الديباجة (ص ٣٥٦/ رسالة علمية).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"2","page":412},{"text":"الأكل أفضل من غيره وقال النووي (^١): ليس المراد بقولهم الصلاة أفضل من الصوم أن صلاة ركعتين أفضل من صيام أيام أو يوم فإن الصوم أفضل من ركعتين بلا شك فينما معناه أن من لم يمكنه الجمع بين الاستكثار من الصلاة والصوم وأراد أن يستكثر من أحدهما أو يكون غالب عليه منسوبًا إلى الإكثار منه ويقتصر من الآخر على المتأكد منه فهذا محل الخلاف والتفضيل والصحيح تفضيل الصلاة وخرج بإضافة العبادات إلى البدن أمران أحدهما عبادات القلب كالإيمان، والمعرفة، والتفكر، والتوكل، والصبر، والرضا، والخوف، والرجاء ومحبة الله ومحبة رسوله، والتوبة، والتطهير من الرذائل ونحوها، هذه كلها أفضل من العبادات البدنية قطعا وأفضلها الإيمان وهو لا يكون إلا واجبا وقد يكون هنا بالتحديد والثاني العبادات المالية قال أبو علي الفارقي إنها أفضل من العبادات البدنية لتعدي النفع بها وكلام الشيخ عز الدين ينازع في ذلك فإنه قال من ادعى أن العمل المتعدي أفضل من القاصد فهو جهل بل إن كانت مصلحة القاصر أرجح فهو أرجح فين كانت مصلحة المتعدي أرجح فهو أرجح فين تساويا لم يظهر الرجحان فليس لنا الحكم فإن أحدهما أفضل من الآخر (^٢) والله أعلم. أ هـ\nقوله: ابن أبي سليم [هو ليث بن أبي سليم: فيه خلاف، وقد حدث عنه الناس وضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال ابن حبان: اختلط في آخر\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٤).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).","vol":"2","page":413},{"text":"عمره، وقال مؤمل بن الفضل: سألت عيسى بن يونس عن ليث فقال: قد رأيته، وكان قد اختلط وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار، وهو على المنارة يؤذن، وقال الدارقطني: كان صاحب سنة إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، ووثقه ابن معين في رواية] والدمشقي أهو أبو حفص مجهول قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أبو حفص هذا، وقال الحافظ أبو القفيسم ابن عساكر: أظن أن أبا حفص هذا عمر الدمشقي الذي روى عنه المصريون، وقال ابن عبد البر: حديثه منكر، وقد قيل: إنه عثمان بن أبي العاتكة، وليس ممن تقوم به حجة].\n\n٣١٢ - وَعَن ربيعَة الجرشِي أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اسْتَقِيمُوا وَنعما إِن اسْتَقَمْتُمْ وحافظوا على الْوضُوء فَإِن خير أَعمالكُم الصَّلَاة وتحفظوا من الأرْض فَإِنَّهَا أمكُم وَإنَّهُ لَيْسَ أحد عَامل عَلَيْهَا خيرا أَو شرا إِلَّا وَهِي مخبرة بِهِ.\nرَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة (^١) قَالَ المملي: الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَرَبِيعَة الجرشِي مُخْتَلف فِي صحبته وروى عَن عَائِشَة وَسعد وَغَيرهمَا قتل يَوْم مرج راهط.\nقوله: عن ربيعة الجرشي، قال الحافظ الدمياطي: ربيعة الجرشي هذا قال أبو حاتم وغيره ليست له صحبة وقال بعضهم له صحبة (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٦٥ رقم ٤٥٩٦)، وأبو نعيم في المعرفة (٢٧٦٦). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٨).\n(^٢) المتجر الرابح (ص ٤٦).","vol":"2","page":414},{"text":"قوله -ﷺ-: \"استقيموا ونعما إن استقمتم\" الحديث، فالاستقامة هي سلوك الصراط وهو الدين القويم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها كذلك (^١) وقد ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال \"سددوا وقاربوا\" فذكر الحديث إلى أن قال \"إلا أن يتغمدني الله برحمته\" (^٢) فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال وأخبر في حديث الوضوء أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصب يقاربه ومع هذا.\nفأخبرهم أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة فلا يركن أحد إلى عمله ولا يرى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والنيات فالاستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله قال بعض العارفين كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة فإن نفسك متحركة في الكرامة وقال بعض المحققين أعظم الكرامة لزوم الاستقامة قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٠٧).\n(^٢) أخرجه البخارى (٥٦٧٣) و(٦٤٦٣)، ومسلم (٧١ - ٢٨١٦) عن أبى هريرة.","vol":"2","page":415},{"text":"رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^١) الآية وقال الله تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ (^٣) وسئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئا يريد الاستقامة على محض التوحيد قال عمر بن الخطاب -﵁-: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي لا تروغ روغ الثعالب، وقال عثمان بن عفان -﵁-: استقاموا أخلصوا العمل لله، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄: استقاموا أداوا الفرائض، وقال الحسن: على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله، وقيل: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، وفي صحيح مسلم (^٤) عن سفيان بن عبد الله قال: قلت: يارسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك -وفي حديث أبي أسامة غيرك- قال: \"قل: آمنت بالله، فاستقم\" (^٥).\nقال القاضي عياض: هذا من جوامع كلمه -ﷺ- وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^٦) أي وحدوا الله تعالى وآمنوا به فلم\n_________\n(^١) سورة فصلت، الآية: ٣٠.\n(^٢) سورة هود، الآية: ١١٢.\n(^٣) سورة فصلت، الآية: ٦.\n(^٤) صحيح مسلم (٦٢ - ٣٨).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ١٠٤ - ١٠٦).\n(^٦) الأحقاف، الآية: ١٣.","vol":"2","page":416},{"text":"استقاموا فلم يحيدوا عن توحيدهم وطاعته ﷾ إلى أن توفوا على ذلك وعلى هذا أكثر المفسرين ومن بعدهم وهو معنى الحديث إن شاء الله تعالى (^١) انتهى.\nوقال ابن عباس -﵁- في قوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (^٢) ما نزل على رسول الله -ﷺ- في جميع القرآن آية أشد ملا أشق عليه من هذه الآية ولذلك قال -ﷺ- لأصحابه حين قالوا قد أسرع إليه الشيب فقال: \"شيبتني هود وأخواتها\" (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"وحافظوا على الوضوء\" الحديث، يستحب المحافظة على الدوام على الطهارة وعلى المبيت على الطهارة وعلى الوضوء المسنون وعلى تجديد الوضوء والوضوء في الغسل وعند النوم وللجنب عند الأكل والشرب أو النوم أو الوطئ ولحمل الميت وعند الغضب وعند الغيبة وعند قراءة القرآن ولقراءة الحديث وروايته ودراسة العلم وعند الأذان والخطبة في غير الجمعة ولزيارة قبر النبي -ﷺ- والوقوف بعرفات والسعي وبعد الفصد\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٢٧٥).\n(^٢) سورة هود، الآية: ١١٢.\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٢/ ٩) والحديث: أخرجه الترمذي (٣٢٩٧)، والمروزي في مسند أبي بكر (رقم ٣٠) والدارقطني في (العلل ١/ ٢٠٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤٣ و٤٧٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ٣٥٧)، والبغوىِ في التفسير (٤/ ٢٠٨)، وفي شرح السنة (١٤/ ٣٧٢) وابن الشجري في الأمالي (٢/ ٢٤١) عن أبى بكر. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٥٥).","vol":"2","page":417},{"text":"والحجامة والقيء وأكل لحم الجزور وللخروج من خلاف العلماء في وجوبه وكذا يندب الوضوء لكل لمس أو مس أو نوم اختلف في النقض به وفي فتاوى ابن الصباغ (^١) أنه يستحب لمن قص شاربه ولعله أراد الخروج من خلاف من أوجب طهارة ما ظهر بالقطع فيعيد الوضوء للترتيب والموالاة (^٢) قاله في الديباجة.\nوعن يزيد -﵁- قال: أوحى الله ﷿ إلى موسى ﵊: \"إذا أصابتك مصيبة وأنت على غير وضوء فلا تلومن إلا نفسك\" (^٣).\nوعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- \"يا بني إن استطعت أن تكون أبدا على وضوء فافعل فإن ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتبت له شهادة\" (^٤) وقال ابن عباس -﵁-: من ذكر الله وهو طاهر فالواحد عشر ومن ذكر الله وهو غير طاهر فواحد بواحد (^٥)، ذكر ذلك كله البيهقي في شعب الإيمان والله أعلم.\nقوله -ﷺ- \"وتحفظوا من الأرض فإنها أمكم\" الحديث، ومنه الحديث \"تمسحوا بالأرض فإنها بكم بارة\" أي مشفقة عليكم كالوالدة البرة بأولادها\n_________\n(^١) في الأصل ابن الصلاح والتصويب من المجموع للنووى.\n(^٢) المجموع (١/ ٤٧٢ - ٤٧٣).\n(^٣) أخرجه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥ رقم ٢٥٢٨).\n(^٤) أخرجه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٨٥ رقم ٢٥٢٩).\n(^٥) أخرجه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٨٥ رقم ٢٥٣١).","vol":"2","page":418},{"text":"يعني أن منها خلقكم وفيها معاشكم وإليها بعد الموت معادكم قاله في النهاية (^١).\n\n٣١٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَولَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم عِنْد كل صَلَاة بِوضُوء وَمَعَ كل وضوء بسواك\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك\" الحديث كان في الأمر كل صلاة بوضوء ثم نسخ بعد ذلك بأحاديث وردت وتقدم الكلام على قوله \"أمتي\" في الوضوء وغيره وسيأتي الكلام على السواك وفضائله في بابه قريبا إن شاء الله تعالى.\n\n٣١٤ - وَعَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه ﵄ قَالَ أصبح رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ يَا بِلَال بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة إِنِّي دخلت البارحة الْجنَّة فَسمِعت خشخشتك أَمَامِي فَقَالَ بِلَال يَا رَسُول الله مَا أَذِنت قطّ إِلَّا صليت رَكعَتَيْنِ وَلا أصابني حدث قطّ إِلَّا تَوَضَّأت عِنْده فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١١٦).\n(^٢) أخرجه الطيالسى (٢٤٤٨)، وأحمد ٢/ ٢٥٩ (٧٥١٣)، والنسائى في الكبرى (٣٢٢٤).\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢١: رواه أحمد، ولأبي هريرة حديث في الصحيح غير هذا، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وهو ثقة حسن الحديث. وقال الألباني: حسن صحيح. صحيح أبى داود (١/ ٨١) وصحيح الترغيب (٢٠٠).","vol":"2","page":419},{"text":"لهَذا\" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صحِيحه (^١).\nقوله: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، هو عبد الله بن بريدة بن حصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها نزل البصرة ثم مرو وقبره بها وشهد خيبر والفتح وكان أميرًا على ربع أسلم روى عنه ابناه عبد الله وسليمان والشعبي وغيرهم وكان فارسا شجاعا مات سنة ثلاث وستين (^٢).\nقوله: \"أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا فدعا بلالًا\" الحديث بلال كنيته أبو عبد الله وقيل أبو عبد الكريم ويقال أبو عمرو فهو بلال بن رباح الحبشي التيمي القرشي مولى أبي بكر - ﵁ - وأماه حمامة مولاة لبني جمح وكان - ﵁ -: ممن أسلم أول النبوة اشتراه أبو بكر بخمس أواق وقيل بسبع وقيل بتسع وأعتقه لله ﷿ وكان بلال يؤذن لرسول الله - ﷺ - حياته سفرا وحضرا وهو أول من أذن في الإسلام ولما توفي رسول الله - ﷺ - ذهب إلى الشام للجهاد فأقام بها إلى أن مات وقيل إنه أذن لأبي بكر مدته وأذن لعمر مرة حين قدم عمر من الشام فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم وأذن في قدمة قدمها إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله - ﷺ - طلب ذلك منه الصحابة ﵃ فأذن ولم يتم الأذان توفي - ﵁ - بدمشق سنة عشرين وقيل سنة إحدى وعشرين وقيل سنة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٥٤ (٢٢٩٩٦) و٥/ ٣٦٠ (٢٣٠٤٠) وفضائل الصحابة (٧١٣) و(١٧٣١)، والترمذى (٣٦٨٩)، وابن خزيمة (١٢٠٩)، والحاكم (٣/ ٢٨٥ و٣١٣). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني في المشكاة (١٣٢٦)، وصحيح الترغيب (٢٠١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨١)، وشرح الإلمام (٥/ ١٩٦).","vol":"2","page":420},{"text":"ثماني عشرة وهو ابن أربع وستين سنة وقيل كان قرن أبي بكر وقيل توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وقيل سبعين سنة وقيل كان ينزل داريا قرية بقرب دمشق ودفن عند الباب الصغير بدمشق وقيل بالقرية المذكورة وقيل بباب كيسان وقيل بحلب والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالباب الصغير بدمشق، قالوا: وكان - ﵁ - آدم اللون شديد الأدمة نحيفا طوالا خفيف العارضين وكان يعذب في الله تعالى (^١)، وقال ابن سعد بإسناده عن عروة بن الزبير قال: كان بلال يعذب حين أسلم ليرجع عن دينه، فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون، وكان الذي يعذبه أمية بن خلف (^٢). وقال أحمد بإسناده عن أنس قال: أبطأ بلال عن صلاة الفجر فقال له رسول الله - ﷺ - ما حبسك؟ فقال: مررت بفاطمة تطحن والصبي يبكي فقلت لها إن شئتك كفيتك الرحى وكفيتني الصبي وإن شئت كفيتك الصبي وكفيتني الرحى فقالت ﵂ أنا أرفق بابني منك فذاك الذي حدث، فقال رسول الله - ﷺ - رحمتها يرحمك الله (^٣).\nقال ابن عساكر: تزوج بلال في خولان امرأة اسمها ليلى من أهل داريا لها صحبة وقد حكى عن بلال - ﵁ - أنه قال لما احتضر: واحزناه فقال لا بل\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٦ - ١٣٧ الترجمة ٨٨).\n(^٢) الطبقات (٣/ ٢٣٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٠ (١٢٥٢٤). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٦: رواه أحمد، ورجاله ثقات إلا أن أبا هاشم صاحب الزعفران لم يسمع من أنس، والله أعلم.","vol":"2","page":421},{"text":"واطرباه غدا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه (^١).\nوحكى ابن عبد البر فقال: قالت أم الدرداء حدثني أبو الدرداء قال أقام بلال بداريا فرأى النبي - ﷺ - في المنام فقال له يا بلال ما هذه الجفوة أما آن لك أن تزورني، فانتبه فزعا وركب ناقته وأتى المدينة فجعل يمرر خديه على التراب بين يدي الحجرة وأخذ الحسن والحسين فجعل يقبلهما ويبكي وبكى المسلمون وقالوا يا أبا عبد الله ننشدك الله إلا أسمعتنا أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله - ﷺ - في السحر فلما كان وقت السحر صعد المكان الذي كان يؤذن عليه للنبي - ﷺ - فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة فلما أن شهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها فلما قال أشهد أن محمدا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقلن بعث رسول الله - ﷺ - فما رئي باك ولا باكية بعد وفاة رسول الله - ﷺ - أعظم من ذلك اليوم (^٢) ذكره ابن الجوزي.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا (٢٩٤) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٧٥ - ٤٧٦) عن سعيد بن عبد العزيز.\n(^٢) أخرجه الغسانى في أخباره وحكاياته (٧٥)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامى والكنى (٥/ ١٨) مختصرا وبتمامه كما في تاريخ الإسلام (١٧/ ٣٤ - ٣٥) وسير أعلام النبلاء (٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ١٣٦ - ١٣٧). وقال الذهبى في التاريخ: إسناده جيّد ما فيه ضعيف، لكنّ إبراهيم مجهول. وقال في السير: إسناده لين وهو منكر. وقال ابن حجر في لسان الميزان (١/ ١٠٨): وهي قصة بينة الوضع وقد ذكره الحاكم أبو أحمد في الكنى. وحكم عليه بالوضع السيوطى كما في الزيادات على الموضوعات (١/ ٤٠٦).","vol":"2","page":422},{"text":"قوله - ﷺ - لبلال: \"يا بلال بم سبقتني إلى الجنة إني دخلت الجنة البارحة فسمعت خشخشتك أمامي\".\nقوله: بما سبقتني هو بحذف الألف وصحح الشيخ قطب الدين على إثباتها فلعله من جهة الرواية وإلا فالأصح عند النحاة حذف الألف (^١) قاله في شرح الإلمام.\nوقوله: \"فسمعت خشخشتك أمامي\" الخشخشة حركة لها صوت كصوت السلاح قاله في النهاية (^٢) وقال في شرح الإلمام، والخشخشة صوت السلاح وهي ههنا صوت داخل في الشجر ونحوه من حشيش وغيره مأخوذ من خش في الشيء إذا دخل فيه (^٣).\nوقوله \"أمامي\": وأمام بمعنى قدام وهو من الأضداد يأتي بمعنى وراء أيضًا قيل تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق، ولا يدل على أن أحدًا يسبق رسول الله - ﷺ - إلى الجنة وأما تقدم بلال بين يديه - ﷺ - في الجنة فلأن بلالا كان يدعو إلى الله تعالى بالأذان فيتقدم أذانه بين يدي النبي - ﷺ - فتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم فهو كسبق ترتيب لا رتبة وقد روي في حديث أن النبي - ﷺ - يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان فتقدمه بين يديه - ﷺ - كرامة للرسول - ﷺ - وإظهارا لشرفه وفضله لا سبقا من بلال له بل هذا السبق\n_________\n(^١) انظر طرح التثريب (٢/ ٦٠).\n(^٢) النهاية (٢/ ٣٣).\n(^٣) انظر: جمهرة اللغة (١/ ١٨٩).","vol":"2","page":423},{"text":"من جنس سبقه إلى الأذان ودخول المسجد ونحوه أي فهو سبق ترتيب لا رتبة ومعلوم أن الذي سمع خشخشته بين يديه هو روح بلال وإلا فجسده لم ينقل إلى الجنة وأما الدخول حقيقة فهو - ﷺ - أول من يدخلها مطلقا، وأما هذا الدخول فالمراد به سريان الروح في حالة النوم فلا إشكال في ذلك قاله في حادي الأرواح (^١).\nقوله: فقال بلال يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين\" وقط فيها لغات أفصحها تشديد الطاء وضمها إذا كانت ظرفا زمانيا بمعنى الدهر وقد تخفف الطاء وتضم القاف وهي اسم للزمان الماضي كعوض اسم للآتي (^٢)، وأما الركعتان بعد الوضوء فما تعرف إلا في هذا وقد أقرها - ﷺ - وكذلك الوضوء عند الحدث في قوله \"ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عندها\" أي عند حالة الحدث (^٣).\nقوله: \"بهذا\" أي بسبب ذلك سبقت وهو تشريع لأمته فيقتدى ببلال فيهما ويكون لهما أجرهما وأجر من عمل بهما إلى يوم القيامة فيمن سن سنة حسنة والله أعلم، وروى الترمذي أن النبي - ﷺ - قال: \"أتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من العرب، فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا لرجل من قريش، فقلت: أنا قرشي، لمن\n_________\n(^١) حادى الأرواح (١/ ١١٦)، والروح (ص ١٩٣)، وطرح التثريب (٢/ ٥٨).\n(^٢) الفائق (٣/ ٢٠٨)، ومشارق (٢/ ١٨٣).\n(^٣) مشكاة المصابيح (٤/ ١٢٤٨)، وطرح التثريب (٢/ ٥٩).","vol":"2","page":424},{"text":"هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد - ﷺ -، فقلت: أنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب\". فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال رسول الله - ﷺ -: \"بهما\".\nوقال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح (^١).\nوفي هذا الحديث يعني حديث السبق فوائد منها: ملاطفة الخادم وتبشيره.\nومنها: استفهامه عما لا علم منه عنده ليعلمه به. ومنها: أن المنام النبوي حق وأنه عبره على ظاهره. ومنها: تكرر دخول النبي - ﷺ - الجنة وفي تتمة هذا الحديث أنه دخلها ورأى قصرا لعمر وامرأة تتوضأ إلى جانبه رواه أنس ورآها أيضًا في منامه الطويل ووصف بنائها لبنة فضة ولبنة ذهب وسأل عن منزله فقال: ذاك منزلك وقد عرضت عليه أيضًا في عرض الحائط وأراد أخذ عنقود منها وكان يقظة ورآها ليلة الإسراء إلى غير ذلك.\nومنها: أن رؤيته لبلال كان مرارا ولم يخبره في أول مرائيه إياه فدل ذلك على جواز كتم البشارة إلى حين يتأهل صاحبها لسماعها أو إلى غير ذلك مما يراه العالم.\nوفي الحديث دليل على أن للإنسان أن يفعل من العبادات ما أذن في أصله في الجملة وإن لم يعين ذلك النوع الذي اخترعه ولكن قد جاء بعد ذلك\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٦٨٩). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني كما سلف.","vol":"2","page":425},{"text":"بتبيين سنيته لقوله \"بين كل أذانين صلاة\".\nوفيه دليل على سنة الجمعة قبلها لأنها داخلة في عموم قوله \"ما أذنت قط إلا وصليت ركعتين\" وكذلك \"بين كل أذانين صلاة\" ولها أدلة ليس هذا موضعها وقد أفردت في جزء.\nوفيه ترتب الثواب على الطاعات وذلك تفضل من الله تعالى فإن السؤال وقع عن السبب في ذلك.\nوفيه دليل على أن الخصوصيات قد تكون للمفضول ولا يلزم منها تنقيص الفاضل فإن الفرائض أعلى درجة مما ذكره وأفضل ولم ينسب ذلك إليها بل لما هو دونها ولهذا فهم منه - ﷺ - أنه إنما استفهمه عن أعمال يخفيها لم تظهر عليه فإن النبي - ﷺ - كان عالما بإيمانه وآدابه وصلواته وغير ذلك من أموره فعلم بالقرينة أنه أراد أمرا آخر ممن لم يظهر عليه فلذلك بادر فيه فأقره عليه (^١). قال في تهذيب النفوس: قال العلماء من الحنفية ومن الشافعية يستحب أن يصلي ركعتين من الفراغ من الوضوء لحديث بلال هذا، ففيه دليل على أن استدامة الوضوء مستحبة وأن صلاة ركعتين بعده كذلك (^٢).\nفرع: ذكر الأصحاب أنه عقب الفراغ من وضوئه يشرب شيئًا من فضل\n_________\n(^١) انظر لهذه الفوائد: طرح التثريب (٢/ ٥٧ - ٦٠)، وفتح البارى (٣/ ٣٤ - ٣٦).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٥٩).","vol":"2","page":426},{"text":"وضوئه مستقبل القبلة قائما (^١) فقد روي في حديث عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال \"الشرب من فضل وضوء المؤمن فيه شفاء من سبعين داء أدناها الهم\" (^٢).\nوفي هذا الحديث حجة لمذهب أهل السنة أن الجنة مخلوقة موجودة الآن خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة (^٣).\n\n٣١٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ على طهر كتب لَهُ عشر حَسَنَات. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (^٤). قَالَ الْحَافِظ وَأما الحَدِيث الَّذِي يروى عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ الْوضُوء على الْوضُوء نور على نور (^٥) فَلَا يحضرني لَهُ أصل من حَدِيث النَّبِي - ﷺ -\n_________\n(^١) انظر: فتح الجواد (١/ ٦٧)، وتحفة المحتاج (١/ ٢٤١)، وفتح المعين (١/ ٥٨).\n(^٢) أخرجه ابن شاهين في الفضائل (٥٣٦)، وابن الجوزى في العلل (١/ ٣٥٤ رقم ٥٨١). قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - قال يحيى بن معين العكاشي كذاب وقال ابن عدي: يروي عن الأوزاعي أحاديث مناكير موضوعة. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٧٥٧).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٦٠).\n(^٤) أخرجه ابن سلام في الطهور (٣٨)، وعبد بن حميد (٨٥٩)، وابن ماجه (٥١٢)، وأبو داود (٦٢)، والترمذى (٥٩). قال الترمذى: وهو إسناد ضعيف، قال علي: قال يحيى بن سعيد القطان: ذكر لهشام بن عروة هذا الحديث، فقال: هذا إسناد مشرقي. وضعفه الألباني في المشكاة (٢٩٣) وضعيف الترغيب (١٣٩) وضعيف أبى داود (١٠).\n(^٥) قال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ١٨٦): حديث: نور على نور ... الحديث. غريب من علي بن زيد عنه، تفرد به الحجاج بن سنان وعنه السكن بن إبراهيم =","vol":"2","page":427},{"text":"وَلَعَلَّه من كَلَام بعض السّلف وَالله أعلم.\nقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام عليه مبسوطا في أول هذا التعليق في حديث الغار.\nقوله - ﷺ - \"من توضأ على طهر كتبت له عشر حسنات\" الحديث، قال النووي: والذي أجمع عليه أهل الفتوى أنه يستحب تجديد الوضوء لكل صلاة (^١) بخلاف الغسل فإن فيه وجهان للأصحاب فالوضوء يسن تجديده لهذا الحديث ولأنه كان في أول الإسلام الوضوء لكل صلاة فنسخ وجوبه وبقى أصل الطلب (^٢)، والنووي أطلق استحباب تجديد الوضوء في باب الغسل تبعا للرافعي وهو محمولا على ما قيضه في باب النذر من الروضة وشرح المهذب والتحقيق أنه لا يشرع إلا إذا صلى بالأول صلاة على الأصح (^٣) وللأصحاب في شرط استحباب التجديد وجوه أصحها أنه يستحب لمن صلى به سواء كانت الصلاة فرض أو نافلة وأراد فرضا آخر، والثاني لا يستحب إلا لمن صلى فريضة والثالث أنه يستحب لمن فعل به ما\n_________\n= الترجمي وعنه عون بن عمارة. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١/ ٨٤): حديث الوضوء على الوضوء نور على نور لم أجد له أصلًا. وقال الألباني في المشكاة (٤٢٣) وضعيف الترغيب (١٤٠): لا أصل له.\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٣).\n(^٢) نهاية المطلب (١/ ١٥٥)، والمجموع (١/ ١٥٨) و(٢/ ١٨٤)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٤).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ٣٩٤).","vol":"2","page":428},{"text":"لا يجوز إلا بطهارة كمس المصحف وسجود التلاوة والرابع أنه يستحب وإن لم يفعل به شيء أصلا بشرط أن يتخلل بين التجديد والوضوء من يقع بمثله تفريق (^١)، قال الأصحاب أيضًا يستحب تجديد الوضوء وهو أن يكون على طهارة فيتطهر ثانيًا من غير حدث (^٢) وأن يقول في نيته نويت تجديد الوضوء وأما المحدث فيقول نويت الطهارة للصلاة أو الوضوء وله كيفيات كثيرة ذكرت في باب الغسل تقدمت فليطلبها من هناك.\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٧٧).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٧٧).","vol":"2","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الترهيب من ترك التسمية على الوضوء عمدًا</span>\n٣١٦ - قَالَ الإِمَام أَبُو بكر بن أبي شيبَة ﵀ ثَبت لنا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لا وضوء لمن لم يسم الله (^١) كَذَا قَالَ. قال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي ﷺ قال \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله\" كذا قال انتهى، وروى النسائي وابن خزيمة والبيهقي عن أنس أن النبي ﷺ وضع يده في الماء وفي بعض ألفاظه في إناء وقال \"توضئوا باسم الله\" (^٢) قال أنس: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه - ﷺ - والقوم يتوضئون حتى توضئوا عن آخرهم وكانوا نحوا من سبعين رجلا وأكثر أهل العم على أن الماء كان ينبع من نفس أصابعه، وقال ابن العربي في القبس (^٣): ونبع الماء من بين أصابعه - ﷺ - خصيصة لم تكن لأحد وروى الدارقطني والبيهقي أن النبي - ﷺ - قال \"من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لما مر عليه\" (^٤) قال\n_________\n(^١) قال الألباني: حسن لغيره صحيح الترغيب (٢٠٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٩٣ (١٢٦٩٤)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢٧٨ (٨٠) والكبرى (٩٩)، وأبو يعلي (٣٠٣٦)، وابن خزيمة (١٤٤)، وابن حبان (٦٥٤٤). وصححه الألباني في صحيح النسائى (٧٨).\n(^٣) القبس (ص ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٤) أخرجه الدارقطنى (٢٣٣)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٧٣ - ٧٤ رقم ١٩٩) عن ابن عمر. وأخرجه الدارقطنى (٢٣٢)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٧٤ رقم ٢٠٠) عن أبى هريرة. قال البيهقى: وهذا أيضًا ضعيف. أبو بكر الداهري غير ثقة عند أهل العلم بالحديث. وروي =","vol":"2","page":430},{"text":"النووي (^١): معناه أنه طهور من صغائر الذنوب لكن الحديث لم يصح وأما تصحيح الحاكم له فإنه اشتبه عليه وانقلب عليه إسناده وقال البيهقي أصح ما في التسمية حديث أنس يعني الذي ذكر، ويمكن أن يحتج للتسمية بقوله - ﷺ -: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله\" وفي رواية \"باسم الله فهو أجذم\" (^٢) وتقدم معنى أجذم في الخطبة.\n\n٣١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا صَلَاة لمن لا وضوء لَهُ وَلا وضوء لمن لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٣)، قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم\n_________\n= من وجه آخر ضعيف، عن أبي هريرة مرفوعًا. وقال ابن الملقن في البدر المنير ٢/ ٩٣: هذا الحديث مروي من طرق كلها ضعيفة.\nوقال ابن حجر في التلخيص الحبير: روى الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر، وفيه أبو بكر الداهري، وهو متروك، ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة بلفظ: \"لم يطهر إلا موضع الوضوء منه\" وفيه مرداس بن محمد، ومحمد بن أبان.\n(^١) المجموع (١/ ٣٤٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٥٩ (٨٧١٢)، والدارقطنى (٨٨٤)، والخطيب في الجامع (١٢٣٢) عن أبى هريرة بلفظ: كل أمر أو كلام ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع وفى رواية ببسم الله الرحمن الرحيم. وأخرجه ابن ماجه (١٨٩٤)، وأبو داود (٤٨٤٠)، والنسائى في الكبرى (١٠٤٣٦)، وابن حبان (١ و٢) بلفظ: كل أمر ذي بال، لا يبدأ فيه بالحمد، أقطع وعند أبى داود فهو أجذم. وضعفه الألباني في المشكاة (٣١٥١) والإرواء (١ و٢) وضعيف الترغيب (٩٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٤١٨ (٩٤١٨)، وابن ماجه (٣٩٩)، وأبو داود (١٠١)، والترمذي في العلل (١٧)، وأبو يعلى (٦٤٠٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٩٦ رقم ٨٠٨٠) والدعاء =","vol":"2","page":431},{"text":"وَلَيْسَ كمَا قَالَ فَإِنَّهُم رَوَوْهُ عَن يَعْقُوب بن سَلمَة اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَقد قَالَ البُخَارِيّ وَغَيره لا يعرف لسَلمَة سَماع من أبي هُرَيْرَة وَلا ليعقوب سَماع من أَبِيه انْتهى وَأَبُو سَلمَة أَيْضًا لا يعرف مَا رُوِيَ عَنهُ غير ابْنه يَعْقُوب فَأَيْنَ شَرط الصِّحَّة.\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله - ﷺ - \"لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه\" الحديث، قال الإمام أحمد بن حنبل لا يصح في ذلك حديث ولو صح لكان معناه لا وضوء كاملا كما قال النبي - ﷺ - \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\" (^١).\n_________\n= (٣٧٩)، والدارقطني (٢٥٦ و٢٥٧)، والحاكم ١/ ١٤٦ و١٤٧، والبيهقي في الكبرى (١/ ٦٨ رقم ١٨٣)، والبغوي (٢٠٩). قال الترمذي عقبه: سألت محمدا (البخاري) عن هذا الحديث، فقال: محمد بن موسى المخزومي: لا بأس به، مقارب الحديث، ويعقوب بن سلمة: مدني لا يعرف له سماع من أبيه، ولا يعرف لأبيه سماع من أبي هريرة. ثم قال الترمذي: سمعت إسحاق بن منصور يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بأنه يعقوب بن سلمة الليثي وقال: إسناده فيه لين. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٣)، الإرواء (٨١)، المشكاة (٤٠٤).\n(^١) شرح الصحيح (١/ ٢٣١) لابن بطال، وأما الأثر فهو من قول على أخرجه عبد الرزاق (١٩١٥) وابن أبى شيبة ١/ ٣٠٣ (٣٤٦٩). وقال ابن حجر في التمييز (٢/ ٩١٩): مشهور بين الناس، وهو ضعيف ليس له إسناد ثابت، أخرجه الدارقطني عن جابر وأبي هريرة. وضعفه موقوفًا ومرفوعًا الألباني في الإرواء (٤٩١).","vol":"2","page":432},{"text":"وقال في شرح السنة (^١): \"لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه\" كما تقدم في حديث أبي هريرة إن صح المحمول على الفضيلة.\n\n٣١٨ - وَعَن رَبَاح بن عبد الرَّحْمَن بن أبي سُفْيَان بن حويطب عَن جدته عَن أَبِيهَا قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لا وضوء لمن لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَعْنِي البُخَارِيّ أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث رَبَاح بن عبد الرَّحْمَن عَن جدته عَن أَبِيهَا قَالَ التِّرْمِذِيّ وأبوها سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل (^٢)، قَالَ الْحَافِظ وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة لا يسلم شَيْء مِنْهَا عَن مقَال، وَقد ذهب الْحسن وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأهل الظَّاهِر إِلَى وجوب التَّسْمِيَة فِي\n_________\n(^١) شرح السنة (١/ ٤١١).\n(^٢) أخرجه الطيالسى (٢٤٠)، وأبو عبيد في الطهور (٥٢)، وابن أبى شيبة في المسند (٦٣٠) والمصنف ١/ ١٢ (١٥)، وأحمد ٥/ ٣٨١ (٢٣٢٣٦) و٦/ ٣٨٢ (٢٧١٤٥) و(٢٧١٤٦) و(٢٧١٤٧)، وابن ماجه (٣٩٨)، والترمذى في العلل (١٦) والسنن (٢٥)، والطحاوى في معانى الآثار (١٠٧ و١٠٨)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٧١ - ٧٢ رقم ١٩٣ و١٩٤).\nقال الترمذى في العلل: فسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: ليس في هذا الباب حديث أحسن عندي من هذا، ورباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان، عن جدته، عن أبيها، أبوها سعيد بن زيد. قلت له: أبو ثفال المري ما اسمه؟ فلم يعرف اسمه، وسألت الحسن بن علي الخلال، فقال: اسمه ثمامة بن حصين، قال أبو عيسى رباح بن عبد الرحمن: هو أبو بكر بن حويطب فنسب إلى جده، وروى هذا الحديث وكيع، عن حماد بن سلمة، عن صدقة مولى ابن الزبير، عن أبي ثفال، عن أبي بكر بن حويطب، عن النبي - ﷺ -، وهذا حديث مرسل. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٤).","vol":"2","page":433},{"text":"الْوضُوء حَتَّى إِنَّه إِذا تعمد تَركهَا أعَاد الْوضُوء وَهُوَ رِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد وَلا شكّ أَن الأحَادِيث الَّتِي وَردت فِيهَا وَإِن كَانَ لا يسلم شَيْء مِنْهَا عَن مقَال فَإِنَّهَا تتعاضد بِكَثْرَة طرقها وتكتسب قُوَّة وَالله أعلم.\nقوله: عن رباح ابن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حوشب عن جدته عن أبيها وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل هو رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب [بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري، أبو بكر الحويطبي المدني، قاضي المدينة روى عن: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبي هريرة وعن جدته روى عنه: إبراهيم بن سعد، وثمامة بن وائل أبو ثفال المري قال سعيد بن عفير: قتل مع بني أمية يوم نهر أبي فطرس وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن القطان: مجهول الحال (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\" تقدم معناه وقال الحافظ ﵀: وفي الباب أحاديث كثيرة لا يسلم شيء منها عن مقال.\nوقد ذهب الحسن البصري وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى وجوب التسمية في الوضوء حتى أنه إذا تعمد تركها أعاد الوضوء وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وقال بعض العلماء عن الإمام أحمد بن حنبل روايتان أحدهما أن التسمية واجبة في طهارة الأحداث كلها واختارها أبو بكر والثانية\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٩/ الترجمة ١٨٤٥)، وإكمال تهذيب الكمال (٤/ الترجمة ١٥٢٤)، وتهذيب التهذيب (٣/ الترجمة ٤٥٣).","vol":"2","page":434},{"text":"أنها سنة واختارها الخرقي (^١)، ومذهب مالك أن التسمية أول الوضوء فضيلة ومذهب أبي حنيفة أنها سنة وكذلك مذهب الشافعي ﵃ أجمعين فالذي ذهب إليه الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأظهر الروايتين عن أحمد بن حنبل أيضًا أنها سنة ليست بواجب، وعن أبي حنيفة رواية أنها ليست مستحبة وعن مالك أنها رواية أنها بدعة ورواية أنها مباحة لا فضيلة في فعلها ولا تركها (^٢)، قال النووي ﵀: أحاديث التسمية كلها ضعيفه وقد بين البيهقي وغيره وجوه ضعفها صح عن الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله الترمذي وغيره أنه قال لا أعلم في التسمية حديثا ثابتًا وكذلك قال ليست سنة فيه بل هي محبوبة في كل ذي بال لا اختصاص لها بالوضوء وعن الشيخ أبي حامد أنها هيئة والهيئة ما يتهيء به لفعل آحاد والسنة ما كان من أفعالها الراتبة (^٣). انتهى.\nتنبيه: وابتدأ الوضوء بالتعوذ ثم بالتسمية للحديث المشهور وهو قوله \"كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه باسم الله فهو أجذم\" وفي رواية \"فهو أبتر\" والتسمية في ابتداء كل شيء مطلوبة حتى الجماع والتسمية أن يقول باسم الله\n_________\n(^١) انظر: المسائل الفقهية (١/ ٦٩ - ٧٠)، وشرح السنة (١/ ٤١١)، والكافى (١/ ٥٧)، والمغنى (١/ ٧٦).\n(^٢) انظر: الجامع لمسائل المدونة (١/ ٤٢)، وإكمال المعلم (٢/ ٢٩)، والمجموع (١/ ٣٤٦).\n(^٣) انظر: الحاوى (١/ ١٠٠)، والمجموع (١/ ٣٤٣ - ٣٤٦)، والنجم الوهاج (١/ ٣٤٣).","vol":"2","page":435},{"text":"فابتدئ بالتسمية والتعوذ كذا قاله الرافعي (^١) وأكملها وأفضلها كما قال النووي في شرح المهذب بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال بسم الله حصل فضل التسمية بلا خلاف (^٢) وقال الغزالي في بداية الهداية: بسم الله الرحمن الرحيم، رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب بأن يحضرون (^٣). ثم يقول بعد التسمية اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم لحديث أبي هريرة قال \"قال رسول الله - ﷺ - لا وضوء لمن لا يصلي علي\" (^٤) ذكره القاضي أبو بكر في كتاب الصلاة عن النبي - ﷺ - ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قاله الشيخ نصر المقدسي الزاهد، قال النووي: وهذا الذي قاله لا بأس به إلا أنه لا أصل له من جهة السنة ولا نعلم أحدًا من أصحابنا وغيره قال به (^٥) والله أعلم ثم يقول الحمد لله الذي خلق الماء أو جعل الطهور (^٦).\nفائدة: قال العبادي في زيادات الزيادات: أن سنة التسمية في الوضوء\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٤٤) وروضة الطالبين (١/ ٥٧).\n(^٢) المجموع (١/ ٣٤٤).\n(^٣) بداية الهداية (ص ٣١).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ١٢١ رقم ٥٦٩٨) عن سهل بن سعد. قال البيهقى في الكبرى (٢/ ٥٣٠): وعبد المهيمن ضعيف لا يحتج برواياته. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٢١٦٧).\n(^٥) المجموع (١/ ٣٤٦).\n(^٦) بحر المذهب (١/ ١٠٧)، والروضة (١/ ٦٣)، والنجم الوهاج (١/ ٣٤٤).","vol":"2","page":436},{"text":"والغسل بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام ونعمته (^١) وروي ذلك عن علي - ﵁ -. مرفوعًا وفي التحيات باسم الله (^٢) وفي وضع الميت باسم الله وعلى ملة رسول الله - ﷺ - في رواية وعلى سنة رسول الله - ﷺ - (^٣) وفي دخول المسجد بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله (^٤) وعند قراءة القرآن من موضع لا تسمية فيه بعد التعوذ بسم الله الرحمن الرحيم نص عليه الشافعي (^٥) وفيه خبر عن النبي - ﷺ -، وفي الأكل بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء أو يقول باسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا (^٦) وفي تسمية الخلاء بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (^٧)، وفي تسمية الجماع بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، وفي التضحية بسم الله والله أكبر (^٨) هذا آخر كلامه.\nتنبيه: قال النووي: قال أصحابنا فإن ترك التسمية في أول الوضوء أتى بها في أثنائه ويقول بسم الله على أوله وآخره كما يستحب ذلك في الطعام فإن\n_________\n(^١) حاشية قليوبى (١/ ٥٩).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٢٦٤).\n(^٣) المجموع (٥/ ٢٩٢).\n(^٤) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ١٢٢).\n(^٥) حاشية الرملى على أسنى المطالب (١/ ٦٣).\n(^٦) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ١٢٢).\n(^٧) المجموع (٢/ ٧٥).\n(^٨) ذكر جميع ما مضى ابن الملقن في هادى النبيه (لوحة ٨ (ب) و٩ (أ) / خ ٢١٢١ ظاهرية).","vol":"2","page":437},{"text":"تركها حتى فرغ فقد فات محلها فلا يأتي بها ووضوءه صحيح سواء تركها عمدا أو سهوا هذا مذهبنا ومذهب جميع العلماء (^١).\nوقد حمل بعض العلماء قوله - ﷺ - \"لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله\" على النية في الوضوء قال النووي: النية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم وقال أبو حنيفة والثوري يصح الوضوء والغسل بغير نية (^٢) انتهى. وتقدم شيء من ذلك.\nفرع: لا يبعد عدم مشروعية التسمية عند كل قول أو فعل محرم كالوضوء بما هو مغصوب وبه صرح أصحاب أبو حنيفة في تعاطي الحرام كالأكل والشرب والله أعلم (^٣).\nخاتمة: قال الشيخ الإمام شمس الدين ابن القيم: ولم يحفظ عنه - ﷺ - أنه كان يقول على وضوءه شيئًا غير التسمية وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله - ﷺ - شيئًا منه، ولا علمه لأمته، ولا ثبت عنه غير التسمية (^٤)، ولهذا قال النووي في منهاجه: وحذفت دعاء الأعضاء إذ لا أصل له (^٥) والله أعلم قاله فى هادى النبيه.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٢) المجموع (١/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(^٣) هادى النبيه (لوحة (٩/ أ) / خ ٢١٢١ ظاهرية).\n(^٤) زاد المعاد ١/ ١٩٥ - ١٩٦.\n(^٥) المنهاج (ص ١٣).","vol":"2","page":438},{"text":"قال الشيخ سراج الدين بن الملقن في العجالة السنية: وروي في ذلك حديثا مرفوعًا عن علي عن النبي - ﷺ - انتهى.\nوقال ابن النقيب في مختصر الكفاية: وقد وردت دعوات مأثورة صرح بها العلماء وهو أن يقول عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وعند غسل اليد اليمنى اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا، وعند غسل اليسرى اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري وعند مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار وعند مسح الأذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وعند غسل الرجلين اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزول فيه الأقدام (^١) انتهى.\n_________\n(^١) الشرح الكبير (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠) للرافعى.","vol":"2","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الترغيب في السواك وما جاء في فضله</span>\nالسواك وهو في اللغة مشتق من ساك إذا دلك وقيل من التساوك بمعنى التمايل يقال جاءت الإبل تساوك إذا كانت أعناقها تضطرب من الهزال، السواك بكسر السين والمسواك في اصطلاح العلماء اسم للخشبة التي توضع على الأسنان لإزالة القلح والوسخ وهو صفرة الأسنان وجمعه سوك ككتاب وكتب ويقال ساك فاه يسوكه إذا دلكه بالسواك ولفظه مأخوذ من ذلك، ما أحسن ما قاله محمد بن مكرم الأنصاري الضرير:\nبالله إن جزت بوادي الأراك ... وقبلت أغصانه الخضر فاك\nفابعث إلى الملك من بعضها ... فإنني والله ما لي سواك (^١)\nوما أحسن قول الآخر:\nطلبت منك سواك ... وما طلبت سواك\nوما أردت أراك ... لكن أردت أراك (^٢)\n\n٣١٩ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ \"لَوْلا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل صَلَاة\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم إِلَّا أَنه قَالَ عِنْد كل صَلَاة، وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ مَعَ\n_________\n(^١) فوات الوفيات ٥/ ٣٨\n(^٢) المجموع (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠) وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٥٧ - ١٥٨) وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٢)، وشرح الإلمام (٣/ ١٢)، وكفاية النبيه (١/ ٢٣٥)، والنجم الوهاج (١/ ٣٣٦).","vol":"2","page":440},{"text":"الْوضُوء عِنْد كل صَلَاة وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَعِنْدَهُمَا لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء (^١).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله - ﷺ - \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" فقوله: \"لولا أن أشق على أمتي\" أي أصعب وله ألفاظ منها لولا أن أشق على أمتي، ومنها لولا أن يشق ومنها لولا أن أشق على المؤمنين أو على أمتي (^٢) ومنها على الناس أو على أمتي (^٣) وهذا كله في الصحيح وأما الأمة فالمراد بها كل جماعة يجمعهم أمر ما إما دين واحد أو مكان واحد أو زمان واحد قاله الراغب (^٤).\nوأما قوله - ﷺ - \"لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة\" رواه البخاري ورواية مسلم عند كل صلاة لفظة مع أخص من عند، فأما في الوضوء فيستاك في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٨٠ (٦٠٧) و١/ ١٢٠ (٩٦٧) و٢/ ٢٤٥ (٧٣٣٩) و٢/ ٢٥٠ (٧٤١٢) و٢/ ٢٨٧ (٧٨٥٣) و٢/ ٣٩٩ (٩١٧٩) و٢/ ٤٠٠ (٩١٩٤) و٢/ ٤٢٩ (٩٥٤٩) و٢/ ٤٣٣ (٩٥٩١) و٢/ ٤٦٠ (٩٩٢٨) و٢/ ٥٠٩ (١٠٦١٨) و٢/ ٥١٧ (١٠٦٩٦) و٢/ ٥٣١ (١٠٨٦٨)، والبخارى (٨٨٧) و(٧٢٤٠)، ومسلم (٤٢ - ٢٥٢)، وابن ماجه (٢٨٧)، وأبو داود (٤٦)، والترمذى (٢٢)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢١٩ (٧) والكبرى (٦ و٣٢١٩ و٣٢٢١ و٣٢٢٢ و٣٢٢٣ و٣٢٢٥ و٣٢٢٧ و٣٢٢٨ و٣٢٢٩ و٣٢٣٠ و٣٢٣١)، وابن خزيمة (١٣٩) و(١٤٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٢ - ٢٥٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٨٨٧).\n(^٤) المفردات في غريب القرآن (ص ٨٦).","vol":"2","page":441},{"text":"المضمضة فتصدق المعية وأما في الصلاة فهو قبيلها فعند مناسب لذلك والحديث يشمل النوافل وما يسمى صلاة ولو على الجنازة وكذلك سجود التلاوة وغيرها لكن تأكد للفرائض وهو الظاهر هنا لقوله - ﷺ - \"لفرضت عليهم السواك\" وهل يستحب للطواف؟ لم أره منقولا وأما عند الصلاة المكروهة فإن قلنا بانعقادها فكذلك أيضًا وإلا فلا (^١) وقيل ومحل السواك في الوضوء قبل التسمية وبه صرح الغزالي في الإحياء (^٢) والماوردي في الإقناع (^٣) وقال ابن الصلاح عند المضمضة (^٤) وصرح الرافعي بأنه قبلها (^٥) والله أعلم.\n\n٣٢٠ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَوْلا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ مَعَ كل وضوء. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٦).\n_________\n(^١) شرح الإلمام (٣/ ١١٨ - ١١٩).\n(^٢) الإحياء (١/ ١٣٢).\n(^٣) الإقناع (ص ٢٠).\n(^٤) شرح مشكل الوسيط (١/ ١٢٨).\n(^٥) الحاوى (١/ ١٣٢). وانظر لما سبق النجم الوهاج (١/ ٣٣٥).\n(^٦) أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند ١/ ٨٠ (٦٠٧) و١/ ١٢٠ (٩٦٨)، والدارمى (١٥٢٦)، والبزار (٤٧٧ و٤٧٨)، والطحاوى في معانى الآثار (٢٢٨)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٥٧ رقم ١٢٣٨). قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن النبي - ﷺ - من وجوه لا نعلمه يروى عن علي، عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به: محمد بن إسحاق. =","vol":"2","page":442},{"text":"قوله: عن علي بن أبي طالب تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك\" الحديث، قال النووي: واستدل الشافعي والجمهور على أن السواك سنة ليس بواجب قال الشافعي ﵀: لأنه لو كان واجبا لأمرهم به شق عليهم أو لم يشق (^١)، وقد حكى بعض العلماء الإجماع على أنه لا يجب وعن إسحاق وداود وجوبه (^٢) وذكر القاضي أبو بكر بن العربي في العارضة عن إسحاق بن راهويه أنه واجب ومن تركه عمدا أعاد الصلاة وقال القاضي أبو بكر بن العربي أيضًا أما من افترضه فظاهر الأحاديث يبطل قوله (^٣).\nوأما القول بأنه سنة أو مستحب فمتقارب وكونه سنة أقوى (^٤).\nواعلم أن السنة في اللغة الطريقة وفي الشرع قيل ما يترجح فعله على تركه في نظر الشرع مع جواز تركه وقيل ما علم وجوبه أو ندبه بأمره - ﷺ - وبإدامته عليه وقيل ما واظب عليه - ﷺ - وما فعله مرة أو مرتين فهو مستحب وليس بسنة (^٥).\n_________\n= قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن إسحاق، وهو ثقة مدلس، وقد صرح بالتحديث. وإسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٠٦).\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٣).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٢).\n(^٣) عارضة الأحوذى (٢/ ٧ - ٨)، والمسالك (٢/ ٣٠٥).\n(^٤) عارضة الأحوذى (٢/ ٨)، والمسالك (٢/ ٣٠٥).\n(^٥) كفاية النبيه (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"2","page":443},{"text":"واعلم أن السواك له أربعة أحوال:\nالأول: واجب إذا نذره وكان في حقه - ﷺ - واجبا (^١).\nالثاني: سنة تتأكد سنيته في مواضع عند القيام من النوم سواء أكان من نوم الليل أو نوم النهار وإذا قعد وإذا خرج إلى الصبح وعند الوضوء لكل عبادة وغير ذلك من الأحوال التي سنذكر (^٢).\nالثالث: مكروه وهو في ما بعد الزوال للصائم فرضا أو نفلا أي وإن أراد صلاة لقوله - ﷺ -: \"لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" والخلوف بضم الخاء واللام رائحة فم الصائم إذا تغيرت من الجوع كانت عند الله أطيب من ريح المسك فلهذا كره السواك لانتفاء فائدته وحصول معناه، قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: ولم ير الشافعي بالسواك بأسا أول النهار ولا آخره، والاختيار من جهة الحديث صحيح لم يكره مطلقا في وقت من الأوقات واختلف العلماء في السواك للصائم بعد الزوال فمذهب الإمام أحمد أنه لا يكره في وقت من الأوقات وقال ابن عقيل: لا يختلف المذهب أنه لا يستحب السواك للصائم بعد الزوال ومذهب أبي حنيفة أنه لا يكره في وقت من الأوقات على أي حال كان وهو مذهب مالك ﵀ (^٣).\nالرابع: حرام وصورته فمن علم من عادته أنه متى تسوك دمى فمه وليس\n_________\n(^١) تحفة السلاك (ص ١٦).\n(^٢) تحفة السلاك (ص ١٦).\n(^٣) تحفة السلاك (ص ١٦ - ١٧).","vol":"2","page":444},{"text":"عنده ما يغسله به وضاق الوقت (^١).\nوأما ما يستاك به فعلى ثلاثة أقسام قسم حرم وهو كل عود عليه سم أو هو سم وقسم مكروه وهو أعواد الرياحين فعن ضمرة بن حبيب قال نهى رسول الله - ﷺ - عن السواك بعود الرياحين (^٢) وقال إنه يحرك عرق الجذام ويكره بقضبان الرمان للضرر فعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال \"من تخلل بالرمان لم تنزل عليه الرحمة سبعين يومًا ومن تخلل بالتين لم يستجب دعاؤه ستين يومًا\" (^٣) وذكر الآس والقصب وخشب العصفر وخشب المكنسة والورد قال الشيخ الإمام الصالح ابن حسون: وإنما ذكرت هذه الأحاديث وإن كان هذه الأحاديث لغرابتها وان كان فيها مقال وقسم سنة وهو ما عدا ذلك قال أصحاب الشافعي: كان أكثر استياك النبي - ﷺ - بالآراك لطيب رائحته وخشونته وهو الأفضل وفي معجم ابن قانع أن النبي - ﷺ - قال \"استاكوا بالآراك فإن تعذر فبعراجين النخل\" (^٤) لأن آخر سواك استاك به النبي - ﷺ - عسيب النخل، وفي الآراك خصلتان حسنتان تطيب الفم وحسن الإزالة فإن لم يوجد الآراك فبما يشبهه مثل عرجون النخل وجريده وبه\n_________\n(^١) تحفة السلاك (ص ١٦ - ١٧).\n(^٢) أخرجه أبي شيبة في مصنفه، ٥/ ٣٢٥ (٢٦٥٤٨). وقال ابن حجر: وهذا مرسل، وضعيف أيضًا، التلخيص الحبير (١/ ٧٢).\n(^٣) لم أجده.\n(^٤) لم أجده.","vol":"2","page":445},{"text":"استاك النبي - ﷺ - عند موته وكل عود يابس قد ندى بالماء وأما ريحه طيب أيضًا كالسعد وغيره، وروى الطبراني وغيره في معجمه الأوسط عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفر هو سواكي، وسواك الأنبياء قبلي\" (^١).\nفروع: الأول قال الجويني: ينبغي أن يستاك عند كل صلاة وطهارة فإن أخطأه ذلك ففي اليوم والليلة مرة وينبغي أن ينوي بالسواك الإتيان بالسنة كما ينبغي أن ينوي بالجماع النسل وإن كان المقصود يحصل بدون نية، وينبغي أن يعود الصبي السواك ليألفه وأن يغسل السواك إذا أراد استخدام السواك ثانيًا (^٢).\nالثاني: يسن الاستياك باليمين لحديث ورد فيه في أبي داود فاستفده (^٣)، وفي شرح المهذب والأذكار والمطلب أنه يستحب أن يكون السواك باليد اليمنى لأنه أمكن وهو عبادة وبه أجاب الشيخ شرف الدين البارزي، وفي كتاب نوادر الأصول أنه باليسار فعل الشيطان، وفي أمالي ابن عبد السلام أن القرب جميعها أصلها أن تكون باليمين، ورأيت بخط العلامة الشيخ شمس الدين\n_________\n(^١) تحفة السلاك (١٧ - ١٨). والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢١٠ رقم ٦٨٧) والشاميين (٤٦)، وأبو نعيم في الطب (٦٨٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٠٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: معلل بن محمد، ولم أجد من ذكره. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٣٦٠).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٣٤١).\n(^٣) هادى النبيه (لوحة ٧).","vol":"2","page":446},{"text":"بن عجلان في شرحه على المختصر ما لفظه الذي تحرر لي من كلام الأصحاب أن السواك إن كان المقصود به إزالة القلح فباليسار وإن كان المقصود به العبادة فباليمين وهو فقه حسن والمنقول [وعن الإمام أحمد:] أنه يستاك باليد اليسرى لأنه إزالة مستقذر فكان كالحجر في الاستنجاء قاله الدميرى في شرحه (^١).\nالثالث: لا بأس بالخلال قبل السواك وبعده وذكر ابن يونس في النبيه مختصر التنبيه: هذا إن تخليل الأسنان سنة وسبقه إلى ذلك الصيمري في الكفاية والغزالي في الإحياء ودليل ذلك ما رواه الطبراني من حديث أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله - ﷺ - قال \"حبذا المتخللون من أمتي\" قالوا وما المتخللون يا رسول الله؟ \"قال المتخللون في الوضوء والمتخللون من الطعام\" (^٢) وسيأتي الكلام على هذا الحديث (^٣).\n\n٣٢١ - وَعَن زَيْنَب بنت جحش ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لَوْلا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة كَمَا يتوضؤون\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٤) وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٣٣٩).\n(^٢) هادى النبيه (لوحة ٧).\n(^٣) انظر الحديث الأول في الباب القادم.\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٤٢٩ (٢٧٤١٥). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٧: رواه أحمد ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٧).","vol":"2","page":447},{"text":"حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَلَفظه لَوْلا أَن أشق على أمتِي لفرضت عَلَيْهِم السِّوَاك عِنْد كل صَلَاة كمَا فرضت عَلَيْهِم الْوضُوء (^١) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِنَحْوِهِ وَزَاد فِيهِ وَقَالَت عَائِشَة ﵂ وَمَا زَالَ النَّبِي - ﷺ - يذكر السِّوَاك حَتَّى خشيت أَن ينزل فِيهِ قُرْآن (^٢).\nقوله: عن زينب بنت جحش، قال أبو الفرج ابن الجوزي: زينب اسم أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ - (^٣)، كانت ﵂ من المهاجرات الأول، قالت زينب: خطبني عدة رجال من قريش فأرسلت أختي إلى رسول الله - ﷺ - تستشيره فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"أين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها\" قالت: من هو يا رسول الله؟ قال: \"زيد بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن خياط في مسنده (٤٠)، والبزار كما في كشف الأستار (٤٩٨)، وأبو يعلى (٦٧١٠)، والبغوى في معجم الصحابة (٢٤٥)، والطبراني في جامع المسانيد (٥٨٩٢) من طريقين، والحاكم (١/ ١٤٦)، وأبو نعيم في الطب (٢١٠)، والضياء في المختارة ٨/ ٣٩٣ - ٣٩٥ (٤٨٦ و٤٨٧). قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ عن النبي - ﷺ - إلا عن العباس بهذا الإسناد، وروى تمام، عن أبيه حديثا آخر.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢١ و٢/ ٩٧ - ٩٨: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير، وفيه أبو علي الصيقل قال ابن السكن وغيره: مجهول. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦٧١٠) ومن طريقه الضياء في المختارة ٨/ ٣٩٣ - ٣٩٤ (٤٨٦). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢١ و٢/ ٩٨: فيه أبو علي الصيقل، قال ابن السكن وغيره: مجهول. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤١).\n(^٣) المنتظم (٣/ ٢٢٥)، وكشف المشكل (٤/ ٤٣٩).","vol":"2","page":448},{"text":"حارثة\" قال: فغضبت أختها غضبًا شديدًا، وقالت: يا رسول الله أتزوج ابنة عمتك بمولاك، قالت زينب: وجائتني فأعلمتني فغضبت أشد من غضبها وقلت أشد من قولها، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^١) قالت: فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ - فقلت: إني أستغفر الله وأطيع الله ورسوله أفعل يا رسول الله ما رأيت، قالت: فزوجني زيد فكنت أرد عليه فشكاني إلى رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: \"أمسك عليك زوجك واتق الله\" فقال: يا رسول الله إني أطلقها، قالت: فطلقني فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا ورسول الله - ﷺ - قد دخل علي بيتي وأنا مكشوفة الشعر فعلمت أنه أمر من السماء فقلت: يا رسول الله بلا خطبة ولا إشهاد، فقال رسول الله - ﷺ -: \"الله هو المزوج وجبريل الشاهد\" (^٢) قال أنس بن مالك: كانت زينب تفتخر على نساء النبي - ﷺ - وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من السماء (^٣)، وأطعم النبي - ﷺ - حين بنى عليها خبزًا ولحمًا (^٤)، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك\" الحديث، أي: لولا\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٩ رقم ١٠٩). وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٢٧٤: رواه الطبراني، وفيه حفص بن سليمان، وهو متروك، وفيه توثيق لين.\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ١٠٣) والبخارى (٧٤٢٠)، والترمذى (٣٢١٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٩ رقم ١٠٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٧٩٤) و(٧٤٢١)، ومسلم (٨٧ - ١٣٦٥) و(٩١ - ١٤٢٨) عن أنس.","vol":"2","page":449},{"text":"أن أثقل عليهم من المشقة وهي الشدة (^١)، اعلم أن كلمة لولا تدل على انتفاء المستثنى لوجود غيره، فتدل ههنا على انتفاء الأمر بالسواك لوجود المشقة (^٢)، ففيه بيان على ما كان عليه النبي - ﷺ - من الرفق بأمته (^٣)، وفيه دليل على أن الأمر يكون للوجوب (^٤)، وعليه نص الشافعي ﵀ في الأم أن الراوي إذا قال أمر رسول الله - ﷺ - حمل على الوجوب.\nوقوله: \"لأمرتهم\" قال الشيخ يستدل به من يرى أن النبي - ﷺ - كان له أن يحكم باجتهاده (^٥)، وعباره بعضهم أيضًا، وفيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي - ﷺ - فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى وهذا مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول وهو الصحيح المختار (^٦)، ولا يتوقف حكمه على النص، وهذا فيه نظر، قال الجمهور: إن الله أمره أن يأمر أمته ويوجب عليها ما يحرج فيه ولا يوجب عليها ما فيه حرج، وحمل الحديث على ذلك أولى من حمله على الاجتهاد لأنه حمل على النص، وفيه دليل على أن السواك يتأكد استحبابه عند كل صلاة، وأنه لو صلى ركعتين ثم ركعتين ولم يطل الزمان استحب أن يستاك عند كل افتتاح ركعتين وهو كذلك كما قاله\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٩١).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ١٠٧).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٤)، وشرح الإلمام (٣/ ١١١).\n(^٤) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٣)، وشرح الإلمام (٣/ ١٠٦).\n(^٥) إحكام الأحكام (١/ ١٠٧).\n(^٦) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٤)، وشرح الإلمام (٣/ ١٠٩).","vol":"2","page":450},{"text":"النووي (^١)، ولا يجب السواك إلا في صور، الأولى: إذا أمر الزوج زوجته بالسواك وجب؛ الثانية: إذا أمر السيد به عبده أو أمته وجب؛ الثالثة: إذا أكل ثوما أو بصلا يوم الجمعة وأمكنه إزالته بالسواك وجب.\nالرابعة: لحضور صلاة الجمعة قاله القمولي في الجواهر (^٢) والله أعلم، فيستحب السواك عند كل صلاة فرضًا كانت أو نفلًا والمراد أنه يتأكد في هذه الحالة وإن لم يكن الفم متغيرًا (^٣) وعند صلاة الجنازة والطواف والعيدين والكسوفين والاستسقاء والتراويح والوتر والسنن الرواتب وما أشبه ذلك لعموم قوله - ﷺ -: \"أمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" قال النووي ﵀: وأطلق وذكر السواك في أحاديث الباب مطلقا وهو يقتضي استحبابه مطلقا وهو كذلك وإنما يتأكد في أحوال منها عند الوضوء ومنها عند إرادة الصلاة سواء كان متطهرًا بماء أو تراب أو غير متطهر كمن لم يجد الماء ولا التراب ومنها عند الاستيقاظ من النوم (\"كان - ﷺ - إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك\" (^٤) والفم يتغير بالنوم غالبًا لأجل طبق الفم وانحباس الأبخرة والله أعلم) ومنها عند قراءة القرآن كما جزم به الرافعي ومنها عند تغير الفم سواء كان فيه تغير الرائحة أو تغير اللون كصفرة الأسنان كما ذكره الرافعي، ومنها: عند الأزم وهو الإمساك عند الأكل والشرب يقال: \"نعم الدواء الأزم\"،\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٢٧٤).\n(^٢) هو كتاب جواهر البحر المحيط.\n(^٣) المجموع (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، والنجم الوهاج (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٤٥) و(٨٨٩) و(١١٣٦)، ومسلم (٤٦ - ٢٥٥) عن حذيفة.","vol":"2","page":451},{"text":"وقيل: فرط الجوع، ومنها: السكوت وأصله إمساك الأسنان بعضها على بعض، ومنها: كثرة الكلام وألحقه الماوردي بأكل كريه الرائحة، ومنها: أكل ما له رائحة كريهة كالثوم والبصل ونحو ذلك فيحصل تغير الفم بهذه الأشياء، ومنها: عند دخول المنزل كما جزم به النووي من زوائده في الروضة، ومنها: عدم الانصراف من صلاة الليل كما رواه ابن ماجه قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل ركعتين ركعتين ثم ينصرف فيستاك (^١)، انتهى (^٢).\nفرع: قال الشيخ العلامة شمس الدين ابن حسون: وينبغي استحبابه أيضًا لسجود التلاوة وسجدة الشكر (^٣) كما تقدم، ولا يكتفي بالسواك للفريضة في تحصيل سنة السواك للنافلة والله أعلم.\nفرع آخر: قال الصميري من أصحاب الشافعي: ويستحب أن يعود به الصبيان ليعتادوه كسائر الفرائض والمسنونات (^٤).\nتنبيه: ويستحب أن يكون السواك بعود من أراك وبأي شيء استاك به مما يزيل التغير حصل السواك كالخرقة والخشبة والسعد والأشنان، وأما الأصبع فإن كانت لينة لم يحصل بها السواك، وإن كان خشنة ففيها ثلاثة أوجه،\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٨٨) عن ابن عباس. صححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٢).\n(^٢) انظر المجموع (١/ ٢٧٢ - ٢٧٤)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٢ - ١٤٣)، وكفاية النبيه (١/ ٢٤٠ - ٢٤١)، والعدة (١/ ١٤٧)، والإعلام (١/ ٥٦١)، وطرح التثريب (٢/ ٦٦ - ٦٧).\n(^٣) غاية البيان (١/ ٣٨).\n(^٤) البيان (١/ ٩٣).","vol":"2","page":452},{"text":"أصحها لا تجزيء، وقيل: يجزئ، والثالث: تجزئ إن لم يجد غيرها، ولا تجزئ إن وجد، والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد ليس يجرح ولا رطب لا يزيل ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه، وقال الترمذى الحكيم: يكره أن يستاك بسواك غيره (^١)، والله أعلم.\n\n٣٢٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ السِّوَاك مطهرة للفم مرضاة للرب رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحَيْهِمَا وَرَوَاهُ البُخَارِيّ مُعَلّقا مَجْزُومًا وتعليقاته المجزومة صَحِيحَة (^٢) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْكَبِير من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَزَاد فِيهِ ومجلاة لِلْبَصَرِ (^٣).\nقوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها.\n_________\n(^١) انظر: المجموع (١/ ٢٨٠ - ٢٨٣)، وكفاية النبيه (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، والنجم الوهاج (١/ ٣٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري معلقا (٣/ ٣١)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢١٧ (٥) والكبرى (٤)، وأبو يعلى (٤٥٦٩) و(٤٥٩٨)، وابن خزيمة (١٣٥)، وابن حبان (١٠٦٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ٩١ رقم ٢٧٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٧٨ رقم ٧٤٩٦)، وابن عدى (٣/ ٥٠٧) ومن طريقه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٨١ رقم ٢٥٢١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن بحر السقاء إلا الحارث بن مسلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٩)، والمشكاة (٣٨١)، والإرواء (٦٥).\nقال البيهقى: وهو مما تفرد به الخليل بن مرة وليس بالقوي في الحديث. وقال العراقي في طرح التثريب (٢/ ٦٣): والحديث لا يصح. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٠: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وفيه بحر بن كنيز السقاء، وقد أجمعوا على ضعفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٧٦).","vol":"2","page":453},{"text":"قوله: \"السواك مطهرة للفم مرضاة للرب\" ورواه الطبراني وزاد فيه: \"ومجلاة للبصر\" الحديث، ويجوز في \"مطهرة\" فتح الميم وكسرها أي يطهر الفم ومطهرة كقولهم الولد مجبنة مجهلة مبخلة ومطهرة مصدر والهاء للمبالغة (^١)، قال أبو أسامة: السواك مكنسة الفم، ومعناه: أن الإنسان إذا لم يستك نخرفوه، فالسواك ينظفه ويطيبه، وهي مفعلة من الطهارة بفتح الميم، قال ابن الصلاح: يجوز فتح الميم وكسرها (^٢) كما تقدم، وله معنيان أحدهما: أن يكون من باب قولهم: أرض مأسدة ومذأبة إذا كانت مأوى الأسود والذئاب والمعنى: خليق بالطهارة جدير بها لكثرة وجودها عنده؛ والثاني: من قولهم المطهرة بكسر الميم وفتحها الإداوة، قال الجوهري: والفتح أعلى (^٣) أي السواك بمنزلة الإداوة في كونها مسببا للطهارة لأنها مرصدة لذلك فيكون محصلا للمعنى المطلوب من طهارته مما يحصل فيه من القلح وغير ذلك.\nقوله: \"والفم\" يستعمل بالميم إذا كان مفردًا تقول: هذا فم حسن، فإن كان مضافًا استعمل بالواو والألف والياء تقول: هذا فوك، ولا يجوز حينئذ بالميم إلا على قلة، قال الشيخ: مفتوح الفاء مخفف الميم هو اللغة الكثرى الفصحى، وقد حكي في الفاء الضم والكسر، وحكي في الميم الشديد (^٤).\n_________\n(^١) جمهرة اللغة (٢/ ٨٥٧)، وتهذيب اللغة (١٠/ ١٧٣ - ١٧٤)، والمجموع (١/ ٢٦٨) وتهذيب اللغة (٣/ ١٥٧).\n(^٢) شرح مشكل الوسيط (١/ ١٤٣).\n(^٣) الصحاح للجوهري (٢/ ٧٢٧).\n(^٤) شرح الإلمام (٣/ ١٤).","vol":"2","page":454},{"text":"قوله: \"مرضاة للرب\" مرضاة مفعلة من الرضى ضد السخط أي جدير وخليق برضا الرب تعالى والمرضاة والرضا بمعنى واحد وهو مجاز إذ نفس السواك ليس هو نفس الرضا ولكنه محله (^١)، وإنما حصل السواك بمرضاة الرب ﵎ لأمور منها: إنه يطيب النكهة لتلاوة القرآن وللذكر، وقد جاء في الحديث: \"طيبوا أفواهكم للقرآن\" (^٢) وأن الملك يضع فاه على فيه إذا قرأ (^٣)، ولأن الدين النظافة والله يحبها، وربما دل ترك السواك على القذارة فيما عداه، فإذا غفل الإنسان عن أشرف ما فيه وهو وجهه لم ينظفه وهو ظاهر فما خفي بطريق الأولى (^٤)، وأيضًا فإنه لعلو مرتبته جعل بدلًا عن الوضوء كمحل صلاة فإنه كان واجبًا في أول الإسلام ثم نسخ بالسواك لكل صلاة (^٥)، ففي مسند البزار كان يأمرنا بالوضوء لكل صلاة، فلما شق ذلك عليهم أمرهم بالسواك يعني لكل صلاة كما هو مذكور في أبي داود (^٦) فكأنه\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٢٤).\n(^٢) أخرجه البزار (٦٠٣) عن على بن أبى طالب. وأخرجه البيهقى في الشعب (٣/ ٤٥١ رقم ١٩٤٠) عن سمرة. وقال البيهقى: غياث هذا مجهول. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢١٣).\n(^٣) قاله ابن مفلح في الآداب (٢/ ٣٨٣)، والعينى كما في شرح السنن (١/ ١٦٤)\n(^٤) شرح الإلمام (٣/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٥) الإيجاز (ص ٢٢٠)، وشرح المشكاة (٣/ ٨٠٥).\n(^٦) أخرجه أبو داود (٢٢٤٧)، والبزار (٣٣٧٨)، وابن خزيمة (١٣٨). وحسنه الألباني في المشكاة (٤٢٦) وصحيح أبى داود (٣٨).","vol":"2","page":455},{"text":"أخذ حظا من الفرض لما أقيم مقامه من كونه يرضى الرب ﵎ (^١).\nقوله: \"للرب\" تخصيصه بالذكر للمناسبة لأن الرب المصلح والمربي فناسب أن يصلح الإنسان من نفسه ما يشينها ويخرجها عن طريقة الإصلاح، ولا يقال الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات بخلاف المضاف، وقد استدل بعضهم على وجوبه بهذا الحديث، قال: لأن في تركه إسخاط الرب، وذلك حرام، وأجاب أبو حامد الإسفرايني عن ذلك بأنه ليس كلما كان فيه الرب تعالى يكون في تركه سخطه كما في نفس الصلاة والصوم وغيرهما نعم هو مستحب أبدا اتفاقًا (^٢)، انتهى، قاله شارح الإلمام.\nوقال الشيخ ولي الدين الملوي ﵀: وفي هذا الحديث أمران، أحدهما: أن النبي - ﷺ - مبين لمهمات الشريعة وما يخفى عن المكلف وكون السواك ينق الفم من رائحة كريهة وغيرها لا عقلا ولا حسا، والثاني: أن مرضاة الرب ﵎ أفضل ما يتفضل به على العبد، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (^٣) وفي الجنة يقول الله تعالى لأهلها: \"ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ \" ثم يقول الله تعالى: \"أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا\" فانظر يا أخي كيف يترتب هذا الخير العظيم على\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٣/ ٨٠٥).\n(^٢) شرح الإلمام (٣/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٧٢.","vol":"2","page":456},{"text":"أخف ما يكون على العبد وهو السواك، ثم ذكر بعد ذلك كلاما طويلًا نفيسًا في معنى هذا الحديث لم أذكره خوف السآمة، والله أعلم.\n\n٣٢٣ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَربع من سنَن الْمُرْسلين الْخِتَان والتعطر والسواك وَالنِّكَاح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: عن أبي أيوب، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح\" الحديث، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، هكذا رواه؛ الحياء: بالحاء المهملة والياء آخر الحروف، قال النووي في شرح المهذب (^٢): وهو بالحاء المهملة والياء آخر الحروف لا بالنون، وإنما ضبطته لأني رأيت من بعض: ورواه غيره بالحاء المهملة والنون المشددة والمد وهو ما يخضب به، وهذه الرواية غير صحيحة ونقلها تصحيف من الكاتب لأن خضاب اليد والرجل بالحناء حرام على الرجل إلا لضرورة، وأما خضاب الشعر فهو من مذهب نبينا لا من سنن المرسلين قبله، وإنما هو الختان فسقطت النون غلطا فصحفت، ومما يقوي ذلك أنه جاء هكذا مصرحًا به في بعض الأصول، وكذا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (١٠٨٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٣ رقم ٤٠٨٥)، وفي الشاميين (٣٥٩٠)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١٦٠ رقم ٧٣٢٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في المشكاة (٣٨٢) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٤٢) و(١٢٠٢).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥).","vol":"2","page":457},{"text":"أخرجه الإمام أحمد بن حنبل وهو في بعض نسخ الترمذي، وقد ذكر الإمام أبو الحافظ أبو موسى الأصبهاني هذا الحديث في كتابه \"الاستغناء في استعمال الحناء\" وقال: إنه مختلف في إسناده ومتنه، يروي عن عائشة وابن عباس وغيرهما، قال: واتفقوا على لفظة الحياء، قال: وكذا أورده الطبراني والدارقطني وأبو الشيخ ابن منده وأبو نعيم وغيرهم من الحفاظ والأئمة، قال: وكذا هو في مسند أحمد وغيره من الكتب، انتهى.\nوأيضًا فإن الحياء خلق لا يخص أحدًا دون أحد، وأما الحناء بالنون فإنه داخل في التعطر عند من يراه طيبًا كما أنه ورد على أن النبي - ﷺ - كان يكره رائحته فتعين الختان (^١).\nقوله: \"والتعطر\" وذلك لأنه من حظ الروحانيين من خلق الله وهم الملائكة، وليس لهم في شيء من عرض الدنيا حظ غير الطيب فأحب النبي - ﷺ - الطيب أيضًا لحقوقهم وحسن معاملتهم بهم مع غناه عنه لأنه كان أطيب ريحًا من كل طيب (^٢).\nقوله: \"والسواك\" وهو عبارة عن استعمال عود أو نحوه في الأسنان إزالة الوسخ، واسم العود سواك، قال النووي ﵀: ويستفاد من هذا الحديث\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٦٤) والنسائي في المجتبى ٨/ ٥٣ (٥١٣٤) والكبرى (٩٤٩٢) عن عائشة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٢٩٠). وانظر الميسر (١/ ١٤١ - ١٤٢)، والمفاتيح (١/ ٣٩١)، وشرح المشكاة (٣/ ٧٨٧ - ٧٨٨).\n(^٢) بحر الفوائد (ص ٢٥).","vol":"2","page":458},{"text":"أن السواك كان في الشرائع السالفة (^١)، والله أعلم.\nقوله: \"والنكاح\" وذلك لمعنيين، أحدهما: لتكثير عباد الله الموحدين (^٢)، والثاني: لحسن معاملته إياهن بالصبر على مشاقهن وتغير أخلاقهن فإنهن أضعف تركيبا وأقل عقلا وأرق دينًا وأغلب على ألباب الرجال (^٣)، والله أعلم.\n\n٣٢٤ - وَعَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ عَلَيْكُم بِالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ مطيبة للفم مرضاة للرب ﵎\" رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة (^٤).\n\n٣٢٥ - وَعَن شُرَيْح بن هانئ قَالَ قلت لعَائِشَة ﵂ بأَيّ شَيْء كَانَ يبْدَأ النَّبِي - ﷺ - إِذا دخل بَيته قَالَت بِالسِّوَاكِ\" رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٥).\nقوله: عن شريح بن هانئ، هو: شريح بن هانئ بن (يزيد بن نهيك بن دريد ابن سفيان بن الضباب من بني الحارث بن كعب روى عن عمر، وعلي\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٢٧٥).\n(^٢) المفاتيح (١/ ٢٤٦ و٤/ ١٥).\n(^٣) بحر الفوائد (ص ٢٧).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ١٠٨ (٥٨٦٥)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠ رقم ٣١١٣).\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٠: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وصححه الألباني في المشكاة (٣٨١) والصحيحة (٢٥١٧) وصحيح الترغيب (٢١٠).\n(^٥) أخرجه مسلم (٤٣ - ٢٥٣)، وابن ماجه (٢٩٠)، وأبو داود (٥١)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢٢٠ (٨) والكبرى (٧).","vol":"2","page":459},{"text":"وسعد بن أبي وقاص وعائشة، كان شريح من أصحاب علي بن أبي طالب وشهد معه المشاهد قال: وكان ثقة له أحاديث وكان كبيرًا وقتل بسجستان مع عبيد الله بن أبي بكرة (^١).\nقوله: قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ النبي - ﷺ - إذا دخل بيته، قالت: بالسواك؛ ولفظ: \"كان\" للدوام، والحكمة في استعمال السواك إذا دخل بيته لأن الغالب عليه السكوت في الطريق فيتغير فمه بالسكوت فابتدأ بالسواك كيلا يتأذى برائحته أحد، وهذا إرشاد منه - ﷺ - لأمته إلى استحباب السواك إذا أراد أن يكلم أحد (^٢)، وقيل: أما بدأه به عند دخوله بيته فقيل: ليصلي ركعتين عقبه حين يدخل بيته كما استحبها بعضهم عند دخوله المنزل وعند خروجه (^٣)، وقيل: التشريع للتنظيف لأجل الأهل، وهذا هو الظاهر لأنه ﵊ كان يكره أن يوجد منه ريح كريهة كما جاء في قصة شرب العسل (^٤)، وقد صانه الله تعالى من ذلك وطيبه وطهره، فلم يوجد ذلك منه أصلا، ولكن فيه تعليم الزوج طريق الألفة بينه وبين زوجته بقطع الروائح الكريهة، وكذلك الزوجة بطريق الأولى، واستحباب التنظيف والتطيب للجماع (^٥)، واعلم أن نكهة النبي - ﷺ - أطيب رائحة من المسك كما\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد: ٦/ ١٢٨، وتهذيب الكمال (١٢/ الترجمة ٢٧٢٩).\n(^٢) المفاتيح (١/ ٣٨٩).\n(^٣) شرح الإلمام (٣/ ٤٩).\n(^٤) شرح الإلمام (٣/ ٤٨).\n(^٥) نهاية المحتاج (٦/ ٢٠٨).","vol":"2","page":460},{"text":"جاء في عرقه إذ لا فرق، فإن المتحلب من فمه كالمتحلب من بدنه، ولكن فعله للتشريع، وفيه: إعداد السواك لدخول المنزل وغيره كما يعده للوضوء والصلاة والله أعلم؛ وفيه: بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره (^١) وأنه يستحب عند اجتماع المحافل وعند دخول الكعبة قياسا على دخول البيت بل هو أولى، وعند الذهاب إلى الجمعة، ذكره العمراني في الزوائد.\n\n٣٢٦ - وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ - ﵁ - قَالَ مَا كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يخرج من بَيته لشَيْء من الصَّلَاة حَتَّى يستاك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٢).\nقوله: عن زيد بن خالد الجهني (هو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، وقيل: أبو زرعة، سكن المدينة، وشهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، روي له عن رسول الله - ﷺ - أحد وثمانون حديثا، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه السائب بن يزيد، والسائب بن خلاد الصحابيان، وجماعة من التابعين. توفى بالمدينة، وقيل: بالكوفة، وقيل: بمصر، سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، ﵁ (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٤٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٢٥٤ رقم ٥٢٦١). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٩: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٣).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٣ الترجمة ١٨٨).","vol":"2","page":461},{"text":"قوله: \"فما كان النبي - ﷺ - يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك\" الحديث، فيسن السواك للإنسان عند خروجه من بيته إلى المسجد لهذا الحديث.\n\n٣٢٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ ينْصَرف فيستاك، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائيّ وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n\n٣٢٨ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ تسوكوا فَإِن السِّوَاك مطهرة للفم مرضاة للرب مَا جَاءَنِي جِبْرِيل إِلَّا أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى لقد خشيت أَن يفْرض عَليّ وعَلى أمتِي وَلَوْلا أَنِّي أَخَاف أَن أشق على أمتِي لفرضته عَلَيْهِم وَإِنِّي لأستاك حَتَّى خشيت أَن أحفي مقادم فمي رَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَنهُ (^٢).\nقوله: عن أبي أمامة، واسمه صدي بن عجلان الباهلي، تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢١٨ (١٨٨١)، وابن ماجه (٢٨٨)، والنسائى في الكبرى (٤٨٩) و(١٤٣٦)، وأبو يعلى (٢٤٨٥) و(٢٦٨١)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٧ رقم ١٢٣٣٧)، والحاكم (١/ ١٤٥). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٨٩)، والرويانى (١٢٢٠ و١٢٢١)، وأبو عروبة الحرانى (٧٤)، والطَّبراني (٨/ ٢٠٩ رقم ٧٨٤٦ و٧٨٤٧) و(٨/ ٢٢٠ و٧٨٧٦) والشاميين (٨٨٨). وأخرجه أحمد ٥/ ٢٦٣ (٢٢٢٦٩) مقتصرا على بعضه. وقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٤٣: هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٤).","vol":"2","page":462},{"text":"قوله - ﷺ -: \"تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب\" تقدم معناه قريبًا.\nقوله - ﷺ -: \"وإني لأستاك حتى خشيت أني أحفي مقادم فمي\" أي: استقصى على أسناني فأذهبها بالسواك، ومنه الحديث أمر أن تحفى الشوارب أي: تبالغ في قصها قاله في النهاية (^١).\n\n٣٢٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لقد أمرت بِالسِّوَاكِ حَتَّى ظَنَنْت أَنه ينزل عَليّ فِيهِ قُرْآن أَو وَحي\" رَوَاهُ أَبُو يعلى وَأحمد وَلَفظه قَالَ لقد أمرت بِالسِّوَاكِ حَتَّى خشيت أَن يُوحى إِلَيّ فِيهِ شَيْء وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله - ﷺ - \"لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه ينزل علي فيه قرآن أو وحي\" الحديث، يستحب المواظبة على استعمال السواك في غالب الأوقات لهذا الحديث، قال العلماء في كتب الفقه: والمستحب أن يستاك عرضا والمراد عرض الأسنان وعبارة النووي في المنهاج تقتضي أنه لو استاك طولا لم تحصل السنة وليس كذلك بل تحصل ولكن الأكمل ما ذكره، وأما في اللسان\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤١٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٣٧ (٢١٢٥) و١/ ٣٠٧ (٢٧٩٨) و١/ ٣١٥ (٢٨٩٣) و١/ ٣٣٧ (٣١٢٢)، وأبو يعلى (٢٣٣٠). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٨: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٣).","vol":"2","page":463},{"text":"فقد ورد منصوصا عليه لبعض الروايات الاستياك فيه طولا قاله الشيخ تقي الدين في شرح العمدة (^١) والمراد بالطول أن يمر السواك في طول الأسنان ويخشى منه أن يجرح اللثة وهو لحم الأسنان، وفيه دليل على أنه - ﷺ - استاك في لسانه طولا وأنه يدخل السواك إلى أقصى اللسان من جهة داخل الحلق ويستحب أن يمر اللسان على سقف حلقه إمرارا لطيفا وعلى كراسي أضراسه ويبدأ بجانب فيه الأيمن ثم الأيسر (^٢) والله أعلم.\n\n٣٣٠ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أمرت بِالسِّوَاكِ حَتَّى خشيت أَن يكْتب عَليّ\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَفِيه لَيْث بن أبي سليم (^٣).\nقوله: عن واثلة بن الأسقع، هو واثلة بن الأسقع [بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي، وقيل: إنه واثلة بن عبد الله بن الأسقع، قيل: أسلم والنبي - ﷺ - يتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي - ﷺ - ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، روي له عن رسول الله - ﷺ - ستة وخمسون حديثًا، روى له البخاري حديثا ومسلم آخر، سكن الشام فسكن\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٣٣٦)، وإحكام الأحكام (١/ ١١١).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٣٣٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٠ (١٦٠٠٧)، والمحاملى (٧٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٧٦ رقم ١٨٩ و١٩٠). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٨: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه: ليث بن أبي سليم وهو ثقة مدلس وقد عنعنه. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (١٤٥).","vol":"2","page":464},{"text":"دمشق، ثم استوطن بيت جبرين، وهي بلدة بقرب بيت المقدس، ودخل البصرة، وكان له بها دار. روى عنه عبد الواحد بن عبد الله البصري، بالصاد المهملة، وشداد بن عبد الله بن عامر اليحصبي، وأبو إدريس الخولاني، ومكحول، وأبو المليح، ويونس بن ميسرة، وخلق سواهم، توفي بدمشق سنة ست أو خمس وثمانين، وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر. وقال سعيد بن خالد: توفي سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح الأول (^١)]\nقوله - ﷺ -: \"لقد أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي\" الحديث، وفي مسند الإمام أحمد كان رسول الله - ﷺ - لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ بالسواك\".\nقوله: رواه أحمد والطبراني وفيه ليث بن أبي سليم [اتفق العلماء على ضعفه، واضطراب حديثه، واختلال ضبطه (^٢)].\n\n٣٣١ - وَعَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا زَالَ جِبْرِيل يوصيني بِالسِّوَاكِ حَتَّى خفت على أضراسي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لين (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤١ - ١٤٢ الترجمة ٦٦٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٥).\n(^٣) أخرجه أبو على الصواف في الثالث من فوائده (٨٤)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٥١ رقم ٥١٠)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٧٩ رقم ١٣٣٢٨). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٩: =","vol":"2","page":465},{"text":"قوله: عن أم سلمة، أم سلمة أم المؤمنين واسمها هند وقيل رملة بنت أبي أمية المخزومية وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة كانت أم سلمة عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال.\nوهاجر أبو سلمة إلى أرض الحبشة بزوجته أم سلمة الهجرتين فولدت له هناك برة فسماها رسول الله - ﷺ - زينب وولدت له بعدها سلمة ودرة استخلفه رسول الله - ﷺ - على المدينة حين خرج إلى غزوة العشيرة ثم شهد معه بدرا وأحدا ورمي بسهم في عضده فمكث شهرًا يداوي جرحه ثم برء الجرح ثم بعته رسول الله - ﷺ - إلى قطن بناحية فيد به ماء لبني أسد بن خزيمة ثم رجع إلى المدينة فانتفض جرحه فمات منه لثمان خلت من جماد الآخرة سنة أربع من الهجرة فاعتدت أم سلمة وتزوجها رسول الله - ﷺ - لليال بقين من شوال سنة أربع من الهجرة وبنى بها فيه، قال قاضي المسلمين بن جماعة: بهذا جزم الحافظ الدمياطي وغيره والله أعلم.\nقوله - ﷺ - \"ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خفت على أضراسي\" الحديث، تقدم الكلام على جبريل وعلى السواك وفي الحديث أيضًا \"أوصاني جبريل بالسواك حتى خشيت على عموري\" العمور منابت الأسنان واللحم الذي بين مغارسها الواحد عمد وقد تضم قاله في النهاية (^١).\n_________\n= رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون وفي بعضهم خلاف. وضعفه جدًّا الألباني في الضعيفة (١٥٥٦) و(٦٩١٣) وضعيف الترغيب (١٤٦).\n(^١) النهاية (٣/ ٢٩٩).","vol":"2","page":466},{"text":"٣٣٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَزِمت السِّوَاك حَتَّى خشيت أَن يُدْرِدنِي\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^١) وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لقد أمرت بِالسِّوَاكِ حَتَّى خشيت أَن أدرد. الدرد سُقُوط الأسْنَان (^٢).\nقوله: عن عائشة تقدم الكلام على فضائلها.\nقوله \"لزمت السواك حتى خشيت أن يُدْرِدَنِي\" قال الحافظ: الزرد سقوط الأسنان.\n\n٣٣٣ - وَعَن عَليّ - ﵁ - أَنه أَمر بِالسِّوَاكِ وَقَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن العَبْد إِذا تسوك ثمَّ قَامَ يُصَلِّي قَامَ الْملك خَلفه فيستمع لقرَاءَته فيدنو مِنْهُ أَو كلمة نَحْوهَا حَتَّى يضع فَاه على فِيهِ فَمَا يخرج من فِيهِ شَيْء من الْقُرْآن إِلَّا صَار فِي جَوف الْملك فطهروا أَفْوَاهكُم لِلْقُرْآنِ\" رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد لا بَأْس بِهِ وروى ابْن مَاجَه بعضه مَوْقُوفا وَلَعَلَّه أشبه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٢٣ رقم ٦٥٢٦)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٧٩ رقم ١٣٣٢٩). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن وهب. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٩: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧١٣) وضعيف الترغيب (١٤٧).\n(^٢) أخرجه البزار (٦٩٥٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٩: رواه البزار، وفيه: عمران بن خالد وهو ضعيف. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٥٥٦) وصحيح الترغيب (٢١٤).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٢٥)، والبزار (٦٠٣).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي، - ﵁ - بإسناد أحسن من هذا الإسناد =","vol":"2","page":467},{"text":"قوله: عن علي، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ - \"إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته فيدنو منه أو كلمة نحوها\" وفي آخره \"فطهروا أفواهكم للقرآن\"، وفي حديث آخر \"نظفوا أفواهكم بالقرآن\" أي صونوها عن اللغو والفحش والغيبة والنميمة والكذب وأمثالها وعن أكل الحرام والحث على تطهيرها من النجاسات ويحتمل صيانتها عن أكل القاذورات كأكل ما له رائحة كريهة والحث على السواك قاله صاحب المغيث (^١)، وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: إذا قام الرجل من الليل فتسوك ثم توضأ قام الملك خلفه ودنا واستمع ووضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا دخلت جوفه، قاله القرطبي (^٢).\nنكتة تتعلق بالسؤال: قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: السر في استحباب السواك عند القيام للصلاة أنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله تعالى أن نكون في حالة نظافة وكمال إظهارا لشرف العبادة،\n_________\n= وقد رواه غير واحد عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ موقوفًا. وأخرج بعضه موقوفًا ابن ماجه (٢٩١)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٩٦، والسمعاني في أدب الاملاء والاستملاء ص ٢٧، وتامًّا موقوفًا البيهقى في الكبرى (١/ ٦٢ رقم ١٦٢) والشعب (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩ رقم ١٩٣٧)، والضياء في المختارة (٢/ ١٩٧ رقم ٥٨٠). وصححه الضياء. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢١٣) وصحيح الترغيب (٢١٥).\n(^١) المجموع المغيث (٣/ ٣١٦).\n(^٢) التذكار (ص ٧٧).","vol":"2","page":468},{"text":"قال الشيخ تقي الدين: وقد قيل إن ذلك الأمر يتعلق بالملك وهو أن يضع فاه على فيّ بالقارئ فيتأذى من الرائحة الكريهة وسن السواك لأجل ذلك (^١) قال الشيخ ولي الدين العراقي: ويحتمل أن تكون حكمته عند إرادة الصلاة ما ورد من إنه يقطع البلغم ويزيد في الفصاحة (^٢).\n\n٣٣٤ - وَعَن عَائِشَة ﵂ زوج النَّبِي - ﷺ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ فضل الصَّلَاة بِالسِّوَاكِ على الصَّلَاة بِغَيْر سواك سَبْعُونَ ضعفا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ فِي الْقلب من هَذَا الْخَبَر شَيْء فَإِنِّي أَخَاف أَن يكون مُحَمَّد بن إِسْحَاق لم يسمعهُ من ابْن شهَاب وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم كَذَا قَالَ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق إِنَّمَا أخرج لَهُ مُسلم فِي المتابعات (^٣).\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٠٧).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٦٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٧٢ (٢٦٣٤٠)، والبزار ١٨/ ١٤٥ (١٠٨) و(١٠٩)، وأبو يعلى (٤٧٣٨)، وابن خزيمة (١٣٧)، والدارقطنى في العلل (١٤/ ٩٢)، والحاكم (١/ ١٤٥ - ١٤٦). قال البزار: لا نعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ إلا ابن إسحاق، ولا عنه إلا إبراهيم، وقد روى قريبا منه معاوية بن يحيى. وصححه الحاكم. وقال الدارقطنى في العلل (٣٤٤٧): ورواه محمد بن إسحاق، قال: ذكر الزهري، عن عروة، عن عائشة ويقال: إن محمد بن إسحاق أخذه من معاوية بن يحيى الصدفي، لأنه كان زميله إلى الري في صحابة المهدي، ومعاوية بن يحيى ضعيف.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٩٨: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى وقد صححه الحاكم.\nوقال عن الإسناد الثانى للبزار: رواه البزار ورجاله موثقون. =","vol":"2","page":469},{"text":"قوله: عن عائشة تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله - ﷺ - \"فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين ضعفا\" قال الشيخ الإمام شهاب الدين القرافي: مقتضاه أن تكون الصلاة بالسواك أفضل من صلاة الجماعة لأن الوارد في صلاة الجماعة صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه سبعا وعشرين ضعفا قال: والظاهر أن الصلاة فى الجماعة أفضل من الصلاة بالسواك منفردا يحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث وإلا فهو مشكل (^١) وأجيب بأن هذا الحديث خرجه البيهقي عن عائشة قالت قال رسول الله - ﷺ - \"فضل الصلاة التي تستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفًا\" الحديث روي من طرق كلها ضعيفة نقل ذلك عنه الشيخ تقي الدين في شرحه على الإلمام.\nقال الشيخ شمس الدين السعودي الحنفي في تهذيب النفوس: قال ابن الجوزي هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - قال: ومعاوية بن يحيى ضعيف قاله الدارقطني (^٢)، وقد روي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله - ﷺ - \"صلاة بسواك تعدل أربعمائة صلاة، يعني تخرج أهلها من الذنوب كما\n_________\n= قال الحافظ في التلخيص الحبير ١/ ٦٨: قال ابن معين: هذا لا يصح له إسناد، وهو باطل.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (١٥٠٣) وضعيف الترغيب (١٤٨).\n(^١) نفائس الأصول (٣/ ١٢٥١).\n(^٢) العلل المتناهية (١/ ٣٣٧).","vol":"2","page":470},{"text":"تخرج الشعرة من العجين، وإنْ خرج الدجال فليس له عليهم سبيل\" (^١) وهذا الحديث عزيز غريب ذكره الشيخ شمس الدين بن حسون في كتابه تحفة النساك فيما يتعلق بالسواك والله أعلم.\n\n٣٣٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لِأَن أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بسواك أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي سبعين رَكْعَة بِغَيْر سواك\" رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كتاب السِّوَاك بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: عن ابن عباس تقدم.\nقوله - ﷺ - \"لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك\" وذكر بعضهم عن الأصحاب وجها أن السواك شرطا في صحة الصلاة ونقله ابن يونس عن أبى إسحاق وهو غلط إنما هو قول إسحاق بن راهويه (^٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٩٣٣)، والسلفى في سداسيات الرازى (١٦). قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٢١): وآفة هذا السند من موسى بن هلال) هذا. قال ابن حبان: هو شيخ كان يزعم أنه سمع من أنس بن مالك، روى عنه أشياء موضوعة كان يضعها أو وضعت له فحدث بها، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب، روى عنه نسخة موضوعة أكره ذكرها لشهرتها عند من هذا الشأن صناعته. وقال الحافظ رشيد الدين العطار في \"الثمانيات\" تخريجه: هذا حديث غريب جدا وفي إسناده نظر.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في السواك كما في البدر المنير (٢/ ٢٠) عن محمد بن حبان، عن أبي بكر بن أبي عاصم، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن يزيد بن عبد الله، ثنا عبد الله بن أبي الحوراء أنه سمع سعيد بن جبير عن ابن عباس. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٩).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ٣٤٠).","vol":"2","page":471},{"text":"٣٣٦ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - رَكْعَتَانِ بِالسِّوَاكِ أفضل من سبعين رَكْعَة بِغَيْر سواك\" رَوَاهُ أَبُو نعيم أَيْضا بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: عن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك\" الحديث.\nفرع: استحب بعضهم أن يقول في أول تسوكه: اللهم بيض به أسناني وشد به لثاتي وثبت به لهاتي وبارك لي فيه يا أرحم الراحمين، قال النووي: وهذا لا بأس به وإن لم يكن له أصل فإنه دعاء حسن (^٢) والله أعلم.\nخاتمة: نذكر فيها شيئًا يتعلق بخصال السواك ومنافعه وفوائده يحصل بها النشاط في الترغيب في استعماله، روى الحافظ أبو نعيم وغيره عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: \"عليكم بالسواك وأديموا به فإن فيه أربع وعشرون خصلة أفضلها خصلة وأعلاها درجة أنه يرضي الرحمن وناهيك بها خصلة فإن رضا الرحمن يحل الجنان ويصيب السنة وتضاعف صلاته سبعا وسبعين ضعفا أو إلى أربعمائة ويطيب الفم ويشد اللثة حتى لا تسترخي ويسكن الصداع ومذهب وجع الضرس ويذهب البلغم ويقوي الأسنان\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في السواك كما في البدر المنير (٢/ ٢٠) عن أحمد بن بندار، عن عبد الله بن محمد بن زكريا، عن جعفر بن أحمد، عن أحمد بن صالح، عن طارق بن عبد الرحمن، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزبير، عن جابر. وقال: ومحمد بن عجلان صدوق، قال الحاكم وغيره: سيئ الحفظ، وأخرج له مسلم ثلاثة عشر حديثًا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٨٣).","vol":"2","page":472},{"text":"ويذهب الكحة ويصحح المعدة ويقويها ويجلو البصر ويوسع الرزق وييسره ويزيد الحسنات ويفرح الملائكة وتصافحه الملائكة لنور وجهه وتشيعه الملائكة إذا خرج للصلاة ويستغفر حملة العرش له إذا خرج للمسجد للصلاة ويستغفر له عند رفع أعماله في يوم الاثنين ويستغفر له الأنبياء والمرسلين ويطرد الشيطان وتفتح له أبواب الجنة وتقول له الملائكة هذا مقعد الأنبياء ويلتمس هديهم ويكتب له أجر من يتسوك يومه ذلك وتغلق عنه أبواب جهنم ولا يخرج من الدنيا إلا طاهرا مطهرا ولا يأتيه ملك الموت عند قبض روحه إلا في الصورة التي يأتي بها الأولياء ولا يخرج من الدنيا حتى يسقى شربة من حوض النبي - ﷺ - وهو الرحيق المختوم ويوسع عليه قبره ويؤنس في لحده وتكلمه الأرض في الجنة وتقول كنت أحملك على ظهري فلأوسعن عليكم اليوم وأنت في بطني ما يقصر عنه مناك ويقطع الله ﷿ عنه كل فى داء وتعقبه كل صحة عرفها في نفسه من صغره إلى كبره ويكني إذا. كنى الأنبياء ويكسى إذا كسي الأنبياء صلوات الله عليه وسلامه ويكرم إذا أكرموا يدخل معهم الجنة بغير حساب، وفي كتاب الضعفاء للعقيلي أنه يزيد الرجل فصاحة وفي كتاب أبي نعيم يذهب البلغم ويوافق السنة ويفرح الملائكة، وفي كتاب الطبراني: مطهرة للفم مرضاة للرب مجلاة للبصر، وتقدم، وقيل: فيه مسخطة للشيطان مطلقة لعقدة اللسان مصفاة للذهن مهضمة للطعام يزيد في الحفظ مكثرة للولد، وذكر أيضًا أنه يزيد في العقل ويطهر القلب ويجوز على الصراط كالبرق الخاطف ويبطئ بالشيب","vol":"2","page":473},{"text":"ويعطى الكتاب باليمين ويقوي البدن على طاعة الله ويذهب الحرام من الجسد ويذهب الجوع ويقوي الظهر ويقي الأموال والأولاد ويعين على قضاء الحوائج، وهذه الفضائل بل كلها وبه فبعضها مرفوع وبعضها موقوف وإن كان في أسانيدها مقال (^١)، والله أعلم.\n_________\n(^١) تحفة السلاك (ص ١٠ - ١١).","vol":"2","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الترغيب في تخليل الأصابع والترهيب من تركه وترك الإسباغ إذا خلا شيء من القدر الواجب</span>\n٣٣٧ - عَن أبي أَيُّوب يَعْنِي الْأنْصَارِيّ - ﵁ - قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ حبذا المتخللون من أمتِي قَالَ وَمَا المتخللون يَا رَسُول الله قَالَ المتخللون فِي الْوضُوء والمتخللون من الطَّعَام، أما تَخْلِيل الْوضُوء فالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق وَبَين الْأصَابع وَأما تَخْلِيل الطَّعَام فَمن الطَّعَام إِنَّه لَيْسَ شَيْء أَشد على الْملكَيْنِ من أَن يريَا بَين أَسْنَان صَاحبهمَا طَعَاما وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرَوَاهُ أَيْضا هُوَ وَالْإِمَام أَحْمد كِلَاهُمَا مُخْتَصرا عَن أبي أَيُّوب وَعَطَاء قَالَا قَالَ رَسُول الله - ﷺ - حبذا المتخللون من أمتِي فِي الْوضُوء وَالطَّعَام (^١) وَرَوَاهُ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث أنس (^٢) ومدار\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٦ (٢٣٥٢٧) وعبد بن حميد (٢١٧)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٧٧ رقم ٤٠٦١ و٤٠٦٢)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٣٧١)، وأبو نعيم في الطب (٣٣٠ و٣٣٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٥: وفي إسنادهما واصل الرقاشي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الإرواء (١٩٧٥)، وضعيف الترغيب (١٥١). وحسن الألباني شطره الأول فقط وهو قوله: حَبَّذا المُتَخَلِّلُون من أمَّتي ... صحيح الترغيب (٢١٦).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في المعجم (٥٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٥٩ رقم ١٥٧٣)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٣٣٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٨٩١ رقم ١٤٩٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن رقبة إلا محمد، ولا عن محمد إلا عفيف. تفرد به: محمد. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه =","vol":"2","page":475},{"text":"طرقه كلهَا على وَاصل بن عبد الرَّحْمَن الرقاشِي وَقد وَثَّقَهُ شُعْبَة وَغَيره.\nقوله: عن أبي أيوب، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"حبذا المتخللون من أمتي\" قالوا: وما المتخللون يا رسول الله؟\nقال: \"المتخللون في الوضوء والمتخللون من الطعام\" الحديث، وفي حديث آخر \"رحم الله المتخللين من أمتي في الوضوء والطعام\" قاله في النهاية (^١): فرحم الله كلمة دعاء، وحبذا فعل مدح، فالمتخللون دعا لهم رسول الله - ﷺ - ومدحهم، وحبذا مثل نعم ولذلك قال ابن مالك في ألفية:\nومثل نعم حبذا الفاعل ذا ... وإن تردد ما فقل لا حبذا\nوروى الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا توضأت فخلل من أصابع يديك ورجلك\" وقال: حديث حسن غريب (^٢)، الحديث الغريب: البعيد عن الصحة، قال أبو داود ولا يحتج بحديث غريب ولو رواه مالك بن أنس ويحيى القطان وغيرهما من الثقات (^٣)، وعن أبي عبد الرحمن الحبلي، واسمه عبد الله بن يزيد المصري ثقة توفي بأفريقية سنة مائة، وكان صالحا\n_________\n= محمد بن أبي حفص الأنصاري، لم أجد من ترجمه. وضعفه الألباني بتمامه في ضعيف الترغيب (١٥٢). وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥٦٧) وصحيح الترغيب (٢١٧) شطره الأول فقط.\n(^١) النهاية (٢/ ٧٣).\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٩)، والحاكم (١/ ١٨٢). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في المشكاة (٤٠٦).\n(^٣) الرسالة (ص ٢٩).","vol":"2","page":476},{"text":"روى له البخاري في الأدب والباقون عن المستورد بن شداد قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ فخلل بين أصابع رجليه بالخنصر، رواه أحمد وأبو داود والترمذي (^١)، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الصحيح أنه عام في كل أصبع في الوضوء إلا أنه واجب في اليدين، واختلف في الرجلين فقال به أحمد وإسحاق، وقال مالك في المدونة لا يلزم ذلك لأنها متلاصقة يشق إيصال الماء إليها، والحديث محمول على الاستحباب، وإنما يجب عنده في غسل الجنابة (^٢)، وهذا الذي قاله عكس مذهب الشافعي فيما إذا لم يصل الماء إلا بالتخليل فإنه واجب قطعًا (^٣)، وكيفية التخليل في الرجلين أن يدخل خنصر يده اليسرى من أسافل الأصابع يبدأ بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر اليسرى، وقيل: يخلل بين كل إصبعين من رجليه بأصبع من يديه ليكون بماء جديد، والأول هو المصحح إذا خلل أصابع اليدين، قال الرافعي: الذي يقرب من الفهم أن يشبك بينهما (^٤)، قاله في مختصر الكفاية، ولذلك قال الشيخ بدر الدين الزركشي: وينبغي أن يخلل باليد اليسرى لإزالة مستقذر، انتهى، قال إمام الحرمين: اليمنى واليسرى في ذلك سواء، واختار\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٩ (١٨٠١٠) و(١٨٠١٦)، وابن ماجه (٤٤٦)، وأبو داود (١٤٨)، والترمذى (٤٠). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٣٥)، المشكاة (٤٠٧)، الروض النضير (٤٧٥).\n(^٢) عارضة الأحوذى (٣/ ٧).\n(^٣) انظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ١٣٠)، والمجموع (١/ ٤٢٥).\n(^٤) انظر: المجموع (١/ ٤٢٥)، وكفاية النبيه (١/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وكفاية الأخيار (ص ٢٩).","vol":"2","page":477},{"text":"النووي هذا، وقال: إنه الراجح دليلا، وإنما يستحب التخليل إذا وصل الماء إليها لا بالتخليل فإن لم يصل إلا به وجب، ويستحب التخليل كما ورد في حديت عثمان (^١)، والله أعلم.\nتنبيه: لو كانت أصابع يديه أو رجليه ملتصقة كأرجل الأوز حرم شقها ليصل الماء إليها وإن كانت ملتفة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل وجب تخليلها، ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد كذلك (^٢).\nفرع: يستحب تخليل اللحية بالأصابع، وذكر السرخسي في الأمالي أنه يخللها من أسفلها بماء جديد، ويدل قول أنس أن النبي - ﷺ - كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فيدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال: \"هكذا أمرني ربي\" رواه أبو داود ولم يضعفه، فيكون صحيحا أو حسنا، ولم يذكر الجمهور كيفية التخليل (^٣)، ونقل الرافعي عن بعضهم وجوب التخليل (^٤)، قال في الروضة (^٥): ومراد قائله وجوب إيصال الماء إلى المنبت، فأما غسل ظاهر اللحية الكثيفة فواجب بلا خلاف، ولا يجب غسل باطنها ولا البشرة تحتها عند الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم، وحكى الرافعي قولا\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٢٤ - ٤٢٥).\n(^٢) التهذيب (١/ ٢٦٩)، والبيان (١/ ١٣٣)، والمجموع (١/ ٤٢٤) والروضة (١/ ٦٢).\n(^٣) المجموع (١/ ٣٧٦).\n(^٤) قاله المزنى كما في العزيز شرح الوجيز (١/ ١٢٧).\n(^٥) الروضة (١/ ٦٠).","vol":"2","page":478},{"text":"أنه يجب (^١) قاله في الديباجة.\nفائدة: وأما تخليل الأسنان فمستحب قال الفقيه أبو الليث السمرقندي إذا تخلل الإنسان فأخرج من بين أسنانه طعاما فإن ابتلعه جاز وإن ألقاه جاز، وقد جاء في الأثر الإباحة في الوجهين وهو ما روى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من أكل طعاما فليتلفظ وما لاك بلسانه فليبتلع فمن ألقاه فقد أحسن ومن لاك فلا حرج عليه\" ويستحب إذا أراد أكل اللحم أن يأكل قبله لقمة أو لقمتين من الخبز يسد الخلال، ويكره الخلال باليابس والريحان وخشب الرمان، ويستحب أن يكون الخلال من الخلاق الأسود، انتهى، قاله في كتابه بستان العارفين (^٢).\nقوله: رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس، ومدار طرقه كلها على واصل بن عبد الرحمن الرقاشي، وقد وثقه شعبة، وهو شعبة هو بضم الشين غير منصرف الإمام أمير المؤمنين في الرواية والعلماء مجمعون على إمامته في الحديث وجلالته وإتقانه وعرفانه وورعه، قال الإمام الشافعي لولا شعبة ما حدث الحديث بالعراق، وقال الإمام أحمد: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن يعلم الحديث وأحوال الرواة، وقال الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقيل: جف جلده على عظمه ليس بينهما لحم من كثرة عبادة الله تعالى، وكان ألثغ، قال الحافظ أبو نعيم: كان شعبة من أرق الناس قلبا يمر به السائل فيدخل\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٧٤).\n(^٢) بستان العارفين (ص ٣٤٨).","vol":"2","page":479},{"text":"بيته ويعطيه ما يكفيه، وكان كثير الصلاة والصيام، سخي النفس كان إذا حك جسمه انتثر منه التراب، وركب شعبة مرة حمارا له فلقيه سليمان بن المغيرة فشكا إليه الحاجة فقال له شعبة: والله ما أملك إلا هذا الحمار ثم نزل عنه ودفعه إليه، وكان قيمة حماره وسرجه ولجامه سبعة عشر درهما، أدرك شعبة الحسن وابن سيرين، وسمع قتادة ويونس وأيوب وخلق كثير من التابعين وتوفي بالبصرة سنة ستين ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة وكان شعبة مدنيا ثم انتقل إلى البصرة فاستوطنها وهو من تابعي التابعين وروى عنه الأعمش وأيوب السختياني والثوري وابن مهدي ووكيع وابن المبارك وخلائق لا يحصون من كبار الأئمة وقال أحمد بن حنبل لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث ولا أحسن حديثا منه قاله في مجمع الأحباب، وقال أبو بسطام ابن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم الواسطي ثم البصري من أئمة التابعين وساداتهم ومن أعلام المحدثين وكبار المحققين (^١).\n\n٣٣٨ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تخللوا فَإِنَّهُ نظافة والنظافة تَدْعُو إِلَى الْإِيمَان وَالْإِيمَان مَعَ صَاحبه فِي الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط هَكَذَا مَرْفُوعا وَوَقفه فِي الْكَبِير على ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد حسن وَهُوَ الْأشْبَه (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٤ - ٢٤٦ الترجمة ٢٥٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢١٥ رقم ٧٣١١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٢٤)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا =","vol":"2","page":480},{"text":"قوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"تخللوا فإنه نظافة والنظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة\" الحديث، وفي النهاية \"إن الله ﵎ نظيف يحب النظافة\" الحديث، النظافة في حق الله تعالى كناية عن تنزيهه عن سمات الحدث وتعاليه في ذاته عن كل نقص وحبه النظافة من غيره كناية عن خلوص العقيدة ودفع الشرك ومجانبة الأهواء ثم نظافة القلب عن الغل والحقد والحسد وأمثالها ثم نظافة المطعم والملبس عن الحرام والشبه ثم نظافة الظاهر لملابسة العبادات (^١)، وفي حديث رواه أبو نعيم قال قال رسول الله - ﷺ - \"أنقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجلس الملكين الحافظين الكاتبين وأن مدادهما الذكر وقلمهما اللسان وليس شيء أشد عليهما من فضل الطعام في الفم\" (^٢) وفي نسخة \"من بقايا الطعام بين الأسنان\" ولا بأس بالخلال قبل السواك وبعده ولأن الخلال تبلغ ما لا يبلغه السواك مما بين الأسنان المغير للفم فكان أهم من السواك وإذا قلع شيئا من الطعام الذي بين أسنانه بالخلال\n_________\n= الحديث عن مغيرة إلا شريك، ولا عن شريك إلا إبراهيم بن حيان، تفرد به: النضر بن هشام. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن حيان، قال ابن عدي أحاديثه موضوعة. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٧٧) وضعيف الترغيب (١٥٣).\n(^١) النهاية (٥/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٢) أخرجه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين (٢/ ٢٥٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٣٤). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٢٦٥).","vol":"2","page":481},{"text":"كره ابتلاعه بل يطرحه فإن قلعه بلسانه أكله ولم يكره نص عليه الشافعي ﵀، قال في الإحياء: وهو مروي عن أهل البيت (^١)، قاله في مختصر الكفاية.\n\n٣٣٩ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من لم يخلل أَصَابِعه بِالْمَاءِ خللها الله بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله: عن واثلة هو بن أسقع بن [بن عبد العزى بن عبد ياليل الكناني الليثي تقدمت ترجمته].\nقوله - ﷺ -: \"من لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار\" تقدم الكلام على تخليل الأصابع في حديث أبي أيوب وغيره.\n\n٣٤٠ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لتنتهكن الْأصَابع بالطهور أَو لتنتهكنها النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مَرْفُوعا وَوَقفه فِي الْكَبِير على ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد (^٣) وَالله أعلم.\n_________\n(^١) آداب الأكل (ص ٤٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٦٤ رقم ١٥٦) والشاميين (١٥٠٩) و(٣٣٨١) و(٣٤٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه العلاء بن كثير الليثي، وهو مجمع على ضعفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٦٥٥) وضعيف الترغيب (١٥٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٢٢ رقم ٢٦٧٤) مرفوعا، والكبير (٩/ ٢٤٦ رقم ٩٢١٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي عوانة إلا شيبان، وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه الطبراني في الأوسط، ووقفه في الكبير على ابن مسعود، وإسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح الصحيحة (٣٤٨٩) وصحيح الترغيب (٢١٨).","vol":"2","page":482},{"text":"٣٤١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي الْكَبِير مَوْقُوفَة قَالَ خللوا الأصَابع الْخمس لَا يحشوها الله نَارا (^١).\nقَوْله: لتنتهكن أَي لتبالغن فِي غسلهَا أَو لتبالغن النَّار فِي إحراقها والنهك الْمُبَالغَة فِي كل شَيْء.\nقوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"لتنتهكن الأصابع بالطهور أو لتنتهكنها النار\" الحديث، أي لتبالغن في غسلها أو لتبالغن النار في إحراقها والنهك المبالغة في كل شيء قاله الحافظ.\n\n٣٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - رأى رجلا لم يغسل عَقِبَيْهِ فَقَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله: إن النبي - ﷺ - رأى رجلا لم يغسل عقبيه فقال ويل للأعقاب من النار\" الحديث، ويل كلمة شتم ودعاء بالهلكة (^٣) يقال لكل واقع في هلكة، والويل الحزن، والهلاك والمشقة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل (^٤)، وقيل\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٤٧ رقم ٩٢١٣). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وصححه اللبانى في صحيح الترغيب (٢١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨ - ٢٤٢)، والبيهقى في الكبرى (١/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٣٢٣).\n(^٣) الفائق (٤/ ٨٥).\n(^٤) النهاية (٥/ ٢٣٦).","vol":"2","page":483},{"text":"هي كلمة زجر يخاطب بها كل واقع في هلكة أو عذاب (^١) ومعنى ويل لهم هلكة وخيبة (^٢)، وقيل ويل اسم واد في جهنم لو أرسلت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حره قاله ابن مسعود وعطاء قاله القرطبي (^٣)، وحكى صاحب الإكمال في ويل ستة أقوال؛ قيل هي كلمة تقال لمن وقع في الهلاك، وقيل كلمة تقال لمن استحق الهلاك وقيل هو الهلاك نفسه وقيل شدة العذاب وقيل الحزن وقيل واد في جهنم (^٤)، ولعل هذا الأخير هو المراد هنا فحمله من العارفين أن ذلك الويل هو ما يصيبه من نار جهنم انتهى.\nقوله: الأعقاب جمع العقب بكسر القاف وهو مؤخر القدم وعقب الشيء آخره (^٥) وخص العقب بالعذاب لأنه العضو الذي لم يغسل وقيل أراد صاحب العقب على حذف المضاف (^٦) وفي هذا الحديث حجة لأهل السنة أن المعذب الأجساد الدنيوية لأنه - ﷺ - قال ويل للأعقاب من النار ولا خلاف في اندراج السبب في العموم الواردة عليه فإنما النزاع فيها سوى السبب فأثبت الوعيد لتلك\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١٨/ ٤٠).\n(^٢) العدة (١/ ٥٨).\n(^٣) المفهم (٣/ ١٢٢).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٣٥).\n(^٥) تهذيب اللغة (١/ ١٨١)، وإكمال المعلم (٢/ ٣٥)، ومشارق الأنوار (٢/ ٩٩)، والاقتضاب (١/ ٤٦).\n(^٦) مشارق الأنوار (٢/ ٩٩)، وإكمال المعلم (٢/ ٣٤)، والاقتضاب (١/ ٤٦)، والعدة (١/ ٥٨).","vol":"2","page":484},{"text":"الأعقاب المرتبة لذلك فلو كان المعذب غيرها لكان إبطالا لما دل عليه الحديث بنصه وفيه دليل لمن يقول التعذيب على الصغائر لأن ترك بعض العضو غير مغسول ليس من الكبائر (^١) باختلاف الآية في فرض الرجلين فهذا محمد بن جرير الطبري وهو سني يقول بالتخيير ومعلوم إنه إذا مسح لا يستوعب العضو وما كان في مقام الاجتهاد وجواز التقليد فيه لا يصل إلى رتبة الكبائر اللهم إلا أن يصر عليه فيصير كبيرة كما جاء مبينا في السنة انتهى قاله في الديباجة.\nوقال محيي السنة: معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها من العقوبة بالنار وإنما قال ذلك لأنهم كانوا لا يستقصون غسل أرجلهم في الوضوء (^٢).\nقال محيي السنة: وفيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء وبيان دلالته على وجوب غسل الرجلين الآية وهو قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٣) فالغسل لنا على قراءة النصب فظاهر، وأما على قراءة الجر وإن كان ظاهرها يقتضي وجوب المسح لكن لا يمكن حملها عليه لأنه لم يرد من فعل النبي - ﷺ - والصحابة إلا الغسل فتعين، ويجاب عن الآية بأن العطف فيها على الجواب وهو جائز وذهب محمد بن جرير الطبري إلى التمييز بين الغسل والمسح جمعًا بين القراءتين، وهذا\n_________\n(^١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٢٤١).\n(^٢) شرح السنة (١/ ٤٢٩).\n(^٣) سورة المائدة، ٦.","vol":"2","page":485},{"text":"المذكور ليس هو محمد بن جرير الإمام إنما هو رجل من الشيعة موافق له في الاسم والنسبة وبه قال بعض أهل الظاهر يجب الجمع بين المسح والغسل ويرد ذلك إجماع من يعتد به (^١) وأن النبي - ﷺ - رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فقال \"ويل للأعقاب من النار\" رواه الشيخان (^٢)، وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب، أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي - ﷺ - فقال: \"ارجع فأحسن وضوءك\" (^٣)، فهذا دليل على وجوب الغسل خلافا لمن يقول بالمسح وفي مسند أبي داود وغيره أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: \"يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا\" فذكر الحديث إلى أن قال: ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا\"، ثم قال: \"هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم\" (^٤) وتقدم هذا.\n\n٣٤٣ - وَفِي رِوَايَة أَن أَبَا هُرَيْرَة رأى قومًا يتوضؤون من المطهرة فَقَالَ أَسْبغُوا الْوضُوء فَإِنِّي سَمِعت أَبَا الْقَاسِم - ﷺ - قَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار أَو ويل لِلْعَرَاقِيبِ من النَّار\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرًا (^٥).\n_________\n(^١) انظر: شرح السنة (١/ ٤٢٩)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٢٩) والمجموع (١/ ٤١٧ - ٤١٨).\n(^٢) أخرجه البخارى (٦٠) و(٩٦) و(١٦٣)، ومسلم (٢٦ و٢٧ - ٢٤١) عن عبد الله بن عمرو ابن العاص.\n(^٣) أخرجه مسلم (٣١ - ٢٤٣)، وابن ماجه (٦٦٦).\n(^٤) انظر: المجموع (١/ ٤١٨ - ٤١٩).\n(^٥) أخرجه البخارى (١٦٥)، ومسلم (٢٩ و٣٠ - ٢٤٢)، وابن ماجه (٤٥٣)، والترمذى (٤١)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣١٠ (١١٥).","vol":"2","page":486},{"text":"قوله: أن أبا هريرة، أنه رأى قوما يتوضؤون من المطهرة فقال: أسبغوا الوضوء، قال العلماء المطهرة كل ما يتطهر منه، وهي كالإبريق. والركوة وغيرهما مما يتطهر به وهي بكسر الميم وفتحها لغتان مشهورتان ذكرهما ابن السكيت وجماعة من الأئمة، قال ابن السكيت: من كسرها جعلها آلة ومن فتحها جعلها موضع يفعل فيه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"أسبغوا الوضوء\" والإسباغ لغة الإتمام وقال ابن عمر الإسباغ الإتمام وقال بعضهم الإسباغ الزيادة على المرة في غسل الأعضاء عند التوضأ قاله الكرماني (^٢) فلو لم يسبغ بالغسل حتى ترك شيئًا يسيرًا من أي عضو من أعضاء الوضوء لم تصح طهارته واستحق على ذلك العقوبة إذا تركه مع علمه بذلك لو كان على أعضاء الوضوء ما يمنع وصول الماء إلى البشرة كشمعة أو أثر عجين أو طعام أو غير ذلك فقد جاء التوعد بالنار على ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"ويل للأعقاب أو العراقيب من النار\" تقدم الكلام على النار وعقب الشيء آخره والعراقيب جمع عرقوب بضم العين في المفرد وفتحها في الجمع وهو العصب الغليظ فوق عقب الإنسان (^٣) والعرقوب أيضا هو الوتر الذي خلف الكعبين بين مفصل القدم والساق من ذوات الأربع وهو\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٣١).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٣) الصحاح (١/ ١٨٠)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٣١).","vol":"2","page":487},{"text":"من الإنسان فوق عقب الإنسان (^١) والكعبان هما العظمان الناتئان على الفصيح لا الذي في وسط القدم عند معقد الشراك في طرف الساق وملتقى القدم هذا قول الأصمعي وأبي زيد (^٢) وقال بعضهم الكعبين ظهر القدم وقيل هو مفصل الساق المقدم وكلام العرب الأول قاله عياض (^٣) ومراد مسلم بإيراده هنا الاستدلال به على وجوب غسل الرجلين وأن المسح لا يجزئ وهذه مسألة اختلف الناس فيها على مذاهب فذهب جميع الفقهاء إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئ غسلهما ولا يجزئ المسح مع الغسل ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد بخلافه فى الإجماع بتوعد الأعقاب أو العراقيب بالنار لعدم طهارتها ولو كان المسح كافيا لما توعد من ترك غسل عقبيه بالنار (^٤) أو لأن من قال بالمسح قال بوجوب مسح الأعقاب فدل على أن المراد الغسل وإنما قال يمسح إشارة إلى تقليل استعمال الماء فيه وعدم الإسباغ أو أراد بالمسح الغسل لما روي عن أبى زيد الأنصاري أنه قال المسح في كلام العرب قد يكون غسلا ومنه مسح الله ما بك أي غسل عنك وطهرك قاله الكرماني (^٥) وتقدم شيء من ذلك وقد أجمعت الأمة على\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٢٢١).\n(^٢) شرح الصحيح (١/ ٢٨٨) لابن بطال، ومشارق الأنوار (١/ ٣٤٣)، والنهاية (٤/ ١٧٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١١٥)، والكواكب الدرارى (٣/ ٣٢).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٣).\n(^٤) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٥) الكواكب الدرارى (٢/ ٨).","vol":"2","page":488},{"text":"تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين صلاة الفرض والنفل فلو صلى محدثا متعمدًا بلا عذر أثم وهل يكفر قال جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة إنه يكفر لتلاعبه (^١) والله أعلم.\n\n٣٤٤ - وروى التِّرْمِذِيّ مِنْهُ ويل لِلْأعْقَابِ من النَّار ثمَّ قَالَ وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ ويل لِلْأَعْقَابِ وبطون الْأقْدَام من النَّار (^٢)، قَالَ الْحَافِظ وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ أَحْمد مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (^٣).\nقوله: قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال \"ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار\" تقدم الكلام على الويل والأعقاب وأما بطون الأقدام فمعروف.\nقوله: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي كنيته أبو الحارث نزيل مصر له صحبة شهد فتح مصر واختط بها وسكنها روى عن النبي - ﷺ -، قال\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٣).\n(^٢) أخرجه الترمذى (٤١).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٠ (١٧٧٠٦) موقوفا، وأبو عبيد في الطهور (٣٨١)، وأحمد ٤/ ١٩١ (١٧٧١٠)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٩، ويعقوب بن سفيان ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٨٤)، وابن خزيمة (١٦٣)، والطحاوى في معانى الآثار (١٩٥ و١٩٦)، والحاكم ١/ ١٦٢، والضياء في المختارة ٩/ ٢١٤ (٢٠٣) من طريق الطبراني مرفوعًا. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤٠: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد والطبراني ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٠).","vol":"2","page":489},{"text":"أبو سعيد بن يونس توفي سنة ثمان وثمانين وذكر أبو جعفر الطحاوي أن وفاته كانت بأسفل أرض مصر بالقرية المعروفة بصفط القدور (^١) انتهى.\n\n٣٤٥ - وَعَن أبي الْهَيْثَم قَالَ رَآنِي رَسُول الله - ﷺ - أتوضأ فَقَالَ بطن الْقدَم يَا أَبَا الْهَيْثَم\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه ابْن لَهِيعَة (^٢).\nقوله: عن أبي الهيثم أبو الهيثم اسمه [لا يعرف وقيل أبو الهيثم بن التيهان، وليس بجيد، لأن بكر بن سوادة لم يدركه، وأفرده أبو موسى عن ابن التيهان، لأن بكر بن سوادة لم يلق ابن التيهان، فتبين أنه غيره (^٣)].\nرآني رسول الله - ﷺ - أتوضأ فقال \"بطن القدم يا أبا الهيثم\" وخص بطون الأقدام لأن المتوضئ ربما تساهل في غسل ما يتعلق بها من الوحل وغيره وكذلك ورد الوعيد أيضا على ترك تخليل الأصابع كما تقدم لأن بين الأصابع يحتوي على الأوساخ غالبا والله أعلم.\n\n٣٤٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - رأى قومًا وَأَعْقَابهمْ تلوح فَقَالَ ويل لِلْأعْقَابِ من النَّار أَسْبغُوا الْوضُوء\" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ البُخَارِيّ بِنَحْوِهِ (^٤)\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣ الترجمة ٣٢١٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦٢ رقم ٩١١)، وعنه أبو نعيم في المعرفة (٧٠٦٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤٠ - ٢٤١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وبكر بن سوادة ما أظنه سمع أبا الهيثم. والله أعلم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٥).\n(^٣) الإصابة (٧/ ٣٦٧ الترجمة ١٠٦٩٠).\n(^٤) أخرجه البخارى (٦٠) و(٩٦) و(١٦٣٦)، ومسلم (٢٦ و٢٧ - ٢٤١)، وابن ماجه =","vol":"2","page":490},{"text":"٣٤٨ - وعن أبي روح الكُلاعي قال: صلّى بنا نبيُّ الله - ﷺ - صلاةً فقرأ فيها بسورةِ (الروم)، فلُبِّس عليه بعضُها، فقال: \"إنما لَبِّسَ علينا الشيطانُ القراءةَ من أجلِ أقوامٍ يأتون الصلاةَ بغيرِ وضوءٍ، فإذا أتيتم الصلاةَ، فأحسنوا الوضوءَ\" وفي رواية: فتردَّدَ في آيةٍ، فلما انصرفَ قال: \"إنه لُبِّسَ علينا القرآنُ؛ أنّ أقوامًا منكم يصلُّون معنا لا يُحسنون الوضوءَ، فَمَنْ شهدَ الصلاةَ معنا فليُحْسِن الوضوء\". رواه أحمد هكذا، ورجال الروايتين محتجٌّ بهم في الصحيح وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أبي روح عَن رجل (^١).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم.\nقوله: إن رسول الله - ﷺ - رأى قوما وأعقابهم تلوح فقال \"ويل للأعقاب من النار\" الحديث، ففي هذا الحديث وعيد لمن توضأ وترك شيئا من أعضاء وضوءه بغير غسل والويل واد في جهنم روي أن جهنم تستعيذ منه كل يوم سبعين مرة والمراد أن الويل حاصل لأصحاب الأعقاب وخص الأعقاب بالذكر لأنه - ﷺ - رأى قوما توضئوا وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء فقال \"ويل لهم من النار\" لأنهم إذا فعلوا ذلك صلوا بغير وضوء وإذا صلوا بغير طهارة\n_________\n= (٤٥٠)، وأبو داود (٩٧)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣١٠ (١١٦) و١/ ٣٣٢ (١٤٧) والكبرى (١٤١) و(٦٠٦٣).\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٧١ (١٥٨٧٢) (١٥٨٧٣) و(١٥٨٧٤) و٥/ ٣٦٣ (٢٣٠٧٢) و٥/ ٣٦٨ (٢٣١٢٥)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٣٦٢ (٩٥٩) والكبرى (١١١٢)، قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٢)، وضعفه في المشكاة (٢٩٥).","vol":"2","page":491},{"text":"لم تصح طهارتهم ومن ترك الصلاة استحق الوعيد وفيه دليل على أن تارك الوضوء بعضه يقتل كما يقتل تارك الصلاة لأنه استحق الوعيد الذي استحقه تارك الصلاة، وقيل خص الأعقاب بالذكر لأن التغافل يقع فيها كثير لانخفاضها ونتوء الكعب عليها ويؤخذ من هذا الحديث أن من توضأ وتحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء ضر على الأصح من زوائد الروضة (^١)، ولو كان على جسده فإن كان من الغبار لم يصح وإن نشأ من بدنه صح قاله البغوي في فتاويه (^٢)، وقال القفال في فتاويه (^٣) وقد سئل عن رجل كان على يديه وسخ كثير فتوضأ يجوز وضوءه وإن لم يتحقق وصول الماء إلى أسفل الوسخ لأنه صار كجزء منه قال وعلى هذا لو مس ذلك من امرأته أو مسته امرأته بذلك انتقض وضوءه، وقال محمد بن الحارث لا يجوز وضوءه ما لم يتحقق وصول الماء إلى أسفل الوسخ وكذا لمسه لا يوجب الوضوء عندهم (^٤).\nفائدة: جاء في مسند أبي داود الطيالسي أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - يسأله فقال: \"يسألني أحدهم عن خبر السماء ويدع أظفاره كأظفار الطير يجمع فيها\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٦٤).\n(^٢) فتاوى البغوى (ص ٥١).\n(^٣) هادى النبيه (لوحة ١١/ ب).\n(^٤) المجموع (١/ ٢٨٧) وذهب إلى قول القفال الغزالى كما في الإحياء (١/ ١٤١) وذهب إلى القول الثانى المتولى.","vol":"2","page":492},{"text":"الجنابة والتفث\" (^١) والتفث الوسخ الذي تحت الأظفار.\nففي قوله - ﷺ - يجمع الجنابة دليل على عدم صحة الوضوء وفي الحديث كيف لا يحتبس الوحي ورفع أحدكم تحت أظفاره وصحح الغزالي أن الوسخ تحت الأظفار لا يمنع صحة الوضوء وقال العبادي: محل الخلاف إذا حصل ذلك من غير عجين ونحوه فإن حصل من العجين وجب غسله بلا خلاف ولو كان على العضو دهن أو أثر حناء لم يمنع أثر الوضوء (^٢) أهـ قاله ابن العماد.\nقوله: عن أبي روح الكلاعي بفتح الكاف اسمه [شبيب بن أبي روح، أو شبيب بن نعيم أبو روح الكلاعي الحمصي ثقة من الثالثة أخطأ من عده في الصحابة].\nقوله - ﷺ -: \"صلى بنا نبي الله - ﷺ - صلاة فقرأ فيها بسورة الروم فلبس عليه بعضها فقال إنما لبس علينا الشيطان القراءة من أجل قوم يأتون الصلاة بغير\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى (٥٩٧)، وأحمد ٥/ ٤١٧ (٢٣٥٤٢)، والبخارى في التاريخ الكبير (٤/ ١٢٨)، والشاشى (١١٣٨ و١١٣٩ و١١٤٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٤ رقم ٤٠٨٦)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٢٧١ رقم ٨٢٨ و٨٢٩). قال أبو عبد الرحمن: قال أبي: سبقه لسانه، يعني وكيعا، فقال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، وإنما هو أبو أيوب العتكي. قال أبو حاتم في العلل (٢٣٦٩): هذا خطأ، ليس هو واصل بن سليم؛ إنما هو أبو واصل سليمان ابن فروخ، عن أبي أيوب، وليس هو من أصحاب النبي (- ﷺ -)، هو أبو أيوب يحيى بن مالك العتكي من التابعين. قال البيهقي: هذا مرسل، أبو أيوب غير أبي أيوب الأنصاري. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٦٨: رواه أحمد، والطبراني باختصار، ورجالهما رجال الصحيح خلا أبا واصل، وهو ثقة.\n(^٢) حاشية الشروانى على تحفة المحتاج (١/ ١٨٧)، وحاشية الجمل (١/ ٢٢٠).","vol":"2","page":493},{"text":"وضوء\" الحديث، وفي رواية: \"أن قوما يأتون الصلاة بغير وضوء\" الحديث \"منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء\" لبس بتخفيف الموحدة المفتوحة هو الصحيح أي خلط عليه أمر صلاته وشبهها عليه، وقد ضبطه بعض العلماء بتشديدها والتخفيف أفصح، قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (^١) فالتخفيف في جميعها لشيوخنا في الموطأ، وفي رواية الأصيلي بالتشديد أي: خلط وشوش خاطره وأوقع في قلبه بالأشغال الدنيوية (^٢).\n\n٣٤٩ - وَعَن رِفَاعَة بن رَافع أَنه كانَ جَالِسا عِنْد رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّهَا لا تتمّ صَلَاة لأحَدٍ حَتَّى يسبغ الْوضُوء كمَا أَمر الله يغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (^٣).\nقوله: عن رفاعة بن رافع، هو أبو معاذ رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان ابن عمرو بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي المدني، شهد مع رسول الله - ﷺ - العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان والمشاهد كلها، وأبو\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٩.\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٥٤)، والمفاتيح (٢/ ١٩٦).\n(^٣) أخرجه الدارمى (١٣٦٨)، والبخارى في التاريخ الكبير (٣/ ٣١٩)، وابن ماجه (٤٦٠)، وأبو داود (٨٥٧) و(٨٥٨)، والبزار (٣٧٢٦) و(٣٧٢٧)، والطحاوى في معانى الآثار (١٦١)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧ رقم ٤٥٢٥ و٥/ ٣٨ رقم ٤٥٢٦)، والحاكم ١/ ٢٤١. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٣) و(٥٣٦)، والإرواء (١/ ٣٢١ - ٣٢٢)، صحيح أبي داود (٧٤٧).","vol":"2","page":494},{"text":"رفاعة صحابي اختلفوا في شهوده بدرًا وشهد العقبتين الأولى والثانية، روي له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وعشرون حديثًا، روى البخاري منها ثلاثة، روى عنه ابنه معاذ ويحيى بن خلاد وعبد الله بن شداد، وتوفي في أول خلافة معاوية وذكره في المهذب في فضل الاعتدال من الركوع، وقال فيه: رفاعة بن مالك فنسبه إلى جده وهو في صحيح البخاري في باب شهود الملائكة بدرًا عن معاذ بن رفاعة بن رافع، وكان رفاعة من أهل بدر، وكان رافع من أهل العقبة، وكان يقول لأبيه: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة، وظاهر هذا أن رافعًا لم يشهد بدرا (^١)، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إِنَّهَا لَا تتمّ صَلَاة لأحَدٍ حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أَمر الله يغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح بِرَأْسِهِ وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ\" الحديث، تقدم معنى الإسباغ في مواضع من هذا التعليق، ففي هذا الحديث الاكتفاء بغسل الأعضاء الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٢) فهذه الأعضاء الأربعة من الفرائض، وباقي غسل الأعضاء في الوضوء سنة، والله أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٠ - ١٩١ الترجمة ١٦٩)، وتهذيب الكمال (٩/ ٢٠٣ - ٢٠٤ الترجمة ١٩١٥).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"2","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الترغيب في كلمات يقولهن بعد الوضوء</span>\n٣٥٠ - رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ فَيبلغ أَو فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يَقُول أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهَا شَاءَ رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَقَالا فَيحسن الْوضُوء\" وَزَاد أَبُو دَاوُد ثمَّ يرفع طرفه إِلَى السَّمَاء ثمَّ يَقُول فَذكره وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ كَأبي دَاوُد وَزَاد اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين الحَدِيث وَتكلم فِيهِ (^١).\nقوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على مناقبه في مواضع.\nقوله - ﷺ -: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء\" الحديث، الوضوء تقدم الكلام عليه في مواضع.\nوقوله: \"فيبلغ أو فيسبغ\" بضم حرف المضارعة الشك من الراوي وهما بمعنىً وإنما أتى بذلك محافظة على اللفظ، ولا شك أنه أولى، وقد كانوا يحتاطون في ذلك فيقولون أو كما قال أو نحو ذا أو قريبًا من ذا، وهذا كله إذا كانت الرواية بالمعنى وفي المسألة خلاف والراجح الجواز وهذا لمن عرف اللغة ومنهم من خص بالقول الأول، ومنهم من منعه في الحديث وأظهره في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧ - ٢٣٤)، وابن ماجه (٤٧٠)، وأبو داود (١٦٩)، والترمذى (٥٥)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٦ (١٥٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٤)، والإرواء (٩٦).","vol":"2","page":496},{"text":"غيره، ولعل محل الخلاف فيما إذا أوردها من لفظه، أما إذا وضع ذلك مسطورًا فلا يترتب عليه من اختلاف الأحاديث فيكثر التغيير حتى لعله يخرج عن المقصود، ونقل ابن الصلاح أن ما في الكتب ليس لأحد أن يغير لفظه ويثبت بدله بمعناه، وإنما رخص في الألفاظ لما في ضبطها من الحرج، وذلك منتف هنا، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس له أن يملك تغيير تصنيف غيره (^١)، وهذه نكتة مهمة ينبغي إشاعتها، وأما ما نقل عن بعض الناس من تجويز القراءة بالمعنى فقد رجع عنه، وكيف واللفظ معجز ولا يقدرون على أن يأتوا بمثله لفظًا ولا معنى، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام؛ ومعنى: \"فيسبغ\" أن يبالغ في إكمال الوضوء وإتمامه يإيصال الماء مواضعه على الوجه المسنون، والإبلاغ هو الإيصال (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء\" والثمانية بالرفع صفة للأبواب، فهذا الحديث وغيره يدل على أن أبواب الجنة ثمانية، واستدلوا لذلك بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية، قال في صفة النار: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (^٣) بغير واو، وقالت طائفة: هذه\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢١٤).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٣١٦)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٢١)، والكواكب الدرارى (٢٢/ ١٣١).\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٧١.","vol":"2","page":497},{"text":"الواو واو الثمانية دخلت في أبواب الجنة ولم تدخل في أبواب النار لأنها سبعة، وهذا قول ضعيف لا دليل له ولا تعرفه العرب ولا أئمة العربية، وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين، والسر في حذفها من أهل النار وذكرها في أهل الجنة أن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة حتى دنوا منها فتحت في وجوههم فيأتيهم العذاب بغتة فإنها دار الإهانة والخزي فلم يستأذن لهم في دخولها، وأما الجنة فإنها دار كرامة الله ومحل رضوانه ومسكن أوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مفتحة زيادة في إكرامهم ويجدون ريحها من مسيرة خمس مائة عام ثم يحيون بأطيب الكلام وتقول لهم الملائكة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (^١) فإن الله حرمها إلا على الطيبين فيبشروهم بالسلامة وبالطيب والدخول والخلود (^٢)، قاله في الديباجة؛ ففي هذا الحديث أنه يستحب للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره (^٣)، وزاد أبو داود \"ثم يرفع طرفه إلى السماء\" والمراد برفع طرفه توجهه (^٤)، ويستحب أن يضم إلى ذلك ما رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة مرفوعا إلى النبي - ﷺ - \"سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٧٣.\n(^٢) حادى الأرواح (ص ٥١ - ٥٣).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٢١).\n(^٤) انظر: شرح الإلمام (٥/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"2","page":498},{"text":"إليك\" (^١) قال النووي: قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للغسل أيضًا (^٢)، قال النووي: وروينا في مسند الإمام أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجه وكتاب ابن السني من رواية أنس عن النبي - ﷺ -: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\" (^٣) فتحت له ثمانية أبواب الجنة من أيها شاء دخل، وإسناده ضعيف (^٤)، قال الشيخ نصر المقدسي ويقول مع هذه الأذكار: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ويضم إليه وسلم، قال النووي: قال أصحابنا: ويقول هذه الأذكار مستقبل القبلة وتكون عقيب الفراغ من الوضوء ولا يؤخر عن ذلك (^٥)، وقد جاء في إسباغ الوضوء وفضله أحاديث جمة منها: أن إسباغه على المكاره هو الرباط مع ما ضم إليه من الخيرات، ومنها: أنه علامة الإيمان لحديث: \"لا يسبغ الوضوء ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\"، ومنها: مغفرة ما تقدم وما تأخر كما تقدم، ومنها: رفعة الدرجات،\n_________\n(^١) أخرجه النسائى في الكبرى (١٠٠١٩) و(١٠٠٢٠) و(١٠٠٢١) واليوم والليلة (٨١ و٨٢ و٨٣) موقوفًا ومرفوعًا، والحاكم (١/ ٥٦٤). وقال النسائى: هذا خطأ والصواب موقوف. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٣٣).\n(^٢) الأذكار (٨٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٢٦٥ (١٣٧٩٢)، وابن ماجه (٤٦٩)، والطبراني في الدعاء (٣٨٥)، وابن السنى في اليوم والليلة (٣٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٧٨).\n(^٤) الأذكار (ص ٨٣).\n(^٥) الأذكار (ص ٨١).","vol":"2","page":499},{"text":"ومنها: تكفير السيئات، ومنها: أن تجديده بعشر حسنات كما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وتقدم، وأما قولهم: إنه نور على نور.\nفلم أره في الحديث ولعله من كلام السلف، وتقدم ذلك، ومنها: \"الطهور شطر الإيمان\" أي: نصف الإيمان، ومنها: أن من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه وجبت له الجنة، وأما قوله في الحديث \"فتحت له أبواب الجنة الثمانية\" وهو مذكور في أحاديث الباب ولكن جاء في رواية الترمذي \"وغير ثمانية من أبواب الجنة\" تدل على أنها أكثر، وقد ذكر القرطبي في التذكرة وابن عقيل البالسي في شرح أحكام عبد الحق أحاديث بتسمية أبواب أخر منها: باب الصلاة، ومنها: باب الجهاد، ومنها: باب الصدقة، ومنها: باب الريان، ومنها: باب التوبة، ومنها: باب الكاظمين الغيظ، ومنها: باب الراضين، ومنها: الباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه، وذكر في نوادر الأصول باب محمد - ﷺ - وهو باب الرحمة وهو باب التوبة الذي يغلق إذا طلعت الشمس من مغربها فلم يفتح إلى يوم القيامة، ومنها: باب الحج، ومنها: باب العمرة، ومنها: باب الصلة، وذكر الأزدي في كتاب النصيحة عن أبي هريرة مرفوعا باب الضحى يقال للذين كانوا يواظبون على صلاة الضحى: هذا بابكم فادخلوه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٥/ ١٩٥ (٥/ ١٩٥ رقم ٥٠٦٠)، والحاكم كما في زاد المعاد ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩ عن سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة مرفوعًا به. =","vol":"2","page":500},{"text":"وفي الترمذي: باب أمة النبي - ﷺ - (^١)، وذكر صاحب العروس حديثًا في باب الفرح لا يدخل منه إلا من فرح الصبيان (^٢)، فهذه خمسة عشر بابًا، وذكر زيادة على ذلك، ولكن بتكلف، ومبني هذه الأمور على الصحة ولكنا\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٩: فيه سليمان بن داود اليمامي أبو أحمد، وهو متروك.\nوقال الألباني: في الضعيفة (٣٩٢): ضعيف جدًّا.\nوأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٤/ ٢٠٧، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٨٠١) من طريق يحيى بن شبيب اليماني عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعًا: إن في الجنة بابا يقال له: الضحى، فمن صلى الضحى حنت إليه صلاة الضحى، كما يحن الفصيل إلى أمه، حتى إنها لتستقبله حتى تدخله الجنة.\nوالحديث رواه الخطيب في ترجمة: يحيى بن شبيب اليماني وقال: يروي أحاديث باطلة، وروى له ثلاثة أحاديث، منها هذا الحديث. وقال عنه الألباني في الضعيفة (٣٩٣): موضوع.\nوأخرجه الخطيب أيضا في تاريخه ١٤/ ٢٠٧، وابن الجوزي في العلل (٨٠٢) من طريق يحيى بن شبيب عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعا: إن في الجنة بابا يقال له: الضحى، لا يدخل منه إلا من حافظ على صلاة الضحى. وهذا حديث باطل أيضًا، كما قال الخطيب. وقال الألباني في الضعيفة (٣٩٤): موضوع.\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٥٤٨) عن ابن عمر. قال الترمذى: هذا حديث غريب. سألت محمدًا، عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد الله. وضعفه الألباني في المشكاة (٥٦٥٤/ التحقيق الثاني).\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (١/ ٣٢٨) عن عائشة. قال ابن عدى: وهذه الأحاديث لهشام بن عروة مناكير كلها بهذا الإسناد، ما أعلم حدث به غير أحمد بن حفص هذا، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، وهو ممن يشبه عليه فيغلط فيحدث به من حفظه. وأخرجه الديلمى كما في اللآلئ (٢/ ٧١) عن ابن عباس.\nوقال الألباني: منكر الضعيفة (٧١١٣).","vol":"2","page":501},{"text":"تسامحنا في ذلك إذا لا يتعلق بها حكم شرعي فنبحث عن صحتها (^١)، والله أعلم.\nوالحكمة من دخوله من أبواب الجنة الثمانية التنويه بقدره ورفع ذكره، ولهذا يدعى أبو بكر الصديق من جميعها وكذا من شأنه، ولعل الحديث المذكور فيمن لم يغلب عليه عمل يدعى به فيدعى منها، وأما من غلب عليه الصلاة فيدخل من بابها، وإن دعى من الجميع وكذا في الصدقة والجهاد وغيرها (^٢).\nتنبيه: ذكر الشيخ يحيى الدين النووي في الأذكار أن من بلغه حديث في فضل عمل فليعمل به ولو مرة ليدخل في زمرة أهله (^٣)، قال العلماء: فلما أن أمر صاحب الشرع صلوات الله وسلامه المتوضئ بتطهير الباطن وتطهير الظاهر، شرع له إذ ذاك الدعاء وهو قوله: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إشارة منه إن شاء الله تعالى في قبول ما أتى به لقوله - ﷺ -: \"الدعاء مخ العبادة\" فكمل الحال وتمت النعمة وقبل الدعاء بتخييره - ﷺ - بقوله: \"فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء\" لأن هذا عبد قد تاب من كل ما جنى وتطهر باطنًا وظاهرًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ\n_________\n(^١) انظر: نوادر الأصول (٥/ ٢٦٧)، والتذكرة (ص ٩٥٣ - ٩٥٦)، والتوضيح (١٣/ ٤٠ - ٤١)، وإرشاد السارى (٥/ ٢٧٨).\n(^٢) شرح الإلمام (٥/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٣) الأذكار (ص ٣٥).","vol":"2","page":502},{"text":"الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (^١) ولأجل هذا المعنى جاء الحديث، فيمن امتثل ما ذكر من إسباغ الوضوء وإكماله أن صلاته نافلة له والنوافل الزوائد أي إن لم يجد من الذنوب شيئًا تكون الصلاة للتوبة المتقدمة والتطهير الظاهر والباطن فبقيت صلاته نافلة أي زائدة فكان موضعها رفع الدرجات لا غير (^٢)، انتهى، قال في حدائق الأولياء بعد سياق حديث عمر، من العناية والإكرام ما لا يخفى من الإنعام ومناسبة لرفع الدرجات ومضاعفة الأجور والثواب، ولله منح مواهب وعطيات سوالف (^٣)، انتهى.\n\n٣٥١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة من مقَامه إِلَى مَكَّة وَمن قَرَأَ عشر آيَات من آخرهَا ثمَّ خرج الدَّجَّال لم يضرّهُ وَمن تَوَضَّأ فَقَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لا إِلَه إِلَا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك كتب فِي رق ثمَّ جعل فِي طَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ فِي آخِره ختم عَلَيْهَا بِخَاتم فَوضعت تَحت الْعَرْش فَلم تكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَصوب وَقفه على أبي سعيد (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(^٢) انظر: إكمال المعلم (٢/ ١٨)، والمدخل (١/ ٣٧).\n(^٣) حدائق الأولياء (٢/ ١٠١).\n(^٤) أخرجه النسائى في الكبرى (١٠٨٩٩) وموقوفا (١٠٩٠٠ و١٠٩٠١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٢٣ رقم ١٤٥٥)، والحاكم موقوفا ومرفوعًا (١/ ٥٦٤) وعنه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٦٨ رقم ٢٤٩٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث مرفوعا عن شعبة إلا =","vol":"2","page":503},{"text":"قوله: \"عن أبي سعيد الخدري\"، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ سورة الكهف كانت له نورًا يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها\" الحديث، يعني: من: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^١) إلى آخرها أو خرج الدجال لم يضره، قال أبو الليث السمرقندي ﵀: ورد في الحديث أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من نبي إلا أنذر قومه بالأعور الكذاب\" والإنذار التخويف \"إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر\" (^٢) روى حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"مع الدجال ماء ونار فماؤه نار وناره ماء\" (^٣) وروى عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله - ﷺ - أخر ليلة صلاة العشاء ثم خرج فقال: \"إنما حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري أن ابن عمر رحب البحر فوقع في جزيرة من\n_________\n= يحيى بن كثير. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. قال البيهقى: ورواه معاذ بن معاذ، عن شعبة موقوفا، وكذلك رواه سفيان الثوري، عن أبي هاشم موقوفًا. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن النسائي قال بعد تخرجه في اليوم والليلة: هذا خطأ، والصواب موقوفًا. ثم رواه من رواية الثوري وغندر عن شعبة موقوفًا. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٥١) وصحيح الترغيب (٢٢٥) و(٧٣٦).\n(^١) سورة الكهف، الآية: ١٠٢.\n(^٢) أخرجه البخارى (٧١٣١) و(٧٤٠٨) و(٧٤٧٣)، ومسلم (١٠١ و١٠٢ و١٠٣ - ٢٩٣٣) عن أنس.\n(^٣) أخرجه البخارى (٣٤٥٠) و(٧١٣٠)، ومسلم (١٠٤ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٧ و١٠٨ - ٢٩٣٥).","vol":"2","page":504},{"text":"جزائر البحر، فإذا هو بقصر فيه رجل يجر شعره، مسلسل عليه الأغلال، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الدجال، أخرج رسول الله - ﷺ - للأميين بعد؟ قال: نعم، قال: أفطاعوه أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه، قال: ذاك خير لهم\" (^١) قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: الناس اختلفوا في أمره قال بعضهم: إنه محبوس ويخرج في آخر الزمان، وقال بعضهم: إنه لم يولد بعد وسيولد في آخر الزمان يخرج ويدعو الناس إلى عبادة نفسه فيتبعه من اليهود ما لا يحصى ويطوف في البلدان ويفتتن به كثير من الناس ثم ينزل عيسى بن مريم فيقاتله فيقتله، ويظهر الإسلام في جميع الأرض (^٢).\nينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضع كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفع ينحدر منه جمان كاللؤلؤ ولا يحل الكافر أن يجد ريح نفسه إلا ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه حتى يدركه عند باب لد فيقتله، المنارة: بفتح الميم، وهذه المنارة موجودة إلى الآن في دمشق، ودمشق: بكسر الدال وفتح الميم هذا هو المشهور، وحكى صاحب المطالع كسر الميم، وهذا الحديث من فضائل دمشق، والمهردتان: يروى بدال مهملة وبذال معجمة والمهملة أكثر والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة والغريب وغيرهم، وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة كما هو المشهور، ومعناه: لابس مهرودتين أي ثوبان\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٩ و١٢٠ و١٢١ و١٢٢ - ٢٩٤٢).\n(^٢) بستان العارفين (ص ٣٥٥ - ٣٥٦).","vol":"2","page":505},{"text":"مصبوغين بورس ثم الزعفران وقيل لها شقان والشقة نصف الملأ (^١).\nقوله: وطأطأ رأسه، أي: إذا خفض رأسه، سال منه، يعني العرق.\nوقوله: ينحدر منه الجمان، هو بضم الجيم وتخفيف الميم حبات من الفضة على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه فسمي الماء جمانا لشبهه به في الصفاء والحسن (^٢).\nقوله: فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، هكذا الرواية، فلا يحل بكسر الحاء، ونفسه بفتح الفاء، ومعنى: لا يحل لا يمكن ولا يقع، وباب لد بضم اللام وتشديد الدال وهو بلدة قريبة من بيت المقدس (^٣)، قاله في الديباجة، وذكر مسلم.\nمن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين سنة\" الشك من الراوي قال: \"فيبعث الله عيسى بن مريم - ﷺ - كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحدا في قلبه مثقال ذرة من خير إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد\n_________\n(^١) الغريبين (٦/ ١٩٢٦)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، ومطالع الأنوار (٦/ ١٢١ - ١٢٢)، والنهاية (٥/ ٢٥٨)، وشرح النووى على مسلم (١٨/ ٦٧).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (١٨/ ٦٧).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (١٨/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"2","page":506},{"text":"جبل لدخلت عليه حتى تقبضه\" قال: سمعتها من رسول الله - ﷺ - (^١) الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك\" الحديث، اختلف في: \"سبحانك اللهم وبحمدك\" فقيل: جملة واحدة والواو زائدة، وقيل: جملتان والواو عاطفة، أي: وبحمدك سبحانك، وقال الخطابي: المعنى: وبمعونتك التي هي نعمة توجب على حمدك سبحتك لا بحولي وقوتي، ويستحب أن تأتي بهذا الذكر مستقبل القبلة، قاله الرافعي، وفي الإحياء والبحر: يومئ بطرفه إلى السماء ويصلي على النبي - ﷺ -، وفي حلة ابن الصلاح عن أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن البردي الشافعي أنه قال في كتاب الغنية يستحب أن يقرأ سورة القدر ووفاة المذكور سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، وروى النسائي وابن السني عن أبي موسى الأشعري أنه قال: أتيت النبي - ﷺ - بوضوء فتوضأ فسمعته يقول \"اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي داري وبارك لي في رزقي\" فقلت: يا رسول الله سمعتك تدعوا بكذا وكذا، فقال: \"وهل تركن من شيء\" (^٢) ولو كتب في رق بفتح الراء (^٣).\nقوله: \"ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة\" والطابع بفتح الباء\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦ و١١٧ - ٢٩٤٠).\n(^٢) أخرجه النسائى في الكبرى (١٠٠١٨) واليوم والليلة (٨٠)، وأبو يعلى (٧٢٧٣)، وابن السنى (٢٨). وضعفه الألباني في غاية المرام (١١٢).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧).","vol":"2","page":507},{"text":"وكسرها لغتان فصيحتان وهو الخاتم بمعنى طبع ختم (^١)، ويؤيد هذا التفسير رواية النسائي وفي آخرها ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة معناه: لا يتطرق إليه إبطال وإحباط (^٢).\n\n٣٥٢ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ فَغسل يَدَيْهِ ثمَّ مضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثَلَاثًا وَمسح رَأسه ثمَّ غسل رجلَيْهِ ثمَّ لم يتكَلَّم حَتَّى يَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله غفر لَهُ مَا بَين الوضوءين\" رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالدَّارَقُطْنِيّ (^٣).\nقوله: عن عثمان بن عفان، يجوز في عفان الصرف وعدمه، عثمان: هو أمير المؤمنين بن عفان بن أبي العاص بن أسد بن عبد شمس بن عبد مناف يجتمع نسبه مع النبي - ﷺ - في عبد مناف كان يكنى في الجاهلية أبو عمرو فلما ولدت له رقية في الإسلام غلاما سماه عبد الله واكتنى به أبو عبد الله القرشي العدوي الأموي ذي النورين وصاحب الهجرتين وزوج الابنتين، وأمه:\n_________\n(^١) النظم المستعذب (١/ ٣٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٤٥٧)، وأسنى المطالب (١/ ٤٣)، والغرر البهية (١/ ١١٢).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى كما في اتحاف الخيرة (١/ ٣٣٤ رقم ٥٦٣) والمطالب العالية (٩٢)، والطبراني في الدعاء (٣٨٧)، والدارقطنى (٣٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣٩: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، وهو مجمع على ضعفه. وقال البوصيرى في الاتحاف: قلت: رواه الدارقطني، ومحمد بن عبد الرحمن ضعيف، وكذا الراوي عنه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٦٨١١) وضعيف الترغيب (١٥٦).","vol":"2","page":508},{"text":"أروى أسلمت وهاجرت وبايعت النبي - ﷺ -، توفيت في خلافة ابنها عثمان وصلى عليها ودفنها بالبقيع وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وهو ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين.\nتنبيه: فإن قلت فعبد الله بن سلام من المبشرين بالجنة ولا يحصر في العشرة، قلت: الخبر بالعدد لا ينفي الزائد، والمراد بالعشرة الذي بشروا بها دفعة واحدة وإلا فالحسن والحسين بالاتفاق وكذا أزواجه - ﷺ - من أهل الجنة (^١)، والله أعلم؛ أسلم عثمان - ﵁ - على يد أبي بكر الصديق وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية بنت رسول الله - ﷺ - ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة ولما أن هاجر عثمان برقية إلى الحبشة قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده إنه لأول من هاجر بعد إبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسلام\" قالوا: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره (^٢) وفتح الله على يديه كثيرا من الأقاليم والأمصار ففتح بلاد الري وبلاد الإسكندرية والقيروان وأفريقية وبلاد المغرب وبلاد اصطخر وما والاها وبلاد فارس وبلاد الأندلس وأطراف خراسان وما والاها وفتح كثيرا من بلاد الهند (^٣) وكان عثمان - ﵁ - حسن الشكل مليح الوجه كريم الأخلاق قد اشتمل على حياء كثير وكرم عزيز (^٤)، ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٩٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢٢)، وكنز الدرر (٣/ ٢٥٥).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢٣).\n(^٤) البداية والنهاية (٧/ ٢٢٤).","vol":"2","page":509},{"text":"جمع الناس عند المصحف وحرق سائر المصاحف، وسبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، وقال: قد ركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك فاتفقوا على كتابة المصحف وأن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالمصحف الذي كان الصديق قد أمر زيد بن ثابت الأنصاري بكتابتها وجمعها فكانت عند الصديق أيام حياته ثم كانت عند عمر بن الخطاب فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاصي بحضرة جماعة من الصحابة وأمر إن اختلفوا فقي شيء أن يكتبوه بلغة قريش فكتب لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا وإلى الكوفة وآخر إلى مكة وآخر إلى اليمن وأقر في المدينة مصحفا وبعث إلى البصرة مصحفا، وليس فيها شيء بخط عثمان وإنما هي بخط زيد بن ثابت وإنما قال المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته (^١)، وقيل: لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت ووفقت أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أشد أمتي حياء يأتون من بعدي ولم يروني يعملون بما في الورق المعلق\" فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصحف فأعجب عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف (^٢) ثم عمد عثمان إلى بقية\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٤٤).","vol":"2","page":510},{"text":"المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فأحرقه لئلا يقع بسببه اختلاف، وقيل إن رسول الله - ﷺ - خطب الناس يوما وقال في خطبته: \"أين عثمان بن عفان؟ \" فقال عثمان: ها أنا يا رسول الله، فقال له: \"ادن مني\" فدنا منه فضمه إلى صدره وقبل بين عينيه ورأينا دموع النبي - ﷺ - تجري على لحيته ثم أخذ بيد عثمان وقال بأعلى صوته: \"معاشر المسلمين هذا عثمان بن عفان، هذا شيخ المهاجرين والأنصار، هذا عثمان بن عفان، هذا الذي أمرني الله أن أتخذه سندًا، وختنا على ابنتي، هذا الذي جهز جيش العسرة هذا الذي حفر بئر رومة، هذا الذي استحيت منه الملائكة، فعلى من أبغضه لعنة الله والله ﷿ منه بريء، فمن أحب أن يبرأ من الله تعالى ومني فليبرأ من عثمان بن عفان فليبلغ الشاهد منكم الغائب\" ثم قال له: \"اجلس يا عثمان فقد غفر الله لك ذنبك\" (^١).\nتنبيه: قوله: \"هذا الذي جهز جيش العسرة\" جيش العسرة هو جيش غزوة تبوك، سمي بها لأنه ندب الناس إلى الغزو في شدة الغيظ وكان وقت إيناع الثمرة وطيب الظلال فعسر ذلك عليهم وشق العسر ضد اليسر وهو الضيق والشدة والصعوبة، انتهى، قاله في النهاية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من توضأ فغسل يديه ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا ومسح رأسه ثم غسل رجليه\" تقدم\n_________\n(^١) أورده بطوله الحافظ أبو حفص الموصلي في الوسيلة (ج ٥ - ق- ٢/ ١٧٨).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٣٥).","vol":"2","page":511},{"text":"الكلام على ذلك كله.\nقوله: \"ثم لم يتكلم حتى يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\" قال العلماء: من آداب الوضوء ترك الكلام عليه حتى يفرغ منه ويقول هذا المذكور.\nقوله: \"غفر له ما بين الوضوئين\" والغفران المراد به الستر وهو غفران الصغائر دون الكبائر كما تقدم بيانه وكما سيأتي بيانه أيضًا مبسوطًا.","vol":"2","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الترغيب في ركعتين بعد الوضوء</span>\n٣٥٣ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لِبلَال يَا بِلَال حَدثنِي بأرجى عمل عملته فِي الْإِسْلَام إِنِّي سَمِعت دف نعليك بَين يَدي فِي الْجنَّة قَالَ مَا عملت عملا أَرْجَى عِنْدِي من أَنِّي لم أتطهر طهُورا فِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار إِلَّا صليت بذلك الطّهُور مَا كتب لي أَن أُصَلِّي\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nالدُّف بِالضَّمِّ صَوت النَّعْل حَال الْمَشْي.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ - لبلال: \"حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام\" الحديث، هو بلال بن رباح بفتح الراء وبخفة الموحدة الحبشي القرشي التيمي، وأمه: حمامة، كان قديم الإسلام من أول من أظهر الإسلام وكان ممن يعذب في الله على إسلامه مع جماعة يلبسون أذرع من الحديد ويصهرون في الشمس وكان شجيعا على دينه وهانت نفسه عليه في الله ﷿ فكانوا يعطونه للولدان يطوفون به في شهاب مكة والحبل في عنقه وهو يقول: أحد أحدٌ، فيقول له أبو بكر الصديق: إي والله يا بلال أحد، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر الصديق: لو كان عندنا مال اشترينا بلالا فقال أبو بكر للعباس اشتره لنا فقال العباس لسيدته هل لك أن تبيعي هذا قبل أن تحرمي ثمنه، قالت: ما\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (١١٤٩)، ومسلم (١٠٨ - ٢٤٥٨).","vol":"2","page":513},{"text":"تصنع به إنه خبيث فاشتراه العباس فبعث به إلى أبي بكر فأعتقه، وقيل: اشتراه وهو مدفون في الحجارة فأعتقه، وقيل: اشتراه بسبع أواني وقيل: خمس، وكان أمية بن خلف الجمحي بضم الجيم وفتح الميم وبالمهملة ممن يعذبه على إسلامه ويوالي عليه العذاب فكان من قدر الله تعالى أن بلالا قتله يوم بدر فقال أبو بكر الصديق فيه أبياتًا منها:\nهنيئا زادك الرحمن خيرًا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال\nوكان - ﵁ - يؤذن لرسول الله - ﷺ - فلما مات رسول الله - ﷺ - أراد أن يخرج إلى الشام فقال أبو بكر: بلى تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني وإن كنت أعتقتني لله ﷿ فذرني أذهب إلى الله، فقال: اذهب فذهب إلى الشام مجاهدا وكان ممن شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - ولم يؤذن لأحد بعد النبي - ﷺ - فيما روي إلا مرة لعمر حين قدم الشام فلم ير باك أكثر من ذلك اليوم، وفي قدمة قدمها المدينة لزيارة قبر النبي - ﷺ - طلب الصحابة منه ذلك فأذن ولم يتم الأذان (^١).\nقوله - ﷺ - لبلال: \"حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام\" أرجى: من أسماء التفضيل التي بنيت للمفعول، فإن العمل مرجو به الصواب وعلو الدرجة، ويجوز أن تكون إضافته إلى العمل لأنه سبب الرجاء، ويكون المعنى: حدثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (^٢).\n_________\n(^١) الاستيعاب (١/ ١٧٨ - ١٨٢ ترجمة ٢١٣)، وأسد الغابة (١/ ٤١٥ - ٤١٨ ترجمة ٤٩٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٦ - ١٣٧ ترجمة ٨٨).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٣٧٩)، وشرح المشكاة (٤/ ١٢٤٤).","vol":"2","page":514},{"text":"قوله - ﷺ - لبلال: \"فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة\" الحديث، الدف بالضم صوت النعل حال المشي، قاله المنذري، وقال البيضاوي في شرح المصابيح: الدف بفتح الدال ومعناه صوت دف نعليك، والدف والدفيف السير واللين (^١)، وقال بعضهم أيضا: الدف بالفاء صوت النعل وحركته على الأرض (^٢)، وقال في النهاية: دف نعليك في الجنة أي صوتهما عند الوطئ عليهما، أو يروي بالدال المهملة (^٣)، وقال صاحب المغيث في قوله: \"دف نعليك\" أي خفضهما وما يحس من صوتهما عند وطئهما، ذكر صاحب التتمة بالذال المعجمة، وأصله السير السريع؛ ومنه قول الحسن: إنهم وإن دففت بهم الهمائج أي: أسرعت، وقد يقال: دف نعليك بالدال المهملة، ومعناهما: قريبان (^٤)، والله أعلم.\nقوله: ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلى، المراد بالطهور الوضوء، فيسن للمتوضئ صلاة ركعتين، وسيأتي الكلام على ذلك بعد.\n\n٣٥٤ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من أحد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ يقبل بِقَلْبِه وَوَجهه عَلَيْهِمَا إِلَا وَجَبت لَهُ\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٣٧٩).\n(^٢) كشف المناهج (١/ ٤٨٦).\n(^٣) النهاية (٢/ ١٦٢).\n(^٤) المجموع المغيث (١/ ٧٠٤).","vol":"2","page":515},{"text":"الْجنَّة\" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه فِي حَدِيث (^١).\nقوله: عن عقبة بن عامر، هو: عقبة بن عامر الجهني بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة، واختلف في كنيته فقيل: أبو حامد، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعاد، وقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو الأسود، وقيل: أبو أسد، أسلم بعد قدوم النبي - ﷺ - المدينة، واشتهر عن عقبة بين المصريين أنه رديف رسول الله - ﷺ -، وذكر الحافظ ابن منده: المردفين ثلاثة وثلاثون مردوفا، ولم يذكر فيهم عقبة بن عامر، والذي صح أنه قاد بغلة رسول الله - ﷺ - وأمر عقبة بالركوب هنية، رواه الإمام أحمد بن حنبل، وقيل: كان عقبة كبير الشأن من رفعة أصحاب رسول الله - ﷺ - وصاحب بغلته يقود به في الأسفار وكان شريفا عالما فرضيا شاعرا مقرئا، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان من الغزاة ومن الرماة المذكورين، وشهد فتوح الشام وكان البريد إلى عمر بن الخطاب بفتح دمشق ورسول عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاصي حين كتب يأمره بالرجوع إن لم يكن قد دخل مصر لما توجه إلى فتحها فلم يقرأ الكتاب حتى دخل أرض مصر وولي الديار المصرية لمعاوية بن أبي سفيان وعتبة بن أبي سفيان أخي معاوية في سنة أربع وأربعين وأقام عقبة بن عامر الجهني أميرا في الديار المصرية سنتين وثلاثة أشهر، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: ثلاث سنين\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧ - ٢٣٤)، وابن ماجه (٤٧٠)، وأبو داود (١٦٩ و١٧٠) و(٩٠٦)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٨ (١٥٦)، وابن خزيمة (٢٢٢).","vol":"2","page":516},{"text":"وشهور، وولي عقبة على الصحيح من قول الحافظ ابن عساكر ومحمد بن سعد وأبو سعيد ابن يونس في سنة ثمان وخمسين من الهجرة بمصر، ودفن بمقبرتها بسفح الجبل المقطم وقبره معروف.\nبها يتبرك به وهو معروف بإجابة الدعاء عنده وزرته مرارا وجربت ذلك، ولما دفن - ﵁ - بهذه الجبانة كانوا يسمعون التلاوة من قبره، قاله ابن لهيعة في تاريخه، ذكره ابن الفرات الحنفي في تاريخه (^١)، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين\" الحديث.\nقوله: ما من أحد دخل من هنا لاستغراق الجنس (^٢) والمراد من المسلمين كما صرح به في صحيح مسلم ولا فرق بين الذكر والأنثى والحر والعبد والصغير والكبير في ذلك والله أعلم.\nقوله: فيتوضأ فيحسن الوضوء وإحسان الوضوء إسباغه وإكماله بالتثليث فيه وغير ذلك (^٣) مما سبق مبسوطًا.\nقوله: ويصلي ركعتين، والمراد بالركعتين ما يستحب فعلهما بعد الوضوء ويحصل ذلك بكل صلاة نافلة كانت أو فرضا ركعتين أو أكثر وتتأدى السنة بذلك لوجود المعنى كما قالوا في تحية المسجد فإنها تتأدى بالفرض\n_________\n(^١) انظر: تاريخ ابن يونس (١/ ٣٤٥ - ٣٤٧)، وفتوح مصر (ص ٢٨٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٦ الترجمة ٤١٤)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ٢٠٢ - ٢٠٥ الترجمة ٣٩٧٨).\n(^٢) انظر: المخصص (٤/ ٢٣٠) لابن سيده.\n(^٣) الإفصاح (١/ ٢١٨).","vol":"2","page":517},{"text":"والضحى وغيره (^١).\nقوله: يقبل عليهما بقلبه ووجهه، والمراد بالإقبال على الصلاة الإقبال بالوجه ترك الالتفات والنظر إلى موضع السجود وبالقلب قطع الفكر عنه فيما سوى العبادة (^٢)، قاله في الديباجة.\nوقال في شرح الإلمام: قوله يقبل بقلبه ووجهه عليهما أي يجمع بين خشوع الظاهر والباطن ولا يضره ما يخطر في قلبه ما خطر في نفسه إذا دفعه حالًا وفيه الجناس البديع بين حروف يقبل والقلب (^٣).\nقوله: \"إلا وجبت له الجنة أي بمقتضى الوعد والفضل فإنه تعالى لا يجب عليه شيء عند أهل السنة وظاهر هذا الحديث ترتب دخول الجنة على ذلك، وفي الصحيح لا يدخل أحدكم الجنة بعمله\" والجمع بينهما أن العمل المذكور وغيره من منة الله تعالى على عبده فصار الدخول بالرحمة والدرجات بالرحمة وكذلك ما في الآيات من قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٤) ونحوها فإنه أيضا من النعم ليحث به عباده على الجد في طاعته ففي الحقيقة الجميع منه وما أصابكم من نعمة فمن الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^٥) وهذا ما لم يخش الكبائر وحقوق العباد وإلا فهو\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٣/ ٧٤٧).\n(^٢) كشف المشكل (١/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٣) شرح الإلمام (٥/ ١٦٠ - ١٦١) وانظر: شرح النووى على مسلم (٣/ ١٢١).\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ٨٢.\n(^٥) سورة النحل، الآية: ٥٣.","vol":"2","page":518},{"text":"تحت مشيئة الله في المؤاخذة وعدمها ولابد للجنة بعد ذلك قاله في شرح الإلمام (^١)، وقال في الديباجة: فإن قيل أيجوز أن يقطع بالجنة لمن صلى ركعتين أحضر فيهما قلبه لقوله - ﷺ - في الحديث إلا وجبت له الجنة؟ فالجواب إنا لا نقطع لأحد بعينه لأنه ربما لا يأتي بالحضور المطلوب كما ينبغي وربما وجبت الجنة لشخص ثم حال بينه وبينها عمل من أعماله القباح ولكن نرجو هذا (^٢) والله أعلم.\n\n٣٥٥ - وعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَن توضأَ فأحسنَ الوُضوءَ، ثم صلّى ركعتين، لا يسهو فيهما؛ غُفرَ له ما تقدم [من ذَنْبِهِ] \". رواه أبو داود (^٣).\nقوله: عن زيد بن خالد الجهني [هو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، وقيل: أبو زرعة، سكن المدينة، وشهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، روي له عن رسول الله - ﷺ - أحد وثمانون حديثا، اتفقا على خمسة،\n_________\n(^١) انظر: شرح الصحيح (١٠/ ١٨٠ - ١٨١) لابن بطال، وإكمال المعلم (٨/ ٣٥٣)، وشرح النووى على مسلم (١٧/ ١٦١)، والمفاتيح (١/ ٣٥٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٧٩٩).\n(^٢) كشف المشكل (١/ ١٥١).\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الطهور (١٠)، وأحمد ٤/ ١١٧ (١٧٠٥٤) و٥/ ١٩٤ (٢١٦٩١)، وعبد بن حميد (٢٨٠)، وأبو داود (٩٠٥)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٤٩ رقم ٥٢٤٢ و٥٢٤٣ و٥٢٤٤)، والحاكم (١/ ١٣١)، والبغوى (١٠١٣). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٨) و(٣٩٤)، والمشكاة (٥٧٧).","vol":"2","page":519},{"text":"وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه السائب بن يزيد، والسائب بن خلاد الصحابيان، وجماعة من التابعين. توفى بالمدينة، وقيل: بالكوفة، وقيل: بمصر، سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، ﵁ (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه\" تقدم معنى إحسان الوضوء في الأحاديث المتقدمة.\nقوله: ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما، وتقدم الكلام على صلاة الركعتين في حديث قبله وإذا سهى الإنسان في صلاته استحب له سجود السهو وفائدته جبر خلل لزيادة أو نقصان مخصوص (^٢) وعبارة بعضهم يشرع سجود السهو لترك مأمور أو ارتكاب منهي (^٣) والأول أولى وسواء في ذلك صلاة الفرض والنافلة على المذهب (^٤)، ثم قاعدة الباب أنه متى شك في فعل مأمور مما يسجد لتركه بعد فوات محله سجد للسهو لأن الأصل أنه لم يفعل، قال العلماء: وإذا شك في عدد الركعات وهو في الصلاة بنى الأمر على\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٣ الترجمة ١٨٨).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٨)، وانظر: المهذب (١/ ١٧١)، والاصطلام (١/ ٢٨٩)، وبحر المذهب (٢/ ١٤٧)، والبيان (٢/ ٣٣٤).\n(^٣) نهاية المطلب (٢/ ٢٦٤)، والتهذيب (٢/ ١٩١)، وروضة الطالبين (١/ ٢٩٨)، والمنهاج (ص ٣٣).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٨).","vol":"2","page":520},{"text":"اليقين وهو الأصل ويأتي بما بقي ويسجد للسهو سجدتين للحديث الوارد بذلك وسجود السهو سنة فإن تركه جاز ومحله قبل السلام وقال في موضع آخر إن كان السهو زيادة فمحله بعد السلام والأول أصح (^١) فمن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب الفقه هكذا هو عند الشافعية.\nقوله: \"غفر له ما تقدم من ذنبه\" والمراد بغفران الذنوب ما تقدم من ذنبه الصغائر دون الكبائر كما تقدم والمغفرة الستر والتغطية والاستغفار طلب ذلك وغفرانك مصدر منصوب على المفعول أي هبنا ذلك وأعطنا قاله القاضي عياض (^٢).\nقوله: رواه أبو داود اسمه سليمان ويقال لأبي داود السجستاني اتفق العلماء على الثناء على أبي داود ووصفه بالحفظ التام والعلم الوافر والإتقان والورع والدين والفهم الثاقب في الحديث وغيره قال النووي: وروينا عن إبراهيم الحربي قال لما صنف أبي داود هذا الكتاب يعني كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لنبي الله داود الحديد وروينا عن عبد الله بن محمد بن مخلد قال: كان أبو داود يفي بالمذاكرة مائة ألف حديث ولما صنف كتاب السنن وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه وأقر له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه\n_________\n(^١) التنبيه (١/ ٣٧)، وروضة الطالبين (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، وكفاية النبيه (٣/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، وعمدة السالك (ص ٦٤).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ١٣٨).","vol":"2","page":521},{"text":"وروينا عن الإمام أبي سليمان الخطابي قال: سمعت أبا سعيد بن الأعرابي ونحن نسمع منه كتاب السنن لأبي داود وأشار إلى النسخة وهي بين يديه يقول: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة وهذا كما قال، وروينا عن الحسن بن محمد بن إبراهيم الواراني قال: رأيت النبي - ﷺ - في المنام وقال من أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ كتاب أبي داود ومناقب أبي داود وكتبه كثيرة مشهورة وفيما ذكر كفاية وقال أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله خمسمائة ألف حديث فانتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن جمت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، ولد أبو داود قدس الله سرة سنة ثنتين ومائتين وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين (^١) وتقدم الكلام أيضا على بعض مناقبه.\n\n٣٥٦ - وَعَن حمْرَان مولى عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - أَنه رأى عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - دَعَا بِوضُوء فأفرغ على يَدَيْهِ من إنائه فغسلهما ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أَدخل يَمِينه فِي الْوضُوء ثمَّ تمضمض واستنشق واستنثر ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثَلَاثًا ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ غسل رجلَيْهِ ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - يتَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ صلى\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٧ ترجمة ٧٧٧).","vol":"2","page":522},{"text":"رَكْعَتَيْنِ لا يحدث فيهمَا نَفسه غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: وعن حمران مولى عثمان بن عفان، هو حمران بن أبان مولى عثمان من سبي عين التمر اشتراه عثمان وأعتقه ونفاه إلى البصرة أو الكوفة وسبب نفيه ما روى رشدين بن سعد عن يحيى بن بكير قال حدثني الليث بن سعد أن عثمان بن عفان اشتكى شكاية خاف فيها فأوصى، واستخلف عبد الرحمن بن عوف، وكان عبد الرحمن في الحج، وكان الذي ولي كتابه ووصيته حمران مولى عثمان، فأمره أن لا يخبر بذلك أحدا فعوفي عثمان من مرضه، وقدم عبد الرحمن بن عوف، فلقيه حمران، فسأله عن حال عثمان، فأخبره بالذي أصابه من المرض، وأسر إليه الذي كان من استخلافه إياه، فَقَالَ عبد الرحمن لحمران: ماذا صنعت؟ مالي بد من أن أخبره. فَقَالَ حمران: إذا والله تهلكني. فَقَالَ: والله ما يسعني ترك ذلك لئلا يأمنك على مثلها، ولكن لا أفعل حتى أستأمنه لك.\nفَقَالَ عبد الرحمن لعثمان: إن لبعض أهلك ذنبا ليس عليك إثم في العفو عنه، ولست مخبرك حتى تؤمنه. فقال عثمان: قد فعلت. فأخبره بالذي أسر إليه حمران، فدعا حمران فَقَالَ: إن شئت جلدتك مائة، وإن شئت فاخرج عني. فاختار الخروج فخرج إلى الكوفة فلما قدم \"الحجاج\" \"البصرة\" آذاه\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (١٥٩) و(١٦٤) و(١٩٣٤)، ومسلم (٣ و٤ - ٢٢٦)، وأبو داود (١٠٦)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢٨٤ (٨٧) و١/ ٢٨٥ (٨٨) و١/ ٣١٥ (١٢١).","vol":"2","page":523},{"text":"وأخذ منه مائة ألف درهم. فكتب إلى \"عبد الملك بن مروان\" يشكوه، فكتب \"عبد الملك\" إلى \"الحجاج\": إن \"حمران\" أخو من مضى، وعمّ من بقي، فأحسن مجاورته، ورد عليه ماله، وأحسن مجاورته وقد أدرك أبا بكر وعمر فدعا بحمران فقال: كم أغرمناك قال مائة ألف فبعث بها إليه مع غلمان وقال هي لك مع الغلمان العشرة فقسمها حمران على أصحابه وأعتق الغلمان (^١).\nمات حمران بعد سنة خمس وسبعين روى له الجماعة وهو تابعي ثقة والله أعلم وتقدم الكلام عليه مبسوطًا.\nقوله: إنه رأى عثمان بن عفان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر، الحديث، هذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء (^٢).\nقوله: دعا بوضوء، الوضوء بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به وبضم الواو هو الفعل (^٣) وتقدم ذلك مرات ففي هذا الحديث الاستعانة بطلب الماء وإفراغ الماء على اليد قبل غمسها ثم إدخالها فيه ولم يذكر نية الاغتراف وسيأتي الكلام على ذلك، والاستعانة في الوضوء قال الأصحاب: هي على ثلاثة أقسام:\nأن يستعين في إحضار الماء من البئر والبيت ونحوهما وتقديمه إليه وهذا\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (١٥/ ١٧٢ و١٧٧ و١٧٨ - ١٧٩).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٦).\n(^٣) العدة (١/ ٨٥).","vol":"2","page":524},{"text":"جائز ولا يقال خلاف الأولى.\nوالثاني: أن يستعين بمن يغسل الأعضاء فهذا مكروه كراهة تنزيه إلا أن يكون معذورا بمرض أو غيره.\nوالثالث: أن يستعين بمن يصب عليه فإن كان لعذر فلا بأس به وإلا فهو خلاف الأولى.\nوهل يسمى مكروها فيه وجهان أصحهما ليس بمكروه لأنه لم يثبت فيه نهي، وأما استعانة النبي - ﷺ - بأسامة والمغيرة بن شعبة في غزوة تبوك وبالربيع بنت معوذ فلبيان الجواز ويكون أفضل في حقه حينئذ لأنه مأمور بالبيان وأنه لا كراهة في المناولة وكذا الصب عليه على الأصح بخلاف الاستعانة في غسل الأعضاء مع القدرة فإنه يكره جزما (^١).\nوفي ابن ماجه \"كان رسول الله - ﷺ - لا يكل طهوره إلى أحد، ولا صدقته التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه\" (^٢).\nقوله: فأفرغ على يديه، أي فأفرغ عليهما من الإناء ففيه دليل على استحباب غسل اليدين ثلاثا قبل الوضوء وإنه إن شك في طهارتهما كره غمسهما في الإناء قبل غسلهما ثلاثا، فإن غسلهما دون الثلاث لم تزل\n_________\n(^١) انظر: شرح النووى على مسلم (٣/ ١٦٨ - ١٦٩) والمجموع (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، والنجم الوهاج (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٢) عن صفوان ابن عسال. وقال الألباني: ضعيف جدا، الضعيفة (٤٢٥٠).","vol":"2","page":525},{"text":"الكراهة المستفادة من مخالفة الأمر وتزول الكراهة من جهة الشك في النجاسة فإن النجاسة المشكوك فيها تزول بالغسل مرة أو مرتين وإن تحقق طهارة يده لم يكره غمسهما في الإناء قبل غسلهما وإذا لم يمكنه عند الشك في طهارة يده الإفراغ عليهما من الإناء استعان بمن يصب عليه فإن لم يجد أخذ بفمه أو بطرف منديله وصبه عليه (^١).\nقوله: فغسلهما ثلاث مرات، فيه دليل على أن السنة غسلهما قبل الوضوء سواء تحقق طهارتهما قبل الغسل أم لا (^٢).\nقوله: ثم أدخل يمينه في الوضوء، فيه دليل على استحباب أخذ الماء بيمينه في الوضوء والغسل (^٣) وقد كان النبي - ﷺ - يحب التيمن في وضوءه في شأنه كله (^٤) الحديث. وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.\nقوله: ثم تمضمض واستنشق واستنثر، تقدم الكلام على ذلك أيضا مبسوطا.\nقوله: ثم غسل وجهه ثلاثا، فيه دليل على جواز الاغتراف للوجه بيد واحدة وهو أرفق في استعمال الماء فلو اغترف بيديه جميعا لوجهه كان أيسر\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٤/- ٣٤٩) وروضة الطالبين (١/ ٥٨)، وكفاية النبيه (١/ ٢٨٠ - ٢٨١)، والنجم الوهاج (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٥)، والروضة (١/ ٦٠)، وشرح الإلمام (٣/ ٥٨٨ - ٥٨٩).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٦٠).\n(^٤) أخرجه البخارى (١٦٨) و(٤٢٦) و(٥٣٨٠) و(٥٨٥٤) و(٥٩٢٦)، ومسلم (٦٦ و٦٧ - ٢٦٨) عن عائشة.","vol":"2","page":526},{"text":"لأن الوجه يغسل باليدين جميعا (^١).\nقوله: ويديه إلى المرفقين ثلاثا، وفي رواية ثم أدخل يديه مرتين إلى المرفقين المعنى أدخل يديه فاغترف فغسلهما مرتين خارج الإناء على المرفقين أي مع المرفقين، وفيه دليل على أن نية الاغتراف لا تجب فيه غسل الوجه فإن غسل اليد عن الحدث إنما يصح بعد غسل الوجه مراعاة لترتيب اليد مع الوجه (^٢).\nفائدة: واعلم أن نية الاغتراف تكون صارفة للنية لا قاطعة لها ويدخل وقتها بالغسلة الأولى من الوجه فإذا وضع يده في الماء بعد الغسلة الأولى من الوجه فله ثلاثة أحوال:\nأحدها: أن يضعها بنية رفع الحدث عن اليد فما غسله من اليد في الماء يرتفع حدثه ويصير الماء مستعملا بالنسبة إلى الباقي.\nالثاني: أن يطلق فيصير مستعملا أيضا لأنه إذا وضع اليد في الماء يرتفع حدثها عن الباقي.\nالثالث: أن يضعها بنية أن يغترف للغسلة الثانية أو الثالثة من الوجه فلا يصير مستعملا لأجل صرف الغسل إلى الوجه، وكذلك إذا وضعها بعد غسل الوجه ثلاثا ونوى الاغتراف ليغسل اليد خارج الإناء لا يصير مستعملًا لأن اليد حينئذ تصير كالآلة التي ينقل بها الماء (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٢٢)، وشرح الإلمام (٣/ ٥٨٩)\n(^٢) انظر: المجموع (١/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(^٣) انظر الوسيط (١/ ١٢٧ - ١٢٨)، وشرح مشكل الوسيط (١/ ٢٩ - ٣٠)، وشرح الإلمام (٣/ ٥٩٤)، والنجم الوهاج (١/ ٢٣٦).","vol":"2","page":527},{"text":"والجنب تكون نية اغترافه بعد النية لعدم الترتيب (^١) وفيه دليل على أن الثلاثة سنة في الوضوء وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة وثلاثا ثلاثا وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة لحديث حمران فيه غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا ومسح الرأس مرة واحدة وفي حديث عبد الله بن زيد أنه غسل بعض الأعضاء مرتين ولا خلاف أن الأولى هو غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا أكمل وأفضل (^٢).\nقال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كله وأن الثلاثة هي الأكمل والواحدة تجزئ (^٣) واختلف العلماء في مسح الرأس فهل السنة أن يمسحه ثلاثة أو واحدة؟\nقال ابن عبد البر: وجمهورهم يقول بمسح الرأس مسحة واحدة وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والأكثرون إلى أن السنة مرة واحدة كاملة لا يزيد عليهم إلا الشافعي ﵀ فإنه قال: من توضأ ثلاثا ثلاثا مسح رأسه ثلاثا على ظاهر الأحاديث في أن رسول الله - ﷺ - توضأ ثلاثا ثلاثا وفي بعض الروايات اثنان عن عثمان في صفة وضوء النبي - ﷺ -، ثم مسح ثلاثا وأكثرها على مرة واحدة (^٤)، قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه - ﷺ -\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٩)، والنجم الوهاج (١/ ٢٣٦).\n(^٢) التنبيه (١/ ١٦)، والمهذب (١/ ٤٢)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ٢٣٠).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ٢٣٠).\n(^٤) الاستذكار (١/ ١٢٩).","vol":"2","page":528},{"text":"مسح مرة (^١) انتهى.\nوأجمع العلماء على وجوب مسح الرأس واختلفوا في قدر الواجب فيه فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعاب الرأس وقال أبو حنيفة في رواية الواجب ربعه (^٢) قال ابن عبد البر كان مالك يقول في مسح الرأس يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد، قال: وهو أبلغ ما سمعت في مسح الرأس وهو قول الشافعي (^٣).\nوقال في الغاية: والأظهر أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ومدهما إلى قفاه على وجه يستوعب جميع رأسه ثم يمسح أذنيه بأصبعيه (^٤) والسنة أن يمسح أذنيه بماء الرأس عند أبي حنيفة وأصحابه خلافا للشافعي (^٥) لما في رواية أبي داود عن المقدام بن معد كرب أن النبي - ﷺ - مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصابعه في صماخها (^٦).\n_________\n(^١) سنن البيهقى الكبرى (١/ ١٠٣).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٢/ ١٠٧).\n(^٣) الاستذكار (١/ ١٢٩).\n(^٤) انظر: تبيين كنز الحقائق (١/ ٥)، ودرر الحكام (١/ ١١)، والبحر الرائق (١/ ٢٧).\n(^٥) تحفة الفقهاء (١/ ١٤)، وبدائع الصنائع (١/ ٢٣)، والهداية (١/ ١٦).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٤٤٢)، وأبو داود (١٢١) و(١٢٢) و(١٢٣)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٧٧ - ٢٧٦ رقم ٦٥٤ و٦٥٥ و٦٥٦) والشاميين (١٠٧٦ و١٠٧٧). وصححه الألباني في صحيح أبى داود (١١٢ و١١٣ و١١٤).","vol":"2","page":529},{"text":"فائدة: روى الدارقطني وغيره عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله أعطاني نهرا يقال له الكوثر في الجنة لا يدخل أحد أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر، قالت: فقلت يا رسول الله فكيف ذلك؟ قال: أدخلي أصبعيك في أذنيك وسدي، فالذي تسمعيه فيهما فمن خرير الكوثر (^١)، وهذا النهر خاص بالنبي - ﷺ - يتشعب منه جميع أنهار الجنة (^٢)، انتهى.\nقوله: في حديث عثمان رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ولم يقل مثل وضوئي، وهل بين النحو والمثل فرق؟\nوالجواب: إنما قال - ﷺ - نحو وضوئي هذا ولم يقل مثل وضوئي لوجوه:\nالأول: أنه - ﷺ - رتب حصول ذلك الثواب على الإتيان بوضوء يقارب وضوءه لأن النحو يطلق على ما قارب الشيء في غالب وجوه الشبه وإن خالفه في أدنى مخالفة ولم يشرط في الحصول الإتيان بذلك الحصول ليتسع ذلك على الأمة، والتوسعة عليهم في أبواب الفضل ويقرب منه قوله - ﷺ - \"سددوا وقاربوا\" أي إنكم لم تستطيعوا الإتيان بما أمرتم به فقاربوا الإتيان بمثله والذي يقرب من الشيء نحوه (^٣) كما تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في التفسير (٢٤/ ٦٨١) موقوفًا. وقال السهيلى في الروض (٣/ ٤٠٨): ورواه الدارقطني من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٩٨٥).\n(^٢) العين (٥/ ٣٤٨) للفراهيدى.\n(^٣) شرح الإلمام (٣/ ٥٠٦).","vol":"2","page":530},{"text":"الثاني: إنه - ﷺ - إنما قال نحو وضوئي هذا ولم يقل مثل وضوئي هذا لأن أحدا من الأمة لا يستطيع أن يأتي بمثل العبادة التي أتى بها النبي - ﷺ - في صفاتها الكاملة من الإخلاص وحضور القلب والخشوع والمراقبة وحسن الأداء والإشارة إلى ذلك لقوله - ﷺ -: \"أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية\" وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (^١) إنما قال ذلك لأن عبادته - ﷺ - مقطوع بقبولها وقيل إن فرائضه لا تكمل من نوافله لكمالها وعدم نقصها بخلاف الأمة فإن النوافل تجبر ما يقع في فرائضها من الخلل (^٢).\nالثالث: لابد في حصول ذلك من مراعاة النحو فيأتي بوضوء يقارب ذلك الفعل ولا يأتي به بعيدا عنه لأن مدلول النحو القصد ونحا إذا قصد ونحا نحوه إذا قصد قصده (^٣).\nالرابع: إنما قال - ﷺ - نحو وضوئي ولم يقل مثل وضوئي، لأن المثل شرطه أن يكون مساويا في سائر وجوه الشبه وفي التعبير بالنحو توسعة للمكلفين لأن أفعال المكلفين مغيرة كتغاير الدواب فالمثلية فيها لا تتحقق لقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (^٤) ومن جملة آيات الله تعالى اختلاف\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٨)، ورياض الأفهام (١/ ١٤٢)، وغاية السول (ص ٨٧)، وإمتاع الأسماع (١٣/ ٢٥) وسبل الهدى والرشاد (١٠/ ٤٠٣).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٨٥)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٣٤٧).\n(^٤) سورة الروم، الآية: ٢٢.","vol":"2","page":531},{"text":"أفعالنا أيضا، حق إن الشخص الواحد لا يماثل فعله اليوم فعله بالأمس وقال شيخ الإسلام القشيري: إن لفظة نحو لا تقتضي المساواة من كل وجه بخلاف لفظة مثل (^١) كما تقدم، وقال في حديث: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول\" إن لفظة مثل لا تقتضي المساواة من كل وجه فإنه لا يريد مماثلة في رفع الصوت وغيره (^٢) انتهى.\nوقال في كتاب الديباجة: والمراد بنحو وضوئي أن يكون عالما بأن الوضوء يمحو الذنوب بشرط تقدم التوبة فإنها إذا تقدمت وجاء الوضوء بعدها تمت فإن قيل التوبة وحدها مسقطة للذنوب فما فعل الوضوء؟\nفالجواب: إن الوضوء متم كذلك لأنه نور على نور إذ به يعلم أن التوبة الأولى مقبولة وعلى كل حال فالأمر مشكل انتهى.\nوقال بعض العلماء: رتب المغفرة على ثلاثة شروط:\nالأول: الإتيان بنحو وضوئه ومراعاة الكيفية المذكورة من تثليث الغسل في الأعضاء والإتيان بغسل الكف والمضمضة والاستنشاق بأن نقص عن ذلك أو ترك هذه السنن وأتى بواجبات الوضوء احتمل حصول الثواب وحصول المغفرة لأن من أتى الواجب فقد أتى بنحو فعله فعلى هذا إذا توضأ مرة مرة ثم صلى غفر له ويحتمل منع الوصول لتفريطه في السنة بترك\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٠٤).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٨٥)، وشرح الإلمام (٣/ ٥٠٦)، والإعلام (١/ ٣٤٧)، والنجم الوهاج (١/ ٢٠٤).","vol":"2","page":532},{"text":"الإتيان بكل ما فعله ولو زاد في الوضوء فغسل أربع مرات أو أسرف في الماء من غير حاجة فالمتجه عدم الحصول لأنه زاد على النحو وغلا في الدين وعد من المسرفين، وقد حكى الدارمي في الاستدراك قولا أنه لا يصح وضوءه كمن زاد في الصلاة ركوعا أو سجودا أو تشهدا (^١).\nقوله - ﷺ -: \"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد\".\nالثاني: قوله - ﷺ - \"ثم صلى ركعتين\" وفي رواية \"ثم قام فصلى ركعتين\" فيه دليل على اشتراط الصلاة من قيام هذه الزيادة في مسلم أيضا فلو صلى من قعود لم يحصل هذا الثواب المرتب لإخلاله بالقيام.\nالثالث: أنه لو صلى ركعة واحدة لم يحصل له ذلك لأن الأجر إذا رتب على درهمين لم يحصل على درهم ولو زاد على ركعتين فصلى أربع ركعات أو ثلاثا فالظاهر الحصول لأنه قد أتى بالركعتين وزيادة (^٢).\nتنبيه: لم يبين في الحديث ماذا ينوي بالركعتين وقد قيل ينوي بهما سنة الوضوء لحديث بلال السابق المخرج في الصحيح أنه متى توضأ صلى أي ركعتين وقال: إنه أرجى عمل له قال.\nالنووي في شرح مسلم: في هذا الحديث دليل على استحباب ركعتين فأكثر عقيب الوضوء وهو سنة مؤكدة، قال: قال أصحابنا: ويفعل هذه الصلوات في أوقات النهي وغيرها لأن لها سببا، واستدلوا بحديث بلال أنه\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٤٤٠).\n(^٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٨٥ - ٨٦)، والعدة (١/ ٩١)، والإعلام (١/ ٣٥١).","vol":"2","page":533},{"text":"كلما توضأ صلى ركعتين وقال: إنه أرجى عمل له، قال: ولو صلى فريضة أو نافلة مقصودة حصلت هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بصلاة ركعتين (^١)، ولو توضأ وأحرم بأربع ركعات ثم ينتهي في ركعتين وحضر قلبه في ركعتين ثم سلم، فظاهر الحديث حصول هذا الثواب لأنه صدق عليه أنه صلى ركعتين لم يحدت فيهما نفسه، وهل يستحب في هاتين التطويل أم الإسراع؟\nالمتجه استحباب الإسراع تعجيلا لحصول المغفرة ولأنه قد يموت قبل إكمالهما إذا طولهما وروى أبو هريرة - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: \"إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين\" وقد ذكروا له معنيين أحدها الإسراع والمبادرة إلى حل عقد الشيطان كما ورد في قوله - ﷺ - \"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد\" الحديث وفي رواية ابن ماجه \"يعقد الشيطان في حبل على قافية رأس أحدكم\" والحبل هنا مجاز ولطوله مناسبة لقوله - ﷺ - \"عليك ليل طويل\" قال بعض أشياخنا: المراد بقوله - ﷺ - إذا هو نام النوم عن صلاة العشاء لأن من صلى العشاء ثم نام لا يصبح خبيث النفس وإنما يصبح خبيثا إذا ترك الواجب (^٢).\nوالثاني: إذا قام من الليل وشرع في الصلاة فربما بقيت عنده بقايا نوم وشوائب\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: شرح النووى على مسلم (٦/ ٦٦)، والمدخل (٢/ ١٩٧)، وطرح التثريب (٣/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"2","page":534},{"text":"فإذا صلى ركعتين حصل له إدمان على الطاعة وإقبال على العبادة (^١).\nقال الحليمي: ولهذه الحكمة قدمت النوافل على الفرائض (^٢) وعلى المعنيين يستحب الإسراع في ركعتي الفجر والتطويل في صلاة الصبح ويقرب من هذا المعنى الأول أقوال حكاها بعض العلماء في أن الإتيان بكلمة الشهادة هل يستحب فيها المد بالإسراع قيل يستحب المد فيقول لا إله إلا الله بالمد وقد ورد في الحديث \"من قال لا إله إلا الله مادا بها صوته\" وقال - ﷺ - \"يغفر للمؤذن مد صوته\" وفي رواية أحمد \"مد صوته\" والمراد بمد الصوت الموضع الذي ينتهي إليه صوته ومدى الشيء نهايته (^٣).\nوالقول الثاني: إنه يستحب القصر مخافة أن يموت قبل إتمامها.\nوالثالث: إن كان كافرا يستحب له القصر لئلا يموت قبل إتمامها فيكون كافرا وإن كان مسلما استحب له المد كالمؤذن (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"ثم قام فصلى\" فيه دليل على اشتراط الصلاة، لكنه معارض بما رواه الترمذي عن النبي - ﷺ - أن العبد إذا توضأ خرج نقيا من الذنوب ورواه الإمام أحمد وزاد \"فإذا صلى كانت صلاته نافلة\" (^٥) وفيه دليل\n_________\n(^١) انظر: شرح النووى على مسلم (٦/ ١٠)، والمفاتيح (٢/ ٢٥٨)، والمفهم (٧/ ٨)، وفتح البارى (٣/ ٤٦).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ١٩٩).\n(^٣) شرح المشكاة (٣/ ٩١١).\n(^٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٠٩)، والعدة (١/ ٣٨٨)، والنفح الشذى (٤/ ١٣٥)، ورياض الأفهام (٢/ ٤٥).\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٢ - ٢٤٤)، والترمذى (٢) عن أبى هريرة. وأخرجه أحمد ٤/ ٣٤٨ =","vol":"2","page":535},{"text":"على أنه لابد وأن يترك الوسوسة في أول صلاته وينبغي أن يأتي بالصلاة عقيب الوضوء لتتصل الوسيلة بالتوسل إليه (^١).\nفإن قيل: لما قال - ﷺ- \"ثم قام فصلى\" فأتى بثم في الأول وبالفاء في الثاني قلت لأن الصلاة لا تقع في موضع الوضوء ولا تفعل إلا في مكان آخر غالبا فلابد من مهلة في الزمان يمكنه المشي فيها إلى موضع الصلاة المهيأ لها فلذلك أتى بثم وإذا قام إلى الصلاة استحب التحرم عقيب القيام وترك الوسوسة عند التكبير وهذا سر لطيف فاعرفه.\nالرابع: قوله - ﷺ - \"لا يحدث فيهما نفسه\" اعلم أن الغزالي ﵀ قد ذكر في كتاب الجواهر أن النفس والروح والعقل بمعنى، قال وهو السر الرباني وللناس في هذا اختلاف كبير وترجيح فالذي يقرب أن الإنسان له نفسان نفس حيوانية ونفس روحانية، فالنفس الحيوانية لا تفارقه إلا بالموت والنفس الروحانية التي هي من أمر الله فبها يفهم ويعقل وهي التي يتوجه لها الخطاب وهي التي تفارق الإنسان عند الموت وإليها الإشارة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (^٢) وأما النفس الحيوانية فلا تفارق الإنسان بالنوم فلهذا يتحرك الإنسان ويتنفس وحرارة جسمه باقية وإذا مات\n_________\n= (١٩٠٦٤) و٤/ ٣٤٩ (١٩٠٦٥) و(١٩٠٦٨)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢٠١ (١٠٧) والكبرى (١٣١) عن الصنابحى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥).\n(^١) شرح الإلمام (٤/ ٦٠٨ - ٦٠٩).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٤٢.","vol":"2","page":536},{"text":"فارقه جميع ذلك (^١)، وأما قوله - ﷺ -: \"لا يحدث فيهما نفسه\" المراد النفس الروحانية والمراد به لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة ولو عرض له حديث ما فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله لأن هذا ليس فعله وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر قاله الماوردي (^٢) والقاضي والنووي فقالوا: حديث النفس في الحديث هو المجتلب والمكتسب وأما ما يقع في الخواطر غالبا فليس هو المراد لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطوات الشيطان ونفيها عنه ومجاهدته ومحافظته عليها حتى لم يشتغل عنها طرفة عين وسلم من الشيطان باجتهاده وتفريغ قلبه وقال بعضهم هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة ويكون دون صلاة ومن لم يحدث نفسه بشيء لأن النبي - ﷺ - إنما ضمن الغفران لداعي ذلك لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"غفر له ما تقدم من ذنبه\" قال النووي في شرح مسلم: الصغائر من الذنوب فقد قال الأصحاب نظير ذلك في قوله - ﷺ - في صوم عرفة \"أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده\" أنهم ذكروا أن\n_________\n(^١) الكليات (ص ٨٩٨) للكفوى.\n(^٢) كذا في الأصل والصواب المازرى.\n(^٣) المعلم (١/ ٣٥١)، وإكمال المعلم (٣/ ١٩)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٩).","vol":"2","page":537},{"text":"المراد الصغائر (^١) ونازعهم صاحب الذخائر وقال: ما قالوه يحتاج إلى دليل وفضل الله أوسع من ذلك (^٢) وظاهر هذا يقتضي العموم في جميع الذنوب لأن قوله - ﷺ -: \"ما تقدم من ذنبه\" صيغة عموم ولكنه قد خصص بقوله - ﷺ -: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر\" وفي هذا الحديث وقفة وهو أن قوله - ﷺ -: \"ما اجتنبت الكبائر\" هل هو قيد في التكفير حتى ولو كان مصرا على الكبائر لم يغفر له شيء من الصغائر أو هو قيد في التعميم أي تعميم المغفرة فعلى هذا تغفر الصغائر وإن ارتكب الكبائر والأقرب الثاني وإلا لم يكن لذلك تأثير في التكفير لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (^٣) الآية (^٤) وفي الآية: والحديث دليل على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر وقد خالف الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وقال: ليس في الذنوب صغيرة والذنوب كلها كبائر نظرا إلى عظمة من يعصى وفي الآية والحديث دليل على أن الكبائر متميزة عن الصغائر وحكي الشبلي في التذكرة قولا أن الكبائر مبهمة في المعاصي كما أخفى الله ليلة القدر في رمضان وساعة الإجابة في يوم الجمعة وفائدة إبهام الكبائر التحامي عن\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٨/ ٥١).\n(^٢) انظر: مغنى المحتاج (٢/ ١٨٣)، ونهاية المحتاج (٣/ ٢٠٦).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(^٤) المنثور في القواعد (١/ ٤٢٠).","vol":"2","page":538},{"text":"الوقوع في سائر المعاصي لأنه ما من معصية إلا ويجوز أن تكون من الكبائر وهذا القول غير بعيد (^١) واعلم أن من الأعمال ما يرفع الذنب السابق ولا يرفع اللاحق ومنها ما يرفع الذنب السابق واللاحق ويسمى رافعا ودافعا فمن صلى ركعتين بالصفة المذكورة غفر له ما تقدم من ذنبه فالركعتان رافعتان للذنب وصوم يوم عرفة يكون رافعا لذنوب السنة الماضية ولذنوب السنة المستقبلة حتى إذا فعل ذنبا لم تأخذه عليه الملائكة وصدقة الفطر طهرة للصائم من لغوه ورفثه الواقع في رمضان كما جاء في الخبر وعندنا يجوز تقدمهما من أول رمضان فهي حينئذ تكون دافعة لما يقع من الصائم من اللغو والرفث وإن تأخرت كانت رافعة (^٢) فمن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه فقد قام بهذه الأوصاف فلذلك يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه فقد دخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^٣).\nفائدة صوفية جليلة:\nقوله - ﷺ -: \"ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه\" إشارة إلى مقام الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه وإذا كنت تراه اشتغلت بمناجاته وغفلت عن نفسك وعما تحدث فيها من الفواحش الواردة من جهة النفس\n_________\n(^١) انظر: التفسير البسيط (٦/ ٤٧٤)، وشرح النووى على مسلم (٢/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٢) المنثور (١/ ٤٣١).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١١١.","vol":"2","page":539},{"text":"والوساوس الواردة من جهة الشيطان فإن حصلت له غفلة وخطرت له وساوس أو هواجس أضرب عنها واشتغل بالمناجاة وتدبر معاني القرآن فإذا فعل ذلك ولم يشتغل بحديث نفسه ومطاوعتها غفر له ما تقدم هذا إن كان عليه ذنب وإلا فقد روى الإمام أحمد في المسند أن الرجل إذا توضأ وأحسن الوضوء خرج نقيا من الذنوب فإن صلى كانت صلاته نافلة فإن اتصف بذلك كانت صلاته نافلة ورفع في الدرجات (^١) فإن قيل أحد الخبرين يدل على حصول المغفرة بالوضوء وحده والآخر يقتضي أن المغفرة لا تحصل إلا بصلاة ركعتين لا يحدث فيهما نفسه مع الوضوء، وطريق الجمع بين الحديثين أنه يحتمل أنه - ﷺ - رتب المغفرة أولا على الوضوء وصلاة ركعتين ثم رتبها ثانيا على الوضوء وحده فيكون في ذلك البشارة مرتين كما في قوله - ﷺ -: \"صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة\" وفي الرواية الأخرى \"بسبع وعشرين\" قال ذلك ليبشرهم ثانيًا بالزيادة وكما قال - ﷺ - لأصحابه: \"ألا ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا ثم قال ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال ألا ترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا\" (^٢) بشرهم - ﷺ - ثلاث مرات انتهى.\n_________\n(^١) انظر إكمال المعلم (٢/ ١٨)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٨ - ١٠٩)، وإحكام الأحكام (١/ ٨٦) وشرح الإلمام (٣/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، والإعلام (١/ ٣٥٣).\n(^٢) أخرجه البخارى (٣١٣٢) و(٤٧٤١)، ومسلم (٣٧٩ و٣٨٠ - ٢٢٢) عن أبى سعيد الخدرى.","vol":"2","page":540},{"text":"[أما تكبيرهم فلسرورهم بهذه البشارة العظيمة، وأما قوله ربع أهل الجنة ثم ثلث أهل الجنة ثم الشطر ولم يقل أولا شطر أهل الجنة فلفائدة حسنة وفي أن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته وفيه فائدة أخرى هي تكريره البشارة مرة بعد أخرى وفيه أيضا حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه والله أعلم ثم إنه وقع في هذا الحديث شطر أهل الجنة وفي الرواية الأخرى نصف أهل الجنة وقد ثبت في الحديث الآخر أن أهل الجنة عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا فهذا دليل على أنهم يكونون ثلثي أهل الجنة فيكون النبي - ﷺ - أخبر أولا بحديث الشطر ثم تفضل الله سبحانه بالزيادة فأعلم بحديث الصفوف فأخبر به النبي - ﷺ - بعد ذلك ولهذا نظائر كثيرة في الحديث معروفة (^١)].\nتنبيه: ويحسن أن يقال إن الشخص إذا دخل في الصلاة بطهارة واحدة ولم يحدث نفسه غفرت له الصغائر وإن دخل بالطهارتين جميعا أي طهارة بالقلب وطهارة الأعضاء غفر له الجميع والإنسان إذا عالج قلبه وأخرج منه الحقد والغل والكبر والحسد وأمراض القلب كلها فقد دخل بالطهارتين قيل وإذا طهارة القلب إشارة لقوله - ﷺ -: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبشاركم ولكن ينظر إلى قلوبكم\" (^٢) وقال الغزالي ﵀: وإلى طهارة القلب\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٣/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٣ و٣٤ - ٢٥٦٤) عن أبى هريرة.","vol":"2","page":541},{"text":"الإشارة لقوله - ﷺ -: \"الطهور شطر الإيمان\" ومعناه التصديق بالقلب (^١) قاله ابن العماد بشرح عمدة الأحكام.\n\n٣٥٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"من تَوَضَّأ فَأحْسن وُضُوءَهُ ثمَّ قَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ أَو أَرْبعًا يشك سهل يحسن الذِّكر والخشوع ثمَّ اسْتغْفر الله غفر لَهُ\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: عن أبي الدرداء تقدم الكلام عن مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من توضأ فأحسن الوضوء\" تقدم الكلام على إحسان الوضوء.\nقوله - ﷺ -: \"ثم قام فصلى ركعتين يحسن فيهما الركوع والخشوع\" الحديث، قال البغوي: السنة في الركوع عند عامة العلماء أن يضع راحتيه على ركبتيه ويفرج بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه ويسوي ظهره وعنقه ورأسه وفي الحديث: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يدبح الرجل في الصلاة كما يدبح الحمار\" (^٣)\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ١٢٦ و٤/ ٣١٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٤٥٠ (٢٧٥٤٦)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٢٠٤٠)، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (٥٧٢)، والطبراني في الدعاء (١٨٤٨) والأوسط (٥/ ١٨٦ رقم ٥٠٢٦). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به: صدقة بن أبي سهل.\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٩٨) وصحيح الترغيب (٢٣٠) و(٣٩٣).\n(^٣) أخرجه الدارقطنى في السنن (٤٢٦) عن على بن أبى طالب. وأخرجه بحشل في تاريخ واسط (ص ٢٣٢)، وابن عدى في الكامل (٥/ ١٨٧)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ١٢١ رقم =","vol":"2","page":542},{"text":"وأراد بالتدبيح أن يطأطأ رأسه حتى يكون أخفض من ظهره (^١).\nوفي المسند عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي - ﷺ - إذا ركع لو وضع قدح ماء على ظهره لم يهراق (^٢)، وقد اختلف العلماء في الطمأنينة في الركوع والاعتدال والسجود فذهب الجمهور إلى أن ذلك فرض لا تصح الصلاة إلا به (^٣) وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن الطمأنينة واجبة والواجب ما يأثم بتركه ولا تفسد به صلاته وذكر النيسابوري في كتاب المعاني.\nوالحكم: الصلاة أربعة أشياء حضور وشهود وخضوع وخشوع فالحضور بالنفس والشهود بالقلب والخضوع بالأركان والخشوع بالنفس فمن لم يحضر بالنفس فهو ساه ومن لم يشهد بالقلب فهو لاه ومن لم يخضع بالأركان فهو واه ومن لم يخشع بالسر فهو مضاه (^٤) والله أعلم.\n_________\n= ٢٥٥٣). وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٦٠٠ - ٦٠٢)، وابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٥٨٩ - ٥٩٠).\n(^١) شرح السنة (٣/ ٩٤).\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ١/ ١٢٣ (٩٩٧) وجادة.\n(^٣) انظر: شرح السنة (٣/ ٩٦)، والمجموع (٣/ ٤١٠).\n(^٤) انظر: عوارف المعارف (٢/ ٣٤٩)، وشرح الأربعين للنووى (ص ٩).","vol":"2","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>[كتاب الصلاة]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[الترغيب في الأذان وما جاء في فضله]</span>\nتقدم الكلام على اشتقاق الكتاب في كتاب الطهارة وغيرها وأما الصلاة فهي العبادة المخصوصة، وأصلها في اللغة عبارة عن الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^١) الآية، أي: ادع لهم، والصلاة في الشرع أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة (^٢)، وسميت العبادة المذكورة بذلك لاشتمالها على الدعاء من باب إطلاق اسم الجزء على الكل مجازًا، وأطلقت الصلاة على بقية العبادات لأن موضعها من الدين كموضع الرأس من الجسد وهي أول شرائع الأحكام بعد شهادة الحق ولأنها أفضل عبادات البدن، ومنها أنه ليس في العبادات بعد الإيمان عبادة سماها الله تعالى إيمانا وسمى رسوله تركها كفرًا إلا الصلاة، ومنها: اشتمالها على الإيمان إذ لابد فيها من الشهادتين ولا تنعقد إلا بذكر الله تعالى وتعظيمه وهو التكبير كما لا ينعقد الإيمان إلا بذكر الله تعالى وتوحيده وتتعلق صحتها بقراءة القرآن الذي هو حجة النبوة فتنزل منزلة الشهادة، ومنها: أن رسول الله - ﷺ - جعل إقامتها من أسباب حقن الدم فقال: \"نهيت عن قتل المصلين\"، ومنها: أنها أشغل العبادات للزمان بعد\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(^٢) كفاية النبيه (٢/ ٢٩٣)، والنجم الوهاج (٢/ ٧).","vol":"2","page":544},{"text":"الإيمان لتكررها خمس مرات في اليوم والليلة مع سننها وروايتها ونوافلها فجميع الأوقات محتملة للصلاة إلا أوقات الكراهة وهي يسيرة من كثير، ومنها: أنها لا تسقط بالأعذار ولا تترك إلى الأبدال ولا تجزي فيها النيابة، ومنها: كثرة أركانها وفرائضها وسننها، ومنها: أنها من جنس عبادة الملائكة لأنهم موصوفون بالقيام والركوع والسجود والذكر والتسبيح بخلاف الزكاة والصيام والحج، ومنها: أن الله تعالى فرضها على نبيه - ﷺ - وعلى أمته من غير واسطة بخلاف غيرها من العبادات فإنها بواسطة الوحي، ومنها: أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومنها: أنها اشتملت على التوبة وفيها الحمد وفيها الصيام لأن المصلى يأكل ولا يشرب، وفيها الصيام لأن المصلي لا يأكل ولا يشرب وفيها الجهاد لأنه يجاهد النفس والشيطان (^١).\nقوله: الترغيب في الأذان وما جاء في فضله، الأذان هو في اللغة الإعلام ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٢) أي إعلام ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (^٣) أي أعلمهم وفي الاصطلاح الذكر المخصوص سمي به لأنه شرع في الأصل للإعلام بدخول وقت الفريضة والأصل في مشروعيته قبل الإجماع قوله تعالى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ (^٤) وقوله تعالى: ﴿إِذَا\n_________\n(^١) انظر: المنهاج (٢/ ٢٨٨ - ٢٩٢) باختصار، والتذكار (ص ٧٨ - ٨٢).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٣.\n(^٣) سورة الحج، الآية: ٢٧.\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٥٨.","vol":"2","page":545},{"text":"نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (^١) وفي الباب أحاديث كثيرة وأصحها بما نحن فيه حديث عبد الله بن زيد وفيه ذكر الناقوس (^٢) وذكر الغزالي والإمام القاضي حسين أن عبد الله بن زيد قال لما أمر رسول الله - ﷺ - بالناقوس يعمل ليضرب به لجمع الناس للصلاة طاف بي رجل وأنا نائم يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبد الله تبيع الناقوس فقال وما تصنع به فقلت ندعو به للصلاة فقال ألا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت له بلى قال فقال الله أكبر الله أكبر وساق الأذان إلى آخرة سوى الترجيع ثم استأخر غير بعيد ثم قال تقول إذا قمت إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر وساق كلمات الإقامة إلى آخره قال فلما أصبحت أتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بما رأيت فقال: \"إنها رؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك\" فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى فقال - ﷺ -: \"فلله الحمد\" رواه أبو داود وغيره (^٣) وذكر الغزالي والإمام والقاضي حسين أن عبد الله بن زيد أذن مرة بإذن رسول الله - ﷺ - وهو أول مؤذن في الإسلام، قال ابن الصلاح لم أجد هذا\n_________\n(^١) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(^٢) كفاية النبيه (٢/ ٣٩٠)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٢).\n(^٣) أخرجه الدارمى (١٢٢٤)، وابن ماجه (٧٠٦)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذى (١٨٩). وحسنه الألباني في الإرواء (١/ ٢٦٥) وصحيح أبي داود (٥١٢).","vol":"2","page":546},{"text":"بعد البحث عنه (^١) وهذه القصة بالمدينة إذ بها شرع الأذان والجمعة والجماعة انتهى قاله في مختصر الكفاية.\n\n٣٥٨ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ثمَّ لم يَجدوا إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا وَلَو يعلمُونَ مَا فِي التهجير لاستبقوا إِلَيْهِ وَلَو يعلمُونَ مَا فِي الْعَتَمَة وَالصُّبْح لأتوهما وَلَو حبوا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nقَوْله: \"لاستهموا\" أَي لاقترعوا والتهجير هُوَ التبكير إِلَى الصَّلَاة.\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول\" الحديث، قال النووي ﵀: المراد بالنداء الأذان (^٣) وستأتي كلمات الأذان وكم هي والإقامة أيضا، والمراد بالصف الأول هو الذي يلي الإمام سواء تخلله منبر أو مقصورة أو أعمدة وغيرها وسواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرا هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث وصرح به المحققون، وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا تتخلله مقصورة ولا نحوها بأن يخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول بل\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢) والنجم الوهاج (٢/ ٤٣).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (١٧٤ و٣٤٦)، والبخارى (٦١٥) و(٦٥٤) و(٧٢١) و(٢٦٨٩)، ومسلم (١٢٩ - ٤٣٧).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٤/ ١٥٧).","vol":"2","page":547},{"text":"الأول ألا يتخلله شيء وإن تأخر، وقيل الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن كان في صف متأخر، وهذان القولان غلط صريح (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا\" الاستهام الاقتراع كذا فسره الحافظ ومعنى الحديث لو يعلمون ما في التأذين والصف الأول من الفضل والثواب ثم لم يجدوا له طريقا إلا الاستهام أي الاقتراع وطلب السهم بالقرعة لاقترعوا حرصا ويحتمل أن كون المراد به الإقامة على تقدير المضاف وهو أوفق لما بعده أي لو يعلمون ما في حضور الإقامة ونحوها لأقام والوقوف في الصف الأول ولم يجدوا إلا بالسهام لاستهموا (^٢).\nتنبيه: فيه دليل لمالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء في العمل بالقرعة من القسم بين الزوجات وفي العتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك وقد جاءت بها أحاديث كثيرة قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يونس وزكريا ومحمد - ﷺ - قاله ابن المنذر: واستعمالها كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء وقال: فلا معنى لمن ردها وأبطلها والمشهور عن أبي حنيفة إبطالها وحكي عنه إجازتها (^٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٤/ ١٦٠).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٢٤٣).\n(^٣) شرح الصحيح (٨/ ٧٥ - ٧٦) لابن بطال، وشرح النووى على مسلم (١٧/ ١٠٣).","vol":"2","page":548},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه\" التهجير هو التبكير إلى الصلاة قاله المنذري أي صلاة كانت قاله الهروي وغيره، وخصه الخليل بالجمعة والصواب المشهور الأول (^١)، وقال في النهاية: التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه. يقال: هجر يهجر تهجيرا، فهو مهجر، وهي لغة حجازية، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة. وفي حديث الجمعة \"فالمهجر إليها كالمهدي بدنة\" (^٢) أي المبكر إليها (^٣)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الجمعة.\nقوله - ﷺ -: \"ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا\" فيه الحث العظيم على حضور الجماعة في هاتين الصلاتين والفضل في ذلك لما فيهما من المشقة على النفوس من تنغيص أول يومها وآخره ولهذا كانت أثقل صلاة على المنافقين وفي هذا الحديث تسمية العشاء عتمة وقد ثبت النهي عنه وجوابه من وجهين:\nأحدهما: أن هذه التسمية بيان للجواز وأن ذلك النهي ليس للتحريم.\nوالثاني: وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة لأن العرب كانت تستعمل لفظ العشاء في المغرب فلو قال \"لو يعلمون ما في\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٤/ ١٥٨).\n(^٢) أخرجه البخارى (٩٢٩) ومسلم (٢٤ - ٨٥٠)، وابن ماجه (١٠٩٢)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٣٠٢ (٨٧٦) و٣/ ١٧٢ (١٤٠١) عن أبى هريرة.\n(^٣) النهاية (٥/ ٢٤٦).","vol":"2","page":549},{"text":"العشاء والصبح\" لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها وقواعد الشرع متظاهرة على أخف المفسدتين لرفع أعظمها (^١).\nقوله - ﷺ -: \"لآتوهما ولو حبوا\" هو بإسكان الباء وإنما ضبطته لأني رأيت من الكبار من يصحفه والله أعلم قاله النووي (^٢). (ومن حبى الصبي حبوا إذا توكأ على أربع ودب على إسته (^٣).\n\n٣٥٩ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: لَو يعلم النَّاس مَا فِي التأذين لتضاربوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ\" رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (^٤).\nقوله: عن أبي سعيد هو الخدري، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"لو يعلم الناس ما في التأذين لتضاربوا عليه بالسيوف\" الحديث، أي: لو يعلمون ما فيه من الأجر والثواب، والمضاربة هي المقاتلة وهي معروفة.\n\n٣٦٠ - وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة عَن أَبِيه أَن أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ لَهُ إِنِّي أَرَاك تحب الْغنم والبادية فَإِذا كنت فِي غنمك أَو\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٤/ ١٥٨).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٤/ ١٥٨).\n(^٣) النهاية (١/ ٣٣٦).\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٢٩ (١١٢٤١)، وعبد بن حميد (٩٣٤). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٥: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٧).","vol":"2","page":550},{"text":"باديتك فَأَذنت للصَّلَاة فارفع صَوْتك بالنداء فَإِنَّهُ لا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس وَلَا شَيء إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أَبُو سعيد سمعته من رَسُول الله - ﷺ - وَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَزَاد وَلَا حجر وَلَا شجر إِلَّا شهد لَهُ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لَا يسمع صَوته شجر وَلَا مدر وَلَا حجر وَلَا جن وَلَا إنس إِلَّا شهد لَهُ (^١).\nقوله: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه، هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني المدني، ثقة (^٢)، وعبد الرحمن هذا من تابعي التابعين، يروي عن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أبوه تابعي، روى عنه: ابناه محمد وعبد الرحمن وأيوب، سمع أبا سعيد الخدري، ومنهم من يقول فيه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة فينسب عبد الله إلى جده، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن أبي صعصعة فينسب إلى جد أبيه، روى عن السائب بن خلاد أن كان محفوظًا وعن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن، روى عنه: سفيان بن عيينة وغيره وهو ثقة (^٣)، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١٧٦)، والبخارى (٦٠٩) و(٣٢٩٦) و(٧٥٤٨)، وابن ماجه (٧٢٣)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٣١ (٦٥٤) والكبرى (١٧٦٢) وابن خزيمة (٣٨٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٢).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩ ترجمة ٣٣٨١).\n(^٣) تهذيب الكمال (١٧/ ٢١٦ - ٢١٧ الترجمة ٣٨٧٠).","vol":"2","page":551},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء\" أي: بالأذان، قال العلماء: ويرفع صوته بالأذان لحديث أبي سعيد الخدري هذا، وقيل: إن انتظر حضور جماعة رفع وإلا فلا، والمراد برفعه أن يبالغ في رفعه ما أمكنه فإن لم يبالغ ولكنه أسمع بعض الناس حصل الأذان قطعا، وإن أذن بحيث لم يسمع إلا نفسه فإن كان منفردا صح عند الجمهور وإن لم يسمع نفسه فليس بأذان ولا يسمى كلاما، وبذلك يعلم أن رفع الصوت منقسم إلى واجب ومستحب وخلاف الأولى (^١)؛ قال النووي في منهاجه: والجديد ندبه للمنفرد أي سواء كان في بلد أو صحراء هذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان غيره فإن بلغه، ففي شرح مسلم: لا يؤذن، وفي [(شرح الوسيط) و(التحقيق): الأصح استحبابه، وهو مقتضى كلام (الشرح الصغير)، وعليه الفتوى (^٢)] والقديم لا يستحب لانتفاء المعنى المقصود منه وهو الإعلام، وقيل: إن رجا المنفرد حضور جماعة أذن وإلا فلا، أ. هـ، قاله الكمال الدميري في شرحه (^٣).\nفرع: يستحب أن يكون الأذان بقرب المسجد ويستحب أن لا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بأذان بعضهم بل يؤذن في كل مسجد (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة\" [المدى: الغاية: أي يستكمل مغفرة الله إذا استنفد وسعه في رفع\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٤٦).\n(^٢) سقط من الأصل وأثبتناه من المصدر.\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٤٦).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٥٩).","vol":"2","page":552},{"text":"صوته، فيبلغ الغاية في المغفره إذا بلغ الغايه في الصوت (^١)] قال الخطابي: مدى الشيء غايته (^٢)، قال بعض العلماء: وغاية الصوت تكون أخفى لا محالة فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه همس صوته فلأن يشهد له من هو أدنى منه وسمع مبادئ صوته أولى (^٣) وإنما قال ذلك ولم يقل لا يسمع صوت المؤذن ليكون أبلغ وأشد تحريضًا وحثا له على رفع الصوت، وقد استحب العلماء رفع الصوت في الأذان ما أمكنه لتكثر شهداؤه على فعله ذلك (^٤)، والله أعلم.\nتنبيه: وأنكر بعض العلماء أهل اللغة مد صوته، وقال الصواب: مدى صوته، وليس هو بمنكر بل هما لغتان مدى أشهر ويشهد للغة مد صوته رواية من قال: \"يغفر للمؤذن مد صوته\" بالتشديد أي بقدر مده صوته (^٥)، والله أعلم.\n\n٣٦١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"يغْفر للمؤذن مُنْتَهى أَذَانه ويستغفر لَهُ كل رطب ويابس سَمعه\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَزَّار إِلَا أَنه قَالَ ويجيبه كل رطب ويابس (^٦).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣١٠).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٥٥).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٥/ ٩)\n(^٤) مبارق الأزهار (١/ ١٥٨).\n(^٥) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٣٥).\n(^٦) أخرجه أحمد ٢/ ١٣٦ (٦٢٠١ و٦٢٠٢)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٥٥)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٩٨ رقم ١٣٤٦٩). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٦: رواه أحمد والطبراني في الكبير والبزار، إلا أنه قال: ويجيبه كل رطب ويابس. ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٣).","vol":"2","page":553},{"text":"٣٦٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قال الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته ويصدقه كل رطب ويابس\" رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَعِنْدَهُمَا وَيشْهد لَهُ كل رطب ويابس (^١) وَالنَّسَائِيّ (^٢) وَزَاد فِيهِ وَله مثل أجر من صلى مَعَه، وَابْن مَاجَه وابن حبان في \"صحيحه\" (^٣) وَعِنْده يغْفر لَهُ مد صَوته ويستغفر لَهُ كل رطب ويابس وَشَاهد الصَّلَاة تكْتب لَهُ خمس وَعِشْرُونَ حَسَنة وَيكفر عَنهُ مَا بَينهمَا. قَالَ الْخطابِيّ ﵀ مدى الشَّيْء غَايَته وَالْمعْنَى أَنه يستكمل مغْفرَة الله تَعَالَى إِذا استوفى وَسعه فِي رفع الصَّوْت فَيبلغ الْغَايَة من الْمَغْفِرَة إِذا بلغ الْغَايَة من الصَّوْت، قَالَ الْحَافِظ ﵀ وَيشْهد لهَذَا القَوْل رِوَايَة من قَالَ يغْفر لَهُ مد صَوته، بتَشْديد الدَّال أَي بِقدر مُدَّة صَوته، قَالَ الْخطابِيّ ﵀ وَفِيه وَجه آخر وَهُوَ أَنه كَلَام تَمْثِيل وتشبيه يُرِيد أَن الْكَلَام الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الصَّوْت لَو يقدر أَن يكون مَا بَين أقصاه وَبَين مقَامه الَّذِي هُوَ فِيهِ ذنُوب تملأ تِلْكَ الْمسَافَة غفرها الله (^٤) انْتهى\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٦٦ (٧٦١١)، وأبو داود (٥١٥)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٣٢ (٦٥٥) والكبرى (١٧٦٣)، وابن خزيمة (٣٩٠). وصححه الألباني في صحيح أبى داود (٥٢٨) وصحيح الترغيب (٢٣٤).\n(^٢) هذه الزيادة من حديث البراء التالى.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٧٢٤)، وابن حبان (١٦٦٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٤).\n(^٤) معالم السنن (١/ ١٥٥).","vol":"2","page":554},{"text":"قوله - ﷺ -: \"المؤذن يغفر له مدى صوته ويصدقه كل رطب ويابس\" وزاد النسائي: \"وله مثل أجر من صلى معه\" تقدم الكلام على مدى صوته، والمعنى: أنه استكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت كذا نقله الحافظ عن الخطابي.\n\n٣٦٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب - ﵁ - أَن نَبِي الله - ﷺ - قَالَ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الْمُقدم والمؤذن يغْفر لَهُ مدى صَوته وَصدقه من سَمعه من رطب ويابس وَله أجر من صلى مَعَه\" رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن جيد (^١) وَرَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة وَلَفظه قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مد صَوته وأجره مثل أجر من صلى مَعَه (^٢).\nقوله: عن البراء بن عازب، البراء بفتح الباء والراء، وبالمد هو الصحيح المشهور عند طوائف العلماء من أهل الحديث، والتواريخ، والأسماء، واللغات، والمؤتلف والمختلف، وغيرهم، وحكي فيه القصر، وهو [أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٤ (١٨٥٠٦) و(١٨٥٠٧)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٣٣ (٦٥٦) والكبرى (١٧٦٤)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٣٦ رقم ٨١٩٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٤١ رقم ٧٩٤٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٦).","vol":"2","page":555},{"text":"الأوس الأنصاري] الأوسي الحارثي المدني، وأمه: حبيبة بنت أبي حبيبة، وأبوه: عازب صحابي ذكر محمد بن سعد في الطبقات أنه أسلم، نزل الكوفة وتوفي بها زمن مصعب بن الزبير، استصغره النبي - ﷺ - يوم بدر وأول مشاهده أحد، وفي البخاري عن البراء قال: غزوت مع النبي - ﷺ - خمس عشرة غزوة، وفي البخاري أيضًا عن البراء قال: ما جاء رسول الله - ﷺ - إلى المدينة مهاجرا حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور مثلها من المفصل، وشهد البراء مع أبي موسى غزوة تستر، وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان هو وأخوه عبيد بن عازب، وكان للبراء ابنان يزيد وسويد، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم والمؤذن يغفر له مد صوته\" الحديث، تقدم معنى الصلاة في الأحاديث المتقدمة.\nقوله - ﷺ -: \"يغفر للمؤذن مد صوته\" قال بعض العلماء: معناه أن ذنوبه لو كانت أجساما غفر له قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته (^٢)، وقيل: تمد له الرحمة بقدر مدى الأذان لكن لا ينبغي أن يبالغ بحيث يشق عليه (^٣)، والله أعلم، وكذلك تقدم معنى مدى صوته في أحاديث الباب والله أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٢ - ١٣٣ الترجمة ٨٠)، وتهذيب الكمال (٤/ ٣٤ - ٣٧ الترجمة ٦٥٠).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٥٥)، وتحفة الأبرار (١/ ٢٥٢)، وفتح البارى (٥/ ٢٢٧) لابن رجب.\n(^٣) فتح البارى (٥/ ٢٢٧) لابن رجب.","vol":"2","page":556},{"text":"٣٦٤ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَد الرَّحْمَن فَوق رَأس الْمُؤَذّن وَإنَّهُ ليغفر لَهُ مدى صَوته أَيْن بلغ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط (^١).\nقوله: روى عن أنس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"يد الرحمن فوق رأس المؤذن وأنه ليغفر له مدى صوته أين بلغ\" اليد في حق الله تعالى تؤول بما يليق بجلاله ﷾ كما يقال: المراد من اليد القدرة، أو في معنى ذلك (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إنه ليغفر له مدى صوته أين بلغ\" قال بعض العلماء: معناه أن ذنوبه لو كانت أجساما غفر له قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته كما تقدم مثله عن الخطابي وقيل: تمد له الرحمة بقدر مدى الأذان لكن لا ينبغي أن يبالغ بحيث يشق عليه والله أعلم.\n\n٣٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن اللَّهُمَّ أرشد الأئِمَّة واغفر للمؤذنين، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا فأرشد الله الأئِمَّة وَغفر للمؤذنين وَلابْن خُزَيْمَة رِوَايَة كَرِوَايَة أبي دَاوُد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٨١ رقم ١٩٨٧). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن حفص العبدي، وقد أجمعوا على ضعفه. وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٨) والضعيفة (٥٠٣٧).\n(^٢) هذا تأويل للصفات على مذهب الأشاعرة ومذهب أهل السنة إثباتها كما جاءت دون تمثيل أو تأويل.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥١٧ و٥١٨)، والترمذى (٢٠٧)، وابن خزيمة (١٥٢٨ و١٥٢٩ =","vol":"2","page":557},{"text":"٣٦٦ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - المؤذنون أُمَنَاء وَالأئِمَّة ضمناء اللَّهُمَّ اغْفِر للمؤذنين وسدد الْأَئِمَّة ثَلَاث مَرَّات (^١). وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي أُمَامَة بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين\" الحديث الضمان فى اللغة الكفالة والحفظ والرعاية قاله الهروي وغيره (^٣)، وقال الخطابي فقوله: الإمام ضامن تأويله أنه يحفظ على القوم صلاتهم وليس من الضمان الموجب للغرامة وقال في الأحوذي شرح الترمذي: معنى ضمان الإمام لصلاة المأموم هو التزام شروطها وحفظ صلاته في نفسه لأن صلاة المأموم تبتني عليها (^٤) وقيل معناه: أنهم إذا قاموا بالصلاة بالجماعة سقط فرض الكفاية عن سائر الناس بفعلهم قاله\n_________\n= و١٥٣٠) وابن حبان (١٦٧٢). وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٢٣١ - ٢٣٥/ ٢١٧)، صحيح أبي داود (٥٣٠ - ٥٣١)، الروض (١٠٧٦ - ١٠٧٩)، صحيح الترغيب (٢٣٧).\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١٥٣١)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٣٦ رقم ٤٣٦٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ١٠٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢٢٣٨)، وأبو يعلى في مسنده الكبير كما في إتحاف الخيرة (١٥٢٩)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٦ رقم ٨٠٩٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٨).\n(^٣) الغريبين (٤/ ١١٤٤).\n(^٤) عارضة الأحوذى (١/ ٤).","vol":"2","page":558},{"text":"النووى (^١)، فعلم من ذلك أفضلية الإمامة وأن مرتبة الإمامة عظيمة لما فيها من التكفل بصلاتهم واقتدائهم به والحمل عنهم ومراعاة ضعيفهم ودعائه لهم وأن لا يخص نفسه به دونهم (^٢)، وأما قول الشافعي: حال الأمين خير من حال الضمين فيشير إلى سلامته فإن الإمامة خطرة فإن وفيت حقها تعدد ثوابه بعدد من صلى وراءه لأنه حصل الجماعة لهم ويقويه الدعاء له بالإرشاد، وللمؤذن بالمغفرة ليعلم ما بين الدرجتين قاله فى شرح الإلمام، فالأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد (^٣).\nقال الشافعي ﵀ في الأم: يحتمل أنهم ضامنون لما ائتمنوا عليه من الإسرار بالقراءة والذكر (^٤)، وقيل: المراد ضمان الدعاء فيعم القوم به، ولا يخص به نفسه (^٥)، وقيل: معناه: أنه يتحمل القراءة عن المسبوق في بعض الأحوال وكذا القيام عمن أدركه راكعا، حكاهما البغوي في شرح السنة (^٦)، أ. هـ.\nوقال ابن الأثير في النهاية في قوله: \"المؤذن مؤتمن\" أي: مؤتمن القوم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٢) انظر: غريب الحديث (١/ ٦٣٦) ومعالم السنن (١/ ١٥٦) للخطابى، وشرح السنة (٢/ ٢٨٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٨٣ - ١٨٤)، والنفح الشذى (٤/ ١٢٠)، وشرح المشكاة (٣/ ٩١٥).\n(^٣) كفاية النبيه (٢/ ٣٩٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٥٧).\n(^٤) الأم (١/ ١٨٦).\n(^٥) بحر المذهب (١/ ٤٣٤).\n(^٦) شرح السنة (٢/ ٢٨٠).","vol":"2","page":559},{"text":"الذي يثقون إليه ويتخذونه أمينا حافظا، يقال: ائتمن الرجل فهو مؤتمن يعني: أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم (^١)، وقال في موضع آخر: أما أمانة المؤذنين فعلى مواقيت الصلاة فلا يؤذن قبل دخولها (^٢)، وقيل: على حرم الناس لأنهم يشرفون على المواضع العالية (^٣) أ. هـ.\nوقيل: إنه أمين في تبرعه بالقيام بالأذان لأنه ليس بفرض (^٤) والأمين أحسن حالا من الضمين كما فسره المحاملي في التجريد، فقال: إن الأمين متطوع بما يفعله، والضامن يفعل ما يجب عليه (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"فأرشد الله الأئمة\" قال صاحب المحكم الرشد والإرشاد نقيض الغي (^٦)، وقال الهروي: الرشد والرشاد الهدى والاستقامة (^٧)، وقال الواحدي: الرشد في اللغة إصابة الخير وهو نقيض الغي (^٨).\nقوله - ﷺ -: في الرواية الأخرى \"المؤذنون أمناء والأئمة ضمناء\" وتقدم أن الأمانة أعلى من الضمان وقال الشافعي ﵀ في الأم: في قوله الأئمة\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٧١).\n(^٢) جامع الأصول (٩/ ٤١٣)، والشافى (١/ ٤٤٨).\n(^٣) البيان (٢/ ٥٦)، والنفح الشذى (٤/ ١٢٠).\n(^٤) البيان (٢/ ٥٦).\n(^٥) المجموع (٣/ ٧٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٦) المحكم (٨/ ٢٦).\n(^٧) الغريبين (٣/ ٧٤٤).\n(^٨) التفسير البسيط (٦/ ٣٣٢).","vol":"2","page":560},{"text":"ضمناء: يحتمل أنه ضامنون لما ائتمنوا عليه من الأسرار والذكر وقيل المراد ضمان الدعاء فيعم القوم به ولا يخص به نفسه وقيل أن يتحمل القراءة عن المسبوق في بعض الأحوال وكذلك القيام عمن أدركه راكعا حكاه البغوي في شرح السنة.\n\n٣٦٧ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئِمَّة وَعَفا عَن المؤذنين، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله عن عائشة: تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله: \"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن\" الحديث: تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله وأما حكم أفضلية الأذان على الإمامة وعكسه ففيه أربعة أوجه لأصحاب الشافعي أصحها عند العراقيين والسرخسي والبغوي أن الأذان أفضل وهو نصه في الأم، قال النووي: وبه قال أكثر الأصحاب (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٠ (٢٤٣٦٣)، والبخارى في التاريخ الكبير (١/ ٧٨)، والترمذى في العلل (٩٢)، وأبو يعلى (٤٥٦٢)، وابن خزيمة (١٥٣٢)، وابن حبان (١٦٧١).\nوقال الترمذى: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث أبي صالح عن عائشة أصح من حديث أبي هريرة في هذا الباب، وسألت أبا زرعة فقال: حديث أبي هريرة أصح عندي من حديث عائشة، وذكر عن علي بن المديني قال: لا يصح حديث عائشة ولا حديث أبي هريرة، وكأنه رأى أصح شيء في هذا الباب عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٩).\n(^٢) المجموع (٣/ ٧٨).","vol":"2","page":561},{"text":"لدعائه - ﷺ - له بالمغفرة وللإمام بالإرشاد، والثاني أن الإمامة أفضل منه وهو الأصح عند الخراسانيين ونقلوه عن النص وصححه القاضي أبو الطيب وقطع به الدارمي وهو الذي صححه الرافعي لمواظبة الشارع - ﷺ - والخلفاء عليها ووقع في الكفاية أن الروياني يرجح هذا وحكاه من نص الشافعي ﵀ في كتاب الإمامة وعلله بأنها أشق وليس كذلك فالذي رجحه في البحر وحكاه عن النص في كتاب الإمامة التفرقة بين أن يعلم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فيكون أفضل أو لا فالأذان أفضل ما علمه قال في هادي النبيه: والثالث هما سواء والرابع إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل وإلا فالأذان أفضل وقد نص الشافعي في الأم على كراهة الإمامة للضمان وما على الإمام فيها هذا نصه (^١).\nسؤال: لما كان النبي - ﷺ - يؤم ولا يؤذن؟\nفقال النيسابوري وغيره: لأنه لو أذن لكان كل من يخلف عن الإجابة يكون كافرا قال النيسابوري ولأنه كان داعيا فلم يجز أن يشهد لنفسه وقال غيره: لو أذن وقال أشهد أن محمدا رسول الله لتوهم أن هناك نبيا غيره وقيل لأن الأذان رآه غيره في المنام فوكله إلى غيره وأيضا كان - ﷺ - لا يتفرغ من إليه من أشغاله وأيضا قال - ﷺ - الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فدفع الأمانة إلى غيره (^٢) وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنما لم يؤذن لأنه كان إذا عمل\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٢) نور الأبصار للشبلنجي ص ٤٩.","vol":"2","page":562},{"text":"عملا أثبته أي جعله ديمة وهو كان لا يتفرغ لذلك لاشتغاله بتبليغ الرسالة وهذا كما قال عمر - ﵁ -: لولا الخلافة لأذنت، قال: وأما من قال أنه امتنع لئلا يعتقد أن الرسول غيره فخطأ لأنه - ﷺ - كان يقول في خطبته وأشهد أن محمدا رسول الله (^١).\nتنبيه: وقد أذن رسول الله - ﷺ - مرة في سفر، رواه الترمذي (^٢) وقال بعض الشراح: لم يؤذن وإنما أمر بالتأذين فنسب إليه وقد جاء مصرحا بالأمر به في مسند الإمام أحمد في تلك الواقعة بذلك السند (^٣) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nفائدة: اعلم أن ألفاظ الأذان مشهورة قال العلماء والأذان تسع عشرة كلمة والترجيع عندنا سنة وهو أنه إذا قال بعال صوته الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر قال سرًّا بحيث يسمع نفسه ومن بقربه أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم يعود إلى الجهر وإعلاء الصوت فيقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، والحكمة في الترجيع أنه يقول سرا بتدبر وإخلاص والتثويب عندنا أيضا سنة وهو أن يقول في أذان الصبح خاصة بعد فراغة من حي على الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة\n_________\n(^١) فتاوى العز بن عبد السلام (ص ٥١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٧٣ (١٧٥٧٣)، والترمذى (٤١١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧ رقم ٦٦٣)، والدارقطنى (١٤٢٩). وضعفه الألباني في الإرواء (٢/ ٣٤٨).\n(^٣) انظر: القبس (١/ ١٩٩)، والمجموع (٣/ ١٠٦)، وفتح البارى (٢/ ٧٩).","vol":"2","page":563},{"text":"خير من النوم وقد جاءت الأحاديث بالترجيع والتثويب وهي مشهورة واعلم أنه لو ترك الترجيع والتثويب صح أذانه وكان تاركا للأفضل (^١).\nتتمة: اختلف العلماء في لفظ الإقامة فالمشهور من مذهبنا الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي وقال أحمد وجمهور العلماء إن الإقامة إحدى عشرة كلمة الله أكبر الله أكبر الله أكبر إلى آخره، وقال مالك هي عشر كلمات فلم يثن لفظ الإقامة وهو قول قديم للشافعي، ولنا قول شاذ أنه يقول في الأول الله أكبر وفي الأخير الله أكبر ويقول: قد قامت الصلاة مرة فيكون ثماني كلمات، والصواب الأول، وقال أبو حنيفة الإقامة تسع عشرة كلمة يثنيها كلها ودليله ما تقدم، قال الخطابي: مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام أن الإقامة فرادى مع تكرر قوله قد قامت الصلاة إلا مالكا فإن المشهور عنه أنه لا يكررها (^٢).\nتنبيه: الحكمة في إفراد الإقامة وتثنية الأذان أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرره ليكون أبلغ في إعلامهم والإقامة للحاضرين فلا حاجة لتكرارها، ولهذا يرفع صوته في الأذان بخلاف الإقامة، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لأنه مقصودها (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٩٠ - ٩٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٨ - ٤٩).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٤/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٤/ ٧٩).","vol":"2","page":564},{"text":"واعلم أن الأذان والإقامة سنتان عند الشافعية على المذهب الصحيح المختار وسواء في ذلك أذان الجمعة وغيرها أي من سنن الكفاية لأمره - ﷺ - بذلك والمواظبة عليه ودلت الأخبار على أنه ليس بفرض عين ولا كفاية ولأن النبي - ﷺ - لم يأمر بهما الأعرابي في حديث المسيء صلاته مع ذكره الوضوء والاستقبال وجمع النبي - ﷺ - بي صلاتين فترك الأذان للثانية والجمع بين صلاتين سنة فلو كان الأذان واجبا لما تركه لأجل سنة، وقال بعض أصحابنا فرض كفاية في الجمعة دون غيرها، فإن قلنا فرض كفاية فتركه أهل بلد أو محلة قوتلوا على تركه، وإن قلنا سنة لم يقاتلوا على المذهب الصحيح المختار كما لا يقاتلون على سنة الظهر وغيرها، وقال بعض أصحابنا: يقاتلون لأنه شعار ظاهر، أ. هـ؛ قاله النووي (^١).\nفائدة: وشرط المؤذن: الإسلام فلا يصح أذان الكافر لأنه ليس من أهل الصلاة فلا يكون داعيا إليها، والتمييز لأن غير المميز ليس من أهل العبادة والعقل، ولذلك لا يصح أذان السكران الذي لا تمييز له في الأظهر كالمجنون، والذكورة فلا يصح أذان المرأة والخنثى للرجال قياسا على إمامتهما لهم، فلو بانت ذكورة الأنثى بعد أذانهما فالوجه إجزاؤه، ويشترط أيضا أن يكون عارفا بالوقت إذا كان راتبا (^٢)، قال النووي: \"ووقع في كلام بعضهم أنه مستحب وهو مؤول\" (^٣)، ويستَحب أن يكون حرًّا بالغًا لما روى البيهقي أن عمر - ﵁ - قال\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٨٦)، والمجموع (٣/ ٨١ - ٨٢).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٥٣).\n(^٣) المجموع (٣/ ١٠٢).","vol":"2","page":565},{"text":"لقيس بن أبي حازم التابعي الجليل: من مؤذنوكم؟ قال: مؤذنونا كذا وعبيدنا، فقال: إن ذلك لنقص كبير، ويصح أذان الأعمى لكن يكره إذا لم يكن معه بصير (^١)، ومن شرط الأذان الوقت لأنه إعلام به فلا يصح قبله اتفاقا إلا الصبح فمن نصف الليل وفيه أقوال، الخامس منها: أنه من السحر قبيل طلوع الفجر وصححه النووي تبعا للقاضي والبغوي والمتولي، وضبطه بين الفجر الكاذب والصادق لأنه المنقول عن بلال - ﵁ - (^٢) والله أعلم.\n\n٣٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط حَتَّى لا يسمع التأذين فَإِذا قضي الأذَان أقبل فَإِذا ثوب أدبر فَإِذا قضي التثويب أقبل حَتَّى يخْطر بَين الْمَرْء وَنَفسه يَقُول اذكر كَذَا اذكر كَذَا لما لم يكن يذكر من قبل حَتَّى يظل الرجل مَا يدْرِي كم صلى، رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٣)، قَالَ الْخطابِيّ ﵀ التثويب هُنَا الإِقَامَة والعامة لا تعرف التثويب إِلَا قَول الْمُؤَذّن فِي صَلَاة الْفجْر الصَّلاة خير من النّوم وَمعنى التثويب الإِعْلَام بالشَّيْء والإنذار بِوُقُوعِهِ وَإِنَّمَا سميت الإِقَامَة تثويبا لِأَنَّهُ إِعْلَام بِإِقَامَة الصَّلَاة وَالأَذَان إِعْلَام بِوَقْت الصَّلَاة.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٥٣).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٣) أخرجه مالك (١٧٧)، والبخارى (٦٠٨) و(١٢٢٢) و(١٢٣١) و(١٢٣٢) و(٣٢٨٥)، ومسلم (١٦ و١٧ و١٨ و١٩ و٢٠ - ٣٨٩) و(٨٣ و٨٤ - ٣٨٩)، وأبو داود (٥١٦)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٥١ (٦٨١) والكبرى (١٧٩٥).","vol":"2","page":566},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين\"؛ لطيفة: شبه إشغال الشيطان نفسه وإغفالها عن سماع التأذين بالصوت ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له (^١)، وقيل: إن الحمار إذا كان حمله ثقيلا جدا أو يعدو يخرج منه الضراط لثقل الحمل وشدة العدو، وكذلك الشيطان يخرج منه الضراط لثقل الأذان عليه وهو مثل معنى يثقل عليه الأذان كما يثقل على أحدكم الحمل حتى يخرج منه الضراط، انتهى، قاله في شرح المصابيح (^٢)؛ قال العلماء ﵃: وإنما أدبر الشيطان عند الأذان لئلا يسمعه فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة لقوله - ﷺ -: \"لا يسمع قول المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة\" قال القاضي عياض: وقيل: إنما يشهد له المؤمنون من الجن والإنس فأما الكافر فلا شهادة له ولا يقبل هذا من قائله لما جاء في الآثار من خلافه، وقيل: هذا فيمن تصح منه الشهادة فمن يسمع، وقيل: بل هو عام في الحيوان والجماد وأن الله تعالى يخلق لهما ولما لا يعقل من الحيوان إدراكًا للأذان وعقلا ومعرفة، وقيل: إنما يدبر الشيطان لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه، وقيل: ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد قاله النووي في شرح مسلم (^٣).\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٢٤٧).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٤٦).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٤/ ٩٢).","vol":"2","page":567},{"text":"تنبيه: فإن قلت كيف يهرب الشيطان عند الأذان ولا يهرب عند الصلاة فيهما قراءة القرآن؟ قلت: لما يرى من أنها إنفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد وإقامة شعار الشريعة ومن نزول الرحمة العامة عليهم ومن يأسه أن يردهم عما أعلنوا، وقيل: لا فلا يضطر إلى الشهادة لابن آدم بشهادة اعترافه بالوحدانية يوم القيامة كما تقدم، قاله الكرماني (^١).\nفائدة: روى النسائي في آخر سننه الكبرى من حديث الحسن عن جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: \"عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل فإذا تغولت لكم الغيلان فبادروا بالأذان\" (^٢) قال النووي ﵀ (^٣): ولذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة إذا عرض للإنسان شيطان لما روي مسلم عن سهيل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلاء لنا أو صاحب لنا فناداه مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فإني سمعت أبا هريرة حدث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إذا الشيطان إذا نودي بالصلاة أدبر\" (^٤) انتهى، قاله في حياة الحيوان (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٥/ ٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠٥ (١٤٢٧٧) و٣/ ٣٨١ (١٥٠٩١)، والنسائى في الكبرى (١٠٩٠٢) واليوم والليلة (٩٥٥)، وابن خزيمة (٢٥٤٨). وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٤٠)\n(^٣) الأذكار (ص ٢٣٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٨ - ٣٨٩).\n(^٥) حياة الحيوان (٢/ ٢٦٤).","vol":"2","page":568},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فإذا قضى الأذان أقبل فإذا ثوب أدبر فإذا قضى التثويب أقبل\" قال الحافظ نقلا عن الخطابي المراد بالتثويب هنا الإقامة ومعنى التثويب الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه، وإنما سميت الإقامة تثويبا لأنه إعلام بإقامة الصلاة والأذان إعلام بوقت الصلاة، انتهى، مأخوذ من قولهم ثاب إذا رجع (^١).\nقوله - ﷺ -: \"حتى يخطر بين المرء ونفسه\" الحديث، يخطر بضم الخاء وكسرها هما لغتان حكاهما القاضي عياض في المشارق (^٢)، قال: ضبطناه عن المتقنين بالكسر وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه في هذا ومعناه أنه يوسوس ومنه رمح خطا رأى ذو اضطراب وهو من قولهم خطر الفحل بذنبه إذا حركه فضرب به فجذبه، وفسره الخليل بهذا وأما بضم الطاء فمن السلوك والمرور أي يدنوا منه فيمن بين نفسه وبينه وبين قلبه فيذهله عما هو فيه، وبهذا فسره الشارحون للموطأ وغيره (^٣).\nتنبيه: قوله - ﷺ -: \"حتى يخطر بين المرء وبين نفسه\" أو قال \"قلبه\"، فإن قلت: كيف يتصور خطورة بين المرء ونفسه وهما عبارتان عن شيء واحد؟ قلت: إما أن يراد بالنفس الروح أو القلب فهو كقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (^٤) وإما أن يكون تمثيلا لغاية القرب منه، أ. هـ. قاله الكرماني (^٥).\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ١٥٥).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٤/ ٩٢).\n(^٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.\n(^٥) الكواكب الدرارى (٥/ ٨).","vol":"2","page":569},{"text":"قوله - ﷺ -: \"حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى\" وظل هنا بالظاء القائمة المفتوحة بمعنى يصير كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (^١) كذا رواهما فيها وكذا قال الداودي، وقيل: يظل هاهنا يبقى ويدوم كما قال ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا، وحكى الداودي أنه روى يضل بكسر الضاد وهو من الضلال وهو التحير والكسر في المستقبل أشهر كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (^٢) أي تنسى وهو صحيح والضلال النسيان أيضًا وهذا التفسير يأتي على رواية مالك في كتابه فإنه إنما ذكره هو بالظاء بمعنى يصير وهو أليق بالكلام أهـ، قاله عياض (^٣). والمقصود أن الشيطان يسهيه في صلاته.\n\n٣٦٩ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"إِن الشَّيْطَان إِذا سمع النداء بِالصَّلَاةِ ذهب حَتَّى يكون مَكَان الروحاء\"، قَالَ الرَّاوِي والروحاء من الْمَدِينة على سِتَّة وَثلاثِينَ ميلًا رَوَاهُ مُسلم (^٤).\nقوله: عن جابر هو جابر بن عبد الله الصحابي بن الصحابي كنيته أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالراء بن الخزرج الأنصاري السلمي المدني هو أحد المكثرين الروايات عن\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٥٨.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٣١).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٥ - ٣٨٨)، وابن خزيمة (٣٩٣)، وابن حبان (١٦٦٤).","vol":"2","page":570},{"text":"رسول الله - ﷺ - كما تقدم روي له عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثًا وانفرد البخاري بستة وعشرين حديثًا ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثا توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين. وقيل سنة ثمان وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة وكان قد عمى بصره في آخر عمره ومناقبه كثيرة مشهورة فحيث أطلق جابر في كتب الحديث فهو جابر بن عبد الله هذا وإذا أرادوا جابر بن سمرة قيدوه بسمرة (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء\" قال الراوي: والروحاء من المدينة على ستة وثلاثين ميلا رواه مسلم قاله المنذري، وقال غيره من العلماء والروحاء بفتح الراء والحاء المهملتين والمد وهي موضع من عمل الفرع بضم الفاء وإسكان الراء المهملة من عمل المدينة وقيل اسم بلد وبينها وبين مدينة رسول الله - ﷺ - ستة وثلاثون ميلا كما ذكره الراوي في صحيح مسلم (^٢).\nوحكى صاحب المطالع أن بينهما أربعين ميلًا وأن في كتاب ابن أبي شيبة بينهما ثلاثين ميلا كما تقدم (^٣)، روي أنه كان لبني سليم معدن لا يزال يصاب فيهم الإنسان من قبل الجن فشكوا ذلك إلى زيد بن أسلم فأمرهم بالأذان فيه وأن\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٢ - ١٤٣ ترجمة ١٠٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٠٥)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٣٢).\n(^٣) مطالع الأنوار (٣/ ٢٠٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٣٢).","vol":"2","page":571},{"text":"يرفعوا به أصواتهم ففعلوا فانسلخ ذلك عنهم (^١) قاله في شرح مشارق الأنوار.\n\n٣٧٠ - وَعَن مُعَاوِيَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول المؤذنون أطول النَّاس أعناقا يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ مُسلم (^٢) وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - ﵁ - (^٣).\nقوله: عن معاوية هو معاوية بن أبي سفيان تقدم الكلام مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة\" الحديث، هذا عام أريد به الخصوص فلا يدخل فيه الأنبياء ونحوهم بل يحمل على أنهم أطول الأمة فى ذلك فأما الأنبياء والعلماء والأولياء والشهداء فلهم مراتب أخرى أعلى من ذلك ولا يلزم من اتصافهم بوصف أن لا يفوقهم غيرهم في أوصاف أخر (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"أعناقًا\"، هو بفتح الهمزة على المشهور وهو جمع عنق واختلف السلف والخلف في معناه فقيل معناه أكثر الناس تشوفا إلى الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات - الجزء المتمم (١/ ٣١٥)، وابن أبى الدنيا في الاشراف (٤٧٠)، واللالكائى في كرامات الأولياء (ص ١٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤ - ٣٨٧)، وابن ماجه (٧٢٥)، وابن حبان (١٦٦٩).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (١٦٦٩)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٦١ رقم ٦٨٥١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن خالد بن أبي الصلت إلا القعنبي وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٣٢٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو الصلت، قال المزي: روى عنه علي بن زيد، ولم يذكر غيره. وقد روى عنه ابنه خالد بن أبي الصلت في الطبراني، في هذا الحديث، وبقية رجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٣).\n(^٤) انظر: نوادر الأصول (٢/ ٧ - ٨).","vol":"2","page":572},{"text":"تعالى لأن المتشوف يطيل عنقه لما يتطلع إليه فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب (^١) وقيل معناه أكثر الناس رجاء يوم القيامة لأن من رجا شيئا مد عنقه إليه (^٢)، وقال ابن الأعرابي معناه أكثر الناس أعمالا وقالوا فلان عنق من الخير أي قطعه (^٣) وقيل هو من طول الأعناق حقيقة لأن الناس يوم القيامة إذا كانوا في الكرب والعرق والازدحام منهم من يلحقه العرق ومنهم من يبلغ شحمة أذنه ومنهم من يعلوه فوق رأسه كان المؤذنون يومئذ أطول الناس رقابا وأرفعهم رؤوسا مشرئبين أي رافعي رؤوسهم لأن يؤذن لهم في دخول الجنة مجازاة لهم على ليهم أعناقهم يمينا وشمالا في الحيعلتين (^٤).\nقال الشيخ شرف الدين الدمياطي: قلت ويحتمل أعناقهم لا تزيد طولا وإنما هو لعلو مكانهم وأنهم يكونون يوم القيامة على كثيب المسك والناس في أرض المحشر كما سيأتي في حديث ابن عمر \"فرؤوس الناس مستوية\" الاستواء موقفهم وطولهم فهم يشرفون على الناس بطولهم وأعناقهم بعلو مكانهم وارتفاع مما تحت أرجلهم وهذا ليس ببعيد (^٥) وقيل معناه أكثر الناس أتباعا يقال فلان جاء في عنق من الناس أي في جماعة كثيرة ومنه قوله تعالى\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٤/ ٩١ - ٩٢).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٤٥).\n(^٣) شرح السنة (٢/ ٢٧٧).\n(^٤) شرح السنة (٢/ ٢٧٨)، والمسالك (٢/ ٣٢٨)، ومطالع الأنوار (٥/ ٧)، والميسر (١/ ١٩٢)، والمفاتيح (٢/ ٤٥).\n(^٥) المتجر الرابح (ص ٥٥).","vol":"2","page":573},{"text":"﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أي جماعاتهم أي المؤذنون أكثر الناس أتباعا وهم من أجابوه إلى الصلاة (^١) وقيل معناه أنهم سادة رؤساء والعرب تصف السادة بطول الأعناق (^٢) وقيل طول العنق كناية عن علو درجته وأنافته على غيره إذ العرب تصف السادة بطول الأعناق كما تقدم كما أن خضوع العنق وانكساره كناية عن الحيرة والهوان والهيم (^٣) أو وصفهم بطول الأعناق لأنهم مشرئبون يومئذ تحقيقا لطمعهم في دخول الجنة (^٤) وأن من رجى شيئًا طال إليه عنقه وهو وجه حسن لما فيه من المطابقة بين المؤذنين وبين ما وصفوا به وذلك لأنهم يمدون أعناقهم إذا رفعوا أصواتهم بالأذان فيجازون في القيامة بما يناسب حالهم في العبادة وهو أن الناس يكونون في الكرب وهم في الروح أي الرحمة فيشرئبون أن يؤذن لهم في دخول الجنة (^٥).\nوفي جميل الغرائب تفسيره الدنو من رحمة الله تعالى (^٦)، وفي نوادر الأصول \"المؤذنون هم دعاة إلى الله\" فزيدوا على الناس مرتبة بطول أعناقهم ليشرفوا على الناس بأعناقهم وهذا الطول عندنا في شخصهم وخيالهم فأما نفس الخلقة فحيث خلقها الله من جنس خلق أهل الجنة (^٧)، ورواه بعضهم\n_________\n(^١) الحاوى (٢/ ٦١)، وشرح السنة (٢/ ٢٧٨)، والبيان (٢/ ٥٦)، وشرح المشكاة (٣/ ٩١٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٩٢).\n(^٣) الميسر (١/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٤) الميسر (١/ ١٩٢).\n(^٥) النهاية (٣/ ٢١٠)، والمفاتيح (٢/ ٤٥).\n(^٦) قاله يونس بن عبيد كما في إكمال المعلم (٢/ ٢٥٥).\n(^٧) نوادر الأصول (٢/ ٦).","vol":"2","page":574},{"text":"إعناقا بكسر الهمزة أي أكثر إسراعا إلى الجنة ومنه الحديث: \"لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حرامًا\" أي مسرعا في طاعته منبسطا في عمله والأعناق والعنق السير بسرعة وقال بعضهم العنق الخطو الفسيح ومنه أيضا الحديث الثابت عن رسول الله - ﷺ - \"أنه كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص\" والنص فوق العنق (^١).\n\n٣٧١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"لَو أَقْسَمت لبررت إِن أحب عباد الله إِلَى الله لرعاة الشَّمْس وَالْقَمَر يَعْنِي المؤذنين وَإِنَّهُم ليعرفون يَوْم الْقِيَامَة بطول أَعْنَاقهم\"، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط (^٢).\nقوله عن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لو أقسمت لبررت\" القسم الحلف.\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣١٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٠٦ رقم ٤٨٠٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ١٦٧)، وابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٣٢١، ٣٢٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جنادة بن مروان، قال الذهبي: اتهمه أبو حاتم.\nوقال الحافظ: هذا حديث غريب. ونقل عن الطبراني أنه قال -بعد أن روي بهذا السند ستة أحاديث-: لم يرو هذه الأحاديث عن أنس إلا الحارث بن النعمان.\nقال الحافظ: وهو ابن أخت سعيد بن جبير، وقد ضعفه البخاري وأبو حاتم -انظر: الضعفاء الصغير (ص ٦٠) - والراوي عنه جنادة -بضم الجيم وتخفيف النون- ضعفه أبو حاتم أيضا، وخالفه ابن حبان فذكره في الثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٣٨) وضعيف الترغيب (١٥٩).","vol":"2","page":575},{"text":"قوله: لبررت ومعناه لم أحنث في حلفي.\nقوله - ﷺ -: \"إن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر\" يعني المؤذنين وإنهم ليعرفون بطول أعناقهم تقدم الكلام على ذلك في حديث معاوية.\n\n٣٧٢ - وَعَن ابْن أبي أوفى - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"إِن خِيَار عباد الله الَّذين يراعون الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم لذكر الله\" رَواهُ الطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الإِسْنَاد ثمَّ رَوَاهُ مَوْقُوفًا وَقَالَ: هَذَا لَا يفْسد الأول لِأَن ابْن عُيَيْنَة حَافظ وَكَذَلِكَ ابْن الْمُبَارك انْتهى، وَرَواهُ أَبُو حَفْص بن شاهين وَقَالَ تفرد بِهِ ابْن عُيَيْنَة عَن مسعر وَحدث بِهِ غَيره وَهُوَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح (^١).\nقوله: عن ابن أبي أوفى الصحابي ابن الصحابي كنيته أبو إبراهيم وقيل: أبو محمد وقيل: أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفى واسم ابن أبي اوفى علقمة وقيل:\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٠٤)، والبزار (٣٣٥٠) و(٣٣٥١)، والطبراني في الدعاء (١٨٧٦)، وابن شاهين في الأفراد (مجموع ٣٧/ لوحة ٨٣)، والمخلص في المخلصيات (٣١٠٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٢٧)، والحاكم (١/ ٥١)، والبيهقي (١/ ٥٥٨ رقم ١٧٨١)، والبغوى (٣٩٨).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن مسعر بهذا الإسناد إلا سفيان بن عيينة، ومحمد بن الوليد الذي حدثنا بهذا الحديث لا نعلم أحدا تابعه على روايته عن يحيى بن أبي بكير عن ابن عيينة، والحديث إنما يعرف لعبد الجبار، والصحيح الذي روى عن مسعر، عن إبراهيم، عن رجل، عن أبي الدرداء موقوفًا. وقال ابن شاهين: تفرد به سفيان بن عيينة عن مسعر ما حدث به عنه غيره وهو حديث غريب صحيح حسن قد حدث به عن ابن عيينة يحيى بن أبي بكير الكرماني. وقال أبو نعيم: تفرد سفيان عن مسعر برفعه. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٧: رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجاله موثقون، [لكنه معلول]. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٤٠) وصحيح الترغيب (٢٤٤).","vol":"2","page":576},{"text":"طعمة بضم الطاء وإسكان العين المهملة بن خالد بن الحارث بن أسيد بفتح الهمزة بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن الأسلمي شهد بيعة الرضوان وخيبر وما بعدها من المشاهد مع رسول الله - ﷺ - ولم يزل بالمدينة حتى توفي رسول الله - ﷺ - ثم تحول إلى الكوفة وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة روي له عن رسول الله - ﷺ - خمسة وتسعون حديثا اتفق منها على عشرة وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث ونزل الكوفة وتوفي بها سنة ست وثمانين وقيل سنة سبع أو ثمان وهو آخر من توفي من الصحابة بالكوفة (^١).\nقوله - ﷺ - \"إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم لذكر الله\" يعني المؤذنين.\nحادثة: سئل شيخ الإسلام أيما أفضل الرئيس الذي يراعي الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله تعالى وينصب محاريب المسلمين أو المؤذن الذي يجهل ذلك؟ فقال: الأول قائم بفرض والثاني قائم بسنة فالأول يفضل الثاني بهذا الاعتبار وللثاني فضيلة الأذكار والقيام بالشعار فهو بالنظر لذلك له رجحان وتمييز انتهى.\nوالظاهر أن المؤذن أفضل مطلقا وإن كان قائما بسنة كمبتدئ الإسلام والمجيب فإن القائم بالشعار هو المؤذن والرئيس عالم بالوقت ومقصود العلم العمل انتهى قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦١ الترجمة ٢٨١).","vol":"2","page":577},{"text":"قوله: رواه أبو حفص ابن شاهين وقال: تفرد به ابن عيينة عن مسعر، قال أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس: وكان ابن شاهين قد صنف في الحديث مصنفات كثيرة أقلها جزء وأكثرها التفسير وهو ألف جزء وما كان يعرف من الفقه شيئًا (^١).\nقوله: وقال تفرد به ابن عيينة عن مسعر ما حدث به غيره أما ابن عيينة فاسمه [سفيان] وأما مسعر فهو مسعر بن كدام الهلالي العامري الحافظ أبو سلمة الكوفي كان معادن الصدق وكان عنده نحو ألف حديث وكان من أثبت الناس وكان يسمى المصحف لكثرة ضبطه وكان شعبة وسفيان إذا اختلفا قالا اذهب بنا إلى الميزان مسعر بن كدام روى مسعر عن مائة شيخ لم يرو عنهم سفيان قال مصعب بن المقدام: لما مات مسعر رأيت النبي - ﷺ - في النوم وهو طائف فقفلت يا رسول الله مات مسعر قال نعم واستبشر لموته أهل السماء توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة وقيل سنة خمس وخمسين ومائة روى له الجماعة (^٢).\n\n٣٧٣ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن المؤذنين والملبين يخرجُون من قُبُورهم يُؤذن الْمُؤَذّن ويلبي الملبي\" رَواهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^٣).\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (ص ١٠٤).\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال (٢٧/ ٤٦١ - ٤٦٩ الترجمة ٥٩٠٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٤٠ رقم ٣٥٥٨)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٥٦٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٩٧) وقال الطبراني: لم يرو هذا =","vol":"2","page":578},{"text":"قوله: عن جابر هو بن عبد الله تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبي الملبي\" الحديث وذكر ابن الجوزي عن جابر أيضًا - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - قال \"ثلاثة أصوات يباهي الله ﷿ بهن الملائكة الأذان والتكبير في سبيل اللّه ورفع الصوت بالتلبية\" أخرجه ابن عساكر بإسناده من طريق رشدين ولا بأس به في الرقائق (^١) وذكر ابن الجوزي أيضا في العلل من حديث أنس قال قال رسول الله - ﷺ - \"يحشر المؤذنون يوم القيامة على نوق من نوق الجنة يقدمهم بلال رافعي أصواتهم ينظر إليهم الجمع فيقال من هؤلاء فيقال مؤذنو أمة محمد - ﷺ - يخاف الناس ولا يخافون ويحزن الناس ولا يحزنون\" (^٢) وقد\n_________\n= الحديث عن أبي الزبير، إلا أبو بكر الهذلي، ولا عن أبي بكر، إلا أبو الوليد الضبي -وهو: العباس بن بكار-، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مجاهيل لم أجد من ذكرهم. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٢٢٧٦) وضعيف الترغيب (١٦٠).\n(^١) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٣٤٠)، وابن حجر في نتائج الأفكار (٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠). وقال ابن حجر: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٤٣٤).\n(^٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٥/ ٢٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٦١)، وابن الجوزى في العلل (١/ ٣٩١ رقم ٦٥٣).\nقال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح وقال أحمد: داؤد ليس حديثه بشيء وقال يحيى ليس بشيء وقال علي بن المديني رميت حديثه وأما موسى بن إبراهيم فقال يحيى كان كذابا وقال الدارقطني: متروك. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٧٧٤).","vol":"2","page":579},{"text":"روي عن ابن عمر موقوفًا ومرسلا ولا يصح مسندًا، وروى الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب موضح أوهام الجمع والتفريق: عن جابر قال قال رسول الله - ﷺ - \"إن أول من يدخل الجنة الأنبياء ثم مؤذنو البيت الحرام ثم مؤذنو بيت المقدس ثم مؤذنو مسجدي ثم سائر المؤذنين قال ومؤذن البيت بلال\" (^١) - ﵁ - وعن معقل بن يسار - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال إن الله لا يأذن لشيء من أهل الأرض أي لا يستمع إلا لأذان المؤذنين والصوت الحسن بالقرآن (^٢).\nوعن ابن عمر - ﵁ -: قال قال رسول الله - ﷺ - \"إن أهل السماء لا يسمعون شيئا من الأرض إلا الأذان\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه بحشل في تاريخ واسط (ص ١٩١ - ١٩٢)، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ١١٤)، وأبو بكر الشافعى في الغيلانيات (٩٢٨)، وابن عدى (٩/ ٣٢٩) ومن طريقه ابن الجوزى في العلل (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣ رقم ٦٥٦ و٦٥٧)، والخطيب في موضح أوهام الجمع (١/ ٥٦). قال ابن الجوزى: هذا لا يصح والحمل فيه على محمد بن عيسى وهو الذي تفرد به قال البخاري منكر الحديث وقال ابن حبان: يروي عن ابن المنكدر العجائب وعن الثقات الأوابد.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢١٦ رقم ٥٠١)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٧١)، وابن الجوزى في العلل (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤ رقم ٦٥٨). قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح وقال يحيى سلام لا يكتب حديثه وقال النسائي متروك وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بخبر زيد العمي. وقال الألباني في الضعيفة (٣١٠٨): موضوع.\n(^٣) أخرجه أبو أمية الطرطوسى في مسند ابن عمر (ص ٢٤)، وأبو يعلى كما في اتحاف الخيرة (١/ ٤٧٧ رقم ٨٨٨) والمطالب (٢٣٧)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٦٣ - ٦٤)، =","vol":"2","page":580},{"text":"٣٧٤ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة على كُثْبَان الْمسك وَأرَاهُ قَالَ يَوْم الْقِيَامَة زَاد فِي رِوَايَة يَغْبِطهُمْ الأَولونَ وَالآخرُونَ عبد أدّى حق الله وَحقّ موَالِيه وَرجل أم قوما وهم بهِ راضون وَرجل يُنَادي بالصلوات الْخمس فِي كل يَوْم وَلَيْلَة رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة سُفْيَان عَن أبي الْيَقظَان عَن زَاذَان عَنهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١)\nقَالَ الْحَافِظ وَأَبُو الْيَقظَان واه وَقد روى عَنهُ الثِّقَات واسْمه عُثْمَان بن قيس قَالَه التِّرْمِذِيّ وَقيل عُثْمَان بن عُمَيْر وَقيل عُثْمَان بن أبي حميد وَقيل غير ذَلِك\n_________\n= وابن عدى في الكامل (٥/ ٥٢٠) ومن طريقه ابن الجوزى في العلل (١/ ٣٩٤ رقم ٦٥٩). قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح قال يحيى عبيد الله الوصافي ليس بشيء وقال الفلاس متروك الحديث. قال البوصيرى: هذا إسناد ضعيف، عبيد الله بن الوليد أجمعوا على ضعفه، وقال الحاكم: روى عن محارب بن دثار أحاديث موضوعة. وقال ابن حجر: عبيد الله ضعيف جدًّا. وقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (٣١٧٣).\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٦ (٤٧٩٩)، والترمذى في العلل (٥٨٦) و(ص ٣٧٧) والسنن (١٩٨٦) و(٢٥٦٦)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٩٧ - ٩٨ رقم ١٣٧٤٠). قال الترمذى: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث سفيان لا أعرفه من حديث غيره. وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري، وأبو اليقظان اسمه: عثمان بن عمير، ويقال: ابن قيس. وقال الدارقطنى في العلل (٣٠٤٠): اختلف فيه على زاذان؛ فرواه أبو اليقظان، عثمان بن عمير، عن زاذان، عن ابن عمر.\nوخالفه منصور بن زاذان، فرواه عن زاذان، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي - ﷺ - وكلاهما غير محفوظ. وضعفه الألباني في المشكاة (٦٦٦)، ونقد التاج (١٨٤)، وضعيف الترغيب (١٦١) و(٢٥٥) و(١١٨٦).","vol":"2","page":581},{"text":"وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالصَّغِير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ.\n\n٣٧٥ - وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاثة لا يهولهم الْفَزع الأَكْبَر وَلَا ينالهم الْحساب هم على كثب من مسك حَتَّى يفرغ من حِسَاب الْخَلائق رجل قَرَأَ الْقُرْآن ابْتِغَاء وَجه الله وَأم بِهِ قوما وهم بِهِ راضون وداع يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة ابْتِغَاء وَجه الله وَعبد أحسن فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَفِيمَا بَينه وَبَين موَالِيه (^١). وَرَواَهُ فِي الْكَبِير.\n\n٣٧٦ - وَلَفظه عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ لَو لم أسمعهُ من رَسُول الله - ﷺ - إِلَا مرّة وَمرَّة وَمرَّة حَتَّى عد سبع مَرَّات لما حدثت بِهِ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول ثَلَاثة على كثْبَان الْمسك يَوْم الْقِيَامَة لا يهولهم الْفَزع وَلا يفزعون حِين يفزع النَّاس رجل علم الْقُرْآن فَقَامَ بِهِ يطْلب بِهِ وَجه الله وَمَا عِنْده وَرجل نَادَى فِي كل يَوْم وَلَيْلَة خمس صلوَات يطْلب وَجه الله وَمَا عِنْده ومملوك لم يمنعهُ رق الدُّنْيَا من طَاعَة ربه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١١٣ رقم ٩٢٨٠) والصغير (٢/ ٢٥٢ رقم ١١١٦)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٠) وأخبار أصبهان (٢/ ٣١١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن بشير بن عاصم إلا عمرو بن أبي قيس، ورواه الثوري، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن ابن عمر.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٨: رواه الترمذي باختصار، وقد رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه عبد الصمد بن عبد العزيز المقرئ ذكره ابن حبان في الثقات.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦١) و(٢٥٥) و(٨٦٣) و(١١٨٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣٣ رقم ١٣٥٨٤). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بحر بن كنيز السقاء وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦١) و(٨٦٣) و(١١٨٦).","vol":"2","page":582},{"text":"قوله: عن عبد الله بن عمر تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة على كثبان المسك\" قال: أراه قال يوم القيامة الحديث، الكثبان جمع كثيب وأصله الرمل المستطيل وقيل قطعة محدوبة وهو من الكثب وهو الشيء الصب وكل مصبوب كثب والكثبة اللبن القليل قاله صاحب المغيب في تفسير غريب القرآن والحديث، وأراه معناها أظنه.\nقوله - ﷺ -: زاد في رواية \"يغبطهم الأولون والآخرون\" الغبطة التمني وسيأتي الكلام على الغبطة مبسوطا في محله.\nقوله - ﷺ -: \"عبد أدى حق الله وحق مواليه\" حق الله معروف وهو ما عليه من الطاعة لله تعالى وحق مولاه هو ما عليه من الخدمة لسيده وسيأتي الكلام على ذلك في بابه. قوله - ﷺ -: \"ورجل أم قوم وهم به راضون\" سيأتي الكلام على ذلك أيضًا. قوله - ﷺ -: \"ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كل يوم وليلة\" المراد بذلك الأذان.\nقوله: رواه أحمد والترمذي من رواية سفيان عن أبي اليقظان واسمه عثمان بن قيس قاله الترمذي وقيل عثمان بن عمر وقيل عثمان بن أبي حميد وقيل غير ذلك قاله المنذري. قوله - ﷺ -: في الرواية الأخرى \"ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب\" الفزع الأكبر قيل هو إذا أطبقت النار على أهلها وقيل هو النفخ في الصور وقيل هو حين تعرض على النار وقيل: هو حين يذبح الموت، قاله في التنقيح على المصابيح (^١).\n_________\n(^١) كشف المناهج (٣/ ٣٣٧).","vol":"2","page":583},{"text":"٣٧٧ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ سمع النَّبِي - ﷺ - رجلا وَهُوَ فِي مسير لَهُ يَقُول الله أكبر الله أكبر فَقَالَ نَبِي الله - ﷺ - على الْفطْرَة فَقَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله قَالَ خرج من النَّار فَاسْتَبق الْقَوْم إِلَى الرجل فَإِذا راعي غنم حَضرته الصَّلَاة فَقَامَ يُؤذن رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَهُوَ فِي مُسلم بِنَحْوِهِ (^١).\nقوله: عن أنس، تقدم.\nقوله: سمع النبي - ﷺ - رجلًا وهو في مسير له يقول: الله أكبر الله أكبر، الحديث، معنى الله أكبر: أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله ووحدانيته وصمديته، وقال في النهاية: وقيل معناه: الله أكبر من كل شيء أي أعظم، وقيل: معناه الله أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته، وراء أكبر في الأذان ساكنة لا تضم للوقف، فإذا وصل بكلام ضم (^٢)، انتهى.\nقوله: فقال نبي الله - ﷺ -: \"على الفطرة\" أي: على الإسلام.\nقوله: فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: \"خرج من النار\" أي: بالتوحيد، ففيه أن الأذان مشروع للمنفرد وهذا هو الصحيح المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا، وتقدم الكلام على ذلك في أوائل الباب، وفيه أن النطق\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٣٢ (١٢٣٥١) و٣/ ٢٢٩ (١٣٣٩٩) و٣/ ٢٤١ (١٣٥٣٢) و٣/ ٢٥٣ (١٣٦٥٢) و٣/ ٢٧٠ (١٣٨٥٢)، ومسلم (٩ - ٣٨٢)، والنسائي في اليوم والليلة (٨٢٨)، وابن خزيمة (٣٩٩)، وابن حبان (١٦٦٥) و(٤٧٥٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٥).\n(^٢) النهاية (٤/ ١٤٠).","vol":"2","page":584},{"text":"بالشهادتين يكون إسلامًا وإن لم يكن باستدعاء ذلك منه، وهذا هو الصواب (^١)، وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يكون إسلامًا.\n\n٣٧٨ - عَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فَقَامَ بِلال يُنَادي فَلَمَّا سكت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ مثل هَذَا يَقِينا دخل الْجنَّة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"فقام بلال ينادي\" أي: يؤذن، بلال هو بلال بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله - ﷺ -، أول من أذن في الإسلام، ولم يؤذن لأحد بعد رسول الله - ﷺ - غير مرة لعمر - ﵁ - حين دخل الشام فبكى الناس بكاء شديدًا، وروى ابن أبي شيبة وابن عبد البر أنه أذن لأبي بكر إلى أن مات ولم يؤذن لعمر، وأمه: حمامة، ووقع في الصحاح (حمام) وهو وهم، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا، والله أعلم.\nتتمة: وذكر ابن حزم في هذا الباب في الخلاء أنه لا يكمل حسن الحور العين في الجنة إلا بسواد بلال، فإنه يفرق سواده شامات في خدودهن فسبحان من أكرم أهل طاعته (^٣)، وروى أن النبي - ﷺ - قال: \"خير السودان\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٩٩) وشرح النووى على مسلم (٤/ ٨٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٥٢ (٨٦٢٤)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٥٤ (٦٨٥) والكبرى (١٨٠٢)، وابن حبان (١٦٦٧)، والحاكم (١/ ٢٠٤). وصححه الحاكم. وحسنه الألباني في المشكاة (٦٧٦) وصحيح الترغيب (٢٤٦) و(٢٥٥).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٤٤).","vol":"2","page":585},{"text":"ثلاثة: بلال، ومهج، ولقمان\" (^١) ومهج هو مولى عمر وهو أول قتيل قتل من المسلمين في بدر (^٢).\nتنبيه: والمؤذنون في زمن النبي - ﷺ - أربعة: بلال وابن أم مكتوم كانا بالمدينة وأبو محذورة بمكة وسعد القرظ بقباء (^٣)، وأبو محذورة بالحاء المهملة وضم الذال المعجمة اسمه سلمة بن معير بميم مكسورة ثم عين ساكنة ثم مثناة تحت مفتوحة ثم راء، ويقال: أوس بن معير وهو قرشي جمحي كان من أحسن الناس صوتا، أسلم بعد الفتح وتوفي بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: غير ذلك، روى الدارمي وابن خزيمة أن النبي - ﷺ - اختار أبا محذورة لحسن صوته، وروى البزار أن النبي - ﷺ - أمر عشرين رجلا فأذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان، ولم يهاجر أبو محذورة ولم يزل مقيما بمكة إلى أن مات بها، قال ابن قتيبة: أسلم أبو محذورة بعد خيبر وبقي الأذان بمكة فيه وفي أولاده قرنا بعد قرن إلى زمن الشافعي رحمه الله تعالى (^٤).\n\n٣٧٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ عَلمنِي أَو دلَّنِي على عمل يدخلني الْجنَّة قَالَ كن مُؤذنًا قَالَ لا أَسْتَطِيع\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٨٤). وصححه الحاكم. وقال الذهبى: كذا قال: مولى رسول الله، ولا أعرف ذا. وقال الألباني في الضعيفة (١٤٥٥): منكر.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٧ ترجمة ٦١٢).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧ الترجمة ٨٥٨).","vol":"2","page":586},{"text":"قَالَ كن إِمَامًا قَالَ لا أَسْتَطِيع فَقَالَ فَقُمْ بإِزَاءِ الإِمَام رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالطّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^١).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: علمني أو دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: \"كن مؤذنًا\" قال: لا أستطيع، قال: \"فقم بإزاء الإمام\" أي: وراء الإمام.\n\n٣٨٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْمُؤَذّن الْمُحْتَسب كالشهيد المتشحط فِي دَمه يتَمَنَّى على الله مَا يَشْتَهِي بَين الأذَان وَالإِقَامَة رَوَاهُ الطبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٧)، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ٢١)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٦٣ - ٣٦٤ رقم ٧٧٣٧)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٢٨٤). قال أبو عبد الله البخارى: منكر الحديث، لا يتابع على هذا. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا أبو المعلى، ولا عن أبي المعلى إلا محمد بن إسماعيل، تفرد به: علي بن حميد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن إسماعيل الضبي، وهو منكر الحديث. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٦٢).\n(^٢) أخرجه أبو القاسم الطراز في الفوائد (١٤٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٥٢ رقم ١٢٢١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سالم إلا قيس، تفرد به: إبراهيم.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن رستم ضعفه ابن عدي، وقال أبو حاتم: ليس بذاك، ومحله الصدق، ووثقه ابن معين. وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٥٢) وضعيف الترغيب (١٦٣).","vol":"2","page":587},{"text":"٣٨١ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْمُؤَذّن الْمُحْتَسب كالشهيد المتشحط فِي دَمه إِذا مَاتَ لم يدود فِي قَبره وَفِيهِمَا إِبْرَاهِيم بن رستم وَقد وثق (^١).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم. قوله - ﷺ -: \"المؤذن المحتسب كالشهيد المتشخط في دمه\" أي: يتخبط فيه ويضطرب ويتمرغ (^٢). قوله - ﷺ -: \"يتمنى على الله ما يشتهي بين الأذان والإقامة\"، والأذان هو في اللغة الإعلام، هذا أصله، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٣) أي: إعلام، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (^٤) أي: أعلمهم، وفي الشرع: ذكر مخصوص شرع للإعلام\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٢٢ رقم ١٤٣١١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٧٦)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٦٥٥). ووقع عند ابن الجوزى: عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال الدارقطنى في العلل (٣١١٤): يرويه سالم الأفطس، واختلف عنه؛ فرواه إبراهيم بن رستم المروزي، وهو مشهور، وليس بقوي، عن قيس ابن الربيع، عن سالم، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، وخالفه محمد بن الفضل بن عطية، فرواه عن سالم، عن مجاهد، عن ابن عمر، موقوفا، ورواه أبو إلياس، وهو ابن بنت وهب بن منبه، عن عكرمة بن خالد، وطاووس، وعطاء، ومجاهد، عن النبي - ﷺ - مرسلا، والأشبه مرسلًا.\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن الفضل القسطاني ولم أجد من ذكره. وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٥٣) وضعيف الترغيب (١٦٤).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٤٩).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٣.\n(^٤) سورة الحج، الآية: ٢٧.","vol":"2","page":588},{"text":"بدخول وقت الصلاة المفروضة، والإقامة في الأصل مصدر أقام، وسمي الذكر بذلك لأنه يقيم إلى الصلاة، والأصل في مشروعيته قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^١) الآية، وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (^٢) ومن السنة أحاديث منها: حديث عبد الله بن زيد المطول وتقدم في أول الباب، وكذلك تقدم شيء مما يتعلق بالأذان، وروى البزار أن النبي - ﷺ - أرى الأذان ليلة الإسراء أو أسمعه مشاهدة فوق سبع سموات ثم قدمه جبريل ﵊ قام أهل السماء والأرض وفيهم آدم ونوح فأكمل الله له الشرف على أهل السموات والأرض (^٣) وكان ينبغي أن يذكر بعض هذا في أول الباب مع ما تقدم لكن حصل ذهول عن ذكره هناك في كل خير.\nقوله: في رواية الطبراني \"المؤذن المحتسب إذا مات لم يدود في قبره\" أي: لا يأكله الدود، يقال: داد الطعام وأداد ودود فهو مدود بكسر الواو وإذا وقع\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٥٨.\n(^٢) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(^٣) انظر: النجم الوهاج (٢/ ٤٢ - ٤٣). والحديث المشار إليه: أخرجه البزار (٥٠٨)، وابن شاهين في الناسخ (١٧٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٧٦).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن علي إلا بهذا الإسناد. وزياد بن المنذر فيه شيعية، وقد روى عنه مروان بن معاوية وغيره. وقال الأصبهاني: الحديث غريب لا أعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩: رواه البزار، وفيه زياد بن المنذر وهو مجمع على ضعفه.\nقال الحافظ في الفتح (٢/ ٢١٨): وللبزار وغيره من حديث علي قال: فذكره، وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود وهو متروك.","vol":"2","page":589},{"text":"فيه الدود وكذلك مسوس، قال الراجز:\nقد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسًا مدودًا حجريًّا (^١)\nقاله الجوهري في صحاحه (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٣) قال قتادة ومجاهد: هو سوس النبات ودود الفاكهة (^٤).\nلطيفة: حكي عن الشيخ أبي العباس المرسي أن امرأة قالت له كان عندنا قمح مسوس طحناه فطحن السوس معه وكان عندنا فول مسوس دششناه فخرج السوس حيا، فقال له: صحبة الأكابر تورث السلامة، قلت: ويقرب من هذا ما حكاه ابن عطية في تفسير سورة الكهف أن والده حدثه عن أبي الفضيل الجوهري الواعظ بمصر أنه قال في مجلسه: من صحب أهل الخير عادت عليه بركتهم، هذا كلب صحب قوما صالحين وكان من بركتهم عليه أن ذكره الله في القرآن ولا يزال يتلى على الألسنة أبدًا، ولذلك قيل: من جالس الذاكرين انتبه من غفلته، ومن خدم الصالحين ارتفع بخدمته (^٥).\nفائدة من الفوائد المستغربة: ما أخبرني به بعض أهل الخيرات أن أسماء الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة الشريفة إذا كتبت في رقعة وجعلت في\n_________\n(^١) زرارة بن صعب بن دهر كما في لسان العرب (٣/ ١٦٧).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٤٧١).\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٨.\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٥٢).\n(^٥) حياة الحيوان (٢/ ٥٣).","vol":"2","page":590},{"text":"القمح لا يسوس ما دامت الرقعة فيه، وهم مجموعون في قول الأول:\nإلا أن من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيري عن الحق خارجة\nفخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة\nوأفادني بعض أهل التحقيق أن أسماءهم إذا كتبت وعلقت على الرأس أو ذكرت عليه أزالت الصداع العارض له، قاله الدميري في منافع الحيوان (^١).\n\n٣٨٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا أذن فِي قَرْيَة أمنها الله ﷿ من عَذَابه ذَلِك الْيَوْم رَوَاهُ الطّبَرَانِيّ في معاجيمه الثَّلَاثَة (^٢).\n\n٣٨٣ - وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير من حَدِيت معقل بن يسَار وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَيّمَا قوم نُودي فيهم بِالأَذَانِ صباحا إِلَّا كَانُوا فِي أَمَان الله حَتَّى يمسوا وَأَيّمَا قوم نُودي فيهم بِالأَذَانِ مسَاء إِلَا كَانُوا فِي أَمَان الله حَتَّى يصبحوا (^٣).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٥٣ - ٥٤). وقد ذكره السخاوي في الأجوبة المرضية (٣/ ٩٨٣) بتحقيقنا نقلا عن الدميري أيضا ولم يذكر دليلا مرفوعًا عليه، ولم أهتد إلى من يثبت هذا.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٣٠٩ ر قم ٤٩٩) والأوسط (٤/ ٨٣ رقم ٣٦٧١) والكبير (١/ ٢٥٧ رقم ٧٤٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن صفوان بن سليم، إلا عبد الرحمن بن سعد، تفرد به: بكر بن محمد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٨: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار ضعفه ابن معين. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٢٠٧) وضعيف الترغيب (١٦٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢١٥ رقم ٤٩٨). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أغلب بن تميم وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٦) والضعيفة (٢٦٠٦).","vol":"2","page":591},{"text":"٣٨٤ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول يعجب رَبك من راعي غنم على رَأس شظية للجبل يُؤذن بِالصَّلَاةِ وَيُصلي فَيَقُول الله ﷿ انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا يُؤذن وَيُقِيم الصَّلَاة يخَاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\n\"الشظية\" بِفَتْح الشين وَكسر الظَّاء معجمتين وبعدهما يَاء مثناة تَحت مُشَدّدَة وتاء تَأْنِيث هِيَ الْقطعَة تَنْقَطِع من الْجَبَل وَلم تنفصل مِنْهُ.\nقوله: عن عقبة بن عامر، هو: عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني، واختلف في كنيته فقيل: أبو حماد، وقيل: أبو عمرو، وقيل: غير ذلك، روى عن عمر ولي مصر لمعاوية سنة أربع وأربعين ثم صرفه بمسلمة بن مخلد بضم الميم وفتح الخاء وتشديد اللام وفتحها، وكان له بدمشق دار مشهورة بناحية توما، وقيل: إنه حضر صفين مع معاوية مات سنة ثمان وخمسين، وصححه ابن عساكر، وقيل: سنة ثمان وثلاثين بمصر، ودفن بالمقطم في مقبرة مصر، وكان بنى بها دارا، قاله ابن يونس وولى غزو البحر سنة أربع وأربعين، وكان يخضب بالسواد وكان عالما بكتاب الله وبالفرائض وكان فصيحا شاعرًا مقرؤها، قال ابن يونس: ومصحفه الآن موجودًا بخطه رأيته\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٥ (١٧٣١٢) و٤/ ١٥٧ - ١٥٨ (١٧٤٤٢ و١٧٤٤٣)، وأبو داود (١٢٠٣)، وابن أبى الدنيا في العزلة (١٩٦)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٤٨ (٦٧٧)، وابن حبان (١٦٦٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٤١)، وصحيح أبى داود (١٠٨٦)، وصحيح الترغيب (٢٤٧) و(٤١٤).","vol":"2","page":592},{"text":"عند ابن قديد على غير التآليف الذي في مصحف عثمان، وفي آخره، وكتبه عقبة بن عامر بيده، ولم أزل أسمع شيوخنا يقولون مصحف عقبة لا يشكون فيه، وكان له هجرة وسابقة، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، وتقدم الكلام أيضًا على بعض مناقبه (^١)، قاله في شرح الإلمام.\nقوله - ﷺ -: \"يعجب ربك من راعي غنم\" الحديث، أي: عظم ذلك عنده وكبر لديه، وقيل: يرضي ويسر، أعلم الله ﷾ أنه إنما يتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفى عليه سببه فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده، وقيل: معنى (عجب ربك) أي: رضى وأثاب فسماه عجبا مجازا وليس بعجب في الحقيقة كما قال الله ﷿: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ (^٢) معناه: ويجازيهم الله على مكرهم، والأول الوجه، ومنه الحديث: \"عجب ربك من شاب ليست له صبوة\" وإطلاق التعجب على الله مجاز لأنه لا يخفى عليه أسباب الأشياء، والتعجب ما خفى سببه ولم يعلم، قاله في النهاية (^٣). (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٦ الترجمة ٤١٤).\n(^٢) سورة الأنفال: ٣٠.\n(^٣) النهاية (٣/ ١٨٤).\n(^٤) ومن الصفات التي يثبتها ويؤمن بها أهل السنة والجماعة \"صفة التعجب\" فيصفون الله تعالى بالتعجب، لأنه وصف نفسه بها ووصفه بها رسوله ﷺ فيما ثبت عنه، على ما يليق بالله ﷾ وهي من الصفات التي تتجدد حسب مشيئته تعالى وإرادته، فهي فعل من أفعال الله الكثيرة التي تصدر عن حكمة خفية لا يعلمها إلا الله تعالى.","vol":"2","page":593},{"text":"قوله - ﷺ -: \"في رأس شظية للجمل\" الشظية بفتح الشين وكسر الظاء معجمتين بعدها ياء مثناة تحت مشددة وتاء تأنيث هي القطعة تنقطع من الجبل ولم تنفصل منه، قاله الحافظ، وقال في النهاية: الشظية قطعة مرتفعة في رأس الجبل، والشظية الفلقة من العصى ونحوها، والجمع الشظايا وهو من التشظي التشعب والتشقق، ومنه الحديث: \"إن الله تعالى لما أراد أن يخلق لإبليس نسلا وزوجة ألقى عليه الغضب فطارت شظية ووقعت منه أخرى من شدة الغضب\" (^١).\nقوله - ﷺ -: \"انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني\" الحديث، قال الخطابي ﵀: مذهب جمهور العلماء الذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام أن الإقامة فرادى، قال: ومذهب عامة العلماء أنه يكرر قوله: قد قامت الصلاة إلا مالكا، فإن المشهور عنه أنه لا يكررها، والحكمة في إفراد الإقامة وتثنية الأذان أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون أبلغ في إعلامهم والإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها، ولهذا قال العلماء: يكون رفع الصوت في الإقامة دونه في الأذان، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لكونه مقصود الإقامة والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٧٦).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٥٢ - ١٥٤)، وشرح النووى على مسلم (٤/ ٧٨ - ٧٩).","vol":"2","page":594},{"text":"تنبيه: الإقامة تتعلق بنظر الإمام فلا تقيم إلا بإذنه لقوله - ﷺ -: \"المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة\" (^١) رواه ابن عدي من رواية أبي هريرة فلو أقام المؤذن بغير إذن الإمام اعتد به على الأصح (^٢).\n\n٣٨٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من أذن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَكتب لَهُ بتأذينه فِي كل يَوْم سِتُّونَ حَسَنَة وَبِكُل إِقَامَة ثَلَاثُونَ حَسَنة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِن عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَإِن كَانَ فِيهِ كَلَام فقد روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى (٥/ ١٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٦٧). قال ابن عدى: وهذا بهذا اللفظ لا يروى إلا عن شريك من رواية يحيى بن إسحاق عنه وإنما رواه الناس، عن الأعمش بلفظ آخر، وهو قوله الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين.\nوقال البيهقى في الكبرى (٢/ ٣٠): وروي عن شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا وليس بمحفوظ.\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٥٩).\n(^٣) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٦)، والفاكهى في أخبار مكة (١٣٢٣) و(١٣٢٤)، وابن ماجه (٧٢٨)، والبزار (٥٩٣٣)، والدارقطني في السنن (٩٢٩ و٩٣٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، والبغوى (٤١٨). وصححه الحاكم. وقال أبو حاتم في العلل (٣٦٦): هذا منكر جدًّا.\nوقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه إلا عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر. وقال البغوى: عبد الله بن صالح أبو صالح الجهني، مصري، كاتب الليث، صدوق، غير أنه وقع في حديثه مناكير. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٢) وصحيح الترغيب (٢٤٨).","vol":"2","page":595},{"text":"٣٨٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أذن محتسبًا سبع سِنِين كتب لَهُ بَرَاءَة من النَّار وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من أذن محتسبًا سبع سنين كتبت له براءة من النار\" الحديث أي مجانًا بلا أخذ شيء من الأجرة ومال الوقف [وفى أبى داود والترمذى من حديث عثمان بن أبى العاص قال: إن آخر ما عهد إلي رسول الله - ﷺ -: \"أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرًا\" (^٢) قاله الحافظ الدمياطى.\nتتمة: نعم، لو كان المتطوع فاسقًا أو حرش الصوت، جاز أن يرزق أمينًا أو حسن الصوت فى أصح الوجهين وهما مبنيان على القولين فيما إذا طلبت الأم أجرة الرضاع ووجد الأب متبرعة، وأنه إذا كان فى البلد مساجد رزق مؤذنين بحسب المساجد والحاجة وإن أمكن جمعهم بلا مشقة فإن استأجر عليه جاز كما تقدم، لأنه عمل معلوم؛ فجاز الاستئجار عليه ككتبه المصحف، وهذا ما حكاه المتولى وأبو الطيب عن أكثر الأصحاب قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٢٧)، والترمذى (٢٠٦). وقال الترمذى: حديث غريب. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٦٦٤)، الضعيفة (٨٥٠)، وضعيف الترغيب (١٦٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٣١)، والترمذى (٢٠٩)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٥٢ (٦٨٣) والكبرى (١٧٩٧)، والحاكم (١/ ١٩٩، ٢٠١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الإرواء (١٤٩٢).","vol":"2","page":596},{"text":"الرافعى بالأظهر، ثم إذا جوزنا للإمام الاستئجار على الأذان فهل يجوز لآحاد الناس ذلك فيه وجهان أصحهما الجواز على الصواب، ثم إنه إذا استأجر من بيت المال لا يشترط بيان جملة المدة بل يكفى أن يقول استأجرتك كل شهر بكذا بخلاف ما إذا استأجر من مال الإمام أو الآحاد ففيه وجهان أصحهما عند النووى أنه لا تكفيه بل يجب بيان المدة (^١) ذكره فى مختصر الكفاية (^٢).\nفرع: قال صاحب البحر: إذا لم يكن للمسجد منارة استحب أن يؤذن على بابه فإن أذن فى صحنه جاز وترك المستحب (^٣).\nفرع: يستحب أن يكون الأذان بقرب المسجد، ويكره أن يخرج من المسجد بعد الأذان قبل أن يصلي إلا لعذر ويستحب أن لا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بأذان بعضهم، بل يؤذن في كل مسجد (^٤)].\nففي هذا الحديث أن الإحتساب بالأذان له رتبة عظيمة، وفيه أنه لا يجوز الإستئجار عليه، وبه قال أبو حنيفة كما لا يجوز عنده أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ورخص فيه مالك، وكرهه الأوزاعي والشافعي، قال الشافعي: ولا\n_________\n(^١) انظر: المجموع (٣/ ١٢٦ - ١٢٨)، وكفاية النبيه (٢/ ٤٤٧ - ٤٤٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٦٦ - ٦٧).\n(^٢) مختصر الكفاية (لوحة ١٩٦/ وجه ب ظاهرية ٢١٧٥).\n(^٣) هادى النبيه (لوحة ٣٤/ أ).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٥٩).","vol":"2","page":597},{"text":"بأس أن يرزق من بيت المال أو من بعض الناس وصححه جماعات من أصحابنا آخرهم الرافعي والنووي، ولا يشترط بيان المدة إذا كان من بيت المال وإن كان من أحاد الناس اشترط على الأصح، وتدخل الإقامة في ذلك، ولا تفرد بالإستئجار، والفرق بين الرزق والأجرة أن الرزق هو أن يعطيه كفايته هو وعياله والأجرة ما يقع به التراضي (^١)، قال النووي: والحديث محمول على الندب عند الشافعي (^٢) والحديث بمنع الأجرة على تعليم القرآن لم يصح بل في الصحيح ما يخالفه في حديث الرقية بالفاتحة على قطيع من الغنم بقوله - ﷺ -: \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله تعالى\" (^٣) انتهى، قاله في شرح الإلمام.\nقوله - ﷺ -: \"محتسبًا\" أي: طالبا بأذانه وجه الله وما عنده مؤملا من فضل الله تعالى أن يجعله مما يحاسبه بثوابه يوم القيامة قد أعده ذخرًا له يوم فاقته وعند حاجته إلى الجزاء لم يأخذ عليه أجرا ولم يشتر به ثمنا ولم يطلب عليه ثناء ولا شكرًا قد أخلص فيه نيته وصحح عزيمته ووثوقا بالله ورسوله فيما وعدا به من حسن الجزاء وعظيم الثواب (^٤).\nفائدة فيها بشرى: روى أبو الشيخ الحافظ عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) مغنى المحتاج (١/ ٣٢٧)، وغاية البيان (ص ٩٣).\n(^٢) المجموع (٣/ ١٢٦).\n(^٣) أخرجه البخارى (٥٧٣٧) عن ابن عباس.\n(^٤) المتجر الرابح (ص ٦١).","vol":"2","page":598},{"text":"\"من أذن خمس صلوات إيمانا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^١).\n\n٣٨٧ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا كَانَ الرجل بِأَرْض قي فحانت الصَّلَاة فَليَتَوَضَّأ فَإِن لم يجد مَاء فليتيمم فَإِن أقامَ صلى مَعَه ملكاه وَإِن أذن وَأقَام صلى خَلفه من جنود الله مَا لا يرى طرفاه رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي كِتَابه عَن ابْن التَّمِيمِي عَن أَبِيه عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَنهُ (^٢).\nالقي بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء هِيَ الأَرْض القفر.\nقوله: عن سلمان الفارسي، قال في شرح الإلمام: وكره قتادة أن سمي الفارسي وإنما هو سلمان المسلم، ذكره ابن أبي خيثمة، ولهذا يقال له ابن الإسلام، وأصله من أصبهان من قرية يقال لها جيّ بفتح الجيم وتشديد الياء، وكان أبوه دهقان أرضه وكان على المجوسية ثم لحق بالنصارى ثم صار إلى المدينة، وله قصة طويلة فيها، ذكر خروجه عن أبيه وخدمة جماعة ممن لم يعبر من الرهبان ثم إن آخرهم دله على نبينا - ﷺ - في أرض الحجاز، قال\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الكبرى (١/ ٦٣٦ رقم ٢٠٣٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٥٨٧)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٥٨ و٢٨٣). قال البيهقى: لا أعرفه إلا من حديث إبراهيم بن رستم عن حماد ولم يصح إسناده. وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٥١).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٥) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٤٩ رقم ٦١٢٠). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٤١)، وابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١٩٨ (٢٢٧٧)، والنسائى في الكبرى (١١٨٣٥)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٥٩٦ رقم ١٩٠٦ و١٩٠٧) عن سلمان موقوفًا. قال البيهقى: هذا هو الصحيح موقوف وقد روي مرفوعًا ولا يصح رفعه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٩) و(٤١٤).","vol":"2","page":599},{"text":"الذهبي: وكان عند اليهود ممن أسلم بمكة والأول أثبت، قاله الطبري، وشهد الخندق وما بعده وجاء في فضله ومدحه أحاديث منها: \"لو كان الدين بالثريا لناله رجال من هؤلاء\" وفي رواية: \"من أهل فارس\" وفي رواية ضعيفة: \"لو كان العلم بالثريا\" فذكره، رواها ابن عدي وابن طاهر في التذكرة، ومنها: \"إن الله يحب من أصحابي أربعة علي وأبو ذر وسلمان والمقداد\" أخرجه الترمذي وابن ماجه، ومنها: \"إن الجنة لتشتاق إلى سلمان وعلي وعمار\" وقال فيه علي: إنه لقمان الحكيم أدرك العلم الأول والآخر وهو بحر لا ينزف، وآخى -﵇- بينه وبين أبي الدرداء، ومنها قوله - ﷺ -: \"سلمان منا أهل البيت\"، وسئل رسول الله - ﷺ - عن أبي طالب فقال: \"ليس مني ولست منه\" وأنشدوا فيه:\nلعمرك ما الإنسان إلا بدينه ... فلا تدع التقوى اتكالا على النسب\nلقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الشرك اللعين أبا لهب (^١)\nومن مناقبه: قيل إنه اشترى وسقا من طعام فقيل له: يا أبا عبد الله تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله - ﷺ - فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وتفرغت لعبادة الله تعالى وييأس منها الشيطان والوسواس، وتوفى بالمدائن سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة سبع، وقال جعفر بن أحمد بن فارس الأصبهاني: سمعت العباس بن يزيد يقول: قال أهل العلم: عاش سلمان\n_________\n(^١) البيتان ينسبان إلى على بن أبى طالب انظر تاريخ دمشق (٢١/ ٤٢٦).","vol":"2","page":600},{"text":"ثلثمائة سنة وخمسين سنة، فاما مائتين وخمسون فلا يشكوا فيه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إذا كان الرجل بأرض فحانت الصلاة فليتوضأ فإن لم يجد ماء فليتيمم فإن أقام صلى معه ملكاه وإن أذن وأقامه صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه\" الحديث، إن الإنسان إذا كان بأرض فلاة ودخل عليه وقت الصلاة فإن صلى بغير أذان ولا إقامة صلى وحده، وإن صلى بأذان وأقام صلى ملكاه فإن صلى بأذان وإقامة صلى معه صف من الملائكة أوله بالمشرق وآخره بالمغرب، قاله في مختصر الكفاية.\nقوله: في آخر الحديث عن أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن بن مل بفتح الميم وكسرها وضمها مع تشديد اللام ويقال: ملء بالكسر مع إسكان اللام وبعدها همزة، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: التاريخ الكبير - السفر الثانى (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣) لابن أبى خيثمة، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٦ - ٢٢٨ الترجمة ٢١٨).","vol":"2","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>[الترغيب في إجابة المؤذن وماذا يجيبه وما يقول بعد الأذان]</span>\n٣٨٨ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا سَمعتم الْمُؤَذن فَقولُوا مثل مَا يَقُول الْمُؤَذّن\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن أبي سعيد، أبو سعيد، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن\" أي: نداء المؤذن وأذانه، ويدخل فيه من أعلم بذلك بإشارة ونحوها لأنه في معناه وإن لم يسمعه، وكذا لو سمع بعضه فإنه يكمل الإجابة (^٢)، ويختص ذلك بأول مؤذن، فلو سمع الثاني هل يجيبه أيضًا، قال النووي: لم أره منقولا، والظاهر استحبابه ويؤكد ذلك قوله - ﷺ -: \"إذا سمعتم المؤذن\" لأن الألف واللام في المؤذن للجنس فيفيد العموم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"فقولوا مثل ما يقول المؤذن\" قال القشيري: لفظة (مثل) لا تقتضي المساواة من كل وجه فإنه لا يريد مماثلته في رفع الصوت وغيره (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مالك (١٧٣)، والبخارى (٦١١)، ومسلم (١٠ - ٣١٣)، وابن ماجه (٧٢٠)، وأبو داود (٥٢٢)، والترمذى (٢٠٨)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٥٣ (٦٨٤) والكبرى (١٧٩٨).\n(^٢) انظر: المجموع (٣/ ١٢٠)، وحاشية الشربينى على الغرر (١/ ٢٧٣)، وحاشية الشروانى (١/ ٤٨١).\n(^٣) المجموع (٣/ ١١٩)، والإعلام (٢/ ٤٧٣).\n(^٤) إحكام الأحكام (١/ ٢٠٩).","vol":"2","page":602},{"text":"فقوله - ﷺ -: \"فقولوا مثل ما يقول المؤذن\" فإنه يقتضي الوجوب، وقد اختلف العلماء في ذلك فقيل: بوجوبها، وقد احتج جماعة من العلماء على وجوب إجابة المؤذن بناء على أن الأمر للوجوب منهم اللخمي من الشافعية والطحاوي من الحنفية، وقال في تهذيب النفوس: قلت في المحيط إن إجابة المؤذن واجب، وفي الذخيرة: ومن سمع الأذان فعليه أن يجيب (^١)، والشافعي والجمهور حملوا الحديث على الاستحباب، وبه قال أكثر العلماء أيضًا (^٢)، ويدل عليه اقتصاره في رواية النسائي وأبي عوانة على بعضها وسكوته على ما فيه، وتتأدى السنة بذلك، واختاره الطحاوي (^٣)، واستدل لذلك بحديث ابن مسعود أنه -﵇- سمع مؤذنا يكبر فقال: \"على الفطرة\" فلما هلل قال: \"خرج من النار\" قال الطحاوي: فهذا غير ما قاله المؤذن (^٤)، وقد اكتفى به، فحديث الباب يقتضي الوجوب كما تقدم، وجوابه حمل الأمر على الندب كما تقدم أيضًا جمعا بين الأدلة، ولو كان واجبا لم يتركه أحد من الصحابة قط ولم ينقل مواظبتهم على ذلك بحيث لم يخلوا به والله أعلم، وقال شمس الأئمة الحلواني: تكلم الناس في الإجابة فقال بعضهم هي الإجابة بالقدم لا باللسان حتى لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد\n_________\n(^١) انظر: شرح معانى الآثار (١/ ١٤٦)، والبناية (٢/ ٩٨)، والبحر الرائق (١/ ٢٧٣)، والمحيط البرهانى (١/ ٣٥٠).\n(^٢) انظر شرح النووى على مسلم (٤/ ٨٨).\n(^٣) شرح معانى الآثار (١/ ١٤٣ - ١٤٦).\n(^٤) شرح معانى الآثار (١/ ١٤٦).","vol":"2","page":603},{"text":"لا يكون مجيبا ولو كان حاضرا في المسجد حين سمع الأذان فليس عليه إجابة ولا إثم عليه ولا كراهة في تركها (^١) انتهى.\nوإذا أراد جواب المؤذن باللسان بنيل الثواب الموعود فكمل ما هو ثناء وشهادة يقول كما قال المؤذن وعند قوله حى على الصلاة حي على الفلاح يقول لا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء الله كان (^٢).\nوظاهر حديث أبي سعيد المتقدم أن السامع يقول كما يقول المؤذن في سائر كلمات الأذان حتى في الترجيع وفي الحيعلتين والمسألة فيها أربعة مذاهب للعلماء، أحدها هذا والثاني: أنه يحكي ذلك إلا في الحيعلتين فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، والثالث: أنه يجمع بين الحيعلتين وبين لا حول ولا قوة إلا بالله جمعا بين الروايتين (^٣)، حكى هذه الأقوال الشيخ علاء الدين مغلطاي في شرح البخاري، والرابع: قال القاضي عياض: اختلف قول مالك في أنه يتابع المؤذن في كل كلمات الأذان أم إلى آخر الشهادتين لأنه ذكر وما بعده ليس بذكر وبعده تكرار لما سبق (^٤)، انتهى.\nقال النووي: يستحب أن يقول من سمع المؤذن والمقيم مثل قوله إلا في قوله حي على الصلاة حي على الفلاح فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله\n_________\n(^١) المحيط البرهانى (١/ ٣٥١)، والبحر الرائق (١/ ٢٧٣).\n(^٢) المحيط البرهانى (١/ ٣٥١).\n(^٣) نقل هذه المذاهب ابن رجب كما في فتح البارى (٥/ ٢٥١ - ٢٥٣).\n(^٤) انظر: شرح النووى على مسلم (٤/ ٨٨)، والعدة (١/ ٣٨٨).","vol":"2","page":604},{"text":"ويقول في قوله: الصلاة خير من النوم صدقت وبررت (^١) لخبر ورد فيه (^٢)، وقيل يقول صدق رسول الله - ﷺ - الصلاة خير من النوم (^٣) كما استدركه في التصحيح وإن كان لا أصل له في السنة ويقول في كلمتي الإقامة وهي قول المقيم قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض (^٤) أخرجه أبو داود وزاد في النهاية واجعلني من صالحي أهلها بصيغة الأمر (^٥) ويقول عقب قوله أشهد أن محمدا رسول الله وأنا أشهد أن محمدا رسول الله ثم يقول: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - نبيا ورسولا (^٦)، قال النووي وإذا سمع المؤذن أو المقيم وهو يصلي لم يجبه في الصلاة فإذا سلم أجابه كما يجيبه من لا يصلي فلو أجابه في الصلاة كره ولم تبطل صلاته وهكذا إذا سمعه وهو على الخلاء لا يجيبه في الحال ويجيبه في نفسه كما لو عطس فإنه يحمد الله تعالى في نفسه فإذا خرج أجابه بلسانه، فأما إذا كان يقرأ القرآن أو يسبح أو يقرأ حديثا أو علما أو غير ذلك فإنه يقطع جميع هذا ويجيب المؤذن ثم يعود إلى ما كان فيه لأن الإجابة تفوت وما كان هو فيه لا يفوت غالبا وحيث لم يتابعه حتى فرغ\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١١٧)، وروضة الطالبين (١/ ٢٠٣).\n(^٢) كفاية النبيه (٢/ ٤٣٣).\n(^٣) بحر المذهب (١/ ٤٢١)، والمجموع (٢/ ١١٧).\n(^٤) الإقناع (١/ ٣٦)، والتنبيه (ص ٢٧)، والمهذب (١/ ١١٥)، والنجم الوهاج (٢/ ٦٤).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٦٥).\n(^٦) المجموع (٢/ ١١٦).","vol":"2","page":605},{"text":"المؤذن يستحب له المتابعة ما لم يطل الفصل (^١)، انتهى.\n\n٣٨٩ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِي ﵄ أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يَقُول إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول ثمَّ صلوا عَليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله بهَا عشرا ثمَّ سلوا الله لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهَا منزلَة فِي الْجنَّة لا تنبغي إِلَّا لعبد من عباد الله وَأَرْجُو أَن أكون أَنا هُوَ فَمن سَأل لي الْوَسِيلَة حلت لَهُ الشَّفَاعَة\" رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ثم صلوا عليّ\" أي: قولوا اللهم صل على محمد أي عظمه في الدنيا بإظهار دعوته وإبقاء شريعته وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره (^٣).\nتنبيه: إنما تكون الصلاة على النبي - ﷺ - طاعة إذا قصد بها التحية والدعاء والقرب، فأما إذا اتخذها عبادة كالبياع الذي يقولها على معاشه تنفيقا لها، وقد حكى الحليمي في منهاجه إنه يكفر بذلك (^٤)، انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"ثم سلوا الله لي الوسيلة\" ولما أمرنا بالصلاة عليه ولم نبلغ قدر الواجب من ذلك أحلناه عليه تعالى لأنه أعلم بما يليق به (^٥)، والصلاة من الله تعالى الرحمة، قال إسماعيل السدي: قال بنو إسرائيل لموسى عليه\n_________\n(^١) انظر المجموع (٣/ ١٢٠)، وشرح النووى على مسلم (٤/ ٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١ - ٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذى (٣٦١٤)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٥٧ (٦٨٩) و٢/ ١٥٨ (٦٩٠) والكبرى (١٨٠٣) و(١٨٠٤).\n(^٣) النهاية (٣/ ٥٠) وشرح مسند الشافعى (١/ ٣٧٢).\n(^٤) كشف الأسرار (لوحة ٦٣).\n(^٥) النهاية (٣/ ٥٠).","vol":"2","page":606},{"text":"تعالى الرحمة، قال إسماعيل السدي: قال بنو إسرائيل لموسى ﵊: أيصلي ربنا فكبر ذلك على موسى -﵇- فأوحى الله تعالى إليه أن قل لهم: إني أصلي، صلاتي رحمتي (^١)، والمراد بالوسيلة هنا: منزلة في الجنة كما في الحديث، وإنما سميت الوسيلة لأنها منزلة يكون الواصل إليها قريبا من الله تعالى فائزا بلقائه فيكون كالوصلة التي يتوصل بالوصول إليها والحصول فيها إلى الزلفى من الله تعالى (^٢)، وروى الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن موسى بن وردان قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة\" (^٣) وجاء في الحديث: \"إنها درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجوا أن أكون أنا هو\".\nفقوله - ﷺ -: \"وأرجوا أن أكون أنا هو\" يجوز أن يكون قد قال ذلك على وجه التواضع (^٤)، ويحتمل أن يكون إذ ذاك لم يقطع بذلك لنفسه.\nقوله - ﷺ -: \"فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة\" يروي: \"حلت له\n_________\n(^١) تفسير الثعلبى (٨/ ٥١) وتفسير البغوى (٣/ ٦٤٧).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٨٣ (١١٧٨٣)، وابن أبى الدنيا في صفة الجنة (١٩٩)، والأزدى في فضل الصلاة على النبى (٤٩)، والطبراني في الأوسط (١/ ٨٩ رقم ٢٦٣) و(٢/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم ١٤٦٦). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣٢: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وقال الطبراني فيه: \"فسلوا الله -﷿- أن يؤتيني الوسيلة على خلقه\". وصححه الألباني في فضل الصلاة والصحيحة (٣٥٧١).\n(^٤) المفاتيح (٦/ ١١١).","vol":"2","page":607},{"text":"الشفاعة\" ويروي \"حلت عليه الشفاعة\" فمن رواها باللام فمعناها: حصلت له، ومن رواها بعلى فمعناه وقعت عليه شفاعتي، قاله في حادي الأرواح (^١)، وقال بعضهم في قوله: \"حلت له الشفاعة\" أي: استحقت لأن من كان الشيء حلاله كان مستحقًا لذلك (^٢)، وقال في الديباجة: \"حلت له الشفاعة\" أي: وجبت، وقيل: نالته ونزلت به (^٣)، وقال بعضهم أيضًا في قوله: \"حلت له شفاعتي\" معناه: غشيته وحلت عليه لأنها كانت حراما عليه قبل ذلك، واللام هنا بمعنى على، وذلك موجود في القرآن، قال الله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (^٤) يعني على الأذقان سجدًا (^٥).\nوقوله - ﷺ -: \"حلت\" من حل يحل بالكسر أي: وجب حل يحل بالضم أي نزل (^٦) وكأنها لزمته ولم تنفصل عنه، ويؤيده التعدية بعلى، وسبب ذلك الإيمان بها والتصديق بمقتضاها وتأكيده بالسؤال لها (^٧) والله أعلم.\nوفي هذا الحديث إثبات الشفاعة للأمة صالحا وطالحا لزيادة الثواب أو إسقاط العذاب، وفيه حجة على المعتزلة حيث خصصوها بالمطيع لزيادة\n_________\n(^١) حادى الأرواح (ص ٨٣).\n(^٢) عمدة القارى (٥/ ١٢٣).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٤/ ٨٦).\n(^٤) سورة الإسراء، الآية: ١٠٧.\n(^٥) شرح الصحيح (٢/ ٢٤٣) لابن بطال.\n(^٦) إكمال المعلم (٢/ ٢٥٣).\n(^٧) عارضة الأحوذى (١/ ٩).","vol":"2","page":608},{"text":"درجاته فقط (^١)، قال العلماء: له - ﷺ - شفاعات متعددة يوم القيامة، أولاها: تخليص الناس من هول الموقف فهذه الشفاعة يندرج فيها الخليل والكليم، الثانية: في تخليص الناس من دخول النار، بعد أن استوجبوها، والثالثة: في إدخال قوم إلى الجنة بغير حساب، الرابعة: في إخراج الموحدين من النار وأنكرت المعتزلة هذه الرابعة وقالوا بتخليد أهل الكبائر ويكفي في إبطال ما ذهبوا إليه قوله - ﷺ -: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\"، والخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة، والسادسة: قوله لعمه أبي طالب في التخفيف عنه وقال: لعله تنفعه شفاعتي فتجعل في ضحضاح من نار تبلغ كعبيه يغلى منه دماغه، فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (^٢) قيل: لا تنفع في الخروج من النار (^٣)، وسيأتي الكلام على الشفاعة أطول من هذا في بابه آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.\n\n٣٩٠ - وَعَن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا قَالَ الْمُؤَذّن الله أكبر الله أكبر فَقَالَ أحدكُم الله أكبر الله أكبر ثمَّ قَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله قَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله ثمَّ قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ثمَّ قَالَ حَيّ على الصَّلاة قَالَ لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله ثمَّ قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله ثمَّ قَالَ الله أكبر الله أكبر قَالَ الله\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٥/ ١٤).\n(^٢) سورة المدثر، الآية: ٤٨.\n(^٣) التذكرة (ص ٦٠٧ - ٦٠٨).","vol":"2","page":609},{"text":"أكبر الله أكبر ثمَّ قَالَ لا إِلَه إِلَا الله قَالَ لا إِلَه إِلَا الله من قلبه دخل الْجنَّة\" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام علي مناقبه مبسوطا في أوائل هذا التعليق.\nقوله - ﷺ -: \"إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر\" إلى أن قال: \"ثم قال حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله\" الحديث، قال النووي: وريناه في كتاب ابن السني عن معاوية قال: كان النبي - ﷺ - إذا سمع المؤذن يقول حي على الفلاح، قال: \"اجعلنا مفلحين\" (^٢) وفي شرح المهذب وفي محيط الحنفية يقول في الحيعلة الأولى: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفي الثانية: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لأن إعادة الحيعلتين يشبه المحاكاة (^٣)، ومعنى: حي على الصلاة أي تعالوا على الصلاة وأقبلوا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢ - ٣٨٥)، وأبو داود (٥٢٧)، والنسائى في اليوم والليلة (٤٠).\n(^٢) أخرجه ابن السنى في اليوم والليلة (٩٢). قال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٣٥٧): هذا حديث غريب في سنده نصر بن طريف، وهو بطاء مهملة مفتوحة وآخره فاء وهو القصاب، كنيته أبو جزي بفتح الجيم وكسر الزاي، وهو بها أشهر، وهو متروك عندهم، والراوي عنه مشهور بكنيته أيضًا، وهو أبو قتادة الحراني، قال البخاري: تركوه، وإنما سميا ليخفيا من شدة ضعفهما. وقال الألباني في الضعيفة (٧٠٦): موضوع. وانظر: الأذكار (ص ٩٠).\n(^٣) تحفة الفقهاء (١/ ١١٦)، وتحفة الملوك (ص ٥٠)، وبدائع الصنائع (١/ ١٥٥)، والمجموع (٣/ ١١٥)، والمحيط البرهانى (١/ ٣٥١).","vol":"2","page":610},{"text":"إليها قال: وفتحت الياء لسكونها وسكون الياء السابقة المدغمة (^١)، وقال في النهاية (^٢): أي هلموا إليها وأقبلوا وتعالوا مسرعين، ومعنى: حي على الفلاح، أي: هلموا إلى الفلاح وهو الفوز والنجاة والبقاء الدائم (^٣)، وقال بعض العلماء: الفلاح الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب (^٤)، وقال في النهاية: الفلاح البقاء والفوز والظفر وهو من أفلح كالنجاح من أنجح أي هلموا إلى سبب البقاء في الجنة والفوز بها وهو الصلاة والجماعة، ومنه حديث الخليل: \"من ربطها عدة في سبيل الله فإن شبعها وجوعها وريعها وأظفارها وأرواثها وأبوالها فلاح في موازينه يوم القيامة\" أي: ظفر وفوز (^٥)، وقال بعض العلماء: ليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة الفلاح (^٦)، أي: أقبلوا على سبب الفوز في الآخرة من النجاة من النار والبقاء في الجنة (^٧)، وقال الزمخشري في الكشاف: والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه، والمفلج بالجيم مثله، ومنه قولهم للمطلقة: استفلجي بأمرك بالحاء والجيم، والتركيب دال على معنى الشق\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٤/ ٨١).\n(^٢) النهاية (١/ ٤٧٢).\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٤/ ٨١)، والعدة (١/ ٣٧٩).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٦٤).\n(^٥) النهاية (٣/ ٤٦٩).\n(^٦) شرح النووى على مسلم (٤/ ٨٧).\n(^٧) شرح النووى على مسلم (٤/ ٨٧).","vol":"2","page":611},{"text":"والفتح (^١)، والفلح بفتح الفاء واللام لغة في الفلاح حكاها الجوهري (^٢)، وقال في مختصر الكفاية: ولأن الحيعلة دعاء، فلو قالها السامع، لكان الناس كلهم دعاة، فمن يبقى المجيب؛ فحسن من السامع الحوقلة (^٣) وتسمى الحيعلة والحولقة والحوقلة وهي عبارة لا حول ولا قوة إلا بالله، ومثله قولهم الحمدلة إشارة إلى الحمد لله، والبسملة وهي إشارة إلى بسم الله، والهيللة وهي لا إله إلا الله، والسبحلة وهي سبحان الله (^٤)، قال الروياني: ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله مرتين مرة عند حي على الصلاة ومرة عند حي على الفلاح لأنه ظاهر التثنية، قال: ويحتمل خلافه (^٥) والله أعلم.\nوأما الحولقة والحوقلة كما تقدم فإنها كنز من كنوز الجنة كما ورد في السنن، وقد ألف في فضل ذلك الأحاديث كتابا ليس له نظير، وكذلك تكلم عليه ابن عبد البر في مقاصد الصلاة بما يتعين الوقوف عليه والله أعلم.\nومعنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال الهروي وغيره: الحول الحركة، أي: لا حركة ولا قوة إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وقيل: لا حول في دفع شر ولا قوة\n_________\n(^١) الكشاف (١/ ٤٦).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٤/ ٨١).\n(^٣) كفاية النبيه (٢/ ٤٣٣).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٧٥ و٧٩).\n(^٥) بحر المذهب (١/ ٤١٩)، والهداية إلى أوهام الكفاية (٢٠/ ١٠٥).","vol":"2","page":612},{"text":"في تحصيل خير إلا بالله، وحكى هذا عن ابن مسعود (^١) وفي الصحاح لغة غريبة ضعيفة لا حيل ولا قوة إلا بالله بالياء بدل الواو يقال: والحيل والحول بمعنى (^٢).\nتنبيه: في إعراب لا حول ولا قوة إلا بالله -يجوز فيه خمسة أوجه، أحدها: فتح اللام وتاء التأنيث بلا تنوين، والثاني: فتح الأول ونصب الثاني منونا، والثالث: رفعهما بالتنوين، والرابع: فتح الأول ورفع الثاني منونا، والخامس: عكسه (^٣)، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ثم قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة\" إشارة إلى قصد الإخلاص، فلا يدخل المرائي وكذا العاصي ونحوه.\nوقوله - ﷺ -: \"دخل الجنة\" محمول على من لم يتعلق بمظالم العباد والكبائر إلا أن يتوب أو يكون جاء بعد المقاصة أو بعفو الله أو برضا غرماءه كما في نظير هذا الحديث، وقد جاء في الصحيح: \"حتى إذا هذبوا ونقوا\" (^٤) \"يقال: تواهبوا فيما بينكم وادخلوا الجنة برحمتي\" (^٥)، قال القاضي عياض: وإنما حاز المجيب هذا الثواب العظيم لأن ذلك توحيد وثناء على الله تعالى\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٥)، وشرح النووى على مسلم (٤/ ٨٧).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٤/ ٨٧).\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٥).\n(^٤) أخرجه البخارى (٢٤٤٥) و(٦٥٣٥)، وابن حبان (٧٤٣٤) عن أبى سعيد.\n(^٥) أخرجه البحيرى في الثالث من الفوائد (١١)، والبغوى في شرح السنة (٤٣٦٥) عن أنس. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٧٩).","vol":"2","page":613},{"text":"وانقيادًا لطاعته وتفويض إليها بقوله لا حول ولا قوة إلا بالله، فمن حصل هذا فقد حاز حقيقة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات، والأول: إثبات الذات مما يستحب من الكمال والتنزيه عن ضد ذلك، وذلك بقوله: الله أكبر، وهذه الأمور السابقة دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية مع نفي ضدها من الشرك المستحيل في حقه ﷾، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل تصانيف الدين، ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا محمد - ﷺ - وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية وموضعها بعد التوحيد لأنها دليل الأفعال الجائزة الوقوع وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه الواجبات كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه ﷾، ثم دعا إلي ما دعاهم إليه من العبادات فدعاهم إلى الصلاة وحقها بعد إثبات النبوة لأنه معرفة وجوبها من جهة النبي - ﷺ - لا من جهة العقل، ودعاهم إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه: إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر عقائد تراجم الإسلام، ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان وليدخل المصلي فيه على بينة من أمره وتعبيره من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حق من يعبده وجزيل ثوابه (^١) والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، وشرح النووى على مسلم (٤/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"2","page":614},{"text":"٣٩١ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ حِين يسمع النداء اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلاة الْقَائِمَة آت مُحَمَّدًا الْوَسِيلَة والفضيلة وابعثه مقَاما مَحْمُودًا الَّذِي وعدته حلت لَهُ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى وَزَاد فِي آخِره إِنَّك لا تخلف الميعاد (^٢).\nقوله: عن جابر، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من قال حين يسمع النداء\" أي: الأذان أي بعد الإجابة، وقد جاء مصرحًا في الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة\" إلى آخره، فقوله: \"اللهم\" أصله يا الله فحذفت ياءه وعوض عنها الميم، ولهذا لا يجوز الجمع بينهما (^٣)، قوله: \"رب هذه الدعوة التامة\" الدعوة: بفتح الدال هي دعوة الأذان، وسميت بهذا لكمالها وعظيم موقعها وسلامتها من نقص يتطرق إلى غيرها (^٤)، وإنما وصفها بالتمام لأنها ذكر الله ﷿ يدعو بها إلى عبادته، وهذه الأشياء وما يشبهها هي التي تستحق صفة الكمال والتمام،\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٦١٤) و(٤٧١٩)، وابن ماجه (٧٢٢)، وأبو داود (٥٢٩)، والترمذى (٢١١)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٥٩ (٦٩٢) والكبرى (١٨٠٦).\n(^٢) أخرجه البيهقى في الكبرى (١/ ٦٠٣ - ٦٠٤ رقم ١٩٣٣). وضعفه الألباني في الإرواء (١/\n\n٢٦٠ - ٢٦١/ ٢٤٣).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٦٥).\n(^٤) المجموع (٣/ ١١٧).","vol":"2","page":615},{"text":"وما سواها من أمور الدنيا معرض للنقص والفساد أو لأنها محمية عن النسخ والإبدال وعملها باقية إلى يوم التناد (^١).\nقوله - ﷺ -: \"والصلاة القائمة\" أي: التي ستقوم أي تقام وتفعل بصفاتها (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"آت محمدًا\" فهذا هو الأولى لأن مقام دعاء مقام ذلة وخضوع فلا تقول: آت سيدنا محمد على أن حقيقة هذا المقام لمن كثرت خصاله المحمودة فهو أعلى ما يذكر، وفيه مناسبة للمقام المحمود، وهذه فضيلة الذكر عند ذكره في الصلاة عليه، وهل الأولى سلوك الأدب أو امتثال الأمر ولكل منهما وجهة.\nقوله - ﷺ -: \"الوسيلة\" والوسيلة درجة في الجنة لا تنبغي إلا له، والوسيلة: أصلها ما يتوصل إلى الشيء، والجمع: وسائل، والمراد بها القرب من الله تعالى، وقيل: الوسيلة منزلة في الجنة، ففي صحيح مسلم وفي شرح التنبيه للعيني: الوسيلة قبتان على أعلى عليين أحدهما من لؤلؤة بيضاء يسكنها محمدا وآله، والأخرى من ياقوتة صفراء يسكنها إبراهيم ﵇ وآله، انتهى.\nوقال في حادي الأرواح عن الوسيلة (^٣): وسميت درجة النبي - ﷺ - الوسيلة لأنها أقرب الدرجات من الرب ﵎ وهي أقرب الدرجات إلى الله تعالى كما تقدم، ومعنى الوسيلة: من الوصلة ولهذا كانت أفضل الجنة\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص ١٣٥)، والميسر (١/ ١٩٤ - ١٩٥).\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (١/ ٥٤).\n(^٣) حادى الأرواح (ص ٨٢ - ٨٣).","vol":"2","page":616},{"text":"وأشرفها نورًا، ولما كان رسول الله - ﷺ - أعلى الخلق عبودية لربه وأعظمهم له محبة وأعلمهم وأشدهم له خشية كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله تعالى وهي أعلى درجة في الجنة كما تقدم، وأمر النبي - ﷺ - أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء الزلفى من الله تعالى وزيادة الإيمان، وأيضًا فإن الله ﷾ قدرها له أسباب، منها: دعاء أمته له بها بما نالوه على يده من الإيمان والهدى.\nتنبيه: قال ابن العربي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^١) الآية، دليل على أنه لا بأس بطلب الدعاء من الغير وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه (^٢)، وهذه المسألة تكلم فيها الإمام محمد بن جرير الطبري لما تكلم في قول النبي - ﷺ - لعمر: \"سيأتيكم أمداد اليمن، فيهم أويس بن عامر، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل\" رواه مسلم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"والفضيلة\"، أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلق (^٤)، ووقع في الشرح والروضة والمحرر: بعد الفضيلة زيادة والدرجة الرفيعة ولا وجود لهما في كتب الحديث (^٥).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(^٢) انظر الأذكار للنووى (ص ٦٣٠)، وشرح النووى على مسلم (١٦/ ٩٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٥ - ٢٥٤٢).\n(^٤) الكواكب الدرارى (٥/ ١٤)، وفتح البارى (٢/ ٩٥)، وعمدة القارى (٥/ ١٢٢).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٦٦). وهذا الذى قرره الدميرى صاحب النجم الوهاج صحيح فالحديث: أخرجه ابن السنى في اليوم والليلة (٩٥) من طريق النسائى عن جابر وهذه زيادة ليست في الحديث. انظر إرواء الغليل (١/ ٢٦١).","vol":"2","page":617},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته\" قال النووي: قوله \"مقاما محمودا\" ففى هذا الحديث وقع منكرًا، هكذا في البخاري وجميع كتب الحديث، فينبغي الإتيان به كذلك تأدبا مع القرآن بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^١) (^٢)، وأنكر قوله معرفا في كتب الفقه، وهذا ليس بصحيح لأنه ثبت في البيهقي معرفًا، وكذا رواه ابن حبان في صحيحه عن شيخه ابن خزيمة بالتعريف أيضًا (^٣)، والله أعلم، ولم يأت في آخره يا أرحم الراحمين، ووقع في شرح ابن يونس بيان التنبيه في آخر الدعاء يا أرحم الراحمين، وزاد البيهقي في آخر الحديث أيضًا: \"إنك لا تخلف الميعاد\" وتقدم على هذا الدعاء الصلاة عليه - ﷺ - كما صح، قلت: وكذا السلام، قاله في هادي التنبيه (^٤).\nواعلم أنه جاء في حق السامع خمس سنن: الإجابة ثم الوسيلة ثم الصلاة على النبي - ﷺ - ثم يقول: رضيت بالله ربًّا وبمحمد - ﷺ - رسولًا وبالإسلام دينًا،\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(^٢) المجموع (٣/ ١١٧)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٤).\n(^٣) أخرجه النسائى في المجتبى ٢/ ١٥٩ (٦٩٢)، وابن خزيمة (٤٢٠) وعنه ابن حبان (١٦٨٩)، والطحاوى في معانى الآثار (٨٩٥)، والطبراني في الدعاء (٤٣٠) والأوسط (٥/ ٥٤ رقم ٤٦٥٤) والصغير (٢/ ٣ رقم ٦٧٠)، والبيهقى في الدعوات (٤٩) والكبرى (١/ ٦٠٣ - ٦٠٤ رقم ١٩٣٣). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٤٠)، تخريج فقه السيرة (٣٨٥).\n(^٤) هادى النبيه (لوحة ٣٤/ مخطوط ٢١٢١ ظاهرية) و(لوحة ٣٩/ مخطوط ٢١٣٤ ظاهرية).","vol":"2","page":618},{"text":"ثم يدعو الله تعالى فإن الدعاء حينئذ لا يرد، وفي هذا الخمس المذكورة أحاديث عدة، ويشترك معه المؤذن في الأربعة الأخيرة، والله أعلم.\nفائدة جليلة: المقام المحمود هو مقام الشفاعة العظمى في القيامة المختصة به - ﷺ -، سمي بذلك لأنه - ﷺ - أوتي مقاما محمودًا يحمده فيه الأولون والآخرون (^١)، وقال مجاهد والطبري: المقام المحمود أن الله تعالى يجلسه على العرش (^٢)، والحكمة في سؤال هذا المقام مع أنه موعود به - ﷺ - بوعد الله تعالى إنما هو إظهار لشرفه وكمال منزلته وعظيم حقه ورفيع ذكره وتوقيره (^٣)، وهذا ظاهر في مزية الأذان والاعتناء بهذا الدعاء بحقه ليحصل الفوز والامتنان.\nفائدة جليلة أيضًا: وجدوا هذا التعليق على كاتب غيره من كتاب العلم المشهور لابن دحية الكلبي وهو كتاب جليل بأمثال سمعتها من ابن طلحة أن رجلا يمنيا سأل الله تعالى أن يرى النبي - ﷺ - في المنام فوفقه الله لرؤيته - ﷺ - وألهمه الله تعالى أن قال: يا رسول الله علمني كلمات أدخل بها الجنة فقال - ﷺ -: \"عليك بمؤذن إيلياء\" فاستيقظ الرجل فرحا وسافر إلى إيلياء فاجتمع بمؤذنها فأخبره بالمنام فقال له المؤذن: إني أقول بعد فراغ كل أذان: (أبدًا أبدًا لا إله إلا الله عليها أحيي وعليها أموت وعليها أبعث حيا إن شاء الله تعالى\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٠٠)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٤).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٦٦).\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٤).","vol":"2","page":619},{"text":"أشهد بها مع الشاهدين وأرغم بها أنف الجاحدين ذخيرة إلى يوم الدين وأشهد أن الرسول كما أرسل وأن الكتاب كما أنزل وأن القضاء كما قدر وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (^١) قال: فلم يزل يواظب عليها بقية عمره وأخبر بها جملة من العلماء فقالوا: اعتقاد صحيح ومعنى مليح غفرانك وثناؤك وإليك المصير.\n\n٣٩٢ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ حِين يسمع الْمُؤَذّن وَأَنا أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله رضيت بِالله رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - رَسُولا غفر الله لَهُ ذنُوبه\" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد وَلم يقل ذنُوبه وَقَالَ مُسلم غفر لَهُ ذَنبه (^٢).\nقوله: عن سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بضم الهمزة، وقيل: وهيب بن عبد بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، أحد العشرة، أسلم بعد أربعة وله سبع عشرة سنة، فتح مدائن كسرى وولاه عمر بن الخطاب العراق، هو أول من أراق دما في سبيل الله وأول من رمى\n_________\n(^١) ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ٢٨٠)، والحموي في معجم البلدان (١/ ٢٣٣) وعندهم أنه مؤذن أفيق من رواية سعيد بن هاشم بن مرثد عن أبيه قال أخبرونا عن منخل بن المشجعي.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣ - ٣٨٦)، وابن ماجه (٧٢١)، وأبو داود (٥٢٥)، والترمذي (٢١٠)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٥٨ (٦٩١) والكبرى (١٨٠٥).","vol":"2","page":620},{"text":"سهما في سبيل الله، رمى يوم أحد ألف سهم، توفي بالعقيق على أميال من المدينة وحمل إليها سنة خمس وخمسين ومناقبه كثيرة مشهور (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله\" الحديث، المراد بذلك غفران الصغائر كما تقدم في نظائره، قال في حدائق الأولياء بعد سياق الحديث: قلت وأي راحة أعظم من ذلك وسعادة أبلغ مما هنالك وقد زال الخوف والقلق ونامت العين وزال الأرق (^٢).\n\n٣٩٣ - وَعَن هِلَال بن يسَاف - ﵁ - أَنه سمع مُعَاوِيَة يحدث أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من سمع الْمُؤَذّن فَقَالَ مثل مَا يَقُول فَلهُ مثل أجره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن الْحِجَازِيِّينَ لَكِن مَتنه حسن وشواهده كَثِيرَة (^٣).\nقوله: عن هلال بن يساف، في يساف ثلاث لغات: بكسر الياء المثناة تحت وبعدها سين مهملة مفتوحة وبعد الألف فاء هكذا يقوله المحدثون، قاله صاحب المطالع، وقال أبو عبيد: ويقال إساف بكسر الهمزة، وقال غيره وهو\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٣ - ٢١٤ ترجمة ٢٠٥).\n(^٢) حدائق الأولياء (٢/ ١٠٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٤٦ رقم ٨٠٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣١: رواه الطبراني في الكبير من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وهو ضعيف فيهم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٨).","vol":"2","page":621},{"text":"كلام العرب (^١)، قال صاحب المطالع: وقال بعضهم هو بفتح الباء لأنه لم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا قولهم يسار لليد (^٢)، وهذا الذي قاله حكاه العزيزي في الياء اليسار في آخر كتابه (^٣)؛ وسئل الشيخ أبو محمد عبد الله بن بوي: كم تم كلمة أولها ياء مكسورة فقال: لغتان قولهم يسار في اسم اليد، ويقاظ جمع يقظان، فقيل له قولهم في اسم الرجل فقال هلال بن يساف، فقال: يلحق بهما لأن الياء بدل من الهمزة في إساف ولا تكون الياء إلا مكسورة كما كانت الهمزة، قال النووي: قلت والأشهر عند أهل اللغة إساف بالهمزة، وقد ذكر ابن السكيت وابن قتيبة وغيرهما فيما يغيره الناس ويكنون فيه فقالوا: هو هلال بن إساف (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"من سمع المؤذن فقال مثلما يقول فله مثل أجره\" الحديث، يترتب أن يتابع عقب كل كلمة لا معها ولا يتأخر عنها، وعبر بالسامع ليؤخذ منه المستمع من باب أولى، قالوا: ولا فرق بين الاستحباب بين المتطهر والمحدث والجنب والحائض وغيرهم ممن لا مانع له، وفيه نظر لما روي من قوله - ﷺ -: \"كرهت أن أذكر الله إلا على طهر\" والتوسط أنه يستحب للمحدث دون الجنب والحائض لأنه كان يذكر الله على كل إيحانه إلا\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٣٠٦).\n(^٢) مطالع الأنوار (٦/ ٢٩٣).\n(^٣) نزهة القلوب (ص ٢٣٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٣٠).","vol":"2","page":622},{"text":"الجنابة (^١) والله أعلم. قوله: من رواته إسماعيل بن عياش، تقدم.\n\n٣٩٤ - وَرُوِيَ عَن مَيْمُونَة أَن رَسُول الله - ﷺ - قَامَ بَين صف الرِّجَال وَالنِّسَاء فَقَالَ يَا معشر النِّسَاء إِذا سَمِعْتُمْ أَذَان هَذَا الحبشي وإقامته فَقُلْنَ كَمَا يَقُول فَإِن لَكِن بِكُل حرف ألف ألف دَرَجَة قَالَ عمر - ﵁ - هَذَا للنِّسَاء فَمَا للرِّجَال قَالَ ضعفان يَا عمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه نَكَارَة (^٢).\nقوله: عن ميمونة، هي أم المؤمنين بنت الحارت بالمثلثة بن حزن ابن هلال بن عامر، تزوجها رسول الله - ﷺ - سنة ست أو سبع من الهجرة، روي لها عن رسول الله - ﷺ - ستة أربعون حديثا، خرج البخاري منها ثمانية، توفيت ﵂ بسرف بفتح السين وكسر الراء وبالفاء: موضع على عشرة أميال من مكة سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ست وستين في المكان الذي تزوجها فيه رسول الله - ﷺ -، قيل: إنها آخر أزواج النبي - ﷺ - إذ لم يتزوج بعدها وهي أخت لبابة بضم اللام وموحدة خفيفة مكررة زوجة العباس وأم أولاده عبد الله والفضل وغيرهما، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان النبي - ﷺ - يزورها وهي لبابة الكبرى وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، كانت ميمونة قبل رسول الله - ﷺ - تحت أبي رُهم، وقيل:\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٦١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ١١ رقم ١٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣١ - ٣٣٢: رواه الطبراني في الكبير بإسنادين، في أحدهما عبد الله الجزري عن ميمونة ولم أعرفه. وعباد بن كثير وفيه ضعف، وقد وثقه جماعة، وبقية رجاله ثقات، والإسناد الآخر فيه جماعة لم أعرفهم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٩).","vol":"2","page":623},{"text":"تحت سخبرة بن أبي رُهم (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إذا سمعتم أذان هذا الحبشي وإقامته\" الحديث، الحبشي هو بلال بن حمامة مؤذن رسول الله - ﷺ -، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا، وتقدم الكلام أيضًا على الأذان والإقامة قريبًا.\nقوله - ﷺ -: \"فإن لكن بكل حرف ألف ألف درجة\" قال عمر: هذا للنساء فما للرجال؟ قال: \"ضعفان يا عمر\"، ضعفا الشيء مثلاه مرتين.\n\n٣٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فَقَامَ بِلَال ويُنَادي فَلَمَّا سكت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ مثل مَا قَالَ هَذَا يَقِينا دخل الْجنَّة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢). وَرَوَاهُ أبُو يعلى عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك (^٣) وَلَفظه أَن رَسُول الله - ﷺ - عرس ذَات لَيْلَة فَأذن بِلَال فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ مثل مقَالَته وَشهد مثل شَهَادَته فَلهُ الْجنَّة.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦ الترجمة ١١٨٩).\n(^٢) أخرجه أحمد وابنه ٢/ ٣٥٢ (٨٦٢٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٥٤ (٦٨٥) والكبرى (١٨٠٢)، وابن حبان (١٦٦٧)، والحاكم (١/ ٢٠٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٥).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٤١٣٨)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٩٩)، وابن فاخر في موجبات الجنة (٩٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣٢: رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي ضعفه شعبة وغيره، ووثقه ابن عدي وابن معين في رواية. وقال البوصيري في اتحاف الخيرة ١/ ٤٨٨: يزيد بن أبان الرقاشي ضعيف، وكذا زيد العمي الراوي عنه. وقال ابن حجر في المطالب العالية (٣/ ١٢٠): إسناده ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٦٧١٥) وضعيف الترغيب (١٧٠).","vol":"2","page":624},{"text":"عرس الْمُسَافِر بتَشْديد الرَّاء إِذا نزل آخر اللَّيْل ليستريح.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله: فقام بلال ينادي، المراد بالنداء الأذان، وقد اختلف فيه هل هو فرض كفاية أو سنة، على وجهين: أصحهما الثاني، والمراد أنه سنة كفاية وبماذا يحصل ذلك، فقيل بانتشاره في جميع أهل ذلك المكان، فإن كانت قرية صغيرة فبحيث إنه إذا أذن واحد سمعوه كلهم وإن كانت كبيرة فيؤذن في كل ناحية واحد بحيث ينتشر في جميعهم (^١)، قال الفوراني: ويسقط الفرض بأذان واحد في كل يوم وليلة، قال الإمام: ولم أر لأصحابنا إيجابه لكل صلاة، قال النووي: وهذا خلاف ظاهر، وكلام أصحابنا مقتضاه وجوبه لكل صلاة، وهذا على القول بأنه فرض كفاية وهو الصواب (^٢)، ونقل عن مالك أنه فرض كفاية في مساجد الجماعات، وعند الظاهرية أنه فرض عين، وقيل: هو فرض سفرًا وحضرًا للجماعة، وقيل: هو فرض في السفر، وقال أبو حنيفة: إنه سنة مطلقًا (^٣)، وقد كان الأذان أمانا من القتال فإذا لم يسمع في قرية أغير عليهم (^٤)، ويستحب أن يؤذن في كل مسجد واحد وإن قربوا (^٥)،\n_________\n(^١) انظر: المجموع (٣/ ٨١)، وغاية البيان (ص ٩٠).\n(^٢) المجموع (٣/ ٨١ - ٨٢).\n(^٣) انظر: حلية العلماء (٢/ ٣٠ - ٣١)، المجموع (٣/ ٨٢)، وفتح الباري (٥/ ٢٣٨ - ٢٣٩).\n(^٤) فتح الباري (٥/ ٢٣٢ و٢٤٠).\n(^٥) المجموع (٣/ ١٢٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٥٩).","vol":"2","page":625},{"text":"واختلف هل الأذان حق للوقت أو للصلاة أو للجماعة، الصحيح الأول (^١).\nويستحب في الأذان أمور منها: الطهارة فيكره للمحدث وللجنب أشد (^٢)، ومنها: الصوت الرفيع الحسن المتحزن (^٣)، ومنها: أن يكون على موضع عال قائما (^٤)، ومنها: أن يكون عدلا ثقة فقيل: إن العدالة للحر والثقة للعبد، وقيل: أن يكون عدلا في دينه ثقة في علمه بالوقت (^٥)، ومنها: أن يكون بصيرًا أو معه بصير يخبره به (^٦)، ومنها: أن يجعل أصبعيه في أذنيه لحديث أبي جحيفة (^٧)، ومنها ألا يستدبر القبلة لما في سنن أبي داود أنه التفت في الحيعلتين يمينا وشمالا ولم يستدبر (^٨)، ومنها أن يستقبل القبلة في الأذان والإقامة لحديث \"إن لكل شيء شرفا وشرف المجلس ما استقبل به\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٤٧).\n(^٢) المنهاج (ص ٢٣)، والنجم الوهاج (٢/ ٥٣ - ٥٤).\n(^٣) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص ٥٦)، والمجموع (٣/ ١٠٨).\n(^٤) المجموع (٣/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٥) بحر المذهب (١/ ٤٢٦)، والعزيز شرح الوجيز (١/ ٤٢١)، والمجموع (٣/ ١٠٢).\n(^٦) المجموع (٣/ ١٠٣).\n(^٧) المجموع (٣/ ١٠٤). وحديث أبى جحيفة نصه: أتيت رسول الله - ﷺ - بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه، وجعل إصبعيه في أذنيه واللفظ لابن ماجه. أخرجه ابن ماجه (٧١١)، وأبو داود (٥٢٠)، والترمذي (١٩٧). وصححه الألباني في الإرواء (٢٣٠)، الروض النضير (٣٣٣).\n(^٨) المجموع (٣/ ١٠٦).","vol":"2","page":626},{"text":"القبلة\" (^١) رواه الحاكم (^٢).\nقوله: ورواه أبو يعلى عن يزيد الرقاشي عن أنس، أبو يعلى اسمه [أحمد بن عليّ بن المثني بن يحيى بن عيسى بن هلال التَّميميّ، أبو يعلى الموصليّ الحافظ المتوفى: ٣٠٧ هـ، قال يزيد بن محمد الأزديّ من أهل الصَّدق والأمانة والدَّين والحِلْم. غلقت أكثر الأسواق يوم موته، وحضر جنازته من الخلق أمر عظيم. وكان عاقلًا حليمًا صبورًا، حسَن الأدب، وقال أبو عَمْرو بن حمدان وذكر أبا يعلى ففضّله على الحَسَن بن سفيان، فقيل له: كيف تفضله على الحَسَن بن سفيان ومسند الحَسَن أكبر، وشيوخه أعلى؟ قال: لأنّ أبا يعلى كان يحدّث احتسابًا، والحسن كان يحدّث اكتسابًا].\nويزيد الرقاشي قد وثق على ضعفه وقد روى عن أنس بن مالك والحسن البصري وغيرهما وكان رجلًا صالحًا روى الناس عنه وليس بالقوي في الحديث، حج يزيد الرقاشي مرة وكان يبكي الليل كله وإذا مرة بجبل يقول:\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٦٧٥)، والحارث في المسند (١٠٧٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٢٠ رقم ١٠٧٨١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠). وصححه وتعقبه الذهبى فقال: فيه هشام بن زياد، وهو متروك، ومحمد بن معاوية كذبه الدارقطني، فبطل الحديث. وقال الهيثمي في المجموع ٨/ ٥٩: رواه الطبراني، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام وهو متروك. وقال البوصيرى في الاتحاف (٧/ ٤٠٧): رواه عبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة ومدار إسناديهما على هشام بن زياد أبي المقدام وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٧٨٦).\n(^٢) بحر المذهب (١/ ٤٠٢).","vol":"2","page":627},{"text":"يا جبل تصير هباء منثورا ويبقى على يزيد الحساب، وكان يقول: رأيت النبي - ﷺ - في النوم فقرأت عليه سورة فلما فرغت قال: يا يزيد هذه القراءة فأين البكاء، وكان من البكائين، عطش نفسه أربعين سنة لم يفطر فيها إلا خمسة أيام، وكان يبكي على نفسه ويقول: يا يزيد إذا مت من يتصدق عليك، إذا مت من يصوم عنك، وكان إذا دخل بيته بكى وإذا جلس إلى إخوانه بكى وأبكاهم فقال له ابنه يوما: يا أبتي لم تبكي يا أبتي والله لو كانت النار خلقت لك ما زدت على البكاء، فقال: ثكلتك أمك يا بني وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولأخواننا من الجن أما تقرأ يا يبني ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ (^١) أما تقرأ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ (^٢) وجعل يبكي ويقرأ حتى تناثرت أشفار عينيه (^٣).\nومن كلامه: أيها المنفرد في حفرته المتخلي في قبره بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أخوانك اغتبطت ثم بكى حتى بل عمامته ثم يقول: استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط والله بأخوانه المتعاونين على الطاعة وكان يبكي يسقط ثم يفيق ثم يسقط فيحمل مغشيا عليه، وكان يقول: ابكوا قبل البكاء ونوحوا قبل يوم النياحة وتوبوا قبل انقطاع التوبة، إنما سمي نوحا لأنه كان نواحا فنوحوا\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية: ٣١.\n(^٢) سورة الرحمن، الآية: ٣٥.\n(^٣) تهذيب الكمال (٣٢/ ٦٤ - ٧٧ ترجمة ٦٩٥٨).","vol":"2","page":628},{"text":"معشر الكهول والشباب على أنفسكم، وكان يتكلم والدموع جارية على لحيته وخديه وكان يقول: إن العبد إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ثم ينطقها الله تعالى فتقول: أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا ثم يبكي يزيد ويقول طوبى لمن كان أنيسه صالحا والويل لمن كان أنيسه عليه [وبالا] ثم يتمثل بهذا البيت:\nوإنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل\nوكان يقول: ليتنا لم نخلق وليتنا إذا خلقنا لم نمت، وليتنا إذا متنا لم نحاسب وليتنا إذا حوسبنا لم نعذب، وليتنا إذا عذبنا لم نخلد.\nدخل يزيد يوما على عمر بن عبد العزيز فقال له: عظني فقال أنت أول خليفة تموت يا أمير المؤمنين، قال: زدني.\nقال: لم يبق أحد من آبائك من لدن آدم إلى أن بلغت النوبة إليك إلا وقد ذاق الموت، قال زدني قال ليس بين الجنة والنار منزل والله يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (^١) وأنت أبصر ببرك وفجورك فبكى عمر حتى سقط عن سريره، ولما حضرته الوفاة قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٢) ألا إن الأعمال محضرة والأجور مكملة ولكل ساع ما سعى وغاية الدنيا وأهلها إلى الموت ثم بكى، وقال: يا من القبر مسكنه بين يدي الله موقفه والنار غدا مرده ماذا\n_________\n(^١) سورة الإنفطار، الآيتان: ١٣ - ١٤.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.","vol":"2","page":629},{"text":"قدمت لنفسك ماذا أعددت لصرعك ماذا أعددت لوقوفك بين يدي ربك، وقيل له عند الموت لم تبكي؟ قال: على ما يفوتنني من قيام الليل وصيام النهار (^١).\nقوله: عرس النبي - ﷺ - ذات ليلة فأذن بلال، الحديث، عرس المسافر بتشديد الراء إذا نزل آخر الليل ليستريح قاله الحافظ، وسيأتي الكلام على التعريس قريب كتاب الوتر مبسوطًا.\n\n٣٩٦ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ حِين يُنَادي الْمُنَادِي اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلاة النافعة صل على مُحَمَّد وَارْضَ عني رضى لَا سخط بعده اسْتَجَابَ الله لَهُ دَعوته رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَفِيه ابْن لَهِيعَة (^٢) وَسَيَأْتِي فِي بَاب الدُّعَاء بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة حَدِيث أبي أُمَامَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله عن جابر هو ابن عبد الله تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من قال حين ينادي\" النداء هو الأذان وتقدم.\nقوله ف: \"اللهم رب\" أصله يا الله حذفت ياؤه وعوض عنها الميم أي\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٣٧ (١٤٦١٩)، وأبو يعلى كما في اتحاف الخيرة (١/ ٤٩٠ رقم ٩١٦)، وابن السنى في اليوم والليلة (٩٦)، والطبراني في الأوسط (١/ ٦٩ رقم ١٩٤). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا ابن لهيعة، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد. قال البوصيري: رواه أحمد بن حنبل في مسنده والطبراني في الأوسط من طريق ابن لهيعة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٧١).","vol":"2","page":630},{"text":"صاحبها وقيل المتمم لها والزائد في أهلها والعمل بها والإجابة لها قاله في النهاية (^١)، ووصف هذه الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله تعالى، قال الكرماني: ومعنى بالدعوة الأذان المشتمل على شهادة الإخلاص والرسالة ولذلك استحق الدخول في الإسلام (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"والصلاة القائمة\" أي التي ستقام وتفعل بصفاتها كما تقدم.\nقوله: صل على محمد، تقدم معنى الصلاة في عدة مواضع وسمي نبينا محمد لكثرة خصاله المحمودة وتقدم ذاك أيضا مبسوطا في الخطبة وغيرها.\nقوله: وارض عني رضا لا سخط بعده، الرضا ضد السخط قال قحيف العقيلي:\nإذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها (^٣)\n\n٣٩٧ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن المؤذنين يفضلوننا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - قل كَمَا يَقُولُونَ فَإِذا انْتَهَيْت فسل تعطه\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١٩٧) و(٢/ ١٧٩).\n(^٢) الكواكب الدراري (٥/ ١٤).\n(^٣) أدب الكاتب (١/ ٥٠٧)، والمنتخب من كلام العرب (ص ٦١١).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٥٢٤)، والنسائي في الكبرى (٩٧٨٩)، وابن حبان (١٦٩٥)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٣٦ رقم ١٤٦٣٣) و(١٤/ ٧٩ رقم ١٤٦٨٥). وحسنه الألباني في المشكاة (٦٧٣) وصحيح أبي داود (٥٣٧) وصحيح الترغيب (٢٥٦) و(٢٦٧).","vol":"2","page":631},{"text":"٣٩٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يَقُول إِذا سمع الْمُؤَذّن اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة صل على مُحَمَّد وأعطه سؤله يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ يسْمعهَا من حوله وَيُحب أَن يَقُولُوا مثل ذَلِك إِذا سمعُوا الْمُؤَذّن قَالَ وَمن قَالَ مثل ذَلِك إِذا سمع الْمُؤَذّن وَجَبت لَهُ شَفَاعَة مُحَمَّد - ﷺ - يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١) وَلَفظه كَانَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا سمع النداء قَالَ اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة صل على عَبدك وَرَسُولك واجعلنا فِي شَفَاعَته يَوْم الْقِيَامَة قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ هَذَا عِنْد النداء جعله الله فِي شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي إسنادهما صَدَقَة بن عبد الله السمين.\nقوله: عن أبي الدرداء، أبو الدرداء اسمه عويمر تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"من قال إذا سمع المؤذن اللهم رب هذه الدعوة التامة\" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\nقوله: \"وجبت له شفاعة محمد - ﷺ -\" وجبت معناها حقت ولزمت وثبتت\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الصلاة على النبى (٧٥)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٧٨ - ٧٩ رقم ٣٦٦٢) والدعاء (٤٣٢). وقال الطبراني في الأوسط: لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عمرو بن أبي سلمة. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣٣: رواه الطبراني في الكبير، وفيه صدقة بن عبد الله السمين ضعفه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم، ووثقه دحيم وأبو حاتم وأحمد بن صالح المصري. وقال أيضا: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه صدقة المذكور قبل هذا الحديث. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٧٢).","vol":"2","page":632},{"text":"وأنه لابد منها بوعده الصادق وفي ذلك بشارة لأمته - ﷺ - لأنه - ﷺ - شافع مشفع لا ترد له شفاعة لا في حياته ولا بعد وفاته ولا في عرصات القيامة، وتقدم الكلام على الشفاعة وسيأتي الكلام عليها أيضا مبسوطا في أواخر الكلام في هذا الباب.\n\n٣٩٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - سلوا الله لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهُ لم يسْأَلهَا لي عبد فِي الدُّنْيَا إِلَا كنت لَهُ شَهِيدا أَو شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة الْوَليد بن عبد الْملك الْحَرَّانِي عَن مُوسَى بن أعين والوليد مُسْتَقِيم الحَدِيث فِيمَا رَوَاهُ عَن الثِّقَات وَابْن أعين ثِقَة مَشْهُور (^١).\n\n٤٠٠ - وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير أَيْضا وَلَفظه قَالَ من سمع النداء فَقَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وبلغه دَرَجَة الْوَسِيلَة عنْدك واجعلنا فِي شَفَاعَته يَوْم الْقِيَامَة وَجَبت لَهُ الشَّفَاعَة\" وَفِيه إِسْحَاق بن عبد الله بن كيسَان وَهُوَ لين الحَدِيث (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٦٨٨)، والأزدى في فضل الصلاة على النبى (٤٨)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٩٨ - ١٩٩ رقم ٦٣٣)، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي ذئب إلا موسى.\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الوليد بن عبد الملك الحراني، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات. قلت: وهذا من روايته عن موسى بن أعين، وهو ثقة. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٨٥ رقم ١٢٥٥٤). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣٣: رواه الطبراني في الكبير، وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان لينه الحاكم وضعفه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٦٨١٣) وضعيف الترغيب (١٧٣).","vol":"2","page":633},{"text":"قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ - \"سلوا الله لي الوسيلة\" الحديث، تقدم الكلام عن الوسيلة واشتقاقاتها والمراد بها في الحديث القرب من الله تعالى وقيل هي الشفاعة يوم القيامة وقيل هي منزلة من منازل الجنة وكل ما جاء في هذا الباب تقدم الكلام عليها مبسوطا.\nقوله: وفيه الوليد بن عبد الملك الحراني وهو مستقيم الحديث وفيه ابن أعين وهو ثقة مشهور واسم ابن أعين [موسى بن أعين الجزري، أبو سعيد الحراني مولى بني عامر بن لؤي وهو والد محمد بن موسى بن أعين، وعم الحسن بن محمد بن أعين].\nقوله: في رواية الطبراني في آخر الحديث، وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان وهو لين الحديث.\n\n٤٠١ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ إِذا سمع الْمُؤَذّن يتَشَهَّد قَالَ وَأَنا وَأَنا\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإسْنَاد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢٦)، والبزار (١٨/ ١٠٨ رقم ٥٠)، وابن حبان (١٦٨٣)، والحاكم (١/ ٢٠٤). قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلا وأسنده علي بن مسهر وحفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂. ورواه عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن عائشة ﵂. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في المشكاة (٦٧٧) وصحيح أبي داود (٥٣٨) وصحيح الترغيب (٢٥٨).","vol":"2","page":634},{"text":"قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: \"وأنا وأنا\" الحديث، استعمال لفظة: \"وأنا\" يكره إطلاقه في الشرع لأن إبليس قال: وأنا (^١)، وقد صح أن النبي - ﷺ - لما استأذن عليه جابر وقال: \"من بالباب\" قال: أنا، فخرج رسول الله - ﷺ - وهو يقول: \"أنا أنا ينكر ذلك على جابر\" (^٢).\nوقال الحريري في شرحه لملحة الإعراب (^٣): يحرم على الشخص أن يقول عن نفسه نحن فعلنا لأن في ذلك نوع عظمته وليس ذلك إلا لله ﷿، فلفظه: أنا، من غير أن يضاف إليها فلان تضمن نوع كبر كأنه يقول: أنا الذي لا أحتاج أن أسمي نفسي أو أتكبر عن تسميتها، فيكره لهذا أيضًا (^٤)، ويستثني من كراهة قوله أنا مواضع منها: إذا سمع المؤذن يستحب أن يقول وأنا أشهد لأنه مقام يطلب فيه تعظيم بالشاهد، ومنها: إذا قرأ أو سمع: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (^٥) الآية، استحب أن يقول وأنا أشهد بما شهد الله وأستودع الله هذه الشهادة، وهذه الشهادة وديعة لي عند الله يؤديها\n_________\n(^١) انظر: أعلام الحديث (٣/ ٢٢٣٣)، والإفصاح (٨/ ٢٨٧)، وكشف المشكل (٣/ ٢٩)، وزاد المعاد (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(^٢) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (١٠٨٦) والصحيح (٦٢٥٠)، ومسلم (٣٨ و٣٩ - ٢١٥٥) عن جابر.\n(^٣) اللمحة في شرح الملحة (١/ ١٤٣).\n(^٤) كشف المشكل (٣/ ٢٩).\n(^٥) سورة آل عمران، الآية: ١٨.","vol":"2","page":635},{"text":"إلىَّ يوم القيامة، كما أورد الواحدي في ذلك حديثًا في تفسيره (^١)؛ ومنها: إذا بارز العدو يقول أنا فلان ليرهب عدوه، قال علي - ﵁ -: أنا الذي سمتني أمي حيدرة؛ ومنها: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ (^٢) قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وما أشبه ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٢٥)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩٩ رقم ١٠٤٥٣)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٦٠٧)، والواحدي في التفسير (١٤٢). قال العراقي في تخريج الإحياء (ص ٣٩٩): وفيه عمر بن المختار روى الأباطيل قاله ابن عدي. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٢٦: رواه الطبراني، وفيه عمر بن المختار، وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٢٣٩).\n(^٢) سورة التين، الآية: ٨.","vol":"2","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الترغيب في الإقامة</span>\n٤٠٢ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان وَله ضراط حَتَّى لَا يسمع التأذين فَإِذا قضي الْأَذَان أقبل فَإذا ثوب أدبر الحَدِيث تقدم وَالْمرَاد بالتثويب هُنَا الْإِقَامَة (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إذا نودي بالصلاة أدبر وله ضراط حتى لَا يسمع التأذين\" تقدم الكلام على ذلك وعلى الحكمة في ذلك.\nقوله: \"فإذا ثوب أدبر\" المراد بالتثويب هنا الإقامة، قاله المنذري.\n\n٤٠٣ - وَعَن جَابر - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا ثوب بِالصَّلاةِ فتحت أَبْوَاب السَّمَاء واستجيب الدُّعَاء رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة (^٢).\nقوله: عن جابر، هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح الحاء والراء المهملتين، الأنصاري السلمي بفتح السين واللام، يقارب إلى سلمة بكسر اللام، قال ابن الصلاح: وأكثر أهل الحديث يكسرونها في النسبة على الأصل وهو لحن، وقال غيره: هي لغة ضعيفة، كنيته: أبو عبد الله على الصحيح،\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٦٠٨) و(١٢٢٢) و(١٢٣١) و(٣٢٨٥)، ومسلم (١٦ و١٩ - ٣٨٩) و(٨٣ - ٣٨٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٤٢ (١٤٦٨٩)، ومن طريقه ابن بشران في الأمالى (٤٠٣). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٠).","vol":"2","page":637},{"text":"وقيل: أبو عبد الرحمن، مات بالمدينة سنة ثمان وسبعين، وقيل: تسع، وقيل: غير ذلك، وكان من الكثيرين الحفاظ، وكف بصره في آخر عمره، وأبوه صحابي ممن شهد أحد، كلمه الله كفاحا، وفي الصحابة ثلاثة كلهم اسمه جابر بن عبد الله (^١)، وتقدم الكلام عليه مبسوطا، قاله في شرح الإلمام.\nقوله - ﷺ -: \"إذا ثوب بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء\" سيأتي في باب الدعاء بين الأذان والإقامة المواطن التي يستحب فيها الدعاء إن شاء الله قريبا، وتقدم أن المراد بالتثويب هنا اسم لإقامة الصلاة، والأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخا فيلوح بوثبه ويشتهر فسمى الدعاء تثويبا لذلك (^٢)، وكل داع مثوب، وقيل: إنما سمي تثويب من باب يثوب إذا رجع فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعده الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها، ومنه حديث بلال قال: أمرني رسول الله.\nألا أثوب في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر وهو قوله: الصلاة خير من النوم مرتين، قاله ابن الأثير (^٣).\n_________\n(^١) انظر: أسد الغابة (١/ ٤٩١ ترجمة ٦٥٤) و(١/ ٤٩٢ ترجمة ٦٤٦) و(١/ ٤٩٢ ترجمة ٤٩٢)، والإصابة (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦ ترجمة ١٠٢٧ و١٠٢٨ و١٠٢٩ و١٠٣٠). ولصاحب الحديث: انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٢ - ١٤٣ ترجمة ١٠٠)، وشرح الإلمام (٢/ ٥٦١ - ٥٦٤).\n(^٢) غريب الحديث (١/ ٧١٥) للخطابي.\n(^٣) النهاية (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).","vol":"2","page":638},{"text":"فائدة: قال العلماء: الإقامة إحدى عشرة كلمة لحديث عبد الله بن زيد ولحديث أنس (^١) الذي رواه البخاري ومسلم، قال: \"أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة\"، وفي رواية: \"إلا الإقامة\" (^٢) وتكون الإقامة أخفض صوتا من الأذان لأنه إعلام من حضر والأذان إعلام لمن غاب (^٣) فيستحب لمن سمع الإقامة أن يجيب المقيم كما في الأذان ويقول في كلمتي الإقامة: أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض، فإذا فرغ المؤذن قام إلى الصلاة، هذا هو المذهب المنصوص (^٤)، وقال الماوردي: هذا في حق الشاب السريع النهضة، أما الشيخ البطيء النهضة فينبغي أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة والجمهور على عدم التفصيل (^٥).\nفرع: من دخل المسجد والمؤذن في الإقامة، قال الشيخ أبو حامد: يستحب أن يقعد ثم يقوم إلى الصلاة ليخلص قيامه مثلها، وعند القاضي حسين: يستحب أن يدوم قائما ليحرز فضيلة انتظار العبادة وليحترز من ترك التحية (^٦) وصححه النووي (^٧) قاله في مختصر الكفاية.\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٩٠)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٣) و(٦٠٥) و(٦٠٦) و(٦٠٧) و(٣٤٥٧)، ومسلم (٢ و٣ و٤ و٥ - ٣٧٨) عن أنس.\n(^٣) كفاية النبيه (٢/ ٤١٥).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٦٤).\n(^٥) كفاية النبيه (٢/ ٥٧).\n(^٦) كفاية النبيه (٣/ ٦٠).\n(^٧) المجموع (٣/ ٢٥٥).","vol":"2","page":639},{"text":"٤٠٤ - وَعَن سهل بن سعد - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"ساعتان لَا ترد على دَاع دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل الله\" رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن سهل بن سعد الساعدي (هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني، كان اسمه حزنا، فسماه النبي - ﷺ - سهلًا. شهد سهل قضاء رسول الله - ﷺ - فى المتلاعنين.\nقال الزهري: سمع من النبي - ﷺ -، وكان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ساعتان لا ترد على داع دعوته حين تقام الصلاة وفي الصف في الصلاة\"، سيأتي الكلام على الدعاء في الصف في سبيل الله في الجهاد إن شاء الله.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (١٧٦٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٠ رقم ٥٧٧٤) و(٦/ ١٥٩ رقم ٥٨٤٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٧٤) و(١٧٦) و(٨٣٤) وقال: منكر.\n(^٢) تهذيب الأسماء والصفات (١/ ٢٣٨ الترجمة ٢٣٧).","vol":"2","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>[الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر]</span>\n٤٠٥ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ خرج رجل بَعْدَمَا أذن الْمُؤَذّن فَقَالَ أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم - ﷺ - ثمَّ قَالَ أمرنَا رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِذا كُنْتُم فِي الْمَسْجِد فَنُوديَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يخرج أحدكُم حَتَّى يُصَلِّي\" رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَإِسْنَاده صَحِيح (^١) وَرَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢) دون قَوْله أمرنَا رَسُول الله - ﷺ - الخ.\n\n٤٠٦ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يسمع النداء فِي مَسْجِدي هَذَا ثمَّ يخرج مِنْهُ إِلَا لحَاجَة ثمَّ لَا يرجع إِلَيْهِ إِلَّا مُنَافِق\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٧١١)، وإسحاق (٢٣٢)، وأحمد ٢/ ٥٣٧ (١٠٩٣٣). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٥: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٧٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٨ و٢٥٩ - ٦٥٥)، وابن ماجه (٧٣٣)، وأبو داود (٥٣٦)، والترمذي (٢٠٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٦١ (٦٩٥) و٢/ ١٦٢ (٦٩٦) والكبرى (١٨١٠) و(١٨١١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٤٩ - ١٥٠ رقم ٣٨٤٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث موصولا، عن أبي هريرة، عن صفوان وأبي حازم إلا ابن أبي حازم، تفرد به: أبو مصعب. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٥: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٢).","vol":"2","page":641},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: خرج رجل، يعني من المسجد، بعد ما أذن المؤذن فقال: \"أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -\" الحديث، ففي هذا الحديث كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر من انتقاض طهارة أو فوات رفقة أو صلاة في غيره (^١)، والحديث يقتضي تحريم الخروج بعد الأذان وقبل الصلاة لكنه متروك الظاهر لوجهين، أحدهما: أن ذلك محمول على من خرج على نية ترك الصلاة مع الجماعة لأن الجماعة فرض عين أو كفاية أو سنة لا يعذر تاركها، ومن عزم على ترك فرض الكفاية أو العين أثم للوجه الثاني إذ المعصية قد تطلق ويراد بها الكراهة مجازًا لما بينهما من مطلق المخالفة للنهي كما ذكر بعض الأصوليين، وهذا كقوله - ﷺ -: \"من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني\" (^٢) مع أن ترك الرمي ونسيانه مكروه أو أنه محمول إما على نية ترك الجهاد كما قد فسره قوله - ﷺ -: \"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات وفي قلبه شعبة من النفاق\" (^٣) وإما محمول على نية ترك فرض العين، ويحتمل وجه ثالث وهو أن الرجل الذي خرج كان منافقا معلوم النفاق لأبي هريرة، وإلا فالخروج من المسجد تقدم أنه غير\n_________\n(^١) شرح أبي داود (٢/ ٥٠٤) للعيني.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩ - ١٩١٩) عن عقبة بن عامر.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٨ - ١٩١٠)، وأبو داود (٢٥٠٢)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٣٤٦ (٣١٢٠) والكبرى (٤٤٩٩) عن أبي هريرة.","vol":"2","page":642},{"text":"محرم، ويحتمل وجه رابع وهو أن يكون المعنى فقد قارب أن يعصي أبا القاسم - ﷺ -، ونظير هذا قوله - ﷺ - في تارك الرمي: \"فقد عصاني\" أي: قارب أن يعصيني وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (^١) أي إذا قاربن بلوغ أجلهن يذهبن لأن بعد بلوغ الأجل وهو العدة لا رجعة، وكذلك قوله - ﷺ -: \"من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله\" (^٢) يحتمل فقد قارب أن يحبط عمله، وقد أجاب الشافعي ﵀ بنحو ذلك في قوله - ﷺ - في حديث جبريل -﵇-: \"فصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثله\" (^٣) أي حين قارب أن يصير مثله، قاله ابن العماد في شرح العمدة (^٤).\nقوله: فقال: \"أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -\" ففيه تعظيم الرجل بذكره بالكنية، ففي كتاب أسماء النبي - ﷺ - لابن دحية أن كنية النبي - ﷺ - أبو الأرامل، والذي في الذخائر أن كنيته - ﷺ - في الآخرة أبو الأرامل (^٥)، روى الحاكم في المستدرك بسنده إلى محمد بن عجلان أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أنا أبو\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٣) و(٥٩٤)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٧٣ (٤٨١) والكبرى (٤٤٤) عن بريدة.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩ و١٥٠) عن ابن عباس.\nوقال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن.\nوصححه الألباني في المشكاة (٥٨٣)، الإرواء (٢٤٩)، صحيح أبي داود (٤١٦).\n(^٤) ذكره أيضا في تسهيل المقاصد (لوحة ٤٨ و٤٩).\n(^٥) الذخائر والأعلاق في آداب التقوى ومكارم الأخلاق (ص ٤١٥).","vol":"2","page":643},{"text":"القاسم، الله يعطي وأنا أقسم\" (^١)، وقال أبو عبد الله الأشبيلي في كتاب الذخائر والأعلاق في آداب التقوى ومكارم الأخلاق وهو كتاب حسن نحو مجلدين: وكني رسول الله - ﷺ - بأبي القاسم لأنه يقسم الجنة بين الخلق يوم القيامة (^٢)، وروى الحاكم بإسناد به ابن لهيعة عن أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم بن النبي - ﷺ - أتاه جبريل -﵇-، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم (^٣)، وفي الصحيحين عن جماعة من الصحابة منهم جابر (^٤) وأبو هريرة (^٥) أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي\"، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب فذهب الشافعي ومن وافقه إلى أن ذلك لا يحل لأحد\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد (١/ ١٠٦)، وأحمد ٢/ ٤٣٣ (٩٥٩٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٤٤) والتاريخ الأوسط (١/ ١٤) والبزار (٨٣٦٥)، وابن حبان (٥٨١٧)، والحاكم (٢/ ٦٠٤). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٤٦).\n(^٢) الذخائر والأعلاق في آداب التقوى ومكارم الأخلاق (ص ٤١٥).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٣٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٢٧) و(٣١٢٨) و(٣١٢٩)، والدولابي في الكنى (١٧) و(١٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٨٩ - ٩٠ رقم ٣٦٨٧)، وابن السني (٤١٠)، والحاكم (٢/ ٦٠٤). قال الطبراني: لم يَرو هذا الحديث عن الزهري إلا يزيد بن أبي حبيب وعقيل بن خالد، تفرد به ابن لهيعة عنهما. وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ١٦١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣١١٤) و(٣١١٥) و(٣٥٣٨) و(٦١٨٧) و(٦١٩٦)، ومسلم (٣ و٤ و٥ و٦ - ٢١٣٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (١١٠) و(٣٥٣٩) و(٦١٨٨) و(٦١٩٧)، ومسلم (٨ - ٢١٣٤).","vol":"2","page":644},{"text":"سواء كان اسمه محمدًا أو غيره، وممن رواه عن الشافعي، البيهقي، والبغوي في تهذيبه في أول كتاب النكاح، وأبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق (^١).\nوالمذهب الثاني: مذهب مالك أن ذلك جائز مطلقا لمن اسمه محمد وغيره، ويجعل النهي خاصا بحياة النبي - ﷺ - (^٢).\nوالمذهب الثالث: أنه لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره، قال الرافعي: يشبه أن يكون هذا الثالث أصح لأن الناس لم يزالون يكتبون به في جميع الأمصار من غير إنكار، قال النووي: وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب فيه مخالفة لظاهر الحديث يعني الذي في الصحيحين: \"تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي\" وأما إطباق الناس على فعله مع أن المتكنين به أئمة أعلام وأهل الحل والعقد الذين يقتدى بهم في فعل الدين ففيه تقوية لمذهب الإمام مالك في جوازه مطلقا ويكون قد فهموا من النهي الاختصاص بحياته - ﷺ - لما هو مشهور من سبب النهي في تكني اليهود بذلك ومناداتهم به للإيذاء وهذا المعنى قد زال (^٣) والله أعلم.\nتنبيه: له - ﷺ - ثلاثة بنين القاسم وبه يكنى ولد قبل النبوة وتوفي وهو ابن سنتين وعبد الله ويسمى الطيب والطاهر وقد ولد بعد النبوة، وقيل الطيب والطاهر غير عبد الله والصحيح الأول والثالث إبراهيم ولد بالمدينة ومات\n_________\n(^١) السنن الكبرى (٩/ ٥١٩ - ٥٢٠)، والتهذيب (٥/ ٢٢٤)، وتاريخ دمشق (٣/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٢) إكمال المعلم (٧/ ٧)، والمجموع (٨/ ٤٣٩).\n(^٣) المجموع (٨/ ٤٤٠).","vol":"2","page":645},{"text":"بها سنة عشر وهو ابن سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشرا وكلهم من خديجة ﵂ إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية وكلهم توفوا قبله الذكور والإناث إلا فاطمة ﵂ فإنها عاشت بعده ستة أشهر على الأصح والله أعلم.\nقوله - ﵁ -: ثم قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي\" اعلم أن هذا الحديث من المرفوع وكذلك حديث \"من لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله\" (^١) احتملا على أن يكون الصحابي سمع تحريم ذلك من النبي - ﷺ -، وادعى ابن عبد البر في حديث الدعوة أنه مرفوع عندهم لَا يختلفون في ذلك (^٢) قال عقيل: وللنظر فيه مجال وقال المنذري عن أبي القاسم الجوهري إنه موقوف (^٣) انتهى قاله في شرح الإلمام.\nتنبيه: والمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم مرفوعا وبعضهم موقوفا حكم بالاتصال وبالمرفوع ووجب العمل به لأنها زيادة ثقة وهي\n_________\n(^١) أخرجه مالك (١٥٧٣)، والبخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٠٧ و١٠٨ و١٠٩ - ١٤٣٢) عن أبي هريرة.\n(^٢) انظر الاستذكار (٥/ ٥٣٠) والتمهيد (١٠/ ١٧٥).\n(^٣) مسند الجوهري (ص ١٩٣).","vol":"2","page":646},{"text":"مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف والله أعلم قاله النووي (^١).\nقوله: عنه، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق\" النفاق أصغر وأكبر على ما فصله العلماء في كتبهم، فيكره الخروج من مسجد النبي - ﷺ - بعد الأذان، وهذا وإن كان عاما في كل مسجد إلا أنه يتأكد هنا، قاله الزركشي (^٢).\n\n٤٠٧ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أدْركهُ الْأَذَان فِي الْمَسْجِد ثمَّ خرج لم يخرج لحَاجَة وَهُوَ لَا يُرِيد الرّجْعَة فَهُوَ مُنَافِق رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٣).\n\n٤٠٨ - وَعَن سعيد بن الْمسيب - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لا يخرج من الْمَسْجِد أحد بعد النداء إِلَّا مُنَافِق إِلَّا لعذر أخرجته حَاجَة وَهُوَ يُرِيد الرُّجُوع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (^٤).\nقوله: عن سعيد بن المسيب هو الإمام الجليل أبو محمد سعيد بن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٣٢).\n(^٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ٢٧٢).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٧٣٤)، وأبو نعيم في صفة النفاق (٦١). وضعفه الألباني جدا في المشكاة (١٠٧٦) ثم صححه في صحيح الترغيب (٢٦٣)، الروض النضير (١٠٧٤)، الصحيحة (٢٥١٨).\n(^٤) أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٧٦)، وعبد الرزاق (١٩٤٦)، والدارمى (٤٦٠)، وأبو داود في المراسيل (٢٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٤).","vol":"2","page":647},{"text":"المسيب القرشي المخزومي التابعي إمام التابعين، وأبو المسيب وجده (حزن) صحابيان، أسلما يوم فتح مكة، ويقال: المسيب بفتح الياء وكسرها والفتح أشهر، وحكى عنه أنه كان يكرهه، ومذهب أهل المدينة الكسر، ولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل: أربع سنين ورأى عمر وسمع منه ومن عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وجماعات كثيرة من الصحابة غير من ذكر، واتفق العلماء على إمامته وجلالته وتقدمه على أهل عصره في العلم والفضيلة ووجوه الخير، واتفقوا على توثيقه، وروى له البخاري ومسلم، توفي سنة ست وقيل سنه سبع وخمسين ومائة، وقيل: غير ذلك (١).\nقوله - ﷺ -: \"لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق\" المراد بالنداء الأذان، وتقدم معنى الحديث في الأحاديث قبله.","vol":"2","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>[الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة]</span>\n٤٠٩ - عَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الدُّعَاء بَين الأذَان وَالْإِقَامَة لا يرد\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَزَاد فَادعوا (^١) وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَة قَالُوا فَمَاذَا نقُول يَا رَسُول الله قَالَ سلوا الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة (^٢).\nقوله: عن أنس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد\" الحديث، فيستحب الدعاء بين الأذان والإقامة لهذا الحديث لأن الدعاء حينئذ مستحب، والمستحب أن يقعد فيها قعدة ينتظر فيها الجماعة لأن الذي رواه عبد الله بن زيد أنه أذن وقعد قعدة ثم قام إلا في صلاة المغرب لضيق وقتها، انتهى قاله الدميري (^٣).\nوقال في تهذيب النفوس: [ومن مظان الإجابة عند الإقامة]، قال الشافعي: أخبرني من لا يتهم عن عبد العزيز بن عمر عن مكحول عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢) و(٣٥٩٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٠٥) و(١٠٠٠٦ و١٠٠٠٧)، وابن خزيمة (٤٢٥ و٤٢٦ و٤٢٧)، وابن حبان (١٦٩٦). وقال الترمذي: حديث أنس حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٩٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن وقد زاد يحيى بن اليمان في هذا الحديث هذا الحرف، قالوا: فماذا نقول؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة. وقال الألباني: وهي زيادة منكرة كما بينته في الإرواء (١/ ٢٦٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٦٦).","vol":"2","page":649},{"text":"\"اطلبوا الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث\" (^١) قال وروينا عن غير واحد: طلب الإجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة (^٢)، قال البيهقي: وقد روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي - ﷺ -: \"أن الدعاء لا يرد عند النداء وعند [البأس] وتحت المطر\" وروي عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: \"تفتح أبواب السماء ويستجاب النداء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة\" (^٣).\nفنلخص من هذا كله أن الدعاء مندوب إليه عند الأذان وبعد الفراغ منه وعند إقامة الصلاة يستجاب الدعاء بمكة وكانوا يرون أن الدعوة في تلك البلد مستجابة، قال الحسن البصري: الدعاء مستجاب هناك في خمسة عشر موضعا: في الطواف، وعند النوم، وتحت الميزاب، والبيت، وعلى الصفا والمروة، وفي السعي، وخلف المقام، وفي عرفات، والمزدلفة، وعند الجمرات، وفيها أحاديث، قاله الزركشي (^٤)، فليكثر المرء من ذكر حاجاته فالكريم يعطي وبابه مفتوح.\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٢٨٩) وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٦٩).\n(^٢) الأم (١/ ٢٨٩).\n(^٣) معرفة السنن والآثار (٥/ ١٨٦ - ١٨٧ رقم ٧٢٣٦ - ٧٢٤٠).\n(^٤) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ١١٠).","vol":"2","page":650},{"text":"٤١٠ - وَعَن سهل بن سعد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ساعتان تفتح فيهمَا أَبْوَاب السَّمَاء وقلما ترد على دَاع دَعوته عِنْد حُضُور النداء والصف فِي سَبِيل الله وَفِي لفظ قَالَ ثِنْتَانِ لا تردان أَو قَالَ مَا يردان الدُّعَاء عِنْد النداء وَعند الْبَأْس حِين يلحم بعض بَعْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا إِلَا أَنه قَالَ فِي هَذِه عِنْد حُضُور الصَّلَاة (^١).\n\n٤١١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ ساعتان لا ترد على دَاع دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل الله\" (^٢) وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَرَوَاهُ مَالك مَوْقُوفًا (^٣)\nقَوْله يلحم هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي حِين ينشب بَعضهم بِبَعْض فِي الْحَرْب.\nقوله: عن سهل بن سعد، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"ساعتان يفتح فيهما أبواب السماء، وقل ما ترد على داع دعوته عند حضور النداء والصف في سبيل الله\" الحديث، قال العيني: فيه الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥٤٠) وابن خزيمة (٤١٩)، وابن حبان (١٧٢٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٦).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (١٧٦٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٠ رقم ٥٧٧٤) و(٦/ ١٥٩ رقم ٥٨٤٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٧٤) و(١٧٦) و(٨٣٤) وقال: منكر.\n(^٣) أخرجه مالك (١٧٨) ومن طريقه البخاري في الأدب المفرد (٦٦١) والحاكم (١/ ١٩٨)، (٢/ ١١٣). قال الحاكم: هذا حديث ينفرد به موسى بن يعقوب، وقد يروى عن مالك، عن أبي حازم. وموسى بن يعقوب، ممن يوجد عنه التفرد. اهـ. وقال في الموضع الثاني: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٦).","vol":"2","page":651},{"text":"الحديث: \"ساعتان لا يرد فيهما الدعاء حضرة النداء في الصلاة وحضرة الصف في سبيل الله\" (^١) فدلهم رسول الله - ﷺ - على أوقات الإجابة (^٢).\nقوله: وفي لفظ قال: \"ثنتان لا تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضٌ بعضًا\" الحديث، المراد بالنداء الأذان.\nوقوله: \"حين يلحم\" بالحاء المهملة، أي: حين ينشب بعضهم ببعض في الحرب، انتهى، قاله المنذري، وضبطه غيره بالحاء والجيم وكلاهما ظاهر، قاله النووي (^٣)، وقال في النهاية: أي حين تشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضًا، فقال: ألحم الرجل واستلحم إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا، وألحمه غيره فيها ولحم إذا قتل فهو ملحوم ولحيم والملحمة الحرب وموضع القتال، والجمع الملاحم مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسداء، وقيل: هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها، ومن أسمائه - ﷺ - نبي الرحمة ونبي الملحمة يعني: نبي القتال وهو كقوله الآخر بعثت بالسيف (^٤).\n\n٤١٢ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا نَادَى الْمُنَادِي فتحت أَبْوَاب السَّمَاء واستجيب الدُّعَاء فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي فَإِذا كبر\n_________\n(^١) أخرجه مالك (١٧٨).\n(^٢) عمدة القارى (٥/ ١٢٣).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٤٧)، والأذكار (ص ٣٥٧).\n(^٤) النهاية (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"2","page":652},{"text":"كبر وَإِذا تشهد تشهد وَإِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة قَالَ حَيّ على الصَّلَاة وَإِذا قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ حَيّ على الْفَلاح ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة الصادقة المستجابة المستجاب لهَا دَعْوَة الْحق وَكلمَة التَّقْوَى أحينا عَلَيْهَا وأمتنا عَلَيْهَا وابعثنا عَلَيْهَا واجعلنا من خِيَار أَهلهَا أَحيَاء وأمواتا ثمَّ يسْأَل الله حَاجته رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عفير بن معدان وَهُوَ واه وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١)\nقَوْله: فليتحين الْمُنَادِي أَي ينْتَظر بدعوته حِين يُؤذن الْمُؤَذّن فَيُجِيبهُ ثمَّ يسْأَل الله تَعَالَى حَاجته.\nقوله: عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء\" تقدم الكلام على النداء.\nقوله - ﷺ -: \"فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي، فإذا كبر كبر وإذا تشهد تشهد\" الحديث.\nقوله: \"فليتحين المنادي\" أي: ينتظر بدعوته حين يؤذن المؤذن فيجيبه ثم يسأل الله تعالى حاجته قاله المنذري.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في اتحاف الخيرة (٩٠٨/ ٢) والمطالب العالية (٢٤٢)، وعنه ابن السني في اليوم والليلة (٩٨)، والطبراني في الدعاء (٤٥٨)، والحاكم (١/ ٥٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١٢ - ٢١٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٨٠). وصححه الحاكم. وقال أبو نعيم: غريب من حديث سليم وعفير، لا أعلم رواه عنه إلا الوليد. وقال الذهبي: قلت: فيه عفير بن معدان وهو واه جدًّا. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٧٧).","vol":"2","page":653},{"text":"قال في شرح الإلمام: وفيه الإجابة بكلمات الأذان [والتأمين] بلفظ الحيعلتين، وهي فائدة جليلة ودليل على أن كلا من الحوقلة والحيعلة تحصل به السنة.\nقال التيمي: قال بعضهم: الحيعلة دعاء إلى الصلاة فلا معنى لقول السامع ذلك لأن دعاء الناس إلى الصلاة سرًا لا فائدة له بل يجعل مكانه الحوقلة لأنها كنز من كنوز الجنة (^١).\nوقال بعض العلماء: ولأن الحيعلة دعاء للصلاة فحسن لسامعها الإتيان بلا حول ولا قوة إلا بالله عوضًا عنها، والحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة أصلية الحروف لقرب مخرجهما إلا أن تؤلف كلمة بكلمتين كقولهم [حيعل] وبسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا قاله الجوهري، وقال الأزهري وغيره: حولق بتقدم اللام على القاف، وسبحل إذا قال سبحان الله، وحمدل إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال لا إله إلا الله، والجعفلة جعلت فداك، والطلبقة أطال الله بقاءك، والدمعزة أدام الله عزك (^٢).\nقوله: في الكلام على الرواة رواه الحاكم من رواية عفير بن معدان وهو واه، هو: عفير بن معدان (أبو عائذ الحضرمي، ويقال: اليحصبي، ويقال: أبو معدان الحمصي المؤذن عن عطاء بن يزيد وعطاء بن أبي رباح وعدة وعنه الوليد بن مسلم وأبو اليمان وخلق ضعفوه).\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٥/ ١٣).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٦٣).","vol":"2","page":654},{"text":"٤١٣ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن المؤذنين يفضلوننا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - قل كمَا يَقُولُونَ فَإِذا انْتَهَيْت فسل تعطه\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالا تعط بِغَيْر هَاء (^١).\nقوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم الكلام على مناقبه في أول هذا التعليق مبسوطًا.\nقوله: أن رجلًا قال: يا رسول الله: إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قل كما يقولون\" الحديث، يفضلوننا يعني في الأجر والثواب، وتقدم الكلام أيضًا على فضل الأذان مبسوطًا وعلى الإجابة.\nقوله: \"فإذا انتهيت فسل تعطه\" رواه أبو داود بالهاء، ورواه النسائي وابن حبان وقال: \"فسل تعط\" يعني: تعطى.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢٤)، والنسائي في الكبرى (٩٧٨٩)، وابن حبان (١٦٩٥)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٣٦ رقم ١٤٦٣٣) و(١٤/ ٧٩ رقم ١٤٦٨٥). وحسنه الألباني في المشكاة (٦٧٣) وصحيح أبي داود (٥٣٧) وصحيح الترغيب (٢٥٦) و(٢٦٧).","vol":"2","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>[الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها]</span>\nقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (^١) أي: تبنى (^٢) كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ (^٣) فالرفع هنا إما حقيقي أو مجازي كالتطهر في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ (^٤) قال العلماء: والمراد بالبيوت هنا المساجد، وقيل: المساجد بيوت الله تضيء لأهل المساجد كما تضيء النجوم لأهل الأرض (^٥).\n\n٤١٤ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - أَنه قَالَ: عِنْد قَول النَّاس فِيهِ حِين بنى مَسْجِد رَسُول الله - ﷺ - إِنَّكُم أَكثرْتُم عَليّ وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من بنى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله بنى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجنَّة وَفِي رِوَايَة بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٦).\nقوله: عن عثمان بن عفان، يجوز في عفان الصرف وعدمه، وتقدم الكلام على مناقب عثمان مبسوطا والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣٦.\n(^٢) قاله مجاهد كما في تفسيره (١/ ٤٩٣) وتفسير الطبري (١٧/ ٣١٦).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٢٧.\n(^٤) سورة الحج، الآية: ٢٦.\n(^٥) إعلام الساجد (ص ٣٦).\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٥٠)، ومسلم (٢٤ و٢٥ و٤٣ و٤٤ - ٥٣٣)، وابن ماجه (٧٣٦)، والترمذي (٣١٨).","vol":"2","page":656},{"text":"قوله - ﵁ -: أنه قال عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله - ﷺ -: إنكم أكثرتم وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة\".\nوفي صحيح مسلم عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه على هيئته فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من بنى مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة\" قال الواقدي: وفي السنة التاسعة والعشرين وسع عثمان مسجد رسول الله - ﷺ - وابتدأ في بنيانه في شهر ربيع الأول، وبناه بالحجارة المنقوشة وزخرفه بالقصة وسقفه بالساج وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل له ستة أبواب، قال: وإنما وسعه لأنه ضاق بالناس، قاله ابن الجوزي (^١)، وفي سنة ثمان وثمانين كان تجديد مسجد رسول الله - ﷺ - (^٢)، روى أبو داود عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيًّا باللبن وسقفه بالجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا وتخرب في عهد عمر فبناه على حاله وبناه عثمان وزاد فيه وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل أعدمته من حجارة منقوشة وسقمه بالساج (^٣).\n_________\n(^١) المنتظم (٥/ ٥).\n(^٢) المنتظم (٦/ ٢٨٣).\n(^٣) إعلام الساجد (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).","vol":"2","page":657},{"text":"وروي أنه قيل لرسول الله - ﷺ -: هده أي أصلحه، فقال: عريش كعريش موسى (^١) ثم إن الوليد هدمه في هذه السنة وزاد فيه وأدخل حجرات أمهات المؤمنين فيه وكان يتولى المدينة يومئذ عمر بن عبد العزيز واستعمل على هدمه وبنائه صالح بن كيسان، فبدأ في عمله في شهر صفر من هذه السنة حتى كمل على [أفخم هيّة وأحسن بنية وأتمّ إتقان] ثم وسعه المهدي سنة ستين ومائة وزاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسعه وعلى موضع زيادته مكتوب: أمر عبد الله المأمون بعمارة مسجد رسول الله - ﷺ - سنة اثنتين ومائتين، طلب ثواب الله وطلب كرماة الله تعالى فإن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعًا بصيرًا، أمر عبدُ الله عبدَ الله بتقوى الله ومراقبته وصلة الرحم والعمل بكتاب الله وسنة رسوله وتعظيم ما صغرته الجبابرة من حقوق الله وإحياء ما أماتوه من العدل وتصغير ما عظموه من الهوان والجور وأن تطيعوا الله وتعصوا من عصى الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى، انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢).\nوروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول الله - ﷺ - معهم، قال: فاستقبلت رسول الله - ﷺ - وهو\n_________\n(^١) روي مرسلًا عن الحسن البصري وسالم بن عطية والزهري وراشد بن سعد وموصولًا عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. وصححه الألباني في الصحيحة (٦١٦) وحسنه من طريق الحسن في صحيح الترغيب (١٨٧٦).\n(^٢) كنز الدرر (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١).","vol":"2","page":658},{"text":"عارض لبنة على بطنه فظننت أنها شقت عليه فقلت ناولنيها يا رسول الله قال: \"خذ غيرها يا أبا هريرة فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة\" (^١) ومعنى أن العيش عيش الآخرة أن الحياة المطلوبة الهنيئة الدائمة هي الدار الآخرة (^٢) وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (^٣) أي دار الحياة التي لا تزول ولا موت فيها (^٤).\nتتمة: عن أنس بن مالك - ﵁ -: قال: كان موضع مسجد النبي - ﷺ - لبني النجار وكان فيه نخل ومقابر المشركين، فقال لهم النبي - ﷺ -: \"ثامنوني به\" أي: بايعوني، قالوا: لا نأخذ له ثمنًا أبدًا، قال: وكان النبي - ﷺ - يبنيه وهم يناولونه والنبي - ﷺ - يقول: \"أن إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة\" قال: وكان النبي - ﷺ - يصلي قبل أن يبني المسجد حيث أدركته الصلاة، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (^٥)، وبنو النجار: قبيلة من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨١ (٨٩٥١). قال البخاري في التاريخ الأوسط ١/ ١٧: لا يعرف للمطلب سماع من أبي هريرة، وقال أبو حاتم الرازي كما في المراسيل ص ٢٠٩: عن أبي هريرة مرسل. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. قال الصالحي في سبل الهدى (٣/ ٣٣٧): وهذا كان في بنائه المرّة الثانية، لأن أبا هريرة لم يسلم في الأولى. وضعفه الألباني في الثمر المستطاب (١/ ٤٥٨).\n(^٢) المجموع (٧/ ٢٤٤) وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٤١) وكفاية النبيه (٧/ ١٧٤).\n(^٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.\n(^٤) تفسير الثعلبي (٧/ ٢٨٩)، وتفسير القرطبي (١٣/ ٣٦٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٢٨) و(٣٩٣٢)، ومسلم (٩ - ٥٢٤)، وأبو داود (٤٥٣ و٤٥٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٨١ (٧١٤) والكبرى (٨٦٩).","vol":"2","page":659},{"text":"الأنصار وهم أخوال النبي - ﷺ - وذلك أن هاشما تزوج امرأة من بني النجار تسمى سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النجار فولدت له عبد المطلب بن هاشم فمن هنا كانوا أخوال النبي - ﷺ -، وذكر ابن سعد في الطبقات عن الواقدي أن النبي - ﷺ - اشتراه له من [بني عفراء] بدنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق - ﵁ -. (^١)، فإن صح هذا فلم يأخذه النبي - ﷺ - إلا بالثمن لأنه كان ليتيمين، ولما كان ثمنه عشرة ضاعف الله فيه الصلاة إلى ألف حسنة لأن الحسنة بعشر أمثالها وضاعف الله المائة المضاعفة إلى ألف، ولما كان داود ﵊ اشترى موضع المسجد الأقصى بخمسة قناطير من الذهب جعل الله له الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، ومال نبينا - ﷺ - الذي صرفه في المسجد قناطير داود الخمسة مرتين، وهذا المعنى ملحوظ من قوله - ﷺ - في الحديث: \"سبق درهم مائة ألف درهم\" وهذا الحديث ذكره الحافظ المنذري في ترغيبه في الصلاة وفسر معناه والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة\" وفي رواية: \"بنى الله له بيتا في الجنة مثله\" قال الإمام القرطبي: هذه المثلية ليست على ظاهرها ولا من كل الوجوه وإنما معناه: أن الله بنى له بثوابه بناء أشرف وأعظم وأرفع (^٢)، انتهى.\nوقال السهيلي: جزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل وإن كان أشرف\n_________\n(^١) الطبقات (١/ ٢٣٩)، وتاريخ مكة المشرفة (١/ ٢٦٦).\n(^٢) المفهم (٥/ ٦١).","vol":"2","page":660},{"text":"منه كما جاء في قوله: \"بنى الله مثله في الجنة\" لم يرد مثله في كونه مسجدا ولا في صفته ولكن قابل البنيان بالبنيان، أي: كما بنى بني له فهاهنا وقعت المماثلة لا في ذات المبني (^١)، انتهى.\nوهذا البيت هو والله أعلم مثل بيت خديجة زوج النبي - ﷺ - الذي قال فيه: \"إنه من قصب لا صخب فيه ولا نصب\" يريد من قصب الزمرد والياقوت (وسيأتي الكلام على بيت خديجة مبسوطًا)، ويعضد هذا بأن أجور الأعمال متضاعفة وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في القوة إنها تزداد حتى تكون مثل الجبل، ولكن هذا التضعيف إنما هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولما فهم عثمان - ﵁ - هذا المعنى تأتي في بناء المسجد وحسنه وأتقنه واخلف الله فيه رجاء أن يبنى له في الجنة قصر متقن، وقد فعل الله له ذلك وزيادة (^٢) والله أعلم، قاله في الديباجة.\nفائدة: قال شيخ الإسلام النووي ﵀: يدخل في هذا الحديث من عمَّر مسجدًا قد استهدم، ويدخل فيه من أنشأ مسجدًا ولو اشترك جماعة في عمارة مسجد فهل يحصل لكل منهم بيت في الجنة كما لو أعتق جماعة عبدًا مشتركا بينهم فإنهم يعتقون من النار ويجوزون العقبة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ وقد فسر النبي - ﷺ - فك الرقبة بعتق البعض، والقياس إلحاق المساجد بالعتق لأن فيه ترغيب وحملًا للناس على إنشاء\n_________\n(^١) الروض الأنف (٢/ ٢٧٧).\n(^٢) المفهم (٥/ ٦١).","vol":"2","page":661},{"text":"المساجد وعمارتها (^١)، انتهى.\nفرع: هل يمكن الكافر من بناء المساجد، قال البغوي في تفسيره: ذهب جماعات إلى أنه يمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لم تنفذ وصيته (^٢)، والصحيح جوازه لقوله ﵊: \"إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر\" وكما لو تصدق أو وقف على الفقراء والمساكين فإنه يصح ولا يصير ببناء المسجد مسلمًا وإن عظمه حتى يأتي بالشهادتين بخلاف المسلم إذا بنى كنيسة واعتقد تعظيمها فإنه يكفر لأن الكفر يحصل بمجرد النية والإسلام لا يحصل إلا بالتلفظ بالشهادتين والله أعلم، قاله ابن العماد في شرح العمدة (^٣).\nفرع آخر: لو اتخذ مسجدًا في مقبرة غير منبوشة كرهت الصلاة فيه استصحابًا لحكمها حتى نبش الموتى وتخرج، ولو اتخذ مسجدا في الوادي الذي نام فيه رسول الله عن صلاة الصبح كرهت الصلاة فيه لقوله - ﷺ -: \"اخرجوا من هذا الوادي فإن فيه شيطانا\" (^٤) ويكره أيضًا اتخاذ المسجد بأرض بابل إن صح ما رواه أبو داود أن عليا مر بأرض بابل فأسرع الخروج منها ولم يصل فيها وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنها أرض ملعونة\"\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٦).\n(^٢) تفسير البغوي (٤/ ١٩).\n(^٣) ذكره أيضا في تسهيل المقاصد (لوحة ٦٦).\n(^٤) أخرجه مالك (٢٦) عن زيد بن أسلم مرسلًا. وصححه الألباني في المشكاة (٦٨٧).","vol":"2","page":662},{"text":"والحديث سكت أبو داود عن تضعيفه وضعفه الخطابي (^١)، وقال البخاري في الصحيح: ويذكر أن عليا كره الصلاة بخسف بابل، ولو اتخذ المسجد في الأماكن التي ندب الشرع إلى إسراع الخروج منها فالوجه الكراهة، ومن ذلك وادي محسر بأرض ثمود وقوم لوط وعاد، وقد بوب البخاري ﵀ كذلك بباب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، وأورد حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ -، قال \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين\" (^٢) الحديث، وسيأتي هذا الحديث بتمامه والكلام عليه مبسوطا في كتاب الجنائز، ولو اتخذ الحمام مسجدا فالمتجه بقاء الكراهة استصحابا للحكم ولأن الشيطان قد ألفه وصار كالوداي ويحتمل خلافه لأن الشيطان إنما ألفه لما كان يكشف فيه من العورات ويفعل من المحرمات (^٣) قاله ابن العماد.\n\n٤١٥ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من بنى لله مَسْجِدا قدر مفحص قطاة بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة\" رَوَاهُ الْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبْرَانِيّ فِي الصَّغِير وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩٠). وضعفه الخطابى في معالم السنن (١/ ١٤٨)، والألباني في ضعيف أبي داود (٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٣٣) و(٣٣٨٠) و(٣٣٨١) و(٤٤١٩) و(٤٤٢٠) و(٤٧٠٢)، ومسلم (٣٨ و٣٩ - ٢٩٨٠) عن ابن عمر.\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٧).\n(^٤) أخرجه البزار (٤٠١٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢٤٩٢)، وابن حبان (١٦١٠ و١٦١١)، =","vol":"2","page":663},{"text":"قوله: عن أبي ذر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ - \"من بنى لله مسجدا قدر مفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة\" الحديث ولم يقل عشر بيوت تنبيها على أن هذا البيت يفوق سائر بيوت الدنيا فكذلك هذا البيت الذي يبنى له في الجنة يفوق سائر بيوت الجنة ولهذا ذكره لتعظيمه (^١) ويأتي الكلام على مفحص القطاة في الحديث بعده.\n\n٤١٦ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من بنى لله مَسْجِدا يذكر فِيهِ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n\n٤١٧ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من حفر بِئْر مَاء لم يشرب مِنْهُ كبد حرى من جن وَلا إنس وَلا طَائِر إِلَا آجره الله يَوْم الْقِيَامَة وَمن بنى لله مَسْجِدا كمفحص قطاة أَو أَصْغَر بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة رَوَاهُ ابْن\n_________\n= والطبراني في الصغير (٢/ ٢٤٦ رقم ١١٠٥). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن سفيان مرفوعا إلا سلم بن جنادة، عن وكيع، ولا نعلم أن سلم بن جنادة توبع على هذا الحديث. وإنما يعرف هذا الحديث مرفوعا من حديث أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش ورواه يحيى بن آدم، عن يزيد بن عبد العزيز. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧: رواه البزار والطبراني في الصغير ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٩).\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم (٥/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٠ (١٢٦)، وابن ماجه (٧٣٥)، وأبو يعلى (٢٥٣)، وابن حبان (١٦٠٨) و(٤٦٢٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٠).","vol":"2","page":664},{"text":"خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وروى ابْن مَاجَه مِنْهُ ذكر الْمَسْجِد فَقَط بِإِسْنَاد صَحِيح (^١).\nوَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - ﷺ - إِلَّا أَنَّهُمَا قَالا كمفحص قطاة لبيضها (^٢)\nمفحص القطاة بِفَتْح الْمِيم والحاء الْمُهْملَة وَهُوَ مجثمها.\nقوله: عن جابر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"من حفر بئرا لم يشرب منه كبد حري ولا إنس ولا طائر إلا أجاره الله يوم القيامة\" سيأتي الكلام على ذلك في الصدقات.\nقوله - ﷺ - \"ومن بنى لله مسجدا قدر مفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة\" الحديث، وفي رواية الإمام أحمد \"كمفحص قطاة لبيضها\" ومفحص القطاة بفتح الميم والحاء المهملة هو مجثمها قاله الحافظ وقال بعضهم: وجثم الطائر جثوما وهو بمنزلة البروك للإبل قاله في النهاية (^٣)، والمفحص\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٣١)، وابن ماجه (٧٣٨)، وابن خزيمة (١٢٩٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧١).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٧٣٩)، وأحمد ١/ ٢٤١ (٢١٥٧)، والبزار (٥٠٧٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٥٥٥).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عباس، إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد، وجابر قد تقدم ذكرنا له بأنه قد تكلم فيه جماعة، وروى عنه أهل العلم، ولا نعلم أحدا ممن هو قدوة ترك حديثه، وعمار الذي روى عنه جابر، هو عمار الدهني. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧: رواه أحمد والبزار وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٢).\n(^٣) النهاية (١/ ٢٣٩).","vol":"2","page":665},{"text":"مفعل من الفحص وجمعه مفاحص وهو موضعها الذي يجثم فيه وتبيض كأنها مفحص عنه التراب أي تكشفه والفحص الطلب والبحث والكشف وفحص رجليه ضرب بهما وتصير في موضع مطمئن مستو (^١)، وخص القطاة بهذا لأن كل طير يجعل عشه ووكره في أعلى شجرة أو قمة جبل بخلاف القطاة فإنها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل وإنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير فلذلك شبه النبي - ﷺ - به المسجد ولأنها توصف بالصدق فكأنه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه، كما قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي: خالص العبودية الاندماج في طي الأحكام من غير شهوة ولا إرادة وهذا شأن هذا الطائر وقيل إنما شبه بذلك لأن أفحوصها يشبه محراب المسجد في استدارته وتكوينه (^٢).\nومقدار مفحص القطاة لبيضها لا يمكن أن يتخذ مسجدا وإنما ذكره - ﷺ - على سبيل المبالغة في الكلام (^٣) وأن الشارع - ﷺ - يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يقع كقوله - ﷺ - \"اسمعوا وأطيعوا ولو كان عبدا حبشيا\" وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال \"الأئمة من قريش\" وقيل للوالي طاعة من ولاه الإمام عليكم ولو كان عبدا حبشيا (^٤).\n_________\n(^١) غريب الحديث (٣/ ١٣٢)، والمجموع المغيث (٢/ ٥٩٨)، والنهاية (٢/ ٤١٥).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨).\n(^٣) الميسر (٢/ ٤٤٤)، وشرح المشكاة (٥/ ١٥٤٤).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ٣٠٠)، وعارضة الأحوذي (١/ ١٥١)، وحياة الحيوان (٢/ ٣٤٨).","vol":"2","page":666},{"text":"تنبيه: والقطاة طائر معروف قدر الحمام وتشبهه ثم سميت بحكاية صوتها لأنها تقول قطاة قطاة لذلك تصفها العرب بالصدق فقالوا فلان أصدق من القطاة ويقال لها أم ثلاث لأنها أكثر ما تبيض ثلاث بيضات، والقطاة أنواع ولا تضع بيضها إلا أفرادا وفي طبعها أنها إذا أرادت الماء ارتفعت من أفاحيصها الثرايا لا متفرقة عند طلوع الفجر فتطلع إلى حين طلوع الشمس مسيرة سبع مراحل فحينئذ تقع على الماء وتشرب نهلًا والنهل شرب الإبل والغنم أول مرة فإذا شربت أقامت حول الماء متشاغلة إلى مقدار ساعتين أو ثلاث ثم تعود إلى الماء ثانية قال أبو زياد الكلابي: وإن القطاة تطلب الماء مسيرة عشرين ليلة وفوقها ودونها وحكم هذا الطائر يحل أكله، والله أعلم قاله في حياة الحيوان (^١).\n\n٤١٨ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من بنى لله مَسْجِدا صَغِيرا كَانَ أَو كبِيرا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^٢).\n\n٤١٩ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من بنى لله مَسْجِدًا بنى الله لَهُ بَيْتا أوسع مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لين (^٣).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٧) باختصار.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣١٩)، وأبو يعلى (٤٢٩٨)، والدولابى (١٣٥٨). قال الألباني في الضعيفة (٦٧١٧) وضعيف الترغيب (١٧٨): منكر بزيادة: (أو كبيرًا).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٢١ (٧٠٥٥). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧: رواه أحمد، وفيه الحجاج بن أرطاة وهو متكلم فيه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٣).","vol":"2","page":667},{"text":"قوله: عن عبد الله بن عمرو وتقدم الكلام على ترجمته وترجمة أبيه ﵄.\nقوله - ﷺ - \"من بنى لله مسجدا\" الحديث، قوله: \"بنى الله له بيتا أوسع منه\" وفي الحديث الآخر \"أفضل منه\" وفي حديث \"آخر مثله\"، وفي رواية لابن وضاح في مصنفه عن عائشة مرفوعا: \"من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة\" قلت: يا رسول الله: وهذه المساجد التي بطريق مكة، قال: \"وتلك\" (^١).\nولو هنا للتقليل، وقد أثبته من معاني لو ابن هشام، وجعل منه: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\"، المراد بالتقليل هنا إما الزيادة في المسجد، تنزيلا له منزلة ابتدائه، أو لأن الكلام خرج مخرج المبالغة، وتأمل كيف خص القطاة بالذكر دون غيرها لأن العرب يضربون بها المثل في الصدق، ففيه رمز خفي إلى [المحافظة على الإخلاص] في بنائه، والصدق في إنشائه، انتهى، قاله الزركشي (^٢).\nوقال بعض العلماء: ويحتمل قوله: \"بنى الله له مسجدًا\" وجهين ذكرهما العلماء أحدهما أن يكون معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت ولكنه أنفس منه بزيادات كثيرة فلم يرد مثله في كونه مسجدا ولا في صفته ولكن قابل البنيان\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في اتحاف الخيرة (٢/ ١٤ رقم ٩٤٠/ ١) والمطالب (٣٥٣/ ١)، وإسحاق (١٢١٤). قال البوصيري: كثير بن عبد الرحمن العامري، وهو كثير بن أبي كثير، وهو كثير المؤذن، ضعيف، قاله العقيلي.\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٨ - ٣٩).","vol":"2","page":668},{"text":"بالبنيان كما بنى بني له فهاهنا وقعت المماثلة لا في ذات المبنى لأن جزاء الفعل بذكر لفظ الفعل وإن كان أصوب منه، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها وأنها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (^١).\nالوجه الثاني: معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا (^٢)، وتقدم الكلام على شيء من هذا مختصرًا.\n\n٤٢٠ - وَرُوِيَ عَن بشر بن حَيَّان قَالَ جَاءَ وَاثِلَة بن الأسْقَع وَنحن نَبْني مَسْجِدًا قَالَ فَوقف علينا فَسلم ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من بنى مَسْجِدا يصلى فِيهِ بنى الله ﷿ لَهُ فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ (^٣).\n\n٤٢١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من بنى بَيْتا يعبد الله فِيهِ من مَال حَلَال بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من دُرٍّ وَيَاقُوت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْبَزَّار دون قَوْله من در وَيَاقُوت (^٤).\n_________\n(^١) الروض الأنف (٢/ ٤٢٧)، وشرح النووى على مسلم (١٨/ ١١٣).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٥/ ١٥).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٠ (١٦٠٠٥)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ٧١، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٢٠)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٨٨ (٢١٣)، وابن عدي في الكامل ٣/ ١٦٨. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه الحسن بن يحيى الخشني، ضعفه الدَّارقُطْنِي وابن مَعين في رواية ووثقه في رواية، ووثقه دحيم وأبو حاتم. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (١٧٩).\n(^٤) أخرجه البزار (٨٦٣٩)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٩٥ رقم ٥٠٥٩). قال البزار: وأحاديث سليمان بن داود اليمامي لا نعلم أحدا شاركه فيها، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهو عندي ليس بالقوي لأن أحاديثه تدل عليه إن شاء الله. =","vol":"2","page":669},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من بنى بيتا يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتا في الجنة من در وياقوت ولم يسمه مسجدا\" الحديث، أراد - ﷺ - بالبيت القصر، يقال: هذا بيت فلان أي قصره وداره وشرفه (^١) مثل بيت خديجة زوج النبي - ﷺ - الذي وصفه النبي - ﷺ -: \"من قصب لا صخب فيه ولا نصب\" يريد من قصب الزمرد والياقوت، قال أهل العلم واللغة: القصب في هذا الحديث لؤلؤ مجوف واسع كالقصب المنيف والصخب اختلاط الصوت والنصب التعب، فنفى عنه النصب والصخب لأنه ما من بيت في الدنيا سكنه قوم إلا كان بين أهله صخب وجلبة وإلا كان في بنائه وإصلاحه نصب وتعب، فأخبر أن قصور أهل الجنة خالية عن هذه الآفات (^٢)، انتهى.\nففي الحديث الذي ورد في فضل خديجة زوج النبي - ﷺ - وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، قد رواه الخطابي مفسرا، وقال فيه: قالت خديجة يا رسول الله: هل في الجنة قصب؟ قال: \"إنه قصب من لؤلؤ مجبأة\" أي: مجوفة، قال: وتكلم أصحاب المعاني على هذا الحديث وقالوا:\n_________\n= وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا سليمان بن داود، تفرد به: سعيد بن سليمان، ولا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨: رواه الطبراني في الأوسط والبزار خلا قوله: من در وياقوت، وفيه سليمان بن داود اليمامي وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (١٨٠).\n(^١) النهاية (١/ ١٧٠).\n(^٢) أعلام الحديث (٢/ ٩١١) وشرح المشكاة (١٢/ ٣٩٢٠ - ٣٩٢١).","vol":"2","page":670},{"text":"كيف لم يبشرها إلا ببيت، وأدنى أهل الجنة منزلة من يعطى مسيرة ألف عام في الجنة كما في حديث ابن عمر الذي خرجه الترمذي: وكيف لم يبعث هذا البيت بشيء من أوصاف النعيم والبهجة أكثر من نفي الصخب وهو رفع الصوت، وأما أبو بكر الإسكاف فقال في زوائد الأخبار: إن معنى الحديث أنها بشرت ببيت زائد على ما أعد الله تعالى له من الثواب لإيمانها وعملها، ولذلك قال: \"لا صخب فيه ولا نصب\" إنما عليه زيادة على جميع العمل الذي نصبت فيه، وقال الخطابي: البيت هنا عبارة عن القصر كما تقدم، يقال في القوم: هم أهل بيت شرف وبيت عز، وفي التنزيل: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ولكن لذكر البيت هاهنا بهذا اللفظ ولم يقل بقصر معنى لائق بصورة الحال، وذلك لأنها كانت ربة في بيت إسلام لم يكن على الأرض بيت إسلام إلا بيتها حين آمنت، وأيضًا فإنها أول من بنى امرأة في الإسلام يتزوجها رسول الله ورغبتها فيه وهذا الفعل يذكر بلفظ الفعل كما تقدم، وكما جاء: \"من كسى مسلما على عري كساه الله من حلل الجنة، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم\" أي: كما قابل الكسوة بالكسوة والسقي بالسقي فهاهنا وقعت المماثلة لا في ذات المبنى أو الكسوة (^١).\nوقوله في حديث خديجة: \"لا صخب فيه ولا نصب\" فإنما عبر بذلك لأنه -﵇- دعاها إلى الإيمان فأجابته ولم تحوجه إلى أن يصخب كما يصخب\n_________\n(^١) انظر: غريب الحديث (١/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، والروض الأنف (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧).","vol":"2","page":671},{"text":"البعل إذا تعصت عليه حليلته، ولا أن ينصب فإنها كفته كلّ نصب وأمنته من كلّ وجه وهونت عليه كلّ مكروه وأراحته ببيتها من كلّ كدر ونصب فوصف منزلها الذي بشرت به بالصفة المقابلة لفعلها [وصورته]، وأما قوله: \"من قصب\" ولم يقل من لؤلؤ وإن كان المعنى واحدا ولكن في اختصاصه بهذا اللفظ من المشاكلة المذكورة والمقابلة بلفظ الجزاء للفظ العمل أنها ﵂ كانت قد أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنسوان فاقتضت البلاغة أن يعبر بالعبارة المشاكلة لفعلها في جميع ألفاظ الحديث (^١)، والله أعلم.\n\n٤٢٢ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من بنى مَسْجِدا لا يُرِيد بِهِ رِيَاء وَلا سمعة بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\nقوله: عن عائشة، تقدم الكلام على بعض مناقبها، ومن مناقبها أيضًا أن الملك نزل على رسول الله بصفتها في سرقة من حرير فأراه إياها قبل أن\n_________\n(^١) الروض الأنف (٢/ ٤٢٩)\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١١١ رقم ٧٠٠٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن المثنى إلا محمد بن عيسي، تفرد به: هشام بن عمار، ولم يروه عن عطاء، عن عائشة إلا كثير بن عبد الرحمن الكوفي، والمثنى بن الصباح. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨: رواه الطبراني في الأوسط وفيه المثنى بن الصباح، ضعفه يحيى القطَّان وجماعة، ووثقه ابن مَعين في رواية وضعفه في أخرى. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣٩٩) وصحيح الترغيب (٢٧٤).","vol":"2","page":672},{"text":"يتزوجها ولم يتزوج بكرا غيرها، ونزلت آية التيمم ببركتها وأنزل عليه الوحي في لحافها ولم ينزل عليه في لحاف غيرها، وأقرأها جبريل -﵇- السَّلام على لسان بعلها، ورأته مع رسول الله - ﷺ - في حجرتها ونزل القرآن العظيم ببراءتها وقبول عذرها، وتوفي رسول الله - ﷺ - في يومها وليلتها، وقد امتزج ريقه المطهر بريقها ورأسه المقدس في حجرها، ومات بين حاقنتها وذاقنتها أو سحرها ونحرها، الحاقنة: [الوهدة المنخفضة بين الترقوتين] و(الذاقنة): طرف الحلقوم، وقيل: ما تناوله الذقن من الصدر (^١)، وقيل: الحاقنة ما سفل من البطن، والذاقنة ما علا (^٢)، وقيل: الحاقنة باقية الطعام، والذاقنة نقرة النحر، وقيل: طرف الحلقوم، والحواقن أسافله، والمراد أنها تحقن الطعام أي تجمعه (^٣)، ومنه الحاقن للبول أي الجامع له بترك الإراقة (^٤)، وكانت عائشة ﵂ أكرم أهل زمانها وعابدة أوانها، وأقامت بعد رسول الله - ﷺ - تسرد الصوم بقية عمرها وتفتي في الفقه ويؤخذ بقولها فأي فخر كفخرها، تزوجها رسول الله - ﷺ - بعد خديجة أم المؤمنين بثلاث سنين على ما ثبت من حديث حميد بن عبد الرحمن بن هشام وهي بنت ست سنين، وذلك بمكة، وبنى بها بمكة بإجماع وهي بنت تسع سنين،\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤١٦ و٢/ ١٦٢).\n(^٢) مطالع الأنوار (٢/ ٣٤٣).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ١١٠).\n(^٤) النهاية (١/ ٤١٣).","vol":"2","page":673},{"text":"وروى عن عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله - ﷺ - في شوال وبني بي في شوال فأي نساء رسول الله كان أحظى عنده مني، وصدقت عائشة: كانت أحظى النساء عند رسول الله - ﷺ - وأحبهن إليه بعد خديجة ﵂، وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنت عمران وآسية امرأت فرعون، وفضل عائشة ﵂ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" هذا حديث صحيح مجمع على صحته، وقد رواه أنس، ومات رسول الله - ﷺ - وهي بنت ثمان عشرة سنة، ونشرت عنه علما كثيرًا لأنه روت عنه - ﷺ - فيما ذكر أصحاب الأعداد ألفين حديثًا ومائتين حديثًا وعشرة أحاديث، أخرجا لها في الصحيحين مائتين حديثًا وسبعة وتسعين حديثًا، اتفقا منها على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا، ومسلم بتسعة وستين، ومنهم من يقول مائتان وخمسة وتسعون، المتفق عليها منها مائة وخمسة وسبعون حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة وخمسين ومسلم كما ذكرنا، قاله الحافظ القاضي ابن العربي في معجم صحابة الصحيحين من تأليفه، وكانت وفاتها بالمدينة سنة سبع وخمسين كما ذكره ابن المديني عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة، قاله خليفة بن خياط، وقد قيل: إنها توفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وأمرت أن تدفن ليلا فدفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان أمير المدينة يومئذ، ونزل في","vol":"2","page":674},{"text":"قبرها خمسة عبد الله وعروة ابنا الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عبد الرحمن بن بن أبي بكر أيضًا، ذكر ذلك الزبير في جماعة من أهل السير والخبر، وكانت تكنى أم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير بأمر رسول الله - ﷺ - لما استأذنته في الكنية فقال لها رسول الله - ﷺ -: اكتني بابنك عبد الله، يعني بابن أختها ولم تلد قط ولا سقطت، هذا هو الصحيح (^١) والله أعلم.\nفائدة فيها بشرى لأمة محمد - ﷺ -: كان رسول الله - ﷺ - يدخل على عائشة والجواري يلعبن عندها فإذا رأينه تفرقن فيسيرهن إليها، وقال لها يومًا وهي تلعب بلعبها: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: خيل سليمان بن داود فضحك وطلب الباب فابتدرته واعتنقته فقال: \"ما لك يا حميراء؟ \" فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ادع الله أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، قالت: فرفع يديه حتى بان بياض إبطيه وقال: \"اللهم اغفر لعائشة بنت أبي بكر ظاهرة وباطنة مغفرة لا يعاد ذنبا ولا تكسب خطيئة ولا إثما\"، وقال - ﷺ -: \"أفرحت يا عائشة؟ \" فقلت: إي والذي بعثك بالحق، فقال: \"أما والذي بعثني بالحق ما خصصتك بها من بين أمتي وإنها لصلاتي لأمتي في الليل والنهار فيمن مضى منهم ومن بقي ومن هو آت إلى يوم القيامة، وأما أدعو لهم والملائكة يؤمنون على دعائي\"، قلت: إن في هذا الأمر من البشارة لأمة محمد - ﷺ - ما يوجب أن\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٢ ترجمة ١١٨١)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ٢٢٧ - ٢٣٦ الترجمة ٧٨٨٥).","vol":"2","page":675},{"text":"يدعو لواضعه في هذا الكتاب بالعفو والمسامحة والأخوة الصالحة، انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (^١).\nقوله: عن عائشة أيضًا، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله - ﷺ -: \"من بنى مسجدا لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتا في الجنة\" الحديث، قال العُلماء مشروط بالإخلاص، فإن بنى بغير إخلاص أو على غير وجه مرضي فلا ثواب له ولا تعبد الله به وإن كان على ظاهر الشرع، حكم عمل المساجد من الاحترام والتعظيم وغير ذلك لأن النيات لا يطلع عليها إلا الله تعالى وكذلك النقط والخيانق والقناطر والمطاهر وكل بناء فإنه مشروط بذلك، قاله في شرح الإلمام.\n\n٤٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن مِمَّا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره أَو ولدا صَالحا تَركه أَو مُصحفا وَرثهُ أَو مَسْجِدا بناه أَو بَيْتا لِابْنِ السَّبِيل بناه أَو نَهرا أجراه أَو صَدَقَة أخرجهَا من مَاله فِي صِحَّته وحياته تلْحقهُ من بعد مَوته\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَإسْنَاد ابْن مَاجَه حسن (^٢) وَالله أعلم.\n_________\n(^١) كنز الدرر (٣/ ١١٠ - ١١١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٤٢)، وابن خزيمة (٢٤٩٠)، والبيهقى في الشعب (٥/ ١٢١ - ١٢٢ رقم ٣١٧٤). وحسنه الألباني في المشكاة (٢٥٤) وصحيح الترغيب (٧٧) و(١١٢) و(٢٧٥).","vol":"2","page":676},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره\" الحديث، تقدم الكلام على هذا الحديث في العلم مبسوطا.\nخاتمة: قال ابن الأثير في النهاية في حديث أبي هريرة: \"إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم\" هو بالفتح الهلاك (^١) انتهى.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٩٨).","vol":"2","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>[الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تخميرها]</span>\n٤٢٤ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَنَّ امْرَأَة سَوْدَاء كَانَت تقم الْمَسْجِد ففقدها رَسُول الله - ﷺ - فَسَأَلَ عَنْهَا بعد أَيَّام فَقيل لَهُ: إِنَّهَا مَاتَت، فَقَالَ: \"فَهَلا آذنتموني؟ \" فَأتى قبرها فصلى عَلَيْهَا، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ، وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ: إِن امْرَأَة كَانَت تلقط الْخرق والعيدان من الْمَسْجِد (^١).\n\n٤٢٥ - وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضًا وَابْن خُزَيْمَة عَن أبي سعيد - ﵁ - قَالَ: كَانَت سَوْدَاء تقم الْمَسْجِد فَتُوُفِّيَتْ لَيْلًا، فَلَمَّا أصبح رَسُول الله - ﷺ - أخبر بهَا فَقَالَ: \"أَلا آذنتموني؟ \" فَخرج بِأَصْحَابِهِ فَوقف على قبرها فَكبر عَلَيْهَا وَالنَّاس خَلفه ودعا لهَا ثمَّ انْصَرف (^٢).\nقوله: \"عن أبي هريرة\"، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها رسول الله - ﷺ - فسأل عنها بعد أيام، فقيل له: إنها ماتت، قال: \"فهلا آذنتموني؟ \"\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٠) و(١٣٣٧)، ومسلم (٧١ - ٩٥٦)، وابن ماجه (١٥٢٧)، وأبو داود (٣٢٠٣)، وابن خزيمة (١٢٩٩ و١٣٠٠)، وابن حبان (٣٠٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٢٨)، وابن حبان (٣٠٨٣) و(٣٠٨٧). وقال الألباني: صحيح لغيره - أحكام الجنائز (ص ١١٤)، الإرواء (٤/ ١٨٤ - ١٨٥)، وصحيح الترغيب (٢٧٧).","vol":"3","page":5},{"text":"فأتى قبرها فصلى عليها\" الحديث. ورواه ابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: \"إن امرأة كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد\"، وروى أبو الشيخ الأصبهاني عن عبيد بن مرزوق قال: كانت امرأة بالمدينة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي - ﷺ - فقال: \"ما هذا القبر؟ \" فقالوا: أم محجن، قال: \"التي كانت تقم المسجد\" قالوا: نعم، فصف الناس فصلى عليها، الحديث (^١).\nوروى الطبراني عن ابن عباس أنه - ﷺ - أمرهم أن يعلموه بموتها فلم يعلموه بذلك كرهوا أن يشقوا عليه (^٢) كما ذكر من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن مسكينة ماتت (^٣) وهذه المسكينة هي المرأة في هذا الحديث، ويحكى أن امرأة كانت تكنس المساجد وكانت تُسمّى مسكينة فرؤيت في المنام فقيل لها: كيف حالك يا مسكينة؟ فقالت: هيهات ذهبت المسكنة (^٤)، وروي عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله - ﷺ - يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلًا فلما أصبح أخبروه فقال: \"ما منعكم أن تعلموني؟ \" قالوا: كان الليل فكرهنا وكانت [ظلمة] فكرهنا أن نشق عليك، فأتى قبرها فصلى عليه،\n_________\n(^١) أخرجه الرويانى (٤٣)، والبيهقى في الكبرى (٤/ ٨٠ رقم: ٧٠٢٠) من حديث بريدة. وحسنه ابن حجر في الفتح (٢/ ٩٩). قلت: فيه محمد بن حميد وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٢١)، وابن ماجه (١٥٣٠)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٩٤ رقم ١٢٥٨٢ و١٢٥٨٣).\n(^٣) أخرجه مالك (٦٠٧) ومن طريقه النسائي في المجتبى ٤/ ٦٦ (١٩٢٣) و٤/ ١١٢ (١٩٨٥) و٤/ ١٢١ (١٩٩٧).\n(^٤) ذكره ابن أبي الدنيا في المنامات (١٤٧)، ومن طريقه الدينورى في المجالسة (٣٥٣٠).","vol":"3","page":6},{"text":"هذا لفظ البخاري، وهذا الحديث متفق عليه (^١)، وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شابًّا ففقدها رسول الله - ﷺ - فسأل عنها أو عنه فقالوا: ماتت وذكر الحديث، إلى أن قال: \"إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها بصلاتي عليها\" وهذا الحديث قد اختلف فيه: هل كانت امرأة أو رجلًا، وقد روي بالشك، وعند ابن ماجه: أن امرأة سوداء، وعنه في طريق آخر ورجل فلعلهما اثنان.\nقوله - ﷺ -: \"فهلا آذنتموني\" إلى آخره، أي: فهل لا أعلمتموني؟ وفي رواية أبي الشيخ: أم محجن؛ والحاصل من الحديث أن من دفن بغير صلاة فإنه يصلى على قبره ولا يخرج ولا يترك بغير صلاة، وفيه سؤاله - ﷺ - عن هذه المسكينة، ففيه تنبيه على أن لا تحتقر مسلم ولا تصغر أمره.\nوفيه: بيان ما كان عليه النبي - ﷺ - من التواضع والرفق بأمته، وحسن تعهده وكرم أخلاقه ورأفته ورحمته والقيام بحقوقهم والاهتمام بمصالحهم في آخرتهم ودنياهم. وفيه: دليل على ما كان عليه النبي - ﷺ - من الخلق الجميل في العفو وأنه أمر أصحابه فلم يفعلوا ما أمرهم به وله معاتبتهم.\nوفيه: دليل لاستحباب الإعلام بالموت وذلك ردًّا على من قال: إذا مت لا تشعروا بي أحدًا [وسلوني] إلى ربي سلًا (^٢)، وقد كان جماعة يكرهون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٤٧)، ومسلم (٦٨ و٦٩ - ٩٥٤) عن ابن عباس.\n(^٢) قاله الربيع بن خثيم كما في الزهد (١٩٩٦) لأحمد بن حنبل، وهو مذهب حذيفة وابن مسعود وعلقمة.","vol":"3","page":7},{"text":"ذلك ورخص فيه آخرون، ودلائل السنة تدل على جواز ذلك والحمد لله، فأما الذين كرهوا ذلك فابن مسعود وأصحابه، واختلف في ذلك عن ابن عمر وإبراهيم وعلقمة، قال إبراهيم: إذا كان من يحمل الجنازة فلا يؤذن أحدًا مخافة أن يقال: ما أكثر من اتبعه (^١)، وقال علقمة بن قيس حين حضرته الوفاة: فإذا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا، يتبعني من يحملني إلى حفرتي، ورخص في الإعلام بالموت جماعة منهم أبو هريرة وغيره، والأصل في الباب قوله - ﷺ -: \"أفلا آذنتموني بها\" ونعى النبي - ﷺ - النجاشي للناس، ونعى النبي - ﷺ - أيضًا أصحاب مؤتة على المنبر رجلًا رجلًا (^٢)، قال أبو عمر: شهود الجنائز أجر وبر وتقوي، والإذن بها تعاون على البر والتقوى وإدخال الأجر على الشاهد والميت (^٣)، وفيه دلالة على مذهب الشافعي والإمام أحمد وإسحاق وسائر أصحاب الحديث وابن وهب وابن عبد الحكم وابن [علي]، قال الإمام أحمد: رويت الصلاة على القبر من ستة وجوهٍ حسان كلها، زاد ابن عبد البر فيها وجهان، وقد فعل ذلك الصحابة مع النبي - ﷺ - وبعده، وعن ابن عباس أن النبي - ﷺ - صلى على قبر بعد شهر، وعنه أنه - ﷺ -\n_________\n(^١) قائل هذا الكلام هو علقمة بن قيس كما في مصنف عبد الرزاق (٦٠٥٤) وأما إبراهيم فقال: \"لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه، إنما كانوا يكرهون أن يطاف به في المجالس، أنعي فلانًا كفعل الجاهلية\" مصنف عبد الرزاق (٦٠٥٦).\n(^٢) التمهيد (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٣) التمهيد (٦/ ٢٥٨).","vol":"3","page":8},{"text":"صلى على قبر بعد ثلاث ليال، رواه الدارقطني، وعن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي - ﷺ - غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر، رواه الترمذي (^١)، وروى الإمام أحمد من حديث ابن أبي مليكة أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق توفي فحمل على الرقاب ستة أميال إلى مكة وكانت عائشة قد قدمت بعد ذلك فقالت: أروني قبر أخي فأروها، فصلت عليه وكان قدومها بعد ذلك بشهور (^٢)، انتهى (^٣).\nوقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا تعاد الصلاة ولا يصلى على القبر وبه قال الثوري والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد، وتأول أصحاب مالك بحيث منعوا الصلاة على القبر بتأويلات لا فائدة في ذكرها لظهور فسادها (^٤)، فمنها: أن ذلك لا يجوز بحيث لم يصل الوالي أو الولي فإن كان كذلك جاز للولي والوالي أن يصلي عليه وهو -﵇-، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٥)، ومنها: أن النبي - ﷺ - كان وعدها أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنِّف ٣/ ٤١ (١١٩٣٢)، والترمذى (١٠٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣٠٨٧)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٠ رقم ٥٣٧٨)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٨٠ رقم ٧٠٢١). قال البيهقى: وكذلك رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، وهو مرسل صحيح. وضعفه الألباني في المشكاة (١٩١٢).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٦٥٣٩)، وابن أبي شيبة في المُصَنِّف ٣/ ٤١ (١١٩٣٩).\n(^٣) انظر: التمهيد (٦/ ٢٥٨ - ٢٧٨).\n(^٤) التمهيد (٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢٥).\n(^٥) سورة الأحزاب، الآية: ٦.","vol":"3","page":9},{"text":"يصلي عليها ووفى بوعده، ومنها: أن ذلك مخصوص بالنبي - ﷺ -، قيل: الأصل فيه التخصيص قال ابن القاسم قلت: لمالك فالحديث الذي جاء أنه - ﷺ - صلى على قبر امرأة، قال: جاء هذا [الحديث] وليس عليه العمل، قلت: عمل من ذكرناه والحمد لله، وإنما أراد عمل عصره، [وقال أبو عمر] من صلى على جنازة قد صلي عليها فقد فعل خيرًا، ولم يأت بما يدلّ على منعه ولا نسخه، وقد أجمع العُلماء أنه لا يصلى على القبور القديمة قاله القرطبي في شرح [الموطأ] (^١)، وفيه [نظر ونقل ابن الصباغ من الشافعية عن مذهبه وجها] بإنه يصلي على القبر أبدًا (^٢)، فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة [إلى اليوم]، وقيل: غير ذلك وهذا كلّه في غير قبر النبي - ﷺ - فلا تجوز الصلاة على قبره - ﷺ - على الأوجه كلها، والحكمة فيه أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [يرفعون] بعد موتهم (^٣)، وقال أبو الوليد النيسابوري: تجوز الصلاة عليه فرادى لا جماعة [والنهي الوارد] في الأحاديث الصحيحة إنما هو عن الجماعة فيها، وكان أبو الوليد يقول: أنا أصلي [اليوم على قبور] الأنبياء والصالحين، وقطع بهذا أبو الطيب والمحاملي ورجحه أبو حامد وغير من أكابر الشافعية (^٤)، انتهي، قاله في شرح الإلمام، وفيه: الحث على\n_________\n(^١) انظر: التمهيد (٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٢) رياض الأفهام (٣/ ٢٠٦).\n(^٣) البيان (٣/ ٧٤).\n(^٤) المجموع (٥/ ٢٤٩).","vol":"3","page":10},{"text":"عيادة المريض وإباحة عيادة المرأة بشرطه، وفيه: أن الصلاة على القبر واقفا يفعل كما يفعل على الجنائز سواء، وفيه: الصف على الجنائز وجواز التكبير عليها أربع تكبيرات (^١)، وسيأتي ما يدعى به للميت وما يقوله في كلّ تكبيرة في بابه إن شاء الله تعالي، وفيه: أن الدفن كان ليلا، وقد جاء النهي أن يقبر الرجل ليلًا، وقد اختلف العُلماء في الدفن بالليل فكرهه الحسن البصري وغيره من السلف فإن اضطر إلى ذلك فلا بأس، وقال جماهير العُلماء من السلف والخلف لا يكره الدفن بالليل واستدلوا بأن أبا بكر الصديق، وجماعة من السلف دفنوا ليلًا من غير إنكار وبحديث المرأة السوداء المذكور في الباب أنه توفيت ليلا فدفنت بالليل، وقال النبي - ﷺ - \"أفلا آذنتموني\" (^٢) والله أعلم.\n\n٤٢٦ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن امْرَأَة كانَت تلقط القذى من الْمَسْجِد فَتُوُفِّيَتْ فَلم يُؤذن النَّبي - ﷺ - بدفنها فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: \"إِذا مَاتَ لكم ميت فآذنوني\" وَصلَّى عَلَيْهَا وَقَالَ إِنِّي رَأَيْتهَا فِي الْجنَّة تلقط القذى من الْمَسْجِد (^٣).\n_________\n(^١) العدة (٢/ ٧٦٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١٤٣ رقم ٨٢٢٠) والكبير (١١/ ٢٣٨ رقم ١١٦٠٧). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الحكم بن أبان إلا فائد بن عمر، تفرد به: الذماري. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٠: رواه الطبراني في الكبير وقال في تراجم النساء: الخرقاء السوداء التي كانت تميط الأذى عن مسجد رسول الله - ﷺ - وذكر بعد هذا الكلام إسنادًا =","vol":"3","page":11},{"text":"٤٢٧ - وروى أَبُو الشَّيْخ الأصْبَهَانِيّ عَن عبيد الله بن مَرْزُوق قَالَ كَانَت امْرَأَة بِالْمَدِينةِ تقم الْمَسْجِد فَمَاتَتْ فَلم يعلم بهَا النَّبِي - ﷺ - فَمر على قبرها فَقَالَ مَا هَذَا الْقَبْر فَقَالُوا قبر أم محجن قَالَ الَّتِي كَانَت تقم الْمَسْجِد قَالُوا نعم فَصف النَّاس فصلى عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ أَي الْعَمَل وجدت أفضل قَالُوا يَا رَسُول الله أتسمع قَالَ مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهَا فَذكر أنَّهَا أَجَابَتْهُ قُم الْمَسْجِد وَهَذَا مُرْسل. (^١)\nقُم الْمَسْجِد: بِالْقَافِ وَتَشْديد الْمِيم هُوَ كَنْسه.\nقوله - ﷺ - في رواية الطبراني: أن امرأة كانت تلقط القذى من المسجد، الحديث، والقذى جمع قذاة وهو ما يقع فى الماء والعين والشراب من تراب أو تبن أو ريح أو غير ذلك (^٢)، ويؤيد ذلك أيضًا ما في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة وغيره أن امرأة كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد (^٣).\n\n٤٢٨ - وَرُوِيَ عَن أبي قرصافة أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يَقُول ابْنُوا الْمَسَاجِد وأخرجوا القمامة مِنْهَا فَمن بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله وَهَذِه الْمَسَاجِد الَّتِي تبنى فِي الطَّرِيق قَالَ نعم وَإِخْرَاج القمامة\n_________\n= عن أنس قال: فذكر الحديث ورجال إسناد أنس رجال الصحيح، وإسناد ابن عباس فيه عبد العزيز بن فائد وهو مجهول وقيل فيه: فائد بن عمر وهو وهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧١٨) وضعيف الترغيب (١٨١).\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في ثواب الأعمال. قال ابن رجب في فتح البارى (٣/ ٣٥٢): وهذا مرسل غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٨٢).\n(^٢) النهاية (٤/ ٣٠).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٣٠٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٦).","vol":"3","page":12},{"text":"مِنْهَا مُهُور الْحور الْعين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nالقمامة بِالضَّمِّ الكناسة وَاسم أبي قرصافة بِكَسْر الْقَاف جندرة بن خيشنة.\nقوله: \"عن أبي قرفاصة\"، واسم أبي قرفاصة بكسر القاف: جندرة بن خيشنة، كذا قاله الحافظ المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"نظفوا المساجد وأخرجوا القمامة منها\" الحديث، القمامة بالضم الكناسة، قاله المنذري، والجمع: قمام، قاله الجوهري (^٢).\n\n٤٢٩ - وَعَن أنس - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"عرضت عَليّ أجور أُمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد، وَعرضت عَليّ ذنُوب أمتِي فَلم أر ذَنبًا أعظم من سُورَة من الْقُرْآن أَو آيَة أوتيها رجل ثمَّ نَسِيَهَا\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة الْمطلب ابن عبد الله بن حنْطَب عَن أنس، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، قَالَ وذاكرت بِهِ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَعْنِي البُخَارِيّ فَلم يعرفهُ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَقَالَ مُحَمَّد: لَا أعرف للمطلب بن عبد الله سَمَاعًا من أحد من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - إِلَّا قَوْله: حَدثنِي من شهد خطْبَة النَّبِي - ﷺ -، وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن يَقُول: لا نَعْرِف للمطلب سَمَاعًا من أحد من أَصْحَاب\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١٩ رقم ٢٥٢١). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩: رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده مجاهيل. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٧٥) وضعيف الترغيب (١٨٣).\n(^٢) الصحاح (٥/ ٢٠٢٥).","vol":"3","page":13},{"text":"النَّبِي - ﷺ -، قَالَ عبد الله: وَأنكر عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَن يكون الْمطلب سمع من أنس (^١). قَالَ الْحَافِظ: عبد الْعَظِيم قَالَ أَبُو زرْعَة: الْمطلب ثِقَة أَرْجُو أَن يكون سمع من عَائِشَة وَمَعَ هَذَا فَفِي إِسْنَاده عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد وَفِي توثيقه خلاف يَأْتِي فِي آخر الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: \"عن أنس\"، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد\" الحديث، الأجور جمع أجر وهو ما جزى الله به العبد في الآخرة في مقابلة الأعمال الصالحات، وتقدم تفسير القذاة في الحديث قبله، ورووه كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال الحافظ: قال أبو زرعة المطلب فقد جاز أن يكون سمع من عائشة، انتهى.\nقال في الديباجة: المطلب بن عبد الله بن حنطب أبو الحكم المدني قال ابن سعد: روى عن أبيه وعمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وأبي رافع وعائشة وأم سلمة، قال ابن سعد: قد كان كثير الحديث لا يحتج به لأنه كان يرسل عن النبي - ﷺ - كثيرًا وليس له لقي، وعامة أصحابه يدلسون وعامة أحاديثه مرسلة، وقال الدَّارقُطْنِي: هو ثقة وكذا قال أبو زرعة فيه كما تقدم من قول المنذري، والده\n_________\n(^١) أخرجه الفاكهى في أخبار مكة (١٢٨٩)، وأبو داود (٤٦١)، والترمذي (٣٢٤٣)، والبزار (٦٢١٩)، وأبو يعلى (٤٢٦٥)، وابن خزيمة (١٢٩٧). وضعفه الألباني في المشكاة (٧٢٠) وضعيف الترغيب (١٨٤ و٨٧٢).","vol":"3","page":14},{"text":"عبد الله بن حنطب فهو صحابي، وقيل: لا صحبة له، وروى له الترمذي، ووقع في رواية عن عبد العزيز بن المطلب عن أبيه عن جدّه عن عبد الله بن حنطب، وذلك وهم وليس عن جدّه عن عبد الله بن حنطب، قال الترمذي: هذا مرسل عبد الله بن حنطب يرسل عن النبي - ﷺ - (^١) انتهى.\nقوله: \"ففي إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد\"، قال النووي: اسم أبي رواد ميمون، وعبد العزيز يكنى أبا عبد الرحمن وهو خراساني، سمع نافعًا وسالمًا وعكرمة، قال ابن معين: هو ثقة صدوق (^٢)، وقال شقيق: ذهبت بصر عبد العزيز عشرين سنة ولم يعلم به أهله ولا ولده فتأمله ابنه [ذات يوم فقال: يا أبت] ذهبت عيناك، قال نعم يا بني، الرضا عن الله أذهب عين أبيك منذ عشرين سنة (^٣)، وقال يوسف بن أسباط: مكث عبد العزيز بن أبي رواد أربعين سنة لم يرفع طرفه إلى السماء، فبينما هو يطوف حول الكعبة إذ طعنه المنصور بإصبعه في خاصرته فالتفت إليه وقال: قد علمت أنها طعنة جبار (^٤)، أسند عبد العزيز عن جماعة من كبار التابعين وهو مولى المهلب بن أبي صفرة الأزدي، أخو عثمان وجبلة والحكم وعباد، وفي اسم أبيه أقوال، قال القطَّان: ثقة لا يترك حديثه لرأي أخطأ فيه وهو\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٨ ترجمة ٥٨١)، وتهذيب الكمال (١٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦ ترجمة ٣٢٣٥) و(٢٨/ ٨١ - ٨٥ الترجمة ٦٠٠٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٨ ترجمة ٣٧٠).\n(^٣) حلية الأولياء (٨/ ١٩١).\n(^٤) حلية الأولياء (٨/ ١٩١).","vol":"3","page":15},{"text":"الإرجاء، وثقه ابن معين وأبو هشام، وقال ابن المبارك: أنه كان يتكلم ودموعه تسيل وكان من أعبد الناس وتوفي بمكة سنة تسع وخمسين ومائة (^١)، قاله في كتاب مختصر مجمع الأحباب.\n\n٤٣٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أخرج أَذَى من الْمَسْجِد بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَفِي إِسْنَاده احْتِمَال للتحسين (^٢).\nقوله: \"عن أبي سعيد الخدري\"، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من أخرج أذى من المسجد\" الحديث، تقدم الكلام على إخراج القمامة من المسجد وغيرها.\n\n٤٣١ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - قَالَ: \"أمرنَا رَسُول الله - ﷺ - أَن نتَّخذ الْمَسَاجِد في دِيَارنَا وأمرنا أَن ننظفها\" رَوَاهُ أَحْمد وأبو داود (^٣) وَقَالَ حَدِيث صَحِيح (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٧ ترجمة ٣٦٨)، وتهذيب الكمال (١٨/ ١٣٦ - ١٤٠ ترجمة ٣٤٤٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٧٥٧). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٩٦: هذا إسناد ضعيف مسلم هو ابن يسار لم يسمع من أبي سعيد الخدري. وقال الألبانى: منكر الضعيفة (٦٥١٨) وضعيف الترغيب (١٨٥).\n(^٣) في الأصل الترمذى.\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ١٧ (٢٠١٨٤)، وأبو داود (٤٥٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٨).","vol":"3","page":16},{"text":"٤٣٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: \"أمرنَا رَسُول الله - ﷺ - بِبِنَاء الْمَسَاجِد فِي الدّور وَأَن تنظف وتطيب\" رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح إِلَيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُسْندًا ومرسلا وَقَالَ فِي الْمُرْسل هَذَا أصح (^٢).\nقوله: عن سمرة بن جندب، كنيته: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله وأبو سليمان وأبو سمرة، جندب بن هلال بن حريج بحاء مفتوحة ثم راء مكسورة ثم مثناة تحت ثم جيم، توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوجها أنصاري وكان في حجره حتى كبر قبل إجازة النبي - ﷺ - يوم أحد، وغزى مع رسول الله - ﷺ - غزوات، سكن البصرة، يروي عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، فانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة أحاديث، توفي بالبصرة سنة تسع وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين، وقال البخاري: توفي سمرة بعد أبي هريرة يقال: آخر سنة تسع وخمسين، ويقال: سنة ست (^٣).\nقوله: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نجمل المساجد في ديارنا، قال ذو النسيبين\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٧٩ (٢٦٣٨٦)، وابن ماجه (٧٥٨ و٧٥٩)، وأبو داود (٤٥٥)، والترمذى (٥٩٤)، وابن خزيمة (١٢٩٤)، وابن حبان (١٦٣٤). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤٨٠)، وصحيح الترغيب (٢٧٩).\n(^٢) أخرجه الترمذى (٥٩٥ و٥٩٦) مرسلًا. قال الترمذى: وهذا أصح من الحديث الأول.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦ ترجمة ٢٣٣).","vol":"3","page":17},{"text":"ابن دحية في كتابه العلم المشهور إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله بكذا ونهانا عن كذا وجب حمله على الوجوب، وحكى عن أبي بكر بن داود إذا قال: لا يحمل على الوجوب حتى ينقل إلينا لفظ الرسول - ﷺ - وما قاله ليس بصحيح لأن معرفة الأمر من غير طريقة اللغة، وإذا كنا نحتج في اللغة والتمييز بين الأمر وغيره بقول امرؤ القيس والنابغة وهما كأقران فبأن يحتج بقول الصحابي أولى لكونهم من أفصح العرب وما يقترن بذلك من ثناء الله عليهم بالفضل والدين والصحبة لسيد المرسلين - ﷺ - (^١) انتهى.\nقوله: \"وأن نتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها\" وفي رواية من حديث سمرة \"أن نصلح صنعها\" وفي حديث عائشة الذي بعده فقالت: أمر رسول الله - ﷺ - ببناء المساجد كما تقدم وأن تنظف وتطيب، الحديث، قال سفيان: الدور هي القبائل والمحال، قال العُلماء: يستحب بناء المساجد وعمارتها واتخاذها في السكك والمحال والدور، ولا يمنع أحد من بناء المساجد إلا أن يقصد به الضرر فيمنع، ففيه الرخصة لمن بعد عن المسجد أن يبني في محلته مسجدا [وإن قدر على] الإتيان من البعد وليس هذا من باب تفريق الجماعات فإن ذلك عند القرب بخلاف [كلمة غير واضحة] المسجد تجد المسجد أو قريبا منه، فإن ذلك يشبه مسجد الضرار وربما يكعون للمباهاة، والافتخار، وإن كان ضيقا استحب توسعته واتخاذ\n_________\n(^١) الإشارة في أصول الفقه (ص ٥٨) للباجي.","vol":"3","page":18},{"text":"مسجدًا آخر (^١)، قال البغوي (^٢): قال عطاء: لما فتح الله تعالى على عمر بن الخطاب الأمصار أمر المسلمين ببناء المساجد وأمرهم أن لا يبنوا في مدينتهم مسجدين يضار أحدهما الآخر، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: أمر النبي - ﷺ - قبائل الأنصار ببناء المساجد فيهم لئلا يشق عليهم الاختلاف إلى مسجده - ﷺ - فيؤدي ذلك إلى إسقاط الجماعة (^٣).\nقوله: \"وأمرنا أن ننظفها\" أو في حديث عائشة: \"وأن تنظف\" ففيه استحباب كنس المساجد وتطهيرها، ويستحب أن لا يمتهن بأكل ما يلوثها ونحو ذلك (^٤).\nوأما الوضوء فيها فقد بوب ابن ابي شيبة في مصنفه على أجره، ونقل فعله عن النبي - ﷺ - وعن جماعة من الصحابة وغيرهم، قال: ولا أعلم أحدًا كرهه (^٥).\nوكره ابن عباس أن يتخذ المسجد مقيلًا ومبيتًا، وقد نقل نوم أهل الصفة فيه وغير ذلك فتحمل كراهته على من كان له مأوى بخلاف الغريب\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٥ و٦٦).\n(^٢) تفسير البغوي (٤/ ٩٥).\n(^٣) عارضة الأحوذى (٣/ ١٢٠).\n(^٤) الاستذكار (٢/ ٤٤٩)، وشرح الصحيح (٢/ ١٠٧)، وإعلام الساج (ص ٣٣٥)، وطرح التثريب (٢/ ٣٨٥).\n(^٥) انظر: المُصَنِّف (١/ ٤١) وقد نقل في كراهته عن ابن سيرين، وانظر: الأوسط (٥/ ١٣٩ - ١٤١)، والمجموع (٢/ ١٧٤) وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٩٢).","vol":"3","page":19},{"text":"ونحوه (^١)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا.\nقوله: \"وتطيب\"، فيه استحباب تجمير المساجد بالبخور ونحوه وهو مطلوب معمول به وكما تنظف من الأشياء الحسية فكذلك المعنوية كاللغط والكذب والأقوال والأفعال المكروهة وكذلك الطيب المعنوي بالقراءة والذكر والصلاة ونحوها (^٢)، والله أعلم.\n\n٤٣٣ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: \"جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ وَرفع أَصْوَاتكُم وَإِقَامَة حُدُودكُمْ وسل سُيُوفكُمْ وَاتَّخذُوا على أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٣) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي أُمَامَة وواثلة (^٤) وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير أَيْضا بِتَقْدِيم وَتَأْخِير من\n_________\n(^١) انظر: الأوسط (٥/ ١٣٧ - ١٣٨)، وشرح السنة (٢/ ٣٧٩)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٩٢).\n(^٢) انظر: التنبيهات المستنبطة (١/ ١٩٠ - ١٩١)، وإعلام الساجد (ص ٣٢٦ و٣٢٨ و٣٣٨).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٧٥٠)، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة المنورة ١/ ٣٥، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٥٧ (١٣٦)، وفي الشاميين (٣٣٨٥). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٩٥: هذا إسناد ضعيف أبو سعيد هو محمد بن سعيد الصَّواب قال أحمد عمدا كان يضع الحديث وقال البخاري تركوه وقال النسائي كذاب قلت والحارث بن نبهان ضعيف. وضعفه الألباني جدًا في ضعيف الترغيب (١٨٦)، الأجوبة النافعة (٥٥)، الإرواء (٧/ ٣٦١).\n(^٤) أخرجه العقيلي (٣/ ٣٤٧)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٣٢ رقم ٧٦٠١) والشاميين (٣٤٣٦)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ١٧٧ رقم ٢٠٢٦٨)، وابن الجوزى في العلل (٦٧٧). قال ابن الجوزى هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -. قال أحمد: بن حنبل =","vol":"3","page":20},{"text":"رِوَايَة مَكْحُول عَن معَاذ وَلم يسمع مِنْهُ. (^١)\nجمروها أَي بخروها وزنا وَمعنى.\nقوله: عن واثلة بن الأسقع، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم\" الحديث، الصبيان بكسر الصاد هي اللغة المشهورة، وحكى ابن دريرد ضمها، قال الجوهري الصبي الغلام والجمع صبية وصبيان، والجارية صبية والجمع الصبايا مثل مطية ومطايا، والصبا أيضًا مر الشوق، فقال منه: تصابا وصبا يصبو صبوة، أي: مال إلى الجهل (^٢).\nقال الشاعر:\nشيئان يعجز ذو الرياضة عنهما ... رأي النساء وإمرة الصبيان\nأما النساء فميلهن إلى الهوى ... وأخو الصبا يجري بغير عنان (^٣)\n_________\n= العلاء ليس بشيء وقال البخاري منكر الحديث وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥ - ٢٦: رواه الطبراني في الكبير وفيه العلاء بن كثير الليثي الشامي وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدًا في ضعيف الترغيب (١٨٧).\n(^١) أخرجه إسحاق كما في اتحاف الخيرة (٢/ ٤١ رقم ٩٩٨) والمطالب (٣٥٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٧٣ رقم ٣٦٩) والشاميين (٣٥٩١). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٦: رواه الطبراني في الكبير، ومكحول لم يسمع من معاذ. وقال ابن حجر: هذا منقطع. قال البيهقي (١٠/ ١٠٣)، وقيل: عن مكحول، عن يحيى بن العلاء، عن معاذ مرفوعًا، وليس بصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٨٨).\n(^٢) الصحاح (٦/ ٢٣٩٨).\n(^٣) ثمار القلوب في المضاف والمنسوب (٣٠٦).","vol":"3","page":21},{"text":"والصبوة الميل إلى الجهل ومنه قولهم لكل شاب صبوة ولكل جواد كبوة ولكل عالم غفلة، وكما قالوا الجواد يكبو والنار تخبو والصارم ينبو، والإنسان محل النسيان (^١) انتهى. قاله في الديباجة.\nقال النووي ﵀: قال جماعة منهم المتولي: يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد من غير حاجة مقصودة لأنه لا يؤمن بتنجيسهم المسجد ولا يحرم ذلك لأنه ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - صلى حاملا أمامة بنت زينب وطاف على بعيره ولا ينفي هذا الكراهة لأنه - ﷺ - فعل ذلك بيانا للجواز أو ليظهر ليقتدى به - ﷺ - فيكون حينئذ أفضل في حقه فإن البيان واجب عليه - ﷺ - (^٢)، ونقل في الروضة في كتاب الشهادات باب العدة أن إدخال الصبيان والمجانين المسجد حرام (^٣) انتهى.\nوأطلق النووي في الروضة المنع من دخول الصبيان والمجانين في المسجد وهو ظاهر في المجانين إذا خيف منهم تلوث أما مع الأمن والتمييز فلا لأن غير المميز كالبهيمة ويحمل على أن لا نمنعه من إدخاله المسجد وإن كان الأولى فيه تنزيه المسجد عمن لا يؤمن منه حدّث.\nفرع: ثياب الصبيان وأبدانهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة فيجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم في المائع إذا غمسوا فيه\n_________\n(^١) مغنى اللبيب (ص ١٣).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٧٦)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٩٢).\n(^٣) روضة الطالبين (١١/ ٢٢٤).","vol":"3","page":22},{"text":"أيديهم ودلائل هذا كلّه من السنة والإجماع مشهورة قاله النووي (^١).\nقوله: وشراؤكم وبيعكم وسيأتي الكلام على البيع والشراء في المسجد قريبا إن شاء الله تعالى.\nقوله: وخصوماتكم ورفع أصواتكم\" يكره اللغط ورفع الصوت في المسجد، ففي مصنف ابن أبي شيبة أن عمر - ﵁ - رجلًا رافعا صوته في المسجد، فقال: \"أتدري أين أنت؟ \" وحكى بن عبد البر في كتاب العلم عن مالك أن سئل عن رفع الصوت في المسجد للعلم فقال لا خير في ذلك العلم ولا في غيره لقد أدركت الناس قديما يعيبون ذلك في مجلسه وأنا أكره ذلك ولا أرى فيه خيرا، قال أبو عمر: وأجاز ذلك قوم منه أبو حنيفة ومسلمة بن مسلمة من المالكية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وإقامة حدودكم\" يكره إقامة الحدود في المسجد الحرام وغيره من المساجد، قال أبو حنيفة يحرم إقامة الحدود في المسجد الحرام على من جنى خارجه ثم التجأ إليه لاحتمال تلوث المسجد بجرح أو حدّث نص عليه الإمام الشافعي في الأم ونقله عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى خالف فيه، فلو فعل ذلك في المسجد وقع الموقع لكن هل يكون حراما ظاهر كلام البغوي والرافعي في باب حد الشرب أنه حرام لأنه ما شبهاه بالصلاة بالأرض المغصوبة يعصي وتجزئ وعليه اقتصر بن الصباغ في باب الأقضية وصرح\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٦٦).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٢٦ - ٣٢٧).","vol":"3","page":23},{"text":"الرافعي في باب الأقضية بأنه مكروه كراهة تنزيه وبه صرح الروياني في البحر، ولعل وجه من حرمه أنه مظنة خروج النجاسة فالتحق بالحائض في تحريم العبور إذا خافت التلويث وعبارة الشافعي في المختصر والأم لإقامة الحدود في المسجد كره قال الروياني فإن كان في إقامته تلويمث المسجد كقطع يده في السرقة ونحوه حرم فعله في المسجد قال ابن المنذر: وروينا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ أنهما أمرا بإخراج من عليه عقوبة من المسجد وهو مذهب عكرمة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والقاضي وابن البلخي وروينا عن الشعبي أنه ضرب يهوديا حدا في المسجد وقال ابن أبي ليلى فيه قول ثالث وهو التسهيل في ضرب الدرة والدرتين في المسجد ومنع إقامة الحدود فيه الأكثرون من أهل العلم على القول الأول ولا يتبين لي أن يأثم من إقامة الحد في المسجد لأني لم أجد الدلالة على ذلك قال الروياني وحكم التعزير حكم الحد في أنه لا يقام في المسجد إلا التعزير بالكلام فلا بأس به في أي موضع كان والله أعلم قاله الزركشي (^١).\nفائدة: يكره اتخاذ المسجد أيضًا مجلسًا للحكم والفصل بين الخصوم ولأن مجلس القاضي معرض لحضور الخصوم وربما كان فيهم الكافر والحائض والجنب وربما ارتفعت أصواتهم وحصل منهم اللغط. في الخصومات وقد نهى النبي ﷺ عن رفع الصوت في المساجد فإن اتخذه مجلسًا للحكم فطريقه ألا يمكن أحدًا من المسجد\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٧١ - ٣٧٢).","vol":"3","page":24},{"text":"الخصوم بل يتركون خارجه لما تجري بينهم من خصومة ونحوها كحلف وصلح وغير ذلك ثم يستدعي المتداعين والشهود ومن دعته الضرورة إلي عنده ويأمرهم بحفظ حرمة المسجد، وقال الإمام مالك لا يكره الجلوس في المسجد للقضاء ولعله محمول على غير أوقات الصلاة فأما أوقات الصلاة فإنه يجوز بشرط أن لا يشوش على الحاضرين والمصلين لأن البقعة مستحبة للصلاة والقراءة ونحوها ونص الشافعي في الأم على كراهة القضاء أيضًا واختلف كلام ابن الصباغ فأجاب في الأقضية بالتحريم وفي باب الحدود بالكراهة وقال الصيدلاني في شرح المختصر: أما إذا اتفق حكم في المسجد فلا بأس إنما المكروه أن يتخذ المسجد لهذا، قال: وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، قال: ويستحب أن يكون مجلس القاضي بقرب المسجد لتؤكد اليمين به والله أعلم قاله ابن العماد في الكتاب الذي ألفه لزوار المساجد (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وسل سيوفكم\" والمعنى في ذلك تأكيد لحرمة المسجد لئلا يروع بها أو يؤذى بها لأن المساجد مملوءة بالخلق ولاسيما أوقات الصلاة (^٢) ويكره أيضًا سل السيوف في المسجد، وأما إقراره ﷺ الحبشة على لعبهم بالحراب والسيوف في المسجد يوم العيد فهو مخصوص بما أقره - ﷺ - من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه والتفنن\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٤٥).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٥٤ - ٣٥٥)، وطرح التثريب (٨/ ١٤٠).","vol":"3","page":25},{"text":"عليه فهو من باب المندوب ويلتحق به ما في معناه من الأسياف المعينة للجهاد وأنواع البر (^١).\nقوله - ﷺ -: \"واتخذوا على أبوابها المطاهر\": يجوز بناء المطاهر بالقرب من المساجد والتوضأ منها (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وجمروها في الجمع\" أي بخروها وزنه ومعناه قاله الحافظ المنذري وقال بعضهم التجمير مأخوذ من جمر النار ولأن الغالب في البخور أن يجعل الجمر في المجمر ويوضع عليه الطيب ما كان من عود أو نحوه ثم يتبخر به فقال المنذري يلي ذلك مجمر ومجمر، ومنه نعيم المجمر كان يلي أجمار مسجد رسول الله - ﷺ - قاله في كتاب المغيث (^٣) وأنكر الإمام مالك تجمير المسجد، واستحب بعض السلف تخليق المساجد بالزعفران والطيب وروي عنه - ﷺ - فعله وقاله الشعبي هو سنة وذكر بن أبي شيبة عن أبي نجيح أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك قاله الزركشي (^٤).\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٥٥).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٨٣).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٣٤٦).\n(^٤) إعلام الساجد (ص ٣٣٨).","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>[الترهيب من البصاق في المسجد وإلى القبلة، الباب إلى آخره]</span>\n٤٣٤ - عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: \"بَيْنَمَا رَسُول الله - ﷺ - يخْطب يَوْمًا إِذْ رأى نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فتغيظ على النَّاس ثمَّ حكها قَالَ: وَأَحْسبهُ قَالَ فَدَعَا بزعفران فلطخه بِهِ وَقَالَ إِن الله ﷿ قبل وَجه أحدكُم إِذا صلى فَلَا يبصق بَين يَدَيْهِ\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٤٣٥ - وروى ابْن مَاجَه عَن الْقَاسِم بن مهْرَان وَهُوَ مَجْهُول عَن أبي رَافع عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - رأى نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فَأقبل على النَّاس فَقَالَ مَا بَال أحدكُم يقوم مُسْتَقْبل ربه فيتنخع أَمَامه أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يسْتَقْبل فيتنخع فِي وَجهه إِذا بَصق أحدكُم فليبصق عَن شِمَاله أَو ليتفل هَكَذَا فِي ثَوْبه ثمَّ أَرَانِي إِسْمَاعِيل يَعْنِي ابْن علية يبصق فِي ثَوْبه ثمَّ يدلكه (^٢).\nقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على فضائله.\nقوله: \"بينا رسول الله - ﷺ - يخطب إذ رأى نخامة في قبلة المسجد\" الحديث، المسجد بكسر الجيم ويقال بفتحها المسجد لموضع السجود.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٦) و(٧٥٣) و(١٢١٣) و(٦١١١)، ومسلم (٥٠ و٥١ - ٥٤٧)، وابن ماجه (٧٦٣)، وأبو داود (٤٧٩)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٩٥ (٧٣٦) والكبرى (٦١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣ - ٥٥٠)، وابن ماجه (١٠٢٢)، والنسائي في المجتبى ١/ ٤٤٤ (٣١٤) والكبرى (٣٦٧).","vol":"3","page":27},{"text":"قوله: \"إذ رأى نخامة في قبلة المسجد\" النخامة بضم النون وبالخاء المعجمة والميم قال ابن الأنباري هي بمعنى النخاعة بالعين وهما بمعنى ما يطرحه الإنسان من فيه من رطوبة صدره أو رأسه وفرق بعضهم بينهما فجعله من الرأس بالميم ومن الصدر بالعين فقال تنخم وتنخع حكاهما في المشارق (^١)، وفي رواية \"رأى مخاطا أو بصاقا في قبلة المسجد\" قال أهل اللغة: المخاط من الأنف والبصاق من الفم (^٢) وفيه ثلاث لغات بالصاد والسين والزاي مشهورة وهم على وزن فعال بضم الفاء والثلاثة بمعنى واحد والمخاط أيضًا بوزنهم قاله الكرماني (^٣).\nقوله: \"في قبلة المسجد\" اختلفت الأحاديث في البصاق الذي وجده النبي - ﷺ - في القبلة هل كان في مسجده - ﷺ - أو في مسجد آخر، فقيل إنه كان في مسجد الأنصار بدليل (^٤) ما رواه مسلم وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد قال: أتينا جابرًا وهو في مسجده فقال: أتانا رسول الله - ﷺ - في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بالعرجون، الحديث (^٥)، وعرجون بن طاب نوع من تمور المدينة قاله عياض (^٦).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٣/ ٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٣٨).\n(^٣) الكواكب الدراري (٣/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٣٨٦).\n(^٥) أخرجه مسلم (٧٤ - ٣٠٠٨)، وأبو داود (٤٨٥).\n(^٦) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٤).","vol":"3","page":28},{"text":"وفيه أن البصاق والمخاط والنخاعة طاهرات وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين إلا ما حكاه الخطابي عن إبراهيم النخعي أنه قال البصاق نجس قال النووي ولا أظنه يصح عنه (^١) فإنه لو لم يكن طاهرا لما أمر بدفنه في المسجد في قوله - ﷺ - \"البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها\" (^٢) ولا بأن يبصقه في ثوبه ويدلكه كما هو مذكور في آخر الحديث في قوله ثم أراني إسماعيل يعني ابن عليه يبصق في ثوبه ثم يدلكه (^٣).\nقوله: \"فتغيظ على الناس\" وفي حديث أبي سعيد الخدري الذي بعده \"ثم أقبل على الناس مغضبا\" كما سيأتي ما يدلّ على تحريم البصاق في القبلة أو في المسجد، وهذا النهي هل هو على التحريم أو التنزيه قال أبو عبد الله القرطبي: هذه الأحاديث تدل على التحريم (^٤) وأطلق جماعة من الشافعية كراهة البصاق في المسجد منهم المحاملي وسليمان الرازي والروياني وأبو العبَّاس الجرجاني وصاحب البيان والكراهة هنا محمولة على التحريم، وجزم النووي في شرح المهذب والتحقيق بتحريمه وكأنه تمسك بقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح \"البصاق في المسجد خطيئة\" (^٥) وحكى القرطبي عن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤١٥) ومسلم (٥٥ و٥٦ - ٥٥٢) عن أنس.\n(^٣) انظر: معالم السنن (١/ ١٤٣)، وطرح التثريب (٢/ ٣٨٥).\n(^٤) المفهم (٥/ ٩٠).\n(^٥) إعلام الساجد (١/ ٣٠٨)، وطرح التثريب (٢/ ٣٨١).","vol":"3","page":29},{"text":"ابن مكي أنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه (^١).\nقوله: فدعا بزعفران فلطخه به وهذا يدلّ على استحباب تزيين المساجد بالصفرة والحمرة وقد قال عطاء لا بأس بكتابة القرآن في قبلة المسجد (^٢)، وعن عثمان - ﵁ - أنه غير مسجد رسول الله - ﷺ - فزاد فيه زيادة كبيرة وزينها بالحجارة المنقوشة والفضة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج لكنه معارض بما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس قال قال رسول الله - ﷺ - \"ما أمرت بتشييد المساجد\"، وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى\" (^٣) وروى البخاري عن عمر أنه أمر ببناء المساجد وقال: أكن الناس [من المطر وإياك] أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا (^٤)، وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي - ﷺ - صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، وفي آخر الحديث قال: \"فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي\" (^٥)، والخميصة كساء مربع له أعلام، وفي الحديث دليل على كراهة ما يلهي قلب المصلي بسببه، فكره\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنِّف ١/ ٣٩٩ (٤٥٨٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٤٨)، وابن حبان (١٦١٥). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤٧٥).\n(^٤) صحيح البخاري (١/ ٩٦ - ٩٧). ووصلهما ابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ٢٣٥) وأسند أثر أنس ولم يسند أثر عمر.\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٧٣) و(٥٨١٧)، ومسلم (٦٢ - ٥٥٦).","vol":"3","page":30},{"text":"وجلان قلبه مما يشاهده ويراه، ومن ذلك الصلاة على الحصر المخططة والثياب التي فيها خطوط وألوان مختلفة كالثياب اليمينية التي تنسخ للصلاة عليها، ولذلك الصلاة على الجدران المزوقة بحمرة أو صفرة، ومذهبنا أنه يكره كتابة القرآن في جدران المسجد وسقفه وفي غير المسجد احتراما للقرآن فإنه يعرضه بالكتابة لوقوع الغبار عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (^١) والمكنون المصون (^٢)، [فتجب صيانته من وقوع الغبار عليه، ولأنه ربما سقط الجدار فوقع بالأرض وتفرَّقت حروفه ولو سقطت ورقة فيها آية مكتوبة أو اسم من أسماء الله تعالى فإن أمكنه صيانتها فى موضع يأمن عليها من الامتهان فعل وإن لم يمكنه حفظها وصيانتها فنقل القمولى فى الجواهر عن الشيخ عز الدين ابن عبد السَّلام إن شاء غسلها وإن شاء حرقها ولا يضعها فى مكان لأنها قد تسقط فتوطأ بالأقدام قال بعض مشايخنا الحرق على قصد صيانة اسم الله تعالى أولى من الغسل لأن الصحابة حرقوا مصاحف كتبت من القرآن ولأن كعب بن مالك ألقى الصحيفة التى جائته من ملك غسان فى التنور وفيها اسم الله قال الحليمى فى المنهاج: ومن تعظيم الله ﷻ وتعظيم رسوله - ﷺ - أن لا يحمل على مصحف القرآن، ولا على جوامع السنن كتاب ولا شيء من متاع البيت ما كان. وإن ينفض الغبار عنه إذا أصابه، وأن لا يمس أحد يده من\n_________\n(^١) سورة الواقعة، الآيتان: ٧٦ - ٧٧.\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٥٠ و٥١).","vol":"3","page":31},{"text":"طعام ولا غيره بورقة فيها ذكر الله أو ذكر رسوله - ﷺ - ولا يمزقها تمزيقًا (^١)، لما فيه من تقطيع الحروف وتفريق الكلم وفى ذلك إزراء بالمكتوب والله أعلم (^٢)] انتهى.\nوفيه: أن البصاق لا تبطل الصلاة وكذا النخع إن لم يبن منه حرفان أو كان مغلوقا عليه والله أعلم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"فإن الله قبل وجه أحدكم\" قبل بفتح القاف وفتح الباء هو الجهة أي: رحمة الله وفضله وإقباله عليه فلا تقابل ذلك بالبصاق المستقذر الذي يحتقر به ويهان من يلقى عليه، وهذا أيضًا على سبيل التشبيه أي كأنه تعالى في مقابل وجهه، وفيه تعظيم جهة القبلة وتحذير من الاستخفاف بحقها، وقد جاء أن الرحمة تواجه المصلي (^٤). وفيه: النهي عن البصاق بين يدي المصلي وعن يمينه، وهذا عام في المسجد وغيره (^٥). وأجمع العُلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها (^٦)، قال ابن عبد البر في التمهيد عند ذكر هذا الحديث: فما أدري أراد العمل القليل نفس البصاق أو أراد ما ورد في حديث\n_________\n(^١) المنهاج (٢/ ١٤٩ - ١٥٠).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٥١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٠).\n(^٤) انظر: التمهيد (١٤/ ١٥٧)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ٣٨)، والمفهم (٥/ ٨٩ - ٩٠)، وطرح التثريب (٢/ ٣٨٢).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٥/ ٣٩).\n(^٦) الاستذكار (٢/ ٢٧٣) والتمهيد (١٤/ ١٥٥)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ١١٤) و(٦/ ٢٠٩).","vol":"3","page":32},{"text":"آخر من كونه يبصق في ثوبه أو أراد أن النبي - ﷺ - حكه من القبلة وهو في الصلاة وهو الظاهر (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ما بال أحدكم يقوم مستقبل القبلة\" أو قال: \"فيتنخع أمامه\" بفتح الهمزة أي: قدامه، لعل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجاة لله، قاله في حديث ابن عمر في أول الباب، فإن الله قبل وجهه إذا صلي، أي: الجهة التي عظمها ولا منافاة بين هذا الحديث، فإن المراد إقبال الله على المصلي قال صاحب المفهم: إنه لما كان المصلي توجه بوجهه وقصده وكليته إلى هذه الجهة نزلها في حقه منزلة وجود الله تعالى فيكون هذا من باب الاستعارة كما قال في الحجر الأسود: \"يمين الله في الأرض\" أي: بمنزلة يمين الله، وقد أول الإمام أحمد بن حنبل هذا الحديث قال الإمام أبو عبد الله القرطبي، وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه أو رحمة ربه (^٢).\nقال النووي: معنى الحديث، فإن الله قبل الجهة التي عظمها، وقيل: فإن قبلة الله وقبلة ثوابه ونحو ذلك [فلا يقابل هذه الجهة] بالبصاق الذي هو الاستخفاف لمن يبزق إليه وتحقيره (^٣)، فإن قلت: ما معنى كون\n_________\n(^١) هذا وهم من المُصَنِّف فهو يشعر أن الكلام السابق لابن عبد البر وإنما هو تعليق ابن العراقى على قول ابن عبد البر: العمل القليل لا يضرها. انظر طرح التثريب (٢/ ٣٨٦).\n(^٢) المفهم (٥/ ٨٩ - ٩٠)، وطرح التثريب (٢/ ٣٨٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ٣٨).","vol":"3","page":33},{"text":"الرب بينه وبين القبلة إذ لا يصح على ظاهره، لأن الله تعالى منزه عن الحلول في المكان تعالى عنه، قلت: معناه: للتشبيه أي كأنه بينه وبين القبلة، قال الخطابي معناها أن توجهه إلى القبلة ينبي بالقصد منه إلى ربه فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته فأمر أن تصان تلك الجهة عن البصاق ونحوه من أثقال البدن (^١) والله أعلم.\nقوله: في رواية ابن ماجه عن القاسم بن مهران وهو مجهول [كذا هو قال وإنما هو القاسم بن مهران القيسي، مولى بني قيس بن ثعلبة، وهو خال هشيم قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن مَعين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح (^٢)].\nقوله: رواه إسماعيل، يعني ابن علية، هو إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية بضم العين وفتح اللام الإمام المشهور قاضي دمشق، كان يقال له ريحانة الفقهاء وسيد المحدّثين، قال الإمام أحمد بن حنبل: له المنتهى في التثبت بالبصرة، قال: وفاتني مالك فأخلف الله عليّ سفيان بن عيينة وفاتني حمَّاد بن زيد فأخلف الله عليّ ابن علية، وقال أبو داود: ما أحد من المحدّثين إلا وقد أخطأ إلا ابن علية وبشر بن الفضل ولا أحفظ للشافعي غلطا وكانت عُليّةَ أمه من الصالحات قرأ عليها صالح المري وغير توفي في سنة ثلاث وتسعين ومائة، روى له الجماعة (^٣) انتهى قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٤/ ٧٠).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٣/ الترجمة ٤٨٢٨).\n(^٣) تهذيب الكمال (٣/ ٢٣ - ٣٣ الترجمة ٤١٧).","vol":"3","page":34},{"text":"٤٣٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِي - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يُعجبهُ العراجين أَن يمْسِكهَا بِيَدِهِ فَدخل الْمَسْجد ذَات يَوْم وَفِي يَده وَاحِد مِنْهَا فَرَأى نخامات فِي قبْلَة الْمَسْجِد فحتهن حَتَّى أنقاهن ثمَّ أقبل على النَّاس مغضبا فَقَالَ أَيُحِبُّ أحدكم أَن يستقبله رجل فيبصق فِي وَجهه إِن أحدكم إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة فَإِنّمَا يسْتَقْبل ربه وَالْملك عَن يَمِينه فَلَا يبصق بَين يَدَيْهِ وَلا عَن يَمِينه الحَدِيث رَوَاهُ ابْن خُزَيمَة فِي صحِيحه (^١).\n\n٤٣٧ - وَفي رِوَايَة لَهُ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ فَإِنَّ الله ﷿ بَين أَيْدِيكُم فِي صَلَاتكُمْ فَلَا توجهوا شَيْئا من الْأَذَى بَين أَيْدِيكُم الحَدِيث وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن خُزَيْمَة بَاب الزّجر عَن تَوْجِيه جَمِيع مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم أَذَى تِلْقَاء الْقبْلَة فِي الصَّلَاة (^٢).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - كان يحب العراجين أن يمسكها بيده، الحديث؛ العراجين: جمع عرجون وهو عود [الكباسة] الذي يتفرق منه الشماريخ إذا يبس واعوج، قاله الأصمعي (^٣).\nقوله: فرأى نخامات في قبلة المسجد، والنخامات جمع نخامة، وتقدم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٠)، وابن خزيمة (٨٨٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٢).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٩٢٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٢).\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ٧٢).","vol":"3","page":35},{"text":"الكلام على النخامة والنخاعة والبزاق في أول الباب في الكلام على الحديث الأول والله أعلم.\nقوله: فحتهن حتى أنقاهن، قال ابن بطال (^١): جاءني في بعض الطرق أنه حتها بعد الصلاة، والحت: حت الورق من الغصن أي إسقاطه وإزالته ثم إن كان ذلك في الصلاة فهو عمل يسير لا يؤثر في الصلاة كما تقدم قريبا، قاله الكرماني (^٢).\nقوله: \"إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه والملك عن يمينه فلا يبصقن بين يديه ولا عن يمينه\" الحديث، وإنما نهى عن البصاق عن اليمين تشريفا لها، وفي رواية البخاري: \"فلا يبصقن أمامه ولا عن يمينه\" فإن عن يمينه ملكا، قال القاضي عياض ﵀: والنهي عن البصاق عن يمينه هو مع إمكان غير اليمين، فإن تعذر غير اليمين بأن يكون عن يساره مصلٍ فله البصاق عن اليمين لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما أمكن (^٣).\nقوله: \"فإن عن يمينه ملكا\" وعلل النهي بذلك، قال صاحب المفهم يقال على هذا إن صح هذا التعليل لزم عليه أن لا يبصق عن يساره، فإن عليه أيضًا ملكًا بدليل قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (^٤) قال: والجواب\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٢/ ٦٩).\n(^٢) الكواكب الدراري (٥/ ١١٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ٣٩).\n(^٤) سورة ق، الآية: ١٧.","vol":"3","page":36},{"text":"بعد تسليم أن على شماله ملكا أن ملك اليمين أعلى وأفضل فاحترم ما لم يحترم به غيره (^١).\nتنبيه: فإن قلت: عن اليسار أيضًا ملك إذ كلّ إنسان يلزمه ملكان كاتب الحسنات على اليمين وكاتب السيئات على الشمال، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾ (^٢).\nقلت: عند الصلاة التي هي أم الحسنات البدنية لا دخل لكاتب السيئات فليس عند المصلي إلا ملك اليمين أو يقال: المراد بهذا الملك غير الكرام الكاتبين (^٣) والله أعلم.\nفائدة: ينبغي أن يستثنى من كراهة البصاق عن اليمين إذا كان في مسجد النبي - ﷺ - مستقبل القبلة فإن بصاقه عن يمينه أولى لأن النبي - ﷺ - عن يساره، وفي الأثر كما روى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت عن معاذ بن جبل قال: ما بزقت عن يميني منذ أسلمت (^٤).\n\n٤٣٨ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: \"أَتَانَا رَسُول الله - ﷺ - فِي مَسْجِدنَا وَفِي يَده عرجون فَرَأى فِي قبْلَة الْمَسْجِد نخامة فَأقبل عَلَيْهَا فحتها بالعرجون ثمَّ قَالَ أَيّكُم يحب أَن يعرض الله عَنهُ إِن أحدكم إِذا قَامَ يُصَلِّي فَإِن الله تَعَالَى\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٩٢).\n(^٢) سورة ق، الآية: ١٧.\n(^٣) الكواكب الدراري (٤/ ٧٤).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٢٤١)، ومغنى المحتاج (١/ ٤٢٣).","vol":"3","page":37},{"text":"قبل وَجهه فَلَا يبصقن قبل وَجهه وَلَا عَن يَمِينه وليبصق عَن يسَاره تَحت رجله الْيُسْرَى فَإِن عجلت بِهِ بادرة فليتفل بِثَوْبِهِ هَكَذَا وَوَضعه على فِيهِ ثمَّ دلكه\" الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره (^١).\nقوله: \"عن جابر بن عبد الله\"، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"أتانا رسول الله - ﷺ - في مسجدنا وفي يده عرجون\"، تقدم الكلام على العرجون وعلى النخامة وعلى بقية ألفاظ الحديث.\nقوله: \"وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى\"، الحديث، وقد ورد في حديث آخر: الإذن في البصاق خلفه، رواه النسائي، وفي حديث جابر ما يثبت أن الترخص في البصاق في المسجد ما هو إذا كان فراش المسجد حصرًا وترابًا أو رملًا دون ما كان رخامًا أو بلاطًا أو بساطا أو حصيرًا، وقد حكاه صاحب المفهم عن بعضهم فقال: وقد سمعت من بعض مشايخنا أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إذا كان في المسجد بسط أو ما له من الحصر مما يفسده البصاق ويقذره فلا يجوز احترامًا للملائكة، قال في شرح الأحكام: قلت: وقد ورد دلكها بالتفل عوضًا عن الدفن فيما رواه مسلم من حديث عبد الله ابن الشخير (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠٠٨) م، وأبو داود (٤٨٥)، وابن حبان (٢٢٦٥). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٠٠)، وصحيح الترغيب (٢٨٣).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٣٨٤).","vol":"3","page":38},{"text":"وقال بعض العلماء: الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما إذا كان في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه (^١).\nقوله: \"فإن عجلت به بادرة\" بالدال المهملة أي غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه فلم يقدر على حبسها فليقل بثوبه هكذا ووضعه على فيه ودلكه.\n\n٤٣٩ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من تفل تجاه الْقبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وتفلته بَين عَيْنَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان في صَحِيحَيْهِمَا (^٢) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي أُمَامَة وَلَفظه قَالَ من بَصق فِي قبْلَة وَلم يوارها جَاءَت يَوْم الْقِيَامَة أحمى مَا تكون حَتَّى تقع بَين عَيْنَيْهِ (^٣)\nتفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوق أَي بَصق بوزنه وَمَعْنَاهُ.\nقوله: عن حذيفة، هو حذيفة بن اليمان، أسلم حذيفة وأبوه وهاجرا إلى رسول الله - ﷺ - وشهدا بدرًا وأحدًا مع رسول الله وقتل أبوه يومئذ قتله المسلمون خطأ فوهب حذيفة لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت، وكان حذيفة صاحب سر رسول الله - ﷺ - في المنافقين يعلمهم وحده، وكان حذيفة كثير السؤال لرسول الله - ﷺ - عن أحاديث الفتن والشر ليجتنبها، وكانت وفاته\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٧٦)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٨٢٤)، وابن خزيمة (٩٢٥) و(١٣١٤) و(١٦٦٣)، وابن حبان (١٦٣٩). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٢)، صحيح الترغيب (٢٨٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٤٥ رقم ٧٩٦٠). وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٩): رواه الطبراني في الكبير وفيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني جدًا في ضعيف الترغيب (١٨٩).","vol":"3","page":39},{"text":"بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: أخبرني رسول الله - ﷺ - عما كان إلى أن تقوم الساعة، وفي صحيح مسلم أيضًا عنه قال: والله إني أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وقال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، وتقدم الكلام أيضًا على مناقبه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من تفل تجاه القبلة\" الحديث، تفل بالتاء المثناة من فوق وفتح اللام وتقدم معناه، قاله المنذري. والتفل نفخ معه أدنى بصاق وهو أكثر من النفث، قاله ابن الأثير (^٢).\nقوله: ورواه الطبراني ولفظه: \"من بصق في قبلة ولم يوارها\" الحديث، بصق بالصاد المهملة والسين، وتقدم أن فيها ثلات لغات وأنكر ابن قتيبة بسق، وقال: قد أول بسق طال وارتفع، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ (^٣) أي طويلات مرتفعات، قال الصيدلاني: وتجري اللغات في كلّ كلمة فيها صاد وقاف نحو صقر وسقر وزفر وكذلك الملصوق (^٤).\nفرع: يجوز البصاق في سائر المدارس والربط لأن حرمتها ليست كحرمة المسجد، ولهذا يجوز للجنب اللبث فيها كدار السكن، وينبغي تحريم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٣ - ١٥٥ الترجمة ١١٤).\n(^٢) النهاية (١/ ١٩٢).\n(^٣) سورة ق: الآية: ١٠.\n(^٤) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٦).","vol":"3","page":40},{"text":"البصاق في قبلتها وكذا في قبلة مصلى العيد ونحو ذلك، ويدل عليه الأخبار السالفة (^١) والله اعلم.\nتتمة: قال ابن بطال: فيه إكرام القبلة وتنزيهها لأن المصلي يناجي ربه فوجب عليه أن يكرم القبلة بما يكرم به المخلوقين إذا ناجاهم واستقبلهم بوجهه بل قبلة الله تعالى أولى بالإكرام، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن يتوجه إلى رب الأرباب وتتنخم في توجهك وقد أعلمنا الله بإقباله على من توجه إليه (^٢) والله أعلم، انتهى.\n\n٤٤٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"يبْعَث صَاحب النخامة فِي الْقبْلَة يَوْم الْقِيَامَة وَهِي فِي وَجهه\" رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَهَذَا لَفظه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\nقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على بعض مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"يبعث صاحب النخامة في القبلة وهي في وجهه\" الحديث، النخامة هي البزقة تخرج من أقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة (^٤)، وذكر رزين العبدري بسنده عن عبيدة بن عمير أن رسول الله - ﷺ - رأى نخامة\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٦).\n(^٢) الكواكب الدراري (٤/ ٧٥).\n(^٣) أخرجه البزار (٥٩٠٤)، وابن خزيمة (١٣١٣)، وابن الأعرابى في المعجم (٢٣٤٥)، وابن حبان (١٦٣٨). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم يروى بهذا اللفظ إلا عن محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر. وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (٢٢٣)، وصحيح الترغيب (٢٨٥).\n(^٤) النهاية (٥/ ٣٤).","vol":"3","page":41},{"text":"في قبلة المسجد فقال: \"من فعل هذا؟ أيسر أحدكم أن تكون كية في وجهه يوم القيامة\" (^١) وفي رواية من حديث عقبة أن النبي - ﷺ - قال: \"وأن المسجد لبيت كل تقي، ومن ابتلع ريقه في المسجد تعظيما له أعقبه الله صحة في جسمه وعافية في بدنه\" (^٢) وذكر أيضًا عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من ازدرد ريقه في المسجد تعظيما لحق المسجد جعل الله ذلك صحة في جسمه وكتب له حسنة ومحا عنه سيئة\" (^٣) فهذه الأحاديث صريحة في تحريم البصاق في المسجد والله أعلم.\n\n٤٤١ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"البصاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة وكفارتها دَفنهَا\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٤).\n\n٤٤٢ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"التفل فِي الْمَسْجِد سَيِّئَة وَدَفنه حَسَنة\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٥).\n_________\n(^١) ذكره ابن العماد في تسهيل المقاصد (لوحة ٢٤)، والمراغى في تحقيق النصرة (لوحة ٦٠). وأخرج الخبر عبد الرزاق في المصنف (١٦٩٠) عن عمرو بن دينار عن رجل من الشام يقال له عبد الله.\n(^٢) المصدران السابقان.\n(^٣) ذكره ابن العماد في تسهيل المقاصد (لوحة ٢٤)، والمراغى في تحقيق النصرة (لوحة ٦١). والخبر أخرجه الفاكهى في أخبار مكة (١٢٧٨) عن الزهرى بلاغًا.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥ و٥٦ - ٥٥٢)، وأبو داود (٤٧٤) و(٤٧٥) و(٤٧٦)، والترمذى (٥٧٢)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٩٥ (٧٣٥) والكبرى (٨٩٠).\n(^٥) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٠ (٢٢٢٤٣)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (١٤٧١)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٤١ رقم ٨٠٩١) و(٨/ ٢٨٥ رقم ٨٠٩٤). وقال الهيثمي في المجمع =","vol":"3","page":42},{"text":"قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها\" الحديث، والخطيئة: الإثم والكفارة التكفير الخطايا أي تسترها ونحوها.\nواعلم أن البصق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إلى البصاق أو لم يحتج بل يبصق في ثوبه فيحرم البصاق في المسجد كما جزم به النووي في التحقيق وشرح المهذب (^١).\nقوله - ﷺ -: \"البصاق في المسجد خطيئة\" وكذا قال الصيمري: البصاق في المسجد معصية، كذا قال الروياني والجرجاني والمحاملي وسليم الرازي وغيرهم بالكراهة، الكراهة محمول على التحريم (^٢) كما تقدم، فمن بصق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة، وهذا هو الصواب أن البصاق في المسجد خطيئة كما صرح به رسول الله - ﷺ - قاله العلماء.\nوأما قوله - ﷺ -: \"وكفارتها\" فمعناه: إن ارتكب هذه الخطيئة [٢١٨] فعليه تكفيرها كما أن الزنا وشرب الخمر وقتل الصيد في الإحرام محرمات وخطايا وإذا ارتكبها فعليه عقوبتها (^٣)، فالتكفير هو فعل ما يجب بالحنث\n_________\n= (٢/ ١٨): رواه أحمد والطبراني في الكبير، إلا أنه قال: خطيئة وكفارتها دفنها، ورجال أحمد موثقون. وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٨٧).\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٠٨).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٠٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤١).","vol":"3","page":43},{"text":"والاسم منه الكفارة والخطيئة هي فعله ولك أن تشدد الياء ومعناها الإثم كما تقدم (^١)، قال ابن بطال وإنما كان البصاق في المسجد خطيئة لنهيه - ﷺ - عنها ومن فعل ما نهي عنه فقد أتى بالخطيئة ثم إنه - ﷺ - علم أنه لا يكاد يسلم من ذلك أحد فعرف أمته - ﷺ - كفارة تلك الخطيئة (^٢).\nواختلف العلماء في المراد بدفنها فقال الجمهور يدفنها بتراب المسجد ورمله وحصائه إن كان فيه شيء من ذلك وإلا فيخرجها ولو مسحها بيده أو خرقة كان أفضل ولو كانت أرضا صلبة فليخرجها أو يمسحها بخرقة أو نحوها، وحكى الروياني من أصحابنا قولا أن المراد إخراجها من المسجد مطلقا، ولعله لاحظ خلاف بعضهم في نجاسة البصاق كما تقدم نقله بعضهم وقد حكاه ابن أبي شيبة عن سلمان الفارسي (^٣).\nفرع: لا يجوز دلك البصاق بنعل فيه نجاسة أو قذر يلوث المسجد قطعا وهذا ما يتساهل فيه بعض الناس فيجتنب (^٤)، وفي الحديث تنزيه المساجد عن النجاسات والمستقذرات ويكره تلويث المسجد بالأكل فيه ورمي العظم فيه (^٥) ويستحب تطييبه بالبخور ونحوه وإزالة ما يقع فيه مما نهي عنه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٤/ ٧٤).\n(^٢) شرح الصحيح (٢/ ٦٩ - ٧٠).\n(^٣) إعلام الساجد (ص ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٤) المجموع (٤/ ١٠١).\n(^٥) انظر: الاستذكار (٢/ ٤٤٩)، والمنتقى (٣/ ٤٧١)، وطرح التثريب (٢/ ١٤٠).","vol":"3","page":44},{"text":"ولطخ مكانه بعبير ونحوه ولو خارقًا كما فعله - ﷺ - لما حكه من القبلة، وأما في التراب فكفارته دفنه، ومن رأى من يبصق في المسجد لزمه الإنكار ومنعه منه إن قدر ومن رأى بصاقا أو نحوه في المسجد فالسنة أن يزيله بدفنه أو إخراجه (^١) والله أعلم.\nفائدة: حكى أبو العباس القرطبي عن بعضهم أنه قال: إنما يكون البصاق في المسجد خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه لأنه يقذر المسجد ويتأذى به من تعلق به فأما من اضطر إلى ذلك ففعل ودفنه فلم يأت خطيئة ولهذا سماها كفارة فالتكفير التغطية فكأن دفنها غطى ما يكون عليه ممن الإثم، قال أبو العباس: ويدل على صحة هذا التأويل حديث أبي ذر: \"وجدت في مساوئ أعمالها النخامة في المسجد لا تدفن\" (^٢) بأن تدلك ويضعها غير مدفونة (^٣).\nقال القفال في فتاويه: وقد ذكر حديث \"النخامة في المسجد خطيئة\" هذا الخبر محمول على ما كان نزل من الرأس أما إذا كان من صدره نجسا فلا يجوز دفنه في المسجد انتهى قاله الزركشي الشافعي (^٤)، قال العلماء: أما البصاق في غير المسجد وغير الصلاة عن اليمين وقبالة المسجد فلا تكره\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ١٠١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٧ - ٥٥٣)، وابن ماجه (٣٦٨٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٦٧).\n(^٣) إعلام الساجد (ص ٣٠٩).\n(^٤) إعلام الساجد (ص ٣٠٩).","vol":"3","page":45},{"text":"مطلقا حملا لمطلق الروايات على مقيدها، ويحتمل أن يقال إنما يحمل المطلق على المقيد في الأمر لا في النهي قاله الكمال الدميري (^١).\nوفي أمره - ﷺ - بدفن النخامة في المسجد دليل على تنظيف المسجد وتنزيهه عما يستقذر وهو كذلك ويعضد ذلك أيضا ما روي عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد، لا تدفن\".\nفهذه النخامة من مساوئ الأعمال فكيف بأعظم من ذلك أذى المسلم باليد واللسان وهتك العرض وانتهاك الحرمات، فيستحب لمن رأى نخامة في المسجد أن يدفنها أو يخرجها، فقد روى النسائي أن رسول الله - ﷺ - رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما أحسن هذا\" ولا خلاف أنه يحرم البصاق في المسجد بغير حاجة وأن من بصق في المسجد استهانة به كفر وكذلك لو بصق على القرآن بقصد الاستهانة كفر قاله ابن العماد في شرح العمدة (^٢).\nفائدة أخرى في قوله - ﷺ -: \"البصاق في المسجد خطيئة\" الحديث، فإن قيل فحديث الصحيحين لا يدل على التحريم لأنه لا يلزم من الكفارة حصول\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٢).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٦).","vol":"3","page":46},{"text":"الإثم فقد تكون الكفارة عن غيره كقتل الخطأ وقتل الصيد في الحرم خطأ والإحرام فقد يكون عن عمل لا إثم فيه ككفارة الحنث بالحلف بالله تعالى ومن قال لزوجته أو أمته أنت علي حرام يريد بذلك تحريم عينها فإن الكفارة تجب ولا إثم على قائله بل في الحديث دليل على الجواز لأنه لو كان معصية لم يكفر بالدين وحده بل بالتوبة والجواب أن التوبة عن كل ذنب معلوم وجوبه فيكون معنى قوله - ﷺ - وكفارتها دفنها أي مع التوبة أو أن ذلك شرطا من شروط التوبة بدليل تسميتها خطيئة وسيئة ولأنها جناية منه فاشترط لصحة التوبة إزالتها كما لا تصح التوبة من الغاصب والسارق إلا برد المغصوب والمسروق قاله أيضًا في شرح العمدة (^١).\n\n٤٤٣ - وَعَن أبي سهلة السَّائِب بن خَلاد من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - أَن رجلا أم قومًا فبصق فِي الْقبْلَة وَرَسُول الله - ﷺ - ينظر فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - حِين فرغ: \"لا يُصَلِّي لكم هَذَا فَأَرَادَ بعد ذَلِك أَن يُصَلِّي لَهُم فمنعوه وَأَخْبرُوهُ بقول رَسُول الله - ﷺ - فَذكر ذَلِك لرَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ نعم وحسبت أَنه قَالَ إِنَّك آذيت الله وَرَسُوله\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: عن أبي سهلة السائب بن خلاد من أصحاب النبي - ﷺ -، هو: أبو سهلة السائب بن خلاد [بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرؤ\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٥ و٢٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٥٦ (١٦٥٦١)، وأبو داود (٤٨١)، وابن حبان (١٦٣٦). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٥٠١) وصححه في صحيح الترغيب (٢٨٨).","vol":"3","page":47},{"text":"القيس بن عمرو بن امرؤ القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث الأنصاري، الخزرجي، وأمه ليلى بنت عبادة من بني ساعدة، والد خلاد بن السائب، له صحبة قال أبو عبيد: شهد بدرا، وولي اليمن لمعاوية، وله أحاديث. روى عنه ابنه خلاد (^١)].\nقوله: أن رجلا أم قوما فبصق في القبلة ورسول الله - ﷺ - ينظر، الحديث، قال العلماء إذا كان الإمام يرتكب المكروهات في الصلاة كره الاقتداء به لحديث أبي سهلة هذا، وينبغي للناظر وولي الأمر عزله إذ أن النبي - ﷺ - عزله بسبب بصاقه في قبلة المسجد وكذلك يكره الإقتداء به، والموسوس لأنه يشك في أفعال نفسه كما نقله أبو الفتوح العجلي (^٢)، ومن المكروهات أيضًا السدل في الصلاة [وهو إرسال الثوب إلى السراويل] حتى تصيب الأرض، ويحرم على قصد الخلاء ولا يكره السدل حتى لمن طلب بالزيادة الستر ويكره أيضًا أن يصلي الرجل وهو متلثم لأنه - ﷺ - رأى رجلا كذلك فقال [اكشف وجهك واللحية] فإنها من الوجه، أورده في الحاوي (^٣)، ويكره للمرأة أيضًا أن تصلي وهي منتقبة (^٤) ذكره ابن العماد في كتابه. وتحريم البصاق في المسجد لأنه - ﷺ - سماها خطيئة وسيئة، وقد قال لفاعله: \"إنك [آذيت الله ورسوله] وعزله عن\n_________\n(^١) الاستيعاب (٢/ ترجمة ٨٩٠)، وأسد الغابة (٢/ ترجمة ١٩٠٩)، والإصابة (٣/ ترجمة ٣٠٢٩).\n(^٢) القول التمام (ص ١١٥ - ١١٦)، وتسهيل المقاصد (لوحة ٩٣).\n(^٣) الحاوى (٢/ ١٩٢).\n(^٤) المجموع (٣/ ١٧٩).","vol":"3","page":48},{"text":"ولاية الإمامة حين رأى ذلك والنبي - ﷺ - كان لا يغضب إلا أن تنتهك حرمات الله كما صرح البغوي بتحريم نضح المسجد بالماء المستعمل فتحريم البصاق أولى، وقال جماعة من الأصحاب لفظ الكراهة على البصاق في المسجد ولعل مرادهم كراهة التحريم للفعلين الأولين للتعبير عن التحريم بالكراهة، قال الصيدلاني في شرح المختصر: كانوا يتحرزون عن قولهم حرام تأدبا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (^١)، وقد سمى الله تعالى الحرام مكروهًا قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (^٢) قاله ابن العماد (^٣).\n\n٤٤٤ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ أَمر رَسُول الله - ﷺ - رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظّهْر فتفل فِي الْقبْلَة وَهُوَ يُصَلِّي للنَّاس فَلَمَّا كَانَت صَلَاة الْعَصْر أرسل إِلَى آخر فأشفق الرجل الأول فجَاء إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله أأنزل فِي شَيْء قَالَ لا وَلَكِنَّك تفلت بَين يَديك وَأَنت قَائِم تؤم النَّاس فآذيت الله وَالْمَلَائِكَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد (^٤).\nقوله: \"عن ابن عمر\"، تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ١١٦.\n(^٢) سورة الإسراء: الآية: ٣٨.\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٤ و٢٥).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٤/ ٨٠ - ٨١ رقم ١٤٦٨٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٠): \"رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات\". وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٩).","vol":"3","page":49},{"text":"قوله: أمر رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلي بالناس الظهر فتفل في القبلة، الحديث؛ تفل معناه بصق، وتقدم الكلام على البصاق وأن فيه ثلاث لغات.\nقوله: فلما كانت صلاة العصر أرسل إلى آخر فأشفق الرجل الأول، الإشفاق هو الخوف.\n\n٤٤٥ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"إِن العَبْد إِذا قَامَ فِي الصَّلَاة فتحت لَهُ الْجنان وكشفت لَهُ الْحجب بَينه وَبَين ربه واستقبله الْحور الْعين مَا لم يمتخط أَو يتنخع\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده نظر (^١).\nقوله: عن أبي أمامة هو الباهلي، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إن العبد إذا قام في الصلاة فتحت له الجنان وكشفت له الحجب بينه وبين ربه واستقبله الحور العين ما لم يتمخط أو يتنخع\" سيأتي الكلام على فتح أبواب الجنان في ذكر الجنة وعلى كشف الحجب بين العبد وبين ربه وعلى الحور العين إن شاء الله تعالى، وتقدم الكلام على المخاط أنه من الأنف، قاله أهل اللغة، والتنخع والنخاعة وهي البزقة التي تخرج من أصل الفم مما يلي أصل النخاع (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٠ رقم ٧٩٨٠). وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٩ - ٢٠): رواه الطبراني في الكبير من طريق طريف بن الصلت عن الحجاج بن عبد الله بن هرم ولم أجد من ترجمهما. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٠)، والضعيفة (٦٧١٩) وقال: منكر.\n(^٢) النهاية (٥/ ٣٣).","vol":"3","page":50},{"text":"٤٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من سمع رجلًا ينشد ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فَلْيقل لَا ردهَا الله عَلَيْك فَإِن الْمَسَاجِد لم تبن لهَذَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَغَيرهم (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك\" الحديث، أي: يرفع صوته في المسجد، قال أهل اللغة: يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها، ورواية هذا الحديث ينشد ضالة بفتح الياء وضم الشين (^٢)، وسمي ناشدا لها لرفع صوته بالطلب (^٣)، والضالة لما ذهب عنه ولم يجده (^٤)، وإنما نهي عن إنشاد الضالة في المسجد لما فيه من التشويش على المصلين والإقبال على الدنيا في موضع الآخرة وله مندوحة عن ذلك بأن يقف على بابه والشوارع والأسواق والمحافل، وأما المساجد فلا لما يتعلق لذكر الله وما يتعلق بأمور الآخرة وليست من أسواق الدنيا ولا بأس بالشيء الخفيف من ذلك كتفريق الصدقة وقسمة مال الغنيمة كما وضع -﵇- في مسجده المال الذي جاء من الغزو وقسمه فيه، ولا ينشد فيه الضالة إجماعًا (^٥)، قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٩ - ٥٦٨)، وابن ماجه (٧٦٧)، وأبو داود (٤٧٣)، والترمذى (١٣٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٥٤).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٦٧).\n(^٤) مطالع الأنوار (٤/ ٣٣٨).\n(^٥) انظر: عارضة الأحوذى (٣/ ١٧ - ١٩).","vol":"3","page":51},{"text":"قوله: وإنشاد الشعر أي: رفع الصوت به، وقيل: معنى نشدتك الله أي سألتك بالله برفع نشيدتي أي صوتي (^١)، والضالة أيضا الحيوان يضل بنفسه (^٢) واللقطة ما سواه من الأموال كالدراهم والدنانير ونحوها، وقد تطلق اللقطة على الضالة مجازا، والفرق بين اللقطة والمال الضائع معروف (^٣)، تعرف اللقطة عند أبواب المساجد حال خروج الناس من الصلاة ولا تُعرف داخلها لكن صحح الماوردي والشافعي ذلك في المسجد الحرام (^٤)، ولعل ذلك مخصوص بأيام الحج، وينبغي استثناء مسجد منى في أيام العشر ومسجد المدينة وبيت المسجد في أيام زيارتهما (^٥) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فليقل له لا ردها الله عليك\" دعاء عليه، وذهب بعض أهل العلم إلى إيجاب الدعاء عليه، وأوجب الأئمة الظاهرية بما ورد وعندنا لا يجب بل يستحب للأمر به وكأنه يستحق ذلك بعد أن علم، وهذا فيمن لم يقدر على أن يسكته أو يخرجه من المسجد وهو عالم بالنهي وإلا فالنهي والإحرام متعين أو مستحب، ولمن يقول بالكراهة أنه لا يفعل ذلك لعموم تحريمه بل يزجره بأي شيء كان والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٢٣٤).\n(^٢) الحاوى (٨/ ٤)، والمجموع (١٥/ ٢٥٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٦/ ٨).\n(^٤) النجم الوهاج (٦/ ٢٩).\n(^٥) النجم الوهاج (٦/ ٢٩).","vol":"3","page":52},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فإن المساجد لم تبن لهذا\" أشار - ﷺ - للضالة، ويدخل في هذا كل أمر لم يبن المسجد له من معاملات الناس واقتضاء حقوقهم وغيره، وفي الحديث النهي عن نشد الضالة في المسجد وكراهة رفع الصوت فيه (^١).\n\n٤٤٧ - وَعنهُ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ من يَبِيع أَو يبْتَاع فِي الْمَسْجِد فَقولُوا لَا أربح الله تجارتك وَإِذا رَأَيْتُمْ من ينشد ضَالَّة فَقولُوا لَا ردهَا الله عَلَيْك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ بالشطر الأول (^٢).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد\" الحديث يبتاع معناه: يشتري، قد كره بعض الشافعية البيع والشراء في المسجد وحرمه الظاهرية وظاهر الحديث يقتضي التحريم فينبغي أن لا يمسك ضالة في المسجد ولا\n_________\n(^١) انظر: معالم السنن (١/ ١٤٣).\n(^٢) أخرجه الدارمى (١٤٤١)، والترمذى (١٣٢١)، والبزار (٨٢٦٠)، والنسائى في اليوم والليلة (١٧٦) والكبرى (١٠١١٤)، وابن خزيمة (١٣٠٥)، وابن حبان (١٦٥٠)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٩٧ رقم ٢٦٠٥)، والحاكم ٢/ ٥٦. قال الترمذى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب. قال البزار: وهذا الحديث لو ثبت، عن أبي هريرة ما كان يحفظ له، عن أبي هريرة طريقا غير هذا الطريق. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في المشكاة (٧٣٣)، والإرواء (١٢٩٥)، وصحيح الترغيب (٢٩١).","vol":"3","page":53},{"text":"يبيع ولا يشتري ولا يؤجر ولا يستأجر، ويلتحق بالبيع والشراء ما في معناه من العقود، وللشافعي قول إنه لا يكره فيه البيع ولا الشراء، ورخص للمعتكف البيع والشراء في المسجد من غير إحضار السلعة فيه للحاجة، وذكر صاحب البيان المسألة في كتاب الاعتكاف، وحكى فيه قولين عن حكاية ابن الصباغ فإن يكون محتاجا إلى شراء قوته وما لابد منه لم يكره، وإن كان أكثر من ذلك لم يبطل اعتكافه قاله الزركشي (^١)، وذهبت الحنفية إلى أن المراد بالحديث أن يتخذ المسجد سوقا، وظاهر الحديث يأبي ذلك، وقال ابن خزيمة في صحيحه: لو لم يكن البيع منعقد لم يكن لقول النبي - ﷺ - \"لا أربح الله تجارتك\" معنىً (^٢)، وقال الطحاوي ﵀: هذا إذا غلب عليه كالمستغرق، أما الفعل القليل منه فلا بأس به، وينبغي اجتنابه، وقد قال الرافعي في كتاب الشهادات، قال صاحب العمدة: من الصغائر البيع والشراء في المسجد، قال في الروضة في [زوائد الروضة في آخر كتاب الجمعة:] البيع في المسجد مكروه يوم الجمعة وغيره على الأظهر، ومنها: الجلوس للبيع والشراء للتجارة وهو ممنوع منه إذ حرمة المسجد تأبي اتخاذه حانوتًا (^٣).\nقوله: \"فقولوا لا أربح الله تجارتك\" تقدم الكلام على أن المراد بذلك الدعاء عليه وأن بعض العلماء ذهب إلى إيجاب الدعاء عليه كما تقدم.\n_________\n(^١) إعلام الساجد (١/ ٣٢٥).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (١/ ٦٤٢).\n(^٣) إعلام الساجد (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"3","page":54},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وإذا رأيتم من ينشد ضالة، فقولوا لا رد الله عليك\" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\nفائدة في رد الضالة: روي عن ابن عمر أنه قال: من ضلت ضالته يصلي ركعتين ثم يقول بعد الفراغ من التشهد: اللهم يا هادي الضالة ويا راد الضالة اردد علي ضالتي بعزك وسلطانك فإنه من فضلك وعطائك (^١)، انتهى.\n\n٤٤٨ - وَعَن بُرَيْدَة - ﵁ - أَن رجلًا نَشد فِي الْمَسْجِد فَقَالَ من دَعَا إِلَى الْجمل الْأَحْمَر فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا وجدت إِنَّمَا بنيت الْمَسَاجِد لما بنيت لَهُ رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢).\nقوله: عن [بريدة هو ابن الحصيب وتقدم ترجمته].\nقوله: أن رجلًا نشد في المسجد فقال: من دعا لي الجمل الأحمر، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا وجدت\" الحديث، قوله: من دعا لي الجمل الأحمر، هو بإسكان الياء من (إلي) يريد من وجده فدعا إليه لا أنه نهى أن تنشد الضالة في\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص ١٤٢ - ١٤٣). أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٤٣ رقم ٤٦٢٦) والصغير (١/ ٣٩٤ رقم ٦٦٠) والكبير (١٢/ ٣٤٠ رقم ١٣٢٨٩)، والبيهقى في الدعوات (٥٥٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عجلان إلا ابن عيينة، تفرد به: عبد الرحمن بن يعقوب، ولا يروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. قال البيهقي هذا موقوف، وهو حسن. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٣٣: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبد الرحمن يعقوب بن أبي عباد المكي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٠ و٨١ - ٥٦٩)، وابن ماجه (٧٦٥)، والنسائى في اليوم والليلة (١٧٤) والكبرى (١٠١١٢)، وابن خزيمة (١٣٠١)، وابن حبان (١٦٥٢).","vol":"3","page":55},{"text":"المسجد قاله في النهاية (^١)، وظاهر كلام الشيخين وابن الرفعة أن إنشاد الضالة في المسجد حرام، وقد نقول فيه الكراهة كما جزم به في شرح المهذب في آخر باب [الجناية] وحكى الماوردي الاتفاق على تحريمه (^٢).\nقوله: \"لا وجدت\" قال - ﷺ -: ذلك له حيث طلب ضالته في المسجد وطلب الضالة فيه ورفع الصوت بغير الذكر مكروه، وقوله - ﷺ -: \"إن يقال له مثل هذا فهو عقوبة له على مخالفته وعصيانه\" فينبغي للسامع أن يقول له: لا وجدت فإن المساجد لم تبن لهذا أو يقول: لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له كما قال: رسول الله - ﷺ -\" (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"لما بنيت له\" معناه لذكر الله تعالى والقرآن والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها فليكن ذلك فعل الداخل فيه قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (^٤) الآية، قال القاضي عياض: فيه دليل على منع عمل الصنائع في المسجد كالخياطة وشبهها كما تقدم قال ومنع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد قال وقال بعض مشايخنا إنما تمنع المساجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب به فلا يتخذ المسجد متجرًا، أما الصنائع التي يشمل نفعها\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٢١).\n(^٢) النجم الوهاج (٦/ ٢٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ٥٥ - ٥٦).\n(^٤) سورة النور، الآية: ٣٦.","vol":"3","page":56},{"text":"المسلمون في دينهم كالمثاقفة وإصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان فيه للمسجد في عمله فلا بأس، وحى بعضهم خلافا في تعليم الصبيان فيها (^١) والله أعلم.\nتتمة: تتعلق بما نحن فيه أو من ضاع له شيء أو يجمع الله بينه وبين إنسان: عن جعفر الخلدي قال: ودعت أبا الحسن المزين الصغير فقلت له: زودني شيئًا فقال لي: إذا ضاع منك شيء أو أردت أن يجمع الله ﷿ بين وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد اجمع بيني وبين كذا فإن الله ﷿ يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان، قال: فما دعوت بها في شيء إلا استجيب لي، توفي الشيخ أبو الحسن بمكة سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، انتهى، قاله في حياة الحيوان (^٢).\n\n٤٤٩ - وَعَن ابْن سِيرِين - ﵁ - أَو غَيره قَالَ سمع ابْن مَسْعُود رجلا ينشد ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فأسكته وانتهره وَقَالَ قد نهينَا عَن هَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن سِيرِين لم يسمع من ابْن مَسْعُود وَتقدم حَدِيث وَاثِلَة فِي الْبَاب قبله جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ وشراءكم وَبَيْعكُمْ الحَدِيث (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٥٥).\n(^٢) صفة الصفوة (١/ ٤٤٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٦ رقم ٩٢٦٨). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥: رواه الطبراني في الكبير، وابن سيرين لم يسمع من ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩١).","vol":"3","page":57},{"text":"٤٥٠ - وَعَن مولى لأبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ: بَينا أَنا مَعَ أبي سعيد وَهُوَ مَعَ رَسُول الله - ﷺ - إِذْ دَخَلنَا الْمَسْجِد فَإِذا رجل جَالس فِي وسط الْمَسْجِد مُحْتَبِيًا مشبكا أَصَابِعه بَعْضهَا فِي بعض فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله - ﷺ - فَلم يفْطن الرجل لإشارة رَسُول الله - ﷺ - فَالْتَفت إِلَى أبي سعيد فَقَالَ إِذا كَانَ أحدكُم فِي الْمَسْجِد فَلَا يشبكن فَإِن التشبيك من الشَّيْطَان وَإِن أحدكُم لا يزَال فِي صَلَاة مَا كَانَ فِي الْمَسْجِد حَتَّى يخرج مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).\n\n٤٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كَانَ فِي الصَّلَاة حَتَّى يرجع فَلَا يقل هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَفِيمَا قَالَه نظر (^٢).\n\n٤٥٢ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِذا تَوَضَّأ أحدكُم ثمَّ خرج عَامِدًا إِلَى الصَّلَاة فَلَا يشبكن بَين يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاة رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ من رِوَايَة سعيد المَقْبُري عَن رجل عَن كَعْب بن عجْرَة وَابْن مَاجَه من رِوَايَة سعيد المَقْبُري\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤١٩) (٤٨٢٤)، وأحمد (٣/ ٤٢) (١١٣٨٥) و(٣/ ٥٤) (١١٥١٢). وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥): رواه أحمد وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٤٣٩) و(٤٤٦) و(٤٤٧)، والحاكم (١/ ٢٠٦). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٩٤) وصحيح الترغيب (٢٩٣).","vol":"3","page":58},{"text":"أَيْضا عَن كَعْب وَأسْقط الرجل الْمُبْهم (^١).\n\n٤٥٣ - وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد - ﵁ - قَالَ: دخل عَليّ رَسُول الله - ﷺ - فِي الْمَسْجِد وَقد شبكت بَين أَصَابع فَقَالَ لي يَا كَعْب إِذا كنت فِي الْمَسْجِد فَلَا تشبكن بَين أصابعك فَأَنت فِي صَلَاة مَا انتظرت الصَّلَاة\" وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذِه (^٢).\nقوله: عن مولى لأبي سعيد الخدري قال: بينا أنا مع أبي سعيد الخدري وهو مع رسول الله - ﷺ - إذ دخلنا المسجد فإذا رجل جالس وسط المسجد محتبيًا مشبكًا أصابعه بعضها في بعض، الحديث، هذا الرجل المشبك أصابعه هو أبو ثمامة الحناط ويقال القماح، ووسط فيه لغتان الإسكان والتحريك، وقيل: ما صلح فيه بين سكن وما لا حرك، وأما الوسط بمعنى الخيار فيحرك لا غير والله أعلم، وقال بعضهم أيضًا الوسط بفتح السين قال أهل اللغة: كل ما كان يبين بعضه من بعض كوسط الصف [والقلادة والسبحة وحلقة الناس ونحو ذلك فهو وسط بالإسكان] وما كان مصمتا لا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٤١) (١٨١٠٣) و(٤/ ٢٤٢) (١٨١١٤) و(١٨١١٥)، وابن ماجه (٩٦٧)، وأبو داود (٥٦٢)، والترمذى (٣٨٦). وقال الترمذى: حديث كعب بن عجرة رواه غير واحد، عن ابن عجلان مثل حديث الليث، وروى شريك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - نحو هذا الحديث، وحديث شريك غير محفوظ. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٧١) وصحيح الترغيب (٢٩٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٤٣ (١٨١٣٠)، وابن حبان (٢١٤٩) و(٢١٥٠). وقال الألبانى: حسن صحيح - الصحيحة (١٢٩٤)، صحيح الترغيب (٢٩٤).","vol":"3","page":59},{"text":"يبين بعضه من بعض كالدار والسباخة والرأس فهو سوط بفتح السين، قال الأزهري والجوهري وغيرهما: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح (^١)، انتهى.\nوقوله: محتبيا، الاحتباء بالمد وهو أن يقعد الإنسان على أليتيه ويعتمد بهما ويحتوي عليهما بثوب آخر أو نحوه أو ببدنه، وهذا القعدة يقال لها الحبوة بضم الحاء وكسرها وكان هذا الاحتباء عادة العرب في مجالسهم فنهي عنه إذا أدى إلى انكشاف العورة بأنه يكون عليه ثوب واحد قصير، فإذا قعد على هذه الهيئة انكشفت عورته ولو كان عليه ثياب كثيرة وكلها قصيرة بحيث تنكشف عورته إذا جلس هكذا كان حرامًا أيضًا (^٢)، ومنه حديث \"الاحتباء حيطان العرب\"، أي: ليس في البوادي حيطان فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا لأن الثوب يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار، ويقال: احتبى يحتبي احتباء والجمع حُبا وحِبا، ومنه أيضًا أنه نهي عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، وإنما نهي عنه لأن الاحتباء يجلب النوم فلا يسمع الخطبة ويعرض طهارته للانتقاض، قاله في النهاية (^٣) والله أعلم.\nفائدة: ومن هيئات القعود القرفصاء: وهو بضم القاف وسكون الراء وفتح الفاء أو ضمها وبالمهملة ممدودًا أو مقصورًا ضرب من القعود، وإذا قلت\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٨٠) وشرح النووي على مسلم (٨/ ١٢٣)، وكفاية النبيه (٤/ ٥٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٧٦ - ٧٧).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، والنهاية (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦).","vol":"3","page":60},{"text":"قعد فلان القرفصاء فكأنَّك قلت: قعد قعودا مخصوصا وهو أن يجلس على أليَتيه ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه فيضمهما على ساقيه (^١) والله أعلم.\nقوله: مشبكًا أصابعه بعضها في بعض، قال الخطابي ﵀: وردنا آثار مرسلة وغير مرسلة في النهي عن تشبيك الأصابع منها: هذا الحديث، ومنها: حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة والحاكم، ومنها: حديث كعب بن عجرة الذي رواه الإمام وغيرهما (^٢)، وهو: كعب بن عجرة، وعجرة بضم العين وإسكان الجيم وكعب بن عجرة كان حليفا للأنصار، وتأخر إسلامه وشهد بيعة الرضوان وغيرها، روي له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين وانفرد مسلم بآخر، روى عنه: ابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاصي وطارق بن شهاب وأبو وائل وابن أبي ليلى وبنوه إسحاق وهبد الملك ومحمد والربيع أولاد كعب وزيد بن وهب والشعبي وغيرهم، سكن الكوفة وتوفي بالمدينة سنة إحدى وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين وله سبع وسبعون سنة، وقيل: خمس وسبعون (^٣)، قاله في الديباجة، والشعبي المذكور فيمن روى عن كعب ابن عجرة، بفتح الشين، اسمه: عامر بن شراحيل، وقيل: ابن شرحبيل، والأول هو المشهور منسوب إلى شطب بطن من همدان، ولد بست سنين\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ١٠٥١).\n(^٢) قائل هذا الكلام ابن بطال كما في شرح الصحيح (٢/ ١٢٥).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٨ الترجمة ٥٢٧)، وتهذيب الكمال (٢٤/ ١٧٩ - ١٨٢ الترجمة ٤٩٧٥).","vol":"3","page":61},{"text":"خلت من خلافة عمر بن الخطاب، وكان الشعبي إماما عظيما جليلا جامعا للتفسير والحديث والفقه والمغازي والعبادة (^١).\nقوله: في حديث كعب، رواه الترمذي من حديث سعيد المقبري عن رجل، قال النووي: يقال [لكل واحد] من الابن والأب المقبري، وإن كان الأصل هو الأب، واسم أبي سعيد [كيسان] والمقبري بضم الباء وفتحها منسوب إلى مقبرة بمدينة رسول الله - ﷺ - كان مجاورا لها، وقيل: كان منزله عند المقابر، وقيل: جعله عمر على حفر القبور، ويحتمل أنه اجتمع فيه الأمران، والمقبري صفة لأبي سعيد (^٢)، وسيأتي الكلام عليه أيضا مبسوطا.\nقال الخطابي ﵀: تشبيك اليد هو إدخال الأصابع بعضهما في بعض والإمساك بها (^٣)، وقيل: كره ذلك كما كره عقص الشعر واشتمال الصماء، والاحتباء وقد فعله بعض الناس عبثا وبعضهم يفعله ليفرقع أصابعه، وقيل: إنما كره لأنه إذا احتبى [بيديه يريد] الاستراحة وشبك بين أصابعه ربما غلبه النوم فتنتقض طهارته فنهي عن ذلك لئلا تنتقض طهارته، فقيل: لمن تطهر وخرج إلى المسجد متوجها إلى الصلاة لا تشبك بين أصابعك لأن جميع ما ذكرنا من هذه الوجوه على اختلاف أنواعها لا يلائم شيء منها الصلاة (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٤/ ٢٨ - ٤٠ الترجمة ٣٠٤٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٦٩) والكواكب الدراري (١/ ١٦١).\n(^٣) شرح السنة (٣/ ٢٩٤).\n(^٤) شرح السنة (٣/ ٢٩٤).","vol":"3","page":62},{"text":"وقسم بعض المتأخرين التشبيك إلى أقسام، أحدها: إذا كان الإنسان في الصلاة ولا شك في كراهته، وثانيها: إذا كان في المسجد يباشر الصلاة أو هو عامد إلى المسجد يريدها بعد ما تطهر، فالظاهر كراهته لحديث كعب هذا، وثالثها: أن يكون في المسجد بعد فراغه من الصلاة وليس يريد صلاة ولا ينتظرها فلا يكره لحديث ذي اليدين الذي رواه البخاري وغيره أن النبي - ﷺ - شبك بين أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة عن ركعتين وشبك في غيره لأن الكراهة إنما في حق الصلاة وقاصد الصلاة، وهذا كان منه - ﷺ - بعدها، رابعها: في غير المسجد فهو أولى بالإباحة وعدم الكراهة (^١)، وقال الإمام مالك: إنهم ينكرون التشبيك في المسجد وما به بأس وإنما يكره في الصلاة، وقال الكرماني: فتفيد أنه كان إذا كان التشبيك لغرض صحيح جاز بخلاف العبث (^٢).\nتنبيه: وتأوله بعضهم أن يشبك اليد كناية عن ملابسة الخصومات والخوض فيها، واحتج بقوله ﵊ حين ذكر الفتن فشبك بين أصابعه وقال بيده فكانوا هكذا (^٣) انتهى.\n\n٤٥٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ خِصَال لَا ينبغين فِي الْمَسْجِد لا يتَّخذ طَرِيقا وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح وَلا ينبض فِيهِ بقوس\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٣٤ - ٣٣٥).\n(^٢) الكواكب الدراري (٤/ ١٤١ - ١٤٢).\n(^٣) غريب الحديث (١/ ٥٩٢)، والمجموع المغيث (٢/ ١٧٢)، والنهاية (٢/ ٤٤١).","vol":"3","page":63},{"text":"وَلا ينثر فِيهِ نبل وَلَا يمر فِيهِ بِلَحْم نيء وَلا يضْرب فِيهِ حد وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد وَلَا يتَّخذ سوقا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١) وروى مِنْهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢) وَلا تَتَّخِذُوا الْمَسَاجِد طرقا إِلَّا لذكر أَو صَلَاة وَإسْنَاد الطَّبَرَانِيّ لا بَأْس بِهِ. قَوْله وَلَا ينبض فِيهِ بقوس يُقَال أنبض الْقوس بالضاد الْمُعْجَمَة إِذا حرك وترها لترن نيء بِكَسْر النُّون وهمزة بعد الْيَاء ممدودا هُوَ الَّذِي لم يطْبخ وَقيل لم ينضج.\nقوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه في أول الكتاب.\nقوله - ﷺ -: \"خصال لا ينبغين في المسجد: لا يتخذ طريقا، ولا يشهر فيه سلاح\" الحديث، المرور في المسجد واتخاذه طريقا من غير صلاة قلة احترام للمسجد (^٣)، وقد روي عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - نهي أن تتخذ المساجد طرقا أو تقام فيها الحدود أو تنشد فيها الأشعار، أورده عبد الحق في الأحكام (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٤٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣١٠)، وابن عدى (٤/ ١٥٤). قال ابن عدى: ولزيد بن جبيرة غير ما ذكرت من الحديث وليس بالكثير وعامة ما يرويه عمن روى عنهم لا يتابعه عليه أحد. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٤٩٧) وضعيف الترغيب (١٩٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٤ رقم ٣١) والكبير (١٢/ ٣١٤ رقم ١٣٢١٩). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سالم إلا أبو قبيل المعافري واسمه: حيي بن هانئ، ولا عن أبي قبيل إلا علي بن حوشب. تفرد به: يحيى بن صالح. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٠١) وصحيح الترغيب (٢٩٥).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٥).\n(^٤) الأحكام الوسطى (١/ ٢٩٧) وقال: وفرات هذا منكر الحديث ضعيفه.","vol":"3","page":64},{"text":"قوله: \"ولا يشهر فيه سلاح\" يستحب لمن دخل المسجد ومعه سلاح أن يمسك حده كنصل السيف وسنان الرمح ونحوه لحديث جابر - ﵁ - أن رجلا مر بسهامه في المسجد فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أمسك بنصالها\" (^١) وكذلك أمر رسول الله من يمر في السوق أن يفعل ذلك مخافة أن يصيب أحدا، رواه البيهقي، والأولى أن لا يدخل المسجد بسلاح من غير حاجة، ولأن في حمل السلاح من غير حاجة تضييقا على المصلين (^٢).\nقوله: \"ولا ينبض فيه بقوس\" يقال: أنبض القوس الصياد إذا حرك وترها لترن قاله المنذري.\nقوله: \"ولا يمر فيه بلحم نيء\" والنيء بكسر الهمزة بعد الياء ممدودا هو الذي لم يطبخ، وقيل: لم ينضج قاله المنذري.\nقال بعض العلماء: فيحرم على الإنسان أن يدخل معه المسجد لحم نيء إذ خشي التلويث (^٣) والله أعلم.\nقوله: \"ولا يضرب فيه حد\" ولا يقتص فيه من أحد، فقد أوردنا النهي عن إقامة الحدود في المسجد مبسوطًا، قال عمر: فمن لزمه حد أخرجاه من المسجد، ويذكر عن علي نحوه، قال معاذ بن جبل - ﵁ -: إن المساجد\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٧٨). والحديث أخرجه البخاري (٤٤٢) و(٧٠٧٣) و(٧٠٧٤)، ومسلم (١٢٠ و١٢١ و١٢٢ - ٢٦١٤) عن جابر.\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٤).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ١٥).","vol":"3","page":65},{"text":"طهرت من خمس: من أن يقام فيها الحدود، أو يقتص فيها، أو ينشد فيها الأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقًا (^١)، ولم ير بعض العلماء في القضاء في المسجد بأسًا لأن النبي - ﷺ - لاعن بين العجلاني وبين امرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي - ﷺ - (^٢)، وقد ذكر شيء من ذلك في الباب قبله في حديث: \"جنبوا مساجدكم صبيانكم\" الحديث.\nفرع: قال العلماء: لا بأس بإغلاق المسجد في غير أوقات الصلاة صيانة وحفظًا لها خلافًا لأبي حنيفة فإنه منع من إغلاقها بحال قاله الدميري في شرح الكفاية (^٣) ونقله في الروضة عنه وأقره، وفي بعض كتب الحنفية: يكره غلق المسجد لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (^٤) وخولف في ذلك فقيل: كان هذا في زمان السلف، فأما في زماننا فقد كثرت فيه الخيانات فلا بأس بإغلاقها على متاع المسجد، وتحرزا على بيوت الجيران من المسجد، انتهى قاله الزركشي.\nفائدة في السؤال في المسجد: قال أبو مطيع البلخي: لا يحل لرجل أن يعطي سؤال المسجد، قال: والمختار أنه إذا كان السائل لا يتخطى رقاب\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤١٣).\n(^٢) شرح السنة (٢/ ٣٧٦).\n(^٣) وقاله في تسهيل المقاصد (لوحة ٤٤) نقلًا عن الصيمرى كما في البيان (٢/ ١١٤)، والمجموع (٢/ ١٧٨).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١١٤.","vol":"3","page":66},{"text":"الناس ولا يفرض يمين المصلي ولا يسأل الناس إلحافًا فلا بأس بالسؤال والإعطاء لأن السُّؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله - ﷺ - في المسجد حتى يروى أن عليًّا - ﵁ - تصدق بخاتمه وهو في الركوع فمدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (^١)، وإن كان يتخطى رقاب الناس ويمر بين يدي المصلي وغيره يكره إعطاؤه لأنه إعانة له على أذى الناس حتى قيل [هذا فلس] واحد يحتاج إلى سبعين عليه كفارته هذا في كتاب الكسب لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قاله الزركشي (^٢).\nوقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين: يكره السؤال في المسجد وكذلك تخطى رقاب الناس أو يتخطاهم من يحيي له الناس لم يجز ذلك فيجب على كل قادر إنكار ذلك منهم، وقد يضم السؤال إلى ذلك القراءة على عدم الصحة وذكر الأحاديث الموضوعة والآثار المكذوبة والقصص الباطلة فيتأكد وجوب الإنكار ويعظم الإثم في السكوت لأن المسجد يمتنع عنه هذا الفعل إنتهاء لا إيهاما والعوام أن ذلك جائز [فيكون سببا] منه لتجري غيره على مثل فعله وسببا لعطاء العوام أو ترغيبهم له في ذلك [الفعل]، وقد قال بعض الحنفية: لو تصدق بأربعين فلسا خارج المسجد لم يكن ذلك كفارة [لذلك الفلس] الذي أعطاه للسائل في المسجد حكاه ظهير الدين في فتاويه، فإن كان المعطي ممن يعظم أو يتوهم الناس من عطائه أن ذلك جائز عظم\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٥٥.\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٥٣ - ٣٥٤).","vol":"3","page":67},{"text":"الإثم في عطائه بمساعدته له وترغيبه له بالسكوت مع ما ترتب عليه من إثم السكوت عن الإنكار عليه والله أعلم (^١).\n\n٤٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ أَبُو بدر أرَاهُ رَفعه إِلَى النَّبِي - ﷺ - قَالَ \"إِن الْحَصَاة تناشد الَّذِي يُخرجهَا من الْمَسْجِد\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد وَقد سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَذكر أَنه رُوِيَ مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة وَقَالَ رَفعه وهم من أبي بدر (^٢) وَالله أعلم.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إن الحصاة تناشد الذي يخرجها من المسجد\" الحديث، قال الجوهري: الحصاة واحدة الحصى والجمع حصيات مثل تمرة وتمرات، وحصاة المسك [قطعة صلبة توجد في فأرته]، وفلان ذو حصاة أي ذو عقل ولب (^٣)، قال النووي ﵀: [لا يجوز] أخذ شيء من أجزاء المسجد\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٣٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٦٠)، والعقيلى (٢/ ١٨٤). وقال الدارقطني في العلل (١٥٠٥): اختلف فيه على أبي صالح، فرواه أبو حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، بالشك في رفعه، قاله أبو بدر، عن شريك، عن أبي حصين، ورواه إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن كعب قوله. واختلف عن الأعمش؛ فرواه أبن فضيل، وأبو حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا. ورواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، ولم يجاوز به ورفعه، وهم من أبي بدر. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٤).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٥٢١).","vol":"3","page":68},{"text":"كحجر وحصاة وتراب وغيره لهذا الحديث (^١) ولأنه يفرش المسجد، قال الزركشي: ومثله الزيت والشمع، وقال ابن عباس لنفيع: ردها وإلا خاصمتك يوم القيامة، ورواه ابن أبي شيبة (^٢).\nقال بعض العلماء: يجوز أخذ الحصى من الحصر وأخذه من المسجد إن كان جزءا منه، وللمسجد موضع، وفي شرح المهذب: الجزم بتحريم أخذ الحصى من المسجد لهذا الحديث (^٣)، وقد صحح النووي: أنه لا يجوز التيمم بتراب المسجد وقال: إن الشافعي ﵀ كره للمحرم أخذ الحجر من ثلاثة مواضع من الحش ومن المسجد والمرمي أما المسجد فلأنه فرشه ويكره تعطيل فرش المسجد وأما الحش فلأن أحجاره نجسة، ويكره الرمي بالنجس والحش بضم الحاء المهملة وكسرها هو المرحاض، وأصله في اللغة [البستان] وأما المرمي فلأن ما بقي من الحجارة منها مردود غير مقبول (^٤).\nقوله: وقد سئل [الدارقطنى] عن هذا الحديث فذكر أنه روي موقوفا على أبي هريرة، تقدم الكلام على فضائله ومناقبه، وتقدم الكلام أيضًا على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٧٩).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٤٠ - ٣٤١).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٧٩).\n(^٤) كفاية النبيه في شرح التنبيه (٧/ ٤٥١).","vol":"3","page":69},{"text":"٤٥٦ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - سَيكون فِي آخر الزَّمَان قوم يكون حَدِيثهمْ فِي مَسَاجِدهمْ لَيْسَ لله فيهم حَاجَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي حديثهم في مساجدهم فليس لله فيهم حاجة\" وفي حديث آخر قال رسول الله - ﷺ -: \"يأتي آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد ويقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا فلا تقعدوا معهم ولا تخالطوهم ولا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة\" قال العلماء: يكره للإنسان أن يقعد في المسجد ويخوض في الحديث المباح وحديث الدنيا ونحو ذلك وكذلك رفع الصوت واللغط فيه لحديث على بن أبى طالب - ﵁ - المطول: \"إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء وعد منها: إذا رفعوا الأصوات في المساجد\" (^٢) وسيأتي هذا الحديث في أواخر هذا التعليق والكلام عليه مبسوطًا، قال العلماء أيضًا: جلوس الناس في المسجد لحديث الدنيا بدعة إذ المساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة وانتشار العلم ونحو ذلك، وعلى هذا كان يجتمع السلف الصالح في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد (٢٨٤)، وابن حبان (٦٧٦١)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩٨ رقم ١٠٤٥٢). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بزيع أبو الخليل ونسب إلى الوضع. وحسنه الألباني في الصحيحة (١١٦٣) وصحيح الترغيب (٢٩٦).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ١٠).","vol":"3","page":70},{"text":"المساجد لأنها تذكر الآخرة، وحديث رسول الله - ﷺ - وذكر الله تعالى لا يتحدثون فيها عن الدنيا (^١)، وقد ورد الخبر عن النبي - ﷺ - أن مسجدا ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله تعالى لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا (^٢)، وقد ورد أن الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش أو النار الحطب (^٣)، قال الكمال الدميري: هذا الحديث [باطل من الأحاديث] المشهورة، وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه ﷿ [فما حقه أن يقول إلا] خيرًا (^٤).\nفائدة تتعلق بذكر النوم في المسجد: قال شيخ الإسلام النووي: يجوز النوم في المسجد كما نص عليه الشافعي في الأم، قال ابن المنذر في الإشراف [رخص في] النوم في المسجد ابن المسيب وعطاء والشافعي، وقال ابن عباس: لا تتخذوه مرقدًا، وروي عنه - ﵁ -[إن كنت تنام] فيه للصلاة فلا بأس كما تقدم عنه، وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن كان مسافرًا [أو شبهه] فلا بأس وإن اتخذه مبيتا مقيلًا فلا، وهذا قول إسحاق وهذا ما حكاه ابن المنذر واحتج من يجوزه بنوم علي بن أبي طالب وابن عمر وأهل الصفة والمرأة صاحبة الوشاح وثمامة بن أثال وصفوان بن أمية وغيرهم\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٣٩).\n(^٢) تفسير القرطبى (١٢/ ٢٧٨).\n(^٣) قال العراقى في تخريج الإحياء (ص ١٨٠): لم أقف له على أصل.\n(^٤) تسهيل المقاصد (لوحة ١٠).","vol":"3","page":71},{"text":"أحاديثهم في الصحيحين مشهورة (^١). ويجوز أن يمكن الكافر من دخول المسجد بإذن المسلمين ويمنع من دخوله بغير إذن (^٢).\nخاتمة تتعلق بالمسجد: [عارية حصر] المسجد وقناديله في الولائم والأفراح ونحو ذلك لا يجوز بل لا يجوز أن يعاروا لمسجد آخر فكيف وفي الغالب لا ترجع الحصر إلا وقد تقطع بعضها إن سلمت من التنجيس حتى لقد أخبرني من أثق بهم أنهم يأخذون البسط الموقوفة على الصخرة والمسجد فارغ فيفترشها النظار في بيوتهم ويتعاطون عليها ما لا يجوز ثم بعد تنجيسها يردونها إلى المسجد، والحاصل أنهم يأخذون أحسن منها يردونها في الصيف ويأخذون غيرها في الشتاء حتى لا يكاد يسلم شيء من البسط من تنجيسهم له وامتهانهم إياه ويأتي المصلون فيصلون عليها ولا يشعرون بتنجيسها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قاله ابن النحاس في تنبيه الغافلين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد صنف أيضا كتابا مستقلا في الجهاد نحوا من أذكار النووي أو الرياض وقد قتل ﵀ شهيدًا ودفن بثغر دمياط قال ذلك بعض الأصحاب أنه شاهد دفنه وهو مقتول ودفن بجوار مزار لبعض الصالحين وقبره مشهور ورؤي له منامات حسنة تدل على صلاحه أعاد الله على سائر المسلمين من بركاته آمين (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٧٣).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ١٣).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٧٣٩).","vol":"3","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>[الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظهر وما جاء في فضلها]</span>\n٤٥٧ - عَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه خمْسا وَعشْرين دَرَجَة وَذَلِكَ أَنه إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة لا يُخرجهُ إِلَا الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إِلَا رفعت لَهُ بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة فَإِذا صلى لم تزل الْمَلَاِئكَة تصلي عَلَيْهِ مَادَامَ فِي مُصَلَّاهُ اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارحمه وَلا يزَال فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة\"، وَفِي رِوَايَة: \"اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ مَا لم يؤذ فِيهِ مَا لم يحدث فِيهِ\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه بِاخْتِصَار (^١)، وَمَالك فِي الْمُوَطَّأ وَلَفظه من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج عَامِدًا إِلَى الصَّلَاة فَإِنَّهُ فِي صَلَاة مَا كانَ يعمد إِلَى الصَّلَاة وَإنَّهُ يكْتب لَهُ بِإِحْدَى خطوتيه حَسَنَة ويمحى عَنهُ بِالْأُخْرَى سَيِّئَة فَإِذا سمع أحدكُم الإِقَامَة فَلَا يسع فَإِن أعظمكم أجرا أبعدكم دَارا قَالُوا لم يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ من أجل كَثْرَة الخطا (^٢).\n\n٤٥٨ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من حِين يخرج أحدكم من منزله إِلَى مَسْجِدي فَرجل تكْتب لَهُ حَسَنَة وَرجل تحط عَنهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٧) و(٦٤٨) و(٢١١٩) و(٤٧١٧)، ومسلم (٢٤٦ و٢٤٧ و٢٤٨ - ٦٤٩)، وابن ماجه (٧٨٦ و٧٨٧)، وأبو داود (٥٥٩)، والترمذى (٢١٦).\n(^٢) أخرجه مالك (٦٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٧).","vol":"3","page":73},{"text":"سَيِّئَة حَتَّى يرجع وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم بِنَحْوِ ابْن حبَان وَلَيْسَ عِنْدهمَا حَتَّى يرجع وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم (^١) وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد كانَ فِي صَلَاة حَتَّى يرجع الحَدِيث.\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسا وعشرين درجة\" المراد به صلاته في بيته وسوقه منفردا وهذا هو الصواب (^٢).\nففيه دليل على جواز الصلاة فى السوق لكن مع الكراهة لأنها تشغل قلب المصلي من شرور الناس ونحوه، وكذلك تكره الصلاة مستقبل إنسان.\nوفيه دليل على أن الجماعة ليست فرضًا لأنه أثبت لها فضلًا في السوق والبيت، وفيه دليل أيضا على أن إقامة الصلاة في المسجد أفضل من إقامتها في السوق والبيت والحديث أن الصلاة في المسجد تفضل على الصلاة في البيت بخمس وعشرين درجة ما لو صلى منفردًا أورده عبد الحق في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٣) (٧٨٠١) و(٢/ ٣١٩) (٨٢٥٧) و(٢/ ٤٣٢) (٩٥٧٥) و(٢/ ٤٧٨) (١٠٢٠٣)، وعبد بن حميد (١٤٥٩)، والنسائى في المجتبى (٢/ ١٨٣) (٧١٧) والكبرى (٨٧٢)، وابن حبان (١٦٢٢)، والحاكم (١/ ٢١٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٦٥).","vol":"3","page":74},{"text":"الأحكام (^١) والمعنى فيه شرف البقعة ولو كان المسجد مع الجماعة بخروجه إلى المسجد فينبغي أن لا يفوت على نفسه الصلاة في المسجد والمشي إليه واذا رجع صلى بمن لم يمكنه الخروج إلى المسجد من الزوجة وغيرها قاله المحاملي أما النساء فصلاتهن في البيوت أفضل كما سيأتي ذلك في بابه واستحب جماعتهن في البيوت وقد كانت عائشة ﵂ تؤم النسوة وكذلك أم سلمة وكان لعائشة ﵂ عبد يصلي بها في المنزل قاله في شرح العمدة.\nفصلاة الرجل في جماعة أفضل من صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة وفي رواية بخمس وعشرين جزءا وفي رواية بسبع وعشرين درجة أنه أراد بالدرجة الجزء وبالجزء الدرجة وقيل الدرجة غير الجزء وهذه غفلة من قائله وفي الصحيحين سبعا وعشرين درجة وخمسا وعشرين درجة فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة والجمع بينهما من ثلاثة أوجه أحدها أنه لا منافاة بين الروايتين، فذكر القليل لا ينفي الكثير ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين، والثاني: أن يكون الخبر أولا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى زيادة الفضل فأخبر بها، الثالث: أن يختلف باختلاف المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس\n_________\n(^١) أورده في الأحكام الكبرى (٤/ ١٤٩) ولفظه: فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٨٧]. والحديث أخرجه البخاري (٤٤٠٢) و(٤٧١٧) عن أبي هريرة.","vol":"3","page":75},{"text":"وعشرون درجة ولبعضهم سبع وعشرون درجة بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها وخشوعها وكثرة جماعاتها وفضلهم وشرف البقعة فهذه الأجوبة المعتمدة واحتج أصحاب الشافعي والجمهور بهذه الأحاديث على أن الجماعة ليست بشرط لصحة الصلاة والله أعلم (^١).\n[وأخرج ابن ماجه بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في المسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفيه أبو الخطاب الدمشقى قال الذهبي: أبو الخطاب ليس بمشهور، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني: مجهول نقله وقال ابن حجر: قيل إنه حديث منكر؛ لأنه مخالف لما رواه الثقات، وقال بعضهم: إنما كانت بسبع وعشرين لأن أقل الجمع ثلاث والحسنة بعشر أمثالها فواحدة أصل وتسعة مضاعفة وذلك سبع وعشرين ثم إن الله أعطى ذلك للاثنين تفضلا وذلك فاسد من وجهين أن الواحد إذا صلى وحده كانت بعشر حسنات واحدة أصل وتسعة مضاعفة فالزيادة سبعة عشر لا سبع وعشرين والثانى أن ذلك لا يدل لصلاة الاثنين والصواب ما ذكره الحليمى فى المنهاج: أن ذلك راجع إلى تحصيل عبادات تحصل بالحضور إلى الجماعات فإنه قال تحتمل إنما فضلت الجماعة على\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ١٨٣ - ١٨٤) وشرح النووي على مسلم (٥/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"3","page":76},{"text":"الفذ بسبع وعشرين لأن كل صلاة أقيمت فى جماعة كصلاة يوم وليلة إذا أقيمت لا فى جماعة لأن فرائض اليوم والليلة سبعة عشر والرواتب عشر فالجمع سبع وعشرون (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء\" تقدم معنى إحسان الوضوء في صفة الوضوء.\nقوله - ﷺ -: \"ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة\" المسجد مشتمل على الشرف وإظهار الشعار وكثرة الجماعة فإن كان إذا صلى في بيته صلى جماعة وإذا صلى في المسجد صلى منفردا فصلاته في بيته أفضل ولو كانت جماعة بيته أكثر من جماعة المسجد فقال الماوردي المسجد أفضل وقال القاضي أبو الطيب بيته أولى والله أعلم (^٢).\nوهذا الحديث يفهم منه أن فضل المسجد لأجل الجماعة فقط بل لما يلازمها من الأحوال كفضل الجماعة ونقل الخطوات إليه وصلاة الملائكة عليه وغير ذلك قال ويعتمد مالك ﵀ في قوله لا تفضل جماعة لاشتراكهم في تلك الأمور قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"لا يخرجه إلا الصلاة\" قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح ومشى فيه نحو ما مشى الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب قال: قلت الذي يظهر من قوله - ﷺ -: \"لا\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٨).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٣٢٧).","vol":"3","page":77},{"text":"يخرجه إلا الصلاة\" أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا بشرط أن يكون خروجه من بيته بقصد الصلاة لا غير، فلو خرج يريد الصلاة ومعها حاجة أخرى لا يحصل له ثواب الخطى على التمام، والذي يظهر من قوله - ﷺ -: \"لا يخرجه إلا الصلاة\" أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا بشرط أن يكون خروجه من بيته بقصد الصلاة ولا غير، فلو خرج يريد الصلاة ومعها حاجة أخرى لا يحصل له ثواب الخطا على التمام، والذي يظهر أنه يحصل له تضعيف [الصلاة لأنه] قد حصل إيقاعها في الهيئة الاجتماعية (^١) والله أعلم.\nقال الإمام المازري: ينبغي أن [يكون المؤمن] محافظا على نيته ابتداء فإذا أراد أن يزيد في عمله فينظر أولا في نيته فيتمها [فيحسنها] وقال في آخره مثال ذلك ثلاثة رجال يخرجون إلى الصلاة أحدهم: يخرج وينظر إن كانت له حاجة لنفسه أو لبيته قضاها وهو في طريقه ساه عن نيته التقرب بذلك إلى الله تعالى، فهذا له أجر الصلاة فقط ليس إلا، والخطى التي استعملها للمسجد قد ذهبت لقوله - ﷺ -: \"لا يخرجه إلا الصلاة\" فشرط ﵊ في هذا الحديث بأنه لا يريد إلا الصلاة، وهذا المذكور قد أراد غيرها بالحاجة التي نوى قضاءها، الثاني: خرج إلى الصلاة ليس إلا ولم يخلط مع هذه النية غيرها فهذا أعظم أجرًا من الأول، لأنه حصل له بركة الخطى إلى المسجد؛ والثالث: خرج بما خرج به الثاني لكنه عند خروجه نظر في نيته فأمكنه تنمية ما فيها هنا فنوى أنه إن وجد اثنين يختصمان أصلح\n_________\n(^١) المتجر الرابح (ص ٩٤).","vol":"3","page":78},{"text":"بينهما وإن رأى منكرًا أزاله إلى غير ذلك، فهذا له من الأجر على قدر نيته والله أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"لم يخط خطوة\" الحديث، وفي الحديث أيضًا: \"من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله تعالى ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تخط خطيئة والأخرى ترفع درجة\" رواه مسلم (^٢)، الرواية في قوله \"خطوة\" بضم الخاء وهي واحدة الخطا وهي ما بين القدمين، والخطوة بفتح الخاء فهي المصدر المرة من خطوت (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إلا رفعت بها درجة وحط عنه بها خطيئة\" الدرجة واحدة الدرجات وهي الطبقات من المراتب، والخطيئة الإثم، قال الداودي: إن كانت له ذنوب حطت عنه وإلا رفعت له درجات، قال بعض العلماء: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة الواحدة درجة واحدة، أما الخطوات الرفع، وقال غيره: والحاصل بالخطوة الواحدة ثلاثة أشياء لقوله في الحديث: \"كتبت له بكل خطوة حسنة ويرفع له درجة ويحط عنه بها سيئة\" (^٤) والله أعلم.\nتنبيه: قوله في الحديث: \"حطت خطاياه\" أي: أسقطت قال: لأنه كان حاملا لها فحط حملها كما تحط حمل الدابة، انتهى قاله عياض (^٥).\n_________\n(^١) المدخل (١/ ٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٢ - ٦٦٦) عن أبي هريرة.\n(^٣) الغريبين (٢/ ٥٧٣)، وشرح السنة (١٤/ ٤٠٤).\n(^٤) العدة (١/ ٣٤٥).\n(^٥) مطالع الأنوار (٢/ ٢٧٢).","vol":"3","page":79},{"text":"قوله - ﷺ -: \"قد صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه\" الحديث، الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار ومن الأدميين تضرع ودعاء (^١)، وتقدم الكلام على الصلاة في اللغة وفي الشرع على مواضع من هذا التعليق.\nقوله: \"اللهم ارحمه\" وفي رواية: \"اللهم اغفر له\" فإن قيل: ما الفرق بين المغفرة والرحمة؟ قيل: المغفرة ستر الذنوب، والرحمة إفاضة الإحسان عليه (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"لا يزال في صلاة ما كان ينتظر الصلاة\" ظاهره أن صلاة الملائكه عليه مشروطة بدوامه في صلاة بعد صلاة، وكذا جاء مصرحا به في الموطأ \"فإذا صلى أحدكم فجلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في صلاة حتى يصلي\"، وظاهر هذا الحديث: أن انتظار الصلاة يختص بالمصلى في جماعة في المسجد، فلو صلى في غير جماعة وقعد ينتظر الصلاة لم تحصل له هذا الفضيلة، وسئل الإمام مالك عمن صلى في غير جماعة وقعد ينتظر الصلاة أتراه في صلاة كمن ينتظر الصلاة في المسجد؟ قال: نعم إن شاء الله تعالى (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٧٥)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٢٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٧٩).\n(^٢) الكواكب الدراري (٤/ ١٠٤).\n(^٣) المنتقي (١/ ٢٨٤)، والإعلام (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١).","vol":"3","page":80},{"text":"وقال ابن بطال في شرح البخاري: من كان كثير الذنوب وأراد أن يحطها الله تعالى عنه فليكثر من ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له [فهو مرجو إجابته] لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (^١) وقد أخبر ﵊ \"من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\" وتأمين الملائكة إنما هو مرة واحدة عند تأمين الإمام ودعاؤهم لمن قعد في مصلاه دائما أبدا مادام قاعدًا فيه فهو أحرى بالإجابة، وقد شبه -﵇- انتظار الصلاة بعد الصلاة بالرباط، وأكد ذلك بتكراره مرتين بقوله: \"فذلكم الرباط، فذلكم الرباط\"، قال: فعلى هذا كل مؤمن عاقل سمع هذه الفضائل الشريفة عليه أن يحرص على الأخذ بأوفر الحظ منها ولا تمر عنه صفحًا (^٢) انتهى، قاله في الديباجة.\nقوله: وفي رواية تقول الملائكة: \"اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه\" ومعناه: ما لم يؤذ أحدكم الملائكة بنتن الحدث أو ما لم ينقض الوضوء (^٣)، وقال بعض العلماء: ما لم يؤذ أي ما لم يتكلم كلام الدنيا (^٤)، فمفهوم الحديث أن صلاة الملائكة عليه تنقطع عنه لا أنه يؤمر بالخروج منه للحدث فيجوز للمحدث الحدث الأصغر الجلوس في المسجد، وادعى\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٨.\n(^٢) شرح الصحيح (٢/ ٩٥).\n(^٣) الكواكب الدراري (٤/ ١٠٤) و(١٠/ ١٤).\n(^٤) انظر: شرح المشكاة (٣/ ٩٣٥) للطيبى، واختيار الأولى (ص ٦٩) لابن رجب.","vol":"3","page":81},{"text":"بعضهم فيه الإجماع (^١)، ودليله أن أهل الصفة كانوا ينامون في مسجد رسول الله - ﷺ - (^٢)، ويؤخذ من تقرير النبي - ﷺ - لمن نام في المسجد أنه لا يمنع منه أحد وأن يعفى عما يخرج من الإنسان من ريح ونحوه بالنوم وغيره ما لم يؤذ أحدا أو يلوث، فإن أذى أحدا ولوث حرم ويمنع، ومن الأثار على العفو هذا الحديث، وأما الأذى فمنع منه في المسجد وغيره والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nوالمراد بالحدث هاهنا ما يحدث للإنسان من المنع من الصلاة بسبب من أسباب الحديث، واعلم أن أسباب الحدث أربعة بول أو غائط أو نوم أو لمس، سمي حدثا لأنه لم [يكن] ثم كان وكل ما لم يكن ثم كان شيء حدثا وحادثا، فالمتوضيء إذا قال نويت رفع الحدث فمعناه رفع المنع الذي حدث له ومنعه الصلاة عن حدوث سبب من أسبابه، فإذا نوى رفع السبب دون المسبب بأن نوى رفع البول أو المس لم يصح وضوئه والله أعلم.\nفائدة: لا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد ولكن الأولى اجتنابه لقوله - ﷺ -: \"فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم\" (^٣) وقال بعض المتكلمين على الحديث: من أحدث في المسجد يحرم بها استغفار الملائكة ودعاؤهم المرجو بركته يدل عليه قوله - ﷺ -: \"البصاق في المسجد خطيئة\n_________\n(^١) نقله النووي في المجموع (٢/ ١٧٣) وشرح مسلم (٣/ ١٩٣).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٠١).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٠).","vol":"3","page":82},{"text":"وكفارتها دفنها\" فلما كان للنخامة كفارة قيل [للمتنخم تمادى في المجلس في صلاتك وابق فيه] مدعوا لك، ولما لم يكن للحدث في المسجد كفارة ترفع أذاها كما رفع الدفن أذى النخامة لم يتأد الاستغفار له ولا الدعاء وجب زوال الملائكة عنه قال الزركشي (^١).\nفرع: إذا أحدث وهو في المسجد أو في الصلاة يجعل [فليجعل يده على أنفه ثم ينصرف] للحديث الوارد في ذلك قال العلماء وليس جعل اليد على الأنف [من] الرياء بل هو من الرياء المباح أو المستحب أبيح له أن يظهر للناس من أنه أحدث لئلا يخوضوا في عرضه أو يتهموه بترك الصلاة أو يقولوا أحدث أو نافق فيأثمون بسبب ذلك (^٢) قاله في شرح العمدة.\nقوله: رواه البخاري ومسلم وأبو داود تقدم الكلام على مناقبهما وأما أبو داود فقد أسند ابن دحية عن أبي داود من طريق ابن داسة أنه قال: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث أحدها \"الأعمال بالنيات\" ثانيها \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\" ثالثها \"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضي لأخيه ما يرضي\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣١٤).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٩٠).","vol":"3","page":83},{"text":"لنفسه\" رابعها \"الحلال بين والحرام بين\" الحديث (^١)، وتقدم الكلام على أبي داود مبسوطًا.\nقوله: ورواه مالك في الموطأ، له تصنيف الموطأ فعمل من كان يومئذ بالمدينة الموطآت فقيل للإمام مالك شغلت نفسك بهذا الكتاب وقد شاركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال - ﵁ -[ائتوني بها فنظر فيها ثم نبذها وقال لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى (^٢)] انتهى.\nسمي الكتاب الموطأ أي المتفق على حديثه وقيل إنما سمي الموطأ من التوطئة وهو التذليل والتليين والتسهيل كأنه مسهل ممهد بحسن التصنيف وترتيب التأليف وتسهيل المطلب لما يراد الوقوف عليه منه وتسهل الهمزة فيقال الموطى وتكتب بالياء (^٣) والله أعلم قاله عياض (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى صلاة\" يعمد بكسر الميم في المضارع وفتحها في الماضي ومعناها يقصد وفي هذا الحديث دليل على أنه يستحب للذاهب إلى الصلاة أن لا يعبث بيده ولا يتكلم بقبيح ولا ينظر نظرا محرما ويجتنب ما أمكنه حتى يصل للمصلى فإن وصل للمسجد وقعد ينتظر الصلاة كان\n_________\n(^١) كشف المناهج (١/ ٦٢).\n(^٢) ترتيب المدارك (٢/ ٧٦).\n(^٣) مطالع الأنوار (٦/ ٢٠٠).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ٢٨٥).","vol":"3","page":84},{"text":"الاعتباء بما ذكرناه آكد (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: في رواية مالك: \"فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يسع\" أي فلا يسرع.\nفائدة: ورد في صحيح البخاري \"إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\" (^٢) واختلف في هذه اللفظة فقيل \"فأتموا\" وقيل \"اقضوا\" وكلاهما صحيح، قال [الماوردي] من خشي فوت الجماعة والجمعة لم يجب السعي بل يمشي على سجيته وإن فاتته الجماعة والجمعة للأحاديث الواردة قال بعض العلماء إنما نهي عن السعي إلى الصلاة لأنه في الترهيب والخشوع لما يحصل للساعي من الجهد والتعب، وفيه دليل على وجوب الخشوع وإلا لم يترك الواجب قاله في التسهيل لابن العماد (^٣).\nقال بعض العلماء أيضا: والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي أن الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها فينبغي أن يكون متأدبا بآدابها وعلى أكمل الأحوال فقال -﵇-: \"فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا\" فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة فصرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات وبين ما\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٥) عن أبي قتادة.\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٤).","vol":"3","page":85},{"text":"يفعل فيما فات (^١).\nتنبيه: فإن قيل السير إلى المسجد إلى الجماعة والجمعة يجب عليه التأني وترك العجلة لقوله - ﷺ -: \"إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون\" الحديث كان عليه في السفر ترك العجلة مطلقًا.\nجوابه: أن في سرعة المشي في السفر فوائد منها سرعة قطع المسافة ومنها إراحة الدابة من طول زمان الحمل عليها وكذا إراحة الراكب وكذلك الأمن من خوف يحدث في الطريق والله أعلم.\n\n٤٥٩ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ: \"إِذا تطهر الرجل ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد يرْعَى الصَّلَاة كتب لَهُ كاتباه أَو كَاتبه بِكُل خطْوَة يخطوها إِلَى الْمَسْجِد عشر حَسَنَات والقاعد يرْعَى الصَّلَاة كالقانت وَيكْتب من الْمُصَلِّين من حِين يخرج من بَيته حَتَّى يرجع إِلَيْهِ\" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَبَعض طرقه صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ ابْن حبَان في صَحِيحه مفرقًا فِي موضِعين (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٧ (١٧٤٤٠) و(١٧٤٥٦) و٤/ ١٥٩ (١٧٤٥٩) و(١٧٤٦٠) و(١٧٤٦١)، وأبو يعلى (١٧٤٧)، والرويانى (٢٣١) و(٢٣٨)، وابن خزيمة (١٤٩٢)، وابن حبان (٢٠٣٨) و(٢٠٤٥)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٥ رقم ٨٤٢)، والحاكم (١/ ٢١١). وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، وفي بعض طرقه ابن لهيعة وبعضها صحيح، وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٨).","vol":"3","page":86},{"text":"الْقُنُوت يُطلق بِإِزَاءِ معَان مِنْهَا السُّكُوت وَالدُّعَاء وَالطَّاعَة والتواضع وإدامة الْحَج وإدامة الْغَزْو وَالْقِيَام فِي الصَّلَاة وَهُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث وَالله أعلم.\nقوله: عن عقبة بن عامر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد\" الحديث، المراد بقوله تطهر الوضوء الشرعي.\nقوله: \"يرعى الصلاة\" أي ينتظر الصلاة.\nقوله: \"كتب له كاتباه أو كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات\" تقدم الكلام على الخطوة في الحديث قبله والحسنات ضد السيئات.\nقوله - ﷺ -: \"والقاعد يرعى الصلاة كالقانت\" أي القاعد ينتظر الصلاة كالقائم المصلي أي أجره كأجر المصلي قائمًا.\nقوله: \"كالقانت\" قال الحافظ القنوت يطلق بإزاء معان منها السكوت والدعاء والطاعة والتواضع وإدامة الحج وإدامة الغزو والقيام في الصلاة وهو المراد في هذا الحديث انتهى.\nواعلم أن القنوت هو الطاعة كما ذكره الحافظ هذا هو الأصل ومنها قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (^١) وسمي القيام في الصلاة قنوتًا (^٢)، وقوله في الحديث الآخر \"أفضل الصلاة طول القنوت\" (^٣) أخرجه مسلم والمراد أفضل\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٢) الصحاح (١/ ٢٦١).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٦٤ و١٦٥ - ٧٥٦) عن جابر.","vol":"3","page":87},{"text":"العبادة وفيه إشكال من حيث أن طول القراءة في قيامها ليس واجبا بل الواجب الفاتحة وقدر القيام فيها والفرض أفضل من غيره.\nوالجواب: أن القيام كله يوحي بالوجوب على القول المرجح وأيضا فإن القيام ذكره قرآن وهو أفضل من غيره (^١) ويحتمل أن يكون المراد أفضل أفعالها المسنونة ولا إشكال حينئذ قاله في شرح الإلمام.\nوقال القاضي عياض: وقيل أصل القنوت الدوام على الشيء (^٢) قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وإذا كان هذا أصله فمديم الطاعة قانت وكذلك الداعي والقائم في الصلاة والمخلص فيها والساكت فيها كلهم فاعلون للقنوت قال فصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيها قال المراد هنا القيام في الصلاة كما تقدم في فرض القادر (^٣).\nولكن تستثنى لحاجة أو ضرورة مسائل منها: راكب السفينة يخاف الغرق أو دوران الرأس صلى قاعدًا ولا يعيد، ومنها المريض إذا أمكنه القيام منفردا ولو صلى في جماعة قعد في بعضها نص الشافعي على جواز الأمرين وقعوده أفضل،\n_________\n(^١) انظر التهذيب (٢/ ١٠٦).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٤٦٩).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٢٨٨) ولفظه: قال وفي كلام بعضهم ما يفهم منه أنه موضوع للمشترك قال وهذه طريقة المتأخرين يقصدون دفع الاشتراك والمجاز ولا بأس بها إن لم يقم دليل خاص على أن اللفظ حقيقة في معنى معين أو معان.","vol":"3","page":88},{"text":"ومنها السلس الذي إذا قام استرسل بوله يصلي قاعدًا على الصحيح ولا إعادة قال القفال: يصلي قائمًا محافظة على الركن كما يصلي العاري ومنها إذا قال طبيب ثقة لمن بعينيه ماء: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك، فله ترك القيام على الأصح، والثاني لا يجوز قال في الوسيط لأن ابن عباس استفتى عائشة وأبا هريرة فلم يرخصا له فيه وهذا لا يصح إنما روي أنه كره ذلك وفي المهذب أن عبد الملك بن مروان حمل إليه الأطباء على البرد فنعتوا له ذلك فاستفتى عائشة وأم سلمة فنهتاه، وإنما تولى عبد الملك الخلافة بعد موتهما وموت أبي هريرة بسنين أما إذا قال إن صليت قاعدا أمكن مداواتك فقال الإمام يجوز القعود قطعا ونازعه الرافعي في هذا انتهى قاله الكمال الدميري (^١).\nفائدة فيها بشرى: خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأشعري عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات\" (^٢) ذكره ابن رجب في شرح الأربعين النووية (^٣).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٩٦ رقم ٣٤٥١) والشاميين (١٦٧٣). قالى الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢١ - ١٢٢: رواه الطبراني، وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٦١٠).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢) وقال: وهذا غريب منكر.","vol":"3","page":89},{"text":"٤٦٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من رَاح إِلَى مَسْجِد الْجَمَاعَة فخطوة تمحو سَيِّئَة وخطوة تكْتب لَهُ حَسَنَة ذَاهِبًا وراجعا\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام على مناقبه ومناقب أبيه ﵄.\nقوله - ﷺ -: \"من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب له حسنة\" الحديث تقدم الكلام على المرواح إلى المسجد وهو الذهاب إلى المسجد وعلى الخطوة والسيئة والحسنة.\n\n٤٦١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"على كل ميسم من الإِنْسَان صَلَاة كل يَوْم فَقَالَ رجل من الْقَوْم هَذَا من أَشد مَا أوتينا بِهِ قَالَ أَمرك بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَلَاة وحلمك على الضَّعِيف صَلَاة وإنحاؤك القذر عَن الطَّرِيق صَلَاة وكل خطْوَة تخطوها إِلَى الصَّلَاة صَلَاة\" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٢ (٦٥٩٩)، وابن حبان (٢٠٣٩)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٧٨ رقم ١٤٦٨٣). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني رجال الصحيح، ورجال الإمام أحمد فيهم ابن لهيعة\". وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٩).\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٥٢٥)، والبزار كما في كشف الأستار (٩٢٦)، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (٩٥٩/ ٣) والمقصد (١٠٤٣ و١٠٤٤)، وابن خزيمة (١٤٩٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٩٦ رقم ١١٧٩١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب =","vol":"3","page":90},{"text":"قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ - \"على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم\" الميسم بكسر الميم وسكون الياء المثناة تحت وفتح السين وهي حديدة توسم بها الإبل فهي آلة الوسم وقال الجوهري المكواة وإن شئت قلت في جمعه مياسم وإن شئت قلت مواسم على الأصل (^١) وأصله كله من السمة وهي العلامة ومثله موسم الحج أي معلم لجمع الناس وفلان موسوم بالخير وعليه وسمة الخير أي علامته وتوسمت فيه كذا رأيت فيه علامته (^٢) لقوله \"على كل ميسم\" قال الإمام إسماعيل: إن كان محفوظا فمعنى الميسم العلامة أي على كل عضو موسوم بالصنع صنع الله ﷿ وإن كانت الرواية منسما بالنون فالمراد به العظم (^٣) انتهى.\nوقال بعضهم: يريد بميسم كل عضو على حدته مأخوذ من الوسم وهو العلامة إذ ما من عظم ولا عرق ولا عصب إلا عليه أثر صنع الله تعالى فعلى العبد الشكر على ذلك لله والحمد على خلقه سويا صحيحا وهذا هو المراد بقوله - ﷺ - \"صلاة كل يوم\" كأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء\n_________\n= (٢٨٨). قال البزار: لا نعلمه، عن ابن عباس إلا عن سماك، عن عكرمة عنه. وذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١٠٤)، وقال: رجال أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٧٦) وضعيف الترغيب (١٩٥) و(١٣٨٦) و(١٧٦٤).\n(^١) الصحاح (٥/ ٢٠٥١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٩٢) وشرح مسلم (١٤/ ٩٧).\n(^٣) المجموع المغيث (٣/ ٤١٥).","vol":"3","page":91},{"text":"ذكره ابن رجب في شرح النووية (^١).\nقوله: \"وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة\" القذر كل ما يؤذي المار كالعظم والشوك وما أشبه ذلك.\n\n٤٦٢ - وَعَن عُثْمَان - ﵁ - أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ مَشى إِلَى صَلَاة مَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ الإِمَام غفر لَهُ ذَنبه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة أَيْضًا (^٢).\nقوله عن عثمان بن عفان: تقدم الكلام على فضائله.\nقوله: \"من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه\" تقدم الكلام على إسباغ الوضوء والمراد بالصلاة المكتوبة المفروضة وتقدم الكلام على غفران الذنوب وأن المراد بذلك ستر ذنوب العبد عن الخلائق يوم القيامة.\n\n٤٦٣ - وَعَن سعيد بن الْمسيب - ﵁ - قَالَ حضر رجلا من الأَنْصَار الْمَوْت فَقَالَ إِنِّي محدثكم حَدِيثا مَا أحدثكموه إِلَّا احتسابا إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة لم يرفع قدمه الْيُمْنَى إِلَا كتب الله ﷿ لَهُ حَسَنة وَلم يضع قدمه الْيُسْرَى إِلَّا حط الله ﷿ عَنهُ سَيِّئَة فليقرب أحدكُم أَو ليبعد فَإِن أَتَى الْمَسْجِد فصلى فِي جمَاعَة غفر\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٠٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢ و١٣ - ٢٣٢)، والنسائى في المجتبى (٢/ ٢٩٤) (٨٦٨) والكبرى (١٠١٧)، وابن خزيمة (١٤٨٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٠).","vol":"3","page":92},{"text":"لَهُ فَإِن أَتَى الْمَسْجِد وَقد صلوا بَعْضًا وَبَقِي بعض صلى مَا أدْرك وَأتم مَا بَقِي كَانَ كَذَلِك فَإِن أَتَى الْمَسْجِد وَقد صلوا فَأَتمَّ الصَّلَاة كَانَ كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله عن سعيد بن المسيب: هو سعيد بن المسيب بن حزن بن عمرو المخزومي القرشي، قال النبي - ﷺ - لحزن وقد أسلم يوم الفتح ما اسمك؟ قال حزن، قال بل أنت سهل، قال لا أغير اسما سمانيه أبي فكان سعيد يقول ما زالت الحزونة فينا بعد (^٢).\nقال النووي: لم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد وقال وفيه رد على الحاكم أبي عبد الله الحافظ فيما قاله، ولم يخرج البخاري عن أحد ممن لم يرو عنه إلا راو واحد قال ولعله أراد من غير الصحابة قاله الكرماني (^٣).\nقوله: \"حضر رجلًا من الأنصار الموت\" الحديث، الأنصار هم الذين نصروا رسول الله - ﷺ - حين هاجر إلى المدينة وسيأتي الكلام على ذلك أبسط من هذا.\nقوله: \"إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله ﷿ له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٦٣). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٥٧٢) وصحيح الترغيب (٣٠١).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ١١٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١١١)، والبغوى في معجم الصحابة (٥٦٩).\n(^٣) انظر: شرح النووي على مسلم (١/ ٢١٣)، والكواكب الدراري (١٥/ ٦٦).","vol":"3","page":93},{"text":"الله ﷿ عنه سيئة\" الحديث. تقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على المسجد في ذلك الباب مبسوطًا.\n\n٤٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ قَالَ لي يَا مُحَمَّد أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأَعْلَى قلت نعم فِي الدَّرَجَات وَالْكَفَّارَات وَنقل الأقْدَام إِلَى الْجَمَاعَة وإسباغ الْوضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَكانَ من ذنُوبه كيَوْم وَلدته أمه الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\nقوله: عن ابن عباس تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أتاني الليلة آت من ربي\" وفي رواية \"ربي\" قال رؤيا الأنبياء في المنام وحي قال الجمهور المراد بالوحي هنا الإلهام والرؤيا في المنام تسمى وحيا، وكان النبي - ﷺ - إذا أوحي إليه ينحدر منه مثل الجمان من العرق من شدة الوحي وثقله عليه والوحي أصله الإعلام بأمور شرعية ثم هو في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ثلاثة أضرب:\nأحدها: سماع الكلام القديم كسماع موسى لنص القرآن ومحمد في صحيح الآثار.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٣٦٨ (٣٤٨٤)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والترمذى (٣٢٣٣ و٣٢٣٤)، والبزار (٤٧٢٧)، وأبو يعلى (٢٦٠٨). وصححه الألباني في الإرواء (٦٨٤) وصحيح الترغيب (١٩٤) و(٣٠٢) و(٤٠٨) و(٤٥١).","vol":"3","page":94},{"text":"ثانيا: وحي رسالة بواسطة ملك.\nثالثها: تلقي آي بالقلب وذكر أن هذا كان وحي داود - ﷺ - وروي عن نبينا - ﷺ - مثله كقوله - ﷺ - \"إن روح القدس نفث في روعي\" أي في نفسي والوحي إلى غير الأنبياء بمعنى الإلهام كالوحي إلى الناس الإشارة كقوله ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (^١) ثم اعلم في كيفية الوحي على رسول الله - ﷺ - سبع صور:\nالأولى: المنام كما جاء في هذا الحديث.\nثانيها: أن ينفث في روعه الكلام والروع بضم الراء القلب والخلد أي في نفسي وخلدي وروح القدس هو جبريل -﵇-.\nثالثها: أن يأتيه الوحي مثل صلصة الجرس.\nرابعها: أن يتمثل له الملك رجلًا.\nخامسها: أن يتراءى له جبريل بصورته التي خلق عليها له ستمائه جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت وقد رآه رسول الله - ﷺ - في صورته مرتين.\nسادسها: أن يكلمه الله من وراء حجاب أما في اليقظة كليلة الإسراء على الصحيح في الإسراء أنه يقظة.\nسابعها: وحي إسرافيل كما ثابت عن عامر بن شراحيل الشعبي أنه - ﷺ - وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة والشيء حتى جاء جبريل -﵇- ووقع لبعضهم أنه ميكائيل ومن قال بذلك قال لم ينزل\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ١١.","vol":"3","page":95},{"text":"عليه قرآن على أن جبريل -﵇- ابتدأ فيها الوحي (^١) والله أعلم.\nقوله: \"أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى\" الحديث يسارع ويستبق إلى رفعه إلى الله تعالى لأن الملائكة يتقربون إلى الله تعالى برفع العمل الصالح لبني آدم والملأ الأعلى الملائكة المقربون (^٢).\nقوله: \"وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" أي لا ذنب له وكيوم يجوز فيه فتح الميم وكسرها وجهان والفتح أشهر.\n\n٤٦٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يتَوَضَّأ أحدكم فَيحسن وضوءه فيسبغه ثمَّ يَأْتِي الْمَسْجِد لا يُرِيد إِلَا الصَّلَاة إِلَا تبشش الله إِلَيْهِ كَمَا يتبشش أهل الْغَائِب بطلعته رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٣).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه فيسبغه\" تقدم تفسير ذلك.\n\"إلا تبشش الله إليه\" الحديث التبشيش التأنيس والمواصلة والفرح بالشيء والسرور إليه وهو هنا مجاز عن المضاعفة والإكرام (^٤) وقال في النهاية البش\n_________\n(^١) انظر: الروض الأنف (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٦)، وطرح التثريب (٤/ ١٨٠ - ١٨٢).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٧٣).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٠٧ (٨٠٦٥) و٢/ ٣٨٤ (٨٤٨٧)، وابن خزيمة (١٤٩١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٣).\n(^٤) هذا من باب التأويل قال أبو يعلى الفراء بعد الكلام على صفة الفرح لله تعالى: .... وكذلك القول في البشبشة؛ لأن معناه يقارب معنى الفرح. والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة، وهشاشة، وفرحًا. ويقولون: فلان هش بش فرح؛ إذا كان منطلقا؛ فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح. وقد ذكر ابن قتيبة هذا الحديث في كتاب الغريب، وقال قوله: =","vol":"3","page":96},{"text":"فرح الصديق بالصديق واللطف في المسألة والإقبال عليه، وقد بششت به أبش، وهذا مثل ضربه لتلقيه إياه ببره وتقريبه وإكرامه (^١).\nولذلك قال بعضهم: إذا كان الرجل يكون متعلقا بالمسجد منذ خرج منه إلى أن يعود إليه من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة.\n\n٤٦٦ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ خلت الْبِقَاع حول الْمَسْجِد فَأَرَادَ بَنو سَلمَة أَن يَنْتَقِلُوا قرب الْمَسْجِد فَبلغ ذَلِك النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ لَهُم بَلغنِي أَنكُمْ تُرِيدُونَ أَن تنتقلوا قرب الْمَسْجِد قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قد أردنَا ذَلِك فَقَالَ يَا بني سلم دِيَاركُمْ تكْتب آثَاركُم دِيَاركُمْ تكْتب آثَاركُم فَقَالُوا مَا يسرنَا أَنا كنَّا تَحَوَّلْنَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَفِي رِوَايَة لَهُ بِمَعْنَاهُ وَفِي آخِره إِن لكم بِكُل خطْوَة دَرَجَة (^٢).\nقوله عن جابر: هو ابن عبد الله تقدم الكلام على مناقبه وفضله.\nقوله - ﷺ -: \"خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد\" بنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار بين دورهم وبين\n_________\n= (يبشبش) من البشاشة، وهو يتفعل؛ فحمل الخبر على ظاهره، ولم يتأوله. انتهى كلام أبي يعلى في إبطال التأويلات لأخبار الصفات ١٢٤٣.\nوقال ابن تيمية في النبوات (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠): ولفظ البشبشة جاء أيضا أنه يتبشبش للداخل إلى المسجد؛ كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم، وجاء في الكتاب والسنة ما يلائم ذلك ويناسبه شيء كثير، فيقال لمن نفى ذلك: لم نفيته؟ ولم نفيت هذا المعنى؛ وهو وصف كمال لا نقص فيه؟ ومن يتصف به أكمل ممن لا يتصف به؟ وإنما النقص فيه أن يحتاج فيه إلى غيره، والله تعالى لا يحتاج إلى أحد في شيء، بل هو فعال لما يريد.\n(^١) النهاية (١/ ١٣٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٩ و٢٨٠ و٢٨١ - ٦٦٥)، وابن خزيمة (٤٥١)، وابن حبان (٢٠٤٢).","vol":"3","page":97},{"text":"مسجد الرسول - ﷺ - مسافة بعيدة يلحقهم تعب في سواد الليل إذا مشوا إلى المسجد فأرادوا أن يتركوا دورهم ويتخذوا دورا بقرب المسجد (^١).\nقوله: فقال لهم رسول الله - ﷺ - بنو سلمة دياركم تكتب آثاركم\" والمعنى الزموا دياركم فإنكم إذا ألزمتموها تكتب آثاركم الكثيرة إلى المسجد وتكتب آثاركم بالجزم على جواب الأمر المتقدم والديار منصوب على الإغراء والمراد بالآثار الخطى إلى المساجد فإذا كانت الخطى أكثر كان الثواب أيضا أكثر (^٢) والمراد يكتبها الكتبة للثواب أو ما يؤثر أي يكتب وفي السنن وقيل الآثار حرصكم على الطاعات وجدكم واجتهادكم في حضور الجماعات ويقتدى بكم من بعدكم كذا قاله البيضاوي في شرح المصابيح (^٣).\n\n٤٦٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَت الأَنْصَار بعيدَة مَنَازِلهمْ من الْمَسْجِد فأرادوا أَن يتقربوا فَنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (^٤) فثبتوا\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (^٥).\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم.\nقوله: \"كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يتقربوا فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا المنازل\" الدور جمع دار وهي المنازل\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٦٥).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٦٥)، وشرح المصابيح (١/ ٤٢٢).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).\n(^٤) سورة يس، الآية: ١٢.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٧٨٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٥).","vol":"3","page":98},{"text":"المسكونة المحال وتجمع أيضًا على ديار وأراد بها ههنا القبائل وكل مكان اجتمعت في محله سميت تلك المحلة دارًا وسمي ساكنوها بها مجازًا على حذف المضاف أي أهل الدور قاله في النهاية (^١)، والأنصار جمع نصير كشريف وأشراف وقيل جمع ناصر والأنصار هم الذين آووا رسول الله - ﷺ - ونصروه على أعدائه من أهل الشرك وآووا أصحابه ﵃ وهما قبيلة الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة والنسب مذكور إلى قحطان اختصر (^٢) وقحطان أصل العرب وسمي قحطان لأنه أول من تجبر وظلم وقحط أموال الناس (^٣).\nقوله: \"فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ \" وآثارهم خطاهم.\n\n٤٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الأبْعَد فالأبعد من الْمَسْجِد أعظم أجرا\" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ حَدِيث صَحِيح مدنِي الإِسْنَاد (^٤).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا\" أي من أجل كثرة الخطأ (^٥)\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٣٩).\n(^٢) عمدة القارى (١/ ١٥١).\n(^٣) قاله إسماعيل بن أبي أويس كما في المؤتلف والمختلف (١/ ٢٣٧).\n(^٤) أخرجه أحمد (٨٦١٨) و(٩٥٣١)، وابن ماجه (٧٨٢)، وأبو داود (٥٥٦)، والحاكم (١/ ٥٢). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٦) وصحيح أبي داود (٥٦٥).\n(^٥) شرح الصحيح (٢/ ٢٨٠) لابن بطال.","vol":"3","page":99},{"text":"فهذا الحديث والأحاديث قبله دال على أن الأرض البعيدة أفضل على المشي أفضل ثم هذا كله في حق من هو متفرغ لذلك ولا يفوته بكثرة خطاه ومشيه إلى المسجد مهمة من مهمات الدين فإن كان يفوته ذلك كالاشتغال بالعلم والتعلم والتعليم ونحو ذلك من فرض الكلمات فالدار القريبة في حقه أفضل وكذلك الضعيف عن المشي ونحوه والله أعلم قاله في المقاصد (^١).\nقال العلماء ينبغي أن يستثنى من أفضلية الأبعد الإمام فإن النبي - ﷺ -، والأئمة بعده لم يتباعد عن المسجد لطلب الأجر، ويدل أحد أقوال الأصحاب يستحب التبكير للغير إلا الإمام فلا يستحب بل يأتي حين يصعد إلى المنبر كما كان النبي - ﷺ - يفعله بنفسه (^٢) فإن قيل روى الإمام أحمد في مسنده فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على القاعد عن الجهاد فالجواب إن هذا في نفس البقعة وذاك في الفعل فالبعيد دارًا مشيه أكثر وثوابه أعظم والبيت القريب أفضل من البيت البعيد (^٣) ولهذا قيل في قوله - ﷺ -: \"الشؤم في ثلاثة المرأة والدار والفرس\" (^٤) إن شؤم الدار أن تكون بعيدة عن المسجد لا يسمع ساكنها الأذان (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٩).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٤٩٢).\n(^٣) فتح البارى (٦/ ٣٢)، ومجموع رسائل ابن رجب (٤/ ٢٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٨٥٨) و(٥٠٩٣) و(٥٠٩٤) و(٥٧٥٣) و(٥٧٧٢)، ومسلم (١١٥ و١١٦ و١١٧ و١١٨ - ٢٢٢٥) عن ابن عمر.\n(^٥) إرشاد السارى (٨/ ٤١١).","vol":"3","page":100},{"text":"٤٦٩ - وَعَن زيد بن ثَابت - ﵁ - قَالَ كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله - ﷺ - وَنحن نُرِيد الصَّلَاة فَكَانَ يُقَارب الخطا فَقَالَ أَتَدْرُونَ لم أقَارِب الخطا قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ لا يزَال العَبْد فِي صَلَاة مَادَامَ فِي طلب الصَّلَاة وَفِي رِوَايَة إِنَّمَا فعلت لتكثر خطاي فِي طلب الصَّلَاة\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَرْفُوعا وموقوفا على زيد وَهُوَ الصَّحِيح (^١).\nقوله: عن زيد بن ثابت هو الأنصاري المدني الكاتب كان يكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - وكان يكتب له المراسلات إلى الناس أيضا وكان يكتب لأبي بكر وعمر وهما في خلافتهما وهو الذي كتب المصحف المكرم وكان أحد الثلاثة الذين جمعوا المصحف أمره بذلك أبو بكر وعمر وكان قد حفظ من القرآن قبل قدوم رسول الله - ﷺ - ست عشرة سورة وأعطاه رسول الله - ﷺ - يوم تبوك راية بني النجار وقال القرآن مقدم وزيد أكثر أخذا القرآن وقتل أبوه وعمره ست سنين واستصغره النبي - ﷺ - يوم بدر فرده وشهد أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله - ﷺ - وكان عمر يستخلفه إذا حج وكذلك عثمان، وقال ابن أبي داود كان زيد بن ثابت أعلم الصحابة بالفرائض وكان من الراسخين في العلم للحديث \"أفرضكم زيد\" وكان على بيت المال لعثمان وقيل إن ابن عباس أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال زيد تنح\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ١١٧ رقم ٤٧٩٨) و(٥/ ١١٨ رقم ٤٧٩٩ و٤٨٠٠)، وابن عدى في الكامل (٥/ ١٥٣)، وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٥٢). وأخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ١١٧ رقم ٤٧٩٦) موقوفًا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨١٦) وضعيف الترغيب (١٩٦).","vol":"3","page":101},{"text":"يا ابن عم رسول الله - ﷺ - فقال ابن عباس هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا روي له عن رسول الله - ﷺ - اثنان وسبعون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث قال الواقدي مات زيد سنة خمس وأربعين وهو ابن ست وخمسين سنة ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله: \"كنت أمشي مع رسول الله - ﷺ - ونحن نريد الصلاة فكان يقارب الخطا فقال أتدرون لم أقارب الخطا قلت الله ورسوله أعلم\"، وفي آخره \"إنما فعلت لتكثر خطاي في طلب الصلاة\" قال العلماء في هذه الأحاديث المتقدمة دليل على أن الدار البعيدة عن المسجد تكتب للآتي منها أجر كبير على قدر بعدها وأنها كلما بعدت كان الأجر أكثر لزيادة الخطا (^٢) ألا ترى إلى قوله كان يقارب الخطى ولقوله - ﷺ - في الرواية الأخرى \"إنما فعلت هذا لتكثر خطاي في طلب الصلاة\" وهذا ظاهر لقوله -﵇- لم يخطو خطوة إلا رفعت له بها درجة فكلما ازدادت الخطى كان أجرا ولكن في مسند الإمام أحمد بسند فيه ابن لهيعة عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله - ﷺ - \"فضل الدار القريبة من المسجد على الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد\" وهذا الحديث مخالف للأصول وفي سنده ابن لهيعة وابن لهيعة فيه كلام مطول.\nفائدة: اختلف العلماء ﵃ فيما إذا قربت داره من مسجد، قيل الأفضل أن يصلي في ذلك المسجد الجوار لحق جواره أو يذهب إلى المكان البعيد فقالت طائفة الصلاة في البعيد أفضل عملا على ظاهر الأحاديث\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٠ - ٢٠٢ الترجمة ١٨٦).\n(^٢) اختيار الأولى (١/ ٥٩).","vol":"3","page":102},{"text":"المتقدمة وقيل الصلاة في القريب أفضل لما روى الدارقطني أن النبي - ﷺ - قال \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\" صلاة كاملة ولإحياء حق المسجد ولما له من الجوار قال العلماء في كتب الفقه فإن كان في جواره مسجد ليس فيه جماعة أي بصلاته فيه تحصل الجماعة كان فعلها في المسجد الجوار أفضل لما في ذلك من عمارة المسجد الجوار وإحيائه بالجماعة هذا هو المذهب أما إذا لو كان صلى في الجوار صلى وحده فالبعيد أفضل منه، وقال القاضي حسين والبغوي الأولى أن يصلي فيه منفردا ثم يدرك مسجد الجماعة ليصلي فيه ليحوز الفضيلتين، ولو كان إذا صلى في بيته صلى جماعة وإذا صلى في المسجد صلى وحده ففي بيته أولى (^١).\nفروع: الأول: بجواره مسجدان استوت جماعتهما فإن سمع أحدهما فهو أولى وإن سمعه منهما فالأقرب أولى، فإن استويا تخير، قاله الروياني (^٢)، والجوار: بكسر الجيم وضمها قاله في مختصر الكفاية (^٣).\nالفرع الثاني: لو كان إذا صلى منفردا خشع وإذا صلى في جماعة سها، وافق الغزالي أن الإنفراد أولى ووافق الشيخ عز الدين فيما إذا حضر رأيًا وفيه نظر (^٤) انتهى.\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٥٣٤)، وهادى النبيه (لوحة ٥٠).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٣٢٩).\n(^٣) كفاية النبيه (٣/ ٥٣٥).\n(^٤) هادى النبيه (لوحة ٥٠)، والإقناع (١/ ١٦٤).","vol":"3","page":103},{"text":"الفرع الثالث: لا شك أن جماعة مكة والمدينة وبيت المقدس أفضل من غيرها من المسجد بل الإنفراد فيها أفضل من غيرها وممن صرح به مع وضوحه المتولي قاله في هادي النبيه (^١).\nالنوع الرابع: قال بعض أصحاب القفال في شرحه لغيبة ابن شريح: جار المسجد أربعون دارا من كل جانب وهو نظير ما لو أوصي لجيرانه فإنه يصرف لأربعين من كل جانب والآخر أن يقال: جار المسجد من سمع النداء لما روى مسلك عن أبي هريرة قال: أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فذكر الحديث إلى أن قال: \"فهل تسمع النداء بالصلاة\" قال: نعم، قال: \"فأجب\"، وقال أبو داود في هذا الحديث \"لا أجد لك رخصة\" وفي أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر لم تقبل منه الصلاة التي صلاها\" (^٢) فهذه الأحاديث مبينة للجار في قوله - ﷺ -: \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\" (^٣) قاله ابن العماد (^٤).\n_________\n(^١) هادى النبيه (لوحة ٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، وأبو داود (٥٥١)، وابن حبان (٢٠٦٤). وقال الألبانى: صحيح - صحيح أبي داود (٥٦٠).\n(^٣) روى عن أبي هريرة، وجابر بن عبد الله وعائشة مرفوعًا، وعن على موقوفًا. وضعفه الألباني في الإرواء (٤٩١) والضعيفة (١٨٣).\n(^٤) تسهيل المقاصد (لوحة ٤١ و٤٢).","vol":"3","page":104},{"text":"٤٧٠ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"إِن أعظم النَّاس أجرا فِي الصَّلَاة أبعدهم إِلَيْهَا ممشى فأبعدهم وَالَّذِي ينْتَظر الصَّلَاة حَتَّى يُصليهَا مَعَ الإِمَام أعظم أجرا من الَّذِي يُصليهَا ثمَّ ينَام\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: عن أبي موسى الأشعري، تقدم الكلام على فضائله.\nقوله - ﷺ -: \"أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم ممشى\" الحديث، ففي هذا الحديث الحث على كثرة الخطا إلى العبادات وجبر من بعدت داره بذلك، فإن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا من منازلهم ليقربوا من المسجد فيفوزوا فقال: \"ألا تحتسبون آثاركم\" يعني خطاكم، وكره أن تعري المدينة فرأى عمارتها وكثرة الخطا في العبادة تعادل قربهم إذا احتسبوه عند الله تعالى وأخلصوا فيه، وسبب ذلك أن بكل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة ذهابا واختلفوا في الإياب، والظاهر أنه كذلك، وفي صحيح مسلم: \"إني أحب أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت\" وفي آخره: \"قد جمع الله لك ذلك كله\" (^٢) وهذا على قدر الشدة كما جاء في الصحيح: \"لا ينهزه إلا الصلاة\"، وفيه المشقات في العبادات تكثر الأجور كما جاء في إسباغ الوضوء على المكاره وغير ذلك، وقد يأتي الأمر بخلاف ذلك في أشياء محصورة والغالب الأول (^٣)، وقد جاء أنه عليه الصلاة السلام قال لعائشة: \"أجرك على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٢٧٧ - ٦٦٢)، والبزار (٣١٦٦)، وابن خزيمة (١٥٠١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٨ - ٦٦٣) عن أبي بن كعب.\n(^٣) انظر: شرح السنة (٢/ ٣٥٤)، والمنخول (ص ٩١)، والميسر (١/ ٢٠٢)، وقواعد الأحكام (١/ ١٧٣ - ١٧٤)، وإحكام الأحكام (٢/ ٣٠٤)، والعدة (٣/ ١٦٨٣).","vol":"3","page":105},{"text":"قدر نصبك\" (^١) قال الطبري: وفيه من الفقه أن تقارب الخطى في ذلك أفضل من الإسراع أي طلبا للسكينة الوقار (^٢) المأمور بهما.\nفيه قوله: \"والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام\" الحديث دليل على ما كان من عدم وجوب الجماعة لأنه أثبت للمصلي وحده أجرا وجعل ذلك أعظم أجرًا وهو دليل على تقديم الإمام الراتب على غيره وأن لا يتقدمه أحد، واستثنى الفقهاء ما إذا كان المسجد مصروفا ولم تخش فتنة فجوزوا ذلك (^٣) والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.\n\n٤٧١ - وَعَن أبي بن كَعْب - ﵁ - قَالَ: كَانَ رجل من الأنْصَار لا أعلم أحدا أبعد من الْمَسْجِد مِنْهُ كَانَت لا تخطئه صَلَاة فَقيل لَهُ لَو اشْتريت حمارا تركبه فِي الظلماء وَفِي الرمضاء فَقَالَ مَا يسرني أَن منزلي إِلَى جنب الْمَسْجِد إِنِّي أُرِيد أَن يكْتب لي ممشاي إِلَى الْمَسْجِد ورجوعي إِذا رجعت إِلَى أَهلِي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - قد جمع الله لَك ذَلِك كُله وَفِي رِوَايَة فتوجعت لَهُ فَقلت لَهُ يَا فلَان لَو أَنَّك اشْتريت حمارا يقيك الرمضاء وهوام الأرْض قَالَ أما وَالله مَا أحب أَن بَيْتِي مطنب بِبَيْت مُحَمَّد - ﷺ - قَالَ فَحملت بِهِ حملا حَتَّى أتيت نَبِي الله - ﷺ - فَأَخْبَرته فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك وَذكر أَنه يَرْجُو أجر الأَثر فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - لَك مَا احتسبت رَوَاهُ مسلم وَغَيره وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِنَحْوِ الثَّانِيَة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٦ - ١٢١١).\n(^٢) فتح البارى (٨/ ١٩١) لابن رجب.\n(^٣) انظر البيان (٢/ ٤١٩)، والشافى (٢/ ٢٤)، وكفاية النبيه (٣/ ٥٣٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٨ - ٦٦٣) و(٦٦٣) م، وابن ماجه (٧٨٣)، وأبو داود (٥٥٧).","vol":"3","page":106},{"text":"الرمضاء ممدودًا هِيَ الأرْض الشَّدِيدَة الْحَرَارَة من وَقع الشَّمْس.\nقوله: عن أبي بن كعب، تقدم الكلام على مناقبه، ونسبه في حديث الخضر في كتاب العلم مبسوطًا.\nقوله: كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدا أبعد من المسجد منه وكانت لا تخطئه صلاة أي: لا تفوته صلاة في المسجد، وتقدم الكلام على الأنصار في حديث ابن عباس قبل قبله.\nقوله: فقيل له: لو اشتريت حمارا فتركبه في الظلماء وفي الرمضاء، وفي الرواية الأخرى: تقيك الرمضاء وهوام الأرض، الحديث، الرمضاء ممدود هي الأرض الشديدة الحرارة من وقع الشمس قاله الحافظ وهوام الأرض معروف كالحية والعقرب ونحوهما.\nتتمة تتعلق بالرمضاء: خرج الطبراني بإسناده أن رجلًا في عهد النبي - ﷺ - قزع ثيابه ثم تمرغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي، نار جهنم أشد حرًا حقيرة بالليل بطال بالنهار فرآه النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله غلبتني نفسي، فقال النبي - ﷺ -: \"لقد فتحت لك أبواب السماء وباهى الله بك الملائكة\" (^١) أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا فى المحاسبة (٩٤)، عن طلحة. قال العراقى في تخريج الإحياء (ص ١٨٧٠): بطوله أخرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس من رواية ليث بن أبي سليم عنه وهذا منقطع أو مرسل، ولا أدري من طلحة هذا. وأخرجه الرويانى (١)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٢ رقم ١١٥٩)، والبيهقى في الدعوات (٢٧٩) عن بريدة. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٥: رواه الطبراني من طريق أبي عبد الله -صاحب الصدقة- عن علقمة بن مرثد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.","vol":"3","page":107},{"text":"المباهاة المفاخرة.\nقوله: فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، الحديث؛ في هذا الحديث إثبات الثواب فى الخطا في الرجوع من الصلاة كما ثبت في الذهاب (^١).\nفائدة: قال ابن الصلاح والنووي رحمهما الله: وفي هذا الحديث رد على الإمام الغزالى في الرجوع من المسجد ليس بقربة بدليل إنه لا يكره الركوب في الرجوع من الجنازة وغيرها، فإن قيل: لعل أبا المنذر أبي بن كعب كان يقصد الرجوع للصلاة في المنزل أو حينئذ فيكون قاصد للعبادة فلأن يدخل فيه من رجع لغير قصد العبادة، ويدل على أنه قصد العبادة قوله - ﷺ -: \"أفضل صلاة المرء في بيته\" والظاهر منة حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم الأخذ بالأفضل، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان\" قلنا: نعم، قال: \"فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان\" (^٢)، قال: فالجواب عنه من وجهين أحدهما: أنه لا يصح قصد الصلاة في المنزل بعد الصبح وصلاة العصر، والحديث أعم من ذلك، الثاني: أنه لم يرتب ذلك\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٦٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٩٦ (٩١٥٢) و٢/ ٤٦٦ (١٠٠١٦) و٢/ ٤٩٧ (١٠٤٤٦)، والدارمي (٣٣١٤)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٨٧)، ومسلم (٢٥٠ - ٨٠٢)، وابن ماجه (٣٧٨٢).","vol":"3","page":108},{"text":"على قصد الصلاة بل رتبه على المشي في الرجوع من الصلاة، والإضمار يحتاج إلى دليل وأيضًا فمتعلقات الصلاة باقية بدليل استحباب رجوع المصلي من غير طريق الذهاب والله أعلم، ويدل أيضًا على قول من قال: الرجوع قربة لما رواه الإمام أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب حسنة ذاهبًا وراجعًا\" (^١) والله أعلم.\nقوله: وفي رواية: أما والله ما أحب أن بيتي مطنب ببيت محمد - ﷺ -، الحديث، مطنب: بفتح النون المشددة والطنب أحد أطناب الخيمة يعني: ما أحب أن بيتي إلى جانب بيته أي ملاصقا طنبه بضم الطاء أي مشدودا إليه وهو الحبل الذي يشد إلى الوتد، والجمع: أطناب ثم استعمل فيما تقارب من المنازل استعارة قاله عياض (^٢)، والمعنى: بل أحب أن أكون بعيد منه ليكثر ثوابي وخطاي إليه (^٣).\nقوله: فحملت به حملا، هو بكسر الحاء قال القاضي: كذا ضبطناه عن\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٩ و٤٠) و(لوحة ٩٤). والحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٧٢) (٦٥٩٩)، وابن حبان (٢٠٣٩)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٧٨ رقم ١٤٦٨٣). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني رجال الصحيح، ورجال الإمام أحمد فيهم ابن لهيعة\". وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٩).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٦٤١)، ومطالع الأنوار (٣/ ٢٧٢)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ١٦٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٦٨).","vol":"3","page":109},{"text":"شيوخنا ورواه بعضهم: بفتح الحاء، قال القاضي عياض معناه: أنه أعظم عليّ وثقل واستعظمه لبشاعة لفظه، وهمني ذلك وليس المراد به الحمل على الظهر والله أعلم قاله النووي في شرح مسلم (^١).\nقوله: وذكر أنه يرجوا أجر الأثر، أي: الخطا (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ما احتسبت\" أي: الذي احتسبته أي احتسابك، وإنما قيل: احتسب العمل لمن ينوي وجه الله تعالى لأنه له حينئذ أن يعتمد فعله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد قاله شارح مشارق الأنوار الشيخ وجيه الدين (^٣) والله أعلم.\n\n٤٧٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - كل سلامى من النَّاس عَلَيْهِ صَدَقَة كل يَوْم تطلع فِيهِ الشَّمْس تعدل بَين الِاثْنَيْنِ صَدَقَة وَتعين الرجل فِي دَابَّته فتحمله عَلَيْهَا أَو ترفع لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعه صَدَقَة والكلمة الطّيبَة صَدَقَة وَبِكُل خطْوَة يمشيها إِلَى الصَّلَاة صَدَقَة وتميط الأَذَى عَن الطَّرِيق صَدَقَة\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٤) السلامى بِضَم السِّين وَتَخْفِيف اللَّام وَالْمِيم مَقْصُور هُوَ وَاحِد السلاميات وَهِي مفاصل الأَصَابِع قَالَ أَبُو عبيد هُوَ فِي الأصْل عظم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٦٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٣) شرح مشارق الأنوار (لوحة ٥٥/ وجه أ)، نقلًا عن الفائق (١/ ٢٨٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٧٠٧) و(٢٨٩١) و(٢٩٨٩)، ومسلم (٥٦ - ١٠٠٩)، وابن خزيمة (١٤٩٣) و(١٤٩٤)، وابن حبان (٤٧٢).","vol":"3","page":110},{"text":"يكون فِي فرسن الْبَعِير فَكَانَ الْمَعْنى على كل عظم من عِظَام ابْن آدم صَدَقَة تعدل بَين الِاثْنَيْنِ أَي تصلح بَينهمَا بِالْعَدْلِ تميط الأذَى عَن الطَّرِيق أَي تنحيه وتبعده عَنْهَا.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"على كل سلامي من الناس كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة\" الحديث، قد فسر الحافظ السلامي بضم السين وتخفيف اللام والميم مقصورًا، وواحده السلاميات، والسلاميات بفتح السين المهملة وتخفيف الياء، أ. هـ، قال الحافظ، فكان المعنى على كل عظم من عظام بني آدم صدقة، أ. هـ.\nوقال في تحفة المتهجد: أي على كل عظم ومفصل وأصله عظام الكف والأكارع (^١)، وقال بعض العلماء: معنى الحديث أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله تعالى على عبده فيحتاج كل عضو منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه فيكون ذلك شكرا لهذه النعمة (^٢) وظاهر التعبير في هذا الحديث بقوله: \"عليه صدقة كل يوم\" أن ذلك من الواجبات لأن السنن لا توصف بأنها على المكلف (^٣)، والجواب: أن هذا قد يطلق في الفعل المتأكد وإن لم يكن واجبا، وقد قال العلماء: المراد بالصدقة صدقة ندب\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢١٨).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٣٧٨)، والتعيين (ص ١٩٨).\n(^٣) شرح المشكاة (٤/ ١٢٤٠)، وطرح التثريب (٢/ ٣٠٢).","vol":"3","page":111},{"text":"وترغيب لا إيجاب وإلزام (^١).\nقوله - ﷺ -: \"يعدل بين الاثنين صدقة\" أي: يصلح بينهما بالعدل كذا فسره الحافظ، وقال غيره: أن يراد به الإصلاح العدل في الأحكام من القضاة والله أعلم، ويحتمل أن يراد به الإصلاح بين الناس وإن كان من غير من له ولاية على ذلك ولا تسليط وهو الظاهر لأن عدل القضاة والأمراء واجب لا تطوع (^٢).\nقوله: \"ويعين الرجل في دابته\" هو أن يركب العاجز عن الركوب على دابته وهكذا أن يحمل معه على دابته متاعه وبوب عليه البخاري، ويمكن أن يحمل على الوجوب في المكاره فإنه يجب عليه إركاب الشيخ لعجزه عن الركوب وحده ويجب عليه إبراك الجمل للمرأة لعجزها أو المشقة عليها في ركوب البعير قائمًا (^٣)، والله أعلم.\nقوله: \"والكلمة الطيبة صدقة\" يحتمل أن يراد بها المخاطبة للناس كأن يجيب السائل بكلمة طيبة من غير إفحاش، ويجوز ذلك وهو الظاهر كما في قوله -﵇- في حديث آخر: \"تبسمك في وجه أخيك صدقة\" وفي حديث آخر: \"ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه\" ويحتمل أن يراد بها الكلمة من الأذكار فالتحميد والتسبيح والتهليل كلمة، ومصرح به في حديث\n_________\n(^١) شرح الأربعين النووية (ص ٩٣) لابن دقيق العيد.\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٣٠٣).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٣٠٣).","vol":"3","page":112},{"text":"عائشة ﵂ (^١).\nقوله: \"وكل خطوة تمشيها إلى المسجد صدقة\" تقدم الكلام على الخطا وهي المشي إلى المساجد في الأحاديث المتقدمة.\nقوله: \"وتميط الأذى عن الطريق صدقة\" قد فسره الحافظ تفسير مختصر فقال: أي تنحيه وتبعده عنها، وفسره غيره تفسير مبسط فقال المراد بإماطة الأذى عن الطريق: إزالة ما يؤذي المار من حجر أو شوك وكذا قطع الأشجار من الأماكن الوعرة كما يفعل في طريق الحاج، وكذا كنس الطريق عن التراب الذي يتأذى به المار وردم ما فيه من حفرة أو وهدة وقطع شجرة تكون في الطريق، وفي معناه: توسيع الطريق الذي يضيق على المارة وإقامة من يبيع أو يشتري في وسط الطرق العامة كمحل السعي بين الصفا والمروة ونحو ذلك، فكله من باب إماطة الأذي عن الطريق، ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب كالحفر التي في وسط الطريق التي يخشى أن يسقط فيها الأعمى والصغير والدابة فإنه يجب طمسها أو التحويط عليها إن لم يضر ذلك للمارة والله أعلم؛ وزاد البخاري في هذا الحديث: \"ودل الطريق صدقة\" وهو أن يدل من لا يعرف الطريق عليها (^٢).\n\n٤٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ أَلا أدلكم على مَا يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ إسباغ الْوضُوء\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٣٠٣).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٣٠٤).","vol":"3","page":113},{"text":"على المكاره وَكثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة فذلكم الرِّبَاط فذلكم الرِّبَاط فذلكم الرِّبَاط رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَلَفظه أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ كفَّارَات الْخَطَايَا إسباغ الْوضُوء على المكاره وإعمال الأقْدَام إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلَاة (^١).\n\n٤٧٤ - وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - إِلَّا أَنه قَالَ أَلا أدلكم على مَا يكفر الله بِهِ الْخَطَايَا وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله فَذكره (^٢).\n\n٤٧٥ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر وَعِنْده أَلا أدلكم على مَا يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيكفر بِهِ الذُّنُوب (^٣).\n\n٤٧٦ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إسباغ الْوضُوء فِي المكاره وإعمال الأقْدَام إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصلاة بعد الصَّلَاة تغسل الْخَطَايَا غسلا رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٤٤٥)، ومسلم (٤١ - ٢٥١)، وابن ماجه (٤٢٨)، والترمذى (٥٢)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٢ (١٤٨) والكبرى (١٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٧) و(٧٧٦)، وابن خزيمة (١٧٧) و(٣٥٧)، وابن حبان (٤٠٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١١).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (١٠٣٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٢).\n(^٤) أخرجه البزار (٥٢٨ و٥٢٩)، وأبو يعلى (٤٨٨). قال البزار: وهذا الحديث هكذا رواه صفوان، عن الحارث، عن سعيد بن المسيب وقال أنس بن عياض وغيره: عن الحارث، عن أبي العباس، عن سعيد بن المسيب، وأبو العباس مجهول. قال الهيثمي في المجمع =","vol":"3","page":114},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا\" الخطايا هي الآثام، قال القاضي عياض: محو الخطايا كناية عن غفرانها، قال: ويحتمل محوها من كتاب الحفظة، ويكون ذلك دليلا على غفرانها (^١).\nقوله: \"ويرفع الدرجات\" ورفع الدرجات إعلاء المنازل فى الجنة (^٢).\nقوله: \"إسباغ الوضوء على المكاره\" واسباغ الوضوء إتمامه وأكمله وتقدم تفسيره مبسوطًا في مواضع، والمراد بالمكاره البرد الشديد أو المرض يكسل صاحبه عن الحركة أو حال إعواز الماء والحاجة إلى طلبه واحتمال المشقة فيه وابتياعه بالثمن الغالي ونحو ذلك من الحالات التي يشق على الإنسان الوضوء فيها والمكاره جمع مكره وهو ضد المنشط (^٣).\nقوله: \"وكثرة الخطى إلى المساجد\" وهي الخطى بعد الدار وكثرة التكرار (^٤).\nقوله: \"وانتظار الصلاة بعد الصلاة\" تقدم معناه.\n_________\n= ٢/ ٣٦: رواه أبو يعلى والبزار ورجاله رجال الصحيح، وزاد البزار في أوله: \"ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا\"، وزاد في أحد طريقيه رجلا وهو أبو العياس غير مسمى وقال: إنه مجهول، قلت: أبو العياس بالياء المثناة آخر الحروف والسين المهملة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٣).\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٥٥).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٥٥).\n(^٣) غريب الحديث (١/ ٢٨٤).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٥٥)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٤١)، والمفهم (٣/ ١٣٥).","vol":"3","page":115},{"text":"قوله: \"فذلكم الرباط، قالها ثلاثًا\" أي الرباط المرغبة فيه، وأصل الرباط الحبس على الشيء كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، قيل: ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل: الجهاد جهاد النفس، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن أى أنه من أنواع الرابط يعني أن المواظب على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله تعالى فيكون الرباط مصدر رابطت أي: التزمت، هذا آخر كلام القاضي وكله حسن (^١)، وقال بعض العلماء: ولما كان المواظب على هذه الأفعال المذكورة متوقعا بها غفران الذنوب وزيادة حسناته ودخوله فيمن شبهه النبي - ﷺ - بالمرابط الذي هو في نحر العدو ويتوقع بالرباط الشهادة والغفران، وقال الحافظ الدمياطي: إنما سميت هذه الأفعال رباطا لأنها تربط صاحبها، يعني: أن هذه الخصال تربط صاحبها أي تكفه عن المعاصي والمآثم (^٢)، وقال في حدائق الأولياء بعد سياق الحديث، ففيه رفع الدرجات بين طوائف الأمم السالفات ثم منازل الجنة تبع لذلك والمنازل الرفيعات (^٣) أ. هـ.\n\n٤٧٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من غَدا إِلَى الْمَسْجِد أَو رَاح أعد الله لَهُ فِي الْجنَّة نزلا كلما غَدا أَو رَاح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٤).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٥٥)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٤١).\n(^٢) المتجر الرابح (ص ٤٠).\n(^٣) حدائق الأولياء (٢/ ١٠١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٦٢)، ومسلم (٢٨٥ - ٦٦٩)، وابن خزيمة (١٤٩٦)، وابن حبان (٢٠٣٧).","vol":"3","page":116},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله: \"من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله نزلا في الجنة كلما غدا أو راح\" الحديث، الغدو هو الذهاب والرواح هو الرجوع، وقد استعمل الغدو والرواح في جميع النهار، وفي الأحاديث من هذا غدا بمعنى سار بالغدو، قاله عياض (^١) أي: من أسرع إلى المسجد أولًا فأجره أعظم كما فى الجمعة من راح ولم يرد بالرواح آخر الليل بل أصل الرواح ما بعد الزوال، ويطلق على البكور والغداة (^٢).\nقوله: \"أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح\" والنزل بالضم ويجوز السكون ما يعد للضيف من الطعام والشراب عند قدومه، قال أهل اللغة: النزل ما يهييء للنزيل، والنزيل: الضيف، قال الشاعر:\nنزيل القوم أعظمهم حقوقًا ... وحق الله في حق النزيل\nيعني: عادة الناس أن يقدموا طعامًا إلى من دخل بيوتهم والمسجد بيت الله، ومن دخله في أي وقت كان من ليل أو نهار يعطيه أجره من الجنة ولأن الله أكرم الكرماء فلا يضيع أجر المحسنين قاله في شرح المصابيح (^٣).\nتنبيه: فى قوله \"كلما غدًا أو راح\" الحديث فى بعضها أو راح باق، فإن قلت: ما الفرق بين المعنى فى الروايتين، قلت: على رواية الواو لابد من الأمرين حتى يعد له النزل وعلى أو يكفي أحدهما فى الأعداد، وقال بعضهم:\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٢٩).\n(^٢) انظر: النهاية (٢/ ٢٧٣)، والكواكب الدراري (٥/ ٤٨)، ونخب الأفكار (٢/ ٤٥٢).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٦٤).","vol":"3","page":117},{"text":"الغدو والرواح في الحديث كالبكرة والعشي في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (^١) يراد بهما الديمومة لا الوقتان المعلومان قاله الكرماني (^٢). وقال العلماء: العشي يطلق من الزوال إلى نصف الليل كما أن الغدو يطلق على ما قبل الزوال، قال الأصحاب: لو حلف لا يتعشى حنث بالأكل بعد الزوال (^٣) والله أعلم.\n\n٤٧٨ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الغدو والرواح إِلَى الْمَسْجِد من الْجِهَاد فِي سَبِيل الله\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة (^٤).\nقوله: عن أبي أمامة هو الباهلي واسمه صدى، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"الغدو والرواح من المسجد من الجهاد في سبيل الله\" الغدو السير في أول النهار إلى الزوال، والرواح السير من أول الزوال إلى آخر النهار (^٥)، وتقدم أيضًا على ذلك في الحديث قبله.\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٦٢.\n(^٢) الكواكب الدراري (٥/ ٤٨).\n(^٣) العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٣٥٢)، وروضة الطالبين (١١/ ٨٩)، والقول التمام (ص ١٨٢)، وتحفة المحتاج (٨/ ٣٣٩) ونهاية المحتاج (٧/ ٢١٤).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٧٧ رقم ٧٧٣٩) والشاميين (٨٧٩). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩ - ٣٠: رواه الطبراني في الكبير وفيه القاسم بن عبد الرحمن ثقة وفيه اختلاف. وقال الألبانى: موضوع ضعيف الترغيب (١٩٧).\n(^٥) النهاية (٣/ ٣٤٦ و٢/ ٢٧٣).","vol":"3","page":118},{"text":"٤٧٩ - وَعَن بُرَيْدَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"بشر الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلم إِلَى الْمَسَاجِد بِالنورِ التَّام يَوْم الْقِيَامَة\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب (^١) قالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم ﵀ وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِلَفْظ من حَدِيث أنس (^٢).\nقوله: عن بريدة، هو بريدة بن [الحصيب وتقدمت ترجمته].\nقوله: \"بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة\" وهذا أعني المشي في الظلم إنما يتعلق كثير ممن تعلق قلبه بالمساجد كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم رجل قلبه معلق بالمساجد، الحديث، قال النخعي: كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة ذات المطر والريح أنها موجبة (^٣) أي الجنة، وجمعها موجبات ومنه الحديث: \"اللهم إني أسألك موجبات رحمتك\" (^٤).\n\n٤٨٠ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله ليضيء للَّذين يتخللون إِلَى الْمَسَاجِد فِي الظُّلم بنور سَاطِع يَوْم الْقِيَامَة\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٦١)، والترمذى (٢٢٣). وقال الترمذى: هذا حديث غريب. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٧٨١). وصححه الألباني في المشكاة (٧٢١ و٧٢٢)، وصحيح الترغيب (٣١٦).\n(^٣) شرح السنة (٢/ ٣٥٨).\n(^٤) النهاية (٥/ ١٥٣).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨ رقم ٨٤٣)، وابن شاهين في الترغيب في =","vol":"3","page":119},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع\" الحديث.\nالتخلل: هو المشي إلى المساجد والمسارعة إليه.\n\n٤٨١ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"من مَشى فِي ظلمَة اللَّيْل إِلَى الْمَسْجِد لَقِي الله ﷿ بِنور يَوْم الْقِيَامَة\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَلَفظه: قَالَ من مَشى فِي ظلمَة اللَّيل إِلَى الْمَسَاجِد آتَاهُ الله نورا يَوْم الْقِيَامَة.\n\n٤٨٢ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ بشر المدلجين إِلَى الْمَسَاجِد فِي الظُّلم بمنابر من النُّور يَوْم الْقِيَامَة يفزع النَّاس وَلا يفزعون\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده نظر (^٢).\n_________\n= الفضائل (٩٣). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٧).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٤٨) والمصنف ٢/ ٥٩ (٦٤٣٨)، وابن حبان (٢٠٤٦)، والطبراني فى الأوسط (٥/ ٦٩ رقم ٤٦٩٧) و(٦/ ٣٧٠ - ٣٧١ رقم ٦٦٤٤) والشاميين (٣٥١٣). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وقال: وفيه جنادة بن أبي خالد ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٨) و(٤٢٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٤٢ رقم ٧٦٣٣ و٧٦٣٤) و(٨/ ٢٩٣ رقم ٨١٢٥) والشاميين (١٠٣٣ و١٠٣٤). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣١: رواه الطبراني في الكبير وفيه سلمة العبسي عن رجل من أهل بيته ولم أجد من ذكرهما. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٨).","vol":"3","page":120},{"text":"قوله: عن أبي أمامة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة\" المدلج: هو الآتي إلى المسجد في الليل، يقال: أدلج المسافر إذا سافر من أول الليل (^١) وسيأتي له نظائر، والظلم جمع ظلمة، والمنير هو المرتفع.\n\n٤٨٣ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"ليبشر المشاؤون فِي الظُّلم إِلَى الْمَسَاجِد بِالنورِ التَّام يَوْم الْقِيَامَة\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ كذَا قَالَ (^٢): قَالَ الْحَافِظ وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس (^٣) وَابْن عمر (^٤) وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ (^٥).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٢٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٧٨٠)، وابن خزيمة (١٤٩٨) و(١٤٩٩)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٧ رقم ٥٨٠٠)، والحاكم (١/ ٢١٢ و٢/ ٢١١). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وصححه الألباني فى صحيح الترغيب (٣١٩) و(٤٢٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٨٩ رقم ١٠٦٨٩)، وأبو نعيم في المعرفة (٤٢٨٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (٧٥٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه الطبراني في الكبير وفيه العباس بن عامر الضبي ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله موثقون.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٥٨ رقم ١٣٣٣٥) وأبو نعيم في المعرفة (٤٣٣٠). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه داود بن الزبرقان ضعفه ابن معين وابن المديني وأبو زرعة وقال البخاري: مقارب الحديث.\n(^٥) أخرجه الطيالسى (٢٣٢٦)، وأبو يعلى (١١١٣)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ١٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه أبو يعلى وفيه عبد الحكم بن عبد الله وهو ضعيف.","vol":"3","page":121},{"text":"وَزيد بن حَارِثَة (^١) وَعَائِشَة (^٢) وَغَيرهم (^٣).\n\n٤٨٤ - عَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"المشاؤون إِلَى الْمَسَاجِد فِي الظُّلم أُولَئِكَ الخواضون فِي رَحْمَة الله تَعَالَى\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٤) وَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن رَافع تكلم فِيهِ النَّاس وَقَالَ التِّرْمِذِيّ ضعفه بعض أهل الْعلم وَسمعت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ يَقُول هُوَ ثِقَة مقارب الحَدِيث.\n_________\n(^١) أخرجه البغوي في معجم الصحابة (٨١٥)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٣٠)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٨ رقم ٤٥٨١) والكبير (٥/ ٨٦ رقم ٤٦٦٢). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه ابن لهيعة وهو مختلف في الاحتجاج به.\n(^٢) أخرجه العقيلى في الضعفاء (١/ ٢٣٤)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٦٨ رقم ١٢٧٥). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه الطبراني في الأوسط وفيه الحسن بن علي الشروي قال الذهبي: لا يعرف، وفي حديثه نكرة قال الأزدي: لا يتابع عليه.\n(^٣) أخرجه البزار (٣٠٧٤) عن أبي موسى. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠ - ٣١: رواه الطبراني في الكبير والبزار وفيه محمد بن عبد الله بن عمير بن عبيد وهو منكر الحديث. وأخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٩٠) عن عمر بن الخطاب. وأخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٩١) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٩٨٤) عن حارثة بن وهب.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٧٧٩)، وابن عدى في الكامل (١/ ٤٥٣)، وابن شاهين في الفضائل (٩٢)، وابن الجوزى في العلل (٦٨٧). قال ابن الجوزى: قال يحيى إسماعيل بن رافع ليس بشيء قال النسائي متروك الحديث. وقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٩٩: هذا إسناد ضعيف أبو رافع أجمعوا على ضعفه والوليد بن مسلم مدلس وقد عنعنه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٩) والضعيفة (٣٠٥٩).","vol":"3","page":122},{"text":"٤٨٥ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: من خرج من بَيته متطهرًا إِلَى صَلَاة مَكْتُوبَة فَأَجره كَأَجر الْحَج الْمحرم وَمن خرج إِلَى تَسْبِيح الضُّحَى لا ينصبه إِلَّا إِيَّاه فَأَجره كَأَجر الْمُعْتَمِر وَصَلَاة على إِثْر صَلَاة لا لَغْو بَينهمَا كتاب فِي عليين رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي أُمَامَة (^١) تَسْبِيح الضُّحَى يُرِيد صَلَاة الضُّحَى وكل صَلَاة يتَطَوَّع بهَا فَهِيَ تَسْبِيح وسبحة قَوْله لا ينصبه أَي لا يتعبه وَلابْن عجة إِلَا ذَلِك وَالنّصب بِفَتْح النُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة جَمِيعًا هُوَ التَّعَب.\nقوله: عن أبي أمامة، واسمه صدي بن عجلان الباهلي، تقدم.\nقوله: \"من خرج من بيته متطهرا على صلاة مكتوبة\" أي على وضوء لأن المراد بالطهارة ذلك، والمراد بالصلاة المكتوبة المفروضة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^٢) قيل: واجبًا [مفروضًا: مقدرًا في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتان، قال مجاهد: أي فرضا مؤقتا، وقته الله عليهم (^٣)، والله أعلم].\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٥٨)، والروياني (١٢٠٤)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٧٦ - ١٧٧ رقم ٧٧٣٤ و٧٧٣٥) و(٨/ ١٨١ رقم ٧٧٥٢ و٧٧٥٣ و٧٧٥٤) و(٨/ ١٨٢ رقم ٧٧٥٥) و(٨/ ١٨٤ رقم ٧٧٦٣ و٧٧٦٤)، وفي الأوسط (٣/ ٣١٤ رقم ٣٢٦٢)، وفي مسند الشاميين (٨٧٨) والبيهقى في الكبرى (٣/ ٨٩ رقم ٤٩٧٣). وحسنه الألباني في المشكاة (٧٢٨) وصحيح أبي داود (٥٦٧) وصحيح الترغيب (٣٢٠ و٦٧٥).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(^٣) تفسير البغوي (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).","vol":"3","page":123},{"text":"قوله: \"فأجره كأجر الحاج المحرم\" فيراد الحاج بالمحرم لأن الحج في اللغة القصد ولأن الجمعة حج المساكين ثم اعلم، أن أجر المصلي لا يبلغ أجر الحاج بل أجر الحاج أكبر لكن لا يلزم المساواة بين المشبه والمشبه به من كل وجه يعني كما أن الحاج من لدن خروجه من بيته إلى أن يرجع يكتب له أجره بذلك المشي فكذلك المصلى لكن بينهما تفاوت (^١).\nقوله: \"ومن خرج إلى تسبيح الضحى\" يريد صلاة الضحى: كل صلاة يتطوع بها فهي تسبيح وسبحة (^٢)، أ. هـ، قاله الحافظ.\nوقال في الديباجة: سميت الصلاة سبحة وتسبيحا لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ (^٣) الآية، أي: من المصلين، قاله عياض (^٤).\nقوله: \"لا ينصبه إلا إياه\"، أي: لا يتعبه ولا يزعجه إلا ذلك، والنصب بفتح النون والصاد المهملة جميعا هو التعب (^٥)، قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين\" الحديث، أثر بفتح الهمزة والثاء المثلثة ويجوز كسر الهمزة وسكون الثاء لغتان (^٦)؛\n_________\n(^١) الميسر (١/ ٢١٥)، والمفاتيح (٢/ ٨٢).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٦١).\n(^٣) سورة الصافات، الآية: ١٤٣.\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٥) معالم السنن (١/ ١٦١).\n(^٦) المفاتيح (٢/ ٨٢).","vol":"3","page":124},{"text":"واللغو هو: [الكلام الملغي الساقط] الباطل (^١).\nقوله: وقوله \"كتاب في عليين\" وعليون اسم السماء السابعة، وقيل: هو اسم لديوان الملائكة الحفظة يرفع إليه أعمال الصالحين من العباد، وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى والدار الآخرة، قاله في النهاية (^٢).\nوقال في حادي الأرواح: قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ (^٣) الآية، فأخبر الله تعالى أن كتابكم كتاب مرقوم حقيقيا لكونه مكتوب كتابة حقيقية، وخص كتاب الأبرار بأنه يكتب ويوقع لهم به ويشهد المقربين من الملائكة والنبيين وسادات المؤمنين ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب الفجار، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ (^٤) الآية، تنويها بكتاب الأبرار وما وقع لهم به وإشهادا له وإظهارا بين خواص خلقه كما يكتب الملوك تواقيع من تعظمه من الأمراء وخواص أهل المملكة تنويها باسم المكتوب له وإشارة بذكره، وهذا نوع من صلاة الله ﷾ وملائكته على عبده (^٥)، أ. هـ، والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٨).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٩٤).\n(^٣) سورة المطففين، الآية: ١٨.\n(^٤) سورة المطففين، الآية: ٧.\n(^٥) حادى الأرواح (ص ٧٠).","vol":"3","page":125},{"text":"قوله: رواه أبو داود من طريق القاسم بن عبد الرحمن، هو القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي قاضي الكوفة، ثقة كثير الحديث، لم يلق من الصحابة سوى جابر بن سمرة، وكان رجلا صالحا لا يأخذ على القضاء أجرًا، وقال أبو نعيم: ولي قضاء الكوفة بعد شريح، ثم أبو بردة بن موسى، ثم الشعبي، ثم القاسم بن عبد الرحمن، ثم محارب بن دثار؛ توفي سنة عشر ومائة، قاله ابن قانع (^١) والله أعلم.\n\n٤٨٦ - وَعنهُ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة كلهم ضَامِن على الله إِن عَاشَ رزق وكفي وَإِن مَاتَ أدخلهُ الله الْجنَّة من دخل بَيته فَسلم فَهُوَ ضَامِن على الله وَمن خرج إِلَى الْمَسْجِد فَهُوَ ضَامِن على الله وَمن خرج فِي سَبِيل الله فَهُوَ ضَامِن على الله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢) وَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع فِي الْجِهَاد وَغَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: وعنه، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة كلهم ضامن على الله\" الحديث. أي: على كل واحد منهم (^٣)، ولفظ الكل يقع على الواحد والجمع حملًا على اللفظ في الواحد\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٣/ ٣٧٩ - ٣٨٣ الترجمة ٤٧٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٩٤)، وأبو داود (٢٤٩٤)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٥١)، وابن حبان (٤٩٩). وصححه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢٢٥٣)، \"المشكاة\" (٧٢٧) وصحيح الترغيب (٣٢١ و١٣١٧ و١٦٠٩).\n(^٣) بحر المذهب (١٣/ ٢٠٢)، والمجموع المغيث (٢/ ١١٨).","vol":"3","page":126},{"text":"وعلى الجمع في المعنى (^١).\nوقوله: \"ضامن على الله\": أي صاحب ضمان كما يقال: [تامر ولابن] أي: مضمون على الله تعالى أي ضمن الله تعالى أن يدخله الجنة، يعني أنهم في رعاية الله تعالى.\nقوله - ﷺ -: \"من دخل بيته فسلم\" أي: سلم إذا دخل بيته امتثالا لقوله تعالى وتبارك: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾ (^٢) الآية، ويحتمل أن يريد بذلك أنه يلزم بيته طلبا للسلامة من البتر يرغب بذلك العزلة ويأمن بالإقلال من الخلطة، قاله صاحب المغيث (^٣).\n\n٤٨٧ - وَعَن سلمَان - ﵁ -: أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تَوَضَّأ فِي بَيته فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ أَتى الْمَسْجِد فَهُوَ زائر الله وَحقّ على المزور أَن يكرم الزائر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا جيد وروى الْبَيْهَقِيّ نَحوه مَوْقُوفا على أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - بِإِسْنَاد صَحِيح (^٤).\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ١١٨).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٦١.\n(^٣) المجموع المغيث (٢/ ١١٨).\n(^٤) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٨٩ - ٩٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٥٣ رقم ٦١٣٩) و(٦/ ٢٥٥ رقم ٦١٤٥)، وابن جميع في المعجم (ص ٣٢٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، والخطيب في موضح أوهام الجمع (٢/ ٣١٣). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣١: رواه الطبراني في الكبير وأحد إسناديه رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (١١٦٩) وصحيح الترغيب (٣٢٢).","vol":"3","page":127},{"text":"٤٨٨ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من خرج من بَيته إِلَى الصَّلَاة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق السَّائِلين عَلَيْك وبحق ممشاي هَذَا فَإِنِّي لم أخرج أشرا وَلا بطرا وَلا رِيَاء وَلا سمعة وَخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك فأسألك أَن تعيذني من النَّار وَأَن تغْفر لي ذُنُوبِي إِنَّه لا يغْفر الذُّنُوب إِلَا أَنْت أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ واستغفر لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١) قَالَ المملي - ﵁ - وَيَأْتِي بَاب فِيمَا يَقُوله إِذا خرج إِلَى الْمَسْجِد إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ الْهَرَوِيّ إِذا قيل فعل فلَان ذَلِك أشرا وبطرا فَالْمَعْنى أَنه لج فِي البطر وَقَالَ الْجَوْهَرِي الأشر والبطر بِمَعْنى وَاحِد.\nقوله: \"عن أبي سعيد\" هو الخدري، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة\" قال الحافظ: قال الهروي إذا قيل فعل فلان ذلك أشرا وبطرا فالمعنى أنه لج في البطر (^٢)، وقال الجوهري: الأشر والبطر بمعنى واحد (^٣)، وقال بعض العلماء: الأشر البطر، وقيل: أشد البطر وهو الطغيان عند النعمة وطول الغنى (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٢١ (١١١٥٦) على الشك في رفعه، وابن ماجه (٧٧٨)، وابن المنذر في الأوسط (١٧٨١)، والبغوى في الجعديات (٢٠٣١) و(٢٠٣٢) موقوفا ومرفوعًا. وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٢٦٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٠) و(٩٩٦) وزاد منكر، والضعيفة (٢٤).\n(^٢) الغريبين (١/ ٧٨).\n(^٣) الصحاح (٢/ ٥٧٩) و(٢/ ٥٩٢).\n(^٤) النهاية (١/ ٥١) و(١/ ١٣٥).","vol":"3","page":128},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"ولا رياء ولا سمعة\" أي ليراه الناس ويسمعوه، أي: من عمل عملا مراءاة للناس ليشتهر بذلك ويعظم شهره الله يوم القيامة وكان ذلك ثوابه، وقيل معناه: من نسب إلى نفسه عملا صالحا لم يفعله أو ادعى خيرا لم يصنعه فإن الله يفضحه ويظهر كذبه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إلا أقبل الله عليه بوجهه\" المراد بإقبال الله تعالى على عبده هو [نظره إليه بالرحمة] والمراد بوجه الله قال هو [ذات الله وقيل:] أي: قبل عمله [وقيل: أثنى عليه بذلك وذكره لملائكته وأثابه وغفر له وقيل: لما كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده وكليته إلى هذه الجهة نزلها في حقه وجود منزلة الله تعالى فيكون هذا من باب الاستعارة].\n\n٤٨٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أحب الْبِلَاد إِلَى الله تَعَالَى مساجدها وَأبْغض الْبِلَاد إِلَى الله أسواقها رَوَاهُ مُسلم (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"أحب البلاد إلى الله تعالى -أي المواضع- مساجدها\" معناه: لأنها بيوت الطاعة أي الصلاة والذكر وأساسها التقوى.\nقوله: \"وأبغض البلاد إلى الله تعالى\" أي المواضع.\nوقوله: \"أسواقها\" لأنها مواضع الغفلة والحرص والطمع والخيانة والغش والخداع والرياء والأيمان الكاذبة وإخلاف الوعد والإعراض عن ذكر الله\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٨ - ٦٧١)، وابن خزيمة (١٢٩٣)، وابن حبان (١٦٠٠).","vol":"3","page":129},{"text":"تعالى وغير ذلك مما في معناه، والمساجد محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها، وسميت المساجد والأسواق بلادًا: لأن البلد عبارة عن مأوى الناس كذا في التحفة، ويجوز أن يكون محمولا على حذف المضاف أي: أحب أماكن البلاد وأبغض أماكن البلاد، والحب والبغض من الله تعالى إرادته الخير والشر وفعل ذلك بمن أسعده أو أشقاه والله أعلم.\n\n٤٩٠ - وَعَن جُبَير بن مطعم - ﵁ - أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أَي الْبلدَانِ أحب إِلَى الله وَأي الْبلدَانِ أبْغض إِلَى الله قَالَ لا أَدْرِي حَتَّى أسأَل جِبْرِيل -﵇- فَأَتَاهُ فَأخْبرهُ جِبْرِيل أَن أحسن الْبِقَاع إِلَى الله الْمَسَاجِد وَأبْغض الْبِقَاع إِلَى الله الأسْوَاق رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٨١) (١٦٧٤٤)، والبزار (٣٤٣٠) و(٣٤٣١)، وأبو يعلى (٧٤٠٣)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٢٨ رقم ١٥٤٥ و١٥٤٦)، والحاكم ١/ ٨٩ - ٩٠ و٢/ ٧، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٧٠). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جبير بن مطعم إلا بهذا الإسناد، وعبد الله بن محمد بن عقيل قد احتمل الناس حديثه، وقد بينا ما يجب في حديثه في غير هذا الموضع وقد روي هذا الكلام عن النبي - ﷺ - من وجوه، فاجتزينا بحديث جبير إلا أن يزيد أحد ممن روى ذلك عن رسول الله فنخرج ذلك لعلة الزيادة، ولم يرو ابن عقيل عن محمد بن جبير غير هذا الحديث.\nوصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه زهير وهو ذو مناكير هذا منها وابن عقيل فيه لين. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٦: رواه البزار، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به، وله طريق من غير ذكر المساجد عند أحمد وأبي يعلى تأتي في البيع إن شاء الله. وقال في ٤/ ٧٦: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الكبير هكذا، =","vol":"3","page":130},{"text":"قوله: عن جبير بن مطعم، تقدم الكلام على مناقبه في اتباع الكتاب والسنة.\nقوله: أن رجلا قال: يا رسول الله، أي البلدان أحب إلى الله؟، وأي البلدان أبغض إلى الله؟ قال: \"لا أدري حتى أسأل جبريل\" تقدم معنى الحب والبغض في الحديث قبله، وأما جبريل ﵊ فهو أمين الوحي وخازن القدس، ويقال له الروح الأمين وروح القدس والناموس الأكبر وطاووس الملائكة، قال علماء التأويل: جبريل اسم وائل من أسماء الله تعالى فجيز بمنزلة عبد وائل. من أسماء الله تعالى فجيز بمنزلة عبد وائل هو الله تعالى، ومعناه: عبد الله، وقيل: تسع لغات، ستذكر في الجمعة إن شاء الله تعالى، وقد بينت أن جبريل ﵊ كان يأتي النبي - ﷺ - في صورة دحية الكلبي، وقال ابن عباس جبرائيل صاحب الوحي والعذاب إذا أراد الله تعالى أن يهلك قوما سلطه عليه كما فعل بقوم لوط، ولجبريل ستة أجنحة في كل جناح مائة جناح، وله مع ذلك جناحان لا ينشرهما إلا عند هلاك القرى، وقال ابن الكلبي: سأل النبي - ﷺ - جبريل أن يأتيه في صورته التي خلقه الله عليها فقال له: لا تستطيع أن تثبت، فقال: \"بلى\" فظهر له في ستمائة ألف جناح سد الأفق جناح منها، وقال أحمد بإسناده عن ابن مسعود قال:\n_________\n= ورجال أحمد، وأبي يعلى، والبزار رجال الصحيح خلا عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو حسن الحديث، وفيه كلام. وقال ابن حجر في الفتح ٢/ ١١٠: أخرجه البزار وغيره ولا يصح إسناده. وحسنه في موافقة الخبر الخبر (١/ ١١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٥).","vol":"3","page":131},{"text":"رأى رسول الله - ﷺ - جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناج منها قد سد الأفق يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم، أخرجه أحمد في المسند، والتهاويل: الألوان المختلفة فشاهد رسول الله - ﷺ - أمرًا عظيمًا فصعق، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ (^١) وقال ابن عباس: قال رسول الله - ﷺ - لجبريل: \"إن الله وصفك بالقوة والطاعة والأمانة فأخبرني عن ذلك\" فقال: أما قوتي فإني رفعت قرى قوم لوط من تخوم الأرض السابعة على ريشة من جناحي وصعدت بهم إلى السماء حتى سمع أهل السموات صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير ثم قلبتها عليهم؛ وله ﵇ قوة في طيرانه: فإن إبراهيم الخليل ﵊ لما ألقي في النار كان جبريل عند سدرة المنتهى فأدركه قبل أن يصل إلى النار، ولما ألقي يوسف في الجب كان جبريل -﵇- عند سدرة المنتهى أيضًا فأدركه قبل أن يصل إلى قعر الجب؛ وله قوة في صوته: فإنه صاح بثمود صيحة ماتوا كلهم منها، انتهى قاله في عجائب المخلوقات (^٢)؛ وأما طاعة المخلوقات لي فإنني آمر رضوان خازن الجنة متى شئت يفتحها وكذلك مالك خازن النار؛ وأما أمانتي فإن الله تعالى أنزل من السماء مائة كتاب وأربع كتب لم يأمن عليها غيري (^٣) أنزل منها على آدم -﵇- إحدى وعشرين\n_________\n(^١) سورة النجم، الآية: ١٣.\n(^٢) عجائب المخلوقات (ص ٥٧).\n(^٣) كنز الدرر (١/ ٦٩).","vol":"3","page":132},{"text":"صحيفة وأنزل منها على شيث تسعًا وعشرين صحيفة وأنزل منها على إدريس -﵇- ثلاثين صحيفة وأنزل منها على إبراهيم عشرة صحف وأنزل منها على موسى قبل التوراة عشرة صحف، هذه مائة صحيفة، ثم أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود والفرقان على نبينا محمد - ﷺ -؛ قال قتادة: وجميعها نزل بها جبريل -﵇- في شهر رمضان (^١).\n\n٤٩١ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رجلا سَأل النَّبِي - ﷺ - أَي الْبِقَاع خير وَأي الْبِقَاع شَرّ قَالَ لا أَدْرِي حَتَّى أسأَل جِبْرِيل -﵇- فَسَأل جِبْرِيل فَقَالَ لا أَدْرِي حَتَّى أسأَل مِيكَائِيل فَجَاءَهُ فَقَالَ خير الْبِقَاع الْمَسَاجِد وَشر الْبِقَاع الأَسْوَاق\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم الكلام على فضائله.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٧). وقال الألباني: ضعيف جدا - الضعيفة (١٩١٠ و٦٠٩٠).\n(^٢) أخرجه الحارث (١٢٤)، وابن أبي شيبة في العرش (٧٤)، وأبو يعلى كما في المطالب (٣٥٠)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٥٥)، وابن حبان (١٥٩٩)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ١١٢ - ١١٣)، والطبراني في الكبير (١٣/ ١٣٩ رقم ١٣٧٩٨)، والحاكم ١/ ٩٠ و٢/ ٧ - ٨. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٦): \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه عطاء بن السائب؛ وهو ثقة، ولكنه اختلط في آخر عمره، وبقية رجاله موثقون\". قال البوصيرى في اتحاف الخيرة ٢/ ٢٧: وفي الحكم بصحته نظر فإن جرير بن عبد الحميد سمع من عطاء بعد اختلاطه، قاله أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن سعيد القطان كما بينته في تبين حال المختلطين. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠١).","vol":"3","page":133},{"text":"قوله: إن رجلًا سأل النبي - ﷺ - أي البقاع خير، وأي البقاع شر؟ الحديث؛ فلا يقتضي وصف البقاع بالشر عدم صحة الصلاة فيها، ولعلها شر بالنسبة إلى أنها محل الشيطان، أ. هـ قاله الزركشي (^١).\nقوله: قال \"لا أدري حتى أسأل جبريل\" قال جبريل: لا أدري حتى أسأل ميكائيل؛ الحديث تقدم الكلام على مناقب جبريل، وأما ميكائيل ﵊ فهو ملك عظيم، لو فتح فاه لم تكن السموات والأرض فيه إلا كخردلة ملقاة في وسط الفلاة، ولو أشرف على أهل السموات والأرض لاحترقوا من نوره وهو موكل بالأرزاق، أرزاق الخلائق والحكمة للنفوس (^٢)، وقال ابن عباس: أول من امتنع من الملائكة من الضحك ميكائيل، وقال أحمد بإسناده عن أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال لجبريل -﵇-:\"ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكًا\" فقال: \"ما ضحك منذ خلقت النار\" (^٣) والله أعلم.\n\n٤٩٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لجبريل أَي الْبِقَاع خير قَالَ لا أَدْرِي قَالَ فاسأل عَن ذَلِك رَبك ﷿ قَالَ فَبكى جِبْرِيل\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٨٤).\n(^٢) عجائب المخلوقات (ص ٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٣٣٤٣)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٢١٩)، والآجرى في الشريعة (٩٣٢)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٨٤). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٨٥: رواه أحمد من رواية إسماعيل بن عياش، عن المدنيين وهي ضعيفة، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥١١) وصحيح الترغيب (٣٦٦٤).","vol":"3","page":134},{"text":"-﵇- وَقَالَ يَا مُحَمَّد وَلنَا أَن نَسْأَلهُ هُوَ الَّذِي يخبرنا بِمَا يَشَاء فعرج إِلَى السَّمَاء ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ خير الْبِقَاع بيُوت الله فِي الأرْض قَالَ فَأَي الْبِقَاع شَرّ فعرج إِلَى السَّمَاء ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ شَرّ الْبِقَاع الأسواق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^١).\nقوله: عن أنس، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ - لجبريل: \"أي البقاع خير؟ \" فذكر الحديث، إلى أن قال: \"فعرج إلى السماء ثم أتاه\" الحديث، عرج بفتح العين والراء، ويروي بضم العين وكسر الراء، ومعناه: ارتقى والمعراج المدرج، وقيل: سلم تعرج فيه الأرواح قاله عياض (^٢) والله أعلم.\nخاتمة فيها بشرى لأهل المساجد: ورد في الخبر \"إذا كان يوم القيامة يأتي قوم فيقفون على الصراط ولا يتجاسرون بالمرور عليه فيبكون ويأتي جبريل فيقول لهم: ما منعكم عن العبور؟ فيقولون: نخاف من النار، فيقول جبريل: إذا استقبلتم في النار بحر عميق، كيف عبرتموه، فيقولون بالسفن، فيؤتي بالمساجد التي صلوا فيها كهيئة السفن فيعبرون الصراط، فيقال: هذه المساجد التي صليتم فيها بالجماعة\" قاله ابن الفرات في تاريخه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٥٤ - ١٥٥ رقم ٧١٤٠) ومن طريقه ابن حجر في موافقة الخبر الخبر (١/ ٩). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمار بن عمارة، وهو أبو هاشم صاحب الزعفران، إلا عبيد بن واقد. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٦ و٤/ ٧٦): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبيد بن واقد القيسي وهو ضعيف. وقال ابن حجر: قلت: وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٥٠٠) وضعيف الترغيب (٢٠٢).\n(^٢) مطالع الأنوار (٤/ ٣٩٩).","vol":"3","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>[الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها]</span>\n٤٩٣ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله يَوْم لا ظلّ إِلَا ظله الإِمَام الْعَادِل والشاب نَشأ فِي عبَادَة الله ﷿ وَرجل قلبه مُعَلّق بالمساجد ورجلان تحابا فِي الله اجْتمعَا على ذَلِك وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الله وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" الحديث، أي: في ظل عرشه، والمراد به يوم القيامة إذا قام الناس في صعيد واحد وقربت الشمس من الرؤوس وأدبرت النار لأهل الموقف فليس هناك إلا ظل العرش، وأما ظل الصدقة فمن ظل العرش والله أعلم ويحتمل أن يراد بالظل هنا الكنف والكرامة والوقاية من المكاره كما تقول العرب أنا في ظل فلان أي في حمايته وكرامته وكنفه وإلى هذا نحا ابن دينار (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٥) و(١٤٢٣) و(٦٤٧٩) و(٦٨٠٦)، ومسلم (٩١ - ١٠٣١)، والترمذى (٢٣٩١)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٢٧٦ (٥٤٢٤).\n(^٢) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٥٦٧)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢١)، والمفهم (٩/ ٤٣ - ٤٤)، والكواكب الدراري (٥/ ٤٦).","vol":"3","page":136},{"text":"قوله - ﷺ -: \"الإمام العادل\" والإمام العادل هو كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه (^١).\nقوله: \"والشاب نشأ في عبادة الله ﷿\" نشأ بمعنى نبت وابتدأ أي لم تكن له صبوة وهذا الذي قال فيه في الحديث الآخر \"يعجب ربك من صبي ليست له صبوة\" وإنما كان كذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"قلبه معلق بالمساجد\" أي محب المكوث فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن وهذا إنما يكون ممن استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغف بها (^٣) وقال النووي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود فيها (^٤).\nقلت: فكيف من أحب المسجد الحرام وتعلق قلبه به؟ (^٥).\nقوله: \"ورجلان تحابا في الله\" أي داما على المحبة الصادقة الدينية المبرأة عن الأغراض الدنيوية ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما ولا حال افتراقهما (^٦).\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ٤٤).\n(^٢) المفهم (٩/ ٤٤).\n(^٣) المفهم (٩/ ٤٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢١).\n(^٥) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ٣٩).\n(^٦) المفهم (٩/ ٤٤).","vol":"3","page":137},{"text":"قوله: \"ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال\" أي دعته إلى الزنا بها، وذات منصب أي أصل (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" سيأتي الكلام على ذلك في صدقة السر.\nقوله: \"ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه\" سيأتي الكلام على ذلك أيضًا في البكاء.\n\n٤٩٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ الرجل يعْتَاد الْمَسَاجِد فَاشْهَدُوا لَهُ بالإِيمَان قَالَ الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٢) \" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم كلهم من طَرِيق دراج أبي السَّمْح عَن أبي الْهَيْثَم عَن أبي سعيد وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^٣).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري: تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان\"\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٤)، والمفاتيح (٢/ ٦٦)، وشرح المصابيح (١/ ٤٢٤)، وعمدة القارى (٥/ ١٧٩).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ١٨.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٨٠٢)، والترمذى (٢٦١٧) و(٣٠٩٣)، وابن خزيمة (١٥٠٢)، وابن حبان (١٧٢١)، والحاكم (٢/ ٣٣٢). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وضعفه الألباني في المشكاة (٧٢٣) وضعيف الترغيب (٢٠٣).","vol":"3","page":138},{"text":"الحديث، المراد باعتياد المسجد أن يكون قلبه متعلقا به منذ يخرج منه إلى أن يعود إليه كما هو مذكور في حديث السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله فقال \"ورجل قلبه معلق بالمساجد\" وقال علي رضي الله تعالى عنه: إذا مات العبد بكى عليه مصلاه ومصعد عمله من السماء ثم قرأ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (^١) (^٢) وقال ابن عباس تبكي عليه الأرض أربعين صباحا، وقال عطاء الخراساني: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له بها يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت (^٣)، وروى جابر عن النبي - ﷺ - قال: \"المساجد سوق من أسواق الآخرة فمن دخلها كان ضيف الله وجزاؤه المغفرة وتحيته الكرامة، عليكم بالأرتاع قالوا يا رسول الله وما الأرتاع قال الدعاء والرغبة إلى الله تعالى\" (^٤) فيستحب لمن قصد المسجد أن يخلص النية لقصد العبادة وتعظيم المسجد بالزيارة وإحيائه بالذكر والتلاوة ويستحب أيضا لقاصد المسجد أن يلبس من ثيابه البياض لحديث ورد بذلك وأن يتوضأ في بيته والأفضل أن يذهب إلى\n_________\n(^١) سورة الدخان، الآية: ٢٩.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٦).\n(^٣) إحياء علوم الدين (١/ ١٥٢).\n(^٤) أخرجه البحيرى في الرابع من فوائده (٧١) والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٨٧) والشجرى في الأمالى (١٠٣٤)، والديلمى في الغرائب الملتقطة (٢٥٩٤) من طريق الحاكم. وفيه سليمان بن إسرائيل الجحدرى قال الحاكم حدثنا عنه بعجائب منها هذا فذكره لسان الميزان (٣/ ٧٧).","vol":"3","page":139},{"text":"الصلاة ماشيا وسواء في ذلك الجمعة والجماعة والعيد وغير ذلك قاله في تسهيل المقاصد لزوار المساجد (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فاشهدوا له بالإيمان\" قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية قال القاضي أبو بكر بن العربي: دلت الآية على أن الشهادة بإعمار المساجد صحيحة لأن الله ﷾ ربطها بها وأخبر عنها بملازمتها والنفس تطمئن بها وتسكن إليها والمراد عمارة المساجد بالعبادة والطاعات والقربات (^٢)، وقال الزمخشري: وعمارتها يتناول رمّ ما استرمّ منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وإعدادها للعبادة والذكر، ومن الذكر درس العلم لمن هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا (^٣) انتهى.\nقال أنس بن مالك: من أسرج في المسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له مادام في المسجد ضوءه (^٤).\nقوله: رووه كلهم من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم ودراج لقب أبي السمح القرشي السهمي المصري القاضي مولى عبد الله بن عمرو بن\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ١ ولوحة ٢ ولوحة ٤).\n(^٢) أحكام القرآن (٢/ ٢٤٦).\n(^٣) الكشاف (٢/ ٢٥٤).\n(^٤) أخرجه الحارث بن أبي أسامة (١٢٧)، وابن أبي شيبة في العرش (٣٤). قال البوصيرى في الاتحاف (٢/ ٤٢): هذا إسناد ضعيف. قال الذهبي في الميزان: الحكم بن مسقلة قال الأزدي: كذاب. وقال الألبانى: موضوع الضعيفة (١١٦٨).","vol":"3","page":140},{"text":"العاصي رأى مولاه عبد الله بن عمرو بن العاصي وكان دراج كريما إذا أتاه من يطلب العلم لم يحدثه حتى يطعم عنده، توفي سنة عشرين ومائة روى له البخاري في الأدب وغيره والأربعة (^١) والله أعلم قال في الديباجة.\nوأما أبو الهيثم، هو سليمان بن عمرو العتواري المصري روى عن أبي سعيد الخدري وهو الذي رباه وكان في حجره أوصى إليه أبوه به وثقه ابن معين وابن حبان روى له الأربعة (^٢).\n\n٤٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا توطن رجل الْمَسَاجِد للصَّلَاة وَالذكر إِلَا تبشبش الله تَعَالَى إِلَيْهِ كَمَا يتبشبش أهل الْغَائِب بغائبهم إِذا قدم عَلَيْهِم رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَ مَا من رجل كَانَ توطن الْمَسَاجِد فَشَغلهُ أَمر أَو عِلّة ثمَّ عَاد إِلَى مَا كانَ إِلَا يتبشبش الله إِلَيْهِ كَمَا يتبشبش أهل الْغَائِب بغائبهم إِذا قدم (^٣).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ - \"ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر\" الحديث أي اتخذها\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٨/ ٤٧٧ - ٤٨٠ ترجمة ١٧٩٧).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٢/ ٥٠ - ٥١ الترجمة ٢٥٥٤).\n(^٣) أخرجه الطيالسى (٢٨٣٨)، وأحمد ٢/ ٣٢٨ (٨٣٥٠) و٢/ ٣٥٤ (٩٨٤١ و٩٨٤٢)، وابن أبي شيبة في مسنده كما في إتحاف الخيرة بإثر (١٤٧٨)،، وابن ماجه (٨٠٠)، وابن خزيمة (٣٥٩) و(١٤٩١) و(١٥٠٣)، وابن حبان (١٦٠٧) و(٢٢٧٨)، والحاكم ١/ ٢١٣. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٧).","vol":"3","page":141},{"text":"موطنا للذكر والصلاة فلا بأس بذلك وفيه فضل كبير وأما لغير ذلك فهو الذي ورد النهي عنه.\nقوله - ﷺ - \"إلا تبشبش الله تعالى إليه\" تقدم الكلام على ذلك قريبا وهو هنا مجاز عن الرضا عنه والإكرام له يعني دليل على خصوص الرضا من الله تعالى على قصاد المساجد (^١).\n\n٤٩٦ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ سِتّ مجَالِس الْمُؤمن ضَامِن على الله تَعَالَى مَا كَانَ فِي شَيْء مِنْهَا فِي مَسْجِد جمَاعَة وَعند مَرِيض أَو فِي جَنَازَة أَو فِي بَيته أَو عِنْد إِمَام مقسط يعزره ويوقره أَو فِي مشْهد جِهَاد\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَزَّار وَلَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ لَكِن رُوِيَ من حَدِيث معَاذ بِإِسْنَاد صَحِيح وَيَأْتِي فِي الْجِهَاد وَغَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ست مجالس المؤمن ضامن على الله تعالى ما كان في شيء منها\" الحديث ومعنى المؤمن ضامن على الله تعالى أي صاحب ضمان يعني أنه في رعاية الله وتقدم الكلام على ذلك قريبًا.\nقوله \"ما كان في شيء منها في مسجد جماعة وعند مريض أو في جنازة أو\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عمر في المسند -كما في المطالب العالية (٣/ ٥٦٦ رقم ٣٧٤) - وعبد بن حميد (٣٣٧)، وابن زنجويه (٥٠)، والبزار (٤٣٥/ كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٥٩ رقم ١٤٦٥٥). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣: رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه، ورجاله موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٨).","vol":"3","page":142},{"text":"في بيته أو عند إمام مقسط يعزره ويوقره\" وسيأتي الكلام على كلّ واحدة من هذه الخصال في بابها، وأما الإمام المقسط فهو العادل والإمام يشتمل السلطان ومن ولي شيئًا من أمور المسلمين.\nوأما قوله \"يعزره أو يوقره\" أي يعينه وينصره ويعظمه والله أعلم.\n\n٤٩٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن عمار بيُوت الله هم أهل الله ﷿ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: عن أنس تقدم.\nقوله: \"إن عمار بيوت الله هم أهل الله ﷿\" وفي البيهقي عن أنس أيضًا سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الله سبحانه يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، والمتحابين في، والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم\" (^٢) وله عنه \"إذا عاهة من السماء أنزلت صرفت عن\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١٢٩١)، والبزار (٦٩٤١)، وأبو يعلى (٣٤٠٦)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ١٩٩)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٦٧ رقم ٢٥٠٢)، وابن عدى (٥/ ٩٤) قال البزار والطبراني: وهذا الحديث لا نعلم رواه، عن ثابت إلا صالح.\nقال ابن عدى: وصالح قد يقبل بهؤلاء الرجال يروي عنهم هذه الأحاديث، عن أنس منهم ثابت البناني ويزيد الرقاشي وميمون بن سياه وجعفر بن زيد وهذه الأحاديث التي يرويها عنهم عامتها لا يرويها غيره عنهم. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣: رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى والبزار، وفيه صالح المري وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٨٢) وضعيف الترغيب (٢٠٤).\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (٥/ ٩٤)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٧٩ رقم ٢٦٨٥) و(١١/ ٣٤٥ رقم ٨٦٣٣). وضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (٧١٠٢).","vol":"3","page":143},{"text":"عمار المساجد\" (^١) وقال القاضي أبو بكر بن العربي: سمعت فخر الإسلام الشاشي يقول: كان القاضي أبو الطيب الطبري يسمي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي حمامة المسجد لملازمته له لأنه لم يجعل لنفسه بيتا سواه (^٢).\nوروى الطبراني في الأوسط عن الضحاك \"إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري منها عمارها، فطوبي لعبد تطهر في بيته ثم زارني، فحق على المزور أن يكرم زائره\" (^٣) وقال - ﷺ -: \"إن الله لينادي يوم القيامة أين جيراني؟ أين جيراني؟ قال: فتقول الملائكة ربنا ومن ينبغي أن يجاورك فيقول أين عمار المساجد\" (^٤).\n\n٤٩٨ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من ألف الْمَسْجِد أَلفه الله\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَفِيه ابْن لَهِيعَة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٤/ ٢٠٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٩٦)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠ رقم ٢٦٨٦). قال ابن عدى: وهذا يرويه زافر، ولزافر غير ما ذكرت، وكأن أحاديثه مقلوبة الإسناد مقلوبة المتن، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، ويكتب حديثه مع ضعفه. وقال الألبانى: ضعيف الضعيفة (١٨٥١)، وقال: منكر الضعيفة (٢٤٤٩) و(٧٠٨٠).\n(^٢) أحكام القرآن (٢/ ٤٦٢).\n(^٣) لم أعثر عليه بهذا اللفظ عن الضحاك.\n(^٤) أخرجه الحارث (١٢٦) وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١٠٩٥) وابن عدى (٥/ ١٦٥) عن أنس. قال ابن عدى: وهذا يرويه زافر، ولزافر غير ما ذكرت، وكأن أحاديثه مقلوبة الإسناد مقلوبة المتن، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، ويكتب حديثه مع ضعفه.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٦٩ رقم ٦٣٨٣)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٥١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن دراج إلا ابن لهيعة، تفرد به عمرو بن خالد. وقال =","vol":"3","page":144},{"text":"قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من ألف المسجد ألفه الله\" أي: أحبه الله والألفة [اجتماع مع التئام يقال ألفت بينهم ويقال للمألوف إلف وأليف والمؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة ورتبت ترتيبا قدم فيه ما حقه أن يقدم وآخر فيه ما حقه أن يؤخر (^١)].\n\n٤٩٩ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الشَّيْطَان ذِئْب الإِنْسَان كذئب الْغنم يَأْخُذ الشَّاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وَعَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة والعامة وَالْمَسْجِد رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة الْعَلَاء بن زِيَاد عَن معَاذ وَلم يسمع مِنْهُ (^٢).\nقوله عن معاذ بن جبل: \"إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناجية\" الحديث، الشاة القاصية المنفردة عن القطيع البعيدة عنه\n_________\n= الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠٦٠) وضعيف الترغيب (٢٠٣).\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٨١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٢) (٢٢٠٢٩) و(٥/ ٢٤٣) (٢٢١٠٧)، والحارث في المسند (٦٠٦)، والشاشى (١٣٨٧)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٦٤ رقم ٣٤٤ و٣٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٤٧). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣: رواه أحمد، والعلاء بن زياد لم يسمع من معاذ. وقال في ٥/ ٢١٩: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات إلا أن العلاء بن زياد قيل: إنه لم يسمع من معاذ. وضعفه الألباني في المشكاة (١٨٤) وضعيف الترغيب (٢٠٦) والضعيفة (٣٠١٦).","vol":"3","page":145},{"text":"قاله في النهاية (^١) والناجية بكسر الجيم وفتح الياء المثناة من تحت أي السريعة العدو قاله في النهاية، ومنه الحديث \"أتوك على قلص نواج\" أي مسرعات، الواحدة ناجية (^٢) مسرعات يريد أن الشيطان يتسلط على الخارج من الجماعة وأهل السنة (^٣) والله أعلم.\nقوله: رواه أحمد من رواية العلاء بن زياد [وهو ثقة لكن روايته عن معاذ مرسلة].\n\n٥٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن للمساجد أوتادا الْمَلَائِكَة جلساؤهم إِن غَابُوا يفتقدوهم وَإِن مرضوا عادوهم وَإِن كانُوا فِي حَاجَة أَعَانُوهُم ثمَّ قَالَ جليس الْمَسْجِد على ثَلَاث خِصَال أَخ مُسْتَفَاد أَو كلمة حِكْمَة أَو رَحْمَة منتظرة رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن سَلام دون قَوْله جليس الْمَسْجِد إِلَى آخِره فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي أُصَلِّي وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٧٥).\n(^٢) النهاية (٥/ ٢٥).\n(^٣) النهاية (٤/ ٧٥).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٤١٨ (٩٤٢٤)، وأبو نعيم في الأربعون (٣٧) عن أبي هريرة. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٤٠١). وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٩٨)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣ رقم ٢٦٩٢) عن عبد الله بن سلام. صحيح على شرط الشيخين موقوف. ووافقه الذهبي. وصححهما الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٩).","vol":"3","page":146},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله في الحديث \"جليس المسجد على ثلاث خصال أخ مستفاد أو كلمة محكمة أو رحمة منتظرة\" الحديث، يجوز في أخ وكلمة ورحمة الثلاثة الجر والرفع، وفي شرح السنة عن ابن مسعود أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب! قال: \"إن ترهب أمتي الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة\" وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، فما حقه؟ أن يقول إلا خيرًا (^١). فيستحب لزوم المساجد والجلوس فيها، لما في ذلك من إحياء البقع وانتظار الصلاة وفعلها في أوقاتها على أكمل الأحوال، وعن عبد الرحمن بن مسعود الفزاري عن أبي الدرداء قال: ما من رجل يغدو إلى المسجد لخير يفعله أو يعمله إلا كتب له أجر مجاهد لا ينقلب إلا [غانما] (^٢)، فينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار الصلاة أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا أن ينوي الاعتكاف ويستحب له ويثاب له ما لم يخرج من المسجد بنية الاعتكاف، ولو تكلم بكلام لغو أو عمل صناعة من خياطة ونحوها لم يبطل اعتكافه (^٣).\nفرع: ولو دخل المسجد لقصد المرور استحب له أن ينوي الاعتكاف عند أول دخوله ويقف وقفة لطيفة، قال البغوي: تزيد على مقدار الطمأنينة في الصلاة،\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤١٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنِّف (٧/ ١١٥)، وأحمد في الزهد (٧٥٦).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٨).","vol":"3","page":147},{"text":"ثم يمشي حتى ينسحب الاعتكاف على مروره، فإن نوي الاعتكاف ولم يقف لم يصح اعتكافه على الصحيح، وقيل: يصح قاله في تسهيل المقاصد (^١).\nوينبغي للمجالس في المسجد أن يأمر بما يراه من معروف وينهى عمن يراه من منكر، هذا وإن كان الإنسان مأمور به في غير المسجد إلا أنه يتأكد القول به في المسجد صيانة له وإعظاما وإجلالا واحتراما، قال النووي: قال أصحابنا: من دخل المسجد فلم يتمكن من صلاة تحية المسجد إما لحدث أو إما لشغل ونحوه يستحب له أن يقول أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فقد قال به بعض السلف وهذا لا بأس به (^٢).\nوقال ابن بطال في شرح البخاري عن جابر بن زيد الإمام الكبير التابعي أنه قال: إذا دخلت المسجد فصل فيه فإن لم تصل فاذكر الله تعالى فكأنك قد صليت (^٣)، انتهى.\nفائدة: قال المحاملي: التحيات أربع تحيات تحية البيت بالطواف، وتحية منى بالرمي، وتحية الحرم بالإحرام، وتحية المسجد بركعتين (^٤)، ويضاف إلى ما ذكره: تحية عرفة بالوقوف عليه، وتحية المسلم بالسلام (^٥)، والتحيات\n_________\n(^١) المصدر السابق (لوحة ٨).\n(^٢) الأذكار (ص ٨٢).\n(^٣) شرح الصحيح (٢/ ٩٤).\n(^٤) اللباب (ص ١٤٥). وإعلام الساجد (ص ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٥) إعلام الساجد (ص ١٠٨ - ١٠٩)، والإقناع (١/ ١١٨).","vol":"3","page":148},{"text":"في قوله تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ (^١) السَّلام وقيل الهدية، قال العُلماء: ولو اتصلت المساجد بعضها ببعض فدخل واحدا وصلى التحية ثم دخل آخر لم تستحب التحية على الصحيح بناء على الصحيح أن المساجد المتصلة تعطى حكم المسجد الواحد في اتصال الصفوف وغيرها (^٢).\nفرع: قال في الروضة الذي صرح به كثير منهم الشيخ أبو حامد وصاحب الشامل والستة وغيرهم: إن المساجد المتصلة التي يفتح بعضها على بعض لها حكم المسجد الواحد وهو الصَّواب وقال أبو الفتوح العجلي: في نكت [الوسيط] فلو كانت المساجد المتصلة مغلقة الأبواب فالمذهب صحة الاقتداء، وأبعد بعض أصحابنا فمنع ذلك لأنهما لا يعدان مسجدا واحدا عرفا، قاله [ابن العماد في شرح العمدة] (^٣).\nقال النووي: ويستحب الإكثار في المسجد من ذكر الله تعالى والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغيرها من الأذكار ويستحب الإكثار من قراءة القرآن ومن المستحب فيه قراءة حديث رسول الله - ﷺ - وعلم الفقه وسائر العلوم الشرعية قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (^٤) الآية (^٥).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٨٦.\n(^٢) انظر: روضة الطالبين (١/ ٣٦١)، وحاشية العبادى على تحفة المحتاج (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٤٢).\n(^٤) سورة النور، الآية: ٣٦.\n(^٥) الأذكار (ص ٨١).","vol":"3","page":149},{"text":"٥٠١ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الْمَسْجِد بَيت كل تَقِيّ وتكفل الله لمن كانَ الْمَسْجِد بَيته بِالروحِ وَالرَّحْمَة وَالْجَوَاز على الصِّرَاط إِلَى رضوَان الله إِلَى الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْبَزَّار وَقَالَ إِسْنَاده حسن وَهُوَ كما قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى (^١) وَفِي الْبَاب أَحَادِيث غير مَا ذكرنَا تَأتي فِي انْتِظَار الصَّلاة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عن أبي الدرداء: واسمه عويمر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"المسجد بيت كل تقي\" الحديث، وعن قيس ابن أبي حازم قال: سمعتُ أبا الدرداء يقول لابنه: يا بني ليكن المسجد بيتك، فإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"المساجد بيوت المتقين\" (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"تكفل الله وإن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة\" وذكر الكفيل والكفالة كله بمعنى الضامن وتكون الكفالة بمعنى الحياطة، وكافل اليتيم حاضنه والقائم عليه (^٣) فإن من سكن المسجد\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٥٤٦)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٥٤ رقم ٦١٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢١٤)، والقضاعى في مسند الشهاب (٧٢) و(٧٣)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٨١ رقم ٢٦٨٩) و(١٣/ ١٩٥ رقم ١٠١٧٤). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار وقال: إسناده حسن، قلت: ورجال البزار كلهم رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٧١٦) وصحيح الترغيب (٣٣٠) شطره الأول. وضعفه من قوله تكفّلَ الله لمن كان المسجدَ بيتُه في ضعيف الترغيب (٢٠٧).\n(^٢) أخرجه الخطيب في تاريخه (٨/ ٣٤٠) ومن طريقه ابن الجوزى في العلل المتناهية (١/ ٤١٠: ٦٩٠). قال ابن الجوزي: قال الدَّارقُطْنِي: عمرو بن جرير، متروك.\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٦).","vol":"3","page":150},{"text":"واتخذه بيتا أعرض عن الدنيا وأهلها وأقبل على الآخرة وعمل لها (^١).\nتنبيهات: الجلوس في المسجد يقع على أغراض منها: أن يجلس ليقرأ القرآن عليه والحديث والفقه أو يجلس للاستفتاء ويألف ذلك الموضع فلا يبطل حقه بالقيام عنه حتى إذا عاد كان أحق به من غيره كمقاعد الأسواق لأن له أغراضا في ملازمته ذلك الموضع (^٢).\nومنها: الاستماع لحديث رسول الله وهو مستحب مرغوب فيه للحفظ وتعلم الأحكام وكذلك لقصد الصلاة على رسول الله - ﷺ - واتصال السند وهل يتعلق بقراءة متون الأحاديث ثواب خاص كما تتعلق بالقرآن، وهل يثاب على مجرد سماعها من كان عارفا بها كما يثاب المستمع للقرآن على مجرد الاستماع، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع قراءة متون الأحاديث لا يتعلق بها ثواب خاص (^٣).\nومنها: الجلوس لاستماع القرآن وهو مستحب لأن من استمع القرآن رحم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^٤) (^٥) والجلوس لقراءة القرآن أفضل من الجلوس لاستماعه،\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٧٦٦).\n(^٢) روضة الطالبين (٥/ ٢٩٦).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٧٣).\n(^٤) سورة الأعراف، ٢٠٤.\n(^٥) تسهيل المقاصد (لوحة ٧٣).","vol":"3","page":151},{"text":"ومنها: الجلوس لاستماع الذكر والتهليل والتسبيح، وهل يقول باستحباب ذلك كما يستحب في قراءة القرآن؟ قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن الذهبي في الكلام على السماع في مصنف له: أن ذلك من المباحات ولم يعده من القسم المستحب، ومنها: الجلوس للدعاء وهو مستحب لقوله - ﷺ -: \"الدعاء هو العبادة\" رواه أبو داود الطيالسي وقال - ﷺ -: \"من لم يدع الله غضب عليه\" وقيل فيه:\nالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب\nوقال الواسطي في تفسيره في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (^١) قال بعضهم: ترفع فيها الحوائج إلى الله تعالي، وقال بعضهم: ترفع الحوائج من القلوب بالذكر، فإن النبي - ﷺ - يقول حاكيا عن ربه \"من شغله، ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" ويدل للقول الأول قوله - ﷺ -: \"إذا دخلتم المساجد فعليكم الإرتاع\" قالوا وما الإرتاع يا رسول الله قال: \"الدعاء والرغبة إلى الله ﷿\" (^٢). ومنها أن يجلس إلى الصلاة فلا اختصاص له في صلاة أخرى، وأما الصلاة الحاضرة فهو أحق فإن فارق بغير عذر بطل حقه وإن قام لعذر كحدث أو رعاف أو إجابة داع ونحو ذلك لم يبطل اختصاصه للحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد فهو أحق به إذا عاد إليه\" ولا فرق في هذا أن\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣٦.\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٧٣ و٧٤).","vol":"3","page":152},{"text":"يترك إزاره أو لا كما لا فرق بين أن يطرأ العذر بعد الشروع في الصلاة أو قبله قاله في الروضة في كتاب \"إحياء الموات\" (^١) ومنها أن يجلس للشراء أو البيع أو الحرف الشريفة أو الدنية وأنه ممنوع منه كما سبق (^٢) [١٥٨ المخطوطه المغربية] منها الجلوس لاعتكاف قال: في الروضة وينبغي أن يقال له الاختصاص بموضعه ما لم يخرج من المسجد أن كان اعتكاف مطلقا وأن نوى اعتكاف أيام فخرج لحاجة جائزة ففي بقاء استحقاقه إذا رجع احتمال والظاهر بقاؤه ومنها الجلوس لاستماع الحديث والوعظ، قال: في الروضة والظاهر أنه كالصلاة ولا يختص فيما سوى ذلك المجلس ولا فيه أن فارق بلا عذر ويختص أن فارق بعذر على المختار ويحتمل أن يقال إن كانت له عادة بالجلوس بقرب كبير المجلس وينتفع الحاضرون بقربه لعلمه ونحو ذلك دام اختصاصه في كلّ مجلس بكل حال وأما مجلس الفقيه في موضع معين كتدريس المدرس في المدرسة أو المسجد فالظاهر فيه دوام الاختصاص لاطراد العرف فيه وفيه احتمال قال ويمنع الناس من استطراق حلق الفقهاء والفقراء في المسجد توقيرا لها والله أعلم (^٣).\nخاتمة: فيها مسائل تتعلق بالمسجد أيضًا إحداها أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث فإن كان جلوسه لعبادة من اعتكاف أو\n_________\n(^١) روضة الطالبين (٥/ ٢٩٧).\n(^٢) روضة الطالبين (٥/ ٢٩٧).\n(^٣) روضة الطالبين (٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"3","page":153},{"text":"قراءة علم أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك كان مستحبا وإن لم يكن لشيء من ذلك كان مباحًا وقال: بعض أصحابنا أنه مكروه وهو ضعيف (^١).\nثانيتها قال: ابن المنذر أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلا أن يتوضأ في مكان يبله ويتأذى الناس به فإنه مكروه ونقل الإمام أبو الحسن بن بطال المالكي هذا عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاووس والنخعي وابن القاسم المالكي وأكثر أهل العلم وعن ابن سيرين ومالك وسحنون أنهم كرهوه تنزيها للمسجد والله أعلم (^٢).\nثالثتها: يحرم إدخال المسجد وأما من على بدنه نجاسة فإن خاف تنجيس المسجد لم يحرم له الدخول وإن أمن ذلك جاز وأما إذا افتصد في المسجد فإن كان من غير إناء فحرام وإن قطر دمه في إناء فمكروه وإن بال في المسجد في إناء ففيه وجهان أصحهما أنه حرام، والثاني مكروه (^٣).\nرابعتها يجوز الاستلقاء في المسجد ومد الرجل وتشبيك الأصابع للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك من فعل رسول الله - ﷺ - (^٤).\nخامستها: يستحب استحبابا مؤكدا كنس المسجد وتنظيفه للأحاديث\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٧٢)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٩٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٩٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٩٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٩٢).","vol":"3","page":154},{"text":"الصحيحة المشهورة والله أعلم (^١).\nسادستها: أن يعتقد أنه بيت الله ﷿ وأن داخله زائر الله ﷿ فيه فينوي ذلك قال - ﷺ - \"من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور إكرام زائره\" (^٢).\nسابعتها: الخلوة ودفع الشواغل ولزوم السر للفكر في الآخرة وكيفية الاستعداد لها (^٣).\nثامنتها: التجرد للذكر وإسماعه واستماعه لقوله - ﷺ - \"من غدا على المسجد يذكر الله تعالى ويذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى\" (^٤).\nتاسعتها: أن يترك الذنوب حياء من الله ﷿ بأن يحسن نيته في نفسه في قوله وعمله حتى يستحيي منه من يراه أن يفارق ذنبا وقس عليه سائر الأعمال (^٥) وتقدم أشياء تتعلق بالمسجد في آخر باب تنظيف المساجد وتجميرها والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٩٣).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٤/ ٣٧٠).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١).\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ٣٧١).\n(^٥) إحياء علوم الدين (٤/ ٣٧١).","vol":"3","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>[الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراتًا أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة]</span>\n٥٠٢ - عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من أكل من هَذِه الشَّجَرَة يَعْني الثوم فَلَا يقربن مَسْجِدنَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١) وَفِي رِوَايَة لمُسلم فَلَا يقربن مَسَاجِدنَا وَفِي رِوَايَة لَهما فَلَا يَأْتِين الْمَسَاجِد وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد من أكل من هَذِه الشَّجَرَة فَلَا يقربن الْمَسَاجِد (^٢).\nقوله: عن ابن عمر يتقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم\" الحديث وسمى الثوم شجرة لأن الشجرة في حقيقة اللغة اسم لما يبقى أصله في الأرض ويخلف إذا انقطع وإن كان هو عند العامة ما له ساق وأغصان (^٣).\nقوله: \"فلا يقربن مسجدنا\" وفي رواية لمسلم \"فلا يقربن مساجدنا\" وفي رواية البخاري ومسلم \"فلا يأتين المساجد\" وفي رواية أبي داود \"فلا يقربن المساجد\" ففي هذه الروايات تصريح بنهي من أكل الثوم ونحوه مما له رائحة كريهة من دخول كلّ مسجد وهذا مذهب العُلماء كافة وحجتهم قوله - ﷺ - \"فلا يقربن المساجد\" لأنه عام في جميع المساجد لأنه حكم يعم بعموم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٥٣)، ومسلم (٦٨ - ٥٦١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٩ و٧٠ - ٥٦١)، وابن ماجه (١٠١٦)، وأبو داود (٣٨٢٥).\n(^٣) أعلام الحديث (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧)، وشرح السنة (٢/ ٣٨٧).","vol":"3","page":156},{"text":"عليه ويكون مسجدنا للجنس أو لضرب المثال فإن النهي معلل بتأذي الملائكة أو بني أدم وذلك يوجد في المساجد كلها (^١) ثم إن النهي في حق المساجد الثلاثة آكد منه في غيرها لما لها من الفضيلة على غيرها ولاسيما مسجد المدينة في زمان رسول الله - ﷺ -. حكي القاضي عياض عن بعض العُلماء أنه زعم أن النهي خاص بمسجد النبي - ﷺ - لأنه مكان هبط الملك بالوحي لقوله - ﷺ -: \"فلا تقربن مسجدنا\" والمشهور خلاف ذلك ثم إن النهي إنما هو عن حضور المسجد لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما فهذه البقول حلال بإجماع من يعتد به وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها لأنه يمنع من حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين، وحجه الجمهور قوله - ﷺ -: \"كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي\" (^٢)، والمناجى والمحدّث لغيره والمراد بقوله لغيره هو الملك وقيل لفظ أناجي من لا تناجي دليل على أن الملائكة أفضل من بني أدم وفيه أن الملائكة تتأذى بما يتأذى منه بنو أدم وليس المقصود بالكراهة كراهة تحريم ولهذا قال \"أيها الناس ليس لي تحريم ما أحل الله لي\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٨)، وإحكام الأحكام (١/ ٣٠٣)، والعدة (١/ ٥٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٥٥) و(٧٣٥٩) ومسلم (٧٣ - ٥٦٤) عن جابر.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٨). والحديث أخرجه مسلم (٧٦ - ٥٦٥) عن أبي سعيد، وأخرجه البخاري (٣١١٠) ومسلم (٩٥ - ٢٤٤٩) وأبو داود (٢٠٦٩) عن على بن أبي طالب.","vol":"3","page":157},{"text":"تنبيه: مناجاة الرب حقيقة أم مجاز، قلت: هي مجاز لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة إذ لا كلام محسوسا إلا من طرف العبد فالمراد لازمها نحو إرادة الخير وهو تشبيه أي كأنه يناجي ربه ﷿ قال النوري: المناجاة إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى أ. هـ. قاله الكرماني (^١).\nقال العُلماء: ويلتحق بالثوم والبصل والكرات كلّ ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها قال: القاضي عياض ويلحق به من أكل فجلا وكان يتجشأ قال: وقال ابن المرابط ويلحق به من به بخر في فمه أو به جرح له رائحة كريهة قال: القاضي عياض وقال: العُلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد كالعيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها ولا يلحق بها الأسواق ونحوها وذكره من عدم الالتحاق بالأسواق لأن الناس يتأذى الأسواق وينبغي الكراهة لقوله - ﷺ - \"وليقعد في بيته\" قاله في شرحها (^٢).\nتنبيه وألحق بها المجذوم والأبرص واستدل بقوله - ﷺ -: \"لا يرد ذو عاهة على مصح\" وأن عمر - ﵁ - رأى جارية مجذومة تطوف بالبيت فقال: يا أمة الله لو جلست في بيتك لا تؤذي الناس فتركت الطواف فلما مات عمر - ﵁ - قيل لها أخرجي فطوفي فإن الذي تخاف قد مات فقالت ما كنت أطيعه حيا وأعصيه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٤/ ٧٠).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٤٩٧)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ٤٨).","vol":"3","page":158},{"text":"ميتا فإن الذى نهاك قد مات فقالت ما كنت أطيعه حيا وأعصيه ميتًا (^١).\n\n٥٠٣ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - من أكل من هَذِه الشَّجَرَة فَلَا يقربنا وَلا يصلين مَعنا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَفظه قَالَ إيَّاكُمْ وَهَاتين البقلتين المنتنتين أَن تأكلوهما وتدخلوا مَسَاجِدنَا فَإِن كُنْتُم لَابُد آكلوهما اقتلوهما بالنَّار قتلا (^٣).\nقوله: عن أنس بن مالك تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن ولا يصلي معنا\" هكذا ضبطناه ولا يصل على النهي ووقع في أثر الأصول ولا يصلي بإثبات الياء على الخبر الذي يراد به النهي وكلاهما صحيح (^٤).\nقوله في رواية الطبراني: \"إياكم وهاتين البقلتين المنتنتين أن تأكلوهما وتدخلوا مساجدنا\" ففي حديث أنس تسمية الثوم شجرا وبقلا قال أهل اللغة البقل كل نبات أخضرت به الأرض (^٥).\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٥٦) و(٥٤٥١)، ومسلم (٧٠ - ٥٦٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٧٦ رقم ٣٦٥٥) ومن طريقه الضياء في المختارة ٥/ ١١٥ (١٧٤٠). قال الطبراني: لم يرو هذين الحديثين، عن سلام بن مسكين إلا شيبان ابن فروخ. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٧: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٩).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"3","page":159},{"text":"قوله أكلوهما ما قتلوها بالنار قتلا ومنه قولهم قتلت الخمر إذا مزجها بالماء وكسر حدتها (^١).\n\n٥٠٤ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - من أكل بصلا أَو ثوما فليعتزلنا أَو فليعتزل مَسَاجِدنَا وليقعد فِي بَيته رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢)، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من أكل البصل والثوم والكراث فَلَا يقربن مَسْجِدنَا فَإِن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ بَنو آدم (^٣)، وَفِي رِوَايَة نهى رَسُول الله - ﷺ - عَن أكل البصل والكراث فغلبتنا الْحَاجة فأكلنا مِنْهَا فَقَالَ من أكل من هَذِه الشَّجَرَة الخبيثة فَلَا يقربن مَسْجِدنَا فَإِن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ النَّاس (^٤)، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَلَفظه قَالَ إِن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من أكل من هَذِهِ الخضراوات الثوم والبصل والكراث والفجل فَلَا يقربن مَسْجِدنَا فَإِن الْمَلَائِكَة تتأذى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ بَنو آدم (^٥) وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٥٤) و(٨٥٥) و(٥٤٥٢) و(٧٣٥٩)، ومسلم (٧٣ - ٥٦٤)، وأبو داود (٣٨٢٢)، والترمذى (١٨٠٦)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٨٥ (٧١٩) والكبرى (٨٧٤) و(٦٨٥٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٤ - ٥٦٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٧٢ - ٥٦٤).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٤٥ رقم ٣٧) والأوسط (١/ ٦٨ رقم ١٩١) و(٥/ ٣٤٧ رقم ٥٥١٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا يحيى بن راشد، تفرد به: سعيد بن عفير. وقال في الموضع الثانى: لم يرو هذا الحديث عن الجراح بن الضحاك إلا إسحاق بن سليمان. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٧: رواه الطبراني في =","vol":"3","page":160},{"text":"يحيى بن رَاشد الْبَصْرِيّ.\nقوله: عن جابر تقدم الكلام على مناقبه قوله - ﷺ -: \"من أكل بصلًا أو ثومًا\" الحديث فيه دليل على جواز أكل الثوم البصل ونحوهما لأنه إنما نهى عن حضور المسجد ولم ينه عن أكل الثوم والبصل وتقدم الكلام على ذلك روي في مسند الإمام أحمد أنه قال - ﷺ -: \"كلوا الثوم نيئا فلولا أنا أناجي الملك لأكلته\" (^١) وقيل: من أكل البصل يوم الجمعة فينبغي أن يحرم كما لو أنشأ السفر يوم الجمعة وقيل إن أكله على نية إحباط الجمعة حرم عليه ذلك وإن أكله للشهوة أو الحاجة لم يحرم لكن يجب عليه إزالته بالسواك ونحوه فإن لم يزل سقطت عنه الجمعة وفيه استعمال الأدب وهو أن الإنسان لا يغشى الأهل وغيرهم إلا على الحالة المرضية الحسنة ولا يجالس أحدا يتأذى منه\n_________\n= الصغير والأوسط، وفيه يحيى بن راشد البراء البصري، وهو ضعيف ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٨).\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع كما في المطالب (٣٦٦)، والبزار (٧٤٨)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١٠٢٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٩٥ رقم ٢٥٩٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدّثين (٣/ ٤١٧ و٤/ ٤٠٣)، والسلمى في طبقات الصوفية (ص ٤٤ - ٤٦) و(ص ١٩٩) والأربعون (ص ١٠٣ - ١٠٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٨٩ و٢/ ٢٧٦) والحلية (٨/ ٣٥٧ و١٠/ ٣١٦)، وابن الجوزى في العلل (١٠٩٤).\nقال ابن الجوزى: قال الدَّارقُطْنِي هذا حديث مما أنكر على حبة بن جون وهو ضعيف قال يحيى ليس حديثه بشيء وقال السعدي ثقة. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٤٦: رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه حبة بن جوين العرني، وقد ضعفه الجمهور، ووثقه العجلي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٩٨).","vol":"3","page":161},{"text":"ولا بما يخرج منه وفيه دليل على أنه إذا كان جالسا بحضرة الناس وحصل له ريح لا يخرجه بينهم لأنه يؤذيهم بريحه بل قال الصيدلاني أن ذلك مما تسقط العدالة به انتهى قاله في شرح العمدة (^١).\nقوله: \"فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو أدم\"، قال: القاضي عياض يتأذى بتشديد الذال المعجمة فيها وهو ظاهر ووقع في أكثر الأصول تأذى مما تأذى منه بنو أدم بتخفيف الذال فيها وهي لغة يقال أذي يأذى مثل عمي يعمى ومعناه تأذى قال العلماء وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خاليا لأنه محل الملائكة ولعموم الأحاديث (^٢).\nفإن قيل فالحفظة أيضًا تتأذى بريح الثوم فالجواب أن التأذي هنا عام والتأذي هنا خاص فإن قيل فالزوج له منع الزوجه والعبد والأمة من أكل الثوم مع أن التأذى خاص فالجواب أن حق الملك والزوجة مقدم وأيضًا فالزوجة ألزمت حق الاستمتاع وكالة الزوج بحق النكاح فإن قيل فما وجه المنع في حق العبد والسيد لا يستمتع به قلنا لأنه قد يشاوره ويتأذى بريحه ولو اشترى عبدا فوجد له ريح ثبت له الرد والله أعلم.\nفائدة: قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) انظر: تسهيل المقاصد (لوحة ٢٠ و٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٩).\n(^٣) سورة النور، الآية: ٣٦.","vol":"3","page":162},{"text":"قال: قال العُلماء: العُلماء ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة والأقوال السيئة وغير ذلك، وإذا كانت العلة في إخراج المسلم من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كلّ من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيها عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه، وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول. وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها، من أكل الثوم وما في معناه، مما له رائحة كريهة تؤذي الناس. ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث، وأخبر أن ذلك مما يتأذى به، قال أبو عمر بن عبد البر: وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام ﵀ أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشوور فيه، فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه، وألا يشاهد معهم الصلاة، إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه، فذاكرته يومًا أمره وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول، فاستدل بحديث الثوم، وقال: هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد، قلت: وفي الآثار المرسلة إن الرجل ليكذب الكذبة فيتباعد الملك من نتن ريحه، فعلى هذا يخرج من عرف منه الكذب والتقول بالباطل فإن ذلك يؤذي والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) تفسير القرطبى (١٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨).","vol":"3","page":163},{"text":"قوله: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة سماها خبيثة لقبح رائحتها قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص (^١).\nقوله: \"فلا يقربن مسجدنا\" أي مسجد أهل ملتنا وعلة النهي أن المسلمين يتأذون برائحتها وقد أمر بتنظيف المساجد وذلك أى أكل ما له رائحة كريهة خلاف المأمور به (^٢).\nوكان رسول الله - ﷺ - يترك الثوم وما له رائحة كريهة دائما لأنه يتوقع مجيء الملائكة والوحي كلّ ساعة وقد قال العُلماء في حي الثوم في حقه - ﷺ - وكذا البصل والكرات ونحوها مما له رائحة كريهة هل كان حراما على رسول الله - ﷺ - أم كان يتركه تنزها قال بعض أصحابنا محرمة عليه والأصح عندهم أنه مكروه كراهة تنزيه ليست محرمة لعموم قوله - ﷺ - لا في جواب قوله أحرام هي؟ (^٣) ولقوله - ﷺ - \"أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره رائحتها\" فهذا فيه تصريح بإباحة الثوم وهو مجمع عليه (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"من أكل من هذه الخضروات الثوم والبصل والكرات والفجل\" وفي رواية أخرى أتي بقدر فيه خضرات هكذا هو في نسخ صحيح مسلم كلها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٥٠).\n(^٢) الميسر (١/ ٢١٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٥/ ٥١).","vol":"3","page":164},{"text":"بقدر بالقاف وخضرات بفتح الخاء وكسر الضاد منه جمع خضرة أي بقول خضرة كما جاء في الحديث الآخر فيه بقل والعرب تقول للبقول الخضراء وضبطه الأصيلي خضرات بضم الخاء وفتح الضاد قاله عياض (^١) ووقع في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة أتى ببدر ببائين موحدتين قال العُلماء هذا هو الصَّواب وفسر الرواة وأهل اللغة والغريب البدر بالطبق قالوا سمي بدرا لاستدارته كاستدارة البدر (^٢).\nومما استبعد به لفظة \"القدر\" أنها تشعر بالطبخ وإزالة الرائحة وقد ورد الإذن في أكلها مطبوخة (^٣) وذهب الخطابي إلى أن أكل جميع ذلك ليس عذرا في ترك الجمعة (^٤).\nتنبيهات: أحدها المجزوم به في الروضة وغيرها أن دخول المسجد للذي أكل ذلك المكروه وظاهر الحديث يقتضي تحريمه وإليه ذهب ابن المنذر (^٥).\nالثاني: محل كون ذلك عذرا: إذا لم يمكن إزالة رائحته بغسل ومعالجة، فإن كان مطبوخا .. فلا (^٦).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٤٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٩).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٣٠٣).\n(^٤) أعلام الحديث (١/ ٥٥٦) والنجم الوهاج (٢/ ٢٤٢).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٢).\n(^٦) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٢).","vol":"3","page":165},{"text":"الثالث: يؤخذ مما ذكره النووي في منهاجه سقوط الجماعة بالبخر والصنان المستحكمين من باب أولى والظاهر أن الجذام والبرص كذلك من بها استحاضة أو جرح سيال (^١).\nالرابع: ظاهر إطلاقهم أنه لا فرق في ذلك بين المعذور وغيره خلافا لابن حبان فإنه استثنى المعذور ثم أسند إلى المغيرة بن شعبة أنه قال أكلت ثوما ثم أتيت مصلى رسول الله - ﷺ - فوجدته قد سبقني فلما قمت لأمضي وجد ريحه قال المغيرة فلما قضيت الصلاة أتيته فقلت يا رسول الله إن لي عذرا فناولنى كفك فوجدته سهلا فأدخلها في كمي إلى صدري فوجده معصوبا فقال إنك لمعذور (^٢)، وظاهر الأحاديث تقتضي تحريم حضور المسجد كما أشار إليه ابن حبان في صحيحه وصرح به ابن المنذر في الإقناع وهذا كله مع رائحته فإن أميتت بالطبخ ونحوه فلا منع (^٣) وفي السنن عن عائشة أنها سئلت عن البصل فقالت إن آخر طعام أكله رسول الله - ﷺ - كان فيه بصل (^٤).\n\n٥٠٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَنه ذكر عِنْد رَسُول الله - ﷺ - الثوم والبصل والكراث وَقيل يَا رَسُول الله وَأَشد ذَلِك كُله الثوم أفتحرمه فَقَالَ\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٣).\n(^٣) انظر: تسهيل المقاصد (لوحة ٢٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٨٢٩)، والنسائي في الكبرى (٦٦٤٦). وضعفه الألباني في الإرواء (٢٤١٣).","vol":"3","page":166},{"text":"رَسُول الله - ﷺ - كلوه من أكله مِنْكُم فَلَا يقرب هَذَا الْمَسْجِد حَتَّى يذهب رِيحه مِنْهُ\" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري تقدم.\nقوله: إنه ذكر عند رسول الله - ﷺ - الثوم البصر والكراث فذكر الحديث إلى أن قال أفتحرمه فقال رسول الله - ﷺ -: \"كلوه\" فيه دلالة على بطلان أهل الظاهر في قولهم بتحريم أكل الثوم والبصل على الإطلاق ولا حجة لهم في قوله فلا يقربنا، فإن قالوا: أكلها مانع من حضور الجماعة، قيل لهم: حضور الجماعة ليس فرضا على الأعيان (^٢) والله أعلم.\n\n٥٠٦ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - أَنه خطب يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ فِي خطبَته ثمَّ إِنَّكُم أَيهَا النَّاس تَأْكلُونَ شجرتين لا أراهما إِلَّا خبيثتين البصل والثوم لقد رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - إِذا وجد ريحهما من الرجل فِي الْمَسْجِد أَمر بِهِ فَأخْرج إِلَى البقيع فَمن أكلهما فليمتهما طبخا\" رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٣).\nقوله: عن عمر هو ابن الخطاب تقدم.\nقوله: لقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - إذا وجد ريحهما من الرجل يعني الثوم والبصل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، هذا الحديث فيه إخراج من\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٢٣)، وابن خزيمة (١٦٦٩)، وابن حبان (٢٠٨٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٣٢) وصحيح الترغيب (٣٣٤).\n(^٢) انظر: المسالك (١/ ٤٧٧)، ورياض الأفهام (٢/ ٤٦١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٨ - ٢٦٧)، وابن ماجه (١٠١٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٨٥ (٧٢٠) والكبرى (٨٧٥) و(٦٨٥٤).","vol":"3","page":167},{"text":"وجدا منه ريح الثوم والبصل ونحوهما من المسجد وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه (^١).\nالبقيع هو مدفن أهل المدينة، سمي بذلك لغرقد كان فيه ثابتا، وهو ما عظم من العوسج (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فمن أكلها فليمتها طبخا\" معناه من أراد أكلهما فليمت رائحتهما بالطبخ لتذهب حدتهما وإماتة كلّ شيء كسر قوته وحدته (^٣).\n\n٥٠٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من أكل من هَذِه الشَّجَرَة الثوم فَلَا يؤذينا بهَا فِي مَسْجِدنَا هَذَا\"رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ (^٤).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من أكل من هذه الشجرة الثوم فلا يؤذينا بها في مسجدنا\" هذا هو بتشديد نون يؤذينا، قال النووي: إنما نبهت عليه لأني رأيت من خففه، والتخفيف جائز على إرادة الخبر ثم استشكل التشديد (^٥)، وفي الحديث دليل على منع من أكل ذلك من دخول المسجد وإن كان خاليا لأنه محل\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٥٣).\n(^٢) إكمال المعلم (٣/ ٤٤٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ٥٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٧١ - ٥٦٢)، وابن ماجه (١٠١٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٩).","vol":"3","page":168},{"text":"الملائكة (^١) ولعموم الأحاديث كما تقدم.\n\n٥٠٨ - وَعَن أبي ثَعْلَبَة - ﵁ - أَنه غزا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - خَيْبَر فوجدوا فِي جنانها بصلا وثوما فَأَكَلُوا مِنْهُ وهم جِيَاع فَلَمَّا رَاح النَّاس إِلَى الْمَسْجِد إِذا ريح الْمَسْجِد بصل وثوم فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: \"من أكل من هَذِه الشَّجَرَة الخبيثة فَلَا يقربنا فَذكر الحَدِيث بِطُولهِ\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢) وَهُوَ فِي مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ بِنَحْوِهِ لَيْسَ فِيهِ ذكر البصل (^٣).\nقوله: \"عن أبي ثعلبة\" واسمه مختلف فيه، قال أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين، وغيرهما: اسمه جرهم، وقيل: جرثوم، بضم الجيم فيها، وبضم الثاء المثلثة في الثاني، وقيل: عمرو، وقيل: الأشير، بكسر الشين المعجمة، وقيل غير ذلك، واسم أبيه ناشم، بالنون وشين معجمة مكسورة، ثم ميم، وقيل: ناشر بالراء، وقيل: ناشب بالباء الموحّدة فى آخره، وقيل: ناشج بالجيم، وقيل: جرهم، وقيل: جرثومة، وقيل: جرثوم، وكان أبو ثعلبة ممن بايع رسول الله - ﷺ - بيعة الرضوان تحت الشجرة عام الحديبية سنة ست من الهجرة. روى عن النبي - ﷺ - أحاديث، روى عنه أبو إدريس الخولاني، ومسلم بن مشكم، بكسر الميم وإسكان الشين المعجمة. توفي في خلافة معاوية،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٤ (١٧٧٤١)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٢ - ٢٣ رقم ٣٥١٢)، والكبير (٢٢/ ٢١٥ رقم ٥٧٤) و(٢٢/ ٢١٦ رقم ٥٧٧)، وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٨: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٣٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٦ - ٥٦٥)، وابن خزيمة (١٦٦٧).","vol":"3","page":169},{"text":"وقيل: في خلافة عبد الملك سنة خمس وسبعين (^١).\nقوله: إنه غزا مع رسول الله - ﷺ - خيبر، وخيبر البلدة المعروفة على نحو أربع مراحل من المدينة إلى جهة الشام ذات نخل ومزارع فتحها رسول الله - ﷺ - في أوائل سنة سبع من الهجرة بالإجماع عند جمهور العُلماء إلا ما حكي عن مالك أنه قال إنها في أواخر سنة ست من الهجرة وهو قول غريب وقد تابعه على ذلك أبو محمد بن حزم وليس بشيء أقام رسول الله - ﷺ - على حصارهم بضع عشرة ليله.\nقوله: فوجد في جنانها بصلا وثوما فأكلوا منه وهم جياع فلم راح الناس إلى المسجد إذا ريح المسجد بصل وثوم الحديث، فيه إحترام المساجد وتنزيهها عن المستقذرات حتى عن خروج الريح فإنه في معنى ما تقدم والنهي المذكور عام في كل مجتمع ومسجد ولا يفيد إذن المصلين له في الحضور فإن رضى الأدميين بإدخال الضرر عليهم وأذنوا فلا يفعلوا فإن الملائكة لم تعلم رضاهم (^٢).\n\n٥٠٩ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من تفل تجاه الْقبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وتفله بَين عَيْنَيْهِ وَمن أكل من هَذِه البقلة الخبيثة فَلَا يقربن مَسْجِدنَا ثَلَاثًا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٩٩ ترجمة ٧٤٥).\n(^٢) انظر التوضيح (٧/ ٣٤٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٨٢٤)، والبزار (٢٩٠٥)، وابن خزيمة (١٦٦٣)، وابن حبان (١٦٤٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٩).","vol":"3","page":170},{"text":"قوله عن حذيفة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من تفل تجاه القبلة\" تفل بالتاء المثناه فوق وفتح الفاء بمعنى بصق وبزق ومعناه، والتفل أقل من البزق وتقدم الكلام على ذلك في البصاق في المسجد وتقدم الكلام أيضًا على بقية الحديث.","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>[ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهن ولزومها وترهيبهن من الخروج منها]</span>\n٥١٠ - عَن أم حميد امْرَأَة أبي حميد السَّاعِدِيّ ﵄ أنَهَا جَاءَت إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي أحب الصَّلَاة مَعَك قَالَ قد علمت أَنَّك تحبين الصَّلَاة معي وصلاتك فِي بَيْتك خير من صَلَاتك فِي حجرتك وصلاتك فِي حجرتك خير من صَلَاتك فِي دَارك وصلاتك فِي دَارك خير من صَلَاتك فِي مَسْجِد قَوْمك وصلاتك فِي مَسْجِد قَوْمك خير من صَلَاتك فِي مَسْجِدي قَالَ فَأمرت فَبني لَهَا مَسْجِد فِي أقْصَى شَيْء من بَيتهَا وأظلمه وَكَانَت تصلي فِيهِ حَتَّى لقِيت الله ﷿، رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^١) وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن خُزَيْمَة بَاب اخْتِيَار صَلَاة الْمَرْأَة فِي حُجْرَتهَا على صلَاتهَا فِي دارها وصلاتها فِي مَسْجِد قَومهَا على صلَاتهَا فِي مَسْجِد النَّبِي - ﷺ - وَإِن كَانَت صَلَاة فِي مَسْجِد النَّبِي - ﷺ - تعدل ألف صَلَاة فِي غَيره من الْمَسَاجِد وَالدَّلِيل على أَن قَول النَّبِي - ﷺ - صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٥٧ (٧٦٢٠)، وأحمد ٦/ ٣٧١ (٢٧٠٩٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى (٢/ ٨٠٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٧٩) و(٣٣٨٠)، والرويانى (١١١٥)، وابن خزيمة (١٦٨٩)، وابن حبان (٢٢١٧)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ١٤٨ (٣٥٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٤: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري ووثقه ابن حبان، ورواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٠).","vol":"3","page":172},{"text":"أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ صَلَاة الرِّجَال دون صَلَاة النِّسَاء هَذَا كَلَامه.\nقوله: عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي، أم حميد اسمها (^١)، وأبو حميد الساعدي هو الأنصاري قيل اسمه عبد الرحمن وقيل المنذر بن سعد وقيل إنه سهل بن سعد الخزرجي المدني له صحبه وأحاديث توفي في آخر خلافة معاوية وأول خلافة يزيد (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك\" الحديث قال البيهقي وفيه دلالة على أن الأمر بألا يمنعن أمر ندب واستحباب لا أمر فرض وإيجاب وهو قول العامة من أهل العلم (^٣) انتهي، وكذا جزم به ابن بطال فقال نهيه - ﷺ - عن منعها من الصلاة في المساجد نهي أدب لا أنه واجب عليه أن لا يمنعها (^٤) قاله في شرح الأحكام، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه: المتجر الرابح في العمل الصالح قلت كان النساء في عهد رسول الله - ﷺ - إذا خرجن من بيوتهن إلى الصلاة يخرجن متبذلات متلفعات بالأكسية لا يعرفن من الغلس وكان إذا سلم النبي - ﷺ - يقال للرجال مكانكم حتى ينصرف النساء ومع هذا قال رسول الله - ﷺ -: \"إن صلاتهن في بيوتهن\n_________\n(^١) بياض بمقدار كلمة واحدة.\n(^٢) أسد الغابة (٥/ ٧٨ ترجمة ٥٨٢٢).\n(^٣) السنن الكبرى (٣/ ١٩٠).\n(^٤) شرح الصحيح (٢/ ٤٧٤).","vol":"3","page":173},{"text":"أفضل لهن\" فما ظنك بمن تخرج متزينة متبخرة متبرجة لابسة أحسن ثيابها، وقد قالت عائشة ﵂ لو علم النبي - ﷺ - ما أحدث النساء بعده لمنعهن الخروج إلى المساجد هذا قولها في حق الصحابيات ونساء الصدر الأول فما ظنك لو رأت نساء زماننا هذا (^١) والله أعلم انتهي، أشارت ﵂ إلى ما أحدّثنه من الفتن بالتطيب واللباس عند خروجهن قال الحافظ ﵀: وبوب على هذا ابن خزيمة باب اختيار صلاة المرأة في حجرتها على صلاتها في دارها وصلاتها في قومها على صلاتها في مسجد النبي - ﷺ - إلى آخره.\n\n٥١١ - وَعَن أم سَلمَة ﵂ عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ خير مَسَاجِد النِّسَاء قَعْر بُيُوتهنَّ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم من طَرِيق دراج أبي السَّمْح عَن السَّائِب مولى أم سَلمَة عَنْهَا وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة لا أعرف السَّائِب مولى أم سَلمَة بعدالة وَلا جرح وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) المتجر الرابح (ص ١٢١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة كما في اتحاف الخيرة (٢/ ٦٤ رقم ١٠٤٤/ ١)، وأحمد ٦/ ٢٩٤ (٢٦٥٤٢) و٦/ ٣٠١ (٢٦٥٧٠)، وأبو يعلى (٧٠٢٥)، وابن خزيمة (١٦٨٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣١٣ رقم ٧٠٩)، والحاكم (١/ ٢٠٩). وقال الدارقطني في العلل (٣٩٧٧): يرويه ابن لهيعة، واختلف عنه؛ فرواه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن رجل، عن أم سلمة وقال موسى بن أعين: عن عمرو، عن دراج، عن السائب، عن أم سلمة وكذلك قال: ابن لهيعة، وهو الصَّواب. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٣: =","vol":"3","page":174},{"text":"قوله عن أم سلمة هي أم المؤمنين إحدى زوجات رسول الله - ﷺ -، قال أبو الفرج بن الجوزي اسمها هند بنت أبي أمية كانت عند أبي سلمة فهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرتين ومات أبو سلمة سنة أربع من الهجرة فتزوجها رسول الله - ﷺ -، وقال ثابت حدّثتني أم سلمة أن أبا سلمة قال لها قد سمعتُ من رسول الله - ﷺ -: \"لا تصيب أحدا مصيبة فيسترجع عند ذلل ويقول اللهم عنك أحتسب مصيبتي هذه اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خير منها\" ثم قالت: قلت من خير من أبي سلمة ثم قالت لم انقضت عدتي أرسل إلى أبي بكر يخطبني فأبيت فأرسل إلى عمر يخطبني فأبيت فأرسل إلى رسول الله - ﷺ - يخطبني فقلت بلى يا رسول الله ثم أرسلت إليه فقلت يا رسول الله أن امرأة شديدة الغيرة فادع الله يذهب الغيرة عني فدعا لها فلما تزوجها رسول الله - ﷺ - كانت في النساء كأنها ليست منه لا تجد ما تجدن من الغيرة وذلك ببركة دعاء رسول الله - ﷺ - توفيت ﵂ سنة تسع وخمسين ودفنت بالبقيع وهي بنت أربع وثمانين سنة وقيل دخل -﵇- وكلها فقالت له ذلك زوجة فقال: أن لي زوجين أحدهما سوداء أو الأخرى بيضاء أوى إليها فقال لها رسول الله - ﷺ - زوجتاه الليل والنهار (^١) قاله في مختصر مجمع الأحباب.\n_________\n= رواه أحمد وأبو يعلى ولفظه: \"خير صلاة النساء في قعر بيوتهن\". رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٩٦) وصحيح الترغيب (٣٤١).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦١ - ٣٦٣ ترجمة ١١٩٧).","vol":"3","page":175},{"text":"فائدة: ذكر أبو سعيد في شرف النبوة أن جملة أزواج النبي - ﷺ - إحدى وعشرين امرأة طلق منهن ست ومات عنده منهن خمس وتوفي - ﷺ - عن عشر منهن واحدة لم يدخل بها، وكان يقسم لتسع وكان صداقه لنسائه خمسمائة درهم لكل واحدة، هذا أصح ما قيل إلا صفية فإن صداقها عتقها لم يرو لها صداق غيره وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار أ. هـ. قاله في تاريخ كنز الدرر وهو تسعة أجزاء في قطع (^١).\nقوله - ﷺ -: \"خير مساجد النساء قعر بيوتهن\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله: رواه ابن خزيمة من طريق دراج أبي السمح عن السائب مولى أبي سلمة تقدم الكلام على مناقب دراج، وأما السائب مولى أم سلمة فهو السائب بن عبد الله مولى أم سلمة زوجة النبي - ﷺ - يروي عن أم سلمة روى عنه دراج أبو السمح (^٢).\n\n٥١٢ - وعنها ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيتهَا خير من صلَاتهَا فِي حُجْرَتهَا وصلاتها فِي حُجْرَتهَا خير من صلَاتهَا فِي دارها وصلاتها فِي دارها خير من صلَاتهَا فِي مَسْجِد قَومهَا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد (^٣).\n_________\n(^١) انظر: شرف النبوة (٣/ ٢٤٥)، وكنز الدرر (٣/ ٢٥).\n(^٢) \"الثقات\": (٤/ ٣٢٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٤٨ رقم ٩١٠١). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن المنذر. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٤: رواه =","vol":"3","page":176},{"text":"قوله: وعنها، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله - ﷺ -: \"صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في بيتها\" الحديث، وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل من المسجد لهذا الحديث والحجرة صحن الدار والمخدع بيت داخل البيت تخبئ فيه ثيابها، وقيل: المخدع أيضًا بيت في بيت وذلك لستر أراد بها الحجرة أيضًا ما يشتمل على بيتها وغيرها (^١).\n\n٥١٣ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا تمنعوا نساءكم الْمَسَاجِد وبيوتهن خير لَهُنَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن\" أي: سواء صلين جامعة أو فرادى لأنه أستر لهن بل الخزانة أفضل من صحن الدار كما جاء في حديث ابن عباس، واعلم أنه لا يلزم من الخيرية أن يكون الثواب أكثر فقد تكون البيوت خيرا من جهة السلامة وعدم التعرض للفتن وطاعة\n_________\n= الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح خلا زيد بن المهاجر فإن ابن أبي حاتم لم يذكر عنه راويا غير ابنه محمد بن زيد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٢).\n(^١) انظر: المفاتيح (٢/ ٢١٩)، وشرح المشكاة (٤/ ١١٣١)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٢٧)، وشرح المصابيح (٢/ ٩٧)، وشرح أبي داود (٣/ ٥٦) للعينى.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٧٦ (٥٤٦٨)، وأبو داود (٥٦٧)، وابن خزيمة (١٦٨٤)، والحاكم (١/ ٢٠٩). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٧٦) وصحيح الترغيب (٣٤٣).","vol":"3","page":177},{"text":"الزوج ورضاه وغير ذلك لكن قال ابن مسعود: المرأة عورة وأقرب ما تكون إلى الله في قعر بيتها (^١)، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: وزاد أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا ولكن ليخرجن وهن تفلات أي غير متطيبات لئلا يحركن الرجال بطيبهن (^٢)، وقال الجوهري: تفل يتفل وتتفل، وفي حديث: \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم\" وفي بعضها: \"إذا استأذنكم\" (^٣) ففيه دليل على أنه يستحب للرجل أن يأذن لها في الخروج إلى صلاة الجماعة وإلى سماع الوعظ، ففي هذه الأحاديث دلالة على حضور النساء المساجد وأنهن لا يمنعن المساجد لكن بشروط ذكرها العُلماء مأخوذة من الأحاديث، أحدها: أن لا تكون متطيبة فقد روي البزار بإسناده أن النبي - ﷺ - قال: \"إيما امرأة تطيب ثم أتت المسجد لم تقبل لها الصلاة حتى تغتسل كاغتسالها\" (^٤)، وقد استنبط الخطابي ﵀ من هذه الأحاديث أنه ليس للزوج منع زوجته من الحج لأنها طلبت الخروج إلى أشرف المساجد (^٥)، والأصح عند الشافعية خلاف\n_________\n(^١) انظر: بحر المذهب (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨) و(٢/ ٤٩٣)، والمجموع (٤/ ١٩٨)، وكفاية النبيه (٣/ ٥٢٧ - ٥٢٨)، وتسهيل المقاصد (لوحة ٩١)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٢٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٠ - ٤٤٢) عن ابن عمر.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٠٠٢)، وأبو داود (٤١٧٤)، والبزار (٨٢٥٤ و٨٢٥٥ و٩٣٦٧) عن أبي هريرة. وقال الألبانى: حسن صحيح في الصحيحة (١٠٣١).\n(^٥) معالم السنن (١/ ١٦٢).","vol":"3","page":178},{"text":"ما ذكره الخطابي، ويخصون الحديث بمساجد البلد لعموم المشقة إذ يشق على الزوج خروج زوجته إلى مكة مع بعد المسافة وتخصيص العموم بالقياس جائز عند أكثر العُلماء والله أعلم.\nثانيهما: أن لا تكون متزينة.\nثالثها: أن لا تكون ذات خلاخل يسمع صوتها.\nرابعها: أن لا يكون ذات ثياب فاخرة.\nخامسها: أن لا يكون مختلطة بالرجال.\nسادسها: أن لا تكون شابة ونحوها ممن يفتتن لها.\nسابعها: أن لا يكون في الطريق ما تخاف منه مفسدة ونحوها (^١)، فإذا وجدت هذه الشروط كره منعهن من الزوج كراهة تنزيه، والخطاب لا يتعلق بالأزواج والسادات، فإذا لم يكن لها زوج أو سيد حرم منعهن من الخروج إذا وجدت الشروط، هذا في الخروج إلى الجماعة أما خروجها للاستفتاء فيجوز بغير إذن السيد والزوج إلا أن يكون من أهل الاستفتاء فتستفتي منهما أو يقول نحن نستفتي لك العُلماء فلا تخرج حينئذ ولو أعسر الزوج أو السيد بالنفقة فلها الخروج بغير الإذن لتحصيل النفقة (^٢)، وقد اختلف العُلماء في العجائز فذهب أبو حنيفة أنه لا بأس لهن بالخروج إلى الفجر والمغرب والعشاء، وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنهن يخرجن للصلوات كلها وهذا\n_________\n(^١) لهذه الشروط انظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٦١ - ١٦٢)، وإحكام الأحكام (١/ ١٩٧)، والعدة (١/ ٣٥٦)، ورياض الأفهام (١/ ٦٤٠).\n(^٢) قاله ابن العماد كما في تسهيل المقاصد (لوحة ٩٢).","vol":"3","page":179},{"text":"كله في زمانهم أما في زماننا فمكروه بالاتفاق (^١)، وقال النووي في شرح مسلم: وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة، فإن كانت خلية حرم المنع إذا وجدت الشروط، ومراده بالشروط أن لا تكون متزينة ولا ذات جلاجل ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال (^٢) كما تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"وبيوتهن خير لهن\" في هذا الحديث حجة لمن لم يستحب لهن شهود الجماعة وهو قول أهل الكوفة (^٣). وكان إبراهيم النخعي يمنع نساءه الجمعة والجماعة (^٤).\n\n٥١٤ - وَعنهُ - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْمَرْأَة عَورَة وَإِنَّهَا إِذا خرجت من بَيتهَا استشرفها الشَّيْطَان وَإِنَّهَا لا تكون أقرب إِلَى الله مِنْهَا فِي قَعْر بَيتهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٥).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"المرأة عورة\" الحديث جعلها نفسها عورة لأنها إذا ظهرت\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٢/ ٤٧١) لابن بطال.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٦١ - ١٦٢).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٣١٧).\n(^٤) شرح الصحيح (٢/ ٤٧٢) والمسالك (٣/ ٣٥٩) وطرح التثريب (٢/ ٣١٧).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٨٩ رقم ٢٨٩٠). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٤: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٨٨) وصحيح الترغيب (٣٤٤).","vol":"3","page":180},{"text":"يستحيى منها كما يستحى من العورة إذا ظهرت (^١)، والعورة في الأصل كل ما يستحيى منه إذا ظهر (^٢)، وقال أهل اللغة: سميت العورة عورة لقبح ظهورها ولغض الأبصار عنها مأخوذة من العور وهو النقص والعيب والقبح ومنه عور العين، والكلمة العوراء هي القبيحة (^٣)، وجاء في رواية: \"لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل ولا المرأة إلى عرية المرأة\" (^٤)، وفي ضبطها ثلاثة أوجه، ضم العين وفتح الراء وتشديد الياء، وضم العين وإسكان الراء، وكسر العين وإسكان الراء، وهي متجردة (^٥)، وستر العورة واجب بالإجماع وهي من الرجل ما بين السرة والركبة، ومن المرأة الحرة جميع جسدها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين، ومن الأمة مثل الرجل، وما يبدوا منها في حال البيع كالرأس والرقبة والساعد فليس بعورة وستر العورة في الصلاة وغير الصلاة واجب، وفيه: عند الخلوة [خلاف]، قاله في النهاية (^٦).\nقوله: \"وأنها إذا خرجت استشرفها الشيطان\" أي يتنصب ويرفع بصره إليها ويهم بها لأنها قد تعاطت سببا من أسباب تسلطه عليها وهو خروجها من بيتها، قاله الحافظ.\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣١٩)، وكشف المناهج (٢/ ٣١١).\n(^٢) كشف المناهج (٢/ ٣١١).\n(^٣) المجموع (٣/ ١٦٥)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (٣٣٨) م عن أبي سعيد.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٤/ ٣٠).\n(^٦) النهاية (٣/ ٣١٨).","vol":"3","page":181},{"text":"٥١٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيتهَا أفضل من صلَاتهَا فِي حُجْرَتهَا وصلاتها فِي مخدعها أفضل من صلَاتهَا فِي بَيتهَا\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَتردد فِي سَماع قَتَادَة هَذَا الْخَبَر من مُورق (^١)\nوالمخدع بِكَسْر الْمِيم وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة هُوَ الخزانة فِي الْبَيْت\nقوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم.\nقوله: \"صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها\" قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح: والمراد أن المرأة كلما استقرت وبعد منظرها عن أعين الناس كان أفضل لصلاتها فصلاتها في الخزانة داخل البيت أفضل من صلاتها في البيت وصلاتها في البيت أفضل من صلاتها في حجرة البيت وصلاتها في الحجرة أفضل من صلاتها في الدار خارج الحجرة وصلاتها في الدار أفضل من صلاتها في المسجد، وقد صرح ابن خزيمة وجماعة من العُلماء بأن صلاتها في دارها أفضل من صلاتها في المسجد وإن كان مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس، والإطلاق في الأحاديث يدل على ذلك، وقد صرح النبي - ﷺ - بذلك في حديث أم حميد المتقدم في أول\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٧٠)، ومن طريقه البغوي (٨٦٥)، والبزار (٢٠٦٠) و(٢٠٦٣)، وابن خزيمة (١٦٨٨)، والحاكم (١/ ٢٠٩). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٧٩) وصحيح الترغيب (٣٤٥).","vol":"3","page":182},{"text":"الباب فالرجل كلما بعد ممشاه وكثرت خطاه زاد أجره وعظمت حسناته، والمرأة كلما بعد ممشاها قل أجرها ونقصت حسناتها، ولذلك قال النبي - ﷺ -: \"خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها\" (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها\" المخدع: قال الحافظ ﵀ بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الدال لا غير هو الخزانة يكون في البيت والخزانة بكسر الخاء المعجمة اسم المكان الذي يخزن فيه هو يوضع داخل البيت قاله المنذري وقد ذكر الجوهري للمخدع ثلاث لغات ضم الميم وفتحها وكسرها مثاله المصحف (^٢) قوله وتردد في سماع قتادة هذا الخبر من مورق ومُورق بضم الميم وفتح الواو كسر الراء المشددة وهو مورق بن المشمرج بضم الميم الأولى وفتح الشين المعجمة وكسر الراء والجيم.\n\n٥١٦ - (^٣) - وَعنهُ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْمَرْأَة عَورَة فَإِذا خرجت استشرفها الشَّيْطَان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلَفْظِهِ وَزَاد وَأقرب مَا تكون من وَجه رَبهَا وَهِي فِي قَعْر بَيتهَا (^٤).\n_________\n(^١) المتجر الرابح (ص ١١٩ - ١٢٠).\n(^٢) كشف المناهج (١/ ٤٢١).\n(^٣) الحديثان (٥١٧، ٥١٨) لم يشرحهما الشارح.\n(^٤) أخرجه الترمذى (١١٧٣)، وابن خزيمة (١٦٨٥) و(١٦٨٦)، وابن حبان (٥٥٩٨) و(٥٥٩٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٦)، الإرواء (١/ ٣٠٣/ ٢٧٣).","vol":"3","page":183},{"text":"قوله: عنه أيضًا تقدم الكلام.\nقوله: \"ما صلت المرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها\" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله قوله ورواه بن خزيمة في صحيحه من رواية إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، إبراهيم الهجري ضعفه ابن معين والنسائي وقال أبو حاتم ليس يقوى وكان يلعب بالشطرنج، والهجري بفتح الهاء والجيم وكسر الراء نسبة إلى هجر مدينة من بلاد اليمن معروفة ينسب إليها كثير من الناس لذا قاله في الأنساب (^١) وقال الجوهري اسم بلد مذكر مصروف والنسبة إليها هاجري على غير قياس (^٢).\n\n٥١٩ - وعنه أيضًا - ﵁ - قال: \"ما صلَّتْ امرأةٌ من صلاةٍ أحبَّ إلى الله من أشدَّ مكانٍ في بيتها ظُلْمةً\" رواه الطبراني في الكبير، ورواه ابن خزيمة في صحيحه من رواية إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عنه عن النبي - ﷺ - قال: \"إنَّ أحبَّ صلاةِ المرأة إلى الله في أشد مكانٍ في بيتها ظلْمة\" (^٣).\nوَفِي رِوَايَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ قَالَ النِّسَاء عَورَة وَإِن الْمَرْأَة لتخرج من بَيتهَا وَمَا بهَا بَأْس فيستشرفها الشَّيْطَان فَيَقُول إِنَّك لَا تمرين بِأحد إِلَّا أَعْجَبته وَإِن الْمَرْأَة\n_________\n(^١) الأنساب (١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٨٥٢).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٦٩١)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٣٠٧)، والبيهقى في الكبرى (٣/ ١٨٨ رقم ٥٣٦٢) مرفوعًا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٥٣) وحسنه في صحيح الترغيب (٣٤٨). وأخرجه البيهقى في الكبرى (٣/ ١٨٨ رقم ٥٣٦٣) موقوفًا. وحسنه في صحيح الترغيب (٣٤٧).","vol":"3","page":184},{"text":"لتلبس ثِيَابهَا فَيُقَال أَيْن تريدين فَتَقول أَعُود مَرِيضا أَو أشهد جَنَازَة أَو أُصَلِّي فِي مَسْجِد وَمَا عبدت امْرَأَة رَبهَا مثل أَن تعبده فِي بَيتهَا وَإسْنَاد هَذِه حسن (^١)\nقَوْله فيستشرفها الشَّيْطَان أَي ينْتَصب وَيرْفَع بَصَره إِلَيْهَا ويهم بهَا لِأَنَّهَا قد تعاطت سَببا من أَسبَاب تسلطه عَلَيْهَا وَهُوَ خُرُوجهَا من بَيتهَا.\nقوله: في رواية الطبراني و\"إن المرأة لتخرج من بيتها وما بها باش فيستشرفها الشيطان\" تقدم معناه من كلام المنذري\nقوله: فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجيتيه\n\n٥٢٠ - وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ أَنه رأى عبد الله يخرج النِّسَاء من الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة وَيَقُول اخرجن إِلَى بيوتكن خير لَكن\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٢).\nقوله: عن أبي عمرو الشيباني واسمه سعد بن إياس.\nقوله أنه رأى عبد الله يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول أخرجن إلى بيوتكن خير لكن الحديث قال النووي قال أصحابنا وصلاتهن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣ (١٧٧١٠)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٨٥ رقم ٨٩١٤) و(٩/ ٢٩٤ رقم ٩٤٨٠)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨ رقم ٧٤٣٤). وقال الهمِثمي في المجمع ٢/ ٣٥: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٩٤ رقم ٩٤٧٥). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٥: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٩).","vol":"3","page":185},{"text":"فيما كان من بيوتهن أستر وأفضل لهذا الحديث (^١) وفي هذه الأحاديث دليل على أنه لا ينبغي للنساء أن يخرجن إلى المساجد إذا حدث في الناس الفساد (^٢) فإذا أرادت المرأة حضور الجماعة في المسجد قال الأصحاب إن كانت كبيرة تشتهى كره لها وكره لزوجها ووليها تمكينها منه وإن كانت عجوزا لا تشتهى [لم يكره] (^٣) وقال أبو حنيفة أكره للنساء شهود الجمعة وأرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر وأما غير ذلك من الصلوات فلا وقال أبو يوسف لا بأس للعجائز أن يخرجن في الصلوات وقال الثوري ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا (^٤) وقد جاءت أحاديث صحيحة في هذا التفصيل منها حديث ابن عمر إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد ومنها.\nقوله - ﷺ -: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" فإن منعها لا يحرم عليه هذا مذهبنا قال البيهقي وبه قال عامة العُلماء ويجاب عن حديث لا تمنعوا إماء الله مساجد الله أنه نهي تنزيه لأن حق الزوج بها ملازمة المسكن واجب فلا يترك للفضيلة (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ١٩٨).\n(^٢) شرح الصحيح (٢/ ٤٧١).\n(^٣) المجموع (٤/ ١٩٨).\n(^٤) شرح الصحيح (٢/ ٤٧١).\n(^٥) المجموع (٤/ ١٩٩).","vol":"3","page":186},{"text":"خاتمة: إذا أرادت المرأة حضور المسجد لصلاة الجماعة فإن كان هناك من ينظر إليها بشهوة حرم على الزوج أن يأذن لها في ذلك وكذلك يحرم على الولي وقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام ﵀ لو كان لرجل امرأة تنظر من طاقة الغرفة إلى الأجانب أو ينظرون منها إليها وجب عليها بناء الطاقة أو سدها وإن كانت عجوزًا لا تشتهي لم يكره واستحب لزوجها أن يأذن لها في ذلك وليس لها الخروج بغير إذن وإذا حضرت المسجد فلتصل في آخر بنائه وأفضل صفوف النساء إذا صلين مع الرجال آخرها (^١) والله أعلم.\n_________\n(^١) القول التمام (ص ١١٢).","vol":"3","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>[الترغيب في الصلوات الخمس والإيمان بوجوبها]</span>\n٥٢١ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ بني الإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة (^١).\nقوله فيه حديث ابن عمر تقدم الكلام علي مناقب ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس\" الحديث قوله بني الإسلام أي أسس على خمس جاء على خمسة وكلاهما صحيح، والمراد بروايتها أي خمسة أركان أو أشياء، وبرواية حذف الهاء أي خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو ذلك هي خصاله المذكورة، أي: إن لم تلحق الهاء في خمس (^٢).\nفقوله - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس\" تقتضي أن الخمس غيره لأن المبني قيد المبني عليه، وجوابه: أن الإسلام كالقبة المبنية على الدعائم الخمس، وإنما ذكر من جملتها الإسلام مع أنه أصلها لأنها لا تستمسك إلا به، يعني: أن هذه الخمس أساس دين الإسلام وقواعد ثقلها تبنى عليها وبها تقوم، والمراد من هذا الحديث: أن الإسلام مبني على هذه الخمس فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨) و(٤٥١٣) و(٤٥١٤، ٤٥١٥)، ومسلم (١٩ و٢٠ و٢١ و٢٢ - ١٦)، والترمذى (٢٦٠٩)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٣١ (٥٠٤٥) عن ابن عمر.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٧٨).","vol":"3","page":188},{"text":"ولفظه: \"بني الإسلام على خمس دعائم\" (^١) فذكره، والمقصود تمثيل الإسلام ببنيان ودعائم، والبنيان هذه الخمس ولا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام التي البنيان فإذا فقد منها شيء نقص البنيان وهو قائم لا ينقص بخلاف ذلك تقل هذه الدعائم الخمس فإن الإسلام نزول بفقدها جميعا بغير أشكال ولذلك يزول بفقد الشهادتين (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله\" والمراد من الشهادتين الإيمان بأن لا إله إلا الله وأني رسوله، وفي رواية لمسلم على أن تعبد الله وتكفر بما دونه (^٣) وبهذا يعلم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام (^٤).\nواعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض وقد روي أنه لا يقبل بعضها دون بعض (^٥) كما في مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أربع فرضهن الله في الإسلام فمن جاء بثلاث، لم يغنين عنه شيئًا، حتى يأتي بهن جميعا الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (٤١٣).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤٧ - ١٤٨)، وفتح البارى (١/ ٢٢) لابن رجب.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٠ - ١٦).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤٨).\n(^٥) جامع العلوم والحكم (١/ ١٥٢).\n(^٦) أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٠ (١٧٧٨٩). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٤٧: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفي إسناده ابن لهيعة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٣٥) وضعيف الترغيب (٣٠٧) و(٤٦٦).","vol":"3","page":189},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وإقام الصلاة\" أصله إقامة الصلاة ولكن حذفت التاء في لغة القرآن وحذفت في اللغة طلبا للازدواج مع وإيتاء الزكاة والحذف ونحوها للازدواج كثير في لغة العرب نحو (الغدايا والعشايا و\"ارجعن مأزورات غير مأجورات\" و\"الرجس النجس\" وهو كثير) (^١).\nوالصلاة في اللغة الدعاء بخير والصلاة من الله الرحمة وهي في الشرع أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة وقيل لإنها تفضي إلى المغفرة والمغفرة صلاة قال الله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (^٢) أي مغفرة والأصل في وجوب الصلاة قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٣) أي حافظوا عليها قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^٤) أي محتمة مؤقتة (^٥) وكان فرض الصلاة ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل بستة عشر شهرًا وتختص الوقت وجوبا موسعا إلى أن لا يبقى ما يسعها كلها، فإذا أراد تأخيرها إلى أثناء الوقت (لزمه العزم) على فعلها في أصح الوجهين ويجريان في كل واجب موسع (^٦) انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"وإيتاء الزكاة\" محذوف المفعول أي: وإيتاء الزكاة\n_________\n(^١) التعيين (ص ٧٨ - ٧٩).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٧.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٧).\n(^٦) النجم الوهاج (٢/ ٧).","vol":"3","page":190},{"text":"أهلها بدليل ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ (^١) والإيتاء: الإعطاء وآت الزكاة فهي في اللغة الزيادة والنماء وفي الشرع إخراج جزء مقدر من مال مخصوص إلى جهة مخصوصة على القربة (^٢).\nقوله ﷺ: \"وصوم رمضان\"، الصوم في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس عن المفطرات الشرعية بنية القربة وسمي رمضان لاشتداد حر الرمضاء فيه حين وضع له هذا الاسم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"وحج البيت\"، والحج في اللغة القصد وفي الشرع قصد المسجد الحرام وما حوله لأداء النسك (^٤).\nوإنما خص هذه بالذكر ولم يذكر معها الجهاد، مع أنه به ظهر الدين، وانقمع به عتاة الكافرين؛ لأن هذه الخمس فرض دائم على الأعيان، ولا تسقط عمن اتصف بشروط ذلك، والجهاد من فروض الكفايات، وقد يسقط في بعض الأوقات، بل وقد صار جماعة كثيرة إلى أن فرض الجهاد قد سقط بعد فتح مكة، وذكر أنه مذهب ابن عمر، والثوري، وابن سيرين (^٥).\nوفي هذا الحديث تعظيم لأمر الصلاة والزكاة والحج والصيام والمبالغة\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(^٢) التعيين (ص ٧٩).\n(^٣) التعيين (ص ٨٠).\n(^٤) التعيين (ص ٧٩ - ٨٠).\n(^٥) المفهم (١/ ٨٣).","vol":"3","page":191},{"text":"في ذلك حتى أن مفهومه أن من لم يأت بها لم يكن مسلما ولابد من تأويله إما بجحود أو بحق وإما وأما من لم يكن له مال ولا استطاعة سقط عنه ركنان ويقوم بناؤه على ثلاثة أركان ولا نقص فيه غير أنه يحرم أجرهما إلا أن ينوي أو يتمنى أن يكون له مال حتى يفعلهما انتهى.\nواعلم أن الشرع تعبد الناس في أبدانهم وأموالهم فلذلك كانت العبادات إما بدنية كالصلاة أو مالية كالزكاة ومركبة كالحج والصوم لدخول التكفير بالمال فيهما وعمل البدن فيهما ظاهر كالطواف (وتجويع) البدن وظاهر هذا الحديث أن من ترك شيئًا من هذه الخمس يخرج عن ملة الإسلام بقدر ما ترك منها (لكنه لا يدخل) في الكفر إلا أنه لا يترك في ذلك جاحدا [لوجوبه إذ قد بينا] أن الإسلام غير الإيمان وإنما يكفر من فارق الإيمان بأن كذب على الله وملائكته وكتبه واليوم الآخر أو [بعضها] وأما من فارق [الإسلام] أو [بعضه] فإنما [يدخل] في الفسق [لا في] [*] الكفر، وظاهر هذا التقرير أن تارك الصلاة تهاونا لا يكفر بخلاف المشهور من قول (الحنابلة) (^١).\nوهاهنا تقسيم هو أن الإيمان والإسلام قد عرف عقيدتهما أو معناهما فمن أتاها فهو مؤمن ومن تركها فهو كافر، ومن ترك الإسلام وحده فهو فاسق مؤمن ناقص، ومن ترك الإيمان وحده فهو منافق يؤمن بلسانه وفعله ويكفر باعتقاده ومرجع هذا الحديث من الكتاب إلى قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا\n_________\n(^١) التعيين (ص ٨٠ - ٨١).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفات كلمات مضطربة في المطبوع، أصلحناها من «التعيين في شرح الأربعين»","vol":"3","page":192},{"text":"اللَّهُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (^٢) الآية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٣) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (^٤) ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٥) ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٦) ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٧) انتهى قاله الطوفي (^٨).\nلطيفة: قوله بني الإسلام على خمس قال الواحدي في الوسيط (^٩): عن ابن عباس ﵄ أنه قال أمر نبيه ﵊ بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة فلما صدقوا بها زادهم الزكاة فلما صدقوا بها زادهم الصيام فلما صدقوا به زادهم الحج فلما صدقوا به زادهم الجهاد ثم أكمل لهم الدين وهذا يدل على الترتيب بينهم كما ذكره في الحديث (^١٠) والله أعلم. قاله ابن رجب في شرح الأربعين النووية (^١١).\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(^٢) سورة محمد، الآية: ٢٩.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٧٧.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٣.\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(^٦) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(^٧) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.\n(^٨) التعيين (ص ٨١).\n(^٩) التفسير الوسيط (٢/ ١٥٣).\n(^١٠) المفاتيح (١/ ٥٧)، وشرح المصابيح (١/ ٢٨).\n(^١١) فتح البارى (١/ ١٦٩).","vol":"3","page":193},{"text":"٥٢٢ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله - ﷺ - إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلا يعرفهُ منا أحد حَتَى جلس إِلَى النَّبِي - ﷺ - فأسند رُكبَتَيْهِ إِلَى رُكبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الإِسْلَام فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت. الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١) وَهُوَ مَرْوِيّ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا.\nقوله: \"عن عمر بن الخطاب - ﵁ - من أشراف قريش ولما بعث رسول الله - ﷺ - كان عمر شديدًا عليه وعلى المسلمين ثم لطف الله تعالى وأسلم قديما بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة وسبب إسلامه مشهور وهو أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت زوجة سعيد بن زيد أحد العشرة وكانت قد أسلمت مع زوجها فسمع عمر بذلك (فقصدهما) ليعاتبهما فقرأت عليه القرآن فأوقع الله تعالى في قلبه الإسلام فأسلم ثم جاء ثم جاء النبي - ﷺ - وأصحابه وهم مجتمعون في دار عند الندوة فأظهر إسلامه فكبر المسلمون فرحا بإسلامه ثم خرج إلى مجامع قريش فنادى بإسلامه وضربه جماعة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) و(٤٧٧٧)، ومسلم (٥ و٦ و٧ - ٩)، وابن ماجه (٦٤)، وأبو داود (٤٦٩٨)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٢٠ (٥٠٣٥) عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (١ و٢ و٣ و٤ - ٨)، وابن ماجه (٦٣)، وأبو داود (٤٦٩٥) و(٤٦٩٧)، والترمذى (٢٦١٠)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥١٨ (٥٠٣٤) عن عمر بن الخطاب.","vol":"3","page":194},{"text":"وضربهم ولم يزل كذلك إلى أن أظهر الله الإسلام وقال ابن مسعود كان إسلام عمر فتحا وكانت هجرته نصرا وكانت إمامته رحمة (ولقد) رأيتنا وما نستطيع (أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا) وقيل أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس ثم بكى وقال أين عمر بن الخطاب قال: فوثب إليه عمر وقال: ها أنا يا رسول الله فقال ادن مني فدنا منه فضمه على صدره وقبل بين عينيه وبكى حتى خرجت دموعه على صدره ثم قال: بأعلى صوته معاشر المسلمين هذا عمر بن الخطاب هذا شيخ المهاجرين والأنصار هذا الذي أمرني الله أن أتخذه مشيرا وظهيرا هذا الذي أنزل الله الحق على لسانه هذا الذي يقول الحق وإن كان مرا هذا الذي لا يخاف في الله لومة لائم هذا سراج أهل الجنة هذا الذي يفر منه الشيطان فعلى مبغضه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين والله تعالى بريء ممن (يبغضه وأنا منه بريء) ثم قال اجلس يا عمر (فقد غفر الله) وفضائله (أشهر) من أن تذكر وأكثر من أن تحصى (^١) اهـ. قاله في مجمع الأحباب وتقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"بينا نحن جلوس عند رسول الله - ﷺ -\" قيل أصل بينا بين أشبعت فتحته فتولدت منها ألف وقد يزاد فيها ما فيقال بينما وكلاهما ظرف زمان من المفاجأة فإن إلى جملة من فعل وفاعله أو مبتدأ أو خبره ويحتاجان إلى\n_________\n(^١) انظر: الرياض النضرة (١/ ٤٩)، الوسيلة [ج ٥ - ق - ٢/ ١٧٨].","vol":"3","page":195},{"text":"جواب يتم به المعنى والله أعلم ذكره صاحب المغيث (^١).\nقوله: \"لا يرى أثر السفر عليه\" قال القاضي عياض أو النووي على الشك ضبطاه بالياء المثناة من تحت المضمومة وكذلك ضبطاه في الجمع بين الصحيحين وغيره على ما لم يسم فاعله وضبطه الحافظ أبو حازم العبدري هنا نرى بالنون المفتوحة على تسمية الفاعل وكذلك هو في مسند أبي يعلى الموصلي وكلاهما صحيح (^٢) والله أعلم.\nقوله: \"ووضع كفيه على فخذيه\" معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه وجلس على هيئة المتعلم ذكره النووي في شرح مسلم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله\" هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين وأن الصلاة والزكاة والصوم والحج لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم الاستسلام، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده واختلاله ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له ولهذا فسر النبي - ﷺ - الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم\n_________\n(^١) المجموع المغيث (١/ ٢٠٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٧).","vol":"3","page":196},{"text":"وقيل غير ذلك هذا [ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بقيد ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله - ﷺ - لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات فإن ذلك كله استسلام قال فخرج مما ذكرناه وحققنا أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا قال وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العُلماء من أهل الحديث وغيرهم هذا آخر كلام الشيخ] أبي عمرو بن الصلاح (^١).\n[قوله - ﷺ - فى هذا الحديث: \"وأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله\" الحديث الملائكة هو جمع ملك نظرًا إلى أصله الذي هو ملاك مفعل من الألوكة بمعنى الرسالة والتاء زيدت فيه لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع وهم أجسام علوية نورانية متشكلة بما شاءت من الأشكال (^٢).\nقوله - ﷺ -: وكتبه ورسله تقدم الكلام على الكتب المنزلة ورسله جمع رسول وهو النبي الذى أنزل عليه الكتاب والنبي أعم منه (^٣) والله أعلم].\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٧).\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ١٩٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٩٤).","vol":"3","page":197},{"text":"وسيأتي هذا الحديث بتمامه والكلام عليه مبسوطا فى موضع آخر إن شاء الله تعالى.\n\n٥٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول أَرَأَيْتُم لَو أَن نَهرا بِبَاب أحدكم يغْتَسل فِيهِ كلّ يَوْم خمس مَرَّات هَل يبْقى من درنه شَيْء قَالُوا لا يبْقى من درنه شَيْء، قَالَ فَكَذَلِك مثل الصَّلَوَات الْخمس يمحو الله بِهن الْخَطَايَا\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عُثْمَان (^٢).\nالدَّرن بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَالرَّاء جَمِيعًا هُوَ الْوَسخ.\nقوله: عن أبي هريرة [تقدم الكلام على فضائله]\nقوله - ﷺ -: \"أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم\" الحديث أي أخبروني لو أن نهرا إشارة إلى سهولته وقرب متناوله (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"هل يبقى من درنه شيء\" قد فسر الحافظ ﵀ الدرن بأنه الوسخ ا. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٨)، ومسلم (٢٨٣ - ٦٦٧)، والترمذى (٢٨٦٨)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٦٦ (٤٦٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥١٨)، وعبد بن حميد (٥٦)، وابن ماجه (١٣٩٧)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٤) و(٨٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٩٦٢). وقال البوصيرى في الزجاجة ٢/ ١٢: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦١٤)، والإرواء (١/ ٤٧ - ٤٨)، وصحيح الترغيب (٣٥٣).\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٦٤٤).","vol":"3","page":198},{"text":"ومنه حديث الزكاة ولم يعط الهرمة ولا الدرنة أي الجرباء وأصله من الوسخ. قاله في النهاية (^١).\n\n٥٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهُنَّ مَا لم تغش الْكَبَائِر\" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة أيضًا تقدم الكلام عليه أيضًا.\nقوله - ﷺ -: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن\" الحديث أي باترات ماحيات لما بينهن من الأثام وحمله القاضي عياض على غفران الصغائر خاصة وقال هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تغش الكبائر هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما يكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله فإن قال قائل اجتناب الكبائر مكفر للصغائر بنص القرآن فأي شيء تكفر الصلوات وغيرها قلنا إذا لم تجد الصلاة ذنوبا تكفرها فلا يبعد أن الله تعالى يرفع لفاعلها الدرجات وينزل ذلك منزلة تكفير الخطيئات (^٣).\nوأما ما يحكى عن أبي إسحاق الإسفرايني أنه قال: الذنوب كلها كبائر وليس فيها صغائر فليس المراد أنها مستوية في الإثم بحيث يكون إثم النظرة المحرمة كإثم الوطء المحرم وإنما المراد أنها بالنسبة إلى عظمة\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١١٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤ و١٥ و١٦ - ٢٣٣)، وابن ماجه (١٠٨٦)، والترمذى (٢١٤).\n(^٣) المجموع (٦/ ٣٨٢) وشرح النووي على مسلم (٣/ ١١٣).","vol":"3","page":199},{"text":"من عصي بها كلها كبائر ومع هذا فبعضها أكبر من بعض وعلى هذا فالأمر في ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى (^١) قاله ابن عقيل في شرحه الأحكام.\n\n٥٢٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يَقُول الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة لما بَينهَا ثمَّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَرَأَيت لَو أَن رجلًا كَانَ يعتمل وَكانَ بَين منزله وَبَين معتمله خَمْسَة أَنهَار فَإِذا أَتَى معتمله عمل فِيهِ مَا شَاءَ الله فَأَصَابَهُ الْوَسخ أَو الْعرق فَكلما مر بنهر اغْتسل مَا كانَ ذَلِك يبقي من درنه فَكَذَلِك الصَّلَاة كلما عمل خَطِيئَة فَدَعَا واستغفر غفر لَهُ مَا كَانَ قبلهَا، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٢) وشواهده كَثِيرَة.\n\n٥٢٦ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مثل الصَّلَوَات الْخمس كمثل نهر جَار غمر على بَاب أحدكُم يغْتَسل مِنْهُ كلّ يَوْم خمس مَرَّات رَوَاهُ مُسلم. (^٣)\nوالغمر بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمِيم بعدهمَا رَاء هُوَ الْكثير.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٢٢).\n(^٢) أخرجه البزار (٣٤٤/ كشف الأستار)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٦)، والطبراني في ا لأوسط (١/ ٧١ رقم ١٩٨) والكبير (٦/ ٣٧ رقم ٥٤٤٤). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: يحيى بن أيوب. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٨: رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير وزاد فيه: \"ثم صلى صلاة استغفر، غفر الله له ما كان قبلها\". وفيه عبد الله بن قريظ ذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٥).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٦) (٩٥٠٥) و(٣/ ٣٠٥) (١٤٢٧٥) و(٣/ ٣١٧) (١٤٤٠٨) و(٣/ ٣٥٧) (١٤٨٥٣)، ومسلم (٢٨٤ - ٦٦٨)، وابن حبان (١٧٢٥). وصححه الألباني في الإرواء (١٥)، وصحيح الترغيب (٣٥٦).","vol":"3","page":200},{"text":"قوله: وعن جابر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر\" الحديث.\nأما الغمر من الماء فهو الماء الكثير كذا فسره الحافظ ﵀ وهو بفتح الغين المعجمة الموحّدة وإسكان الميم بعدهما راء.\nقال بعض العُلماء: هو الماء الكثير الذي يغمر ويغطي من دخله، قال: وهو من الرجال الكثير العطاء فإن الماء الكثير إنما سمي غمرا بمصدر فعله لأنه يغمر الأشياء غمرا أي يغطيها، يقال: غمره الماء يغمره وهو غامره، وشبه الرجل الكبير العطاء لأنه يغمر السؤال بغطاء ومنها الحديث \"أعوذ بك من موت الغمر\" أي الغرق (^١).\n\n٥٢٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الصُّبْح غسلتها ثمَّ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الظّهْر غسلتها ثمَّ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الْعَصْر غسلتها ثمَّ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الْمغرب غسلتها ثمَّ تحترقون تحترقون فَإِذا صليتم الْعشَاء غسلتها ثمَّ تنامون فَلَا يكْتب عَلَيْكُم حَتَّى تستيقظوا\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَإِسْنَاده حسن وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَهُوَ أشبه وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\n_________\n(^١) انظر: جمهرة اللغة (٢/ ٧٨١)، وتهذيب اللغة (٨/ ١٢٧)، والنهاية (٣/ ٣٨٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٩١ رقم ١٢١) والأوسط (٢/ ٣٥٨ رقم ٢٢٢٤) مرفوعًا. وأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٤٨ رقم ٨٧٣٩) موقوفًا. وقال الطبراني: رفعه علي بن =","vol":"3","page":201},{"text":"قوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على فضائله.\nقوله - ﷺ -: \"تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها\" الحديث المراد بالاحتراق الذنوب، والمراد بغسلها غفرانها والغفران هو ستر ذنوب العبد.\nسؤال: من صلى هذه الصلوات أولا؟\nقيل: أول من صلى الفجر آدم - ﷺ -، والظهر إبراهيم - ﷺ - والعصر يونس -﵇-، والمغرب عيسى -﵇-، والعتمة موسى -﵇-، وقال أول من صلى هذه الصلوات الملائكة فأمهم جبريل -﵇-، ويقال أول من صلى هذه الصلوات أدم شكرا لقبول توبته، فائدة: فيها بشرى فلم أمر بسبع عشر ركعة في الليل والنهار وهي خمس صلوات قيل لأن المفاصل سبعة عشر مفصلا فأراد أن يعتق بكل مفصل قاله في كشف الأسرار (^١).\nفائدة أخرى: جليلة فيها بشرى لبني أدم روي عن وهب أن عبادة أهل السماء الدنيا القيام يعني في الصلاة، وعبادة أهل السماء الثانية الركوع، وعبادة أهل السماء الثالثة السجود، وعبادة أهل السماء الرابعة القراءة، وعبادة أهل السماء الخامسة التسبيح، وعبادة أهل السماء السادسة الذكر، وعبادة أهل\n_________\n= عثمان اللاحقي. ورواه جماعة: عن حمَّاد بن سلمة موقوفًا. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٩٩): رواه الطبراني في الثلاثة إلا أنه موقوف في الكبير، ورجال الموقوف رجال الصحيح، ورجال المرفوع فيهم عاصم بن بهدلة، وحديثه حسن. وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٥٧).\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٣٧ و٣٩).","vol":"3","page":202},{"text":"السماء السابعة الجلوس في التحيات قلت سبحان الله ما أحسن هذا الحديث في تشريف ابن أدم على الملائكة، وكون الشريعة هي مجموع عبادات أهل السموات السبع في فروض الصلاة لابن آدم قاله في كنز الدرر (^١).\n\n٥٢٨ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله ملكا يُنَادي عِنْد كلّ صَلَاة يَا بني آدم قومُوا إِلَى نيرانكم الَّتِي أوقدتموها فأطفئوها\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَقَالَ تفرد بِهِ يحيى بن زُهَيْر الْقرشِي (^٢).\nقَالَ المملي - ﵁ -: وَرِجَاله كلهم مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح سراة.\nقوله: عن أنس بن مالك تقدم الكلام ترجمته.\nقوله - ﷺ - \"إن لله ملكا ينادي عند كل صلاة يا بني أدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموهما\" الحديث المراد بذلك الذنوب كما تقدم.\n_________\n(^١) كنز الدرر (١/ ٧٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ٢٦٢ رقم ١١٣٥) والأوسط (٩/ ١٧٣ - ١٧٤ رقم ٩٤٥٢)، والضياء في المختارة (٧/ ١٦١) (٢٥٩٠) و(٧/ ١٦١ - ١٦٢) (٢٥٩١). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن عون إلا أزهر، تفرد به يحيى بن زهير القرشي. وقال الضياء: إسناده لا بأس به.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٩: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وقال: تفرد به يحيى بن زهير القرشي. قلت: ولم أجد من ذكره إلا أنه روى عن أزهر بن سعد السمان، وروى عنه يعقوب بن إسحاق المخرمي، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠٥٧) وحسنه في صحيح الترغيب (٣٥٨).","vol":"3","page":203},{"text":"قوله: \"عن أنس تفرد به يحيى القرشي\" هو يحيى بن زهير أبو عبد الرحمن القرشي الفهري حدّث عن: محمد بن ربيعة الكلابي، وعبد الرحمن بن مسهر، وجرير ابن عبد الحميد، وأزهر بن سعد السمان، روى عنه: يعقوب بن إسحاق المخرمي، وأحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، وإسماعيل بن العبَّاس الوراق، ومحمد بن مخلد الدوري (^١).\n\n٥٢٩ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ يبْعَث مُنَاد عِنْد حَضْرَة كل صَلَاة فَيَقُول يَا بني آدم قومُوا فأطفئوا مَا أوقدتم على أَنفسكُم فَيقومُونَ فيتطهرون وَيصلونَ الظّهْر فَيغْفر لَهُم مَا بَينهمَا فَإِذا حضرت الْعَصْر فَمثل ذَلِك فَإِذا حضرت الْمغرب فَمثل ذَلِك فَإِذا حضرت الْعَتَمَة فَمثل ذَلِك فينامون فمدلج فِي خير ومدلج فِي شرّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله: \"عن عبد الله بن مسعود\" تقدم.\nقوله: \"يبعث مناد عند حضرة كل صلاة فيقول يا بني أدم أوقدتم على\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١٦/ ٣٠٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٤١ - ١٤٢ رقم ١٠٢٥٢ و١٠٢٥٣) وعنه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٨٩ - ١٩٠). قال أبو نعيم: حديث الربيع ينفرد به عبد ربه وحديث هشام أيوب بن حسان.\nوقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٩٩): رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبان بن أبي عيَّاش وثقه أيوب وسلم العلوي، وضعفه شعبة وأحمد وابن معين وأبو حاتم. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥٢٠) وصحيح الترغيب (٣٥٩).","vol":"3","page":204},{"text":"أنفسكم\" أي قوموا إلى الصلاة فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم أي من الذنوب التي فعلتموها. قوله: فإذا حضرت العصر أي جاء وقت فعلها، ويقال حضرت بفتح الضاد المعجمة وكسرها لغتان مشهورتان الفتح أشهر.\nقوله: في آخر الحديث فمدلج في خير ومدلج في شر المدلج وهو المسافر أول الليل والله أعلم.\n\n٥٣٠ - وَعَن طَارق بن شهَاب أَنه بَات عِنْد سلمَان الْفَارِسِي - ﵁ - لينْظر مَا اجْتِهَاده قَالَ فَقَامَ يُصَلِّي من آخر اللَّيْل فَكَأَنَّهُ لم ير الَّذِي كَانَ يظنّ فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ سلمَان حَافظُوا على هَذِه الصَّلَوَات الْخمس فَإِنَّهُنَّ كَفَّارَات لهَذه الْجِرَاحَات مَا لم تصب المقتلة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا هَكَذَا بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\nقوله: عن طارق بن شهاب هو أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سملة الكوفي البجلي الأحمسي بالحاء والسين المهملتين منسوب إلى أحمس بن الغوث بن أنمار أدرك الجاهلية، وصحب النبي - ﷺ - وغزا في زمن أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين أو ثلاثًا وأربعين غزوة، وروى عن الخلفاء الأربعة وابن مسعود وسلمان وخالد وأبي موسى وحذيفة، وروى عنه\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨) و(٤٧٣٧) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٦/ ٢١٧ رقم ٦٠٥١) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٨٩ - ١٩٠)، وأبو داود في الزهد (٢٥٦). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٠٠): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٠) و(٦٣٣).","vol":"3","page":205},{"text":"جماعات من التابعين منهم قيس بن مسلم ومخازن بن عبد الله وإسماعيل بن أبي خالد سليمان بن ميسرة وغيرهم سكن الكوفة وتوفي سنة ثلاث وثمانين (^١).\nقوله أنه بات عند سلمان الفرسي لينظر ما اجتهاده.\nسلمان هو أبو عبد الله سلمان الخير مولى رسول الله - ﷺ - وسئل عن نسبه فقال: إنا سلمان بن الإسلام أصله من فارس من حي قرية من قرى أصبهان وقيل غير ذلك وسبب إسلامه مشهور أنه هرب من أبيه وكان مجوسيا فجلس براهب ثم بجماعة رهبان واحد بعد واحد يصحبهم إلى وفاتهم إلى أن دله الأخير على الذهاب إلى الحجاز وأخبره بظهور النبي - ﷺ - فقصده وقصته مشهورة وأول مشاهده مع رسول الله - ﷺ - الخندق ولم يتخلف عن مشهد بعدها وأخى رسول الله - ﷺ - بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي وكان من فضلاء الصحابة، وزهادهم وعلمائهم وسكن العراق وكان يعمل الخوص بيده فيأكل منه وكان أبو الدرداء قد سكن الشام فكتب إلى سلمان أما بعد فإن الله رزقني بعدا ممالا وولد ونزلت الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان أما بعد فإنك كتبت إليّ أن الله رزقك مالا وولدا فأعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد ولكن أن يكثر الله حلمك وينفعك علمك وكتبت إلى أنك في الأرض المقدسة وأن الأرض لا تقدس أحدا، ونقلوا اتفاق العلماء على أن سلمان الفارسي عاش مائتين وخمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل أنه أدرك وصي عيسى -﵇- روي له عن رسول الله - ﷺ - ستون\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥١ الترجمة ٢٦٨).","vol":"3","page":206},{"text":"حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة ولمسلم ثلاثة توفى - ﵁ - بالمدائن في أول سنة ست وثلاثين وقيل غير ذلك وكان له ثلاث بنات بنت بأصبهان وبنتان بمصر ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله: على هذه الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذا الجراحات المراد بالجراحات الصغائر.\nقوله ما لم تصب المقتلة المقتلة عبارة عن ارتكاب الذنوب الكبائر التى لا تغفر إلا بالتوبة أو يغفرها الله لمن شاء (^٢) والله أعلم.\nلطيفة: قال أبو محمد الجريري قصدت الجنيد فوجدته في الصلاة فأطال جدًا فقلت قد كبرت ووهن عظمك ورق جلدك وضعفت قوتك فلو اقتصرت على بعض صلاتك فقال: اسكت طريق عرفنا به ربنا لا ينبغي أن نقتصر منه على بعضه (^٣). ودخلوا على الجنيد عند موته وهو يصلي فقالوا في هذا الوقت فقال الآن حين تطوى الصحائف (^٤).\n\n٥٣١ - وَعَن عَمْرَو بن مرّة الْجُهَنِيّ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن شهِدت أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأنَك رَسُول الله وَصليت الصَّلَوَات الْخمس وَأديت الزَّكَاة وَصمت رَمَضَان وقمته فَمِمَّنْ أَنا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٦ - ٢٢٨ الترجمة ٢١٨).\n(^٢) انظر: الاستذكار (١/ ٢٠٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٥٠٦).\n(^٣) الصلاة والتهجد (ص ٣٠٩) لابن الخراط.\n(^٤) المدهش (ص ٤٧١).","vol":"3","page":207},{"text":"قَالَ من الصديقين وَالشُّهَدَاء. رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَاللَّفْظ لِابْنِ حبَان (^١).\nقوله وعن عمرو بن مرة الجهني هو (عمرو بن مرة بن عبس بن مالك بن الحارث بن مازن بن سعد بن مالك ابن رفاعة بن نصر بن مالك بن غطفان بن قيس بن جهينة الجهني، ثم أحد بني غطفان، ويقال: الأسدي، ويقال: الأزدي، والأول أكثر. يكنى أبا مريم وفد إلى النبي - ﷺ - وقال: آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرًا من الأقوام. وكان إسلامه قديما، وشهد مع رسول الله - ﷺ - أكثر المشاهد، وسكن الشأم، روى عنه عيسى بن طلحة، وسبرة بن معبد، ومضرس بن عثمان، وغيرهم (^٢).\nقوله: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيت أن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان تقدم الكلام على الصلاة والزكاة وصوم رمضان قريبًا والله أعلم.\nالصديقون فجمع صديق وهو كثير الصدق وأما الشهداء فجمع شهيد\n_________\n(^١) أخرجه يحيى بن معين في الثانى من حديثه (١٩٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٠٨)، والبزار (٢٥/ كشف الأستار)، وابن خزيمة (٢٢١٢)، وابن حبان (٣٤٣٨)، والطبراني في الشاميين (٢٩٣٩). قال البزار: وهذا لا نعلمه مرفوعًا إلا عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٤٦: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخي البزار، وأرجو إسناده أنه إسناد حسن أو صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦١) و(٧٤٩) و(١٠٠٣).\n(^٢) أسد الغابة (٣/ الترجمة ٤٠١٩)، وتهذيب الكمال (٢٢/ الترجمة ٤٤٤٩).","vol":"3","page":208},{"text":"وهو من قتل في سبيل الله في معركة الكفار بسبب من أسباب.\n\n٥٣٢ - وَعَن أبي مُسلم التغلبي قَالَ دخلت على أبي أُمَامَة - ﵁ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِد فَقلت يَا أَبَا أُمَامَة إِن رجلًا حَدثنِي عَنْك أنَك سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء فَغسل يَدَيْهِ وَوَجهه وَمسح على رَأسه وَأُذُنَيْهِ ثمَّ قَامَ إِلَى صَلَاة مَفْرُوضَة غفر الله لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم مَا مشت إِلَيْهِ رِجْلَاهُ وقبضت عَلَيْهِ يَدَاهُ وَسمعت إِلَيْهِ أذنَاهُ وَنظرت إِلَيْهِ عَيناهُ وَحدّث بِهِ نَفسه من سوء فَقَالَ وَالله قد سمعته من النَّبِي - ﷺ - أمرا\" رَوَاهُ أَحْمد وَالْغَالِب على سَنَده الحسن (^١) وَتقدم لَهُ شَوَاهِد فِي الْوضُوء وَالله أعلم.\nقوله: عن أبي مسلم التغلبي أبو مسلم اسمه (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من توضأ فأحسن الوضوء\" تقدم الكلام على معنى الوضوء وأنه من الوضاءة وهو الحسن وتقدم الكلام أيضًا على إحسان الوضوء فى عدة مواضع من هذا التعليق.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٣ (٢٢٢٧٢)، وأحمد بن منيع في مسنده كما في إتحاف الخيرة (١/ ٣٠٦ رقم ٥١٨/ ٥)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٦ رقم ٨٠٣٢)، وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٢٨). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٢: رواه أحمد والطبراني بنحوه في الكبير، وفيه أبو مسلم، ولم أجد من ترجمه بثقة ولا جرح، غير أن الحاكم ذكره في الكني، وقال: روى عنه أبو حازم. وهنا روى عنه أبان بن عبد الله. وكذلك ذكره ابن أبي حاتم. وقال في ١/ ٣٠٠: رواه الطبراني في الكبير من رواية أبي مسلم الثعلبي عنه، ولم أر من ذكره، وبقية رجاله موثقون. وقال الألباني في الضعيفة (٦٧١١): منكر بذكر: (اليوم، وتحديث النفس). وضعفه في ضعيف الترغيب (١٣٤) و(٢٠٩).\n(^٢) بياض بمقدار كلمة واحدة.","vol":"3","page":209},{"text":"قوله - ﷺ -: \"غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه\" الحديث فالذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة والاعتبار فالذي يكفره الوضوء والصلاة والصغائر لقوله - ﷺ - في الصحيحين \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر\" وقد يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة وإذا كفرت الصلوات فماذا تكفر الجماعات ورمضان إلى رمضان وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين يوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه والجواب: ما أجاب به العلماء ﵃ أن كل واحدة من هذا المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفر من الصغائر وإن لم يصادق صغيرة ولا كبيرة كتب له بها حسنات ورفعت له بها درجات وأن صادق كبيرة أو كبائر ولم يصادق صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر (^١).\n\n٥٣٣ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"الْمُسلم يُصَلِّي وخطاياه مَرْفُوعَة على رَأسه كلما سجد تحات عَنهُ فيفرغ من صلَاته وَقد تحاتت عَنهُ خطاياه\"، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير وَفِيه أَشْعَث بن أَشْعَث السعداني لم أَقف على تَرْجَمته (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (٦/ ٣٨٢) وشرح النووي على مسلم (٣/ ١١٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٢٥٠ رقم ٦١٢٥)، وفي الصغير (٢/ ٢٧٢ رقم ١١٥٣)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٨١٣)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٥٠٣ رقم ٢٨٧٥)، والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٥٤٢ - ٥٤٣) وتاريخ بغداد =","vol":"3","page":210},{"text":"قوله: \"في حديث سلمان وفيه أشعث بن أشعت السعداني\" من أهل البصرة، يروي عن: عمران القطَّان، يروي عنه بشر بن آدم، ابن ابنة أزهر السمان، يغرب (^١).\nقوله: \"عن أبي عثمان كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصنا منها يابسا فهزه حتى تحات ورقه\". أبو عثمان هذا اسمه (عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن جذيمة أبو عثمان النهدي الكوفي، سكن البصرة، أدرك الجاهلية وأسلم على عهد النبي - ﷺ - وصدق إليه، ولم يلقه، متفق على توثيقه (^٢).\n\n٥٣٤ - وَعَن أبي عُثْمَان قَالَ: كنت مَعَ سلمَان - ﵁ - تَحت شَجَرَة فَأخذ غصنا مِنْهَا يَابسا فهزه حَتَّى تحات ورقه ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَان أَلا تَسْأَلنِي لم أفعل هَذَا قلت وَلم تَفْعَلهُ قَالَ هَكَذَا فعل بِي رَسُول الله - ﷺ - وَأَنا مَعَه تَحت\n_________\n= (١٦/ ٤٦٠)، وابن غنائم في الفوائد (٢٠).\nقال الطبراني في المعجم الصغير: \"لم يروه عن سليمان إلا عمران، ولا عن عمران إلا أشعث بن أشعث، تفرد به بشر\". ووقع في المعجم الكبير: \"بشر بن موسى\"، بدل \"بشر بن آدم\". وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الكبير والصغير والبزار، وفيه أشعث بن أشعث السعداني، ولم أجد من ترجمه. وقال الألباني في الصحيحة (٣٤٠٢) وصحيح الترغيب (٣٦٢): حسن صحيح. قال أبو حاتم في العلل (٣٤٢): هذا خطأ؛ إنما هو عن سلمان قوله (٩)، وأشعث مجهول لا يعرف.\n(^١) الثقات (٨/ ١٢٨).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٧/ الترجمة ٣٩٦٨).","vol":"3","page":211},{"text":"شَجَرَة وَأخذ مِنْهَا غصنًا يَابسًا فهزَّه حَتَّى تحات ورقه فَقَالَ: يَا سلمَان أَلا تَسْأَلنِي لم أفعل هَذَا؟ قلت: وَلم تَفْعَلهُ؟ قَالَ: إِن الْمُسلم إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ صلى الصَّلَوَات الْخمس تحاتت خطاياه كَمَا تحات هَذَا الْوَرق وَقَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ (^١)، رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا عَليّ بن زيد (^٢).\nوتقدم الكلام على سلمان.\nقوله - ﷺ -: \"أن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس\" الحديث تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث في الأحاديث قبله وفي الصحيح عن ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قبله فأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ فقال الرجل: لمن\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٦٨٧)، وأبو عبيد في الطهور (١١)، وابن أبي شيبة في المُصَنِّف ١/ ١٦ (٥٢)، والمسند (٤٥٦)، وأحمد في مسنده (٥/ ٤٣٧ و٤٣٨ رقم ٢٣٧٠٧ و٢٣٧١٦)، والدارمي (٧٤٦)، والبزار (٢٥٠٨)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٥٧ رقم ٦١٥١ و٦١٥٢).\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨: رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير. وفي إسناد أحمد علي بن زيد، وهو مختلف في الاحتجاج به، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٣).","vol":"3","page":212},{"text":"هذا يا رسول الله؟ قال: \"لمن عمل بها في أمتي\" هذا الرجل هو أبو يسر كعب بن عمرو (^١).\nقوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: ساعة بعد ساعة، يقرب بعضها من بعض، الواحدة زلفة، وعني بالزلف من الليل المغرب والعشاء (^٢).\nوقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ اعلم أن صغائر الذنوب تقع مكفرات بما يتبعها من الحسنات، وكذا ما خفي من الكبائر، لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقوله -﵇-: \"أتبع الحسنة السيئة تمحها\"، فأما ما ظهر منها وتحقق عند الحاكم لم يسقط حدها إلا بالتوبة، وفي سقوطه بها خلاف، وخطيئة هذا الرجل في حكم المخفي، لأنه ما بينها، فلذلك سقط حدها بالصلاة، سيما وقد انضم إليها ما أشعر بإنابته عنها وندامته عليها (^٣).\n\n٥٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ﵄ قَالا: خَطَبنَا رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا فَقَالَ: \"وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا نَدْرِي على مَاذَا حلف ثمَّ رفع رَأسه وَفِي وَجهه الْبُشْرَى وَكَانَت أحب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٦) و(٤٦٨٧)، ومسلم (٣٩ و٤٠ و٤١ و٤٢ و٤٣ - ٢٧٦٣).\nوانظر: الإفصاح (٢/ ٥٥). وقيل في اسم الرجل: ثلاثة أقوال: أحدها، أنه عمرو بن غزية أبو حية الأنصاري، قاله ابن عباس. والثاني: عامر بن قيس الأنصاري، قاله مقاتل. والثالث: أبو اليسر كعب بن عمرو، وذكره أبو بكر الخطيب.\n(^٢) الغريبين (٣/ ٨٢٧)، وشرح السنة (٢/ ١٧٨).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).","vol":"3","page":213},{"text":"إِلَيْنَا من حمر النعم قَالَ: مَا من رجل يُصَلِّي الصَّلَوَات الْخمس ويصوم رَمَضَان وَيخرج الزَّكاة ويجتنب الْكَبَائِر السَّبع إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى إِنَّهَا لتصطفق\" ثمَّ تَلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^١)، وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة وعن أبي سعيد تقدم الكلام على مناقبهما ﵄.\nقوله: \"والذي نفسي بيده ثلاث مرات\" الحديث فيه جواز الحلف من غير ضرورة لكن المستحب تركه إلا لحاجة كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه وتمكينه من النفوس وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده\" ولفظ اليد من المتشابهات وفي مثله افترقت الأمة فرقتين مفوضة وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله قائلين ﴿وَمَا\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣١٦)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٥٤ (٢٤٥٧) والكبرى (٢٤٢٤)، والحاكم (٢/ ٢٤٠)، وابن فاخر في موجبات الجنة (٦٨). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وحسنه ابن حجر في موافقة الخبر الخبر (١/ ٣٥٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٠) و(٤٥٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٠).","vol":"3","page":214},{"text":"يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١) ومؤولة وهم الذين يؤولونها كما يقال المراد من اليد القدرة عاطفين ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (^٢) على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ والأول أسلم والثاني أحكم (^٣) والله أعلم.\nوقال بعض العُلماء في قوله \"بيده\" والمراد في قبضته وقدرته ومما أفاد بعض علمائنا أن آيات الصفات وأحاديثها لا تذكر إلا حيث ذكرت وليس لأحد أن يتكلم بذلك ويقول أردت كذا فإن له مندوحة من ذلك بالتصريح بمراده على مورد التنزيه [كلمة غير واضحة] تأويل وهو أعلم أو بإمراره على ما ورد مع القطع بنفي التشبيه وهو أسلم والله أعلم قاله فى شرح الإلمام.\nتنبيه: وهذه كانت غالب يمين رسول الله - ﷺ - وكذلك ومقلب القلوب وسببه ما فيهما من التنبيه على تسليم الأمر كله لله وأن جميع حركاته وتقلباته بيد خالقه فينشأ عن ذلك الرضا بالقضاء وسكون القلب إلى القضاء والقدر.\nقوله: \"فرفع رأسه وفي وجهه البشرى وكانت أحب إلينا من حمر النعم حمر بضم الحاء المهملة والميم الإبل الحمر\" وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس أعظم منه قاله النووي في شرح مسلم (^٤).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٧.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٧.\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ٩٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٧٨).","vol":"3","page":215},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وتجتنب الكبائر السبع\" الحديث فهذا يدل على تعظيم هذه السبعة وأن من سلم منها كان على نجا إلى إن وقع في غيرها أو ليس فيه نفي ما عداها أن يكون كبيرة بل إنها أعظم الكبائر والتنصيص عليها اهتماما بأمرها وإلا فهي إلى السبعين أقرب بل إلى السبعمائة ولهذا أسماها الموبقات أي المهلكات.\nقال في المفهم يحتمل أن يكون اقتصر عليها لأنها هي التي أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي ثم أعلم بعد ذلك بغيرها أو لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت أو التي سئل عنها فيه وكذلك القول في كل حديث خص عددا من الكبائر (^١).\n\n٥٣٦ - وَعَن عُثْمَان - ﵁ - قَالَ حَدثنَا رَسُول الله - ﷺ - عِنْد انصرافنا من صَلَاتنَا أرَاهُ قَالَ الْعَصْر فَقَالَ مَا أَدْرِي أحدّثكُم أَو أسكت قَالَ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله إِن خيرا فحدّثنا وَإِن كَانَ غير ذَلِك فَالله وَرَسُوله أعلم قَالَ مَا من مُسلم يتَطَهَّر فَيتم الطَّهَارَة الَّتِي كتب الله عَلَيْهِ فَيصَلي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا كَانَت كفَّارَات لما بَينهَا وَفِي رِوَايَة أَن عُثْمَان - ﵁ - قَالَ وَالله لأحدّثكم حَدِيثا لَوْلا آيَة فِي كتاب الله مَا حَدَّثتكُمُوهُ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لا يتَوَضَّأ رجل فَيحسن وضوءه ثمَّ يُصَلِّي الصَّلَاة إِلَّا غفر الله لَهُ مَا بَينهَا وَبَين الصَّلاة الَّتِي تَلِيهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٤٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠ و١١ - ٢٣١)، وابن ماجه (٤٥٩)، والنسائي في المجتبى (١/ ٣٣٤) (١٥١) والكبرى (١٨١) باللفظ الأول. وأخرجه مسلم (٥ و٦ - ٢٢٧)، والنسائي في المجتبى (١/ ٣٣٤) (١٥٠) والكبرى (١٨٠) باللفظ الثانى.","vol":"3","page":216},{"text":"٥٣٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ للصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ مَشى إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ النَّاس أَو مَعَ الْجَمَاعَة أَو فِي الْمَسْجِد غفر لَهُ ذنُوبه (^١).\n\n٥٣٨ - وَفِي رِوَايَة أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من امرئ مُسلم تحضره صَلَاة مَكْتُوبَة فَيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب مَا لم تؤت كبِيرَة وَذَلِكَ الدَّهْر كُله (^٢).\nقوله: وعن عثمان كنيته أبو عمرو ويقال أبو عبد الله وأبو ليلى عثمان بن عفان القرشي الأموي المكي ثم المدني أمير المؤمنين أمه أروى بنت كريز بن ربيعة وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ - هاجر عثمان الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهاجر بزوجته رقيه بنت رسول الله - ﷺ - الهجرتين الأولى والثانية ويقال لعثمان ذو النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله - ﷺ - إحداهما بعد الأخرى قالوا أو لا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غير عثمان تزوج رقية قبل النبوة توفيت عنده في أيام غزوة بدر في شهر رمضان السنة الثانية من الهجرة وكان - ﵁ - تأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله - ﷺ - فجاء البشير بنصر المؤمنين ببدر يوم دفنها بالمدينة ﵂ ثم تزوج بعد وفاتها أختها أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة ولم تلد له شيئًا روي لعثمان عن رسول الله - ﷺ - مائة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢ و١٣ - ٢٣٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧ - ٢٢٨).","vol":"3","page":217},{"text":"حديث وستة وأربعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بخمسة ولد عثمان في السنة السادسة بعد الفيل وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقيل يوم الأربعاء وهو ابن تسعين سنة وقيل غير ذلك وبويع لعثمان بالخلافة [١٦٣ المغربي] غرة المحرم سنة أربع وعشرين فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليالي، قال ابن عبد البر (^١): بويع يوم السبت بعد دفن عمر بثلاثة أيام وحج فيها بالناس عشر سنين متوالية وصلى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلًا بالبقيع وأخفى قبره ذلك الوقت ثم أظهر وقيل صلى عليه حكيم بن حزام وقيل المسور بن مخرمة وإنما دفن ليلا للعجز عن إظهار دفنه بسبب غلبة قاتليه وعثمان بن عفان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وروي أنه قال رأيتُ رسول الله - ﷺ - في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة ثم دعا بالمصحف فقتل وهو بين يديه واعتق عشرين مملوكا وهو محصور - ﵁ - ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\nقوله: \"ما أدري أحدّثكم أو أسكت\" الحديث فيحتمل أن يكون معناه ما أدري هل ذكري لكم هذا الحديث في هذا الزمن مصلحة أم لا ثم ظهرت مصلحته في الحال عنده - ﷺ - فحدّثهم به لما فيه من ترغيبهم في الطهارة وسائر أنواع الطاعات وسبب توقفه أولا أنه خاف مفسدة اتكالهم ثم رأى المصلحة\n_________\n(^١) الاستيعاب (٣/ ١٠٤٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢١ - ٣٢٥ الترجمة ٣٩٥).","vol":"3","page":218},{"text":"في التحديث به، وأما قولهم إن كان خيرا فحدّثنا فيحتمل أن يكون معناه إن كان بشارة لنا وسببا لنشاطنا وترغيبنا في الأعمال أو تحذيرا وتنفيرا من المعاصي والمخالفات فحدّثنا به لنحرص على عمل الخير والإعراض عن الشر وإن كان حديثًا لا يتعلق بالأعمال ولا ترغيب فيه ولا ترهيب فالله ورسوله أعلم ومعناه فإذا فيه رأيك والله أعلم (^١).\nقوله: فقلنا يا رسول الله إن كان خيرا فحدّثنا وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم الحديث، هذا من حسن أدبهم وأنهم علموا أنه - ﷺ - لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون والله أعلم، قاله النووي في شرح مسلم (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ما من مسلم يتطهر فيتم الطهارة التي كتب الله عليه فيصل هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينها\" الحديث هذه الرِّواية فيها فائدة نفيسة وهي قوله - ﷺ - \"فيتم الطهارة التي كتب الله عليه\" فإنه دل على أن من اقتصر في وضوئه على طهارة الأعضاء الواجبة المذكورة في الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٣) وترك السنن المستحبات كانت هذه الفضيلة حاصلة له وإن كان من أتى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١١٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٦٩).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"3","page":219},{"text":"بالسنن أكمل وأشد تكفيرا والله أعلم.\nقول عثمان: والله لولا آية في كتاب الله الحديث فيه جواز الحلف من غير ضرورة ولا أستحلف وتقدم هذا قريبا قوله - ﵁ - لولا آية في كتاب الله ما حدّثتكم، قال: عروة الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (^١) الآية معناه لولا أن الله تعالى أوجب على من علم علما إبلاغه لما كنت حريصا على تحديثكم ولست متكثرا بتحديثكم وهذا كلّه ما وقع في الأصول التي ببلادنا ولأكثر الناس من غيرهم لولا آية بالياء المثناة من تحت ومد الألف ورواه الباجي بالنون في الحديث، فقال: لولا أنه قال القاضي عياض اختلف العُلماء في تأويل ذلك ففي مسلم قال عروة الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآية التي ذكرت وعلى هذا فتح رواية النون وفي الموطأ قال مالك أراه يريد الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (^٢) الآية (^٣).\nسمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول \"لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه\" تقدم معنى ذلك مرارا عديدة.\nقوله - ﷺ -: \"ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها بعدها وغفران الذنوب سترها\" قوله - ﷺ - وفي رواية مسلم \"من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في\n_________\n(^١) سورة البقرة، ١٥٩.\n(^٢) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١١١).","vol":"3","page":220},{"text":"المسجد غفر له ذنوبه\" تقدم معنى الإسباغ والمشي إلى المسجد وسيأتي الكلام على فضل الصلاة في الجماعة وفي غفران الذنوب هل يشمل الصغائر والكبائر أو يختص بالصغائر، قوله - ﷺ - في الرِّواية الأخرى: \"ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة\" الصلاة المكتوبة هي المفروضة التي كتبها الله تعالى على عباده وهو احتراز من النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام لكنها ليست من أركانه فتحمل المطلقة هاهنا على المقيدة في الرِّواية الأخرى جمعا بينها والله أعلم، قاله الكرماني (^١).\nقوله: إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله الحديث معناه أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر وليس المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر فإن هذا وإن كان محتملا فسياق الحديث يأباه قال القاضي عياض ﵀ هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تكن كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما يكفرها التوبة أو رحمة الله وفضله وتقدم ذلك (^٢) والله أعلم.\nقوله: وذلك الدهر كله أي ذلك مستمر في جميع الأزمان ثم إنه وقع في هذا الحديث ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وفي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٩٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١١٢).","vol":"3","page":221},{"text":"الحديث الآخر الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، وقد يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة وإذا كفرت الصلوات فماذا تكفر الصلوات الجماعات ورمضان إلى رمضان وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين يوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، الجواب: ما أجاب به العُلماء ﵃ أن كلّ واحدة من هذه المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفر من الصغائر كفره وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتب لديها حسنات ورفعت له بها درجات وأن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادق صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر (^١) والله أعلم.\nقال فى حدائق الأولياء: بعد سياق الحديث عند قوله وذلك الدهر كلها أي لا خصوصية مكان ولا زمان ولا شخص ولا حال فالإحسان زائد وتعميم التكفير متزايد (^٢).\n\n٥٣٩ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - يَقُول إِن كلّ صَلَاة تحط مَا بَين يَديهَا من خَطِيئَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٦/ ٣٨٢) وشرح النووي على مسلم (٣/ ١١٣).\n(^٢) حدائق الأولياء (٢/ ٩٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٣ (٢٣٥٠٣)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٢٦ رقم ٣٨٧٩ و٣٨٨٠) و(٤/ ١٢٧ رقم ٣٨٨١) والشاميين (٢١٠) و(١٥٥٠) و(١٦٣٨) و(٣٥١٦) وابن عدي في الكامل ٣/ ٢٩٨، والمخلص في المخلصيات (١٤٩٧) و(١٥٣٣)، وتمام الرازي في =","vol":"3","page":222},{"text":"٥٤٠ - وَعَن الْحَارِث مولى عُثْمَان قَالَ جلس عُثْمَان - ﵁ - يَوْمًا وَجَلَسْنَا مَعَه فجَاء الْمُؤَذّن فَدَعَا بِمَاء فِي إِنَاء أَظُنهُ يكون فِيهِ مد فَتَوَضَّأ ثمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - يتَوَضَّأ وضوئي هَذَا ثمَّ قَالَ من تَوَضَّأ وضوئي هَذَا ثمَّ قَامَ يُصَلِّي صَلَاة الظّهْر غفر لَهُ مَا كانَ بَينهَا وَبَين الصُّبْح ثمَّ صلى الْعَصْر غفر لَهُ مَا كانَ بَينهَا وَبَين الظّهْر ثمَّ صلى الْمغرب غفر لَهُ مَا كانَ بَينهَا وَبَين الْعَصْر ثمَّ صلى الْعشَاء غفر لَهُ مَا كانَ بَينهَا وَبَين الْمغرب ثمَّ لَعَلَّه يبيت يتمرغ ليلته ثمَّ إِن قَامَ فَتَوَضَّأ فصلى الصُّبْح غفر لَهُ مَا بَينهَا وَبَين صَلَاة الْعشَاء وَهن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات قَالُوا هَذِه الْحَسَنَات فَمَا الْبَاقِيَات يَا عُثْمَان قَالَ هِيَ لا إِلَه إِلَّا الله وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله وَالله أكبر وَلا حول وَلا قُوَّة إِلَّا بِالله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار (^١).\n_________\n= فوائده (١٢٥٩) و(١٢٦١)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٩٠). قال أبو نعيم: تفرد به أبو معبد حفص بن غيلان، عن مكحول. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٨: رواه أحمد، وإسناده حسن. وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٦٥).\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٧١ (٥١٣) ومن طريقه الضياء في المختارة ١/ ٤٥٠ - ٤٥١ (٣٢٤)، ابن أبي عمر كما في اتحاف الخيرة (١/ ٣٠٧ رقم ٥١٩/ ١)، والبزار (٤٠٥)، وأبو يعلى (١٨٣/ المقصد العلى)، والسمرقندى في تنبيه الغافلين (٣٦٧). قال البزار: لا نعلمه يروى بلفظه عن عثمان، إلا من هذا الوجه. قال الضياء: رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني في مسنده عن المقرئ عن سعيد بن أيوب وحيوة جميعا عن أبي عقيل ونحوه (إسناده صحيح).\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٧: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح غير الحارث بن عبد الله مولى عثمان بن عفان، وهو ثقة. وقال البوصيرى: ورواه أحمد =","vol":"3","page":223},{"text":"وعن الحارث مولي عثمان (هو أبو صالح الحارث بن عبد مولى عثمان بن عفان روى عنه أبو عقيل زهرة بن معبد حديث الوضوء مات في ولاية معاوية (^١).\nقوله: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه فجاء المؤذن فدعا بماء في إناء أظنه يكون فيه مد فتوضأ الحديث المد رطل وثلث قيل سمي مدا لأنه ملء كفي الإنسان إذا مدهما طعاما (^٢) والصاع أربعة أمداد (^٣) والمكوك مكيال معروف بالعراق بفتح الميم وتشديد الكاف بعدها يسع صاعا ونصفا من صاع النبي - ﷺ - بالمد ويجمع مكاكي ومكاكيك وبالروايتين جاء في صحيح مسلم قاله القاضي عياض (^٤).\nقال [الترمذي]: وقال الشافعي وأحمد وإسحاق ليس معنى الحديث التوقيت أنه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه بل ما يكفي ثم عقبه حديث أبي بن كعب أن النبي - ﷺ - قال \"إن الوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء\" قال أبو عيسى وهو حديث غريب (^٥) ا. هـ.\n_________\n= ابن حنبل في مسنده بإسناد حسن، والبزار. وقال ابن حجر في الأمالى المطلقة (ص ١١٠): هذا حديث حسن ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٦).\n(^١) الثقات (٤/ ١٣٦).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٧٥).\n(^٣) المشارق (٢/ ٥٢).\n(^٤) المشارق (١/ ٣٧٩).\n(^٥) انظر: سنن الترمذى عقب حديث (٥٦). وأما الحديث فأخرجه أحمد (٥/ ١٣٦) (٢١٢٣٨)، وابن ماجه (٤٢١)، والترمذى (٥٧)، وابن خزيمة (١٢٢)، والحاكم (١/ ١٦٢). وضعفه الألباني في المشكاة (٤١٩).","vol":"3","page":224},{"text":"قال ابن العربي ومعناه أن يكون بالكيل لا بالوزن لأن كيل المد والصاع بالماء أضعافه بالوزن فتفطن لهذه الدقيقة (^١) ا. هـ.\nوقد نقل الطبري إجماع المسلمين على أن ماء الطهارة ليس له قدر معلوم لا يجوز النقص عنه والعبرة بالإسباغ وهذا الاختلاف يدل على عدم الحرج فإن الأمر واسع الصاع والمد تقريب لا تحديد ويستحب تقليل الماء وعدم الإسراف (^٢) ا. هـ.\nفائدة: والمستحب [١٦٤ المغربي] أن لا ينقص الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد اقتداء برسول الله - ﷺ - والأصح أن المداد بالصاع والمد هنا صاع ومدها غسل الصاع هنا ثمانية أرطال والمدد رطلان وقال وإذا وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وكلام الأصحاب يدل على أن المستحب الاقتصار على الصاع والمد روي أنه - ﷺ - قال: \"سيأتي أقوام يستقلون فمن رغب في سنتي وتمسك بها بعث معي في حظيرة القدس\" فإن نقص عن ذلك وأسبغ أجزأه وقد نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى لأن الله تعالى لم يقدرهما بشيء وفعله - ﷺ - محمول على الاستحباب يدل عليه أنه - ﷺ - توضأ بما لا يبل الثرى ذكره في مختصر الكفاية لابن النقيب (^٣).\n_________\n(^١) عارضة الأحوذى (٤/ ٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٨٩).\n(^٣) مختصر الكفاية (لوحة ١٢٣/ مخطوط ٢١٧٥ ظاهرية) وانظر كفاية النبيه (١/ ٥٠٥ - ٥٠٧) و(١/ ٢٩١).","vol":"3","page":225},{"text":"تنبيه: قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السَّلام: إذا كان المتوضئ ضئيلا أو متفاحش الطول والعرض يستحب له أن يستعمل ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد إلى يد رسول الله - ﷺ - وكذلك الغسل فلا يمكن أن يكون في الوجود أعلم منه - ﷺ - ولا أرفق ولا أحوط ولا أسوس (لمراد) الشريعة ومكارم الأخلاق منه - ﷺ - (^١) انتهى.\nقوله رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ وضوئي هذا ثم قال \"من توضأ هكذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح\" الحديث المراد بذلك غفران صغائر الذنوب كما تقدم.\nوللظهر ثلاث أسماء الأول الظهر وسميت ظهر لأنها تفعل في وقت الظهيرة أو لأنها أول صلاة ظهرت بفعل جبريل -﵇-، والثاني: الصلاة الأولى لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام، والثالث: صلاة الهجيرة لأنها تفعل في وقت الهاجرة ذكره ابن العماد في كتاب القدوة (^٢).\nقوله - ﷺ - \"غفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح\" يعني الصغائر على ما تقدم من أقوال العُلماء وسيأتي الكلام على أسماء بقية الصلوات الخمس إن شاء الله تعالى.\n\n٥٤١ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله فَلَا يطلبكم الله من ذمَّته بِشَئ فَإِنَّهُ من يَطْلُبهُ من ذمَّته\n_________\n(^١) قواعد الأحكام للعز بن عبد السَّلام (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) القول التمام (ص ١٨١).","vol":"3","page":226},{"text":"بِشَيْء يُدْرِكهُ ثمَّ يكبه على وَجهه فِي نَار جَهَنَّم رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (^١). وَيَأْتِي فِي بَاب صَلَاة الصُّبْح وَالْعصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: وعن جندب بن عبد الله تقدم الكلام عليه قوله - ﷺ - \"من صلى الصبح فهو في ذمة الله\" الحديث الذمة والذمام وهما بمعنى العهد والأمان والضمان والحرمة والحق وسمي أهل الذمة بذلك لدخولهم في عرف المسلمين وأمانهم قاله في النهاية (^٢) وسيأتي الكلام على بقية ألفاظ هذا الحديث في بابه وسيأتي الكلام على هذا الحديث في صلاة الصبح إن شاء الله تعالى مبسوطا\n\n٥٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ ويجتمعون فِي صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم فيسألهم رَبهم وَهُوَ أعلم بهم كَيفَ تركْتُم عبَادي فَيَقُولُونَ تركناهم وهم يصلونَ وأتيناهم وهم يصلونَ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله - ﷺ -: \"يتعاقبون\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦١ و٢٦٢ - ٦٥٧)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ١/ ١٢٤ (٣٥٧)، والترمذى (٢٢٢)، والرويانى (٩٥٥)، والسراج (٨٤٨)، وأبو عوانة (١٣٢١ و١٣٢٢ و١٣٢٣ و١٣٢٤).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٦٨).\n(^٣) أخرجه مالك (٤٧٢)، والبخاري (٥٥٥) و(٣٢٢٣) و(٧٤٢٩) و(٧٤٨٦)، ومسلم (٢١٠ - ٦٣٢)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٨١ (٤٩٥) والكبرى (٥٤٤) و(٧٩١٠).","vol":"3","page":227},{"text":"فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار\" الحديث ومعنى يتعاقبون تأتي طائفة بعد طائفة، وقال: بعضهم هو أن يأتي هذا في عقب هذا وهذا في عقب هذا على باب المفاعلة ومنه تعقب الجيوش وهو أن يذهب إلى ثغر قوم ويجيء آخرون (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ملائكة بالليل وملائكة بالنهار\" اختلف العُلماء في المراد بهؤلاء الملائكة هل هم الحفظة أو غيرهم، فحكى صاحب المفهم عن الجمهور أنهم الحفظة وكذا قال القاضي عياض الأظهر وقول الأكثرين أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتاب وقال صاحب المفهم أن الأظهر عنده أنهم غير الحفظة وما ذكر أنه الأظهر هو الذي لا يتجه غيره لأنه لم ينقل لأن حفظة الليل غير حفظة النهار، وقال القاضي عياض وقيل يحتمل أن يكونوا من جملة الملائكة كجملة الناس غير الحفظة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر\" الحديث أما اجتماعهم في الفجر والعصر ففيه لطف من الله تعالى بعباده المؤمنين وتكرمة لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير ولم يجعل اجتماعهم معهم في حالة خلواتهم ولذاتهم وانهماكهم على شهواتهم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٣٣).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٨)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ١٣٣ - ١٣٤)، والمفهم (٦/ ٤٩)، وطرح التثريب (٣/ ٣٠٥).","vol":"3","page":228},{"text":"فله الحمد على توفيقه للخير وإظهاره والإثابة عليه وعلى ستره للقبيح ومحبته ستره وكراهة إشاعته (^١) وفيه فضيلة صلاة العصر والصبح لاجتماع الملائكة فيهما وهما المراد بقوله ﵎: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (^٢) كما قاله جرير بن عبد الله (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ثم الذين باتوا فيكم\" الحديث ولم يذكر عروج الملائكة الذين كانوا بالنهار ولا أن الله تعالى يسألهم كيف تركتم عبادي كما سأل ملائكة الليل فهل يظهر لذلك معنى أو لا؟ والجواب عنه: أن الليل محل اختفاء واستتار عن الأعين وإغلاق الناس أبوابهم على ما يبيتون عليه فكان سؤال ملائكة الليل أبلغ في أنهم لم يروا إلا خيرا من مجيئهم إليهم وهم يصلون وتركهم وهم يصلون بخلاف النهار فإنه محل الانتشار والإظهار وإن أمكن الاختفاء فيه والإظهار في الليل ولكن جرى على غالب الأحوال (^٤).\nسؤال آخر: ملائكة الليل إذا صلوا معهم صلاة الصبح عرجوا فحسن سؤالهم ليجيبوا بما فارقوهم عليه وملائكة النهار قد لا يعرجون بعد الصلاة بل يستكملون في الأرض بقية النهار لأنهم يضبطون ما وقع في جميع النهار\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٣٣)، والمفهم (٦/ ٤٩)، وطرح التثريب (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٢) سورة طه، الآية: ١٣٠.\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٣٠٥).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٣٠٦).","vol":"3","page":229},{"text":"بناء على القول بأنهم الحفظة وعلى تقدير كونهم غير الحفظة فقد أخبر - ﷺ - أنهم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار والظاهر منهم استيعاب النهار وإذا لم يفارقوا بني أدم عقيب الصلاة أمكن أن يطرأ بعد الصلاة ما لا يريد الله منهم الإخبار به وهو أعلم وما لا يريدون هم أن يشهدوا به فلم يسألهم عن ذلك (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فيسألهم ربهم هو أعلم بكم كيف تركتم عبادي\" الحديث فهذا السؤال على ظاهره وهو تعبد منه لملائكته كما أمرهم بكتب الأعمال وهو أعلم بالجميع.\n\n٥٤٣ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن أول مَا افْترض الله على النَّاس من دينهم الصَّلَاة وَآخر مَا يبْقى الصَّلَاة وَأول مَا يُحَاسب بِهِ الصَّلَاة وَيَقُول الله انْظُرُوا فِي صَلَاة عَبدِي فَإِن كَانَت تَامَّة كتبت تَامَّة وَإِن كَانَت نَاقِصَة يَقُول انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع فَإِن وجد لَهُ تطوع تمت الْفَرِيضَة من التَّطَوُّع ثمَّ قَالَ انْظُرُوا هَل زَكَاته تَامَّة فَإِن كَانَت تَامَّة كتبت تَامَّة وَإِن كَانَت نَاقِصَة قَالَ انْظُرُوا هَل لَهُ صَدَقَة فَإِن كَانَت لَهُ صَدَقَة تمت لَهُ زَكَاته رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٢).\nقوله: وروي عن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٣٠٦).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٤١٢٤). قال البوصيرى في الاتحاف (١/ ٤١٩): مدار حديث أنس بن مالك على يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١١).","vol":"3","page":230},{"text":"قوله - ﷺ -: \"عن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة وآخر ما يبقى الصلاة\" قال البندنيجى: وكان فرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل لستة عشر شهرًا في شوال وفرض الصوم قبل الهجرة بثلاث سنين والحج بعدها بست وقيل غير ذلك، والزكاة قبل الصوم وقيل بعده (^١) ا. هـ. قاله في مختصر الكفاية.\nوقوله - ﷺ -: \"وأول ما يحاسب به العبد المسلم الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا فقيل انظروا هل له من تطوع\" الحديث، والحديث أيضًا عن عبد الله بن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: \"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء\" قال النووي: أن حديث هذا الباب فيها بين العبد وبين الله وحديث ابن مسعود فيها بين العباد فليس أحدهما مخالفا للآخر (^٢).\nقوله تعالى: \"فيقول انظروا في صلاة عبدي فإن كانت تامة كتبت وإن كانت ناقصة يقول انظروا هل لعبدي من تطوع فإن وجدوا له تطوعا تمت الفريضة من الصلاة\" الحديث قال شيخ الإسلام ابن عبد السَّلام ما ورد في الحديث أن نوافل الصلوات تكملوا الفرائض قال البيهقي: معنى ذلك أنها تجبر السنن التي في الصلوات ولا يمكن أن يعدل شيء من السنن واجبا أبدًا والذي يدل على هذا الذم في قوله - ﷺ - حكاية عن الله تعالى \"وما تقرب إلي أحد بمثل ما أداء ما افترضت عليه\" الحديث ففضل الفرض على النفل سواء قل أو كثر\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٢/ ٣٢٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٦٧).","vol":"3","page":231},{"text":"ولا شك أن هذا وإن كان يعضده الظاهر إلا أنه يشكل من جهة أن الثواب والعقاب مرتبتان على حسب المصالح والمفاسد ولا يمكنا أن نقول عن درهم من الزكاة الواجبة تربى مصلحته على مصلحة ألف درهم تطوعا وأن قيام الدهر كلّه لا يعدل ركعتي الصبح هذا على خلاف قواعد الشريعة (^١).\nقال في الإحياء: أن العبد إذا صلى ركعتين عجبت منه عشرة صفوف من الملائكة كلّ صف [١٦٥ المغربي] منهم فيه عشرة الألف وباهي الله به مائة ألف ملك وذلك أن العبد قد جمع الله له في عبادته بين القيام والقعود والركوع والسجود وقد فرق ذلك على أربعين ألف ملك لا يركعون إلا يوم القيامة والساجدون لا يرفعون إلا يوم القيامة وهكذا الراكعون والقاعدون فإن ما رزق الملائكة من القرب والرتبة لازم لهم مستمر على حال واحدة واحدة لا تزيد ولا تنقص ولذلك قالوا: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ (^٢) وفارق الإنسان الملائكة في الترقي من درجة إلى درجات فإنه لا يزال إلى الله تعالى ويستفيد بقربه زيادة درجة حتى يقرب رتبة الملائكة إذا باب المزيد مسدود عليهم وليس لكل واحد منهم إلا التي وقف عليها وعبادته التي هو مشغول بها لا يتنفل إلى غيرها ولا فتر عنها كما قال ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (^٣) ومفتاح مزيد الدرجات هو الصلاة وقال الله عز\n_________\n(^١) حاشية السيوطي على النسائي (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ١٦٤.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٠.","vol":"3","page":232},{"text":"وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (^١) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضًا فقال الله تعالى في آخرها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ (^٢) ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ (^٣) وما عندي أن هدرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي درجته إلى هذا ولذلك قال تعالى: في أضدادهم ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ (^٤) فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتنعمون بقربه وذكره من قلوبهم نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبته بمنه وكرمه (^٥) ا. هـ، قاله في الديباجة.\nاعلم أن التطوع من النوافل والنوافل هي الزيادة ولذلك سمي النفل نفلا وهو ما ينفله الإمام لمن يراه زائدا على نصيبه من الغنيمة قال الله ﷾: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (^٦) أي زيادة لك من فضلنا على اقتضيت ما الفرائض لك واعلم أن الله ﷾ لم يوجب شيئًا من\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآيتان: ١ - ٢.\n(^٢) سورة المعارج، الآية: ٣٤.\n(^٣) سورة المؤمنون، الآيتان: ١٠ - ١١.\n(^٤) سورة المدثر، الآيتان: ٤٢ - ٤٣.\n(^٥) إحياء علوم الدين (١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(^٦) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.","vol":"3","page":233},{"text":"الواجبات غالبا إلا وجعل من جنسه نافلة إذا قام العبد بذلك الواجب وفيه خلل ما جبر بالنافلة التى هى من جنسه ولذلك جاء فى أنه ينظر فى صلاة العبد فإن قام بها كما أمر الله بها جوزى عليها وأثبتت له وإن كان فيها خلل أكملت من نافلته ا. هـ. قاله ابن عطاء في كتابه لطائف المنن (^١) والله أعلم.\nوقال بعض العُلماء أيضًا: يقوم النفل مقام الفرض في الدار الآخرة ويحسب عنه بشرط أن يترك الفرض ساهيا فإذا جاء العبد يوم القيامة وعليه فرائض من صلاة أو صيام أو حج أو زكاة كملت الفرائض بالنوافل وكملت الزكاة بصدقة التطوع، قال الإمام الشافعي - ﵁ -: هذا إن ترك الفرض ناسيا في الدنيا (^٢).\nوقال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب التمهيد: في إكمال الفريضة من التطوع إنما يكون ذلك والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها أو لم يحسن ركوعها ولا سجودها ولم يدر قدر ذلك، وأما من تعمد تركها أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فريضة وهو ذاكر له فلا تكمل له فريضة تلك من تطوعه (^٣).\nوقال الإمام أبو عبد الله القرطبي في التذكرة: فينبغي للإنسان أن يحافظ على أداء فرضه فيصليه كما أمر من إتمام ركوع وسجود وحضور قلب فإن\n_________\n(^١) لطائف المنن (ص ٤٣ - ٤٤).\n(^٢) القول التمام (ص ١٦٩)، والمنثور (٣/ ٣٠٩) وفيه أن القائل هو الماوردى.\n(^٣) التمهيد (٢٤/ ٨١).","vol":"3","page":234},{"text":"غفل عن شيء من ذلك فيجتهد بعد ذلك في نفله ولا يتساهل فيه ولا في تركه ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى أن لا يحسن النفل لا جرم بل تنفل الناس في أشد ما فيكون من النقصان والخلل في التمام لخفة النفل عندهم وتهاونهم به، ولعمر الله لقد نشاهد في الوجود من يشار إليه ويطربه العلم تنفله كذلك بل فرضه إذا ينقره نقر الديك فكيف بالجهال الذين لا يعلمون وإذا كان هذا فكيف يكمل بهذا النفل ما نقص من الفرض هيهات هيهات ما علموا أية الصلاة بهذه الصفة دخل صاحبها في معنى قوله تعالى: ﴿خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ (^١) الآية.\nقال: جماعة من العُلماء التضييع للصلاة هو أن لا يضيع يقيم حدودها من مراعاة وقت وطهارة وإتمام ركوع وسجود ونحو ذلك وهو مع ذلك يصليها ولا يمنع من القيام بها في وقتها وغير وقتها قالوا فأما من تركها أصلًا ولم يصليها فهو كافر (^٢) وسيأتي اختلاف العُلماء في ذلك في باب ترك الصلاة إن شاء الله تعالى.\nفائدة: من ترك الصلاة عمدا من غير عذر مع علمه بوجوبها وفرضها ثم تاب وندم فقال الأئمة الأربعة توبته بالندم والاشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء الفرائض المتروكة وشذ أهل الظاهر فقالوا لا تقضي الصلاة بل يتوب بالندم والملازمة في المستقبل حجه الجمهور قوله - ﷺ -:\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٥٩.\n(^٢) التذكرة (ص ٦٦٧).","vol":"3","page":235},{"text":"\"من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها\" (^١) فأوجب القضاء على الناسى فالعامل أولى فكيف يظن بالشارع - ﷺ - أنه يخفف عن هذا المفرط العامد العاصي ويوجب على النائم والناسي ولأن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة فى الوقت والعبادة إذا كان لها بدل وتعذر المبدل انتقل المكلف إلى البدل كالتيمم مع الوضوء (^٢).\nوفي قوله - ﷺ - \"من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها\" قال العُلماء يؤخذ منه الحث على المبادرة إلى فعلها خشية الموت فإن مات وعليه صلاة لا تقضى عنه كما تقضى يقضى الحج ولا يعطي عنها الكفارة كما يعطى عن الصوم وهذا الحديث حجه في الرد على قائل ذلك ويؤخذ من هذا الحديث أن النافلة لا تجبر الفريضة في الدار الآخرة وقد ورد في الحديث أن الشخص إذا حوسب على الصلاة ونقص شيء من الفرائض جبرت بالنوافل وهو حديث الباب الذي تقدم الكلام عليه وأنه يوجد سائر الأعمال على حساب ذلك والشافعي حمل ذلك على ما إذا ترك ركعة من الصلاة أو سجدة ناسيا أو ترك صلاة ناسيا ولم يتذكر حتى مات فأما إذا ترك الصلاة متعمدا أو ترك قضائها متعمدًا فلا تجبرها النوافل ونقل ذلك القرطبي عن الشافعي (^٣) ا. هـ قاله في شرح العمدة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٣١٤ و٣١٥ و٣١٦ - ٦٨٤) عن أنس.\n(^٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٣٨٠ - ٣٨١).\n(^٣) انظر: معالم السنن (١/ ١٤٠)، وشرح السنة (٢/ ٢٤٤)، والمفهم (٦/ ٩٧).","vol":"3","page":236},{"text":"سؤال: من أخل بشيء من العبادات هل يقضيه يوم القيامة والجواب أنه لا قضاء هناك بالفعل وإنما قضاؤه أن يؤخذ من نوافل ذلك العمل ما يكمل به ما وقع فيه الخلل من فرائضه كما تقدم فإن لم يكن له نوافل فمن حسناته من جنس آخر قال فإن لم يكن له حسنات فيطرح عليه بمقدار ما بقي عليه سيئات إلا أن يغفر الله له ويسمح له والله أعلم. قاله شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله تعالى.\nفرع. ومن عليه فوات لا يعرف عددها قال القفال: يقضي ما تحقق تركه، وقال القاضي حسين يقضي ما زاد على ما حقّق فعلا وهو ما قاله الكمال الدميري (^١).\nفائدة: من صلى جاهلا بكيفية الصلاة لم تصح صلاته وإن أصاب كما لو توضأ جاهلا بكيفية الوضوء بل لابد من تعلم الفرض قبل الشروع وهذا كما أن من فسر آية من كتاب الله تعالى بغير علم يأثم وإن أصاب وكما أن القاضي إذا حكم بين الناس وهو يجهل حكم الله تعالى يدخل النار وإن أصاب وهو كما أن الطبيب إذا عالج الداء وهو لا يعرف الطب يأثم وإن أصاب ويكون ضامنا لقوله - ﷺ -: \"من تطبب ولم يعرف الطب فهو ضامن\" رواه أبو داود وابن ماجه (^٢) وعلى هذا لو وصف دواء لأبيه أو زوجته وهو لا\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٦٦)، وأبو داود (٤٥٨٦)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٤١٩ (٤٨٧٣). وحسنه الألباني في الصحيحة (٦٣٥).","vol":"3","page":237},{"text":"يعرف الطب فمات أو ماتت لم يرث منهما لتعديه وإن وصف لهما الدواء وهو عارف بالطب وماتا ورثهما ولو ماتت زوجته بالطلق من وطئه ورثها لأنه غير قاتل بدليل أنه كفارة عليه وكل قتل لا تجب به كفارة لا يمنع الإرث غالبا (^١) والله أعلم.\nوفي أبي داود عن ابن عمر كانت الصلوات خمسين والغسل من الجنابة سبعا وغسل البول من الثوب سبع مرات فلم يزل النبي - ﷺ - \"يسأل ربه حتى جعل الصلوات خمسا والغسل مرة\" (^٢) والله أعلم.\n\n٥٤٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - خمس من جَاءَ بِهن مَعَ إِيمَان دخل الْجنَّة من حَافظ على الصَّلَوَات الْخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وَصَامَ رَمَضَان وَحج الْبَيْت إِن اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَآتى الزَّكَاة طيبَة بهَا نَفسه وَأدّى الأمَانَة قيل يَا رَسُول الله وَمَا أَدَاء الأمَانَة قَالَ الْغسْل من الْجَنَابَة إِن الله لم يَأْمَن ابْن آدم على شَيْء من دينه غَيرهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد (^٣).\n_________\n(^١) انظر القول التمام (ص ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٠٩ (٥٨٨٤)، وأبو داود (٢٤٧). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٣٦)، والإرواء (١/ ١٨٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٢٩)، والمروزى في مختصر قيام الليل (ص ٢٧٢)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ١٢٣)، وابن الأعرابى (١٣٠)، والآجرى في الأربعون حديثًا (١٨) والشريعة (٢٧٤)، والطبراني في الصغير (٢/ ٥٦ رقم ٧٧٢)، والسمرقندى في تنبيه الغافلين (٣٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٣٤)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦ =","vol":"3","page":238},{"text":"قوله: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن الحديث سيأتي الكلام على ذلك في أماكن متفرقة.\n\n٥٤٥ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول خمس صلوَات كتبهن الله على الْعباد فَمن جَاءَ بِهن وَلم يضيع مِنْهُنَّ شَيْئا اسْتِخْفَافًا بحقهن كَانَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ أدخلهُ الْجنَّة، رَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n٥٤٦ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول خمس صلوَات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وَأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كَانَ لَهُ على الله عهد أَن يغْفر لَهُ وَمن لم يفعل فَلَيْسَ على الله عهد إِن شَاءَ غفر لَهُ وَإِن شَاءَ عذبه (^٢).\n_________\n= رقم ٢٤٩٥). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٤٧: رواه الطبراني في الكبير وإسناده جيد. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٤٥٧) وصحيح الترغيب (٣٦٩) و(٧٣٨).\n(^١) أخرجه مالك (٣٢٠)، وأحمد ٥/ ٣١٥ (٢٢٦٩٣) و٥/ ٣١٧ (٢٢٧٠٤) و٥/ ٣١٩ (٢٢٧٢١) و٥/ ٣٢٢ (٢٢٧٥٢)، وابن ماجه (١٤٠١)، وأبو داود (٤٢٥) و(١٤٢٠)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٦٤ (٤٦٨) والكبرى (٣٩٨)، وابن حبان (١٧٣١) و(١٧٣٢) و(٢٤١٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٥٦ رقم ٤٦٥٨) و(٩/ ١٢٦ رقم ٩٣١٥)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ٣٠٥ رقم ٣١٦٦) و(٣/ ٥١١ رقم ٦٥٠٠)، والبغوى (٩٧٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٠) و(٣٩٦) و(٤٠٠)، والمشكاة (٥٧٠)، التعليق الرغيب (١/ ١٤١ - ١٤٢)، صحيح، صحيح أبي داود (٤٥١) و(٤٥٢) و(١٢٧٦).\n(^٢) انظر ما قبله.","vol":"3","page":239},{"text":"قوله: وعن عبادة بن الصامت تقدم الكلام عليه قوله - ﷺ -: \"خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن\" أي استهانة قاله عياض (^١). وفي حديث الإسراء هي خمس وهن خمسون (^٢) وفي حديث معاذ في الصحيحين وأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليله (^٣) وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ (^٤) الآية فقبل طلوع الشمس صلاة الفجر وقبل الغروب الظهر والعصر ومن الليل المغرب والعشاء والإجماع منعقد على ذلك وكان فرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل بستة عشر شهرا كما تقدم قريبًا.\nقوله: \"كان له على الله عهد أن يدخله الجنة\" الحديث.\nالعهد في القرآن على تسعة أوجه:\nأحدها: الأمر كقوله في البقرة ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥١٧)، ومسلم (٢٥٩ - ١٦٢) عن أنس.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٩٥) و(١٤٥٨) و(١٤٩٦) و(٤٣٤٧) و(٧٣٧٢)، ومسلم (٢٩ و٣٠ و٣١ - ١٩) عن ابن عباس.\n(^٤) سورة طه، الآية: ١٣٠.\n(^٥) سورة الرعد، الآية: ٢٥.\n(^٦) سورة البقرة، الآية: ١٢٥.","vol":"3","page":240},{"text":"والثاني: الفرائض كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ (^١).\nوالثالث: الجنة كقوله تعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (^٢).\nوالرابع: الوعد كقوله في البقرة: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ (^٣).\nالخامس: الكرامة كقوله في البقرة لا ينال عهدي الظالمين.\nوالسادس: الوحي كقوله في آل عمران أن الله عهد إلينا.\nوالسابع: لا إله إلا الله كقوله في الرعد: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ (^٤)، ومريم: ﴿مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (^٥).\nوالثامن: اليمين كقوله في النحل: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٦).\nوالتاسع: العقل كقوله في يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ (^٧) (^٨) انتهى قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ - في رواية أبي داود: \"خمس صلوات افترضهن الله من أحسن\n_________\n(^١) سورة ق، الآيتان: ٣٩ - ٤٠.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٤٠.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٨٠.\n(^٤) سورة الرعد، الآية: ٢٠.\n(^٥) سورة مريم، الآية: ٨٧.\n(^٦) سورة النحل، الآية: ٩٥.\n(^٧) سورة يس، الآية: ٦٠.\n(^٨) سورة القرآن (ص ٣٨٢ - ٣٨٣) للنيسابورى.","vol":"3","page":241},{"text":"وضوئهن وصلاهن وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن\" الحديث الخشوع السكون والتذلل يقال خشع له يقال خشع له وتخشع، قاله في الغريبين (^١) وقال الليث الخشوع قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب والصوت (^٢) ا. هـ.\nوقيل: الخشوع قيام القلب بين يدى الرب ﵎ بالخضوع والذل، والجمعية عليه، قال الجنيد: الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب، وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تظهره (^٣)، \"ورأى النبي - ﷺ - رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: لو خض قلب هذا لخشعت جوارحه\" (^٤) \"قال النبي - ﷺ - التقوى هاهنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات\" (^٥).\nوهذا الحديث فيه دليل على عدم تكفير تارك الصلاة إذا اعتقد وجوبها خلافا للإمام أحمد حيث قال بتكفيره ووافقه بعض الشافعية.\nوهذا الحديث فيه دليل على عدم تكفير تارك الصلاة إذا اعتقد وجوبها فالمصلي خاطب، قال رسول الله - ﷺ -: \"المصلي خاطب وأكثركم أزواجا في\n_________\n(^١) الغريبين (٢/ ٥٥٧).\n(^٢) معجم الفروق اللغوية (١/ ٢١٧)، والغريبين (٢/ ٥٥٧).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٥١٦ - ٥١٧).\n(^٤) أخرجه الحكيم الترمذى (٨٢٤) و(١٣٠٥) و(١٦٢٠). وضعفه الألباني في الإرواء (٢/ ٩٣) وقال في الضعيفة (١١٠): موضوع.\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٢ - ٢٥٦٤) عن أبي هريرة.","vol":"3","page":242},{"text":"الجنة أكثركم صلاة في الدنيا\" (^١) فالذي يقوم في الصلاة \"فإنما هو مناج لربه تبارك تعالى\" (^٢) كما صح بذلك الحديث وهو قارع باب الملك كما روى البيهقي عن ابن مسعود - ﵁ - قال من كان في الصلاة فهو يقرع باب الملك ومن يقرع باب الملك يوشك أن يفتح له (^٣)، يوشك أي يسرع فانظر رحمك الله كيف تقرع باب الملك بأدب وخشوع وتضرع وكان الجريري لا يمد رجليه في الخلوة فقيل له إنه ليس يراك أحدا وقد خلوت بنفسك فهلا مددت رجليك فقال: حفظ الأدب مع الله أحق وكان إبراهيم يصلي قاعدا فجلس ومد رجليه فهتف به هاتف هكذا يجلس المملوك بين يدي الملك (^٤)، وقال علي بن أبي طالب - ﵁ - لا خير في صلاة لا خشوع فيها ولا خير في قراءة لا تدبر فيها ولا خير في عبادة لا فقه فيها (^٥)، ورأى أبو الدرداء رجلًا يخشع في صلاته قال إني لأرجو أن تدخل الجنة وأنت تضحك رأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره لا هاهنا وأشار إلى منكبه، وكان بعضهم يقول أعوذ بالله من خشوع النفاق فقيل له\n_________\n(^١) ذكره ابن الجوزى في بستان الواعظين (ص ٣٠٤) بصيغة التمريض وبلفظ: (أكثركم علي صلاة أكثركم أزواجا في الجنة).\n(^٢) مر تخريجه في تحريم البزاق في القبلة من حديث أنس.\n(^٣) أخرجه البيهقى في الشعب (٤/ ٥٠٥ رقم ٢٨٧٩).\n(^٤) الرسالة (٢/ ٤٤٦)، وإحياء علوم الدين (٤/ ٤٠٢).\n(^٥) أخرجه الدارمى (٣٥٥ و٣٠٦)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٧).","vol":"3","page":243},{"text":"وما خشوع النفاق فقال: أن ترى البدن خاشعًا والقلب غير خاشع، وقال: حذيفة - ﵁ - أول ما تفقدون من دينكم الخشوع يوشك أن تدخل الجماعة فلا ترى فيهم خاشعًا، وقال سهل رحمة الله عليه: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان (^١)، وسيأتي الكلام على الخشوع مطولًا قريبًا إن شاء الله.\n\n٥٤٧ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - قَالَ كَانَ رجلَانِ أَخَوان فَهَلَك أَحدهمَا قبل صَاحبه بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة فَذكرت فَضِيلَة الأول مِنْهُمَا عِنْد رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - ألم يكن الآخر مُسلمًا قَالُوا بلَى وَكَانَ لا بَأْس بِهِ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَمَا يدريكم مَا بلغت بِهِ صلَاته إِنَّمَا مثل الصَّلَاة كمثل نهر عذب غمر بِبَاب أحدكُم يقتحم فِيهِ كلّ يَوْم خمس مَرَّات فَمَا ترَوْنَ فِي ذَلِك يبقي من درنه فَإِنَّكُم لا تَدْرُونَ مَا بلغت بِهِ صلاته رَوَاهُ مَالك وَاللَّفْظ لَهُ (^٢) وَأحمد بِإِسْنَاد حسن وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص قَالَ سَمِعت سَعْدًا وناسًا من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - يَقُولُونَ كَانَ رجلَانِ أَخَوان فِي عهد رَسُول الله - ﷺ - وَكَانَ أَحدهمَا أفضل من الآخر فَتوفي الَّذِي هُوَ أفضلهما ثمَّ عمر الآخر بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ توفّي فَذكر ذَلِك لرَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ ألم يكن يُصَلِّي قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله وَكَانَ لا بَأْس بِهِ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وماذا يدريكم مَا بلغت بِهِ صلَاته الحَدِيث (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥١٧).\n(^٢) أخرجه مالك (٤٨٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ١٧٧ (١٥٣٤)، والدورقي في مسند سعد (٤٠)، وابن خزيمة (٣١٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٠٣ - ٣٠٤ رقم ٦٤٧٦)، والحاكم ١/ ٢٠٠، وابن عبد البر في =","vol":"3","page":244},{"text":"قوله: وعن سعد ابن أبي وقَّاص هو الإمام فارس الإسلام سعد بن أبي وقَّاص قال: أبو الفرج اسم أبيه مالك كنيته أبو وقَّاص بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن عبد مناف يلتقي نسبه مع النبي - ﷺ - في الأب الخامس أسلم قديما وهو ابن سبع عشر سنة وكان ثالثا في الإسلام وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وكان يقال له بفارس الإسلام وكان من أراء رسول الله - ﷺ - وكان مجاب الدعوة مسدد الرمية رمى في يوم أحد ألف سهم وولاه أمير المؤمنين عمر العراق ولقد استعمله على الجيوش التى ذهبت لقتال الفرس وكان هو أمير الجيش والفتح على يديه هو الذي فتح أيضًا مدائن كسرى وهو الذي بنى الكوفة وقال سعد: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"اللهم سدد رميته وأجب دعوته\" دعا سعد فقال: يا رب إن لي بنين فأخر عني الموت حتى يبلغا فأخر عنه الموت\n_________\n= التمهيد ٢٤/ ٢٢١.\nقال الطبراني: \"ولم يرو هذا الحديث عن عامر بن سعد، عن أبيه، إلا بكير بن عبد الله بن الأشج، ولا رواه عن بكير إلا مخرمة، تفرد به ابن وهب. ورواه ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن صالح بن عبد الله بن أبي فروة، عن عامر بن سعد، عن أبان بن عثمان، عن أبيه\". وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فإنهما لم يخرجا لمخرمة بن بكير، والعلة فيه أن طائفة من أهل مصر ذكروا أنه لم يسمع من أبيه لصغر سنه، وأثبت بعضهم سماعه منه، وكذا قال الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٧: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: ثم عمر الآخر بعده أربعين ليلة. ورجال أحمد رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧١).","vol":"3","page":245},{"text":"حتى بلغ عشرين ولي الكوفة لعمر مرتين ولعثمان ولزم بيته وجماعته ومات في قصره بالعتق وهو على عشرة أميال من المدينة وحمل على رقاب ودفن بالعقيق سنة خمس وخمسين وقيل سنة ست وقيل وله بضع وسبعون وقيل نيف وثمانون (^١) ا. هـ.\nروي لسعد بن أبي وقَّاص عن رسول الله - ﷺ - مائتا حديث وسبعون حديثًا (^٢).\nقوله - ﷺ - \"إنما مثل الصلاة كمثل نهر غمر عذب بباب أحدكم\" يقتحم فيه كلّ يوم خمس مرات تقدم الكلام على النهر وأن فيه لغتين التحريك والسكون والعذب هو الحلو والغمر هو الذي يغمر من دخل فيه.\nوقوله يقتحم فيه الاقتحام هو الدخول في (الشيء بغتة من غير روية).\nقوله: \"فما ترون؟ \" أى تظنون والدرن الوسخ.\nقوله ورواه ابن خزيمة في صحيحه إلا أنه قال: عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعامر ابنه روى عن أبيه وعثمان والعباس وعائشة وأبي هريرة وغيرهم قال: ابن سعد كان فقيها أكثر الحديث توبها سنة أربع ومائة وقيل ثلاث ومائة وقيل ست وتسعين (^٣) قاله في شرح الإلمام تقدم تفسير ذلك بها أول الباب.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٢) كشف المشكل (١/ ٢٣١)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٣).\n(^٣) انظر تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٦ الترجمة ٢٧٨).","vol":"3","page":246},{"text":"٥٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ كَانَ رجلَانِ من بلي حَيّ من قضاعة أسلما مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فاستشهد أَحدهمَا وَأخر الآخر سنة قَالَ طَلْحَة بن عبيد الله فَرَأَيْت الْمُؤخر مِنْهُمَا أَدخل الْجنَّة قبل الشَّهِيد فتعجبت لذَلِك فَأَصْبَحت فَذكرت ذَلِك للنَّبِي - ﷺ - أَو ذكر لرَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أَليْسَ قد صَامَ بعده رَمَضَان وَصلى سِتَّة آلاف رَكعَة وَكذَا وَكذَا رَكعَة صَلَاة سنة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم عَن طَلْحَة بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَزَاد ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي آخِره فَلَمَّا بَينهمَا أبعد من السَّمَاء وَالأرْض (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله كان رجلًا من بلى حي من قضاعة الحديث، أما معنى الحي فقال: صاحب المطالع الحي اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض (^٢)، وبلى اسم قبيلة والله أعلم.\nقوله: من قضاعة أسلما مع رسول الله - ﷺ - فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة الحديث قضاعة اسم قبيلة وهو قضاعة ابن مالك ابن حمير بن سبأ (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٣٣ (٨٣٩٩) و(٨٤٠٠)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٢٠) عن أبي هريرة. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠٤: رواه أحمد، وإسناده حسن. وأخرجه أحمد ١/ ١٦١ (١٣٨٩) و١/ ١٦٣ (١٤٠٣)، وابن ماجه (٣٩٢٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٣٠٩) و(٢٣١٠)، وابن حبان (٢٩٨٢)، والبيهقى في الكبرى (٣/ ٥٢٠ رقم ٦٥٣٠) عن طلحة بن عبيد الله. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٧٢) و(٣٣٦٥).\n(^٢) مطالع الأنوار (٣/ ٣٧٦).\n(^٣) طبقات خليفة (ص ١٢٦)، والتاريخ الكبير (٢/ ٧٦٢) لابن أبي خيثمة، والإنباه على قبائل الرواة (ص ٣٣).","vol":"3","page":247},{"text":"قوله: أسلما مع رسول الله - ﷺ - فأستشهد أحدهما يحتمل أنه أراد بالمعية الصحبة اللائقة. [١٦٧ المغربي]\nقوله: قال: طلحة فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد الحديث هو طلحة بن عبيد الله كنيته أبو محمد بن عثمان بن كعب بن عمرو بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التميمي المكي المدني يجتمع نسبه مع النبي - ﷺ - في مرة بن كعب وكان كثير الكرم والجود وباع أرضا له بسبع مائة ألف فأصبح وعنده منها درهمًا واحدا، وعن موسى بن طلحة عن أبيه قال: لما رجع النبي - ﷺ - من أحد صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قرأ قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^١) الآية فقام إليه رجل فقال يا رسول الله من هؤلاء قال طلحة فأقبلت وعلي ثوبان أخضران فقال رسول الله - ﷺ -: \"أيها السائل هذا منهم\"، وقالت عائشة: بينما رسول الله مع أصحابه إذ أقبل طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله - ﷺ - \"من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة\"، وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت واسم الحضرمي عبد الله بن عمار بن أكبر وطلحة أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق - ﵁ - سماه رسول الله - ﷺ - طلحة الخير وطلحة الجود، وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، ٢٣.","vol":"3","page":248},{"text":"لكن ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه كمن حضر وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد روي لطلحة عن رسول الله - ﷺ - ثمانية وثلاثون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على (حديثين) وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة قتل - ﵁ - يوم الحمل لعشر خلوان من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وهذا لا خلاف فيه وكان عمره أربعا وستين سنة وقيل ثمان وخمسين وقيل غير ذلك وقبره في البصرة مشهور يزار ويتبرك به وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن أبي وقَّاص ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله: فقال رسول الله - ﷺ -: \"أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة وكذا كذا ركعة صلاة سنة فلما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض\" الحديث قال سعيد بن عامر وهو مذكور فى سند هذا الحديث (حسبته أنا) فبلغت صلاة السنة ستة آلاف ركعة وثماني عشرة ركعة كلّ يوم سبع عشرة ركعة قاله ابن زنجويه في ترغيبه.\nالموتى في قبورهم يتحسرون على زيادة في أعمالهم بتسبيحة أو بركعة ومنهم من يسأل الرجعة إلى الدنيا لذلك فلا يقدرون على ذلك قد حيل بينهم وبين العمل، وغلقت منهم الرهون، رئي بعضهم في المنام فقال: قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وأنتم تعملون لا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في صحيفة أحدنا أحب إليه من الدنيا وما فيها (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥١ - ٢٥٣ الترجمة ٢٧٠).\n(^٢) لطائف المعرف (ص ٣٠٢).","vol":"3","page":249},{"text":"وقيل لبعض السلف طاب الموت، قال: لا لفعل لساعة تعيش فيها تستغفر الله خير لك من موت الدهر وقيل لشيخ كبير منهم: تحب الموت، قال: لا، قيل: ولم، قال: ذهب الشباب وشده وجاء الكبر وحيره فإذا قمت قلت باسم الله وإذا قعدت قلت الحمد لله فأنا أحب أن يقر لي هذا (^١).\nوبكى يزيد الرقاشي عند موته وقال أبكي على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار ثم بكى وقال من يصلي لك يا يزيد بعدك ومن يصوم ومن تتقرب لك بالأعمال الصالحة ومن يتوب لك من الذنوب السالفة، وجذع بعضهم عند موته وقال إنما أبكي على أن يصوم الصائمون ولست فيهم ويصلي المصلون ولست فيهم ويذكر الذاكرون ولست فيهم فذلك الذي أبكاني وأحوال القوم كبيرة لا تنحصر (^٢).\n\n٥٤٩ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ثَلَاث أَحْلف عَلَيْهِنَّ لَا يَجْعَل الله من لَهُ سهم فِي الإِسْلَام كمن لا سهم لَهُ وأسهم الإِسْلَام ثَلَاثَة الصَّلاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَلا يتَوَلَّى الله عبدًا فِي الدُّنْيَا فيوليه غَيره يَوْم الْقِيَامَة وَلا يحب رجل قوما إِلَّا جعله الله مَعَهم وَالرَّابِعَة لَو حَلَفت عَلَيْهَا رَجَوْت أَن لا إِثْم لا يستر الله عبدا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ستره يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٣) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث ابْن مَسْعُود (^٤).\n_________\n(^١) لطائف المعرف (ص ٣٠٠ - ٣٠١).\n(^٢) لطائف المعرف (ص ٣٠١).\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ١٤٥ (٢٥١٢١) و٦/ ١٦٠ (٢٥٢٧١)، وأبو يعلى (٤٥٦٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢١٨٥)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٤٣٧) و(٤٣٨)، والدارقطنى في المؤتلف والمختلف (٢/ ٨٣٥)، والحاكم (١/ ١٩). قال الحاكم: فيه شيبة الحضرمي قال: خرج به البخاري. وتعقبه الذهبى فقال: ما خرج له سوى النسائي هذا الحديث، وفيه جهالة. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٧: رواه أحمد، ورجاله ثقات، ورواه أبو يعلى أيضًا. وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٨٧) وصحيح الترغيب (٣٧٤) و(٧٤٠) و(٣٠٣٩).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٤٥٦٧) مرفوعًا. وأخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٣١٨)، وابن أبي عمر في الإيمان (١٠)، وأبو داود في الزهد (١٢٧)، والخرائطى في المكارم (٤٤٣)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٩ رقم ٨٧٩٩) و(٩/ ١٦٠ رقم ٨٨٠٠) موقوفًا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٥).","vol":"3","page":250},{"text":"قوله: \"عن عائشة ﵂\" تقدم الكلام على فضائلها.\nقوله - ﷺ -: \"لا يجعل الله من له سهم كمن لا سهم له وأسهم الإسلام ثلاثة الصلاة والصوم والزكاة ولا يتولى الله عبدا يوم الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة الحديث المراد بالسهم هنا\" [النصيب].\n\n٥٥٠ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مِفْتَاح الْجنَّة الصَّلَاة. رَوَاهُ الدَّارمِيّ وَفِي إِسْنَاده أَبُو يحيى القَتَّات (^١).\nقوله: \"عن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه\"، قوله - ﷺ -: \"مفتاح الجنة الصلاة\" وتقدم الكلام على المفتاح رواه الدارمي، الدارمي كنيته أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن منسوب إلى دارم جد قبيلة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٤٠ (١٤٦٦٢)، والبزار (٤)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (١٧٥)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ١٣٦)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٣٦ رقم ٤٣٦٤) والصغير (١/ ٣٥٦ رقم ٥٩٦)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٢٤١)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١). وضعفه الألباني في المشكاة (٢٩٤) وضعيف الترغيب (٢١٢).","vol":"3","page":251},{"text":"قوله: \"في إسناده أبو يحيى القتات\" وقد اختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن بن دينار وقيل غير ذلك وهو كوفي ولا يحتج بحديثه وهو منسوب إلى بيع القت (^١).\n\n٥٥١ - وَعَن عبد الله بن قرط - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة الصَّلَاة فَإِن صلحت صلح سَائِر عمله وَإِن فَسدتْ فسد سَائِر عمله\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلا بَأس بِإِسْنَادِهِ إِن شَاءَ الله (^٢).\n\n٥٥٢ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة الصَّلَاة ينظر فِي صلَاته فَإِن صلحت فقد أَفْلح وَإِن فَسدتْ خَابَ وخسر رَوَاهُ فِي الْأَوْسَط أَيْضًا (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣٤/ ٤٠١ - ٤٠٣ الترجمة ٧٦٩٩).\n(^٢) أخرجه الطوسي في مختصر الأحكام (٣٩٨)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٤٠ رقم ١٨٥٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٠٠٥)، والضياء في المختارة ٧/ ١٤٤ - ١٤٥ (٢٥٧٨) عن أنس. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩١ - ١٩٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه القاسم بن عثمان قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٥٨) وصحيح الترغيب (٣٧٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٢٤ رقم ٣٧٨٢)، وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٤٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة عن أنس إلا خليد بن دعلج، تفرد به روح بن عبد الواحد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خليد بن دعلج، ضعفه أحمد والنسائي والدارقطني، وقال ابن عدي: عامة حديثه تابعه عليه غيره. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٧).","vol":"3","page":252},{"text":"قوله: عن عبد الله بن قرط، عبد الله بن قرط كان اسمه شيطان بن قرط فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله وقرط بضم القاف وسكون الراء المهملة وبعدها طاء مهملة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة\" تقدم الكلام في ذلك وعلى قوله في الحديث الآخر \"أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء\" (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فإن صلحت صلح سائر عمله\" وفي حديث آخر \"فقد أفلح وأنجح\" أي صارت حاجته نافذة (^٣)، وحديث أنس بعده فقد أفلح \"وإن فسدت فقد خاب وخسر\" أي إن لم يؤدي بسببه جميع الفرائض أو إذا أداها غير صحيحة فقد خاب وخسر (^٤).\n\n٥٥٣ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا إِيمَان لمن لا أَمَانَة لَهُ وَلا صَلَاة لمن لَا طهُور لَهُ وَلا دين لمن لا صَلَاة لَهُ إِنَّمَا مَوضِع الصَّلَاة من الدّين كموضع الرَّأْس من الْجَسَد، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَقَالَ تفرد بِهِ الْحُسَيْن بن الحكم الْحبرِي (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٥/ ٤٤٤ - ٤٤٦ ترجمة ٣٤٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٣٣) و(٦٨٦٤)، ومسلم (٢٨ - ١٦٧٨) عن ابن مسعود.\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٣٠٦).\n(^٤) المفاتيح (٢/ ٣٠٦)، وشرح المصابيح (٢/ ٢٠٩).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ١١٣ رقم ١٦٢) والأوسط (٢/ ٣٨٣ رقم ٢٢٩٢)، والمخلص في المخلصيات (٢٥٢٩)، والقضاعى في مسند الشهاب (٢٦٨). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا مندل، ولا عن مندل إلا حسن، =","vol":"3","page":253},{"text":"قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام عليه قوله - ﷺ -: \"لا إيمان لمن لا أمانة له ولا صلاة لمن لا طهور له ولا دين لمن لا صلاة له\" تقدم الكلام على الإيمان وسيأتي الكلام على الأمانة والمراد بالطهور الوضوء وتقدم الكلام على الصلاة مبسوطًا.\nقوله: \"ولا دين لمن لا صلاة له\" سيأتي الكلام على ترك الصلاة في بابه إن شاء الله تعالي، قوله تفرد به الحُسين بن الحكم الحبري بكسر الحاء المهملة وفتح الموحّدة كما قاله السمعاني (^١).\n\n٥٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ لمن حوله من أمته اكفلوا لي بست أكفل لكم بِالْجنَّةِ قَالُوا وَمَا هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالأمَانَة والفرج والبطن وَاللِّسَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَقَالَ لا يرْوى عَن النَّبِي - ﷺ - إِلَّا بِهَذَا الإِسْنَاد (^٢)، قَالَ الْحَافِظ وَلا بَأْس بِإِسْنَادِهِ.\n_________\n= تفرد به: الحُسين بن الحكم. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٢: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وقال: تفرد به الحُسين ابن الحكم الحبري. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٣) و(٣٠٢).\n(^١) الأنساب (٤/ ٤٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٥٤ رقم ٤٩٢٥) و(٨/ ٢٦٨ رقم ٨٥٩٩). وقال الطبراني في الموضع الأول: لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الله بن عمر. وقال في الثانى: لم يرو هذا الحديث عن عصمة بن زامل إلا جميل بن حمَّاد، تفرد به: عبد الله بن عمر بن أبان. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٣: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد. قلت: وإسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٨٩٩) وضعيف الترغيب (٢١٤) و(٤٥٥) و(١٧٧٠).","vol":"3","page":254},{"text":"وبه عن أبي هريرة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة\" الحديث الكفالة هي الضمان.\n\n٥٥٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رجلًا أَتَى رَسُول الله - ﷺ - فَسَألهُ عَن أفضل الْأَعْمَال فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - الصَّلَاة قَالَ ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ الصَّلَاة قَالَ ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ الصَّلَاة ثَلاث مَرَّات قَالَ ثمَّ مَه قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَذكر الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن أفضل الأعمال فقال: \"الصلاة\" قال: ثم مه؟ قال: \"الصلاة\" الحديث، مه أصلها ما هذا وهو استفهام أي ثم ماذا ثم أبدل الألف هاء وقد تكون مه بمعنى اكفف (^٢) والله أعلم.\n\n٥٥٦ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: اسْتَقِيمُوا وَلنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَن خير أَعمالكُم الصَّلَاة وَلنْ يحافظ على الْوضُوء إِلَّا مُؤمن رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلا عِلّة لَهُ سوى وهم أبي بِلَال وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من غير طَرِيق أبي بِلَال بِنَحْوِهِ وَتقدم هُوَ وَغَيره فِي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٢ (٦٦٠٢)، وابن حبان (١٧٢٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٠١: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد حسّن له الترمذي، وبقية رجاله رجال الصحيح! كذا قال مع أن حيي بن عبد الله لم يخرجا له، ولا أحدهما. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٨).\n(^٢) الصحاح (٦/ ٢٥٥٠)، ومشارق الأنوار (١/ ٣٨٩).","vol":"3","page":255},{"text":"الْمُحَافظَة على الْوضُوء (^١)، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث سَلمَة بن الأكْوَع وَقَالَ فِيهِ وَاعْلَمُوا أَن أفضل أَعمالكُم الصَّلَاة (^٢).\nقوله عن ثوبان: تقدم الكلام عن ترجمته وأنه من الموالي.\nقوله - ﷺ -: \"استقيموا ولن تحصوا واعملوا أن خيرا أعمالكم الصلاة\" تقدم معنى الاستقامة في المحافظة على الوضوء مبسوطا، قوله: \"واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة\" قال: العُلماء في كتب الفقه أفضل عبادات البدن الصلاة أي بعد الشهادتين لإشتمالها على النطق وعمل واعتقاد وسمى الله تعالى الصلاة إيمانا، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٣) أي صلاتكم إلى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٧٦ (٢٢٣٧٨) و٥/ ٢٨٠ (٢٢٤١٤) و٥/ ٢٨٢ (٢٢٤٣٣) و(٢٢٤٣٦)، وابن ماجة (٢٧٧)، وابن حبان (١٠٣٧)، والحاكم (١/ ١٣٠). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة! قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١/ ٤١: هذا الحديث رجاله ثقات أثبات إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان فإنه لم يسمع منه بلا خلاف لكن له طريق أخرى متصلة أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو يعلى الموصلي والدارمي في مسنده وابن حبان في صحيحه من طريق حسان بن عطية أن أبا كبشة حدّثه أنه سمع ثوبان، ورواه الحاكم من طريق سالم عن ثوبان وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة.\nقلت: علته أن سالم لم يسمع من ثوبان قاله أحمد وأبو حاتم والبخاري وغيرهم.\nوقال الألباني: حسن صحيح، الصحيحة (١١٥)، الروض (١٧٧)، والمشكاة (٢٩٢) وصحيح الترغيب (١٩٧) و(٣٧٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥ رقم ٦٢٧٠). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٠: رواه الطبراني في الكبير وفيه: الواقدي، وهو ضعيف. وصححه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (٣٨٠).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.","vol":"3","page":256},{"text":"البيت المقدس ولأنها يجمع من القرب ما تفرق في غيرها من ذكر الله تعالى رسوله - ﷺ - والقرآن والتسبيح واللبث والاستقبال والطهارة والستارة وترك الأكل والكلام وغير ذلك مع اختصاصها بالركوع والسجود وغيرهما، واحترز بالبدن عن عبادة القلب، وهي الإيمان فإنه أفضل العبادات، وقيل احترز أيضًا من العبادة المالية فإنها أفضل الصلاة لتعدى معها وصرح القاضي حسين بأن الحج أفضل لأنه عبادة مال وبدن وغير ذلك والصحيح أن أفضل عبادات البدن الصلاة (^١) تقدم الكلام على ذلك أيضًا مبسوطا.\n\n٥٥٧ - وَعَن حَنْظَلَة الْكَاتِب - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"من حَافظ على الصَّلَوَات الْخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وَعلم أنَّهُنَّ حق من عِنْد الله دخل الْجنَّة أَو قَالَ: وَجَبت لَهُ الْجنَّة أَو قَالَ: حرم على النَّار\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٢).\nقوله: عن حنظلة الكاتب - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"من حافظ على الصلوات الخمس وركوعهن، وسجودهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة\" تقدم الكلام على\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٨٣٢)، وأحمد ٤/ ٢٦٧ (١٨٣٤٥) و(١٨٣٤٦)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٩٧)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٢ رقم ٣٤٩٤ و٣٤٩٥)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣١٣ رقم ٢٥٦٦). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٨١).","vol":"3","page":257},{"text":"الصلوات ومتى فرضت وسيأتي الكلام على الركوع والسجود في الباب بعده.\n\n٥٥٨ - وَعَن عُثْمَان - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من علم أَن الصَّلَاة حق مَكْتُوب وَاجِب دخل الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو يعلى وَعبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد على الْمسند وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَلَيْسَ عِنْده وَلَا عِنْد عبد الله لَفْظَة مَكْتُوب (^١)، قَالَ الْحَافِظ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَسَتَأْتِي أَحَادِيث أخر تنتظم فِي سلك هَذَا الْبَاب فِي الزَّكاة وَالْحج وَغَيرهمَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عثمان بن عفان تقدم الكلام عليه: من علم أن الصلاة حق مكتوب دخل الجنة معناه مفروض.\nقوله: رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زياداته على المسند هو عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة كما في إتحاف الخيرة (١/ ٤٠٩ - ٤١٠ رقم ٧٤٨/ ١)، وعبد بن حميد (٤٩)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ١/ ٦٠ (٤٢٣) ومن طريقه البيهقى في الشعب (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١ رقم ٢٥٥١)، والبزار (٤٣٩) و(٤٤٠)، وأبو يعلى (١٨٢/ المقصد العلى)، وابن خزيمة في التوحيد (٧٥)، والحاكم (١/ ٧٢). قال علي ابن المدينى: وحديث عثمان أنه قال من علم أن الصلاة حق أخرجه الإمام أحمد رواه عمران ابن حدير وهو ثقة عن رجل مجهول يقال له عبد الملك بن عبيد يرويه عن حمران العلل (ص ٩٦). قال البزار: وهذا الحديث مرفوعًا لا نعلم روي إلا عن عثمان. وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٨٨: رواه عبد الله بن أحمد في زياداته، وأبو يعلى إلا أنَّه قال: \"حق مكتوب واجب\"، والبزار بنحوه، ورجاله موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٨٢).","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>[الترغيب في الصلاة مطلقا وفضل الركوع والسجود]</span>\n٥٥٩ - عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الطّهُور شطر الإِيمَان وَالْحَمْد لله تملأ الْمِيزَان وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله تملآن أَو تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالأرْض وَالصَّلَاة نور وَالصَّدَقَة برهَان وَالصَّبْر ضِيَاء وَالْقُرْآن حجَّة لَك أَو عَلَيْك رَوَاهُ مسلم وَغَيره (^١) وَتقدم.\nعن أبي مالك الأشعري اسمه الحارث بن عاصم الأشعري وليس لأبي مالك في صحيح مسلم غير حديثين [١٦٨ المغربي] أحدهما هذا الحديث، والثاني أن النبي - ﷺ - قال: \"أربع من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة\" قاله في التنقيح على المصابيح (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"الطهور شطر الإيمان\" هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام (^٣) والطهور الرِّواية فيه بفتح الطاء وهو ما يتطهر به من مائع أو جامد (^٤) وفيه محذوف تقديره استعمال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١ - ٢٢٣)، وابن ماجه (٢٨٠)، والترمذى (٣٥١٧)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٥٢ (٢٤٥٦) والكبرى (٢٤٢٣).\n(^٢) كشف المناهج (١/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٠).\n(^٤) التعيين (ص ١٧٤).","vol":"3","page":259},{"text":"الطهور هو آلة الطهارة أما الطهور بضم الطاء فهو الوضوء وجعل الطهور شطر الإيمان قيل لأن الطهور يكفر الخطيئات كما أن الإسلام يهدم الكفر قال وهو ضعيف إذا لا دلالة في ذلك على الشطر بل غايته مماثلة الطهارة للإيمان والصحيح الذي عليه الأكثرون أن المراد هاهنا بقوله \"الطهور شطر الإيمان\" التطهير بالماء من الأحداث وعلى هذا فاختلف الناس في معنى كون الطهور بالماء شطر الإيمان فمنهم من قال: المراد بالشطر الجزء لا أنه النصف بعينه فيكون الطهور جزءا من الإيمان وهذا فيه ضعف أيضًا لأن الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف، ومنهم من قال: المعنى أنه يضاعف ثواب الوضوء إلى نصف ثواب الإيمان لكن من غير تضعيف، ومنهم من قال الإيمان يكفر الكبائر كلها والوضوء يكفر الصغائر فهو شطر الإيمان هذا الاعتبار، ومنهم من قال المراد هاهنا الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١) أي صلاتكم إلى بيت المقدس فإذا كان المراد بالإيمان الصلاة فالصلاة لا تقبل إلا بطهور فصار الطهور شطر الإيمان بهذا الاعتبار أيضًا وحكى هذا التفسير محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وأما الطهارة بالماء فهي تختص بتطهير الجسد وتنظيفه فصارت خصال الإيمان قسمين أحدهما تطهير الظاهر والآخر تطهير الباطن فهما نصفان بهذا الاعتبار أيضًا والله أعلم بمراده ومراد رسوله - ﷺ - في ذلك كله (^٢).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(^٢) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٣٢ - ٦٣٨).","vol":"3","page":260},{"text":"قوله - ﷺ -: \"والحمد لله تملأ الميزان\" أي التلفظ بهذه الكلمة فالمراد ثوابها يملأ ميزان قائلها خيرا (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وسبحان الله والحمد لله تملأن أو تملأ ما بين السماء والأرض\" فشك الراوي فى الذي يملأ ما بين السماء والأرض هل هو الكلمتان أو إحداهما وهل المراد أنهما يملأن ما بين السماء والأرض أو أن كلا منهما يملأ ذلك وهذا محتمل (^٢) يعني أن ثواب تلك الكلمات قدر أجساما لملأت تلك الأجسام كفة الحسنات وملأت ما بين السموات والأرض كل ذلك عبارة عن وفور الثواب لكون الحمد من أعلى مقامات العبد وبكل حال فالتسبيح دون التحميد في الفضل كما جاء صريحا في حديث عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو والرجل الذي من بني سليم أن التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملوه وتتمة ذلك أن التحميد إثبات المحامد كلها فدخل في ذلك إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال كلها والتسبيح هو تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب ولإثبات أكمل من السلب ولهذا لم يراد إلا التسبيح مجرد ولكن مقرونا بما يدلّ على إثبات الكمال فتارة يقرن بالحمد كقوله \"سبحان الله وبحمده سبحان الله والحمد لله\"، وتارة باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال كقوله: \"سبحان الله العظيم\" فإن كان حديث أبي مالك يدلّ على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح والتكبير\n_________\n(^١) التعيين (ص ١٧٥)، والمفاتيح (١/ ٣٤٦).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٤١).","vol":"3","page":261},{"text":"فالأمر ظاهر وإن كان المراد كلا منهما يملأ ذلك فإن الميزان أوسع مما بين السماء والأرض فما يملأ الميزان فهو أكبر مما بين السماء والأرض وأما التكبير ففي الحديث أنه وحده يملأ ما بين السماء والأرض وفي حديث علي أن التكبير والتهليل يملأ ما بين السماء والأرض وما بينهما، وأما التهليل وحده فإنه يصل إلى الله من غير حجاب بينه وبين الله تعالى (^١).\nقوله - ﷺ -: \"والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء\" فهذه الأنواع الثلاثة من الأعمال أنوار كلها لكن منها ما يختص بنوع من أنواع النور فالصلاة نور مطلق فقد روي عن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"الصلاة نور المؤمن\" (^٢) فهي للمؤمنين في الدنيا والآخرة نور في قلوبهم ومقابرهم تتشرف بها قلوبهم وتستنير بها بصائرهم ولهذا هي قرة عين المتقين وهي نور المؤمنين في قبورهم ولاسيما صلاة الليل وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة وعلى الصراط (^٣) فقد جاء في الطبراني من حديث ابن عباس وأبي هريرة عن النبي - ﷺ - \"من صلى الصلوات الخمس في جماعة جاز على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين وجاء يوم القيامة وجهه\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٤١ - ٦٤٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢١٠)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٧٦)، وأبو يعلى (٣٦٥٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٦٠) و(١٩٠١).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٤٥ - ٦٤٦).","vol":"3","page":262},{"text":"كالقمر ليلة البدر\" (^١) وفي حديث آخر الصلاة قربان كلّ تقي أي أن الأتقياء من الناس يتقربون بها إلى الله تعالى أي يطلبون القرب منه بها والصلاة أيضًا برهان على صحة الإسلام فقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الصلاة برهان\" (^٢) وروي أيضًا عن النبي - ﷺ - \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهد أن لا إله إلا الله وفي آخره ويقيموا الصلاة يؤتوا الزكاة\" (^٣) فالصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام وهي أيضًا أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة فإن تمت صلاته فقد أفلح وأنجح الحديث وأما الصدقة فهي برهان والبرهان هو الشعاع الذي على وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى أن روح المؤمن تخرج من جسده لها برهان كبرهان الشمس منه سمت الحجة القاطعة برهان لوضوح دلالتها على ما دلت عليه فكذلك الصدقة برهان على صحة إيمان المتصدق أو على أنه ليس من المنافقين ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ\n_________\n(^١) أخرجه الحارث كما في المطالب (٢٤٥)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٦٩ - ٣٧٠ رقم ٦٦٤١) و(٦/ ٣٧٣ رقم ٦٦٥٦)، وابن شاهين (٧٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن موسى بن أبي عائشة إلا عمار أبو إسحاق، تفرد به بقية. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعنه. قال ابن حجر في المطالب العالية: هذا حديث موضوع.\n(^٢) أخرجه الترمذى (٦١٤) عن كعب بن عجرة. وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وأيوب بن عائذ يضعف ويقال: كان يرى رأي الإرجاء. وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى واستغربه جدًّا. وصححه الألباني في صحيح الترمذى.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٣٦ - ٢٢) عن ابن عمر.","vol":"3","page":263},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^١) أو على صحة محبة المتصدق لله تعالى وما لديه من الثواب إذ قد أثر محبة الله تعالى وابتغاء ثوابه على ما جبل عليه من حب المال حتى أخرجه لله تعالى هو أن راد أنها دالة على محبته الشريعة المطهرة وطيب النفس بها علامة وجود حلاوة الإيمان وطعمه، وأما الصبر فإنه ضياء والضياء هو النور الذي يحصل به نوع حرارة وإحراق كضوء الشمس بخلاف القمر فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (^٢) ومن هنا وصف الله تعالى شريعة موسى - ﷺ - أنها ضياء كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٣) وإن كان ذكره الله في التوراة نورا كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (^٤) كان الغالب على شريعتهم الضياء لما فيها من الأضاد والأغلال والأقفال ووصف الله شريعة محمد - ﷺ - بأنها نور لما فيه من الحنيفية السمحة قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (^٥) وإن كان الصبر شاقا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها أو كفها عما تهواه كان ضياء فإن\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٧٩.\n(^٢) سورة يونس، الآية: ٥.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٤٨.\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٤٤.\n(^٥) سورة المائدة، الآية: ١٥.","vol":"3","page":264},{"text":"معنى الصبر في اللغة الحبس ومنه قتل صبرًا وهو أن يحبس حتى يقتل، والصبر المحمود أنواع منه صبر على طاعة الله ﷿ ومنه صبر عن معاصي الله ﷿ ومنه الصبر على الأقدار المؤلمة صرح بذلك السلف منهم سعيد جبير وميمون بن مهران وغيرهما (^١).\nقوله - ﷺ -: \"والقرآن حجة لك أو عليك\" يجوز أن المراد به عند نزوله نزول الملكين في القبر وعند الميزان ويجوز أن يراد به المناجاة عند البحث والمناظرة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"كلّ الناس يغدو فبائع نفسه\" الحديث، قد دل الحديث على أن كلّ إنسان فهو ساع في إهلاك نفسه أو في فكهاكها، الفكاك بكسر الفاء هو ما ينفك به، وفكه وافتكه بمعنى خلصه، قاله الكرماني (^٣)، فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله فقد باع نفسه بالهوان وأوبقها بالآثام المزجية لغضب الله وعقابه، قاله ابن رجب الحنبلي (^٤).\n\n٥٦٠ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - خرج فِي الشتَاء وَالْوَرق يتهافت فَأخذ بِغُصْن من شَجَرَة قَالَ فَجعل ذَلِك الْوَرق يتهافت فَقَالَ: \"يَا أَبَا ذَر\" قلت لبيْك يَا رَسُول الله، قَالَ: \"إِن العَبْد الْمُسلم ليُصَلِّي الصَّلَاة يُرِيد بهَا وَجه الله\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٤٤ - ٦٤٩).\n(^٢) المفهم (٣/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢/ ١١٩).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٥٢).","vol":"3","page":265},{"text":"فتهافت عَنهُ ذنُوبه كَمَا تهافت هَذَا الْوَرق عَن هَذِه الشَّجَرَة\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: \"عن أبي ذر\" اسمه جندب بن جنادة الغفاري قال: أبو الفرج بن الجوزي في اسمه اختلاف كبير وكان يتعبد قبل بعثة النبي - ﷺ - بمكة قديما وقال: كنت في الإسلام خامسا فى الإسلام ورجع إلى قومه فأقام عندهم حتى مضت بدر وأحد والخندق ثم هاجر إلى المدينة (^٢) وكان شجاعا ينفرد وحده فيقطع الطريق، وقال: صليت قبل أن ألقى رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين فقيل لمن قال لله ﷿ (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله تهافت ذنوبه كما تهافت هذا الورق\" الحديث التهافت التساقط قاله عياض (^٤) والمراد كما سبق بيانه في الوضوء وغيره وأما الكبائر فلا يغفر إلا بالتوبة أو عفو الله تعالى وفضله الواسع.\n\n٥٦١ - وَعَن مَعْدان بن أبي طَلْحَة - ﵁ - قَالَ لقِيت ثَوْبَان مولى رَسُول الله - ﷺ - فَقلت أَخْبرنِي بِعَمَل أعمله يدخلني الله بِهِ الْجنَّة أَو قَالَ قلت بِأحب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٧٩ (٢١٥٥٦). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤٨: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في المشكاة (٥٧٦) وصحيح الترغيب (٣٨٤).\n(^٢) كشف المشكل (١/ ٣٥٠).\n(^٣) أخرجه البزار (٣٩٤٦ و٣٩٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥٧).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ٢٧٢).","vol":"3","page":266},{"text":"الأعْمَال إِلَى الله فَسكت ثمَّ سَأَلته فَسكت ثمَّ سَأَلته الثَّالِثَة فَقَالَ سَأَلت عَن ذَلِك رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ عَلَيْك بِكَثْرَة السُّجُود فَإنَّك لا تسْجد لله سَجْدَة إِلَّا رفعك الله بهَا دَرَجَة وَحط بهَا عَنْك خَطِيئَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن مَعْدان بن أبي طلحة ومعدن بن أبي طلحة ثقة روى له مسلم والأربعة والله أعلم.\nقوله: \"لقيت ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -\" تقدم الكلام على ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -.\nقوله - ﷺ -: \"عليك بكثرة السجود لله تعالى\" الحديث فيه الحث على كثرة السجود والترغيب فيه والمراد به السجود في الصلاة وسواء في ذلك الفرض والنفل وسبب الحث على السجود (^٢)، قوله: - ﷺ - \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\" (^٣) وأقرب هنا بالرتبة والكرامة لا بالمسافة لتنزهه عن المكان (^٤) فلا يلزم من القرب زيادة الفضيلة وهذا مشاهد فقد يقرب الشخص من الملك وغيره أفضل منه وفي الحديث دليل لمن يقول تكثير\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٥ - ٤٨٨)، وابن ماجه (١٤٢٣)، والترمذى (٣٨٨ و٣٨٩)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٥٠٠ (١١٥٠) والكبرى (٨١٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٥ - ٤٨٢) عن أبي هريرة.\n(^٤) المفهم (٥/ ٢١).","vol":"3","page":267},{"text":"السجود أفضل من إطالة القيام وسائر أركان الصلاة (^١) وقد اختلف العُلماء في السجود في الصلاة والقيام أيهما أفضل وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب للعلماء أحدها: مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومن وافقهما أن تطويل القيام أفضل لقوله - ﷺ - في حديث جابر في صحيح مسلم \"الصلاة طول القنوت\" والمراد بالقنوت القيام في الصلاة ولأن ذكر القيام هو القرآن وذى السجود التسبيح والقرآن أفضل فكان ما طول به أفضل.\nوالمذهب الثاني أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل لقوله - ﷺ - \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\" وبأن السجود لله يقع من المخلوقات كلها علويها وسفليها وبأن الساجد أذل ما يكون لربه وأخضع له وذلك وأشرف حالات العبد (^٢) وحكى ذلك الترمذي والبغوي عن جماعة من العُلماء وممن قال بتفضيل تطويل السجود ابن عمر ﵄.\nوالمذهب الثالث: أنهما سواء، قال: الإمام أحمد بن حنبل روي فيه حديثان عن النبي - ﷺ - وتوقف الإمام أحمد بن حنبل في هذه المسألة ولم يقض فيها بشيء، وقال: إسحاق بن راهويه وأما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل وأما بالليل فتطويل القيام أفضل إلا أن يكون رجل له حزب بالليل يأتي عليه فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إليّ لأنه يأتي على حزبه وقد ربح كثرة الركوع والسجود، وقال: الترمذي وإنما قال إسحاق هذا لأنه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٦).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٢٢٩).","vol":"3","page":268},{"text":"وصف صلاة النبي - ﷺ - بالليل وصف طول القيام، وأما بالنهار فلم يوصف من صلاته - ﷺ - من طول القيام ما وصف بالليل (^١) والله أعلم.\nفائدة: في الحديث الصحيح قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم\" (^٢) ففي هذا الحديث فوائد منها أن أعضاء السجود سبعة، وأنه ينبغي للمصلي أن يسجد عليها (^٣) والحكمة في كونها سبعة أنها إذا ضمت إلى الإيمان كانت ثمانية بعدد أبواب الجنة وإذا لم يوجد الإيمان بها كانت سبعا بعدد أبواب جهنم أعاذنا الله منها والمستحب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعا فيضعهما دفعة واحدة ويجب وضع الجبهة مكشوفة (^٤) إلا لمرض أو جراحة فيكفي وضعها معصوبة (^٥) ووضع الأنف مستحب فلو تركه جاز ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجزه هذا مذهب الشافعي ومالك.\nوقال أبو حنيفة وأبو القاسم من أصحاب مالك يجب أن يسجد الجبهة والأنف جميعا لظاهر الحديث قال الأكثرون: وظاهر الحديث أنهما كعضو واحدا لأنه قال في الحديث سبعة فإن جعلا عضوين صارت ثمانية وذكر الأنف استحبابًا (^٦) والإشارة في الحقيقة كانت إلى الجبهة فهي مصروفة إليها\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٢٦٧ - ٢٧٢) وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨١٢) و(٨١٦)، ومسلم (٢٢٨ - ٤٩٠) عن ابن عباس.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٨).\n(^٥) روضة الطالبين (١/ ٢٥٦) والنجم الوهاج (٢/ ١٤٥).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٨).","vol":"3","page":269},{"text":"وإن كانت من قبل الأنف وأما اليدان والقدمان فهل يستحب السجود عليهما فيه قولان للشافعية أحدهما لا يجب لكن يستحب استحبابًا متأكدًا والثاني يجب وهو الأصح (^١) والذي رجحه الشافعي عملا بظاهر الحديث ولقوله ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (^٢) قيل المساجد الأعضاء السبعة (^٣) فلو أخل بعضو منها لم تصح صلاته وإذا أوجبناه لم يجب كشف الركبتين والقدمين (^٤) لأن كشف الركبتين يؤدي إلى كشف العورة وكشف القدمين يؤدي أيضًا إلى إبطال الصلاة لأنهما قد يكونان في الخفين (^٥) وفى الكفين وجهان أصحهما لا يجب (^٦) لأن الصحابة ﵃ كانوا يسجدون وأيديهم داخل البرانس.\nوالثاني: يجب قياسًا على الجبهة (^٧) ثم الواجب وضع الكفين أو بطون الأصابع وكذلك يجب وضع بطون أصابع الرجلين على الأرض ويجب رفع الكفين عن الأرض في الجلوس بين السجدتين (^٨) بقوله - ﷺ - في اليدين \"إنهما\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٨).\n(^٢) سورة الجن، الآية: ١٨.\n(^٣) ذكره الهروى في الغريبين (٣/ ٨٦٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٨).\n(^٥) المجموع (٣/ ٤٢٦).\n(^٦) المجموع (٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٨).\n(^٧) نهاية المحتاج (١/ ٥١٢).\n(^٨) كفاية النبيه (٣/ ١٨٤ - ١٨٥).","vol":"3","page":270},{"text":"يسجدان كما تسجد الجيهة فإذا سجد أحدكم فليضعهما وإذا رفع فليرفعهما\" رواه أبو داود والنسائي (^١) وفي ذلك لمالك قولان والله أعلم.\n\n٥٦٢ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من عبد يسْجد لله سَجْدَة إِلَّا كتب الله لَهُ بهَا حَسَنه ومحا عَنهُ بهَا سَيِّئَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة فاستكثروا من السُّجُود رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\nقوله: \"عن عبادة بن الصامت\" تقدم الكلام عليه قوله - ﷺ -: \"ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ورفع له درجة ومحى عنه بها سيئة\" تقدم الكلام على رفع الدرجات وهي أعلى المنازل في الجنة ومحو السيئات من كتاب الحفظة في الوضوء.\n\n٥٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أقرب مَا يكون العَبْد من ربه ﷿ وَهُوَ ساجد فَأَكْثرُوا الدُّعَاء رَوَاهُ مُسلم (^٣).\nقوله أبي هريرة تقدم الكلام عليه قوله - ﷺ -: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\" معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله، [١٧٠ مغربي] وفيه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٨٩٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤٧٠ (١١٠٤) والكبرى (٦٨٣)، وابن خزيمة (٦٣٠)، والحاكم (١/ ٢٢٦). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في المشكاة (٩٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٢٤)، والبزار (٢٧٠٥) و(٢٧٠٦)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٦٦ رقم ٨٦٧) والشاميين (٢٢٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٣٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٥ - ٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤٩٩ (١١٤٨) والكبرى (٨١٢).","vol":"3","page":271},{"text":"الحث على الدعاء في السجود (^١) خلافا لأبي حنيفة حيث كرهه في الفرض (^٢) وسبب الحث عليه في السجود أنه مقام تضرع وذلة وانكسار بين يدي الله ﷿ والله ﷾ أقرب ما يكون إلى عبده عند ذله وانكسار قلبه كما في الأثر الإسرائيلي يارب أين أجدك قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي (^٣) ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن (^٤) فكانت الإجابة فيه مرجوة قوله فأكثروا الدعاء ولا فرق بجواز الدعاء بين أن يكون مما يتعلق بالآخرة أو الدنيا خلافا لأبى حنيفة فقد روي عنه بطلان صلاة بدعاء يتعلق بالدنيا كما لو سأل امرأة حسناء (^٥) ونحو ذلك جاء في الحديث وأما السجود فأكثروا من الدعاء فيه فقمن أن يستجاب لكم (^٦)، يقال: قمن بفتح الميم وكسرها ويجوز في اللغة قمين بزيادة ياء ومعناه حقيق وخليق وجدير فمن فتح الميم لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه مصدر ومن كسر ثني وجمع وأنث لأنه وصف وكذلك القمين قاله في النهاية (^٧).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٠).\n(^٢) المفهم (٥/ ١٤٢).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٣٠٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٦).\n(^٥) فتح البارى (٧/ ٣٤٤)، والتوضيح (٧/ ٢٧٩)، وأسنى المطالب (١/ ١٦٦).\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩) عن ابن عباس.\n(^٧) النهاية (٤/ ١١١).","vol":"3","page":272},{"text":"وروي في صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في سجوده \"اللهم اغفر لي ذنبي دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره\" (^١) قوله دقه وجله بكسر أولهما ومعناه قليله وكثيره (^٢)، وفي صحيح مسلم من حديث عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في ركوعه وسجوده \"سبوح قدوس رب الملائكة والروح\" (^٣) والمراد بالروح جبرائيل -﵇- وقيل وقيل ملك له ألف رأس لكل رأس مائة ألف وجه ولكل وجه مائة ألف فم في كل فم مائة ألف لسان يسبح الله تعالى بلغات مختلفة، وقيل خلق من الملائكة يرون الملائكة ولا تراهم فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم (^٤) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"اغفر لي ذنبي\" ويعنى سؤاله - ﷺ - المغفرة مع أنه مغفور له إنما يسأل ذلك تواضعا وخشوعا وإشفاقا وإجلالًا ولنقتدي به فى أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع وفي هذا الحديث وغيره مواظبته - ﷺ - على الذكر والدعاء والاعتراف لله تعالى بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيده والبعث\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٦ - ٤٨٣) عن أبي هريرة.\n(^٢) غريب الحديث (١/ ١٦٨) وكشف المشكل (٣/ ٥٥٧) لابن الجوزى.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٣ و٢٢٤ - ٤٨٧).\n(^٤) انظر: جامع الأصول (٤/ ١٩٢) والميسر (١/ ٢٤٦)، والمجموع (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤) وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٢٨) وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٥)، والنجم الوهاج (٢/ ١٤٩).","vol":"3","page":273},{"text":"والجنة والنار وغير ذلك والله أعلم (^١).\nفائدة: قال العُلماء لما نزلت سبح اسم ربك الأعلى فكان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: \"سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا\" (^٢) واستحب الشافعي وغيره من العُلماء أن يقول الإنسان في ركوعه سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وتكرار كلّ واحدة منها ثلاث مرات ولو اقتصر الإمام والمنفرد على تسبيحه واحدة فقال سبحان الله حصل أصل السنة لكن ترك كمالها وأفضلها (^٣)، وفى رواية في الترمذي إذا قال أحدكم في ركوعه سبحان ربى العظيم ثلاثًا فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإن قال في سجوده سبحان ربى الأعلى ثلاثًا فقد تم سجوده وذلك أدناه (^٤) ولم يتعرض بعضهم لبيان الأكمل.\nوقال الصيدلاني في شرح المختصر، الأكمل تسع تسبيحات وقيل الأكمل\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٨٧٠) عن عقبة بن عامر. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٥٣). وأخرجه البزار (٢٩٢١) وابن المنذر في الأوسط (١٤٠٤) والطبراني في الدعاء (٥٤٢) عن حذيفة. وقال البزار: وهذا الحديث رواه حفص، فقال: فيه في وقت وبحمده ثلاثًا، وترك في وقت، وبحمده، وأحسبه أتى من سوء حفظ ابن أبي ليلي، وقد رواه المستورد، عن صلة، عن حذيفة، ولم يقل: وبحمده.\n(^٣) المجموع (٣/ ٤١٢).\n(^٤) أخرجه الترمذى (٢٦١) عن ابن مسعود. قال الترمذي: حديث ابن مسعود ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة لم يلق ابن مسعود، والعمل على هذا عند أهل العلم: يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات. وضعفه الألباني في المشكاة (٨٨٠)، ضعيف الجامع الصغير (٥٢٥)، ضعيف أبي داود (١٨٧/ ٨٨٦).","vol":"3","page":274},{"text":"إحدى عشرة تسبيحة كالوتر (^١) وقال أبو طالب المكي، الكمال سبعة لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^٢) والأكمل عشرة لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (^٣) (^٤)، وفى الترمذي عن بعض أهل العلم أن يقولها خمسا ليدرك من خلفه ثلاثًا (^٥)، وأما المنفرد فإنه يأتي بالأكمل إن لم يكن خلفه عجلة، ولا يزيد الإمام على الثلاث لما فيه من التطويل على المأمومين فإن كان الجماعة محصورين ورضوا بالتطويل استوفى الأظهر وهو اللهم لك ركعت ولك سجدت إلى آخره (^٦) وهو في كتاب الفقه فمن أراد ذلك فلينظر في موضعه واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود غير واجب وقد أمر ﵊ حين نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ (^٧) كما تقدم فقال: - ﷺ - \"اجعلوها في ركوعكم\" وحين نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٨) \"اجعلوها في سجودكم\" (^٩) وقد يأمر - ﷺ - بالسنن كما يأمر الفرائض\n_________\n(^١) كفاية الأخيار (ص ١١٦).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(^٤) قوت القلوب (٢/ ١٥٥).\n(^٥) سنن الترمذى عقب حديث (٢٦١) وهو قول إسحاق وابن المبارك.\n(^٦) انظر: المجموع (٣/ ٤١٢)، والروضة (١/ ٢٥١)، وكفاية النبيه (٣/ ١٧٣)، وعمدة السالك (ص ٥٠ - ٥١)، والنجم الوهاج (٢/ ١٣٥).\n(^٧) سورة الواقعة، الآية: ٧٤.\n(^٨) سورة الأعلي، الآية: ١.\n(^٩) أخرجه ابن ماجه (٨٨٧)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن خزيمة (٦٧٠)، وابن حبان (١٨٩٨) =","vol":"3","page":275},{"text":"وهذا الذكر المذكور هو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور وكره مالك لزوم هذا الذكر لئلا يعد فرضًا (^١) وأوجبه الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من أئمة الحديث لظاهر الأحاديث (^٢).\nتنبيه: والحكمة في هذا التخصيص أن الأعلى أفعل تفضيل بخلاف العظيم فإنه لا يدلّ على رجحان معناه على غيره والسجود في غاية التواضع (^٣) والعظيم الذي جل عن حدود العقول حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته والله تعالى منزه عن صفات الأجسام والأعلى والعلي والمتعالي الذي ليس فوقه شيء من الرتبة والحكمة (^٤).\nسؤال: لم أمرنا بالسجود على سبعة أعظم؟ قيل لقوله - ﷺ - \"خلقتم من سبع ورزقتم من سبع فاسجدوا لله على سبع ليكون شكرا على الجميع\" ولأن الصلاة تواضع فأراد التواضع من سبعة أعضاء لأن من تواضع لله رفعه الله وأيضًا الصلاة كفارة فأراد أن يكفر بها ذنوب الأعضاء كلها (^٥) والله أعلم.\nفائدة: في السجود أمور واجبة وأمور مستحبة قالوا جاءت سبعة وضع الجبهة على الأرض مكشوفة والكامل عليها ووضع اليدين والركبتين\n_________\n= عن عقبة بن عامر. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٥٢)، الإرواء (٢/ ٤١).\n(^١) انظر: الاستذكار (١/ ٤٣١)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ١٩٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٩٧).\n(^٣) المهمات (٣/ ٧٥) وأسنى المطالب (١/ ١٥٧).\n(^٤) تحفة الأبرار (٢/ ٤١ - ٤٢).\n(^٥) كشف الأسرار (لوحة ٣٧).","vol":"3","page":276},{"text":"والقدمين على الأظهر والتحامل عليها على قياس الجبهة وارتفاع أسافلة على عاليه في الأصح والطمأنينة وأن لا تهوى لغيره وأن لا تسجد على متصل به يتحرك بحركة وأما المستحبات فسبعة أيضًا وضع يديه في محاذاة منكبيه ووضع رأسه وبينهما ومجافاة مرفقيه عن جنبيه وفتح عينيه ومد الظهر والعتق فيه والتسبيح فيه والاعتدال في الركوع ومعناه مد الظهر والعنق واستوى بهما والمطلوب في السجود ارتفاع الأسافل على الأعالي حتى لو تساويا لم تصح الصلاة على الأصح فيحتمل الاعتدال والسجود على تحسن الهيئة، قاله في مختصر الكفاية (^١).\n\n٥٦٤ - وَعَن ربيعَة بن كَعْب - ﵁ - قَالَ كنت أخدم النَّبِي - ﷺ - نهاري فَإِذا كانَ اللَّيْل آويت إِلَى بَاب رَسُول الله - ﷺ - فَبت عِنْده فَلَا أَزَال أسمعهُ يَقُول سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ رَبِّي حَتَّى أمل أَو تغلبني عَيْني فأنام فَقَالَ يَوْمًا يَا ربيعَة سلني فأعطيك فَقلت أَنْظرنِي حَتَّى أنظر وتذكرت أَن الدُّنْيَا فانية مُنْقَطِعَة فَقلت يَا رَسُول الله أَسأَلك أَن تَدْعُو الله أَن ينجيني من النَّار ويدخلني الْجنَّة فَسكت رَسُول الله - ﷺ - ثمَّ قَالَ من أَمرك بِهَذَا قلت مَا أَمرنِي بِهِ أحد وَلَكِنِّي علمت أَن الدُّنْيَا مُنْقَطِعَة فانية وَأَنت من الله بِالْمَكَانِ الَّذِي أَنْت مِنْهُ فَأَحْبَبْت أَن تَدْعُو الله لي قَالَ إِنِّي فَاعل فأعني على نَفسك بِكَثْرَة السُّجُود\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَاللَّفْظ لَهُ (^٢) وَرَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد مُخْتَصرا\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ١٨٣ - ١٨٩) مختصرًا.\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٥٩ (١٦٥٧٨) و(١٦٥٧٩)، والطبراني في الكبير (٥/ ٥٧ رقم ٤٥٧٦) =","vol":"3","page":277},{"text":"وَلَفظ مُسلم قَالَ كنت أَبيت مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فآتيه بوضوئه وَحَاجته فَقَالَ لي سلني فَقلت أَسأَلك مرافقتك فِي الْجنَّة قَالَ أَو غير ذَلِك قلت هُوَ ذَاك قَالَ فأعني على نَفسك بِكَثْرَة السُّجُود (^١).\nقوله: \"عن ربيعة بن كعب\" هو ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي أبو فراس المدني صحابي من أهل الصف قال أنه كان خادم رسول الله - ﷺ - وكانت له صحبة قديما فكان يلازمه سفرا وحضرا وليس لربيعة بن كعب في الصحيح غيره قاله المنذري في كتابه كناية المتعبد لو كان - ﵁ - ينزل على بريد من المدينة روى له مسلم وروى له الجماعة وروى حاله بن علي ونعيم المجمر وروى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره توفي سنة ثلاث وستين (^٢).\nقوله - ﵁ -: \"كنت أبيت مع رسول الله - ﷺ - فأتيه بوضوئه الوضوء\" بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به وبضم الواو هو الفعل.\nقوله: قال: أو غير ذلك هو بفتح الواو أو إشارة إلى حصول المقصود واستفهام له هل يطلب شيئًا آخر من الدنيا ليلحقه به أيضًا، وهو دليل على كرم المسؤول وحسن أدب السائل فإن محض طلبه الآخرة.\n_________\n= وعنه أبو نعيم في المعرفة (٢٧٥١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٨٨).\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٦ - ٤٨٩)، وأبو داود (١٣٢٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٣٨٧)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٤٩٩ (١١٤٩) والكبرى (٨١٣).\n(^٢) تهذيب الكمال (٦/ ١٣٩ - ١٤٢ ترجمة ١٨٨٦).","vol":"3","page":278},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فأعنى على نفسك بكثرة السجود\" يقال: أعنت زيدا على أمر؛ أي: صرت عونا له في تحصيل ذلك الأمر، فههنا معناه: كن عونا لي في إصلاح نفسك، واجعلها طاهرة مستحقة لما تطلب؛ فإني أطلب إصلاح نفسك من الله، وأطلب منه أيضًا إصلاحها بكثرة السجود؛ فإن السجود كاسر للنفس مذل لها، وأي نفس انكسرت، فذلت وانقادت استحقت الرحمة (^١).\nوتقدم الكلام على كثرة السجود في الأحاديث المتقدمة والمراد بالسجود هنا من باب التعبير بالبعض عن الجميع أنه هو مقصودها الأعظم وتقدم الاختلاف في الركوع والسجود أيهما أفضل وفي هذا الحديث ملازمة الخدمة الكبير والميت معه حيث لا ضرر في ذلك وجواز خدمة الأحرار البالغين برضاهم وأما غير البالغين فيحتاج فيه إلى إذن الولي والحاكم إن كان يتيما وكثيرا ما يتساهل الناس في ذلك.\nقوله: \"فقال يومًا يا ربيعة سلني فأعطيك وفي رواية مسلم فقال لي: \"سلني\" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة\" فيه دليل على استحباب مكافأة الخادم والإحسان إليه وجبره بما أمكن من أمور الدين والدنيا.\nوقوله: \"أسألك مرافقتك في الجنة فأعني على نفسك بكثرة السجود\" أي في الدنيا ترافقني في الجنة [١٧١ المغربي] في ذلك مسؤلك ومطلوبك ذلك فإن ذلك درجة عظيمة ورتبة عالية قال ليس لي حاجة غير ذلك (^٢).\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ١٥٢).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"3","page":279},{"text":"فائدة: وروى البزار بإسناد صحيح من حديث عبد الملك بن عمير، قال: كان غلام بالمدينة يكنى أبا مصعب، فأتى النبي - ﷺ - وبين يديه سنبل، ففرك سنبلة، ثم نفخها، ثم دفعها إليه، فأكلها، وكانت الأنصار تعير من يأكل فريكة السنبل، فلما دفعها رسول الله - ﷺ - إليه، لم يردها عليه، قال أبو مصعب: ثم قمت من عنده غير بعيد، ثم رجعت إليه، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني معك في الجنة، قال: \"من علمك هذا؟ \" قلت: لا أحد، قال: \"أفعل\" فلما وليت دعاني، فقال: \"أعني على نفسك بكثرة السجود\" فأتيت أمي فسألتني، فقلت: كنت عند النبي - ﷺ -، فأتي بسنبل، ففرك منه سنبلة بيديه المباركتين، ثم نفخه بريقه المبارك، ثم دفعها إليّ، فكرهت أن أرده -فقالت: قد أحسنت- ثم أتيته، فدعا لي (^١).\nوقال ابن شكوال فيما نقل عنه الرجل قال له النبي - ﷺ - أعني على نفسك بكثرة السجود هو أبو فاطمة خادم النبي - ﷺ - (^٢) ويحتمل أن النبي - ﷺ - قال ذلك لكل من هؤلاء الثلاثة وحذيفة وحديث ربيعة هذا عند ابن خزيمة مختصرا وهو عند مسلم وغيره أطول من هذا قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٧٣٧/ كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٦٥ رقم ٨٥١). قال البزار: لا نعلم روى أبو مصعب إلا هذا، تفرد به جرير. قال الهيثمي في المجمع ٩/ ٣٩٩: رواه البزار، وأوله يشبه أن يكون مرسلا في أثناء الحديث قال: قال أبو مصعب، فالظاهر أنه سمعه منه، والله أعلم. ورجاله رجال الصحيح غير طالوت بن عباد وهو ثقة.\n(^٢) غوامض الأسماء (٢/ ٦٠٨).","vol":"3","page":280},{"text":"[قال العُلماء: يستحب ألا يمسح التراب عن الجبهة فى الصلاة وهذا محمول على ما إذا كان شيئًا يسيرا لا يمنع مباشرة الجبهة الأرض وخلاصته أنه لا يستحب مسح أثر السجود من الجبهة بعد الانصراف من الصلاة وقد مدح الله تعالى الصحابة ﵃ بقوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (^١) وقال عكرمة: هو أثر التراب على الجباه قال أبو العالية: يسجدون على التراب، وهذا محمول إذا لم يكثر على الجبهة فإن كثر استحب إزالته ولهذا استحب للمتيمم تخفيف التراب ونفخه من الكفين قبل المسح حتى لا يحصل التشويش والله أعلم].\n\n٥٦٥ - وَعَن أبي فَاطِمَة - ﵁ - قَالَ: قلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بِعَمَل أستقيم عَلَيْهِ وأعمله قَالَ عَلَيْك بِالسُّجُود فَإنَّك لا تسْجد لله سَجْدَة إِلَّا رفعك الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنْك بهَا خَطِيئَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد وَرَوَاهُ أَحْمد مُخْتَصرا، وَلَفظه قَالَ قَالَ لي نَبِي الله - ﷺ - يَا أَبَا فَاطِمَة إِن أردْت أَن تَلقانِي فَأكثر السُّجُود (^٢).\nقوله: \"عن أبي فاطمة\"، أبو فاطمة هذا أزدي وقيل دوسي ويقال ليثي قيل اسمه أنيس، وقيل: عبد الله بن أنيس وعده أبو زرعة الدمشقي فيمن نزل الشام من الصحابة سكن الشام وليس له في كتب السنة سوى هذا الحديث وقبره\n_________\n(^١) سورة الفتح، الآية: ٢٩.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٨ (١٥٥٢٧) و(١٥٥٢٨)، وابن ماجه (١٤٢٢). وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٨٩)، والإرواء (٢/ ٢١٠).","vol":"3","page":281},{"text":"بالشام إلى جانب قبر فضالة بن عبيد (^١).\nقوله: قلت يا رسول الله أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله أي أداوم على العمل به فأبو فاطمة سأل عن العمل وأفضل عبادات البدن الصلاة كما تقدم و\"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\" فدله على كثرة السجود كما قال - ﷺ - لربيعة بن كعب أعني على نفسك بكثرة السجود.\n\n٥٦٦ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: مَا من حَالَة يكون العَبْد عَلَيْهَا أحب إِلَى الله من أَن يرَاهُ سَاجِدًا يعفر وَجهه فِي التُّرَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَقَالَ تفرد بِهِ عُثْمَان (^٢)، قَالَ الْحَافِظ عُثْمَان هَذَا هُوَ ابْن الْقَاسِم ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات.\nقوله: \"عن حذيفة\" تقدم الكلام على حذيفة.\nقوله - ﷺ -: \"ما من حالة يكون العبد عليها أحب إلى الله من أن يراه ساجدا يعفر وجهه في التراب\" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد يعنى أقرب حالات العبد من ربه حال كونه ساجدا لأن العبد بقدر ما يذل من نفسه يقرب من ربه والسجود غاية التواضع ونهاية التكبر عن النفس لأن النفس لا تأمر\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣٤/ ١٨٢ - ١٨٣ ترجمة ٧٥٦٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٥٨ رقم ٦٠٧٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٠١: رواه الطبراني في الأوسط من طريق عثمان بن القاسم عن أبيه، وقال: تفرد به عثمان. قلت: وعثمان بن القاسم ذكره ابن حبان في الثقات ولم يرفع في نسبه وأبوه، فلم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٥) والضعيفة (٦٨١٧).","vol":"3","page":282},{"text":"الرجل بالذلة والتواضع بل تأمره بخلاف ذلك فإذا سجد فقد خالف نفسه وبعد عنها فقرب من ربه فيكون دعاؤه مقبولًا لأن الحبيب يحب حبيبه المطيع ويسمع ما يقول ويعطي ما يسأل (^١) والله أعلم.\nقوله: \"رواه الطبراني وقال تفرد به عثمان\" عثمان هذا هو الصواف.\n\n٥٦٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"الصَّلَاة خير مَوْضُوع فَمن اسْتَطَاعَ أَن يستكثر فليستكثر\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"الصلاة خير فمن شاء أن يستكثر فليستكثر\" وفي حديث آخر: \"فمن شاء فليقل ومن شاء فليستكثر\".\nقال: العُلماء لا حصر للنفل المطلق لهذا الحديث فإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كلّ ركعتين كما في الفرائض الرباعية كذا في كلّ ثلاث وكل أربع وكذا في كلّ ركعة لأن الوتر يصلى ركعة وبه قال: النووي قلت الصحيح منعه في كلّ ركعة وإذا نوى عددا فله أن يزيد وينقص بشرط تغيير النية قبلها وإلا تبطل إذا تعمد لتلاعبه وإذا نوى ركعتين فقام إلى ثالثة سهوا فالأصح له أن يقعد ثم يقوم للزيادة إن شاء الزيادة لأن القيام إليها لم يكن\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٨٤ رقم ٢٤٣). وقال الطبراني: لا تروى هذه الأحاديث عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد بها: أبو مودود، وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد المنعم بن بشير، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٩٠).","vol":"3","page":283},{"text":"معتدا به فأشبه القاصر لو قام سهوًا ثم نوى الإتمام والوجه الثاني لا يحتاج إلى العودة لأن القيام في النافلة ليس بشرط (^١) قاله في الديباجة.\nقال بعض العُلماء: فإن جمع ركعات ولو مائة ركعة وأكثر بتسليمه واحدة أو تطوع بركعة واحدة جاز أي سواء لمطلق النية أو نوى ركعة أو ركعات وثبت إفراد ركعة في الوتر فيقاس غيره عليه (^٢) والله أعلم.\n\n٥٦٨ - وعن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مَرَّ بقبرٍ فقال: من صاحب هذا القبر؟ فقالوا: فلانٌ، فقال: ركعتان أحبُّ إلى هذا من بقية دنياكم. رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن (^٣).\nقوله عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"مر بقبر فقال من صاحب هذا القبر\" قالوا فلان، فقال: \"ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم\" الحديث وقال: بكر بن عبد الله المزني ﵀ من مثلك يا ابن آدم إن شئت أن تدخل على مولاك بغير إذن دخلت قيل له: كيف ذلك قال: تسبغ الوضوء تدخل محرابك فإذا أنت قد دخلت على مولاك تكلمه بغير ترجمان (^٤).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(^٢) انظر: الوسيط (٢/ ٢١٧)، وكفاية النبيه (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٨٢ رقم ٩٢٠). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي مالك إلا حفص بن غياث. تفرد به: حفص بن عبد الله. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٩١).\n(^٤) الزهد لأحمد (١٧٥٢)، أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٢٩، والبيهقى في الشعب (٤/ ٥٣٧ رقم =","vol":"3","page":284},{"text":"فائدة: فيها بشرى روى ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه فوضعت على رأسه وعاتقه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه\" (^١) أي ذنوبه وروى عبد الله (^٢) بن عمر قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا قام العبد إلى الصلاة جعلت ذنوبه بين رأسه وعاتقه فإذا ركع وسجد تناثرت\" أي ذنوبه وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لهذه الأمة زادها الله شرفًا.\n\n٥٦٩ - وَعَن مطرف - ﵁ - قَالَ قعدت إِلَى نفر من قُرَيْش فجَاء رجل فَجعل يُصَلِّي وَيرْفَع وَيسْجد وَلا يقْعد فَقلت وَالله مَا أرى هَذَا يدْرِي ينْصَرف على شفع أَو على وتر فَقَالُوا أَلا تقوم إِلَيْهِ فَتَقول لَهُ قَالَ فَقُمْت فَقلت لَهُ يَا عبد الله أَرَاك تَدْرِي تَنْصَرِف على شفع أَو على وتر قَالَ وَلَكِن الله يدْرِي وَسمعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من سجد لله سَجْدَة كتب الله لَهُ بهَا حَسَنة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة فَقلت من أَنْت فَقَالَ أَبُو ذَر فَرَجَعت إِلَى أَصْحَابِي فَقلت جزاكم الله من جلساء شرا أَمرْتُمُونِي أَن أعلم رجلًا من أَصْحَاب النَّبِي\n_________\n= ٢٩٧٠)، وصفة الصفوة (٢/ ١٤٧).\n(^١) انظر ما بعده.\n(^٢) في الأصل عبد الملك بن عمر والتصويب من الآتى: أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (٢٩٣) و(٢٩٤) ومختصر قيام الليل (ص ١٣٠)، والطحاوى في معانى الآثار (٢٧٣٢)، وابن حبان (١٧٣٤)، والطبراني في الشاميين (١٩٨١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٩ - ١٠٠)، والبيهقى في الكبرى (٣/ ١٦ رقم ٤٦٩٧) والشعب (٤/ ٥٠٤ رقم ٢٨٧٧). وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٩٨).","vol":"3","page":285},{"text":"- ﷺ - وَفِي رِوَايَة فرأيته يُطِيل الْقيام وَيكثر الرُّكُوع وَالسُّجُود فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ مَا آلوت أَن أحسن إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من ركع رَكعَة أَو سجد سَجْدَة رفع الله لَهُ بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِنَحْوِهِ وَهُوَ بِمَجْمُوع طرقه حسن أَو صَحِيح (^١).\nمَا آلوت أَي قصرت.\nهو مطرف سيأتي الكلام عليه قومها.\nقوله قعدت إلى نفر من قريش فجاء رجل فجعل يصلي ويركع ولا يسجد فقلت والله ما أرى هذا ينصرف على شفع أو وتر. . . . إلى أن قال: الحديث\nتقدم الكلام على النفر في أول هذا [التعليق] [*] مبسوطا وأرى منهم العمرة قائمة والرجل الكبير هو أبو ذر - ﵁ - كما ذكر في الحديث وتقدم الكلام على الركوع والسجود في الأحاديث المتقدمة، وقال بعض العُلماء إن الأفضل بالنهار كثرة السجود وبالليل طول القيام كما جاء في وصف صلاة رسول الله - ﷺ - وجمعا بين الأحاديث والله أعلم.\n\n٥٧٠ - وَعَن يُوسُف بن عبد الله بن سَلام قَالَ أتيت أَبَا الدَّرْدَاء - ﵁ - فِي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٣٥٦١) و(٣٥٦٢)، وأحمد ٥/ ١٤٨ (٢١٣١٧) و٥/ ١٦٤ (٢١٤٥٢)، والدارمى (١٥٠٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٩٧) مختصرًا، والبزار (٣٩٠٣)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٢٨٦) و(٢٨٨).\nقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩: رواه كله أحمد والبزار بنحوه بأسانيد، وبعضها رجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٩٢).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «التطبيق»، وأيضا العبارة بعده غير مستقيمة","vol":"3","page":286},{"text":"مَرضه الَّذِي قبض فِيهِ فَقَالَ يَا ابْن أخي مَا علمت إِلَى هَذِه الْبَلدة أَو مَا جَاءَ بك قَالَ قلت لا إِلَّا صلَة مَا كَانَ بَيْنك وَبَين وَالِدي عبد الله بن سَلام فَقَالَ بئس سَاعَة الْكَذِب هَذِه سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ أَو أَرْبعا يشك سهل يحسن فِيهِنَّ الرُّكوع والخشوع ثمَّ يسْتَغْفر الله غفر لَهُ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله عن يوسف بن عبد الله بن سلام هو يوسف بن عبد الله بن سلام، قوله: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعًا شك هل يحسن فيهن الركوع والخشوع\" [١٧٢ المغربي] تقدم الكلام على الركوع والسجود وسيأتي الكلام على الخشوع مبسوطًا.\n\n٥٧١ - وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من تَوَضَّأ فَأحْسن وضوءه ثمَّ صلى رَكعَتَيْنِ لا يسهو فيهمَا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَة عِنْده مَا من أحد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ يقبل بِقَلْبِه وبوجهه عَلَيْهِمَا إِلَّا وَجَبت لَهُ الْجنَّة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٥٠ (٢٧٥٤٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد (٢٠٤٠)، والطبراني في الدعاء (١٨٤٨) والأوسط (٥/ ١٨٦ رقم ٥٠٢٦). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به: صدقة بن أبي سهل. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٧٨: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٩٣).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الطهور (١٠)، وأحمد ٤/ ١١٧ (١٧٠٥٤) و٤/ ١٩٤ (٢١٦٩١)، وعبد بن حميد (٢٨٠)، وأبو داود (٩٠٥)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٤٩ رقم ٥٢٤٢ =","vol":"3","page":287},{"text":"وقوله عن زيد بن خالد الجهني تقدم قوله \"ما من أحد توضأ فأحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه وبوجهه عليها إلا وجبت له الجنة\" أي يقبل بوجهه الظاهر ووجهه الباطن وهو القلب ويعرض بهما عن الغير (^١).\nقوله: إلا وجبت له الجنة أي حصلت له الجنة إذ الوجوب على الله غير صحيح قاله في شرح المصابيح (^٢).\n\n٥٧٢ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵄ قَالَ كنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - خدام أَنْفُسنَا نتناوب الرِّعَايَة رِعَايَة إبلنا فَكَانَت عَليّ رِعَايَة الإِبِل فروحتها بالْعَشي فَإِذا رَسُول الله - ﷺ - يخْطب النَّاس فَسَمعته يَوْمًا يَقُول مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ فَيحسن الْوضُوء ثمَّ يقوم فيركع رَكعَتَيْنِ يقبل عَلَيْهِمَا بقَلْبِه وَوَجهه فقد أوجب فَقلت بخ بخ مَا أَجود هَذِه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللًّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَهُوَ بعض حَدِيث وَرَوَاهُ الْحَاكم إِلَّا أَنه قَالَ مَا من مُسلم يتَوَضَّأ فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يقوم فِي صلَاته فَيعلم مَا يَقُول إِلَّا انْفَتَلَ وَهُوَ كَيَوْم وَلدته أمه الحَدِيث وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٣) أوجب أَي أَتَى\n_________\n= و٥٢٤٣ و٥٢٤٤). وحسنه الألباني في المشكاة (٥٧٧) وصحيح أبي داود (٨٤٠) وصحيح الترغيب (٢٢٨) و(٣٩٤).\n(^١) المفاتيح (١/ ٣٥٢)، وشرح المشكاة (٣/ ٧٤٧).\n(^٢) المفاتيح (١/ ٣٥٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧ - ٢٣٤)، وابن ماجه (٤٧٠)، وأبو داود (١٦٩) و(٩٠٦)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٣٨ (١٥٦) والكبرى (٢٢٣)، وابن خزيمة (٢٢٢)، وابن حبان (١٠٥٠)، والحاكم (٢/ ٣٩٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٩٥) و(٥٤٦).","vol":"3","page":288},{"text":"بِمَا يُوجب لَهُ الْجنَّة.\nقوله: عن عقبة بن عامر تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله كنا مع رسول الله - ﷺ - خدام أنفسنا نتناوب الرعاية رعاية إبلنا فكانت علي رعاية الإبل فروحتها بالعشي والرعاية بكسر الراء وهي الرعي ومعنى هذا الكلام أنهم كانوا يتناوبون رعي إبلهم فتجتمع جماعة فيضمون إبلهم بعضها إلى بعض فيرعاها كلّ يوم واحد منهم ليكون أرفق بهم وينصرف الباقون في مصالحهم (^١).\nقوله: فروحتها بالعشي أي رددتها إلى مراحها في آخر النهار وتفرغت من أمرها ثم جئت إلى مجلس رسول الله - ﷺ - (^٢).\nقوله \"ما من منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيركع ركعتين فيقبل عليهما بقلبه ووجهه\" وقد جمع - ﷺ - بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع في القلب على ما قاله جماعة من العُلماء.\nقوله: \"فقد أوجب\" أي أتى بما يوجب له الجنة قاله الحافظ المنذري.\nقوله: فقلت: بخ بخ يقال بخ بالتسكين وبالكسر مع التنوين قال الخليل يقال ذلك للشيء إذا رضيته ويقال: لتعظيم الأمر قاله المنذري في كتابه كفاية\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٢١).","vol":"3","page":289},{"text":"المتعبد (^١).\nقوله: ما أجود هذه يعني هذه الكلمة أو الفائدة أو البشارة أو العبارة وجودتها من جهات منها أنها سهلة متيسرة يقدر عليها كلّ أحد بلا مشقة ومنها أن أجرها عظيم والله أعلم (^٢).\nقوله: فيعلم ما يقول إلا انفتل كيوم ولدته أمه أي رجع كيوم ولدته أمه لا ذنب له وكيوم يجوز فيه فتح الميم وكسرها والفتح أجود.\n\n٥٧٣ - وَعَن عَاصِم بن سُفْيَان الثَّقَفِيّ - ﵁ - أَنهم غزوا غَزْوَة السلَاسِل ففاتهم الْغَزْو فرابطوا ثمَّ رجعُوا إِلَى مُعَاوِيَة وَعِنْده أَبُو أيُّوب وَعقبَة بن عَامر فَقَالَ عَاصِم يَا أَبَا أيُّوب فاتنا الْغَزْو الْعَام وَقد أخبرنَا أَنه من صلى فِي الْمَسَاجِد الأرْبَعَة غفر لَهُ ذَنبه فَقَالَ يَا بن أخي أَلا أدلك على أيسر من ذَلِك إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ كَمَا أَمر وَصلى كَمَا أَمر غفر لَهُ مَا قدم من عمل كَذَلِك يَا عقبَة قَالَ نعم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣). وَتقدم فِي الْوضُوء حَدِيث عَمْرو بن عبسة وَفِي آخِره فَإِن هُوَ قَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ومجده بِالَّذِي هُوَ لَهُ أهل وَفرغ قلبه لله تَعَالَى إِلَّا انْصَرف من\n_________\n(^١) كفاية المتعبد (ص ٣٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٢١).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٩٦)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٣٣ (١٤٩) والكبرى (١٧٩)، وابن حبان (١٠٤٢). وقال الألبانى: حسن صحيح في صحيح الترغيب (٣٩٦).","vol":"3","page":290},{"text":"خطيئته كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ مُسلم (^١). وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث عُثْمَان وَفِيه سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من امرئ مُسلم تحضره صَلَاة مَكْتُوبَة فَيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب مَا لم يُؤْت كَبِيرَة وَكَذَلِكَ الدَّهْر كلّه، رَوَاهُ مسلم (^٢) وَتقدم أَيْضا حَدِيث عبَادَة سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول خمس صلوَات افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وَأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كَانَ لَهُ على الله عهد أَن يغْفر لَهُ (^٣) وَيَأْتِي فِي الْبَاب بعده حَدِيث أنس إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nوقوله: عن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفي صوابه عن سفيان بن عبد الرحمن بن عاصم بن سفيان وهو ابن ابنه روى عن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاصي وعقبة بن عامر الجهني وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم (^٤).\nقوله: أنهم غزوا غزوة السلاسل ففاتهم الغزو فرابطوا ثم رجعوا إلى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٤ - ٨٣٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧ - ٢٢٨).\n(^٣) أخرجه مالك (٣٢٠)، وأحمد ٥/ ٣١٥ (٢٢٦٩٣) و٥/ ٣١٧ (٢٢٧٠٤) و٥/ ٣١٩ (٢٢٧٢١) و٥/ ٣٢٢ (٢٢٧٥٢)، وابن ماجه (١٤٠١)، وأبو داود (٤٢٥) و(١٤٢٠)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٦٤ (٤٦٨) والكبرى (٣٩٨)، وابن حبان (١٧٣١) و(١٧٣٢) و(٢٤١٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٥٦ رقم ٤٦٥٨) و(٩/ ١٢٦ رقم ٩٣١٥)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ٣٠٥ رقم ٣١٦٦) و(٣/ ٥١١ رقم ٦٥٠٠)، والبغوى (٩٧٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٠) و(٣٩٦) و(٤٠٠)، والمشكاة (٥٧٠)، التعليق الرغيب (١/ ١٤١ - ١٤٢)، صحيح - صحيح أبي داود (٤٥١) و(٤٥٢) و(١٢٧٦).\n(^٤) تهذيب الكمال (١٣/ ٤٨٤).","vol":"3","page":291},{"text":"معاوية تقدم الكلام على معاوية ونسبه وفضائله في أماكن من هذا التطبيق بويع له بالخلافة في الكوفة في شهر ربيع الأول سنة أخرى وأربعين وكانت خلافته منذ صالحه الحسن بن علي ﵄ وأجمع الناس عليه تسع عشرة سنة أربعة أشهر وسبعة عشر يومًا وعمره يومئذ ثمان وخمسون سنة وشهورا قاله في تاريخ الخلفاء (^١) وكانت غزوة ذات السلاسل في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة النبوية قال: أبو عبد الله أمر رسول الله - ﷺ - عمرو بن العاصي بن وائل السهمي على هذه الغزوة بعد إسلامه بسنة فإنه أسلم - ﵁ - سنة سبع وسلم الجيش إليه السلاسل لما بلغة إن جمعا من قضاعة تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف المدينة فدعا رسول الله - ﷺ - عمرا وعقد له لواء أبيض وجعل راية سوداء وبعثه إلى ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسا وأمره أن يستعين بمن مر به من بلي وعذرة وبلقين فسار الليل وكمن النهار فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرًا فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله - ﷺ - يستمده فبعث أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعا ولا يتخلفا فلحق بعمرو وأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال له: عمرو إنما قدمت مددا وأنا الأمير فأطاع له بذلك أبو عبيدة وكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وطئ بلاد بلي ودوخها حتى أقصى بلادهم وعذرة وبلقين ولقي في آخر\n_________\n(^١) تاريخ الخلفاء (ص ١٤٨ - ١٤٩).","vol":"3","page":292},{"text":"ذلك جمعا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره بأمرهم وذات السلاسل بضم السين الأولى كسر الثانية قاله السهيلى وابن الأثير في النهاية (^١) وذكر النووي في تهذيب الأسماء واللغات والبكرى في معجمه أن المشهور فتح السين الأولى والثانية مكسورة واللام مخففة على لفظ جمع سلسلة رمل البادية وهو موضع معروف بناحية الشام وبينها وبين المدينة عشرة أيام (^٢) وفي كتاب البخاري قال ابن إسحاق عن يزيد عن عروة ذات السلاسل هي غزوة لخم وجذام (^٣) وبعث النبي - ﷺ - عمرو بن العاصي على جيشها فسار عمرو حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له سلسل وبه سميت الغزوة غزوة السلاسل خاف فبعث إلى النبي - ﷺ - يستمده فأمده بأبي عبيدة بن الجراح في جيش فذكر القصة بنحو ما تقدم وقيل موضع سمي به فيما قيل لأنهم مبعوثين إلى أرض بها رمل ينعقد بعضه على بعض كالسلسلة (^٤) وهو في اللغة الماء السلسال وقيل هو بمعنى السلسل (^٥).\nقوله: ففاتهم الغزو فرابطوا ثم رجعوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب وعقبة\n_________\n(^١) الروض الأنف (٧/ ٥٣٤ - ٥٣٨)، والنهاية (٢/ ٣٨٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١١٤)، ومعجم ما استعجم (٣/ ٧٤٤ - ٧٤٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٥/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(^٤) عمدة القارى (١٦/ ١٨١).\n(^٥) النهاية (٢/ ٣٨٩).","vol":"3","page":293},{"text":"بن عامر فقال عاصم يا أبا أيوب فاتنا الغزو العام، المرابطة معروفة وهي الإقامة في ثغر من الثغور المتوقع بذلك قتال العدو وتقدم الكلام على مناقب أبي أيوب وعقبة بن عامر ﵄.\nقوله: وقد أخبرنا أنه من صلى المساجد الأربعة غفر له ذنبه، والمساجد الأربعة مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد الطور ففي الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال \"ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال غير مكة والمدينة\" (^١) وذكر أبو جعفر الطحاوي من حديث عيينة بن عمرو إلا مكة والمدينة وبيت المقدس ومسجد الطور وفى بعض الروايات لا يبقى له موضع إلا يدخله إلا مكة وبيت المقدس وجبل الطور فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع (^٢) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إلا غفر له ذنبه\" وغفران الذنوب هو سترها ومحوها من كتاب الحفظة (^٣).\nقوله تقدم الوضوء حديث عمرو بن عبسة وفي آخره فإن هو قام فصلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٨١)، ومسلم (١٢٣ - ٢٩٤٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٦٤ (٢٣٠٩٠) و٥/ ٤٣٤ (٢٣٦٨٣) و(٢٣٦٨٤) و٥/ ٤٣٥ (٢٣٦٨٥) وفي السنة (١٠١٦)، وحنبل بن إسحاق في الفتن (٤٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٤/ ٣٧٦ و٣٧٩) وابن منده في التوحيد (٤٢٣). قال ابن منده: هذا الإسناد مقبول الرواة بالإتفاق. وقال عبد الغني المقدسي: صحيح الإسناد أخبار الدجال ص ١٥. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٤٣: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٥٥)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٤١).","vol":"3","page":294},{"text":"فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو أهل وفرغ قلبه لله إلا (انصرف) من خطيئته (كيوم ولدته أمه) وفي الباب حديث عثمان وفيه سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من مسلم يحضر صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كلّه\" رواه مسلم.\nقوله - ﷺ -: \"تحضره صلاة مكتوبة\" أي مفروضة وهو مجاز من الكتابة فإن الحاكم إذا كتب شيئًا على أحد كان ذلك حكما وإلزاما (^١).\nوقوله - ﷺ -: \"فيحسن وضؤها\" إحسان الوضوء الإتيان بفرائضه وسننه (^٢) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا.\nوقوله - ﷺ -: \"وخشوعها\" خشوع الصلاة الإخبات فيها بانكسار والجوارح وحضور القلب ومراعاة الأدب من الالتفات إلى اليمين واليسار (^٣) وتقدم أوائل هذا الباب الكلام على الركوع والسجود.\nوقوله - ﷺ -: \"إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب\" والكفارة هي الخصلة التي من شأنها أن يكفر الخطيئة أي تسترها وتمحوها ومعناه إلا كانت تلك الصلاة ساترة ومزيلة لذنوبه الماضية مادام لم يعمل كبيرة (^٤).\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ١٦٩).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ١٧٠).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ١٧٠) والمفاتيح (١/ ٣٥٠).\n(^٤) المفاتيح (١/ ٣٥٠).","vol":"3","page":295},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"ما لم يأت كبيرة\" وأصح الرِّواية \"ما لم يؤت كبيرة\" بضم الياء وكسر التاء على البناء للفاعل من الإيتاء أي لم يعمل مع الإيتاء موضع العمل لأن العامل يعطي العمل من نفسه، وجاء \"ما لم يؤت\" على البناء للمجهول معناه لم يصب بكبيرة ولم يعمل من قولهم أتى فلان في يده أي أصبته علة وفي أكثر شرح المصابيح ما لم يأت كبيرة من الإتيان وهو تحريف غير مروي (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وذلك الدهر كله\" يحتمل أن يكون الإشارة إلى تكفير الذنوب أن يكفر الذنوب الصغيرة ولا يخص بفرض واحد بل فرائض الدهر يكفر صغائره أي كل فرض يكفر ما قبله من الصغائر كما قال ﵊ \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة\" إلى قوله \"مكفرات ما بينهن إذا ما اجتنبت الكبائر\" ويحتمل أن يكون إشارة إلى عدم الإتيان بالكبيرة أي عدم إتيان الكبيرة في الدهر كلّه مع الإتيان بالمكتوبة بكفارة لما قبلها قاله في شرح المصابيح (^٢).\nخاتمة للباب: إنما شرع تكرار السجود دون غيره لأنها أبلغ في التواضع ولأن الشارع - ﷺ - أمرنا بالدعاء فيه وأخبر أنه حقيق الإجابة فنسجد ثانيا شكرا لله تعالى على إجابته كما هو المعهود فيمن إذا سأل ملكا فأنعم عليه وروي فى الحديث أنه لما عرج برسول الله - ﷺ - إلى السماء فمن كان من الملائكة\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ١٧٠) والمفاتيح (١/ ٣٥٠)، وشرح المصابيح (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٢) شرح المصابيح (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"3","page":296},{"text":"قائما سلموا عليه قياما ثم ركعوا شكرًا لله تعالى على رؤيته - ﷺ - ومن كان منهم راكعا رفعوا رؤوسهم من الركوع وسلم عليه ثم سجدوا شكرًا لله تعالى على رؤيته - ﷺ - ومن كان منهم ساجدًا رفعوا رؤوسهم وسلموا عليه ثم سجدوا ثانية شكرا لله تعالى على رؤيته - ﷺ - فلذلك صار السجود مثنى مثنى فلم يرد الله تعالى إلى أن يكون للملائكة حلالًا إلا وقد جعل هذه الأمة حالًا مثل حالتهم كذا قاله أبو الحسن القرطبي في كتاب الزاهر (^١) والله أعلم.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ١٥٣ - ١٥٤).","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>[الترغيب في الصلاة في أول وقتها]</span>\n٥٧٤ - عَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ سَأَلت رَسُول الله - ﷺ - أَي الْعَمَل أحب إِلَى الله تَعَالَى قَالَ الصَّلَاة على وَقتهَا قلت ثمَّ أَي قَالَ بر الْوَالِدين قلت ثمَّ أَي قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ حَدَثنِي بِهن رَسُول الله - ﷺ - وَلَو استزدته لزادني\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: \"عن عبد الله بن مسعود\" تقدم الكلام على فضائله.\nقوله: \"سألت: رسول الله - ﷺ - أي العمل أحب إلى الله تعالى قال: الصلاة على وقتها\" الحديث والمراد بالأعمال هنا أعمال الجوارح التي هي فروع الإيمان ولما كانت الصلاة أحب الإيمان باعتبار أنها لا تصح إلا بالتلفظ بالشهادتين كما أن الإيمان لا تقبل إلا بالتلفظ بالشهادتين وسماها الله تعالى إيمانًا فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٢) أي صلاتكم إلى بيت المقدس وقال - ﷺ -: \"استقيموا ولن تحصوا لي عملوا إن خير أعمالكم الصلاة\" فقوله الصلاة على وقتها أي أول وقتها كما ورد مصرحا به في صحيح بن حبان ولما كان تعجيل الصلاة في أول الوقت أفضل الأعمال بعد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٧) و(٢٧٨٢) و(٥٩٧٠) و(٧٥٣٤)، ومسلم (١٣٧ و١٣٨ و١٣٩ و١٤٠ - ٨٥)، والترمذى (١٨٩٨)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٩٨ (٦٢٠) و٢/ ٩٩ (٦٢١) والكبرى (١٧٢٤) و(١٧٢٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.","vol":"3","page":298},{"text":"الإيمان قرن به الرضا في قوله - ﷺ - في الحديث الآخر كما سيأتي الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله قال أبو محمد النيسابوري: والمراد بآخر الوقت بعد خروجه لأن العفو يقتضي ذلك لأنه لا يكون إلا عن ذنب فالمراد بأول الوقت عنده جميع الوقت وظاهر قوله - ﷺ -: على وقتها يوافقه وقد اختلف الأحاديث في فضائل الأعمال وتقدم بعضها على بعض والذي قيل في هذا أنها أجوبة مختلف بحسب السائلين لاختلاف أحوالهم فإذا سأل الشجاع الناسك عن أفضل الأعمال قيل له الجهاد أفضل الأعمال وإذا سأل صاحب المال عن أفضل الأعمال قيل له الصدقة أفضل الأعمال وإذا سأل المتفرغ للطاعة عن أفضل الأعمال قيل له ذكر الله تعالى كما ورد عنه - ﷺ - لفقراء المهاجرين الذين لا يجحدون ما ينفقون ولا ما يتصدقون به \"ألا أخبركم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم\" وفسره بذكر الله ﷿ على أن يكون أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين وهكذا يكون الجواب في بقية أحوال الناس فإن جواب الفتوى يكون دائرا مع المصلحة (^١) والله أعلم. وقال صاحب روضة العُلماء (^٢): سمعت: محمد بن نعيم يقول [بلغني] لما نزلت الصلوات الخمس صاح إبليس لعنه الله حتى اجتمع إليه جنود قالوا مالك يا سيدنا قال: أنه نزل اليوم بمحمد - ﷺ - وأمته الصلوات الخمس [ما لو فعلوا من الصلاة إلى الصلاة] كانت صلاتهم كفارة\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٦٣).\n(^٢) روضة العُلماء (لوحة ٦٦/ ب).","vol":"3","page":299},{"text":"لما بينهم قالوا فما حيلتنا قال اشغلوهم عن مواقيتها وشهوا إليهم الحديث الباطل وزينوا لهم أشغال الدنيا حتى يؤخروها عن مواقيتها فإن الرحمة تنزل عليهم في ميقات الصلاة فإذا أخروها لم يصيبوا تلك الرحمة انتهى.\nقوله ثم أي قال بر الوالدين الحديث البر إليهم بجميع أنواع الخير وبر الوالدين الإحسان إليهما وامتثال أمرهما حتى قال بعض العُلماء تمثل أوامرهما في الشبهات ويروى عن عثمان بن عفان انتهى في بر أمه إلى أنه لم يرفع رأسه إليها متأملا لها وكان حارثة بن النعمان - ﵁ - من أبر الناس بأمه فقال: النبي - ﷺ - \"رأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ، فقلت: من هذا\" قالوا الحارث بن النعمان فقال: \"البار بأمه\" مرتين ويروى أنه - ﷺ - يقول \"رأيتُ البارحة عجبا رأيتُ رجلًا أمر ملك الموت بقبض روحه ثم جلي عنه ببره لأمه\" (^١) ففي هذا الحديث أن أعمال البر تفضل بعضها على\n_________\n(^١) بر الوالدين (ص ٩). والحديث: أخرجه بحشل (ص ١٦٩)، والحكيم الترمذى في نوادر الأصول (١٣٢٤)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٤٤)، والطبراني في الطوال (ص ٢٧٣)، وابن بشران (٢٤٩)، وابن الجوزى في العلل (١١٦٦) عن عبد الرحمن بن سمرة. قال ابن الجوزى: وذكر نحو الحديث المتقدم وهذا حديث لا يصح أما الطريق الأول ففيه هلال أبو جبلة وهو مجهول وفيه الفرج بن فضالة قال ابن حبان: يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به فأما الطريق الثاني ففيه علي بن زيد. قال أحمد: ويحيى ليس بشيء وقال أبو زرعة يهم ويخطئ فاستحق الترك وفيه مخلد بن عبد الواحد. قال ابن حبان: منكر الحديث جدًا ينفرد بمناكير لا تشبه أحاديث الثقات. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٨٠: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي، وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومي، وكلاهما ضعيف.","vol":"3","page":300},{"text":"بعض عند الله ﷿ وفيه فضل بر الوالدين وسيأتي الكلام على فضل بر الوالدين في بابه مبسوطا، قوله ثم أي قال الجهاد في سبيل الله وسيأتي الكلام أيضًا على الجهاد في بابه مبسوطًا.\n\n٥٧٥ - وَرُوِيَ عَن رجل من بني عبد الْقَيْس يُقَال لَهُ عِيَاض أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يَقُول عَلَيْكُم بِذكر ربكُم وصلوا صَلَاتكُمْ فِي أول وقتكم فَإِن الله يُضَاعف لكم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: ويروي عن رجل من عبد قيس يقال له عياض عبد قيس اسم قبيلة من القبائل.\nقوله - ﷺ -: \"عليكم بذكر ربكم وصلوا صلاتكم في أول وقتكم يضاعف لكم\" الحديث سيأتي الكلام في أول الوقت في الحديث بعده والمضاعفة هي تكثير الأجور.\n\n٥٧٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْوَقْت الأول من الصَّلَاة رضوَان الله وَالْآخر عَفْو الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٦٩ رقم ١٠١٣) وعنه أبو نعيم في المعرفة (٥٤٤٣). وقال الألبانى: موضوع الضعيفة (٦٧٢١) وضعيف الترغيب (٢١٦).\n(^٢) أخرجه الترمذى (١٧٢)، وابن عدى (٨/ ٤٧٣) ومن طريقه البيهقى في الكبرى (١/ ٦٣٩ رقم ٢٠٤٨)، والدارقطنى (٩٨٣). قال البيهقى: هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني ويعقوب منكر الحديث ضعفه يحيى بن مَعين وكذبه أحمد بن حنبل وسائر الحُفَّاظ ونسبوه إلى الوضع نعوذ بالله من الخذلان وقد روي بأسانيد أخر كلها ضعيفة.\nوقال الألبانى: موضوع الإرواء (٢٥٩) وضعيف الترغيب (٢١٧).","vol":"3","page":301},{"text":"قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على مناقبه العبادلة الأربعة قوله - ﷺ - \"الوقت الأول من الصلاة رضوان من الله والآخر عفو الله\" قال: النووي قدس الله روحه قال: الشافعي ﵀ الرضوان إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين وفي تسميته مقصرا تأويلان لأصحابنا المتقدمين مشهوران في كتب المذهب أحدهما أنه مقصر بالنسبة إلى من صلى في أول الوقت وإن كان لا إثم عليه، والثاني مقصر بتفويت الأفضل كما يقال من ترك صلاة الضحى مقصر وإن كان لا يأثم (^١)، قال: بعض العُلماء ويسن تعجيل الصلاة لأول الوقت لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (^٢) ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (^٣) وقوله - ﷺ -: \"أول الوقت رضوان\" ولأنه بالتأخير يعرضها للنسيان وحوادث الزمان (^٤).\nفائدة: قوله قال: الشافعي: الشافعي هو حبر الأمة وسلطان الأئمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العبَّاس بن عثمان بن شافع بن السايب بن عبيد فذكره إلى أن قال بن عبد مناف جد النبي - ﷺ - نسب كان عليه من شمس الضحى نور ومن فلق الصباح عمودا والنسبة إليه شافعي ولا يقال شفعوي فإنه لحن فاختر وإن كان وقع في الوسيط وغيره ولد - ﵁ - على الأصح بغزة التي توفي بها هاشم جد\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٦٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٩٤).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٣٨.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٤٨.\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٢١).","vol":"3","page":302},{"text":"النبي - ﷺ - وقيل بعسقلان وقيل باليمن وقيل بمنى سنة خمسين ومائة ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتان ونشأ بها وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين والموطأ وهو ابن عشر وشافع بن السايب الذي ينسب إليه لقى النبي - ﷺ - وهو مرفوع وأسلم أبوه قاله الكمال الدميري (^١) وسيأتي الكلام أيضًا على مناقبه مبسوطًا.\nفرع: هل تأخير الصلاة عن أول الوقت لأجل انتظار الجماعة أفضل أم يقدمها منفردا فيه خلاف وقال: البندنيجي وغيره إن وثق بحصول الجماعة آخر الوقت فالتأخير أفضل وإن أيس منها فالتقديم أفضل فإن كان يرجو فقولان والله أعلم قاله في مختصر الكفاية (^٢).\nوفيما يحصل به فضيلة الأولية أوجه أصحها في الروضة يحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة عند دخول الوقت كالطهارة والأذان فإنه لا يعد حينئذ متوانيا ولا مقصرًا ولا يضر أكل لقم وكلام يسير ولا يكلف العجلة على خلاف العادة ولا يضر شغل خفيف وسنة راتبة والثاني لا يحصل إلا بأن يقدم ما يمكن تقديمه من الأسباب قبل الدخول الوقت ويشرع في الصلاة كما دخل الوقت لتطبيق الصلاة على أول الوقت، والثالث: لابد من تقديم الستر لأن وجوبه لا يختص بالصلاة، والرابع أنه يمتد إلى نصف الوقت، والخامس أنه إلى نصف الوقت الاختيار (^٣).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٠٨ - ٢١٠).\n(^٢) كفاية النبيه (٢/ ٣٧٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"3","page":303},{"text":"فوائد: تقديم الصلاة في أول الوقت مستحب وإنما يكون التعجيل أفضل حيث لا يعارض أرجح فإن كان فالتأخير أولى ويستحب التأخير في مسائل منها الإبراد بالظهر ولشدة الحر للحديث الوارد في ذلك (^١) ومنها رمي الجمرات في أيام التشريق بمنى فإن تقدم الرمي على صلاة الظهر قاله في شرح المهذب (^٢) ومنها إذا فقد الماء في أول الوقت وكان على ثقة من وجوده آخر الوقت فإنه يؤخر الوضوء (^٣)، ومنها المستحاضة إذا كانت ترجو الشفاء آخر الوقت فإنها تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت (^٤)، ومنها إذا كان في أول الوقت عريانا ولو أخر وجد السترة آخر الوقت فإنه يؤخر الصلاة ولا يصلي أول الوقت، ومنها إذا كان المريض يرجو البرء آخر الوقت لو صلى أوله صلى قاعدا فالأفضل التأخير ليصلي قائما (^٥)، ومنها إذا كان بحضرة طعام تتوق نفسه إليه (^٦)، ومنها إذا كان يتحقق الجماعة آخر الوقت ولو صلى أول الوقت صلى منفردًا فإنه يؤخر للجماعة إذا تحقق وجودها (^٧)، ومنها إذا كان\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٣).\n(^٢) المجموع (٨/ ٢٣٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٦١)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣).\n(^٤) روضة الطالبين (١/ ١٣٩) وأسنى المطالب (١/ ١٢٠)، ومغنى المحتاج (١/ ٣٠٧).\n(^٥) المجموع (٢/ ٢٦٣).\n(^٦) المجموع (٣/ ٥٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣).\n(^٧) المجموع (٢/ ٢٦٣)، وكفاية النبيه (٢/ ٣٧٢)، وتسهيل المقاصد (لوحة ٤٣)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣).","vol":"3","page":304},{"text":"مسافرا في وقت الأولى فإنها يؤخرها بنية الجمع إلى الثانية فإنه يؤخرها بنية الجمع إلى الثانية إذا كان ينزل أو يقيم وقت الثانية أو كان سائرا في أول الوقت وينزل أخره فإنه يؤخر إن كان ينزل أو يقيم (^١)، ومنها إذا كان عليه فوائت فإنه يقدمها على المؤداة ما لم يضق وقتها (^٢)، ومنها إذا كان بعرفة وكان حاجا أو مسافرا سفر القصر فإنها يؤخر المغرب ليصليها مع العشاء بمزدلفة جمعًا ولا يجوز ذلك لأهل مكة على الصحيح ولا لمن ليس مسافرا على الصحيح (^٣)، ومنها إذا نزل به ضيف فإنه يؤخر الصلاة عن أول الوقت اشتغاله بالضيف إلى أن يؤويه ويطعمه، وقد صح عنه - ﷺ - أنه ترك سنة الظهر وقضاها بعد صلاة العصر وقال: \"شغلني عنها وفد عبد القيس\" وقال الله تعالى في حق إبراهيم: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ (^٤) وقد ذكر في الإحياء خمسة يستحب تعجيلها وهي الميت، وقضاء الدين، والتوبة، وتزويج الكفء، وقرى الضيف (^٥)، ومنها إذا تعينت عليه شهادة وخاف فوت فوت الحق لو لم يشهدوا أول الوقت فإنه يؤديها قبل الصلاة، ومنها إذا كان عنده غيظ أو غضب يشوش فكره فيؤخر إلى حصول الرضا وزوال الغيظ\n_________\n(^١) (٤/ ٣٧١)، وكفاية النبيه (٤/ ١٧٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣).\n(^٢) بحر المذهب (٢/ ٨٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٥١٢)، وأسنى المطالب (١/ ١٢٠) ومغنى المحتاج (١/ ٣٠٧).\n(^٤) سورة الذاريات، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.\n(^٥) إحياء علوم الدين (٢/ ١٦).","vol":"3","page":305},{"text":"ومنها إذا كان له مرض قريب أو عيره وكان يستأنس به أول الوقت ولو فارقه حصلت له وحشة فالأولى تأخير الصلاة إلى أن يأتي من يؤنسه، ومنها إذا كسفت الشمس أو القمر، ومنها إذا حضرت جنازة أول الوقت قدمت الصلاة عليها على المكتوبة ومنها إذا خاف الضياع على الأموال من صارف أو غاصب فإنه يؤخر الصلاة إلى حالة الأمن، ومنها إذا كان هناك بهيمة قد أشرقت على الموت فإنه يشتغل بذبحها مخافة أن تموت فتحرم، ومنها إذا كانت عنده بهيمة وبها جوع أو عطش فإنه يطعمها قبل الصلاة، ومنها إذا كان خائفا استحب أن يؤخر الصلاة إلى حالة الأمن ما لم يخرج الوقت، ومنها إذا وجد آصلا وهو الثعبان أو شيئًا يستحب قتله فإنه يشتغل بقتله لأن قتله يفوت والصلاة لا تفوت، ومنها إذا كان إذا كان عنده ودائع وطلبت منه في أول الوقت فالمستحب أن يردها ليتفرغ قلبه للصلاة، ومنها إذا كانت عنده غصوب لو هواري وطلبت منه وجب ردها إليه وتقدمها على الصلاة، ومنها إذا كان لا يحسن الفاتحة في أول الوقت فيؤخذ ليتعلم، ومنها إذا كان في أرض مغصوبة في أول الوقت يجب عليه أن يخرج ويؤخر إلى حين الخروج منها، ومنها ما رواه أبو داود عن علي - ﵁ - أنه أدركته الصلاة في أرض بابل فأخر الصلاة حتى خرج منها، وقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول إنها أرض ملعونة قال: البخاري ويذكر عن علي أنه كره الصلاة بأرض بابل، وقال الخطابي والحديث ضعيف لكن أبو داود سكت عليه فيكون صالحا للإحتجاج به عنده ومنها للخروج من أرض ثمود فإنها ديار حل بها","vol":"3","page":306},{"text":"الغضب والعقوب وكذلك ديار قوم لوط ووادي محسد وأشباه ذلك نعوذ بالله من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، ومنها للخروج من الكنيسة وقد قال: عمر - ﵁ - لا تدخلوا على هؤلاء كنائسهم فإن السخط ينزل عليهم وهذا إذا لم يكن فيها تصاوير فإن كان تصاوير حرم دخولها والصلاة فيها، ومنها المواضع المنهي عنها كمواضع المكس والربا والأسواق ومن مواضع الربا الصاغة فإنه يحرم دخولها لغير حاجة لتوقع الربا فيها قاله النووي في شرح المهذب، ومنها العبد إذا كان يرجو العتق فإنه يؤخر إلى فوات الجمعة، ومنها المريض إذا كان يرجو الشفا قبل فوات الجمعة تؤخر إلى فوات، ومنها يؤخر الصلاة إلى الخروج الوادي الذي نام فيه رسول الله - ﷺ - هو وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فإنه - ﷺ - قال: \"أخرجوا من هذا الوادي فإن فيه شيطانا\" وقيل يعم ذلك كلّ واد، ومنها الصلاة في مسجد الضرار ممنوعة قال: الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ (^١) تؤخر الصلاة إلى الخروج من موضعه ومنها تؤخر الصلاة للخروج من الجزرة، ومنها تؤخر الصلاة إلى الخروج من المزبلة وهي مطرح الكناسات والقمامات والنجاسات وموضع قضاء الحاجات، ومنها تؤخر الصلاة للخروج من المقبرة (^٢)، ومنها تؤخر الصلاة للخروج من أعطان الإبل إذا كان واسعا، ومنها إذا كان حاقبًا، ومنها إذا كان حاقنًا،\n_________\n(^١) سورة السورة، الآية: ١٠٨.\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٤٣).","vol":"3","page":307},{"text":"ومنها إذا كان حازقًا، ومنها إذا كان خفه ضيقًا حازقًا له فإن ذلك يذهب الخشوع، ومنها فراغ قلبه من كلّ مشوش (^١).\nفرع: إذا حضر المسجد جماعة قليلة في أول الوقت لم يؤخر الصلاة لزيادة الجماعة لئلا تفوت فضيلة أول الوقت نقله النووي في شرح المهذب عن النص (^٢) وإنما تؤخر الصلاة لآخر الوقت إذا لم يكن الجماعة حاضرة في أول الوقت وهذا كما فى صلاة الجنازة لا تؤخر لكثرة الجماعة إلا إذا حضر دون الأربعين لأن الأربعين فيها مطلوبين وقد كان ابن عباس يؤخر الصلاة فيها لحضور الأربعين رواه مسلم (^٣) لأنهم يشفعون في الميت وما من أربعين إلا وفيهم ولي لله تعالي، وسيأتي ذلك في الصلاة على الميت في الجنازة.\nفرع آخر: قال الروياني ليس للسيد منع عبده من فعل المكتوبة أول الوقت على الأصح ولأن منعه من النوافل التي في أدبارها وإنما يمنعه من غيرها وقضيته أن يمنعه من صلاة العيد والتراويح ونحوهما والله أعلم (^٤).\nسؤال: لم قال أول الوقت رضوان الله وما معنى ذلك؟\n_________\n(^١) نهاية المحتاج (٢/ ٥٩). وانظر لما فات: بحر المذهب (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، والمجموع (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٦)، وكفاية النبيه (٣/ ٥٤٦ - ٥٤٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٧) و(٢/ ٣٣٧ - ٣٤٤).\n(^٢) المجموع (٤/ ٢٠٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٩ - ٩٤٨).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٢٣).","vol":"3","page":308},{"text":"قيل: قال بعضهم: لم يقل أول الأوقات بل قال أول الوقت وعنا به المغرب وأوسطه الظهر والعصر والعشاء وآخره الصبح حكاه النيسابوري قال: ويقال الوقت وقتان وقت الأداء ووقت القضاء فوقت الأداء هو أول الوقت وهو رضوان الله وآخر الوقت هو وقت القضاء وهو عفو الله تعالى عن قضاء الصلاة خارج وقتها قال: ويقال: أول الوقت يعني في الأزمان رضوان الله وهو وقت خروج النبي - ﷺ - وأوسطه آخر الزمان وآخره عند الموت قاله في كشف الأسرار (^١).\nوروى الدارقطنى من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: أول الوقت رضوان الله، ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله ﷿ (^٢).\nقوله ورواه الدَّارقُطْنِي من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وأبو محذورة اسمه (مختلف فيه، قيل: سمرة بن معير، بميم مكسورة، ثم عين مهملة سانة، ثم ياء مثناة من تحت مفتوحة، ثم راء، ويقال: اسمه أوس بن معير، كما ضبطناه، ويقال: سمرة بن عمير، ويقال: أوس بن\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٤١).\n(^٢) أخرجه ابن عدى (١/ ٤١٥)، والدارقطنى (٩٨٥)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٦٤٠ رقم ٢٠٤٩).\nقال ابن عدى: وهذه الأحاديث مع غيرها يرويها إبراهيم بن زكريا، هذه كلها أو عامتها غير محفوظة، وتبين الضعف على رواية حديثه، وهو في جملة الضعفاء. وقال الألبانى: موضوع ضعيف الترغيب (٢١٨).","vol":"3","page":309},{"text":"مَعين، بضم الميم، وفتح العين، وتشديد الياء، وآخره نون. قال البغوي فى كتاب الأذان: ويقال: جابر بن معير.\nوذكر ابن قتيبة فى المعارف أن اسمه سليمان بن سمرة، وهو قريشي جمحي، روي أن رسول الله - ﷺ - أمر يده على رأسه وصدره إلى سرته، وأمره بالأذان بمكة عند منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذن فيها، وكان من أحسن الناس صوتا، توفي بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة سبع وسبعين، ولم يهاجر، ولم يزل مقيما بمكة إلى أن مات، ﵁. قال ابن قتيبة: أسلم أبو محذورة بعد حنين، وبقي الأذان بمكة في أبي محذورة وأولاده قرنا بعد قرن إلى زمن الشافعي، وفي سنن أبي داود وغيره فى حديث الأذان، أن أبا محذورة كان لا يجز ناصيته ولا يفرقها؛ لأن النبي - ﷺ - مسح عليها. وفي رواية الشافعي في الأم، وغير الشافعي، عن أبي محذورة، أن النبي - ﷺ - علمني الأذان، ثم أعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصيتي، ثم أمرها على وجهي، ثم ثديي، ثم على كبدي، ثم بلغت يده سرتي، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"بارك الله فيك وبارك عليك\". (^١)\n\n٥٧٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ فضل أول الْوَقْت على آخِره كفضل الْآخِرَة على الدُّنْيَا رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧ ترجمة ٨٥٨).\n(^٢) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٢٨٣٠). وقال العراقى في تخريج الإحياء =","vol":"3","page":310},{"text":"وقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على فضائله قوله - ﷺ -: \"فضل أول الوقت على أخره كفضل الآخرة على الدنيا\" رواه أبو منصور الديلمي أبو منصور الديلمي اسمه (شهردار بن شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فاخسره بن خسركان بن أستنب بن زينونه بن خسرو الديلمي الهمذاني من أهل همذان، من أولاد الحُفَّاظ والعلماء، كان عالمًا فاضلًا، حافظًا، قيمًا، عارفًا بالأدب، ظريفًا خفيفًا. لازم مسجده، متبعًا أثر والده في كتابة الحديث وسماعه وطلبه. رحل مع والده إلى أصبهان وأدرك أصحاب أبي نعيم الحافظ. سمع بهمذان أباه أبا شجاع شيرويه وأبا الفتح عبدوس ابن عبد الله بن عبدوس، وأبا الحسن مكي بن منصور بن علان الكرجيّ، وأبا العلاء حمد بن نصر الحافظ، وبأصبهان، أبا علي الحداد، وأبا القاسم غانم البرجي، وأبا زكريا يحيى بن أبي عمر بن منده الحافظ، وبزنجان أبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه الزنجاني، وغيرهم. وله إجازة عن أبي بكر أحمد بن علي بن خلف الشيرازي من نيسابور، وأبي منصور محمد بن الحسين، بن الهيثم المقومي من قزوين. كتبت عنه في النوبتين جميعًا بهمذان. كتب لي بخطه جزءًا عن شيوخه، وكانت ولادته سنة نيف وثمانين وأربعمائة بهمذان ووفاته بها في رجب سنة ثمان وخمسية وخمسمائة (^١).\n_________\n= ١/ ٢٠٦: أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف. وقال الألبانى: ضعيف ضعيف الترغيب (٢١٩).\n(^١) المنتخب من معجم الشيوخ (ص ٨٩٢ - ٨٩٤).","vol":"3","page":311},{"text":"٥٧٩ - وَعَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - قَالَ سُئِلَ رَسُول الله - ﷺ - أَي الْعَمَل أفضل قَالَ شُعْبَة قَالَ أفضل الْعَمَل الصَّلاة لوَقْتهَا وبر الْوَالِدين وَالْجهَاد رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقوله عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: سئل رسول الله - ﷺ -: \"أي العمل أفضل\" أي أكثر ثوابا قال: شعبة قال: \"أفضل العمل الصلاة لوقتها\" الحديث شعبة تقدم تفسير.\n\n٥٨٠ - وَعَن أم فَرْوَة ﵂ وَكَانَت مِمَّن بَايع النَّبِي - ﷺ - قَالَت سُئِلَ النَّبِي - ﷺ - أَي الأعْمَال أفضل قَالَ الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ لَا يرْوى إِلَّا من حَدِيث عبد الله بن عمر الْعمريّ وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث واضطربوا فِي هَذَا الحَدِيث (^٢) قَالَ الْحَافِظ - ﵁ - عبد الله هَذَا صَدُوق حسن الحَدِيث فِيهِ لين، قَالَ أَحْمد صَالح الحَدِيث لا بَأْس بِهِ وَقَالَ ابْن معِين يكْتب حَدِيثه وَقَالَ ابْن عدي صَدُوق لا بَأْس بِهِ وَضَعفه أَبُو حَاتِم وَابْن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٦٨ (٢٣١٢٠)، والمروزى في البر والصلة (٣٦). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٠٢: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٨٩) وصحيح الترغيب (٣٩٨).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٣٠٣)، وأحمد ٦/ ٣٧٤ (٢٧١٠٣) و٦/ ٣٧٥ (٢٧١٠٥) و(٢٧١٠٥) و٦/ ٤٤٠ (٢٧٤٧٦)، وعبد بن حميد (١٥٦٧)، وأبو داود (٤٢٦)، والترمذى (١٧٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٩٩)، وصحيح أبي داود (٤٥٢)، والمشكاة (٦٠٧).","vol":"3","page":312},{"text":"الْمَدِينِيّ وَأم فَرْوَة هَذِه هِيَ أُخْت أبي بكر الصّديق لِأَبِيهِ وَمن قَالَ فِيهَا أم فَرْوَة الأَنْصَارِيَّة فقد وهم.\nقوله: عن أم فروة أم فروة هذه كانت ممن بايع النبي - ﷺ - وهي أخت أبي بكر لأبيه، ومن قال: فيها أم فروة الأنصارية فقد وهم، قاله: الحافظ،\nقوله سئل النبي - ﷺ - أي الأعمال أفضل قال: \"الصلاة لأول وقتها\" تقدم الكلام على ذلك في أول الباب، قوله قال: أبو داود والترمذي لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري قال: الحافظ عبد الله هذا صدوق وحسن الحديث فيه لين قال أحمد صالح الحديث لا بأس به، وقال ابن مَعين يكتب حديثه وقال: ابن عدي صدوق لا بأس به وضعفه أبو حاتم وابن المديني انتهى.\n\n٥٨١ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ أشهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول خمس صلوَات افترضهن الله ﷿ من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وَأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كَانَ لَهُ على الله عهد أَن يغْفر لَهُ وَمن لم يفعل فَلَيْسَ لَهُ على الله عهد إِن شَاءَ غفر لَهُ وَإِن شَاءَ عذبه رَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٣٢٠)، وأحمد ٥/ ٣١٥ (٢٢٦٩٣) و٥/ ٣١٧ (٢٢٧٠٤) و٥/ ٣١٩ (٢٢٧٢١) و٥/ ٣٢٢ (٢٢٧٥٢)، وابن ماجه (١٤٠١)، وأبو داود (٤٢٥) و(١٤٢٠)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٦٤ (٤٦٨) والكبرى (٣٩٨)، وابن حبان (١٧٣١) و(١٧٣٢) و(٢٤١٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٥٦ رقم ٤٦٥٨) و(٩/ ١٢٦ رقم ٩٣١٥)، =","vol":"3","page":313},{"text":"قوله: عن عبادة بن الصامت تقدم قوله - ﷺ -: \"خمس صلوات افترضهن الله ﷿ من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وسجودهن\" الحديث الظاهر أن المراد هو الطمأنينة وقد ثبت عن حذيفة - ﵁ - أنه رأى رجلًا صلى ولم يتم الركوع والسجود فقال: له ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمد - ﷺ - رواه البخاري.\nقوله - ﷺ -: \"فليس له على الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه\" تقدم الكلام على العهد وهذا الحديث حجة على عدم تكفير تارك الصلاة ولذا اعتقد وجوبها خلافا لأحمد حيث قال: تكفيره ووافقه بعض الشافعية وتقدم ذلك وحجتهم حديث جابر في صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة وفي كتاب الترمذي لم يكن أصحاب رسول الله - ﷺ - يعدون شيئًا من الأعمال تركه كفرا إلا الصلاة والشافعي ﵀ يتناول حديث جابر - ﵁ - على الجاحد وجوبها جمعا بين الأحاديث وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه والله أعلم.\n\n٥٨٢ - وَرُوِيَ عَن كَعْب بن عجْرَة - ﵁ - قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - وَنحن سَبْعَة نفر أَرْبَعَة من موالينا وَثَلَاثَة من غربنا مسندي ظُهُورنَا إِلَى مَسْجده\n_________\n= والبيهقى في الكبرى (٢/ ٣٠٥ رقم ٣١٦٦) و(٣/ ٥١١ رقم ٦٥٠٠)، والبغوى (٩٧٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٠) و(٣٩٦) و(٤٠٠)، والمشكاة (٥٧٠)، التعليق الرغيب (١/ ١٤١ - ١٤٢)، صحيح - صحيح أبي داود (٤٥١) و(٤٥٢) و(١٢٧٦).","vol":"3","page":314},{"text":"فَقَالَ مَا أجلسكم قُلْنَا جلسنا نَنْتَظِر الصَّلَاة قَالَ فأرم قَلِيلا ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ هَل تَدْرُونَ مَا يَقُول ربكُم قُلْنَا لا قَالَ فَإِن ربكُم يَقُول من صلى الصَّلَاة لوَقْتهَا وحافظ عَلَيْهَا وَلم يضيعها اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا فَلهُ عَليّ عهد أَن أدخلهُ الْجنَّة وَمن لم يصلها لوَقْتهَا وَلم يحافظ عَلَيْهَا وضيعها اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا فَلَا عهد لَهُ عَليّ إِن شِئْت عَذبته وَإِن شِئْت غفرت لَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَأحمد بِنَحْوِهِ (^١).\nأرم هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم أَي سكت.\nقوله عن كعب بن عجرة بضم العين وإسكان الجيم الأنصاري المدني كنيته أبو محمد وقيل أبو عبد الله وقيل أبو إسحاق من بني سالم بن عوف وقيل من غيرهم من حلفا الأنصاري شهد الحديبية وفيه نزلت ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (^٢) الآية روى عن النبي - ﷺ - وعن عمرو بلال توفي - ﵁ - سنة إحدى أو إثنتين وخمسين قوله خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن سبعة نفرا أو أربعة الحديث تقدم الكلام على النفر في أول هذا التطبيق هذا أنهم من الثلاثة إلى العشرة ولا أجد له من لفظه قوله فإن ربكم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٥١٢)، وأحمد ٤/ ٢٤٤ (١٨١٣٢)، وعبد بن حميد (٣٧١)، والدارمى (١٢٦٢)، والطحاوى في المشكل (٣١٧٣ و٣١٧٤)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٩٢ رقم ٤٧٦٤) والكبير (١٩/ ١٤٢ - ١٤٣ رقم ٣١١ و٣١٢ و٣١٣ و٣١٤). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠١).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"3","page":315},{"text":"يقول من صلى الصلاة على وقتها وحافظ عليها تقدم الكلام على الصلاة في أول وقتها والمحافظة عليها قوله عن أنس تقدم الكلام على مناقبه قوله - ﷺ -: \"من صلى الصلاة لوقتها وأسبغ لها وضؤها وأتم لها قيامها وخشوعها وركوعها وسجودها\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٥٨٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - مر على أَصْحَابه يَوْمًا فَقَالَ لَهُم هَل تَدْرُونَ مَا يَقُول ربكُم ﵎ قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالهَا ثَلَاثًا قَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يُصليهَا أحد لوَقْتهَا إِلَّا أدخلته الْجنَّة وَمن صلاهَا بِغَيْر وَقتهَا إِن شِئْت رَحمته وَإِن شِئْت عَذبته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\n\n٥٨٤ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى الصَّلَوَات لوَقْتهَا وأسبغ لَهَا وضوءها وَأتم لَهَا قِيَامهَا وخشوعها وركوعها وسجودها خرجت وَهِي بَيْضَاء مسفرة تَقول حفظك الله كمَا حفظتني وَمن صلاهَا لغير وَقتهَا وَلم يسبغ لَهَا وضوءها وَلم يتم لَهَا خشوعها وَلَا ركوعها وَلا سجودها خرجت وَهِي سَوْدَاء مظْلمَة تَقول ضيعك الله كَمَا ضيعتني حَتَّى إِذا كانَت حَيْثُ شَاءَ الله لفت كَمَا يلف الثَّوْب الْخلق ثمَّ ضرب بهَا وَجهه\"\n_________\n(^١) أخرجه الشاشي (٨٦١)، وابن البخترى (٢٤١)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢٨ رقم ١٠٥٥٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٦٦). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٠٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يزيد بن قتيبة ذكره ابن أبي حاتم، وذكر له راو واحد، ولم يوثقه ولم يجرحه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢١) والضعيفة (١٣٣٨).","vol":"3","page":316},{"text":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١) وَتقدم فِي بَاب الصَّلَوَات الْخمس حَدِيث أبي الدَّرْدَاء وَغَيره.\nقوله: خرجت وهي بيضاء مستقرة أي مضيئة مشرقة، ومنه الحديث أسفروا بالصلاة أي أخروها إلى الوقت الإسناد قوله: ومن صلاها لغير وقتها ولم يسبغ لها وضوؤها ولم يتم لها خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها خرجت وهي سوداء مظلمة تقول ضيعك الله كما ضيعتني الحديث قال: بعض أهل العلم يا ويل من أفضل عبادة بدنة تدعوا عليه بالضياع قال: العُلماء ﵃ فيه تعظيم أمر الصلاة وأن من مات مضيعا لها خشي عليه أن لا يقبل منه عمل كما في حديث \"فهو لما سواهما أضيع\" ومعناه أن بتضييعه الصلاة ضيع غيرها كما في الحديث الآخر \"أول ما ينظر الله فيه من عمل العبد الصلاة\" إلى قوله \"فإن لم تقبل منه لم ينظر له في شيء من عمله الباقي\" أي أنه إذا ضيعها دل على أنه لما خفي من عمله أضيع قاله: عياض (^٢).\nقوله - ﷺ - \"لفت كما يلف الثوب الخلق ثم ضرب بها وجهه\" الخلق بفتح اللام أي البالي قاله في صحاحه والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٦٣ رقم ٣٠٩٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حميد الطويل، عن أنس إلا عباد بن كثير، تفرد به عبد الرحمن بن سليمان، وأبو عبيدة هو حميد الطويل. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٠٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير، وقد أجمعوا على ضعفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٦٢).","vol":"3","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>[الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا]</span>\nقوله: \"الجماعة\" الجماعة لفظها من الجمع وقد استعملوا ذلك في غير الناس حتى قالوا جماعة الشجر والأصل في مشروعيتها في الصلوات الخمس قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (^١) وإذا ثبتت في الخوف ففي الأمن أولى وكان - ﷺ - بمكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة لأن الصحابة ﵃ كانوا مقهورين يصلون في بيوتهم فلما هاجر إلى المدينة أقام الجماعة وواظب عليها وانعقد الإجماع عليها ونقل الزمخشري عن مقاتل بن حبان أنه سأل أبا حنيفة هل تجد صلاة الجماعة في القرآن قال: لا يحضرني، قال: في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ (^٢) وقال: ابن المبارك في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^٣) ونقل في الإحياء في آخر كتاب التوبة عن أبي سليمان الداراني أنه قال: لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه وروي البيهقي في الشعب عن نعيم بن حمَّاد قال: جاء ضمام بن إسماعيل إلى المسجد فوجد الجماعة قد فاتت فالزم نفسه أن لا يخرج من المسجد حتى يلقى الله تعالى فجعله بيته حتى\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٠٢.\n(^٢) سورة الشعراء، الآية: ٢١٩.\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.","vol":"3","page":318},{"text":"مات (^١) وروى البيهقي في الشعب أيضًا عن ميمون بن مهران عن سعيد بن المسيب أنه مكث أربعين سنة ما لقي الناس خارجين من المسجد وهو داخل وكان يقول ما رأيتُ الناس منصرفين من المسجد منذ أربعين سنة ولا سمعتُ تأذينا في أهلي منذ ثلاثين سنة (^٢) وكان المزني ﵀ إذا فاتته صلاة في جماعة صلى منفردًا خمسًا وعشرين صلاة استدراكًا لفضيلة الجماعة (^٣) انتهى. قاله الكمال الدميري (^٤).\n\n٥٨٥ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وَفِي سوقه خمْسا وَعشْرين ضعفا وَذَلِكَ أَنه إِذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج إِلَى الْمَسْجِد لا يُخرجهُ إِلَّا الصَّلَاة لم يخط خطْوَة إِلَّا رفعت لَهُ بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة فَإِذا صلى لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ مَادَامَ فِي مُصَلَّاهُ مَا لم يحدّث اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارحمه وَلَا يزَال فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (^٥).\n_________\n(^١) الشعب (٤/ ٣٧٢ رقم ٢٦٧٠).\n(^٢) الشعب (٤/ ٣٧٠ رقم ٢٦٦٤ و٢٦٦٥)\n(^٣) مناقب الشافعي (٢/ ٣٥٠).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٧٧) و(٦٤٧) (٦٥٩) و(٢١١٩)، ومسلم (٢٧٢ و٢٧٣ و٢٧٤ - ٦٤٩)، وابن ماجه (٧٨٦) و(٧٩٩)، وأبو داود (٥٥٩)، والترمذى (٢١٦) و(٣٣٠).","vol":"3","page":319},{"text":"قوله عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه، قوله - ﷺ -: \"صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته خمسًا وعشرين ضعفًا\" وفي بعض طرقه \"درجة\" فيحتمل أن يراد أن يصلي وحده في سوقه ويحتمل أن يراد أن يصلي في جماعة في السوق ولا يحصل له فضيلة جماعة المسجد قاله ابن عقيل في شرح الأحكام (^١).\nقوله: \"وذلك أنه أيضًا إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج على المسجد لا يخرجه إلا الصلاة\" تقدم الكلام على ذلك قريبًا وتقدم الكلام أيضًا على الخطى والدرجات وحط السيئات.\nقوله: \"فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدّث اللهم صلي عليه اللهم ارحمه\" الحديث، الصلاة في اللغة الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (^٢) الآية أي ادع لهم والصلاة في الشرع: عبارة عن أركان معلومة وأفعال مخصوصة (^٣)، والصلاة من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكة يعني استغفار، ومن الأدميين تضرع ودعاء (^٤).\nقوله: \"ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة\" أي يكتب له أجر المصلي قائمًا مادام قاعدًا ينتظر الصلاة وتقدم الكلام على ألفاظ الحديث مبسوطًا.\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٩١)، وانظر المنتقى (١/ ٢٢٩).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(^٣) انظر: البيان (٢/ ٧)، والعمدة (ص ٥٣).\n(^٤) الإعلام (١/ ١٠٣).","vol":"3","page":320},{"text":"٥٨٦ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة\" رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على مناقبه قوله - ﷺ -: \"صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة\" الفذ: بالذال المعجمة المنفرد المصلي وحده وقد فذ الرجل عن أصحابه إذا شذ عنهم وبقي منفردا وفي حديث مسلم هذه الآية الفاذة الجامعة أي المنفردة في معناها والفذ أول سهام الميسر اعلم أن الفذ المذكور هو غير المعذور وأما المريض والمسافر وكل معذور فيكتب له فضلها وفيه خلاف قال -﵇-: \"إذا مرض العبد وسافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا وكذا الذي يصلي صلاة من الأرض وحده فإن صلاته بخمسين صلاة\" كما رواه أبو داود قاله في شرح الإلمام قوله بسبع وعشرين درجة وفي حديث أبي هريرة بخمسة وعشرين جزءا وفي حديث أبي سعيد الخدري بخمس وعشرين درجة والكل في الصحيح وحديث أبي هريرة وابن عمر متفق عليهما وحديث أبي سعيد في البخاري.\nقال: أبو عيسى الترمذي وعامة من روى عن النبي - ﷺ - إنما قال: \"خمسًا وعشرين\" إلا ابن عمر فإنه قال: \"بسبع وعشرين\" فما وجه الجمع بينهما قال\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٣٤١)، والبخاري (٦٤٥) و(٦٤٩)، ومسلم (٢٤٩ و٢٥٠ - ٦٥٠)، وابن ماجه (٧٨٩)، والترمذى (٢١٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٨١ (٨٤٩) والكبرى (٩٩٩).","vol":"3","page":321},{"text":"الجمع بينهما أن تكون الدرجة أقل من الجزء وهو ضعف فكأن الخمسة وعشرين جزءًا إذا جزيت درجات فكانت سبعًا وعشرين درجة وقيل الدرجة غير الجزء وهو غفلة من قائله فقد ثبت فى بعض بخمس وعشرين درجة، وقيل أن السبع وعشرين وردت بعد الخمس والعشرين ولا حد ذكر القليل لا ينفي الكثير ولله تعالى أن يزيد من فضله ما يشاء، وقيل: أن قوله - ﷺ - \"بخمس وعشرين وبسبع وعشرين\" راجع إلى أحوال المصلين وحال الجماعة فإذا كانت جماعة متوافرة وكان المصلي على غاية من التحفظ وكمال طهارة ومحافظته على هيائتها وخشوعها وشرف البقعة ونحوها كان هو الموعود بسبع وعشرين درجة إن كان على دون تلك الحالة كان هو الموعود بخمسة وعشرين درجة وقيل السبع والعشرين في العصر والصبح لمزيتهما على غيرهما فالمرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوة التي قصرت عقول الألباب عن إدراك جملتها وتفاصيلها والله أعلم.\nقال العُلماء ﵃: استدل بهذا الحديث على صحة صلاة المنفرد لأن لفظة أفضل تقتضي الاشتراك في الأصل مع التفاضل في أحد الجانين وذلك يقتضي حصول فضيلة في صلاة المنفرد ولو كانت باطلة لم يكن فيها فضيلة، وفي الحديث دليل على عدم وجوب الجماعة لإثبات الفضيلة وذهب أبو داود إلى عدم صحة صلاة المنفرد وقال الجماعة شرط لصحة الصلاة وقال: الإمام أحمد بوجوبها فقال: من صلى وحده أثم وصحته والمختار عند الشافعية ونص عليه إمامهم أنها فرض كفاية وقيل سنة","vol":"3","page":322},{"text":"وهو الأصح عند الرافعي وقيل فرض عين وسيأتي الكلام على من يقول بذلك في بابه فالمراد بالدرجة المذكورة في الحديث شرف المنزلة في الجنة لا مجرد الحسنة وقيل أيضًا لبعض العُلماء في طريق الجمع بين الأحاديث أن الدرجة أقل من الجزء كما تقدم فتكون الخمسة والعشرون جزء أقل من الدرجة وهذا القدر حدث لا دليل عليه والجواب ما ذكر من وجهين آخرين أحدهما أنه - ﷺ - أخبر أولا بخمس وعشرين ثم أخبر ثانيا بالسبع والعشرين فيكون في ذلك البشارة مرتين ومن فوائد ذلك تنشيط النفس ومسارعتها إلى ما يحصل ذلك، الوجه الثاني أنه يحتمل أنه أوحي إليه أولا الخمس والعشرين فبشر به ثم أوحي إليه الزيادة فبشر بها وقد وردت البشارة ثلاثًا في قوله - ﷺ - \"ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة\" فكبرنا ثم قال \"ألا ترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة\" فكبرنا ثم قال - ﷺ - إن أهل الجنة عشرون ومائة صنف منها ثمانون من هذه الأمة\" قيل وإنما كانت الثمانون من هذه الأمة لأن الله تعالى سماهم الوارثين قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ (^١) ودار الجنة هي دار أبينا آدم - ﷺ - والورثة يكون لهم الثلثان بطريق الأرث. والبقعة لغيرهم بطريق الوصية وأمته - ﷺ - هم الوارثون جعلنا الله تعالى من أمته قيل وإنما كانت العدة سبعا وعشرين لأن الحسنة بعشر أمثالها والجماعة مأخوذة من الجمع فإذا صلى ثلاثة أنفس كانت صلاتهم\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ١٠.","vol":"3","page":323},{"text":"ثلاثين حسنة ثلاثة أصول وسبعا وعشرين تضعيف فتكتب ذلك لكل واحد وهذا يقتضي أن هذا الثواب لا يحصل لصلاة الواحد ومذهب الشافعي زيادة الفضيلة بزيادة الجماعة وظاهر مذهب مالك رحمه الله تعالى تساوي الجماعة كلها في الفضل.\nوذكر الحليمي في المنهاج ما يقتضي أنه لم يقصد بالسبع والعشرين هنا حقيقة العدد وإنما قصد به المبالغة لأن السبع والسبعين نقصد بهما المبالغة والكثرة فقول العرب سبع الله لك الأجر وإن ذلك راجع إلى تحصيل أنواع من العبادات لمن أتى الجماعة فإنه قال: يحتمل أنما فضلت الجماعة على الفذ بسبع وعشرين لأن كلّ صلاة أقيمت في الجماعة كصلاة يوم وليلة إذا أقيمت لا في جماعة لأن فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة والرواتب عشر فالجميع سبع وعشرون قال، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما فيها من الفوائد العايدة على المصلى من أمنه من السهو عن بعض الأركان وما في الجماعة من أظهار شعائر الدين وما فيها من كثرة العمل وانتظار الصلاة والمشي إليها والاجتماع على جماعة المسلمين وتفقد أحوالهم إفشاء السَّلام بينهم وسؤال بعضهم عن بعض وأدى اجتماعهم إلى إنشاء المساجد وعمارة مستهدمها ونصب مؤذن وإمام وتشبيه صلاتهم بالجمعة التي هي أكمل الصلوات وإيقاع الصلاة في أول الوقت غالبا بخلاف المنفرد فإنه يتكاسل فيؤخذ وما فاته الوقت تنبيه وهذا الحديث يقتضي أن يكون الصلاة في مسجد النبي - ﷺ - سبع وعشرين ألفًا لأن صلاة الفذ فيه بألف صلاة","vol":"3","page":324},{"text":"وكذلك مسجد مكة بمائة ألف مضروبة في سبع وعشرين ومسجد بيت المقدس في خمسمائة جزء وظاهر الحديث أن الاثنين جماعة لوجود مسمى الاجتماع فيهما وهو أحد القولين في مسمى الجمع هو مذهب الشافعي وقال: مالك لا يكونان جماعة إلا أن يكون إماما راتبا والله أعلم.\nتتمه: أورد القرافي هنا سؤالا بناه على قاعدة أن ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب حتى لو تصدق الإنسان بعشرة آلاف دينار كان دينار الزكاة أفضل وإن كانت مصلحة العشرة آلاف أعظم فإذا تقرر هذا فالشارع - ﷺ - رتب السبع والعشرين درجة على صلاة الجماعة ومجرد الصلاة في الجماعة مندوبة ولم يرتب على صلاة وحدها التي هي واجبة عليه إلا درجة واحدة وكان الجاري على القاعدة أن يكون السبع والعشرون على الفرض والدرجة على الجماعة وأجاب عنه بأن في المندوب مما يكون ثوابه أعظم من ثواب الواجب في ذلك صور معروف واستدل جملة من العُلماء بهذا الحديث على استوا الجماعة في الفضل وهو مذهب مالك وتقدم ذلك لأن القياس لا يدخل في الفضائل، ومذهب الشافعي والجمهور والتفضيل بذلك استدلالا وما كثر هو أحب إلى الله تعالى انتهى.\nفائدة: فتستحب صلاة الفرض في المسجد وفي الجماعة سواء وجد فيه جماعة أو لا لشرف البقعة وإحياء المسجد بالذكر والتلاوة وإقامة لشعائر العبادة فيه، وللمسجد والجماعة أحكام يمتازا بها على غيرهما، منها: أن في صلاة الجماعة الإيتلاف وجمع القلوب ودعا بعضهم لبعض فيغفر للبعض","vol":"3","page":325},{"text":"ببركة البعض، ومنها أن الجماعة غيظ للكفار إذا شاهدوا اجتماع المسلمين وإهتمامهم بأمر دينهم، ومنها: أن الصلاة في المسجد مضاعفة وإن صلى الإنسان فيه وحده، ومنها: أن من قصد الصلاة مع الجماعة ولم يدركهم كتب له أجر الجماعة لصلاته وحده ويعضد ذلك أحاديث وردت بذلك، منها حديث أبي هريرة قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"من أتى المسجد لشيء فهو حظه\" ومنها أن الله تعالى يعطي قاصد المسجد ثوابا زائدا على فضل الجماعة حيثما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - \"من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح\" وغير ذلك من الأحاديث، ومنها أنه يكتب له أجرهم قائما مادام قاعدا ينتظر الصلاة وفي رواية أبي هريرة في صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يزال العبد في صلاة ما كان في صلاة ينتظر الصلاة، ومنها التشبيه بالملائكة المقربين حيث يقولون وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون، ومنها التشبيه بصفوف المجاهدين الذين قال الله في حقهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (^١)، ومنها: أن صلاة بعضهم خلف بعض أخضع ومن التجبّر أبعد، ومنها: أنه إذا دخل مع الجماعة من لا يحسن الصلاة تعلم منهم وصلى بصلاتهم فيكون في ذلك إعانة على البر والتقوي، ومنها: أن في الاقتداء بالإمام إظهارًا للانقياد والطاعة. ومنها: أن\n_________\n(^١) سورة الصف، الآية: ٤.","vol":"3","page":326},{"text":"القبلة هي البيت وعنده كانت إمامة جبريل -﵇- بالنبي - ﷺ - ومعلوم أن المصلين جماعة حول البيت عليهم استيفاء جميع جهاته بخلاف المنفرد، ومنها: تسليم بعضهم على بعض والعام يدعو لنفسه وللقوم وكل من القوم يدعو ويؤمن لنفسه وللقوم، ومنها: تشبهها بالحج وبالصوم لأن المسلمين يحجون معا ويصومون معا فناسب أن يصلوا معا وفي الجماعة إظهارا لاحتياج إلى غيره ليصلي فيقوى وفي الجماعة سببٌ لجهر الإمام في بعض الصلوات لولا الجماعة ما يحصل الجهر الذي هو زيادة في الخير، ومنها: أن الجماعة قريبة الفرض لأن الجماعة من مناسك الحج فناسب أن يجعل من مناسك الصلاة، ومنها: أن الجماعة نصرة حاضرة لو وقع خوف حرس بعضهم بعضا وصلاة الانفراد خذلان ووحشة، ومنها: ما ذكره النيسابوري أنه ما اجتمع أربعون رجلًا إلا كان فيهم عبد صالح لله ﷿ فبركته ترحم البقية ويسجد لهم وفي الصحيح من صلى عليه أربعون رجلًا شفعوا فيه، ومنها: أن الإنسان إذا ادعى لنفسه وحده واستجبت له داخله العجب والربا بخلاف ما إذا دعا والقوم يؤمنون فإنه يجوز أنه إنما استجبت له ببركة أدعيتم تأمينهم، ومنها: أن من شهد بتكبيرة الإحرام أربعين يومًا مع الإمام كتب له براتان براة من النفاق وبراة من النار كما ورد في الحديث سيأتي وتحصل هذه الفضيلة يعني فضيلة تكبيرة الإحرام بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم الإمام من غير وسوسة ظاهر كما قاله النووي في شرح المهذب ووهم من نفل عن شرح المهذب خلاف ذلك، ومنها: ما ذكره","vol":"3","page":327},{"text":"بعضهم أن المياه المتفرقة فإنها تحمل النجاسة تلك الجماعة تدفع عنها دنس الذنوب لاجتماعها بخلاف المنفرد، ومنها: أن الشيطان لا يقوى على الجماعة وقوى على الواحد وإنما يأخذ الذئب من الغنم القاسية أي البعيدة المنفردة عن الجماعة، ومنها أن من أتى المسجد والجماعة تكتب أجرها به ورجوعه إلى منزله. قال - ﷺ -: لأبي كعب أن الله قد أعطاك ذلك كله الحديث، ومنها: أن المنفرد لا تكتب له فيها إلا ما عقل كما ورد في الخبر وصلاة تكتب له أجر صلاته كاملا وإن لم تحضر فإنه فيها كلها لأنه إذا حضر قلب غيره فيها ينهى عنه تلفقت صلاة الجميع، ومنها: إن طباعة تسوق من طباع أهل الخير ومن شاهد المفلحين أفلح والطبع لص، ومنها: إذا حضر الجماعة عمت بركتهم وقد أمر النبي - ﷺ - \"الحيض وذوات الخدور أن يحضرن يوم العيد\" فصلى المسلمين يشهدن الخير ودعوة المسلمين والمعنى فيه أن من حضر القسمة قسم له والخير يقسم على الجماعة، ومنها: أن الله تعالى يقول في الجلسين الذاكرين: \"هم القوم لا يشقى بهم جليسيهم\" فمن جالس الجماعة الملعونة مثل الظلمة وأعوانهم شاربي الخمر ولعبة النرد والمجتمعين على اللهو والطرب إذا نزلت اللعنة عليهم أصابت من جالسهم وفي الحديث \"من كثر سواد قوم فهو منهم ومن أحب قوما حشر معهم\" وقال: عمر - ﵁ - لا تدخلوا عليهم كنائسهم فإن السخط ينزل عليهم، ومنها: أنه روي الأثران أنه من صلى الجماعة استحيا الله تعالى أن يرد دعوته رواه أبو نعيم في الحلية، ومنها: أن من شهد العشاء في جماعة كتب له قيام","vol":"3","page":328},{"text":"نصف ليلة وإن صلى الصبح في جماعة كتب له قيام ليلة قال ابن حزم وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال \"من صلى العشاء والصبح في جماعة كتب له قيام ليلة\"، ومنها: أن الملائكة تصلي على منتظر الجماعة يقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه أو يحدّث ومنها: أن من خرج إلى المسجد لقصد الجماعة كتب له من كلّ خطوة حسنة وحطت عنه بكل خطوة سيئة ورفع الدرجة فإذا حضر المسجد وانتظر الصلاة كتب له أجر مصلٍ (^١). فهذه الخصال التي تقدمت تنبيه على ما سواها من أنواع العبادات والله أعلم.\n\n٥٨٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ من سره أَن يلقى الله غَدا مُسلما فليحافظ على هَؤُلاءِ الصَّلَوَات حَيْثُ يُنَادى بِهن فَإِن الله تَعَالَى شرع لنبيكم - ﷺ - سنَن الْهدى وإنهن من سنَن الْهدى وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم وَلَو تركتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ وَمَا من رجل يتَطَهَّر فَيحسن الطّهُور ثمَّ يعمد إِلَى مَسْجِد من هَذِه الْمَسَاجِد إِلَّا كتب الله لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها حَسَنة وَيَرْفَعهُ بهَا دَرَجَة ويحط عَنهُ بهَا سَيِّئَة وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق وَلَقَد كَانَ الرجل يُؤْتى بِهِ يهادي بَين الرجلَيْن حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ وَفِي رِوَايَة لقد رَأَيْتنَا وَمَا يتَخَلَّف عَن الصَّلَاة إِلَّا مُنَافِق قد علم نفَاقه أَو مَرِيض إِن كَانَ الرجل ليمشي بَين رجلَيْنِ حَتَّى يَأْتِي الصَّلَاة وَقَالَ إِن رَسُول الله - ﷺ - علمنَا سنَن الْهدى وَإِن من سنَن\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٧ و٣٨ و٣٩)، وكشف الأسرار (لوحة ٤٠ و٤١).","vol":"3","page":329},{"text":"الْهدى الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي يُؤذن فِيهِ رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. (^١)\nقَوْله: يهادي بَين الرجلَيْن يَعْنِي يرفد من جَانِبه وَيُؤْخَذ بعضده يمشى بِهِ إِلَى الْمَسْجِد.\nقوله: عن ابن مسعود تقدم الكلام على مناقبه، قوله: \"من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يتأدى هن\" الحديث المحافظة المراقبة يقال: أنه لذو حفاظ ومحافظة إذا كانت له أنفة والتحفظ التيقظ وقلة الغفلة قال: الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (^٢) قال: مسروق المحافظة عليها مراعاة وقتها والسهو عنها ترك وقتها قوله: قال: الله تعالى مشرع لنبيكم - ﷺ - سنن الهدى وأنهن من سنن الهدى سنن الهدى روي بضم السين وفتحها حكاه القاضي عياض وهما بمعنى متقارب أي طريق الهدى والصواب قوله ممن يعمد إلى مسجد من هذه المساجد يعمد بكسر الميم في المضارع وفتحها في الماضي لغتان أي يقصد وتقدم قوله ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف أي يرفد من جانبيه ويؤخذ بعضده يمشى به إلى المسجد قاله الحافظ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦ و٢٥٧ - ٦٥٤)، وابن ماجه (٧٧٧)، وأبو داود (٥٥٠)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٨٩ (٨٦١) والكبرى (١٠١٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٣٨.","vol":"3","page":330},{"text":"وقال في الميسر (^١): ولعل هذا اللفظ أخذ من الهادي وهو العنق لأن الماشي من اثنين يميل عنقة تارة إلى ذاك وتارة إلى هذا. ويؤيد هذا التفسير ما روي في حديث الأسود عن عائشة ﵂ قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة وفيه مروا أبا بكر أن يصلي بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - ﷺ - في نفسه شدة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض فدخل المسجد، الرجلان هما العبَّاس وعلي ﵄، والتهادي المشي الثقيل مع التمايل، من تهادت المرأة في مشيتها إذا تمايلت وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه ويقال: أيضًا جاء فلان يهادي بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه متمايلا إليهما والله أعلم. وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة وتحمل المشقة في حضورها أنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها والله أعلم، قاله النووي.\nواعلم أن الجماعة تحصل بصلاة الرجل في بيته مع زوجته وغيرها لكنها في المسجد أفضل وحيث كان الجمع في أكثر فهو أفضل كما تقدم عن الشافعي خلافا لمالك فلو كان بقربه مسجد قليل الجمع وبالبعد مسجد كثير الجمع فالبعيد أفضل إلا في حالين إحداهما أن تعطل جماعة القريب بعدوله عنه، الثانية: أن يكون إمام البعيد مبتدعا كالمعتزلي وغيره وكذا لو كان حنفيا لأنه لا يعتقد وجوب بعض الأركان وكذا المالكي وغيره والفاسق كالمبتدع\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٩). [١٧٨ نسخة مغربية]","vol":"3","page":331},{"text":"وأشد الفساق قضاة الظلمة والرشاق قال أبو إسحاق إن الصلاة منفردًا أفضل من الصلاة خلف الحنفي.\nفرع: لو أدرك المسبوق الإمام قبل أن يسلم أدرك فضيلة الجماعة على الصحيح الذي قطع به الجمهور لقوله - ﷺ - \"إذا جاء أحدكم ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة\" رواه أبو داود بإسناد لم يضعفه.\nفرع آخر: ما يشاهد كثيرًا من المسبوق حال شروع الإمام في التلفظ بالسلام من غير نية مفارقة الإمام ظنا منه أن القدوة انقطعت بمجرد شروع الإمام في السَّلام وليس كذلك بل لا يجوز له القيام حتى يتم الإمام السَّلام الأول من قام قبل تمامه عمدا بطلت صلاته ومن أن لا يقوم حتى يسلم الإمام التسليمين فيجب على من باب يفعل ذلك أن يكون وبنهه على بطلان صلاته وتذكر أن بعضهم يدرك الإمام فيكبر عجلا واحدة ويركع معه وهذه البكيرة أن نوى بها تكبيرة الإحرام فتحت فلا تهوان نوى تكبيرة الركوع أو هما جميعا أو لم ينو بهما شيئًا لم نعتقد صلاته والله أعلم، قاله ابن النحل في تنبهه فرع أخر الواجب تسليمه واحدة وأما الثانية لو تركها لم تصوم الواجب من لفظ السَّلام أن يقول السَّلام عليكم وأن قال: سلام عليكم يجزئه على الصحيح فلو قال: السَّلام عليك أو سلامي عليكم أو سلام الله عليكم لم يجزيه شيء من هذا بلا خلاف إلا في قوله السَّلام عليهم فإنها لا تبطل صلاته به لأنه دعا والله أعلم قاله النووي.","vol":"3","page":332},{"text":"فرع: آخر لو كان في البلد مساجد متفرقة فالأولى إقامة الجماعة فيها متفرقة فيها وإن كان الجمع الكثير أفضل لأن في إقامة الجماعة في جميعها إظهارا للنهار وانتشاره في البلد لئلا يؤدي إلى تعطيل المساجد وروى عنه - ﷺ - \"يصلي الرجل في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد\" انتهى.\n\n٥٨٨ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فضل صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة على صلَاته وَحده بضع وَعِشْرُونَ دَرَجَة وَفِي رِوَايَة كلهَا مثل صلَاته فِي بَيته رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ (^١).\nقوله: عنه تقدم الكلام على مناقبه \"الصلاة في الجماعة على صلاته وحده\" بضع وعشرون درجة الحديث البضع بكسر الباء وهو من الثلاث إلى التسع.\nفائدة: ما الحكمة في الجماعة قيل: لأن المذنب إذا اعتذر من ما يجتمع الشفاء والمسلى يعتذر لأن طالب الحاجة يأتي بالشفعا لتقض حاجته في الصلاة ضاف ومائدة والكريم لا يطبع المائدة إلا لجماعة كبيرة وأيضًا لأن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (١٩٠) والمصنف ٢/ ٢٢٦ (٨٣٨٩)، وأحمد ١/ ٣٧٦ (٣٥٦٤) و(٣٥٦٧) و١/ ٣٨٢ (٣٦٢٣) و١/ ٤٢٣ (٤١٥٩) و١/ ٤٥٢ (٤٣٢٣ و٤٣٢٤) و١/ ٤٦٥ (٤٤٣٣)، والبزار (٢٠٥٧ و٢٠٥٨)، وأبو يعلى (٤٩٩٥)، وابن خزيمة (١٤٧٠)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٩٤ رقم ٢٥٩٧) و(١٠/ ١٠٤ - ١٠٥ رقم ١٠٠٩٩ و١٠١٠٠ و١٠١٠١ و١٠١٠٢ و١٠١٠٣ و١٠١٠٤). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٨: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط - وهو الذي قال: في بيته في الكبير ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠٥).","vol":"3","page":333},{"text":"عمل الواحد. قال: جعفر سبحان من ستر علينا القبائح ونشر منا المذاع.\n\n٥٨٩ - وَعَن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن الله ﵎ ليعجب من الصَّلَاة فِي الْجمع رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: عمر بن الخطاب تقدم الكلام على فضائله.\nقوله - ﷺ -: إن الله ليعجب من الصلاة في الجمع .. الحديث (^٣).\n\n٥٩٠ - وَعَن عُثْمَان - ﵁ - أَنه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ مَشى إِلَى صَلَاة مَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ الإِمَام غفر لَهُ ذَنبه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٣/ ٣١). قال ابن عدي وهذا الحديث قد شوش إسناده حمَّاد بن قيراط. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٩: رواه أحمد وإسناده حسن.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٥٠ (٥١١٢)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٢٣٣ رقم ١٣٩٦٦) و(١٣/ ٢٨٩ رقم ١٤٠٦٠)، وابن عدى (٣/ ٣١). قال ابن عدي وهذا أشبه الذي جاء به الترجماني عن صالح المري من رواية حمَّاد بن قيراط عن صالح الذي ذكرته ولحماد بن قيراط غير ما ذكرت من الحديث وعامة ما يرويه فيه نظر. وقال الدارقطني في العلل (٣٠٢٨): يرويه مرثد بن عامر الهنائي، عن بشر بن حرب، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -. وخالفه حمَّاد بن زيد، رواه عن بشر بن حرب، عن ابن عمر، موقوفًا. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٩: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٦٥٢) وصحيح الترغيب (٤٠٦).\n(^٣) بياض بمقدار أقل من سطر.\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (١٤٨٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠٧).","vol":"3","page":334},{"text":"قوله: عن عثمان تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة صلاها مع الإمام غفر له ذنبه\" تقدم الكلام على هذا الحديث.\n\n٥٩١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي وَفِي رِوَايَة رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد، قلت لبيْك رب وَسَعْديك قَالَ هَل تَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأعْلَى قلت لا أعلم فَوضَع يَده بَين كتِفي حَتَّى وجدت بردهَا بَين ثديي أَو قَالَ فِي نحري فَعلمت مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض أَو قَالَ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قَالَ يَا مُحَمَّد أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأعْلَى قلت نعم فِي الدَّرَجَات وَالْكَفَّارَات وَنقل الأقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات، وإسباغ الْوضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلَاة وَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَكَانَ من ذنُوبه كيَوْم وَلدته أمه قَالَ يَا مُحَمَّد قلت لبيْك وَسَعْديك فَقَالَ إِذا صليت قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك فعل الْخيرَات وَترك الْمُنْكَرَات وَحب الْمَسَاكِين وَإِذا أردْت بعبادك فتْنَة فاقبضني إِلَيْك غير مفتون قَالَ والدرجات إفشاء السَّلَام وإطعام الطَّعَام وَالصَّلاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nالْمَلأ الأعْلَى هم الْمَلَائِكَة المقربون، والسبرات بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٣٦٨ (٣٤٨٤)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والترمذى (٣٢٣٣ و٣٢٣٤)، والبزار (٤٧٢٧)، وأبو يعلى (٢٦٠٨). وصححه الألباني في الإرواء (٦٨٤) وصحيح الترغيب (١٩٤) و(٣٠٢) و(٤٠٨) و(٤٥١).","vol":"3","page":335},{"text":"وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة جمع سُبْرَة وَهِي شدَّة الْبرد.\nقوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"أتاني أت من ربي\" وفي رواية \"رأيتُ ربي في أحسن صورة\" الحديث قيل رؤية العبد لله تعالى عبارة عن علمه به ولما كان علمه -﵇- بربه تعالى أتم المعلوم تكون رؤيته على أحسن الصور والصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته وعلى معنى صفته يقال: صورة الفعل كذا كذا أي هيئته وصورة الأمر كذا وكذا: أي صفته فيكون المراد بما جاء في الحديث أنه أتاه في أحسن صفة ويجوز أن يعود المعنى إلى النبي - ﷺ - أي أتاني ربي وأنا في أحسن صورة وتجري معاني الصورة كلها عليه إن شئت ظاهرها أو هيئتها أو صفتها فأما إطلاق ظاهر الصورة على الله تعالى فتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا قاله في النهاية (^١).\nفائدة: كان نزول الوحي على رسول الله - ﷺ - في أحوال مختلفة جمعها الله تعالى لنبيه - ﷺ - فمنها النوم كما في حديث ابن إسحاق وكما قالت عائشة ﵂ أيضًا أول ما يبدئ به رسول الله - ﷺ - الرؤيا الصادقة وفي بعض النسخ الصالحة وقد قال إبراهيم - ﷺ -: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^٢) فقال: ابنه ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (^٣) فدل على أن الوحي كان يأتيهم في النوم كما\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٢) سورة سورة الصافات، الآية: ١٠٢.\n(^٣) سورة سورة الصافات، الآية: ١٠٢.","vol":"3","page":336},{"text":"يأتيهم في اليقظة، ومنها أن ننفث في روعه الكلام نفثا والنفث أقل من البزق كما قال: -﵇- أن روح القدس وهو جبريل -﵇- نفث في روعي أي في قلبي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها الحديث، وقال: مجاهد وأكثر المفسرين قوله ﷾ ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ (^١) قال: أن نفث في روعه بالوحي، ومنها أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليه وقيل أن ذلك ليستجمع قلبه عند تلك الصلصلة فيكون أوعى لما يسمع والقن لما يلقى، ومنها أن يصلى له الملك رجلًا فقد كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة ويروي أن دحية ابن خليفة كان إذا قدم المدينة لم تبق معر إلا خرجت ينظر إليه لفرط جماله وقال: ابن سلام في قوله ﵎: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (^٢) قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية كماله، ومنها أنه ترأى له جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى فيها له ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت وقد رآه - ﷺ - في صورته مرتين، منها أن يكلمه الله من وراء حجاب أما في اليقظة كما في حديث الإسراء والصحيح في الإسراء أنها يقظة وأما في النوم كما في حديث ابن عباس هذا أماني ربي في أحسن صورة أو قال: رأيتُ ربي في أحسن صورته وقال يا محمد الحديث، ومنها أن كلمه الله من وراء حجاب أما في اليقظة كما في حديث الإسراء الصحيح، ومنها نزول إسرافيل -﵇- بكلمات\n_________\n(^١) سورة الشوري، الآية: ٥١.\n(^٢) سورة الجمعة، الآية: ١١.","vol":"3","page":337},{"text":"من الوحي قبل جبريل -﵇- فقد ثبت بالطرق الصحيحة عن عامر بن شراحبيل الشعبي أن رسول الله - ﷺ - وكل به إسرافيل - ﷺ - فكان يترائي له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة والشيء من الوحي ثم وكل به جبرائيل - ﷺ - فجاءه بالقرآن والوحي ووقع لبعضهم أنه ميكائيل - ﷺ - ومن قال ذلك قال لم ينزل عليه قرآن معهما والمشهور أن جبرائيل -﵇- ابتدئ بالوحي إن الرؤيا لما كانت لنبي فهو وحي وإن كانت لغيره فليست وحيا وذكر بعضهم أن مدّة الوحي على النبي - ﷺ - بالرؤيا قبل الوحي إليه لمجيء الملك إليه ستة أشهر وجعل هذا توجيها لقوله - ﷺ - \"إن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة\" لأن مدة حياته - ﷺ - بعد النبوة ثلاث وعشرون سنة فنصف سنة هي جزء من ستة وأربعين جزءا وهذا محتمل قال السهيلي فهذه السبع صور في كيفية نزول الوحي على رسول الله - ﷺ - لم أر أحدا جمعها هذا الجمع ذكره في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (^١).\nقوله - ﷺ -: \"قال هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أعلم\" أي تتمنى الملائكة أن يفعلوا مثل فعل بنو آدم من الخصال التي ترفع الدرجات وتقدم معنى الاختصام في حديث تقدم والملأ الأعلى هم أكابر الملائكة المقربون والمراد جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم الصلاة والسلام (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فوضع يده بين كتفي\"، والمراد الإحسان الذي به خصه في\n_________\n(^١) الروض الأنف (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٦).\n(^٢) النهاية (٤/ ٣٥١).","vol":"3","page":338},{"text":"ذلك الوقت وفي رواية فوضع كفه وضع الكف عبارة عن التنبيه والعناية وكفه أي كنفه ولطفه ورحمته (^١).\nقوله - ﷺ -: \"بين كتفي حتى وجدت بردها ما بين ثديي وكتفي\" وثديي على التثنية وفيه اطلاق اسم الثدي على جملة الرجل هذا هو الصحيح ومنهم من منعه.\nقوله - ﷺ -: \"حتى وجدت بردها\" وجدان البرد عبارة عن وصول الفيض إلى قلبه وتأثره عنه ورسوخه فيه (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فعلمت ما في السموات والأرض\" أو قال: \"ما بين المشرق والمغرب\" هذا شك من الراوي فالعلم علمان علم مكسوب وموهوب فالمكسوب ما يأتي بالدرس والموهوب علم الله تعالى الذي يهبه لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام كعلم الخضر حيث قال فيه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (^٣) وكعلم نبينا محمد - ﷺ - حيث قال فيه: \"وضع ربي يده بين كتفي ووجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات وما في الأرض\" هذا الحديث ذكره صاحب زهر الكمام في قصة يوسف -﵇-\" (^٤).\n_________\n(^١) هذا التأويل ذكره ابن فورك في مشكل الحديث (ص ٧٩) والتوربشتى كما في الميسر (١/ ٢١٠)، ومذهب أهل السنة كما ذكره الدارقطني وغيره إثباتها دون الخوض في تأويلها وحملها على ظاهرها كما جاءت.\n(^٢) شرح المشكاة (٣/ ٩٤٦).\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ٦٥.\n(^٤) شرح المشكاة (٣/ ٩٤٦) ولم أعثر على الحديث في زهر الكمام.","vol":"3","page":339},{"text":"قوله: \"أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: نعم في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات\" تقدم الكلام على الثلاث الأول وإسباغ الوضوء فى السبرات أى فى شدة البرد والسبرات جمع سبرة وهي شدة البرد.\nقوله: \"وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" يعني لا ذنب له والمراد بذلك غفران الذنوب الصغائر دون الكبائر فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة كما تقدم.\n\n٥٩٢ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَو يعلم هَذَا المتخلف عَن الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة مَا لهَذَا الْمَاشِي إِلَيْهَا لأتاها وَلَو حبوا على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي ترك الْجَمَاعَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\nقوله: عن أبي أمامة تقدم الكلام على.\nقوله - ﷺ -: \"لو يعلم هذا المتخلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي من الأجر\" والثواب.\nقوله - ﷺ -: \"لأتاها لو حبوا على يديه ورجليه\" والحبو أن يمشي (على يديه ورجليه) أو استه (^٢) قال صاحب المجمل حبا الصبي إذا مشى على أربع (^٣) ونصب حبوا أي ولو حبا حبوا.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٢٤ رقم ٧٨٨٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٣: رواه الطبراني في الكبير وفيه علي بن يزيد الألهاني عن القاسم وقد ضعفهما الجمهور واختلف في الاحتجاج بهما. وقال الألبانى: منكر الضعيفة (٦٧٢٢) وضعيف الترغيب (٢٢٢) و(٢٣٤).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٣٦).\n(^٣) مجمل اللغة (ص ٢٦٢).","vol":"3","page":340},{"text":"٥٩٣ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى لله أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جمَاعَة يدْرك التَّكبِيرَة الأولى كتب لَهُ براءتان بَرَاءَة من النَّار وَبَرَاءَة من النِّفَاق رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ لا أعلم أحدا رَفعه إِلَّا مَا روى مُسلم بن قُتَيْبَة عَن طعمة بن عَمْرو (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - وَمُسلم وطعمة وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات وَقد تكلمنا على هَذَا الحَدِيث فِي غير هَذَا الْكتاب.\nقوله: عن أنس تقدم الكلام مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى\" الحديث.\nواعلم أن الصلاة لا تصح بدون تكبيرة الإحرام فريضة كانت أو نافلة والتكبيرة عند الشافعي ﵀ والأكثرين [جزء] من الصلاة وركن من أركانها وعند أبي حنيفة هي شرط ليست من نفس الصلاة (^٢).\nواعلم مسألة: أما إدراك المأموم الإمام راكعا ذكروا له أحوال خمسة إحداها أن ينوي بها تكبيرة الإحرام فتصح فريضته والثانية أن ينوي بها تكبيرة الهوي فلا تنعقد صلاته، والثالثة أن ينويهما جميعا فلا تنعقد الصلاة نفلا ولا فرضا على الأصح، والرابعة أن يطلق فلا ينوي فرضا ولا نفلا فلا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٤١)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٤٥ رقم ٢٦١٢ و٢٦١٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠٩).\n(^٢) الأذكار (ص ١٠١).","vol":"3","page":341},{"text":"تنعقد صلاته على الصحيح، الخامسة: أن يقصد بالأولى تكبيرة الإحرام ثم يأتي بتكبيرة أخرى قاصدا بها تكبيرة الإحرام فتبطل صلاته بالثانية (^١) انتهى.\n[عدد التكبيرات فى الصلوات الخمس أربع وتسعون تكبيرة وهو سنة خلافا لأحمد فإنه أوجبها فى رواية وأجمعوا على وجوب تكبيرة الإحرام ولفظ التكبير أن تقول الله أكبر أو تقول الله الأكبر فهذان جائزان عند الشافعى وأبى حنيفة وآخرين ومنع مالك الثاني، فالاحتياط أن يأتي الإنسان بالأول ليخرج من الخلاف، ولا يجوز التكبير بغير هذين اللفظين. فلو قال: الله العظيم، أو الله المتعال، أو الله أعظم، أو أعز، أو أجل، وما أشبه هذا، لم تصح صلاته عند الشافعي والأكثرين، وقال أبو حنيفة: تصح (^٢). قال النووى وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه؛ لأن الفضل معلق في الحديث بالإدراك، وإذا لم يتعقبه .. لم يسم مدركا، وفي (الصحيحين) (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر .. فكبروا)، والفاء للتعقيب قال الرافعي: هذا إذا لم تكن وسوسة ظاهرة، فإذا منعته الوسوسة عن التعقيب .. حصلت الفضيلة كما جزم به في (التحقيق) و(شرح المهذب) وجزم في (شرح المهذب) بأن الوسوسة في القراءة ليست عذرا في التخلف عن الإمام بتمام ركعتين فعليتين والفرق: أن المخالفة في الأفعال أشد منها في الأقوال وفي (الاستيعاب) في ترجمة على: أن ابن مسعود قال: الوسوسة برزخ بين الشك\n_________\n(^١) الروضة (١/ ٣٧٤).\n(^٢) الأذكار للنووى (ص ٩٩ - ١٠٠)، والقول التمام (ص ٤٦).","vol":"3","page":342},{"text":"اليقين، قال: (وقيل: بإدراك بعض القيام)؛ لأنه محل التكبيرة الأولى، قال: (وقيل: بأول ركوع)؛ لأن حكمه حكم قيامها، بدليل إدراك الركعة بإدراكه مع الإمام، ولأنه معظمها، واختاره القفال، والوجهان فيمن لم يحضر إحرام الإمام، أما من حضر وأخر فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة وفي وجه رابع: ما لم يشرع في (الفاتحة)، وخامس: إن اشتغل بأمر دنيوي لم يدرك بالركوع، أو بعذر أو سبب للصلاة كالطهارة أدرك، ولو خاف فوت هذه التكبيرة لم يسرع عند الأكثرين، بل يمشى بسكينة والله تعالى أعلم (^١).\nتنبيه: كان - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة قال: \"الله أكبر\". ولم يقل شيئًا قبلها، ولا تلفظ بالنية، هذه واحدة، والثانية قوله: \"ولا قال: أصلي\" والثالثة \"صلاة\" والرابعة \"كذا\" أي: الصبح مثلا، والخامسة \"مستقبل القبلة\" والسادسة \"أربع ركعات\" والسابعة \"إمامًا أو مأمومًا\" والثامنة \"ولا أداء\" والتاسعة \"ولا قضاء\" والعاشرة \"ولا فرض الوقت، قال: وهذه عشر بدع\" علم عدها، \"لم ينقل عنه - ﷺ - أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند\" أي: موصول، \"ولا مرسل لفظة واحدة ألبتة\"، \"بقطع الهمزة\"، \"بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة\" (^٢) والله أعلم قاله فى تهذيب النفوس].\nقوله - ﷺ -: في الحديث \"كتب له براءتان براءة من النار\" براءة أي خلاص.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ١٩٤).","vol":"3","page":343},{"text":"قوله - ﷺ -: \"براءة من النفاق\" أي نجاة لأن من سعى في الصلوات حتى يدرك التكبيرة الأولى مع الإمام فهذا الحرص منه على الصلاة يدل على كمال إيمانه لأن المنافق فيصلى بالجماعة حتى تفوته بعض الركعات لعدم اهتمامه بنيل ثواب الله (^١).\nاعلم فائدة: ما أحدث من الوسوسة في نية الصلاة بدعة لم ترد عن أحد من السلف لأن الوسواس بدعة محرمة مع أن التلفظ بالنية وغيرها لا يجب بل لا يسن عند أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم وقد سئل العلماء ذلك في زمن العلامة شمس الدين بن القيم فأفتوا بما بما ذكر وانتهى السؤال إليه فأطال الجواب وقال من جملة ذلك فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها وليست من الصلاة في شيء وإنما النية قصد فعل الشيء فكل عازم على فعل فهو ناويه لا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها فلا يمكن عدمها في حال وجودها ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة ولا يكاد العاقل يفعل شيئا من العبادات ولا غيرها بغير نية، قلت هذا الكلام لا شك فيه وإنما دخل عليهم من اشتراط مقارنة النية التكبيرة والأدلة على اشتراطها عقلية لا نقلية وإنما استحب المتأخرون التلفظ بالنية لأنه مظنة التذكار والقصور غالبا وإلا فالنبي - ﷺ - والصحابة ﵃ إنما كان يعلم دخولهم الصلاة بالتكبير فحسب لا غير قال الإمام أبو العباس بن تيمية ومن هذا (ومن هؤلاء من يأتى) بعشر بدع لم\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٢٤٦).","vol":"3","page":344},{"text":"يفعل رسول الله - ﷺ - ولا أحد من الصحابة واحدة منها فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم نويت أصلي الظهر مثلا فريضة الوقت أداء لله تعالى إماما أو مأموما أربع ركعات مستقبل القبلة ثم يزعج أعضاء ويحنى جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرح بالنية كأنه يكبر على العدو ولو مكث أحدهم عمر نوح يفتش هل فعل رسول الله - ﷺ - أو أحد من الصحابة شيئا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه ولدلونا عليه فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه وإن كان الذي كانوا عليه الهدى الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال، ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة كالتلفظ ببعض الكلمة كقوله في التحيات أت أت أت التحي التحي في السلام أس أس ونحو ذلك فهذا الظاهر بطلان الصلاة به، وهو ربما كان إماما فأفسد صلاة المأمومين وصارت الصلاة التي هي من أكبر الطاعات أعظم إبعادا له عن الله من الكبائر، وما لم يبطل الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة، ورغبة عن طريقة رسول الله - ﷺ - وهديه، وما كان عليه أصحابه (^١) انتهى، قاله ابن النحاس في تنبيهه.\n\n٥٩٤ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه كَانَ يَقُول من صلى فِي مَسْجِد جمَاعَة أَرْبَعِينَ لَيْلَة لا تفوته الرَّكْعَة الأولى من صَلَاة الْعشَاء كتب الله لَهُ بهَا عتقاء من النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ نَحْو حَدِيث\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٣٨ - ٢٤١) بتصرف.","vol":"3","page":345},{"text":"أنس يَعْني الْمُتَقَدّم وَلم يذكر لَفظه وَقَالَ هَذَا الحَدِيث مُرْسل (^١) يَعْني أَن عمَارَة بن غزيَّة الرَّاوِي عَن أنس لم يدْرك أنسا وَذكره رزين الْعَبدَرِي فِي جَامعه وَلم أره فِي شَيْء من الأصُول الَّتِي جمعهَا وَالله أعلم.\nقوله: عن عمر بن الخطاب تقدم الكلام على مناقبه ومن بعض مناقبه أيضا قال الحسن يجيء الإسلام يوم القيامة مع الخلق حتى يأتي عمر فيأخذه بيده فيصعد فيقول أي رب إني كنت خفيا وهذا أظهرني وأعزني وأنت أعلم قال: فتجيء الملائكة من عند الله تعالى فتأخذ بيد عمر فتدخله الجنة والخلق في كرب الحساب وقال: رسول الله - ﷺ - لجبرائيل -﵇- أخبرني بفضائل عمر عندكم فقال: يا محمد لو مكث معك ما مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفذت فضائل عمر، وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر وقيل إن عمر أول من كتب التاريخ وأول من سن قيام رمضان وأول من جمع القرآن في المصحف وأول من ضرب الخمر ثمانين أول من علق في عمله في المدينة وحمل الدرة وأدب بها وأول من فتح الفتوحات العظيمة وأول من وضع الخراج على الأرض والجزية على أهل الذمة وضع على المغنى ثمانية أربعين درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرين\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٩٨)، وأبو يعلى في المسند الكبير كما في مسند الفاروق لابن كثير ١/ ١٩٧، وأبو أحمد الحاكم في الفوائد (٢٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧ رقم ٢٦١٦). وقال الدارقطنى في العلل (١٥١): وإنما رواه أبو العلاء الخفاف، عن حبيب أبي عميرة الإسكاف الكوفي، عن أنس. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٣) و(٢٢٧).","vol":"3","page":346},{"text":"درهما وعلى الفقير اثني عشر درهما وزاد في مسجد رسول الله - ﷺ - دار وغيرها وأخرج اليهود من أرض الحجاز وإجلائهم من جيرة العرب إلى الشام وفتح بيت المقدس ثم لم يزل يحج الناس خلافته كلهما فحج بهم عشر سنين وحج بأزواج النبي - ﷺ - أخر حجة حجها واعتمر في خلافته ثلاث مرات وبسط الحصي من العقيق في مسجد رسول الله - ﷺ - ومن كراماته المشهورة أنه كان يخطب يوم الجمعة بالمدينة فقال في خطبة يا سارية بن حصين الجبل الجبل من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم وسارية بأقصى العراق فسمع سارية صوته وكان قد أطلعه الله على سارية وقد أحاط به العدو فالتفت الناس بعضهم إلى بعض فلم يفهموا مراده فلما قضى صلاته قال له علي - ﵁ - ما هذا الذي قلت وفي بعض الصحابة إلى علي فأخبروه بذلك قال وسمعتة قال: نعم أنا وكل أهل المسجد قال وقع في (خلدي) أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتافهم وأنهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه (قاتلوا من وجدوه) وظفروا وإن جاوزوه هلكوا فخرج مني هذا الكلام وفي بعض النسخ قال علي - ﵁ - للصحابة دعوا عمر - ﵁ - فإنه ما دخل في شيء إلا كان له المخرج منه فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة حين جاوزوا الجبل صوتا يشبه صوت عمر يا سارية بن حصن الجبل فعدلوا إليه ففتح الله علينا كذا في تهذيب الأسماء واللغات (^١) وفي طبقات بن سعد وأسد الغابة وتجريد الصحابة أنه ساريه بن زنيم بن عمرو بن عبد الله بن\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣ - ١٥ ترجمة ٤٣٦).","vol":"3","page":347},{"text":"جابر (^١) قاله في مجمع الأصحاب.\nقال: - ﷺ - \"من صلى في مسجدا جماعة أربعين ليلة لا يفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء من النار\" الحديث قول قال الترمذي وهذا الحديث مرسل تقدم الكلام على الحديث المرسل وقد ذكره رزين العبدري في جامعه هو رزين بن معاوية بن عمار العبدري المالكي الأندلسي الفقيه السرقسطي. فقيه فاضل من أصحاب مالك بن أنس من أهل سرقسطة، وهي من بلاد الأندلس بالمغرب، وكان إمام المالكية بحرم الله تعالى والمصلي بهم، إمامًا في المسجد الجامع. سمع الفقيه، أبا الحسن علي بن عبد الله الصقلي، وأبا العباس أحمد ابن الشَاطِبي، وغيرهما (^٢).\n\n٥٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من تَوَضَّأ فَأحْسن وضوءه ثمَّ رَاح فَوجدَ النَّاس قد صلوا أعطَاهُ الله مثل أجر من صلاهَا وحضرها لا ينقص ذَلِك من أُجُورهم شَيْئا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣) وَتقدم فِي بَاب الْمَشْي إِلَى الْمَسَاجِد حَدِيث\n_________\n(^١) الطبقات (١/ ١٩٥)، وأسد الغابة (٢/ ١٥٤ ترجمة ١٨٨٦)، وتجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٠٣).\n(^٢) المنتخب من معجم شيوخ السمعانى (ص ٨٠٤ - ٨٠٥).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٠ (٨٩٤٧)، وعبد بن حميد (١٤٥٥)، وأبو داود (٥٦٤)، والبزار (٨١٨٠)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٩٣ (٨٦٧) والكبرى (١٠١٦)، والحاكم ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في المشكاة (١١٤٥) وصحيح أبي داود (٥٧٣) وحسنه في صحيح الترغيب (٤١٠).","vol":"3","page":348},{"text":"سعيد بن الْمسيب عَن رجل من الأَنْصَار قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول فَذكر الحَدِيث وَفِيه فَإِن أَتَى الْمَسْجِد فصلى فِي جمَاعَة غفر لَهُ فَإِن أَتَى الْمَسْجِد وَقد صلوا بَعْضًا وَبَقِي بعض صلى مَا أدْرك وَأتم مَا بَقِي كانَ كَذَلِك فَإِن أَتَى الْمَسْجِد وَقد صلوا فَأَتمَّ الصَّلَاة كانَ كَذَلِك (^١).\nعن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"من توضأ فأحسن الوضوء\" تقدم الكلام على إحسان الوضوء الحديث.\nقوله: \"ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها\" الحديث إذا لم يكن منه تقصير بتأخير الصلاة من غير عذر والله أعلم.\nقوله: (عن سعيد بن المسيب) عن رجل من الأنصار تقدم الكلام على سعيد بن المسيب وعلى الأنصار وأنهم جمع نصير.\nقوله - ﷺ -: من أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له الحديث المراد بذلك غفران ذنوبه الصغائر وهو سترها عليه في القيامة كما تقدم وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو مسامحة الله تعالى العبد وفضله وفضل عظيم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٦٣)، والبيهقى في الكبرى (٣/ ٩٨ رقم ٥٠١١). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٧٢) وحسنه في صحيح الترغيب (٣٠١) و(٤١٠).","vol":"3","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>[الترغيب في كثرة الجماعة]</span>\n٥٩٦ - عَن أبي بن كعْب - ﵁ - قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا الصُّبْح فَقَالَ أشاهد فلَان قَالُوا لا قَالَ أشاهد فلَان قَالُوا لَا قَالَ إِن هَاتين الصَّلَاتَيْنِ أثقل الصَّلَوَات على الْمُنَافِقين وَلَو تعلمُونَ مَا فيهمَا لأتيتموها وَلَو حبوا على الركب وَإِن الصَّفّ الأول على مثل صف الْمَلائِكَة وَلَو علمْتُم مَا فضيلته لابتدرتموه وَإِن صَلَاة الرجل مَعَ الرجل أزكى من صلاته وَحده وَصلاته مَعَ الرجلَيْن أزكى من صلَاته مَعَ الرجل وكل مَا كثر فَهُوَ أحب إِلَى الله ﷿ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقد جزم يحيى بن معِين والذهلي بِصِحَّة هَذَا الحَدِيث (^١).\nقوله عن أبي بن كعب تقدم الكلام على مناقبه في كتاب العلم وغيره.\nقوله: صلى بنا رسول الله - ﷺ - يومًا الصبح فقال: \"أشاهد فلان\" قالوا: لا، أي حاضر فلان، قالوا: لا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٤٠ (٢١٢٦٥) و(٢١٢٦٦) و٥/ ١٤١ (٢١٢٦٩)، وعبد الله بن أحمد في الزوائد ٥/ ١٤٠ (٢١٢٦٧) و(٢١٢٦٨) و٥/ ١٤١ (٢١٢٧٠) و(٢١٢٧١)، وعبد بن حميد (١٧٣)، والدارمى (١٣٠٥ - ١٣٠٨)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٢٨٤ (٨٥٥) والكبرى (١٠٠٥)، وابن خزيمة (١٤٧٦ و١٤٧٧)، وابن حبان (٢٠٥٦) و(٢٠٥٧)، والحاكم (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨). وحسنه الألباني في المشكاة (١٤٧٦) وصحيح أبي داود (٥٦٣)، وصحيح الترغيب (٤١١) و(٤١٩).\n(^٢) جامع الأصول (٩/ ٤١٠).","vol":"3","page":350},{"text":"قوله: قال - ﷺ - \"إن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين ولو تعلمون ما فيها لأتيتوهما ولو حبوا على الركب\" وفي حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر\" (^١) الحديث اختلفت الروايات والعلماء في تعيين هاتين الصلاتين هل هي العشاء أو هي الصبح فظاهر الأحاديث أنها العشاء والصبح معا لقوله \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر\" ففيه الحث العظيم على حضور جماعة هاتين الصلاتين والفضل الكثير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنغيص أول نومها وآخره ولهذا كانتا أثقل على المنافقين (^٢) ومعنى هذا الحديث لو يعلمون ما فيهما من الفضل والخير ثم لم يستطيعوا إلا أن يأتوهما إلا حبوا لحبوا إليهما ولا يفوتوا جماعاتهما في المسجد والمراد بالحبو حبو الصبي على يديه ورجليه (^٣) وتقدم تفسيره أيضا أبسط من هذا.\nقوله - ﷺ -: \"وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة\" سيأتي الكلام على تفسير الصف الأول واختلاف العلماء فيه في آية إن شاء الله تعالى.\nقوله - ﷺ -: \"لو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه\" بالدال المهملة من المبادرة وهي السبق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ١١٧) تعليقا ووصله: ابن ماجه (٧٩٧) وابن حبان (٢٠٩٨) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في الإرواء (٤٨٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٨).\n(^٣) العدة (١/ ٣٤٩)، وشرح أبي داود (٣/ ٣٠) للعينى.","vol":"3","page":351},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده\" الحديث أزكى أي أكثر.\nقوله - ﷺ -: \"وما كثر فهو أحب إلى الله\".\nقال ابن عبد البر: واختلفوا هل تفضل جماعة جماعة بالكثرة وفضيلة الإمام؟ المشهور عن مالك لا وقال: ابن حبيب نعم تفضل الكثرة وفضيلة الإمام لما فى الحديث وما كثر فهو أحب إلى الله وهو مذهب الشافعي كما تقدم قريبا واختلف فيمن صلى مع جماعة وإن قلت هل يعيد صلاته تلك في جماعة أخرى فقال: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم إنما يعيد الصلاة في جماعة مع الإمام من صلى وحده في بيته وأهله أو في غير بيته وأما من صلى في جماعة وإن قلت فإنه لا يعيد في جماعة أكثر منهم ولا أقل على المشهور من قول مالك وهو قول عامة العلماء، وحكي عن مالك إعادتها في المساجد الثلاثة في الجماعة وفي أبي داود لا تعاد الصلاة في اليوم مرتين قلنا لا تعاد على سبيله فيها وقال الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي جائز لمن صلى في جماعة وجماعة أخرى في تلك الصلاة أن يعيدها معهم إن شاء لأنها نافلة وسنة لما روى الترمذي أنه - ﷺ - صلى الصبح في مسجد الخيف فلما انصرف رأى رجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال علي بهما فأتي بهما فرائصهما ترعد فقال: \"ما منعكما أن تصليا معنا\" فقالا: يا رسول الله إنا قد صلينا في رحالنا، قال: \"فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة\"","vol":"3","page":352},{"text":"وقال هو حديث حسن صحيح ولا فرق في ذلك بين صلاة وصلاة على الأصح وقيل لا يعيد الصبح والعصر ويعيد ما سواهما لأن الصلاة بعدهما مكروهة بلا سبب والحديث حجة عليه وإذا أعاد حيث استحببنا فالجديد الأصح أن فرضه الأولى والثانية نفل والقديم أن الله تعالى يتقبل أيتهما شاء وفي وجه أن فرضه الثانية لأنه استحب له إعادتها لتكمل بالجماعة فلو كانت نفلا لفات هذا الغرض وهو ضعيف مخالف للخبر والله أعلم قاله في مختصر الكفاية (^١).\nفرع: يسن للمصلي وحده إعادتها مع منفرد أيضا فرع فرضه الأولى وينوي الثانية الفرض أيضا على الأصح فيهما (^٢).\nفرع: أيضا سئل حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي عمن صلى ثم أعاد ثم بان أن الأولى كانت فاسدة فأجاب - ﵁ - بأن العادة تجزئه وهو ظاهر إن نوى بها الفرض ذكرت هذه الفروع في هادي النبيه على التنبيه (^٣).\n\n٥٩٧ - وَعَن قباث بن أَشْيَم اللَّيْثِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - صَلاة الرجلَيْن يؤم أَحدهمَا صَاحبه أزكى عِنْد الله من صَلَاة أَرْبَعَة تترى وَصَلَاة أَرْبَعَة أزكى عِنْد الله من صَلَاة ثَمَانِيَة تترى وَصَلَاة ثَمَانِيَة يؤمهم أحدهم أزكى\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٥٣٧ - ٥٣٩)، وانظر: المفهم (٦/ ٦١)، والعدة (١/ ٣٤١ - ٣٤٢)، والنفح الشذى (١/ ١٤٥ - ١٤٧).\n(^٢) هادى النبيه (لوحة ٥٢/ ٢١٢١ ظاهرية).\n(^٣) هادى النبيه (لوحة ٥٢/ ٢١٢١ ظاهرية).","vol":"3","page":353},{"text":"عِنْد الله من صَلَاة مائَة تترى رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^١).\nقوله عن قباث بن أشيم اليثي أشيم بفتح الهمزة وسكون الشين وفتح الياء المثناة تحتيه وهو غير العلمية ووزن الفعل.\nقوله - ﷺ -: \"صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة\" تقدم معنى أزكى في الحديث قبله ومعنى تترى أي متفرقين غير متابعين والتاء الأولى منقلبة عن واو وهو من المواترة والتواتر أن يجيء الشئ بعد الشيء بزمان ويصرف تترى أو لا يصرف فمن لم يصرفه جعل الألف للتأنيث كغضبى ومن صرفه لم يجعلها للتأنيث كألف معزى قاله ابن الأثير في باب التاء مع التاء منه (^٢).\nفرع يختم به الباب: ما كثر جمعه من المساجد أفضل إلا أن يكون بجواره مسجد [يتعطل عن الجماعة بسبب غيبته فالصلاة فيه أفضل لما روى الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\" وهو ضعيف أي صلاة كاملة وذكر أبو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٩٢٦)، والبزار (٤٦١/ كشف الأستار)، والبغوى في معجم الصحابة (٥/ ٧٢)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٦ رقم ٧٣ و٧٤) والشاميين (٤٨٧) و(٢٠١١)، والحاكم (٣/ ٦٢٥)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٤٩٠). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٩ - ٤٠: رواه البزار والطبراني في الكبير ورجال الطبراني موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤١٢).\n(^٢) النهاية (١/ ١٨١).","vol":"3","page":354},{"text":"أحمد ابن عدي من حديث مجاشع بن عمرو عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله - ﷺ -: \"ليصل الرجل في المسجد الذي يليه\"، ولا يتبع المساجد أورده عبد الحق وقال فى إسناده بقية (^١) انتهى].\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٤١).","vol":"3","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>[التَّرْغِيب فِي الصَّلاة فِي الفلاة</span>\nقَالَ الْحَافِظ ﵀ وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى تفضيلها على الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة].\n\n٥٩٨ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة تعدل خمْسا وَعشْرين صَلَاة فَإِذا صلاهَا فِي فلاة فَأَتمَّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين صَلَاة\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ قَالَ عبد الْوَاحِد بن زِيَاد فِي هَذَا الحَدِيث صَلَاة الرجل فِي الفلاة تضَاعف على صلَاته فِي الْجَمَاعَة، رَوَاهُ الْحَاكِم بِلَفْظِهِ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَصدر الحَدِيث عِنْد البُخَارِيّ وَغَيره وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تزيد على صلَاته وَحده بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة فَإِن صلاهَا بِأَرْض قي فَأَتمَّ ركوعها وسجودها تكْتب صلَاته بِخَمْسِينَ دَرَجَة (^١)\nالقي بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء هُوَ الفلاة كَمَا هُوَ مُفَسّر فِي رِوَايَة أبي دَاوُد.\n[قوله: عن أبي سعيد هو الخدري تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٩٧٦)، وأبو داود (٥٦٠)، وابن حبان (١٧٤٩) و(٢٠٥٥)، والحاكم (١/ ٢٠٨)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣١٩ رقم ٢٥٧٢)، والبغوى (٧٨٨). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٦٩) وصحيح الترغيب (٤١٣). وصدر الحديث أخرجه البخاري (٦٤٦) عن أبي سعيد.","vol":"3","page":356},{"text":"قوله - ﷺ -: الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة تعدل خمْسا وَعشْرين صلاة تقدم الكلام على ذلك فى صلاة الجماعة.\nقوله: فَإِذا صلاهَا فِي فلاة فَأَتمَّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين صَلَاة الحديث قيل المراد منه صلاها فى الفلاة فى جماعة أو منفردا أو أعم من ذلك [حكى أبو داود في سننه] بعد تخريجه هذا الحديث ما يقتضي أن المراد مع الانفراد فقال: قال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث: \"صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة\" وساق الحديث قلت وليس في الحديث ما يقتضي كونه منفردا أو في جماعة بل يحتمل الأمرين فإن كان المراد به الجماعة في الصلاة فإنما ضعفت على الجماعة في المسجد لأن المسافر لا يتأكد في حقه الجماعة كما يتأكد على المقيم حتى ادعى النووي ﵀ أنه لا يجري في المسافر الخلاف الذي [في كونها] فرض كفاية أو فرض عين لشغله بالسفر فإذا أقامها جماعة في السفر مع وجود مشقة السفر ضوعفت له على الإقامة فكانت بخمسين صلاة وإن كان يفعلها منفردا فلما ورد من أذن في فلاة وأقام وصلى صلى معه صف من الملائكة لا يرى طرفاهم فضوعفت صلاته لأفضلية الملائكة الذين صلوا معه والله أعلم (^١).\nقوله: فَإِن صلاهَا بِأَرْض قي كما فى رواية ابن حبان فَأَتمَّ ركوعها وسجودها تكْتب صلَاته بِخَمْسِينَ دَرَجَة قد فسر الحافظ القي بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء هُوَ الفلاة كَمَا هُوَ مُفَسّر فِي رِوَايَة أبي دَاوُد.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٥).","vol":"3","page":357},{"text":"فائدة: كتب القاضي شيخ الإسلام على حواشي مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري على حديث أبي سعيد هذا وساق الحديث وقال في آخره: ما قاله عبد الواحد غير مسلم له وإنما المراد أن للمصلي حالتين حالة جمع وحالة انفراد فإذا كان مجمعا فله الأجر المتفضل به ليلة الإسراء في قوله تعالى هي خمس وهن خمسون فجعل الله تعالى من فضله لكل صلاة الأجر الذي للخمس فالمنفرد غير المعذور من ذلك النصف لعدم إكماله حالة الصلاة بالجماعة وكان للمجمع مجموع ذلك وهو خمسون فعبر عنها مرة بالدرجة ومرة بالصلاة وكان للمنفرد المعذور بالصلاة جميع ما للمجمع وهو خمسون درجة إلحاق بالمجمع وهذا من الإلحاق بفضل الله تعالى على المعذورين لا أنه مفضل على المجمع كما قال قال عبد الواحد فى مسند عبد بن حميد \"فإذا صلاها بأرض فلاة، بلغت صلاته خمسين درجة\" وفيه في أوله \"صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة\" وبهذا يعلم أن رواية أبي داود \"الصلاة في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة\" معناه زائدة على صلاة المنفرد والله أعلم.\n\n٥٩٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من بقْعَة يذكر الله عَلَيْهَا بِصَلَاة أَو بِذكر إِلَا استشرفت بذلك إِلَى مُنْتَهَاهَا إِلَى سبع أَرضين وفخرت على مَا حولهَا من الْبِقَاع وَمَا من عبد يقوم بفلاة من الأرْض يُرِيد الصَّلَاة إِلَّا تزخرفت لَهُ الأرْض رَوَاهُ أَبُو يعلى (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٩)، وأبو يعلى (٤١١٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٥/ ١٧١٢ - =","vol":"3","page":358},{"text":"قوله: (عن أنس) تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ما من بقعة يذكر الله عليها بصلاة أو بذكر إلا استبشرت بذلك إلى منتهاها من سبع أرضين\" الحديث أرضين بفتح الراء وسكونها لغتان الفتح أفصح.\nقوله - ﷺ -: \"وما من عبد يقوم بفلاة من الأرض يريد الصلاة إلا تزخرفت له الأرض\" أى تزينت قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ (^١).\n\n٦٠٠ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا كَانَ الرجل بِأَرْض قي فحانت الصَّلَاة فَليَتَوَضَّأ فَإِن لم يجد مَاء فليتيمم فَإِن أَقامَ صلى مَعَه ملكاه وَإِن أذن وَأقَام صلى خَلفه من جنود الله مَا لا يرى طرفاه\" رَوَاهُ عبد الرازق عَن ابْن التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن سلمَان (^٢)\nوَتقدم حَدِيث عقبَة بن عَامر عَن النَّبِي - ﷺ - يعجب رَبك من راعي غنم فِي رَأس شظية يُؤذن بِالصَّلَاةِ وَيُصلي فَيَقُول الله ﷿ انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا\n_________\n= ١٧١٣). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٧٨ - ٧٩: رواه أبو يعلى، وفيه موسى ابن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٨١)، وضعيف الترغيب (٢٢٤).\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٩٣.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٥) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٤٩ رقم ٦١٢٠).\nوأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٤١)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٩٨ (٢٢٧٧)، والنسائى في الكبرى (١١٨٣٥)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٥٩٦ رقم ١٩٠٦ و١٩٠٧) عن سلمان موقوفًا. قال البيهقى: هذا هو الصحيح موقوف وقد روي مرفوعا ولا يصح رفعه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٩) و(٤١٤).","vol":"3","page":359},{"text":"يُؤذن وَيُقِيم الصَّلَاة يخَاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ (^١) وَتقدم فِي الْأَذَان قوله عن سلمان تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا كان الرجل بأرض قي فحانت الصلاة فليتوضأ\" الحديث تقدم الكلام على الأرض القي في الحديث الذي قبله وحانت الصلاة: أي دخل وقتها.\nقوله - ﷺ -: \"فإن لم يجد ماء فليتيمم\" التيمم كما هو مشهور في كتب الفقه فمن أراد ذلك فليراجع مظانه.\nقوله: فإن أقام أي الصلاة صلى ملكاه وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه أي من الملائكة.\nقوله: عن أبي عثمان النهدي بفتح النون وإسكان الهاء منسوب إلى جد من أجداده الأول اسمه نهد بن زيد بن ليث واسم أبي عثمان عبد الرحمن بن مل بفتح الميم وضمها وكسرها واللام مشددة فيها ويقال ملء بكسر الميم وإسكان اللام وبعدها همزة وهو من كبار التابعين المخضرمين واحدهم مخضرم بفتح الراء: وهو من أدرك الجاهلية والإسلام وحياة رسول الله - ﷺ -، قاله النووي في بستان العارفين (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٥ (١٧٣١٢) و٤/ ١٥٧ - ١٥٨ (١٧٤٤٢ و١٧٤٤٣)، وأبو داود (١٢٠٣)، وأبن أبي الدنيا في العزلة (١٩٦)، والنسائى في المجتبى ٢/ ١٤٨ (٦٧٧)، وابن حبان (١٦٦٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٤١)، وصحيح أبي داود (١٠٨٦)، وصحيح الترغيب (٢٤٧) و(٤١٤).\n(^٢) بستان العارفين (ص ٤٧).","vol":"3","page":360},{"text":"قوله: تقدم حديث عقبة يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية يؤذن بالصلاة فيقول: \"الله انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي\" الحديث.\nقوله: يعجب ربك أي يرضي ويسر لأن التعجب في حق الله محال [لأنه لا يخفى عليه شيء من الأشياء فالتعجب يكون مما خفي حتى يبدو ولم يعلم (^١)] والشظية هي القطعة تقطع من الجبل ولم تنفصل منه.\nفرع: يختم به الباب \"من صلى في فضاء من الأرض بأذان وإقامة وكان منفردا وحلف أنه صلى بالجماعة لا كفارة عليه لأنه روي أنه - ﷺ - قال: \"من أذن وأقام في فضاء من الأرض وصلى وحده صارت الملائكة خلفه صفوفا فإذا حلف على هذا المعنى لا يحنث\" قاله الحناطي في فتاويه (^٢) قاله في هادي النبيه.\n_________\n(^١) هذا تأويل باطل مخالف لما عليه السلف من إثبات صفة التعجب قال ابن تيمية في الواسطية (ص ١١ - ١٢): ثم في سنة رسول الله - ﷺ -، فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه وما وصف الرسول به ربه ﷿ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها فمن ذلك مثل قوله - ﷺ -: \"عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرَجكم قريب\" إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله - ﷺ - عن ربه بما يخبر به فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك.\n(^٢) قاله السبكى في قضاء الأرب (ص ٣٤٢) وعنه السيوطى في الأشباه (ص ٢٥٨) والحبائك (ص ٢٥٧).","vol":"3","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>[الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعة والترهيب من التأخير عنهما]</span>\n٦٠١ - عَن عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من صلى الْعشَاء فِي جمَاعَة فَكَأَنمَا قَامَ نصف اللَّيْل وَمن صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة فَكَأنمَا صلى اللَّيْل كُله\" رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه من صلى الْعشَاء فِي جمَاعَة كَانَ كقيام نصف لَيْلَة وَمن صلى الْعشَاء وَالْفَجْر فِي جمَاعَة كَانَ كقيام لَيْلَة\" وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ كَرِوَايَة أبي دَاوُد وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١) قَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بَاب فضل صَلَاة الْعشَاء وَالْفَجْر فِي جمَاعَة وَبَيَان أَن صَلَاة الْفجْر فِي الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْعشَاء فِي الْجَمَاعَة وَأَن فَضلهَا فِي الْجَمَاعَة ضعفا فضل الْعشَاء فِي الْجَمَاعَة (^٢) ثمَّ ذكره بِنَحْوِ لفظ مُسلم وَلَفظ أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ يدافع مَا ذهب إِلَيْهِ وَالله أعلم.\nقوله: عن عثمان بن عفان يجوز الصرف وعدمه في عفان وتقدم الكلام على مناقب عثمان.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى العشاء في جماعة يحصل له ثواب قيام جميع الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله\" يعني مع صلاة العشاء في\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٣٤٨)، ومسلم (٢٦٠ - ٦٥٦)، وأبو داود (٥٥٥)، والترمذى (٢٢١)، وابن خزيمة (١٤٧٣)، وابن حبان (٢٠٥٨) و(٢٠٥٩) و(٢٠٦٠).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (٢/ ٣٦٥).","vol":"3","page":362},{"text":"جماعة يحصل له ثواب ثواب قيام جميع الليل وفي سنن الدارقطني من حديث كعب \"من توضأ فأحسن الوضوء وصلى العشاء الأخرة وصلى بعدها أربع ركعات فأتم ركوعهن وسجودهن كان له بمنزله ليلة القدر\" رواه النسائي عن تبيع بن عامر الحميري عن كعب الأحبار موقوف على كعب وفيه ويعلم ما يقرأ فيهن الحديث (^١) وللعشاء اسمان الأول العشاء سميت بذلك أما لأنها تفعل وقت العشاء غالبا فإنها في كتاب الله العشاء قال: الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (^٢) ينبغي لكم أن تسموها العشاء (^٣) أو ما يتم الزمان التي تصلى فيه والثاني العتمة والعتمة شدة الظلمة الأعراب يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل أي يؤخرونها إلى شدة الظلام ولهذا كره تسميتها بالعتمة لأن الصلاة نور فيكره اطلاق اسم الظلمة عليها (^٤) وقد جاء في الأحاديث التى تسميتها بالعتمة لحديث لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا أو غير ذلك عنه من وجهين: أحدهما لأنه استعمل لبيان الجواز وأن النهي عن العتمة للتنزيه لا للتحريم، والثاني: أنه يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء فخوطب بما يعرفه أو\n_________\n(^١) أخرجه النسائى في المجتبى ٧/ ٤٩٢ (٤٩٩٨) والكبرى (٧٤٠٠)، والدارقطنى في السنن (٣٤٣٤)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ٦٧١ رقم ٤١٨٩) و(٨/ ٤٤٩ رقم ١٧١٧٦) و(١٢/ ٣٨٨ رقم ١٧١٢٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٥٣).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٥٨.\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٦٠٧) وشرح النووي على مسلم (٥/ ١٤٣).\n(^٤) القول التمام (ص ١٨٢).","vol":"3","page":363},{"text":"استعمل لفظ العتمة لأنه أشهر عند العرب وإنما كانوا يطلقون العشاء على المغرب ففي صحيح البخاري فلا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال: وتقول الأعراب العشاء فلو قال يعلمون ما في الصبح والعشاء لتوهموا أن المراد المغرب (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله\" للصبح خمسة أسماء، الأول: الصبح سميت بذلك لأن وقتها أصبح، والأصبح الذي يكون فيه بياض مختلط بحمرة قيل وهو أحسن الألوان قيل وظل الجنة أصبح، الثاني الفجر وهو تسمية لها باسم وقتها أيضا، الثالث: الصلاة الوسطى والوسطى تأنيث الأوسط كالفضلى تأنيث الأفضل واختلف العلماء في الصلاة الوسطى على أقوال كثيرة وما من صلاة من الخمس إلا قيل: إنها الوسطى ومذهب الشافعي ومالك أنها الصبح لأنها قرنت بالقنوت قال الله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٢) ولا يكون القنوت إلا في الصبح وضعف هذا بأن المراد في الآية بالقنوت السكوت لأن الصحابة كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ومعنى قانتين ساكتين عن كلام الناس، ومذهب أبي حنيفة أنها العصر لقوله - ﷺ -: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر\" هكذا استدلوا به ولا حجة فيه بل فيه حجة على أن الوسطى التي جاء بها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٤٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.","vol":"3","page":364},{"text":"القرآن العزيز غير العصر وذلك بطريق الدليل في ذلك أنطق وكان المراد بالوسطى المذكورة في الآية هي العصر لاقتصر - ﷺ - على قوله: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى\" لم يحتج - ﷺ - على أن ينص على أنها العصر فلما أن قال صلاة العصر وأتى بعطف البيان الذي يؤتى به للتوضيح والتمييز عن غيره دل على أن لنا وسطى غير الوسطى التي في الآية فصلاة الصبح وسطى وصلاة العصر وسطى والوسطى تأنيث الأوسط كما تقدم بمعنى الخيار والأفضل لا بمعنى التوسط وخصت صلاة الصبح والعصر باسم الوسطى لزيادة فضلهما قال - ﷺ -: \"من صلى البردين دخل الجنة\" يعني الصبح والعصر وقد يطلق لفظ الوسطى على غير الواحدة بالاشتراك وقد ذكر الرافعي ﵀ فرعًا يوضح ذلك فقال: لو قعد نساؤه الأربع فقال: وسطاكن طالق فوجهان أحدهما لا يقع الطلاق لأنه ليس فيهن وسطى أي متوسطة وصحح في الروضة أنه يعين واحدة من الوسطيين لصدق اسم الوسطى على كل واحدة منهما فظهر بذلك أن الوسطى في الحديث غير الوسطى في الآية فلا تعارض بين الحديث والآية والله أعلم وهذا الاسم وما قبله في القرآن قال الله تعالى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ﴾ (^١) أي صلاة الفجر وقال تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٢) في قوله تعالى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ (^٣) وتقدم أنها سميت\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٧٨.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(^٣) سورة المدثر، الآية: ٣٤.","vol":"3","page":365},{"text":"باسم الوقت الرابع قوله - ﷺ -: \"من صلى البردين دخل الجنة\" يعنى الصبح والعصر سميت البردين لأنها تفعل في وقت البرد، الخامس: الغداة قال النووي في شرح المهذب يكره تسميتها غداة (^١) قاله ابن العماد في كتاب القدوة (^٢).\nفائدة: فيها بشرى روى الإمام ابن رجب: قال عقبة بن عبد الغافر صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة (^٣)، وقال أبو هريرة لرجل بكورك إلى المسجد أحب إلى من غزوتنا مع رسول الله - ﷺ - (^٤).\n\n٦٠٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن أثقل صَلَاة على الْمُنَافِقين صَلَاة الْعشَاء وَصَلاة الْفجْر وَلَو يعلمُونَ مَا فيهمَا لأتوهما وَلَو حبوا وَلَقَد هَمَمْت أَن آمُر بِالصَّلاةِ فتقام ثمَّ آمر رجلا فَيصَلي بِالنَّاسِ ثمَّ أَنطلق معي بِرِجَال مَعَهم حزم من حطب إِلَى قوم لا يشْهدُونَ الصَّلَاة فَأحرق عَلَيْهِم بُيُوتهم بالنَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٥).\n_________\n(^١) قاله الشيرازى في المهذب (١/ ١٠٣) وصحح النووي عدم الكراهة في شرح المهذب (٣/ ٤٦).\n(^٢) القول التمام (ص ١٧٩ - ١٨٠).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٦١) وذكره ابن رجب في اللطائف (ص ٢٥٠).\n(^٤) اللطائف (ص ٢٥٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٢٥٢ - ٦٥١).","vol":"3","page":366},{"text":"٦٠٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَن رَسُول الله - ﷺ - فقد نَاسا فِي بعض الصَّلَوَات فَقَالَ لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثمَّ أُخَالِف إِلَى رجال يتخلفون عَنْهَا فآمر بهم فيحرقوا عَلَيْهِم بحزم الْحَطب بُيُوتهم وَلَو علم أحدهم أَنه يجد عظما سمينا لشهدها يَعْنِي صَلَاة الْعشَاء وَفِي بعض رِوَايَات الإِمَام أَحْمد لهَذَا الحَدِيث لَوْلا مَا فِي الْبيُوت من النِّسَاء والذرية أَقمت صَلَاة الْعشَاء وَأمرت فتياني يحرقون مَا فِي الْبيُوت بالنَّار (^١).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"أثقل صلاتين على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر\" الحديث وإنما كانت هاتان الصلاتان ثقيلتين على المنافقين لأمرين أحدهما المشقة الموجودة في حضور المساجد فيهما من الظلمة وكون وقتهما وقت راحة أو وقت الاشتغال بحلب الإبل أو وقت استحلاء النوم أو خلوهم بأهليهم فلا يحتمل تلك المشاق إلا من وثق بثواب الله تعالى والمنافق إما شاك في ذلك أو لا يصدقه فيشق عليه ذلك والمعنى والثاني أن المنافقين كما قال الله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٢) وهاتان الصلاتان في ليل فربما خفي من غاب عنهما للستر عنهما بخلاف باقي الصلوات فإنها بحيث تراه الناس ويتفقدون غيبته فكأن من يراه يحضه على حضورها ليراه الناس والمعنى الأول أظهر لقوله تعالى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥١ - ٦٥١).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٤٢.","vol":"3","page":367},{"text":"﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (^١) ولا مانع أن يكون الأمران المذكوران في الآية كلاهما حامل لهم على ترك الجماعة في الصلاتين المذكورتين فمن صلى هاتين الصلاتين في وقتها كان تاركا لتلك الراحة والاستراحة فيجوز جزيل الأجر والثواب قاله في شرح الأحكام (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا\" أهـ معناه لو يعلمون ما فيهما من الخير والفضل ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حبوا لحبوا إليهما ولم يفوتوا جماعتهما في المسجد (^٣) وقيل لو علموه مشاهدة أو اعتقادا لأتوهما لو كانوا قادرين على المشى على الركب عاجزين عن المشي على الأرجل وتقدم تفسير حبوا وفيه دليل على أن من قدر على إتيان الصلاة حبوا لا يعذر في التخلف عنها إذا لو عذر لكتب له أجر الجماعة وهو جالس في بيته ويدل عليه ما روي في الحديث \"ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف\" (^٤) وتقدم الكلام على الرجلين من هما.\nقوله: \"ولقد هممت أن آمره الصلاة فتقام\" الحديث فيه دليل على أن الجماعة فرض عين إذا لو كانت فرض كفاية لسقطت عنهم بفعل غيرهم وللعلماء خلاف في ذلك سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى وإنما هم بإتيانهم بعد\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٤٢.\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٣١٢).\n(^٣) الكواكب الدراري (٥/ ٤٤).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٢١٣).","vol":"3","page":368},{"text":"إقامة الصلاة لأن ذلك الوقت تتحقق مخالفتهم وتخلفهم فيتوجه اللوم عليهم (^١).\nوقوله: ثم أمر رجلا فيصلي بالناس فيه أن الإمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس وفيه أيضا جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر (^٢).\nقوله: - ﷺ - \"وينطلق معي برجال معهم حزم من حطب فأحرق عليهم بيوتهم بالنار\" فيه جواز العقوبة بالنار لقوله - ﷺ - \"أحرق عليهم بيوتهم بالنار\" وإليه ذهب الإمام أحمد وقال بعضهم هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال لأن يحرق بيوتهم عقوبة مالية (^٣) وقال غيرهم أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال من الغنيمة ففيه اختلف العلماء (^٤) والذي ذهب إليه الجمهور أن العقوبات بالمال منسوخة بنهيه - ﷺ - عن إضاعة المال ونحو ذلك (^٥) فقد البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة قال بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث فقال \"إن وجدتم فلانا أو فلانا فحرقوهم بالنار\" ثم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٤)، والعدة (١/ ٣٥٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٤)، والعدة (١/ ٣٥٤).\n(^٣) الإعلام (٢/ ٣٨١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٣)، والنفح الشذى (٤/ ١٧٩)، والإعلام (٢/ ٣٨١).\n(^٥) طرح التثريب (٢/ ٣٠٨).","vol":"3","page":369},{"text":"قال: رسول الله - ﷺ -: \"حين أردنا الخروج إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا ولا يعذب بالنار إلا الله فإن وجدتموهم فاقتلوهم\" (^١) وفي الحديث أيضا دليل على جواز التحريق وإنما تركه -﵇- أدبا مع الله، وقد صح تحريق جرير ذي الخلصة حتى صارت كأنها جمل أجرب وقد حرق علي في خلافته وقال المهلب ليس نهيه -﵇- عن التحريق بالنار على معنى التحريم وإنما هو على سبيل التواضع لله ﷿ (^٢)، واعلم أن التحريق لا يجوز إلا في نصب القتال مع الكفار وأما هذا أو غيره فقد كان قبل النسخ بقوله إن النار لا يعذب بها إلا ربها انتهى.\nوفيه تأكد الجماعة والحض عليها والتهديد لمن تركها واحتج بهذا الحديث، من ذهب إلى أن الجماعة فرض عين (^٣) وهو مذهب عطاء والأوزاعي والإمام أحمد بن حنبل وأبي ثور وابن المنذر وابن خزيمة وداود (^٤) وأنها لو كانت سنة أو فرض كفاية لما هم بتحريقهم وبوب البخاري في صحيحه فقال: باب وجوب صلاة الجماعة (^٥)، وقال: الجمهور ليست فرض عين واختلفوا هل هي سنة أو فرض كفاية والذي صححه النووي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٥٤) و(٣٠١٦)، وأبو داود (٢٦٧٣) و(٢٦٧٤)، والترمذى (١٥٧١)، والنسائى في الكبرى (٨٧٥٢).\n(^٢) شرح الصحيح (٥/ ١٧٢).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٣٠٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٣).\n(^٥) طرح التثريب (٢/ ٣٠٨).","vol":"3","page":370},{"text":"ونقله عن النص أنها فرض كفاية (^١) والقائلون بفرض الكفاية والاستحباب أجاب عن هذا الحديث بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين وقد كان التخلف عن صلاة الجماعة علامة من علامات النفاق عندهم، وسياق الحديث يقتضيه فإنه لا يظن بالمؤمنين من التخلف أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله - ﷺ - وفي مسجده كما في الحديث لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها يعني صلاة العشاء ولأنه - ﷺ - لم يحرق بل هم ثم ترك ولو كانت فرض عين لما تركهم والله أعلم (^٢).\nواختلف في هم النبي - ﷺ - بما هم من التحريق هل هو لكونهم لا يعلم أنهم صلوا صلاة فهو من باب التخويف على ترك الصلاة رأسا أو هو لترك الجماعة وإن علم أنهم صلوا في بيوتهم والقول الثانى أظهر لأنه قال لا يشهدون الصلاة وقد ورد أنهم كانوا يصلون في بيوتهم فيما ذكر أبو داود (^٣).\nواختلف أيضا في الذين توعدهم - ﷺ - بالتحريق هل هم منافقين أو قوم من المؤمنين وممن حكي الخلاف في ذلك ابن بطال والقاضي عياض واستدل ابن بطال للقول بأنهم منافقون بأن النبي - ﷺ - أقسم أنه لو يعلم أحدهم أنه يجد عظام لشهدها يعني العشاء وليس هذا من صفات المؤمنين ورجحه أيضا بأن همه بالتحريق يدل على الجواز وترك للتحريق يدل على جواز الترك وهذا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٣)، والمجموع (٤/ ١٨٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٣).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٣١٠).","vol":"3","page":371},{"text":"يكون في المؤمنين وقال: قبل ذلك ترك عقاب المنافقين وعقابهم كان مباحا للنبي - ﷺ - مخيرا فيه (^١).\nقوله \"ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها\" ومعنى أخالف إلى رجال يتخلفون عنها أي أذهب إليهم وقال في النهاية وكذا قال عياض أي آتيهم من خلفهم أو أخالف ما أظهرت من إقامة الصلاة وظنهم أني فيها ومشتغل عنهم بها وأرجع إليهم فآخذهم على غفلة أو يكون أخالف بمعنى أتخلف عن الصلاة لمعاقبتهم (^٢).\nقوله - ﷺ - في روايات الإمام أحمد \"وآمر فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار\" الفتيان بكسر الفاء جمع فتى وهو الشاب والأنثى فتاة، وقد اختلف العلماء في تعيين الصلاة التي هم بذلك لأجلها فقيل العشاء وهو ظاهر الحديث وقيل الجمعة لأنها جاءت في بعض الطرق، وقيل جنس الصلاة وهو أولى وقيل: إن الحديث وسياقه في المنافقين فإن أوله أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر الصبح، ويحتمل أنه ذكرهم إنما سيق للتحذير من التشبه بهم فيكون أبلغ في التنفير عن التخلف عن الجماعة (^٣).\nوفي الحديث فوائد منها: تقديم الوعيد في العقوبة استعمالا للأخف\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٣١٠ - ٣١١).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٨)، والنهاية (٢/ ٦٨).\n(^٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٩٦)، والعدة (١/ ٣٥٠)، والإعلام (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، وطرح التثريب (٢/ ٣٠٩).","vol":"3","page":372},{"text":"فالأخف، ومنها: استخلاف الإمام للعذر من يصلي بالناس، ومنها: أن الأذان بنظر الإمام وأنه للجماعة؛ ومنها: المبادرة بالصلاة، ومنها: أن من ترك الصلاة تهاونا قتل فإن الهم بالتحريق للتخلف عن الجماعة فكيف بالترك بالكلية، ومنها: تقديم الدين وأموره على الدنيا ولذاتها وأن ذلك التاني لا يعد شيئا بالنسبة إلى الباقي، ومنها: تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على فضيلة الجماعة وفعلها في أول الوقت لوجوبه، ومنها: أن ذلك مما يقام فيه بالنفس لمن قدر حلية دون غيرها إذ الغضب لله في الكاملين أقوى من غيرهم، ومنها: الاستعانة على المقاصد الدينية بالإخوان لقوله: \"لقد هممت أن آمر فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار\"، ومنها: جواز ذكر الشخص بما يكره لمصلحة إذا كان غير معين فإنه -﵇- ذكر تكالبهم على شهوة النفس وتقدمها على العبادة (^١) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\n\n٦٠٤ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كُنَّا إِذا فَقدنَا الرجل فِي الْفجْر وَالْعشَاء أسأنا بِهِ الظَّن رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) انظر: العدة (١/ ٣٥١ - ٣٥٣)، وطرح التثريب (٢/ ٣٠٧ - ٣١٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٩٢ (٣٣٥٣)، والبزار (٥٨٤٧) و(٥٨٤٨)، وابن خزيمة (١٤٨٥)، وابن حبان (٢٠٩٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٧١ رقم ١٣٠٨٥)، والدارقطنى في العلل (١٣/ ١٨)، والحاكم (١/ ٢١١). قال الدارقطنى في العلل (٣٠٧٠): يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه؛ فرواه الفريابي، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، ووهم في ذكر: سعيد بن المسيب. والمحفوظ: عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر. وكذا رواه عبيد الله بن =","vol":"3","page":373},{"text":"قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء والفجر أسأنا به الظن\" إساءة الظن هو أن يذكر الشخص بالشيء المذموم.\n\n٦٠٥ - وَعَن رجل من النخع قَالَ سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء - ﵁ - حِين حَضرته الْوَفَاة قَالَ أحدثكُم حَدِيثا سمعته من رَسُول الله - ﷺ - سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول اعبد الله كَأنك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَإِيَّاك ودعوة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا تستجاب وَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يشْهد الصَّلَاتَيْنِ الْعشَاء وَالصُّبْح وَلَو حبوا فَلْيفْعَل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وسمى الرجل الْمُبْهم جَابِرا وَلا يحضرني حَاله (^١).\n_________\n= عمر، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، وهو الصواب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى.\nقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٠: رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجال الطبراني موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤١٧).\n(^١) أخرجه الطيالسى كما في تاريخ دمشق (٦٨/ ١١٣)، ومسدد كما في المطالب العالية (٣١٣٠/ ١)، والطبراني في الكبير كما في تاريخ دمشق (٧٢/ ٥)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ١٢٧ - ١٢٨ رقم ١٠٠٦٠)، وابن عساكر (٦٨/ ١١٢ - ١١٣). قال ابن عساكر: يحتمل أن يكون جابر روى هذا مرسلا، ويحتمل أن يكون شهد وفاة أبي الدرداء بدمشق كانت.\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٠: رواه الطبراني في الكبير والرجل الذي من النخع لم أجد من ذكره وسماه جابرًا. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٤٧٤) وصحيح الترغيب (٤١٨) و(٣٣٥١).","vol":"3","page":374},{"text":"قوله: عن رجل من النخع، وسماه الطبراني: جابرا، والنخع: قبيلة من اليمن رهط إبراهيم النخعي.\nقوله: \"اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" الحديث، هذا مقام المراقبة الجامع لمقامات الإسلام والإيمان والإحسان، ثم قال: \"فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" فحطه عند العجز عن هذا إلى مقام العلم بإطلاعه ورؤيته ومشاهدته عبده وسيأتي الكلام على مقام المراقبة في حديث جبريل المطول مبسوطا.\nقوله: \"واعدد نفسك من الموتى\" سيأتي الكلام إن شاء الله على ذلك في حديث ابن عمر: \"كن في الدنيا كأنك غريب واعدد نفسك من الموتى\".\nقوله: \"وإياك ودعوة المظلوم فإنها تستجاب\" الحديث، وفي الحديث الآخر: \"ثلاثة لا ترد دعوتهم المظلوم حتى ينتصر\" وفي حديث آخر \"دعوة المظلوم مستجابة ولو كانت من كافر\" وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله.\nقوله - ﷺ -: \"من استطاع منكم أن يشهد صلاتي العشاء والصبح ولو حبوا فليفعل\" تقدم الكلام على ذلك في أوائل الباب والله أعلم.\n\n٦٠٥ - م - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى الْعشَاء فِي جمَاعَة فقد أَخذ بحظه من لَيْلَة الْقدر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٧٩ رقم ٧٧٤٥) والشاميين (٨٨٩)، والضياء في المنتقى (٩٠). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٠: رواه الطبراني في الكبير وفيه مسلمة بن علي وهو ضعيف. وقال الألبانى: موضوع الضعيفة (٢٤٤٥) وضعيف الترغيب (٢٢٦).","vol":"3","page":375},{"text":"قوله: عن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى العشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر\" الحظ هو النصيب.\n\n٦٠٦ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه كانَ يَقُول من صلى فِي مَسْجِد جمَاعَة أَرْبَعِينَ لَيْلَة لا تفوته الرَّكْعَة الأولى من صَلَاة الْعشَاء كتب الله لَهُ بهَا عتقا من النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَن عمَارَة بن غزيَّة عَن أنس بن مَالك عَن عمر وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ وَلم يذكر لَفظه وَقَالَ هُوَ حَدِيث مُرْسل يَعْنِي أَن عمَارَة بن غزيَّة وَهُوَ الْمَازِني الْمدنِي لم يدْرك أنسا (^١).\nقوله: وعن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على عمر - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله له بها عتقا من النار\" وفي حديث تقدم: \"كتب له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق\" وروى البزار في مسنده عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"لكل شيء صفوة وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها\" (^٢) قال الأصحاب: إدراك تكبيرة الإحرام\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٩٨)، وأبو يعلى في المسند الكبير كما في مسند الفاروق لابن كثير ١/ ١٩٧، وأبو أحمد الحاكم في الفوائد (٢٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧ رقم ٢٦١٦). وقال الدارقطنى في العلل (١٥١): وإنما رواه أبو العلاء الخفاف، عن حبيب أبي عميرة الإسكاف الكوفي، عن أنس. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٣) و(٢٢٧).\n(^٢) أخرجه البزار (٩٦٧٥)، وأبو يعلى (٦١٤٣)، والعقيلى في الضعفاء (١/ ٢٤٤)، وابن =","vol":"3","page":376},{"text":"فضيلة تستحب المواظبة عليها مع الإمام بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت الإقامة ويدل لذلك ما في الصحيحين من قوله - ﷺ -: \"إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا\" (^١) لأن الفاء مدلولها التعقب والحديث صحيح في الأمر بذلك، واختلفوا بما تدرك هذه الفضيلة على خمسة أوجه أصحها بأن تشتغل بالتحرم عقب تحرم إمامه من غير وسوسة ظاهرة فإن أخر لم يدركها (^٢)؛ والثاني: يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة فقط (^٣)، والثالث: بأن يدركها في الركوع في الركعة الأولى (^٤)، والرابع: بأن يدرك شيئا من القيام (^٥)، والخامس: إن شغله أمر دنيوي لم يدرك بالركوع فإن منعه عذر أو سبب الصلاة كالطهارة أدرك به (^٦)، وقال في الإحياء بعد ذكر هذا الحديث إن\n_________\n= عدى (٣/ ١٧٤)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥ رقم ٢٦٤٩ و٢٦٥٠). قال البزار: فذكر عمرو بن علي على الإنكار منه على الحسن بن السكن وحفظته عنه فكتبته من غير أن يمله على عمرو بن علي ولم يكن يرضى هذا الشيخ. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٠٣: رواه البزار، وفيه: الحسن بن السكن، ضعفه أحمد، وذكره ابن حبان في الثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٣٢٣).\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٨) و(٦٨٩) و(٧٣٢) و(٧٣٣) و(٨٠٥) و(١١١٤)، ومسلم (٧٧ و٧٨ و٧٩ و٨٠ و٨١ - ٤١١) عن أنس.\n(^٢) القول التمام (ص ١٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٢٩).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٣٣٠).\n(^٤) القول التمام (ص ٣٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٣٠).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٣٣٠).\n(^٦) النجم الوهاج (٢/ ٣٣٠).","vol":"3","page":377},{"text":"السلف كانوا يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام (^١) وتقدم ذلك.\nتنبيه: كان الشيخ أبو العباس المرسي يلقن للوسواس سبحان الملك الخلاق: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ (^٢) (^٣) وتكبيرة الإحرام واجبة عند الأئمة الأربعة والنووي والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم لا تصح الصلاة إلا بها فلو تركها الإمام أو المأموم عمدًا أو سهوًا لم تنعقد صلاته ولا تجزئ عنها تكبيرة الركوع ولا غيرها هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود والجمهور (^٤)، ولفظ التكبير: الله أكبر، فهذا يجزئ بالإجماع، قال الشافعي: ويجزئ الله أكبر لا يجزئ غيرهما، وقال مالك لا تجزئ إلا بالله أكبر وأجاز أبو يوسف الله الكبير وأجاز أبو حنيفة الاقتصار على لفظ فيه التعظيم لله كقوله الرحمن أكبر والله الأجل أو الأعظم وخالفه الجمهور (^٥) وتقدم شيء من هذا.\nقوله: في حديث عمر رواه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن عياش عن\n_________\n(^١) الإحياء (١/ ١٤٩).\n(^٢) سورة إبراهيم، الآيتان: ١٩ - ٢٠.\n(^٣) ذكره ابن حجر الهيتمى في الفتاوى الكبرى (١/ ١٥٠) عن أبي الحسن الشاذلى.\n(^٤) المجموع (٣/ ٢٩١).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٤/ ٩٦).","vol":"3","page":378},{"text":"عمارة بن حزم وهو المازني المدني صدوق مشهور أنصاري، توفي سنة أربعين ومائة.\nفرع: لو خاف قاصد الجماعة فوت فضيلة التحرم لم يستحب له الإسراع عند الجمهور خلافا لأبي إسحاق المروزي، قال الفارقي: ويظهر أنه لو خشي فوات الجماعة بجملتها يسرع لأنه - ﷺ - إنما أمر بالمشي مع إمكان إدراك الصلاة، ولهذا قال - ﷺ -: \"فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا\" فدل على أنه خطاب لمن يعلم أنه يدرك بعض الصلاة، وقيل: إذا خاف فوت بعض الجماعة أو كلها أسرع كل هذا ما لم يضق الوقت فإن ضاق وخشي فواته أسرع لا محالة قاله الكمال الدميري (^١).\n\n٦٠٧ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تَوَضَّأ ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد فصلى رَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ثمَّ جلس حَتَّى يُصَلِّي الْفجْر كتبت صلَاته يَوْمئِذٍ فِي صَلَاة الأبْرَار وَكتب فِي وَفد الرَّحْمَن رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن الْقَاسِم أبي عبد الرَّحْمَن عَن أبي أُمَامَة (^٢).\nقوله: عن أبي أمامة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ثم جلس يصلي الفجر كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار وكتب في وفد الرحمن\" تقدم الكلام على صلاة الفجر وأنها الصبح وعلى\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ١٧٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٨٥ رقم ٧٧٦٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤١: رواه الطبراني في الكبير وفيه القاسم أبو عبد الرحمن وهو مختلف في الاحتجاج به. وقال الألبانى: منكر الضعيفة (٦٧٢٣) وضعيف الترغيب (٢٢٨).","vol":"3","page":379},{"text":"أسمائها، الأبرار جمع [\"بر\"، وهم الذين بروا الله ﵎ بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتى أرضوه فرضي عنهم]؛ والوفد: الجماعة المختارة من القوم، واحدهم وافد (^١).\n\n٦٠٨ - وَعَن أبي بن كَعْب - ﵁ - قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا الصُّبْح فَقَالَ أشاهد فلَان قَالُوا لا قَالَ أشاهد فلَان قَالُوا لا قَالَ إِن هَاتين الصَّلَاتَيْنِ أثقل الصَّلَوَات على الْمُنَافِقين وَلَو تعلمُونَ مَا فيهمَا لأتيتموهما وَلَو حبوا على الركب الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي كثْرَة الْجَمَاعَة (^٢).\nقوله: عن أبي بن كعب، تقدم.\nقوله: صلى بنا رسول الله - ﷺ - يوما الصبح فقال: \"أشاهد فلان، إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين\" الحديث، إنما كانت هاتان الصلاتان أثقل عليهما وقت العشاء وقت الإيواء إلى البيوت والاجتماع مع الأهل وطلب الراحة من متابع السعي بالنهار، وأما الصبح فإنها في وقت لذة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٨١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٤٠ (٢١٢٦٥) و(٢١٢٦٦) و٥/ ١٤١ (٢١٢٦٩)، وعبد الله بن أحمد في الزوائد ٥/ ١٤٠ (٢١٢٦٧) و(٢١٢٦٨) و٥/ ١٤١ (٢١٢٧٠) و(٢١٢٧١)، وعبد بن حميد (١٧٣)، والدارمى (١٣٠٥ - ١٣٠٨)، وأبو داود (٥٥٤)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٢٨٤ (٨٥٥) والكبرى (١٠٠٥)، وابن خزيمة (١٤٧٦ و١٤٧٧)، وابن حبان (٢٠٥٦) و(٢٠٥٧)، والحاكم (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨). وحسنه الألباني في المشكاة (١٤٧٦) وصحيح أبي داود (٥٦٣)، وصحيح الترغيب (٤١١) و(٤١٩).","vol":"3","page":380},{"text":"النوم وإن كان في الشتاء كان في وقت شدة البرد وإن كان في الصيف كانت في وقت الراحة من ألم الحر ولأن وقتهما داخل في وقت الظلمة، فلما قوي الصارف عن الفعل ثقلت على المنافقين، وأما المؤمن الكامل الإيمان فهو عالم بزيادة الأجر لزيادة المشقة فتكون هذه الأمور داعية إلى الفعل كما كانت صارفة للمنافقين (^١) انتهى.\nتنبيه: قال الحافظ: واسم المنافق لم يكن معروفا عند العرب ولكن الله تعالى اشتق له ذلك من نافق اليربوع فلما كان المنافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر اشتق له هذا الاسم من نافقا اليربوع والله أعلم.\n\n٦٠٩ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة فَهُوَ فِي ذمَّة الله تَعَالَى رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\n\n٦١٠ - وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث أبي بكر الصّديق - ﵁ - وَزَاد فِيهِ فَلَا تخفروا الله فِي عَهده فَمن قَتله طلبه الله حَتَّى يكبه فِي النَّار على وَجهه (^٣) رَوَاهُ مُسلم\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٩٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٠١١٣)، وابن ماجه (٣٩٤٦)، والبزار (٤٥٩٧)، والرويانى (٧٩٢) و(٨٣٢)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٢٤ رقم ٦٩٣٤)، قال البزار: وهذا الحديث قد رواه قتادة وداود عن الحسن عن جندب، وهو الصواب عندنا. قال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٦٨: هذا إسناد صحيح إن كان الحسن سمع من سمرة وأشعث هو ابن عبد الملك. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٤٥)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٠٨)، والضياء المقدسي في المختارة (٦٤). وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٦٧: هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢١) و(٤٦١).","vol":"3","page":381},{"text":"من حَدِيث جُنْدُب وَتقدم فِي الصَّلَوَات الْخمس (^١).\nيُقَال: أخفرت الرجل بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة إِذا نقضت عَهده.\nقوله: عن سمرة بن جندب تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله تعالى\" الحديث معناه في أمانه وضمانه، فالمراد بالذمة هنا الضمان (^٢)، وقيل: الذمة الأمان والعهد (^٣).\nوقوله: وزاد في حديث أبي بكر \"فلا تخفروا الله في عهده فمن نقله طلبه الله حتى يكبه الله النار على وجهه\" يقال: أخفرت الرجل بالخاء المعجمة إذا نقضت عهده قاله المنذري، ومنه الحديث: \"من صلي الصبح فهو في خفرة الله فهو في ذمته وجواره\" والخفرة والخفارة سواء، وقال الخطابي ﵀ في قوله - ﷺ -: \"فلا تخفروا الله\" معناه: لا تخونوا الله في تضييع حق من هذا سبيله يقال: أخفرت الرجل إذا حميته وأخفرته إذا غدرت به ولم تف بما ضمنته من حفظه وحمايته (^٤) انتهى.\n\n٦١١ - وَرُوِيَ عَن سلمَان - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من غَدا إِلَى صَلَاة الصُّبْح غَدا براية الإِيمَان وَمن غَدا إِلَى السُّوق غَدا براية الشَّيْطَان رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦١ - ٦٥٧) و(٢٦٢ - ٦٥٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٨).\n(^٣) كشف المشكل (١/ ١٩٥)، والمفاتيح (١/ ٨٠).\n(^٤) أعلام الحديث (١/ ٣٧٥).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٢٢٣٤)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل ٢/ ٣٤٢، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٤١٨، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٥٥ رقم ٦١٤٦)، والمخلص في =","vol":"3","page":382},{"text":"قوله: عن سلمان هو الفارسي تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من غدا إلى صلاة الصبح غدا براية الإيمان ومن غدا إلى السوق غدا براية الشيطان\" رواه ابن ماجه، وروى الطبراني من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"ما من خارج يخرج من بيته إلا ببابه رايتان راية بيد ملك وراية بيد شيطان فإن خرج لما يحب الله تعالى اتبعه الملك برايته فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته وإن خرج لما يسخط الله تعالى اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته\" (^١) ا. هـ.\n\n٦١٢ - وَرُوِيَ عَن مَيْثَمٍ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - قَالَ بَلغنِي أَن الْملك يَغْدُو برايته مَعَ أول من يَغْدُو إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يزَال بهَا مَعَه حَتَّى يرجع فَيدْخل بهَا منزله وَإِن الشَّيْطَان يَغْدُو برايته إِلَى السُّوق مَعَ أول من يَغْدُو فَلَا يزَال بهَا مَعَه حَتَّى يرجع فيدخلها منزله رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَأَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة وَغَيرهَا (^٢).\n_________\n= المخلصيات (١٠٥٥). وقال أحمد في العلل ٢/ ٣٤٢: حديث منكر.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبيس بن ميمون، وهو ضعيف متروك. وضعفه الألباني في المشكاة (٦٤٠) وضعيف الترغيب (٢٢٩).\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٣ (٨٢٨٦)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٩٩ رقم ٤٧٨٦). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عثمان بن محمد الأخنسي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٢: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وثقه مالك، وضعفه أحمد ويحيى في رواية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٧١٥) ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٣٥٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٢).","vol":"3","page":383},{"text":"قوله: وروي عن ميثم رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، هو: ميثم [رجل من الصحابة، حديثه عند عبد الله بن الحارث، ذكره ابن أبي عاصم في الوحدان (^١)].\nقوله: بلغني أن الملك يغدو برايته مع أول من يغدو إلى المسجد فلا يزال بها معه حتى يرجع. الحديث، وروى مسلم في باب فضل أم سلمة عن سلمان قال: \"لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته\" رواه مسلم موقوفا على سلمان من قوله، وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعا إلى النبي - ﷺ - من طريق صحيح (^٢) وهو الذي يليق بسياق الحديث لأن معناه ليس مما يدرك بالرأي والقياس، إنما يدرك بالوحي (^٣)، ففي هذه الأحاديث ذم السوق فإنها معركة الشيطان، والمعركة والمعترك موضع القتال أي: موطن الشيطان ومحله الذي يأوي إليه ويكثر منه (^٤)، سميا بذلك لتعارك الأبطال فيه ومصارعة بعضهم بعضا في السوق، وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم لما يجري فيه من\n_________\n(^١) الاستيعاب ت (٢٦١٧)، أسد الغابة ت (٥١٥٢).\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد (٨٢١)، ومسلم (١٠٠ - ٢٤٥١) موقوفًا. وأخرجه البزار (٢٥٤١)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٤٨ رقم ٦١١٨) و(٦/ ٢٥٢ رقم ٦١٣١) مرفوعا.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٧: رواه الطبراني في الكبير، وفي الرواية الأولى: القاسم بن يزيد، فإن كان هو الجرمي فهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي الثانية: يزيد بن سفيان، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة تحت حديث (٧٠٧٣).\n(^٣) المفهم (٢٠/ ٩٦).\n(^٤) النهاية (٣/ ٢٢٢).","vol":"3","page":384},{"text":"الحرام والمكر والخداع والتساهل في البيوع الفاسدة والربا والغصب والكذب والإيمان الكاذبة واختلاط النساء وغير ذلك بمعركة الحرب (^١)، ولذلك قال: \"وبها تنصب رايته\" كناية عن قوة طمعه في إغوائهم لأن الرايات في الحرب لا تنصب إلى مع قوة الطمع في الغلبة وإلا فهي مع اليأس تحط ولا ترفع انتهى قاله ابن الأثير (^٢).\nوقيل: \"وبها تنصب رايته\" إعلام بأذانه في الأسواق وجمع أعوانه إليه فيها (^٣)، ويفيد هذا الحديث أن الأسواق إذا كانت موطن الشياطين ومواضع إهلاك الناس فينبغي للإنسان أن لا يدخلها إلا بحكم الضرورة كالمراحيض التي هي مأوي الشياطين، ولذلك قال: \"لا تكن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها\" لأن من كان أول داخل بها وآخر خارج منها يكون من استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله وصرفه عن أمر دينه وجعل همه السوق وما يفعل فيها، فحق من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده وأنه إن أقام هنالك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر الضرورة ويحذر من سوء عاقبته وبليته (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) المفهم (٢٠/ ٩٦)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٧).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٢٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٧)، والمفهم (٢٠/ ٩٦).\n(^٤) المفهم (٢٠/ ٩٧).","vol":"3","page":385},{"text":"تنبيه: ليس في هذه الأحاديث التي ذكر فيها الأسواق معارضة لحديث: \"بورك لأمتي في بكورها\" وسيأتي هذا الحديث في الترغيب في التبكير في طلب الرزق، فإن ذاك في التبكير وهذا في السبق إلى السوق فالسابق إليها مذموم والمبكر إلى حوائجه محمود وذاك عام وهذا خاص، لأن ذلك في كل مقصود دنيوي وديني وهذا في قضية خاصة، فإن المبكر إلى السوق مبادر إلى طلب الدنيا والمبكر إلى المسجد مبادر إلى طلب الأخرى، وفي حديث الجمعة: \"من بكر وابتكر\" المراد بالتبكير أداء الصلاة في أول وقتها، وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه، وأما بكر فمعناه أدرك أول الخطبة وأول كل شيء باكورته، وقيل: معنى اللفظين واحد انتهى قاله الكمال الدميري (^١).\n\n٦١٣ - وَعَن أبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة أَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - فقد سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة فِي صَلَاة الصُّبْح وَإِن عمر غَدا إِلَى السُّوق ومسكن سُلَيْمَان بَين الْمَسْجِد والسوق فَمر على الشِّفَاء أم سُلَيْمَان فَقَالَ لَهَا لم أر سُلَيْمَان فِي الصُّبْح فَقَالَت لَهُ إِنَّه بَات يُصَلِّي فغلبته عَيناهُ قَالَ عمر لَهُ لأن أشهد صَلَاة الصُّبْح فِي جمَاعَة أحب إِلَيّ من أَن أقوم لَيْلَة\" رَوَاهُ مَالك (^٢).\nقوله: عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح وأن عمر غدا إلى السوق ومسكن سليمان بين المسجد والسوق فمر على الشفاء أم سليمان فقال لها\n_________\n(^١) انظر: النهاية (١/ ١٤٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٩١).\n(^٢) أخرجه مالك (٣٤٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٣).","vol":"3","page":386},{"text":": لم أر سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه، الحديث، والشفاء أم سليمان هذه قرشية عدوية أسلمت قبل الهجرة، وكان النبي - ﷺ - يأتيها ويقيل في بيتها، واسمها ليلى بنت عبد الله بن هاشم، ويقال: ابن عبد شمس، والشفاء لقب غلبها وهي بكسر الشين وبالفاء والمد، وحكى الدارقطني في كتاب العلل أن ابن عفير يقول: الشفاء بفتح الشين وتشديد الفاء، وقال هي جدتي (^١).\nوقولها: فغلبته عيناه، المراد بذلك أنه نام عن صلاة الصبح والنوم من الأعذار.\nقوله: قال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أقوم ليلة، معناه: لأن أحضر صلاة الصبح في جماعة أحب من أن أقوم ليلة.\n\n٦١٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من مَشى فِي ظلمَة اللَّيْل إِلَى الْمَسَاجِد لَقِي الله ﷿ بِنور يَوْم الْقِيَامَة\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَلابْن حبَان فِي صَحِيحه نَحوه (^٢).\n_________\n(^١) العلل (١٥/ ٣٠٩)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨ ترجمة ٧٨٦٩).\n(^٢) أخرجه الدارمي (١٤٢٩)، وابن حبان (٢٠٤٦)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٦٩ رقم ٤٦٩٧) و(٦/ ٣٧٠ - ٣٧١ رقم ٦٦٤٤) والشاميين (٣٥١٣)، والمخلص في المخلصيات (٢٣٥١). وقال الطبراني في الموضع الثانى: لم يرو هذا الحديث عن مكحول إلا جنادة، تفرد به زيد بن أبي أنيسة. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وقال: وفيه جنادة بن أبي خالد ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٨) و(٤٢٤).","vol":"3","page":387},{"text":"٦١٥ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - بشر الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلم إِلَى الْمَسَاجِد بالنورِ التَّام يَوْم الْقِيَامَة\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَتقدم مَعَ غَيره (^١).\nوتقدم الكلام على حديث أبي الدرداء وحديث سهل بن سعد قريبا والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٨٠) وابن خزيمة (١٤٩٨) و(١٤٩٩)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٧ رقم ٥٨٠٠)، والحاكم ١/ ٢١٢ و٢/ ٢١١. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وصححه الألباني في المشكاة (٧٢٢) وصحيح الترغيب (٤٢٥).","vol":"3","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>[الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر]</span>\n٦١٦ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سمع النداء فَلم يمنعهُ من اتِّبَاعه عذر قَالُوا وَمَا الْعذر قَالَ خوف أَو مرض لم تقبل مِنْهُ الصَّلَاة الَّتِي صلى\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَابْن مَاجَه بِنَحْوِهِ (^١).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على فضائله.\nقوله - ﷺ -: \"من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر\" الحديث، المراد بالنداء الأذان، وتقدم الكلام على ذلك.\nقوله: \"فلم يمنعه من اتباعه عذر\" ففيه: أنه إذا خلف لعذر فلا لوم عليه، ومن الأعذار البرد والريح والمطر، وشرط كون المطر عذرا أن يحصل به مشقة كما صرح به الرافعي في الكلام على المرض فعلى هذا لا يعذر بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشى فى كن (^٢) والله أعلم؛ ومن الأعذار أيضًا الوحل لأنه أشق المطر (^٣)، وأما الثلج فإن بل الثوب فكذلك (^٤)، ومن\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، وأبو داود (٥٥١)، وابن حبان (٢٠٦٤). وصححه إلا الجملة الأخير الألباني في صحيح أبي داود (٥٦٠) وضعفه في ضعيف الترغيب (٢٣٠).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٣٣٨).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٣٣٩).\n(^٤) المجموع (٤/ ٢٠٤).","vol":"3","page":389},{"text":"الأعذار أيضا الزلزلة فهذه الأعذار العامة (^١)، وأما الأعذار الخاصة: فالمرض لأن النبي - ﷺ - لما مرض ترك الخروج إلى الجماعة أياما كثيرة وضبطه الأصحاب بأن يشق معه القصد إلى الجماعة مشقة كمشقة المشي في المطر، فإن كانت مشقة يسير كوجع الضرس والصداع اليسير والحمى الخفيفة فليس بعذر (^٢)، وأما الخوف فالمراد به الخوف من ظالم على نفس أو مال فالمراد النفس والمال المعصومان، والنووي هنا وفي باب التيمم نكر النفس والمال ليشمل ماله ومال غيره ممن يلزمه الذب عنه، ولهذا كان أحسن من قول الشرحين والروضة إلا أن يخاف على نفسه أو ماله، قال الرافعي: ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم بمنعه بل عليه الحضور وتوفية الحق، ويدخل في باب الخوف ما إذا كان خبزه فى التنور أو قدره على النار ولا متعهد لهما (^٣)، والمراد بالعذر أن يسقط إثمه على قول الفرض والكراهة على قول السنة، واختلفوا إذا تركها لعذر هل يحصل له فضلها فقطع في شرح المهذب بعدم الحصول، قال النووي: وهو ظاهر إذا لم يكن عادة بها فإن كان لازما لها يحصل لقوله - ﷺ -: \"إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيما\" رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، وقال الروياني وابن الرفعة: كما ينفي العذر الحرج تحصل فضيلة الجماعة إذا كان قصده\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٥٤٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٤٤).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٣٣٩).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٣٤٠).","vol":"3","page":390},{"text":"الجماعة لولا العذر وبه قال القفال والغزالي في الخلاصة وهو الصواب ففي سنن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا\" وذكر الرافعي في باب صفة الصلاة: \"أن من صلى قاعدًا حصلت له فضيلة القيام\" وقال في شرح المهذب: لا خلاف فيه (^١) انتهى.\nومن الأعذار الخاصة: الجوع والعطش ومدافعة الحدث وخوف الظالم كما تقدم والغريم المعسر وعقوبة يرجى العفو عنها بالتغيب واستشكله الإمام وأكل ذي ريح كريهة ولو كان فجلا كما رواه الطبراني (^٢)، ومن الأعذار أيضًا التمريض للقريب والصهر والصديق وسفر الرفيق والخوف على الخبز من الحريق، ومنها: غلبة النعاس والنوم وكذا السمن المفرط المانع من الحضور قاله ابن حبان (^٣)، ومنها: كونه في نوبة من يقسم لها لأن حقها واجب فهو كذلك، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"لم تقبل منه الصلاة التي صلى\" حمل الجمهور قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه لا صلاة له على نقصان الأجر والفضيلة، والمراد به\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٣٤٠ - ٣٤٢).\n(^٣) المجموع (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، وكفاية النبيه (٣/ ٥٤٧ - ٥٤٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"3","page":391},{"text":"لم يقبل صلاته قبولا تاما كاملا وإن كان نفي الحقيقة أقرب لكن الجمع بين الأحاديث بذلك أولى، وهذا إذا صلى منفردا ولم يأت المسجد، أما إذا أتى إليه من غير تقصير ولم يدرك الجماعة فإنه يكتب له أجرها.\n\n٦١٧ - وَعنهُ - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من سمع النداء فَلم يجب فَلَا صَلَاة لَهُ إِلَّا من عذر\" رَوَاهُ الْقَاسِم بن أصبغ فِي كتَابه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر\" الحديث يجيب عنه بأن النداء نداء جمعة، والمراد بالإجابة هنا الإجابة بالقدم لا باللسان قاله في تهذيب النفوس.\nقوله: \"إلا من عذر\" تقدم الكلام على بعض الأعذار التي ذكرها العلماء في كتب الفقه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، وابن حبان (٢٠٦٤)، والحسن بن سفيان في الأربعون (٢٢)، وقاسم بن أصبغ في كتابه، كما في المحلى ٤/ ١٩٠، والبغوى في الجعديات (٤٨٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٨٩٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣١٤ - ٣١٥ رقم ٤٣٠٣) والكبير (١١/ ٤٤٦ رقم ١٢٢٦٦)، والحاكم (١/ ٢٤٥). وقال الحاكم: \"هذا حديث قد أوقفه غندر، وأكثر أصحاب شعبة وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وقراد أبو نوح ثقتان، فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما وله في سنده عن عدي بن ثابت شواهد، فمنها\". وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٦).\n(^٢) سورة الحج، الآية: ٧٨.","vol":"3","page":392},{"text":"وسئل ابن عباس عن العذر قال: خوف أو مرض كما تقدم في أول الباب، وتقدم نفس الخوف والمرض في الحديث الأول فكل هذه أعذار لفوت حضور الجماعة فمن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب الفقه والله أعلم.\nقوله: رواه قاسم بن أصبغ في كتابه هو قاسم بن أصبغ بالغين المعجمة بن محمد بن يوسف بن واضح بن عطاء مولى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك يعرف بالبياني كنيته أبو محمد، سمع من أئمة المشرق والأندلس، ويحقق بعلم الحديث وكان أحد الحفاظ المتقنين ولد سنة سبع وأربعين ومائتين، وتوفي سنة أربعين وثلثمائة (^١) قاله في شرح الإلمام.\n\n٦١٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من ثَلَاثَة فِي قَرْيَة وَلَا بَدو لَا تُقَام فيهم الصَّلَاة إِلَّا قد استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان فَعَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فَإِنَّمَا يَأْكل الذِّئْب من الْغنم القاصية رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم (^٢) وَزَاد رزين فِي جَامعه وَإِن ذِئْب الْإِنْسَان الشَّيْطَان إِذا خلا بِهِ أكله (^٣). وَتقدم حَدِيث ابْن مَسْعُود - ﵁ -\n_________\n(^١) تاريخ علماء الأندلس (١/ ٤٠٦ - ٤٠٨)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٧٢ - ٤٧٤).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٠٦) والمسند (٧٣)، وابن أبي شيبة في المسند (٣١)، وأحمد ٥/ ١٩٦ (٢١٧١٠) و٦/ ٤٤٦ (٢٧٥١٤)، وأبو داود (٥٤٧)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٨٨ (٨٥٩) والكبرى (١٠٠٨)، وابن خزيمة (١٤٨٦)، وابن حبان (٢١٠١)، والحاكم ١/ ٢١١ و٢٤٦ و٢/ ٤٨٢، والبيهقى في الصغير (١/ ١٨٨ رقم ٤٨١) والكبرى (٣/ ٧٧ رقم ٤٩٢٩)، والبغوى (٧٩٣). وحسنه الألباني في المشكاة (١٠٦٧) وصحيح أبي داود (٥٥٦) وصحيح الترغيب (٤٢٧).\n(^٣) ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣١).","vol":"3","page":393},{"text":"وَفِيه وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتكُمْ كلمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُم وَلَو تركتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (^١).\n\n٦١٩ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لكَفَرْتُمْ (^٢)، وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة فِي الْمَعْنى مَرْفُوعًا.\nقوله: عن أبي الدرداء واسمه عويمر تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان\" الحديث، استحوذ أي: استولى عليهم وغلب وتمكن وحواهم إليه، وهذه اللفظة أحد ما جاء على الأصل من غير إعلال خارجة عن أخواتها، نحو استقال واستقام قاله ابن الأثير في النهاية (^٣)، واستحواذ الشيطان لا يكون إلا بترك الواجب (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية\" القاصية البعيدة المتنحية عن القطيع، وفي بعض النسخ \"عن الأغنام\" والقاصي البعيد والقصاء الناحية، وفي بعض الأحاديث القاصية والشاذة المنفردة (^٥)، يعني: أن الشيطان بعيد من الجماعة كما أن الذئب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦ و٢٥٧ - ٦٥٤)، وابن ماجه (٧٧٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٥٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣٢).\n(^٣) النهاية (١/ ٤٥٧).\n(^٤) تحفة الأبرار (١/ ٣٢٢).\n(^٥) الغريبين (٢/ ٧٢٠).","vol":"3","page":394},{"text":"لا يأكل الغنم المجتمعة لإطلاع الراعي عليها ويستولي الشيطان على من فارق الجماعة كما أن الذئب يأكل الشاة المنفردة عن الأغنام والراعي للجماعة نظر الله تعالى (^١)، شبه النبي - ﷺ - تمكن الشيطان من المنفرد عن الجماعة بتمكن الذئب من الشاة المنفردة البعيدة عن الأهل والغنم (^٢).\nويؤيد: ذلك أيضًا قوله - ﷺ -: \"وإن ذئب الإنسان الشيطان إن خلا به أكله\" كما رواه رزين العبدري في جامعه والله أعلم.\n\n٦٢٠ - وَعَن معَاذ بن أنس - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ الْجفَاء كل الْجفَاء وَالْكفْر والنفاق من سمع مُنَادِي الله يُنَادي إِلَى الصَّلَاة فَلَا يجِيبه رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة زبان بن فائد (^٣).\n\n٦٢١ - وَفِي رِوَايَة للطبراني قَالَ: رَسُول الله - ﷺ - بِحَسب الْمُؤمن من الشَّقَاء والخيبة أَن يسمع الْمُؤَذّن يثوب بِالصَّلَاةِ فَلَا يجِيبه (^٤)\nالتثويب هَاهُنَا اسْم لإِقَامَة الصَّلَاة.\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٢٢١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٩٥).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٩ (١٥٦٢٧)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٨٣ (٣٩٤ و٣٩٥)، والطيورى في الطيوريات (٣٩٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤١ - ٤٢: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه زبان بن فائد ضعفه ابن معين ووثقه أبو حاتم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣٣).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٠/ ١٨٣ (٣٩٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٢: رواه الطبراني في الكبير وفيه زبان أيضًا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣٣).","vol":"3","page":395},{"text":"قوله: عن معاذ بن أنس هو: معاذ بن أنس [هو معاذ بن أنس الجهني، والد سهل سكن مصر، روى عنه ابنه سهل، وله نسخة كبيرة عند ابنه سهل، أورد منها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والنسائي، وأبو عيسى، وابن ماجه، والأئمة بعدهم في كتبهم (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"الجفا كل الجفا والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصلوات فلا يجيبه\" الجفا معروف مشهور، والكفر ينقسم إلى أربعة أقسام، الأول: النفاق، والثاني: كفر عناد وهو أن يعلم الحق ويترك الإيمان عنادًا كما قال أبو طالب:\nلقد علمت دين محمد ... من خير أديان البرية دينا\nلولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مقيما\nالثالث: كفر الجحود وهو أن يعترف أولا ثم يجحد الاعتراف ومنه كفر المرتد. والرابع: كفر الاعتقاد أعاذنا الله منه بمنه وكرمه (^٢)، وتقدم المراد أن النداء الأذان، وتقدم أيضًا أن المراد بالإجابة بالقدم لا باللسان.\nقوله: رواه الطبراني من رواية زبان بن فائد هو زبان بن فائد [أبو جوين الحمراوي، وهي محلة بطرف فسطاط مصر، كان على المظالم بمصر في إمرة عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير أمير مصر لمروان بن محمد ضعفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه مناكير ووثقه أبو حاتم وقال ابن\n_________\n(^١) أسد الغابة (٤/ ٤١٧ ترجمة ٤٩٥٠).\n(^٢) تهذيب اللغة (١٠/ ١١٠ - ١١١).","vol":"3","page":396},{"text":"يونس: كان على مظالم مصر وكان من أعدل ولاتهم].\nقوله: في رواية الطبراني قال: \"بحسب المؤمن من الخيبة والشقاء أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه\" أي: يكفيه، والمراد بالتثويب هنا اسم لإقامة الصلاة وتقدم الكلام أيضا على الإجابة.\n\n٦٢٢ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لقد هَمَمْت أَن آمُر فتيتي فيجمعوا لي حزما من حطب ثمَّ آتِي قوما يصلونَ فِي بُيُوتهم لَيست بهم عِلّة فأحرقها عَلَيْهِم فَقيل ليزِيد هُوَ ابْن الْأَصَم الْجُمُعَة عَنى أَو غَيرهَا قَالَ صمت أذناي إِن لم أكن سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يأثره عَن رَسُول الله - ﷺ - وَلم يذكر جُمُعَة وَلا غَيرهَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ مُخْتَصرًا (^١).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا إلى حزما من حطب فأتى قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم\" الحديث، قال الإمام أبو عبد الله القرطبى: وإنما يخرج هذا الحديث مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة (^٢)، قال القاضي عياض والبيضاوي: الجواب أن التحريق كان لاستهانتهم وعدم مبالاتهم بها لا لمجرد الترك أو المراد بها الجمعة، أو المراد إلى رجال تركوا نفس الصلاة لا الجماعة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٣ - ٦٥١)، وابن ماجه (٧٩١)، وأبو داود (٥٤٩)، والترمذى (٢١٧).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٣).\n(^٣) الكواكب الدراري (٥/ ٣٧).","vol":"3","page":397},{"text":"واعلم أن هذا الأحاديث تدل على أن الصلاة في الجماعة سنة انفلتت صلاة الفذ وسماها صلاة لكن جعل فضيلته أنقص منها.\n\n٦٢٣ - وَعَن عَمْرو بن أم مَكْتُوم - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَنا ضَرِير شاسع الدَّار ولي قَائِد لا يلايمني فَهَل تَجِد لي رخصَة أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي قَالَ أتسمع النداء قَالَ نعم قَالَ مَا أجد لَك رخصَة\" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم (^١).\n\n٦٢٤ - وَفِي رِوَايَة لأحمد عَنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله - ﷺ - أَتَى الْمَسْجِد فَرَأى فِي الْقَوْم رقة فَقَالَ إِنِّي لأهم أَن أجعَل للنَّاس إِمَامًا ثمَّ أخرج فَلَا أقدر على إِنْسَان يتَخَلَّف عَن الصَّلاة فِي بَيته إِلَّا أحرقته عَلَيْهِ فَقَالَ ابْن أم مَكْتُوم يَا رَسُول الله إِن بيني وَبَين الْمَسْجِد نخلا وشجرا وَلَا أقدر على قَائِد كل سَاعَة أيسعني أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي قَالَ أتسمع الْإِقَامَة قَالَ نعم قَالَ فائتها وَإسْنَاد هَذِه جيد (^٢)\nقَوْله: شاسع الدَّار هُوَ بالشين الْمُعْجَمَة أَولا وَالسِّين وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعد الْألف أَي بعيد الدَّار وَلَا يلايمني أَي لَا يوافقني وَفِي نسخ أبي دَاوُد لَا يلاومني بِالْوَاو وَلَيْسَ بصواب قَالَه الْخطابِيّ وَغَيره.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٣ (١٥٤٩٠)، وابن ماجه (٧٩٢)، وأبو داود (٥٥٢)، وابن خزيمة (١٤٨٠)، الطحاوي في مشكل الآثار (٥٠٨٦)، والحاكم (١/ ٢٤٧) و(٣/ ٦٣٥). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٦١) وصحيح الترغيب (٤٢٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٣ (١٥٤٩١)، وابن خزيمة (١٤٧٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٠٨٧ و٥٠٨٨)، والحاكم (١/ ٢٤٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٩).","vol":"3","page":398},{"text":"قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْمُنْذر: روينَا عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - أَنهم قَالُوا من سمع النداء ثمَّ لم يجب من غير عذر فَلَا صَلَاة لَهُ مِنْهُم ابْن مَسْعُود وَأَبو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن النَّبِي - ﷺ - وَمن كَانَ يرى أَن حُضُور الْجَمَاعَات فرض عَطاء وَأحمد بن حَنبل وَأَبُو ثَوْر وَقَالَ الشَّافِعِي - ﵁ - لا أرخص لمن قدر على صَلَاة الْجَمَاعَة فِي ترك إتيانها إِلَّا من عذر (^١) انْتهى\nوَقَالَ الْخطابِيّ بعد ذكر حَدِيث ابْن أم مَكْتُوم: وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن حُضُور الْجَمَاعَة وَاجِب وَلَو كَانَ ذَلِك ندبا لَكَانَ أولى من يَسعهُ التَّخَلُّف عَنْهَا أهل الضَّرُورَة والضعف وَمن كَانَ فِي مثل حَال ابْن أم مَكْتُوم وَكَانَ عَطاء بن أبي رَبَاح يَقُول لَيْسَ لأحد من خلق الله فِي الْحَضَر وبالقرية رخصَة إِذا سمع النداء فِي أَن يدع الصَّلَاة.\nوَقَالَ الأوْزَاعِيّ لَا طَاعَة للوالد فِي ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات (^٢) انْتهى.\nقوله: عن عمرو بن أم مكتوم، سمي به لكتمان نور عينيه، هو: عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري (^٣)، هذا قول الأكثرين، وقيل: اسمه عبد الله بن زائدة، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله عاتكة بعين مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم ثاء مثلثة، هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله - ﷺ - وبعد مصعب بن عمير، واستخلفه بالمدينة\n_________\n(^١) الإشراف (٢/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢).\n(^٣) الكواكب الدراري (٥/ ١٨).","vol":"3","page":399},{"text":"ثلاث عشرة مرة في خروجه إلى الغزوات، قال ابن عبد البر: وأما قول قتادة عن أنس استخلفه مرتين فلم يبلغه ما بلغ غيره وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، أسلم قديما.\nوكان صاحب اللواء يوم فتح القادسية فاستشهد بها، وقال ابن قتيبة رجع إلى المدينة فمات بها وهو مشهور بالكنية - ﵁ - (^١).\nوفي هذا الحديث دليل على جواز نسبة الإنسان إلى أمه، وفي الصحابة جماعة عرفوا بذلك منهم ابن بجينة ويعلى بن منية والحارث بن البرصاء وغيرهم ﵃ (^٢).\nقوله: أنا ضرير شاسع الدار، هو بالشين المعجمة أولا والسين والعين المهملتين بعد الألف أي بعيد الدار، قاله الحافظ المنذري وزاد غيره، من شسع شسوعًا، والشسوع جمع، شسع النعل وهو سيره، وجمع الشاسع شواسع (^٣).\nقوله: ولي قائد لا يلائمني قياده، أي: لا يوافقني، وفي بعض النسخ: لا يلاومني بالواو وليس بصواب، قاله المنذري نقلا عن الخطابي وغيره (^٤)، انتهى.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦ ترجمة ٩٨٧).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٢١٣).\n(^٣) المجموع المغيث (٢/ ١٩٤).\n(^٤) معالم السنن (١/ ١٥٩).","vol":"3","page":400},{"text":"وفي النهاية: لا يوافقني ولا يساعدني وأصل لا يلائمني الهمزة يقال: هو يلائمني بالهمز، وقد تخفف الهمزة فتصير ياء (^١) من الملائمة وهو الموافقة، وأما قوله: \"لا يلاومني\" بالواو قال في النهاية: ولا أصل له وهو تحريف من الرواة لأن الملاومة مفاعلة من اللوم ولا معنى له في هذا الحديث (^٢).\nقوله: \"فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ \" قال: \"أتسمع النداء؟ \" قال: نعم، قال: \"ما أجد لك رخصة\" وفي رواية الإمام أحمد فقال: \"أتسمع الإقامة؟ \" قال: نعم، قال: \"فأتها\" وإسناد هذه الرواية جيد، ظاهر هذا الحديث يدل على وجوب الجماعة في الصلوات، قال الحافظ المنذري: قال الحافظ أبو بكر بن المنذر: روينا عن غير واحد من أصحاب رسول الله أنهم قالوا: من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له منهم ابن مسعود وأبو موسى الأشعري، وقد روي ذلك عن النبي - ﷺ -، وممن كان يرى أن حضور الجماعات فرض عطاء وابن حنبل وأبو ثور، قال الشافعي: لا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر (^٣) انتهى.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها سنة مؤكدة أي: تشبه الواجب في القوة (^٤)، وظاهر نصوص الشافعي ﵀ تدل على أنها من فروض\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٢٢٠).\n(^٢) النهاية (٤/ ٢٢١).\n(^٣) الإشراف (٢/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٤) تبيين الحقائق (١/ ١٢٣)، والبناية (٢/ ٣٢٤).","vol":"3","page":401},{"text":"الكفايات وعليه أكثر أصحابه (^١)، وقال بعض الظاهرية: بوجوبها واشتراطها لقوله - ﷺ -: \"من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له\" وحمل جمهور العلماء قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه لا صلاة له على الكمال والفضل (^٢) كما تقدم، وأجاب الجمهور على الحديث أيضًا بأن ذلك كان في أول الأمر حثا للمنافقين على شهود الصلاة في الجماعة وحثا لغيرهم على شهود الصلوات في الجماعة، وقد كان التخلف عن صلاة الجماعة علامة من علامات النفاق (^٣)، وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي: الذي عليه الجمهور أن حضور الجماعة من السنن المؤكدة، ويجب على من أدمن التخلف عنها من غير عذر العقوبة، قال ابن عبد البر: وهذا قول صحيح لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة\" قال المنذري: وقال الخطابي بعد ذكر حديث ابن أم مكتوم: وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب ولو كان ذلك ندبًا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرورة والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم، وكان\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٣٣٢).\n(^٢) شرح المشكاة (٤/ ١١٢٨).\n(^٣) المفهم (٦/ ٦٣).\n(^٤) تفسير القرطبى (١/ ٣٤٨).","vol":"3","page":402},{"text":"عطاء ابن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله في الحضر وبالقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة، وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجماعة والجماعات (^١) انتهى.\nوأما عطاء بن أبي رباح فهو: بفتح الراء وبالباء الموحدة المخففة وبالمهملة القرشي الفهري المكي فقيه الحرم، وكان من أجل الفقهاء وتابعي مكة، قال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد من عند الله، وحج سبعين حجة وعاش مائة سنة، قال في مجمع الأحباب: قال عطاء من جلس مجلس ذكر كفر الله بذلك المجلس سبع مائة مجلس من مجالس الباطل، وقيل لعطاء: ما مجالس الذكر، قال: مجالس الحلال والحرام، كيف تصلي؟ وكيف تصوم؟ وكيف تنكح؟ وكيف تطلق؟ وكيف تبيع وتشترى؟ قال أبو الفرج بن الجوزي: كان عطاء مولى أبي ميسرة نشأ بمكة وكان عطاء عبدا حبشيا وكان يزيد بن أبي حبيب عبدا نوبيا، وقال إبراهيم الحربي: كان عطاء عبدا أسودا لامرأة من مكة، قال النووي: ليس في التابعين أحد أكثر أتباعا للحديث من عطاء، وقال ربيعة: فاق عطاء أهل مكة في الفتوى واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته، وكان جعد الشعر أسود أفطس أشل أعور أعرج ثم عمي بعد ذلك، ومن غرائبه أنه قال: إذا أراد الإنسان سفرا فله القصر قبل خروجه ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود وخالفه الجمهور وقد أوضحته في شرح مسلم، ومن غرائبه أيضًا قال: إذا كان\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ١٦٠).","vol":"3","page":403},{"text":"يوم العيد يوم الجمعة وجب صلاة العيد ولا يجب بعدها لا جمعة ولا ظهر ولا صلاة بعد صلاة العيد إلى العصر ومات - ﵁ - سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة (^١)، أ. هـ، وتقدم الكلام على بعض ماقبه في كتاب الجمعة والله أعلم.\nوأما الأوزاعي فهو الإمام الجليل [عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد بضم المثناة من تحت وكسر الميم، الأوزاعي، الإمام المشهور. تكرر ذكره فى المختصر والمهذب في باب الحيض وغيره، كنيته أبو عمرو الشامي الدمشقي، كان إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة، كان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك ﵀، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس، ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطا إلى أن مات بها، وهو من تابعي التابعين. سمع جماعات من التابعين كعطاء بن أبي رباح، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم. وروى عنه جماعة من التابعين وشيوخه كقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، وجماعات من أقرانهم وكبار العلماء كسفيان، ومالك، وشعبة، وابن المبارك، وخلائق لا يحصون، واختلفوا فى الأوزاع التى نسب إليها، فقيل: بطن من حمير، وقيل: من همدان، بإسكان الميم، وقيل: إن الأوزاع قرية كانت عند باب الفراديس من دمشق، وقيل: هي نسبة إلى أوزاع القبائل، أي فرقها وبقايا مجتمعة من قبائل شتى، روينا عن الإمام الحافظ الحاكم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤ ترجمة ٤٠٩).","vol":"3","page":404},{"text":"محمد بن محمد بن إسحاق، وهو شيخ الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري، قال: هو منسوب إلى الأوزاع من حمير، قال: وقيل: الأوزاع قرية بدمشق خارج باب الفراديس. قال: وعرضت هذا القول على أحمد بن عمير، يعني ابن جوصا، بفتح الجيم وإسكان الواو وبالصاد المهملة، قال: وكان علامة بحديث الشام وأنساب أهلها، فلم يرضه، وقال: إنما قيل: الأوزاعي؛ لأنه من أوزاع القبائل، وبلغنا عن الهيثم بن خارجة، قال: سمعت أصحابنا يقولون: ليس هو من الأوزاع، إنما كان ينزل قرية الأوزاع. وقال الإمام أبو سليمان محمد بن عبد الله الربعي، بفتح الراء والموحدة: قال ضمرة: الأوزاعي حميري، والأوزاع من قبائل شتى. قال الربعي: وذكره ابن أبي خيثمة في تاريخه، فقال: بطن من همدان، ولم ينسب هذا القول إلى أحد. قال الربعي: فليس هو بصحيح، وقول ضمرة أصح؛ لأنه وقع على موضع مشهور بربض دمشق يعرف بالأوزاع، سكنه فى صدر الإسلام بقايا من قبائل شتى. وقال محمد بن سعد: الأوزاع بطن من همدان، والأوزاعي من أنفسهم، وفيه خلاف كثير حذفته لعدم الضرورة إليه، ولد الأوزاعي - ﵁ -، سنة ثمان وثمانين من الهجرة، ومات سنة سبع وخمسين ومائة. قال أبو زرعة الدمشقي: كان اسم الأوزاعي: عبد العزيز، فسمى نفسه عبد الرحمن. قلت: وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته، وعلو مرتبته، وكمال فضله، وأقاويل السلف، ﵏، كثيرة مشهورة مصرحة بورعه، وزهده، وعبادته، وقيامه بالحق، وكثرة حديثه، وغزارة فقهه، وشدة تمسكه","vol":"3","page":405},{"text":"بالسنة، وبراعته في الفصاحة، وإجلال أعيان أئمة عصره من الأقطار له، واعترافهم بمرتبته، وروينا عن هقل، بكسر الهاء وإسكان القاف، وهو أثبت الناس بالرواية عن الأوزاعي، قال: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها. وعن غيره: أنه أفتى في ثمانين ألف مسألة، وقال عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين: سمعت أميرا كان بالساحل وقد دفنا الأوزاعي ونحن عند القبر يقول: رحمك الله أبا عمرو، فقد كنت أخافك أكثر ممن ولاني. وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال: ما كان بالشام أحد أعلم بالسنة من الأوزاعي، وعن محمد بن شعيب قال: قلت لأمية بن يزيد: أين الأوزاعي من مكحول؟ قال: هو عندنا أرفع من مكحول، قلت له: إن مكحولا قد رأى أصحاب النبى - ﷺ -، قال: وإن كان قد رآهم، فإن فضل الأوزاعي في نفسه، فقد جمع العبادة والورع والقول بالحق، وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد. وقال أبو حاتم: الأوزاعي إمام متبع لما سمع. وعن سفيان الثوري: أنه لما بلغه مقدم الأوزاعي، فخرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته، وكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ. وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فى الطبقات أن الأوزاعي سئل عن الفقه، يعني استفتي، وله ثلاث عشرة سنة.\nوأقوال السلف فى أحواله كثيرة، وكان مولده ببعلبك، ومات فى حمام بيروت، دخل الحمام فذهب الحمامي فى حاجته وأغلق عليه الباب، ثم جاء","vol":"3","page":406},{"text":"ففتح الباب فوجده ميتا متوسدا يمينه مستقبل القبلة، ﵁ (^١)].\n\n٦٢٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ أَتَى النَّبِي - ﷺ - رجل أعمى فَقَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد فَسَأل رَسُول الله - ﷺ - أَن يرخص لَهُ يُصَلِّي فِي بَيته فَرخص لَهُ فَلَمَّا ولى دَعَاهُ فَقَالَ هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ قَالَ نعم قَالَ فأجب رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله: أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى وهو ابن أم مكتوم الذي تقدم الكلام عليه.\nقوله: فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله - ﷺ - أن يرخص له أن يصلي في بيته ثم رده وقوله له: \"فأجب\" يحتمل أنه بوحي له في الحال بذلك، ويحتمل أنه تغير اجتهاده - ﷺ - إذا قلنا بالصحيح وقول الأكثرين أنه - ﷺ - يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أولا وأراد أنه لا يجب عليه الحضور، إما للعذر وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين ثم ندبه إلى الأفضل فقال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر فأجب (^٣).\n\n٦٢٦ - وَعَن أبي الشعْثَاء الْمحَاربي - ﵁ - قَالَ كُنَّا قعُودا فِي الْمَسْجِد فَأذن الْمُؤَذّن فَقَامَ رجل من الْمَسْجِد يمشي فَأتبعهُ أَبُو هُرَيْرَة بَصَره حَتَّى خرج من\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩٨ - ٣٠٠ ترجمة ٣٥٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٥٥ - ٦٥٣)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٢٩٠ (٨٦٢) والكبرى (١٠١١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٥).","vol":"3","page":407},{"text":"الْمَسْجِد فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم - ﷺ -، رَوَاه مُسلم وَغَيره وَتقدم (^١).\nقوله: عن أبي الشعثاء المحاربي، وأبو الشعثاء بالثاء المثلثة واسمه سليم بن الأسود وهو والد أشعث بن أبي الشعثاء، وقد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث والله أعلم.\nقوله: قال: كنا قعودا في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصرح حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -، تقدم الكلام على ذلك، وعلى التكني بأبي القاسم مبسوطًا.\n\n٦٢٧ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ -: قَالَ: أقبل ابْن أم مَكْتُوم وَهُوَ أعمى وَهُوَ الَّذِي أنزل فِيهِ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ (^٢) وَكَانَ رجلًا من قُرَيْش إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُول الله بِأبي وَأمي أَنا كمَا تراني قد دبرت سني ورق عظمي وَذهب بَصرِي ولي قَائِد لا يلايمني قياده إيَّايَ فَهَل تَجِد لي رخصَة أُصَلِّي فِي بَيْتِي الصَّلَوَات فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - هَل تسمع الْمُؤَذّن فِي الْبَيْت الَّذِي أَنْت فِيهِ قَالَ نعم يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا أجد لَك رخصَة وَلَو يعلم هَذَا المتخلف عَن الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة مَا لهَذَا الْمَاشِي إِلَيْهَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٨ و٢٥٩ - ٦٥٥)، وابن ماجه (٧٣٣)، وأبو داود (٥٣٦)، والترمذى (٢٠٤).\n(^٢) سورة عبس، الآية: ١ - ٢.","vol":"3","page":408},{"text":"لأتاها وَلَو حبوا على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير من طَرِيق عَليّ بن يزِيد الألهاني عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة (^١).\nقوله: عن أبي أمامة هو الباهلي واسمه صدي بن عجلان تقدم.\nقوله: أقبل ابن أم مكتوم، تقدم الكلام على اسمه وكنيته وكنية أمه.\nقوله: فقال له: يا رسول الله بأبي وأمي أنا كما تراني قد كبرت سني ورق عظمي، الحديث، معناه: فداك أبي وأمي، وقدم الأب على الأم لشرفه على الأم ولأن الذكر في باب القدر أفضل من الأنثى.\nقوله: فهل تجد لي رخصة أن أصلي الصلوات في بيتي؟ فذكره إلى أن قال: \"ما أجد لك رخصة\" ففي هذا الحديث دلالة لمن قال الجماعة فرض عين، وتقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله، وأجاب عنه بأنه سأل هل له رخصة يصلي في بيته ويحصل له فضيلة بسبب عذره فقيل لا، وأجاب الأصحاب بأن معناه: لا رخصة لك تلحقك بفضيلة من حضرها (^٢) وبأن النبي - ﷺ - رخص لعتبان بن مالك حين شكى بصره أن يصلي في بيته وفي الاستدلال به نظر لأنه إنما امتنع من الاتيان إلى المسجد لأجل السيول التي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٤٤ رقم ٧٨٨٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٣: رواه الطبراني في الكبير وفيه علي بن يزيد الألهاني عن القاسم وقد ضعفهما الجمهور واختلف في الاحتجاج بهما. وقال الألبانى: منكر الضعيفة (٦٧٢٢) وضعيف الترغيب (٢٢٢) و(٢٣٤).\n(^٢) المجموع (٤/ ١٩٢).","vol":"3","page":409},{"text":"بينه وبين المسجد وهذا عذر مانع من حضور الجماعة (^١)، ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين (^٢)، وتقدم الكلام على الأعذار المبيحة لترك حضور الجماعة في أول الباب مبسوطًا.\nقوله: \"ولو يعلم هذا المختلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوا\" تقدم.\nقوله: رواه الطبرانى من طريق علي بن يزيد الألهاني عن القاسم [هو بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن صاحب أبي أمامة، قال أحمد: روى عنه علي بن يزيد أعاجيب وما أراها إلا من قبل القاسم، وقال ابن حبان: كان يروي عن أصحاب رسول الله - ﷺ - المعضلات، ووثقه ابن معين والجوزجاني والترمذي وصحح له، وقال يعقوب بن شيبة: منهم من يضعفه].\n\n٦٢٨ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ أَتى ابْن أم مَكْتُوم النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن منزلي شاسع وَأَنا مكفوف الْبَصَر وَأَنا أسمع الْأذَان قَالَ فَإِن سَمِعت الْأَذَان فأجب وَلَو حبوا أَو زحفا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلم يقل أَو زحفا (^٣).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٥٥).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٠٨)، وأحمد ٣/ ٣٢٦ (١٤٤٩٤) و٣/ ٣٦٧ (١٤٩٤٨)، وأبو يعلى (١٨٠٤) و(١٨٨٦) و(٢٠٧٢)، وابن حبان (٢٠٦٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٠٧ رقم ٣٧٢٦).\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٢: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجال =","vol":"3","page":410},{"text":"قوله: عن جابر هو ابن عبد الله تقدم.\nقوله: أتى ابن أم مكتوم النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن منزلي شاسع وأنا مكفوف البصر فذكره إلى أن قال: \"إن سمعت النداء فأجب ولو حبوا أو زحفا\" وقد حكى بعض العلماء قوله: \"فأجب\" على الندب، وقال القرطبي: لو تحقق النبي - ﷺ - لابن أم مكتوم عذرا لعذره كما اتفق لعتبان بن مالك (^١).\nوقوله: \"هل تسمع النداء بالصلاة؟ \" قال: نعم، قال: \"فأجب\"، يدل على أن ذلك كان في الجمعة وحينئذ فلا تكون فيه حجة لداود ولا لمن استدل به على وجوب الجماعة من غير الجمعة، ولو سلم أن المراد به الجماعة لسائر الصلوات فلا يمكن أن يقال ذلك سدا لباب الذريعة إلى إسقاطها لأجل المنافقين (^٢)، \"ولو حبوا أو زحفا\" لعله شك من الراوي فأتي باللفظين، والحبو: أن يمشي على يديه وركبتيه أو إليتيه، وحبى البعير إذا برك ثم زحف من الإعياء وحبى الصبي إذا زحف على إسته (^٣)، وآكد الصلوات في طلب الجماعة الصبح ثم العشاء ثم العصر كذا في زوائد الروضة زاد عليه في الكفاية أنه في صبح الجمعة آكد (^٤).\n_________\n= الطبراني موثقون كلهم. وقال في ٤/ ٤٣: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وقال الألبانى: منكر ضعيف الترغيب (٢٣٥).\n(^١) المفهم (٦/ ٦٥).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٦).\n(^٣) النهاية (١/ ٣٣٦).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٣٢٧).","vol":"3","page":411},{"text":"٦٢٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سُئِلَ عَن رجل يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَلَا يشْهد الْجَمَاعَة وَلا الْجُمُعَة فَقَالَ هَذَا فِي النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مَوْقُوفًا (^١).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم.\nقوله: أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجماعة ولا الجمعة، أي: لا يحضر صلاة الجماعة ولا الجمعة، فقال: هذا في النار، الحديث، ففيه دليل على أن ذلك من الكبائر، فإن الكبيرة ما توعد عليها بالنار، وفيه دليل على أن حضور الجماعة فرض كما تقدم في أحاديث الباب.\n\n٦٣٠ - وَعنهُ أَيْضا - ﵁ - قَالَ من سمع حَيّ على الْفَلاح فَلم يجب فقد ترك سنة مُحَمَّد رَسُول الله - ﷺ - رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام علي مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من سمع حي على الفلاح فلم يجب فقد ترك سنة محمد - ﷺ -\" تقدم الكلام على الإجابة في الأحاديث المتقدمة، سنة محمد هي طريقته وعادته المستمرة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢١٨)، وابن المنذر في الأوسط (١٩٠٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٧٠ رقم ٧٩٩٠). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ميمون بن مهران إلا جعفر بن برقان، ولا عن جعفر إلا مبشر، تفرد به: العباس بن الحسين. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٤: رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٣٢).","vol":"3","page":412},{"text":"٦٣١ - وَعَن أُسَامَة بن زيد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لينتهين رجال عَن ترك الْجَمَاعَة أَو لأحرقن بُيُوتهم رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة الزبْرِقَان بن عَمْرو الضمرِي عَن أُسَامَة وَلم يسمع مِنْهُ (^١).\nقوله: عن أسامة بن زيد، هو أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله - ﷺ - وحبه وابن حبه، وكان قد خص بفضائل ومناقب استحق بها أن يكون أحب الموالي إليه فإنه أفضلهم وأجلهم، ولذلك قال - ﷺ -: \"أوصيكم به خيرا فإنه من صالحيكم\" فأكد الوصية به ونبه على الموجب لذلك وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله، وقد ظهر ذلك عليه وأنه لم يدخل في شيء من الفتن فسلمه الله من المحن (^٢)، ولاه رسول الله - ﷺ - الإمرة بعد مقتل أبيه، وقال: \"إنه لمن أحب الناس إليّ\" وكان رسول الله - ﷺ - يجلس الحسن بن علي على فخذه الشريفة ويجلسه على فخذه الأخرى، وتوفي رسول الله - ﷺ - وعمره يومئذ تسع عشرة سنة، وعن عاشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يا عائشة أحبيه فإني أحبه\" وكان يغسل وجهه بيده الكريمة ويقول: \"لو كنت حارثة لكسوتك وحليتك\" وسئل رسول الله - ﷺ -: من أحب الناس إليك؟ قال: \"من أنعم الله عليه وأنعمت عليه أسامة بن زيد\" وخلف نحو عشرين ولدا، توفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين والله أعلم، وأسامة ولد بمكة ونشأ بها حتى أدرك لم يعرف إلا الإسلام ولم يدن بغيره، وكان رسول الله - ﷺ - يحبه حبا شديدًا وكان عنده كبعض أهله، وقال الدارقطني:\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧٩٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٣٣).\n(^٢) المفهم (٢٠/ ٥٦).","vol":"3","page":413},{"text":"كان أسامة أسود مثل الليل وكان أبو زيدا أحمر أشقر، وقد أخرجا له في الصحيحين وأمه أم أيمن واسمها بركة حاضنة رسول الله - ﷺ - ومولاته (^١).\nقوله - ﷺ -: \"لينتهين أقوام من ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم\" الحديث، تقدم أن الحريق بالنار منسوخ، وأن العقوبة كانت بالمال واللام في قوله: \"لينتهين\" لام القسم.\nقوله: من رواية الزبرقان بن عمرو الضمري، هو الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمرى\n\n٦٣٢ - وعن أبي بُردةَ (^٢) عن أبيه - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سمع النداء فَارغًا صَحِيحا فَلم يجب فَلَا صَلَاة لَهُ رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة أبي بكر بن عَيَّاش عَن أبي حُصَيْن عَن ابْن بُرَيْدَة وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣). قَالَ الْحَافِظ - ﵁ - الصَّحِيح وَقفه.\nقوله: عن ابن بريدة عن أبيه هو: [عبد الله] بن بريدة بن [الحصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي، قاضي مرو، أخو سليمان بن بريدة، وكانا توأمين (^٤)].\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١١٣ - ١١٥ ترجمة ٤٩).\n(^٢) في الأصل ابن بريدة.\n(^٣) أخرجه الدينورى (٣٣٧١)، والحاكم (١/ ٢٤٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ٣٤٢، والبيهقى في الكبرى (٣/ ٢٤٨ رقم ٥٥٨٨). وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٣٣٨) وصحيح الترغيب (٤٣٤).\n(^٤) تهذيب الكمال (١٤ / ترجمة ٣١٧٩). وهو من أخطاء الترغيب فإن الحديث حيث أبي بردة بن أبي موسى.","vol":"3","page":414},{"text":"قوله: \"من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة له\" وتقدم الكلام على النداء وأن المراد به الأذان، وتقدم الكلام على قوله: \"فلا صلاة له\" وأن الجمهور حملوه على الكمال والفضيلة والله أعلم.\nقوله: رواه الحاكم من رواية أبي بكر بن عياش عن حصين أبو بكر بن عياش الأسدي مولاهم الكوفي شيخ الكوفة في القراءة والحديث، كان من أجل أصحاب عاصم قطع الإقراء قبل موته بتسع عشرة سنة، قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا أسرع إلى السنة منه، وقال غيره: كان لا يفتر عن التلاوة قرأ في مكان من داره اثني عشر ألف ختمة، وقيل: أربع وعشرين، قال أبو بكر بن عياش: رأيت في منامي ثلاث ليال كأن إنسانا يقول لي:\nوكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلين تنزل (^١)\nروى عن حبيب والسبيعي، وكان خيرا فاضلا لم يضع جنبه.\nإلى الأرض أربعين سنة، روى له مسلم في مقدمة كتابه (^٢) والباقون انتهى.\nوأما أبو حصين فهو بفتح الحاء المهملة وبكسر الصاد المهملة، قال الغساني: لا أعلم في الصحيحين من اسمه حصين بفتح الحاء ومن يكنى بأبي حصين غير هذا الرجل وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي التابعي الحافظ العثماني كان شيخا ثقة صاحب سنة مات سنة ثمان وعشرين ومائة (^٣).\n_________\n(^١) المنامات (١٤٥) لابن أبي الدنيا.\n(^٢) تهذيب الكمال (٣٣ ترجمة ٧٢٥٢).\n(^٣) المفهم (٧/ ٤٥)، والكواكب الدراري (٢/ ١١٦).","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>[الترغيب في صلاة النافلة في البيوت]</span>\n٦٣٣ - عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلا تتخذوها قبورا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا\" الحديث، \"من\" هنا للتبعيض ويعني به: النوافل (^٢) بدليل قوله في الحديث \"إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل فى بيته نصيبا\" (^٣) أي: اتخذوا النوافل في بيوتكم (^٤)، وقال القاضي عياض: قيل هذا في الفرائض ومعناه: اجعلوا فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يصلي في المسجد من نسوة وعبيد ومريض ونحوهم، قال: وقال الجمهور بل هو في النافلة لإخفائها وقال الآخر: \"أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\" (^٥)، قال النووي: قلت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٢) و(١١٨٧)، ومسلم (٢٠٨ و٢٠٩ - ٧٧٧)، وابن ماجه (١٣٧٧)، وأبو داود (١٠٤٣)، والترمذى (٤٥١)، والنسائى في المجتبى ٣/ ٣٥٩ (١٦١٤).\n(^٢) المفهم (٧/ ٤٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٠ - ٧٧٨)، وابن حبان (٢٤٩٠).\n(^٤) شرح المشكاة (٣/ ٩٣٨)، والكواكب الدراري (٧/ ١١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٣١) و(٦١١٣) و(٧٢٩٠)، ومسلم (٢١٣ و٢١٤ - ٧٨١) عن زيد بن ثابت.","vol":"3","page":416},{"text":"الصواب أن المراد النافلة وجميع أحاديث الباب تقتضيه ولا يجوز حمله على الفريضة، وإنما يحمل على النافلة في البيت لكونه أخفى وأبعد عن الرياء وأصون من المحبطات وليتبرك البيت به ويترك فيه الرحمة والملائكة وتنفر منه الشياطين كما جاء في الحديث الآخر وهو قوله - ﷺ - في الرواية الأخرى \"فإن الله جاعل من صلاته في بيته خيرًا\" (^١)، وبالغ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فرأى أن سنة المغرب لا يجزئ فعلها في المسجد حكاه عبد الله بن الإمام أحمد في المسند عقب حديث محمود بن لبيد فقال: قلت لأبي إن رجلا قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تجزئه إلا أن يصليهما في بيته لأن النبي - ﷺ - قال: \"هذه من صلاة البيوت\" قال: من هذا قلت محمد بن عبد الرحمن قال: ما أحسن ما قال أو قال ما أحسن ما نقل (^٢) والله أعلم.\nواتفق العلماء على أفضلية فعل النوافل المطلقة في البيت، واختلفوا في الرواتب فقال الجمهور: الأفضل فعلها في البيت أيضًا وسواء في راتبة الليل والنهار، قال النووي: ولا خلاف عندنا، وقال جماعة من السلف: الاختيار فعلها في المسجد كلها، وقال مالك والثوري: الأفضل فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد وراتبة الليل في البيت، ودليل الجمهور قوله - ﷺ -: \"أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\" (^٣)، ويستثنى من ذلك فعل من يقتدى به فإن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٧ - ٦٨).\n(^٢) أحمد في المسند ٥/ ٤٢٠ (٢٣٩٦٧).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٣٦).","vol":"3","page":417},{"text":"الأفضل في حقه أن يفعلها في المسجد لإظهار السنة ولقصد تعليمها للناس، وعلى ذلك يحمل صلاته - ﷺ - النافلة في المسجد والله أعلم.\nقوله: \"ولا تتخذوها قبورا\" أي لا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة (^١)، قال الخطابي: فيه دليل على أن الصلاة لا تجوز في المقابر، ويحتمل أن يكون معناه: لا تجعلوا بيوتكم أقطانا للنوم لا تصلوا فيها فإن النوم أخو الموت، وأما من أوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشيء فقد دفن رسول الله - ﷺ - في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته [أقول هو شيء ودفن الرسول - ﷺ - فيه لعله من خصائصه سيما وقد روي الأنبياء يدفنون حيث يموتون] قاله الكرماني (^٢)، وسبب الكراهة في الصلاة في المقبرة عند العراقيين ما تحت مصلاه من النجاسة وبذلك عللها الإمام الشافعي قدس الله روحه وكلام القاضي يدل على أن سببها حرمة الموتى، وكذلك تكره الصلاة في المقبرة النجسة وهي المحققة النبش إذا بسط شيئا وصلى عليه فإن لم يبسط شيئا لم تصح صلاته، وأما المشكوك في نبشها فالأصح صحة الصلاة فيها بغير حائل والتيمم بترابها لأن الأصل عدم النبش والمقبرة بتثليث الباء حكاه ابن مالك ولم يحك الجوهري الكسر، وقال ابن الرفعة: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه، قال: ومنه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٧).\n(^٢) هذا كلام الخطابى كما في أعلام الحديث (١/ ٣٩٣) ورد عليه الكرمانى في الكواكب الدراري (٤/ ٩٤) فقال ما أدرجناه.","vol":"3","page":418},{"text":"تؤخذ كراهة الصلاة إلى جانب النجاسة وخلفها وفيما قاله نظر، وأما الصلاة على القبر فكالجلوس عليه حرام على الأصح (^١).\nتنبيه: لا يجوز استقبال القبر إلا قبر رسول الله - ﷺ - فإنه يحرم التوجه إلى رأسه كما جزم به النووي في التحقيق ونقله فى شرح المهذب عن المتولي، ويستثنى من المقبرة مقابر الأنبياء ﵊ فلا كراهة في الصلاة فيها لأنهم في قبورهم أحياء يصلون والله أعلم قاله الكمال الدميري (^٢).\n\n٦٣٤ - وَعَن جَابر هُوَ ابْن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا قضى أحدكُم الصَّلَاة فِي مَسْجده فليجعل لبيته نَصِيبا من صلَاته فَإِن الله جَاعل فِي بَيته من صلَاته خيرا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٣) وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد (^٤).\nقوله: عن جابر، هو ابن عبد الله تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته\" الحديث، معنى الحديث: لا تتركوا بيوتكم خالية عن الصلاة بل صلوا فيها النوافل أو السنن فإن الله يجعل البركة في بيت يصلي فيه بصلاة (^٥)،\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٢٤٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٠ - ٧٧٨)، وابن ماجه (١٣٧٦).\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (١٢٠٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٣٧).\n(^٥) المفاتيح (٢/ ٢٩٦).","vol":"3","page":419},{"text":"وإنما حث على الصلاة في البيت لكونه أخفى وأبعد عن الرياء وتتنزل الرحمة في ذلك المكان وسواء ذلك مسجد مكة والمدينة وغيرهما لعموم الحديث لكن تستثنى النافلة يوم الجمعة لفضيلة البكور وركعتا الطواف وركعتا الإحرام إذا كان الميقات مسجد، وقال القاضي أبو الطيب: إذا أخفى نافلته في المسجد كانت أفضل من البيت (^١).\nقوله. \"فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا\" \"من\" هنا سببية يعني: من أجل، والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنفل فيه هو عمارته بذكر الله تعالى وبطاعته وبالملائكة وبدعائهم واستغفارهم وبما يحصل لأهله من الثواب والبركة (^٢).\n\n٦٣٥ - وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"مثل الْبَيْت الَّذِي يذكر الله فِيهِ وَالْبَيْت الَّذِي لَا يذكر الله فِيهِ مثل الْحَيّ وَالْمَيِّت\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: عن أبي موسى، واسمه عبد الله بن قيس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت\" الحديث، ففيه الحث إلى ذكر الله تعالى في البيت وأنه لا يخلو من الذكر، وفيه: جواز التمثيل، وفيه: أن طول العمر في الطاعة فضيلة\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ١٨٤).\n(^٢) المفهم (٧/ ٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (٢١١ - ٧٧٩)، وابن حبان (٨٥٤).","vol":"3","page":420},{"text":"وإن كان الميت ينتقل إلى خير لأن الحي سيلحق به ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات (^١)، هذا التشبيه المذكور في الحديث واقع بأهل البيت وبالبيت ووجهه أن أهل الميت إذا لم يصلوا فيه ولم يذكروا الله فيه نوما أو غفلة فهم منزلة الموتى والبيت بمنزلة القبر، وعلى هذا ففي الحديث حذف مضاف تقديره: مثل أهل البيت (^٢).\n\n٦٣٦ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: سَأَلت رَسُول الله - ﷺ - أَيّمَا أفضل الصَّلَاة فِي بَيْتِي أَو الصَّلاة فِي الْمَسْجِد قَالَ: \"أَلا ترى إِلَى بَيْتِي مَا أقربه من الْمَسْجِد فَلِأن أُصَلِّي فِي بَيْتِي أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَن تكون صَلَاة مَكتُوبَة\" رَوَاهُ أحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيمَة في صحِيحه (^٣).\nقوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة\" أي: مفروضة، وتقدم الكلام على صلاة النافلة في البيت في الأحاديث قبله.\n\n٦٣٧ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: خرج نفر من أهل الْعرَاق إِلَى عمر فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ سَأَلُوهُ عَن صَلَاة الرجل فِي بَيته فَقَالَ عمر: سَأَلت رَسُول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٨).\n(^٢) المفهم (٧/ ٤٥ - ٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٤٢ (١٩٠٠٧)، وابن ماجه (١٣٧٨)، وابن خزيمة (١٢٠٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٣٩).","vol":"3","page":421},{"text":"فَقَالَ: \"أما صَلاة الرجل فِي بَيته فنور فنوروا بُيُوتكُمْ\" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صحِيحه (^١).\nعن أبي موسى، تقدم.\nقوله: خرج نفر من أهل العراق إلى عمر فلما قدموا عليه سألوه عن صلاة الرجل في بيته، الحديث، النفر من الثلاثة إلى العشرة، وتقدم الكلام على ذلك في أول هذا التعليق في حديث الغار مبسوطا، والعراق: إقليم يشتمل على بلاد شتى معروف.\nقوله: \"أما صلاة الرجل في بيته فنور فنوروا بيوتكم\" المراد بذلك صلاة النافلة في البيوت، قال ابن عساكر في الأطراف: قال القرطبي: قوله - ﷺ -: \"الصلاة نور\" معناه أن الصلاة إذا فعلت بشروطها الصحيحة والمكملة نورت القلب بحيث تشرق فيه أنوار المعارف والمكاشفات حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول: وجعلت قرة عيني في الصلاة، وأيضًا فإنها تنور بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك.\nالظلم وتنور وجه المصلي يوم القيامة فيكون ذا غرة وتحجيل كما ورد في حديث عبد الله بن بسر أن النبي - ﷺ - قال: \"أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء\" (^٢) قال النووي: معنى قوله: \"الصلاة نور\" تمنع من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ١٤ (٨٦)، وابن ماجه (١٣٧٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣٧).\n(^٢) المفهم (٣/ ١٠٢).","vol":"3","page":422},{"text":"المعاصي وتنهي عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه أن أجرها يكون نورًا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف وانشراح الصدر ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وإقباله على الله تعالى بظهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (^١)، وقيل: إنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة وتكون في الدنيا أيضًا كذلك بخلاف من لم يصل (^٢) انتهى قاله في الديباجة.\n\n٦٣٨ - وَعَن زيد بن ثَابت - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"صلوا أَيهَا النَّاس فِي بُيُوتكُمْ فَإِن أفضل صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إِلَّا الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة\" رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٣).\nقوله: عن زيد بن ثابت تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته\" الحديث، هذا عام في جميع النوافل الراتبة مع الفرائض والمطلقة، وظاهره أنها في البيوت أفضل وإن كانت بمكة أو المدينة كما تقدم.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٤٥.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٣١) و(٦١١٣) و(٧٢٩٠)، ومسلم (٢١٣ و٢١٤ - ٧٨١)، وأبو داود (١٠٤٤) و(١٤٤٧)، والنسائى في المجتبى ٣/ ٣٥٩ (١٦١٥)، وابن خزيمة (١٢٠٣) و(١٢٠٤).","vol":"3","page":423},{"text":"واعلم أن المراد بالنافلة ما سوى ركعتي الطواف فإن فعلها في المسجد أفضل وما سوى النفل يوم الجمعة قبلها فإنه في المسجد الجماعة وغيره أفضل كما نص عليه الشافعي في الأم، وما سوى الشعار الظاهر كالعيدين والكسوفين وما سوى ركعتي الضحى قاله الزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد (^١)، وزاد عليه غيره كذلك صلاة التراويح على الأصح فإنها في جماعة المسجد والاستسقاء في الصحراء وكذا العيد إذا ضاق المسجد أفضل (^٢) والله أعلم.\n\n٦٣٩ - وَعَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - أرَاهُ رَفعه قَالَ: \"فضل صَلَاة الرجل فِي بَيته على صلَاته حَيْثُ يرَاهُ النَّاس كفضل الْفَرِيضَة على التَّطَوُّع\" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَإِسْنَاده جيد إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٣).\nقوله: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أراه رفعه، أي: أظنه رفعه إلى النبي - ﷺ -، والحديث المرفوع معروف في اصطلاح المحدثين.\nقوله: \"فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع\" المراد بذلك النافلة، ولما يخشى عليه من الرياء حيث يراه الناس.\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ١٠٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٠).\n(^٣) أخرجه البيهقى في الشعب (٤/ ٥٤٤ رقم ٢٩٨٩) موقوفًا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٤١).","vol":"3","page":424},{"text":"٦٤٠ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"أكْرمُوا بُيُوتكُمْ بِبَعْض صَلَاتكُمْ\" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن أنس هو ابن مالك تقدم.\nقوله: \"أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم\" الحديث، اختلف السلف في أن النفل أثر الفرض أفضل أم في البيت على ثلاثة أقوال، أحدها وهو مذهب الشافعي وقال النخعي وغيره: أن فعله في البيت أفضل لقوله - ﷺ -: \"أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\" لخشية اختلالها بالفرائض ولسلامتها من الرياء كما تقدم بيانه.\nوالثاني: أن فعلها في المسجد إثر الفرائض أجمع للخاطر حكاه القاضي عياض عن قوم.\nوالثالث: الفرق بين الليل والنهار، ففي النهار المسجد أفضل وفي الليل البيت أفضل حكاه القاضي عياض عن مالك والثوري كما تقدم تقريره، واحتج بقول ابن عمر فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وهو دال على ذلك المكان في المسجد وما سواهما هو راتب النهار، وهذا لا حجة فيه لأن فيه الجمعة وهي نهارية وهو لا يقول بها، وفصل بعض المتأخرين بين أن يكسل عن فعلها في البيت ففي المسجد أولى وإلا ففي البيت قاله الزركشي (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١٢٠٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢٧٤٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣١٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٦٨٠) وضعيف الترغيب (٢٣٨).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٣٧٧ - ٣٤٨).","vol":"3","page":425},{"text":"خاتمة: اعلم أن صلاة النفل في البيت أفضل من فعله في المسجد لما فيه من الخلوص والبعد عن الرياء كما تقدم نقله، لكن هل يأتي مثل ذلك في المسجد الحرام، الظاهر الثاني، نعم إن قلنا إن حرم مكة كمسجدها في المضاعفة كما جزم به الماوردي والنووي وصرح النووي في شرح المهذب بأن صلاة النفل في البيت أفضل من فعلها في مسجد النبي - ﷺ - وسكت عن المسجد الحرام وجريانه فيه أولى لأن حرم المدينة ليس كمسجدها في المضاعفة بخلاف حرم مكة، وقال ابن أبي الصيف اليمني: جاء في بعض الأخبار أن صلاة النفل في الزاوية من بيته أفضل في الصلاة في المسجد، وينبغي تقييد ذلك بما إذا كان معذورا بعذر يعجز به عن الاستقبال يقينا، وحينئذ فلا يبعد أن يحصل له ألا ترى أن صلاة النافلة قاعدا مع القدرة على القيام تنقص نصف الأجر ومع العجز لا تنقصه، وقد روي أن عبد الله بن عمر كان إذا كان بمكة يصلي الجمعة تقدم فيصلي ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصلي في المسجد، فقيل له؟ قال: كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك، قال ابن أبي الصيف: وكان الفرق والله أعلم أنه بمكة ليسهل عليه الصلاة مع المشاهدة أو مع المحاذاة التي يتصور عند زوال المانع من المشاهدة بترك ذلك مع الضرر ولا يبعد أن يكون سببا لمنع الزيادة كما قلنا في صلاة النافلة قاعدا، بل للصلاة مع المشاهدة وقع في القلب لا يوجد لغيرها مما فيه من المحاذاة أو","vol":"3","page":426},{"text":"دون المشاهدة كما أن لها إذا جعلت قريبا من البيت فضلا على غيرها ومسجد المدينة وإن كان محراب النبي - ﷺ - مقطوع بأنه على الصواب إلا أنه ليس فيه المعنى الذي ذكرناه بمكة انتهى قاله الزركشي (^١).\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"3","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>[الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة]</span>\n٦٤١ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"لا يزَال أحدكُم فِي صَلَاة مَا دَامَت الصَّلَاة تحبسه لَا يمنعهُ أَن يَنْقَلِب إِلَى أَهله إِلَّا الصَّلَاة\" رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي أثْنَاء حَدِيث وَمُسلم (^١).\n\n٦٤٢ - وللبخاري: \"إِن أحدكُم فِي صَلَاة مَا دَامَت الصَّلَاة تحبسه وَالْمَلَائِكَة تَقول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه مَا لم يقم من مُصَلَّاهُ أَو يحدث\" (^٢).\n\n٦٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَأَبُو دَاوُد قَالَ: \"لَا يزَال العَبْد فِي صَلَاة مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ ينْتَظر الصَّلَاة وَالْمَلَائِكَة تَقول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه حَتَّى ينْصَرف أَو يحدث\"، قيل: وَمَا يحدث؟ قَالَ: \"يفسو أَو يضرط\" (^٣).\nوَرَوَاهُ مَالك مَوْقُوفا عَن نعيم بن عبد الله المجمر أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: \"إِذا صلى أحدكُم ثمَّ جلس فِي مُصَلَّاهُ لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه فَإِن قَامَ من مُصَلَّاهُ فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِد ينْتَظر الصَّلَاة لم يزل فِي صَلَاة حَتَّى يُصَلِّي\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٩)، ومسلم (٢٨٢ - ٦٦٦)، وابن ماجه (٧٧٤) و(٢٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٢٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٤ - ٦٤٩)، وأبو داود (٤٧١).\n(^٤) أخرجه مالك (٦٩).","vol":"3","page":428},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على فضائله.\nقوله - ﷺ -: \"لا يزال أحدكم في الصلاة ما دامت الصلاة تحسبه\" الحديث، أي: مادام انتظار الصلاة يحبسه في المسجد، فحذف المضاف وأعرب المضاف إليها بإعرابه.\nقوله: \"لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة\" المراد بالأهل الزوجة، هذا هو المشهور، أي: لا يمنعه شيء إلا انتظار الصلاة، ومعنى الانقلاب إلى الأهل الرجوع إليهم.\nقوله: \"والملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يقم من مصلاه أو يحدث\" وفي بعض طرق الحديث قال أبو رافع لأبي هريرة: وما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط بكسر راء يضرط قاله النووي (^١) والدال في يحدث مخففة لما روي أن أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له رجل من حضرموت: وما يحدث يا أبا هريرة؟ قال: \"فساء أو ضراط\" ومن شدد الدال فقد غلط (^٢)، وإنما فسره أبو هريرة بهذا تمسكا بالعرف الشرعي، وقد فسره غيره بأنه الحدث الذي هو يصرفه عن إحضار قصد الصلاة، ويحمله على الإعراض عن ذلك وهو تمسك بأصل اللغة وحمله بعضهم على إحداث مأثم (^٣)، وجوز بعضهم أن يراد بالحدث الكلام القبيح من الشتم والغيبة،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٦٦ - ١٦٧).\n(^٢) شرح المصابيح (١/ ٤٢٥).\n(^٣) المفهم (٦/ ٧٦)، وطرح التثريب (٢/ ٣٦٨).","vol":"3","page":429},{"text":"وفيه تضعيف لأن الظاهر أن المراد به الحدث الناقض للوضوء يؤيد ذلك أنه قال في بعض الأحاديث ما لم يؤذ فيه، فشمل جميع أنواع الأذى فلو حمل الحديث على المأثم والغيبة كان داخلا في الأول فحمله على ما هو مغاير أولى (^١).\nقوله رواه مالك موقوفا عن نعيم بن عبد الله المجمر هو بضم الميم الأولى وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية اسم فاعل من الإجمار على الأشهر وفي بعضها من التجمير ويقال المجمر بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة وكنيته أبو عبد الله نعيم بن عبد الله العدوي المدني كان أبوه مولى لعمر بن الخطاب فأمره بأن يجمر الكعبة أى يبخرها فقيل له المجمر فعلى هذا التقرير يكون المجمر صفة لعبد الله لا لنعيم وهو ظاهر اللفظ ويطلق على ابنه مجازا فقول صاحب العمدة عن نعيم المجمر فيه تسامح قال المجمر جالست أبا هريرة عشرين سنة روى له الجماعة وقال: إبراهيم الحربي سمعت أن عمر جعل أبا سعيد المقبري على حفر القبور فسمى المقبري وجعل نعيما على إجمار المدينة فقيل له المجمر والراجح الأولى وقيل سمي بذلك لأن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إذا خرج إلى المسجد في شهر رمضان (^٢).\n_________\n(^١) انظر: شرح الصحيح (٢/ ٢٨٤) لابن بطال، وطرح التثريب (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٢) انظر شرح النووي على مسلم (٢/ ٦٩) و(٣/ ١٣٤)، وإحكام الأحكام (١/ ٩٢) وشرح الإلمام (٤/ ٢٨٠ - ٢٨٢)، والعدة (١/ ١٠٦)، والكواكب الدراري (٢/ ١٧١).","vol":"3","page":430},{"text":"وفي هذا الحديث تنبيه على فضيلة القعود في المسجد لانتظار الصلاة وحكى قال أن كل مشتغل بسبب من أسباب أعمال الخير فله من الثواب نحو الذي له منه على اشتغاله بعمله تفضلا من الله ﷻ على عبده والله أعلم.\n\n٦٤٤ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - أخر ليْلَة صَلَاة الْعشَاء إِلَى شطر اللَّيْل ثمَّ أقبل بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صلى فَقَالَ صلى النَّاس ورقدوا وَلم تزالوا فِي صَلَاة مُنْذُ انتظرتموها رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: عن أنس تقدم الكلام على مناقبه قوله: قال: رسول الله - ﷺ -: \"أخر ليلة صلاة العشاء إلى الشطر الليل\" الشطر النصف العشاء بكسر العين بالمد يريد به صلاة العشاء وهي الصلاة التي وقتها بعد غروب الشفق والعشاءان المغرب والعتمة وفي حديث آخر أن النبي - ﷺ -: أعتم حتى رقد النساء واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر - ﵁ - فقال: الصلاة وخرج النبي - ﷺ - فقال: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا\" (^٢) وفي رواية أبي هريرة \"لأمرتهم أن يؤخروها إلى ثلث الليل\" (^٣) وفي حديث عمر دليل على تنبيه الأكابر وإعلامهم حضور الجماعة وبدخول وقت الصلاة، وقوله: أعتم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٢) و(٦٠٠) و(٦٦١) و(٨٤٧) و(٥٨٦٩)، ومسلم (٢٢٢ و٢٢٣ - ٦٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧١) و(٧٢٣٩)، ومسلم (٢٢٥ - ٦٤٢) عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه الترمذى (١٦٧). وقال الترمذى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (٦١١).","vol":"3","page":431},{"text":"هو بالعين المهملة الثاء المتثاة يقال أعتم الرجل إذا دخل في العتمة وهي ظلمة الليل وكانت الأعراب يسمون العشاء العتمة قوله رقد النساء والصبيان يحتمل أن يكون راجعا إلى من حضر المسجد منهم يحتمل أن يكون المراد من حضر المسجد منهم؛ لقلة احتمالهم المشقة في السهر، فيرجع ذلك إلى أنهم كانوا يحضرون المسجد لصلاة الجماعة ويحتمل أن يكون المراد من خلفه المصلون في البيوت، من النساء، والصبيان، ويكون قوله: \"رقد النساء\" إشفاقا عليهن من طول الانتظار وخوفا على البيوت من سارق ونحوه (^١).\nوفيه دليل على استحباب تأخير العشاء إلى هذه الساعة وهو قول الشافعي أنه يستحب تأخير العشاء إلى الشطر الأول وهو وقت الاختيار وقيل وقت الاختيار نصف الليل واختلف على الأفضل تقديم العشاء أو تأخيرها وهما مذهبان مشهوران للسلف وقولان لمالك وللشافعي فمن فضل التأخير احتج بحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي وقت العشاء إلى نصف الليل (^٢) ومن فضل التقديم احتج بأن العادة الغالبة أن رسول الله - ﷺ - كان يقدمها وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر وفي بعض الأحاديث إشارة إلى ذلك والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٧٧)، ورياض الأفهام (١/ ٥٧٧ و٥٧٩ و٥٨٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧١ و١٧٢ و١٧٣ و١٧٤ - ٦١٢)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٣٢ (٥٣٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٣٦)، والقول التمام (ص ١٧٧).","vol":"3","page":432},{"text":"واعلم أن التأخير المذكور في هذا الحديث وغيره كله تأخير لم يخرج عن وقت الاختيار (^١) وللشافعي قولان أحدهما أن وقت الاختيار يمتد إلى ثلث الليل والثاني إلى نصفه وهو الأصح وفي الحديث كان رسول الله - ﷺ - يؤخر صلاة العشاء إلى ثلث الليل قال أبو العباس ابن سريح لا اختلاف في الروايات ولا عن الشافعي بل المراد ثلث الليل أنه أول ابتدائها وبنصفه آخر انتهائها ويجمع بين الأحاديث بهذا وهذا الذي قاله يوافق ظاهر ألفاظ هذه الأحاديث لأن قوله - ﷺ - \"وقت العشاء إلى نصف الليل\" ظاهره أنه أخر وقتها المختار، وأما حديث بريدة وأبي موسى فيهما أنه شرع بعده لنصف الليل وحينئذ يمتد إلى قريب من النصف فتتفق الأحاديث الواردة في ذلك قولا وفعلا (^٢)، وقال ابن أبى هريرة: من علم حاله أن النوم لا يغلبه فالتأخير فى حقه أفضل، ومن لا يكون منه ذلك فالتعجيل له أفضل ونزل النص على اختلاف الحالين (^٣) وقال آخرون أنه اختلف باختلاف الأوقات ففي الشتاء ورمضان يؤخر وفي غيرهما يقدم وإنما أخرت فى الشتاء لطول الليل وكراهة الحديث بعدها وقيل غير ذلك (^٤) والله أعلم.\nوللعشاء وقت الفضيلة أول وقت ووقت الاختيار إلى ثلث الليل وقيل\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٣٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٣).\n(^٤) إحكام الأحكام (١/ ١٦٦).","vol":"3","page":433},{"text":"إلي نصف الليل ووقت جواز بلا كراهة إلى الفجر وقال: الشيخ أبو حامد لها وقت كراهة وهو ما بين الفجرين (^١)،\nقال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي فيستحب تأخير العشاء إلى ثلث الليل كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة -وهو مذهب الإمام أحمد وغيره- حتى يفعل هذه الصلاة في أفضل وقتها، وهو آخره، ويشتغل منتظر هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول من الليل بالصلاة، أو بالذكر وانتظار الصلاة في المسجد، ثم إذا صلى العشاء، وصلى بعدها ما يتبعها من سننها الراتبة، أو أوتر بعد ذلك إن كان يريد أن يوتر قبل النوم فإذا أوى إلى فراشه بعد ذلك للنوم، فإنه يستحب له أن لا ينام إلا على طهارة وذكر، فيسبح ويحمد ويكبر تمام مائة، كما علم النبي - ﷺ - فاطمة وعليا أن يفعلاه عند منامهما ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النبي - ﷺ - عند النوم، وهي أنواع متعددة من تلاوة القرآن وذكر الله، ثم ينام على ذلك فإذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه فليذكر الله كلما تقلب فمن كان حاله على ما ذكرنا، لم يزل لسانه رطبا بذكر الله، فيستصحب الذكر في يقظته حتى ينام عليه، ثم ببدأ به عند استيقاظه، وذلك من دلائل صدق المحبة والله أعلم (^٢).\nقوله ثم أقبل بوجهه بعدما صلى فقال: صلى الناس ورفدوا لم تزالوا في صلاة وتقدم معنى ذلك في الحديث قبله.\n_________\n(^١) القول التمام (ص ١٧٧).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٣٠٠ - ١٣٠٢).","vol":"3","page":434},{"text":"فائدة: كان النبي - ﷺ - يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها وإنما كره النوم قبلها أي بعد دخول وقتها لأنه قد يكون سببا في نسيانها أو تأخيرها إلى خروج وقتها لأن القيام بالليل فيه عسر ولا يتيسر معه صلاة الجماعة وأما كراهة الحديث بعدها فإنه قد يؤدي إلى سهر يقضي النوم عن الصبح أو إلى إيقاعها في غير وقتها المستحب ويستثنى من ذلك ما إذا كان الحديث يتعلق بالدين أو بمصلحة المسلمين من الأمور الدنيوية فقد صح أنه - ﷺ - حدث أصحابه بعد العشاء وترجم له البخاري باب السهر في العلم ويستثنى أيضا ما تدعو الحاجة إلى الحديث فيه من الأشغال المتعلقة بمصلحة الإنسان وقد ورد في الحديث لا سمر بعد العشاء إلا لمصل أو مسافر ويستثنى من ذلك أيضا حديث الضيف وتأنيس الزوجة والأمة فهذه ثماني صور (^١) والله أعلم.\n\n٦٤٥ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن هَذِه الْآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٢) نزلت فِي انْتِظَار الصَّلَاة الَّتِي تدعى الْعَتَمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب (^٣).\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٦٩ - ١٧٠)، والعدة (١/ ٣٠٠).\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١٦.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٣١٩٦) والعلل (٦٥٧)،.\nوقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٤٤) و(٥٨٩).","vol":"3","page":435},{"text":"قوله: عن أنس أيضا تقدم.\nقوله: إن هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة بفتح العين المهملة والتاء المثناة يقال: أعتم الرجل إذا دخل في العتمة وهي ظلمة الليل، وكانت الأعراب يسمون صلاة العشاء العتمة تسمية بالوقت فنهاهم عن الاقتداء بهم ذكر لذكر الظلمة واستحب لهم التمسك بما نطق به القرآن (^١) وإنما سمتها عائشة بذلك لتبين لهم وأيضا فخاطبهم بما يفهمون وقال: بعض العلماء أيضا: قد ثبت النهي عن تسمية العشاء عتمة وجوابه من وجهين أحدهما أن هذه التسمية بيان للجواز وأن ذلك ليس للتحريم، والثاني وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة لأن العرب كانت تستعمل لفظ العشاء في المغرب فلو قال \"لو يعلمون ما في العشاء والصبح\" كما ذكر في الحديث الآخر لحملوها على المغرب ففسد المعنى وفات المطلوب فاستعمل العتمة التي يعرفونها ولا يشكون فيها وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما (^٢) وتقدم الكلام على شيء من ذلك قريبا والله أعلم.\n\n٦٤٦ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ صلينَا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - الْمغرب فَرجع من رَجَعَ وعقب من عقب فجَاء رَسُول الله - ﷺ - مسرعا قد حفزه النَّفس قد حسر عَن رُكبَتَيْهِ قَالَ أَبْشِرُوا هَذَا ربكُم قد فتح بَابا من أَبْوَاب السَّمَاء يباهي بكم الْمَلَائِكَة يَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي قد قضوا فَرِيضَة وهم\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٨٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٨).","vol":"3","page":436},{"text":"ينتظرون أُخْرَى رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١) عَن أبي أَيُّوب عَنهُ وَرُوَاته ثِقَات وَأَبُو أَيُّوب هُوَ المراغي الْعَتكِي ثِقَة مَا أرَاهُ سمع عبد الله وَالله أعلم حفزه النَّفس هُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْفَاء وبعدهما زَاي أَي سَاقه وتعبه من شدَّة سَعْيه، وحسر هُوَ بِفَتْح الْحَاء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي كشف عَن رُكْبَتَيْهِ.\nقوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم.\nقوله: صليت مع رسول الله - ﷺ - المغرب فرجع من رجع وعقب من عقب فجاء رسول الله - ﷺ - مسرعا قد حفزه النفس حفزه هو بفتح الحاء المهملة والفاء وبعدهما زاى أي ساقه وأتعبه من شدة سعيه قاله الحافظ، وقال: بعضهم أي ضغطه لسرعته (^٢).\nقوله: قد حسر عن ركبتيه هو بفتح الحاء والسين المهملتين أي كشف عن ركبته، قاله الحافظ يعني لشدة ما هو فيه من العجلة.\nقوله قال: أبشروا هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء الحديث أبشروا بقطع الهمزة وجاز لغة أبشروا بضم الشين من البشر بمعنى الابشار أي أبشروا بالثواب على العمل وإن قل قاله الكرماني (^٣) والله أعلم.\nقوله يباهي بكم الملائكة المباهاة: المفاخرة وأصل البهاء الحسن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧ رقم ٦٧٥٠ و٦٧٥١ و٢/ ٢٠٨ رقم ٦٩٤٦)، وابن ماجه (٨٠١)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٨٦ - ٥٨٧ رقم ١٤٥٠٠) و(١٣/ ٦٠٥ رقم ١٤٥٢٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٤٥) والصحيحة (٦٦١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٩٧).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٦٢).","vol":"3","page":437},{"text":"والجمال وفلان يباهى بماله وولده أي يفخر ويتجمل بهم على غيرهم ويظهر الحسن والجمال بهم قاله القاضي عياض في شرح مسلم (^١).\nقوله: أبو أيوب، وأبو أيوب اسمه (يحيى بن مالك، ويقال: حبيب بن مالك) هو المراغي العتكي ثقة.\n\n٦٤٧ - وَعَن أبي أُمَامة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"وصَلَاة في إثْر صَلَاة لا لَغْو بَينهمَا كتاب فِي عليين\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتقدم بتَمَامِهِ (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على مناقبه\nقوله - ﷺ -: \"صلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب فى عليين\" إثر بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة ويجوز بفتح الهمزة والثاء لغتان مشهورتان (^٣).\nقوله: لا لغو بينهما اللغو هو الكلام الباطل واللفظ واختلاط الأصوات.\nقوله كتاب في عليين قال البغوي: في شرح السنة عليين هم الذين في أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى في الدار الآخرة. وقال: مجاهد عليون السماء السابعة، وقال: قتادة تحت قائمة العرش (^٤)، وقيل اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد (^٥)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٣ (٢٢٢٧٣) و٥/ ٢٦٨ (٢٢٣٠٤)، وأبو داود (٥٥٨) و(١٢٨٨). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٤٦).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٨٢).\n(^٤) شرح السنة (١٤/ ١٠٠).\n(^٥) النهاية (٢/ ٢٩٤)، وشرح المشكاة (٣/ ٩٤٩).","vol":"3","page":438},{"text":"ويعرب بالحروف والحركات كقنسرين وأشباهها (^١) وتقدم الكلام أيضًا على عليين في المشي إلى المساجد مبسوطًا والله أعلم.\n\n٦٤٨ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا أدُلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويكفر به الذنوب؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكروهات وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط\". رواه ابن حبان في صحيحه (^٢)، ورواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبى هريرة (^٣)، وتقدم.\nقوله: عن جابر هو جابر بن عبد الله تقدم.\nقوله: \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب\" قد يراد به محو الخطايا من ديوان الحفظة وهو دليل على غفرانها (^٤) وقيل غير ذلك وتكفير الذنوب المراد به الصغائر وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو برحمة الله وبفضله على العبد (^٥).\nقوله: \"فذلكم الرباط\" الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وأعدادها فشبه به ما ذكر من الأفعال الصالحة والعبادة، قال\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (١٠٣٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٤٧).\n(^٣) أخرجه مالك (٤٤٥)، ومسلم (٤١ - ٢٥١)، وابن ماجه (٤٢٨)، والترمذى (٥١ و٥٢)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٢ (١٤٨).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٥٥).\n(^٥) إكمال المعلم (٢/ ١٥)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١١٢).","vol":"3","page":439},{"text":"القتيبي: وأصل المرابطة أن يربط الفريقان خيولهما في ثغر كل منها معد لصاحبه فسمي المقام في الثغور رباطًا (^١) ومنه قوله: \"فذلكم الرباط\" أي أن المرابطة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله فيكون الرباط مصدر رابطت أي لازمت وقيل الرباط هاهنا اسم لما يربط به الشيء أي يشد يعني أن هذه الخلال تربط صاحبها من المعاصي وتكفه عن المحارم قاله في النهاية (^٢) وتقدم الكلام على حديث علي والذي بعده.\n\n٦٤٩ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"إسباغ الْوضُوء فِي المكاره وإعمال الْأقْدَام إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة يغسل الْخَطَايَا غسلًا\" رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\n_________\n(^١) لسان العرب: ٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣ مادة (ربط).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الطهور (١٤)، وعبد بن حميد (٩١)، والبزار (٥٢٨) و(٥٢٩)، وأبو يعلى (٤٨٨)، وابن شاهين في الترغيب (٣٦)، والدارقطنى في العلل (٣/ ٢٢٣)، والحاكم (١/ ١٣٢).\nوقال الدارقطنى في العلل (٣٧٤): هو حديث يرويه الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب واختلف عنه؛ فرواه صفوان بن عيسى، عن الحارث، عن سعيد بن المسيب، عن علي، وخالفه أبو ضمرة، فرواه عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي العباس، عن سعيد بن المسيب، عن علي، ورواه محمد بن فليح، عن الحارث، عن أبي العباس، وروى هذا الحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن سعيد بن المسيب، فأسنده عن أبي سعيد الخدري، وكلاهما ضعيفان. وصححه الحاكم. =","vol":"3","page":440},{"text":"٦٥٠ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"إِن العَبْد إِذا جلس فِي مُصَلَّاهُ بعد الصَّلَاة صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة وصلاتهم عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وَإِن جلس ينْتَظر الصَّلَاة صلت عَلَيْهِ وصلاتهم عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه\" رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه عَطاء بن السَّائِب (^١).\n\n٦٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"منتظر الصَّلَاة بعد الصَّلاة كفارس اشْتَدَّ بِهِ فرسه فِي سَبِيل الله على كشحه وَهُوَ فِي الرِّبَاط الْأكْبَر\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَإسْنَاد أَحْمد صَالح (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم. قوله: \"ننتظر الصلاة بعد الصلاة كفارس اشتد\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٦: رواه أبو يعلى والبزار ورجاله رجال الصحيح، وزاد البزار في أوله: \"ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا\"، وزاد في أحد طريقيه رجلا وهو أبو العياس غير مسمى وقال: إنه مجهول، قلت: أبو العياس بالياء المثناة آخر الحروف والسين المهملة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٣) و(٤٤٩).\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ١٤٤ (١٢١٩) و١/ ١٤٧ (١٢٥١)، والبزار (٥٩٧)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧ رقم ٢٧٠٠).\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٦: رواه أحمد وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط في آخر عمره. وقال في ١٠/ ١٠٧: رواه البزار، وعطاء بن السائب قد اختلط. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٥٢ (٨٦٢٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١١٨ رقم ٨١٤٤)، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن مهران إلا يحيى بن سليم، ولا عن يحيى إلا نافع بن سليمان، تفرد به: ابن لهيعة. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٦: رواه أحمد والطبراني في الأوسط وفيه نافع بن سليمان القرشي، وثقه أبو حاتم، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٥٠).","vol":"3","page":441},{"text":"به فرسه في سبيل الله على كشحه وهو في الرباط الأكبر\" الحديث الكشح هو الخصر، أو الذي يطوي عنك كشحه أى باطنه ولا يألفك (^١).\n\n٦٥٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي وَفِي رِوَايَة رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد قلت لبيْك رَبِّي وَسَعْديك قَالَ هَل تَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأعْلَى قلت لا أعلم فَوضع يَده بَين كَتِفي حَتَّى وجدت بردهَا بَين ثديي أَو قَالَ فِي نحري فَعلمت مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأرْض أَو قَالَ مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قَالَ يَا مُحَمَّد أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الأَعْلَى قلت نعم فِي الدَّرَجَات وَالْكَفَّارَات وَنقل الأقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات وإسباغ الْوضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَير وَمَات بِخَير وَكَانَ من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه\" الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَتقدم بِتَمَامِهِ (^٢).\nقوله: عن ابن عباس تقدم قوله - ﷺ -: \"أتاني أت من ربي\" وفي رواية \"رأيت ربي في أحسن صورة\" الحديث ثبت وتقرر أن الله تعالى لا مناسبة بينه وبين العالم المحدث من كل وجه من الوجوه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣) ولو\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١٧٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣٤٨٤)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والترمذى (٣٢٣٣) و(٣٢٣٤)، والبزار (٤٧٢٧)، وأبو يعلى (٢٦٠٨)، وابن خزيمة في التوحيد (٥٦ و٥٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٤) و(٣٠٢) و(٤٠٨) و(٤٥١).\n(^٣) سورة الشورى، الآية: ١١.","vol":"3","page":442},{"text":"تمسكنا بظواهر الأخبار لجعلناه مثل العالم المحدث ولم نكن عالمين بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيجب أن يكون لهذه الأخبار معان الله ورسوله أعلم بها ثم إن العلماء أعلم بمعانيها فيجب على المسلم أن يعتقد أن الله ﷾ لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات ولا يوصف بالصورة والتحول والانتقالات وإذا رأى آية مشكلة أو خبرا مشكلا يقتضي التشبيه والتحول والانتقال والتغير اعتقاد عما هو عليه وبكل معناه إلى الله ورسوله ثم العلماء فإن قيل فما معنى الصورة في قوله - ﷺ -: \"رأيت ربي في أحسن صورة\" قيل معنى الصورة هنا عائد على النبي - ﷺ - قال: \"رأيت ربي وأنا في أحسن صورة\" لأن الإنسان يكون أحسن ما يكون وجهه إذا رأى أشر الأشياء وأفضلها عنده قال المحاسبي في عقيدته (^١) والله أعلم. قوله: \"هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى\" الملأ الأعلى الملائكة المقربين وسموا بذلك لأنهم في السماء وتقدم معنى الاخصام،\nقوله \"فوضع يده بين كتفي\" اعلم أن اليد التي وضعها الرب ﷾ هي يد الامتنان والاختصاص والتقريب والاصطفاء وهو الأخذ الذي يأخذه الرب إليه وهي سنته في أرباب حضرته مع أصحاب الأوقات من دعاة\n_________\n(^١) هذا كلام مخالف لما عليه السلف وما أحسن ما قال ابن قتيبة: الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع، والعين، وإنما وقع الإلف لتلك؛ لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد تأويل مختلف الحديث (ص ٢٢١).","vol":"3","page":443},{"text":"الحق إليه من الأنبياء والأولياء صلوات الله وسلامه عليهم والله أعلم وتقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطًا.\n\n٦٥٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"أَلا أدلكم على مَا يكفر الله بِهِ الْخَطَايَا وَيزِيد بِهِ في الْحَسَنَات قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إسباغ الْوضُوء أَو الطّهُور فِي المكاره وَكَثْرَة الخطا إِلَى الْمَسْجِد وَالصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَمَا من أحد يخرج من بَيته متطهرا حَتَّى يَأْتِي الْمَسْجِد فَيصَلي فِيهِ مَعَ الْمُسلمين أَو مَعَ الإِمَام ثمَّ ينْتَظر الصَّلَاة الَّتِي بعْدهَا إِلَّا قَالَت الْمَلَائِكَة اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ ارحمه\" الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ والدارمي فِي مُسْنده (^١).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري تقدم قوله: \"ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به الحسنات\" تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث قوله عن أنس تقدم الكلام على مناقبه قوله ثلاث كفارات وثلاث درجات منجيات الحديث فإن الثلاث الكفارات أي كفارات الذنوب والخطايا وأما الثلاث الدرجات المراد بالدرجات أعلى المنازل في الجنة وأما باقي ألفاظ الحديث فسيأتي الكلام عليها في أماكن متفرقة من هذا التعليق.\n\n٦٥٤ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ: \"ثَلَاث كفَّارَات وَثَلَاث دَرَجَات وَثَلَاث منجيات وَثَلَاث مهلكات فَأَما الكَفَّارَات فإسباغ الْوضُوء فِي\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى (٧٢٥ و٧٢٦)، وابن ماجه (٤٢٧)، وابن خزيمة (١٧٧) و(٣٥٧) و(١٥٦٢)، وابن حبان (٤٠٢). وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٤٥٢).","vol":"3","page":444},{"text":"السبرات وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَنقل الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات وَأما الدَّرَجَات فإطعام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام وَأما المنجيات فالعدل فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَالْقَصْد فِي الْفقر والغنى وخشية الله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَأما المهلكات فشح مُطَاع وَهوى مُتبِع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ\" رَوَاهُ الْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا (^١) وَهُوَ مَرْوِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَأَسَانِيده وَإِن كَانَ لَا يسلم شَيْء مِنْهَا من مقَال فَهُوَ بمجموعها حسن إِن شَاءَ الله تَعَالَى السبرات جمع سُبْرَة وَهِي شدَّة الْبرد.\n\n٦٥٥ - وَعَن دَاوُد بن صَالح قَالَ: قَالَ لى أَبُو سَلمَة: \"يَا ابْن أخي تَدْرِي فِي أَي شَيْء نزلت ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (^٢) قلت: لا قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول لم يكن فِي زمَان النَّبِي - ﷺ - غَزْو يرابط فِيهِ وَلَكِن انْتِظَار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة\" رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٤٩١)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٢٨ رقم ٥٤٥٢)، وابن شاهين في الترغيب (٣٣) و(٥٢٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، وابن بشران (١٣٨٣)، والبيهقى في الشعب (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤ رقم ٧٣١). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٩١: رواه البزار، والطبراني في الأوسط ببعضه، وقال: إعجاب المرء بنفسه من الخيلاء، وفيه زائدة بن أبي الرقاد وزياد النميري، وكلاهما مختلف في الاحتجاج به. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٥٣).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠.\n(^٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٠١)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٥٩ رقم ٢٦٣٨). وصححه الحاكم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٤٠).","vol":"3","page":445},{"text":"قوله عن داود بن صالح هو داود بن صالح التمار المدني الأنصاري مولاهم روى عن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وغيرهما روى عنه هشام بن عروة وابن جريج والدراوردي قال: الإمام أحمد بن حنبل لا أعلم به بأسا (^١).\nوالدراروردي من دراورد قرية بخرسان وقيل بفارس جده منها وقيل كان من أهل أصبهان نزل المدينة قال: ابن سعد كان ثقة كبير توفي سنة سبع وثمانين ومائة وكان من أئمة العلم قال معن بن عيسى: يصلح أن يكون أمير المؤمنين (^٢).\nقوله: قال: لي أبو سلمة يا ابن أخي تدري في أي شيء نزلت اصبروا وصابروا قلت لا الحديث أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن واحتج أبو سلمة بقوله -﵇- \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة\"، وقال محمد بن كعب اصبروا [على دينكم وصابروا] لوعدي الذي وعدتكم عليه ورابطوا عدوي وعدوكم حتي يترك دينه لدينكم واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون إذا لقيتموني (^٣).\n_________\n(^١) الجرح والتعديل (٣/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٨/ ترجمة ٣٤٧٠)، وتاريخ الإسلام (٤/ ٩١٥).\n(^٣) تفسير الطبرى (٦/ ٣٣٣).","vol":"3","page":446},{"text":"وقال الحسن: اصبروا على المصائب وصابروا على الصلوات الخمس (^١).\nوقال الزمخشري في نفس الآية: اصبروا على الدين وتكاليفه وصابروا أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر ورابطوا أي أقيموا على الثغور مرابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو (^٢) قاله في الديباجة.\n\n٦٥٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ: \"الْقَاعِد على الصَّلَاة كالقانت وَيكْتب من الْمُصَلِّين من حِين يخرج من بَيته حَتَّى يرجع إِلَيْهِ\" رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ أَحْمد وَغَيره أطول مِنْهُ إِلَّا أَنه قَالَ والقاعد يرْعَى الصَّلَاة كالقانت (^٣).\nوَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْمَشْي إِلَى الْمَسَاجِد.\nقَوْله: الْقَاعِد على الصَّلَاة كالقانت أَي أجره كَأَجر الْمُصَلِّي قَائِما مَادَامَ قَاعِدا ينْتَظر الصَّلَاة لِأَن المُرَاد بِالْقُنُوتِ هُنَا الْقيام فِي الصَّلَاة.\nقوله: عن عقبة بن عامر تقدم قوله: - ﷺ - القاعد على الصلاة كالقانت\n_________\n(^١) تفسير ابن المنذر (٢/ ٥٤٣).\n(^٢) تفسير الزمخشرى (١/ ٤٦٠).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤١٠)، وأحمد ٤/ ١٥٧ (١٧٤٤٠) و٤/ ١٥٩ (١٧٤٥٩ و١٧٤٦٠ و١٧٤٦١)، وأبو يعلى (١٧٤٧)، وابن حبان (٢٠٣٨)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٥ رقم ٨٤٢) والأوسط (١/ ٦٦ رقم ١٨٥)، والحاكم (١/ ١١٢). وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، وفي بعض طرقه ابن لهيعة وبعضها صحيح، وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٨) و(٤٥٤).","vol":"3","page":447},{"text":"ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته الحديث.\nقوله: القاعد على الصلاة كالقانت المراد بالقعود هنا القيام في الصلاة أي أجره كأجر المصلي قائما مادام قاعدا منتظر الصلاة قاله الحافظ وقال في النهاية: القنوت في الحديث يرد بمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والقيام فطول القيام والسكوت فنصرف في كل هذه المعاني إلى ما احتمله اللفظ الحديث الوارد فيه وفي الحديث زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^١) عن الكلام أراد به السكوت، وقال ابن الأنباري القنوت على أربعة أقسام الصلاة وطول القيام وإقامة الطاعة والسكوت (^٢) انتهى وتقدم مبسوطا من هذا والله أعلم.\n\n٦٥٧ - وَعَن امْرَأَة من المبايعات ﵂ أنَّهَا قَالَت: جَاءَ رَسُول الله - ﷺ - وَمَعَهُ أَصْحَابه من بني سَلمَة فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا فَأكل ثمَّ قربنا إِلَيْهِ وضُوءًا فَتَوَضَّأ ثمَّ أقبل على أَصْحَابه فَقَالَ: \"أَلا أخْبركُم بمكفرات الْخَطَايَا؟ \" قَالُوا: بلَى قَالَ: \"إسباغ الْوضُوء على المكاره وَكَثْرَة الخطا إِلَى الْمَسَاجِد وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة\" رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه رجل لم يسم وَبَقِيَّة إِسْنَاده مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(^٢) النهاية (٤/ ١١١).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٠ (٢٢٣٢٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣٤٠٧)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٣٤ رقم ٥٩٣ و٥٩٤). وسماها الطبراني خولة بنت قيس بن =","vol":"3","page":448},{"text":"قوله: عن امرأة من المبايعات المتابعة مأخوذة من البيع وسيأتي الكلام عليها مبسوطا، قالت: جاءنا رسول الله - ﷺ - ومعه أصحابه من بني سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار\nقوله ثم قربنا إليه وضوءا فتوضأ، الوضوء بفتح الواو اسم للماء الذي يتوضأ به وأما بضم الواو فهو الفعل وتقدم.\nقوله - ﷺ - \"ألا أخبركم بمكفرات الخطايا\" المراد الصغائر كما تقدم نقله قوله: \"إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد\" الحديث تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n= قهد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٦: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده محتمل. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٥٥).","vol":"3","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>[الترغيب على المحافظة على الصبح والعصر]</span>\n٦٥٨ - عَن أبي مُوسَى - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من صلى البردين دخل الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١)\nالبردان هما الصُّبْح وَالْعصر.\nقوله عن أبي موسى تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى البردين دخل الجنة\" الحديث البردان هما الصبح والعصر قاله المنذري وقال بعضهم المراد بالبردين صلاة الفجر والعصر لكونهما في طرفي النهار والبردان الغداة والعشي والأبردان كذلك وذلك لأنهما يصليان في بردي النهار وهما طرفاه حين يطيب الهواء وتذهب سورة الحر (^٢)، ومنه حديث ابن الزبير كان يسير بنا الأبردين (^٣) وسميا بالبردين لبرد هوائهما بخلاف ما بينهما من النهار (^٤) والمراد المحافظة على صلاتي الصبح والعصر لما في حديث فضالة حافظ على العصرين قال: وما كانت لغتنا فقلت وما العصران قال: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٢١٥ - ٦٣٥).\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٤٤٨).\n(^٣) النهاية (١/ ١١٤).\n(^٤) مشارق الأنوار (١/ ٨٣).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٢٨)، وابن حبان (١٧٤٢) والحاكم ١/ ١٩٩ - ٢٠٠ و٣/ ٦٢٨. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (١٨١٣) وصحيح أبي داود (٤٥٤).","vol":"3","page":450},{"text":"وإنما أمر بأدائهما في الوقت المختار والمحافظة عليهما في الجماعة لما فيهما من الفضل والزيادة في الأجر إذ فيهما تشهد ملائكة الليل والنهار ولأن إحداهما تقام في وقت تثاقل النفوس لتراكم الغفلة واستحلاء النوم والأخرى تقام عند قيام الأسواق في البلدان واشتغال الناس بالمعاملات فنبه المكلفين على هذه المعاني بزيادة تأكيد كذا في الميسر للإمام شهاب الدين التوربشتي (^١).\nوقيل المعنى أن المسلم إذا كان محافظا عليهما وأتى بهما في وقتهما مع ما فيه من التثاقل والمشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشد محافظة وما عسى أن يقع منه تفريط فبالحري أن تقع مكفرة تغفر له ويدخل الجنة (^٢) والله أعلم.\n\n٦٥٩ - وَعَن أبي زهيرة عمَارَة بن رويبة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لن يلج النَّار أحد صلى قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا يَعْنِي الْفجْر وَالْعصر رَوَاهُ مُسلم (^٣).\nقوله: عن أبي زهير عمارة بن روبية، عمارة بضم العين المهملة وتخفيف الراء روبية بضم الراء المهملة وفتح الهمزة ويقال أيضا روبية بضم الراء وفتح الواو ومصغر روبه بضم الراء وبعدها همزة ساكنة ثبت في رواية أبي\n_________\n(^١) الميسر (١/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٢٤٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٣ و٢١٤ - ٦٣٤)، وأبو داود (٤٢٧)، والنسائى في المجتبى ١/ ٥٧١ (٤٧٨) و١/ ٥٨٢ (٤٩٧).","vol":"3","page":451},{"text":"زيد في باب صفة الشمس والقمر، قوله - ﷺ - \"لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها\" الولوج الدخول قال: الراوي يعني الفجر والعصر وإنما خص - ﷺ - هذين الوقتين لفضل الصلاة فيهما لكون الأولى وقت استحلاء النوم والثاني وقت الاشتغال بالمكاسب فتكون العبادة فيهما أشق (^١) وقد تقدم معنى ذاك في الحديث قبله قال في حدائق الأولياء سياق الحديث الراحة أعظم من السلامة منها وقطع المفاز ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (^٢) (^٣).\n\n٦٦٠ - وَعَن أبي مَالك الأشْجَعِيّ عَن أَبِيه - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله وحسابه على الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا الْهَيْثَم بن يمَان وَتكلم فِيهِ فللحديث شَوَاهِد (^٤)\nأَبُو مَالك هُوَ سعد بن طَارق.\nقوله: عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: الحافظ أبو مالك اسمه سعد بن طارق قاله: الحافظ المنذري.\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٧٢)، وكشف المناهج (٥/ ٧٧)، وشرح المصابيح (١/ ٣٨٥)\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(^٣) حدائق الأولياء (٢/ ٩٨).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٢٩ رقم ٤٠٥٢) والكبير (٨/ ٣١٨ رقم ٨١٨٨). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٧: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه الهيثم بن يمان ضعفه الأزدي، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٥٨).","vol":"3","page":452},{"text":"وقال بعضهم: هو سعد بن طارق بن أشيم الكوفي روى عن أنس بن مالك وربعي بن خراش وأبيه طارق استشهد به البخاري في الجامع وروى له في الأدب روى له الباقون وأبو حازم الأشجعي الكوفي اسمه سلمان مولى عزة الأشجعية روى عن الحسن والحسين وأبي هريرة وروى عن مولاته عزة الأشجعية وخلائق ثقة صالح والده طارق بن أشيم الأشجعي له صحبة روى عن النبي - ﷺ - روى له البخاري في الأدب سوى أبي داود مات أبو مالك في خلافة عمر بن عبد العزيز (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ - \"من صلى الصبح فهو في ذمة الله وحسابه على الله\" الحديث أي عهد الله وحفظه ومن كان في عهد الله وأمانه لم يجز التعرض له ومن يعرض له كان ظالما وقيل معنى في ذمة الله أي في جوار الله وأمانه ومعناه استجار بالله والله تعالى قد أجاره فلا ينبغي لأحد أن يتعرض له بضر أو أذى فمن فعل ذلك فالله يطلبه بحقه ومن طلبه الله لم يجد له مفرا ولا ملجأ (^٢)، والذمة والذمام هنا الضمان يقول: فلان في ذمتي أي: في ضماني، وقيل: الذمة والذمام الأمان والعهد (^٣)، قال بعض العلماء: وإنما جعلوه في ذمة الله بشهادة الإيمان التي يشهدون له بها في قوله - ﷺ -: \"من قال لا إله إلا الله وصلى صلاتنا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٢ - ٢١٣ ترجمة ٢٠٢)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٢٦٩ - ٢٧١ ترجمة ٢٢١١).\n(^٢) المفهم (٦/ ٦٨).\n(^٣) جامع الأصول (٦/ ٢٢١).","vol":"3","page":453},{"text":"وأكل ذبيحتنا فله ذمة الله ورسوله\" قاله ابن الأثير في النهاية (^١).\nقوله: ورواته رواة الصحيح إلا الهيثم بن يمان [وتكلم فيه ضعفه أبو الفتح الأزدي وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من عبد المؤمن بن علي فقيل له: ما تقول فيه؟ قال: صالح صدوق.].\n\n٦٦١ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله فَلَا يطلبنكم الله من ذمَّته بِشَيْء فَإِنَّهُ من يَطْلُبهُ من ذمَّته بِشَيْء يُدْرِكهُ ثمَّ يكبه على وَجهه فِي نَار جَهَنَّم رَوَاهُ مسلم وَغَيره (^٢).\nقوله: عن جندب بن عبد الله، هو: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ثم العلقي، وعلقة حي من بجيلة يكنى أبا عبد الله له صحبة، نسب تارة إلى أبيه وتارة إلى جده، له صحبة ليست بالقديمة سكن الكوفة ثم انتقل إلى البصرة، قال ابن منده وأبو نعيم: يقال له جندب الخير والذي ذكره ابن الكلبي أن جندب الخير هو جندب بن عبد الله بن الأخرم الأزدي الغامدي، روى له الترمذي حد الساحر ضربة بالسيف، روى عنه: تميم بن الحارث الأزدي وغيره (^٣).\n_________\n(^١) كشف المناهج (٢/ ٥٣ - ٥٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦١ - ٦٥٧) و(٢٦٢ - ٦٥٧)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ١/ ١٢٤ (٣٥٧)، والرويانى (٩٥٥) و(٢/ ١٤٣)، والسراج (٨٤٨).\n(^٣) أسد الغابة (١/ ٣٥٩ ترجمة ٨٠٢) و(١/ ٣٦٠ ترجمة ٨٠٤)، وتهذيب الكمال (٥/ الترجمة ٩٧٣) و(٥/ الترجمة ٩٧٥).","vol":"3","page":454},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من صلى الصبح فهو في ذمة الله\" الحديث، صلاة الصبح لما فيها من الكلفة والتثاقل مظنة خلوص المصلي ومن كان مؤمنا خالصا فهو في ذمة الله أي: في عهده وأمانه وتقدم الكلام على ذلك الحديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم\" معنى الحديث، أي: لا تتعرضوا لمن صلى الصبح ولا تعاملوه بمكروه فإنه في عهد الله وأمانه فمتى فعلتم ذلك تعرضتم لمطالبة الله تعالى إياكم بنقض عهده وإخفار ذمته (^١)، فظاهر قوله - ﷺ -: \"لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء\" وإن دل على النهي من مطالبة الله إياهم بشيء من عهده لكن المعنى نهيهم عما يوجب مطالبة الله تعالى إياهم من نقض عهده بالتعرض لمن له عهده وذمته كما مر ذكره، ويحتمل أن يكون المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان فيكون المعنى: لا تتركوا صلاة الصبح ولا تتهاونوا بشيء منها فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبنكم به، ومن طلبه الله للمؤاخذة بما فرط في حقه والقيام أدركه ومن أدركه كبه على وجهه في نار جهنم كذا في الميسر (^٢) يقال كبه إذا صرعه فأكب هو على وجهه وهو من النوادر إذ ثلاثيه متعد ورباعيه لازم (^٣).\nقوله: \"ثم يكبه\" بفتح الباء الموحدة لأنه لما عطف على المجرور وهو\n_________\n(^١) الميسر (١/ ١٨٨).\n(^٢) الميسر (١/ ١٨٨)، وتحفة الأبرار (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٣) الصحاح (١/ ٢٠٧)، والمشارق (١/ ٣٣٣) وإكمال المعلم (١/ ٤٦٢).","vol":"3","page":455},{"text":"يدركه التقى ساكنان وهما الباءان فحرك الثاني بالفتح للخفة يقال: كبه إذا صرعه إلى آخره، ومعنى: يكبه الله في النار أي يلقيه فيها على وجهه قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقال في حدائق الأولياء بعد سياق الحديث فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء وإذا صار إلى هذا المقام أعني في جوار الملك العلام زالت الضرورة وحصل له الفوز وكمال الظاهر (^١).\n\n٦٦٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى الْغَدَاة فأصيبت ذمَّته فقد استبيح حمى الله وأخفرت ذمَّته وَأَنا طَالب بِذِمَّتِهِ رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٢).\nقوله: عن أنس بن مالك، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الغداة فأصيبت ذمته فقد استبيح حمى الله وأخفرت ذمته\"، المراد بصلاة الغداة صلاة الصبح، ففيه جواز تسمية الصبح بالغداة، وقد كرهه قوم، وتقدم أن النووي قال في شرح المهذب: يكره تسميتها بالغداة والصحيح خلافه والله أعلم.\nقوله: \"فقد استبيح حمى الله وأخفرت ذمته\" يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده.\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (٢/ ٩٨).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٤١٢٠). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٦: رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف، وقد وثق. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٤١).","vol":"3","page":456},{"text":"٦٦٣ - وَعَن أبي بصرة الْغِفَارِيّ - ﵁ - قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله - ﷺ - الْعَصْر بالمخمص وَقَالَ إِن هَذِه الصَّلَاة عرضت على من كانَ قبلكُمْ فضيعوها وَمن حَافظ عَلَيْهَا كانَ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ الحَدِيث رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ (^١)\nالمخمص بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمِيم جَمِيعًا وَقيل بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء وَكسر الْمِيم بعْدهَا وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة اسْم طَرِيق.\nقوله: عن أبي بصرة الغفاري، واختلف في اسم أبي بصرة صاحب رسول الله - ﷺ -، فقيل: حميل بضم الحاء المهملة، وقيل: حميل بفتحها، وقيل: جميل بالجيم المعجمة المفتوحة، والصحيح ما قاله علي بن المديني اسم أبي بصرة حميل بن بصرة الغفاري قاله بعض ولده سكن أبو بصرة الحجاز وصحب رسول الله - ﷺ -، وروى عنه قليلا ثم تحول إلى مصر وسكنها وتوفي بها ودفن في مقبرتها وهو أحد الصحابة الذين توفوا بمصر ﵃ (^٢).\nقوله: صلى بنا رسول الله - ﷺ - العصر بالمخمص، المخمص (بضم الميم الأولى وفتح الخاء المعجمة والميم جميعا، وقيل: بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الميم بعدها وفي آخره صاد مهملة) اسم طريق قاله الحافظ، وقال غيره: موضع بالمدينة (^٣).\nقوله: \"إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها ومن حافظ عليها كان له أجره مرتين\" ففيه فضيلة العصر وشدة الحث عليها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٢ - ٨٣٠)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٣١ (٥٣١).\n(^٢) أسد الغابة (١/ ٥٣٨ - ٥٣٩ ترجمة ١٢٧١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١١٣).","vol":"3","page":457},{"text":"٦٦٤ - وَعَن أبي بكر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة فَهُوَ فِي ذمَّة الله فَمن أَخْفَر ذمَّة الله كبه الله فِي النَّار لوجهه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَرِجَال إِسْنَاده رجال الصَّحِيح (^١).\nقوله: عن أبي بكرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله فمن أخفر ذمة الله كبه الله في النار لوجهه\" تقدم الكلام على الذمة وبقية الألفاظ.\n\n٦٦٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذمَّة الله ﵎ فَلَا تخفروا الله ﵎ فِي ذمَّته فَإِنَّهُ من أَخْفَر ذمَّته طلبه الله ﵎ حَتَّى يكبه على وَجهه\nرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِنَحْوِهِ (^٢)\nوَفِي أول قصَّة وَهُوَ أَن الْحجَّاج أَمر سَالم بن عبد الله بقتل رجل فَقَالَ لَهُ سَالم أصليت الصُّبْح فَقَالَ الرجل نعم، فَقَالَ لَهُ انْطلق فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج مَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٤٥)، والضياء في المختارة (١/ ١٥١ - ١٥٢ رقم ٦٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١١١ (٥٨٩٨)، والبزار (٥٩٨٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٥ رقم ٣٤٦٤) و(٨/ ٢٥١ رقم ٨٥٤٨) والكبير (١٢/ ٣١٢ رقم ١٣٢١٠ و١٣٢١١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، ولا عن يونس إلا أيوب، تفرد به: مكيس. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٦: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد حسن له بعضهم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦٢).","vol":"3","page":458},{"text":"مَنعك من قَتله فَقَالَ سَالم حَدثنِي أبي أَنه سمع رَسول الله - ﷺ - يَقُول من صلى الصُّبْح كَانَ فِي جوَار الله يَوْمه فَكرِهت أَن أقتل رجلا أجاره الله فَقَالَ الْحجَّاج لِابْنِ عمر أَنْت سَمِعت هَذَا من رَسول الله - ﷺ - فَقَالَ ابْن عمر نعم\nقَالَ الْحَافِظ وَفِي الأولى ابْن لَهِيعَة وَفِي الثَّانِيَة يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي.\nقوله: عن ابن عمر، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الصبح فهو في ذمة الله\" الذمة الأمان.\nقوله: \"فلا تخفروا الله في ذمته\" الحديث يقال: أخفرت الرجل حفظته، وأخفرته إذا كنت له خفيرًا أي: حاميا وكفيلا وخفرت الرجل أجزته وحفظته إذا كنت له خفيرا أو تخفرت له إذا استجرت به، والخفارة بالكسر والضم الذمام وأخفرت الرجل إذا أنقضت عهده وذمامه (^١)، ومعنى الحديث أن الذي يظهر عن نفسه شعار أهل الإسلام فهو في جوار الله لا يستباح منه ما يحرم على المسلم فلا تنقضوا عهده وذمته كذا في الميسر وغيره (^٢) (وقال في المحكم معنى الحديث \"لا تؤذوا المؤمن\" (^٣) وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين وترغيب في حضور صلاة الصبح).\nقوله: ورواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه وفي أوله قصة وهو أن\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٢) انظر: كشف المشكل (٢/ ٤٩)، والميسر (١/ ١٨٨)، وتحفة الأبرار (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٣) المحكم (٥/ ١٧٢).","vol":"3","page":459},{"text":"الحجاج أمر سالم بن عبد الله بقتل رجل فقال: يا سالم أصليت الصبح فقال الرجل نعم فقال انطلق، الحديث.\nقوله: وفي الأولى ابن لهيعة وفي الثانية محمد بن يحيى بن عبد الحميد الحماني، تقدم الكلام على ابن لهيعة، وأما يحيى بن عبد الحميد الحماني، وقال أبو نعيم في الحلية في ترجمة محمد بن خالد بن يزيد بن بسام من حديث سالم بن عبد الله بن عمر قال: جاؤوا بأسير إلى الحجاج فقال الحجاج: قم يا سالم فاضرب عنق هذا الأسير، فقال الأسير: ما كان ليفعل، فقالوا: إنه قد سل سيفه وأتاك قال: ما كان ليفعل، فأتاه فساره، فقال: يا هذا توضأت الغداة وضوءا حسنا وصليت في الجماعة قال نعم، قال: فأغمد سيفه ورجع، فقال له الحجاج: ما يمنعك أن تضرب عنق الأسير، قال: ما سمعت من والدي يحدث عن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال: \"أيما رجل توضأ لصلاة الغداة وضوءا حسنا وصلى في جماعة كان في جوار الله تعالى\" (^١) وما كنت لأقتل رجلا جار الله تعالى يا حجاج، فقال أبوه: ما أخطأت أمك إذ سمتك سالمًا، هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، كنيته أبو عمر، ويقال أبو عبد الله العدوي أحد الأئمة الفقهاء بالمدينة، قال سعيد بن المسيب: كان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم بن عبد الله أشبه ولد عبد الله به، قال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من\n_________\n(^١) أخرجه معاذ بن المثنى في زوائد مسند مسدد كما في المطالب (١٨٤٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣١٢ رقم ١٣٢١٠ و١٣٢١١)، وأبو العرب في المحن (ص ٢٢٧ - ٢٢٨)،","vol":"3","page":460},{"text":"الصالحين في الزهد والفضل منه كان يلبس الثوب بدرهمين، وقال نافع: كان ابن عمر يقبل سالما ويقول: شيخ يقبل شيخا، قال عبد الرحمن بن أبي الزناد: كانوا يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد بالمدينة حتى نشأ فيهم القراء السادة علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ففاقوا أهل المدينة علما وتقى وعبادة وورعا فرغب الناس حينئذ في السراري، قال ابن قتيبة: كان لعبد الله بن عمر من الأولاد سالم، وعبد الله، وعاصم، وحمزة، وبلال، وواقد، وكان عبد الله بن المبارك يعد سالما من الفقهاء السبعة، توفي سالم سنة ست ومائة، قاله البخاري وغيره، وقال الأصمعي سنة خمس، وقال الهيثم سنة ثمان بالمدينة (^١) وتقدم أيضا ذكر أولاد عبد الله بن عمر في أول هذا التعليق في حديث الغار والله أعلم.\nوأما الحجاج فكنيته أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم فذكره إلى أن قال بن مالك بن كعب الثقفي أول ولاية وليها (تبالة) بمثناة من فوق مفتوحة ثم باء موحدة مخففة، فلما رآها احتقرها فتركها ثم تولى ابن الزبير فقهره على مكة والحجاز، وقتل ابن الزبير وصلبه بمكة سنة ثلاث وسبعين (^٢).\nفائدة: ولما هلك يزيد بن معاوية بويع لعبد الله بن الزبير بالخلافة وأطاعه أهل اليمن والحجاز والعراق وخراسان وهو الذي جدد عمارة الكعبة شرفها\n_________\n(^١) انظر: تاريخ دمشق (٢٠/ الترجمة ٢٣٦٧)، وتهذيب الكمال (١٠/ الترجمة ٢١٤٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٣ ترجمة ١١٣).","vol":"3","page":461},{"text":"الله تعالى وبقي في الحكم إلى أن حصره الحجاج بمكة ولم يزل يحاصره إلى أن قتله فكانت خلافته تسع سنين، ولما كانت الغداة التي قتل فيها عبد الله بن الزبير دخل على أمه وهي يومئذ ابنة مائة سنة ولم يسقط لها سن قالت: يا عبد الله ما بلغت في حربك قال: بلغوا مكان كذا وكذا وضحك ثم قال إن في الموت لراحة، فقالت أمه: يا بني لعلك تتمناه لي ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك إما أن تملك فتقر بذلك عيني وإما أن تقتل فأحتسبك ثم ودعها فقالت: يا بني إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل فخرج عنها وأنشأ يقول:\nولست بمبتاع الحياة نسيئة ... ولا مرتق من خشية الموت سلمًا\nوقال عبد الله بن الزبير: والله ما لقيت زحفا قط إلا كنت في الرعيل الأول ثم حمل عليهم فأصابته آجرة في مفرقه حتى فلقت رأسه فوقف قائما فقال له عروة والله إن أخذوك قطعوك قطعًا قطعًا فقال:\nولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان في الله مصرعي\nوذاك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\nقال: فعلمت أنه لا يمكن من نفسه، وقال الواقدي: أحصر ابن الزبير ستة أشهر وسبع عشرة ليلة ونصب الحجاج قبحه الله المنجنيق على الكعبة يرمى به أحث الرمي وألح عليهم بالقتال من كل وجه وحبس عنهم الميرة وحصرهم أشد الحصار فقامت أسماء يوما فصلت ودعت فقالت: اللهم ارحم ذلك السجود والنحيب والظمأ في تلك الهواجر، وقتل عبد الله بن","vol":"3","page":462},{"text":"الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وكان - ﵁ - إذا قام إلى الصلاة كأنه عمود من الخشوع وكان يسجد فيطيل السجود حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذم حائط، وقال عبد الله بن العباس: كان عبد الله بن الزبير عفيفا في الإسلام قارئًا للقرآن أبوه الزبير وأمه أسماء وجده أبو بكر الصديق وعمته خديجة وجدته صفية وخالته عائشة والله لأحاسبن له نفسي محاسبة كبيرة (^١) انتهى.\nولما قتل ابن الزبير وصلب ولاه عبد الملك بن مروان الحجاز سنين وكان يصلي بالناس ويقيم لهم الموسم ثم ولاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فوليها عشرين سنة وحطم أهلها وفعل ما فعل ولي الحجاج بن يوسف العراق سنة خمس وسبعين، ونقش الدراهم والدنانير بالعربية سنة ست وسبعين وبنى الحجاج واسط سنة ثلاث وثمانين وتوفي بها ودفن بها وأخفي قبره وأجرى عليه الماء وكان موته سنه خمس وتسعين (^٢) كما سيأتي.\nفائدة: في قتل الحجاج لسعيد بن جبير، سعيد بن جبير هو الإمام أبو عبد الله الأسدي الكوفي منسوب إلى ولاء بني والبة، سمع جماعات من أئمة الصحابة وكان مجاب الدعوة فمن ذلك دعاء الله تعالى أن يموت شهيدًا\n_________\n(^١) حلية الأولياء (١/ ٣٢٩ - ٣٣٢)، وتاريخ دمشق (٢٨/ ترجمة ٣٢٩٧)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ ترجمة ٢٩٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٣ ترجمة ١١٣).","vol":"3","page":463},{"text":"ودعا على الحجاج أن لا يسلطه الله على أحد بعده، قتله الحجاج بن يوسف ظلما صبرا في شعبان سنة خمس وتسعين، ولم يعش الحجاج بعده إلا أيامًا، ومن أحاديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله تعالى إلى محمد - ﷺ - إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفًا (^١)، وكان سبب قتل الحجاج له بالكوفة أنه قاتله مع ابن الأشعث، قال عون بن أبي شداد العبدي: بلغني أن الحجاج بن يوسف الثقفي لما ذكر له سعيد بن جبير أرسل إليه قائدا من أهل الشام يسمى المتلمس بن الأحوص ومعه عشرون رجلا من أهل الشام من خاصة أصحابه فبينما هم يطلبونه إذا هم براهب في صومعة له فسألوه عنه فقال الراهب: صفوه فوصفوه له فدلهم عليه فانطلقوا فوجدوه ساجدا يناجي ربه بأعلى صوته فدنوا منه فسلموا عليه فرفع رأسه فأتم بقية صلاته ثم رد ﵈ فقالوا له: أرسل الحجاج إليك فأجبه، قال: ولابد من الإجابة، قالوا: لابد، فحمد الله وأثنى عليه وصلى علي نبيه - ﷺ - ثم قام فمشى معهم حتى انتهى إلى دير الراهب فقال الراهب: يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم قالوا: نعم، قال لهم: اصعدوا الدير فإن اللبوة والأسد يأويان حول الدير فعجلوا الدخول قبل المساء ففعلوا ذلك، وأبى سعيد أن يدخل الدير فقالوا: ما نراك إلا أن تريد الهرب منا قال: لا ولكن لا أدخل منزل مشرك أبدا، قالوا: فإنا لا ندعك فإن السباع تقتلك قال سعيد: إن معي ربا يصرفها عني ويجعلها\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١/ ٤٧٢ - ٤٧٣)، وتاريخ دمشق (١٤/ ٢٢٥).","vol":"3","page":464},{"text":"حرسًا لي تحرسني من كل سوء إن شاء الله، قالوا: فأنت من الأنبياء، قال: ما أنا من الأنبياء ولكن عبدٌ من عبيد الله تعالى خاطئ مذنب، قالوا له: احلف لنا أنك لا تبرح فحلف لهم، فقال لهم الراهب: اصعدوا إلى الدير وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح فإنه كره الدخول عليّ في الصومعة لمكانكم فدخلوا وأوتروا القسي فإذا هم بلبوة قد أقبلت فلما دنت من سعيد تحككت به وتمسحت به ثم ربضت قريبا منه وأقبل الأسد فصنع مثل ذلك، فلما رأى الراهب ذلك وأصبحوا، نزل إليه فسأله عن شرائع دينه وسنن رسوله - ﷺ - ففسر له سعيد ذلك كله فأسلم الراهب وحسن إسلامه وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه بالليل فصلوا عليه ويقولون يا سعيد: حلفنا للحجاج بالطلاق والعتاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه فمرنا بما شئت، قال: امضوا لشأنكم فإني لائذ بخالقي ولا راد لقضائه فساروا حتى وصلوا إلى واسط فلما انتهوا إليها قال لهم سعيد: يا معشر القوم قد تحرمت بكم وصبحتكم ولست أشك أن أجلي قد حضر وأن المدة قد انقضت فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت وأستعد لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر وما يحثى علي من التراب فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم المكان الذي تريدون فقال بعضهم: لا نريد أثرا بعض عين، وقال بعضهم: قد بلغتم أمنكم واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه، فقال بعضهم: هو علي أدفعه إليكم إن شاء الله تعالى فنظروا إلى سعيد وقد دمعت عيناه وتغير لونه","vol":"3","page":465},{"text":"ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك منذ لقوه وصحبوه فقالوا: فأجمعهم يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك ولم نرسل إليك الويل لنا كيف ابتلينا؟ اعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر فإنه القاضي الأكبر العادل الذي لا يجور، فلما فرغوا من البكاء والمجاوبة له ولهم، قال كفيله: أسألك بالله يا سعيد إلا ما زودتنا من دعائك وكلامك فإنا لم نلق مثلك أبدًا فدعا لهم سعيد وخلوا سبيله، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وهم محتفون الليل كله، فلما انشق عمود الصبح جاءهم سعيد بن جبير فقرع الباب فقالوا: صاحبكم ورب الكعبة فنزلوا إليه وبكوا معه طويلا، ثم ذهبوا إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس فسلم عليه وبشره بقدوم سعيد بن جبير فلما مثل بين يديه قال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير، قال: بل أمي كانت أعلم باسمي منك، قال: شقيت أنت وشقيت أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها، قال: فما قولك في محمد؟ قال: نبي الرحمة، قال: فما قولك في علي أفي الجنة هو أم في النار؟ قال: لو دخلتهما وعرفت أهلهما عرفت من فيهما، قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، قال: فأيهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي، قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم، قال: فما بالك لا تضحك؟ قال: أيضحك مخلوق خلق من الطين والطين تأكله النار، قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب، قال: ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت","vol":"3","page":466},{"text":"فوضعه بين يدي سعيد فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا، ثم دعا الحجاج بآلات اللهو فبكى سعيد، فقال الحجاج: ويلك يا سعيد أي قتلة تريد أن أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة، قال: فتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو فمن الله وأما أنت فلا، قال: اذهبوا به فاقتلوه فلما خرج من الباب ضحك، فأخبر الحجاج بذلك فقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله تعالى وحلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط وقال: اقتلوه، فقال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، قال: وجهوه لغير القبلة، قال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله، قال: كبوه على وجهه، فقال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، فقال الحجاج: اذبحوه، فقال سعيد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ثم قال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، فذبح على النطع ﵀، وكان رأسه يقول بعد قطعه: لا إله إلا الله، وكان سعيد بن جبير كثير البكاء خوفا من الله تعالى يردد هذه الآية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (^١)، قال ميمون بن مهران: مات سعيد بن جبير وما\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٨١.","vol":"3","page":467},{"text":"على وجه الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه وعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة، وذلك في سنة خمس وتسعين، وكان عمر سعيد بن جبير تسعا وأربعين سنة (^١) والله أعلم.\nفائدة أيضًا: تتعلق بالحجاج: وكان الحجاج يسمى كليبًا، وسبب تسميته بذلك أنه لما ولدته أمه امتنع من أخذ الثدي فاغتم أبوه لذلك وأقام كذلك ثلاثة أيام حتى يئس من حياته فحضر إليهم شيخ اللحى أعور باليمين في زي حكيم من حكماء العرب فشكا أبو الحجاج له أمر ولده فقال: ينظر إلى كلبة سوداء ليس بها بياض ذات جرى فيذبح له من جراها جروا أسود ويلطخ بدمه فاه وثدي المرضعة ففعل ذلك فقبل الثدي لوقته.\nوقيل: إن ذلك الشيخ الأعور كان إبليس لعنه الله وانتشأ الحجاج ولقب بكليب لهذا السبب ثم إنه صار عند روح بن زنباع الجذامي كاتب عبد الملك بن مروان وكان شهما مقداما وكان روح يخصه بالمعضلات من الأمور، فشكا عبد الملك يوما لروح تخلف العسكر وأنهم لا يركبون لركوبه ويتثاقلون في المسير فقال روح: يا أمير المؤمنين في شرطتي رجل إن وليته هذا الأمر كفاك همه فأمر بإحضاره وسأله عن نسبه فانتسب له فولاه أمر الجيش فقام بذلك أحسن قيام وعاد لا يستقر أحد بعد ركوب أمير المؤمنين\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٦ - ٢١٧ ترجمة ٢٠٨)، وتهذيب الكمال (١٠/ ترجمة ٢٢٤٥).","vol":"3","page":468},{"text":"واستقر على أمره فعظم في أعين الناس وهابوه وولاه العراقين (^١)، وأما شهادته على نفسه بعد ما قتل فقد روي أنه لما حج مع عبد الملك بن مروان بعد قتله ابن الزبير عبر على ناد وفيه جماعة من قريش فيهم بعض ولد يزيد بن معاوية فنظر إلى الحجاج وهو يتبختر في مشيته، فقال: يتبختر ولا يتخطر عمرو بن معدي كرب، فسمعه فرجع إليه وقد عرفه، فقال: كيف لا أتبختر وقد قتلت بقائم سيفي مائة ألف كل منهم يشهد على أبيك يزيد بالزنا وشرب الخمر فهذه شهادته على نفسه أنه قتل مائة ألف فنعوذ بالله من مكره، وكان آخر من قتل سعيد بن جبير ومن حين قتله اختل في عقله وعاد يقول ما لي وما لجبير؟ ما لي وما لجبير؟ حتى مات (^٢).\nلطيفة: ومن مستطرفاته: قيل إن رجلا أهدى للحجاج تينا في غير أوانه وجلس على الباب ينتظر الجائزة فأحضرت أناس للقتل فتسحب منهم شخص واحد فخشي المتستر على نفسه أن يطالب بتكملة العدة فأخذ صاحب التين فجعله مكان المتسحب وأحضروا بين يدي الحجاج فضرب رقابهم وقدم صاحب التين لضرب العنق فصاح وقال: وما جرمتي أنا أيها الأمير فقال ألست منهم؟ قال لا والله أنا صاحب التين فضحك الحجاج وقال تمن علي، فقال لست أسألك غير ثلاث دراهم فقال ويحك وما تصنع بها؟ فقال أشتري بها فأسا وأقطع أصل هذه التينة التي كانت سبب قدومي\n_________\n(^١) كنز الدرر (٤/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٢) كنز الدرر (٤/ ١٨١ - ١٨٢).","vol":"3","page":469},{"text":"عليك، قال فضحك الحجاج حتى فحص برجله الأرض وأجازه وأحسن إليه (^١).\nلطيفة أخرى: ويروى أنه قال يوما للشعبي: كم عطاءك في السنة قال ألفين، قال ويحك عطاؤك قال ألفان قال كيف لحنت أولا قال لحن أمير المؤمنين فلحنت فلما أعرب أعربت وما أمكن أن يلحنه أمير المؤمنين وأعرب أنا فاستحسن ذلك منه وأجازه، قلت: الشعبي هذا هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، وذو كبار قيل من أقيال اليمن من حمير وهو كوفي تابعي جليل القدر وافر العلم روى عن عمر بن الخطاب وعن عثمان وعلي ﵃ أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢) وهو تاريخ مبسوط في تسعة أجزاء كبار في قطع المنصوري.\n\n٦٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ ويجتمعون فِي صَلاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم فيسألهم رَبهم وَهُوَ أعلم بهم كَيفَ تركْتُم عبَادي فَيَقُولُونَ تركناهم وهم يصلونَ وأتيناهم وهم يصلونَ\nرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ تَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر فيجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر فتصعد مَلَائِكَة اللَّيْل وَتثبت مَلَائِكَة النَّهَار\n_________\n(^١) كنز الدرر (٤/ ١٨٢).\n(^٢) كنز الدرر (١/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"3","page":470},{"text":"ويجتمعون فِي صَلَاة الْعَصْر فتصعد مَلَائِكَة النَّهَار وتبيت مَلَائِكَة اللَّيْل فيسألهم رَبهم كيفَ تركتُم عبَادي فَيَقُولُونَ أتيناهم وهم يصلونَ وتركناهم وهم يصلونَ فَاغْفِر لَهُم يَوْم الدّين (^١).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار\" الحديث، التعاقب أن تأتي طائفة بعد طائفة ومنه تعقيب الجيوش وهو أن يذهب إلى العدو قوما ويجيء آخرون وقيل معناه يذهبون ويرجعون (^٢) وأما تعاقبهم في هذين الوقتين فإنهما وقتا الفراغ من وظيفتي الليل والنهار ووقت رفع أعمال العباد إلى الله تعالى، وأما اجتماعهم فيهما فهو من تمام لطف الله تعالى بالمؤمنين لتكون شهادة لهم بما شهدوه من الخير (^٣) والله أعلم.\nواختلف العلماء في المراد بهؤلاء الملائكة هل هم الحفظة أو غيرهم فحكى صاحب المفهم عن الجمهور أنهم الحفظة وقال إن الأظهر عنده أنهم غير الحفظة وما ذكر أنه الأظهر هو الذي لا يتجه غيره وهذا الحديث لا يدل لما حكاه الجمهور (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٥) و(٣٢٢٣) و(٧٤٢٩) و(٧٤٨٦)، ومسلم (٢١٠ - ٦٣٢)، والنسائى في المجتبى ١/ ٥٨١ (٤٩٥)، وابن خزيمة (٣٢١) و(٣٢٢).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٥٨٩)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ١٣٣)، والكواكب الدراري (٤/ ١٩٩).\n(^٣) الكواكب الدراري (٤/ ٢٠٠).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ٣٠٥).","vol":"3","page":471},{"text":"قوله: \"ثم يعرج الذين باتوا فيكم\" العروج هو الارتقاء وتقدم.\nقوله \"فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم\" أما سؤاله منه وهو أعلم فيحتمل أن يكون لطلب اعتراف الملائكة بذلك ردا عليهم فيما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (^١) وقيل: هذا السؤال على ظاهره وهو تعبد منه لملائكته كما أمرهم بكتب الأعمال وهو أعلم بالجميع، وفيه إيذان بأن ملائكة الليل لا يزالون حافظين العباد إلى الصبح (^٢) وفيه زيادة شرف الصلاتين وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأن وقت صلاة الصبح وقت لذة النوم كما قيل إن الكرى عند الصباح يطيب والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره، وصلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات وإتمام الوظائف والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل فلأن يحافظ على غيرها بالطريق الأولى (^٣).\nوفيه فضيلة صلاة العصر والصبح لاجتماع الملائكة فيهما وهما المراد بقوله ﷾: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (^٤) كما قال جرير بن عبد الله (^٥) وتقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطًا.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٢) الكواكب الدراري (٤/ ٢٠٠).\n(^٣) اللامع الصبيح (٣/ ٣٦٥)، وعمدة القارى (٥/ ٤٤).\n(^٤) سورة طه: الآية: ١٣٠.\n(^٥) طرح التثريب (٢/ ٣٠٥).","vol":"3","page":472},{"text":"خاتمة: وهذا من خفي لطفه تعالى وجميل ستره إذ أطلع الملائكة على العباد بكرمه حالة عباداتهم ولم يطلعهم عليهم ولا جمعهم لهم في حال خلواتهم ولذاتهم وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم فسبحانه من كريم حليم جليل إذ ستر القبيح وأظهر الجميل (^١).\n_________\n(^١) المفهم (٦/ ٤٩).","vol":"3","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>[الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر]</span>\n٦٦٧ - عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى الصُّبْح فِي جمَاعَة ثمَّ قعد يذكر الله حتى تطلع الشَّمْس ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ كانَت لَهُ كأَجر حجَّة وَعمرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تَامَّة تَامَّة تَامَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: عن أنس تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الصبح في جماعة\" الحديث، للصبح أربعة أسماء الفجر والصبح والوسطى والبرد وفي الحديث \"من صلى البردين دخل الجنة\" وهما الصبح والعصر وتقدم، وتسمى أيضا الغداء وتقدم أيضا وللصبح أوقات منها وقت الفضيلة وهو أول الوقت ومنها وقت الاختيار وهو إلى الأسفار وهو حين تتراءى الوجوه مأخوذا من أسفر إذا كشف وتبين ومنه سمي الكتاب سفرا لأنه يبين الأحكام وضبط بعضهم هذا الوقت بالوقت الذي يغدو فيه الغراب من وكره لطلب الرزق والمعتمد الأول (^٢).\nتنبيه: اختلف العلماء في وقت الصبح على أقوال أصحها أنه من النهار\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٥٨٦)، والبغوى في شرح السنة (٧١٠). قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في المشكاة (٩٧١)، والصحيحة (٣٤٠٣)، وصحيح الترغيب (٤٦٤).\n(^٢) القول التمام (ص ١٧٨).","vol":"3","page":474},{"text":"وهو قول الخليل والثاني أنه من الليل لقول الشاعر (^١):\nوما الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها\nوالثالث أنه لا من الليل ولا من النهار (^٢).\nقوله: \"ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة\" قال في اللطائف لما كان الحج من أفضل الأعمال والنفوس تتوق إليه لما وضع الله ﷾ في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم وكان كثير من الناس يعجز عنه ولاسيما كل عام، شرع الله سبحانه لعباده أعمالا يبلغ أجرها أجر الحج فيتعوض بذلك العاجز عن التطوع بالحج شهود الجمعة تعدل حجة تطوع، قال سعيد بن المسيب: هو أحب إلى من حجة نافلة وقد جعل النبي - ﷺ - المبكر إليها كالمهدي هديا إلى بيت الله الحرام، وفي حديث ضعيف \"الجمعة حج المساكين\" وفي تاريخ ابن عساكر عن الأوزاعي قال: مر يونس بن ميسرة بن حلبس بمقابر باب توما فقال السلام عليكم يا أهل القبور أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع رحمنا الله وإياكم وغفر لنا ولكم فكأن قد صرنا إلى ما صرتم إليه فرد الله الروح إلى رجل منهم فأجابه فقال طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجون في الشهر أربع مرار قال وإلى أين يرحمك الله قال إلى\n_________\n(^١) من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي من الطويل يرثي بها نسيبة بنت عنس بن محرث الهذلي (عمدة القاري ٢١/ ٣٧).\n(^٢) القول التمام (ص ١٧٨).","vol":"3","page":475},{"text":"الجمعة أما تعلمون أنها حجة مبرورة متقبلة قال ما خير ما قدمتم قال الاستغفار يا أهل الدنيا (^١).\n\n٦٦٨ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لِأَن أقعد أُصَلِّي مَعَ قوم يذكرُونَ الله تَعَالَى من صَلاة الْغَدَاة حَتَّى تطلع الشَّمْس أحب إِلَيّ من أَن أعتق أَرْبَعَة من ولد إِسْمَاعِيل وَلِأَن أقعد مَعَ قوم يذكرُونَ الله من صَلَاة الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس أحب إِلَيّ من أَن أعتق أَرْبَعَة.\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَبُو يعلى قَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أحب إِلَىّ من أَن أعتق أَرْبَعَة من ولد إِسْمَاعِيل دِيَة كل وَاحِد مِنْهُم اثْنَا عشر ألفا. (^٢)\nرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا بالشطر الأول إِلَّا أَنه قَالَ أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس (^٣).\nقوله: وعنه تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لأن أقعد أصلي مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل\" الحديث\n_________\n(^١) اللطائف (ص ٢٥٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٦٦٧)، والفسوى في مشيخته (٧٨)، والبزار (٦٥١٢) و(٧٢٤٤)، وأبو يعلى (٣٣٩٢)، والطبراني في الدعاء (١٨٧٨) والأوسط (٦/ ١٣٧ رقم ٦٠٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٨٧ - ٨٨ رقم ٥٥٧). وحسنه الألباني في المشكاة (٩٧٠) والصحيحة (٢٩١٦) وصحيح الترغيب (٤٦٥).\n(^٣) أخرجه الطيالسى (٢٢١٨)، والحارث (١٠٤٨)، وأبو يعلى (٤١٢٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٩٠٧ و٣٩٠٨). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩١٦).","vol":"3","page":476},{"text":"وإنما خص أولاد إسماعيل بالذكر لشرف منزلتهم وانتسابهم لكونهم أفضل أصناف الأمم فإن العرب أفضل الأمم ثم أولاد إسماعيل أفضل العرب لكون العرب منهم النبي - ﷺ - وقيل من فضائلهم أنهم لم يجر عليهم الرق أصلا وذكر بعض من يعرف أنساب العرب أنه ليس من قبائل العرب قبيلة إلا وهي تنتمي إلى إسماعيل من جهة ما غير أربع قبائل ثقيف وسلف وأوزاع والحضرميون، والحديث فى ليل على استحباب الذى بعد الصلاتين إلى الطلوع والغروب والمواظبة عليه فهما لهما أثر عظيم في النفوس قاله في شرح المصابيح (^١).\nوإنما قيد بالأربعة من جهة الحصر لأن الموجب لذلك أي للعتق أربعة أشياء الذكر والقعود والاجتماع والاستمرار إلى الطلوع والغروب (^٢).\nفائدة: روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا يزال الفقيه يصلي قيل له وكيف ذلك؟ قال لا تلقاه إلا وذكر الله على لسانه يحل حلالا ويحرم حرامًا (^٣) قال الطرطوسي لقد ظفرت بهذا في كتاب المعين قال الله تعالى لهارون وموسى لما بعثهما إلى فرعون ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ (^٤) فسمي تبليغ الرسالة ذكرا فعلى هذا يتحقق أن حلق العلم وما يتجاوبون في العلم\n_________\n(^١) الميسر (١/ ٢٦٣).\n(^٢) المفاتيح (١/ ٣١٣).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٤٣٠)، والمدخل (١/ ٩٧).\n(^٤) سورة طه، الآية: ٤٢.","vol":"3","page":477},{"text":"ويتراجعون من سؤال وجواب أنها حلق الذكر وأهلها أهل الذكر وكذا قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (^١) والمراد أهل العلم والفقه نقل ذلك الطرطوسي في كتاب الذكر له (^٢).\nفائدة أخرى: كان سيدي أبو محمد المرجاني يأخذ هذه الأحزاب ويقرؤها جماعة ويذكرها جماعة بعد الصبح والعصر ولم يزل على ذلك دأبه إلى موته وكان يخبر بأن ذلك بدعة وأنه إنما فعله لضرورة وهي أن الهمم قد قلت وقل فقير أن يصلي الصبح أو العصر ثم يقوم فيذكر الله تعالى ويقرأ في هذين الوقتين المشهودين إلا أنهم يقومون من مصلاهم، أما النوم إن كان في الصبح أو للتحدث فيما لا يعني إن كان في العصر إن سلموا من الغيبة والنميمة فلما أن تحققوا وقوع هذا المحذور ردعوه بهذا المكروه لأن ارتكاب المكروهات أولى بل أحب من ارتكاب المحذورات هكذا يجب أن تكون المحافظة على السنن وحفظها (^٣) والله أعلم.\n\n٦٦٩ - وَعَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"من قعد فِي مُصَلَّاهُ حِين ينْصَرف من صَلَاة الصُّبْح حَتَّى يسبح رَكعَتي الضُّحَى لَا يَقُول إِلَّا خيرا غفر لَهُ خطاياه وَإِن كانَت أَكثر من زبد الْبَحْر\" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو يعلى وَأَظنهُ قَالَ من صلى صَلَاة الْفجْر ثمَّ قعد يذكر الله حَتَّى تطلع\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٧.\n(^٢) المدخل (١/ ٩٧).\n(^٣) المدخل (١/ ٩٧ - ٩٨).","vol":"3","page":478},{"text":"الشَّمْس وَجَبت لَهُ الْجنَّة (^١) قَالَ الْحَافِظ رَوَاهُ الثَّلَاثَة من طَرِيق زبان بن فائد عَن سهل وَقد حسنت وصححها بَعضهم.\nقوله: عن سهل بن معاذ تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى\" الحديث، قال العلماء كل صلاة يتطوع لها تسمى تسبيح وسبحة (^٢) وسيأتي الكلام على ذلك وكم صلاة الضحى وأكثرها وأقلها في بابه.\nقوله \"غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر\" زبد البحر هو ما يلقيه على شاطئه وغفران هو سترها والمراد الصغائر كما تقدم.\nقوله: رواه الثلاثة من طريق زبان بن فائد، وزبان بن فائد [ضعفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه مناكير ووثقه أبو حاتم وقال ابن يونس: كان على مظالم مصر وكان من أعدل ولاتهم].\n\n٦٧٠ - وَرُوِيَ عَنِ الْعَلَاءِ، وَأَبِي الْجَهْمِ، قَالَا: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ جَالِسًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَدَعَاهُ وَجُلَسَاءَهُ إِلَى طَعَامٍ فَأَضْرَبَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٨ (١٥٦٢٣)، وأبو داود (١٢٨٧)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٦، وأبو يعلى (١٤٨٧)، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٤٤٢)، والبيهقى في الكبرى (٣/ ٦٩ رقم ٤٩٠٧).\nوضعفه الألباني في المشكاة (١٣١٧) وضعيف أبي داود (٢٣٨)، وضعيف الترغيب (٢٤٢).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٦١).","vol":"3","page":479},{"text":"عَنْهُ ثُمَّ عَادَ فَدَعَاهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ لِجُلَسَائِهِ: قُومُوا فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أُجِيبَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ ذَكَرَ اللهَ ﷿ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَمْ تَمَسَّ جِلْدَهُ النَّارُ\"، وَأَخَذَ الْحَسَنُ بِجِلْده فَمَدَّهُ وفى لفظ: \"مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي مَجْلِسِهِ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَلْفَحَهُ أَوْ تَطْعَمَهُ\" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: عن أبي أمامة، أبو أمامة صدي بن عجلان بضم الصاد وفتح الدال وتشديد الياء، ويقال الصدي بالألف واللام الباهلي، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائتا حديث وثلاثون حديثا، روى له البخاري منها خمسة ومسلم ثلاثة، وسكن مصر ثم حمص وبها توفي سنة إحدى وثمانين، قيل: هو آخر من توفي من الصحابة بالشام، وعامة حديثه عن الشاميين (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الفجر ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس لم تمس جلده النار أبدا\" تقدم أن الصبح يسمي الفجر، وتقدم الكلام على الذكر في صلاة الصبح في الأحاديث المتقدمة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع كما في المطالب (٦٤٥)، والدولابى في الذرية (١٤١)، وابن عدى (٤/ ٣٨٥)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (١١١) و(١١٢)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٣٨٤ رقم ٢٦٩٧) و(٥/ ٤٣٠ رقم ٣٦٧١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٣٦٨) و(١٩٧٠) و(٢٠٠٠). وقال الألبانى: موضوع ضعيف الترغيب (٢٤٤) والضعيفة (٣٢٨٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٦ الترجمة ٧١٨).","vol":"3","page":480},{"text":"قوله: عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، كنية الحسن أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المدني سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته وابن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - سيدة نساء العالمين، ولد الحسن - ﵁ - في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، روي له عن رسول الله - ﷺ - أحاديث، وروت عنه عائشة ﵂، وروى عنه جماعات من التابعين، منهم: ابنه الحسن بن الحسن وأبو الحوراء بالراء المهملة ربيعة بن سنان والشعبي وأبو وائل وابن سيرين وآخرون، توفي - ﵁ - بالمدينة مسمومًا سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، ودفن بالبقيع وقبره فيه مشهور، صلى عليه سعيد بن العاصي، وكان الحسن شبيها بالنبي - ﷺ - سماه النبي - ﷺ - وعق عنه يوم سابعه وحلق رأسه وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة، قال أبو أحمد العسكري: سماه النبي - ﷺ - الحسن وكناه أبو محمد كما تقدم، قال: ولم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية، ثم روى عن ابن الأعرابي عن المفضل قال: إن الله تعالى حجب اسم الحسن والحسين حتى سمى الله بهما النبي - ﷺ - ابنيه الحسن والحسين، قال قلت له فالذي باليمن، قال: ذاك حسن بإسكان السين وحسين بفتح الحاء وكسر السين، جمعته أم الفضل امرأة العباس مع ابنها قثم ابن العباس، ونقلوا أن الحسن حج ماشيًا، وقال: إني أستحيي من الله أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، وكان","vol":"3","page":481},{"text":"حليما كريما ورعا، دعاه ورعه إلى أن ترك الخلافة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الغداة ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين أو أربع ركعات\" الحديث، تقدم أن الصبح يسمى الغداة والبرد وغير ذلك، وتقدم أن المراد بالركعتين أو الأربع صلاة الضحى، وسيأتي ذلك في بابه.\nقوله: \"لم تمس جلده النار، وأخذ الحسن بجلده فمده\"، وروى عن الحسن بن علي قال: قال - ﷺ -: \"من صلى صلاة الفجر ثم جلس في مجلسه حتى تطلع الشمس وصلى من الضحى ركعتين حرم الله على النار أن تلفحه أو تطعمه\" قاله ابن زنجويه في ترغيبه.\n\n٦٧١ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لِأن أقعد أذكر الله تَعَالَى وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حَتَّى تطلع الشَّمْس أحب إِلَيّ من أَن أعتق رقبتين [وأكثر] من ولد إِسْمَاعِيل وَمن بعد الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس أحب إِلَيّ من أَن أعتق أَربع رقبات من ولد إِسْمَاعِيل رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: عن أبي أمامة، تقدم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٨ - ١٦٠ ترجمة ١١٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٣ (٢٢١٨٥) و٥/ ٢٥٥ (٢٢١٩٤)، والرويانى (١٢٦٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٩٠٩)، والطبراني في الدعاء (١٨٨٢)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٥ رقم ٨٠٢٨). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٤: رواه كله أحمد، والطبراني بنحوه، وأسانيده حسنة. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦٦).","vol":"3","page":482},{"text":"قوله - ﷺ -: \"لأن أقعد أذكر الله تعالى وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق رقبتين\" الحديث، فشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس ومن بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وهذان الوقتان أعني وقت الفجر ووقت العصر هما أفضل أوقات النهار للذكر، ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن العظيم كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (^٢) والآيات في ذلك كثيرة، وأفضل ما قيل في هذين الوقتين من الذكر صلاة الفجر وصلاة العصر وهما أفضل الصلوات وقيل: في كل منهما إنها الصلاة الوسطى (^٣)، وقد اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى، فقال أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل وجماعة من الصحابة والتابعين هي العصر، وقال طائفة هي الصبح، وهو مذهب الإمام مالك والشافعي وجمهور الصحابة وغيرهم، وقالت طائفة: هي الظهر، نقلوه عن زيد بن ثابت وأسامة وأبي سعيد الخدري وعائشة وعبد الله بن شداد ورواية عن أبي حنيفة، وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، وقال غيره: هي العشاء، وقيل: إحدى الخمس مبهمة،\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٤٢.\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٥٥.\n(^٣) الأذكار (ص ١٧٣).","vol":"3","page":483},{"text":"وقيل: غير ذلك (^١)، وقيل: الصبح والعصر البردان اللذان من يحافظ عليهما دخل الجنة قاله ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النواوية (^٢).\nقوله: \"أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل\" تقدم الكلام على الحكمة في أولاد إسماعيل.\n\n٦٧٢ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى صَلَاة الْغَدَاة فِي جمَاعَة ثمَّ جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس ثمَّ قَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ انْقَلب بِأَجْر حجَّة وَعمرَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده جيد (^٣).\nقوله: وعنه، يعني: أبي أمامة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم قام فصلى ركعتين\" الحديث، تقدم أن الغداة اسم لصلاة الصبح، وأن المراد بالركعتين هي صلاة الضحى وهي أقلها.\nقوله: \"انقلب بأجر حجة وعمرة\" يعني: رجع، والانقلاب يعني الرجوع، والحج والعمرة، سيأتي الكلام عليهما في بابهما.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢٩٩ - ١٣٠٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٧٨ رقم ٧٧٤١) والشاميين (٨٨٥). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٤: رواه الطبراني، وإسناده جيد.\nوقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٤٦٧).","vol":"3","page":484},{"text":"٦٧٣ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا صلى الْفجْر لم يقم من مَجْلِسه حَتَّى تمكنه الصَّلَاة وَقَالَ من صلى الصُّبْح ثمَّ جلس فِي مَجْلِسه حَتَّى تمكنه الصَّلَاة كَانَ بِمَنْزِلَة عمْرَة وَحجَّة مُتَقَبَّلَتَيْنِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَا الْفضل بن الْمُوفق فَفِيهِ كَلَام (^١).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على ترجمته في مواضع من هذا التعليق.\nقوله: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى تمكنه الصلاة\" وقال: \"من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين\"، قال العلماء: وهذا إذا لم يكن المكان مشتركا ولم يكن إماما، فإن كان إماما فقال النووي في شرح المهذب: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقيب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء، هكذا قاله الشافعي في المختصر والأصحاب، أما إذا كان وراءه نساء مكث حتى ينصرفن، ويسن لهن الانصراف عقيب سلام الإمام لأن الاختلاط بهن مظنة الفساد (^٢)، وروت عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول بعد السلام: \"اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام\" لا يقعد إلا قدر ذلك، وقد تكلم الطرطوسي في آخر شرحه\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٧٥ رقم ٥٦٠٢). وقال الهيثمى: لم يرو هذا الحديث عن مالك بن مغول إلا الفضل بن موفق. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الفضل بن موفق، وثقه ابن حبان، وضعف حديثه أبو حاتم الرازي، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦٨).\n(^٢) المجموع (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠)، والقول التمام (ص ١٩٦).","vol":"3","page":485},{"text":"في الرسالة على هذه المشكلة كلاما شافيًا، فقال: قال مالك إذا سلم الإمام فلا يثبت في مجلسه بعد سلامه فإن ذلك بدعة إلا أن يكون بمحلة أو فلاة من الأرض أو شريعة في غير المسجد، وذلك واسع، وأما أئمة المساجد فلا ينبغي لهم ذلك، وذكر في ذلك أحاديث كثيرة فمن جملتها أنه روي عن نافع عن ابن عمر قال: كان أبو بكر وعمر إذا قضيا الصلاة وثبا من المحراب وثوب البعير إذا حل من عقاله، هذا كلام الطرطوسي، وفيه فوائد منها: أن المحراب أفضل بقعة في المسجد، ومنها: أن الإمام أو غيره إذا قعد فيه وقد تحجره ومنع غيره من الصلاة فيه وذلك لا يجوز أيضًا، فأما السر في المحارب يكون أمام المصلين فشوش عليهم لأن القلوب تشتغل بما تراه أمامها، ولذلك الذي يجلس في الصف الأول أمام الناس من غير حاجة صلاة، ومنها: أن الإمام إذا صلى في غير المسجد استحب له الجلوس في مصلاه والاشتغال بذكر الله ﷾، وإذا صلى في المسجد استحب له الانتقال من موضعه والجلوس في أخريات المسجد أو الانصراف فإن كان المسجد ضيقا على المصلين الذين يأتون بعده وجب عليه الانصراف إذا لم يرد الصلاة معهم، فعلى هذا يقال لغز: رجل ليس بجنب وهو مسلم يجب إخراجه من المسجد والله أعلم قاله ابن العماد (^١)، قال ابن الرفعة: إنما يستحب له يعني الإمام القيام بعد الذكر والدعاء، وقال الدميري: قلت: ينبغي أن يستثنى من ذلك ما إذا قعد مكانه يذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح\n_________\n(^١) القول التمام (ص ١٩٦ - ١٩٨)، وتسهيل المقاصد (لوحة ٨٧ و٨٨ و٨٩).","vol":"3","page":486},{"text":"إلى أن تطلع الشمس لأن ذلك بحجة وعمرة تامة تامة تامة (^١).\nفرع: إذا أراد الإمام أن ينفتل من المحراب فلينفتل عن يمينه والأصح في كيفية ذلك يدخل يساره في المحراب ويجعل يمينه إلى الناس لما روى مسلم عن البراء قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه فسمعته يقول:: \"رب قني عذابك يوم تبعث عبادك\" وسيأتي هذا الحديث قريبا، وقيل: يستدبر القبلة، وقيل: يلي المحراب يمينه ويساره إلى الناس وبه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى قال الدميري، قلت: ينبغي أن يترجح هذا في محراب النبي - ﷺ - لأنه إن فعل الصف الأولى يصير مستدبر النبي - ﷺ - وهو قبلة آدم -﵇- ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (^٢).\nتنبيه: في كامل ابن عدي في ترجمة بحر بن كنيز بن عدي السقاء عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد الانصراف قال: \"اللهم بحمدك انصرفت وبذنبي اعترفت وأعوذ بك من شر ما اقترفت\" (^٣).\nقوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر - ﵁ -.\nقوله: كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى يمكنه الصلاة وقال: \"من صلى الصبح ثم جلس في مجلسه حتى يمكنه الصلاة كان بمنزلة عمرة وحجة متقبلتين\" الحديث، المراد بقوله \"حتى يمكنه الصلاة\"\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ١٨٥).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١٨٥).\n(^٣) أخرجه ابن عدى (٢/ ٢٣٣). وقال الألبانى: موضوع الضعيفة (١٠٥٩).","vol":"3","page":487},{"text":"صلاة الضحى، قد وردت أحاديث في استحباب القعود المذكر منها حديث معاذ الجهني أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من قعد في مصلاه حتى ينصرف من الصبح حتى يصلي ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر\" ومنها الأحاديث التي تأتي بعد ومنها بقية أحاديث الباب.\nقوله: ورواته ثقات إلا الفضل بن الموفق.\n\n٦٧٤ - وَعَن عبد الله بن غابر أَن أبا أُمَامَة وَعتبَة بن عبد ﵄ حَدَّثَاهُ عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من صلى صَلَاة الصُّبْح فِي جمَاعَة ثمَّ ثَبت حَتَّى يسبح لله سبْحَة الضُّحَى كانَ لَهُ كأَجر حَاج ومعتمر تَاما لَهُ حجه وعمرته\nرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَبَعض رُوَاته مُخْتَلف فِيهِ وَللْحَدِيثِ شَوَاهِد كَثِيرَة (^١).\nقوله: عن عبد الله بن غابر أن أبا أمامة وعتبة بن عبد حدثناه عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من صلى الصبح في جماعة ثم ثبت حتى يسبح لله سبحة الضحى\" الحديث، أما عبد الله بن غابر [هو أبو عامر الشامي الحمصي. أدرك عمر بن الخطاب قال الآجري عن أبي داود شيوخ حريز كلهم ثقات\n_________\n(^١) أخرجه الدينورى في المجالسة (٣٠٨٩)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٤٨ رقم ٧٦٤٩) و(١٧/ ١٢٩ رقم ٣١٧)، وابن شاهين في الترغيب (١١٦). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٤ - ١٠٥: رواه الطبراني، وفيه الأحوص بن حكيم، وثقه العجلي وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف لا يضر. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦٩).","vol":"3","page":488},{"text":"وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني حمصي لا بأس به وقال العجلي شامي تابعي ثقة (^١)]، وأبو أمامة الباهلي تقدم الكلام عليه، وأما عتبة بن عبد [السلمي يكنى أبا الوليد كان اسمه عتلة فسماه النبي - ﷺ - عتبة، سكن حمص، حديثه عند شريح بن عبيد، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة الحضرمي، وخالد بن معدان، وعبد الله بن ناسح، وعقيل بن مدرك، وحبيب بن عبيد الرحبي، وراشد بن سعد، وغيرهم (^٢)]، وأما سبحة الضحى فهي ركعتا الضحى، وتقدم أن كل صلاة يتطوع بها فهي تسبيح وسبحة.\n\n٦٧٥ - وَرُوِيَ عَن عمْرَة ﵂ قَالَت سَمِعت أم الْمُؤمنِينَ تَعْنِي عَائِشَة ﵂ تَقول سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من صلى الْفجْر أَو قَالَ الْغَدَاة فَقعدَ فِي مَقْعَده فَلم يلغ بِشَيْء من أَمر الدُّنْيَا وَيذكر الله حَتَّى يُصَلِّي الضُّحَى أَربع رَكْعَات خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه لَا ذَنْب لَهُ\nرَوَاهُ أَبُو يعلى وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبَرَانِيّ (^٣).\nقوله: عن عمرة بنت [عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، والدة أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، وكانت في حجر عائشة\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٥/ ٤١٧ - ٤١٨ ترجمة ٣٤٧٥)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٥٤).\n(^٢) أسد الغابة (٣/ ٥٥٦ ترجمة ٣٥٥٢).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٤٣٦٥)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٠٦ رقم ٥٩٤٠). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٥: رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط بنحوه، وفيه الطيب بن سلمان، وثقه ابن حبان، وضعفه الدارقطني، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٤٣) وضعيف الترغيب (٢٤٦).","vol":"3","page":489},{"text":"زوج النبي - ﷺ - قال يحيى: ثقة، حجة، وذكرها علي ابن المدينى: ففخم من أمرها، وقال: عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الفجر أو قال الغداة فقعد في مقعده فلم يلغ بشيء من أمر الدنيا ويذكر الله حتى يصلي الضحى أربع ركعات\" الحديث، تقدم أن صلاة الصبح تسمى الفجر والغداة، وتقدم أن اللغو القول الباطل، وتقدم أن صلاة الضحى ثمان ركعات وأقلها ركعتان، وسيأتي الكلام عليها مبسوطا في بابه.\nقوله: \"خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب له\" المراد بذلك الصغائر كما تقدم في نظائره والله أعلم.\n\n٦٧٦ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - بعث بعثا قبل نجد فغنموا غَنَائِم كثِيرَة وأسرعوا الرّجْعَة فَقَالَ رجل منا لم يخرج مَا رَأينَا بعثا أسْرع رَجْعَة وَلَا أفضل غنيمَة من هَذَا الْبَعْث فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - أَلا أدلكم على قوم أفضل غنيمَة وأسرع رَجْعَة قوم شهدُوا صَلَاة الصُّبْح ثمَّ جَلَسُوا يذكرُونَ الله حَتَّى طلعت الشَّمْس أُولَئِكَ أسْرع رَجْعَة وَأفضل غنيمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات من جَامعه (^٢) وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يِنَحْوِهِ وَذكر الْبَزَّار فِيهِ أَن الْقَائِل مَا رَأينَا هُوَ أَبُو بكر - ﵁ -\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣٥/ ٢٤١ - ٢٤٣ ترجمة ٧٨٩٥).\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٥٦١)، وابن عدى في الكامل (٣/ ١٢) وقال الترمذى: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في المشكاة (٩٧٧) وضعيف الترغيب (٢٤٧).","vol":"3","page":490},{"text":"وَقَالَ فِي آخِره فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - يَا أَبَا بكر أَلا أدلك على مَا هُوَ أسْرع إيابا وَأفضل مغنما من صلى الْغَدَاة فِي جمَاعَة ثمَّ ذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس (^١).\nقوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على بعض فضائله.\nقوله: إن رسول الله - ﷺ - بعث بعثا قبل نجد فغنموا غنائم كثيرة وأسرعوا الرجعة، الحديث، البعث السرية وهي طائفة من الجيش تخرج منه تغدو وترجع إليه، قال إبراهيم الحربي: هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها تبعث إلى العدو، وقيل: المراد ما بين خمسة أنفس إلى ثلثمائة، وجمعها سرايا، وخير السرايا أربعمائة، وقالوا: سميت سرية لأنها تسري في الليل وتخفي ذهابها، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري وهو النفيس، قاله ابن الأثير، وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفدون سرا وخفية وليس بالوجه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في اتحاف الخيرة (٥٢١/ ١)، ومحمد بن عاصم في جزئه (٣٥)، والبزار (٩٣١٤)، وأبو يعلى كما في اتحاف الخيرة (٥٢١/ ٢)، وابن حبان (٢٥٣٥)، وابن شاهين في الترغيب (١٧٥)، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -، إلا حميد وحميد هذا لا نعلم أحدا شاركه في هذه الأحاديث عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٧: رواه البزار، وفيه حميد مولى ابن علقمة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٤٨). وصححه الألباني من طريق ابن حبان في الصحيحة (٢٥٣١)، صحيح الترغيب (٦٦٩).\n(^٢) النهاية (٢/ ٣٦٣)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٣٧).","vol":"3","page":491},{"text":"وحكمهم: أن أمير الجيش يبعثهم وهو خارج إلا بلاد العدو فإذا غنموا شيئًا كان بينهم وبين الجيش عامة لأنهم رد لهم فيه، وأما إذا بعثهم وهو مقيم فإن القاعدين معهم لا يشاركونهم في المغنم وإن كان كان جعل نفلا من الغنيمة لم يشركهم غيرهم في شيء منه على الوجهين معا (^١).\nقوله: قبل نجد، أي: إلى جهتها، والنجد بفتح النون في اللغة ما علا من الأرض وارتفع، والنجد: اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق (^٢)، وقيل: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق (^٣)، ونجد كلها من عمل اليمامة (^٤)، واليمامة مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف وصاحبها مسيلمة الكذاب (^٥)، ونجد: ما حرس على سواد الكوفة، وحدها: مما يلي المغرب والحجاز وعن يسار الكعبة اليمن (^٦)، وأرض نجد أرض عظيمة واسعة كثيرة الخير بها مياه جارية وأشجار وثمار وبها أخلاط العرب (^٧).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٣٦٣).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٩).\n(^٣) الصحاح (٢/ ٥٤٢).\n(^٤) المشارق (٢/ ٣٤)، والمطالع (٤/ ٢٤٤).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٢٠١).\n(^٦) المشارق (٢/ ٣٤)، والمطالع (٤/ ٢٤٤).\n(^٧) خريدة العجائب (ص ١٤٩).","vol":"3","page":492},{"text":"قوله: \"فغنموا غنائم كبيرة\" الغنائم جمع غنيمة والغنيمة: ما أخذ من الكافر بالقتال وإيجاف الخيل والركاب (^١).\nفائدة: اختلف أهل السير في غزو النبي - ﷺ - وسراياه فقيل: الغزوات خمس وعشرون، وقيل: ستة وعشرون، وقيل: سبع وعشرون وقيل: أقل من ذلك، والسرايا خمس وقيل: خمس وخمسون، وقيل أقل من ذلك، وقال شيخ الإسلام النووي قدس الله روحه: ونقل أبو عبد الله محمد بن سعد في الطبقات الاتفاق على أن غزوات النبي - ﷺ - سبع وعشرون وسراياه ست وخمسون وعدها واحدة واحدة مرتبة على حسب وقوعها (^٢) والله أعلم.\nقوله: فقال رجل منا لم يخرج: ما رأينا بعثا أسرع رجعة ولا أفضل من هذا البعث، ذكره البزار فيه أن القائل ما رأينا هو أبو بكر الصديق - ﵁ - وفي آخره هل أدلك على ما هو أسرع إيابا وأفضل غنيمة من صلى الغداة في جماعة ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس.\n\n٦٧٧ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة - ﵁ - قَالَ كَانَ النَّبِي - ﷺ - إِذا صلى الْفجْر تربع فِي مَجْلِسه حَتَّى تطلع الشَّمْس حسنا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه كَانَ إِذا صلى الصُّبْح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ عَن سماك أَنه سَأل جَابر بن\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٨٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣١).","vol":"3","page":493},{"text":"سَمُرَة كيفَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يصنع إِذا صلى الصُّبْح قَالَ كَانَ يقْعد فِي مُصَلَّاهُ إِذا صلى الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس (^١).\nقوله: عن جابر بن سمرة، هو أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سواءة بالمد وضم السين السوائي وهو وأبوه صحابيان روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين، روى عنه جماعات من التابعين، توفي سنة ست وستين، روي في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: والله لقد صليت مع رسول الله - ﷺ - أكثر من ألفي صلاة (^٢).\nقوله: كان النبي - ﷺ - إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا، وحسنا بفتح الحاء والسين المهملتين والتنوين أي طلوعا حسنا أي مرتفعا (^٣) ورواه بعضهم حسينا بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف هكذا عند ابن أبي جعفر أي زمنا كأنه يريد مدّة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٧ - ٦٧٠)، وأبو داود (١٢٩٤) و(٤٨٥٠)، والترمذى (٥٨٥)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٤١ (١٣٧٣) و٣/ ١٤٢ (١٣٧٤)، وابن خزيمة (٧٥٧)، وابن حبان (٢٠٢٨)، والطبراني في (٢/ ٢١٦ رقم ١٨٨٥ و١٨٨٨) و(٢/ ٢٢١ رقم ١٩١٣) و(٢/ ٢٢٤ رقم ١٩٢٧) و(٢/ ٢٢٦ رقم ١٩٣٣) و(٢/ ٢٣١ رقم ١٩٦٠) و(٢/ ٢٣٥ رقم ١٩٨٢) و(٢/ ٢٤٠ رقم ٢٠٠٦) و(٢/ ٢٤١ رقم ٢٠١٣) و(٢/ ٢٤٥ رقم ٢٠٤٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٢ ترجمة ٩٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"3","page":494},{"text":"جلوسه والأول أظهر (^١) ورواه بعضهم حسناء بفتح الحاء المهملة وسكون السين على وزن فعلاء ممدودة وإنما يظهر حسنها إذا أخذت في الارتفاع فحينئذ يتكامل ضوءها وتحسن (^٢) فيكون حالا من الشمس أي تطلع نقية بيضاء زائلة عنها الصفرة (^٣) وفي فعله - ﷺ - فوائد منها:\n- الجلوس للذكر فإنه وقت شريف، وقد جاءت أحاديث مطهرة في الذكر في ذلك الوقت.\n- الثاني: أنه لما تعبد الإنسان لله ﷿ قبل طلوع الشمس لازم مكان الغداة إلى أن تنتهي حركات الساجدين للشمس إذا طلعت.\n- الثالت: يجيء سائل عن أمر دينه أو من يقص رؤياه أو نحو ذلك، انتهى قاله صاحب التنقيح على كتاب المصابيح (^٤).\nقوله: في رواية ابن خزيمة عن سماك سأل جابر بن سمرة كيف كان رسول الله - ﷺ - يصنع إذا صلى الصبح\" الحديث، هو سماك بن حرب فيكنى أبا المغيرة الذهلي أدرك جماعة من الصحابة ثمانين نفسا قاله البخاري منهم ابن سمرة والنعمان بن بشير وروى عنه شعبة وزائدة له نحو مائتي حديث وهو ثقة بما حفظه قاله الذهبي وذهب بصره فدعا الله فرده الله عليه وروي أنه\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥).\n(^٢) كشف المشكل (١/ ٤٦١).\n(^٣) تحفة الأبرار (٣/ ٢١٥)، وشرح المشكاة (١٠/ ٣٠٧٢)، وكشف المناهج (٤/ ١٨٣).\n(^٤) كشف المناهج (٤/ ١٨٣).","vol":"3","page":495},{"text":"رأى الخليل -﵇- فمسح على عينه وقال ائت الفرات واغتمس فيه وافتح عينيك، فرد الله بصره، وثقه ابن مَعين وأبو حاتم قيل لابن مَعين فما الذي عبت عليه؟ قال أسند أحاديث لم يسندها غيره وقال الشعبي: عليكم بسماك وقال العجلي: هو تابعي جائز الحديث وكان عالما بالسير وأيام الناس فصيحا أخرج له مسلم وصحح له الترمذي وابن حبان والحاكم واستشهد له به البخاري وتوفي سنة ثلات وعشرين ومائة (^١) قاله في شرح الإلمام.\nخاتمة: قال العُلماء نهي عن الصلاة بعد الصبح الصحيح أن هذا النهي للتحريم والمراد بعد فعل الصبح وهذا الوقت قد يتسع لتقديم الصلاة في أول الوقت وقد يضيق بتأخيرها وقد لا يوجد أصلا كما لو سلم من الصبح عند طلوع الشمس وكذلك القول في العصر أي ونهي عن الصلاة بعد العصر أي بعد فعل العصر حتى تغرب الشمس (^٢)، واعلم أن أوقات الكراهة خمسة، وقتان يتعلقان بالفعل وهما بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وهذان الوقتان قد يتسعان وقد يضيقان وقد لا يوجدان كما سبق ذكره ولو جمع العصر بوقت الظهر في السفر كرهت النافلة (^٣) وإن لم يدخل وقت العصر لأن\n_________\n(^١) شرح الإلمام (١/ ٢٨٧ - ٢٩٣).\n(^٢) العدة (١/ ٣٣٣ و٣٣٥)، وكفاية النبيه (٣/ ٥٠٤ - ٥٠٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٣١)، وطرح التثريب (٢/ ١٨٨).\n(^٣) القول التمام (ص ١٧٣).","vol":"3","page":496},{"text":"الوقت متعلق بفرض العصر فيدخل في عموم الخبر صرح به في الكفاية (^١)، وثلاثة أوقات متعلقة بالزمان الأول بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح ويصفو بياضها والآخر عند استواء الشمس حتى تزول والآخر عند الاصفرار حتى تغرب (^٢)، والمعنى أنه يكره تأخير صلاة العصر إلى هذه الحالة فإن أخرها كره ووجب صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فإن قيل كيف يستقيم أن يكون وقت الاصفرار وقت الكراهة ووقت الإيجاب الفعل فيه والواجب لا يمكن وصفه بالكراهة، وجوابه: أن نفس التأخير هو المكروه ونفس إيقاع الصلاة لا كراهة فيه (^٣)، وكما تكره الصلاة في هذه الأوقات يكره دفن الميت فيها إذا تحرى ذلك، والأوقات المتعلقة بالزمان في حديث أبي سعيد الخدري، وقوله: \"لا صلاة\" عام في كلّ صلاة عند أبي حنيفة، وخصه الشافعي ومالك بالنوافل التي لا سبب لها، أما الفرائض الفوائت والنوافل ذات السبب فتفعل في سائر الأوقات (^٤)، ودليله قوله - ﷺ -: \"من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها لا وقت لها إلا ذلك\" انتهي، قاله الكمال الدميري (^٥).\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٥٠٨) والنجم الوهاج (٢/ ٣١ - ٣٢).\n(^٢) كفاية النبيه (٣/ ٥٠٤).\n(^٣) المجموع (٤/ ١٧٠).\n(^٤) إحكام الأحكام (١/ ١٨٢).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٣٢).","vol":"3","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>[الترغيب في أذكار يقولها بعد صلاة الصبح وصلاة العصر والمغرب]</span>\n٦٧٨ - عَن أبي ذَر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ فِي دبر صَلَاة الْفجْر وَهُوَ ثَان رجلَيْهِ قبل أَن يتكَلَّم لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير عشر مَرَّات كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات وَكانَ يَوْمه ذَلِك كُله فِي حرز من كلّ مَكْرُوه وحرس من الشَّيْطَان وَلم يَنْبغ لذنب أَن يُدْرِكهُ فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَّا الشّرك بِالله تَعَالَى\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَزَاد فِيهِ بِيَدِهِ الْخَيْر وَزَاد فِيهِ أَيْضا وَكانَ لَهُ بِكُل وَاحِدَة قَالَهَا عتق رَقَبَة مُؤمنَة (^١) وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث معَاذ وَزَاد فِيهِ من قالهن حِين ينْصَرف من صَلَاة الْعَصْر أعطي مثل ذَلِك فِي ليلته (^٢).\nقوله: عن أبي ذر تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" الحديث، أي كما هو قاعد في التشهد لأن السنة في التشهد أن تثني اليمنى وفي حديث آخر \"من قال عقب الصلاة قبل أن يثني رجليه\" وهذا في الظاهر ضد الأول وفى المعنى موافق لأن معناه قاله قبل أن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٤٧٤)، والبزار (٤٠٥٠)، والنسائي في الكبرى (٩٨٧٨). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٢).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٨٧٧). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٢).","vol":"3","page":498},{"text":"يصرف رجله عن حالتها التي هي عليها في التشهد فوافق معنى الحديثين قاله صاحب المغيث الأصفهاني (^١)، وقوله في هذا الحديث عقب الصلاة هو بفتح العين وكسر القاف بعدها باء موحّدة وضم العين وإسكان القاف وأما قول كثير من الناس عقيب بياء بعد القاف فهي لغة قليلة والمعنى في ذلك كلّه أن يكون بعده غير متراخ قاله الكمال الدميري (^٢). [وقال فى النهاية \"وهو ثان رجليه\" أي عاطف رجليه في التشهد قبل أن ينهض (^٣).]\nقوله: \"كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات\" الحديث، محو السيئات عبارة عن غفرانها ويحتمل محوها من كتاب الحفظة ويكون ذلك دليل على غفرانها قاله القاضي عياض ورفع الدرجات عبارة عن إعلاء المنازل في الجنة (^٤).\nقوله: \"وكان يومه ذلك كلّه في حرز من كلّ مكروه وحرس من الشيطان\" الحرز بكسر الحاء المهملة وسكون الراء الموضع الحصين ويسمى التعويذ حرزا (^٥).\nقوله: ورواه النسائي وزاد فيه بيده الخير، وزاد فيه أيضًا له بكل واحدة قالها عتق رقبة ورواه النسائي أيضًا من حديث معاذ بن جبل وزاد فيه \"ومن\n_________\n(^١) المجموع المغيث (١/ ٢٧٩).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١٢٣).\n(^٣) النهاية (١/ ٢٢٦).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٥٥).\n(^٥) الصحاح (٣/ ٨٧٣).","vol":"3","page":499},{"text":"قالهن حين ينصرف من صلاة العصر أعطى مثل ذلك في ليلته\" قال العُلماء يستحب الإكثار من الأذكار في العصر استحبابا متأكدا فإنها الصلاة الوسطى على قول جماعة من السلف والخلف وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في مواضع ويستحب الإكثار من الأذكار بعد العصر وآخر النهار أكثر قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (^٣).\nوقال أهل اللغة الآصال ما بين العصر والمغرب (^٤)، وروي في كتاب ابن السني عن أنس قال قال رسول الله - ﷺ -: \"لأن أجلس مع قوم يذكرون الله ﷿ من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحب إليّ من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل\" (^٥) العرب من نسل إسماعيل وسموا به لأنهم سكان\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٥٥.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.\n(^٣) سورة النور، الآية: ٣٦.\n(^٤) الأذكار (ص ١٥٧ وص ١٧٣).\n(^٥) أخرجه أبو يعلى (٤١٢٦)، والطبراني في الدعاء (١٨٧٩) وابن السنى في اليوم والليلة (٦٧٠). وضعفه النووي في الأذكار (ص ١٧٣). قال ابن حجر في نتائج الأفكار (٣/ ٨): ورجاله ثقات، إلا الرقاشي، وهو يزيد بن أبان؛ فقد ضعفوه.","vol":"3","page":500},{"text":"البوادي (^١).\n\n٦٧٩ - وَعَن الْحَارِث بن مُسلم التَّمِيمِي - ﵁ - قَالَ قَالَ لي النَّبِي - ﷺ - إِذا صليت الصُّبْح فَقل قبل أَن تَتكلَّم اللَّهُمَّ أجرني من النَّار سبع مَرَّات فَإنَّك إِن مت من يَوْمك كتب الله لَك جوارا من النَّار وَإِذا صليت الْمغرب فَقل قبل أَن تَتكَلَّم اللَّهُمَّ أجرني من النَّار سبع مَرَّات فَإِنَّك إِن مت من ليلتك كتب الله لَك جوارا من النَّار\" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه وَأَبُو دَاوُد عَن الْحَارِث بن مُسلم عَن أَبِيه مُسلم بن الْحَارِث قَالَ الْحَافِظ وَهُوَ الصَّوَاب لأن الْحَارِث بن مُسلم تَابِعِيّ قَالَه أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ (^٢).\nقوله عن الحارث بن مسلم التميمي: قال الحافظ الحارث بن مسلم تابعي قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان.\nقوله: \"إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارا من النار\" الحديث سيأتي الكلام على ذلك في سؤال الجنة والاستعاذة من النار في أواخر الكتاب.\nقوله \"وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار\" والجوار بمعنى\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١٩/ ٦٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣٤ (١٨٠٥٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٥٣)، وأبو داود (٥٠٧٩)، والنسائي في الكبرى (٩٨٥٩)، وابن حبان (٢٠٢٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٥٠)، والضعيفة (١٦٢٤).","vol":"3","page":501},{"text":"الحفظ.\n\n٦٨٠ - وَعَن عمَارَة بن شبيب السبائي - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير عشر مَرَّات على إِثْر الْمغرب بعث الله لَهُ مسلحة يَحْفَظُونَهُ من الشَّيْطَان حَتَّى يصبح وَكتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات مُوجبَات ومحا عَنهُ عشر سيئات موبقات وَكَانَت لَهُ بِعدْل عشر رقبات مؤمنات\" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن لا نعرفه إِلَّا من حَدِيث لَيْث بن سعد وَلا نَعْرِف لعمارة سَمَاعا من النَّبِي - ﷺ - (^١).\nقوله: عن عمارة بن شبيب السبائي - ﵁ -[وقيل: عمار مختلف في صحبته وفي إسناد حديثه روى عنه: أبو عبد الرحمن الحبلي، وهو من أهل مصر (^٢)].\nقوله: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير عشر مرات على إثر المغرب بعث الله له مسلحة يحفظونه من الشيطان حتى يصبح\" الحديث، أثر بفتح الهمزة والثاء المثلثة وبكسر الهمزة وإسكان الثاء لغتان والمسلحة بفتح الميم وإسكان السين المهملة وبفتح اللام والحاء المهملة وهم الحرس قال في النهاية:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣٥٣٤)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٣٨ و١٠٣٣٩). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٣).\n(^٢) أسد الغابة (٤/ ١٣٣ ترجمة ٣٨١٧)، وتهذيب الكمال (٢١/ ٢٤٧ - ٢٤٨ ترجمة ٤١٨٦).","vol":"3","page":502},{"text":"المسلحة: القوم الذين يحفظون الثغور من العدو. وسموا مسلحة لأنهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنهم يسكنون المسلحة، وهي كالثغر والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له. وجمع المسلح: مسالح (^١).\nقوله: \"وكتب الله له بها عشر حسنات موجبات\" أي يوجبن لصاحبهن الجنة.\nقوله: \"ومحا عنه عشر سيئات موبقات\" أي مهلكات وتقدم الكلام على المحو.\nقوله: \"وكانت له بعدل عشر رقبات مؤمنات\" العدل بالفتح المثل وما عادل الشيء من غير جنسه وبالكسر ما عادله من جنسه وكان نظيره (^٢) والله أعلم.\nقوله: لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد [هو أبو الحارث الليث بن سعد ابن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم المصري الإمام البارع، هو من تابعي التابعين. سمع عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي مليكة، ونافعا مولى ابن عمر، وسعيد المقبري، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبا الزبير، وخلائق غيرهم من التابعين، وآخرين من تابعيهم، روى عنه محمد بن عجلان، وهشام بن سعد، وهما من شيوخه، وقيس بن الربيع، وابن المبارك، وابن\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٣٨٨).\n(^٢) النهاية (٣/ ١٩١).","vol":"3","page":503},{"text":"وهب، وابن لهيعة، وعبد الله بن صالح كاتبه، وخلائق لا يحصون من الأئمة وغيرهم. وأجمع العُلماء على جلالته، وإمامته، وعلو مرتبته في الفقه والحديث. وهو إمام أهل مصر في زمانه، نقل أبو حاتم بن حبان، عن الشافعي، - ﵁ -، أنه قال: كان الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أنه ضيعه أصحابه. وقال ابن وهب: ما كان في كتب مالك وأخبرني من أرضى من أهل العلم، فهو الليث بن سعد. وقال محمد بن سعد: كان الليث مولى لقريش، ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وكان ثقة، كثير الحديث وصحيحه، وكان استقل بالفتوى في زمانه بمصر، وكان سريًّا، نبيلًا، سخيًّا، وقال أحمد بن حنبل: الليث كثير العلم، صحيح الحديث، ليس في هؤلاء المصريين أثبت منه، ما أصح حديثه، فقال أحمد: رأيتُ من رأيتُ، فلم أر مثل الليث، كان فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن الذاكرة، وعد خصالا جميلة عنه حتى بلغ عشرا. وأقوال العُلماء في فضله كثيرة مشهورة، وقال قتيبة بن سعيد: لما قدم الليث المدينة، أهدى له مالك بن أنس من طرف المدينة، فبعث إليه الليث ألف دينار. وقال محمد بن رمح صاحب الليث: كان دخل الليث ثمانين ألف دينار، يعني فى السنة، وما وجبت عليه زكاة قط. توفي الليث في شعبان. قال ابن بكير: توفي الليث سنة خمس وسبعين ومائة. وقال ابن حبان: سنة ست أو سبع وسبعين. وقال ابن سعد: سنة خمس وستين، ﵁ (^١)].\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٣ - ٧٤ ترجمة ٥٣٦).","vol":"3","page":504},{"text":"٦٨١ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"من قَالَ إِذا أصبح: لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير عشر مَرَّات كتب الله لَهُ بِهن عشر حَسَنَات ومحا بِهن عشر سيئات وَرفع لَهُ بِهن عشر دَرَجَات وَكن لَهُ عدل عتاقة أَربع رِقَاب وَكن لَهُ حرسا حَتَّى يُمْسِي وَمن قالهن إِذا صلى الْمغرب دبر صلَاته فَمثل ذَلِك حَتَّى يصبح\" رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهَذَا لَفظه، وَفِي رِوَايَة لَهُ: \"وَكن لَهُ عدل عشر رِقَاب\" (^١).\nقوله: عن أبي أيوب الأنصاري، تقدم الكلام على فضائله.\nقوله: \"من قال إذا أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير عشر مرات\" الحديث، تقدم الكلام على\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٢٤ و١١٢٥)، والضبى في الدعاء (١٥٦)، وابن أبي شيبة في المسند (٢) والمصنف ٦/ ٥٨ (٢٩٤٥٤) و٧/ ١٧١ (٣٥٠٦٧)، وأحمد (٢٣٥١٨) و٥/ ٤١٨ (٢٣٥٤٦) و(٢٣٥٦٨) و٥/ ٤٢٢ (٢٣٥٨٣)، وعبد بن حميد (٢٢١)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥) و(٣/ ١٢٩)، والحارث (١٠٤٩)، والنسائي في الكبرى (٩٨٦١ و٩٨٦٢ و٩٨٧٠)، وأبو عوانة (١١٨٢٩)، والطحاوى في المشكل (١١٨٢٩)، وابن حبان (٢٠٢٣)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٢٨ رقم ٣٨٨٤) و(٤/ ١٦٤ - ١٦٥ رقم ٤٠١٦ - ٤٠٢٣).\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠٨٤: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، وفي رجال الطبراني الحجَّاج بن نصير، وقد ضعفه الجمهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويهم، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١١٣ و٢٥٦٣) وصحيح الترغيب (٤٧٤).","vol":"3","page":505},{"text":"ألفاظه في الأحاديث المتقدمة.\nقوله: \"وكن له عدل عتاقة أربع رقاب\" أي مثل ثواب إعتاق عشر رقاب.\nقوله: \"وكن له حرسا حتى يمسي\" تقدم معنى الحرس وهم المسلحة.\nقوله: \"ومن قالهن إذا صلى المغرب دبر صلاته فمثل ذلك حتى يصبح\" وروى عن علي - ﵁ - مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - \"المغرب سيدة كلّ صلاة\" وروى أن أفضل الصلاة عند الله تعالى صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم فتح الله بها صلاة الليل ويختم بها صلاة النهار.\nفائدة: للمغرب اسمان:\n- الأول: المغرب لأنها تدخل بالغروب.\n- والثاني: صلاة الشاهد واختلفوا في تسميتها بذلك فقيل لأنها لا قصر فيها للمسافر بل يصليها كصلاة الشاهد أي الحاضر ومنه قول رسول الله - ﷺ - \"لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه\" أي حاضر.\nوقيل الشاهد النجم الذي يطلع عقب الغروب وبه سميت لأنه كالشاهد على دخول الوقت وعلى غياب الشمس وفي صحيح مسلم \"ثم لا صلاة بعدها\" أي بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس ويطلع الشاهد قاله في كتاب القدوة (^١).\n\n٦٨٢ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من قَالَ حِين ينْصَرف من صَلَاة الْغَدَاة لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد\n_________\n(^١) القول التمام (ص ١٨٢).","vol":"3","page":506},{"text":"بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير عشر مَرَّات أعطي بِهن سبعا كتب الله لَهُ بِهن عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ بِهن عشر سيئات وَرفع لَهُ بِهن عشر دَرَجَات وَكن لَهُ عدل عشر نسمات وَكن لَهُ حفظا من الشَّيْطَان وحرزا من الْمَكْرُوه وَلم يلْحقهُ فِي ذَلِك الْيَوْم ذَنْب إِلَّا الشّرك بِالله وَمن قالهن حِين ينْصَرف من صَلَاة الْمغرب أعطي مثل ذَلِك ليلته\" رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَاللَّفْظ لَهُ (^١) الْعدْل بِالْكَسْرِ وفتحه لُغَة هُوَ الْمثل وَقَالَ بَعضهم: الْعدْل بِالْكَسْرِ مَا عَادل الشَّيْء من جنسه وبالفتح مَا عادله من غير جنسه.\nقوله: عن معاذ بن جبل - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من قال حين ينصرف من صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير عشر مرات\" الحديث تقدم أن المراد بصلاة الغداة صلاة الصبح وأن النووي نقل في شرح المهذب كراهة تسميتها بذلك.\nقوله: \"أعطي بهن سبعا كتب الله له بهن عشر حسنات\" الحديث تقدم الكلام على تفسير هذه الألفاظ.\nوقوله: \"وكن له عدل عشر نسمات\" قال الحافظ العدل بالكسر وفتحه لغة\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٨٧٧)، والطبراني في الدعاء (٧٠٦) والكبير (٢٠/ ٦٥ رقم ١١٩)، والدارقطنى في العلل (٦/ ٤٦). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٩: رواه الطبراني من طريق عاصم بن منصور، ولم أجد من وثقه ولا ضعفه، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٥).","vol":"3","page":507},{"text":"هو المثل وقال بعضهم العدل بالكسر ما عادل الشيء من جنسه وبالفتح ما عادله من غير جنسه (^١) انتهى.\nقوله: \"وكن له حفظا من الشيطان وحرزا من المكروه\" سيأتي الكلام على ذلك في الحديث بعده.\n\n٦٨٣ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من قَالَ دبر صَلَاة الْغَدَاة: لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت بِيَد الْخَيْر وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير مائَة مرّة قبل أَن يثني رجلَيْهِ كَانَ يَوْمئِذٍ من أفضل أهل الأرْض عملا إِلَّا من قَالَ مثل مَا قَالَ أَو زَاد على مَا قَالَ\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد (^٢) وَرَوَاهُ فِيهِ وَفِي الْكَبِير أَيْضًا من حَدِيث أبي\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٩١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٧٥ رقم ٧٢٠٠) والكبير (٨/ ٢٨٠ رقم ٨٠٧٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي غالب إلا آدم بن الحكم، ولا رواه عن آدم إلا عبد الصمد بن عبد الوارث.\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٨٥: رواه الطبراني، وفيه سليم بن عثمان الطائي، ثم الفوزي: أبو عثمان الحمصي كما في الميزان، وقد ضعفه غير واحد من قبل حفظه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لم يرو عنه غير سليمان بن سلمة الخبائري، وهو ضعيف، فإن وجد له راو غيره اعتبر حديثه، ويلزق به ما يتساهل من جرح أو تعديل، وذكره ابن أبي حاتم، وقال: عن أبيه.\nوروى عنه محمد بن عوف، وأبو عتبة: أحمد بن أبي الفرج، وهو مجهول، وعنده عجائب، وقد روى عنه ثلاثة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٦).","vol":"3","page":508},{"text":"الدَّرْدَاء وَلَفظه: \"من قَالَ بعد صَلَاة الصُّبْح وَهُوَ ثَان رجلَيْهِ قبل أَن يتكَلَّم لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير عشر مَرَّات كتب الله لَهُ بِكُل مرّة عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات وَكن لَهُ فِي يَوْمه ذَلِك حرْزا من كلّ مَكْرُوه وحرسًا من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَكَانَ لَهُ بِكُل مرّة عتق رَقَبَة من ولد إِسْمَاعِيل ثمن كلّ رَقَبَة اثْنَا عشر ألفا وَلم يلْحقهُ يَوْمئِذٍ ذَنْب إِلَّا الشّرك بِالله وَمن قَالَ ذَلِك بعد صَلَاة الْمغرب كَانَ لَهُ مثل ذَلِك\" (^١).\nقوله: عن أبي أمامة هو الباهلي واسمه صدي تقدم.\nقوله: \"من قال دبر صلاة الغداة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير مائة مرة قبل أن يثني رجليه كان يومئذ من أفضل أهل الأرض عملا إلا من قال مثل ما قال أو زاد على ما قال\" الحديث فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المائة ويكون له ثواب آخر على الزيادة وليس هذا من الحدود التي نهي عن مجاوزة أعدادها وأن زيادتها لا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٥٠ - ٥١ رقم ٤٦٤٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا هانئ بن عبد الرحمن ورديح بن عطية، تفرد به: موسى بن محمد.\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٨: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه موسى بن محمد بن عطاء البلقاوي، وهو متروك. وقال الألبانى: موضوع ضعيف الترغيب (٢٥١).","vol":"3","page":509},{"text":"فضل فيها أو تبطلها كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد مطلق الزيادة سواء كانت من التهليل أو من غيره أو منه ومن غيره قال وهذا الاحتمال أظهر وظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر المذكور في هذا الحديث لمن قال هذا التهليل مائة مرة في نومه سواء قالها متوالية أو متفرقة في مجالس أو بعضها أول النهار وبعضها آخره لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار لتكون حرزا له في جميع نهاره (^١) والله أعلم.\nقوله: في رواية للطبراني في الكبير من حديث أبي الدرداء \"وكن له في يومه ذلك حرزا من كلّ مكروه وحرسا من الشيطان\" الحديث، يعني أن الله تعالى يحفظه من الشيطان في ذلك اليوم فلا يقدر منه على مذلة ولا وسوسة ببركة تلك الكلمات قال العُلماء يعني أن هذه الكلمات ثوابها عظيم بمنزلة ثواب من أعتق عشر رقاب كما مر في الأحاديث المتقدمة وقد صح أن النبي - ﷺ - قال \"من أعتق رقبة واحدة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار\" ثم يزاد مع ذلك \"كتب مائة حسنة ومحا مائة سيئة\" فجمع له ذلك كلّه وكل واحدة من هذه الحسنات مضاعفة بعشر كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢) قال وهذه الأجور العظيمة والفوائد الجمة إنما تحصل كاملة لمن قام بحق هذه الكلمات فأحضر معناها بقلبه وتأملها بفهمه واتضحت له معانيها وخاض في بحار معرفتها ورتع في رياض زهرتها ووصل\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٧).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.","vol":"3","page":510},{"text":"بها إلى عين اليقين فإن لم يكن فإلى علم اليقين وهذا هو الإحسان في الذكر فإنه من أعلى العبادات وقد قال النبي - ﷺ - في الإحسان: \"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" ثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم مختلفين كانت أجورهم على ذلك بحسب ما أدركوا وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الأجور والثواب المذكور في أحاديث الأذكار فإنك تجد في بعضها ثوابا عظيما مضاعفا وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر أو أقل اتفق ههنا في حديث أبي هريرة فإن فيه من قالها مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب (^١).\nوفي حديث أبي أيوب \"كانت له عدل أربع رقبات\" وعلى هذا فمن قال هذا مائة مرة كان له عدل أربعين رقبة فيرجع الاختلاف إلى أحوال الذاكرين (^٢) والله أعلم.\n\n٦٨٤ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن غنم - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ: \"من قَالَ قبل أَن ينْصَرف ويثني رجلَيْهِ من صَلَاة الْمغرب وَالصُّبْح لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير عشر مَرَّات كتب الله لَهُ بِكُل وَاحِدَة عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات وَكَانَت لَهُ حرْزا من كلّ مَكْرُوه وحرزا من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَلم يحل للذنب أَن يُدْرِكهُ إِلَّا الشّرك وَكَانَ من أفضل النَّاس عملا إِلَّا رجلًا\n_________\n(^١) المفهم (٢٢/ ٨١ - ٨٢).\n(^٢) المفهم (٢٢/ ٨٢).","vol":"3","page":511},{"text":"يفضله يَقُول أفضل مِمَّا قَالَ\" رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح غير شهر بن حَوْشَب وَعبد الرَّحْمَن بن غنم مُخْتَلف فِي صحبته وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ (^١).\nقوله: عن عبد الرحمن بن غنم هو عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هانئ بن ربيعة الأشعري ذكره ابن يونس وابن منده وآخرون في الصحابة وأنكر ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا هو تابعي مخضرم وكان مسلما في عهد رسول الله - ﷺ - ولم يره وقال الأولون قدم على رسول الله - ﷺ - في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصحابه كان يسكن فلسطين وقدم دمشق قال ابن يونس قدم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين وروى عن النبي - ﷺ - مرسلا وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا مالك الأشعري وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له وكان عبد الرحمن أفقه أهل الشام وعليه تفقه عامة التابعين بالشام وكان له جلالة وقدر توفي سنة ثمان وسبعين والله أعلم (^٢).\nقوله: \"من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كلّ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٧ (١٧٩٩٠)، والدارقطنى في العلل (١١/ ٧٦). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٨: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وحديثه حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣ ترجمة ٣٥٨).","vol":"3","page":512},{"text":"شيء قدير عشر مرات\" الحديث تقدم معنى الحديث والكلام عليه في الأحاديث المتقدمة والله أعلم.\n\n٦٨٥ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"من قَالَ بعد صَلَاة الْفجْر ثَلَاث مَرَّات وَبعد الْعَصْر ثَلَاث مَرَّات أسْتَغْفر الله الَّذِي لا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ كفرت عَنهُ ذنُوبه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر\" رَوَاهُ ابْن السّني فِي كِتَابه (^١).\nقَالَ الْحَافِظ: وَأما مَا يَقُوله دبر الصَّلَوَات إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى فَلِكُل مِنْهُمَا بَاب يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَتقدم فِي بَاب الرحلة فِي طلب الْعلم حَدِيث قبيصَة وَفِيه أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَهُ يَا قبيصَة إِذا صليت الصُّبْح فَقل ثَلَاثًا سُبْحَانَ الله الْعَظِيم وَبِحَمْدِهِ تعافى من الْعَمى والجذام والفلج رَوَاهُ أَحْمد (^٢).\nقوله عن معاذ بن جبل تقدم.\nقوله: \"من قال بعد صلاة الفجر ثلاث مرات وبعد العصر ثلاث مرات أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه كفرت عنه ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر\" الحديث تقدم أن الصبح لها أسماء من جملتها تُسمّى\n_________\n(^١) أخرجه ابن السنى في اليوم والليلة (١٢٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٥٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٦٠ (٢٠٦٠٢)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٦٨ رقم ٩٤٠)، وابن بشران (١١٣٣).\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٣٢: رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم. وقال في ١٠/ ١١١: رواه الطبراني، وفيه نافع: أبو هرمز، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧١) و(٢٥٢).","vol":"3","page":513},{"text":"الفجر والبرد.\nقوله: \"أستغفر الله\" أي أطلب المغفرة فإن السين للطلب ولا فرق بين أستغفر الله واللهم اغفر لي، ووقع في كلام رابعة العدوية استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير وعن بعضهم الاستغفار باللسان توبة الكاذبين (^١) وما أوقعهم في هذا إلا أنهم ظنوا أن هذا معناه التوبة فنظروا إلى شروط التوبة وهى الندم والإقلاع والعزم على عدم العود فوجدوها مخلة باصرارهم على ما هم عليه في هذا (^٢) والحكمة في الاستغفار عقب الصلاة أن الدعاء إذا تقدمه عمل صالح وجب إجابته ويحتمل أنه شرع بسبب تقصير أو غفلة أو خلل يقع في صلاة الشخص ففعله تعليما للأمة وأما تكراره ثلاثًا وكذلك في كثير من الأدعية فلما فيه من الإلحاح والافتقار والاحتياج للمطلوب للدعاء (^٣)، وقوله اللهم هذه الميم عوض عن يا النداء (^٤) وقال بعضهم إنها جامعة لتنزيهه ﷾ (^٥) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nوالمراد بتكفير الذنوب الصغائر وتقدم تفسير زبد البحر في الأحاديث قبله وفي رواية أخرى \"كفرت عنه ذنوبه وإن كان فر من الزحف\" أي فر من الجهاد\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٦٢٢).\n(^٢) انظر: المفهم (٢/ ٣٢)، وجامع العلوم والحكم (٣/ ١١٦٨).\n(^٣) انظر: إكمال المعلم (٢/ ٥٤٣)، وشرح النووي (٤/ ٢٠٢)، والنفح الشذى (٤/ ٥٦٣)، واللامع الصبيح (١٥/ ٣٤٥)، وفتح البارى (١١/ ١٠٢).\n(^٤) الزاهر (١/ ٥١)، وكشف المشكل (٢/ ٢٩٨)، والمفهم (٥/ ١٩).\n(^٥) شرح أبي داود (٢/ ٣٥٧).","vol":"3","page":514},{"text":"ولقاء العدو في الحرب والزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون يقال زحف الجيش زحفا إذا مشى إليه نحوه (^١) والله أعلم.\nقوله: وتقدم في باب الرحلة في طلب العلم حديث قبيصة فيه أن النبي - ﷺ - قال له: \"يا قبيصة إذا صليت الصبح فقل ثلاثًا سبحان الله العظيم وبحمده تعافى من العمى والجذام والفلج\" وفي رواية: \"والبرص\" وفي حديث أبي هريرة \"الفلج داء الأنبياء\" وهو داء معروف يرخي بعض البدن وتقدم الكلام عليه وعلى بقية الألفاظ هناك.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٩٧).","vol":"3","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>[الترهيب من فوات العصر]</span>\n٦٨٦ - عَن بُرَيْدَة - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - من ترك صَلَاة الْعَصْر فقد حَبط عمله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ بَكرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْم الْغَيْم فَإِنَّهُ من فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْر حَبط عمله (^١).\nقوله: عن بريدة الصحابي هو أبو عبد الله ويقال أبو سهل ويقال سهيل ويقال أبو الحصيب بضم الحاء ويقال أبو ساسان بريدة بن الحصيب بضم الحاء المهملة بن عبد الله بن الحارث بن سعد الأسلمي سكن المدينة ثم البصرة ثم مرو وتوفي بها سنة اثنتين وستين وهو آخر من توفي من الصحابة بخراسان روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على حديث وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأحد عشر أسلم بريدة قبل بدر ولم يشهدها وقيل أسلم بعدها روى عنه ابناه عبد الله وسليمان ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله\" الحديث المراد ببطلان العمل بطلان الثواب (^٣) وقال النووي المراد به نقصان الإيمان وإبطال بعض\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٣) و(٥٩٤)، وابن ماجه (٦٩٤)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٧٣ (٤٨١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨١).\n(^٣) الميسر (١/ ١٨٣).","vol":"3","page":516},{"text":"العبادات لا الكفر فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعله عالمًا بأنه يوجب الكفر (^١) وقال ابن بطال إنما يحبط عمل المؤمن وهو لا يشعر إذا عد الذنب يسيرًا فاحتقره وكان عند الله عظيما وليس الحبط بمخرج عن الإيمان وإنما هو نقصان منه (^٢) ورواه ابن ماجه ولفظه \"بكروا في الصلاة في يوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله\" قال الطبري: فإن قيل: فما معنى قوله: \"بكروا بالصلاة في يوم الغيم\" ولا سبيل إلى معرفة أوقات النهار لارتفاع الأدلة على ذلك بالغيم الساتر عين الشمس، قيل ذلك أمر منه -﵇- بالبكور بها على التحري، والأغلب عند المتحري لا على يقين العلم بإصابة أول وقتها لأن أوقات الصلاة لا تدرك في يوم الغيم إلا بالتحري والعلم الظاهر (^٣) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله\" أي قارب أن يحبط عمله كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (^٤) أي: قاربن بلوغ أجلهن قال الشاعر:\nقالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... من البلاد فقد جئنا خراسانا\nأي: قاربناها، وقال بعضهم: حبط عمله أي حبط كمال عمله في ذلك اليوم من الصلوات لأن صلاة العصر هي صلاة آخر اليوم وترفع ملائكة النهار\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٨٧)، وعمدة القارى (١/ ٢٧٤).\n(^٢) قاله أبو الزناد كما في شرح الصحيح (١/ ١١٢) لابن بطال.\n(^٣) شرح الصحيح (٢/ ١٧٧) لابن بطال.\n(^٤) سورة الطلاق، الآية: ٢.","vol":"3","page":517},{"text":"عمل الرجل إلى حضرة الله تعالى في صلاة العصر فإذا لم يصل العصر لم يختم له عمل ذلك اليوم (^١).\nفائدة: اختلفوا في تسميته عصرًا قال الحموي: لأنها تعاصر وقت المغرب، وقال بعضهم: إنما سميت عصرًا لأنها تعصر بمعنى تؤخر إلى آخر النهار، ولهذا قال أبو حنيفة: لا يدخل وقتها إلا بمقدار الظل مثلين وكأنه أخذ من عصارة الشيء وهو بقيته، وقيل: سميت عصرًا للمبالغة لأنها صلاة العصر كلّه والعصر الدهر للمبالغة كقوله - ﷺ -: \"الحج عرفة\" والليل والنهار يسميان العصران والصريمان والملوان قاله ابن العماد (^٢).\nفائدة أخرى: فإن قلت: قالت الشافعية للعصر خمسة أوقات وقت الفضيلة وهو أول الوقت، ووقت الاختيار وهو أن يصير ظل الشيء مثليه، ووقت الجواز بلا كراهة وهو قبل الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة وهو زمان الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر وهو وقت الظهر عند الجمع بينهما بالتقديم فالفضيلة الواردة في حق صلاة العصر هل هي مختصة بمن صلاها أول الوقت أو عامة لجميع أحوالها، قلت: لما كانت هي أداء إلى الغروب صادقا عليها صلاة العصر في جميع أحوالها كانت عامة والله أعلم، قاله الكرماني (^٣).\n_________\n(^١) القول التمام (ص ١٨١ - ١٨٢).\n(^٢) القول التمام (ص ١٨١).\n(^٣) الكواكب الدراري (٤/ ٢٠٠).","vol":"3","page":518},{"text":"٦٨٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من ترك صَلَاة الْعَصْر مُتَعَمدا فقد حَبط عمله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح (^١).\nقوله: عن أبي الدرداء، واسمه عويمر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"من ترك العصر متعمدا فقد حبط عمله\" الحديث، احترز بالمتعمد عن الساهي، وتقدم الكلام على إحباط العمل في الحديث قبله وقبل قبله.\n\n٦٨٨ - وَعَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الَّذِي تفوته صَلاة الْعَصْر فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله. رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَزَاد فِي آخِره قَالَ مَالك تَفْسِيره ذهَاب الْوَقْت (^٢).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"الذي تفوته صلاة العصر\" الحديث، قال القاضي عياض (^٣): واختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث فقال ابن خزيمة في صحيحه في آخر الحديث: قال مالك تفسيره ذهاب الوقت، وقال في شرح الأحكام: الظاهر أن المراد الوقت، ويحتمل أن المراد به المفاحشة في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٢ (٢٧٤٩٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٩٥: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٩).\n(^٢) أخره مالك (٢١)، والبخاري (٥٥٢)، ومسلم (٢٠٠ و٢٠١ - ٦٢٦)، وابن ماجه (٦٨٥)، وأبو داود (٤١٤)، والترمذى (١٧٥)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٧٧ (٤٨٦) و٢/ ٢٢ (٥٢٢).\n(^٣) شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ١٢٦).","vol":"3","page":519},{"text":"التأخير، وقال العراقي في شرح الأحكام قال ابن وهب وغيره: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقال سحنون والأصيلي هو أن يفوته بغروب الشمس، وقيل: هو يفوتها إلى أن تصفر الشمس، وقد ورد ذلك مفسرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث، قال فيه: وفواتها أن يدخل الشمس صفرة، وروي عن سالم أنه قال: هذا فيمن فاتته ناسيا، وعلى قول الداوودي: هو في العامد وهذا هو الأظهر ويؤيده حديث البخاري في صحيحه عن بريدة: \"بكروا بصلاة العصر في يوم الغيم فإن رسول الله - ﷺ - قال: من ترك صلاة العصر حبط عمله\" وهذا إنما يكون في العامد، وهذا محمول على من استحل ذلك أو على من اعتاد ترك هذه الصلاة أن المراد حبط الأجر إذا أخرها عن وقتها، قال ابن عبد البر: ويحتمل أن يلحق بالعصر باقي الصلوات ويكون نبه بالعصر على غيرها، وخصها بالذكر لأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاسات أعمالهم، وفيما قاله ابن عبد البر مراد الحديث ورد العصر، والله أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فكأنما وتر أهله وماله\" يروى بنصب اللامين ورفعهما والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، قاله عياض وهو الذي سمعناه وضبطناه عن أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره، ويكون المعنى: فكأنما وتر في أهله وماله فلما حذف الخافض انتصب، وقال الخطابي على رواية النصب أي: نقص هو أهله وماله وسلبه فيبقى وترًا بلا أهل ولا مال (^٢)\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٠ - ٥٩١)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ١٢٦).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٠)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ١٢٦).","vol":"3","page":520},{"text":"يقال: وترته إذا، نقصته فكأنك جعلته وترا بعد أن كان كثيرًا (^١)، وقيل: هو من الوتر الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي (^٢) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (^٣) أي: لن ينقصكم (^٤) فشبه ما يلحق من فاتته صلاة العصر من قتل حميمه أو سلب أهله وماله (^٥)، والقول الثاني: أنهما مرفوعان على ما لم يسم فاعله ومعناه: انتزع منه أهله وماله، وهذا تفسير مالك بن أنس فيكون معنى الحديث: فليحذر من يفوتها وليكن ذلك كحذره من ذهاب أهله وماله (^٦)، ويحتمل أن يقال: إنما خص الأهل والمال بالذكر لأن الاشتغال في وقت العصر إنما هو بالسعي على الأهل أو الشغل بالمال فذكر -﵇- أن تفويت هذه الصلاة نازل منزلة فقد الأهل والمال فلا معنى لتفويتها بالاشتغال بهما مع كون تفويتها كفواتهما أصلا ورأسا (^٧)، وقال ابن عقيل الحنبلي: قيل المراد به أنه ينبغي لمن فاتته العصر أن يحزن على فراقها كما يحزن على عدم أهله وماله (^٨) وأبعد ابن\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٤٨)، وجامع الأصول (٥/ ٢٠٤).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٤٨)، وجامع الأصول (٥/ ٢٠٤).\n(^٣) سورة محمد، الآية: ٣٥.\n(^٤) كشف المشكل (٢/ ٥٤٠).\n(^٥) النهاية (٥/ ١٤٨)، وجامع الأصول (٥/ ٢٠٤).\n(^٦) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٠)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ١٢٦).\n(^٧) طرح التثريب (٢/ ١٧٩).\n(^٨) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٠).","vol":"3","page":521},{"text":"عبد البر حيث قال: لا يخص هذا بالعصر بل يتعدى إلى غيرها من المكتوبات وتقدم ذلك عنه، وخصت العصر بالذكر نفسها على غيرها، وهذا الذي قاله خلاف الظاهر، فإن تخصيص الغير بالذكر إنما كان لفضيلتها على غيرها (^١)، وقد ثبت أنها الصلاة الوسطى فلا يلزم أن يثبت لغيرها ما يثبت لها لقيام الفارق، فالصلاة الوسطى أفضل الصلوات وأعظمها أجرا وبها تختم صلوات النهار، ولذلك خصت بالمحافظة عليها (^٢)، وقيل: لأنها وسط بين صلاتي الليل وصلاتي النهار، ولذلك وقع الخلاف فيها (^٣)، وتقدم ذلك.\n\n٦٨٩ - وَعَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْر فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله وَفِي رِوَايَة قَالَ نَوْفَل صَلَاة من فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله.\nقَالَ ابْن عمر: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - هِيَ الْعَصْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٤).\nقوله: عن نوفل بن معاوية، هو نوفل بن معاوية [بن عروة، وقيل: نوفل بن معاوية ابن عمرو الدؤلي، من بني الدؤل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. أسلم وشهد مكة، وهو أول مشاهده، ونزل المدينة وتوفي بها أيام يزيد بن معاوية.\n_________\n(^١) فتح البارى (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢)، وطرح التثريب (٢/ ١٧٩).\n(^٢) كشف المشكل (٢/ ٥٤٠).\n(^٣) القول التمام (ص ١٨٠).\n(^٤) أخرجه النسائي في المجتبى ١/ ٥٧٥ - ٥٧٧ (٤٨٥ و٤٨٦) و(٤٨٧ و٤٨٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٨١).","vol":"3","page":522},{"text":"روى عن النبي - ﷺ -. روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبد الرحمن بن مطيع، وعراك بن مالك (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله\" وتقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\nقوله: وفي رواية قال نوفل: صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله، قال ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ -: \"هي العصر\"، وتقدم أسماء العصر في الأحاديث المذكورة في الباب والله أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٣٤ ترجمة ٦٤١).","vol":"3","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسان والترهيب منها عند عدمها</span>\n٦٩٠ - عَن أبي عَليّ الْمصْرِيّ قَالَ: سافرنا مَعَ عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ - ﵁ - فحضرتنا الصَّلَاة فأردنا أَن يتقدمنا فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"من أم قومًا فَإِن أتم فَلهُ التَّمام وَلهم التَّمام وَإِن لم يتم فَلهم التَّمام وَعَلِيهِ الإِثْم رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَفْظهمَا من أم النَّاس فَأصَاب الْوَقْت وَأتم الصَّلَاة فَلهُ وَلَهُم وَمن انْتقصَ من ذَلِك شَيْئا فَعَلَيهِ وَلا عَلَيْهِم\" (^١) قَالَ الْحَافِظ هُوَ عِنْدهم من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة عَن أبي عَليّ الْمصْرِيّ وَعبد الرَّحْمَن يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ.\nقوله: عن أبي علي المصري، هو: أبو علي المصري هو ثُمامة بن شُفَيّ -بمعجمة وفاء، مصغّر- الهَمْدَاني، أبو علي المصري، نزيل الإسكندرية، ثقه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٥ (١٧٣٠٥) وفي ٤/ ١٥٤ (١٧٤٠١) وفي ٤/ ١٥٦ (١٧٤٢٥) وفي ٤/ ٢٠١ (١٧٧٩٥)، وابن ماجه (٩٨٣)، وأبو داود (٥٨٠)، وابن خزيمة (١٥١٣) وابن حبان (٢٢٢١)، والحاكم (١/ ٢١٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الألبانى: حسن صحيح - صحيح أبي داود (٥٩٣) وصحيح الترغيب (٤٨٢).\n(^٢) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٤٠٤).","vol":"3","page":524},{"text":"قوله: سافرنا مع عقبة بن عامر الجهني، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من أم قوما فليتق الله وليعلم أنه ضامن مسؤول لما ضمن\" وقال أبو سليمان الخطابي: معنى الضمان في كلام العرب الرعاية للشيء والمحافظة عليه ومنه قولهم في الدعاء للمسافر: في حفظ الله وضمانه، فأما تأويله في الإمام أن يحفظ على القوم صلواتهم ويرعاها لهم وليس من ضمان الغرامة في شيء، ويقال إنه ضمن لهم الدعاء لقوله - ﷺ -: \"لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فإن فعل فقد خانهم\" (^١) وقيل: إنه ضامن على معنى أنه ضمن عن الناس يعني أنه يتحمل سهو المأمومين إن وقع منهم ويتحمل القراءة إن أدركوه في الركوع فالإمامة تتعلق بأمر الدين والإعانة عليه والحمل عن المأمومين ولهذا سمي الإمام ضامن (^٢)، وقيل: إن أتموا فلكم ولهم وإن نقصوا فعليهم ولكم لقصدكم إليه، وإنما يعني بالنقصان ما لا يبطل الصلاة لأنه إذا ترك فرائض الصلاة لم يتابع عليه.\n[قوله فإن أتم فله التمام وإن لم يتم فلهم التمام وعليه الإثم وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ولفظهما من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم لأن صلاة\n_________\n(^١) غريب الحديث (١/ ٦٣٦ - ٦٣٧). والحديث أخرجه ابن ماجه (٩٢٣)، وأبو داود (٩٠)، والترمذى (٣٥٧) عن ثوبان. وقال الترمذى: حديث ثوبان حديث حسن. وضعفه الألباني في المشكاة (١٠٧٠) وضعيف أبي داود (١٢) وضعيف الترغيب (١٦٣٣).\n(^٢) شرح مسند الشافعي (١/ ٢٩١) للرافعي، والنجم الوهاج (٢/ ٢٦١).","vol":"3","page":525},{"text":"المقتدين في عهدته وصحتها مقرونة بصحة صلاته فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم (^١).\nتنبيه: ورد فى الحديث \"وإن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماما يصلي بهم\" (^٢) يعنى يتركون تعلم ما تصح به الصلاة وما يفسدها، حتى لا يوجد في جمع كثير من هو يعلم الإمامة (^٣) والله أعلم.\nفائدة: كان سهل بن سعد الساعدى يقدم فتيان قومه يصلون بهم، فقيل له: تفعل ولك من القدم ما لك، قال: إني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء، فعليه يعني الإثم، ولا عليهم\" رواه ابن ماجه ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم (^٤).\nوقوله: \"فعليه، ولا عليهم، فلا أريد أن أتحمل ذلك\" أراد بالضمان الحفظ والرعاية لا ضمان الغرامة لأنه يحفظ على القوم صلواتهم (^٥).\nقال الحافظ: هو عندهم من رواية عبد الرحمن بن حرملة عن أبي على المصري، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي: قال أبو حاتم: لا يحتج به\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٠٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٩٨٢)، وأبو داود (٥٨١) عن سلامة بنت الحر، أخت خرشة بن الحر الفزارى. وضعفه الألباني في المشكاة (١١٢٤) وضعيف أبي داود (٩١).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٢٣٧)، وشرح المصابيح (٢/ ١٢٠).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٩٨١)، والحاكم (١/ ٢١٦). وصححه الألباني في الروض النضير (١٠٧٦ - ١٠٨٠)، الصحيحة (١٧٦٧).\n(^٥) النهاية (٣/ ١٠٢).","vol":"3","page":526},{"text":"وضعفه يحيى القطَّان ولينه البخاري، ووثقه ابن مَعين، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا].\n\n٦٩١ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: من أم قومًا فليتق الله وليعلم أَنه ضَامِن مسؤول لما ضمن وَإِن أحسن كَانَ لَهُ من الأجر مثل أجر من صلى خَلفه من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْئا وَمَا كَانَ من نقص فَهُوَ عَلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة معارك بن عباد (^١).\nقوله: رواه الطبراني من رواية معارك بن عباد [ويقال: ابن عبد الله، العبدي القيسي، بصري، قال البخارى: لم يصح حديثه، ذكره ابن حبان فى الثقات، وضعفه غيره].\n\n٦٩٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يصلونَ لكم فَإِن أَصَابُوا فلكم وَإِن أخطؤوا فلكم وَعَلَيْهِم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه سَيَأْتِي أَو سَيكون أَقوام يصلونَ الصَّلاة فَإِن أَتموا فلكم وَإِن انتقصوا فَعَلَيْهِم وَلكم (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٧٠ رقم ٧٧٥٥)، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي الجوزاء إلا يحيى بن أبي الفضل، ولا رواه عن يحيى إلا المعارك، تفرد به: يوسف بن الحجَّاج. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٦٦: رواه الطبراني في الأوسط وفيه معارك بن عباد ضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٤٤) وضعيف الترغيب (٢٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩٤) وابن حبان (٢٢٢٨).","vol":"3","page":527},{"text":"قوله - ﷺ -: \"يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم\" الحديث المراد بقوله: \"فإن أصابوا فلكم\" أي: الأجر (^١) كما لهم وأراد بقوله \"وإن أخطؤوا\" أي الأئمة فلكم أي الأجر وعليهم أي الوزر، فالضمير في يصلون للأئمة وهم وإن كانوا يصلون لله تعالى أي: لأجلكم لكنهم من حيث أنهم ضمناء لصلاتهم كأنهم يصلون لهم، يعني: أئمتكم يصلون لكم وأنتم تتابعونهم؛ وقوله: \"فإن أصابوا\" أي: بالإتيان بجميع الأركان والشرائط والسنن فقد حصلت الصلاة لكم تامة كاملة كما حصلت لهم (^٢).\nقوله: \"وإن أخطؤوا\" بأن أخلوا ببعض ذلك عمدا أو سهوا إذ الخطأ يشمل القبيلتين من حيث أنه نقيض الصَّواب المقابل لهما (^٣).\nوقوله: \"فلكم\" أي: فتصح الصلاة وتحصل لكم ووبال الخطأ عليهم أي عقابها عليهم (^٤)، قلت: معناه ما لهم لكم وكذا ثواب الجماعة، وفي الحديث: دليل على أن الإمام إذا صلى جنبا أو محدثا والمأموم جاهل بذلك أن صلاة القوم صحيحة (^٥)، وعلى الإمام الإعادة سواء كان الإمام عالما أو جاهلا، وقال بعضهم: إن أصابوا يعني في الوقت أو أخطأوا، وكان بنو أمية يؤخرون الصلاة (^٦).\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٢٤٠).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٣٤٥).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٣٤٥).\n(^٤) تحفة الأبرار (١/ ٣٤٥).\n(^٥) تحفة الأبرار (١/ ٣٤٥).\n(^٦) شرح الصحيح (٢/ ٣٢١) لابن بطال، والكواكب الدراري (٥/ ٧٧).","vol":"3","page":528},{"text":"٦٩٣ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"ثَلَاَثَة على كُثْبَان الْمسك أرَاهُ قَالَ يَوْم الْقِيَامَة عبد أدّى حق الله وَحقّ موَالِيه وَرجل أم قوما وهم بِهِ راضون وَرجل يُنَادي بالصلوات الْخمس فِي كلّ يَوْم وَلَيْلَة\" رَوَاهُ أَحْمد وَالترمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"ثَلَاَثة لا يهولهم الْفَزع الْأَكْبَر وَلا ينالهم الْحساب وهم على كثيب من مسك حَتَّى يفرغ من حِسَاب الْخَلَائق رجل قَرَأَ الْقُرْآن ابْتِغَاء وَجه الله وَأم بِهِ قوما وهم بِهِ راضون\" الحَدِيث (^٢) وَفِي الْبَاب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٦ (٤٧٩٩)، والترمذى في العلل (٥٨٦) و(ص ٣٧٧) والسنن (١٩٨٦) و(٢٥٦٦)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٩٧ - ٩٨ رقم ١٣٧٤٠). قال الترمذى: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو حديث سفيان لا أعرفه من حديث غيره. وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري، وأبو اليقظان اسمه: عثمان ابن عمير، ويقال: ابن قيس. وقال الدَّارقُطْنِي في العلل (٣٠٤٠): اختلف فيه على زاذان؛ فرواه أبو اليقظان، عثمان بن عمير، عن زاذان، عن ابن عمر. وخالفه منصور بن زاذان، فرواه عن زاذان، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي - ﷺ - وكلاهما غير محفوظ.\nوضعفه الألباني في المشكاة (٦٦٦)، ونقد التاج (١٨٤)، وضعيف الترغيب (١٦١) و(٢٥٥) و(١١٨٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١١٣ رقم ٩٢٨٠) والصغير (٢/ ٢٥٢ رقم ١١١٦) والكبير (١٢/ ٤٣٣ رقم ١٣٥٨٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٠) وأخبار أصبهان (٢/ ٣١١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن بشير بن عاصم إلا عمرو بن أبي قيس، ورواه الثوري، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن ابن عمر.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بحر بن كنيز السقاء وهو ضعيف. وفي المجمع ١/ ٣٢٨: رواه الترمذي باختصار، وقد رواه الطبراني في الأوسط =","vol":"3","page":529},{"text":"أَحَادِيث: \"الإِمَام ضَامِن والمؤذن مؤتمن\" وَغَيرهَا وَتقدم فِي الأذَان.\nقوله: عن عبد الله بن عمر، وتقدم.\nقوله: \"ثلاثة على كثبان المسك\" أراه قال: \"يوم القيامة\"، أراه بضم الهمزة معناه أظنه، وتقدم معنى اللبيب في الأذان، والكثيب جمعه كثبان.\nقوله: \"عبد أدى حق مواليه\" الحديث، سيأتي الكلام على ذلك.\nقوله: في رواية الطبراني: \"ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب وهم على كثيب من مسك حتى يفرغ من حساب الخلائق\" قال الواحدي في وسيطه: قال أكثرهم هو إطباق جهنم على أهلها، وقال الحسن: هو أن يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ابن جريج: هو ذبح الموت بين الفريقين (^١)، وتقدم الكلام أبسط من هذا، قال الحافظ: وفي الباب أحاديث: \"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين\" الإمام ضامن لما يؤتمنون عليه من قراءة وطهارة وشبه ذلك، والمؤذن مؤتمن أي: على حفظ الأوقات، فالأمانة أعلى من الضمان والمغفرة أعلى من الإرشاد (^٢)، وفي وجه ثالث أن الإمامة أفضل، وصححه الرافعي وغيره ولأن الخلفاء الراشدين اختاروها ونقل عن النص لأنها أشق ولمواظبته - ﷺ - والخلفاء الراشدين\n_________\n= والصغير، وفيه عبد الصمد بن عبد العزيز المقرئ ذكره ابن حبان في الثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦١) و(٢٥٥) و(٨٦٣) و(١١٨٦).\n(^١) الوسيط (٣/ ٢٥٣).\n(^٢) انظر: البيان (٢/ ٥٦).","vol":"3","page":530},{"text":"عليها (^١)، ولأن الأذان دعاء إلى الجماعة والإمامة عين القيام بالجماعة والقائم بالشيء أولى من الداعي إليه، وكون القائم بالشيء أولى من الداعي إليه صحيح إذا لم يأت الداعي إليه به، أما إذا أتى به أيضًا فهو أولى ممن أتى به فقط (^٢)، قال الشافعي: ولا أكره الإمامة إلا من جهة أنها ولاية وأنا أكره سائر الولايات (^٣)، وقال الشافعي أيضًا: الاختيار في الإمام أن يكون صحيح اللسان حسن الثياب مرتلا للقرآن (^٤)، ونقل في الإحياء عن بعض السلف أنه قال: ليس بعد الأنبياء أفضل من العُلماء ولا بعد العُلماء أفضل من الأئمة المصلين لأنهم قاموا بين يدي الله تعالى وبين خلقه، هؤلاء بالنبوة وهؤلاء بالعلم وهؤلاء بعماد الدين وهو الصلاة، وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم الصديق للخلافة إذ قالوا: نظرنا فإذا الصلاة عماد الدين فاخترنا لديننا من رضيه رسول الله - ﷺ - لدينه وما قدموا بلالًا احتجاجا بأنه رضيه للأذان (^٥).\nفائدة: اختلف العُلماء، هل الأفضل الأذان أم الإمامة على أوجه أصحها: أن الأذان أفضل وهو نص الشافعي في الأم وهو ما صححه النووي؛ والثاني:\n_________\n(^١) الحاوى (٢/ ٦٢).\n(^٢) كفاية النبيه (٢/ ٤٠١ - ٤٠٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٥٩).\n(^٤) الحاوى (٢/ ٣٣٢).\n(^٥) إحياء علوم الدين (١/ ١٧٤)، والنجم الوهاج (٢/ ٥٦).","vol":"3","page":531},{"text":"الإمامة أفضل وهو نص الشافعي أيضًا وهو ما صححه الرافعي وغيره؛ والثالث: هما سواء في الفضل، والرابع: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي إذا أفضل وإلا فالأذان له أفضل، قاله أبو علي الطبري وأبو القاسم بن كج والمسعودي والقاضي حسين من أصاحبنا (^١).\nفرع: وأما جمع الرجل بين الإمامة والأذان ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن ذلك مكروه لما روى جابر وأنس بإسناد ضعيف أن النبي - ﷺ - نهى أن يكون المؤذن إمامًا؛ والثاني: يستحب ليحوز الفضيلتين، وهذا ما صححه في شرح المهذب، قال: ونقل القاضي أبو الطيب الإجماع على كون المؤذن إماما واستحبابه وصححه أيضًا في الروضة من زوائده أنه يستحب للصالح لهما أن يجمع بينهما، والثالث: أن ذلك لا يستحب، وصححه الرافعي في الشرح، وحمل الروياني والماوردي ذلك على اختلاف أحوال الناس (^٢).\nخاتمة: فإن قيل: فما الحكمة في أن النبي - ﷺ - أم ولم يؤذن؟ والجواب عنه من وجوه، أحدها: أن في الأذان تزكية النبي - ﷺ - والثناء عليه بالنبوة، وقد نهى الله ﷿ أن يزكي أحد نفسه عن أن يمدح نفسه لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٣) فلم يرد النبي - ﷺ - أن يرفع صوته بمدح نفسه، الثاني أن في شريعته -﵇- أن لا يجوز أن يشهد الرجل لنفسه ولا تقبل شهادة من شهد\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٧٨ - ٧٩)، وطرح التثريب (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر: المجموع (٣/ ٨٠)، والروضة (١/ ٢٠٤)، والنجم الوهاج (٢/ ٦٤).\n(^٣) سورة النجم، الآية: ٣٢.","vol":"3","page":532},{"text":"لنفسه ولولده ولو قال أشهد أن محمد رسول الله لطعنوا في ذلك عليه وقالوا نهانا عن الشهادة لأنفسنا نقول لا تجوز شهادة من شهد لنفسه وقد جاء يشهد لنفسه بالنبوة فلم يؤذن لئلا يكون شاهد لنفسه وأراد أن يشهد له غيره بالنبوة لئلا يخالف الشريعة في الشهادة.\nالثالث: أنه لو أذن يقول في أذانه حي على الصلاة ففرض على كلّ من يسمع النداء أن يحضر الجماعة لأن أمره - ﷺ - فرض وأمر غيره ليس بفرض ولا حتما ولكان حضور الجماعة فريضة على أمته فلا يرد ذلك تخفيفا عنهم (^١) والله أعلم وتقدم في الأذان شيئًا من ذلك.\n_________\n(^١) التعليقة (٢/ ٦٦٥).","vol":"3","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>[الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون]</span>\n٦٩٤ - عَن عبد الله بن عمرو ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يَقُول ثَلَاَثة لا يقبل الله مِنْهُم صَلَاة من تقدم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَرجل يَأْتِي الصَّلَاة دبارا والدبار أَن يَأْتِيهَا بعد أَن تفوته وَرجل اعتبد محررا رواه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كلَاهُمَا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الإفْرِيقِي (^١).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة من تقدم قوما وهم له كارهون\".\nوفي الحاوي أن الشافعي قال ولا يحل لرجل أن يصلي لجماعة وهم له كارهون لأن في الخبر ملعون ملعون من صلى بقوم وهم له كارهون\" (^٢) وقد عد بعض العُلماء هذا من الكبائر إمامة من يكرهونه لما ذكرنا فإن النبي - ﷺ - قد جمعه مع تفويت الصلاة واعتباد المحرر وإغضاب الزوج وكل ذلك من الكبائر (^٣).\nهذا إذا كان القوم يكرهونه لبدعه أو فسقه أو جهله بالإمامة أما إذا كان\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٩٧٠)، وأبو داود (٥٩٣)، والطبراني في الكبير (١٤/ ١٣٦ رقم ١٤٧٥٩). وضعفه الألباني في المشكاة (١١٢٣) وضعيف أبي داود (٩٣)، وضعيف الترغيب (٢٥٦) و(١١٩٢).\n(^٢) الحاوى (٢/ ٣٢٣).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٢٦٦).","vol":"3","page":534},{"text":"بينهم وبينه عداوة وكراهة بسبب شيء دنيوي لا يكون للإمام هذا الحكم بل هم المسيئون (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل يأتي الصلاة دبارا والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته\" قال ابن الأعرابي: والدبار جمع دبر وهو آخر أوقات الشيء ومعناه بعدما يفوت الوقت (^٢).\nوقال في النهاية وقيل دبار جمع دبر، وهو آخر أوقات الشيء، كالأدبار في قوله تعالى \"وأدبار السجود\" ويقال فلان ما يدري قبال الأمر من دباره: أي ما أوله من آخره. والمراد أنه يأتي الصلاة حين أدبر وقتها. ومنه الحديث \"لا يأتي الجمعة إلا دبرًا\" يروى بالفتح والضم، وهو منصوب على الظرف ومنه حديث ابن مسعود\" ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبرًا\" (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ورجل اعتبد محررًا\" المحرر الذي جعل من العبيد حرا فأعتق يقال حر العبد يحر حرارا بالفتح أي صار حرا ومنه حديث أبي هريرة \"فأنا أبو هريرة المحرر\" أي معتق وفي حديث أبي الدرداء \"شراركم الذين لا يعتقون محررهم\" أي أنهم إذا أعتقوه استخدموه فإذا أراد فراقهم ادعوا رقبة (^٤).\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٢٣٦).\n(^٢) تهذيب اللغة (١٤/ ٧٨).\n(^٣) النهاية (٢/ ٩٧).\n(^٤) النهاية (١/ ٣٦٢ - ٣٦٣).","vol":"3","page":535},{"text":"قوله: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما من رواية عبد الرحمن بن زياد الإفريقي هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بن محمد قاضي إفريقية العبد الصالح كان قوالا بالحق وهو أول مولود ولد بإفريقية في الإسلام محدّث مشهور جليل ضعفه ابن مَعين والنسائي وقال علي بن المديني كان أصحابنا يضعفونه على أنه كان رجلًا صالحا أمارا بالمعروف نهيا عن المنكر ورأيت محمد بن إسماعيل البخاري يقوي أمره ويقول هو مقارب الحديث ولم يذكره في كتاب الضعفاء وقال فيه يحيى بن سعيد ثقة قدم على السفاح أول خلفاء بني العبَّاس فوعظه وصدغه بأنهم ظلمة قال الإفريقي أرسل إليّ أبو جعفر المنصور فقدمت عليه والربيع قائم على رأسه فاستند إليّ ثم قال: يا عبد الرحمن كيف ما مررت به من الدنيا إلى أن وصلت إلينا قال: قلت يا أمير المؤمنين رأيتُ أعمالا سيئة وظلما وظننته هدي البلاد منك فجعلت كلما دنوت منك كان أعظم الأمر قال فنكس رأسه طويلا ثم رفعه وقال كيف بالرجال قلت أفليس عمر بن عبد العزيز يقول إن الموالي بمنزلة السوق ما غلب إليها ما يروج فيها فإن كان برا أتوه ببرهم وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم قال فأطرق قليلا ثم قال لي الربيع وأومأ إليّ أن اخرج فخرجت وما عدت إليه، مات - ﵁ - سنة ست وخمسين ومائة (^١) قاله في الديباجة وغيرها.\n\n٦٩٥ - وَعَن طَلْحَة بن عبيد الله ﵄ أَنه صلى بِقوم فَلَمَّا انْصَرف قَالَ إِنِّي نسيت أَن أستأمركم قبل أَن أتقدم أرضيتم بصلاتي قَالُوا نعم وَمن يكره ذَلِك يَا حوارِي رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول \"أَيُّمَا رَجُلٍ\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٧/ ١٠٢ - ١١٠ الترجمة ٣٨١٧).","vol":"3","page":536},{"text":"أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ لَمْ تَجُزْ صَلَاُتهُ أُذُنَهُ\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة سُلَيْمَان بن أَيُّوب وَهُوَ الطلحي الْكُوفِي قيل فِيهِ لَهُ مَنَاكِير (^١).\nقوله: عن طلحة بن عبيد الله تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"إنه صلى بقوم فلما انصرف قال إني نسيت أن أستأمركم قبل أن أتقدم أرضيتم بصلاتي قالوا نعم ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله - ﷺ -\" الحواري هو الناصر والمصافي والمعين للرجل وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في كتاب الأمر بالمعروف.\nقوله: \"إني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول أيما رجل أم قوما وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه\" أي لم ترفع تجاوز صلاته.\n\n٦٩٦ - وَعَن عَطاء بن دِينَار الْهُذلِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"ثَلاثَة لَا يقبل الله مِنْهُم صَلَاة وَلا تصعد إِلَى السَّمَاء وَلا تجَاوز رؤوسهم رجل أم قوما وهم لَهُ كارِهُون وَرجل صلى على جَنَازَة وَلم يُؤمر وَامْرَأَة دَعَاهَا زَوجهَا من اللَّيْل فَأَبت عَلَيْهِ\" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه هَكَذَا مُرْسلا وَرُوِيَ لَهُ سَنَد آخر إِلَى أنس يرفعهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١١٥ رقم ٢١٠). قال الهيثمي (المجمع ٢/ ٦٨): سليمان بن أيوب الطلحي قال فيه أبو زرعة: عامة أحاديثه لا يتابع عليها. وقال صاحب الميزان: صاحب مناكير، وقد وثق. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٨٤).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (١٥١٨) ومن طريقه ابن بشران في الأمالى (١٧٩). وأما حديث أنس: أخرجه الترمذى (٣٥٨) وابن خزيمة (١٥١٩). وقال الترمذى: حديث أنس لا يصح، لأنه قد روي هذا الحديث عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسل. ومحمد بن القاسم تكلم فيه =","vol":"3","page":537},{"text":"قوله: عن عطاء بن دينار الهذلي [أبو الريان، وقيل: أبو طلحة المصري، مولى بني خناعة بطن من هذيل وثقه أحمد بن حنبل وأحمد بن صالح وأبو داود وقال ابن يونس مستقيم الحديث، ثقة، معروف بمصر وداره بها في الحمراء في بني بحر نحو دار الليث بن داود لها بابان عظيمان قال أبو سعيد: رأيتُ في كتاب ربيعة الأعرج: توفي عطاء بن دينار مولى هذيل أول سنة ست وعشرين ومائة (^١)] قوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة ولا تصعد إلى السماء\" الحديث، قال العُلماء لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فالصلاة صحيحة مجزئة لا يلزم إعادتها إلا أنها لا ثواب فيها.\nقوله - ﷺ -: \"رجل أم قوما وهم له كارهون\" وفي حديث علي أتاه قوم برجل فقالوا إن هذا يؤمنا ونحن له كارهون فقال له علي إنك لخروط (^٢) الخروط الذي يتهور في الأمور ويركب رأسه في كلما يريد جهلا وقلة معرفة كالفرس الخروط الذي يجتذب رسنه من يد ممسكه ويمضي لوجه والله أعلم قاله في النهاية (^٣).\nقال العُلماء في كتب الفقه يكره أن يؤم الرجل قوما وأكثرهم له كارهون قال النووي في شرح المهذب فإن كرهه نصفهم أو أقل لم تكره إمامته لهم\n_________\n= أحمد بن حنبل وضعفه، وليس بالحافظ. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٥٠) وصحيح الترغيب (٤٨٥).\n(^١) تهذيب الكمال (٢٠/ ٦٧ - ٦٩ الترجمة ٣٩٣١).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (٤/ ٣٤٨) عن على بن أبي طالب.\n(^٣) غريب الحديث (٤/ ٣٤٨)، والنهاية (٢/ ٢٣).","vol":"3","page":538},{"text":"قاله في الروضة وصرح به في الكفاية وأشار إليه البغوي (^١) وهو مقتضى كلام الباقلاني قال في الجواهر لكن روى القاضي الطبري عن نص الشافعي ﵀ أنه قال إذا أم رجل قوما وفيهم من يكرهه كرهنا له ذلك والأفضل أن لا يصلي بهم (^٢) وقال الإمام أحمد وإسحاق في هذا إذا كره واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس أن يصلي بهم حتى يكرهه أكثر القوم (^٣) ثم الاعتبار في الكراهة بأهل الدين دون غيرهم حتى قال في الإحياء لو كان الأقلون أهل الدين فالاعتبار بهم هذا إذا كرهوه بمعنى مذموم في الشرع لكونه ظالما كما تقدم أو متغلبا على الإمامة من غير استحقاق أو لا يحترز من النجاسات أو يتعاطى معيشة مذمومة أو يعاشر الظلمة أو الفساق أو يترك هيئات الصلاة ونحو ذلك فإن كرهوه لغير معنى شرعي لم تكره إمامته لهم واللوم على من كرههم وحيث ثبتت الكراهة فهي مختصة بالإمام (^٤) وهذه الكراهة للتحريم كما نص عليه الشافعي ﵀ (^٥).\nوأما المأمومون فلا يكره لهم الاقتداء به ويكره أن يولي الإمام على جيش أو قوم رجلًا أو قاضيا يكرهه أكثرهم ولا يكره إن كرهه نصفهم أو أقل\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٢٧٥)، وروضة الطالبين (١/ ٣٧٨)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٢).\n(^٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٢).\n(^٣) شرح السنة (٣/ ٤٠٤).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\n(^٥) الحاوى (٢/ ٣٢٣)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٦٧).","vol":"3","page":539},{"text":"بخلاف الإمامة العظمى فإنها تكره إذا كرهه بعضهم، ولو حضر جماعة في مسجد له إمام راتب فلم يحضر استحب أن يرسلوا إليه ليحض فإن خيف فوات الوقت استحب أن يقدم غيره، قال النووي فإن خيف فتنة صلوا فرادى واستحب لهم أن يعيدوا معه إذا حضر (^١).\nفروع:\nالأول: قال النووي في شرح المهذب وأما المأموم إذا كره حضوره أهل المسجد فلا يكره له الحضور نص عليه الشافعي وصرح به صاحب الشامل والتتمة (^٢) والله أعلم.\nالثاني: لا يكره أن يؤم من فيهم أبوه أو أخوه الأكبر لأن الزبير كان يصلي خلف ابنه عبد الله وأنس كان يصلي خلف ابنه وأمر النبي - ﷺ - عمرو بن سلمة أن يصلي بقومه وفيهم أبوه والله أعلم (^٣).\nالثالث: إمامة ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه خلاف الأولى وأطلق جماعة أنها تكره وما قالوه من الكراهة صورته أن يكون ذلك في ابتداء الصلاة ولم يساوه المأموم فإن ساواه أو وجده قد أحرم فاقتدى به فلا بأس (^٤).\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٧٨)، والمجموع (٤/ ٢٠٧) وروضة الطالبين (١/ ٣٥٧)، والقول التمام (ص ١٢٩ - ١٣٠)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) المجموع (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٣٦٧).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٣٦٧).","vol":"3","page":540},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر\" ويكره أن يصلي الرجل على جنازة ولم يأذن له الولي لأن الولاية له فلا يجوز التعدي على من له الولاية.\nقوله - ﷺ -: \"وامرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه\" الحديث أي دعاها إلى الفراش وتقدم أن بعض العُلماء عده من الكبائر.\n\n٦٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"ثَلَاثَة لا ترْتَفع صلَاتهم فَوق رؤوسهم شبْرًا رجل أم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَأَخَوَانِ متصارمان\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاثَة لا يقبل الله مِنْهُم صَلَاة إِمَام قوم وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا غَضْبَان وَأَخَوَانِ متصارمان (^١).\nقوله: عن ابن عباس تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا رجل أم قوما وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان\" التصارم التقاطع وسيأتي الكلام على التصارم مبسوطًا في بابه.\n\n٦٩٨ - وَعَن أبي أمَامَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"ثَلَاثَة لا تجَاوز صلَاتهم آذانهم العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَإِمَام قوم وهم لَهُ كَارِهُون\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٩٧١)، وابن حبان (١٧٥٧). وضعفه الألباني في المشكاة (١١٢٨)، غاية المرام (٢٤٨)، وضعيف الترغيب (٢٥٧).\n(^٢) أخرجه الترمذى (٣٦٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٦ رقم ٨٠٩٨). وقال الترمذى: هذا =","vol":"3","page":541},{"text":"قوله: عن أبي أمامة -﵁- واسمه صدي بن عجلان الباهلي تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم -المراد نفي الكمال- العبد الآبق\" أي الذي أبق من سيده وسيأتي الكلام عليه مبسوطا في بابه.\nقوله: \"وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط\" الواجب على الزوجة طاعة زوجها فيما لا معصية فيه وقد تعاضدت الأحاديث ووردت الأخبار في هذا المعنى وسيأتي ذلك في كتاب النكاح، فحق الرجل على المرأة عظيم حتى روى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها\" (^١).\nقوله: \"وأخوان متصارمان\" أي متقاطعان متهاجران والتصارم التقاطع.\nخاتمة: قال المرزبانى ﵀: يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى ترفع صلاته: حضور القلب وشهود العقل وخضوع الأركان وخشوع الجوارح فمن صلّى بلا حضور القلب فهو مصلّ لاه، ومن صلى بلا شهود عقل فهو مصل ساه، ومن صلى بلا خضوع الجوارح فهو مصل خاطئ، ومن صلى بهذه الأركان فهو مصل واف (^٢).\n_________\n= حديث حسن غريب من هذا الوجه. وحسنه الألباني في المشكاة (١١٢٢) وصحيح الترغيب (٤٨٧) و(١٨٨٩).\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤١٦٢) عن أبي هريرة. قال الألباني: حسن صحيح - الإرواء (١٩٩٨).\n(^٢) شرح الأربعين (ص ٩) للنووى.","vol":"3","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>[الترغيب في الصف الأول وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر]</span>\n٦٩٩ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ثمَّ لم يَجدوا إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١)، وَفِي رِوَايَة لمُسلم لَو تعلمُونَ مَا فِي الصَّفّ الْمُقدم لكَانَتْ قرعَة (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول\" الحديث ومعناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وقدرها وعظيم جزائه ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت عن الأذان أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله لقطع المنازعة بينهم والاختلاف ولكنهم لا يعلمون ما فيه من الثواب ولو يعلمون ما في الصف الأول من الفضيلة نحو ما سبق وجاءوا إليه دفعة واحدة وضاق عنهم ثم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه وفيه إثبات القرعة في الحقوق التي يزدحم عليها ويتنازع فيها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٥) و(٦٥٤) و(٢٦٨٩)، ومسلم (١٢٩ - ٤٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣١ - ٤٣٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٨).","vol":"3","page":543},{"text":"واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام سواء أكان صاحبه على بعد من الإمام أو قرب وسواء تخلله مقصورة أو منبرا أو أعمدة ونحوها أم لا هذا هو الصحيح، وقالت طائفة الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا تتخلله مقصورة ونحوها وإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول بل الأول ما لا يتخلله شيء وإن تأخر وقيل الصف الأول عبارة عن مجيء إنسان إلى المسجد أولا وإن صلى في صف متأخر والله أعلم (^١).\nمسألة: يستحب للمأموم أن يبادر إلى الصلاة في الصف الأول لمعنيين أحدهما استماع قراءة الإمام، الثاني أن الصلاة في الصف الأول أخشع لعدم اشتغاله بمن أمامه وجهة اليمين أفضل قال الترمذي الحكيم لأنه روي أن الرحمة تنزل على الإمام أولا ثم على من على يمينه ثم على من يساره (^٢).\nفإن سبق واحد إلى الصف الأول لم يجز لغيره تأخيره إلا في مسائل إحداها: إذا كان ممن يتأذى به القوم بريحه الكريهة من صنان ونحوه وعن مالك ﵀ أنه كان يأمر الزياتين والقصابين ونحوهم بالصلاة في آخر القوم لكراهة ريح ثيابهم.\nالثانية: إذا حضر العبد بإذن السيد إلى الصف الأول فللسيد تأخيره وله أن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٦٠).\n(^٢) رياضة النفوس (ص ٦٨)، والقول التمام (ص ١٩٠)، وأسنى المطالب (١/ ٢٣٤).","vol":"3","page":544},{"text":"يأمره بالسبق إلى الصف الأول ليحرز له الموضع قاله في الشامل.\nالثالثة: إذا تقدم صبي إلى الصف الأول أو امرأة إليه أمرت بالتأخير الحديث.\nالرابعة: إذا صف خلف الإمام جاهل لا يصلح للاستخلاف فينبغي أن يؤخر ويتقدم إلى خلف الإمام من يصلح للإمامة لقوله -ﷺ-: \"ليلني منكم أولى الأحلام والنهى\" والأولى أن لا يزعج السابق إلى خلف الإمام عن الصف الأول بل إن وجد في الصف الأول من يصلح للإمامة تقدم إلى الأمام وصلى هذا في موضعه وإن لم يكن في الصف الأول من يصلح أخر ويقدم من يصلح من الصف المتأخر (^١) والله أعلم.\nفائدة: يستحب المبادرة إلى الصف الأول الذي يلي الإمام وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ (^٢) أن المراد المستقدمين إلى الصف الأول والمستأخرين عنه (^٣)، ولو سبق واحد إلى الصف الأول ثم قام ليتوضأ ويعود لم يبطل اختصاصه ولم يكن لغيره أن يجلس في مكانه قال في الروضة في باب صلاة الجمعة ويجوز\n_________\n(^١) القول التمام (ص ١٩٠ - ١٩١).\n(^٢) سورة الحجر، الآية: ٢٤.\n(^٣) قاله ابن عباس كما في تفسير الطبري (١٤/ ٥٣ - ٥٤)، وأبو الجوزاء كما في تفسير عبد الرزاق (١٤٤٥) وتفسير الطبري (١٤/ ٥٣)، وعون بن عبد الله كما في تفسير الطبري (١٤/ ٤٨) والحسن ومروان بن الحكم كما في تفسير الطبري (١٤/ ٥٣).","vol":"3","page":545},{"text":"أن يبعث من يأخذ له موضعا، فإذا جاء ينحي المبعوث، وقال في الشامل قال يعني الشافعي ولا أكره للرجل يوم الجمعة أن يوجه من يأخذ له موضعا فإذا جاء الآمر تنحى له وروي عن ابن سيرين أنه كان يرسل غلامه إلى مجلس له يوم الجمعة ليجلس فيه فإذا جاء محمد قام الغلام وجلس فيه وهذا إن كان الذي يبعثه لا جمعة عليه بأن كان عبدا فإن كان حرا كره له الإيثار في القربى ولو فرش له رجل ثوب فجاء آخر لم يجز له أن يجلس عليه بل له أن ينحيه ويجلس مكانه قال في البيان ولا يرفعه لئلا يدخل في ضمانه انتهى قاله ابن العماد (^١).\n\n٧٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا\" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢).\nوَرُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَعمر بن الْخطاب وَأنس بن مَالك وَأَبُو سعيد وَأَبُو أُمَامَة وَجَابِر بن عبد الله وَغَيرهم (^٣).\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٧١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٢ - ٤٤٠)، وابن ماجه (١٠٠٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٢٢٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٩ (٨٣٢) والكبرى (٩٨٢).\n(^٣) أما حديث ابن عباس: أخرجه البزار (٥١٩٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٤٥ رقم ٢٤٢٥) والكبير (١١/ ٢٠٣ رقم ١١٤٩٧). وأما حديث عمر بن الخطاب: أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٥٧ - ١٥٨ رقم ٤٩٣). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عمر بن الخطاب إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن المنذر. وقال الهيثمي في =","vol":"3","page":546},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة أيضا -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها\" الحديث ففي هذا الحديث الحث على التقدم إلى الصف الأول وعكسه في حق النساء لما في قربهن من الرجال من خوف الفتنة (^١) وقد نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ (^٢) الآية وفيه كراهة العكس من الجانبين\n_________\n= المجمع ٢/ ٩٣: رواه الطبراني في الأوسط وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي، ضعفه الجمهور، ووثقه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى. وأما حديث أنس بن مالك: أخرجه البزار (٧٠٧٣). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به، عن سعيد إلا أبو عاصم.\nوأما حديث أبي سعيد الخدرى: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٣٣ (٣٨١٧)، وأحمد ٣/ ٣ (١٠٩٩٤) و٣/ ١٦ (١١١٢١)، والحارث (١٥٣)، وأبو يعلى (١١٠٢)، وابن خزيمة (١٥٦٢)، وابن حبان (٤٠٢).\nوأما حديث أبي أمامة: أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٦٥ رقم ٧٦٩٢). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٣: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف.\nوأما حديث جابر بن عبد الله: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٣٢ (٣٨١٤)، وأحمد ٣/ ٢٩٣ (١٤١٢٣) و٣/ ٣٣١ (١٤٥٥١) و٣/ ٣٨٧ (١٥١٦١)، وابن ماجه (١٠٠١).\nوروى أيضًا من حديث فاطمة بنت قيس: أخرجه الحارث في المسند (١٥٠)، وابن عدى في الكامل (٣/ ٥١١).\nومن حديث محجن الأسلمى: أخرجه ابن الأعرابى المعجم (٢١٢٢).\n(^١) كشف المشكل (٣/ ٤٦٠).\n(^٢) سورة الحجر، الآية: ٢٤.","vol":"3","page":547},{"text":"لإطلاق الشر عليهما ويحتمل أنه خلاف الأولى لا مكروه وذكر الشر على سبيل المقابلة أن المراد به نقص الفضيلة وقد أطلق على ولد الزنا أنه شر الثلاثة وليس المراد أنه دونهم ولذلك قال في الحية التي لم يقدروا عليها إنها شركم وإن كان في قتلها مثيرا أما صفوف الرجال فخيرها أولها أبدا وشرها آخرها أبدا وأما صفوف النساء فخير صفوفها آخرها وشرها أولها ليس هو على عمومه بل هذا محمول على ما إذا اختلطن بالرجال فإن صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال أو من صلى منهن في جانب بعيد عن الرجال فأول صفوفهن خير لزوال العلة (^١).\nوأما قوله -ﷺ-: \"وشرها آخرها\" فالمراد شر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابا وفضلا وأبعدها من مطلوب الشرع وكراهة ذلك الفعل وخيرها بعكسه وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات من الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهن وتعلق القلب بهن عند رؤية حركاتهن وسماع كلامهن ونحو ذلك فأول صفوفهن لعكس ذلك (^٢) والله أعلم.\nفائدة: في الصلاة بين السواري: عن معاوية بن قرة -﵁- قال: كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله -ﷺ- ونطرد عنها طردا\" (^٣) إنما نهوا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١١٦٩)، وابن ماجه (١٠٠٢)، والرويانى (٩٥٠)، وابن خزيمة =","vol":"3","page":548},{"text":"عن ذلك وطردوا عنه لأمرين أحدهما أن ذلك المكان كان مصلى النساء (^١) فأمروا أن يبعدوا عنه، والثاني: أن ذلك تأخر عن الصفوف الأول التي ندب الشارع إلى الإتيان إليها والإسباق، وفي الصفوف خلف السواري تفويت هذه الفضيلة فطردوا عن تلك الأماكن لذلك والله أعلم.\n\n٧٠١ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يسْتَغْفر للصف الْمُقدم ثَلَاثًا وَللثَّانِي مرّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَا للعرباض وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه كَانَ يُصَلِّي على الصَّفّ الْمُقدم ثَلَاثًا وعَلى الثَّانِي وَاحِدَة\" وَلَفظ النَّسَائِيّ كَابْن حبَان إِلَّا أَنه قَالَ كَانَ يُصَلِّي على الصَّفّ الأول مرَّتَيْنِ (^٢).\nقوله: عن العرباض بن سارية السلمي، كنيته: أبو نجيح كان من أهل الصفة، ومن البكائين نزل الشام وحمص توفي سنة خمس وسبعين، وقيل:\n_________\n= (١٥٦٧)، وابن حبان (٢٢١٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢١ رقم ٤٠)، والحكام (١/ ٢١٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٥).\n(^١) كذا في الأصل وإنما عللوه بأنه قيل مصلى الجن المؤمنين. انظر: المفهم (٥/ ٣٧)، ورياض الأفهام (٤/ ١٤)، وإعلام الساجد (ص ٣٨١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٩٩٦)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٦ (٨٢٩) والكبرى (٩٧٩)، وابن خزيمة (١٥٥٨)، وابن حبان (٢١٥٨) و(٢١٥٩)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٥٥ (٦٣٧) و(٦٣٨) و١٨/ ٢٥٦ (٦٣٩) و(٦٤٠)، والحاكم (١/ ٢١٤)، والبغوي في شرح السنة (٨١٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٩٠).","vol":"3","page":549},{"text":"توفي في أيام الزبير وليس في الصحابة من اسمه العرباض سواه، والعرباض من الإبل الغليظ الشديد (^١)، وفي أمالي الرافعي وهو معدود من أهل الصفة ومن الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (^٢) وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا (^٣). للعرباض بن سارية عن رسول الله -ﷺ- أحد وثلاثون حديثا.\nقوله \"أن رسول الله -ﷺ- كان يستغفر للصف المقدم ثلاثا وللثاني مرة\" ويؤيد ذلك ما في رواية ابن حبان -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يصلي على الصف المقدم ثلاثا وعلى الثاني واحدة\" الصلاة من الله تعالى رحمة ومن الملائكة ومن النبيين عليهم الصلاة والسلام استغفار ودعاء قاله الهروي (^٤) استغفاره -ﷺ- للصف المقدم ثلاثا كاستغفاره للمحلقين ثلاثا ثم للمقصرين لأن غيرهم قصر في المشي إلى الصف الأول.\n\n٧٠٢ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول قَالُوا يَا رَسُول الله وعَلى الثَّانِي قَالَ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول قَالُوا يَا رَسُول الله وعَلى الثَّانِي قَالَ وعَلى الثَّانِي وَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- سووا صفوفكم وحاذوا بَين مناكبكم ولينوا فِي أَيدي\n_________\n(^١) قاله الأصمعى تهذيب اللغة (٣/ ٢١١).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(^٣) انظر تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٠ ترجمة ٤٠٢).\n(^٤) الغريبين (٤/ ١٠٩٤).","vol":"3","page":550},{"text":"إخْوَانكُمْ وسدوا الْخلَل فَإِن الشَّيْطَان يدْخل فِيمَا بَيْنكُم بِمَنْزِلَة الْحَذف يَعْنِي أَوْلَاد الضَّأْن الصغار رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيره (^١).\nالْحَذف بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة مفتوحتين وبعدهما فَاء\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول قالوا يا رسول الله وعلى الثاني قال وعلى الثاني\" قال العلماء ينقسم الموقف إلى ثلاثة أقسام:\nقسم يستحب وقسم واجب وقسم مكروه\nأما المستحب فهو الصف الأول وأفضله البقعة التي خلف الإمام ثم ما على يمينه ثم ما على يساره والصلاة في الصف الأول أفضل مما في غيره وإن كان في المسجد الحرام أو مسجد المدينة لأن القرب من الإمام فضيلة تتعلق بالصلاة ويشهد لذلك عموم الأحاديث قال -ﷺ-: \"إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول\" وغير ذلك وأما القسم الواجب فهو أن يقف بحيث لا يتقدم على إمامه، وأما القسم المكروه فهو أن يقف منفردا خلف الصف والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم\" الحديث مأخوذ من الحذاء بالذال والهمزة والمحاذاة الموازاة والمقابلة أي اجعلوها بحذاء\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٢ (٢٢٢٦٣)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٢/ ١٤٤ رقم ١٢١٩/ ١)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٧٤ رقم ٧٧٢٧) والشاميين (١٥٨٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩١: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد موثقون.\nوحسن الألباني شطر الأول وصحح الأخير صحيح الترغيب (٤٩١).","vol":"3","page":551},{"text":"بعضها بعضا وهو أن يجعل المنكب بجنب المنكب والمناكب جمع منكب وهو ما بين الكتف والعنق.\nقوله -ﷺ-: \"ولينوا في أيدي إخوانكم\" أراد لزوم السكينة في الصلاة وقيل أراد أن لا يمتنع على من يجيء ليدخل في الصف الأول لضيق المكان بل يمكنه من ذلك قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"وسدوا الخلل\" والخلل ما يكون بين الاثنين من الاتساع عند عدم التراص.\nقوله: \"فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف يعني أولاد الضأن الصغار\" والحذف بالحاء المهملة والذال المعجمة مفتوحتين وبعدها فاء قال الحافظ يعني أولاد الضأن الصغار وفي رواية كأولاد الحذف قيل يا رسول الله وما أولاد الحذف قال: ضأن سود جرد صغار تكون باليمن وقال في النهاية الحذف هي الغنم الصغار واحدتها حذفة بالتحريك وقيل هي صغار جرد ليس لها آذان ولا أذناب يجاء بها من جرش اليمن (^٢).\nوفي هذا الحديث التصريح بما يكشف للأنبياء والأولياء من رؤية الشياطين وشبهها بالحذف وفي رواية بأولاد الحذف كما تقدم لسرعتها وجولانها بين القوم بالوسوسة فيستحب سد الفرج بين الصفوف ومن وجد فرجة جاز له تخط صفا واثنين وثلاثة ليسدها ويكون التقصير منهم فلا حرمة\n_________\n(^١) بحر المذهب (٢/ ٢٧٨).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٥٦).","vol":"3","page":552},{"text":"لهم (^١) وفيه التحريض على التعاون على الشياطين والأعداء بالإخوان الصالحين واتباع السنة فإنهم ينهزمون لا سيما إذا سدت الأبواب في وجوههم وغلقت أبواب الشر فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، واعلم أن هذه السنة تزيد في الألفة واجتماع القلوب والهيبة والوقار وأن الإخلال بها يورث العكس (^٢) قاله في شرح الإلمام.\n\n٧٠٣ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير -﵁- قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول: \"إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول أَو الصُّفُوف الأول\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٣).\nقوله: وعن النعمان بن بشير ﵄ هو النعمان بن بشير هو وأبوه صحابيان وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة صحابية ولد النعمان بعد الهجرة بأربعة عشر شهرًا استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة وتوفي سنة أربع وستين والله أعلم (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأول\" تقدم معنى الصلاة في اللغة والشريعة في أماكن من هذا التعليق وروي في\n_________\n(^١) القول التمام (ص ١٩٢).\n(^٢) انظر: تحفة الأبرار (١/ ٣٣٨)، وشرح المشكاة (٤/ ١١٤٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩ رقم ١٨٣٦٤)، والبزار (٣٢٢٤)، والطبراني في الكبير (٢١/ ١١٤ رقم ١٣٣). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩١: رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٩٢).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٢٩ الترجمة ٦٣٣).","vol":"3","page":553},{"text":"الأخبار إن الله تعالى إذا أنزل الرحمة على أحد ينزلها أولا على الإمام ثم يتجاوز عنه إلى من بحذائه في الصف الأول ثم إلى الميامن ثم إلى المياسر ثم على الصف الثاني وروي عنه -ﷺ- أنه قال \"يكتب للذي خلف الإمام مائة صلاة وللذي في الجانب الأيمن خمسة وسبعون صلاة وللذي في الجانب الأيسر خمسون صلاة وللذي في سائر الصفوف خمسة وعشرون صلاة\" (^١)، وعن كعب الأحبار -﵁- أنه كان يقف في آخر الصفوف ويقول بلغني أن الرجل من هذه الأمة يسجد سجدة فيغفر له وجميع من خلفه، ونقل في الإحياء عن بعضهم أنه كان يقصد الصلاة في الصف الآخر (^٢)، وهذا يختلف باختلاف المقاصد، وهذا في الرجال، أما النساء فيستحب لهن إذ صلين مع الرجال التأخر للحديث \"خير صفوف النساء آخرها\" ويستحب إكمال الصف الأول فالأول والصلاة في الصف الناقص المقدم أولى من الصف المتأخر المكمل، وفيه حديث بوب له ابن حبان في صحيحه (^٣) والله أعلم.\n\n٧٠٤ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- قَالَ: \"كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يَأْتِي نَاحيَة الصَّفّ وَيُسَوِّي بَين صُدُور الْقَوْم ومناكبهم وَيَقُول لَا تختلفوا فتختلف\n_________\n(^١) درر الحكام (١/ ٩٠) والبحر الرائق (١/ ٣٧٥).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ١٨٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٦٧١)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٧ (٨٣٠) والكبرى (٩٨٠)، وابن حبان (٢١٥٥) عن أنس بلفظ: أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، وإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر. وصححه الألباني في المشكاة (١٠٩٤) وصحيح أبي داود (٦٧٥).","vol":"3","page":554},{"text":"قُلُوبكُمْ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول\" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن البراء بن عازب ﵄ هو: أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل، هو: البراء بن عازب بن الحارث بن عدي هو وأبوه صحابيان الأنصاري الأوسي الحارثي المدني، أمه: حبيبة بنت أبي حبيبة والأفصح في اللغة في البراء المد، روى البراء عن النبي -ﷺ- ثلثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم منها على اثنين وعشرين حديثا، وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بستة، نزل الكوفة وتوفي بها في زمن مصعب بن الزبير، غزا مع رسول الله -ﷺ- خمس عشرة غزوة، استصغره -ﷺ- يوم بدر وأول مشاهده أحد، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\nقوله: كان رسول الله -ﷺ- يأتي ناحية الصف ويسوي بين صدور القوم ومناكبهم ويقول: \"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم\" الحديث، أي: إذا تقدم بعضهم على بعض في الصفوف تأثرت قلوبهم ونشأ بينهم الخلف، ومنه الحديث الآخر: \"لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم\" يريد كلا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٢ (٨٢٣) والكبرى (٩٧٣)، وابن خزيمة (١٥٥١) و(١٥٥٢) و(١٥٥٦) و(١٥٥٧)، وابن حبان (٢١٥٧) و(٢١٦١).\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٠) وصحيح الترغيب (٤٩٣) و(٥٠٢) و(٥١٣).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٢ - ١٣٣ ترجمة ٨٠).","vol":"3","page":555},{"text":"منهم يصرف وجهه عن الآخر ويوقع بينهم التباغض، فإن إقبال الوجه على الوجه من أثر المودة والألفة، وقيل: أراد بها تحويلها إلى الأدبار، وقيل: تغيير صورتها إلى صورة أخرى (^١)، ففيه تنبيه على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع وهي أن الشارع -ﷺ- دأبه جمع القلوب وتألفها وعدم المنافرة وأنه يستدل بصلاح الظاهر على صلاح الباطن وعمارته (^٢).\n\n٧٠٥ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- سووا صفوفكم فَإِن تَسْوِيَة الصَّفّ من تَمام الصَّلَاة\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهم (^٣).\nوَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فَإِن تَسْوِيَة الصُّفُوف من إِقَامَة الصَّلَاة (^٤).\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفظه: أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ رصوا صفوفكم وقاربوا بَينهَا وحاذوا بالأعناق فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِنِّى لأرى الشَّيْطَان يدْخل من خلل الصَّفّ كَأَنَّهَا الْحَذف\" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا نَحْو رِوَايَة أبي دَاوُد (^٥).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٣٧).\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٧)، وشرح المشكاة (٤/ ١١٤٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٤ - ٤٣٣)، وابن ماجه (٩٩٣)، وأبو داود (٦٦٨)، وابن خزيمة (١٥٤٣)، وابن حبان (٢١٧١) و(٢١٧٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٢٣).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٦٦٧)، وابن خزيمة (١٥٤٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٨٦ (٨٥٧) والكبرى (٩٧٦)، وابن حبان (٢١٦٦) و(٦٣٣٩). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٣) وصحيح الترغيب (٤٩٤).","vol":"3","page":556},{"text":"الْخلَل بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام أَيْضا هُوَ مَا يكون بَين الِاثْنَيْنِ من الاتساع عِنْد عدم التراص.\nقوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"سووا صفوفكم\" الحديث، تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على سمت واحد، والتسوية لها معان ثلاثة، الأول: بمعنى تراص الأقدام واتصال المناكب وعدم خروج بعض عن بعض.\nالثاني: سد الفرج التي بينها وهو مستفاد من المعنى الأول ولازم له.\nالثالث: تسويتها باعتبار سد الصف الناقص.\nقوله -ﷺ-: \"فإن تسوية الصف من تمام الصلاة\" وفي رواية في البخاري \"من إقامة الصلاة\" وفي رواية في مسلم \"من خمس الصلاة\" أي: من تمامها وحسنها وكمالها معا.\nقوله: \"قد قامت الصلاة\" فمعناه: قام له أو حان قيامهم، فهذا يدل على أن ذلك مطلوب وأنه مستحب غير واجب لأنه لم يذكر من واجباتها ولا من مستحباتها ولا من أركانها وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يسمي إلا بها في مشهور الاصطلاح، وقد يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به (^١)، وقال في الإكمال تمام الشيء وحسنه وكماله بمعنى واحد (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ٢١٧)، طرح التثريب (١/ ٢١٧).\n(^٢) الإعلام (٢/ ٥١٣).","vol":"3","page":557},{"text":"فرع: ويؤخذ من الحديث أنه لو حضر مسبوق بعد ما أحرم الإمام في الركعة الأولى أو الثانية ورأى فرجة في الصف السابق أنه يستحب له الشق بين الصفوف إلى أن يصل إلى الدرجة السابقة فيسدها ولا يكون ذلك ملحقا التخطي بالتقصير القوم وهو كذلك، وقد نص عليه الشافعي ونقله عنه في الكفاية (^١)، قال [كلمة ممسوحة] لذلك لو وجد الصفوف مستكملة وبينها فضاء يسع فللمسبوق الشق بين الصفوف لإقامة ذلك والله أعلم، قاله ابن العماد (^٢).\nقوله: في رواية أبي داود: \"رصوا صفوفكم وقاربوا بها وحاذوا بالأعناق\" المحاذاة بالذال المعجمة كما سبق، والتراص التلاصق، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا.\nقوله: \"فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف\" تقدم معناه.\n\n٧٠٦ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اسْتَووا تستو قُلُوبكُمْ وتماسوا تزاحموا قَالَ شُرَيْح تماسوا يَعْنِي تزاحموا أوفى الصَّلَاة وَقَالَ غَيره تماسوا تواصلوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣).\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٤/ ٦٥).\n(^٢) القول التمام (ص ١٩٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢١٤ رقم ٥١٢١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا مجالد، ولا مجالد إلا أبو خالد الأحمر، تفرد به: سريج بن يونس، ولا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٠: رواه الطبراني في الأوسط وفيه الحارث وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٥٨).","vol":"3","page":558},{"text":"قوله: عن علي، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"استووا تستو قلوبكم\" الحديث، تقدم بعض التابعين ليصلي بالناس إمامًا فالتفت إلى المأمومين يعدل الصفوف وقال: استووا أو استقيموا فغشي عليه، فسئل عن ذلك فقال: كما قلت لهم استقيموا فكرت في نفسي فقلت لها: فأنت هل استقمت مع الله طرفة عين (^١).\nقوله -ﷺ-: \"وتماسوا تزاحموا\" قال شريح: تماسوا يعني تزاحموا أوفى الصلاة، وقال غيره: تماسوا تواصلوا، قاله الحافظ ﵀.\n\n٧٠٧ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"أقِيمُوا الصُّفُوف وحاذوا بَين المناكب وسدوا الْخلَل ولينوا بأيدي إخْوَانكُمْ وَلَا تذروا فرجات الشَّيْطَان وَمن وصل صفا وَصله الله وَمن قطع صفا قطعه الله\" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَعند النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة آخِره الفرجات جمع فُرْجَة وَهِي الْمَكَان الْخَالِي بَين الِاثْنَيْنِ (^٢).\nقوله: عن ابن عمر تقدم.\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ١٨ - ١٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٩٧ (٥٧٢٤)، وأبو داود (٦٦٦)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣١٩ رقم ١٤١١٣) والشاميين (١٩٥٨)، والمخلص في المخلصيات (٢٦٣٠). وصححه الألباني في المشكاة (١١٠٢) وصحيح أبي داود (٦٧٢) وصحيح الترغيب (٤٩٥). وأما آخره وهو من وصل صفًّا، أخرجه النسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٨ (٨٣١) والكبرى (٩٨١)، وابن خزيمة (١٥٤٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢١٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٠٣).","vol":"3","page":559},{"text":"قوله -ﷺ-: \"أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل\" معنى \"وأقيموا الصلاة\" سووها وعدلوها أي عدلوا وسووا، يقال أقام العود إذا قومه، وتقدم الكلام على المحاذاة وسد الخلل.\nقوله: \"وتراصوا فيها\" أي: تلاصقوا حتى لا يكون بينكم فرج، وأصله تراصصوا من رص البناء رصا إذا ألصق بعضه ببعض فأدعم، ومنه حديث ابن صياد فرصه رسول الله -ﷺ- أي: ضم بعضه بعضًا قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"وحاذوا بين المناكب\" هو بالذال المعجمة وتقدم، والمناكب جمع منكب وهو مجتمع ما بين العضد والكتف وروي عن بعض الصحابة ﵃ أن ثيابهم كانت تنقطع من عند مناكبهم لشدة تراصهم في صلاتهم لأنهم ﵊ كان لا يدخل في الصلاة حتى يسويهم ويعلمهم ترصيص الصفوف كيف هي (^٢).\nقوله: \"وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم\" تقدم معناه في الأحاديث المتقدمة.\nقوله: \"ولا تذروا فرجات الشيطان\" الفرجات جمع فرجة وهي الخلل الذي يكون بين المصلين في الصفوف فأضافها إلى الشيطان تقطيعًا لشأنها وحملًا على الاحتراز منها، وفي رواية \"فرج الشيطان\" جمع فرجة كظلمة وظلم.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٢٧).\n(^٢) المدخل (١/ ١٣٣).","vol":"3","page":560},{"text":"٧٠٨ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة -﵁- قَالَ خرج علينا رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة عِنْد رَبهَا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله وَكَيف تصف الْمَلَائِكَة عِنْد رَبهَا قَالَ يتمون الصُّفُوف الأول ويتراصون فِي الصَّفّ\" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن جابر هو جابر بن سمرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"ألا تصفون كما تصف الملائكة محند ربها\" الحديث، المراد بذلك إتمام الصفوف الأول في الصلاة، وأبعد بعضهم فقال: المراد به الصلاة في الجهاد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (^٢) والظاهر أنه يشمل الأمرين، ويحتمل أن يكون المراد بالملائكة الملائكة الذين هم حول العرش، ويحتمل أن يكون المراد الكل وهو الظاهر لقوله -ﷺ-: \"فضلنا على الناس بثلاث، جعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وكذلك تأتون يوم القيامة بين يدي الرب جل وعلا صفوفًا\" (^٣) كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (^٤) ويقفون صفوفًا بين يدي ربهم يوم القيامة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٩ - ٤٣٠)، وابن ماجه (٩٩٢)، وأبو داود (٦٦١)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٦ (٨٢٨) والكبرى (٩٧٨) و(١١٥٤٦).\n(^٢) سورة الصف، الآية: ٤.\n(^٣) أخرجه مسلم (٤ - ٥٢٢) عن حذيفة.\n(^٤) سورة الفجر، الآية: ٢٢.","vol":"3","page":561},{"text":"كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ (^١) وقال محمد بن جرير: حدثني محمد بن خلف العسقلاني فذكر الحديث إلى أن قال عن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة وهو أعظم من السماوات والأرض والجبال ومن الملائكة يسبح كلّ يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكًا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفًّا وحده (^٢)، وروى الطبراني عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن لله ملكًا لو قيل: التقم السماوات السبع بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه سبحانك حيث كنت\" (^٣)، وهذا من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم المتقدمة يصلون منفردين كل واحد على حدة، ولما أراد الله تعالى حصول هذه الفضيلة للأنبياء المتقدمين جمعهم فتقدم النبي -ﷺ- فصلى بهم ليلة الإسراء (^٤).\n_________\n(^١) سورة الفجر، الآية: ٣٨.\n(^٢) تفسير الطبري (٢٤/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٩٠ رقم ٦٤٤٢) والكبير (١١/ ١٩٥ رقم ١١٤٧٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا بشر بن بكر، تفرد به وهب الله بن رزق. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٨٠: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وقال: تفرد به وهب بن رزق. قلت: ولم أر من ذكر له ترجمة. وقال الذهبي في العلو (ص ٦٦): حديث منكر. وقال الألبانى: منكر الضعيفة (٣١٩٩).\n(^٤) طرح التثريب (٢/ ١١٢).","vol":"3","page":562},{"text":"٧٠٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"خياركم ألينكم مناكب فِي الصَّلَاة\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: \"عن ابن عباس\"، تقدم الكلام على فضائله.\nقوله -ﷺ-: \"خياركم ألينكم مناكب في الصلاة\" الحديث، وفي حديث آخر عن ابن عمر: \"خياركم ألاينكم مناكب في الصلاة\" هي جمع ألين وهو بمعنى السكوت والوقار والخشوع، ومعنى لين المنكب هنا أن الرجل إذا كان في الصف وأمره أحد أن يسوي في الصف أو يضع يده على منكبه المستوي بطبعه أو أراد أحد أن يدخل في الصف بمنكبه له أن يدخل في الصف ولا يمنعه، وقالى أبو سليمان الخطابي: معنى لين المنكب السكون والخشوع في الصلاة (^٢) والوجه الأول أليق بهذا الباب، وقال بعضهم: ألينكم مناكب في الصلاة الذي يوسع على صاحبه، قاله في شرح المصابيح (^٣).\n\n٧١٠ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ: أُقِيمَت الصَّلَاة فَأقبل علينا رَسُول الله -ﷺ-: \"بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أقِيمُوا صفوفكم وتراصوا فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم بِنَحْوِهِ (^٤). وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فَكَانَ أَحَدنَا يلزق مَنْكِبه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٧٢)، وابن خزيمة (١٥٦٦) وابن حبان (١٧٥٦). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٦)، الصحيحة (٢٥٣٣).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٨٤).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤١٨) و(٧١٩) و(٧٤١)، ومسلم (١٢٥ - ٤٣٤).","vol":"3","page":563},{"text":"بمنكب صَاحبه وَقدمه بقدمه (^١).\nقوله: \"وعن أنس -﵁-\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله -ﷺ- بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا\" الحديث تراصوا بضم الصاد المهملة أي تضاموا ولا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع فالتراص التلاصق ومنه قوله تعالى كأنهم بنيان مرصوص قاله أحد المتأولين.\nقوله -ﷺ-: \"فإني أراكم من وراء ظهري\" وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"هل ترون قبلتي ها هنا، فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري\" وفي رواية \"إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي\" مذهب أهل السنة من الأشعرية وغيرهم أن هذا الإبصار إدراك خاص بالنبي -ﷺ- انخرقت له فيه العادة فكان يرى به من غير مقابلة فإن أهل السنة لا يشترطون في الرؤية المقابلة ولا مما يشترطه المعتزلة فلذلك استحال عندهم رؤية الله تعالى يوم القيامة وخالفوا قواطع الشريعة وما أجمع عليه الصحابة والتابعون وقال بقي بن مخلد: كان النبي -ﷺ- يرى في الظلام كما يرى في الضوء، وقال مجاهد: كان يرى خلفه كما يرى أمامه وذهب بعض العلماء إلى أن المراد في هذا الحديث بالبصر والرؤية العلم وأن معناه أعلم وهذا احتمال بعيد وحمله على الظاهر أولى ويكون ذلك زيادة في إكرامه -ﷺ- وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٥).","vol":"3","page":564},{"text":"قوله: وفي رواية للبخاري \"فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه\" والإلزاق هو الإلصاق.\n\n٧١١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: \"أَحْسنُوا إِقَامَة الصُّفُوف فِي الصَّلَاة\" رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح.\n\n٧١٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على ميامن الصُّفُوف\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن.\n\n٧١٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- قَالَ كُنَّا إِذا صلينَا خلف رَسُول الله -ﷺ- أحببنا أَن نَكُون عَن يَمِينه يقبل علينا بِوَجْهِهِ فَسَمعته يَقُول رب قني عذابك يَوْم تبْعَث عِبَادك\" رَوَاهُ مُسلم.\nقوله: وعن البراء بن عازب -﵁- تقدم.\nقوله: كنا إذا صلينا خلف رسول الله -ﷺ- أحببنا أن نكون عن يمينه\" الحديث، أما جهة اليمين فلشرفها ولما أشار إليه الراوي من الفوز برؤية وجهه قبل غيره، وهذا هو المقصود وإلا فهو يقبل على الفريقين ولكن أراد الأولوية وسرعة الدخول فيمن واجههم بالسلام لأنه دعاء وهو منه مقبول وهذا قريب وقول الأعرابي الذي عن يمينه في الشرب والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا وعن علي والنخعي أنهما كانا يستقبلان الناس بوجوههما بعد الصلاة.\nوقال ابن العطار في شرح العمدة ذهب الشافعي إلى بقاء الإمام مستقبل القبلة إذا لم يرد الانصراف أفضل خصوصا إن جلس للذكر والدعاء لحديث","vol":"3","page":565},{"text":"خير المجالس ما استقبل به القبلة رواه الحاكم ولأنه أجمع للقلب وعلى هذا يكون إقباله -ﷺ- لمصلحة أو لبيان الجواز (^١).\nوقال النووي في شرح المهذب: إذا أراد أن ينتقل في المحراب ويقبل على الناس بالذكر والدعاء وغيرهما جاز أن ينتقل كيف شاء وأما الأفضل فقال البغوي الأفضل أن يقبل عن يمينه وقال في كيفيته وجهان أحدهما وبه قال أبو حنيفة يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس ويجلس عن يمين المحراب والثاني وهو الأصح يدخل يساره في المحراب ويمينه إلى القوم ويجلس عن يسار المحراب وجزم في شرح السنة بالثاني (^٢).\nوأما حديث أنس قال: \"صليت مع رسول الله -ﷺ- فكان ساعة يسلم يقوم ثم صليت مع أبي بكر فكان إذا سلم وثب كأنه يقوم عن رضف\" (^٣) وغير ذلك من الأحاديث التي فيها النهي عن جلوس الإمام في مصلاه بعد السلام فالجواب عن ذلك كله أنه محمول على كراهة اللزوم لحالة واحدة يرى أن حقا عليه أن لا يتغير عنها بل يفعل هذا مرة وهذا مرة والأمر واسع (^٤) وقد صح أنه -ﷺ- كان إذا سلم قام النساء ومكث في مكانه يسيرا لكي ينفذ النساء\n_________\n(^١) العدة (١/ ٣٠١).\n(^٢) المجموع (٢/ ٤٩٠).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٧١٧)، والحاكم (١/ ٢١٦)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ٢٥٩ رقم ٣٠٠١). صححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: [يعنى فيه عبد الله بن فروخ] قال البخاري: (يعرف) وينكر، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة.\n(^٤) المجموع (٢/ ٤٨٩) وشرح النووي على مسلم (٥/ ٢٢٠)، والمفهم (٦/ ١٣٥).","vol":"3","page":566},{"text":"قبل الرجال (^١) وأنه -ﷺ- كان يجلس في مصلاه تحى تطلع الشمس حسناء فإذا طلعت قام (^٢) وفي الترمذي \"من صلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة\"، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"تامة تامة تامة\" (^٣) وغيره من الأحاديث والله أعلم.\nقوله: \"يقبل على الناس بوجهه\" قال القاضي عياض يحتمل أن يكون الإقبال هنا بمعنى الانصراف إلى منزله منها ويحتمل أن يكون التيامن عند التسليم وهو الأظهر لأن عادته -ﷺ- إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه أما بعد قيامه من الصلاة وأما حين ينفتل قال في إقباله -ﷺ- يحتمل أن يكون بعد قيامه من مصلاه أو يكون حين ينفتل (^٤).\nففي هذا الحديث استحباب القرب من الإمام واستحباب جهة يمينه عند السلام من الصلاة فأما القرب منه فلفوائد منها سماع قراءته ومنها الاستنان بأفعاله وأقواله ومنها تبليغ ذلك إلى من بعده ومنها حيازة الثواب لأن الله تعالى وملائكته يصلون على الصف الأول مرتين وعلى الثاني مرة كما جاء في السنن ومنها أن يكون سترة لمن خلفه كما أن الإمام سترة له ومنها أنه مرتبة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٣٧) و(٨٤٩ و٨٥٠) و(٨٧٠) عن أم سلمة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٧ - ٦٧٠)، وأبو داود (١٢٩٤) و(٤٨٥٠) عن جابر بن سمرة.\n(^٣) أخرجه الترمذى (٥٨٦). قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في المشكاة (٩٧١)، وصحيح الترغيب (٤٦٤).\n(^٤) إكمال المعلم (٣/ ٤٢)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ٣٢١).","vol":"3","page":567},{"text":"أولي الأحلام والنهى ومنها سماع تأمينه وقنوته ليشاركه فيه وغير ذلك كالفتح عليه وتنبيهه لمصلحة الصلاة وينبغي أن يكون ذلك كله ليثاب عليه.\nقوله: \"فسمعته يقول رب قني عذابك يوم تبعث عبادك\" رواه مسلم كذا في الترغيب، قوله تبعث ورأيت في غيره من الكتب \"تبعث أو تجمع\" بالشك وقالوا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة في الصحيح عنده يوم تبعث عبادك من غير شك وتبعث عبادك أو تجمع شك من الراوي فقوله قني يقول إلى آخره أي بعد سلامه وإقباله عليهم أما دعاؤه بعد ذلك فهو صريح في استحباب الدعاء للمصلي عقب الصلاة والذكر والرد على من خالف ذلك وأما إفراد نفسه بالدعاء مع ما ورد من النهي عن أن يخص الإمام نفسه بالدعاء فمحمول على بيان الجواز أو التعليم لكل مصل أن يدعو بهذه الكلمات ولا يتركها وإن دعا الإمام بغيرها كما في حديث معاذ لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فينبغي المداومة على هذين الدعاءين للإمام والمأموم والمنفرد وأما قوله -ﷺ-: \"رب قني عذابك\" الحديث وهو مغفور له محقق الوقاية فإنه تعليم لأمته وقد قال في المفهم (^١): وأما اجتهاده -﵇- في الدعاء ونحوه وإن كان قد أعطي قبل السؤال فوفاء بحق العبودية وقيام بوظيفة الشكر كما قال \"أفلا أكون عبدا شكورا\" وفي قوله \"يوم تبعت عبادك\" تذكير بذلك المقام فإنه باعث على التقوى والخوف من الله تعالى فيه وفيه التصريح بالمعاد والإيمان\n_________\n(^١) المفهم (١١/ ٩٥).","vol":"3","page":568},{"text":"به من أركان الإسلام وفيه إشارة إلى أنه كان يسلم عن يمينه وشماله كما تقدم قاله في شرح الإلمام.\n\n٧١٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"من ترك الصَّفّ الأول مَخَافَة أَن يُؤْذِي أحدا أَضْعَف الله لَهُ أجر الصَّفّ الأول\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط.\nقوله: عن ابن عباس ﵄ تقدم.\nقوله: \"من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي أحدا أضعف الله له أجر الصف الأول\" المضاعفة كثرة الأجور وضعف الشيء مثليه.","vol":"3","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>[الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج]</span>\n٧١٥ - عَن عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف\" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم زَاد ابْن مَاجَه وَمن سد فُرْجَة رَفعه الله بهَا دَرَجَة (^١).\nقوله: عن عائشة ﵂ تقدم الكلام على فضائلها.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف\" تقدم تفسير ذلك.\nقوله: زاد ابن ماجه ومن يسد فرجة رفعه الله بها درجة\" الفرجة بضم الفاء وفتحها لغتان وهو ما يكون بين الاثنين من الاتساع وأما الحلقة فبإسكان اللام على المشهور وحكى الجوهري فتحها وهي لغة رديئة والله أعلم.\nفرع: قال الحنفية: من أتى جماعة ولم يجد في الصف فرجة يكون وحده ولا يجذب أحدا وقيل يجذب واحدا من الصف إلى نفسه فيقف بجنبه والأصح ما روى هشام عن محمد أنه ينتظر إلى الركوع فإن جاء رجل وإلا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٦٧ (٢٤٣٨١) و٦/ ٨٩ (٢٤٥٨٧) و٦/ ١٦٠ (٢٥٢٧٠)، وعبد بن حميد (١٥١٣)، وابن ماجه (٩٩٥)، وابن خزيمة (١٥٥٠)، وابن حبان (٢١٦٣) و(٢١٦٤)، والحاكم ١/ ٢١٤. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٣٤) و(٢٥٣٢) وصحيح الترغيب (٥٠١).","vol":"3","page":570},{"text":"جذب إليه رجلا أو دخل في الصف قال ﵀ والقيام وحده أولى في زماننا لغلبة الجهل على العوام فإذا جذبه ربما تفسد صلاته وعن إبراهيم النخعي إذا تكامل الصف فلا تزاحم فإنك تؤذي والقيام في الصف الثاني خير من الأذى ومن حضر ولم يجد في الصف فرجة جذب واحدا واصطف معه أي بعد أن يجذبه ويندب للمجذوب موافقته معاونة على البر والتقوى ولا يجوز جذبه قبل أن يحرم لأن المجذوب يصير منفردا إلى أن يحرم فتفوت عليه الفضيلة.\nفرع آخر: قال في التحفة: إذا وجد في الصف الأول فرجة دون الثاني له أن يصلي في الصف الأول لأنه لا حرمة له لتقصيرهم لأنهم لم يسدوا الصف الأول وهذا نص عليه القاضي ابن العربي والشيخ النواوي وقال أيضا إن للمصلي أن يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة إذا لم يكونوا أكملوا صفا متقدمًا حتى يدخل فيه، انتهى.\n\n٧١٦ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- قَالَ كانَ رَسُول الله -ﷺ- يَأْتِي الصَّفّ من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة فيمسح مناكبنا أَو صدورنا وَيَقُول لَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ قَالَ وَكانَ يَقُول إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف الأول رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَةِ في صَحِيحه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٢ (٨٢٣) والكبرى (٩٧٣)، وابن خزيمة (١٥٥١) و(١٥٥٢) و(١٥٥٦) و(١٥٥٧)، وابن حبان (٢١٥٧) و(٢١٦١).\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٠) وصحيح الترغيب (٤٩٣) و(٥٠٢) و(٥١٣).","vol":"3","page":571},{"text":"قوله: عن البراء بن عازب، تقدم.\nقوله: كان رسول الله -ﷺ- يمسح مناكبنا أو صدورنا، أي: يسوي مناكبنا في الصفوف ويعدلنا فيها.\nقوله: ويقول: \"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم\" أي هواها وإرادتها، وهذا يشمل اختلاف القول والفعل في الصلاة وغيرها، والمعنى: إذا تقدم بعضهم بضعا في الصفوف تأثرت قلوبهم ونشأ بينهم الخلف والتباغض، تقدم.\nقوله: وكان يقول: \"إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف الأول\" تقدَّم معناه.\n\n٧١٧ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"من وصل صفًّا وَصله الله وَمن قطع صفًّا قطعه الله\" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم (^١)، وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد فِي آخر حَدِيث تقدم قَرِيبًا (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من وصل صفا وصله الله\" الحديث، واصل الصف دعا له\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٨ (٨٣١) والكبرى (٩٨١)، وابن خزيمة (١٥٤٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢١٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٠٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٩٧ (٥٧٢٤)، وأبو داود (٦٦٦)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣١٩ رقم ١٤١١٣) والشاميين (١٩٥٨)، والمخلص في المخلصيات (٢٦٣٠). وصححه الألباني في المشكاة (١١٠٢) وصحيح أبي داود (٦٧٢) وصحيح الترغيب (٤٩٥).","vol":"3","page":572},{"text":"رسول الله -ﷺ-، وقاطع الصف دعا عليه رسول الله -ﷺ-، ودعاء رسول الله -ﷺ- على فعل ذلك لا يكون إلا عن أمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>فرعان لهما تعلق بوصل الصفوف:</span>\nأحدهما: ما يفعله بعض المتكبرين إذا صلى لا يصل صفه أحد وإن صلى في صف أحد فبعيد عنه بحيث يبقي بينه وبينه فرجة تتسع جماعة، وهذه بدعة تخالف السنة لأن السنة التراص في الصف فإن كان ذلك بأمره حرم عليه إذ ليس للمرء من المسجد إلا موضع قيامه، وقد قال -ﷺ-: \"أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات الشيطان\"، \"ومن وصل صفًّا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله\" وغير ذلك من الأحاديث، ويكفي أن فاعل ذلك قاطع للصف وأن الله يقطعه، قال ابن حبيب: أدركت الناس بالمدينة ورجال موكلون بالصلاة إذا رأوا أحدا صلى في صف والصف الذي يليه إلى القبلة يحتمل أن يدخله ذهبوا به بعد الصلاة إلى الحبس.\nالثاني: ما يفعله الناس بعد الصلاة من فرش بساط يسع جماعة ولا يصلي عليه غيره، وهذا لا يجوز لما فيه من غصب المكان المشترك بين المسلمين سيما عند ضيق المسجد في الأعياد والجمع، ويخشى عليه أن يدخل بذلك تحت الوعيد المذكور في قوله -ﷺ-: \"من غصب شبرًا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين\" مع ما ينضاف إلى ذلك من المحرمات الحاملة له على ذلك مثل الكبر والخيلاء والإعجاب واحتقار الناس ونحو ذلك، ذكرهما ابن النحاس في تنبيهه وهو كتاب نفيس في الأمر بالمعروف.\nفائدة: في صلاة الرجل وحده خلف الصف: عن علي بن شعبان، وكان من","vol":"3","page":573},{"text":"الوفد، قال: خرجنا حتى قدمنا على النبي -ﷺ- فبايعناه وصلينا خلفه قال: ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة فرأى رجلا فردا يصلي خلف الصف قال: فوقف عليه نبي الله -ﷺ- حتى انصرف ثم قال: \"استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف\" رواه ابن ماجه وأحمد، وفي حديث آخر أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي فقال: صلى رجل خلف الصف وحده فأمره النبي -ﷺ- أن يعيد، وفي رواية: سئل رسول الله -ﷺ- عن رجل صلى خلف الصفوف وحده فقال: \"يعيد الصلاة\"، وقال أحمد: صلاة المنفرد خلف الصف صحيحة عندنا مع الكراهة، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري ومالك والأوازعي وأصحاب الرأي وحكاه أصحابنا أيضًا عن زيد بن ثابت الصحابي والثوري وابن المبارك وداود، وقالت طائفة: لا يجوز ذلك حكاه ابن المنذر عن النخعي والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق، قال: وبه أقول؛ والمشهور عن أحمد وإسحاق أن المنفرد خلف الصف قبل الركوع صحت قدوته وإلا بطلت صلاته، وقوله في الحديث: \"لا صلاة للذي خلف الصف\" أي: لا صلاة كاملة كقوله: \"لا صلاة بحضرة طعام\".\n\n٧١٨ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"خياركم ألينكم مناكب فِي الصَّلَاة وَمَا من خطْوَة أعظم أجرًا من خطْوَة مشاها رجل إِلَى فُرْجَة فِي الصَّفّ فسدها\" رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا بالشطر الأول وَرَوَاهُ بِتَمَامِهِ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٥٩٢٢)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧ رقم ٥٢١٧) و(٥/ ٢٥٤ رقم ٥٢٤٠) و(٥/ ٢٧٢ رقم ٥٢٩١) والكبير (١٢/ ٤٠٥ رقم ١٣٤٩٤)، وابن شاهين =","vol":"3","page":574},{"text":"قوله: عن عبد الله بن عمر تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ما من خطوة أعظم أجرا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها\" الفرجة تقدم ضبطها وتفسيرها في أول الباب.\n\n٧١٩ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"من سد فُرْجَة رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَبنى لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد الزنْجِي (^١) وَتقدم عِنْد ابْن مَاجَه فِي أول الْبَاب دون قَوْله وَبنى لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة وَرَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِالزِّيَادَةِ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَفِي إِسْنَاده عصمَة بن مُحَمَّد قَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِقَوي وَقَالَ غَيره مَتْرُوك (^٢).\nقوله: عن عائشة تقدم الكلام على فضائلها.\nقوله: \"من سد فرجة رفعها الله بها درجة\" رفع الدرجات أعلى المنازل في\n_________\n= في الترغيب في الفضائل (٤٧٤). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٠: رواه الطبراني في الأوسط كما ها هنا والبزار خلا من قوله: وما من خطوة إلى آخره وإسناد البزار حسن، وفي إسناد الطبراني ليث بن حماد ضعفه الدارقطني. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٣٣) وصحيح الترغيب (٥٠٤). وقوله: وابن حبان مشعر أنه أخرجه من طريق ابن عمر وإنما أخرجه من طريق ابن عباس، أخرجه أبو داود (٦٧٢)، وابن خزيمة (١٥٦٦) وابن حبان (١٧٥٦). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٦)، الصحيحة (٢٥٣٣).\n(^١) أخرجه المحاملى في الأمالى (٢٢١)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٦١ - ٦٢ رقم ٥٧٩٧).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن المقبري إلا ابن أبي ذئب، ولا عن ابن أبي ذئب إلا مسلم بن خالد، تفرد به أحمد بن محمد القواس. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩١: رواه الطبراني في الأوسط وفيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وقد وثقه ابن حبان. وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٩٢) وصحيح الترغيب (٥٠٥).\n(^٢) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٠٠٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٠٥).","vol":"3","page":575},{"text":"الجنة كما تقدم، يستحب أن تسد الفرج في الصفوف لينال هذا الفضل العظيم، ويستحب الاعتدال في الصفوف فإذا وقفوا في صف لا يتقدم بعضهم بصدره ولا غيره ولا يتأخر عن الناس، ويستحب توسط الإمام لما روي أبو داود أن النبي -ﷺ- قال: \"وسطوا الإمام وسدوا الخلل\"، ويستحب أن يفسح لمن يريد الدخول في الصف لحديث عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب\" الحديث تقدم.\nقوله: رواه الطبراني من رواية مسلم بن خالد الزنجي، هو: الزنجي المكي شيخ الشافعي كان من الفقهاء وهو مولى بني مخزوم، وإنما لقب الزنجي على العكس فإنه كان أشقر، وكنيته أبو خالد، روى عن ابن أبي مليكة والزهري وعمرو، وروى عنه: مسدد والحميدي، وثق وضعفه أبو داود لكثرة غلطه، وقال ابن معين: ليس به بأس وقال مرة: ثقة، وقال ابن عدي: أرجوا أنه لا بأس به وهو حسن الحديث، وقال الأزرقي: كان فقيها عابدا يصوم الدهر، وقال الحربي: كان فقيه مكة ولقب بالزنجي لسواده، والزنجي بفتح الزاي وسكون النون نسبة إلى الزنج وهم نوع من السودان، وقال ابن سعد: كان أشقر، والصواب أنه إمام صدوق ولكنه كتير الوهم، وقال ابن حبان: كان من الفقهاء، ومنه تعلم الشافعي الفقه، وإياه كان يجالس قبل أن يلقى مالكًا، قاله في الديباجة.\nقوله: في رواية الأصبهاني من حديث أبي هريرة، وفي إسناده عصمة بن محمد، قال أبو حاتم: ليس بقوي.","vol":"3","page":576},{"text":"٧٢٠ - وَعَن أبي جُحَيْفَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من سد فُرْجَة فِي الصَّفّ غفر لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَاسم أبي جُحَيْفَة وهب بن عبد الله السوَائِي (^١).\nقوله: عن أبي جحيفة، قال الحافظ: واسم أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، انتهي، والسوائي بضم المهملة وتخفيف الواو وبالمد الكوفي الصحابي، روي له عن رسول الله -ﷺ- خمسة وأربعون حديثًا، ذكر البخاري منها أربعة وكان علي -﵁- يكرم أبا جحيفة ويسميه وهب الخير ووهب الله وكان يحبه ويثني عليه وجعله على بيت المال بالكوفة، توفي النبي -ﷺ- وهو لم يبلغ الحلم، ومات بها سنة اثنتين وسبعين ومناقبه كثيرة مشهورة.\nقوله -ﷺ-: \"من سد فرجة في الصف غفر له\" الحديث، غفران الذنوب هو سترها، والمراد بذلك في هذا الحديث الصغائر والله أعلم.\nفرع: إذا وجد الداخل في الصف فرجة أو سعة دخلها وله أن يخرق الصف المتأخر إذا لم يكن فيه فرجة وكانت في صف قدامه لتقصيرهم بتركها فإن لم يجد فرجة ولا سعة ففيه قولان أحدهما: يقف منفردًا ولا يجذب أحدًا نص عليه في البويطي لئلا يحرم غيره فضيلة الصف السابق وهذا اختيار القاضي أبي الطيب.\nوالثاني: وهو الصحيح وقطع به جمهور الأصحاب أنه يستحب أن يجذب إلى نفسه واحدًا من الصف ويستحب للمجذوب أن يساعده، قالوا: ولا\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٢٣٢). وقال البزار: وهذا الحديث لم نسمعه إلا من عبد الرحمن بن الأسود، وكان من أفاضل الناس. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩١: رواه البزار وإسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٤٧) وضعيف الترغيب (٢٦١).","vol":"3","page":577},{"text":"يجذبه إلا بعد إحرامه لئلا يخرجه من الصف إلى صفه، وبهذا قال عطاء والنخعي وحكي عن مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق فعل ذلك وبه قال أبو حنيفة وداود والله أعلم قاله في الديباجة.\n\n٧٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف وَلَا يصل عبد صفًّا إِلَّا رَفعه الله بِهِ دَرَجَة وذرت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة من الْبر\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله: \"ولا يصل عبد صفا إلا رفعه الله به درجة ودرت عليه الملائكة من البر\" تقدم الكلام على صلة الصفوف ورفع الدرجات، وأما قوله \"ودرت عليه الملائكة من البر\" فمعناه أي نزلت (^٢).\n\n٧٢٢ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁-: قَالَ وَكَانَ رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف الأول وَمَا من خطْوَة أحب إِلَى الله من خطْوَة يمشيها العَبْد يصل بهَا صفا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث وَابْن خُزَيْمَة بِدُونِ ذكر الخطوة وَتقدم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٢٣ رقم ٣٧٧١). وقال الطبراني: لم يرو غانم بن الأحوص، عن أبي صالح غير هذا الحديث، تفرد به: ابن أبي أويس. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩١: رواه الطبراني في الأوسط وفيه غانم بن أحوص قال الدارقطني: ليس بالقوي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٦٢).\n(^٢) بياض بمقدار ٩ كلمات.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥٤٣)، وابن خزيمة (١٥٥٦) و(١٥٥٧). وضعفه الألباني فيضعيف أبي داود (٨٦) وصححه في صحيح الترغيب (٥٠٧).","vol":"3","page":578},{"text":"قوله: عن البراء بن عازب، تقدم.\nقوله: \"إن الله وملائكته يصلون على الذين الصفوف الأول\" تقدم معناه.\n\n٧٢٣ - وَعَن معَاذ -﵁-: عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ خطوتان إِحْدَاهمَا أحب الخطا إِلَى الله وَالأُخْرَى أبْغض الخطا إِلَى الله فَأَما الَّتِي يُحِبهَا الله ﷿ فَرجل نظر إِلَى خلل فِي الصَّفّ فسده وَأما الَّتِي يبغضها الله فَإِذا أَرَادَ الرجل أَن يقوم مد رجله الْيُمْنَى وَوضع يَده عَلَيْهَا وَأثبت الْيُسْرَى ثمَّ قَامَ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: عن معاذ هو ابن جبل، تقدم.\nقوله: \"خطوتان إحداهما أحب الخطى إلى الله والأخرى أبغض الخطى إلى الله، فأما التي يحبها الله ﷿ فرجل نظر إلى خلل في الصف فسده، وأما الخطوة التي يبغضها الله فإذا أراد الرجل أن يقوم مد رجله اليمنى ووضع يده عليها وأثبت اليسرى ثم قام\" تقدم الكلام على سد الخلل في الصفوف، وتقدم الكلام أيضا على الخطوة وضبطها للمشي إلى المساجد وسيأتي الكلام على الحب والبغض في بابهما.\n\n٧٢٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قيل للنَّبِي -ﷺ- إِن ميسرَة الْمَسْجِد قد تعطلت فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- من عمر ميسرَة الْمَسْجِد كتب لَهُ كفلان\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ٢٧٢)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ٤٠٩ رقم ٣٥٦٩). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: لا، فإن خالدا عن معاذ منقطع. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٨٣) وضعيف الترغيب (٢٦٣).","vol":"3","page":579},{"text":"من الْأجر رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره (^١).\nقوله: عن ابن عمر تقدم. قوله: قيل للنبي -ﷺ- إن ميسرة المسجد قد تعطلت من المصلين فقال النبي -ﷺ-: \"من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر\" أي: نصيبان من الأجر، والكفل: النصيب من الأجر أو الوزر.\n\n٧٢٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من عمر جَانب الْمَسْجِد الْأَيْسَر لقلَّة أَهله فَلهُ أَجْرَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة بَقِيَّة بن الْوَليد (^٢).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"من عمر جانب المسجد الأيسر لقلة أهله فله أجران\" أي: نصيبان من الأجر، وإنما تعطلت الميسرة بسبب أنهم كانوا يعني الصحابة أحرص الناس على تحصيل القربات فلما حث -ﷺ- على ميمنة الصف ازدحموا عليها فتعطلت الميسرة فقال ذلك، قال الغزالي وغيره: ينبغي لداخل المسجد أن يأتي ميمنة الصفوف فإنهن بمن وبركة والله ﷾ يصلي على أهلها والله أعلم.\nقوله: بقية بن الوليد [تقدم الكلام عليه].\n_________\n(^١) أخرجه أبو أمية الطرسوسي في المسند (٩٥)، وابن ماجه (١٠٠٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٦٤ رقم ٤٦٧٨). وقال البوصيري في الزجاجة ١/ ١٢٢: هذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٦٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩٠ رقم ١١٤٥٩). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بقية وهو مدلس وقد عنعنه ولكنه ثقة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٦٥).","vol":"3","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى أوائل صفوفهم</span>\n٧٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١) وَتقدم.\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"خير صفوف الرجال أولها\" الحديث، المعنى في ذلك والله أعلم: أن أهل الصف الأول أعلم بحال الإمام من غيره فيكون أشرف، والصف الأول الذي وردت الأحاديث والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام سواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرًا، هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث وصرح به المحققون.\nوقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه ولا يتخلله مقصورة ولا منبر ونحو ذلك فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول بل الأول ما لا يتخلله شيء وإن تأخر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٢ - ٤٤٠)، وابن ماجه (١٠٠٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٢٢٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٩ (٨٣٢) والكبرى (٩٨٢).","vol":"3","page":581},{"text":"وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا وإن صلى في صف متأخر.\nوهذان القولان غلط صريح، قال النووي: وإنما ذكرته ومثله لأنبه على بطلانه لئلا يغتر به (^١).\nقوله ﷺ: \"وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها\" المراد بالشر قلة الثواب وكراهة ذلك الفعل (^٢).\nقلت: أخر مرتبتهن عن مرتبة الذكور لأن نوع الذكر أشرف على الإطلاق فهي محلها وشر صفوفها أولها لتعديها عن محلها (^٣) وإنما فضل أخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهم، وتعلق القلب بهن عند رؤية حركاتهن وسماع كلامهن ونحو ذلك (^٤).\nوتقدم الكلام على شيء من ذلك والله أعلم.\n\n٧٢٧ - وَعَن أبي سعيد -﵁- أَن رَسُول الله ﷺ رأى فِي أَصْحَابه تأخرا فَقَالَ لَهُم تقدمُوا فائتموا بِي وليأتم بكم من بعدكم لَا يزَال قوم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٦٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٩).\n(^٣) شرح المصابيح (٢/ ١٠٦) لابن الملك.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٩).","vol":"3","page":582},{"text":"يتأخرون حَتَّى يؤخرهم الله رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن أبي سعيد هو الخدري، تقدم.\nقوله: إن رسول الله -ﷺ- رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: \"تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم\"، ومعني الحديث، اقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم على متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو صف قدامه يراه متابعا للإمام (^٢).\nوينبغي أن يكون في الصف الأول من يعقل صلاة الإمام وفي الصف الثاني من يعقل صلاة الصف الأول وهلم جرا لتكون صلاتهم على وفق صلاة الإمام (^٣).\nقوله: \"لا يزال قوم يتأخرون\" أي: عن الصفوف الأول (^٤).\nقوله: \"حتى يؤخرهم الله\" الحديث أي: عن رحمته وعظيم فضله أو عظيم ثوابه ورفع المنزلة وعن العلم ونحو ذلك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٠ - ٤٣٨)، وابن ماجه (٩٧٨)، وأبو داود (٦٨٠)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٥٣ (٨٠٧) و(٨٠٨) والكبرى (٩٥٨ و٩٥٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(^٣) انظر: شرح السنة (٣/ ٣٧٦)، والمسالك (٣/ ١٤٤)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٤)، والمفهم (٤/ ١٤٧)، وشرح المشكاة (٤/ ١١٤٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٩).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٩).","vol":"3","page":583},{"text":"٧٢٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يزَال قوم يتأخرون عَن الصَّفّ الأول حَتَّى يؤخرهم الله فِي النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا حَتَّى يخلفهم الله فِي النَّار (^١).\nقوله: عن عائشة تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله -ﷺ-: \"لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار\" قيل: هذا في المنافقين.\nوقيل: في غيرهم، وعلى هذا فيحتمل أنه يؤخرهم عن رتبة العلماء المأخوذ عنهم أو رتبة السابقين (^٢)، وفيه إشارة إلى من تساهل في ترك الفضائل قد يقع في ترك الواجبات، وكذا من تساهل في الصغائر قد تجره إلى الكبائر، وفيه: الحث على القرب من الإمام لمشاهدة أفعاله وسماع قراءته (^٣)، وتنبيهه إذا سهي وغير ذلك.\nقال القاضي صدر الدين المناوي في التنقيح على المصابيح: ومر بي في بعض الكتب أن قوله: \"لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار\" أن هذا في قوم متأخرون ليكونوا آخر صفوف الرجال فيليهم النساء، وقصدهم\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٧٩) وابن خزيمة (١٥٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (١٩٨٦)، وابن حبان (٢١٥٦). وضعفه الألباني في المشكاة (١١٠٤). وقال في صحيح أبي داود (٦٨٢) وصحيح الترغيب (٥١٠): حديث صحيح، دون قوله: في النار.\n(^٢) المفهم (٥/ ١).\n(^٣) انظر: نهاية المطلب (٣/ ٥٠).","vol":"3","page":584},{"text":"مسارقة النظر إليهن أو نحو ذلك، فإن ثبت ذلك فما يفعله إلا منافق إذ الصحابة رضي الله تعالى عنهم محفوظون من ذلك (^١) والله أعلم.\n\n٧٢٩ - وَعَن أَبِى مَسْعُود -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يمسح مناكبنا فِي الصَّلَاة وَيَقُول اسْتَووا وَلَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ ليلني مِنْكُم أولو الأحلام والنهى ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٢).\nقوله: عن أبي مسعود، تقدم.\nقوله: كان رسول الله -ﷺ- يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: \"استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم\" (^٣) الحديث، أراد وجوه القلوب (^٤) كحديثه الآخر \"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم\" (^٥) أي هواها وإرادتها كما تقدم. ففيه من الفقه استحباب تسوية الصفوف، وفيه أن الإمام يتولى ذلك بنفسه، وقد كان عمر -﵁- يسوي الصفوف بنفسه فيقول: تقدم يا فلان وتأخر يا فلان، وكان عثمان بن عفان -﵁-: يوكل رجلا بتسوية الصفوف فإذا أخبروه بالتسوية أحرم (^٦).\n_________\n(^١) كشف المناهج (١/ ٤٢٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٢ و١٢٣ - ٤٣٢)، وابن ماجه (٩٧٦)، وأبو داود (٦٧٤)، والترمذي (٢٢٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٢ - ٤٣٢) عن أبي مسعود.\n(^٤) المجموع المغيث (٣/ ٣٩٠)، والنهاية (٥/ ١٥٨).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٢ (٨٢٣) والكبرى (٩٧٣) عن البراء. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٠).\n(^٦) انظر: شرح الصحيح (٢/ ٣٤٤) لابن بطال، وشرح مسند الشافعي (١/ ٥٣٣)، والإقناع (١/ ١٥٠).","vol":"3","page":585},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ليلني منكم أولو الأحلام والنهى\" الحديث، هو بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد (^١)، وتحريكها ههنا لحن أي الياء، واللام في أوله لام الأمر، أي: ليقرب مني مأخوذ من الولي وهو القرب (^٢)، وأولو الأحلام جمع حلم بضم الحاء، وقيل: جمع حلم بكسرها، والمراد بأولي الأحلام، فعلى الأول: البالغون، وعلى الثاني: أهل الحلم والفضل (^٣)، والنهى بضم النون جمع نهية بالضم، والمراد بالنهية العقل التام فعلى قول من يقول أولو الأحلام العقلاء يكون اللفظان بمعنى واحد، فلما اختلف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدا، وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء، وقيل: المراد بأولي الأحلام البالغون وبأولي النهى العاقلون (^٤)، وإنما أمرهم أن يليه أولي أولي النهى ليعقلوا عنه صلاته ويخلفوه في الإمامة إن حدث به عارض (^٥)، وفي هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام ولأنه ربما احتاج الإمام إلى الاستخلاف فيكون هو أولى ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة ومواقف القتال وإمامة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٣٣٦).\n(^٣) رياض الصالحين (ص ١٢٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٥).\n(^٥) معالم السنن (١/ ١٨٤ - ١٨٥)، وشرح السنة (٣/ ٢٧٦).","vol":"3","page":586},{"text":"الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث (^١)، وفيه دليل على أنه يستحب للإمام الأمر بتسوية الصفوف وتنزيلهم منازلهم، والحكمة في تقديم العقلاء أن يفقهوا عنه أفعاله ويبلغوها للناس (^٢)، ولهذا كان -ﷺ- يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار وليحفظوا عنه كما رواه النسائي وابن حبان (^٣)، وقد روى الإمام أحمد أن النبي -ﷺ- كان يجعل الرجال قدام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان، ولأبي داود نحوه (^٤)، وشذ أبو حنيفة في ذلك فقال: فلو ساوت امرأة رجلًا أو تقدمته في اقتداء واحد، ودام ذلك في الركوع بطلت صلاته ولا تبطل فيما قبله ولا في الجنازة، وعند الشافعي تصح.\nقوله: \"ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" معناه: يقربون منهم في هذا الوصف كالمراهقين، ثم الذين يلونهم كالصبيان، ثم الذين يلونهم كالنساء، فإن نوع الذكر أشرف على الإطلاق، والمعنى فيه: أن الصف الأول أفضل والرجال أكمل فاختصوا به ووليهم الصبيان لأنهم من الرجال لكنهم دونهم، والفضيلة واحدة، هذا إذا حضروا جميعا (^٥)، أما إذا حضر الصبيان أولا ثم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٥).\n(^٢) شرح المشكاة (٤/ ١١٤٢).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٩٧٧)، والنسائي في الكبرى (٨٤٥٠)، وابن حبان (٧٢٥٨). وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٠٩).\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤٤ (٢٢٩١١)، وأبو داود (٦٧٧) عن أبي مالك. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٠٥)، المشكاة (١١١٥).\n(^٥) مختصر الكفاية (لوحة ٢٩٢/ خ رقم ٢١٧٥ ظاهرية).","vol":"3","page":587},{"text":"الرجال وقد استوعب الصبيان الصف الأول فليس لهم إزالتهم عن أمكنتهم، وإن حضر النساء أولا أخرن، وقيل: يقف كل صبي بين رجلين ليتعلم منهما أحكام الصلاة، والأول أصح (^١).\nقال الدارمي في استدراكه: هذا إذا كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل قدموا (^٢)، قال العلماء في كتب الفقه: وإن حضر رجال وصبيان وخناثا ونساء قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخنثاء ثم النساء (^٣)، والخناثاء: جمع خنثي، والخنثى المشكل هو الذي له فرج الرجل وفرج المرأة ويبول منهما دفعة واحدة، ويميل إلى الرجال والنساء ميلا واحدًا (^٤).\nفائدة فيها أعجوبة: ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة أن صديقا له اصطاد أرنبا وله أنثيان وذكر وفرج أنثى فلما شقوا بطنه رأوا فيه ما يدل على ذلك، قال: وأعجب من ذلك أنه كان لنا جار له بنت اسمها صفية بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة ثم طلع لها ذكر ونبتت لها لحية فكان لها فرج رجل وفرج امرأة قاله في حياة الحيوان (^٥).\nفرع: العراة إذا كانوا عميا أو في ظلمة صلوا جماعة وتقدم إمامهم، وإن أبصروا أو كانوا في ضوء فالأظهر أن الجماعة والانفراد في حقهم سواء، وإن\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣٧٢).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٣٧٢).\n(^٣) انظر المجموع (٤/ ٢٩٣).\n(^٤) التنبيه (١/ ١٦٠).\n(^٥) حياة الحيوان (١/ ٣٧).","vol":"3","page":588},{"text":"صلوا جماعة وقف إمامهم وسطهم لئلا يقع بصر واحد منهم على عورة غيره، هذا إذا أمكن فإذا لم يمكن لضيق المكان فعن الإمام والمتولي أنهم يقفون صفا مع غض البصر، وإن كان فيهم مكتس أهل، استحب تقديمه ويصلون جماعة قولا واحدًا ويكونون صفا فإن تعذر فصفين أو أكثر بحسب الحاجة (^١) والله أعلم.\n\n٧٣٠ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢). وَفِي رِوَايَة لَهُم خلا البُخَارِيّ أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يُسَوِّي صُفُوفنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بهَا القداح حتى رآنا أَنا قد عقلنا عَنهُ ثمَّ خرج يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَاد يكبر فرى رجلا باديا صَدره من الصَّفّ فَقَالَ عباد الله لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم (^٣).\nوَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه أقبل رَسُول الله -ﷺ- على النَّاس بِوَجْهِهِ فَقَالَ أقِيمُوا صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين قُلُوبكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرجل يلزق مَنْكِبه بمنكب صَاحبه وركبته بركبة صَاحبه وكعبه بكعبه (^٤)\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٧)، ومسلم (١٢٧ - ٤٣٦)، وابن ماجه (٩٩٤)، وأبو داود (٦٦٣)، والترمذي (٢٢٧)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٢ (٨٢٢) والكبرى (٩٧٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٨ - ٤٣٦)، وأبو داود (٦٦٣).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٦٦٢)، وابن حبان (٢١٧٦). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٢)، صحيح أبي داود (٦٦٨).","vol":"3","page":589},{"text":"القداح بِكَسْر الْقَاف جمع قدح وَهُوَ خشب السهْم إِذا بري قبل أَن يَجْعَل فِيهِ النصل والريش.\nقوله: عن النعمان بن بشير، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم\" الحديث، اللام في قوله: \"لتسون صفوفكم\" لام القسم أو للتقسيم، قال البيضاوي: اللام فيه هي التي يتلقى القسم بها وههنا القسم مقدورا، ولهذا أكده بالنون المشددة (^١).\nقال الشيخ تقي الدين القشيري: تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على سمت واحد. وقد تدل تسويتها أيضا على سد الفرج فيها، بناء على التسوية المعنوية. والاتفاق على أن تسويتها بالمعنى الأول والثاني أمر مطلوب. وإن كان الأظهر: أن المراد بالحديث الأول (^٢).\nوقوله: \"أو ليخالفن الله بين وجوهكم\" وفي رواية أبي داود وابن حبان: \"أو ليخالفن الله بين قلوبكم\" أي: بين مقاصدكم وقلوبكم فتختلفوا وتباغضوا، قال النووي في شرح مسلم: معناه مسخها وتحويلها عن صورتها كقوله -ﷺ-: \"يجعل الله صورته صورة حمار\" (^٣) يعني: يقع من شؤم المخالفة اختلاف\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٣٣٥).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٢١٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٧).","vol":"3","page":590},{"text":"وكدورة قلوبكم بحيث يسري على ظاهركم فتقع بينكم عداوة (^١)، وهو المراد بقوله: \"أو ليخالفن الله بين قلوبكم\" ويحتمل أن يخالف بتغير صورها أنواعا أخر قاله عياض (^٢)، وقيل: يغير صفتها، قال النووي: والأظهر والله أعلم أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما يقال تغير وجه فلان عليّ أي ظهر لي من وجهه كراهية لي، وتغير قلبه عليّ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن (^٣) والله أعلم.\nويؤخذ من الحديث أن تسوية الصفوف سبب لحصول الائتلاف والمودة والتواصل وزوال الوحشة الذي هو سبب السعادة الدنيوية والأخروية، وقد امتن الله تعالى على نبيه -ﷺ- بتأليف قلوب أصحابه رضي الله تعالى عنهم فقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (^٤) الآية.\nتنبيه: قال الكرماني (^٥): أقول يحتمل أن يكون معنى مخالفة الوجوه تحولها إلى أدبارها، فإن قلت التسوية سنة والوعيد على تركها يدل على أنها واجبة؟ قلت: هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيدًا وتحريضًا على\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٧).\n(^٤) سورة الأنفال الآية ٦٣.\n(^٥) الكواكب الدراري (٥/ ٩٣).","vol":"3","page":591},{"text":"فعلها، واعلم أن المراد من الوجه إما الذات فالمخالفة بحسب المقاصد وأما العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية وغيرها، وإما بحسب الصفة وإما بحسب القدام والوراء انتهى.\nقوله: في الرواية الأخرى: كان رسول الله -ﷺ- يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، الحديث، القداح: قال الحافظ بكسر القاف جمع قدح بكسر القاف أيضًا وهو خشب السهم إذا بري قبل أن يجعل فيه النصل والريش، انتهي، وزاد بعضهم: فإذا ريش وركب نصله فهو سهم (^١)، وقيل: القدح هو السهم نفسه (^٢)، ومعناه: يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها (^٣) والله أعلم.\nوإنما جمع القداح وجمع الصفوف ولم يقل كنا يسوي الصف لأجل المقابلة كأنه يقول سووا كل صف على حدته كما يسوي الصانع كل قدح على حدته (^٤)، والسهام مما يطلب التحرير وإلا كان السهم طائشا مخالفا لغرض إصابة الغرض، فضرب به المثل لتحرير التسوية (^٥) والله أعلم.\nقوله: حتى رأى أنا قد عقلنا، أي: حتى علم أنا قد فهمنا المقصود\n_________\n(^١) شرح السنة (٣/ ٣٦٤)، والمفاتيح (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٢٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٧)، وتحفة الأبرار (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، والعدة شرح العمدة (١/ ٤٠٩).\n(^٤) الميسر (١/ ٢٩٠).\n(^٥) إحكام الأحكام (١/ ٢١٩).","vol":"3","page":592},{"text":"وامتثلناه، أ. هـ؛ قال الراوي: كان النبي -ﷺ- يسوي بين الصفوف حتى يدعه مثل القدح أو مثل الرمح فرأى صدر رجل باديا صدره من الصف فقال: \"عباد الله لتسون صفوفكم\" الحديث، وضرب المثل في تسوية الصفوف بالقدح من أبلغ الأشياء لأن القدح لا يصلح للأمر الذي عمل له إلا بعد الانتهاء إلى الغاية القصوى في الاستواء، والمراد من الحديث المبالغة في تسوية الصفوف.\nقوله: في رواية أبي داود وابن حبان: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه؛ الكعب: هو العظم الناتئ بين مفصل الساق والقدم، ففي كل رجل كعبان، وإنما يلصق الكعب بالكعب إذا كان ما ذكرناه، وفي وجه أن الكعب هو الذي فوق مشط القدم وهو شاذ ضعيف، أنكره الأصمعي والله أعلم (^١)، وفيه حجة لأحد القولين عندنا أن تسوية الصفوف تعتبر بالصدور لا بالأقدام (^٢)، وظاهر هذا الحديث أن تسوية الصفوف واجبة لما رتب على تركها من الوعيد (^٣)، والجواب عنه: أن الوعيد إنما رتبه على مخالفة القلوب فإن اختلافهم في الصفوف يدل على اختلاف قلوبهم، فجعل اختلاف الصفوف سببا لاختلاف القلوب (^٤)، وفيه دليل على\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٥٤) والنجم الوهاج (١/ ٣٣٢).\n(^٢) فتح البارى (٦/ ٢٨٣) لابن رجب.\n(^٣) انظر الكواكب الدراري (٥/ ٩٣)، والإعلام (٢/ ٥١٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٧).","vol":"3","page":593},{"text":"أن تسوية الصفوف وظيفة الإمام، وأنها سنة مختصة به (^١) والله أعلم قاله في الديباجة.\nوفي الحديث دليل على جواز كلام الإمام بين الإقامة والدخول في الصلاة، قال النووي: هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء ومنعه بعض العلماء والصواب الجواز وسواء كان الكلام لمصلحة أو لغيرها أو لا لمصلحة (^٢).\n\n٧٣١ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يَتَخَلَّل الصَّفّ من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة يمسح صدورنا ومناكبنا وَيَقُول لَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ وَكَانَ يَقُول إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصُّفُوف الأول\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يأتينا فيمسح عواتقنا وصدورنا وَيَقُول لَا تخْتَلف صفوفكم فتختلف قُلُوبكُمْ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصَّفّ الأول (^٣).\nوَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة لَا تخْتَلف صدوركم فتختلف قُلُوبكُمْ.\nقوله: عن البراء بن عازب، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ٢١٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٦٢ (٨٢٣) والكبرى (٩٧٣)، وابن خزيمة (١٥٥١) و(١٥٥٢) و(١٥٥٦) و(١٥٥٧)، وابن حبان (٢١٥٧) و(٢١٦١).\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٧٠) وصحيح الترغيب (٤٩٣) و(٥٠٢) و(٥١٣).","vol":"3","page":594},{"text":"قوله: كان رسول الله -ﷺ- يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: \"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم\" تخلل الصفوف هو: عبارة عن تسويتها.\nوقوله: في رواية ابن حبان: كان رسول الله -ﷺ- يأتينا يمسح عواتقنا وصدورنا؛ العواتق: جمع عاتق وهو عظم الكتف.\n\n٧٣٢ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"لتسونَّ الصُّفُوف أَو لتطمسن الْوُجُوه أَو لتغمضن (^١) أبصاركم أَو لتخطفن أبصاركم\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن زيد وَقد مَشاهُ بَعضهم (^٢).\nقوله: \"عن أبي أمامة\"، واسمه صدي بن عجلان تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه أو لتغمضن أبصاركم\" تقدم الكلام على تسوية الصفوف، وأما طمس الوجوه فهو عبارة عن ذهابها فلا يبقى لها أثر (^٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ (^٤) وأما غمض\n_________\n(^١) قال الحافظ الناجى في عجالة الإملاء (٢/ ٥١٧): كذا وجد في النسخ أو لتغمِضُنَّ بألف، والصواب حذفها عطفًا على ما قبله، وهو ظاهر والله أعلم.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٨ (٢٢٢٢٥)، وأبو يعلى في كما في إتحاف الخيرة للبوصيري (١٧٦٥)، والروياني (١٢٠٣)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢١٣ رقم ٧٨٥٩). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٩٠: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه: عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد وهما ضعيفان. وضعفه جدًّا الألباني في ضعيف الترغيب (٢٦٦).\n(^٣) انظر: الغريبين (٤/ ١١٨١)، والنهاية (٣/ ١٣٩)، والتفسير (١/ ٣٢٧) للعز بن عبد السلام، وتفسير القرطبى (٥/ ٢٤٤).\n(^٤) سورة يس، الآية: ٦٦.","vol":"3","page":595},{"text":"الأبصار فهو عبارة عن إذهاب البصر.\nقوله: \"رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد [الإلهاني: قال الدارقطني: متروك، وقال البخاري منكر الحديث، وقال أبو زرعة ليس بقوي ووثقه أحمد وابن حبان].","vol":"3","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>[الترغيب في التأمين خلف الإمام وفي الدعاء وما يقوله في الاستفتاح والاعتدال]</span>\n٧٣٣ - عَن أبي هُرَيرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"إِذا قَالَ الإِمَام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^١) فَقولُوا آمين فَإِنَّهُ من وَافق قَوْله قَول الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢) وفى رواية البخاري: إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأُخرى غُفر له ما تقدم من ذنبه (^٣). وفي رواية لابن ماجه والنسائي: إذا أمن القارئُ فأمنوا، الحديث (^٤).\nوفي رواية للنسائي: وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\nفقولوا: آمين. فإنه من وافق كلامه كلام الملائكة غُفر لمن في المسجد (^٥).\n_________\n(^١) سورة الفاتحة، الآية: ٧.\n(^٢) أخرجه مالك (٢٣٢)، والبخاري (٧٨٢) و(٤٤٧٥)، ومسلم (٧٢ و٧٣ و٧٤ و٧٥ - ٤١٠)، وأبو داود (٩٣٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣٥٤ (٩٤١) و٢/ ٤٤٨ (١٠٧٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٨١).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٨٥١) و(٨٥٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣٥٢ (٩٣٧) و٢/ ٣٥٣ (٩٣٨) و٢/ ٣٥٤ (٩٤٠). وصححه الألباني في الإرواء (٣٤٤)، صحيح أبي داود (٨٦٦)، وصحيح الترغيب (٥١٤).\n(^٥) أخرجه أحمد ٢/ ٤٤٠ (٩٦٨٢)، والنسائي في الكبرى (١١٩٠٥)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ١٣١ رقم ٢٥٩٣). وضعفه الألباني في أصل صفة صلاة النبي (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤) وصحيح الترغيب (٥١٤).","vol":"3","page":597},{"text":"(آمين): تمد وتقصر، وتشديد الممدود لغيّة، وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالي، وقيل معناها: اللهم استجب، أو كذا فافعل، أو كذلك فليكن.\nقوله: \"عن أبي هريرة\"، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^١) فقولوا آمين\" قال العلماء ﵃: يستحب عقب الفاتحة آمين سواء كان في الصلاة أو خارجها وهو في الصلاة أشد استحبابا لما روى أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان عن وائل بن حجر قال: صليت خلف النبي -ﷺ- فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"آمين\" ومد بها صوته (^٢)، وروى الدارقطني أيضا والحاكم وابن حبان أن النبي -ﷺ- كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: \"آمين\" (^٣)، وروى أبو هريرة \"أنه -ﷺ- كان إذا أمن أمن من خلفه حتى إن للمسجد ضجة\"، وروي \"لجة\" (^٤)، وقال\n_________\n(^١) سورة الفاتحة، الآية: ٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٩٣٢)، والترمذي (٢٤٨)، وابن حبان (١٨٠٥)، والدارقطني (١٢٦٩).\nوقال الترمذي: حديث وائل بن حجر حديث حسن. وصححه الألباني في المشكاة (٨٤٥)، الصحيحة (٤٦٤) صحيح أبي داود (٨٦٣).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (١٨٠٦)، والدارقطني (١٢٧٤)، والحاكم ١/ ٢٢٣. قال الدارقطني: هذا إسناد حسن. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٦٤).\n(^٤) قال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط (٢/ ١١١ - ١١٢): وهو غير صحيح مرفوعًا إلى رسول الله -ﷺ-. وقال النووي في \"التنقيح\": هكذا ذكر هذا الحديث هو في (البسيط)، و(شيخه) في \"النهاية\" وهو غلط، وصوابه ما رواه الشافعي عن عطاء فذكره.","vol":"3","page":598},{"text":"البخاري: وقال عطاء: أمن ابن الزبير ومروان حتى إن للمسجد للجة (^١)، اللجة: بفتح اللام وهي اختلاف الأصوات (^٢)، وأجيب عن الخبر بأن الجمع إذا كثروا واجتمعت أنفاسهم حصلت منه لجة (^٣)، وقال عطاء: أدركت مائتين من الصحابة ﵃ إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّاَلِّينَ﴾ رفعوا أصواتهم بآمين، رواه ابن حبان بها ثقاته (^٤)، قال الحافظ: آمين تمد وتقصر وتشديد الممدود لغية، قيل: هي اسم من أسماء الله تعالي، وقيل: معناها اللهم استجب أو كذلك فافعل أو كذلك فليكن (^٥) انتهى.\nوقال بعض العلماء أيضًا: آمين مبنية على الفتح مثل كيف وأين، وفيها لغات الأولى المد وتخفيف الميم، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة؛ الثانية: بالقصر وتخفيف الميم لأنه لا يخل بالمعني، والأولى والثانية هما أشهرهما، الثالثة بالإمالة وتخفيف الميم، وكذا حكاه الواحدي، الرابعة: بالمد وتشديد الميم ومعناها قاصدين إجابتك، والمشهور أنها لحن هنا (^٦)،\n_________\n(^١) ذكره البخاري في الصحيح (١/ ١٥٦). وأخرجه الشافعي في المسند (٢١٧ و٢١٨)، وعبد الرزاق (٢٦٤٠) و(٢٦٤٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٣٧٠).\n(^٢) هامش التنقيح على الوسيط (٢/ ١٢٠) للنووي، وشرح مشكل الوسيط (٢/ ١١٢) لابن الصلاح، وكفاية النبيه (٣/ ١٢٩).\n(^٣) كفاية النبيه (٣/ ١٣٠).\n(^٤) الثقات (٦/ ٢٦٤).\n(^٥) شرح السنة (٣/ ٦٣).\n(^٦) النجم الوهاج (٢/ ١٢٣ - ١٢٤).","vol":"3","page":599},{"text":"وقيل: معناها جئناك قاصدين ودعوناك راغبين فلا تردنا (^١)، وقال أبو علي الفارسي: آمين جملة من فعل واسم معناه استجب لي، ودليل ذلك أن موسى ﵊ لما دعا على فرعون وأتباعه فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (^٢) قال هارون -﵇-: آمين، فطبق الجملة بالجملة، لذلك حكى ابن سيدة في المحكم عن أبي علي الفارسي، قال الشاعر في آمين:\nيا رب لا تسلبني حبها أبدًا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا (^٣)\nوقال آخر:\nآمين آمين لا أرضي بواحدة ... حتى أبلغها ألفين آمينا (^٤)\nواختلف العلماء في بطلان الصلاة بها، فذهب المتولي والروياني إلى ذلك، وقال الشيخان أبو محمد ونصر المقدسي: لا تبطل بذلك وإن تعمده ورجحه شيخ الإسلام النووي قدس الله روحه (^٥)، قال الشافعي ﵀ في في الأم: ولو قال آمين رب العالمين وغير ذلك من الذكر كان حسنًا (^٦)، وروى البيهقي أن رسول الله -ﷺ- كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّاَلِّينَ﴾ قال: رب\n_________\n(^١) حاشية الرملى على أسنى المطالب (١/ ١٥٤).\n(^٢) سورة يونس، الآية: ٨٨.\n(^٣) المحكم (١٠/ ٤٩٤ - ٤٩٥).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ١٢٤).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ١٢٤).\n(^٦) الأم (١/ ١٣١).","vol":"3","page":600},{"text":"اغفر لي آمين (^١)، وقيل: آمين كفن يغطاه قائلها، وقيل: هي اسم تستنزل به الرحمة، قال البغوي في تفسيره: كان معاذ -﵁-: إذا ختم سورة البقرة قال: آمين (^٢) فعلى هذا يستحب للمصلي أن يختم البقرة بآمين، وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى كأن المصلي قال: اهدنا يا الله، وروي: آمين خاتم رب العالمين ومعناه أن الله تعالى دفع به الآفات والبلايا عن عباده فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه ويمنع من فساده وإظهار ما فيه، وقل: آمين طابع على الدعاء وخاتم عليه يختم على الشيء ليحفظ، كأن الداعي يختم على دعائه بهذا حتى يحفظ عمله من الشيطان، وجاء أنها طابع على القراءة أيضًا، وروي أن آمين درجة في الجنة يعني أنها كلمة يكتسب بها قائلها درجة في الجنة (^٣).\nلطيفة فيها بشرى: عن وهب بن منبه قال: آمين أربعة أحرف فمن قالها خلق الله تعالى بعدد كل حرف منها ملكا يستغفر لقائلها إلى يوم القيامة، وفي حديث آخر: \"يخلق الله من كل حرف ملكا يقول اللهم اغفر لكل من قال\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٢ رقم ١٠٧)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ٨٤ رقم ٢٤٥٠) عن وائل ابن حجر. قال ابن رجب في الفتح (٧/ ٩٩): وهذا الإسناد لا يحتج به. وقال العراقى في طرح التثريب (٢/ ٢٦٩): في إسناده أبا بكر النهشلي وهو ضعيف.\n(^٢) تفسير البغوي (١/ ٣٥٨).\n(^٣) انظر: شرح السنة (٣/ ٦٣)، ومطالع الأنوار (١/ ٢٩٠ - ٢٩١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٣).","vol":"3","page":601},{"text":"آمين\" (^١) قال العلماء: ورد في الحديث النهي أن يسبق المأموم الإمام بآمين، فقد روى الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين عن النبي -ﷺ- أنه قال لبلال: \"يا بلال لا تسبقني بآمين\" (^٢)؛ يستحب التأمين في الصلاة للإمام والمأموم والمنفرد، ويجهر به الإمام والمنفرد في الصلاة الجهرية، والصحيح أن المأموم أيضًا يجهر به وسواء كان الجمع قليلا أو كثيرا، ويستحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده، وليس في الصلاة موضع يستحب أن يقترن فيه قول المأموم بقول الإمام إلا في قوله آمين، وأما باقي الأقوال فيتأخر قول المأموم فيها عن الإمام، هذا مذهب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل؛ وقال مالك في رواية: لا يؤمن المأموم في الجهرية، وعن الإمام مالك أيضًا رواية أن الإمام لا يأتي بالتأمين لحديث: \"قسمت الصلاة\" وليس فيه التأمين، قلنا: قوله: \"إذا أمن الإمام فأمنوا\" يرده، وأما \"قسمت الصلاة\" فالمراد الفاتحة وليس التأمين منها، قال العلماء: فيستحب فصل آمين من الفاتحة لئلا يتوهم متوهم أنها منها والله أعلم، وقال أبو حنيفة والكوفيون ومالك أيضًا في رواية: لا يجهر بالتأمين، وقال الأكثرون: يجهر (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الثعلبي (١/ ١٢٦)، وتفسير القرطبي (١/ ١٢٧).\n(^٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢١٩). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وضعفه البيهقي في خلاصة الأحكام (١١٩٥).\n(^٣) انظر: الأذكار (ص ١١٨) والتبيان (ص ١٣٤ - ١٣٥) وشرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٠) والمجموع (٣/ ٣٧١ - ٣٧٤).","vol":"3","page":602},{"text":"تنبيه: قال ابن العماد في مصنفاته: وكثير من جهلة العوام إذا فرغ الإمام من قراءة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بادروا بالتأمين قبل شروع الإمام فيه وهم مخطئون في إصابة السنة ومحرومون من مغفرة ما تقدم من ذنوبهم بسبب عدم الموافقة في التأمين.\nفائدة: يستحب في الصلاة خمس سكتات، الأولى: عقيب تكبيرة الإحرام حتى لا يصلها بدعاء الاستفتاح؛ الثانية: يسكت بعد الفراغ من دعاء الاستفتاح سكتة يسيرة ولا يصل القراءة بالدعاء؛ الثالثة: إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ استحب أن سكتة لطيفة ثم يقول آمين لئلا يتوهم متوهم أن آمين من الفاتحة؛ الرابعة: يسكت بين آمين وبين قراءة السورة ولا يصلها بها ويسكت الإمام بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة؛ الخامسة: إذا فرغ من قراءة السورة سكت سكتة لطيفة ولا يصلها بتكبيرة الهوى إلى الركوع والله أعلم (^١).\nلطيفة: في الحديث أنه -ﷺ- نهى عن المواصلة في الصلاة قال في الإحياء: السنة أن يفصل بين التسليمتين لأن النبي -ﷺ- نهى عن المواصلة في الصلاة، عزاه رزين إلى الترمذي، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: ما كنا ندري ما المواصلة في الصلاة حتى قدم علينا الإمام الشافعي قدس الله سره فمضى إليه أبي فسأله عن أشياء وكان فيما سأله عن المواصلة في الصلاة، وليس في الإحياء قول عبد الله ابن الإمام أحمد إلى آخره فقال الشافعي:\n_________\n(^١) نزهة المجالس (١/ ١٤٤).","vol":"3","page":603},{"text":"هي مواضع في الصلاة منها أن يقول الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فيقول من خلفه آمين معا أي يقولها بعد أن يسكت الإمام؛ ومنها: أن يصل القراءة بالتكبير، ومنها: السلام عليكم ورحمة الله فيصلها بالتسليمة الثانية فالأولى فرض والثانية سنة، فلا يجمع بينهما، ومنها: إذا كبر الإمام فلا يكبر معه حتى يسبقه ولو بواو (^١).\nفرع: قال في البحر في كتاب الصلاة: لا يجوز أن يؤمن على دعاء الكافر لأن دعاءه غير مقبول، قال الله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (^٢) قال ابن عباس ﵄: أصواتهم محجوبة عن الله تعالى فلا يسمع دعاءهم، وروى أصحاب السنن والحاكم بإسناده أن النبي -ﷺ- قال: \"الدعاء هو العبادة\" والعبادة لا تصح من الكافر، وقال آخرون: قد يستجاب للكافر كما يستجيب لإبليس في الإنظار، وأجابوا عن الآية بأن المراد بالدعاء العبادة (^٣) انتهى.\nقوله -ﷺ-: \"فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\" في هذا الحديث استحباب التأمين عقب الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد كما تقدم لقوله -ﷺ-: \"وإذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا آمين\" ليوافق تأمين الملائكة المقتضية مغفرة ما تقدم من الذنوب، قال النووي ﵀:\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٩٣)، والنجم الوهاج (٢/ ١٧٣).\n(^٢) سورة الرعد، الآية: ١٤.\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦).","vol":"3","page":604},{"text":"والظاهر والله أعلم أن المراد الموافقة في الزمان فإن الإمام عند فراغ الفاتحة يؤمن وكذلك المأموم والملائكة فإنه قد قيل: إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه كما رواه البخاري أيضًا معناه: وافقهم في وقت التأمين فأمر مع تأمينهم هذا هو الصحيح والصواب (^١)، وفي ذلك مزية عظيمة ودرجة رفيعة للإمام تقتضي التهالك على الإمامة لينال هذا الأجر العظيم، فإن لم تتفق موافقته أمن عقبه فإن لم يؤمن الإمام أو لم يسمعه أو لم يدر هذا أمن أو لا أمن هو، ولو آخر الإمام التأمين عن الوقت المستحب فيه أمن المأموم (^٢) والله أعلم.\nوحكى القاضي عياض (^٣) قولا سبقه إليه الخطابي أن معناه وافقهم في الصفة والخشوع والإخلاص لقوله -ﷺ-: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه\" وقيل في اللفظ: لا في الزمان، ومعنى قوله: \"إذا أمن فأمنوا\" أي: إذا شرع فاشرعوا ليحصل التوافق (^٤)، وبه تجتمع الأحاديث ولم أجد في الحديث: \"فمن وافق تأمينه تأمين الإمام\" وقد نقلها الشيخ علاء الدين ابن العطار رواية ولم يعزها إلى كتاب (^٥) قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٠).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١٢٤).\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٣٠٩).\n(^٤) فتح الباري (٧/ ٩٧) لابن رجب.\n(^٥) العدة (١/ ٤٢١ - ٤٢٢).","vol":"3","page":605},{"text":"قال شيخ الإسلام النووي في شرح مسلم: واختلفوا في هؤلاء الملائكة المذكورين، فقيل: هم الحفظة والراجح أنهم غيرهم لقوله -ﷺ-: \"إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء آمين\" الحديث رواه مسلم، فهذا يدل على أنهم غير الحفظة لأن لفظ السماء مشعر بأنه لا يختص الملائكة بالحفظة، وأجاب الأولون القائلون بأنهم الحفظة عنه بأنه إذا قالها الحاضرون من الحفظة يقولها من فوقهم حتى تنتهي إلى أهل السماء (^١)، وفي هذا الحديث أن الملائكة يدعون للبشر ويستغفرون لهم ويؤمنون على دعاء المؤمن طمعا في الإجابة والقبول وليس المعنى الموافقة في اللفظ بها في وقت واحد بل المعنى أن تأمين الملائكة عن ثقة بالله وإخلاص (^٢)، وفيه دليل على قراءة الفاتحة لأن التأمين لا يكون إلا عقبها (^٣)، وفيه أن التأمين سنة لكل مصل إماما ومأموما ومنفردا (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"غفر له ما تقدم من ذنبه\" هو لفظ عام فيقتضي عموم مغفرة الذنوب إلا ما يتعلق بحقوق الناس فإنها لا تغفر بقول آمين وذلك معلوم من الأدلة الخارجية المخصصة لعمومات مثله، وقيل معنى غفر له يعني غفر له وإن لم ينال المغفرة لأن الملائكة قد سألت المغفرة له والمراد بالذنوب هنا والله\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٠).\n(^٢) رياض الأفهام (٢/ ١٣٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٠).\n(^٤) المجموع (٣/ ٣٧١) وفتح الباري (٧/ ١٠٠) لابن رجب.","vol":"3","page":606},{"text":"أعلم الصغائر كما تقدم في نظائره فإن لم يكن له صغائر فيرجى تخفيف الكبائر فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة فإن لم يكن له كبائر فترفع له الدرجات (^١).\nقوله -ﷺ- في رواية ابن ماجه والنسائي: \"إذا أمن القارئ فأمنوا\" ظاهره مشكل يقتضي إيقاع تأمين المأمون عقم تأمين الإمام وللشافعي أن يقال في الكلام حذف والمعنى إذا أراد التأمين فأمنوا (^٢) كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (^٣) الآية أي إذا أردت قراءة القرآن ولو سبق المأموم الإمام بقراءة الفاتحة قال البغوي لا يؤمن حتى يفرغ الإمام من الفاتحة ويؤمن معه (^٤) والأصح أنه يؤمن لقراءته ثم يؤمن مع الإمام (^٥) والله أعلم.\n\n٧٣٤ - وَعَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: مَا حسدتكم الْيَهُود على شَيْء مَا حسدتكم على السَّلَام والتأمين\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَأحمد وَلَفظه إِن رَسُول الله -ﷺ- ذكرت عِنْده الْيَهُود فَقَالَ إِنَّهُم لم يحسدونا على شَيْء كَمَا حسدونا على الْجُمُعَة الَّتِي هدَانَا الله لهَا وَضَلُّوا عَنْهَا وعَلى الْقبْلَة الَّتِي هدَانَا الله لهَا وَضَلُّوا عَنْهَا وعَلى قَوْلنَا خلف الإِمَام آمين (^٦). رَوَاهُ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١١٣)، والعدة (١/ ٤٣٤)، والكواكب الدراري (٥/ ١٤١).\n(^٢) المجموع (٣/ ٣٧٢).\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(^٤) التهذيب (٢/ ٩٨).\n(^٥) المجموع (٣/ ٣٧٣).\n(^٦) أخرجه أحمد ٦/ ١٣٤ (٢٥٠٢٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٨٨) والتاريخ الكبير (١/ ٢٢)، وابن ماجه (٨٥٦)، وابن خزيمة (٥٧٤) و(١٥٨٥). قال الهيثمي في المجمع =","vol":"3","page":607},{"text":"الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن وَلَفظه قَالَ إِن الْيَهُود قد سئموا دينهم وهم قوم حسد وَلم يحسدوا الْمُسلمين على أفضل من ثَلَاث رد السَّلَام وَإِقَامَة الصُّفُوف وَقَوْلهمْ خلف إمَامهمْ فِي الْمَكْتُوبَة آمين (^١).\nقوله: عن عائشة تقدم الكلام على بعض مناقبها.\nقوله -ﷺ-: \"ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين\" وفي الرواية الأخرى التي في الطبراني \"إقامة الصفوف\" سيأتي الكلام على حقيقة الحسد ومعناه في بابه مبسوطا، وأما التأمين فتقدم الكلام عليه في أول الباب وأما إقامة الصفوف وهو تسويتها فتقدم قريبا.\n\n٧٣٥ - وَعَن أنس -﵁-: قَالَ كُنَّا عِنْد النَّبِي -ﷺ- جُلُوسًا فَقَالَ إِن الله قد أَعْطَانِي خِصَالًا ثَلَاثَة أَعْطَانِي صَلَاة فِي الصُّفُوف وَأَعْطَانِي التَّحِيَّة إِنَّهَا لتحية أهل الْجنَّة وَأَعْطَانِي التَّأْمِين وَلم يُعْطه أحدا من النَّبِيين قبلي إِلَّا أَن يكون الله\n_________\n= ٢/ ١٥: رواه أحمد، وفيه علي بن عاصم شيخ أحمد وقد تكلم فيه بسبب كثرة الغلط والخطأ، قال أحمد: أما أنا فأحدث عنه، وحدثنا عنه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥١٥).\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٤٦ - ١٤٧ رقم ٤٩١٠) والشاميين (١٨٩٦) ومن طريقه ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٢٨). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن معاذ بن جبل إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم منبهًا أبا وهب أسند حديثًا غير هذا. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١١٢ - ١١٣: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وقال الحافظ: قلت: رواته موثقون إلا عيسي، وفي طبقته عيسى بن يزيد بن بكر بن داب، فإن كان هو فهو ضعيف، وإلا فمجهول. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٤٨) وضعيف الترغيب (٢٦٧).","vol":"3","page":608},{"text":"قد أعطَاهُ هَارُون يَدْعُو مُوسَى ويؤمن هَارُون رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من رِوَايَة زَرْبِي مولى آل الْمُهلب وَتردد فِي ثُبُوته (^١).\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام على بعض مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله قد أعطاني خصالا ثلاثة أعطاني صلاة في الصفوف وأعطاني التحية إنها لتحية أهل الجنة وأعطاني التأمين ولم يعطه أحدا من النبيين قبلي إلا أن يكون الله قد أعطاه هارون يدعو موسى\" الحديث تقدم الكلام على صلاة الصفوف وأما التحية فهي السلام سيأتي الكلام عليه في بابه وتقدم الكلام على التأمين.\nتنبيه: كان هارون -﵇- أكبر من موسى -﵇- بثلاث سنين وأحب إلى بني إسرائيل من موسى لأنه كان لين الغضب وكان هارون -﵇- أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه وقيل كان أخاه لأمه دون أبيه (^٢) والله اعلم.\nفائدة: قال العلماء كلمة آمين لم تكن قبلنا لموسى وهارون ﵉ ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وأسند عن أنس قال قال رسول الله -ﷺ- \"إن الله أعطى أمتي ثلاثا لم يعطها أحدا قبلهم السلام وهو تحية أهل الجنة\" الحديث وفي آخره \"وآمين إلا ما كان من موسى وهارون ﵉\" قال أبو عبد الله معناه أن موسى دعا على فرعون وأمن هارون فقال\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١٥٨٦)، والبيهقي في الدعوات (٦٥٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٦٨) وضعيف الجامع (١٥٥٩).\n(^٢) تفسير البغوي (٣/ ٢٨٤).","vol":"3","page":609},{"text":"﵎ عندما ذكر دعاء موسى في تنزيله ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (^١) ولم يذكر مقالة هارون وقال موسى ربنا وكان من هارون التأمين فسماه في القرآن داعيا (^٢) قال القرطبي وقيل إن آمين خاص بهذه الأمة لهذا الحديث (^٣).\n\n٧٣٦ - وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا قَالَ الإِمَام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٤) قَالَ الَّذين خَلفه آمين الْتَقت من أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض آمين غفر الله للْعَبد مَا تقدم من ذَنبه قَالَ وَمثل الَّذِي لَا يَقُول آمين كَمثل رجل غزا مَعَ قوم فاقترعوا فَخرج سِهَامهمْ وَلم يخرج سَهْمه فَقَالَ مَا لسهمي لم يخرج قَالَ إِنَّك لم تقل آمين رَوَاهُ أَبُو يعلى من رِوَايَة لَيْث بن أبي سليم (^٥).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٨٩.\n(^٢) نوادر الأصول (٤/ ٢٠).\n(^٣) تفسير القرطبي (١/ ١٣٠).\n(^٤) سورة الفاتحة، الآية: ٧.\n(^٥) أخرجه أبو يعلى (٦٤١١) وعنه أبو الشيخ في الأمثال (٢٧٧). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ١١٣: رواه أبو يعلى وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة مدلس وقد عنعنه. وقال البوصيرى في اتحاف الخيرة ٢/ ١٦٦ - ١٦٧: ليث هو ابن أبي سليم ضعيف، وهو في الصحيحين وغيرهما دون قوله: ومثل الذي لا يؤمن ... إلى آخره. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٦٩).","vol":"3","page":610},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^١) قال الذين خلفه آمين التقت من أهل السماء وأهل الأرض آمين غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه\" غفران الذنوب هو سترها والمراد الصغائر دون الكبائر كما في نظائره وتقدم الكلام على آمين.\nقوله: رواه أبو يعلى أبو يعلى اسمه [أحمد بن عليّ بن المثني بن يحيى بن عيسى بن هلال التَّميميّ، أبو يعلى الموصليّ الحافظ].\nوقوله: من رواية ليث بن أبي سليم قال في العلم المشهور ليث بن أبي سليم اختلط في آخر عمره أي اختل رأيه وثار غضبه واشتقاقه من الاختلاط وهو الغضب قال أبو عبيد والعرب تقول أول العي الاختلاط وأسوأ القول الإفراط (^٢) حكى قول أبي عبيد ابن فارس في مجمل اللغة في حرف الحاء المهملة (^٣) والله أعلم.\n\n٧٣٧ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب -﵁- قَالَ قَالَ النَّبِي -ﷺ- إِذا قَالَ الإِمَام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٤) فَقولُوا آمين يجبكم الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٥) وَرَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي حَدِيث طَوِيل عَن أبي مُوسَى\n_________\n(^١) سورة الفاتحة، الآية: ٧.\n(^٢) تصحيح التصحيف (ص ٨٨).\n(^٣) مجمل اللغة (ص ٢٤٩).\n(^٤) سورة الفاتحة، الآية: ٧.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢١٤ رقم ٦٨٩١). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١١٣: رواه الطبراني في الكبير وفيه سعيد بن بشير وفيه كلام. وصححه الألباني في صحيح =","vol":"3","page":611},{"text":"الْأَشْعَرِيّ قَالَ فِيهِ إِذا صليتم فأقيموا صفوفكم وليؤمكم أحدكُم فَإِذا كبر فكبروا وَإِذا قَالَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^١) فَقولُوا آمين يجبكم (^٢).\nقوله: وعن سمرة بن جندب -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٣) فقولوا آمين يجبكم الله\" الحديث قال في الغنية في قوله يجبكم الله هو بضم الياء وبعدها جيم من إجابة الدعاء لأن آمين معناها اللهم استجب وكثير من الناس يقرأه بالحاء المهملة فيجعله من المحبة وليس هذا موضعه والله أعلم ففي هذا الحديث حث عظيم على التأمين فيتأكد الاهتمام به والله أعلم.\n\n٧٣٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"مَا حسدتكم الْيَهُود على شَيْءٍ مَا حسدتكم على آمين فَأَكْثِرُوا من قَول آمين\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٤).\n_________\n= الترغيب (٥١٦).\n(^١) سورة الفاتحة، الآية: ٧.\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٢ - ٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٧٣ (٨٤٢) و٢/ ٤٤٨ (١٠٧٦) و٢/ ٥٢٤ (١١٨٥) و٣/ ٧٩ (١٢٩٦) والكبرى (٩٧٢) و(٧٦٢) و(٩٠٦) و(١٢٠٤). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٨٩٣) وصحيح الترغيب (٥١٧).\n(^٣) سورة الفاتحة، الآية: ٧.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٨٥٧). وقال البوصيري في الزجاجة ١/ ١٠٧: هذا إسناد ضعيف =","vol":"3","page":612},{"text":"٧٣٩ - وَعَن أبي مصبح المقرائي قَالَ كُنَّا نجلس إِلَى أبي زُهَيْر النميري -﵁- وَكَانَ من الصَّحَابة يحدّث أحسن الحَدِيث فَإِذا دَعَا الرجل منا بِدُعَاء قَالَ اختمه بآمين فَإِن آمين مثل الطابع على الصَّحِيفَة قَالَ أَبُو زُهَيْر النميري أخْبركُم عَن ذَلِك خرجنَا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- ذَات لَيْلَة نمشي فأتينا على رجل قد ألح فِي الْمَسْأَلَة فَوقف النَّبِي -ﷺ- يستمع مِنْهُ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- أوجب إِن ختم فَقَالَ رجل من الْقَوْم بِأَيّ شَيْء يخْتم فَقَالَ بآمين فَإِنَّهُ إِن ختم بآمين فقد أوجب فَانْصَرف الرجل الَّذِي سَأَلَ النَّبِي -ﷺ- فَأتى الرجل فَقَالَ اختم يَا فَلَان بآمين وأبشر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nمصبح بِضَم الْمِيم وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا حاء مُهْملَة والمقرائي بِضَم الْمِيم وَقيل بِفَتْحِهَا وَالضَّم أشهر وبسكون الْقَاف وَبعدهَا رَاء ممدودة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة بِدِمَشْق.\nقوله: \"وعن أبي مصبح المقرائي\" أبو مصبح اسمه [لا يعرف قال أبو داود: المقرائي قبيلة من حمير وهكذا ذكره غيره الروياني الأوزاعي الحمصي روى عن ثوبان وأبي زهير الأنماري وشداد بن أوس وشرحبيل بن\n_________\n= لاتفاقهم على ضعف طلحة بن عمرو. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (٢٧٠).\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٣٢)، وأبو داود (٩٣٨)، والدولابى في الكنى (١٩٨)، والطبراني في الدعاء (٢١٨) والكبير (٢٢/ ٢٩٦ رقم ٧٥٦). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٦٨)، والمشكاة (٨٤٦)، وضعيف الترغيب (٢٧١).","vol":"3","page":613},{"text":"السمط وواثلة وجابر وغيرهم وعنه صبيح بن محرز المقرأي وحريز بن عثمان والأوزاعي وعبد الرحمن بن يزيد وأبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد وغيرهم قال أبو زرعة ثقة لا أعرف اسمه وذكره ابن حبان في الثقات].\nوالمقرائي نسبة إلى قرية بدمشق وهو بضم الميم وروي بفتحها والضم أشهر وبسكون القاف ممدودا قاله الحافظ وكان من الصحابة -﵁- يحدث أحسن الحديث.\nقوله: \"فأتينا على رجل قد ألح في المسألة\"، أي بالغ في الدعاء والسؤال من الله ﷿.\nقوله: \"فقال النبي -ﷺ- أوجب إن ختم بآمين\" يقال أوجب الرجل إذا عمل عملا يوجب له الجنة أو النار.\nقوله: \"فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب\" أي استجيب إذا قال آمين في آخر دعائه استجاب الله منه دعاءه ومسألته قاله في شرح المصابيح.\n\n٧٤٠ - وَعَن حبيب بن سَلمَة الفِهري -﵁- وَكَانَ مجاب الدعْوَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَا يَجْتَمع مَلأ فيدعو بَعضهم ويؤمن بَعضهم إِلَّا أجابهم الله رَوَاهُ الْحَاكِم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ٢١ رقم ٣٥٣٦)، والحاكم (٣/ ٣٤٧). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٧٠: رواه الطبراني وقال: الهنباط بالرومية: صاحب الجيش. ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٩٦٨) وضعيف الترغيب (٢٧٢).","vol":"3","page":614},{"text":"قوله: \"وعن حبيب بن سلمة الفهري -﵁- وكان مجاب الدعوة\"، هو حبيب بن مسلمة الفهري المكي نزيل الشام مختلف في صحبته روى عن النبي -ﷺ- كان يقال له حبيب الروم لكثرة دخوله عليهم وأنكر الواقدي كونه سمع من النبي -ﷺ- وقال كان حبيب يوم وفاة النبي -ﷺ- ابن اثنتي عشرة سنة وآخر غزوة غزاها النبي -ﷺ- تبوك وكان ابن إحدى عشرة سنة وقال يحيى بن معين يقول أهل المدينة إنه لم يسمع من النبي -ﷺ- وأهل الشام يقولون قد سمع من النبي -ﷺ- وقال البخاري له صحبة توفي في خلافة معاوية سنة إحدى وقيل سنة اثنتين وأربعين (^١) انتهى وسيأتي الكلام عليه أيضا بزيادة.\nقوله \"لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله\" الملأ الجماعة وتقدم الكلام على ذلك في كتاب العلم في حديث الخضر -﵇- وتقدم الكلام على تأمين في أول الباب.\n\n٧٤١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ بَيْنَمَا نَحن نصلي مَعَ رَسُول الله -ﷺ- إِذْ قَالَ رجل من الْقَوْم الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله كثيرا وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- من الْقَائِل كلمة كذَا وَكذَا، فَقَالَ رجل من الْقَوْم أَنا يَا رَسُول الله فَقَالَ عجبت لَهَا فتحت لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء، قَالَ ابْن عمر فَمَا تركتهن مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول ذَلِك، رَوَاهُ مُسلم (^٢).\n_________\n(^١) أسد الغابة (١/ ٦٨١ الترجمة ١٠٦٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٠ - ٦٠١)، والترمذي (٣٥٩٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣١٩ (٨٩٧) و٢/ ٣١٩ (٨٩٨) والكبرى (١٠٤٩ و١٠٥٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب =","vol":"3","page":615},{"text":"قوله: وعن ابن عمر ﵄ تقدم.\nقوله: قال بينما نحن نصلي مع رسول الله -ﷺ- إذ قال رجل من القوم الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرًا\" الحديث.\nقوله الله أكبر كبيرًا منصوب بإضمار فعل كأنه قال أكبر كبيرا وقيل هو منصوب على القطع من اسم الله تعالى قاله في النهاية (^١) ففي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي ﵀ وأبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل والجمهور أنه يستحب دعاء الاستفتاح وجاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيح منها هذا الحديث ومنها \"سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وجهت وجهي إلخ\" رواه البيهقي عن جابر أن النبي -ﷺ- كان يقول ذلك حين يفتتح الصلاة وقال مالك لا يستحب دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام ودليل الجمهور هذه الأحاديث الصحيحة وحديث \"اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد\" الذي كان النبي -ﷺ- يقوله بعد تكبيرة الإحرام حجة على مالك ﵀ (^٢).\nفرع: فلو تلبس المصلي بفرض القراءة لم يعد إليه وكذا لو تلبس بسنة\n_________\n= (٥١٨).\n(^١) النهاية (٤/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٢) انظر: المجموع (٣/ ٣٢١) وشرح النووي على مسلم (٥/ ٩٦ - ٩٧)، والكواكب الدراري (٥/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"3","page":616},{"text":"التعوذ على الأصح (^١) وحكمة تقدم دعاء الافتتاح على الفاتحة أن يكون بين يدي الفاتحة كالركعتين بين يدي الفريضة تمرينا لينشرح للإتيان بالفرض على أكمل حاله قاله في شرح الإلمام.\n\n٧٤٢ - وَعَن رفاعة بن رَافع الزرقي -﵁- قَالَ كُنَّا نصلي وَرَاء النَّبِي -ﷺ- فَلَمَّا رفع رَأسه من الرَّكْعَة قَالَ سمع الله لمن حَمده قَالَ رجل من وَرَائه رَبنَا وَلَك الْحَمد حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ فَلَمَّا انْصَرف قَالَ من الْمُتَكَلّم قَالَ أَنا قَالَ رَأَيْت بضعَة وَثَلَاثِينَ ملكا يبتدرونها أَيهمْ يَكْتُبهَا أول رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: \"وعن رفاعة بن رافع الزرقي -﵁-\" كنيته أبو معاذ رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان الأنصاري الزرقي منسوب إلى زريق بطن من الأنصار من الخزرج المدني شهد مع رسول الله -ﷺ- العقبة وبدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان والمشاهد كلها، وأبو رفاعة صحابي واختلفوا في شهوده بدرا وشهد العقبتين الأولى والثانية روى رفاعة عن رسول الله -ﷺ- أربعة وعشرين حديثا روى البخاري منها ثلاثا توفي -﵁- في أول خلافة معاوية -﵁- (^٣).\nقوله: \"قال كنا نصلي وراء النبي -ﷺ- فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع\n_________\n(^١) انظر: المهذب (١/ ١٧١)، والتهذيب (٢/ ٩٢)، والبيان (٢/ ٣٣٢)، والمجموع (٢/ ٣١٨).\n(^٢) أخرجه مالك (٥٦٥)، والبخاري (٧٩٩)، وأبو داود (٧٧٠) و(٧٧٣)، والترمذي (٤٠٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤٤٧ (١٠٧٤) والكبرى (٧٣٥).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٠ - ١٩١٤ الترجمة ١٦٩).","vol":"3","page":617},{"text":"الله لمن حمده قال رجل من ورائه ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه\" الحديث، طيبًا قيل: خالصًا وسيأتي الكلام على التسميع والتحميد في الحديث بعده.\nقوله: \"فلما انصرف\" أي من الصلاة \"قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول\" البضع بكسر الباء وفتحها ما بين الثلاثة إلى العشرة.\nقوله: \"أيهم يكتبها أول\" يعني كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدر هذه الكلمات والله أعلم، وفي هذا الحديث دليل على أن بعض الطاعات يكتبها غير الحفظة (^١) والله أعلم.\nتنبيه: قال بعض العلماء إن الحكمة في كونهم بضعة وثلاثين ملكا كون حروفها بضعة وثلاثين حرفا لكل حرف ملك يكتبه (^٢) والله أعلم قاله في تهذيب النفوس.\n\n٧٤٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا قَالَ الإِمَام سمع الله لمن حَمده فَقولُوا اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد فَإِنَّهُ من وَافق قَوْله قَول الْمَلائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٣) وَفِي\n_________\n(^١) انظر: عمدة القارى (٦/ ٧٥).\n(^٢) كشف المشكل (٤/ ١٦١).\n(^٣) أخرجه مالك (٢٣٤)، والبخاري (٧٩٦) و(٣٢٢٨)، ومسلم (٧١ - ٤٠٩) و(٤٠٩ م)، =","vol":"3","page":618},{"text":"رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم فَقولُوا رَبنَا وَلَك الْحَمد بِالْوَاو (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد\" وإنما خص هذا بالذكر لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي -ﷺ- بسمع الله لمن حمده فإن السنة فيه الجهر ولا يسمعون قوله ربنا لك الحمد غالبا لأنه كان يأتي به سرا فكانوا يوافقون في سمع الله لمن حمده فلم يحتج إلى الأمر به ولا يعرفون ربنا لك الحمد فأمروا به (^٢) ويستدل به من يقول إن التسميع خاص بالإمام وأن قوله ربنا لك الحمد مختص بالمأموم وهو اختيار مالك (^٣) ومذهب الشافعي أنه يستحب للمأموم أن يجمع بينهما ويسر فيقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، قال العلماء معنى قوله سمع الله لمن حمده أجاب حمد من حمده بفضله يقال اسمع دعائي، أي: أجب لأن غرض السائل الإجابة والقبول ومعناه أن من حمد الله تعالى متعرضا لثوابه استجاب الله له وأعطاه ما تعرض له فإنا نقول ربنا لك الحمد لتحصيل ذلك (^٤) والله أعلم.\n_________\n= وأبو داود (٨٤٨)، والترمذي (٢٦٧)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤٤٨ (١٠٧٥) والكبرى (٧٣٦).\n(^١) هذا لفظ الترمذي والنسائي.\n(^٢) المجموع (٣/ ٤٢٠).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٢٢٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٩٣).","vol":"3","page":619},{"text":"قوله: \"فقولوا اللهم ربنا لك الحمد\" الحديث جاء في رواية مالك والبخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم بحذف الواو واقتصر النووي والجمهور على ربنا لك الحمد بلا واو وفي رواية للبخاري ومسلم \"فقولوا ربنا ولك الحمد\" بالواو وأكثر الروايات بالواو فإثبات الواو وحذفها في ذلك وزيادة اللهم فكل جائز ولكن الاختيار الإثبات والزيادة وقال الشافعي في الأم وهو أحب إلي وقد نص الشافعي على استحباب الواو في البويطي قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في شرح العمدة: كأن إثبات الواو دال على معنى زائد لأنه يكون التقدير يا الله يا ربنا استجب ولك الحمد أي ربنا اسمع دعاءنا ولك الحمد فيكون الكلام مشتملا على معنى الدعاء ومعنى الخبر، وقال بعض العلماء إنهما جملتان بخلاف الحذف وأن معناه النداء بالحمد لا غير قال بعض العلماء والعمل برواية إثبات الواو أولى وإذا قيل بإسقاط الواو دل على أحد هذين (^١)، وقد حكي عن الشافعي حكاه عنه ابن قدامة وقال إن الواو للعطف وليس ها هنا شيء يعطف عليه وعن مالك وأحمد في ذلك خلاف، روى ابن القاسم عن مالك أن الأفضل إثباتها وقال النووي قدس الله سره كلاهما جاءت به روايات كثيرة والمختار أنه على وجه الجواز وأن الأمرين جائزان ولا ترجيح لأحدهما على الآخر قاله في شرح الأحكام (^٢).\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ٢٢٤).\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٢١)، وإحكام الأحكام (١/ ٢٢٤)، والعدة (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، ورياض الأفهام (٢/ ١٩٧ - ١٩٨)، وطرح التثريب (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣).","vol":"3","page":620},{"text":"قوله: \"فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\" ففيه أن الملائكة يشاركون المصلين في ذلك ويدعون لهم وبهذا يعظم جزاء المصلي لا سيما في الجماعة واختلف العلماء في هؤلاء الملائكة فقيل هم الحفظة وقيل هم غيرهم ممن يبلغه ذلك قال بعضهم يقول ذلك من سمع المصلي من ملائكة الأرض والطبقة الذين فوقهم وكذلك كل طبقة إلى أن ينتهي إلى ملائكة السماء فيكون اجتماع حمدهم مع حمد المصلي سببا للمغفرة لصعوده دفعة واحدة من قوم صالحين (^١).\nوالحكمة في التحميد بعد التسميع ما فيه من التعرض لإجابة دعائه بدخوله فيمن سمع الله لهم وأما قوله غفر له ما تقدم من ذنبه فالظاهر أنه مختص بالصغائر كما قيل في موافقة التأمين بشرط أن لا يتعلق بالآدمي كالغيبة فإنها صغيرة على الصحيح عندنا وكذا القليل من المال والكذب الخفيف وأما الكبائر فلا بد فيها من التوبة وإلا فصاحبها في المشيئة وقال بعضهم لا بد من التوبة في الجميع ويحتمل أن يغفر للجميع (^٢) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٠) والمجموع (٣/ ٣٧٢)، وتنوير الحوالك (١/ ٨٥).\n(^٢) النفح الشذى (٤/ ٤٥٢)، والكواكب الدراري (٥/ ١٤١).","vol":"3","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>[الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود]</span>\n٧٤٤ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: \"أما يخْشَى أحدكُم إِذا رفع رَأسه من رُكُوع أَو سُجُود قبل الإِمَام أَن يَجْعَل الله رَأسه رَأس حمَار أَو يَجْعَل الله صورته صُورَة حمَار\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١)، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا يُؤمن أحدكُم إِذا رفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس كلب (^٢).\nوَرَوَاهُ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا على عبد الله بن مَسْعُود بأسانيد أَحدهَا جيد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩١)، ومسلم (١١٤ و١١٥ و١١٦ - ٤٢٧)، وابن ماجه (٩٦١)، وأبو داود (٦٢٣)، والترمذي (٥٨٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٧٢ (٨٤٠) والكبرى (٩٩٠).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٢٢٨٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤ رقم ٤٢٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٢٥ - ٢٢٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن ميسرة إلا أبو إسماعيل المؤدب، تفرد به: الربيع بن ثعلب.\nوقال أبو نعيم: هذا من غرائب حديث مسعر، ذاكر به القدماء قديما من حديث يوسف بن عدي، وأنه من مفاريده، رواه غير واحد من المتأخرين عن جماعة، عن مسعر، فروي من حديث وكيع، ومحمد بن عبد الوهاب القتات، وعبد الرحمن بن مصعب الكوفي بأسانيد لا قوام لها، مما وهمت فيه الضعاف عن قريب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٤٩) وضعيف الترغيب (٢٧٣ و٢٧٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧١٤٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠ رقم ٩١٧٣ و٩١٧٤ و٩١٧٥). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧٩: رواه الطبراني في الكبير بأسانيد منها إسناد رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٧٤).","vol":"3","page":622},{"text":"وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا عَن النَّبِي -ﷺ- وَلَفظه أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس كلب (^١) قَالَ الْخطابِيّ اخْتلف النَّاس فِيمَن فعل ذَلِك فَروِيَ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ لَا صَلَاة لمن فعل ذَلِك وَأما عَامَّة أهل الْعلم فَإِنَّهُم قَالُوا قد أَسَاءَ وَصلَاته تُجزئه غير أَن أَكْثَرهم يأمرون بِأَن يعود إِلَى السُّجُود وَيمْكث فِي سُجُوده بعد أَن يرفع الإِمَام رَأسه بِقدر مَا كَانَ ترك (^٢) انْتهى. قوله: \"عن أبي هريرة -﵁-\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه من ركوع أو سجود قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار\" أو \"يجعل الله صورته صورة حمار\".\nوفي رواية الطبراني: \"أن يحول الله رأسه رأس كلب\".\nوفي غيره \"رأس كبش\" (^٣) فقوله \"أو يجعل الله صورته صورة حمار\" هو شك من أبي هريرة الراوي وهذا يدل على جواز الرواية بالمعنى إن كانت القصة واحدة وإن كانت مرات فلا كلام، والمعنى منهما إن أريد الحقيقة وإن أريد الصفة الباطنة من البلادة فهي متحدة (^٤) وسببه أن المسابقة لا تغني عنه\n_________\n(^١) مر تخريجه في حديث الطبراني.\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٧٧).\n(^٣) ذكره الرويانى في بحر المذهب (٢/ ٤١).\n(^٤) المفهم (٤/ ١٤٤).","vol":"3","page":623},{"text":"شيئا لأنه لا يسلم إلا بعد سلام إمامه وقال الشيخ علاء الدين بن العطار ونقل أنه وقع التحويل لشخص أو شخصين بسند صحيح وإن كان التوعد به لا يلزم وقوعه (^١) قاله في شرح الإلمام.\nقال العلماء إذا سابق المأموم الإمام فيخشى عليه أن يمسخ ويكفيه قول النبي -ﷺ-: \"أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام\" الحديث ومعنى قوله أن يجعل الله رأسه رأس حمار أي مع بقاء صورته على شكل الإنسان والمراد بتحويل الصورة أن يجعل الله بدنه كهيئة الحمار وفي الرواية الأخرى وجهه وجه حمار (^٢) قال الشيخ تقي الدين هذا التحويل يقتضي تغيير الصورة الظاهرة فيتحول وجهه حقيقة، ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام، قال وربما رجح هذا المجاز بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام (^٣)، وقيل: المراد تحويل صورته يوم القيامة فيحشر على تلك الصفة علما له على سبق الإمام (^٤)، وليس المراد وقوع ذلك في الحال ولا يمتنع وقوع ذلك في الدنيا، فقد حكى الشيخ شهاب الدين بن هشام أن بعض العلماء فعل ذلك امتحانا\n_________\n(^١) العدة (١/ ٤٢٠).\n(^٢) القول التمام (ص ١٣ - ١٤).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٢٢٢).\n(^٤) الإعلام (٢/ ٥٤٤).","vol":"3","page":624},{"text":"فحول رأسه رأس حمار، وكان يجلس بعد ذلك خلف بيته حتى لا يبرز للناس، وكان يفتي من وراء الحجاب والله أعلم بصحة ذلك (^١).\nوحكى أيضا بعض العلماء أن بعض القراء السبع مسخ لإساءة أدبه في السنة، وفي الحديث دليل على وقوع المسخ وجواز وقوعه في بعض الأعضاء دون بعض أعاذنا الله منه وهو لا يكون إلا من شدة الغضب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (^٢) (^٣) قيل: وخص الحمار بالذكر لشدة بلادته، ولهذا ضرب الله به المثل فقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (^٤) وذلك لما فيه من شدة البلادة وعدم الفطنة، والفعل لذلك كأنه في غاية البلادة حيث لم يعلم أن معني الإئتمام المتابعة ولا يتقدم التابع على المتبوع، فجعل ظاهره على ما هو مقتضى عمله (^٥) فسبقه إياه دليل على أن عنده مزيد تغفل وقلة تعقل وعدم تدبر.\nقلت: وأمثال هذه الحكم لا يعلمها إلا الله تعالى لكن يحتمل أن يقال الحمار مشهور بالبلادة والفاعل لذلك كأنه في غاية البلادة (^٦) كما تقدم،\n_________\n(^١) مواهب الجليل (٢/ ١٢٨ - ١٢٩) نقلا عن الدميري في شرح ابن ماجه.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٦٠.\n(^٣) القول التمام (ص ١٤).\n(^٤) سورة الجمعة، الآية: ٥.\n(^٥) الكواكب الدراري (٥/ ٧٤).\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"3","page":625},{"text":"وقيل: هذا المسخ مجاز عن البلادة لأن المسخ لا يجوز في هذه الأمة لأن هذه الأمة أمنت من المسخ فمسخها يكون بمسخ القلوب، ويجوز أن يحمل على الحقيقة فيكون مسخا والمسخ جائز في هذه الأمة (^١) والله أعلم، [قال الخطابى: هذا وعيد شديد، وذلك أن المسخ عقوبة لا تشبه العقوبات، فضرب المثل به ليتقي هذا الصنيع ويحذر (^٢)]، وهذا الحديث صريح في تحريم مسابقة المأموم للإمام بالركوع والسجود وغيرهما من أركان الصلاة، وبه صرح البغوي والمتولي، وصححه النووي في شرح المهذب وهو ظاهر إيراد الكفاية (^٣) انتهى.\nوأخذ الفقهاء من هذا أن المأموم يجب عليه متابعة الإمام في الأفعال واحترز بذلك عن الأقوال فإن المتابعة فيها لا تجب بل يجوز أن يسبق بالقراءة والتشهد وغيرهما إلا في التحريم فلا بد من تأخر جميع لفظها حتى يثبت للإمام كونه إماما فينتظم الاقتداء به، فإذا قارنها في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته بعد، والأصح أنه لا تضر المقارنة في السلام (^٤) والله اعلم؛ قال الخطابي: اختلف الناس فيمن فعل ذلك فروي عن ابن عمر أنه قال لا صلاة لمن فعل ذلك، وأما عامة أهل العلم فإنهم قالوا قد أساء وصلاته مجزئة غير\n_________\n(^١) انظر: شرح المشكاة (٤/ ١١٦٤)، والجواب الكافى (ص ١١٨ - ١١٩).\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٤٧٦).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، وكفاية النبيه (٣/ ٥٩٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٩٩)، وحياة الحيوان (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣).","vol":"3","page":626},{"text":"أن أكثرهم يأمرونه بأن يعود إلى السجود ويمكث في سجوده بعد أن رفع مع الإمام رأسه بقدر ما كان ترك (^١)، أ. هـ.\nتنبيه: تحريم المسابقة كما تقدم لكن إذا فعله عالما وجب الرجوع إلى المتابعة، وقيل: ينظر إلى الذي سبقه إليه، وكذلك إن كان جاهلا لكنه لا إثم عليه إلا من جهة تفريطه في التعلم.\nفائدة في تاريخ نيسابور وكامل ابن عدي من حديث ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"شر الحمير الأسود القصير\" (^٢) والحمير العير بفتح العين المهملة يقع على الذكر والأنثي، وربما قالوا في الأتان حمار، والحمار الأهلي حمير وحمر وأحمرة، ومنه نوع يصلح لحمل الأثقال ونوع لين الأعطاف سريع العدو ويوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي يمشي فيها مرة واحدة وللناس في مدحه وذمه أقوال متبايبة بحسب الأغراض فمن ذلك أن خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي كانا يختاران ركوب الحمير على ركوب البراذين، ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا وإن بلغت به الرحلة الجهد (^٣).\nالحكم أكثر أهل العلم يحرمون اكله وإنما رويت الرخصة عن ابن عباس (^٤) [وقال الإمام أحمد: كره أكله خمسة عشر رجلا من أصحاب النبي -ﷺ-. وادعى ابن عبد البر الإجماع الآن على تحريمه وأجاب عن قول ابن\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ١٧٧).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٣٤١).\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٣٣٩).\n(^٤) حياة الحيوان (١/ ٣٥٦).","vol":"3","page":627},{"text":"عباس بأن أحاديث النهى الصحيحة الصريحة فى تحريمه لم تصل إليه، واختلف أصحابنا في علة تحريمها، هل هو لاستخباث العرب لها؟ أو للنص على وجهين! حكاهما الروياني وغيره والله أعلم وأفاد الحافظ المنذري أن تحريم لحوم الحمر نسخ مرتين، ونسخت القبلة مرتين، ونسخ نكاح المتعة مرتين واختلف السلف في لبنها فحرمه أكثر العلماء، ورخص فيه عطاء وطاوس والزهري، والأول أصح لأن حكم الألبان حكم اللحم (^١)].\nفرع: في الحديث \"إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا\" الحديث، معناه عند الشافعي ﵀ وجماعة في الأفعال الظاهرة دون الباطنة، وإلا فيجوز أن يصلي الفرض خلف النفل وعكسه والظهر خلف العصر وعكسه؛ وقال مالك وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك قالوا ومعنى الحديث إنما جعل الإمام ليؤتم به في الأفعال والنيات، ودليل الشافعي وموافقته أن النبي -ﷺ- صلى بأصحابه ببطن نخل صلاة الخوف مرتين كل فرقة مرة فصلاة الثانية وقعت له نفلا وللمقتدين فرضا وأيضًا حديث معاذ كان يصلي العشاء مع النبي -ﷺ- ثم يأتي قومه فيصلي بهم هي له تطوع ولهم فريضة (^٢).\nتنبيه: واعلم أن حال المأموم مع الإمام دائر بين الموافقة والمساوقة والمسابقة، فأما الموافقة فهو أن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٥٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٤).","vol":"3","page":628},{"text":"الإمام ويتقدم على فراغ الإمام من ذلك الركن والأكمل أن لا يشرع المأموم في متابعة الإمام في سائر الأركان حتى يتلبس به الإمام لحديث عبد الله بن يزيد الخطمى عن البراء قال: كان رسول الله -ﷺ-[إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله] ساجدا ثم نقع سجودا بعده، وأما المساوقة فهي مشاركة الإمام في الركن والأركان من غير تقدم، قال الرافعي ﵀: لو ساوقه لم تحصل له فضيلة الجماعة وكذلك ذكره في الكفاية وعداه إلى كل فعل مكروه كالمساواة في الموقف ونحو ذلك (^١)، وأما المسابقة فتعني التقدم على الإمام في جميع الأركان أو بعضها، وقد يتقدم المأموم على الإمام [وهو موافق كما إذا ركع مع الإمام واعتدل فشرع الإمام فى قراءة الفاتحة ثانيا سهوا فإن المأموم] يجب عليه أن يسجد وينتظره ساجدا ولا ينتظر في الاعتدال لأنه ركن قصير ذكره القاضي في الفتاوي (^٢)، وقد يتأخر وهو موافق كالمسبوق يتأخر لقراءة الفاتحة إذا اشتغل بدعاء الافتتاح (^٣).\nوأركان الصلاة تنقسم ثلاثة أقسام، قسم تبطل صلاة المأموم بالمساوقة فيه وهو النية وتكبيرة الإحرام لقوله -ﷺ-: \"فإذا كبر فكبروا\"، قسم: لا يبطل بالمساوقة فيه كالركوع والسجود، وقسم فيه وجهان: وهو السلام فإن سلم\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٦٠٣)، والقول التمام (ص ٢٠).\n(^٢) القول التمام (ص ٢٦)، وأسنى المطالب / حاشية الرملى (١/ ٢٢٨).\n(^٣) القول التمام (ص ٢٦).","vol":"3","page":629},{"text":"معه لا قبله ولا بعده فقد أساء ولا تبطل صلاته على الصحيح، وقيل: تبطل وإن سلم قبله بطلت إلا أن تتم المفارقة ولا تبطل على الأصلح ولكن تفوته الجماعة (^١).\nفائدة: واعلم أن شروط القدوة ستة وهي ما بين الإمام والمأموم الأول أن لا يتقدم المأموم على الإمام بل الواجب المساواة بالعقب هذا مذهب الشافعي؛ الثاني [أن يكون بينهما رابطة وهيئة اجتماع فإن كانا فى مسجد صحت القدوة كيف كان بحيث لو كان الإمام في] المحراب والمأموم في خلوة وبابها مقفول صحت القدوة أو كان المأموم في المنارة وهي داخل المسجد والإمام في المسجد وعكسه صحت القدوة (^٢)؛ الشرط الثالث: أن ينوي المأموم الإئتمام أو الإقتداء بالإمام (^٣)؛ الشرط الرابع: توافق نظم الصلاتين ومعناه أن لا يختلف فعل الإمام والمأموم؛ الشرط الخامس: موافقة المأموم الإمام في ترك سجود التلاوة والتشهد الأول فلو تركها الإمام وفعلها المأموم بطلت صلاته، وأما جلسة الاستراحة فلو تركها الإمام وفعلها المأموم جاز فلا يشترط أن يدركه في السجدة الأولى فحينئذ يخفف ليدركه، الشرط السادس: المتابعة تجب على المأموم متابعة الإمام ومعنى المتابعة أن لا يفعل المأموم شيئًا حتى يفعله الإمام قبله فإذا ركع\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٣٢).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٣٦٠)، والقول التمام (ص ١٢١).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٣٨٦).","vol":"3","page":630},{"text":"الإمام فلا يركع المأموم حتى يركع الإمام وفي السجود كذلك بل لا يحني المأموم ظهره حتى يضع الإمام جبهته في الأرض كما ورد من فعل الصحابة ﵃ ونفعنا ببركاتهم والله تعالى أعلم (^١).\nفائدة أيضا تتعلق بالإمام والمأموم: إذا أحس الإمام بداخل في الركوع أو التشهد الأخير يستحب انتظاره على المذهب لكن بشروط الأول أن لا يبالغ في تطويل الانتظار.\nالثاني: أن لا يميز بين المداخلين بل يسوي بين الشريف والوضيع؛ الثالث: أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى دون التودد إلى المخلوقين؛ الرابع: أن لا يخشى فوات الوقت وخروج الصلاة عن وقتها فإن خشى ذلك نظر إن كان في صلاة الجمعة حرم عليه الانتظار لأن إخراج الجمعة عن الوقت يفوتها، ولهذا ذكر الأصحاب أنه إذا لم يبق من وقت الجمعة إلا مقدار ما يؤدي فيه الواجب من الخطبة والصلاة وجب الانتظار عليه؛ الخامس: أن لا يكون الداخل ممن يعتاد النظر وتأخير الإحرام إلى الركوع فإن اعتاد ذلك إنما لوسوسة أو تكاسل لم ينتظره؛ السادس: أن يكون الداخل ممن يعتقد إدراك الركعة ركوعها فإن كان ممن لا يعتقد ذلك لا ينتظره قطعا لأنه مجرد عيب؛ السابع: أن تكون صلاة المأموم مغنية عن القضاء فإن كانت ممن يجب قضاؤها احتمل الاستحباب لأنه يسقط عنه بفعل هذه الركعة، ويحتمل عدمه لأن الانتظار إنما يكون في حق من يتحمل\n_________\n(^١) انظر لهذه الشروط: روضة الطالبين (١/ ٣٥٨ - ٣٦٩).","vol":"3","page":631},{"text":"عن المأموم الفاتحة والمأموم لا تسقط عنه الفاتحة إسقاطها يبريء الذمة وكما يستحب للإمام التخفيف يستحب له مراعاة حال النوم فلا يركع حتى المأموم م الفاتحة وإذا كان فيهم ضعف انتظر قيامه وركوعه، ويراعي أحوال المأمومين ويترك العجلة ليلحقوه (^١) والله أعلم.\n\n٧٤٥ - وَعنهُ أَيْضًا -﵁- عَن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ الَّذِي يخْفض وَيرْفَع قبل الإِمَام إِنَّمَا ناصيته بيد شَيْطَان رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ فَوَقفهُ عَلَيْهِ وَلم يرفعهُ (^٢).\nقوله: \"وعنه\" تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"الذي يرفع ويخفض قبل الإمام إنما ناصيته بيد الشيطان\" الحديث، يعني: أنه قد تمكن منه لجهلة، وفيه دليل على أن الرفع ركن خلافا للحنفية ويقاس على النهي على الرفع قبل الإمام بقية الأركان الفعلية لوجود المعنى المذكور، أ. هـ.\n_________\n(^١) القول التمام (ص ٧٥).\n(^٢) أخرجه البزار (٩٤٠٤)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٤٨ رقم ٧٦٩٢). قال البزار: ولا نعلم روى مليح بن عبد الله، عن أبي هريرة -﵁-، إلا هذا الحديث. وأخرجه مالك في الموطأ (٢٤٥) والحميدى (١٠١٩) موقوفًا. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧٨: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٧٦).","vol":"3","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>[الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، وإقامة الصلب بينهما وما جاء في الخشوع]</span>\n٧٤٦ - عَن أبي مَسْعُود البدري -﵁-. قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"لَا تجزئ صَلَاة الرجل حَتَّى يُقيم ظَهره فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود\" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالا إِسْنَاده صَحِيح ثَابت وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nقوله: عن أبي مسعود البدري، اسمه: عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، شهد العقبة مع السبعين وكان أصغيرهم، وقل: إن جابر كان أصغرهم، وقال البخاري: كان أبو مسعود بن عمرو الأنصاري بدريا، وقال الأكثرون: لم يشهد بدرا إنما سكنها فنسب إليها، شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وقد بين ذلك ابن الصلاح ومن تبعه، وقال بهذا أبو سعيد المقبري كان ينزل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١١٩ (١٧٠٧٣) و٤/ ١٢٢ (١٧١٠٣ و١٧١٠٤ و١٧١٠٥)، وابن ماجه (٨٧٠)، وأبو داود (٨٥٥)، والترمذي (٢٦٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤٢١ (١٠٣٩) و٢/ ٤٨٢ (١١٢٤) والكبرى (٧٨٧) و(١١٩٢)، وابن خزيمة (٥٩١ و٥٩٢) و(٦٦٦)، وابن حبان (١٨٩٢ و١٨٩٣)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٢١٢ (٥٧٨) و١٧/ ٢١٣ (٥٧٩ و٥٨٠ و٥٨١ و٥٨٢) و١٧/ ٢١٤ (٥٨٣ و٥٨٤ و٥٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٢٦ رقم ٢٥٧٠ و٢٥٧١).\nقال البيهقي: هذا إسناد صحيح وكذلك رواه عامة أصحاب الأعمش، عن الأعمش.\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود (٨٠١)، والمشكاة (٨٧٨)، والروض النضير (١٣٦).","vol":"3","page":633},{"text":"المقابر أو يكثر غشيانها فنسب إليها ويزيد الفقير من رجال الصحيح لم فقيرا من المال وإنما انكسر قفاره فقيل له الفقير، هذا هو الصحيح، وذهب جماعة إلى أنه منهم البخاري ومسلم، وذكره البخاري فيمن سكن الكوفة، وابتنى بها دارا له وتوفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة إحدى وقيل سنة اثنين وواحد روى عن النبي -ﷺ- مائة حديث وحديثان روى عنه الجماعة (^١) وتقدم الكلام على بعض مناقبه في الدلالة على الخير.\nقوله -ﷺ-: \"لا تجزيء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود\" الحديث ظاهر هذا أن الطمأنينة واجبة في الرفع من الركوع قال الإمام في قلبي منه شيء لأن النبي -ﷺ- لم يتعرض للطمأنينة في الرفع من الركوع ومن السجود في حديث المسيء صلاته وهما ركنان قصيران، والجواب أن ابن حبان رواها في صحيحه والشافعي في الأم وابن عبد البر في التمهيد ولفظه حتى تطمئن قائما والصواب وجوبها وأن النبي -ﷺ- كان يطمئن وقال صلوا كما رأيتموني أصلي (^٢) [قاله فى الديباجة] [قال الترمذي] ﵀ والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعده يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود قال الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة (^٣) والله أعلم،\n_________\n(^١) كشف المشكل (٢/ ١٩٧)، والعدة (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٣) سنن الترمذي عقب (٢٦٥).","vol":"3","page":634},{"text":"وقال أبو العالية: كنت إذا أتيت الرجل لآخذ عنه العلم أتيته وقت الصلاة فإن أحسن الصلاة وأتم الركوع والسجود أخذت عنه العلم وإن لم يحسن الصلاة ولم يتم الركوع والسجود فلا آخذ عنه شيئا وأقول ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع (^١) والله أعلم.\n\n٧٤٧ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل -﵁-: قَالَ نهى رَسُول الله -ﷺ- عَن نقرة الْغُرَاب وافتراش السَّبع وَأَن يوطن الرجل الْمَكَان فِي الْمَسْجِد كَمَا يوطن الْبَعِير رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٢).\nقوله: عن عبد الرحمن بن شبل -﵁- هو عبد الرحمن بن شبل بن عمرو بن يزيد الأنصاري الأوسي له صحبة نزل الشام وكان أحد نقباء الأنصار وفقهائهم روى عن النبي -ﷺ- وليس لعبد الرحمن بن شبل في الكتب الستة سوى هذا الحديث (^٣).\nقوله -ﷺ- \"نهى رسول الله -ﷺ- عن نقرة الغراب وافتراش السبع\" المراد\n_________\n(^١) الحلية (٢/ ٢٢٠)، والرحلة في طلب الحديث (٢٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٨ (١٥٥٣٣ و١٥٥٣٤)، وابن ماجه (١٤٢٩)، وأبو داود (٨٦٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤٨٠ (١١٢١) والكبرى (٧٨٤)، وابن خزيمة (٦٦٢) و(١٣١٩)، وابن حبان (٢٢٧٧)، والحاكم ١/ ٢٢٩. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوحسنه الألباني في المشكاة (٩٠٢) والصحيحة (١١٦٨) وصحيح أبي داود (٨٠٨) وصحيح الترغيب (٥٢٣).\n(^٣) تهذيب الكمال (١٧/ ترجمة ٣٨٤٤).","vol":"3","page":635},{"text":"بنقرة الغراب تخفيف السجود فلا يمكث فيه إلا وضع الغراب منقاره في لقط الحب أو فيما يريد أكله (^١) وإنما خص الغراب بالذكر لأنه حيوان فاسق يتشاءم به وهذا الفعل من المصلي يفسقه إذا بطلت به صلاته ويحصل له به الشؤم في الدار الآخرة فإن أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة كما ورد في الحديث فينبغي للمصلي أن يحافظ على إتمام ركوعه وسجوده وصلاته والخشوع في حركاته وسكناته، والمراد بافتراش السبع أن يبسط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض كما يبسط الكلب والذئب ذراعيه وعبارة بعضهم أيضا هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود والسنة أن يرفعهما ويكون الموضوع على الأرض كفيه فقط ويضعهما في محاذاة منكبيه كما يحاذي به عند تكبيرة الإحرام والافتراش افتعال من الفرش (^٢).\nتنبيه: قيل سمي سبعا لأنه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر ولا تلد الأنثى أكثر من سبعة أولاد ولا ينزو الذكر على الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره (^٣) ويكره ركوب السباع في حديث ورد فيه، ولا يصح بيع السباع وقيل يجوز بيعها لأجل جلودها (^٤) والله أعلم.\nلطيفة: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي رضي الله تعالى عنهما فعرض لهما سبع، فقال سفيان لشيبان: أما ترى هذا السبع؟ فقال: لا تخف، ثم أخذ\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢١٢)، والنهاية (٥/ ١٠٤).\n(^٢) النهاية (٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ١٨).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٢٣).","vol":"3","page":636},{"text":"شيبان أذنه فعركها فبصبص وحرك ذنبه، فقال سفيان: ما هذه الشهرة؟ فقال: لولا مخافة الشهرة لوضعت زادي على ظهره، حتى آتي مكة (^١).\nوفي الإحياء في عجائب القلب عن إبراهيم الرقي قال: قصدت أبا الخير الديلمي التيناني مسلما عليه فصلى صلاة المغرب، ولم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي فلما أصبح الصباح خرجت إلى الطهارة فقصدني السبع فعدت إليه وقلت: إن السبع قد قصدني فخرج وصاح على الأسد وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لأضيافي؟ فتنحى الأسد فتطهرت فلما رجعت قال: أنتم اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، ونحن اشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد، قاله في حياة الحيوان (^٢).\nقوله \"وأن يوطن الرجل المكان في المسجد\" الحديث وأما النهي عن إيطان الرجل موضعا من المسجد يلازمه فهو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه فأما ما فيه فضل فلا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل وأما ما يحتاج إليه لتدريس علم أو للإفتاء أو لإسماع الحديث ونحو ذلك فلا كراهة في ذلك بل هو مستحب لأنه من تسهيل طرق الخير وقد نقل عن القاضي عياض خلاف السلف في كراهة الإيطان لغير حاجة والاتفاق عليه لحاجة نحو ما ذكرناه (^٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ١٩).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٢٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٢٦).","vol":"3","page":637},{"text":"٧٤٨ - وَعَن أبي قَتَادَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"أَسْوَأ النَّاس سَرقَة الَّذِي يسرق من صلَاته قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ يسرق من الصَّلَاة قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها أَو قَالَ لَا يُقيم صلبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي قتادة -﵁- أبو قتادة اسمه [الحارث بن ربعي، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل: عمرو بن ربعي، والمشهور: الحارث بن ربعي بن بلدمة ابن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي المدني. وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم ابن كعب بن سلمة، وقيل: كبشة بنت عباد بن مطهر، شهد أحدا والخندق وما بعد ذلك من المشاهد مع رسول الله -ﷺ- (^٢)].\nقوله -ﷺ-: \"أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا يا رسول الله كيف يسرق من الصلاة قال لا يتم ركوعها ولا سجودها\" سيأتي الكلام في حديث المسيء صلاته أن إتمام الركوع والسجود ركن من أركان الصلاة وأنه لا بد من الطمأنينة فيهما وإكمال الركوع أن يسوي ظهره وعنقه ورأسه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣١٠ (٢٢٦٤٢ و٢٢٦٤٣)، والدارمى (١٣٦٧)، وأبو يعلى في معجم الشيوخ (١٥٠)، وابن خزيمة (٦٦٣)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٣٠ رقم ٨١٧٩) والكبير (٣/ ٢٤٢ رقم ٣٢٨٣)، والحاكم (١/ ٢٢٩). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢٠: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢٤) والمشكاة (٨٨٥).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣٤/ الترجمة ٧٥٧٤).","vol":"3","page":638},{"text":"ويقيم ساقيه ما أمكنه ويقول سبحان ربي العظيم ثلاثًا (^١) وتقدم اختلاف العلماء في هذا وذكر في كثرة السجود والله أعلم.\nتنبيه: من الصغائر عدم إتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب بينهما ويترجح أن يكون ذلك من الكبائر لأن الوعيد فيه شديد جدا ومن الصغائر أيضا من رأى مسيئا في صلاته وسكت عنه فهو شريكه (^٢).\n\n٧٤٩ - وَعَن عبد الله بن مُغفل -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أسرق النَّاس الَّذِي يسرق صلَاته قيل يَا رَسُول الله كَيفَ يسرق صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها وأبخل النَّاس من بخل بِالسَّلَامِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة بِإِسْنَاد جيد (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن مغفل -﵁- تقدم الكلام عليه في كتاب الطهارة.\nقوله -ﷺ-: \"أسرق الناس الذي يسرق صلاته\" قيل يا رسول الله كيف يسرق صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها\" تقدم الكلام على الركوع والسجود في الأحاديث قبله.\nقوله -ﷺ-: \"وأبخل الناس من بخل بالسلام\" سيأتي الكلام على ذلك في بابه.\n_________\n(^١) التعليقة (٢/ ٧٥١).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٣١٩ - ٣٢١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٢٠٩ رقم ٣٣٥) والأوسط (٣/ ٣٥٥ رقم ٣٣٩٢). قال الطبراني: لم يروه عن عوف إلا عثمان بن الهيثم، تفرد به زيد بن الحريش، ولا يروى عن عبد الله بن المغفل إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢٠: رواه الطبراني في الثلاثة، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢٥) و(٢٧١٥).","vol":"3","page":639},{"text":"٧٥٠ - وَعَن عَليّ بن شَيبَان -﵁- قَالَ خرجنَا حَتَّى قدمنَا على رَسُول الله -ﷺ- فَبَايَعْنَاهُ وصلينا خَلفه فلمح بمؤخر عينه رجلا لَا يُقيم صلَاته يَعْنِي صلبه فِي الرُّكُوع فَلَمَّا قضى النَّبِي -ﷺ- صلَاته قَالَ يَا معشر الْمُسلمين لَا صَلَاة لمن لَا يُقيم صلبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^١).\nقوله: وعن علي بن شيبان -﵁- هو علي بن شيبان [بن محرز بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدول بن حنيفة من ساكني اليمامة، وفد على النبي (^٢)].\nقوله -ﷺ- \"خرجنا حتى قدمنا على رسول الله -ﷺ- فبايعناه وصلينا خلفه\" الحديث، المبايعة مأخوذة من البيع وهي عبارة عن أخذ العهد وسيأتي الكلام عليها مبسوطا في السؤال وغيره والله أعلم.\nقوله \"فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلاته يعني صلبه في الركوع فلما قضى النبي -ﷺ- صلاته قال يا معشر المسلمين لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود\" مؤخر العين معروف والمعشر يأتي الكلام عليه في النكاح\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٥٥١)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ رقم ٢٩٥٧)، وأحمد ٤/ ٢٣ (١٦٢٩٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٦٠)، وابن ماجه (٨٧١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٦٧٨)، وابن خزيمة (٥٩٣) و(٦٦٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٩٠١)، وابن حبان (١٨٩١). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٣٦)، وصحيح الترغيب (٥٢٦).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٠/ ترجمة ٤٠٨٣).","vol":"3","page":640},{"text":"في قوله \"يا معشر الشباب ... \" مبسوطًا وأما عدم إقامة الصلب في الركوع والسجود فلأن الطمأنينة فيهما فرض كما تقدم.\n\n٧٥١ - وَعَن طلق بن عَليّ الْحَنَفِيّ -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا ينظر الله إِلَى صَلَاة عبد لَا يُقيم فِيهَا صلبه بَين ركوعها وسجودها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: \"وعن طلق بن على الحنفي -﵁-\" [هو طلق بن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الحنفي، السحيمي، أبو علي اليمامي، أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله -ﷺ-، وعمل معه في بناءالمسجد (^٢)].\nقوله -ﷺ-: \"لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين ركوعها وسجودها\" نظر الله ﷾ عبارة [عن رؤية الله لذلك ليجازى عليه ويثيبه] وتقدم الكلام على عدم إقامة الصلب في الركوع والسجود في الأحاديث قبله.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢ (١٦٢٨٣) ومن طريقه الضياء في المختارة (٨/ ١٦٦ رقم ١٨٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٤٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٣٨ رقم ٨٢٦١) ومن طريقه الضياء في المختارة (٨/ ١٦٧ رقم ١٨٣). وقال الضياء: إسناده صحيح. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢٠: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وصححه الألباني في المشكاة (٩٠٤)، والصحيحة (٢٥٣٦)، وصحيح الترغيب (٥٢٧).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٣/ الترجمة ٢٩٩٠).","vol":"3","page":641},{"text":"٧٥٢ - وَعَن أبي عبد الله الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله -ﷺ- رأى رجلا لَا يتم رُكُوعه وينقر فِي سُجُوده وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَو مَاتَ هَذَا على حَاله هَذِه مَاتَ على غير مِلَّة مُحَمَّد -ﷺ- ثمَّ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مثل الَّذِي لَا يتم رُكُوعه وينقر فِي سُجُوده مثل الجائع يَأْكُل التمرة والتمرتين لَا تُغنيَانِ عَنهُ شَيْئا قَالَ أَبُو صَالح قلت لأبي عبد الله من حدث بِهَذَا عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أُمَرَاء الأجناد عَمْرو بن الْعَاصِ وخَالِد بن الْوَلِيد وشرحبيل بن حَسَنَة سَمِعُوهُ من رَسُول الله -ﷺ- رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي عبد الله الأشعري ﵁: [ذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"، وقال أبو زرعة الدمشقي: لم أجد أحدا سماه (^٢)].\nقوله: \"أن رسول الله رأى رجلا لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي فقال رسول الله -ﷺ- لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد - ﷺ-\" الحديث اعلم أن من رأى مسيئا في صلاته وسكت عنه فهو شريكه وكذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٤٧)، وبن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٤٩٤) و(٦٣٥)، وأبو يعلى (٧١٨٤)، وابن خزيمة (٦٦٥)، والآجرى في الأربعون حديثا (٢١)، والطبراني في الكبير (٤/ ١١٥ رقم ٣٨٤٠)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم ٢٥٧٣). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢١: رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢٨).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣٤/ ٢١ - ٢٢ ترجمة ٧٤٦٩).","vol":"3","page":642},{"text":"كلما يقدح في صحة الصلاة من نجاسة على ثوبه لا يراها وانحراف عن القبلة بسبب ظلام أو عمى فكل ذلك تجب الحسبة فيه قاله الغزالي وغيره قال وإذا كان المعتكف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في الأمر والنهي عما يراه من المنكرات في المسجد ويشتغل به عن التطوع والذكر فليشتغل به فإن هذا أفضل له من ذكره وتطوعه لأن هذا فرض وهي قربة تتعدى فائدتها فهي أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها والله أعلم فعدم إتمام الركوع والنقر في السجود مبطل للصلاة إذا فقدت الطمأنينة فيه وتقدم الكلام على اللمة في الوضوء وغيره والله أعلم.\nقوله: قال أبو صالح قلت لأبي عبد الله من حدث بهذا عن رسول الله -ﷺ-\" الحديث أبو صالح هذا اسمه [قيل اسمه: بركان، وقيل: هما اثنان، وهو أقوى وقال أبو زرعة الرازي: لا يعرف اسمه، وقال أبو حاتم: لا بأس به (^١)] وأبو عبد الله هو الأشعري [لا يعرف اسمه].\nقوله: \"قال أمراء الأجناد عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة سمعوه من رسول الله -ﷺ-\" قيل المراد به أمراء مدن الشام الخمسة فلسطين والأردن وحمص وقنسرين ودمشق قاله ابن الجوزي وقال أبو الحسن الحنائي اللغوي الشام خمسة أجناد يعني أجناد الشام (^٢) وكان عمر يقسمها على أربعة أمراء مع كل أمير جند ثم جمعهم آخرا على\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣٣/ ترجمة ٧٤٣٤)، والمقتنى (١/ ٣١٢).\n(^٢) كشف المشكل (١/ ٢١٧).","vol":"3","page":643},{"text":"معاوية قاله عياض (^١). أما عمرو بن العاص فتقدم الكلام على مناقبه.\nوأما خالد بن الوليد فكنيته أبو سليمان وقيل أبو الوليد خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي سيف الله، وقصته أنه -ﷺ- بعثه إلى بني جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولوا صبئنا فجعل يقتل ويأسر فذكر ذلك لرسول الله -ﷺ- فرفع يديه وقال \"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد\" وأمه لبابة الصغرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين ولبابة الكبرى امرأة العباس، أسلم بعد الحديبية وكانت الحديبية في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة وشهد غزوة مؤته وسماه رسول الله -ﷺ- يومئذ سيف الله وشهد خيبر وفتح مكة وحنينا روي له عن رسول الله -ﷺ- ثماني عشرة حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على حديث واحد وكان ﵁ من المشهورين بالشجاعة والشرف والرياسة وأوصله رسول الله -ﷺ- إلى أكيدر صاحب رومة فأسره وأحضره إلى رسول الله -ﷺ- فصالحه على الجزية وأرسله إلى بلده وأمره أبو بكر الصديق ﵁ على قتال مسيلمة الكذاب والمرتدين باليمامة وكان له في قتالهم الأثر العظيم وتوفي ﵁ في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة إحدى وعشرين وكانت وفاه بحمص وقبره مشهور على نحو ميل من حمص وقيل توفي بالمدينة قاله أبو زرعة والدمشقي عن دحيم والصحيح الأول وحزن عليه عمر والمسلمون حزنًا عميقًا، وقال الواقدي: كان خالد بن الوليد يشبه عمر بن الخطاب في خلقه وصفته، وكلم\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١٥٦).","vol":"3","page":644},{"text":"علقمة بن علاثة عمر بن الخطاب ليلة في السحر فظن أنه خالد بن الوليد لشبهه به وشهد خالد مع رسول الله -ﷺ- عام الفتح وحنينًا والطائف وتبوك وخرج معه في حجة الوداع وثبت خالد يوم مؤتة وحمل اللواء وتثلمت في يده تسعة أسياف في ذلك اليوم أو ثمانية وسماه رسول الله -ﷺ- في ذلك اليوم أسد الله ومناقبه كثيرة مشهورة (^١) ﵁.\nوأما شرحبيل بن حسنة فكنيته أبو عبد الله وحسنة أمه ولها صحبة واسم أبيه عبد الله بن المطاع بن الغطريف بن عبد العزى السهمي وقيل الكندي أسلم شرحبيل قديما وأخواه لأمه جنادة وجابر وهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة وكان شرحبيل من مهاجرة الحبشة وهو أحد الأجناد الذين بعثهم أبو بكر الصديق لفتح الشام، قال أحمد بن عبد الله العجلي شرحبيل بن حسنة مصري حسنة أمه (^٢) واستعمله أبو بكر ثم عمر على جيوش الشام وفتوحه ولم يزل واليا لعمر على بعض نواحي الشام وقيل على ينبع من أرباعها إلى أن توفي في طاعون عمواس في سنة ثماني عشرة وله سبع وستون سنة طعن هو وأبو عبيدة بن الجراح في يوم واحد ومناقبه كثيرة (^٣) وتقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (١٦/ الترجمة ١٩٢٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٢ - ١٧٤ ترجمة ١٤٢).\n(^٢) الثقات (١/ ٢١٦).\n(^٣) الاستيعاب (٢/ الترجمة ١١٦٧)، وتاريخ دمشق (٢٢/ الترجمة ٢٧٢٩)، وأسد الغابة (٢/ ترجمة ٢٤٠٩).","vol":"3","page":645},{"text":"٧٥٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الرجل ليُصَلِّي سِتِّينَ سنة وَمَا تقبل لَهُ صَلَاة لَعَلَّه يتم الرُّكُوع وَلَا يتم السُّجُود وَيتم السُّجُود وَلَا يتم الرُّكُوع. رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ وَينظر سَنَده (^١).\n\n٧٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَوْمًا لأصحابه وَأَنا حَاضر لَو كَانَ لاحدكم هَذِه السارية لكره أَن تجدع كَيفَ يعمد أحدكُم فيجدع صلَاته الَّتِي هِيَ لله فَأتمُّوا صَلَاتكُمْ فَإِن الله لَا يقبل إِلَّا تَاما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nالجدع قطع بعض الشَّيْء.\nقوله: \"وعن أبي هريرة ﵁\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"لو كان لأحدكم هذه السارية لكره أن تجدع\" الحديث. الجدع قطع بعض الشيء قاله الحافظ ولم يضبطه بالحروف، وضبطه غيره فقال: الجدع بفتح الجيم وبالدال المهملة الساكنة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٩/ ١٢٩)، والأصبهاني في الترغيب (١٩٢٢). قال ابن عدى: وهذا الحديث بهذا الإسناد والمتن غير محفوظ. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٤١ - ٢٤٢ رقم ٦٢٩٦). وقال: لم يرو هذا الحديث عن بلال بن يحيى بن طلحة إلا عبد الملك بن يحيى بن الزبير، تفرد به خالد بن يزيد العمري. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢١ - ١٢٢: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وحكم عليه بالوضع الألباني في الضعيفة (٥٢٨٢)، وضعيف الترغيب (٢٧٧).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ١٤١).","vol":"3","page":646},{"text":"قوله -ﷺ-: \"كيف يعمد أحدكم فيجدع صلاته التي هي لله\" يعمد بكسر الميم في المضارع وفتحها في الماضي أي يقصد.\nقوله -ﷺ-: \"فأتموا صلاتكم فإن الله لا يقبل إلا تامًّا\" سيأتي الكلام على إتمام الركوع والسجود في حديث المسيء صلاته.\n\n٧٥٥ - وَعَن بِلَال ﵁ أَنه أبْصر رجلا لَا يتم الرُّكُوع وَلَا السُّجُود فَقَالَ لَو مَاتَ هَذَا لمات على غير مِلَّة مُحَمَّد -ﷺ- رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن بلال ﵁ هو أبو عبد الله بلال بن رباح الحبشي التيمي مولى أبو بكر الصديق وأمه حمامة مولاة لبني جمح وكان بلال -﵁- قديم الإسلام والهجرة شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ- اشتراه أبو بكر الصديق بخمس أواق وقيل بسبع وقيل بتسع وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وكان بلال يؤذن لرسول الله -ﷺ- حياته سفرا وحضرا وهو أول من أذن في الإسلام ولما توفي رسول الله -ﷺ- ذهب إلى الشام للجهاد فأقام بها إلى أن مات وكان عمر -﵁- يقول أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا توفي بدمشق سنة عشرين وقيل سنة إحدى وعشرين وقيل غير ذلك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٥٩ رقم ٢٩٨١)، والخلال في السنة (١٣١٨)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٢٧ رقم ٢٦٩١) والكبير (١/ ٣٥٦ رقم ١٠٨٥). وفى جميعهم على غير ملة عيسى ﵇. وفرق ابن كثير بين لفظى الأوسط والكبير للطبراني فقال في الكبير: على غير ملة محمد -ﷺ-. وقال: لم يرو هذا الحديث عن مفضل إلا يحيى. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢١: رواه الطبراني في الأوسط والكبير غير أنه قال في الكبير: لمات على غير ملة عيسى ﵇ ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٣٠).","vol":"3","page":647},{"text":"وكان ﵁ أدم اللون شديد الأدمة نحيفا طوالا خفيف العارضين قال ابن عبد البر ولبلال أخ اسمه خالد وأخت اسمها عفرة ولم يعقب بلال وتقدم الكلام أيضًا على شيء من مناقبه (^١).\nقوله: \"أنه أبصر رجلا لا يتم الركوع ولا السجود فقال: لو مات هذا لمات على غير ملة محمد -ﷺ-\" تقدم الكلام على إتمام الركوع والسجود والمراد بملة محمد -ﷺ- الإسلام وتقدم الكلام على الملة في الوضوء وغيره.\n\n٧٥٦ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن للصَّلَاة الْمَكْتُوبَة عِنْد الله وزنا من انْتقصَ مِنْهَا شَيْئا حُوسِبَ بهِ فِيهَا على مَا انْتقصَ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^٢).\n\n٧٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا ينظر الله إِلَى عبد لَا يُقيم صلبه بَين رُكُوعه وَسُجُوده رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٣).\n\n٧٥٨ - وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: نهاني رَسُول الله -ﷺ- أَن أَقرَأ وَأَنا رَاكِع، وَقَالَ: \"يَا عَليّ مثل الَّذِي لَا يُقيم صلبه فِي صلَاته كَمثل حُبْلَى حملت فَلَمَّا دنا نفَاسهَا أسقطت فَلَا هِيَ ذَات حمل وَلَا هِيَ ذَات ولد\" رَوَاهُ أَبُو يعلى\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٦ - ١٣٧ ترجمة ٨٨).\n(^٢) أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٩١٩). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٩٤) وضعيف الترغيب (٢٧٨).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٥٢٥ (١٠٧٩٩). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢٠: رواه أحمد من رواية عبد الله بن زيد الحنفي عن أبي هريرة ولم أجد من ترجمه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٣١).","vol":"3","page":648},{"text":"والأصبهاني وَزَاد: \"مثل الْمُصَلِّي كَمثل التَّاجِر لَا يخلص لَهُ ربحه حَتَّى يخلص لَهُ رَأس مَاله كَذَلِك الْمُصَلِّي لَا تقبل نافلته حَتَّى يُؤَدِّي الْفَرِيضَة\" (^١).\nقوله: \"عن علي ﵁\" هو علي بن أبي طالب تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"نهاني رسول الله -ﷺ- أن أقرأ وأنا راكع\" الحديث.\nوإنما نهي عن ذلك لأن كل موضع مخصوص بشيء والركوع والسجود هما غاية الذل والركوع مخصوصين بالذكر والتسبيح فنهى -ﷺ- عن القراءة فيهما كأنه كره أن يجمع بين كلام الله وكلام الناس (^٢) ففيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود وإنما وظيفة الركوع التسبيح ووظيفة السجود التسبيح والدعاء فلو قرأ في ركوع أو سجود غير الفاتحة كره ولم تبطل صلاته وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا أصحهما أنه كغير الفاتحة فيكره ولا تبطل صلاته والثاني يحرم فتبطل صلاته هذا إن كان عمدا عند الشافعي (^٣).\nواعلم أن الذكر في الركوع والسجود سنة عندنا وعند جماهير العلماء فلو تركه عمدا أو سهوا لم تبطل صلاته ولا يأثم ولا يسجد للسهو، وذهب\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة كما في إتحاف الخيرة (٢/ ١٩٣ رقم ١٣٢١/ ١)، وأبو يعلى (٣١٥)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٥٤٢ رقم ٤٠٠٥) والشعب (٤/ ٥٥٨ رقم ٣٠١٥)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٤١٥)، والأصبهاني في الترغيب (١٩١٣). قال البوصيري في اتحاف الخيرة ٢/ ١٩٥: ومدار هذا الحديث على موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٧٩).\n(^٢) غريب الحديث (١/ ٦٣٢)، والنهاية (٢/ ٢٥٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٩٧).","vol":"3","page":649},{"text":"الإمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب (^١) فينبغي للمصلي المحافظة عليه للأحاديث الصحيحة الصريحة في الأمر به كحديث: \"أما الركوع فتعظم فيه الرب\" (^٢) وغيره من الأحاديث وليخرج عن خلاف العلماء ﵃.\n\n٧٥٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: أَسْوَأ النَّاس سَرقَة الَّذِي يسرق صلَاته قَالَ وَكَيف يسرق صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^٣).\n\n٧٦٠ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مصل إِلَّا وَملك عَن يَمِينه وَملك عَن يسَاره فَإن أتمهَا عرجا بهَا وَإِن لم يُتمهَا ضربا بهَا على وَجهه رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٩٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩) و(٢١٤ - ٤٨١) عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه إسحاق (٣٩١)، وابن حبان (١٨٨٨)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٥٩ رقم ٤٦٦٥) والشاميين (٢٣٤٧)، والحاكم (١/ ٢٢٩) وعنه البيهقي في الكبرى (٢/ ٥٣٩ رقم ٣٩٩٧) والشعب (٤/ ٤٨١ - ٤٨٢ رقم ٢٨٤٨). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي، عن يحيي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة إلا ابن أبي العشرين وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين وثقه أحمد وأبو حاتم وابن حبان وضعفه دحيم وقال النسائي: ليس بالقوي وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في المشكاة (٨٨٥)، صلاة التراويح (ص ١١٩ - ١٢٠)، وحسنه في صحيح الترغيب (٥٣٣).\n(^٤) أخرجه الأصبهاني في الترغيب (١٩١٤)، وابن الجوزي في العلل (٧٥٥)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٣١١). قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن عبد العزيز عن يحيى =","vol":"3","page":650},{"text":"٧٦١ - وَعَن النُّعْمَان بن مرّة ﵁ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا ترَوْنَ فِي الشَّارِب وَالزَّانِي وَالسَّارِق وَذَلِكَ قبل أَن تنزل فيهم الْحُدُود قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هن فواحش وفيهن عُقُوبَة وأسوأ السّرقَة الَّذِي يسرق صلَاته قَالُوا وَكَيف يسرق صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها رَوَاهُ مَالك (^١) وَتقدم فِي بَاب الصَّلَاة على وَقتهَا حَدِيث أنس عَن النَّبِي -ﷺ- وَفِيه وَمن صلاهَا لغير وَقتهَا وَلم يسبغ لَهَا وضوءها وَلم يتم لَهَا خشوعها وَلَا ركوعها وَلَا سجودها خرجت وَهِي سَوْدَاء مظْلمَة تَقول ضيعك الله كَمَا ضيعتني حَتَّى إِذا كَانَت حَيْثُ شَاءَ الله لفت كمَا يلف الثَّوْب الْخلق ثمَّ ضرب بهَا وَجهه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: وعن النعمان بن مرة ﵁ هو النعمان بن مرة [الأنصاري الزرقي المدني ذكره ابن مندة، وقال: أخرج في الصحابة، وهو تابعي، روى عنه يحيى\n_________\n= ولم يروه عنه غير الوليد. قال ابن الجوزي: قلت قال علي بن الحسين بن الجنيد أما عبد العزيز لا يساوي فلسا يحدث بأحاديث كذب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٩٧) وضعيف الترغيب (٢٨٠).\n(^١) أخرجه مالك (٤٦٢) وعنه الشافعي في المسند (٢٢٣) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٨/ ٣٦٤ رقم ١٦٩٠٢) وابن عبد البر في الجامع (٧٦٥). وصححه الألباني في المشكاة (٨٨٦) وصحيح الترغيب (٥٣٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٦٣ رقم ٣٠٩٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حميد الطويل، عن أنس إلا عباد بن كثير، تفرد به عبد الرحمن بن سليمان، وأبو عبيدة هو حميد الطويل. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٠٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير، وقد أجمعوا على ضعفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٠) و(٢٨٠).","vol":"3","page":651},{"text":"بن سعيد الأنصاري. وقال ابن حاتم، عن أبيه: حديثه مرسل، وله رواية عن علي، وقال العسكري: لا صحبة له، وذكره البخاري ومسلم في التابعين وقال النسائي ثقة (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها\" السرقة بفتح الراء جمع سارق مثل كتبة وكاتب وهذه رواية ابن حمدين وبعضهم وعند الكافة \"وأسوأ السرقة\" بكسر الراء عند الكافة وخبر المبتدأ مضمر تقديره سرقة الذي يسرق صلاته (^٢) وتقدم الكلام على إتمام الركوع والسجود.\n\n٧٦٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رجلًا دخل الْمَسْجِد وَرَسُول الله -ﷺ- جَالس فِي نَاحيَة الْمَسْجِد فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- وَعَلَيْك السَّلَام ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فَقَالَ فِي الثَّانِيَة أَو فِي الَّتِي تَلِيهَا عَلمني يَا رَسُول الله فَقَالَ إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فأسبغ الْوضُوء ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة فَكبر ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكعًا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تستوي قَائِمًا ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدًا ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسًا ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا وَفِي رِوَايَة ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تستوي قَائِمًا يَعْنِي من السَّجْدَة الثَّانِيَة\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٩/ الترجمة ٦٤٤٦)، والإصابة (٦/ الترجمة ٨٩٢٠).\n(^٢) مطالع الأنوار (٥/ ٤٨١).","vol":"3","page":652},{"text":"رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ فِي حَدِيثه فَقَالَ الرجل وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أحسن غير هَذَا فعلمني وَلم يذكر غير سَجْدَة وَاحِدَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد فَإِذا فعلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك وَإِن انتقصت من هَذَا فَإِنَّمَا انتقصته من صَلَاتك (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة ﵁\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"أن رجلا دخل المسجد ورسول الله -ﷺ- جالس في ناحية المسجد فصلى ثم جاء فسلم عليه\" الحديث هذا الرجل المذكور في الحديث قال ابن بشكوال اسمه خلاد بن رافع الزرقي الأنصاري (^٢) أخو رفاعة بن رافع شهد بدرًا ويكنى بأبي يحيى خرج رافع وخلاد مع النبي -ﷺ- إلى بدر على بعير أعجف حتى إذا كانوا بموضع البريد الذي خلف الروحاء برك بهما البعير فقال اللهم لك علينا إن أتينا بدرا أن ننحره قال فبينا نحن كذلك إذ مر بنا رسول الله -ﷺ- فقال ما لكما فأخبرناه فنزل -ﷺ- فتوضأ ثم بزق في وضوءه ثم أمرنا ففتحنا فم البعير فصب في جوفه من وضوءه ثم صب على رأسه ثم على عنقه ثم على عاركه ثم على سنامه ثم على عجزه ثم على ذنبه ثم قال احمل رافعًا وخلادًا فمضى رسول الله -ﷺ- وقمنا نرتحل فارتحلنا فأدركنا النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٧) و(٧٩٣) و(٦٢٥١ و٦٢٥٢) و(٦٦٦٧)، ومسلم (٤٥ و٤٦ - ٣٩٧)، وابن ماجه (١٠٦٠)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٣) و(٢٦٩٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣١٨ (٨٩٦) والكبرى (١٠٤٨).\n(^٢) غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٤).","vol":"3","page":653},{"text":"على رأس المنصف وبعيرنا أول الركب فلما رآنا رسول الله -ﷺ- ضحك حتى أتينا بدرا حتى إذا قربنا من وادي بدر برك علينا فقلنا الحمد لله فنحرناه وتصدقنا بلحمه (^١) أهـ. قاله في الديباجة. ففي هذا الحديث دليل على صحة صلاة المنفرد وأن الجماعة غير واجبة وغير شرط في صحة الصلاة (^٢).\nوقوله: \"ثم جاء فسلم فقال: وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل\" قيل أنه لم يكمل رد السلام عليه تنبيها له على تنقيصه الصلاة (^٣) وفيه دليل على استحباب السلام عند اللقاء ووجوب رده وأنه يستحب تكراره إذا تكرر اللقاء وإن قرب العهد أنه يجب رده في كل مرة (^٤) وكذا لو حال بين الماشيين شجرة أو جدار فإنه يلقي السلام ويجب الرد هكذا السنة (^٥)، وفيه أن تحية المسجد مقدمة على سلام الحاضرين (^٦) إذا بعدوا عنه أما لو صغر المسجد بحيث أنه يكون معهم حال دخوله فيبدأ بالسلام وفيه أن صيغة الجواب\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٧٢٨)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٠٠ رقم ٤١٣٥)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص ٥٠٢ - ٥٠٣)، وأبو نعيم في المعرفة (٢٤٨٩). قال البزار: لا يروي هذا إلا رفاعة، ولا له عنه إلا هذا الطريق. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٧٤: رواه البزار بتمامه والطبراني ببعضه، وفيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك.\n(^٢) العدة (١/ ٣٤١)، والإعلام (٣/ ١٨١).\n(^٣) عارضة الأحوذى (١/ ١٧٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٧).\n(^٥) الإعلام (٣/ ١٧٩).\n(^٦) النفح الشذى (٤/ ٥٨٠)، وزاد المعاد (٢/ ٣٧٧)، وفتح البارى (٧/ ١٦٩).","vol":"3","page":654},{"text":"وعليكم السلام أو وعليك السلام وهذه الواو مستحبة عند الجمهور وقيل واجبة وليس بشيء والصواب الأول (^١) ولكن الأفضل أن يأتي بها وأن يتمم السلام إلى قوله وعليك وأن يبدأ بهذه إلا أنه أبلغ في الإكرام وأن الاقتصار على عليك أمر به في الرد على أهل الكتاب فينبغي أن يميز بينهم (^٢) وفيه دليل على أن من ترك بعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته ولا يسمى مصليا (^٣) وفيه دليل على أن من حلف لا يصلي فأحرم بالصلاة وفسدت صلاته أو أفسدها عامدًا لا يحنث لكن الذي رجحه الأصحاب أنه لو حلف لا يصلي حنث المحرم واستدل بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (^٤) سماه مصليا بنفس الإتيان بذكر اسمه تعالى وهو تكبيرة الإحرام، ويمكن الجواب عن الحديث بأن الأعرابي لم يأت بإحرام صحيح أو على تقدير لم تصل صلاة مجزئة (^٥).\nتنبيه: فإن قيل: كيف أقره رسول الله مرارا أن يصلي صلاة فاسدة وهلا أعلمه في المرة الأولى؟ قيل: لعله لم يشاهد أفعاله، وهذا القول ضعيف فإن البيهقي روى هذا الحديث وقال فيه ورسول الله -ﷺ- يرمقه، والجواب\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٧).\n(^٢) عارضة الأحوذى (١/ ١٧٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٧).\n(^٤) سورة الأعلي، الآية: ١٥.\n(^٥) انظر: الحاوى (١٥/ ٣٩٠)، وبحر المذهب (١٠/ ٣١٥)، وروضة الطالبين (١١/ ٦٦)، والمنثور (٢/ ٣٨٠).","vol":"3","page":655},{"text":"السديد أنه -ﷺ- لم يأذن له في صلاة فاسدة لأنه لم يعلم من حاله أنه لم يأت بها في المرة الثانية والثالثة فاسدة لأنه توقع منه في كل مرة إصلاح الحال وحمل ما صدر منه على السهو فلما صرح الرجل بعدم العلم بقوله: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني أرشده رسول الله -ﷺ- إلى ما يفعله (^١)؛ ومنه: الصبر على من وقع منه ما ينكر حتى يفعل ذلك الشيء مرات لاحتمال نسيانه أو غفلته (^٢)؛ وفيه: وجوب النظر في أفعال الجاهلين ليعلموا أمر دينهم (^٣) والله أعلم.\nقوله -ﷺ- للرجل: \"إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء\" الحديث، فيه الاستدلال بالقرائن على وجوب الطهارة (^٤) لقوله: \"فأسبغ الوضوء\" لأنه -ﷺ- لم يره يتوضأ حتى علم أنه لم يسبغ الوضوء ولكن دل تقصيره في المقاصد والأركان على تقصيره في الوسائل، وإنما حض على الإسباغ لأنه مما يتساهل فيه وصحة الصلاة متوقفة عليه، وتقدم معنى الإسباغ في باب الوضوء وغيره بعبارات متنوعة، وفيه: أيضا دليل وجوب القيام فيها بقوله إذا قمت إلى الصلاة (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٢) العدة (١/ ٥٠٥)، والإعلام (٣/ ١٨٠).\n(^٣) العدة (١/ ٥٠٦) والإعلام (٣/ ١٨٠).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٨).\n(^٥) العدة (١/ ٥٠٦) والإعلام (٣/ ١٨١).","vol":"3","page":656},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ثم استقبل القبلة\" فيه دليل أيضًا على وجوب استقبال القبلة، والقبلة الكعبة سميت قبلة لأن المصلي يقابلها، وسميت كعبة لارتفاعها، وقيل: لاستدراتها، والاستقبال الواجب معتبر بالصدر لا بالوجه، والفرض في حق القريب إصابة عينها وفي البعيد قولان الأصح العين أيضًا لكن بالظن والثاني الجهة لما صححه الترمذي أن النبي -ﷺ- قال: \"ما بين المغرب والمشرق قبلة\" (^١).\nقوله -ﷺ-: \"ثم كبر\" فيه دليل أيضا على وجوب لفظ التكبير وأنه يجب إيقاعه في حالة القيام حتى لو كبر في حالة الانحناء بحيث لا يسمى قائمًا لم يصح، وفيه دليل على تعيين لفظ التكبير وأنه لا يقوم أعظم وأجل ونحوهما مقام التكبير خلافا لأبي حنيفة فأجاز بما دل على التعظيم بأي لفظ أراد لأن العبادات محل التعبدات فالاحتياط الإتباع (^٢).\nتنبيه: شروط التكبير ثلاثة: أن لا يمد على الألف ولا الياء ولا يبدل الهمزة بالواو ويشترط في التكبير جزم الراء لقوله -ﷺ-: \"التكبير جزم\" (^٣) فلو ضم الراء من أكبر لم تصح صلاته كما قاله ابن يونس في شرح التنبيه، ولو\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٠١١)، والترمذي (٣٤٢ و٣٤٣ و٣٤٤) عن أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (٧١٥)، والإرواء (٢٩٢).\n(^٢) المجموع (٣/ ٣٠٢)، وعمدة السالك (ص ٤٦).\n(^٣) لا أصل له وإنما هو قول لإبراهيم النخعي. انظر: البدر المنير (٣/ ٥١٦)، والتلخيص الحبير (١/ ٥٥٠)، والإجوبة المرضية (ص ١/ ٣٧٧).","vol":"3","page":657},{"text":"قال: أصلي الظهر مأمومًا أو إمامًا الله أكبر فالأولى أن يقطع الهمزة من قوله الله وليخففها، فإن وصلها خلاف الأولي، ولكن تصح صلاته كذا في شرح المهذب والتحقيق وأفتى به ابن الصلاح وابن عبد السلام، والحكمة في استفتاح الصلاة بالتكبير استحضار المصلي عظمة من يهيأ لخدمته والموقوف بين يديه ليمتلئ هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يعبث، وسميت تكبيرة الإحرام لأنه يحرم بها عليه ما كان حلالا قبلها من مفسدات الصلاة كالأكل والكلام ونحوهما، ويتعين على القادر الله أكبر، ومعنى الله أكبر: أي من كل شيء قاله الكمال الدميري (^١).\nفائدة: النية مقارنة للتكبير، وفي كيفية المقارنة وجهان أحدهما أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان ويفرغ منها مع فراغه منه وأصحهما وهو مراد النووي أن يوجد النية مع أول التكبير ويستمر إلى آخره، واختار في شرحي المهذب والوسيط تبعا للإمام والغزالي في الإحياء أن المراد المقارنة العرفية بحيث يعد مستحضرا للصلاة غير غافل عنها، قال النووي: وهو الصواب (^٢).\nواعلم أن السنة الشريفة لا تقتضي شيئًا مما يقوله الفقهاء من التشديد في مقارنة النية بالتكبير، والنية محلها القلب لأنها القصد فلا يكفي النطق مع غفلة القلب بالإجماع (^٣)، ولأن الصلاة قربة محضة فلا تصح بغير نية\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٩١ - ٩٢).\n(^٢) المجموع (٣/ ٢٧٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٩٦ - ٩٧).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٨٨).","vol":"3","page":658},{"text":"كالصوم، وأجمع الأمة على اعتبار النية في الصلاة وبدأها بها لأن الصلاة لا تنعقد إلا بها (^١) ولا يجب النطق باللسان لكن يستحب أن يقول أصلي فرض الظهر أو العصر مثلا وقلبه حاضر، ولا يجب عليه غير هذه الثلاثة، قد ذكر العلماء ﵃ أنه -ﷺ- لم يسمع منه غير التكبير كما تقدم، قال العلماء: ويرفع يديه حذو منكبيه فقد أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام (^٢)، وذكر لذلك حكمتان أن الكفرة كانوا إذا قاموا إلى الصلاة جعلوا آلهتهم تحت أباطهم فكانوا لا يرفعون أيديهم لأنهم لو رفعوها سقطت الآلهة التي لهم فأمرنا بعدم التشبه بهم وبالتبرى بهذا الفعل عن آلهتهم (^٣)؛ الثانية أن المصلي يقبل بين يدي الله تعالى ويترك الدنيا خلف ظهره فكأنه يدفع الدنيا ويرمي بها خلف ظهره برفع يديه ثم يقبل على الله تعالى (^٤)، وفي بعض التفاسير في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ (^٥) ارفع يديك في الصلاة (^٦)، وأما صفة الرفع المشهور من مذهب الشافعي ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي أطراف أصابعه\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٩٥).\n(^٣) نفائس الأصول (٨/ ٣٦٣٩)، والعدة (١/ ٤٥٩)، والإعلام (٣/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ٩٦).\n(^٥) سورة الكوثر، الآية: ٢.\n(^٦) تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١٢)، والنكت والعيون (٦/ ٣٥٥)، والتفسير البسيط (٢٤/ ٣٨٠ - ٣٨١).","vol":"3","page":659},{"text":"فروع أذنيه أي أعلا أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم حذو منكبيه، وبهذا احتج الشافعي بين رواية الأحاديث فاستحسن الناس ذلك منه والله أعلم قاله الكمال الدميرى في شرح المنهاج (^١).\nتنبيه: أخذ الشمال باليمين بها الصلاة سنة في حالة القيام والسنة أن يجعلهما تحت صدره فوق سرته، هذا مذهبنا المشهور، وبه قال الجمهور وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهوية وأبو إسحاق المروزي من أصحابنا يجعلهما تحت سرته [وعن علي بن أبي طالب ﵁ روايتان كالمذهبين وعن أحمد روايتان كالمذهبين ورواية ثالثة أنه مخير بينهما ولا ترجيح وبهذا قال الأوزاعي وبن المنذر] وعن مالك استحباب الموضع بها النقل والإرسال في الفرض وهو الذي رجحه البصريون من أصحابنا، قال العلماء: والحكمة في وضع إحداهما على الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث (^٢) وكيفية الأخذ وأن يقبض بكفه اليمنى آخر اليسري وأول الساعد، قال القفال: ويتخير بين بسط أصابع اليمن في عرض المفصل وبين نشرها في سوى الساعد، وقال في الإحياء يقبض كوعه بإبهامه وكرسوعه بخنصره ويرسل الباقي في صوب الساعد (^٣) قاله في الديباجة.\nتتمة: في الحديث الصحيح كان النبي -ﷺ- إذا كبر في الصلاة سكت هنية\n_________\n(^١) بل هو قول النووي في شرحه على مسلم المسمى بالمنهاج (٤/ ٩٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١١٤ - ١١٥).\n(^٣) المجموع (٣/ ٣١٠)، والنفح الشذى (٤/ ٣٧٣)، وتحفة المحتاج (٢/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"3","page":660},{"text":"قبل أن يقرأ (^١) أي لحظة، وفيه: استحباب الفصل بين التكبير والقراءة بالذكر وهو دعاء للتوجه وتقدم ذكره قريبًا، وهذه السكتة تستحب للإمام والمأموم والمنفرد كما يستحب الفصل بين التكبير والقراءة وكذلك يستحب الفصل بين الدعاء المذكور وبين التعوذ وكذلك بين التعوذ والقراءة، وكذلك يستحب الفصل بين ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وآمين حتى لا يتوهم أن آمين من الفاتحة، وكذلك يستحب الفصل بين آمين وقراءة السورة، وكذلك يستحب بين السورة وتكبيرة الهوي إلى الركوع فهذه سبع سكتات وهم في لحظات يسيرة إلا السكتة بين آمين وقراءة السورة فإنه يستحب للإمام أن يطولها في الصلاة الجهرية بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة ويشتغل فيها بالقراءة سرا على الأصح في شرح المهذب والله أعلم، وتقدم في التأمين بعد الفاتحة أن السكتات خمس وإنما أعدت ذكر السكتات هنا لزيادتها على الخمس (^٢) كما تقدم.\nقوله -ﷺ- في حديث المسيء صلاته: \"ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن\" فيه دليل على وجوب القراءة في الصلاة وفيه رد على الحسن بن صالح [وأبو بكر الأصم] حيث قالا لا تجب القراءة فى الصلاة أصلًا (^٣) وحكاه القاضي عياض عن علي بن أبي طالب وربيعة ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (١٤٧ - ٥٩٨) عن أبي هريرة.\n(^٢) انظر: المجموع (٣/ ٣٩٥)، والمطلع (ص ١٢٤)، والقول التمام (ص ٦٩ - ٧٠).\n(^٣) الحاوى (٢/ ١٠٣)، والمجموع (٣/ ٣٢٧)، والتوضيح (٧/ ٥٤) وزاد في التوضيح ابن عيينة معهما.","vol":"3","page":661},{"text":"مالك وهي رواية شاذة عن مالك ﵀ أنه لا يجب قراءة أصلا وله قول آخر بوجوبها في كل ركعة، واختلف القائلون في الوجوب فذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلى أنه تجب قراءة الفاتحة لأنها متيسرة لأنه لا يخلو في الغالب أحد عن حفظها من صغير وكبير وذكر وأنثى أو على مما زاد على الفاتحة بعدها ولا يجزئ غيرها إلا لعاجز عنها، والصحيح الذي عليه الجمهور وجوب الفاتحة في كل ركعة وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفي مذهب مالك قولان الفاتحة كافية مرة واحدة في الصلاة كلها وقول ثان بأنها تقرأ في معظم الصلاة وقال أبو حنيفة وطائفة قليلة لا تجب الفاتحة بل الواجب ما يسمى قرآنا لقوله -ﷺ- \"اقرأ ما تيسر معك من القرآن\" (^١) وأجيب عن ذلك بحمل الحديث على أن الرجل كان يحسن الفاتحة أو على أنه كان عاجزا إذ ذاك عنها وهذا التأويل يتعين جمعا بين الأدلة (^٢) ودليل الجمهور أيضا قوله -ﷺ-: \"لا صلاة إلا بأم القرآن\" (^٣) أي صلاة مجزئة وبدليل حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله -ﷺ- \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب\" رواه ابن خزيمة في صحيحة بإسناد\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٣)، وإكمال إكمال المعلم (٢/ ١٤٩)، والعدة (١/ ٥٠١ - ٥٠٢)، والإعلام (٢/ ١٧٢).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٢٦١ - ٢٦٢)، والعدة (١/ ٥٠٢ - ٥٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٤ و٣٥ و٣٧ - ٣٩٤)، وابن ماجه (٨٣٧)، وأبو داود (٨٢٢)، والترمذي (٢٤٧)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣٣٨ (٩٢٢)، وابن حبان (١٧٨٦) و(١٧٩٣) عن عبادة بن الصامت.","vol":"3","page":662},{"text":"صحيح وكذا رواه أبو حاتم ابن حبان (^١) وروى الشافعي ﵀ بإسناده في حديث المسيء صلاته قال له كبر ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ (^٢) وهذا أمس في الدلالة من حديث \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" لأنه يقتضي الفاتحة في الأولى قاله في مختصر الكفاية (^٣) وفي رواية لابن حبان \"أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر\" (^٤) وحمل قوله \"وما تيسر\" وكذا قوله \"وما شاء الله\" على أنه جمع لهم بين الفرض والسنة في ذلك للجمع بين ذلك وبين الأحاديث الواردة بإفرادها وأما حديث \"اقرأ ما تيسر معك من القرآن\" من غير الفاتحة عند ضيق الوقت عن تعلم الفاتحة ثم لا فرق في وجوب قراءة الفاتحة بين الإمام والمأموم والمنفرد ومما يؤكد وجوبها على المأموم قول أبي هريرة ﵁. اقرأ بها في نفسك ومعناه اقرأ سرا بحيث تسمع نفسك وفي وجه أنها تسقط عن المأموم أيضا والصواب الأول (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٠) وابن حبان (١٧٨٨). وصححه الألباني في الإرواء (٥٠٢).\n(^٢) أخرجه الشافعي في المسند (٢٢١)، وأحمد ٤/ ٣٤٠ (١٨٩٩٥)، وأبو داود (٨٥٩)، وابن حبان (١٧٨٧). وصححه الألباني في المشكاة (٨٠٤) وصحيح أبي داود (٨٠٥).\n(^٣) كفاية النبيه (٣/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٨١٨)، وابن حبان (١٧٩٠) عن أبي سعيد. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٧٧٧).\n(^٥) المجموع (٣/ ٣٦٧) وشرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٣).","vol":"3","page":663},{"text":"وقوله -ﷺ- \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\" (^١) إن صح فمحمول على المسبوق (^٢) والله أعلم.\nتنبيهات في الفاتحة: الأول: مذهب الشافعي وطوائف من الخلف والسلف أن البسملة آية من الفاتحة وأنه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة (^٣) واستدلوا بقول ابن عباس: من ترك البسملة فقد ترك مائة وأربعة عشر آية من القرآن (^٤)، يعني أنها أول آية من أول كل سورة وفي القرآن مائة وأربع عشرة سورة فإذا ترك البسملة من كل سورة فقد ترك مائة وأربع عشرة آية.\nالثاني: قال العلماء يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة، قال أصحابنا الشافعية وغيرهم: إن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدر ما من طويلة لأن المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس أو كثير منهم فندب إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٨٥٠). وقال البخاري في القراءة خلف الإمام (ص ٨): هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم لإرساله وانقطاعه رواه ابن شداد، عن النبي -ﷺ- قال البخاري: وروى الحسن بن صالح، عن جابر، عن أبي الزبير، عن النبي -ﷺ-، ولا يدري أسمع جابر من أبي الزبير. وحسنه الألباني في الإرواء (٥٠٠).\n(^٢) الحاوى (٢/ ١٤٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١١١).\n(^٤) الصواب أنه عن عبد الله بن المبارك كما في الشعب (٤/ ٢٤ رقم ٢١٣٥) بلفظ: من ترك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في فواتح السور، فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من القرآن.\nوروى عن ابن عباس بلفظ: من ترك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقد ترك آية من كتاب الله ﷿. انظر الشعب (٤/ ٢٤)، والتعليقة (٢/ ٧٩٢) وكفاية النبيه (٣/ ١١٩).","vol":"3","page":664},{"text":"كمال السورة ليحترز عن الوقوف دون الارتباط (^١) والله أعلم.\nفائدة: يجب النهي على من يسمع قارئا يلحن في قراءته ويجب أن يلقنه الصحيح كذا قال الغزالي، ولم يفرق في الوجوب بين اللحن الذي يفسد المعنى واللحن الذي لا يفسد، ويحتمل أن يقال إن أفسد المعنى وجب النهي وإلا استحب وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرأه لحنا فليتركه وليجتهد في تعلم الفاتحة وتصحيحها وإن كان الأكثر صحيحا وليس بقدر على التسوية فلا بأس له أن يقرأ ولكن ينبغي أن يخفض صوته ويمنعه سرا منه أيضا وحذرا ولكن إذا كان ذلك منتهى قدرته وكان له أنس بالقراءة وحرص عليها فلست أرى به بأسا انتهى قاله ابن النحاس (^٢).\nقوله -ﷺ- للرجل \"ثم اركع حتى تطمئن راكلعا\" قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (^٣) الآية، الركوع في اللغة الانحناء وقيل الخضوع (^٤)، ورأى حذيفة -﵁- رجلا لا يقيم صلبه في الركوع فقال ما صليت وإن مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدا -ﷺ- عليها رواه البخاري (^٥)، أردا بالفطرة دين الإسلام الذي هو منسوب إليه قاله في\n_________\n(^١) العزيز شرح الوجيز (١/ ٥٠٧)، والمجموع (٢/ ١٦٧) وشرح النووي على مسلم (٤/ ١٧٤).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٣٢٢).\n(^٣) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(^٤) تحرير ألفاظ التنبيه (٦٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٩١)، وابن حبان (١٨٩٤).","vol":"3","page":665},{"text":"النهاية (^١)، فهذا الحديث دليل على وجوب الطمأنينة، والطمأنينة رجوع [كل فقار، إلى مكانه (^٢) وأنها لا بد أن تكون في حالة الركوع والطمأنينة أيضا سكون بين حركتين فلو رفع رأسه عقب التلبس بالركوع لم يكفه (^٣) والله أعلم.\nقوله -ﷺ- رجل \"ارفع حتى تستوي قائما\" وفي رواية \"حتى تعتدل قائما\" أي على الحالة التي كان عليها قبل الركوع لقوله \"حتى تعتدل قائما\" وقال -ﷺ- \"لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره من الركوع والسجود\" رواه أبو داود وغيره وقال الترمذي حديث حسن هذا في صلاة الفرض أما الاعتدال في الركوع والسجود في النفل ففي وجوبه وجهان وأجزأهما القفال في الجلوس بين السجدتين بناء على الخلاف فيما لو صلى القادر النفل قاعدا أو مضطجعا وصحح النووي وجوبه قال أبو حنيفة لا يجب الاعتدال فلو انحط من الركوع إلى السجود أجزأه وعن مالك روايتين كالمذهبين قاله الدميرى (^٤)، ففي هذا الحديث دليل على وجوب الاعتدال عن الركوع ووجوب الطمأنينة كما يجب الجلوس بين السجدتين وتوقف فيه إمام الحرمين وقال في القلب منه شيء لأنه -ﷺ- لم يذكر الطمأنينة للأعرابي في الاعتدال وبين السجدتين وهما ركنان قصيران والجواب أن ابن حبان رواه\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٤٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٢٨) عن أبي حميد.\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٢٥٦).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ١٣٦).","vol":"3","page":666},{"text":"في صحيحه والإمام الشافعي في الأم وابن عبد البر في التمهيد ولفظه \"حتى تطمئن قائما\" والصواب وجوبها وأن النبي -ﷺ- كان يطمئن وقال \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (^١).\nقوله -ﷺ-: \"ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا\" وفي الصحيحين كان رسول الله -ﷺ- إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي جالسا (^٢) ففي حديث المسيء صلاته دليل على وجوب الجلوس بين السجدتين ووجوب الطمأنينة في الركوع والسجود كما تقدم وهو مذهب الشافعي والجمهور وقال أبو حنيفة وطائفة يسيرة لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس بل يكفي رفع رأسه عن الأرض أدنى رفع ولو كحد السيف وهذا الحديث حجة عليهم وليس عنه جواب صحيح (^٣).\nقوله -ﷺ- \"ثم افعل ذلك في صلاتك كلها\" أي في بقيتها فيه دليل على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة إلا ركعة مسبوق وهو مذهبنا ومذهب الجمهور قال النووي وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة لا تجب القراءة في الركعتين الأخيرتين بل هو بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ١٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨) عن عائشة.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٨)، والنجم الوهاج (٢/ ١٥٢).","vol":"3","page":667},{"text":"أحدها: الوجوب في كل ركعة.\nوالثاني: الوجوب في الأكثر.\nوالثالث: الوجوب في ركعة واحدة (^١).\nتنبيه: روى البخاري في هذا الحديث الجلسة بعد السجدة الثانية ولم يقل أحد بوجوبها بل اختلفوا في استحبابها وقد يقال ذكرها له لبيان الأكمل ويؤيد ذلك رواية أبو داود \"فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت من هذا شيء فإنما انتقصت من صلاتك\" (^٢).\nقوله \"فقال الرجل والذي بعثك بالحق\" أي بالقرآن والإسلام وفي رواية \"والذي أتنزل عليك الكتاب ما أحسن غير هذا فعلمني\" انتهى وفيه أن المفتي إذا سئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأل عنه يستحب له أن يذكره له ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام فيما لا يعني وموضع الدلالة أنه قال علمني يا رسول الله أي علمني الصلاة فعلمه الصلاة واستقبال القبلة والوضوء وليس من الصلاة ولكنهما شرطان لها، وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته وإيضاح المسألة له وتلخيص المقاصد والاقتصار في حقه على المهم دون المكملات الذي لا يحتمل حاله حفظها القيام بها (^٣).\n_________\n(^١) العدة (١/ ٥٠٢)، والإعلام (٣/ ١٧٢).\n(^٢) الإعلام (٣/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٨).","vol":"3","page":668},{"text":"واعلم أن حديث المسيء صلاته الذي رواه أبو هريرة وأخرج نحوه عن رفاعة بن رافع وهو أخو خلاد المسيء صلاته أن رجلا دخل المسجد فصلى فذكر الحديث إلى آخره وسيأتي بعد الكلام على بقية الحديث حديث المسيء صلاته، قال الطوفي القصة في حديث رفاعة والمسيء صلاته فيما أحسب واحدة لكن رفاعة استقصى فيها أكثر من حديث المسيء صلاته، وقال بعضهم يحتمل أنهما قضيتان ولم يذكر أحد تلك الصلاة ما كانت وقد صرح بها النسائي في حديث رفاعة فصلى ركعتين فلعلهما تحية المسجد فعلهما لما دخل وهم في غير الصلاة، واعلم أن حديث المسيء صلاته سبق لبيان الواجبات دون السنن، وقيل: لم يذكر فيه كل الواجبات، وقيل: واجبات مجمع عليها ومختلف فيها لم تذكر في هذا الحديث منها النية وتقدم الكلام عليها مبسوطًا في هذا الباب وغيره، ومنها التعوذ في التشهد الأخير ومنها الصلاة على النبي -ﷺ- فيه ومنها السلام، وهذه الثلاثة واجبة عند الشافعي، وقال بوجوب السلام الجمهور وبوجوب التشهد كثيرون وبوجوب الصلاة على النبي -ﷺ- مع الشافعي الشعبي والإمام أحمد بن حنبل وأصحابهما ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور أن المشروع تسليمتان ومذهب مالك وطائفة أن المشروع تسليمة واحدة، وهو قول ضعيف عن الشافعي، ومن قال بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة، ومنها التشهد وأوجبه كثيرون وهو التحيات وسمي تشهدا لأن فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهو تفعل من الشهادة، ومنها: التشهد الأول أوجبه الإمام أحمد بن حنبل، ومنها: التسبيحات وتكبيرات الانتقالات عند الإمام","vol":"3","page":669},{"text":"أحمد، ومنها: الترتيب يعني ترتيب الأركان، ومنها: نية الخروج من الصلاة أوجبه بعض أصحاب الشافعي، واعلم أنه قد أستفيد من سرد الروايات أن فيه أمورًا لم تجب ذكرها بعضهم، الأول: إقامة الصلاة، لم يذكر في الحديث فدل على أنها غير واجبة، قلت: هي في أبي داود وقد اختلف فيها فقيل هي فرض كفاية وقيل فرض في الجمعة دون غيرها لوجوب الجمعة فلذلك يجب الدعاء إليها والخلاف فيها، وفي الآذان واحد؛ الثاني: دعاء الاستفتاح سنة لأنه لم يذكر فيه، قلنا: بلى قد ذكر وقع ذلك فهو متفق على عدم وجوبه بل قال مالك ﵀ بكراهته ومن عزا وجوبه إلى الشافعي فقد وهم؛ الثالث: القعود ورفع اليدين ووضع اليمنى على اليسرى وبقية السنن مما لم يذكر فليس بواجب، وقد ثبتت تسميته بأدلة أخرى؛ الرابع: استدلال بعض المالكية على عدم وجوب التشهد لكونه لم يذكر، قلنا: هو في أبي داود والنسائي وغيرهما ولوجوبه أدلة منها: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على الله، الحديث، رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح، وقد ثبت الأمر به في الصحيحين؛ الخامس: استقلال الحنفية على عدم وجوب السلام بعدم ذكره فيه، قلنا: لوجوبه أدلة (^١) منها حديث أبي داود وغيره: \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٧ - ١٠٨)، وإحكام الأحكام (١/ ٢٥٧)، والعدة (١/ ٤٩٧ - ٤٩٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٥)، وأبو داود (٦١) و(٦١٨)، والترمذي (٣) عن على. وقال الألباني: حسن صحيح، المشكاة (٣١٢ و٣١٣)، الإرواء (٣٠١)، صحيح أبي داود (٥٥).","vol":"3","page":670},{"text":"واعلم أن الصلاة شروط وأركان وأبعاض وسنن قد ذكر الفقهاء في كتب الفقه (^١).\nفأما شروطها فقسمان شروط لوجوبها وهي أربعة الإسلام والعقل والبلوغ والطهارة (^٢)، وأما شروط صحتها فمعرفة دخول الوقت يقينا أو ظنًا (^٣) ومعرفة القبلة (^٤) والطهارة من الحدث والخبث وهو اجتناب النجاسات في بدنه وثوبه ومكانه (^٥)؛ الرابع: ستر العورة، وعورة الرجل من سرته إلى ركبته، وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين حتى لو بان منها شعرة أو من رجلها بعض ظفر فلا تصح صلاتها، وعورة الأمة: كالرجل والأولى ستر بدنها كله (^٦).\nالخامس: معرفة كيفية الصلاة وفرضيتها (^٧)؛ السادس: تمييز فرائضها من سننها وإن كان عاميا، واعتقد أن الجميع فرض صح وإلا لم تصح صلاته وكذلك فى الوضوء إن اعتقد العامى إن اعتقد أن الجميع فرض صح الوضوء\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٨٤).\n(^٢) البيان (٢/ ٩) والغاية والتقريب (ص ٨)، وعمدة السالك (١/ ٣٥)، والتذكرة (ص ٢٥).\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ٢٧٠)، وعمدة السالك (١/ ٥٨)، والنجم الوهاج (٢/ ١٨٨) وتحفة المحتاج (٢/ ١١٠)، ومغنى المحتاج (١/ ٢٩٦).\n(^٤) المجموع (٣/ ١٨٩) والروضة (١/ ٢٠٩) والمنهاج (ص ٢٤).\n(^٥) كفاية النبيه (٤/ ٢٢٥).\n(^٦) المجموع (٣/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٧) عمدة السالك (١/ ٤١).","vol":"3","page":671},{"text":"وإلا لم يصح وضوءه (^١)، ومما يبطل الصلاة الكلام وأن لا يتكلم في الصلاة بكلام أجنبي لا يتعلق بالصلاة فتبطل بالنطق بحرفين أو حرف معهم (كقِ) من الوقاية و(عِ) من الوعاية (^٢)، ومما يبطلها البكاء ولو كان من الخشية والأنين والضحك والنفخ والتنحنح إلا من الغلبة (^٣)، ويبطلها الفعل الكثير كثلاث ضربات أو خطوات متواليات (^٤)، ويبطلها الأكل ولو سمسسمة والمص مبطل (^٥) فهذه الشروط.\nتنبيه: والتحقيق أن شرطها ما يعتبر في صحتها متقدما عليها ومستمرا فيها، والركن ما تركبت منه مع اشتراكهما في أن كلا منهما لا بد منه، وعلى هذا يكون الركن والشرط خاصين تحت أعم وهو الواجب ويمكن استحضار الصلاة دون شروطها، ولا يمكن تصور حقيقتها إلا بتصور جميع أجزائها قاله الكمال الدميري (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المجموع (٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤) والروضة (١/ ٢٧٠ - ٢٧١)، والنجم الوهاج (٢/ ١٨٨).\n(^٢) كفاية النبيه (٣/ ٤٠٦)، وعمدة السالك (ص ٥٦)، والنجم الوهاج (٢/ ٢١٧).\n(^٣) المجموع (٤/ ٨٩)، وروضة الطالبين (١/ ٢٩٠)، وعمدة السالك (ص ٥٦)، والنجم الوهاج (٢/ ٢١٩).\n(^٤) المجموع (٤/ ٩٢)، وكفاية النبيه (٣/ ٤١٤)، وعمدة السالك (ص ٥٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٥) المجموع (٤/ ٩٠)، وكفاية النبيه (٣/ ٤٢١ - ٤٢٣)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(^٦) النجم الوهاج (٢/ ٨٤).","vol":"3","page":672},{"text":"وأما الأبعاض فهي ست وهي التي تسن سجود السهو لها وسميت أبعاضا لقربها من الفرض، وهذه الأبعاض سنة إن تركها عمدًا أو سهوا لا تبطل الصلاة وهي القنوت والقيام له والتشهد الأول والتعوذ له والصلاة على النبي -ﷺ- فيه والصلاة على آله في الأخير (^١)، فإذا علمت ذلك فيما سوى الشروط والأركان والأبعاض فهو سنن لا تقتضي سجود السهو، وقد عد صاحب التنبيه السنن فقال: وسننها أربع وثلاثون (^٢)، فمن أراد الزيادة على ذلك فليراجع كتب الفقه والله أعلم بالصواب.\n\n٧٦٣ - وَعَن رِفَاعَة بن رَافع -﵁- قَالَ كنت جَالِسا عِنْد رَسُول الله -ﷺ- إِذْ جَاءَ رجل فَدخل الْمَسْجِد فصلى فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فِيهِ فَقَالَ الرجل لا أَدْرِي مَا عبت عَليّ فَقَالَ النَّبِيّ -ﷺ- إِنَّه لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أمره الله وَيغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين وَيمْسَح رَأسه وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ يكبر الله وَيَحْمَدهُ ويمجده وَيقْرَأ من الْقُرْآن مَا أذن الله لَهُ فِيهِ وتيسر ثمَّ يكبر ويركع فَيَضَع كفيه على رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تطمئِن مفاصله وَتَسْتَرْخِي ثمَّ يَقُول سمع الله لمن حَمده وَيَسْتَوِي قَائِما حَتَّى يَأْخُذ كل عظم مأخذه وَيُقِيم صلبه ثمَّ يكبر فَيسْجد وَيُمكن جَبهته من الأَرْض حَتَّى تطمئِن مفاصله وَتَسْتَرْخِي ثمَّ يكبر فيرفع رَأسه وَيَسْتَوِي قَاعِدا على مقعدته وَيُقِيم صلبه فوصف الصَّلَاة هَكَذَا حَتَّى فرغ ثمَّ قَالَ لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يفعل\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، وكفاية النبيه (٣/ ٢٧٢)، والتدريب (١/ ١٧٥).\n(^٢) التنبيه (١/ ٢٣)، وكفاية النبيه (٣/ ٢٧٢)، والهداية (٢٠/ ١٣٩).","vol":"3","page":673},{"text":"ذَلِك\" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَقَالَ فِي آخِره فَإِذا فعلت ذَلِك فقد تمت صَلَاتك وَإِن انتقصت مِنْهَا شَيْئا انتقصت من صَلَاتك (^١) قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر النمري هَذَا حَدِيث ثَابت.\nقوله: عن رفاعة بن رافع هو رفاعة بن رافع الزرقي، منسوب إلى جد له يقال له زريق بتقديم الزاي هو وأبوه صحابيان، روى له عن رسول الله -ﷺ- أربعة وعشرون حديثًا (^٢)، توفي في خلافة معاوية تقدم الكلام عليه قريبًا مبسوطًا.\nقوله -ﷺ-: \"إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى ويغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين\" تقدم الكلام على إسباغ الوضوء في مواضع من هذا التعليق.\nوأما قوله -ﷺ-: \"فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين\" إلى قوله: \"ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين\" فذكر الفروض الأربع المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٣) الآية.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٦٠)، وأبو داود (٨٥٧) و(٨٥٨) و(٨٥٩) و(٨٦٠) و(٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤٤٢ (١٠٦٥) و٣/ ١٠٧ (١٣٢٩) و٣/ ١٠٨ (١٣٣٠). قال الترمذي: حديث رفاعة بن رافع حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٣٦) وصحيح أبي داود (٨٠٣ و٨٠٤ و٨٠٥ و٨٠٦ و٨٠٧)، والمشكاة (٨٠٤)، والإرواء (١/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٠ - ١٩١ ترجمة ١٦٩).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٦.","vol":"3","page":674},{"text":"قوله -ﷺ-: \"فيضع كفيه على ركبتيه\" وهذا أحد أقل الركوع أن تبلغ راحتاه ركبتيه ولا يكفي بلوغ الأصابع، وهذا عند اعتدال الخلقة فلا عبرة بطويل اليدين ولا قصيرهما (^١)، وفي حديث آخر: \"وامدد ظهرك\" إشارة إلى الحالة الفضلي، وفيه دليل لما قيل أنه علمه مهمات الفرائض ومهمات الصفات المحبوبة فيها.\nقوله -ﷺ-: ويمكن جبهته من الأرض، وفي رواية \"فيمكن\" وفي رواية: \"فتمكن لسجودك\" دليل على وجوب التحامل بثقل الرأس وهو الصحيح من مذهب الشافعي بحيث لو كان تحت الجبهة قطن أو طين لانخفض (^٢).\nقوله -ﷺ-: فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، أي: ولم تبق إلا السلام.\nقوله -ﷺ-: \"فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك\" أي فإن كانت فرضا بطلت وإن كانت سنة فقد فات ثواب تلك السنة واستدل أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بكونه جعلها ناقصة على الجواز بغير طمأنينة، فأما لو نقص ركوعا لزمه القول بالجواز ولا قائل به والله أعلم.\n\n٧٦٤ - وَعَن عمار بن يَاسر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الرجل لينصرف وَمَا كتب لَهُ إِلَّا عشر صلَاته تسعها ثمنهَا سبعها سدسها\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٢٤٩).\n(^٢) العزيز (١/ ٥٢٣)، والمجموع (٣/ ٤٢٣) والروضة (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).","vol":"3","page":675},{"text":"خمسها ربعهَا ثلثهَا نصفهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ (^١).\nقوله: عن عمار بن ياسر، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا تسعها ثمنها سبعها سدسها\" الحديث، أراد بذلك والله أعلم عدم إتمام الركوع والسجود.\n\n٧٦٥ - وَعَن أبي الْيُسْر -﵁- أَن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ: مِنْكُم من يُصَلِّي الصَّلَاة كَامِلَة ومنكم من يُصَلِّي النّصْف وَالثلث وَالرّبع وَالْخمس حَتَّى بلغ الْعشْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢) وَاسم أبي الْيُسْر بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَالسِّين الْمُهْملَة مفتوحتين كَعْب بن عمر السّلمِيّ شهد بَدْرًا.\nقوله: عن أبي اليسر، واسم أبي اليسر بالياء المثناة تحت والسين المهملة مفتوحتين كعب بن عمرو السلمي شهد بدرا قاله الحافظ.\nقوله -ﷺ-: \"منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشرة\" الحديث، وقد جاء في الحديث أنه يكتب له من الصلاة ما حضر قلبه فيها وإن العبد يصلي فيكتب له نصفها حتى انتهى إلى عشرها ووقف فهي خمس في حق من كتب له عشرها وعشر\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٧٩٦)، والنسائي في الكبرى (٦٩٦)، وابن حبان (١٨٨٩). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٧٦١)، وصحيح الترغيب (٥٣٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٥٢٢)، والنسائي في الكبرى (٦٩٧). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٣٨).","vol":"3","page":676},{"text":"في حق من كتب له أكثر من ذلك وخمسون في حق من كتب له كملت صلاته وأداها بما يلزمه من تمام خشوعها وكمال سجودها وركوعها، ذكره السهيلي في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (^١).\n\n٧٦٦ - وِعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الصَّلَاة ثَلَاثَة أَثلَاث الطّهُور ثلث وَالرُّكُوع ثلث وَالسُّجُود ثلث فَمن أَدَّاهَا بِحَقِّهَا قبلت مِنْهُ وَقبل مِنْهُ سَائِر عمله وَمن ردَّتْ عَلَيْهِ صلَاته رد عَلَيْهِ سَائِر عمله رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ لا نعلمهُ مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث الْمُغيرَة بن مُسلم (^٢). قَالَ الْحَافِظ وَإِسْنَاده حسن.\nقوله: عن أبي هريرة.\nقوله -ﷺ-: \"الصلاة ثلاثة أثلاث الطهور ثلث والركوع ثلث والسجود ثلث\" الحديث، الطهور بفتح الطاء ما يتطهر به من مائع وجامد، وبضمها هو التطهر به وهو المراد ها هنا، وقال النووي: المراد بالطهور الوضوء وهو أعم من ذلك إذ يشتمل الوضوء والغسل وغيرهما والله أعلم.\n_________\n(^١) الروض الأنف (٣/ ٤٥٩).\n(^٢) أخرجه البزار (٩٢٧٣). قال البزار: وهذا الحديث إنما يحفظ من حديث الأعمش، عن أبي صالح عن كعب من قوله ولا نعلم أحدا أسنده فقال عن أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- إلا المغيرة بن مسلم ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٤٧: رواه البزار وقال: لا نعلمه مرفوعًا إلا عن المغيرة بن مسلم قلت: والمغيرة ثقة وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥٣٧) وصحيح الترغيب (٥٣٩).","vol":"3","page":677},{"text":"٧٦٧ - وَعَن حُرَيْث بن قبيصَة -﵁- قَالَ قدمت الْمَدِينَة وَقلت اللَّهُمَّ ارزقني جَلِيسا صَالحا قَالَ فَجَلَست إِلَى أبي هُرَيْرَة فَقلت إِنِّي سَأَلت الله أَن يَرْزُقنِي جَلِيسا صَالحا فَحَدثني بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله -ﷺ- لَعَلَّ الله أَن يَنْفَعنِي بِهِ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله صلَاته فَإِن صلحت فقد أَفْلح وأنجح وَإِن فَسدتْ فقد خَابَ وخسر وَإِن انْتقصَ من فريضته قَالَ الله تَعَالَى انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع يكمل بِهِ مَا انْتقصَ من الْفَرِيضَة ثمَّ يكون سَائِر عمله على ذَلِك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: عن الحارث بن قبيصة.\nقوله: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن أول ما يجاء به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن انتقص من فريضته قال الله تعالى انظروا هل لعبدي من تطوع يكمل به ما انتقص من الفريضة\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك مبسوطا.\n\n٧٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ صلى رَسُول الله -ﷺ- يَوْمًا ثمَّ انْصَرف فَقَالَ يَا فلَان أَلا تحسن صَلَاتك أَلا ينظر الْمُصَلِّي إِذا صلى كَيفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤١٣)، والبزار (٩٤٦٢) و(٩٥٦٧)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٨١) و(١٨٥)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٦٧ (٤٧٢) والكبرى (٤٠٢). وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في المشكاة (١٣٣٠) وصحيح الترغيب (٥٤٠).","vol":"3","page":678},{"text":"يُصَلِّي لنَفسِهِ إِنِّي لأَبْصر من ورائي كَمَا أبْصر من بَين يَدي رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله -ﷺ- الظّهْر فَلَمَّا سلم نَادَى رجلا كَانَ فِي آخر الصُّفُوف فَقَالَ يَا فلَان أَلا تتقي الله أَلا تنظر كَيفَ تصلي إِن أحدكُم إِذا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يقوم يُنَاجِي ربه فَلْينْظر كَيفَ يناجيه إِنَّكُم ترَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُم إِنِّي وَالله لأرى من خلف ظَهْري كَمَا أرى من بَين يَدي (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على بعض مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"يا فلان ألا تحسن صلاتك، ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي\" الحديث، وفيه الأمر بإكمال التعظيم والخشوع وإتمام الركوع والسجود، وفيه إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى وتحميده وتلاوة كتابه وتدبره (^٢) والله أعلم.\nوفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أنس قال: بينما رسول الله -ﷺ- ذات يوم إذ أقيمت الصلاة فقال: أيها الناس إني أمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا برفع رؤوسكم فإني أراكم من أمامي ومن خلفي الحديث، قال ابن بطال: فيه أنه ينبغي للإمام إذا رأي أحدا مقصرا في شيء من أمور دينه أو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٨ - ٤٢٣)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣٠٨ (٨٨٤) والكبرى (١٠٣٣)، وابن خزيمة (٤٧٤) و(٦٦٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٤٠ - ٤١).","vol":"3","page":679},{"text":"ناقصا للكمال أن ينهاه عن فعله ويحضه على ما له فيه جزيل الحظ ألا ترى أن النبي -ﷺ- وبخ من نقص كمال الركوع والسجود ووعظهم في ذلك بأنه يراهم وقد أخذ الله ﷾ على المؤمنين ذلك إذا مكنهم في الأرض بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (^١) الآية (^٢).\nقوله: إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي، فيه تأويلان، أحدهما: أنه من رؤية العين، والثاني: قيل من رؤية القلب قاله عياض، وقال عياض أيضًا: قال الإمام أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقية (^٣)، وقال النووي: قال العلماء معناه: أن الله ﷾ خلق له. -ﷺ- إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له -ﷺ- بأكثر من هذا أو ليس يمنع من هذا عقل ولا شرع بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به (^٤)، وقد كان رسول الله -ﷺ- يرى أصحابه في الصلاة وهم خلفه كما يراهم أمامه ورأى بيت المقدس عيانًا وهو بمكة ورأى قصور الشام وأبواب صنعاء ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق، ورأى أمراء مؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة ورأى النجاشي بالحبشة لما مات وهو\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٤١.\n(^٢) شرح الصحيح (٢/ ٧١).\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٤٩).","vol":"3","page":680},{"text":"بالمدينة فخرج إلى المصلي فصلى عليه ورأى عمر -﵁- سارية بنهاوند من أرض فارس هو وعساكر المسلمين وهم يقاتلون عدوهم فناداه يا سارية الجبل (^١).\nقوله -ﷺ-: \"أن أحدكم إذا قام يصلي قائما يقوم يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه\" المناجي المخاطب للإنسان والمحدث له.\nقوله -ﷺ-: \"إنكم ترون إني لا أراكم\" ترون معناه: تظنون.\nقوله -ﷺ-: \"والله لأري من خلف ظهري كما أرى من بين يدي\" فيه: جواز الحلف بالله من غير ضرورة لكن المستحب تركه إلا لحاجة كتأكيد أمر وتفخيمه والمبالغة في تحقيقه وتمكنه من النفوس (^٢)، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف، وأما الرؤية في قوله: \"إني لأراكم من بين يدي\" فيحتمل أنه يراهم بما يوحي إليه من أفعالهم وهيئاتهم في الصلاة لأن الرؤية قد يعبر بها عن العلم، وأن يراهم بما خص به -ﷺ- بأن زيد في قوة البصر حتى يرى من وراءه، قال أحمد: إنه يرى من وراءه كما يرى بعينه، والجمهور على أن هذا من خصائصه، وفيه دليل للأشاعرة حيث لا يشترطون في الرؤية مواجهة ولا مقابلة، قاله الكرماني (^٣).\n_________\n(^١) الروح (ص ٢٩٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٣١) و(٧/ ٧٤) و(١٥/ ٥٩).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٩٧) و(٢٤/ ١٠٦)، وطرح التثريب (٢/ ٣٧٦).","vol":"3","page":681},{"text":"٧٦٩ - وَعَن عُثْمَان بن أبي دهرش -﵁- عَن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ لَا يقبل الله من عبد عملا حَتَّى يشْهد قلبه مَعَ بدنه رَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الصَّلَاة هَكَذَا مُرْسلا وَوَصله أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس بِأبي بن كَعْب والمرسل أصح (^١).\nقوله: عن عثمان بن أبي دهرش [يروي عن: آل الحكم بن أبي العاص روى عنه: سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليم (^٢)].\nقوله -ﷺ-: \"لا يقبل الله من قلب عبد عملا حتى يشهد قلبه مع بدنه\" أي: يحضر قلبه مع بدنه.\nقوله: رواه محمد بن نصر المروزي مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.\n\n٧٧٠ - وَعَن الْفضل بن الْعَبَّاس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الصَّلَاة مثنى مثنى تشهد فِي كل رَكْعَتَيْنِ وتخشع وتضرع وتمسكن وتقنع يَديك تَقول ترفعهما إِلَى رَبك مُسْتَقْبلا ببطونهما وَجهك وَتقول يَا رب يَا رب من لم يفعل ذَلِك فَهِيَ كذَا وَكذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَتردد فِي ثُبُوته رَوَوْهُ كلهم عَن لَيْث بن سعد حَدثنَا عبد ربه بن سعيد عَن عمرَان بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (١٥٧ و١٥٨) والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٤٧٢). ووصله الديلمي (٢٤٧١) عن أبي بن كعب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٥٠) وضعيف الترغيب (٢٨١).\n(^٢) الثقات (٧/ ١٩٦).","vol":"3","page":682},{"text":"أبي أنس عَن عبد الله بن نَافِع ابْن العمياء عَن ربيعَة بن الْحَارِث عَن الْفضل وَقَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ غير ابْن الْمُبَارك فِي هَذَا الحَدِيث من لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج وَقَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَعْنِي البُخَارِيّ يَقُول روى شُعْبَة هَذَا الحَدِيث عَن عبد ربه فَأَخْطَأَ فِي مَوَاضِع قَالَ وَحَدِيث لَيْث بن سعد أصح من حَدِيث شُعْبَة (^١).\nقَالَ الْحَافِظ وَعبد الله بن نَافِع ابْن العمياء لم يرو عَنهُ غير عمرَان بن أبي أنس وَعمْرَان ثِقَة وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من طَرِيق شُعْبَة عَن عبد ربه عَن ابْن أبي أنس عَن عبد الله بن نَافِع ابْن العمياء عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة وَلَفظ ابْن مَاجَه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الصَّلَاة مثنى مثنى وَتشهد فِي كلّ رَكْعَتَيْنِ وتبأس وتمسكن وتقنع وَتقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَمن لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج (^٢).\nقَالَ الْخطابِيّ: أَصْحَاب الحَدِيث يغلطون شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث ثمَّ حكى قَول البُخَارِيّ الْمُتَقَدّم وَقَالَ قَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي هَذَا الحَدِيث مثل قَول البُخَارِيّ وَخطأ شُعْبَة وَصوب لَيْث بن سعد وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٥٢) والمسند (٥٣)، وأحمد ١/ ٢١١ (١٧٩٩) و٤/ ١٦٧ (١٧٥٢٥)، والترمذي (٣٨٥)، والنسائي في الكبرى (٦٩٩) و(١٥٣٣)، وأبو يعلى (٦٧٣٨)، وابن خزيمة (١٢١٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٥٤٦) وضعيف الترغيب (٢٨٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٣٢٥)، وأبو داود (١٢٩٦)، وابن خزيمة (١٢١٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٥٤٦) وضعيف الترغيب (٢٨٢).","vol":"3","page":683},{"text":"ابن خُزَيْمَة (^١) قَالَ: وَقَوله تبأس مَعْنَاهُ إِظْهَار الْبُؤْس والفاقة وتمسكن من المسكنة وَقيل مَعْنَاهُ السّكُون وَالْوَقار وَالْمِيم مزيدة فِيهَا وإقناع الْيَدَيْنِ رفعهما فِي الدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة والخداج مَعْنَاهُ هَا هُنَا النَّاقِص فِي الْأجر والفضيلة (^٢) انْتهى.\nقوله: عن الفضل بن العباس، هو: الفضل بن العباس عم رسول الله -ﷺ- بن عبد المطلب الهاشمي أردفه ابن عمه رسول الله -ﷺ-، وكان أسن من شقيقه عبد الله، روى عنه أخوه عبد الله وأبو هريرة وابن عمه ربيعة بنم الحارث، قال الواقدي: مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة على الأصح، وقال ابن معين: قتل يوم اليرموك، وقال أبو داود: قتل بدمشق، وكان عليه درع النبي -ﷺ-، قال ابن سعد: وكان أسن ولد أبيه، غزا مع النبي -ﷺ- مكة وحنينا وثبت يومئذ وكان فيمن غسل النبي -ﷺ- وولي دفنه ثم خرج بعد ذلك إلى الشام مجاهدا فمات بناحية الأردن في الطاعون (^٣) قاله في شرح الإلمام، روى له عن رسول الله -ﷺ- أربعة وعشرون حديثا، روى البخاري منها اثنان (^٤).\nقوله: \"الصلاة مثني مثني\" أي: ركعتين ركعتين، وفي صحيح مسلم عن عقبة بن حريث فقيل: لابن عمر: ما مثنى مثني؟ قال: أن تسلم من كل ركعتين (^٥)،\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢٧٩).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٧٩).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٠ - ٥١ ترجمة ٤٩١).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥١).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٥٩ - ٧٤٩).","vol":"3","page":684},{"text":"أي: يتشهد ويسلم فهي ثنائية لا رباعية، ومثنى معدول عن اثنين اثنين (^١)، قال الله ﷾: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^٢) وهذه الأحاديث كلها محمولة على بيان الأفضل وهو أن يسلم من كل ركعتين وسواء نوافل الليل والنهار (^٣)، وفيه: أن الأفضل في نافلة الليل أن يسلم من كل ركعتين وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد والجمهور، وقال الترمذي في جامعه، والعمل على هذا عند أهل العلم أن صلاة الليل مثنى مثني، وقال أبو حنيفة: الأفضل أن يصلي أربعا أربعًا وإن شاء ركعتين وإن شاء ستا ستا وإن شاء ثمانيا، وتكره الزيادة على ذلك (^٤)، وذهب الشافعي والأكثرون إلى جواز الزيادة في صلاة الليل على ركعتين، وذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الأفضل في نوافل النهار أيضًا التسليم من كل ركعتين (^٥)، واحتج الجمهور بما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\" (^٦) فالأفضل في النفل أن يسلم من كل\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٢٥).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٣.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٠).\n(^٤) طرح التثريب (٣/ ٧٤).\n(^٥) طرح التثريب (٣/ ٧٥).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (١٣٢٢)، وأبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٤١٦ (١٦٨٢) والكبرى (٥٥٧).\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود (١١٧٢).","vol":"3","page":685},{"text":"ركعتين ليلا كان أو نهارا، وقال البخاري في صحيحه عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون من كل ركعتين من النهار (^١)، وذكر أحاديث تدل على ذلك وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، وكذلك الضحى ركعتان ركعتان والعيد والاستسقاء وكلها في النهار، نعم صلاة الزوال وصلاة التسبيح جاءت رباعية فيتبع بما ورد، وقد تقدم أن الكل واسع، وهذا الحديث يعني الذي رواه أصحاب الأربعة وما في معناه حجة على من قال: إن الأفضل في نوافل الليل والنهار أن يكون أربعًا أربعًا (^٢)، وإن قيل بأن صلاة النهار أيضا مثنى فليس المراد بذلك أنه يتعين كونها مثنى بل الأفضل فيها ذلك، فتطوع الليل أفضل من تطوع النهار لقوله -ﷺ- \"أفضل الصلاة بعد الفرض صلاة الليل\" (^٣) وفعله في البيت أفضل من فعله في المسجد لقوله -ﷺ-: \"صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة\" (^٤).\nفرع: لو جمع ركعات بتسليمة واحدة واقتصر على تشهد واحد جاز، وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٧) تعليقا.\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ٤٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٠٢ و٢٠٣ - ١١٦٣)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٧٥ (١٦٢٩) والكبرى (١٤٠٥) عن أبي هريرة.\n(^٤) أخرجه أبو داود (١٠٤٤) عن زيد بن ثابت.\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود (٩٥٩).\n(^٥) طرح التثريب (٣/ ٧٩).","vol":"3","page":686},{"text":"فرع آخر: ولا حصر للنفل المطلق فإن أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كل ركعتين وفي كل ركعة، قال النووي: قلت الأصح منعه من كل ركعة (^١) والله أعلم.\nسؤال: لم جعلت الصلاة مثني وثلاث ورباع؟ يقال: لأن الله تعالى جعل أجنحة الملائكة مثنى وثلاث ورباع كما في قوله تعالى على الملائكة: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ (^٢) الآية، فجعل أجنحتك التي تطير بها إلى الله تعالى موافقة لأجنحتهم فيستغفروا لك قاله في كشف الأسرار (^٣).\nقوله: \"وتبأس\" معناه إظهار البؤس والفاقة (^٤).\nقوله: \"وتمسكن\" من المسكنة والمسكنة فقر النفس (^٥) وربما إذا نسبه إلى إلى المساكين، وقيل معناه السكون والوقار والميم مزيدة (^٦) فيها قاله الحافظ الحافظ المنذري، وقال بعضهم وتمسكن أي يذل ويخضع وهو تفعل من السكون والقياس أن يقال تسكن وهو الأكثر الأفصح وقال: جاء على الأول أحرف قليلة قالوا: تمدرع وتمنطق وتمندل (^٧) والله أعلم، قاله المنذري.\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٥١)، وروضة الطالبين (١/ ٣٣٦)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٩٥).\n(^٢) سورة فاطر، الآية: ١.\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٣٧).\n(^٤) معالم السنن (١/ ٢٧٩).\n(^٥) النهاية (٢/ ٣٨٥).\n(^٦) معالم السنن (١/ ٢٧٩).\n(^٧) الغريبين (٣/ ٩١٢)، والنهاية (٢/ ٣٨٥).","vol":"3","page":687},{"text":"قوله: \"وتقنع يديك\" بضم التاء المثناة من فوق وسكون القاف وكسر النون وبالعين المهملة، وإقناع اليدين رفعهما في الدعاء والمسألة (^١) كذا فسره المنذري، وفي حديث آخر: \"ولا يقنع رأسه\" أي: لا يخفضه كثيرًا أو يميله إلى الآخر قاله في النهاية (^٢)، قال الخطابي ﵀: إن من الأدب أن يكون اليدان في حال رفعهما مكشوفين غير مغطائين في الدعاء (^٣).\nقوله: \"ويقول يا رب يا رب\" أي: إلا قال له ربه لبيك.\nقوله: \"فمن لم يفعل ذلك فهي خداج\" والخداج الناقص في الأجر والفضيلة قاله الحافظ.\nوقال في النهاية: يقال أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا قلدته ناقص الخلق وإن كان لمقام الحمل، وإنما قال فهي خداج وانخداج مصدر على حذف المضاف أي ذات خداج أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه مبالغة كقوله \"فإنما هي إقبال وإدبار\" أي: صلاته ذات خداج أي ناقصة (^٤).\nقوله في الكلام على رجال الحديث عن المهلب بن أبي وداعة، صوابه: المطلب بن ربيعة، وقوله ابن أبي وداعة وهم من ابن ماجه قاله ابن عساكر في\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢٧٩).\n(^٢) النهاية (٣/ ١٠).\n(^٣) النشر في القراءات العشر (٢/ ٤٥٨).\n(^٤) النهاية (٢/ ١٢ - ١٣).","vol":"3","page":688},{"text":"الأطراف (^١) والمنذري في مختصر السنن (^٢) والمطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، صحابي، روى عن النبي -ﷺ-، ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث (^٣)؛ وأما المطلب بن أبي وداعة السمهي فروى عن النبي -ﷺ- وله في الكتب الستة ثلاثة أحاديث (^٤)؛ وأما عمران بن أبي أنس فذكر أبو سعيد بن يونس في تاريخ المصريين (^٥)، وروى له هذا الحديث، وقال: لست أعرفه بغير ذلك، وقال الحافظ المنذري: هو ثقة (^٦).\n\n٧٧١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الله ﷿ إِنَّمَا أتقبل الصَّلَاة مِمَّن تواضع بهَا لعظمتي وَلم يستطل على خلقي وَلم يبت مصرا على معصيتي وَقطع النَّهَار فِي ذكري ورحم الْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل والأرملة ورحم الْمُصَاب ذَلِك نوره كنور الشَّمْس أكلؤه بعزتي وأستحفظه ملائكتي أجعَل لَهُ فِي الظلمَة نورا وَفِي الْجَهَالَة حلما وَمثله فِي خلقي كَمثل الفردوس فِي الْجنَّة رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عبد الله بن وَاقد الْحَرَّانِي وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات (^٧).\n_________\n(^١) تحفة الأشراف (٨/ ٣٩١ رقم ١١٢٨٨).\n(^٢) مختصر السنن (٢/ ٨٨).\n(^٣) كشف المشكل (٤/ ١٧٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩ ترجمة ٣٧١)، وتهذيب الكمال (١٨/ ٢٧٨ - ٢٧٩ ترجمة ٣٥١٢).\n(^٤) تهذيب الكمال (٢٨/ ترجمة ٦٠٠٨).\n(^٥) تاريخ ابن يونس (٢/ ١٥٨).\n(^٦) تهذيب الكمال (٢٢/ ترجمة ٤٤٨١) ووثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي.\n(^٧) أخرجه البزار (٤٨٢٣) و(٤٨٥٥). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول رسول الله -ﷺ- بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وعبد الله بن واقد لم يكن =","vol":"3","page":689},{"text":"قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"قال الله تعالى: \"إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي\" التواضع هو الخضوع.\nقوله: \"ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة\" والمسكين هو الذي يقدر على مال أو كسب لا يقع من نطاق كفايته؛ وابن السبيل: هو الذي ينشأ بسفر أو مجتاز.\nقوله: \"والأرملة\" هي التي توفي عنها زوجها، والمصاب: هو الذي أصابته مصيبة في ماله أو نفسه أو ولده.\nقوله: \"ذلك نوره كنور الشمس أكلأه بعزتي\" أي أحفظه وأحرسه \"وأستحفظه ملائكتي\" أي: أجعل الملائكة حراسا عليه لما عساه من شيء يؤذيه.\nقوله: رواه البزار من رواية عبد الله بن واقد الحراني [هو، أبو قتادة الحراني، مولى بني حمان قال أحمد: ثقة، إلا أنه كان ربما أخطأ، وكان من أهل الخير، يشبه النساك، وكان له حركة وذكاء وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن أبي قتادة الحراني، فقال: ما به بأس، رجل صالح، يشبه\n_________\n= بالحافظ، وقد حدث عنه جماعة كثيرة من أهل العلم، وعبد الله بن واقد كان حرَّانيًّا عفيفا، وكان حافظا متفقها بقول أبي حنيفة، وكان يغلط فيلقن الصواب فلا يرجع، وكان يكنى أبا قتادة، وكان قاضيًا. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٤٧: رواه البزار وفيه عبد الله بن واقد الحراني ضعفه النسائي والبخاري وإبراهيم الجوزجاني وابن معين في رواية، ووثقه أحمد وقال: كان يتحرى الصدق وأنكر على من تكلم به وأثنى عليه خيرًا وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٩٥٠) وضعيف الترغيب (٢٨٣).","vol":"3","page":690},{"text":"أهل النسك والخير، إلا أنه كان ربما أخطأ. قيل له: إن قوما يتكلمون فيه؟ قال: لم يكن به بأس. قلت: إنهم يقولون: لم يفصل بين سفيان ويحيى بن أبي أنيسة. قال: لعله أختلط، أما هو فكان ذكيا. فقلت: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر: أن أبا قتادة الحراني كان يكذب. فعظم ذلك عنده جدا، وقال: كان أبو قتادة يتحري الصدق، وأثني عليه، وذكره بخير، وقال: قد رأيته يشبه أصحاب الحديث، وأظنه كان يدلس، ولعله كبر فاختلط، والله أعلم، ووثقه يحيى فى رواية ووهاه فى أخرى، وضعفه أبو حاتم، وتركه البخارى ومسلم والنسائي وغيرهم (^١)].\n\n٧٧٢ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن العَبْد إِذا صلى فَلم يتم صلَاته خشوعها وَلَا ركوعها وَأكْثر الِالْتِفَات لم تقبل مِنْهُ وَمن جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ وَإِن كَانَ على الله كَرِيمًا\"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن العبد إذا صلى فلم يتم صلاته خشوعها ولا ركوعها وأكثر الالتفات لم تقبل منه\" الحديث، تقدم الكلام على الخشوع والركوع في\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٦/ الترجمة ٣٦٣٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١١ رقم ٩٧٧٨). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢٢: رواه الطبراني في الكبير وفيه عبيد الله بن زحر وهو ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٨٤).","vol":"3","page":691},{"text":"الأحاديث المتقدمة، وأما الالتفات فالمراد به ليُّ العنق ما لم يلتفت بصدره فإذا التف بصدره بطلت صلاته، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه مبسوطا والله أعلم.\nقوله: \"ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه وإن كان على الله كريمًا\" الخيلاء بالمد الكبر والعجب.\nفرع: العبث في الصلاة مكروه نقله الرافعي في الشهادات عن صاحب العدة أنه حرام من الصغائر، واعترض عليه النووي بأن المشهور في كتب الأصحاب كراهته، فلو سقط رداؤه أو تطايرت عمامته يكره له تسويته إلا لضرورة قاله في الإحياء (^١).\n\n٧٧٣ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أول شَيْء يرفع من هَذِه الْأمة الْخُشُوع حَتَّى لَا ترى فِيهَا خَاشِعًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢) وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي آخر حَدِيث مَوْقُوفا على شَدَّاد بن أَوْس وَرَفعه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا وَالْمَوْقُوف أشبه (^٣).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ١٧٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الشاميين (١٥٧٩). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٣٦: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٦ (٢٣٩٩٠)، والبخاري في خلق أفعال العباد (ص ٧٩ - ٨٠)، وابن أبي عاصم في الأوائل (١٠٩)، والنسائي في الكبرى (٦٠٨٨)، وابن حبان (٤٥٧٢) و(٦٧٢٠)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٤٣ رقم ٧٥) والشاميين (٥٥ و٥٦) والأوائل (٨١)، والحاكم (١/ ٩٨ - ٩٩) موقوفًا. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. =","vol":"3","page":692},{"text":"قوله: \"عن أبي الدرداء\" واسمه عويمر تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"أول شيء يرفع من هذه الخشوع حتى لا يرى فيها خاشعا\" الحديث، الخشوع في أصل اللفظ الانخفاض والذل والسكون قال الله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (^١) أي: سكنت وذلت وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالهدي والنبات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (^٢) (^٣) وقيل: الخشوع الخضوع والتذلل والتواضع في البدن والصوت والبصر وهو سكون المرء في صلاته (^٤)، وقال عمرو بن دينار: الخشوع السكون وحسن الهيئة (^٥)، وقال الإمام [مالك] في العتبية فيما حكاه الباجي في الشفاء: الخشوع في الصلاة الإقبال عليها (^٦) وقد مدح الله تعالى من كان خاشعا فى الصلاة مقبلا عليها\n_________\n= وصححه الألباني في اقتضاء العلم العمل (رقم ٨٩) وأخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٩٥ رقم ٧١٨٣) والشاميين (٢٦٣٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٣٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عمران بن داود القطان ضعفه ابن معين والنسائي ووثقه أحمد وابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤٣).\n(^١) سورة طه، الآية: ١٠٨.\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ٣٩.\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٥١٦).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٩٠).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٩٠).\n(^٦) النوادر والزيادات (١/ ٢٢٩).","vol":"3","page":693},{"text":"بقلبه قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (^١) (^٢) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة فقال في آخرها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ (^٣) ثم قال في ثمرة تلك الصفات: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ (^٤) فالمصلون هم هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتبعون لثمرته (^٥)، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (^٦) يعني خائفين ساكنين (^٧)، وقيل: الخشوع هو السكون فيها رواه البيهقي عن مجاهد، وقيل: وقيل: الخشوع الخوف رواه البيهقي عن الحسن، وقيل: الخشوع: أن لا يحدث نفسه في الصلاة كما في حديث عثمان: \"من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه\" وقد اختلفت عبارات القوم في الخشوع فقال بعضهم: الخشوع قيام القلب بين يدي الرب ﷾ بالخضوع والذلة والجمعية عليه، وقيل: الخشوع خمود\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآيتان: ١ - ٢.\n(^٢) شرح الصحيح (٢/ ٣٧٩).\n(^٣) سورة المعارج، الآية: ٣٤.\n(^٤) سورة المؤمنون، الآيتان: ١٠ - ١١.\n(^٥) إحياء علوم الدين (١/ ١٧١).\n(^٦) سورة المؤمنون، الآية: ٢.\n(^٧) شرح الصحيح (٢/ ٣٧٩).","vol":"3","page":694},{"text":"نيران الشهوة وسكون تعالى الصدر وإشراف نور التعظيم فى القلب (^١)، وقال بعضهم: الخشوع حالة في القلب يظهر أثرها على الجوارح من الإخبات والسكون (^٢)، وقال الإمام فخر الدين: اختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف فإذا خشع القلب خشعت الجوارح لأنه ملكها، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون، ومنهم من قال إنه مجموع الأمرين وهو أولى (^٣) ولا يختص بالصلاة، فقد روي عن بعضهم أنه لم يرفع يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء من الله تعالى (^٤).\nوروى الترمذي الحكيم عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- رأى رجلا يبعث بالهيئة في الصلاة فقال \"لو يخشع قلب هذا لخشعت جوارحه\" ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى ويقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت أنت تخطب [الحور العين] و[أنت] تعبث [بالحصي] (^٥)، وكان بعض الصالحين يقول أعوذ بالله من خشوع النفاق فقيل وما خشوع النفاق قال أن يرى البدن خاشعا والقلب غير خاشع (^٦).\n[وقال حذيفة ﵁: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥١٦).\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ٣٧٤).\n(^٣) تفسير الرازي (٢٣/ ٢٥٩)، والنجم الوهاج (٢/ ١٧٨).\n(^٤) إحياء علوم الدين (١/ ١٧١).\n(^٥) إحياء علوم الدين (١/ ١٥١).\n(^٦) مدارج السالكين (١/ ٥١٧).","vol":"3","page":695},{"text":"دينكم الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعًا، وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان (^١)].\nفائدة: قد اختلف العلماء في الخشوع هل هو سنة أو واجب؟\nفحكى النووي في شرح المهذب الاتفاق على أنه سنة وليس بواجب (^٢) وقد نقل عن الشافعي قوله عرفت أن ذهاب الخشوع يبطل الصلاة (^٣)، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: والذي يتعين أنها تكره وقيل أنه شرط في جزء من الصلاة وليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها (^٤) وفي كلام غير واحد من العلماء ما يقتضي وجوبه (^٥) ومما يدل على وجوبه ما رواه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث عمار بن ياسر ﵁ أنه صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، لا أراك إلا قد خففتهما، قال: هل نقصت من حدودها شيئا؟ قال: لا، ولكن خففتهما قال: إني بادرت بهما السهو، إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن الرجل ليصلي ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها، وتسعها، أو ثمنها، أو سبعها\" حتى انتهى إلى آخر العدد\" (^٦) الحديث وتقدم مثله.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥١٧).\n(^٢) المجموع (٣/ ٣١٤).\n(^٣) العدة (١/ ٣١٧).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ١٧٨).","vol":"3","page":696},{"text":"فائدة أيضًا: فإن قيل فما تقولون في حالة من عدم الخشوع في صلاته هل يعتد له بها أم لا؟ قيل أما الاعتداد له بها في الثواب فلا يعتد له منها إلى بما عقل فيه وخشع فيه لربه تبارك وتعالي، قال ابن عباس ﵁ ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها وفي السنن والمسند مرفوعًا \"إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها حتى بلغ عشرها\" (^١) وقد علق الله تعالى فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم وقال ﷾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (^٢) فدل على أن من لا يخشع فيها فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها شيء لكان من المفلحين وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد له بها إجماعا وكانت السنن والأذكار عقيبها جوائز ومكملات لبعضها وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف العُلماء في وجوب إعادتها فأوجبها عبد الله بن حامد من أصحاب الإمام أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه لا في وسيطه وبسيطه واحتج بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها ولم يسقط القضاء عنه كصلاة المرائي قال والعقل روح الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها، قالوا: ولو ترك\n_________\n= داود (٧٩٦)، والبزار (١٤٢٠ و١٤٢١) و(١٤٢٢)، والنسائي في الكبرى (٦٩٥)، وابن حبان (١٨٨٩). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٧٦١).\n(^١) انظر التخريج السابق.\n(^٢) سورة المؤمنون، الآيتان: ١ - ٢.","vol":"3","page":697},{"text":"العبد واجبًا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضًا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصار بمنزلة العبد الميت فإذا لم يعتد بالكف المقطوع اليد بعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت ولهذا قال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد أو الرجل أو مريضة أو زمنة أو قبيحة حتى تهدي جارية ميتة بلا روح أو جارية قبيحة فهكذا الصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه ﵎ والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه، قال أصحاب القول الأول: قد ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين\" فذكره إلى أن قال \"حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى\" وفي آخر الحديث \"فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس\" (^١) قالوا فأمره -ﷺ- في هذه الصلاة التي أغفله الشيطان عنها حتى لا يدري كم صلى بأن تشهد سجد في السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت تبطل كما زعمتم لأمره بإعادتها قالوا إن هذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته العبد وكونه حال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٨) و(١٢٢٢) و(١٢٣١ و١٢٣٢) و(٣٢٨٥) ومسلم (١٦ و١٧ و١٨ و١٩ و٢٠ - ٣٨٩) و(٨٢ و٨٣ و٨٤ - ٣٨٩) عن أبي هريرة.","vol":"3","page":698},{"text":"بينه وبين الحضور في الصلاة ولهذا سماها النبي -ﷺ- المرغمتين أمر من سها بهما (^١) والله أعلم.\n\n٧٧٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَرْفُوعا قَالَ مثل الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة كَمثل الْمِيزَان من أوفى استوفى رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ هَكَذَا وَرَوَاهُ غَيره عَن الْحسن مُرْسلا وَهُوَ الصَّوَاب (^٢).\nقوله: \"ابن عباس ﵄\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"مثل الصلاة المكتوبة كمثل الميزان من أوفى استوفى\" الحديث، وقال سلمان ﵁: الصلاة مكيال فمن وفى وفى به ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين (^٣) وقد روي معناه مرفوعا إلى النبي -ﷺ- من وجوه أخر فيها ضعف، من وفى ما عليه من العمل كاملا وفى له الأجر كاملا ومن سلم ما عليه وفرا نسلم ما له نقدًا لا مؤخرًا (^٤).\nقوله: ورواه غيره عن الحسن يعني البصري مرسلا وهو الصواب تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥٢١ - ٥٢٣) باختصار.\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (٧/ ٨٧)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٥٠٦ رقم ٢٨٨٢).\nوأخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٩٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٣٨٣) عن الحسن مرسلًا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٨٥) والضعيفة (٣٨٠٩).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٩٢) وعبد الرزاق (٣٧٥٠) وسعيد بن منصور (٢٤١٧)، وابن أبي شيبة (٢٩٧٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٨٠٩).\n(^٤) لطائف المعارف (ص ٢٠٨).","vol":"3","page":699},{"text":"٧٧٥ - وَعَن مطرف عَن أَبِيه ﵁ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- يُصَلِّي وَفِي صَدره أزيز كأزيز الرَّحَى من الْبكاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- يُصَلِّي ولجوفه أزيز كأزيز الْمرجل يَعْنِي يبكي وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا نَحْو رِوَايَة النَّسَائِيّ إِلَّا أَن ابْن خُزَيْمَة قَالَ ولصدره أزيز كأزيز الرَّحَى (^١) بزايين هُوَ صَوتهَا والمرجل بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْجِيم هُوَ الْقدر يَعْنِي أَن لجوفه حنينا كصوت غليان الْقدر.\nقوله: \"عن مطرف عن أبيه\"، وأبو مطرف اسمه عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب الجرشي من الجرش بطن من بني عامر بن صعصعة العامري، له صحبة ورواية ورفادة، روى عنه بنو مطرف وهانئ ويزيد، وعداده في أهل البصرة (^٢)، وروى ابن الأثير بسنده عنه قال: قدمت على رسول الله -ﷺ- في رهط من بني عامر فسلمنا عليه فقالوا أنت والدنا وأنت سيدنا وأنت أفضلنا فيها فضلا وأطولنا علينا فيها طولا وأنت الحفنة الغراء فقال قولوا بقولكم ولا يسخر الشيطان أو قال الشياطين (^٣)، وقال أبو الفرج بن الجوزي: كان مطرف يلبس البرانس، ويلبس المطارف، ويركب الخيل\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٩٠٤)، والترمذي في الشمائل (٣٢٣)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٠ (١٢٢٧) والكبرى (٦٢٩) و(١٢٢٧)، وابن خزيمة (٩٠٠)، وابن حبان (٦٦٥) و(٧٥٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤٤) و(٣٣٢٩) وصحيح أبي داود (٨٣٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٢ ترجمة ٣٠٨).\n(^٣) أسد الغابة (٣/ ١٧١).","vol":"3","page":700},{"text":"ويغشى السلطان توفي ﵁ بعد طاعون جارف لما تولي الحجاج العراق وكان سنة سبع وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك (^١) انتهى.\nقوله: قال رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء\" وفي الرواية الأخرى \"يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل\" يعني يبكي وفي رواية ابن خزيمة \"ولصدره أزيز كأزيز الرحى\" وأخرجه الترمذي في الشمائل بسند رجاله ثقات وأخرجه ابن حبان وقال وهو قائم وأخرجه الطبراني وقال أزيز بالدعاء وهو كأزيز الرحى هو صوتها وهو بزائين قاله الحافظ.\nقوله: \"ولجوفه أزيز كأزيز المرجل\" بكسر الميم وفتح الجيم وهو القدر قاله الحافظ، إنما يعني أن لجوفه خنينا كصوت غليان القدر يفور والخنين من الجوف وهو بالخاء المعجمة وهو صوت البكاء وقيل هو أن يجيش جوفه ويصلي بالبكاء قاله ابن الأثير (^٢)، وقال بعضهم المرجل بالكسر الإناء الذي يغلى فيه الماء سواء أكان من حديد أو صفراء أو حجارة أو خزف قيل لأنه إذا انصب كأنه أقيم على أرجل قاله ابن الأثير (^٣) ففي هذا الحديث بيان واضح لما كان عليه -ﷺ- من الخوف والتعظيم (^٤) والظاهر أن ذلك وقع في\n_________\n(^١) المنتظم (٦/ ٢٨١).\n(^٢) النهاية (١/ ٤٥).\n(^٣) النهاية (٤/ ٣١٥).\n(^٤) الشعب (٢/ ٢٢١).","vol":"3","page":701},{"text":"وقت خاص لأن الناقلين لصلاته لم يتعرضوا لذلك فدل على أن ابن الشخير شاهد في ذلك الوقت ما علاه من شدة الخوف أو من شدة الابتهال بالدعاء في السجود على رواية الطبراني وقد فسره النسائي بالبكاء على رواية أبي داود وهو قائم فلعل ذلك كان مرة في القيام ومرة في السجود أو كان ابتداؤه في القيام واستمر إلى السجود أو بالعكس وفيه استحباب البكاء في الصلاة في حالة القراءة والسجود وحضور القلب فيهما بالتدبر والخضوع، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك عينيه إذا قرأ (^١)، وكان عمر ﵁ يسمع له نشيج من البكاء (^٢) ويحكى أن إبراهيم ﵊ كان يسمع خفقان قلبه كما يسمع خفقان أجنحة الطير (^٣)، وأوحى الله تعالى لداود ﵇ يا داود إن لي عبادا تغلي قلوبهم من محبتي حتى لو سمع غليان القلوب لسمعها الواردون من مكان بعيد ولهذا بوب أبو داود على هذا الحديث باب البكاء في الصلاة وزاد النسائي فيه قال يغلي يبكي وقد استدل به على أن النفخ والأزيز والتنحنح لا تبطل الصلاة لغلبة وجود ذلك مع البكاء (^٤) وفي النسائي باب التنحنح في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٤) و(٧١٢) و(٧١٣) (٣٣٨٤)، ومسلم (٩٥ - ٤١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ١٤٤) تعليقًا ووصله عبد الرزاق (٢٧١٦) وسعيد بن منصور في التفسير (١١٣٨)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٥ و٢٥٦٦ و٣٥٥٢٧).\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٧٥ رقم ٦٠١٥).\n(^٤) المجموع (٤/ ٨٩).","vol":"3","page":702},{"text":"الصلاة وذكر فيه حديث علي قال كانت لي منزلة من رسول الله -ﷺ- لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه بكل سحر فأقول السلام عليك يا نبي الله فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه ورواه أحمد وابن ماجه ولفظ أحمد: وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح (^١).\nوأما حديث \"من نفخ فقد تكلم\" (^٢) فلم يصح.\nواعلم أن ما يظهر من ذلك الصوت وإن كان حرفين فأكثر فإنه لا يبطل الصلاة وإن كان معلوما كالسعال ونحوه بخلاف ما له اختيار في دفعه ولو تعذر فيه القراءة الواجبة إلا به لم يضر ومقتضى كلام الرافعي والنووي في كتبهما أنه لا فرق في ذلك بين أن يكثر أم لا نعم في الشرح والروضة أن غلبة الكلام والسعال تفرق فيهما بين الكثير وغيره كالتنحنح قال الإمام جمال الدين الإسنوي: والصواب التسوية في الجميع وعدم الإبطال لعذر أو كان احتراز (^٣).\nفائدة: لو تنحنح إمامه أو بكى ونحو ذلك وظهر منه حرفان لم يجب على المأموم مفارقته في أظهر الوجهين لاحتمال الغلبة أو النسيان ونحو ذلك من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٧٧ (٥٧٠) و١/ ٨٠ (٦٠٨) و١/ ١٠٧ (٨٤٥)، وابن ماجه (٣٧٠٨)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٢٧ (١٢٢٤) و٣/ ٢٩ (١٢٢٥) والكبرى (١٢٢٨) و(١٢٢٩). وضعفه الألباني في المشكاة (٤٦٧٥) و(٦١٠٦).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٦٣٣) عن أم سلمة.\n(^٣) انظر: المهمات (٣/ ١٧٥ - ١٧٦)، والنجم الوهاج (٢/ ٢١٩ و٢٢٢)، وأسنى المطالب (١/ ١٨٠).","vol":"3","page":703},{"text":"الأعذار والأصل بقاء العبادة (^١) انتهى قاله في شرح الإلمام.\n\n٧٧٦ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ مَا كَانَ فِينَا فَارس يَوْم بدر غير الْمِقْدَاد وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِم إِلَّا رَسُول الله -ﷺ- تَحت شَجَرَة يُصَلِّي ويبكي حَتَّى أصبح رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: \"عن علي ﵁\" هو ابن أبي طالب تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: \"ما كان فينا فارس يوم بدر\" أي يوم غزوة بدر وغزوة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة.\nقوله \"غير المقداد\" والمقداد هو [ابن] عمرو بن ثعلبة النهراني الكندي ويقال له ابن الأسود لأن المقداد قد حالف الأسود بن عبد يغوث الزهري في الجاهلية فتبناه أو رباه أو تزوج بأمه فكان يقال له المقداد بن الأسود حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (^٣) فدعي المقداد بن عمرو ويقال له الكندي لأنه أصاب دما في بهراء فهرب منهم إلى مكة وحالف الأسود وهو قديم الصحبة من السابقين في الإسلام وقيل أنه سادس ستة شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ- قال علي ﵁: \"ما كان فينا فارس يوم يوم\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٢٩٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ١٢٥ (١٠٢٣) و١/ ١٣٨ (١١٦١)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٢١٣)، والنسائي في الكبرى (٩١١)، وابن خزيمة (٨٩٩)، وابن حبان (٢٢٥٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤٥) و(٣٣٣٠).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥.","vol":"3","page":704},{"text":"بدر غير المقداد بن الأسود\" وقيل: إن الزبير كان فارسًا أيضًا روي له عن رسول الله -ﷺ- اثنان وأربعون حديثا مات قريب المدينة وحمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ودفن بالبقيع وهو ابن سبعين سنة، وقال أهل السير شرب المقداد نون الخروع فتوفي وذلك بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة (^١).\nقوله: \"وما فينا إلا نائم إلا رسول الله -ﷺ- تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح\" الحديث رواه ابن خزيمة، فإن قيل فيه دلالة على أن البكاء لا يبطل الصلاة قلنا لعله لم يظهر منه حرفان بل كان مجرد صوت، ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن البكاء مبطل إن ظهر منه حرفان أو حرف مفهم كع من الوعاية وق من الوقاية وإلا فلا وقد اختلف في النفخ وصوت الباكي والأنين والتنحنح ونحوها والمذهب إن بان منه حرفان أو حرف مفهم أو ممدود بطلت وإلا فلا (^٢) كما تقدم.\nوقد صح أن النبي -ﷺ- بكى في صلاته ونفخ في صلاة الكسوف وليس كل حرفين يأتلف منهما كلام وخالف المالكية في ذلك فلم يبطلوها إلا بما يعد\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١١ - ١١٢ ترجمة ٦٠٢) وتهذيب الكمال (٢٨/ الترجمة ٦١٦٢).\n(^٢) انظر: الإقناع (١/ ٤٦)، والمجموع (٤/ ٧٩)، والمنهاج (ص ٣٢)، والكواكب الدراري (٥/ ٩١)، والتدريب (١/ ١٨٥)، والنجم الوهاج (٢/ ٢١٧).","vol":"3","page":705},{"text":"كلاما إلا ما هو من مصلحة الصلاة وفيه خلاف عندهم وجوزه الأوزاعي وزاد الحنفية فأبطلوها بالدعاء المتعلق بالدنيا كسؤال زوجة حسناء ونحو ذلك وتبطل لو قال اللهم ارزقني عند أبي حنيفة لو قال اللهم ارزقني ويرد حديث الدعاء بين السجدتين فإن فيه وارزقني رواه أبو داود وغيره (^١) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\n\n٧٧٧ - وَعَن عبد الله بن أبي بكر أَن أَبَا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ ﵁ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ فطار دبسي فَطَفِقَ يتَرَدَّد يلْتَمس مخرجًا فَلَا يجد فأعجبه ذَلِك فَجعل يتبعهُ بَصَره سَاعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يدْرِي كم صلى فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فتْنَة فجَاء إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَذكر لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي صلَاته وَقَالَ: يَا رَسُول الله هُوَ صَدَقَة فضعه حَيْثُ شِئْت\".\nرَوَاهُ مَالك وَعبد الله بن أبي بكر لم يدْرك القِصَّة وَرَوَاهُ من طَرِيق آخر فَلم يذكر فِيهِ أَبَا طَلْحَة وَلَا رَسُول الله -ﷺ- وَلَفظه أَن رجلًا من الْأَنْصَار كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِط لَهُ بالقف وَاد من أَوديَة الْمَدِينَة فِي زمَان الثَّمر وَالنَّخْل قد ذللت وَهِي مطوقة بثمرها فَنظر إِلَيْهَا فَأَعْجَبتهُ ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يدْرِي كم صلى\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ٢٩٢)، والعدة (١/ ٥٦٩)، والإعلام (٣/ ٣٤٩)، وفتح البارى (٣/ ٨٥). والحديث أخرجه ابن ماجه (٨٩٨)، وأبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤) عن ابن عباس ولفظه: كان رسول الله ﷺ يقول بين السجدتين في صلاة الليل رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٧٩٦).","vol":"3","page":706},{"text":"فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فتْنَة فجَاء عُثْمَان ﵁ وَهُوَ يَوْمئِذٍ خَليفَة فَذكر ذَلِك لَهُ وَقَالَ هُوَ صَدَقَة فاجعله فِي سَبِيل الْخَيْر فَبَاعَهُ بِخَمْسِينَ ألفا فَسمى ذَلِك المَال الْخمسين (^١).\nالْحَائِط: هُوَ الْبُسْتَان. والدبسي: بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة هُوَ طَائِر صَغِير قيل هُوَ ذكر اليمام.\nقوله: \"وعن عبد الله بن أبي بكر\"، هو عبد الله بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي الصحابي وهو أخو أسماء بنت أبي بكر الصديق لأبويها وكان هو الرسول الذي يأتي النبي ﷺ وأبا بكر الطعام وبأخبار قريش إذ هما في الغار يبيت عندهما وأسلم قديمًا وشهد الفتح وحنين والطائف مع رسول الله ﷺ وجرح يوم الطائف وبرء ثم نفض جرحه فتوفي في شوال سنة إحدى عشرة في خلافة أبيه وصلى عليه أبوه ونزل في قبره عمر بن الخطاب وطلحة وأخوه عبد الرحمن ودفن بعد الظهر ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٢٦١) و(٢٦٢)، وعنه ابن المبارك في الزهد (٥٢٦) و(٥٢٧)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٢٩٤ رقم ٣٨٧٣) والمعرفة (٣/ ٢٩٤ رقم ٤٦٢٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٨٦).\n(^٢) هذا غلط فاحش من الشارح ﵀ فإن الراوى هو محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وبين عبد الله بن أبي بكر ومالك مفاوز. وانظر لترجمة عبد الله بن أبي بكر الصديق: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٢ ترجمة ٢٨٩).\nوأما المقصود بالترجمة فهو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن =","vol":"3","page":707},{"text":"قوله: \"أن أبا طلحة الأنصاري ﵁ كان يصلي في حائط له\" الحديث أبو طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي البخاري وهو من الرماة المذكورين في الصحابة ومن شعره:\nأنا أبو طلحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد (^١)\nوعن أنس قال كان أبو طلحة يرمي بين يدي رسول الله -ﷺ- ورسول الله -ﷺ- يرفع رأسه ليرى مواقع نبله فكان أبو طلحة يتطاول بصدره يقي به رسول الله -ﷺ- ويقول نحري دون نحرك.\nوروي أنه كان يحبو بين يدي رسول الله ﷺ ويقول نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء ثم ينشر كنانته بين يديه (^٢)، الكنانة جعبة السهام (^٣).\nقوله: \"يصلي في حائط له\" الحائط البستان كذا قاله المنذري وقال ابن الأثير\n_________\n= لوذان: بفتح اللام، وإسكان الواو، وبالذال المعجمة. هو أبو محمد، وقيل: أبو بكر الأنصارى المدنى. مذكور في المهذب في صلاة العيد وغيره، وهو تابعي، سمع أنسا، وعبد الله بن عامر، وعروة، وعمر. روى عنه الزهري، ومالك، والسفيانان، وحماد بن سلمة. قال أحمد بن حنبل: حديثه شفاء.\nوقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالما. توفى سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاثين، وهو ابن سبعين سنة. تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٢ ترجمة ٢٩٠).\n(^١) الطبقات (٣/ ٥٠٤).\n(^٢) الاستيعاب (٤/ ١٦٩٨ - ١٦٩٩).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٣).","vol":"3","page":708},{"text":"هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو السياج (^١) وقال الكرماني سمي البستان بالحائط لأنه لا سقف له (^٢) وجمعه الحوائط ومنه الحديث: \"على أهل الحوائط حفظها بالنهار\" يعني البساتين وهو عام فيها (^٣).\nقوله: \"فطار دبسي\" الدبسي بضم الدال المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر السين المهملة بعدها ياء مشددة هو طائر صغير قيل هو ذكر اليمام انتهى قاله المنذري.\nوقال الكمال الدميري في حياة الحيوان: طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب لأنهم يغيرون في النسب كالدهري والسهلي والفامي بائع الفوم، والقياس فومي. والأدبس من الطير والخيل، الذي في لونه غبرة بين السواد والحمرة.\nوهذا النوع قسم من الحمام البري وهو أصناف مصري وحجازي وعراقي، وهي متقاربة لكن أفخرها المصري. ولونه الدكنة وقيل: هو ذكر اليمام كما قال المنذري، ومن طبع الدبسي إنه لا يرى ساقطا على وجه الأرض بل في الشتاء له مشتى وفي الصيف له مصيف ولا يعرف له وكره، وحكمه: الحل بالاتفاق (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤٦٢).\n(^٢) الكواكب الدراري (٤/ ١٠٧).\n(^٣) النهاية (١/ ٤٦٢).\n(^٤) حياة الحيوان (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨).","vol":"3","page":709},{"text":"قوله: \"فطفق يتردد يلتمس مخرجًا فلا يجد فأعجبه ذلك\" طفق هو بفتح الطاء وكسر الفاء حكاه القاضي عياض وممن حكى الفتح أيضا الأخفش والجوهري وطفق معناه جعل (^١) وهي من أخوات كاد إلا أنها متصلة بالفعل الذي هو خبرها وكاد مقاربة ومقارنة.\nقوله: \"والنخل قد ذللت وهي مطوقة يثمرها\" أي قد تذللت ورجبت عثاكيلها فصارت النخل كالأطواق قاله عياض (^٢).\nقوله: \"فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول الله -ﷺ-\".\nوفي الرواية الأخرى \"ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فجاء عثمان وهو يومئذ خليفة فذكر له ذلك له وقال هو صدقة فاجعله في سبيل الخير فباعه بخمسين ألفا فسمى ذلك المال الخمسين\" قال الإمام الغزالي وكانوا يفعلون ذلك قطعًا لمادة الفكرة وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره (^٣).\nوكان ابن عمر ﵁ لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج عنه لله تعالى وكان رقيقه يعرفون ذلك فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه إنهم يخدعونك فيقول من خدعنا بالله\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٣).\n(^٣) إحياء علوم الدين (١/ ١٦٥).","vol":"3","page":710},{"text":"انخدعنا له وطلب منه خادم بثلاثين ألفا ألفا فقال أخاف أن تفتنني دراهم ابن عامر وكان هو الطالب له فقال لخادمه اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى (^١) فلذلك قال أبو سعيد الخدري ما منا أحد إلا وقد مالت به الدنيا إلا عبد الله بن عمر (^٢) ولم يمت ﵁ إلا أن أعتق ألف نسمة وأكثر من ذلك (^٣).\n\n٧٧٨ - وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانَ عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود إِذا صلى كَأَنَّهُ ثوب ملقى\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْأَعْمَش لم يدْرك ابْن مَسْعُود (^٤).\nقوله: \"عن الأعمش\"، الأعمش: اسمه: سليمان بن مهران بكسر الميم الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي مولى لهم، كنيته أبو محمد، وكان في عينه ضعف، قال الجوهري: العمش ضعف الرؤية مع سيلان دمعها، مات سنة ثمان وأربعين ومائة (^٥).\n_________\n(^١) الزهد (١٠٦٨) لأحمد.\n(^٢) ابن أبي شيبة في المصنف (٣٢٣٣٢)، وأحمد في فضائل الصحابة (١٦٩٩)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (١/ ٤٩٠) عن جابر.\n(^٣) أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٩٦).\n(^٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٩) وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٢٥ رقم ٧٢٤٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٩ رقم ٩٣٤٢).\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٣٦: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، والأعمش لم يدرك ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٨٧).\n(^٥) الصحاح (٣/ ١٠١٢)، والكواكب الدراري (١/ ١٥٠).","vol":"3","page":711},{"text":"قوله: كان عبد الله بن مسعود إذا صلى كأنه ثوب ملقي، الحديث، وقد كان من السلف من إذا صلى اشتغلت حواسه بالله تعالى ومناجاته حتى تغيب حواسه كما حكي عن عروة بن الزبير ﵁ أنه كان قد أصابته الأكلة فقطعت رجلاه في الصلاة ولم يشعر بها ولما رأى ابنه ذلك وقع فمات وكان صغيرًا فلما سلم عروة من الصلاة رأى ابنه ميتا ورجله مقطوعة فقال: اللهم إن كنت أخذت ولدًا فقد أبقيت أولادًا وإن كنت أخذت عضوًا فقد أبقيت أعضاء فلك الحمد على ما أخذت ولك الحمد على ما أبقيت، وكان الجدار يقع بجانبهم لا يسمعون به (^١) وصلى أحدهم ثلاثين سنة فلم يعرف من علي يمينه ومن على شماله لشغله بصلاته (^٢)، واستشكل أبو عبد الله بن الحاج في المدخل صحة صلاتهم وقال: من صلى إلى حالة لا يميز فيها بين المحسوسات كيف يكون عارفا بأحوال الصلاة وتمييز أركانه؟\nوأجاب: بأنهم لم يسلبوا هذا القدر فرضي الله عنهم ورضي عنا بهم (^٣)، وكان علي ﵁ إذا توضأ تغير لونه فقيل له: ما لنا نراك يا أمير المؤمنين إذا توضأت أصفر لونك وتغير فقال: أتدرون بين يدي من أقف، ومن أناجي!\nوقال ابن مجاهد: قدمت رجلا من أصحابي فصلى بنا صلاة الظهر فلما كبر غشي عليه فلم يفق إلا وقت الظهر من الغد، فقلت: ما لك؟ فقال: هتف بي هاتف من قلبي إن لم يعرفك هؤلاء أليس أعرفك أنا، فغشي عليّ وأنا في\n_________\n(^١) التهجد (ص ١١٦) وذكره عن مسلم بن يسار.\n(^٢) الصلاة والتهجد (ص ١٩٣) والمراد سعيد بن جبير.\n(^٣) المدخل (٢/ ١٩٠ - ١٩١).","vol":"3","page":712},{"text":"مراقبة المحبوب (^١).\nوذكر الشيخ العارف بالله تعالى شهاب الدين الشهرورذي في عوارفه: روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قدم للإمامة فقال: لا أصلح، فلما ألحوا عليه كبر فغضي عليه فقدموا إمامًا آخر فلما أفاق سئل فقال: لما قلت استووا هتف بي هاتف: هل استويت أنت مع الله (^٢).\nوقال أبو بكر الوراق: ربما أصلي فأنصرف منها وأنا أستحيي من الله استحياء رجل انصرف من الزنا (^٣)؛ [قال فى تهذيب النفوس]: ومات جماعة من التابعين وغيرهم في الصلاة منهم زرارة بن أوفي العامري البصري قاضيها، وكان ثقة عابدا فجأة سنة ثلاث وسبعين مات وهو ساجد، وقيل: كان يصلي بهم صلاة الصبح فقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (^٤) فلما بلغ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (^٥) شهق شهقة فمات، وقيل: خر ميتًا (^٦)، ومات في صلاته حميد الطويل ومجاهد، ومات في صلاته محمد بن عبد الله الزهري البغدادي العابد بينما يصلي فخر ميتًا، ومات في صلاته أبو بشر جعفر بن إياس اليشكري صاحب\n_________\n(^١) التهجد (ص ٨٦).\n(^٢) عوارف المعارف (٢/ ٣٥٠).\n(^٣) الرسالة (٢/ ٣٧٠) ومدارج السالكين (٢/ ٩٥).\n(^٤) سورة المدثر، الآية: ١.\n(^٥) سورة المدثر، الآية: ٨.\n(^٦) الثقات (٤/ ٢٦٦) لابن حبان، والمستدرك (٢/ ....)، وتفسير الثعلبى (١٠/ ٧١)، وتفسير القرطبي ١٩/ ٧٠.","vol":"3","page":713},{"text":"سعيد بن جبير وهو ساجد خلف مقام إبراهيم ﵇ سنة خمس وعشرين ومائة، ومات أبو ثعلبة الخشني في صلاته، ومات عبد الله بن عامر الزهري في صلاة المغرب، ومات محمد بن شجاع الثلاج في صلاة العصر، وكذلك مات موسى الخضر خلف المقام بمكة وهو ساجد، وكذلك جماعة غير من ذ كروا، هذا حال المعارض فكيف حال المفرطين الغافلين لا ريب أن كل واحد يتكلم على حسب مقامه، ولو تتبعنا أحوال القوم في ذلك لكان من ذلك كراريس كثيرة والله أعلم.\n\n٧٧٩ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: \"مَا من مُسلم يتَوَضَّأ فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يقوم فِي صلَاته فَيعلم مَا يَقُول إِلَّا انْفَتَلَ وَهُوَ كيَوْم وَلدته أمه\" رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَهُوَ فِي مُسلم وَغَيره بِنَحْوِهِ وَتقدم (^١).\nقوله: \"عن عقبة بن عامر\" هو الجهني، تقدم الكلام على بعض مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء\" تقدم تفسير إسباغ الوضوء في مواضع متنوعة بعبارات متنوعة.\nقوله -ﷺ-: \"ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول إلا انفتل وهو كيوم ولدته أمه\"\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧ - ٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩ و١٧٠ و٩٠٦)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٣٨ (١٥٦) والكبرى (٢٢٣)، وابن خزيمة (٢٢٢)، وابن حبان (١٠٥٠)، والحاكم (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩) واللفظ له. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٠) و(٣٩٥) و(٥٤٦).","vol":"3","page":714},{"text":"معنى الحديث: إلا رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب له، والمراد بذلك غفر له الصغائر وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله تعالى عن عبده (^١) كما تقدم في نظائره والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ١٥)، والمفهم (٣/ ١١٩) والتذكرة (ص ٢٢٠)، وطرح التثريب (٤/ ١٦٣).","vol":"3","page":715},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>[الترهيب من رفع البصر إلى السماء في الصلاة]</span>\n٧٨٠ - عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"مَا بَال أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي صلَاتهم فَاشْتَدَّ قَوْله فِي ذَلِك حَتَّى قَالَ لينتهن عَن ذَلِك أَو لتخطفن أَبْصَارهم\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: \"عن أنس هو ابن مالك ﵁\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم\" الحديث، فقوله: \"ما بال أقوام\" أي حالهم وإنما أبهم الواقع يعني سره ولم يقل ما بال فلان لئلا ينكسر خاطره إذ النصيحة على رؤوس الأشهاد فضيحة وسيأتي الكلام على هذه اللفظة مبسوطا في كتاب النكاح في قوله: \"ما بال أقوام\" إن شاء الله تعالي، ففي هذا الحديث النهي الوكيد والوعيد الشديد عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة وأجمعوا أن ذلك منهي عنه انتهى.\nقلت: فهل منه أن يكون حرامًا؟\nقلت: لولا الإجماع على عدم حرمته لوجب القول بذلك فحمل على الكراهة قاله الكرماني.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٠)، وابن ماجه (١٠٤٤)، وأبو داود (٩١٣)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧ (١٢٠٦) والكبرى (١٢٠٨).","vol":"4","page":5},{"text":"قوله: \"فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهن عن ذلك\" بضم الهاء وذلك إشارة إلى رفع البصر.\nقوله: \"أو لتخطفن أبصارهم\" هو بفتح الفاء وأو هنا للتخير وهو خبر في معنى الأمر والمعنى ليكونن منكم الانتهاء عن الرفع أو خفض الأبصار عند الرفع من الله تعالى والخطف استلاب الشيء وأخذه بسرعة يقال خطف الشيء يخطفه واختطفه يختطفه ويقال خطف يخطف وهو قليل ومنه حديث أحد \"إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا\" أي تستلبنا وتطير بنا وهو مبالغة فلا الهلاك ومنه حديث الجن \"يختطفون السمع\" أي يسترقونه ويستلبونه قاله في النهاية.\nقال القاضي عياض: واختلفوا في كراهية رفع البصر إلى السماء في غير الصلاة فكرهه شريح وآخرون وجوزه الأكثرون وقالوا لأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة فلا يكره رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع الأيدي إليها في الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (^١) وقال الإمام الغزالي في الإحياء: يستحب أن يرمق بصره إلى السماء في الدعاء بعد الوضوء.\n\n٧٨١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"لَا تَرفعُوا أبصاركم إِلَى السَّمَاء فتلتمع يَعْنِي فِي الصَّلَاة\"رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير\n_________\n(^١) سورة الذاريات، الآية: ٢٢.","vol":"4","page":6},{"text":"ورواتهما رُوَاة الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: \"وعن ابن عمر ﵄\" تقدم الكلام على فضائله.\nقوله -ﷺ-: \"لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء فتلتمع يعني في الصلاة\" فسره الحافظ في حديث أبي سعيد بعده أي يذهب به.\n\n٧٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا ﵁ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"لينتهين أَقوام عَن رفعهم أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء عِنْد الدُّعَاء فِي الصَّلَاة أَو لتخطفن أَبْصَارهم\" رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم.\nقوله -ﷺ- \"لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء عند الدعاء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم\" الحديث أي يذهب بالبصر ومثله يخطفان البصر ويخطفه الطير مثله ومعنى الحديث أي لتسلبن بالسرعة فيكره رفع البصر في الصلاة إلى السماء وهذا مجمع عليه في الصلاة كما تقدم وأما رفع البصر إلى السماء في غير الصلاة في الدعاء فاختلفوا في كراهته فكرهه شريح وآخرون وتقدم ذلك على حديث أنس.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٠٤٣)، وأبو يعلى (٥٥٠٩)، وابن حبان (٢٢٨١)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٧٣ رقم ٥٢٩٤)، والكبير (١٢/ ٢٨٧ رقم ١٣١٣٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٨ - ٤٢٩)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٧٦ (١٢٩٢) والكبرى (١٢٩٢).","vol":"4","page":7},{"text":"٧٨٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"إِذا كَانَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَلَا يرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء لَا يلتمع\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة أَن رجلا من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- حَدثهُ وَلم يسمعهُ (^١) يلتمع بَصَره بِضَم الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت أَي يذهب بِهِ.\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء لا يلتمع\" أي لا تختلس يقال ألمعت بالشيء إذا اختلسته واختطفته بسرعة ومنه حديث أبي سعيد رأى رجلا شاخصا ببصره إلى السماء فقال ما يدري هذا لعل بصره يلتمع قبل أن يرجع إليه انتهى قاله في النهاية.\nقوله: ورواه النسائي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن رجلًا من\n_________\n(^١) أما حديث أبي سعيد الخدرى:\nأخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٠٣ رقم ٣١٩) والكبير (٦/ ٣٥ رقم ٥٤٣٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي سعيد إلا يزيد بن أبي حبيب، تفرد به: ابن لهيعة.\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨٢: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٥٠).\nوأما حديث رجل من الصحابة:\nأخرجه عبد الرزاق (٣٢٥٨)، وأحمد ٣/ ٤٤١ (١٥٦٥٢) و٥/ ٢٩٥ (٢٢٥١٦)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٧ (١٢٠٧) والكبرى (١٢٠٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٥٠).","vol":"4","page":8},{"text":"أصحاب النبي -ﷺ- حدثه ولم يسمعه انتهي، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود روى عن أبيه ... وأبو هريرة وزيد بن خالد وابن عباس وغيرهم وهو معلم عمر بن عبد العزيز، قال أبو زرعة: تفقهنا منه وكان مالك كان كثير العلم وقال ابن شهاب ... فقتل علي بن الحسين حمل جنازة ونقل المزني عن البخاري أنه مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس وتسعين وقيل ثمان وقيل تسع وتسعين قاله في شرح الإلمام.\n\n٧٨٤ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَو لَا ترجع إِلَيْهِم رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَلأبي دَاوُد دخل رَسُول الله -ﷺ- الْمَسْجِد فَرَأى فِيهِ نَاسا يصلونَ رافعي أَيْديهم إِلَى السَّمَاء فَقَالَ لينتهين رجال يشخصون أَبْصَارهم فِي الصَّلَاة أَو لَا ترجع إِلَيْهِم أَبْصَارهم (^١).\nقوله: وعن جابر بن سمرة ﵁ تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم\" الحديث، اعلم أن رفع البصر في الصلاة مكروه قال الذهبي وهذا نص في التحريم أقول هو مبالغة في الكراهة لأنه يبنى على الخشوع وتقدم أنه سنة فلهذا يكره لأنه التفات عن الصلاة ولأنه يشغل عن القراءة والتدبر وربما اعتقاد الجهة تعالى الله عنها أو إنما يرفع يديه في الدعاء إليها في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٧ - ٤٢٨)، وابن ماجه (١٠٤٥)، وأبو داود (٩١٢).","vol":"4","page":9},{"text":"غير الصلاة وكذلك بصره عند الأكثرين لأنها قبلة الدعاء وهو كالمستعطي فناسب ذلك في الدعاء أيضا والجمهور على خلافه، قال الخطابي ﵀: قد جرت عادة المسلمين برفع الأيدي إلى السماء.\nقال القرطبي: لما كانت السماء محلا كريما ومكانا شريفا وهو موضع التفضيل والتقدير وكان التوجه بالدعاء إليه كالصلاة إلى القبلة قاله في شرح الإلمام.","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>[الترهيب من الالتفات في الصلاة وغيره مما يذكر]</span>\n٧٨٥ - عَن الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الله أَمر يحيى بن زَكَرِيَّا بِخمْس كَلِمَات أَن يعْمل بهَا وَيَأْمُر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بهَا وَإنَّهُ كَاد أَن يبطئ بهَا قَالَ عِيسَى إِن الله أَمرك بِخمْس كلِمَات لتعمل بهَا وتأمر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بهَا فإمَّا أَن تَأْمُرهُمْ وَإِمَّا أَن آمرهُم فَقَالَ يحيى أخْشَى إِن سبقتني بهَا أَن يخسف بِي أَو أعذب فَجمع النَّاس فِي بَيت الْمُقَدّس فَامْتَلَأَ وقعدوا على الشّرف فَقَالَ إِن الله أَمرنِي بِخمْس كَلِمَات أَن أعمل بِهن وآمركم أَن تعملوا بِهن أولَاهُنَّ أَن تعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَإِن مثل من أشرك بِالله كَمثل رجل اشْترى عبدا من خَالص مَاله بِذَهَب أَو ورق فَقَالَ هَذِه دَاري وَهَذَا عَمَلي فاعمل وأد إِلَيّ فَكَانَ يعْمل وَيُؤَدِّي إِلَى غير سَيّده فَأَيكُمْ يرضى أَن يكون عَبده كَذَلِك وَإِن الله أَمركُم بِالصَّلَاةِ فَإِذا صليتم فَلَا تلتفتوا فَإِن الله ينصب وَجهه لوجه عَبده فِي صلَاته مَا لم يلْتَفت وأمركم بالصيام فَإِن مثل ذَلِك كَمثل رجل فِي عِصَابَة مَعَه صرة فِيهَا مسك فكلهم يعجب أَو يُعجبهُ رِيحهَا وَإِن ريح الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وأمركم بِالصَّدَقَةِ فَإِن مثل ذَلِك كَمثل رجل أسره الْعَدو فَأوثقُوا يَده إِلَى عُنُقه وقدموه ليضربوا عُنُقه فَقَالَ أَنا أفدي نَفسِي مِنْكُم بِالْقَلِيلِ وَالْكثير ففدى نَفسه مِنْهُم وأمركم أَن تَذكرُوا الله فَإِن مثل ذَلِك كَمثل رجل خرج الْعَدو فِي إثره سرَاعًا حَتَّى إِذا أَتَى","vol":"4","page":11},{"text":"على حصن حُصَيْن فأحرز نَفسه مِنْهُم كَذَلِك لعبد لَا يحرز نَفسه من الشَّيْطَان إِلَّا بِذكر الله قَالَ النَّبِي -ﷺ- وَأَنا آمركُم بِخمْس الله أَمرنِي بِهن السّمع وَالطَّاعَة وَالْجهَاد وَالْهجْرَة وَالْجَمَاعَة فَإِنَّهُ من فَارق الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه إِلَّا أَن يُرَاجع وَمن ادّعى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهُ من جثاء جَهَنَّم فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله وَإِن صلى وَصَامَ فَقَالَ وَإِن صلى وَصَامَ فَادعوا الله الَّذِي سَمَّاكُم الْمُسلمين الْمُؤمنِينَ عباد الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَهَذَا لَفظه وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ بِبَعْضِه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (^١) قَالَ الْحَافِظ وَلَيْسَ لِلْحَارِثِ فِي الْكتب السِّتَّة سوى هَذَا والربقة بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَاحِدَة الربق وَهِي عرى فِي حَبل تشد بِهِ البهم وتستعار لغيره.\nوَقَوله من جثاء جَهَنَّم بِضَم الْجِيم بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة أَي من جماعات جَهَنَّم.\nقوله: عن الحارث الأشعري ﵁ قال المنذري ليس للحارث الأشعري في الكتب الستة سوى هذا الحديث.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن\"\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٨٦٣) و(٢٨٦٤)، والنسائي في الكبرى (٨٨١٤) و(١١٤٦١)، وابن خزيمة (١٨٩٥)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم ١/ ١١٧ - ١١٨ و١١٨. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في المشكاة (٣٦٩٤)، وصحيح الترغيب (٥٥٢).","vol":"4","page":12},{"text":"الحديث، هو يحيى بن زكريا وكنية زكريا أبو يحيى -ﷺ- وفي زكريا خمس لغات أشهرها زكرياء بالمد والثانية بالقصر وقرئ بهما في السبع الثالثة والرابعة زكريّ وزكري تشديد الياء وتخفيفها حكاهما ابن بريد وآخرون وحكاهما من المتأخرين الجواليقي والخامسة زكر حكاها أبو البقاء، قال أهل التواريخ: كان زكريا ﵇ من ذرية سليمان بن داود ﵉ فهو زكريا بن حناء من ولد سليمان بن داود ويقال زكريا بن أردن وكان هو وعمران أبو مريم قد تزوج أختين إحداهما عند زكريا وهي أم يحيى واسمها أميا بالهمزة والتحتانية والمعجمة أو المهملة وأمها اسمها حنة بفتح المهملة وتشديد النون انتهى.\nوالأخت الأخرى عند عمران وهي أم مريم ولما ولدت مريم كفلها زكريا لموت أبيها عمران وقيل بل لضعف أبيها عن كفالتها ولما بلغ زكريا الكبر رزقه الله يحيى وزوجته كانت عاقرا لم تلد ولم يرزق ولدا سواه وولدت مريم عيسى ﵇ بعد ولادة يحيى بثلاث سنين وقيل بستة أشهر فاتهم بنو إسرائيل زكريا بمريم وهمو به فاختفى منهم في جوف شجرة فنشروها بالمنشار وزكريا في داخلها هذا قول وهب وقال ابن إسحاق.\nذكر لي بعض أهل العلم أن زكريا مات موتا سويا وإنما يحيى هو ابن خالة أم عيسى ويقال ابن أختها وكان حصورا لا يعرف النساء، وقتل زكريا عد قتل يحيى ابنه صلاة الله وسلامه عليهما، وقال أرباب السير منهم الحافظ الخطيب البغدادي: أتى الصقر رجلًا فقتل بسبب يحيى بن زكريا خمسة","vol":"4","page":13},{"text":"وسبعين ألفا ويقال إن الله ﷿ أوحى إلى النبي -ﷺ- أني قتلت يحيى بن زكريا سبعين ألفا ولأقتلن بالحسين ابن بنتك سبعين ألفًا وسبعين ألفا قاله في مجمع الأحباب.\nقوله: \"ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها\" بنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇.\nقوله: \"قال عيسى إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها\" الحديث أم عيسى هي مريم ابنت عمران فإنها عند كثير من العُلماء نبية نزل إليها جبريل ﵇ بالوحي كما نزل على النبي -ﷺ- ولا قيل عن الأنبياء غيرهم ومن قال إنها لم تكن نبية جعل قوله تعالى: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) مخصوصا بنساء زمانها.\nقوله: \"فجمع الناس في بيت المقدس\" المقدس فيه لغتان مشهورتان فتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المخففة، وضم الميم وفتح القاف وكسر الدال المشددة والمشدد معناه المطهر والمخفف لا يخلوا إما أن يكون مصدرا أو مكانا ومعناه بيت المكان الذي جعل الله فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها أو من الذنوب، ثم إنه من باب إضافة الموصوف إلى صفته نحو مسجد الجامع.\nتتمة تتعلق ببيت المقدس: في سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة فتح بيت المقدس على يد السلطان صلاح الدين بن يوسف بن أيوب والسبب في ذلك\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٤٢.","vol":"4","page":14},{"text":"أنه لما فتح عسقلان والأماكن المحيطة به واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في السواحل وقعت إليه رقعة مكتوب فيها:\nيا أيها الملك الذي لقواعد الإسلام أسس ... يا من سطا بحسامه ومعالم الصلبان نكس\nجاءت إليك رسالة تسعى من البيت المقدس ... كل الأماكن طهرت وأنا على شرفي منجس\nفقصد ذلك مستعينًا بالله فكان نزوله إليه في خامس عشر شهر رجب فنزل بالجانب الغربي وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة فكان فيه على ما يزيد عن ستين ألف مقاتل ما عدا النساء والصبيان ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في العشرين من الشهر المذكور ونصب عليه المنجنيقات وضايقه بالزحف والقتال وكثرة الرماة حتى ثقب السور مما يلي وادي جهنم فلما رأى العدو ذلك استكانوا وطلبوا الأمان وكتبت المراسلة بين الطائفتين إلى أن سلمه يوم الجمعة السابع والعشرين من الشهر المذكور وهي الليلة التي عرج بالنبي -ﷺ- فيها من بيت المقدس فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف سهل الله تعالى عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم -ﷺ- وكان فتوحًا عظيمًا شهده من أهل العلم خلقا كثير لم يتخلف معروفه بالعلم عنه والله أعلم قاله في الديباجة.\nقوله: \"إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن أولاهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وإن مثل من أشرك باللّه كمثل رجل","vol":"4","page":15},{"text":"اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق\" الحديث الذهب معروف والورق قال أهل اللغة يقال ورق وورق بكسر الواو وإسكانها وأهل اللغة على أنه مختص بالدراهم المضروبة واختلف أهل اللغة في أصله فقيل يطلق في الأصل على جميع الفضة وقيل هو حقيقة للمضروب دراهم ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازًا وهو قول كثير من أهل العلم وبالأول قال ابن قتيبة وهو مذهب الفقهاء والله أعلم.\nقوله: \"وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت\" الحديث، الالتفات المنهي عنه في الحديث قسمان أحدهما التفات القلب عن الله لغير الله.\nالثاني التفات البصر وكلاهما منهي عنه ولا يزال الله مقبلا على عبده ما دام العبد مقبلا على صلاته، ومثال من يلتفت في صلاته ببصره أو قلبه مثل رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينا وشمالا وقد انصرف قلبه عن السلطان ولا يفهم ما يخاطب به السلطان لأن قلبه ليس حاضرا معه فما ظن خهذا الرجل أن يفعل به السلطان، أفليس أول المراتب في حقه أن يصرف بين يديه ممقوتا مبعدا قد سقط من عينه فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله في صلاته الذي أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته وذلت عنقه له واستحيا من ربه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه وبين صلاتهما كما قال حسان بن عطية: إن الرجلين يكونان في الصلاة","vol":"4","page":16},{"text":"الواحدة وإن بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض فذلك بأن أحدهما مقبل بقلبه على الله ﷿ والآخر ساه غافل، وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله ﷿ أن نحوا الحجب فإذا التفت قال أرخوها وقد فسر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله ﷿ إلى غيره فإذا التفت إلى غيره أرخى الحجاب بينه وبين العبد فدخل الشيطان وعرض عليه أمور الدنيا وأراه إياه في صوت المرأة وإذا أقبل على الله تعالى بقلبه ولم يلتفت لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله وبين ذلك القلب وإنما يدخل الشيطان إذا رفع الحجاب فإن فر إلى الله وأحضر قلبه فر الشيطان فإن التفت حضر الشيطان فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة قاله ابن قيم الجوزية في بعض مصنفاته.\nقوله: \"وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة\" العصابة بكسر العين وبالصاد المهملتين الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين.\nقوله: \"وأمركم الصيام وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" فسيأتي الكلام عليه مبسوطا في بابه إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعا\" أثره بفتح الهمزة والثاء المثلثة ويجوز كسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة لغتان مشهورتان وسراعا معناه مسرعين.\nقوله: \"حتى إذا أتى على حصن حصين\" الحصن واحد الحصون وهي القصور والقلاع لكي يتحصن فيها وحصين فعيل للمبالغة أي شديد المنع","vol":"4","page":17},{"text":"لمن فيه والله أعلم.\nقوله: \"وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة\" والمراد بالطاعة طاعة أولوا الأمر أي طاعة السلطان والأمير ومن له ولاية والمراد بالسمع سماع كلمة الحق من أمير المؤمنين والجهاد سيأتي الكلام عليه في بابه وتقدم الكلام على الهجرة مبسوطا في أول هذا التعليق والجماعة المراد بها سواد الناس وما اجتمعوا عليه في الإمارة هذا هو الظاهر وقيل: المراد بالجماعة اتباع إجماع المسلمين وقيل: هم العلماء وهو أصح.\nقوله: \"فإنه من فارق الجماعة قيد شبر\" والمراد بمفارقة الجماعة ترك السنة واتباع البدعة ومعنى الحديث كل جماعة عقدت عقدا يوافق الكتاب والسنة فلا يجوز لأحد أن يفارقهم في ذلك العقد فإن خالفهم فيه استحق الوعيد، وقيل شبر معناه قدر شبر.\nقوله -ﷺ-: \"فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه\" الربقة بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وفتح القاف واحدة الربق وهي عرى حبل يشد به إليهم وقال بعض العلماء ربقة الإسلام عهد الإسلام فاستعارها للإسلام وتجمع الربقة على ربق مثل كسرة وكسر ويقال للحبل الذي فيه الربقة ربق وتجمع على رباق وأرباق قاله في النهاية والمعنى أن من خرج على الجماعة ونزع اليد من الطاعة ولو بشيء يسير فقد نقض عهد الإسلام ونبذ ذمة الله اللازمة للأعناق ولزوم الربقة شبه النبي -ﷺ- ما لزم الأعناق من ذمة الإسلام وحق الدين","vol":"4","page":18},{"text":"بالربقة بالربقة التي تجعل في أعناق البهم من حيث أنه يقيد المؤمن فتمنه أن يتخطى الحدود قاله في التنقيح.\nقوله -ﷺ-: \"ومن ادعى دعوى الجاهلية\" أي دعى عصبة واستعان بهم فيما ينويه من الأمور كعادة أهل الجاهلية ولم يرض بالشرع.\nقوله \"فإنه من جثاء جهنم\" بضم الجيم بعدها ثاء أي من جماعات جهنم قاله المنذري وقال الهروي واحدتها جثوة بضم الجيم وهي الشيء المجموع وروي من جثي جهنم بكسر الثاء المثلثة وتشديد الياء آخر الحروف وهي جمع جاث وهو الذي يجلس على ركبتيه من قوله تعالى ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (^١) قاله في التنقيح.\n\n٧٨٦ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قالَت سَأَلت رَسُول الله -ﷺ- عَن التلفت فِي الصَّلَاة فَقَالَ اختلاس يختلسه الشَّيْطَان من صَلَاة العَبْد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة (^٢).\nقوله: عن عائشة، تقدم الكلام على بعض مناقبها.\nقوله: (سألت رسول الله -ﷺ- عن التلفت في الصلاة فقال: اختلاس يختلسه الشيطان) الحديث، الاختلاس هو أشخذ الشيء بسرعة واختطاف\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٦٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥١) و(٣٢٩١)، وأبو داود (٩١٠)، والترمذي (٥٩٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٩ (١٢٠٩) والكبرى (١٢١١)، وابن خزيمة (٤٨٤) و(٩٣١)، وابن حبان (٢٢٨٧).","vol":"4","page":19},{"text":"على سبيل المخاتلة، قاله عياض، قال بعض العلماء أيضًا: الاختلاس السلب أي سلب يستلبه الشيطان من صلاة العبد، وقال بعضهم أيضًا: الاختلاس الأخذ بخفية كالسرقة، ويحتمل ذلك هنا، والمراد بالاختلاس نقص الكمال فإن الالتفات إن كان بالعنق فإنه مكروه إلا لحاجة، ففي هذا الحديث كراهة الالتفات في الصلاة يمينا وشمالا إلا إذا لم يتحول صدره، وفي التتمة أنة حرام، ومما وصف به أبو بكر أنه كان لا يلتفت في صلاته، والدليل على ذلك أنه كان ﵇ يلحظ في الصلاة يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره رواه الترمذي، وفي رواية \"يلتفت\" بدل يلحظ، وقد اختلف العلماء ﵃ فيمن تكرر منه الالتفات فذهبت طائفة من العلماء إلى بطلان صلاته والجمهور على الكراهة دون البطلان، أما الالتفات لحاجة فلا بأس به لما روي أبو داود في السنن أن النبي -ﷺ- في أسفاره إلى الغزو صلى وجعل يلتفت إلى الشعب، وهذا الحديث سيأتي في الجهاد مطولا إن شاء الله تعالي، وروى مسلم عن جابر قال: اشتكى رسول الله -ﷺ- فصلينا وراءه وهو قاعد فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا، وقال ابن بطال: الالتفات في الصلاة مكروه، وذلك أنه إذا أومأ ببصره وثنى عنقه يمينا وشمالا لا ترك الإقبال على الصلاة وقارن الخشوع المأمور به في الصلاة، ولذلك جعله النبي -ﷺ- اختلاسا، وفيه: الحض على إحضار المصلى قلبه لمناجاة ربه تبارك، وأما نظره -ﷺ- إلى الخميصة بحيث قال: شغلني إعلامها فهو مما لا يستطاع دفعه، قال الطيبي: المعنى من التفت ذهب عنه الخشوع فاستعير","vol":"4","page":20},{"text":"لذهابه أو اختلاس الشيطان تصوير القبح لشكك الفعلة أو أن المصلي يستغرق في مناجاة ربه ﵎ وأنه تعالى يقبل عليه والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلس منه قاله الكرماني.\nواعلم أن الإعراض عن المناجاة بالقلب أو القالب سوء أدب ولكن الله تعالى بكرمه لا يؤاخذ الغافل أو الساهي وإنما يفوته الخير العظيم بالتفاته عن ذلك، وقد فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ (^١) أي: لم يلتفتوا.\n\n٧٨٧ - وَعَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يزَال الله مُقبلا على العَبْد فِي صلَاته مَا لم يلْتَفت فَإِذا صرف وَجهه انْصَرف عَنهُ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^٢).\nقَالَ المملي الْحَافِظ عبد الْعَظِيم ﵁ وَأَبُو الْأَحْوَص هَذَا لَا يعرف اسْمه لم يرو عَنهُ غير الزُّهْرِيّ وَقد صحّح لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَغَيرهمَا.\n_________\n(^١) سورة المعارج، الآية: ٢٣.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٧٢ (٢١٥٠٨)، والدارمي (١٤٦٣)، وأبو داود (٩٠٩)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٨ (١٢٠٨) والكبرى (١٢١٠)، وابن خزيمة (٤٨٢)، والحاكم ١/ ٢٣٦.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٨٤٣/ م) وصحيح الترغيب (٥٥٤).","vol":"4","page":21},{"text":"قوله: عن أبي الأحوص، قال الحافظ: أبو الأحوص لا يعرف اسمه لم يرو عنه غير الزهري انتهي، وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن فضلة الجشمي، وثقه ابن معين وغيره، يقال: قتله الخوارج في أيام الحجاج وفيه نظر، هل هو العرض الذي قاله المنذري أو غيره.\nقوله: عن أبي ذر، واسمه جندب على الصحيح، توفي بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، وكان أبو ذر عظيما طويلا متقللا من الدنيا وكان مذهبه أنه يحرم على الإنسان إدخار ما زاد على حاجته، وكان قوالا بالحق وتقدم الكلام علي بعض مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يوال الله مقبلا على البعد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف الله عنه\" والمراد بالإقبال في حق الله تعالى رضاه، والمراد بالانصراف ضد الإقبال، والمراد بالالتفات لي العنق ويدل عليه حديث أبي هريرة الذي يأتي بعد هذا، وفيه: \"نهاني عن ثلاث وفيها: والتفات كالتفات الثعلب\" ويحتمل أن يكون المراد التفات القلب، ويدل عليه قوله -ﷺ- في أحاديث الباب: \"إن العبد إذا قام إلى الصلاة فالتفت يقول الله تعالى إلى من يلتفت! إلى خير مني! أقبل إليّ\" والأولى حمل الالتفات على أي معانيه فيتناول الجسمي والقلبي قاله الحافظ العسقلاني ابن حجر.\n\n٧٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أَوْصَانِي خليلي -ﷺ- بِثَلَاث ونهاني عَن ثَلَاث نهاني عَن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الْكَلْب والتفات كالتفات الثَّعْلَب رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَإسْنَاد أَحْمد حسن وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَقَالَ","vol":"4","page":22},{"text":"كإقعاء القرد (^١) مَكَان الْكَلْب الإقعاء بِكَسْر الْهمزَة قَالَ أَبُو عبيد هُوَ أَن يلزق الرجل أليتيه بِالْأَرْضِ وَينصب سَاقيه وَيَضَع يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ كَمَا يقعي الْكَلْب قَالَ وَفَسرهُ الْفُقَهَاء بِأَن يضع أليتيه على عَقِبَيْهِ بَين السَّجْدَتَيْنِ قَالَ وَالْقَوْل هُوَ الأول.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"نهاني خليلي -ﷺ- عن ثلاث، عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب\" ورواه ابن أبي شيبة، وقال \"كإقعاء القرد\" مكان الكلب، وتقدم مطولا معنى قوله: \"عن نقرة كنقرة الغراب\" يريد بنقرة الغراب تخفيف السجود وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.\nوقوله: \"وإقعاء كإقعاء الكلب\" ضبطه الحافظ ﵀ وفسره فقال: الإقعاء بمكسر الهمزة قال أبو عبيدة: هو أن يلزق الرجل إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديد بالأرض كما يقعي الكلب، قال: وفسَّره الفقهاء\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٧١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٥٥ رقم ٢٩٣٢)، وأحمد ٢/ ٢٦٥ (٧٥٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٧٣ رقم ٢٧٤١). وأخرجه أحمد ٢/ ٣١١ (٨١٠٦)، وأبو يعلى (٢٦١٩)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٦٦ رقم ٥٢٧٥).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا حبيب بن أبي ثابت، ولا عن حبيب إلا ليث، ولا عن ليث إلا موسى بن أعين، تفرد به: المعافى بن سليمان. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧٩ - ٨٠: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وإسناد أحمد حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٥٥).","vol":"4","page":23},{"text":"بأن يضع اليتيه بالأرض على عقب السجدتين، قال: والقول هو الأول. انتهى. وإنما نهى عن ذلك لشبهه الكلاب والقردة وهذا الإقعاء منهي عنه في جميع الصلاة، ومن الإقعاء نوع مستحب عند النووي وابن الصلاح والبيهقي، ونص عليه البويطي وصوبه النووي وهو أن يفرش رجليه ويضع إليتيه على عقبيه كما ثبت في صحيح مسلم عن طاووس، قال ابن عباس في الإقعاء على القدمين قال هي سنة نبيكم -ﷺ-، وروى مالك عن العبادلة وجعله الرافعي أحد الأوجه في الإقعاء المكروه، وليس المراد به كونه سنة أنه أفضل من غيره بل الإفتراش أفضل منه لكثرة رواته ولمواظبة النبي -ﷺ- عليه ويكره أيضًا أن يقعد مادًّا رجليه. انتهي، والله أعلم انتهى. قاله الكمال الدميري (^١).\nوقال بعض العلماء: الإقعاء أن يضع إليتيه على عقبيه كما هو عادة الناس عند الأمراء والتفات كالتفات الثعلب، وتقدم معنى الالتفات في الحديث قبله.\nفائدة: في الحكم في الثعلب، نص الشافعي ﵀ على حل أكله، وقال ابن الصلاح ليس في حله حديث عن رسول الله -ﷺ-، وفي تحريمه حديثان في سندهما ضعف، واعتمد الشافعي ﵀ في ذلك على عادة العرب فيندرج في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (^٢) وقال بحله\n_________\n(^١) في النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٠١).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٤.","vol":"4","page":24},{"text":"طاووس وعطاء وقتادة وغيرهم، ونقل في فرائد رحلته عن أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي الإمام في الحديث والفقيه تلميذ البويطي أن الثعلب حرام وكره أبو حنيفة ومالك أكله وأكثر الروايات عن الإمام أحمد تحريمه لأنه سبع انتهى.\n\n٧٨٩ - وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا قَامَ الرجل فِي الصَّلَاة أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَإِذا الْتفت قَالَ يَا ابْن آدم إِلَى من تلْتَفت إِلَى من هُوَ خير لَك مني أقبل إِلَيّ فَإِذا الْتفت الثَّانِيَة قَالَ مثل ذَلِك فَاِذا الْتفت الثَّالِثَة صرف الله ﵎ وَجهه عَنهُ رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: عن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله تعالى عليه بوجهه\" الحديث تقدم معنى الإقبال أنه في حق الله تعالى رضاه، والمراد بوجه الله تعالى جملة الذات لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^٢).\nقوله: \"فإذا التفت يقول الله تعالى: يا ابن آدم إلى من تلفت إلى من هو خير لك مني\" تقدم معنى الالتفات وأنه يشمل القلبي والجسمي كما ذكر الحافظ\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٥٥٢/ كشف الأستار). قال البزار: لا نعلم رواه إلا جابر، ولا عنه إلا ابن المنكدر، ولا عنه إلا الفضل، والفضل خال المعتمر بن سليمان بصري قصاص، وأحسب أنه كان يذهب إلى القدر، ولا نكتب عنه إلا ما لم نجده عند غيره. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨٠: رواه البزار وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي وقد أجمعوا على ضعفه. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٠٢٤) و(٢٦٩٤) وضعيف الترغيب (٢٨٨).\n(^٢) سورة القصص، الآية: ٨٨.","vol":"4","page":25},{"text":"العسقلاني أنه الأولى.\nتنبيه: قال العلماء في كتب الفقه: وإن فكر في الصلاة أو التفت فيها كره ولم تبطل صلاته أي فكر في أمور الدنيا أو في مسألة فقهية ونحوا أو التفت فيها من غير حاجة يمينا وشمالا ولم يحول قدميه عن القبلة كره وأجزأته صلاته إذ ليس فيها إلا الإخلاء بالخشوع وهو يثبت الكراهة دون البطلان لأنه -ﷺ- صلى في خميصة لها أعلام فقال: \"ألهتني أعلام هذه\" ولم ينقل أنه -ﷺ- أعاد الصلاة، هذا هو المذهب ولو فكر في أمور الآخرة فلا بأس، فإن حول قدميه عمدا بطلت صلاته، وكذا سهوا إن طال الزمان وإن قصر فلا لأنه عمل يسير وسجد للسهو وهو ناسخ لما تمسك به الإمام أحمد بن حنبل والله أعلم.\nقوله: في حديث جابر: \"فإذا التفت الثالثة صرف الله ﵎ وجهه عنه\" وفي رواية: \"فإذا التفت أعرض عنه ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه\".\n\n٧٩٠ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن العَبْد إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة أَحْسبهُ قَالَ فَإِنَّمَا هُوَ بَين يَدي الرَّحْمَن ﵎ فَإِذا الْتفت يَقُول الله ﵎ إِلَى من تلْتَفت إِلَى خير مني أقبل يَا ابْن آدم إِلَيّ فَأَنا خير مِمَّن تلْتَفت إِلَيْهِ رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضًا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٥٠٦)، والبزار (٩٣٣٢)، والأصبهاني في الترغيب (١٩٠٨). قال البزار: وهذا الحديث رواه طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة =","vol":"4","page":26},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن العبد إذا قام إلى الصلاة أحسبه قال: فإنما هو بين يدي الرحمن\" الحديث، تقدم معناه في الحديث قبله.\n\n٧٩١ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا بني إياك والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِن الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة هلكة الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أنس وَقَالَ حَدِيث حسن وَفِي بعض النّسخ صَحِيح قَالَ المملي وَعلي بن زيد بن جدعَان يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَرِوَايَة سعيد عَن أنس غير مَشْهُورَة (^١).\nقوله: عن أنس بن مالك، تقدم.\nقوله: قال لي رسول الله -ﷺ-: \"يا بني إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة\" الحديث، أي: طاعة للشيطان وطاعة الشيطان هلكة، والالتفات في صلاة النفل أسهل من الالتفات في الفرائض، لأن زوال كمال النوافل أسهل والله أعلم.\nقوله: ورواه الترمذي من رواية علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، هو:\n_________\n= ﵁، موقوفًا. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨٠: رواه البزار وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٢٤) وضعيف الترغيب (٢٨٩).\n(^١) أخرجه الترمذي (٥٨٩)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٢٣ - ١٢٥) والصغير (٢/ ١٠١ - ١٠٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في المشكاة (٩٩٧) وضعيف الترغيب (٢٩٠).","vol":"4","page":27},{"text":"عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ جُدْعَان، قال الدَّارَقُطْنِيّ: ضعيف (^١).\n\n٧٩٢ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ صلى رَكعَتَيْنِ فَدَعَا ربه إِلَّا كَانَت دَعوته مستجابة مُعجلَة أَو مؤخرة إيَّاكُمْ والالتفات فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا صَلاة لملتفت فَإِن غلبتم فِي التَّطَوُّع فَلا تغلبُوا فِي الْفَرِيضَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ في الْكَبِير (^٢) وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من قَامَ فِي الصَّلَاة فَالْتَفت رد الله عَلَيْهِ صلَاته (^٣).\nقوله: عن أبي الدرداء، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فدعى ربه إلا كانت دعوته مستجابة\" الحديث، تقدم الكلام على إحسان الوضوء وعلى صلاة الركعتين بعده ينوي بهما سنة الوضوء.\n_________\n(^١) انظر: العلل (٥/ ٣٤٦)، والسنن (١/ ٧٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٢ (٢٧٤٩٧)، والمحاملى (٧١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٧٨: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ميمون أبو محمد قال الذهبي: لا يعرف. وقال في ٢/ ٨٠: رواه الطبراني في الكبير وفيه: عطاء بن عجلان وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٩١).\n(^٣) أخرجه الطبراني كم في جامع المسانيد (٩/ ٣٣٤ رقم ١١٩٨٥). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨١: رواه الطبراني في الكبير وفيه يوسف بن عطية وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٩١).","vol":"4","page":28},{"text":"قوله: \"وإياكم والالتفات في الصلاة فإن لا صلاة للملتفت، فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبوا في الفريضة\" تقدم الكلام على الالتفات في الصلاة، وأن المراد به لي العنق كما تقدم، وأنه لا صلاة للملتفت أي كاملة فإنه ناقصة في الأجر والثواب لعد الخشوع فيها، والالتفات عدم الإقبال عليها، والالتفات في صلاة النفل أسهل من الالتفات في الفرائض كما تقدم في حديث أنس الذي قبله فإن الالتفات في الصلاة هلكة.\n\n٧٩٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ لَا يزَال الله مُقبلا على العَبْد بِوَجْهِهِ مَا لم يلْتَفت أَو يحدث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير مَوْقُوفا عَن أبي قلَابَة عَن ابْن مَسْعُود وَلم يسمع مِنْهُ (^١).\nقوله: عن ابن مسعود، تقدم.\nقوله: \"لا يزال الله مقبلا على العبد بوجهه ما لم يلتفت أو يحدث\" تقدم الكلام على الإقبال في الأحاديث قبله وعلى الحديث في انتظار الصلاة مبسوطًا.\n\n٧٩٤ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فليقبل عَلَيْهَا حَتَّى يفرغ مِنْهَا وَإِيَّاكُم والالتفات فِي الصَّلَاة فَإن أحدكُم يُنَاجِي ربه مَا دَامَ فِي الصَّلَاة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٩٥ رقم ٤٥٣٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٣٦٩ رقم ٩٣٤٥). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨١: رواه الطبراني في الكبير، وأبو قلابة لم يسمع من ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٩٢).\n(^٢) أخرجه الحارث في المسند (١٥٤)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٨٧ - ١٨٨ رقم ٣٩٣٥).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن رومان إلا نافع بن ثابت، تفرد به: =","vol":"4","page":29},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إياكم والالتفات في الصلاة فإن أحدكم يناجي ربه ما دام في الصلاة\" أي: بكلامه وذكره وعائه بالإخلاص والحضور، وفيه: تعظيم أمر الغفلة فإنها تفوت هذه المرتبة العظيمة من المناجاة.\n\n٧٩٥ - وَعَن أم سَلمَة بنت أبي أُميَّة ﵂ زوج النَّبِي -ﷺ- أَنَّهَا قَالَت كَانَ النَّاس فِي عهد رَسُول الله -ﷺ- إِذا قَامَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع قَدَمَيْهِ فَتوفي رَسُول الله -ﷺ- فَكَانَ النَّاس إِذا قَامَ أحدهم يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع جَبينه فَتوفي أَبُو بكر ﵁ فَكَانَ عمر ﵁ فَكَانَ النَّاس إِذا قَامَ أحدهم يُصَلِّي لم يعد بصر أحدهم مَوضِع الْقبْلَة ثمَّ توفّي عمر ﵁ فَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَكَانَت الْفِتْنَة فَتلفت النَّاس يَمِينا وَشمَالَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١) بِإِسْنَاد حسن إِلَّا أَن مُوسَى بن عبد الله بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي لم يخرج لَهُ من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة غير ابْن مَاجَه وَلَا يحضرني فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل وَالله أعلم.\n_________\n= الواقدي. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨٠: رواه الطبراني في الأوسط وفيه الواقدي وهو ضعيف. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٢/ ٢٤٠: هذا إسناد ضعيف لضعف الواقدي. قال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٦٨٩) وضعيف الترغيب (٢٩٣).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٦٣٤)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩ رقم ٤٤٥٦) و(٩/ ٤٩ رقم ٩١٠٤). وقال الطبراني: لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن المنذر. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٤٠) وضعيف الترغيب (٢٩٤).","vol":"4","page":30},{"text":"قوله: عن أم سلمة، هي أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي -ﷺ-، سيأتي الكلام على مناقبها في كتاب النوافل مبسوطًا.\nقول أم سلمة: كان الناس في عهد رسول الله -ﷺ- إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم عن موضع قدميه، الحديث، قال العلماء ﵃: ومن هنا أخذ الشافعي والجمهور أن المصلي يستحب له أن ينظر في موضع سجوده ولا يجاوزه في جميع الصلاة لما روي أنه -ﷺ- فعله، وروي أيضا أنه أمر به، وبه قال الشافعي والسادة الصوفية بأسرهم فإنه أحضر القلب وأجمع الفكر، قال النووي في منهاجه: قلت: من إدامة نظره إلى موضع سجوده لأن جمع البصر في مكان واحد أقرب إلى الخشوع، وقال مالك: ينظر المصلي تلقاء وجهه، وقال في موضع آخر: ينظر أمامه فإنه إذا حنى رأسه ذهب بعض القيام المفروض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء، وقال بعضهم: يكره تغميض عينيه، قال النووي: قلت لا يكره إلا أن يخاف ضررا، وروى محمد بن سيرين أن النبي -ﷺ- كان ينظر إلى السماء في صلاته فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (^١) فجعل ينظر حيث يسجد، وقد روى أن ابن عباس أن النبي -ﷺ- كان إذا استفتح لم ينظر إلا إلى موضع سجوده، كذا هو في المهذب، ورواه البيهقي عن أنس ولم يصح شيء من ذلك حديث صحيح أن هذا في جميع الصلاة، وقيل: ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ٢.","vol":"4","page":31},{"text":"الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه وفي القعود إلى حجره، لأن امتداد البصر يلهي فإذا قصره كان أولى ولأن ترديد البصر من مكان إلى مكان يشغل القلب ويمنع كمال الخشوع، وبهذا جزم البغوي والمتولي وحكاه القاضي حسين أيضا، والأول أصح، وحكي المحب الطبري وجهان أن الذي بالمسجد الحرام نظره إلى الكعبة أولى لكنه صحح الأول، والسنة للتشهد أن لا يجاور بصره إشارته قاله في مختصر الكفاية، وذكره غيره، وقال الزركشي في كتابه الذي ألفه في فضل المساجد.\nاعلم أن نظر المصلي إلى موضع سجوده أفضل مما سواه فلو كان يصلي بمكة بالمسجد الحرام، فهل الأولى النظر إلى الكعبة لترتيب الثواب على مجرد النظر وإن لم يكن في صلاة أو المحافظة على النظر إلى موضع السجود لأنه مجمع القلب، والنظر يلهي عن الخشوع الذي هو مقصود الصلاة، ويشترط في صحتها على وجه عندنا أو يفضل بين من يلهو بالنظر ومن غيره، هذا محل نظر، وظاهر كلام ابن الصيف اليمني: أن المشاهدة أولى وبذلك جزم الماوردي والروياني وهو نقل غريب، وقال المحب الطبري في شرح التنبيه: إن كان يشاهد الكعبة ينظر إليها مع توفر الخشوع فحسن، قال: والمذهب أنه ينظر إلى موضع سجوده لأنه لا يأمن ما يشغله.\nقول أم سلمة ﵂: فلما كان عثمان بن عفان وكانت الفتنة فالتفت الناس يمينا وشمالًا، أشارت أم سلمة ﵂ بذلك إلى تغير الأول بعد رسول الله -ﷺ- وبعد أبي بكر وبعد عمر وعثمان ﵃، واجتمع العُلماء على","vol":"4","page":32},{"text":"استحباب الخشوع في الصلاة وغض البصر عما يلي وعلى كراهة الالتفات في الصلاة من غير حاجة، والالتفات في الصلاة من غير حاجة مكروه، وتقدم الكلام على ذلك مرات عديدة في أحاديث الباب والله أعلم.\nقوله: إلا أن موسى بن عبد الله بن أمية المخزومي، لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل.","vol":"4","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>الترهيب من مسح الحصى وغيره في مواضع السجود والنفخ فيه لغير ضرورة</span>\n٧٩٦ - عَن أبي ذَر ﵁ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا قَامَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَلَا يمسح الْحَصَى فَإِن الرَّحْمَة تواجهه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَفظ ابْن خُزَيْمَة إِذا قَامَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَإِن الرَّحْمَة تواجهه فَلَا تحركوا الْحَصَى رَوَوهُ كلهم من رِوَايَة أبي الْأَحْوَص عَنهُ (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه\" وفي الرواية الأخرى: \"فلا تحركوا الحصى\" الحديث، الحصى الحجارة الصغار، وحدتها حصاة يعني الرحمة تقبل عليه وتنزل فلا يليق به اللعب بالحصي، قاله في شرح السنة نهي عن مسح مكان السجود في الصلاة، وفي حديث جابر ﵁ قال: سألت رسول الله -ﷺ- عن مسح الحصى في الصلاة فقال: ولأن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سود الحدق، قال العلماء: يكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده ولا يقلب الحصى إلا أن لا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٠٢٧)، وأبو داود (٩٤٥)، والترمذي (٣٧٩)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٥ (١٢٠٤) والكبرى (٦١٧)، وابن خزيمة (٩١٣ و٩١٤)، وابن حبان (٢٢٧٣ و٢٢٧٤). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٩٥) وضعيف أبي داود (١٧٠).","vol":"4","page":34},{"text":"يمكنه السجود عليه فيسويه مرة واحدة معنى الحديث: لا تمسح وإن مسحته فلا يزد على واحدة.\n\n٧٩٧ - وَعَن معيقيب ﵁ أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَا تمسح الْحَصَى وَأَنت تصلي فَإِن كنت لَا بُد فَاعِلا فَوَاحِدَة تَسْوِيَة الْحَصَى\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن معيقيب، هو: بضم الميم وفتح العين المهملة وبقاف مكسورة بين التحتانيتين وبالموحدة هو: معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي المدني منسوب إلى دوس بفتح الدال حليف بني عبد شمس، جد قبيلة، صحابي أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ثم هاجر إلى المدينة وهو أحد البدريين، وكان على خاتم رسول الله -ﷺ- أي: على حفظه وحمله كما يحمل الخادم الآلة ويحفظها واستعمله أبو بكر الصديق على بيت المال وكذلك عمر، ورى عنه محمد بن سيرين وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قال ابن عبد البر: أصابه جذام فعولج بأمر عمر بالحنظل أن يشق ويدلك به بطن قدميه فوقف أمره وخف وكان عمر يأكل معه ويشرب في موضع شربه انتهي، روى له عن رسول الله -ﷺ- سبعة أحاديث، اتفق الشيخان منها على هذا الحديث فقط وهو الذي سقط منه خاتم النبي -ﷺ- في بئر أريس في خلافة عثمان، ومنذ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٠٧)، ومسلم (٤٧ و٤٨ و٤٩ - ٥٤٦)، وابن ماجه (١٠٢٦)، وأبو داود (٩٤٦)، والترمذي (٣٨٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦ (١٢٠٥) والكبرى (٦١٨).","vol":"4","page":35},{"text":"سقط اختلفت الكلمة من المسلمين فكان الخاتم كالأمان، توفي سنة أربعين في خلافة عثمان وقيل: وأول خلافة علي والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة\" أي: لا تفعل وإن فعلت فافعل واحدة أي: فمسحة واحدة لا تزد لئلا يلزم العمل الكثير، ورواه البخاري ومسلم بمعناه ولفظه عن معيقيب أن النبي -ﷺ- قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد فإن كنت فاعلا فواحدة.\nتنبيه: واحدة هو منصوب بإضمار فعل أي امسح واحدة أو يكون نعتا لمصدر محذوف ويجوز رفعه على الابتداء أو إضمار الخبر أي: فواحدة تكفيه أو كافية ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف، أي: المشروع واحدة قاله في شرح الإلمام.\nواعلم أن المراد بمسح الحصى تسويته، وهذا نهي تنزيه، واتفق العلماء على كراهة المسح إذا لم يكن هذر لهذا الحديث، والسبب في كراهية ذلك أن هذا الفعل في الصلاة وتنافي هيئة الخشوع والتواضع ولأنه يشغل المصلي، واتفق العلماء على كراهة وذلك قال القاضي عياض: وكره السلف مسح الجبهة في الصلاة، وقيل: الانصراف يعني من المسجد مما يتعلق بها من تراب وغيره، وهذا إذا لم تكتف بحيث يحول بين الجبهة والأرض، فإن كثف وجب إزالته، وأما حديث السجود في ليلة القدر في ماء وطين رئي على جبهته وأنفه فمحمول على أن ذلك رقيقا لا يحول من الجبهة والأرض كما قاله الشافعية خلافا للحنفية وغيرهم، وفي هذا الحديث دليل على أن العمل لا يبطل الصلاة بخلاف الكثير وأقله ثلاثة.","vol":"4","page":36},{"text":"٧٩٨ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ سَأَلت النَّبِي -ﷺ- عَن مسح الْحَصَى فِي الصَّلَاة فَقَالَ وَاحِدَة وَلِأَن تمسك عَنْهَا خير لَك من مائَة نَاقَة كلهَا سود الحدق رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه (^١).\n\n٧٩٩ - وَعَن أبي صَالح مولى طَلْحَة ﵁ قَالَ كنت عِنْد أم سَلمَة زوج النَّبِي -ﷺ- فَأتى ذُو قرابتها شَاب ذُو جمة فَقَامَ يُصَلِّي فَلَمَّا أَرَادَ أَن يسْجد نفخ فَقَالَت لَا تفعل فَإِن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يَقُول لغلام لنا أسود يَا رَبَاح ترب وَجهك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مَيْمُون أبي حَمْزَة عَن أبي صَالح عَن أم سَلمَة قَالَت رأى النَّبِي -ﷺ- غُلَاما لنا يُقَال لَهُ أَفْلح إِذا سجد نفخ فَقَالَ يَا أَفْلح ترب وَجهك (^٢) وَتقدم فِي التَّرْغِيب فِي الصَّلَاة حَدِيث حُذَيْفَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من حَالَة يكون العَبْد فِيهَا أحب إِلَى الله من أَن يرَاهُ سَاجِدا يعفر وَجهه فِي التُّرَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠٠ (١٤٢٠٤) و٣/ ٣٢٨ (١٤٥١٤) و٣/ ٣٨٤ (١٥١٢٤) و٣/ ٣٩٣ (١٥٢٢٧) و(١٥٢٢٨)، وابن خزيمة (٨٩٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨٦: رواه أحمد وفيه شرحبيل بن سعد وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٥٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٨١) و(٣٨٢)، وابن حبان (١٩١٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٤٨٥) وضعيف الترغيب (٢٩٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٥٨ رقم ٦٠٧٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٠١: رواه الطبراني في الأوسط من طريق عثمان بن القاسم عن أبيه، وقال: تفرد به عثمان. قلت: وعثمان بن القاسم ذكره ابن حبان في الثقات ولم يرفع في نسبه وأبوه، فلم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٥) و(٢٩٦) والضعيفة (٦٨١٧).","vol":"4","page":37},{"text":"قوله: عن أبي صالح مولى آل أبي طلحة، أبو صالح هذا اسمه [زاذان وقيل: إنه ذكوان مولى أم سلمة].\nقوله: كنت عند أم سلمة زوج النبي -ﷺ- فأتى ذو قرابتها شاب ذو لحية فقام يصلي، الحديث؛ قال أهل اللغة: الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين أي الذي يبلغ المنكبين قاله المازري عن شهر، وإذا بلغ شعر الرأس شحمة الأذنين فهو الوفرة، واللمة التي ألمت بالمنكبين وجمعها لمم كما جمعها رسول الله -ﷺ- وسميت به لإلمامها بالمنكبين فالجمة أعظم من اللمة واللمة أعظم من الوفرة قاله النوي وغيره؛ وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله -ﷺ- شعره دون الجمة وفوق الوفرة رواه أبود داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وتقدم تفسير الجمة والوفرة.\nتنبيه: والذوائب جمع ذائبة بالذال المعجمة وهي الشعر المضفر من شعر الرأس وسدل الشعر قال النووي قال أهل اللغة يقال: سَدَل وسَدُلَ ويسدل بضم الدال وكسرها، قال القاضي: سدل الشعر إرساله، قال: والمراد به هنا عند العلماء إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة يقال: سدل شعره وثوبه إذا أرسله ولم يقول سدل شعره وثوبه إذا أرسله ولم يضم جوانبه انتهى.\nقوله: فلما أراد أن يسجد نفخ فقالت لا تفعل\" قال النووي ﵁ والأصح أن التنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ إن ظهر به حرفان بطلت صلاته وإلا كما تقدم والله أعلم.\nقوله: \"فإن رسول الله -ﷺ- كان يقول لغلام لنا أسود يا رباح ترب وجهك\"","vol":"4","page":38},{"text":"ورواه ابن حبان عن أم سلمة قالت رأى النبي -ﷺ- غلاما لها يقال له أفلح إذا سجد نفخ فقال يا أفلح ترب وجهك\" الحديث ترب هو بتشديد الراء قال العلماء يستحب للمصلي إذا قام إلى الصلاة ألا يسوي الحصى الذي يسجد عليه بل يدعه على حاله لرواية أبي داود وغيره إذا قام أحدكم إلى الصلاة لا يسوي الحصى فإن الرحمة تواجهه وتقدم معناه قريبا قال بعض المفسرين ولأحجل المعنى السابق أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يخلع نعليه ليباشر بقدميه الأرض المقدسة فينال بركتها بمباشرتها إياه بالمشي عليها وفي الصحيح أنه -ﷺ- إذا توضأ بادروا إلى وضوءه يتبركون بالماء الذي مس أعضاءه الشريفة -ﷺ-، لا يتنخم نخامة إلا دلكوا بها أجسامهم ويستحب للراقي إذا قرأ القرآن أن يبصق على المكان الذي فيه البلاء ومر جماعة من الصحابة على حي من أحياء العرب فلدغ سيدهم فجعل أبو سعيد الخدري يقرأ الفاتحة ويتفل عليه حتى برأ لأن القرآن إذا جاوره الريق اكتسب منه الشفاء والبركة ومن هنا استحب التبرك بآثار الصالحين وموارد المتقين، ولما مرض عبد الله بن أبي المنافق بعث إلى النبي -ﷺ- فجاء إليه وطلب منه أن يكفن في قميصه بقصد التبرك ففعل فأسلم من أتباعه ألف رجل وما أحسن قول يوسف ﵊ لأخوته ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ (^١) ولم يقل\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٩٣.","vol":"4","page":39},{"text":"على عيني أبي بل أراد أن تعم بركته جملة بدنه والوجه يعبر به عن جملة البدن ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ (^١) قيل وكان ذلك القميص من الجنة قاله ابن العماد.\nتنبيه: قال العلماء المستحب أن لا يصلي على حصير ولا على غيره بل يصلي على الأرض ويسجد عليها قال الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل: والصلاة على الحصير أفضل منها على السجاد والثوب وإنما استحب السجود على الأرض لكثرة التواضع بوضع الجبهة على مواطئ الأقدام قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (^٢) مدحهم لأنهم كانوا يسجدون على أرض قالوا ولهذا يستحب للمصلي أن لا يمسح التراب عن وجهه إذا تعلق بجبهته من الأرض التي يسجد عليها لكونه أثر عبادة ويدل له فعل النبي -ﷺ- فإنه سجد صبيحة القدر في الماء والطين وخرج وأثره على وجهه ولم يمسحه وتقدم الكلام على ذلك والله أعلم.\nقوله: ورواه الترمذي من رواية ميمون أبي حمزة عن أبي صالح [عن أم سلمة].\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٧٩.\n(^٢) سورة الفتح، الآية: ٢٩.","vol":"4","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الترهيب من وضع اليد على الخاصرة في الصلاة</span>\n٨٠٠ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ نهي عَن الخصر فِي الصَّلَاة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفْظهمَا أَن النَّبِي -ﷺ- نهى أَن يُصَلِّي الرجل مُخْتَصرًا\" وَالنَّسَائِيّ نَحوه وَأَبُو دَاوُد وَقَامَ يَعْنِي يضع يَده على خاصرته (^١).\nقوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم.\nقوله: \"قال نهي عن الخصر في الصلاة\" بفتح الخاء في الروايات الأخرى أن النبي -ﷺ- نهى أن يصلي الرجل مختصرًا بكسر الصاد ولفظ مختصرًا مشتق رواه البخاري ومسلم والترمذي ولفظهما \"أن النبي -ﷺ- نهى أن يصلي الرجل مختصرا\" ولفظ مختصرًا إما مشتق من الخاصرة أو من المخصرة التي هي العصا أو من الاختصار ضد التطويل.\nقال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في معناه فالصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين وبه قال أصحابنا في كتب المذهب أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته وبهذا فسره أبو داود بعد ذكر الحديث كما تقدم قال العلماء يكره للمصلي أن يضع يده على خاصرته في الصلاة لأنه فعل اليهود ويروى ذلك عن عائشة وقالت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢١٩) و(١٢٢٠)، ومسلم (٤٦ - ٥٤٥)، وأبو داود (٩٤٧)، والترمذي (٣٨٣)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣٢٣ (٩٠٢) والكبرى (١٠٥٤).","vol":"4","page":41},{"text":"إن اليهود بياض بدون نقص صفحتان] تفعله ذكره البخاري وقيل فعل الشيطان، وقيل إن إبليس هبط من الجنة كذا حكاه في شرح مسلم وقيل لأنه فعل المتكبرين.\nوقال الهروي وهو أن يأخذ عصا بيده يتوكأ عليها مأخوذ من المعصرة وهي عصا أو قضيب أو غيرهما يمسكها الإنسان بيده وقال المحب الطبري هو الذي يقتصر على الآيات التي فيها السجدات يسجدها وأن يختصر السجدة التي انتهى في قرائته إليها لئلا يسجدها انتهى وقيل هو الذي يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين ولا يتم السورة في فرضه قاله عياض وكذا رواه ابن سيرين عن أبي هريرة قيل هو الذي يختصر الصلاة فلا يتم قيامها ولا ركوعها وسجودها ولا حدودها.\n\n٨٠١ - وَعنهُ ﵁ أَن رَسول الله -ﷺ- قَالَ الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة رَاحَة أهل النَّار رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ- \"الاختصار في الصلاة راحة أهل النار\" أي أنه فعل اليهود في\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٩٠٩)، وابن حبان (٢٢٨٦)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٨٤ - ٨٥ رقم ٦٩٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٤٠٨ رقم ٣٥٦٦) والشعب (٤/ ٤٨٥ رقم ٢٨٥٤).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا عبد الله بن الأزور، تفرد به: عيسى بن يونس. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٨٥: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن الأزور، ضعفه الأزدي وذكر له هذا الحديث وضعفه به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٩٧) والمشكاة (١٠٠٣).","vol":"4","page":42},{"text":"صلاتهم وهم أهل النار دليل على أن لأهل النار الذين هم خالدون فيها راحة، والله أعلم.\nخاتمة: وهذا النهي الوارد في هذه الأحاديث للكراهة فإن انضم عليه التنكير كان حراما إجماعا ويكره في الصلاة أيضا ومنها وضع اليد على الفم في الصلاة ومنها الاعتماد على اليد في الصلاة والتشبيك فيها وصف القدمين بل يفرج بينهما ويقطع الأصابع فيها والنفخ فيها وكذلك الصلاة في الثوب الواحد وفيما يشغل القلب من الثياب وغيرها وكذا بحضرة طعام يتوق إليه ومدافعة الأخبثين وتضييق الخف أو أن يصلي إلى وجه أحد أو صبي أو امرأة أو في الأماكن الشعثة أو في ديار ثمود وأرض الخسف والعذاب كأرض بابل كذا تكره في أرض البيع والكنائس أو إلى المتحدثين أو إلى القبر وتحرم في المغصوب وفي الحرير ولكن تصح عندنا بخلاف الثوب النجس ومع كشف العورة فإنها حرام وباطلة والله أعلم قاله في شرح الإلمام.","vol":"4","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الترهيب من المرور بين يدي المصلي</span>\n٨٠٢ - عَن أبي الجهم عبد الله بن الْحَارِث بن الصمَّة الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَن يقف أَرْبَعِينَ خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ قَالَ أَبُو النَّضر لَا أَدْرِي قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو شهرا أَو سنة\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nوَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ لِأَن يقوم أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢) قَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رُوِيَ عَن أنس أَنه قَالَ لِأَن يقف أحدكُم مائَة عَام خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدي أَخِيه وَهُوَ يُصَلِّي.\nقوله: عن أبي الجهم واسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة بكسر الصاد الأنصاري النجاري كذا وقع في صحيح مسلم وقيل هو أبو جهيم بجيم مضمومة وفتح الهاء وزيادة ياء هو راو حديث التيمم بالجدار وحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٠)، ومسلم (٢٦١ - ٥٠٧)، وابن ماجه (٩٤٥)، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٢٢ (٧٦٨) والكبرى (٩٢٠).\n(^٢) أخرجه البزار (٣٧٨٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٦١: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وقد رواه ابن ماجه غير قوله: خريفًا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٩٨) والضعيفة (٦٩١١).","vol":"4","page":44},{"text":"المرور بين يدي المصلي وحديثه في الصحيحين وهو مشهور بكنيته كما قاله مالك يقال هو ابن أخت أبي بن كعب قال بعضهم هذا هو الصواب وهو غير أبو جهيم صاحب الخميصة الذي قال فيه رسول الله -ﷺ- \"أما أبو جهيم فلا يضع عصاه عن عاتقه\" واسمه عامر بن حذيفة العدوي كان من المعمرين شهد بنيان الكعبة في الجاهلية وتوفي في خلافة معاوية ﵁.\nقوله -ﷺ-: \"لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه\" الحديث، وأبهمها هنا للتهويل والتعظيم ولم يدري أبو النضر ما هي وقد جاء في مسند البزار بحيث قال أربعين خريفا رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة وقالوا فيه لكان أن يقف مائة عام خير له وعن كعب لكان أن يخسف به لكان خيرا له وذلك على سبيل التغليظ عند من يقول بالكراهة والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"خير له من أن يمر بين يديه\" يجوز نصبه على أنه خبر كان ورفعه على أنه اسمها.\nقوله: قال أبو النضر، أبو النضر هذا اسمه سالم بن أبي أمية مولى عبد الرحمن بن عمر [٣٢٣] بن عبيد الله القرشي التيمي المدني يعد في التابعين وهو شيخ مالك والثوري وابن عيينة، كان ثقة رجلا صالحا كثير الحديث روى له الجماعة، توفي سنة تسع وعشرين ومائة، قال الشيخ أبو جعفر الطحاوي: المراد من الأربعين في حديث أبي جهيم هو الأعوام لا الشهور والأيام معناه والله أعلم: لو يعلم المار ما عليه من الإثم لاختار الوقوف","vol":"4","page":45},{"text":"أربعين علي ارتكاب ذلك الإثم ثم إنما يأثم المار إذا مر في موضع سجوده ولا يكون بينهما حائل ويحاذي أعضاء المار أعضاءه كذا في النهاية، ففي هذا الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك فهو صريح في التحريم، وقد خالف فيه القاضي حسين والغزالي وجماعة فقالوا بالكراهة والتصريح بالإثم يرد عليهم، وفيه دليل على حصول الإثم على المار وسواء أذن له المصلي في ذلك أم لا كما أنه لا يزال في تحريم التفريق بين الم والولد وبين أن ترضي الأم أم لا رعاية لحق الولد، وكأنه لا فرق بين أن يأذن المسلم في رفع بناء الذمي عليه أم لا، قال الشيخ تقي الدين: وبعض الفقهاء قسم ذلك إلى أربع صور، الأولى: أن يكون للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلي ولم يتعرض المصلي لذلك فيختص المار بالإثم إن مر.\nالثانية: مقابلتها وهو أن يكون المصلي بعرض المرور والمار ليس له مندوحة فيخصص المصلي بالإثم دون المار.\nالثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور ويكون للمار مندوحة في أثمان، أما المصلي فلتعرضه وأما المار فلمروره مع إمكان أن لا يفعل.\nالصورة الرابعة: أن لا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة فلا يأثم واحد منهما انتهي، وحيث قلنا بالتحريم فله شروط، أحدهما: أن يصلي إلى شيء سترة كما سيأتي.\nالثاني: قال إمام الحرمين والغزالي: النهي عن المرور لا يشرع الدفع، قال النووي: والصواب أنه لا فرق بين وجود السبيل وعدمه فحديث البخاري","vol":"4","page":46},{"text":"صريح بالمنع ولم يرد شيء يخالفه لا في كتب المذهب لغير الإمام ما يخالفه.\nثالثها: أن لا يكون التخطي لمصلحة الصلاة، فإن كان لمصلحتها بأن وجد الداخل فرجة في الصف السابق فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويقف فيها قاله في الروضة، ونقل في الكفاية عن الشافعي أنه يشق الصفوف ويقف في الفرجة لتقصيرهم، ولأن في سد الفرج ولكمال الصفوف السابقة تكملة لصلاة جميع القوم فالمشي إليها مصلحة لهم والله أعلم قاله في شرح العمدة.\nتنبيه: يستثني من تحريم المرور بين يدي المصلي إذا كان المصلي في حاشية المطاف بمكة فلا يحرم الطواف بين يديه والله أعلم؛ ومذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه لا يكره المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام، وإن الصلاة بمكة لا يقطعها شيء ولو كان المار امرأة بخلاف مذهبنا حكاه القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية، ونقل ذلك عن مالك وعبد الرزاق.\nفرع: المرور بين يدي المصلي حرام فيجب على الإنسان إذا رأى من يريد الدخول بين يدي المصلي أن يمنعه بالقول فإن أبي فبالفعل ولا يمكنه من ارتكاب هذا المحرم ما استطاع والله أعلم.\n[وهو معنى قول النووى ﵀ ويدفعه دفع الصائل بالأسهل ثم الأسهل ويزيد بحسب الحاجة وإن أدى إلى قتله فإن مات منه فلا ضمان فيه كالصائل (^١).\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٢٤٩)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٢٣).","vol":"4","page":47},{"text":"فرع آخر: من الكبائر المرور بين يدى المصلى كذا عده ابن القيم فى الكبائر وهو حرام على الصحيح كما تقدم قال النووى: قال أصحابنا يرده إذا أراد المرور بينه وبين سترته بأسهل الوجوه فإن أبي فبأشدها وإن أدى إلى قتله فلا شئ عليه (^١)].\n\n٨٠٢ - م - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ، مُعْتَرِضًا فِي الصَّلَاةِ، كَانَ لَأَنْ يُقِيمَ مِائَةَ عَامٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخَطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا\" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، واللفظ لابن حبان (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لو يعلم أحدكم ماله في أن يمشي بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه لكان أن يقف في ذلك المقام مائة عام\" الحديث وتقدم معنى المناجاة في مواضع من هذا التعليق.\n\n٨٠٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِذا صلى أحدكُم إِلَى شَيْء يستره من النَّاس فَأَرَادَ أحد أَن يجتاز بَين يَدَيْهِ فليدفع فِي نَحره فَإِن أَبى فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان. وَفِي لفظ آخر إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ وليدرأه مَا اسْتَطَاعَ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٢٦٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٩٤٦)، وابن خزيمة (٨١٤)، وابن حبان (٢٣٦٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٩٩).","vol":"4","page":48},{"text":"شَيْطَان\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد نَحوه قَوْله وليدرأه بدال مُهْملَة أَي فليدفعه بوزنه وَمَعْنَاهُ (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره\" في هذا الحديث دلالة على دفع المار عند وجود السترة فإن صلى إلى غير سترة أو صلى إلى سترة وتباعد عنها أكثر من ثلاثة أذرع لم يحرم حينئذ المرور بين يديه ولكن الأولى تركه وليس له هذا في هذه الحالة الدفع على الأصح، واتفقوا أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته بل احتاط وصلى إلى سترة أو في مكان يأمن المرور بين يديه ويدل على ذلك قوله -ﷺ- \"إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس\" (^٢) والله أعلم.\nلطيفة: قال ابن المنذر: كان مالك يصلي متباعدا عن السترة فمر رجل لا يعرفه فقال له أيها المصلي ادن من سترتك فجعل يتقدم ويقول وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا (^٣).\n[روى ذلك الطبراني في الحديث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٩) و(٣٢٧٤)، ومسلم (٢٥٨ و٢٥٩ - ٥٠٥)، وابن ماجه (٩٥٤)، وأبو داود (٦٩٧) و(٧٠٠)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٤٤٠ (٤٩٠٦) والكبرى (٧٢٣٨).\n(^٢) انظر: شرح الصحيح (٢/ ١٣٦)، وشرح السنة (٢/ ٤٥٦)، والكواكب الدراري (٤/ ١٦٢).\n(^٣) الأوسط (٥/ ٨٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣٥).","vol":"4","page":49},{"text":"رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يمر الشيطان بينه، وبينها\" فى معجمه الكبير (^١) وعن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته\" رواه ابن قانع فى معجمه (^٢) والله أعلم].\nفائدة: يستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار أو سارية وفي معنى السترة بسط شيء كسجادة ومنديل ونحو ذلك ويدنو من ذلك بحيث لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع أو كان في صحراء غرز عصا أو نحوها أو جمع شيئا من رجله أو متاعه وليكن قدر مؤخرة الرحل ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع وقيل ذراع (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٤٣٨)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٣٩ رقم ١٥٨٨). قال البزار: لا نعلم أحدًا قال فيه: عن محمد بن جبير، عن أبيه، غير أمية بن صفوان، ولا نحفظه إلا من هذا الوجه. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٥٩: رواه البزار والطبراني في الكبير، إلا أنه قال: \"فليدن منها لا يمر الشيطان بينه وبينها\"، وفي إسناد البزار محمد بن عبد الله بن عمير وهو ضعيف، وفي إسناد الطبراني سليمان بن أيوب الصريفيني ولم أجد من ذكره، وبقية رجال الطبراني ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٨٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٦٩٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢١٤ (٧٦٠) والكبرى (٩١٢)، وابن خزيمة (٨٠٣)، وابن قانع (١/ ٢٦٩)، وابن حبان (٢٣٧٣)، والحاكم (١/ ٢٥١)؛ والبيهقي (٢/ ٣٨٦ رقم ٣٤٧٦). قال البيهقي: قد أقام إسناده سفيان بن عيينة، وهو حافظ حجة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. اهـ. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٩٢) والمشكاة (٧٨٢).\n(^٣) المجموع (٣/ ٢٤٧) والروضة (١/ ٢٩٤)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤).","vol":"4","page":50},{"text":"واعلم أن مقصود هذه الأحاديث السترة للمصلي وهي سنة عند الجمهور، وعن الإمام أحمد بن حنبل وتبعه جماعة ومؤخرة الرحل بهمزة ساكنة على الواو وكسر الخاء ويجوز كسر الهمزة وتشديد الخاء والرحل بالحاء المهملة وذلك قدر ثلثي ذراع وقيل ذراع كما تقدم فإن لم يجد شيئا شاخصا خط بين يديه خطا أو بسط مصلى قال إمام الحرمين والغزالي لا عبرة للخط والصحيح الاكتفاء به (^١) وحكمه حكم الشاخص في منع المرور وجواز الدفع (^٢).\n[ففى الحديث عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا صلى أحدكم فليصل إلى شيء، فإن لم يكن شيء فعصا، وإن لم يكن عصا، فليخطط خطا، ثم لا يضره ما مر بين يديه\" رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان وابن ماجه (^٣)].\nواختلف في صفة الخط على أوجه أحدها إن جعلوا كهيئة الهلال. والثاني يمد خطأ مستويا يمينا وشمالا من المشرق إلى المغرب ليكون على صورة المحراب واختاره البغوي، والثالث يمد طولا إلى جهة القبلة كقول أبي داود\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٢٩٤).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤٩ (٧٣٩٢ و٧٣٩٣ و٧٣٩٤) و٢/ ٢٥٥ (٧٤٦١) و٢/ ٢٦٦ (٧٦١٥)، وابن ماجه (٩٤٣)، وأبو داود (٦٨٩) و(٦٩٠)، وابن خزيمة (٨١١) و(٨١٢)، وابن حبان (٢٣٦١) و(٢٣٧٦). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٠٧)، والضعيفة (٥٨١٣)، والمشكاة (٧٨١).","vol":"4","page":51},{"text":"واختاره النووي وهو الأصح (^١).\nقوله: في حديث أبي سعيد \"فليدفع في نحره\" وهذا الأمر بالدفع أمر ندب وهو ندب متأكد ولا أعلم أحد من العلماء أوجبه قال النووي بل صرح أصحابنا وغيرهم أنه مندوب غير واجب (^٢).\nتنبيه: فإن قيل فهلا وجب بالدفع إزالة المنكر فإن المار مرتكب للمحرم قلنا إنما لم يجب لانشغال المصلي بالصلاة لأن في الاشتغال بالدفع ذهاب خشوعه وإزالة المنكر إنما يتوجه إذا لم يخش فوات مصلحة أخرى انتهى.\nقال القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح كالسيف ونحوه ولا ما يؤدي إلى هلاكه ولا بما يفسد صلاته لأنه إن فعله كان أضر على نفسه من المار (^٣) فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء وهل يجب عليه دية أم يكون هدرا فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك (^٤) قاله ابن عقيل فيشرح الأحكام، ويحتج بقوله فليقاتله فإنما هو شيطان من يرى أنه لو قتله فلا شيء عليه وروي أن عثمان ﵁ دفع إليه رجل كسر أنف آخر في الدفع فلم يلزمه الدية\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، والروضة (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢١٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) شرح الصحيح (٢/ ١٣٦) لابن بطال، وإكمال المعلم (٢/ ٤١٩)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٢٣)، والكواكب الدراري (٤/ ١٦٢).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٤١٩)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٢٣).","vol":"4","page":52},{"text":"وروى إسماعيل القاضي أن أبا سعيد الخدري مر بين يديه ابن لمروان وهو يصلي فضربه فقال له مروان لم ضربت ابن أخيك؟ قال ما ضربت إلا شيطانا سمعت رسول الله -ﷺ- يقول فذكر الحديث (^١)، قال القاضي عياض وكذلك اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي في موضعه ليرده وإنما يدفعه ويرده من موقفه لأن مفسدة الشيء في صلاته أعظم من مرور من بعد بين يديه وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه ولهذا أمر بالقرب من سترته وإنما يرده إذا كان بعيدا منه بالإشارة أو التسبيح قال وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يرده لئلا يصير مرورا ثانيا، روي عن بعض السلف أنه يرده وتأوله بعضهم وهو كلام نفيس والذي قاله الأصحاب أنه يرده إذا أراد المرور بينه وبين سترته بأسهل الوجوه فإن أبي فبأشدها وإن أدى إلى قتله فليس عليه شئ كالصائل عليه لأخذ ماله أو نفسه وقد أباح له الشرع مقاتلته والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها (^٢)، ولو مر مار بينه وبين السترة فهو حرام أو يكره وجهان أصحهما التحريم (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"فليقاتله فإنما هو شيطان\" الحديث، فليقاتله بكسر اللام الجازمة وبسكونها، والمراد بالمقاتلة الدفع بالقهر لا جواز القتل فليس كل قتال بمعنى القتل ومنه حديث السقيفة: \"قاتل الله سعدا فإنه صاحب فتنة\n_________\n(^١) المحلى (١١/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٤١٩)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٣٥).","vol":"4","page":53},{"text":"وشر\" أي: دفع الله شره إشارة إلى ما كان منه في حديث الإفك (^١).\nتنبيه: قال القرطبي وأجمعوا على أنه لا يجوز مقاتلته بالسلاح لأن ذلك مخالف لما علم من قاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها والكون فيها لما علم من تحريم دم المسلم وعظم حرمته ولا يلتفت عنه لخرق متاجر لم يفهم سرا من أسرار الشريعة ولا قاعدة من قواعده (^٢) انتهى.\nقال القاضي عياض: معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان، وقيل: معناه يفعل فعل الشيطان لأن الشيطان بعيد من الخير وقول السنة، وقيل: المراد بالشيطان الفريق قيل المراد معه الشيطان وقيل هو من شياطين الإنس، وقيل: فيه إنه كالشيطان في أنه شغل قلبه عن مناجاة ربه، وقيل فيه: إنه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين شيطان (^٣)، وفيه: أن الحكم للمعاني لا للأسماء لأنه يستحيل أن يصير المار شيطانا للمرور بين يديه (^٤)، وفيه: إذا دفع الأمور وإنما هو بالأسهل فالأسهل كالصائل فإذا انتهى إلى قتله كان هدرا، وقال في شرح المهذب ظاهر الحديث اقتضى وجوبه لكن لا أعلم أحدا من العلماء قال به (^٥)، وفيه إن في المنازعة\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١٣).\n(^٢) المفهم (٥/ ٣٥).\n(^٣) شرح الصحيح (٢/ ١٣٧)، وإكمال المعلم (٢/ ٤٢٠)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، والمفاتيح (٢/ ١٠١).\n(^٤) شرح الصحيح (٢/ ١٣٧) لابن بطال، وعمدة القارى (٤/ ٢٩٢).\n(^٥) المجموع (٣/ ٢٤٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٣٦).","vol":"4","page":54},{"text":"لا بد من الرفع إلى الحاكم ولا ينتقم الخصم بنفسه (^١)، وفيه: دليل على أن الفعل الكثير لمصلحة الصلاة لا يبطلها وإن توالى الضرب كما لا تبطل بتوالي الضرب حال المسابقة.\n\n٨٠٥ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِن مَعَه القرين\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه (^٢).\nقوله في حديث عبد الله بن عمر بعده \"فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين\" والقرين يكون في الخير والشر ومنه الحديث \"ما من أحد إلا وكل به قرين\" أي يصاحبه من الملائكة والشياطين وكل إنسان فإن معه قرينا منهما فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه وقينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه قاله في النهاية (^٣)، وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ (^٤) أي هيئنا لهم شياطين وهذا تصريح في تكذيب القدرية بأن الله تعالى أضاف إلى نفسه تسبيب الشياطين له حتى أضلوهم وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (^٥) (^٦) قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) عمدة القارى (٤/ ٢٩٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٠ - ٥٠٦)، وابن ماجه (٩٥٥)، والبزار (٦١٤٧)، وابن خزيمة (٨٠٠) و(٨٢٠).\n(^٣) النهاية (٤/ ٥٤).\n(^٤) سورة فصلت، الآية: ٢٥.\n(^٥) سورة الزخرف، الآية: ٣٦.\n(^٦) انظر: الغريبين (٥/ ١٦٠١)، ولسان العرب (٧/ ٢٢٥).","vol":"4","page":55},{"text":"فائدة: لا تبطل الصلاة بمرور شيء بين يدي المصلي وهو قول أكثر الفقهاء وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف وفي مسند الإمام أحمد أحاديث مصرحة بجواز المرور بين يدي المصلي ووردت أحاديث معارضة لذلك منها قوله -ﷺ-: \"يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود\" (^١) وفي الحديث \"قلت يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال با ابن أخي سألت النبي -ﷺ- عمنا سألتني فقال الكلب الأسود شيطان\" رواه الأربعة (^٢) وفي رواية \"يقطع الصلاة اليهودي والمجوسي والنصراني والخنزير\" (^٣) وقال الإمام أحمد بن حنبل يقطعها الكلب الأسود، قال وفي قلبي من المرأة والحمار شيء وأجاب الشافعي وغيره بأن المراد القطع عن الخشوع، وتأول الجمهور ذلك أيضا على المراد بالقطع نقص الصلاة من الأجر كشغل القلب بهذه الأشياء وليس المراد إبطالها وادعى بعض أصحابنا نسخه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٦ - ٥١١)، وابن ماجه (٩٥٠) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٥ - ٥١٠)، وابن ماجه (٩٥٢ و٣٢١٠)، وأبو داود (٧٠٢)، والترمذي (٣٣٨)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢١٦ (٧٦٢) والكبرى (٩١٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٧٠٤) عن ابن عباس. قال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء كنت أذاكر به إبراهيم وغيره فلم أر أحدا جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحدا يحدث به عن هشام وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة يعني محمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم، والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه على قذفة بحجر، وذكر الخنزير، وفيه نكارة، قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة وأحسبه وهم لأنه كان يحدثنا من حفظه. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١١٠).","vol":"4","page":56},{"text":"بحديث ابن عباس في مرور الأتان ترتع بين يدي الصف وكان ذلك في حجة الوداع وادعى في الكفاية نسخه بحديث أبي سعيد الخدري المرفوع \"لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم\" (^١) رواه أبو داود (^٢) والدرء الدفع، هذان الحديثان ناسخان لما تمسك به الإمام أحمد.\n\n٨٠٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ لِأَن يكون الرجل رَمَادا يذرى بِهِ خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدي رجل مُتَعَمدا وَهُوَ يُصَلِّي رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد مَوْقُوفًا (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄ تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خير له من أن يمر بين يدي رجل متعمدًا\" يذرى بالذال المعجمة ومنه قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (^٤) وتقدم الكلام على المرور في الأحاديث المتقدمة مبسوطا والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٧١٩). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١١٥)، والمشكاة (٧٨٥).\n(^٢) المجموع (٣/ ٢٥١) وشرح النووي على مسلم (٤/ ٢٢٧)، النجم الوهاج (٢/ ٢٣٧).\n(^٣) أخرجه الفاكهي في الفوائد (٢٠)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٤١٧) و(٢/ ١٢٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٤٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٢).\n(^٤) سورة الكهف، الآية: ٤٥.","vol":"4","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الترهيب من ترك الصلاة تعمدا وإخراجها عن وقتها تهاونا</span>\n٨٠٧ - عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- بَين الرجل وَبَين الْكفْر ترك الصَّلاة\"رَوَاهُ أَحْمد وَمُسلم وَقَالَ بَين الرجل وَبَين الشّرك وَالْكفْر ترك الصَّلَاة (^١). وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه لَيْسَ بَين العَبْد وَبَين الْكفْر إِلَّا ترك الصَّلَاة (^٢). وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه قَالَ بَين الْكفْر وَالْإِيمَان ترك الصَّلَاة (^٣). وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ بَين العَبْد وَبَين الْكفْر ترك الصَّلَاة (^٤).\nقوله: عن جابر بن عبد الله ﵄ تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة\" رواه أحمد ومسلم وقال \"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\" وجاء في رواية أبو داود والنسائي ولفظه \"ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة\" وفي الترمذي ولفظه قال \"بين الكفر والإيمان ترك الصلاة\" وفي ابن ماجه ولفظه: قال \"بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة\" والمعنى واحد، فقوله في رواية مسلم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٤٩٧٩)، ومسلم (١٣٤ - ٨٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦٢٠)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٦٧ (٤٧١) والكبرى (٤٠٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٦١٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٣).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١٠٧٨)، وابن حبان (١٤٥٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٣).","vol":"4","page":58},{"text":"\"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة\" وإنما ذكر الرجل لغلبة الخطاب مع الرجال وإلا فالمرأة معه وقوله: \"بين الشرك والكفر\" هكذا هو في جميع الأصول من صحيح مسلم فالشرك والكفر، وجاء في مسند أبي عوانة الإسفرائيني وأبي نعيم الأصبهاني في المستخرجين على مسلم \"بين الرجل وبين الشرك أو الكفر\" (^١) بأو ولكل واحد منهما وجه (^٢) وعلى هذا فيحتمل أن تكون أو في حديث شكا من الراوي وأن الكفر والشرك عنده سواء في المعنى ولكن ذكرهما محافظة على الإتيان بما سمعه وإن كان لو اقتصر على أحدهما لجاز على الرواية بالمعنى ويحتمل أن يكون ملفوظا بهما في الحديث على سبيل التنويع ويكونان بمعنى واحد أيضا ويدل عليه رواية الواو، ويحتمل أن يكون بمعنيين على ما كان في استعمالهم أولا أن الشرك لعبدة الأوثان والكفر لأهل الكتاب ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالي، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله ﷿ ككفار قريش فيكون الكفر أعم من الشرك والله أعلم (^٣)؛ والصحيح أن الكفر ملة واحدة وهو يشمل الجميع نص على ذلك النووي وغيره فكأنه يقول: تارك الصلاة كافر مشرك وهو تهويل وتعظيم لما وقع منه ليسرع في تدارك ذلك؛ والصلاة في\n_________\n(^١) أخرجه أبو عوانة (٢٤٢ و٢٤٣)، وأبو نعيم (٢٤٥ و٢٤٦ و٢٤٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧١).","vol":"4","page":59},{"text":"اللغة الدعاء وفي الشرع: أفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم بشرائط سميت بذلك لاشتمالها على ذلك فهي من باب إطلاق الجزء على الكل مجازًا (^١)، وقيل: غير ذلك.\nوتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أول كتاب الصلاة، وقد علم بأصل الشرع أن المراد منه المقاربة من الكفر لا الدخول فيه، ومعناه: أن العبد إذا ترك الصلاة لم يبق بينه وبين الكفر فاصلة فعلية تؤنس لأن إقامة الصلاة هي الخلة الفارقة بين الفئتين، وقد ذهب جمهور أهل العلم بأن الإنسان لا يكفر بترك الصلاة إذا كان غير جاحد لوجوبها، وأجابوا عما صح من أحاديث الباب بأجوبة أحدها: أن معناه أن تارك الصلاة يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر في الدنيا وهي القتل؛ الجواب الثاني: إنها محمولة على من استحل تركها من غير عذر ولأن من استحل ما حرم الله تعالى كفر؛ الجواب الثالث: أن ذلك قد يؤول بها علة إلى الكفر يعني ترك الصلاة كما قيل: المعاصي بريد الكفر؛ الجواب الرابع: أن فعله فعل الكفار قاله النووي في شرح مسلم (^٢).\nواعلم أن تارك الصلاة على أقسام ثلاثة: إما جاحدًا، وإما متكاسلًا، وإما لنوم، أو نسيان:\nأما الجاحد: فكافر بإجماع المسلمين خارج عن ملة الإسلام لأنه جحد أصلا مقطوعا به لا عذر له فيه فينتقض جحده لحديث الله ﷿ ورسوله -ﷺ- ومن\n_________\n(^١) مغنى المحتاج (١/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧١).","vol":"4","page":60},{"text":"كذبهما فقد كفر، وكذلك كل من جحد حكما مجمعا عليه فيه نص وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يعرفها الخواص والعوام فإنه يكفر قاله النووي ويقتل بكفره لقوله -ﷺ-: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (^١) رواه البخاري إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يتعلم فيها وجوب الصلاة (^٢).\nوأما المتكاسل: وهو الذي ترك الصلاة عمدا من غير عذر شرعي مع اعتقاده وجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه على مذهبين، أحدهما: أنه لا يخرج عن الدين لكن يقتل حدا وهو الصحيح من مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجماهير من السلف والخلف إلا أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب فإن تاب وإلا قتلناه حدًا كالزاني والمحصن ولكنه يقتل بالسيف (^٣) كما سيأتي، واستدل القائلون بقتله بقوله -ﷺ-: في الصحيح \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ... \" (^٤) فوقف العصمة على مجموع الأمرين، وقال المزني: يحبس ويؤدب ولا يقتل (^٥)؛ وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه: إن تارك الصلاة عمدا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠١٧) و(٦٩٢٢)، وابن ماجه (٢٥٣٥)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٥٢٣ (٤٠٩٥) و(٤٠٩٦) و٦/ ٥٢٤ (٤٠٩٧) و(٤٠٩٨) عن ابن عباس.\n(^٢) المجموع (٣/ ١٤)، وكفاية النبيه (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٣٦ - ٢٢) عن ابن عمر.\n(^٥) المجموع (٣/ ١٦).","vol":"4","page":61},{"text":"لا يقتل ولكن يؤمر بها مرة بعد أخري، فإن صلى فيها ترك وإن لم يصل يعزر أشد التعزير بما يراه الحاكم من الضرب والسجن وتحميل الأحمال الثقال حتى يصلي، وهكذا تشدد عقوبته أبدا لكن لا يقتل (^١)، واستدلوا بقوله -ﷺ- في الصحيح: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة\" (^٢) فقد حصر -ﷺ- إباحة الدم في هذه الثلاثة إما رجل يزني وهو ثيب محصن وإما رجل يقتل نفسا مغصوبة بغير حق وإما رجل يترك دينه يعني يرتد عن الإسلام والعياذ بالله تعالي، وأنه لا يحل قتل مسلم إلا بارتكاب إحدى هذه الثلاث وليس ترك الصلاة من هذه الثلاث، وقال قوم من الصحابة والعلماء: يقتل كفرًا وإن لم يكن جاحدا لوجوبها وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله ومن التابعين إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني وعبد الله بن المبارك وأبو داود الطيالسي وزهير بن حرب وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهوية (^٣)، وقد ذكر الحافظ ذلك عنهم في آخر الباب وهو أحد الوجهين من مذهب الشافعي قاله منصور الفقيه، وأحد الوجهين من مذهب مالك قاله عبد الملك بن حبيب وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية حكاه ابن قدامة عنه في\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (٢٥ و٢٦ - ١٦٧٦) عن ابن مسعود.\n(^٣) الإشراف (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٦) والإقناع (٢/ ٦٩٠ - ٦٩١).","vol":"4","page":62},{"text":"المغني (^١) وهو أحد الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل أنه مرتد يقتل ولا يدفن في مقابر المسلمين (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد أن من ترك الصلاة وقعت الفرقة بينه وبين امرأته بمقتضى ردته، وقال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها فهو كافر ودمه وماله حلال لا ترثه ورثته من المسلمين، وحكم ماله مال المرتد إذا قتل على ردته (^٣)؛ ومتى يقتل تارك الصلاة على مذهب الإمام الشافعي فيه أوجه الصحيح منها أنه يقتل بترك واحدة إذا أخرجها عن وقت الضرورة، ومثاله: إذا ترك الظهر لم يقتل حتى تغرب الشمس وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر، وإذا ترك الصبح لم يقتل حتى تطلع الشمس ويُهَدد ويستتاب في الحال ولا يقتل حتى يستتاب في الحال، ويقال له القتل صل فإن تاب وصلى لم يقتل فإن لم يتب ولم يصل يضرب عنقه بالسيف على الصحيح، وقيل: ينخس بحديدة حتى يموت أو يصلي ويغسل ويكفن ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين ويرفع قبره كغيره كما يفعل بسائر أصحاب الكبائر على\n_________\n(^١) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٥ - ٩٢٩)، والنوادر والزيادات (١/ ١٥١)، والجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، والمغنى (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١)، والمجموع (٣/ ١٦)، وفتح الباري (١/ ٢٤)، والإعلام (٩/ ٥١ - ٥٢) والمعين (٢٠٩ - ٢١٠).\n(^٢) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٧).\n(^٣) مسائل الإمامين أحمد وإسحاق (٣/ ١١٠٥ - ١١٠٦)، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين (١/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"4","page":63},{"text":"الصحيح (^١) والله أعلم.\nوأما الناسي فلقوله -ﷺ-: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^٢).\nوأما النائم فلقوله -ﷺ-: \"ليس التفريط في النوم إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت آخر\" متفق عليه (^٣)، قال العلماء في كتب الفقه: ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت إلا نائم أو ناس أو معذور بسفر أو مطر فإنه يؤخرها بنية الجمع أو من أكره على تأخيرها عن الوقت فلفوات فائدة التأقيت. وأما النائم والناسي فللخبر المذكور وأما العذر بالسفر والمطر فمذكور في كتب الفقه وكذلك الإكراه على التأخير فلينظر التعليل من هناك، وقال الشيخ تقي الدين في الشرح أبياتًا فيها التصريح عن الشافعي بأنه إذا تاب ترك، وقد نظم بعض الفضلاء في تارك الصلاة أبياتًا فقال:\nخَسِرَ الَّذِي تَرَكَ الصَّلَاةَ وَخَابَا ... وَأَبَى مَعَادًا صَالِحًا وَمَآبَا\nإنْ كَانَ يَجْحَدُهَا فَحَسْبُكَ أَنَّهُ ... أَمْسَى بِرَبِّكَ كَافِرًا مُرْتَابَا\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣) عن أبي ذر، وابن ماجه (٢٠٤٥)، وابن حبان (٧٢١٩) عن ابن عباس. وصححه الألباني في الإرواء (١/ ١٢٣/ ٨٢)، المشكاة (٦٢٨٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣١١ - ٦٨١)، وابن ماجه (٦٩٨)، وأبو داود (٤٣٧) و(٤٤١)، والترمذي (١٧٧)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٠٠ (٦٢٥) و٢/ ١٠١ (٦٢٦) عن أبي قتادة.","vol":"4","page":64},{"text":"أَوْ كَانَ يَتْرُكُهَا لِنَوْعِ تَكَاسُلٍ ... غَطَّى عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ حِجَابَا\nفَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ رَأَيَا لَهُ ... إنْ لَمْ يَتُبْ حَدَّ الْحُسَامِ عِقَابَا\nوَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ يُتْرَكُ مَرَّةً ... هَمْلًا وَيُحْبَسُ مَرَّةً إيجَابَا\nوَالظَّاهِرُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالِهِ ... تَعْزِيرُهُ زَجْرًا لَهُ وَعِقَابَا\nإلَى أَنْ قَالَ:\nوَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ يُؤَدِّبَهُ الْإِمَا ... مُ بِكُلِّ تَأدِيبٍ يَرَاهُ صَوَابَا\nوَيَكُفَّ عَنْهُ الْقَتْلَ طُولَ حَيَاتِهِ ... حَتَّى يُلَاقِيَ فِي الْمَآبِ حِسَابَا\nفَالْأَصْلُ عِصْمَتُهُ إلَى أَنْ يَمْتَطِي ... إحْدَى الثَّلَاثِ إلَى الْهَلَاكِ رِكَابَا\nالْكُفْرُ أَوْ قَتْلُ الْمُكَافِي عَامِدًا ... أَوْ مُحْصَنٌ طَلَبَ الزِّنَا فَأَصَابَا (^١)\n[وإذا قلنا بقتل تارك الصلاة حدا وتاب ترك بلا خلاف، وتوهم بعض الأشياخ إنا إذا قلنا بقتله حدا يتحتم قتله لأن الحد لا يسقط بالتوبة، وهذا غلط مخالف لنص الشافعي ﵀. وقوله: فأصابا من الإصابة لا من الصواب: أن الحد لا يسقط بالتوبة فليس على إطلاقه بل يسقط في ثلات أمور في تارك الصلاة (^٢) وفي قاطع الطريق إذا مات قبل القدرة عليه، ومن الذمي إذا زنى ثم أسلم فنص عليه الشافعي (^٣)، ويستثني أيضا الصائل فإنه يجوز قتله للدفع (^٤) وكذلك المار بين يدي المصلي ولن يندفع إلا بالقتل\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ٢١٨ - ٢١٩) والأبيات للْحَافِظُ أَبي الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْمَقْدِسِيُّ.\n(^٢) المنثور (١/ ٤٢٩)، وطرح التثريب (٢/ ١٤٩).\n(^٣) فتاوى النووي (ص ٢٢٣)، والمنثور (١/ ٤٢٨).\n(^٤) المجموع (٣/ ٢٤٩).","vol":"4","page":65},{"text":"جاز قتله (^١)، وكذلك إذا وجبت الزكاة وامتنع من الأداء مع القدرة أو كان عليه دين فامتنع من أدائه مع القدرة فإن الحاكم يضربه لأجل عناده حتى يؤدي أو يموت (^٢) والله أعلم].\n\n٨٠٨ - وَعَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة فَمن تَركهَا فقد كفر رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح وَلَا نَعْرِف لَهُ عِلّة (^٣).\nقوله: عن بريدة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر\" قيل: أراد المنافقين لأنهم يصلون رياء ولا سبيل عليهم حينئذ ولو صلوها ولو تركوها في الظاهر كفروا [قال الإمام التوربشتى: الضمير في قولهم (وبينهم) راجع إلى المنافقين وردت به الرواية ومعناه أن الصلاة هي الموجبة لحقن دمائهم\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) إعلام الموقعين (٦/ ٥٢١) وانظر شرح الصحيح لابن بطال (٨/ ٥٧٧). زيادة في المخطوطة المغربية.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤٦ (٢٢٩٣٧) و٥/ ٣٥٥ (٢٣٠٠٧)، وابن ماجه (١٠٧٩)، والترمذي (٢٦٢١)، والبزار (٤٤١٣)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٩٤) و(٨٩٥) و(٨٩٦)، والنسائي في المجتبى ١/ ٥٦٧ (٤٧٠) والكبرى (٤٠٧)، وابن حبان (١٤٥٤)، والحاكم (١/ ٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في المشكاة (٥٧٤) وصحيح الترغيب (٥٦٤).","vol":"4","page":66},{"text":"ومراعاة ذمتهم فإذا تركوها برئت عنهم الذمة ودخلوا في حكم الكفار فنرى سفك دمائهم كما نرى سفك دماء من لا عهد له من الكفار ولا أمان أشار إلى أن المانع عن قتل المنافقين هي الصلاة، فإذا ارتفع المانع رجع الحكم إلى أصله كما أن المانع عن قتل المعاهدين هو العهد فإذا انقضى العهد الذي بيننا وبينهم أو أخل به النقض من قبلهم أبيحت لنا دماؤهم، وقيد هذا المعنى قوله -ﷺ- لما استؤذن في قتل المنافقين: (إلا إني نهيت عن قتل المصلين) والله أعلم (^١).\nوتقدم الكلام على العهد وكم فى القرآن من موضع فيه ذكر العهد فى الصلاة.\nقوله: \"فمن تركها فقد كفر\" قيل هو فيمن تركها جاحدا لوجوبها]، وقيل: أراد بالترك تركها مع الإقرار بوجوبها أو حتى يخرج وقتها ولذلك ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أنه يكفر بذلك حملا للحديث على ظاهره، قال الشافعي: يقتل بتركها ويصلي عليه ويدفن مع المسلمين وتقدم ذلك.\n\n٨٠٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ أَوْصَانِي خليلي رَسُول الله -ﷺ- بِسبع خِصَال فَقَالَ لَا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئا وَإِن قطعْتُمْ أَو حرقتم أَو صلبتم وَلَا تتركوا الصَّلَاة متعمدين فَمن تَركهَا مُتَعَمدا فقد خرج من الْملَّة وَلَا تركبوا\n_________\n(^١) الميسر (١/ ١٧٨).","vol":"4","page":67},{"text":"الْمعْصِيَة فَإِنَّهَا سخط الله وَلَا تشْربُوا الْخمر فَإِنَّهَا رَأس الْخَطَايَا كلهَا .. الحَدِيث. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَمُحَمّد بن نصر فِي كتاب الصَّلَاة بِإِسْنَادَيْنِ لَا بَأْس بهما (^١).\nقوله: عن عبادة بن الصامت، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: أوصاني خليلي رسول الله -ﷺ- بسبع خلال، الحديث، الخلال الخصال وسيأتي الكلام على معنى الخليل في أهوال القيامة في الشفاعة مبسوطًا.\nقوله: \"لا تشركوا بالله شيئا وإن قطعتم وحرقتم أو صلبتم\" الحديث، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (^٢) الآية، التقدير: واذكر إذ قال واسم ابن لقمان ثاران (^٣)، وظاهر قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أنه من كلام لقمان، ويحتمل أن يكون خبر من الله منقطعا من كلام لقمان متصلا به في تأكيد المعنى (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٧٥)، والمروزي (٩٢٠)، والشاشى (١٣٠٩)، والطبراني كما في جامع المسانيد (٤/ ٥٤٩ رقم ٥٧٤٢) ومن طريقه الضياء في المختارة (٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨ رقم ٣٥١)، واللالكائى في أصول السنة (١٥٢٢)، والخطيب في تلخيص المتشابه (٢/ ٦٦١)، والضياء في المختارة (٨/ ٢٨٧ رقم ٣٥٠). قال الضياء: إسناده لا بأس به. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢١٦: رواه الطبراني، وفيه سلمة بن شريح قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٥٩٩١) وضعيف الترغيب (٣٠٠).\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(^٣) المعارف (ص ٥٥)، ومعانى القرآن (٥/ ٢٨٣).\n(^٤) تفسير ابن عطية (٤/ ٣٨٤)، وتفسير القرطبي (١٤/ ٦٢).","vol":"4","page":68},{"text":"قوله: \"وإن قطعتم أو حرقتم أو صلبتم\" إشارة إلى الإكراه بالتقطيع والتحريق والتصليب الذي أعلى مراتب الإكراه لا تبيح كلمة الكفر، والمشهور أن الإكراه يبيح الإتيان بما هو كفر قولا وفعلا مع طمأنينة القلب بالإيمان وعلى هذا أوجه أصحها الأفضل أنم يثبت ولا ينطق بها، والثاني: الأفضل مقابله صيانة لنفسه؛ والثالث: إن كان من العلماء المقتدي بهم فالأفضل له الثبوت؛ والرابع: إن كان يتوقع منه إنكاء العدو أو القيام بأحكام الشرع فالأفضل أن ينطق بها لمصلحة بقائه وإلا فالأفضل الثبات، ولا يبيح الإكراه القتل المحرم لذاته بخلاف القتل المحرم لفوات المالية كقتل نساء المجرمين وذراريهم فإنه يباح بالإكراه وكذا لا يباح الزنا واللواط، ويجوز لكل منهما دفع المكروه بما أمكنه، ويباح به شرب الخمر [والإفطار فى رمضان] والخروج من صلاة الفرض ويباح به إتلاف مال الغير، وقال في الوسيط: يجب وتبعه صاحب الحاوي الصغير فجزم بالوجوب والكره على شهادة الزور، قال الشيخ عز الدين: ينبغي أن ينظر فيما تقتضيه فإن اقتضت قتلا ألحقت به أو ما لا ألحقت به (^١)، وأما ترك الصلاة المكتوبة فتقدم الكلام عليها مبسوطًا.\n\n٨١٠ - وَعَن عبد الله بن شَقِيق الْعقيلِيّ ﵁ قَالَ كانَ أَصْحَاب مُحَمَّد -ﷺ- لَا يرَوْنَ شَيْئا من الْأَعْمَال تَركه كفر غير الصَّلَاة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي، المتفق على جلالته أنه قال: كان\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٨/ ٣٤٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٦٢٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٥).","vol":"4","page":69},{"text":"أصحاب محمد لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، واحتجوا على مثله بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (^١) قال أصحابنا: على الأوجه كلها لا يقتل حتى يستتاب وهل تكفي الاستتابة به في الحال أم تجب الاستتابة ثلاثة أيام، فيه قولان (^٢)، واحتج من كفره بظاهر الحديث والله أعلم. وتقدم الكلام على ذلك.\n\n٨١١ - وَعَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول بَين العَبْد وَبَين الْكفْر وَالْإِيمَان الصَّلَاة فَإِذا تَركهَا فقد أشرك رَوَاهُ هبة الله الطَّبَرِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^٣).\nقوله: عن ثوبان، تقدم أنه من الموالي وتقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"بين العبد وبني الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك\" يعني: بين الرجل وبني دخوله في الكفر ترك الصلاة إن جحد وجوبها دخل في الكفر وإن تركها غير جاحد لم يدخل في الكفر لكن قرب منه لأن من تهاون بالصلاة لم يبال أن يتهاون بسائر الأركان فيقل وقوع الإسلام وقدره وخطره، وإذا قل أوشك أن يقع في الكفر قاله في شرح المصابيح (^٤).\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٥.\n(^٢) المجموع (٣/ ١٥) والروضة (٢/ ١٤٧).\n(^٣) أخرجه اللالكائى في شرح أصول السنة (١٥٢١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٦).\n(^٤) المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١١).","vol":"4","page":70},{"text":"٨١٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا سهم فِي الْإِسْلَام لمن لَا صَلَاة لَهُ وَلَا صَلَاة لمن لَا وضوء لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"لا سهم في الإسلام لمن لا صلاة له\" الحديث، السهم النصيب، والسهم في الأصل واحد السهام التي تضرب في الميسر وهي القداح ثم سمي به ما يفوز به الفالح سهمه ثم كثر حتى سمي كل نصيب سهما، ويجمع السهم على أسهم وسهام وسهمان، ومنه الحيث: \"ما أدري ما السهمان\" وقد تكرر ذكره في الحديث مفردا ومجموعًا ومضافا قاله ابن الأثير (^٢)، وقيل: الأسهم في الإسلام يعني الشهادتين لأنها علم الإسلام وبهما يصير الإنسان مسلما، وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام أيضًا كما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\" (^٣) قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٨٥٣٩)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٧٠)، وابن منده في مجلس من أماليه (٢). قال البزار: تفرد به عبد الله بن سعيد، ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٢: رواه البزار، وفيه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، وقد أجمعوا على ضعفه. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٣٠١).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٢٩).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٧٦)، والترمذي (٢٣١٧). وصححه الألباني في المشكاة (٤٨٣٩) وحسنه في صحيح الترغيب (٢٨٨١).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"4","page":71},{"text":"٨١٣ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا صَلَاة لمن لَا طهُور لَهُ وَلَا دين لمن لَا صَلَاة لَهُ إِنَّمَا مَوضِع الصَّلَاة من الدّين كموضع الرَّأْس من الْجَسَد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَقَالَ تفرد بِهِ الْحُسَيْن بن الحكم الْحبرِي (^١).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\" الحديث، الإيمان في اللغة: هو التصديق بالقلب بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويحتمل أنه يريد به لا إيمان كاملا ولا دين كاملا وأن يريد به الوعيد والزجر دون حقيقة إبطال الإيمان (^٢)، ويحتمل أن يراد به الحقيقة، فمعناه: إذا اعتاد المرء هذه الأمور لم يؤمن عليه أن يقع في ثاني الحال في الكفر، كما قيل: \"من رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه\" (^٣) أو لأن هذه الخصال من خصال المنافقين والنفاق لا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ١١٣ رقم ١٦٢) والأوسط (٢/ ٣٨٣ رقم ٢٢٩٢)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٥٢٩)، وابن ثرثال في جزئه (٢٠٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا مندل، ولا عن مندل إلا حسن، تفرد به: الحسين بن الحكم. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٢: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وقال: تفرد به الحسين ابن الحكم الحبري. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٣) و(٣٠٢).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٣١٧)، والحاوى (٢/ ٥٢٧)، والاستذكار (٢/ ١٣٨) والتمهيد (٩/ ٢٤٥)، والمجموع المغيث (١/ ٩٢)، والمفاتيح (١/ ١٣٣)، وشرح المصابيح (١/ ٦٩).\n(^٣) شرح المصابيح (١/ ٦٩).","vol":"4","page":72},{"text":"يجتمع مع الإيمان (^١).\nقوله: \"ولا صلاة لمن لا طهور له\" المراد بالطهور الوضوء فبضم الطاء الفعل وبالفتح الماء الذي يتوضأ به، وتقدم ذلك في مواضع.\nقوله: تفرد به الحسين بن الحكم الحبري.\n\n٨١٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ أَوْصَانِي خليلي -ﷺ- أَن لَا تشرك بِاللّه شَيْئا وَإِن قطعت وَإِن حرقت وَلَا تتْرك صَلَاة مَكْتُوبَة مُتَعَمدا فَمن تَركهَا مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة وَلَا تشرب الْخمر فَإِنَّهُ مِفْتَاح كل شَرّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ عَن شهر عَن أم الدَّرْدَاء عَنهُ (^٢).\nقوله: وعن أبي الدرداء ﵁، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: أوصاني خليلي -ﷺ- أن لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وإن حرقت\" تقدم الكلام على ذلك في حديث عبادة بن الصامت.\nقوله: \"ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه\n_________\n(^١) انظر: الصلاة وحكم تاركها (ص ٦٦)، وجامع العلوم والحكم (٣/ ١٢٦٠)، وفتح الباري (١/ ١٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٨)، وابن ماجه (٣٣٧١) و(٤٠٣٤)، والبزار (٤١٤٧ و٤١٤٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩١١)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٠٨ رقم ٥٢٠٠) قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله -ﷺ- بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وراشد أبو محمد بصري ليس به بأس قد حدث عنه غير واحد وشهر بن حوشب قد روى عنه الناس وتكلموا فيه واحتملوا حديثه. وحسنه الألباني في المشكاة (٥٨٠) وصحيح الترغيب (٥٦٧) و(٢٣٦٩).","vol":"4","page":73},{"text":"الذمة\" فمعنى \"برئت منه الذمة\" أي: إذا قتله إنسان لا شيء عليه وصار بذلك مهدر الدم، وهذا يؤيد قول الذاهب إلى قتل تارك الصلاة، وقد تقدم ما فيه في أبواب الصلاة والله أعلم.\nقوله: \"ولا تشرب الخمر فإنه مفتاح كل شر\" سيأتي الكلام على شرب الخمر في بابه مبسوطا إن شاء الله تعالى.\n\n٨١٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لما قَامَ بَصرِي قيل نداويك وَتَدَع الصَّلَاة أَيَّامًا قَالَ لَا إِن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من ترك الصَّلَاة لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن (^١).\nقَامَت الْعين: إِذا ذهب بصرها والحدقة صَحِيحَة.\nقوله: وعن ابن عباس ﵄ تقدم.\nقوله: لما قام بصري، قيل: نداويك وتدع الصلاة أيامًا، قال: لا، الحديث، قامت العين إذا ذهب بصرها، والحدقة صحيحة، قال الحافظ: قال ابن السماك: سقط في عيني ابن عباس النماء فذهب بصرها فأتاه المعالجون فقالوا: أخل بيننا وبين عينيك فإنهما يبرءان إن شاء الله تعالى ولكنك تمسك\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٤١/ كشف الأستار)، والبغوى في الجعديات (٢٣٣٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٩٤ رقم ١١٧٨٢). قال البزار: لا نعلمه يروى مرفوعا إلا بهذا الإسناد، وقد وقفه بعضهم. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٥: رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه سهل بن محمود، ذكره ابن أبي حاتم وقال: روى عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي وسعدان بن يزيد. قلت: وروى عنه محمد بن عبد الله المخرمي ولم يتكلم فيه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح. ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٠٣) والضعيفة (٤٥٧٣).","vol":"4","page":74},{"text":"عن الصلاة والبكاء خمسة أيام لا تصلي قال: لا والله ولا ركعة واحدة إني حدثت عن رسول الله -ﷺ- أنه من ترك صلاة عمدا لقي الله وهو عليه غضبان، قال طاووس: ما رأيت أحدا أكثر بكاء من ابن عباس وكان الدموع قد حفرت في خده أخدودا من كثرة البكاء وكان قد كف بصره في آخر عمره وكذلك والده العباس كف بصره وكذلك جده عبد المطلب كف بصره أيضًا (^١) انتهى.\nقوله: قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: \"من ترك الصلاة لقي الله وهو عليه غضبان\" سيأتي الكلام على معنى غضب الله ﷾ في الشفاعة إن شاء الله تعالى.\n\n٨١٦ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد كفر جهارا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤٣ رقم ٣٣٤٨). قال الطبراني: لم يروه عن أبي جعفر الرازي إلا هاشم بن القاسم، تفرد به محمد بن أبي داود. وقال الدارقطني في العلل (٢٤٤٦): يرويه أبو النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس. وخالفه علي بن الجعد: فرواه عن أبي جعفر، عن الربيع مرسلا، والمرسل أشبه بالصواب. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٥: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله موثقون، إلا محمد بن أبي داود، فإني لم أجد من ترجمه، وقد ذكر ابن حبان في الثقات محمد بن أبي داود البغدادي، فلا أدري هو هذا أم لا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥٠٨) و(٥١٨٠) وضعيف الترغيب (٣٠٤).","vol":"4","page":75},{"text":"وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر فِي كتاب الصَّلَاة وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول بَين العَبْد وَالْكفْر أَو الشّرك ترك الصَّلَاة فَإِذا ترك الصَّلَاة فقد كفر (^١).\nوَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن يزِيد الرقاشِي عَنهُ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ بَين العَبْد والشرك إِلَّا ترك الصَّلَاة فَإِذا تَركهَا فقد أشرك (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارًا\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٨١٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ حَمَّاد بن زيد وَلَا أعلمهُ إِلَّا قد رَفعه إِلَى النَّبِي -ﷺ- قَالَ عرى الْإِسْلَام وقواعد الدّين ثَلَاثَة عَلَيْهِنَّ أسس الْإِسْلَام من ترك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَهُوَ بهَا كَافِر حَلَال الدَّم شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَالصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَصَوْم رَمَضَان رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ سعيد بن زيد أَخُو حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن مَالك النكري عَن أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَقَالَ فِيهِ من ترك مِنْهُنَّ وَاحِدَة فَهُوَ بالله كَافِر وَلَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل وَقد حل دَمه وَمَاله (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه محمد بن نصر (٨٩٧) و(٨٩٨) و(٩٠٠)، وأبو يعلى (٤١٠٠)، وابن الأعرابي في المعجم (٢٧٠). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٨٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٨).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٢٣٤٩)، واللالكائى في شرح أصول السنة (١٥٧٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٧٤ رقم ١٢٨٠٠)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٩٣٢). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٤٨: رواه أبو يعلى بتمامه، ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: \"بني =","vol":"4","page":76},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄- تقدم.\nقوله: \"عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم\" الحديث، العرى جمع عروة وهي ما يتماسك به وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا.\nقوله: ورواه حماد بن يزيد عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس مرفوعًا وقال فيه: من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر.\nقوله: \"ولا يقبل منه صرف ولا عدل\" يعني فريضة ولا نافلة على أحد الأقوال في تفسير ذلك يسار ويمين غير واضحتين تماما (^١).\nيسار من ترك منهن واحدة هو بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل يعني فريضة ولا نافلة على أحد التفاسير، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في باب من أراد أهل المدينة بشيء.\n\n٨١٨ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ أَتَى رَسُول الله -ﷺ- رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله عَلمنِي عملا إِذا أَنا عملته دخلت الْجنَّة قَالَ لَا تشرك بِاللّه شَيْئا وَإِن عذبت وَحرقت أطع والديك وَإِن أخرجاك من مَالك وَمن كلّ شَيْء هُوَ لَك\n_________\n= الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة، وصيام رمضان، فمن ترك واحدة منهن كان كافرا حلال الدم\". فاقتصر على ثلاثة منها ولم يذكر كلام ابن عباس الموقوف. وإسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٩٤) وضعيف الترغيب (٣٠٥) و(٦٠٦).\n(^١) قد جاءتا في خاتمة الباب عند الحديث عن ذرارى المشركين.","vol":"4","page":77},{"text":"لَا تتْرك الصَّلَاة مُتَعَمدا فَإِن من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ فِي المتابعات (^١).\nقوله -ﷺ-: وعن معاذ بن جبل -﵁-.\nقوله: \"لا تشرك بالله شيئا وإن عذبت وحرقت\" تقدم الكلام على معنى ذلك.\nقوله: \"وأطع والديك وإن أخرجاك من مالك ومن كل شيء هو لك\"\n[شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أى: لا تخالف واحدا منهما، وإن غلا في شيء أمرك به، وإن كان فراق زوجة أو هبة مال].\nقوله: \"ولا تترك الصلاة متعمدًا فإن من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٨١٩ - وَعنهُ -﵁- قَالَ أَوْصَانِي رَسُول الله -ﷺ- بِعشر كلِمَات قَالَ لَا تشرك بِالله شَيْئا وَإِن قتلت وَحرقت وَلَا تعص والديك وَإِن أمراك أَن تخرج من أهلك وَمَالك وَلَا تتركن صَلَاة مَكْتُوبَة مُتَعَمدا فَإِن من ترك صَلَاة مَكْتُوبَة مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله وَلَا تشربن خمرًا فَإِنَّهُ رَأس كلّ فَاحِشَة وَإِيَّاك\n_________\n(^١) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٩٢١)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٥٨ رقم ٧٩٥٦) والكبير ٢٠/ ٨٢ (١٥٦) وفي الشاميين (٢٢٠٤) وعنه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٠٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا عمرو بن واقد، ولا يروى عن معاذ إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن واقد، ضعفه البخاري وجماعة، وقال الثوري: كان صدوقًا. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٦٩).","vol":"4","page":78},{"text":"وَالْمَعْصِيَة فَإِن بالمعصية حل سخط الله وَإِيَّاك والفرار من الزَّحْف وَإِن هلك النَّاس وَإِن أصَاب النَّاس موت فَاثْبتْ وَأنْفق على أهلك من طولك وَلَا ترفع عَنْهُم عصاك أدبا وأخفهم فِي الله رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإسْنَاد أَحْمد صَحِيح لَو سلم من الِانْقِطَاع فَإِن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير لم يسمع من معَاذ (^١).\nقوله: وعنه تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ولا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك\"\nتقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث في أحاديث متفرقة من هذا التعليق والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"وأنفق على أهلك من طولك\" الطول عبارة عن [الفضل من المال، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (^٢) كناية عما يصرف في المهر والنفقة] والمراد بالأهل الزوجة وفيه خلاف [قيل: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب، أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة، وبيت وبلد وضيعة].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٨ (٢٢٠٧٥). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢١٥: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات إلا أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ، وإسناد الطبراني متصل، وفيه عمرو بن واقد القرشي، وهو كذاب. وصححه الألباني في الإرواء (٢٠٢٦)، وحسنه في صحيح الترغيب (٥٧٠) وصححه (٢٥١٦).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٢٥.","vol":"4","page":79},{"text":"قوله: \"ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله\" أي: ولا تدع تأديبهم وجمعهم على طاعة الله، يقال: شق العصى أي فراق الجماعة ولم يرد الضرب بالعصى ولكنه جعله مثلا، وقيل: أو ولا تغفل عن أدبهم ومنهم من الفساد قاله ابن الأثير.\nفروع: مقتضى كلام الروضة في باب التعزير أن الزوج له ضرب زوجته على ترك الصلاة، لكن في فتاوي ابن البارزي أنه يجب عليه أمرها بالصلاة في أوقاتها وضربها عليها، ويؤمر الصبي بقضاء الصلوات كما يؤمر بأدائها ما لم يبلغ فإذا بلغ لم يؤمر بها قاله الشيخ عز الدين في مختصر النهاية في باب الإنفاق وأجرة تعليم الفرائض في مال الصبي، فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقته والأصح في زوائد الروضة أنه يجوز أن يصرف من ماله أجرة ما سوى الفرائض من القرآن والآداب، ويؤمر الصبي بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر، ولا فرق بين الصبي والصبية فيجب على الآباء وإن علوا وعلى الأمهات والأوصياء والقوام تعليم الأطفال الطهارة من الصلاة والشرائع بعد السبع كتحريم الزنا واللواط والخمر والكذب والغيبة والنميمة والوظائف الدينية وحضور الجماعات وأن يضربوهم على تركها بعد العشر وعلى السيد أن يعلم رقيقه البالغ ما لا تصح الصلاة إلا به، أو يحكيه ليتعلم ولا يقتصر في ذلك على صيغة الأمر بل لا بد من التهديد قاله المحب الطبري؛ وفي أبي داود أن النبي -ﷺ- سئل متى يصلي الصبي؟ قال: \"إذا عرف شماله من يمينه\"، والمراد عرف ما يضره وما ينفعه والله أعلم قاله الكمال الدميري (^١).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ٣٧).","vol":"4","page":80},{"text":"٨٢٠ - وَعَن بُرَيْدَة -﵁-: عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ بَكرُوا بالصَّلَاة فِي يَوْم الْغَيْم فَإِنَّهُ من ترك الصَّلَاة فقد كفر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن بريدة -﵁-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"بكروا بالصلاة في يوم الغيم\" الحديث، بكروا معناه: أسرعوا وبادروا وكل من بادر إلى الشيء فقد بكر وابتكر إليه، أي وقت كان يقال بكروا بصلاة المغرب عند سقوط القرص (^٢). تقدم الكلام على ذلك في وقت صلاة العصر.\nقوله: \"فإنه من ترك الصلاة فقد كفر\" تقدم الكلام ذلك في أحاديث الباب.\n\n٨٢١ - وَعَن أُمَيْمَة -﵄- مولاة رَسُول الله -ﷺ- قَالَت كنت أصب على رَسُول الله -ﷺ- وضوءه فَدخل رجل فَقَالَ أوصني فَقَالَ لَا تشرك بِاللّه شَيْئا وَإِن قطعت وَحرقت بالنَّار وَلَا تعص والديك وَإِن أمراك أَن تتخلى من أهلك ودنياك فتخله وَلَا تشربن خمرًا فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ وَلَا تتركن صَلَاة مُتَعَمدا فَمن فعل ذَلِك فقد بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله الحَدِيت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن سِنَان الرهاوي (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٦٩٤)، وابن حبان (١٤٧٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٠٦).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٥٩٦)، والميسر (١/ ٣٣٨)، والكواكب الدراري (٤/ ١٩٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣٤٤٧)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩١٢)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٩٠ رقم ٤٧٩)، والحاكم (٤/ ٤١). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: سنده واه. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢١٧: رواه الطبراني، =","vol":"4","page":81},{"text":"قوله: وعن أميمة -﵂- مولاة رسول الله -ﷺ-، هي: أميمة.\nقولها: كنت أصب على رسول الله -ﷺ- وضوءه. الوضوء بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به.\nقوله: فدخل رجل فقال أوصني فقال: \"لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت\"، الحديث، تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث في الأحاديث قبله.\nقوله: وفي إسناده يزيد بن سنان الرهاوي، هو: يزيد [بن سنان بن يزيد التميمي الجزري، أبو فروة الرهاوي، والد محمد بن يزيد بن سنان، مولى بني طهية من بني تميم، ضعفه ابن معين وأحمد وابن المديني وغيرهم، ووثقه البخاري وغيره].\n\n٨٢٢ - وَعَن زِيَاد بن نعيم الْحَضْرَمِيّ -﵁-. قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَربع فرضهن الله فِي الْإِسْلَام فَمن أَتَى بِثَلَاث لم يغنين عَنهُ شَيْئا حَتَّى يَأْتِي بِهن جَمِيعًا الصَّلاة وَالزَّكَاة وَصِيَام رَمَضَان وَحج الْبَيْت رَوَاهُ أَحْمد وَهُوَ مُرْسل (^١).\nقوله: عن زياد بن نعيم الحضرمي -﵁-، هو زياد بن نعيم [الحضرمى\n_________\n= وفيه يزيد بن سنان الرهاوي وثقه البخاري وغيره، والأكثر على تضعيفه، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٧١).\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٠ (١٧٧٨٩)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٢٣٦ رقم ٨١٧)، وأبو نعيم في المعرفة (٣٠٥٥). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٣٥) وضعيف الترغيب (٣٠٧) و(٤٦٦).","vol":"4","page":82},{"text":"ذكره ابن أبي خيثمة، والبغوي في الصحابة. قال البغوي: لا أدري أهو الذي روى عنه الإفريقي أم لا؟ (^١)].\nقوله: \"أربع فرضهن الله في الإسلام فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت\" تقدم الكلام على الصلاة والثلاث البواقي، وسيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله تعالي، وتقدم الكلام على الحديث المرسل وهو الذي يرويه التابعي عن النبي -ﷺ-.\n\n٨٢٣ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لتنقضن عرى الْإِسْلَام عُرْوَة عُرْوَة فَكلما انتقضت عُرْوَة تشبث النَّاس بِالَّتِي تَلِيهَا فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصَّلَاة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁-، واسمه: صدي بن عجلان تقدم.\n_________\n(^١) الإصابة (٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦ ترجمة ٢٨٧٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥١ (٢٢١٦٠)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٧٦٤)، ومن طريقه الحاكم ٤/ ٩٢، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٩٤)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٤٠٧)، وابن حبان (٦٧١٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٩٨ رقم ٧٤٨٦) والشاميين (١٦٠٢). وصححه الحاكم وقال: تفرد به عبد العزيز بن عبيد الله. وتعقبه الذهبي فقال: ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٨١: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح، إلا أن في الأصل عن حبيب بن سليمان عن أبي أمامة، وصوابه سليمان بن حبيب المحاربي، فإنه روى عن أبي أمامة، وروى عنه عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٧٢).","vol":"4","page":83},{"text":"قوله -ﷺ-: \"لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة\" الحديث تقدم الكلام على العروة أنه ما يتماسك به، وفي حديث ابن الديلمي \"تنقض عرى الإسلام عروة عروة كما ينقض الحبل قوة قوة\" القوة الطاقة من طاقات الحبل، والجمع قوي، وفي حديث آخر: \"يذهب الإسلام سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة\" وليس هذا موضعها وإنما ذكرناها للفظها وموضعها قوى (^١).\nقوله: \"فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها\" التشبث التعلق.\n\n٨٢٤ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا أحبط الله عمله وبرئت مِنْهُ ذمَّة الله حَتَّى يُرَاجع للّه ﷿ تَوْبَة رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^٢).\nقوله: عن عمر بن الخطاب -﵁-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من ترك الصلاة متعمدًا أحبط الله عمله وبرئت منه ذمة الله\" الحديث، تقدم الكلام على الإحباط في ترك صلاة العصر مبسوطا والله أعلم.\n\n٨٢٥ - وَعَن أم أَيمن -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا تتْرك الصَّلَاة مُتَعَمدا فَإِنَّهُ من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله وَرَسُوله\" رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ وَرِجَال أَحْمد رجال الصَّحِيح إِلَّا أَن مَكْحُولًا لم يسمع من أم أَيمن (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٢٧).\n(^٢) أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٩٢٧). وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥١٥٠) وضعيف الترغيب (٣٠٨).\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٤٢١ (٢٧٣٦٤)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٥٩٤)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩١٣)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٩٧ رقم ١٤٧٧٧) والشعب =","vol":"4","page":84},{"text":"قوله: عن أم أيمن، أم أيمن هي حاضنة رسول الله -ﷺ-، واسمها: بركة وكنيت بابنها أيمن، قال النووي: روينا في صحيح مسلم عن الزهري قال: كان من شان أم أيمن أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله -ﷺ- بعدما توفي أبوه وكان أم أيمن تحتضنه حتى كبر رسول الله -ﷺ- فأعتقها ثم أنكحها زيد بن حارثة ثم توفيت بعدما توفي رسول الله -ﷺ- بخمسة أشهر هذا كلام الزهري، وذكر الإمام ابن الأثير (^١): أم أيمن يقال أسلمت قديمًا في أول الإسلام وهاجرت إلى الحبشة وإلى المدينة وبايعت رسول الله -ﷺ- وهي التي شربت بول رسول الله -ﷺ-، وقيل التي شربته بركة جارية أم حبيبة وإنما كنيت بأم أيمن بابنها أيمن بن عبيد الحبشي، كان رسول الله -ﷺ- يقول: \"أم أيمن أمي بعد أمي\" وكان رسول الله -ﷺ- يزورها في بيتها، توفيت بعد رسول الله -ﷺ- بخمسة أشهر، وقيل: بستة أشهر، قال عياض في شرح مسلم (^٢): أم أيمن اسمها بركه وهي أم أسامة بن زيد أسود وأبوه زيد أبيض، وقال أحمد بن سعيد الصدفي في تاريخه عن عبد الرزاق عن ابن سيرين أنها كانت سوداء\n_________\n= (١٠/ ٢٧٠ رقم ٧٤٨١). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٥: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن مكحولا لم يسمع من أم أيمن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٧٣).\n(^١) أسد الغابة (٧/ ٢٩٠).\n(^٢) إكمال المعلم (٤/ ٦٥٦ - ٦٥٧).","vol":"4","page":85},{"text":"فعلى هذا خرج لون أسامة كلونها، قال: وقد نسبها الناس فقالوا هي أم أيمن بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حفص بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، قال عياض: وذكر بعض المؤرخين أن أم أيمن هذه كانت من سبي جيش أبرهة صاحب الفيل لما انهزم أبرهة عن مكة أخذها عبد المطلب من عسكره، وهذا يؤكد ما ذكره ابن سيرين، هذا آخر كلام القاضي عياض (^١)، والله أعلم.\nقوله: \"لا تترك الصلاة متعمدا فإن من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله\" تقدم تفسيره.\n\n٨٢٦ - وَعَن عَليّ -﵁- قَالَ من لم يصل فَهُوَ كَافِر رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي كتاب الْإِيمَان وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه مَوْقُوفًا (^٢).\nقوله: عن علي تقدم الكلام مناقبه.\nقوله: \"من لم يصل فهو كافر\" تقدم الكلام على ذلك وتقدم الكلام على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين أنه الذي قاله الصحابي غير مرفوع إلى النبي -ﷺ- (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨ الترجمة ١١٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان (١٢٦) والمصنف (٦/ ١٧١ رقم ٣٠٤٣٦)، وابن أبي عمر في الإيمان (٦٣)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٣٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٠٩).\n(^٣) كشف المناهج (١/ ٥٦).","vol":"4","page":86},{"text":"٨٢٧ - (^١) وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قالَ من ترك الصَّلَاة فقد كفر\" رَوَاهُ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي وَابْن عبد الْبر مَوْقُوفًا (^٢).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"من ترك الصلاة فقد كفر\" ذهب الأكثرون إلى أنه لا يكفر، وحملوا الحديث على الجحود أو على الزجر والوعيد.\n\n٨٢٩ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ من لم يصل فَهُوَ كَافِر\"رَوَاهُ ابْن عبد الْبر مَوْقُوفا (^٣).\n\n٨٣٠ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ لَا إِيمَان لمن لَا صَلَاة لَهُ وَلَا صَلَاة لمن لَا وضوء لَهُ رَوَاهُ ابْن عبد الْبر وَغَيره مَوْقُوفًا (^٤). وَقَالَ ابْن أبي شيبَة قَالَ النَّبِي -ﷺ- من ترك الصَّلَاة فقد كفر\" وَقَالَ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي سَمِعت إِسْحَاق يَقُول صَحَّ عَن النَّبِي -ﷺ- أَن تَارِك الصَّلَاة كَافِر وَكذَلِكَ كَانَ رَأْي أهل الْعلم من لدن النَّبِي -ﷺ- أَن تَارِك الصَّلَاة عمدًا من غير عذر حَتَّى يذهب وَقتهَا كَافِر (^٥).\n_________\n(^١) هذا الحديث حقه أن يكون رقم (٤٢٨) لكن حصل خطأ في الترقيم.\n(^٢) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٣٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣١٠).\n(^٣) علقه ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢٢٥)، وكذلك فعل في الاستذكار (٥/ ٣٤٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣١١).\n(^٤) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٤٥)، والخلال في السنة (١٣٨٤)، وابن بطة في الإبانة (٨٨٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٧٥).\n(^٥) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٩ رقم ٩٩٠).","vol":"4","page":87},{"text":"٨٣١ - وَرُوِيَ عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب -﵁- قَالَ: ترك الصَّلاة كفر لَا يخْتَلف فِيهِ (^١).\nقوله: عن حماد بن زيد، هو: الإمام البارع المجمع على جلالته أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي البصري مولى آل جرير بن حازم سمع ثابتا البناني ومحمد بن سيرين وعمرو بن دينار وخلائق من التابعين وغيرهم، ولد حماد سنة ثلاث وتسعين وفي نسخة سنة ثمان، وتوفي -﵁- في رمضان سنة تسع وسبعين ومائة بالبصرة.\nقوله: \"ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه\" وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف وهو قول ابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق، وحكي إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي هو قول جمهور أهلب الحديث وذهبت طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان دين الإسلام الخمسة عمدا فقد كفر بذلك، وروي عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها طائفة من أصحابه وقول ابن حبيب من المالكيه قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^٢).\nتتمة: وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب -﵁-: لما طعن قال المؤذن يؤذنه بالصلاة أي يعلمه فقال الصلاة يا أمي المؤمنين وكان عمر متكئا\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٧٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٧٥).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٥٠ - ١٥١).","vol":"4","page":88},{"text":"فجلس فقال الصلاة ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ثم صلى وجرحه يسيل دما (^١)، وفي الصحيح: كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله أن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع (^٢)، وروى البيهقي عن عمر قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله أي شيء أحب على الله في الإسلام، قال الصلاة لوقتها ومن ترك الصلاة فلا دين له، والصلاة عماد الدين (^٣)، وذكر الحافظ الآجري عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (^٤) قال: إذا تجلي الله تعالى للخلائق وكشف لهم عن ساق وأذن لهم بالسجود فسجد كل مؤمن آمن بالله تعالى وأقام الصلاة وآتي الزكاة وأبى من كان يسمع حي على الفلاح فلا يجيب فيريدون يسجدون فتجعل ظهورهم كالحديد فلا يقدرون على الانحناء فالذين سجدوا وارفعوا رؤوسهم وهي أشد بياضا من الثلج والذين لم يسجدوا وقفوا حتى يأمر الله فهم بأمره فانتبه رحمك الله من رقدة الغفلات وحافظ على أداء الصلوات، ولا تكن من الخلائف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، قال ابن عمر: ولا أعلم بعد الشرك وقتل النفس بغير حق أعظم\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٩٣).\n(^٢) أخرجه مالك (٦).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٤/ ٣٠٠ رقم ٢٥٥٠). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٩٦٧).\n(^٤) سورة القلم، الآية: ٤٢.","vol":"4","page":89},{"text":"من ترك الصلاة، ذكره ابن حزم (^١).\nوقال وهب بن منبه: في جهنم واد تستعيذ منه جهنم كل يوم سبعين مرة، وفي ذلك الوادي جب تستعيذ جهنم والوادي منه في كل يوم سبعين مرة، وفي ذلك الجب حية تستعيذ جهنم والوادي والجب منها كل يوم سبعين مرة أعدها الله لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات.\n\n٨٣٢ - وَعَن عبد الله بن عمرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- أَنه ذكر الصَّلَاة يَوْمًا فَقَالَ من حَافظ عَلَيْهَا كَانَت لَهُ نورا وبرهانا وَنَجَاة يَوْم الْقِيَامَة وَمن لم يحافظ عَلَيْهَا لم يكن لَهُ نور وَلَا برهَان وَلَا نجاة وَكَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ قَارون وَفرْعَوْن وهامان وَأبي بن خلف\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن عمر -﵄-، وتقدم الكلام.\nقوله -ﷺ- في الصلاة: \"من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة\" الحديث، أما حديث عبد الله بن عمرو هذا هو وإن كان صحيحا فلا\n_________\n(^١) تشنيف المسامع (٢/ ١٠١٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٩ (٦٥٧٦)، وعبد بن حميد في المنتخب (٣٥٣)، والدارمي (٢٧٦٣)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٥٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣١٨٠) و(٣١٨١)، وابن حبان (١٤٦٧)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢١٣ رقم ١٧٦٧) والكبير (١٤/ ١٢٧ - ١٢٨ رقم ١٤٧٤٦) والشاميين (٢٤٥). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٢: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في المشكاة (٥٧٨) وضعفه في ضعيف الترغيب (٣١٢).","vol":"4","page":90},{"text":"يلزم من كونه يكون يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف أن يكون مخلدا في النار معهم بل قد يعذب معهم في النار ويخرج بالشفاعة أو يغفر الله له قاله في شرح الأحكام (^١).\n\n٨٣٣ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص -﵁- قَالَ: سَأَلت النَّبِي -ﷺ- عَن قَول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ (^٢) قَالَ هم الَّذين يؤخرون الصَّلَاة عَن وَقتهَا\"رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عِكْرِمَة بن إِبْرَاهِيم وَقَالَ رَوَاهُ الْحفاظ مَوْقُوفا وَلم يرفعهُ غَيره (^٣).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ١٤٧).\n(^٢) سورة الماعون، الآية: ٥.\n(^٣) أخرجه البزار (١١٤٥)، وأبو يعلى (٨٢٢)، والدولابى في الكنى (١٤٤٥)، وابن المنذر في الأوسط (١٠٧٦)، والعقيلىي في الضعفاء (٢/ ٤٧٨)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٧٧ رقم ٢٢٧٦). قال البزار: وهذا الحديث قد رواه الثقات الحفاظ، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه موقوفا، ولا نعلم أسنده إلا عكرمة بن إبراهيم، عن عبد الملك بن عمير، وعكرمة لين الحديث. قال أبو زرعة في العلل (٥٣٦): هذا خطأ، والصحيح موقوفًا. وقال الدارقطني في العلل (٥٩٢): يرويه عبد الملك بن عمير، فاختلف عنه، فأسنده عكرمة بن إبراهيم، عن عبد الملك بن عمير، ورفعه إلى النبي -ﷺ-، وغيره يرويه عن عبد الملك بن عمير موقوفًا على سعد، وهو الصواب. وكذلك رواه طلحة بن مصرف، وسماك بن حرب، وعاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن أبيه موقوفا، وهو الصواب.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٥: رواه البزار وأبو يعلى مرفوعا بنحو هذا وموقوفا، وفيه عكرمة بن إبراهيم ضعفه ابن حبان وغيره، وقال البزار: رواه الحفاظ موقوفا ولم يرفعه غيره. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٣١٣).","vol":"4","page":91},{"text":"قَالَ الْحَافِظ -﵁- وَعِكْرِمَة هَذَا هُوَ الْأَزْدِيّ مجمع على ضعفه وَالصَّوَاب وَقفه.\nقوله: وعن سعد بن أبي وقاص -﵁-، تقدم الكلام على نسبه وكان مجاب الدعوة دعا له رسول الله -ﷺ- فقال: \"اللهم أصح قلبه وجسمه وأشف سقمه وأجب دعوته\" قيل: إن سعدا رأى جماعة عكوفا على رجل فإذا هو يسب عليا وطلحة والزبير فنهاه سعد فقال ذك الرجل: يتهددني كأنه نبي فانصرف سعد ودخل دارا وتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يده فقال: اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما قد سبق لهم منك سابقة الرضي اللهم فاجعله اليوم آية قال: فخرج بعير حتى دخل في الناس فتفرق الناس عنه فأخذ بذلك الرجل بين قوائمه فلم يزل بتخبطه حتى مات، قال: فلقد رأيتُ الناس يغدون وراء سعد ويقولون هنيئا يا أبا إسحاق استجاب الله ﷿ دعوتك، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١) قاله في كتاب مجمع الأحباب (^٢).\nقوله: سألت النبي -ﷺ- عن قول الله ﷿ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قال العلماء: قد ذم الله ﷾ الذين سهوا عن الصلاة وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما السهو عن واجبها، وذلك على وجهين أحدهما: أن يؤخرها عن وقتها؛ والثاني: أن لا يكملوا لواجباتها من الطهارة والطمأنينة\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٤٧).\n(^٢) مجمع الأحباب (لوحة ١٣٦ و١٣٧).","vol":"4","page":92},{"text":"والخشوع وغير ذلك كما صح عن سيد المرسلين والآخرين والصواب أنه يعم النوعين فإنه ﷾ أثبت لهم صلاة ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب وإخلاصها وحضورهما الواجب وكانوا يصلون ولذلك وصفهم بالرياء في الآية، ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^١) كتابا موقوتا أي فرضا مؤقتا لا يجوز تأخيرها عن وقتها، فأين أنت يا من أضاع الصلاة واتبع الشهوات وتشاغل عن أداء المكتوبات حتى مضت عليه الأوقات وهو مشغول اللهو والغفلات: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (^٢) فإن كنت مؤمنا فانته عن تأخير الصلاة نهيا جميلا، وإلا فأعد للنار جلدا ثخينا وصبرا طويلا، فاللهم وفقنا لأدائها في أوقاتها ونحنا عن شهواتها وغفلاتها، واشف هذه القلوب من علاتها، والطف بنا في جميع تعلقاتها برحمتك إنك على كل شيء قدير (^٣).\n\n٨٣٤ - وَعَن مُصعب بن سعد -﵁- قَالَ قلت لأبي يَا أبتاه أَرَأَيْت قَوْله ﵎ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ أَيّنَا لَا يسهو أَيّنَا لَا يحدث نَفسه قَالَ لَيْسَ ذَاك إِنَّمَا هُوَ إِضَاعَة الْوَقْت يلهو حَتَّى يضيع الْوَقْت\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(^٢) سورة الجاثية، الآية: ٢١.\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٥٢٧).","vol":"4","page":93},{"text":"رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: عن مصعب بن سعد -﵁-، هو مصعب بن سعد [بن أبي وقاص الزهري، مدنى سمع أباه، وعلى بن أبي طالب، وابن عمر. روى عنه مجاهد، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وآخرون. واتفقوا على توثيقه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. توفى سنة ثلاث ومائة (^٢)].\nقوله: قلت لأبي يا أبتاه أرأيت قوله ﵎: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ أينا لا يسهو! أينا لا يحدث نفسه! قال: ليس ذاك إنما هو إضاعة الوقت يلهو حتى يضيع الوقت، قد هدد الله تارك الصلاة وتوعده عقابه فقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ (^٣) قال البغوي: قال مجاهد وقتادة: هم قوم من هذه الأمة قوم يتشاغلون بالمعاصى عن الصلاة فيمر عليهم وقت الصلاة وهم في معاصيهم لا يقومون إلى الصلاة فسوف يلقون غيا، قال ابن عباس: الغي واد في جهنم وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعده الله ﷿ للزاني المصر على زناه ولشارب الخمر المدمن عليها ولآكل الربا\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٤٢) و(٤٣)، وأبو يعلى (٧٠٤) و(٧٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢٥: رواه أبو يعلي، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٧٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٥ - ٩٣ ترجمة ٥٧٧).\n(^٣) سورة مريم، الآية: ٥٩.","vol":"4","page":94},{"text":"الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور، وقال عطاء: الغي واد في جهنم يسيل قيحا ودما، وقال كعب: هو واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا، وفيه بئر يسمي الهيم كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فيسعر بها جهنم أعدها الله تعالى لتارك الصلاة، وقال أبو أمامة الباهلي: ما بين سعير جهنم إلى قعرها سبعون خريفا من صخرة تهوي عظمها كعشر ناقات عشراوات عظام سمان فقيل له: هل تحت ذلك شيئ يا أبا أمامة قال: نعم غى وآثام (^١).\n\n٨٣٥ - وَعَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من فَاتَتْهُ صَلَاة فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: عن نوفل بن معاوية -﵁-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله\" تقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطا في ترك صلاة العصر.\n\n٨٣٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من جمع بَين صَلَاتَيْنِ من غير عذر فقد أَتَى بَابا من أَبْوَاب الْكَبَائِر رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ حَنش هُوَ ابْن قيس ثِقَة (^٣). قَالَ الْحَافِظ: بل واه بِمرَّة لَا نعلم أحدا وَثَّقَهُ غير حُصَيْن بن نمير.\n_________\n(^١) تفسير البغوى (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٩ (٢٣٦٤٢) و٥/ ٤٦٢ (٢٤٠٠٩/ ٤٧)، وابن قانع (٣/ ١٥٤)، وابن حبان (١٤٦٨)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٦٥٣ - ٦٥٤ رقم ٢٠٩٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٨١) و(٥٧٧).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٨٨)، والبزار (١٣٥٦/ كشف الأستار)، وأبو يعلى (٢٧٥١)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٤٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٤٣)، والطبراني في =","vol":"4","page":95},{"text":"قوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر\" تقدم الكلام على الأعذار وعلى جميع الصلوات بعذر السفر، والكبائر جمع كبيرة والكبيرة ما توعد الله فاعلها بالنار، والكبائر كثيرة، قد صنف العلماء فيها كتبا والله أعلم.\n\n٨٣٧ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- مِمَّا يكثر أَن يَقُول لاصحابه هَل رأى أحد مِنْكُم من رُؤْيا فيقص عَلَيْهِ مَا شَاءَ الله أَن يقص وَإنَّهُ قَالَ لنا ذَات غَدَاة إِنَّه أَتَانِي اللَّيْلَة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قَالَا لي انْطلق وَإِنِّي انْطَلَقت مَعَهُمَا وَإِنَّا أَتَيْنَا على رجل مُضْطَجع وَإِذا آخر قَائِم عَلَيْهِ بصخرة وَإِذا هُوَ يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رَأسه فيتدهده الْحجر فَيَأْخذهُ فَلَا يرجع إِلَيْهِ حَتَّى يَصح رَأسه كمَا كَانَ ثمَّ يعود عَلَيْهِ فيفعل بِهِ مثل مَا فعل الْمرة الأولى قَالَ قلت لَهما سُبْحَانَ الله مَا هَذَا قَالَا لي انْطلق انْطلق فأتينا على\n_________\n= الكبير (١١/ ٢١٦ رقم ١١٥٤٠)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٢٤٤)، والدارقطني في السنن (١٤٧٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٥). قال الترمذي: وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره. قال البزار: لا نعلمه عن النبي -ﷺ- إلا بهذا الإسناد، وحنش هو ابن قيس الرحبي، روى عنه التيمي، وخالد بن عبد الله وغيرهما، وليس بالقوي، وإنما يكتب من حديثه ما يرويه غيره. وقال العقيلي: لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به، ولا أصل له. قال الحاكم: فيه حنش بن قيس وهو ثقة. وتعقبه الذهبي فقال: بل ضعفوه. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٣١٤) والضعيفة (٤٥٨١).","vol":"4","page":96},{"text":"رجل مستلق على قَفاهُ وَإِذا آخر قَائِم عَلَيْهِ بكلوب من حَدِيد وَإِذا هُوَ يَأْتِي أحد شقي وَجهه فيشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ ومنخره إِلَى قَفاهُ وعينه إِلَى قَفاهُ قَالَ وَرُبمَا قَالَ أَبُو رَجَاء فَيشق قَالَ ثمَّ يتَحَوَّل إِلَى الْجَانِب الآخر فيفعل بِهِ مثل مَا فعل بالجانب الأول قَالَ فَمَا يفرغ من ذَلِك الْجَانِب حَتَّى يَصح ذَلِك الْجَانِب كَمَا كَانَ ثمَّ يعود عَلَيْهِ فيفعل مثل مَا فعل فِي الْمرة الأولى قَالَ قلت سُبْحَانَ الله مَا هَذَا قَالَا لي انْطلق فَانْطَلَقْنَا فأتينا على مثل التَّنور قَالَ فأحسب أَنه كَانَ يَقُول فَإِذا فِيهِ لغط وأصوات قَالَ فاطلعنا فِيهِ فَإِذا فِيهِ رجال وَنسَاء عُرَاة وَإِذا هم يَأْتِيهم لَهب من أَسْفَل مِنْهُم فَإِذا أَتَاهُم ذَلِك اللهب ضوضوا قَالَ قلت مَا هَؤُلاءِ قَالَا لي انْطلق انْطلق قَالَ فَانْطَلَقْنَا فأتينا على نهر حسبت أَنه كَانَ يَقُول أَحْمَر مثل الدَّم وَإِذا فِي النَّهر رجل سابح يسبح وَإِذا على شط النَّهر رجل عِنْده قد جمع حِجَارَة كَثِيرَة وَإِذا ذَلِك السابح يسبح مَا سبح ثمَّ يَأْتِي ذَلِك الَّذِي قد جمع عِنْده الْحِجَارَة فيفغر فَاه فيلقمه حجرا فَينْطَلق فيسبح ثمَّ يرجع إِلَيْهِ كلما رَجَعَ إِلَيْهِ فغر فَاه فألقمه حجرا قلت لَهما مَا هَذَانِ قَالَا لي انْطلق انْطلق فَانْطَلَقْنَا فأتينا على رجل كريه الْمرْآة كأكره مَا أَنْت رَاء رجلا مرْآة وَإِذا عِنْده نَار يحشها وَيسْعَى حولهَا قَالَ قلت لَهما مَا هَذَا قَالَ قَالَا لي انْطلق انْطلق فَانْطَلَقْنَا فأتينا على رَوْضَة معتمة فِيهَا من كل نور الرّبيع وَإِذا بَين ظَهْري الرَّوْضَة رجل طَوِيل لَا أكاد أرى رَأسه طولا فِي السَّمَاء وَإِذا حول الرجل من أَكثر ولدان رَأَيْتهمْ قَالَ قلت مَا هَذَا مَا هَؤُلاءِ قَالَا لي انْطلق انْطلق فَانْطَلَقْنَا فأتينا على دوحة عَظِيمَة لم أر دوحة قطّ أعظم وَلَا أحسن مِنْهَا قَالَ قَالَا لي","vol":"4","page":97},{"text":"ارق فِيهَا فارتقينا فِيهَا إِلَى مَدِينَة مَبْنِيَّة بِلَبن ذهب وَلبن فضَّة فأتينا بَاب الْمَدِينَة فاستفتحنا فَفتح لنا فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهمْ كأحسن مَا أَنْت رَاء وَشطر مِنْهُم كأقبح مَا أَنْت رَاء قَالَ قَالَا لي اذْهَبُوا فقعوا فِي ذَلِك النَّهر قَالَ وَإِذا نهر معترض يجْرِي كَأَن مَاءَهُ الْمَحْض فِي الْبيَاض فَذَهَبُوا فوقعوا فِيهِ ثمَّ رجعُوا إِلَيْنَا قد ذهب ذَلِك السوء عَنْهُم فصاروا فِي أحسن صُورَة قَالَ قَالا لي هَذِه جنَّة عدن وَهَذَا مَنْزِلك قَالَ فسما بَصرِي صعدا فَإِذا قصر مثل الربابة الْبَيْضَاء قَالَ قَالَا لي هَذَا مَنْزِلك قَالَ قلت لَهما بَارك الله فيكما فذراني فَأدْخلهُ قَالا أما الْآن فَلَا وَأَنت دَاخله قَالَ قلت لَهما فَإِنِّي رَأَيْت مُنْذُ اللَّيْلَة عجبا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْت قَالَ قَالا لي إِنَّا سنخبرك أما الرجل الأول الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يثلغ رَأسه بِالْحجرِ فَإِنَّهُ الرجل يَأْخُذ الْقُرْآن فيرفضه وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَأما الرجل الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ ومنخره إِلَى قَفاهُ وعينه إِلَى قَفاهُ فَإِنَّهُ الرجل يَغْدُو من بَيته فيكذب الكذبة تبلغ الْآفَاق وَأما الرِّجَال وَالنِّسَاء العراة الَّذين هم فِي مثل بِنَاء التَّنور فَإِنَّهُم الزناة والزواني وَأما الرجل الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يسبح فِي النَّهر ويلقم الْحجر فَإِنَّهُ آكل الرِّبَا وَأما الرجل الكريه الْمرْآة الَّذِي عِنْد النَّار يحشها وَيسْعَى حولهَا فَإِنَّهُ مَالك خَازِن جَهَنَّم وَأما الرجل الطَّوِيل الَّذِي فِي الرَّوْضَة فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيم وَأما الْولدَان الَّذين حوله فَكل مَوْلُود مَاتَ على الْفطْرَة قَالَ فَقَالَ بعض الْمُسلمين يَا رَسُول الله وَأَوْلاد الْمُشْركين فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَأَوْلاد الْمُشْركين وَأما الْقَوْم الَّذين كَانُوا شطر مِنْهُم حسن وَشطر مِنْهُم قَبِيح فَإِنَّهُم قوم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا","vol":"4","page":98},{"text":"تجَاوز الله عَنْهُم\"رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١) وذكرته بِتَمَامِهِ لأحيل عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عن سمرة بن جندب، بفتح المهملة وضم الميم وسكونها، وجندب، بضم الجيم وسكون النون وفتح المهملة وضمها سيأتي الكلام عليه وعلى نسبته مبسوطًا.\nقوله: كان رسول الله -ﷺ- مما يكثر أن يقول لأصحابه: \"هل رأى أحد منكم من رؤيا فيقص عليه ما شاء الله أن يقص وإنه قال لنا ذات غداة إنه أتاني الليلة آتيان\" الحديث، وهو -ﷺ- إنما أخبر عن الليلة الماضية قال ثعلب والزجاج يقول: من الصباح إلى الظهر وأريت الليلة من الظهر، وإلى الليل أريت البارحة، وقال أبو مشهور اللغوي: من الغلط أن يقول فيما بين صلاة الفجر إلى الظهر رأيت البارحة كذا والصواب أن يقول: فعلت الليلة كذا إلى الظهر، ويقول: بعد ذلك فعلت البارحة.\nقوله: \"آتيان وإنهما ابتعثاني\" أي: أيقظاني من نومي قال: بعثه من نومه فانبعث [إذا نبهته منه فانتبه] قاله عياض (^٢).\nواعلم أن النبوءة ضربان ضرب بالرسالة وضرب في المنام، والمنام للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحتى كما كانت نبوءة جميع الأنبياء والرسل وتقدم الكلام على الوحي في موضعين من هذا التعليق مبسوطًا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٨٦) و(٧٠٤٧).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٩٦).","vol":"4","page":99},{"text":"ففي هذا الحديث الاهتمام بأمر الرؤيا واستحباب السؤال عنها، وذكرها بعد الصلاة.\nقوله: \"فيثلغ رأسه\" أي: يشدخ قاله المنذري وقال النهاية: الثلغ الشدخ، وقيل: الشدخ بكسر الشيء الأجوف، يقول: شدخت رأسه فانشدخ، وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ (^١) انتهى.\nقوله: \"فيتدهده الحجر\" أي: فيتدحرج قاله المنذري، وقال في النهاية: يقال دهديت الحجر ودهدهته ومنه الحديث: \"لما يهدهد الجعل خير من الذين ماتوا في الجاهلية\" هو ما يدحرجه من السرجين والحديث الآخر: \"كما يدهده الجعل النتن بأنفه\" (^٢) الجعل يشبه الخنفساء في اللون لكن هو أكبر منها وله قرنان يربط فيهما خيط يلعب به الصبيان في الأرياف، ويكون مقره تحت أرواث البهائم (^٣) وسيأتي الكلام عليه في الكبر وغيره إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد\" الكلوب بفتح الكاف وضمها وتشديد اللام هو حديدة معوجة الرأس قاله المنذري.\nقوله: \"فيشرشر شدقه إلى قفاه\" يشرشر هو بشينين معجمتين الأولى منهما مفتوحة والثانية مسكورة ورائين الأولى منهما ساكنة ومعناه يقطعه ويشقه قاله المنذري؛ والشدق: جانب الفم وجمعه أشداق، وإنما يكون\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٢٠) و(٢/ ٢٥٤).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٢٨١).","vol":"4","page":100},{"text":"ذلك لرحب شدقيه، والعرب تمتدح بذلك ورجل أشدق بيّن الشدق قاله ابن الأثير (^١).\nقوله: \"ومنخره إلى قفاه\" المنخر ثقب الأنف وهو بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وبكسرهما جميعا لغتان معروفتان.\nقوله: \"وربما قال أبو رجاء فيشق\" أبو رجاء اسمه: يزيد بن أبي حبيب سويد المصري التابعي، قال ابن يونس: كان يزيد مفتي أهل مصر، وكان حليما عاقلا وهو أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام، قال الليث بن سعد: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة (^٢) والله أعلم.\nقوله: \"فإذا فيه لغط وأصوات\" اللغط محركا هو الصخب والجلبة والصياح قاله المنذري، وقال بعضهم: اللغط هو بفتح العين وإسكانها.\nقوله: \"فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا\" هو بفح الضادين المعجمتين وسكون الواوين وهو الصياح مع الانضمام والفزع، قاله المنذري.\nقوله: \"فانطلقنا فأتينا على مثل التنور\" ورأيت في بعض الكتب: \"فأتينا على نقب مثل التنور\" والنقب بفتح النون النقبة.\nقوله: \"فانطلقنا فأتينا على نهر\" النهر بفتح النون وإسكان الهاء وفتحها لغتان.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٥٣).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣٢/ ١٠٥ ترجمة ٦٩٧٥).","vol":"4","page":101},{"text":"قوله: \"وإذا في النهر رجل سابح\" السبح العوم أي وإذا ذلك العائم يعوم قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^١) والسبح أيضًا السعي كسبح السابح في الماء.\nقوله: \"فغر فاه فألقمه حجرا\" فغر بفتح الفاء والغين المعجمة معا بعدهما راء أي فتحه، والفاه هو الفم.\nقوله: \"فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة\" المرآة بفتح الميم ممدود الهمزة أي قبيح المنظر يقال: رجل حسن المرأى والمرءاة وحسن في مرءاة العين وهي مفعلة من الرؤية، ومنه الحديث: \"حتى تبين له رئيهما\" هو بكسر الراء وسكون الهمزة أي منظرهما وما يرى منهما أ. هـ قاله في النهاية (^٢).\nقوله: \"وإذا عنده نار يحشها\" هو بالحاء المهملة المضمومة والشين المعجمة أي يوقدها قاله المنذري قال في النهاية: يقال حششت النار أحشها إذا ألهبتها وأضرمتها (^٣).\nقوله: \"فأتينا على روضة معتمة\" أي: طويلة النبات يقال: أعتم النبات إذا طال ولم يضبط الحافظ هذه اللفظة، وقال صاحب كتاب سلاح المؤمن: معتمة هو بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم (^٤)، وقال\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٣٣.\n(^٢) النهاية (٢/ ١٧٨).\n(^٣) النهاية (١/ ٣٨٩).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ٨٧).","vol":"4","page":102},{"text":"صاحب المغيث معتمة أي وافية النبات المتعمة، والعتمة الطويل من النبات، والعميم والعم الطويل التام من كل شيء، والعمامة قيل سميت بذلك لأنها تعم الرأس لكبرها ولذلك كان يختص بها الأكابر، ومنه الحديث: \"العمائم تيجان العرب\" (^١) أ. هـ.\nتنبيه: ورد في الحديث: \"إن الصلاة بالعمامة أفضل من خمس وعشرين بغير عمامة\" قاله ابن العماد في شرح العمدة (^٢).\nقوله: \"فيها من كل نور الربيع\" النور بفتح النون هو الزهرة.\nقوله: \"قالا لي ارق فيها فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة\" اللبن جمع لبنة بفتح اللام وكسر الباء وهي الطوبة التي تبني بها وإذا أشربت فهي أجرة وسيأتي الكلام على اللبنة في الزهد في الدنيا إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء\" الحديث، الشطر يعبر عنه بالنصف.\nقوله: \"كأن ماءه المحض في البياض\" المحض بفتح الميم وسكون الحاء المهملة هو الخالص من كل شيء قاله المنذري.\nقوله: \"فسما بصري صعدا\" بضم الصاد والعين المهملتين أي: ارتفع بصري إلى فوق قاله المنذري.\nقوله: \"قالا لي هذه جنة عدن\" سميت جنة عدن أي جنة إقامة. يقال: عدن\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ٥٠٧).\n(^٢) القول التمام (ص ١٢٠).","vol":"4","page":103},{"text":"بالمكان يعدن عدنا إذا لزمه ولم يبرح منه (^١).\nقوله: \"فإذا قصر مثل الربابة البيضاء\" هنا هي السحابة البيضاء قاله المنذري، وقال في النهاية: والربابة بالفتح السحابة التي ركب بعضها بعضا (^٢).\nقوله: \"فذراني فأدخله\" أي: اتركاني.\nقوله: \"فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة\" فيرفضه بضم الفاء وكسرها أي ترك حفظه والعمل به (^٣) وينام عن الصلاة، يعني: ينام ذاهلا عن الصلاة حتى يخرج وقتها وتفوت منه، قيل: المراد بها صلاة الصبح لأنها هي التي تبطل بالنوم والله أعلم (^٤)، والصلاة المكتوبة هي المفروضة.\nقوله: \"وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه\" فذكره إلى أن قال: \"فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق\" والكذب بفتح الكاف وكسر الذال ويجوز كسر الكاف وسكون الذال لغتان، وفي الحديث: إن العقاب كان في موضع المعصية وهو الفم الذي كذب به (^٥).\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٩٢).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٨١).\n(^٣) شرح الصحيح (٣/ ١٣٥) لابن بطال.\n(^٤) شرح الصحيح (٣/ ١٣٥ - ١٣٦) لابن بطال.\n(^٥) الكواكب الدراري (٢١/ ٢٢١).","vol":"4","page":104},{"text":"قوله: \"أما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵊\".\nتنبيه: ورد في الحديث أن إبراهيم -﵇- في السماء السادسة، وورد في حديث آخر أيضا أنه في السماء السابعة قال العلماء لا منافاة بين الحديثين لاحتمال أن يكون في السادسة، وصعد قبل رسول الله -ﷺ- إلى السابعة، ويحتمل أن يكون جاء إلى السماء استقبالًا وهو في السابعة على سبيل التوطن، والله أعلم (^١).\nقوله: \"وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة\" أي: على الإسلام، قال بعض العلماء: الفطرة نوعان فطرة جبلية وفطرة دينية، فالفطرة الجبلية هي التي خلق الله الناس عليها وجبلهم على فعلها أي: جبل طباعهم تميل إلى فعل الشيء أو تنفر عنه، والفطرة الدينية هي السنة وما شرع لهم من الدين، ومنه قوله -ﷺ-: \"كل مولود يولد على الفطرة إلا ان أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه\" والمعنى: أنه يولد على نوع من الجبلة والطبع المنتهي لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يعارفها إلى غيرها وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد ثم يميل بأولاد اليهود والنصاري في اتباعهم كآبائهم والميل إلى أديانهم عن مقتضى الفطرة السليمة، وقيل: معناه: كل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به، فلا تجد أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا وإن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره، وقيل:\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١٥/ ١٠٢).","vol":"4","page":105},{"text":"الفطرة ما أخذ عليهم في أصلاب أبائهم فتقع الولادة عليها، وقيل: هي ما قضى عليه من السعادة أو الشقاوة ويصير إلها، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه ويشركانه\" فقال رجل: يا رسول الله أرأيت لو مات قبل ذلك؟ قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" وفي رواية: \"ما من مولود إلا وهو على هذه الملة\"، وفي رواية العلاء عن ابنه عن أبي هريرة: \"كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه إن كانا مسلمين فمسلم\" كل هذه الروايات في مسلم، وبعضها متفق عليه، والأصح أن معنى الفطرة أن كل مولود يولد متهيئا للإسلام من كان أبواه أو أحدهما استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا وإن كانا كافرين جرى عليه حكمهما يتبعهما فيها، وهذا معنى \"يهودانه وينصرانه ويمجسانه\" أي: يحكم له بحكمها في الدنيا فإن بلغ استمر حكم الكفر فإن تاب سبقت له سعادة أسلم وإلا مات على كفره (^١).\nواعلم أن قوله في حديث الفطرة وفاته معنى: يمجسانه، فإن المجوسي والمشرك يطلقان على من لا كتاب له، والصحيح أن الإشراك يشمل الجميع فكل كافر مشرك، ويدل عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) الآية، فلو كان الكتابي لا يسمي مشركا لدخل في\n_________\n(^١) طرح التثريب (٧/ ٢٢٥ - ٢٢٦).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٨.","vol":"4","page":106},{"text":"المشيئة، وهذا خلاف الإجماع (^١).\nواعلم أن قوله في حديث الفطرة \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" قال الخطابي: ظاهر هذا الكلام يوهم أنه لم [يفت السائل] عنهم وإنما رد الأمر في ذلك إلى علم الله تعالي، وإنما معناه أنهم ملحقون في الكفر [بآبائهم] لأن الله قد علم أنهم لو بقول أحياء حتى يكبروا لعملوا عمل الكفار، ويدل عليه حديث عائشة قلت: فذراري المشركين، قال -ﷺ-: \"هم من آبائهم\" قلت: بلا عمل، قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" (^٢).\nوالجواب عن حديث: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظة \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" لو بلغوا والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ (^٣)، وروى ابن عبد البر في التمهيد عن عائشة -﵂- قالت: سألت خديجة النبي -ﷺ- عن أولاد المشركين فقال: \"هم مع آبائهم\" ثم سألته عن بعض ذلك، فقال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٤) فقال: \"هم على الفطرة أو قال الجنة\".\nقوله: \"وأما الوالدان الذين حوله\" الحديث، أما أولاد الأنبياء صلوات الله\n_________\n(^١) انظر: معانى القرآن (٢/ ١٠٧) للزجاج.\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(^٣) طرح التثريب (٧/ ٢٣٢).\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.","vol":"4","page":107},{"text":"وسلامه عليهم فالإجماع منعقد على أنهم في الجنة، وأما أطفال من سواهم من المسلمين قال النووي قدس الله روحه: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفا (^١)، وأما أطفال المشركين فحكمهم في الدنيا حكم آبائهم وأما في الآخرة فقال أبو الليث السمرقندي: تكلم الناس في أطفال المشركين فجاءت فيهم أحاديث مختلفة ومذاهب للعلماء أحدها وهو المختار أنهم في الجنة وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون واستدل عليه [بأحاديث] منها حديث إبراهيم الخليل ﵊ حين رآهم النبي -ﷺ- في الجنة حوله أولاد الناس وفيه قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين قال: \"وأولاد المشركين\"رواه البخاري، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٢) ولا يتوجه على المولود التكليف ولا يلزمه قول الرسل حتى يبلغ وهذا متفق عليه، ولحديث أحمد أنهم خدم أهل الجنة، وفي رواية: ولدان أهل الجنة.\nوالمذهب الثاني: أنهم في النار تبعا لآبائهم، وحكي عن الأكثرين، والدليل\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٨٣) وعبارته هناك مغايرة لما نقله الشارح إذ قال: وأما أطفال من سواهم من المؤمنين فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعا لقوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وتوقف بعض المتكلمين فيها وأشار إلى أنه لا يقطع لهم كالمكلفين.\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ١٥.","vol":"4","page":108},{"text":"على ذلك ما روى في الخبر أن خديجة سألت رسول الله -ﷺ- عن أولاد الذين ماتوا في الجاهلية فقال لها النبي -ﷺ-: \"إن شئت أسمعتك نعاهم في النار\" لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (^١) فأخبر أنهم حين ولدوا كانوا كفارًا.\nالمذهب الثالث: التوقف فيهم لا يجزم فيهم بشيء قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: قد جاءت الآثار مختلفة فالسكوت عنهم أفضل ونقول الله أعلم بأمرهم، وروى أبو حنيفة أنه سئل عن أطفال المشركين قال: لا أعلم بهم، وسئل محمد بن الحسن عن أطفال المشركين فقال: إني أقف عند الأطفال إلا أني أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا بذنب (^٢) أ. هـ، وبه قال أبو حنيفة أيضًا ومالك وأحمد ونسبه ابن عبد البر إلى الأكثر.\nالمذهب الرابع: أنهم وسائر الأطفال يمتحنون في الآخرة تأجج لهم نار فيقال لهم: ردوها وادخلوها فيردها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل فيقول الله تعالى إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم، وقد ورد هذا في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ-، وروى موقوفا عن أبي سعيد ذكره ابن عبد البر وليس بالقوي ولا تقوم به حجة، قال: وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب (^٣).\n_________\n(^١) سورة نوح، الآية: ٢٧.\n(^٢) بستان العارفين (ص ٣٨٣).\n(^٣) طرح التثريب (٧/ ٢٣١).","vol":"4","page":109},{"text":"المذهب الخامس: في برزخ، قال في المفهم: وذهب قوم وأحسبهم من غير أهل السنة فقالوا: يكونون في برزخ (^١)، وحكى النووي الأول، وهو أنهم في النار عن الأكثرين والثاني وهو أنهم في الجنة عن المحققين قال: وهو الصحيح، ويستدل عليه بأشياء منها حديث \"إبراهيم الخليل صلوات الله عليه حين رآه النبي -ﷺ- في الجنة، وحوله أولاد الناس قالوا يا رسول الله، وأولاد المشركين قال: وأولاد المشركين\". رواه البخاري في صحيحه.\nومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٢)، ولا يتوجه على المولود التكليف، ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ، وهذا متفق عليه قال: والجواب عن حديث \"والله أعلم بما كانوا عاملين\" أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظه الله أعلم بما كانوا يعملون لو بلغوا، والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ، وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعا لأن أبويه كانا مؤمنين فيكون هو مسلما فيتأول على أن معناه أن الله علم أنه لو بلغ لكان كافرا لا أنه كافر في الحال، ولا تجري عليه في الحال أحكام الكفار (^٣).\n\n٨٣٨ - وَقد روى الْبَزَّار من حَدِيث الرّبيع بن أنس عَن أبي الْعَالِيَة أَو غَيره عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ ثمَّ أَتَى يَعْنِي النَّبِي -ﷺ- على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخرة كلما رضخت عَادَتْ كَمَا كَانَت وَلَا يفتر عَنْهُم من ذَلِك شَيْء قَالَ يَا\n_________\n(^١) المفهم (٢٢/ ٤٠).\n(^٢) سورة الإسراء الآية ١٥.\n(^٣) طرح التثريب (٧/ ٢٣١ - ٢٣٢).","vol":"4","page":110},{"text":"جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ الَّذين تثاقلت رؤوسهم عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَذكر الحَدِيث فِي قصَّة الْإِسْرَاء وَفرض الصَّلَاة (^١).\nقَوْله: يثلغ رَأسه أَي يشدخ.\nقَوْله: فيتدهده أَي فيتدحرج.\nوالكلوب: بِفَتْح الْكَاف وَضمّهَا وَتَشْديد اللَّام هُوَ حَدِيدَة معوجة الرَّأْس.\nوَقَوله يشرشر شدقه هُوَ بشينين معجمتين الأولى مِنْهُمَا مَفْتُوحَة وَالثَّانيَة مَكْسُورَة وراءين الأولى مِنْهُمَا سَاكِنة وَمَعْنَاهُ يقطعهُ ويشقه وَاللَّفْظ محركا هُوَ الصخب والجلبة والصياح.\nوَقَوله: ضوضوا بِفَتْح الضاضين المعجمتين وَسُكُون الواوين وَهُوَ الصياح مَعَ الانضمام والفزع.\nوَقَوله: فغر فَاه بِفَتْح الْفَاء والغين الْمُعْجَمَة مَعًا بعدهمَا رَاء أَي فَتحه.\nوَقَوله: يحشها هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة المضمومة والشين الْمُعْجَمَة أَي يوقدها والمحض بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ الْخَالِص من كل شَيْء.\nوَقَوله: فسما بَصرِي صعدا بِضَم الصَّاد وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي ارْتَفع\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٩٥١٨). قال البزار: وهذا لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد من هذا الوجه.\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٧٢: رواه البزار، ورجاله موثقون، إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره. فتابعيه مجهول.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣١٥) و(٤٦٧) و(٢١٢٢).","vol":"4","page":111},{"text":"بَصرِي إِلَى فَوق والربابة هُنَا هِيَ السحابة الْبَيْضَاء.\nقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم: وَقد جَاءَ عَن عمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وَغَيرهم من الصَّحَابَة -﵃- أَن من ترك صَلَاة فرض وَاحِدَة مُتَعَمدا حَتَّى يخرج وَقتهَا فَهُوَ كَافِر مُرْتَد وَلَا نعلم لهَؤُلَاء من الصَّحَابَة مُخَالفًا.\nقَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم قد ذهب جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ إِلَى تَكْفِير من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدًا لتركها حَتَّى يخرج جَمِيع وَقتهَا مِنْهُم عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس ومعاذ بن جبل وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو الدَّرْدَاء -﵃- وَمن غير الصَّحَابَة أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَعبد الله بن الْمُبَارك وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم بن عتيبة وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَغَيرهم رَحِمهم الله تَعَالَى.\nوقوله: ابن المبارك فهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلى قال وهب بن زمعة عن معاذ بن خالد بن شقيق: تعرفت إلى إسماعيل بن عياش بعبد الله بن المبارك. فقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير، إلا وقد جعلها فيه (^١). وقال عمار بن الحسن يمدحه ببيتين:\nإذا سار عبدُ الله من مَرْوَ ليلةً ... فقد سار عنها نورُها وجمالُها\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٠/ ١٥٧.","vol":"4","page":112},{"text":"إذا ذُكر الأخيارُ في كلِّ بلدةٍ ... فهم أنجمٌ فيها وأنت هِلالُها (^١)\nوأما النخعى: فهو بفتح النون والخاء هو إبراهيم النخعى بن يزيد الإمام الجليل فقيه العراق أبو عمران الكوفى كان من العلماء الصالحين وكان صيرفى الحديث متوقيا للشهرة إلا أنه كان كثير الإسراف يشترى الإوز ويسمنه ويهديه إليهم قال أبو حنيفة: عن حماد، قال: بشرت إبراهيم بموت الحجاج، فسجد، ورأيته يبكي من الفرح (^٢)، وكان سعيد بن جبير يقول لأهل الكوفة تستفتوني وفيكم إبراهيم النخعي وقالت هنيدة زوجة إبراهيم أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما مات إبراهيم في آخر سنة خمس وتسعين كهلا قبل الشيخوخة، وهو ابن تسع وأربعين سنة فى السنة التى قطع الله فيها الحجاج بن يوسف الثقفى في ليلة مباركة على الأمة ليلة سبع وعشرين من رمضان وله خمس وخمسون سنة أو دونها (^٣) قاله فى الديباجة.\nوأما الحكم بن عتيبة بفتح الحاء والكاف وعتيبة بضم العين وبالمثناة من فوق والمثناة من تحت والباء الموحدة تصغيرا لعتبة فناء الدار هو الإمام التابعى الجليل وسيأتى الكلام على مناقبه (^٤).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٠/ ١٦٣.\n(^٢) ابن سعد ٦/ ٢٨٠.\n(^٣) انظر ترجمته: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٧٠، طبقات خليفة ت ١١٤٠، تاريخ البخاري ١/ ٣٣٣، المعارف ٤٦٣، المعرفة والتاريخ ٢/ ١٠٠)\n(^٤) انظر: الطبقات (٦/ ٣٣١ - ٣٣٢)، الجرح (٣/ ١٢٣ - ١٢٥ رقم ٥٦٧)، تهذيب الكمال (٧/ ١١٤ - ١٢٠).","vol":"4","page":113},{"text":"وأيوب السختيانى بفتح السين وسكون الخاء وكسر التاء المثناة وفتح المثناة من تحت وبعد الألف نون وياء النسبة، وقال السمعاني: هذه النسبة إلى عمل السختيان وبيعه، وهى الجلود الضائنة بفتح الضاد بعدها الألف وهمزة مكسورة ثم نون وهى جلود غنم الضأن هكذا ضبطه الجوهري وقال صاحب العلم المشهور قال إسماعيل بن إسحاق سمعت على بن المدينى يقول: أربعة من أهل الأمصار يسكن القلب إليهم في الحديث: يحيى بن سعيد بالمدينة، وعمرو بن دينار بمكة، وأيوب السختيانى بالبصرة، ومنصور بالكوفة، وكان أيوب من عباد العلماء سيسع جلود السختيان بالبصرة وهى جلود المعزى المدبوغة وهو أحد أئمة الجماعة في الحديث والأمانة والاستقامة، قال الحسن: أيوب سيد شباب أهل البصرة وكان ابن سيرين إذا حدثه أيوب بالحديث يقول: حدثني الصدوق قال سلام: كان أيوب السختياني يقوم الليل كله ويخفى ذلك فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة قال حماد بن زيد: غدا علي ميمون أبو حمزة يوم الجمعة، قبل الصلاة، فقال: إني رأيت البارحة أبا بكر، وعمر -﵄- في النوم، فقلت لهما: ما جاء بكما؟ قالا: جئنا نصلي على أيوب السختياني. قال: ولم يكن علم بموته. فقيل له: قد مات أيوب البارحة ومناقبه كثيرة مشهورة، والله أعلم. صفحة غير واضحة وفي آخرها:\nآخر الجزء الأول من شرح الترغيب والترهيب المسمى \"فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب\" للفقيه حسن بن علي الفيومي المقيم","vol":"4","page":114},{"text":"بالجامع الزاهدي بالمقسم عفا الله عنه ووافق الفراغ ... غرة شهر رجب الفرد سنة ... وثمانمائة ... حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله ويتلوه في الجزء الثاني ... كتاب النَّوافِل ...\n(^١) فقال: يكونون في برزخ، ونقل ابن القيم في المسألة ثمانية أقوال ذكرها في شرح مختصر السنن (^٢) ولم القول بأنهم في الأعراف فقال: شيخنا السبكي (^٣): لا أعرفه ولا أعلم حديثا، ورد به ولا قاله أحد من العلماء مع أن السكوت عن مثل هذه المسألة أولى أ. هـ، قاله في شرح الإلمام، فهذا الحديث وهو حديث سمرة نص في عذاب البرزخ فإن رؤيا الأنبياء وحي مطابق لما في نفس الأمر ومما ينبغي أن تعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رمادا أو نسف في الهواء أو طلب أو غرق في البحر ووصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل على المقبور، أ. هـ، قاله ابن قيم الجوزية (^٤).\nوفي هذا الحديث التحذير عن الكذب والرواية بغير الحق وعن ترك قراءة القرآن والعمل به والتغليظ على الزنا والربا وسعادة صبيان الخلائق كلهم،\n_________\n(^١) من هنا من النسخة المغربية تكملة للجزء الأول ...\n(^٢) حاشية ابن القيم المطبوعة مع عون المعبود (١٢/ ٣٢٠).\n(^٣) فتاوى السبكى (٢/ ٣٦٤).\n(^٤) الروح (ص ٥٨ - ٥٩).","vol":"4","page":115},{"text":"وتفضيل الشهداء على غيرهم، وهذه رؤيا منوطة بالحكم مشتملة على الفوائد، ووجه الضبط في هذه الأمور أن الحال لا يخلو من الثواب والعذاب، فالعذاب إما على ما يتعلق بالقول أو بالفعل، والثاني إما على بدني وهو الزنى ونحوه أو مالي وهو الربا ونحوه، والثواب إما لرسول الله ودرجته فوق الكل مثل السحابة، وأما الأمة وهي ثلاث درجات الأدنى للصبيان والأوسط للعامة والأعلى للشهداء مما وجه كونه تحت الشجرة وهو خليل الله وأبو الأنبياء (^١).\nقلت: فيه إشارة إلى أنه الأصل في الملة وأن كل من بعده من الموحدين فهو تابع له وعمره يصعدون شجرة الإسلام ويدخلون الجنة، أ. هـ قاله الكرماني (^٢).\nقال ابن بطال: فيه وعيد شديد لمن حفظ القرآن ولم يقرأ بالليل ولمن تحدث بالكذب لا تثبت في الرواية، وفيه فضل تعبير الرؤيا وأن من قدم خيرا وجده غدا في القيامة لقوله: \"أتيت منزلك\" (^٣) أ. هـ.\nقول الحافظ ﵀: قد ذهب جماعات من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمدا لتركها حتى خرج جميع وقتها منهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وجماعة غير من ذكر،\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٧/ ١٥٧).\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ١٥٧).\n(^٣) الكواكب الدراري (٧/ ١٥٧).","vol":"4","page":116},{"text":"وتقدم الكلام على مناقبهم -﵃-، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل تقدم الكلام على مناقبه وإسحاق بن راهوية، سيأتي الكلام عليه وعبد الله بن المبارك، قال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا جعلها فيه (^١)، وقال عمار بن الحسن يمدحه (^٢):\nإِذَا سَارَ عَبْدُ الله مِنْ مَرْوَ لَيْلَةَ ... فَقَدْ سَارَ مِنْهَا نُوْرُهَا وَجَمَالُهَا\nإِذَا ذُكِرَ الأَخْيَارُ مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ ... فَهُم أَنْجُمٌ فِيْهَا وَأَنْتَ هِلَالُهَا\nوالنخعي هو: بفتح النون والخاء منسوب إلى النخع جد قبيلة هو إبراهيم النخعي بن يزيد الإمام [قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي] أبو عمران الكوفي كان من العلماء الصالحين وكان صيرفي الحديث [متوقيا] للشهرة [وكان] يأتي الأمراء ويشتري [الوز ويسمنه ويهديه إلى الأمراء روي] أبو حنيفة عن حماد قال: بشرت إبراهيم بموت الحجاج فسجد شكرًا لله وبكي من الفرح وكان سعيد بن جبير يقول: [لأهل الكوفة] تستفتوني وفيكم إبراهيم النخعي وكان يصوم يوما ويفطر يوما، مات في آخر سنة خمس وتسعين وهو ابن أربع ٦ وأربعين سنة (^٣) وهي\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١١/ ٣٩٤)، وتاريخ دمشق (٣٢/ ٤٢٦).\n(^٢) تاريخ بغداد (١١/ ٤٠٢)، والمنتخب من معجم شيوخ السمعاني (ص ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٣) جاء في جامع الأصول (١٢/ ١٦٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٥): توفى سنة ست وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين سنة. وقال البخاري: ابن ثمان وخمسين سنة قال محمد بن سعد كما في الطبقات (٦/ ٢٩١) وقال غيره: وأجمعوا على أنه توفي في سنة =","vol":"4","page":117},{"text":"السنة التي قلع الله فيها الحجاج بن يوسف الثقفي في [ليلة مباركة] على الأمة ليلة سبع [وعشرين من] رمضان وله خمس [وخمسون] سنة (^١) أ. هـ قاله في الديباجة.\nوالحكم بفتح الكاف بن عتيبة بالمثناة من فوق ثم المثناة من تحت ثم الباء الموحدة مصغر العتبة فناء الدار: الإمام الجليل وأيوب السختياني بفتح السين وسكون الخاء المعجمة وكسر التاء المثناة فوق وفتح الياء المثناة تحت وبعد الألف نون، وياء النسبة منسوب إلى عمل السختيان وبيعه وهي الجلود الضائنة (^٢) بفتح الضاد المعجمة وبعد الألف همزة مكسورة ثم نون وهي جلود غنم الضأن هكذا ضبطه الجوهري في صحاحه، قال صاحب العلم المشهور (^٣) قال إسماعيل بن إسحاق: سمعت علي بن المديني يقول: أربعة من أهل الأمصار يسكن القلب إليهم في الحديث يحيى بن سعيد بالمدينة وعمرو بن دينار بمكة وأيوب السختياني بالبصرة ومنصور بالكوفة (^٤)، وكان أيوب من عباد العلماء يبيع جلود السختيان بالبصرة وهي جلود المعزى المدبوغة وهو أحد أئمة الجماعة في الحديث والإمامة\n_________\n= ست وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالكوفة. وهو ابن تسع وأربعين سنة لم يستكمل الخمسين.\n(^١) تذكرة الحفاظ (١/ ٥٩)، والعبر في خبر من غبر (١/ ٨٤).\n(^٢) الأنساب (٧/ ٩٦)، واللباب (٢/ ١٠٨).\n(^٣) العلم المشهور (لوحة ٦).\n(^٤) أسنده ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٤٠ - ٣٤١).","vol":"4","page":118},{"text":"والحفظ والاستقامة، قال الحسن أيوب سيد شباب أهل البصرة، وكان ابن سيرين إذا حدثه أيوب بالحديث قال: حدثني الصدوق قال سلام: كان أيوب السختياني يقوم الليل كله ويخفي ذلك فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة، قال حماد بن زيد: غدا علي [أبو حمزة] ميمون يوم الجمعة قبل الصلاة فقال: إني رأيت البارحة أبا بكر وعمر في المنام فقلت لهما: ما جاء بكما قالا: جئنا نصلي على أيوب السختياني، قال: ولم يكن لميمون علم بموته فقلت له: قد مات البارحة، أ. هـ. مناقبه كثيرة مشهورة.\nقال الغزالي في بعض كتبه الأصوليه (^١): لو زعم زاعم أن بينه وبين الله تعالى حالة أسقطت عنه الصلاة وأحلت له شرب الخمر وأكل مال السلطان كما زعم بعض الصوفية فلا شك في وجوب قتله وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر لأن ضرره أكثر والله أعلم قاله الكمال الدميري في شرحه [على المنهاج] (^٢).\n_________\n(^١) فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (ص ٦٥).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٥٩٣).","vol":"4","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>فصل فى النفل واشتقاقه</span>\nوالنفل في اللغة الزيادة، وفي الاصطلاح ما عدا الفرائض، سمي بذلك لأنه زائد على ما فرضه الله تعالي، والنفل والسنة والتطوع والمندوب ألفاظ مترادفة [وقيل: غير الفرض] ثلاثة أقسام سنة، وهو ما واظب عليه النبي -ﷺ-، ومستحب وهو [ما فعله] أحيانا، وتطوع: وهو ما لم يرد فيه [بخصوصه نقل، وينشئه الإنسان باختياره] (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>الترغيب في المحافظة على ثنتي عشرة ركعة من السنة في اليوم والليلة</span>\n٨٣٩ - عَن أم حَبِيبَة رَملَة بنت أبي سُفْيَان -﵄- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من عبد مُسلم يُصَلِّي لله تَعَالَى فِي كل يَوْم ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة تَطَوّعا غير فَرِيضَة إِلَّا بنى الله تَعَالَى لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أَو إِلَّا بني لَهُ بَيت فِي الْجنَّة رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢) وَالتِّرْمِذِيّ وزَادَ أَرْبعا قبل الظّهْر\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠١ و١٠٢ و١٠٣ - ٧٢٨)، وابن ماجه (١١٤١)، وأبو داود (١٢٥٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٥٠٧ (١٨١٢) و٣/ ٥٠٨ (١٨١٣) و٣/ ٥٠٩ (١٨١٤) و٣/ ٥٠٩ (١٨١٥) و٣/ ٥١٠ (١٨١٦) و٣/ ٥١٣ (١٨٢٠) و٣/ ٥١٥ (١٨٢٤) و٣/ ٥١٦ (١٨٢٥).","vol":"4","page":120},{"text":"وَرَكْعَتَيْنِ بعْدهَا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء وَرَكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْغَدَاة (^١). وَرَوَاهُ بِالزِّيَادَةِ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم إِلَّا أَنهم زادوا وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْر وَلم يذكرُوا رَكعَتَيْنِ بعد الْعشَاء. وَهُوَ كَذَلِك عِنْد النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة (^٢) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فَقَالَ وَرَكْعَتَيْنِ قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ أَظُنهُ قبل الْعَصْر (^٣) وَوَافَقَ التِّرْمِذِيّ على الْبَاقِي.\nقوله: عن أم حبيبة، أم حبيبة اسمها رملة، وقيل: هند والصحيح المشهور رملة وبه قال الأكثرون، كنيت بابنتها حبيبة بنت عبد الله بن جحش، وكانت من السابقين إلى الإسلام، ورملة هي بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وهي أخت معاوية بن أبي سفيان، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة فتوفي عنها زوجها فتزوجها رسول الله -ﷺ- وهي هناك سنة ست من الهجرة ويقال سنة سبع، قال أبو عبيد القاسم بن سلام والواقدي: توفيت سنة أربع وأربعين، قال ابن أبي خيثمة: توفيت\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤١٥)، والنسائي ٣/ ٥١٠ (١٨١٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٧٩).\n(^٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٣/ ٥١٢ (١٨١٨) و(١٨١٩)، وابن خزيمة (١١٨٨) و(١١٨٩) وابن حبان (٢٤٥٢)، والحاكم (١/ ٣١١). قال الألباني: صحيح لغيره - الصحيحة (٢٣٤٧)، والمحفوظ عنها: وركعتين بعد العشاء مكان: ... قبل العصر ....\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١١٤٢) عن أبي هريرة. وقال الألباني ضعيف، والحديث صحيح بلفظ: وأربع ركعات قبل الظهر، التعليق الرغيب (١/ ٢٠١)، الصحيحة (٢٣٤٧).","vol":"4","page":121},{"text":"قبل وفاة معاوية بسنة، وتوفي معاوية في رجب سنة ستين وهذا غريب ضعيف (^١) والله أعلم.\nقال الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق: قدمت أم حبيبة دمشق زائرة أخاها معاوية، قال: وقيل إن قبرها بها، قال: والصحيح أنها ماتت بالمدينة وهي مدنية، قال ابن مندة: سنة اثنين وأربعين، قال: وكان النجاشي أمهرها من عنده عن النبي -ﷺ- وكان وليها عثمان بن عفان، وقال .. أبو نصر: أمهرها النجاشي أربعة آلاف درهم، وبعثها إلى النبي -ﷺ- مع شرحبيل بن حسنة، قال أبو نعيم الأصبهاني: أمهرها النجاشي أربعمائة دينار وتولاها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس، وقال غيره: كان التزويج سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة سبع وقدم بها المدينة ولها بضع وثلاثون سنة وكان الخاطب عمرو بن أمية الضمري، وكان زوجها قبل النبي -ﷺ- عبيد الله بن جحش تنصر بالحبشة ومات نصرانيا وهو أخو عبد الله بن جحش الصحابي الجليل، استشهد -﵁- يوم أحد (^٢) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"ما من عبد يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير الفريضة إلا بنى الله تعالى له بيتا في الجنة\" أو \"إلا بني له بيتا في الجنة\" الحديث، التطوع في الشرع فعل ما ليس بواجب في الطاعات وإن كان في\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٩ ترجمة ١١٩٣).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٩ ترجمة ١١٩٣).","vol":"4","page":122},{"text":"[الأصل فعل الطاعة] مطلقًا (^١).\nقوله: \"غير الفريضة\" بالنصب تأكيد لفظي لقوله \"تطوعا\" هو من باب التوكيد ورفع احتمال إرادة الاستعارة (^٢).\nوقوله: \"أو إلا بني به بيت في الجنة\" هو شك من الراوي (^٣) والمراد بالبيت القصر فهذا الحديث يتعلق بالسنن الرواتب المؤكدة قبل الفرائض وبعدها وهي اثنتا عشرة ركعة، وقد وردت مبينة في هذا الحديث ومجملة في قوله في الحديث: \"من صلى اثنتي عشرة في اليوم والليلة\" وليس للعصر ذكر في الصحيحين (^٤).\nوقد قيل: عن الرواتب ست عشرة وزيد فيهن أربع قبل العصر وقيل: ثماني عشرة وزيد وركعتان بعد الظهر، وقيل: أربع عشرة فنقص قائله أربعا قبل العصر، وقيل: ثمان فأسقط من العشرة الأولى سنة العشاء وجعلها من صلاة الليل، وخالفت المالكية في ذلك، فالمشهور عندهم الراتبة للفرائض إلا الفجر حماية للفرائض، قالوا: وله أن يتطوع بما شاء (^٥)، وفي الحديث عن ابن عمر قال: صليت مع رسول الله -ﷺ- ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وفي\n_________\n(^١) انظر: النظم المستعذب (١/ ٨٩)، والمجموع (٤/ ٢)، وكفاية النبيه (٣/ ٢٩٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩).\n(^٣) تحفة الأبرار شرح مشارق الأنوار (١/ لوحة ١٨٣)، وحدائق الأزهار (لوحة ١١٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨).\n(^٥) المفهم (٦/ ١٤٩)، والتوضيح (٩/ ١٩٥ - ٢٠٠)، وفتح الباري (٣/ ٥١).","vol":"4","page":123},{"text":"لفظ ابن عمر قال: حدثتني حفصة أن النبي -ﷺ- كان يصلي ركعتين خفيفتين في بيته بعد ما يطلع الفجر (^١)، ففيه دليل على استحباب أداء السنة في البيت فما هو فرض إظهاره أولى ما هو تطوع إخفاؤه أولي، وفي زماننا إظهار السنة الراتبة أولى ليتعلمها الناس ولا تندرس [ولأنه لو رأى الناس واحدا يصلي الفريضة في المسجد ولم يروه يصلي السنة اتهموه] ويظنوه تاركًا للسنة أ. هـ قاله في شرح المصابيح (^٢) وجمهور العلماء على استحباب الراتبة في البيت كغيرها من النوافل، وسواء الليلية والنهارية عندهم، قال جماعة من السلف: الراتبة في المسجد أفضل وقال مالك والثوري: الأفضل فعل النهارية في المسجد والليلية في البيت أخذا بحديث ورد بذلك (^٣)، قال النووي في شرح مسلم (^٤): قال أصحابنا وغيرهم: واختلاف الأحاديث في أعداد النوافل محمول على توسعة الأمر فيها وأن لها أقل وأكمل فيحصل أصل السنة بالأقل وهو الراتب المؤكد ولكن الاختيار فعل الأكثر الأكمل وهذا كما في اختلاف أحاديث الضحى وكما جاء في أحاديث الوتر فجاءت فيها كلها أعداد بالأقل والأكثر وما بينهما ليدل على أقل المجزئ في تحصيل السنة وعلى الأكمل والأوسط (^٥)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٧٢، ١١٧٣) و(١١٨٠، ١١٨١)، والترمذي (٤٣٣ و٤٣٤).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٢٥١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩).","vol":"4","page":124},{"text":"واعلم أن وجوب السنن يخالف وجوب الفرائض فوجوب الفرائض يجب اعتقادا أو عملا، ووجوب السنن يجب اعتقادا لا عملا، فإذا قيل في غسل الجمعة مثلا أنه واجب وجوب السنن كان معناه أنه يجب اعتقاد كونه سنة وإن كان لا يجب فعله فإذا علم ذلك ففي حديث أم حبيبة استحباب استعمال التأكيد إذا احتيج إليها قالت أم حبيبة: فما تركتهن، وكذا قال عنبسة، وكذا قال عمر بن أوس والنعمان بن سالم، ففيه دليل على أنه يحسن من العالم ومن يقتدي به أن يقول مثل هذا أو لا يقصد به تزكية نفسه بل يريد حث السامعين على التخلق بخلقه في ذك وتحريضهم على المحافظة عليه وتنشيطهم (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nقال الحليمي وغيره من العلماء: الحكمة في مشروعية الرواتب قبل الفرائض وبعدها تكميل الفرائض بها إن عرض نقص كما ثبت في سنن أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح\" إلى قوله \"ثم يكون سائر عمله على ذلك\" وتقدم هذا الحديث (^٢) والذي ذكره العلماء حصول الجبر بالنوافل المتقدمة أي التي تتقدم على الفريضة والنوافل المتأخرة والحديث المتقدم يعم سائر التطوعات (^٣)، وذكر العلماء أيضًا في تقديم النافلة على الفريضة وبعدها معنى لطيفا مناسبا أما في التقديم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٠)، وطرح التثريب (٣/ ٣٤).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٣٥).","vol":"4","page":125},{"text":"فلأن [الإنسان] يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها فتتكيف النفس من ذلك بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها فإذا قدمت السنن على الفريضة تأنست النفس بالعبادة وتكيفت [بحالة تقرب من] الخشوع يدخل في الفرض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لولا تقدم السنن، ولهذا استحب أن تفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين رواه مسلم والله أعلم، فإن النفس مجبولة على التكيف بما هي فيه لا سيما إذا كثر أو طال وورود الحال المنافية لما قبلها تمحو أسبابه السابقة [أو يضعفه] وأما السنن [المتأخرة فلما ورد] أن النوافل [جابرة] لنقصان الفريضة فإذا وقع الفرض ناسب أن يكون بعده [ما يجبر خللا فيه] إن وقع (^١) [بياض بالأصل] وأما [بياض بالأصل] لبعضها [بياض بالأصل] لما عساه يقع [بياض بالأصل] الرواتب على صلاة الليل والتراويح.\nفائدة: النوافل تنقسم إلى ثلاثة أقسام، نوافل هي سنن رواتب وهي التي واظب عليها رسول الله -ﷺ- هكذا قال ابن الجوزي؛ والقسم الثاني: ما ندب الشرع إلى صلاته كصلاة الضحي؛ والثالث: ما لم يأت فيه شيء من ذلك لكنه تطوع من حيث الجملة، وأفضل الرواتب ما شرع له الجماعة كالكسوف ونحوها وتليها الرواتب (^٢) والله أعلم، ذكره صاحب تهذيب النفوس، وقال بعضهم: المراد بالرواتب السنن التابعة للفرائض وفيها\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٩٩).\n(^٢) انظر العزيز شرح الوجيز (٢/ ١١٦)، روضة الطالبين (١/ ٣٢٦).","vol":"4","page":126},{"text":"اصطلاح آخر أنها النوافل المؤقتة بوقت مخصوص فالتراويح والعيد والضحى [راتبة على] الثاني [لا] الأول (^١) والله أعلم.\nفائدة أخرى: قال العلماء: ندب الله تعالى عباده أن يأتوا بالسنن الرواتب تارة قبل الفرائض وتارة قبلها وبعدها قالوا بالتي قبلها إنما شرعت لأن الإنسان حين يلتهي بأشغال الدنيا يكون غافلا عن خدمة الملك الحق تعالى فندبه الملك إلى أنه قبل أن يدخل في فريضته التي هي بابه الذي يدخل عليه منه عبده كل يوم خمس مرات وهو صلة بينه وبينه إلى أن يأتي بنافلة حتى يتلبس بالتهييء للدخول في الفرض فإذا دخل في الفرض يكون عنده ملابسة الخير فيدخل بنشاط وإقبال فيقبل عليه الباري ﵎ بوجهه إقبال رحمة وعطف ثم شرع له السنن بعد بعض الصلوات لنقصان عسى يقع في الفرض فينجبر بالنافلة، كان سيدنا أبو القاسم القرشي ﵀ يقول: ليس لأمثالنا نوافل إنما النافلة لمن سلمت له فريضته عن النقص وهذا من بديع الكلام الحسن الجميل فإن النافلة في اللغة هي الزائدة مما لم تكن الصلاة على أكمل هيئة تكون النوافل مكملات لهن والله تعالى بلطيف حكمته ورحمته جعل سجدتي السهو جابرتين لنقص يقع في واجبات الصلاة وجعل السنن جابرة لنقص يقع في نوافل الصلاة .. فهو سبحانه يكمل نقصان عبيده ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (^٢)، ذكره أيضًا\n_________\n(^١) انظر العزيز شرح الوجيز (٢/ ١١٦) روضة الطالبين (١/ ٣٢٧) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٤٠.","vol":"4","page":127},{"text":"صاحب تهذيب النفوس.\nلطيفة أخرى: قال الشيخ شهاب الدين بن العماد في كتابه كشف الأسرار قال النيسابوري: وشرعت السنن تكملة للفرائض وتزيينا لها كما أن الحلي زينة للعروس (^١).\nتنبيه: آكد هذه الرواتب ركعتا الفجر وقولي هذه الرواتب احترزت به عن الوتر فهو أفضل من ركعتي الفجر على الأصح من قولي الشافعي وهو مذهب مالك لأن أبا حنيفة يرى بوجوب الوتر ولم يوجب ركعتي الفجر، وما اختلف في وجوبه آكد مما لم يختلف [والمراد:] مقابلة [الجنس] بالجنس، ولا يبعد أن يجعل الشارع العدد القليل أفضل من العدد [الكثير مع اتحاد النوع] بدليل [القصر] في السفر فمع اختلافه أولى، وهو [الأصح من قول الشافعي وهو مذهب مالك] والقول الآخر وهو [قول للشافعي] تفضيل ركعتي الفجر للحديث (^٢)، ولم أر لأصحابنا تعرضا لآكد الرواتب بعدهما، وفي وجه بعيد أن الوتر والفجر سواء واتفقوا على أنهما أفضل من غيرهما، وقال المالكية والحنابلة آكدهما بعدهما الركعتان بعد المغرب، ويشهد له أن الحسن البصري قال بوجوبهما أيضًا فروي محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل عن الحسن أنه كان يري الركعتين بعد المغرب واجبتين ويرى الركعتين قبل صلاة الصبح واجبتين (^٣)، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٣٠).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٣١١)، وطرح التثريب (٣/ ٣٥).\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة (٦٣٣١)، ومختصر قيام الليل (ص ٧٩).","vol":"4","page":128},{"text":"سعيد بن جبير قال: لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي (^١)، وأما الآكد بعدهما فيحتمل أنهما الركعتان بعد العشاء لأنهما من صلاة الليل وهي أفضل، ويحتمل أنه سنة الظهر لاتفادتى الروايات عليها قاله في شرح الأحكام (^٢).\n\n٨٤٠ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ثابر عَن ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة دخل الْجنَّة أَرْبعا قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ بعْدهَا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه. وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلهم من رِوَايَة الْمُغيرَة بن زِيَاد عَن عَطاء عَن عَائِشَة وَقَالَ النَّسَائِيّ هَذَا خطأ وَلَعَلَّه أَرَادَ عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان فصحف ثمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان عَن أم حَبِيبَة وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح لم يسمعهُ من عَنْبَسَة (^٣). انْتهى.\nثابر بالثاء الْمُثَلَّثَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة ثمَّ رَاء أَي لَازم وواظب.\nقوله: وعن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله -ﷺ-: \"من ثابر على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة\" الحديث، ثابر: بالثاء المثلثة وبعدها ألف وباء موحدة ثم راء أي لازم\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة (٥٩٣٦)، ومختصر قيام الليل (ص ٧٩).\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ٣٥).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١١٤٠)، والترمذي (٤١٤)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٥٠٥ (١٨١٠) و٣/ ٥٠٧ (١٨١١) والكبرى (١٤٧١) و(١٤٧٢) و(١٤٧٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٨٠).","vol":"4","page":129},{"text":"وواظب، أ. هـ قاله المنذري، وقال ابن الأثير: المثابرة: الحرص على الفعل والقول وملازمتهما (^١)، أ. هـ، هذا الحديث قد رواه النسائي عن ابن جريج عن عطاء عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة، وليس في الصحيح لعنبسة عن أم حبيبة إلا هذا الحديث قاله الإمام أبو بكر ابن عبد الله الجوزقي (^٢) قاله شارح مشارق الأنوار، وقال في الديياجة بعد [الحديث] وكان عنبسة محافظا على العمل بهذا الحديث [كما] ذكره مسلم في آخر الحديث (^٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٠٦).\n(^٢) أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا (الجوزقي) (٣٠٦ هـ - ٣٨٨ هـ) وكتابه اسمه الصحيح من الأخبار في ذكر أحاديث النبي المختار (الجمع بين الصحيحين) أو متفق الصحيحين.\n(^٣) انظر شرح مسلم (٦/ ٩).","vol":"4","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الترغيب في المحافظة على ركعتين قبل الصبح</span>\n٨٤١ - وَعَن عَائِشَة -﵂- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَفِي رِوَايَة لمُسلم لَهما أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا جَمِيعًا (^١).\nقوله: عن عائشة، تقدمت ترجمتها.\nقوله -ﷺ-: \"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها\" الحديث، قال النووي: معناه أنها خير من متاع الدنيا وما فيها (^٢) لما يتذكر من عظيم رحمة الله تعالى لأمته في ذلك الوقت (^٣)، وقيل: معناه أن الناس عند قيامهم من نومهم يبتدرون معاشهم وكسبهم فأعلمهم أنها خير من الدنيا وما فيها فضلا عما عساه أن يحصل لهم منها فلا يتركونها ويشتغلوا به، ولأن عددها لا يزيد ولا ينقص فأشبهت الفرائض ولأنها تتقدم على متبوعها والوتر يتأخر عنه وما تقدم على متبوعه أولى ولأنها تبع الصبح والوتر تبع العشاء والصبح آكد من العشاء أ. هـ قاله الكمال الدميري (^٤)، وفيه: إيذان وتنبيه على أن كل عبادة وإن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٦ و٩٧ - ٧٢٥)، والترمذي (٤١٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٣١١).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"4","page":131},{"text":"قلت خير مما حوته الدنيا بأسرها، والشافعي في القديم فضل ركعتي الفجر على الوتر (^١)، واحتج له أصحابه بهذا الحديث وعضدوه بقوله -ﷺ-: \"صلوها ولو طردتكم الخيل\" (^٢) يتأكد ذلك أيضًا بأنه -ﷺ- لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر (^٣)، التعاهد: الاحتفاظ بالشيء والملازمة له (^٤)، وذهب الحسن البصري إلى وجوبهما، أ. هـ، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام (^٥).\nلطيفة: قال بعض العارفين: إذا قال النبي -ﷺ- في ركعتي الفجر إنهما خير من الدنيا وما فيها فما ظنك بصلاة الصبح التي هي الفرض فإنه قيل: كل فرض يعدل سبعين نافلة فما أشقى من حرمه الله تعالى هذا الفضل الكثير ليت شعري بماذا يتعرض المغبون عن هذا الفضل المكنون، ولله در القائل:\nمِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِذَا ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ ... وَمَا مِنَ اللهِ إِنْ ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ\n\n٨٤٢ - وعنها -﵂- قَالَت لم يكن النَّبِي -ﷺ- على شَيْء من النَّوَافِل أَشد تعاهدا مِنْهُ على رَكْعَتي الْفجْر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَت مَا رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- إِلَى\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٢٦) وطرح التثريب (٣/ ٣٥)، والنجم الوهاج (٢/ ٣١١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٥)، وأبو داود (١٢٥٨)، والطحاوي في معانى الآثار (١٧٨٢) عن أبي هريرة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣١٩).\n(^٣) انظر الحديث التالي من الترغيب.\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ١٠٤).\n(^٥) رياض الأفهام (١/ ٦٥٦)، وطرح التثريب (٣/ ٣٥).","vol":"4","page":132},{"text":"شَيْء من الْخَيْر أسْرع مِنْهُ إِلَى الرَّكعَتَيْنِ قبل الْفجْر وَلَا إِلَى غنيمَة (^١).\nقوله: وعنها، تقدم الكلام على مناقبها -﵂-.\nقولها: لم يكن النبي -ﷺ- على شيء من النوافل أشد تعاهدا من ركعتي الفجر، وفي لفظ: \"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها\" الحديث، وتقدم، ويؤخذ من هذا الحديث تفضيل ركعتي الفجر على ما سواهما من النوافل التي لم تشرع فيها الجماعة وهو كذلك فركعتا الفجر أفضل الرواتب المؤكدة والرواتب المؤكدة أفضل من صلاة التراويح على الأصح وإن استحب فيها الجماعة لأنه -ﷺ- واظب عليها ولم يواظب على التراويح، وقال القاضي أبو الطيب والرواتب المؤكدة أفضل من صلاة الجنازة، ووجه ما قاله أن صلاة الجنازة لا سجود فيها ولا ركوع وقضية ذلك تفضيل سائر النوافل على صلاة الجنازة إلا أن يجود في التعليل النوافل تفيد التأكيد، واختلفوا في الوتر وركعتي الفجر، وللشافعي قدس الله سره في ذلك قولان أصحهما أن الوتر أفضل لأنه اختلف في وجوبه، وما اختلف العلماء في وجوبه كان آكد من غيره لقربه من الفريضة؛ والثاني: أن ركعتي الفجر أفضل لهذا الحديث ولقوله -ﷺ-: \"ركعتا الفجر خير من الدنيما وما فيها\" وما ذكر من العلة المرجحة عورض بأن الحسن البصري يقول بوجوب ركعتي الفجر أيضًا، وتقدم ذلك وبأن ركعتي الفجر تفعل في وقت الغفلة وفي وقت حلاوة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٦٩)، ومسلم (٩٤ - ٧٢٣)، وأبو داود (١٢٥٤)، والنسائي في الكبرى (٤٥٦)، وابن خزيمة (١١٠٨) و(١١٠٩).","vol":"4","page":133},{"text":"النوم وهو وقت السحر وقد مدح الله تعالى أقوامًا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^١) والوتر تفعل قبل النوم وفي وقت انتشار الناس غالبًا، وللأول أن يجيب عن الحديث الأول بأن المراد أنه -ﷺ- لم يكن على شيء من النوافل التابعة للفرائض وهي العشر ركعات والوتر ليس منها لأنه عبادة مستقلة، ولهذا لا ينوي به سنة العشاء، وعن الرواية الثانية أن المراد بالدنيا وما فيها من الأعراض الدنيوية دون العبادات فلا يلزم تفضيله على الوتر ويدل عليه قوله -ﷺ-: \"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم\" (^٢) فالمراد تفضيله على ذلك لأعلى العبادات (^٣).\nفإن قيل: فلا خصوصية حينئذ للفجر لأن كل عبادة كذلك بل التسبيحة الواحدة خير من الدنيا وما فيها لبقاء ثوابها في الآخرة وذهاب الدنيا وانقراضها، فالجواب: أن ركعتي الفجر إنما خصت بالذكر والتفضيل لمعنى وهو أن الناس في أول النوع غالبا ينتشرون في طلب الدنيا ويسعون في معايشهم وكثير منهم يشتغل عن الصلاة وبعضهم يصلي الصبح ويدع الفجر مخافة أن يفوته الكثير فخوطب هؤلاء بأن الذي تركوه من ركعتي الفجر خير لهم من الدنيا وما فيها ومن المعلوم أن أحدا من هؤلاء لا يحصل له جميع\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤١١٢) والترمذي (٢٣٢٢) عن أبي هريرة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٧٩٧) وصحيح الترغيب (٧٤) و(٣٢٤٤).\n(^٣) انظر العدة (١/ ٣٦٨)، ورياض الأفهام (١/ ٦٥٧ - ٦٥٨)، والإعلام (٢/ ٤١٣ - ٤١٨).","vol":"4","page":134},{"text":"الدنيا وإنما ذلك مبالغة، وبين -ﷺ- أن الدنيا لو تصور حصولها لإنسان قد فاتته ركعتا الفجر لكان مغبونا بفوات ما هو خير مما حصل له، ومما يدل على تأكد ركعتي الفجر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل\" الحديث، وتقدم.\n\n٨٤٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل يَنْفَعنِي الله بِهِ قَالَ عَلَيْك بركعتي الْفجْر فَإِن فِيهَا فَضِيلَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَا تدعوا الرَّكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْفجْر فَإِن فيهمَا الرغائب وروى أَحْمد مِنْهُ وركعتي الْفجْر حَافظُوا عَلَيْهِمَا فَإِن فيهمَا الرغائب (^١).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"الركعتين قبل صلاة الفجر فإن فيهما الرغائب\" أي: ما يرغب فيه من الثواب العظيم، وبه سميت صلاة الرغائب .. واحدتها رغيبة، أ. هـ، قاله ابن الأثير (^٢)، وقال أبو شامة المقدسي وهو أحد مشايخ النووي (^٣):\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٨٢ (٥٥٤٤)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨ رقم ١٣٥٠٢) و(١٣/ ٣٣٧ رقم ١٤١٤٧)، والأوسط (٣/ ٢١٦ رقم ٢٩٥٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢١٧): \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن البيلماني؛ وهو ضعيف\". وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٩١١) و(٥٢٤١) وضعيف الترغيب (٣١٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٣٨).\n(^٣) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٤٢).","vol":"4","page":135},{"text":"الرغائب جمع رغيبة وهي العطاء الكثير قال الشاعر: أنشد الجوهري عجزا (^١):\nوَمَتى تصبك خصَاصَة فارج الْغنى ... وَإِلَى الَّذِي يُعْطِي الرَّغَائِبَ فَارْغَبِ\nوقال شمر: الرغائب ما يرغب فيه الواحدة رغيبة (^٢) يعني الثواب العظيم فكأنها سميت بذلك لأجل العطايا الحاصلة لمصليها (^٣)، أ. هـ.\n\n٨٤٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ أَوْصَانِي خليلي -ﷺ- بِثَلَاث بِصَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر وَالْوتر قبل النّوم وركعتي الْفجْر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد وَغَيره خلا قَوْله وركعتي الْفجْر وَذكر مكانهما رَكْعَتي الضُّحَى (^٤) وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: عن أبي الدرداء، واسمه عويمر تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أوصاني خليلي -ﷺ- بثلاث بصوم ثلاثة أيام من كل شهر والوتر قبل النوم وركعتي الفجر\" الحديث، وأن المؤمنين أخلاؤه وأما هو فإنه خليل الرحمن [وأما قوله خليلي] فهذا لا يخالف قوله -ﷺ-: \"لو كنت متخذا من\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ١٣٧) والبيت بتمامه لتولب بن النمر كما في طبقات فحول الشعراء لابن سلام (١/ ١٦١).\n(^٢) الغريبين (٣/ ٧٥٦).\n(^٣) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٤٢).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير كما في جامع المسانيد (٩/ ٣٥٥ رقم ١٢٠٤٠). ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد: ٢/ ٢١٧. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣١٧).","vol":"4","page":136},{"text":"أمتي خليلًا\" (^١) الحديث لأن الممتنع أن يتخذ النبي -ﷺ- غيره خليلا ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبي -ﷺ- خليلا، وفي هذا الحديث الحث على ركعتي الفجر والحث على صوم ثلاثة أيام من كل شهر كأن الحسن بعشر أمثالها والحث على الوتر وتقديمه على النوم لمن خاف أن لا يستيقظ آخر الليل (^٢)، وسيأتي الكلام على صوم ثلاثة أيام من كل شهر في بابه وعلى الوتر قريبا في بابه إن شاء الله تعالى.\n\n٨٤٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع الْقُرْآن وَكَانَ يقرؤهما فِي رَكْعَتي الْفجْر وَقَالَ هَاتَانِ الركعتان فيهمَا رغب الدّرّ رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ (^٣).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٦) و(٣٦٥٤) و(٣٩٠٤)، ومسلم (٢ - ٢٣٨٢) عن أبي سعيد.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٣٤).\n(^٣) أخرجه ابن وهب في الجامع (٣٤٩)، والطبراني في الأوسط (١/ ٦٦ رقم ١٨٦) والكبير (١٣/ ١٨٧ رقم ١٣٨٩٤) وابن عدي في الكامل (٧/ ١٩٠). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢١٨: رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى بنحوه وقال: عن أبي محمد عن ابن عمر، وقال الطبراني: عن مجاهد عن ابن عمر ورجال أبي يعلى ثقات. وقال في ٧/ ١٤٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن زحر، وثقه جماعة وفيه ضعف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٨٣).","vol":"4","page":137},{"text":"الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن فكان يقرأ بهما في ركعتي الفجر\" قال العلماء -﵃-: يستحب أن يقرأ في ركعتي الفجر بهاتين السورتين، ولرواية ابن عمر أيضا، وقال: رمقت النبي -ﷺ- شهرا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، رواه أبو داود وأحمد (^١).\n\n٨٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تدعوا رَكْعَتي الْفجْر وَلَو طردتكم الْخَيل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nفائدة: والحكمة في قراءة هاتين السورتين لما فيهما من ذكر الإيمان وإخلاص التوحيد فإن سورة قل يا أيها الكافرون لنفي الشريك عن الله وسورة الإخلاص لإثبات التوحيد فالسورتان هما معنى كلمة التوحيد فاجتمع فيهما معنى قول لا إله إلا الله، وقال ابن الأثير في النهاية (^٣) يقال: لسورتي قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد المقشقشتان أي: المبرئتان من النفاق والشرك كما يبرأ المريض من علته يقال: قد تقشقش المريض إذا أفاق وبرأ، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٩٤ (٥٦٩١)، وابن ماجه (١١٤٩)، والترمذي (٤١٧)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣٩٥ (١٠٠٤)، وابن حبان (٢٤٥٩). وصححه الألباني في المشكاة (١/ ٢٦٨) صحيح أبي داود (١١٤٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٤٠٥ (٩٢٥٣) و(٩٢٥٨)، وأبو داود (١٢٥٨)، والطحاوي في معاني الآثار (١٧٨٢) عن أبي هريرة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣١٩).\n(^٣) النهاية (٤/ ٦٦).","vol":"4","page":138},{"text":"وقال القرطبي في كتابه التذكار (^١): روى الوائلي من حديث جابر بن عبد الله أن رجلا قام فقرأ في ركعتي الفجر فقرأ في الركعة الأولى قل يأيها الكافرون حتى انقضت السورة فقال النبي -ﷺ- \"هذا عبد آمن بربه\" ثم قرأ في الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى انقضت السورة فقال النبي -ﷺ- هذا عبد عرف ربه، قال طلحة: استحب أن أقرأ هاتين السورتين في هاتين الركعتين (^٢) أ. هـ.\nوفي فائدة: هل الأولى الجمع بين ما ورد فيهما أو الاقتصار على هذا مرة وعلى هذا مرة الظاهر الثاني لكن الجمع لم يرد ويحتمل أن [بياض] (^٣) الإمام للصبح، فلا يطول عليهم وعليه يحمل تخفيفه ﵇ بخلاف المنفرد فإنه يطول لنفسه ما شاء كما في نظائره من دعاء الاستفتاح والأذكار وغيرهما والله أعلم قاله في شرح الإلمام، وفي كتاب وسائل الحاجات للغزالي يحسن أن يقرأ في سنة الصبح في الأولى ألم نشرح، وفي الثانية: ألم تر كيف فعل، يعني سورة الفيل، فإن ذلك يرد شر ذلك اليوم (^٤)، أ. هـ، وقال العلماء أيضًا: يستحب أن يقرأ فيهما بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ (^٥) إلى آخر الآية، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ\n_________\n(^١) التذكار (ص ٢١٦).\n(^٢) أخرجه الطحاوي في معاني الآثار (١٧٧٤)، وابن حبان (٢٤٦٠). وصححه الألباني في صفة الصلاة (ص ١١٢).\n(^٣) بياض بمقدار كلمة.\n(^٤) تفسير الثعالبي (٥/ ٦٢٨)، والإعلام (٢/ ٤١٠)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٨٧).\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ١٣٦.","vol":"4","page":139},{"text":"الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (^١) إلى آخر الآية (^٢)، قد ورد الأمران في الصحيح لكن الأول أفضل لأن قراءة السورة الكاملة أفضل من قراءة بعض سورة كما صرح به أصحابنا، وذلك لأن الوقف على آخر السورة صحيح بالقطع بخلاف البعض فإنه قد يخفى عليه الوقف فيه فيقف في غير موضعه والله أعلم قاله النووي (^٣) وكذا الرافعي قال: لخفاء الارتباط (^٤).\nتنبيه: قال العلماء: يستحب تخفيف ركعتي الفجر لحديث عائشة -﵂- قالت: كان النبي -ﷺ- يخفف الركعتين بالليل قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا، متفق عليه (^٥) لأنهما عقب النوم، والسنة والسنة أن يفتتح المتيقظ صلاته بركعتين خفيفتين كما رواه مسلم (^٦)، ولذلك ولذلك بالغ بعض السلف فقال: لا يقرأ فيهما شيئا أصلا، وقال مالك وجمهور أصحابه: لا يقرأ فيهما غير الفاتحة، وحكاه ابن عبد البر عن أكثر العلماء (^٧)، وقال الشافعي والإمام أحمد بن حنبل والجمهور كما حكاه عنهم\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٣٤.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٩ و١٠٠ - ٧٢٧) عن ابن عباس.\n(^٣) المجموع (٢/ ١٣٧)، و(٣/ ٣٨٥)، طرح التثريب (٣/ ٤٦).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٦٧) طرح التثريب (٣/ ٤٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (١١٧١) ومسلم (٩٢ - ٧٢٤).\n(^٦) أخرجه مسلم (١٩٨ - ٧٦٨) عن أبي هريرة.\n(^٧) طرح التثريب (٣/ ٤٦).","vol":"4","page":140},{"text":"عنهم النووي: يستحب أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة (^١) والله أعلم.\nتنبيه: أيضًا قال العلماء رضي الله تعالى عنهم: يستحب الاضطجاع بعدهما على جنبه الأمن يعني بعد ركعتي الفجر ضجعة خفيفة قبل صلاة الصبح لما رواه أبو داود والإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا صلى أحدكم الركعتين فليضطجع على جنبه الأيمن\" الحديث (^٢) وسواء كان تهجد بالليل أم لا، قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يتعين الاضطجاع في تأدي السنة بل متى فصل باضطجاع أو حديث أو نحوهما حصلت السنة، ويدل على ذلك ما روى عن عائشة -﵂- قال: كان النبي -ﷺ- إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع\" متفق عليه (^٣)، وقال الخفاف: الخفاف: السنة أن لا يتكلم بينهما، قال ابن الصلاح: ولا أدري من أين قال هذا، وقال الترمذي: كره بعض الصحابة وغيرهم: الكلام حينئذ إلا ما كان من ذكر الله تعالى أو ما لا بد له منه، وهو قول أحمد وإسحاق (^٤).\nفائدة: وقد اختلف في هذه الضجعة، فمن العلماء من قال هي سنة وقد فعلها أبو موسى ورافع بن خديج وجمهور العلماء وكرهها إبراهيم وابن مسعود والنخعي، وقيل: إنها فعلت في وقت وتركت في وقت، وأوجبها\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٤٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٩٣٦٨)، وأبو داود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠)، وابن خزيمة (١١٢٠)، وابن حبان (٢٤٦٨). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١١٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٦٧) و(١١٦٨) ومسلم (١٣٣ - ٧٤٣).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٧)، وطرح التثريب (٣/ ٥٣ - ٥٤).","vol":"4","page":141},{"text":"الظاهرية وذهب مالك وجماعة من الصحابة، وذهب مالك وجماعة من الصحابة إلى أنها بدعة، قال القاضي عياض وفي مسلم أنه كان يضطجع بعد صلاة الليل رد على الشافعي وأصحابه في أنها سنة بعد الفجر وأشار إلى أن الرواية بذلك من [الراوى خطأ فى] الرواية فإنها قبل الفجر [فهى أرجح] قال النووي (^١): والصحيح أو الصواب أنها سنة لحديث أبي هريرة المذكور ولا يلزم من اضطجاعه قبلها أن لا يضطجع بعدها وعلى [القول بأنه سنة] فاختلف في حكمتها فقيل لأنها للفصل بين الفرض والنفل و[على] هذا فيقوم مقامهما الكلام والانتقال إلى مكان آخر، وقيل: للراحة من تعب القيام (^٢) فمن قام ندب له وإلا فلا، ولم يستحبها الحنفية ولا التكلم بعد الفجر بل يسكتون إلى أن يواصلوا بينهما وبين الصبح، قالوا لأنه وقت استغفار قلنا: يستغفر [نعم] وأما المنع من الكلام فلا، وقال قوم من المالكية هي خاصة بالنبي -ﷺ- علل ابن أبي جمرة ذلك فإنه من آثار التجلي والمناجاة لا يستلزم مخاطبته [بياض بالأصل] (^٣) يضطجع [بياض بالأصل] (^٤) بشريته وحينئذ يخرج إليهم [بياض بالأصل] (^٥) أ. هـ، قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٩).\n(^٢) شرح الصحيح (٣/ ١٥١)، والكواكب الدراري (٦/ ٢٠٩).\n(^٣) بياض بمقدار كلمتين.\n(^٤) بياض بمقدار كلمة.\n(^٥) بياض بمقدار كلمة.","vol":"4","page":142},{"text":"فرع: ولو فاتته ركعتا الفجر استحب قضاؤهما وحدهما أو مع الصبح إن فاتته لأنه -ﷺ- قضاهما مع الصبح حين خرج من الوادي (^١)، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- \"من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس\" رواه الترمذي (^٢)، ولهذا قال العلماء في كتب الفقه، ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء قضاه في أصح القولين (^٣).\nفرع: جزم المتولي بكراهة التنفل بين سنة الفجر وفرضه، ورأيت في بعض الشروح: واختلف الأصحاب في جواز الزيادة على ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس على ثلاثة أوجه والأصح جواز النافلة قبلها وبعدها ما لم يصل الفرض، وقيل: لا يزيد على ركعتي الفجر، وقيل: يصلي النافلة قبلها ولا يصلي بعدها أ. هـ.\nفائدة: نهى النبي -ﷺ- أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام وخصوصا سنة الفجر، فإنه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة ولهذا تشرع صلاتها في البيت والاضطجاع بعدها كما تقدم تقريره، ولما رأى النبي -ﷺ- رجلًا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر فقال له: \"الصبح أربعًا؟ \" (^٤)، وفي مسند الإمام أحمد أنه -ﷺ- قال: \"افصلوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر\" (^٥)، وفي سنن أبي داود أن رجلًا صلى مع النبي -ﷺ- العشاء فلما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣١١ - ٦٨١) عن أبي قتادة وفيه: ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله -ﷺ- ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٤٢٣). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٦١).\n(^٣) التنبيه (ص ٣٤)، وكفاية النبيه (٣/ ٣٣٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٦٣)، ومسلم (٦٥ و٦٦ - ٧١١) عن عبد الله بن مالك ابن بحينة.\n(^٥) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤٥ (٢٢٩٢٧).","vol":"4","page":143},{"text":"فلما سلم قام فشفع فوثب إليه عمر -﵁- فأخذ بمنكبيه فهزه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن لصلاتهم فصل فرفع النبي -ﷺ- بصره فقال: \"أصاب الله بك يا ابن الخطاب\" (^١) أ. هـ، قاله في مختصر الكفاية (^٢).\nفائدة أيضًا: قال ابن العماد في القدوة بين الإمام والمأموم المصلي إذا صلى الركعتين اللتين قبل الفجر فله في نيتهما عشر كيفيات: (سنة الصبح، سنة الفجر، سنة البرد، سنة الوسطى، سنة الغداة، وله أن يحذف لفظ السنة ويضيف فيقول: ركعتي الصبح، ركعتي الفجر، ركعتي البرد، ركعتي الوسطى، ركعتي الغداة) (^٣).\nفرع: يدخل وقت ركعتي الفجر بطلوع الفجر ويبقى إلى طلوع الشمس، هذا هو الأصح، قال الشيخ أبو حامد: ومن طلوع الفجر إلى فعل الفرض وقت الاختيار وبعده إلى الشمس وقت الجواز، وفي وجه قيل: إنه ظاهر النص، ويبقى وقتهما إلى الزوال وعكسه وجه صحيح في التتمة أنها تفوت بفعل الصبح لأنه لم ينقل عنه -ﷺ- تأخيرها عن الفريضة، والغزالي لما تكلم في قضاء الفوات قال: أما ركعتي الفجر فتؤدي بعد صلاة الصبح ولا تكون قضاء فإن تقديمها أدب، وهذه عبارة الجويني واستحسنها الإمام وأيده بأن الأئمة متفقون على أنها تفعل بعدها ولو كانت تفوت بصلاة الصبح لاختلفوا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٠٠٧)، والحاكم (١/ ٢٧٠). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٩٢٢/ م) والصحيحة (٣١٧٣).\n(^٢) انظر لطائف المعارف (ص ١٤٥).\n(^٣) القدوة (ص ١٨٠).","vol":"4","page":144},{"text":"فيها كما اختلفوا في قضاء الفوائت، أ. هـ قاله في مختصر الكفاية (^١).\nفرع: صلاة الصبح أفضل الصلوات وآكدها في المحافظة عليها وهي الصلاة الوسطى عندنا لأنها بين صلاتين ليليتين وصلاتين نهاريتين يجمعان ويقصران وهي لا تجمع ولا تقصر، وقيل: غير ذلك، قال الإمام: واللائق لمحاسن الشريعة أن لا تبنى على تعيين ليحرص الناس على أداء جميع الصولات كليلة القدر وصحح هذا الاحتمال القاضي حسين ومجموع ما قيل فيها: سبعة عشر قولا جمعها الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه قاله الكمال الدميري في كتاب الصلاة (^٢) والله أعلم.\nفرع أيضًا: يستحب أن يقول بعد أذان الصبح: اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار [ليلك] وأصوات دعاتك فاغفر لي، وعند إقبال الليل: اللهم هذا إقبال ليلك إلى آخره لما روى أبو داود والترمذي عن أم سلمة أن النبي -ﷺ- علمها ذلك (^٣).\nفائدة في تاريخ أصبهان: عن أم سلمة أن النبي -ﷺ- كان يقول بعد صلاة الفجر اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا، وبه قال الخضري من أصحابنا ونص عليه الشافعي وفي كتاب ابن السني عن أبي المليح، واسمه عامر بن أسامة عن أبيه أنه صلى ركعتي الفجر\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٣٠٤).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١٧ - ١٨).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٦٦).","vol":"4","page":145},{"text":"وأن رسول الله -ﷺ- صلى قريبا منه صلى ركعتين خفيفتين ثم سمعه يقول وهو جالس: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد النبي -ﷺ- أعوذ بك من النار ثلاث مرات (^١)، وقال الشيخ الإمام محمد بن علي بن حكيم الترمذي: رأيت رب العزة ﷻ في المنام وسألته كل مرة إني أخاف زوال الإيمان فأمرني كل مرة بهذا التسبيح بين الفجر والفريضة إحدى وأربعين مرة يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا الله لا إله إلا أنت أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك يا الله يا الله يا الله برحمتك يا أرحم الراحمين (^٢)، ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة أن من أدمن من قول يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت أورثه ذلك حياة القلب العقل، وكان بعض الحفاظ شديد اللهج بها جدا وكان يقول: لهذين الاسمين وهما الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم وكان يقول: من واظب على أن أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه، قاله في تهذيب النفوس (^٣).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(^٢) نزهة المجالس (٢/ ٣٦).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٤٤٦).","vol":"4","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الترغيب في الصلاة قبل الظهر وبعدها</span>\n٨٤٧ - عَن أم حَبِيبَة -﵂- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول: \"من يحافظ على أَربع رَكْعَات قبل الظّهْر وَأَرْبع بعْدهَا حرمه الله على النَّار\" رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة الْقَاسِم أبي عبد الرَّحْمَن صَاحب أبي أُمَامَة عَن عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان عَن أم حَبِيبَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَالقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن شَامي ثِقَة (^١) انْتهى.\nوَفِي رِوَايَة للنسائي فتمس وَجهه النَّار أبدا (^٢). وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن مُحَمَّد بن أبي سُفْيَان عَن أُخْته أم حَبِيبَة (^٣). قَالَ الْحَافِظ -﵁- وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَةِ فِي صَحِيحه أَيْضا وَغَيرهم من رِوَايَة مَكْحُول عَن عَنْبَسَة وَمَكْحُول لم يسمع من عَنْبَسَة. قَالَه أَبُو زرْعَة وَأَبُو مسْهر وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَحسنه وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الله الشعيثي عَن أَبِيه عَن عَنْبَسَة وَيَأْتِي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧٤٠٣)، وأبو داود (١٢٦٩)، والترمذي (٤٢٨)، والنسائي في الكبرى (١٤٨٤) و(١٤٨٥) و(١٤٨٦) و(١٤٩١) والمجتبى ٣/ ٥١٨ (١٨٢٨) و٣/ ٥٢١ - ٥٢٢ (١٨٣٠ و١٨٣١ و١٨٣٢). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١١٥٢) وصحيح الترغيب (٥٨٤).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١٤٨٩) و(١٤٩٠) والمجتبى ٣/ ٥٢٠ (١٨٢٩) و٣/ ٥٢٢ (١٨٣٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٨٤).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١١٩٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٨٤).","vol":"4","page":147},{"text":"الْكَلَام على مُحَمَّد.\nقوله: عن أم حبيبة، أم حبيبة هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، اسمها: رملة، وقيل: هند والصحيح المشهور أن اسمها رملة وبه قال الأكثرون كنيت بابنتها حبيبة بنت عبيد الله بن جحش، وكانت من السابقين إلى الإسلام (^١) تقدم الكلام عليها في أول كتاب النوافل مطولا.\nقوله -ﷺ-: \"من يحافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار\" وفي رواية للنسائي: \"فتمس وجهه النار أبدا\" ولما روى مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة -﵂- عن تطوع رسول الله -ﷺ- فقالت: \"كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين\" (^٢) الحديث، رواه أبو داود والنسائي والترمذي، ففي سنة الظهر ثلاثة أوجه: ركعتان قبل وركعتان بعد، أو أربع قبل وركعتان بعد، أو أربع قبل وأربع بعد، وهذا ما حكاه ابن القاص وغيره (^٣) والله أعلم؛ هذا الحديث حجة لمن قال الراتبة قبل الظهر أربعا وبعدها أربعا، قال الدميرى ففي الفتاوي [للنووى] (^٤) أن الأربع التي قبل الظهر والتي بعدها والتي قبل العصر تجوز بتشهدين وبتشهد واحد والأفضل بتسليمتين وتشهدين\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٥ - ٧٣٠).\n(^٣) روضة الطالبين (١/ ٣٣٣)، وكفاية النبيه (٣/ ٣٠٩).\n(^٤) فتاوى النووي (ص ٥١).","vol":"4","page":148},{"text":"للحديث الذي قال فيه: \"تفصل بين كل ركعتين بالتسليم\" وهذا يشكل على ما قاله النووي في صلاة التراويح أنه لا يجوز بالاتفاق أن يجمع بين أربع ركعات بتسليم (^١).\nقوله: \"حرمه الله على النار\" الظاهر والله أعلم أن سبب تحريم الجسد على النار بالمحافظة على هذه السنة لا [بياض بالأصل] (^٢) لفريضة مرتين بخلاف [بياض بالأصل] (^٣) الفرائض فالصبح سنتها ركعتان والعصر أربع والمغرب ركعتان أو أربع قبل الظهر وبعدها كانت هذه الثمان ركعات سببًا [لتحريمه على النار]، [بياض بالأصل] (^٤) يحتمل أن يشترط ذلك بعدم غشيان الكبائر وحقوق العباد، وحينئذ يحمل على تحريم الخلود أ. هـ.\nفرع: سنة الجمعة كسنة الظهر على الصحيح ففيها الأوجه الثلاثة المذكورة (^٥).\nفرع: ما قبل الفريضة يدخل وقته بدخول وقت الفريضة وما بعدها يدخل وقته بفعل الفريضة ويبقى وقتهما على خروج وقت الفريضة فإذا خرج فاتا ففي قضائهما الخلاف.\nقوله: من رواية القاسم وقد ذكره الحافظ ﵀.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٩).\n(^٢) بياض بمقدار كلمة.\n(^٣) بياض بمقدار كلمة.\n(^٤) بياض بمقدار سطر ونصف.\n(^٥) روضة الطالبين (١/ ٣٣٣)، وكفاية النبيه (٣/ ٣٠٩).","vol":"4","page":149},{"text":"٨٤٨ - وَرُوِيَ عَن أبي أَيُّوب -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَربع قبل الظّهْر لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيم تفتح لَهُنَّ أَبْوَاب السَّمَاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَفِي إسنادهما احْتِمَال للتحسين (^١) وَرَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَلَفظه قَالَ لما نزل رَسُول الله -ﷺ- عَليّ رَأَيْته يديم أَرْبعا قبل الظّهْر وَقَالَ إِنَّه إِذا زَالَت الشَّمْس فتحت أَبْوَاب السَّمَاء فَلَا يغلق مِنْهَا بَاب حَتَّى تصلى الظّهْر فَأَنا أحب أَن يرفع لي فِي تِلْكَ السَّاعَة خير (^٢).\nقوله: وروى عن أبي أيوب تقدم الكلام على أبي أيوب.\nقوله -ﷺ-: \"أربع قبل الظهر ليس فيهن تسلين يفتح لهن أبواب السماء\" تقدم الكلام على الأربع ركعات قبل الظهر، وتقدم ما قاله النووي في فتاويه.\n\n٨٤٩ - وَعَن قَابُوس -﵁- عَن أَبِيه قَالَ أرسل أبي إِلَى عَائِشَة -﵂- أَي صَلَاة رَسُول الله -ﷺ- كَانَ أحب إِلَيْهِ أَن يواظب عَلَيْهَا قَالَت كَانَ يُصَلِّي أَرْبعا قبل الظّهْر يُطِيل فِيهِنَّ الْقيام وَيحسن فِيهِنَّ الرُّكُوع وَالسُّجُود رَوَاهُ ابْن مَاجَه وقابوس هُوَ ابْن أبي ظبْيَان وثق وَصحح لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وَغَيرهم لَكِن الْمُرْسل إِلَى عَائِشَة مُبْهَم (^٣) وَالله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١١٥٧) وأبو داود (١٢٧٠). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١١٥٣) وصحيح الترغيب (٥٨٥)، وضعف الألباني لفظة ليس فيهن تسليم كما في ضعيف الترغيب (٣٢٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٢١ - ١٢٢ رقم ٢٦٧٣) والكبير (٤/ ١٦٩ رقم ٤٠٣٥). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٨٥).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١١٥٦). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٨٦).","vol":"4","page":150},{"text":"قوله: وعن قابوس عن أبيه، وقد ذكر الحافظ أباه فقال: هو أبو طنبار وثق وصحح له الترمذي وغيره.\nقوله: أرسل أبي إلى عائشة -﵂- أي صلاة رسول الله -ﷺ- كان أحب إليه أن يواظب عليها قالت: \"كان يصلي أربعا قبل الظهر يطيل فيهن القيام ويحسن فيهن الركوع والسجود\" الحديث؛ تنبيه: ما الحكمة في تخفيف ركعتي الفجر وتطويل الأربع قبل الظهر، الحكمة في ذلك من وجهين أحدهما: استحباب التغليس في الصبح واستحباب الإبراد في الظهر، والثاني: أن ركعتي الفجر تفعلان بعد طول القيام في الليل فناب تخفيفهما وسنة الظهر ليس قبلها إلا سنة الضحى ولم يكن ﵊ يواظب عليها ولم يرد تطويلهما فهي رافعة بعد راحة (^١) والله أعلم.\n\n٨٥٠ - وَعَن عبد الله بن السَّائِب -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي أَرْبعا بعد أَن تَزُول الشَّمْس قبل الظّهْر وَقَالَ إِنَّهَا سَاعَة تفتح فِيهَا أَبْوَاب السَّمَاء فَأحب أَن يصعد لي فِيهَا عمل صَالح رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن السائب هو عبد الله بن السائب بن أبي السائب صحابي كان شريكًا للنبي -ﷺ- قبل النبوة، قدم على النبي -ﷺ- فقال له:\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٤٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤١١ (١٥٣٩٦)، والترمذي (٤٧٨). وصححه الألباني في المشكاة (١١٦٩) وصحيح الترغيب (٥٨٧).","vol":"4","page":151},{"text":"أتعرفني، قال: نعم كنت شريكا لي مرة وكنت نعم الشريك كنت لا تدارئ ولا تماري (^١)، و\"تدارئ\" مهموز معناه المدافعة، ومعناه: لم يكن عندك مدافعة في الحق (^٢) والمراد من قوله \"ولا تماري\" أي: لا تخاصم، توفي عبد الله بن السائب زمن فتنة ابن الزبير ذكره ابن عقيل في الأحكام، وأبو السائب اسمه صيفي بن عابد بالباء الموحدة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم العابد، له صحبة، وكان شريك رسول الله -ﷺ- في الجاهلية وهو والد عبد الله بن السائب، قارئ أهل مكة وله أيضًا صحبة وعنه أخذ أهل [مكة] القراءة، قرأ عليه [مجاهد] وغيره، وقيل: مجاهد [مولى السائب] ابن أبي السائب [مولى ابنه عبد الله بن السائب، وقيل: مولي قيس بن السائب المخزومي وللسائب] حديث الشركة المذكورة [عند أبي داود] وله عند النسائي حديث \"صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم\" هذا جميع ما له عندهم، وأما ولده عبد الله بن السائب فروي [بياض بالأصل] (^٣) وغيره [بياض بالأصل] (^٤) هو\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الغريب (٣/ ٣٤٩)، وابن أبي خيثمة في تاريخه ١/ ٩٤، والطبراني في الأوسط ١/ ٢٦٨ (٨٧١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٣/ ١٦٧٥، والضياء في المختارة ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٧ (٣٦٨ - ٣٧١). قال الهيثمي في المجمع ٩/ ٤٠٩: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير منصور بن أبي الأسود وهو ثقة. اهـ. وقال الحافظ في الإصابة ٢/ ٣١٤: والمحفوظ أن هذا لأبيه السائب.\n(^٢) زاد المعاد (١/ ١٥٥).\n(^٣) بياض بمقدار خمس كلمات.\n(^٤) بياض بمقدار كلمتين.","vol":"4","page":152},{"text":"السائب بن يزيد [ابن أخت النمر- وهو رجل من كندة من أنفسهم]، فالسائب بن يزيد روى له الجماعة وهو صحابي، ويقال [له ابن أخت النمر] وأبوه صحابي أيضًا، ولد السائب هذا سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي بالمدينة سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة إحدى وتسعين روى له الجماعة عن النبي -ﷺ- أحاديث اتفقا منها على حديث والبخاري على أربعة (^١).\nقوله: كان رسول الله -ﷺ- يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، الحديث، والزوال عبارة عن انحطاط الشمس بعد منتهى ارتفاعها، ويظهر ذلك بحدوث الظل (^٢).\nتنبيه: صلاة الزوال أربع ركعات تصلى بعد أن تزول الشمس قبل سنة الظهر ينوي بها سنة صلاة الزوال بتسليمة واحدة، وتجوز بتسليمتين، ومتي أخرت عن أوائله فاتت، والنووي في الرياض جعلها مضافة على راتبة الظهر لكن بوب باب سنة الظهر (^٣) والله أعلم.\nفرع: يستحب الإكثار من الأذكار وغيرها من العبادات حتى الزوال للحديث المتقدم، ويستحب كثرة الأذكار بعد وظيفة الظهر لعموم قوله\n_________\n= وانظر: أسد الغابة (٢/ ترجمة ١٩١١ و٣/ ترجمة ٢٩٦٦)، وتهذيب الكمال (١٠/ ترجمة ٢١٦٩) و(١٤/ ترجمة ٣٢٨٧).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٨).\n(^٢) كفاية النبيه (٢/ ٣٣٢).\n(^٣) رياض الصالحين (ص ٣٣٢).","vol":"4","page":153},{"text":"تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (^١) قال أهل اللغة: العشي من زوال الشمس (^٢).\nتتمة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر (^٣) الحديث فيمن كان شريك النبي -ﷺ- مضطرب جدًّا، منهم من يجعل الشركة للسائب بن أبي السائب، ومنهم من يجعلها لأبي السائب، ومنهم من يجعلها لغلس بن السائب، ومنهم من يجعلها لعبد الله بن أبي السائب، وهذا اضطراب لا يثبت به قول ولا تثبت به حجة، والسائب بن أبي السائب من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم، أ. هـ كلام أبي عمر؛ وقال الحافظ قطب الدين: وقد اختلفوا في قوله: \"كان خير شريك، كان لا يشاري ولا يماري\" فمنهم من يجعله من كلام النبي -ﷺ-، ومنهم من يجعله من قول أبي السائب في النبي -ﷺ-؛ الشمس إلى غروبها (^٤)، وقال الإمام منصور الأزهري: العشي عند العرب ما بين أن تزول الشمس إلى أن تغرب (^٥) والله أعلم.\n\n٨٥١ - وَرُوِيَ عَن ثَوْبَان -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يسْتَحبّ أَن يُصَلِّي بعد نصف النَّهَار فَقَالَت عَائِشَة -﵂- يَا رَسُول الله إِنِّي أَرَاك تسْتَحب الصَّلَاة\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٥٥.\n(^٢) الأذكار (ص ٨٦ - ٨٧).\n(^٣) الاستيعاب (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤).\n(^٤) الروض الأنف (٥/ ٣٥٠ - ٣٥١).\n(^٥) الزاهر (ص ٤٩).","vol":"4","page":154},{"text":"هَذِه السَّاعَة قَالَ تفتح فِيهَا أَبْوَاب السَّمَاء وَينظر الله ﵎ بِالرَّحْمَةِ إِلَى خلقه وَهِي صَلَاة كَانَ يحافظ عَلَيْهَا آدم ونوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِم رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: وروى عن ثوبان، تقدم الكلام على ثوبان وأنه من الموالي.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- كان يستحب أن يصلي بعد نصف النهار، فقالت عائشة -﵂-: يا رسول الله إني أراك تستحب الصلاة هذه الساعة، قال: \"تفتح فيها أبواب السماء وينظر الله ﵎ بالرحمة إلى خلقه\" المراد بنظر الله [هو رؤية الله].\n\n٨٥٢ - وَرُوِيَ عَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صلى قبل الظّهْر أَربع رَكْعَات كَأَنَّمَا تهجد بِهن من ليلته وَمن صَلَّاهُنَّ بعد الْعشَاء كمثلهن من لَيْلَة الْقدر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\nقوله: وروى عن البراء بن عازب، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى قبل الظهر أربع ركعات كأنما تهجد بهن من ليلته\"\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤١٦٦). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله -ﷺ- بهذا اللفظ إلا عن ثوبان بهذا الإسناد وعتبة بن السكن قد روى عن الأوزاعي أحاديث لم يتابع عليها، وصالح بن جبير فلا نعلم روى عنه غير الأوزاعي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٥٢) وضعيف الترغيب (٣٢١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٥٤ رقم ٦٣٣٢). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ناهض بن سالم الباهلي وغيره ولم أجد من ذكرهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٥٣) وضعيف الترغيب (٣٢٢).","vol":"4","page":155},{"text":"تقدم الكلام على أربع ركعات قبل الظهر.\n\n٨٥٣ - وَعَن بشير بن سلمَان عَن عَمْرو بن الْأنْصَارِيّ -﵁- عَن أَبِيه عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صلى قبل الظّهْر أَرْبعا كَانَ كَعدْل رَقَبَة من بني إِسْمَاعِيل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته إِلَى بشير ثِقَات (^١).\nقوله: وعن بشير بن سليمان عن عمرو الأنصاري عن أبيه [بشر بن سلمان أبو إسماعيل الكوفي الكندى ثقة وأبو عمر الأنصارى لا يعرف اسمه وذكره الطبرانى فى الصحابة].\nقوله -ﷺ-: \"من صلى قبل الظهر أربعا كان كعدل رقبة من بني إسماعيل\" تقدم الكلام على العدل.\nوقوله: \"من بني إسماعيل\" تقدم الكلام على إسماعيل وأنه أبو العرب.\n\n٨٥٤ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن حميد -﵁- عَن أَبِيه عَن جده -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ صَلَاة الهجير مثل صَلَاة اللَّيْل قَالَ الرَّاوِي فَسَأَلت عبد الرَّحْمَن بن حميد عَن الهجير فَقَالَ إِذا زَالَت الشَّمْس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي سنَده لين وجد عبد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف -﵁- (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨ رقم ٩٦٥ و٩٦٦). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢١: رواهما الطبراني في الكبير، وفيهما عمرو الأنصاري والشيخ الأنصاري ولم أعرفهما وبقية رجالهما ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٢٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٣٤ رقم ٢٨٢). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٥٤) وضعيف الترغيب (٣٢٤).","vol":"4","page":156},{"text":"قوله: وعن عبد الرحمن بن حميد عن جده [عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف القرشي الزهري، عن أبيه والسائب بن يزيد وعنه صالح بن كيسان وسليمان بن بلال وثقه أبو حاتم وأحمد وغيرهما قال ابن حبان مات سنة تسع وثلاثين ومائة بالعراق] قال المنذري: وجد عبد الرحمن هذا هو عبد الرحمن بن عوف.\nقوله -ﷺ-: \"صلاة الهجير مثل صلاة الليل\" الهجير هي التي يدعونها الأولى وهي الظهر، وإنما سمي الظهر هجيرًا لأنها تصلى في الهاجرة وهي وقت انتصاف النهار، وقيل: الهاجرة بمعنى المهجورة لأن السير يهجر فيها، ذكره في كتاب المغيث (^١)، وسميت ظهرا قيل لأنها أول صلاة ظهرت حين صلاها جبريل بالنبي -ﷺ- (^٢) أو لأنها أول صلاة وجبت بعد طلوع الشمس، ولذلك سميت الأولى (^٣)، وقيل: لأنها تفعل عند قيام الظهيرة (^٤) والله أعلم، ويستحب تعجيل صلاة الظهر في أول الوقت لأن الهاجرة والهجير شدة الحر وقوته (^٥)، وهذا الحديث يعارضه ظاهر قوله -ﷺ-: \"إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم\" (^٦) والصحيح أن الإبراد عزيمة وسنة\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٢).\n(^٣) كفاية النبيه (٢/ ٣٢٨).\n(^٤) كفاية النبيه (٢/ ٣٢٨).\n(^٥) إحكام الإحكام (١/ ١٦٥)\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٣٣) و(٥٣٦)، ومسلم (١٨٠ - ٦١٥) عن أبي هريرة.","vol":"4","page":157},{"text":"مختصة بالجماعة، فيستحب فعله (^١)، وللإبراد أربعة شروط: أن يكون الحر شديدًا، وأن يكون في بلاد حارة، وأن يصلي في جماعة، وأن يقصدها من بعد، كذا نص الشافعي في الأم، وجمهور الأصحاب على هذه الشروط الأربعة (^٢)، ولا يستحب الإبراد لمن صلى في بيته جماعة أو منفردا ولا لمن يمكنه المشي إلى المسجد في ظل، ولا الجماعة في مسجد لا يأتيهم فيه أحد، وقيل: يستحب للجميع ولو كان يقصد مسجدا لا جماعة فيه من بعد فينبغي استحباب الإبراد في حقه لأن صلاة الفريضة في المسجد أفضل من فعلها في البيت وقاصد الصلاة في المسجد كقاصد فعلها في الجماعة (^٣)، والحكمة من الإبراد [أن] الصلاة في شدة الحر والمشي [إليها يسلب الخشوع أو كماله] فاستحب التأخير [لتحصيل الخشوع] (^٤) ولا يستحب الإبراد في الجمعة على على الأصح [فإن] الناس يبكرون إليها قبل شدة الحر (^٥).\n\n٨٥٥ - وَعَن الْأسود وَمرَّة ومسروق -﵃- قَالُوا قَالَ عبد الله لَيْسَ شَيْء يعدل صَلَاة اللَّيْل من صَلَاة النَّهَار إِلَّا أَرْبعا قبل الظّهْر وَفَضْلهنَّ على صَلَاة النَّهَار كفضل صَلاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْوحدَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَهُوَ\n_________\n(^١) العدة (١/ ٢٩٢)، والإعلام (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\n(^٢) المجموع (٣/ ٦٠).\n(^٣) المجموع (٣/ ٦٠)\n(^٤) المجموع (٣/ ٥٩).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٢٤).","vol":"4","page":158},{"text":"مَوْقُوف لَا بَأْس بِهِ (^١).\nقوله: وعن الأسود ومرة ومسروق [الأسود هو ابن يزيد بن قيس النخعى أبو عمرو ويقال أبو عبد الرحمن قال أحمد بن حنبل: هو ثقة، من أهل الخير. واتفقوا على توثيقه وجلالته (^٢)، ومرة هو بن شراحيل الهمداني السكسكي أبو إسماعيل الكوفي المعروف بمرة الطيب ومرة الخير لقب بذلك لعبادته وثقه ابن معين وغيره (^٣)، ومسروق بن الأجدع أبو عائشة الهمدانى الكوفى التابعي المخضرم اتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته (^٤)].\nقوله: قال عبد الله: ليس شيء يعدل صلاة الليل من صلاة النهار إلا أربعا قبل الظهر، وتقدم الكلام على الأربع قبل الظهر.\n\n٨٥٦ - وَرُوِيَ عَن عمر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول أَربع قبل الظّهْر وَبعد الزَّوَال تحسب بمثلهن فِي السحر وَمَا من شَيْء إِلَّا وَهُوَ يسبح الله فِي تِلْكَ السَّاعَة ثمَّ قَرَأَ يتفيؤوا ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل سجدا لله وهم داخرون النَّحْل ٨٤ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير من جَامعه وَقَالَ حَدِيث غَرِيب\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٧ رقم ٩٤٤٦). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بشر بن الوليد الكندي وثقه جماعة، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٢٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٢).\n(^٣) تهذيب التهذيب (١٠/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٨).","vol":"4","page":159},{"text":"لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث عَليّ بن عَاصِم (١).\nقوله: وروى عن عمر، تقدم الكلام على عمر.\nقوله -ﷺ-: \"أربع قبل الظهر وبعد الزوال تحسب بمثلهن في السحر وما من شيء إلا وهو يسبح الله في تلك الساعة ثم قرأ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ (٢) \" تقدم الكلام أيضا على الأربع قبل الظهر.\nقوله: [رواه الترمذي في التفسير من جامعه وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث] علي بن عاصم [هو على بن عاصم بن صهيب الواسطي قال محمود بن غيلان: أسقطه أحمد، وابن معين، وأبو خيثمة، ثم قال لى عبد الله بن أحمد إن أباه أمره أن يدور على كل من نهاه عن الكتابة، عن علي بن عاصم فيأمره أن يحدث عنه، وهو صدوق كثير الغلط].","vol":"4","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الترغيب في الصلاة قبل العصر</span>\n٨٥٧ - عَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ رحم الله امْرأ صلى قبل الْعَصْر أَرْبعا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^١).\nقوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله -ﷺ-: \"رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا\" تنبيه: ليس للعصر ذكر في الصحيحين، وجاء في أبي داود بإسناد صحيح عن علي أن النبي -ﷺ- كان يصلي قبل العصر ركعتين، وعن ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: \"رحم الله عبدا صلى قبل الظهر أربعا\" وهذا حديث الباب، وعن علي قال: \"كان النبي -ﷺ- يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين\" (^٢) فهذا يدل على أن الأفضل أن تكون الصلاة مثنى مثنى خلافا لما تقدم عن أبي حنيفة، وأن المسلم ينوي ذلك\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥٩٨٠)، وأبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠)، وابن خزيمة (١١٩٣)، وابن حبان (٢٤٥٣). وحسنه الألباني في المشكاة (١١٧٠) وصحيح أبي داود (١١٥٤)، وصحيح الترغيب (٥٨٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١١٦١)، والترمذي (٤٢٩). وحسنه الألباني في المشكاة (١١٧١)، الروض النضير (٦٩١)، تخريج المختارة (٤٨٩ - ٤٩٠)، الصحيحة (٢٣٧)، مختصر الشمائل (٢٤٣).","vol":"4","page":161},{"text":"بسلامه، وإن لم يكن هنا أحد بل يحضرهم في ذهنه (^١) وإنما عطف المؤمنين على المسلمين ليغاير بين الصفات تعظيما لهم، ومن قال إنهما بمعنى واحد وهو الراجح فهو تأكيد فإن الذي دلت عليه الأحاديث أن الإسلام الشرعي هو الإيمان الشرعي، وقد فسر كل منهما بما فسر به الآخر، وحيث وردت المغايرة فباعتبار اللغوي والشرعي، أ. هـ، قاله في شرح الإلمام، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن، أما الأربع قبل العصر فمستحبة وليست براتبة لأنه -ﷺ- صلاها ولم يواظب عليها كمواظبته على ما قبل الظهر، وقولهم: لم يواظب -ﷺ- على ما قبل العصر، يعارضه أنه -ﷺ- كان إذا عمل عملا داوم عليه (^٢)، وقال ابن قدامة (^٣): قوله -ﷺ-: \"رحم الله امرئ صلى قبل العصر أربعا\" ترغيب فيها ولم يجعلها من السنن الرواتب بدليل أن ابن عمر راويه ولم يحفظها عن النبي -ﷺ-، فقوله \"رحم الله امرئ صلى قبل العصر أربعا\" دعاء له بالرحمة فيا سعادة من دخل في دعوته الجامعة.\n\n٨٥٨ - وَعَن أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من حَافظ على أَربع رَكْعَات قبل الْعَصْر بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة\" رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٤) وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن سعد الْمُؤَذّن لَا يدرى من هُوَ.\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٢٦٨)، وفتح الباري (٧/ ٣٩٢).\n(^٢) كفاية النبيه (٣/ ٣٠٧).\n(^٣) المغنى (٢/ ٩٢).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٧١٣٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٢٧) والضعيفة (٥٠٥٥).","vol":"4","page":162},{"text":"قوله: وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي -ﷺ-، تقدم الكلام عليها قريبًا.\nقوله -ﷺ-: \"من حافظ على أربع ركعات قبل العصر بنى الله بيتا في الجنة\" المراد بالبيت القصر الحديث، تقدم الكلام على أربع ركعات قبل العصر في حديث ابن عمر أول الباب.\nقوله: وفي إسناده محمد بن سعد المؤذن [صوابه محمد بن سعيد المؤذن أبو سعيد الطائفي عن طاوس وغيره وعنه معتمر وزيد بن الحباب صالح الحديث قال بن وارة في كتاب التفرد أثر حديث له محمد بن سعيد ثقة وثقه البيهقي (^١)].\n\n٨٥٩ - وَرُوِيَ عَن أم سَلمَة -﵂- عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من صلى أَربع رَكْعَات قبل الْعَصْر حرم الله بدنه على النَّار الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\n\n٨٦٠ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- قَالَ جِئْت وَرَسُول الله -ﷺ- قَاعد فِي أنَاس من أَصْحَابه فيهم عمر بن الْخطاب -﵁- فأدركت من آخر الحَدِيث وَرَسُول الله -ﷺ- يَقُول من صلى أَربع رَكْعَات قبل الْعَصْر لم\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب (٩/ ١٩١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨١ رقم ٦١١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه نافع بن مهران وغيره، ولم أجد من ذكرهم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٢٨).","vol":"4","page":163},{"text":"تمسه النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\n\n٨٦١ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تزَال أمتِي يصلونَ هَذِه الْأَرْبَع رَكْعَات قبل الْعَصْر حَتَّى تمشي على الأَرْض مغفورا لَهَا مغْفرَة حَقًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط وَهُوَ غَرِيب (^٢).\nقوله: وروى عن علي بن أبي طالب، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تزال أمتي يصلون هذه الأربع ركعات قبل العصر حتى تمشي على الأرض مغفورًا لها مغفرة حقًّا\" الحديث، الحتم هو [إحكام الأمر. والحَتْمُ: القضاء وقيل: اللازم الواجب الذي لا بد من فعله (^٣)].\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٨٨ رقم ٢٥٨٠). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف وهو في الكبير مختصرًا بلفظ: حرمه الله على النار. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٥٦) وضعيف الترغيب (٣٢٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢١٨ رقم ٨١٣١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٢٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الملك بن هارون بن عنترة وهو متروك. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٠٥٧)، وضعيف الترغيب (٣٣٠).\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٨٩٢)، والنهاية (١/ ٣٣٨).","vol":"4","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الترغيب في الصلاة بين المغرب والعشاء</span>\n٨٦٢ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى بعد الْمغرب سِتّ رَكْعَات لم يتَكَلَّم فِيمَا بَينهُنَّ بِسوء عدلن بِعبَادة ثِنْتَيْ عشرَة سنة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالتِّرْمِذِيّ كلهم من حَدِيث عمر بن خثعم عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء عدلن بعبادة ثنتي عشرة سنة\" الحديث، قال الغزالي في الإحياء (^٢): إحياء ما بين المغرب والعشاء ست ركعات سنة مؤكدة، ولهذه الصلاة فضل عظيم، وقيل: إنها المراد بقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٣) ثم روي عن النبي -ﷺ- أنها صلاة الأوابين وهو كذلك في كتاب الرقائق لعبد الله بن المبارك مرسلًا (^٤) ثم روي عن ثوبان مولى رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١١٦٧) و(١٣٧٤)، والترمذي (٤٣٥)، وأبو يعلى (٦٠٢٢)، وابن خزيمة (١١٩٥). قال الألباني: ضعيف جدا، الروض النضير (٧١٩)، التعليق الرغيب (١/ ٢٠٤)، الضعيفة (٤٦٩)، وضعيف الترغيب (٣٣١).\n(^٢) الأحياء (١/ ١٩٧).\n(^٣) سورة السجدة، الآية: ١٦.\n(^٤) الزهد (١٢٥٩) عن ابن المنكدر.","vol":"4","page":165},{"text":"عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من عكف نفسه ما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لا يتكلم إلا بصلاة أو قرآن كان حقا على الله ﷾ أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ويغرس له بينهما غراسا لو طافه أهل الدنيا لوسعهم\" رواه أبو الوليد الصفار في كتاب الصلاة من طريق عبد الملك بن حبيب (^١)، وقال في كتاب الأوراد (^٢): الصلاة ناشئة الليل وصلاة الأوابين وهي المراد بقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ثم قال الغزالي: وسئل أنس بن مالك -﵁- عمن ينام بين المغرب والعشاء فقال: لا تفعل لأنها الساعة المعنية [بقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾]، ثم روى في الباب الثاني (^٣) عن عائشة -﵂- أفضل الصلوات عند الله تعالى صلاة المغرب ثم لم يحطها عن مسافر ولا عن مقيم فتح بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار، فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرين في الجنة (^٤)، قال الراوي: لا أدري من ذهب أو فضة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنب عشرين سنة أو قال أربعين سنة، رواه أبو الوليد بن يونس بن عبد الله بن الصفار في كتاب الصلاة، ورواه\n_________\n(^١) تخريج الإحياء للعراقى (١/ ٢٣٣). وأخرجه أبو الفضل الزهري (٥٠٢)، وابن شاهين في الترغيب (٧٥) عن ثوبان مرفوعًا. وأخرجه ابن وهب في تفسيره (٧٣) عن ابن عمر موقوفًا.\n(^٢) الإحياء (١/ ٣٤١).\n(^٣) الإحياء (١/ ٣٥١).\n(^٤) أخرجه الآجرى في التهجد (٤٦)، وابن شاهين في الترغيب (٧٤).","vol":"4","page":166},{"text":"الطبراني في الأوسط مختصرًا بإسناد ضعيف (^١)، وروى ابن المبارك في الزهد أن النبي -ﷺ- قال: \"من ركع عشر ركعات ما بين المغرب والعشاء بني له قصر في الجنة\" قال عمر: إن إن تكثر قصورك يا رسول الله، فقال رسول الله -ﷺ-: \"الله أكبر أو أفضل\" أو قال \"أطيب\" (^٢)، وقد ذكره الترمذي، ومن حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما من صلاة أحب إلى الله تعالى من صلاة المغرب من صلاها وصلى بعدها أربعًا من غير أن يكلم جليسا بني الله له قصرين مكللين بالدر والياقوت بينهما من الجنان ما يعلم علمه إلا هو وإن صلاها وصلى بعدها ستا من غير أن يكلم جليسا غفر الله له ذنوب أربعين عاما\" (^٣).\nفائدة: كان النبي -ﷺ- يصلي المغرب إذا وجبت الشمس (^٤) أي: غربت (^٥)، وفيه: دليل على أن وقتها يدخل بمجرد غيبوبة القرص (^٦)، ويستدل على ذلك ذلك بوجهين: الأول: بالمشاهدة، والثاني: بطلوع الليل من المشرق (^٧)، وقال\n_________\n(^١) تخريج الإحياء (١/ ٤١٩).\n(^٢) الزهد (١٢٦٤).\n(^٣) لم أجده عن أبي هريرة وإنما هو حديث عائشة السابق تخريجه.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٦٥)، ومسلم (٢٣٣ - ٦٤٦)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٣ - ٢٤ (٥٢٣) و٢/ ٣٧ (٥٣٧)، وفي الكبرى (١٥١٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٥/ ١١٥).\n(^٦) إحكام الأحكام (١/ ١٦٦)، وفتح الباري (٤/ ٣٥٢) لابن رجب.\n(^٧) كفاية النبيه (٢/ ٣٣٩)، والإعلام (٢/ ٢٤٨).","vol":"4","page":167},{"text":"وقال الماوردي (^١): لا يدخل وقت المغرب حتى تغيب الشمس ويغيب شعاعها وهي حاجبها وهو شعاعها المستولي عليها كالمتصل بها، ويرد على ذلك رواية مسلم أنه -ﷺ- قال: \"ثم الصلاة بعدها\" أي: بعد العصر حتى تغيب الشمس، ويطلع الشاهد، والشاهد نجم يبدو ويظهر بمجرد غروب الشمس والجديد أن المغرب لا وقت لها إلا وقت واحد وهو بقدر ما يتوضأ ويستر العورة ويؤذن ويقيم ويصلي خمس ركعات (^٢)، وإن قلنا باستحباب الركعتين قبل المغرب اعتبر سبع ركعات والقديم أن وقت المغرب يمتد إلى غياب الشفق الأحمر (^٣) وعليه الفتوى لكن ههنا دقيقة وهي أنه جرت عادة المؤذنين أنهم لا يؤذنون للعشاء إلا بعد أن يغيب الشفق الأصفر والأبيض ومقدار ذلك بعد مغيب الشفق الأحمر بخمس درج، وكثير من الناس يظن أن الوقت يمتد إلى أذان العشاء وهو خطأ فيجب على كل أحد أن يبادر إلى صلاة المغرب قبل أن يغيب الشفق الأحمر ومتي أخرت إلى مغيب الشفق الأحمر عصى وكانت قضاء على القولين جميعًا (^٤).\nواعلم أن بين وقت غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأبيض كمقدار ما بين طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، قال أهل اللغة: والفجر شفق\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١٩).\n(^٢) التوضيح (٦/ ٢٢٠)، والنجم الوهاج (٢/ ١٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ١٢).\n(^٤) حاشية البجيرمي (١/ ٣٩٣).","vol":"4","page":168},{"text":"مغلوس لأنه يبدو فيه البياض أولا ثم الصفرة ثم الحمرة ويعقبها طلوع الشمس وعند المغرب تبدوا الحمرة ثم الصفرة ثم البياض أ. هـ.\nتنبيه: اختلف العلماء في التطوع بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب فكرهه أبو حنيفة وآخرون، وقال النووي (^١): المختار أنه سنة ففي صحيح البخاري الأمر بهما لقوله -ﷺ-: \"صلوا قبل المغرب ركعتين\" قال في الثالثة: \"لمن شاء\" مخافة أن يتخذها الناس سنة، أي: يعتقدون وجوبها لصيغة الأمر الدالة على الوجوب، قال صاحب الهدي (^٢): هذا هو الصواب في هاتين الركعتين أنهما مستحبتان مندوب إليهما وليستا بسنة راتبة كسائر السنن الراتبة، وروى مسلم عن أنس بن مالك قال: كان إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين فكان النبي -ﷺ- يراهم فلا يأمرهم ولا ينهاهم، وفي صحيح ابن حبان أن النبي -ﷺ- كان يصليهما، قال أصحابنا: وإنما كره إمامنا التنفل قبل صلاة المغرب لأن فيه تأخير المغرب، ويكره تأخيرها، أ. هـ قاله الشيخ شمس الدين السعودي الحنفي في كتابه تهذيب النفوس، وقال الكمال الدميري (^٣): والمراد بالسنة الطريقة اللازمة لا المعنى الاصطلاحي، وإذا قلنا باستحبابهما فيها فيكره كغيرها كذا في شرح المهذب لكن في صحيح مسلم أنهم كانوا يصلونها عند أداء صلاة المغرب، وفي ابن حبان: ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء، وظاهر هذا تقديمها على إجابة\n_________\n(^١) شرح النووي (٦/ ٨ - ٩) و(٦/ ١٢٣) والنجم الوهاج (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٣٠٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٩٠).","vol":"4","page":169},{"text":"الداعي المؤذي، وفيه نظر، فلو أدى الاشتغال بها إلى فوات فضيلة التحرم فالذي يظهر تأخيرها إلى بعد المغرب، أ. هـ كلام المملي الحافظ في الكلام على حديث الباب، رووه كلهم من حديث عمر بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير، قال أبو زرعة: حدث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث لو كانت في خمسمائة حديث لأفسدتها (^١)، وقال في الميزان (^٢) لعمر بن خثعم حديثان منكران هذا أحدهما والثاني: ما رواه الترمذي بهذا الإسناد أن النبي -ﷺ- قال: \"من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك\" وهذا جميع ما له عندهم، وحديث الست ركعات بعد المغرب على ضعفه رواه الطبراني في معجمه الأوسط والصغير وابن مندة في الصحابة من حديث عمار بن ياسر بإسناد ضعيف (^٣) والله أعلم.\n\n٨٦٣ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة -﵂- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صلى بعد الْمغرب عشْرين رَكْعَة بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة انْتهى وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة يَعْقُوب بن الْوَلِيد الْمَدَائِنِي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة وَيَعْقُوب كذبه أَحْمد وَغَيره (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢١/ ٤٠٩).\n(^٢) ميزان الاعتدال (٣/ ٢١١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٢٧ رقم ٩٠٠) والأوسط (٧/ ١٩١ - ١٩٢ رقم ٧٢٤٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٢١٢).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١٣٧٣). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٤٦٧)، وضعيف الترغيب (٣٣٢).","vol":"4","page":170},{"text":"قوله: عن عائشة تقدم الكلام على مناقبها -﵂-.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة\" هذا الحديث استدل به الشيخ أبو عمر بن الصلاح على استحباب صلاة الرغائب (^١)، وقال: فهذا مخصوص بما بين المغرب والعشاء، وقال في الكفاية (^٢): يستحب أن يصلي بين المغرب والعشاء عشرين ركعة لأن النبي -ﷺ- كان يصليها ويقول: \"إنها صلاة الأوابين فمن صلاها غفر له\" وكان الصالحون من السلف يصلونها وهي صلاة القبلة، قال: والأظهر عندي أنها دون صلاة الضحى في التأكيد والله أعلم قاله الكمال الدميري (^٣)، وقال في الإحياء: إحياء ما بين المغرب والعشاء سنة، ولهذه الصلاة فضل عظيم، وقيل: إنها المراد بقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٤) وتقدم ذلك في أول الباب.\nفائدة: قال في الإحياء (^٥) قال كرز بن وبرة -وكان من الأبدال- قلت للخضر ﵇: علمني شيئًا في ليلي، فقال: إذا صليت المغرب فقم مصليا إلى العشاء من غير أن تكلم أحدا وأقبل على صلاتك التي أنت فيها وسلم\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٣٦٢).\n(^٢) الفتاوى (١/ ٢٣٨) ومساجلة علمية (ص ١٧ - ١٨).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٤) سورة السجدة، الآية: ١٦.\n(^٥) الإحياء (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦).","vol":"4","page":171},{"text":"من كل ركعتين وتقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد ثلاثًا، فإذا فرغت من صلاتك انصرف إلى منزلك ولا تكلم أحدًا وصل ركعتين واقرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد سبع مرات في كل ركعة ثم اسجد بعد تسليمك واستغفر الله سبع مرات وقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبع مرات ثم ارفع رأسك من السجود واستو جالسا وارفع وقل: يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا إله الأولين والآخرين يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما يا رب يا رب يا رب يا الله يا الله يا الله ثم قم وأنت رافع يديك وادع بهذا الدعاء ثم نم حيث شئت مستقبلا على يمينك وصل على محمد وآدم عليهما الصلاة والسلام حتى يذهب بك النوم، فقلت له أحب أن تعلمني ممن سمعت هذا فقال: إني حضرت محمدا -ﷺ- حيث علم ذلك وأوحي إليه به وكنت عنده وكان ذلك بمحضر مني فتعلمه ممن علمه إياه، ويقال: إن هذا الدعاء وهذه الصلاة من داوم عليهما بحسن يقين وصدق نية رأى رسول الله -ﷺ- قبل أن يخرج من الدنيا، وقد فعل ذلك بعض الناس فرأى أنه دخل الجنة ورأى فيها الأنبياء ورأى رسول الله -ﷺ- وكلمه وعلمه أ. هـ.\n\n٨٦٤ - وَعَن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر -﵁- قَالَ رَأَيْت عمار بن يَاسر يُصَلِّي بعد الْمغرب سِتّ رَكْعَات وَقَالَ رَأَيْت حَبِيبِي رَسُول الله -ﷺ- يُصَلِّي بعد الْمغرب سِتّ رَكْعَات وَقَالَ من صلى بعد الْمغرب سِتّ رَكْعَات غفرت لَهُ ذنُوبه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر حَدِيث غَرِيب رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ فِي الثَّلَاثَة وَقَالَ","vol":"4","page":172},{"text":"تفرد بِهِ صَالح بن قطن البُخَارِيّ (^١) قَالَ الْحَافِظ وَصَالح هَذَا لَا يحضرني الْآن فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل.\nقوله: عن عمار بن ياسر، تقدم الكلام على مناقب أبه عمار بن ياسر ونسبه مبسوطا.\nقوله: رأيت حبيبي رسول الله -ﷺ- يصلي بعد المغرب ست ركعات وقال: \"من صلى بعد المغرب ست ركعات غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر\" الحديث، زبد البحر: [رغوة مائه عند تموجه واضطرابه] والمراد بذلك غفران الصغائر كما تقدم.\nقوله: تفرد به صالح بن قطن، قال الحافظ وصالح هذا لا يحضرني الآن فيه جرح ولا تعديل.\n\n٨٦٥ - وَعَن الْأسود بن يزِيد -﵁- قَالَ قَالَ عبد الله بن مَسْعُود -﵁- نعم سَاعَة الْغَفْلَة يَعْنِي الصَّلَاة فِيمَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ وَلم يرفعهُ (^٢).\nقوله: عن الأسود بن يزيد [هو أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن الأسود\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٩١ - ١٩٢ رقم ٧٢٤٥) والصغير (٧/ ١٢٧ رقم ٩٠٠). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٤٧٣: رواه الطبراني في الثلاثة وقال: تفرد به صالح بن قطن البخاري، قلت: ولم أجد من ترجمه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٦١)، وعبد الرزاق (٤٧٢٥)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٨٨ رقم ٩٤٥٠). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه جابر الجعفي وفيه كلام كثير. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٣٤).","vol":"4","page":173},{"text":"بن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة ابن سلامان بن كهيل النخعي الكوفى التابعي الفقيه الإمام الصالح، أخو عبد الرحمن ابن يزيد، وابن أخي علقمة بن قيس، وكان أسن من علقمة، وهو خال إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه. رأى أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ﵄. وروى عن على، وابن مسعود، ومعاذ، وأبى موسى، وعائشة. روى عنه ابنه عبد الرحمن بن الأسود، وأخوه عبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم النخعي، وآخرون، قال أحمد بن حنبل: هو ثقة، من أهل الخير. واتفقوا على توثيقه وجلالته. وروينا عن ميمون بن أبي حمزة، قال: سافر الأسود بن يزيد ثمانين حجة وعمرة، لم يجمع بينهما، وسافر ابنه عبد الرحمن ثمانين حجة وعمرة لم يجمع بينهما. وروينا أن ابنه عبد الرحمن كان يصلى كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يقولون: إنه أقل أهل بيته اجتهادا، وإنه صار عظما وجلدا، ﵃ (^١)].\nقوله: قال عبد الله بن مسعود -﵁-: نعم ساعة الغفلة يعني الصلاة فيما بين المغرب والعشاء؛ قال الأسود: ما أتيت ابن مسعود في هذا الوقت إلا ورأيته يصلي فسألته فقال: هي ساعة الغفلة، وكان أنس يواظب عليها ويقول: هي ناشئة الليل ويقول: فيها نزل قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٢)، وقال أحمد بن الحواري قلت لأبي سليمان الداراني: أصوم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٢).\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١٦.","vol":"4","page":174},{"text":"وأتعشي بين المغرب والعشاء أحب إليك أو أفطر النهار وأحيي ما بينهما فقال: اجمع بينهما قلت: إن لم يتيسر لي ذك قال: افطر وأحيي ما بينهما (^١) أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله: رواه الطبراني من رواية جابر الجعفي، قال الإمام أبو حنيفة: ما لقيت أحدا أكذب من جابر الجعفي ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح، وقال الشافعي: أخبرني سفيان بن عيينة قال: كنا فوق منزل جابر الجعفي فتكلم بشيء فنزلنا خوفا أن يقع علينا السقف (^٢) ومع ذلك روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، ووفاته سنة ست وستين ومائة والله أعلم.\n\n٨٦٦ - وَعَن مَكْحُول -﵁- يبلغ بِهِ النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صلى بعد الْمغرب قبل أَن يتَكَلَّم رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة أَربع رَكْعَات رفعت صلَاته فِي عليين (^٣) ذكره رزين وَلم أره فِي الْأُصُول.\nقوله: عن مكحول: هو مكحول الدمشقي الفقيه التابعي أبو عبد الله، أعتقته امرأة من قريش، وكان سكن دمشق سمع أنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبا أمامة الباهلي وغيرهم، طاف الأرض في طلب العلم واستقر\n_________\n(^١) الإحياء (١/ ٣٥٣).\n(^٢) الكامل (٢/ ٣٢٧ و٣٣٠).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٤٨٣٣)، وابن أبي شيبة (٥٩٣٥)، وأبو داود في المراسيل (٧٣)، والمروزي في مختصر قيام الليل (ص ٨٣) عن مكحول. وأخرجه ابن شاهين في الترغيب (٧٤) عن عائشة. وضعفه الألباني في المشكاة (١١٨٤) وضعيف الترغيب (٣٣٥).","vol":"4","page":175},{"text":"بالشام ولم يكن بها أعلم منه، واتفقوا على توثيقه، ومات بدمشق سنة ثمان عشرة ومائة (^١)، انتهى، وتقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق مبسوطًا.\nقوله: \"من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم ركعتين\" وفي رواية \"أربع ركعات رفعت صلاته في عليين\" تقدم الكلام على عليين وأنها أعلا الجنة.\nفائدة: قال في الإحياء (^٢) عن أنس مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-: \"من صلى المغرب في جماعة ثم صلى بعدها ركعتين لم يحدث نفسه فيما بين ذلك بشيء من أمر الدنيا يقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وعشر آيات من أول البقرة وآيتين من وسطها و﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ (^٣) الآية، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خمس عشرة مرة ثم يركع ويسجد، فإذا قرأ في الثانية قرأ الفاتحة وآية الكرسي إلى ﴿خَالِدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٤) إلى آخرها و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خمس عشرة مرة\" فوصف من ثوابها في الحديث ما يخرج عن الحصر، هذا الحديث رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب، وأما السنن المؤكدة بعد المغرب فركعتان لحديث عائشة في ذلك، ويندب أن يطول القراءة فيهما، ففي سنن أبي داود\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٢) الإحياء (١/ ٣٥٢).\n(^٣) سورة البقرة، الآيتان: ١٦٣ - ١٦٤.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٨٤.","vol":"4","page":176},{"text":"أن النبي -ﷺ- كان يطول فيهما القراءة حتى يتفرق أهل المسجد، قال في شرح الأحكام (^١): قالت المالكية والحنابلة: آكد السنن الرواتب بعد ركعتي الفجر الركعتان بعد المغرب، ويشهد لذلك أن الحسن البصري قال: بوجوبهما، فروي محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل عن الحسن أنه كان يرى الركعتين بعد المغرب واجبتين ويرى الركعتين قبل صلاة الصبح بواجبتين، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي، وأما الآكد بعدهما فيحتمل أنهما الركعتان بعد العشاء لأنهما من صلاة الليل وهي أفضل، ويحتمل أنه سنة الظهر لاتفاق الروايات عليها.\nتنبيه: في الحديث أن \"النبي -ﷺ- كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر بقل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد\"، أما هاتين السورتين في سنة الفجر وسنة المغرب فلأنهما ينفيان النفاق والشرك عن القلب فناسب ذك في ابتداء الليل وابتداء النهار.\n\n٨٦٧ - وَعَن أنس -رضي الله عن - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٢) نزلت فِي انْتِظَار الصَّلَاة الَّتِي تدعى الْعَتَمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَأَبُو دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ كَانُوا يتنفلون مَا بَين\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١٦.","vol":"4","page":177},{"text":"الْمغرب وَالْعشَاء يصلونَ وَكَانَ الْحسن يَقُول قيام اللَّيْل (^١).\nقوله: عن أنس، تقدم.\nقوله: \"في قوله تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٢) نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة\".\nتنبيه: في تسمية العشاء عتمة، ففي الحديث قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم\" زاد حرملة فإنما هي العشاء، وإنما نقول العتمة لإعتامها الإبل، ومعنى الحديث: أن الأعراب يسمونها عتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل أي يؤخرونه إلى شدة الظلام، وإنما اسمها في كتاب الله العشاء، والصلاة نور فلذلك نهى عن تسميتها عتمة، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تسميها عتمة لحديث: \"لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوا\" (^٣) وتقدم الجواب عن ذلك مبسوطًا.\nقوله: وكان الحسن يقول: قيام، يعني: التنفل، ما بين المغرب والعشاء؛ الحسن: هو الحسن البصري الإمام المشهور المجمع على جلالته في كل شيء، كنيته أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار التابعي البصري بفتح الباء\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٣٢١) و(١٣٢٢)، والترمذي (٣١٩٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٨٩) وصحيح أبي داود (١١٩٤) و(١١٩٥).\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١٦.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٤٣).","vol":"4","page":178},{"text":"وكسرها، وأمه اسمها خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين -﵂- ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ونشأ الحسن بوادي القرى وكان فصيحا وسمع ابن عمر وأنسا وسمرة وأبا بكر وقيس بن عاصم وغيرهم من الصحابة، وسمع خلائق من كبار التابعين، قال النووي: روينا عن الفضل بن عياض قال: سألت هشام بن حسان كم أدرك الحسن من أصحاب رسول الله -ﷺ-؟ قال: مائة وثلاثين، قلت ك فابن سيرين، قال: ثلاثين، وروينا عن محمد بن سعد قال: كان الحسن جامعا عالما رفيعا فقيها مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما، وقدم مكة فأجلس على سري واجتمع الناس إليه فيهم طاووس وعطاء ومجاهد وعمرو بن شعيب فحدثهم، فقالوا أو قال بعضهم: لم نر مثل هذا قط، توفي سنة عشر ومائة (^١).\nفائدة: قال النووي (^٢): روينا في سنن أبي داود والترمذي عن أم سلمة قالت: علمني رسول الله -ﷺ- أن أقول عند أذان المغرب: اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك اغفر لي (^٣).\nخاتمة: يستحب أن يقال بعد أن يصلي سنة المغرب ما رويناه في كتاب ابن السني عن أم سلمة قالت: كان رسول -ﷺ- إذا انصرف من صلاة\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦١ - ١٦٣).\n(^٢) الأذكار (ص ٨٨).\n(^٣) أبو داود (٥٣٠)، والترمذي (٣٥٨٣). وقال الألباني: ضعيف الكلم الطيب (٧٦/ ٣٥)، ضعيف أبي داود (٨٥)، المشكاة (٦٦٩).","vol":"4","page":179},{"text":"المغرب يدخل فيصلي ركعتين يقول فيما يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك (^١) وكان هذا، والله أعلم، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (^٢) قاله النووي (^٣).\nتنبيه: ابن السني هو الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق [بياض بالأصل].\n\n٨٦٨ - وَعَن حُذَيْفَة -﵁-: قَالَ أتيت النَّبِي -ﷺ- فَصليت مَعَه الْمغرب فصلى إِلَى الْعشَاء رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد (^٤).\n_________\n(^١) ابن السني (٦٦٣). وقال الحافظ: أخرجه ابن السني من طريق سعد بن الصلت، عن عطاء ابن عجلان. وعطاء كذبوه. وقد وقع لي بسند حسن إلى أم سلمة دون التقييد بالمحل. نتائج الأفكار (٣/ ١٣).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٤٤.\n(^٣) الأذكار (ص ٨٨).\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٩١ (٢٣٣٢٩) و٥/ ٤٠٤ (٢٣٤٣٦)، والترمذي (٣٧٨١)، والنسائي في الكبرى (٣٧٩) و(٣٨٠) و(٨٢٤٠)، وابن خزيمة (١١٩٤)، وابن حبان (٦٩٦٠)، والحاكم ١/ ٣١٢ - ٣١٣. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٩٠) والصحيحة (٢٥٨٥).","vol":"4","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الترغيب في الصلاة بعد العشاء</span>\n٨٦٩ - رُوِيَ عَن أنس -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَربع قبل الظّهْر كأربع بعد الْعشَاء وَأَرْبع بعد الْعشَاء كعدلهن من لَيْلَة الْقدر رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْأَوْسَط (^١) وَتقدم حَدِيث الْبَراء من صلى قبل الظّهْر أَربع رَكعَات كأَنَّمَا تهجد من ليلته وَمن صَلَّاهُنَّ بعد الْعشَاء كمثلهن من لَيْلَة الْقدر وَفِي الْكَبِير من حَدِيث ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صلى الْعشَاء الْآخِرَة فِي جمَاعَة وَصلى أَربع رَكعَات قبل أَن يخرج من الْمَسْجِد كَانَ كَعدْل لَيْلَة الْقدر (^٢) وَفِي الْبَاب أَحَادِيث أَن النَّبِي -ﷺ- كَانَ إِذا صلى الْعشَاء وَرجع إِلَى بَيته صلى أَربع رَكْعَات أضربت عَن ذكرهَا لِأَنَّهَا لَيست من شَرط كتَابنَا.\nقوله: عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أربع قبل الظهر كأربع بعد العشاء وأربع بعد العشاء كعدلهن من ليلة القدر\" رواه الطبراني، وفي المعجم الكبير للطبراني من حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: \"من صلى العشاء\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٤١ رقم ٢٧٣٣). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٢٧٣٩) و(٥٠٥٨)، وضعيف الترغيب (٣٣٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ١٣٠ رقم ١٣٨٠٠)، والأوسط (٥/ ٢٥٤ رقم ٥٢٣٩).\nقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه من ضعف الحديث والله أعلم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٦٠) وضعيف الترغيب (٣٣٧).","vol":"4","page":181},{"text":"الآخرة جماعة وصلى ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان لعدل ليلة القدر\" أ. هـ؛ وفي أبي داود عن عائشة قالت: \"ما صلى رسول الله العشاء قط فدخل عليّ إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات\"، وفي الحديث إشارة إلى افتتاح صلاة الليل بأربع ركعات أو ست ركعات بعد العشاء، وأما الختم آخره بالوتر فللجمع بين طرفيه في العبادة فمن خشى أن لا يقوم من آخر الليل فليحرص على ذلك من أوله ليأخذ حظا من صلاة الليل، وفيه استحباب ختم العمل بالعبادة فيجعل الصلاة آخر عمله ثم ينام (^١) وفيه فعلها في البيت، وهو أفضل (^٢)، ومن شرطها أنه يتقدمها فعل العشاء وإلا لم تحتسب من صلاة الليل أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) كشف المشكل (٢/ ٢٩٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٩٨).","vol":"4","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الترغيب في صلاة الوتر وما جاء فيمن لم يوتر</span>\n٨٧٠ - عَن عَليّ -﵁- قَالَ الْوتر لَيْسَ بحتم كَصَلَاة الْمَكْتُوبَة وَلَكِن سنّ رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله وتر يحب الْوتر فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائيِ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: عن علي -﵁-، هو: علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، وسبب تسميته عليّ (أبا تراب) أن رسول الله -ﷺ- مر به في غزوة ودوان وهو وعمار بن ياسر نائمان على الأرض فأيقظهما بوجد عليا قد تمرغ في البوغاء فقال: اجلس يا أبا تراب، وقيل: بل غاضب فاطمة فخرج مغتاظا فنام على التراب، وقيل: كان إذا غاضب فاطمة أكرمها عن أن يجيبها فصنع التراب على رأسه فقال له ذلك، وأسلمت أمه وماتت قبل أن يهاجر، وقيل: بل هاجرت، وفي ذلك خلاف، وعلي -﵁- أصغر أولاد أبي طالب وهو أصغر من جعفر بعشرين سنة، وجعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، روى أن عليا أول من أسلم من الرجال بعد خديجة وهو الذي عليه أكثر العلماء، ومن يرى أن إسلامه كان قبل إسلام أبي بكر يقول:\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١١٦٩)، وأبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣). قال الألباني: صحيح، صحيح أبي داود (١٢٧٤)، صحيح الترغيب والترهيب (٥٩٠ و٥٩٣) تعليقي على ابن خزيمة (١٠٦٩)، تخريج المختارة (٤٧٩ - ٤٨٦).","vol":"4","page":183},{"text":"خفي إسلام علي لأنه أخفى إسلامه وظهر إسلام أبي بكر لأنه أظهره، قال رسول الله -ﷺ-: \"أولكم واردا على الحوض وأولكم إسلاما علي أسلم علي وهو ابن ثمان سنين\" وقيل: أسلم علي وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، ولما قتل مصعب بن عمير يوم أحد وكان اللواء معه، أخذ رسول الله -ﷺ- اللواء بيده وقال: \"لأعطين اللواء اليوم لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله\" فتشوف الناس من يكون ذلك فأعطاه عليا، وكان عمر يومئذ عشرين سنة، وفي مجمع الأحباب لما كان يوم أحد حمل مصعب بن عمير بيده فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فقطعت يده وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (^١) الآية، وأخذ اللواء بيساره فقطعت فحنى على اللواء وضمه بعضده إلى صدره ثم حمل عليه الثالثة بالرمح، فأنفذه فاستشهد وهو ابن أربعين سنة، وقال عبد الله بن الفضل: لما قتل مصعب أخذ اللواء ملك في صورته فجعل النبي -ﷺ- يقول له في آخر النهار: تقدم يا مصعب فالتفت إليه الملك فقال: ليس بمصعب فعرف النبي -ﷺ- أنه ملك أيده، ولم يتخلف علي -﵁- عنه -ﷺ- إلا في غزوة تبوك، تخلف عنه بأمره، زوجه رسول الله -ﷺ-. لفاطمة، وقال لها: \"زوجتك أول أصحابي إسلامًا وأكثرهم علما وحكما\" أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢)، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.\n(^٢) كنز الدرر (٣/ ٣١٤ - ٣٢٠).","vol":"4","page":184},{"text":"قوله -ﷺ-: \"الوتر ليس بحتم كصلاة المكتوبة\" أي: المفروضة، الحتم: اللازم الواجب الذي لا بد من فعله قاله في النهاية.\nقوله: ولكن سن رسول الله -ﷺ-، سن من السنن جمع سنة وهو ما أمر به النبي -ﷺ- ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال أدلة الشرع الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث (^١).\nقوله -ﷺ-: \"إن الله وتر يحب الوتر\" والوتر بفتح الواو وكسرها هو الفرد ومعناه: في حق الله تعالى الواحد الذي لا شريك له ولا نظير فالله واحد في ذاته لا يقبل الإنقسام والتجزئة وواحد في صفاته فلا شبيه له ولا مثيل فلا شريك له في ملكه ولا معين، ويحب الوتر أي يثيب عليه ويقبله من عامله، ولذلك شرعه وحده فيما شرعه من عباداته (^٢)، ومعنى: يحب الوتر أيضًا تفضيل الوتر في الأعمال وكثير من الطاعات فجعل الصلوات خمسا والطهارة ثلاثًا وغير ذلك وجعل كثيرا من عظيم مخلوقاته سبعا وترًا منها السماوات والأرضون والبحار وأيام الأسبوع، وقيل: غير ذلك، وقيل: إن معناه منصرف إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد مخلصًا له (^٣)، وقال ابن بطال: معنى أمره بالوتر ليستشعر المؤمن في جميع أعماله أن الله واحد لا شريك له (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) مطالع الأنوار (٦/ ١٦٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٦).\n(^٤) شرح الصحيح (٢/ ٥٧٧).","vol":"4","page":185},{"text":"قوله -ﷺ-: \"فأوتروا يا أهل القرآن\" قال الخطابي: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدل على أن الوتر غير واجب ولو كان واجبا لكان عامًا، وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء والحفاظ دون العوام (^١)، أ. هـ.\nوقال في شرح المصابيح في قوله: \"فأوتروا يا أهل القرآن\" أي: يا أهل الإسلام (^٢) انتهى، ففيه تشريف وتفخيم للمسلمين بالنداء وهذه الإضافة لأنهم حفظوه وعملوا به وأيضًا فإنه نزل عليهم فاختصوا كما اختص أهل الإنجيل وأهل التوراة بكتابهم، وفي ندائهم بذلك تذكيرهم به ليعملوا بما فيه من التهجد ونحوه، وفيه دعاء القوم بأحب أسمائهم إليهم وما يتصفون به أ. هـ قاله في شرح الإلمام، ويستحب لمن له تهجد اعتاده أو عزم عليه أن يؤخر الوتر إلى ما بعد التهجد فإن لم يكن له تهجد إلا الوتر ولم يثق من نفسه بالقيام قدمه أول الليل، وعليه حمل قول أبي هريرة الحديث: \"وأن أوتر قبل أن أنام\" ويؤمن نفسه أن يستيقظ آخر الليل، فالسنة أن يؤخره لأن صلاة آخر الليل مشهودة كما ذكره في الحديث، قال النووي في شرح مسلم في قول عائشة كان رسول الله يصلي [من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر فيه دليل لما قدمناه من أن السنة جعل آخر صلاة الليل وترا وبه قال العلماء كافة وسبق تأويل الركعتين بعده جالسا (^٣)].\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢٨٥).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٢٨٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"4","page":186},{"text":"٨٧١ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من خَافَ أَن لَا يقوم من آخر اللَّيْل فليوتر أَوله وَمن طمع أَن يقوم آخِره فليوتر آخر اللَّيْل فَإِن صَلَاة آخر اللَّيْل مَشْهُودَة محضورة وَذَلِكَ أفضل رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَغَيرهم (^١).\nقوله: عن جابر -﵁-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة محضورة وذلك أفضل\" الحديث، أي: يحضرها ويشهدها ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهي في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار فهي أقرب إلى القبول وحصول الرحمة، وفيه دليل جواز الإتيان وجميع أوقات الليل بعد دخول وقته واختلفوا في أول وقته، والصحيح في مذهبنا المشهور عن الشافعي قدس الله روحه والأصحاب أن وقته يدخل بالفراغ من صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه يدخل بدخول وقت العشاء، وفيه وجه: لا يصح الإتيار بركعة إلا بعد نفل العشاء وفي قول يمتد إلى صلاة الصبح (^٢) قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٢ و١٦٣ - ٧٥٥)، وابن ماجه (١١٨٧)، والترمذي (٤٥٥)، وابن خزيمة (١٠٨٦)، وابن حبان (٢٥٦٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٤ - ٢٥).","vol":"4","page":187},{"text":"٨٧٢ - وَعنهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا أهل الْقُرْآن أوتروا فَإِن الله وتر يحب الْوتر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه مُخْتَصرا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة -﵁- إِن الله وتر يحب الْوتر (^١).\nقوله: وعنه يعني: جابرا، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"يا أهل القرآن أوتروا\" الحديث، وتقدم الكلام على أهل القرآن في الحديث قبل قبله، وقوله في حديث بريدة آخر الباب: \"الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا\"، الجواب: أن الوتر حق: معناه حق في السنة أو مشروع، وقوله: \"ليس منا\" معناه: ليس آخذًا بسنتنا ومقتديا بنا كما قال النبي -ﷺ-: \"من لم يتغن بالقرآن فليس منا\" ولم يُرِد -ﷺ- خروجه من الإسلام، وقوله -ﷺ- في الحديث الآخر: \"الوتر حق على كل مسلم\"، وقوله -ﷺ-: \"الوتر واجب على كل مسلم\" رواه البزار؛ فإن قيل: ظواهر هذه الأحاديث أمر وظاهره الوجوب، فينبغي أن يجب، قلنا: هذا محمول على تأكد الاستحباب\n_________\n(^١) قوله عنه وهم إنما هو من رواية على بن أبي طالب وابن مسعود:\nأما حديث على: أخرجه ابن ماجه (١١٦٩)، وأبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٤٢٢ (١٦٩١)، وابن خزيمة (١٠٣٧). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٢٧٤) وصحيح الترغيب (٥٩٤).\nوأما حديث ابن مسعود: أخرجه ابن ماجه (١١٧٠)، وأبو داود (١٤١٧). وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٧٥) وصحيح أبي داود (١٢٧٥).\nوأما حديث أبي هريرة: أخرجه ابن خزيمة (١٠٧١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٩٥).","vol":"4","page":188},{"text":"وتمسك الإمام أبو حنيفة بهذه الأحاديث، وقال وجوبه، واختلفت الرواية عن أبي حنيفة -﵁- في الوتر، فعنه أنه فرض عملا لا اعتقادا، وعنه: واجب، وعنه: سنة، وبه قال صاحباه وهما أبو يوسف وأبو محمد، قال ابن المنذر (^١): ولا أعلم أحدا يوافق أبو حنيفة على وجوبه حتى صاحبيه، وقال: إنه سنة الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والجمهور، ويتأولون هذه الأحاديث ويحملونها على تأكد الاستحباب كما تقدم، واحتجوا بحديث: \"خمس صلوات افترضهن الله ﷿\" ويقول الأعرابي: هل علي غيرها، قال: \"إلا أن تطوع\"، وبقوله تعالى: \"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي\" فلو وجب الوتر لم يكن لنا وسطى لأن السنة لا وسط بها كذا قاله الماوردي، وثبت في الصحيح أن النبي -ﷺ- كان يوتر على بعيره، ولو كان واجبا لما فعله على البعير (^٢).\nتنبيه: ورد في الحديث أن النبي -ﷺ- قال: \"ثلاث كتبهن الله عليّ، ولم تكتب عليكم وعد منها الوتر\" فإن قيل: لا دلالة في ذلك لأن الوتر كانا واجبا عليه، فالجواب: أن الحليمي والشيخ عز الدين والقرامي قالوا: كان الوتر واجبا عليه في الحضر دون السفر والله أعلم، قاله الكمال الدميري (^٣).\n_________\n(^١) الأوسط (٥/ ١٦٧ - ١٦٨)، والمجموع (٤/ ١٩).\n(^٢) الحاوى (٢/ ٢٧٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٩٣).","vol":"4","page":189},{"text":"٨٧٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من صلى الضُّحَى وَصَامَ ثَلَاثة أَيَّام من الشَّهْر وَلم يتْرك الْوتر فِي سفر وَلَا حضر كتب لَهُ أجر شَهِيد رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير وَفِيه نَكَارَة (^١).\n\n٨٧٤ - وَعَن خَارِجَة بن حذافة -﵁- قَالَ خرج علينا يَوْمًا رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ قد أمدكم الله بِصَلَاة هِيَ خير لكم من حمر النعم وَهِي الْوتر فَجَعلهَا لكم فِيمَا بَين الْعشَاء الْآخِرَة إِلَى طُلُوع الْفجْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيت غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب انْتهى. وَقَالَ البُخَارِيّ لَا يعرف لإسناده يَعْنِي لإسناد هَذَا الحَدِيث سَماع بَعضهم من بعض (^٢).\nقوله: وعن خارجة بن حذافة -﵁- هو: خارجة بن حذافة العدوي، كان أحد فرسان قريش يقال: إنه يعدل بألف فارس كتب عمرو بن العاص إلى عمر يستمده بثلاثة ألاف فارس فأمده بخارجة هذا والزبير والمقداد، وشهد خارجة فتح مصر، وكان قاضيا لعمر، وقيل: كان على الشرطة ولم يزل بمصر حتى قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين انتدبوا لقتل علي -﵁- ومعاوية\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٧٤ رقم ١٣٧٠٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣٢). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤١: وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه أيوب بن نهيك؛ ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقه ابن حبان، وقال: يخطئ\". وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٢٨) وضعيف الترغيب (٣٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٠٣)، وابن ماجه (١١٦٨)، وأبو داود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٣٩).","vol":"4","page":190},{"text":"وعمرو وهم: قدمن بن ملجم ويزيد بن ملجم وعبد الرحمن بن ملجم، قدمن صاحب معاوية، ويزيد صاحب خارجة، وعبد الرحمن صاحب علي، وقيل: إن خارجة الذي قتله الخارجي خارجة بن حذافة السهمي أخو عبد الله بن حذافة من بني سهم رهط عمرو بن العاص وليس بشيء والمشهور الأول ذكره البخاري وغيره، وقيل: اسم الخارجي الذي قتله زادويه (^١).\nقوله -ﷺ-: \"قد أمدكم الله بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر\" الحديث، أمدكم: أي انعم عليكم، قال الخطابي رحمه الله تعالى (^٢) قوله \"أمدكم بصلاة\" يدل على أنها غير لازمة لهم ولو كانت واجبة لخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام فيقر ألزمكم أو عرض عليكم أو نحو ذلك من الكلام، وحمر النعم بسكون الميم جمع أحمر وهي حمر النعم أي مما تحبونه من أموال الدنيا لأنها ذخيرة الآخرة ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ (^٣)؛ قوله \"فجعلها لكم فيما بين العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر\" الوتر سنة راتبة يدخل وقته بفعل العشاء ووقته، ووقت العشاء إلى طلوع الفجر، وإذا فات يقضي، وفيه وجه لا يصح الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء كما تقدم، ويعبر عن هذا الخلاف بأن الإيتار هل هو الفرض خاصة أم الفرض والنفل إن قلنا لهما فلا بد من تقدم نفل بعد العشاء. وظاهر الحديث يدل\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٣٤١)، وتهذيب الكمال (٨/ ترجمة ١٥٨٨).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(^٣) سورة الأعلى، الآية: ١٧.","vol":"4","page":191},{"text":"لهذا الوجه فإن قوله \"صلاة الليل مثنى مثنى\" يقتدي تقدم الشفع على الواحدة والله أعلم.\n\n٨٧٥ - وَعَن أبي تَمِيم الجيشاني -﵁-: قَالَ سَمِعت عَمْرو بن الْعَاصِ -﵁- يَقُول أَخْبرنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله ﷿ زادكم صَلَاة فصلوها فِيمَا بَين الْعشَاء إِلَى الصُّبْح الْوتر الْوتر أَلا وَإنَّهُ أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَأحد إسنادي أَحْمد رُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ من حَدِيث معَاذ بن جبل وَعبد الله بن عَمْرو وَابْن عَبَّاس وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيرهم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٧ (٢٣٨٥١) و٦/ ٣٩٧ (٢٧٢٢٩)، والحارث (٢٢٧)، والدولابي في الكنى (٣٦٨ و٧٢٢ و٧٢٣) والطبراني في الأوسط (٨/ ٦٤ رقم ٧٩٧٥) والكبير (٢/ ٢٧٩ رقم ٢١٦٨). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٩: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وله إسنادان عند أحمد أحدهما رجاله رجال الصحيح خلا علي بن إسحاق السلمي شيخ أحمد وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٩٦) والصحيحة (١٠٨).\nوأما حديث معاذ: أخرجه أحمد ٥/ ٢٤٢ (٢٢٠٩٥).\nوأما حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه أحمد ٢/ ١٨٠ (٦٦٩٣) و٢/ ٢٠٥ (٦٩١٩) و٢/ ٢٠٨ (٦٩٤١)، والحارث (٢٢٦) والمروزي في مختصر قيام الليل (ص ٢٦٨).\nوأما حديث ابن عباس: أخرجه البزار (٧٣٤/ كشف الأستار)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٣٣ - ١٣٤ رقم ٢٧١٠) والكبير (١١/ ٢٥٣ رقم ١١٦٥٢) وابن عدى (٨/ ٢٦٠).\nقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤٠: رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه النضر أبو عمر، وهو ضعيف جدًّا.\nوأما حديث عقبة بن عامر: أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٦٤ رقم ٧٩٧٥)، وأبو نعيم =","vol":"4","page":192},{"text":"قوله: عن أبي تميم الجيشاني -﵁-، ينسب على جيشان قبيل من اليمن، واسمه عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم الرعيني المصري أصله من اليمن وهو أخو سيف بن مالك بن الأسحم، ولد في حياة النبي -ﷺ- وهاجر إلى المدينة في زمن النبي -ﷺ- وهاجر إلى المدينة في زمن النبي -ﷺ-، وروى أبو تميم عن عقبة بن عامر الجهني وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وقرأ عليه القرآن، روى عنه عبه الله بن ميسرة وغيره، قال يحيى بن معين: ثقة، وقال يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله الميزني كان من أعبد أهل مصر، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال كان من عباد أهل مصر، [وذكره ابن يونس: توفي سنة سبع وسبعين] رواه له أبو داود في القدر والباقون سوى البخاري وليس له عند ابن ماجه والترمذي سوى هذا الحديث وليس له عند مسلم والنسائي سوى هذا الحديث (^١) الذي رواه عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله -ﷺ- قال: صلى بنا النبي -ﷺ- صلاة\n_________\n= في الحلية (٩/ ٢٣٥). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك. وروى عن أبي سعيد: أخرجه الطبراني في الشاميين (٢٨٤٨)، والبيهقي في الصغير (١/ ٢٧٥ رقم ٧٥٤) والكبرى (٢/ ٦٥٩ رقم ٤١٤٨). قال البيهقي: ال العباس بن الوليد: قال لي يحيى بن معين: هذا حديث غريب من حديث معاوية بن سلام، ومعاوية بن سلام محدث أهل الشام وهو صدوق الحديث، ومن لم يكتب حديثه مسنده ومنقطعه فليس بصاحب حديث. وصححه الألباني في الصحيحة (١١٤١).\n(^١) تهذيب الكمال (١٥/ ترجمة ٣٥١٤).","vol":"4","page":193},{"text":"العصر فقال: \"إن هذه الصلاة عرضت علي من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجرها مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد\" والشاهد: الفجر قاله في الديباجة.\nقوله: سمعت عمرو بن العاص -﵁- يقول: أخبرني رجل من أصحاب النبي -ﷺ- أن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله ﷿ زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى الصبح الوتر الوتر\" تقدم الكلام على الوتر قريبا، والرجل الذي أخبره من أصحاب النبي -ﷺ- هو أبو بصرة الغفاري قاله الحافظ، وهذا الحديث قد روي من حديث معاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعقبة بن عامر الجهني وعمرو بن العاص وغيرهم، وتقدم الكلام على مناقبهم -﵃-.\nفائدة: اختلف أصحاب الشافعي في أكثر الوتر على وجهين صحح الرافعي في المحرر وتبعه في سائر كتبه أنه إحدى عشر ركعة لما روى مسلم عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة [يصلي] يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة؛ وفي حديث آخر ذكر فيه أنه -ﷺ- نام ثم استيقظ فتوضأ فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر بواحدة ثم اضطجع، وهذا هو الأصح، وقيل: أكثر ثلاثة عشر ركعة وصححه الإمام الرافعي في مسند الشافعي يسلك من كل ركعتين للحديث السالف قاله في شرح الأحكام (^١).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٥١).","vol":"4","page":194},{"text":"فرع: وماذا ينوي ذكر الأصحاب أربعة أوجه في كيفية النية أصحها أنه ينوي بكل شفع ركعتين من الوتر، والثاني: سنة الوتر، والثالث: مقدمة الوتر، والرابع: قيام الليل (^١).\nفرع آخر: إذا أوتر بواحدة أو أكثر كثلاث أو سبع أو تسع موصولة نوى بها جميعها الوتر وإن فصل نوى بالشفع الذي قبله مقدمة الوتر أو راتبة الوتر أو سنة الوتر، ولا يقل من الوتر لأن الوتر عبارة عن الفرد من العدد الذي الذي مكانه قال: أصلي ركعتين من الركعة وهذا لا يصح، فإن نوى بقوله من الوتر من العدد الذي سأصليه صح، وفيه دليل على جواز التطوع بالركعة الواحدة خلافا لما يقوله أبو حنيفة قاله ابن العماد؛ ولو جمع الكل بتسليمة واحدة ونوى الوتر جاز لكنه خلاف الأفضل، وكذا يجوز تسعا بتسليمة وسبعا وخمسا وثلاثا روى ذلك عنه -ﷺ- بعضه فعلا وبعضه قولا.\nفائدة: قال العلماء: أقل الوتر ركعة للحديث: \"فمن أحب أن يوتر بركعة فليفعل\" فأقل الوتر ركعة بلا خلاف، نعم لو أوتر بركعة عقيب العشاء من غير تقدم نفل عليها فعل يصح؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم، وهو ظاهر النص لأن سعدا صلى بعد العشاء وقال: رأيت رسول الله -ﷺ- يوتر بركعة، لكنه خلاف المختار بل قال القاضي أبو الطيب: إن الإيتار بركعة مكروه، فعلى هذا تكون ركعة الوتر موترة لما تقدم من النفل، فإن لم يتقدمها شيء لم يصح وترًا، قال الإمام: وكانت تطوعًا، وأدنى الكمال ثلاث ركعات\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٩٥).","vol":"4","page":195},{"text":"بتسليمتين لما روى النسائي عن أبي بن كعب أنه -ﷺ- كان يوتر بثلاث يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة بقل يأيها الكافرون، وفي الركعة الثالثة بعد الفاتحة بقل هو الله أحد والمعوذتين؛ وقال أبو حنيفة: إذا زاد على الثلاث سقط الوتر وهذا خلاف الحديث، وروى أنه -ﷺ- كان يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة القدر وإذا زلزلت والتكاثر، وفي الركعة الثانية والعصر والكوثر وإذا جاء نصر الله، وفي الثالثة الكافرون وتبت يدا والإخلاص ثم يسلم تسليمتين لما روى مسلم عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي -ﷺ- وأنا بينه وبين السائل فقال: يا رسول الله كيف صلاة الليل فقال: \"مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فصل ركعة واجعل صلاتك وترا\" والوتر من صلاة الليل، وهذا هو الصحيح؛ درقيل: موصولة أفضل خروجا من الخلاف لأن الركعة المفردة ليست صلاة عند قوم، وقيل: إن كان المصلي إماما فالوصل أفضل لتصح صلاة من خلفه مع اختلاف مذاهبهم، وقيل فيه غير ذلك (^١).\nفرع: يندب بعد الوتر سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح ثلاثا ويرفع صوته بالأخيرة لأن النبي -ﷺ- كان يقول ذلك، رواه أبو داود بإسناد صحيح، وفي رواية الإمام أحمد والنسائي: \"كان يمد صوته بالثالثة\" (^٢) فيه دليل على استحباب الذكر بعد العبادة، ومناسبة هذا الذكر تعظيمه تعالى\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٧).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٢٩٨).","vol":"4","page":196},{"text":"واستغناؤه عن العبادة وذكره عند تمامها بالتنزيه والتقديس عما يحتاج العبد إليه من النوم والراحة والتعب؛ سبوح قدوس: بفتح السين وضمها ولم يأت (فعول) بالضم مشدد العين إلا في هذين الحرفين وهما بمعنى التنزيه والتطهير من النقائص والعيوب (^١) أ. هـ، وهي صيغة مبالغة، والقدس الطهارة وإنما طول في الثالثة ليستغرق في معناها، وقد اختلف أيما أفضل مد الذكر أو تقصيره؟ فقال الإمام فخر الدين في التهليل: من خرج من الكفر إلى الإيمان فيقصر قطعا وإلا فالمد أفضل أ. هـ قاله في شرح الإلمام؛ ويستحب أن يقول بعده أيضًا: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء علين أنت كما أثنيت على نفسك، ففي سنن أبي داود والنسائي والترمذي أن النبي -ﷺ- كان يقول في آخر وتره، والله أعلم.\nخاتمة: في لباب المحاملي (^٢): يستحب أن يصلي ركعتين بعد الوتر قاعدا مربعا يقرأ في الأولى بعد الفاتحة إذا زلزلت الأرض وفي الثانية بعد الفاتحة قل يأيها الكافرون قال: وإذا ركع وضع يديه على الأرض ويثني رجليه كما يركع القائم، قال: ومثله يثني في السجود رجليه، قال ابن منده في مستخرجه: وحديث \"صلاة بعد الوتر ركعتين جالسًا بقل يأيها الكافرون وإذا زلزلت\" روته عائشة -﵂- أم سلمة وأبو هريرة وأبو أمامة وأبو أيوب وجزم باستحباب هاتين الركعتين المحب الطبري في شرحه قال: يستحب أن يصلي\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) اللباب (ص ١٣٧).","vol":"4","page":197},{"text":"بعده ركعتين جالسًا، رواه الترمذي عن أم سلمة عنه ﵊، ويروي أنه قبض وآخر صلاته من الليل الوتر، قال البيهقي: وهو يدل على تركه اللتين بعده، وأنكر النووي في شرح المهذب على من يقول باستحباب هاتين الركعتين وفعله ﵇ لهما يحمل على بيان جواز الصلاة بعد الوتر (^١)، والله تعالى أعلم.\n\n٨٧٦ - وَعَن بُرَيْدَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا الْوتر حق فَمن لم يُوتر فَلَيْسَ منا ثَلَاثًا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَفِي إِسْنَاده عبيد الله بن عبد الله أَبُو الْمُنِيب الْعَتكِي وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ١٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٥٧ (٢٣٠١٩)، وأبو داود (١٤١٩)، ومحمد بن نصر المروزي في مختصر كتاب الوتر (ص ٢٦٨)، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٠٥ و٣٠٦. قال الحاكم: صحيح، وأبو المنيب العتكي المذكور في إسناده ثقة. وتعقبه الذهبي فقال: قلت: قال البخاري: عنده مناكير. وضعفه الألباني في المشكاة (١٢٧٨) الإرواء (٤١٧) وضعيف أبي داود (٢٥٦) وضعيف الترغيب (٣٤٠).","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الترغيب في أن ينام الإنسان طاهرًا ناويًا القيام</span>\n٨٧٧ - عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من بَات طَاهِرا بَات فِي شعاره ملك فَلَا يَسْتَيْقِظ إِلَّا قَالَ الْملك اللَّهُمَّ اغْفِر لعبدك فلَان فَإِنَّهُ بَات طَاهِرا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nالشعار بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة هُوَ مَا يَلِي بدن الْإِنْسَان من ثوب وَغَيره\nقوله -ﷺ-: \"من بات طاهرا بات في شعاره ملك\" الشعار: بكسر الشين المعجمة هو: ما يلي بدن الإنسان من ثوب وغيره قاله الحافظ، وأنشد الأمير العاصمي يقول: قاله الحافظ، وأنشد العاصمي يقول:\nيا جاعلًا سنن النَّبيِّ شعاره ودثاره ... متمسِّكًا بحديثه متتبِّعًا أخباره\nوكذا الطَّريقة فاقتبس في سبلها أنواره ... هُوَ قدوة لَك فَاتخذ فِي السابقين شعاره (^٢)\nوسمي شعارا لأنه يلي الجسد، وقد جاء في النوم على طهارة ما يقتضي عروج الروح وسجودها تحت العرش وأعلا الجنة تحت العرش كما ثبت في الحديث الصحيح أن الفردوس أعلا الجنة وسقفه عرش الرحمن (^٣) وكما رواه البيهقي في شعب الإيمان بإسناده على عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: الأرواح يعرج بها في منامها إلى السماء فتؤمر بالسجود عند العرش فمن\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (١٠٥١). وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥٣٩) وصحيح الترغيب (٥٩٧).\n(^٢) خلاصة البشر (ص ١٠٥).\n(^٣) البخاري (٢٧٩٠) و(٧٤٢٣).","vol":"4","page":199},{"text":"بات طاهرا سجد عند العرش ومن كان ليس بطاهر سجد بعيدا من العرش، قال البيهقي: هكذا جاء موقوفًا (^١) أ. هـ.\nوهذا وإن كان موقوفا فقد ثبت أن من نام طاهرا بات في شعاره ملك، الحديث، وصفة الملائكة العلو فكان فيه مناسبة لعلو روحه وصعودها إلى الجنان، وفيه: استحباب دوام الطهارة وأنه يستحب الوضوء عقب الحدث وإن لم يكن وقت صلاة ولم يرد الصلاة وهو المراد بقوله -ﷺ-: \"ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" (^٢) فالظاهر أن المراد منه دوام الوضوء لا الوضوء الواجب فقط عند الصلاة والله أعلم.\nفائدة: عن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام، وفي رواية إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه (^٣)، وفي رواية عمر قال: يا رسول أيرقد أحدنا وهو جنب قال: نعم إذا توضأ (^٤).\nحاصل الأحاديث كلها أنه يجوز للجنب أن يأكل وينام ويشرب ويجامع فهل الاغتسال، وفيها: أنه يستحب أن يتوضأ ويغسل فرجه لهذه الأمور كلها ولا سيما إذا أراد جماع من لم يجامعها فإنه يتأكد استحباب غسل ذكره، وقد نص أصحابنا على أنه يكره النوم والأكل والشرب والجماع قبل الوضوء، وهذه الأحاديث تدل\n_________\n(^١) الشعب (٤/ ٢٨٤ رقم ٢٥٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٧) وابن حبان (١٠٣٧). وقال الألباني: حسن صحيح - الصحيحة (١١٥)، الروض (١٧٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١ و٢٢ - ٣٠٥).\n(^٤) البخاري (٢٨٧) و(٢٨٩) و(٢٩٠)، ومسلم (٢٣ و٢٤ و٢٥ - ٣٠٦).","vol":"4","page":200},{"text":"عليه ولا خلاف عندنا أن هذا الوضوء ليس بواجب، وبهذا قال مالك والجمهور وذهب ابن حبيب من أصحاب مالك إلى وجوبه وهو مذهب داود الظاهري، والمراد بالوضوء وضوء الصلاة الكامل والله أعلم، ذكره النووي (^١).\n\n٨٧٨ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من مُسلم يبيت طَاهِرا فيتعار من اللَّيْل فَيسْأَل الله خيرا من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا أعطَاهُ الله إِيَّاه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن شهر عَن أبي ظَبْيَة عَن معَاذ وَرَوَاهُ النَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه وَذكر أَن ثَابتا الْبنانِيّ رَوَاهُ أَيْضا عَن شهر عَن أبي ظَبْيَة قَالَ الْحَافِظ وَأَبُو ظَبْيَة بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة شَامي ثِقَة (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن جبل -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ-: \"ما من مسلم يبيت طاهرا فيتعار من الليل فيسأل الله خيرًا\" الحديث، أي: يستيقظ من الليل.\nقوله: رواه أبو داود من رواية عاصم بن بهدلة، بهدلة: بالدال المهملة، وبهدلة أمه قاله الجوهري (^٣)، وقيل: أبوه: ابن أبي النجود بفتح النون وضم الجيم وبالمهملة، الأسدي التابعي الكوفي، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وعاصم أحد القراء السبعة، ثبت في القراءة لا في الحديث.\nوقوله: عن شهر بن حوشب، تقدم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٨١)، وأبو داود (٥٠٤٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٥٧٦ و١٠٥٧٧). وصححه الألباني في المشكاة (١٢١٥) والصحيحة (٣٢٨٨) وصحيح الترغيب (٥٩٨).\n(^٣) الصحاح (٤/ ١٦٤٣).","vol":"4","page":201},{"text":"وقوله: عن شهر بن حوشب عن أبي ظبية، بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء ضبطه الحافظ فقال: شامي ثقة.\n\n٨٧٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن رَسُول اللهﷺ- قَالَ طهروا هَذِه الأجساد طهركم الله فَإِنَّهُ لَيْسَ من عبد يبيت طَاهِرا إِلَّا بَات مَعَه فِي شعاره ملك لَا يَنْقَلِب سَاعَة من اللَّيْل إِلَّا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لعبدك فَإنَّهُ بَات طَاهِرا رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"طهروا هذه الأجساد طهركم الله\" المراد بتطهير الأجساد الوضوء المعروف، وتقدم الكلام على الشعار في حديث ابن عمر أول الباب.\n\n٨٨٠ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من أَوَى إِلَى فرَاشه طَاهِرا يذكر الله حَتَّى يُدْرِكهُ النعاس لم يَنْقَلِب سَاعَة من ليل يسْأَل الله خيرا من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا أعطَاهُ الله إِيَّاه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن شهر بن حَوْشَب عَن أبي أُمَامَة وَقَالَ حَدِيث حسن (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من أوى إلى فراشه طاهرا\" أي: انضم إليه ودخل فيه كما في الرواية الأخرى \"إذا أخذ مضجعه\" بمعنى: انقلب إليه ليستريح؛ والفراش:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٠٤ رقم ٥٠٨٧). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢٨: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٩٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٢٦)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٢٥ رقم ٧٥٦٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٤١)، المشكاة (١٢٥٠)، الكلم الطيب (٤٣/ ٢٩).","vol":"4","page":202},{"text":"من الفرش، أوى: بقصر الألف في الأولى ومدها في الثانية المعداة وفي كل واحدة من الكلمتين عند أهل اللغة الوجهان ثلاثيا كان أو رباعيا متعديا كان وغير متعد لكن المد في المعدى أشهر، والقصر في غير المعدى أعرف، قاله أبو الفضل اليحصبي (^١)، وقال بعضهم: المد في المعدى [أشهر وأفصح] والمعدى لغة القرآن قال [أرأيت] إذ [أوينا إلى الصخرة] وقال تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ (^٢) (^٣) والفراش من الفرش وهو البسط، وتقدم معنى الحديث، وتقدم الكلام على شهر بن حوشب [وأبى أمامة].\n\n٨٨١ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من امرئ تكون لَهُ صَلَاة بلَيْل فيغلبه عَلَيْهَا نوم إِلَّا كتب الله لَهُ أجر صلَاته وَكَانَ نَومه عَلَيْهِ صَدَقَة رَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم وَسَماهُ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة لَهُ الْأسود بن يزِيد وَهُوَ ثِقَة ثَبت وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب التَّهَجُّد بِإِسْنَاد جيد رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٤).\nوعن عائشة تقدم الكلام على عائشة والحديث وعلى بقية أحاديث الباب في أول الكتاب [بياض في الأصل].\n_________\n(^١) المشارق (١/ ٥٢).\n(^٢) سورة المؤمنون، الآية: ٥٠.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٠).\n(^٤) أخرجه مالك (٣٠٧)، وأبو داود (١٣١٤)، وابن أبي الدنيا في التهجد (٢٠٥)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٤٩٩ (١٨٠٠) و٣/ ٥٠٠ (١٨٠١) و٣/ ٥٠١ (١٨٠٢). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٦٠٠).","vol":"4","page":203},{"text":"٨٨٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁-: يبلغ بِهِ النَّبِي -ﷺ- قَالَ من أَتَى فرَاشه وَهُوَ يَنْوِي أَن يقوم يُصَلِّي من اللَّيْل فغلبتة عينه حَتَّى أصبح كتب لَهُ مَا نوى وَكَانَ نَومه صَدَقَة عَلَيْهِ من ربه رَوَاهُ النَّسَائِيّ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن خُزَيْمَة عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي ذَر مَوْقُوفا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَهُوَ الْمَحْفُوظ وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة هَذَا خبر لَا أعلم أحدا أسْندهُ غير حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة وَقد اخْتلف الروَاة فِي إِسْنَاد هَذَا الْخَبَر (^١).\n\n٨٨٣ - وَعَن أبي ذَر أَو أبي الدَّرْدَاء شكّ شُعْبَة -﵁- قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من عبد يحدث نَفسه بِقِيَام سَاعَة من اللَّيْل فينام عَنْهَا إِلَّا كَانَ نَومه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وَكتب لَهُ أجر مَا نوى رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مَرْفُوعا وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه مَوْقُوفا لم يرفعهُ (^٢).\nقوله: وعن أبي ذر أو أبي الدرداء شك شعبة -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: \"ما من عبد يحدث نفسه بقيام ساعة من الليل فينام عنها\" الحديث، هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي من أئمة التابعين وساداتهم ومن أعلام المحدثين وكبار المحققين وأجمعوا على [إمامته] في الحديث وجلالته وتحريه\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٣٤٤)، والبزار (٤١٥٣)، والنسائي في الكبرى (١٤٦٣) والمجتبى ٣/ ٥٠١ (١٨٠٣) وابن خزيمة (١١٧٢) مرفوعًا. وأخرجه النسائي في الكبرى (١٤٦٤) والمجتبى ٣/ ٥٠٢ (١٨٠٤) وابن خزيمة (١١٧٣) و(١١٧٤ و١١٧٥) موقوفًا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٠١).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (١١٧٣) موقوفا، وابن حبان (٢٥٨٨) مرفوعًا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٠٢).","vol":"4","page":204},{"text":"واحتياطه وإتقانه، قال الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان شعبة مثله ولا أحسن حديثا منه، روى عن ثلاثين رجلا من الكوفة، لم يرو عنهم سفيان الثوري، قال [الشافعى]: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وقال حماد بن زيد: قال لنا أيوب إلا أن يقدم عليكم رجل من أهل واسط يقال له شعبة هو فارس أهل الحديث فحدثوا عنه، وقال يحيى القطان: شعبة أكبر من الثوري بعشر سنين والثوري أكبر من ابن عيينة بعشر سنين، وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمة واحدة في هذا الشأن يعني علم الحديث وأحوال الرواة، وقال صالح بن محمد: أول من تكلم من الرجال شعبة ثم تبعه يحيى القطان ثم أحمد بن حنبل وابن معين، وتوفي بالبصرة سنة ستين ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنه (^١) والله أعلم قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوي إلى فراشه وما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى</span>\n٨٨٤ - عَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- قَالَ قَالَ النَّبِي -ﷺ- إِذا أتيت مضجعك فَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة ثمَّ اضْطجع على شقك الْأَيْمن ثمَّ قل اللَّهُمَّ إِنِّي أسلمت نَفسِي إِلَيْك ووجهت وَجْهي إِلَيْك وفوضت أَمْرِي إِلَيْك وألجأت ظَهْري إِلَيْك رَغْبَة وَرَهْبَة إِلَيْك لَا منجا وَلَا ملْجأ مِنْك إِلَّا إِلَيْك آمَنت بكتابك الَّذِي أنزلت وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت فَإِن مت من ليلتك فَأَنت على الْفطْرَة واجعلهن آخر مَا تَتكلَّم بِهِ قَالَ فرددتها على النَّبِي -ﷺ- فَلَمَّا بلغت آمَنت بكتابك الَّذِي أنزلت قلت وَرَسُولك قَالَ لَا وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ فَإنَّك إِن مت من ليلتك مت على الْفطْرَة وَإِن أَصبَحت أصبت خيرا (^١) أَوَى غير مَمْدُود.\nقوله: عن البراء بن عازب -﵁-، تقدم الكلام على البراء بن عازب.\nقوله -ﷺ-: \"إذا أتيت \" ذكر المنذري أنه بالقصر.\nوقوله: \"مضجعك\" المضجع: بفتح الجيم وفي بعضها: \"مُضجَعَك\"\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٧) و(٦٣١١) و(٦٣١٣) و(٦٣١٥) و(٧٤٨٨)، ومسلم (٥٦ و٥٧ و٥٨ - ٢٧١٠)، وابن ماجه (٣٨٧٦)، وأبو داود (٥٠٤٦ و٥٠٤٧ و٥٠٤٨)، والترمذي (٣٥٧٤) و(٣٣٩٤)، والنسائي (١٠٥٤١ - ١٠٥٥٥).","vol":"4","page":206},{"text":"ومعناه: إذا أردت أن تأتي مضجعك فتوضأ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (^١) أي: إذا أردت القراءة، وكقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٢) معناه: إذا أردتم القيام إليها، أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"ثم اضطجع على شقك الأيمن\" الحديث، والضجع: هو وضع الجنب على الأرض.\nقوله: \"ثم قل اللهم إني أسلمت نفسي إليك\" وفي رواية: \"وجهي\" بدل \"نفسي\" وكلاهما بمعنى الذات والشخص فكأنه قال: أسلمت ذاتي وشخصي، قال بعض العلماء: والوجه والنفس هنا بمعنى الذات كلها (^٣)، ومعنى: أسلمت سلمت واستسلمت وجعلت نفسي منقادة لك طائعة لحكمك (^٤)، والاستسلام: الانقياد والطواعية لأوامر الله تعالى والرضا بقضائه، أي: سلمتها لك إذ لا قدرة لي على تدبيرها ولا على جلب ما ينفعها ولا على دفع ما يضرها بل أمرها إليك مسلم تفعل فيها ما تريد فلا اعتراض على ما تفعل [ولا معارضة (^٥)] أ. هـ.\nقوله: \"وفوضت أمري إليك\" أي: رددته عليك وجعلت الحاكم فيه يقال:\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(^٣) إكمال المعلم (٨/ ٢٠٧) وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٣٣).\n(^٤) المصدرين السابقين.\n(^٥) المفهم (٧/ ٣٨).","vol":"4","page":207},{"text":"فوض إليه الأمر تفويضا إذا رده إليه وجعله الحاكم فيه، قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"وألجأت ظهري إليك\" أي: اعتمدت في أموري كلها عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده، يقال: لجأ إلى فلان والتجأ إذا استند إليه واعتضد به، والالتجاء في هذا الحديث بمعنى الإسناد (^٢) والله أعلم.\nقوله: \"رغبة ورهبة إليك\" الرغبة الطلب والسؤال والرهبة الخوف مع تحزن واضطراب (^٣)، وقيل: الرهبة الخوف والفزع.\nقوله: \"إليك\" ومعنى إليك: أي صرفت رغبتي فيما أريده إليه، وقيل: معنى رغبة ورهبة أي خوفا من عقابك وطمعا في ثوابك.\nقوله: \"لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك\" الحديث، لا ملجأ بالهمز، ويجوز التخفيف، ولا منجا: مقصور، وإن إعرابه كإعراب عصى (^٤).\nفإن قلت: فهل يقرأ بالتنوين أو بغير تنوين، قلت: في هذا التركيب خمسة أوجه، فيجوز فيه التنوين فإنه مثل لا حول ولا قوة إلا بالله، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجا إلا إليك أ. هـ قاله الكرماني (^٥)، وقال ابن\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٤٧٩).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ١٠٧).\n(^٣) المفردات (ص ٣٦٦).\n(^٤) الكواكب الدراري (٢/ ١٠٧).\n(^٥) الكواكب الدراري (٢/ ١٠٧).","vol":"4","page":208},{"text":"رجب: قوله: \"لا ملجأ\" معناه: لا مهرب ولا مخلص ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك، والأصل في الملجأ الهمز، ومن الناس من يلين؛ قال ابن رجب (^١): فإن العبد إذا خاف من مخلوق هرب منه وفر إلى غيره، وأما من خاف من الله فماله من ملجأ يلجأ إليه ولا مهرب يهرب إليه إلا هو فيهرب منه إليه، وأن المذنب ليس له من ملجأ يلجأ إليه ويعول عليه في مغفرة ذنوبه غيره كما قال النبي -ﷺ- في دعائه: \"لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك\".\nقوله: \"ولا منجا\" مقصور من نجى من الأمر إذا خلص، أي: لا موضع ينجو من عذابك، ففي هذا الحديث أن الوضوء عند النوم مندوب إليه مرغوب فيه، وكذا الدعاء لأنه قد تقبض روحه في نومه فيكون قد ختم عليه بالوضوء والدعاء الذي هو أفضل من الأعمال، وقال النووي (^٢): فيه ثلاث سنن مهمة مستحبة:\nإحداها: الوضوء عند النوم وإن كان متوضأ كفاه ذلك الوضوء لأن المقصود من النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته ليكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه.\nالثانية: النوم على الشق الأيمن لأن النبي -ﷺ- كان يحب التيامن ولأنه أسرع إلى الانتباه، وأقول: إلى انحدار الطعام كما هو مذكور في الكتب الطبية.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٣٢ - ٣٣).","vol":"4","page":209},{"text":"الثالثة: ذكر الله تعالى ليكون خاتمة عمله ذلك إذ هو إحدى الموقفين ومخافة أن يتوفى في نومته تلك، قال في حدائق الأولياء بعد سياق هذا الحديث، وفيه آداب اتخاذ فراش يأوي إليه، والاضطجاع دون القعود ونحوه وأن يكون على الجنب وأن يكون الأيمن والذكر المأثور، وفيه النوم على الطهارة وترك الكلام بعد الذكر أ. هـ.\nقوله: \"آمنت بكتابك الذي أنزلت\" أي: بالقرآن ثم الإيمان بالقرآن مستلزم للإيمان بجميع الكتب المنزلة فلفظ كتاب محتمل لجميع الكتب ولبعضها كالقرآن، والإيمان في اللغة هو التصديق.\nقوله -ﷺ-: \"فإن مت من ليلتك مت على الفطرة\" الحديث، أي: دين الإسلام وهو المراد هنا فيكون معناه مت على الفطرة أي: على الإسلام كما في الحديث الآخر: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة\" ا. هـ، وقد تكون الفطرة بمعنى الخلقة كقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (^١)، وبمعنى السنة كقوله -ﷺ-: \"خمس من الفطرة\" أي: من السنة يعني سنن الأنبياء ﵈ التي أمرنا الله أن نقتدي بهم فيها، قال أبو العباس القرطبي (^٢): هكذا قال الشيوخ في هذا الحديث، وفيه نظر لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرت من التوحيد والتسليم والرضى إلى أن يموت على الفطرة كما يموت من قال (لا إله إلا\n_________\n(^١) سورة الروم، الآية: ٣٠.\n(^٢) المفهم (٢٢/ ٩٤).","vol":"4","page":210},{"text":"الله) وإن لم يخطر له شيء من تلك الأمور فإن فائدة تلك الكلمات العظيمة وتلك المقامات الشريفة، فالجواب: أن كلا منهما وإن مات على فطرة الإسلام فبين الفطرتين ما بين الحالتين ففطرة الطائفة الأولى فطرة المقربين والصديقين، وفطرة الثانية فطرة أصحاب اليمين، أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ-: \"واجعلهن آخر ما تتكلم به\" وفي بعضها: \"تكلم\" بحذف إحدى التائين أي: آخر أقوالك في تلك الليلة، فإن قلت: هذا ذكر ودعاء وتنزيه ولا يسمى كلاما عرفا ذكره الفقهاء في باب الفقهاء في باب اليمين، قلت: هو كلام لغة، وأما أمر الإيمان فمبني على العرف (^١) والله أعلم.\nقوله: \"فرددتها على النبي -ﷺ-\" أي: رددت هذه الكلمات لأحفظهن (^٢).\nقوله: \"فلما بلغت آمنت بكتابك الذي أنزلت\" قلت: ورسولك، قال: \"لا، ونبيك الذي أرسلت\" الحديث.\nفائدة: فإن قلت: ما الفرق بين النبي والرسول؟ فالجواب: أن الرسول نبي له كتاب (^٣) وهو واحد رسل الله فسبحانه وتعالى هو الذي أوحى إليه العمل والتبليغ فهو أخص من النبي، وأما النبي فهو الذي أوحي إليه العمل فقط (^٤)،\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ١٠٨).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ١٠٨).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٢٨).\n(^٤) المعين (١/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"4","page":211},{"text":"وقال الزمخشري (^١): النبيء هو الذي ينبيء عن الله تعالى وإن لم يكن معه كتاب، وذهب الأشعري على أنه هو الذي نبأه الله تعالى، وقال غيره: النبي هو الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما (^٢)، قال القاضي عياض (^٣): والصحيح الذي عليه الجمهور: أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، ونقل غيره الإجماع على هذا، قال النووي (^٤): واختار المازري وغيره أن سبب الإنكار أن هذا ذكر ودعاء فينبغي الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف ولعله أوحى إليه -ﷺ- هذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها لاحتمال أن لها خاصية ليست لغيرها، وهذا القول حسن والله أعلم؛ وقال: واعلم أنه لا يلزم من الرسالة النبوءة ولا عكسه.\nتنبيه: قال الخطابي (^٥) رحمه الله تعالى في رد الرسول -ﷺ- لفظ البراء حجة لمن لم ير أن يروي الحديث على المعنى كما هو قول ابن سيرين وغيره، وكان يذهب هذا المذهب أبو العباس النحوي ويقول: ما من لفظة من الألفاظ المتناظرة من كلامهم إلا بينها وبين صاحبتها فرق وإن دق ولطف كقوله: بلى ونعم، واحتج بعض العلماء بهذا الحديث لمنع الرواية بالمعنى كما تقدم،\n_________\n(^١) الكشاف (٣/ ٢٢).\n(^٢) تفسير البغوى (٥/ ٣٩٣)، وتفسير القرطبي (١٢/ ٨٠).\n(^٣) الشفا (١/ ٢٥١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٣٣).\n(^٥) أعلام الحديث (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"4","page":212},{"text":"وجمهور العلماء على جوازها من العارف ويجيبون عن هذا الحديث بأن المعنى هنا مختلف ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى (^١) والله أعلم.\nفائدة: إبدال الرسول بالنبي وعكسه إذا وقع في الرواية عن النبي -ﷺ- فهل للسامع أن يقول عن رسول الله -ﷺ- وهكذا عكسه كأن يكون في الرواية عن رسول الله -ﷺ- فيقول عن النبي -ﷺ-، قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز وإن جازت الرواية بالمعنى، فإن شرط ذلك أن لا يختلف وهو في هذا مختلف، وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا كان في الكتاب النبي فقال المحدث: رسول الله -ﷺ- ضرب وكتب رسول الله -ﷺ-، قال الخطيب: هذا غير لازم وإنما استحب اتباع اللفظ وإلا فمذهبنا الترخيص في ذلك، وقد سأله ابن صالح: يكون في الحديث رسول الله -ﷺ- فيجعل النبي -ﷺ-، قال: أرجوا أن لا يكون به بأس، وقال حماد بن سلمة لعفان وزفر: لما تغيران النبي من الرسول؟ أما إسما فلا يتفقان أبدًا؛ وقال النووي، قدس الله سره،: الصواب -والله أعلم- جوازه لأنه لا يختلف به ههنا معنى (^٢) أ. هـ.\nقوله: في رواية للبخاري والترمذي \"وإن أصبحت أصبت خيرًا\" أي: حصل لك ثواب هذه السنن واهتمامك بالخير ومتابعتك أمر الله تعالى ورسوله -ﷺ- (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٣٣ - ٣٤).\n(^٢) التبصرة والتذكرة (٢/ ١٢ - ١٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٣٣).","vol":"4","page":213},{"text":"فائدة: في ذكر عدد الأنبياء والمرسلين والكتب المنزلة عليهم، روى عن أبي ذر -﵁-: قال: سألت رسول الله -ﷺ- كم الأنبياء يا رسول الله؟ قال: \"مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا\" قال: قلت: كم الرسل منهم؟ قال: \"ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير\" قلت من كان أولهم؟ قال: \"آدم\" قلت: أنبي مرسل؟ قال: \"نعم\" ثم قال رسول الله -ﷺ-: \"أربعة سريانيون آدم وشيث -وهو هبة الله- وخنوخ -وهو إدريس- وهو أول من خط بالقلم ونوح، وأربعة من العرب هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى\" (^١)، وعن وهب بن منبه عن ابن عباس قال: عدد الرسل والكتب نحو مما قاله أبو ذر غير أنه قال: المرسلون ثلثمائة وخمسة عشر منهم خمسة عبرانيون، وزاد إبراهيم ﵇ وخمسة من العرب وزاد إسماعيل ﵇ (^٢)، وخالف بين الكتب فقال: خمسون على شيث وثلاثون على خنوخ وعشرون على إبراهيم والكتب الأربعة أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (^٣) والله أعلم، قلت: يا رسول الله، كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب، على شيث خمسون صحيفة وعلى خنوخ ثلاثون صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان (^٤)، أ. هـ؛ روى عن أبي ذر وعن وهب عن ابن\n_________\n(^١) الحلية (١/ ١٦٧).\n(^٢) أعلام النبوة (ص ٦٧).\n(^٣) كنز الدرر (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٥).\n(^٤) الحلية (١/ ١٦٧).","vol":"4","page":214},{"text":"عباس أن صحف إبراهيم أنزلت في أول ليلة من شهر رمضان وأنزلت التوراة لست ليال من شهر رمضان وأنزلت الزبور لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان (^١).\nفائدة أخرى: جملة الأنبياء مع المرسلين مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا وكلهم ذكران إلا أم موسى وعيسى وإسحاق وحواء وآسية على اختلاف في نبوتهن قاله بعضهم، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٢): وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إن في النساء أربع نبيات حواء وآسية وأم موسى ومريم\" قال: والصحيح أن مريم كانت نبية لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر الأنبياء، ويؤيد الحديث المذكور هذا الحديث في أول سورة الأنبياء، وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ (^٣) أي: اختارك لولادة عيسى، وقيل: اصطفاك على نساء العالمين أجمع إلى يوم النفخ في الصور، قال: وهو الصحيح، والكمال المذكور في حديث \"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون\" قيل: إنه بالنبوة وأنهما نبيتان، قال: والصحيح أن مريم نبية، وقال النووي (^٤): لم يثبت كونها نبية وكذلك لم تثبت نبوة لقمان أيضا، وحكي بعضهم خلافا في نبوة أم\n_________\n(^١) كنز الدرر (٢/ ٥٣٥).\n(^٢) التفسير (٤/ ٨٣).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٤٢.\n(^٤) الأذكار (ص ١١٩).","vol":"4","page":215},{"text":"عيسى وأم موسى وأم إسحاق والخضر والحواريين وإخوة يوسف وذي القرنين (^١).\nفائدة أخرى: أولوا العزم منهم خمسة نبينا محمد -ﷺ- ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وكلهم عجم إلا نبينا محمدا -ﷺ- وإسمعيل وهودا وصالحا وشعيبا وكلهم من بني إسرائيل، أولهم يعقوب وآخرهم عيسى إلا شيث وإدريس ونوحا وأولاد سام وحام ويافث وإبراهيم وإسحاق، زاد بعض المفسرين: وكلهم وحيهم رؤيا إلا أولوا العزم فإن وحيهم كان رؤيا ويقظة، ولم ينزل كتب إلا على ثمانية آدم وشيث وإدريس إبراهيم وموسى وداود وعيسى ونبينا محمد -ﷺ- والله أعلم بالصواب، هذا كلام ابن الملقن في شرح العمدة (^٢).\nفائدة: فأول المرسلين آدم كان رسولا إلى جميع ولده، وكان كنيته أبو محمد لأن أكرم ولده محمد -ﷺ- فكان يكنى به، وكنيته في الأرض أبو البشر، وعاش تسع مائة وثلاتين سنة، هكذا ذكر أهل التوراة، وروى عن وهب بن منبه أنه قال: عاش آدم ﵇ ألف سنة بعده شيث بن آدم وكان نبيا مرسلا وكان وصي آدم وولي عهده، قال وهب: وعاش تسعمائة سنة وكان شيث أبا البشر كلهم، وإليه انتهت أنساب الناس كلهم، ثم بعده إدريس وكان نبيا مرسلا واسمه خنوخ ورفع إلى السماء وعاش مائة وخمسا\n_________\n(^١) فتح الباري (٦/ ٤٧٤/ ٣ - ٤٧٤).\n(^٢) الاعلام (١/ ١١٠ - ١١١).","vol":"4","page":216},{"text":"وستين سنة، ثم بعده نوح واسمه شاكر وإنما سمي نوحا لكثرة نوحه وبكائه من خوف الله تعالى، ثم بعده [هود] وهو هود [ابن عبد الله، ويقال هود بن تاريخ بن جواب بن عيوص] بعثه الله إلى عاد، قال بعضهم: عاد اسم قبيلة، وقال بعضهم: هو اسم ملكهم وكانوا يسمون باسم ملكهم فكذبوه فأرسل الله عليهم الريح العقيم فأهكلهم كلهم، ثم بعده صالح بعثه الله إلى ثمود وهو اسم بئر بأرض الحجاز وتسمي تلك القبيلة باسم تلك البئر، ثم بعده إبراهيم وهو أول من رأى الشيب وأول من اختتن، وكان لإبراهيم أربع بنين إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، ويقال: ست بنين، ويقال: اثنا عشر ابنا، وكان إسماعيل نبيا مرسلا وكان أبا العرب كلهم، وكان إسحاق نبيا مرسلا وكان له ابنان عيص ويعقوب ولدا في بطن واحدة، فأما يعقوب فهو أبو بني إسرائيل وأما عيص فهو أبو الروم وكان لوط في زمن إبراهيم وكان [ابن عمه] وكانت سارة أخت لوط وهي أم إسحاق، وكان ابن أخي إبراهيم ﵇ ثم أيوب [وهو ابن] بنت لوط وكان تحته [ابنة يعقوب] يقال لها [ليا بنت يعقوب ويقال] لها رحمة [بنت يوسف] ثم شعيب بعثه الله إلى مدين فكذبوه فأهلكهم الله تعالى بالصاعقة [والزلزلة] ثم موسى وأخاه هارون ابنا عمران بعثهما الله إلى فرعون بمصر، ثم يوشع بن نون وكان خليفة موسى بعده، ثم يونس بن متى الذي ابتلاه الله بالحوت فالتقمه [وهو مليم وكان] في [بطنه] ثلاثة أيام، وقيل: أربعة أيام، وقيل: أربعين يوما، ثم داود وهو (داود بن إيشا) نبي مرسل وكان ملك بني إسرائيل، ثم ابنه سليمان بن داود، ثم زكريا بن","vol":"4","page":217},{"text":"ماثان وابنه يحيى بن زكريا ثم [عيسى ابن مريم ﵇، ثم إلياس]، -ﷺ- وكان نبيا مرسلا [من] سبط يوشع بن نون [بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك] وهي مدينة بالشام وكان اليسع تلميذ إلياس وخليفته من بعده، وكان الأسباط من أولاد يعقوب وكانوا [اثنا عشر ابنًا] فتوالدوا حتى كثروا فصاروا أولاد كل ابن سبطا، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وعاش يعقوب في أرض مصر تسع عشرة سنة، وكان عمره مائة وسبعا وأربعين سنة، وعاش يوسف بعده ثلاثا وعشرين سنة، ومات يوسف ﵇ وهو ابن مائة وعشرين سنة، ويقال: مائة وعشر سنين والله أعلم قاله أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (^١).\n\n٨٨٥ - وَعَن رَافع بن خديج -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا اضْطجع أحدكُم على جنبه الْأَيْمن ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إِلَيْك ووجهت وَجْهي إِلَيْك وألجأت ظَهْري إِلَيْك وفوضت أَمْرِي إِلَيْك لَا منجا مِنْك وَلَا ملْجأ إِلَّا إِلَيْك أُؤْمِن بكتابك وبرسولك فَإِن مَاتَ من ليلته دخل الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nقوله: عن رافع بن خديج -﵁-. سيأتي، [وعن فروة بن نوفل هذا هو الأشجعي وليس له في الكتب الستة غير هذا] الكلام عليه مبسوطا، وتقدم الكلام على الحديث في الحديث الذي قبله.\n_________\n(^١) بستان العارفين (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٣٩٥). وضعفه الألباني في الترغيب (٣٤٢).","vol":"4","page":218},{"text":"٨٨٦ - وَعَن عَليّ -﵁- أَنه قَالَ لِابْنِ أعبد أَلا أحَدثك عني وَعَن فَاطِمَة -﵂- بنت رَسُول الله -ﷺ- وَكَانَت من أحب أَهله إِلَيْهِ وَكَانَت عِنْدِي قلت بلَى قَالَ إِنَّهَا جرت بالرحى حَتَّى أثرت فِي يَدهَا واستقت بالقربة حَتَّى أثرت فِي نحرها وكنست الْبَيْت حَتَّى اغبرت ثِيَابهَا فَأتى النَّبِي -ﷺ- خدم فَقلت لَو أتيت أَبَاك فَسَأَلته خَادِمًا فَأَتَتْهُ فَوجدت عِنْده حدثاء فَرَجَعت فَأَتاهَا من الْغَد فَقَالَ مَا كَانَ حَاجَتك فَسَكَتَتْ فَقلت أَنا أحَدثك يَا رَسُول الله جرت بالرحى حَتَّى أثرت فِي يَدهَا وحملت بالقربة حَتَّى أثرت فِي نحرها فَلَمَّا أَن جَاءَ الخدم أَمَرتهَا أَن تَأْتِيك فتستخدمك خَادِمًا يَقِيهَا حر مَا هِيَ فِيهِ قَالَ اتقِي الله يَا فَاطِمَة وَأدِّي فَرِيضَة رَبك واعملي عمل أهلك وَإِذا أخذت مضجعك فسبحي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ واحمدي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وكبري أَرْبعا وَثَلَاثِينَ فَتلك مائَة فَهُوَ خير لَك من خَادِم قَالَت رضيت عَن الله وَعَن رَسُوله زَاد فِي رِوَايَة وَلم يخدمها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا وَقَالَ وَفِي الحَدِيث قصَّة وَلم يذكرهَا (^١).\nقوله: وعن علي تقدم الكلام على عليّ.\nقوله: أنه قال لابن أعبد ألا أحدثك عني وعن فاطمة -﵂- بنت رسول الله -ﷺ-، الحديث؛ قوله: ابن أعبد، اسمه عبد الله، وفاطمة هي: بنت سيد المرسلين وسيدة نساء العالمين، قال أبو الفرج بن الجوزي: فاطمة بنت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١١٣) و(٣٧٠٥) و(٥٣٦١) و(٥٣٦٢) و(٦٣١٨)، ومسلم (٨٠ - ٢٧٢٧)، وأبو داود (٥٠٦٢)، والترمذي (٣٤٠٨ و٣٤٠٩).","vol":"4","page":219},{"text":"خديجة هي أصغر بناته -ﷺ- سنا، وكان رسول الله -ﷺ- عهد إليها أنها أول أهله لحوقا به، وتوفيت بعده، وقد روي أنه -ﷺ-[ليلة زفاف علي على] فاطمة توضأ وصب عليه وعلى فاطمة ذلك الماء الذي توضأ به، وتزوجها علي في السنة الثانية من الهجرة في رمضان وبنى بها في ذي الحجة، وكان عمرها إذا ذاك خمس عشرة سنة وخمسة وخمسة أشهر، وكان علي -﵁- أسن منها بست سنين فولدت له حسنا وحسينا ومحسنا وأم كلثوم التي تزوجها عمر وزينب التي تزوجها عبد الله بن جعفر، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، وقالت عائشة. إن فاطمة عاشت بعد النبي -ﷺ- ستة أشهر ودفن ليلا، وقالوا: إنها لم تضحك في مدة حياتها بعد رسول الله -ﷺ- (^١)، وسيأتي الكلام عليها وعلى والدتها خديجة مبسوطا في الأذكار خلف الصولات إن شاء الله تعالى.\nقوله: إنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها؛ الرحى: مقصور مؤنث والألف منقلبة عن ياء.\nقوله -ﷺ-: \"إذا أخذت مضجعك\" بفتح الجيم، وتقدم الكلام عليه.\nقوله: وزاد في رواية \"ولم يخدمها\" أي: ولم يعطها خادما.\n\n٨٨٧ - وَعَن فَرْوَة بن نَوْفَل عَن أَبِيه -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لنوفل اقْرَأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثمَّ نم على خاتمتها فَإِنَّهَا بَرَاءَة من الشّرك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مُتَّصِلا ومرسلا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٦/ ٣٦٥).","vol":"4","page":220},{"text":"وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن فروة بن نوفل، ونوفل هذا هو الأشجعي، وليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث والله أعلم.\nقوله -ﷺ- لنوفل: \"اقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم نم على خاتمتها\" الحديث، وقد رواه عبد الرحمن بن نوفل عن أبيه، وعبد الرحمن هو أخو فروة بن نوفل، وقال ابن عباس: ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس من ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ لأنها توحيد وبراءة من الشرك، وقال الأصمعي: كان يقال لقل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد المقشقشتان أي أنهما تبرئان من النفاق (^٢)، وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: \"ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله ﷿ تقرؤون قل يأيها الكافرون عند منامكم\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٠٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٥٦٩ و٤٠٥٧٠)، وابن حبان (٧٩٠) و(٥٥٢٦) و(٥٥٤٦)، والحاكم ١/ ٥٦٥ و٢/ ٥٣٨.\nوصححه الألباني في التعليقات الحسان (٧٨٦ و٧٨٧)، المشكاة (٢١٦١ / التحقيق الثاني)، وصحيح الترغيب (٦٠٥).\n(^٢) غريب الحديث (٣/ ٧٤٠)، والصحاح (٣/ ١٠١٦).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب (٣٧٨٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٤١ رقم ١٢٩٩٣). وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٢٤)، وقال: رواه الطبراني، وفيه جبارة بن المغلس، وهو ضعيف جدًا.","vol":"4","page":221},{"text":"٨٨٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ خصلتان أَو خلَّتَانِ لَا يحافظ عَلَيْهِمَا عبد مُسلم إِلَّا دخل الْجنَّة هما يسير وَمن يعْمل بهما قَلِيل يسبح فِي دبر كل صَلَاة عشرا ويحمد عشرا وَيكبر عشرا فَذَلِك خَمْسُونَ وَمِائَة بِاللِّسَانِ وَألف وَخَمْسمِائة فِي الْمِيزَان وَيكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ إِذا أَخذ مضجعه ويحمد ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ويسبح ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَذَلِك مائَة بِاللِّسَانِ وَألف فِي الْمِيزَان فَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- يعقدها قَالُوا يَا رَسُول الله كَيفَ هما يسير وَمن يعْمل بهما قَلِيل قَالَ يَأْتِي أحدكُم يَعْنِي الشَّيْطَان فِي مَنَامه فينومه قبل أَن يَقُوله ويأتيه فِي صلَاته فيذكره حَاجَة قبل أَن يَقُولهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَزَاد بعد قَوْله وَألف وَخَمْسمِائة فِي الْمِيزَان قَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَأَيكُمْ يعْمل فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة سَيِّئَة (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو، تقدم الكلام على عبد الله بن عمرو.\nقوله -ﷺ-: \"خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة\" الحديث، الخلتان: هو تثنية الخلة بفتح الخاء المعجمة وهي الحاجة والخلة الأولى هي الذكر دبر الصلوات والثانية قبل النوم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٩٢٦)، وأبو داود (٥٠٦٥)، والترمذي (٣٤١٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٣٢ (١٣٦٤)، وابن حبان (٢٠١٢) و(٢٠١٨). وقال الألباني: صحيح - الكلم الطيب (١١٢)، تخريج المشكاة (٢٤٠٦)، صحيح أبي داود (١٣٤٦)، وصحيح الترغيب (٦٠٦).","vol":"4","page":222},{"text":"قوله -ﷺ-: \"لا يحافظ عليهما عبد مسلم\" وفي بعض الروايات: \"لا يحصيهما\".\nقوله -ﷺ-: \"فذلك خمسون ومائة باللسان\" يعني في اليوم والليلة في الصلوات الخمس ولذلك قال ابن حبان في صحيحه: \"فأيكم يعمل في اليوم والليلة\" وخمسمائة وذلك أن عدد الكلمات المحصاة خلف كل صلاة ثلاثون، وعدد الصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس فإذا ضربت أحدها في الآخر بلغ هذا المبلغ، وإنما كانت ألفا وخمسمائة في الميزان لأن الحسنة بعشر أمثالها والله أعلم، ذكره في التنقيح.\nقوله: \"ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه\" من الليل، والمضجع بفتح الجيم ومعني أخذ مضجعه إرادة النوم في مضجعه والله أعلم، ذكره في شرح المشارق.\n\n٨٨٩ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- كَانَ يقْرَأ المسبحات قبل أَن يرقد وَيَقُول إِن فِيهِنَّ آيَة خير من ألف آيَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ قَالَ مُعَاوِيَة يَعْنِي ابْن صَالح إِن بعض أهل الْعلم كَانُوا يجْعَلُونَ المسبحات سِتا سُورَة الْحَدِيد والحشر والحواريين وَسورَة الْجُمُعَة والتغابن وَسبح اسْم رَبك الْأَعْلَى (^١).\nقوله: وعن العرباض بن سارية تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٥٧)، والترمذي (٢٩٢١) و(٣٤٠٦)، والنسائي في الكبرى (٧٩٧٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٤٤).","vol":"4","page":223},{"text":"قوله: أن رسول الله -ﷺ- كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد؛ وقد فسر معاوية بن صالح المسبحات بعد سياق الحديث [بياض بالأصل] بعض أهل العلم كان يجعلون المسبحات ستا سورة الحديد والحشر والحوارين وسورة الجمعة والتغابن وسبح اسم ربك الأعلى.\n\n٨٩٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من قَالَ حِين يأوي إِلَى فرَاشه لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله الْعلي الْعَظِيم سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر غفرت لَهُ ذنُوبه أَو خطاياه شكّ مسعر وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر\" رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَعند النَّسَائِيّ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَقَالَ فِي آخِره غفرت لَهُ ذنُوبه وَلَو كَانَت أَكثر من زبد الْبَحْر (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله -ﷺ-: \"من قال حين يأوي إلى فراشه\" أولى إلى فراشه انضم إله ودخل فيه.\nقوله: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" إلى آخره سيأتي الكلام على التهليل.\nقوله: \"غفرت له ذنوبه أو خطاياه شك مسعر وإن كانت مثل زبد البحر\" هو: مسعر بن كدام قال: [النووى] وكدام بكسر الكاف، وكنيته أبو سلمة العامري الهلالي الكوفي، وري عن عمير بن سعيد وابن إسحاق وعبد الملك\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٥٧٨)، وابن حبان (٥٥٢٨) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٧٢٧). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤١٤) وصحيح الترغيب (٦٠٧).","vol":"4","page":224},{"text":"والأعمش وخلائق غيرهم من التابعين، وروى عنه: سليمان والثوري وشعبة وابن عيينة وابن المبارك وخلائق غيرهم، واتفقوا على جلالته وإمامته، وقال هشام بن عروة: ما قدم علينا من العراق أفضل من أيوب السختياني ومسعر، وقال سفيان الثوري: لم يكن في زماننا مثل مسعر ولا أكثر صمتا منه، وقال مصعب بن المقدام: رأيت النبي -ﷺ- في المنام وسفيان الثوري أخذ بيده وهو يطوف مع النبي -ﷺ- فقال سفيان: يا رسول الله مات مسعر بن كدام فقال رسول الله -ﷺ- \"نعم\" [وقد استبشر بموته] به أهل السماء [أسند مسعر عن غير واحد] من أعلام التابعين، وتوفي [سنة ثلاث وخمسين ومئة وقيل] سنة خمس وخمسين، وقال سفيان بن عيينة [كان عندنا] مسعر من [معادن الصدق] وقيل له: من أفضل من رأيت، قال: مسعر بن كدام، وقال شعبة [مسعر للكوفيين كابن عون عند البصريين وقال ابن عيينة: شك] مسعر أحب إلى من [من يقين] غيره، وما رواه مسعر عن [عطية العوفى] عن ابن عمر [قال قال رسول الله]-ﷺ- إذا كان يوم [القيامة وضعت] منابر من ذهب عليهما قباب من فضة مفضضة بالدر والياقوت [والزمرد جلالها] السندس [والاستبرق ثم] يجاء [بالعلماء فيجلسون عليها ثم ينادى منادى الرحمن: أين من حمل إلى أمة محمد]-ﷺ- علما يريد به وجه الله تعالى مسجا بالعلماء الذي يريدون بعلمهم وجه الله سبحانه [وهو ﷾ أعلم بهم فيقال لهم: اجلسوا على هذه المنابر فلا خوف عليكم اليوم حتى تدخلوا الجنة (^١)، أ. هـ قاله في مجمع الأحباب].\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٧/ ٢٠٩ - ٢٥٤) باختصار.","vol":"4","page":225},{"text":"٨٩١ - وَعَن شَدَّاد بن أَوْس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلم يَأْخُذ مضجعه فَيقْرَأ سُورَة من كتاب الله إِلَّا وكل الله لَهُ بِهِ ملكا فَلَا يقربهُ شَيْء يُؤْذِيه حَتَّى يهب من نَومه مَتى هَب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ أَحْمد إِلَّا أَنه قَالَ بعث الله لَهُ ملكا يحفظه من كل شَيْء يُؤْذِيه حَتَّى يهب مَتى هَب ورواة أَحْمد رُوَاة الصَّحِيح هَب انتبه من نَومه (^١).\nقوله: وعن شداد بن أوس، هو: شداد بن أوس بن المنذر، فذكره إلى أن قال ابن النجار، كذا نسبه ابن سعد وكنيته: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو يعلى، وقال أبو أحمد الراكب: اسم أمه صريمة من بني عدي بن النجار وشداد بن أوس ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر، وقال أبو أحمد الحاكم: ويقال إنه شهد بدرا ولا يصح، وشهد اليرموك والجابية ونزل البيت المقدس وسكنه وكان إمامه، وسكن حمص أولا ثم نزل البيت المقدس وتوفي به، واختلف في وفاته، فحكي ابن سعد أنه تحول إلى فلسطين، ومات بها سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة أربع وستين، وقيل: غير ذلك (^٢) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"ما من مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ سورة من كتاب الله\" تقدم الكلام على المضجع.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٥ (١٧١٣٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٥٧٩) قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٤٥).\n(^٢) مرآة الزمان (٣/ ٣٦٢ - ٣٦٤).","vol":"4","page":226},{"text":"قوله - ﷺ -: \"حتى يهب من نومه متى هب\" أي: انتبه من نومه، قد فسره الحافظ بذلك.\n\n٨٩٢ - وَعَن جَابر - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِذا أَوَى الرجل إِلَى فرَاشه ابتدره ملك وَشَيْطَان فَيَقُول الْملك اختم بِخَير وَيَقُول الشَّيْطَان اختم بشر فَإِن ذكر اللّه ثمَّ نَام بَات الْملك يكلؤه وَإِذا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْملك افْتَحْ بِخَير وَقَالَ الشَّيْطَان افْتَحْ بشر فَإِن قَالَ الْحَمد للّه الَّذِي رد عَليّ نَفسِي وَلم يمتها فِي منامها الْحَمد للّه الَّذِي يمسك السَّمَوَات وَالأرْض أَن تَزُولَا فاطر إِلَى آخر الآيَة الْحَمد للّه الَّذِي يمسك السَّمَاء أَن تقع على الأرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِن وَقع عَن سَرِيره فَمَاتَ دخل الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَزَاد فِي آخِره الْحَمد للّه الَّذِي يحيي الْمَوْتَى وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١) يكلؤه أَي يَحْرُسهُ ويحفظه.\nقوله: وعن جابر بن عبد اللّه، تقدم الكلام على جابر.\nقوله - ﷺ -: \"إذا أوى الرجل إلى فراشه\" تقدم الكلام على قوله \"إذا أوى الرجل إلى فراشه\" وإنه يجوز فيه مد الألف والقصر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢١٤) موقوفًا، وابن أبي الدنيا في التهجد (٥١٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٦٢٣ - ١٠٦٢٥)، وأبو يعلى (١٧٩١)، والحاكم (١/ ٥٤٨) مرفوعًا. وصححه الحاكم على شرط مسلم. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢٠ - ١٢١: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجَّاج الشامي، وهو ثقة.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٤٦).","vol":"4","page":227},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فإن ذكر اللّه تعالى ثم نام بات الملك يكلؤه\" قد فسره الحافظ فقال: يحرسه ويحفظه.\n\n٨٩٣ - وَعَن أنس - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا وضعت جَنْبك على الْفراش وقرأت فَاتِحَة الْكتاب وَقل هُوَ اللّه أحد فقد أمنت من كلّ شَيْء إِلَّا الْمَوْت رَوَاهُ الْبَزَّار وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا غَسَّان بن عبيد (^١).\nقوله: وعن أنس، تقدم الكلام على أنس.\nقوله: في آخر حديث أنس: ورجاله رجال الصحيح إلا غسان بن عبيد، وغسان بن عبيد بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة.\n\n٨٩٤ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من أَرَادَ أَن ينَام على فرَاشه فَنَامَ على يَمِينه ثمَّ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائَة مرّة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يَقُول لَهُ الرب يَا عَبدِي ادخل على يَمِينك الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٢).\n\n٨٩٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَالَ حِين يأوي إِلَى فرَاشه أسْتَغْفر اللّه الَّذِي لا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ غفرت لَهُ\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٧٣٩٣). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن أنس من هذا الوجه، ولم نسمعه إلا من إبراهيم بن سعيد. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢١: رواه البزار، وفيه غسان بن عبيد، وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٦٢) وضعيف الترغيب (٣٤٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٨٩٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٤٨)، الضعيفة (٣٠٠)، المشكاة (٢١٥٨).","vol":"4","page":228},{"text":"ذنُوبه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر وَإِن كَانَت عدد ورق الشّجر وَإِن كَانَت عدد رمل عالج وَإِن كَانَت عدد أيَّام الدُّنْيَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق الْوَصَّافِي عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث عبيد اللّه بن الْوَليد الْوَصَّافِي (^١) قَالَ المملي عبيد اللّه هَذَا واه لَكِن تَابعه عَلَيْهِ عِصَام بن قدامَة وَهُوَ تقَة خرجه البُخَارِيّ فِي تَارِيخه من طَرِيقه بِنَحْوِهِ وعطية هَذَا هُوَ الْعَوْفِيّ (^٢) يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ.\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على أبي سعيد الخدري.\nقوله - ﷺ -: \"غفرت له ذنوبه وإن كانت عدد رمل عالج\" وعالج بعين مهملة وجيم في آخره قال في النهاية (^٣): هو ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض، والعوالج جمعه.\nقوله: في آخر الحديث: لا نعرفه إلا من حديث عبيد اللّه بن الوليد الوصافي، والوصافي بفتح الواو وتشديد الصاد المهملة وبعد الألف فاء ثم ياء النسب نسبة إلى وصاف، واسمه مالك بن عامر، قال ابن الأثير: الوصافي منكر الحديث واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٠٧٤)، والترمذي (٣٣٩٧) وضعفه الألباني في الكلم الطيب (٣٩)، ضعيف الترغيب (٣٤٩).\n(^٢) لم أجده في التاريخ الكبير ولا الأوسط وإنما أخرجه الأصبهانى في الترغيب (٢١٨) من طريق البخاري، وأخرجه الطبراني في الدعاء (١٧٨٤) من طريق عصام بن قدامة ومرة من طريق عصام عن الوصافى (١٧٨٥).\n(^٣) النهاية (٣/ ٢٨٧).","vol":"4","page":229},{"text":"٨٩٦ - وَعَن أبي عبد الرَّحْمَن الحبلي - ﵁ - قَالَ أخرج إِلَيْنَا عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قرطاسا وَقَالَ كانَ رَسُول اللّه - ﷺ - يعلمنَا يَقُول اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالأرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَنْت رب كلّ شَيْء وإله كلّ شَيْء أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا أَنْت أعوذ بك من الشَّيْطَان وشركه وَأَعُوذ بك أَن أقترف على نَفسِي سوءا أَو أجره إِلَى مُسلم قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - يُعلمهُ عبد اللّه بن عَمْرو وَيَقُول ذَلِك حِين يُرِيد أَن ينَام رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن أبي عبد الرحمن الحبلي، الحبلي بضم الحاء المهملة والباء الموحّدة، قال أبو علي البغدادي في كتاب التاريخ: فلان الحبلي منسوب إلى حي من اليمن يقال لهم بنو الحبلي وهو تابعي من أهل مصر، روى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص وأبي عبد اللّه الصنابحي وعقبة بن عامر ويقال: إن أبا عبد الرحمن دخل [الأندلس] حديثه مخرج في صحيح مسلم، كذا نقله ابن الأثير عن السمعاني ثم قال وهو يدلّ على أن أبا عبد الرحمن الحبلي من بني الحبلي من الأنصار وليس كذلك وإنما هو منسوب إلى [بطن من] المعافر وهم أيضًا من اليمن واللّه أعلم قاله بان الأثير في الأنساب (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧١ (٦٥٩٧) و(٦٨٥١)، والبخاري في الأدب (١٢٠٤)، والترمذي (٣٥٢٩)، والطبراني في الدعاء (٢٦٣) والكبير (١٤/ ٤٥ - ٤٦ رقم ١٤٦٣٦) و(١٤/ ٧٥ رقم ١٤٦٧٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٠٨).\n(^٢) اللباب (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","vol":"4","page":230},{"text":"قوله: \"اللهم فاطر السموات والأرض\" الحديث، وفي حديث ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض .. حتى احتكم إلى أعرابيان في بئر فقال أحدهما: انا فطرتها أي: أنا ابتدأت حفرها، فالفطر الابتداء والاختراع قاله في النهاية (^١) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"أعوذ بك من الشيطان وشركه\" قال الخطابي (^٢): يروى بوجهين: أحدهما بكسر الشين وسكون الراء ومعناه: ما يدعو إليه الشيطان ويوسوس به من الإشراك باللّه ﷾، والثاني: بفتح الشين والراء يريد حبائل الشيطان ومصائده وأحدها شركة انتهى، والمشهور هو الوجه الأول.\n\n٨٩٧ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من قَالَ إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه الْحَمد للّه الَّذِي علا فقهر وبطن فخبر وَملك فَقدر الْحَمد للّه الَّذِي يحيي وَيُمِيت وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَمن طَرِيقه الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب وَغَيره (^٣).\n\n٨٩٨ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من قَالَ إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه الْحَمد للّه الَّذِي كفاني وأواني وَالْحَمْد للّه الَّذِي أَطْعمنِى وسقاني\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٤٥٧).\n(^٢) شأن الدعاء (١/ ١٢٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني الأوسط (٨/ ٣٨ رقم ٧٨٩١)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٧٥ - ١٧٦ رقم ٤٧١٤). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو جناب الكلبي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٦٨٢٠) وضعيف الترغيب (٣٥٠).","vol":"4","page":231},{"text":"وَالْحَمْد للّه الَّذِي من عَليّ فأفضل فقد حمد اللّه بِجَمِيعِ محامد الْخلق كلهم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَلَا يحضرني إِسْنَاده الْآن (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من قال إذا أوى إلى فراشه\" بالقصر وتقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الحمد للّه الذي كفاني وأواني\" الحديث، آواني ممدود هذا هو الصحيح الفصيح المشهور، وحكي القصر (^٢)، وقيل: [آواني] هنا [أي] أي ردنا إلى [مأوي] لنا ولم تجعلنا كالبهائم منتشرين [والمأوى المنزل (^٣)] واللّه أعلم.\nخاتمة: في الصحيحين عن عائشة أن \"النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ قل هو اللّه أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات\" (^٤) وفي سنن أبي داود [عن] الأزهر ويقال: أبو زهير الأنماري أن رسول اللّه - ﷺ - كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال: \"باسم اللّه وضعت جنبي اللهم اغفر لي ذنبي [وأخسئ] شيطاني وفك رهاني [واجعلني] في الندى الأعلى\" (^٥) الندى: بفتح\n_________\n(^١) أخرجه ابن السنى (٧٢٠)، والحاكم (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٢٢٢ رقم ٤٠٧٢). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٤٤) وصحيح الترغيب (٦٠٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٣٤).\n(^٣) النهاية (١/ ٨٢).\n(^٤) البخاري (٥٠١٧) و(٦٣١٩) و(٥٧٤٨).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٥٠٥٤). وصححه الألباني في صحيح الكلم الطيب (٣٤).","vol":"4","page":232},{"text":"النون وكسر الدال وتشديد الياء، ونقل الخطابي: تفسير هذا الحديث أن الندى القوم المجتمعون في مجلس ومثله النادي، وجمعه: أندية، وقال: يريد بالندي الأعلى الملأ الأعلى من الملائكة (^١) واللّه أعلم، أ. هـ.\n\n٨٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ وكلني رَسُول اللّه - ﷺ - بِحِفْظ زَكَاة رَمَضَان فَأَتَانِي آتٍ فَجعل يحثو من الطَّعَام فَأَخَذته فَقلت لأرفعنك إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِنِّي مُحْتَاج وَعلي دين وعيال ولي حَاجَة شَدِيدَة فخليت عَنهُ فَأَصْبَحت فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - يَا أَبَا هُرَيْرَة مَا فعل أسيرك البارحة قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه شكا حَاجَة شَدِيدَة وعيالا فرحمته فخليت سَبيله قَالَ أما إِنَّه قد كَذبك وَسَيَعُودُ فَعرفت أَنه سيعود لقَوْل رَسُول اللّه - ﷺ - إِنَّه سيعود فرصدته فجَاء يحثو الطَّعَام وَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَأَخَذته يَعْنِي فِي الثَّالِثَة فَقلت لأرفعنك إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - وَهَذَا آخر ثَلَاث مَرَّات تزْعم أنَك لا تعود ثمَّ تعود قَالَ دَعْنِي أعلمك كَلِمَات ينفعك اللّه بهَا قلت مَا هن قَالَ إِذا أويت إِلَى فراشك فاقرأ آيَة الْكُرْسِيّ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٢) حَتَّى تختم الآيَة فَإنَّك لن يزَال عَلَيْك من اللّه حَافظ وَلا يقربك شَيْطَان حَتَّى تصبح فخليت سَبيله فَأَصْبَحت فَقَالَ لي رَسُول اللّه - ﷺ - مَا فعل أسيرك البارحة قلت قَالَ مَا هِيَ قلت قَالَ لي إِذا أويت إِلَى فراشك فاقرأ آيَة الْكُرْسِيّ من أَولهَا حَتَّى تختم الآيَة ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لن يزَال يَا رَسُول اللّه زعم أَنه يعلمني كَلِمَات يَنْفَعنِي اللّه\n_________\n(^١) شأن الدعاء (١/ ١٧٥)، ومعالم السنن (٤/ ١٤٤).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.","vol":"4","page":233},{"text":"بهَا فخليت سَبيله عَلَيْك من اللّه حَافظ وَلَا يقربك شَيْطَان حَتَّى تصبح وَكَانُوا أحرص شَيْء على الْخَيْر فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - أما إِنَّه قد صدقك وَهُوَ كذوب تعلم من تخاطب مُنْذُ ثَلَاث لَيَال يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ لا قَالَ ذَاك الشَّيْطَان رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَغَيرهمَا (^١) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي أَيُّوب بِنَحْوِهِ وَفِي بعض طرقه عِنْده قَالَ أَرْسلنِي وأعلمك آيَة من كتاب اللّه لَا تضعها على مَال وَلَا ولد فيقربك شَيْطَان أبدًا قلت وَمَا هِيَ قَالَ لا أَسْتَطِيع أَن أَتكَلّم بهَا آيَة الْكُرْسِيّ (^٢) قَالَ الْحَافِظ ﵀ وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كثِيرَة من فعل النَّبِي - ﷺ - لَيست من شَرط كتَابنَا أضربنا عَن ذكرهَا.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: وكلني رسول اللّه - ﷺ - بحفظ زكاة رمضان، الحديث.\nقوله: فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، ففيه دليل أن الشيطان قد يراه الإنسان وأنه حافظ للقرآن [عالم بنفعه] (^٣) قال القزويني: ورأى [الغول] [بما يكون في غير هذا] [بياض] جماعة من الصحابة منهم عمر ابن الخطاب، حين سافر إلى الشام قبل الإسلام فضربه بالسيف (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣١١) و(٣٢٧٥) و(٥٠١٠)، وابن خزيمة (٢٤٢٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٣ (٢٣٥٩٢ و٢٣٥٩٣)، والترمذي (٢٨٨٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٥١).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٠/ ١٤٠).\n(^٤) عجائب المخلوقات (ص ٢٩٥).","vol":"4","page":234},{"text":"قوله: فجعل يحثو من الطعام، قالى الطيبي (^١): يحثو أي [ينثر] الطعام في وعائه.\nقوله: فقلت لأرفعنك إلى رسول اللّه - ﷺ -، أي: لأذهبن بك إلى رسول اللّه - ﷺ - ليحكم عليك بقطع اليد (^٢).\nقوله: [وذكر الحديث] إلى قوله: وكانوا [أحرص شئ] الخير، وكانوا أي الصحابة أحرص الناس على تعلم الخير إنما خلى سبيله حرصا على أن يعلمه كلمات ينفعه اللّه بها (^٣).\nقوله: \"صدقك وهو كذوب\" أي: من شأنه وعادته الكذب وان كان صادقًا في نفع قراءة آية الكرسي والكذوب قد يصدق.\nفائدة: في كتب وهب بن منبه أن (الحل) ويسمى (النشرة) أن تأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فتدقه بين حجرين ثم تضربه بالماء وتقرأ عليه آية الكرسي وذوات (قل) ثم تحسو منه ثلاث حسيات ويغسل به فإنه يذهب كلّ ما به إن شاء اللّه تعالى وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله واللّه أعلم قاله الكرماني (^٤).\nقوله: \"إذا أويت إلى فراشك\" تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) المفاتيح (٣/ ٧٥) والكواكب الدراري (١٠/ ١٤١).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٠/ ١٤١).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٠/ ١٤٠).\n(^٤) الكو اكب الدراري (٢١/ ٤٠).","vol":"4","page":235},{"text":"٩٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من اضْطجع مضجعا لم يذكر اللّه فِيهِ كَانَ عَلَيْهِ ترة يَوْم الْقِيَامَة وَمن قعد مقْعدا لم يذكر اللّه فِيهِ كَانَ عَلَيْهِ ترة يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وروى النَّسَائِيّ مِنْهُ ذكر الاضْطِجَاع فَقَط (^١) الترة بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق مخففا هُوَ النَّقْص وَقيل التبعة.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من اضطجع مضجعا لم يذكر اللّه فيه كان عليه ترة يوم القيامة\" الحديث، قد فسر الحافظ الترة قال الترة: النقص والتبعة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٥٩)، والنسائي في الكبرى (١٠١٦٥ - ١٠١٦٨) و(١٥٥٨٤)، وابن حبان (٨٥٣). وقال الألباني حسن صحيح صحيح الترغيب (٦١١)، الصحيحة (٧٨).","vol":"4","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الترغيب في كلمات يقولهن إذا استيقظ من الليل</span>\n٩٠١ - عَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تعار من اللَّيْل فَقَالَ لا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير الْحَمد للّه وَسُبْحَان اللّه وَلا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر وَلا حول وَلا قُوَّة إِلَّا بِاللّه ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لي أَو دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِن تَوَضَّأ ثمَّ صلى قبلت صلَاته\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة (^١) تعار بتَشْديد الرَّاء أَي اسْتيقَظَ.\nقوله: عن عبادة بن الصامت - ﵁ -، تقدم.\nلطيفة: كان بعض الفضلاء يستيقظ من الليل فيمر بيديه على وجهه ويتشهد فقيل له في ذلك؟ فقال: أما تشهدي فأتفقد به الإيمان هل بقي أو لا لأن أعمالي لا تشبه أعمال المؤمنين وأما إمراري يدي على وجهي فأتفقده إن كان حول إلى القفا أو مسخ به أو لاد فإذا وجدته سالما حمدت اللّه الذي ستر علي بفضله ولم يعاقبني ويفضحني بعملي هذا، وكان له قدم في الدين وسبق وتقدمة، ما بالك بأحوالثا اليوم على ما يشاهده بعضنا من بعض فبالأولى والأحرى أن نتفقد الإيمان اليوم في كلّ وقت وحين (^٢)، أ. هـ، قاله في تهذيب النفوس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٥٤)، وابن ماجة (٣٨٧٨)، وأبو داود (٥٠٦٠)، والترمذي (٣٤١٤)، والنسائي (١٠٦٣١).\n(^٢) المدخل (١/ ٣٧).","vol":"4","page":237},{"text":"قال النووي (^١): وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجة وابن السني بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"إذا قام أحدكم عن فراشه من الليل ثم عاد إليه فلينفض بصنفة إزاره ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه فإذا اضطجع فليقل باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن رددتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين\" (^٢) قال أهل اللغة: صنفة الإزار بكسر النون جانبه [لا هدب] فيه، وقيل: جانبه: أي جانب كان، قال الكرماني وغيره (^٣): ويستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل لئلا يكون قد دخل فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر فينفض ويده ممسكا طرف إزاره لئلا يحصل في يده مكروه إن هذاك شيء، أ. هـ.\nوروينا في موطأ مالك ﵀ في باب الدعاء آخر كتاب الصلاة عن مالك أنه بلغه عن أبي الدرداء أنه كان يقوم من جوف الليل فيقول: نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم، ومعني غارت غربت (^٤).\n\n٩٠٢ - وَروِيَ عَن أبي هرَيرَة - ﵁ - أَنه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن اللّه تَعَالَى إِذا رد إِلَى العَبْد الْمُؤمن نَفسه من اللَّيْل فسبحه ومجده وَاسْتَغْفرهُ فَدَعَاهُ\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٩٦).\n(^٢) الترمذي (٣٤٥١)، وابن ماجة (٣٨٧٤)، وابن السني (٧٧٠). وحسنه الألباني في الكلم الطيب (٣٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٣٥).\n(^٤) الموطأ (٣).","vol":"4","page":238},{"text":"تقبل مِنْهُ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (^١).\n\n٩٠٣ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من قَالَ حِين تتَحَرَّك من اللَّيْل بِسم اللّه عشر مَرَّات وَسُبْحَان اللّه عشرا آمَنت بِاللّه وكفرت بالطاغوت عشرا وقِي كلّ ذَنْب يتخوفه وَلم يَنْبغ لذنب أَن يُدْرِكهُ إِلَى مثلهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢) وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة من فعله - ﷺ - لَيست صَرِيحَة فِي التَّرْغِيب لم أذكرها.\nقوله: وروي عن عبد اللّه بن عمرو، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"آمنت باللّه وكفرت بالطاغوت\" الطاغوت جمعه الطواغيت، والطاغوت هو الشيطان أو ما يزين لهم [أن يعبدوه] من الأصنام ويقال للصنم طاغوت والطاغون يكون واحدا وجمعا، قاله في النهاية (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (٩٧١)، ابن السني في عمل اليوم والليلة (٧٤٩).\nوضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (٢٦٢٠)، وضعيف الترغيب (٣٥٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٢٣ - ٢٤ رقم ٩٠١٧). قالى الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢٥: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه: المقدام بن داود، وهو ضعيف. وقال ابن دقيق العيد: قد وثق، فعلى هذا يكون الحديث حسنًا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٥٣).\n(^٣) النهاية (٣/ ١٢٨).","vol":"4","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>الترغيب في قيام الليل</span>\n٩٠٤ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكم إِذا هُوَ نَام ثَلَاث عقد يضرب على كلّ عقدَة عَلَيْك ليل طَوِيل فارقد فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذكر اللّه تَعَالَى انْحَلَّت عقدَة فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة فَإِن صلى انْحَلَّت عقده كلهَا فَأصْبح نشيطا طيّب النَّفس وَإِلَا أصبح خَبِيث النَّفس كسلان\" رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَقَالَ فَيُصْبِح نشيطا طيّب النَّفس قد أصَاب خيرا وَإِن لم يفعل أصبح كسلا خَبِيث النَّفس لم يصب خيرًا، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه نَحوه وَزَاد فِي آخِره فحلوا عقد الشَّيْطَان وَلَو بِرَكْعَتَيْنِ (^١).\nقافية الرَّأْس مؤخره وَمِنْه سمي آخر بَيت الشّعْر قافية.\nفي حديث هشام (^٢): إن قيام الليل كان واجبا أول الإسلام على النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٤٨٦)، والبخاري (١١٤٢) و(٣٢٦٩)، ومسلم (٢٠٧ - ٧٧٦)، وابن ماجة (١٣٢٩)، وأبو داود (١٣٠٦)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٧٠ (١٦٢٣).\n(^٢) قوله حديث هشام إنما هو حديث سعد بن هشام بن عامر: أخرجه مسلم (١٣٩ - ٧٤٦) عن زرارة أن سعد بن هشام بن عامر، أراد أن يغزو في سبيل الله، وفيه أنه سأل عائشة قال فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله - ﷺ -، فقالت: \"ألست تقرأ يا أيها المزمل؟ \" قلت: بلي، قالت: \"فإن الله ﷿ افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي اللّه - ﷺ - وأصحابه حولا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة\".","vol":"4","page":240},{"text":"والأمة ثم نسخ عنه وعن الأمة، وهي مسألة اختلف العُلماء فيها، فذهبت طائفة يسيرة إلى أنه لم يكن مفروضا والأحاديث ترد هذا المذهب، وذهبت طائفة إلى أنه كان مفروضا على النبي - ﷺ - خاصة، وأما النسخ في حق الأمة فهو مذهب كافة العُلماء، وذهب الحسن البصري إلى أن فرضية قيام الليل لم تنسخ عن الأمة بل الواجب قيام ما تيسر، وأما رسول اللّه - ﷺ - فقد اختلفوا في نسخ القيام في حقه، وظاهر حديث عائشة يدلّ على النسخ (^١) واللّه أعلم، ذكره ابن عقيل في شرح الأحكام.\nتنبيه: قال العُلماء: ويسن التهجد وهو متأكد بالكتاب والسنة والإجماع ومداومة النبي - ﷺ - وهو الصلاة في الليل بعد النوم لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ (^٣) والهجوع النوم ليلا (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\" رواه مسلم (^٥)، فالجواب عن هذا الحديث أنه محمول على النوافل المطلقة لأن رواتب الفرائض أفضل منها، وعن [أبي إسحاق المروزي] أن صلاة الليل أفضل\n_________\n(^١) انظر المفهم (٧/ ١٥)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٢٦ - ٢٧).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(^٣) سورة الذاريات، الآية: ١٧.\n(^٤) مجمل اللغة (ص ٨٩٩)، والمجموع (٤/ ٤٤).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٠٢ - ١١٦٣) عن أبي هريرة.","vol":"4","page":241},{"text":"[من السنن] الرواتب، [وقواه] النووي: أن كسوف الشمس أفضل من كسوف [القمر وليس] تفضيل أحد العيدين على الآخر [نقل، لكن ذكروا أن تكبير الفطر أفضل من تكبير الأضى على الجديد، والعيد أفضل من الكسوف، ثم الاستقساء بلا خلاف] قاله الكمال الدميري (^١)، واللّه أعلم.\nقيل: إن صلاة الليل كانت فرضا فنسخت، وقد قيل: إن النسخ كان خاصًّا بالنبي - ﷺ -، وعلى تقدير أن تكون الأمة معه فيه فقد يكون المنسوخ قيام النصف أو نحوه فيفرض دون ذلك، وقد ذهب بعض العُلماء إلى أنه يجب قيام شيء من الليل وإن قل، ومن أغرب ما قيل إن ذلك منسوخ بالصلوات الخمس أ. هـ.\nسؤال: ما الحكمة في أن اللّه تعالى ألزم المصطفى صلاة الليل دون أمته؟\nالجواب عنه من وجوه: الأول: أنه لما أكرمه في الليل بما لم يكرم به أحدا قبله ألزمه في الليل بما لم يلزم به أحدا سواه، والإكرام الذي أكرمه به هو إنزال القرآن أعليه، قوله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (^٢)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (^٣) فأخبر أن نزول القرآن بالليل وإنزال التحية والسلام [بالليل وقوله] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (^٤) يعني به\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٢) سورة القدر، الآية: ١.\n(^٣) سورة الدخان، الآية: ٣.\n(^٤) سورة القدر، الآية: ٤.","vol":"4","page":242},{"text":"الليل والعروج به إلى السماء، قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (^١) فلما كانت ليلة السراة وليلة القدر وليلة نزول القرآن وليلة المعراج بما فيهن من الكرامات له خاصة ألزمه أيضًا التهجد بالليالي فتكون هذه المشقة شكرا للفضيلة.\nالثاني: إنما ألزمه التهجد بالليل لأن منزلته عند اللّه منزلة المحبة ومناجاة الليل من شعار المحبة، والدليل عليه قوله: \"كذب من ادعي محبتي ثم إذا جن عليه الليل نام عني\" فلما كانت صفة المحبة مناجاة الليل والنبي - ﷺ - كان أوكدهم محبة أوجب أن يستشعر بشعار الصالحين تخفيفا لحكم المحبة (^٢).\nالثالث: ألزمه التهجد بالليل دون غيره لأن الليل أفضل الأوقات وهو أفضل الأنبياء والصلاة أفضل الطاعات فأراد أن يكون أفضل الأفضل، للأفضل من الأفضل [سبحانه] والتهجد في اللغة اسم [لدفع النوم بالتكلف، والهجود: هو النوم] يقال: هجد إذا نام، وتهجد إذا زال النوم وهو في الاصطلاح صلاة التطوع في الليل بعد النوم وكذا قال القاضي حسين [وقال في \"الحاوي\": إن التهجد] أنه من الأضداد يقال: تهجد إذا سهر وتهجد إذا نام (^٣).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١.\n(^٢) الإحياء (٤/ ٣٣)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٦)، واللطائف (ص ٤٤).\n(^٣) كفاية النبيه (٣/ ٣٤٣).","vol":"4","page":243},{"text":"قوله - ﷺ -: \"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد\" الحديث، قافية الرأس مؤخره، أ. هـ، كذا فسره الحافظ رحمه اللّه تعالى، وقافية كلّ شيء آخره، ومنه قافية الشعر، قال الخطابي (^١): قلت لأعرابي: ورد علينا أين نزلت قال في قافية ذلك المكان وسمي لي موضعا عرفته، واختلف العُلماء في هذا العقد فقيل: هي عقد حقيقة بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من [القيام قال] اللّه تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ (^٢) فعلى هذا هو قول يقوله يؤثر في تثبيط النائم كما يؤثر السحر، وقيل: يحتمل أن يكون فعلا يفعله كفعل النفاثات في العقد، وقيل: هو من عقد القلب وتصميمه فكأنه يوسوس في نفسه ويحدّثه بأن عليك ليلا طويلا فيتأخر عن القيام، وقيل: هو مجازي كنى به عن تثبيط الإنسان عن قيام الليل (^٣) واللّه أعلم.\nقال القرطبي: قوله - ﷺ -: \"يعقد الشيطان\" الحديث، هذا العقد [الذي] يعقده الشيطان من [باب عقد] السواحر النفاثات في العقد [وذلك] بإنهن [يأخذن] خيطا [فيعقدن] عليه [عقدة من] المسحور [ويتكلمن عليه بالسحر، فيتأثر عند] ذلك [إما بمرض أو تخييل] أو تحريك [قلب] أو تحزين أو غير ذلك، فشبه فعل الشيطان بالنائمة بفعل السواحر، وذلك أن\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢٨٠).\n(^٢) سورة الفلق، الآية: ٤.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٥).","vol":"4","page":244},{"text":"النائم كلما أراد أن يقوم ليذكر اللّه أو يصلي غره وخدعه بأن يقول له عليك ليل طويل [فارقد فيريه أنه لطول ما بقي عليه من، الليل يمكنه استيفاء [راحته] من النوم وقيامه أبعد، ذلك لحزبه، فيصغى لذلك ويرقد ثم إن استيقظ ثانية فعل به كذلك، وكذلك ثالثة فلا يستيقظ في [من الثالثة إلا] وقد طلع الفجر [فيفوته] ما كان أراد من القيام، وإنما خص العقد بالثلاث لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات لم [تتقض النومة] الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع (^١) قاله في الديباجة.\nلطيفة: قال ابن عقيل في شرح الأحكام قوله: \"ثلاث عقد\" إن هذه العقد الثلاث لها أسبالب ثلاثة الأكل والشرب والنوم، ومن محاسن ما قالت الصوفية: إن النوم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نوم باللّه، ونوم للّه، ونوم عن اللّه، فالقسم الأول: نوم العارفين باللّه تعالي، والقسم الثاني: نوم العباد فإنهم يستعينون به على أكمل العبادات، والقسم الثالث: نوم الغافلين عن اللّه وهو نوم أكثر الخلق، أ. هـ.\nهذا الحديث يحتمل أن يكون في حق من نام عن الصلاة المفروضة.\nقوله - ﷺ -: \"يضرب على كلّ عقدة عليك ليل طويل فارقد\" رواه بعضهم بالرفع على الابتداء والخبر أي: بقى عليك ليل طويل، ويروي بالنصب على\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"4","page":245},{"text":"الإغراء أي: الزم ليلا طويلا، قال النووي (^١): هكذا هو في معظم نسخ بلادنا كصحيح مسلم وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين.\nقوله - ﷺ -: \"فإن استيقظ فذكر اللّه تعالى انحلت عقدة وإن صلى انحلت عقده كلها\" بها هذا الحديث فوائد منها: الحث على ذكر اللّه تعالى عند الاستيقاظ من النوم وجاءت فيه أذكار مخصوصة مشهورة بها الصحيح وتقدم بعضها ولا يتعين لهذه الفضيلة ذكر ولكن الأذكار المأثورة فيه أفضل، ومثها: التحريض على الوضوء [حينئذ وعلي] الصلاة وإن قلت، قال النووي بها شرح مسلم: ظاهر الحديث أن من لم يجمع بين الأمور الثلاثة وهي الذكر والوضوء والصلاة فهو داخل فيمن لم يصبح خبيث النفس كسلان (^٢)، أ. هـ، وقد يقال [إذا جمع بين] الأمور الثلاثة [انتفى عنه] خبث النفس والكسل كاملا [وإذا أتى ببعضها] انتفى عنه بعض خبث النفس والكسل فليس عند من استيقظ فذكر اللّه من خبث النفس والكسل ما عند من لم يذكر اللّه أصلا (^٣) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فأصبح نشيطا طيّب النفس\" قال النووي بها شرح مسلم (^٤) معناه: بسروره بما وفقه اللّه الكريم له من الطاعة ووعده به من ثوابه مع ما يبارك له في\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٦).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٨٨).\n(^٤) شرح مسلم (٦/ ٦٦).","vol":"4","page":246},{"text":"نفسه، وتصرفه في كلّ أموره مع ما زال عنه من عقد الشيطان وتثبيطه، قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (^١): نشيطا لما يرد عليه من العبادات لكونه ألَّفها.\nقوله - ﷺ -: \"وإلا أصبح خبيث النفس كسلان\" معناه: لما عليه من عقد الشيطان وآثار تثبيطه واستيلائه مع أنه لم يزل ذلك عنه (^٢)؛ وقوله أيضًا: \"خبيث النفس\" أي: بشؤم تفريطه وبإتمام خديعة الشيطان عليه إذ قد حمله على أن فاته الحظ الأوفر من قيام الليل (^٣)، فعن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ -: \"لا يقل أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي\" أخرجاه (^٤)، و(خبثت) بضم الموحّدة، وإنما كره (خبثت) هربا من لفظ (الخبث) فهذا من الأدب في العبادة أن يتجنب ما فيه بشاعة أو كراهة أو شر ويختار ما فيه عذوبة وتفاؤل، ولهذا استحسنوا الأسماء الحسنة وكرهوا الأسماء السيئة وكنوا عن أمور كالغائط عن المحدّث وأشباهه (^٥)، فإن قيل: فقد قال - ﵇ - في الذي ينام عن [الصلاة] فأصبح خبيث النفس كسلان؛ فجوابه: عن ذلك خبر عن صفة غيره وعن شخص مبهم أمذموم، الحلال فلا يمنع إطلاق هذا اللفظ عليه (^٦) واللّه أعلم، أ. هـ، قاله في شرح الإلمام، وكسلان أي متثاقل عن\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٤٣).\n(^٢) شرح مسلم (٦/ ٦٧).\n(^٣) المفهم (٧/ ٤٣).\n(^٤) البخاري (٦١٧٩)، ومسلم (١٦ - ٢٢٥٠).\n(^٥) كشف المشكل (٢/ ١١)، والميسر (٣/ ١٠٤٣)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٨) والأذكار (ص ٣٥٧).\n(^٦) شرح مسلم (١٥/ ٨).","vol":"4","page":247},{"text":"الخيرات، وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات، وكسلان غير منصرف للألف والنون الزائدتين وهو مذكر كسلى، وقد وقع لبعض رواة الموطأ كسلان مصروف وليس بشيء، ليس في هذا الحديث مخالفة لقوله - ﷺ -: \"لا يقل أحدكم خبثت نفسي\".\n\n٩٠٥ - وَعَن جَابر - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إِلَّا على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد بِاللَّيْلِ فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذكر اللّه انْحَلَّت عقدَة وَإِذا قَامَ تَوَضَّأ وَصلى انْحَلَّت العقد وَأصْبح خَفِيفا طيّب النَّفس قد أصَاب خيرا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ الْجَرِير الْحَبل رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَيَأْتِي لَفظه (^١).\nقوله: وعن جابر، تقدم الكلام على جابر.\nقوله - ﷺ -: \"ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد بالليل\" قال ابن خزيمة: الجرير الحبل، وتقدم تفسير ما في الحديث قبله.\n\n٩٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أفضل الصّيام بعد رَمَضَان شهر اللّه الْمحرم وَأفضل الصَّلَاة بعد الْفَرِيضَة صَلَاة اللَّيْل\" رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَه فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن أبي .. هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١١٣٣)، وابن حبان (٢٥٥٤) و(٢٥٥٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٢ و٢٠٣ - ١١٦٣)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٧٥ (١٦٢٩)، وابن خزيمة (٢٠٧٦)، وابن حبان (٢٥٦٣) و(٣٦٣٦).","vol":"4","page":248},{"text":"قوله - ﷺ -: \"أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللّه المحرم\" سيأتي الكلام على هذا الحديث صوم شهر اللّه المحرم في بابه [بياض بالأصل] أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، فيه دليل لما اتفق العُلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار لكن أوسطه أي الليل أفضل، هذا إذا قسمه أثلاثا [لشمول] الغفلة فيه وثقل العبادة حينئذ وأفضل منه السدس الرابع والخامس ثم آخره أي [نصفا أو ثلثا] أفضل من أوله [ثم آخره أي: نصفا أو ثلثا أفضل من أوله؛ لأن اللّه] تعالى حث [على الاستغفار] بالأسحار وهو محل الرحمة والمغفرة أ. هـ قاله الكمال الدميري (^١)، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي من أصحابنا ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة، وقال أكثر أصحابنا الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض والأولى أقوى وأوفق للحديث (^٢) واللّه أعلم، وتقدم ذلك، وقد ورد أنه - ﷺ - نهى عن صلاة الليل كلّه، أما نهيه - ﷺ - عن صلاة الليل كلّه فهو على إطلاقه وغير مختصر به بل قال أصحابنا يكره صلاة كلّ الليل دائما لكل واحد، وفرقوا بينه وبين صوم الدهر في حق من لا يتضرر به ولا يفوت حقا بأن صلاة الليل كلّه لابد فيها من الإضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق لأنه إن لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر وغن نام نوما ينجبر به سهره فوت بعض الحقوق بخلاف من لا يصلي بعض الليل فإنه يستغني بنوم باقيه وإن نام معه شيئًا في النهار كان يسيرا لا يفوت حق، وكذا من قام ليلة كاملة كليلة العيد أو غيرها لا دائما لا كراهة فيه لعدم\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٣١٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٥٥).","vol":"4","page":249},{"text":"الضرر (^١) واللّه أعلم.\n\n٩٠٧ - وَعَن عبد اللّه بن سَلام - ﵁ -: قَالَ أول مَا قدم رَسُول اللّه - ﷺ - الْمَدِينَة انجفل النَّاس إِلَيْهِ فَكنت فِيمَن جَاءَهُ فَلَمَّا تَأَمَّلت وَجهه واستبنته عرفت أَن وَجهه لَيْسَ بِوَجْه كذَّاب قَالَ فَكَانَ أول مَا سَمِعت من كَلَامه أَن قَالَ أَيهَا النَّاس أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا الْأَرْحَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَة وَالْحَاكِم وَقَالا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^٢) انجفل النَّاس بِالْجِيم أَي أَسْرعُوا ومضوا كلهم.\nاستبنته أَي تحققته وتبينته.\nقوله: وعن عبد اللّه بن سلام، سيأتي الكلام على مناقبه مبسوطا واللّه أعلم.\nقوله: أول ما قدم رسول اللّه - ﷺ - المدينة انجفل الناس إليه\" الحديث، المراد بالمدينة مدينة رسول اللّه - ﷺ - التي هاجر إليها وهي مدينة حسنة وبها قبره وهي في مستوي الأرض وعليها سور حصين قديم وحولها نخل كثير وتمرها في غاية الحسن والحلاوة وللمدينة مخاليف كثيرة وهي الحصون فمن مخالفيها المشهورة وادي العقيق وبه نخل ومزارع وقبائل من العرب ووادي الصفراء وغير ذلك ولها أسماء كثيرة يثرب وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء وطابة والدار والطيب إما لخلوصها [من الشرك] أو لطيبها لساكنيها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٨/ ٤١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (١٣٣٤) و(٣٢٥١)، والترمذي (٢٤٨٥) والحاكم ٣/ ١٣ و٤/ ١٥٩ - ١٦٠. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦١٦) و(٩٤٩) و(٢٦٩٧).","vol":"4","page":250},{"text":"لأمنهم ودعتهم، وقيل: لطيب عيشهم فيها، وأما تسميتها بالدار فللاستقرار بها، وأما المدينة فهي إما من مدن بالمكان إذا قام به فهي [فعيلة وجمعها مدائن بالهمز] أو من دان أي أطاع أو من دين أي ملك فجمعه مداين بلا همز كقوله تعالى [وجعلنا لكم فيها معايش] (^١) واللّه أعلم بالصواب.\nقوله: انجفل الناس إليه، انجفل بالجيم أي: أسرعوا أو مضوا كلهم إليه.\nوقوله: واستبنته، أي: تحققته وتبينته كذا فسره الحافظ.\n\n٩٠٨ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ فِي الْجنَّة غرفَة يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا فَقَالَ أَبُو مَالك الأشْعَرِيّ لمن هِيَ يَا رَسُول اللّه قَالَ لمن أطاب الْكَلَام وَأطْعم الطَّعَام وَبَات قَائِما وَالنَّاس نيام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمر وتقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فقال أبو مالك الأشعري لمن هي يا رسول اللّه قال لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام\" وسيأتي الكلام على الغرف في ذكر الجنة إن شاء اللّه تعالى.\n\n٩٠٩ - وَعَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن فِي الْجنَّة غرفا يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا أعدهَا اللّه لمن أطْعم الطَّعَام\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٤٩)، والكواكب الدراري (١/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٤/ ٨٠ - ٨١ رقم ١٤٦٨٧)، والحاكم (١/ ٨٠ و٣٢١). وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦١٧) و(٩٤٦) و(٢٦٩٢) و(٣٧١٧).","vol":"4","page":251},{"text":"وَأفْشى السَّلَام وَصلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَتقدم حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي صَلَاة الْجَمَاعَة وَفِيه والدرجات إفشاء السَّلَام وإطعام الطَّعَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه (^٢).\nقوله: وعن أبي مالك الأشعري - ﵁ -[هو أبو مالك كعب بن عاصم الأشعري، قال أبو حاتم: سمعتُ إسماعيل بن أبي أويس يقول: أبو مالك الأشعري، كعب بن عاصم، وكذلك قال أبو بكر بن أبي شيبة والبخاري في \"التاريخ\"، وأبو حاتم. وقال: روى عنه عبد الرحمن بن غنم، وأم الدرداء، وشريح بن عبيد. وقال أبو حاتم أيضًا: وقيل: اسمه عبد اللّه، وقيل: عمرو، وقيل: عبيد. وقال البخاري في رواية عبد الرحمن بن غنم عنه: حدّثنا أبو مالك أو أبو عامر بالشك. قال ابن المديني: وأبو مالك هو الصَّواب، روى عنه جابر بن عبد اللّه، وعبد الرحمن بن غنم، وخالد ابن أبي مريم. مات في خلافة عمر بن الخطاب (^٣)].\nقوله - ﷺ -: \"إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها اللّه لمن أطعم الطعام وأفشى السَّلام وصلى بالليل والناس نيام\" الحديث، اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في العمال فبعضها أعلا من بعض وأرفع وأنها لأهل هذه الخصال الثلاثة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٢١٣٧)، وابن حبان (٥٠٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦١٨) و(٩٤٧) و(٣٧١٨) والمشكاة (١٢٣٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٢٣٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠٨).\n(^٣) جامع الأصول (١٢/ ٨١٢).","vol":"4","page":252},{"text":"٩١٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه إِنِّي إِذا رَأَيْتُك طابت نَفسِي وقرت عَيْني أنبئني عَن كلّ شَيْء قَالَ كلّ شَيْء خلق من المَاء فَقلت أَخْبرنِي بِشَئ إِذا عملته دخلت الْجنَّة قَالَ أطْعم الطَّعَام وأفش السَّلَام وصل الأرْحَام وصل بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدخل الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب التَّهَجُّد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني [أنبئني] عن كلّ شيء؟، قال: \"كلّ شيء خلق من الماء\" الحديث، فهذا الحديث يدلّ على أن الماء أصل جميع المخلوقات ومادتها وجميع المخلوقات خلقت منه، وقد حكي ابن جرير وغيره عن ابن مسعود وطائفة من السلف أن أول المخلوقات الماء، وقد أخبر اللّه تعالى في كتابه أن الماء كان موجودا قبل خلق السموات والأرض فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٢) وحديث أبي هريرة يدلّ على أن الماء مادة جميع المخلوقات، وقد دل القرآن على أن الماء مادة جميع المخلوقات (الحيوانات) قال اللّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (^٣) وقال اللّه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٥ (٧٩٣٢) و٢/ ٣٢٣ (٨٢٩٥) و٢/ ٤٩٣ (١٠٣٩٩)، وابن أبي الدنيا في التهجد (٧)، وابن حبان (٥٠٨) و(٢٥٥٩)، والحاكم (٤/ ١٩٢). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٦: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا أبي ميمونة، وهو ثقة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٥٤).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٧.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٣٠.","vol":"4","page":253},{"text":"تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (^١) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"أطعم الطعام وأفش السَّلام وصل الأرحام\" سيأتي الكلام على هذه الثلاثة في أبوابها.\n\n٩١١ - وَرُوِيَ عَن عَليّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن فِي الْجنَّة لشَجَرَة يخرج من أَعْلَاهَا حلل وَمن أَسْفَلهَا خيل من ذهب مسرجة ملجمة من در وَيَاقُوت لا تروث وَلَا تبول لهَا أَجْنِحَة خطوها مد الْبَصَر فَيركبهَا أهل الْجنَّة فتطير بهم حَيْثُ شاؤوا فَيَقُول الَّذين أَسْفَل مِنْهُم دَرَجَة يَا رب بِمَا بلغ عِبَادك هَذِه الْكَرَامَة كلهَا قَالَ فَيُقَال لَهُم كانُوا يصلونَ بِاللَّيْلِ وكنتم تنامون وَكانُوا يَصُومُونَ وكنتم تَأْكلُونَ وَكانُوا يُنْفقُونَ وكنتم تبخلون وَكانُوا يُقَاتلُون وكنتم تجبنون رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (^٢).\nقوله: وروي عن علي - ﵁ -، تقدم الكلام علي عليّ - ﵁ -.\nقوله: \"إن في الجنة خيلا من ذهب لا تروث ولا تبول\" الروث بالثاء المثلثة هو الخارج من الآدمي وغيره، والبول معروف.\nفائدة: ومن الخيل في الدنيا ما لا يروث ولا يبول ما دام عليه راكبه، ومنها ما يعرف صاحبه ولا يمكن غيره من الركوب عليه، فالفرس أشبه الحيوان بالإنسان لما يوجد فيه من الكرم وشرف النفس [وعلو الهمة] وتزعم العرب\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٤٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٣٨). قال الألباني في موضع: موضوع (٣٥٥) وفى الآخر: ضعيف (٢٢٣٩) ضعيف الترغيب.","vol":"4","page":254},{"text":"أنه كان وحشيا كسائر الوحوش ولذلك سميت [بالعراب] وركبه إسماعيل ﵇ فلما [أذن] اللّه تعالى لإبراهيم وإسماعيل ﵉ برفع القواعد من البيت [قال اللّه ﷿: إني معطيكما كنزا دخرته لكما]، ثم [أوحى اللّه] تعالى إلى إسماعيل ﵇ أن [اخرج فادع] بذلك الكنز فخرج إلى [أجياد] وكان لا يدري ما [الدعاء] والكنز فألهمه اللّه ﷿ الدعاء فلم يبق [على وجه الأرض، فرس بأرض العرب [إلا أجابته] فأمكنته من نواصيها وتذللت، ولذلك قال نبينا - ﷺ -: \"اركبوا الخيل فإنها من ميراث أبيكم إسماعيل\"، وكان لسليمان ﵇ خيل ذوات أجنحة، أ. هـ قاله الكمال الدميري في حياة الحيوان (^١).\nقوله: \"وكانوا يقاتلون وكنتم تجبنون\" الجبن هو الخوف وعد الإقدام علي الشيء.\n\n٩١٢ - وَرُوِيَ عَن أَسمَاء بنت يزِيد - ﵄ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ يحْشر النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد يَوْم الْقِيَامَة فينادي مُنَاد فَيَقُول أَيْن الَّذين كَانُوا تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع فَيقومُونَ وهم قَلِيل فَيدْخلُونَ الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب ثمَّ يُؤمر بِسَائِر النَّاس إِلَى الْحساب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٣٥) و(٢/ ٢٨٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (١٧٥) وعنه المروزي في مختصر قيام الليل (ص ٣٦ - ٣٧)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٥٣٨ - ٥٣٩ رقم ٢٨٧٤). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٥٦).","vol":"4","page":255},{"text":"قوله: وروي عن أسماء بنت يزيد - ﵂ -. [هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، إحدى نساء بني عبد الأشهل، تكنى أم عامر، وقيل: أم سلمة، وقيل: اسمها فكيهة، وهي من المبايعات يقال: إنها بنت عم معاذ بن جبل، وهي مدنية من ذوات العقل والدين. شهدت اليرموك، وقتلت تسعة من الكفار بعود فسطاط. روى عنها محمود بن عمرو، ومهاجر أبو محمد، وشهر بن حوشب (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"يحشر الناس في صعيد واحد\" الصعيد هو الأرض الواسعة المستوية، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الشفاعة.\nقوله: \"فينادي مناد فيقول: أين الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ \" الحديث، المراد بهم نوام الليل.\nقوله - ﷺ -: \"فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب\" الحديث، تصير الناس في الحساب على ثلاثة فرق: فرقة لا يحاسبون أصلًا، وفوقة تحاسب حسابا يسيرًا وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابا شديدًا يكون منهم مسلم وكافر.\n\n٩١٣ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة - ﵁ - قَالَ قَامَ النَّبِي - ﷺ - حَتَّى تورمت قدماه فَقيل لَهُ قد غفر اللّه لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَة لَهما وللترمذي قَالَ إِن كَانَ النَّبِي - ﷺ - ليقوم أَو ليُصَلِّي حَتَّى ترم قدماه أَو ساقاه فَيُقَال لَهُ فَيَقُول أَفلا أكون عبدا شكُورًا (^٢).\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ١٨٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣٠) و(٤٨٣٦) و(٦٤٧١)، ومسلم (٧٩ و٨٠ - ٢٨١٩)، وابن ماجة (١٤١٩)، والترمذي (٤١٢)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٩٩ (١٦٦٠).","vol":"4","page":256},{"text":"٩١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - يقوم حَتَّى ترم قدماه فَقيل لَهُ أَي رَسُول اللّه أتصنع هَذَا وَقد جَاءَك من اللّه أَن قد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن المغيرة بن شعبة - ﵁ -، كنيته: أبو عبد اللّه، وقيل: أبو عيسى، وقيل: أبو محمد بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بالعين المهملة المفتوحة بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس بن منبه فذكره إلى أن قال: بن معد بن عدنان الثقفي الكوفي الصحابي، أسلم عام الخندق، روى له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وللبخاري حديث ولمسلم حديثان، ورى له الجماعة، كان المغيرة موصوفا بالدهاء، قيل: إنه أحصر ثلاثمائة امرأة، وقيل: ألف امرأة ...، شهد الحديبية وولاه عمر البصرة ثم ولاه الكوفة وأقام بها إلى أن مات عمر فأقره عثمان عليها ثم عزله وشهد اليمامة وفتح الشام وذهبت عينه يوم اليرموك وشهد القادسية وفتح همذان وغيرها، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان واستعمله معاوية على الكوفة، وتوفي وهو عليها سنة خمسين، وقل: إحدى وخمسين وهو أول من وضع ديوان البصرة، قال الشعبي: دهاة العرب أربعة معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أمية، كان كثير النكاح للنساء ينكح أربعا ثم يطلقهن وأحصر أربعا من بنات أبي سفيان، قال: وما غلبني إلا شاب خطبت امرأة فقال: إني رأيتُ رجلًا يقبلها فتركتها فتزوجها الشاب\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١١٨٤). وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب (٦٢٠).","vol":"4","page":257},{"text":"فقلت له، فقال: نعم رأيتُ أباها يقبلها (^١).\nقوله: قام النبي - ﷺ - حتى تورمت قدماه، وفي حديث أبي هريرة: \"حتى تورمت أقدامه\" وفي رواية الترمذي: \"حتى ترم قدماه أو ساقاه\" أي: انتفخت من طول قيامه في صلاة الليل، يقال: ورم يرم والقياس يورم وهو أحد ما جاء على هذا البناء قاله في النهاية (^٢).\nقوله: فقيل له: قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تآخر، قال: \"أفلا أكون عبدا شكورًا\"، وفي رواية الترمذي: فيقال له: فيقول: \"أفلا أكون عبدا شكورًا\" أي: بتوفيقه إياي، وفيه: أن قيام المغفور له يحقق العبودية، وبالشكر يحصل المقام المحمود وغيره من الشيم المرضية فقيام الليل مظنة النيل، ولهذا حافظ عليها أكابر المقربين وتفطرت فيها قدما سيد المرسلين الأولين والآخرين، أ. هـ قاله في حدائق الأولياء (^٣)، وقال القاضي عياض: فيقال له في ذلك فيقول: \"أفلا أكون عبدا شكورًا\" أي: يقال له في ذلك ما يلام به في إجهاده نفسه وتجشمه من التعب ما تجشمه (^٤)، أ. هـ، وقال بعضهم \"أفلا أكون عبدا شكورًا\" أي: مثنيا على ربي ﷿ بنعمه ومتلقيا لها بالازدياد من طاعته، والشكر: الثناء على صنع يؤتى للعبد (^٥)، وقيل: الشكر معرفة\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٧٧).\n(^٣) حدائق الأولياء (١/ ١٨٠).\n(^٤) مطالع الأنوار (٥/ ٤٠٦).\n(^٥) مطالع الأنوار (٦/ ٤٧).","vol":"4","page":258},{"text":"الإحسان والتحدّث به (^١)، وقيل: الشكر بالقلب وهو التسليم قال اللّه تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (^٢) وبالعمل وهو الدوام على الطاعة قال اللّه تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾، ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (^٣) وقال النبي - ﷺ - حين عوتب على الإجهاد في العمل: \"أفلا أكون عبدا شكورًا\"، وقيل: الشكر والحمد سواء، وقيل: الحمد أعم لأن متعلقه الصفات والأفعال جميعها، ومتعلق الشكر الفعل وحده (^٤)، وتقدم الكلام على الشكر والحمد في الخطبة مبسوطا، وقال بعضهم أيضًا في قوله: \"أفلا أكون عبدا شكورًا\" أي: ليست عبادتي لأجل خوف الذنوب بل لشكر النعم الكثيرة، وقال الغزالي في الإحياء (^٥) في قوله: \"أفلا أكون عبدا شكورًا\" يظهر من معناه أن ذلك كناية عن زيادة الرتبة فإن الشكر سبب المزيد قال اللّه تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (^٦).\n\n٩١٥ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - كَانَ يقوم من اللَّيْل حَتَّى تتفطر قدماه فَقلت لَهُ لم تصنع هَذَا وَقد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أحب أَن أكون عبدا شكُورًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٧).\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٦/ ٤٧).\n(^٢) سورة الضحى، الآية: ١١.\n(^٣) سورة سبأ، الآية: ١٣.\n(^٤) مطالع الأنوار (٦/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٥) الإحياء (١/ ٣٥٣).\n(^٦) سورة إبراهيم، الآية: ٧.\n(^٧) أخرجه البخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٨١ - ٢٨٢٠).","vol":"4","page":259},{"text":"قوله: عن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله: \"كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه\" الحديث، والتفطر التشقق يقال: تفطرت وانفطرت بمعنى قاله في النهاية (^١)، والتشقق أبلغ من التورم لأن التورم مبادئه.\nقوله: \"أفلا أكون عبدا شكورًا\"، إشعار بمزية قيام الليل على غيره من العبادات، قاله في الحدائق (^٢)، واعلم أن هذا الحديث يتضمن أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، قال اللّه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (^٣) فالشكر بالأقوال عمل اللسان والشكر بالأفعال عمل الأركان، والقصد الصحيح هو المحصل للمطلوب وهو من أعمال القلوب فلا يكمل الشكر إلا هذه الثلاثة الأمور، قال اللّه تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (^٤) فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا من الذاكرين ولنعمه من الشاكرين وأن يوفقنا لمراضيه وامتتال أوامره ونواهيه إنه سميع الدعاء لطيف لما يشاء، قاله في تاريخ كنز الدرر.\n\n٩١٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ أحب الصَّلَاة إِلَى اللّه صَلَاة دَاوُد وَأحب الصّيام إِلَى اللّه صِيَام دَاوُد كَانَ ينَام\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٤٥٨).\n(^٢) حدائق الأولياء (٢/ ١٢٢).\n(^٣) سورة سبأ، الآية: ١٣.\n(^٤) سورة سبأ، الآية: ١٣.","vol":"4","page":260},{"text":"نصف اللَّيْل وَيقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَذكر التِّرْمِذِيّ مِنْهُ الصَّوْم فَقَط (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"أحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود\" الحديث، داود نبي اللّه هو: أبو سليمان هو داود بن أبيشا بهمزة مكسورة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة، ويقال: منشأ بن عويد فذكر نسبه إلى أن قال بن يهود بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن وداود اسم أعجمي قال ابن عباس: هو بالعبرانية القصير العمر، قال مقاتل: ذكر اللّه تعالى داود في اثني عشر موضعا من كتابه، وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"خفف على داود القرآن\" أي: الزبور، وكان يأمر بدابته فتسرج فيقر قبل أن تسرج وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وكان رسول اللّه - ﷺ - إذا ذكر داود قال: \"كان أعبد البشر\"، قال كعب الأحبار ووهب بن منبه: كان داود أحمر الوجه سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت والخلو طاهر القلب، قيل: ورد عن رسول اللّه - ﷺ - أن عمر داود - ﵇ - كان مائة سنة، وقال أهل الكتاب: تسع وتسعون سنة، ومدة ملكه أربعون سنة قال: والنصاري يزعمون أن قبره في الكنيسة الجسمانية ببيت المقدس (^٢)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٢٠)، ومسلم (١٨٩ و١٩٠ - ١١٥٩)، وابن ماجة (١٧١٢)، وأبو داود (٢٤٤٨)، والترمذي (٧٧٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٩٠ (١٦٤٦) و٤/ ٣٨٤ (٢٣٦٣).\n(^٢) مرآة الزمان (٢/ ١٥٦ - ١٨٠) باختصار.","vol":"4","page":261},{"text":"قوله - ﷺ - في داود: \"كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه\" الحديث فهمه بعض العُلماء على الترتيب وأنه كان ينام سدس الليل الآخر ليقوم إلى صلاة الصبح بنشاط لكن الذي يظهر أن الواو ليست للترتيب هاهنا، وذلك أن داود - ﷺ - لا يظن به أنه كان ينام حين تغرب الشمس لأن هذا لا يفعله الكسالي فضلًا عن ذي العزم والنشاط لاسيما إن كانت صلاة المغرب والعشاء واجبة عليهم وإذا لم يكن هذا الترتيب كان المعنى أنه - ﷺ - كان يحيي ثلث الليل إما من أوله أو أوسطه أو آخره، ولهذا كان النبي - ﷺ - هو والصحابة يقومون من ثلث الليل قبل فريضة الصلاة الخمس كما قال تعالى في سورة المزمل، ويكون المعنى على هذا كان ينام نصف الليل وسدسه ويقوم ثلثه وفرق - ﷺ - بين النصف والسدس بالعطف لأن الأمر وقع كذلك في سورة المزمل قال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (^١) أي: على الثلث، أي أوزد على الثلث السدس فكأنه قال: أو قم الثلثين، فالتخيير ثابت في الزيادة على النصف إلى الثلثين والنقص منه إلى الثلث واللّه أعلم.\n\n٩١٧ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن فِي اللَّيْل لساعة لا يُوَافِقهَا رجل مُسلم يسْأَل اللّه خيرا من أَمر الدُّنْيَا وَالآخرَة إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه وَذَلِكَ كلّ لَيْلَة رَوَاهُ مُسلم (^٢).\n_________\n(^١) سورة المزمل، الآيتان: ٢ - ٤.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٦ و١٦٧ - ٧٥٧)، وابن حبان (٢٥٦١).","vol":"4","page":262},{"text":"قوله: وعن جابر، تقدم الكلام على جابر.\nقوله - ﷺ -: \"إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللّه خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كلّ ليلة\" الحديث فيه إثبات ساعة الإجابة في كلّ ليلة وأنها ليست مخصوصة ببعض الليالي، ويتضمن الحث على الدعاء في جميع ساعات الليل رجاء مصادقتها واللّه أعلم.\n\n٩١٨ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ - ﵁ -: عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ عَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل فَإِنَّهُ دأب الصَّالِحين قبلكُمْ وقربة إِلَى ربكُم ومكفرة للسيئات ومنهاة عَن الإِثْم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الدُّعَاء من جَامعه وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب التَّهَجُّد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم كلهم من رِوَايَة عبد اللّه بن صَالح كَاتب اللَّيْث ﵀ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة الباهلي، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم\" الحديث، الدأب العادة والشأن [قوله: \"قبلكم\" أي هي عادة قديمة، واظب عليها] الأنبياء وقد [يحرك] وأصله من دأب في العمل إذا جد وتعب إلا أن العرب حولت معناه إلى العادة والشأن ومنه الحديث \"كان دأب ودأبهم\" قاله في النهاية (^٢)، وقال\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي عقب حديث (٣٥٤٩)، وأبن أبي الدنيا في التهجد، وابن خزيمة (١١٣٥) والطبراني في الكبير (٨/ ٩٢ رقم ٧٤٦٦)، والأوسط (٣/ ٣١١ - ٣١٢ رقم ٣٢٥٣)، ومسند الشاميين (١٩٣١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٠٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠٨). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٦٢٤).\n(^٢) النهاية (٣/ ٩٥).","vol":"4","page":263},{"text":"الإمام أبو عبد اللّه القرطبي في التذكار (^١): روي عن يحيى بن عيسى بن ضرار السعدي وكان قد بكى شوقا إلى اللّه تعالى ستين عاما قال: رأيتُ كأن ضفة نهر تجري بالمسك الإذفر. حافتاه شجر اللؤلؤ، وبيت من قصبان الذهب، فإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: سبحان المسبح بكل لسان سبحان الموجود بكل مكان سبحان الدائم في كلّ زمان سبحانه سبحانه، قال: قلت: من أنتن؟. قلن: خلق من خل الرحمن، قال: قلت: ما تصنعن هاهنا؟ فقلن:\nذرأنا (^٢) إله الناس رب محمد ... لقوم على الأقدام بالليل قُوَّم\nكنا جور رب العالمين إلاههم ... وتسري هموم القوم والناس نُوَّم\nفقلت: بخ بخ لهؤلاء من هؤلاء، لقد أقر اللّه أعينهم فقلن: أما تعرفهم فقلت واللّه ما أعرفهم، قلن: هؤلاء المتهجدون بالليل أصحاب السهر، وذكر أبو الوليد النيسابوري: أن المتهجد بشفع في أهل بيته، وروي أن الجنيد رئي في النوم، فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: طاحن تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وبنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها عند السحر، أ. هـ واللّه أعلم.\nقوله: في آخر حديث أبي أمامة الباهلي في الكلام على الرواة عبد اللّه بن صالح كاتب الليث [على أمواله صالح الحديث وله مناكير].\n_________\n(^١) التذكار (ص ٨٥).\n(^٢) [قوله ذرأنا: هو بسكون الهمزة سكونًا مبينًا فيصير ذرى كغزى تخفيفًا للضرورة].","vol":"4","page":264},{"text":"٩١٩ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - عَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل فَإِنَّهُ دأب الصَّالِحين قبلكُمْ ومقربة لكم إِلَى ربكُم ومكفرة للسيئات ومنهاة عَن الإِثْم ومطردة للداء عَن الْجَسَد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن أبي الجون وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات من جَامعه من رِوَايَة بكر بن خُنَيْس عَن مُحَمَّد بن سعيد الشَّامي عَن ربيعَة بن يزِيد عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ وَعَن بِلَال - ﵁ - وَعبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان أصلح حَالا من مُحَمَّد بن سعيد (^١).\nقوله: وعن سلمان الفارسي هو: أبو عبد اللّه سلكان الخير مولى رسول اللّه - ﷺ - سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان بن الإسلام أصله من فارس من جَيّ بفتح الجيم وتشديد الياء قرية من قرى أصبهان وسبب إسلامه مشهور، واتفق العُلماء على أن سلمان عاش مائتين وخمسين، وتوفي بالمدائن في أول سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة خمس وثلاثين واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم\" أي: عادة الأنبياء.\nقوله: \"ومكفرة للسيئات\" أي: سبب سترها، ومكفرة: مفعلة بمعنى اسم فاعل أي مكفرة ونظيرها مطهرة ومرضاة.\nقوله: \"ومطردة للداء عن الجسد\" ففي هذا الحديث أن قيام الليل يوجب صحة الجسد ويطرد عنه الداء وكذلك صيام النهار، ففي الطبراني من حديث\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٤٩)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٥٨ رقم ٦١٥٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٤٨) وضعيف الترغيب (٣٥٧) و(٣٥٨).","vol":"4","page":265},{"text":"أبي هريرة مرفوعًا: \"صوموا تصحوا\" وكما أن قيام الليل يكفر السيئات فهو يرفع الدرجات، وقد ذكر أن أهله من السابقين إلى الجنة بغير حساب ذكره في الطائف.\nقوله: رواه الطبراني في الكبير من رواية عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون [وهو صويلح ضعفه أبو داود، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به ووثقه دحيم وابن حبان وابن عدي].\n\n٩٢٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - رحم اللّه رجلًا قَامَ من اللَّيْل فصلى وَأَيْقَظَ امْرَأَته فَإِن أَبَت نضح فِي وَجههَا المَاء ورحم اللّه امْرَأَة قَامَت من اللَّيْل فصلت وأيقظت زَوجهَا فَإِن أَبى نضحت فِي وَجهه المَاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١) وَعند بَعضهم رش ورشت بدل نضح ونضحت وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"رحم اللّه رجلًا قام من الليل\" الحديث، رحم اللّه كلمة دعاء ولا شك في إجابة الدعاء فيا سعادة من دخل في دعوته الجامعة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (١٣٣٦)، وأبو داود (١٣٠٨ و١٤٥٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٧٢ (١٦٢٦)، وابن خزيمة (١١٤٨)، وابن حبان (٢٥٦٧)، والحاكم (١/ ٣٠٩). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١١٨١) و(١٣٠٤) وصحيح الترغيب (٦٢٥).","vol":"4","page":266},{"text":"قوله: \"وأيقظ أهله\" أي: للصلاة في الليل ففيه إعانة المسلم على الخيرات واحتمال مشقة زوال النوم والراحة لحصول الثواب قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"فصلى وأيقظ أمرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء\" النضح أقل من الرش، وعند بعضهم: \"رش في وجهها الماء\" بدل نضح ونضحت وهو بمعناه لأن النضح وهو الرش مزيل للنوم المفوت للقيام.\nفائدة تتعلق بمعنى الحديث: روى الدَّارقُطْنِي وعبد الحق عن سلمان أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا تزوج أحدكم امرأة فكان ليلة البناء بها فليصل ركعتين وليأمرها فتصل خلفه فإن اللّه جاعل في ذلك خيرًا\".\nقلت: يتصل بهذا الحديث قوله تعالى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (^١) الآية، وهذا خطاب للنبي - ﷺ - وتدخل أمته في عمومه، روى أن عروة بن الزبير كان إذا رأى شيئًا من [الدنيا أتي] منزله فدخله وهو يقرأ هذه الآية ثم ينادي: الصلاة الصلاة يرحمكم اللّه ويصلي [وكان عمر بن الخطاب - ﵁ -: يوقظ] أهل داره [لصلاة الليل] ويصلي وهو [يتمثل بهذه] الآية، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٩٢١ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من رجل يَسْتَيْقِظ من اللَّيْل فيوقظ امْرَأَته فَإِن غلبها النّوم نضح فِي وَجههَا المَاء فيقومان فِي بيتهما فيذكران اللّه ﷿ سَاعَة من اللَّيْل إِلَّا غفر لَهما (^٢).\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ٣٢.\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٩٥/ ٣٤٤٨). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٦٣: =","vol":"4","page":267},{"text":"٩٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد - ﵄ - قَالا قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا أيقظ الرجل أَهله من اللَّيْل فَصَليَا أَو صلى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كتبا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَات رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ رَوَاهُ ابْن كثير مَوْقُوفا على أبي سعيد وَلم يذكر أَبَا هُرَيْرَة وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَأَلْفَاظهمْ مُتَقَارِبَة من اسْتَيْقَظَ من اللَّيْل وَأَيْقَظَ أَهله فَصَليَا رَكعَتَيْنِ زَاد النَّسَائِيّ جَمِيعًا كتبا من الذَّاكِرِينَ اللّه كثيرًا وَالذَّاكِرَات قَالَ الْحَافِظ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليهما.\nقوله: \"إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين اللّه كثيرًا والذاكرات\" الحديث، وقال الواحدي: قال مقاتل بن حيان: بلغني أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على النبي - ﷺ - فقالت: هلا نزل فينا شيء من القرآن قلن: لا فأنت رسول اللّه - ﷺ - فقالت: يا رسول اللّه صلى اللّه عليك إن النساء لفي خيبة وخسار\n_________\n= رواه الطبراني وفيه محمد بن إسماعيل بن عيَّاش وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٦٠٩) وضعيف الترغيب (٣٥٩).\n(^١) أخرجه ابن ماجة (١٣٣٥) مرفوعًا، وأبو داود (١٣٥٩) و(١٤٥١)، والنسائي في الكبرى (١٣١٢) و(١١٣٤٢)، وابن حبان (٢٥٦٨) و(٢٥٦٩)، والحاكم (١/ ٣١٦) و(٢/ ٤١٦).\nقال أبو داود: رواه ابن مهدي، عن سفيان، قال: وأراه ذكر أبا هريرة، قال أبو داود: \"وحديث سفيان موقوف\". وصححه الألباني في المشكاة (١٢٣٨)، صحيح أبي داود (١١٨٢) و(١٣٠٥) وصحيح الترغيب (٦٢٦).","vol":"4","page":268},{"text":"قال: \"ومم ذاك؟ \" قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال فأنزل اللّه ﷿ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (^١) الآية، وقال الزمخشري: الذاكرون اللّه كثيرًا والذاكرات من لا يكاد يخلوا من ذكر اللّه بقلبه أو بلسانه أو بهما وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر ويوافقه قول النووي في أول الأذكار أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير [بل] كلّ عامل اللّه بطاعته فهو ذاكر اللّه كذا قاله سعيد بن جبير (^٢).\n\n٩٢٣ - وَعَن عبد اللّه ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - فضل صَلَاة اللَّيْل على صَلَاة النَّهَار كفضل صَدَقَة السِّرّ على صَدَقَة الْعَلَانِيَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٣).\nقوله: وعن عبد اللّه، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية\" الحديث.\nسؤال: الليل أفضل أم النهار أفضل؟ قيل: قال النيسابوري: الليل أفضل لوجوه: أحدها: الليل راحة والراحة من الجنة والنهار تحب والتعب من النار\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٢) الأذكار (ص ٩).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٥)، والدينورى في المجالسة (٣٥٤٤)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٩ رقم ١٠٣٨٢). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠١٠) وضعيف الترغيب (٣٦٠).","vol":"4","page":269},{"text":"وأيضًا فالليل حظ الفراش والنهار حظ اللباس ولأن اللّه تعالى سمى ليلة خير من ألف شهر وليس في الأيام مثلها، وقيل: النهار أفضل لأنه نور، وأيضًا لا يكون في الجنة ليل، وأيضًا النهار للمعاد والمعاش، فإن قيل: [ما الليل] والنهار؟ قيل: هما يخرجان من كفتي ملك في إحدى يديه نور وفي الآخرى ظلمة فيقال: الظلمة دائمة والنهار يجيء ويذهب قاله النيسابوري، ومنه يعلم أن نور الفجر ليس من الشمس قاله في كشف الأسرار (^١).\n\n٩٢٤ - وَرُوِيَ عَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁: قَالَ أمرنَا رَسُول اللّه - ﷺ - أَن نصلي من اللَّيْل مَا قل أَو كثر ونجعل آخر ذَلِك وترا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار (^٢).\nقوله: وروى عن سمرة هو ابن جندب، تقدم الكلام عليه ﵁.\nقوله: \"أمرنا رسول اللّه - ﷺ - أن نصلي من الليل ما قل أو كثر ونجعل آخر ذلك وترا\" الحديث، قال العُلماء: والأصح أن الوتر يسمى تهجدًا، وقيل: الوتر غير التهجد.\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٢٠).\n(^٢) أخرجه البزار (٤٥٤٣) و(٤٥٤٤)، والمروزي في قيام الليل (ص ٥٥)، وأبو يعلى في المعجم (٢٠٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٣١ رقم ٣٧٩٢) والكبير (٧/ ٢٢٢ رقم ٦٩٢٥). قال البزار: وجعفر بن سعد من ولد سمرة وحديث يونس عن الحسن لا نعلم رواه عن يونس إلا سلام بن أبي خبزة كان رجلًا من أهل البصرة فيه ضعف في القدر. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٢: رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير وأبو يعلى، وللبزار في رواية: أن رسول اللّه كان يأمرنا أن نصلي كلّ ليلة بعد الصلاة المكتوبة نحوه، وإسناده ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٨٤) وضعيف الترغيب (٣٦١).","vol":"4","page":270},{"text":"٩٢٥ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ يرفعهُ قَالَ صَلَاةِ فِي مَسْجِدي تعدل بِعشْرَة آلَاف صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تعدل بِمِائَة ألف صَلَاة وَالصَّلَاة بِأَرْض الرِّبَاط تعدل بألفي ألف صَلَاة وَأكْثر من ذَلِك كُله الركعتان يُصَلِّيهمَا العَبْد فِي جَوف اللَّيْل لَا يُرِيد بهما إِلَّا مَا عِنْد اللّه ﷿ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيان فِي كتاب الثَّوَاب (^١).\nقوله: وروي عن أنس، تقدم الكلام على أنس. قوله - ﷺ -: \"صلاة في مسجدي تعدل بعشرة آلاف صلاة\" سيأتي اللام على الملاة في المسجد الحرام وفي مسجده - ﷺ - وكذلك الصلاة بأرض الرباط والكلام الآن في صلاة الليل وتقدم الكلام على صلاة الليل في الأحاديث المتقدمة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن زنكى في الاجتهاد (لوحة ٨٤/ أ) قال: أخبرنا الرئيس مسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي كتابة، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق الوليدي، أنا محمد بن عبد الرزاق، أنا جدي، ثنا إبرأهيم بن محمد بن الحسن، ثنا هاشم بن القاسم الحراني، ثنا محمد بن عجلان الملطي، عن سعيد بن ميسرة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: صلاة في المسجد الجامع الذي يصلى فيه الجمعة تعدل بخمسين صلاة، وصلاة في مسجد الأحياء تعدل بخمسة وعشرين صلاة، وصلاة الرجل وحده صلاة واحدة، وصلاة في المسجد الأقصى تعدل بألف صلاة، وصلاة في مسجدى يعني مسجد المدينة تعدل بعشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام تعدل بمائة ألف صلاة، والصلاة بأرض الرباط تعدل بألفي ألف صلاة وأكثر من ذلك كلّه الركعتان يصليهما العبد في جوف الليل لا يريد بهما إلا ما عند اللّه ﵎. وضعفه العراقى في تخريج الإحياء (ص ٢٣٩)، والألباني في ضعيف الترغيب (٣٦٢) و(٨١٢). قلنا: هو منكر بل موضوع ففيه سعيد بن ميسرة متهم بالكذب.","vol":"4","page":271},{"text":"٩٢٦ - وَعَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ ﵁: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لا بُد من صَلَاة بلَيْل وَلَو حلب شَاة وَمَا كانَ بعد صَلَاة الْعشَاء فَهُوَ من اللَّيْل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا مُحَمَّد بن إِسْحَاق (^١).\nقوله: وعن إياس بن معاوية المزني [إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو واثلة البصرى كَانَ ثقة، وكَانَ قاضيا على البصرة، وله أحاديث، وكَانَ عاقلا من الرجال، فطنا، ولجده صحبة وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي الذَّكَاءِ، وَالدَّهَاءِ، وَالسُّؤْدُدِ، وَالعَقْلِ تُوُفِّي: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَمائَةٍ، كَهْلًا].\nقوله - ﷺ -: \"لا بد من صلاة بليل ولو حلب شاة\" الحديث، أي: ولو مقدار حلب شاة وهو بمعنى قوله في الحديث بعده: \"فواق حلب ناقة\" وهو هنا قدر ما بين رفع يديك عن الضرع وقت الحلب [وضمهما]، وقيل: هو ما بين الحلبتين واللّه تعالى أعلم.\n\n٩٢٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁. قالَ فَذكرت قيام اللَّيْل فَقَالَ بَعضهم إِن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ نصفه ثلثه ربعه فوَاق حلب نَاقَة فوَاق حلب شَاة رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرِجَاله مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَهُوَ بعض حَدِيث (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٢٠٧)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٧١ رقم ٧٨٧). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٨٥) وضعيف الترغيب (٣٦٣).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٢٦٧٧). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٢: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٦٤).","vol":"4","page":272},{"text":"فوَاق النَّاقة بِضَم الْفَاء وَهُوَ هُنَا قدر مَا بَين رفع يَديك عَن الضَّرع وَقت الْحَلب وضمهما.\nقوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله: فذكرت قيام الليل فقال بعضهم إن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"نصفه ثلثه ربعه فواق حلب ناقة\" الحديث.\n\n٩٢٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ أمرنَا رَسُول اللّه - ﷺ - بِصَلَاة اللَّيْل وَرغب فِيهَا حَتَّى قَالَ عَلَيْكُم بِصَلَاة اللَّيْل وَلَو رَكعَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).\nقوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام أيضًا على ابن عباس.\nقوله: أمر رسول اللّه - ﷺ - بصلاة الليل ورغب فيها حتى قال: \"عليكم بصلاة الليل ولو ركعة\" الحديث.\nتنبيه: المختار عند أهل الأصول أن قوله: أمر راجع إلى النبي - ﷺ -، وكذلك: أمرنا ونهينا، لأن الظاهر انصرافه إلى من له الأمر الشرعي وإلى من يلزم اتباعه، ونص الشافعي ﵀ في الأم على أن قول الراوي (أمرنا رسول اللّه - ﷺ -) [بياض بالأصل] يحمل على الإيجاب، ويحتج\n_________\n(^١) أخرجه الدارمى (٢٧٦٤)، والعقيلى (١/ ٢٤٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١٢ رقم ١١٥٢٨ و١١٥٢٩ و١١٥٣٠)، والأوسط (٧/ ٥١ رقم ٦٨٢١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٢: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه حسين بن عبد اللّه وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٩١٢) وضعيف الترغيب (٣٦٥).","vol":"4","page":273},{"text":"بهذا الحديث من يرى أن المندوب مأمور به، قال النووي في شرح مسلم [أمر بلال هو بضم الهمزة وكسر الميم أي أمره] النبي - ﷺ - هذا هو الصَّواب إليّ عليه جماهير [العُلماء] من الفقهاء وأصحاب الأصول وجميع المحدّثين، وشذ بعضهم فقال: هذا اللفظ ونحوه [موقوف] لاحتمال [أن يكون الآمر غير] رسول اللّه - ﷺ -[وهذا] خطأ والصواب أنه مرفوع ومثل هذا اللفظ قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا وأمر الناس بكذا ونحوه وكله مرفوع سواء قال ذلك الصحابي في حياة النبي - ﷺ - أو بعد وفاته (^١) واللّه أعلم.\nفائدة: يستحب للتهجد القيلولة وهو النوم قبل الزوال وهو بمنزلة السحور للصائم لقوله - ﷺ -: \"استعينوا بالقيلولة على قيام الليل\" رواه أبو داود وابن ماجة، وقال بعضهم أيضًا: المفهوم من الأحاديث الواردة في الوتر أن جميعها وتر وليس صلاة الليل غير الوتر إلا من صلى الوتر قبل النوم ثم نام وقام وصلى فهو صلاة الليل وكذا من لم يصل الوتر قبل النوم فإذا قام من النوم وصلى أكثر من ثلاث عشرة ركعة يسلم من كلّ ركعتين ثم يصلي ركعة واحدة ويسلمك فإن ما صلى قبل الركعة الأخيرة فهذا صلاة الليل لم يفعل الوتر أكثر من ثلاث عشرة ركعة واللّه أعلم.\n\n٩٢٩ - وَعَن سهل بن سعد ﵄ قَالَ جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا مُحَمَّد عش مَا شِئْت فَإنَّك ميت واعمل مَا شِئْت فَإنَّك مَجْزِي بِهِ وأحبب من شِئْت فَإنَّك مفارقه وَاعْلَم أَن شرف الْمُؤمن قيام اللَّيْل وعزه استغناؤه عَن\n_________\n(^١) شرح النووي (٤/ ٧٨).","vol":"4","page":274},{"text":"النَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده حسن (^١).\nقوله: وعن سهل بن سعد سيأتي الكلام عليه.\nقوله: جاء جبريل إلى النبي عفيوّ فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، إلى قوله: واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه واستغناؤه عن الناس، وقيام الليل السعر فيه بالعبادة وترك النوم.\n\n٩٣٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَشْرَاف أمتِي حَملَة الْقُرْآن وَأَصْحَاب اللَّيْل رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n\n٩٣١ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من صلى مِنْكُم من اللَّيْل فليجهر بقرَاءَته فَإِن الْمَلَائِكَة تصلي بِصَلَاتِهِ وتستمع لقرَاءَته وَإِن مؤمني الْجِنّ الَّذين يكونُونَ فِي الْهَوَاء وجيرانه فِي مَسْكَنه يصلونَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧ رقم ٤٢٧٨)، والحاكم (٤/ ٣٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه زافر بن سليمان وثقه أحمد وأبن مَعين وأبو داود وتكلم فيه ابن عدي وابن حبان بما لايضر. وحسنه الألباني في الصحيحة (٨٣١) وصحيح الترغيب (٦٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٣)، والطبراني بشطره الأول في الكبير (١٢/ ١٢٥ رقم ١٢٦٦٢)، وأبن عدى في الكامل (٥/ ٤٤٤) و(١٠/ ٢٣١)، والرازى في فضائل القرآن (٤٧) والبيهقي في الشعب (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤ رقم ٢٤٤٧) و(٤/ ٥٤٠ رقم ٢٩٧٧). قال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٦١: رواه الطبراني، وفيه سعد بن سعيد الجرجاني وهو ضعيف.\nوضعفه الألباني في المشكاة (١٢٣٩) والضعيفة (٢٤١٦) وحكم عليه بالوضع، وضعيف الترغيب (٣٦٦).","vol":"4","page":275},{"text":"بِصَلَاتِهِ ويستمعون قِرَاءَته وَإنَّهُ يطرد بقرَاءَته عَن دَاره وَعَن الدّور الَّتِي حوله فساق الْجِنّ ومردة الشَّيَاطِين وَإِن الْبَيْت الَّذِي يقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن عَلَيْهِ خيمة من نور يَهْتَدِي بهَا أهل السَّمَاء كَمَا يهتدى بالكوكب الدُّرِّي فِي لجج الْبحار وَفِي الأَرْض القفر فَإِذا مَاتَ صَاحب الْقُرْآن رفعت تِلْكَ الْخَيْمَة فتنظر الْمَلَائِكَة من السَّمَاء فَلَا يرَوْنَ ذَلِك النُّور فَتَلقاهُ الْمَلَائِكَة من سَمَاء إِلَى سَمَاء فَتُصَلِّي الْمَلَائِكَة على روحه فِي الأرْوَاح ثمَّ تسْتَقْبل الْمَلَائِكَة الحافظين الَّذين كَانُوا مَعَه ثمَّ تستغفر لَهُ الْمَلَائِكَة إِلَى يَوْم يبْعَث وَمَا من رجل تعلم كتاب اللّه ثمَّ صلى سَاعَة من ليل إِلَّا أوصت بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَة الْمَاضِيَة اللَّيْلَة المستأنفة أَن تنبهه لساعته وَأَن تكون عَلَيْهِ خَفِيفَة فَإذا مَاتَ وَكَانَ أَهله فِي جهازه جَاءَ الْقُرْآن فِي صورَة حَسَنَة جميلَة فَوقف عِنْد رَأسه حَتَّى يدرج فِي أَكْفَانه فَيكون الْقُرْآن على صَدره دون الْكَفَن فَإِذا وضعفِي قَبره وسوي وتفرق عَنهُ أَصْحَابه أَتَاهُ مُنكر وَنَكِير ﵉ فيجلسانه فِي قَبره فَيَجِيء الْقُرْآن حَتَّى يكون بَينه وَبَينهمَا فَيَقُولانِ لَهُ إِلَيْك حَتَّى نَسْأَلهُ فَيَقُول لا وَرب الْكَعْبَة إِنَّه لصاحبي وخليلي وَلست أخذله على حَال فَإِن كنتما أمرتما بِشَيْء فامضيا لما أمرتما وَدَعَانِي مَكَاني فَإِنِّي لست أفارقه حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة ثمَّ ينظر الْقُرْآن إِلَى صَاحبه فَيَقُول أَنا الْقُرْآن الَّذِي كنت تجْهر بِي وتخفيني وتحبني فَأَنا حَبِيبك وَمن أحببته أحبه اللّه ليْسَ عَليْك بعد مَسْالة مُنكر وَنَكِير هم وَلَا حزن فيسأله مُنكر وَنَكِير ويصعدان وَيبقى هُوَ وَالْقُرْآن فَيَقُول لأفرشنك فراشا لينًا ولأدثرنك دثارا حسنا جميلا بِمَا أَسهرت ليلك وأنصبت نهارك قَالَ فيصعد الْقُرْآن إِلَى","vol":"4","page":276},{"text":"السَّمَاء أسْرع من الطّرف فَيسْأَل الله ذَلِك لَهُ فيعطيه ذَلِك فَيَجِيء الْقُرْآن فَينزل بِهِ ألف ألف ملك من مقربي السَّمَاء السَّادِسَة فَيَجِيء الْقُرْآن فيحييه فَيَقُول هَل استوحشت مَا زِدْت مُنْذُ فارقتك أَن كلمت الله ﵎ حَتَّى أخذت لَك فراشا ودثارا ومصباحا وَقد جئْتُك بِهِ فَقُمْ حَتَّى تفرشك الْمَلَاِئكَة ﵈ قَالَ فتنهضه الْمَلَائِكَة إنهاضا لطيفا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره مسيرَة أَرْبَعمِائَة عَام ثمَّ يوضع لَهُ فرَاش بطانته من حَرِير أَخْضَر حشوه الْمسك الأذفر وَيُوضَع لَهُ مرافق عِنْد رجلَيْهِ وَرَأسه من السندس والإستبرق ويسرج لَهُ سراجان من نور الْجنَّة عِنْد رَأسه وَرجلَيْهِ يزهران إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ تضجعه الْمَلَاِئكَة على شقَّه الأيْمن مُسْتَقْبل الْقبْلَة ثمَّ يُؤْتى بياسمين الْجنَّة وتصعد عَنهُ وَيبقى هُوَ وَالْقُرْآن فَيَأْخُذ الْقُرْآن الياسمين فيضعه على أَنفه غضا فيستنشقه حَتَّى يبْعَث وَيرجع الْقُرْآن إِلَى أَهله فيخبرهم كل يَوْم وَلَيْلَة ويتعاهده كَمَا يتَعَاهَد الْوَالِد الشفيق وَلَده بِالْخَيرِ فَإِن تعلم أحد من وَلَده الْقُرْآن بشره بذلك وَإِن كانَ عقبه عقب سوء دَعَا لَهُم بالصلاح والإقبال أَو كَمَا ذكر رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ خَالِد بن معدان لم يسمع من معَاذ (^١) وَمَعْنَاهُ أَنه يَجِيء ثَوَاب الْقُرْآن كَمَا قَالَ إِن اللُّقْمَة تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة مثل أحد وَإِنَّمَا يَجِيء ثَوَابهَا انْتهى قَالَ الْحَافِظ فِي إِسْنَاده من لا يعرف حَاله وَفِي مَتنه غرابة كَثِيرَة بل نَكَارَة ظَاهِرَة وَقد تكلم فِيهِ الْعقيلِيّ وَغَيره وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَغَيره عَن عبَادَة بن الصَّامِت مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَلَعَلَّه أشبه.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٦٥٥)، وابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٢٠ - ٢١). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٣٦٧).","vol":"4","page":277},{"text":"قوله: روى عن معاذ بن جبل تقدم الكلام على معاذ.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى منكم من الليل فليجهر بقراءته فإن الملاتكة تصلي بصلاته وتستمع لقراءته\" الحديث، قال الشيخ أبو الفتح بن سيد الناس: وهذا الذي ذكره في الحديث من أمر الملائكة والجن يقتضي ترجيح الجهر، وقد ثبت في الصحيح ما يؤيده من حديث خيثمة، فينبغي أن لا يخل بصلاة الليل وإن قلت: يستحب لمن قام يتهجد أن يوقظ من يطمع في التهجد إذا لم يخفف ضررا، والصح في نوافل الليل التوسط بين الجهر والإسرار، وقال المتولي: يستحب فيها الجهر إلا إذا كان عنده مصلون أم نيام يشوش عليهم فيسر، ويستثنى التراويح فيجهر فيها، وروي أن أبا بكر - ﵁ - كان يخفي صوته بالقراءة في صلاته ويقول: أنا أناجي ربي ﷿ وقد علم حاجتي وكان عمر - ﵁ - يرفع صوته ويقول: أنا أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (^١) فأمر أبا بكر أن يرفع صوته قليلا، وعمر أن يخفض صوته قليلا، وأما الحديث الذي روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار\" فقال ابن الصلاح: إنه موضوع ظنه ثابت بن موسى الزاهد حديثا فأسنده وإنما هو من كلام السلف، وقال في البحر: أراه به في نهار يوم القيامة، أ. هـ والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وإن البيت الذي يقرأ فيه القرآن عليه خيمة من نور ويهتدي بها أهل السماء كما يهتدي بالكوكب الدري في لجج البحار وفي الأرض القفر\"\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.","vol":"4","page":278},{"text":"الدري: هو الكوكب العظيم، قيل: سمي دريا لإضاءته، وقل: لبياضه كالدري وقيل: لشبهه بالدر في كونه أرفع من باقي النجوم كالدر أرفع من الجوهر.\nقوله - ﷺ -: \"فتصلي الملائكة على روحه في الأرواح\" الصلاة في اللغة الدعاء وهي من الملائكة بمعنى الاستغفار وتقدم ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"فإذا مات صاحب القرآن\" أي: حامله.\nقوله: \"وكان أهله في جهازه\" الجهاز بفتح الجيم وكسرها.\nقوله: \"جاء بالقرآن في صورة حسنة فوقف عند رأسه \"معناه:\nأنه يجب ثواب القرآن كما قال: \"إن اللقمة تجيء يوم القيامة مثل أحد\" وإنما يجيء ثوابها.\nقوله: \"أتاه منكر ونكير ﵉\" هما اسما ملكين يسئلان العبد في قبره.\nقوله: \"فيجيء القرآن حتى يكون بينه وبينهما\" يعني: ثواب القرآن.\nقوله: \"ثم ينظر القرآن على صاحبه\" زاد الحافظ في هذا الحديث فيقول: \"اسكن وأبشر فإنك ستجدني من الجيران جار صدق ومن الأخلاء خليل صدق ومن الأصحاب صاحب صدق \" فيقول له من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي كنت تجهر بي وتخفيني\" الحديث.\nقوله: \"ولأدثرنك دثارا حسنا جميلًا\" زاد غيره \"جزاء لك\".\nقوله في الحديث: \"بما أسهرت ليلك وأنصبت نهارك\" النصب هو التعب.\nقوله: \"فتنهضه الملائكة إنهاضا لطيفا\" زاد في حديث غيره \"لينا\".","vol":"4","page":279},{"text":"قوله: \"حشوه المسك الأذفر\" بالذال المعجمة والتحريك الطيب الريح.\nقوله: \"ويوضع له مرافق عند رجليه ورأسه من السندس والإستبرق\" والمرافق جمع مرفق، والسندس والاستبرق نوع من الحرير وهو الغليظ منه، فجيد الحرير هو الديباج ورديئه هو الاستبرق.\nقوله: \"ثم يؤتى بياسمين الجنة\" الياسمين فارسي معرب سينه مكسورة وهي الذي يتخذ منه الزئبق قال ابن الجواليني: الياسمين والياسمون إن شئت أعربته بالياء والواو وإن شئت جعلت الإعراب في النور لغتان ذكره النووي في تحريره.\nقوله: \"فيضعه على أنفه غضا\" الغض هو الطري.\nقوله: \"ويرجع القرآن إلى أهله فيخبرهم بذلك كل يوم وليلة\" تقدم معناه.\nقوله: عن خالد بن معدان، هو الكلاعي بفتح الكاف مات سنة أربعين ومائة.\nوقوله: العقيلي [أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي ذكره مسلم بن قاسم، فقال: ثقة جليل القدر عظيم الخطر، عالم بالحديث، ما رأيت أحدا من أهل زماننا، أعرف بالحديث منه، ولا أكثر جمعا. وكان حسن التأليف، عارفا بالتصنيف. وذكر أنه امتحنه مع جماعة من أصحابه، في أحاديث من مروياته، بدلوا فيها ألفاظا، وزادوا ألفاظا، وتركوا منها أحاديث صحيحة، فلما قرأها عليه، فطن لذلك، وأخذة منه الكتاب والقلم، وأصلحها من حفظه، توفى في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بمكة، كما ذكر ابن زبر في وفياته، وذكر أنه شهد جنازته].","vol":"4","page":280},{"text":"٩٣٢ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من بَات لَيْلَة فِي خفَّة من الطَّعَام وَالشرَاب يُصَلِّي تراكضت حوله الْحور الْعين حَتَّى يصبح رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: وروى عن ابن عباس [هو أبو العباس الهاشمى، الصحابى ابن الصحابى المكى، ابن عم رسول الله - ﷺ -، كنى بابنه العباس، وهو أكبر أولاده، وأمه لبابة بنت الحارث الهلالية وتقدمت ترجمته].\nقوله - ﷺ -: \"من بات ليلة في خفة من الطعام والشراب يصلي تراكضت حوله الحور العين حتى يصبح\" تراكضت: أي وقعت مأخوذ من [الركض وهو الضرب بالرجل والإصابة بها، كما تركض الدابة وتصاب بالرجل].\n\n٩٣٣ - وَعَن عمرو بن عنبسة - ﵁ - سمع النّبِي - ﷺ - يَقُول أقرب مَا يكون الرب من العَبْد فِي جَوف اللَّيْل الآخر فَإِن اسْتَطَعْت أَن تكون مِمَّن يذكر الله فِي تِلْكَ السَّاعَة فَكُن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ التَّرْمِذِيّ حدِيث حسن صحِيح غَرِيب (^٢).\nقوله: وعن عمرو بن عنبسة، تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٢٦ رقم ١١٨٩١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أصرم بن حوشب وهو متروك. وقال الألباني موضوع ضعيف الترغيب (٣٦٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٧٩) وابن خزيمة (١١٤٧). وصححه الألباني في المشكاة (١٢٢٩) وصحيح الترغيب (٦٢٨).","vol":"4","page":281},{"text":"قوله - ﷺ -: \"أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر\" وفيه: تنبيه على أن آخر الليل للصلاة والدعاء والاستغفار وغيرها من الطاعات أفضل من أوله والله أعلم.\n\n٩٣٤ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا خيب الله امْرأ قَامَ فِي جَوف اللَّيْل فَافْتتحَ سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَفِي إِسْنَاده بَقِيَّة (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على عبد الله بن مسعود.\nقوله - ﷺ -: \"ما خيب الله امرأ قام في جوف الليل فافتتح سورة البقرة وآل عمران\" قرأ بهما في قيامه.\nتنبيه: وقد اختلف العلماء هل خلق الله ﷿ الليل قبل النهار أو النهار قبل الليل على قولين أصحهما أن الليل أسبق لأن النهار من ضوء الشمس.\n\n٩٣٥ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة يُحِبهُمْ الله ويضحك إِلَيْهِم ويستبشر بهم الَّذِي إِذا انكشفت فِئَة قَاتل وَرَاءَهَا بِنَفسِهِ لله ﷿ فإمَّا أَن يقتل وَإِمَّا أَن ينصره الله ﷿ ويكفيه فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا كيفَ صَبر لي بِنَفسِهِ وَالَّذِي لَهُ امْرَأَة حَسَنَة وفراش لين حسن فَيقوم من اللَّيْل فَيَقُول يذر شَهْوَته ويذكرني وَلَو شَاءَ رقد وَالَّذِي إِذا كَانَ فِي سفر وَكَانَ مَعَه ركب\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢١٤ - ٢١٥ رقم ١٧٧٢). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ليث بن أبي سليم وفيه كلام وهو ثقة مدلس. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٤٠) وضعيف الترغيب (٣٧٠).","vol":"4","page":282},{"text":"فسهروا ثمَّ هجعوا فَقَامَ من السحر فِي ضراء وسراء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة يحبهم الله\" ومحبة الله ﷾ عبارة عن [رحمته لهم، ورضاه عنهم، وإرادته لهم، وفعله بهم في ذلك فعل المحب بحبيبه، ومراده له من الخير].\nقوله: \"ويضحك إليهم ويستبشر\" قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^٢): الضحك في حقنا هنا استعارة في حق الله تعالى لأنه لا يجوز عليه ﷾ الضحك المعروف في حقنا لأنه إنما يصح في الأجسام وممن يجوز عليه تغير الحال والله تعالى منزه عن ذلك أ. هـ؛ فالضحك صفة من صفات الله تعالى يجب الإيمان بها كما يليق به تعالى مجتنبا عن التشبيه، وإنما المراد به الرضي بفعلهما والثواب عليه وحمد فعلهما ومحبته وتلقي رسل الله لهما بذلك لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقة ما يرضاه وسروره به وبره لمن يلقاه، قال: ويحتمل أن يكون المراد هنا ضحك ملائكة الله الذي\n_________\n(^١) أحرجه الطبراني كما في جامع المسانيد (٩/ ٣٠٢ - ٣٠٣ رقم ١١٩٠٤)، والحاكم (١/ ٢٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٤٧١ - ٤٧٢). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٥: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٦٢٩) والصحيحة (٣٤٧٨).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٥٥٨).","vol":"4","page":283},{"text":"يوجههم لقبض روحه وإدخاله الجنة كما قيل: قتل السلطان فلانا أي: أمر بقتله (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة، قال العلماء: ضحك الله ﷾ هو رضاه بفعل عهده ومحبته إياه وإظهار نعمته عليه وإيجابها له (^٢) والله أعلم. ومن فضائل التهجد أن الله تعالى يحب أهله ويباهي بهم الملائكة، ويستجيب دعاءهم.\n\n٩٣٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ عجب رَبنَا تَعَالَى من رجلَيْنِ رجل ثار عَن وطائه ولحافه من بَين أَهله وحبه إِلَى صلَاته فَيَقُول الله جلّ وَعلا انْظُرُوا إِلَى عَبدِي ثار عَن فرَاشه ووطائه من بَين حبه وَأَهله إِلَى صلَاته رَغْبَة فِيمَا عِنْدِي وشفقة مِمَّا عِنْدِي وَرجل غزا فِي سَبِيل الله وَانْهَزَمَ أَصْحَابه وَعلم مَا عَلَيْهِ فِي الانهزام وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوع فَرجع حَتَّى يهريق دَمه فَيَقُول الله انْظروا إِلَى عَبدِي رَجَعَ رَجَاء فِيمَا عِنْدِي وشفقة مِمَّا عِنْدِي حَتَّى يهريق دَمه رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا بِإِسْنَاد حسن وَلَفظه إِن الله ليضحك إِلَى رجلَيْنِ رجل قَامَ فِي لَيْلَة بَارِدَة من فرَاشه ولحافه ودثاره\n_________\n(^١) شرح النووي (١٣/ ٣٦).\n(^٢) شرح النووي (٣/ ٢٤).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٤١٦ (٣٩٤٩) وابن حبان (٢٥٥٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٩ رقم ١٠٣٨٣)، أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٦٧). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٥: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وصححه الألباني في المشكاة (١٢٥١) وحسنه في صحيح الترغيب (٦٣٠).","vol":"4","page":284},{"text":"فَتَوَضَّأ ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة فَيَقُول الله ﷿ لملائكته مَا حمل عَبدِي هَذَا على مَا صنع فَيَقُولُونَ رَبنَا رَجَاء مَا عنْدك وشفقة مِمَّا عنْدك فَيَقُول فَإِنِّي قد أَعْطيته مَا رجا وآمنته مِمَّا يخَاف وَذكر بَقِيَّته (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"عجب ربنا من رجلين\" الحديث، أي: عظم ذلك عنده وكبر لديه، وقيل: معناه رضى وأثاب فسماه بذلك عجبا على سبيل التجوز لأن حقيقته محال على الله تعالى.\nقوله - ﷺ -: \"رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته\" الحديث، ثار أي فارق وانبعث.\nقوله: \"وطائه\" الفراش اللين.\nقوله: \"من بين حبه\" الحب بكسر الحاء المحبوب.\nقوله: \"رغبة فيما عندي\" أي: من الثواب فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم في بعض الآثار أن جبريل - ﵇ - ينادي كل ليلة: أقم فلانا وأنم فلانا، قام بعض الصالحين في ليلة باردة وعليه ثياب رثة فضربه البرد فبكى فهتف به هاتف: أقمناك وأنمناهم ثم تبكي علينا، ذكره في كتاب اللطائف (^٢).\nقوله: \"شفقة مما عندي\" أي: خوفا وخشية، وقال بعض الصوفية:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٠١ رقم ٨٥٣٢). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٥: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٣٠).\n(^٢) اللطائف (ص ٤٦).","vol":"4","page":285},{"text":"الإشفاق رقة الخوف وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه فنسبته إلى الخوف كنسبة الرأفة إلى الرحمة فإنها ألطف الرحمة وأرقها ولهذا قال صاحب المنازل الإشفاق دوام الحذر مقرونا بالترحم (^١) والله أعلم.\nقوله: \"مما عندي\" أي: من العذاب.\nقوله: \"ورجل غزى في سبيل الله وانهزم أصحابه\" وعلم ما عليهم من الانهزام أي من الإثم.\n\n٩٣٧ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الرجل من أمتِي يقوم من اللَّيْل يعالج نَفسه إِلَى الطّهُور وَعَلِيهِ عقد فَإِذا وضأ يَدَيْهِ انْحَلَّت عقدَة وَإِذا وضأ وَجهه انْحَلَّت عقدَة وَإِذا مسح رَأسه انْحَلَّت عقدَة وَإِذا وضأ رجلَيْهِ انْحَلَّت عقدَة فَيَقُول الله ﷿ للَّذين وَرَاء الْحجاب انْظروا إِلَى عَبدِي هَذَا يعالج نَفسه يسألني مَا سَألني عَبدِي هَذَا فَهُوَ لَهُ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^٢).\nقوله: وعن عقبة بن عامر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يقوم الرجل من أمتي يقوم من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد\" الحديث، المراد بالطهور الوضوء، ويجوز فتح الطاء وضمها كما في الوضوء وتقدم ذلك مرات فمعالجة الوضوء في جوف الليل للمتهجد\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥١٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٩ (١٧٤٥٨) و٤/ ٢٠١ (١٧٧٩١)، وابن حبان (١٠٥٢) و(٢٥٥٥). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٦٣١).","vol":"4","page":286},{"text":"موجب لرضى الرب ومباهاة الملائكة، ففي شدة البرد يتأكد ذك، وفي حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر، رجل قام من جوف الليل فأحسن الطهور ثم صلى\" قال أبو سليمان: كنت في ليلة باردة في المحراب فأقلقني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد وبقيت الأخرى ممدوة فغلبتني عيني فهتف بي هاتف يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها ولو كانت الأخرى ما فيها، قال: فآليت أن أدعو إلا ويداي خارجتان حرا كان أو بردا\" وفي الحديث الصحيح أن ابن عمر رأى في منامه كأن آتيا أتاه فانطلق به إلى النار حتى رأها ورأ فيها رجالا يعرفهم معلقين بالسلاسل فأتاه ملك فقال له: لن ترع لست من أهلها فقص ذلك على أخته حفصة فقصته حفصة على رسول الله - ﷺ - فقال: \"نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل\" فكان ابن عمر لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلا\" ورأى بعض السلف خياما ضربت فسأل لمن هي؟ فقيل: للمتهجدين بالقرآن فكان بعد ذلك لا ينام [بياض بالأصل] شعر [بياض بالأصل]:\nفما لي بعيد الدار لم أقرب الحمى ... وقد نصبت للسائرين خيام\nعلامة طرب طول ليلى نائم ... وغيري يرى أن المنام حرام\nومن الصالحين من كان يلطف به في الحر والبرد كما دعا النبي - ﷺ - لعلي - ﵁ - أن يذهب عنه الحر والبرد فكان - ﵁ - يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يجد حرا ولا بردا، كان بعض التابعين يشتد عليه الطهور في الشتاء فدعا الله ﷿ فكان يؤتى بالماء في الشتاء وله بخار من","vol":"4","page":287},{"text":"حره، ورأى أبو سليمان في طريق الحج في شدة البرد شيخا عليه خلقان وهو يرشح عرقا فعجب منه وسأله عن حاله فقال: إنما الحر والبرد خلقان لله ﷿ فإن أمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني، وقال: أنا في هذه البرية من ثلاثين سنة يلبسني في البرد فيحا من محبته ويلبسني في الصيف بردا من محبته، شعر، وأنشد آخر يقول:\nويحسن ظني أنني في جنابه ... وهل أحد في كنه يجد البردا\nوأما من يجد البرد وهم عامة الناس فإنه يشرع لهم دفع أذاه بما يدفعه من لباس وغيره وقد امتن الله تعالى على عباده بأن خلق لهم من أصواف بهيمة الأنعام وأوبارها ما فيه دفء لهم ومنافع ومنها يأكلون قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ (^١) الآية، ذكره في كتاب اللطائف (^٢).\n\n٩٣٨ - وَعَن أبي عُبَيْدَة - ﵁ - قَالَ قَالَ عبد الله إِنَّه مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة لقد أعد الله للَّذين تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجع مَا لم ترَ عين وَلم تسمع أذن وَلم يخْطر على قلب بشر وَلا يُعلمهُ ملك مقرب وَلا نَبِي مُرْسل قَالَ وَنحن نقرؤها ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٣) الآيَة رَوَاهُ الْحَاكم وَصَححهُ (^٤)\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٨٠.\n(^٢) اللطائف (ص ٣٣٠).\n(^٣) سورة السجدة، الآية: ١٧.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٥٠٣) و(٣٤٥٦٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢١٢ رقم ٩٥٣٩)، والحاكم (٢/ ٤١٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٩٠: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٧١).","vol":"4","page":288},{"text":"قَالَ الْحَافِظ أَبُو عُبَيْدَة لم يسمع من عبد الله بن مَسْعُود وَقيل سمع.\nقوله: وعن أبي عبيدة [هو أبو عبيدة، عامر بن عبد الله بن مسعود الهذلي. وقد تقدم تمام نسبه عند ذكر أبيه. وهو تابعي مشهور، روى عن أبيه، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة].\nقوله: قال عبد الله: إنه مكتوب في التوراة: (لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن\" قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح: قال يوسف بن مهران: بلغني أن تحت العرش ملكا في سورة ديك براثنه من لؤلؤ وصيصته من زبرجد أخضر، فإذا مضى ثلث الليل الأول ضرب بجناحه وزقا وقال: ليقم القائمون، فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحه وزقا وقال: ليقم المتهجدون، فإذا مضى ثلثا الليل ضرب وقال: ليقم المصلون فإذا طلع الفجر ضرب وقال: ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم، قال: وقد روى هذا مرفوعًا.\nقوله: \"براثنه\"، البراثن هي أظفار الرجلين وهي المخاليب.\nقوله: \"وصيصته\" هي العقدة التي خلف رجليه بمنزلة العقب.\nقوله: \"وزقا\" أي: صاح وتكلم، ذكر هذا التفسير شيخ الإسلام ومحدث الأنام العسقلاني الشهير بان حجر في بعض فتاويه.\n\n٩٣٩ - وَعَن عبد الله بن أبي قيس - ﵁ - قَالَ قَالَت عَائِشَة - ﵂ - لا تدع قيام اللَّيْل فَإِن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ لا يَدعه وَكَانَ إِذا مرض أَو كسل صلى قَاعِدا","vol":"4","page":289},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن أبي قيس [هو أبو الأسود، عبد الله بن أبي قيس الشامي. مولى عطية بن عازب، ويقال: مولى غطيف بن عازب، وقيل: هو عبد الله بن أبي موسى وقيل: عبد الله بن قيس. والصحيح الأول. يعد في تابعي الشاميين، روى عن عائشة. روى عنه محمد بن زياد الألهاني، ويزيد بن خمير، وعتبة بن ضمرة].\nقوله: \"لا تدع قيام الليل فإن رسول الله - ﷺ - كان لا يدعه وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدا\" الحديث، الكسل الفتور عن الشيء والتواني فيه وهو ضد النشاط هذا محمول على صلاة النافلة، ولقوله - ﷺ -: \"من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد\" كما أخرجه البخاري محمول على النفل عند القدرة، وقال عمران بن الحصين: كانت بي بواسير فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة فقال: \"صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب\" رواه البخاري، زاد النسائي: \"فمستلقيا، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها\" وأجمع الأمة على ذلك وهو معلوم من الدين بالضرورة، ومن استحله من غير عذر كفر إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام يعني صلاة الفرض مع القدرة على القيام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٥٠)، وأبو داود (١٣٠٧)، وابن خزيمة (١١٣٧) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠٨). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١١٨٥) وصحيح الترغيب (٦٣٢).","vol":"4","page":290},{"text":"٩٤٠ - وَعَن طَارق بن شهَاب أَنه بَات عِنْد سلمَان - ﵁ -: لينْظر مَا اجْتِهَاده قَالَ: فَقَامَ يُصَلِّي من آخر اللَّيْل فَكَأَنَّهُ لم ير الَّذِي كَانَ يظنّ فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ سلمَان حَافظُوا على هَذِه الصَّلَوَات الْخمس فَإِنَّهُنَّ كفَّارَات لهَذِهِ الْجِرَاحَات مَا لم تصب المقتلة فَإِذا صلى النَّاس الْعشَاء صدرُوا عَن ثَلَاث منَازِل مِنْهُم من عَلَيْهِ وَلا لَهُ وَمنْهُم من لَهُ وَلا عَلَيْهِ وَمِنْهُم من لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ فَرجل اغتنم ظلمَة اللَّيْل وغفلة النَّاس فَركب فرسه فِي الْمعاصِي فَذَلِك عَلَيْهِ وَلا لَهُ وَمن لَهُ وَلا عَلَيْهِ فَرجل اغتنم ظلمَة اللَّيْل وغفلة النَّاس فَقَامَ يُصَلِّي فَذَلِك لَهُ وَلا عَلَيْهِ وَمن لا لَهُ وَلا عَلَيْهِ فَرجل صلى ثمَّ نَام فَلَا لَهُ وَلا عَلَيْهِ إياك والحقحقة وَعَلَيْك بِالْقَصْدِ وداومه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَرَفعه جمَاعَة. (^١)\nالْحَقْحَقَةُ بحاءين مهملتين مفتوحتين وقافين الأولى سَاكِنة وَالثَّانِيَة مَفْتُوحَة هُوَ أَشد السّير وَقيل هُوَ أَن يجْتَهد فِي السّير ويلح فِيهِ حَتَّى تعطب رَاحِلَته أَو تقف وَقيل غير ذَلِك.\nقوله: وعن طارق بن شهاب أنه بات عند سلمان الفارسي لينظر ما اجتهاده، تقدم الكلام على طارق بن شهاب وسلمان الفارسي \"ما لم تصبه المقتلة\" وقد فسر الحافظ: الحقحقة.\nقوله: \"وعليك بالقصد ودوامه\" القصد هو التوسط في الأمور، وتقد هذا الحديث في الصلاة.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨) و(٤٧٣٧) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٦/ ٢١٧ رقم ٦٠٥١)، وأبو داود في المراسيل (٢٥٦). وصححه الألباني موقوفا كما في صحيح الترغيب (٦٣٢).","vol":"4","page":291},{"text":"٩٤١ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ -: قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لنا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا حسد إِلَا فِي اثْنَتَيْنِ الرجل يغبط الرجل أَن يُعْطِيهِ الله المَال الْكثير فينفق مِنْهُ فيكثر النَّفَقَة يَقُول الآخر لَو كَانَ لي مَال لأنفقت مثل مَا ينْفق هَذَا وَأحسن فَهُوَ يحسده وَرجل يقْرَأ الْقُرْآن فَيقوم اللَّيْل وَعِنْده رجل إِلَى جنبه لا يعلم الْقرَآن فَهُوَ يحسده على قِيَامه وعَلى مَا علمه الله ﷿ من الْقُرْآن فَيَقُول لَو عَلمنِي الله مثل هَذَا لقمت مثل مَا يقوم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي سَنَده لين (^١).\nالْحَسَد يُطلق وَيُرَاد بِهِ تمني زَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود وَهَذَا حرَام بالِاتِّفَاقِ وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْغِبْطَة وَهُوَ تمني حَالَة كحالة المغبط من غير تمني زَوَالهَا عَنهُ وَهُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث وَفِي نَظَائِره فَإِن كَانَت الْحَالة الَّتِي عَلَيْهَا المغبط محمودة فَهُوَ تمن مَحْمُود وَإِن كَانَت مذمومة فَهُوَ تمن مَذْمُوم يَأْثَم عَلَيْهِ المتمني.\nقوله: وعن سمرة، تقدم الكلام على سمرة بن جندب.\nقوله: كان رسول الله - ﷺ - يقول: \"لنا ليس في الدنيا حسد إلا في اثنتين\" وقد فسر الحافظ الحسد، وتقدم أيضا معناه.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٦٦٨)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٦١ رقم ٧٠٦٤). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٦: رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده بعض ضعف، ورواه البزار بإسناد ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٦٣٤).","vol":"4","page":292},{"text":"٩٤٢ - وَعَن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا حسد إِلَا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يُنْفِقهُ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار رَوَا مسلم وَغَيره (^١).\nقوله: وعن عبد الله هو ابن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار\" والآناء الساعات ممدود الأول مسعود الأول، والآخر على وزن أفعال في الجمع وأحدها أتى مفتوح الهمزة مقصور منون وأتى بكسر الهمزة أيضًا مثله وأتى بكسر الهمزة وسكون النون مثل قدر قاله عياض.\n\n٩٤٣ - وَعَن يزِيد بن الأخْنَس وَكَانَت لَهُ صُحْبَة ﵁ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَا تنافس إِلَا فِي اثْنَتينِ رجل أعطَاهُ الله قُرْآنًا فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار فَيَقُول رجل لَو أَن الله أَعْطَانِي مَا أعْطى فلَانا فأقوم بِهِ كَمَا يقوم وَرجل أعطَاهُ الله مَالا فَهُوَ ينْفق مِنْهُ وَيتَصَدَّق فَيَقُول رجل مثل ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (^٢) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيث أبي سعيد نَحوه بِإِسْنَاد جيد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٢٥) و(٧٥٢٩)، ومسلم (٢٦٦ و٢٦٧ - ٨١٥)، وابن ماجه (٤٢٠٩)، والترمذي (١٩٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٤ (١٦٩٦٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٧٥ رقم ٢٢٧١) والصغير (١/ ٩٣ رقم ١٢٥) والكبير (٢٢/ ٢٣٩ رقم ٦٢٦) والشاميين (١٢١٢)، وأبو الشيخ في الأمثال (١٩٩)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٦٠ - ٣٦١ رقم ١٨٢٠). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٦: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦٣٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٤٧٩ (٥١٠٢١)، وأبو يعلى (١٠٨٥). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٧: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح ورواه البزار بنحوه. وقال في ٣/ ١٠٨: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٣٧).","vol":"4","page":293},{"text":"قوله: وعن يزيد بن الأخنس وكانت له صحبة.\nقوله - ﷺ -: \"لا تنافس إلا في اثنتين رجل أعطاه الله قرآنا فهو يقوم به آناء الليل والنهار\" والتنافس هو [الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه. ونافست في الشيء منافسة ونفاسا، إذا رغبت فيه].\n\n٩٤٤ - وَعَن فضالة بن عبيد وَتَمِيم الدَّارِيّ ﵁ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة كتب لَهُ قِنْطَار وَالْقِنْطَار خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يَقُول رَبك ﷿ اقْرَأ وارق بِكُل آيَة دَرَجَة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى آخر آيَة مَعَه يَقُول الله ﷿ للْعَبد اقبض فَيَقُول العَبْد بِيَدِهِ يَا رب أَنْت أعلم يَقُول بِهَذ الْخلد وبهذه النَّعيم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد حسن وَفِيه إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن الشاميين وَرِوَايَته عَنْهُم مَقْبُولَة عِنْد الأكْثَرين (^١).\nقوله: وعن فضالة بن عبيد وتميم الداري، وتميم هذا هو تميم بن أوس بن خارجة بن سويد أبو رقية أسلم سنة تسع من الهجرة، روى له عن النبي - ﷺ - ثمانية عشر حديثا وسيأتي ذكره مبسوطا.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٢٣)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢١٨ - ٢١٩ رقم ٨٤٥١) والكبير (٢/ ٥٠ رقم ١٢٥٣). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٦٧: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه إسماعيل بن عياش ولكنه من روايته عن الشاميين وهي مقبولة.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٦٣٨).","vol":"4","page":294},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من قرأ عشرة آيات في ليلة كتب له قنطار\" والقنطار خير من الدنيا وما فيها. قوله: يقول ربك: اقرأ وارق لكل آية درجة، والرقي الصعود.\n\n٩٤٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - قَامَ بِعشر آيَات لم يكْتب من الغافلين وَمن قَامَ بِمِائَة آيَة كتب من القانتين وَمن قَامَ بِأَلف آيَة كتب من المقنطرين رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة أبي سَرِيَّة عَن أبي حجيرة عَن عبد الله بن عَمْرو وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة إِن صَحَّ الْخَبَر فَإِنِّي لَا أعرف أَبَا سَرِيَّة بعدالة وَلَا جرح وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من هَذِه الطَّرِيق أَيْضا إِلَا أَنه قَالَ وَمن قَامَ بِمِائَتي آيَة كتب من المقنطرين (^١).\nقَوْله من المقنطرين أَي مِمَّن كتب لَهُ قِنْطَار من الْأجر.\nقَالَ الْحَافِظ من سُورَة تبَارك الَّذِي بِيَدهِ الْملك إِلَى آخر الْقُرْآن ألف آيَة وَالله أعلم.\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين\" أي: من قرأ في صلاته عشر آيات على التدبر والتأني لم يكن من الغافلين لأن من فعل هذا لم يكن غافلا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٣٩٨)، وابن خزيمة (١١٤٤)، وابن حبان (٢٥٧٢). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٢٦٤)، الصحيحة (٦٤٢)، وصحيح الترغيب (٦٣٩).","vol":"4","page":295},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ومن قام بمائة آية كتب من القانتين\" أي: المطيعين والمطولين القيام لأن معنى القنوت الطاعة وطول القيام أي: كتب من المواظبين على الطاعة، وللقنوت معان أخر تقدمت.\nقوله: \"ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين\" قال الحافظ: أي ممن كتب له قنطار من الأجر، وقال غيره: أي المكثرين من الثواب وأغنياء الثواب كأغنياء المال أي يكثر الثواب والقنطار سبعون ألف دينار، وقيل: المال الكثير، قاله في شرح المصابيح.\nقوله: \"ومن قام بمائة كتب من القانتين\" الحديث.\nقوله: رواه ابن خزيمة من رواية سويد عن ابن حجيرة، ابن حجيرة: اسمه عبد الرحمن، وكان قاضيا، قاله العسقلاني.\n\n٩٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ القنطار اثْنَا عشر ألف أُوقِيَّة الأوقِيَّة خير مِمَّا بَين السَّمَاء وَالأرْض رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"القنطار اثنا عشر ألف أوقية، الأوقية خير مما بين السماء والأرض\" قال أبو عبيدة: القناطير واحدها قنطار ولا تجد العرب تعرف وزنه ولا واحد للقنطار من لفظه، وقال ثعلب: المعمول عليه عند العرب الأكثر أنه أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا قناطير مقنطرة فهي اثنا عشر ألف دينار،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦٣ (٨٧٥٨)، وابن حبان (٢٥٧٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٧٣).","vol":"4","page":296},{"text":"وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور ذهبا، وقيل: ثمانون ألفا، وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال، ومنه الحديث أن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية وقنطر أبوه أي صار له قنطار من المال، أ. هـ قاله في النهاية (^١)؛ وقال أهل اللغة: الأوقية: بضم الهمزة وتشديد الياء على المشهور كأثقية وأثاقي وبختية وبخاتي ويجوز تخفيف الياء وتشديدها في جميع ذلك، ويجوز وقية وهي لغة صحيحة والأشهر أوقية، وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها وأواق بحذفها، وأجمع أهل الحديث والفقه وأئمة اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون جزءا ويختلف باختلاف اصطلاح البلاد، قاله ابن الأثير (^٢)، وقال الجوهري (^٣): الأوقية في الحديث أربعون درهما فأما اليوم فيما يتعارفها الناس اليوم فهي دون عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم والله أعلم؛ وخرج ابن شاهين عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين ومن أربعمائة آية أصبح وله قنطار من الأجر، القنطار مائة مثقال، المثقال عشرون قيراطا، القيراط مثل أحد\" وفي حديث آخر: \"القيراط منه مثل التل العظيم\" ذكره مكي في كتاب الرعاية لتجويد القراءة، وخرج الوائلي عن أبي أمامة قال: من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١١٦)\n(^٢) النهاية (١/ ٨٠).\n(^٣) الصحاح (٦/ ٢٥٢٤ - ٢٥٢٥).","vol":"4","page":297},{"text":"من الأجر القيراط من ذلك القنطار لا تقوم به دنياكم، ذكره [الإمام القرطبي] في كتابه التذكار (^١).\n\n٩٤٧ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة لم يكْتب من الغافلين وَمن قَرَأَ مائَة آيَة كتب لَهُ قنوت لَيْلَة وَمن قَرَأَ مِائَتي آيَة كتب من القانتين وَمن قَرَأَ أَرْبَعمِائَة آيَة كتب من العابدين وَمن قَرَأَ خَمْسمِائَة آيَة كتب من الحافظين وَمن قَرَأَ سِتّمائَة آيَة كتب من الخاشعين وَمن قَرَأَ ثَمَانمِائَة آيَة كتب من المخبتين وَمن قَرَأَ ألف آيَة أصبح لَهُ قِنْطَار وَالْقِنْطَار ألف وَمِائَتَا أُوقِيَّة وَالأوقِية خير مِمَّا بَين السَّمَاء وَالأرْض أَو قَالَ خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَمن قَرَأَ ألفي آيَة كَانَ من الموجبين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢) الْمُوجب الَّذِي أَتَى بِفعل يُوجب لَهُ الْجنَّة وَيُطلق أَيْضا على من أَتَى بِفعل يُوجب لَهُ النَّار.\nقوله: وروى عن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ومن قرأ مائة آية كتب له قنوت ليلة\" القنوت المراد به القيام في الصلاة وتقدم.\nقوله: \"ومن قرأ مائة آية كتب من المخبتين\" المخبت هو الكثير الخشوع [هنا بياض يسير قدر ثلاث كلمات].\n_________\n(^١) التذكار (ص ١٠٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٨٠ رقم ٧٧٤٨) والشاميين (٨٩٢). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٦٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف. ووهاه الألباني جدا في الضعيفة (٦٦٢٤) وضعيف الترغيب (٣٧٤) و(٩٧٤).","vol":"4","page":298},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ومن قرأ ألف آية أصبح له قنطار والقنطار ألف ومائتا أوقية والأوقية خير مما بين السماء والأرض\" الحديث تقدم الكلام على الأوقية.\nقوله - ﷺ -: \"ومن قرأ ألفي آية كان من الموحدين\" قد فسر الحافظ ﵀ الموجب أنه الذي أتى بفعل يوجب له الجنة ويطلق أيضا على من أتى بفعل يوجب له النار، أ. هـ.\n\n٩٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من حَافظ على هَؤُلاءِ الصَّلَوَات المكتوبات لم يكن من الغافلين وَمن قَرَأَ فِي لَيْلَة مائَة آيَة لم يكْتب من الغافلين أَو كتب من القانتين رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَلَفظه وَهُوَ رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة أَيْضا قَالَ من صلى فِي لَيْلَة بِمِائَة آيَة لم يكْتب من الغافلين وَمن صلى فِي لَيْلَة بِمِائَتي آيَة كتب من القانتين المخلصين وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ فِيهَا على شَرط مُسلم أَيْضا من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة لم يكْتب من الغافلين (^١).\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في قيام الليل (ص ١٦٤)، وابن خزيمة (١١٤٢) و(١١٤٣)، والحاكم (١/ ٥٥٥ و٥٥٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٥٧)، وصحيح الترغيب (٦٤٠) و(١٤٣٧).","vol":"4","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>التَّرْهِيب من صَلَاة الإِنْسَان وقراءته حَال النعاس</span>\n٩٤٩ - عَن عَائِشَة - ﵂ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا نعس أحدكم فِي الصَّلَاة فليرقد حَتَّى يذهب عَنهُ النّوم فَإِن أحدكم إِذا صلى وَهُوَ ناعس لَعَلَّه يذهب يسْتَغْفر فيسب نَفسه رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه إِذا نعس أحدكُم وَهُوَ يُصَلِّي فلينصرف فَلَعَلَّهُ يَدْعُو على نَفسه وَهُوَ لا يدْرِي (^١).\nقوله: عن عائشة تقدم الكلام على عائشة.\nقوله - ﷺ -: \"إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم\" الحديث، وفي رواية النسائي: \"إذا نعس أحدكم وهو يصلي\" الحديث، قال الكرماني: سماه النبي - ﷺ - مصليا حالة النعاس فعلم أن النعاس ليس بحديث، وقال: وقد ذكر النبي - ﷺ - العلة الموجبة لقطع الصلاة، وذك انه خاف - ﵇ - أنه إذا غلبه النوم أن يخلط الاستغفار بالسب، قال: ومن [بياض بالأصل] أن يستغفر ربه فسب نفسه فقد جعل من فقد العقل بمنزلة من لا يعلم ما يقول من سكر الخمر التي نهى الله عن مقاربة الصلاة فيها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٢) الآية، ومن كان كذلك لا تجوز صلاته لأنه فقد العقل الذي خاطب إليه أهله بالفرائض\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٣٠٩)، والبخاري (٢١٢)، ومسلم (٢٢٢ - ٧٨٦)، وابن ماجه (١٣٧)، وأبو داود (١٣١٠)، والترمذي (٣٥٥)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٤٥ (١٦٧).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٣.","vol":"4","page":300},{"text":"فرفع التكليف عنه، ودل الحديثان لأنه لا ينبغي للمصلي أن يقرب الصلاة مع شاغل له عنها أو حائل بينه وبينها ليكون همه واحد لا هم له غيرها؛ نعس: بفتح العين والنعاس الوسن، يقال: نعس بفتح العين ينعس نعاسا والصرف ناعس ولا يقال نعسان، قال الشيخ جمال الدين بن نباتة:\nالطرف منه وسنان ... ولا أقول نعسان\nفيه الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط، وفيه أمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس، قال النووي: وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور لكن لا يخرج فريضة عن وقتها، قال القاضي عياض: وحمله مالك وجماعة على نفل الليل لأنه محل النوم غالبا [فلو علم أنه إذا نام بعد ذلك الوقت يستغرقه النوم حتى يخرج الوقت أو ظن ذلك حرم عليه النوم حتى يفعلها بخلاف من دخل عليه الوقت وهو نائم ولم يستيقظ حتى خرج].\nقوله - ﷺ -: \"إن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه\" الحديث، قال القاضي عياض: لعله يذهب يستغفر، معني يستغفر هنا يدعو، وقوله - ﷺ -: \"فيسب نفسه\" يجوز في قوله: \"فيسب\" الرفع عطفا على \"يذهب\" والنصب جوابا للترجي كما في قوله تعالى ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ (^١) على قراءة حفص بالنصب والباقون بالرفع، ومن الحكمة في الأمر بالنوم عند النعاس ما صرح به مسلم بأنه لعله يستغفر\n_________\n(^١) سورة غافر، الآيتان: ٣٦ - ٣٧.","vol":"4","page":301},{"text":"فيسب نفسه، وإنما خيف عليه المؤاخذة بذلك لأنه متسبب فيه بعد نومه حينئذ، وأما الأمر بافتتاح. القيام بركعتين خفيفتين، فلما في ذلك من انبساط النفس بهما لما قعدهما، وليتدرب على ترك مألوفها من النوم والراحة، أ. هـ.\n\n٩٥٠ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: إِذا نعس أحدكُم فِي الصلَاة فلينم حَتَّى يعلم مَا يَقْرَؤُهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ إِلَا أَنه قَالَ إِذا نعس أحدكُم فِي صلَاته فلينصرف وليرقد (^١).\nقوله: وعن أنس، تقدم الكلام على أنس.\nقوله: \"إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرؤه\" الحديث، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين\" أخرجه مسلم؛ النوم: استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، وقيل: النوم موت خفيف والموت نوم ثقيل وهو ناقض للوضوء وما عدا النوم مفيش عليه لأن الذهول معها أبلغ من النوم والنوم الناقض للوضوء هو الذي يزول معه الشعور بخلاف النعاس الذي يسمع فيه كلام الحاضر وإن لم يفهم معناه وأجمع الفقهاء على ان القليل من النوم الذي لا يزيل العقل الذي لا ينقض الوضوء إلا المزني وحده، فإنه جعل قليل النوم وكثيره حدثا وخرق الإجماع، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٣) والنسائي في المجتبى ١/ ٥٤٤ (٤٤٩).","vol":"4","page":302},{"text":"واعلم أن النوم على قسمين أحدهما: نوم راحة الجسد وهو الذي كان - ﷺ - يشارك فيه البشر، والثاني: هو غفلة القلب وهو الذي كان يفارق فيه البشر لأن قلبه - ﷺ - كان محروسا متيقظا سليما من الغفلة لاحتمال نزول الوحي عليه في منامه.\nفإن قيل: قد نام رسول الله - ﷺ - حتى مسه حر الشمس وقضى صلاة الصبح. فالجواب: إنما وقع هذا ليشرع لأمته ما يفعلونه إذا حصل لهم مثل ذلك كما قال - ﷺ -: \"إنما أنسي لأسن\" وكان من خصائصه - ﷺ - أن وضوءه لا ينتقض بالنوم مضطجعا، ففي الصحيحين أنه نام حتى سمع غطيطه ثم صلى، وقال - ﷺ -: \"إن عيني تنامان ولا ينام قلبي\" ولا معارضة بينه وبين حديث الوادي لأن طلوع الشمس ونحوها مما يدرك بالبصر لا بالقلب، أ. هـ؛ فنوم المصلي في صلاته لا ينقض الوضوء على القديم، ولو كان ساجدا لقوله - ﷺ -: \"إذا نام العبد في سجوده باهي الله بين الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده بين يدي\" رواه البيهقي، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ (^١) فأخرجه مخرج المدح والأصح الانتقاض في غير المتمكن مقعدته من الأرض وهذا هو القول الجديد، أ. هـ.\nفائدة: قال النووي: واختلفوا في النوم على مذاهب، أحدها: أنه لا ينقض الوضوء على أي حال كان وعليه أبو موسى الأشعري وابن المسيب\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٦٤.","vol":"4","page":303},{"text":"وغيرهما وإليه ذهب الشيعة.\nوالثاني: أنه ناقض بكل حال وهو مذهب الحسن البصري والمزني وابن راهويه وابن المنذر، وروي عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة وهو قول غريب للشافعي.\nالثالث: كثيره ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بحال، وبه قال مالك.\nوالرابع: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوءه سواء كان في الصلاة أو لا وهو مذهب أبي حنيفة وداود.\nالخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، وروي عن الإمام أحمد.\nالسادس: لا ينقض إلا نوم الساجد وروي أيضا عنه.\nالسابع: لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال وينقض خارج الصلاة وهو قول ضعيف للشافعي.\nالثامن: أنه إذا نام ممكنا مقعدته من الأرض لم ينتقض وإلا انتقض سواء قل أو كثر سواء في الصلاة أو خارجها وهذا مذهب الشافعي ﵀، وعنده أن النوم ليس حدثا في نفسه إنما هو دليل على الحدث فإنه إذا نام غير ممكن غلب على الظن خروج ريح فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقق، وأما إذا كان ممكنا فلا يغلب عليه الخروج، والأصل بقاء الطهارة، أ. هـ والله أعلم قاله الكرماني.","vol":"4","page":304},{"text":"فائدة: وللحدث أسباب، أحدها: ما خرج من قبل أو دبر أو ثقبة منفتحة تحت المعدة مع انسداد الأصلي إلا المني.\nالثاني: زوال العقل والنوم ممكن المقعدة وهو يحصل بأمور، أحدها: الجنون وهو مرض يزيل الشعور من القلب مع بقاء القوة والحركة في الأعضاء.\nوثانيها: الإغماء وهو زوال الشعور مع فتور الأعضاء،\nوثالثها: السكر وهو خبل في العقل مع طرب واختلاط نطق.\nالثالث: أن تلتقي بشرتا الرجل والمرأة إلا محرما على الأظهر والمراد بالبشرة الجلد.\nالرابع: مس قبل الآدمي ببطن الكف وكذا حلقة الدبر في الجديد، وينقض محل الجب، والذكر الأشل وفرج الصغير وكذا اليد الشلاء في الأصل، وفي فرج البهيمة قولان القديم أنه كمس فرج الآدمي قال في المهمات، وهذا القول جديد لا قديم نقله جماعة من العلماء الفوراني والداوودي والقاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي وصاحب العمدة والله أعلم.\nفرع: لو نام متمكنا فسقطت يده على الأرض لم ينتقض وضوءه ما لم تزل إليته عن التمكن، ويستحب الوضوء من النوم متمكنا للخروج من الخلاف.\nفائدة: اختلف العلماء في انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينتقض به فممن ذهب إلى ذلك الخلفاء الأربع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء","vol":"4","page":305},{"text":"وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير من التابعين ومالك أبو حنيفة والشافعي وأصحابهم، وذهب إلى انتقاض الوضوء به الإمام أحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن المنذر وابن خزيمة واختاره البيهقي وهو مذهب الشافعي القديم\" وعن الإمام أحمد في أكل سنامها روايتان ولأصحابه في شرب ألبانها وجهان والله أعلم قاله الكمال الدميري في حياة الحيوان.\n\n٩٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا قَامَ أحدكُم من اللَّيْل فاستعجم الْقُرْآن على لِسَانه فَلم يدر مَا يَقُول فليضطجع رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه رَحِمهم الله تَعَالَى (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول\" استعجم بفتح التاء والجيم أي: استغلق [عليه، والقرآن فاعل، والمعنى: صارت قراءته كالعجمة لاختلال حروف النائم وعدم بيانها] ولم ينطق به لسانه لغلبة النعاس أي أدمج عليه فلم يقدر أن يقرأ كأنه صار به عجمة، وكل من لم يفصح بشيء فقد أعجمه.\nقوله - ﷺ -: \"فليضطجع\" الأمر بالاضطجاع في هذه الصور هل هو على سبيل الاستحباب أو الإيجاب، قال الشيخ ولي الدين العراقي (^٢): ظواهر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٣ - ٧٨٧)، وابن ماجه (١٣٧٢)، وأبو داود (١٣١١)، النسائي في الكبرى (٧٩٩٥).\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ٩٠).","vol":"4","page":306},{"text":"الأحاديث تقتضي وجوب ذلك فأما من حيث المعنى فإن كان النعاس خفيفا بحيث يعلم المصلي الناعس أنه أتى بواجبات الصلاة فإن صلاته صحيحة لا يجب عليه الخروج منها، ثم إن ذهب عنه النوم بأمر آخر غير الاضطجاع من تبرد بماء أو غير ذلك فلا شك أنه لا يجب ذلك لأنه وسيلة إلى ذهاب النوم، وقد ذهب محل هذا الأمر ما إذا لم يكن فريضة قد ضاق وقتها، فإن ضاق الوقت بأن لم يبق منه إلا زمن يسع صلاة الفرض فليس له الخروج منها، كذا حمله القاضي عياض على ذلك، وقال إنه يصلي ما أمكنه ويجاهد نفسه ويدافع النوم جهده ثم إن تحقق أنه أداها وعقلها أجزأته وإلا أعادها والله أعلم.","vol":"4","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>التَّرْهِيب من نوم الإنْسَان إِلَى الصَّباح وَترك قيام شَيْء من اللَّيْل</span>\n٩٥٢ - عَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: ذكر عِنْد النَّبِي - ﷺ - رجل نَام لَيْلَة حَتَّى أصبح قَالَ ذَاك رجل بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنَيْهِ أَو قَالَ فِي أُذُنه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ فِي أُذُنَيْهِ (^١) على التَّثْنِيَة من غير شكّ وَرَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ فِي أُذُنه على الإِفْرَاد من غير شكّ وَزَاد فِي آخِره قَالَ الْحسن إِن بَوْله وَالله ثقيل (^٢).\n\n٩٥٣ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط حَدِيث ابْن مَسْعُود - ﵁ - وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا أَرَادَ العَبْد الصَّلَاة من اللَّيْل آتَاهُ ملك فَقَالَ لَهُ قُم فقد أَصبَحت فصل وَاذْكُر رَبك فيأتيه الشَّيْطَان فَيَقُول عَلَيْك ليل طَوِيل وسوف تقوم فَإِن قَامَ فصلى أصبح نشيطا خَفِيف الْجِسْم قرير الْعين وَإِن هُوَ أطَاع الشَّيْطَان حَتَّى أصبح بَال فِي أُذُنه (^٣).\nقوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام على ابن مسعود.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٤٤) و(٣٢٧٠)، ومسلم (٢٠٥ - ٧٧٤)، وابن ماجه (١٣٣٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٧١ (١٦٢٤) و(١٦٢٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٦٠ (٧٥٣٧) و٢/ ٤٢٧ (٩٥١٦)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٤١٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٤٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١٦٧ - ١٦٨ رقم ٨٢٩٣). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٦٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين هو ضعيف. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (٣٧٦).","vol":"4","page":308},{"text":"قوله: ذكر رجل عند النبي - ﷺ - نام ليلة حتى أصبح، قال: \"ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه\"، أو قال: \"في أذنه\" رواه البخاري. ومسلم والنسائي وابن ماجه وقال: \"في أذنيه\" على التثنية من غير شك في الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"بال الشيطان في أذنه أو أذنيه\" اختلفوا في معناه على وجهين، أحدهما: أن يحمل على ظاهره، وكذلك قال القاضي عياض (^١): ولا يبعد أن يكون على ظاهره، أ. هـ؛ وقد جاء في القرآن أن الشيطان ينكح قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (^٢) وجاء في الحديث أنه يأكل ويشرب فلا يمتنع أن يكون له بول وإن لم يكن على ما يظهر للحس. والثاني: أنه مثل مضروب، قال المهلب والطحاوي وآخرون: هو استعارة وإشارة إلى انقياده للشيطان وتحكمه فيه وعقد على قافية رأسه وإذلاله له، وقال الحربي: بال هنا سخر منه وظهر عليه حتى نام عن طاعة الله تعالى (^٣)، قيل: ويجوز أن يكون معناه أخذ بسمعه عن سماع نداء الملك هل من داع فأستجيب له\" الحديث وشغله بالوسوسة، وتزيينه النوم فهو كالبول في أذنه لأنه نجس خبيث ومخبث وأفعاله كذا، وكل هذا على سبيل المجاز والتمثيل، شبه هذا الغافل عن الصلاة لتثاقله في نومه بمن وقع البول في أذنه فيقل سمعه وفسد حسه والعرب تضرب المثل بمثل هذا قال الراجز:\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ١٣٩).\n(^٢) سورة الرحمن، الآية: ٥٦.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٤).","vol":"4","page":309},{"text":"بال سهيل في الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقاح وبرد\nفأراد طلع سهيل فجعل طلوعه في إفساد الفضيخ بمنزلة البول فيه (^١).\nتنبيه: خص الأذان بالذكر لأن الأذان محل سماع صوت المؤذن فإذا لم يجب المؤذن فكأن سمعه مصمما ببول الشيطان وخيالاته الباطلة، وقال بعضهم أيضا: خص الأذان بالذكر لأنها حاسة الانتباه وسماع ما يكون من أصوات الدعاة إلى الخير كما قال تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ (^٢) فخص الأذان، وقيل: خص الأذن بالذكر بلاغا في الإهانة له، ويحتمل أن يكون معناه أن الشيطان استولي عليه واستهان به حتى اتخذه كالكنيف المعد لإلقاء البول فيه (^٣)، ا. هـ. وقال الكرماني (^٤): وخص الأذن بالذكر والعين أنسب بالنوم إشارة إلى شغل النوم فإن المسامع هي موارد الانتباه وخص البول من الأخبثين لأنه أسهل مدخلا في التجاويف وأسرع نفوذا في العروق فيورث الكسل في جميع الأعضاء، أ. هـ.\n\n٩٥٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - يَا عبد الله لَا تكن مثل فلَان كَانَ يقوم اللَّيْل فَترك قيام اللَّيْل\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم (^٥).\n_________\n(^١) أعلام الحديث (١/ ٦٣٥ - ٦٣٦)، والميسر (١/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١١.\n(^٣) المفهم (٧/ ٤١).\n(^٤) الكواكب الدراري (٦/ ١٩٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١٨٥ - ١١٥٩)، وابن ماجه (١٣٣١)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٤٨٩ (١٧٧٩)، وابن خزيمة (١١٢٩)، وابن حبان (٢٦٤١).","vol":"4","page":310},{"text":"قوله: عن عبد الله بن عمرو، تقدم.\nقوله: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل\" الحديث، في هذا الحديث الحث على قيام الليل وإن قل ولي المراد جميعه قطعا فإنه منهي عنه، والمراد أنه يقوم في الليل ولو صلى بين المغرب والعشاء صدق عليه ذلك، وقد فسر به قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^١) وقد بوب عليه البيهقي باب (من فتر عن التهجد فصلى ما بين المغرب والعشاء) وقد فسر به ناشئة الليل، وفي حديث ابن عمر في منامه: \"نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل\" قال: فما تركته بعد ذلك حتى أنه كان في السفر لا يتركه على الراحلة مع أنه يقتصر على الفرائض، ولا يصلي الراتبة، أ. هـ؛ وفيه: انه ينبغي الدوام على صار عادة من الخير ولا يفرط فيه فإن النبي - ﷺ - كان عمله ديمة فـ \"إن أحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل\"، وقال في حدائق الأولياء (^٢): يحتمل أنه كان يقومه كله فمل فترك ما وظفه على نفسه أو تركه جملة من باب من طلبه كله فاته كله، ويحتمل أن ترك القيام فلا تك مثله في الترك، أ. هـ.\n\n٩٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكم إِذا هُوَ نَام ثَلَاث عقد يضْرب على كل عقدَة عَلَيْك ليل طَوِيل فارقد فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة فَإِن\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١٦.\n(^٢) حدائق الأولياء (٢/ ١٢٣).","vol":"4","page":311},{"text":"صلى انْحَلَّت عقدَة فَأصْبح نشيطا طيب النَّفس وَإِلَّا أصبح خَبِيث النَّفس كسلان رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَعِنْده فَيُصْبِح نشيطا طيب النَّفس قد أصَاب خيرا وَإِن لم يفعل أصبح كسلان خَبِيث النَّفس لم يصب خيرا وَتقدم فِي الْبَاب قبله (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد\" الحديث، تقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطا قبل قبله.\n\n٩٥٦ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - قَالَت أم سُلَيْمَان بن دَاوُد لِسُلَيْمَان يَا بني لا تكْثر النّوم بِاللَّيْلِ فَإِن كَثْرَة النّوم بِاللَّيْلِ تتْرك الرجل فَقِيرا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده احْتِمَال للتحسين (^٢).\n\n٩٥٧ - وَعنهُ - ﵁ - أَيْضا أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا من مُسلم ذكر وَلا أُنْثَى ينَام إِلَّا وَعَلِيهِ جرير مَعْقُود فَإِن هُوَ تَوَضَّأ وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة أصبح نشيطا قد أصَاب خيرا وَقد انْحَلَّت عقده كلهَا وَإِن اسْتَيْقَظَ وَلم يذكر الله أصبح وعقده عَلَيْهِ\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٤٨٦)، والبخاري (١١٤٢) و(٣٢٦٩)، ومسلم (٢٠٧ - ٧٧٦)، وأبن ماجه (١٣٢٩)، وأبو داود (١٣٠٦)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٧٠ (١٦٢٣).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الخطب (٧٢)، وابن ماجه (١٣٣٢)، والعقيلى (٤/ ٤٥٦)، والبيهقي في الآداب (٦٧٨) والشعب (٦/ ٤١٠ - ٤١١ رقم ٤٤١٧) وضعفه الألباني في الروض النضير (٢٢٢) وضعيف الترغيب (٣٧٧).","vol":"4","page":312},{"text":"وَأصْبح ثقيلا كسلان وَلم يصب خيرا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَاللَّفْظ لِابْنِ حبَان وَتقدم لفظ ابْن خُزَيْمَة (^١).\nقوله: وروي عن جابر بن عبد الله، هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أبو عبد الله الأنصاري السلمي بفتح السين واللام المدني أحد الستة المكثرين الراوية عن النبي - ﷺ -، روى له ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثا، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم منها على ستين حديثا، وانفرد البخاري بمائة وستة وعشرون، غزى مع النبي - ﷺ - تسع عشرة غزوة، وكان قد ذهب بصره في آخر عمره (^٢)، وفي مروج الذهب (^٣): أنه قدم على معاوية بن أبي سفيان فلم يأذن له أياما فلما أذن له ودخل عليه قال: يا معاوية أما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من احتجب عن رعيته أو حجب ذا حاجة أو فاقة حجبه الله يوم حاجته وفاقته\" فغضب معاوية وقال: وأنت أما سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض\" أفلا صبرت؟ قال: أذكرتني ما نسيت وخرج فاستوى على راحلته ومضى، فوجه إليه معاوية ستمائة دينار فردها وكتب إليه:\n_________\n(^١) أخرجه أبن خزيمة (١١٣٣) وابن حبان (٢٥٥٤) و(٢٥٥٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٤٨).\n(^٢) تهذيب الأسماء (١/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٣) مروج الذهب (٣/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"4","page":313},{"text":"وإني لاختار القنوع على الغنى ... إذا اجتمعا والماء بالبارد المحض\nوألبس أثواب الحياء وقد أرى ... مكان الغنى أن لا أهين به عرضي\nقاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: قالت أم سليمان بن داود لسليمان: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة، الحديث، وأم سليمان أيسابغ ابنة أسبوغ قاله الكسائي في كتابه بدء الدنيا، وقال الثعلبي في كتابه العرائس: اسمها يسابغ بنت سابغ، أ. هـ، وكانت أم سليمان بن داود من العابدات الصالحات، قال ولدها سليمان: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] (^١) الآية، فطلب من الله تعالى أن يقبضه للشكر على ما أنعم عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره وأن ييسر عليه العمل الصالح وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين، وقد استجاب الله له، وهذا الحديث قد رواه البيهقي في الشعب في أواخر الباب الثالث والثلاثين في تعديد نعم الله وما يحب من شكرها، قال أبو إسحاق الثعلبي في كتاب العرائس: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (^٢) أي: نبوته وعلمه وكلمته دون سائر أولاد داود، قال: وكان لداود - ﵇ - اثنا عشر ابنا، قال: وكان سليمان - ﵇ - ملك الشام إلى اصطخر، قال: وقيل ملك الأرض، وروي عن ابن عباس - ﵄ - قال: ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمرود وبخت نصر، قال: قال\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ١٩.\n(^٢) سورة النمل، الآية: ١٦.","vol":"4","page":314},{"text":"كعب الأحبار ووهب بن منبه: كان سليمان - ﵇ - أبيض جسيما وسيما وضيئا جميلا خاشعا متواضعا يلبس الثياب البيض ويجالس المساكين ويقول: مسكين جالس مسكينا، وكان أبوه يشاوره في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه، قال: وكان سليمان خير ملك كثير الغزو لا يكاد يتركه فتحمله الريح هو وعسكره ودوابهم حيث أراد وتمر به وبعسكره الريح على المزرعة فلا تحرك الزرع وروي الحاكم عن جعفر بن محمد ومحمد بن كعب القرظي: قل لا أعطي سليمان بن داود ملك مشارق الأرض ومغاربها فملك سبعمائة سنة وستة أشهر ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والشياطين والدواب والطير والسباع وأعطى علم كل شيء ومنطق كل شيء وكان عسكره مائة فرسخ خمسة وعشرون منها للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب قال وقال أهل التاريخ: كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاثين سنة وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين والله أعلم، وقيل: إنه أخذ في بناء بيت المقدس ومات ولم يتهيأ بناؤه وعاش مائة سنة وكان ملكه أربعين سنة وشيع جنازته أربعون ألف راهب، هذا ما ساقه الطبري، وذكر [ذلك القضاعي وذكر] أنه شيع جنازته من سائر الناس أربعون ألف ألف ألف ثلاث مرات (^١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) كنز الدرر (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١). وانظر تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٣٠ - ٢٩٩)، والبداية والنهاية (٢/ ١٨ - ٣٢).","vol":"4","page":315},{"text":"٩٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب فِي الأسْوَاق جيفة بِاللَّيْلِ حمَار بِالنَّهَارِ عَالم بِأَمْر الدُّنْيَا جَاهِل بِأَمْر الآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه والأصبهاني (^١) وَقَالَ أهل اللُّغَة الجعظري الشَّديد الغليظ والجواظ الأكول والصخاب الصياح انْتهى.\nقوله: عن أبي هريرة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب في الأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار\" الحديث، قالى أهل اللغة: الجعظري الشديد الغليظ قاله الحافظ.\nقوله: \"جواظ\" الجواظ الأكول قاله الحافظ، قال القرطبي في التذكرة (^٢): الجواظ الجموع المنوع ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ (^٣) وقال بعضهم أيضًا: هو القصير البطين، وقيل: الجموع المنوع، وقيل: الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: الغليظ الرقبة والجسم، وقيل: غير ذلك.\nقوله: \"صخاب في الأسواق\" الصخاب الصياح قاله الحافظ.\nقوله: \"جيفة بالليل حمار بالنهار\" الحديث. خاتمة: ورد في الحديث: \"لا [أعرفن] أحدكم جيفة ليل قطرب نهارا وهذا من كلام ابن مسعود، رواه عنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٧٢)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٣٢٧ رقم ٢٠٨٠٤)، والأصبهانى في الترغيب (١٩٥٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٣٠٤) وضعيف الترغيب (٣٧٨).\n(^٢) التذكرة (ص ٨٠٩).\n(^٣) سورة المعارج، الآية: ١٨.","vol":"4","page":316},{"text":"آدم بن أبي إياس العسقلاني في كتاب الثواب موقوفا عليه، وقيل: مرفوع وقالوا في معناه: إن القطرب لا يستريح بالنهار والمراد لا ينام أحدكم الليل كلله جيفة ثم يكون بالنهار كأنه قطرب لكثرة جولانه وطوفانه في أمر دنياه فإذا أمسى كان كالا تعبا فينام ليله حتى يصبح كالجيفة لا يتحرك والقطرب دويبة لا تستريح نهارها سعيا، وقال ابن ظفر: القطرب حيوان يكون بالصعيد من أرض مصر يظهر للمنفرد من الناس فربما صده عن نفسه إذا كان شجاعا وألا ينته حتى ينكحه فإذا نكحه هلك وهم إذا رأوا من ظهر به القطر قالوا منكوح أن مروع فإن قال منكوح يئسوا منه وإن كان مروعا عالجوه ورأيت أهل مصر يلهجون بذكره، أ. هـ، قاله في حياة الحيوان الدميري (^١).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩).","vol":"4","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>التَّرْغِيب فِي آيَات وأذكار يَقُولهَا إِذا أصبح وإذا أَمْسَى</span>\n٩٥٩ - عَن معَاذ بن عبد الله بن خبيب عَن أَبِيه - ﵁ - أَنه قَالَ خرجنَا فِي لَيْلَة مطر وظلمة شَدِيدَة نطلب رَسُول الله - ﷺ - ليُصَلِّي بِنَا فأدركناه فَقَالَ قل فَلم أقل شَيْئا ثمَّ قَالَ قل فَلم أقل شَيْئا ثمَّ قَالَ قل قلت يَا رَسُول الله مَا أَقُول قَالَ قل هُوَ الله أحد والمعوذتين حِين تصبح وَحين تمسي ثَلَاث مَرَّات تكفيك من كل شَيء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مُسْندًا ومرسلًا (^١).\nقوله: عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه معاذ بن [عبد الله بن خبيب]، هو: عبد الله بن خبيب الجهني عن أبيه عن عمه، يروي عن أبيه وأخيه عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن أنيس الجهنيين، توفي سنة ثمان عشرة ومائة (^٢)، ووالده عبد الله بن خبيب الأنصاري المدني، له صحبة وأحاديث (^٣)، قال في كتاب سلاح المؤمن (^٤): وليس لعبد الله بن خبيب في الكتب الستة سوى هذا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٨٢)، والترمذي (٣٥٧٥)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٣٢٥ (٣٥٧٥) و٨/ ٣٢٦ (٥٤٧٣) و(٥٤٧٤) و٨/ ٣٢٧) ٥٤٧٥). وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦٤٩).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٨/ ترجمة ٦٠٣١).\n(^٣) تهذيب الكمال (١٤/ ترجمة ٣٢٤٣).\n(^٤) سلاح المؤمن (ص ٢٧٤).","vol":"4","page":318},{"text":"الحديث، وقال البرقي: له عن النبي - ﷺ - حديثان وقال أبو الفرج بن الجوزي: له ثلاث أحاديث، وخبيب بضم الخاء المعجمة، وذكر ابن مندة خبيبًا في الصحابة ولا يعرف ذلك، وعم عبد الله الجهني المذكور في هذا الحديث، قال في أسد الغابة: قيل: اسمه عبيد بن معاذ (^١)، أ. هـ.\nقوله: خرجنا فِي لَيْلَة مطر وظلمة شَدِيدَة نطلب رَسُول الله - ﷺ - ليُصَلِّي بِنَا فأدركناه فَقَالَ قل فَلم أقل شَيْئا ثمَّ قَالَ قل فَلم أقل شَيْئا ثمَّ قَالَ قل قلت يَا رَسُول الله مَا أَقُول قَالَ قل هُوَ الله أحد والمعوذتين حِين تصبح وَحين تمسي ثَلَاث مَرَّات تكفيك من كل شَيء.\nقوله: رواه النسائي مسندا ومرسلا، الحديث المسند [ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن رسول الله - ﷺ - دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم قال ابن عبد البر (^٢): المسند ما رفع إلى النبي - ﷺ - خاصة، وقد يكون متصلًا مثل: مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -، وقد يكون منقطعًا، مثل: مالك عن الزهري عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -، فهذا مسند لأنه قد أسند إلى رسول الله - ﷺ - وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس (^٣)].\n_________\n(^١) أسد الغابة (٣/ ٤٤٣).\n(^٢) التمهيد (١/ ٢١ - ٢٤).\n(^٣) كشف المناهج (١/ ٥٥ - ٥٦).","vol":"4","page":319},{"text":"٩٦٠ - وَعَن معقل بن يسَار - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَالَ حِين يصبح ثَلَاث مَرَّات أعوذ بِاللّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَقَرَأَ ثَلَاث آيَات من آخر سُورَة الْحَشْر وكل الله بِهِ سبعين ألف ملك يصلونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِي وَإِن مَاتَ فِي ذَلِك الْيَوْم مَاتَ شَهِيدا وَمن قَالَهَا حِين يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمنزلَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة خَالِد بن طهْمَان وَقَالَ حَدِيت غَرِيب وَفِي بعض النّسخ حسن عرِيب (^١).\nقوله: وعن معقل بن يسار - ﵁ -[هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو علي معقل بن يسار بن معبر المزنى البصرى وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها توفى في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخارى بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصرى وكان لمعقل دار بالبصرة، وإليه ينسب نهر معقل الذي في البصرة، وإليه أيضا ينسب التمر المعقلى الذي بالبصرة مات في إمرة عبيد الله بن زياد بعد الستين، وقيل: بل مات في زمن معاوية (^٢)].\nقوله: \"من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم\" الحديث، ومعنى أعوذ بالله: ألوذ وأعتصم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦ (٢٠٣٠٦)، والدارمى (٣٤٦٨)، والترمذي (٢٩٢٢). وضعفه الألباني في الإرواء (٣٤٢)، ضعيف الترغيب (٣٧٩).\n(^٢) جامع الأصول (١٢/ ٨٥٧ - ٨٥٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٦).","vol":"4","page":320},{"text":"وألتجئ إليه (^١)، والشيطان اسم لكل متمرد وعات من الجن والإنس (^٢) وهو من شاط يشيط إذا هلك أو من شطن بمعنى بعد (^٣)، والرجيم المطرود، وقيل: المرجوم بالشهب (^٤)، والرجيم أيضًا بمعنى مرجوم بالطرد واللعن، وقيل: يرجم به غيره بالإغواء (^٥)، ويحصل التعوذ بكل لفظ حصل معناه (^٦).\nوقوله: \"السميع العليم\" مذهب أهل السنة أنه تعالى سميع يسمع عليم يعلم بلا كيف ولا تشبيه بحيث لا يدق عن سمعه مسموع ولا يخفى عن علمه معلوم (^٧)، وأيضا ففي التنزيل: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٨) فهو أكمل وأوفق [بياض بالأصل] واختلف القراء في صيغتها فاختار أبو عمرو وابن كثير وعاصم: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وقد قال الشافعية والحنفية إنه أفضل (^٩)، وروي حفص من طريق هبيرة: (أعوذ بالله العظيم\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٣٢٣).\n(^٢) الصحاح للجوهري (٥/ ٢١٤٤)، والتفسير البسيط (٢/ ١٦٧)، وكشف المشكل (١/ ٣٨٤).\n(^٣) التفسير البسيط (٢/ ١٦٧ - ١٦٨)، وكشف المشكل (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، والمجموع (٣/ ٣٢٣).\n(^٤) المجموع (٣/ ٣٢٣).\n(^٥) التبيان في إعراب القرآن (١/ ٢)، والنجم الوهاج (٢/ ١٠٩).\n(^٦) النجم الوهاج (٢/ ١٠٩).\n(^٧) الأسنى (ص ٨٧ - ٨٨ و٩٠) للغزالى.\n(^٨) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠.\n(^٩) انظر المجموع (٣/ ٣٢٥).","vol":"4","page":321},{"text":"السميع العليم من الشيطان الرجيم)، واختار نافع [وأبو جعفر وابن عامر وخلف] والكسائي: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم)، ورواها حنبل عن أحمد واختارها النووي واختار همزه: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأكملها ما جاء في الحديث (^١)، أ. هـ قاله في شرح الإلمام\nقوله: \"وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر\" وهي من قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ (^٢) إلى آخرها.\nقوله - ﷺ -: \"وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي\" الحديث، تقدم أن الصلاة في اللغة: الدعاء وهي من الملائكة بمعنى الاستغفار.\nقوله: رواه الترمذي من رواية خالد بن طهمان.\n\n٩٦١ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ من قَالَ حِين يصبح ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ (^٣) أدْرك مَا فَاتَهُ فِي يَوْمه ذَلِك وَمن قالهن حِين يُمْسِي أدْرك مَا فَاتَهُ فِي ليلته رَوَاهُ\n_________\n(^١) انظر الإقناع في القراءات (ص ٤٩ - ٥٠) المجموع ٣: ٣٢٥، وتفسير النيسابوري (١/ ١٤).\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٢١.\n(^٣) سورة الروم، الآيات: ١٧ - ١٩.","vol":"4","page":322},{"text":"أَبُو دَاوُد وَلم يُضعفهُ وَتكلم فِيهِ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه (^١).\n\n٩٦٢ - وَعَن شَدَّاد بن أَوْس - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ سيد الاسْتِغْفَار اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لا إِلَه إِلَا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي إِنَّه لا يغْفر الذُّنُوب إِلَا أَنْت من قَالَهَا موقنا بهَا حِين يُمْسِي فَمَاتَ من ليلته دخل الْجنَّة وَمن قَالَهَا موقنا بهَا حَتَّى يصبح فَمَاتَ من يَوْمه دخل الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَعِنْده لا يَقُولهَا أحد حِين يُمْسِي فَيَأْتِي عَلَيْهِ قدر قبل أَن يصبح إِلَا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَلا يَقُولهَا حِين يصبح فَيَأتِي عَلَيْهِ قدر قبل أَن يُمْسِي إِلَا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَلَيْسَ لشداد فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان وَالْحَاكم من حَدِيث بُرَيْدَة - ﵁ -: أَبُوء بباء مُوَحدَة مَضْمُومَة وهمزة بعد الْوَاو ممدودا مَعْنَاهُ أقرّ وأعترف (^٢).\nقوله: وعن شداد بن أوس، قال الحافظ المنذري: وليس لشداد في البخاري غير هذا الحديث والله أعلم، أي: الذي سيذكر.\nقوله - ﷺ -: \"سيد الاستغفار اللهم أنت ربي\" الحديث، قيل: إنما كان هذا سيد الاستغفار لأن السيد هو الله تعالى فكان سيد الاستغفار ما فيه ذكره\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٧٦)، والعقيلي في الضعفاء الكبير ٢/ ١٠٠، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢٤٧ رقم ١٠٥٩٦).\nوضعفه الألباني جدًّا في المشكاة (٢٣٩٤) وضعيف الترغيب (٣٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٦) و(٦٣٢٣)، والترمذي (٣٣٩٣)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٣٨٢ (٥٥٦٦).","vol":"4","page":323},{"text":"أكثر، وما كانت البداية باسمه عز وعلا، قال ابن رجب الحنبلي (^١): فأفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء، فإن قلت: معنى الأفضل الأكثر ثوابا عند الله تعالى فالمراد المستغفر بهذا النوع من الاستغفار أكثر ثوابا من المشتغلين بغيره على ربه ﷿ ثم يثني بالاعتراف بذنبه ثم يسأل المغفرة.\nقوله - ﷺ -: \"وأنا عبدك\" أي: معترف بأنك مالكي ومدبري وحكمك نافذ فيّ (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وأنا على عهدك\" الحديث، والعهد المذكور فيه هو العهد الذي أخذه الله تعالى على الذرية بقوله تعالى ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^٣) (^٤) وقال بعضهم: وأنا على ما عاهدتك عليه ووعدتك من الإيمان والإخلاص في الطاعة، ويحتمل أن يكون معناه أي مقيم على ما عهدت إلي من أمرك وأنك منجز وعدك في المثوبة بالأجر عليه واشتراك الاستطاعة في ذلك، معناه: الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب في حقه تعالى (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"ووعدك ما استطعت\" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٦) أي: عملا صالحًا قدموه، وقيل:\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٨).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٧٢.\n(^٤) شرح الصحيح (١٠/ ٧٥) لابن بطال، والتوضيح (٢٩/ ١٨٦).\n(^٥) شرح المشكاة (٦/ ١٨٤٤ - ١٨٤٥)، والكواكب الدراري (٢٢/ ١٢٤).\n(^٦) سورة يونس، الآية: ٢.","vol":"4","page":324},{"text":"هو ما كتبه الله تعالى في الذكر: ﴿سبقت رحمتي غضبي﴾ وقال في النهاية (^١) أي: أنا مقيم على ما عاهدتك عليه من الإيمان بك والإقرار بوحدانيتك لا أزول عنه واستثني بقوله: \"ما استطعت\" موضع القدر السابق في أمره أي: إن كان [قد جرى] القضاء إن أنقض العهد يوما فإني أخلد عند ذلك [إلى التنصل] والاعتذار لعدم الاستطاعة في دفع ما قضيته عليّ، وقيل معناه: إني متمسك بما عاهدته إليّ من أمرك ونهيك ولي العذر في الوفاء به قدر الوسع والطاقة وإن كنت لا أقدر أن أبلغ كنه الواجب فيه، أ. هـ، وقال بعضهم.\nقوله - ﷺ -: \"أبوء لك بنعمتك عليّ\" قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: معناه: أقر وأعترف وفسر غيره: أبوء بذنبي فقال: وكذلك بذنبي بمعنى ما تقدم إلا أن فيه معنى زائدا، تقول العرب: قد باءه فلان بذنبه إذا احتمله كرها لا يستطيع دعه عن نفسه وأبوء بذنبي أي: التزم وأرجع وأفرد، ومنه الحديث \"فقد باء به أحدهما\" أي: التزمه ورجع به قاله ابن الأثير (^٢)، وأصل البوء اللزوم كذا في جمل الغرائب (^٣)، ذكره في شرح مشارق الأنوار.\nقوله في آخر الحديث: \"دخل الجنة\" فإن قلت: المؤمن وإن لم يقلها هو من أهلها أيضًا؟ قلت: المراد أنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار لأن\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٢٤).\n(^٢) النهاية (١/ ١٥٩).\n(^٣) إكمال المعلم (١/ ٣١٧).","vol":"4","page":325},{"text":"الغالب أن المؤمن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصي الله تعالى أو لأن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار (^١) والله أعلم.\n\n٩٦٣ - وَرُوِيَ عَن حُذَيْفَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لَيْسَ منا من حلف بالأمانة وَلَيْسَ منا من خَان امْرأ مُسلما فِي أَهله وخادمه وَمن قَالَ حِين يُمْسِي وَحين يصبح اللَّهُمَّ إِنِّي أشهدك بأنك أَنْت الله الَّذِي لا إِلَه إِلَا أَنْت وَحدك لا شريك لَك وَأَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك أَبُوء بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي إِنَّه لا يغْفر الذُّنُوب غَيْرك فَإِن قَالَهَا من يَوْمه ذَلِك حِين يصبح فَمَاتَ من يَوْمه ذَلِك قبل أَن يُمْسِي مَاتَ شَهِيدا وَإِن قَالَهَا حِين يُمْسِي فَمَاتَ من ليلته مَاتَ شَهِيدا رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الأصْبَهَانِيّ وَغَيره (^٢).\nقوله: وروى عن حذيفة بن اليمان، تقدم الكلام على مناقبه - ﵁ -.\nقوله: \"ليس منا من حلف بالأمانة\" الحديث، أي: ليس ممن اهتدي بهدينا وعملنا وحسن طريقتنا كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست مني قاله النووي، وتقدم معنى الحديث.\n\n٩٦٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا لقِيت من عقرب لدغتني البارحة قَالَ أما لَو قلت حِين أمسيت أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق لم تَضُرك رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٢٤).\n(^٢) أخرجه الأصبهاني في الترغيب (٢٥٨). وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٣٠٧) وضعيف الترغيب (٣٨١).","vol":"4","page":326},{"text":"وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَلَفظه من قَالَ حِين يُمْسِي ثَلَاث مَرَّات أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق لم تضره حمة تِلْكَ اللَّيْلَة قَالَ سُهَيْل فَكَانَ أهلنا تعلموها فَكَانُوا يَقُولُونَهَا كل لَيْلَة فلدغت جَارِيَة مِنْهُم فَلم تَجِد لَهَا وجعا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِ التِّرْمِذِيّ (^١).\nالْحمة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم هُوَ السم وَقيل لدغة كل ذِي سم وَقيل غير ذَلِك.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - في آخر الحديث رواه أبو القاسم الأصفهاني بكسر الهمزة وفتحها وبالفاء وبالموحدة أربع لغات قاله الكرماني.\nقوله: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، الحديث، روى [بياض بالأصل] كبيرة، رواه الجماعة إلا البخاري، وعن أبي هريرة قال: لدغت عقرب رجلا فلم ينم فقال: أما إنه لو قال حين أمسي أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ما ضره لدغ العقرب حتى يصبح، رواه النسائي في اليوم والليلة وفي كامل ابن عدي في ترجمة وهب بن راشد الرقي أن هذا الرجل المذكور بلال - ﵁ -.\nقوله: لدغتني، هو بالدال المهملة والغين المعجمة، قال أهل اللغة: يقال\n_________\n(^١) أخرجه مالك (١٩٩٨)، ومسلم (٥٥ - ٢٧٠٩)، وابن ماجه (٣٥١٨)، وأبو داود (٣٨٩٩)، والترمذي (٣٦٠٤)، وابن حبان (١٠٢٠) و(١٠٢١) و(١٠٣٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٥٢).","vol":"4","page":327},{"text":"لدغته العقرب وذوات السموم إذا أصابته بسمها.\nقوله: البارحة، أي: الليلة التي مضت، تقول العرب: فعلت البارحة كذا إذا أخبرت به في أول النهار إلى نصفه فإن أخبرت بعد الظهر قالت: فعلت البارحة هذا أصل كلامهم.\nقوله - ﷺ -: \"أما لو قلت حين أمسي، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك\" الحديث، قال الهروي وغيره: الكلمات هي القرآن، وقال غيره: كلمات الله التامات جمع يضاف فيفيد العموم فدخل في ذلك كل ما أنزله الله على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال ابن الأثير: إنما وصف كلامه تعالى بالتمام لأنه لا يجوز أن يكون في شيء منه نقص ولا عيب يكون في كلام الناس، وقيل: هي النافعات الكافيات الشافيات من كل ما يتعوذ به، وقال أبو العباس الأصبهاني في كتابه المغيث في غريب القرآن والحديث: ووجه آخر وهو أن كلمة كانت على حرفين هي عند العرب ناقصة والتامة هي ما كانت في الأصل على ثلاثة أحرف، وقد أخبر الله ﷾ أنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وكلمة (كن) ناقصة في الهجاء فنفى النبي - ﷺ - النقص عن كلمات الله تعالى قطعا للأوهام وإعلاما أن حكم الله كلامه خلاف كلام الآدميين وأن نقص هجائه في الكتابة لا يسلبه صفة التمام والكمال، وقيل: معنى التمام هاهنا أنها تنفع المعقود وتشفيه وتحفظه من الآفات وتكفيه، ومنه حديث دعاء الأذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة) وصفها بالتمام لأنها ذكر إليه يدعي بها إلى عبادته، وذلك هو الذي يستحق","vol":"4","page":328},{"text":"صفة الكمال والتمام ولما وصفت بالتامة، وقد احتج الإمام أحمد بن حنبل بهذا الحديث على القائل بخلق القرآن، فلو كانت كلمات الله مخلوقة لما أعاذهم النبي - ﷺ - بها إذ لا يجوز أن يعيذ مخلوقًا مخلوق لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص ولما وصفت بالتامة.\nتنبيه: قال الحاكم في تاريخ نيسابور أن علي بن سلمة قال: رأيت النبي - ﷺ - فيما يرى النائم كأن النبي - ﷺ - قد أقبل وعن يمينه موسى بن عمران وعن يساره عيسى بن مريم فقلت: يا رسول الله ما تقول في القرآن؟ قال: أشهد أنه كلام الله غير مخلوق وموسى بن عمران يشهد وهذا عيسى بن مريم يشهد أنه منزل غير مخلوق، وكان ذلك أيام المحنة. وعلي بن سلمة بن عقبة القرشي اللبقي أبو الحسن النيسابوري توفي سنة اثنين وخمسين ومائتين.\nتتمة: روى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب أنه قال: لدغت النبي - ﷺ - عقرب وهو يصلي فلما فرغ قال: \"لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غيره ولا نبيا ولا غيره إلا لدغته وتناول نعله فقتلها بها ثم دعاء بماء وملح فجعل يمسح عليهما ويقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين\" (^١).\nفائدة: العقرب من الهوام، تكون للذكر والأنثى بلفظ واحد ويقال للأنثى عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، والذكر عقربان، وهو دابة له أرجل\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٩٢ و٢/ ٢٧٦)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٦٩ - ١٧٠ رقم ٢٣٤٠).","vol":"4","page":329},{"text":"طوال وليس ذنبه كذنب العقارب، وكنيته: أم عريط وأم ساهرة، وهي أصناف منها الحرارة والطيارة وما له ذنب كالحربة وما له ذنب معقف، ومنها: السود والخضر والصفر كثيرة الولد، وشر ما تكون إذا كانت حاملا، ومن عجب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم إذا لم يتحرك وربما لسعت الأفعى فتموت (^١)، وقد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله:\nولا تحقرن أبدًا ضعيفًا ... فربما تموت الأفاعي بسموم العقارب\nفائدة: قال الشيخ: وخبرني بعض المحدثين أن العقرب إذا لدغه إنسانا يأخذ سكينا ويمر بحديدتها على موضعها ويتلوا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ (^٢) ويمر السكين عليها فإن قطرة سم تخرج منها يبرأ ببركة كلام الله تعالى، ومن عجيب أمرها أنها مع صغر جرمها تقتل الفيل والبعير بلسعتها.\nقوله - ﷺ -: \"لم تضره حمة تلك الليلة\" الحمة قد ضبطها الحافظ وفسرها، الحمة: هو السم، وقيل: [لدغة] كل ذي سم، وقيل: غير ذلك، أ. هـ، وقيل: فرعة السم وحدته وحرارته، والفرعة بفتح الفاء والعين المهملة وسكون الواو.\nقوله: قال سهيل: فكأن أهلنا تعلموها فكانوا يقولونها كل ليلة؛ سهيل: هو [أبو يزيد، سهيل بن أبي صالح - واسم أبي صالح ذكوان - السمان الزيات\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ١٨٥).\n(^٢) سورة الأنبياء، الآيتان: ١٢ - ١٣.","vol":"4","page":330},{"text":"المديني سمع أباه، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد، وعبد الله بن دينار، روى عنه مالك، والثوري، وشعبة، وموسى بن عقبة. أخرج عنه البخاري حديثا واحدا مقرونا، وأكثر عنه مسلم وغيره، حكى الترمذى، عن سفيان بن عيينة: كنا نعد سهيل بن أبي صالح ثبتًا في الحديث. وقال يحيى بن معين: سهيل بن أبي صالح والعلاء بن عبد الرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة. وقال العجلى: سهيل ثقة، وأخوه عباد ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائى: ليس به بأس].\nقوله: فلدغت منهم جارية فلم تجد لها وجعا، يقال: لدغته العقرب الدغه لدغا وتلداغا فهو ملدوغ ولديغ والله أعلم.\nفائدة: قال أبو داود الطيالسي في قوله - ﷺ -: \"لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين\" معناه: لا يعاقب العبد على ذنبه في الدنيا ثم يعاقب عليه في الآخرة (^١)، والذي قال فيه النبي - ﷺ - ذلك هو أبو عزة الجهمي الشاعر، واسمه عمرو، وقع في الأسر يوم بدر ولم يكن معه مال فقال: يا رسول الله إني عيلة فأطلقه لبناته الخمس على أن لا يرجع للقتال فرجع إلى مكة ومسح عارضيه وقال: خدعت محمدا مرتين ثم جاء عام أحد مع المشركين فقال - ﷺ -: \"اللهم لا تفلته فلم يقع في الأسر غيره\" قال - ﷺ -: \"لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين\" وأمر بقتله، والحديث المذكور رواه الشافعي ومسلم وابن ماجه (^٢).\n_________\n(^١) مسند الطيالسى (١٩٢٢).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ١٩٣).","vol":"4","page":331},{"text":"قوله: \"لا يلدغ\" يروي بضم الغين على الخبر يعني أن المؤمن حازم لا يخدع مرة بعد مرة، ولا يفطن لذلك، وقيل: أراد به الخداع في أمر الآخرة دون الدنيا، ويروي بكسر العين نهيا، أي: لا يؤتى من جهة الغفلة، وهذا يصح أن يتوجه إلى أمر الدنيا والآخرة أيضًا، ويؤيد ما قاله أبو داود الطيالسي ما رواه النسائي في مسند علي عن أبي سخيلة أنه سمع عليًا يقول: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^١) قال لى رسول الله - ﷺ -: \" [وسأفسرها لكم] يا علي، ما أصابك من بلاء أو عقوبة أو مرض في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله أكرم من أن يثني عليه في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم أن يعود بعد عفوه، أ. هـ، ولذلك قال الواحدي: إن الآية أرجى آية في القرآن لأنه جعل ذنوب المؤمنين صنفين صنف كفره بالمصائب وصنف عفا عنه وهو كريم لا يعود في عفوه\" (^٢)، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (^٣).\nوذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد عن سعيد بن المسيب قال: بلغني أن من قال حين يمسي ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ (^٤) لم تلدغه عقرب،\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٨٥ (٦٤٩)، والبزار (٤٨٣)، وأبو يعلى (٤٥٣ و٦٠٨). وضعفه الألباني في المشكاة (٣٦٢٩)، الروض النضير (٧٠٥).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٤) سورة الصافات، الآية: ٧٩.","vol":"4","page":332},{"text":"وقال عمرو بن دينار أن مما أخذ على العقرب أن لا تضر أحدًا قال: في ليل ولا نهار ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ (١) وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في تفسيره في بعض التفاسير (٢): إن الحية والعقرب أتيا نوحا فقالتا: احملنا، فقال نوح: لا أحملكما فإنكما سبب الضر والبلاء، فقالتا: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدًا إذا ذكرك، فمن قرأ حين خاف مضرتها ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ (٣) ما ضرتاه.\nفائدة: وروى عن ابن عباس أن نوحا اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعًا، وسمكها ثلاثين ذراعا وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وجعل في البطن الأوسط الدواب والأنعام وركب هو ومن معه في البطن إلا علا ما احتاج إليه من الزاد (٤)، أ. هـ.\nتتمة: وروينا عن الشيخ الإمام الحافظ فخر الدين عثمان بن محمد بن عثمان التوريري نزيل مكة المشرفة، ووفاته بمكة في خامس عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وسبعمائة أنه قال: كنت أقرأ بمكة شيئا من الفرائض","vol":"4","page":333},{"text":"على الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الواحد الحوراني فبينا نحن جلوس وإذا بعقرب تمشي فأخذها الشيخ وجعل يقلبها في يده، فوضعت الكتاب من يدي فقال لي اقرأ، فقلت حتى أتعلم هذه الفائدة، فقال هي عندك، قلت: ما هي؟ قال: ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من قال حين يصبح وحين يمسي باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يضره شيء\" وقد قلتها أول النهار (^١)، وقد سئل السدي عن الصبر فجعل يتكلم فيه فدبت على رجله عقرب وهي تضربه بإبراتها ضربات كثيرة وهو ساكن، فقيل له لم لم تنحيها؟ فقال: استحييت من الله أن أتكلم في الصبر ولا أصبر (^٢)، وقال ابن المبارك: كنت عند الإمام مالك بن أنس وهو يحدثنا فلدغته عقرب ورجله داخل الخف ست عشرة مرة وهو يتغير لونه ويصفر ولا يقطع حديث رسول الله - ﷺ - فلما فرغ من المجلس وتفرق عنه الناس قلت له يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجبا، قال: نعم، إنما صبرت إجلالا لحديث رسول الله - ﷺ - أن أقطعه ثم نفض الخف فسقطت منه العقرب (^٣).\nفائدة: [عن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة؛ قوله - ﷺ -] ورقية العقرب جائزة لما روى مسلم عن جابر قال: لدغت رجلا\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ١٩٣).\n(^٢) الرسالة (١/ ٣٢٧).\n(^٣) ترتيب المدارك (١/ ١٥٥).","vol":"4","page":334},{"text":"عقرب ونحن جلوس مع رسول الله - ﷺ - فقال رجل: يا رسول الله أرقيه قال: \"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل\"، وفي رواية جاء عمرو بن حزم إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وأنك نهيت عن الرقيا، فقال: \"اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شيء\" فالرقى جائزة بكتاب الله تعالى أو بذكره ومنهي عنها إذا كانت بالعجمية أو بما لا يدري معناه نحو أن يكون فيه كفر، واختلفوا في رقية أهل الكتاب فجوزها أبو بكر الصديق، وكرهها مالك خوفا أن يكون فما بدلوا فمن الرقيا المجربة النافعة أن يسأل الراقي الملدوغ إلى أن تنتهي أعلا الوجع من العضد، فيضع على أعلاه حديدة ويقرأ العزيمة ويكررها وهو يحدد موضع الألم بالحديدة حتى ينتهي من حر ذلك السم إلى أسفل الوجع، فإذا اجتمع في أسفله جعل يمص ذلك الموضع حتى يذهب جميع الألم، ولا اعتبار بفتور العضو بعد ذلك، وهي هذه: سلام على نوح في العالمين وعلى محمد في المرسلين من حاملات السم أجمعين لا دابة بين السماء والأرض إلا ربي آخذ بناصيتها أجمعين كذلك نجزي المحسنين، إن ربي على صراط مستقيم، نو، قال لكم نوح: من ذكرني لا تأكلوه إن ربي بكل شيء عليم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، قاله في حياة الحيوان (^١)، وقال بعض العلماء المتقدمين: من قال في أول الليل والنهار عقدت زنار العقرب ولسان الحية ويد السارق بقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).","vol":"4","page":335},{"text":"رسول الله أمن من الحين والعقرب والسارق (^١)؛ وفي كتاب فردوس الحكمة قال: آية في كتاب الله تعالى من قرأها يأمن من الهوام: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ (^٢)، وفي رواية لابن أبي الدنيا في كتاب التوكل إن عامل أمر بقية كتب إلى عمر بن عبد العزيز يشكوا إليه الهوام والعقارب فكتب إليه: وما على أحدكم إذا أمسى وأصبح أن يقول ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٣) الآية (^٤).\nوفي تاريخ اليافعي: أن بعض الملوك قال له منجموه إنه يموت في الساعة الفلانية من اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من [سنة كذا] من عقرب تلدغه فلما كان قبل الساعة المذكورة تجرد من جميع لباسه وركب فرسا بعد أن غسله ونظفه وسرح شعره ودخل به البحر حذرا مما ذكر له فبينما هو كذلك عطست فرسه فخرج من أنفها عقرب فلدغته فمات وما أغناه الحذر من القدر (^٥).\nوعن معروف الكرخي قال: بلغنا أن ذا النون المصري خرج ذات يوم يريد غسل ثيابه فإذا هو بعقرب قد أقبل إليه كأعظم ما يكون قال: ففزع منه فزعا شديدًا، واستعاذ بالله منها فكفى شرها فأقبلت حتى وافت النيل فإذا هي\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ١٩٢).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٥٦.\n(^٣) سورة إبراهيم، الآية: ١٢.\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٥١٢).\n(^٥) حياة الحيوان (٢/ ١٨٨).","vol":"4","page":336},{"text":"بضفدع قد خرج من الماء فاحتملها على ظهره وعبر بها إلى الجانب الآخر.\nقال ذو النون: فاتزرت بمئزر ونزلت في الماء فلم أزل أرقيها إلى أن أتت الجانب الآخر فصعدت ثم سعت وأنا أتبعها إلى أن أتت شجرة كثيرة الأغصان كثيرة الظل وإذا غلام أمرد نائم تحتها وهو مخمور فقلت: لا قوة إلا بالله أتت العقرب من ذلك الجانب للدغ هذا الفتى فإذا أنا بتيس أقبل يريد قال الفتى فظفرت العقرب ولزمت دماغه حتى قتلته ورجعت إلى الماء وعبرت على ظهر الضفدع إلى الجانب الآخر فأنشأ ذو النون يقول:\nيا راقدا، والجليل يحفظه ... من كل سوء يكون في الظلم\nكيف تنام العيون عن ملك ... تأتيك منه فوائد النعم\nقال: فانتبه الفتى على كلام ذي النون فأخبره الخبر فتاب ونزع أثواب اللهو ولبس أثواب السياحة وسامح ومات على تلك الحال (^١)؛ وروى أن أبا بكر الصديق - ﵁ - لما أتى إلى غار ثور مع النبي - ﷺ - سبق إلى دخوله فانبطح فيه وألفى نفسه فقال له النبي - ﷺ -: لم فعلت هذا؟ قال: لأن هذه القيران تكون فيها الهوام المؤذية فأحببت إن كان فيها شيء أن أقيك بنفسي، وقيل: كان عليه برد ثمين فمزقه وحشى به الحجر فبقي حجران فسدهما بعقبيه - ﵁ - (^٢).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٥١٣).","vol":"4","page":337},{"text":"فائدة: يقال في اللسع: لسعته العقرب والحية تلسعه لسعا فهو ملسوع، وما أحسن قول الأول:\nقالوا: حبيبك ملسوع، فقلت لهم ... من عقرب الصدغ لا من حية الشعر قالوا: بلى، من أفاعي الأرض، قلت لهم: وكيف تسعى أفاعي الأرض للقمر (^١). أ. هـ\n\n٩٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ حِين يصبح وَحين يُمْسِي سُبْحَانَ الله وَبِحَمْد مائَة مرّة لم يَأْتِ أحد يَوْم الْقِيَامَة بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أحد قَالَ مثل مَا قَالَ أَو زَاد عَلَيْهِ رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَعِنْده سُبْحَانَ الله الْعَطيم وَبِحَمْدِهِ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَفظه من قَالَ إِذا أصبح مائَة مرّة وَإِذا أَمْسَى مائَة مرّة سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ غفرت ذنُوبه وَإِن كَانَت أَكثر من زبد الْبَحْر (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به\" ومعنى التسبيح التنزيه عما لا يليق به ﷾ من الشريك والولد والصاحبة والتبرئة من النقائص مطلقا وسماه الحدث مطلقا، ومعنى سبحان الله أبرئ الله من السوء براءة.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٩٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩ - ٢٦٩٢)، وأبو داود (٥٠٩١)، والترمذي (٣٤٦٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٢٧ و١٠٣٢٨)، وابن حبان (٨٥٩)، والحاكم (١/ ٥١٨).","vol":"4","page":338},{"text":"قوله - ﷺ -: \"لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به\" وتقديره والله أعلم: لم أو بمثله ليناسبه والله أعلم.\n\n٩٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فِي يَوْم مائَة مرّة كَانَت لَهُ عدل عشر رِقَاب وَكتب لَهُ مائَة حَسَنَة ومحيت عَنهُ مائَة سَيِّئَة وَكَانَت لَهُ حرْزا من الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي وَلم يَأْتِ أحد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رجل عمل أَكثر مِنْهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة\" الحديث، هذا الحديث فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المائة ويكون له ثواب آخر على الزيادة وليس هذا من الحدود التي نهي عن اعتدادها ومجاوزة أعدادها، وإن زيادتها لأفضل فيها أو يبطلها كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: \"إلا رجلا عمل أكثر منه\" الكثرة من أعمال الخير لا من نفس التهليل، ويحتمل أن يكون المراد مطلق الزيادة سواء كانت من التهليل أو من غيره، ولعل هذا الاحتمال أظهر والله أعلم؛ وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أنه يحصل هذا الأجر المذكور في هذا الحديث لمن قال هذا التهليل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٩٣) و(٦٤٠٣)، ومسلم (٢٨ - ٢٦٩١).","vol":"4","page":339},{"text":"مائة مرة في يومه سواء قاله متواليا أو متفرقا في مجالس أو بعضها في أول النهار، وبعضها آخره لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار ولتكون حرزا له في جميع نهاره والله أعلم.\n\n٩٦٧ - وَعَن أبان بن عُثْمَان قَالَ سَمِعت عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - يَقُول قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من عبد يَقُول فِي صباح كل يَوْم وَمَسَاء كل لَيْلَة بِسم الله الَّذِي لا يضر مَعَ اسْمه شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم ثَلَاث مَرَّات فيضره شَيْء وَكَانَ أبان قد أَصَابَهُ طرف فالج فَجعل الرجل ينظر إِلَيْهِ فَقَالَ أبان مَا تنظر أما إِن الحَدِيث كمَا حدثتك وَلَكِنِّي لم أَقله يَوْمئِذٍ ليمضي الله قدره، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيت حسن غَرِيب صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبان بن عثمان، هو: أبو سعيد ويقال أبو عبيد الله أبان بن عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية القرشي الأموي المدني التابعي الكبير يلتقي مع رسول الله - ﷺ - في عبد مناف وأمه أم عمرو بنت حيدر الدوسية، واتفق العلماء على أنه ثقة، توفي بالمدينة سنة خمس ومائة، روي له البخاري في الأدب والباقون، واعلم أن في صرف أبان خلافا مشهورا والصحيح الذي عليه الأكثرون والمحققون صرفه فإن الهمزة أصل الألف زائدة ووزنه فعال كغزال\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٨٦٩)، وأبو داود (٥٠٨٨ و٥٠٨٩)، والترمذي (٣٣٨٨)، والنسائي (٩٧٥٩ و٩٧٦٠) و(١٠١٠٦ و١٠١٠٧)، والحاكم (١/ ٥١٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٥٥).","vol":"4","page":340},{"text":"وعناق ونظائرهما، ومن منع صرفه عكس فقال: الهمزة زائدة والألف بدل من ياء ووزنه أفعل فلا ينصرف لوزن الفعل والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء\" وفي رواية أبي داود: \"لم تصبه فجأة بلاء\" وفي رواية: \"لم يضره في ذلك شيء، أو في تلك الليلة\".\nقوله: \"وكان أبان قد أصابه طرف فالج فجعل الرجل ينظر إليه\" الحديث، قال أبان: فأنا لا أدع ذلك منذ أخبرنيه عثمان في كل يوم وليلة، وإن أبان كان كذلك زمانا ثم أصابه ريح فالج فدخل الناس يعودونه وجعل رجل منهم ينظر إليه نظرا شديدًا وكان قد سمع منه ذلك القول عن عثمان، وقول أبان: إني لم أدع ذلك في كل يوم وليلة ففطن له أبان من شدة نظره، فقال له: مم تعجب من قولي لك؟، فقال الرجل: قد أعجبني، قال أما إن الحديث كما حدثتك، والله إني نسيت ذك الدعاء هذه الليلة ليمضي فيّ أمر الله.\nاعلم أن هذا الحديث باب كبير من أبواب الشريعة في اعتقاد الاعتماد على منافع أسماء الله تعالى، واستدفاع البلاء بها، وتنبيه القائل على أنه لا يضر معها شيء في الأرض ولا في السماء وإن كان ذلك واجبًا فأصل العقيدة أنه ليس لأحد سوى الله تعالى نفع ولا ضر إلا أن النفس تغفل فتح هذا الذكر لها مجرى الموقظ من السنة وحقيقة ذلك الرجوع إلى معنى التوكل وتارة الاعتماد على الامتناع بهذا القول الجاري مجري التعوذ فالاسم والاستخارة","vol":"4","page":341},{"text":"به وطلب الكفاية بسببه فهو توكل ودعاء والله أعلم، قاله ابن الفرات في تاريخه، وفي تاريخ كنز الدرر (^١) أن أبان بن عثمان شهد وقعة الجمل مع عائشة، فقال عروة بن الزبير: وولي المدينة في أيام عبد الملك بن مروان فقال عروة بن الزبير: الله أكبر، جاء في الحديث أن هلاك بن أمية عند ولاية رجل أحول، وكان أبان أحول أبرص [أعرج] وكانوا يظنونه الأحول الذي هلاك بني أمية عند ولايته وكان ذلك الأحول هشام بن عبد الملك وكان أبان صاحب رشوة وجور وأصابه فالج فمات في خلافة يزيد بن عبد الملك، وأصابه ذلك قبل أن يموت بسنة، ومن ولد أبان: عبد الرحمن كان يصلي في كل يوم ألف ركعة ويكثر الحج والعمرة وكان له خطر ومروءة وصلاح وصدقة، كان إذا تصدق قال: اللهم هذا لوجهك الكريم فخفف عني الموت فصلى الغداة في خروجه إلى الحج ثم نام فأيقظوه فوجدوه ميتًا، أ. هـ. قوله في حديثه: \"ولكن ليمضي الله قدره\" والإمضاء هو الإنفادُ.\n\n٩٦٨ - وَعَن أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ من قَالَ إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى حسبي الله لا إِلَه إِلَا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم سبع مَرَّات كَفاهُ الله مَا أهمه صَادِقا كَانَ أَو كَاذِبًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد هَكَذَا مَوْقُوفا وَرَفعه ابْن السّني وَغَيره (^٢) وَقد يُقَال إِن مثل هَذَا لا يُقَال من قبل الرَّأْي وَالاجْتِهَاد\n_________\n(^١) كنز الدرر (٣/ ٣١١ - ٣١٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٠٨١) موقوفا، وابن السنى في اليوم والليلة (٧١) مرفوعًا. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٥٢٨٦)، وضعيف الترغيب (٣٨٢).","vol":"4","page":342},{"text":"فسبيله سَبِيل الْمَرْفُوع.\nقوله: وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء - ﵁ -؛ أم الدرداء هي زوجة أبي الدرداء وهي صحابية، اعلم أن لأبي الدرداء زوجتين كل واحدة منهما كنيتها أم الدرداء وهما كبرى وصغرى، والكبرى صحابية والصغرى تابعية، واسم الكبرى خيرة وهي هذه المذكورة، واسم الصغرى هجيمة ويقال هجيم بنت حي، قال البخاري في صحيحه في صفة أبواب الصلاة: كانت أم الدرداء يعني هذه فقيهة، واتفقوا على وصفها بالعقل والفقه والفهم والجلالة، توفي عنها أبو الدرداء بدمشق فخطبها معاوية فلم تفعل، قال أبو بكر البزقاني: أم الدرداء هي التي روت في الصحيح وأما أم الدرداء الصحابية فليس لها في الصحيحين حديث، وفي تاريه دمشق في ترجمة أم الدرداء الصغرى قالت لأبي الدرداء عند الموت: إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحوك وإني أخطبك إلى نفسي نفسك في الآخرة، قال: فلا تنكحي بعدي فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان فقال عليك بالصيام، وفي رواية أن معاوية خطبها بعد وفاة أبي الدرداء فقالت: قال أبو الدرداء قال رسول الله - ﷺ -: \"المرأة\" لزوجها الأخير فلست بمزوجة بعد أبي الدرداء حتى أتزوجه في الجنة، وفي رواية: لست أريد بأبي الدرداء بدلا، قال ابن إسحاق: كان أبو الدرداء عالما زاهدا واعظا فاضلا قاضيا، ولاه عمر قضاء دمشق، قال ابن سعد: بإسناده عن أم الدرداء قالت: كان لأبي الدرداء ستون وثلاثمائة خليل في الله تعالى يدعوا لهم في الصلاة قالت أم الدرداء: فقلت له في ذلك فقال: يا","vol":"4","page":343},{"text":"أم الدرداء إنه ليس رجل يدعو لأخيه في ظهر الغيب إلا وكل الله به ملكين يقولان له: ولك بمثل ذك، أفلا رغبت أن تدعو لي الملائكة، قال ابن سعد بإسناده عن معاوية بن أبي قرة إن أبا الدرداء اشتكى فدخل على أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قالوا: ما تشتهي؟ قال: الجنة، قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا، فقال: هو الذي أضجعني (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله\" رواه أبو داود موقوفا، تقدم الكلام على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.\n\n٩٦٩ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ حِين يصبح أَو يُمْسِي اللَّهُمَّ إِنِّي أَصبَحت أشهدك وَأشْهد حَملَة عرشك وملائكتك وَجَمِيع خلقك أنَك أَنْت لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَأَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك أعتق الله ربعه من النَّار فَمن قَالَهَا مرَّتَيْنِ أعتق الله نصفه من النَّار وَمن قَالهَا ثَلَاثًا أعتق الله ثَلَاثَة أَرْبَاعه من النَّار فَإِن قَالَهَا أَرْبعا أعْتقهُ الله من النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالنَّسَائِيّ وَزَاد فِيهِ بعد إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَلم يقل أعتق الله إِلَى آخِره وَقَالَ إِلَّا غفر الله لَهُ مَا أصَاب من ذَنْب فِي يَوْمه ذَلِك فَإِن قَالَهَا إِذا أَمْسَى غفر الله لَهُ مَا أصَاب فِي ليلته تِلْكَ وَهُوَ كَذَلِك عِنْد التِّرْمِذِيّ (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٠١)، وأبو داود (٥٠٦٩) و(٥٠٧٨)، والترمذي (٣٥٠١)، والنسائي (٩٧٥٣) و(٩٧٥٤)، والطبراني في الدعاء (٢٩٧) والأوسط =","vol":"4","page":344},{"text":"قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قال حين يصبح وحين يمسي اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك\" إلى قوله \"فإن قالها أربعا أعتقه الله من النار\" الحديث.\nسؤال: ما الحكمة في ترتب العتق على قول ذلك أربع مرات؟ قيل: لأنه اشهد الله تعالى وحملة عرشه وملائكته وجميع خلقه فأعتق الله تعالى بشهادة كل شاهد ربعه، وهذا كما أن الإنسان يهدر دمه إذا شهد عليه أربعة في الزنى كذلك يعصم دم هذا من النار إذا أشهد أربعة إيمانه، قاله في كشف الأسرار (^١)، وقال في الديباجة في حفظني قديما أن هذا الدعاء إنما جاء فيه العتق من النار إذا قالها أربع مرات لأن عدد حروف كلماته تسعون فإذا قالها أربع مرات ثلاثمائة وستين حرفا وأعضاء بدن ابن آدم مركبة من ثلاثمائة وستين عضوا فأعتق الله بكل حرف منها عضوا من أعضائه من النار، وهذا إنما يكون على رواية أبي داود وأما على رواية الزيادة وهي رواية النسائي وهي بعد إلا أنت وحدك لا شريك لك فهو يبلغ فوق الثلاثمائة وستين والله أعلم، وهي المشار إليها بقوله: \"يصبح على كل سلامي من ابن آدم يوم تطلع\n_________\n= (٧/ ١٧٦ - ١٧٧ رقم ٧٢٠٥) والشاميين (١٥٤٢) و(٣٣٦٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٤١) ضعيف الكلم الطيب (٢٥)، المشكاة (٢٣٩٨/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (٣٨٣).\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٦٥).","vol":"4","page":345},{"text":"عليه الشمس صدقة\" وهذا من أسرار كلام النبوة (^١).\n\n٩٧٠ - وَعَن أبي عَيَّاش - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ إِذا أصبح لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير كَانَ لَهُ عدل رَقَبَة من ولد إِسْمَاعِيل وَكتب لَهُ عشر حَسَنَات وَحط عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات وَكَانَ فِي حرز من الشَّيْطَان حَتَّى يُمْسِي فَإِن قَالهَا إِذا أَمْسَى كَانَ لَهُ مثل ذَلِك حَتَّى يصبح قَالَ حَمَّاد فَرَأى رجل رَسُول الله - ﷺ - فِيمَا يرى النَّائِم فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أَبَا عَيَّاش يحدث عَنْك بِكَذَا وَكذَا قَالَ صدق أَبُو عَيَّاش رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن السّني وَزَاد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَاتَّفَقُوا كلهم على الْمَنَام (^٢).\nأَبُو عَيَّاش بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت والشين الْمُعْجَمَة وَيُقَال ابْن أبي عَيَّاش ذكره الْخَطِيب وَيُقَال ابْن عَيَّاش الزرقي الأنْصَارِيّ ذكره أَبُو أَحْمد وَالْحَاكِم واسْمه زيد بن الصَّامِت وَقيل زيد بن النُّعْمَان وَقيل غير ذَلِك وَلَيْسَ لَهُ فِي الأُصُول السِّتَّة غير هَذَا الحَدِيث فِيمَا أعلم وَحَدِيث آخر فِي قصر الصَّلَاة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الْعدْل بِالْكَسْرِ وفتحه لُغَة هُوَ الْمثل وَقيل بِالْكَسْرِ مَا عَادل الشَّيْء من جنسه وبالفتح مَا عادله من غير جنسه.\nقوله: وعن أبي عياش، أبو عياش قد ذكره الحافظ المنذري فقال: اسمه\n_________\n(^١) ذكره في الفتوحات الربانية (٣/ ١٠٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٦٧)، وأبو داود (٥٠٧٧)، والنسائي في الكبرى (٩٧٧١)، وابن السنى (٦٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٥٦).","vol":"4","page":346},{"text":"زيد بن الصامت وقيل زيد بن النعمان، وقيل: غير ذك، وقال في الديباجة أبو عياش الزرقي، اسمه: زيد بن الصامت، وقيل: عتبة بن الصامت، وقيل: عبيد بن معاوية بن الصامت الخزرجي، وهو والد النعمان بن عياش، شهد مع النبي - ﷺ - أحدًا، وعمر بعد النبي - ﷺ - وعاش إلى زمن معاوية (^١)، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"من قال إذا أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل\" والعدل قد ضبطه المحلى وفسره هو المثل. وقوله - ﷺ -: \"من ولد إسماعيل\" معروف ويقال: للواحد والجمع كذا في المجمل اسم كتاب، وإسماعيل هو ابن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهما، وإنما خصص الولد به لشرفه ولكونه أبا العرب والله أعلم بالصواب.\n\n٩٧١ - وَعَن أبي سَلام - ﵁ - وَهُوَ مَمْطُور الحبشي أَنه كانَ فِي مَسْجِد حمص فَمر بِهِ رجل فَقَالُوا هَذَا خَادِم رَسُول الله - ﷺ - فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ حَدثنِي بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله - ﷺ - لم يتداوله بَيْنك وَبَينه الدَّجَّال فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من قَالَ إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى رَضِينَا بِالله رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - رَسُولا إِلَّا كانَ حَقًا على الله أَن يرضيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أبي سعد سعيد بن الْمَرْزُبَان عَن أبي سَلمَة عَن ثَوْبَان وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَفِي بعض النّسخ حسن صَحِيح وَهُوَ بعيد وَعِنْده\n_________\n(^١) أسد الغابة (٦/ ٣٢٩).","vol":"4","page":347},{"text":"وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا فَيَنْبَغِي أَن يجمع بَينهمَا فَيُقَال وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا ورسولا وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن سَابق عَن أبي سَلام - ﵁ - خَادِم النَّبِي - ﷺ - وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم فَقَالا عَن أبي سَلام سَابق بن نَاجِية وَعند أَحْمد أَنه يَقُول ذَلِك ثَلَاث مَرَّات حِين يُمْسِي وَحين يصبح (^١) وَهُوَ فِي مُسلم من حَدِيث أبي سعيد من غير ذكر الصَّباح والمساء وَقَالَ فِي آخِره وَجَبت لَهُ الْجنَّة (^٢) صحّح ابْن عبد الْبر النمري فِي الاسْتِيعَاب رِوَايَة ابْن مَاجَه وَقَالَ رَوَاهُ وَكيع عَن مسعر عَن أبي عقيل عَن أبي سَلامَة عَن سَابق فَأَخْطَأَ فِيهِ وَكَذَا فِي سَلام أبي سَلامَة فَأَخْطَأَ فِيهِ، قَالَ وَلَا يَصح سَابق فِي الصَّحَابَة (^٣).\nوعن أبي سلام، واسمه ممطور الحبشي الأعرج الدمشقي، وليس هو من بلاد الحبشة ولكنه منسوب إلى حبش حي من حمير، وقيل: من خثعم، وذكر بعضهم أنه لا اسم له، وقال يحيى بن معين: الحبش حي من حمير، وقال ابن حازم الحافظ: الحبشي منسوب إلى حبش حي من حمير منهم أبو سلام الحبشي، واسمه ممطور وأهله وجماعة سواه (^٤)، وقال الأمير أبو\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٣٧ (١٨٩٦٧) و(١٨٩٦٨) و(١٨٩٦٩) و٥/ ٣٦٧ (٢٣١١١) و(٢٣١١٢)، وابن ماجه (٣٨٧٠)، وأبو داود (٥٠٧٢)، والترمذي (٣٣٨٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٨٤) والضعيفة (٥٠٢٠)، والمشكاة (٢٣٩٩)، والكلم الطيب (٢٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٦ - ١٨٨٤).\n(^٣) الاستيعاب (٤/ ١٦٨١/ ٣٠١٠).\n(^٤) عجالة المبتدى (ص ٤٥).","vol":"4","page":348},{"text":"نصر (^١): وأبو سلام الحبشي ممطور الأسود منسوب إلى حبش بطن من حمير، وقال بعضهم فيه الحبشي بضم الحاء وسكون الباء الموحدة يقال حبَش وحُبش كما يقال عجم وعرب وعرب وعجم، ذكر عبد الغني بن سعيد أن أبا إسلام منسوب إلى بلاد الحبش وهو خلاف ما نص عليه الحافظ.\nقوله: أنه كان في مسجد حمص، تقدم الكلام على حمص في ذكر دخول الحمام، وأنها مدينه بالشام.\nقوله: لم تتداوله بينك وبينه الرجال، التداول هو [التناقل].\nقوله - ﷺ -: \"من قال إذا أصبح وإذا أمسى رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - رسولا\" وقع في أبي داود وغيره \"وبمحمد رسولا\" وفي رواية الترمذي: \"نبيا\" فيستحب أن يجمع الإنسان بينهما فيقول \"نبيا ورسولا\" فلو اقتصر على أحدهما كان عاملا بالحديث والله أعلم.\nفائدة: وفي حديث آخر \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيًّا\" هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، فقوله: \"ذاق\" فيه دليل على جواز التوسع باستعمال الاستعارات إذ ليس للإيمان في الحقيقة طعم يذاق وهو كناية عن إدراك لذة الإيمان والإحساس بها، ويقرب منه قوله - ﷺ -: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان\" وقوله: \"من رضي بالله ربا\" يقال: رضيت فلانا صاحبا أي حمدت صحبته ووافقني أمره، والمعنى: من رضي بالله مالكا وسيدا قاهرا فلم يعترض على حكمه ولم يجزع ولم يضطرب مما\n_________\n(^١) الإكمال (٣/ ٢٤١).","vol":"4","page":349},{"text":"جرى من الأحكام (^١)، وحقيق على من رضي بالله ربا وسيدا أن يعرض عن تصرفه وتدبيره ولا يعترض على حكم الله وتقديره، ثم روى عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"إن أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ بسم الله الرحمن الرحيم، إنه من استسلم لقضائي ورضي بحكمي وصبر على بلائي كتبته صديقا وبعثته مع الصادقين\" وقال المشايخ: الرضى بالقضاء باب الله الأعظم وفسره الأستاذ أبو القاسم القشيري (^٢) بأن من أكرم بالرضي فقد لقي بالترحيب الأوفى وشرف بالتقريب الأعلى ثم قال: وقال ذو النون: الرضي سرور القلب بمر القضاء، وقال رابعة: إنما يكون العبد راضيا إذا سرته البلية كما تسره النعمة، أ. هـ.\n\n٩٧٢ - وَعَن المنيذر - ﵁ - صَاحب رَسُول الله - ﷺ - وَكانَ يكون بإفريقية قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من قَالَ إِذا أصبح رضيت بِالله رَبًّا وَبالإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا فَأَنا الزعيم لآخذن بِيَدِهِ حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٣).\nقوله: وعن المنيذر صاحب رسول الله وكان يكون بأفريقية؛ أفريقية بفتح الهمزة وضبطها ابن خلكان بالكسر وتخفيف الياء الثانية، وفي بعض نسخ\n_________\n(^١) مجمع البحار (٥/ ٤٥٢).\n(^٢) الرسالة (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٤).\n(^٣) أخرجه ابن قانع في المعجم (٢/ ١٠٥)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٥٥ رقم ٨٣٨).\nوحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٨٦) وصحيح الترغيب (٦٥٧).","vol":"4","page":350},{"text":"الصحاح المعتمدة مضبوطة بالقلم بالتشديد والتخفيف وهي بلدة كبيرة معروفة ببلاد المغرب [قرب بلاد الأندلس، فتحت في زمن عثمان بن عفان، خرج منها جماعة من العلماء في كل فن، منهم: سحنون بن سعيد التنوخي الإفريقي من فقهاء أصحاب مالك، جالسه مدة وهو الذي أظهر مذهب مالك في المغرب، توفي في رجب من سنة أربعين وإحدى وأربعين ومائتين، انتهى].\nقوله - ﷺ -: \"فأنا الزعيم لآخذن بيده حتى أدخله الجنة\" الزعيم: الضامن والكفيل.\n\n٩٧٣ - وَعَن عبد الله بن غَنَّام البياضي - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ حِين يصبح اللَّهُمَّ مَا أصبح بِي من نعْمَة أَو بِأحد من خلقك فمنك وَحدك لَا شريك لَك فلك الْحَمد وَلَك الشُّكْر فقد أدّى شكر يَوْمه وَمن قَالَ مثل ذَلِك حِين يُمْسِي فقد أدّى شكر ليلته رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^١) وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ دون ذكر الْمسَاء (^٢) وَلَعَلَّه سقط من أُصَلِّي.\nقوله: وعن عبد الله بن غنام البياضي، غنام بفتح الغين المعجمة وتشديد النون وفتحها بعد الألف ميم، والبياضي منسوب إلى بياضة بطن من الأنصار.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٧٣)، والنسائي في الكبرى (٩٧٥٠). وضعفه الألباني في الكلم الطيب (٢٦) وضعيف الترغيب (٣٨٥).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٧٥١)، وابن حبان (٨٦١). وضعفه الألباني في المشكاة (٢٤٠٧) وضعيف الترغيب (٣٨٦).","vol":"4","page":351},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك له فلك الحمد ولك الشكر\" الحديث، تقدم الكلام على الحمد والشكر في خطبة هذا التعليق.\n\n٩٧٤ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب - ﵁ - عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سبح الله مائَة بِالْغَدَاةِ وَمِائَة بالْعَشي كانَ كمن حج مائَة حجَّة وَمن حمد الله مائَة بِالْغَدَاةِ وَمِائَة بالْعَشي كانَ كمن حمل على مائَة فرس فِي سَبِيل الله أَو قَالَ غزا مائَة غَزْوَة فِي سَبِيل الله وَمن هلل الله مائَة بِالْغَدَاةِ وَمِائَة بالْعَشي كَانَ كمن أعتق مائَة رَقَبَة من ولد إِسْمَاعِيل ﵇ وَمن كبر الله مائَة بِالْغَدَاةِ وَمِائَة بالْعَشي لم يَأْتِ فِي ذَلِك الْيَوْم أحد بِأَكْثَرَ مِمَّا أَتَى بِهِ إِلَّا من قَالَ مثل مَا قَالَ أَو زَاد على مَا قَالَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أبي سُفْيَان الْحِمْيَرِي واسْمه سعيد بن يحيى عَن الضَّحَّاك بن حمرَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب. (^١)\nقَالَ الْحَافِظ وَأَبُو سُفْيَان وَالضَّحَّاك وَعَمْرو بن شُعَيْب يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِم وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَلَفظه من قَالَ سُبْحَانَ الله مائَة مرّة قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا كانَ أفضل من مائَة بَدَنَة وَمن قَالَ الْحَمد لله مائَة مرّة قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا كانَ أفضل من مائَة فرس يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله وَمن قَالَ الله أكبر مائَة مرّة قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا كانَ أفضل من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٤٧١). وقال الألباني: منكر، الضعيفة (١٣١٥)، المشكاة (٢٣١٢/ التحقيق الثاني)، ضعيف الترغيب (٣٨٧).","vol":"4","page":352},{"text":"عتق مائَة رَقَبَة وَمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير مائَة مرّة قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا لم يجئ يَوْم الْقِيَامَة أحد بِعَمَل أفضل من عمله إِلَّا من قَالَ مثل قَوْله أَو زَاد عَلَيْهِ (^١).\nقوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبي عن جده، هو: أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي المدني، ويقال المكي، ويقال الطائفي، سمع أباه ومعظم رواياته عنه وسعيد بن المسيب وطاووسا وعروة ومجاهدًا وسليمان بن يسار وغيرهم، ورويه عنه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والزهري وغيرهم، وكل هؤلاء المذكورين تابعيون، وهذا مما استدلوا به على جلالته فإنه ليس بتابعي بل هو من تابع التابعين، وروي عنه نيف وعشرون من التابعين وفيهم عطاء وشبهة من الأعلام، قال الأوزاعي: ما رأيت قرشيا أكمل من عمرو بن شعيب، وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهوية يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبي عن جده، قال البخاري: مَنِ الناسُ بعدهم؟ قال ابن أبي حاتم: سئل يحيى بن معين عنه فغضب فقال: ما شأنه؟ روى عن الأئمة؛ واعلم أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه والمهذب قال في كتابه اللمع في الأصول: لَا يجوز الاحتجاج بعمرو بن شعيب عن أبي عن جده لاحتمال أن المراد جده الأدنى وهو محمد فيكون\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٥٨٨). وقال الألباني: منكر، الضعيفة (١٣١٥)، المشكاة (٢٣١٢/ التحقيق الثاني)، ضعيف الترغيب (٣٨٧).","vol":"4","page":353},{"text":"مرسلًا، وكذا قال غيره من أصحابنا لا يجوز الاحتجاج به وهذا مما ينكر عليه وهذا مما ينكر عليه؛ وجوابه أن الصحيح المختار صحة الاحتجاج به عن أبيه عن جده كما قال الأكثرون كما سبق فاختار في المهذب، هذا المذهب المختار والله أعلم، ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من سبح لله مائة بالغداة ومائة بالعشي كان كمن حج مائة حجة ومن حمد الله مائة بالغداة ومائة بالعشي كان كمن حمل على مائة فرس في سبيل الله أو قال غزا مائة غزوة في سبيل الله ومن هلل الله مائة بالغداة ومائة بالعشي كان كمن أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل ﵇\" قريبًا.\nوقوله - ﷺ - في رواية النسائي ولفظه: \"من قال سبحان الله مائة مرة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها كان أفضل من مائة بدنة\" البدنة قال أهل اللغة: سميت البدنة بدنة لعظمها وتطلق على الذكر والأنثى وتطلق على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر أهل اللغة ولكن معظم استعماله في الأحاديث وكتب الفقه في الإبل خاصة (^٢).\n\n٩٧٥ - وَعَن عبد الحميد مولى بني هَاشم - ﵁ - أَن أمه حدثته وَكَانَت تخْدم بعض بَنَات النَّبِي - ﷺ - أَن ابْنة النَّبِي - ﷺ - حدثتها أَن النَّبِي - ﷺ - كاَنَ يعلمهَا فَيَقُول قولي حِين تصبحين سُبْحَانَ الله وَبِحَمْد لَا قُوَّة إِلَّا بِالله مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن أعلم أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَن الله قد أحَاط بِكُل\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) النهاية (١/ ١٠٨).","vol":"4","page":354},{"text":"شَيْء علما فَإِنَّهُ من قالهن حِين يصبح حفظ حَتَّى يُمْسِي وَمن قالهن حِين يُمْسِي حفظ حَتَّى يصبح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَأم عبد الحميد لَا أعرفهَا (^١).\nقوله: وعن عبد الحميد مولى بني هاشم أن أمه حدثته. قال الحافظ المنذري رحمه الله تعالى: وأم عبد الحميد لا أعرفها.\nقوله: \"من قال سبحان الله وبحمده لَا قوة إلا بالله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما\" الحديث.\n\n٩٧٦ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ لم يكن رَسُول الله - ﷺ - يدع هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات حِين يُمْسِي وَحين يصبح اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَفو والعافية فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَفو والعافية فِي ديني ودنياي وَأَهلي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عوراتي وآمن روعاتي اللَّهُمَّ احفظني من بَين يَدي وَمن خَلْفي وَعَن يَمِيني وَعَن شمَالي وَمن فَوقِي وَأَعُوذ بعظمتك أَن أغتال من تحتي قَالَ وَكيع وَهُوَ ابْن الْجراح يَعْنِي الْخَسْف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٠٧٥)، والنسائي في: الكبرى (٩٧٥٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٨٨)، المشكاة (٢٣٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب (١٢٠٠)، وابن ماجه (٣٨٧١)، وأبو داود (٥٠٧٤)، والنسائي في الكبرى (٧٩١٥) و(١٠٣٢٥)، وابن حبان (٩٦١)، والحاكم ١/ ٥١٧ - ٥١٨. وصححه الألباني في تخرج الكلم (٢٧)، والمشكاة (٢٣٩٧/ التحقيق الثاني)، وصحيح الترغيب (٦٥٩).","vol":"4","page":355},{"text":"قوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة\" العفو: محو الذنب والعافية أن يسلم من الأسقام والبلاء وهي الصحة ضد السقم (^١).\nقوله: \"استر عوراتي\" والعورات جمع عورة وهي كل ما يستحيى منه إذا ظهر، وفي الحديث المرأة عورة جعلها نفسها عورة لأنها إذا ظهرت يستحي منها كما يستحي من العورة إذا ظهرت (^٢)، أ. هـ، قال أهل اللغة: سميت العورة عورة لقبح ظهورها ولغض الأبصار عنها مأخوذة من العور وهو النقص والعيب والقبح ومنه عورة العين والكلمة العوراء هي القبيحة (^٣)، وجاء في رواية لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل والمرأة إلى عرية المرأة وهي متجردة، وستر العورة واجب بالإجماع والأصح وجوبه في الخلوة لحديث ورد فيه إلا لحاجة فيجوز بقدرها وهو شرط في صحة الصلاة عندنا، وبه قال داود، وقال أبو حنيفة: إن ظهر ربع العورة صحت الصلاة وإن زاد لم تصح، وقال بعض المالكية هو واجب إسلامي وليس بشرط في الصلاة فإن صلى مكشوفها صحت صلاته سواء تعمد ذلك أم لا، وقال أكثرهم: إنه شرط مع الذكر والقدرة فإن عجز أو نسي صحت وسواء عندهم العورة المخففة والمغلظة (^٤)\n_________\n(^١) الزاهر (١/ ٧١) ومشارق الأنوار (٢/ ٩٨).\n(^٢) النهاية (٣/ ٣١٩).\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٥) كفاية النبيه (٢/ ٤٥٠)، والنجم الوهاج (٢/ ١٩٠).\n(^٤) المجموع (٣/ ١٦٧).","vol":"4","page":356},{"text":"انتهى، وعرية الرجل في ضبطها ثلاثة أوجه ضم العين وفتح الراء وتشديد الياء، وضم العين وإسكان الراء وكسر العين وإسكان الراء (^١)، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"وآمن روعاتي\" جمع روعة وهي السمرة الواحدة من الروع وهو الفزع والخوف (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي\" قال المنذري: قال وكيع وهو ابن الجراح يعني الخسف وقال المناوي في التنقيح.\nقوله - ﷺ -: \"أنا أغتال من تحتي\" أي أدهى من حيث لَا أشعر يريد الخسف، والاغتيال هو أن يجذع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد والله أعلم قاله في التنقيح (^٣) قال في النهاية (^٤): ومنه حديث عمر أن صبيا قتل بصنعاء غيلة فقتل به عمر سبعة أي في خفية واغتيال وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، والغيلة فعلة من الاغتيال انتهى.\n\n٩٧٧ - وَعَن أبي أَيُّوب الأنْصَارِيّ - ﵁ - أَنه قَالَ وَهُوَ فِي أَرض الرّوم إِن رَسول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ غدْوَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير عشر مَرَّات كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَكن لَهُ قدر عشر رِقَاب وَأَجَارَهُ الله من الشَّيْطَان وَمن قَالهَا عَشِيَّة مثل ذَلِك رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَتقدم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٣٠).\n(^٢) شرح المصابيح (٣/ ١٨٧).\n(^٣) كشف المناهج (٢/ ٣١١).\n(^٤) النهاية (٣/ ٤٠٣).","vol":"4","page":357},{"text":"لَفظه فِيمَا يَقُول بعد الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب وَزَاد أَحْمد فِي رِوَايَته بعد قَوْله وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَقَالَ كتب الله لَهُ بِكُل وَاحِدَة قَالهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرَفعه الله بهَا عشر دَرَجَات وَكن لَهُ كعشر رِقَاب وَكن لَهُ مسلحة من أول النَّهَار إِلَى آخِره وَلم يعْمل يَوْمئِذٍ عملا يقهرهن فَإِن قَالَهَا حِين يُمْسِي فَمثل ذَلِك\" وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِنَحْوِ أَحْمد وإسنادهما جيد (^١).\nالمسلحة بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وبالسين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ الْقَوْم إِذا كانُوا ذَوي سلَاح.\nقوله: وعن أبي أيوب الأنصاري، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قال غدوة\" المراد بذلك الغداة وهي الصبح على أحد أسمائها، وتقدمت تفسير بعض ألفاظ الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"وكن له مسلحة من أول النهار إلى آخره\" المسلحة القوم إذا كانوا ذوي سلاح قاله المنذري، والمسلحة جمعه مسالح، وسموا مسلحة لذلك وتقدم تفسيره أيضًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٨ (٢٣٥٤٦) و٥/ ٤٢٠ (٢٣٥٦٨)، والنسائي في الكبرى (٩٧٦٨)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٢٧ رقم ٣٨٨٣) و(٤/ ١٨٧ رقم ٤٠٩٣) والشاميين (٩٢٨).\nقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٧: رواه أحمد، والطبراني باختصار، وفي إسناد أحمد محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وفي إسناد الطبراني محمد بن أبي ليلى، وهو ثقة سيئ الحفظ، وبقية رجالهما ثقات. وقال في ١٠/ ١١٢: رواه أحمد، والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات، وكذلك بعض أسانيد الطبراني. وصححه الألباني في الصحيحة (١١٤) و(٢٥٦٣) وصحيح الترغيب (٤٧٤) و(٦٦٠).","vol":"4","page":358},{"text":"٩٧٨ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَا يدع رجل مِنْكُم أَن يعْمل لله كل يَوْم ألفي حَسَنَة حِين يصبح يَقُول سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مائَة مرّة فَإِنَّهَا ألفا حَسَنَة وَالله إِن شَاءَ الله لن يعْمل فِي يَوْمه من الذُّنُوب مثل ذَلِك وَيكون مَا عمل من خير سوى ذَلِك وافرا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأحمد وَعِنْده ألف حَسَنَة (^١).\nقوله: وروى عن أبي الدرداء، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يدع رجل منكم أن يعمل كل يوم ألفي حسنة حين يصبح يقول سبحان الله وبحمده مائة مرة فإنها ألفا حسنة\" الحديث، لأن الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢) فإذا قال الإنسان هذه الأذكار مرة واحدة كتبت له عشر حسنات.\n\n٩٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من قَرَأَ الدُّخان كلهَا وَأول حم غَافِر إِلَى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (^٣)، وَآيَة الْكُرْسِيّ حِين يُمْسِي حفظ بهَا حَتَّى يصبح وَمن قَرَأَهَا حِين يصبح حفظ بهَا حَتَّى يُمْسِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَقد تكلم بَعضهم فِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن أبي مليكَة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٩ (٢١٧٤١)، والطبراني في الشاميين (١٤٧١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٩٤: رواه الطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٨٩).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.\n(^٣) سورة غافر، الآية: ٣.","vol":"4","page":359},{"text":"من قبل حفظه (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ الدخان كلها - وأول حم غافر الذنب إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، وآية الكرسي حين يمسي حفظ حتى يصبح\" الحديث، يقال بعد الآيات التي في غافر يا غافر الذنب اغفر لي ذنوبي ويا ذا الطول تطول علي بفضلك ويا من إليه المصير اجعل مصيري إلى خير وجميع المسلمين.\n\n٩٨٠ - وَعَن عبد الله بن بسر - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من استفتح أول نَهَاره بخَير وختمه بخَير قَالَ الله ﷿ لملائكته لَا تكْتبُوا عَلَيْهِ مَا بَين ذَلِك من الذُّنُوب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن بسر، بالباء الموحدة المازني، والسين المهملة [المازني]، له ولأبويه صحبة، رآهم النبي - ﷺ - وأكل عندهم ودعا لهم، نزل الشام وسكن حمص ومات بها سنة ثمان وثمانين وهو آخر من مات بالشام من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٨٧٩) ولفظه من قرأ حم المؤمن إلى ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٩٠).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٩/ ٢٧٣ رقم ٦٦٥١)، والضياء في المختارة من طريق الطبراني ٩/ ٨٢ (٦٥). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١١٢: رواه الطبراني، وفيه الجراح بن يحيى المؤذن ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال في ١٠/ ١٢٠: رواه الطبراني من طريق الحجاج بن يحيى المؤذن، عن عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي، والجراح بن يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، ولم يرو عن عمر بن عمرو إلا الجراح بن مليح البهزاني الشامي، فإن كان هو إياه، فهو ثقة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٢٣٨) وضعيف الترغيب (٣٩١).","vol":"4","page":360},{"text":"أصحاب النبي - ﷺ -، وضع النبي - ﷺ - يده على رأسه وقال: يعيش هذا الغلام قرنا فعاش مائة سنة، وكان في وجهه تالول فقال: \"لا يموت حتى تذهب التالولة من وجهه\" فلم يمت حتى دهبت من وجهه (^١)، ا. هـ، قاله في الديباجة.\nقوله: \"من استفتح أول نهاره بخير وختمه بخير\" الحديث، \"قال الله تعالى لملائكته لَا تكبتوا عليه ما بين ذلك من الذنوب\"، المراد بذلك: الصغائر.\n\n٩٨١ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ حِين يصبح ثَلَاث مَرَّات اللَّهُمَّ لَك الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك آمَنت بك مخلصا لَك ديني إِنِّي أَصبَحت على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أَتُوب إِلَيْك من شَرّ عَمَلي وأستغفرك لذنوبي الَّتِي لَا يغفرها إِلَّا أَنْت فَإِن مَاتَ فِي ذَلِك الْيَوْم دخل الْجنَّة وَإِن قَالَ حِين يُمْسِي اللَّهُمَّ لَك الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك آمَنت بك مخلصا لَك ديني إِنِّي أمسيت على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت آلوب إِلَيْك من شَرّ عَمَلي وأستغفرك لذنوبي الَّتِي لَا يغفرها إِلَّا أَنْت فَمَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة دخل الْجنَّة ثمَّ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يحلف مَا لَا يحلف على غَيره يَقُول وَالله مَا قَالَهَا عبد فِي يَوْم فَيَمُوت فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَّا دخل الْجنَّة وَإِن قَالَهَا حِين يُمْسِي فَتوفي فِي تِلْكَ اللَّيْلَة دخل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَاللَّفْظ لَهُ (^٢).\n_________\n(^١) إكمال تهذيب الكمال (٧/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (٣١٠)، والأوسط (٣/ ٢٦٣ رقم ٣٠٩٦) والكبير (٨/ ١٩٦ رقم ٧٨٠٢) والشاميين (٨٩٧). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١١٤: رواه الطبراني في =","vol":"4","page":361},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي.\nقوله - ﷺ -: \"آمنت بك مخلصا لك ديني\" الحديث، الإيمان بالله التصديق، ومعنى الحديث: أي صدقت بك وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت، وتقدم معنى الإخلاص في أوائل هذا التعليق مبسوطا.\nقوله: \"إني أصبحت على عهدك ووعدك ما استطعت\" العهد تقدم ذكره والوعد كذلك في حديث شداد بن أوس في أوائل الباب.\n\n٩٨٢ - وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم من حَدِيث معَاذ بن جبل - ﵁ - أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يحلف ثَلَاث مَرَّات لَا يَسْتَثْنى إِنَّه مَا من عبد يَقُول هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات بعد صَلَاة الصُّبْح فَيَمُوت من يَوْمه إِلَّا دخل الْجنَّة وَإِن قَالَهَا حِين يُمْسِي فَمَاتَ من ليلته دخل الْجنَّة فَذكره بِاخْتِصَار إِلَّا أَنه قَالَ أَتُوب إِلَيْك من سيئ عَمَلي، وَهُوَ أقرب من قَوْله شَرّ عَمَلي وَلَعَلَّه تَصْحِيف (^١) وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.\n\n٩٨٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ إِذا أصبح سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ألف مرّة فقد اشْترى نَفسه من الله وَكَانَ آخر يَوْمه عَتيق الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط والخرائطي والأصبهاني وَغَيرهم (^٢).\n_________\n= الأوسط والكبير بنحوه، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٩٧) و(٦٧٣٢) وضعيف الترغيب (٣٩٢).\n(^١) لم أعثر عليه عن معاذ. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٩٣).\n(^٢) أخرجه الخرائطي في المكارم (٨٦٠)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٠٣ رقم ٣٩٨٢)، والأصبهانى في الترغيب (٧٦٧). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١١٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٩٦) وضعيف الترغيب (٣٩٤).","vol":"4","page":362},{"text":"قوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"من قال إذا أصبح سبحان الله وبحمده ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله\" الحديث، قال ابن رجب الحنبلي في اللطائف أو شرح النواوية على الشك (^١): قد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله بأموالهم فمنهم من تصدق بماله كله كحبيب أبي محمد، ومنهم من تصدق بوزنه فضه ثلاث مرات كخالد الطحان، ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: أنا أسيرٌ أسعى في فكاك رقبتي منهم عمرو بن عتبة وكان بعضهم يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة بقدر ديته كأنه قد قتل نفسه فهو يفكها بديتها، قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله ﷿، وقال أبو بكر بن عياش قال: قال رجل مرة وأنا شاب خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدا، قال: فوالله ما نسيتها بعد، أ. هـ.\n\n٩٨٤ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لفاطمة - ﵂ - ما يمنعك أَن تسمعي مَا أوصيك بِهِ أَن تقولي إِذا أَصبَحت وَإِذا أمسيت يَا حَيّ يَا قيوم بِرَحْمَتك أستغيث أصلح لي شأني كله وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤).\n(^٢) أخرجه البزار (٦٣٦٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٣٠)، والخرائطى في المكارم (٨٧٣) والحاكم (١/ ٥٤٥). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٦٦١).","vol":"4","page":363},{"text":"قوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - لفاطمة: \"ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به\" الحديث، فاطمة: بنت رسول الله - ﷺ - وهي أصغر بناته، أنكحها رسول الله - ﷺ - عليا وهي ابنة خمس عشرة سنة بعد وقعة أحد، ماتت في رمضان سنة إحدى عشرة وغسلها علي وصلى عليها ودفنها ليلا بوصيتها، واختلفوا في فاطمة وعائشة أيهما أفضل؟ (^١)، وقال أبو هريرة: قال قال رسول الله: \"تبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الدواب ليوافوا بالمؤمنين من قومهم المحشر، ويبعث صالح على ناقته، وأبعث على البراق خطوها عند أقصى طرفها وتبعث فاطمة أمامي\" (^٢)، وقالت عائشة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا كان يوم القيامة نادي مناديا يا معشر الخلائق نكسوا رءوسكم وغضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد على الطريق\" قال: \"فتمر ومعها سبعون ألف جارية من الحور العين كالبرق الخاطف\" (^٣) وسيأتي الكلام على بعض مناقبها في زواجها على علي في دبر الصلوات إن شاء الله تعالى.\nقوله: [وعن أنس بن مالك؛ - ﵁ -]. (^٤)\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١٥/ ٢٩).\n(^٢) المستدرك (٣/ ١٥٢ - ١٥٣). وتعقبه الذهبى فقال: فيه أبو مسلم قائد الأعمش، لم يخرجوا له، قال البخاري: فيه نظر، وقال غيره: متروك.\n(^٣) أخرجه النقاش (٦٣) في فوائد العراقيين عن أبي أيوب. وإسناده واه.\n(^٤) كذا في المخطوط ولا محل له هنا.","vol":"4","page":364},{"text":"٩٨٥ - وَعَن أبي بن كَعْب - ﵁ - أَنه كَانَ لَهُ جرن من تمر فَكَانَ ينقص فحرسه ذَات لَيْلَة فَإِذا هُوَ بِدَابَّة شبه الْغُلَام المحتلم فَسلم عَلَيْهِ فَرد ﵇ فَقَالَ مَا أَنْت جني أم إنسي قَالَ جني قَالَ فناولني يدك فَنَاوَلَهُ يَده فَإِذا يَده يَد كلب وشعره شعر كلب قَالَ هَذَا خلق الْجِنّ قَالَ قد علمت الْجِنّ أَن مَا فيهم رجل أَشد مني قَالَ فَمَا جَاءَ بك قَالَ بلغنَا أنَك تحب الصَّدَقَة فَجِئْنَا نصيب من طَعَامك قَالَ هَذِه الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْبَقَرَة ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^١) من قَالَهَا حِين يُمْسِي أجِير مِنْهَا حَتَّى يصبح وَمن قَالَهَا حِين يصبح أجِير منا حَتَّى يُمْسِي فَلَمَّا أصبح أَتَى رَسُول الله - ﷺ - فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ صدق الْخَبيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَاللَّفْظ لَهُ (^٢).\nالجرن بِضَم الْجِيم وَسُكُون الرَّاء هُوَ البيدر وَكذَلِكَ الجرين.\nوعن أبي بن كعب تقدم الكلام على نسب أبي بن كعب وعلى بعض فضائله في العلم في حديث الخضر، ولنذكر أيضًا شيئا من فضائله. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب\" قال أبي: وسماني لك؟ قال: \"نعم\" قال: فبكى أبي، أخرجاه في الصحيحين (^٣) والبخاري، وذكرت عند رب العالمين،\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٧٣٠ و١٠٧٣١ و١٠٧٣٢)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٠١ رقم ٥٤١). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٦٦١).\n(^٣) البخاري (٣٨٠٩) و(٤٩٥٩) و(٤٩٦٠)، ومسلم (٢٤٥ و٢٤٦ و١٢١ و١٢٢ - ٧٩٩).","vol":"4","page":365},{"text":"قال \"نعم\" فذرفت عيناه (^١) وإنما خص سورة لم يكن بالقراءة لما فيها من التوحيد والرسالة والمعاد وغيره (^٢)، وقال أبو نعيم بإسناده عن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب عن أبيه عن جده عن أبي قال: قال لي رسول الله - ﷺ - يا أبي أمرت أن أعرض عليك القرآن، قال: فقلت يا رسول الله: بالله آمنت وعلى يديك أسلمت ومنك تعلمت فردد عليه رسول الله - ﷺ - القول، فقال يا رسول الله أو ذكرت هناك، قال: \"نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى\" قال: فأقرأ إذا يا رسول الله (^٣)، وهي منقبة عظيمة لأبي بن كعب لم يشاركه فيها أحد من الناس، وفي كتاب الترمذي وغيره أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أقرأ أمتي أبي بن كعب\" (^٤).\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: \"خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم بن حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب\" (^٥) وكان عمر يقول: أبي سيد المسلمين، وقال مسروق: وكان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله - ﷺ - ستة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد وأبو\n_________\n(^١) البخاري (٤٩٦١).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٨/ ٢٠٦).\n(^٣) الحلية (١/ ٢٥١).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١٥٤) والترمذي (٣٧٩٠). وصححه الألباني الصحيحة (١٢٢٤).\n(^٥) البخاري (٣٨٠٨) و(٤٩٩٩) ومسلم (١١٦ - ٢٤٦٤).","vol":"4","page":366},{"text":"موسى؛ روى عنه: جماعة من الصحابة منهم: أبو أيوب وابن عباس وأبو موسى الأشعري وآخرون، ومن التابعين ابنه الطفيل وسويد بن غفلة وزر بن حبيش وعبد الرحمن بن الأسود وعبد الرحمن بن أبي ليلى وآخرون، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله: \"أنه كان جرن من تمر\" قد ضبطه المنذري، وفسره فقال: هو البيدر بالدال المهملة، وقال بعضهم: الجرين موضع تجفيف التمر وهو له كالبيدر للحنطة ويجمع على جرن بضمتين (^٢)، وفي الدارمي حدثنا أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: لقي رجل من أصحاب محمد - ﷺ - رجلًا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلا شخيتا كأن ذريعتك ذريعتي كلب فكذلك أنتم معشر الجرام أنت من بينهم كذلك، قال: لَا والله إني من بينهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال: نعم فصرعه فقال: أتقرأ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٣) قال: نعم، قال: فإنك لَا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى تصبح، قال الدارمي: الضيئل النحيف الدقيق، والشخيت المهزول، والشخت والخشيت النحيف الجسم الدقيقة،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٦٣).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.","vol":"4","page":367},{"text":"وقد شخت يشخت شخوتة والضليع جيد الأضلاع (^١).\nقوله: وله خبج كخبج الحمار، والخبج الريح (^٢)، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه التذكار: الخبج الضراط وهو الحنج بالحاء (^٣) أ. هـ.\n\n٩٨٦ - وَعَن الْحسن - ﵁ - قَالَ قَالَ سَمُرَة بن جُنْدُب أَلا أحَدثك حَدِيثا سمعته من رَسول الله - ﷺ - مرَارًا وَمن أبي بكر مرَارًا وَمن عمر مرَارًا قلت بلَى قَالَ من قَالَ إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى اللَّهُمَّ أَنْت خلقتني وَأَنت تهديني وَأَنت تطعمني وَأَنت تسقيني وَأَنت تميتني وَأَنت تحييني لم يسْأَل الله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه قَالَ فَلَقِيت عبد الله بن سليم فَقلت أَلا أحَدثك حَدِيثا سمعته من رَسول الله - ﷺ - مرَارًا وَمن أبي بكر مرَارًا وَمن عمر مرَارًا قَالَ بلَى فَحَدَّثته بِهَذَا الحَدِيث فَقَالَ بِأبي وَأمي قَالَ رَسول الله - ﷺ - هَؤُلاءِ الْكَلِمَات كَانَ الله ﷿ قد أعطاهن مُوسَى ﵇ فَكَانَ يَدْعُو بِهن فِي كل يَوْم سبع مَرَّات فَلَا يسْأَل الله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٤).\nقوله: وعن الحسن، تقدم الكلام على الحسن.\nقوله: قال سمرة بن جندب، وتقدم الكلام أيضًا على سمرة بن جندب.\n_________\n(^١) سنن الدارمى (٣٤٢٤).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) التذكار (ص ١٧٧).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٣٠٦ رقم ١٠٢٨). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١١٨: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٩٥).","vol":"4","page":368},{"text":"قوله: \"اللهم أنت خلقتني وأنت تهديني\" الحديث، من قال ذك إذا أصبح وإذا أمسى لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه.\nقوله: فلقيت عبد الله بن سليم فقلت ألا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله - ﷺ -. الحديث، هو: عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي الأنصاري الخزرجي الصحابي كان حليفا لبني الخزرج، كنيته أبو يوسف، كنى بابنه يوسف وهو من قينقاع بضم النون وفتحها وكسرها وهو من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - ﷺ -، وكان اسمه حصينا في الجاهلية فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله، وسيأتي باقي ترجمته في سقي الماء.\n\n٩٨٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صلى عَليّ حِين يصبح عشرا وَحين يُمْسِي عشرا أَدْرَكته شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا جيد (^١).\n\n٩٨٨ - وَعَن زيد بن ثَابت - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - علمه دُعَاء وَأمره أَن يتعاهده ويتعاهد بِهِ أَهله فِي كل يَوْم قَالَ قل حِين تصبح لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك وَسَعْديك وَالْخَيْر فِي يَديك ومنك وَإِلَيْك اللَّهُمَّ مَا قلت من قَول أَو حَلَفت من حلف أَو نذرت من نذر فمشيئتك بَين يَدَيْهِ مَا شِئْت كَانَ وَمَا لم تشأ لم يكن وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الصلاة على النبي (٦١)، والطبراني كما في جامع المسانيد (٩/ ٢٩٦ رقم ١١٨٨٥). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢٠: رواه الطبراني بإسنادين، وإسناد أحدهما جيد، ورجاله وثقوا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٧٨٨) وضعيف الترغيب (٣٩٦).","vol":"4","page":369},{"text":"حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بك إِنَّك على كل شَيْء قدير اللَّهُمَّ مَا صليت من صَلَاة فعلى من صليت وَمَا لعنت من لعن فعلى من لعنت إِنَّك وليي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة توفني مُسلما وألحقني بالصالحين اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الرِّضَا بعد القضا وَبرد الْعَيْش بعد الْمَوْت وَلَذَّة النّظر إِلَى وَجهك وشوقا إِلَى لقائك فِي غير ضراء مضرَّة وَلَا فتْنَة مضلة وَأَعُوذ بك اللَّهُمَّ أَن أظلم أَو أظلم أَو أعتدي أَو يعتدى عَليّ أَو أكسب خَطِيئَة أَو ذَنبا لَا تغفره اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة ذَا الْجلَال وَالإِكْرَام فَإِنِّي أَعهد إِلَيْك فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا وأشهدك وَكفى بِالله شَهِيدا إِنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أنت وَحدك لَا شريك لَك لَك الْملك وَلَك الْحَمد وَأَنت على كل شَيْء قدير وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك وَأشْهد أَن وَعدك حق ولقاءك حق وَالْجنَّة حق والساعة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَنَّك تبْعَث من فِي الْقُبُور وَأَنَّك إِن تَكِلنِي إِلى نَفسِي تَكِلنِي إِلى ضَعِيف وعورة وذنب وخطيئة وَإِنِّي لَا أثِق إِلَّا بِرَحْمَتك فَاغْفِر لي ذُنُوبِي كلهَا إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أنت وَتب عَليّ إِنَّك التواب الرَّحِيم رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وروى ابْن أبي عَاصِم مِنْهُ إِلَى قَوْله بعد الْقَضَاء (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٩١ (٢١٦٦٦) و(٢١٦٦٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٢٦)، وابن خزيمة في التوحيد ١/ ٣٣، والطبراني في الدعاء (٣٢٠) و(٣٢١) والشاميين (١٤٨١) و(٢٠١٣) والكبير (٥/ ١١٩ رقم ٤٨٠٣) و(٥/ ١٥٧ رقم ٤٩٣٢)، وابن السنى (٤٧)، والحاكم (١/ ٥١٦ - ٥١٧). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١١٣: رواه أحمد، والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا، وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٩٧).","vol":"4","page":370},{"text":"قوله: وعن زيد بن ثابت، كنيته أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري المدني القرطبي الكاتب كاتب الوحي والمصحف، وكان عمره - ﵁ - حين قدم رسول الله - ﷺ - المدينة مهاجرا إحدى عشرة سنة وحفظ قبل قدوم رسول الله - ﷺ - المدينة مهاجرا ست عشرة سورة وقتل أبوه ولزيد بن ثابت ست بنين واستصغره النبي - ﷺ - يوم بدر فرده، وشهد أحدًا، وقيل: لم يشهدها وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله - ﷺ - وأعطاه النبي - ﷺ - يوم تبوك راية بني النجار وكان يكتب الوحي لرسول الله - ﷺ -، ويكتب أيضًا المراسلات إلى الناس وكان يكتب لأبي بكر وعمر بن الخطاب وكان عمر يستخلفه إذا حج، روى له عن رسول الله - ﷺ - اثنان وتسعون حديثا اتفقا منها على خسمة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث، توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وقيل سنة ست وخمسين، وقيل: سنة أربعين وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: غير ذلك (^١).\nقوله - ﷺ -: \"قل حين تصبح لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وإليك\" قال العلماء: التلبية معناها الإجابة، وقيل: معنى لبيك إجابة بعد إجابة ولزوما لطاعتك (^٢)، وقيل: معناها أنا مقيم على طاعتك إقامة\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٨٧).","vol":"4","page":371},{"text":"بعد إقامة (^١)، يقال: لب بالمكان وإلبابا أي أقام به (^٢)، وفي هذا الحديث: استحباب التلبية في الدعاء خلافا للمالكية في قصرها على الحاج (^٣).\nقوله: وسعديك، أي: مساعدة على طاعتك بعد مساعدة، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٤) والمعاونة على العبادة من جملة العبادة (^٥)، وقال الأزهري وغيره: مساعدة لأمرك ومتابعة لدينك بعد متابعة (^٦) أي: فلا يطلب خير الدنيا والآخرة إلا منك، ونظير ذلك في الدلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٧) وفي التعبير باليدين هنا إشكال، وذلك أن اليد قد تطلق ويراد بها النعمة ومنه قوله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٨) يعني نعمتاه في الدنيا والآخرة، وتطلق ويراد بها القدرة (^٩).\nقوله: وفي الحديث الآخر وليس الشر إليك، قال الخطابى وغيره فيه الإرشاد إلى أن الأدب في الثناء على الله تعالى ومدحه بأن يضاف إليه\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٢/ ٤٢)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المجموع (٤/ ٦٤٢ - ٦٤٣)، والأذكار (ص ٤٣٩).\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(^٥) الغريبين (٣/ ٨٩٤)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٢٥).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٩).\n(^٧) سورة آل عمران، الآية: ٧٣.\n(^٨) سورة المائدة، الآية: ٦٤.\n(^٩) شرح النووي على مسلم (٨/ ٨٧).","vol":"4","page":372},{"text":"محاسن الأمور دون مساوئها على وجه الأدب (^١) ومعنى: \"والشر ليس إليك\" أي: أن الشر لَا يتقرب به إليك ولا يبتغي به وجهك أو أن الشر لا يصعد إليك وإنما يصعد إليك الطيب من القول والعمل وليس المقصود نفي شيء عن قدرته وإثباته لها فإن هذا الدعاء مندوب إليه وهو مذهب أهل الحق أن كل شيء فعل الله وخلقه سواء خيرها وشرها (^٢)، وفيه [خمسة أقوال] أقوال أحدها: لا يتقرب به إليك وهو قول أكثرهم، والثاني: لا يضاف إليك على انفراده فلا يقال يا خالق القردة والخنازير ويا رب الشر ونحو هذا وإن كان الله تعالى خالق كل شيء ورب كل شيء وحينئذ يدخل الشر في العموم وهو محكي عن الشيخ أبي حامد عن المزني، والثالث: معناه والشر لا يصعد إليك إنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح، الرابع: معناه والشر ليس شرا بالنسبة إليك فإنك خلقته لحكمة بالغة وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين حكاه الخطابى، والخامس: أنه كقولك فلان إلي بني فلان أي في عدادهم، ا. هـ، حكاه الخطابي (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت\" الحديث، سئل أبو عثمان عن قول النبي - ﷺ - أسألك الرضا بعد القضاء فقال: لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا والرضا بعد القضاء هو الرضي (^٤)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٩).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٥٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٩).\n(^٤) الرسالة (٢/ ٣٤٤).","vol":"4","page":373},{"text":"وقيل الرضى ارتفاع الجزع في أي حكم كان فالنبي - ﷺ - سأل الرضا بالقضاء، قال بعض الحفاظ: سأل الرضا بعد لأنه حينئذ تتبين حقيقة الرضا وأما الرضى قبله فإنما هو عزم على أنه يرضى إذا أصابه على ما تقدم من قول أبي عثمان وإنما يتحقق الرضى بعده وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري - ﵄ -: أما بعد، فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر، وقال أبو عثمان الحيري منذ أربعين سنة ما أقامني في حال فكرهته وما نقلني إلى غيره فسخطته، هكذا يكون العبد وهذه هي حقيقة العبودية (^١)، قال البيهقي: وروينا في دعاء النبي - ﷺ -: \"اللهم إني أسألك الصحة والعافية والأمانة وحسن الخلق والرضا بالقدر\" فالرضا ثلاثة أقسام، رضا العوام بما قسمه الله وأعطاه، ورضا الخواص بما قدره الله وقضاه ورضا خواص الخواص به بدلا من كل ما سواه ذكره ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النواوية. (^٢)\nقوله - ﷺ -: \"اللهم فاطر السموات والأرض\" والفطر الابتداء والاختراع قال ابن عباس - ﵄ -: كنت لا أدري ما فاطر السموات حتى أتاني أعرابيات يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها، أي: ابتدأتها (^٣).\nوقوله - ﵁ -: \"كنت لا أدري ما فاطر السموات\" أى لا أعرف مأخذ هذا اللفظ من الاشتقاق اللغوى (^٤) وفطر السموات ابتدأ خلقها من غير مثال سبق\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٧٥).\n(^٢) هذا خطأ في العزو وإنما هو من كلام ابن القيم في المدارج (٢/ ١٧٥).\n(^٣) غريب الحديث (٥/ ٤١٣)، وتفسير الطبرى (٩/ ١٧٥).\n(^٤) الميسر (١/ ٥٤).","vol":"4","page":374},{"text":"وجمعت السموات ووحدت الأرض في جميع الآيات لأن النبي - ﷺ - أسرى به إليها ووطئها بقدميه فتعرفت بذلك فجمعت وأما الأرض فلم يطأ بقدميه الشريفين سوى العليا منها ولأن السموات محل الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ولم يثبت في الأرض مثل ذلك فجمعت السموات حينئذ لشرفها ولذلك كان المختار أنها أفضل من الأرض (^١) أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"عالم الغيب والشهادة\" والغيب ما غاب عن العيوب والشهادة الحضور هكذا في مشارق الأنوار (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق والجنة حق والساعة آتية لا ريب فيها\" الحديث أي: كله متحقق لا شك فيه، وقيل: معناه خبرك حق وصدق وقيل في قوله: \"ووعدك حق\" أي: صدق ومعنى لقاؤك حق أي: البعث وكذلك.\nقوله: وأنك تبعث من في القبور، البعث بعد الموت هو معنى، قوله: \"وإليك النشور\" فإن النشور الحياة بعد الموت قال الأعشى:\nحَتَّى يَقُولَ النَّاسَ مِمَّا رَأَوْا ... يَا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ (^٣)\nومنه النشور، وأنشرهم الله أحياهم، يقال: نشر الميت نشورا إذا عاش بعد الموت ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ (^٤) وأنشره الله أحياه.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ١٠٨).\n(^٢) لم أجده في المشارق وإنما ذكره الأزهرى في تهذيب اللغة عن ابن الأعرابى (٨/ ١٨٣).\n(^٣) الصحاح (٢/ ٨٢٧ - ٨٢٨)، وتفسير القرطبى (٣/ ١٣).\n(^٤) سورة عبس، الآية: ٢٢.","vol":"4","page":375},{"text":"قوله: في آخر الحديث: \"فاغفر لي ذنوبي وتب علي غنك انت التواب الرحيم\"، وفي حديث آخر \"فاغفر لي مغفرة من عندك\" أي: تفضلا من عندك وإن لم أكن لها أهلا، وإلا فالمغفرة والرحمة وكل النعم من عنده تعالى وقد أكد ذلك بقوله: \"إنك أنت الغفور الرحيم\" أي: لأنك صاحب المغفرة والرحمة. أ. هـ.\nقوله: \"وأعوذ بك أن أظلم أو اظلم\" يعني أن أظلم نفسي وغيري أو أظلم من غيري والظلم وضع الشيء في غير موضعه ويدخل فيه مسائل كثيرة ليس هذا موضعها والله أعلم.\n\n٩٨٩ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - أَنه سَأل رَسُول الله - ﷺ - عَن مقاليد السَّمَوَات وَالأَرْض فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - مَا سَأَلَني عَنْهَا أحد تَفْسِيرهَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَسُبْحَان الله وَبِحَمْدِهِ أسْتَغْفر الله لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن بِيَدِهِ الْخَيْر يحيي وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير يَا عُثْمَان من قَالَهَا إِذا أصبح عشر مَرَّات أعطَاهُ الله بهَا سِتّ خِصَال، أما وَاحِدَة فيحرس من إِبْلِيس وَجُنُوده وَأما الثَّانِيَة فَيعْطى قِنْطَارًا فِي الْجنَّة وَأما الثَّالِثَة فَترفع لَهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة وَأما الرَّابِعَة فيزوج من الْحور الْعين وَأما الْخَامِسَة فَلهُ فِيهَا من الأجر كمن قَرَأَ الْقُرْآن والتوراة وَالإِنْجِيل وَأما السَّادِسَة يَا عُثْمَان لَهُ كمن حج وَاعْتمر فَقبل الله حجه وعمرته وَإِن مَاتَ من يَوْمه ختم لَهُ بِطَابع الشُّهَدَاء\" رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَأَبُو يعلى وَابْن السّني وَهُوَ أَصْلحهم إِسْنَادًا وَغَيرهم وَفِيه نَكَارَة وَقد قيل فِيهِ مَوْضُوع وَلَيْسَ بِبَعِيد (^١) وَالله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في المقصد (١٦٤٧)، والعقيلى في الضعفاء (١/ ١١٧) و(٤/ ٢٣١)، والدينورى في المجالسة (٢٩٢٣)، والطبراني في الدعاء (١٧٠٠ و١٧٠١)، وابن السنى (٧٣)، =","vol":"4","page":376},{"text":"قوله: وروي عن عثمان بن عفان، تقدم الكلام على عثمان بن عفان، يجوز فيه الفتح والصرف في عفان.\nقوله: إنه سأل رسول اللّه - ﷺ - عن مقاليد السموات والأرض فقال النبي - ﷺ -: \"ما سألني عنها أحد\" الحديث، المقاليد أي الخزائن وفي معانه المفاتيح قال اللّه تعالى: \"لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\" (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وإن مات يوم ختم له بطابع الشهداء\" الطابع: بفتح الباء وكسرها الختم وتقدم ذكره في الوضوء.\n\n٩٩٠ - وَرُوِيَ عَن أبان الْمحَاربي - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ مَا من عبد مُسلم يَقُول إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى رَبِّي اللّه لا أشرك بِهِ شَيْئا وَأشْهد أَن لا إِلَه إِلَا اللّه إِلَا غفر لَهُ ذنُوبه حَتَّى يُمْسِي وَكَذَلِكَ إِن قَالهَا إِذا أصبح رَواهُ الْبَزَّار وَغَيره (^٢).\nقوله: وروى عن أبان المحاربي هو أبان بن [بياض بالأصل].\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد مسلم يقول إذا أصبح وإذا أمسى ربي اللّه لا أشرك به شيئا أشهد أن لا إله إلا اللّه إلا غفر اللّه له ذنوبه حتى يمسي\" الحديث المراد بغفران الذنوب الصغائر دون الكبائر على ما تقدم في الوضوء والصلاة.\n_________\n= والبيهقي في الأسماء والصفات (١٩). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١١٥: رواه أبو يعلى في الكبير، وفيه الأغلب بن تميم، وهو ضعيف. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٣٩٨).\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٦٣.\n(^٢) أخرجه البزار (٣١٠٤/ كشف الأستار)، والطبراني كما في جامع المسانيد (١/ ٦١ رقم ٣)، وابن السنى في اليوم والليلة (٥٩). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١١٦: رواه البزار، وفيه أبان بن أبي عياش، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥١٨٢) وضعيف الترغيب (٣٩٩).","vol":"4","page":377},{"text":"٩٩١ - وَعَن وهيب بن الْورْد - ﵁ - قَالَ خرج رجل إِلَى الْجَبانَة بعد سَاعَة من اللَّيْل قَالَ فَسمِعت حسا وأصواتا شَدِيدَة وَجِيء بسرير حَتَّى وضع وَجَاء شَيء حَتَّى جلس عَلَيْهِ قَالَ وَاجْتمعت إِلَيْهِ جُنُوده ثمَّ صرخَ فَقَالَ من لي بِعُرْوَة بن الزبير فَلم يجبهُ أحد حَتَّى قَالَ مَا شَاءَ اللّه من الأصْوَات فَقَالَ وَاحِد أَنا أكفيكه قَالَ فَتوجه نَحْو الْمَدِينَة وَأَنا أنظر إِلَيْهِ فَمَكثَ مَا شَاءَ اللّه ثمَّ أوشك الرّجْعَة فَقَالَ لا سَبِيل لي إِلَى عُرْوَة قَالَ وَيلك لم قَالَ وجدته يَقُول كَلِمَات إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى فَلَا يخلص إِلَيْهِ مَعَهُنَّ قَالَ الرجل فَلَمَّا أَصبَحت قلت لأهلي جهزوني فَأتيت الْمَدِينَة فَسَأَلت عَنهُ حَتَّى دللت عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ شيخ كَبِير فَقلت شَيْئا تَقوله إِذا أَصبَحت وَإِذا أمسيت فَأبى أَن يُخْبِرنِي فَأَخْبَرته بِمَا رَأَيْت وَمَا سَمِعت فَقَالَ مَا أَدْرِي غير أنَي أَقُول إِذا أَصبَحت وَإِذا أمسيت آمَنت بِاللّه الْعَظِيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى لا انفصام لهَا وَاللّه سميع عليم إِذا أَصبَحت ثَلَاث مَرَّات وَإِذا أمسيت ثَلَاث مَرَّات رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي مكايد الشَّيْطَان (^١).\nأوشك أَي أسْرع بوزنه وَمَعْنَاهُ.\nقوله: وعن وهيب بن الورد، هو: وهيب بن الورد بن أبي الورد المكي القرشي أبو عثمان ويقال أبو أمية مولى بني مخزوم روى عن سفيان الثوري وعمر بن محمد بن المنكدر روى عنه عبد اللّه بن المبارك وآخرون، ثقة عابد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (١٥٤) عن أبي الأشيم. وأخرجه الضياء في العدة للكرب والشدة (٣٥) عن وهيب بن الورد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٠٠).","vol":"4","page":378},{"text":"زاهد ذكره ابن حبان في الثقات وكان من العباد المتجردين لترك الدنيا والمنافسين في طلب الآخرة وكان الثوري إذا حدث الناس وفرغ من الحديث قال: قوموا بنا إلى الطبيب يعني وهيب بن الورد، وقال عبد اللّه بن المبارك: كان وهيب بن الورد يتكلم والدموع من عينيه وكان يقول عجيبا للعالم كيف يحسنه دواعي قلبه إلى ارتياح المضحك وقد علم أن له في القيامة روعات ووقفات وفزعات قال ذلك ثم غشي عليه، قال وهيب بن الورد قال يحيى لعيسي ﵉: يا روح اللّه ما أشد ما خلق اللّه قال غضب اللّه قال: فأخبرني في عشري: اتقي به غضب اللّه قال: لا تغضب، قال سفيان بن عيينة قال وهيب بن الورد: بينا أنا واقف في بطن الوادي إذا أنا برجل قد أخذ بمنكبي وقال: يا وهيب خف اللّه كقدرته عليم واستحيي منه لقربه منك، قال: فالتفت فلم أر أحدًا، وقال وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا أن لا تأس على ما فاتك منها ولا تفرح بما آتاك منها، وقال عبد اللّه بن المبارك: إن استطعت أن يسبقك إلى اللّه أحد فافعل، وكانوا يرون له الرؤيا أنه من أهل الجنة فإذا أخبر بها اشتد بكاؤه، وقال: خشيت أن يكون هذا من الشيطان قال: فسمعوه عند الموت يقول: قد وفيت لي ولم أوف لك، وقال عبد اللّه بن المبارك: قال وهيب: قال عيسى ﵇: حب الفردوس خشية جهنم يورثان الصبر على المشقة ويباعدان العبد من راحة الدنيا وكان اسمه قبل ذلك عبد الوهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول اللّه أخبرني بجلساء اللّه يوم القيامة قال: \"هم","vol":"4","page":379},{"text":"الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون اللّه كثيرا\" أدرك وهيب بن الورد جماعة من التابعين وأكثر رواته عن الأئمة وأعلام التابعين، مات وهيب بن الورد سنة ثلاث وخمسين ومائة، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (^١) أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله: خرج رجل إلى الجبانة، الجبانة: الصحراء وتسمي بها المقابر لأنها تكون في الصحراء تسمية للشيء بموضعه قاله في النهاية (^٢).\nقوله: ثم صرخ فقال: من لي بعروة بن الزبير فلم يجبه أحد، الحديث، عروة بن الزبير بن العوام التابعي: هو أبو عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي المدني التابعي الجليل فقيه المدينة أحد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة وأمه أسماء بنت أبي بكر وخالته عائشة أم المؤمنين وسمع أباه وأخاه عبد اللّه قال ابن شهاب: كان عروة بحرا لا تدركه الدلاء، وقال ابن هشام: واللّه ما تعلمنا منه جزءا من ألف جزء من حديثه قال ابن سعد: وكان ثقة كثير الحديث فقيها عالما مأمونا نبيها وهو مجمع على جلالته وعلو مرتبته ووفور علمه لم يدخل في شيء من الفتن وكان عروة يقول: تعلموا العلم تسودوا به قومكم، وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أعلم من عروة بن الزبير، وقال حميد بن عبد الرحمن: لقد رأيت أصحاب النبي - ﷺ - وهم يسألون عروة وكان يقرأ كل يوم ربع القرآن\n_________\n(^١) المنتظم (٨/ ١٧٢ - ١٧٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤٩)، وتهذيب الكمال (٣١/ ترجمة ٦٧٧١).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"4","page":380},{"text":"نظرًا في المصحف ويقوم به الليل وما ترك قيام الليل إلا ليلة قطعت رجله بالمنشار لما قطعت في الأكلة وكانت إذا كانت أيام الرطب فتح حائط حديقته فيدخل الناس فيأكلون ويحملون ولما قطعت رجله مات ولده محمد فقال لك الحمد كانوا سبعة فأخذت منهم واحدًا وكن أربعا فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا فإن كنت قد أخذت فقد أبقيت وإن كنت ابتليت فقد عافيت وكان يصوم الدهر كله إلا يومي الفطر والنحر، ومات وهو صائم سنة ثلاث وتسعين، وقيل: أربع وقيل سنة خمس وتسعين وقال البخاري (^١): سنة تسع وتسعين مات في السنة التي مات فيها زين العابدين وسعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وغيرهم، وتعرف بسنة موت الفقهاء والعلماء، روى عن أبيه يسيرا وعن زيد بن ثابت كثيرا (^٢) قاله في الديباجة.\nقوله: \"ثم أوشك الرجعة\" قد فسره الحافظ أي: أسرع وزنه معناه.\nقوله: فقال لا سبيل لي إلى عروة، السبيل الطريق.\nقوله: ويلك [لم]، قال: وجدته يقول كلمات، كلمة ويل [بمعنى التعجب].\nقوله: آمنت باللّه العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت، تقدم تفسير الآيات باللّه.\nقوله: وكفرت بالجبت والطاغوت؛ الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك (^٣)، والطاغوت، قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة: كل ما عبد من دون اللّه تعالى، وقال ابن\n_________\n(^١) التاريخ الأوسط (١/ ٢٣٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، وتهذيب الكمال (٢٠/ ترجمة ٣٩٠٥).\n(^٣) الصحاح (١/ ٢٤٥).","vol":"4","page":381},{"text":"عباس ومقاتل والكلبي وغيرهم: الشيطان وقيل الأصنام (^١) وتقدم الكلام على ذلك مختصرا.\nقوله: واستمسكت بالعورة الوثقى، العروة الوثقى العهد الوثيق في الدين أو السبب الموصل على رضى اللّه تعالى (^٢)، وقيل: العروة الوثقى الإيمان، والوثقى تأنيث الأوثق (^٣).\nقوله: لا انفصام لها، الفصم أن يتصدع الشيء فلا يبين ومنه قوله تعالى: ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ (^٤) فإذا بان فهو الفصم (^٥).\nقوله: [بياض بالأصل] (^٦).\n\n٩٩٢ - وَعَن أنس - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من حافظين يرفعان إِلَى اللّه ﷿ مَا حفظا من ليل أَو نَهَار فيجد اللّه فِي أول الصَّحِيفَة وَفِي آخرهَا خيرا إِلَا قَالَ للْمَلَائكَة أشهدكم أنِّي قد غفرت لعبدي مَا بَين طرفِي الصَّحِيفَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة تَمام بن نجيح عَن الْحسن عَنهُ (^٧).\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام على أنس.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨).\n(^٢) البحر المحيط (٢/ ٢٩٣).\n(^٣) التفسير البسيط (٤/ ٣٦٥).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٥٦.\n(^٥) الغريبين (٥/ ١٤٥٣).\n(^٦) بياض بمقدار سطر.\n(^٧) أخرجه الترمذي (٩٨١)، وأبو يعلى (٢٧٧٥)، والبيهقي في الشعب (٩/ ٢٧٣ - ٢٧٤ رقم ٦٦٥٢). وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب (٤٠١) والضعيفة (٢٢٣٩).","vol":"4","page":382},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فيجد اللّه في أول الصحيفة وفي آخرها خيرا\" الحديث، المراد بالصحيفة ما يكتب فيه الملكان الحافظان الحسنات والسيئات، والمراد بغفران الذنوب الصغائر، وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو اللّه تعالى وتقدم ذلك.\nقوله: رواه البيهقي من رواية تمام بن أبي نجيح [قال ابن عدي وغيره هو غير ثقة، وقال البخاري: فيه نظر وقال أبو حاتم: ذاهب الحديت، ووثقه يحيى بن معين].","vol":"4","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>التَّرْغِيب فِي قَضَاء الْإِنْسَان ورده إِذا فَاتَهُ من اللَّيْل</span>\n٩٩٣ - عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - وأرضاه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من نَام عَن حزبه أَو عَن شَيْء مِنْهُ فقرأه فِيمَا بَين صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر كتب لَهُ كَأَّنمَا قَرَأَهُ من اللَّيْل رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيمَة في صحِيحه (^١).\nقوله: عن عمر تقدم الكلام على عمر بن الخطاب مطولا في حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" في أول الكتاب.\nقوله - ﷺ -: \"من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل \" يعني: من كان له ورد في الليل من قراءة القرآن وعدد ركعات ونام ولم يستيقظ إلا وقت الصبح وفاته ورده فإذا فعل ورده بالنهار قبل الظهر فكأنه صلى بالليل (^٢)، والحزب ما يجعله الإنسان على نفسه من قراءة أو صلاة أو ذكر (^٣)، وأصل الحزب النوبة في ورد ورد الماء وسمي ما يجعله الإنسان على نفسه في وقت ما من قراءة أو صلاة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٢ - ٧٤٧)، وابن ماجه (١٣٤٣)، وأبو داود (١٣١٣)، والترمذي (٥٨١)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٥٠٣ (١٨٠٦)، وابن خزيمة (١١٧١).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٢٨٠).\n(^٣) شرح السنة (٤/ ١١٤)، ومشارق الأنوار (١/ ١٩٠ - ١٩١)، ومطالع الأنوار (٢/ ٢٦٦)، وغريب الحديث (١/ ٢٠٩)، وجامع الأصول (٢/ ٤٧٤).","vol":"4","page":384},{"text":"أو ذكر حزبا تشبيها بذلك (^١)، وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان رسول اللّه - ﷺ - إذا فاتته صلاة من الليل من وجع أو غيره صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة (^٢)، قال النووي في الأذكار (^٣): ينبغي لمن كانت له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار أو عقب صلاة أو حالة من الأحوال ففاته أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها، قال القرطبي (^٤): هذا تفضل من اللّه تعالى ودليل على أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلب عليه نوم أو عذر منعه من القيام مع أن نيته القام لما روى في حديث أبي الدرداء يبلغ به عن النبي - ﷺ - قال: \"من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه\" (^٥) الصواب الذي عليه الأكثرون أن ثوابه يحصل كاملا مضاعفا بسبب عذره المتقدم هذا قول بعض شيوخنا وقال بعضهم: يحتمل أن يكون غير مضاعف إذ الذي يصليها أكمل\n_________\n(^١) شرح السنة (٤/ ١١٤)، ومشارق الأنو ار (١/ ١٩٠ - ١٩١)، ومطالع الأنوار (٢/ ٢٦٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٠ و١٤١ - ٧٤٦).\n(^٣) الأذكار (ص ١٣).\n(^٤) المفهم (٧/ ١٨ - ١٩).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (١٣٤٤)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٥٠١ (١٨٠٣) والكبرى (١٤٦٣)، وابن خزيمة (١١٧٢)، والحاكم (١/ ٣١١). وصححه الألباني صحيح الترغيب (٢١) و(٦٠١)، الإرواء (٤٥٤)، الروض النضير (٧٣٥).","vol":"4","page":385},{"text":"وأفضل قال: والظاهر الأول فإن الثواب فضل من الكريم الوهاب.\nقوله: \"فقرأه فيما بين صلاة الفجر والظهر\" وإنما خص قبل الظهر بالذكر لأنه متصل بآخر الليل من غير أن يفصل بينهما فريضة نوم (^١)، وقد رأى مالك أن يصلي حزبه من فائتة بعد طلوع الفجر وهو عنده وقت ضرورة كمن غلب على حزبه وفاته كما يقول في الوتر (^٢)، أ. هـ قال بعض الشافعية: قلت ولا مانع من أن يراد بالقراءة الصلاة وبعد صلاة الفجر إنما تكره صلاة لا سبب لها.\nقوله: \"فكأنما قرأه من الليل\" أي: فكأنما فعله في الليل كالنية في صوم النفل فإنها مجزئة قبل الزوال.\nخاتمة: قال القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ (^٣) بعد أن ذكر هذا الحديث: سمعت ذانشمند الأكبر يقول: إن اللّه خلق العبد حيا عالما وبذلك كماله وسلط عليه آفة النوم وضرورة الحدث ونقصان الخلقة إذ الكمال المطلق للأول الخالق فما أمكن الرجل من دفع النوم بقلة الأكل والسهر [في الطاعة فليفعل] ومن\n_________\n(^١) كذا في الأصل وهو نقل عن المفاتيح (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١) وعنه نقل الطيبى في المشكاة (٤/ ١٢١٥) ولفظه: إنما خص قبل الظهر بهذا الحكم، لأنه متصل بآخر الليل بغير فصل، سوى صلاة الصبح.\n(^٢) المفهم (٧/ ١٩).\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٢.","vol":"4","page":386},{"text":"الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغوا، وينام سدس النهار راحة فيذهب ثلثا ويبقى له من العمر عشرون سنة، ومن الجهالة والسفاهة أن يصرف الرجل ثلثي عمره في لذة فانية ولا يصرف عمره في لذة باقية عند الغني الوفي الذي ليس بعديم ولا ظلوم (^١).\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ٤٥٠).","vol":"4","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>التَّرْغِيب فِي صَلَاة الضُّحَى</span>\nعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ أَوْصَانِي خليلي - ﷺ - بصيام ثَلَاثَةَ أَيَّام من كل شهر وركعتي الضُّحَى وَأَن أوتر قبل أَن أرقد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ نَحوه وَابْن خُزَيْمَة وَلَفظه قَالَ أَوْصَانِي خليلي - ﷺ - بِثَلَاث لست بتاركهن أَن لا أَنَام إِلَا على وتر وَأَن لا أدع رَكعَتي الضُّحَى فَإنَّهَا صَلَاة الأوَّابِينَ وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر (^١).\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة؟ قول أبي هريرة: \"أوصاني خليلي - ﷺ -\" لأنه - ﷺ - لا يوصي بعمل إلا وفي فعله جزيل الأجر والثواب (^٢)، ففي هذا الحديث دليل على استحباب هذه الأمور وتأكدها بالوصية عليها واللّه أعلم.\nقوله: خليلي - ﷺ - قال الإمام أبو الحسين الواحدي (^٣) في قول اللّه ﷿: \"وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا\" (^٤) قال أبو بكر بن الأنباري (^٥): الخليل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٧٨٧) و(١٩٨١)، ومسلم (٨٥ - ٨٢١)، وأبو داود (١٤٣٢)، والترمذي (٤٥٥) و(٧٦٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٤٢٣ (١٦٩٣) و٣/ ٤٢٤ (١٦٩٤) و٤/ ٣٩٨ (٢٣٨٨) و٤/ ٤٢٧ (٢٤٢٥)، وابن خزيمة (١٢٢٢) و(١٢٢٣) و(٢١٢٣)، وابن حبان (٢٥٣٦).\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ٦).\n(^٣) التفسير البسيط (٧/ ١١٤).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(^٥) الزاهر (١/ ٤٩٣ - ٤٩٤).","vol":"4","page":388},{"text":"معناه المحب الكامل والمحبوب الوفي بحقيقة المحبة اللذان ليس في حبهما نقص ولا خلل، قال: فتأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (^١) اتخذ اللّه إبراهيم محبا له خالص المحبة ومحبوبا له وشرفه بلزوم هذا الاسم له الذي لا يستحق مثله إلا أنبياؤه ومن يشرفه اللّه تعالى ويرفع قدره، قال ابن الأنباري: وقال بعض أهل العلم معناه: واتخذ اللّه إبراهيم فقيرا إليه لا يجعل فقره وفاقته إلى غيره ولا ينزل حوائجه بسواه، فالخليل على هذا القول فعيل من الخلة بمني الفقير ونحو هذا، قال الزجاج (^٢): الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل فجائز أن يكون إبراهيم سمى خليلا لأنه الذي أحبه اللّه تعالى محبة تامة وأحب اللّه هو محبة تامة (^٣) واللّه أعلم.\nقوله: \"بصيام ثلاثة أيام من كل شهر\" والمعنى: في الصلاة أن الحسنة بعشر أمثالها فمن واظب على ذلك عدل صيام الدهر لكنه بغير تضعيف، ومن صام الدهر كتب له الأجر مضاعفا الحسنة بعشر أمثالها، قال النووي (^٤): قال القاضي: واختلفوا في تعيين هذه الأيام الثلاثة المستحبة من كل شهر ففسره جماعة من الصحابة والتابعين بأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر، وبه قال أصحاب الشافعي واختاره النخعي وآخرون آخر الشهر واختار آخرون ثلاثة\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(^٢) معانى القرآن (٢/ ١١٢).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٨/ ٥٢).","vol":"4","page":389},{"text":"من أول الشهر منهم الحسن واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين والخميس، وفي رفعه ابن عمر أول اثنين في الشهر وخميسان بعده، وعن أم سلمة اول خميس والاثنين بعده ثم الاثنين، وقيل: أول يوم من الشهر والعاشر والعشرون، وقيل: إنه صيام مالك بن أنس وروى عنه كراهة صوم أيام البيض، وقال ابن شعبان المالكي أول يوم من الشهر والحادي عشر والحادي والعشرين واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وركعتي الضحى وصلاة الضحى\" كانت صلاة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل نبينا - ﷺ -، قال اللّه ﷾ مخبرا عن داود: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ (^١) فأبقى اللّه في دين محمد العصر صلاة العشى ونسخ صلاة الإشراق (^٢)، وقد روى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود أنهم كانوا [لا] (^٣) يصلونها (^٤)، فصلاة الضحى سنة ثابتة مرغب فيها عند الجمهور (^٥) لا تسن فيها الجماعة وتستحب الملازمة عليها، ويكره تركها لمن اعتادها وإن تركها فلا شيء لكن يفوته حظه من ثوابها، وروي في بعض الأحاديث أنه - ﷺ - قال: \"ما من عبد يصلي الضحى ثم تركها إلا صعدت إلى اللّه تعالى وقالت يا رب إن فلانا حفظني فاحفظه وإن فلانا\n_________\n(^١) سورة ص، الآية: ١٨.\n(^٢) عارضة الأحوذى (٢/ ٢٥٧).\n(^٣) سقطت من الأصل وأثبتناها من المصدر انظر التعليق التالى.\n(^٤) المفهم (٦/ ١٤١) وعنه نقل أبن المقن في التوضيح (٩/ ٤٦).\n(^٥) المفهم (٦/ ١٤١).","vol":"4","page":390},{"text":"ضيعني فضيعه\" (^١) وإنما كان النبي - ﷺ - يصليها في بعض الأوقات ويدعها خشية أن تفرض ويعتقد وجوبها أو أنه لا يجوز الإخلال بها ورأى عمر الناس يصلونها في المسجد فقال: بدعة فكأنه يعني الاجتماع إليها، أو أراد أنها بدعة حسنة كما فعل في التراويح وقال: (نعمت البدعة هذه) (^٢) ولهذا قالت عائشة: ما رأيت رسول اللّه - ﷺ - يصليها قط وإني لأستحبها (^٣)، أي: ما رأيته يصليها مداوما عليها أو في المسجد، والقول بأنه لم يداوم عليها مشكل لأن الصحيح وجوبها عليه - ﷺ - كالوتر كما تقدم الحديث به ولأن عمله كان ديمة ويحتمل أنه فعلها في الجملة واجب عليه لا المواظبة عليها وإنما تركها خشية أن تفرض علينا، [بياض في الأصل] (^٤) وكما في حديث عائشة وإن كان ليدع العمل وهو يحبه خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم [وكما في حديث أبى سعيد] كان يصليها حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول لا يصليها، رواه الترمذي (^٥)، قال الغزالي (^٦): ويستحب أن يقرأ في في الركعتين بعد الفاتحة سورة الضحى وألم نشرح، وصلاة الضحى مأخوذة\n_________\n(^١) أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٦٩٦) وفنون العجائب (٩٢) من حديث عبد اللّه بن سمحج الجنى.\n(^٢) المفهم (٦/ ١٤١).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٢٨) ومسلم (٧٧ - ٧١٨).\n(^٤) بياض بمقدار كلمة.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٤٧٧) وفي الشمائل (٢٨٦)، وأبو يعلى (١٢٧٠). وضعفه الألباني في المشكاة (١٣٢٠) والإرواء (٤٦٠).\n(^٦) لم أهتد إليه.","vol":"4","page":391},{"text":"من قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ (^١) وقال ابن عباس: صلاة الإشراق هي صلاة الضحى (^٢) والشروق طلوع الشمس والإشراق ارتفاعها، يقال: شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وصفت (^٣)، قال الغزالي في الإحياء (^٤): [ويدخل وقتها] المواظبة على صلاة الضحى من عزائم الأفعال وفواضلها، قال: وأما وقتها فقد روى عن علي أن النبي - ﷺ - كان يصليها أربعا في وقتين إذا اشرقت الشمس وارتفعت قام وصلى ركعتين وإذا انبسطت الشمس وكانت في ربع السماء من جانب المشرق صلى أربعا (^٥) فالأول إنما يكون إذا ارتفعت الشمس قيد نصف رمح والثاني إذا مضى من النهار ربعه بإزاء صلاة العصر فإن وقته أن يبقى من النهار ربعه والظهر على منتصف النهار ويكون الضحى على منتصف ما بين طلوع الشمس إلى الزوال كما أن العصر على منتصف ما بين الزوال إلى الغروب وهذا أفضل الأوقات ومن وقت ارتفاع الشمس إلى ما قبل الزوال وقت الضحى على الجملة واللّه تعالى أعلم، ا. هـ.\n_________\n(^١) سورة ص، الآية: ١٨.\n(^٢) تفسير الثعلبى (٨/ ١٨٣)، والوسيط (٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤).\n(^٣) الفصيح (١/ ٢٧٣)، ومعانى القرآن (٤/ ٩٢).\n(^٤) الإحياء (١/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (١١٦١)، والترمذي في الشمائل (٢٩٧)، والنسائي في الكبرى (٣٣٥ - ٣٣٨) و(٤٧٣). وحسنه الألباني في المشكاة (١١٧١)، الروض النضير (٦٩١)، تعليقي على صحيح ابن خزيمة (١٢١١ و١٢٣٢)، تخريج المختارة (٤٨٩ - ٤٩٥)، الصحيحة (٢٣٧)، مختصر الشمائل (٢٤٣).","vol":"4","page":392},{"text":"قوله: \"وأن أوتر قبل أوتر قبل أن أرقد\" الإيتار قبل النوم إنما يستحب لمن لا يثق بالاستيقاظ آخر الليل فإن وثق بالاستيقاظ فآخر الليل أفضل (^١)، واختلفوا في أول وقته والصحيح في مذهب الشافعي والمشهور عن الشافعي: أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، وفي وجه يدخل بدخول وقت العشاء (^٢) وتقدم الكلام على ذلك في الوتر.\nقوله - ﷺ - لأبي هريرة في الرواية الأخرى: \"أوصاني خليلي أن لا أدع ركعتي الضحى فإنها صلاة الأوابين\" الأوابين: جمع أواب فالأواب هو الراجع إلى اللّه تعالى بترك المعاصي وفعل الخيرات (^٣)، وقيل: الأواب هو الكثير الرجوع إلى اللّه تعالى بالتوبة (^٤)، وسيأتي الكلام على الأواب في آخر الباب أبسط من هذا.\n\n٩٩٤ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ يصبح على كل سلامى من أحدكُم صَدَقَة فَكل تَسْبِيحَة صَدَقَة وكل تَحْمِيدَة صَدَقَة وكل تَهْلِيلَة صَدَقَة وكل تَكْبِيرَة صَدَقَة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة وَنهي عَن الْمُنكر صَدَقَة ويجزئ من ذَلِك رَكْعَتَيْنِ يركعهما من الضُّحَى رَوَاهُ مسلم (^٥).\n_________\n(^١) رياض الصالحين (ص ٣٢٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٤).\n(^٣) الميسر (١/ ٣٢٤).\n(^٤) النهاية (١/ ٧٩).\n(^٥) أخرجه مسلم (٨٤ - ٧٢٠).","vol":"4","page":393},{"text":"قوله: وعن أبي ذر، اختلفوا في اسمه ونسبه إلى أقوال، أحدها: جندب بن جنادة بن كعيب (^١) أو كعب وهو الأصح (^٢)، وغفار قبيلة من كنانة وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين وكان - ﵁ - آدم طوالا أبيض [لعل أبيض من صفات الرأس واللحية، وإلا أشكل مع آدم ففي نسخة بخط المصنف ﵀ ما نصه: قال ابن الأثير الآدم من الناس الأسمر الشديد السمرة، وبه سمي آدم ﵇ (^٣)] وقيل أسود الرأس واللحية (^٤)، وقال الواقدي: كان شجاعا فاتكا يقطع الطريق وحده ويغير على الصرم وكان أسد تم قذف اللّه الإسلام في قلبه فقدم مكة وسمع من رسول اللّه - ﷺ - وكان يتعبد قبل مبعث رسول اللّه - ﷺ - بمكة قديما، وقال: كنت في الإسلام رابعا أو خامسًا ورجع إلى بلاد قومه ثم قدم المدينة (^٥) وتوفي في السنة الثانية والثلاثين وقبر أبي ذر بالربذة وهي قرية معروفة قرب المدينة منها إلى المدينة مسيرة ثلاثة أيام (^٦) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) كذا قال ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢١٩).\n(^٢) وهو قول ابن الجوزى كما في تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ١٢٥). والذى قاله الطبرى وسار عليه ابن الأثير والنووي أن اسمه جندب بن جنادة بن سفيان على المشهور. انظر تاريخ الطبرى (١١/ ٥٣٣) وأسد الغابة (١/ ٥٦٢ و٦/ ٩٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٩).\n(^٣) النهاية (١/ ٣٢).\n(^٤) مرآة الزمان (٥/ ٤٨٨).\n(^٥) مرآة الزمان (٥/ ٤٨٨).\n(^٦) تهذيب اللغة (٣/ ١٣١)، ومعجم البلدان (٣/ ٢٤).","vol":"4","page":394},{"text":"قوله - ﷺ -: \"يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة\" السلامي واحد السلاميات، واختلف في معناها فقيل السلامية الأنملة من أنامل الأصابع (^١)، وقيل: السلامي كل عظم مجوف من صغار العظام (^٢)، قال العراقى: والصواب: أن السلامي هي المفاصل وأنها ثلاثمائة وستون مفصلا كما ثبت ذلك مبينا في صحيح مسلم (^٣) والمراد بالصدقة الشكر والقيام بحق المنعم بدليل قوله - ﷺ - في هذا الحديث: \"فكل تسبيحة صدقة\" إلى آخره، والمعنى: أن كل عظم من عظام ابن آدم يصبح سليما عن الآفات باقيا على الهيئة التي تتم بها منافعه وأفعاله فعليه صدقة شكر لمن صوره ووقاه عما يغيره ويؤذيه (^٤)، فإن قلت: قد عد في حديث أبي ذر هذا من الحسنات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما فرضا كفاية فكيف أجزأ عنهما ركعتا الضحى وهما تطوع وكيف أسقط هذا التطوع ذلك الفرض، قلت: المراد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قام الفرض بنفسه، وحصل المقصود وكان كلامه زيادة تأكيد والمراد تعليم المعروف ليفعل والمنكر ليجتنب وإن لم يكن هنا من واقعه، فإذا فعله كان من جملة الحسنات المعدودة من الثلاثمائة وإذا تركه لم يكن عليه فيه حرج وتقدم عنه\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٣٩٦).\n(^٢) قاله أبو عبيد كما في غريب الحديث (٥/ ٤٢١).\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٣٠٢).\n(^٤) المفاتيح (١/ ٣٧٧).","vol":"4","page":395},{"text":"وعن غيره من الحسنات ركعتا الضحى أما إذا ترك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر عند فعله حيث لم يقم به غيره فقد أثم ولا يرفع الأعم عنه ركعتا الضحى ولا غيرهما من التطوعات ولا من الواجبات ذكره ابن رجب الحنبلي (^١) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى\" ضبطناه تجزى بفتح أوله بغير همزة في آخره وضم أوله بهمزة في آخره فالفتح من جزأ يجزئ أي كفي، ومنه قوله تعالى: لا تجزئ نفس عن نفس الآية، وفي الحديث الآخر: \"لا تجزئ عن أحد بعدك\" والضم من الأجزاء ذكره النووي (^٢) وفيه دليل وحث عظيم على فضل الضحى وكبير موقعها وأنها تصح ركعتين (^٣).\n\n٩٩٥ - وَعَن بُرَيْدَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول فِي الإِنْسَان سِتُّونَ وثلثمائة مفصل فَعَلَيهِ أَن يتَصَدَّق عَن كل مفصل مِنْهَا صَدَقَة، قَالُوا فَمن يُطيق ذَلِك يَا رَسُول اللّه قَالَ النخاعة فِي الْمَسْجِد تدفنها وَالشَّيْء تنحيه عَن الطَّرِيق فَإِن لم تقدر فركعتا الضُّحَى تجزئ عَنْك رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٤).\n_________\n(^١) هذا وهم في العزو بل هو من كلام العراقى في طرح التثريب (٣/ ٧٠ - ٧١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٣٤).\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٥٤ (٢٢٩٩٨) و٥/ ٣٥٩ (٢٣٠٣٧)، وأبو داود (٥٢٤٢)، وابن خزيمة (١٢٢٦)، وابن حبان (١٦٤٢) و(٢٥٤٠). وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٢١٣)، المشكاة (١٣١٥)، صحيح الترغيب (٦٦٦).","vol":"4","page":396},{"text":"قوله: وعن بريدة، هو: بريدة بن [الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد اللّه بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة - ﵁ - بخراسان. روى له عن رسول - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على حديث، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد اللّه، وسليمان (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق على كل مفصل منها صدقة\" الحديث، المفصل بفتح الميم وإسكان الفاء وكسر الصاد المهملة، قال في المحكم: كل ما ملتقى عظمين من الجسد أما المفصل بكسر الميم وفتح الصاد فهو اللسان (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فعليه أن يتصدق على كل مفصل منها صدقة\" أي على سبيل الاستحباب المتأكد وإن لم يكن واجبا وليس المراد أن عليه ذلك على سبيل الوجوب وهذه العبارة تستعمل في المستحب كما تستعمل في الواجب ومنه الحديث \"للمسلم على المسلم خصال واجبة\" (^٣)، ومعلوم أن البداء بالسلام\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣).\n(^٢) المحكم (٨/ ٣٢٩ و٣٣٠).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٦٩). والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٢٢)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٠ رقم ٤٠٧٦) عن أبي أيوب. وصححه الألباني في الصحيحة:٢١٥٤ صحيح الترغيب والترهيب: ٢١٥٧.","vol":"4","page":397},{"text":"لا تجب فهو سنة.\nقوله: في الحديث قالوا فمن [يطيق] ذلك يا رسول اللّه، كأن الصحابة - ﵄ - فهموا أن المراد بالصدقة هنا ما يتصدق به على الفقراء فبين لهم - ﷺ - أن المراد بها مطلق الحسنة وإن لم يعد منها يقع على الغير ولذلك قال في حديث أبي ذر المتقدم: \"فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة\" (^١).\nقوله - ﷺ -: قال \"النخاعة في المسجد تدفنها\" قال ابن الأنباري: النخاعة بمعنى النخامة بالميم وهما ما يطرحه الإنسان من فيه من رطوبة صدره أو رأسه وفرق بعضهم بينهما (^٢) وتقدم ذلك، والمراد أن دفن النخامة الكائنة في المسجد حسنة وصدقة وسواء كانت النخامة منه أو من غيره (^٣).\nوقوله: \"تدفنها\" والشيء تنحيه بتاء الخطاب ويجوز في قوله: \"نخامة\" الرفع والنصب وكذا في قوله أو الشيء تنحيه كذا في رواية أحمد، وفي رواية أبى داود الشيء تنحيه بالواو وهو الأصل والمراد بالشيء معناه الأذى الذي يتضرر به المارة وكذلك بوب عليه أبو داود ﵀ فقال: باب إماطة الأذى (^٤)، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال: \"عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محانس أعمالها الأذى يماط عن\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٦٩).\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ٦٩).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٦٩).\n(^٤) طرح التثريب (٣/ ٦٩ - ٧٠).","vol":"4","page":398},{"text":"الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن\" (^١) وفي المسند عن عامر بن سعد قال: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه\" (^٢) وفي المسند عن شيخ من أهل مكة من قريش قال: وجد رجل في ثوبه قملة فأخذها ليطرحها في المسجد فقال له رسول اللّه - ﷺ -: \"لا تفعل ردها في ثوبك حتى تخرج من المسجد\" (^٣) وفيه عن رجل من الأنصار أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"إذا وجد أحدكم القملة في ثوبه فيصرها ولا يلفها في المسجد ويجتنب الأذى\" (^٤) فقد ثبت فيهما أن النبي - ﷺ - قال: \"من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مسجدنا يؤذينا بريحه\" (^٥) واللّه أعلم.\n\n٩٩٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من حَافظ على شُفْعَة الضُّحَى غفرت لَهُ ذنُوبه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر رَوَاهُ ابْن مَاجه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٧ - ٥٥٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ١٧٩ (١٥٤٣)، والبزار (١١٢٧)، وابن خزيمة (١٣١١). وحسنه الألباني في الثمر المستطاب (٢/ ٧١٨) والصحيحة (١٢٦٥).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٩ (٢٣٥٥٨) عن شيخ عن أبي أيوب. وحسنه الألباني لغيره في الثمره المستطاب: ٢/ ٥٩٤.\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٠ (٢٣٤٨٥)، وأبو داود في المراسيل (١٦)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٤١٨ رقم ٣٦٠٧ و٣٦٠٨). قال البيهقي: وهذا مرسل حسن في مثل هذا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٧١٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (٨٥٤) و(٨٥٥) و(٥٤٥٢) و(٧٣٥٩)، ومسلم (٧٢ - ٥٦٣) و(٧٣ و٧٤ و٧٥ - ٥٦٤) عن جابر.","vol":"4","page":399},{"text":"وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ وَقد روى غير وَاحِد من الأئِمَّة هَذَا الحَدِيت عَن نهاس بن قهم انْتهى وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِغَيْر إِسْنَاد (^١).\nشُفْعَة الضُّحَى بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَقد تفتح أَي رَكعَتَا الضُّحَى.\nقوله: وروى عن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من حافظ على شفعة الضحى\" بضم الشين وقد تفتح [أى ركعتا الضحى] قاله الحافظ من الشفع الزوج وإنما سماها شفعة لأنها أكثر من واحدة، قال القتيبي: الشفع الزوج ولم أسمع له مؤنثا إلا هاهنا وأحسبه ذهب تأنيثه إلى الفعلة الواحدة أو إلى [الصلاة] قاله في النهاية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر\" المراد بغفران الذنوب الصغائر دون الكبائر كما تقدم ذكره.\n\n٩٩٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ أَوْصَانِي حَبِيبِي - ﷺ - بِثَلَاث لن أدعهن مَا عِشْت بصيام ثَلَاثَة أيَّام من كل شهر وَصَلَاة الضُّحَى وَأَن لا أَنام إِلَا على وتر رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ (^٣).\nقوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام عليه. قوله - ﵁ -: \"أوصاني خليلي بثلاث لم أدعهن ما عشت، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر\" الحديث تقدم الكلام على هذا الحديث من حديث أبي هريرة أول هذا الباب وغيره.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٢)، والترمذي (٤٧٦). وضعفه الألباني في المشكاة (١٣١٨) وضعيف الترغيب (٤٠٢).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٨٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٦ - ٧٢٢)، وأبو داود (١٤٣٣).","vol":"4","page":400},{"text":"٩٩٨ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من صلى الضُّحَى ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة بنى اللّه لَهُ قصرا فِي الْجنَّة من ذهب رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد وَاحِد عَن شيخ وَاحِد وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: وروى عن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى اللّه له قصرا في الجنة من ذهب\" كذا جزم به الرافعي في الشرح الصغير والمحرر والنووي في الروضة والمنهاج بأن أكثر الضحى ثنتا عشرة ركعة لكن قالا الحديث الوارد في ذلك ضعيف (^٢)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا واختلاف العلماء في ذلك.\n\n٩٩٩ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ بعث رَسُول اللّه - ﷺ - سَرِيَّة فغنموا وأسرعوا الرّجْعَة فَتحدث النَّاس بِقرب مغزاهم وَكَثْرَة غنيمتهم وَسُرْعَة رجعتهم فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَلا أدلكم على أقرب مِنْهُم مغزى وَأكْثر\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٠)، والترمذي (٤٧٣). وضعفه الألباني في المشكاة (١٣١٦) وضعيف الترغيب (٤٠٣).\n(^٢) فتح العزيز (٤/ ٢٥٨)، والمحرر (ص ٢٢٠)، وروضة الطا لبين (١/ ٣٣٢)، والمنهاج (ص ٣٦)، وطرح التثريب (٢/ ٣٨١).\nوأما الحديث المشار إليه: أخرجه البزار (٣٨٩٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٦٩ رقم ٤٩٠٦) عن ابن عمر عن أبي ذر مرفوعًا: قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٣٦: رواه البزار، وفيه حسين بن عطاء ضعفه أبو حاتم وغيره وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويدلس. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٦٤٣٥) وضعيف الترغيب (٤٠٦).","vol":"4","page":401},{"text":"غنيمَة وأوشك رَجْعَة من تَوَضَّأ ثمَّ غَدا إِلَى الْمَسْجِد لسبحة الضُّحَى فَهُوَ أقرب مِنْهُم مغزى وَأكْثر غنيمَة وأوشك رَجْعَة رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي تقدم الكلام عليه.\nقوله: بعث رسول - ﷺ - سرية فغنموا وأسرعوا، الرجعة السرية تقدم ذكرها في صلاة الصبح أو قريبًا منه.\nقوله: فتحدث الناس بقرب مغزاهم وكترة غنيمتهم وسرعة رجعتهم، فذكره إلى أن قال ألا أدلكم على أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة، أوشك: معناها أسرع وزنه ومعناه وتقدم ذكر ذلك.\nقوله: \"من توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبحة الضحى\" تقدم الكلام على الغد وإلى المسجد وسبحة الضحى، فكل صلاة يتطوع بها تسمى تسبيحًا وسبحة.\nوقوله - ﷺ -: \"ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن\" هذا ظاهره أن القيح والدم لا يختص بصاحب النخامة بل [يدخل] فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو حك ونحوه (^٢)، وفي قوله: \"فإن لم تقدر\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٥ (٦٦٣٨)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٧٨ رقم ١٤٦٨٤). وقال الهيثمي ٢/ ٢٣٥: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، ورجال الطبراني ثقات؛ لأنه جعل بدل ابن لهيعة: ابن وهب\". وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٦٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ٣٨).","vol":"4","page":402},{"text":"فركعتا الضحى تجزئ عنك\" ليس المراد على هاتين الخصلتين المذكورين في الحديث خاصة وإنما المراد على الإتيان بثلاثمائة وستين حسنة (^١) ومعلوم أن النوافل لا تجزئ عن الواجبات مع الاتفاق على عدم وجوب صلاة الضحى على عموم الناس (^٢) واللّه أعلم. وفيه فضل عظيم لصلاة الضحى لما دل عليه الحديث من أنها تقوم مقام ثلاثمائة وستين حسنة (^٣)، قال العراقي (^٤): وذكر أصحابنا الشافعية أنها أفضل التطوع بعد الرواتب وفيه أن أقل صلاة الضحى ركعتان وهو كذلك بالإجماع واللّه أعلم.\nفائدة: وأما ما صح عن ابن عمر من قوله في الضحى أنها بدعة، وعن ابن عباس نحوه فمحمول على صلاتها في المسجد، والتظاهر بها لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم أو أراد بقوله بدعة المواظبة عليها لأن النبي - ﷺ - لم يواظب عليها خشية أن تفرض وهذا في حقه - ﷺ -، وقد ثبت استحباب المحافظة عليها في حقنا لحديث أبي ذر أن النبي - ﷺ - قال: \"يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة ويجزئ عن ذلك ركعتان يصليهما في الضحى\" رواه مسلم (^٥) وغير ذلك من الأحاديث (^٦).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٧٠).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٣٠٢).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٧١).\n(^٤) طرح التثريب (٣/ ٧١).\n(^٥) أخرجه مسلم (٨٤ - ٧٢٠).\n(^٦) طرح التثريب (٣/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"4","page":403},{"text":"فرع: قال الشيخ في المهذب (^١): إن صلاة الضحى من السنن الراتبة وأنكر عليه ذلك صاحب البيان، قال النووي: والأمر في هذا قريب وتسميتها راتبة مرادة به أنها تفعل في وقت مضبوط لا أنها راتبة في وقت مع فرض كسنة الظهر وغيرها واللّه تعالى أعلم قاله في الديباجة.\n\n١٠٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ بعث رَسُول اللّه - ﷺ - بعثا فأعظموا الْغَنِيمَة وأسرعوا الكرة فَقَالَ رجل يَا رَسُول اللّه مَا رَأينَا بعثا قطّ أسْرع كرة وَلا أعظم غنيمَة من هَذَا الْبَعْث فَقَالَ أَلا أخْبركُم بأسرع كرة مِنْهُم وَأعظم غنيمَة رجل تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ عمد إِلَى الْمَسْجِد فصلى فِيهِ الْغَدَاة ثمَّ عقب بِصَلَاة الضحوة فقد أسْرع الكرة وَأعظم الْغَنِيمَة رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرِجَال إِسْنَاده رجال الصَّحِيح وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَبَين الْبَزَّار فِي رِوَايته أَن الرجل أَبُو بكر - ﵁ - (^٢) وَقد روى هَذَا الحَدِيث التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات من جَامعه من حَدِيث عمر بن الْخطاب (^٣) - ﵁ - وَتقدم.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة وتقدم الكلام أيضا\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٠).\n(^٢) أخرجه البزار (٩٣١٤)، وأبو يعلى (٦٤٧٣) و(٦٥٥٩)، وابن حبان (٢٥٣٥). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -، إلا حميد وحميد هذا لا نعلم أحدا شاركه في هذه الأحاديث. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٧: رواه البزار، وفيه حميد مولى ابن علقمة، وهو ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٣١) وصحيح الترغيب (٦٦٩). وضعف الألباني رواية البزار في ضعيف الترغيب (٢٤٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٥٦١). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٤٧).","vol":"4","page":404},{"text":"على معنى هذا الحديث في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح.\nقوله: ثم عقب بصلاة الضحى، يريد بذلك صلاة الضحى.\n\n١٠٠١ - وَعَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِن اللّه ﷿ يَقُول يَا ابْن آدم اكْفِنِي أول النَّهَار بِأَرْبَع رَكعَات أكفك بِهن آخر يَوْمك رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَرِجَال أَحدهمَا رجال الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن عقبة بن عامر الجهنى، تقدم الكلام على عقبة.\nقوله: أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"إن اللّه ﷿ يقول: يا ابن آدم اكفني أول نهارك بأربع ركعات أكفك بهن آخر يومك\" الحديث، حمله العلماء على صلاة الضحى.\n\n١٠٠٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي ذَر - ﵄ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - عَن اللّه ﵎ أَنه قَالَ يَا ابْن آدم لا تعجزني من أَربع رَكعَات من أول النَّهَار أكفك آخِره\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب.\nقَالَ الْحَافِظ فِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَلكنه إِسْنَاد شَامي (^٢) وَرَوَاهُ أَحْمد عَن أبي الدَّرْدَاء وَحده (^٣) وَرُوَاته كلهم ثِقَات وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٣ (١٧٣٩٠) و٤/ ٢٠١ (١٧٧٩٤)، وأبو يعلى (١٧٥٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٧١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٤٧٥). وصححه الألباني في المشكاة (١٣١٣) صحيح الترغيب (٦٧٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٠ (٢٧٤٨٠) و٦/ ٤٥١ (٢٧٥٥٠)، والطبراني في الشاميين (٩٦٤) و(١١٤٨). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٦: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٧٢).","vol":"4","page":405},{"text":"نعيم بن همار (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء أو أبي ذر، تقدم الكلام عليهما.\nقوله: عن رسول اللّه - ﷺ - عن ربه أنه قال: \"يا ابن آدم لا تعجزني في أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره\" الحديث، وحمل العلماء هذه الركعات الأربع على صلاة الضحى، وتقدم ذلك في الحديث قبله، وقال بعضهم: النهار يقع عند أكثرهم على ما بين طلوع الشمس إلى غروبها (^٢).\nقوله: ورواه أبو داود من حديث نعيم بن همار، وحديث نعيم بن همار قد اختلف الرواة فيه اختلافا كثيرا، وقد جمع بعض الحفاظ طرقه في جزء منفرد (^٣)، ونعيم بن همار قد اختلف في أبيه اختلافا كثيرا، فقيل: بالميم وقيل: هبار بالباء الموحدة، وقيل: هدار بالدال المهملة وهما بميمين، وخمار بالخاء المعجمة المفتوحة، وحمار بالحاء المهملة [المكسورة والمفتوحة].\n\n١٠٠٣ - وَعَن أبي مرّة الطَّائِفِي - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول قَالَ اللّه ﷿ ابْن آدم صل لي أَربع رَكعَات من أول النَّهَار أكفك آخِره رَوَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٨٦ (٢٢٤٦٩) و(٢٢٤٧٠) و٥/ ٢٨٧ (٢٢٤٧١) و(٢٢٤٧٢) و(٢٢٤٧٣) و(٢٢٤٧٤) و(٢٢٤٧٥)، وأبو داود (١٢٨٩)، وابن حبان (٢٥٣٣) و(٢٥٣٤). وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٢١٦) وصحيح أبي داود (١١٦٧) وصحيح الترغيب (٦٧٣).\n(^٢) شرح أبي داود (٥/ ١٨٧) للعينى.\n(^٣) هو الخطيب البغدادى كما في تاريخ الذهبى (١٠/ ١٨١).","vol":"4","page":406},{"text":"أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن أبي مرة الطائفي، أبو مرة الطائفي اسمه: [لا يعرف، ذكره مطين في الصحابة، وله رواية عن النبي - ﷺ -، روى عنه مكحول، قال البغويّ: سكن الطائف (^٢)].\nقوله: في حديثه - ﷺ - قال اللّه ﷿: \"ابن آدم صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره\" تقدم الكلام على الأربع ركعات في الحديثين قبله.\n\n١٠٠٤ - وَرُوِيَ عَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - أَنه خرج مَعَ رَسُول اللّه - ﷺ - فِي غَزْوَة تَبُوك فَجَلَسَ رَسُول اللّه - ﷺ - يَوْمًا يحدث أَصْحَابه فَقَالَ من قَامَ إِذا استقبلته الشَّمْس فَتَوَضَّأ فَأحْسن وضوءه ثمَّ قَامَ فصلى رَكعَتَيْنِ كفرت لَهُ خطاياه وَكَانَ كمَا وَلدته أمه رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٣).\nقوله: وعن عقبة بن عامر، تقدم الكلام على عقبة بن عامر.\nقوله: أنه خرج مع رسول اللّه - ﷺ - في غزو تبوك، الحديث؛ تبوك: كانت في السنة [التاسعة في شهر رجب فأقام بها عشرين ليلة وعاد ولم يلق كيدا، وهي\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٤٧٠) عن أبي مرة الطائفى. وقال الألباني في صحيح الترغيب (٦٧٤) كذا وقع في هذه الرواية، وهي وهمْ، والمحفوظ رواية كثير بن مرة عن نُعيم بن همَّار المذكور آنفًا. وكذا رواه النسائي في السنن الكبر ى (١/ ١٧٧/ ٤٦٦ - ٤٦٨).\n(^٢) الإصابة (٧/ ٣٠٦).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (١٧٦٣)، والفاكهى في الفوائد (٢٢٨). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٦: رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٣١) وضعيف الترغيب (٤٠٤).","vol":"4","page":407},{"text":"آخر غزوة خرج إليها بنفسه - ﷺ - واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل: علي بن أبي طالب، وقيل: سباع بن عرفطة].\nقوله - ﷺ -: \"من قام إذا استقبلته الشمس فتوضأ فأحسن الوضوء\" يريد بذلك صلاة الضحى، وتقدم معنى إحسان الوضوء، وكذلك \"غفر له خطاياه\"، وأن المراد بذلك غفران الصغائر دون الكبائر.\n\n١٠٠٥ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من خرج من بَيته متطهرا إِلَى صَلاة مَكْتُوبَة فَأَجره كَأَجر الْحَاج الْمحرم وَمن خرج إِلَى تَسْبِح الضُّحَى لا ينصبه إِلَا إِيَّاه فَأَجره كَأَجر الْمُعْتَمِر وَصَلَاة على إِثْر صَلَاة لا لَغْو بَينهمَا كتاب فِي عليين رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتقدم (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة\" المراد بقوله متطهرا الوضوء الشرعي، وقوله \"إلى صلاة مكتوبة\" أي مفروضة.\nقوله - ﷺ -: \"ومن خرج على تسبيح الضحى\" وتقدم الكلام على أن كل صلاة يتطوع بها تسمى تسبيحا وسبحة.\nقوله - ﷺ -: \"لا ينصبه إلا ذلك\" النصب هو التعب.\nقوله: \"وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما\" أثر بفتح الهمزة والثاء المثلثة، وبكسر الهمزة وسكون الثاء لغتان مشهورتان.\nقوله: \"كتاب في عليين\" تقدم الكلام على ذلك في كتاب الصلاة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٥٨) و(١٢٨٨). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٥٦٧) وصحيح الترغيب (٣٢٠) و(٦٧٥).","vol":"4","page":408},{"text":"١٠٠٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من صلى الضُّحَى رَكعَتَيْنِ لم يكْتب من الغافلين وَمن صلى أَرْبعا كتب من العابدين وَمن صلى سِتا كفي ذَلِك الْيَوْم وَمن صلى ثمانيا كتبه اللّه من القانتين وَمن صلى ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة بنى اللّه لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة وَمَا من يَوْم وَلا لَيْلَة إِلَا للّه من يمن بِهِ على عباده وَصدقَة وَمَا من اللّه على أحد من عباده أفضل من أَن يلهمه ذكره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات وَفِي مُوسَى بن يَعْقُوب الزمعِي خلاف وَقد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة (^١) وَمن طرق وَهَذَا أحسن أسانيده فِيمَا أعلم وَرَوَاهُ الْبَزَّار من طَرِيق حُسَيْن بن عَطاء عَن زيد بن أسلم عَن ابْن عمر قَالَ قلت لأبي ذَر يَا عماه أوصني قَالَ سَأَلتني كَمَا سَأَلت رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ إِن صليت الضُّحَى رَكعَتَيْنِ لم تكْتب من الغافلين (^٢)، فَذكر الحَدِيث ثمَّ قَالَ لا نعلمهُ يرْوى عَن النَّبِي - ﷺ - إِلَا من هَذَا الْوَجْه، كَذَا قَالَ رَحمَه اللّه تَعَالَى.\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي (٢/ ٢٠٩)، والطبراني كما في جامع المسانيد ٩/ ٣٠٩ (١١٩٢٢). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٧: رواه الطبراني في الكبير وفيه موسى بن يعقوب الزمعى وثقه ابن معين وابن حبان وضعفه ابن المدينى وغيره وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٠٥).\n(^٢) أخرجه البزار (٦٩٤/ كشف الأستار) وأبو يعلى كما في المطالب (٦٥٤)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٤٣)، والبيهقي في الصغير (١/ ٢٩٦ رقم ٨٢٥)، والأصبهانى في الترغيب (١٩٥٤)، قال البزار: لا نعلمه إلا عن أبي ذر، ولا روى ابن عمر عنه إلا هذا.\nقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٧: رواه البزار، وفيه حسين بن عطاء ضعفه أبو حاتم وغيره وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويدلس. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٤٣٥) وضعيف الترغيب (٤٠٦).","vol":"4","page":409},{"text":"قوله: عن أبي الدرداء، تقدم الكلام على أبي الدرداء.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين\" إلى قوله \"وصلى ثنتي ركعة بنى اللّه له بيتا في الجنة\" الحديث، قال الشيخ ولي الدين العراقي (^١): واختلف أصحابنا في أكثر الضحى، فحكي النووي في شرح المهذب عن أكثر أصحابنا: أن أكثرها ثمان ركعات وهو مذهب الحنابلة، وجزم الرافعي في الشرح الصغير والمحرر والنووي في الروضة والمنهاج تبعا للروياني بأنا أكثرها ثنتا عشرة ركعة، وورد فيه حديث ضعيف، وقال الروياني في الحلية: أكثرها ثنتا عشرة ركعة وكلما زاد كان الأفضل ولما ذكر النووي في الروضة أن أكثرها ثنتا عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين (^٢) وإن جمع الكل بتشهد واحد وتسليم واحد جاز (^٣)، ففيه دليل على استحباب الضحى وأن أدناها ركعتان وأكثرها ثنتا عشرة ركعة، وصلاتها قائما أفضل لأنه - ﷺ - صلاها عام الفتح في بيت أم هانئ ثمان ركعات، واختلفوا هل واظب عليها - ﷺ - أو لا؟ فذهبت عائشة أنه - ﷺ - لم يواظب عليها وأنه - ﷺ - بعد ذلك اليوم، وفي رواية عنها أنها قالت أنه - ﷺ - كان يصلي بعد الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء، وقال الماوردي أنه - ﷺ - واظب عليها، وروى أبو نعيم في تاريخ أصبهان\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٧١).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٣٣٢).\n(^٣) نهاية المطلب (٢/ ٣٥٠)، والتهذيب (٢/ ٢٢٨).","vol":"4","page":410},{"text":"أنه - ﷺ - كان يصليها أياما ويدعها أياما (^١).\nواعلم أنه جاء في عددها ركعتان وهو أقلها وأربع وست وثمان واثنا عشر لحديث أبي داود الذي رواه البزار وعلى هذا فالثمانية أفضل من اثنتي عشرة لصحة حديثها، قاله في الروضة (^٢) واللّه أعلم.\nلطيفة: وقال عالم: النهار اثنا عشر ساعة فمن صلى صلاة الضحى اثني عشر ركعة لكل ساعة ركعة فإن اللّه يحفظه في يومه ذلك إلى الليل ويدفع عنه جميع الآفات ويعطيه اللّه في الجنة مثل الدنيا وأكثر (^٣).\nسؤال: إذا رتب الشارع - ﷺ - ثوابا على عمل هل يدل على تفضيله على غيره مما أكد عليه الشارع - ﷺ - ولم يرتب عليه ذلك الثواب بل سكت عن ثوابه؟ الجواب: قد يرتب الشارع - ﷺ - الثواب للترغيب في العمل لئلا يترك ولا يكون ذلك أفضل مما أكده ولم يرتب عليه ثوابا معلوما فمن ذلك قوله - ﷺ -: \"من صلى ثنتي عشرة ركعة بنى اللّه له بيتا في الجنة من ذهب\" رواه جماعة مع أن الراتبة التابعة للفرائض أفضل من الضحى ومن ذلك قوله - ﷺ -: \"من صلى ست ركعات بين المغرب والعشاء كتب له عبادة اثنتي عشرة سنة\" رواه الترمذي وابن ماجه، وسنة المغرب أفضل من ذلك وإنما رتب الثواب على ذك لكثرة الغفلة في ذلك الوقت واللّه أعلم، ذكره في كشف الأسرار (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٩٤) عن أبي سعيد.\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٣٢٢)\n(^٣) ذكره ابن الخراط في التهجد (ص ٢٥٠).\n(^٤) كشف الأسرار (لوحة ٥٧).","vol":"4","page":411},{"text":"فائدة: قال شيخ الإسلام ولي الدين العراقي (^١): قال والدي ﵀ في شرح الترمذي: اشتهر بين كثير من العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يحصل له عمى فصار كثير من الناس لا يصلونها خوفا من ذلك وليس لهذا أصل البتة لا من السنة ولا من قول أحد من الصحابة ولا من التابعين ومن بعدهم، والظاهر أن هذا مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام لكي يتركوا صلاة الضحى دائما ليفوتهم بذلك خير كثير أ. هـ.\nوفي كتاب الترمذي عن أبي سعيد قال: كان رسول اللّه - ﷺ - يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها، هذا حديث حسن غريب فهذا سيد المرسلين كان يصليها أحيانا ويتركها أحيانا فلو كان العمى يحصل بذلك كانت الفرائض أولى بذلك، نعم ورد الحديث أنه يعمى قلبه رأيته في كلام شيخنا شهاب الدين الزاهد تغمده اللّه برحمته.\n\n١٠٠٧ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا طلعت الشَّمْس من مطْلعهَا كهيئتها لصَلَاة الْعَصْر حِين تغرب من مغْرِبهَا فصلى رجل رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبع سَجدَات فَإِن لَهُ أجر ذَلِك الْيَوْم وحسبته قَالَ وَكفر عَنهُ خطيئته وإثمه وَأَحْسبهُ قَالَ وَإِن مَاتَ من يَوْمه دخل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده مقارب وَلَيْسَ فِي رُوَاته من ترك حَدِيثه وَلا أجمع على ضعفه (^٢).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٦٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الشاميين (٢٢٧٩) والكبير (٨/ ١٩٢ رقم ٧٧٩٠). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٧ رواه الطبراني في الكبير، وفيه ميمون بن زيد قال الذهبي: لينه أبو حاتم =","vol":"4","page":412},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام على أبي أمامة.\nقوله - ﷺ -: \"إذا طلعت الشمس من مطلعها كهيئتها لصلاة العصر حتى تغرب من مغربها فصلى رجل ركعتين وأربع سجدات فإن له أجر ذلك اليوم\" المراد بذلك صلاة الضحى.\n\n١٠٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا يحافظ على صَلَاة الضُّحَى إِلَا أواب قَالَ وَهِي صَلَاة الأوَّابِينَ\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة في صحِيحه (^١) وَقال لمْ يُتَابع إِسْمَاعِيل بن عبد اللّه يَعْني ابْن زُرَارَة الرقي على اتِّصَال هَذَا الْخَبَر وَرَوَاهُ الدَّرَاورْدِي عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة مُرْسلا وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة قَوْله.\n\n١٠٠٩ - وَرُوِيَ عَنهُ - ﵁ - أَيْضا عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ الضُّحَى فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد أَيْن الَّذين كَانُوا يديمون صَلَاة الضُّحَى هَذَا بَابَكُمْ فادخلوه برحمة اللّه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^٢).\n_________\n= وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ وبقية رجاله موثقون إلا أن فيهم ليث بن أبي سليم وفيه كلام. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٥٠) وضعيف الترغيب (٤٠٧).\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١٢٢٤)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٥٩ - ١٦٠ رقم ٣٨٦٥)، والحاكم (١/ ٣١٤). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا عمرو بن حمران. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن عمرو وفيه كلام وفيه من لم أعرفه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وحسنه الألباني في الصحيحة (٧٠٣) و(١٩٩٤) وصحيح الترغيب (٦٧٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٩٥ رقم ٥٠٦٠). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٩: =","vol":"4","page":413},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، قال: وهي صلاة الأوابين\" الحديث، الأواب قيل هو الكثير الرجوع بالتوبة [قال اللّه تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّبِينَ غَفُورَا﴾ (^١) أي الرجوع إليه بالتوبة (^٢)]، وقيل: المطيع وقيل: المسبح وقيل الراحم، وقيل: الفقيه (^٣)، وقيل: هو الراجع إلى اللّه تعالى في جميع أحواله بترك المعاصي وفعل الخيرات (^٤)، وإنما أضاف الصلاة في هذا الوقت إلى الأوابين لأن النفس تركن فيه إلى الدعة والاستراحة فصرفها إلى الطاعة والاشتغال فيه بالصلاة فكأنه أواب أي رجع من مراد النفس إلى مرضاة الرب ﷿.\nخاتمة فيها بشرى: نقل عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد القشيري رحمه اللّه تعالى أنه صحح من خمس طرق عن أشياخه ما رووه عن سفيان الثوري عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي - ﷺ -: \"من صلى الضحى أربع ركعات في يوم جمعة في دهره مرة واحدة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب عشرا وقل أعوذ برب الناس عشرا والفلق عشرا والإخلاص عشرا والكافرون\n_________\n=رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود اليمامي أبو أحمد وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٣٩٢) و(٥٠٦٥) وضعيف الترغيب (٤٠٨).\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٢٥.\n(^٢) النهاية (١/ ٧٩)، الكواكب الدراري (٥/ ١٠١).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٥١).\n(^٤) الميسر (١/ ٣٢٤)، والمفاتيح (٢/ ٢٩٩).","vol":"4","page":414},{"text":"وآية الكرسي فإذا سلم استغفر سبعين مرة\" وقال: \"سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه مثل ذلك دفع اللّه عنه شر أهل السموات وشر أهل الأرض وشر الجن والإنس وشر كل سلطان جائر وبعث اللّه إليه بكل حرف يقرأ في هذه الصلاة ملائكة يكتبون له الحسنات ويمحو عنه السيئات ويستغفرون له إلى أن يموت\" (^١) أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهانى في التر غيب (١٩٦٦)، وابن الجوزى في الموضوعات (٢/ ١١٢). قال ابن حجر في نتائج الأفكار (٥/ ١٧٦): قال أبو نعيم بعد تخريجه: فيه ألفاظ مكذوبة، وآثار الوضع عليه لائحة. قال ابن الجوزى: وهذا حديث موضوع.","vol":"4","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>التَّرْغِيب فِي صَلاة التَّسْبِيح</span>\nصلاة التسبيح سميت بذلك لكثرة التسبيح فيها على خلاف العادة في غيرها وهي سنة حسنة، قال الشيخ محيي الدين النووي: بلغنا عن الإمام الحافظ أبي الحسن الدارقطني أنه قال: أصح شيء في فضائل السور سورة قل هو اللّه أحد وأصح شيء في فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح (^١).\n\n١٠١٠ - عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - للْعَبَّاس بن عبد الْمطلب يَا عَبَّاس يَا عماه أَلا أُعْطِيك أَلا أمنحك أَلا أحبوك أَلا أفعل بك عشر خِصَال إِذا أَنْت فعلت ذَلِك غفر اللّه لَك ذَنْبك أَوله وَآخره وقديمه وَحَدِيثه وَخَطأَهُ وعمده وصغيره وكبيره وسره وعلانيته عشر خِصَال أَن تصلي أَربع رَكعَات تقْرَأ فِي كل رَكعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة فَإِذا فرغت من الْقِرَاءَة فِي أول رَكعَة فَقل وَأَنت قَائِم سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلا إِلَه إِلَا اللّه وَاللّه أكبر خمس عشرَة مرّة ثمَّ تركع فَتَقول وَأَنت رَاكِع عشرا ثمَّ ترفع رَأسك من الرُّكوع فتقولها عشرا ثمَّ تهوي سَاجِدا فَتَقول وَأَنت ساجد عشرا ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود فتقولها عشرا ثمَّ تسْجد فتقولها عشرا ثمَّ ترفع رَأسك من السُّجُود فتقولها عشرا فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة تفعل ذَلِك فِي أَربع رَكعَات وَإِن اسْتَطَعْت أَن تصليها فِي كل يَوْم مرّة فافعل فَإِن لم تستطع\n_________\n(^١) الأذكار (ص ١٨٦).","vol":"4","page":416},{"text":"فَفِي كل جُمُعَة مرّة فَإِن لم تفعل فَفِي كل شهر مرّة فَإِن لم تفعل فَفِي كل سنة مرّة فَإِن لم تفعل فَفِي عمرك مرّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ إِن صَحَّ الْخَبَر فَإِن فِي الْقلب من هَذَا الإِسْنَاد شَيْئا فَذكره ثمَّ قَالَ وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن الحكم بن أبان عَن أَبِيه عَن عِكْرِمَة مُرْسلا لم يذكر ابْن عَبَّاس (^١) قَالَ الْحَافِظ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَقَالَ فِي آخِره فَلَو كَانَت ذنوبك مثل زبد الْبَحْر أَو رمل عالج غفر اللّه لَك (^٢) قَالَ الْحَافِظ وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طرق كَثِيرَة وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وأمثلها حَدِيث عِكْرِمَة هَذَا وَقد صَححهُ جمَاعَة مِنْهُم الْحَافِظ أَبُو بكر الآجُرِيّ وَشَيخنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم الْمصْرِيّ وَشَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي رَحِمهم اللّه تَعَالَى وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد سَمِعت أبي يَقُول لَيْسَ فِي صَلَاة التَّسْبِيح حَدِيث صَحِيح غير هَذَا وَقَالَ مُسلم بن الْحجَّاج رَحمَه اللّه تَعَالَى لا يرْوى فِي هَذَا الحَدِيث إِسْنَاد أحسن من هَذَا يَعْنِي إِسْنَاد حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْحَاكم قد صحت الرِّوَايَة عَن ابْن عمر أَن رَسُول اللّه - ﷺ - علم ابْن عَمه هَذِه الصَّلَاة ثمَّ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد بِمصْر حَدثنَا إِسْحَاق بن كَامِل حَدثنَا إِدْرِيس بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (ص ٨٣، رقم ٢٤٠)، ابن ماجه (١٣٨٧)، وأبو داود (١٢٩٧)، وابن خزيمة (١٢١٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٧٧)، المشكاة (١٣٢٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٤٣ رقم ١١٦٢٢) والأصبهانى في الترغيب (١٩٧٤).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٧٧)، المشكاة (١٣٢٨).","vol":"4","page":417},{"text":"يحيى عَن حَيْوَة بن شُرَيْح عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن نَافِع عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ وَجه رَسُول اللّه - ﷺ - جَعْفَر بن أبي طَالب إِلَى بِلَاد الْحَبَشَة فَلَمَّا قدم اعتنقه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ أَلا أهب لَك أَلا أسرك أَلا أمنحك فَذكر الحَدِيث ثمَّ قَالَ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح لا غُبَار عَلَيْهِ (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - وَشَيْخه أَحْمد بن دَاوُد بن عبد الْغفار أَبُو صَالح الْحَرَّانِي ثمَّ الْمصْرِيّ تكلم فِيهِ غير وَاحِد من الأئِمَّة وَكذبه الدَّارَقُطْنيّ.\nقوله: عن عكرمة هو أبو عبد اللّه عكرمة بن عمار أبو عمار مولى ابن عباس الهاشمي المدني أصله بربري من أصل المغرب كان فقيهًا تابعيًا وهو من كبار التابعين سمع الحسن بن علي وأبا قتادة وابن عباس وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد ومعاوية وغيرهم أدرك عكرمة من أصحاب رسول الله - ﷺ - مائتي صحابي قال ابن معين: كان حافظا ثقة ثبتا، قال: وإذا رأيت من يتكلم في عكرمة فاتهمه على الإسلام، قال أبو حاتم: كان صدوقا وكان مستجاب الدعوة أكثر مسلم الاستشهاد به، وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا يحتج بعكرمة، وقال محمد بن سعد كان كثير العلم بحرا من البحور وليس يحتج بحديثه وكان الإمام مالك ويحيى بن سعيد يضعفان أمره لقوله بالرأي لا لحفظه فإنه اتهم برأي الخوارج، وقال الإمام أحمد بن حنبل: كان عكرمة من أعلم الناس لكنه كان يرى رأي الخوارج ولم يدع موضعا إلا خرج إليه\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ٣١٩) وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":418},{"text":"خراسان والشام ومصر وإفريقية، قال مصعب الزبيري: طلبه متولي المدينة فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده وذكر ابن سعد عن عمرو بن دينار قال: دفع إلي أبو الشعثاء مسائل أسأل عنها عكرمة وقال: هذا البحر فاسألوه، وقالوا لعكرمة: الرجل يدخل الخلاء وفي إصبعه خاتم فيه اسم اللّه ﷿ قال: يجعل فصه في داخل كفه ثم يقبض عليه، باعه علي بن عبد اللّه بن عباس لخالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار فقال له عكرمة: ما خير لك بعت علم أبيك فاستقاله ثم أعتقه، وقال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بكلمة فيفتح لي خمسون بابا من العلم، وقال أبو حاتم: أعلى موالي بن عباس عكرمة، وقال أبو أحمد بن عدي: لم تمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة وأدخله أصحاب الصحاح في صحاحهم، قال البيهقي: روى له البخاري دون مسلم، توفي سنة أربع ومائة وقيل خمس وقيل ست وقيل سبع (^١) واللّه أعلم.\nقوله: عن ابن عباس تقدم.\nقوله - ﷺ -: لعمه العباس بن عبد المطلب \"يا عباس يا عماه\"؛ أعمامه - ﷺ - أحد عشر عما أحدهم: الحارث وهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى وقثم والزبير وحمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب وعبد الكعبة وحجل بحاء مفتوحة وضرار والغيدقان، أسلم منهم حمزة والعباس، وكان العباس أصغرهم سنا وهو الذي كان يلي زمزم عند أبه عبد المطلب وكان أكبر سنا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤١).","vol":"4","page":419},{"text":"من رسول اللّه - ﷺ - بسنتين أو ثلاث، فالعباس كنيته أبو الفضل الهاشمي، وأمه (نتيلة) بضم النون وفتح التاء وهي أول أعرابية كست الكعبة الحرير، قالوا: وسببه أن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسوها ففعلت وكان العباس رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام، وكان إليه عمارة المسجد الحرام والسقاية وحشر ليلة العقبة مع رسول اللّه - ﷺ - حين بايعه على الإسلام قبل أن يسلم، وقيل: أسلم قبل الهجرة وكان يكتم إسلامه مقيما بمكة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللّه - ﷺ - وكان عونا للمسلمين المستضعفين بمكة، قالوا: وأراد القدوم إلى المدينة فقال له النبي - ﷺ - مقامك بمكة خير وشهد حنينا مع رسول اللّه - ﷺ - وثبت معه حين انهزم الناس فأمره النبي - ﷺ - أن ينادي في الناس بالرجوع فنادى فيهم وكان صبيا فأقبلوا عليه وحملوا على المشركين فهزمهم اللّه تعالى وأظهر المسلمين وكان رسول اللّه - ﷺ - يعظمه ويكرمه ويبجله وكان - ﵁ - وصولا لأرحام قريش محسنا إليهم ذا رأى وكمال عقل جوادًا، أعتق سبعين عبدا وكانت الصحابة تعظمه وتكرمه وتقدمه وتشاوره وتأخذ برأيه وكان للعباس عشر بنين وثلاث بنات الفضل وعبد اللّه وعبيد اللّه وقثم وعبد الرحمن ومعبد والحارث وكثير وعور وتمام وأمية وأم حبيب وصفية، فالفضل وعبد اللّه وعبيد اللّه وقثم وعبد الرحمن ومعبد وأم حبيب أمهم أم الفضل لبابة بنت الحارث الكبرى قالوا: ولا تعرف بنو أم تباعدت قبورهم كتباعد قبور بني أم الفضل فقبر الفضل بالشام عند اليرموك وعبد اللّه بالطائف وعبيد اللّه بالمدينة وقثم بسمرقند ومعبد بإفريقية،","vol":"4","page":420},{"text":"توفي العباس بالمدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة اثنين وثلاثين وقيل أربع وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقبره مشهور بالبقيع، روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه - ﷺ - للعباس إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك أدعوا لهم بدعوة ينفعك اللّه بها وولدك فغدا وغدونا معه [وألبسنا كساء] ثم قال: \"اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة [وباطنة] لا تغادر ذنبا اللهم احفظه في ولده\" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (^١)، أ. هـ.\nروى له عن رسول الله - ﷺ - خمسة وثلاثون حديثا اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاثة، وفي كتاب الترمذي أن رسول اللّه - ﷺ - قال للعباس: \"والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم للّه ولرسوله ثم قال: أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه\" (^٢) أي: مثل أبيه، وفي كتاب الترمذي أحاديث أخر في فضل العباس رضي اللّه تعالى عنه، وثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليه بعم نبينا فاسقنا فيسقون (^٣)، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٧٦٢). وحسنه الألباني في حسن، المشكاة (٦١٤٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٧٥٨). وقال الألباني: ضعيف إلا قوله: عم الرجل ... فصحيح، المشكاة (٦١٤٧)، الصحيحة (٨٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠١٠) و(٣٧١٠).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٧ - ٢٥٩).","vol":"4","page":421},{"text":"قوله - ﷺ - لعمه العباس: \"يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل لك عشر خصال\" [\"أمنحك\"؛ أي: أعطيك،] إنما كرر هذه الألفاظ لتعظيم هذه الصلاة [وهذا التعليم في خاطر] عمه العباس والمراد من الخصال العشرة التسبيحات والتحميدات والتهليلات لأنه يأتي بها في كل هيئة عشرًا عشرًا، القيام يعني إلا أعلمك شيئا وهو مكفر عشرة أنواع ذنوبك أوله وآخره إلى آخر الخصال قاله في شرح المصابيح (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ألا أحبوك\" يقال: حباه كذا وبكذا يحبوه حبوا وحبوه إذا أعطاه والحبا العطية الخاصة ذكره صاحب المغيث (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ألا أمنحك\" أي أعطيك.\n\n١٠١١ - وَرُوِيَ عَن أبي رَافع - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - للْعَبَّاس يَا عَم أَلا أحبوك أَلا أنفعك أَلا أصلك قَالَ بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ فصل أَربع رَكعَات تقْرَأ فِي كل رَكعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة فَإِذا انْقَضتْ الْقِرَاءَة فَقل سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلا إِلَه إِلَا اللّه وَاللّه أكبر خمس عشرَة مرّة قبل أَن تركع ثمَّ اركع فقلها عشرا ثمَّ ارْفَعْ رَأسك فقلها عشرا ثمَّ اسجد فقلها عشرا ثمَّ ارْفَعْ رَأسك فقلها عشرا ثمَّ اسجد فقلها عشرا ثمَّ ارْفَعْ رَأسك فقلها عشرا قبل أَن تقوم فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ فِي كل رَكْعَة وَهِي ثَلَاثمِائَة فِي أَربع رَكعَات فَلَو كَانَت\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٣٠٥).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٣٩٦).","vol":"4","page":422},{"text":"ذنوبك مثل رمل عالج غفرها اللّه لَك قَالَ يَا رَسُول اللّه وَمن لم يسْتَطع يَقُولهَا فِي كل يَوْم قَالَ قلها فِي كل جُمُعَة فَإِن لم تستطع فقلها فِي شهر حَتَّى قَالَ فقلها فِي سنة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ كانَ عبد اللّه بن الْمُبَارك يَفْعَلهَا وتداولها الصالحون بَعضهم من بعض وَفِيه تَقْوِيَة للْحَدِيث الْمَرْفُوع انْتهى.\nوَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب من حَدِيت أبي رَافع ثمَّ قَالَ وَقد رأى ابْن الْمُبَارك وَغير وَاحِد من أهل الْعلم صَلَاة التَّسْبِيح وَذكروا الْفضل فِيهِ حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ حَدثنَا أَبُو وهب قَالَ سَأَلت عبد اللّه بن الْمُبَارك عَن الصَّلَاة الَّتِي يسبح فِيهَا قَالَ يكبر ثمَّ يَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلا إِلَه غَيْرك ثمَّ يَقُول خمس عشرَة مرّة سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلا إِلَه إِلَا اللّه وَاللّه أكبر ثمَّ يتَعَوَّذ وَيقْرَأ بِسم اللّه الرَّحْمَن الرَّحِيم وفاتحة الْكتاب وَسورَة ثمَّ يَقُول عشر مَرَّات سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلا إِلَه إِلَا اللّه وَاللّه أكبر ثمَّ يرْكَع فيقولها عشرا ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ثمَّ يسْجد فيقولها عشرا ثمَّ يرفع رَأسه فيقولها عشرا ثمَّ يسْجد الثَّانِيَة فيقولها عشرا يُصَلِّي أَربع رَكْعَات على هَذَا فَذَلِك خمس وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَة فِي كل رَكْعَة يبْدَأ فِي كل رَكْعَة بِخمْس عشرَة تَسْبِيحَة ثمَّ يقْرَأ ثمَّ يسبح عشرا فَإِن صلى لَيْلًا فَأحب أَن يسلم فِي كل رَكعَتَيْنِ وَإِن صلى نَهَارا فَإن شَاءَ سلم وَإِن شَاءَ لم يسلم قَالَ أَبُو وهب وَأَخْبرنِي عبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي رزمة عَن عبد اللّه أَنه قَالَ يبْدَأ فِي الرُّكُوع بسبحان رَبِّي الْعَظِيم وَفِي السُّجُود بسبحان رَبِّي الأعْلَى ثَلَاثًا","vol":"4","page":423},{"text":"ثمَّ يسبح التسبيحات قَالَ أَحْمد بن عَبدة وَحدثنَا وهب بن زَمعَة قَالَ أَخْبرنِي عبد الْعَزِيز وَهُوَ ابْن أبي رزمة قَالَ قلت لعبد اللّه بن الْمُبَارك إِن سَهَا فِيهَا أيسبح فِي سَجْدَتي السَّهْو عشرا عشرا قَالَ لا إِنَّمَا هِيَ ثلثمِائة تَسْبِيحَة انْتهى مَا ذكره التِّرْمِذِيّ. (^١)\nقَالَ المملي الْحَافِظ - ﵁ - وَهَذَا الَّذِي ذكره عَن عبد اللّه بن الْمُبَارك من صفتهَا مُوَافق لما فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي رَافع إِلَا أَنه قَالَ يسبح قبل الْقِرَاءَة خمس عشرَة وَبعدهَا عشرا وَلم يذكر فِي جلْسَة الاسْتِرَاحَة تسبيحا وَفِي حديثيهما أَنه يسبح بعد الْقِرَاءَة خمس عشرَة مرّة وَلم يذكرَا قبلهَا تسبيحا ويسبح أَيْضا بعد الرّفْع فِي جلْسَة الاسْتِرَاحَة قبل أَن يقوم عشرا.\nقوله: حدثنا أبو وهب قال سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبح فيها فقال: يكبر ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك الحديث، وفي الحديث أيضا عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول اللّه - ﷺ - إذا قام من الليل يكبر ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك الحديث (^٢)، استحب الحنفية الاستفتاح بهذا الحديث الدعاء قال\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٦)، والترمذي (٤٨٢)، والدارقطني في صلاة التسبيح كما في الترجيح لابن ناصر (ص ٥١) وابن الجوزى في الموضوعات (٢/ ١٤٤ - ١٤٥)، والبيهقي في الصغير (١/ ١٩٩ - ٣٠٠ رقم ٨٣١) والشعب (٢/ ١٢٣ - ١٢٤ رقم ٦٠٢).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٨٠٤)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٣٣٠ (٩١١) و(٩١٢). وقال الألباني: صحيح، الإرواء (٢/ ٥١)، المشكاة (٨١٦)، صحيح أبي داود (٧٤٨).","vol":"4","page":424},{"text":"السروجي وبه قال [أكثر العلماء، منهم: أبو بكر الصديق وعمر] وابن مسعود [والنخعي وأحمد] وإسحاق، قال الترمذي وعليه العمل عند أهل العلم (^١)، وذهب الشافعي وابن [خزيمة] بكل ما ورد [في حديث على] وجهت [وجهى للذى فطر الحديث] لموافقة القرآن (^٢)، وقال أبو يوسف: يجمع بينه وبين قوله \"سبحانك اللهم وبحمدك\" وقال مالك: لا يأتي بهذا الدعاء ولا التعوذ في الفرائض (^٣) قلنا الأكثرون على استحبابه ومذهب الشافعي استحباب [لتعوذ في] أول كل ركعة وفيما بعدها [وجهان] للإمام والمنفرد دون المأموم [بياض بالأصل] (^٤) عند الحنفية والحنابلة، وحكمته دفع وساوس الشيطان في [الصلاة] ويستحب أن لا يجهر به فيها، أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\nواختلف في سبحانك وبحمدك، فقيل: هو تحميد مع التسبيح، وسئل المازني عن سبب دخول الواو في وبحمدك فقال: سبحانك اللهم بجميع [آلائك،] أي أنزهك بذلك وبحمدك، سبحتك [وسبحان اللّه:] التسبيح تنزيهه تعالى عن العيوب [و] إثبات [الكمال له]، ومعنى تبارك تفاعل من البركة (^٥) ومعناها الخير الكثير الثابت الدائم وتعالى جدك من علو المرتبة\n_________\n(^١) البناية شرح الهداية (٢/ ١٨٤).\n(^٢) التوضيح (٧/ ٢١)، والإعلام (٣/ ١٢)، والنجم الوهاج (٢/ ١٠٦).\n(^٣) حلية العلماء (٢/ ٨٣)، واختلاف العلماء (١/ ١٠٨).\n(^٤) بياض بمقدار كلمة.\n(^٥) الميسر (١/ ٢٣٥).","vol":"4","page":425},{"text":"والجد العظمة، وقيل: السلطان وقيل الغني (^١).\nواعلم أن [صفات] اللّه تعالى لا يقال هي هو ولا هي غيره بل [يجب أن يقال إنها صفات له موجودة به قائمة] بذاته [مختصة به] (^٢) ومناسبة هاتين [الصفتين] هنا [الدعاء] للإجابة [بياض بالأصل].\nوقال عمار بن الحسن يمدحه (^٣):\nإذا سار عبد اللّه من مرو ليلة ... وقد سار منها نورها وجمالها\nإذا ذكر الأخيار في كل بلدة ... فهم أنجم فيها وأنت هلالها\nقال أبو أسامة: ابن المبارك في أصحاب الحديث كأمير المؤمنين في الناس، وقال الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن في زمن ابن المبارك أطلب للعلم منه رحل إلى اليمن ومصر والشام والبصرة والكوفة وكان من رواة العلم وكان أهلا لذلك كتب عنه الصغار والكبار وجمع أمرا عظيما وكان صاحب حديث حافظا، وقال عبد الرحمن بن أبي حميد: قلنا لابن المبارك: يا عالم المشرق حدثنا فسمعنا سفيان فقال: ويحكم عالم المشرق والمغرب وما بينهما، وقال الأسود بن سالم: كان ابن المبارك إماما يقتدي به وهو من أثبت الناس في السنة توفي بهيت منصرفا من الغور سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة، قلت: هيت مدينة معروفة على الفرات فوق\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء (٣/ ٤٨).\n(^٢) التبصير (١/ ١٦٥).\n(^٣) نبه في الحاشية أنه حصل تقديم محله في ترجمة ابن المبارك.","vol":"4","page":426},{"text":"الأنبار (^١) والله أعلم.\nقوله: قال أبو وهب أخبرني عبد العزيز هو ابن أبي رزمة عن عبد الله أنه قال: يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم ثلاثا وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثا ثم يبح التسبيحات.\nقوله: أخبرني عبد العزيز عن ابن أبي رزمة هو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة بكسر الراء وإسكان الزاي اليشكري [المروزي الثقة] الحافظ شيخ أبي داود، مات سنة إحدى وأربعين ومائة، أ. هـ.\nقوله: قلت لعبد الله بن المبارك إن سهي فيها أيسبح في سجدتي السهو عشرا عشر، قال: لا إنما هي ثلاثمائة تسبيحة، أ. هـ ما ذكره الترمذي.\nتنبيه: قال السبكي: وينبغي للمتعبد أن يعمل بحديث ابن عباس تارة وبما رواه ابن المبارك أخرى وأن يفعلها بعد الزوال قبل صلاة الظهر وأن يقرأ فيها طوال المفصل تارة بالزلزلة والعاديات والفتح والإخلاص وتارة بألهاكم التكاثر والعصر وقل يأيها الكافرون والإخلاص وأن يكون دعاؤه بعد التشهد وقبل السلام بما تقدم ثم يسلم ثم يدعوا لحاجته ففي كل شيء ذكرته وردت سنة فينبغي الحرص عليها فمن يسمع ما ورد فيها من عظيم الثواب ثم يتغافل عنها متهاون بالدين غير مكترث بأعمال الصالحين ولا ينبغي أن يعد من أهل الخير في شيء نسأل الله تعالى الإعانة والسلامة. أ. هـ؛ ولا يجوز\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٥).","vol":"4","page":427},{"text":"تطويل جلسة الاستراحة إلا في صلاة التسبيح فقط (^١).\nتنبيه: قال العلماء والمشهور سن جلسة حقيقية بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها سواء في ذلك الفرض والنفل والشيخ والشاب، واحترز بكل ركعة عن سجود التلاوة فلا يشرع له جلسة الاستراحة (^٢) وتجب الطمأنينة في الاعتدال وفي الجلوس بين السجدتين فلو أطال الاعتدال حيث ورد الشرع بتطويله بالقنوت أو في صلاة التسبيح لم تبطل وإن أطاله عمدًا بالسكوت أو بذكر آخر فالأصح البطلان (^٣). أ. هـ.\nقوله: ورواه شيبة ابن أبي سعيد عن يحيى بن سليم عن عمران عن أبي الجوزاء، وأبو الجوزاء هو بفتح الجيم وبالزاي اسمه أوس بن عبد الله الربعي البصري، روى عن [عائشة، وابن عباس، و] ابن عمرو بن [العاص روى عنه: عمر بن مالك وبديل بن ميسرة] قتل في [سنة] ثلاث وثمانين (^٤) [فائدة: قال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله: ليس] شيء أطرد للشيطان عن القلب من لا إله إلا الله ثم تلا: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (^٥) (^٦) وأما أبو الحوراء راوي حديث قنوت الصبح اسمه ربيعة بن شيبان السعدي قاله\n_________\n(^١) المقالات المسفرة (ص ١٩٧)، ومرقاة المفاتيح (٣/ ٩٩٦).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١٥٤).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ١٥٢).\n(^٤) جامع الأصول (١٢/ ١٨٣).\n(^٥) سورة الإسراء، الآية: ٤٦.\n(^٦) تفسير القرطبى (١٠/ ٢٧١).","vol":"4","page":428},{"text":"الأكثرون، وقال الجورجاني: أبو الحوراء [مجهول لا يعرف] (^١) والله أعلم [وأما] أبو الحوراء راوي حديث القنوت فبالحاء والراء المهملتين.\n\n١٠١٢ - وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي حباب الْكَلْبِيّ عَن أبي الجوزاء عَن ابْن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قَالَ لي النَّبِي - ﷺ - أَلا أحبوك أَلا أُعْطِيك فَذكر الحَدِيث بِالصّفةِ الَّتِي رَوَاهَا التِّرْمِذِيّ عَن ابْن الْمُبَارك ثمَّ قَالَ وَهَذَا يُوَافق مَا روينَاهُ عَن ابْن الْمُبَارك وَرَوَاهُ قُتَيْبَة عَن سعيد عَن يحيى بن سليم عَن عمرَان بن مُسلم عَن أبي الجوزاء قَالَ نزل عَليّ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَذكر الحَدِيث وَخَالفهُ فِي رَفعه إِلَى النَّبِي - ﷺ - وَلم يذكر التسبيحات فِي ابْتِدَاء الْقِرَاءَة إِنَّمَا ذكرهَا بعْدهَا ثمَّ ذكر جلْسَة الإستراحة كمَا ذكرهَا سَائِر الروَاة (^٢) انْتهى. قَالَ الْحَافِظ جُمْهُور الروَاة على الصّفة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي رَافع وَالْعَمَل بهَا أولى إِذْ لَا يَصح رفع غَيرهَا وَالله أعلم.\n\n١٠١٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَهُ يَا غُلَام أَلا أحبوك أَلا أنحلك أَلا أُعْطِيك قَالَ قلت بلَى بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله فَظَنَنْت أَنه سيقطع لي قِطْعَة من مَال فَقَالَ لي أَربع رَكعَات تصليهن فَذكر الحَدِيث كمَا تقدم وَقَالَ فِي آخِره فَإِذا فرغت قلت بعد التَّشَهُّد وَقبل السَّلَام\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٨).\n(^٢) أخرجه الهاشمى في نسخة أبي مسهر وغيره (٣٦)، والبيهقي في الشعب (٢/ ١٢٥ - ١٢٦ رقم ٦٠٤)، والخطيب في صلاة التسبيح (١٨ و١٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤١١).","vol":"4","page":429},{"text":"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك توفيق أهل الْهدى وأعمال أهل الْيَقِين ومناصحة أهل التَّوْبَة وعزم أهل الصَّبْر وجد أهل الخشية وَطلب أهل الرَّغْبَة وَتعبد أهل الْوَرع وعرفان أهل الْعلم حَتَّى أخافك اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك مَخَافَة تحجزني عَن مَعَاصِيك حَتَّى أعمل بطاعتك عملا أستحق بِهِ رضاك وَحَتَّى أناصحك بِالتَّوْبَةِ خوفًا مِنْك وَحَتَّى أخْلص لَك النَّصِيحَة حبا لَك وَحَتَّى أتوكل عَلَيْك فِي الْأُمُور حسن ظن بك سُبْحَانَ خَالق النُّور فَإِذا فعلت ذَلِك يَا ابْن عَبَّاس غفر الله لَك ذنوبك كلهَا صغيرها وكبيرها وقديمها وحديثها وسرها وعلانيتها وعمدها وخطأها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١) وَرَوَاهُ فِيهِ أَيْضا عَن أبي الجوزاء قَالَ قَالَ لي ابْن عَبَّاس يَا أَبَا الجوزاء أَلا أحبوك أَلا أعلمك أَلا أُعْطِيك قلت بلَى فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من صلى أَربع رَكْعَات فَذكر نَحوه بِاخْتِصَار وَإِسْنَاده واه (^٢) وَقد وَقع فِي صَلَاة التَّسْبِيح كَلَام طَوِيل وَخلاف منتشر ذكرته فِي غير هَذَا الْكتاب مَبْسُوطا وَهَذَا كتاب ترغيب وترهيب وَفِيمَا ذكرته كِفَايَة.\nقوله: وروى عن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"يا غلام، ألا أحبوك ألا أنحلك ألا أعطيك\" الحديث، النحل العطية وتقدم معنى ذك في حديث عكرمة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٤ - ١٥ رقم ٢٣١٨) وعنه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥ - ٢٦)، والخطيب في صلاة التسبيح (١٠). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٤١٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٨٧ رقم ٢٨٧٩)، والخطيب في صلاة التسبيح (١١).\nوضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٤١٢).","vol":"4","page":430},{"text":"فائدة: وفي كتاب اللمعة في رغائب يوم الجمعة للشيخ الإمام العلامة تقي الدين محمد بن إسماعيل بن علي بن أبي الصيف اليمني نزيل مكة المشرفة [يستحب صلاة التسبيح عند الزوال يوم الجمعة، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة التكاثر، وفي الثانية والعصر، وفي الثالثة الكافرون، وفي الرابعة الإخلاص، فإذا كملت الثلاثمائة تسبيحة قال بعد فراغه من التشهد قبل أن يسلم: اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وحذر أهل الخشية، وتعبد أهل الورع، وعرفان أهل العلم، حتى أخافك. اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملا أستحق به الرضا، وحتى أناصحك في التوبة خوفا منك، وحتى أخلص لك النصيحة حبا لك، وحتى أتوكل عليك في الأمور كلها حسن الظن بك، سبحان خالق النور، ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير، برحمتك يا أرحم الراحمين، ثم يسلم، والأقرب من الاعتدال للمؤمن أن يصليها من الجمعة إلى الجمعة، وهذا الذي كان عليه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس - ﵄ -، فإنه كان يصليها عند الزوال يوم الجمعة، ويقرأ فيها ما تقدم الذي بقي لنا قد ذكره بحروفه منه المطلب في تفريج القلوب].\nقوله: \"اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك\" الحجز المنع.\n\n١٠١٤ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَن أم سليم غَدَتْ على رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَت عَلمنِي كَلِمَات أقولهن فِي صَلَاتي فَقَالَ كبري الله عشرا وسبحيه عشرا واحمديه عشرا ثمَّ سَلِي مَا شِئْت يَقُول نعم نعم رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا","vol":"4","page":431},{"text":"وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس بن مالك.\nقوله: أن أم سليم غدت على رسول الله - ﷺ -، وأم سليم هي أم أنس بن مالك الأنصارية، واختلفوا في اسمها على أقوال، أحدها: سهلة والثاني: رميلة، والثالث: رمينة، والرابع: أميمة، والخامس: الرميصاء بالصاد، والغميصاء بالغين المعجمة، وبهذين الاسمين تعرف، وقال بعضهم: المشهور فيها الرميصاء وفي أختها الغميصاء وكانت من فاضلات الصحابيات ومشهوراتهن وهي أخت أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، وأمها: مليكة بنت مالك بن عدي من بني النجار وهذه أم سليم تزوجها في الجاهلية مالك بن النضر فولدت أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ - (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٢٠ (١٢٢٠٧)، والترمذي (٤٨١)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٩٥ (١٣١٥) والكبرى (١٢٢٣)، وابن خزيمة (٨٥٠)، وابن حبان (٢٠١١)، والحاكم (١/ ٢٥٥) و(١/ ٣١٨). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٣٨)، وصحيح الترغيب (٦٧٩).\n(^٢) مرآة الزمان (٥/ ٢٣٩).","vol":"4","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>[عدة في خدم المصطفى - ﷺ </span>-]\nفائدة: عدة من خدمه من الأحرار: أنس بن مالك بن النضر الأنصاري وربيعة بن كعب [الأسلمى] وعبد الله بن مسعود وكان صاحب نعليه - ﵁ -: إذا قام ألبسه إياهما وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم وعقبة بن عامر الجهني [وكان صاحب بغلته يقود به في الأسفار] وبلال بن أبي رباح المؤذن [على نفقاته] وأبو ذر الغفاري [وأيمن بن أم أيمن صاحب مطهرته ومن النساء:] إحدى عشرة [وأم سليم أم أنس بن مالك، قال: ويقال: هي الغميصاء والرميصاء، وأم سليم] تزوجها في الجاهلية مالك بن النضر فولدت أنس بن مالك فقتل عنها مشركا فخطبها أبو طلحة وكانت قد أسلمت فقالت له أنت مشرك فإن أسلمت فنعم، وقد ذكر القصة ابن سعد بإسناده عن إسحاق بن عبد الله عن جدته أم سليم أنها آمنت برسول الله - ﷺ - قالت: فجاء أبو أنس وكان غائبا فقال: أصبوت قالت ما صبوت (^١).\nقوله: أن تصلى أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة فقل وأنت قائم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، الحديث وإن زاد بعد التسبيح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهو حسن، وقد ورد ذلك في بعض الروايات، وهذه هي\n_________\n(^١) الطبقات (٨/ ٤٢٥)، ومرآة الزمان (٥/ ٢٣٩).","vol":"4","page":433},{"text":"الصلاة المأثورة (^١) قاله في الديباجة.\n[أصح شيء في فضائل الصلوات: صلاة التسبيح] قال السبكي: صلاة [التسبيح من] مهمات المسائل في الدين، وحديثها أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه ابن خزيمة قال الدارقطني: أصح شيء في فضائل الصلوات صلاة التسبيح كما تقدم، وقد نص على استحباب صلاة التسبيح هذه جماعة من أئمة أصحابنا منهم القاضي حسين والبغوي والمتولي والمحاملي والشيخ أبو محمد وولده إمام الحرمين والغزالي في الرائق والروياني في كتابه البحر في آخر كتاب الجنائز (^٢).\nواعلم أن صلاة التسبيح مرغب فيها يستحب أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها، قال: هكذا قال عبد الله بن المبارك وجماعة من العلماء وكذلك قال صاحب المهذب (^٣)، وقال الغزالي: ويستحب أن لا يخلي الأسبوع منها أو الشهر وهي أربع ركعات كما جاء في نص الحديث والأحسن إذا صلاها نهارا أن يكون بتسليمة واحدة وإن صلاها ليلا أن يكون بتسليمتين (^٤)، وأفتى ابن الصلاح بأنها سنة (^٥) وتوقف فيها النووي (^٦) قاله في الديباجة،\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٢٠٧).\n(^٢) أمالي الأذكار (ص ٤٣).\n(^٣) بحر المذهب (٢/ ٦٠٦)، والأذكار (ص ١٨٦)، والمجموع (٤/ ٥٤).\n(^٤) إحياء علوم الدين (١/ ٢٠٧).\n(^٥) فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٣٥).\n(^٦) الأذكار (ص ١٨٦).","vol":"4","page":434},{"text":"ولا يغتر بما فُهم عن النووي في الأذكار من رده وأنه اقتصر على رواية الترمذي وراء قول العقيلي ليس فيها حديث صحيح ولا حسن ولا أظن أنه لو استحضر تخريح أبي داود لحديثها وتصحيح ابن خزيمة والحاكم لما قال ذلك ولم يحسن من ابن الجوزي ادعاؤه أن حديثها موضوع (^١)، أ. هـ.\nقوله: ورواه الطبراني فقال في آخره: \"فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر أو رمل عالج غفرها الله لك\"، زبد البحر: رغوته، تقدم أن مثل هذا محمول على الصغائر ولكن قوله: \"وإن كانت مثل زبد البحر\" يدل على عموم المغفرة للكبير والصغير فإنه في مقام تعظيم الجزاء وبلوغه أقصى مراتبه وصار هذا مثل قوله فيمن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فقيل: وإن زنى وإن سرق فقال: وإن زنى وإن سرق الحديث، والكرم واسع والرجاء غير منقطع، والحكمة في التمثيل بزبد البحر لأنه يتراكم ويكثر حتى يصير مثل الزبد ثم ينقطع ويضمحل فأما الزبد فيذهب جفاء [بياض بالأصل] أ. هـ، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"أو رمل عالج\" هو موضع بالبادية كثير الرمال وقال البكري أنه في ديار كلب ويصل إلى الدهناء وينقطع طرفه من دون الحجاز، وعالج هو بكسر اللام وبعدها جيم.\nفائدة: سئل ابن الصلاح عن إمام يصلي بالمسلمين صلاة التسبيح المروية عن رسول الله - ﷺ - في ليالي الجمعة وغيرها، هل يثاب على ذلك ويثابون أو\n_________\n(^١) أمالى الأذكار (ص ٤٢ - ٤٣).","vol":"4","page":435},{"text":"لا؟ وهل هي سنة أو بدعة؟ وهل صحت عن رسول الله - ﷺ - من طريق أو لا؟، وهل من أنكر على مصليها مصيب أو مخطئ؟\nفأجاب - ﵁ -: نعم يثاب ويثابون إذا خلصوا وهي سنة غير بدعة وهي مروية عن رسول الله - ﷺ - وحديثها حسن معتمد معمول بمثله لا سيما في العبادات والفضائل، وقد أخرجه جماعة من أئمة الحديث في كتبهم والمنكر لها غير مصيب ولا يختص بليلة الجمعة كما جاء في الحديث، وقال الغزالي في الإحياء: صلاة التسبيح مأثورة ولا تختص بوقت ولا سبب ويستحب أن لا يخلو الأسبوع عنها مرة واحدة أو الشهر (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.؟\nتنبيه: قوله حدثنا أحمد بن داود بمصر إلى آخره كذا قال الخطيب البغدادي درجة أنبأنا أحط من درجة أخبرنا وهو قليل في الاستعمال انتهى، قال بعضهم: قال لنا فلان هو أحط مرتبة من حدثنا ونحوه سواء كان بزيادة لنا أو لا لأنه يقال على سبيل المذاكرة بخلاف نحوحدثنا فإنه يقال على سبيل النقل والتحمل، وذهب مسلم إلى أن حدثنا لا يجوز إطلاقه إلا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرئ على الشيخ، وهو مذهب الشافعي قدس الله سره وجمهور أهل المشرق، وقيل: هو مذهب أكثر أصحاب الحديث وهو الشائع والغالب على أهل الحديث والأول أعلى درجة واصطلاح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا [في الإجازة] فهو أدنى من أخبرنا وأما سمعت فهو [لما] سمع من لفظ الشيخ سواء كان [الحديث]\n_________\n(^١) فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٣٥) وإحياء علوم الدين (١/ ٢٠٧).","vol":"4","page":436},{"text":"معه أو مع غيره فهو أحط مرتبة من حدثنا وقال الخطيب البغدادي: أرفع العبارات في [ذلك] سمعت ثم حدثني ثم أخبرني ثم أنبأني، قال ابن بطال قال طائفة: حدثنا لا تكون إلا مشافهة، وأخبرنا قد تكون مشافهة وكتابيا وتبليغا لأنه تقول أخبرنا الله تعالى بكذا في كتابه ورسوله بكذا ولا تقول [حدثنا إلا أن يشافهك] المخبر بذلك، وقال الطحاوى لم [نجد بين الحديث والخبر] فرق في كتاب [الله ولا] سنة [رسوله قال] تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ الآية (^١)، أ. هـ.\nتنبيه آخر: قوله [حدثنا جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا واستمر الاصطلاح عليه من قديم الاعصار إلى زماننا واشتهر ذلك بحيث لا يخفى فيكتبون من حدثنا (ثنا) وهي] الثاء والنون والألف ويكتبون [من أخبرنا (انا)] ولا يحسن زيادة الباء قبل نا (^٢).\nقوله: حدثنا حيوة بن شريح، كان حيوة بن شريح بن صفوان من العباد الزاهدين المجابين الدعوة، قال عبد الله بن وهب: كان حيوة يأخذ عطاءه في السنة ستين دينارًا فلم يطلع منزله حتى يتصدق بها ثم يجيء منزله فيجدها تحت فراشه وبلغ ذلك ابن عم له فأخذ عطاءه فتصدق به وجاء إلى تحت فراشه فلم يجد شيئًا فشكى ذلك إلى حيوة فقال: أنا أعطيت [ربى] بيقين وأنت أعطيته تجربة، توفي حيوة سنة [ثمان وخمسين ومئة على الصحيح،\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ٣٧).","vol":"4","page":437},{"text":"وقيل: سنة تسع وخمسين] (^١) أ. هـ.\nقوله: عن يزيد بن أبي حبيب [واسمه سويد، الأزدي، أبو رجاء المصري مولى شريك بن الطفيل الأزدي، قال أبو سعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر في أيامه، وكان حليما عاقلا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام في الحلال والحرام ومسائل، وقيل: إنهم كانوا قبل ذلك يتحدثون بالفتن والملاحم والترغيب في الخير.\nوقال الليث بن سعد: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (^٢)].\nقوله: عن نافع عن ابن عمر، هو نافع مولى ابن عمر تابعي من سبي نيسابور، وقيل: من سبي خراسان بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلم الناس السنن، توفي - ﵁ - سنة عشرين ومائة (^٣)، وتقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: وجه رسول الله - ﷺ - جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة، هو: أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب الهاشمي الطيار ذو الجناحين وذو الهجرتين هاجر إلى الحبشة وكان هو وأصحابه سبب إسلام النجاشي رحمه الله تعالى، وهاجرت معه زوجته أسماء بن عميس فولدت له هناك عبد الله بن جعفر وهو أول مولد في الإسلام بأرض الحبشة؛\n_________\n(^١) طبقات علماء الحديث (١/ ٢٨٢ - ٢٨٤)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣٢/ ترجمة ٦٩٧٥).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٢٣ - ١٢٤).","vol":"4","page":438},{"text":"كانت أسماء بنت عميس تحت جعفر فقتل عنها فتزوجها الصديق فمات عنها فتزوجها علي، وهي أخت ميمونة زوج النبي - ﷺ - لأمها، وكن عشر أخوات، أسلمت أسماء بنت عميس قبل دخول النبي - ﷺ - دار الأرقم وبايعته - ﷺ -، ثم قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين ثم سكن المدينة ثم أمره النبي - ﷺ - على جيش غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة فاستشهد هو وزيد فيها في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة فأخبر بوفاته رسول الله - ﷺ - على المنبر بالمدينة حال وفاته وقبره - ﵁ - وقبر صاحبيه زيد بن حارثة وعبد الله مشهورات بأرض مؤتة من الشام تحت الكرك على نحو مرحلتين من بيت المقدس وكان جعفرًا أن من علي - ﵄ - بعشر سنين وعقيل أسن من جعفر بعشر سنين وطالب بن أبي طالب أسن من عقيل بعشر سنين، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية تزوجها هاشمي وأسلمت وهاجرت إلى المدينة وتوفيت في زمن رسول الله - ﷺ - ونزل في قبرها وكان يكرمها وكان لجعفر [يوم] توفي إحدى وأربعون سنة وقيل غير ذلك (^١).\nقوله: وروى عن أبي رافع وأبو رافع مولى رسول الله - ﷺ - اسمه إبراهيم وقيل أسلم وقيل ثابت وقيل هرمز (^٢).\nفائدة: كان عدة مواليه من الرجال أحدًا وثلاثين نفرا، قلنا: هؤلاء المشهورون، وقد قيل إنهم أربعون رجلا منهم زيد بن حارثة بن شراحيل\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٣٠).","vol":"4","page":439},{"text":"الكلبي وكان [لخديجة] فاستوهبه - ﷺ - منها وأعتقه. ابنه أسامة بن زيد وكان يقال له حب رسول الله - ﷺ - ابن حب رسول الله - ﷺ -[ثوبان بن بجدد، وكان له نسب في اليمن، أبو كبشة] من مولدى [مكة شرفها الله] تعالى [وقيل] بل من [دوس واسمه سليم] شهد بدرا [ابتاعه]- ﷺ -[ثم أعتقه، وتوفى في أول يوم استخلف] عمر بن الخطاب [شقران واسمه] صالح قيل [ورثه من أبيه، وقيل] اشتراه من [عبد الرحمن بن عوف] وأعتقه أبو [رافع] اسمه أسلم، وقيل: إبراهيم وكان عبدًا للعباس فوهبه للنبي - ﷺ - فأعتقه [فأعتقه حين بشره بإسلام] عمه العباس [وزوجه سلمى مولاته، فولدت] عبيد الله [وكان عبيد الله] كاتبا لعلي خلافته [كلها] وهبه له [مدعم، أسود وهبه له رفاعة بن] زيد الجذامي قتل [بوادى] القرى أصابه سهم وهو الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -[إن الشملة التي غلها] تشتعل عليه نارًا. (كركرة) كان على ثقل رسول الله - ﷺ - وكان نوبيا أهداه له هوذة بن علي الحنفي. (سفينة) كان سفينة هذا عبدًا لأم سلمة زوج النبي - ﷺ - فأعتقته واشترطت عليه أن يخدم النبي - ﷺ - مدة حياته فقال [لو لم تشترطى] على ما فارقته [وكان اسمه رباح، وقيل مهران،] فسماه رسول الله - ﷺ - سفينة وكان أسود من مولدي الأعراب. (أبو [لبابة]) كان لبعض عماته فوهبته له [رويقع] سباه من هوزان وأعتقه [قلت: هؤلاء] هم المشهورون من الأربعين قاله في [كنز الدرر (^١)].\n_________\n(^١) كنز الدرر (٣/ ١٤٠ - ١٤٣).","vol":"4","page":440},{"text":"قوله: رواه البيهقي وقال: كان عبد الله بن المبارك يفعلها وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض. هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي، كنيته: أبو عبد الرحمن الإمام المجمع على إمامته وجلالته في كل شيء الذي تستتر الرحمة بذكره وترجى المغفرة بحبه وهو من تابعي التابعين وكان أبوه تركيا مملوكا لرجل من همدان وأمه خوارزمية، حكي عن أبيه أنه كان يعمل في بستان لمولاه مدة ثم أمره مولاه أن يأتيه برمان حلو فأتاه بحامض فحرد عليه وقال: أطلب منك الحلو فتحضر لي الحامض هات حلوا فأتاه بحامض كذلك مرارا، ثم قال له: أنت ما تعرف الحلو من الحامض، قال: لا، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني ما أكلت منه شيئًا حتى أعرفه، قال: ولم لم تأكل، قال: لأنك لم تأذن لي فيه فكشف مولاه عن ذلك فوجده صادقا فعظم في عينه فأعتقه وزوجه ابثته فأولدها عبد الله هذا، وسئل ابن المبارك أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز، فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله - ﷺ - خير من ألف من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله - ﷺ - فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد [فما بعد هذا؟] (^١) ومن كلام ابن [المبارك تعلَّمنا العلم للدنيا، فدلَّنا على ترك الدنيا، وكان عبد الله قد غزا، فلما انصرف من الغزو وصل إلى هيت فتوفي بها في رمضان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثمانين\n_________\n(^١) الشريعة (١٩٥٥)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٧ - ٢٠٨).","vol":"4","page":441},{"text":"ومائة، ومولده بمرو سنة ثماني عشرة ومائة، ﵁ (^١)].\nوقال الغزالي في الإحياء (^٢) في كتاب [آداب السفر من الإحياء] قال رجل لابن المبارك وهو على دابته: احمل لي هذه الرقعة إلى فلان فقال حتى أستأمر الحمَّار [فإني لم] أشارطه على [هذه الرقعة]، قال: فانظر كيف لم يلتفت إلى قول الفقهاء أن هذا مما يتسامح فيه ولكن سلك طريق الورع [بياض بالأصل] (^٣) أ. هـ.\nقال النووي (^٤): روينا عن الحسن بن عيسى قال: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع الفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والشعر والفصاحة والورع والإنصاف وقيام الليل والعبادة والشدة في رأيه وقلة الكلام فيما لا يعنيه وقلة الخلاف على أصحابه، وقال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والجسارة والسخاء والمحبة؛ وقال سفيان [الثوري] ابن عيينة حين توفي ابن المبارك: لقد كان فقيها عالما عابدا زاهدا شجاعا.\nقالت: ما صبوت ولكني آمنت بهذا [الرجل] فجعلت تلقن أنسا وتشير إليه قل لا إله إلا الله قل أشهد أن لا إله إلا الله ففعل، قال: فيقول\n_________\n(^١) وفيات الأعيان (٣/ ٣٣ - ٣٣٤).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٣) بياض بمقدار كلمة.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"4","page":442},{"text":"لها أبوه لا تفسدي علي ابني دينه، قال: فتقول إني لأفسده، قال: فخرج مالك أبو أنس فلقيه عدوٌ فقتله فلما بلغها قتله قالت: لا جرم أفطم أنسا حتى يبلغ للثدي حبا ولا أتزوج حتى يأمرني أنس فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت وقالت: إن أسلمت فنعم فذكره إلى قوله: قال: فوقع في قلبي ما قلت وآمن، قالت: فإني أتزوجك ولا آخذ منك صداقا بخير الإسلام فكان صداقها الإسلام فتزوجها أبو طلحة فولدت له عبد الله وأبا عمير وهي التي كان رسول الله - ﷺ - يلاعب ولدها فيقول يا أبا عمير ما فعل النغير؛ روت أم سليم الحديث عن رسول الله - ﷺ - فقال ابن سعد بإسناده عن حسين بن أبي سفيان عن أنس بن مالك قال: زار رسول الله - ﷺ - أم سليم فصلى في بيتها صلاة تطوعا وقال: \"يا أم سليم إذا صليت المكتوبة فقولي: سبحان الله عشرًا والحمد لله عشرًا والله أكبر عشرًا ثم اسألي الله ما شئت فإنه يقال لك: نعم نعم\" (^١)، وفي الصحابيات جماعة يقال لكل واحدة منهن أم سليم، إحداهن هذه وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم وذلك من المشهور والمعروف (^٢) وقال الغزالي في الوسيط (^٣): هي جدة أنس وكذلك قال شيخه والصيدلاني ومحمد بن يحيى صاحب البحر وهو غلط بالاتفاق وكانت أم سليم هذه هي وأختها أم حرام خالتين لرسول الله - ﷺ - من جهة الرضاعة وكانت من\n_________\n(^١) الطبقات (٨/ ٤٢٥ - ٤٢٦)، ومرآة الزمان (٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٣)\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٣). قلنا والذى في الوسيط أم أنس.","vol":"4","page":443},{"text":"فاضلات الصحابيات، وقال محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي - ﷺ -: \"رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا بلال ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت لمن هذا؟ فقالوا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك\" فبكى عمر بن الخطاب فقلت: بابي أنت وأمي يا رسول الله أعليك أغار، هذا حديث صحيح رواه البخاري (^١).\nخاتمة: تستحب صلاة التسبيح عند الزوال يوم الجمعة تقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ألهاكم التكاثر وفي الثانية والعصر وفي الثالثة قل يا أيها الكافرون وفي الرابعة [الإخلاص فإذا كملت الثلاثمائة] تسبيحة [قال] بعد فراغه من التشهد وقبل أن يسلم [اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل] الصبر [ثم قال] وفي آخره سبحان خالق النور ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير برحمتك يا أرحم الراحمين ثم يسلم ثم [قال] والأقرب من الاعتدال [للمؤمن] أن يصليها من الجمعة إلى الجمعة وهو الذي [كان عليه حبر] الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، فإنه كان يصليها عند الزوال يوم الجمعة ويقرأ فيها بما تقدم (^٢) أ. هـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٧٩).\n(^٢) أدعية الحج لقطب الدين الحنفى نقلا عن الدميرى في كتاب اللمعة في رغائب يوم الجمعة (ص ٣٠٥ - ٣٠٧).","vol":"4","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>التَّرْغِيب فِي صَلَاة التَّوْبَة</span>\nاعلم أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^١) ومعنى التوبة في اللغة: الرجوع ومنه يقال: تاب فلان من سفره إذا رجع ومعناها عند أهل الحقائق الندامة على ما مضى والإقامة على [بياض بالأصل]، وقيل: معنى التوبة الندم على ما فات وإصلاح ما هو آت (^٢)، وللتوبة وصحتها شروط أحدها أن يقلع عن المعصية في الحال أي بالقلب، والثاني: أن يندم على ما فعل أي ما سلف من ذنوبه، والثالث: العزم على تركها والرجوع إلى الذنب وعبارة بعضهم أن لا يعود إليها أبدًا في الأزمنة المستقبلة (^٣)، والرابع: أداء أول فريضة ضيعها فيما بينه وبين الله تعالى، والخامس: رد الظلامة إلى صاحبها أو طلب العفو عنها والإبراء منها إن كانت تتعلق بآدمي، السادس: إذابة كل لحم وشحم نبت من الحرام بإصلاح المطعم والمشرب والملبس، السابع: إذاقة البدن ألم الطاعة كما ذاق حلاوة المعصية (^٤)، الثامن: تطهير القلب من الأدناس وهو الغل والغش والحسد والمكر وطول الأمل ونسيان الأجل انتهى، قاله الهروي وقد ذكر النووي بعض هذه الشروط.\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣١.\n(^٢) سلوة الأحزان (ص ٦٦).\n(^٣) الأذكار (ص ٣٤٦).\n(^٤) قاله ذو النون كما في شعيب الإيمان (٩/ ٣٦٥).","vol":"4","page":445},{"text":"تنبيه: إذا تاب من ذنب فينبغي أن يتوب من جميع الذنوب فلو اقتصر على التوبة من ذنب صحت توبته منه وإذا تاب من ذنب توبة صحيحة بما ذكرنا ثم عاد إليه في وقت أتم بالثاني ووجب عليه التوبة منه ولم تبطل التوبة من الأول، هذا مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة في المسألتين (^١)، أ. هـ والله أعلم.\n\n١٠١٥ - عَن أبي بكر - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من رجل يُذنب ذَنبا ثمَّ يقوم فيتطهر ثمَّ يُصَلِّي ثمَّ يسْتَغْفر الله إِلَّا غفر الله لَهُ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (^٢) إِلَى آخر الْآيَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالا ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَذكره ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِغَيْر إِسْنَاد وَذكر فِيهِ الرَّكْعَتَيْنِ (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٩٥)، وأبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦) و(٣٠٠٦)، والنسائي في الكبرى (١٠١٧٥ و١٠١٧٦)، وابن حبان (٦٢٣)، والبيهقي في الدعوات الكبير (١٦٩) والشعب (٩/ ٢٩١ - ٢٩٣ رقم ٦٦٧٥ و٦٦٧٦). وحسنه الألباني في المشكاة (١٣٢٤)، تخريج المختارة (٧)، صحيح الرغيب (٦٨٠ و١٦٢١)، صحيح أبي داود (١٣٦١).","vol":"4","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>[بعض مناقب أبي بكر الصديق]</span>\nقوله: عن أبي بكر الصديق، واسمه عبد الله بن أبي قحافة وهو الذي ذكرنا من أن اسم أبي بكر الصديق عبد الله هو الصحيح المشهور، واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم، أسلم يوم فتح مكة وله صحبة، قال عروة أسلم أبو بكر وله أربعون ألف دينار فأنفقها كلها، قال ابن إسحاق: وأتى أبو بكر بابيه أبي قحافة يقوده وقد كان كف بصره إلى رسول الله - ﷺ - وهو في المسجد فلما رآه قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، قال: فأجلسه رسول الله - ﷺ - بين يديه ثم مسح بيده على صدره ثم قال له \"أسلم\" فأسلم، وكان فتح مكة لعشر بقين من شهر رمضان وكان عدة من شهد الفتح من المسلمين عشرة آلاف وأقام رسول الله - ﷺ - بعد فتح خمسة عشر ليلة بها يقضى الصلاة، وفيها كانت غزوة حنين والطائف، ومات أبو قحافة في المحرم سنة أربع وعشرة من الهجرة وهو ابن سبع وتسعين سنة (^١) بعد وفاة ابنه أبي بكر بأشهر، أ. هـ، قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢).\n_________\n(^١) المستخرج (٢/ ٤١٨)، ووفيات الأعيان (٣/ ٦٨)، وتاريخ مكة المشرفة (ص ٣٢٢).\n(^٢) كنز الدرر (٣/ ١٥٦).","vol":"4","page":447},{"text":"وأسلم على يد أبي بكر الصديق خلائق من الصحابة منهم خمسة من العشرة وهم عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وهو من كبار الصحابة الذين حفظوا القرآن كله، روى الصديق عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث واثنين واربعين حديثان اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بحديث وسبب قلة روايته مع صحبته وملازمته للنبي - ﷺ - أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها وهو أول من آمن بالنبي - ﷺ - في أحد الأقوال وقيل: أولهم علي بن أبي طالب وقيل: خديجة، وادعى الثعلبي الإجماع فيه وأن الخلاف إنما هو في أولهم بعدها وثبت في الصحيحين عن عائشة قال: لم أعقل أبوي إلا وهم يدينان الدين ولم [يمر] علينا يوم إلا يأتينا [فيه رسول الله]- ﷺ -[طرفى النهار بكرة وعشيا]، وهو أول خليفة في الإسلام وأول أمير أرسل علي [الحج] بالناس سنة تسع من الهجرة وكان أبيض نحيفا خفيف [العارضين] معروق الوجه غائر العينين ناتئ الجبهة يخضب بالحناء والكتم له ولأبويه ولولده وولد ولده صحبة ولم يجتمع هذا لأحد غيره، استخلف يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى [عشرة] وولد بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياما، ومات بالمدينة [مساء ليلة الثلاثاء] لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد المغرب وله ثلاث وستون سنة [وقيل اثنان وخمسون سنة] والأول أصح، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته وصلى عليه عمر ودفن إلى جانب النبي","vol":"4","page":448},{"text":"- ﷺ -، قيل: إنه اغتسل في يوم بارد فجم خمسة عشر يوما ومات وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر روى عنه عمر وابن [مسعود وحذيفة] وابن عمر [، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب،] وأبو هريرة [وعقبة بن الحارث،] وعائشة وغيرهم (^١) أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\nتنبيه: الألقاب الحسنة لا ينهى عنها، واتفق العلماء على تلقيب الإنسان باللقب الحسن وما لا يكرهه الإنسان كعتيق لقب أبي بكر الصديق، وأبي تراب لقب علي بن أبي طالب، وذو اليدين لقب الخرباق [بن عمرو] وعمر بالفاروق وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، فهؤلاء صحابيون لقبهم النبي - ﷺ - بهذه الألقاب وكانوا يحبونها (^٢) والله أعلم.\nوما زالت الألقاب الحسنة [في الجاهلية والإسلام قال الزمخشري:] إلا ما أحدثه الناس في زماننا من التوسع [حتى لقبوا السفلة بالألقاب العليا، وهب أن العذر مبسوط فما أقول في تلقيب من ليس من الدين في قبيل ولا دبير بفلان الدين، وهي لعمرو الله القضية التي لا تساغ] (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله تعالى إلى غفر له ثم قرأ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا\n_________\n(^١) انظر الطبقات (٣/ ١٦٩ - ٢٧٤)، ومرآة الزمان (٥/ ١٣٢ - ١٦٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٨١ - ١٩١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٩/ ٥٢٩).","vol":"4","page":449},{"text":"أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (^١) الآية\" ورواه ابن حبان والبيهقي بلفظ: \"ثم يصلي ركعتين\" المراد بقوله: \"ثم يقوم فيتطهر\" الوضوء الشرعي.\nواعلم أن معنى الاستغفار سؤال العبد ربه ﷿ أن يغفر له ومعنى مغفرته لذنوب عباده أن يسترها عليهم بعطفه ورأفته بهم وأن لا يكشف أمورهم لخلقه ولا يهتك سترهم بالعقوبة التي سهرهم في عيوبهم، وأصل الغفر الستر والتغطية ومنه يقال لِجُنّةِ الرأس المغفر، أ. هـ قاله الهروي. قوله: ثم قرأ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ] وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ولم يصروا أي لم [يقيموا ولم] يداوموا، يفهم من الآية أثهم إذا لم يستغفروا أي لم يتوبوا وأصروا على ذنوبهم يكون محل الحذر والخوف قاله الكرماني (^٢) وفي الحديث: \"ما أصر من استغفر\" (^٣) أي على الشيء يصر إصرارًا إذا لزمه وداومه وثبت عليه وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب يعني من اتبع الذنب [بالاستغفار فليس بمصر عليه وإن تكرر منه (^٤)].\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩). وضعفه الألباني في ضعيف، المشكاة (٢٣٤٠)، ضعيف أبي داود (٢٦٧).\n(^٤) النهاية (٣/ ٢٢).","vol":"4","page":450},{"text":"﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾، وشروط التوبة المذكورة مأخوذة من هذه الآية لأن من ذكر الله ندم، والاستغفار يستلزم الإقلاع والعزم على أن لا يعود لأن الاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين، والشرط الرابع: هو رد الظلامة إلى صاحبها من عرض أو مال من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ لأن من أمسك العين المغصوبة مصر على المعصية فلا تصح توبته حتى يردها على صاحبها ومن شروط التوبة أن لا تطلع الشمس من مغربها وأن لا تبلغ الروح الحلقوم قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (^١) وملك الموت إذا حضر وشاهده المريض شخص بصره ولا تنفع التوبة حينئذ، أ. هـ قاله ابن العماد في شرح العمدة.\n\n١٠١٦ - وَعَن الْحسن يَعْنِي الْبَصْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا أذْنب عبد ذَنبا ثمَّ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ خرج إِلَى برَاز من الأَرْض فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ واستغفر الله من ذَلِك الذَّنب إِلَّا غفره الله لَهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا (^٢).\nقَوْله البرَاز بِكَسْر الْبَاء وَبعدهَا رَاء ثمَّ ألف ثمَّ زَاي هُوَ الأَرْض الفضاء.\nقوله: عن الحسن يعني البصري تقدم الكلام على بعض مناقبه وهو الإمام المشهور المجمع على جلالته في كل شيء، كنيته: أبو سعيد الحسن بن أبي\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٨.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٩/ ٢٩٥ رقم ٦٦٧٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤١٣).","vol":"4","page":451},{"text":"الحسن يسار التابعي البصري ومناقبه كثيرة مشهورة نفعنا الله ببركته.\nقوله - ﷺ -: \"ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى براز الأرض فصلى فيه ركعتين واستغفر الله من ذلك الذنب إلا غفر الله له\" تقدم الكلام على إحسان الوضوء في عدة مواضع من هذا التعليق وتقدم أيضا معنى الاستغفار في الحديث قبله، وفسر الحافظ ﵀ البراز وضبطه فقال البراز بكسر الباء وبعدها راء ثم ألف ثم زاي هو الأرض الفضاء، أ. هـ.\nقال في النهاية: والفضاء الخالي الفارغ الواسع من الأرض، وقد [فضا] المكان [وأفضى] إذا اتسع (^١) أ. هـ.\nقوله: رواه البيهقي مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين في مواضع من هذا التعليق أيضًا.\n\n١٠١٧ - وَعَن عبد الله بن بُرَيْدَة - ﵁ - عَن أَبِيه قَالَ أصبح رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ يَا بِلَال بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة إِنِّي دخلت الْجنَّة البارحة فَسمِعت خشخشتك أَمَامِي فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا أذنت قطّ إِلَّا صليت رَكْعَتَيْنِ وَمَا أصابني حدث قطّ إِلَّا تَوَضَّأت عِنْدهَا وَصليت رَكْعَتَيْنِ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢) وَفِي رِوَايَة مَا أذنبت (^٣) وَالله أعلم.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٥٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٥٤ (٢٢٩٩٦) و٥/ ٣٦٠ (٢٣٠٤٠)، والترمذي (٣٦٨٩)، والحاكم ٣/ ٢٨٥ و٣١٣. وصححه الألباني في المشكاة (١٣٢٦) وصحيح الترغيب (٢٠١).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٢٠٩). وصححه الألباني في ضعيف الترغيب (٤١٤).","vol":"4","page":452},{"text":"قوله: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، واسم أبيه الحصيب عن عبد الله بن الحارث الأسلمي أسلم قبل بدر ولد يشهدها نزل البصرة ثم مرو، وقبره بها، روى عنه ابناه عبد الله وسليمان وتقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: أصبح رسول الله - ﷺ - يوما فدعا بلالا فقال: \"يا بلال، بم سبقتني على الجنة؟ \" هكذا في الأصول الصحيحة من المسند على الصواب \"بم سبقتني؟ \" بغير ألف بعد الميم ووقع في سماعنا من الترمذي بما بإثبات الألف وهو ضعيف والصواب الأول، وهي لغة القرآن في قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (^١) و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (^٢) قاله في شرح الأحكام (^٣).\nفإن قيل: ما معنى رؤياه - ﷺ - لبلال أمامه في الجنة كلما دخل مع كونه - ﷺ - أول من يدخل الجنة فكيف معنى تقدم بلال عليه في هذه الرؤيا. فالجواب: أنا نتلقاه بالقبول والتصديق ولا يدل على أن أحدًا يسبق رسول الله - ﷺ - إلى الجنة وإنما تقديم بلال بين يديه - ﷺ - في الجنة فلأن بلال كان يدعوا إلى الله أولا بالأذان فتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم، وقد روي في حديث ان النبي - ﷺ - يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه بالأذان تقدمه بين يديه كرامة للنبي - ﷺ - وإظهار لشرفه وفضله لا سبقا من بلال له بل هذا السبق من جنس سبقه إلى الوضوء\n_________\n(^١) سورة سورة التوبة، الآية: ٤٣.\n(^٢) سورة النبأ، الآية: ١.\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ٦٠).","vol":"4","page":453},{"text":"ودخول المسجد ونحوه قاله في حادي الأرواح (^١)، فإنه لم يقل في هذه الرواية أنه يدخلها قبله في القيامة، وإنما رآه أمامه في منامه وأما الدخول حقيقة فهو - ﷺ - أول من يدخلها مطلقًا (^٢)، فقد صح أن النبي - ﷺ - أول من يفتح له باب الجنة يوم القيامة، وأما قبل ذلك فيدخلها الأنبياء قبله، ففي صحيح مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"آتي باب الجنة يوم القيامة فليستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك\" (^٣) ورواه الطبراني بزيادة فيه قال: \"فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك ولا أقوم في خدمة أحد بعدك\" (^٤) بل خزنة الجنة يقومون في خدمته وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله في خدمة عبده ورسوله حتى مشي إليه وفتح له الباب (^٥)، أ. هـ؛ وأما هذا الدخول يعني في النوم فالمراد به سريان الروح في حالة النوم فلا إشكال في ذلك (^٦) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي\"، قال النووي: يقال جرى الليلة كذا وإن كان بعد الصبح وهكذا يقال الليلة إلى\n_________\n(^١) حادي الأرواح (ص ١١٦).\n(^٢) طرح التثريب (٢/ ٥٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٣٣ - ١٩٧).\n(^٤) لم أهتد إليه.\n(^٥) حادي الأرواح (ص ١١٠).\n(^٦) طرح التثريب (٢/ ٥٨).","vol":"4","page":454},{"text":"الزوال وبعد الزوال يقال البارحة (^١)، أ. هـ.\nقوله - ﷺ - لبلال: \"فسمعت خشختك أمامي\" وقال في غير هذا الحديث: \"فأتيت على قصر مشرف من ذهب\" فقلت: \"لمن هذا القصر؟ \"، قالوا: لرجل عربي، قلت: \"أنا عربي، لمن هذا القصر؟ \" قالوا لرجل من قريش، قلت: \"أنا قرشي، لمن هذا القصر\" قالوا لرجل من أمة محمد - ﷺ - قلت أنا محمد لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب، والخشخشة: بخاءين وشينين معجمتين، قيل: هو صوت يحدث من تحرك الأشياء اليابسة واصطكاكها كما أن الخضخضة صوت يحدث من تحرك الأشياء الرطبة وتموجها (^٢)، فإن قلت: هذا السماع لا بد أن يكون في النوم إذ لا يدخل أحد الجنة إلا بعد الموت.\nقلت: يحتمل [كونه في حال اليقظة وقد صرح في أول كتاب الصلاة أنه - ﷺ - دخل فيها ليلة المعراج] وأما بلال فلا يلزم منه أنه دخل فيها إذ في [الجنة\" ظرف للسماع] والدف بين يديه قد يكون خارجا عنها (^٣) وهذا لا يدل على تفضيل بلال على واحد من الصحابة العشرة فضلا عن رسول الله - ﷺ - وإنما مشى بين يديه للخدمة كما تقدم.\nقول بلال يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٤٣).\n(^٢) تحفة الأبرار (٣/ ٥٦٨).\n(^٣) الكواكب الدراري (٦/ ٢٠٣).","vol":"4","page":455},{"text":"قط إلا توضأت عندها وصليت ركعتين، الحدث معروف وهو الذي يوجب الوضوء للصلاة وغيرها كمس المصحف وغيره أ. هـ.\nوإطلاقه في هذا الحديث دليل على استحباب الركعتين في كل وقت بعد الوضوء وإن كان من الأوقات المكروهة (^١) والله أعلم، وفي هذا الحديث حجة لمذهب أهل السنة أن الجنة مخلوقة موجودة الآن خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة (^٢)، وفيه منقبة عظيمة لبلال - ﵁ -، وإنما أخبر النبي - ﷺ - بلال بذلك ليطيب قلبه ويكون مداوما وما على ما هو عليه من الطاعة وليظهر رغبة من يسمع الحديث في الطاعة وليصير أداء الصلاة بعد الوضوء سنة ويسمى بشكر الوضوء، وتقدم الكلام على مناقب بلال وعلى معنى الحديث أيضا وفيه: ما أذنت قط إلا صليت ركعتين فقال النبي - ﷺ -: [بهذا]، أخرجه ابن خزيمة ورواه الترمذي وحكم بصحته، أقول وأخرجه أحمد وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وجابر يعنى [حديث \"رأيتنى دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبى طلحة، وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فذكرت غيرتك\"، فبكى عمر، وقال: بأبى وأمى يا رسول الله - ﷺ - أعليك أغار، وقوله في رواية لابن خزيمة ما أذنبت].\n_________\n(^١) الميسر (١/ ٣٢٦).\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ٣٠٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٣)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٣١).","vol":"4","page":456},{"text":"وليس المراد به الشذوذ فإنه ينافي الصحة وإنما هو باعتبار عدم الشهرة والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nخاتمة: صلاة التوبة (^١) يصليها الإنسان في مكان خال بتذلل وافتقار وندم وانكسار ويدعو بما شاء من الدعاء المبارك ومنه: يا مجلي عظائم الأمور يا منتهى [يا منتهى همة] المهمومين يا من إذا أراد أمر فإنما يقول له كن فيكون أحاطت بنا ذنوبنا وأنت المذخور لها يا مذخورًا لكل شدة كنت أدخرك لهذه الساعة فتب علي إنك أنت التواب والرحيم وفرج عني وعن المسلمين ما ضاقت به السبل [اذقنى برد عفوك وحلاوة مغفرتك] يا أرحم الراحمين ثلاث مرات وهكذا في كل في عاء وهذه الصلاة بآدابها يحصل [بها] التوبة والأهم الواجب هو الندم والعزم على الترك وعدم الإصرار وأداء الحقوق والاستحلال وتقدم في أول الباب ذلك والله أعلم.\n_________\n(^١) منهاج العابدين (ص ٨٠ - ٨١).","vol":"4","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>التَّرْغِيب فِي صَلَاة الْحَاجة ودعائها</span>\nقال الجوهري (^١): الحاجة معروفة والجمع حاج وحاجات وحوج وحوائج على غير قياس، وكان الأصمعي ينكره ويقول: هو مولد وإنما أنكره لخروجه عن القياس وإلا فهو كثير في كلام [العرب] وينشد:\nنَهارُ المَرْءِ أَمْثَلُ، حِينَ تُقْضَى ... حَوائِجُهُ، مِنَ اللَّيْلِ الطَّويلِ\n\n١٠١٨ - عَن عُثْمَان بن حنيف - ﵁ - أَن أعمى أَتَى إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يكْشف لي عَن بَصرِي قَالَ أَو أدعك قَالَ يَا رَسُول الله إِنَّه قد شقّ عَليّ ذهَاب بَصرِي قَالَ فَانْطَلق فَتَوَضَّأ ثمَّ صل رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك وأتوجه إِلَيْك بنبيك مُحَمَّد - ﷺ - نَبِي الرَّحْمَة يَا مُحَمَّد إِنِّي أتوجه إِلَى رَبِّي بك أَن يكْشف لي عَن بَصرِي اللَّهُمَّ شفعه فِي وشفعني فِي نَفسِي فَرجع وَقد كشف الله عَن بَصَره رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَلَيْسَ عِنْد التِّرْمِذِيّ ثمَّ صل رَكْعَتَيْنِ إِنَّمَا قَالَ فَأمره أَن يتَوَضَّأ فَيحسن وضوءه ثمَّ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء فَذكره بِنَحْوِهِ (^٢) وَرَوَاهُ فِي الدَّعْوَات\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٥)، والترمذي (٣٥٧٨) والنسائي في الكبرى (١٠٤١٩) و(١٠٤٢٠) و(١٠٤٢١)، وابن خزيمة (١٢١٩)، والحاكم (١/ ٣١٣ و٥١٩). وصححه الألباني في صحيح التوسل أنواعه وأحكامه ص (٧٥)، الروض النضير (٦٦١)، صحيح الترغيب (٦٨١).","vol":"4","page":458},{"text":"وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nوَذكر فِي أَوله قصَّة وَهُوَ أَن رجلا كانَ يخْتَلف إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - فِي حَاجَة لَهُ وَكانَ عُثْمَان لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا ينظر فِي حَاجته فلقي عُثْمَان بن حنيف فَشَكا ذَلِك إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَان بن حنيف ائْتِ الميضأة فَتَوَضَّأ ثمَّ ائْتِ الْمَسْجِد فصل فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك وأتوجه إِلَيْك بنبينا مُحَمَّد - ﷺ - نَبِي الرَّحْمَة يَا مُحَمَّد إِنِّي أتوجه بك إِلَى رَبِّي فَيَقْضِي حَاجَتي وتذكر حَاجَتك ورح إِلَيّ حَتَّى أروح مَعَك فَانْطَلق الرجل فَصنعَ مَا قَالَ لَهُ ثمَّ أَتَى بَاب عُثْمَان فجَاء البواب حَتَّى أَخذ بِيَدِهِ فَأدْخلهُ على عُثْمَان بن عَفَّان فأجلسه مَعَه على الطنفسة وَقَالَ مَا حَاجَتك فَذكر حَاجته فقضاها لَهُ ثمَّ قَالَ مَا ذكرت حَاجَتك حَتَّى كانَت هَذِه السَّاعَة وَقَالَ مَا كانَت لَك من حَاجَة فائتنا ثمَّ إِن الرجل خرج من عِنْده فلقي عُثْمَان بن حنيف فَقَالَ لَهُ جَزَاك الله خيرا مَا كانَ ينظر فِي حَاجَتي وَلَا يلْتَفت إِلَيّ حَتَّى كَلمته فِي فَقَالَ عُثْمَان بن حنيف وَالله مَا كلمته وَلَكِن شهِدت رَسُول الله - ﷺ - وَأَتَاهُ رجل ضَرِير فَشَكا إِلَيْهِ ذهَاب بَصَره فَقَالَ لَهُ النَّبِي - ﷺ - أَو تصبر فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّه لَيْسَ لي قَائِد وَقد شقّ عَليّ فَقَالَ لَهُ النَّبِي - ﷺ - ائْتِ الميضأة فَتَوَضَّأ ثمَّ صل رَكْعَتَيْنِ ثمَّ ادْع بِهَذِهِ الدَّعْوَات فَقَالَ عُثْمَان بن حنيف فوَالله مَا تفرقنا وَطَالَ بِنَا الحَدِيث حَتَّى دخل علينا الرجل كَأَنَّهُ لم يكن بِهِ ضرّ قطّ قَالَ الطَّبَرَانِيّ بعد ذكر طرقه والْحَدِيث صَحِيح.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٠٥٠) والصغير (٥٠٨) والكبير (٩/ ٣٠ - ٣١) والبيهقي في الدعوات الكبير (٢٣٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤١٥).","vol":"4","page":459},{"text":"الطنفسة مُثَلّثَة الطَّاء وَالْفَاء أَيْضا وَقد تفتح الطَّاء وتكسر الْفَاء اسْم للبساط وَتطلق على حَصِير من سعف يكون عرضه ذِرَاعا.\nقوله: عن عثمان بن حنيف هو أبو عمرو وقيل أبو عبد الله عثمان بن حنيف بن واهب بن العليم، وعثمان هذا هو أخو سهل بن حنيف وعباد بن حنيف له صحبة، وهو كوفي شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله - ﷺ - إلى زمن معاوية وهو أحد من تولي مساحة سواد العراق بأمر عمر بن الخطاب، روى عن النبي - ﷺ - وليس لعثمان بن حنيف هذا في الكتب الستة سوى هذا الحديث وحديث آخر رواه البخاري والنسائي من رواية عبيد الله بن عبد الله عنه، هذا جميع ما له عندهم (^١).\nقوله: في حديث عثمان بن حنيف أن أعمى أتى إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري، قال: \"أو أدعك\" قال: يا رسول الله قد شق عليَّ ذهاب بصري قال: \"فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد - ﷺ - نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه على ربي بك أن يكشف لي عن بصري\" الحديث، وفي رواية الطبراني وفيها قصة وهو أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكي ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه\n_________\n(^١) مرآة الزمان (٧/ ٩١ - ٩٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢٠)، وتهذيب الكمال (١٩/ ترجمة ٣٨٠٥).","vol":"4","page":460},{"text":"ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك نبينا محمد - ﷺ - نبي الرحمة الحديث، وفيه: فانطلق الرجل فصنع ما قاله له عثمان بن حنيف ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذه بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك، فذكر حاجته فقضاها الحديث، وزاد محمد بن يونس في روايته [فقام،] وقد أبصر (^١) يعني الرجل الأعمى، وفي رواية شعبة [قال: ففعل] الرجل فبرأ، وفي رواية: يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتجلى عن بصري اللهم شفعة لي وشفعني في نفسي (^٢) ذكر هذه الزيادات الشيخ تقي الدين الحصني في كتابه (سير السلوك).\nقوله: \"ائت الميضأة\" الميضأة بكسر الميم وبالياء المثناة من تحت وبهمزة بعد الضاد المعجمة الركوة والإداوة والمطهرة والإبريق كلها بمعنى متقارب وهي الإناء الذي يتوضأ به.\nقوله: فأجلسه معه على الطنفسة، قال الحافظ: الطنفسة مثلثة الطاء والفاء أيضا وقد تفتح الطاء وتكسر الفاء اسم للبساط وتطلق على حصير من سعف يكون عرضه ذراعا، أ. هـ. وقال في النهاية: هي البساط الذي له خمل رقيق وجمعه طنافس (^٣)، أ. هـ. قال الشيخ تقي الدين الحصني في كتابه المذكور:\n_________\n(^١) عند ابن قانع (٢/ ٢٥٧).\n(^٢) أخرجه يعقوب الفسوى في المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٧٢) ومشيخته (١١٣) والطبراني (٩/ ٣٠) وابن السنى (٦٢٨).\n(^٣) النهاية (٣/ ١٤٠).","vol":"4","page":461},{"text":"وليس في هذا الحديث أنه فعله في حضرته ﵊ ولا فيه التقييد بزمن حياته - ﷺ - ولا خاص بهذا الضرير، بل إطلاقه يدل على أنه ﵊ أراد أن هذا التوسل يستمر في أمته بعد وفاته شفقة عليهم لاحتياجهم إلى ذلك، ومما يدل على ذلك أن عثمان بن حنيف راوي الحديث هو وغيره فهموا التعميم ولهذا استعمله هو وغيره بعد وفاته ﵊، وهذا الأثر من أقوى الأدلة على الاحتياج به لفعل عثمان بن حنيف وغيره به بعد وفاته ﵊ وهم أعلم بالله تعالى وبرسوله - ﷺ - من غيرهم (^١)، أ. هـ.\nقال بعضهم: في هذا الحديث يعني حديث عثمان بن حنيف دليل واضح على أن التوجه بالنبي - ﷺ - ينبغي لقضاء الحوائج وكذلك التوسل به ولا جاه أعظم من ذلك ولا أحسن، قال شيخ الإسلام النووي في تهذيبه في ترجمة عقبة بن عامر الجهني أنه كان البريد إلى عمر بن الخطاب [بفتح] دمشق ووصل على المدينة في سبعة أيام ورجع منها إلى الشام في يومين ونصف بدعائه عند قبر رسول الله - ﷺ - وتشفعه به في تقريب طريقه (^٢)، انتهى قاله في الديباجة، وفيها أيضًا: ورأيت في كتاب حسن التصرف للشيخ الإمام العلامة الشيخ علاء الدين القونوي قال منصور بن عبد الله: سمعت ابن الجلاء يقول: دخلت مدينة رسول الله - ﷺ - وبي فاقة فقدمت على القبر الشريف\n_________\n(^١) دفع شبه من شبه وتمرد (ص ١١٩ - ١٢١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٦).","vol":"4","page":462},{"text":"فسلمت على رسول الله - ﷺ - وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر ثم قلت: يا رسول الله بي فاقة وأنا ضيفك الليلة ثم تنحيت ونمت بين القبر والمنبر فإذا أنا بالنبي جاءني ودفع إللا رغيف خبز فأكلت نصفه وانتبهت وإذا في يدي نصف الرغيف (^١)، قال: وعاش ابن الجلاء بعد ذك أربعين سنة لم يحتج فيها إلى طعام الدنيا ولا إلى شرابها ببركة تلك الأكلة، وذلك لما جاء عن رسول الله - ﷺ - من قوله: \"من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي\" (^٢) والظاهر أن ما أتاه النبي - ﷺ - من طعام الجنة ومن أكل طعامها استغنى عن طعام الدنيا وأورد السلمي هذه الحكاية الصوفية عن أبي الخير الأقطع وفيها دلالة على التوسل به - ﷺ - في الحاجات بعد وفاته كالتوسل به في حال حياته وأن علمه - ﷺ - بعد موته كعلمه في حياته (^٣)، وقد روى الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ - \"من صلى علي في يوم جمعة وليلة جمعة مائة صلاة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ووكل الله بذلك ملكا يدخله على قبري كلما يدخل عليكم [الهدايا] إن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة\" (^٤).\n_________\n(^١) دفع شبه من شبه وتمرد (ص ١٢٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩٩٤)، ومسلم (١٠ و١١ - ٢٢٦٦).\n(^٣) دفع شبه من شبه وتمرد (ص ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٤) أخرجه ابن منده في الفوائد (٥٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٩٥٦ و١٦٧٤).\nوقال الألباني: موضوع.","vol":"4","page":463},{"text":"قال الشيخ علاء الدين وهذا وأمثاله من الأخبار ترد على هؤلاء المبتدعة الذين ابتدعوا في زماننا ومنعوا التوسل برسول الله - ﷺ - بعد وفاته وقد جمع بعضهم كاملا يتضمن نفي علمه - ﷺ - بعد الوفاة قال أبو محمد بن حزم في كتابه الذين صنفه في الملل والنحل (^١) حدثت فرقة مبتدعة تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ليس هو اليوم رسول الله لكنه كان رسول الله - ﷺ -، ثم قال: وهذه مقالة خبيثة مخالفة لله ﷿ ولرسوله - ﷺ - ولما عليه جميع أهل الإسلام منذ كان أهل الإسلام إلى يوم القيامة قال: وإنما حملهم على هذا الرأي الخبيث قولهم الآخر الخبيث أن الروح عرض والعرض يفني أبدًا ويحدث ولا يبقى وقتين قال: فروح رسول الله - ﷺ - عند هؤلاء قد فنى وبطل ولا روح له الآن وجسده في قبره موات فبطلت نبوته ورسالته بموته عندهم نعوذ بالله من هذا القول فإنه كفر صراح لا تردد فيه ويكفى في بطلان هذا القول الفاحش الفضيح أنه مخالف لما أمر الله تعالى به رسوله - ﷺ -، واتفق عليه أهل الإسلام من الأذان في الجوامع والصوامع وأبواب المساجد جهارا في شرق الأرض وغربها كل يوم خمس [مرات في كل قرية من شرق الأرض إلى غربها بأعلى] أصواتهم، قرن الله بذكر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله وكان يجب على قولهم أن يقال: وأشهد أن محمدا كان رسول الله وكذلك كان يجب أن يقول من يأتي بالشهادتين للدخول في الإسلام وقد قال الله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ\n_________\n(^١) الفصل في الملل والنحل (١/ ٧٥ - ٧٦).","vol":"4","page":464},{"text":"قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (^١) وقال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ (^٣) فسماهم الله تعالى بعد موتهم وفي القيامة رسلا ونبيين [قلت: وأوضح دلالة على [وصفه] بصفة الرسالة بعد مماته - ﷺ - قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (^٤) وقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (^٥) الآية]، والأصل الحقيقة وذلك أجمع المسلمون وجاء به النص أن كل مصل فرضا أو نفلا يقول في تشهده السلام عليك أيها النبي ورحمت الله وبركاته، ولو كان بعد موته في حكم العدم لما صحت هذه المخاطبة هذا معنى كلام ابن حزم وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه أخبر بأن لله تعالى ملائكة يبلغونه منا السلام وأنه من رآه في النوم فقد رآه وهذا يبطل قول من ألحقه - ﷺ - بالعدم في العلم وغيره، ومما يدل على أنه - ﷺ - بعد الموت في حكم الأحياء من الفروع أن إمام الحرمين حكي وجهين فيما خلفه رسول الله - ﷺ - من المال أنه باق على ملكه - ﷺ -، والثاني: أن سبيل ما خلفه سبيل الصدقات (^٦) كيف لا وهو سيد الشهداء وأفضل منهم بلا خلاف وقد قال الله فيهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٦٤.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١٠٩.\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٦٩.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(^٦) نهاية المطلب (١٢/ ٢١).","vol":"4","page":465},{"text":"يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^١) الآية فهو أولى بذلك، أ. هـ.\nفائدة: الجلاء المذكور في الحكاية بفتح الجيم وتشديد اللام ألف اسم لمن يجلو الشيء كالمرآة والسيف ونحوهما، واشتهر بهذه النسبة أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء البغدادي نزل الشام وسكن الرملة وصحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي توفي في رجب سنة ست وثمانمائة وكان لم يحل شيئا قط وغنما كان يتكلم على الناس فتجلوا قلوبهم فسمي الجلاء (^٢). أ. هـ.\nتنبيه: سئل الشيخ الإمام العلامة عز الدين بن عبد السلام قدس الله سره (^٣): هل يكره أن يسأل الله بعظيم من خلقه كالملك والنبي والولي.\nأجاب - ﵁ -: بأنه جاء عن النبي - ﷺ - أنه علم بعض الناس اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد - ﷺ - نبي الرحمة إلى آخر الحديث فإن صح ينبغي أن يكون معه مقصورًا على النبي - ﷺ - لأنه سيد ولد آدم ولا يقسم على الله تعالى بغير من الأنبياء والملائكة لأنهم ليسوا في درجته ويكون هذا من خواصه والحديث خرجه [الترمذي] وقال: حديث حسن صحيح غريب (^٤)، أ. هـ\n[بيض المصنف هنا بياضا قدر عشرة أسطر من هذا المنسوخ ولم نحك ذلك\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.\n(^٢) اللباب (١/ ٣١٨).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ١٨٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٥٧٨).","vol":"4","page":466},{"text":"لشدة ارتباط الكلام، والله أعلم].\nقال الشيخ تقي الدين الحصني ﵀ (^١): واعلم وفقنا الله ﷿ لمرضاته وفتح لنا من أسرار آياته ما تحيى به قلوبنا في مناجاته أنه عليه أفضل الصلاة والسلام لم يزل يتوسل به قبل خلقه وبروزه إلى الوجود وكذا بعد وجوده في حال حياته وكذا بعد وفاته في البرزخ وكذا في عرصات القيامة وذلك معلوم ومشهور والأدلة السمعية والعلمية على ذلك معلومة ومشهورة جاء بعض الزنادقة ممن هو مشهور بالعلم ويدعي شيخ الإسلام قاتله الله تعالى لاعتقاده السيئ أنه ﵊ بوفاته بطل جاهه وأقام على ذلك فتيا وكتب عليها بخطه غرضه واعتقاده الفاسد، ومن جملة ما كتبه على الفتيا: المسلمون متفقون على أن الميت لا يسأل ولا يدعى ولا يطلب منه شيء سواء كان نبيا أو شيخا أو غير ذلك فلما وقف المسلمون عند قوله قالوا: هذا كفر متعين لأنه سوى بين الأنبياء وغيرهم ومن حط رتبة نبي عما يجب له فقد كفر وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين لا سيما نبينا - ﷺ - فإنه يستحق من التعظيم أكثر مما يستحق غيره سواء ذلك في حياته وبعد وفاته ولا يرتاب في ذلك من في قلبه دين وبما جاء به وفيه كفر من جهة إلحاق غير النبي بالنبي - ﷺ - وهذه نزعة رافضية وكفر محقق لأنه عليه الصلاة\n_________\n(^١) هذا الكلام من كتاب الحصنى الموسوم بدفع شبه من شبه وتمرد (١٠٣ - ١٢١) وقد حمل فيه وجار وظلم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة وما ذكره في كتابه السابق فيه ما لا يخفى من منابذة عقيدة السلف في مسألة التوسل بل وفى مسائل الأسماء والصفات وعباراته تمتلأ بالتكفير والتجهيل والتضليل لمن لزم منهج السلف في المعرفة وفى الطلب.","vol":"4","page":467},{"text":"والسلام حرمته وقدره ومرتبته ومنزلته عند ربه ما زالت ولم تزل وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على الله ﷿ على الدوام، وفي حديث عائشة - ﵂ -: أن جبريل ﵇ قال: \"قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمد\" وفي رواية ابن وهب: أنه ﵊ قال: قال الله تعالى: سل يا محمد فقلت ما أسأل يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما واصطفيت نوحا وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فقال الله ﷿: أعطيتك خيرا من ذك أعطيتك الكوثر وجعلت اسمك مع اسمي ينادي في جوف السماء، وحكي أبو محمد مكي وأبو الليث السمرقندي وغيرهما أن آدم ﵇ عند اقترافه قال: اللهم بحق محمد عليك إلا غفرت لي خطيئتي، ويروي: تقبل توبتي، فقال الله ﷿: من أين عرفت محمدا؟ قال: في كل موضع من الجنة مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله - ﷺ - فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب الله عليه وغفر له، وفي رواية الآجري: فقال آدم ﵇ لما خلقتني رفدت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أعظم قدرا عندك ممن تعدل اسمه باسمك فأوحي الله تعالى إليه: وعزتي وجلالي إنه آخر الأنبياء من ذريتك ولولاه ما خلقتك، وفي حديث ابن عمر الذي رواه الحاكم قال آدم: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله ﷿: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه، قال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لم تضف إلي اسمك إلا أحب الخلق إليك","vol":"4","page":468},{"text":"فقال الله ﷿: \"صدقت يا آدم أنه لأحب الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقه قد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك\" ورواه الحاكم أيضا من حديث ابن عباس بلفظ: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ يا عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد فهذا الحاكم قد كفانا المؤنة وصحح الحديث، فهذا آدم ﵊ أبو الأنبياء ﵈ قد توسل به قبل خلقه وبروزه إلى الوجود فكيف لا يتوسل به وقد برز إلى الوجود وقد بعثه الله تعالى رحمة للعالمين أمانا لأهل الأرض مذ حل بينهم، به يدفع الله العذب ويدرؤه وناهيك بهذا شرفا وتعظيما وعلو قدر ومنزلة وقد أوجب الله تعالى في كتابه العزيز تعظيمه وتوقيره فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (^١) أي: تعظموه وأي شرف يشبه هذا الشرف والآيات والأخبار والآثار في وجوب توقيره وتعظيمه كثيرة جدا وذلك مستمر ومنسحب عليه في حياته وبعد وفاته، والإجماع منعقد على ذلك وعلى أن من استهان به في حياته أو بعد وفاته أو بشيء مما جاء به كفر، ولا شك ولا ريب أن حرمته بعد وفاته كحرمته في حياته وهذا مما اجمع عليه وقال ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ\n_________\n(^١) سورة الفتح، الآيتان: ٨ - ٩.","vol":"4","page":469},{"text":"(٧٢)﴾ (^١) ما خلق الله ﷿ نفسا أكرم عليه من محمد - ﷺ - وما أقسم الله ﷿ بحياة أحد إلا بحياته قيل اقسم بحياته في الأزل ليظهر شرفه وعلو قدره ودنو منزلته ليتوسل المتوسلون به إليه في حياته وبعد وفاته في عرصات القيامة وناهيك بعظم قدره أن يقال ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وبهذا وغير لم يزل الناس يتوسلون به غليه في حياته وكان يستجاب لهم كما قال تعالى ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (^٢) الآية، قال ابن عباس - ﵄ -: كانت أهل خيبر تقاتل غطفان كلما التقوا هزمت غطفان يهود فدعت يهود بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فتهزم يهود غطفان وإذا كان الله ﷿ يستحب لأعدائه بالتوسل به إليه مع علمه ﷿ بأنهم يكفرون به ويؤذونه ولا يتبعون النور الذي أنزل معه قبل وجوده فما الظن بمن يؤمنون به ويعزرونه أي يعظمونه ويو قرونه ويكرمونه ويتبعون النور الذي أنزل معه وهو القرآن مع بروزه إلى الوجود وإرساله رحمة للعالمين وإذا كان رحمة للعالمين فكيف لا يتوسل به ويتشفع ومن أنكر التوسل به والتشفع به بعد موته فقد أعلم الناس ونادي على نفسه أنه أسوأ حالا من اليهود الذي كانوا يتوسلون به قبل بروزه إلى الوجود وأن في قلبه نزعة هي من أخبث النزعات\n_________\n(^١) سورة الحجر، الآية: ٧٢.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٨٩.","vol":"4","page":470},{"text":"ومن قال بأن جاهه زال بموته فلا يقال يا جاه محمد يا جاه رسول الله فهو من أعظم الزنادقة وجاحد للربوبية فإن جاهه هو لله ﷿ فكأن هذا القائل يقول: لا تقولوا يا الله وهذا كفر محقق ومخالف لما عليه عمل هذه الأمة في جميع الزمان في سائر البلدان وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (^١) قال علي - ﵁ -: قدم علينا أعرابي بعد ما فارقنا رسول الله - ﷺ - بثلاثة أيام فرمى نفسه على قبر رسول الله - ﷺ - وحثى على رأسه من ترابه قال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك ووعيت عن الله ﷿ فوعينا عنك وكان فيما أنزل عليك ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد ظلمت وقد جئتك لتستغفر لي فنودي من القبر قد غفر لك، وهذه غير قضية العتبي، وأما قضية العتبي فهي مشهور في غاية الشهرة، وكنية العتبي أبو عبد الرحمن واسمه محمد عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمر بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب وكان من أفصح الناس وصاحب أخبار وصاحب رواية الآداب وحدث عن أبيه وسفيان بن عيينة، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين وذكر قضيته ابن عساكر في تاريخه، وذكر ابن الجوزي في كتابه (مثير العزم الساكن إلى أشرف المساكن) وغيرهما بالأسانيد قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي - ﷺ - فزرته وجلست بحذائه فجاء أعرابي فزاره ثم قال يا خير\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٤.","vol":"4","page":471},{"text":"الرسل إن الله أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وإني جئتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربي وأنسأ يقول:\nيا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم\nنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم\nثم انصرف فرقدت فرأيت النبي - ﷺ - في نومي وهو يقول الحق الرجل وبشره أن الله ﷿ قد غفر له بشفاعتي فاستيقظت فخرجت وطلبته فم أجده، وممن ذكر قصى العتبي الإمام العلامة المتفق على دينه وزهده وعلمه بل اشتهر عنه قطبٌ أبو زكريا يحيى النووي قال في زيارة قبره ﵊: إنها من أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات فإذا انتهى إلى قبره وقف قبالة وجهه وتباعد عن القبر نحو أربعة أذرع احتراما له ويتوسل به في حق نفسه ويتشفع به إلى ربه ﷿، ومن أحسن ما يقول ما حكاه أسحابنا عن العتبي مستحسنين له قال العتبي: كنت جالسا عند قبر رسول الله - ﷺ - فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:\nيا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم\nنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم","vol":"4","page":472},{"text":"قال: ثم انصرفت فحملتني عيناي فرأيت النبي - ﷺ - في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له، فأفاد بذلك أن أصحاب الشافعي استحسنوا ذلك وأنهم حكوه عن غيرهم، وأفاد أنه يتوسل به ويتشفع به إلى ربه ﷿ وساق ذلك ما هو متفق عليه ولم يتعرض له أحد بالإنكار في سائر الأمصار، وردت أنا ببيتين آخرين هما:\nفيه كل خصال الحمد قد جمعت ... فلذ به هو من ترعى له الذمم\nوهو الذي يرتجى في كل نائبة ... وفي المعاد إذا زلت القدم\nوذكر الإمام العلامة المتفق على علمه وإتقانه وثقته القاضي عياض في أشهر كتبه فقال: الفصل الثاني في حرمته بعد وفاته وأما حرمة النبي - ﷺ - بعد موته وتوقيره وتعظيمه فهو لازم كما كان في حياته وذلك عند ذكره ﵇ وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه وسيرته [ومعاملة آله] وتعظيم أهل بيته وصحابته واجب على كل مؤمن تقي ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به بعينه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله ﷿ به قال: وهذه سير السلف الصالح وأئمتنا الماضين وأن حرمته ميتا كحرمته حيا وهو وسيلتنا ووسيلة أبينا آدم إلى يوم القيامة، فالشفا كتاب مشهور وقد طارت به النسخ في الآفاق يتلقونه العلماء وأئمة كل زمان بالقبول لعلمهم بعلمه ودينه والوثوق به، وفي الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، الحث على المجيء إليه ليستغفروا في حضرته ويستغفر لهم وليس في الآية تعرض","vol":"4","page":473},{"text":"للحياة دون الموت وكذا فهم العلماء العموم واستحبوا لمن أتى قبره ﵊ أن يتلو هذه الآية ويستغفر ويطلب منه الشفاعة، فمن ادعى تخصيص العلم بغير دليل قطعنا بخطأه، أ. هـ.\n\n١٠١٩ - وَعَن عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من كَانَت لَهُ إِلَى الله حَاجَة أَو إِلَى أحد من بني آدم فَليَتَوَضَّأ وليحسن الْوضُوء وَليصل رَكْعَتَيْنِ ثمَّ ليثن على الله وَليصل على النَّبِي - ﷺ - ثمَّ ليقل لَا إِلَه إِلَا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب الْعَرْش الْعَظِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين أَسأَلك مُوجبَات رحمتك وعزائم مغفرتك وَالْغنيمَة من كل بر والسلامة من كل إِثْم لَا تدع لي ذَنبا إِلَّا غفرته وَلا هما إِلَّا فرجته وَلا حَاجَة هِيَ لَك رضَا إِلَّا قضيتها يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا من رِوَايَة فَايِد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي الورقاء عَنهُ وَزَاد ابْن مَاجَه بعد قَوْله يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ثمَّ يسْأَل من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَا شَاءَ فَإِنَّهُ يقدر وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِاخْتِصَار ثمَّ قَالَ أخرجته شَاهدا وفايد مُسْتَقِيم الحَدِيث وَزَاد بعد قَوْله وعزائم مغفرتك والعصمة من كل ذَنْب (^١). قَالَ الْحَافِظ فَايِد مَتْرُوك روى عَنهُ الثِّقَات وَقَالَ ابْن عدي مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٤)، والترمذي (٤٧٩)، والحاكم (١/ ٣٢٠). قال الحاكم: أخرجته شاهدًا، وفائد مستقيم الحديث. وتعقبه الذهبى فقال: قلت: بل متروك. وضعفه الألباني جدًّا ضعيف الترغيب (٤١٦) ضعيف الجامع الصغير (٥٨٠٩)، المشكاة (١٣٢٧).","vol":"4","page":474},{"text":"١٠٢٠ - وَرَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث أنس - ﵁ - وَلَفظه أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ يَا عَليّ أَلا أعلمك دُعَاء إِذا أَصَابَك غم أَو هم تَدْعُو بِهِ رَبك فيستجاب لَك بِإِذن الله ويفرج عَنْك تَوَضَّأ وصل رَكْعَتَيْنِ وَاحْمَدْ الله وأثن عَلَيْهِ وصل على نبيك واستغفر لنَفسك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ثمَّ قل اللَّهُمَّ أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله الْعلي الْعَظِيم لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين اللَّهُمَّ كاشف الْغم مفرج الْهم مُجيب دَعْوَة الْمُضْطَرين إِذا دعوك رَحْمَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ورحيمهما فارحمني فِي حَاجَتي هَذِه بقضائها ونجاحها رَحْمَة تغنيني بهَا عَن رَحْمَة من سواك (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن أبي أوفي الصحابي ابن الصحابي هو: أبو إبراهيم وقيل أبو محمد وقيل: أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفي، واسم أبي أوفي علقمة بن خالد بن الحارث بن أسيد بفتح الهمزة بن رفاعة بن ثعلبة بن هوزان بن اسلم بن قصلي بن حارثة الأسلمي، شهد بيعة الرضوان وخيبر وما بعدها من المشاهد مع رسول الله - ﷺ - وهو اخو زيد بن أبي أوفى لهما صحبة ولم يزل بالمدينة حتى توفي رسول الله - ﷺ - ثم تحول إلى الكوفة وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة روى له عن رسول الله - ﷺ - خمسة وسبعون حديثا اتفقا على عشرة وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث، وتوفي بالكوفة سنة ست أو\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهانى في الترغيب (١٣٠٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤١٧)، والضعيفة (٥٢٨٧).","vol":"4","page":475},{"text":"سبع أو ثمان والله (^١) اعلم.\nقوله - ﷺ -: \"من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل ركعتين ثم ليثن على الله تعالى وليصل على النبي - ﷺ -\".\nقوله - ﷺ -: \"فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل ركعتين\" أي يحسن طهارتهما وخشوعهما وآدابهما ثم يأتي بعدهما بآداب الدعاء.\nقوله: \"ثم ليثن على الله وليصل على النبي - ﷺ - \" الثناء على الله تعالى والصلاة على النبي - ﷺ - معروفان مشهوران.\nقوله: \"ثم يدعوا بدعاء الحاجة\" الثابت في السنة وهو لا إله إلا الله الحليم الكريم إلى آخره، وفيه: \"أسألك بموجبات رحمتك وعزائم مغفرتك\" الموجبات الأمور التي أوجب الله تعالى عليها الجنة أو النار (^٢) والعزائم جمع عزيمة وهي [الخصلة التي يعزمها الرجل؛ أي: يقصدها، من قصد القلب والجد فيه؛ يعني أسألك الخصال التي تحصل مغفرتك لي بسببها (^٣)]، قال النووي (^٤): قلت: ويستحب أن يدعوا بدعاء الكرب المشهور \"اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" ففي هذا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦١).\n(^٢) غريب الحديث (٢/ ٤٥٤) لابن الجوزى.\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٣٠٤).\n(^٤) الأذكار (ص ١٨٤).","vol":"4","page":476},{"text":"الحديث دلالة على فضل الذكر وأنه سبب الفرج عند الكرب وقيل في هذه الكلمات أنها اسم الله الأعظم وقد اختلف العلماء في اسم الله الأعظم فقال بعضهم أسماء الله كلها عظيمة ولا يجوز أن يكون له اسم يقال له الأعظم، وأكثر العلماء على خلاف ذلك ولا يمتنع أن يعظم الله تعالى بما شاء من أسمائه، فيستحب عند ذكره لمن سأله ويعصي به من طلبه ما طلبه كما ورد في تفضيل بعض القرآن على بعض وكله كلام الله تعالى وعلى ذلك دلت أحاديث كثيرة مذكورة في مواضعها، فإن قلت: هذا ذكر لا دعاء، قلت: إنه ذكر يستفتح به الدعاء بكشف الكربة قال الطبري كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب (^١)، فإن قيل: كيف يسمي دعاء الكرب وليس فيه من الدعاء شيء وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه، فالجواب: أن هذا يسمي دعاء لوجهين أحدهما: أنه يستفتح به الدعاء ومن بعده يدعي وقد ورد في بعض طرقه ثم يدعوا، وثانيهما: أن ابن عيينة قال: وقد سأل عن هذا أما علمت أن الله تعالى يقول: \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى\"، السائلين، وقال أمية بن أبي الصلت:\nإذَا أثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (^٢)\nقال القرطبي (^٣): وهذا كلام حسن وتتميمه أن ذلك إنما كان لنكتتين\n_________\n(^١) شرح الصحيح (١٠/ ١٠٨) لابن بطال، وإكمال المعلم (٨/ ٣٢٥).\n(^٢) المصدر السابق (١٠/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) المفهم (٧/ ٥٧).","vol":"4","page":477},{"text":"أحدهما كرم المثنى عليه فإنه اكتفى بالثناء عن السؤال لسهولة البذل عليه وللمبالغة في الكرم، وثانيهما أن المثنى لما آثر الثناء الذي هو حق عليه على حق نفسه الذي هو حاجته بودر إلى قضاء حاجته من غير إحواج إلى إظهار مذلة السؤال مجازاة له على ذلك الإيثار قال: ومما جاء منصوصا عليه سمي دعاء وإن لم يكن فيه طلب ما خرجه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها مسلم في شيء إلا استجيب له\" (^١).\nفائدة: أمية بن أبي الصلت المذكور في الثناء، اسم أبيه عبد الله كان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث وأدرك الإسلام ولم يسلم وثبت في صحيح مسلم عن الشريد بن سويد قال: ردفت رسول الله - ﷺ - يوما فقال: \"معك من شعر ابن أبي الصلت شيء؟ \" قلت: نعم، قال: \"هيه\" فأنشدته بيتا، فقال: \"هيه\" حتى أنشدته مائة بيت فقال: \"لقد كاد يسلم في شعره\" أ. هـ قاله الكرماني في شرح البخاري (^٢)، وقال في الحواشي: أمية هذا رجل كان يتطلب الدين وأخبره علماء الكتابين أنه سيظهر نبي في هذا الزمان فما زال يبحث عن صفته ويرجوا أن يكون هو المبعوث فلما أخبروه بسنه قال: قد عمرت هذا السن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٤١٦). وصححه الألباني في صحيح الكلم الطيب (١٢٢/ ٧٩)، المشكاة (٢٢٩٢/ التحقيق الثاني).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٥/ ٧٠).","vol":"4","page":478},{"text":"فلما ظهر رسول الله - ﷺ - كفر به ومات على الكفر. أ. هـ.\nتنبيه: الكرب على وزن الضرب هو الحزن والغم الذي يأخذ بالنفس، وجمعه كروب وقد كربه الأمر يكربه كربا إذا اشتد عليه فهو مكروب والاسم الكربة والجمع كرب وقد اكترب لذلك اغتم (^١)، وفي كتاب ابن السني عن أبي قتادة عن النبي - ﷺ - قال: \"من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله ﷿\" (^٢).\nقوله: ورواه الأصبهاني من حديث أنس ولفظه أن النبي - ﷺ - قال: \"يا علي، ألا أعملك دعاء إذا أصابك هم أو غم تدعو به ربك\" الحديث وفي رواية لمسلم \"أن النبي - ﷺ - كان إذا حزبه أمر قال ذلك\" (^٣) يعني الحديث الذي رواه ابن عباس \"أن النبي - ﷺ - كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله الحليم الكريم\" الحديث، ومعنى \"حزبه\" نزل به أمر مهم أو أصابه غم، وروي ابن السني عن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا علي، ألا أعلمك كللمات إذا وقعت في ورطة فقل: بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم فإن الله يصرف بها ما شاء من أنواع البلاء\" (^٤) الورطة: بفتح الواو وإسكاء الراء هي الهلاك.\n_________\n(^١) لسان العرب (١/ ٧١١).\n(^٢) عمل اليوم والليلة (٣٤٤).\n(^٣) أخرجه (٢٧٣٠) م.\n(^٤) عمل اليوم والليلة (٣٣٦).","vol":"4","page":479},{"text":"تنبيه: قوله \"الحليم الكريم\" الحلم هو الطمأنينة عند الغضب وحيث يطلق على الله تعالى يراد لازمه وهما تأخير العقوبة (^١)، والكريم من أسماء الله الحسنى وهو الجامع لأنواع الخير والشرف المعطى الذي لا ينفد عطاؤه (^٢) وفي الحديث أن الله كريم يحب مكارم الأخلاق ووصف العرش بالعظمة هو من جهة الكمية وبالكريم أي الحسن من جهة الكيفية فهو ممدوح ذاتا وصفة (^٣) وخصص بالذكر لأنه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى (^٤) ولفظ الرب من بين سائر الأسماء ليناسب كشف الكروب الذي هو مقتضى التربية، ولفظ الحليم لأن كرب المؤمن غالبا إنما يكون على نوع تقصير في الطاعات أو غفلة في الحالات ليشعر برجاء العفو المقابل للخوف وفيه التوحيد الذي هو أصل التنزيهات المسماة بالأوصاف الجلالية وفيه العظمة التي تدل على القدرة إذا العاجز لا يكون عظيمًا، والحلم الذي يدل على العلم إذ الجاهل لا يتصور منه الحلم عنه وهما أصل الصفات الوجودية الحقيقية المسماة بالأوصاف الإكرامية وعند ذكر الله تعالى بها تطمئن القلوب وهذا الذكر من جوامع كلم رسول الله - ﷺ - (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٥/ ١٣٤).\n(^٢) النهاية (٤/ ١٦٦).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٥/ ١٣٤).\n(^٤) تفسير القرطبى (٨/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، والكواكب الدراري (٢٢/ ١٤٩)، واللامع الصبيح (١٥/ ٣٨٢).\n(^٥) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٧٩).","vol":"4","page":480},{"text":"فائدة فيها دعاء: يدعى به للفرج في تاريخ ابن النجار في ترجمة محمد بن عمر الحنبلي عن أنس - ﵁ -: قال: كنت جالسا عند عائشة - ﵂ - أبشرها بالبراءة فقالت: واللّه لقد هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة وما عرض عليّ طعام ولا شراب فكنت أرقد وأنا جائعة فرأيت في منامي فتى وقال لي: ما لك؟ قلت: حزنت مما ذكر الناس فقال: ادع بهذه يفرج عنك، قلت: وما هي؟ قال: قولي: يا سابغ النعم ويا فارج الغمم ويا كاشف الظلم ويا أعدل من حكم ويا حسيب كم ظلم ويا ولي من ظُلِم ويا أول بلا بداية ويا آخر بلا نهاية ويا من له اسم بلا كنية اجعل من أمري درجا ومخرجا قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة وقد أنزل الله فرجي، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (^١).\n\n١٠٢١ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة تصليهن من ليل أَو نَهَار وتتشهد بَين كل رَكْعَتَيْنِ فَإِذا تشهدت فِي آخر صَلَاتك فأثن على الله ﷿ وصل على النَّبِي - ﷺ - واقرأ وَأَنت ساجد فَاتِحَة الْكتاب سبع مَرَّات وَآيَة الْكُرْسِيّ سبع مَرَّات وَقل لا إِلَه إِلَا الله لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير عشر مَرَّات ثمَّ قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بمعاقد الْعِزّ من عرشك ومنتهى الرَّحْمَة من كتابك واسمك الأعْظَم وَجدك الأعْلَى وكلماتك التَّامَّة ثمَّ سل حَاجَتك ثمَّ ارْفَعْ رَأسك ثمَّ سلم يَمِينا وَشمَالًا وَلَا تعلموها السُّفَهَاء فَإِنَّهُم يدعونَ بهَا فيستجابون رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ قَالَ أَحْمد بن حَرْب قد جربته فَوَجَدته حَقًا وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن عَليّ الدبيلي قد جربته فَوَجَدته حَقًا وَقَالَ الْحَاكِم قَالَ لنا أَبُو زَكرِيَّا قد جربته فَوَجَدته حَقًا قَالَ\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٥٢١).","vol":"4","page":481},{"text":"الْحَاكِم قد جربته فَوَجَدته حَقًا تفرد بِهِ عَامر بن خِدَاش وَهُوَ ثِقَة مَأْمُون (^١) انْتهى. قَالَ الْحَافِظ أما عَامر بن خِدَاش هَذَا هُوَ النَّيْسَابُورِي.\nقَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن كَانَ صَاحب مَنَاكير وَقد تفرد بِهِ عَن عمر بن هَارُون الْبَلْخِي وَهُوَ مَتْرُوك مُتَّهم أثنى عَلَيْهِ ابْن مهْدي وَحده فِيمَا أعلم والاعتماد فِي مثل هَذَا على التجربة لَا على الإِسْنَاد (^٢) وَالله أعلم.\nقوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"اثنتى عشرة ركعة تصليهم من ليل أو نهار وتتشهد بين كل ركعتين فإذا تشهدت في آخر صلاتك فأمن على الله تعالى وصل على النبي\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المائة ومن طريقه الأصبهانى في الترغيب (٢٠٢١) والديلمى في الغرائب الملتقطة (٥٦٦)، والبيهقي في الدعوات (٤٤٣). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٤١٨).\n(^٢) قال الشوكانى في تحفة الذاكرين (ص ١٤٠) معقبا: السنة لا تثبت بمجرد التجربة، ولا يخرج بها الفاعل للشيء معتقدًا أنه سنة عن كونه مبتدعًا؛ وقبول الدعاء لا يدل على أن سبب القبول ثابت عن رسول الله - ﷺ -، فقد يجيب الله الدعاء من غير توسل بسنة، وهو أرحم الراحمين، وقد تكون الاستجابة استدراجًا، ومع هذا ففي هذا الذي يقال: إنه حديث؟ مخالفة للسنة المطهرة، فقد ثبت في السنة ثبوتًا لا شكَّ فيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، فهذا من أعظم الدلائل على كون هذا المروي موضوعًا، ولا سيما وفي إسناده عمر بن هارون بن يزيد الثقفي البلخي المذكور، فإنه من المتروكين المتهمين، وإن كان حافظًا، ولعل ثناء ابن مهدي عليه من جهة حفظه، وكذا تلميذه عامر بن خداش، فلعل هذا من مناكيره التي صار يرويها. والعجب من اعتماد مثل الحاكم والبيهقي والواحدي ومن بعدهم على التجريب في أمر يعلمون جميعًا أنه يشتمل على خلاف السنة المطهرة، وعلى الوقوع في مناهيها.","vol":"4","page":482},{"text":"- ﷺ - واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب وآية الكرسي سبع مرات\" الحديث، قال العلماء: قد صح عن النبي - ﷺ - النهي عن القراءة في السجود وتقدم ذلك في الصلاة، وقال الإمام أبو الفرج بن الجوزي: هذا حديث موضوع (^١) والله أعلم.\nقوله: \"ثم قل: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك \"إلى آخره، معناه: أسألك بالخصال التي استحق بها العرش العز أو مواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه بعز عرشك وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ في الدعاء، أ. هـ، قاله في النهاية.\nقوله: وقال إبراهيم بن علي الدبيلي قد جربته فوجدته حقا؛ الدبيلي بفتح الدال المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها اللام هذه النسبة على دبيل وهي قرية من قرى الرملة، قال الحافظ ﵀ بعد قول الحاكم عن العلماء أنهم جربوه فوجدوه حقا، قال: والاعتماد في مثل هذا علي التجربة لا على الإسناد والله أعلم.\nفائدة: قال مؤلفه عفا الله عنه: قد ورد في صلاة الحاجة أحاديث متعددة منها ما ذكره الحافظ في ترغيبه في حديث ابن مسعود المتقدم ومنها ما رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بإسناد ضعيف عن ابن مسعود، وبه جزم في الإحياء فقال (^٢): أو ضاق عليه الأمر ومست حاجته في صلاح دينه ودنياه على\n_________\n(^١) الموضوعات (٢/ ١٤٢).\n(^٢) الإحياء (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"4","page":483},{"text":"أمر تعذر عليه فليصل هذه الصلاة، فقد روى عن وهيب بن الورد أنه قال: من الدعاء الذي لا يرد أن يصلي العبد اثنتى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بأم القرآن وآية الكرسي وقل هو الله أحد فإذا فرغ خر ساجدا ثم قال: سبحان الذي لبس العز، وقال به، سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه سبحان الذي لا ينبغي التسبيح والحمد إلا له سبحان ذي المن والفضل سبحان ذي العز والكرم سبحان ذي الطولى، أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر أن تصلي على محمد ثم تسأل حاجتك التي لا معصية فيها إن شاء الله تعالى، قال وهيب: وبلغنا أنه كان يقول: لا تعلموه سفهاءكم فيتعاونون به على معصية الله، قال ابن جريج: أما أنا إذا أردت أن أسجد قرأت اقرأ باسم ربك ثم أسجد، ومنها: ما روى أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"من كانت له حاجة إلى الله تعالى فليسبغ الوضوء وليصل ركعتين يقرأ في الأولى الفاتحة وآية الكرسي وآمن الرسول إلى آخر السورة ويتشهد ويسلم ويدعوا بهذا الدعاء اللهم يا مؤنس كل وحيد يا صاحب كل فريد يا قريبا غير بعيد يا غالب غير مغلوب يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا بديع السموات والأرض أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الحي القيوم الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم الذي ملأت عظمته السموات والأرض وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأبصار وجلت","vol":"4","page":484},{"text":"القلوب من خشيته أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وتجعل لي من أمري فرجا ومخرجا فإن الله تعالى يقضي حاجته ويجعل له من أمره فرجا ومخرجا\" (^١) ومنها ما روى عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: \"من كانت له حاجة فيلصل يوم الجمعة أربع ركعات يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سبح اسم ربك الأعلى مرة ثم يقرأ الإخلاص خمسا وعشرين مرة، وفي الركعة الثانية الفاتحة مرة وإذا زلزلت مرة والإخلاص خمسا وعشرين مرة وفي الثالثة الفاتحة مرة وألهاكم التكاثر مرة والإخلاص خمسا وعشرين مرة وفي الرابعة بعد الفاتحة إذا جاء نصر الله والفتح ثم الإخلاص خمسا وعشرين مرة فإذا فرغ من صلاته رفع يديه إلى السماء وذكر حاجته فتقضى\" (^٢)، ومنها ما روى عن عمر بن عبد العزيز عن أبيه أنه قال: بلغني أنه من صلى اثنتي عشرة ركعة يتشهد في كل ركعتين ثم يجلس يتشهد ثم قرأ الفاتحة سبع مرات وآية الكرسي سبعا والإخلاص سبعا وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات ثم سجد فقال وهو ساجد اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك إلى آخره استجيب له، ومنها ما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن عمرو قال: من كانت له حاجة إلى الله فليصم الأربعاء والخميس والجمعة فإذا كان يوم الجمعة تطهر وراح إلى\n_________\n(^١) معجم ابن عساكر (٢٤٥)، والسيوطى في اللآلى (٢/ ٤٢). قال ابن عساكر: هذا حديث لم أكتبه إلا من هذا الوجه، وإسناده إسناد واه.\n(^٢) لم أعثر عليه.","vol":"4","page":485},{"text":"المسجد فتصدق بصدقة قلت أو كثرت فإذا صلى الجمعة قال: اللهم إني أسألك باسم لسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم الذي ملأت عظمته السموات والأرض وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأصوات ووجلمت له القلوب من خشيته أن تصلي على محمد وعلى آل محمد (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n١٠٢٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - جَاءَنِي جِبْرِيل - ﵇ - بدعوات فَقَالَ إِذا نزل بك أَمر من أَمر دنياك فقدمهن ثمَّ سل حَاجَتك يَا بديع السَّمَوَات وَالأرْض يَا ذَا الْجلَال وَالإِكْرَام يَا صريخ المستصرخين يَا غياث المستغيثين يَا كاشف السوء يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ يَا مُجيب دَعْوَة الْمُضْطَرين يَا إِلَه الْعَالمين بك أنزل حَاجَتي وَأَنت أعلم بهَا فاقضها رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ وَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (^٢) وَله شَوَاهِد كَثِيرَة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن السماك في فوائده (٢٥)، والأصبهانى في الترغيب (١٢٦٧). وذكره السيوطى في اللآلى (٢/ ٤١).\n(^٢) هذا وهم وإنما هو أبو بكر بن عياش.\n(^٣) أخرجه الأصبهانى في الترغيب (١٣٠٧). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٩٨)، وضعيف الترغيب (٤١٩).","vol":"4","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>التَّرْغِيب فِي صَلاة الاستخارة وَمَا جَاءَ فِي تَركهَا</span>\n١٠٢٣ - عَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: من سَعَادَة ابْن آدم استخارته الله ﷿ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم وَزَاد وَمن شقوة ابْن آدم تَركه استخارة الله وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد كَذَا قَالَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَلَفظه من سَعَادَة ابْن آدم كَثْرَة استخارة الله تَعَالَى وَرضَاهُ بِمَا قضى الله لَهُ وَمن شقاوة ابْن آدم تَركه استخارة الله تَعَالَى وَسخطه بِمَا قضى الله لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي حميد وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من سَعَادَة الْمَرْء استخارته ربه وَرضَاهُ بِمَا قضى وَمن شقاء الْمَرْء تَركه الاستخارة وَسخطه بعد الْقَضَاء وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيَّان فِي كتاب الثَّوَاب والأصبهاني بِنَحْوِ الْبَزَّار (^١).\nقوله: عن سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن وهب وقيل ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة يكنى أبا إسحاق أسلم قديما وكف بصره قبل موته، يروى أنه قدم مكة وهو مكفوف البصر فجاءه الناس يهرعون إليه كل يسأله أن يدعو له وكان مجاب الدعوة، قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ١٦٨ (١٤٤٤)، والترمذي (٢١٥١)، والبزار (١٠٩٧)، وأبو يعلى (٧٠١)، والحاكم (١/ ٥١٨). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩٠٦) و(٦٢١٢) وضعيف الترغيب (٤٢٠).","vol":"4","page":487},{"text":"قلت: نعم، فلما طال المجلس قلت له: يا عم أنت تدعوا للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك فتبسم وقال: يا بني قضاء الله عندي أحسن من بصري، وبهذا تمسك بعض الصوفية لما ضاع له ولد ولم يعرف مكانه ثلاثة أيام فقيل له: لو سألت الله أن يرده فقال: اعتراضي عليه فيما قضى اشد علي من ذهاب ولدي، ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن ولم يقاتل في شيء من تلك الحروب، روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وأحد وسبعون حديثا (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من سعادة ابن آدم استخارته الله ﷿\" زاد الحاكم: \"ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله ﷿\" وفي الترمذي: \"من سعادة ابن آدم استخارة الله ﷿ في كل أموره ومن شقاوته تركه استخارته في كل أموره\" وروى عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا هممت بأمر فاستخر الله سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبقك في قلبك فإن الخير فيه\" (^٢) وفي رواية البزار: \"من سعادة المرء استخارته ربه ورضاه بما قضى ومن شقاوة المرء تركه الاستخارة وسخطه بعد القضاء\" الحديث، السَخَط والسُخط الكراهية للشيء وعدم الرضى به والاستخارة طلب الخير في الشيء، والخِيَرَة على وزن العنبة فهي\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٢) أخرجه ابن السنى في اليوم والليلة (٥٩٨). قال النووي في الأذكار (ص ١٢٠): إسناده غريب، فيه من لا أعرفهم. وضعفه ابن حجر جدا في نتائج الأفكار (٤/ ٧٠). ووهاه الألباني في الضعيفة (٦٩٠٨).","vol":"4","page":488},{"text":"الاسم من قولك اختاره الله (^١)، ومحمد - ﷺ - خيرة الله من خلقه والخيرة يقال بالفتح والسكون وهي افتعال منه يقول اختر الله يجز لك ومنه دعاء الاستخارة اللهم خر لي أي اختر لي أصلح الأمرين واجعل لي الخيرة فيه فالرضى بالمقدور من سعادة ابن آدم بكل ما قضى الله تعالى له لقوله - ﷺ - في حديث جبريل المطول: \"وأن تؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره\" ثم ينظر في المقضي فإن كان في طاعة أو مباحا وجب عليه الرضى بالقضاء والمقضى جميعا وإن كان معصية وجب عليه الرضى بالقضاء دون المقضي فإن الله تعالى لم يرض به قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (^٢) بل يسأل الله تعالى صرفه عنه وأن يحفظه منه، فالرضى بالقضاء من أسباب السعادة والسخط على القضاء من أسباب الشقاوة، وأنه ما ملأ قلبه من الرضى بالقدر ملأ الله صدره غنى وأمنا وقناعة وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضى امتلأ قلبه بضد ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه فالرضى تفرغ القلب لله تعالى والسخط تفرغ القلب من الله تعالى فالرضى يثمر الشكر الذي هو من أعلى مقامات الإيمان بل هو حقيقة الإيمان والسخط يثمر [ضده] وهو كفر النعم وربما أثمر له كفر المنعم وإذا فاته الرضى كان من الساخطين وسلك سبيل الكافرين الشيطان إنما يغفر بالإنسان غالبا عند السخط والشهوة فهنالك يصطاده ولاسيما إذا استحكم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٦/ ٢١٠).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٧.","vol":"4","page":489},{"text":"سخطه فإنه يقول ما لا يرضى الرب ويفعل ما لا يرضيه وينوي ما لا يرضيه، وقال المشايخ: الرضى باب الله الأعظم وجنة الدنيا (^١).\nواعلم أن العبد لا يكاد يرضى عن الحق إلا بعد أن يرضى عنه الحق لأن الله تعالى قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٢)، سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: قال تلميذ لأستاذه: هل يعرف العبد أن الله تعالى راض عنه قال: لا كيف يعلم ذلك ورضاه غيب فقال التلميذ: يعلم ذلك، فقال: كيف؟ فقال: إذا وجدت قلبي راضيا عن الله تعالى علمت أنه راض عني، فقال الأستاذ: أحسنت يا غلام (^٣)، قال: وسئل أبو عثمان عن قول النبي - ﷺ - أسألك الرضي بعد القضاء، فقال: لأن الرضى قبل القضاء عزم على الرضى، والرضى بعد القضاء هو الرضى، وقال أبو عثمان الخير: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في شيء فكرهته ولا نقلني إلى غيره فسخطته (^٤)، أ. هـ.\nوتقدم شيء من ذلك في الأذكار: إذا أصبح وإذا أمسى، وقيل في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^٥) الآية.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٠٠ - ٢٠٢).\n(^٢) سورة المجادلة، الآية: ٢٢.\n(^٣) الرسالة (٢/ ٣٤٢).\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ١٧٥)\n(^٥) سورة فاطر، الآية: ٣٢.","vol":"4","page":490},{"text":"اعلم أن السابق بالخيرات هو الذي يرضي بالقضاء قبل نزوله، والمقتصد هو الذي يرضي به عند نزوله، والظالم الذي يرضي به بعد نزوله؛ وقال الحسن البصري: السابق بالخيرات هو الذي زادت حسناته على سيئاته والمقتصد هو الذي استوت حسناته وسيئاته والظالم الذي زادت سيئاته على حسناته، وقيل: غير ذلك (^١)، ولهذا قال النبي - ﷺ - عند موت ابنه إبراهيم: \"يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول إلا ما يرضي الرب\" (^٢) فإن موت البنين من العوارض التي توجب للعبد السخط على القدر فأخبر - ﷺ - أنه لا يقول في مثل هذا المقام الذي يسخط أكثر الناس فيتكلمون بما لا يرضي الله ﷿ ويفعلون ما لا يرضيه إلا ما يرضي ربنا ﵎، ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رئي في الجنازة ضاحكًا، فقيل له: تضحك! وقد مات ابنك، فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضي بقضائه فأنكرت طائفة هذا على الفضيل وقالوا رسول الله - ﷺ - قد بكى يوم مات ابنه وأخبر: \"إن القلب يحزن والعين تدمع\" وهو في أعلا مقامات الرضي فكيف يعد هذا في مناقب الفضيل، والتحقيق أن قلب رسول الله - ﷺ - اتسع لتكميل المراتب من الرضى عن الله تعالى والبكاء رحمة للصبي فكان له مقام الرضى ومقام الرحمة ورقة القلب والفضيل لم يتسع لذلك مغيبة مقام الرضى عن مقام الرحمة فلم يجتمع له الأمران والناس في ذلك على أربع مراتب أحدها: من\n_________\n(^١) تفسير البغوى (٦/ ٤٢٢) وتفسير ابن عطية (٤/ ٤٣٩) وتفسير القرطبى (١٤/ ٣٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٦٢ - ٢٣١٥) عن أنس.","vol":"4","page":491},{"text":"اجتمع له الرضا بالقضاء ورحمة الطفل فدمعت عيناه رحمة والقلب راضح الثاني: من غيبة الرضى عن الرحمة فلم يتسع الأمرين؛ الثالث: من غيبته الرحمة والرقة عن الرضى فلم يشهده؛ الرابع: من لا رضى عنده ولا رحمة وإنما كان حزنه لفوات حظه من الميت وهذا حال أكثر الخلق فلا إحسان ولا رضى عن الرحمن والله المستعان (^١)، أ. هـ قاله في تهذيب النفوس.\nفائدة: إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - أمه مارية القبطية، ولدته في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي في ذي الحجة سنة عشر ولد بالمدينة وتوفي بها وهو ابن سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرًا هكذا في صحيح البخاري على الشك، وفي البخاري أيضًا: لما توفي إبراهيم قال رسول الله - ﷺ -: \"إن له مرضعًا في الجنة\" (^٢) وسر رسول الله - ﷺ - بولادته كثيرًا وكانت قابلته سلمى مولاة رسول الله - ﷺ - امرأة أبي رافع، وبشر أبو رافع به النبي - ﷺ - فوهب له عبدًا وعق عنه بكبش يوم سابعه وحلق رأسه وتصدق بزنه شعره فضة على المساكين وأمر بشعره فدفن في الأرض وسماه ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قيس ترضعه بالمدينة، قال الزبير: فتنافست الأنصار فيمن ترضعه، كل تنافس على تحصيل البركة بإرضاعه وكي يفرغوا مارة لخدمة رسول الله - ﷺ - (^٣)، وأمه مارية أهداها لرسول الله - ﷺ - صاجما سكندرية وهو جريج بن مينا في\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٢) البخاري (١٣١٦).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"4","page":492},{"text":"جملة تحف وهدايا فقبل ذلك منه رسول الله - ﷺ -، وكان معها أختها سيرين التي وهبها رسول الله - ﷺ - لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان، ويقال: إن المقوقس أهدى معها غلاما خصيا وأهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الذلول وكانت مارية من الصالحات الخيرات الحسان حظيت عند رسول الله - ﷺ -[وأعجب بها وأنها] كانت جميلة [ملاحة] أى حلوة وهي تشابه هاجر [زوجة] إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه (^١)، أ. هـ قاله في مختصر مجمع الأحباب، ولما توفي إبراهيم بكى عليه النبي - ﷺ - وقال: \"تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون\" قال ابن سعد (^٢): ومات عند أم بردة وغسلته وحمل من بيتها على سرير صغير، والجمهور على أنه - ﷺ - صلى عليه وكبر أربعا كما في طبقات ابن سعد وغيرها وصلى عليه عند باب المصاعد وهو موضع باب الجنائز وكسفت الشمس يوم وفاته، فقال الناس: كسفت الشمس لموته، فقال النبي - ﷺ -: \"إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته\" ودفن بالبقيع ورش على قبره الماء (^٣).\nاعلم أنه يستحب لمن خطر بباله السفر أو التزويج أو غيرهما أن يضم على الاستخارة المشاورة فيشاور في ذلك من يعلم من حاله النصيحة\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١٠/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٢) الطبقات (١/ ١٤٤).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"4","page":493},{"text":"والشفقة والخيرة ويثق بدينه ومعرفته قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (^١) ودلائله كثيرة فقد قال بعض السلف: ما خاب من استخار ولا [ندم] من استشار، ولتكن الاستشارة قبل الاستخارة فإذا شاور وظهر أنه مصلحة استخار الله تعالى في ذلك فصلى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة المذكور في حديث جابر هذا (^٢)، قال بعض الحكماء: من أعطى أربعا لم يمنع أربعا: من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخير، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب (^٣).\n\n١٠٢٤ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يعلمنَا الاستخارة فِي الأمُور كلهَا كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن يَقُول إِذا هم أحدكم بِالأمر فليركع رَكعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة ثمَّ ليقل اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم فَإنَّك تقدر وَلا أقدر وَتعلم وَلا أعلم وَأَنت علام الغيوب اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الأمر خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فاقدره لي ويسره لي ثمَّ بَارك لي فِيهِ وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الأمر شَرّ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي وآجله فاصرفه عني واصرفني عَنهُ واقدر لي الْخَيْر\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(^٢) الأذكار (ص ٢١٤).\n(^٣) الإحياء (١/ ٢٠٦).","vol":"4","page":494},{"text":"حَيْثُ كانَ ثمَّ أرضني بِهِ، قَالَ ويسمي حَاجته رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إذا هم أحدكم بالأمر\" هم بمعنى عزم عليه، أي: إذا قصد الإتيان بفعله أو تركه فإن الإرادة [بمعنى] الهم (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فليركع ركعتين من غير الفريضة\" فيه تقديم العمل الصالح بين يدي قضاء الحوائج ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^٣) قال العلماء: وتستحب الصدقة أمام الحاجات (^٤)، أ. هـ، ومعنى غير الفريضة أي نافلة يعني أن الفريضة لا تقوم مقامها ويحتمل أنها تقوم كما في تحية المسجد [بياض بالأصل] (^٥) إنشاء عمل خالص كذلك فإن الفرض لابد منه فلا يكفي كما في صلاة الحاجة والتوبة ونحوهما قاله شارح الإلمام [وقال النووى في الأذكار:] قال العلماء: تستحب الاستخارة بالصلاة بالدعاء المذكور وتكون الصلاة ركعتين من النافلة والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب وبتحية المسجد وغيرها من النوافل ويقرأ في الركعة الأولى [سورة] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٧) و(٦٣٨٢)، وابن ماجه (١٣٨٣)، وأبو داود (١٥٣٨)، والترمذي (٤٨٠)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٤٥٥ (٣٢٧٨).\n(^٢) عمدة القارى (٢٣/ ١١).\n(^٣) سورة المجادلة، الآية: ١٢.\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٥١٦).\n(^٥) بياض بمقدار نصف سطر.","vol":"4","page":495},{"text":"وفي الثانية بعد الفاتحة قل هو الله أحد (^١) واستحب بعض العلماء أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يأيها الكافرون وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (^٢) وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة الإخلاص وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^٣) وهو حسن لائق بالحال (^٤) ولو تعذرت عليه هذه الصلاة استخار بالدعاء ويستحب افتتاح الدعاء المذكور وختمه بالحمد والصلاة والتي على رسول الله - ﷺ -، ثم إن الاستخارة مستحبة في جميع الأمور كما صرح به نص هذا الحديث الصحيح، وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره (^٥)، أ. هـ والله أعلم.\nقوله: \"ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك\" والاستخارة طلب الخيرة أي أطلب منك الخيرة ملتبسا بعلمك بخيري وبشري، ويحتمل أن تكون الباء للاستعانة أو للقسم (^٦)، أ. هـ؛ وتقدير الكلام أطلب منك الخيرة فيما هممت به، والخير: كل معنى زائدة نفعه على ضره (^٧).\n_________\n(^١) الأذكار (ص ١٢٠) والايضاح (ص ٤٧).\n(^٢) سورة القصص، الآية: ٦٨ - ٦٩.\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٣٥٧).\n(^٥) الأذكار (ص ١٢٠) والإيضاح (ص ٤٧).\n(^٦) الكواكب الدراري (٦/ ٢١٠)، والكوثر الجارى (٣/ ٢١٩).\n(^٧) التوضيح (٩/ ١٥٦).","vol":"4","page":496},{"text":"قوله: \"وأستقدرك بقدرتك\" أي: أطلب منك أن تجعل لي قدرة بقدرتك وهذا دليل على أن العبد لا يكون قادرا إلا مع الفعل لا قبله كما يقوله القدرية (^١).\nقوله: \"وأسألك من فضلك العظيم\" أي: الزيادة على ما أريده وكل عطاء الله تعالى فضل فإنه ليس لأحد عليه في [نعمة حق] (^٢).\n[قوله]: \"فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم\" هذا تصريح باعتقاد أهل السنة فإنه نفى العلم عن العبد والقدرة والصواب أنهما لله تعالى ليس للعبد في ذلك شيء إلا ما خلق [الله له] فهو يقول: أنت يا رب تقدر قبل أن تخلق لي القدرة وتقدر مع خلق القدرة وتقدر بعد ذلك، وأنا على الحقيقة محل لمقدوراتك وكذلك في العلم (^٣).\nقوله: \"وأنت علام الغيوب\" معناه: أنا أطلب أمرًا مستأنفًا لا يعلمه إلا أنت فهب لي منه ما ترى أنه خير لي في ديني ومعيشتي وعاجل أمري وآجله وهي أربعة أقسام، الأول: خير يكون للعبد في دينه ولا يكون فيدنياه؛ والثاني: يكون له في دنياه خاصة؛ والثالث. يكون له خير في العاجل؛ والرابع: يكون في الانتهاء خير وذلك أولاه وأفضله ولكن إذا اجتمعت الأربعة فهو الذي ينبغي للعبد أن يسأل ربه فيه (^٤) وفي الصحيح أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"اللهم أصلح\n_________\n(^١) التوضيح (٩/ ١٥٦).\n(^٢) المسالك (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩).\n(^٣) المسالك (٣/ ٤٨٩).\n(^٤) المسالك (٣/ ٤٨٩) والتوضيح (٩/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"4","page":497},{"text":"أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي\" (^١).\nقوله: \"اللهم إن كنت تعلم أن والأخيرة في الجزء الأول من المخطوطة المغربية هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي\" إلى قوله: \"وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري\" هو شك من الراوي (^٢).\nقوله: \"فأقدره لي\" بضم الدال وكسرها أي: اجعله مقدورا لي أو قدره لي، وقيل معناه: يسره لي وقال الشهاب في كتاب أنوار البروق: يتعين أن يراد بالتقدير هنا التيسير فمعناه فيسره لي (^٣)، وقال بعضهم: أي الذي سبق [لى] في الأزل اجعله مقدورا لي واستعملني فيه قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"وبارك لي فيه\" أي: أدمه وضاعفه (^٤) [وقوله] فاصرفه عني واصرفني عنه أي: فلا تخلفه واصرفني عنه أي لا تعلق بالي به وطلبه (^٥)، قال ابن العربي: وكان بعض شيوخي الفقراء يأخذ هذا المعنى في دعائه فيقول اللهم لا تتعب بالي في طلب ما تقدره (^٦).\nقوله: \"ثم ارضني به\" وفي بعض النسخ: \"ثم رضني\" أي: اجعلني من\n_________\n(^١) مسلم (٢٧٢٠).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٦٩)، والتوضيح (٩/ ١٥٨).\n(^٣) أنوار البروق (٤/ ٢٩٠)، والكواكب الدراري (٦/ ٢١٠).\n(^٤) التوضيح (٩/ ١٥٨).\n(^٥) التوضيح (٩/ ١٥٨).\n(^٦) التوضيح (٩/ ١٥٨).","vol":"4","page":498},{"text":"الراضين بوجوده إن وجد أو بعدمه إن عدم وارزقني الرضى بسكون النفس إلى القدر والقضاء (^١)، روى ابن السني عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا هممت بأمر فاستخر الله سبع مرات ثم انظر إلى الذي يبقى في قلبك فإن الخير فيه\" (^٢).\nقوله: \"ويسمي حاجته\" مثل أن يقول من السفر أو التزويج أو غير ذلك وتعافى ثانيًا وثالثًا كذا صرح ابن الصلاح (^٣) والله أعلم.\nتتمة: وجملة أولاد رسول الله - ﷺ - الذكور ثلاثة، أولهم: القاسم وبه كان يكنى، ولد بمكة قبل النبوة ومات بها، وهو ابن سبعة عشر شهرًا، وقال قتادة: عاش حتى سن وهو أكبر أولاده وهو أول من مات من أولاده - ﷺ -، قال السهيلي (^٤): وبلغ القاسم المشي غير أن رضاعه لم يكمل، الثاني: ولده عبد الله ويسمي الطيب والطاهر لأنه ولد في الإسلام، قال الحافظ: عبد الغني وغيره، قيل: عن الطيب والطاهر غير عبد الله، والصحيح الأول كما قاله الزبير وغيره من المحققين (^٥)، والثالث: إبراهيم بن مارية بنت شمعون القبطية أهداها له المقوقس وهي من كورة (أنصنا) بفتح الهمزة وإسكان النون بعدها صاد مهملة مكسورة ونون، [كلمة غير واضحة] ويقال: إنها\n_________\n(^١) التوضيح (٩/ ١٥٨).\n(^٢) عمل اليوم والليلة (٥٩٨).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٧٠).\n(^٤) الروض الأنف (٢/ ٢٤٣).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦).","vol":"4","page":499},{"text":"كانت مدينة السحرة وهي قريبة منها يقال لها حفن بفتح الحاء وإسكان الفاء كذا ذكره أبو عبيد البكري (^١)، وأبوها شمعون بالشين المعجمة قيده كذلك أبو نصر [البكري]، ووصلت مارية المدينة سنة ثمان، قال الواقدي وكانت مارية بيضاء جميلة فأنزلها رسول الله - ﷺ - وأختها سيرين على أم سلمة ودخل عليهما فعرض عليهما الإسلام فأسلمتا هناك، وروى ابن عبد الحكم أن رسول الله - ﷺ - لما نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه، وكره أن يجمع بينهما وكانت إحداهما أشبه الأخرى فقال: \"اللهم اختر لنبيك فاختار له مارية\" (^٢) وذلك أنه قال لهما قولا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فبادرت مارية فتشهدت وآمنت قبل الأخرى، ومكثت أختها ساعة ثم تشهدت وآمنت (^٣) [فوطئ مارية] بالملك وحولها إلى مال له بالعالية فكان يأتيها هناك (^٤)، وكانت حسنة الدين توفيت سنة خمس وعشرة وصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع، وقال خليفة بن خياط وغيره: توفيت سنة [ست] عشرة.\nقوله: عن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله [- ﷺ -]: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، الحديث، في هذا الحديث الانقياد لله تعالى في كل\n_________\n(^١) المسالك والممالك (٢/ ٦١٧).\n(^٢) فتوح مصر (ص ٦٩).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) الطبقات (١/ ١٣٤).","vol":"4","page":500},{"text":"الأمور والتبرى من الحول والقوة ومعرفة الحق لأهل (^١).\nوقوله: كما يعلمنا السورة من القرآن يدل على التأني في تعليم السنن (^٢).\nآخر الجزء الأول علقه مؤلفه سامحه الله وأعانه على تكملة الباقي [بياض بالأصل]، انتهى ما وجد منه سالما من البتر والتحريق بحمد الله تعالى وحسن عونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما على يد كاتبه عبيد ربه ﷾ محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدلائي، ختم الله له بالحسنى ولطف به في الدارين منتصف رجب الفرد عام عشرين ومائتين وألف، ونسأله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين.\nوصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.\n* * *\n_________\n(^١) بياض في الأصل بمقدار سطر ونصف.\n(^٢) بياض في الأصل بمقدار سطر ونصف.","vol":"4","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>كتاب الجمعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها</span>\nالجمعة: يقال بضم الجيم والميم وإسكانها وفتحها ثلاث لغات، حكاهن الواحدي (^١) (^٢) عن الفراء (^٣)، وهي أشهرهن، وبها قرأ القراء السبعة (^٤)، والإسكان قراءة الأعمش (^٥) (^٦) وهو تخفيف من الضم وفتح الميم، حكاه في المحكم (^٧)، ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس، ويكثرون فيها، كما يقال:\n_________\n(^١) هو أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الإمام المفسر الكبير، الشافعي، كان واحد عصره في زمانه في التفسير، ومن تصانيفه: التفسير الوسيط، والبسيط، والوجيز، وأسباب النزول، وغيرها، وتوفي سنة (٤٦٨ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٣٩)، طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٢٤٠)، طبقات المفسرين العشرين (ص: ٧٨).\n(^٢) ينظر: التفسير البسيط (٢١/ ٤٥٣).\n(^٣) وهو: أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي مولاهم، الكوفي، النحوي، صاحب الكسائي. العلامة، صاحب التصانيف، ومنها: معاني القرآن، وكتاب اللغات، وغير ذلك الكثير، وتوفي سنة (٢٠٧) بطريق مكة. ينظر: تاريخ بغداد (١٦/ ٢٢٤)، إنباه الرواة على أنباه النحاة (٤/ ٧)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ١١٨).\n(^٤) ينظر: الإقناع في القراءات السبع (ص: ٣٨٤)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥٤٢).\n(^٥) هو: أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي، الكاهلي مولاهم، الكوفي، الحافظ، الإمام، شيخ المقرئين والمحدثين، ومع إمامته إلا أنه كان مدلسًا، وتوفي سنة (١٤٧ أو ١٤٨ هـ).\nينظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٥)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال (١٢/ ٧٦).\n(^٦) ينظر: شواذ ابن خالويه (ص: ١٥٧)، شواذ القراءات للكرماني (ص: ٤٧٣).\n(^٧) المحكم والمحيط (مادة - جمع) (١/ ٣٥٠).","vol":"4","page":502},{"text":"همزة ولمزة لكثير الهمز واللمز ونحو ذلك، وجمعها: جمعات وجُمع؛ والفتح لغة بني عقيل (^١)، وقال الزمخشري (^٢): قرأ في الشواذ باللغات الثلاث (^٣)، والمشهور أن سبب تسميتها جمعة: لاجتماع الناس إليها، وقيل: لما جمع في يومها من الخير، وقيل: لأنه جمع فيه خلق آدم - ﵇ - (^٤)، والجمعةُ خصيصة خص الله بها هذه الأمة، ووجه فضيلة يوم الجمعة: انبعاث الخيرات فيه من النبوة والعبادة والقيام بحق الأهلية وحصول الكمال فيه حيث نزل فيه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٥) الآية، وفيه: وجدت التوبة، وفيه: قيام الساعة، واجتماع الخلائق، وفيه: ساعة الإجابة.\n_________\n(^١) بنو عقيل: اسم قبيلة من العدنانية، تنتسب إلى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ومن أشهر بطونهم: بنو خفاجة. ينظر: جمهرة أنساب العرب، لابن حزم (١/ ٢٩٠)، قلائد الجمان (ص: ١١٩).\n(^٢) هو: أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد بن أحمد، الخوارزمي، الزمخشري المفسر، اللغوي النحوي، كان من علماء المعتزلة، وله تصانيف عدة؛ منها: الكشاف في تفسير القرآن، والفائق في غريب الحديث، وربيع الأبرار ونصوص الأخبار، وغير ذلك، وتوفي سنة (٥٣٨ هـ). ينظر: معجم الأدباء (٦/ ٢٦٨٧)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (٥/ ١٦٨)، سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٥١)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: ١٢٠).\n(^٣) كذا هنا، ولفظ الزمخشري الذي جاء في تفسيره (٤/ ٥٣٢): \"ويوم الجمعة، بفتح الميم: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة، ولعنة، ولعبة ويوم الجمعة تثقيل للجمعة، كما قيل: عسرة في عسر. وقرئ بهنّ جميعًا\".\n(^٤) ينظر: معاني القرآن، للنحاس (٦/ ٢٤٥)، التفسير البسيط (٢١/ ٤٥٣).\n(^٥) سورة المائدة، الآية: ٣.","vol":"4","page":503},{"text":"والجمعة واجبة على الأعيان، من تركها تهاونا بها طبع على قلبه، وقد وهم بعض العلماء فقال: هي على الكفاية (^١)؛ وعند الحنفية (^٢) قول بالتخيير بينها وبين الظهر، ويرد ذلك قوله - ﵇ -: \"الجمعة واجبة على كل مسلم [في جماعة] (^٣) إلا أربعة\" (^٤) الحديث، قاله شارح الإلمام (^٥)؛ وأول من سماها\n_________\n(^١) هو وجه عند الشافعية بخلاف الأظهر في المذهب. وينظر تفصيل المسألة في: التهذيب في فقه الشافعي (٢/ ٢٤٥)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٥٤٢).\n(^٢) ينظر: مختصر القدوري (ص: ٤٠)، المبسوط، للسرخسي (٢/ ٣٢)، الهداية في شرح البداية (١/ ٨٣).\n(^٣) بياض في المخطوط أكملناه من المطبوع.\n(^٤) أخرجه أبو داود (١٠٦٧)، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٢١/ ٨٢٠٦)، والحاكم (١٠٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢٤٦)، بلفظ: \"الجمعةُ حق واجبٌ على كل مسلم في جماعة؛ إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض\". وقال الألباني: إسناده صحيح.\nانظر: صحيح أبي داود (٤/ ٢٣٢).\n(^٥) ألف ابن دقيق العيد عدة كتب منها: الإلمام بأحاديث الأحكام، والإمام في معرفة أحاديث الأحكام، الإمام في شرح الإلمام، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة (٨٠): والإمام في أحاديث الأحكام ومختصره الإلمام بأحاديث الأحكام كلاهما لتقي الدين أبي الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع المعروف: بابن دقيق العيد المالكي الشافعي المتوفى: في صفر سنة اثنتين وسبعمائة، جمع فيها الأحاديث المتعلقة بالأحكام تم شرح بعضا من المختصر شرحا عظيما برع فيه سماه: الإمام في شرح الإلمام كما شرحه أيضا جماعة من الأئمة، قال الذهبي: ولو كمل تصنيف الإمام وتبييضه لجاء في خمسة عشر مجلدا. وقال الزركلي في الأعلام (٦/ ٢٨٣): له تصانيف، منها (إحكام الأحكام - ط) مجلدان، في الحديث، و(الإلمام بأحاديث الأحكام - ط) صغير، و(الإمام في شرح الإلمام - خ) الجزء الأول منه، في الأزهرية، من نحو ٢٥ جزءا، ويقال أنه لم يتمه. راجع للتفاصيل: الإمام في معرفة أحاديث الأحكام بتحقيق الدكتور/ سعد الحميد (١/ ٢٣ - ٣١).","vol":"4","page":504},{"text":"جمعة: كعب بن لؤي (^١)، وهو أول من جمع الناس بمكة وخطبهم، وبشر بمبعث رسول الله - ﷺ -، وحض على إتباعه (^٢)، وأما أول جمعة جمعها النبي - ﷺ - بأصحابه، فقال أهل السير والتواريخ (^٣): قدم النبي - ﷺ - يوم الاثنين فنزل علي بني عمرو بن عوف (^٤)، وأقام بقباء (^٥) إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته الجمعة في مسجد بني سالم بن عوف (^٦) في بطن واد لهم، قد اتخذ القوم في ذلك الوادي مسجدًا،\n_________\n(^١) هو: كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو هصيص، وهو الجدُّ الجاهلي للنبي - ﷺ -، وكان عظيم القدر عند العرب، حتى أرخوا بموته إلى عام الفيل وهو أول من سن الاجتماع يوم الجمعة، وكان اسمه حينها يوم العروبة فكانت قريش تجتمع إليه فيه، فيخطبهم ويعظم، توفي سنة (١٧٣ ق. هـ). ينظر: الأوائل للعسكري (ص: ٤٣)، جمهرة أنساب العرب، لابن حزم (١/ ٤٦٤)، صبح الأعشى (١/ ٢٥٥).\n(^٢) ينظر: الأوائل للعسكري (ص: ٤٣)، صبح الأعشى (١/ ٢٥٥).\n(^٣) ينظر: السيرة النبوية، لابن هشام (١/ ٤٩٢)، الروض الأنف (٤/ ١٥١)، خلاصة سير سيد البشر (١/ ٤٤).\n(^٤) بنو عمرو بن عوف: اسم لبطن من الأوس من الأزد من القحطانية، أحد بطون الأنصار، ونسبتهم إلى عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكانوا ينزلون قباء، والصفينة، وينحدر منهم أفخاذ عدة؛ منهم: بنو ضبيعة، وغيرهم. ينظر: نسب معد واليمن الكبير (١/ ٣٦٥)، جمهرة أنساب العرب (١/ ٣٣٧).\n(^٥) قباء - بالضم -: قرية قرب المدينة، وهي منزل بنى عمرو بن عوف من الأنصار، تقع على\nنحو ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، وفيها مسجد التقوى. ينظر: معجم البلدان (٤/ ٣٠١)، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (٣/ ١٦).\n(^٦) بنو سالم بن عوف: اسم لبطن من بطون الخزرج من القحطانية أيضًا، ونسبتهم إلى: سالم =","vol":"4","page":505},{"text":"فجمع بهم وخطب، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، أ. هـ. قاله في الديباجة (^١). والأصل في وجوبها، قيل: الإجماع (^٢) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (^٣) أي في يوم الجمعة ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٤) أي: امضوا، وبذلك قرأ عمر - ﵁ - (^٥)، وعمل الإنسان يسمى سعيًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (^٦)؛ واختلف العلماء في الجمعة، متى فرضت؟ فقال الشيخ أبو\n_________\n= سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهم أحد بطون الأنصار. ينظر: جمهرة أنساب العرب (١/ ٣٥٣)، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب (ص: ٥٣، ٦٦، ٢٨١).\n(^١) لعله يعني: كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لكمال الدين الدميري، الشافعي، يقع في نحو خمس مجلدات، وتوفي قبل تحريره، وتبييضه، وهو لا يزال مخطوطًا، ولم يحقق منه إلا أجزاء يسيرة كرسائل علمية بجامعة أم القرى.\n(^٢) ينظر: الإجماع، لابن المنذر (ص: ٤٠)، الإقناع في مسائل الإجماع (١/ ١٥٨).\n(^٣) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(^٤) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(^٥) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥٥٥٩) من طريق: هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن خرشة، قال: قرأها عمر بن الخطاب: \"فامضوا إلى ذكر الله\".\nقلمت: وإسناد هذه الأثر ضعيف؛ من أجل عنعنة هشيم؛ وهو: ابن بشير بن القاسم بن دينار أبو معاوية السلمي الواسطي، وكان ثقة ثبتًا؛ لكنه كان كثير التدليس والإرسال الخفي.\nانظر: الكاشف (٢/ ٣٣٨)، تقريب التهذيب (ص: ٥٧٤). وقد عزى هذه القراءة لعمر - ﵁ - أيضًا: ابن خالويه في الشواذ (ص: ١٥٧)، وعزاها الكرماني في شواذ القراءات (ص: ٤٧٣) له ولابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وابن الزبير -، -.\n(^٦) سورة النجم، الآية: ٣٩.","vol":"4","page":506},{"text":"حامد (^١): فرضت بمكة (^٢)، وقال البغوي في تفسيره في سورة الأعراف: فرضت بالمدينة (^٣) وهو أقرب، أ. هـ.\nوسيأتي الكلام على ذلك أيضًا.\n_________\n(^١) هو: أحمد محمد الإسفراييني، انظر لترجمته: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) قال السخاوي في الأجوبة المرضية بتحقيقنا (٢/ ٦٩٩): قال الشيخ أبو حامد الأسفرايني: أنها فرضت بمكة وهو وإن كان غريبًا لكنه قد يستشهد له بتجميع أسعد بن زرارة وغيره من الصحابة بالمدينة قبل هجرته - ﷺ - إليها .. وانظر كذلك: تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٤٣٤). ونقله عن أبي حامد الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في شرحه على المهذب (٤/ ٤٨٣).\n(^٣) هو: الحسين بن مسعود بن الفراء، أبو محمد، البغوي، الفقيه الشافعي، الملقب بمحيي السنة، من مؤلفاته: شرح السنة والمصابيح وغيرها، وتوفي سنة (٥١٠ هـ). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (٧/ ٧٥)، طبقات الشافعيين (١/ ٥٤٨)، انظر قول البغوي في تفسيره (٣/ ٣٢٠). طبعة دار طيبة.","vol":"4","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>في الترهيب من ترك الجمعة</span>\n١٠٢٥ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ أَتَى الْجُمُعَة فاستمع وأنصت غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة الأُخْرَى وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام وَمن مس الحَصَا فقد لَغَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\"لَغَا\": قيل مَعْنَاهُ خَابَ من الْأجر وَقيل أَخطَأ وَقيل صَارَت جمعته ظهرًا وَقيل غير ذَلِك.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة\" الحديث (^٢)؛ وبه يستدل على أن الغسل ليس بواجب لاقتصاره على الوضوء فيه مع ترتب المغفرة عليه وعلى ما بعده؛ وفيه: استحباب تحسين الوضوء فيه، ومعنى إحسانه: الإتيان به ثلاثا ثلاثًا، ودلك الأعضاء وإطالة الغرة والتحجيل وتقدم الميامن والإتيان بسننه المشهورة والذكر عقيبه وتقدم المياثر، وقد أشار إلى ذلك مسلم في صحيحه (^٣) وتقدم الكلام على ذلك أبسط من هذا في الوضوء.\n_________\n(^١) مسلم (٨٥٧)، وأبو داود (١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨)، وابن ماجه (١٠٩٠)، وأحمد (٩٤٨٤)، وابن خزيمة (١٧٥٦)، وابن حبان (١٢٣١).\n(^٢) تقدم تخريجه.\n(^٣) ينظر: صحيح مسلم (٢/ ٥٨٧).","vol":"4","page":508},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت\": هما شيئان متمايزان \"فاستمع وأنصت\" وقد يجمعان، فالاستماع: الإصغاء (^١)، والإنصات: السكوت في الظاهر (^٢)، وقد يستمع ولا ينصت؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية؛ والمراد بالقرآن: الخطبة، سميت قرآنا لأنه يتلى فيها، قال أكثر المفسرين (^٣): إنها نزلت في الخطبة؛ ولأن المقصود الإتعاظ وهو لا يحصل إلا لمن يسمع، ففيه الحث على الإنصات للخطبة؛ قال القاضي عياض (^٤): وهو واجب عند مالك (^٥) وأبي حنيفة (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب اللغة (مادة - سمع) (٢/ ٧٤)، أساس البلاغة (مادة - سمع) (١/ ٤٧٤)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (مادة - سمع) (٢/ ٢٢٠).\n(^٢) ينظر: الصحاح تاج اللغة (مادة - نصت) (١/ ٢٦٨)، مقاييس اللغة (مادة - نصت) (٥/ ٤٣٤)، المحكم والمحيط (مادة - نصت) (٨/ ٢٩٦).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٦٦٦)، تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٤٦)، التفسير البسيط (٢١/ ٤٦٥)، أسباب النزول (ص: ٢٣٠). وقال ابن عطية في المحرر الوجيز (٦/ ١٩٦) وأما قول من قال: إنها نزلت في الخطبة، فضعيف.\n(^٤) هو: القاضي أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض بن عمرو، الأندلسي، ثم السبتي، الفقيه المالكي، الإمام، العلامة، الحافظ، كان من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، وله مصنفات غزيرة العلم نافعة، منها: كتاب مشارق الأنوار على صحاح الآثار، والإكمال في شرح صحيح مسلم، وغير ذلك، وتوفي سنة (٥٤٤ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (٢/ ٤٦)، طبقات الحفاظ (ص: ٤٧٠).\n(^٥) ينظر: المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ٣٠٨)، الاستذكار (٢/ ٢١)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٨٨).\n(^٦) ينظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٦٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٢)، البناية شرح الهداية (٢/ ٣٢٢).","vol":"4","page":509},{"text":"والشافعي (^١) وعامة العلماء (^٢)، قلت: ليس مذهبنا كذلك (^٣) وعن أحمد أيضًا فيها روايتان (^٤)، وحكى عن النخعي (^٥) (^٦) والشعبي (^٧) وبعض السلف: أنه لا\n_________\n(^١) ينظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ٢١٦)، الوسيط في المذهب (٢/ ٢٨١)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٥٩٧).\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٤٢).\n(^٣) يشير المصنف - رحمه الله تعالى - إلى اختلاف الشافعية في مسألة الإنصات للخطيب يوم\nالجمعة إذا كان المأموم يسمعه: هل هو واجب، أو مستحب؟ فعندهم فيها قولان:\nأحدهما: يجب، وهو القول القديم عند الشافعي، وبه قال عثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، واختيار ابن المنذر، ووجهه: ما روى أبو هريرة: أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب ... فقد لغوت\".\nوالثاني: وهو القول الجديد؛ أنه لا يجب، ولكن يستحب، وهو الصحيح في المذهب، ووجهه: ما روي: \"أن رجلا دخل والنبي - ﷺ - يخطب، فقال: متى الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت، فقال له النبي - ﷺ - في الثالثة: \"ما أعددت لها؟ \" فقال: حب الله وحب رسوله، فقال: \"إنك مع من أحببت\". ينظر: التهذيب في فقه الشافعي (٢/ ٣٤٠)، البيان في مذهب الشافعي (٢/ ٥٩٨)، كفاية النبيه (٤/ ٣٩١).\n(^٤) ينظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٢٣٧)، الشرح الكبير على متن المقنع (٢/ ٢١٥)، المبدع شرح المقنع (٢/ ١٧٨).\n(^٥) هو: إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة النخعي، الفقيه الكوفي، أحد الأئمة المشاهير، يكنى أبو عمار وأبو عمران، وكان من ثقات التابعين، وتوفي سنة (٩٥ هـ) وقيل: (٩٦ هـ). ينظر: الطبقات الكبرى (٦/ ٢٧٩)، طبقات الفقهاء (ص/ ٨٢)، تهذيب الكمال (٢/ ٢٣٣)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠).\n(^٦) ينظر: الاستذكار (٢/ ٢١)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٨٨)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٤٢).\n(^٧) هو: عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل، وقيل: ابن شراحيل بن عبد، الشعبي، أبو أبو عمرو الكوفي، ابن أخي قيس بن عبد، كان ثقة كثير الحديث غير أنه كان معروفًا بالتدليس، =","vol":"4","page":510},{"text":"لا يجب إلا إذا تلى فيها القرآن، أ. هـ، قاله شارح الإلمام.\nتنبيه: قوله: \"فاستمع وأنصت\" كذا هو في أكثر نسخ مسلم، ووقع في بعض الأصول المعتدة \"انتصت\" بزيادة مثناة من فوق؛ قال القاضي عياض (^١): وهو وهم؛ وقال النووي (^٢) (^٣): ليس وهما بل هي لغة صحيحة؛ قال الأزهري (^٤) في شرح ألفاظ المختصر: يقال أنصت وينصت وانتصت ثلاث لغات، والأصح الأول (^٥).\n_________\n= وتوفي بعد سنة (١٠٠ هـ). ينظر: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٦٣)، تاريخ دمشق (٢٥/ ٣٣٥)، تهذيب الكمال (١٤/ ٢٨)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤). ينظر: الاستذكار (٢/ ٢١)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٨٨)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٤٢).\n(^١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٥٢).\n(^٢) هو: الإمام يحيى بن شرف بن مري، العلامة، أبو زكريا، محيي الدين، النووي، الحافظ، الفقيه الشافعي، النبيل، محرر مذهب الشافعية ومهذبه، وله تصانيف عظيمة النفع؛ منها: تهذيب الأسماء واللغات، ومنهاج الطالبين، وشرح صحيح مسلم، وغير ذلك الكثير، وتوفي سنة (٦٧٦ هـ). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٩٥)، طبقات الشافعيين (١/ ٩٠٩)، طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (٢/ ١٥٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٧).\n(^٤) هو: أبو منصور، محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوح الأزهري، اللغوي، الأديب، الهروي، الشافعي، كان رأسًا في اللغة، عالمًا بالحديث، عالي الإسناد، وله من التصانيف: التهذيب في اللغة، وتفسير ألفاظ مختصر المزني، والتقريب في التفسير، وشرح شعر أبي تمام، وغير ذلك، وتوفي سنة: (٣٧٠ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥)، طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٦٣)، بغية الوعاة (١/ ١٩).\n(^٥) وانظر كلام الأزهري في كتابه الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ٧٩).","vol":"4","page":511},{"text":"قوله - ﷺ -: \"غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام\"، وروى: \"وفضل ثلاثة أيام\" وهو بنصب \"زيادة\"، و\"فضل\" على الظرف، قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام: إن الحسنة بعشرة أمثالها، فصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي هي بعشر أمثالها، يريد والله أعلم أن يغفر له ذنوب عشرة أيام وهو محمول على ما عدا الكبائر. وحضور الآدميين كما تقدم في الصلاة والوضوء؛ قال النووي (^١): وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية، قال الإمام: فيدخل فيه النصف الأخير من الجمعة الأولى والنصف الأول من الجمعة الثانية حتى يكون العدد سبعا بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة أيام فتصير عشرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢)، والله أعلم.\nتنبيه: قوله - ﷺ -: \"ومن مس الحصى فقد لغى\" أي: قد أتى لغوا من الفعل أو القول؛ وقال الهروي (^٣): يعني في الصلاة يوم الجمعة أي تكلم وقيل: لغى عن الصواب باشتغاله بالحصى فصار كالمتكلم، وفيه: النهي عن جميع ما يلهي عن الاستماع والإقبال على الله تعالى، وفيه: أن المراد بمس الحصى، هو تسوية الأرض للسجود (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.\n(^٢) شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١٢٧٤).\n(^٣) الغريبين للهروي (٥/ ١٦٩٤) وعبارته: يعني في الصلاة يوم الجمعة أي تكلم.\n(^٤) شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١٢٧٤).","vol":"4","page":512},{"text":"قال في النهاية (^١): كانوا يصلون على حصباء المسجد، ولا حائل بين وجوههم وبينها، فكانوا إذا سجدوا سووها بأيديهم فنهوا عن ذلك، لأنه فعل من غير أفعال الصلاة، والعبث فيها لا يجوز، وتبطل به إذا تكرر؛ صرح بالرخصة في المرة الأولى أصحاب السنن، ولفظهم: فإن كان لابد من مس الحصى فواحدة، أي إن كان لابد من تسوية الحصى في الصلاة فمرة واحدة لا يزاد عليها، رخص له فيها لأنها غير مكررة.\nقد تكرر حديث مس الحصى في الصلاة بمعنى حديث ابن مسعود، وسئل عن مس الحصى في الصلاة؟ فقال: \"مرة\"، وتركها خير من مائة ناقة لمقلة، المقلة: العين، يقول: تركها خير من مائة ناقة يختارها الرجل على عينه ونظره كما يريد؛ ومنه حديث ابن عمر: \"خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ ناقةٍ كلُّها أسْودُ المُقْلَةِ\" (^٢)، أَي كُلُّ واحِدٍ مِنْهَا أَسْوَدُ العَيْنِ، قاله في النهاية (^٣). ففيه: النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه: إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة (^٤).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٩٣).\n(^٢) انظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (٤/ ٢٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو، وفي الفائق (٣/ ٣٦٧) من حديث ابن عمر، وفي مجموع فيه مصنفات أبي العباس الأصم (ص ٧٧) من حديث ابن مسعود.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٤٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٧).","vol":"4","page":513},{"text":"١٠٢٦ - وَعنهُ - ﵁ -: عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ \"الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان مكفرات مَا بَينهُنَّ إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر\" رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^١).\n\n١٠٢٧ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي مَالك الأشْعَرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَينهَا وَبَين الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَة ثَلَاَثة أَيَّام وَذَلِكَ بِأَن الله ﷿ قَالَ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢).\n\n١٠٢٨ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه الله من أهل الْجنَّة من عَاد مَرِيضا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاح إِلَى الْجُمُعَة وَأعْتق رَقَبَة، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\nقوله: (وعنه). قوله - ﷺ -: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة\" الحديث، وفي آخره: \"ما اجتنبت الكبائر\"، في معنى الحديث تأويلان، أحدهما: تكفير الصغائر بشرط أن لا يكون هناك كبائر وإن كان كبائر لم يكفر شيئًا لا الصغائر ولا الكبائر؟ والثاني: وهو الأصح المختار، أنها تكفر كل\n_________\n(^١) مسلم (٢٣٣)، والترمذي (٤٩٨)، وابن ماجه (١٠٨٦)، وابن خزيمة (٣١٤)، وابن حبان (١٧٣٣)، وأحمد (١٠٢٨٥).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٣٤٥٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٣)، وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئا، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٥).\n(^٣) ابن حبان (٢٧٧١)، وأبو يعلى (١٠٤٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٩)، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٦).","vol":"4","page":514},{"text":"الذنوب الصغائر، وتقديره: يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر (^١)، قال القاضي عياض (^٢): هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى.\nفإن قيل: قد وقع في هذا الحديث هذه الألفاظ، ووقع في الصحيح غيرها مما في معناها، فإذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة، فماذا تكفر الجمعات، ورمضان وصوم عرفة كفارة سنتين، وصوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؟ فالجواب: ما أجاب به العلماء: أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفر من الصغائر كفرها، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت له به حسنات، ورفدت له به درجات، وإن صادفت كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغائر رجونا أن يخفف من الكبائر (^٣)، انتهى؛ وتقدم الكلام على شيء من ذلك في الصلاة، والله أعلم.\nقوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضا، وشهد جنازة، وراح إلى الجمعة\" الحديث؛ وأصل الروح: هو المشي إلى المساجد، وسيأتي الكلام على كل واحدة من هذه الخصال في بابها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٤/ ١٦٣).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ١٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١١٣).","vol":"4","page":515},{"text":"١٠٢٩ - وَعَن يزِيد بن أبي مَرْيَم - ﷺ -: قَالَ لَحِقَنِي عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافع - ﵁ - وَأَنا أَمْشِي إِلَى الْجُمُعَة فَقَالَ أبشر فَإِن خطاك هَذِه فِي سَبِيل الله سَمِعت أَبَا عبس يَقُول قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله فهما حرَام على النَّار، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nوَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَعِنْده قَالَ عَبَايَة أدركني أَبُو عبس وَأَنا ذَاهِب إِلَى الْجُمُعَة فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرمه الله على النَّار (^٢).\nوَفِي رِوَايَة: \"مَا اغبرت قدما عبد فِي سَبِيل الله فَتَمَسهُ النَّار\" وَلَيْسَ عِنْده قَول عَبَايَة ليزِيد (^٣).\nقوله: عن يزيد بن أبي مريم قال: لحقني عباية بن رفاعة بن رافع وأنا أمشي إلى الجمعة، فقال: أبشر، فإن خطاك هذه في سبيل الله، الحديث.\nالسبيل: اسم جنس مضاف مفيد للعموم، فيتناول الجمعة (^٤)، وسيأتي الكلام عليه في الجهاد أبسط من هذا.\nقوله: سمعت أبا عبس؛ أبو عبس: اسمه عبد الرحمن، وكان من كبار الصحابة، مشى إلى الجمعة راجلًا، وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٣٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٦).\n(^٢) البخاري (٩٠٧)، وأحمد (١٥٩٣٥)، وابن حبان (٤٦٠٥).\n(^٣) البخاري (٢٨١١).\n(^٤) الكواكب الدراري (٦/ ٢٤).","vol":"4","page":516},{"text":"انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أحببت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين (^١).\nوعباية بفتح العين: بن رفاعة بن رافع بن خديج المدني، روى عن جده وعن أبيه عن جده على خلاف في ذلك، وعن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعن أبي عبس بن جبر وابن عمر وغيرهم، وعنه: يزيد بالمثناة تحت والزاي ابن أبي مريم ويحيى بن سعيد وأبو حيان التيمي وليث وجماعة، وثقه ابن معين (^٢)، أ. هـ.\n\n١٠٣٠ - وَعَن أبي أَيُّوب الأنْصَارِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة وَمَسّ من طيب إِن كَانَ عِنْده وَلبس من أحسن ثِيَابه ثمَّ خرج حَتَّى يَأْتِي الْمَسْجِد فيركع مَا بدا لَهُ وَلم يؤذ أحدًا ثمَّ أنصت حَتَّى يُصَلِّي كَانَ كفَّارَة لما بَينهَا وَبَين الْجُمُعَة الأخْرَى رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ورواة أَحْمد ثِقَات (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب، إن كان من عنده، ولبس من أحسن ثيابه\" الحديث، في هذا الحديث فضيلة الغسل وأنه ليس\n_________\n(^١) تفسير الماوردى (٦/ ١٠)، والتفسير البسيط (٢١/ ٤٥٩) والوسيط (٤/ ٣٠٠)، وتفسير القرطبى (١٨/ ١٠٨).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩ ترجمة ٣١٤٩)، وتهذيب التهذيب (٥/ ١٣٦ ترجمة ٢٣٥) ووثقه أيضا النسائي.\n(^٣) أحمد (٢٣٥٧١)، وابن خزيمة (١٧٧٥)، قال الهيثمي (٢/ ١٧١)، رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٨).","vol":"4","page":517},{"text":"بواجب لحديث أبي هريرة المتقدم في أول الباب: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت\" (^١)، وفيه: أنه يستحب التطيب، وفيه: وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع (^٢)، والعلة: أنه يوم اجتماع ملائكة وآدميين فيغتسل لإزالة الرائحة الكريهة والتفث، ويتطيب ليذهب أذى عرقه إن كان، أو ليشم منه الملائكة والمؤمنون منه رائحة طيبة، ويستوي في استحباب الطيب كل من أراد حضور الجمعة من الرجال والنساء والصبيان والعبيد إلا النساء، فيكره لمن أرادت منهن الحضور الطيب والزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة، قاله الكمال الدميري (^٣).\nلطيفة: من تطيب يوم الجمعة، ونوى بذلك إتباع السنة وتعظيم بيت الله تعالى واحترام يوم الجمعة ودفع الأذى عن غيره بدفع الرائحة، فقد أشار إلى ذلك - ﷺ -: \"من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك؛ ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة\" (^٤)، ومثال التطيب لغير الله: أن يقصد التنعم بلذته أو التفاخر بإظهار ثروته أو التزويق للنساء\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٦).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٣٦٥).\n(^٣) انظر: النجم الوهاج (٢/ ٤٩٥) لكمال الدين الدميري، وهو في المجموع للنووي (٤/ ٥٣٨).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٩٣٣) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة مرسلا.","vol":"4","page":518},{"text":"وإحداث الفساد، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ولبس من أحسن ثيابه\" الحديث، قلت: التجمل في الصلوات كلها مندوب إليه، روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى (^١) أنه كان يلبس ثوبا جميلا في الصلاة، فسئل عن ذلك فقال: أتجمل لربي ﷿؛ قال النووي (^٢): هو الإمام البارع أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، ولد سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة، أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، قال: وكان في زمنه أربع من الصحابة: أنس بن مالك وعبد الله بن أوفى وسهل بن سعد وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحد منهم، وهو إمام أصحاب الرأي وفقيه أهل العراق، وسمع خلائق من التابعين، قال الخطيب (^٣): وهو من أهل الكوفة، نقله أبو جعفر المنصورة إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات، ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران، وقبره هناك ظاهر معروف؛ وعن عبد الله بن عمرو الرقي قال: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط وهو على الامتناع، فلما رآه كذلك خلى سبيله، وقال أبو بكر بن عياش: ضُرب أبو حنيفة على القضاء، كان كل يوم يضرب ليدخل في القضاء، ويأبى، فسجنه أمير المؤمنين، وقيل:\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢١٦).\n(^٢) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢١٦) وتاريخ بغداد (١٥/ ٤٤٤).\n(^٣) تاريخ بغداد (١٥/ ٤٤٤)، وانظر المصدر السابق.","vol":"4","page":519},{"text":"إنه قعد في القضاء يومين وبعض الثالث، فلما كان بعد يومين اشتكى فمرض ستة أيام، ثم توفي - ﵁ -؛ وقال أبو جعفر لأبي حنيفة: عمن أخذت العلم؟ قال: عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الله بن عباس، فقال أبو جعفر: بخ بخ استوفيت يا أبا حنيفَة، قاله في مجمع الأحباب (^١) وغيره، أ. هـ.\nتتمة: في مناقبه: وقال أبو نعيم (^٢): كان أبو حنيفة حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح حسن المجلس كثير الكرم حسن المواساة لإخوانه؛ وعن الفضيل بن عياض (^٣) قال: كان أبو حنيفة فقيهًا معروفًا بالفقه مشهورًا بالورع واسمع المال معروفا بالإفضال على من يطيق، صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار كثير الصصت قليل الكلام؛ وقال زافر بن سليمان (^٤): كان أبو حنيفة يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن، وصلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان يبكي حتى يرحمه جيرانه، وختم في الموضع الذي مات فيه القرآن سبعة آلاف ختمه؛ وقال ابن المبارك (^٥): صلى أبو حنيفة خمسًا وأربعين سنة الصلوات الخمس بوضوء واحد؛ وعن زائدة قال: صليت مع\n_________\n(^١) كتاب مجمع الأحباب وَهُوَ مُخْتَصر الْحِلْية لأبي نعيم فِي مجلدات ألفه الشريف مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الله الْحُسَيْنِي الوَاسِطِيّ (ت:٧٧٦ هـ).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢١٨)، والطبقات السنية في تراجم الحنفية (١/ ٢٥).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٢١٩).\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٢١٩).\n(^٥) المصدر السابق (٢/ ٢١٩).","vol":"4","page":520},{"text":"أبي حنيفة في مسجده العشاء ثم قام فافتتح الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ فلم يزل يكررها ويبكي حتى أذن المؤذن لصلاة الصبح؛ وقال علي بن عاصم: لو وزن عقل أبي حنيفة بنصف عقل أهل الأرض لرجح بهم، وقال رجل لأبي حنيفة: اتق الله! فانتفض أبو حنيفة انتفاضة رجت كيانه صُرِع واصفر لونه وطأطأ رأسه، وقال: يا أخي، نعم جزاك الله خيرًا بها كذا قل لي، ما أحوج الناس من يقول لهم مثل هذا كل وقت؛ وكان أبو حنيفة إذا سئل عن مسألة يقول: رب سلم رب سلم، وكان يقول لولا الخوف من الله ما أفتيت، وأخوف ما أخاف من الفتوى وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:\nكَفَى حَزَنًا أَنْ لا حَيَاةَ هَنِيَّةٍ ... وَلا عَمَلٌ يَرْضَى بِهِ اللهُ صَالِحٌ (^١)\nوقال عباد بن التمار (^٢): رأيت أبا حنيفة في المنام فقلت: يا أبا حنيفة، إلى ماذا صرت؟ قال: إلى سعة رحمة الله تعالى، قال: قلت: بالعلم، قال: هيهات، للعلم شروط وآفات، وقل من ينجوا منها، قلت: فبم؟ قال: بقول الناس فِيَّ مَا لَمْ أَكُنْ عَلَيْهِ، وقيل: إن أبا حنيفة رأى رب العزة ﷻ في المنام تسعة وتسعين مرة، قال: فقلت في نفسي: إن رأيته تمام المائة لأسئلنَّه:\n_________\n(^١) ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (١٢/ ٢١٥). وكذلك ذكره الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص ٣٦.\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٠٥ رقم ١٢٦٧) لابن عبد البر، ومناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه (ص ٥٢) وفيهما عباد التمار.","vol":"4","page":521},{"text":"بم ينجو الخلائق من عذاب يوم القيامة؟ قال: فرأيته ﷾، فقلت: يارب عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك، بم ينجو عبادك يوم القيامة من عذابك، فقال ﷾: مَنْ قَالَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: \"سُبْحَانَ الأبَدِيِّ الأبَدْ، سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْأَحَدْ، سُبْحَانَ الْفَرْدِ الصَّمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى مَاءٍ جَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ وَأَحْصَاهُمْ عَدَدْ، سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الرِّزْقَ وَلَمْ يَنْسَ أَحَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدْ نَجَا مِنْ عَذَابِي\" (^١).\nذكر ابن رجب في كتابه اللطائف: أن رسول الله - ﷺ - كان يلبس للخروج للعيدين أجمل ثيابه، فكان له حلة يلبسها العيدين والجمعة، ومرة كان يلبس بردين أخضرين، ومرة بردًا أحمر، وليس هذا الأحمر مصمتا (^٢) كما يظن بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن بردًا (^٣)، وإنما هو بخطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمى أحمر باعتبار ما فيه من ذلك، وقيل: وقد صح عنه من غير معارض النهي عن لبس المعصفر والأحمر، وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما، فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة\n_________\n(^١) ذكرها الدميرى في حياة الحيوان حكاية عن الإمام أحمد (١/ ٥٨)، وحكاها ابن عابدين عن النجم الغيطى رواية عن الإمام أبي حنيفة (١/ ٥١).\n(^٢) مصمتًا: الثوب المصمت: هو الذي لا يخالط لونه لون. القاموس المحيط، ص ١٩٩.\n(^٣) البُردُ: ثوب مخطط، القاموس المحيط، ص ٣٤١.","vol":"4","page":522},{"text":"الشديدة ثم يلبسه، والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهيته كراهية شديدة (^١)، أ. هـ، والله أعلم.\nيستحب للإنسان أن يتزين في يوم الجمعة بأحسن ثيابه، ويستحب للإمام أن يزيد على سائر الناس في الزينة لأنه المنظور إليه والمقتدى به، وينبغي أن يتعمم ويرتدي كما كان النبي - ﷺ - يفعل؛ وأفضل الثياب البياض لقوله - ﷺ -: \"البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم\" رواه الترمذي (^٢)، فإن لبس مصبوغا فلا بأس؛ وفي الإحياء (^٣): يكره له لبس السواد، وفي باب الأمر بالمعروف: يكره ولا يستحب؛ وقال في الأحكام السلطانية: ينبغي له لبس السواد (^٤) والظاهر أنه أراد في زمنه وهي الدولة العباسية فإنه كان شعارهم. قال النووي: والصحيح: أنه لا يلبسه إلا أن يظن ترتب مفسدة على تركه. قال الشيخ عز الدين (^٥): المواظبة على لبس السواد\n_________\n(^١) هذا كلام ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٨٧٨)، و(٤٠٦١)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجة (٣٥٦٦) من حديث ابن عباس، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (١٨٩٦)، و(٥٣٢٢)، و(٥٣٢٣) من حديث سمرة. وصحح الألباني حديثيهما في صحيح الترغيب والترهيب (٢٠٢٦)، و(٢٠٢٧).\n(^٣) الإحياء (١/ ١٨١) معناه.\n(^٤) الأحكام السلطانية (ص: ١٧١).\n(^٥) ينظر: المبسوط (١٠/ ١٩٩) تبيين الحقائق (٦/ ٢٢٨) حاشية الدسوقي (١/ ٣٨٢) منح الجليل (١/ ٤٣٦) مغني المحتاج (١/ ٥٦٣) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٤٧٥) الإقناع (١/ ٩٤) الإنصاف (١/ ٤٨٢) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٦٠) نيل الأوطار =","vol":"4","page":523},{"text":"بدعة، فإن منع أن يخطب إلا به فليفعل، قاله الكمال (^١) والله أعلم. قال شارح الإلمام: وأما لباس الخطباء السواد في الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض وإنما لبس العمامة السوداء بيانا للجواز.\nقوله - ﷺ -: \"ثم خرج حتى يأتي المسجد ثم يركع ما بدا له\"، وفيه: أن التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب؛ قال النووي (^٢): وهو مذهبنا وهو مذهب الجمهور؛ وفيه: أن النوافل المطلقة لا حد لها لقوله - ﷺ - في الحديث الآخر: \"فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ\" (^٣)؛ وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد والطبراني: \"ثم ركع ما قضي له\" (^٤)، وفي رواية: \"ما كتب له\" (^٥) أي: ما رزقه الله من\n_________\n= (٢/ ١١٧).\n(^١) النجم الوهاج للدميري (٢/ ٤٩٥).\n(^٢) شرح صحيح مسلم (٦/ ١٤٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٥٧).\n(^٤) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٨، رقم ٢١٧٧٧)، والطبراني كما في مجمع الزوائد (٢/ ١٧١) قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير عن حرب بن قيس عن أبي الدرداء وحرب لم يسمع من أبي الدرداء.\n(^٥) إسناده صحيح، أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان (٢٧٦٧). وابن خزيمة في صحيحه (١٧٦٢). وعنده: يقول أبو هريرة: وثلاثة أيام زيادة، إن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها وأخرجه أبو داود في الطهارة (٣٤٣) والبغوي في شرح السنة (١٠٦٠) وفيها: وزاد أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام. وصححه الحاكم (١/ ٨٣) ووافقه الذهبي. وانظر الحديث (٦٤٨٦، ٦٥٤٩) في مسند أبي يعلى الموصلي وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢/ ١٠٤٨).","vol":"4","page":524},{"text":"صلاة السنة.\nلطيفة جليلة فيها بشرى: وقت استجابة الدعاء: روى الطبراني في كتاب الدعاء (^١) عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ صَلَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَشْرَ رَكَعاتٍ قَبْلَ خُروجِ الإمام يَقْرأُ فِي كُلِّ رَكعَةٍ فِاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَيَقُولُ فِي آخِرهَا آمين، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عَشْرَ مَرَّاتٍ، يَقْرأُ فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكعَةٍ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحيم، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أثرِ: ذَلِكَ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلهَ إِلَا الله وَاللهُ أَكْبَر، وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَا بِالله، لَمْ يَسْأَلِ الله ﷿ عَلَى أثر ذَلِكَ شَيْئًا إِلَا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ\".\nقوله: - ﷺ -: \"ولم يؤذ أحدًا\" أي: بالتخطي، أي: وإذا حضر وقد سبقه القوم لم يتخط إلا أن يأذن له القوم، أو يجد أمامه فرجة، فله التخطي إليها بشرطين، الأول: أن يعلم أن من أمامه عند إقامة الصلاة، فإن علم أنهم يتقدمون إليها لم يجز التخطي، قاله في الشامل؛ الثاني: أن لا يتخطى إلا صفا أو صفين، فإن كان لا يصل إليها إلا بتخطي أكثر من صفين لم يجز، وطريقه أن يصبر إلى إقامة الصلاة فيأمر من أمامه بالتقدم، فإن لم يتقدموا تقدم لتقصيرهم بسد خلل الصفوف، فإن ضاق المسجد ولم يجد مكانًا يجلس فيه أمر من أمامه بالتقدم، وكذلك يأمر كل صف من أمامه بالتقدم إلى الفُرَج، فإن لم يتقدموا تخطوا وإن كانوا أكثر من صفين لتقصيرهم (^٢)، انتهى.\n_________\n(^١) الدعاء للطبراني (١٧٤٥) وأخبار الصلاة لعبد الغني المقدسي (١١٥).\n(^٢) القول التمام (ص ١٩٢).","vol":"4","page":525},{"text":"تتمة: ينهى الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيرها، عن تخطي رقاب الناس من غير ضرورة وظاهر كلام الأكثرين أنه كراهة تنزيه لا تحريم وإن كان إماما ولم يجد طريقا إلى المنبر والمحراب إلا بالتخطي لم يكره لأنه ضرورة نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب، وإن كان غير الإمام ورأى فرجة قدامهم لا يصلها إلا بالتخطي قال الأصحاب: لم يكره التخطي لأن الجالسين وراءها مفرطين بتركها وسواء وجد غيرها أم لا وسواء كانت قريبة أم بعيدة لكن يستحب إن كان له موضع غيرها أن لا يتخطى وإن لم يكن موضع وكانت قريبة بحيث لا يتخطى أكثر من رجلين ونحوهما دخلها وإن كانت بعيدة ورجا أنهم يتقدمون إليها إذا أقيمت الصلاة يستحب أن يقعد موضعه ولا يتخطى وإلا فليتخطّ (^١).\nفرع: مذهبنا أن التخطي مكروه إلا أن يكون قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره حينئذ وبهذا قال الأوزاعي وآخرون وحكى ابن المنذر كراهته مطلقا عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعيد بن المسيب وعطاء وأحمد بن حنبل، وعن مالك: كراهته، إذا جلس الإمام على المنبر ولا بأس به قبله؛ وقال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه، وعن أبي نصر: جوازه بإذنهم؛ وقال ابن المنذر (^٢): لا يجوز شيء من ذلك عندي لأن الأذى يحرم قليله وكثيره كما جاء في الحديث الصحيح قال النبي - ﷺ - لمن يراه يتخطى: \"اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ،\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٥٤٦).\n(^٢) الإشراف على مذاهب العلماء (٢/ ١١٠).","vol":"4","page":526},{"text":"وَآنَيْتَ\" (^١): (وَآنيْتَ) أي: أخرت المجيء؛ قاله في الديباجة.\nفرع: قال الشافعي (^٢): إذا قعد إنسان في الجامع في موضع الإمام، أو في طريق الناس، أمر بالقيام، أ. هـ.\nفرع آخر: لا يجوز أن يقيم الداخل رجلا من صفه لما روى الشيخان (^٣) عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه\"، ولكن يقول: \"تفسّحوا، أو توسّعوا\"، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"ثم أنصت حتى يصلي\"، وفيه: الإنصات للخطبة، قال القاضي عياض (^٤): قال الإمام مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة، أ. هـ. وليس مذهب الشافعي كذلك، وتقدم ذلك قريبا، قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور (^٥): يلزمه،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٩٠) وابن خزيمة في صحيحه (١٨١١)، والحاكم ١/ ٢٨٨ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، بهذا الإسناد. وقال الأخير: صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أبو داود في السنن (١١١٨)، والنسائي ٣/ ١٠٣، وابن الجارود في المنتقى (٢٩٤)، والطحاوي ١/ ٣٦٦، وابن حبان (٢٧٩٠)، والطبراني في الشاميين (١٩٥٣)، والبيهقي ٣/ ٢٣١ من طرق عن معاوية بن صالح، به. وانظر: المجموع (٤/ ٥٤٦ - ٥٤٧).\n(^٢) ينظر: روضة الطالبين (٢/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٣) البخاري (٦٢٦٩)، مسلم (٢١٧٧). يراجع المجموع للنووي (٤/ ٥٤٥).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٤٢).\n(^٥) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢٥٦) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٦٨) حاشية الجمل على شرح المنهج= فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب (٢/ ٢) شرح منتهى الإرادات= دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (١/ ٣٠٨).","vol":"4","page":527},{"text":"وقال النخعي والإمام أحمد وأحد قولي الشافعي (^١): لا يلزمه، واللّه أعلم.\n\n١٠٣١ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - \"من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ لبس من أحسن ثِيَابه وَمَسّ طيبا إِن كانَ عِنْده ثمَّ مَشى إِلَى الْجُمُعَة وَعَلِيهِ السكينَة وَلم يتخط أحدا وَلم يؤذه ثمَّ ركع مَا قضى لَهُ ثمَّ انْتظر حَتَّى ينْصَرف الإِمَام غفر لَهُ مَا بَين الجمعتين\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حَرْب عَن أبي الدَّرْدَاء وَلم يسمع مِنْهُ (^٢).\nقوله: وعن أبي الدرداء، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس من أحسن ثيابه ومس طيبا إن كان عنده\" تقدم الكلام على هذه الألفاظ في الحديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة\" الحديث، وفي حديث آخر: وعليه السكينة والوقار. والوقار بفتح الواو؛ وقيل: إنه والسكينة بمعنى واحد، وجمع بينهما تأكيدا، والظاهر: أن بينهما فرقا، هو أن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحوه؛ والوقار في غض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه وأمثاله، وهذا مستحب في الجمعة وغيرها لقوله - ﷺ -:\n_________\n(^١) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٨٢)\n(^٢) أحمد (٢١٧٢٩)، كما في مجمع الزوائد (٢/ ١٧١)، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير عن حرب بن قيس عن أبي الدرداء، وحرب لم يسمع من أبي الدرداء. ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٢١).","vol":"4","page":528},{"text":"\"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار\" (^١) هذا إذا لم يضق الوقت، فإن ضاق .. ففي \"الشرح\" و\"الروضة\"، لا يبعد القول بالسعي، وقال في باب الصيد والذبائح: لا يكلف في هذه الحالة زيادة على طبعه، وقال الماوردي في الإقناع: يمشي بالسكينة وإن ضاق الوقت، قاله الكمال الدميري (^٢)، واللّه أعلم.\n\n١٠٣٢ - وَعَن عَطاء الْخُرَاسَانِي - ﵁ - قَالَ كَانَ نُبَيْشَة الْهُذلِيّ - ﵁ - يحدث عَن رَسُول اللّه - ﷺ - إِن الْمُسلم إِذا اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ أقبل إِلَى الْمَسْجِد لا يُؤْذِي أحدا فَإِن لم يجد الإِمَام خرج صلى مَا بدا لَهُ وَإِن وجد الإِمَام قد خرج جلس فاستمع وأنصت حَتَّى يقْضِي الإِمَام جمعته وَكَلَامه إِن لم يغْفر لَهُ فِي جمعته تِلْكَ ذنُوبه كلهَا أَن يكون كلفَّارَة الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا، رَوَاهُ أَحْمد وَعَطَاء لم يسمع من نُبَيْشَة فِيمَا أعلم (^٣).\nقوله: وعن عطاء الخراساني؛ هو: أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح، عطاء بن أبي مسلم، واسم أبي مسلم عبد اللّه، ويقال: ميسرة الأزدي الخراساني البلخي، سكن عطاء الشام وهو مولى المهلب بن أبي صفرة؛ وعطاء من التابعين الكبار؛ روى عن معاذ بن جبل وكعب بن عجرة وابن عباس وأنس بن مالك وعبد اللّه بن السعدي مرسلًا،\n_________\n(^١) البخاري (٩٠٨)، مسلم (٦٠٢).\n(^٢) انظر: النجم الوهاج (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣).\n(^٣) أحمد (٢٠٧٢١)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧١)، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، خلا شيخ أحمد وهو ثقة. ضعّفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٢٢).","vol":"4","page":529},{"text":"وسمع ابن المسيب وابن جبير وعكرمة وأبا مسلم وأبا إدريس الخولاني وعطاء بن أبي رباح وغيرهم؛ وهو من التابعين العباد، متفق على توثيقه؛ روينا عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: \"كنا نغازي عطاء الخراساني يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً، فَإِذَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ نادى ونحن في فساطيطنا: يا عبد الرحمن بن يزيد، ويا يزيد بن يزيد، ويا هشام بن الغاز، قوموا فتوضؤا وصلوا، قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شرب الصديد ومقطعات الحديد، الوحا الوحا ثم النجاء النجاء\" (^١). النجاء بالقصر التخلص، وكذا النجاة، وقد تمد فيقال نجاء.\nقال الجوهري (^٢): نجوت من كذا نجاء ممدودا ونجاة مقصورًا، ونجوت أيضًا نجاء ممدودًا: أي أسرعت وسبقت وهو منصوب بفعل مضمر أي: أنجو النجاء، أ. هـ.\nقوله: كان نبيشة الهذلي يحدث عن رسول اللّه - ﷺ -: \"إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة\" الحديث، قال الأصحاب: يستحب مع الاغتسال للجمعة أن يتنظف بإزالة أظفار وشعر يحتاج إلى إزالتهما ووسخ ونحوه، وأن يتطيب ويدهن ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه كما تقدم، وأفضل ثيابه البيض كغيره، هذا هو المشهور، وذكر الغزالي في الإحياء: كراهة لباس السواد، وقال مثله أبو طالب المكي، وخالفهم الماوردي في الحاوي، ويجوز للإمام لبس البياض\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥ ترجمة ٤١٠). وتهذيب الكمال (٢٠/ ١٠٦).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٥٠١).","vol":"4","page":530},{"text":"والسواد، قال: وكان النبي - ﷺ - والخطباء يلبسون البياض، واعتم النبي - ﷺ - بعمامة سوداء (^١)، قال: وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعارا لهم؛ لأن الراية التي عقدت للعباس يوم فتح مكة ويوم خيبر كانت سوداء، وكانت رايات الأنصار صفرًا، قال النووي (^٢): والصحيح أنه يلبس البياض دون السواد إلا أن يغلب على ظنه ترتب مفسدة على ذلك من جهة السلطان أو غيره، قال: وهذه السنن ليست مخصوصة بالجمعة بل يستحب لكل من أراد الجمع من مجامع الناس أن يتزين ويتطيب، كذا نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، وسواء في ذلك الرجال والصبيان والعبيد إلا النساء فيكره لمن أرادت الحضور الزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة وإزالة الظفر والشعور المكروهة، واللّه أعلم (^٣)، قاله في الديباجة.\nنبيشة: هو نبيشة بن عمرو بن عوف بن عبد اللّه الهذلي أبو طريف وقيل: نبيشة الخير بن عبد اللّه، يكنى أبا طريف، سكن البصرة ومن مناقبه: أنه دخل على النبي - ﷺ - وعنده أسارى، فقال: يا رسول اللّه، إِمَّا أَنْ تُفَادِيَهُمْ، وإِمَّا أَنْ تَمُنَّ عَلَيْهِمْ، فقال: \"أَمَرْتَ بِخَيْرٍ، أَنْتَ نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ\" (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٣٥٨).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٣٨).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٣٨).\n(^٤) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٢٤) وانظر: أسد الغابة (٥/ ٢٩٤ ترجمة ٥١٩٨)، والإصابة (٦/ ٣٣١).","vol":"4","page":531},{"text":"١٠٣٣ - وَعَن سلمَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا يغْتَسل رجل يَوْم الْجُمُعَة ويتطهر مَا اسْتَطَاعَ من الطّهُور ويدهن من دهنه ويمس من طيب بَيته ثمَّ يخرج فَلَا يفرق بَين اثْنَيْنِ ثمَّ يُصَلِّي مَا كتب لَهُ ثمَّ ينصت إِذا تكلم الإِمَام إِلَا غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة الأُخْرَى، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nوَفِي رِوَايَة للنسائي مَا من رجل يتَطَهَّر يَوْم الْجُمُعَة كَمَا أَمر ثمَّ يخرج من بَيته حَتَّى يَأْتِي الْجُمُعَة وينصت حَتَّى يقْضِي صلَاته إِلَا كَانَ كَفَّارَة لما قبله من الْجُمُعَة (^٢).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن نَحْو رِوَايَة النَّسَائيّ وَقَالَ فِي آخِره إِلَّا كَانَ كَفَّارَة لما بَينه وَبَين الْجُمُعَة الأُخْرَى مَا اجْتنبت المقتلة وَذَلِكَ الدَّهْر كُله (^٣).\nوعن سلمان، تقدم الكلام على سلمان.\nقوله - ﷺ -: \"لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور\" المراد بهذا الطهور: قص الشارب وقلم الأظفار وحلق العانة ونتف الإبط وتنظيف الثياب (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٨٨٣).\n(^٢) النسائي في الكبرى (١٦٦٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٩).\n(^٣) الطبراني في الكبير (٦٠٨٩)، والنسائي في الكبرى (١٦٦٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٤)، إسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٩).\n(^٤) المفاتيح شرح المصابيح لـ الحسين بن محمود بن الحسن، مظهر الدين المظهري (٢/ ٣٢١).","vol":"4","page":532},{"text":"(قوله:) \"ويدهن من دهنه\" أي: يستعمل الدهن في شعره، وأراد الدهن الذي فيه طيب (^١) (قوله) ويمس من طيب بيته، قيد بطيب بيته ليؤذن بأن السنة أن يتخذ الطيب لنفسه ويجعل استعماله عادة له، فيدخر في البيت (^٢).\nقوله: ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، هذا كناية عن التبكير أي: عليه أن يبكر فلا يتخطى رقاب الناس (^٣)، واللّه أعلم.\nويجوز في \"يمس\" فتح الميم وضمها.\nقوله - ﷺ -: \"ثم ينصت إذا تكلم الإمام\" فيه: دليل على وجوب الإنصات والنهي عن الكلام، إنما هو في حال الخطبة؛ قال النووي (^٤): وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجمهور، وقال الإمام أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام، واللّه أعلم.\n\n١٠٣٤ - وَرُوِيَ عَن عَتيق أبي بكر الصّديق وَعَن عمرَان بن حُصيْن - ﵄ - قَالا قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كفرت عَنهُ ذنُوبه وخطاياه فَإِذا أَخذ فِي الْمَشْي كتب لَهُ بِكُل خطْوَة عشرُون حَسَنَة فَإِذا انْصَرف من الصَّلَاة أُجِيز بِعَمَل مِائَتي سنة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^٥).\n_________\n(^١) شرح المصابيح لابن الملك (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) شرح المشكاة (٤/ ١٣٧٣).\n(^٣) شرح المشكاة (٤/ ١٣٧٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٩).\n(^٥) الطبراني في الأوسط (٤٤١٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٤)، فيه الضَّحَّاكُ بْنُ حُمْرَةَ، ضعفه ابن معين والنسائي. والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٠٧، رقم ٣٠٢٠). =","vol":"4","page":533},{"text":"وَفِي الأوْسَط أَيْضا عَن أبي بكر - ﵁ -: وَحده وَقَالَ فِيهِ: كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة عمل عشْرين سنة (^١).\nقوله: وروى عن عتيقٍ أبي بكر الصديق، اسمه: عبد اللّه، وسمى عتيقا لعتاقة وجهه، والعتيق الحسن، كأنه أعتق من الذم والعيب؛ وقيل: سمى عتيقا لأن أمه كانت لا يعيش لها ولد، فنذرت إن ولد لها أن تسميه عبد الكعبة، وتتصدق به عليها، فلما عاش وشب سمى عتيقا كأنه أعتق من الموت (^٢)، وكان - ﵁ -: يسمى أيضًا عبد الكعبة إلى أن جاء الإسلام فسماه رسول اللّه - ﷺ - عبد اللّه؛ وقيل: سمى عتيقا لأن رسول اللّه - ﷺ - قال له حين الإسلام: \"أنت عتيق من النار\" (^٣)؛ وقيل: كان لأبيه ثلاثة من الولد: مُعتِق ومُعَيْتِق وعَتيق وهو أبو بكر؛ وسئل ابن معين عن اسم أم أبي بكر، فقال: أم الخير عند اسمها (^٤).\n_________\n= وأورده الدارقطني في العلل (١/ ٢٦٠، رقم ٥٣). وقال الألباني في ضعيف الترغب (٤٢٣): موضوع.\n(^١) الطبراني في الأوسط (٣٣٩٧).\n(^٢) انظر: مشارق الأنوار (٢/ ٦٦)، ومطالع الأنوار (٤/ ٣٧٥)\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٦٧٩) وقال: هذا حديث غريب وابن وهب في جامعه (١/ ١٤٤) والطبراني في الكبير (١/ ٥٣ - ٩) انظر: أسد الغابة (٣/ ٢٠٥)، والحاكم (٣/ ٤٢٤/ ٥٦١١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٢٢/ ٦٠).\n(^٤) انظر: الاستيعاب (٣/ ٩٦٣) وألقاب الصحابة (ص ٧٥) للغسانى وتاريخ دمشق (٣٠/ ٢٤). وانظر: الروض الأنف ت. السلامي (٢/ ٢٩٣).","vol":"4","page":534},{"text":"وهي أم الخير بنت صخر بن عمرو، بنت عم أبي قحافة، واسمها سلمى، وتكنى أم الخير، وهي من المبايعات؛ وَأَمّا أَبُوهُ عُثْمَانُ أَبُو قُحَافَةَ فَأُمّهُ قَيْلَةُ - بِيَاءِ بِاثْنَتَيْنِ مَنْقُوطَةٍ مِنْ أَسْفَلَ - (^١).\nقوله: وعمران بن حصين، وهو: أبو نجيد بضم النون وفتح الجيم عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي البصري، أسلم هو وأبو هريرة - ﵄ - عام خيبر سنة سبع من الهجرة؛ روى له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة وثمانون حديثا اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بتسعة، فنزل البصرة وكان قاضيها؛ استقضاه عبد اللّه بن عامر إياها ثم استعفى فأعفاه بها سنة اثنتين وخمسين؛ وكان الحسن البصري يحلف باللّه: ما قدم البصرة راكب خير لهم من عمران؛ وغزى مع رسول اللّه - ﷺ - غزوات، وبعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة؛ واختلف العلماء في والد عمران (^٢)، هل أسلم وله صحبة أم لا؟ قال ابن الجوزي في التنقيح (^٣): الصحيح أنه أسلم، ويؤيد ما قاله أن الترمذي روى في كتابه في جامع الدعوات بإسناده عن عمران بن حصين قال: قال النبي - ﷺ - لأبي: \"يا حصين! كم تعبد اليوم إلاهًا؟ \" قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: \"فأيهم تعُدُّ لرغبتك ورهبتك؟ \" قال: الذي في السماء، قال: \"يا\n_________\n(^١) انظر: نسب قريش (ص ٢٧٥)، والطبقات (ص ٣٩٦/ متمم الصحابة)، وانظر: أسد الغابة ت (٧٤٣٦)، الاستيعاب ت (٣٦٠٦)، الروض الأنف (٢/ ٣٩٤).\n(^٢) البداية والنهاية (٨/ ٢٦٦) عند قوله وفيها توفي عمران بن حصين.\n(^٣) انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي (ص ١٣٠). ونقل عنه النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦).","vol":"4","page":535},{"text":"حصين، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك\" فلما أسلم، قال: يا رسول اللّه علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: \"قل: اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي\" قال الترمذي: حديث حسن غريب (^١) (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من اغتسل يوم الجمعة كفرت عنه ذنوبه وخطاياه\" تقدم الكلام على الغسل، وتقدم الكلام أيضا على تكفير الذنوب والخطايا، وأن المراد بذلك الصغائر دون الكبائر؛ فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو عفو اللّه ﷾.\nقوله - ﷺ -: \"فإذا أخذ في المشي كتب له بكل خطوة عشرون حسنة\" تقدم الكلام على الخطوة في الصلاة.\n\n١٠٣٥ - وَعَن أَوْس بن أَوْس الثَّقَفِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من غسل يَوْم الْجُمُعَة واغتسل وَبكر وابتكر وَمَشى وَلم يركب ودنا من الإِمَام فاستمع وَلم يلغ كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة عمل سنة أجر صيامها وقيامها، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥ - ٣٦ ترجمة ٤٦٣).\n(^٢) انظر: سنن الترمذي (٣٤٨٣) والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢٣٥٥) ومسند البزار (٣٥٨٠) ومسند الروياني (٨٥) والمعجم الأوسط (١٩٨٥) والأسماء والصفات للبيهقي (٨٩٤) وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٣٤٨٣).\n(^٣) أحمد (١٦١٧٣)، وأبو داود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، والنسائي (٢٧٦٠)، وفي الكبرى (١٧٢٩)، وابن ماجه (١٠٨٧)، وابن خزيمة (١٧٥٨)، وابن حبان (٢٧٨١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٠).","vol":"4","page":536},{"text":"وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من حَدِيث ابْن عَبَّاس (^١).\nقَالَ الْخطابِيّ قَوْله ﵊: \"غسل واغتسل وَبكر وابتكر\" اخْتلف النَّاس فِي مَعْنَاهُ فَمنهمْ من ذهب إِلَى أَنه من الْكَلَام المتظاهر الَّذِي يُرَاد بِهِ التوكيد وَلم تقع الْمُخَالفَة بَين المعْنيين لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَقَالَ: أَلا ترَاهُ يَقُول فِي هَذَا الحَدِيث وَمَشى وَلم يركب ومعناهما وَاحِد وَإِلَى هَذَا ذهب الأثْرَم صَاحب أَحْمد وَقَالَ بَعضهم قَوْله غسل مَعْنَاهُ غسل الرَّأْس خَاصَّة وَذَلِكَ لِأن الْعَرَب لَهُم لمَم وشعور وَفِي غسلهَا مُؤنَة فَأَرَادَ غسل الرَّأْس من أجل ذَلِك وَإِلَى هَذَا ذهب مَكْحُول وَقَوله: واغتسل مَعْنَاهُ غسل سَائِر الْجَسَد وَزعم بَعضهم أَن قَوْله غسل مَعْنَاهُ أصَاب أَهله قبل خُرُوجه إِلَى الْجُمُعَة ليَكُون أملك لنَفسِهِ وأحفظ فِي طَرِيقه لبصره وَقَوله: وَبكر وابتكر زعم بَعضهم أَن معنى بكر أدْرك باكورة الْخطبَة وَهِي أَولهَا وَمعنى ابتكر قدم فِي الْوَقْت وَقَالَ ابْن الأنْبَارِي معنى بكر تصدق قبل خُرُوجه وَتَأَول فِي ذَلِك مَا رُوِيَ فِي الحَدِيث من قَوْله - ﷺ - باكروا بِالصَّدَقَةِ فَإِن الْبلَاء لا يتخطاها (^٢).\nوَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن خُزَيْمَة من قَالَ فِي الْخَبَر غسل واغتسل يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ مَعْنَاهُ جَامع فَأوجب الْغسْل على زَوجته أَو أمته واغتسل وَمن قَالَ\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٤١٤)، والبزار في المسند (٦٣١)، قال الهيثمي (٢/ ١٧٢)، وفيه عطاء بن عجلان وهو كذاب، قلت: قال في التقريب: متروك، بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب.\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢١٣)، وانظر ضعيف الجامع (٢٣١٧).","vol":"4","page":537},{"text":"غسل واغتسل يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ غسل رَأسه واغتسل فضل سَائِر الْجَسَد لخَبر طَاوس عَن ابْن عَبَّاس (^١).\nثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح إِلَى طَاوس قَالَ قلت لِابْنِ عَبَّاس زَعَمُوا أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ اغتسلوا يَوْم الْجُمُعَة واغسلوا رؤوسكم وَإِن لم تَكُونُوا جنبا وَمَسُّوا من الطّيب قَالَ ابْن عَبَّاس أما الطّيب فَلَا أَدْرِي وَأما الْغسْل فَنعم (^٢).\nقوله: وعن أوس بن أوس الثقفي؛ قال يحيى بن معين: أوس بن أوس، ويقال أويس بن أبي أوس وقال البخاري (^٣): أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس، وأوس بن حذيفة، الثلاثة اسم لرجل واحد، ووافقه جماعة، وخالفه بعضهم فجعلوهم ثلاثة (^٤)، نزل أوس هذا دمشق، وداره (^٥) بها في درب وقبره بها؛ روى حديثين في الجمعة: \"من غسل واغتسل\" (^٦) وحديث: \"أكثروا\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٣/ ٢٣٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٢).\n(^٢) ابن خزيمة (٣/ ١٢٩ رقم ١٧٥٩) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٩٢) وأخرجه البخاري (٨٨٥).\n(^٣) التاريخ الكبير للبخاري (١٥٣٩).\n(^٤) ممن خالفه الحافظ ابن حجر في التقريب فقال: أوس بن أوس الثقفي صحابي سكن دمشق. وأوس بن أبي أوس، واسم أبي أوس حذيفة الثقفي صحابي أيضًا، وهو غير الذي قبله على الصحيح اهـ. التقريب (٥٧٧، ٥٧٨).\n(^٥) قال ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٣٩٨): ودار أوس بن أوس في درب القبلي مما يلي سوق الدقيق.\n(^٦) وأخرجه النسائي في الكبرى (١٧٢٩)، مسند أحمد (١٦١٧٢)، وابن خزيمة (١٧٥٨) الحاكم ١/ ٢٨١ - ومن طريقه البيهقي ٣/ ٢٢٧، والحديث حسنه النووي في الخلاصة (٢/ ٧٧٥).","vol":"4","page":538},{"text":"من الصلاة علي في يوم الجمعة\" (^١) وحديثا في الصيام (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من غسل يوم الجمعة واغتسل\" الحديث، قد فسره الحافظ ﵀ (^٣)، ويروى: \"عسَّل\" بعين مهملة وبالتشديد، ومعناه: كالذي قبله، ومعنى بكَّر: أتى الصلاة في أول وقتها وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه. وأما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شيء باكورته، وابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه، وقيل معنى اللفظتين واحد، فعل وافتعل، وإنما كرر للمبالغة والتوكيد، كما قالوا جاد مجد ومنه الحديث: \"لا تزال أمتي على سنتي ما بكروا بصلاة المغرب\" (^٤) أي: أدوها أول وقتها، والحديث الآخر: \"بكروا بالصلاة في يوم الغيم\" (^٥) الحديث، أي: حافظوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٠٨٥) و(١٦٣٦) وأبو داود (١٠٤٧) و(١٥٣١)، والنسائي في المجتبى (١٣٧٤)، وفي الكبرى (١٦٦٦)، مسند أحمد (١٦١٦٢) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٧٧)، وابن خزيمة (١٧٣٣) و(١٧٣٤)، وابن حبان (٩١٠).\nوالحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود - الأم (٤/ ٢١٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٩ ترجمة ٧٩).\n(^٣) أى المنذرى.\n(^٤) أخرجه مطولًا ومختصرًا أحمد (١٧٣٢٩) و(٢٣٥٣٤) و(٢٣٥٣٥) و(٢٣٥٨٢)، والدولابى في الكنى ١/ ١٥، والطبراني (٤٠٨٣)، والحاكم ١/ ١٩٠، والبيهقي ١/ ٣٧٠ والشاشي في مسنده (١١٢٩)، والطبراني (٤٠٥٨)، والدارقطني (١٠٢١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود - الأم (٢/ ٢٩٠).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٦٩٤)، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٦٦ و٣٨١، وابن حبان (١٤٧٠)، (١٤٧٠)، وابن بطة في الإبانة (٨٨٤)، والبيهقي ١/ ٤٤٤، والخطيب في موضح أوهام =","vol":"4","page":539},{"text":"عليها وقدموها، قاله في النهاية (^١)، وقوله في آخره: وزعم بعضهم أن قوله: \"غسل\" معناه: أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة ليكون أملك لنفسه وأحفظ في طريقه لبصره (^٢)؛ وقال بعضهم: والحكمة في المجامعة أن يذهب غاضا بصره إلى الجامع لانكسار شهوته بجماع أهله (^٣)، فصلوات اللّه على من أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم.\nقوله - ﷺ -: \"بكر وابتكر\" قد فسره الحافظ (^٤) ﵀: فمنهم من ذهب إلى أنه من الكلام المظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين. وقال ألا تراه يقول في هذا الحديث ومشى ولم يركب ومعناهما واحد، وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد وقيل: أول بدعة ظهرت: ترك التبكير إلى الجامع يوم الجمعة غير أنه يستثنى من ذلك الإمام، فلا يستحب له التبكير بل: يأتي حين يصعد المنبر كما كان يفعله النبي - ﷺ - ويستثنى من له عذر من مرض ونحوه، ولا يكره له الركوب إليها، هذا في الذهاب إليها؛ أما العود منها فصرح الرافعي وغيره بأن المشي فيه لا يستحب بل يكون مخيرا فيه إذا لم يحصل من الركوب ضرر مستدلين بأن العبادة قد انقضت، والصواب: أن الذهاب كالعود\n_________\n= الجمع والتفريق ٢/ ٢٥٧، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد ٣/ ١٤٥، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٣٤٣).\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٤٨).\n(^٢) غريب الحديث (١/ ٢٨٩) لابن قتيبة، ومعالم السنن (١/ ١٠٨).\n(^٣) انظر: النهاية (٣/ ٣٦٧)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٦٠)، والمفاتيح (٢/ ٣٢٤).\n(^٤) أى المنذرى.","vol":"4","page":540},{"text":"وهو وجه حكاه شارح التعجيز، أ. هـ، قاله الكمال (^١).\nقوله: ودنا من الإمام، فاستمع الحديث، دنا من الإمام بمعنى قرب منه، والإمام هو الخطيب، فيستحب الدنو من الإمام بالإجماع ليحوز فضيلة القعود في الصفوف واستماع الخطبة جميعًا (^٢).\nوقال ابن الأنباري: معنى بكر تصدق قبل خروجه. وتأول في ذلك ما روي في الحديث من قوله - ﷺ -: \"باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها\" (^٣) الحديث (^٤)، وفي حديث آخر: \"إن لكل يوم نحسا فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة\" (^٥) فالصدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه، وكذلك الدعاء (^٦)، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: النجم الوهاج (٢/ ٤٩٢). هو كمال الدين محمد بن موسى الدميري.\n(^٢) المجموع (٤/ ٥٤٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٩ رقم ٥٦٤٣) عن علي بن أبي طالب.\nوقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن عبد الله بن محمد، وهو ضعيف.\nوأخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٥٢ - ٥٣ رقم ٣٠٨٢)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١١٣٦) عن أنس مرفوعًا. وأخرجه في الكبرى (٤/ ٣١٨ رقم) والشعب (٥/ ٥٣ رقم ٣٠٨٣) عن أنس موقوفًا. وقال البيهقي: موقوف، وكان في كتاب شيخنا أبي نصر الفامي مرفوعا، وهو وهم، وروي عن أبي يوسف القاضي، عن المختار بن فلفل مرفوعا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٢٢)، وتخريج المشكاة (١٨٨٧).\n(^٤) معالم السنن (١/ ١٠٨).\n(^٥) لم أعثر عليه مسندا وذكره السيوطى في الدر المنثور (٦/ ٧٠٧) وعزاه لابن مردويه عن علي بن أبي طالب.\n(^٦) لطائف المعارف (ص ٧٦).","vol":"4","page":541},{"text":"١٠٣٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من غسل واغتسل ودنا وابتكر واقترب واستمع كانَ لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها قيام سنة وصيامها، رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من غسل واغتسل ودنا وابتكر واستمع\" الحديث، تقدم ذكر ذلك.\n\n١٠٣٧ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ -: قَالَ عرضت الْجُمُعَة على رَسُول اللّه - ﷺ - جَاءَهُ بهَا جِبْرِيل - ﵇ - فِي كَفه كالمِرْآة الْبَيْضَاء فِي وَسطهَا كالنكتة السَّوْدَاء فَقَالَ مَا هَذَا يَا جِبْرِيل قَالَ هَذِه الْجُمُعَة يعرضهَا عَلَيْك رَبك لتكون لَك عيدا ولقومك من بعْدك وَلكم فِيهَا خير تكون أَنْت الأول وَتَكون الْيَهُود وَالنَّصَارَى من بعْدك وفيهَا سَاعَة لا يَدْعُو أحد ربه فِيهَا بِخَير هُوَ لَهُ قسم إِلَّا أعطَاهُ أَو يتَعَوَّذ من شَرّ إِلَا دفع عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ وَنحن نَدْعُوهُ فِي الآخِرَة يَوْم الْمَزِيد، الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام على أنس.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٩٥٤)، والحاكم (١/ ٢٨٢)، والبيهقي (٣/ ٢٢٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧١) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٣).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٠٨٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٤)، رجاله ثقات، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٤): حسن صحيح.","vol":"4","page":542},{"text":"قوله: عرضت الجمعة على رسول اللّه - ﷺ -، جاءه بها جبريل - ﵇ - في كفه كالمرآة البيضاء، الحديث.\nجبريل: اسم ملك يتوسط بين اللّه تعالى ورسله، واسم جبريل - ﵇ - سريانى، ومعناه: عبد الرحمن أو عبد العزيز، هكذا جاء عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا أيضًا، والموقوف أصح، وأكثر الناس على أن آخر الاسم منه هو اللّه، وهو: إيل، ذكره السهيلي (^١)، وقال غيره: قيل: هو جبر بمعنى عبد، أضيف إلى أيل بمعنى اللّه، قال النووي (^٢): قال جماعات من المفسرين وصاحب المحكم والجوهري وغيرهم من أهل اللغة في جبريل وميكائيل: إن جبريل وميكائيل: اسمان أضيفا إلى أيل وآل، قالوا: وأيل وآل اسمان للّه تعالى، وجبر وميك: معناه بالسريانية عبد، فتقديره: عبد اللّه، قال أبو علي الفارسي: هذا الذي قالوه خطأ من وجهين، أحدهما: أن أيل وآل لا يعرفان في أسماء اللّه تعالى، والثاني: أنه لو كان كذلك لم ير له وجه آخر في وجه العربية، ولكنا آخره مجرورا أبدا كعبد اللّه؛ (قال النووي) وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب، وما زعموه باطل لا أصل له (^٣)، واللّه أعلم.\nفيه تسع لغات: حكاهن ابن الأنبارى وابن الجواليقى: جبريل، وجبريل بكسر الجيم وفتحها، وجبرئل، بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام،\n_________\n(^١) الروض الأنف (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٠).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٤).","vol":"4","page":543},{"text":"وجبرائل بعدها ياء، وجبراييل بياءين بعد الألف، وجبرئيل بهمزة بعد الراء وياء، وجبرئل بكسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء، وجبرين وجبرين بفتح الجيم وكسرها، وهكذا ضبطها النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله: (في كفه كالمِرْآة الْبَيْضَاء فِي وَسطهَا كالنكتة السَّوْدَاء) والنكتة: بضم النون وبالتاء المثناة فوق هِيَ نقطة شبه الوسخ في المرآة.\nقوله - ﷺ -: \"هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا ولقومك من بعدك \"قال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي في كتابه اللطائف (^٢): للمؤمنين في الدنيا ثلاثة أعياد: عيد يتكرر كل أسبوع وعيدان يأتيان في كل عام مرة مرة من غير تكرر في السنة، فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو مرتب على إكمال الصلوات المكتوبات، فإن اللّه ﷿ فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات، وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام، فكلما كمل دور أسبوع من أيام الدنيا، واستكمل المسلمون صلواتهم فيه شرع لهم شرع في يوم استكمالهم عيد وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق، وفيه: خلق آدم وأدخل الجنة وأخرج منها، وفيه: ينتهي أمر الدنيا فتزول وتقوم الساعة؛ فالجمعة من الاجتماع على سماع الذكر والموعظة وصلاة الجمعة، وجعل ذلك لهم عيدًا، ولهذا نهي عن إفراده بالصيام؛ وفي\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٤).\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٧٥ - ٢٧٦).","vol":"4","page":544},{"text":"شهود الجمعة شبهٌ من الحج؛ وروى في الحديث: \"إنها حج المساكين\" (^١)؛ وقال سعيد بن المسيب: شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة؛ والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السبق، فأولهم كالمُهدِي بدنة ثم بقرة ثم كبشا ودجاجة ثم بيضة، وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر، كما أن الحج المبرور مكفِّر ذنوب تلك السنة إلى الجمعة الأخرى، وقد روي: \"إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام\" (^٢)، وقد روي: \"أن اللّه تعالى يغفر يوم الجمعة لكل مسلم\" (^٣)؛ وفي المسند عنه - ﷺ - أنه قال في يوم الجمعة: \"هو أفضل عند اللّه تعالى من يوم\n_________\n(^١) انظر: مسند الشهاب للقضاعي (٧٨)، معجم ابن الأعرابي (٢٣٧٨) وانظر: طرح التثريب (٣/ ١٥٩) وضعفه الالباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٦٥٩)\n(^٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٨٨)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٤٠ - ١٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٤٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (١١٢٨) وقال الألباني في الضعيفة (٢٥٦٥): موضوع.\n(^٣) أخرجه ابن الأعرابى (١٤٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٠٩ رقم ٤٨١٧) وابن عدى (٥/ ٥٨)، عن أنس بلفظ: \"إن اللّه ليس بتارك أحدا من المسلمين يوم الجمعة إلا كفر له\". قال الطبراني: لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - ﷺ - إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ. وَأَبُو عُرْوَةَ عِنْدِي: مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، وَأَبُو عَمَّارٍ زِيَادٌ النَّمَرِيُّ وقال ابن عدى: ولزياد بن أبي عمار غير ما ذكرت من الحديث، عن أنس، ولا أعرف له عن غير أنس، وأحاديثه مقدار ما يرويه لا يتابعه أحد عليها. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٦٤: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني. وقال الألباني في الضعيفة (٢٩٧): موضوع.","vol":"4","page":545},{"text":"الفطر ويوم الأضحى\" (^١) فهذا عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبات وهو أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ولكم فيها خير، تكون أنت الأول، وتكون اليهود والنصارى من بعدك\" الحديث؛ وإنما عرف النصارى بهذا الاسم؛ لأن مبدأ دينهم كان من ناصرة قرية بالشام، فاشتق اسمهم منها، كما اشتق اسم اليهود من يهود بن يعقوب - ﵇ - (^٣)، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد\"، فيوم الجمعة سيد الأيام؛ له أسماء كثيرة: يوم المزيد كما في الحديث، ويوم العيد، واليوم الأغر، واليوم الأزهر (^٤)، ويوم الزينة، ويوم الجمعة، المشهور أن سبب تسميتها جمعة: لاجتماع الناس فيها (^٥)، وتقدم ذلك في أول الباب، وقيل: لأنه جمع فيها خلق آدم (^٦)، وقيل: لأن المخلوقات اجتمع خلقها وفرغ منها يوم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٠ (١٥٥٤٨)، وابن ماجه (١٠٨٤) عن أبي لبابة. وحسنه الألباني في المشكاة (١٣٦٣) وضعفه في ضعيف الترغيب (٤٢٤).\n(^٢) ذكر هذا الكلام ابن رجب في لطائف المعارف (ص: ٢٧٥) وفي شرحه للبخاري (٢/ ٤٦٤).\n(^٣) الروض الأنف (٣/ ٣٩١).\n(^٤) جاء في حديث أبي هريرة: أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٨٣ رقم ٢٤١) بلفظ: \"أكثروا الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأزهر، فإن صلاتكم تعرض علي\". قال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٦٩: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد المنعم بن بشير الأنصاري وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٢٥٣).\n(^٥) المجموع المغيث (١/ ٣٥٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٥٤).\n(^٦) جاء ذلك من حديث سلمان: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٨)، وأحمد =","vol":"4","page":546},{"text":"الجمعة، حكاه في المشارق (^١) \"وقيل: لاجتماع آدم - ﵇ - مع حواء في الأرض، حكاه الحاكم في مستدركه؛ قال ذو النسبتين صاحب \"العلم المشهور\" (^٢)، وروى فيه حديثًا مرفوعًا، وأنا أبرأ من عهدته لأنه موضوع ونصه: أنها سميت بذلك لاجتماع آدم فيه مع حواء، يعني في الأرض (^٣)؛ وقيل: لأن قريشا كانت تجتمع فيه إلى قصي في دار الندوة، حكاه في المحكم عن ثعلب، فهذه خمسة أقوال في سبب تسميتها بيوم الجمعة؛ واعلم أن يوم الجمعة هو الاسم الذي سماه اللّه تعالى به (^٤) قال اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n= ٥/ ٤٣٩ (٢٣٧١٨) و٥/ ٤٤٠ (٢٣٧٢٩)، والمروزي في كتاب الجمعة (٤٩ و٥٠)، والبزار (٢٥٢٦)، وابن خزيمة (١٧٣٢)، والحاكم ١/ ٢٧٧ عن سلمان بلفظ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وروى الخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ٣٩٧ من حديث سلمان مرفوعًا: إِنَّمَا سُمِّيَتْ الْجُمُعَةُ لِأنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٢٢٤).\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١٥٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٥٤)، وطرح التثريب (٣/ ١٥٨).\n(^٢) هو: أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي .. ابن دحية الكلبي قال الذهبي: الشيخ العلامة المحدث الرحال المتفنن. وقال: وكان يكتب لنفسه: ذو النسبتين بين دحية والحسين. له كتب كثيرة منها: \"الْآيَات البَيِّنات فِي أَعْضَائِهِ ﵇\"، و\"مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين\"، و\"العَلَم الْمَشْهُور فِي فَضَائِل الْأيام والشهور\"، و\"خَصَائِص الْأَعْضَاء\" وَغَيرهَا من مؤلفاته المفيدة. وكتابه العلم المشهور مطبوع. وتوفي سنة: ٦٣٣ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٨٩).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٤/ ٤٠٥ رقم ٢٧٢٥)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٩١٥) عن سلمان بلفظ: هو اليوم الذي جمع الله فيه بين أبويكم. وقال البيهقي: الأول أصح يعنى لفظ: هو اليوم الذي جمع فيه أبوك أو أبويكم.\n(^٤) طرح التثريب (٣/ ٥٨ - ١٥٩).","vol":"4","page":547},{"text":"آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، وكان يسمى في الجاهلية يوم العَرُوبَة بفتح العين المهملة، قال أبو جعفر النحاس: ومعناه اليوم الْبَيِّنِ الْمُعَظَّمِ، مأخوذ من قولهم: أعرب إذا بين (^١)، أ. هـ.\nهو اسم قديم لها وكأنه ليس بعربي، يقال: يوم عروبة، ويوم العروبة، والأفصح أن يدخلها الألف واللام، وعروبًا اسم السماء السابعة، أ. هـ، قاله في النهاية (^٢)، وقيل: يوم الرحمة، قال الشاعر:\nنَفْسِي الفِدَاءُ لأقْوَامِ هُمُ خَلَطُوا ... يَوْمَ العَرُوبَةِ أَوْرادًا بأَوْرادِ (^٣)\nقال: ولم يزل يوم الجمعة معظما عند كل أهل ملة (^٤)، قال بعض العلماء: لم تعرفه الأمم المتقدمة، وأول من هدي له هذه الأمة، ومن أسمائه أيضًا: حربة، حكاه أبو جعفر النحاس، أي مرتفع عال كالحربة (^٥)، قال: وقيل من هذا اشتق المحراب، ومن أسمائه أيضًا حج المساكين سماه بعضهم بذلك (^٦)، وورد ذلك في حديث ضعيف (^٧).\n_________\n(^١) عمدة الكتاب (ص ٩٢) وصناعة الكتاب (ص ٨٠)، وطرح التثريب (٣/ ١٥٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٠٣).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٤٤٣)، والبيت قاله القطامى الأزمنة (ص ٣٦).\n(^٤) عمدة الكتاب (ص ٩٢) وصناعة الكتاب (ص ٨٠)، وطرح التثريب (٣/ ١٥٩).\n(^٥) عمدة الكتاب (ص ٩٢) وصناعة الكتاب (ص ٨٠)، وطرح التثريب (٣/ ١٥٩).\n(^٦) هو الضحاك بن مزاحم كما في أخبار مكة (١/ ٣٧٧).\n(^٧) طرح التثريب (٣/ ١٥٩). والحديث لفظه: الجمعة حج المساكين. أخرجه ابن الأعرابى (٢٣٧٨)، والقضاعى في مسند الشهاب (٧٨) عن ابن عباس. وضعفه العراقى كما في طرح التثريب والألباني في ضعيف الجامع (٢٦٥٩).","vol":"4","page":548},{"text":"سؤال: ما معنى تسميتهم بأنها حج المساكين؟ قيل: لما فيها من الاجتماع والفضيلة، وقال اللّه تعالى في الحج: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وقال في الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ﴾، وقال في الحج: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال في الجمعة ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، والحج لا يجب إلا في وقت خاص، وكذلك الجمعة، وكان الحج لا يجب إلا على المستطيع وكذلك الجمعة، ولأن الاجتماع فيها واجب كما أن الاجتماع بعرفة واجب والدعاء فيها في الخطبة واجب كما أن الدعاء بعرفة وغيرها مطلوب. واللّه أعلم.\n\n١٠٣٨ - وَعَن أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن يَوْم الْجُمُعَة سيد الأيام وَأَعْظَمهَا عِنْد اللّه وَهُوَ أعظم عِنْد اللّه من يَوْم الأضْحَى وَيَوْم الْفطر وَفِيه خمس خلال خلق اللّه فِيهِ آدم وأهبط اللّه فِيهِ آدم إِلَى الأرْض وَفِيه توفى اللّه آدم وَفِيه سَاعَة لا يسْأَل اللّه فِيهَا العَبْد شَيْئا إِلَا أعطَاهُ إِيَّاه مَا لم يسْأَل حَرَامًا وَفِيه تقوم السَّاعَة مَا من ملك مقرب وَلا سَمَاء وَلا أَرض وَلا ريَاح وَلا جبال وَلا بَحر إِلَّا وَهن يشفقن من يَوْم الْجُمُعَة، رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه بِلَفْظ وَاحِد (^١)، وَفِي إسنادهما عبد اللّه بن مُحَمَّد بن عقيل وَهُوَ مِمَّن احْتج بِهِ أَحْمد وَغَيره وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالْبَزَّار من طَرِيق عبد اللّه أَيْضا من\n_________\n(^١) أحمد (١٥٥٤٨)، وابن ماجه (١٠٨٤)، والطبراني في الكبير (٤٥١٢) والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٧٣)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٦٠): هذا إسناد حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٥).","vol":"4","page":549},{"text":"حَدِيث سعد بن عبَادَة، وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (^١).\nقوله: وعن أبي لبابة بن عبد المنذر البدري الأنصاري المدني صاحب رسول اللّه - ﷺ -، اسمه: رفاعة، قاله أحمد بن حنبل ويحيى وابن إسحاق، وقيل: بشير، قاله ابن عقبة وابن شهاب وخليفة (^٢)، قال الحاكم (^٣): يقال شهد بدرا مع رسول اللّه - ﷺ -، ويقال: رده رسول اللّه - ﷺ - حين خرج إلى بدر من الروحاء واستعمله على المدينة، وضرب له بسمهم وأجره، وكان كمن شهدها، ولهذا عده جماعة من البدريين؛ وقال أبو عمر (^٤): شهد مع النبي - ﷺ - أحدًا وما بعدها، توفي أبو لبابة في خلافة عمر - ﵁ -، قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند اللّه، وهو أعظم عند اللّه من يوم الأضحى ويوم الفطر\" الحديث؛ السيد يطلق على الفاضل والشريف والكريم والرب والمالك والحليم، ومتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم، وأصله من ساد يسود فهو سيد، فقلبت الواو ياء لأجل الياء الساكنة قبلها، ثم أدغمت (^٥)، ومثل هذه قوله - ﷺ -: \"رمضان سيد\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٠ (٢٢٤٥٧)، وابن ماجه (١٠٨٤)، والبزار في المسند (٣٧٣٨).\nوحسنه الألباني في المشكاة (١٣٦٣) وفي صحيح ابن ماجه وفي صحيح الجامع (٤٠٤٣) وضعفه في ضعيف الترغيب (٤٢٤).\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٣٢ ترجمة ٧٥٩١).\n(^٣) يعنى أبو أحمد كما في تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٣٣).\n(^٤) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٧٤٠).\n(^٥) النهاية (٢/ ٤١٨).","vol":"4","page":550},{"text":"الشهور\" (^١) وهذا الحديث جاء في معناه حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة\" (^٢) \"سيد الأيام يوم الجمعة، هو شاهد\" أى هو شهد لمن حضر صلاته، وقيل: في قوله ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ إن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، لأن الناس يشهدونه، أي: يحضرونه ويجتمعون فيه، ومنه: حديث الصلاة فإنها مشهودة، مكتوبة، أي: تشهدها الملائكة وتكتب أجرها للمصلي (^٣)، أ. هـ\nفسيد الأيام يوم الجمعة يريد به الأيام السبعة، والأيام أيضًا الوقت قال اللّه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (^٤) (^٥)، ورسول اللّه - ﷺ - سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، وللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى وهي: أن كل خير نالته أمته في الدنيا وفي الآخرة فإنما نالته على يده - ﷺ -، يجمع اللّه لأمته بين خير الدنيا والآخرة، وأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٩٦٠/ كشف الأستار)، وابن منده في مجلس من إملائه (٢٠٥)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٢٤٢ رقم ٣٣٦٤) و(٥/ ٣١٠ رقم ٣٤٧٩) عن أبي سعيد الخدرى. قال البزار: يزيد فيه لين، وقد روى عنه جماعة. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٤٠): رواه البزار، وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٧٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٧ و١٨ - ٨٥٤) عن أبي هريرة.\n(^٣) النهاية (٢/ ٥١٣).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٤٠.\n(^٥) المجموع المغيث (٣/ ٥٣٥).","vol":"4","page":551},{"text":"الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو عيدهم في الدنيا، ويوم فيه يشفعهم اللّه لطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأدنى القليل في حقه - ﷺ - أن تكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته (^١).\nلطيفة فيها بشرى: في سنن البيهقي بإسناد جيد عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ يوم الجمعة فمن صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا\" (^٢)، وقالله - ﷺ -: \"أقربكم مني في الجنة أكثركم صلاة عليّ، فأكثروا الصلاة عليّ في الليلة الغراء أو اليوم الأزهر\" (^٣)؛ قال الإمام الشافعي (^٤): الليلة الغراء: ليلة الجمعة، واليوم الأزهر يومها، قال أبو طالب المكي: وأقل ذلك ثلاثمائة مرة؛ وروى الدارقطني (^٥) عن أبي هريرة\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٣٦٤).\n(^٢) أخرجه البيهقي في سننه (٣/ ٢٤٩)، وحسّنه الألباني، انظر صحيح الجامع برقم (١٢٢٠)، وأورد له شواهد كثيرة، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٤٠٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٢٤١) والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٧٢) ومعرفة السنن والآثار (٦٦٧٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٦٩): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد المنعم بن بشير الأنصاري وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١١٠٥).\n(^٤) الأم للشافعي (١/ ٢٣٩).\n(^٥) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (ص: ٢٢٠): أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة ابْن الْمسيب قَالَ أَظُنهُ عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ حَدِيث غَرِيب، وَقَالَ ابْن النُّعْمَان حَدِيث حسن.\nوقال الألباني في الضعيفة (١/ ٣٨٢): ... إن الحديث ذكره السخاوي في مكان آخر - يعني =","vol":"4","page":552},{"text":"أن النبي - ﷺ - قال: \"من صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفر له ذنوب ثمانين سنة\" قيل: يا رسول اللّه: كيف الصلاة عليك، قال: \"يقول: اللهم صلى على عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي\" وتعقد واحدة؛ قال الشيخ أبو عبد اللّه بن النعمان (^١): أنه حديث حسن، أ. هـ، قاله الكمال (^٢). وعليه، فيستحب الإكثار من الصلاة على رسول اللّه - ﷺ - في يوم الجمعة وليلتها كما رواه أبو نعيم في الحلية عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صلى علي يوم الجمعة مائة مرة جاء يوم القيامة ومعه نور، ولو قسم ذلك النور بين الخلق كلهم لوسعهم\" (^٣) أ. هـ، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وفيه خمس خلال: خلق اللّه فيه آدم، وأهبط اللّه فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفي آدم\" الحديث، وفيه: تقوم الساعة، وفيه: أهبط آدم إلى الأرض، أي: بوعد ربه حيث قال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾\n_________\n= كتابه في القول البديع - (ص ١٤٧) من رواية الدارقطني يعني عن أبي هريرة مرفوعًا، ثم قال: وحسنه العراقي، ومن قبله أبو عبد الله بن النعمان، ويحتاج إلى نظر.\n(^١) وفي كشف الخفاء ط القدسي (١/ ١٦٧): وهو حسن كما قاله العراقي. وقاله أيضا ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٤٧٨) وكذلك الشربيني في مغني المحتاج (١/ ٥٦٥).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٤٧) وقال: غريب. وانظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/ ٤٤٦). نقل احد الإخوة في الشاملة (إرشيف أهل الحديث): قال عنه العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز: هو من كذب الكذابين.","vol":"4","page":553},{"text":"فلما سبق الوعد به حققه له في ذلك اليوم وهو فضل عظيم (^١).\nفإن قيل: فقد جعل لمحمد - ﷺ - يوم الاثنين، قلنا: يكون ذلك أيضًا فضلا مشتركا مع يوم الجمعة، ويبقى ليوم الجمعة فضله الذي أعطاه اللّه زائدا على سائر أيام الجمعة (^٢).\nقوله: \"وفيه تقوم الساعة\"، فلأن يوم القيامة أفضل الأيام فجعل اللّه قدومه في أفضل الأوقات، وكان يوما مخصوصا بالفضل خصه اللّه بصلاة الجمعة لأن اللّه تعالى جمع فيه الصلاة عبادات الملائكة كلهم، إذ منهم قائم لا يبرح في قيامه وراكع كذلك وساجد كذلك، فجمع اللّه لبني آدم عبادات الملائكة في عبادة واحدة (^٣)؛ وقد جاء في الحديث: \"إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَامَ فِي سُجُودِهِ بَاهَى اللّهُ بِهِ مَلَاِئكَتَهُ، يَقُولُ: يَا مَلاِئكَتِي، انظروا عَبْدِي، رُوحُهُ عِنْدِي، وَبَدَنُهُ فِي طَاعَتِي\" (^٤) أ. هـ.\nفأخبرنا - ﷺ - أن خلق آدم كان يوم الجمعة، وأمر اللّه تعالى الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يدخل الجنة في يوم الجمعة بعد الظهر، واستمروا ساجدين إلى العصر، فصار ذلك وقتا للصلاة، قاله الكسائي (^٥)، وصار أول\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ١٧٢) لابن العربي.\n(^٢) أحكام القرآن (٣/ ١٧٢) لابن العربي.\n(^٣) أحكام القرآن (٣/ ١٧٢ - ١٧٣) لابن العربي.\n(^٤) الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (١٢١٣) تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (٢٩٩) أمالي ابن سمعون الواعظ (٥٩) فوائد تمام (١٦٧٠) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (٩٥٣).\n(^٥) قصص الأنبياء (ص ٢٧) للكسائى.","vol":"4","page":554},{"text":"وقت إجابة الدعاء، قال الثعلبي في قصص الأنبياء (^١): وأكثر العلماء ذهبوا إلى أن المأمورين بالسجود جماعة من الملائكة لا كل الملائكة، وأول من سجد من الملائكة إسرافيل، ولذلك جوزي بولاية اللوح المحفوظ، قاله محمد بن الحسن النقاش (^٢)، وفيه: أهبط اللّه آدم يعني من الجنة، قال سُليم الرازي في الغربيين (^٣)، قال ابن عباس - ﵄ -: \"دخل أبونا آدم الجنة بعد العصر، وأهبط منها قبل غروب الشمس، وعاش أبونا آدم ألف سنة، وفي يوم الجمعة تِيب على آدم - ﵇ - (^٤)، يعني: من خطيئته، وهذا ثابت قد نطق به التنزيل الذي لا يجوز عليه التحريف والتبديل، ولكن ليس في القرآن أن ذلك كان يوم الجمعة (^٥)، وهذا من لفظ الحديث لأنه مُبين لكتاب اللّه مفسر له، وقال يحيى بن آدم: لا يحتاج مع قول النبي - ﷺ - إلى قول أحد، وإنما كان\n_________\n(^١) عرائس المجالس (ص ٣١ - ٣٢).\n(^٢) نقله ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٣٠٨). وذكره النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (٧٣) عن عبد العزيز بن هلال بلفظ: بلغني أن أول من سجد من الملائكة يعني لآدم إسرافيل فأثابه الله ﷿ أن كتب القرآن في جبهته.\n(^٣) هو: أبو الفتح سُليم بن أيوب الرازي (ت:٤٤٧ هـ)، وقد سكن الشام مرابطا محتسبا لنشر العلم والسنة والتأليف (تاريخ الإسلام ٩/ ٦٩٤). له كتاب: تقريب الغريبين اختصر فيه كتاب الغريبين (طبع في ٦ مجلدات من دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الهند) لأحمد بن محمد الهروي. الجزء الأول من هذا الكتاب مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٠١٧ تفسير، يبتدئ بحرف الهمزة وينتهي بحرف الصاد (١٩٨ ورقة). انظر: فهرسة ابن خير الإشبيلي ط. دار الغرب (ص: ٢٤٥)، وفتح المغيث للسخاوي (٤/ ٢٩).\n(^٤) لم نقف عليه مسندا، ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٢٣٧).\n(^٥) التمهيد (٢٣/ ٤٠).","vol":"4","page":555},{"text":"يقال سنة النبي - ﷺ - لأبى بكر وعمر ليعلم أن النبي - ﷺ - مات وهو عليها (^١) واللّه جلت قدرته قد شرع على لسان رسوله - ﷺ - شرائع لم يبينها في كتابه منها: رجم الزاني المحصن وتحريم أكل ذي ناب من السباع وأشباه ذلك، ولذلك قال - ﷺ -: \"أوتيت الكتاب ومثله معه\" (^٢) ومعناه: من السنن التي شرعها اللّه تعالى علي معه، أ. هـ، قاله في العلم المشهور (^٣).\nفي يوم الجمعة: توفي آدم - ﵇ - وفي يوم الجمعة تقوم الساعة، الساعة: هو يوم القيامة، والساعة في الأصل: تطلق بمعنيين، أحدهما: أن يكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءا وهي مجموع اليوم والليلة؛ والثاني: أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل، يقال: جلست عندك جماعة من النهار، أي: وقتا قليلا منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة (^٤): قال الزجاج (^٥): معنى الساعة في كل القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد: أنها ساعة حقيقية يحدث فيها أمر عظيم، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة (^٦)، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: ٨٤) والفقيه والمتفقه (ص ٥٣٧).\n(^٢) أبو داود (٤٦٠٤) واحمد في المسند (١٧١٧٤) والطبراني في الشاميين (١٠٦١)، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٥٤٩، والخطيب في الفقيه والمتفقه ١/ ٨٩، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ - الألباني (ص: ١٧١).\n(^٣) العلم المشهور (١٦٣).\n(^٤) النهاية (٢/ ٤٢٢).\n(^٥) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٤٢١).\n(^٦) النهاية (٢/ ٤٢٢).","vol":"4","page":556},{"text":"لطيفة: عن كعب أنه رأى رجلا يظلم رجلا يوم الجمعة فقال: ويحك تظلم رجلا يوم القيامة، والقيامة تقوم يوم الجمعة! (^١)، ففيه من الفقه دليل على إباحة الحديث عما يكون ويأتي، وهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه ﷿ مما كان فيه عن الأنبياء الذين يجوز عليهم إدراك بعضه من جهة الرسالة، قال اللّه ﷿: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقيام الساعة من الغيب الذي لم يطلع عليه أحد، ونحن الذين ثبت عندنا بما حدثنا العدول عن نبينا أن الساعة تقوم يوم الجمعة فلم يعلم نبينا وسيدنا وشفيعنا ولا نحن أي جمعة هي، وقد سأله الروح الأمين جبريل عن الساعة بمحضر أصحابه، فقال له رسول اللّه - ﷺ -: \"ما المسئول عنها بأعلم من السائل\" (^٢) وقد قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ (^٣) وقال تعالى جل من قائل: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (^٤) (^٥) وسميت ساعة لأنها، لم تعرف العرب في المدد أقصر من الساعة، وكانت عندهم عبارة عن أقصر جزء من الزمن (^٦)، ذكره صاحب \"العلم المشهور\"، فيه: ساعة الإجابة، وسيأتي الكلام على ساعة الإجابة إن شاء اللّه تعالى قريبا.\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٢٤)، ولسان العرب (٢/ ٦٢٨)، ومجمع بحار الأنوار (٤/ ٧٩٤).\n(^٢) مسلم (٨).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.\n(^٥) التمهيد (٢٣/ ٤٠ - ٤١).\n(^٦) مطالع الأنوار (٥/ ٥٢٤).","vol":"4","page":557},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة\"، الإشفاق: الخوف، يقال: أشفقت أشفق إشفاقا، وهي اللغة العالية، وحكى ابن دريد (^١): شفقت أشفق شفقًا، قاله في النهاية (^٢)، واللّه أعلم.\n\n١٠٣٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - خير يَوْم طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق اللّه آدم وَفِيه أَدخل الْجنَّة وَفِيه أخرج مِنْهَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٣).\nوَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ مَا طلعت الشَّمْس وَلا غربت على يَوْم خير من يَوْم الْجُمُعَة هدَانَا اللّه لَهُ وضل النَّاس عَنهُ فَالنَّاس لنا فِيهِ تبع فَهُوَ لنا وَالْيَهُود يَوْم السبت وَالنَّصَارَى يَوْم الأحَد إِن فِيهِ لساعة لا يُوَافِقهَا مُؤمن يُصَلِّي يسْأَل اللّه شَيْئا إِلَا أعطَاهُ فَذكر الحَدِيث (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة\" وهذا على الإطلاق والعموم، وفيه من الفقه: دليل على أن الأيام بعضها أفضل من بعض،\n_________\n(^١) وحكاه عنه ابن منظور في لسان العرب (١٠/ ١٨٠).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٨٧).\n(^٣) مسلم (٨٥٤)، وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٨٨)، والنسائي (٣/ ٨٩)، وفي الكبرى (١٦٦٢)، وأحمد (٩٢٠٧).\n(^٤) ابن خزيمة (١٧٢٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٧).","vol":"4","page":558},{"text":"والفضائل لا تدرك بقياس ولا تعرف إلا بتوقيف من الرسول - ﷺ - (^١)، قاله في \"العلم المشهور\" (^٢).\nوقال القرطبي (^٣) في قوله - ﷺ -: \"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة\" معناه: أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت شمسه، ثم كون الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم لأن الأيام متساوية في أنفسها، وإنما يفضل بعضها بعضًا بما يختص به من أمر زائد على نفسه، ويوم الجمعة قد خص من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة يجتمع لها الناس وتتفق هِمَمُهم ودواعيهم ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم في يوم عرفة فيستجاب لبعضهم في بعض ويغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال - ﵇ -: \"الجمعة حج المساكين\" (^٤)، أي: يحصل لهم ما يحصل لأهل عرفة، ثم إن الملائكة يشهدونهم ويكتبون ثوابهم، لذلك سمي هذا اليوم: بيوم مشهود، ثم تحصل لقلوب العارفين فيه من الألطاف، والزيادات بحسب ما يدركونه من ذلك، ولذلك سمى بيوم المزيد، ثم إن اللّه تعالى قد خصه بالساعة التي فيه، وخصه بأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة، وهي خلق آدم الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياء والأولياء والصالحون، ومنها: إخراجه\n_________\n(^١) هذا كلام ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٨).\n(^٢) العلم المشهور (١٦٣).\n(^٣) المفهم (٢/ ٤٨٩ - ٤٩١).\n(^٤) سبق تخريجه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٥٩).","vol":"4","page":559},{"text":"من الجنة الذي حصل عند إظهار معرفة الله تعالى وعبادته في هذا النوع الآدمي؛ ومنها: توبة الله عليه التي بها ظهر لطفه تعالى ورحمته لهذا النوع الآدمي مع إجترامه ومخالفته؛ ومنها: موته الذي وصل به إلى مأمنه ورجع إلى المستقر الذي خرج منه، ومن فهم هذه المعاني فهم فضيلة هذا اليوم وخصوصيته بذلك فحافظ عليه وبادر إليه (^١)، أ. هـ، قاله في الديباجة (^٢).\nقوله: \"فيه خلق آدم\"، فأخبرنا - ﷺ - أن خلق آدم كان يوم الجمعة يعني جمع فيه خلقه ونفخ فيه الروح، وهذا فَضْلٌ بَيِّن.\nقوله: \"وفيه دخل الجنة، وفيه الخروج منها\" الحديث.\nفائدة: وكان خروج آدم من الجنة خروج كرامة لا خروج طرد وندامة، أخرجه الله تعالى ليجعله خليفة في الأرض كما وعده لقوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقيل: إخراجه ليميز من أولاده الخبيث من الطيب، فإنهم لو ولدوا كلهم في الجنة لم يخرج منها أحد، واللّه أعلم.\nقال القاضي عياض (^٣) رحمه اللّه تعالى: الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست لذكر فضيلة يوم الجمعة لأن إخراج آدم - ﵇ - وقيام الساعة لا يُعَدُ فضيلة، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة اللّه، ودفع نقمه، هذا كلام القاضي.\n_________\n(^١) هذا كله كلام القرطبى في المفهم (٢/ ٤٩٠ - ٤٩١).\n(^٢) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لم يطبع.\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٤٧)","vol":"4","page":560},{"text":"وقال أبو بكر بن العربي في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي (^١): الجميع من الفضائل وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية، وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء والصالحين والأنبياء، ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أوطار ثم يعود إليها، وأما قيام الساعة فسبب لتعجيل جزاء الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار كرامتهم وشرفهم؛ لأن قيام الساعة وهو يوم القيامة أفضل الأيام فجعل اللّه قدومه من أفضل الأوقات، وكان يومًا مخصوصًا بالفضل، خصه اللّه تعالى لأن اللّه تعالى جمع في الصلاة عبادات الملائكة كلهم إذ منهم قائم لا يبرح في قيامه وراكع كذلك وساجد كذلك، فجمع اللّه تعالى لبني آدم عبادات الملائكة في عبادة واحدة، وقد جاء في الحديث: \"إذا نام في سجوده باهى اللّه به ملائكته فيقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي روحه عندي وبدنه في طاعتي\" (^٢) أ. هـ.\nوفي هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة ومزيته على سائر الأيام، وفيه: دليل لمسألة غريبة حسنة، وهي: لو قال لزوجته أنت طالق في أفضل الأيام، وفيه: وجهان لأصحابنا، أصحهما: تطلق يوم عرفة، والثاني: يوم الجمعة، لهذا الحديث؛ وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إذا أراد أفضل أيام السنة فيتعين يوم عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع فيتعين الجمعة، ولو قال: أفضل ليلة\n_________\n(^١) انظر: (٢/ ٢٥)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٢).\n(^٢) سبق تخريجه. وقال ابن العربي في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (١/ ١٣٧): وهذا ضعيف لا أصل له، وذكر هذا الكلام أيضًا في أحكام القرآن (٣/ ١٧٣).","vol":"4","page":561},{"text":"تعينت ليلة القدر، وهي عند أصحابنا والجمهور منحصرة في العشر الأواخر من لثمهر رمضان، فإن كان هذا القول قبل مضي ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان بعد مضي ليلة من العشر أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك الليلة من السنة الثانية؛ وعلى قول من يقول: هي منتقلة لا تَطْلُق إلا في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر (^١)، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ - في رواية ابن خزيمة: \"ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة\" المشهور من مذهب الإمام الشافعي (^٢): أن أفضل أيام السنة يوم عرفة، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة على أن يوم الجمعة أفضل من عامة الأيام لا أنه أفضل من كل فرد فرد، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"هدانا الله له، وضل عنه الناس، فالناس لنا فيه تبع\"، التبع: جمع التابع، كالخدم والخادم.\nقوله: \"فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد\" الحديث، اختلف العلماء في أي يوم ابتدأ اللّه ﷿، خلق السموات والأرض على ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٢).\n(^٢) ينظر: المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٧٦) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٥٣٥) حاشية الصاوي على الشرح الصغير= بلغة السالك لأقرب المسالك (١/ ٤٩٣).","vol":"4","page":562},{"text":"القول الأول: يوم السبت لما روى عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول اللّه - ﷺ - بيدي فقال: \"خلق اللّه ﷿ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم - ﵇ - بعد العصر من يوم الجمعة أخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل\"، هذا قول صحيح لا قول فيه ولا مقال، أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب القيامة والجنة والنار (^١)، و\"خُلِقَ المكروهُ يوم الثَّلاثاءِ، وخُلِقَ النُّورُ يومَ الأرْبعاء\" قال في النهاية (^٢)، أَرادَ بالمَكْرُوهِ ههنا الشرَّ لقوله \"وخلق النور يوم الأربعاء\" والنور خيرًا، وإنما سمي الشر مكروهًا لأنه ضد المحبوب، أ. هـ.\nالقول الثاني: يوم الأحد، قال ابن حبيب: قال ابن عباس (^٣) وغيره: ابتدأ اللّه ﷿ خلق الخلق يوم الأحد وفرغ منه كله يوم الجمعة، فاشتق جميع ما خلق من عظمته ومن تصاريف قدرته، كما قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (^٤) يعني: أن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٨٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٦٩).\n(^٣) انظر تاريخ الطبرى (١/ ٤٥) وهو قول ابن سلام وكعب الأحبار كما في تاريخ الطبرى (١/ ٤٤).\n(^٤) سورة الجاثية، الآية: ١٣.","vol":"4","page":563},{"text":"جميع ما خلق مبدؤه ومنشؤه منه ﷿، وما رواه ابن عباس أن اليهود سألت رسول اللّه - ﷺ - عن خلق السموات والأرض فقال: أن اللّه تعالى ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين (^١)؛ قال الطبري: هذا أولى الأقوال، واللّه أعلم.\nالقول الثالث: يوم الاثنين، قال ابن إسحاق (^٢): وهو قول أهل الإنجيل، قال ابن الجوزي (^٣): القول الأول هو الصحيح، لمكان الحديث الوارد، وكيف يقدم على حديث رسول اللّه - ﷺ - قول غيره وفرغ اللّه تعالى من جميع ما خلق في الأرض في السموات يوم الجمعة فجميع ما خلق اللّه تعالى من خلقه الذي أسكنه في أرضه وسمائه من ستة أشياء من التراب والماء والنور، فخلق الملائكة والشمس والقمر، وكل ما خلق اللّه في السموات من النور وخلق كل ما دب على الأرض أربع أو على رجلين من الثرى وخلق كل ما جار في تراب الماء وحيتانه من الماء، فلذلك سمي يوم الجمعة لأن اللّه تعالى فيه جمع خلقه وأتم فيه أمره، وكان آخر ما يخلق من خلقه آدم وزوجته حواء ﵉، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (^٤) يعني الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس\n_________\n(^١) انظر: تاريخ الطبرى (١/ ٤٥) والعظمة لأبى الشيخ (٨٧٨ و٨٧٩ و٨٨١ و٨٨٣).\n(^٢) ينظر: تاريخ الطبري (١/ ٤٤).\n(^٣) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (١/ ١٢٤).\n(^٤) سورة يونس، الآية: ٣.","vol":"4","page":564},{"text":"والجمعة، وهي من الأيام التي قال اللّه تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (^١) ثم استوي على العرش يوم الجمعة حين فرغ من خلقه كله، ثم أخذ يوم السبت في تحميده وتمجيده، أ. هـ، قاله ابن الفرات الحنفي تاريخه (^٢).\nتنبيه: فالقرآن يدل على أَن خلق الْأَشيَاء فِي ستَّة أَيَّام، وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنَّهَا فِي سَبْعَة.\nفالجواب: أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا خلق فِي ستَّة أَيَّام، وَخلق آدم من الأَرْض، وَالْأُصُول خلقت فِي سِتَّة، وآدَم كالفرع من بَعْضهَا (^٣).\nففي هذا الحديث الصحيح علوم جمة، منها: أن رسول اللّه - ﷺ - بين أن أول الأيام التي خلق فيها الخلق السبت، فآخر الأيام الستة إذا الخميس، فالجمعة سابع وهو وتر، واللّه يحب الوتر لأنه من أسمائه على ما ثبت عن رسول الله - ﷺ -، والوتر الذي لا شفع له من جنسه ولا من غير جنسه، فهدى اللّه له هذه الأمة، وكان اليهود إنما اختاروا السبت كأنهم اعتقدوه اليوم السابع، ثم زادوا في كفرهم أن الله استراح فيه، حكى ذلك عنهم جماعة منهم ابن قتيبة في المعارف (^٤)، وكذبوا، قال اللّه العظيم جل ثناؤه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٤٧.\n(^٢) ينظر: البداية والنهاية (١/ ١٦)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (١/ ١٢٤).\n(^٣) كشف المشكل (٣/ ٥٨٠).\n(^٤) المعارف (١/ ١١).","vol":"4","page":565},{"text":"لُغُوبٍ﴾ (^١) لأن أول بدء الخلق عندهم الأحد، وآخر الستة الأيام التي خلق فيها الخلق الجمعة، وهو أيضًا مذهب النصارى فاختاروا الأحد لأنه أول الأيام بزعمهم، وَقَدْ شهِدَ رسول اللّه - ﷺ - على الفريقين بإضلال اليوم (^٢)، وقد هدى الله له هذه الأمة لفضل نبيها محمد عليه أفضل الصلاة وأشرف التسليم.\nقوله ﷺ: \"إن فيه لساعة لا يوافقها مؤمن يصلي يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه\" الحديث، سيأتي الكلام على ساعة الإجابة قريبا إن شاء اللّه تعالى.\n\n١٠٤٠ - وَعَن أَوْس بن أَوْس - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق اللّه آدم وَفِيه قبض وَفِيه النفخة وَفِيه الصعقة فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ فِيهِ فَإِن صَلَاتكُمْ يَوْم الْجُمُعَة معروضة عَليّ قَالُوا وَكَيف تعرض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقد أرمت أَي بليت فَقَالَ إِن اللّه ﷿ وَعلا حرم على الأرْض أَن تَأْكُل أجسامنا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم وَله عِلّة دقيقة امتاز إِلَيْهَا البُخَارِيّ وَغَيره لَيْسَ هَذَا موضعهَا وَقد جمعت طرقه فِي جُزْء (^٣).\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٣٨.\n(^٢) انظر الروض الأنف (٤/ ٥٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي في الكبرى (١٦٦٦)، وابن ماجه (١٠٨٥)، وابن حبان (٩١٠)، وأحمد (١٦١٦٢)، وابن خزيمة (١٧٣٣)، والدارمي (١٦١٣)، والطبراني في الكبر (٥٨٩)، والحاكم (١/ ٢٧٨)، والبيهقي (٣/ ٢٤٨)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه أيضا الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٨).","vol":"4","page":566},{"text":"\"أرمت\": بِفَتْح الرَّاء وَسكُون الْمِيم أَي صرت رميما وَرُوِيَ أرمت بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم.\nقوله: وعن أوس بن أوس الثقفي، تقدم الكلام على أوس بن أوس قريبًا.\nقوله - ﷺ -: \"إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه: خلق آدم، وفيه: قُبض، وفيه: النفخة، وفيه: الصعقة\" فيوم الجمعة خير أيام الأسبوع.\nقوله: \"وفيه: النفخة\"، أي: النفخة الثانية.\nقوله: \"وفيه: الصعقة\" وهي: الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله (^١)، والمراد بها النفخة الأولى، وقيل: هي صعقة موسى - ﵇ -، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في كتاب البعث وأهوال القيامة.\nفيوم الجمعة خير أيام الأسبوع، وعرفة خير أيام السنة، وخص بعظائم الأمور التي منها مبدأ النوع الإنساني وتكريمه بالجنة، وإخراجه إلى دار التشريف بخطاب التكليف، قاله في حدائق الأولياء (^٢)، وروى فيه كعب الأحبار: سبعة أشياء: خلق آدم وإدخاله الجنة وإخراجه منها والتوبة عليه وقيام الساعة وبعث موسى وإخراج يوسف من السجن، ذكره في حدائق الأولياء (^٣).\nتنبيه: في يوم الجمعة سبع فضائل، أولها: أن من حضر فيه إملاك رجل مسلم كان كمن صام يوما في سبيل اللّه، واليوم بسبعمائة، ثانيها: أنه أفضل من\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٣٨٥).\n(^٢) ينظر: حدائق الأولياء لعمر بن الملقن سراج الدين (٢/ ٩٣) فصل في يوم الجمعة وفضائله.\n(^٣) حدائق الأولياء (٢/ ٩٤).","vol":"4","page":567},{"text":"يوم عرفة في وجه؛ ثالثها: أن ليلته أفضل من ليلة القدر في رواية عن أحمد؛ رابعها: أن صلاته أحب إلى ابن عباس وسعيد بن جبير من حج التطوع فيما رواه عنهما ابن عساكر بإسناده (^١)؛ خامسها: أن من مات فيه أو في ليلته وُقِيَ فتنة القبر وعذابه ولقي اللّه لا حساب عليه واعتق من النار؛ سادسها: أن من صلى فيه على رسول اللّه ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة؛ سابعها: أن فيه ساعة الإجابة، وفيها سبعة وعشرون قولًا (^٢)، وسيأتي الكلام على بعض هذه الأقوال، والحكمة في إخفاء هذه الساعة ليشتغل الناس بالعبادة في جميع يوم الجمعة رجاء أن يوافق دعاؤهم تلك الساعة كما في إخفاء ليلة القدر (^٣)، واللّه تعالى أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فأكثروا عليّ من الصلاة فيه\"، قال الشيخ تاج الدين عمر بن الفاكهانى، روى ابن وهب بسنده أن النبي - ﷺ - قال: \"من سلم عليّ عشرًا فكأنما أعتق رقبة\" (^٤)، قال: قلت: ومن أعتق رقبة أعتق اللّه بكل عضو منها\n_________\n(^١) لم أجده في التاريخ.\n(^٢) حدائق الأولياء (٢/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٣١٥).\n(^٤) ينظر: مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا (١٠٨٥). وقال القاري في شرحه للشفاء (٢/ ١٣٩): وروى ابن وهب بسند منقطع. وقد روي بلفظ: \"من سلم علي عشرًا من المسلمين فكأنما أعتق رقبة، فإن مات من يومه وجبت له الجنة\". أخرجه ابن شاهين في الترغيب (٤٨٩) والدارقطني في المؤتلف والمختلف (١/ ١٤١) عن ابن عمر. قال الدارقطني لم يسنده غير أحمد (يعنى ابن عبد الرحمن بن وهب) عن عمه، عن عمرو.","vol":"4","page":568},{"text":"عضوًا منه من النار حتى الفرج بالفرج، كما ثبت في الحديث؛ وعن أبي بكر الصديق: \"أن الصلاة على رسول اللّه - ﷺ - أمحق للذنوب من الماء البارد للنار، والسلام على النبي - ﷺ - أفضل من عتق الرقاب\" (^١).\nفإن قلت: وإنما كان أفضل من عتق الرقاب، واللّه أعلم؛ إن عتق الرقاب في مقابلة العتق من النار ودخول الجنة والسلام على النبي - ﷺ - في مقابلته سلام اللّه تعالى، وسلام اللّه تعالى أفضل من ألف حسنة.\nقوله - ﷺ -: \"فإن صلاتكم معروضة عليّ\"، ومعنى معروضة عليّ: موصلة إلى توصل الهدايا، وقد كان أشد الناس مكافأة، فماذا يكافئ، هكذا ذكره في الحدائق (^٢)، وقال صاحب \"العلم المشهور\": فهذا من شرف المصلي عليه صلوات اللّه وسلامه عليه، وإنما تعرض على روحه المقدس.\nقوله [- ﷺ -]: (وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ)، قد ضبطه الحافظ وفسره، فقال (^٣): بفتح الراء وسكون الميم أو صرت رميما، وروي (أرمت) بضم الهمزة وكسر الراء، وقال بعض العلماء: - لعله الكرماني - وَقَدْ أَرَمْتَ بِوَزْنِ ضَرَبْتَ، أَصْلُهُ أَرْمَمْتَ، فَحَذَفُوا أَحَدَ الْمِيمَيْنِ كَمَا قَالُوا\n_________\n(^١) بستان الواعظين (ص: ٣٠٦) لابن الجوزى، ونزهة المجالس ومنتخب النفائس (٢/ ٨٧) للصفوي، ولم نجده مسندًا.\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ١٩).\n(^٣) أى المنذرى.","vol":"4","page":569},{"text":"أَحَسْتُ في أَحْسَست (^١)، وقيل: يجوز أن يكون أرمت بضم الهمزة بوزن أمرت من قولهم: أَرَمِت الْإِبِلُ تَأرِمُ إِذَا تناَوَلَت العَلَف وقَلعَتْه مِنَ الْأَرْضِ (^٢) \" قُلْتُ: أَصْلُ هَذ الْكَلِمَةِ مِنْ رَمَّ الميّتُ، وأَرَمَّ إِذَا بَلِيَ. والرِّمَّةُ: العظْمُ البالِي، وَالْفِعْلُ الْمَاضِي مِنْ أَرَمَّ لِلْمُتكلِّمِ والمُخاطب أَرْمَمْتُ (^٣)، أ. هـ؛ وَحكى فِيهِ ابْن دحْيَة فتح الْهمزَة وَكسر الرَّاء من قَوْلهم أرمت الْإِبِل (^٤)، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إن اللّه ﷿ حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء\"، وفي رواية: \"حرم على الأرض أن تأكل أجسادنا\" (^٥)، وعن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لن يصلي عليّ إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها\" قال: قلت: وبعد الموت، قال: \"وبعد الموت\"، \"إن اللّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبي الله حي يرزق\" (^٦)، قال الشيخ تاج الدين عمر بن\n_________\n(^١) قاله العينى كما في شرح أبي داود (٤/ ٣٦٦) وسبقه ابن الأثير في النهاية (٢/ ٢٦٦).\n(^٢) شرح أبي داود (٤/ ٣٦٦) وانظر النهاية (٢/ ٢٦٦).\n(^٣) النهاية (٢/ ٢٦٦).\n(^٤) انظر: سلاح المؤمن في الدعاء (ص: ٤٤) وكشف المناهج (١/ ٥٠١).\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) ابن ماجه (١٦٣٧) والمزي في ترجمة زيد بن أيمن من تهذيب الكمال ١٠/ ٢٣، والحديث ضعفه الالباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١١١٦) وكذا ابن كثير كما في: الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي حكم عليها الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦٥١).\nوقال في البداية (٨/ ١٦٤): وَهَذَا مِنْ أَفْرَادِ ابْنِ مَاجَهْ ﵀. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٥٤٥): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع في موضعين: عبادة بن نسي =","vol":"4","page":570},{"text":"الفاكهى: لكن ثبت بالإجماع أن الأرض لا تعدوا على أجساد الأنبياء، زاد بعضهم: العلماء والشهداء والمؤذنين، وذكره السهيلي في شرح سيرة ابن هشام (^١)، فقال: وهي زيادة غريبة لم تقع في مسند، ذكرها أبو جعفر الداوودي في \"كتاب الناس\"، قال: والداوودي من أهل الثقة والعلم.\nوفي المسند من طريق أنس قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: الأنبياء أحياء يصلون في قبورهم (^٢) انفرد به ثابت البناني عن أنس (^٣)، والبُناني: بضم الباء منسوب إلى بنانة قبيلة معروفة، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ ثَابِتًا اُلْتُمِسَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَمَا دُفِنَ فَلَمْ يُوجَدْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَبِنْتِهِ. فَقَالَتْ كَانَ يُصَلّي فَلَمْ تَرَوْهُ لِأَنّي كُنْت أَسْمَعُهُ إذَا تَهَجّدَ بِاللّيْلِ يَقُولُ \"اللهُمّ اجْعَلْنِي مِمّنْ يُصَلّي فِي قَبْرِهِ بَعْدَ\n_________\n= روايته عن أبي الدرداء مرسلة، قاله العلائي؛ وزيد بن أيمن عن عبادة بن نسي مرسلة، قاله البخاري. ا. هـ. وعليه فتجويد المنذري سنده غير جيد. وقال العراقي: إن إسناده لا يصح. القول البديع (ص ١٦٤). راجع التنوير شرح الجامع الصغير (٢/ ٥٣٥) فيه كلام نفيس. يُنظر: [التاريخ الكبير (٣/ ٣٨٧)، جامع التحصيل (ص ٢٠٦)، تحفة التحصيل (ص ١٣٩، ٢٢٨)، إرواء الغليل (١/ ٣٥). وحياة الأنبياء للبيهقي.\n(^١) ذكره السهيلى في الروض الأنف (١/ ١١٥).\n(^٢) أخرجه البزار (٦٣٩١) و(٦٨٨٨)، وأبو يعلى (٣٤٢٥)، وتمّام في الفوائد (٥٨) والبيهقي في البعث (١ و٢). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا تابع الحسن بن قتيبة على روايته عن حماد وإنما يروى، عن أنس من حديث ثابت وغيره أن النبي - ﷺ - قال: رأيت موسى يصلي في قبره. وقال الدارقطني كما في الأطراف: تفرد به المستلم بن سعيد عن حجاج الأسود عن ثابت. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢١١: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٢١).\n(^٣) إلى هنا انتهى كلام السهيلى في الروض الأنف (١/ ١١٥).","vol":"4","page":571},{"text":"الْمَوْتِ\" (^١)؛ وفي الصحيح أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"مررت بموسى - ﷺ - وهو يصلي في قبره\" (^٢)، ذكر ذلك كله في الروض الأنف (^٣) على السيرة المذكورة.\nسؤال: ما الحكمة في أن اللّه تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وأجساد الشهداء؟ قيل: لأن التراب يمر على جسد الإنسان فيطهره، والأنبياء لا ذنوب لهم فلم يحتاجوا إلى تطهير أجسادهم بالتراب، وكذلك الشهداء، ولهذا لم يحتج الشهيد إلى الصلاة عليه لأنه مغفور له (^٤).\nحكاية تتعلق بهذا الحديث ذكرها الشيخ تقي الدين الحصني في كتابه سير السلوك (^٥): قال سفيان الثوري رحمة اللّه عليه (^٦): بينا أنا أطوف يعني بالكعبة وإذا أنا برجل لا يرفع قدما ولا يضع قدما أخرى إلا وهو يصلي على النبي - ﷺ -، فقلت له: يا هذا إنك تركت التسبيح والتهليل وأقبلت على النبي - ﷺ -، فهل عندك من هذا شيء، قال: من أنت عافاك اللّه، قلت: أنا سفيان الثوري، فقال: لولا أنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي ولا اطلعت\n_________\n(^١) هَذَا وَمَا قبله لَا يصح نقلا، وَلَا مَعَ الْعقل الصَّرِيح، إِنَّمَا هُوَ خرافات يُرَاد بهَا ربط النَّاس بالموتى، لَا بالحي القيوم.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٧٥) (١٦٥).\n(^٣) الروض الأنف (١/ ٢١٢ - ٢١٣).\n(^٤) كشف الأسرار (١٤).\n(^٥) لم نقف عليه.\n(^٦) ينظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٣٧١) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٣/ ٢٦٣) تهذيب الكمال للمزي (١١/ ١٦٧) الوافي بالوفيات (٥/ ٨٩).","vol":"4","page":572},{"text":"على سيرتي، ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت اللّه ﷿ الحرام حتى إذا كنت في بعض المنازل مرض والدي فعالجته، فلما مات اسود وجهه، فقلت: إنا للّه وإنا إليه راجعون، وغطيت وجهه ثم غلبتني عيناي فنمت، فإذا أنا برجل لم أر أجمل منه ولا أنظف ثوبًا منه ولا أطيب ريحًا منه، فدنا من والدي وكشف عن وجهه وأمرّ يده عليه فعاد وجهه أبيض، ثم ذهب، فتعلقت بثوبه، وقلت له: يا عبد اللّه، من أنت الذي من اللّه ﷿ بك عليّ وعلى والدي في دار الغربة، فقال: أما تعرفني، أنا محمد بن عبد اللّه صاحب القرآن، أما إن والدك كان مسرفا على نفسه ولكن كان كثير الصلاة عليّ، فلما نزل به ما نزل استغاث بي وأنا غياث من أكثر الصلاة علي، فانتبهت فإذا وجه والدي قد ابيض؛ فانظر وفقك اللّه ﷿ لإجلاله وتعظيمه كيف أغاث من استغاث به حتى في البرزخ (^١).\nحكاية تتعلق بحديث أوس بن أوس المذكور، قال صاحب \"العلم المشهور\": وهو كتاب جليل في فضائل الشهور، قال مؤلفه ذو النسبين: وقرأت هذا الحديث - يعني حديث أوس في فضل الجمعة وفي الصلاة على رسول اللّه - ﷺ - - بمدينة أصبهان في معجم الإمام أبي القاسم الطبراني، وعندي منه أصله في مائتين واحد وثلاثين جزءا يحتوي على ستين\n_________\n(^١) ذكره السفيري في المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية - ﷺ - من صحيح الإمام البخاري (١/ ٨٠) والسمرقندي في تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين (ص: ٤١٠). وابن الجوزي في بستان الواعظين ص: ٤٠٥ وقد ذكروها بدون إسناد، وهي غير ثابتة، وفيها محذور عقدي، فالاستغاثة بالنبي شرك، وبمثل هذه الحكاية وقع الشرك في الناس.","vol":"4","page":573},{"text":"ألف حديث وهو أكبر مسانيد الدنيا قرأته كله، وفيه هذا الحديث على الشيخ محمد بن أحمد بن نصر سبط حسين بن مندة، وقد قارب التسعين، والطبراني من طبرية الشام مجمع على حفظه وفضله وعمله وديانته وتحفظه وإتقانه ورزانته وحلمه وحسن سيرته واشتغاله بنشر ما سمعه من أحاديث رسولى اللّه - ﷺ - في المدائن والأمصار بعلو أسانيد الأخبار، ولد - ﵁ - سنة ستين ومائتين، وتوفي يوم السبت، ودفن يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وله مائة سنة، ودفن بباب جي بتيرة بجنب حُمَمَة بن أبي حُمَمَة صاحب رسول اللّه - ﷺ - (^١).\n\n١٠٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لا تطلع الشَّمْس وَلا تغرب على أفضل من يَوْم الْجُمُعَة وَمَا من دَابَّة إِلَا وَهِي تفزع يَوْم الْجُمُعَة إِلَا هذَيْن الثقلَيْن الْجِنّ وَالإِنْس رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحهمَا (^٢).\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره أطول من هَذَا وَقَالَ فِي آخِره: وَمَا من دَابَّة إِلَا وَهِي مُصِيخَةٌ يَوْم الْجُمُعَة من حِين تصبح حَتَّى تطلع الشَّمْس شفقا من السَّاعَة إِلَّا الإِنْس وَالْجِنّ (^٣).\n_________\n(^١) العلم المشهور (٥٣) والآيات البينات (ص ٢٥٩). انظر ترجمة الطبراني في سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٩).\n(^٢) ابن خزيمة (١٧٢٧)، وابن حبان (٢٧٧٠)، وأحمد (٧٦٨٧)، وعبد الرزاق (٥٥٦٣)، وعبد بن حميد (١٤٤٣)، والبغوي في شرح السنة (١٠٦٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٩).\n(^٣) أبو داود (١٠٤٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٧).","vol":"4","page":574},{"text":"\"مصيخة\": مَعْنَاهُ مستمعة مصغية تتَوَقَّع قيام السَّاعَة.\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"ولا تطلع الشمس ولا تغرب على أفضل من يوم الجمعة\" تقدم الكلام على ذلك، وفي الإحياء في فضل الجمعة (^١): يقال إن الطير والهوام يلقي بعضها بعضا في يوم الجمعة فيقول: سَلَام سَلَام، يَوْم صَالِح وهو كذلك في قوت القلوب أيضا، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَا وَهِي تَفْزَعُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، إِلَا هَذَيْنِ الثَّقَلَيْنِ، الْجِنِّ وَالإِنْسِ\" وفي رواية أبي داود (^٢) وغيره: \"وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الإنس والجن\" تقدم معنى الإشفاق أنه الخوف مسيخة بالسين ومصيخة بالصاد، معناه: مصغية مستمعة تتوقع قيام الساعة، أ. هـ.\nوقال في النهاية (^٣): يروي بالصاد وهو الأصل، ومسيخة بالسين والياء آخر الحروف، والخاء المعجمة، يقال: أصاخ وأساخ بمعنى واحد، قال في \"العلم المشهور\": والدابة: هو اسم موضوع لكل ما دب، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوع من الحيوان دون غيره، والإصاخة، أصل هذه الكلمة في اللغة الاستماع، والإصاخة في الحديث الكريم استماع حذر وإشفاق خشية\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ١٧٨). والحديث أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٦٤).\n(^٢) وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١) وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (١٠٣٠٣)، وابن حبان (٢٧٧٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٣٣).","vol":"4","page":575},{"text":"البغتة وعموم الموت الذي هو مر المذاق، وفي قوله: هذا دليل على أن الإنس والجن لا يعلمون من معنى الساعة ما يعرف غيرهم من الدواب (^١).\nقال ابن عبد البر في كتاب التمهيد (^٢): وهذا أمر تقصر عنه أفهامنا، ومن هذا الجنس من العلم لم يؤت الناس منه إلا قليلًا.\nقال ذو النسبين: وقد نظرت في كتاب اللّه العظيم وحديث رسوله محمد الكريم فلاح لي السر في تخصيص الدواب دون غيرهم، فأقول واللّه الموفق للصواب، أما إصاخة البهائم توقيا للساعة التي في يوم الجمعة كما ثبت عن رسول اللّه - ﷺ -، فإصاختها محمول على إلهام اللّه تعالى إياها في ذلك اليوم على ما جبلها عليه من توقيها لما يضرها وانقيادها لما ينفعها جبلة لا عقلا وإحساسا حيوانيًا لا إدراكا فهميا، وإليه أشار - ﷺ - بقوله في الحديث: شفقا من الساعة، والشفق الخوف، وإذا جبل اللّه ﷿ النملة على حمل قوتها وإدخاره لزمن الشتاء محاذرة من مضرة تكون فيه على أجسامها، فجبلة البهيمة على الإصاخة لمحاذرة يوم تكون فيه الساعة المؤذنة بهلاكها وهلاك العالم أقرب وأولى، وهذا شيء لا يتكرر إلا يحمل بنظره في عجائب المصنوعات، ولم يطلع على حكمة اللّه تعالى في الموجودات، ولم يدر معنى قول خالق الأرض والسموات، ومن استقرأ أحوال الحيوانات رأى حكمة اللّه تعالى فيها لما سلبها العقل جعل لها حسا تفرق به بين الضار لها والنافع\n_________\n(^١) العلم المشهور (١٦٤) والآيات البينات (ص ٢٩٤) وكلاهما لابن دحية.\n(^٢) التمهيد (٢٣/ ٤٢) والاستذكار (٢/ ٤٤).","vol":"4","page":576},{"text":"وجبلها على أشياء، وألهمها إياها لا توجد في الإنسان إلا بعد التعلم وتدقيق النظر، وقد ظهرت من البهائم الصنائع العجيبة والأفاعيل الغريبة، ولم يسلبها رب العالمين سوى العبارة عن ذلك والتلفظ به، ولو شاء أنطقها كما أنطق النملة في عهد سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام (^١).\nسؤال: ما الحكمة في إصاخة الدواب في يوم الجمعة دون الإنس والجن؟\nالجواب: وإنما لم تصخ الإنس والجن، قال بعضهم: لأجل عمارة الدنيا، وقال ذو النسبين: وإنما لم يسمع الإنس لحكمة وهو أنهم لو سمعوا صار الإيمان بالغيب مشاهدة، وذهب معنى التكليف، فتبليغ الصادق - ﷺ - ينوب عن سماعنا، وهذه معانٍ لم أسبق إليها ولا هجمت من قبله الخواطر عليه (^٢)، واللّه أعلم، أ. هـ.\n\n١٠٤٢ - وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - تحْشر الأَيَّام على هيئتها وتحشر الْجُمُعَة زهراء منيرة أَهلهَا يحفونَ بهَا كالعروس تهدى إِلَى خدرها تضيء لَهُم يَمْشُونَ فِي ضوئها ألوانهم كالثلج بَيَاضًا وريحهم كالمسك يَخُوضُونَ فِي جبال الكافور ينظر إِلَيْهِم الثَّقَلَان لا يطرقون تَعَجبا حَتَّى يدْخلُونَ الْجنَّة لا يخالطهم أحد إِلَّا المؤذنون المحتسبون، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ إِن صَحَّ هَذَا الْخَبَر فَإِن فِي النَّفس من هَذَا الإِسْنَاد شَيْئا (^٣).\n_________\n(^١) العلم المشهور (لوحة ١٦٥) والآيات البينات (ص ٢٩٥ - ٢٩٦) وكلاهما لابن دحية. وحياة الحيوان الكبرى للدميري (١/ ٢٣١).\n(^٢) المصدرين السابقين.\n(^٣) الطبراني في الكبير (٢/ ١٦٤)، وفي مسند الشاميين (١٥٥٧)، وابن خزيمية (١٧٣٠)، =","vol":"4","page":577},{"text":"قَالَ الْحَافِظ: إِسْنَاده حسن وَفِي مَتنه غرابة (^١).\nقوله: وعن أبي موسى الأشعري، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"تحشر الأيام على هيئتها وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى خدرها\" إلى قوله \"ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجبا حتى يدخلوا الجنة\" الثقلان في اللغة (^٢): هما الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض، وقيل: لشرفهما وكل شريف يقال له ثقيل، وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب (^٣)، واللّه أعلم.\n\n١٠٤٣ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ إِن اللّه ﵎ لَيْسَ بتارك أحدا من الْمُسلمين يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا غفر لَهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مَرْفُوعا فِيمَا أرى بِإِسْنَاد حسن (^٤).\n_________\n= والحاكم (١/ ٢٧٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٠٤١)، قال الهيثمي في المجمع، عن الهيثم بن حميد، عن حفص بن غيلان وقد وثقهما قوم وضعفهما آخرون، وهما محتج بهما، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٠).\n(^١) وقال الحافظ الدمياطي في المتجر الرابح (ص ١٥١): حديثٌ غريبٌ، رواه ابن خزيمة بإسنادٍ حسن.\n(^٢) ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٦٤٧) مجمل اللغة لابن فارس (ص: ١٦٠) لسان العرب (١١/ ٨٨) تاج العروس (٢٨/ ١٥٦) المعجم الوسيط (١/ ٩٨).\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٢٦٠). وانظر كذلك: معالم التنزيل (٤/ ٢٣١)، والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ١٦٩).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٤٨١٧)، وابن عدي في الكامل (٧١٣١)، قال الهيثمي (٢/ ١٦٤)، رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني. وقال الألباني في ضعيف الجامع، (١٦٥٢): موضوع.","vol":"4","page":578},{"text":"قوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه، ومن بعض مناقبه أيضا ما روى البخاري من حديث أنس - ﵁ -: قال: قالت أمي خادمك أنس، ادع له، قال: \"اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أتيته\"، قال أنس: إن مالي كثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة، وما أعلم أحدًا من رخاء العيش أصاب مثل ما أصبت، ولقد دفنت يداي هاتان مائة من ولدي، لا أقول سقطا ولا ولد ولد (^١)، قال ابن قتيبة في المعارف (^٢): ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا حتى رأى كل واحد منهم مائة ذكر من صلبه: أنس بن مالك وأبو بكرة وخليفة بن بدر؛ روى البخاري في تاريخه (^٣) عن قتادة قال: لَمَّا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ مُوَرِّق: \"ذَهَبَ اليَوْمَ نِصْفُ العِلْمِ\". قِيلَ: \"كَيْفَ ذَاكَ؟ \" قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، إِذَا خَالَفَنَا فِي الحَدِيثِ، قُلْنَا: تَعَالَ إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -. وتوفي أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين، وتوفي سعيد بن المسيب بعد بسنتين مات سنة خمس وتسعين، ومناقبه كثيرة - ﵁ -.\nقوله: في آخر حديث أنس، رواه الطبراني في الأوسط (^٤) مرفوعا فيما أرى، أرى: بضم الهمزة أي أظن.\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٣٤) مختصرا، ومسلم (٢٤٨١).\n(^٢) المعارف (١/ ٣٠٨).\n(^٣) التاريخ الكبير (٢/ ٢٨). وأخرجه الطبراني في الكبير (٧١٩) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٢٥): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"4","page":579},{"text":"١٠٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة - ﵄ - قَالا قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أضلّ اللّه ﵎ عَن الْجُمُعَة من كَانَ قبلنَا كَانَ للْيَهُود يَوْم السبت والأحد لِلنَّصَارَى فهم لنا تبع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة نَحن الآخرُونَ من أهل الدُّنْيَا والأولون يَوْم الْقِيَامَة المقضى لَهُم قبل الْخَلَائق رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَزَّار ورجالهما رجال الصَّحِيح إِلَا أَن الْبَزَّار قَالَ نَحن الآخرُونَ فِي الدُّنْيَا الأولونَ يَوْم الْقِيَامَة المغفور لَهُم قبل الْخَلَائق (^١)، وَهُوَ فِي مُسلم بِنَحْوِ اللَّفْظ الأول من حَدِيث حُذَيْفَة وَحده (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة وحذيفة، تقدم الكلام عليهما - ﵄ -.\nقوله - ﷺ -: \"أضل اللّه ﵎ عن الجمعة من كان قبلنا\". الضلال: ضد الهدى، ففيه دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْهُدَى وَالْإِضْلَالَ وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ بِإِرَادَةِ اللّهِ تَعَالَى وَهُوَ فِعْلُهُ خِلَافًا للمعتزلة.\nقوله: \"كَانَ للْيَهُود يَوْم السبت والأحد لِلنَّصَارَى فهم لنا تبع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة\"، الحديث؛ قال الكرماني (^٣): قيل معنى الاِخْتِلَاف فِيهِ أَنه فرض يَوْم للْجمع لِلْعِبَادَةِ، ووكل إِلَى اختيارهم فمالت الْيَهُود إِلَى السبت وَالنَّصَارَى إِلَى الْأَحَد، وهدانا اللّه إِلَى يَوْم الْجُمُعَة الَّذِي هُوَ أفضل الْأَيَّام، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٠٨٤)، والبزار (٦١٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠١).\n(^٢) انظر: مسلم (٨٥٦).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٤/ ١١٠).","vol":"4","page":580},{"text":"ومعنى قوله: (كان لليهود يوم السبت) أي: كان عندهم يوم السبت وللنصارى الأحد، قال القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام (^١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (^٢) أي: في تعظيمه، وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى قَالَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: تَفَرَّغُوا إلَى اللّهِ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمٍ تَعْبُدُونَهُ، وَلَا تَعْمَلُونَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا؛ فَاخْتَارُوا يَوْمَ السَّبْتِ، فَأَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْجُمُعَةِ، فَأَبَوْا إلَّا السَّبْتَ، فَجَعَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ.\nرُوِيَ أَنَّ عِيسَى أَمَرَ النَّصَارَى أَنْ يَتَّخِذُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدًا، فَقَالُوا: لَا يَكُونُ عِيدُنَا إلَّا بَعْدَ عِيدِ الْيَهُودِ، فَجَعَلُوهُ الْأَحَدَ، وقالت اليهود يوم السبت أفضل الأيام؛ لأن اللّه ﷾ فرغ من الخلق يوم الجمعة فهو يوم الراحة، وقالت النصارى أفضلها يوم الأحد، لأن اللّه ﷾ ابتدأ فيه خلق الأشياء فرد النبي - ﷺ - بقوله: \"نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أنَهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللّهُ لَهُ (^٣) \" وهذا يدل على أن كل فريق منهما عرض عليه يوم الجمعة، فاختار كل واحد ما ظهر له، وَاخْتَارَ اللهُ لَنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقِبَلِنَا خِيرَةَ رَبِّنَا لَنَا، وَعَرَفْنَا مِقْدَارَ فَضْلِهِ أ. هـ.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ١٦٨).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ١٢٤.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٦٢٤) و(٧٠٣٦)، ومسلم (٨٥٥) (٢١)، وأبو عوانة (٤/ ٤٤٥)، وابن حبان (٢٧٨٤)، والبيهقي (٣/ ١٧١)، والبغوي (١٠٤٥) عن أبي هريرة واقتصر البخاري وأبو عوانة على أوله.","vol":"4","page":581},{"text":"اختارت اليهود يوم السبت للاشتغال بالذكر والعبادة فيه لأنه يوم فراغ وقطع عمل فإن اللّه ﵎ فرغ فيه عن خلق السموات والأرض، فقالوا: ينبغي أن ينقطعن ينق الناس عن أعمالهم ويتفرغوا للعبادة والشكر، واختارت النصارى يوم الأحد أنه يوم بدء الخلق الموجب للشكر والعبادة وهدى اللّه تعالى المسلمين ووفقهم للإصابة حتى عينوا الجمعة وقالوا: إن اللّه تعالى خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يوم الجمعة فكانت العبادة فيه أولى، ولما كان يوم الجمعة مبدأ دور الإنسان، وأول أيامه كان المتعبد فيه باعتبار العبادة متبوعا، والمتعبد في اليومين اللذين بعده تابعًا، فهم لنا تبع في ذلك (^١)، واللّه أعلم، ذكره في شرح مشارق الأنوار (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة\" قال العلماء: الآخرون من أهل الدنيا بكسر الخاء معناه: الآخرون في الزمان والوجود وإعطاء الكتاب، والأولون يوم القيامة أي: بالفضل ودخول الجنة وفضل القضاء، فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم، وقد صرح بذلك في قوله في رواية مسلم، \"ونحن أول من يدخل الجنة\" (^٣)، وقال الخطابي (^٤): نحن الآخرون، يريدون في الزمان من مدة أيام الدنيا، والسابقون في الكرامة\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٣٨٤).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٥٤).\n(^٣) صحيح مسلم (٨٥٥).\n(^٤) ينظر: معالم السنن (٤/ ٣٣٦)، والكواكب الدراري (٦/ ٣).","vol":"4","page":582},{"text":"والفضل في الآخرة، قال الكرماني (^١): قال التيمي: يريد بقوله: \"نحن الآخرون السابقون\" أنه - ﷺ - خاتم النبيين، وأمته يسبقون سائر الأمم يدخلون الجنة فيوم الجمعة دخره لهذه الأمة، وهداهم لها ففضلت به على سائر الأمم، أ. هـ.\n\n١٠٤٥ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن يَوْم الْجُمُعَة وَلَيْلَة الْجُمُعَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ سَاعَة لَيْسَ فِيهَا سَاعَة إِلَّا وَللّه فِيهَا سِتّمائَة ألف عَتيق من النَّار قَالَ فخرجنا من عِنْده فَدَخَلْنَا على الْحسن فَذَكرنَا لَهُ حَدِيث ثَابت فَقَالَ سمعتة وَزَاد فِيهِ كلهم قد استوجبوا النَّار رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٢). وَالْبَيْهَقِيّ بِاخْتِصَار وَلَفظه: للّه فِي كل جُمُعَة سِتّمائَة ألف عَتيق من النَّار (^٣).\nقوله: وروى عن أنس، تقدم الكلام على أنس.\nقوله - ﷺ -: \"إن يوم الجمعة وليلة الجمعة أربعة وعشرون ساعة ليس فيها ساعة إلا وللّه فيها ستمائة عتيق من النار\" الحديث.\nفائدة: مجموع الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، قال علماء المواقيت: والساعة على قسمين، زمانية ومستوية، فأما الزمانية: فهي التي تختلف باختلاف الزمان، وإنما يختلف مقدارها ولا تختلف أعدادها، وأما الساعة المستوية فهي ثلاث من الدور، وتختلف أعدادها، ولا يختلف مقدارها، وهذه الأربعة\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٦/ ٣).\n(^٢) أبو يعلى، (٣٤٨٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٥)، عن أم عوام البصري، ولم أجد من ترجمهما، قلت: في إسناده عبد الواحد بن زيد البصري وهو متروك.\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان، (٣٠٤٢)، وقال: وفي إسناده ضعف.","vol":"4","page":583},{"text":"وعشرين ساعة وثلاثمائة وستون درجة، ومقدار إلى الدرجة بقدر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بالبسملة ستين مرة مع عدم العجلة تقريبا، وهي اتفاقية وقعت لبعضهم كما أخبر به بعض مشايخي أن لكل مرة من هذه القراءة يسمى دقيقة، وكل دقيقة ستون ثانية، يعني: تقسم الدقيقة ستين جزءًا، فكل جزء منها يسمى ثانية، والثانية: ستون ثالثة، يعني تقسم الثانية ستين جزءًا، فكل جزء منها يسمى ثالثة (^١)، وهكذا على هذا الترتيب إلى ما لا نهاية، واللّه أعلم.\n\n١٠٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - ذكر يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ فِيهَا سَاعَة لا يُوَافِقهَا عبد مُسلم وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي يسْأَل اللّه شَيْئا إِلَا أعطَاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يقللها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢).\nوَأما تعْيين السَّاعَة فقد ورد فِيهِ أَحَادِيث كثِيرَة صَحِيحَة وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهَا اخْتِلَافا كثيرا بسطته فِي غير هَذَا الْكتاب وأذكر هُنَا نبذة من الأحَادِيث الدَّالَّة لبَعض الأقْوَال.\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: أن رسول اللّه - ﷺ - ذكر يوم الجمعة فقال: \"فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل اللّه شيئًا إلا أعطاه\" وأشار بيده يقللها - الحديث؛ وفي رواية \"وهي ساعة خفية\" (^٣)، ومعنى قوله - ﷺ - \"وهو قائم\n_________\n(^١) انظر: مفتاح العلوم (ص: ٢٤٠).\n(^٢) البخاري (٩٣٥)، والنسائي (٣/ ١١٣)، وفي الكبرى (١٧٤٨)، وابن ماجه (١١٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٠)، ومسلم (٨٥٢) (١٤) بلفظ: وقَالَ بِيَدِهِ، قُلْنَا: يُقَلِّلُهَا يُزَهِّدُهَا","vol":"4","page":584},{"text":"يصلي\" قال بعض أهل اللغة كما حكاه ابن عبد البر في التمهيد (^١)، ونقله من خطه: أن قائما قد يكون بمعنى مقيما، قالوا: ومن ذاك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ يعني: مقيمًا، أي: ملازمًا ومواظبًا، ومعنى قوله: \"وهو يصلي\" أي يدعو اللّه، الصلاة في اللغة: الدعاء، قال اللّه تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، أي: ادع لهم، والمراد بقوله: \"قائم يصلي\" من ينتظر الصلاة فكأنه في الصلاة، فإنه في صلاة.\nفيه من الفقه: أن هذه الساعة أفضل من غيرها، وإذا جاز أن يكون يوم أفضل من يوم جاز أن تكون ساعة أفضل من ساعة، فيه من الفقه: دليل أن كل مشتغل بسبب من أسباب أعمال الخير فله من الثواب عليه نحو الذي له منه على اشتغاله بعمله تفضلا من اللّه ﷻ على عبده.\nوقوله: \"وأشار بيده يقللها\"، أي: أشار بيده إلى أنها ساعة لطيفة خفيفة قليلة، ومنه حديث: \"على أنك لزهيد\" والزهيد القليل والضيق، وقال في \"العلم المشهور\" لابن دحية الكلبي (^٢): \"وأشار بيده يقللها\" يزهدها، وقال في حديث آخر: \"وقال بيده، ووضع أنملته على بطن السبابة الوسطى والخنصر\" (^٣) الأنامِلُ مُنتهى المفاصلِ الأوائلِ منْ كلِّ إصبعٍ من اليدينِ والرِّجلينِ، والواحدة: انملة بفتح الميم وضمها وجهان، وقال بعض العلماء:\n_________\n(^١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٩/ ١٨).\n(^٢) العلم المشهور (لوحة ١٦٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٢٩٤).","vol":"4","page":585},{"text":"الأنملة بفتح الهمزة والميم، وضمها وفتح الهمزة، وضم الميم وكسر الهمزة، وكسر الهمزة وفتح الميم أربع لغات، أ. هـ، قال في \"العلم المشهور\" (^١): قلت: والزهيد: القليل يقال قل الرجل إذا قل ماله، فمعنى يقللها تفسير قوله يزهدها، فالحديث ثابت بإجماع، أ. هـ.\nوقال بعض العلماء (^٢): \"وقال بيده\" أي: أشار بها، ويحتمل أن يكون وضع الأنملة على الوسطى إيماء إلى أن تلك الساعة في وسط النهار، وعلى الخنصر إلى أنها في آخر النهار، ويزهدها من التزهيد وهو التقليل، أ. هـ.\nوقيل: هي مخفية في اليوم كله كليلة القدر، وقال القاضي عياض (^٣): وليس معنى هذه الأقوال أن هذا كله وقت لها بل معناه أنها تكون في أثناء ذلك الوقت لقوله - ﷺ - \"وأشار بيده يقللها\" تفسير قوله: يزهدها فالحديث ثابت بإجماع، قال الحافظ ﵀ (^٤): وقد اختلف العلماء فيها اختلافًا كثيرًا على أقوال كثيرة منتشرة غاية الانتشار، قال العراقي في شرح تقريب الأسانيد (^٥): وقد بلغت الأقوال في ساعة يوم الجمعة إلى إحدى وعشرين قولًا، وتقدم أنه بلغت إلى سبع وعشرين قولا، ذكره في حدائق الأولياء (^٦)، وتقدم ذلك قريبًا.\n_________\n(^١) العلم المشهور (لوحة ١٦٠).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٩/ ٢١٢).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٤٥).\n(^٤) فتح الباري لابن حجر (٤/ ٢٦٢).\n(^٥) طرح التثريب في شرح التقريب (٣/ ٢١٣).\n(^٦) حدائق الأولياء (٢/ ٩٤). وذكرها النووي في شرح المهذّب (٤/ ٤٢).","vol":"4","page":586},{"text":"١٠٤٧ - وَعَن أبي بردة بن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ - ﵁ -: قَالَ قَالَ لي عبد اللّه بن عمر - ﵄ - أسمعت أَبَاك يحدث عَن رَسُول اللّه - ﷺ - فِي شَأْن سَاعَة الْجُمُعَة قَالَ قلت نعم سمعته يَقُول سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول هِيَ مَا بَين أَن يجلس الإِمَام إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ يَعْنِي على الْمِنْبَر وَإِلَى هَذَا القَوْل ذهب طوائف من أهل الْعلم (^١).\nقوله: وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، بضم الباء الموحدة وسكون الراء وبالدال المهملة، اسمه: الحارث ويقال عامر، ويقال: اسمه كنيته (^٢).\nقوله: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ\" رواه مسلم وأبو داود، وقال: يعني على المنبر، أ. هـ. تقضى الصلاة: هي بالتاء المثناة فوق المضمومة، أ. هـ؛ وإلى هذ القول ذهب طوائف من أهل العلم، أ. هـ؛ وهو أصح حديث جاء فيها، وهو نص صريح وحديث صحيح فلا يعدل عنه إلى غيرها، وقد روى البيهقي (^٣) بسنده عن مسلم ﵀ أنه قال: هذا الحديث أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة وهو القول الصحيح الذي صححه النووي في الروضة، وكذا في الأذكار وشرح المهذب (^٤)، واللّه أعلم!\n_________\n(^١) مسلم (٨٥٣)، وأبو داود (١٠٤٩).\n(^٢) هو: عَامِرُ بن عَبْدِ اللِّهِ بنِ قَيْسٍ، أَبو بُرْدَةَ بن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٣) وتهذيب الكمال (٣/ ١٥٧٨).\n(^٣) في السنن الكبرى (٣/ ٢٥٠).\n(^٤) انظر: الروضة (٢/ ٤٦)، والمجموع (٤/ ٥٤٩)، والأذكار (ص ٣٠٠)، والتوضيح شرح الجامع الصحيح (٧/ ٦١٤)، وسلاح المؤمن في الدعاء (ص: ١٦٤).","vol":"4","page":587},{"text":"١٠٤٨ - وَعَن عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن فِي الْجُمُعَة سَاعَة لا يسْأَل اللّه العَبْد فِيهَا شَيْئا إِلَا آتاهُ اللّه إِيَّاه قَالُوا يَا رَسُول الله أَيَّة سَاعَة هِيَ قَالَ هِيَ حِين تُقَام الصَّلَاة إِلَى الانْصِرَاف مِنْهَا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلَاهُمَا من طَرِيق كثير بن عبد اللّه بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقَالَ الْحَافِظ: كثير بن عبد اللّه واه بِمرَّة وَقد حسن لَهُ التِّرْمِذِيّ هَذَا وَغَيره وَصحح لَهُ حَدِيثا فِي الصُّلْح فانتقد لَهُ الْحفاظ تَصْحِيحه لَهُ بل وتحسينه (^٢). وَاللّه أعلم.\nقوله: وعن عمرو بن عوف المزني هو أبو عبد اللّه عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضًا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى.\nكان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول اللّه - ﷺ -، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤٩٠)، وابن ماجه (١١٣٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٨١)، وابن قانع في الصحابة (٢/ ١٩٨) والطبراني في الكبير (١٧/ ١٤) وفي الدعاء (١٨٢) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٩٠). وقال في ضعيف الترغيب (٤٢٩): ضعيف جدًا.\n(^٢) وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣٨): حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وليس ممن يحتج به.\nوقال النووي في المجموع (٤/ ٥٥٠): رواه الترمذي وقال: حديث حسن وليس كما قال فإن مداره على كثير بن عبد اللّه وقد اتفقوا على ضعفه وترك الاحتجاج به.","vol":"4","page":588},{"text":"﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (^١). توفى في آخر خلافة معاوية. له عن النبي - ﷺ - اثنان وستون وقال البرقي جاء عنه نحوا من ثلاثين حديثا. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (^٢».\nقوله - ﷺ -: \"إن في يوم الجمعة ساعة لا يسأل اللّه فيها العبد شيئًا إلا أتاه اللّه إياه\" قالوا: يا رسول اللّه: أي ساعة هي؟ قال: \"هي حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها\" قال الحافظ: كثير بن عبد اللّه واه بمرة وقد حسن له الترمذي هذا وغيره وصحح له حديثا في الصلح فانتقد له الحفاظ تصحيحه له بل وتحسينه. قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، وليس هو ممن يحتج بحديثه (^٣).\n\n١٠٤٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ التمسوا السَّاعَة الَّتِي ترجى فِي يَوْم الْجُمُعَة بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى غيبوبة الشَّمْس رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٤).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَزَاد فِي آخِره وَهِي قدر هَذَا يَعْنِي قَبْضَة وَإِسْنَاده أصلح من إِسْنَاد التِّرْمِذِيّ (^٥).\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(^٢) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ١٦٩ و٢٦٥) وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٣ الترجمة ٤٥٦)\n(^٣) الاستذكار (٢/ ٣٨) والتمهيد (١٩/ ٢١).\n(^٤) الترمذي (٤٨٩)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٣).\n(^٥) الطبراني في الكبير (٧٤٧)، وفي الأوسط (١٣٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٦)، فيه ابن لهيعة، واختلف في الاحتجاج به، وبقية رجاله وُثِّقوا، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٣).","vol":"4","page":589},{"text":"قوله: وعن أنس، تقدم الكلام على أنس.\nقوله - ﷺ -: \"التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس\"، ورواه الطبراني (^١) وزاد: \"في آخره\" وهي قدر هذا يعني قبضة، وفي حديث عبد اللّه بن سلام عند ابن ماجه \"أو بعض ساعة\" (^٢) وذلك يدل على قصر زمانها وأنها ليست مستغرقة لما بين جلوس الإمام على المنبر وآخر الصلاة ولا لما بين العصر والمغرب بل المراد على هذين القولين وعلى جميع الأقوال أن تلك الساعة لا تخرج عن هذا الوقت وأنها لحظة لطيفة، وبهذا يقول أحمد وإسحاق، قال أحمد: أكثر الحديث أنها بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس (^٣).\n\n١٠٥٠ - وَعَن عبد الله بن سَلام - ﵁ - قَالَ: قلت وَرَسُول اللّه - ﷺ - جَالس إِنَّا لنجد فِي كتاب اللّه تَعَالَى فِي يَوْم الْجُمُعَة سَاعَة لا يُوَافِقهَا عبد مُؤمن يُصَلِّي يسْأَل اللّه بهَا شَيْئا إِلَا قضى اللّه لَهُ حَاجته قَالَ عبد اللّه فَأَشَارَ إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - أَو بعض سَاعَة فَقلت صدقت أَو بعض سَاعَة قلت أَي سَاعَة هِيَ قَالَ آخر سَاعَات النَّهَار قلت إِنَّهَا لَيست سَاعَة صَلَاة قَالَ بلَى إِن العَبْد إِذا صلى ثمَّ جلس لم يجلسه إِلَّا الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) وهو الحديث الآتي في الترغيب.\n(^٣) شرح السنة (٤/ ٢٠٩) وطرح التثريب (٣/ ٢١٦).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١١٣٩)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٨٠): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات على شرط الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٤).","vol":"4","page":590},{"text":"قوله: وعن عبد اللّه بن سلام، كان عبد اللّه بن سلام من بني إسرائيل، ومن ولد يوسف الصديق - ﵇ -، وكان منشأه بالمدينة وبلاد الحجاز، وكان - ﵁ -: فصيحًا، وقد بشره رسول اللّه - ﷺ - بالجنة، ذكر ذلك الإمامان البخاري ومسلم في المناقب (^١)، وهذا اللفظ معروف في كلامهم موجود في أشعارهم (^٢)، وسيأتي الكلام عليه مبسوطا إن شاء اللّه تعالى قوله: فأشار إليه رسول اللّه - ﷺ - أو بعض ساعة، فذكره إلى أن قال: \"آخر ساعات النهار\" الحديث، قال عبد اللّه بن سلام (^٣): هي بين العصر إلى المغرب لأنه وقت تعاقب ملائكة الليل وملائكة النهار، ووقت عرض الأعمال على اللّه تعالى فيوجب اللّه تعالى مغفرته للمصلحين من عباده، وَلِذَلِكَ شَدَّدَ رسول اللّه - ﷺ - فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ بَعْدَ الْعَصرِ (^٤).\nوقال الفقهاء: يكون فيها اللعان والقسامة (^٥)، وروي أن عبد الله لما قال بذلك، قال له أبو هريرة: ألم تسمع قول رسول اللّه - ﷺ -: \"وهو قائم يصلي\"،\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري (٣٨١٢)، صحيح مسلم (٢٤٨٣).\n(^٢) كذا هو الأصل ولعله تفسير لإشارة النبي لابن سلام تنبيها على غلطه وأنه قال له كذبت بمعنى توهمت فهذا الكلام المذكور أعلاه من تعليق ابن عبد البر على معنى كذبت في حديث عائشة انظر التمهيد (٩/ ٢٨٩).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٣٦٩) و(٢٦٧٢) و(٧٢١٢) و(٧٤٤٦)، ومسلم (١٧٣ و١٧٤ - ١٠٨) عن أبي هريرة.\n(^٥) وذلك لأن كلاهما أيمان.","vol":"4","page":591},{"text":"فقال: ألم يقل رسول اللّه - ﷺ -: \"من جلس ينتظر الصلاة فهو في الصلاة\" فقال أبو هريرة: \"بلى\" (^١)، فقال ذاك، قاله الكرماني (^٢)، واللّه أعلم.\n\n١٠٥١ - وَعَن أبي هرَيرَة - ﵁ - قَالَ قيل للنَّبِي - ﷺ - أَي شَيء يَوْم الْجُمُعَة قَالَ لِأن فِيهَا طبعت طِينَة أَبِيك آدم وفيهَا الصعقة وفيهَا الْبعْثَة وفيهَا البطشة وَفِي آخر ثَلَاث سَاعَات مِنْهَا سَاعَة من دَعَا اللّه فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَاله مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: قيل للنبي - ﷺ -: أي شيء يوم الجمعة، قال: \"قيل للنَّبِي - ﷺ - أَي شَيْء يَوْم الْجُمُعَة قَالَ: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم\"؛ آدم: هو أبو البشر - ﷺ -، كنيته: أبو البشر، ويقال: أبو محمد، خلقه اللّه ﷿ بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، واصطفاه وكرم ذريته، وعلمه جميع الأسماء، وجعله أول الأنبياء، وعلم ما لم تعلمه الملائكة المقربون وجعل من نسله الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٩١)، أحمد (١٠٣٠٣)، وابن حبان (٢٧٧٢) وصححه الألباني في صحيح أبي داود - الأم (٩٦١).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٦/ ٤٣).\n(^٣) أحمد (٨١٠٢)، قال الهيثمي (٢/ ١٦٤)، بعد ذكر رواية أخرى ... ورجالهما رجال الصحيح.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ٣٣.","vol":"4","page":592},{"text":"الآية، ثبت في صحيح مسلم عن رسول اللّه - ﷺ - عن اللّه تعالى قال: \"خلق آدم يوم الجمعة\" (^١) واشتهر في كتب الحديث والتواريخ أنه عاش ألف سنة، وتقدم ذلك، وروينا معناه في حديث مرفوع، وروينا في تاريخ دمشق (^٢) في حديث طويل عن عائشة - ﵂ - قالت: كان النبي - ﷺ - يقول: \"أَنَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِأَبِي آدَمَ - ﵇ - وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَخُلُقًا\".\nفأما اشتقاق اسمه - ﷺ -، فقال الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (^٣): قال ابن عباس - ﵁ -: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، قال: وهكذا قاله أهل اللغة فيما حكاه الزجاج، قال الزجاج (^٤): قال أهل اللغة: آدم مشتق من أديم الأرض لأنه خلق من تراب، وأديم الأرض: وجهها، قال: وقال النضر بن شميل (^٥): سمي آدم لبياضه، وهذا كله تصريح منهم بأن آدم اسم عربي مشتق، قال أبو إسحاق الزجاج (^٦): اختلفت الآيات فيما بدئ به خلق آدم، في موضع: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (^٧)، وفي موضعٍ: ﴿مِنْ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٥٤).\n(^٢) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/ ٣٦٣)، ودلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٦٤٠).\n(^٣) التفسير البسيط (٢/ ٣٤٢).\n(^٤) انظر: معاني القرآن للزجاج (١/ ٨٠) وانظر: تفسير الثعلبي (١/ ٦٣)، تفسير القرطبي (١/ ٢٤٠) زاد المسير (١/ ٦٢)، والطبري ١/ ٢١٤، وتهذيب اللغة (١/ ١٣٤)، القرطبي في تفسيره (١/ ٢٤٠).\n(^٥) لسان العرب (١٢/ ١٢).\n(^٦) انظر: معاني القرآن للزجاج (١/ ٨٠).\n(^٧) سورة آل عمران، الآية: ٥٩.","vol":"4","page":593},{"text":"﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ (^١)، وفى موضعٍ: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (^٢)، وفى موضع: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (^٣)، وهذه الأَلفاظ راجعة إِلى أَصل واحد، وهو التُّراب الذي هو أَصل الطِّين، فأعلمنا اللّه ﷿ أنه خُلِقَ من تراب جُعِلَ طينًا، ثمّ انتقل فصار كالحَمَأِ المَسْنُون، ثمّ انتقل فصار صَلْصالًا كالفخّار. ولقد أحسن الزجاج ﵀؛ قال الإمام أبو إسحاق الثعالبي (^٤) في قول اللّه ﷿ إخبارًا أن إبليس قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (^٥) قال الحكماء: أخطأ عدو اللّه في تفضيله النار على الطين لأن الطين أفضل منها من أوجه، أحدها: أنه من جوهر الطين الرزانة، والسكون، والوقار، والحلم، والأناة، والحياء، والصبر، وذلك سبب توبة آدم وتواضعه وتضرعه، فأورثه المغفرة، والاجتباء، والهداية. وجوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب، وذلك سبب استكبار إبليس فأورثه اللعنة والهلاك.\nوالثاني: أن الجنة موصوفة بأن ترابها مسك، ولم ينقل أن فيها نارًا؛ الثالث: أنها سبب العذاب بخلاف الطين؛ الرابع: أن الطين مستغن عن النار وهي محتاجة إلى مكان وهو التراب؛ الخامس: أن الطين سبب جمع الأشياء، وهي سبب\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآية: ١١.\n(^٢) سورة سورة الحجر، الآية: ٢٦.\n(^٣) سورة الرحمن، الآية: ١٤.\n(^٤) انظر: لسان العرب (١٢/ ١٢)، تهذيب اللغة (١/ ١٣٤).\n(^٥) سورة الأعراف، الآية: ١٢.","vol":"4","page":594},{"text":"تفريقها وباللّه التوفيق، ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وفي آخر ثلاث ساعات، منها: ساعة من دعا اللّه فيها استجيب له \"الحديث\" في \"ههنا تجريدية، إذ الساعة هي نفس آخر ثلاث الساعات، كما في قولك: في البيضة عشرون رطلا من حديد، والبيضة نفس الأرطال (^٢)، وقال المحب الطبري: قوله: في آخر ثلاث ساعات يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأول، ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كل ساعة من الثلاث ساعة إجابة فيكون فيه تجوز لإطلاق الساعة على بعض الساعة (^٣).\nقوله في آخر الحديث: رواه أحمد (^٤) من رواته علي بن أبي طلحة عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَاله مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح.\n\n١٠٥٢ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -: أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ السَّاعَة الَّتِي يُسْتَجَاب فِيهَا الدُّعَاء يَوْم الْجُمُعَة آخر سَاعَة من يَوْم الْجُمُعَة قبل غرُوب الشَّمْس أغفل مَا يكون النَّاس رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (^٥).\nقوله: روي عن أبي سعيد الخدري: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الساعة التي يستجاب الدعاء فيها يوم الجمعة آخر ساعة من\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٩٧). وذكرها كذلك الفيروزآبادي في البصائر (٦/ ٢٤).\n(^٢) شرح المشكاة (٤/ ١٢٦٨ - ١٢٦٩).\n(^٣) فتح الباري (٢/ ٤١٨).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٩٠٧).","vol":"4","page":595},{"text":"يوم الجمعة قبل غروب الشمس أغفل ما تكون الناس\". (وهذا القول مال إليه ابن عبد البر). (^١)\n\n١٠٥٣ - وَعَن جَابر - ﵁ -: عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ يَوْم الْجُمُعَة اثْنَتَا عشرَة سَاعَة لا يُوجد عبد مُسلم يسْأَل اللّه ﷿ شَيْئا إِلَّا آتاهُ إِيَّاه فالتمسوها آخر سَاعَة بعد الْعَصْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم وَهُوَ كَمَا قَالَ (^٢).\nقال التِّرْمِذِيّ: وَرَأى بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - وَغَيرهم أَن السَّاعَة الَّتِي ترجى بعد الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق وَقَالَ أَحْمد أَكثر الحَدِيث فِي السَّاعَة الَّتِي ترجى فِيهَا إِجَابَة الدعْوَة أنَّهَا بعد صَلَاة الْعَصْر، قَالَ وترجى بعد الزَّوَال ثمَّ روى حَدِيث عَمْرو بن عَوْف الْمُتَقَدّم.\nوَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْمُنْذر (^٣) اخْتلفُوا فِي وَقت السَّاعَة الَّتِي يُسْتَجَاب فِيهَا الدُّعَاء من يَوْم الْجُمُعَة فروينا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ هِيَ من بعد طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس وَمن بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو الْعَالِيَة هِيَ عِنْد زَوَال الشَّمْس وَفِيه قَول ثَالِث وَهُوَ أَنه إِذا أذن\n_________\n(^١) في الأصل بياض لعل المحذوف ما أثبته انظر التمهيد (٤/ ٦٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٠٤٨)، والنسائي في الكبرى (١٦٩٧)، والحاكم (١/ ٢٧٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٥).\n(^٣) الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر (٢/ ٨٢).","vol":"4","page":596},{"text":"الْمُؤَذّن لصَلَاة الْجُمُعَة رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة وروينا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ هِيَ إِذا قعد الإِمَام على الْمِنْبَر حَتَّى يفرغ وَقَالَ أَبُو بردة هِيَ السَّاعَة الَّتِي اخْتَار اللّه فِيهَا الصَّلَاة وَقَالَ أَبُو السوار الْعَدوي كانُوا يرَوْنَ الدُّعَاء مستجابا مَا بَين أَن تَزُول الشَّمْس إِلَى أَن يدْخل فِي الصَّلَاة وَفِيه قَول سَاج وَهُوَ أَنَّهَا مَا بَين أَن تزِيغ الشَّمْس يُشِير إِلَى ذِرَاع وروينا هَذَا القَوْل عَن أبي ذَر وَفِيه قَول ثامن وَهُوَ أنَهَا مَا بَين الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس كَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَبِه قَالَ طَاوس وَعبد اللّه بن سَلام - ﵁ - وَاللّه أعلم.\nقوله: وعن جابر، تقدم الكلام على جابر.\nقوله - ﷺ -: \"يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد عبد مسلم يسأل اللّه شيئا إلا أتاه اللّه إياه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر\" الحديث، وكان سعيد بن جبير إذ صلى العصر يوم الجمعة لم يتكلم إلى غروب الشمس (^١)، قال: وهي الساعة التي أخبرنا الصادق المصدوق محمد - ﷺ - أن آدم خلق فيها كما هو مذكور في الحديث عن أبي هريرة قال: أخذ رسول اللّه - ﷺ - بيدي فقال: \"خلق اللّه ﷿ التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة\" وتقدم هذا الحديث بتمامه.\nقوله: \"فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر\"، فإن قيل: جاء \"لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل اللّه خيرًا إلا أعطاه\" الحديث، ومعنى يصادفها: يلاقيها، والصلاة بعد العصر ممنوعة، قيل: قد فسر عبد اللّه بن سلام الصلاة\n_________\n(^١) انظر: التمهيد (٢٣/ ٤٥).","vol":"4","page":597},{"text":"بانتظارها، فإن العبد في صلاة ما انتظر الصلاة، فإن قيل: \"جاء وهو قائم يصلي\" قيل: أراد بالقيام الملازمة لقوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (^١) وتقدم حديث عبد اللّه بن سلام، وتقدم معنى تفسيرها في الأحاديث المتقدمة، واللّه أعلم.\nفائدة مهمة: روى الحافظ المنذري (^٢) في جزء جمعه في غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر من حديث أنس أن النبي - ﷺ - قال: \"من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه (فاتحة الكتاب) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ) و(المعوذتين) سبعًا سبعًا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد كل من آمن باللّه ورسوله\" (^٣) وقال أبو طالب المكي (^٤): يستحب له بعد الجمعة أن يقول: يا غني يا حميد يا مبدئ يا معيد يا رحيم يا ودود أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، فيقال: من واظب على\n_________\n(^١) انظر: التمهيد (٢٣/ ٤٥).\n(^٢) قاله الدميري في النجم الوهاج (٢/ ٤٨٤).\n(^٣) أخرجه أبو الأسعد القشيرى في الأربعون السباعيات (مخ ١٨/ عمرية/ لوحة ٢١٠ الحديث العاشر) فيه الحسين بن داود البلخى قال الخطيب: ولم يكن الحسين بن داود ثقة، فإنه روى نسخة عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، أكثرها موضوع تاريخ بغداد (٨/ ٥٧٥). وانظر: فتح الباري (٤/ ٢٥٢) والنجم الوهاج للدميري (٢/ ٤٨٤).\n(^٤) قوت القلوب (١/ ١٢٦)، والنجم الوهاج للدميري (٢/ ٤٨٤).","vol":"4","page":598},{"text":"هذا الدعاء أغناه اللّه تعالى عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب (^١)، أ. هـ.\nفائدة أيضًا: كان عمرو بن قيس الملائي يقول: بلغني أن من صام يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم شهد الجمعة مع المسلمين، ثم ثبت في مكانه بعد سلامه مع الإمام، ثم مدّ يديه وقرأ: فاتحة الكتاب، وقل هو اللّه أحد، عشر مرات، ثم قال: اللهم إني أسألك باسمك العلي العلي العلي الأعلى الأعلى الأعلى، العظيم الأعظم الأعظم، الأكرم الأكرم الأكرم، الأجل الأجل الأجل، لم يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه إياه عاجلا وآجلا، ولكنكم تستعجلوه (^٢)، قاله في الديباجة في شرح ابن ماجه.\nفائدة أيضًا: قال النووي (^٣): روينا في كتاب ابن السني عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"من قرأ بعد صلاة الجمعة قل هو اللّه أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس سبع مرات أعاذه اللّه ﷿ من السوء إلى الجمعة الأخرى\" (^٤)، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٤٨٤).\n(^٢) أخرجه ابن السنى في اليوم والليلة (٣٧٧). وفيه تقديم وتأخير والنقص اليسير. وقال صاحب كتاب عُجالةُ الرّاغِب المُتَمَنِّي في تخريج كِتابِ عَمَلِ اليَوم وَالليلة لابن السُّنِّي: إسناده ضعيف؛ لأنه مرسل أو معضل.\n(^٣) الأذكار (ص ٣٠٠ - ٣٠١).\n(^٤) أخرجه ابن السنى (٣٧٥) وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٤٧٢).\nقال الحافظ ابن حجر؛ كما في الفتوحات الربانية (٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣): سنده ضعيف ... وله شاهد من مرسل مكحول: أخرجه سعيد بن منصور في السنن عن فرج بن فضالة ... وفرج ضعيف - أيضًا -. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٦٤).","vol":"4","page":599},{"text":"قوله: وقال الحسن البصري وأبو العالية: هي عند زوال الشمس، تقدم الكلام على الحسن البصري؛ وأما أبو العالية: قال أبو الفرج بن الجوزي: أبو العالية اسمه: ربيع، اعتقته امرأة من بني رياح، قال أبو العالية (^١): دخلت المسجد مع مولاتي، فلما رأت الإمام على المنبر أخذت بيدي وقالت: اللهم إني أدخره عندك ذخيرة، فاشهدوا يا أهل المسجد أنه سائبة للّه ﷿، قال أبو العالية (^٢): كُنَّا نَعُدُّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْسَاهُ، توفي في شوال سنة تسعين.\nقوله: وقال أبو السِّوَارِ العَدوَيُّ: كَانُوا يَرَوْنَ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابًا مَا بَيْنَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي الصلَاةِ.\nأبو السوار: هو بفتح السين المهملة وتشديد الواو وآخره راء، اسمه: حسان بن حريث العدوي، ذكره النووي (^٣).\nقال صاحب كتاب سلاح المؤمن (^٤): وقد اختلف في ساعة الإجابة، أي وقت هي من يوم الجمعة على أقوال كثيرة، وتقدمت الأحاديث في ذلك، قال: ويحتمل أنها تدور في أيام الجمع على الأوقات المذكورة في الأحاديث،\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٧) الطبقات الكبرى (٧/ ٧٩).\n(^٢) انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٧) الطبقات الكبرى (٧/ ٧٩). وقال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٦): إسناده جيد، موقوفا على أبي العالية.\n(^٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٠).\n(^٤) سلاح المؤمن (ص: ١٦٦).","vol":"4","page":600},{"text":"فيوما تكون ما بين أن يجلس الإمام، أي للخطبة إلى أن تقضى الصلاة كما هو مذكور في حديث أبي بردة؛ ويوما حين تقام الصلاة إلى السلام؛ ويوما تكون فيما بين العصر إلى غروب الشمس؛ ويوما تكون في آخر ساعة، ويكون النبي - ﷺ - قد سئل عن ذلك في أوقات متفرقة، فأجاب عن ذلك بما أجاب.\nقال صاحب سلاح المؤمن (^١): ورأيت غير واحد من الأئمة جنح إلى هذا، واللّه أعلم بحقيقة ذلك، وقيل: إنها مبهمة في جميع اليوم حكمة من اللّه تعالى ليعكف الداعي على مراقبتها، ويجتهد في الدعاء في جميع اليوم، أ. هـ\nقال العراقي (^٢): ولو عُرِفت لخصوها بالدعاء وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى ليسأل بجميع أسمائه الحسنى، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك، وكما أخبر ساعة الإجابة في الليل، وكما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين حتى لَا يَخُصُّ بِالْإِكْرَامِ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ، وقد ورد فيها ما ورد في ليلة القدر من أنه أُعْلِمْتهَا ثُمَّ أُنْسِيتهَا.\nرواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه، ولعل هذا يكون خيرًا للأمة\n_________\n(^١) سلاح المؤمن (ص: ١٦٦). وهناك أقوال أخرى كثيرة، استقصاها الحافظ في الفتح (٢/ ٣٤٥ - ٣٥١) فبلغت ثلاثًا وأربعين قولًا .. وقال: وقد صح اتفاق الصحابة أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، فلا يجوز مخالفتهم.\n(^٢) طرح التثريب في شرح التقريب (٣/ ٢١٤).","vol":"4","page":601},{"text":"ليجتهدوا في سائر الأيام؛ قال شيخ الإسلام ولي الدين العراقي: قال والدي ﵀ في شرح الترمذي: وإن كان مطلبه خطيرًا عظيمًا كسؤال المغفرة والنجاة من النار ودخول الجنة ورضى اللّه تعالى عنه، لجديرٌ أن يستوعب جميع عمره بالطلب والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد، كما قال عبد اللّه بن عمر: أن طلب حاجة في يوم يسير، واللّه أعلم، أ. هـ.\nتنبيه: يستحب إذا صلى الإنسان الجمعة أن يقيم في المسجد حتى يصلي العصر، فقد روى الحاكم عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"لكم في كل جمعة حجة وعمرة، فالحجة: الهجير إلى الجمعة، والعمرة: انتظار العصر بعد الجمعة\" (^١)، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السّنن الكبرى (٣/ ٢٤١) وقال: وروي ذلك عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر، وفيهما جميعا ضعف. وأحد رواته: القاسم بن عبد اللّه: ذكره ابن عرّاق في: (تنزيه الشّريعة ١/ ٩٧ ت/ ٤) في الوضّاعين، والكذّابين. وذكر الذّهبيّ في (الميزان ٤/ ٢٩٢) حديثه هذا، وقال: هذا موضوع، باطل. وانظر: الضعيفة (٦٢٠٨).","vol":"4","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الترغيب في الغسل يوم الجمعة</span>\nوَقد تقدم ذكر الْغسْل فِي الْبَاب قبله فِي حَدِيث نُبيْشَة الْهُذلِيّ وسلمان الْفَارِسِي وَأَوْس بن أَوْس وَعبد اللّه بن عَمْرو.\nوَتقدم أَيْضا حَدِيث أبي بكر وَعمْرَان بن حُصَيْن قَالا قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كفرت عَنهُ ذنُوبه وخطاياه ... الحَدِيت.\nالغسل: إن أريد به الماء فهو مضموم الغين، وإن أريد به المصدر فيجوز به ضم الغين وفتحها، لغتان مشهورتان، وبعضهم يقول: إن كان مصدرًا لغسلت فهو بالفتح كضربت ضربًا، وإن كان بمعنى الاغتسال فهو بالضم كقولنا غسل يوم الجمعة مسنون، وكذا الغسل من الجنابة واجب وما أشبهه (^١)؛ وأما الغِسل بكسر الغين فهو اسم لما يغسل به الرأس من خطمي وغيره (^٢)، واللّه أعلم.\nوقد تقدم ذكر الغسل في الباب قبله في حديث نبيشة الهذلي وسلمان الفارسي وأوس بن أوس وعبد اللّه بن عمرو، وتقدم أيضًا حديث أبي بكر وعمران بن حصين.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٩).\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٧٨١)، والمجموع المغيث (٢/ ٥٦٠)، والنهاية (٣/ ٣٦٨)، والميسر (١/ ١٥١) و(٢/ ٥٩١)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٩٩).","vol":"4","page":603},{"text":"١٠٥٤ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة ليسل الْخَطَايَا من أصُول الشّعْر استلالا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام على أبي أمامة.\nقوله - ﷺ -: \"إن الغسل يوم الجمعة ليسل الخطايا من أصول الشعر استلالا\" الحديث، المراد بالخطايا الصغائر من الذنوب.\n\n١٠٥٥ - وَعَن عبد اللّه بن أبي قَتَادَة - ﵁ - قَالَ دخل عَليّ أبي وَأَنا أَغْتَسِل يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ غسلك هَذَا من جَنَابَة أَو للْجُمُعَة قلت من جَنَابَة قَالَ أعد غسلا آخر إِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كَانَ فِي طَهَارَة إِلَى الْجُمُعَة الأخْرَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَإِسْنَاده قريب من الْحسن وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لم يروه غير هَارُون يَعْيي ابْن مُسلم صَاحب الحنا وَرَوَاهُ الْحَاكم بِلَفْظ الطَّبَرَانِيّ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\nوَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة لم يزل طَاهِرا إِلَى الْجُمُعَة الْأُخْرَى (^٣).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٧٩٩٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٤)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٥٠٩).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٨١٨٠)، وابن خزيمة (١٧٦٠)، والحاكم (١/ ٢٨٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٦).\n(^٣) ابن حبان (١٢٢٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٦).","vol":"4","page":604},{"text":"قوله: وعن عبد اللّه بن أبي قتادة عبد اللّه هذا يكنى أبا إبراهيم، ويقال: أبا يحيى الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى التابعى، سمع أباه (^١).\nقوله: دخل علي أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من جنابة أو للجمعة، قلت: من جنابة، قال: أعد غسلا آخر، إني سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى\" الحديث، رواه ابن حبان في صحيحه (^٢)، ولفظه: \"من اغتسل يوم الجمعة لم يزل طاهرًا إلى الجمعة الأخرى\" وهذا يشمل كل غسل، واللّه أعلم؛ قال العلماء: ومن نوى غسل الجمعة لم يجزه عن الجنابة لأنه لم ينوها ولا تضمنتها نيته (^٣)، قال: ومن نوى غسل الجنابة لم يجزه عن الجمعة في أصح القولين عملا بما نواه (^٤)، وهذا هو الأصح عند النووي تبعا للرافعي في المحرر (^٥)، فلو نوى غسل الجنابة والجمعة، فالمذهب أنه إذا نواهما حصلا نص عليه الشافعي، واستدل له بأن عمر - ﵁ - كان يغتسل لهما غسلا واحدًا.\n_________\n(^١) بياض في الأصل وكملته من: الاستيعاب (٤/ الترجمة ٣١٣٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٣ ترجمة ٣٢٦)، وتهذيب الكمال (٣٤/ الترجمة ٧٤٧٥).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) كفاية النبيه (١/ ٥١٠).\n(^٤) التنبيه (ص ١٩)، وكفاية النبيه (١/ ٥١٠).\n(^٥) المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٣٤) روضة الطالبين وعمدة المفتين (١/ ٣٣٣) وانظر: حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب (١/ ٨٥).","vol":"4","page":605},{"text":"فرع: لو نوى الجمعة والعيد، قال في الكافي (^١): حصلا، وكذا لو نوى به الجنابة والجمعة والعيد يحصل الكل (^٢)، وقد صححه النووي (^٣) وغيره، واللّه أعلم، ذكره في مختصر الكفاية (^٤)، قال صاحب تهذيب النفوس (^٥): واختلف العلماء في بعض مسائل الغسل: فَاَلَّذِي يُوجِبُ اغْتِسَالَ الْحَيِّ أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ إيلَاجُ حَشَفَةِ الذَّكَرِ فِي فَرْجِ وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ (^٦).\n_________\n(^١) هو كتاب الكافى في النظم الشافى في الفقه تصنيف محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان أبو محمد العباسي مظهر الدين الخوارزمي [المتوفى: ٥٦٨ هـ]، قال أبو سعد السمعاني: كان فقيها، عارفا بالمتفق والمختلف، صوفيا، حسن الظاهر والباطن. سمع الكثير على كبر السن، وعلق المذهب عن الحسن بن مسعود البغوي. وأفاد الناس بخوارزم، وألف تاريخ خوارزم. ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، قال الذهبى: توفي في رمضان سنة ثمان ﵀، وكان يعرف بالعباسي، وله ترجمة في تاريخ ابن النجار. انظر: تاريخ الإسلام (١٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، وطبقات الشافعية (٧/ ٢٨٩)، وطبقات الشافعيين (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣).\n(^٢) الكافى في النظم الشافى الوحة ٤٤/ أ/ مخطوط ٣٤٤٣ تشستربتى المجلد الأول)، وكفاية النبيه (١/ ٥١١).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٣٤).\n(^٤) مختصر الكفاية (لوحة ١٢٦/ خ ٢١٧٥ الظاهرية).\n(^٥) ينظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١٧) التاج والإكليل لمختصر خليل (١/ ٤٤٥) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢١١) الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ١١٤) شرح منتهى الإرادات= دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (١/ ٨٥).\n(^٦) المجموع (٢/ ١٣١) والنجم الوهاج (١/ ٣٧٨).","vol":"4","page":606},{"text":"أما إيلاج الحشفة فهو إدخالها بكمالها في فرج حيوان آدمي أو غيره قُبله أو دبره ذكر أو أنثى حي أو ميت صغير أو كبير (^١)، هذا مذهب الشافعي؛ وعند أبي حنيفة: لا يجب في الإيلاج في البهيمة والميتة (^٢)، وقد بين الشيخ أبو حامد فرج المرأة والتقاء الختانين (^٣) - بَيَانًا شَافِيًا -، فقال هو وغيره: خِتَانُ الرَّجُلِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ فِي حَال الْخِتَانِ وَهُوَ مَا دُونَ حُزَّةِ الْحَشَفَةِ وَأَمَّا خِتَانُ الْمَرْأَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ وَالْمَنِيِّ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ ثَقْبٌ مِثْلُ إحْلِيلِ الرَّجُلِ هُوَ مَخْرَجُ الْبَوْل وَبَيْنَ هَذَا الثَّقْبِ وَمَدْخَلِ الذَّكَرِ جِلْدَةٌ رَقِيقَة وَفَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْل جِلْدَةٌ رَقِيقَة مِثْلُ وَرَقَةٍ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ وَالشَّفْرَانِ تُحِيطَانِ بِالْجَمِيعِ فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ وَهِيَ خِتَانُ الْمَرْأَةِ، فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ المرأة مستقل وَتَحْتَهُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ، فَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَإِذَا غَابَتْ فَقَدْ حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانَهَا وَالْمُحَاذَاةُ هِيَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، هذا كلام الغزالي (^٤)؛ وقال النووي (^٥): إذا أولج ذكره في قبل امرأة أو دبرها أو أو دبر رجل أو خنثى أو صبي أو في قبل بهيمة أو دبرها وجب الغسل بلا\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٣٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٣٦).\n(^٣) زيادة من المجموع (٢/ ١٣١).\n(^٤) إحياء علوم الدين (١/ ١٣٦).\n(^٥) المجموع شرح المهذب (٢/ ١٣٢).","vol":"4","page":607},{"text":"خلاف، وسواء كان المولج فيه حيًا أو ميتًا أو مجنونًا أو مكرها، ويجب على المولج والمولج فيه المكلفين، وعلى الناسي والمكره؛ وأما الصبي إذا ولج في امرأة أو دبر رجل أو أولج رجل في دبره فيجب الغسل على المرأة والرجل، وكذا إذا استدخلت امرأة ذكر صبي فعليها الغسل، ويصير الصبي في هذه الصور كلها جنبًا، وكذا الصبية إذا أولج فيها رجل أو صبي، وكذا لو أولج صبي في صبي، وسواء في هذا الصبي المميز وغيره، فإذا صار جنبا لا تصح صلاته ما لم يغتسل، وَلَوْ أَوْلَجَ مَجْنُون أَوْ أُولِجَ فِيهِ صَارَ جُنُبًا فَإِذَا أَفَاقَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ (^١)؛ لَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ رَجُلٍ وجب الغسل عليه وعليها سواء كان عَالِمًا بِذَلِكَ مُخْتَارًا أَمْ نَائِمًا أَمْ مُكْرَهًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ (^٢)، واتفق عليه أصحابه، ولو استدخلت ذكرًا مقطوعًا ففي وجوب الغسل عليها وجهان، ولا حد عليها بلا خلاف؛ وإذا استدخلت ذكر بهيمة لزمها الغسل كما لو أولج في بهيمة، صرح به أبو محمد الجويني وطائفة (^٣)، وإذا كان المولج غير مختون فأولج الحشفة لزمهما الغسل بلا خلاف؛ ولو لفَّ على ذكره خرقة وأولجه حيثما غابت الحشفة ولم يُنْزل، ففيه ثلاثة أوجه، أصحهما: يجب الغسل عليهما، لأن الأحكام متعلقة بالإيلاج، وقد حصل؛ والثاني: لا يجب الغسل ولا الوضوء لأنه لم يلمس\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٣٣).\n(^٢) ينظر: الأم للشافعي (١/ ٥٢).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٣٣).","vol":"4","page":608},{"text":"بَشَرَةً، الثالث: إن كانت الخرقة غليظة تمنع اللذة لم يجب وإن كان رقيقة لا تمنعها وجب (^١).\nفال صاحب المهذب (^٢): وإن كانت المرأة تغتسل من الحيض استحب لها إن تأخذ فِرْصة من المسك فتتبع بها موضع الدم لحديث عائشة - ﵂ - فان لم تجد مسكا فطيبا غيره وهذا التطييب متفق على استحبابه. قال البغوي (^٣) وآخرون: تَأْخُذُ مِسْكًا فِي خِرْقَةٍ أَوْ صُوفَةٍ أَوْ قُطْنَةٍ وَنَحْوِهَا وَتُدْخِلُهَا فَرْجَهَا وَالنُّفسَاءُ كَالْحَائِضِ فِي هَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وأصحابه قال الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ ولها فإن لم تجد شيئا من الطيب تأخذ طينا أو نحوه لقطع الرائحة الكريهة فالمقصود بذلك تطييب المحل وتستعمل ذلك بعد الغسل لحديث عائشة في ذلك، واتفق العلماء على استحباب ذلك للمتزوجة وغيرها (^٤).\nوالعلماء متفقون على أنه لا يشرع الجهر بالنية وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سرا هل يكره أو يستحب (^٥) اهـ.\nقال النووي: وَقْتُ نِيَّةِ الْغُسْلِ عِنْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ وَلَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا بَعْدَهُ وَيُستَحَبُّ اسْتِصْحَابُهَا إلَى الْفَرَاغِ كَالْوُضُوءِ فَإِنْ غَسَلَ\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٣٤).\n(^٢) المهذب (١/ ٦٥)\n(^٣) انظر: تفسير البغوي - طيبة (٢/ ٢١٩)، والمجموع (٢/ ١٨٨).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٨٨).\n(^٥) جامع المسائل (المجموعة السابعة ص ٤٠٠ - ٤٠١) لابن تيمية.","vol":"4","page":609},{"text":"بَعْضَ الْبَدَنِ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى أَجْزَأَهُ مَا غَسَلَ بَعْدَ النيةِ وَيَجِبُ إعَادَةُ مَا غَسَلَهُ قَبْلَهَا (^١) اهـ.\nقال في الإلمام: فإذا أراد المغتسل الاغتسال استحب له أن يسمي اللّه تعالى وينوي استباحة الصلاة ويذكر ما قاله العلماء وتكفي النية بالقلب إجماعا (^٢) ويشرع الكلام على النية ويغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا للحديث ثم قال: ويبدأ المغتسل بعد غسل يديه خارج الحوض فيتوضأ وضوءه للصلاة ويبالغ في تخليل لحيته (^٣) ولو اقتصر على النية وعمم بالماء جسده ورأسه أجزأ بعد أن يتمضمض ويستنشق (^٤) قال صاحب المهذب (^٥): ولا يجب الترتيب في أعضاء المغتسل ولكن يستحب البداية بالرأس ثم بأعالى البدن وبالشق الأيمن والسنة أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه ويتوضأ وضوء الصلاة غير رجليه ثم يفيض الماء علي رأسه وسائر جسده ثم يتنحى عن مغتسله فيغسل رجليه إذا كان قدماه في مستنقع الماء وان كان علي حجر أو آجرة فلا يؤخر غسلهما (^٦) قال وأدنى ما يكفي من الماء الاغتسال صاع والمتوضئ مد وهذا ليس بتقدير لازم بل إن كفاه أقل من ذلك نقص عنه وإن لم يكف زاد\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٣٢١).\n(^٢) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ١٤٩).\n(^٣) الإلمام (ص ١٥١).\n(^٤) الإلمام (ص ١٥٢).\n(^٥) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٦٤).\n(^٦) المحيط البرهانى (١/ ٧٨).","vol":"4","page":610},{"text":"عليه بحيث لا إسراف ولا تقتير (^١) والمد رطل وثلث بالبغدادي وأكثر ما قيل في وزن الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهما (^٢) والصاع أربعة أمداد فمن نقص عن ذلك وأسبغ أجزأء ومن لم يكتف بذلك فقد اعتدى وأساء وظلم وللأحاديث في ذلك (^٣)، والوضوء سنة في الغسل وليس شرط ولا واجب وبه قال العلماء كافة إلا ما حكى عن أبي ثور وداود الظاهري أنها شرطاه ونقل ابن جرير الإجماع (^٤) على أنه لا يجب ودليله أن اللّه تعالى أمر بالغسل ولم يشترط وضوءا، وقوله - ﵇ - لأم سلمة (^٥) يكفيك أن تفيضي عليك الماء (^٦) وأما وضوء وضوء النبي - ﷺ - في غسله محمول على الإستحباب جمعا بين الأدلة.\nقال صاحب المهذب: وان كانت امرأة تغتسل من جنابة فغسلها كغسل الرجل قال النووي (^٧): وقال الإمام أحمد: فإن كانت امرأة قد وجب عليها غسل جنابة أو حيض أو نحوه وهي لا تستطيع الاغتسال في البيت تعين عليها\n_________\n(^١) انظر الحاوى (١/ ٢٣٢)، والتنبيه (ص ١٩)، والبيان (١/ ٢٥٧)، والمحيط البرهانى (١/ ٨٦)، والمجموع (٢/ ١٨٩)، والإلمام (ص ١٥٧).\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٠)، والعدة (٢/ ٨٠٦).\n(^٣) التنبيه (ص ١٩)، وكفاية النبيه (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦)، ومختصر الكفاية (لوحة ١٢٣/ مخطوط ٢١٧٥ ظاهرية) والإلمام (ص ١٥٧).\n(^٤) الإجماع لابن المنذر (ص: ٣٥) الإقناع لابن المنذر (١/ ٤٧)، والمجموع (٢/ ١٨٦).\n(^٥) في الأصل أم سليم ووقع عنده بلفظ: يكفيك غسلك بالماء ولم أجد هذا اللفظ: والحديث الذي ذكرته أخرجه مسلم (٥٨ - ٣٣٠)، وابن ماجه (٦٠٣)، وأبو داود (٢٥١) و(٢٥٢)، والترمذي (١٠٥)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٩٩ (٢٤٦).\n(^٦) المجموع (٢/ ١٨٦) والإلمام (ص ١٦٧).\n(^٧) ينظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ٢١٩).","vol":"4","page":611},{"text":"الإتيان إلى الحمام ولا تمشي وسط الطريق فقد نهاهن النبي - ﷺ - عن تحقيق الطريق وإن كن جماعة فلا تمشي الواحدة إلي جانب الأخرى بل تمشي واحده خلف واحدة بسكينة وانضمام من غير إظهار زينة أو طيب أو تبرج ومزاحمة للرجال كما يفعله كثير من نساء زماننا هذا (^١) انتهى.\nفائدة: أجمع العلماء (^٢) على أن الحيض يوجب الغسل وكذلك النفاس وذهب الأكثرون إلى أنها إذا انقطع دم الحيض لا يقربها الزوج حتى تغتسل وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا انقطع دمها لأكثر مدة الحيض وهي عشرة أيام عندهم جاز وطئها عملا بقراءة التخفيف وإن انقطع لأقل من عشرة لعادتها لم يجز وطئها إلا حين تأخذ حكما من أحكام الطاهرات كأن تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة (^٣) وأجمع العلماء على أن الحيض والنفاس يوجبان الغسل نقله ابن المنذر وابن جرير (^٤) وآخرون.\n\n١٠٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فاغتسل الرجل وَغسل رَأسه ثمَّ تطيب من أطيب طيبه وَلبس من صَالح ثِيَابه ثمَّ خرج إِلَى الصَّلاة وَلم يفرق بَين اثْنَيْنِ ثمَّ اسْتمع الإِمَام غفر لَهُ من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه (^٥).\n_________\n(^١) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ١٣٢).\n(^٢) الإقناع لابن المنذر (١/ ٧٣).\n(^٣) مختصر القدورى (١/ ١٩) والاختيار لتعليل المختار (١/ ٢٨).\n(^٤) ينظر: الإجماع لابن المنذر (ص: ٣٣) والإقناع لابن المنذر (١/ ٧٣)، وتفسير الطبرى (٣/ ٧٢٨).\n(^٥) ابن خزيمة (١٨٠٣)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٧).","vol":"4","page":612},{"text":"قَالَ الْحَافِظ: وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على مَا ذهب إِلَيْهِ مَكْحُول وَمن تَابعه فِي تَفْسِير قَوْله غسل واغتسل وَاللّه أعلم.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله - ﷺ -: \"إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسل رأسه ثم تطيب من أطيب طيبه\". تقدم الكلام على الباقي من الحديث.\nفرع: قال العلماء يختص بالرجال أما العجوز إذا حضرت الجمعة فلا يستحب لها ذلك بل يكره ويكره لها أيضا لبس الشهرة من الثياب (^١).\n\n١٠٥٧ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ غسل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم وَسوَاك ويمس من الطّيب مَا قدر عَلَيْهِ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٢).\nقوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام على أبي سعيد.\nقوله - ﷺ -: \"غسل الجمعة واجب على كل محتلم\" أي بالغ مدرك، ولم يرد الذي احتلم فأجنب، لأن ذلك يجب عليه الغسل جمعة كان أو غيره، وإنما أراد الذي بلغ الحلم (^٣).\nقال العلماء: أما من ذهب إلى وجوبه فاحتج بهذا الحديث وبقوله - ﷺ - في الحديث الآخر \"حَقٌّ الله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا\n_________\n(^١) المجموع (٥/ ٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٣٢٨).\n(^٢) مسلم (٨٤٦).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٤٩٣).","vol":"4","page":613},{"text":"يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ\" (^١). والحديث الآخر: \"مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ\" (^٢).\nاختلف العلماء في غسل الجمعة (^٣) فحكي وجوبه عن طائفة من السلف حكي عن بعض الصحابة وبه قال أهل الظاهر وحكاه ابن المنذر عن مالك وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك والإمام أحمد في رواية عنه وحكاه شارح غنية شريح عن الشافعي في القديم وأما من ذهب إلى أنه سنة وليس بواجب يُعْصَى بِتَرْكِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا أبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار (^٤).\nوقال القاضي عياض (^٥): وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه واحتج من أوجبه بظواهر الأحاديث التي تقدمت، احتج أبو حنيفة والشافعي والجمهور بأحاديث صحيحة منها حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب فقال عمر: أية ساعةٍ هذِه؟ فقال: ما زدتُ على أن سمعت النداء فتوضأت ثم جئت وقد ترك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٩٧ و٨٩٨) و(٣٤٨٧)، ومسلم (٩ - ٨٤٩) عن أبي هريرة.\nوأخرجه النسائي في المجتبى ٣/ ١٦٣ (١٣٩٤) وابن حبان (١٢١٩) عن جابر. وصححه الألباني في الإرواء (١/ ١٧٣). وأخرجه ابن حبان (١٢٣٢) عن ابن عمر. وصححه الألباني في التعليق على الإحسان (١٢٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٧٧) و(٨٩٤) و(٩١٩)، ومسلم (١ و٢ - ٨٤٤) عن ابن عمر.\n(^٣) الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٣) التاج والإكليل لمختصر خليل (١/ ٤٥٦) الأم للشافعي (١/ ٥٣) المجموع شرح المهذب (١/ ١٥٨) المغني لابن قدامة (٢/ ٢٥٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٣).\n(^٥) إكمال المعلم (٣/ ٣٢٣)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٣).","vol":"4","page":614},{"text":"الغسل، وقد ذكره مسلم (^١). وهذا الرجل هو عثمان بن عفان كما جاء مبينا في الروايه الأخرى، ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر وحاضروا الجمعة وهم أهل الحل والعقد ولو كان واجبا لما تركه ولألزمه به، ومنها قوله - ﷺ -: \"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل\" (^٢) حديث صحيح في السنن مشهور وفيه دليل على أنه ليس بواجب (^٣).\nقال الأصمعي (^٤): معناه فبالسنة أخذ، وقوله: ونعمت يريد ونعمت الخصلة ونعمت الفعلة ونحو ذلك وإنما ظهرت التاء التي هي من علامة التأنيث لإضمار السنة أو الخصلة أو الفعلة.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣ - ٨٤٥). ولفظه في مسلم: سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللّهِ - ﷺ -، فَنَادَاهُ عُمَرُ: \"أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذهِ؟ \" فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، قَالَ عُمَرُ: \"وَالْوُضُوءَ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٥٤) والترمذي (٥٠٣)، والنسائي (١٣٨٠)، وأحمد (٢٠٠٨٩) عن سمرة بلفظه، وجاء عن أنس أخرجه الطيالسي (٢١١٠)، وعبد الرزاق (٥٣١٢)، والبزار (٦٢٨ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (٤٠٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٩)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (١٧٥٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٧)، والبيهقي (١/ ٢٩٦)، عن جابر بن عبد اللّه عند عبد الرزاق (٥٣١٣)، وعبد بن حميد (١٠٧٧)، والبزار (٦٢٩ - كشف الأستار). وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٦١٨٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٣).\n(^٤) ينظر: الصحاح للجوهري (٥/ ٢٠٤١)، لسان العرب (١٢/ ٥٨٧).","vol":"4","page":615},{"text":"ومنها قوله - ﷺ -: \"لو اغتسلتم يوم الجمعة\" (^١). وهذا اللفظ يقتضى على أنه ليس بواجب لأن تقريره أفضل لكان أفضل أو أكمل ونحو هذا من العبارات ولأنه غسل لأمر مستقبل فلم يجب كغسل العيد، وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة على الندب جمعا بين الأحاديث (^٢).\nقال الخطابي رحمه اللّه تعالى (^٣): قوله: \"غسل الجمعة واجب على كل محتلم\" معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض واللزوم وإنما شبهه بالواجب تأكيدا كما يقال: فلان يجب علينا رعايته وكما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب علي وإنما ذكر بهذا اللفظ مبالغة في الاستحباب لا أن المراد الواجب المحتم المعاقب على تركه (^٤) اهـ.\nولأن القوم كانوا يلبسون الصوف ويعملون في المهنة وكان المسجد ضيقا متقارب السقف فإذا عرقوا تأذي بعضهم برائحة بعض فنبهم - ﷺ - إلى الاغتسال بلفظ الوجوب ليكون ادعى للإجابة (^٥)، وكان الحسن يراه لازما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦ - ٨٤٧)، والبُخَارِيّ أيضا (٩٠٢) و(٩٠٣) و(٢٠٧١)، عن عائشة. انظر جامع الأصول (٥٣٦٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٣) ينظر: معالم السنن (١/ ١٠٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٤).\n(^٥) شرح المصابيح (١/ ٣٣٦) ونحو هذا ذكره ابن عباس كما أخرجه أبو داود (٣٥٣) وابن خزيمة (١٧٥٥) عن عكرمة، أن أناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبا؟ قال: لا، ولكنه أطهر، وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس =","vol":"4","page":616},{"text":"وحكي ذلك عن مالك (^١) يقال وجب الشيء أوجب وجوبا إذا ثبت ولزم والواجب والفرض عند الشافعي سواء وهو كل ما يعاقب على تركه، فرق بينهما أبو حنيفة فالفرض عنده آكد من الواجب (^٢) واللّه أعلم.\nقوله في الحديث: ويعملون في المهنة. قال الأصمعي (^٣): المهنة بفتح الميم الخدمة ويقال مهنة بكسر الميم وكان القياس لو قيل مثل جلسة وخدمة إلا أنها جاءت على فعلة واحدة كذا في الفائق (^٤) ذكره شارح مشارق الأنوار (^٥).\n_________\n= عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف - إنما هو عريش - فخرج رسول الله - ﷺ - في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضا، فلما وجد رسول الله - ﷺ - تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه قال ابن عباس: ثم جاء اللّه بالخير ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق. حسنه الألباني في صحيح أبي داود (٣٨٠).\n(^١) الأوسط (٤/ ٤١) ومعالم السنن (١/ ١٠٦).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٣) لسان العرب (١٣/ ٤٢٤).\n(^٤) الفائق (٣/ ٣٩٤).\n(^٥) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٨٩).","vol":"4","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>فصل يذكر فيه الأغسال المسنونة</span>\nغسل الجمعة تقدم الكلام عليه، وفيمن يسن له أربعة أوجه، الصحيح المنصوص الذي عليه الجمهور أنه مسنون لكل من أراد الجمعة سواء الرجل والمرأة والصبي والمسافر والعبد وغيرهم لحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"من جاء منكم الجمعة فليغتسل\". ولأن المراد النظافة وهم في هذا سواء ولا يسن لمن لا يريد الحضور وان كان من أهل الجمعة لمفهوم الحديث ولانتفاء المقصود والله أعلم (^١).\nاتفق الجمهور على أن غسل الجمعة والغسل من غسل الميت آكد الأغسال المسنونة وفي الآكد منهما قولان، أحدهما: غسل الجمعة لاختلاف العلماء في وجوبه تمسكا بقوله - ﷺ -: \"غسل الجمعة واجب على كل مسلم\" رواه مسلم (^٢). وصححه النووي (^٣) وهو الذي عليه أكثر الأصحاب أن غسل الجمعة أفضل من غسل غاسل الميت، وإن كان حديث غسل الميت حسَّنه الترمذي (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٠١)، والإلمام (ص ١٢٨).\n(^٢) والبخاري أيضا كما في (٨٧٩) و(٨٩٥)، ومسلم (٨٤٦) (٥).\n(^٣) أي صحح المسألة ولا يقصد قطعا تصحيح الحديث.\n(^٤) سنن الترمذي (٩٩٣) وقال: سنن الترمذي ت بشار (٢/ ٣١٠) وقد اختلف أهل العلم في الذي يغسل الميت، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: إذا غسل ميتا =","vol":"4","page":618},{"text":"وصححه ابن حبان (^١)، قال الماوردي (^٢): وقد خرج له بعض أصحاب الحديث مائة وعشرين طريقا لصحته، وتظهر فائدة القول فيما لو أوصى بماء لأحوج الناس فحضر مريد الجمعة ومن غسل ميتًا (^٣). ا. هـ.\nفإن عجز عن الماء تيمم كغيره وفيه احتمال لفوات الغرض، وعن الشافعي أنه قال (^٤): ما تركته حضرا ولا سفرا ولو أن الشربة بدينار ويدخل وقت الغسل للجمعة بطلوع الفجر بخلاف غسل العيد فإنه يدخل بانتصاف الليل، والفرق أن العيد يفعل أول اليوم بخلاف الجمعة وكلما بعد العهد عادت الرائحة والأفضل أن يغسل للجمعة عند الرواح أي وقت كان، واشترط مالك الاتصال بين الغدو والرواح (^٥).\nوالثاني: الغسل من غسل الميت وصححه الرافعي لاختلاف قول الشافعي في وجوبه بخلاف غسل الجمعة فإنه لم يختلف في وجوبه (^٦).\n_________\n= فعليه الغسل. وقال بعضهم: عليه الوضوء. وقال مالك بن أنس: أستحب الغسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجبا، وهكذا قال الشافعي. وقال أحمد: من غسل ميتا أرجو أن لا يجب عليه الغسل، وأما الوضوء فأقل ما قيل فيه وقال إسحاق: لا بد من الوضوء. وقد روي عن عبد اللّه بن المبارك أنه قال: لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت.\n(^١) صحيح ابن حبان (١١٦١).\n(^٢) الحاوي (١/ ٣٧٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٨٩).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٥٣ - ٢٠٤) وكفاية النبيه (٢/ ٨ - ٩).\n(^٤) ينظر: الأم للشافعي (١/ ٢١٧).\n(^٥) المجموع (٢/ ٢٠٢).\n(^٦) كفاية النبيه (٢/ ٩).","vol":"4","page":619},{"text":"ومنها: غسل العيدين، ويسن الغسل للعيدين اتفاقًا سواء الرجال والنساء والصبيان. ومنها: غسل الكسوفين ومن المسنون الغسل لصلاة الخسوف وكسوف الشمس.\nومنها: غسل الاستسقاء لأنها أماكن يشرع فيها الإجتماع فسن فيها الغسل كغسل الجمعة (^١). والغسل من غسل الميت لقوله - ﷺ -: \"من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ\" رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة (^٢) لأنه ربما يلحقه رشاش الماء المغسول به الميت من موضع فيه النجاسة، أو ربما يعرق لخوفه ودهشة فيستحب له الغسل لإزالة العرق والنجاسة. فإن قلت: الغسل لإزالة النجاسة واجب؟ قلت: نعم، حيث تحقق النجاسة أما للاحتياط فلا يجب بل يستحب (^٣) واللّه أعلم.\nومنها: غسل الكافر إذا أسلم، أي: بعد أن أسلم تعظيما للإسلام، روي أنه - ﷺ - أمر قيس بن عاصم بن أثال أن يغتسل لما أسلم ولم يوجبه لأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم به، ولأن الإسلام توبة من معصية فلم يجب لها غسل كسائر المعاصي. ويستحب أن يغتسل بعد حلق رأسه لقوله - ﷺ -: \"ألق عنك شعر الكفر\" (^٤)، هذا إذا لم يكن أجنب في حال كفره، فإن أجنب\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٠٢)، والإلمام (ص ١٢٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣١٦٢)، والترمذي (٩٩٣)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وابن حبان (١١٦١).\n(^٣) المفاتيح (١/ ٤٥٤ - ٤٥٥).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٥٦) وأحمد (١٥٤٣٢) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٩٥) وحسّنه الألباني في إرواء الغليل (١/ ١٢٠).","vol":"4","page":620},{"text":"فالأصح وجوب الاغتسال سواء اغتسل في حال الكفر أو لم يغتسل (^١).\nتنبيه: اختلف العلماء في إيجاب الغسل على من أسلم، فقال مالك وأحمد في المشهور عنه: يجب، وقال أبو حنيفة: هو مستحب إلا أن يكون جنبا فيجب، وقال الشافعي في الأم: إذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل ويحلق رأسه للحديث المتقدم (^٢).\nومنها: غسل المجنون إذا أفاق إن لم يتحقق الإنزال وكذا المغمى عليه، وأصله أنه - ﷺ - كان يغشى عليه في مرضه، فإذا أفاق اغتسل، وإذا شرع في الإغماء ففي الجنون أولى؛ قال الشافعي ﵀: قل ما جن إنسان إلا أنزل (^٣).\nومنها: الغسل للإحرام سواء كان لحج أو عمرة لأنه - ﵇ - اغتسل لإحرامه.\nومنها: الغسل لدخول مكة أي: ولو كان حلالا للإتباع وكذلك لدخول المدينة أيضًا، قال ابن الملقن: كما رأيته في كتاب \"الْأَقْسَام والخصال\" لأبي بكر الْخفاف من قدماء أَصْحَابنَا الشافعية (^٤)، وفيه: أنه يستحب لدخول الحرم أيضًا.\nومنها: الغسل للوقوف بعرفة ومزدلفة بالمشعر الحرام لا للمبيت بها.\nومنها: الغسل للرمي، أي: للجمرات الثلاث في أيام التشريق، كل يوم غسلا فيكون له ثلاثة أغسال ولا يستحب لرمي جمرة العقبة لقرب غسله\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٥٢ - ١٥٤)، وكفاية النبيه (٢/ ١٢ - ١٣).\n(^٢) الإلمام (ص ١٢٠).\n(^٣) كفاية النبيه (٢/ ١٤).\n(^٤) غاية السول في خصائص الرسول (ص: ١١٤).","vol":"4","page":621},{"text":"للوقوف بمزدلفة، ومنها: الغسل للطواف، أي: طواف الركن كذا قيده في الكفاية، وللطواف بالبيت، نص الشافعي على هذه الأغسال في الأم، وأضاف إليها في القديم: الغسل لطوافي الزيارة والوداع (^١)، أ. هـ.\nوأما مذهب الحنفية في الأغسال المسنونة فالغسل للجمعة والعيدين والإحرام وعرفة وندب الاغتسال لدخول مكة والوقوف بالمزدلفة ودخول المدينة والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ بالسن، نص عليه في الغاية شرح الهداية لقاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي (^٢).\nفائدة: إذا أراد الاغتسال للمسنونات نوى أسبابها إلا الاغتسال من الجنون، فإنه ينوي به الجناية، وكذا المغمى عليه، نقله صاحب المذاكرة عن صاحب الفروع، وفيه نظر. فرع غريب: ثقل في البحر (^٣) عن المزني في المنشور أن طهارة الصبي ناقصة حتى إذا بلغ لزمه إعادة الوضوء والغسل، واللّه أعلم، ذكره في حادي النبيه على التنبيه.\nفرع: غسل الجمعة وقته من طلوع الفجر، فإن اغتسل له قبل طلوع الفجر لم يصح بخلاف غسل العيدين، فإنه يصح قبل طلوع الفجر وتقدم ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) هادى النبيه (لوحة ١٩/ خ ٢١٢١ ظاهرية). هذه الأغسال تفنن الفقهاء المتأخرون في جمعها والتساهل فيها وأكثرها لا دليل عليه.\n(^٢) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢٥٦) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٢/ ٦٢) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٨١) العناية شرح الهداية (٢/ ٤٩) درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١٣٦) والنجم الوهاج (٢/ ٤٨٩).\n(^٣) ينظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٢/ ٦٢).","vol":"4","page":622},{"text":"فرع: هل يكره ترك غسل الجمعة؟ فيه وجهان حكاهما ابن التلمساني وصحح الكراهة وهو ما أورده القاضي حسين، وحكاه الإمام عن الصيدلاني، قال الإمام: وهو عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصود.\nأفرع: هل يختص استحباب الغسل بمن يحضر الجمعة ويكون الغسل للصلاة أو يندب لكل أهل وإن لم يحضر ويكون لليوم كالعيدين، وجهان أصحهما الأول لأنه روي أنه - ﷺ - قال \"الغسل يوم الجمعة على من شهد الجمعة\" (^١) وتقدم ذلك.\nويشهد للثاني خبر عائشة - ﵂ - الذي رواه مسلم أنها قالت: كان الناس يتناوبون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء قد يصيبهم الغبار فيخرج منهم الريح فأتي رسول اللّه - ﷺ - إنسان منهم وهو عنده فقال النبي - ﷺ - \"لَوْ أنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا\" (^٢). لو على الأول يسن لكل حاضر وإن لم يكن تلزمه الجمعة، وعلى الثاني يندب لكل أحد، وقيل لمن لم يحضر وإذا كان من أهلها ولكنه حبسه العذر يندب له وإلا فلا واللّه أعلم.\nذكر هذا الفرع والذي قبله ابن النقيب في مختصر الكفاية.\nقوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد \"وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ\" (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في الجمعة (٢٢) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٥١) عن عائشة. قال العقيلى: لا يحفظ هذا اللفظ إلا في هذا الحديث اهـ. وقال الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٩٩): وفيه عبد الواحد هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال فيه أبو حاتم يعرف وينكر.\n(^٢) البخاري (٩٠٣)، ومسلم (٨٤٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٤٦) وأبو داود (٣٤١) والنسائي (٢/ ٩٢).","vol":"4","page":623},{"text":"معناه: ويُسن له سواك قال أهل اللغة السواك بكسر السين وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به والتسوك فعلك بالمسواك ويقال ساك فمه يسوكه سوكا، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب كتب ثم قيل: أن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك، وقيل من جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالا وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب العفرة وغيرها عنها واللّه أعلم. ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتبر به في الإجماع وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسفرائيني عن داود الظاهر أنه أوجبه للصلاة وحكاه الماوردي عن داود وقال هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته وقد أنكر أصحابنا المتأخرين على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون وإسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه والله أعلم. وقاله النووي (^١) وتقدم الكلام على السواك في بابه مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"ويسن من الطيب ما قدروا عليه\" معناه ويسن له مس الطيب، وقوله: \"ما قدر عليه\" قال القاضي عياض (^٢): مُحْتَمِلٌ لِتكثِيرِهِ وَمُحْتَمِلٌ لِتَأْكِيدِهِ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ فَأَبَاحَهُ لِلرَّجُلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٠).\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢١)، والمصدر السابق (٦/ ١٣٥).","vol":"4","page":624},{"text":"١٠٥٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن هَذَا يَوْم عيد جعله اللّه للْمُسلمين فَمن جَاءَ الْجُمُعَة فليغتسل وَإِن كانَ عِنْده طيب فليمس مِنْهُ وَعَلَيْكُم بِالسِّوَاكِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^١).\nوَسَتَأْتِي أَحَادِيث تدل لهَذَا الْبَاب فِيمَا يَأْتِي من الأبْوَاب إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى.\nقوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ - في يوم الجمعة: \"إن هذا يوم عيد جعله اللّه للمسلمين\" تقدم الكلام على معنى العيد في أقوال العلماء - ﵃ -.\nقوله - ﷺ -: \"فمن جاء يوم الجمعة فليغتسل وإن كان طيب فليمس منه وعليكم بالسواك\" الحديث. تقدم الكلام على الغسل وعلى الطيب وعلى السواك في الأحاديث المتقدمة واللّه أعلم.\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٠٩٨)، والطبراني في المعجم الصغير (٧٤٩)، قال البوصير في الزوائد (١/ ٣٦٧): هذا إسناد فيه صالح بن أبي الأخضر، لينه الجمهور، وباقي رجاله ثقات، ورواه عبد العظيم المنذري في الترغيب، وحسنه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٩).","vol":"4","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>الترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير لغير عذر</span>\n١٠٥٩ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة غسل الْجَنَابَة ثمَّ رَاح فِي السَّاعَة الأولى فَكَأنَّمَا قرب بَدَنَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأنَّمَا قرب بقرة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأنَّمَا قرب كبْشًا أقرن وَمن رَاح فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأنَّمَا قرب بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام حضرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكر رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\n١٠٦٠ - وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه: \"إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وقفت الْمَلَاِئكَة على بَاب الْمَسْجِد يَكْتُبُونَ الأول فَالأول وَمثل المهجر كَمثل الَّذِي يهدي بَدَنَة ثمَّ كَالَّذي يهدي بقرة ثمَّ كَبْشًا ثمَّ دجَاجَة ثمَّ بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام طَوَوْا صُحُفهمْ يَسْتَمِعُون الذّكر\" وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذِه (^٢).\n\n١٠٦١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: \"المستعجل إِلَى الْجُمُعَة كالمهدي بَدَنَة وَالَّذِي يَلِيهِ كالمهدي بقرة وَالَّذِي يَلِيهِ كالمهدي شَاة وَالَّذِي\n_________\n(^١) البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠)، ومالك في الموطأ (٢٦٦) وأبو داود (٣٥١)، والترمذي (٤٩٩)، والنسائي (٣/ ٩٩)، وأحمد (٩٩٢٦)، وابن حبان (٢٧٧٥).\n(^٢) البخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠)، وابن ماجه (١٠٩٢)، والنسائي (٣/ ٩٧)، وابن خزيمة (١٧٦٩).","vol":"4","page":626},{"text":"يَلِيهِ كالمهدي طيرًا\" (^١).\nوَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: \"على كل بَاب من أَبْوَاب الْمَسَاجِد يَوْم الْجُمُعَة ملكان يكتبان الأول فَالأول كَرجل قدم بَدَنَة وكرجل قدم بقرة وكرجل قدم شَاة وكرجل قدم طيرا وكرجل قدم بَيْضَة فَإِذا قعد الإِمَام طويت الصُّحُف\" (^٢).\n\"المهجر\": هُوَ المبكر الْآتِي فِي أول سَاعَة.\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة\" الحديث معناه: والله أعلم غسلا كغسل الجنابة في الصفات وإنما قال ذلك لئلا يتساهل فيه ولا تكمل آدابه ومندوباته، لكنه سنة وليس بواجب هذا هو المشهور في معناه ولم يذكر جمهور العلماء غيره، قال النووي (^٣): وقال بعض أصحابنا في كتب الفقه المراد غسل الجنابة حقيقة قالوا ويستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض لبصره واسكن لنفسه وهذا ضعيف أو باطل والصواب ما قدمناه.\nقوله - ﷺ -: \"ثم راح في الساعة الأولى\" اختلف العلماء في المراد بالرواح من قوله - ﷺ -: \"من راح في الساعة الأولى\" فقيل المراد بالرواح الذهاب من أول النهار والساعات محسوبة من ذلك وذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي حسين وإمام الحرمين من أصحابنا أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفه بعد الزوال، والرواح عندهم بعد الزوال وَادَّعَوْا أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ\n_________\n(^١) ابن خزيمة (١٧٦٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٠).\n(^٢) ابن خزيمة (١٧٧٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٥) والمجموع (٤/ ٥٣٩).","vol":"4","page":627},{"text":"فِي اللُّغَةِ وحجة مالك أن التبكير لا يكون إلا بعد الزوال لأنه مقابل للغدو وأنكر مالك التبكير إليها من أول النهار، وقال لم ندرك عليه أهل المدينة (^١)، ومذهب أحمد وأبي حنيفة والشافعي وجماهير أصحابه وابن حبيب المالكي وجماهير العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وأخره، يقال: راح القوم وتروحوا إذا ساروا أي وقت كان، وقال الأزهري (^٢): لغة العرب أن الرواح الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره أو في الليل وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث، والمعنى لأن النبي - ﷺ - أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى وهو كالمهدي بدنة ثم من جاء في الساعة الثانية كالمهدي بقرة ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة، هذا المذكور من أن الساعات الخمس هو المشهور في كتب الحديث، وفي رواية النسائي (^٣) ست ساعات فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك أحداٍ، ومعلوم أن النبي - ﷺ - كان يخرج إلى الجمعة متصلا بالزوال وهو بعد انقضاء الساعة السادسة، فدل على أنه لا شئ من الهُدى ولا من الفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولأن ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها والترغيب في فضل السبق وتحصيل الصف الأول وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال لأن النداء\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٥٨ - ٣٥٩).\n(^٢) ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ٣٦٨).\n(^٣) سنن النسائي (١٣٨٨) والحديث متفق عليه في البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).","vol":"4","page":628},{"text":"يكون حينئذ ويحرم التخلف بعد النداء (^١) والله أعلم.\nقال: النووي (^٢) واختلف أصحابنا هل تعتبر الساعات من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس؟ والأصح عندهم من طلوع الفجر (^٣) لأنه أول النهار في عرف الشرع عندنا (^٤)، وقال في مختصر الكفاية: أولها من طلوع الشمس، فلذلك ندب التبكير منه وهو وجه في المسألة ليكون ما قيل ذلك للغسل والتأهب (^٥) وقيل ليس المراد بالساعات الأربع والعشرين لأنها تنقص في الشتاء وتزيد في الصيف، فلو قلنا بذلك كانت الجمعة في الشتاء عند العصر لأنه - ﷺ - عدَّ خمس ساعات وجعل السادسة وقتها للجمعة بل المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه لئلا يستوي من جاء في طرفي ساعة، بهذا جزم الرافعي وتبعه في الروضة (^٦). وقال النووي في شرح مسلم (^٧): والأصح أن الساعة معتبره من طلوع الفجر ثم إن من جاء في أول ساعة من\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٥ - ١٣٦) والمجموع (٤/ ٥٤٠). وعمدة القاري (٦/ ١٧٣).\n(^٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٨٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦).\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٣٧٤).\n(^٥) مختصر الكفاية الوحة ٤/ خ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٦) كفاية النبيه (٤/ ٣٧٤)، وشظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٥٣٩) منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه (ص: ٤٦) التذكرة في الفقه الشافعي لابن الملقن (ص: ٣٧).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦).","vol":"4","page":629},{"text":"هذه الساعات، ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش، ولكن بدنة الأول أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة، وبدنة المتوسط متوسطة، وهذا كما أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجه، ومعلوم أن الجماعة تطلق على الإثنين وعلى ألوف، فمن صلى في جماعة هم عشرة ألوف له سبع وعشرون درجة، ومن صلى مع إثنين له سبع وعشرون درجه، لكن درجات الأول أكمل وأشباه هذا كثيرة معروفة، وفيما ذكرته جواب عن اعتراض ذكره القاضي عياض (^١) والله أعلم، ا. هـ.\nوقال في مختصر الكفاية (^٢): أن من قرب بقرة لا يساويه في الفضيلة من قرب بقرة دونها وان استويا في أصل البقرة، كمن أتى بالصلاة مستوفية السثن واقتصر آخر على الإتيان بفرضها، فلا يبعد أن يسوي الشرع بينهما في أصل الفضل إذا حضر في ساعة ويزيد فضل المتقدم (^٣) ا. هـ.\nوهذا هو الذي اختاره النووي في شرح المهذب (^٤) في معنى الحديث ا. هـ.\n_________\n(^١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢١)\n(^٢) ينظر: المدونة (١/ ٢٢٧) التاج والإكليل لمختصر خليل (٢/ ٥١٧) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٦٨) حاشية الصاوي على الشرح الصغير - بلغة السالك لأقرب المسالك (١/ ٤٩٣) الرسالة للقيرواني (ص: ٤٦) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (١/ ٤٥١) التلقين في الفقة المالكي (١/ ٥١) الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٤٨) الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٢٧).\n(^٣) كفاية النبيه (٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧).\n(^٤) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٤١).","vol":"4","page":630},{"text":"وقال أبو طالب المكي في كتابه \"قوت القلوب\" (^١): الساعة الأولى من صلاة الصبح، والثانية عند ارتفاع الشمس، والثالثة عند انبساطها، وهو الضحى الأعلى إذا رمضت الأقدام بحر الشمس، والرابعة قبل الزوال، والخامسة إذا زالت الشمس أو مع استوائها، ولا فضل لمن أتى بعد الساعة الخامسة إلا فضيلة صلاة الجمعة.\nقوله - ﷺ -: \"فكأنما قرب بدنة\" أتى تعرف بها وقال في النهاية (^٢) أي كأنما أهدى ذلك إلى الله تعالى، كما تهدى القربات إلى بيت الله الحرام، والبدنة: قال جمهور أهل اللغة وجماعة من الفقهاء يقع على الواحدة من الإبل والبقر وسميت بذلك لعظم بدانتها (^٣)، وهي الضخامة لأنها تبدن أي تسمن (^٤). وخصها جماعة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق لتصريح الحديث بذلك، والبدنة والبقرة تقعان على الذكر والأنثى باتفاقهم (^٥) وشرطها أن تكون في سن الأضحية عند الفقهاء واللغويين. وجمع البدنة بدن وقال الله تعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي من أعلام دين الله لكم (^٦) فيها فيها خير، قال ابن عباس: \"نفع في الدنيا وأجر في الآخرة\" (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٦/ ٢) فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٥٤).\n(^٢) النهاية (٤/ ٣٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦).\n(^٤) الغريبين (١/ ١٥٧)\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٦) النجم الوهاج (٩/ ٤٩٩)، وحياة الحيوان (١/ ١٦٨).\n(^٧) تفسير ابن أبي حاتم - محققا (٨/ ٢٤٩٤)، وحياة الحيوان (١/ ١٦٨).","vol":"4","page":631},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة\" أي تصدق بها والبقرة تقع على الذكر والأنثى (^١). بالاتفاق كما تقدم.\nفائدة: قال في شرح الإلمام: وقد أجمع العلماء على أن الإبل أفضل من البقر في الهدايا، واختلفوا في الأضحية فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور كذلك، ثم البقر ثم الغنم لهذا، ومذهب الإمام مالك أن الأفضل فيها الغنم ثم البقر ثم الإبل (^٢) نظرا إلى طيب اللحم (^٣) ولأن النبي - ﷺ - ضحى بكبشين (^٤)، قلنا قلنا طيب اللحم لا يوازي الكثرة وعموم النفع، وأما الضحية بكبشين فبحسب ما وجد أو لتبيين الجواز، وقد ضحى النبي - ﷺ - عن نسائه بالبقر (^٥) قالوا: لا نسلم فإنما هو هدي وأطلق الراوي عليه التضحية لشبهها به، ولان ذلك في منى ولا ضحية على الحاج قلنا: لا نسلم بل أكثر أهل العلم على أنهم يضحون والهدي اسم له يجمعه ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند التعذر والله\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٧)\n(^٣) انظر المنتقى (٢/ ٣١٥) و(٣/ ٨٨) والمسالك (٥/ ١٧٤) وإكمال المعلم (٦/ ٤٠٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٥٥١) و(١٧١٢) و(١٧١٤) و(١٧١٥)، ومسلم (١٧ و١٨ - ١٩٦٦)، وابن ماجه (٣١٢٠)، وأبو داود (٢٧٩٣) و(٢٧٩٤)، والترمذي (١٤٩٤)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٢١ (٤٤٢٦) و٧/ ١٣١ (٤٤٢٧) و(٤٤٢٨) و٧/ ١٥١ (٤٤٥٦) و(٤٤٥٧) و٧/ ١٥٢ (٤٤٥٨ و٤٤٥٩) عن أنس.\n(^٥) انظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٧). وتضحيته (د) بالبقر: أخرجه البخاري (٢٩٤) و(٥٥٤٨) و(٥٥٥٩) ومسلم (١١٩ - ١٢١١)، وابن ماجه (٢٩٦٣)، والنسائي في المجتبى ١/ ٤٣٤ (٢٩٥) عن عائشة.","vol":"4","page":632},{"text":"أعلم.\nوأيضًا فما يجزئ عن سبعة كيف لا يكون أفضل مما يقع عن واحدة لا غير وفيه فضيلة الهدايا والقربات والصدقات وأن المراد بالإهداء هنا الصدقة والتقرب.\nواعلم أن الهدي المطلق يقع على الإبل والبقر والغنم ويجوز إطلاقه على سواها بقيد وقرينة والله أعلم ا. هـ.\nوَسُمِّيَتْ بَقَرَةٌ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشُقُّهَا بِالْحِرَاثَةِ وَالْبَقْرُ بإسكان القاف الشَّقُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بَقَرَ بَطْنَهُ وَمِنْهُ سُمِّيَ مُحَمَّد الْبَاقِرُ - ﵁ -: لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ وَدَخَلَ فِيهِ مَدْخَلًا بَلِيغًا وَوَصَلَ مِنْهُ غَايَةً مَرْضِيَّةً (^١) ومنه أيضا حديث عمر - ﵁ - \"اتَّقُوا اللهَ فِي الْفَلَّاحِينَ\" (^٢) يَعْنِي الزَّرَّاعين الَّذِينَ يَفْلَحونَ الأَرض أَي يشقونها (^٣) ا. هـ\nقوله - ﷺ -: \"ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن\" الحديث، وصف الكبش بأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة وأن قرنه ينتفع به، والكبش الأقرن هو الذي التقى طرفا قرنيه من العظم (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٧)، والعدة (٢/ ٦٨٥).\n(^٢) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (١٣٢)، وسعيد بن منصور في السنن (٢٦٢٥)، وابن أبي شيبة ٦/ ٤٨٣ (٣٣١٢٠)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ١٥٥ رقم ١٨١٥٩) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، عن عمر بن الخطاب.\n(^٣) المجموع المغيث (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦)، والنهاية (٣/ ٤٦٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٧) والعدة (٢/ ٦٨٦).","vol":"4","page":633},{"text":"قوله: - ﷺ - \"ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة\" أي تصدق بها، والدجاجة مثلثة الدال حكاه ابن معين الدمشقي، وابن مالك وغيرهما، الواحدة دجاجة، الذكر والأنثى فيه سواء سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها وإدبارها يقال: دَجَّ القَوْمُ يَدِجُّونَ دَجًّا ودَجِيجًا ودَجَجانًا: مَشَوْا مَشْيًا رُوَيْدًا فِي تَقارُبِ خَطْوٍ، وَقِيلَ: هُوَ أَن يُقْبِلُوا وَيُدْبِرُوا (^١) والله أعلم.\nأعجوبة ومن عجب أمرها أنه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها ابن أوى وهي على سطح رمت نفسها إليه وتوصف بقلة النوم وسرعة الانتباه، ويقال أن نومها واستيقاظها، وإنما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال: إنها تفعل ذلك من شدة الجبن وأكثر ما عندها من الحيلة أنها لا تنام على الأرض بل ترتفع على رف أو جزع أو جدار أوما قارب ذلك. وإذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة وبادرت إليها والله أعلم قاله في حياة الحيوان (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة\" والدجاجة والبيضة ليستا من الهدي وإنما هو من الإبل والبقر وفي الغنم خلاف (^٣) فهو محمول على حكم ما تقدم من الكلام لأنه لما قال أهدى بدنة وأهدى بقرة وشاة أتبعه الدجاجة والبيضة كما تقول: أكلت طعامًا وشرابًا والأكل يختص\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٥٨) والمحكم لابن سيده (٧/ ١٨٩).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٤٥٨).\n(^٣) شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٨٢)، والنهاية (٥/ ٢٥٤).","vol":"4","page":634},{"text":"بالطعام دون الشراب ومثله قول الشاعر: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا.\nوالتقليد بالسيف دون الرمح ا. هـ. قاله في النهاية (^١).\nلطيفة عجيبة: حكى ابن خلكان (^٢) في ترجمة الهيثم بن علي أن رجلا من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية فجاءه سائل فرده خائبا وكان الرجل مترفًا فوقع بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله، وتزوجت امرأته، فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية جاءه سائل له فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة، فناولته، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول فأخبرته بالقصة، فقال الزوج الثاني وأنا والله ذلك المسكين الأول، خولني الله نعمته وأهله لقلة شكره ا. هـ، قاله في حياة الحيوان (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\" الحديث حضرت بفتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان (^٤)، الفتح أفصح وأشهر وبه جاء القرآن العزيز قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (^٥) الآية، وقالوا: المراد بهؤلاء الملائكة هنا هم غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضر الجمعة، قوله: \"يستمعون الذكر\" المراد بالذكر هنا: الخطبة، قوله: في الرواية الأخرى \"ومثل\n_________\n(^١) غريب الحديث (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠) للخطابى، وإكمال المعلم (٣/ ٢٤٠)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٥٤).\n(^٢) وفيات الأعيان (٦/ ١٠٨).\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٤٦١).\n(^٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٦٣٢) لسان العرب (٤/ ١٩٦).\n(^٥) سورة النساء، الآية: ٨.","vol":"4","page":635},{"text":"المهجر\" الحديث.\nالمهجر: هو المبكر الآتي في أول ساعة (^١) ا. هـ. قاله الحافظ (^٢).\nوقال الخليل بن أحمد (^٣) وغيره من أهل اللغة وغيرهم: التهجير التبكير ومنه الحديث: \"لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه\" أي التبكير إلى كل صلاة هكذا فسروه، قال القاضي (^٤): وقال الحربي عن أبي زيد عن الفراء وغيره: التهجير السير في الهاجرة، والصحيح هنا أن التهجير التبكير (^٥).\nقوله في الحديث: \"فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\" وفي الرواية الأخرى: \"فإذا جلس الإمام طووا الصحف\" (^٦) ولا تعارض بينهما بل ظاهر الحديثين أن بخروج الإمام يحضرون ولا يطوون الصحف فإذا جلس على المنبر طووها أي ولم يكتبوا بعد ذلك أحدا، وهذا يقوي ما قيل بأن الإمام يخرج في أول السابعة متصلا بالزوال وهم لا يكتبون أحدا حينئذ فكيف يقال أنها من الزوال وأيضا فإنه يحرم التخلف بعد النداء.\nوفي هذا الحديث الحث على التبكير إلى الجمعة، وإلى كل عبادة وفضيلة بالسبق إليها (^٧) ا. هـ. قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) القاموس المحيط (ص: ٣٧٦) تاج العروس (١١/ ٣٧).\n(^٢) أي الحافظ المنذري ولنظر: فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٥٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٥).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٣٩)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٥).\n(^٦) سبق تخريجه.\n(^٧) انظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٤٠ - ٥٤١)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦، =","vol":"4","page":636},{"text":"وفي الحديث: استحباب الجلوس للخطيب أول صعوده حتى يؤذن المؤذن وهو مستحب عند الشافعي ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه أنه لا يستحب، ودليل الجمهور هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح، والدليل على أنه ليس بواجب أنه ليس من الخطبة (^١) ا. هـ.\nأما فقه حديث الجمعة: ففيه الحث على التبكير إلى الجمعة، وأن مراتب الناس في الفضيلة فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم، وهو من باب قول الله ﷿ [إن أكرمكم عند الله أتقاكم]، وفيه أن القربات، والصدقة تقع على القليل والكثير، وقد جاء في رواية النسائي (^٢): بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضه، وفي رواية له: بعد الكبش دجاجة ثم عصفور ثم بيضة (^٣)، وإسناد الروايتين صحيحان قاله النووي في شرح مسلم (^٤)، وفيه أن التضحية بالإبل أفضل من البقر لأن النبي - ﷺ - قدم الإبل وقد جعل البقر في الدرجة الثانية، وقد أجمع العلماء على أن الإبل أفضل من البقر في الهدايا.\nقوله في الرواية الأخرى: \"وعلى كل باب من أبواب المساجد ملكان\n_________\n= (٦/ ١٣٦)، وطرح التثريب (٣/ ١٧١ - ١٧٢).\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٦).\n(^٢) أخرجه النَّسائيُّ (١٣٨٥) وأحمد في المسند (٢/ ٢٥٩)، والدارمي في سننه (١٥٤٤).\n(^٣) أخرجه النَّسائيُّ (١٣٨٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٦)، عن أبي هريرة. والإمام أحمد في المسند (٣/ ٨١)، عن أبي سعيد الخدري.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦).","vol":"4","page":637},{"text":"يكتبان الأول فالأول\" الحديث. الأول فالأول: بفتح الهمزة وتشديد الواو وظاهره أن الأول يستدعى ثانيا، فيه خلاف وينبني عليه ما لو قال: أول من يفعل كذا فهو جزاؤه فله درهم ففعله واحد ولم يفعله بعده أحد، هل يستحق أم لا؟ الراجح الأول وسمي الثاني أولا باعتبار الثالث، والثالث باعتبار الرابع، والمراد السابق، فتسمية الثاني سابقا باعتبار ما بعده صحيح، وتسميته الأول مجاز بهذا المعنى ا. هـ، قاله شارح الإلمام.\n\n١٠٦٢ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - ضرب مثل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ التبكير كَأَجر الْبَقَرَة كَأَجر الشَّاة حَتَّى ذكر الدَّجَاجَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن سمرة بن جندب الصحابي (^٢)، وجندب بضم الدال، وفتحها، هو أبو سعيد، ويقال أبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله، وأبو سليمان، وأبو محمد سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بحاء مهملة مفتوحة، ثم راء مكسورة، ثم مثناه تحت، ثم جيم، بن مرة بن عمرو بن جابر بن خشين بخاء مضمومة وشين معجمتين ابن غطفان الفزارى توفي أبوه وهو صغير فقدمت أمه المدينة فتزوجها أنصاري وكان في حجره، حتى كبر قيل أجازه النبي - ﷺ - في المقاتلة يوم أحد وغزا مع النبي - ﷺ - غزوات ثم سكن البصرة، وكان زياد\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٠٩٣)، والطبراني في الكبير (٦٩٦٨)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٦٤)، هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١١).\n(^٢) الإصابة ٢/ ٧٨، الاستيعاب: ٦٥٣، أسد الغابة ٢/ ٣٥٤.","vol":"4","page":638},{"text":"يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، ويسخلفه على الكوفة إذا سار إلى البصرة، وكان في كل واحدة منهما ستة أشهر وكان شديدا على الخوارج روي له عن النبي - ﷺ - مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثيين، ومسلم بأربعة توفي - ﵁ -: بالبصرة سنة تسع وقيل ثمان وخمسين، وقال البخاري (^١) توفي سمرة بعد أبي هريرة يقال آخر سنة تسع وخمسين، ويقال سنة ستين، وفي صحيح البخاري ومسلم عن سمرة، قال: لقد كنت على عهد رسول - ﷺ - غلاما فكنت أحفظ عنه فما منعني من القول إلا أن هنا رجالا هم أسن مني (^٢). ذكره النووي في تهذيب الأسماء (^٣).\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - ضرب مثل الجمعة \"ثم التبكير كأجر البقرة كأجر الشاة\" الحديث تقدم معناه في الحديث قبله.\n\n١٠٦٣ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تقعد الْمَلَائِكَة يَوْم الْجُمُعَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد مَعَهم الصُّحُف يَكْتبونَ النَّاس فَإِذا خرج الإِمَام طويت الصُّحُف قلت يَا أَبَا أُمَامَة لَيْسَ لمن جَاءَ بعد خُرُوج الإِمَام جُمُعَة قَالَ بلَى وَلَكِن لَيْسَ مِمَّن يكْتب فِي الصُّحُف رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده مبارك بن فضَالة (^٤).\n_________\n(^١) التاريخ الكبير ٤/ ١٧٦.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٢ و١٣٣١ و١٣٣٢) ومسلم (٨٧ و٨٨ - ٩٦٤) واللفظ لمسلم.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦ ترجمة ٢٣٣).\n(^٤) أحمد (٢٢٢٦٨)، والطبراني في الكبير (٨٠٨٥)، قال الهيثمي (٢/ ١٧٧)، وفيه مبارك بن =","vol":"4","page":639},{"text":"١٠٦٤ - وَفِي رِوَايَة لأحمد - ﵁ - سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول تقعد الْمَلَائِكَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد فيكتبون الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث حَتَّى إِذا خرج الإِمَام رفعت الصُّحُف ورواة هَذَا ثِقَات (^١).\nقوله وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة.\nقوله - ﷺ -: \"تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد معهم الصحف يكتبون الناس فإذا خرج الإمام طويت الصحف \"ويسن التبكير إلى الجمعة أي من المأمومين لقول الله تعالى [يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون] ولقوله - ﷺ - في الحديث الآخر \"على كل باب من أبواب المسجد ملائكة الأول فالأول\" (^٢)، وذكر حجة الإسلام الغزالي في الإحياء (^٣) أنه قيل أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع يوم الجمعة، وأن الناس في القرن الأول كانوا يمشون سحرا، والطرقات مملوه بالناس، وبالسُروج كأيام الأعياد ا. هـ. وتقدم الكلام على الملائكة أنهم غير الحفظة.\n\n١٠٦٥ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ -: قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة خرجت الشَّيَاطِين يريثون النَّاس إِلَى أسواقهم وتقعد الْمَلَائِكَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد\n_________\n= فضالة وقد وثقه جماعة وضعفة آخرون، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٢).\n(^١) أحمد (٢٢٢٤٢)، وقال الهيثمي (٢/ ١٧٧)، ورواة أحمد ثقات.\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٢٩) و(٣٢١١)، ومسلم (٢٤ و٢٥ - ٨٥٠) عن أبي هريرة.\n(^٣) الإحياء (١/ ١٨٢).","vol":"4","page":640},{"text":"يَكْتُبُونَ النَّاس على قدر مَنَازِلهمْ السَّابِق وَالْمُصَلي وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى يخرج الإِمَام فَمن دنا من الإِمَام فأنصت واستمع وَلم يلغ كَانَ لَهُ كفلان من الأجر وَمن نأى فاستمع وأنصت وَلم يلغ كَانَ لَهُ كفل من الأجر وَمن دنا من الإِمَام فلغا وَلم ينصت وَلم يستمع كَانَ عَلَيْهِ كفلان من الْوزر وَمن قَالَ صه فقد تكلم وَمن تكلم فَلَا جُمُعَة لَهُ ثمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعت نَبِيَّكُم - ﷺ - يَقُول رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه (^١).\nوَأَبُو دَاوُد وَلَفظه: إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة غَدَتْ الشَّيَاطِين براياتها إِلَى الأسْوَاق فيرمون النَّاس بالترابيث أَو الربايث ويثبطونهم عَن الْجُمُعَة وتغدو الْمَلَائِكَة فَيَجْلِسُونَ على أَبْوَاب الْمَسَاجِد ويكتبون الرجل من سَاعَة وَالرجل من ساعتين حَتَّى يخرج الإِمَام فَإِذا جلس مَجْلِسا يستمكن فِيهِ من الاسْتِمَاع وَالنَّظَر فأنصت وَلم يلغ كَانَ لَهُ كفلان من الأجر فَإِن نأى حَيْثُ لا يسمع فأنصت وَلم يلغ كَانَ لَهُ كفل من الأجر فَإِن جلس مَجْلِسا لا يستمكن فِيهِ من الاسْتِمَاع وَالنَّظَر فلغا وَلم ينصت كَانَ لَهُ كفلان من وزر فَإِن جلس مَجْلِسا يستمكن فِيهِ من الاسْتِمَاع وَالنَّظَر ولغا وَلم ينصت كَانَ لَهُ كفل من وزر قَالَ وَمن قَالَ لصَاحبه يَوْم الْجُمُعَة أنصت فقد لَغَا وَمن لَغَا لَيْسَ لَهُ فِي جمعته شَيْء ثمَّ قَالَ فِي آخر ذَلِك سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول ذَلِك (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (٧١٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٧)، وفيه رجل لم يسم، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٢).\n(^٢) أبو داود (١٠٥١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٥٧).","vol":"4","page":641},{"text":"قَالَ الْحَافِظ: وَفِي إسنادهما راو لم يسم.\n\"الربايث\": بالراء وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف وياء مثناة تَحت بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة جمع ربيثة وَهِي الأمر الَّذِي يحبس الْمَرْء عَن مقْصده ويثبطه عَنهُ وَمَعْنَاهُ أَن الشَّيَاطِين تشغلهم وتقعدهم عَن السَّعْي إِلَى الْجُمُعَة إِلَى أَن تمْضِي الأوْقَات الفاضلة. قَالَ الْخطابِيّ: الترابيث لَيْسَ بِشَيْء إِنَّمَا هُوَ الربايث.\nوَقَوله: \"فيرمون النَّاس\" إِنَّمَا هُوَ فيريثون النَّاس قَالَ وَكَذَلِكَ رُوِيَ لنا فِي غير هَذَا الحَدِيث. قَالَ الْحَافِظ: يُشِير إِلَى لفظ رِوَايَة أَحْمد الْمَذْكُورَة.\nوَقَوله: \"صه\": بِسُكُون الْهَاء وتكسر منونة وَهِي كلمة زجر للمتكلم أَي اسْكُتْ والكفل بِكَسْر الْكَاف هُوَ النَّصِيب من الْأجر أَو الْوزر.\nقوله: وعن علي بن أبي طالب هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المكي المدني الكوفي أمير المؤمنين ابن عم رسول الله - ﷺ -، واسم أبي طالب عبد مناف هذا المشهور، وقيل اسمه كنيته، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله - ﷺ -، وصلى عليها رسول الله - ﷺ - ونزل في قبرها كنية علي - ﵁ -، أبو الحسن وكناه رسول الله - ﷺ - أبا تراب فكان أحب ما ينادى به إليه وهو أخو رسول الله - ﷺ - بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وأول خليفة من بني هاشم وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول الله - ﷺ - وهو","vol":"4","page":642},{"text":"عنهم راض، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، وأحد السابقين إلى الإسلام وقد اختلف العلماء في أول من أسلم من الأمة فقيل خديجة، قال وإنما الخلاف في الأول بعدها قال العلماء، الأورع أن يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة ومن العبيد بلال، وأما زهده - ﵁ - فهو من الأمر المشهور والتي اشترك في معرفتها الخاص والعام، وأما ما روي في مسند الإمام أحمد بن حنبل (^١)، وغيره أنه قال: لقد رأيتني وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقتي لتبلغ في اليوم أربعة الأف دينار، وفي رواية أخرى: أربعين ألف دينار، فقال العلماء: لم يرد به زكاة مال يملكه، وإنما أراد الوقوف [جمع وقف] التي تصدق بها وجعلها صدقة جارية وكان من قبلها يبلغ هذا القدر، قالوا: ولم يدخر قط مالا يقارب هذا المبلغ، ولم يترك حين توفي إلا ستمائة درهم. روى عن سفيان بن عيينة قال: ما بنى علي لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، وروي أنه كان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم.\nوأما الأحاديث الواردة في الصحيح فكثيرة في فضل علي - ﵁ - وعن ابن عمر - ﵁ -، قال: \"آخَى رسول الله - ﷺ - بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه، فقال يا رسول الله أنت أخي في الدنيا والآخرة\" رواه الترمذي (^٢)، وعن أم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٣٦٧) الدولابي في الكنى والأسماء ٢/ ١٦٣.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٧٢٠)، والحاكم في المستدرك (٤٢٨٨) وابن الأعرابي في معجمه =","vol":"4","page":643},{"text":"عطية - ﵁ -: قالت: \"بعث النبي - ﷺ - جيشا فيهم علي فسمعت النبي - ﷺ - وهو رافع يديه يقول اللَّهُمَّ لا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا\" رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث حسن، وكذلك الحديث الذي قبله، وعن أبي زر بن حبيش صاحب علي قال: قال علي: \"وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ - ﷺ - إِلَيَّ: \"أَنْ لا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِن، وَلا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ \" رواه مسلم (^٢)، وأحوال علي وفضائله في كل شيء مشهورة غير منحصرة، ولي الخلافة خمس سنين، وقيل إلا شهرا بويع بالخلافة في مسجد رسول الله - ﷺ - بعد قتل عثمان لكونه أفضل الصحابة حينئذ، وذلك في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ذكره النووي في تهذيب الأسماء (^٣).\nقوله: إذا كان يوم الجمعة خرجت الشياطين يريثون النَّاس إِلَى أسواقهم الحديث، قد ضبطه الحافظ (أي المنذري) وفسره.\nقوله: فمن دنا من الإمام أي قرب روى أبو داود في سننه (^٤) أنه - ﷺ - قال: \"أحضروا الذكر وأدنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في\n_________\n= (١٣٦٦) وقال الألباني في الأحاديث الضعيفة (١/ ٥٢٦): موضوع.\n(^١) سنن الترمذي (٣٧٣٧) وقال الألباني في المشكاة (٦٠٩٠): ضعيف.\n(^٢) صحيح مسلم (١٣١).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٤ - ٣٥٠ ترجمة ٤٣٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود (١١٠٨) وأحمد (٢٠١١٨)، والحاكم (١/ ٢٨٩)، والبيهقي (٣/ ٢٣٨) والطبراني في الصغير (٣٤٦)، والبيهقي (٣/ ٢٣٨)، وصححه الألباني في الصحيحة (٣٦٥).","vol":"4","page":644},{"text":"الجنة وإن دخلها\".\nوفي القرب من الإمام أربع فوائد: فضل الصف الأول، واستماع الخطبة، واستماع قراءته في الصلاة، ومجالسة الملائكة فإنهم يحضرون عند المنبر يستمعون الخطبة.\nقوله \"فأنصت واستمع ولم يلغ\" تقدم معنى الإنصات والاستماع في أول الحديث في أول باب الجمعة، ومعنى \"لم يلغ\" فيما لا يعنيه بكلام ليس فيه خير لأن الكلام في وقت الخطبة لغو بدليل قوله - ﷺ - \"إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت\".\nفائدة: في الجمعة ثلاث خصال، الأولى: فيه ساعة لا يوافقها سائل إلا أعطاه الله مسألته، الثانية: من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى كالمتصدق ببدنة، الثالثة: أن من حضر الجمعة واستمع لها وترك اللغو رُحِم لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (^١) والمراد بالقرآن الخطبة، سميت قرآنا لأنه يتلى فيها القرآن، وتقدم ذلك.\nقوله: كان له كفل من الأجر وقد فسره الحافظ (^٢) فقال: هو النصيب من الأجر والوزر. قوله: ومن نأى، أي بعد، قوله: ومن قال صه فقد تكلم، قد ضبط الحافظ هذه الكلمة وفسرها فقال هي كلمة زجر للمتكلم معناها اسكت ا. هـ.\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.\n(^٢) يعني المنذري وانظر كذلك: فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٧١).","vol":"4","page":645},{"text":"وقال في النهاية (^١): صه كلمة زجر يقال عند الإسكات وتكون للواحد، وللاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بمعنى اسكت، وهي من أسماء الأفعال وتنون ولا تنون فإذا نونت فهي للتنكير كأنك قلت: اسكت سكوتا، وإذا لم تنون فالتعريف أي اسكت السكوت المعروف منك ا. هـ.\nوالكلام كله في حال الخطبة حرام إلا لضرورة تبيحه وإنما مثل النبي - ﷺ - بهذه الكلمة لأن الكلام المفيد لا يكون أقل من حرفين وإذا حرم النطق بحرفين معناهما الأمر بالسكوت والإنصات، وهو أمر بخير ولا يكاد يفوت به سماع شيء من الخطبة فما ظنك بما طال من الكلام المباح وأشغل عن الاستماع بل ما ظنك بالكلام فيما لا يعني، اللهم سامحنا بكرمك فإنك أرحم الراحمين، ذكره الحافظ الدمياطي في المتجر الرابح (^٢).\nقوله: \"ومن تكلم فلا جمعة له\" أي كاملة.\n\n١٠٦٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ إِذا كانَ يَوْم الْجُمُعَة قعدت الْمَلَائِكَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد فيكتبون من جَاءَ من النَّاس على مَنَازِلهمْ فَرجل قدم جزورا وَرجل قدم بقرة وَرجل قدم شَاة وَرجل قدم دجَاجَة وَرجل قدم بَيْضَة قَالَ فَإِذا أذن الْمُؤَذّن وَجلسَ الإِمَام على الْمِنْبَر طويت الصُّحُف ودخلوا الْمَسْجِد يَسْتَمِعُون الذّكر رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٣). وَرَوَاهُ النَّسَائيُّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٦٣).\n(^٢) المتجر الرابح (ص ٢١٧).\n(^٣) أحمد (١١٧٦٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٧)، ورجاله ثقات، وحسنه =","vol":"4","page":646},{"text":"١٠٦٧ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب - ﵁ - عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ تبْعَث الْمَلائِكَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد يَوْم الْجُمُعَة يَكْتمونَ مَجِيء النَّاس فَإِذا خرج الإِمَام طويت الصُّحُف وَرفعت الأقلام فَتَقول الْمَلائِكَة بَعضهم لبَعض مَا حبس فلَانا فَتَقول الْمَلائِكَة اللَّهُمَّ إِن كَانَ ضَالًا فاهده وَإِن كَانَ مَرِيضا فاشفه وَإِن كَانَ عائلا فأغنه رَوَاهُ ابْن خُزَيمه في صحِيحه (^١).\n\"العائل\": الْفَقِير.\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على أبي سعيد الخدري.\nقوله - ﷺ -: \"إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد\" شرح الكلام على الملائكة وعلى بقية ألفاظ الحديث.\nقوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصى (^٢)، وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وقال شيخنا أبو الحسن علي بن عمر: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد الأدنى منهم محمد بن عبد الله والأوسط عبد الله بن عمرو والأعلى عمرو بن العاص، وقد سمع من الأدنى منهم سمع من جده محمد، ومحمد لم يدرك النبي - ﷺ -، وسمع من جده عبد الله بن عمرو فإذا أثبته وكشف عن اسمه فهو حينئذ صحيح، ولم يسمع من جده عمرو بن العاص، قال محمد بن محمد\n_________\n= الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٣).\n(^١) ابن خزيمة (١٧٧١).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٥/ ١٦٥)، تهذيب الكمال: ١٠٣٧.","vol":"4","page":647},{"text":"بن الحسين أبو عبد الرحمن السلمي (^١): فسألت أبا الحسن الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فقال: إذا قال: \"عن أَبيه عن جَدِّه\" يُوهِمُ أن يكونَ جَدَّه الأعلى أو جدَّه الأدنى ما لم يُبيِّنْ، فإذا بيَّن فهو صحيح ولم يَتركْ حديثَه أحدٌ من الأئمة (^٢) ا. هـ.\nوقال النووي (^٣): شعيب والد عمرو بن شعيب هو أبو عمرو شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي التابعي سمع جده عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس وهو ثقة، وأنكر بعضهم سماعه من جده (^٤) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"تبعث الملائكة على أبواب المسجد يوم الجمعة يكتبون مجيء الناس\" تقدم الكلام على الملائكة.\nقوله - ﷺ -: \"فتقول الملائكة: اللهم إن كان ضالا فأهده\" الضال: هو ضد المهتد قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾.\nقوله: \"وإن كان عائلًا فأغنه\"، وقد فسر الحافظ (^٥) العائل بالفقير ا. هـ.\nقال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ أي فقيرا فأغناك بمال\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٨.\n(^٢) سؤالات السلمي للدارقطني (ص: ٢١٥) تحقيق فريق من الباحثين بإشراف الدكتور سعد الحميد والجريسي، وذكره المقدسى في إيضاح الإشكال (ص: ٢٩).\n(^٣) ينظر: تهذيب الكمال: ١٠٣٧، تذهيب التهذيب ٣/ ١٠١.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧ ترجمة ٢٥٥).\n(^٥) يعني المنذري وانظر كذلك: فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٨٢).","vol":"4","page":648},{"text":"خديجه (^١) على أحد التفاسير في ذلك.\n\n١٠٦٨ - وَعَن أبي عُبَيْدَة - ﵁ - قَالَ قَالَ عبد الله سارعوا إِلَى الْجُمُعَة فَإِن الله يبرز إِلَى أهل الْجنَّة فِي كل يَوْم جُمُعَة فِي كثيب كافور فيكونون مِنْهُ فِي الْقرب على قدر تسارعهم فَيحدث الله ﷿ لَهُم من الْكَرَامَة شَيْئا لم يَكُونُوا رَأَوْهُ قبل ذَلِك ثمَّ يرجعُونَ إِلَى أَهْليهمْ فيحدثونهم بِمَا أحدث الله لَهُم قَالَ ثمَّ دخل عبد الله الْمَسْجِد فَإذا هُوَ برجلَيْن يَوْم الْجُمُعَة قد سبقاه فَقَالَ عبد الله رجلَانِ وَأَنا الثَّالِث إِن شَاءَ الله أَن يُبَارك فِي الثَّالِث رَوَاهُ الطَّبَرَنيُّ فِي الْكَبِير (^٢). وَأَبُو عُبَيْدَة اسْمه عَامر وَلم يسمع من أَبِيه عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - وَقيل سمع مِنْهُ.\nقوله: وعن أبي عبيدة قال الحافظ: اسمه عامر قال الترمذي: لا يعرف اسمه، وقال الإمام أحمد بن حنبل: كانوا يفضلون ابنه عبيدة على أخيه عبد الرحمن أ، هـ قاله في الديباجة. ولم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود، وقيل سمع منه ا. هـ، قاله الحافظ.\nقوله: قال عبد الله: سارعوا إلى الجمعة، المسارعة: هي المبادرة.\nقوله: فإن الله يبرز في كل جمعة إلى أهل الجمعة في كثيب كافور فيكونون\n_________\n(^١) المسالك (٦/ ٤٨١)، وتفسير السمرقندى (٣/ ٥٩٢) وهو قول عطاء كما في التفسير البسيط (٢٤/ ١١٣).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٩١٦٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٨)، رواه الطبراني في الكبير وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وقال الشيخ الألباني في ضعيف الترغيب (٤٣٥): ضعيف موقوف.","vol":"4","page":649},{"text":"منه في القرب على قدر تسارعهم. الكثيب: المجتمع من الرَّمْل كالتلة.\n\n١٠٦٩ - وَعَن عَلْقَمَة - ﵁ - قَالَ خرجت مَعَ عبد الله بن مَسْعُود يَوْم الْجُمُعَة فَوجدَ ثَلَاثَة قد سَبَقُوهُ فَقَالَ رَابِع أَرْبَعَة وَمَا رَابِع أَرْبَعَة من الله بِبَعِيد إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن النَّاس يَجْلِسُونَ يَوْم الْقِيَامَة من الله ﷿ على قدر رَوَاحهمْ إِلَى الْجُمُعَات الأول ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث ثمَّ الرَّابِع وَمَا رَابِع أَرْبَعَة من الله بِبَعِيد رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن أبي عَاصِم وإسنادهما حسن (^١).\nقَالَ الْحَافِظ ﵀ وَتقدم حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من غسل واغتسل ودنا وابتكر واقترب واستمع كانَ لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها قيام سنة وصيامها.\nوَكَذَلِكَ تقدم حَدِيث أَوْس بن أَوْس نَحوه.\nقوله وعن علقمة (هو أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن عوف، الكوفى التابعى الكبير، الفقيه، البارع، سمع عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن مسعود، وغيرهم من الصحابة. وأجمعوا على جلالته، وقال أحمد بن حنبل: علقمة ثقة من أهل الخير. توفى سنة ثنتين وستين، وقيل: ثنتين وسبعين من الهجرة) (^٢).\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٠٩٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٢٠)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٦٤)، هذا إسناد فيه مقال، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٠٠). وفي ضعيف ابن ماجه (٢٢٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٢ - ٣٤٣ ترجمة ٤٢٥).","vol":"4","page":650},{"text":"قوله: قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود يوم الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة أي أحد أربعة، قوله: وما رابع أربعة من الله ببعيد اغتم ابن مسعود لذلك، وجعل يقول لنفسه معاتبا أياه رابع أربعة.\nقوله - ﷺ - \"إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله ﷿ قدر رواحهم إلى الجمعات\" الحديث يستحب البكور إلى الجامع يوم الجمعة لهذا الحديث، ورواه النيسابوري، فقال: إن الناس ينظرون إلى ربهم يوم الجمعة يوم الزيارة في الجنة بمقدار ذهابهم إلى الجمعة، قال الشيخ أبو طالب المكي (^١) ﵀: كان يُرى في في القرن الأول في السحر، وبعد الفجر الطرقات لمملوءة من الناس يمشون في السُرُج، ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد حتى اندرس ذلك.\nوقيل أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع يوم الجمعة خرج رجل من السلف إلى الجمعة فوجد الناس قد سبقوه إلى الظل فقعد في الشمس فناداه رجل من الظل أن يدخل إليه فأبى أن يتخطى الناس لذلك ثم تلا ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار، فإن الساعة تقوم يوم الجمعة ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار قاله ابن مسعود وتلى قوله\n_________\n(^١) قوت القلوب (١/ ١٢٧).","vol":"4","page":651},{"text":"تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ (^١) ذكره ابن رجب في اللطائف (^٢).\nقوله - ﷺ - في حديث عبد الله بن عمرو: \"ومن غسل واغتسل ودنا وابتكر واقترب\" أي قرب من الإمام، وابتكر وغدا إلى الجامع بكرة، وتقدم بقية ألفاظ هذا الحديث في أحاديث الجمعة.\n\n١٠٧٠ - وَرُوِيَ عَن سَمُرَة - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - احضروا الْجُمُعَة وادنوا من الإِمَام فَإِن الرجل ليَكُون من أهل الْجنَّة فَيتَأَخَّر عَن الْجُمُعَة فيؤخر عَن الْجنَّة وَإنَّهُ لمن أَهلهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ والأصبهاني وَغَيرهمَا (^٣).\nقوله: وروي عن سمرة تقدم الكلام على سمرة بن جندب.\nقوله - ﷺ -: \"احضروا الجمعة وادنوا من الإمام\" الدنو هو القرب من الإمام.\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٢٤.\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٢١).\n(^٣) الطبراني في الكبير (٦٨٥٤)، وفي الصغير (٣٣٨)، والأصبهاني في الترغيب (٩٤٠)، وأحمد (٢٠١١٢)، والبيهقي (٣/ ٢٣٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٧)، رواه الطبراني في الصغير، وفيه الحكم بن عبد الملك، وهو ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٥).","vol":"4","page":652},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>التَّرْهِيب من تخطي الرّقاب يَوْم الْجُمُعَة</span>\n١٠٧١ - عَن عبد الله بن بسر - ﵁ -. قَالَ جَاءَ رجل يتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ - ﷺ - يخْطب فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - اجْلِسْ فقد آذيت وآنيت، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيُّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَيْسَ عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائيّ وآنيت وَعند ابْن خُزَيْمَة فقد آذيت وأوذيت (^١).\nوَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر بن عبد الله (^٢).\n\"آنيت\": بِمد الْهمزَة وَبعدهَا نون ثمَّ يَاء مثناة تَحت أَي أخرت الْمَجِيء.\n\"وَآذَيْت\": بتخطيك رِقَاب النَّاس.\nقوله: عن عبد الله بن بسر بضم الموحدة، وبالسين المهملة، بن أبي بسر المازني السلمي أبو بسر، ويقال: أبو صفوان له ولأبويه وأخته الصماء وعمته صحبة زارهم النبي - ﷺ - وأكل عندهم، ودعا لهم، سكن عبد الله حمص هو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقيل أبو أمامة توفي سنه ست وتسعين، وقيل سنة ثمان وثمانين بحمص فجأة وهو ابن مائة، وقيل عاش أربعا وتسعين سنة، وهو ممن صلى إلى القبلتين، روى عبد الله بن بسر عن رسول\n_________\n(^١) أحمد (١٧٦٩٧)، وأبو داود (١١١٨)، والنسائي (٣/ ١٥٣)، وابن خزيمة (١٨١١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٦).\n(^٢) ابن ماجه (١١١٥)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٧٠)، هذا إسناد رجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٦).","vol":"4","page":653},{"text":"الله - ﷺ - خمسين حديثا، روى عن النبي - ﷺ -، وعن أبيه، وأخته الصماء (^١).\nقوله: \"جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي - ﷺ - يخطب فقال النبي - ﷺ -: اجلس فقد آذيت وآنيت\" قد فسر الحافظ (^٢)، فقال: آنيت بمد الهمزة، فقال: أي أخرت المجيء يعني وأبطأت، يقال: أنيت، وأنيت، واستأنيت، قاله ابن الأثير (^٣).\nقوله: وآذيت أي بتخطّيك رقاب الناس.\n\n١٠٧٢ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من تخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْقِيَامَة اتخذ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم (^٤).\nقوله: وروي عن معاذ بن أنس (معاذ بن أنس الجهني، والد سهل، سكن مصر، روى عنه ابنه سهل، وله نسخة كبيرة عند ابنه سهل، أورد منها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والنسائي، وأبو عيسى، وابن ماجه، والأئمة بعدهم في كتبهم رُوِيَ له عن النبي - ﷺ - ثلاثون حديثا (^٥).\nقوله: - ﷺ - \"من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم\" قال الحافظ: والعمل عليه عند أهل العلم.\n_________\n(^١) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ١٥٦ و٢٦٥)، وتهذيب الكمال (١٤/ الترجمة ٣١٨٠).\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٨٧).\n(^٣) النهاية (١/ ٧٨).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٥١٣)، وابن ماجه (١١١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان، (٣٠٠٠)، وأحمد (١٥٦٠٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٥١٦).\n(^٥) أسد الغابة (٥/ ١٨٦ ترجمة ٤٩٥٧)، وتلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٢٦٦).","vol":"4","page":654},{"text":"قال الشيخ ابن النحاس في تنبيهه الذي ألفه في الأمر بالمعروف (^١)، قلت: في هذه الأحاديث يعني أحاديث الباب أعظم دليل على أن تخطى الرقاب من الكبائر، لو سلمت أسانيدها، وكذا عده الشيخ شمس الدين بن القيم الجوزية من الكبائر، وكذا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (^٢)، واستُدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) الآية وعدَّه صاحب العدة من الصغائر (^٤). قال: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في النبيه (^٥): وإن حضر والإمام والإمام يخطب لم يتخط رقاب الناس لما في ذلك من الإيذاء، وسواء ألِف مكانا فيتخطى ليصله أو لا كما قال البنديجي وغيره (^٦)، وفي التتمة للقفال: أن أن كان له موضع يألفه وهو معظم عند الناس لم يكره لأن عثمان - ﵁ - تخطى الرقاب إلى موضعه، وعمر يخطب فلم ينكر عليه (^٧)، واستثنى في الشرح والروضة والكفاية من ذلك صورتين إحداهما للإمام لا يكره له التخطي، والثانية: إذا كان بين يديه فرجة ولا طريق إليها إلا بتخطي صف أو صفين فله التخطي لأنهم قصروا فإن زاد على ذلك كره، وقال ابن المنذر\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(^٢) ينظر: الكبائر للذهبي (ص: ٢٣١)\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٤٩٣).\n(^٥) التنبيه (ص ٤٥)، وكفاية النبيه (٤/ ٣٨٦).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) كفاية النبيه (٤/ ٣٨٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٩٣).","vol":"4","page":655},{"text":": التخطي حرام (^١)، وخص الماوردي بمن لا يجد موضعا يصلي فيه فين بعدت الفرجة فإن رجي التفسح إذا قامت جلس حتى يقوموا وإلا فله التخطي نص على ذلك الشافعي ﵀ في الأم (^٢)، وقال في الإحياء (^٣): مهما كان الصف الأول خاليا لم يكره التخطي (^٤) ا. هـ.\nفمذهب الشافعي أن من دخل الجامع فوجد صفا من الصفوف ناقصا أنه يجوز له التخطي فإن التقصير من المتأخرين ثم منع من التخطي لا يخص بحال الخطبة بل يكره قبلها أيضا ذكر هذا كله في مختصر الكفاية (^٥).\nفرع: لا يجوز لأحد أن يقيم أحدًا من مجلسه ويقعد فيه إلا الذي قعد في موضع الإمام أو في الطريق بحيث يمنع الناس من الاجتياز أو بين الصفين مستدبر القبلة والمكان ضيق ولو بعث إنسانًا يجلس في مكان حتى إذا جاء يقوم له ويجلس فيه لم يكره لأن محمد بن سيرين كان يرسل غلامه يوم الجمعة يشغل له موضعا فإذا جاء قام وجلس هو فيه، فلو بعث شيئا يفرش له حتى إذا جاء جلس فيه.\nقال في الأم: ليس لغيره أن يصلي عليه لأنه ملك غيره. وقال الشيخ أبو\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٤٩٣).\n(^٢) الأم للشافعي (١/ ٢١٧).\n(^٣) إحياء علوم الدين (١/ ١٨١)\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٣٨٧).\n(^٥) كفاية النبيه (٤/ ٣٨٧)، ومختصر الكفاية (لوحة ٥ و٦/ خ ٢١٧٦).","vol":"4","page":656},{"text":"محمد: له أن ينحيه ويجلس في المكان لأن الحرمة للإنسان لا لفرشه، وفي نسخة: دون فرشه انتهى. قاله الكمال الدميري (^١) في شرحه والله أعلم.\n\n١٠٧٣ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ -: قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله - ﷺ - يخْطب إِذْ جَاءَ رجل يتخطى رِقَاب النَّاس حَتَّى جلس قَرِيبا من النَّبِي - ﷺ - فَلَمَّا قضى رَسُول الله - ﷺ - صلَاته قَالَ مَا مَنعك يَا فلَان أَن تجمع مَعنا قَالَ يَا رَسُول الله قد حرصت أَن أَضَع نَفسِي بِالْمَكَانِ الَّذِي ترى قَالَ: قد رَأَيْتُك تَتَخَطَّى رِقَاب النَّاس وتؤذيهم من آذَى مُسلما فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله ﷿، رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الصَّغِير والأوسط (^٢).\nقوله: وروي عن أنس، كنيته أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بفتح الضادين المعجمتين بن يزيد بن حرام بالراء بن جندب بضم الدال وفتحها بن عامر بن غنم بفتح الغين المعجمة وإسكان النون بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمر بن الخزرج بن حارثة الأنصاري الخزرجي النجاري البصري خادم رسول الله - ﷺ - كان يسمى بذلك ويفتخر به وحق له ذلك، كنّاه رسول الله - ﷺ - أبا حمزة، ببغلة كان يحبها وأمه أم سليم تقدم الكلام عليها في أخر صلاة التسبيح، خدَمَ رسول الله - ﷺ - عشر سنين مدة\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤).\n(^٢) الطبراني في المعجم الصغير (٤٥٩)، والأوسط (٣٦٠٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٩): رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه القاسم بن مطيب، قال ابن حبان: كان يخطئ كثيرا فاستحق الترك.","vol":"4","page":657},{"text":"إقامته بالمدينة - ﷺ - ثبت ذلك في الصحيح، وحمل عنه حديثا كثيرا، رُوي له عن رسول الله - ﷺ - ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وستين حديثا، وكان - ﵁ - أكثر الصحابة أولادا بدعاء رسول الله - ﷺ -، واتفق العلماء على مجاوزة عمره مائة سنة، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه توفى سنة ثلاثة وتسعين، وقيل سنة إحدى وتسعين، وقيل اثنتين وتسعين، وقيل خمس وتسعين، وقيل سبع وتسعين، وثبت في الصحيح أنه كان له قبل الهجرة عشر فعمره فوق مائة كما ترى، وتوفي بالبصرة خارجها على نحو فرسخ ونصف ودفن هناك في موضع يعرف بقصر أنس كان له بستان يحمل في السنة مرتين وكان فيه ريحان يجئ منه ريح المسك. ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله: \"بينا رسول الله - ﷺ - يخطب إذ جاء رجل يتخطى رقاب الناس حتى جاء قريبا من النبي - ﷺ - فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته \"قال: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُجَمِّعَ مَعَنَا؟ معناه أن تصلي معنا الجمعة\".\n\n١٠٧٤ - وَرُوِيَ عَن الأرقم بن أبي الأرقم - ﵁ - وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن الَّذِي يتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة وَيفرق بَين الاثْنينِ بعد خُرُوج الإِمَام كجار قصبه فِي النَّار، رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٥٤).\n(^٢) أحمد (١٥٤٤٧)، والطبراني في الكبير (٩٠٧)، والحاكم (٣/ ٥٠٤)، وأبو نعيم في معرفة =","vol":"4","page":658},{"text":"وقوله: عن الأرقم بن أبي الأرقم، وكان من أصحاب النبي - ﷺ -، الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي وكان من المهاجرين الأوليين وكنيته أبو عبد الله وهو الذي استخفى رسولُ الله - ﷺ - في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا أربعين رجلا آخرهم عمر بن الخطاب - ﵁ - (^١).\nقوله - ﷺ -: \"أن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الإثنين بعد خروج الإمام كَجارٍّ قُصْبَهُ في النار\". الحديث.\nقصبه هو بضم القاف وإسكان الصاد المهملة المعاء وجمعه أقصاب وقيل القصب: اسم للأمعاء كلها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء بكسر الميم مقصور جمعه أمعاء بالمد، قال الواحدي: مثل ضلع أضلاع وهو جميع ما في البطن من الحوايا، وقال بعضهم: الأمعاء، المصارين وهو قريب منه (^٢) والله أعلم.\nفائدة: عن عمرو بن لحى بضم اللام وفتح المهملة، وتشديد التحتانيه، قال: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، والسائبة: هي التي كانوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ،\n_________\n= الصحابة (١٠٠٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٨)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه هشام بن زياد، وقد أجمعوا على ضعفه، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: هشام واهٍ، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٥٢٥).\n(^١) أسد الغابة (١/ ١٨٧ ترجمة ٧٠).\n(^٢) النهاية (٤/ ٦٧) و(٤/ ٣٤٤)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٤٠).","vol":"4","page":659},{"text":"قال: صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (^١) كان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة أي لا تركب ولا تطرد عن ماء ولا مرعى. ا. هـ قاله الكرمانى (^٢).\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ١٠٣.\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ٣٠).","vol":"4","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>التَّرْهِيب من الْكَلَام وَالْإِمَام يخْطب وَالتَّرْغِيب فِي الْإِنْصَات</span>\n١٠٧٥ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا قلت لصاحبك يَوْم الْجُمُعَة أنصت وَالإِمَام يخْطب فقد لغوت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة (^١).\nقَوْله \"لغوت\": قيل مَعْنَاهُ خبت من الْأجر وَقيل تَكَلَّمت وَقيل أَخْطَأت وَقيل بطلت فَضِيلَة جمعتك وَقيل صَارَت جمعتك ظهرا وَقيل غير ذَلِك.\n\n١٠٧٦ - وَعنهُ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا تَكَلَّمت يَوْم الْجُمُعَة فقد لغوت وألغيت يَعْنِي وَالإِمَام يخْطب رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢).\n\n١٠٧٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من تكلم يَوْم الْجُمُعَة وَالإِمَام يخْطب فَهُوَ كَمثل الْحمار يحمل أسفارا وَالَّذِي يَقُول لَهُ أنصت لَيْسَ لَهُ جُمُعَة، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ (^٣).\nقوله عن أبي هريرة تقدم الكلام علي مناقبه.\n_________\n(^١) البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١)، وأبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٢)، والنسائي (٣/ ١٠٣)، وابن ماجه (١١١٠)، وابن خزيمة (١٨٠٥).\n(^٢) ابن خزيمة (١٨٠٤)، وأحمد (٩٠٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٩).\n(^٣) أحمد (٢٠٣٣)، والبزار (٦٤٤)، والطبراني في الكبير (١٢٥٦٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٤)، فيه مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الناس، ووثقه النسائي في رواية.","vol":"4","page":661},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت\" قوله: لصاحبك أي من تخاطبه صغيرا كان أو كبيرا أو بعيدا (^١).\nقوله: أنصت أي اسكت، وإنما ذكر هذه اللفظة لأنها لا تعد من الكلام الكثير (^٢)، قوله: والإمام يخطب، يخرج من الحديث الكلام قبل الخطبة وبعدها فلا يحرم، وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام (^٣) وعنه قول بكراهة الكلام لا غيره. وقوله: فقد لغوت. قيل: معناه خبتَ من الأجر، وقيل: تكلمت، وقيل أخطأت إلى أخره ومعنى فقد لغوت أي قلت اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل (^٤)، وقال بعضهم: قال أهل اللغة (^٥) يقال: \"لَغَا يلْغو\" كَغَزا يغزو، ويقال: \"لَغِىَ يَلْغَي\" كرمى يرمي لغتان الأولى أفصح والروايتان في الصحيح قال أبو الزياد: فقد لغيت هي لغة أبي هريرة (^٦)، قال النووي ﵀ (^٧): وظاهر القرآن يوافقها، قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (^٨) وهذا من مِنْ لَغِيَ\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (٢/ ٤١٤)، والتعليق الممجد (١/ ٦٠٥).\n(^٢) المعلم (١/ ٤٦٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٨).\n(^٥) لسان العرب (١٥/ ٢٥١).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٨).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٨).\n(^٨) سورة فصلت، الآية: ٢٦.","vol":"4","page":662},{"text":"يَلْغَى ولو كان الأول لقال وألغُوا بضم الغين، قال: ابن السكيت (^١) مصدر الأول اللَّغْوُ وَمَصْدَرُ الثَّانِي اللَّغْيُ ومعنى فقد لغوت، قيل معناه أثمت، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ (^٢) وقيل: اللغو واللغي هو رديء الكلام وما لا خير فيه، وقد يطلق على الخيبة، قال النووي ﵀ (^٣): ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة ونبّه بهذا - ﷺ - - ﷺ - على ما سواه من الكلام لأنه إذا رأى شخصا يتكلم فيما لا يعنيه وقال له أنصت وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغوا فغيره من الكلام أولى ا. هـ.\nثم قيل: هذا لأن الخطبة أقيمت مقام الركعتين فكما لا يجوز التكلم في المنوب لا يجوز في النائب (^٤)، وقال ابن وهب (^٥): من لغى كانت صلاته ظهرا وحرم فضل الجمعة انتهى.\nسؤال: لم حط من صلاة الجمعة ركعتان؟ قيل: لأن الناس يسعون إليها من بعيد فأراد الله أن يخفف عنهم التعب الذي أصابهم لأن الجمعة عيد المساكين، وصلاة العيد ركعتان ولأنه قيل: الخطبتين بدل عن الركعتين (^٦) والله أعلم.\n_________\n(^١) لسان العرب (١٥/ ٢٥١) تاج العروس (١/ ٥٠).\n(^٢) سورة المؤمنون، الآية: ٣.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٨).\n(^٤) شرح المشكاة (٤/ ١٢٨٥)، والكواكب الدراري (٦/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٥) تفسير الموطأ (١/ ١٦٧)، وشرح الصحيح (٢/ ٥١٩)، والاستذكار (٢/ ٢٢).\n(^٦) كشف الأسرار (لوحة ٤١).","vol":"4","page":663},{"text":"وإنما طريقه إذا أراد نهي غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه فإن تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل ممكن في الكلام (^١).\nوإذا قلنا بجواز الكلام فيشترط أن يكون بحيث لا يفوتهم السماع للكلمات الواجبة والخلاف جار في الخطبة والأصح القول بالجواز، وقال ابن عقيل في شرح الأحكام: ويحمل اللغو على الكراهة فقد تكلم جماعة من الصحابة، ورسول الله - ﷺ - يخطب فلم ينكر عليهم، هكذا قالت الشافعية وفيه نظر، فإن الذين تكلموا إنما لم ينكر عليهم لاحتياجهم إلى الكلام، والكلام المحتاج إليه ليس محلا للنزاع (^٢) ا. هـ.\nوالمحتاج إليه كما إذا رأى إنسانا يقع في بئر أو عقربا تدب على إنسان أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر فكل ذلك لا يحرم نص عليه الشافعي ﵀، واتفق عليه الأصحاب، وإنما النزاع في الكلام الذي لا حاجة إليه والله أعلم. وهل هو التحريم أو التنزيه؟ الصحيح أنه التنزيه (^٣).\nوفيه دليل على أنه يستحب أن يكون الخطيب هو الإمام فلو خالف فخطب وصلى غيره بالناس جاز، ولو كان غير الأفقه فصيحا جهوري الصوت وغيره أفقه منه فينبغي أن يخطب الأفقه ويصلي الأفقه قاله في شرح العمدة.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٨).\n(^٢) انظر طرح التثريب (٣/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٣) انظر المجموع (٤/ ٥٢٣) وروضة الطالبين (٢/ ٢٨) وكفاية النبيه (٤/ ٣٩٧) وطرح التثريب (٣/ ١٩٨ - ١٩١)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥).","vol":"4","page":664},{"text":"تنبيه: قال البغوي في شرح السنة (^١)، والخطب المشروعة: خطبتا الجمعة، والعيدين، والكسوفيين، والإستسقاء، وأربع خطب في الحج وكلها سنة بعد الصلاة إلا خطبة الجمعة، وخطبة الحج يوم عرفة يعني بنمرة، وكلها يشرع فيها خطبتان إلا الثلاث الباقية في الحج خطبة يوم السابع، ويوم النحر، والنفر الأول يعني بمنى في أيام التشريق.\nقال النووي (^٢): كلها خطب فردية وبعد صلاة الظهر إلا التي بنمرة فإنها خطبتان، وقيل صلاة الظهر، وبعد الزوال.\nتنبيه: أيضا وسميت الخطبة خطبة لأن العرب كانوا إذا ألم بهم الخطب وهو الأمر العظيم خطبوا له ليجتمع بعضهم إلى بعض فيحتالوا في دفعه فاشتق اسم الخطبة من الخطب والله أعلم.\nفائدة: شروط أركان الخطبتين خمسة: الأول: حمد الله تعالى ويتعين لفظ الحمد، والثاني: الصلاة على رسول الله - ﷺ - ويتعين لفظ الصلاة وصيغتها أن يقول: اللهم صلى على محمد ولو قال والصلاة على أحمد أو على النبي أو أتى بالضمير فقال: صلى الله عليه لم يكف على الصحيح.\nالثالث: الوصية بالتقوى ولا يتعين لفظ الوصية ولا يجب في الموعظة كلام طويل بل لو قال: أطيعوا الله كفى، وقال إمام الحرمين (^٣): ولا خلاف\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي (٤/ ٢٠٠)\n(^٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٣٢)\n(^٣) ينظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (٢/ ٤٧٧).","vol":"4","page":665},{"text":"أنه لا يكفي التحذير من الاغترار بالدنيا وزخرفها لأن ذلك قد لا يتواصى به منكرو الشرائع بل لابد من الحث على طاعة الله تعالى والتحذير من المعاصي.\nواختلف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين على قولين أصحهما المنع وأن الجمعة ليست ظهرا مقصورا بل صلاة على حيالها فعلى هذا فيجب تيممان تيمم للخطبة وتيمم للصلاة على الأصح في الروضة في التيمم وقال الشيخ تقي الدين هذا اللفظ ذكره المصنف يعني النووي (^١) لم أقف عليه بهذه الصيغة في الصحيحين قلت: لكنه بمعنى ما في الصحيحين (^٢).\nالشرط الرابع: قراءة آية في إحداهما ولابد أن تكون الآية تفيد معنى منطوق فلا يكفي مثل قوله ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ (^٣).\nالخامس: الدعاء للمؤمنين في الثانية (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) قوله يعنى النووي وهم فإن كلام الحافظ تقى الدين بن دقيق العيد عن حديث ذكره صاحب العمدة وهو عبد الغنى المقدسى ولفظه: عن جابر - ﵁ -: قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس\". انظر الإحكام (١/ ٣٣٤).\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٠٦): وغفل صاحب العمدة فعزا هذا اللفظ للصحيحين، ورواه أبو داود بلفظ: كان يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب.\n(^٣) سورة المدثر، الآية: ٢١.\n(^٤) انظر نهاية المطلب (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨)، وعمدة السالك (ص ٨٣)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٦٦/ ٤٧١).","vol":"4","page":666},{"text":"فائدة: يستحب أن يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين (^١) والحكمة في قرائتهما: اشتمالهما على وجوب الجمعة وغير ذلك وقراءة سورة المنافقون لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك فما فيها من فوائد لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها (^٢) والله أعلم.\nفرع: لو قرأ المنافقين في الأول، قرأ الجمعة في الثانية ولو قرأ في الأولى غيرهما قرأهما في التانية نص عليه الشافعي (^٣) قاله في مختصر الكفاية.\nقوله: وروي عن ابن عباس تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا\" (^٤) والذي يقول له \"أنصِتْ\" ليس له جمعة أي كاملة.\n\n١٠٧٨ - وَعَن أبي بن كعْب - ﵁ -. أَن رَسُول الله - ﷺ - قَرَأَ يَوْم الْجُمُعَة تبَارك وَهُوَ قَائِم يذكر بأيام الله وَأَبُو ذَر يغمز أبي بن كَعْب فَقَالَ مَتى أنزلت هَذِه السُّورَة إِنِّي لم أسمعها إِلَى الآن فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن اسْكُتْ فَلَمَّا انصرفوا قَالَ سَأَلتك مَتى أنزلت هَذِه السُّورَة فَلم تُخبرنِي فَقَالَ أبي لَيْسَ لَك من صَلَاتك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٤ - ٨٧٩) عن ابن عباس.\n(^٢) انظر الأذكار (ص ١١٣ و١١٥)، وروضة الطالبين (٢/ ٤٥)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٦٦).\n(^٣) انظر الأم (٧/ ٢١٥)، والأذكار (ص ١١٥)، وروضة الطالبين (٢/ ٤٥)، وكفاية النبيه (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٢)، ومختصر الكفاية (لوحة / ٣٤٠ خ ٢١٧٥ ظاهرية).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"4","page":667},{"text":"الْيَوْم إِلَّا مَا لغوت فَذهب أَبُو ذَر إِلَى رَسُول الله - ﷺ - وَأخْبرهُ بِالَّذِي قَالَ أبي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - صدق أبي رَوَاهُ ابْن مَاجَه بإِسْنَاد حسن (^١).\nوَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن أبي ذَر - ﵁ -: أَنه قَالَ دخلت الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ - ﷺ - يخْطب فَجَلَست قَرِيبا من أبي بن كعْب فَقَرَأَ النَّبِي - ﷺ - سُورَة بَرَاءَة فَقلت لأبي مَتى نزلت هَذِه السُّورَة قَالَ فتجهمني وَلم يكلمني ثمَّ مكثت سَاعَة ثمَّ سَأَلته فتجهمني وَلم يكلمني ثمَّ مكثت سَاعَة ثمَّ سَأَلته فتجهمني وَلم يكلمني فَلَمَّا صلى النَّبِي - ﷺ - قلت لابي سَأَلتك فتجهمتني وَلم تكلمني قَالَ أبي مَا لَك من صَلَاتك إِلَّا مَا لغوت فَذَهَبت إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقلت يَا نَبِي الله كنت بِجنب أبي وَأَنت تقْرَأ بَرَاءَة فَسَأَلته مَتى نزلت هَذِه السُّورَة فتجهمني وَلم يكلمني ثمَّ قَالَ مَا لَك من صَلَاتك إِلَّا مَا لغوت قَالَ النَّبِي - ﷺ - صدق أبي (^٢).\nقَوْله: فتجهمني مَعْنَاهُ قطب وَجهه وَعَبس وَنظر إِلَيّ نظر الْمُغْضب الْمُنكر. قوله: وعن أبي بن كعب تقدم الكلام عليه.\nقوله إن رسول الله - ﷺ - \"قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم يذكر بأيام الله\" رواه ابن ماجه ورواه ابن خزيمه صحيحه (^٣) عن أبي ذر أن النبي - ﷺ - قرأ سورة براءة\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١١١١)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٧١): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\n(^٢) ابن خزيمة (١٨٠٧)، قال الذهبي: ما أحسب عطاء أدرك أبا ذر، قلت: وكذا قال الحافظ في إتحاف المهرة (١٤/ ١٧٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٢٠).\n(^٣) أخرجه سنن ابن ماجه (١١١١) وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢١٢٨٧) وابن خزيمة (١٨٠٧) و(١٨٠٨)، والبيهقي ٣/ ٢١٩ - ٢٢٠. وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.","vol":"4","page":668},{"text":"الحديث. ففيه أن السورة المسئول عنها سورة براءة وهذا هو الصواب فإنها من آخر ما نزل، وفي حديث جابر أن السائل عبد الله بن مسعود. رواه ابن حبان في صحيحه وأبو يعلى (^١) وسيأتي حديث جابر بذلك قريبا آخر الباب.\nاتفق الأصحاب على أنه يستحب الإنصات ولا يجب ولا يحرم الكلام. وفي تحريم الكلام على الخطيب طريقان أصحهما لا يحرم والأولى اجتناب، فإن النبي - ﷺ - إنما تكلم لحاجة كل هذا في كلامهم لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مُهِمٌّ نَاجِزٌ، فلو رأى أعمى يقع في بئر كما تقدم فهذا ليس بحرام بلا خلاف نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، لكن قالوا يستحب أن يقتصر على الإشارة إن حصل بها المقصود (^٢). وحيث حرمنا الكلام فتكلم أثم ولا تبطل جمعته بلا خلاف، والحديث الوارد فلا جمعة له معناه جمعة كاملة (^٣) والله أعلم قاله في الديباجة.\nقوله: فتَجَهَّمَنِي وَلَمْ يُكَلِّمْنِي قد ضبطه الحافظ وفسره، فقال: معناه قطَّب وجهه وعبس، ونظر إليَّ نظرَ المغضَب المنكِر. ا. هـ. ومنه حديث الدعاء \"إلى من تكلني إلى عدو يتهجمني\" أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه قاله ابن الأثير (^٤).\n\n١٠٧٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ -: قَالَ جلس رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا على الْمِنْبَر فَخَطب النَّاس وتلا آيَة وَإِلَى جَنْبي أبي بن كعْب فَقلت لَهُ يَا أبي وَمَتى أنزلت\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) انظر المجموع (٤/ ٥٢٣).\n(^٣) المجموع (٤/ ٥٢٤).\n(^٤) النهاية (١/ ٣٢٣).","vol":"4","page":669},{"text":"هَذِه الآيَة قَالَ فَأبى أَن يكلمني ثمَّ سَأَلته فَأبى أَن يكلمني حَتَّى نزل رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أبي مَا لَك من جمعتك إِلَّا مَا لغيت فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله - ﷺ - جِئْته فَأَخْبَرته فَقلت أَي رَسُول الله إِنَّك تَلَوت آيَة وَإِلَى جَنْبي أبي بن كَعْب فَقلت لَهُ، مَتى أنزلت هَذِه الآيَة فَأبى أَن يكلمني حَتَّى إِذا نزلت زعم أبي أَنه لَيْسَ لي من جمعتي إِلَّا مَا لغيت فَقَالَ صدق أبي إِذا سَمِعت إمامك يتكلَّم فأنصت حَتَّى يفرغ رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة حَرْب بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء (^١) وَلم يسمع مِنْهُ. قوله عن أبي الدارداء تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ\" الحديث قال التيمي: في استماع الملائكة للخطبة حض على الاستماع لها والإنصات إليها، قال مجاهد: لا يجب الإنصات للقرآن إلا في الصلاة، وفي الخطبة، وقال مالك: الإنصات واجب لمن سمعها، ولمن لم يسمعها، وقال أحمد (^٢): لابد من أن يذكر الله، ويقرأ القرآن من لم يسمعها، وقال أبو حنيفة، والشافعي (^٣): يجب الإنصات للخطبة سمعها أم لا، وقال أحمد: لا يلزمه إذا\n_________\n(^١) أحمد (٢١٧٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٥)، رواه أحمد الطبراني في الكبير، ورجال أحمد موثقون.\n(^٢) ينظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٠٨) المغني لابن قدامة (٢/ ٢٥٠).\n(^٣) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢٥٦) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٢/ ٦٢) العناية شرح الهداية (٢/ ٤٩) حاشية الجمل على شرح المنهج= فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب (٢/ ٢) حاشية البجيرمي على الخطيب= تحفة الحبيب على شرح الخطيب (٢/ ١٨٠).","vol":"4","page":670},{"text":"لم يسمعها، والمشهور من مذهب الشافعي أن الإنصات سنة لا واجب والله أعلم، قاله الكرماني (^١).\nقوله: رواه أحمد (^٢) من رواية حرب بن قيس [عن أبي الدرداء ولم يسمع منه، وهو حرب بن قيس مولى طلحة من أهل المدينة، روى عن أبي الدرداء، مرسلا، وروى عن نافع وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخارى: قال ابن أبي مريم، عن بكر بن مضر، قال: زعم عمارة بن غزية، أن حربا كان رضا (^٣)].\n\n١٠٨٠ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ -: قَالَ قَالَ سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - لرجل لا جُمُعَة لَك فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - لم يَا سعد؟ قَالَ: لأنه كَانَ يتكلَّم وَأَنت تخْطب فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: صدق سعد، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار (^٤).\nقوله: وروى عن جابر هو ابن عبد الله تقدم.\nقوله: قال سعد بن أبي وقاص لرجل: لا جمعة لك، فقال النبي - ﷺ - لِمَ يا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٦/ ٣٩).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) التاريخ الكبير (٣/ ٦١)، والجرح والتعديل (٣/ ٢٤٩)، والثقات لابن حبان (٦/ ٢٣٠)، وتعجيل المنفعة (١/ ٤٣٩ - ٤٤٠).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٧٠٨)، والبزار (٦٤٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٥): رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ، وَفِيهِ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّاسُ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ. قال السخاوي في الأجوبة المرضية بتحقيقنا (١/ ١٦٣): بسند ضعيف. وكذلك ضعفه ابن الملقن في التوضيح (٧/ ٦٠٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٤٣).","vol":"4","page":671},{"text":"سعد؟ قال: لأنه كان يتكلم وأنت تخطب فقال النبي - ﷺ -: \"صدق سعد\". الحديث.\nاختلف العلماء - ﵃ - في الكلام والإمام يخطب هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه؟ وهما قولان للشافعي جديد، وقديم، أصل القولين أن الإنصات إلى سماع الخطبة هل يجب؟ الأصح الجديد أنه لا يجب لأنه - ﷺ - \"كان يخطب فدخل داخل فقال: متى الساعة؟ يا رسول الله! فأشار إليه الناس أن اسكت فكرر ذلك فقال له النبي - ﷺ - عند الثالثة ما أعددت لها؟ فقال: ما أعددت لها شيئا غير إني أحب الله ورسوله فقال - ﷺ -: المرء مع من أحب\" (^١).\nوجه الدلالة منه أنه لم ينكر عليه فلو وجب الإنصات لأنكر عليه ولم ينكر أيضا على الذي سأله الاستسقاء وهو يخطب ولأنها عبادة لا يفسدها الكلام فلم يحرم فيها كالطواف (^٢) ووجه مقابله وهو نص الشافعي في القديم والإملاء وقطع به بعضهم خبر أبي هريرة وهو قوله: فقد لغوت فإن اللاغي آثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ (^٣) (^٤) وتقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٣٩) (١٦١) وأحمد (١٢٠١٣) وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧١٨) وحسين المروزي في زوائده (١٠١٩) والترمذي (٢٣٨٥)، وابن حبان (١٠٥) و(٧٣٤٨)، والخطيب ٤/ ٢٥٩، والبغوي (٣٤٧٩).\n(^٢) الحاوى (٢/ ٤٣١)، وكفاية النبيه (٤/ ٣٩١).\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ٣.\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٣٩١).","vol":"4","page":672},{"text":"١٠٨١ - وَعَن جَابر أَيْضا - ﵁ -: قَالَ دخل عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ - ﷺ - يخْطب فَجَلَسَ إِلَى جنب أبي بن كعْب فَسَألهُ عَن شَيْء أَو كلمه بِشَيْء فَلم يرد عَلَيْهِ أبي فَظن ابْن مَسْعُود أنَّهَا موجدة فَلَمَّا انْفَتَلَ النَّبِي - ﷺ - من صلَاته قَالَ ابْن مَسْعُود يَا أبي مَا مَنعك أَن ترد عَليّ قَالَ إِنَّك لم تحضر مَعنا الْجُمُعَة قَالَ لم قَالَ تَكَلَّمت وَالنَّبِيّ - ﷺ - يخْطب فَقَامَ ابْن مَسْعُود فَدخل على النَّبِي - ﷺ - فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - صدق أبي صدق أبي أطع أَبَيَا رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n١٠٨٢ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ -: قَالَ كفى لَغوا أَن تَقول لصاحبك أنصت إِذا خرج الإِمَام فِي الْجُمُعَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢). وَتقدم فِي حَدِيث عَليّ الْمَرْفُوع وَمن قَالَ يَوْم الْجُمُعَة لصَاحبه أنصت فقد لَغَا وَمن لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جمعته تِلْكَ شَيْء.\nقوله: وعن جابر تقدم. قوله: دخل عبد الله بن مسعود المسجد والنبي - ﷺ - يخطب فجلس على جنب أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يرد عليه أبي، فظن ابن مسعود أنها مؤجلة فذكر الحديث إلى أن قال: إنك لم\n_________\n(^١) أبو يعلى (١٧٩٩)، وابن حبان (٢٧٩٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٩٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٥)، رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بنحوه، وفي الكبير باختصار، ورجال أبي يعلى ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٢١).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٩٥٤٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٦)، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"4","page":673},{"text":"تحضر معنا الجمعة قال: لِمَ؟ قال: تكلمت والنبي - ﷺ - فلا جمعة لك. وفي أخرى: صدق أبي صدق أبي أو قال أطع أبيا، والمراد به نفي الكمال أى لا جمعة لك كاملة، لا أنها باطلة.\nوإن قلنا أنه حرام فإن ابن مسعود لم يؤمر بالإعادة وكما يحرم الكلام تحرم الصلاة أيضا صرح به أبو الطيب در المتولي (^١).\nفروع: الأول: إذا قيل بالقديم فالداخل أثناء الخطبة لا يسلم فإن سلم حرمت إجابته باللفظ ويستحب بالإشارة، وتشميت العاطس حرام على الصحيح المنصوص (^٢).\nالفرع الثاني: لا خلاف أنه لا يحرم على من دخل ما لم يجد مكانا الكلام قبل الشروع في الخطبة وبعد فراغها وقبل الصلاة، قال في المرشد (^٣): حتى في حال الدعاء للأمراء، أو في جلوسه بين يدي الخطبتين ففي الشامل وغيره إجراء القولين فيه وفي المهذب والوسيط القطع بالجواز (^٤).\n[فرع] يجوز للداخل في أثناء الخطبة أن يتكلم ما لم يجلس، والقولان فيما بعد قعوده لأن له أن يصلي التحية ويقرأ فيها وهو مناقض للإنصات وقد\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٤/ ٣٩٢).\n(^٢) روضة الطالبين (٢/ ٢٨ - ٢٩)، وكفاية النبيه (٤/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، وطرح التثريب (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n(^٣) المرشد: كتاب في الوقف والابتداء، للمقرئ الحسن بن علي بن سعد أبي محمد العماني، قال ابن الجزي: له في الوقوف كتابان: أحدهما: ... والآخر: المرشد، وهو أتم منه وأبسط، أحسن فيه وأفاد. غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٢٢٣) وكشف الظنون (٢/ ١٦٥٤).\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٣٩٣) وكفاية الأخيار (ص ١٤٧).","vol":"4","page":674},{"text":"كلم عمر عثمان قبل جلوسه وظاهر كلام صاحب التنبيه طرد القولين فيه (^١) والله أعلم.\nفرع: قال القاضي أبو الطيب (^٢). ولو قال الخطيب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^٣) الآية فضج الناس بالصلاة عليه كره لأنه يقطع عن الخطبة وسماعها وفي الروضة أنه يجوز رفع الصوت بذلك نقل الروياني عن الأصحاب أنه يجب أن يكون كالتشميت لأن كليهما سنة (^٤) والله أعلم.\nفائدة: اختلف العلماء فيمن دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب فمذهب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق وفقهاء المحدثين أنه إذا دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد ويكره الجلوس قبل أن يصليهما وأنه يستحب له أن يتجوز فيهما ليستمع بعدهما الخطبة وحكى هذا المذهب عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين (^٥) قال القاضي (^٦) وقال مالك والليث بن سعد وأبو\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٤/ ٣٩٦).\n(^٢) ينظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٦٨) حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك (١/ ٤٩٣) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (١/ ٤٥١).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، ومختصر الكفاية (لوحة ٨/ خ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٦٤).\n(^٦) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢١).","vol":"4","page":675},{"text":"حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي - ﵁ - وحجتهم الأمر بالإنصات للإمام (^١).\nفإن قيل: تحية المسجد تفوت بالجلوس فكيف أمر في حديث سليك الغطفاني أن يصلي ركعتين وقد جلس، قيل: حمل بعضهم ذلك على سنة الجمعة التي قبلها وهي لما تفوت بالجلوس ويدل على ذلك أنه ورد في رواية \"أصليت قبل أن تجئ؟ \" قال: لا، قال: \"فقم فاركع ركعتين\" (^٢) وفي رواية \"فصل ركعتين\" (^٣) وفي الحديث الآخر \"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما\" (^٤) فهذا دليل على تحريم الزيادة على الركعتين لأن التجوز معناه الإسراع فيقتضي ذلك، وقال الكرماني (^٥): أن التحية لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل بحكمها ا. هـ.\nولأنه كان يجهل حكمها ولأن النبي - ﷺ - قطع الخطبة وكلمه وأمره أن يصلي التحية فلولا شدة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم هذا الاهتمام (^٦)، قال النووي في شرح المهذب (^٧): قال أصحابنا إذا جلس الإمام\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٦٤).\n(^٢) سبق.\n(^٣) سبق\n(^٤) سبق.\n(^٥) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٦/ ٥).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٢٦).\n(^٧) المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٥١).","vol":"4","page":676},{"text":"الإمام على المنبر وأذن المؤذنون امتنع ابتداء النافلة ونقلوا الإجماع فيه وممن نقله الماوردي، وقال الشافعي (^١): إذا جلس الإمام على المنبر وأذن المؤذنون فقد انقطع الركوع، وقال الشافعي أيضا في الأم (^٢): خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام، وقد روي عن ثعلبة بن أبي مالك قال: قعود الإمام يعني على المنبر يقطع من التحية وكلامه يقطع الكلام (^٣)، وقال في الروضة (^٤): إذا صعد المنبر فينبغي لمن ليس في صلاة أن لا يفتتحها سواء كان صلى السنة أو لا، وقال صاجا الحاوي (^٥): إذا جلس الإمام على المنبر حرم على من في المسجد أن يبتدئ في صلاة نافلة وإن كان في صلاة خفف، ونقل عن الماوردي وإن كان في صلاة جلس (^٦) قاله في هادي النبيه (^٧) وقد أطلق الأصحاب فواتها بالجلوس وهو محمول على العالم بأنها بأنها سنة أما الجاهل فيتداركها على قرب لحديث سليك الغطفاني.\nويستنبط من هذا الحديمث أن تحية المسجد لا تترك في أوقات النهى عن الصلاة وأنها ذات سبب تباح في كل وقت ويلحق بها ذوات الأسباب كقضاء\n_________\n(^١) مختصر المزنى (٨/ ١٢١).\n(^٢) الأم (١/ ٢٢٧).\n(^٣) الأم (١/ ٢٢٧).\n(^٤) انظر المجموع (٤/ ٥٥١).\n(^٥) الحاوى (٢/ ٤٢٩)، والمجموع (٤/ ٥٥١).\n(^٦) الحاوى (٢/ ٤٢٩).\n(^٧) هادى النبيه (لوحة ٦٤/ خ ٢١٢١ ظاهرية).","vol":"4","page":677},{"text":"الفائتة وسجود التلاوة وصلاة الجنازة ونحو ذلك (^١) قاله في الديباجة وهذا إجماع. هذا كلام صاحب الحاوي وهو صريح في تحريم الصلاة بمجرد جلوس الإمام على المنبر وأنه مجمع عليه والمشهور المنع من الصلاة مطلقا سواء أوجبنا الإنصات أم لا فإن خرج الإمام وهو في صلاة استحب تخفيفها بلا خلاف ولا تبطل واتفق الأصحاب على أن النهي عن الصلاة ابتداء وقته بجلوس الإمام على المنبر ولبقى حتى يفرغ من صلاة الجمعة ولو دخل المسجد في آخر الخطبة وغلب على ظنه أنه إن صلى التحية فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام لم يصل التحية بل يقف حتى تقام الصلاة ولا يقعد لئلا يكون جالسا في المسجد قبل التحية وإن أمكنه الصلاة وأدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام صلى التحية قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْخُطْبَةِ قَدْرًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَتَيْنِ فِيهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَصِّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ وَلَا يُمْكِنُهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا وَأَرَى الْإِمَامَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِصَلَاتِهِمَا ويزِيدَ فِي كَلَامِهِ مَا يُمْكِنُهُ إكْمَالُهُمَا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يفعل كرهت ذلك له ولا شيء عَلَيْهِ هَذَا نَصُّهُ وَأَطْبَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ (^٢) ا. هـ، قاله في شرح العمدة.\nفرع: يحرم إطالة النافلة التي يشرع فيها قبل صعود الإمام قاله الشيخ نصر في المقصود (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٢) المجموع (٤/ ٥٥١).\n(^٣) هادى النبيه (لوحة ٦٤/ خ ٢١٢١ ظاهرية).","vol":"4","page":678},{"text":"١٠٨٣ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة وَمَسّ من طيب امْرَأَته إِن كانَ لَهَا وَلبس من صَالح ثِيَابه ثمَّ لم يتخط رِقَاب النَّاس وَلم يلغ عِنْد الموعظة كانَ كفَّارَة لما بَينهمَا وَمن لَغَا وتخطى رِقَاب النَّاس كانَت لَهُ ظهرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو (^١).\nوَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ وَتقدم.\n\n١٠٨٤ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يحضر الْجُمُعَة ثَلَاثَة نفر فَرجل حضرها بلغو فَذَلِك حَظه مِنْهَا وَرجل حضرها بِدُعَاء فَهُوَ رجل دَعَا الله إِن شَاءَ أعطَاهُ وَإِن شَاءَ مَنعه وَرجل حضرها بإنصات وسكوت وَلم يتخط رَقَبَة مُسلم وَلم يؤذ أحدا فَهِيَ كفَّارَة إِلَى الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام وَذَلِكَ أَن الله يَقُول ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢).\nوَتقدم فِي حَدِيث عَليّ فَمن دنا من الإِمَام فأنصت واستمع وَلم يلغ كانَ لَهُ كفلان من الأجر الحَدِيث.\nقوله: وعن عبد الله عمرو بن العاص تقدم.\n_________\n(^١) أبو داود (٣٤٧)، وابن خزيمة (١٨١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٢٣).\n(^٢) أبو داود (١١١٣)، وابن خزيمة (١٨١٣)، وأحمد (٦٧٠١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٢٥).","vol":"4","page":679},{"text":"قوله ﵇: \"من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها وليس من صالح ثيابه ثم لم يتخطى رقاب الناس\" الحديث تقدم الكلام عليه والتخطي مأخوذ من الخطا والخُطا جَمْعُ الْخُطْوَةِ فِي الكَثْرة، وَفِي القلَّة خُطْوَات بِسُكُونِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ \"وَكثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ\" وخُطُوَات الشَّيْطَانِ قاله في النهاية والْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ: بُعْد مَا بَيْنَ القَدَمين فِي المشْي، وَبِالْفَتْحِ المَرَّةُ (^١).\nقوله ﵇: \"ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا\" الحديث.\nاختلف العلماء (^٢) هل الجمعة ظهر مقصور أو صلاة مستقلة؟ وهما قولان للشافعي الصحيح الجديد أنها صلاة مستقلة، وهذا الحديمت يدل له. ويبني للأصحاب على هذا الخلاف مسائل كثيرة:\nمنها: من لا عذر له إذا صلى الجمعة لم تصح ظهره على الجديد وهو الأظهر ويصح على القديم (^٣)، قال الأصحاب: القولان مبنيان على الفرض الأصلي يوم الجمعة، ماذا؟ فالجديد إنه الجمعة، والقديم إنه الظهر، وأن الجمعة بدل (^٤) والله أعلم، قال صاحب التقريب (^٥): فعلى الأول يكفيه نية\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٥١).\n(^٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢٥٦) العناية شرح الهداية (٢/ ٤٩).\n(^٣) العزيز (٢/ ٣٠٧)، والمجموع (٤/ ٦١٢)، والروضة (٢/ ٤٠).\n(^٤) انظر التعليق السابق.\n(^٥) صاحب التقريب المذكور هو ابن القفال الشاشي، واسمه القاسم بن محمد بن علي أبو الحسن، جليل القدر صاحب طريقة في المذهب، وكتابه التقريب في شرح مختصر المزني =","vol":"4","page":680},{"text":"الجمعة، وعلى الثاني إذا نوى الجمعة هل يجب التعرض للقصر؟ فيه وجهان أصحهما لا ولو نوى ظهرا مقصورا ولم يتعرض للجمعة فعلى الأول لا يصح وعلى الثاني وجهان أصحهما الصحة لأنه نوى حقيقتها والله أعلم، قاله في مختصر الكفاية (^١).\nقوله: وعنه تقدم الكلام عليه.\nقوله د: \"يحضر الجمعة ثلاث نفر\" تقدم الكلام على النفر في أول هذا التعليق مبسوطا.\nقوله ﵇: \"فرجل حضرها يلغو فذلك حظه منها، ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخطى رقبة مسلم ولم يؤذ فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام\" تقدم الكلام على اللغو والإنصات والتخطي في الأحاديث قبله.\nفروع: الأول: ما يفعله بعض الجهال من قراءة بعض ﴿الم﴾ السجدة في الأولى وبقيتها في الثانية أو يقرأ سجدة من سجدات القرآن وقد نبه عليها النووي في الروضة وشرح المهذب وفي الأذكار والتبيان (^٢) وقد كان بعض\n_________\n= في فروع الفقه. انظر تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٢٥) وطبقات الشافعية (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣).\n(^١) انظر: المجموع (٤/ ٦٣٢)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٧٤)، ومختصر الكفاية (لوحة ٣٢٦/ خ ٢١٧٥ ظاهرية).\n(^٢) الأذكار (ص ١٠٨) والتبيان (رقم: ٤٥٣)، والمجموع (٣/ ٣٨٥)، والروضة (١/ ٢٤٨).","vol":"4","page":681},{"text":"العلماء الذين أدركناهم يفتى ببطلان صلاة هؤلاء، وإنما السنة أن يقرأ في الأولى ﴿الم﴾ بتمامها وفي الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بتمامها وليست قراءة ﴿الم﴾ لأجل السجدة وإنما أتت السجدة فيها ضمنا (^١) والله أعلم.\nتنبيه: قيل للفقيه عماد الدين بن يونس أن العامة صاروا يرون قراءة السجدة يوم الجمعة واجبة وينكرون على من تركها فقال: تقرأ في الوقت وتترك في وقت ليعرفوا أنها غير واجبة وفي فضائل الأوقات للبيهقى عن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"إن أفضل الصلاة عند الله تعالى صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة\" (^٢) ا. هـ.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، وزاد المعاد (١/ ٣٦٤ و٤٠٨)، وتنبيه الغافلين (ص ٤٤٣).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١٣٠). والحديث:\nأخرجه البزار (١٢٧٩) والطبراني في الأوسط (١/ ٦٥ - ٦٦ رقم ١٨٤) والكبير (١/ ١٥٦ رقم ٣٦٦) وابن عدى في الكامل (٧/ ٢٣٦) عن أبي عبيدة بن الجراح بلفظ: \"إن أفضل الصلوات صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة، وما أحسب شهدها منكم إلا مغفورا له\".\nقال البزار: ولا نعلم روى هذا الكلام إلا أبو عبيدة بن الجراح بهذا الإسناد.\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي عبيدة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: يحيى بن أيوب. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٦٨: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط كلهم من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد وهما ضعيفان.\nوضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٢٢١).\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٠٧)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٤٤١ رقم ٢٧٨٣ =","vol":"4","page":682},{"text":"الفرع الثاني: ما أحدثوه من كتابة الحروز (^١) في أخر جمعة من شهر رمضان حال الخطبة والإنصات إليها وقد نهى عن العبث بالحصى في وقت الخطبة لأنه يشتغل عن سماعها وقد قال النبي - ﷺ - \"ومن مس الحصى فقد لغى ومن لغى فلا جمعة له\" (^٢) الحديث. لأن مس الحصى في الصلاة منهي عنه أنه يتشاغل به عن الخشوع وحضور القلب (^٣).\nالرابع: ما أحدثوه الناس من وقوف الدواب على أبواب المساجد سِيَّمَا فِي الْجُمَعِ وَالأَعْيَادِ وهو بدعة ينبغي إنكارها، لأنهم يضيقون طرق المسلمين ويروثون ويبولون على أبواب المساجد وقد نهى النبي - ﷺ - أن يبال بأبواب المساجد، ولأن الداخل إلى المسجد قد يتنجس قدَمُه أو ثوبُه فشق عليه غسله إن تنبَّه له، وإن لم يتنبه له صلى بنجاسة، وقد يتنجس نعله فلا يجوز له أن يدخل به المسجد وقد يحصل منه رفص أو كدم فيقع الضرر فيكون\n_________\n= وفضائل الأوقات (٢٨٨) عن ابن عمر باللفظ الذي ذكره المؤلف. قال أبو نعيم: تفرد به خالد مرفوعا، ورواه غندر موقوفا.\nوقال الدارقطني في العلل (٣١٢٧): يرويه يعلى بن عطاء، وقد اختلف عنه ...\nوكذلك قال هشيم، عن يعلى بن عطاء، موقوفا، وهو الصحيح.\nوصححه الألباني في الصحيحة (١٥٦٦).\n(^١) الحرز: هو الموضع الحصين، ويسمى التعويذ حرزًا، لأنه يتحصن به من الأمراض والأسقام. انظر: الصحاح للجوهري (٣/ ٨٧٣). وذلك بدعة سيما وهو يترك بسببه ما وجب عليه من سماع الخطبة والإنصات إليها.\n(^٢) سبق تخريجه. هكذا في المخطوط لم يذكر المؤلف الثالث بل ذكر بعد الثاني الرابع.\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٤٤٠).","vol":"4","page":683},{"text":"أصحابها السبب في ذلك (^١) والله أعلم.\nالفرع الخامس: لو دخل السقاء إلى المسجد يسبِّل الماء الذي معه جاز بشرط أن لا يتخطى رقاب الناس وأن لا يلوث المسجد بقدمه لأنه في الغالب يكون حافيا ورجلاه وسختين وأن لا يرش من ماءه شيء على ثياب الناس وأن لا يرفع صوته بقوله الماء للسبيل وأن لا يبل موقعه من المسجد بألا يمنع الصلاة وأن لا يضرب بناقوسه في المسجد فإن فُقِدَت هذه الشروط جاز (^٢) والله أعلم.\nالفرع السادس: تعليق قناديل الذهب والفضة في المسجد وهو بدعة محرمة لما ذكر من استعمال أواني الذهب والفضة وفي الفضة التي بباب الكعبة خلاف والصحيح التحريم (^٣) والله أعلم.\nفرع: ما اعتاده كثير من الجهال إذا قال الخطيب: الحمد لله سيَّما في الخطبة الثانية باسوا أيديهم ووضعوها على رؤوسهم حتى ربما يُسمع صوت بوسهم أياديهم من خارج المسجد وهذا سخافة عقل وبدعة شنيعة ليس لها أصل في الشرع ولم يفعلها أحد من السلف الصالح ولا ممن يرجع إليه فينبغي إنكارها وتعريف أنها بدعة ليس لها أصل (^٤).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٤٠).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٤٣٧ - ٤٣٨)\n(^٣) الحاوى الكبير (٣/ ٢٧٦)، والعزيز شرح الوجيز (١٢/ ٤٠٢)، والمجموع (٤/ ٤٤٥)، وتنبيه الغافلين (ص ٤٤٠).\n(^٤) تنبيه الغافلين (٤٤١).","vol":"4","page":684},{"text":"فرع آخر: من الصغائر البيع يوم الجمعة بعد الأذان الثاني إذا تأخر بسببه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ (^١) الآية قال النووي (^٢) وغير البيع من الصنايع والعقود في معنى البيع قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٣) والله تعالى أعلم.\nفائدة: ما الحكمة في قراءة السجدة وهل أتى على الإنسان في يوم الجمعة؟ عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة الفجر ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ \" وزاد الطبراني في معجمه الكبير والصغير: \"يديم على ذلك\" (^٤) وهي ترد على من كرهها [وهي رواية أشهب] من\n_________\n(^١) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(^٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٠٠).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٣١٨ - ٣١٩)، والمجموع (٤/ ٥٠٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٨٩١) و(١٠٦٨) ومسلم (٦٦ -) عن أبي هريرة. وأما زيادة يديم على قرائتها: أخرجها الطبراني الصغير (٢/ ١٧٨ رقم ٦٩٨)، وابن مردويه في جزء ما انتقاه على الطبراني (١٢٥). وقال: لم يروه عن عمرو بن قيس إلا ثور، ولا عن ثور إلا الوليد بن مسلم تفرد به دحيم، ولا كتبناه إلا عن محمد بن بشر. قال الحافظ في الفتح (٢/ ٣٧٨) في إسناد الطبراني: ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله. وقال في نتائج الأفكار (١/ ٣٧١): هذا حديث حسن، رواته ثقات. ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس بلفظ كل جمعة، أخرجه الطبراني في الكبير. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣ رقم ١٢٤٢٢) عن ابن عباس بلفظ: \"يقرأ في كل جمعة في صلاة الغداة الم تنزيل، وهل أتى على الإنسان\". قال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٦٨): رواه الطبراني في الكبير وفيه حماد بن شعيب وهو ضعيف جدًّا.","vol":"4","page":685},{"text":"المالكية في [صلاة] الفرض [خشية] التخليط على المأمومين وخص بعضهم [الكراهة] بما إذا أسر قالوا وربما أدى اعتقاد وجوبها من الجهال فسددنا الذريعة ومشهور مذهب مالك أن من [مذهبه حسم مادة الذرائع] وأشار ابن دقيق العيد إلى أنها [إذا انتهى الحال إلى أن تقع هذه المفسدة فينبغي] أن تترك في بعض الأوقات ولعله ﵀ لم يطلع على رواية الطبراني (بديمومة ذلك، ولو اطلع عليها لم يذكر ما قاله).\nوأما مناسبة قراءة هاتين السورتين في يوم الجمعة (لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق) أدم (، ودخول الجنة والنار، وذلك مما كان ويكون في) يوم الجمعة أفكان يذكر الأمة في هذا اليوم أن فيه، تقوم الساعة (ولهذا كان يقرأها لما) احتوى على ذكر القيامة وأحواله وصفة الجنة والنار (وكيف تعرض) أعمالهم وغير ذلك وقال في: العلم المشهور: الحكمة في قراءة [هاتين] السورتين لما في السورتين من ذكر الستة الأيام وإتباعها بذكر خلق أدم من طين تنبيها منه - ﷺ - على الحكمة وتذكرة للقلوب بهذه الموعظة وأن الله تعالى خلق فيه أدم وجعل فيه بدء هذا الجنس وهو البشر وجعل أيضا فيه فناءهم إذ فيه تقوم الساعة كما خص به رسوله - ﷺ - وأمته وسماه الجمعة مأخوذ من الإجتماع (^١) فقف بقلبك على حكمة الله تعالى في تعبد الخلق به لما فيه من التذكرة بإنشاء هذا الجنس ومبدئه ولما فيه من التذكرة بأحدية الله ﷾ وانفراده قبل الخلق بنفسه فإنك إذا\n_________\n(^١) العلم المشهور (لوحة ١٦٩).","vol":"4","page":686},{"text":"كنت في الجمعة وتفكرت في كل جمعة قبله حتى [يترقى وهمك] إلى الجمعة التي خلق فيها أبوك أدم ثم فكرت في الأيام الستة التي قبل تلك الجمعة وجدت في كل يوم منها جنسا من المخلوقات (^١) ا. هـ.\nفائدة أخرى: عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - \"أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين\" (^٢)، وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيد وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما أيضا في الصلاة أخرجهما مسلم (^٣) قال في المفهم: والحكمة (في قراءتها) أنه يذكرهم بأمر الجمعة ويبين تأكدها وأحكامها وأما قراءة المنافقين فالتوبيخ من حضرها منهم لأنه قل من كان يتأخر عن الجمعة منهم إذ قد كان يهدد عن التخلف عنها بتحريق البيوت على من فيها ولعل هذا والله أعلم كان في\n_________\n(^١) العلم المشهور (لوحة ١٦٩) وتتمة كلامه: موجودا إلى السبت ثم انقطع وهمك فلم تجد في الجمعة التي تلي ذلك السبت وجودا إلا للواحد الصمد الوتر، فقد ذكرت الجمعة من تفكر بوحدانية الله وأوليته وإنظر كيف أمرنا الشارع (د) بالإجتماع في منزل واحد يخطب لنا خطيب واحد يذكر بوحدانية الله وبفناء الخلق وذهابهم ورجوعهم إلى ربهم ووقوفهم لحسابهم وأما قراءته (د) في الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ فلما في هذه السورة من ذكر السعي وشكر الله تعالى عليه كما قال جل من قائل ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ وقال جل من قائل في يوم الجمعة ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فنبه بقراءته إياها على الباعث للسعى المشكور عليه والله أعلم انتهى. وهو بنحوه في الروض الأنف (٤/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٧٩) أحمد (١٩٩٣) وأبو داود (١٠٧٥)، الترمذي (٥٢٠).\n(^٣) صحيح مسلم (٨٧٧).","vol":"4","page":687},{"text":"أول الأمر فلما عقل الناس أحكام الجمعة وحصل توبيخ المنافقين عدل عنها إلى قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿الْغَاشِيَةِ﴾ لما تضمنتا من الوعد والوعيد والتذكير (^١) ا. هـ قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ١٤٦).","vol":"4","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>الترهيب من ترك الجمعة لغير عذر</span>\n١٠٨٥ - عَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لقوم يتخلفون عَن الْجُمُعَة لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثمَّ أحرق على رجال يتخلفون عَن الْجُمُعَة بُيُوتهم، رَوَاهُ مسلم وَالْحَاكِم بِإِسْنَاد على شَرطهمَا (^١).\nوَتقدم فِي بَاب الْحمام حَدِيث أبي سعيد وَفِيه وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فليسع إِلَى الْجُمُعَة وَمن اسْتغنى عَنْهَا بلهو أَو تِجَارَة اسْتغنى الله عَنهُ وَالله غَنِي حميد رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ (^٢).\nقوله عن ابن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله أن النبي - ﷺ - قال: \"لقوم يتخلفون عن الجمعة لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم\" الحديث فهذا يدل على فرضيتها لأن التحريق بالنار لا يكون إلا عن ترك واجب ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه طارق بن شهاب البجلي الكوفي أن النبي - ﷺ - قال: \"الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا على أربعة: عبد مملوك، أو امرأة أو صبي أو مريض\" رواه أبو داوود، والدارقطني بإسناد صحيح (^٣)،\n_________\n(^١) مسلم (٦٥٢)، والحاكم (١/ ٢٩٢).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٧٣٢٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٠٦٧) الطبراني في الأوسط (٥٦٧٩)، والدارقطني (١٥٧٧)، والحاكم ١/ ٢٨٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٧٢ و١٨٣، وفي فضائل الأوقات (٢٦٣) وقال البيهقي تفرد بوصله عبيد العجلي. قال ابن الملقن في: البدر المنير ٤/ ٦٤٠ - ٦٤١: هو =","vol":"4","page":689},{"text":"وطارق بن شهاب رأى النبي - ﷺ - وقال أبو داود وغيره: لم يسمع منه (^١)، فإن صح ذلك فهو مرسل صحابي وهو حجة (^٢).\nأما كونها فرضا فبالإجماع (^٣) فتجب على كل مسلم مكلف حر ذكر مقيم بلا مرض ونحوه، فخرج بالمسلم الكافر وخرج بالمكلف الصبي والمجنون فلا تجب عليهما والمغمى عليه كالمجنون بخلاف السكران فإنه يلزمه قضاؤها ظهرا كغيرها، وخرج بالحر الرقيق لأنه ممنوع من التصرف لحق السيد، ولا فرق بين القن والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة وفي المبعض خلاف، الأفضل في العبد إذا أذن له سيده الحضور وكذا إن خلا شغله الحضور فيمادونهم وأشار إليه القاضي وغيره وفي الجيلي: وجه أنه يلزمه حينئذ (^٤).\n_________\n= ثقة فلا يضر تفرُّده إذن، وقد عُلم ما في تعارض الوصل والإرسال. وقال النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٧٥٧): رواه أبو داود بإسناد على شرط الصحيحين. إلا أنه قال: طارق رأى النبي - ﷺ - ولم يسمع منه شيئا. وهذا الذي قاله أبو داود لا يقدح في صحة الحديث، لأنه إن ثبت عدم سماعه يكون مرسل صحابي وهو حجة. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٩٧٨).\n(^١) سنن أبي داود عقب حديث (١٠٦٧).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٤٤٥).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٤٤٥)، وقال ابن المنذر في الأوسط ٤/ ١٦: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إن حضرن الإمام فصلَّين معه أن ذلك مجزئ عنهن.\n(^٤) انظر: المجموع (٤/ ٤٨٥)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٨٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٤٥).","vol":"4","page":690},{"text":"وخرج بالذكر المرأة فإنها مأمورة بالستر والانعزال وحضور الجمعة ينافي ذلك ولا تجب على الخنثى اتفاقًا، وأما العجوز فالحضور في حقها مستحب بإذن الزوج دون الشابة (^١). وخرج بقيد الإقامة: المسافر وسواء كان السفر طويلًا أو قصيرًا إذا كان حلالا ولم يثقل أنه - ﷺ - صلاها في سفر قط، ولو فعلها لاشتهرت ولأنه مشغول بالسفر فلو وجبت عليه لقطعته عنه فيتضرر (^٢).\nوأما المريض فلا جمعة عليه ومما يلتحق بالمرض من به إسهال لا يقدر معه على ضبط نفسه ويخشى من تلويث المسجد فإن دخول المسجد عليه حرام كما صرح به الرافعي (^٣)، والمسافر الأفضل في حقه الجمعة وكذا المريض كما قاله البندنيجى، وإن تحملا المشقة (^٤) وقد ذكر العلماء الأعذار في صلاة الجماعة وكذلك ذكروها في صلاة الجمعة أيضا فمن أراد ذلك فعليه بكتب الفقه. للجمعة شروط معروفة في كتب الفقه أيضا فمن أرادها فليراجع مظانها ولنذكر فروعا على وجه الاختصار تتعلق بالجمعة.\nفرع: المقيم في موضع لا يسمع فيه النداء إذا حضر لا تلزمه الجمعة ولكن يكره له الانصراف قاله البندنيجي (^٥).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٢) المجموع (٤/ ٤٨٥)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٧٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٤٦).\n(^٣) المجموع (٤/ ٤٨٦)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٤٦)\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٢٨٨).\n(^٥) كفاية النبيه (٤/ ٢٨٦).","vol":"4","page":691},{"text":"فرع آخر: المقيم في موضع لا يسمع فيه النداء إذا حضر لصلاة العيد وكان يوم جمعة ففي وجه تلزمه الجمعة والأصح المنصوص لا تلزمه في ذلك اليوم ويلزم أهل مصر فيخطب الإمام ويأذن لأهل السواد في الانصراف إن شاءوا لأنه اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ - فصلى العيد وخطب فقال: \"أيها الناس قد اجتمع عيدان في يوم فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد ومن أراد أن ينصرف فلينصرف\" (^١) ولأنا لو أمرناه بالقعود فاته التعييد مع أهله وأن أمرناه بالذهاب والعود قطع يومه بالمشي وفيهما مشقة شديدة والجمعة تسقط بالمطر وهو دون ذلك ولا يكره لهم الانصراف أيضا لما قلناه (^٢).\nفرع أيضا: المستأجر في يوم الجمعة تلزمه جمعة على المذهب ويجعل وقتها مستثنى كباقي الصلوات، وعن ابن شريح أن له تركها (^٣).\nفرع: أيضا والمحبوس أن قدر على ترك الخلاص لزمته وإلا فلا (^٤).\nفرع: أيضا والأعمى الذي لا يجد قائدا إذا حضر لزمته بلا خلاف لزوال المشقة (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(^٣) كفاية النبيه (٤/ ٢٨٧).\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٢٨٧).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٤٤٨).","vol":"4","page":692},{"text":"١٠٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر - ﵁ - أنَّهُمَا سمعا رَسُول الله - ﷺ - يَقُول على أَعْوَاد منبره لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجُمُعَات أَو ليختمن الله على قُلُوبهم ثمَّ لَيَكُونن من الغافلين، رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا (^١).\nقَوْله: ودعهم الْجُمُعَات هُوَ بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الدَّال أَي تَركهم الْجُمُعَات وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة بِلَفْظ تَركهم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ.\nقوله: وعن أبي هريرة وابن عمر تقدم الكلام على مناقبهما رضي الله تعالى عنهما.\nقوله: أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد منبره الحديث. فيه استحباب اتخاذ المنبر وهو سنة مجمع عليها (^٢) لما روى مسلم (^٣) أنه - ﷺ - أرسل إلى امرأة أن مُرِي غلامكِ النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات فكان يخطب عليها انتهى.\nكان - ﷺ - يخطب على الأرض وعن يساره جذع نخلة يعتمد عليه فخطبته على الأرض تدل على أن المنبر لا يجب، وكان منبره - ﷺ - ثلات درجات (^٤) غير الدرجة التي تسمى المستراح وكان يقف على الثالثة فيندب الوقوف على الدرجة التي تسمى المستراح إن كان المنبر قصيرًا [فإن كان طويلا] قال في الحاوي وقف\n_________\n(^١) مسلم (٨٦٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٢)، ورياض الأفهام (٢/ ٦١١).\n(^٣) صحيح مسلم (٥٤٤).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"4","page":693},{"text":"على السابعة قال العلماء: ومن سنن الجمعة أن يكون على منبر يعني الخطيب أو موضع عال لأنه يحصل مقصود المنبر وهو الإبلاغ (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات\" أي ليمتنعن واللام في لينتهين لام [النهي والثانية في قوله أو ليختمن لام القسم، ففي هذا الحديث حجة واضحة على وجوب الجمعة وفرضها.\nوقوله: ودعهم هو بفتح الواو وسكون الدال أي تركهم الجمعات ورواه بن حزيمه (^٢) بلفظ تركهم قاله المنذري (^٣)، قال في النهاية: أي عن تركهم إياها والتخلف عنها يقال: مِنْ وَدَعَ الشَّيءَ يَدَعُهُ وَدْعًا إِذَا تَرَكَهُ، وَالنُّحَاةُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَاضِيَ (يَدَعُ) وَمَصْدَرَهُ، وَاسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِترَكَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - أَفْصَحُ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ عَلَى قِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا فَهُوَ شَاذ فِي الاسْتِعْمَالِ صَحِيح فِي الْقِيَاسِ اهـ.\nوقد جاء في غير ما حديث حتى قرأ به قراءة ابن أبي عبلة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي ما تركك ومنه الحديث \"إِذَا لَمْ يُنْكِرِ الناسُ المُنْكَرَ فَقَدْ تَوَدَّعَ مِنْهُمْ\" أَيْ أُسْلِموا إِلَى مَا اسْتَحقُّوه مِنَ النَّكير عَلَيْهِمْ، وتُرِكُوا وَمَا اسْتَحَبُّوه مِنَ المَعاصي، حَتَّى يُكْثِروا (٢) مِنْهَا فَيَسْتَوْجِبوا العُقوبة\" (^٤). والله أعلم.\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(^٢) في صحيحه برقم (١٨٥٥).\n(^٣) كما سبق قبل قليل وينظر الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٦).\n(^٤) النهاية (٥/ ١٦٥ - ١٦٦)، والمفهم (٧/ ١٥٠).","vol":"4","page":694},{"text":"قوله: والجمعات، إنما أتى بصيغة الجمع تشنيعا على فاعله لما فيه من التظاهر بالتهاون بالدين وقيل قابل الجمع في قوله: قوم بالجمع لئلا يفهم جواز ترك جمعة، قوله ج: أو ليختمن الله على قلوبهم الحديث، هو أن يخلق الله في قلوبهم ضد الهدى ويصرف عنهم لطفه فيمنعهم توفيقه (^١) وقيل هو طبعه عليها حتى (لا يعي) خيرًا (قال النووى:) ومعنى الختم: الطبع والتغطية (^٢) وأصل الطبع في اللغة: الوسخ والدنس يغشيان السيف، يقال طبع السيف يطبع طبعا (^٣)، وأصله من ختمت الكتاب إذا طبعت عليه بطابع (^٤) وهو في الحقيقة عبارة عما يجعله الله في القلوب من الجهل والأهواء وأطلع الله تعالى الملائكة على ذلك فيعرفون به من يحبه الله تعالى ومن يكرهه (^٥) ثم استعمل فيما يشبه الوسخ من الآثام والأوزار وغيرهما من القبائح ا. هـ قاله في النهاية.\nومثل الطبع الرَّيْن وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ﴾ (^٦) وقيل الرَّيْن أيسر من الطبع والطبع أيسر من الأقفال والأقفال أشدها وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^٧) قال القاضي (^٨): وقد اختلف\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٠)، ومطالع الأنوار (٢/ ٤١٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٢).\n(^٣) النهاية (٣/ ١١٢).\n(^٤) النهاية (٢/ ١٠)، والمصباح المنير (١/ ١٦٣).\n(^٥) المفهم (٧/ ١٥٠).\n(^٦) سورة المطففين، الآية: ١٤.\n(^٧) سورة محمد، الآية: ٢٤.\n(^٨) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢١).","vol":"4","page":695},{"text":"المتكلمون في هذا اختلافا كثيرا، فقيل هو اعدام اللطف وأسباب الخير، وقيل: هو خلق الكفر في صدورهم وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم أي شهادته عليهم بكفرهم، وقيل: هو علامة جعلها الله في قلوبهم لتعرفها الملائكة من يمدح ومن يذم (^١) ا. هـ\nقوله: ثم ليكونن من الغافلين أي عن الخيرات والعبادات فلا يفقهوا أسرارها ولا يذوقوا حلاوتها، وإن فعلوها فهي كالجسد بلا روح فلا تؤثر في تنوير قلوبهم حتى يلجئوا إلى الله تعالى ويتوبوا توبة نصوحا وحينئذ فيعود إليهم حالهم وأما ما جاء في سنن أبي داوود والنسائي من قوله ﵇ \"من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار\" (^٢) وروي مسندًا ومرسلًا ولم يصح. قال ابن العربي: ولا يقابل الجمعة دية فكيف (بهذا) المقدار وإنما كفارتها التوبة والاستغفار وإن يقضيها ظهرا والله أعلم. واختلفوا هل يقتل كسلا مع أنه يصلي الظهر فالصحيح لا يقتل لأن لها بدلا وتسقط بأعذار كثيرة قاله الغزالي في الفتاوى (^٣). و(تابعه) الرافعي عليه وقيل يقتل (لأنه لا يتصور قضاؤها) وليست الظهر قضاء عنها (وهو اختيار)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٢١٥) والنسائي في الكبرى كما في التحفة (٤٥٩٩) والبخاري في تاريخه ٤/ ١٧٧، والبيهقي ٣/ ٢٤٨. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥٥٢٠).\n(^٣) ينظر: روضة الطالبين (٢/ ١٤٧) المجموع شرح المهذب (٣/ ١٥)، وكفاية النبيه (٢/ ٣٢١).","vol":"4","page":696},{"text":"ابن الصلاح والنووي (^١) وقال في [التحقيق]: أن جاحدها كافر والتهاون بها من الكبائر صلى الظهر أو لم يصل (قال) المنذري أن ذلك علامة أن (الله ختم) على قلبه، ويؤخذ منه أن تارك الصلاة تهاونا لا يكفر لأنه لم (ينص عليه) مع ما ذكر في ترك الجمعة فغيرها من باب الأولى والله أعلم قاله: شارح الإلمام.\n[فائدة: عن سمرة بن جندب \"عن النبي - ﷺ - قال من ترك الجمعة متعمدا فليتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار\" (^٢) حديث ضعيف وروي \"فليتصدق بدرهم، أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع\" وفى رواية: \"أو نصف مد\" (^٣) وأجمعوا على ضعف هذه الروايات وقال صاحب الحاوى: يستحب لمن ترك الجمعة بلا عذر أن يتصدق بدينار أو نصف دينار لهذا الحديث وهو نظير الواطئ في زمن الحيض من حديث ابن عباس المرفوع \"إذا أتى الرجل امرأته وهي حائض، فإن كان الدم عبيطا، فليتصدق بدينار، وإن كانت صفرة، فليتصدق بنصف دينار\" (^٤) وهو حديث ضعيف\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ١٥ - ١٦) والروضة (٢/ ١٤٧ - ١٤٨)، وكفاية النبيه (٢/ ٣٢١)، والنجم الوهاج (٢/ ٥٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١١٢٨)، وأبو داود (١٠٥٣)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٥٦ (١٣٨٨)، وابن خزيمة (١٨٦١)، وابن حبان (٢٧٨٨ و٢٧٨٩). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٩٥ - ١٩٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٠٥٤)، والحاكم (١/ ٢٨٠).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٦٣٩)، والترمذي (١٣٧). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٢٥).","vol":"4","page":697},{"text":"باتفاق الحفاظ. واختلفوا في الكفارة في ذلك فقال الحسن وسعيد بن جبير عليه عتق رقبة والصواب لا كفارة على إتيان الحائض (^١) قاله في الديباجة].\nففي هذا الحديث الوعيد الشديد لتارك الجمعة وفيه تأكيد الحرمة وتعظيمها وأنها فرض على الأعيان إلا ما حكي من التخيير بينها وبين الظهر عند الحنفية على الخلاف فيه، ويدل على التحريم هذا التوعد العظيم ا. هـ.\nولا يختلف مذهب الشافعي أنها فرض عين ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية أي فامضوا وبذلك قرأ عمر - ﵁ - إلى ذكر الله وهو الصلاة وقيل الخطبة فأمر بالسعي وظاهره الوجوب وإذا وجب السعي وجب ما يسعى إليه ولأنه نهى عن البيع وهو مباح ولا ينهى عن فعل المباح إلا لفعل واجب (^٢).\nفرع: يجوز البيع قبل الزوال بلا كراهة لو لم تتعطل بسببه الجمعة لأنه إنما أمر بالسعي بعد النداء وجلوس الإمام للخطبة فيحرم، ويصح كما لو فوت غيرها بالبيع، وأما بعد الزوال وقبل جلوس الخطيب فيكره، هذا إذا كان المتبايعان من أهل الجمعة فإن لم يكونا كمسافرين لم يكره لهما ولو كان أحدهما فقط من أهلها فحكمه كما لو كانا من أهلها وأما الآخر فلا يكره له إلا حيث حزم على من هو من أهلها فيكره له لإعانته على المعصية قاله:\n_________\n(^١) انظر شرح مسلم على النووي (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٢) انظر: كفاية النبيه (٤/ ٢٦٨ - ٣٦٩).","vol":"4","page":698},{"text":"البنديجي وفي المهذب والرافعي أنهما آثمان، وغير البيع من التصرفات كالبيع والله أعلم، قاله في مختصر الكفاية (^١).\n\n١٠٨٧ - وَعَن أبي الْجَعْد الضمرِي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من ترك ثَلَاث جمع تهاونا بهَا طبع الله على قلبه رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nوَفِي رِوَايَة لابْنِ خُزَيْمَة وَابْن حبَان من ترك الْجُمُعَة ثَلَاثًا من غير عذر فَهُوَ مُنَافِق (^٣). وَفِي رِوَايَة ذكرهَا رزين وَلَيْسَت فِي الأصُول \"فقد برئ من الله\" (^٤).\n\"أَبُو الْجَعْد\": اسمه أدرع وَقيل جُنَادَة وَذكر الْكَرَابِيسِي أَن اسمه عمر بن أبي بكر وَقَالَ التِّرْمِذِيّ سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن اسْم أبي الْجَعْد فَلم يعرفهُ.\n\n١٠٨٨ - وَعَن أبي قَتَادَة - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من ترك الْجُمُعَة ثَلَاث مَرَّات من غير ضَرُورَة طبع الله على قلبه، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٤/ ٢٩٩).\n(^٢) أحمد (١٥٤٩٨)، وأبو داود (١٠٥٢)، والنسائي (٣/ ٨٨)، وفي الكبرى (١٦٥٦)، والترمذي (٥٠٠)، وابن ماجه (١١٢٥)، وابن خزيمة (١٨٥٧)، وابن حبان (٢٧٨٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٢٩).\n(^٣) ابن خزيمة (١٨٥٧)، وابن حبان (٢٥٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٢٩).\n(^٤) ويبدو أنها ضعيفة فلم يذكرها الشيخ الألباني في صحيح الترغيب (١/ ٣٠٧).","vol":"4","page":699},{"text":"وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة - ﵁ - وأبو الجعد اسمه أدرع وقيل جنادة وذكر الكرابيسي أن اسمه عمر بن أبي بكر، قال: الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن اسم أبي الجعد فلم يعرفه ا. هـ، قاله الحافظ (^٢) رحمه الله تعالى.\nوقال: \"من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه\" قاله في الديباجة، وقيل عمر بن بكرة وهو من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة وله دار بالمدينة في بني ضمرة لا يعرف له غير هذا الحديث (^٣) ا. هـ.\nقوله: \"من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه\" أي ختم على قلبه وغشاه ومنعه من الألطاف، الطبع بالسكون الختم وبالتحريك [الدنس] قاله ابن الأثير (^٤) (والختم) في الحديث (النفاق ويدل) عليه [مطلق الحديث الذي قبله].\n(قوله) [عن أبي قتادة، أبو قتادة اسمه: الحارت بن ربعي، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل: عمرو بن ربعي، والمشهور: الحارث بن ربعي بن سلمة\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٥٥٨)، والحاكم (٢/ ٤٨٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٠).\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٨٧)\n(^٣) تهذيب الكمال (٣٣/ الترجمة ٧٢٨١).\n(^٤) النهاية (٣/ ١١٢).","vol":"4","page":700},{"text":"السلمي المدني. وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، وقيل: كبشة بنت عباد بن مطهر، شهد أحدا والخندق وما بعد ذلك من المشاهد مع رسول الله - ﷺ - (^١)].\nقوله: - ﷺ - \"من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه\" تقدم الكلام على بعض أرباب الأعذار والضرورات وتقدم الكلام أيضا على الطبع هو الختم في الأحاديث قبله.\n\n١٠٨٩ - وَعَن أُسَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: من ترك ثَلَاث جمعات من غير عذر كتب من الْمُنَافِقين، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ وَله شَوَاهِد (^٢).\nقوله: وعن أسامة هو أسامة بن زيد الصحابي وهو مولى رسول الله - ﷺ - وابن مولاه وابن مولاته وحِبه وابن حِبه كنيته أبو محمد وقيل أبو زيد وقيل أبو يزيد وقيل أبو خارجة أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحبيل بن كعب بن عبد العزى بن زيد وقيل يزيد بن امرؤ القيس بن عامر بن النعمان إلى آخره الكلبي الهاشمي وأمه أم أيمن بركة - ﵂ - حاضنة رسول الله - ﷺ - روي لأسامة عن رسول الله - ﷺ - مائة وثمانية وعشرون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها\n_________\n(^١) الاستيعاب (٤/ الترجمة ٣١٣٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٣ ترجمة ٣٢٦)، وتهذيب الكمال (٣٤/ الترجمة ٧٤٧٥).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٤٢٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٣)، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف عند الأكثرين، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣١).","vol":"4","page":701},{"text":"على خمسة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديثين روى عنه ابن عباس ثم جماعات من كبار التابعين.\nوفي صحيح البخاري عن أسامة أن رسول الله - ﷺ - كان يأخذه والحسن بن علي فيقول \"اللهم أحبهما فإني أحبهما\" (^١) أو كما قال. وفي رواية له أيضا قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْخُذُنِي، فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذهِ الْأُخْرَى، ثم يقول: \"اللهم إني أرحمهما فارحمهما\" وفي البخاري (^٢) عن عمرو بن دينار قال: نظر ابن عمر يوما إلى رجل يسحب ثيابه في المسجد فقال: انظروا من هذا ليت هذا عندي قال: له إنسان أما تعرف هذا يا أبا عبد الرحمن هذا محمد بن أسامة بن زيد فطأطأ ابن عمر رأسه في الأرض ثم قال: لو رءاه رسول الله - ﷺ - لأحبه.\nوفي كتاب الترمذي (^٣) عن عائشة - ﵂ -، قالت: أراد النبي - ﷺ - أن ينحي مخاط أسامة فقلت دعني أفعل فقال: يا عائشة أحبيه فإني أحبه قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورويناه، في الترمذي (^٤) أيضا عن أسلم مولى عمر أن عمر فرض لأسامة ثلاثة آلاف وخمسمائة وفرض لابن عمر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٧٣٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٧٣٤).\n(^٣) سنن الترمذي (٣٨١٨) وقال الألباني: حسن - المشكاة\" (٦١٦٧).\n(^٤) سنن الترمذي (٣٨١٣) المعجم الأوسط (٦٦٠٨) وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٣٨١٣).","vol":"4","page":702},{"text":"ثلاث آلاف فقال: لم فضلت أسامة علي فقال: لأن زيد كان أحب إلى رسول الله - ﷺ - من أبيك وكان أسامة أحب إلى رسول الله منك فأثرت حب رسول الله - ﷺ - على حبي، وولاه رسول الله - ﷺ - إمارة الجيش وفيهم عمر بن الخطاب وعقد له اللواء، وتوفي رسول الله - ﷺ - وله عشرون سنة وقيل تسعة عشر سنة توفي أسامة بالمدينة وقيل بوادي القرى وحمل إلى المدينة سنة أربع وخمسين وقيل تسع أو ثمان وخمسين وقيل سنة أربعين بعد عليّ بقليل، قال ابن عبد البر (^١) وغيره: الصحيح سنة أربع وخمسين، وعن الأوزاعي قال: دخلت فاطمة بنت أسامة على عمر بن عبد العزيز ومعها مولاة لها تمسك بيدها فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يده في يدها أو يداه في ثيابها ومشى بها حتى أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها، وما ترك حاجة لها إلا قضاها ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^٢).\nقوله: \"من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين\" والأعذار مذكورة في كتب الفقه.\nقوله من رواية جابر الجعفي (هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله، ترك يحيى القطان حديثه، وقال النسائي وغيره متروك ووثقه شعبة وسفيان الثوري).\n_________\n(^١) ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ٧١).\n(^٢) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٥٥).","vol":"4","page":703},{"text":"١٠٩٠ - وَعَن كَعْب بن مَالك - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لينتهين أَقوام يسمعُونَ النداء يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ لا يأتونها أَو ليطبعن الله على قُلُوبهم ثمَّ لَيَكُونن من الغافلين، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله عن كعب بن مالك.\nروي لكعب بن مالك عن رسول الله - ﷺ - ثمانون حديثا وسيأتي الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم\" تقدم الكلام على قوله لينتهين وعلى قوله أو ليطبع الله على قلوبهم الأولى لام النهي والثانية لام القسم.\n\n١٠٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا هَل عَسى أحدكُم أَن يتَّخذ الصبة من الْغنم على رَأس ميل أَو ميلين فيتعذر عَلَيْهِ الْكلأ فيرتفع ثمَّ تَجِيء الْجُمُعَة فَلَا يَجِيء وَلا يشهدها وتجيء الْجُمُعَة فَلَا يشهدها حَتّى يطبع على قلبه رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَابْن خُزَيمه فِي صحِيحه (^٢).\nالصُبّة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة هِيَ السّريَّة إِمَّا من الْخَيل أَو الإبل أَو الْغنم مَا بَين الْعشْرين إِلَى الثَّلَاثِينَ تُضَاف إِلَى مَا كَانَت مِنْهُ\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٩٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٤)، وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٢).\n(^٢) ابن ماجه (١١٢٧)، وابن خزيمة (١٨٥٩)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٧٦) هذا إسناد ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٣).","vol":"4","page":704},{"text":"وَقيل هِيَ مَا بَين الْعشْرَة إِلَى الأرْبَعين.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم\" قد فسر الحافظ (^١) ﵀ الصبة من الغنم وضبطها فقال: هي السرية إما من الخيل أو الإبل أو الغنم ما بين العشرين إلى الثلاثين وتضاف إلى ما كانت منه وقيل هي ما بين العشرين إلى الأربعين ا. هـ\nوقال في النهاية (^٢): الصبة: جماعة من الغنم تشبيها لجماعة الناس، وقيل اختلف في عددها فقيل ما بين العشرين إلى الأربعين من الضأن والمعز وقيل من المعز خاصة وقيل نحو الخمسين وقيل ما بين الستين إلى السبعين.\nوالصبة من الإبل نحو خمس أو ست ومنه حديث عمر \"اشتريتُ صُبَّة مِنْ غَنَم\" ا. هـ قوله - ﷺ -: \"على رأس ميل أو ميلين\" سيأتي الكلام على الميل في حديث جابر الذي بعده. قوله - ﷺ -: فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع سيأتي الكلام على الكلأ. قوله - ﷺ -: ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها حتى يطبع الله على قلبه فلا يشهدها أي فلا يحضرها وتقدم تفسير الطبع.\n_________\n(^١) يعني بالحافظ المنذري وسبق كلامه في أعلى الصفحة وينظر: فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٩٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤).","vol":"4","page":705},{"text":"١٠٩٢ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵁ - قَالَ قَامَ رَسُول الله - ﷺ - خَطِيبًا يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ عَسى رجل تحضره الْجُمُعَة وَهُوَ على قدر ميل من الْمَدِينة فَلَا يحضر الْجُمُعَة ثمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَة عَسى رجل تحضره الْجُمُعَة وَهُوَ على قدر ميلين من الْمَدِينة فَلَا يحضرها وَقَالَ فِي الثَّالِثَة عَسى يكون على قدر ثَلَاَثة أَمْيَال من الْمَدِينة فَلَا يحضر الْجُمُعَة ويطبع الله على قلبه، رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد لين (^١).\nوروى ابْن مَاجَه عَنهُ بِإِسْنَاد جيد مَرْفُوعا من ترك الْجُمُعَة ثَلَاثًا من غير ضَرُورَة طبع الله على قلبه (^٢).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله وتقدم الكلام على جابر.\nقوله: قام رسول الله ج خطيبا يوم الجمعة فقال عسى رجل تحضره الجمعة وهو على قدر ميل من المدينة فلا يحضر الجمعة .. الحديث.\nقد قدر أصحاب الشافعي الميل بأربعة آلاف خطوة بخطوة البعير وكل خطوة بثلاثة أقدام وكل قدم سبعة أنامل بعقد الإبهام وقدر الميل أيضا بستة آلاف ذراع بذراع الأدمي وكل ذراع شبران كل شبر اثنا عشر أصبعا كل أصبع\n_________\n(^١) أبو يعلى (٢١٩٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٠١٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٣)، رواه أبو يعلى، ورجاله موثقون، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٤).\n(^٢) ابن ماجه (١١٢٦)، وأحمد (١٤٥٥٩)، والنسائي في الكبرى (١٦٥٧)، وابن خزيمة (١٨٥٦)، والحاكم (١/ ٢٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٠٠٤)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٧٥)، إسناده صحيح ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٤).","vol":"4","page":706},{"text":"ست شعيرات معتدلات معترضات وهو أن يضع بطن كل شعيرة إلى بطن الأخرى وكل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون وكل شعرة منها ثلاث شعرات من شعر الآدمي وكله على التحديد الأصح قاله الكمال الدميري.\n\n١٠٩٣ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ -: أَيْضا قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى الله قبل أَن تَمُوتُوا وَبَادرُوا بِالأعْمَالِ الصَّالِحَة قبل أَن تشْغَلُوا وصلوا الَّذِي بَيْنكُم وَبَين ربكُم بِكَثْرَة ذكركمْ لَهُ وَكَثْرَة الصَّدَقَة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة تُرْزَقُوا وَتنصرُوا وَتجبرُوا وَاعْلَمُوا أَن الله افْترض عَلَيْكُم الْجُمُعَة فِي مقَامي هَذَا فِي يومي هَذَا فِي شَهْري هَذَا من عَامي هَذَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَمن تَركهَا فِي حَياتِي أَو بعدِي وَله إِمَام عَادل أَو جَائِر اسْتِخْفَافًا بهَا وجحودا بهَا فَلَا جمع الله لَهُ شَمله وَلا بَارك لَهُ فِي أمره أَلا وَلا صَلَاة لَهُ أَلا وَلا زَكَاة لَهُ أَلا وَلا حج لَهُ أَلا وَلا صَوْم لَهُ أَلا وَلا بر لَهُ حَتَّى يَتُوب فَمن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخصر مِنْهُ (^٢).\nقوله وروي عن جابر أيضا تقدم الكلام على جابر.\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٠٨١)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٥٨)، إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، وعبد الله بن محمد العدوي.\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٧٢٤٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٩)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن عطية الباهلي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٨٦).","vol":"4","page":707},{"text":"قوله - ﷺ -: \"يأيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا\".\nفيه الحث على التوبة وهي واجبة عن كل ذنب فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: الإقلاع والندم والعزم على أن لا يعود، وإن كانت معصية تتعلق بآدمي زادت شرطا رابعا وهو أن يبرأ من حق صاحبها وإن كانت مالًا ونحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها، ويجب أن يتوب عن جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة والإجماع على وجوبها قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ وسيأتي الكلام على التوبة مبسوطا في كتاب التوبة والله أعلم. قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"وبادروا بالأعمال الصالحة\" أي سارعوا فأمر بالمبادرة قبل الموت وكل ساعة تمر على ابن آدم فإنه يمكن أن تكون ساعة موته، بل كل نفس كما قيل:\nلا تَأْمَنِ الْمَوْتَ فِي طَرْفٍ وَلا نَفَسٍ ... وَإِنْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجُّابِ وَالْحَرَسِ\nقوله - ﷺ - \"قبل أن تشغلوا\" يعني يشغلوكم عنها شاغل من مرض أو عرض ونحوهما، ونظيره قوله ﵇ في الحديث \"ومن فراغك لشغلك\".\nقوله - ﷺ -: \"وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له\" والذي بينهم وبين ربهم هو الدين وأحكامه والمراد بوصله القيام به كما أمروا.","vol":"4","page":708},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا\" الحديث مصداقة قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ والمراد به الخلف في الدنيا بدليل قوله تعالى ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، قوله - ﷺ -: \"تنصروا\" أي تُعانوا. قوله - ﷺ -: \"واعلموا أن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة\" الحديث. فهذا الحديث دليل على أن الجمعة فرض عين كما تقدم وقيل هي فرض كفاية أخذا من قول الشافعي من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين، والعيدان فرض كفاية فكذلك الجمعة ولهذا قيل أنه قول الشافعي وهو غلط قال في البحر (^١): تبعا لأبي إسحاق لا تجوز حكايته عن الشافعي ولا يختلف المذهب أنها فرض عين.\nفائدة: \"أول جمعة أقيمت بالمدينة قبل الهجرة حين بعث النبي - ﷺ - مصعب بن عمير أميرًا عليه، فنزل على أسعد بن زرارة فأمر الجمعة فصلاها أسعد بالناس في حي بين بياضة\" فهي أول جمعة في الإسلام ولم تقم بمكة لأنه لم يكمل فيها عددها أو لأن شعارها الإظهار وكان النبي - ﷺ - مستخفيا قال الماوردي: ويجوز أنها لم تكن فرضت لأن جابرا سمع النبي - ﷺ - يقول على منبره في المدينة \"أَن الله افْترض عَلَيْكُم الْجُمُعَة فِي مقَامي هَذَا فِي يومي هَذَا فِي شَهْري هَذَا في ساعتي هذه\" قال الماوردي: فهي أفضل الصلوات ذكره في مختصر الكفاية.\n_________\n(^١) ينظر: المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٠٥).","vol":"4","page":709},{"text":"وفرضت الجمعة والنبي - ﷺ - بمكة ولم يصلها حينئذ بها وقال ابن عباس: \"أول جمعة جمعت بعد جمعة المدينة بجواثا قرية من قرى عبد القيس\" أخرجه أبو داوود (^١) وذلك لا يفعل إلا بأمره - ﷺ - وفي موضع أخر: بجواثا قرية من قرى البحرين وروى أبو داوود عن كعب بن مالك قال: أول من صلى بنا الجمعة في نقيع الخضمات أسعد بن زرارة وكنا أربعين وصححه ابن حبان والبيهقي والحاكم (^٢)، والنقيح بالنون والخضيمات بالخاء، والضاد المعجمتين ا. هـ، قاله الكمال الدميرى شرحه (^٣).\n\n١٠٩٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵁ - قَالَ من ترك الْجُمُعَة ثَلَاث جمع مُتَوَالِيَات فقد نبذ الإِسْلَام وَرَاء ظَهره رَوَاهُ أَبُو يعلى مَوْقُوفا بِإِسْنَاد صَحِيح (^٤).\nقوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره\" الحديث، النبذ معناه الطرح إنما كانت كذلك لأنها أفضل الصلوات،\n_________\n(^١) وهو في صحيح البخاري (٨٩٢) ولفظه: \"إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ\".\n(^٢) أخرجه مختصرًا أبو داود (١٠٦٩) وابن ماجه بطوله (٢/ ١٨٤) وابن حبان في صحيحه (٧٠١٣). وإسناده حسن، فيه محمَّد بن إسحاق صدوق يدلس وقد صرح بالتحديث عند ابن حبان وغيره، فانتفت شبهة تدليسه.\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٤٤٢).\n(^٤) أبو يعلى (٢٧١٢)، وعبد الرزاق (٥١٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٠٠٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٣)، رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٥).","vol":"4","page":710},{"text":"ويومها خير يوم طلعت فيه الشمس يعتق الله فيه ستمائة ألف عتيق من النار ومن مات فيه كتب له أجر شهيد ووقي فتنة القبر ا. هـ، قاله في الديباجة.\n\n١٠٩٥ - وَعَن حَارِثَة بن النُّعْمَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يتَّخذ أحدكُم السَّائِمَة فَيشْهد الصَّلَاة فِي جمَاعَة فتتعذر عَلَيْهِ سائمته فَيَقُول لَو طلبت لسائمتي مَكَانا هُوَ أكلأ من هَذَا فيتحول وَلا يشْهد إِلَّا الْجُمُعَة فتتعذر عَلَيْهِ سائمته فَيَقُول لَو طلبت لسائمتي مَكَانا هُوَ أكلأ من هَذَا فيتحول وَلا يشْهد الْجُمُعَة وَلا الْجَمَاعَة فيطبع الله على قلبه رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عمر بن عبد الله مولى غفرة وَهُوَ ثِقَة عِنْده (^١).\nوَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة بِمَعْنَاهُ.\nقَوْله: \"أكلأُ من هَذَا\" أَي أَكثر كلأً. والكلأ بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وَفِي آخِره همزَة غير ممدودة هُوَ العشب الرطب واليابس.\nقوله: وعن حارثة بن النعمان وحارثة بن النعمان أنصاري نجاري بالنون والجيم شهد مع رسول الله - ﷺ - المشاهد كلها وكان من فضلاء الصحابة وكان - ﵁ - أبر الناس بأمه (^٢) قال ابن عبد البر (^٣) وأمه فيما يقولون جعدة بنت عبيد بن ثعلبة بن النجار أيضا.\nقوله - ﷺ -: \"يتخذ أحدكم السائمة\" الحديث.\n_________\n(^١) أحمد (٢٣٦٧٨)، والطبراني (٣٢٢٩)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٦).\n(^٢) الاستيعاب (١/ الترجمة ٤٤٣).\n(^٣) ينظر: الاستذكار (١/ ٥٤)، والاستيعاب (١/ ٣٠٧).","vol":"4","page":711},{"text":"السائمة: الراعية وأسئمتها أخرجتها المرعى وسامت تسوم سوما وجمع السائمة السوائم ذكره النووي (^١) في التحرير وقال في النهاية: السائمة جبار يعني أن الدابة المرسلة في مرعاها إذا أصابت إنسانا جنايتها هدرا (^٢) ا. هـ\nقوله: - ﷺ - \"فشهد الصلاة في جماعة\" لأن يحضروا الصلاة في جماعة تقدم معنى الحديث، وتقدم الكلام على الطبع.\n\n١٠٩٦ - وَعَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن زُرَارَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت عمر وَلم أر رجلا منا بِهِ شَبِيها قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سمع النداء يَوْم الْجُمُعَة فَلم يأتها ثمَّ سَمعه فَلم يأتها ثمَّ سَمعه وَلم يأتها طبع الله على قلبه وَجعل قلبه قلب مُنَافِق، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٣).\nوروى التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن رجل يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَلا يشْهد الْجَمَاعَة وَلا الْجُمُعَة قَالَ: هُوَ فِي النَّار (^٤).\nقوله: وعن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة (الأنصاري المدني، ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: توفي سنة أربع وعشرين ومئة، وهو ثقة وله أحاديث، وقال النسائي: ثقة). (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٥٧)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٠٢).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٢٦).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٣٠٠٥)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٧).\n(^٤) الترمذي (٢١٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٩٠).\n(^٥) تهذيب الكمال (٢٥/ الترجمة ٥٣٩٩)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٢٩٨).","vol":"4","page":712},{"text":"قوله ﵇: \"من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها ثم سمعة فلم يأتها ثم سمعه فلم يأتها طبع الله على قلبه\" والنداء: فيه لغتان كسر النون وضمها والكسر أفصح وأشهر، وتقدم الكلام على الطبع.\nوفي حديت آخر \"الجمعة على من سمع النداء\" أخرجه أبو داوود (^١) وليس المراد به الأذان كما قال المتولي، بل أن ينادي من له صوت عال عرفا غير متجاوز في العادة والرياح ساكنة والأصوات هادئه وكلام القاضي حسن مصرح به بأنه الأذان أما من هو داخل البلد فيلزمه الحضور وإن لم يسمع النداء اتفاقا لأنه ما من موضع منها إلا وهو محل للنداء والجمعة ولأن البلد بنى للجمعة الواحدة كما بني المسجد للجماعة الواحدة ا. هـ، قاله في مختصر الكفاية (^٢).\nفرع: يختم به الباب تَارِكُ الْوُضُوءِ يُقْتَلُ عَلَى الصَّحِيحِ في الروضة، وتارك الجمعة إذا قال: أصلي الظهر ولا عذر له لم يقتل قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا، وَتَسْقُطُ بِأَعْذَارٍ جَزَمَ الْإِمَامُ الشَّاشِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ ورجحه النووي (^٣) قاله في مختصر الكفاية (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٠٦٥) والدارقطني (١٥٩٠) و(١٥٩١)، والبيهقي ٣/ ١٧٣ وأبو بكر المروزي في الجمعة (٦٩).\n(^٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٧٨ و٢٨٠) ومختصر الكفاية الوحة ٣٢٦ و٣٢٧/ خ ٣١٧٥ ظاهرية).\n(^٣) الروضة (٢/ ١٤٧)، والمجموع (٣/ ١٥).\n(^٤) كفاية النبيه (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢)، ومختصر الكفاية (لوحة ١٧٩/ خ ظاهرية رقم ٢١٧٥).","vol":"4","page":713},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>التَّرْغِيب فِي قِرَاءة سُورَة الْكَهْف وَمَا يذكر مَعهَا لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة</span>\n١٠٩٧ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف فِي يَوْم الْجُمُعَة أَضَاء لَهُ من النُّور مَا بَين الجمعتين، رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَالْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعًا (^١). وَالْحَاكِم مَرْفُوعًا وموقوفًا أَيْضًا وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nوَرَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده مَوْقُوفًا على أبي سعيد وَلَفظه قَالَ من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف لَيْلَة الْجُمُعَة أَضَاء لَهُ من النُّور مَا بَينه وَبَين الْبَيْت الْعَتِيق (^٣).\nوَفِي أسانيدهم كلهَا إِلَّا الْحَاكِم أَبُو هَاشم يحيى بن دِينَار الروماني وَالأكْثرونَ على توثيقه وَبَقِيَّة الإِسْنَاد ثِقَات وَفِي إِسْنَاد الْحَاكِم الَّذِي صَححهُ نعيم بن حَمَّاد وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وعَلى أبي هَاشم.\nقوله: عن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام على أبي سعيد.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين\" ورواه الدارمي في مسنده (^٤) والبيهقي (^٥) ولفظه: \"من قرأ سورة\n_________\n(^١) النسائي (١٠٧٩٠)، والبيهقي (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٣٦٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٨).\n(^٣) الدارمي (٣٤٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٤٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٣٨).\n(^٤) أخرجه الدارمي (٣٤٥٠)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٢١١)، والبيهقي في السنن الكبير (٣/ ٢٤٩) وفي فضائل القرآن (٢٧٩). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٧١).\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"4","page":714},{"text":"الكهف ليلة الجمعة أضاء من النور ما بينه وبين البيت العتيق\" الحديث وفي بعض طرقه: \"غُفِرَ لَهُ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخرَى وَفَضَلَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَعُوفِيَ مِنَ الدَّاءِ وَالدُّبَيْلَةِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ\" (^١) وفي الدارمي (^٢) أن النبي - ﷺ - قال: \"اقرءوا سورة هود يوم الجمعة\" وفي شعب البيهقي (^٣) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: \"سورة الكهف تدعى في التوراة الحافلة تحول بين قارئها وبين النار\".\nوفي الذخائر: أن وقت قراءة الكهف قبل طلوع الشمس، وقيل بعد العصر وقال بعض المتأخرين: عند الخروج من المسجد، وعبارة النووي في المنهاج (^٤) تقتضي أن يقرؤها مرة في الليل ومرة في النهار، وفيه نظر وقد نص الشافعي على استحباب الإكثار من قراءتها ليلا ونهارا من (غير ضبط بعدد) (أما إذا اقتصر) على قراءتها مرة (فالنهار) أولى من الليل (^٥) والله أعلم.\nوالدارمي منسوب إلى دارم من تميم الذي قال فيهم الفرزدق:\n_________\n(^١) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٤/ ٣٥) ح (٥٥٩٩)، والمستغفري في فضائل القرآن (٨١٨) وذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة (١/ ٣٠١ - ٣٠٢) رقم ٦٩. والفتني في تذكرة الموضوعات (١/ ٥٦٥). قال ابن حجر: إسماعيل، متروك، كذبه جمع منهم الدارقطني. نتائج الأفكار (٥/ ٤٤).\n(^٢) سنن الدارمي (٣٤٤٦) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٠٧٠).\n(^٣) شعب الإيمان (٢٢٢٣).\n(^٤) ينظر: منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه (ص: ٤٦).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٤٩٧).","vol":"4","page":715},{"text":"........................ ... وَأَعْبَدُ أَنْ تُهْجَى كُلَيبٌ بِدَارِمِ (^١)\nومسند الدارمي لطيف غالبه الصحة، واعلم أن مسند الإمام أحمد ومسند إسحاق بن راهويه ومصنف ابن أبي شيبة متقاربة في الكثرة والشهرة ومسند البزار ومسند أبي يعلى الموصلي متقاربان في التوسط ومسند الحميدي والدارمي متقاربان في الاختصار، ومصنفو الحديث منهم من رتبة على المسانيد كمسند أحمد وإسحاق وأبي يعلى والبزار ومنهم من رتبه على الأحكام وأبواب العلم كالبخاري ومسلم وابن أبي شيبة وفي كل فائدة وحكمة (^٢) والله أعلم.\nقال العلماء: يستحب الإكثار في يوم الجمعة وليلتها من قراءة القرآن والأذكار والدعوات والصلاة على رسول الله - ﷺ - (^٣) لقوله - ﷺ -: \"أقربكم مني في الجنة أكثركم صلاة علي (ألا فأكثروا من الصلاة علي) في الليلة الغراء واليوم الأزهر\" (^٤) قال: الشافعي رحمه الله تعالى يعنى والله أعلم ليلة الجمعة ويومها (^٥).\n_________\n(^١) بيت للفرزدق صدره: أولئك قوم إن هجوني هجوتهم ... ومعنى أعبد أى آنف من ذلك وأغضب منه جمهرة اللغة (١/ ٢٩٩)، ومقاييس اللغة (٤/ ٢٠٧).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين لنجم الدين الطوفي (ص ٢١٠ - ٢١١).\n(^٣) الأذكار (ص ٢٩٩).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٤/ ٤٣٤ - ٤٣٥ رقم ٢٧٧٢) عن ابن عباس. قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف بمرة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٠٦).\n(^٥) انظر: الأم (١/ ٢٣٩)، والحاوى (٢/ ٤٥٧)، وبحر المذهب (٢/ ٤١٧)، والبيان (٢/ ٥٩٤)، وكفاية النبيه (٤/ ٣٨٣)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٩٨).","vol":"4","page":716},{"text":"قال أبو طالب المكي (^١): وأقل ذلك ثلاثمائة مرة ا. هـ.\nوفي ليلة الجمعة وعد يعقوب ﵊ الاستغفار لبنيه بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢)، ويستحب قراءة الكهف في يومها لقوله - ﷺ -: \"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة إن خرج الدجال عصم منه\" (^٣) والمعنى فيه أن فيها ذكر هول القيامة ويوم الجمعة مشبه بالقيامة وهي تقوم فيه (^٤) واستحب قراءتها أيضا في ليلة الجمعة لقوله - ﷺ -: \"من قرأ سورة الكهف\" قال الدميري (^٥): والحكمة من قراءة الكهف يوم الجمعة أن الله تعالى ذكر فيها القيامة والجمعة تشبهها لما فيه من اجتماع الخلق (وقيام الخطيب) ولأن القيامة تقوم يوم الجمعة فإذا قريت ذكر بها ليلة ليس بعدها إلا يوم القيامة ا. هـ\nواستحب قراءتها أيضا في ليلة الجمعة لقوله - ﷺ -: \"من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة ويومها وقى الفتنة\" (^٦) واستحب الشافعي ﵀ فيها ما استحبه في ليلة العيد لأنه يقال أن الدعاء فيها يستجاب (^٧).\n_________\n(^١) قوت القلوب (١/ ١٢١) والنجم الوهاج (٢/ ٤٩٨).\n(^٢) رواه ابن عباس مرفوعا انظر: تفسير الطبرى (١٣/ ٣٤٨). قال ابن كثير: وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم التفسير (٤/ ٣٥٢).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٣٨٣).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٤٩٧).\n(^٦) سبق تخريجه.\n(^٧) الأم (١/ ٢٦٤)، والروضة (٢/ ٧٥)، وكفاية النبيه (٤/ ٣٨٣).","vol":"4","page":717},{"text":"قوله: \"وفي أسانيدهم أبو هاشم يحيى بن دينار الرماني، ونعيم بن حماد، أبو هاشم الرماني الواسطي يحيى بن دينار\" قيل: يحيى بن الأسود وقيل ابن نافع قال ابن السمعاني: الرماني منسوب إلى الرمان وبيعه، وبواسط قصر معروف بقصر الرمان كان ينزله أبو هاشم يحيى بن دينار الرماني فنسب إليه رأى أنس بن مالك وروى عن زاذان أبي عمر وأبي مجلز وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وأبي العالية وحبيب بن أبي ثابت وجماعة، وثقه أحمد وابن معين وقال أبو حاتم: كان فقيها صدوقا توفي سنة اثنتين وعشرين ومائة وروى له الجماعة (^١) ا. هـ، قاله في الديباجة.\n\n١٠٩٨ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف فِي يَوْم الْجُمُعَة سَطَعَ لَهُ نور من تَحت قدمه إِلَى عنان السَّمَاء يضيء لَهُ يَوْم الْقِيَامَة وَغفر لَهُ مَا بَين الجمعتين\"، رَوَاهُ أَبُو بكر بن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٢).\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين\" الحديث. عنان السماء: بفتح العين قيل هو السحاب وقيل ما عن لك منها\n_________\n(^١) انظر: الأنساب (٦/ ١٦٥)، وتهذيب الكمال (٣٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣ ترجمة ٧٦٨٠).\n(^٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٧١)، روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد غريب، وساق الحديث، ثم قال: وهذا الحديث في رفعه نظر.","vol":"4","page":718},{"text":"أي ظهر إذا رفعت (^١) وروى الطبراني والنسائي (^٢) وقال الصواب موقوف \"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة كانت له نورًا يوم القيامة\" قال الحافظ الدمياطي قلت: وإن كان موقوفا فمثله مثل المرفوع لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد والله أعلم.\n\n١٠٩٩ - وَروِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: من قَرَأَ حم الدُّخان لَيْلَة الْجُمُعَة غفر لَهُ (^٣).\nوَفِي رِوَايَة من قَرَأَ حم الدُّخان فِي لَيْلَة أصبح يسْتَغْفر لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. والأصبهاني: وَلَفظه من صلى بِسُورَة الدُّخان فِي لَيْلَة بَات يسْتَغْفر لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك حتى يصبح (^٤). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ والأصبهاني أَيْضا من حَدِيث أبي أُمَامَة وَلَفْظهمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: من قَرَأَ حم الدُّخان فِي لَيْلَة الْجُمُعَة أَو يَوْم الْجُمُعَة بنى الله لَهُ بهَا بَيْتا فِي الْجنَّة (^٥).\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣١٣).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) الترمذي (٢٨٨٩)، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٦٧).\n(^٤) الترمذي (٢٨٨٨)، قال الترمذي: وعمر بن أبي خثعم يضعف، قال محمد: هو منكر الحديث.\n(^٥) الطبراني في الكبير (٨٠٢٦)، والأصبهاني في الترغيب (٩٤٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٨)، فيه فضالة بن جبير وهو ضعيف جدًّا، قال الألباني: موضوع في ضعيف الجامع (٥٧٦٦).","vol":"4","page":719},{"text":"١١٠٠ - وَرُوِيَ عَنهُ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: من قَرَأَ سُورَة يس فِي لَيْلَة الْجُمُعَة غفر لَهُ، رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له\" وفي رواية: \"من قرأ ﴿حم﴾ الدخان أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك\" الحديث.\nالاستغفار من الملائكة بمعنى الدعاء.\nقوله وروي عنه تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ سورة يس في ليلة الجمعة غفر له\" المراد: غفران الصغائر دون الكبائر كما تقدم في الوضوء والصلاة.\n\n١١٠١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَرَأَ السُّورَة\nالَّتِي يذكر فِيهَا آل عمرَان يَوْم الْجُمُعَة صلى عَلَيْهِ الله وَمَلائِكَته حَتَّى تغيب الشَّمْس، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط وَالْكَبِير (^٢).\nقوله وروي عن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ السورة التي يذكر فيه آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس\" وفي الطبراني: \"من قرأها يوم الجمعة\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٩٤٨).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١١٠٠٢)، وفي الأوسط (٦١٥٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٨)، وفيه طلحة بن زيد الرقي، وهو ضعيف، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٥٩): موضوع.","vol":"4","page":720},{"text":"غربت الشمس بذنوبه\" والظاهر أن الحكمة في ذلك أن الله تعالى ذكر فيها خلق آدم ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (^١) وآدم خلق يوم الجمعة، وتقدم أن الصلاة في اللغة الدعاء وهي من الله تعالى بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، ومن الآدميين تضرع ودعاء والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٥٩.","vol":"4","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>كتاب الصدقات</span>\nالكتاب في اللغة: مأخوذ من الكتب وهو الضم يقال: تكتبت بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل: كتيبة، والكتابة بالقلم كتابة لاجتماع الحروف (^١)، والصدقات: جمع صدقة والصدقات تطلق على الواجب والتطوع (^٢)، والمراد هنا زكاة الأموال وجمع الصدقة لاختلاف أنواعها من ماشية ونبات ونقد وغيرها، ويسمى الكل صدقة وزكاة، قال: في القديم وغلب على أفواه العوام تسمية الواجب من الماشية صدقة، ومن النبات عشرا ومن النقود زكاة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الترغيب في أداء الزكاة وأداء وُجُوبِها</span>\n١١٠٢ - عَن ابْن عمر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بني الإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكاة وَحج الْبَيْت وَصَوْم رَمَضَان، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: صبح الأعشى (١/ ٨١)، والنجم الوهاج (١/ ٢٢١).\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٧)، وكفاية النبيه (٦/ ٥٣).\n(^٣) المجموع (٦/ ٣٢٣)، والروضة (٢/ ٣٤٠)، وكفاية النبيه (٦/ ٥٣).\n(^٤) البخاري (٨)، ومسلم (١٦).","vol":"4","page":722},{"text":"قوله عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر وعلى الحديث قوله وعن أبي هريرة. الزكاة في اللغة: النماء والتطهير، والمال ينمى بها من حيث لا ترى وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب وقيل ينمي أجرها عند الله (^١) وهي من الأسماء المشتركة بين العين والمعنى لأنها قد تطلق أيضا على القدر المخرج من النصاب للمستحق (^٢) وسميت صدقة لأنها دليل التصديق صاحبها وصحة إيمانه ظاهرا وباطنا والغرض من إيجاب الزكاة: مواساة الفقراء والمواساة لا تكون إلا في مال له بال وهو النصاب (^٣) والله أعلم، وقال العلماء: نزلت فريضة الزكاة في السنة الثانية من الهجرة وهي السنة التي نزلت فيها فريضة الصوم (^٤) قاله ابن عقيل.\nقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر وعلى الحديث.\n\n١١٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد - ﵄ - قَالا خَطَبنَا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا يدْرِي على مَاذَا حلف ثمَّ رفع رَأسه وَفِي وَجهه الْبُشْرَى فَكَانَت أحب إِلَيْنَا من حمر النعم قَالَ مَا من عبد يُصَلِّي الصَّلَوَات الْخصس ويصوم رَمَضَان وَيخرج الزَّكَاة ويجتنب الْكَبَائِر السَّبع إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة وَقيل لَهُ ادخل بِسَلام، رَوَاهُ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٨).\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ١٦٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٨)، والعدة شرح العمدة (٢/ ٧٩٦)، والكواكب الدراري (٧/ ١٦٦).\n(^٤) انظر النجم الوهاج (٣/ ١٢٨)، وفتح الباري (٣/ ٢٦٦ - ٢٦٧).","vol":"4","page":723},{"text":"النَّسَائيُّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله وعن أبي هريرة وأبي سعيد تقدم الكلام عليهما - ﵄ -.\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده\" الحديث.\nفيه دليل على جواز اليمين من غير استحلاف وهي مستحبة إذا كان فيها مصلحة من توكيد الأمر أو زيادة طمأنينة أو نفي توهم نسيان أو غير ذلك من المقاصد وقد كثرت الأحاديث بذلك، وهكذا القسم من الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (^٢)، ﴿وَالطُّورِ﴾ (^٣)، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (^٤)، و﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (^٥) ونظائرهما كل هذا لتفخيم المقسم عليه وتوكيده (^٦) والله أعلم.\n(قوله:) ثم رفع رأسه وفي وجهه البشري فكانت أحب إلينا من حمر النعم، وحمر النعم بسكون الميم جمع أحمر والنعم بفتح النون والعين هي\n_________\n(^١) النسائي (٥/ ٨)، وفي الكبرى (٢٢١٨)، وابن خزيمة (٣١٥)، وابن حبان (١٧٤٨)، والحاكم (١/ ٢٠٠)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣١٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦١١٠).\n(^٢) سورة الذاريات، الآية: ١.\n(^٣) سورة الطور، الآية: ١.\n(^٤) سورة المرسلات، الآية: ١.\n(^٥) سورة الطارق، الآية: ١.\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٣١ - ١٣٢)، والعدة (١/ ٣٣٨).","vol":"4","page":724},{"text":"الإبل خاصة (^١) لا واحد لها من لفظها وإنما واحدها أبل (^٢) وقيل: النعم كالأنعام تطلق على الإبل والبقر والغنم وقيل: هما لفظان بمعنى واحد على الجميع قاله عياض (^٣). وسيأتي الكلام على ذلك أبسط من هذا. والحمر من أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس كأعظم منه (^٤) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويتجنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة\" الحديث.\nقال العلماء: ولا انحصار للكبائر في عدد مذكور وقد جاء عن ابن عباس - ﵄ - \"أنه سئل عن الكبائر أسبعٌ هي؟ فقال: هي إلى السبعين ويروى إلى سبعمائة أو أقرب\" (^٥)، وأما قوله في الحديث: \"الكبائر السبع\" هذه فالمراد به به من الكبائر سبع فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم فهي مخصوصة بلا شك وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع وفي الرواية الأخرى \"ثلات\"، وفي الرواية الأخرى \"أربع\" (^٦) لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لاسيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وهذا\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٧).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٦١٨)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٠١).\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ١٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٧٨).\n(^٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٦/ ١١٠٣).\n(^٦) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٧٨).","vol":"4","page":725},{"text":"مصرح بما ذكرته من أن المراد البعض. وقد اختلف العلماء في عدّ الكبيرة وتمييزها من الصغيرة فعن ابن عباس: كل شيء نهى الله عنه فهو كبيرة، وحكى القاضي عياض (^١) هذا المذهب عن المحققين واحتج القائلون بهذا بأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة وذهب الجماهير من السلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وهو مروي أيضا عن ابن عباس، وسيأتي الكلام على ذلك أبسط من هذا.\n\n١١٠٤ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ -: قَالَ أَتَى رجل من تَمِيم رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي ذُو مَال كثير وَذُو أهل وَمَال وحاضرة فَأَخْبرنِي كيفَ أصنع وَكيف أنْفق فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - تخرج الزَّكَاة من مَالك فَإِنَّهَا طهرة تطهرك وَتصل أقرباءك وتعرف حق الْمِسْكِين وَالْجَار والسائل، الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس بن مالك.\nقوله: \"أتى رجل من تميم\" بنو تميم اسم قبيلة من قبائل العرب، ابْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٢٣٩٤)، والطبراني في الأوسط (٨٨٠٢)، والحاكم (٢/ ٣٦٠)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٣): رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) الأنساب للسمعاني (٣/ ٧٩) واللباب (١/ ٢٢٣) ووقع عند غيرهما: تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر انظر أنساب البلاذري (١٢/ ١١)، وجمهرة أنساب العرب =","vol":"4","page":726},{"text":"قوله: فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع .. الحديث، ذو بمعنى صاحب أي صاحب مال كثير، وذو أهل.\nقوله: فأخبرني كيف أصنع، وكيف أنفق؟\nقوله - ﷺ -: تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك .. الحديث.\nالزكاة في اللغة: النماء، وقيل: الطهارة، قال الواحدي (^١): الأظهر أنها مشتقة من زكى الزرع يزكوا زكاة بالمد إذا زاد، والزكاة أيضا الصلاح، وأصلها من زيادة الخير يقال رجل زكي أي زائد في الخير من قوم أزكياء (^٢) وسمى المخرج زكاة لأنه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات (^٣)، وقيل إنما سمى زكاة لأن المخرج منه ينمو ببركة المخرج ودعاء المصروف إليه قال: الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^٤)، وقيل أن مؤديها يتزكى إلى الله تعالى أي يتقرب إليه بصالح العمل، وقيل لأنها تزكى صاحبها أي تشهد له بصحة إيمانه وتطهره (^٥)، وتسمى صدقة لأنها دليل على تصديق صاحبها وصحة إيمانه بظاهره وباطنه (^٦).\n_________\n= (١/ ٢٠٧)، والإفصاح (٧/ ٥)، وجامع الأصول (١٢/ ٢٤٢) وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٤).\n(^١) ينظر: التفسير البسيط (٢/ ٤٤٦).\n(^٢) المجموع (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥) وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٠١).\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٠١).\n(^٤) سورة الروم، الآية: ٣٩.\n(^٥) كفاية النبيه (٥/ ١٨٤).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٨).","vol":"4","page":727},{"text":"وأما في الشرع: فهي اسم لما يخرج من المال طهرة له، وقال الماوردي وغيره: هي اسم لأخذ شيء مخصوص من مال مخصوص على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة (^١).\nوحكمتها: شكر نعمة الإيمان كما أن حكم الصوم والصلاة شكر نعمة البدن (^٢)، قال الشافعي (^٣) رحمه الله تعالى: الواجب من الذهب والورق زكاة، ومن الماشية صدقة، ومن الحب والتمر عشر، وهي نوعان: زكاة البدن وهي زكاة الفطر، وزكاة الأموال وتنقسم إلى ما يتعلق بالمالية، والقيمة وهي زكاة التجارة وإلى ما يتعلق بالعين والأعيان التي تتعلق بها الزكاة ثلاثةٌ: حيوان، ومعدن، ونبات، وتختص من الحيوان بالنعم وهي الإبل، والبقر، والغنم، وتختص بالنقد من النبات بالأقوات، والأصل في وجوبها الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.\nومن السنة: قوله في حديث الأعرابي \"وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ\" قال القاضي عياض (^٤) والمازرى: قد أفهم الشارع أنها وجبت للمواساة، والمواساة لا تكون إلا في مال له بال وهو النصاب، وجعلها في الأموال الثابتة وهي العين، والزرع، والماشية، واختلفوا في العروض فالجمهور على\n_________\n(^١) الحاوى (٣/ ٧١)، والمجموع (٥/ ٣٢٥) وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٠١).\n(^٢) المسالك (٤/ ١١) وعارضة الأحوذى (٣/ ١٣٢ و٢٢١)، وفتاوى السبكى (١/ ١٩٩).\n(^٣) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٦).\n(^٤) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦)","vol":"4","page":728},{"text":"إيجابها، ومنعها داود (^١) لقوله ﵇: \"ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة\" (^٢)، وحمله الجمهور على ما كان (لِلْقِنْيَةِ) وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة (^٣) ورتب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤونة والتعب في المال، فأعلاها وأقلها تعبا الركاز: وفيه الخمس؛ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر؛ فإن سقي بماء السماء ونحوه، ففيه العشر، وإلا فنصفه، فإنه يدخلها الأوقاص، بخلاف الأنواع السابقة (^٤)، واتفقوا على أن زكاة الفطر نزلت في السنة الثانية بعد الصوم، وأما زكاة المال فلم أقف على أول وجوبها ولكنها بعد زكاة الفطر لحديث البناني عن قيس بن سعد أمرنا رسول الله - ﷺ - \"بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا ولم ينهانا ونحن نفعله\" (^٥) وعنه قال: \"كنا نصوم عاشوراء، ونعطي زكاة الفطر ما لم ينزل علينا صوم رمضان والزكاة فلما نزلا لم نؤمر ولم ننه\" (^٦)، وهذا يدل\n_________\n(^١) ينظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٤٢٧) وحاشية الروض المربع (٣/ ١٦٢).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٨).\n(^٤) العدة (٢/ ٧٩٦ - ٧٩٧).\n(^٥) مسند أحمد (٢٣٨٤٠) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢٦٣)، والطبراني في الكبير ١٨/ (٨٨٧) والطحاوي في شرح المشكل (٢٢٦٢) والطيالسي (١٢١١)، والنسائي في الكبرى (٢٨٤٢)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢٥٨) و(٢٢٥٩) و(٢٢٦٠) و(٢٢٦١)، وفي شرح معاني الآثار ٢/ ٧٥.\n(^٦) سبق تخريجه.","vol":"4","page":729},{"text":"على أن زكاة الفطر قبل رمضان، وجوابه: أنه لف ونشر فصوم رمضان يرجع لصوم عاشوراء والزكاة ترجع لزكاة الفطر لتتفق الروايات والتواريخ والله أعلم، قاله في شرح الإلمام. (وقوله - ﷺ -: وتصل أقرباءك) والمراد بالصلة الإحسان إليهم، وسيأتي الكلام على ذلك.\n\n١١٠٥ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - خمس من جَاءَ بِهن مَعَ إِيمَان دخل الْجنَّة من حَافظ على الصَّلَوَات الْخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وَصَامَ رَمَضَان وَحج الْبَيْت إِن اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَأعْطى الزَّكَاة طيبَة بهَا نَفسه، الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَتقدم (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام على أبي الدرداء.\nقوله - ﷺ -: \"خمس من جاء بهن مع الإيمان دخل الجنة، من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن\" الحديث تقدم الكلام على ذلك في كتاب الصلاة.\n\n١١٠٦ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ كنت مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فِي سفر فَأَصْبَحت يَوْمًا قَرِيبا مِنْهُ وَنحن نسير فَقلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بِعَمَل يدخلني الْجنَّة وَيُبَاعِدنِي من النَّار قَالَ لقد سَأَلت عَن عَظِيم وَإنَّهُ ليسير على من يسره الله عَلَيْهِ تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١/ ٤٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤٠).","vol":"4","page":730},{"text":"وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت، الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الصمت إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\nقوله: وعن معاذ بن جبل تقدم الكلام على معاذ.\nقوله - ﷺ -: \"قد سألت عن عظيم\" سيأتي الكلام على صوم رمضان والحج، وتقدم الكلام على الصلاة، والكلام الآن على الزكاة والله أعلم.\n\n١١٠٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الزَّكَاة قنطرة الْإِسْلَام، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَالْبَيْهَقِيّ وَفِيه بَقِيَّة بن الْوَلِيد (^٢).\n\n١١٠٨ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ثَلَاث أَحْلف عَلَيْهِنَّ لَا يَجْعَل الله من لَهُ سهم فِي الْإِسْلَام كمن لَا سهم لَهُ وأسهم الْإِسْلَام ثَلَاثَة الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَلَا يتَوَلَّى الله عبدا فِي الدُّنْيَا فيوليه غَيره يَوْم الْقِيَامَة، الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٣).\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٠١٦)، والترمذي (٢٦١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٣٩٤)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وعبد الرزاق (٢٠٣٠٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤١).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٩٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣١٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٧٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٢)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله موثقون، إلا أن بقية مدلس وهو ثقة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣١٩١).\n(^٣) أحمد (٢٥١٢١)، والحاكم (١/ ١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٠١٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٣٣٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٧)، رواه أحمد ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤٢).","vol":"4","page":731},{"text":"قوله: وعن أبي الدرادء تقدم الكلام على أبي الدرداء.\nقوله - ﷺ -: \"الزكاة قنطرة الإسلام\" معناه إذا أداها على وجهها كانت له قنطرة إلى الجنة، قوله فيه ابن لهيعة وبقية بن الوليد تقدم الكلام على ابن لهيعة، وأما بقية فهو ابن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي الحميري الميتمي، أبو يحمد الحمصي أحد الأعلام ثقة عند الجمهور لكنه كثير التدليس عن الضعفاء (^١).\n\n١١٠٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ لمن حوله من أمته اكفلوا لي بست أكفل لكم بِالْجنَّةِ، قلت مَا هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْأَمَانَة والفرج والبطن وَاللِّسَان، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَله شَوَاهِد كَثِيرَة (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"أنه قال لمن حوله من أمته اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة\" الكفالة: الضمان، قوله: قلت: ما هي يا رسول الله قال: \"الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان\" تقدم الكلام على الصلاة والزكاة، وسيأتي الكلام على الْأَمَانَة والفرج والبطن وَاللِّسَان كل واحدة في بابها والله أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٧٣٨)، وتهذيب التهذيب (١/ ترجمة ٨٧٨).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٤٩٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٣)، فيه يحيى بن حماد الطائي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٣٨).","vol":"4","page":732},{"text":"١١١٠ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم الإِسْلَام سهم وَالصَّلَاة سهم وَالزَّكاة سهم وَالصَّوْم سهم وَحج الْبَيْت سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سهم وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ، رَوَاهُ الْبَزَّار مَرْفُوعا وَفِيه يزِيد بن عَطاء الْيَشْكُرِي (^١).\nوَرَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيث عَليّ مَرْفُوعا أَيْضًا (^٢).\nوَرُوِيَ مَوْقُوفا على حُذَيْفَة وَهُوَ أصح (^٣)، قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره (^٤).\nقوله: وعن حذيفة هو عبد الله بن حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسل بكسر الحاء، وإسكان السين المهملتين ويقال حسيل بالتصغير ابن جابر بن عمر بن ربيعة بن جروة بجيم مكسورة العبسي حليف بني الأشهل من الأنصار قالوا واليمان لقب حسل، وقال الكلبي وابن سعد: هو لقب جروة قالوا ولقب باليمان لأنه (أصاب) دما في قومه فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل من الأنصار فسماه قومه اليمان لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن أسلم حذيفة وأبوه وهاجر إلى رسول الله - ﷺ - وشهدا جميعا أحد، وقتل أبوه يومئذ قتله المسلمون خطئا فوهب لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة\n_________\n(^١) البزار في المسند (٣٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٨)، رواه البزار، وفيه يزيد بن عطاء، وثقه أحمد وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) أبو يعلى (٥٢٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٥٨٦).\n(^٣) أبو داود الطيالسي (٤١٣)، وعبد الرزاق في المصنف (٩٢٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٩٥٥٤)، والبيهقي في الشعب (٧٥٨٥).\n(^٤) ينظر: العلل للدارقطني (٢/ ٢٠٦).","vol":"4","page":733},{"text":"وهاجرت، روى عن حذيفة جماعة من الصحابة منهم عمر وعلي وعمار وجندب وعبد الله بن يزيد الخطمي وأبو الطفيل أرسله رسول الله - ﷺ - ليلة الأحزاب سرية وحده ليأتيه بخبر القوم فوصلهم وجاء بخبرهم، وحديثه هذا في الصحيح مشهور طويل مشتمل على معجزات (^١) وكان فتح همدان والري والدينور على يد حذيفة توفي - ﵁ - بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بن عفان بأربعين ليلة، وقتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين كان - ﵁ - كثير السؤال لرسول الله - ﷺ - عن أحاديث الفتن والشر ليجتنبها، \"وسأله رجل أي الفتن أشد قال: أن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيها تترك\"، وفي الصحيحين (^٢) عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، وفي صحيح مسلم (^٣) عنه قال: أخبرني رسول الله - ﷺ - \"بما كان إلى أن تقوم الساعة\"، وفي صحيح مسلم (^٤) أيضًا عنه قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، ومناقبه وأحواله كثيرة مشهورة - ﵁ - (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٩ - ١٧٨٨) عن حذيفة.\n(^٢) صحيح البخاري (٣٦٠٦) صحيح مسلم (١٨٤٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٨٩١).\n(^٤) صحيح مسلم (٢٨٩١).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٣ - ١٥٥ ترجمة ١١٤).","vol":"4","page":734},{"text":"قوله - ﷺ -: \"الإسلام ثمانية أسهم للإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، حج البيت سهم\" الحديث. تقدم الكلام على سهم الصلاة والزكاة وسيأتي الكلام على الصوم والإسلام والحج وغير ذلك، وفيه يزيد بن عطاء اليشكري (قال أبو حاتم: لا يحتج به وقال النسائي ليس بالقوي ووثقه أحمد وقال ابن عدي: حسن الحديث).\n\n١١١١ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن أدّى الرجل زَكَاة مَاله فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أدّى زَكَاة مَاله فقد ذهب عَنهُ شَره، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه. وَالْحَاكِم مُخْتَصرًا إِذا أدّيت زَكَاة مَالك فقد أذهبت عَنْك شَره، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: عن جابر تقدم الكلام على جابر.\nقوله - ﷺ -: \"من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره\" الحديث أي شر ماله وشره منع الزكاة، بما يحصل له في الآخرة من النكال من العذاب والتطويق المذكور في القرآن.\n\n١١١٢ - وَعَن الْحسن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - حصنوا أَمْوَالكُم بِالزَّكَاةِ وداووا مرضاكم بِالصَّدَقَةِ واستقبلوا أمواج الْبلَاء بِالدُّعَاءِ والتضرع،\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (١٥٧٩)، وابن خزيمة (٢٢٥٨)، والحاكم (١/ ٣٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٣)، رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن، وإن كان في بعض رجاله كلام، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤٣).","vol":"4","page":735},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل (^١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مَرْفُوعا مُتَّصِلا والمرسل أشبه (^٢).\nقوله: وعن الحسن، هو الإمام المشهور المجمع على جلالته في كل شيء، أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار التابعي البصري (^٣) بفتح الباء وكسرها الأنصاري مولاهم مولى زيد بن ثابت، وقيل مولى جميل بن قطنة وأمه اسمها خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب قالوا: فربما خرجت أمه في شغل فيبكي فتعطيه أم سلمة - ﵂ - ثديها فتدر عليه فيرون أن تلك الفصاحة والحلم من ذلك، ونشأ الحسن بوادي القرى، وكان فصيحا رأى طلحة بن عبيد الله، وعائشة، ولم يصح له سماع منها، وسمع ابن عمر، وأنسا، وسمرة، وأباه وغيرهم، وروينا عن الفضيل بن عياض قال: سألت هشام بن حسان كم أدرك الحسن من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: مائة وثلاثون قلت: فابن سرين قال: ثلاثين وروينا عن الحسن قال: غزونا غزوة إلى خراسان معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب رسول الله - ﷺ - وكان الرجل منهم يصلي بنا ويقرأ الآيات من السورة\n_________\n(^١) أبو داود (١٠٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٢٣)، دون قوله: \"داووا مرضاكم بالصدقة\" فقد حسنها الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤٤).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٠١٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٣٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٤)، فيه موسى بن عمير، متروك.\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣) تاريخ البخاري ٢/ ٢٨٩، المعارف ٤٤٠، المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٢ و٣/ ٣٣٨.","vol":"4","page":736},{"text":"ثم يركع، وروينا عن محمد بن سعد (^١)، قال: كان الحسن جامعا عالمًا، رفيعًا، فقيهًا، ثقة، مأمونًا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم، جميلًا، وسيمًا. وقدم مكة فأجلسوه على سرير، واجتمع الناس إليه فيهم طاووس، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن شعيب فحدثهم فقالوا أو قال بعضهم: لم ير مثل هذا قط، ومناقبه كثيرة مشهورة، توفي ﵀ سنة عشر ومائة، ومن حلم الحسن ما ذكره الشافعي في المختصر (^٢) في قول الله ﷿ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال الحسن: كان غنيا عن مشاورتهم ولكن أراد أن يستن به الحكام من بعده، وقال: في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الآية فقال: لولا هذه الآية لرأيت الحكام هلكوا ولكن أثنى على هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده. والله أعلم، وتقدم الكلام على بعض مناقبه. ذكره النووي في تهذيب الأسماء (^٣).\nقوله - ﷺ - \"حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع\" الحديث.\nالتحصين: عبارة (عن المنع والحفظ يقال: أحصنت الشئ، أي: ادخرته وحفظته)، والمداواة معروفة والمرضى جمع مريض، والمريض الضعيف البدن من ألم وحمى وغير ذلك، فالدعاء والتضرع ينفع مما نزل، ومما لم\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد ٧/ ١٥٦.\n(^٢) مختصر المزنى (٨/ ٤٠٧).\n(^٣) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦١ - ١٦٢ ترجمة ١٢٢).","vol":"4","page":737},{"text":"ينزل، فعيكم عباد الله بالدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد كذا ورد الحديث عن النبي - ﷺ - قوله رواه أبو داوود في المراسيل (^١) تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n١١١٣ - وَرُوِيَ عَن عَلْقَمَة - ﵁ - أَنهم أَتَوا رَسُول الله - ﷺ - قَالَ فَقَالَ لنا النَّبِي - ﷺ - إِن تَمام إسلامكم أَن تُؤَدُّوا زَكَاة أَمْوَالكُم، رَوَاهُ الْبَزَّار (^٢).\nقوله وروي عن علقمة أنهم أتوا رسول الله - ﷺ - قال: فقال لنا النبي - ﷺ - \"إن تمام إسلامكم أن تودوا زكاة أموالكم\" الحديث تقدم الكلام على الزكاة.\n\n١١١٤ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ كل مَال وَإِن كَانَ تَحت سبع أَرضين تُؤَدّى زَكَاته فَلَيْسَ بكنز وكل مَال لا تُؤَدّى زَكَاته وَإِن كَانَ ظَاهرا فَهُوَ كنز، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مَرْفُوعا (^٣)، وَرَوَاهُ غَيره مَوْقُوفا على ابْن عَمْرو وَهُوَ الصَّحِيح (^٤).\nقوله وعن ابن عمر تقدم الكلام عنه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) البزار (٨٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٣٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٤٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٢)، رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه من لا يعرف، قلت: الذي لا يعرف إنما هو شيخ البزار، وقد رواه غيره من غير طريقه، والله أعلم.\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٨٢٧٩)، والبيهقي (٤/ ٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٤)، فيه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٣٩).\n(^٤) البيهقي (٤/ ٨٢)، وقال: ... الصحيح موقوف.","vol":"4","page":738},{"text":"قوله - ﷺ -: \"كل مال وإن كان تحت سبع أرضين تؤدى زكاته فليس يكنز\" قال ابن عبد البر (^١): الكنز في لسان العرب هو المال المجتمع المخزون فوق الأرض أو تحتها ذكره صاحبي العين وغيره، وقال: في النهاية (^٢): الكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض فإذا خرج منه الواجب عليه لم يبق كنز وإن كان مكنوزا وهو حكم شرعي تجوز فيه عن الأصل انتهى.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (^٣) فالجمهور على أنه ما لم تؤد زكاته وعليه جماعة فقهاء (^٤) والله أعلم وقوله \"سبع أرضين\" بسكون الراء وفتحها لغتان، قوله: ورواه الطبراني مرفوعا، ورواه غيره موقوفا على ابن عمر الحديث.\n\n١١١٥ - وَعَن سَمُرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"أقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم بكم\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الثَّلَاثَة وَإِسْنَاده جيد إِن شَاءَ الله تَعَالَى، عمرَان الْقطَّان صَدُوق (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: الاستذكار (٣/ ١٨٨).\n(^٢) النهاية (٤/ ٢٠٣).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٣٤.\n(^٤) انظر: شرح الصحيح لابن بطال (٣/ ٤٠٠ و٤٠٣)، والحاوى (٢/ ٧٢ و٣/ ٢٥٦) والتهذيب (٣/ ٩٥) وشرح السنة (٥/ ٤٧٧)، والمسالك (٤/ ٥٢)، والبيان (٣/ ١٣١)، وكفاية النبيه (٥/ ١٨٤).\n(^٥) الطبراني في الكبير (٦٨٩٧)، وفي الأوسط (٢٠٣٤)، وفي الصغير (١٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٥)، وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤٥).","vol":"4","page":739},{"text":"قوله وعن سمرة هو ابن جندب تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أقيموا الزكاة وآتوا الزكاة وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم لكم\" .. الحديث تقدم الكلام على إقام الصلاة والكلام الآن على الزكاة سيأتي الكلام على الحج والعمرة في بابهما مبسوطا إن شاء الله.\nقوله: عمران القطان (هو عمران بن داود: قال عباس عن يحيى: ليس بشيء، وضعفه أبو داود والنسائي، ووثقه ومشاه أحمد واحتج به ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهما).\n\n١١١٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أَقَامَ الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَحج الْبَيْت وَصَامَ رَمَضَان وقرى الضَّيْف دخل الْجنَّة، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَله شَوَاهِد (^١).\nقوله وروي عن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس قوله - ﷺ - \"من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام رمضان وقري الضيف\" دخل الجنة سيأتي الكلام على كل واحدة من المذكورات في الحديث في بابه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٦٩٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٥): رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده حبيب بن حبيب أخو حمزة بين حبيب الزيات، وهو ضعيف.\nقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ؛ إِنَّمَا هُوَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفٌ. علل ابن أبي حاتم (٥/ ٣٥٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٥٩).","vol":"4","page":740},{"text":"١١١٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من كَانَ يُؤمن بِالله وَرَسُوله فليؤد زَكَاة مَاله وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَرَسُوله فَلْيقل حَقًا أَو لِيَسْكُت وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَرَسُوله فَليُكرم ضَيفه، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله وروي عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل حقا أو ليسكت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\".\nالإيمان في اللغة (^٢): هو التصديق بالقلب وسيأتي الكلام على الصمت وإكرام الضيف في بابهما.\n\n١١١٨ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - أَن رجلا قَالَ للنَّبِي - ﷺ - أَخْبرنِي بِعَمَل يدخلني الْجنَّة قَالَ تعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وَتصل الرَّحِم، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: وعن أبي أيوب تقدم الكلام على أبي أيوب.\nقوله - ﷺ -: \"وتصل الرحم\"، والرحم: القرابة ومعناه تحسن إلى أقربائك في رحمك سواء كان وارثا أو غير وارث قريبا أو بعيدا بما يتيسر على حسب\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٣٥٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٥)، وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو ضعيف.\n(^٢) سيأتي الكلام عن تعريف الإيمان إن شاء الله.\n(^٣) البخاري (١٣٩٦)، ومسلم (١٣).","vol":"4","page":741},{"text":"حالك وحالهم، فتارة يكون بالمال، وتارة يكون بالخدمة، وتارة يكون بالزيارة والسلام، وتارة بالإعانة أو الجاه أو طاعتهم أو قول حسن وغير ذلك والله أعلم.\nقوله: رواه البخاري ومسلم (^١).\nفائدة: البخاري هو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة مولاهم البخاري صاحب الصحيح (^٢) إمام هذا الشأن والمعمول على كتابه في سائر الأزمان نستنزل الرحمة عند ذكره، ويستسقى الغيث بقراءة كتابه طاف وجال ووسع في الطلب المجال قال: النووي (^٣) عن الخطيب الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي كان بردزبة مجوسي مات عليها وابنه أسلم على يد اليمان البخاري الجعفى، وقال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، وكان يسميه الإمام أحمد بن حنبل سيد الفقهاء\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ترجمته في: سير أعلام النبلاء، (١٢/ ٣٩١)، الجرح والتعديل، (٧/ ١٩١)، ثقات ابن حبان (٩/ ١١٣)، طبقات الحنابلة (١/ ٢٧١)، تاريخ بغداد، (٢/ ٤ - ٣٣)، وفيات الأعيان، (٤/ ١٨٨)، تهذيب الكمال، (٢٤/ ٤٣٠)، تذهيب التهذيب، (٨/ ٣٢)، العبر، (٢/ ١٢)، تذكرة الحفاظ، (٢/ ٥٥٥)، تاريخ الإسلام، (٦/ ١٤٠)، الوافي بالوفيات، (٢/ ٢٠٦)، طبقات الشافعية الكبرى، (٢/ ٢١٢)، البداية والنهاية، (١١/ ٢٤)، تهذيب التهذيب، (٩/ ٤٧)، تقريب التهذيب، (٥٧٢٧)، طبقات المفسرين للداودي، (٢/ ١٠٠).\n(^٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ٧١).","vol":"4","page":742},{"text":"وإذا رآه عانقه، وقال: مرحبا بمن أفتخر به منذ سنين، وقال عبد الله بن حماد: وهو شيخ البخاري قال: وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل، وقال مسلم: لا يبغضك إلا حاسد وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، وقال إمام الأئمة محمد بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله - ﷺ - من البخاري، وقال البخاري: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة وليس عندي حديث غلا وأذكر إسناده، وقال: صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة وخرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى، وقال - ﵁ -: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين وأرجو أن يبارك الله للمسلمين في هذه المصنفات، وقال أبو الفرج: قال محمد بن حاتم الوراق: قلت لأبي عبد الله البخاري كيف بدأ أمركم في طلب الحديث؟ فقال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قلت وكم كان سنك؟ قال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب فكنت اختلف إلى الداخلي وغيره ثم خرجت مع أخي وأمي إلى مكة فلما حججت رجع أخي فأقمت بمكة أطلب الحديث فلما بلغت ثمان عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب التاريخ عند قبر رسول الله - ﷺ - في الليالي المقمرة وكتبت عن أكثر من ألف رجل من أهل العلم وقال: (كان) إذا جاء شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلى بهم.\nومناقبه كثيرة، قاله في مجمع الأحباب. والله أعلم وسيأتي الكلام على ترجمة مسلم وجملة ما في صحيح البخاري من الأحاديث المسندة سبعة الألف","vol":"4","page":743},{"text":"ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة، وبحذف المكرر نحو أربعة الألف والله أعلم (^١).\n\n١١١٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن أَعْرَابِيًا أَتَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل إِذا عملته دخلت الْجنَّة قَالَ تعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وتؤتي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة وتصوم رَمَضَان قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص مِنْهُ فَلَمَّا ولى قَالَ النَّبِي - ﷺ - من سره أَن ينظر إِلَى رجل من أهل الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى هَذَا، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: أن أعرابيا أتى النبي - ﷺ -، الأعرابي: هو الذي سكن البادية. قوله: فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: \"تعبد الله لا تشرك به شيئا\" تعبد برفع الدال لأنه مجرد عن الناصب والجازم، والمراد بالعبادة الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا والتقدير أنت تعبد الله، وقوله: لا تشرك به شيئا برفع الكاف، وإنما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه ﷾ في الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء فنفى هذا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المنتظم (١٢/ ١١٣ - ١١٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٧ - ٧٦ ترجمة ٣)، وتهذيب الكمال (١٤/ الترجمة ٥٠٥٩). وكتب كثيرة ألفت في ترجمته ﵀.\n(^٢) البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ١٦٢).","vol":"4","page":744},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وتقيم الصلاة المكتوبة\" أما تقيد الصلاة بالمكتوبة فهو احتراز من النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام ليست من أركانه فتحمل المطلقة هاهنا على المقيدة في الرواية الأخرى جمعا بينهما، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^١) وقد جاء في أحاديث وصفها بالمكتوبة، كقوله - ﷺ -: \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\" (^٢)، وأفضل صلاة بعد المكتوبة صلاة الليل (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"وتؤتي الزكاة المفروضة\" فالزكاة عبارة عن إخراج جزء مقدر شرعا من نصاب المال، وأما تقييد الزكاة بالمفروضة فقيل احتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها زكاة وليست مفروضة حال الأداء وقيل إنما فرق بين الصلاة والزكاة في التقييد لكراهة تكرير اللفظ الواحد ويحتمل أن يكون تقيد الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية (^٤).\nوأما معنى إقامة الصلاة فقيل: قولان أحدهما: إدامتها والمحافظة عليها، والثاني: إتمامها على وجهها قال أبو علي الفارسي: والأول أشبه. قال النووي (^٥): وقد ثبت في الحديث أن رسول الله - ﷺ - قال: فإن تسوية الصفوف\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(^٢) صحيح مسلم (٧١٠).\n(^٣) إكمال المعلم (١/ ٢١٣)، وشرح النووي على مسلم (١/ ١٦٣). والحديث أخرجه مسلم (٢٠٢ و٢٠٣ - ١١٦٣) عن أبي هريرة.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١/ ١٦٣).\n(^٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (١/ ١٦٣).","vol":"4","page":745},{"text":"من إقامة الصلاة (^١) معناه والله أعلم من إقامتها المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٢) وهذا ترجيح للقول الثاني (^٣) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وصوم رمضان\"، والصوم في اللغة هو الإمساك والصمت قال الله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (^٤) أي صمتا وإمساكا وفي الشرع عبارة عن إمساك خاص مع النية (^٥) وسمي رمضان لأنه يرمض الذنوب بالجوع أي يحرقها (^٦) وسيأتي الكلام عليه مبسوطا ففيه حجة لمذهب الجماهير وهو المختار الصواب أنه لا كراهة في قول رمضان من غير تقييد بالشهر خلافا لمن كرهه (^٧).\nقوله في الحديث: \"فقال الرجل والذي نفسي بيده لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه ... \" الحديث، قال العلماء: كثير من الناس يجري هذا الحديث على ظاهر المعنى أي اقتصر على الفرض الذي ذكرته وذلك بعيد جدا لأنه ﵊ يرغّب الناس في نوافل العبادات فكيف يدع النكير على من يحلف بحضرته أنه لا يفعل شيئًا من ذلك فضلا أن يرتضي قوله، وإنما التأويل هو أنه يحتمل أن هذا الكلام صدر منه على معنى المبالغة في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٣) عن أنس.\n(^٢) سورة النور، الآية: ٥٦.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ١٦٣).\n(^٤) سورة مريم، الآية: ٢٦.\n(^٥) التحصيل (١/ ٢٢٧)، والنجم الوهاج (٣/ ٢٧١).\n(^٦) الحاوى (٣/ ٣٩٦) وبحر المذهب (٣/ ٢٣٠) والبيان (٣/ ٤٥٨)، وكفاية النبيه (٦/ ٢٣١).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (١/ ١٦٣).","vol":"4","page":746},{"text":"التصديق والقبول أي قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من طريق القبول كمن يسمع قولا يعجبه في قضية فيقول لا أزيد على هذا ولا أنقص منه كذا في الميسر للشيخ وجيه الدين وشرح مشارق الأنوار (^١).\nوله محمل آخر وهو أن يكون السائل رسولا فحلف أن لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعته ولا أنقصر في تبليغ ما سمعته منك إلى قومي (^٢) وقيل غير ذلك والله أعلم.\n\n١١٢٠ - وَعَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل من قضاعة إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ إِنِّي شهِدت أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله وَصليت الصَّلَوَات الْخمس وَصمت رَمَضَان وقمته وآتيت الزَّكَاة فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من مَاتَ على هَذَا كَانَ من الصديقين وَالشُّهَدَاء، رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان (^٣) وَتقدم لَفظه فِي الصَّلَاة.\n_________\n(^١) انظر شرح المشكاة (٢/ ٤٥٦) للطيبي.\n(^٢) انظر: الكواكب الدراري (١/ ١٨٢). وجاء في الهامش: ويمكن أن الرجل أراد أنه استجاب لدين الإسلام وحقيقته وعدم قبول غيره دينا وذلك كان دأب من أراد الله سعادته أن يتشعشع النور الإيمانى بمشافهة منبع الأنوار سيدنا ومولانا محمد ﵊ في صدره ويتمكن حب الإسلام من قلبه وعليه ترتب الفلاح.\n(^٣) أخرجه البزار (٢٥)، وابن حبان (٣٤٣٨)، وابن خزيمة (٢٢١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٦)، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخي البزار، وارجو إسناده أنه إسناد حسن أو صحيح، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤٨).","vol":"4","page":747},{"text":"قوله: وعن عمرو بن مرة الجهني منسوب إلى جهينة وجهينة بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتانية وبالنون قبيلة معروفة (^١). والله أعلم.\nقوله: جاء رجل من قضاعة إلى رسول الله - ﷺ - قضاعة اسم قبيلة أيضا (وتشتمل على قبائل كثيرة منهم: كلب وبلي وجهينة وغيرها وقد اختلف في قضاعة فقيل إنه من معد وقيل: من اليمن) (^٢).\n\n١١٢١ - وَعَن عبد الله بن مُعَاوِيَة الغاضري - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاث من فعلهن فقد طعم طعم الْإِيمَان من عبد الله وَحده وَعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأعْطى زَكَاة مَاله طيبَة بهَا نَفسه رافدة عَلَيْهِ كل عَام وَلم يُعْط الهرمة وَلَا الدرنة وَلَا الْمَرِيضَة وَلَا الشَّرْط اللئيمة وَلَكِن من وسط أَمْوَالكُم فَإِن الله لم يسألكم خَيره وَلم يَأْمُركُمْ بشره، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٣).\nقَوْله: \"رافدة عَلَيْهِ\": من الرفد وَهُوَ الْإِعَانَة.\n_________\n(^١) جُهَيْنَة: قَبِيلة جهينة بن زيد قبائل كثيرة، من قضاعة من القبائل القحطانية، منازلهم كانت ولا زالت على ساحل البحر الأحمر، وهي من الجزء الغربي من المملكة العربية السعودية، وعاصمة حاضرتهم بلدة أملج، بلدة ساحلية غرب المدينة المنورة.\n(^٢) انظر: ابن الأثير تهذيب الأنساب (٣/ ٤٣) ومعجم قبائل العرب (٣/ ٩٥٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٥٨٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٥٢٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٦٢)، وقال الحافظ المنذري في مختصر السنن (٢/ ١٩٨)، أخرجه أبو داود منقطعا وذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة مسندا، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ١٣٠٤): رواه الطبراني وجَوَّدَ إسنادَهُ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤٩)، وفي الصحيحة (١٠٦٤).","vol":"4","page":748},{"text":"وَمَعْنَاهُ أَنه يُعْطي الزَّكَاة وَنَفسه تعينه على أَدَائِهَا بطيبها وَعدم حَدِيثهَا لَهُ بِالْمَنْعِ. \"وَالشّرط\": بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَهِي الرذيلة من المَال كالمسنة والعجفاء وَنَحْوهمَا. \"والدَّرِنَةَ\" الجرباء.\nقوله: وعن عبد الله بن معاوية الغَاضِرِيِّ غاضري اسم قبيلة [والغاضري من غاضِرَةِ قيْسِ وهو شامي، روى عنه جبير بن نفير، له صحبة، وعداده في أهل حمص روى حديثًا واحدًا (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وعلم أن لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه\" وفي حديث أبي الدارداء \"فيمن أدى زكاة ماله طيبة به نفسه\" (^٢).\nقال: وكان يقول لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وسبب هذا أن المال تحبه النفوس وتبخل به فإذا استحبت إخراجه لله ﷿ دل على صحة إيمانها بالله ووعده ووعيده ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي - ﷺ -، وقاتلهم الصديق - ﵁ - على منعها قوله - ﷺ - \"رافدة عليه\" قد فسره الحافظ ﵀ (^٣) فقال: رافدة عليه من الرفد وهو الإعانة ومعناه أن يعطي الرجل الزكاة ونفسه تعينه على أدائها بطيبها وعدم حديثها له بالمنع ا. هـ، وقال في النهاية (^٤): رافدة\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: أسد الغابة (٣/ ٣٩٥)؛ والإصابة (٢/ ٣٧١)؛ والاستيعاب (٢/ ٣٣١)، والتاريخ الكبير (٥/ ٣١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) يعني الحافظ المنذري وانظر أيضًا فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٦٢).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٤١)","vol":"4","page":749},{"text":"عليه الرافدة فاعلة من الرفد وهو الإعانة يقال: رفدتة أرفدة إذا أعنته أي تعينه نفسه على أدائها.\nقوله - ﷺ - \"ولم يعط الهرمة\" الهرمة كبيرة السن، وقوله ولا الدرنة قد فسرها الحافظ فقال (^١): هي العجفاء أو الجرباء. ا. هـ.\nوقال غيره: وأصل الدرن الوسخ قوله - ﷺ - \"والعجفاء\" هي المهزولة من الغنم وغيرها ومنه الحديث حتى إذا أعجفها ردها فيه أي أهزلها انتهى. ولا الشرط قد فسره الحافظ رحمه الله تعالى فقال: والشرط بفتح الشين المعجمة والراء وهي الرذيلة من المال كالمسنة والعجفاء ونحوها ا. هـ.\nوقال في النهاية (^٢) أي الهزيلة يقال: ناقة رذية ونوق رذايا، والرذى الضعيف من كل شيء ومنه حديث يونس ﵇ فقاءه الحوت رذيا ضعيفا، وروي بالدال المهملة أصله من الردى الهلاك، والمشهور بالذال المعجمة ا. هـ.\nوقال بعضهم أيضًا: أي رذال المال، وقيل صغاره، وشراره (^٣) والله أعلم.\n\n١١٢٢ - وَعَن جرير بن عبد الله - ﵁ - قَالَ بَايَعت رَسُول الله - ﷺ - على إقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة والنصح لكل مُسلم، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٤).\n_________\n(^١) هو المنذرى.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢١٨).\n(^٣) الغريبين (٣/ ٩٨٧)، والنهاية (٢/ ٤٦٠).\n(^٤) البخاري (٥٧)، ومسلم (٥٦).","vol":"4","page":750},{"text":"قوله وعن جابر بن عبد الله كنيته أبو عمرو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة البجلي الأحمسي الكوفي (^١)، وبجيلة هي بنت صعب بن سعد العشيرة أم ولد إنمار بن أراش نسبوه إليها نزل جرير الكوفة ثم تحول إلى فرقيسيا وتوفي بها سنة إحدى وخمسين روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بستة قال ابن قتيبة: قدم جرير على النبي - ﷺ - سنة عشرة من الهجرة في شهر رمضان فبايعه وأسلم وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: \"جرير يوسف هذه الأمة\"، لحسنه وكان ﵁ - طويلا يصل إلى سنام البعير وكانت نعله ذراعا وكان يخضب لحيته بالزعفران بالليل ويغسلها بالنهار إذا أصبح وأعتزل عليا ومعاوية وأقام بالجريرة ونواحيها سنة أربع وخمسين، روينا في صحيحي البخاري ومسلم (^٢) عن أنس قال خرجت مع جرير في سفر فكان يخدمني فقلت له لا تفعل فقال: إني رأيت الأنصار تصنع برسول الله - ﷺ - شيئًا آليت أن لا أصحب أحدًا منهم إلا خدمته، وكان جرير أكبر من أنس ومناقبه - ﵁ - كثيرة مشهورة.\nقوله - ﵁ - بايعت رسول الله - ﷺ - على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح\n_________\n(^١) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٤/ ٥٥١) تاريخ يحيى برواية الدوري: ٢/ ٨٣، وتاريخ خليفة: ٣٧٠، ٤١٦، وتاريخ البخاري الكبير: ٢/ ١/ ٢١٢ - ٢١٣، والجرح والتعديل لابن أَبي حاتم: ١/ ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣، وثقات ابن حبان: ١/ ٦٧، والكاشف: ١/ ١٨٢، والميزان: ١/ ٣٩٧، وتاريخ الإسلام: ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣، وإكمال مغلطاي: ٢/ الورقة: ٧٣، وتهذيب ابن حجر: ٢/ ٧٧.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٨٨٨)، صحيح مسلم (٢٥١٣).","vol":"4","page":751},{"text":"لكل مسلم، المبايعة: المحالفة والمعاهدة مأخوذة من البيع. قوله: على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأصل فيه إقامة الصلاة وإنما جاز حذف التاء لأن المضاف إليه عوض منها واكتفى من أركان الإسلام بذكر الصلاة والزكاة ولم يذكر الصوم والحج لأنهما أهم أركانه وأظهرها.\n(وقوله): وأن أنصح لكل مسلم فالنصيحة للمسلمين في كل شيء من جليل الأمور وحقيرها لا بد للمسلم من نصح المسلم فإن المسلم أخو المسلم فمنها لو أنك رأيت مثلا رجلا يسيء وضوءه لزمك نصحه وتعليمه، ومن كمال نصحك له أن تحسن تعليمه كما روي عن الحسن بن علي - ﵄ - (^١): أنه رأى شيخا وهو يتوضأ ويسيء الوضوء فقال له: يا شيخ أحب أن تعلمني فقال: نعم فقال: يا شيخ إني لا أتعلمه إلا أن تنظر إلى وضوئي فإن أتممته وأحسنته علمت وإن أسأته أمرتني فيه بما جهلت فقرب إليه فتوضأ وأحسن الوضوء فلما فرغ علم الشيخ بقصوره وأنه أراد تهذيبه وتعليمه فقام إليه وقبل رأسه، وكذلك لو رأيته يسيء صلاته أو رأيته يسابق الإمام أو رأيته يتكلم في المسجد بما لا يجوز أو يرفع صوته فتنصحه وتأمره بالحق ويكون ذلك بالرفق والتؤدة لقوله - ﷺ -: \"ما كان الرفق في شيء إلا زانه\" الحديث قال ابن بطال: جعل رسول الله - ﷺ - النصيحة للمسلمين شرطا في الدين يبايع عليه كالصلاة والزكاة فلذلك تراه قرنها بهما، قال ابن بطال (^٢) في الحديث \"الدين النصيحة\" النصيحة: تسمى دينا وإسلاما وإن الدين يقع على العمل كما يقع\n_________\n(^١) لم نقف عليه مسندا.\n(^٢) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ١٢٩).","vol":"4","page":752},{"text":"على القول قال وهي فرض كفاية يجزى فيه من [قام به ويسقط] عن الباقين وهي لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل النصيحة ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه فإن خشى أذى فهو في سعة، قيل: ولا يكون ناصحا لله ولرسوله وللمسلمين إلا من بدأ بالنصيحة لنفسه واجتهد في طلب العلم ليعرف ما يجب عليه ا. هـ قاله الكرماني (^١).\n\n١١٢٣ - وَعَن عبيد بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ - ﵁ - عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فِي حجَّة الْوَدَاع: إِن أَوْلِيَاء الله المصلون وَمن يُقيم الصَّلَوَات الْخمس الَّتِي كتبهن الله عَلَيْهِ ويصوم رَمَضَان ويحتسب صَوْمه ويؤتي الزَّكَاة محتسبا طيبَة بهَا نَفسه ويجتنب الْكَبَائِر الَّتِي نهى الله عَنْهَا فَقَالَ رجل من أَصْحَابه يَا رَسُول الله وَكم الْكَبَائِر قَالَ تسع أعظمهن الْإِشْرَاك بِالله وَقتل الْمُؤمن بِغَيْر حق والفرار من الزَّحْف وَقذف المحصنة وَالسحر وَأكل مَال الْيَتِيم وَأكل الرِّبَا وعقوق الْوَالِدين الْمُسلمين وَاسْتِحْلَال الْبَيْت الْعَتِيق الْحَرَام قبلتكم أَحيَاء وأمواتا لَا يَمُوت رجل لم يعْمل هَؤُلَاءِ الْكَبَائِر وَيُقِيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة إِلَّا رافق مُحَمَّدًا - ﷺ - فِي بحبوحة جنَّة أَبْوَابهَا مصاريع الذَّهَب، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات وَفِي بَعضهم كَلَام (^٢)، وَعند أبي دَاوُد بعضه (^٣).\n\"بحبوحة الْجنَّة\" بِضَم الباءين الموحدتين وبحاءين مهملتين هُوَ وَسطهَا.\n_________\n(^١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٣٩) والكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٢١٩).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٠١)، والحاكم (١/ ٥٩)، والبيهقي (١٠/ ١٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٨)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.\n(^٣) أبو داود (٢٨٧٥).","vol":"4","page":753},{"text":"١١٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِذا أدّيت الزَّكَاة فقد قضيت مَا عَلَيْك وَمن جمع مَالا حَرَامًا ثمَّ تصدق بِهِ لم يكن لَهُ فِيهِ أجر وَكَانَ إصره عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه (هو أبو عاصم، عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة. ولد في زمن رسول الله - ﷺ -، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، متفق على توثيقه، وأبوه صحابي ذكره البرقي وقال: له حديثان).\nقوله - ﷺ - في حجة الوداع الحديث \"إن أولياء الله المصلون ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبهن الله عليه ويصوم رمضان ويحتسب صومه، ويؤتي الزكاة محتسبا طيبة بها نفسه\" تقدم معنى إقامة الصلوات الخمس، سيأتي الكلام في صوم رمضان محتسبًا.\nقوله: حجة الوداع هي التي ودع الناس فيها.\nقوله: \"وأعطى الزكاة محتسبا طيبة بها نفسه\" سيأتي الكلام على بقية ألفاظ هذا الحديث كل لفظة في بابها.\nقوله بحبوحة الجنة فسرها الحافظ (^٢) وضبطها فقال: بحبوحة الجنة هي وسطها، وقال: ابن الأثير (^٣) بحبوحة الدار وسطها فقال: بحبح إذا تمكن\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢٤٧١)، وابن حبان (٣٢١٦)، والحاكم (١/ ٣٩٠).\n(^٢) يعني الحافظ المنذري وينظر أيضًا: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٢٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٩٨).","vol":"4","page":754},{"text":"وتوسط المنزل والمقام، ومنه حديث غناء الأنصارية \"أهدي لنا كبشا تبحج في المربد\" أي تمكنه في المربد وهو الموضع. وَفِي حَدِيثِ خُزَيْمَةَ \"تَفَطَّرَ اللِّحاء وتَبَحْبَحَ الْحَيَاءُ\" أَيِ اتَّسَع الْغَيْثُ وتَمكَّن من الأرض. انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك، ومن جمع مالا حراما ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه\" الإصر [: الإثم والعقوبة للغوه وتضييعه عمله،].\nتنبيه قال العلماء: لما كان المال معشوق الطباع محبوب الأنفس أمرهم الله تعالى بإخراجه ليعلم صدق توحيدهم ودعواهم لمحبته فالزكاة تطهّر المال والقلوب بقلع الشح والبخل منها والله أعلم.\n\n١١٢٥ - وَعَن زر بن حُبَيْش أَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - كَانَ عِنْده غُلَام يقْرَأ فِي الْمُصحف وَعِنْده أَصْحَابه فجَاء رجل يُقَال لَهُ حضرمة فَقَالَ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن أَي دَرَجَات الْإِسْلَام أفضل قَالَ الصَّلَاة قَالَ ثمَّ أَي قَالَ الزَّكَاة، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١).\nقَالَ المملي وَتقدم فِي كتاب الصَّلَاة أَحَادِيث تدل لهَذَا الْبَاب وَتَأْتِي أَحَادِيث أخر فِي كتاب الصَّوْم وَالْحج إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: وعن زر بن حبيش بكسر الزاي وهو أبو مريم، وقيل: أبو مطرف وحبيش بضم الحاء المهملة بن حباشة بضمها أيضا ابن أوس بن هلال بن\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير، كما في مجمع الزوائد (٣/ ٦٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله موثقون.","vol":"4","page":755},{"text":"سعد الأسدي الكوفي التابعي الكبير المخضرم أدرك الجاهلية سمع عمر وعثمان وعليا وابن مسعود وآخرين من كبار الصحابة، وروى عنه جماعة من التابعين منهم الشعبي والنخعي، وعدي بن ثابت اتفقوا على توثيقه وكثرة حديثة وجلالته توفي سنة اثنتين وثمانين وهو ابن مائة وعشرين سنة وقيل مائة وثنتان وعشرون، وقيل مائة وسبع وعشرون روى له الجماعة قال عاصم كان أبو وائل عثمانيا وكان زر علويا وكان مصلاهما في مسجد واحد فما رأيت واحدًا منهما قط يكلم صاحبه في شيء مما هو عليه حتى ماتا مناقبه كثيرة مشهورة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٦ - ١٩٧ الترجمة ١٧٧).","vol":"4","page":756},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>[الترهيب من منع الزكاة وما جاء في زكاة الحلي]</span>\nقوله: الزكاة، الزكاة في اللغة: النماء (والتطهير) فالمال ينمى بها من حيث لا يرى ويكون سببا لحصول الأرباح بالأموال ودفع الآفات عنها فهي مطهرة لصاحب المال وتنمية لماله وحافظة، وسميت في الشرع زكاة لأنها تزكى صاحبها وتشهد بصحة إيمانه، قالوا وسميت صدقة لدلالتها على صدق إيمان صاحبها (^١)، قال بعض المالكية (^٢) الزكاة في اللغة: النمو والزيادة وفي الشرع عبارة عن مال مخصوص يؤخذ من مال مخصوص إذا بلغ قدرًا مخصوصا في وقت مخصوص يصرف في جهات مخصوصة ا. هـ كلامه.\n(قال في النهاية (^٣): الحلي: بفتح الحاء وسكون اللام، والحلي اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، ولما كان النساء شغفن بحب الحلي قال - ﷺ -: \"أهلكهن الأحمران\" (^٤)، ويقال: للشراب والخمر الأحمران\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٨)، والعدة (٢/ ٧٩٥ - ٧٩٦)، والكواكب الدراري (٧/ ١٦٦)، والإعلام (٥/ ٧ - ٨).\n(^٢) كفاية الطالب الربانى (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦) لأبى الحسن الشاذلى.\n(^٣) النهاية (١/ ١١٧٢) و(١/ ٤٢٥) و(١/ ٤٣٨).\n(^٤) أخرجه ابن حبان (٥٩٦٨)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٥٦ رقم ٥٧٨٠) و(١٢/ ٥١٧ رقم ٩٨١٩) عن أبي هريرة بلفظ: \"ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر\". وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٩). وأما لفظ ابن الأثير فروى من قول أبي هريرة وأبى بكر: أما أثر أبي بكر: أخرجه مسدد كما في إتحاف الخيرة (٤٠٩٢) والمطالب (٢٢٥٢)، والبيهقي =","vol":"5","page":5},{"text":"وللذهب والزعفران الأصفران وللماء واللبن الأبيضان وللتمر والماء الأسودان وفي الحديث أُعْطِيتُ (الْكَنْزَيْنِ) الأحمر والأبيض (^١) فالأحمر ملك الشام والأبيض مال فارس وإنما قال: لفارس الأبيض لبياض ألوانهم ولأن الغالب على أموالهم الفضة والغالب على ألوان الشام الحمرة وعلى أموالهم الذهب ا. هـ.\nوالجواب: أن الحلي كان في أول الإسلام محرما على النساء كما قاله القاضي أبو الطيب، والبيهقي (^٢) وغيرهما أو أنه كان فيهما إسراف وهذا معنى قول الأصوليين وقائع الأحوال لا تعم وأجاب قوم بأن زكاة الحلي عاريته كل هذه الأجوبة فيها نظر (^٣) والله أعلم، قاله في الديباجة.\n\n١١٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من صَاحب ذهبا وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صفحت لَهُ صفايح من نَار فأحمي عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فيكوى بهَا جنبه وجبينة وظهره كلما بردت أُعِيدَت لَهُ فِي يَوْم كانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضى بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار.\n_________\n= في الشعب (١٣/ ١٦٤ رقم ١٠١١٣). وأما أثر أبي هريرة: أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٩٤٧).\n(^١) أخرجه مسلم (١٩ - ٢٨٨٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦) عن ثوبان.\n(^٢) السنن الكبرى (٤/ ٢٣٧)، والنجم الوهاج (٣/ ١٩٢)، وكفاية الأخيار (ص ١٨٠).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ١٩٢).","vol":"5","page":6},{"text":"قيل: يَا رَسُول الله فالإبل قَالَ وَلَا صَاحب إبل لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا وَمن حَقّهَا حلبها يَوْم وردهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بطح لَهَا بقاع قرقر أوفر مَا كَانَت لَا يفقد مِنْهَا فصيلا وَاحِدًا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عَلَيْهِ أولاها رد عَلَيْهِ أخراها فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضى بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار.\nقيل: يَا رَسُول الله فالبقر وَالْغنم قَالَ وَلَا صَاحب بقر وَلَا غنم لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقّهَا إِلَّا إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بطح لَهَا بقاع قرقر أوفر مَا كَانَت لَا يفقد مِنْهَا شَيْئا لَيْسَ مِنْهَا عقصاء وَلَا جلحاء وَلَا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عَلَيْهِ أَولهَا رد عَلَيْهِ آخرهَا فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضى بَين الْعباد فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار.\nقيل: يَا رَسُول الله فالخيل قَالَ الْخَيل ثَلَاثَة هِيَ لرجل وزر وَهِي لرجل ستر وَهِي لرجل أجر فَأَما الَّتِي هِيَ لَهُ وزر فَرجل ربطها رِيَاء وفخرا ونواء لأهل الْإِسْلَام فَهِيَ لَهُ وزر وَأما الَّتِي هِيَ لَهُ ستر فَرجل ربطها فِي سَبِيل الله ثمَّ لم ينس حق الله فِي ظُهُورهَا وَلَا رقابها فَهِيَ لَهُ ستر وَأما الَّتِي هِيَ لَهُ أجر فَرجل ربطها فِي سَبِيل الله لاهل الْإِسْلَام فِي مرج أَو رَوْضَة فَمَا أكلت من ذَلِك المرج أَو الرَّوْضَة من شَيْء إِلَّا كتب لَهُ عدد مَا أكلت حَسَنَات وَكتب لَهُ عدد أرواثها وَأَبْوَالهَا حَسَنَات وَلَا تقطع طولهَا فاستنت شرفا أَو شرفين إِلَّا كتب لَهُ عدد آثارها وأرواثها حَسَنَات وَلَا مر بهَا صَاحبهَا على نهر فَشَرِبت مِنْهُ وَلَا يُرِيد أَن يسقيها إِلَّا كتب الله تَعَالَى لَهُ عدد مَا شربت حَسَنَات.","vol":"5","page":7},{"text":"قيل: يَا رَسُول الله فالحمر قَالَ: \"مَا أنزل عَليّ فِي الْحمر إِلَّا هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ \" (^١)، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ مُخْتَصرًا (^٢).\n\n١١٢٧ - وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَ: رَسُول الله - ﷺ - مَا من رجل لَا يُؤَدِّي زَكَاة مَاله إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة شجاعًا من نَار فيكوى بهَا جَبهته وجنبه وظهره فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضى بَين النَّاس (^٣).\n\n١١٢٨ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من صَاحب إبل لَا يفعل فِيهَا حَقّهَا إِلَّا جَاءَت يَوْم الْقِيَامَة أَكثر مَا كَانَت وَقعد لَهَا بقاع قرقر تستن عَلَيْهِ بقوائمها وأخفافها.\nوَلَا صَاحب بقر لَا يفعل فِيهَا حَقّهَا إِلَّا جَاءَت يَوْم الْقِيَامَة أوفر مَا كَانَت وَقعد لَهَا بقاع قرقر فتنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها لَيْسَ فِيهَا جماء وَلَا منكسر قرنها وَلَا صَاحب كنز لَا يفعل فِيهِ حَقه إِلَّا جَاءَ كنزه يَوْم الْقِيَامَة شجاعا أَقرع يتبعهُ فاتحا فَاه فَإِذا أَتَاهُ فر مِنْهُ فيناديه خُذ كَنْزك الَّذِي خبأته فَأَنا عَنهُ غَنِي فَإِذا رأى أَن لَا بُد لَهُ مِنْهُ سلك يَده فِي فِيهِ فيقضمها قضم الْفَحْل، رَوَاهُ مُسلم (^٤).\n_________\n(^١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.\n(^٢) البخاري (٢٨٦٠)، ومسلم (٩٨٧).\n(^٣) النسائي في الكبرى (١١٦٢١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٥٢).\n(^٤) مسلم (٩٨٨).","vol":"5","page":8},{"text":"\"القاع\" الْمَكَان المستوي من الأَرْض. \"والقرقر\" بقافين مفتوحتين وراءين مهملتين هُوَ الأملس. \"والظلف\" للبقر وَالْغنم بِمَنْزِلَة الْحَافِر للْفرس. \"والعقصاء\" هِيَ الملتوية الْقرن. \"والجلحاء\" هِيَ الَّتِي لَيْسَ لَهَا قرن. \"والعضباء\" بالضاد الْمُعْجَمَة هِيَ الْمَكْسُورَة الْقرن. \"والطول\" بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْوَاو وَهُوَ حَبل تشد بِهِ قَائِمَة الدَّابَّة وترسلها ترعى أَو تمسك طرفه وترسلها. \"واستنت\" بتَشْديد النُّون، أَي جرت بِقُوَّة. \"شرفا\" بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء أَي شوطا، وَقيل نَحْو ميل. \"والنواء\" بِكَسْر النُّون وبالمد هُوَ المعاداة. \"والشجاع\" بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَكسرهَا هُوَ الْحَيَّة وَقيل الذّكر خَاصَّة وَقيل نوع من الْحَيَّات. \"والأقرع\" مِنْهُ الَّذِي ذهب شعر رَأسه من طول عمره.\n\n١١٢٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: مَا من أحد لَا يُؤَدِّي زَكَاة مَاله إِلَّا مثل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شجاعا أَقرع حَتَّى يطوق بِهِ عُنُقه ثمَّ قَرَأَ علينا النَّبِي - ﷺ - مصداقه من كتاب الله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^١). رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صحِيح وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.\n(^٢) النسائي (٥/ ١١)، وفي الكبرى (١١٠٨٤)، وابن ماجه (١٧٨٤) وابن خزيمة (٢٢٥٦)، والحميدي (٩٣)، وأحمد (٣٥٧٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٥٤).","vol":"5","page":9},{"text":"١١٣٠ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله فرض على أَغْنِيَاء الْمُسلمين فِي أَمْوَالهم بِقدر الَّذِي يسع فقراءهم وَلنْ يجْهد الْفُقَرَاء إِذا جَاعُوا وعروا إِلَّا بِمَا يصنع أغنياؤهم أَلا وَإِن الله يحاسبهم حسابا شَدِيدا ويعذبهم عذَابا أَلِيمًا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَقَالَ تفرد بِهِ ثَابت بن مُحَمَّد الزَّاهِد (^١).\nقَالَ الْحَافِظ: وثابت ثِقَة صَدُوق روى عَنهُ البُخَارِيّ وَغَيره وَبَقِيَّة رُوَاته لَا بَأْس بهم وَرُوِيَ مَوْقُوفا على عَليّ - ﵁ - هُوَ أشبه.\n\n١١٣١ - وَعَن مَسْرُوق - ﵁ - قَالَ: قَالَ عبد الله آكل الرِّبَا وموكله وشاهداه إِذا علماه والواشمة والمؤتشمة ولاوي الصَّدَقَة وَالْمُرْتَدّ أَعْرَابِيًا بعد الْهِجْرَة ملعونون على لِسَان مُحَمَّد - ﷺ - يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^٢). وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن الْحَارِث الْأَعْوَر عَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - (^٣).\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٣٥٧٩)، وفي الصغير (٤٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٢)، رواه الطبراني في الصغير والأوسط وقال تفرد به ثابت بن محمد الزاهد، قلت: ثابت من رجال الصحيح، وبقية رجاله وثقوا وفيهم كلام.\n(^٢) ابن خزيمة (٢٢٥٠)، والحاكم (١/ ٣٨٧)، والبيهقي (٣/ ١٩)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٥٥).\n(^٣) أحمد (٣٨٨١)، وأبو يعلى (٥٢٤١)، وابن حبان (٣٢٥٢)، وعبد الرزاق (١٠٧٩٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٥٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١١٨)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف، وقد وثق.","vol":"5","page":10},{"text":"\"لاوي الصَّدَقَة\" هُوَ المماطل بهَا الْمُمْتَنع من أَدَائِهَا.\nقوله عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله ﷺ: \"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها\" قال النووي (^١): هذا حديث صريح في وجوب الزكاة في الذهب والفضة ذكر النبي ﷺ جنسين من المال ثم قال: لا يؤدي منها حقها ذهابا بالضمير إلى المعنى دون اللفظ لأن كلا منهما جملة وافية ودنانير ودراهم، ويحتمل أن يراد بها الأموال أو يراد بها الفضة واكتفى بذكر أحدهما، وبمثله ورد التنزيل قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (^٢) الآية (^٣).\nقوله - ﷺ - في أول الحديث: \"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها\" الحديث. وحقها: زكاتها لقوله - ﷺ -: \"ليس في المال حق سوى الرْكاة\" (^٤) قال العلماء: ومن ملك نصابا من الذهب أو الفضة حولا كاملا وهو من أهل الزكاة، وأي حر مسلم تام الملك كما هو مذكور في كتب الفقه وجبت عليه الزكاة للإجماع ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٦٤) وهو قول القاضي عياض في إكمال المعلم (٣/ ٤٨٦).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٣٤.\n(^٣) الميسر (٢/ ٤٠٩).\n(^٤) كفاية النبيه (٥/ ٤١٣). والحديث أخرجه ابن ماجه (١٧٨٩)، والترمذي (٦٦٥) و(٦٦٦)، والطحاوى في معانى الآثار (٣٠٤٣) عن فاطمة بنت قيس. وقال الألباني: ضعيف منكر، المشكاة (١٩١٤/ التحقيق الثانى)، الضعيفة (٤٣٨٣).","vol":"5","page":11},{"text":"وَالْفِضَّةَ﴾ (^١) الآية، والمراد بالكنز هنا ما لم تؤد زكاته (^٢) ونصاب الذهب عشرون مثقالا، وزكاته نصف مثقال وفيما زاد بحسابه.\nونصاب الورِق مائتا درهم وزكاته خمسة دراهم وفيما زاد بحسابه (^٣) وهي خمس أواق بأوقية الحجاز والاعتبار بوزن مكة فأما المثقال فلم يختلف فيه في جاهلية ولا إسلام وقدره معروف، والدراهم: المراد بها دراهم الإسلام وهي التي كل عشرة منها سبعة مثاقيل (^٤).\nوالدليل على ذلك ما روي عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي - ﷺ - أنه قال \"فإذا كان لك مائتا درهم وحال عليه الحول ففيها: خمسة دراهم وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينار، فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك\" (^٥)، وروى البخاري أنه - ﷺ - قال: \"ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة\" (^٦) والأوقية أربعون درهمًا (^٧) فلو ملك النصاب في بعض الحول ثم نقص قبل تمام الحول انقطع الحول ولا زكاة حتى يمضي عليه\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٣٤.\n(^٢) كفاية النبيه (٥/ ٤١٢ - ٤١٣).\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ٤١٩).\n(^٤) كفاية النبيه (٥/ ٤٢٢).\n(^٥) أخرجه أبو داود (١٥٧٢) و(١٥٧٣). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٤٠٤ و١٤٠٥).\n(^٦) أخرجه البخاري (١٤٠٥) و(١٤٤٧) و(١٤٥٩) و(١٤٨٤)، ومسلم (١ و٢ و٣ و٥ - ٩٧٩) عن أبي سعيد.\n(^٧) كفاية النبيه (٥/ ٤٢٠).","vol":"5","page":12},{"text":"حول كامل مِنْ حِينِ تَمَّتْ نِصَابًا (^١).\nفرع: لو نقص عن النصاب ولو حبة أو دونها لم تجب الزكاة بلا خلاف (^٢) وإن راج رواج الكامل للمسامحة أو الجودة وكذلك لا يكفي عن مائتي درهم خمسة إلا حبة أو أقل وإن راجت رواج الخمسة ولو بلغ نصابا في بعض الموازين ونقص في بعضها فلا زكاة في أصح الوجهين، وعن أحمد لو نقصت حبة أو بعض لا زكاة، وعن مالك أنها إن نقصت ثلاثة دراهم وجبت الزكاة (^٣).\nتنبيه: المثقال وزنه ثنتان وسبعون شعيرة ممتلئة معتدلة، والورق قال: الأكثرون هو مختص بالدراهم المضروبة وقيل: يطلق على كل الفضة وإن لم تكن مضروبة وهو مراد الشيخ ﵀، ولو قال (^٤): نصاب الفضة لكان لكان أحسن لأن الورق مختص بالدراهم المضروبة على الصحيح (^٥).\nفائدة: الدرهم هنا وزنه ستة دوانق كل عشرة منه سبعة مثاقيل وكان غالب المعاملة في زمنه - ﷺ - والصدر الأول بعده بالدراهم الطبرية وهي كل عشرة\n_________\n(^١) المجموع (٦/ ١٩ - ٢٠)، والروضة (٢/ ٢٦٧)، وكفاية النبيه (٦/ ٩٤) والنجم الوهاج (٢/ ٢١٣).\n(^٢) الحاوى (٣/ ٢٦٧) والمجموع (٦/ ٧) والروضة (٢/ ٢٥٧)، والنجم الوهاج (٣/ ١٨٧)، وكفاية الأخيار (ص ١٨٠).\n(^٣) المجموع (٦/ ٧) والروضة (٢/ ٢٥٧)، وكفاية الأخيار (ص ١٨٠).\n(^٤) القائل هو النووي كما في تحرير ألفاظ التنبيه (ص: ١١٣).\n(^٥) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٣)، وكفاية النبيه (٥/ ٤٢١).","vol":"5","page":13},{"text":"ثمانية مثاقيل والبغلية (^١) وهي كل عشرة ستة مثاقيل فيه أقوال والمشهور أن الدرهم اختلف دون المثقال والاعتبار بما ذكره بوزن مكة (^٢) لقوله - ﷺ -: \"الميزان ميزان أهل مكة\" (^٣) والله أعلم.\nفرع: مضت عليه سنون لم يؤد زكاتها لزمه إخراج الزكاة عن جميعها سواء علم وجوب الزكاة أم لا وسواء كان في دار الإسلام أم دار الحرب (^٤).\nفرع: قال أبو عاصم العبادى في الزيادات (^٥): لو استقر عليه زكاة ثم (مرض ثم (مرض و) لا مال له فينبغي له أن ينوي أنه يؤدي الزكاة إذا قدر ولا يقترض لأنه دين، وقال: شاذان بن إبراهيم يقترض لأن دين الله أحق بالقضاء قال: فإن اقترض دفع الزكاة ونوى الوفاء إذا تمكن فهو معذور بالاتفاق والله أعلم (^٦)، قاله في الديباجة.\nفرع آخر: يكره للرعية ضرب النقدين وإن كانت خالصة وللإمام أن يؤدب\n_________\n(^١) البغلية: ضرب من النقود، وهي منسوبة إِلَى ملك يُقَال لَهُ: رَأس الْبَغْل.\n(^٢) الحاوى (٧/ ٥٢)، والمهذب (٣/ ٤٧٦)، والتهذيب (٣/ ٩٦)، والمجموع (٢٠/ ٣١٦)، والعدة (٢/ ٨٠٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٣٤٠) والنسائي (٢/ ٢٢٤) والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٠٢/ ١) والبيهقي (٦/ ٣١) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠) والبزار (١٢٦٢) وصححه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٥/ ١٩١).\n(^٤) المجموع (٥/ ٣٣٧).\n(^٥) لم نقف على هذا اللفظ.\n(^٦) المجموع (٥/ ٣٣٧).","vol":"5","page":14},{"text":"على ذلك (ونص الشافعي - ﵁ -) على كراهة المعاملة بالمغشوشة وأما الجواز: فإن كان مقدار الغش معلوما. صحت المعاملة بها اتفاقا، وإن كان مجهولا فأربعة أوجه أصحها الصحة مطلقا كبيع الغالية والمعجونات، والثاني لا يصح مطلقا كاللبن المخلوط بالماء، والثالث: إن كان الغش معلوما صح التعامل بها وإن كان [غالبًا لم يصح] والرابع: تصح المعاملة في العين دون الذمة ويكره إمساكها إلا أن تكون دراهم البلد مغشوشة فلا تكره (^١) ا. هـ، قاله في الديباجة.\nتنبيه: قال نفطوية: سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"صفحت له صفايح\" وتصفيح الشيء جعله عريضا والصفايح ما طبع من الحديد وغيره عريضة (^٣) ومنه قولهم رجل مصفح الرأس أي عريضه (^٤)، وسميت القيامة بذلك لقيام الناس فيها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^٥) (^٦) وصفائح بالنصب مفعول ثان، ومن رفع الصفائح فإنه جعله من نار لبيان الجنس، ولست أحقق ذلك رواية، وأرى الرواة بعضهم ينصبونها وبعضهم يرفعونها والنصب أقوى لما ذكرناه\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ١٨٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٣) الميسر (٢/ ٤٠٩).\n(^٤) الصحاح (١/ ٣٨٣).\n(^٥) سورة المطففين، الآية: ٥.\n(^٦) مشارق الأنوار (٢/ ١٩٥).","vol":"5","page":15},{"text":"وهو موافق للنص قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (^١) الآية جعل عين الذهب والفضة هي المحماة عليها في نار جهنم ذكره الإمام المتقن شهاب الدين التوربشتي (^٢) وسميت القيامة بذلك لقيام الناس فيها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^٣) قوله - ﷺ -: فيكوى بها جنبه وجنبيه وظهره.\nالْجَبِينُ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَوْقَ الصُّدْغِ وَهُمَا جَبِينَانِ عَنْ يَمِينِ الْجَبْهَةِ وَشِمَالِهَا قال الله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ (^٤) الآية قيل الحكمة في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي أن صاحب المال إذا جاءه السائل يقطب وجهه في وجه السائل فإذا ألح أدار له جنبه فإذا زاد في الإلحاح استدبره بظهره فخص الله تعالى هذه المواضع الثلاثة بأن الذهب والفضة يحمى ويحشى بين الجلد واللحم كذا قاله ابن مسعود في تفسير البغوي (^٥) وغيره وقال بعضهم: أكلوا بتلك الأموال في بطونهم فصار المأكول في جنوبهم واكتسوا بها على ظهورهم فرتب الله هذه العقوبات في هذه الأعضاء لأجل ذلك ذكره القرطبي في التذكرة (^٦) ويحتمل أن يكون العذاب شاملا\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٣٥.\n(^٢) الميسر (٢/ ٤٠٩).\n(^٣) سورة المطففين، الآية: ٥.\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ٣٥.\n(^٥) ينظر: شرح السنة للبغوي (٦/ ١٩).\n(^٦) التذكرة (ص ٦٩٩).","vol":"5","page":16},{"text":"لجميع البدن وإنما نبه بهذه الأمور على ما عداها، وقال بعضهم: إنما خص الجنب والجبين والظهر لأنه آلَمْ وأوجع، وقال بعض الصوفية لما طلبوا المال والجاه شان الله وجوههم ولما طووا السخاء عن الفقراء إذا جالسوهم كويت جنوبهم ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادا عليها كويت ظهورهم ذكره القرطبي أيضا في التذكرة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"كلما بردت أعيدت له\" أي الأعضاء هو في معنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ (^٢) الآية والمغايرة في الصورة والهيئة لا في الحقيقة، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ (^٣) المغيرة في الهيئة أي تغيرت صورها.\nبردت: هكذا هو في بعض النسخ بالباء، وفي بعضها ردت بحذف الباء وبضم الراء، وذكر القاضي عياض الروايتين وقال: الرواية الأولى هي الصواب والثانية رواية الجمهور (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة\" يريد به: يوم القيامة، ويشهد له قوله: \"حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة\" إن لم يكن له خطيئة سواه، أو كانت ولكنه سبحانه تداركه بعفوه، \"أو إلى النار\" إن\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٦٩٩).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٥٦.\n(^٣) سورة إبراهيم، الآية: ٤٨.\n(^٤) مشارق الأنوار (١/ ٨٨) وشرح النووي على مسلم (٧/ ٦٤).","vol":"5","page":17},{"text":"كان على خلاف ذلك.\nقوله \"حتى يقضي بين العباد\" قيل معناه لو حاسب فيه غير الله تعالى وإنما هو سبحانه يفرغ منهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا (^١) قيل قدر موقفهم للحساب وفي الحديث: أن يوم القيامة ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة (^٢)، وفي الحديث: لا ينتصف النهار حتى يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ذكره ابن عزيز في غريب القرآن له (^٣).\nوقيل: المراد طول الزمان عبر عنه بكذا، وفي رواية: أنه يعذب سبعين ألف مرة وكذا يثاب قال العراقي في شرح الترمذي (^٤): يمكن أن يؤخذ منه أن مانع الزكاة آخر من يقضي فيه وأنه يعذب بما ذكرا حتى يفرغ من القضاء بين الناس فيقضي فيه بالنار أو الجنة ويحتمل أن المراد حتى يشرع في القضاء بين الناس ويجيء القضاء فيه إما في أوائلهم أو وسطهم أو آخرهم على ما يريد الله وهذا أظهر انتهى، قلت: قد يشير إلى الأول قوله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ويقال إنما ذكر في معرض استيعاب ذلك اليوم بتعذيبه\n_________\n(^١) التفسير الوسيط (٤/ ٣٥١)، وتفسير البغوى (٨/ ٢٢١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٧٥ (١١٧١٧)، وابن حبان (٧٣٣٤) عن أبي سعيد. وضعفه الألباني في المشكاة (٥٥٦٤).\n(^٣) غريب القرآن (ص ٧٠).\n(^٤) طرح التثريب (٤/ ١٠).","vol":"5","page":18},{"text":"لجواز أن يكون القضاء فيه في آخر الناس وإن احتمل أن يكون فصل أمره في وسطه أو أوله والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فيرى سبيله\" قال النووي (١): ضبطناه بضم الياء وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها.\nقلت: الوجهان في رفع لام سبيله ونصبها إنما يجيئان مع الياء فإما مع فتح الياء فيتعين نصب اللام والله أعلم.\nقوله - ﷺ - في أول الحديث: \"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها\" الحديث وحقها زكاتها لقوله - ﷺ -: \"ليس في المال حق سوى الزكاة\" قيل: يا رسول الله فالإبل قال: \"ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها\" الحديث حلبها بفتح الحاء المهملة وكذا اللام على المشهور، وحكي إسكانها قال النووي (٢): وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس ا. هـ، قال أبو عبيد (٣): وكلاهما صحيح، وقال بعض العلماء حلبها بسكون اللام على المصدر وهو المراد هنا وهو الأصل في مصدر ما كان على فعل يفعل أما إذا فتحت اللام فالمراد اللبن المحلوب لكن فتح اللام لا يجوز في هذا الحديث لأن المراد بالحديث المصدر لا اللبن وقد جاء على","vol":"5","page":19},{"text":"فعل بفتح العين في الحلب، وقال الجوهري (^١): والحلب بالتحريك اللبن المحلوب والحلب أيضًا مصدر حلب الناقة يحلبها حلبًا واحتلبها فهو حالب وقوم حلبة ا. هـ.\nقوله: يوم وردها ويوم وردها هو اليوم الذي ترد الإبل فيه الماء فإن الإبل تأتي في كل ثلاثة أيام أو في كل أربعة أيام يوما ترد الماء فيه، وحق الإبل أن تحلب على الماء لأنه مجتمع الناس والمحتاجين النازلين حول الماء ومن لا لبن له ولا تحلب في موضع بعيد عن الطريق وإنما خص حالة وردها لأنه حالة أكثر لبنها، وقد لا يقدر الفقراء المحتاجون على الوصول لغير مواضع الماء، وقد تسمى الإبل التي ترد الماء أيضا ورْدًا في غير هذا الحديث ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (^٢) يعني كالإبل العطاش ا. هـ.\nقال في شرح الأحكام (^٣): الظاهر أن قوله: \"ومن حقها حلبها يوم وردها\" مدرج من كلام أبي هريرة - ﵁ - ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها الحديث بضم الباء الموحدة في أوله، قال: جماعة من العلماء معناه ألقى على وجهه وهكذا هو في اللغة أي\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ١١٤).\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٨٦.\n(^٣) طرح التثريب (٤/ ١١) والقائل هو العراقي.","vol":"5","page":20},{"text":"ألقي صاحبها على وجهه لتطأه (^١) [والبطح]: البسط كيف كان لتدوسه [لا يقتضي تخصيص] الظهر ولا غيره لكن الحديث دال على [الظهر.] قال القاضي عياض (^٢): قد جاء في رواية البخاري \"تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا\" قال: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبَطْحِ كَوْنُهُ عَلَى الْوَجْهِ وَاِنَّمَا هُوَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْبَسْطِ وَالْمَدِّ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ ويحتمل أن يفعل به الأمران جميعًا، فيكب على وجهه تارة ويلقى على قفاه أخرى مبالغة في النكال واللّه أعلم. ومنه سميت بطحاء مكة لإنبساطها (^٣) ذكره في شرح المشارق، قوله - ﷺ - \"بقاع قرقر\" قد فسرهما الحافظ (^٤) فقال: القاع المكان المستوى من الأرض ا. هـ.\nوأصل القاع الموضوع المستوى الواسع الذي يستقر فيه ماء، وجمعه قيعة وقيعان متل جار وجيران قاله الهروي والقرقر هو الأملس قاله الحافظ (^٥). وقال غيره القاع المستوى من الأرض، والقرقر أيضًا في معناه وعبر عنه بلفظين مختلفين للمبالغة في استواء ذلك المكان ذكره شهاب الدين التوربشتي (^٦).\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١٣٤).\n(^٢) ينظر: مشارق الأنوار (١/ ٨٧)، ومطالع الأنوار (١/ ٤٨٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٤) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).\n(^٥) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).\n(^٦) الميسر (٢/ ٤١٠).","vol":"5","page":21},{"text":"قوله - ﷺ -: \"أوفر ما كانت\" وفي الرِّواية: \"أعظم ما كانت\" أراد به كمال حالها في القوة والسمن فيكون أثقل لو طيها أي ليكون إيلامه أعظم. قوله: \"لا يفقد منها فصيلا واحدا\" الحديث. يعني عند مانع زكاتها لأنها قد تكون عنده على حالاتٍ مرة هزيلة ومرة سمينة، ومرة صغيرة، وأخرى كبيرة، فتأتي يوم القيامة على أوفر أحوالها عنده زيادة في عقوبة بكثرتها أو قوتها وكمال خلقها فتكون أثقل في وطئها، كما إن ذات القرون تكون بقرونها لتكون أنكى وأصوب لطعنها ونطحها، وأيضًا فتأتي جميعًا لا يفقد منها شيئًا حتى الفصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وقد تجب الزكاة إما لبلوغه حولا وإما لبناء حوله على حول أمه، وهذا الذي ذكرته هو الظاهر وذكر العراقي في شرح الترمذي (^١) احتمالين آخرين، أحدهما: أنها تأتي أوفر ما كانت في الدنيا مطلق فقد تكون عند صاحبها الذي منع زكاتها هزيلة في جميع مدتها عنده، وتسمن بعد ذلك عند غيره أو تكون قبل أن يملكها سمينة فتحشر على أتم حالاتها تغليظا عليه، الاحتمال الثاني أنها تجيء على أعظم حالات الإبل مطلقا هي وغيرها، قوله - ﷺ -: \"كلما مر عليه أولاها رد عليه أخرها\" هكذا هو في جميع نسخ مسلم في هذا الموضوع من رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال القاضي عياض (^٢) وغيره قالوا هو تغيير وتصحيف، وأيضًا نسبوا راويه إلى السهو وصوابه ما جاء في الأحاديث الآخر، وما في\n_________\n(^١) ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٤/ ٢١) ولم نقف عليه في شرح الترمذي.\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).","vol":"5","page":22},{"text":"رواية سهيل عن أبي صالح وغيره، وما جاء في حديث المعرور بن سويد عن\nأبي ذر كلما مر عليه آخراها رد عليه أولها، وبهذا ينتظم الكلام ويستقيم معنى\nالترداد والتكرار، قوله قيل يا رسول اللّه فالبقر والغنم قال: \"ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها شيئًا ليس منها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء\" فيه دليل على وجوب الزكاة في البقر، كما جاء في أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر.\nقوله - ﷺ -: \"تنطحه بقرونها\" بكسر الطاء وفتحها لغتان حكاهما الجوهري وغيره، والكسر أفصح وهو المشهور في الرِّواية العقصاء هي الملتوية القرن، الجلحاء التي ليس لها قرن، قاله الحافظ (^١). قال في النهاية (^٢): والأجلح من الناس: الذي لا يحسر الشعر عن جانبي جبهته، ومنه الحديث: \"حتى يقتص للشاة الجلحاء من القرناء\"، والعضباء: بالضاد المعجمة هي [مكسورة] القرن، قاله المنذري. وقال بعضهم (^٣): العضباء: هي التي انكسر (قرنها الداخل)، وفي حديث جابر عند مسلم (^٤) \"لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا\"\n_________\n(^١) أي المنذري، وينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٤).\n(^٣) قاله المازرى في المعلم (٢/ ١٥) والقاضى عياض في إكمال المعلم (٣/ ٤٨٧) والنووي في شرحه على مسلم (٧/ ٦٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧ - ٩٨٨).","vol":"5","page":23},{"text":"وربما كان [في بقره] وغنمه في الدنيا من [هو بهذه الصفة من النقص] فأخبر ﵊ أنها تأتي يوم القيامة تام الخلق تغليظا عليه (^١).\nقال القرطبي (^٢): يريد أنها كلها ذوات قرون صحاح معتدلة يمكن بها النطح والطعن حتى يكون أشد لألمه، وأبلغ في عذابه ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"تنطحه بقرونها\" بكسر الطاء وفتحها لغتان حكاهما الجوهري وغيره، والكسر أفصح وهو المشهور في الرِّواية قوله: \"وتطؤه بأظلافها\"، وقد فسر الحافظ (^٣) رحمه اللّه تعالى الظلف فقال: الظلف للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس وزاد غيره فقال: الظلف للبقر والغنم والظباء والخف للبعير والقدم للآدمي والحافر للفرس والبغل والحمار، قوله: قيل يا رسول اللّه فالخيل قال: \"الخيل ثلاثة هي لرجل وزر وهي لرجل وزر (^٤) وهي لرجل أجر\" هكذا في أكثر النسخ التي وقع، ووقع في بعضها [الستر] وهو أوضح وأظهر (^٥).\nقوله: \"فرجل ربطها رياءً وفخرًا ونِواءً، لأهل الإسلام\" وقد فسر الحافظ (^٦) قوله: ونواء لأهل الإسلام فقال: هو المعاداة، قال: غيره أي معاداة يقال: ناوى فلان فلانًا إذا عاداه.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٤/ ١٣).\n(^٢) التذكرة (ص ٧٠٠).\n(^٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٦٢).\n(^٤) كذا في الأصل وصوابه ولرجل ستر.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ٦٦).\n(^٦) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٦٨).","vol":"5","page":24},{"text":"ويؤخذ من هذا الحديث: أن العزم على المعصية إذا استقر ترتب عليه الإثم ألا تراه أثبت له الإثم بقصد المعاداة وهذا مذهب أكثر أهل العلم على ما قاله بعض المتأخِّرين، ويحمل قوله - ﷺ -: \"إن اللّه تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها\" (^١) على الخطرات والوساوس التي لا ثبوت لها ولا استقرار\" ذكره ابن عقيل في شرح الأحكام.\nقوله: \"وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل اللّه أي عدها للجهاد\" وأصله من الربط ومنه الرباط وهو حبس الرجل نفسه في الثغر وإعداد الأهبة لذلك قوله - ﷺ -: \"ثم لم ينس حق اللّه في ظهورها ولا رقابها\" استدل به أبو حنيفة وشيخه حمَّاد بن أبي سليمان وزفر على وجوب الزكاة في الخيل إن كانت ذكورًا وإناثًا، وخالفهم العُلماء كافة أما إذا انفردت الذكور أو الإناث فعن أبي حنيفة روايتان من حيث أن النماء بالنسل لا يحصل إلا بإجتماع الذكور والإناث وهذا إذا كانت سائمة فقد روى الدَّارقُطْنِي (^٢) عن جابر رفعه \"في الخيل السائمة في كلل فرس دينار\" لكن انفرد به غورك بن الفضل (^٣) وهو ضعيف، وإذا وجبت فهو بالخيار إن شاء أخرج عن كلّ فرس دينارًا وإن شاء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، أحمد (٩١٠٨)، وأبو داود (٢٢٠٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٦٣٢)، وابن منده في الإيمان (٣٤٩)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٨٢.\n(^٢) سنن الدَّارقُطْنِي (٢٠١٩).\n(^٣) هكذا ورد في الأصل وفي الدَّارقُطْنِي (٢٠١٩): غُورَكِ بْنِ الْخِضْرِمِ أَبِي عَبْدِ اللّهِ، ثم قال في نهاية الحديث: تَفَرَّدَ بِهِ غُورَك، عَنْ جَعْفَرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَمَنْ دُونَهُ ضُعَفَاءُ.","vol":"5","page":25},{"text":"قوّمها وأخرج عن كلّ مائتي درهم خمسة دراهم وهو ربع عشر القيمة، وقال: مالك والشافعي وأحمد، أبو يوسف ومحمد وجمهور العُلماء لا زكاة في الخيل بحال إذا لم تكن للتجارة لقوله - ﷺ -: \"ليس على المسلم في فرسه صدقة\" (^١) وهو في الصحيح وتأولوا الحديث على أن المراد إنه يجاهد بها وقد يجب الجهاد بها إذا تعين، وقيل: يحتمل أن المراد بالحق في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها والمراد بظهورها لطراق فحلها إذا طلب منه عاريته وهذا على الندب، وقيل: المراد حق اللّه مما يكسبه من مال العدو على ظهورها وهو خمس الغنيمة، قوله: \"وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل اللّه لأهل الإسلام\" تقدم معنى الربط في سبيل اللّه قوله - ﷺ - \"في مرج أو روضة\" والمرج الأرض الواسعة ذات نبات كثير ترعاه الدواب تمرج فيه الدواب أي تسرح وتجيء وتذهب مختلطة كيف شاءت قاله في النهاية والروضة الموضع الذي يكثر فيه الماء فيكون فيه صنوف النبات من رياحين البادية، وأنواع الزهر وغيرها فالفرق بين المرج والروضة أن الأول يعد لرعي الدوآب ولذلك يكون واسعا ليتأتى لها فيه ذلك والروضة ليست معدة لرعي الدواب وإنما هي للتنزه لما فيه من أصناف النبات هذا هو الذي يتحرر من كلام أهل اللغة قاله العراقي (^٢)، قوله - ﷺ -: \"ولا تقطع طولها\" قد ضبطه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بإثر الحديث (١٤٦٤) وأحمد (٩٢٨١) الطيالسي (٢٥٢٨)،، وأبو يعلى (٦١٣٨).\n(^٢) ينظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٤/ ٧).","vol":"5","page":26},{"text":"الحافظ ﵀ وفسره فقال: الطِوَل بكسر الطاء وفتح الواو هو حبل يشد به قائمة الدابة ويرسلها ترعى أو يمسك طرفه ويرسلها ا. هـ، وقال: الكرماني (^١) وغيره ويقال: طيلها بكسر الطاء المهملة وفتح الياء المثناة تحت وأصله الطول أبدل الواو ياء والمشهور طولها بالواو واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فاستنت شرفا أو شرفين\" قد ضبطه الحافظ (^٢) وفسره فقال: أي جرت بقوة، ومال غيره الاستنان العدو، استن الفرس يستن استنانا أي عدا لمزجه ونشاطه شوطا أو شوطين ولا راكب عليه ومنه الحديث أن فرس المجاهد ليستن في طوه وحديث [عمر \"رأيتُ أباه] يستن [بسيفه] كما يستن الجمل (يمرح ويخطر به) قاله ابن الأثير. (^٣)\nقوله - ﷺ -: \"ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه\" وفي حديث آخر \"إن مرت بنهر عجاج فشربت منه كتبت له حسنات أي كثير الماء كأنه يعج من كثرته وصحيح تدفقه\" النهر: بفتح الهاء وسكونها لغتان قوله - ﷺ - \"ولا يريد أن يسقيها إلا كتب اللّه تعالى له عدد ما شربت حسنات\" هذا من باب التنبيه لأنه إذا كان تحصل له هذه الحسنات من غير أن يقصد سقيها فإذا قصده فأولى بأضعاف الحسنات واللّه أعلم.\nقوه: قيل يا رسول اللّه فالحمر قال: \"ما أنزل اللّه عليّ في الحمر إلا هذه\n_________\n(^١) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٣).\n(^٢) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٣).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤١١).","vol":"5","page":27},{"text":"الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (^١) \" الحديث الفاذة أي المنفردة في معناها والفذا لواحد يقال فذا لرجل عن أصحابه إذا شذ عنهم فبقي فردا أو سماها فاذة لخلوها عن بيان ما تحتها من تفاصيل أنواعها وقيل إذ ليس مثلها آية أخرى في قلة الألفاظ وكثرة المعاني لأنها جامعة لكل أحكام الخيرات والشرور، فإن قلت: كيف دلالة الآية على الجواب، قلت: كأن سؤالهم أن الحمار له حكم الفرس أم لا فأجاب: بأنه إن كان لخير فلا بد أن يرى جزاءه ويحصل له الأجر وإلا فبالعكس ومعنى الجامعة، الجامعة لأبواب البر لاجتماع اسم الخير على سائر الطاعات كذا في الميسر والجامعة أي العامة الشاملة المتناولة لكل خير ومعروف ومعنى الحديث \"لم ينزل عليّ فيها\" نص بعينها لكن نزلت هذه الآية العامة ا. هـ، وهذا منه - ﷺ - إشارة إلى أنه لم يفسر اللّه له من أحكام الحمر وأحوالها ما فسر له في الخيل والإبل وغيرهما مما قاله القرطبي (^٢) قوله - ﷺ - في رواية النسائي \"ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جاء يوم القيامة شجاعا من نار\" (^٣) وجاء: ها هنا بمعنى صار وتحول ويحتمل أن يكون جاء إلى صاحبه وقصده قاله عياض (^٤).\n_________\n(^١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.\n(^٢) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٤٢).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).","vol":"5","page":28},{"text":"والشجاع: قد ضبطه الحافظ (^١) وفسره فقال: هو الحية، وقيل: الذكر خاصة، وقيل نوع من الحيات والأقرع منه الذي ذهب شعر رأسه من طول عمره ا. هـ، قال غيره: الشجاع الذي يُواثب الراجل والفارس ويقوم على ذنبه وربما بلغ رأس الفارس ويكون في الصحارى. قال القاضي عياض (^٢) ﵀: والظاهر أن اللّه تعالى خلق هذا لعذابه، وعن جابر هو أبو عبد اللّه، وقيل أبو عبد الرحمن وقيل: أبو محمد جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام بالراء بن عمرو بن سواد بن سلمة بكسر اللام فذكره إلى أن قال: ابن الخزرج الأنصاري السلمي بفتح السين واللام المدني وهو أحد المكثرين الرِّواية عن رسول اللّه - ﷺ - روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثًا وانفرد البخاري بستة عشرة ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثًا، واستشهد أبوه يوم أحد وأحياه اللّه وكلمه وقال: \"يا عبد اللّه ما تريد قال: أريد أن أرجع إلى الدنيا فأستشهد مرة أخرى\" (^٣)، توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل ثمان\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣١٨).\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٤٥٩).\n(^٣) أخرجه الحميدى (١٣٠٢)، وسعيد بن منصور (٢٥٥٠)، وأحمد ٢/ ٥٣٢ (١٤٨٨١)، وأبو يعلى (٢٠٠٢)، وابن حبان (٧٠٢٢)، والحاكم (٢/ ١١٩ - ١٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٠٦ - ١٠٧) عن جابر. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه أبو حمَّاد الفضل بن صدقة قال النسائي: متروك. وأخرجه البزار (١٨/ ١٦٥ رقم ١٤٢) والحاكم (٣/ ٢٠٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٤ - ٥) عن عائشة وقال البزار وهذا الحديث لا =","vol":"5","page":29},{"text":"وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة وكان ذهب بصرة في آخر عمره وحيث أطلق جابر في كتب الحديث فهو جابر بن عبد اللّه وإذا أرادوا جابر بن سمرة قيدوه. قوله - ﷺ -: \"ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها\" والمراد بالحق الزكاة وتقدم الكلام على ذلك قوله - ﷺ - \"إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت\" أكثر بالثاء المثلثة هكذا هو في الأصول بالثاء المثلثة، وقوله قط وفي قط لغات حكاها الجوهري. الفصيحة المشهورة قط مفتوحة القاف مشددة الطاء، والثانية بضم القاف تتبع الضمة الضمة، والثالثة: بفتح القاف وتخفيف الطاء الرابعة: بضم القاف والطاء المخففة وهي قليلة هذا إذا كان بمعنى فَأَمَّا الَّتِي بِمَعْنَى حَسْبُ وَهُوَ الاكْتِفَاءُ فَمَفْتُوحَةٌ سَاكِنَةُ الطَّاءِ تَقُولُ رَأَيْتُهُ مَرَّةً فَقَطْ فَإِنْ أَضَفْتَ قُلْتَ قَطْكَ هَذَا الشَّيْءُ أَيْ حَسْبُكَ وَقَطْنِي وقطى وقطه وقطاه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وقعد بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها\" وقعد هو بفتح القاف والعين أي جلس وقيل حبمس وعند القعد بالفتح وإنما يقال أقعداه. ذكره النووي (^٢) في شرح مسلم وتقدم الكلام على بقية الألفاظ.\n_________\n= نعلمه يروى عن عائشة ﵂ إلا من هذا الوجه ولا نعلم رواه عن الزهري إلا أبو عباد وأبو عباد حدّث عنه أبو داود والقاسم بن الحكم والفضل بن وثيق. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيض بن وثيق كذاب. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٢٩٠).\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٧٠).\n(^٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٣).","vol":"5","page":30},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت\" تقدم الكلام على ذلك أيضًا، قال: العُلماء (^١): ولا تجب الزكاة في شيء من المواشي إلا بها الإبل والبقر والغنم ا. هـ لورود النص فيها على الخصوص ولا تجب بها الخيل والرقيق، وإنما بدئي بها الإبل لأنه - ﷺ - بدأ بها في أكثر كتبه التي كتبها للسعاة لأنها كانت أعم أموالهم، وضبطها يصعب فبدأ بها ليعتني بها فإذا ملك أي من تلزمه الزكاة منها نصابا من السائمة حولا كاملا أي متواليا وجبت فيه الزكاة في أصح القولين، واحترز بالنصاب عما دونه وبالسائمة عن المعلوفة والمراد بالسائمة هي التي ترعى في كلإٍ مباح واللّه أعلم، قال: وأول نصاب الإبل خمس لقوله - ﷺ - \"ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة\" رواه البخاري ومسلم (^٢) فالواجب في كلّ خمس منها سائمة شاة وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين بنت مخاض وفي ست وثلاثين بنت لبون وفي ست وأربعين حقة وفي إحدى وستين جذعة وفي ست وسبعين بنتا لبون وإحدى\n_________\n(^١) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٦) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦) المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (٣/ ١١٥) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"5","page":31},{"text":"وتسعين حقتان ومائة واحدى وعشرين ثلاث بنات لبون ثم في كلّ أربعين بنت لبون وفي كلّ خمسين حقة.\nوبنت المخاض مالها سنة وبنت اللبون سنتان والحقة ثلاث والجذعة أربع والشاة (سنة و) جذعة ضان لها سنة أو ثنية معزلها سنتان وبقية الكلام معروفة في كتب الفقة فمن أراد ذلك فعليه بمظانها واللّه أعلم، والأصل في ذلك ما رواه أنس أن أبا بكر الصديق - ﵁ -: كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين \"هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللّهِ - ﷺ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ، الَّتِي أَمَرَ اللّهُ ﷿ بِهَا نَبِيَّهُ - ﷺ -، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهِ\" الحديث (^١)، وفي كتاب أبي بكر الصديق هذا فوائد ذكرها النووي في شرح المهذب (^٢)، قال النووي: قال الماوردي: يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إثْبَاتِ الْبَسْمَلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ قَالَ وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الابْتِدَاءَ بِحَمْدِ اللّهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا شَرْطٍ وَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ \"كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ\" أَيْ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِحَمْدِ اللّهِ أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ تَعَالَى وتقدم الكلام على ذلك أول الخطبة، وقوله هذه فريضة الصدقة فيه دليل على أن اسم الصدقة تقع على الزكاة خلافا لأبي حنيفة ﵀، وقوله: التي فرض رسول اللّه - ﷺ -، قيل فيه ثلاثة مذاهب هذه أحدها: أنه من الفرض الذي هو\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٣٥).","vol":"5","page":32},{"text":"الإيجاب والإلزام، والثاني أن فرض بمعنى سنّ، والثالث: معناه قدر من قولهم فرض القاضي النفقة أي قدرها وبهذا جزم صاحب الحاوي (^١)، فعلى الأول معناه أنه - ﷺ - شرعها بأمر اللّه تعالى وأن اللّه تعالى أوجبها ثم بلغها إلينا النبي - ﷺ - فسمي أمره وتبليغه فرضا، وقوله على المسلمين فيه دليل لمن يقول أن الكافر ليس مخاطبا بالزكاة وسائر الفروع والصحيح أنهم مخاطبون وقوله فرض على المسلمين أي فرض عليهم الإعطاء في الدنيا والكافر لا تؤخذ منه في الدنيا ولكن يعذب عليها في الدار الآخرة وقوله والتي أمر اللّه تعالى عطف على قوله التي فرض رسول اللّه - ﷺ -، يعني أن فريضة الصدقة اجتمع فيها تقرير رسول اللّه - ﷺ -: \"وأمر اللّه تعالى وإيجابه\".\nوقوله: \"فمن سئلها على وجهها فليعطها\"، ومن سئل هو بضم السين في الموضعين على ما لم يسم فاعله وبكسر الطاء من قوله فليعطها ومن قوله فلا يعطه وقوله فمن سئلها على وجهها أي على حسب ما شرعت.\nوقوله: \"فما فوقها فلا يعطه\". اختلف أصحابنا في الضمير في لا يعطه على وجهين مشهورين أصحهما أنه يعود على الزائد أي لا يعطي الزائد بل يعطى أصل الواجب، ونقل الرافعي الإتفاق على تصحيحه، والوجه الثاني معناه لا يعط فرض الزكاة ولا شيئًا منه لهذا الساعي بل يخرج الواجب بنفسه ويرفعه لساع آخر لأنه بطلب الزيادة على الواجب يكون متعديا فاسقا، وشرط الساعي أن يكون أمينًا، هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل فأما من طلبها بتأويل\n_________\n(^١) ينظر: الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦).","vol":"5","page":33},{"text":"بأن كان مالكيا يرى أخذ الكبيرة عن الصغار فإنه يعطي الواجب بلا خلاف ولا يعطي الزيادة لأن لا يفسق ولا يعصي والحالة هذه قال النووي: (^١) قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّانِي أنَّهُ لَا يُعْطَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى وَهُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أنَّهُ فَسَقَ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ فَانْعَزَلَ فَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ واللّه أعلم.\nفائدة: قوله في أول حديث أبي بكر الصديق لما وجهه إلى البحرين هو اسم لبلاد معروفة وإقليم مشهور يشتمل على مدن قاعدتها هجر قالوا وكذلك يطلق البحرين بلفظ التثنية والنسبة إليه بحراني (^٢) واللّه أعلم.\nفائدة: أخرى أعلم أن إيجَابُ الْغَنَمِ فِي الْإِبِلِ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ رِفْقًا بِالْفَرِيقَيْنِ لأنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَعِيرٌ لأَضَرَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَال وَلَوْ وَجَبَ جُزْءٌ لأَضَرَّ بِالْفَرِيقَيْنِ بِالتَّشْقِيصِ، لكن هل الشاة أصل أو بدل عن خمس بعير فيه وجهان، وضعف الإمام الثاني واللّه أعلم ذكره في مختصر الكفاية (^٣).\nفرع: قال المتولي إذا أوصى لشخص بإبل جاز أن يعطي ذكرا أو أنثى فإن أرادوا أن يعطوه فصيلا أو ابن مخاض لم يلزمه قبوله لأنه لا يسمى إبلا واللّه أعلم (^٤). وأول نصاب البقر ثلاثون فيجب فيه تبيع أى بالإجماع لما روى أنه\n_________\n(^١) ينظر: المجموع شرح المهذب (٥/ ٥٦٩).\n(^٢) المجموع (٥/ ٣٨٩).\n(^٣) انظر كفاية النبيه (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، ومختصر الكفاية (لوحة ٦٥/ خ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٤) حياة الحيوان (١/ ٣١).","vol":"5","page":34},{"text":"- ﷺ - أمر معاذا أن يأخذ من كلّ ثلاثين تبيعا ومن كلّ أربعين مسنة، والتبيع هو الذي له سنة ودخل في الثانية وهذا ما حكاه الأزهري (^١) وسمى تبيعا لأنه يتبع أمه (^٢) في السرح كما يقال: فصيل إذا فصل عنها وقيل غير ذلك وفي أربعين مسنة أي للخبر وهي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة وأفهم كلام القاضي حسين أنه قول أهل اللغة وفي المسنة والتبيع اختلاف في سنهما وأول نصاب الغنم أربعون فتجب فيه شاة وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان وفي مائتين وواحدة أي إلى ثلاثمائة ثلاث شياه ثم في كلّ مائة شاة لحديث أنس فيه في صحيح البخاري.\nفرع: فتح إنسان مراح غنم فخرجت ليلا ورعت زرعا فإن كان الذي فتحه المالك ضمن الزرع وإن كان غير المالك لم يضمن، والفرق أن المالك يلزمه حفظها في الليل فإذا فتح عنها ضمن وغير المالك لا يلزمه حفظها فإذا فتح عنها لم يضمن قاله في البحر واللّه أعلم.\n_________\n(^١) بحر المذهب (٣/ ١١٥) وكفاية النبيه (٥/ ٣٠٣).\n(^٢) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٦) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (٣/ ١١٥) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٥٤٩) فتح الوهَّاب بشرح منهج الطلاب (١/ ١٢٠) منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي - ﵁ -: (ص: ٣٣) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ٢٠٨) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٦٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ٤٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ٣) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/ ٣) بحر المذهب للروياني (٣/ ٣).","vol":"5","page":35},{"text":"واعلم أن النُصبْ المذكورة في الإبل والبقر والغنم ليس فيها نهاية القدر الواجب في كلّ نصاب ولا قدر السن في الزيادة على ما ذكر فمن أراد ذلك فليطالع كتب الفقة، وإنما ذكرت هذه النبذة حتى يعلم قدر الواجب في كلّ نصاب وأول كلّ نصاب من ليس بطالب علم واللّه أعلم، قوله - ﷺ -: في حديث جابر \"ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه\" والمراد بحقه الزكاة والمراد أيضًا بالكنز الذهب والفضة.\nقال: ابن الأثير (^١) والكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض فإذا أخرج منه لواجب عليه لم يبق كنزا وإن كان مكنوزا، وهذا حكم شرعي تجوز فيه عن الأصل تقدم الكلام على الكنز أيضًا في الباب قبله، قوله - ﷺ -: \"إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع\" تقدم الكلام على الشجاع الأقرع في الحديث قبله من كلام الحافظ المنذري، قوله - ﷺ - يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ، فَأنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ\" ومعنى: سلك يده أي أدخلها في فيه قال: اللّه تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ (^٢).\nقوله - ﷺ -: فيقضمها قضم الفحل يقضمها بفتح الضاد فيها على اللغة الفصيحة أي يأكلها يقال: قضمت الدابة شعيرها بكسر الضاد وتقضم بفتحها إذا أكلته، وقال بعضهم معناه يعضها قال: أهل اللغة القضم بأطراف\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٣٢).\n(^٢) سورة المدثر، الآية: ٤٢.","vol":"5","page":36},{"text":"الأسنان والخضم بالفم كلّه، وقيل بجميع الأسنان وقيل القضم أكل اليابس والخضم أكل الرطب واللبن واللّه أعلم.\nوتزعم العرب أن الرجل إذا طال جوعه تعرضت له في بطنه حية يسمونها الشجاع (^١) والفحل بالحاء المهملة أي الذكر من الإبل وغيرها ولقد رأيتُ من يصحفه بالفجل بالجيم أي البقل المشهور، قاله الكرماني (^٢) وخص الفحل من الإبل لغلبة ذلك منه.\nفائدة: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ، فَجَذَبَهَا فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ، فَأَبْطَلَهَا، وَقَالَ: \"أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهَا كمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ \" أخرجاه (^٣) وأعله الدَّارقُطْنِي (^٤) وجاء في مسلم (^٥) قاتل يعلى بن منية بن أمية رجلًا فعض أحدهما صاحبه قال: الحُفَّاظ: الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى لا يعلى ويحتمل أنهما قضميتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين، وفي هذا الحديث دلالة لمن قال أنه إذا عض رجل يد غيره فنزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاض أو فك لحييه لا ضمان عليه وهو مذهب الشافعي والأكثرين، وقال مالك: يضمن والحديث\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ١٢٣٦).\n(^٢) الكواكب الدارارى (٢/ ١٣ - ٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٩٢)، ومسلم (١٨ - ١٦٧٣) و(٢٠ - ١٦٧٤).\n(^٤) الإلزامات والتتبع (ص ٣١٧ - ٣١٨).\n(^٥) صحيح مسلم (١٦٧٣).","vol":"5","page":37},{"text":"حجة عليه وفيه دفع الصائل عن نفس الإنسان أو عضوه ولو أدى إلى تلف الصائل أو عضوه ولا ضمان عليه بدليل قوله فأبطلها النبي - ﷺ - نص صريح في إسقاط القصاص والدية في ذلك وحمل بعض المالكية الحديث على أنه كان متحرك الثنايا وهذا يحتاج إلى نقل واللّه أعلم.\n(قوله): \"أردت أن تقضمها قضم الفحل\" فيه [التأديب] والتعزير بالقول كمن أتى معصية ولا [حد] عليه لئلا يعود ا. هـ، قاله الكمال في حياة الحيوان.\nقوله: وعن عبد اللّه بن مسعود هو أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن مسعود بن غافل (^١) بالغين المعجمة والفاء ابن حبيب بن سمح بن فار بالفاء وتخفيف الراء ابن مخزوم بن صاهلة بالصاد المهملة بن كاهل بن مضر بن نزار الهذلي حليف بني زهرة الكوفي وأُمِّه أُمُّ عَبْدٍ بِنْتُ عَبْدِ وُدِّ بْنِ سَوَاءَ بن هذيل أسلمت وهاجرت فهو صحابي ابن صحابيه أسلم عبد اللّه قديما حين أسلم سعيد بن زيد قبل عمر بن الخطاب بزمان وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة شهد مع رسول اللّه - ﷺ - بدرًا، وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد وهو صاحب نعل رسول اللّه - ﷺ - (^٢) كانا يلبسه إياها إذا قام فإذا خلعها وجلس\n_________\n(^١) أسد الغابة: ٣/ ٣٨٤، الاستيعاب: ٧/ ٢٠ سير أعلام النبلاء (١/ ٤٦١)، الجرح والتعديل: ٥/ ١٤٩، حلية الأولياء: ١/ ١٢٤ - ١٣٩، تاريخ بغداد: ١/ ١٤٧ - ١٥٠، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢٨٨ - ٢٩٠، تهذيب الكمال: ٧٤٠، دول الإسلام: ١/ ٥٤، تاريخ الإسلام: ٢/ ٢٤، تذكرة الحُفَّاظ: ١/ ٣١ طبقات ابن سعد: ٣/ ١/ ١٠٦.\n(^٢) ينظر: المسند لأحمد: ١/ ٣٧٤ - ٣٨٤.","vol":"5","page":38},{"text":"جعلها ابن مسعود في ذراعه وكان كثير الولوج على رسول اللّه - ﷺ - والخدمة له روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين حديثًا وانفرد البخاري بواحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين. نزل الكوفة في آخر عمره وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث وثلاثين قيل عادا إلى المدينة، واتفقوا على أنه توفي وهو ابن بضع وستين سنة والذين قالوا توفي بالمدينة قالوا ودفن بالبقيع قيل وصلى عليه عثمان وقيل الزبير وقيل عمار بن ياسر وكان من كبار الصحابة وسادتهم وفقهائهم ومقدميهم في القرآن والفقه والفتاوى وأصحاب الحلق وأصحاب الإتباع في العلم ومناقبه كتيرة مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ - \"ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع\" الحديث ومعنى مثل أي نصب وقيل معناه نصب له وأقيم من قولهم مثل قائمًا أي منتصبًا لقوله - ﷺ -: \"من أحب أن يتمثل له الرجال قياما\" الحديث. أي ينتصبون له، وقيل: المراد من قوله \"مثل لي\" أي صير بمعنى أن ماله يصير على صورة الشجاع وفسروا الأقرع بأبيض الرأس من شدة السم قاله ابن عقيل وظاهر الحدتهما أن اللّه تعالى يصير نفس ما [له] بهذه الصفة ولا مانع منه ويكون عقابه يوم القيامة على يديه ويقول له أنا كنزك لزيادة حسرته وندمه حيث لا ينفعه ذلك واللّه أعلم (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩ ترجمة ٣٣٣).\n(^٢) طرح التثريب (٤/ ٩).","vol":"5","page":39},{"text":"قوله - ﷺ - \"حتى يطوق به عنقه أي يجعل له كالطوق في عنقه\" وقيل في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ (^١) الآية يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق يقال طوق فلان عمله طوق الحمامة أي ألزم جزاء عمله قوله وعن علي بن أبي طالب تقدم الكلام على بعض مناقبه (^٢) ومن مناقبه قالوا أسلم وهو ابن عشر سنين، وقيل ابن خمس عشرة حكوه عن الحسن البصري وغيره هاجر علي إلى المدينة واستخلفه النبي - ﷺ - حين هاجر من مكة إلى المدينة أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي - ﷺ - ثم يلحقه بأهله ففعل ذلك وشهد مع رسول اللّه - ﷺ - بدرًا وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان وخيبرا والفتح وحنينا والطائف وسائر المشاهد إلا تبوك فإن النبي - ﷺ - استخلفه على المدينة وله في جميع المشاهد آثار مشهورة وأعطاه النبي - ﷺ - اللواء في مواطن كثيرة وقال: سعيد بن المسيب أصابت علي يوم أحد ستة عشرة ضربة وثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - أعطاه الراية يوم خيبر وأخبر أن الفتح يكون على يديه وأحواله في الشجاعة وأثارة في الحروب مشهورة وأما علمه فكان من العلوم بالمحل العالي روي له عن رسول اللّه - ﷺ - خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على عشرين وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر روى عنه بنوه الثلاثة: الحسن والحسين ومحمد بن حنفية وغيرهم من الصحابة أما بن الحنفية فإنه\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.\n(^٢) سبقت الإشارة إليه.","vol":"5","page":40},{"text":"تابعي وقال: ابن عباس أعطي علي تسعة أعشار العلم واللّه لقد شاركهم في العشر الباقي قال: وإذا أثبت لنا الشيء عن علي لم نعدل إلى غيره، وسؤال كبار الصحابة له ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل المعضلات مشهورة (^١)، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ - \"إِن اللّه فرض على أَغْنِيَاء الْمُسلمين فِي أَمْوَالهم بِقدر الَّذِي يسع فقراءهم وَلنْ يجْهد الْفُقَرَاء إِذا جَاعُوا وعروا إِلَّا بِمَا يصنع أغنياؤهم\" الحديث. الأغنياء هم أصحاب الأموال.\nقوله عن مسروق (هو أبو عائشة مسروق بن الأجدع، بالجيم ودال مهملة، ابن مالك بن أمية بن عبد اللّه الهمدانى الكوفى التابعى المخضرم.\nروى عن أبي بكر الصديق، وعثمان، وعلي وغيرهم. روى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، وآخرون. واتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته.\nوكان مسروق يصلى حتى تورمت قدماه. قال أبو سعد السمعانى: كان مسروق سرق في صغره، فغلب عليه ذلك. توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة ثلاث وستين، رحمه اللّه تعالى (^٢).\nقوله: قال عبد اللّه: \"آكِلُ الرِّبَا، وَمُوكلُهُ، وَشَاهِدَاهُ، إِذَا عَلِماه، وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ لِلْحُسْنِ، وَلَاوِي الصَّدَقَةِ، وَالْمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ\".\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٤ - ٣٤٩ ترجمة ٤٢٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٨ ترجمة ٥٦٧).","vol":"5","page":41},{"text":"وأراد بآكل الربا وموكله: البائع والمشتري وقيد الشاهدين بالعلم بالربا بأن يريا المبيع وأنه ربوي باطل فإن جهلا الحال والحكم فلا إثم.\nقوله: والواشمة للحسن أي تتحسن بذلك وهو قبيح، وأما لاوي الصدقة فهو مانعها واللي المطل يقال لواه بحقه يلويه ليا وأصله لويًا، والمراد بالصدقة الزكاة. قوله: والمرتد أعرابيا بعد الهجرة وهو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد تقدم الكلام على حديث مسروق وفيه قال: عبد اللّه آكل الربا وموكله وشاهداه إذا علماه .. الحديث، تقدم الكلام على ذلك.\n\n١١٣٢ - وروى الأصْبَهَانِيّ عَن عَليّ - ﵁ - قَالَ لعن رَسُول اللّه - ﷺ - آكل الرِّبَا وموكله وَشَاهده وكاتبه والواشمة والمستوشمة ومانع الصَّدَقَة والمحلل والمحلل لَهُ (^١).\n\n١١٣٣ - وَعَن أنس - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ويل للأغنياء من الْفُقَرَاء يَوْم الْقِيَامَة يَقُولُونَ رَبنَا ظلمونا حقوقنا الَّتِي فرضت لنا عَلَيْهِم فَيَقُول اللّه ﷿ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأدنينكم ولأباعدنهم، ثمَّ تَلا رَسُول اللّه - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ (^٢)، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب (^٣). كِلَاهُمَا من\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب (١٤٠٨)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٥٦).\n(^٢) سورة المعارج، الآية: ٢٤ - ٢٥.\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٤٨١٣)، وفي الصغير (٦٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٢)، رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه الحارث بن النعمان، وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦١٤٠).","vol":"5","page":42},{"text":"رِوَايَة الْحَارِث بن النُّعْمَان قَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِقَوي وَقَالَ البُخَارِيّ مُنكر الحَدِيث.\nقوله: وروى الأصبهاني عن علي قال: لعن رسول اللّه - ﷺ - \"آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والواشمة والمستوشمة ومانع الصدقة والمحلل والمحلل له\" تقدم الكلام على آكل الربا وعلى ما بعده في الحديث قبله، والكلام الآن على المحلل والمحلل له المحلل بكسر اللام الأولى وهو الذي يتزوج مطلقة الغير ثلاثًا بعد العدة على قصد أن يطلقها بعد أن يحلها للزوج الأول بالنكاح والوطء والمحلل له هو الزوج الأول وإذا تزوج بهذا القصد لم يصح، وقال: أبو حنيفة يصح ويبطل الشرط وحمله الشافعي ﵀ على ما إذا شرطه في العقد قال: البغوي (^١) فإن شرط في العقد مفارقتها فالنكاح باطل عند الأكثرين كنكاح المتعة وسمي محللا لقصده إليه وإن كان لا يحصل التحليل به وقيل يصح النكاح ويفسد الشرط كما تقدم عن أبي حنيفة ولها صداق مثلها فأما إذا لم يكن ذلك في العقد شرطا وكان نية وعقيدة فهو مكروه غير أن النكاح صحيح وإن أصابها ثم طلقها انقضت عدتها حلت للأول عند أكثر أهل العلم لكن يكره (^٢) ذلك كما تقدم، وقال:\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي (٩/ ١٥١).\n(^٢) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط للشيباني (٢/ ١) تحفة الفقهاء (١/ ٢٦٣) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ٢)، شرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١٤٧) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٣٢٥) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٤٧٢) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي =","vol":"5","page":43},{"text":"إبراهيم النخعي لا تحل إلا أن يكون نكاح رغبة فإن كانت نية أحد الثلاثة، الزوج الأول أو الثاني أو المرأة التحليل فالنكاح باطل، وقال سفيان الثوري: إذا تزوجها على نية التحليل للأول ثم بدا له أن يمسكها لا يعجبني إلا أن يفارقها ويستأنف نكاحا جديدا، ولذلك قال أحمد ومالك: يفرق بينهما بكل حال (^١) ا. هـ.\nقال المنذري: وقال الشافعي: (^٢) لا تفسد النية النكاح شيئًا لأن النية حديث النفس وقد رفع عن الناس ما حدّثوا به أنفسهم وروى البيهقي مسندا: أَنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا، وَكَانَ مِسْكِينٌ أَعْرَابِيٌّ يَقْعُدُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: هَلْ لَكَ فِي امْرَأَةٍ تَنْكِحُهَا فَتَبِيتُ مَعَهَا اللَّيْلَةَ، وَتُصْبِحُ فَتُفَارِقُهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَكَانَ ذَلِكَ فَقالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّكَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَإِنَّهُمْ\n_________\n= (٣/ ٢٠٨) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٦٢) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٤١١) المبدع في شرح المقنع (٢/ ٣٠٩) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (٣/ ٣).\n(^١) معالم السنن (٣/ ١٩٣ - ١٩٤) وشرح السنة (٩/ ١٠١).\n(^٢) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٦) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (٣/ ١١٥) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٥٤٩) فتح الوهَّاب بشرح منهج الطلاب (١/ ١٢٠) منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي - ﵁ - (ص: ٣٣) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ٢٠٨) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٦٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ٤٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ٣) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/ ٣) بحر المذهب للروياني (٣/ ٣).","vol":"5","page":44},{"text":"سَيَقُولُونَ لَكَ فَارِقْهَا فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ، فَإِنِّي مُقِيمَةٌ لَكَ مَا تَرَى وَاذْهَبْ إِلَى عُمَرَ - ﵁ -، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَتَوْهُ وَأَتَوْهَا، فَقَالَتْ: كَلِّمُوهُ فَأَنْتُمْ جِئْتُمْ بِهِ فَكَلِّمُوهُ فَأَبَي، فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ - ﵁ - فَقَالَ: \"الزَمِ امْرَأَتَكَ فَإِنْ رَابُوكَ بِرِيبَةٍ فَأْتِنِي\"، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي مَشَتْ لِذَلِكَ فَنَكَّلَ بِهَا، ثُمَّ كَانَ يَغْدُو عَلَى عُمَرَ وَيَرُوحُ فِي حُلَّةٍ فَيَقُولُ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كسَاكَ يَا ذَا الرُّقْعَتَيْنِ حُلَّةً تَغْدُو فِيهَا وَتَرُوحُ\" (^١).\nقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: وما يروى عن عثمان (^٢) أنه قال: لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ إلَّا رَجَمْته مَحْمَلُهُ التَّغْلِيظُ؛ لِأنّهُ صَحَّ عِنْدَ عَدَمِ حَدِّ الْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ، فَكَيْفَ بِالْمُتَأَوِّلِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا رَجْمَ عَلَيْهِ. اهـ.\nوإنما خص النبي - ﷺ - باللعنة المحلل والمحلل له دون المرأة لأن الغالب جهلها بذلك، قال في الْمَطْلَبِ (^٣): فإن علمت وشعلت لعنت (^٤)، وفي حديث عقبة بن عامر أن النبي - ﷺ - قال: ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا بلى يا رسول اللّه قال: هو المحلل ثم قال \"لعن اللّه المحلل والمحلل له\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٨٦ و١٠٧٨٧)، وسعيد بن منصور (١٩٩٩)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٤١ رقم ١٤١٩٧) والمعرفة (١٠/ ١٨٢ رقم ١٤١٢٤). قال الشافعي ﵁: وسمعت هذا الحديث مسندًا شاذًّا متصلًا عن ابن سيرين يوصله عن عمر مثل هذا المعنى. وضعفه الألباني في الإرواء (١٩٠٠).\n(^٢) كذا في الأصل وفي التمهيد عن عمر بن الخطاب انظر التمهيد (١٣/ ٢٣٥) والاستذكار (٥/ ٤٥٠).\n(^٣) كتاب للعلامة نجم الدين بن الرفعة.\n(^٤) النجم الوهاج (٧/ ١٧٧).","vol":"5","page":45},{"text":"الحديث\" رواه الدَّارقُطْنِي وابن ماجة وكذلك رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد (^١) قيل وإنما لعن رسول اللّه مع حصول التحلل لأن التماس ذلك هتك للمروءة والملتمس ذلك هو المحلل له، وإعارة التيس للوطء. لغرض الغير أيضًا رذيلة. ولذلك شبهه بالتيس المستعار وإنما يكون كالتيس المستعار إذا سبق التماس من المطلق، والعرب تعير بإعارة التيس قال الشاعر: وشر منيحة تيس معار (^٢).\nوإنهم إذا مدحوا شخصا قالوا إنما هو كبش وإذا ذموه قالوا هو تيس (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة في سننه (١٩٣٦) والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٨ - ١٩٩) الدَّارقُطْنِي في سننه (٣/ ٢٥١) - ومن طريقه رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٠٧٢)، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - كما نقل ذلك ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٧٧)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٢٨٠ - ٢٨١) -: \"كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارا شديدا\". وقد تعقب ابن الملقن البخاريَّ فقال في البدر المنير (٥/ ل ٢٢١ ب): \"قد ذكر الحاكم في روايتُه لهذا الحديث سمعتُ مشرح بن هاعان، وقال قبله: قد ذكر كاتب الليث سماعه فيه، وكونه لم يخرجه في أيامه لا يضر إذن، وقوله: لأن حيوة روى عن بكر بن عمرو عن مشرح، يريد أنّ حيوة من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما يروي عن بكر عن مشرح، وهذا غير لازم لأنَّ الليث كان معاصرًا لمشرح، وقد صرح بسماعه منه\". وقد قوى الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٢٣٩) سماعه منه فقال: \"قوله في الإسناد قال لي أبو مصعب يردُّ ذلك، ورواه الدَّارقُطْنِي في سننه معنعنا عن أبي صالح كاتب الليث، عن الليث عن مشرح به وكذلك حسنه عبد الحق لأنه ذكره من جهة الدَّارقُطْنِي\". وقد قوى الحديثَ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية كما في الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٢٤٠).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ٢٥٦).","vol":"5","page":46},{"text":"فائدة: قال: ابن العربي (^١): أنه سمع من علماء الحنفية من يقول في نكاح المحلل أنه قربة لأن فيه سعة ضيق وإباحة تحريم أذن اللّه تعالى فيها ورأيت في كلام بعض العُلماء قال داوود: لا أبعد أن يكون المحلل مأجورا إذا نوى بذلك حلها للأول لأنه قصد إرفاق أخيه وإدخال السرور عليه وهو قول ربيعة شيخ مالك ويحيى بن سعيد ا. هـ.\nقال ابن العربي: (^٢) وأهل المدينة يقولون هو معصية موجبة للنار وكان بعض العُلماء يرى أن مجرد [العقد] كاف في [التحليل] لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٣) وقد بينت [السنة ذلك التحليل فقال النبي - ﷺ -: \"أَتُرِيدينَ أنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تذُوقِي الْعُسَيلَةَ\" (^٤) فبين اشتراط الغاية [في الغاية وذهب] ابن المسيب إلى الاكتفاء [بمجرد العقد من الثاني كان لم يطأها الثاني] ا. هـ\nفائدة أخرى: قال الماوردي والغزالي: من لطائف الحيل الرافعة للغيرة والعار المحصلة للمقصود: أن يشتري عبدًا صغيرًا ويزوجها منه، ثم تستدخل حشفة الصغير ولو مع حائل من ثوب أو غيره، ثم يملكها العبد ببيع أو هبة فينفسخ النكاح ويحصل التحليل. [قلت]: وهذا مبني على أصول\n_________\n(^١) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣١٣).\n(^٢) السابق.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٠.\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"5","page":47},{"text":"مختلف فيها منها: حصول التحليل بوطء الصغير، ومنها: جواز إجبار العبد على التزويج، فإن لم نجوزه، امتنع ذلك. (^١) واللّه أعلم قاله في الديباجة.\nوالأعراب ساكنوا البادية من الأعراب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة قوله: ملعونون على لسان محمد، هذا مرفوع وهذا يقتضي أن ذلك من الكبائر لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة على قول بعض العُلماء [وهو الذهبي] في كتاب سماه الكبائر ا. هـ.\nقوله: وروى الأصبهاني عن علي، الأصبهاني بكسر الباء الألف أو فتحها وسكون الصاد المهملة وفتح الموحّدة والهاء وفي أخره النون هَذِه النِّسْبَة إِلَى أشهر بَلْدَة بالجبال وَإِنَّمَا قيل لَهَا هَذَا الاسْم على مَا سَمِعت من بَعضهم أَنَّهَا تُسمّى بالعجمية سباهان وسباه: الْعَسْكَر وَهَان: الْجمع، وَكَانَت جموع عَسَاكِر الأكاسرة تَجْتَمِع إِذا وَقعت لَهُم وَاقعَة فِي هَذَا الْموضع مثل عَسْكَر فَارس وكرمان والأهواز فعرب فَقيل أَصْبَهَان خرج مِنْهَا كثير من الْعلمَاء فِي كلّ فن ا. هـ. قاله في (كتاب الأنساب) لابن الأثير (^٢).\nقوله: عن أنس تقدم الكلام على أنس.\nقوله - ﷺ -: \"ويل للأغنياء من الْفُقَرَاء يَوْم الْقِيَامَة .. \" الوَيْلُ: كلمةُ عذاب، وقيل: واد في جهنم، وقيل غير لك. قوله ﷿: \"وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأُدْنِيَنَّكُمْ وَلأُبَاعِدَنَّهُمْ .. \" هذا قرب من اللّه تعالى.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٧/ ١٧٧).\n(^٢) اللباب (١/ ٦٩).","vol":"5","page":48},{"text":"لطيفة: قوله في الكلام على الحديث رواه أبو الشيخ بن حيان وهو الحافظ أبو محمد عبد اللّه بن جعفر بن حيان بمهملة [وياء مشدد] ونون وأبو الشيخ لقبه قاله الحافظ العسقلاني المشهور بابن حجر (^١) فحيان منصرف وغير منصرف قيل جاء رجل اسمه حيان إلى ملك فقيل للملك أينصرف حيان أم لا فقال الملك إن أكرمته فلا ينصرف وإلا فينصرف ووجهه بأنه إن أكرمه فكأنه أحياه فيكون من الحي فلا ينصرف لزيادة الألف والنون وإن لم يكرمه فكأنه أهلكه فيكون من الحين ا. هـ واللّه أعلم، قاله الكرماني في شرح البخاري (^٢).\n\n١١٣٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - عرض عَليّ أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ الْجنَّة وَأول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار فَأَما أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ الْجنَّة فالشهيد وَعبد مَمْلُوك أحسن عبَادَة ربه ونصح لسَيِّده وعفيف متعفف ذُو عِيَال وَأما أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار فأمير مسلط وَذُو ثروة من مَال لا يُؤَدِّي حق اللّه فِي مَاله وفقير فخور، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان مفرقا فِي موضِعين (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٤٤).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ٨٧).\n(^٣) ابن خزيمة (٢٢٤٩)، وابن حبان (٤٣١٢)، وأحمد (٩٤٩٢)، والحاكم (١/ ٣٨٧)، وقال: عامر بن شبيب شيخ من أهل المدينة مستقيم الحديث، وهذا أصل في هذا الباب، فترد به عنه يحيى بن أبي كثير، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٧٠٣): ضعيف جدًا.","vol":"5","page":49},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلو النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده وعفيف متعفف\" الحديث.\nالعفة: هي الكف عن الحرام والسؤال من الناس فالاستعفاف طلب العفة. قوله: ذو عيال، ذو بمعنى صاحب عيال و\"أما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط\" أي ظالم و\"ذو ثروة من مال لا يؤدي حق اللّه في ماله\"، وذو أيضًا بمعنى صاحب (المال) الواسع أي الكثير المال يقال: أثرى الرجل: إذا كثر ماله، والمراد بالحق: الزكاة الواجبة، قوله: \"وفقير فخور\" أي معجب متكبر.\n\n١١٣٥ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ -: قَالَ أمرنَا بإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَمن لم يزك فَلَا صَلَاة لَهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفًا هَكَذَا بأسانيد أَحدهمَا صَحِيح والأصبهاني (^١). وَفِي رِوَايَة للأصبهاني: قَالَ من أَقَامَ الصَّلَاة وَلم يُؤْت الزَّكَاة فَلَيْسَ بِمُسلم يَنْفَعهُ عمله (^٢).\n\n١١٣٦ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: من ترك بعده كنزا مثل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاع أَقرع لَهُ زَبِيبَتَانِ يتبعهُ فَيَقُول من أَنْت فَيَقُول أَنا كَنْزك الَّذِي\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٠٠٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٢): وله إسناد صحيح. والأصبهاني برقم (١٤٤٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب برقم (٤٦٥).\n(^٢) الأصبهاني في الترغيب (١٤٧٧).","vol":"5","page":50},{"text":"خلفت فَلَا يزَال يتبعهُ حَتَّى يلقمه يَده فيقضمها ثمَّ يتبعهُ سَائِر جسده، رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ: إِسْنَاده حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام على الصلاة. والكلام الآن على الزكاة.\nقوله وعن ثوبان مولى رسول اللّه - ﷺ - هو أبو عبد اللّه ويقال: أبو عبد الرحمن ثَوْبَانُ بْنُ بُجْدُدٍ بموحدة مضمومة ثم جيم ساكنة ثم دال مكررة الأولى مضمومة، ويقال: ابن جحدر الهاشمي من أهل الشراة موضع بين مكة واليمن، وقيل أنه من حمير، وقيل من الهان أصابه سبي فاشتراه رسول اللّه - ﷺ - فأعتقه ولا يزال معه في الحضر والسفر فلما توفي رسول اللّه - ﷺ - خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وابتنى بها دارًا وتوفي بها سنة خمس وأربعين وقيل سنة أربع وخمسين روي له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة حديث وسبعة وعشرون حديثًا روى له مسلم عشرة أحاديث. واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع\" والصحيح أن الكنز كلّ مال لم تؤد زكاته، وتقدم الكلام على قوله: مثل له شجاعا أقرع،\n_________\n(^١) البزار (٨٨٢)، والطبراني في الكبير (١٤٠٨)، وابن خزيمة (٢٢٥٥)، وابن حبان (٣٢٥٧)، والحاكم (١/ ٣٨٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٤)، رواه البزار وقال: إسناده حسن، قلت: ورجاله ثقات، ورواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٥٧).","vol":"5","page":51},{"text":"قوله: له زبيبتان قد فسر الحافظ ذلك فقال: الزبيبتان هما [الزبدتان] في الشدقين، وقيل هما النكتتان السوداوان فوق عينيه ا. هـ.\nوقال: في حياة الحيوان (^١) هما الريشتان من جانبي فمه من السم ويكون مثلهما في شد قيء الإنسان عند كثرة الكلام وقيل نكتتان في عينيه وما هو بهذه الصفة من [الحيات] هو أشد أذي، وقيل هما نابان يخرجان من فيه واللّه أعلم قاله: الداوودي (^٢) ولا يعرف أهل اللغة هذا الوجه، وقال غيره قيل أراد بهما ما يخرج من فيه من السم في جانبي شدقيه كما يتفق لبعض الناس إذا انزعج خرج من فيه زبد يمينا وشمالا (^٣)، قوله - ﷺ - فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعه سائر جسده، تقدم الكلام على القضم.\n\n١١٣٧ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن الَّذِي لا يُؤَدِّي زَكَاة مَاله يخيل إِلَيْهِ مَاله يَوْم الْقِيَامَة شجاعًا أَقرع لَهُ زَبِيبَتَانِ قَالَ فَيلْزمهُ أَو يطوقه يَقُول أَنا كنْزك، أَنا كنْزك، رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^٤).\nالزبيبتان هما الزبدتان فِي الشدقين وَقيل هم النكتتان السوداوان فَوق عَيْنَيْهِ، والشجاع تقدم.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٦٩).\n(^٢) المفهم (٨/ ١٤٩).\n(^٣) المفهم (٨/ ١٤٩).\n(^٤) النسائي (٥/ ٣٨)، وأحمد (٥٧٢٩)، وابن خزيمة (٢٢٥٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٥٨).","vol":"5","page":52},{"text":"قوله وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ - \"إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان قال: فيلزمه أو يطوقه\" الحديث تقدم الكلام على ذلك.\n\n١١٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - أَقرع لَهُ زَبِيبَتَانِ يطوقه يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يَأْخُذ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي شدقيه ثمَّ يَقُول أَنا مَالك أَنا كنْزك ثمَّ تَلا هَذِه الآيَة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ (^١) قَالَ من آتَاهُ اللّه مَالا فَلم يؤد زَكَاته مثل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شجاعا، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من آتاه اللّه مالا فلم يؤدي زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان\" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله، قوله - ﷺ - \"يطوقه يوم القيامة\" يعني تجعل هذه الحية بإذن اللّه طوقًا لمن لا يؤدي زكاة ماله فهو مطوق بالشجاع الأقرع نعوذ باللّه من عقابه، قوله - ﷺ - \"ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ويطوقه\" بالبناء للمفعول أي يجعل ذلك الشجاع طوقا في عنقه كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٣) قوله - ﷺ - \"ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه\" وقوله بلهزمتيه ضبطه الجوهري (^٤) بكسر اللام وكسر\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.\n(^٢) البخاري (١٤٠٣).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.\n(^٤) الصحاح للجوهري (٥/ ٢٠٣٨).","vol":"5","page":53},{"text":"الزاي واحدها لهزمة بالكسر وَقِيلَ: هُمَا عَظْمَانِ نَاتِئَانِ تَحْتَ الأُذُنَين. وَقِيلَ: هُمَا مُضْغَتان عَلِيَّتان\" تحتَهما (وفسرهما في الحدتهما بالشدقين أي جانبي الفم).\n\n١١٣٩ - وَعَن عمَارَة بن حزم - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَربع فرضهن اللّه فِي الإِسْلَام فَمن جَاءَ بِثَلَاث لم يغنين عَنهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي بِهن جَمِيعًا الصَّلاة وَالزَّكَاة وَصِيَام رَمَضَان وَحج الْبَيْت، رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَرَوَاهُ أَيْضا عَن نعيم بن زِيَاد الْحَضْرَمِيّ مُرْسلا (^١).\n\n١١٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - أُتِي بفرس يَجْعَل كلّ خطْوَة مَعَه أقْصَى بَصَره فَسَار وَسَار مَعَه جِبْرِيل - ﵇ - فَأتى على قوم يزرعون فِي يَوْم ويحصدون فِي يَوْم كلما حصدوا عَاد كمَا كَانَ فَقَالَ يَا جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ المجاهدون فِي سَبِيل اللّه تضَاعف لَهُم الْحَسَنَة بسبعمائة ضعف وَمَا أَنْفقُوا من شَيْء فَهُوَ يخلفه ثمَّ أَتَى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عَادَتْ كمَا كَانَت وَلا يفتر عَنْهُم من ذَلِك شَيْء، قَالَ يَا جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ الَّذين تثاقلت رؤوسهم عَن الصَّلَاة ثمَّ أَتَى على قوم على أدبارهم رقاع وعَلى أقبالهم رقاع يسرحون كمَا تسرح الْأَنْعَام إِلَى الضريع والزقوم ورضف جَهَنَّم، قَالَ مَا هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ هَؤُلاءِ الَّذين لا يؤدون صدقَات أَمْوَالهم وَمَا ظلمهم اللّه وَمَا اللّه بظلام للعبيد، الحَدِيث بِطُولهِ فِي قصَّة الْإِسْرَاء وَفرض الصَّلَاة، رَوَاهُ الْبَزَّار عَن الرّبيع بن أنس عَن أبي\n_________\n(^١) أحمد (١٧٧٨٩).","vol":"5","page":54},{"text":"الْعَالِيَة أَو غَيره عَن أبي هُرَيْرَة (^١).\nقوله وعن عمارة بن حزم (هو عمارة بن حزم الأنصاري، أخو عمرو بن حزم، وأمه خالدة بنت أنس بن سنان بن وهب بن لوذان، كان من السبعين الذين بايعوا رسول اللّه - ﷺ - ليلة العقبة، شهد بدرًا وشهد عمارة أيضًا أحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول اللّه - ﷺ - وكانت معه راية بني مالك بن النجار يوم الفتح، وشهد قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد، وقتل يوم اليمامة شهيدًا (^٢).\nقوله: \"أَربع فرضهن اللّه فِي الإِسْلَام فَمن جَاءَ بِثَلَاث لم يغنين عَنهُ شَيْئا حَتَّى يَأْتِي بِهن جَمِيعًا الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَصِيَام رَمَضَان وَحج الْبَيْت\" الحديث.\nتقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: أن رسول اللّه - ﷺ - \"أتى بفرس يجعل كلّ خطوة منه أقصى بصره فسار وسار معه جبريل - ﵇ - فذكر حديث البراق هي الدابة التي ركبها سيد المرسلين - ﷺ - ليلة الإسراء وركبها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مشتقة من البرق الذي يلمع في الغيم وفي الصحيح أنه دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يضع خطوة عند أقصى طرفه، ويؤخذ من هذا أنه أخذ من الأرض إلى السماء في خطوة وإلى السموات السبع في سبع خطوات.\n_________\n(^١) البزار (٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٧): رواه البزار ورجاله موثقون، إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره، فتابعيه مجهول.\n(^٢) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٢٧٢)، وأسد الغابة (٤/ ١٢٩).","vol":"5","page":55},{"text":"قال السهيلي: ومما يسأل عنه شماس البراق حين ركبه - ﷺ - فقال له جبريل - ﵇ -: أما تستحي يا براق فما ركبك عبد قبل محمد أكرم على اللّه منه؟\nقال ابن بطال (^١): إنما كان ذلك لبعد عهده بالأنبياء، وطول الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (^٢).\nوقال صاحب المقتفى: والحكمة في كونه على هيئة بغل ولم يكن على هيئة فرس، التنبيه على أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار الآية في الإسراع العجيب في دابة لا يوصف شكلها بالإسراع فإن قيل: ركب - ﷺ - البغلة في الحرب، فالجواب أن ذلك كان لتحقيق نبوّته وشجاعته - ﷺ -.\nقال: وكان البراق أبيض وكانت بغلته شهباء، وهي التي أكثرها بياض إشارة إلى تخصيصه بأشرف الألوان.\nقال: واختلف الناس هل ركب جبريل - ﵇ - معه - ﷺ -؟ فقيل: نعم، كان رديفه ﷺ. قال: والظاهر عندي أنه لم يركب معه لأنه - ﷺ - هو المخصوص بشرف الإسراء، لكن روي أن إبراهيم - ﵇ - كان يزور ولده إسماعيل على البراق وأنه ركبه هو وإسماعيل وهاجر، حين أتى بهما البيت الحرام.\n_________\n(^١) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٣٨٩) بمعناه.\n(^٢) الروض الأنف (٣/ ٤٣٠).","vol":"5","page":56},{"text":"ثم إن البراق يوم القيامة يركبه النبي - ﷺ - دون سائر الأنبياء. واختلف الناس في تاريخ الإسراء قال ابن الأثير (^١): الصحيح عندي إنه كان ليلة الإثنين لسبع وعشرين من شهر ربيع الأولى قبل الهجرة بسنة، وبهذا جزم شيخ الإسلام محي الدين النووي في شرح مسلم وجزم في فتاويه في كتاب الصلاة بأنه كان في شهر ربيع الآخر.\nوفي سير الروضة أنه كان في رجب وإنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين جليس الملك نهارا وجليسه ليلًا. وقد اختصرت هذه النبذة [من الروض للسهيلي] (^٢) ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ، وَعَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ، يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْأَنْعَامُ إِلَى الضَّرِيعِ وَالزَّقّومِ وَرَضْفِ جَهَنَّمَ.\nالرضف: الحجارة المحماة وسيأتي الكلام على الضريع والزقوم في ذكر النار أعاذانا اللّه الكريم منها.\n\n١١٤١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت من عمر بن الْخطاب - ﵁ - حَدِيثا عَن رَسُول اللّه - ﷺ - مَا سمعته مِنْهُ وَكنت أَكْثَرهم لُزُوما لرَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ عمر قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا تلف مَال فِي بر وَلا بَحر إِلَّا بحَبْس الزَّكَاة، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَهُوَ حَدِيث غَرِيب (^٣).\n_________\n(^١) نقله عن الدميري في حياة الحيوان (١/ ١٧٠).\n(^٢) انظر حياة الحيوان (١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(^٣) الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٣/ ٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه الطبراني في الأوسط وفيه عمر بن هارون وهو ضعيف، قلت: بل هو متروك كما في التقريب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٤٧).","vol":"5","page":57},{"text":"١١٤٢ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَانع الزَّكَاة يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير عَن سعد بن سِنَان وَيُقَال فِيهِ سِنَان بن سعد عَن أنس (^١).\n\n١١٤٣ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا خالطت الصَّدَقَة أَو قَالَ الزَّكَاة مَا لا إِلَّا أفسدته، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\nوَقَالَ الْحَافِظ: وَهَذَا الحَدِيث يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا أَن الصَّدَقَة مَا تركت فِي مَال وَلم تخرج مِنْهُ إِلَّا أهلكته وَيشْهد لهَذَا حَدِيث عمر الْمُتَقَدّم مَا تلف مَال فِي بر وَلا بَحر إِلَّا بِحَبْس الزَّكاة، وَالثَّانِي أَن الرجل يَأْخُذ الزَّكاة وَهُوَ غَنِي عَنْهَا فَيَضَعهَا مَعَ مَاله فتهلكه، وَبِهَذَا فسره الإِمَام أَحْمد وَاللّه أعلم.\n\n١١٤٤ - وَرُوِيَ عَن عمر - ﵄ -، قالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ظَهرت لَهُم الصَّلَاة فقبلوها وخفيت لَهُ الزَّكاة فأكلوها أُولَئِكَ هم المُنَافِقُونَ، رَوَاهُ الْبَزَّار (^٣).\n_________\n(^١) الطبراني في الصغير (٩١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٤)، رواه الطبراني في الصغير وفيه سنان بن سعد وفيه كلام كثير وقد وثق، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦٠).\n(^٢) البزار (٨٨١)، وقال إسناده لين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٤)، رواه البزار وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي، قال أبو حاتم، يكتب حديثه ولا يحتج به، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٥٧).\n(^٣) البزار (٨٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٤)، وفيه عبد اللّه بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف، وقال الألباني ضعيف جدًّا كما في ضعيف الجامع (٣٦٦٦).","vol":"5","page":58},{"text":"١١٤٥ - وَعَن بُرَيْدَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا منع قوم الزَّكاة إِلَّا ابْتَلَاهُم اللّه بِالسِّنِينَ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nوَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث إِلَّا أنَّهُمَا قَالا وَلَا منع قوم الزَّكَاة إِلَّا حبس اللّه عَنْهُم الْقطر، وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nوَرَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: يَا معشر الْمُهَاجِرين خِصَال خمس إِن ابتليتم بِهن ونزلن بكم أعوذ بِاللّه أَن تدركوهن لم تظهر الْفَاحِشَة فِي قوم قطّ حَتَّى يعلنوا بهَا إِلَّا فَشَا فيهم الأوجاع الَّتِي لم تكن فِي أسلافهم وَلم ينقصوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا أخذُوا بِالسِّنِينَ وَشدَّة الْمُؤْنَة وجور السُّلْطَان وَلم يمنعوا زَكَاة أَمْوَالهم إِلَّا منعُوا الْقطر من السَّمَاء وَلَوْلا الْبَهَائِم لم يُمْطروا وَلَا نقضوا عهد اللّه وعهد رَسُوله إِلَّا سلط عَلَيْهِم عَدوًا من غَيرهم فَيَأْخُذ بعض مَا فِي أَيْديهم وَمَا لم تحكم أئمتهم بِكِتَاب اللّه إِلَّا جعل بأسهم بَينهم (^٣).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٥٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٦)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦١).\n(^٢) الحاكم (٢/ ١٢٦)، والبيهقي (٣/ ٣٤٦)، وفي شعب الإيمان (٣٠٤٠)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦١).\n(^٣) ابن ماجة (٤٠١٩)، والبزار (١٦٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٥٠)، والحاكم (٤/ ٥٤٠)، وقال: صحيح الإسناد، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٣)، وأبو عمرو الداني (٣٢٧)، قال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٤٦)، هذا حديث صالح العمل به، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦٢).","vol":"5","page":59},{"text":"قوله: وروي عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة\" أي بعدم إخراج الزكاة.\nقوله: وعن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس.\nقوله: - ﷺ - \"مانع الزكاة يوم القيامة في النار\"، مانع الزكاة: هو المماطل بها الممتنع من أدائها، تقدم ذلك.\nقوله: رواه الطبراني عن سعد بن سنان ويقال فيه: سنان بن سعد.\nقوله: رُوي عن عائشة وتقدم الكلام على عائشة.\nقوله - ﷺ -: \"ما خالطت الصدقة أو قال الزكاة مالا إلا أفسدته\" قد ذكر الحافظ (^١) فيه احتمالين: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّدَقَةَ مَا تُرِكَتْ فِي مَالٍ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا أَهْلَكَتْهُ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الإحتمال حَدِيثُ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ\": ما تلف مال .. الحديث. الاحتمال الثاني: أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الزكاة وهو غني عَنْهَا، فَيَضَعُهَا مَعَ مَالِهِ فَتُهْلِكُهُ، وَبِهَذا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. ا. هـ.\nوقال الشافعي (^٢): يعني أن خيانة الصدقة تتلف المال المخلوط بها وقيل أراد تحذير العمال عن الخيانة في شيء منها [وقيل أن يأخذ الزكاة وهو غني] وقيل هو حث على تعجيل أداء الزكاة من قبل أن تخلط بالمال بعد وجوبها فيه فيذهب [به وقيل: أراد تحذير العمال عن اختزال شيء منها وخلطهم إياه\n_________\n(^١) أي المنذري.\n(^٢) الأم (٢/ ٦٢).","vol":"5","page":60},{"text":"بها] قاله: ابن الأثير وغيره (^١).\nقوله وروى عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: \"ظَهَرَتْ لهم الصلاة فقبلوها، وخَفِيَت لهم الزكاة فأَكلوها، أُولئك هم المنافقون\" (^٢).\nقوله: وعن بريدة (هو أبو عبد اللّه، ويقال: أبو سهل، بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، الأسلمي. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. روى له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم على حديث، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم اللّه بالسنين\".\nجمع: سنة وهو العام المقحط الذي لم تنبت الأرض فيه، شيئًا سواء وقع قطر أو لم يقع.\nقوله: - ﷺ - \"لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشى فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم\" المراد بالفاحشة الزنا.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٦٣) و(٥/ ٢٧٠)، وغريب الحديث (٢/ ٥٠٠)،\n(^٢) أخرجه البزار (كشف الأستار) (١/ ٤١٩ رقم: ٨٨٣) وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٦٤): رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغِفَارِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قال الألباني في ضعيف الترغيب (٤٧٠): موضوع.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨١).","vol":"5","page":61},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وَلا نقضوا عهد اللّه وعهد رَسُوله إِلَّا سلط عَلَيْهِم عَدوا من غَيرهم\" والمراد بنقض العهد الغدر.\n\n١١٤٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"خمس بِخمْس، قيل يَا رَسُول اللّه مَا خمس بِخمْس قَالَ مَا نقض قوم الْعَهْد إِلَّا سلط عَلَيْهِم عدوهم وَمَا حكمُوا بِغَيْر مَا أنزل اللّه إِلَّا فَشَا فيهم الْمَوْت وَلا منعُوا الزَّكَاة إِلَّا حبس عَنْهُم الْقطر وَلا طَفَّفُوا الْمِكْيَال إِلَّا حبس عَنْهُم النَّبَات وَأخذُوا بِالسِّنِينَ \"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَسَنَده قريب من الْحسن وَله شَوَاهِد (^١).\n\"السنين\": جمع سنة وَهِي الْعَام المقحط الَّذِي لم تنْبت الأرْض فِيهِ شَيْئًا سَوَاء وَقع قطر أَو لم يَقع.\nقوله وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"خمس بِخمْس، قيلَ يَا رَسُول اللّه مَا خمس بِخمْس قَالَ مَا نقض قوم الْعَهْد إِلَّا سلط عَلَيْهِم عدوهم\" تقدم في الحديث قبله. قوله: \"وَلا طَفَّفُوا الْمِكْيَال إِلَّا حبس عَنْهُم النَّبَات\".\nقال الواحدي (^٢): الْمُطَفِّفُ الذي ينقص في الميكال والميزان.\nوقال الزجاج (^٣): وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مُطَفِّفُ لأنه\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٠٩٩٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٥)، رواه الطبراني وفيه إسحاق بن عبد اللّه بن كيسان المروزي، لينه الحاك وبقية رجاله موثقون وفيهم كلام، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦٣).\n(^٢) التفسير الوسيط للواحدي (٤/ ٤٤٥).\n(^٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣/ ٧٢).","vol":"5","page":62},{"text":"[لا] يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه.\n\n١١٤٧ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ لا يكوى رجل بكنز فيمس دِرْهَم درهمًا وَلَا دِينَارا يُوسع جلده حَتَّى يوضع كلّ دِينَار وَدِرْهَم على حِدته، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفًا بِإِسْنَاد صَحِيح (^١).\n\n١١٤٨ - وَعنهُ - ﵁ -: قَالَ: من كسب طيبًا خبثه منع الزَّكاة وَمن كسب خبيثًا لم تطيبه الزَّكاة، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفًا بِإِسْنَاد مُنْقَطع (^٢).\n\n١١٤٩ - وَعَن الأحْنَف بن قيس - ﵁ -: قَالَ جَلَست إِلَى ملإ من قُرَيْش فجَاء رجل خشن الشّعْر وَالثِّيَاب والهيئة حَتَّى قَامَ عَلَيْهِم فَسلم ثمَّ قَالَ بشر الكانزين برضف يحيى عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم ثمَّ يوضع على حلمة ثدي أحدهم حَتَّى يخرج من نغض كتفه وَيُوضَع على نغض كتفه حَتَّى يخرج من حلمة ثديه فيتزلزل ثمَّ ولى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَة وتبعته وَجَلَست إِلَيْهِ وَأَنا لا أَدْرِي من هُوَ فَقلت لا أرى الْقَوْم إِلَّا قد كَرهُوا الَّذِي قلت، قَالَ إِنَّهُم لا يعْقلُونَ شَيْئا، قَالَ لي خليلي، قلت من خَلِيلك قَالَ النَّبِي - ﷺ - أتبصر أحدا قَالَ فَنَظَرت إِلَى الشَّمْس مَا بَقِي من النَّهَار وَأَنا أرى أَن رَسُول اللّه - ﷺ - يُرْسِلنِي فِي حَاجَة لَهُ\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٨٧٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٥)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.\n(^٢) الطبراني في الكبير (٩٥٩٦)، وعبد الرزاق في المُصَنف (٧١٤٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٥)، وإسناده منقطع.","vol":"5","page":63},{"text":"قلت نعم، قَالَ مَا أحب أَن لي مثل أحد ذَهَبا أنفقهُ كُله إِلَّا ثَلَاثَة دَنَانِير وَإِن هَؤُلاءِ لا يعْقلُونَ إِنَّمَا يجمعُونَ الدُّنْيَا لا وَاللّه لا أسألهم دنيا وَلا أستفتيهم عَن دين حَتَّى ألْقى اللّه ﷿، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n١١٥٠ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَنه قَال: بشر الكانزين بكي فِي ظُهُورهمْ يخرج من جنُوبهم وبكي من قبل أقفائهم حَتَّى يخرج من جباههم، قَالَ ثمَّ تنحى فَقعدَ، قَالَ قلت من هَذَا قَالُوا هَذَا أَبُو ذَر، قَالَ فَقُمْت إِلَيْهِ فَقلت مَا شَيْء سَمِعتك تَقول قبيل قَالَ مَا قلت إِلَّا شيْئا قد سمعته من نَبِيّهم - ﷺ - قَالَ قلت مَا تَقول فِي هَذَا الْعَطاء قَالَ خُذْهُ فَإِن فِيهِ الْيَوْم مَعُونَة فَإِذا كَانَ ثمنا لدينك فَدَعْهُ (^٢).\n\"الرضف\" بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة هُوَ الْحِجَارَة المحماة.\n\"والنغض\" بِضَم النُّون وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا ضاد مُعْجمَة وَهُوَ غضروف الْكَتف.\nقوله وعن عبد اللّه بن مسعود تقدم الكلام على عبد اللّه بن مسعود.\nقوله: - ﵁ -: لا يكوى رجل بكنز فيمس درهم درهمًا ولا دينار دينارا يوسع جلده حتى يوضع كلّ دينار ودرهم على حدته أي وحده.\nقوله: وعن الأحنف بن قيس بالحاء المهملة والنون هو أبو بحر واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي البصري كان من سادات التابعين والأحنف لقب أدرك زمن النبي - ﷺ - على عهده ولم يصحبه وفد\n_________\n(^١) البخاري (١٤٠٧)، ومسلم (٩٩٢).\n(^٢) مسلم (٩٩٢)، وجامع الأصول (٤٤٩).","vol":"5","page":64},{"text":"على عمر وكان الإمامان الحسن وابن سيرين في حينه قال الأحنف: (بَيْنَا أَنَا أَطُوْفُ بِالبَيْتِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، إِذْ لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: إلَّا أُبَشِّرُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: أَمَا تَذْكُرُ إِذْ بَعَثَنِي رَسُوْلُ اللّهِ - ﷺ - إِلَى قَوْمِكَ بَنِي سَعْدٍ أَدْعُوْهُم إِلَى الإِسْلَامِ، فَجَعَلْتُ أُخْبِرُهُم، وَأَعْرِضُ عَلَيْهِم، فَقُلْتَ: إِنَّهُ يَدْعُو إِلَى خَيْرٍ، وَمَا أَسْمَعُ إلَّا حَسَنًا؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَحْنَفِ\" فَكَانَ الأَحْنَفُ يَقُوْلُ: \"فَمَا شَيْءٌ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ (^١). ولد الأحنف ملتزق [الاليتين] حتى شق ما بينهما وكان أعور توفي سنة سبع وستين بالكوفة وقال: ابن قتيبة في كتاب المعارف (^٢): إنّ الأحنف لما أتى النبيُّ - ﷺ - وفد بنى تميم يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا. فقال لهم الأحنف: إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملائمها، فأسلموا.\nقوله: روى عن عمر وعثمان وكان سيد (قومه) مطاعا [وكان أعور أحنف، دميما قصيرا كوسجا وله بيضة واحدة وكان من أشد الناس [على] معاوية.\n[قوله:] قال: جلست إلى ملأ من قريش، الملأ مقصور (وهم) الأشراف والملاء من القوم وجوههم وأشرافهم وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه كالإبل والخيل والجيش والرهط وجمعه أملاء قال الشاعر:\nالأملاء وافتتح الدعاءا ... لعل اللّه يكشف ذا البلاءا (^٣)\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) المعارف (ص ٤٢٣).\n(^٣) تفسير الثعلبي (٢/ ٢٠٨).","vol":"5","page":65},{"text":"[قوله:] فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة هو بالخاء المعجمة والشين المعجمة ونقله القاضي عياض (^١) هكذا عن الجمهور وهو من الخشونة وفي بعضها حسن بالحاء والسين المهملتين حتى قام عليهم فسلم أي وقف (عليهم) ثم قال: بشر الكانزين أي الجماعين ويروي الكانزين بالنون من الكنز وفي بعضها الكنازين قال في النهاية: هُم جَمْع: كَنَّاز، وَهُوَ المُبالِغ فِي كَنْز الذَّهب والفِضة، وادِّخارِهِما وتَرْك إنفاقِهِما فِي أَبْوَابِ البِرِّ.\nوَمِنْهُ قَوْلُهُ \"لا حَولَ وَلا قُوّةَ إِلَّا بِاللّهِ كَنْز مِنْ كنُوز الْجَنَّةِ (^٢) \" أَيْ أجْرُها مُدَّخَر لِقَائِلِهَا والمُتَّصِف بِهَا، كَمَا يُدَّخَر الكَنْز\" (^٣). والمراد بها يدخر لقائله\n_________\n(^١) ينظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٣٨٤).\n(^٣) النهاية (٤/ ٢٠٣). قال الإمام النووي ﵀: قال العُلماء: سبب ذلك أنّها كلمة اسْتسلام وتفويض إلى اللّه تعالي، واعْتراف بالإذعان له، وأنّه لا صانع غيره، ولا رادّ لأمره، وأنّ العبد لا يملك شيئًا من الأمر، ومعنى الكنز هنا: أنّه ثواب مدّخر في الجنّة، وهو ثواب نفيس، كما أنّ الكنز أنفس أموالكم. وقال الإمام ابن القيّم ﵀: لمّا كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر النّاس، وكان هذا شأن هذه الكلمة، كانت كنزًا من كنوز الجنة، فأوتيها النبي - ﷺ - من كنز تحت العرش، وكان قائلها أسلم واستسلم لمن أزمّة الأمور بيديه، وفوّض أمره إليه. (لا حول ولا قوة إلا باللّه) معناها كما جاء في حديث صححه بعضهم (لا حول عن معصية اللّه إلا بعصمة اللّه ولا قوة على طاعة اللّه إلا بعون اللّه) وقال الإمام ابن رجب ﵀ (فإنَّ المعنى: لا تحوّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلَّا باللّه، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنّة.","vol":"5","page":66},{"text":"من الأجر والتواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا [وَفِي شعْرِ حُمَيْد بْنِ ثَور:\n........................ ... فَحَمَّلَ الْهَمَّ كنَازًا جَلْعَدَا (^١)\nالكِناز: المُجْتَمِع اللَّحْم القَوِيَّة. وَكُلُّ مجْتمع مُكْتَنِز. ويُرْوَى بِاللَّامِ.\nتنبيه: الكنز من المال ضم بعضه على بعض وخزن وفي الشرع فقالوا \"كلّ مال لم تؤد زكاته\" فهو كنز وإن كان على وجه الأرض، وقع عند الهروي: الكاثرين بالثاء المثلثة من الكثرة والأول أولى لأنه إنما يقال لكثير المال مكثر لا كاثر.\nوأما الكاثر: فهو الشيء الكثير ويقال كثير وكاثر وكثار ومنه قول الشاعر: فإنما العزة للكاثرة برضف قد ضبطه الحافظ وفسره يقال الرضف الحجارة المحياة وقال: غيره الحجارة المحماة على النار واحدتها رضفة.\n(وقوله) يحمى عليه أي يوقد عليه واللّه أعلم.\n(وقوله) \"ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ\"، \"حلمة الثدي\": الأنبوبة التي يخرج منها اللبن، وتسمى السعدانة قاله القرطبي (^٢) وقال عياض (^٣): الحلمة رأس الثدي للمرأة والثندوة للرجل وحلمتا الثدي الناتئان\n_________\n(^١) وقبله: مِنْ سَاعَةٍ لَمْ يَكُ إِلَّا مُقْعَدَا، ... انظر معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٣٣٠).\n(^٢) ينظر: تفسير القرطبي (٦/ ١١١).\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).","vol":"5","page":67},{"text":"منه والثدي يذكر ويؤنث وهي للمرأة وللرجل أيضًا.\nونغض الكتف قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو غضروف الكتف ا. هـ\nورأيت في حياة الحيوان: النُّغْض: بكسر النون وفتحها وقال غيره: غضروف الكتف هو بضم الغين وسكون الضاد المعجمتين وضم الراء المهملة ثم الواو والفاء وهو رأس لوح الكتف والنغض: هو عظم رقيق على طرف الكتف وهو الناغض سمي بذلك لحركته من قوله: أنغض رأسه أي حركه.\nوقال الخطابي (^١): نغض الكتف الشاخص منه وأصل النقض الحركة وسمي ذلك الموضع من الكتف نقضا لأنه يتحرك من الإنسان في مشيئه وتصرفه ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ (^٢) أي يحركونها استهزاء قوله: فيتزلزل بزاءين معجمتين أي يتحرك ويضطرب يعني الرضف وهو الحجارة المحماة حتى تخرج من الجانب الآخر والزلزلة في الأصل الحركة العظيمة والإزعاج الشديد ومنه زلزلة الأرض فإذا كان هذا حال من منع جزءا يسيرا من أصل ماله فكيف حال من يأخذ أموال الناس بلا حق نعوذ باللّه تعالى من مخالفة أمر اللّه وأمر رسوله - ﷺ -.\n[قوله] ثم ولى فجلس إلى سارية، ولى: بمعنى أدبر، والسارية: الأسطوانة.\n(وقوله) واللّه لا أسئلهم دنيا أي لا أطمع في دنياهم [ولا أسألهم شيئًا من\n_________\n(^١) ينظر: معالم السنن (٢/ ٤٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٥١.","vol":"5","page":68},{"text":"متاعها [ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى اللّه أي لا أسئلهم عن أحكام الدين أي أقنع من الدنيا بالبلغة وأرضى باليسير مما سمعتُ من العلم من رسول - ﷺ -؟ (^١) وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللّهِ - ﷺ - يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، أُرَى: بضم الهمزة أي أظن فظاهر الحديث أن أبا ذر أراد الاحتجاج لمذهبه في أن الكنز كلّ ما فضل عن حاجة الإنسان هذا هو المعروف من مذهب أبي ذر وروى عنه غيره والصحيح الذي عليه الجمهور أن الكنز هو المال الذي لم تؤد زكاته وأما ما أديت فليس بكنز سواء كثر أم قل وقال القاضي عياض (^٢): وحمل إنكاره هذا إنما هو على ما أخذه السلاطين لأنفسهم وجمعوه لهم من بيت المالى وغيره ولا ينفقونه في وجوهه ولذلك هجرهم وقال: لا أسئلهم دنيا ولا استفيتهم عن دين حتى ألقى اللّه ﷿.\nوهذا الذي قاله القاضي عياض (^٣) باطل لأن السلاطين في زمنه لم تكن هذه صفتهم ولم يخونوا في بيت المال إنما كان في زمنه أبو بكر وعمر وعثمان - ﵃ - وتوفى في زمن عثمان في سنة ثنتين وثلاثين.\n[قوله] ما تقول في هذا العطاء قال: خذه فإن فيه اليوم معونة العطاء الذي سئل عنه أبو ذر هو ما يعطاه الرجل من بيت المال على وجه يستحقه وهو الذي قال فيه النبي - ﷺ - لعمر: \"مَما آتَاكَ اللّهُ ﷿ مِنْ هَذَا\n_________\n(^١) بياض بمقدار سطر ونصف.\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٧٧).","vol":"5","page":69},{"text":"الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلا إِشْرَافٍ، فَخُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ\" (^١).\n[وقوله:]: \"فإذا كان ثمنًا لدِينِك فدعه\"؟ أي: إذا كنت لا تتوصل إليه إلا بوجه غير جائز، فلا تلتفت إليه، فإن سلامة الدِّين أهمُّ من نيل الدنيا، فكيف إذا انتهى الأمر، إلى أن لا يسلم دِينٌ ولا تنال دنيا؟! ومن أخسر صفقة ممن خسر الآخرة والأولى! نعوذ باللّه من سخطه. (^٢)\nقوله: \"فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ أَبُو ذَرٍّ\"، فِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِكُنْيَتِهِ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِهَا دُونَ اسْمِهِ وَقَدْ كَثُرَ مِثْلُهُ فِي الْحَدِيثِ واللّه أعلم وفي الحديث عن عبد اللّه بن عمرو قال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر\" رواه الترمذي (^٣) الغبراء الأرض والخضراء السماء واللهجة من اللسان ولهجة الشيء إذا أولع به ا. هـ.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) المفهم (٩/ ٤).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"5","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>فصل</span>\n١١٥١ - رُوِيَ عَن عَمْرو بن شُعَيْب - ﵁ - عَن أَبِيه عَن جدّه أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِيّ - ﷺ - وَمَعَهَا ابْنة لَهَا وَفِي يَد ابْنَتهَا مسكتان غليظتان من ذهب فَقَالَ لَهَا أتعطين زَكَاة هَذَا قَالَت لا، قَالَ أَيَسُرّك أَن يسورك اللّه بهما يَوْم الْقِيَامَة سِوَارَيْنِ من نَار قَالَ فحذفتهما فألقتهما إِلَى النَّبِيّ وَقَالَت هما للّه وَلِرَسُولهِ، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ.\nوَلَفظ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحوه أَن امْرَأَتَيْنِ أتتا رَسُول اللّه - ﷺ - وَفِي أَيْدِيهِمَا سواران من ذهب فَقَالَ لَهما أتؤديان زَكَاته قَالتَا لَا، فَقَالَ لَهما رَسُول اللّه - ﷺ - أتحبان أَن يسوركما اللّه بسوارين من نَار قَالتَا لا، قَالَ فأديا زَكَاته، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مُرْسلا ومتصلا وَرجح الْمُرْسل (^١).\n\"المسكة\" محركة وَاحِدَة الْمسك وَهُوَ أسورة من ذبل أَو قرن أَو عاج فَإِذا كَانَت من غير ذَلِك أضيفت إِلَيْهِ.\nقَالَ الْخطابِيّ فِي قَوْله - ﷺ - أَيَسُرّك أَن يسورك اللّه بهما سِوَارينِ من نَار إِنَّمَا هُوَ تَأْوِيل قَوْله ﷿: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ﴾ (^٢) انْتهى (^٣).\n_________\n(^١) أحمد (٦٦٦٧)، وأبو داود (١٥٦٣)، والترمذي (٦٣٧)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦٦).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٣٥.\n(^٣) معالم السنن (٢/ ١٧٥).","vol":"5","page":71},{"text":"قوله: وروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه تقدم الكلام عليه قريبا. قوله: إن امرأة أتت النبي - ﷺ - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب الحديث المسكة محركة واحدة المسك وقال: بعضهم المسكة بفتح الميم والسين هو أسورة من ذبل أو قرن أو عاج فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إليه قاله المنذري، وفي الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \"أيسرُّكِ أنْ يسوِّرك اللّه بهما سوارين من نار؟! \" قالت: لا. قال: فأديا زكاته.\nوهذا الحديث يدلّ على أنها تتخذ أيضًا من الذهب قال: ابن الأثير (^١) الذبل العاج وقيل شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية والأنثى سلحفاة بفتح اللام وإسكان الحاء والسلحفاة جلدها الدبل الذي يصنع منه الأمشاط وخاصة التسريح به إذ هاب الصبيان من الشعر وإذا أحرق الذبل وعجن رماده ببياض البيض وطلي به شقاق الكعبين والأصابع نفعه. وقيل: الذبل: جلد السلحفاة الهندية.\nفائدة: كان للنبي - ﷺ - مشط من العاج (^٢) والعاج الذبل وهو شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية ويتخذ منه الأمشاط والأساور فيجوز استعماله لأنه جزء حيوان طاهر بحري وأما العاج الذي هو عظم الفيل فينجس عند الشافعي وطاهر عند أبي حنيفة وعند مالك يطهر بصقله فيجوز التسريح بمشط العاج وهو الدبل وعليه يحمل ما وقع في شرح المهذب من جواز\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣١٦).\n(^٢) لم نقف عليه.","vol":"5","page":72},{"text":"التسريح به فالمراد بالعاج: الذبل لا العاج الذي هو ناب الفيل واللّه أعلم. قاله في منافع الحيوان (^١).\nفائدة: أيضًا السلحفاة واحدة السلاحف وهذا الحيوان يبيض في البر فما نزل منه في البحر كان لجأة، وما استمر في البر كان سلحفاة، ويعظم الصنفان جدًّا إلى أن يصير كلّ واحد منهما حمل جمل. وإذا أراد الذكر السفاد، والأنثى لا تطيعه، يأتي الذكر بحشيشة في فيه، من خاصيتها أن صاحبها يكون مقبولا، فعند ذلك تطاوعه وهذه الحشيشة لا يعرفها إلا القليل من الناس.\nوهي إذا باضت صرفت همتها إلى بيضها بالنظر إليه ولا تزال كذلك حتى يخلق اللّه تعالى الولد منها، إذ ليس لها أن تحضنه حتى يكمل بحرارتها، لأن أسفلها صلب لا حرارة فيه وربما تقبض السلحفاة على ذنب الحية فتقطع رأسها وتمضغ من ذنبها والحية تضرب بنفسها على ظهر السلحفاة وعلى الأرض حتى تموت. ولها حيلة عجيبة في التوصل إلى صيدها، وذلك أنها تصعد من الماء فتتمرغ في التراب، وتأتي موضعا قد سقط الطير عليه لشرب الماء فتختفي عليه لكدورة لونها، التي اكتسبتها من الماء والتراب، فتصيد منها ما يكون لها قوتا وتدخل به الماء ليموت فتأكله. ولذكرها ذكران وللأنثى فرجان، والذكر يطيل المكث في السفاد، والسلحفاة مولعة بأكل الحيات، والترس الذي على ظهرها وقاية لها، فيظهر من جلدها رأسها. ا. هـ.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٥).","vol":"5","page":73},{"text":"تنبيه: الحكم فيها حكى البغوي في حلها وجهين وصحح الرافعي التحريم لاستخباثها فإن غالب أكلها الحيات وقال: ابن حزم البرية والبحرية حلال وكذلك بيضها لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (^١) مع قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٢) ولم يفصل لنا تحريم السلحفاة فهي حلال قال: وقد رويناه عن عطاء إباحة أكل السلحفاة ا. هـ قاله في حياة الحيوان (^٣).\nفائدة: في أكل الدَّنِيلِسُ وحكمه حل الأكل لأنه من طعام البحر ولا يعيش إلا فيه ولم يأت على تحريمه دليل كذا أفتى به الشيخ شمس الدين بن عدلان وعلماء عصره وغيرهم وما نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام من الإفتاء بتحريم أكله لم يصح فقد نص الشافعي على أن حيوان البحر الذي لا يعيش إلا فيه يؤكل لعموم الآية ولقوله - ﵇ -: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^٤) ووراء ذلك وجهان وقيل قولان أحدهما تحرم لأنه - ﵇ - خص السمك بالحل، والثاني ما أكل شبهه في البر، كالبقر والشاء حلال. وما لا كخنزير الماء وكلبه حرام وعلى هذا لا يؤكل ما أشبه الحمار وإن كان في البر\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٦٨.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١١٩.\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ٣٣ - ٣٤).\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند (٧٢٣٢) (٨٣) والترمذي (٦٩) والنسائي في الكبرى (٥٨) وابن ماجة (٣٨٦) وابن خزيمة في صحيحه (١١١) وابن حبان في صحيحه (١٢٤٣).","vol":"5","page":74},{"text":"الحمار الوحشي حلالًا (^١) ا. هـ\nتنبيه: سئل فقيه العرب عن الوضوء من الإناء المعوج فقال: إن أصاب تعويجه لم يجز وإلا جاز والمراد بالمعوج المضبب بالعاج وهو ناب الفيلة ولا يسمى غير نابها عاجا، والصورة فيما دون القلتين.\nوليس مراد ابن خالويه والفقهاء والحريري بفقيه العرب شخصا معينا، إنما يذكرون ألغازا وملحا ينسبونها إليه، وهو مجهول لا يعرف، ونكرة لا يتعرف أ. هـ. قاله الكمال الدميري. (^٢)\n[قوله: و] لفظ الترمذي (^٣) (والدارقطنى نحوه: أن امرأتين أتتا رسول اللّه - ﷺ -، وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاته؟ قالتا: لا. فقال لهما رسول اللّه - ﷺ -: أتحبان أن يسوركما اللّه بسوارين) من نار الحديث [هو تأويل قوله ﷿]: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ (^٤).\n(والسوار) تُكْسَرُ السِّينُ وتُضمُّ. وَجَمْعُهُ أَسْوِرَةٌ ثُمَّ أَسَاوِرُ وأَسَاوِرَةٌ. وسَوَّرْتُهُ السِّوَارَ إِذَا ألْبَسْتَه إيَّاه. والجواب عن حديث عمرو بن شعيب: ضعيف.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٧٢).\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٢٦٣).\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ٣٥.","vol":"5","page":75},{"text":"١١٥٢ - وَعَن عَائِشَة زوج النَّبِيّ - ﷺ - و- ﵂ - قَالَت دخل عَليّ رَسُول اللّه - ﷺ -\nفَرَأى فِي يَدي فتخات من ورق فَقَالَ مَا هَذَا يَا عَائِشَة فَقلت صنعتهن أتزين لَك يَا رَسُول اللّه، قَالَ أتؤدين زكاتهن قلت لا أَو مَا شَاءَ اللّه، قَالَ هِيَ حَسبك من النَّار، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ (^١). وَفِي إسنادهما يحيى بن أَيُّوب الغافقي وَقد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَلَا اعْتِبَار بِمَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ من أَن مُحَمَّد بن عَطاء مَجْهُول فَإِنَّهُ مُحَمَّد بن عمر بن عَطاء نسب إِلَى جدّه وَهُوَ ثِقَة ثَبت، روى لَهُ أَصْحَاب السّنَن وَاحْتج بِهِ الشّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا.\nالفتخات بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة جمع فتخة وَهِي حَلقَة لهَا تجعلها الْمَرْأَة فِي أَصَابِع رِجْلَيْهَا وَرُبمَا وَضَعتهَا فِي يَدهَا وَقَالَ بَعضهم هِيَ خَوَاتِم كبار كَانَ النِّسَاء يتختمن بهَا (^٢).\nقَالَ الْخطابِيّ وَالْغَالِب أَن الفتخات لَا تبلغ بانفرادها نِصَابا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن تضم إِلَى بَقِيَّة مَا عِنْدهَا من الْحلِيّ فتؤدي زَكَاتهَا فِيهِ (^٣).\nقوله عن عائشة زوج النبي - ﷺ - تقدم الكلام على مناقبها. قولها قالت: دخل عليّ النبي - ﷺ - فرأى في يدي فتحات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة الحديث الورق الفضة والفتخات بالخاء المعجمة جمع فتخة وهي حلقة لا\n_________\n(^١) أبو داود (١٥٦٥)، والدارقطني (٢/ ١٠٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦٧).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ١٧٦).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ١٧٦).","vol":"5","page":76},{"text":"فص لها تجعلها المرأة في أصابع رجلها وربما وضعتها في يدها وقال بعضهم هي خواتم كبار كان النساء يتختمن بها ا. هـ.\nقاله المنذري قال الخطابي: (^١) والغالب أن الفتخات لا تبلغ بإنفرادها نصابا وإنما معناه أن انضم إلى بقية ما عندها من الحلي فتؤدي زكاتها فيه ا. هـ.\n\n١١٥٣ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد - ﵂ - قَالَت دخلت أَنا وخالتي على النَّبِيّ - ﷺ - وعلينا أسورة من ذهب فَقَالَ لنا أتعطيان زَكَاته قَالَت فَقُلْنَا لَا فَقَالَ أما تخافان أَن يسوركما اللّه أسورة من نَار أديا زَكَاته، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله وعن أسماء بنت يزيد سيأتي الكلام عليها في أحاديث الباب، قولها دخلت أنا وخالتي على النبي - ﷺ - وعلينا أسورة من ذهب فقال لنا: \"أتعطيان زكاته قالت فقلنا لا\" الحديث قيل هذا الوعيد في حديث عائشة وأسماء فيمن لا يؤدي زكاته الذهب والفضة دون من أداها، وأجيب بأن هذا قبل النسخ فلما أبيح سقطت الزكاة، نقله البيهقي عن بعضهم، وسيأتي الكلام على النسخ ومعناه.\n\n١١٥٤ - وَعَن مُحَمَّد بن زِيَاد - ﵁ -: قَالَ سَمِعت أَبَا أُمَامَة وَهُوَ يسْأَل عَن حلية السيوف أَمن الْكُنُوز هِيَ قَالَ نعم من الْكُنُوز فَقَالَ رجل هَذَا شيخ أَحمَق قد ذهب عقله فَقَالَ أَبُو أُمَامَة أما إِنِّي مَا أحدّثكُم إِلَّا مَا سَمِعت، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي إِسْنَاده بَقِيَّة بن الْوَليد (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: معالم السنن (٢/ ٤٣).\n(^٢) أحمد (٢٧٦١٤)، والطبراني في الكبير (٤٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٧)، رواه أحمد، وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦٨).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٧٥٣٨)، والبيهقي (٤/ ١٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦٧)، رواه الطبراني في الكبير وفيه بقية وهو ثقة ولكنه مدلس.","vol":"5","page":77},{"text":"قوله: عن محمد بن زياد - ﵁ -[الألهاني، أبو سفيان الحمصي. روى عن: أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي وغيره، روى عنه إسماعيل بن عيَّاش وعبد اللّه بن سالم قال أحمد وابن مَعين وابن المدينى وأبو داود والترمذى: ثقة].\nقوله: قال سَمِعت أَبَا أُمَامَة وَهُوَ يسْأَل عَن حلية السيوف أَمن الْكُنُوز هِيَ قَالَ نعم من الْكُنُوز فَقَالَ رجل هَذَا شيخ أَحمَق قد ذهب عقله،. الحديث؛ الحمق: قلة العقل، وقال بعضهم: حقيقة الحمق وضع الشيء في غير موضعه يقبحه، والأحموقة على فعولة من ا احمق بمعنى الحموقة، والأحموقة: بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وضم الميم وبعدها واو ساكنة وتاء تأنيث واللّه أعلم.\nفائدة: فيما يحل للرجال من الحلي دون النساء فيحل للرجل [الْمِنْطَقَةِ الْمُفَضَّضَةِ] وتحلية السلاح بالفضة كالسيف والرمح والسهم والطير والسكين ونحو ذلك، [و] الْجَوْشَنُ، وَالْخُوذَةُ، وَالْخُفُّ، وَالرَّانُ،، وفي [التحاق ما] يتعلق بالفرس كاللجام والمقود والركاب وبرة الناقة ونحوها وجهان أصحهما التحريم وهو المنصوص [عليه عن الشافعي ومحل الخلاف:] للفارس وقطع [كثيرون، به] ولا يجوز تحلية لجام البغلة والحمار، وجهًا واحدًا لأنهما لا يصلحان للحرب] وكذلك السرج لأنها لا يعدان للحرب، وفي سكين الدواة والمهنة والمقراض وجهان أصحهما [التحريم]، وتحلية جميع ما تقدم بالذهب حرام مطلقا قوله - ﷺ -: خرج يومًا على إحدى يديه قطعة من ذهب وعلى الأخرى قطعة حرير وقال: \"هما حرام","vol":"5","page":78},{"text":"على ذكور أمتي حل لإناثهم\" (^١)، وأما الفضة فيباح منها للرجال الخاتم، وسيأتي الكلام عليه في أواخر الكتاب، ما عداه كالدملج في العضد والطوق في العنق [والسوار في] اليد فحرام عند الجمهور يَحْرُمُ تَحْلِيَةُ آلَةِ الْحَرْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ سَوَاءٌ مَا يُتَّقَى بِهِ كَالتُّرْسِ أَوْ يُضَارَبُ بِهِ كَالرُّمْحِ وَالسِّكِّينِ أَوْ يُرْكَبُ بِهِ كَالسَّرْجِ وَالرِّكَابِ أَوْ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْفَرَسِ كَاللِّجَامِ.\n\n١١٥٥ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - قَالَ جَاءَت هِنْد بنت هُبَيْرَة - ﵂ - إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - وَفِي يَدهَا فتخ من ذهب أَي خَوَاتِيم ضخام فَجعل رَسُول اللّه - ﷺ - يضْرب يَدهَا فَدخلت على فَاطِمَة - ﵂ - تَشْكُو إِلَيْهَا الَّذِي صنع يهَا رَسُول اللّه - ﷺ - فانتزعت فَاطِمَة، سلسلة فِي عُنُقهَا من ذهب قَالَت هَذِه أهداها أَبُو حسن فَدخل رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ يَا فَاطِمَة أيغرك أَن يَقُول النَّاس ابْنة رَسُول اللّه - ﷺ - وَفِي يدك سلسلة من نَار ثمَّ خرج وَلم يقْعد فَأرْسلت فَاطِمَة - ﵂ - بالسلسلة إِلَى السُّوق فباعتها واشترت بِثمنِهَا غُلَاما وَقَالَ مرّة عبدا وَذكر كلمة مَعْنَاهَا فأعتقته فَحدّث بذلك النَّبِيّ - ﵂ - فَقَالَ الْحَمد للّه الَّذِي أنجى فَاطِمَة من النَّار، رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرج هذا اللفظ أبو داود (٦/ ١٦٦) والنسائي (٩٣٨٣) وابن ماجة (٣٥٩٥) وأحمد (٩٣٥) وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٢٧٤).\n(^٢) النسائي في الكبرى (٩٤٤٠)، وأحمد (٢٢٣٩٨)، والبيهقي (٤/ ١٤١)، والحاكم (٣/ ١٥٣)، والطيالسي في المسند (١٠٨٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦٩).","vol":"5","page":79},{"text":"قوله: وعن ثوبان - ﵁ -، هو: مولى رسول اللّه - ﷺ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: جاءت هند بنت هبيرة - ﵂ - وفي يدها فتخ من ذهب أي خواتيم ضخام فجعل رسول اللّه - ﷺ - يضرب يدها فدخلت على فاطمة - ﵂ - تشكو إليها الذي صنع بها رسول اللّه - ﷺ -. وفاطمة هي بنت رسول اللّه - ﷺ -، وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية، تزوجها النبي - ﷺ - وهو ابن خمس وعشرين سنة؛ وهي أول نسائه - ﷺ -، وهي خديجة الكبرى أم المؤمنين، قال أبو الفرج بن الجوزي: كان رسول اللّه - ﷺ - قد سافر في تجارة لها فلما قدم من سفره رأته خديجة وهو قادم وعليه غمامة تظله فتزوجته وكانت قد تزوجت قبل ذلك زوجين، وكان يوم تزويجها برسول اللّه - ﷺ - بنت أربعين سنة ثم جاءت الرسالة بعد ذلك فأسلمت وهي أول امرأة أسلمت وآمنت بالنبي - ﷺ - ولم يتزوج قبلها ولا في حياتها وجميع أولاده منها إلا إبراهيم فإنه من مارية، وقال أبو هريرة: أتى جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللّه هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ﷿ وقل لها إن اللّه ﷿ يبشرك ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، قال ابن هشام: القصب اللؤلؤ المجوف، وقالت عائشة: ما غرت على أحد من نساء النبي - ﷺ - مما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان رسول اللّه يكثر ذكرها فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: \"إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد\"\nوقالت عائشة: كان رسول اللّه - ﷺ - لا يخرج من البيت حتى يذكر خديجة","vol":"5","page":80},{"text":"فيحسن عليها الثناء، فذكرها يومًا فأدركتني الغيرة فقلت هل كانت إلا عجوزا وقد أخلف اللّه ﷿ لك خيرا منها، قالت: فغضب رسول اللّه - ﷺ - حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: \"واللّه ما أخلفني اللّه ﷿ خير منها آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللّهُ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ فقلت بيني وبين نفسي: لا أذكرها بسوء أبدًا\" (^١)، توفيت - ﵂ - إذ مضى من النبوة عشر سنين وهي بنت [خمس] وستين سنة، وأما أكثر أولاده منها، وقيل: توفيت قبل الهجرة على المشهور وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام، وأما [ذريته] فمنها فَاطِمَةَ، وَرُقَيَّةَ، وَزَيْنَبَ وَأُمَّ كلْثُومٍ، وَالْقَاسِمَ، وَعَبْدَ اللّهِ (^٢) فهي أول [من آمنت باللّه ورسوله وصدقت] بما جاء منه [فخفف بها] اللّه ﷿ عن رسوله الكفار فلا يسمع شيئًا يكرهه ولا يرد عليهم به\" أحد منهم إلا جاء إليها ففرج اللّه عنه بها إذا رجع [إليها تثبته وتهون عليه خصها اللّه ﷿ بالبشرى في حياتها] سلام منه على لسان جبريل - ﵇ - وبشرها ببيت في الجنة [من قصب لا صخب فيه ولا وصب]، قال الحافظ ابن عساكر (^٣) عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول اللّه - ﷺ - دخل على خديجة وهي في [مرض] الموت\n_________\n(^١) ينظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم (٦/ ٣٢٠٠) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٨١٧). الإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ٩٩).\n(^٢) بياض في الأصل بمقدار سطر ونصف.\n(^٣) تاريخ دمشق (٧٠/ ١١٨).","vol":"5","page":81},{"text":"فقال: \"يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السَّلام\" قالت: يا رسول اللّه وهل تزوجت قبلي؟ قال: \"لا ولكن اللّه زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى\" وقال مجاهد عن ابن عمر نزل جبريل إلى رسول اللّه - ﷺ - بما أرسل به، وجلس يحدّث رسول اللّه - ﷺ - إذ مرت خديجة بنت خويلد، فقال جبريل: من هذه يا محمد؟ قال: هذه صديقة أمتي، قال جبريل: معي إليها رسالة من رب العالمين ﵎ يقرئها السَّلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب، لا نصب فيه ولا صخب. قالت: اللّه السَّلام ومنه السَّلام، والسلام عليكما، ورحمة اللّه وبركاته على رسول اللّه - ﷺ -، ما ذلك البيت الذي من قصب؟ قال: لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم، وهما من أزواجي يوم القيامة.\n(^١) شاركها في ذلك من النساء الصحابيات وأفضل أزواج رسول اللّه - ﷺ - خديجة واختلفوا في [عائشة] واللّه أعلم.\n\n١١٥٦ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد - ﵂ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ أَيّمَا امْرَأَة تقلدت قلادة من ذهب قلدت فِي عُنُقهَا مثلهَا من النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَأَيّمَا امْرَأَة جعلت فِي أذنها خرصا من ذهب جعل فِي أذنها مثله من النَّار يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n_________\n(^١) بياض في الأصل بمقدار نصف سطر.\n(^٢) أبو داود (٤٢٣٨)، والنسائي في الكبرى (٩٤٣٩)، والبيهقي (٤/ ١٤١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩١١).","vol":"5","page":82},{"text":"١١٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من أحب أَن يحلق جَبينه حَلقَة من نَار فليحلقه حَلقَة من ذهب وَمن أحب أَن يطوق جَبينه طوقا من نَار فليطوقه طوقا من ذهب وَمن أحب أَن يسور جَبينه بِسوار من نَار فليسوره بِسوار من ذهب وَلَكِن عَلَيْكُم بِالْفِضَّةِ فالعبوا بهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح (^١).\nقَالَ المملي ﵀: وَهَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ورد فِيهَا الْوَعيد على تحلي النِّسَاء بِالذَّهَب تحْتَمل وُجُوهًا من التَّأوِيل.\nأَحدهَا: أَن ذَلِك مَنْسُوخ فَإِنَّهُ قد ثَبت إِبَاحَة تحلي النِّسَاء بِالذَّهَب.\nالثَّانِي: أَن هَذَا فِي حق من لَا يُؤَدِّي زَكَاته دون من أَدَّاهَا وَيدل على هَذَا حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب وَعَائِشَة وَأَسْمَاء وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَروِيَ عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - أَنه أوجب فِي الْحلِيّ الزَّكَاة وَهُوَ مَذْهَب عبد اللّه بن عَبَّاس وَعبد اللّه بن مَسْعُود وَعبد اللّه بن عَمْرو وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير وَعبد اللّه بن شَدَّاد وَمَيْمُون بن مهْرَان وَابْن سِيرِين وَمُجاهد وَجَابِر بن زيد وَالزهْرِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر. وَمِمَّنْ أسقط الزَّكَاة فِيهِ عبد اللّه بن عمر وَجَابِر بن عبد اللّه وَأَسْمَاء ابْنة أبي بكر وَعَائِشَة وَالشعْبِيّ وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْدَة. قَالَ ابن الْمُنْذر وَقد كَانَ الشَّافِعِي قَالَ بِهَذَا إِذا هُوَ بالعراق ثمَّ وقف عَنهُ\n_________\n(^١) أبو داود (٤٢٣٦)، وأحمد (٨٩١٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٧٠).","vol":"5","page":83},{"text":"بِمصْر وَقَالَ هَذَا مِمَّا أستخير اللّه تَعَالَى فِيهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: الظَّاهِر من الآيَات يشْهد لقَوْل من أوجبهَا والأثر يُؤَيّدهُ وَمن أسقطها ذهب إِلَى النّظر وَمَعَهُ طرف من الأَثر وَالاحْتِيَاط أَدَاؤُهَا. وَاللّه أعلم.\nالثَّالِث: أَنه فِي حق من تزينت بِهِ وأظهرته وَيدل لهَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد عَن ربعي بن خرَاش عَن امْرَأَته عَن أُخْت لِحُذَيْفَة أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ يَا معشر النِّسَاء مَا لَكِن فِي الْفضة مَا تحلين بِهِ أما إِنَّه لَيْسَ مِنْكُن امْرَأَة تتحلى ذَهَبا وتظهره إِلَّا عذبت بِهِ (^١). وَأُخْت حُذَيْفَة اسْمهَا فَاطِمَة.\nوَفِي بعض طرقه عِنْد النَّسَائِيّ عَن ربعي عَن امْرَأَة عَن أُخْت لِحُذَيْفَة - ﵂ - وَكَانَ لَهُ أَخَوَات قد أدركن النَّبِيّ - ﷺ - وَقَالَ النَّسَائِيّ بَاب الْكَرَاهَة للنِّسَاء فِي إِظْهَار حلي الذَّهَب ثمَّ صَدره بِحَدِيث عقبَة بن عَامر أَن رَسُول اللّه - ﷺ - كَانَ يمْنَع أَهله الْحِلْية وَالْحَرِير وَيَقُول إِن كُنْتُم تحبون حلية الْجنَّة وحريرها فَلَا تلبسوهما فِي الدُّنْيَا.\nوَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضًا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢). ثمَّ رأى النَّسَائِيّ فِي الْبَاب حَدِيث ثَوْبَان الْمَذْكُور وَحَدِيث أَسمَاء.\n\n١١٥٨ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ كنت قَاعِدا عِنْد النَّبِيّ - ﷺ - فَأَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت يَا رَسُول اللّه سِوَارَيْنِ من ذهب قَالَ سِوَارَيْنِ من نَار، قَالَت يَا رَسُول اللّه طوق من ذهب قَالَ طوق من نَار، قَالَت قرطين من ذهب قَالَ\n_________\n(^١) النسائي في الكبرى (٩٤٣٧)، وأبو داود (٤٢٣٧).\n(^٢) النسائي (٨/ ١٥٦)، وفي الكبرى (٩٤٣٦)، وأحمد (١٧٣١٠)، وابن حبان (٥٤٨٦).","vol":"5","page":84},{"text":"قرطين من نَار قَالَ وَكَانَ عَلَيْهَا سوار من ذهب فرمت بِهِما (^١).\nالرَّابِع: من الاحْتِمَالَات أَنه إِنَّمَا منع مِنْهُ فِي حَدِيث الأسورة والفتخات لما رأى من غلظه فَإِنَّهُ مَظَنَّة الْفَخر وَالْخُيَلَاء وَبَقِيَّة الْأَحَادِيث مَحْمُولَة على هَذَا وَفِي هَذَا الاحْتِمَال شَيء وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عبد اللّه بن عمر - ﵄ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - نهى عَن لبس الذَّهَب إِلَّا مقطعا (^٢). وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضًا عَن أبي قلَابَة عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان - ﵄ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - نهى عَن ركُوب النمار وَعَن لبس الذَّهَب إِلَّا مقطعا (^٣). وَأَبُو قلَابَة لم يسمع من مُعَاوِيَة وَلَكِن روى النَّسَائِيّ أَيْضًا عَن قَتَادَة عَن أبي قتادَة عَن أبي شيخ أَنه سمع مُعَاوِيَة فَذكر نَحوه وَهَذَا مُتَّصِل وَأَبُو شيخ ثِقَة مَشْهُور.\nوَفِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وصحيح ابْن حبَان عَن عبد اللّه بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ، جَاءَ رجل إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - وعَلِيهِ خَاتم من حَدِيد فَقَالَ مَا لي أرى عَلَيْك حلية أهل النَّار فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ من أَي شَيء أتخذه قَالَ من ورق لَا تتمه مِثْقَالا (^٤). وَاللّه أعلم.\nقوله: وعن أسماء بنت يزيد هي أسماء بنت [يزيد] بن السكن قال الحافظ أبو نعيم: وهي السائلة عن دم الحيض وأسماء هذه خطيبة النساء، وهي\n_________\n(^١) النسائي (٨/ ١٥٩)، وفي الكبرى (٩٤٤٣).\n(^٢) النسائي (٨/ ١٦٣)، وفي الكبرى (٩٤٦٢).\n(^٣) أبو داود (٤٢٣٩)، والنسائي (٨/ ١٦١)، وفي الكبرى (٩٤٥٢).\n(^٤) الترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٨/ ١٧٢)، وفي الكبرى (٩٥٠٨)، وابن حبان (٥٤٨٨).","vol":"5","page":85},{"text":"أنصارية أشهلية كنيتها أم سلمة ويقال: أم عامر بايعت رسول اللّه - ﷺ - وروت عنه أحاديث صالحة وشهدت اليرموك وقتلت يومئذ تسعة من الروم بعمود خبائها روى لها البخاري في الأدب والباقون سوى مسلم وهي ابنة عمة معاذ بن جبل كانت من ذوات العقل والدين، قال أبو عمر بن عبد البر: (^١) روي عنها أتت النبي - ﷺ - فقالت: إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي وعلى مثل رأي أن اللّه بعتك إلى الرجال والنساء فأمنا بك واتبعناك وإن معشر النساء مقصورات مخدرات قواعد بيوت وموضع شهوات الرجال وحاملات أولادهم وإن الرجال فضلوا بالجمعات وشهود الجنائز وإذ خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول اللّه، فالتفت رسول اللّه - ﷺ - بوجهه إلى أصحابه، وقال: \"هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤلا عن دينها من هذه\" فقالوا: بلى واللّه يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"انصرفي بها أسماء واعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل أحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته واتباعها لموافقته يعدل كلّ ما ذكرت للرجال\" فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشارا بما قال لها النبي - ﷺ - ا. هـ.\nقوله - ﷺ - \"أيما امرأة تقلدت بقلادة من ذهب قلدت عنقها مثلها من النار وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة\" الخرص: بضم الخاء المعجمة وكسرها وإسكان الراء\n_________\n(^١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٨١٧).","vol":"5","page":86},{"text":"والصاد المهملتين هو (الحلقة) الصغيرة من الحلبي وهو من [حلى الأذن قيل] كان في الزمان الأول ثم نسخ وأبيح للنساء التحلى (بالذهب) قيل هو خاص بما لم تؤد زكاته ومنه الحديث أنه وعظ النساء وحثهن على الصدقة فجعلت المرأة تلقي الخرص والخاتم (^١).\nقوله - ﷺ - قال: \"قرط من نار\" القرط بضم القاف وسكون الراء قال ابن دريد: القرط كلّ ما علق في العنق من شحمة الأذن فهو قرط سواء كان من ذهب أو خرز والأقرطة [جمع جمع] وفي الحديث دليل على جواز (التزين بها) ولبسها وإن كان فيها اسم اللّه تعالى واسمه.\nقوله - ﷺ - وبعضها [(^٢) ...] الماوردي لبس الثوب المطرز بالقرآن واللّه أعلم.\n[قوله عن أبي هريرة] تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله \"من أحب أن يحلق جبينه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب\" الحديث. (يحلق) بإسكان اللام وحكى الجوهري لغة رديئة في فتحها واللّه أعلم قال الحافظ (^٣) ﵀: وهذه الأحاديث التي ورد فيها الوعيد على تحلى النساء بالذهب يحتمل وجهًا من التأويل أحدها: أن ذلك منسوخ، فإنه قد ثبتت إباحة تحلي النساء بالذهب. وقال في شرح الإلمام: وبتقدير الصحة\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٢).\n(^٢) بياض بمقدار ٤ كلمات.\n(^٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣١٨).","vol":"5","page":87},{"text":"في الجميع فذلك منسوخ بحديث الترمذي والنسائي، قال ﵊ في الذهب والحرير: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها وبحديث قالت: قدمَت حلية عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشيِّ أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللّهِ - ﷺ - بِعُودٍ مُعْرِضًا عَنْهُ - أَوْ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ - ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بنت أَبِي الْعَاصِ فقال: \"تَحَلَّيْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ\".\nتنبيه: النسخ قال العُلماء: نسخ السنة بالسنة يقع على أربعة أوجه: أحدها: نسخ السنة المتواترة بالمتواتر، والثاني: نسخ خبر الواحد بمثله، والثالث: نسخ الأحاد بالمتواتر، والرابع: نسخ المتواتر بالأحاد فأما الثلاثة الأول فهي جائزة بلا خلاف وأما الرابع فلا يجوز عند الجمهور وقال: بعض أهل الظاهر يجوز واللّه أعلم، وسيأتي الكلام على النسخ بعبارة أوضح من هذه الثاني: من الاحتمالات (أن يكون) هذا في حق من لا يؤدي زكاته دون من [يؤدى زكاته] ويدل على هذا حديث عمرو بن شعيب وعائشة وأسماء أبنت يزيد، وقد اختلف العُلماء في ذلك فروى عن عمر بن الخطاب أنه أوجب في الحلي الزكاة وهو مذهب عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن مسعود إلى آخر [قوله] ومذهب أبي [حنيفة] وأصحابه واختاره ابن المنذر.\n(^١) والزهري هو أبو بكر محمد بن (مسلم بن) ابن الحارث بن عبد اللّه بن عمر، وجابر بن اللّه وأسماء بنت أبي بكر وعائشة والشعبي [والقاسم بن\n_________\n(^١) بياض بمقدار ٦ كلمات.","vol":"5","page":88},{"text":"محمد] ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد قال ابن المنذر: وقد كان الشافعي ﵀ (^١) يقول هذا إذا هو بالعراق ثم وقف عنه بمصر وقال: هذا مما استخير اللّه فيه ا. هـ. ومن ملك حليًا أي من ذهب أو فضة أو منهما معدا للإستعمال مباح لم تجب فيه الزكاة في أحد القولين لأنه روي أنه - ﷺ - قال: \"ليس في الحلي زكاة\" (^٢) وكاتهما عائشة \"تحلي بنات أخيها أياما في حجرها فلا تخرج منها الزكاة\" وكان ابن عمر \"يحلي بناته وجواريه بالذهب ولا يزكيه\" (^٣) ولأنه معد لإستعمال مباح فأشبه المواشي العوامل وهذا\n_________\n(^١) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٦) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢) فتح الوهَّاب بشرح منهج الطلاب (١/ ١٢٠) منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي ﵁ (ص: ٣٣) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ٢٠٨) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٦٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ٤٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ٣) نهاية المطلب في دراية المذهب (٣/ ١١٥) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٥٤٩) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/ ٣) بحر المذهب للروياني (٣/ ٣).\n(^٢) واه ابن الجوزي في التحقيق (٩٠). كما في نصب الراية، للزيلعي، (٢/) وإرواء الغليل للألباني، (٣/ ٢٩٤) قال البيهقي: باطلٌ لا أصل له إنما يروى عن جابر من قوله وعافية بن أيوب مجهول التلخيص الحبير لابن حجر، (١/ ١٧٦) وأورده الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ثم قال: باطل الفوائد المجموعة، (١٧٨). وقال المباركفوري: حديث باطل لا أصل له تحفة الأحوذي، (٣/ ٢٨٥). وقال الألباني: باطل إرواء الغليل للألباني، (٣/ ٢٩٤).\n(^٣) ومن كبار الصحابة الذين ذهبوا إلى وجوب زكاة الحلي، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ومنهم أكثر العبادلة: عبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عمرو، وعبد الله بن عباس. كما أنه قول =","vol":"5","page":89},{"text":"القول هو الأصح قال: ويجب في الآخر لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه المذكور في أول الفصل وحديث الفتخات من الورِق وهو مذكور أيضًا ولأنه من جنس الأثمان فأشبه الدراهم والدنانير قال: الحافظ (^١) قال: الخطابي الظاهر من الأيات يشهد لقول من أوجبها [والأثر] يؤيده ومن أسقطها ذهب إلى النظر ومعه طرف من الأثر والاحتياط أداؤها واللّه أعلم.\nالثالث: من الاحتمالات أنه في حق من تزينت به وأظهرته ويدل لها ما رواه النسائي وأبو داود (^٢) عن ربعي بن حِراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"يا معشر النساء ما لكن في الفضة ما تحلين به أما أنه ليس منكن امرأة تتحلى ذهبا وتظهره إلا عذبت به\" وأخت حذيفة اسمها فاطمة وكان له أخوات قد [أدركن] النبي - ﷺ - وقال: النسائي باب الكراهة للنساء في إظهار حلي الذهب.\n_________\n= ابن مسعود وقول لأم المؤمنين عائشة ﵂.\nكما ذهب أكثر العُلماء إلى عدم وجوب زكاة الحلي، وهو مروي عن بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة الثلاثة وهو قول: عبد اللّه بن عمر، وجابر بن عبد اللّه، وأنس بن مالك، وعائشة، وأسماء. وهو قول: القاسم، والشعبي، وقتادة، ومحمد بن علي، وعمرة. وهو قول: مالك، والشافعي، وأبي عبيد، وإسحاق، وأبي ثور المغني لابن قدامة، (٣/ ٦٠٥).\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٧٠١١) النسائي ٨/ ١٥٦، وفي الكبرى (٩٤٣٧)، والبيهقي ٤/ ١٤١ وابن سعد ٨/ ٣٢٦، والدارمي (٢٦٤٥) وضعفه الألباني كما في المشكاة المصابيح (٢/ ١٢٥٧).","vol":"5","page":90},{"text":"تنبيه: قوله ربعي بن حراش، حراش: بكسر الحاء المهملة وبالراء وآخره شين معجمة وليس في الصحيحين حراش بالحاء المهملة سواه ومن عداه بالمهملة واللّه أعلم، الرابع: من الاحتمالات أنه إنما منع منه في الحديث الأسورة والفتخات لما رأى من [غلظه] فإنه مظنة الفخر والخيلاء وبقية الأحاديث محمولة على هذا وفي هذا (الاحتمال شيء) ويدل عليه ما رواه النسائي (^١) عن عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه - ﷺ -، .. وروى أبو داود والنسائي أيضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، \"أَنَّ رَسُولَ اللّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ رُكُوبِ النِّمَارِ، وَعَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا\".\nومعاوية بن أبي سفيان هم معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن الأموي وهو وأبوه من مسلمة الفتح وقيل أنه أسلم في عمرة القضاء وكتم إسلامه روى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر وعمر وأخته أم حبيبة ولي الشام لعمر بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان وأقره عثمان وأقام عشرين سنة أمير وعشرين سنة خليفة وفي كنز الدرر (^٢) كانت خلافته استقلالا تسعة عشر سنة وثلاثة أشهر وقال: الطبري بايع أهل الشام معاوية بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وذلك حين تفرق الحكمان وكانوا بايعوه على الطلب بدم عثمان ثم صالحه الحسن لخمس بيقين من ربيع الأول سنة إحدى (وأربعين، وهو عام الجماعة. وقال الطبرى\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في المجتبى ٨/ ١٦١، وفي الكبرى (٩٤٥١) و(٩٤٥٢) وأبو داود (٤٢٣٩) وأبو عبيد في غريب الحديث ٤/ ٣٢٨، والطبراني في الكبير ١٩/ (٨٣٨).\n(^٢) كنز الدرر (٤/ ٧٠ - ٧١).","vol":"5","page":91},{"text":"﵀: إن معاوية أقام على الشام واليا وخليفة أربعين سنة، منها أربعة سنين في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، واثنا عشر سنة في خلافة عثمان ﵁، وقاتل عليّ - ﵁ - خمس سنين. وخلص له الأمر تسع عشرة سنة. وهو أول ملوك الإسلام وكان حليما كريما شرسا عاقلا كامل السؤدد ذا دهاء ورأي ومكر كأنما خلق للملك قال له النبي - ﷺ - \"إن ملكت فاعدل\" (^١) ثم قال: - ﵁ - الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا وكان كذلك فمات علي عنه بعد ثلاثين سنة ففرغت خلافة النبوة ومات معاوية سنة ستين وله ثمان وسبعون سنة وقيل أكثر من ذلك وقال: هشام مات معاوية أول هلال شهر رجب (سنة ستين على الصحيح) ودعا له النبي - ﷺ - فقال: \"اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب\" (^٢) وقال: \"اللهم اجعله هاديا مهديا وأهده وأهد به\" (^٣)، وقال: \"معاوية أحكم أمتي وأجودها\" (^٤) وقال: \"أنت أمين اللّه\" (^٥) وكان عمر إذا راءاه قال: \"هذا ابن كبير العرب\" (^٦)\n_________\n(^١) لم نقف عليه مسندًا.\n(^٢) أخرج البخاري أيضًا بإسناد صحيح في تاريخه الكبير (٥/ ٢٤٠) والطبراني في مسند الشاميين (١/ ١٩٠).\n(^٣) أخرج الإمام البخاري بسند صحيح في التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٠): عن أبي مسهر حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن (الصحابي عبد الرحمن) بن أبي عميرة قال: قال النبي - ﷺ - لمعاوية: \"اللهم اجعلهُ هادِيًا مَهديًّا واهده واهدِ به\". انظر أيضًا مسند الشاميين (١/ ١٩٠) والآحاد والمثاني (٢/ ٣٥٨).\n(^٤) لم نقف عليه.\n(^٥) وجدناها في فضائل عمر بن الخطاب ينظر: كشف الخفاء (٢/ ٣٧٧).\n(^٦) ينظر: أسد الغابة ٤/ ٣٨٥، الكامل ٤/ ٥، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢/ ١٠٢.","vol":"5","page":92},{"text":"وفي الحديث: \"أول من يختصم بين يدي الرب تعالى معاوية وعلي وأول من يدخل الجنة أبو بكر وعمر\" (^١) ولما جاء قتل على إلى معاوية جعل يبكي ويسترجع فقالت له امرأته تبكي عليه وكنت تقاتله فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم قاله في تاريخه ابن عساكر (^٢) وكان كاتبا للوحي، والحذر ثم الحذر من التعرض لما شجر بين الصحابة فإنهم كلهم عدول وهم مجتهدون فمصيبهم له أجران ومخطئيهم له أجر واحد. واللّه أعلم.\nقاله في شرح الإلمام (^٣): في الحديث نهى رسول اللّه - ﷺ - عن لبس الذهب إلا مقطعا والمقطع من الذهب قال الخطابي (^٤): هو اليسير منه نحو الحلقة الشنف والخاتم وكره الكثير الذي هو عادة أهل السرف وزينة أهل الخيلاء والكبر واليسير هنا ما لا [تجب فيه] الزكاة ا. هـ.\nويشبه أن يكون إنما كره استعمال الكثير منه لأن (صاحبه ربما بخل بإخراج) زكاته فيأثم بذلك عند من أوجب فيه الزكاة [قاله في النهاية والكلام، المذكور في كلام الخطابي (^٥) [في شرح أبي داود] حكى (ابن الاثير الاثير في) النهاية (وفي الحديث) أن رسول اللّه - ﷺ - عَنْ ركُوب النِّمَارِ\" وَفِي\n_________\n(^١) لم نقف عليه.\n(^٢) تاريخ ابن عساكر ١٦/ ٣٣٦.\n(^٣) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.\n(^٤) ينظر في معالم السنن (٢/ ٤٣).\n(^٥) السابق.","vol":"5","page":93},{"text":"رِوَايَةٍ \"النُّمُورُ\" أَيْ جُلُودِ النُّمور، وَهِيَ السِّباع الْمَعْرُوفَةُ، والسباع يقع على الأسد والذئب والنمر والضبع وغيرها وأحدها سبع والنمر الذي في لونه سواد وأكثره بياض والمراد: النهي عن الركوب على جلودها لما فيه من الزينة والخيلاء وهذا النهي يحتمل وجوها أحدها أن يكون بعد الدباغ ولكن الشعر عليه بعد والشعر لا يطهر بالدباغ لأن الدباغ لا يؤثر فيه والنهي عن هذين الوجهين نهي تحريم. الثالث: أن لبس جلد السباع والركوب عليها من فعل السلاطين والجبابرة ولأنه زي العجم وفيه تكبر وزينة لا يليق بالصلحاء وعلى هذا النهي نهي تنزيه وإن كان طاهر. أ. هـ.\nوكان مالك يكره الصلاة في جلود السباع وإن دبغت ويمنع من بيعها ويرى الانتفاع بها وأما مذهب الشافعي فإن الدبغ يطهر جلود الحيوان المأكول وغير المأكول إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما والدباغ يطهر كلّ جلد ميتة غيرهما وفي الشعور والأوبار خلاف هل تطهر بالدباغ أم لا وقيل إنما نهي عن جلود السباع مطلقا وعن جلد النمر خاصا قوله، وفي الترمذي والنسائي وصحيح ابن حبان (^١) قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - وعليه خاتم من حديد فقال: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ فَطَرَحَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مِنْ أَيِّ شَيءٍ أتَّخِذُهُ قَالَ اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا ا. هـ وَجَمْعُ الحِلْيَة حِلًى، مِثْلَ لِحْيَة ولِحًى، وربَّما ضُمَّ. وَتُطْلق الحِلْيَة عَلَى الصِّفة أَيْضًا وَإِنَّمَا جعَلها حِلْيَة أَهْلِ النَّار لِأَنَّ الْحَدِيدَ زِيُّ بَعْضِ الكُفار وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ. وَقِيلَ إِنَّمَا كَرِهَه\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"5","page":94},{"text":"لِأَجْلِ نَتْنِه وزُهُوكَتِه. وَقَالَ فِي خَاتَمِ الشِّبْه: ريحُ الأصْنام، لأنَّ الأصْنام كَانَتْ تُتَّخذ مِنَ الشِّبه. ا. هـ. قاله في النهاية (^١).\nففي هذا الحديث: كراهة خاتم الحديد لكن الأصح في الروضة أنه لا يكره خاتم الحديد والرصاص والنحاس وبه قطع في التتمة لقوله - ﷺ - للذي أراد أن يتزوج \"التمس ولو خاتما من حديد\" (^٢) ويجوز التختم في اليمين والشمال والأصح في الروضة واليمين أفضل لرواية أنس عن النبي - ﷺ - لبس خاتم من فضة في يمينه وجعل فصه مما يلي كفه وسيأتي الكلام على ذلك مفصلا.\nالفائدة: ووجه مقابلة أنه - ﷺ - كان يلبسه في يساره رواه مسلم (^٣). وقال: يَا رَسُولَ اللّهِ، مِنْ أَيِّ شَيءٍ أَتَخِذُهُ؟ قَالَ: \"اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ، وَلا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا\" الحديث. ويجوز (التختم) بخاتم الفضة لأنه - ﷺ - كان له خاتم من فضة ونقشه محمد رسول اللّه أخرجه البخاري (^٤) وغيره، وينبغي أن ينقص عن مثقال لهذا الحديث ولا تتمة مثقال.\nفائدة: اتخذ - ﷺ - خاتمًا من ذهب فلما رأى الناس اتبعوه فيه رمى به وحرم على الذكور لبسه لما فيه من [الفتنة] وزيادة المؤونة واتخذ خاتما من الفضة وكان يجعل فصه مما يلي كفه لأنه أبعد من التزين والإعجاب\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤٣٥).\n(^٢) والبخاري (٥١٤٩) و(٥١٥٠)، ومسلم (١٤٢٥) (٧٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٠٩١).\n(^٤) صحيح البخاري (٥٨٧٣).","vol":"5","page":95},{"text":"وكذلك فيه صون للفص. وكان له - ﷺ - خاتمان من [فضة، كان فص] أحدهما [منها وذلك لكراهته التزين ببعض الجواهر المتلونة ببعض الأصباغ الرائعة المناظر التي تميل إليها النفوس وكان فص الآخر حبشيا، وذلك ما لا بهجة له ولا زينة فيه] في يده اليمنى خنصره والخنصر الإصبع الصغرى لأن اليمنى أشرف وأفضل فهي أحق [بالزينة] والإكرام قال: مالك [التختم في اليسار أفضل قال في شرح السنة كان آخر الأمرين منه - ﷺ - لبسه في اليسار] [وقال الخطابي] لم يكن لبس الخاتم من لباس العرب وإنما هو من زي العجم والحكمة في كونه في الخنصر لأنه أبعد [من] الإمتهان فيما يتعاطى باليد لكونه طرفا ولأنه لا [يشغل] اليد عما يتناوله [من أشغالها].\nلطيفة: [روي] ابن عدي في ترجمة: أحمد بن [عبد اللّه بن حكيم] عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: من اتخذ خاتما فصه ياقوت نفي عنه الفقر (^١). قال ابن الأثير: يُريد أنَّهُ إِذَا ذَهب مالُه بَاعَ خَاتَمَهُ فَوَجَدَ فِيهِ غِنًى، [قال وَالْأَشْبَهُ - إِنْ صَحّ الْحَدِيثُ - أَنْ يَكُونَ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ. كما [أن النار] لا تؤثر فيه ولا تغيره، [وأن من] تختم به أمن من الطاعون وتيسرت له أمور المعاش ويقوي قلبه ويهابه الناس ويسهل عليه قضاء الحوائج [وفي] كتاب [الخصائص] لأبي الربيع سليمان بن سبع السبتي أن النبي - ﷺ - أعطى عليا فصا من ياقوت وأمره أن ينقش عليه لا إله إلا اللّه ففعل فأتى به إلى النبي - ﷺ - فقال له: \"ألم أمرك أن تنقش عليه لا إله إلا اللّه فلم زدت محمد رسول اللّه فقال: والذي بعثك بالحق\n_________\n(^١) الكامل (١/ ٢٨١). قال ابن عدى: وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد، وأبو ضمرة ثقة.","vol":"5","page":96},{"text":"ما فعلت إلا ما أمرتني به! فهبط جبريل عليه - ﷺ - وقال: يا محمد، إن اللّه يقول لك: \"أحببتنا فكتبت اسمنا، ونحن أحببناك فكتبنا اسمك\" (^١). والمرجان إذا علق على طفل امتنعت عنه أعين السوء من الجن والإنس. والبلور من علق عليه لم ير منام سوء.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٥٩).","vol":"5","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>التَّرْغِيب فِي الْعَمَل على الصَّدَقَة بالتقوى والترهيب من التَّعَدِّي فِيهَا والخيانة واستحباب ترك الْعَمَل لمن لَا يثِق بِنَفسِهِ وَمَا جَاءَ في المكّاسين والعشّارين والعُرَفاء</span>\n١١٥٩ - عَن رَافع بن خديج - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول الْعَامِل على الصَّدَقَة بِالْحَقِّ لوجه اللّه تَعَالَى كالغازي فِي سَبِيل اللّه ﷿ حَتَّى يرجع إِلَى أَهله، رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْعَامِل إِذا اسْتعْمل فَأخذ الْحق وَأعْطى الْحق لم يزل كالمجاهد فِي سَبِيل اللّه حَتَّى يرجع إِلَى بَيته (^٢).\nقوله: عن رافع بن خديج (^٣) كنيته أبو عبد اللّه ويقال: أبو رافع ويقال: أبو خديج رافع بن خديج وخديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة بن\n_________\n(^١) أحمد (١٥٨٢٦)، وأبو داود (٢٩٣٦)، والترمذي (٦٤٥)، وابن ماجة (١٨٠٩)، وابن خزيمة (٢٣٣٤).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٨١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٨٤)، رواه الطبراني في الكبير وفهي ذؤيب بن عمامة، قال الذهبي: ضعفه الدَّارقُطْنِي وغيره ولم يهدر، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٧١) و(٧٧٢).\n(^٣) ينظر: الاستيعاب: ٤٧٩، الجمع بين رجال الصحيحين ١/ ١٣٩، أسد الغابة ١/ ١٥١، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١/ ١٨٧، تهذيب الكمال: ٤٠٢، تذهيب التهذيب ١/ ٢١٤ آ، مرآة الجنان ١/ ١٥٥، البداية والنهاية ٩/ ٣، الإصابة ١/ ٤٩٥.","vol":"5","page":98},{"text":"رافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن أبي الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني استصغره النبي ﷺ يوم غزوة بدر فرده وأجازه يوم أحد فشهد أحدًا والخندق وأكثر المشاهد قالوا وأصابه سهم يوم أحد فنزعه بَقِي نصله فِي فَخذه إلى أن مات.\nوقال له رسول اللّه - ﷺ -: \"أنا أشهد لك يَوْم القيامة\" وانتفضت جراحته فتوفي منها بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ست وثمانين سنة وكان عريف قومه روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ثمانية وسبعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة ولمسلم ثلاثة روي عنه ابن عمر والسائب بن يزيد ومحمود بن لبيد وأسيد بن ظهير الصحابيون - ﵃ - (^١).\nقوله - ﷺ -: \"العامل على الصدقة بالحق لوجه اللّه ﷿\" أي الذي لا يظلم أرباب الأموال ولا يجور عليهم (^٢) يعني كالغازي في سبيل اللّه حتى يرجع إلى أهله وسيأتي الكلام على الغزو في سبيل اللّه في الجهاد مبسوطا إن شاء اللّه تعالى ومعنى حتى يرجع إلى أهله أي إلى أقاربه وزوجته وولده الذين خرج (منهم) (^٣) واللّه تعالى أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٨٧ الترجمة ١٦٢) وزاد: وروى عنه من التابعين عطاء، ومجاهد، والشعبي، وعطاء بن صهيب، وابن ابنه عباية بن رفاعة بن رافع، ونافع بن جبير، وسليمان بن يسار، وآخرون.\n(^٢) المنهاج (٣/ ١٩٥)، والمفاتيح (٢/ ٤٨٩)، وشرح المصابيح (٢/ ٤١٠).\n(^٣) نهاية المحتاج ٦/ ٨٢.","vol":"5","page":99},{"text":"قوله رواه الإمام أحمد بن حنبل (^١) هو الإمام البارع المجمع على إمامته وجلالته وورعه وزهادته وحفظه ووفور علمه وسيادته أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد اللّه بن حيان بالمثناة تحت عبد اللّه بن أنس بن عوف بن قاسط بن مارن بن شيبان فذكره إلى أن قال: بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني المروي ثم البغدادي خرج من مرو حَمْلا وولد ببغداد ونشأ بها إلى أن توفي بها ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والبصرة والكوفة والجزيرة وروينا عن أبي زرعة قال: ما رأيتُ من المشايخ أحفظ من أحمد بن حنبل حزرت كتبه اثني عشر حملا وعدلًا كلّ ذلك كان يحفظ على ظهر قلبه وقال: أبو زرعة (^٢) ما رأيتُ أحدا أجمع من أحمد بن حنبل وما رأيتُ أحدا أكمل منه اجتمع فيه زهد وفقه وفضل وأشياء كثيرة، وقال: قتيبة بن سعيد (^٣) أحمد إمام الدنيا، وعن الهيثم بن جميل (^٤) إن عاش هذا الفتى سيكون حجة على أهل زمانه، وقال الميموني (^٥): ما رأيتُ مصليا قط أحسن صلاة من أحمد بن حنبل ولا اتباعا للسنن منه وقال أبو حاتم: (بارع) الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (١١/ ١٧٨) الجرح والتعديل ١/ ٢٩٢ - ٣١٣ و٢/ ٦٨، ٧٠.\n(^٢) الجرح والتعديل ١/ ٢٩٢ - ٣١٣ و٢/ ٦٨.\n(^٣) تذهيب التهذيب ١/ ٢٢، البداية والنهاية ١٠/ ٣٢٥، ٣٤٣.\n(^٤) مرآة الجنان ٢/ ١٣٢، طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ٢٧، ٣٧.\n(^٥) تاريخ بغداد ٤/ ٤١٢، ٤٢٣، طبقات الحنابلة ١/ ٤، ٢٠.","vol":"5","page":100},{"text":"وعن الحسن (بن الحُسين الرازى) قال: حضرت بمصر عند بقال فسألني عن أحمد بن حنبل فقلت كتبت عنه فلم يأخذ ثمن المباع مني وقال: لا أخذ ثمنا (ممن يعرف) أحمد بن حنبل وقال: قتيبة وأبو حاتم إذا رأيتُ الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة وأحوال أحمد بن حنبل ومناقبه، أكثر من أن تحصى وقد صنف فيه جماعة كتبا ولد ﵀ في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة وتوفي ضحوة يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين ودفن ببغداد وقبره مشهور معروف يزار ويتبرك به رحمه اللّه تعالى وجعل قراه الجنة فجزاه اللّه عن المسلمين خيرًا (^١).\n\n١١٦٠ - وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - أَنَّه قَالَ إِن الخازن الْمُسلم الأمين الَّذِي ينْقل مَا أَمر بِهِ فيعطيه كَامِلا موفرا طيبَة بهِ نَفسه فيدفعه إِلَى الَّذِي أَمر بِهِ أحد المتصدقين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: عن أبي موسى الأشعري تقدم الكلام على أبي موسى، قوله - ﷺ - \"إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به فيعطيه كاملا موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر به\" أحد المتصدقين قال: الإمام القرطبي في شرح\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١١٠ - ١١٢ الترجمة ٤٥). لا يجوز التبرك بالقبور فإن زيارتها للتذكير بالآخرة والاستغفار للميت أمر حث عليه الشارع، أما التبرك وطلب النفع وما شابه ذلك فلا يجوز لأن ذلك لا يطلب إلا ممن يملك النفع والضر وهو اللّه ﷾.\n(^٢) البخاري (١٤٣٨)، ومسلم (١٠٢٣).","vol":"5","page":101},{"text":"مسلم (^١) هذه الأوصاف لا بد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن فإنه لم يكن مسلما لم تصح منه نية التقرب وإن لم يكن أمينا كان عليه وزر الخيانة فكيف يحصل له أجر الصدقة وإن لم يطب بذلك نفسا لم تكن له نية فلا يؤجر.\nقوله: أحد المتصدقين لم نروه إلا بالتثنية ومعناه أنه بما فعل متصدق والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر فهما متصدقان ويصح أن يقال على الجمع ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين (^٢) وقال النووي (^٣): في الرياض والمتصدقين بفتح القاف مع كسر النون على التثنية كما يقال: القَلَمُ أحَدُ اللِّسانيَن مبالغةٌ وعكسه على الجمع وكلاهما صحيح (^٤) وفي هذا الحديث تنبيه على عظم ثواب الصدقة لأنه لما أعطي ثوابها إلى الخازن فما ظنك بالمتصدق واللّه أعلم.\nوقال غير القرطبي (^٥): في قوله: أن الخازن المسلم .. إلخ الأوصاف شروط لحصول هذا الثواب أن يعتني بها ويحافظ عليها.\nقال العُلماء: ويجب صرف زكاة المال إلى ثمانية أصناف إن وجدت للكتاب والسنة والقياس أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ٣٧).\n(^٢) المفهم (٩/ ٣٨).\n(^٣) لم أقف عليه في المطبوع.\n(^٤) انظر رياض الصالحين (ص ٨١) والكواكب الدراري (٧/ ١٩٤).\n(^٥) القائل هو النووي كما في شرحه على مسلم (٧/ ١١٣).","vol":"5","page":102},{"text":"وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (^١) قال: البغوي في تفسيره (^٢) وابن السبيل الضيف، أبناء السبيل فكل من يريد سفرا مباحًا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة قدر ما يقطع به تلك المسافة سواء كان له في البلد المنتقل إليه مال أو لم يكن قال: قتادة ابن السبيل الضيف وقال: فقهاء العراق ابن السبيل الحاج المنقطع واللّه أعلم.\nفأضاف اللّه تعالى الصدقات إلى المذكورين في الآية بلام التمليك وعطف بعضهم على بعض بواو التشريك [فاستحقها] الجميع قال العُلماء: أجر [ذكر] العامل وإنما بدأ بالعامل لأنه المقدم في القسمة [وهو] المنصوص عليه في المختصر لكونه يأخذ عوضا وليعلم ما يفضل عنه فيرد على [بقية] المذكورة أو يحتاج إليه فيؤخذ من الزكاة في الأصح وإنما ابتدئ في الآية بالفقراء لشدة حاجتهم واللّه أعلم والعامل هو الذي استعمله الإمام على قبض الزكوات ليأخذ منها إذا استأجره بأجرة من بيت المال إن جعل له منه جعلا فلا حق له في الصدقات قاله البندنيجي ولو فرق رب المال زكاته سقط سهم العامل وقسمت الزكاة على سبعة أصناف وليس لرب المال أخذ نصيب العامل لكونه فعل وظيفة العامل قال: ومن شرط هذا العامل أن يكون حرا فقيها أي في الزكاة فيعرف ما يجب فيها وقدر النصب والواجب والمستحقين قال: أمينا أما الحرية والأمانة فلان ذلك ولاية على\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(^٢) ينظر: تفسير البغوى (٤/ ٦٥)، وشرح السنة للبغوي (٦/ ١٩).","vol":"5","page":103},{"text":"مال الغير والعبد والفاسق ليس من أهلها وأما الفقه فلأنها ولاية من جهة الشرع تفتقر إلى الفقه فأشبهت القضاء قال: الأصحاب ويشترط أيضًا التكليف لأنها ولاية ويشترط أيضًا أن يكون ذكرًا كما جزم به في الروضة تبعًا للرافعي (^١)، ويشترط أيضًا: الإسلام لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (^٢) وقال عمر - ﵁ -: \"لا تؤمنوهم وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللّهُ تَعَالَى وَلا تُقَرِّبُوهُمْ، وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللّهُ - تَعَالَى\" (^٣)، وهذا [إذا كان] [التفويض] عامًا أما إذا عين له الإمام شيئًا يأخذه لم يشترط قال: النووي (^٤) وفي [عدم] اشترط الإسلام نظر ولا يكون ممن حرمت عليه الصدقة من ذوي القربى [أي: إذا عمل] ليأخذ من الزكاة لقوله - ﷺ -: للفضل بن العبَّاس وقد طلب منه أن يجعله عاملا على الصدقة \"أليس في خمس الخمس ما يكفيكم ويغنيكم عن أوساخ الناس\" (^٥) هذا هو الصحيح المنصوص، وقيل يجوز أن يكون منهم لأنه يأخذ أجرة فجاز كأجرة النقال والحافظ فإنها تصرف لهم وفاقًا أما إذا\n_________\n(^١) لم أعثر على هذا الشرط بل كلامه الآتي يناقض اشتراط الذكورة.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١١٨.\n(^٣) سبق تخريجه. أخرجه البيهقي في السنن (١٠/ ١٢٧) وقال الألباني في الإرواء (٢٦٣٠): صحيح.\n(^٤) ينظر: المجموع شرح المهذب (٥/ ٥٦٩)، والروضة (٢/ ٣٣٥).\n(^٥) قال في البدر المنير (٧/ ٣٩٠) هَذَا الحَدِيث سبق أَصله بِطُولِهِ بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة، وَقد أخرجه مَعَ مُسلم أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فَلم يذكراها، و(بيض) لَهَا الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديث المهذَّب.","vol":"5","page":104},{"text":"عمل متبرعًا جاز بلا خلاف قال: ابن الصباغ وكذا إذا عمل ليعطي من بيت المال (^١).\nفرع: قال الماوردي (^٢): يجوز أن تكون المرأة عاملا لكن يكره وعن الروياني وغيره خلافه (^٣) بقية الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة مذكورون في كتب الفقه فمن أراد ذلك فليطلبه من هناك واللّه أعلم.\nقال العُلماء: ومن وجب عليه الزكاة جاز له أن يصرف بنفسة وادعى المحاملي فيه الإجماع (^٤) وبوكيله لأنه حق مالى فجاز التوكيل في أدائه كديون الآدميين ويجوز توكيل الكافر والصبي فيها ومن لا يعرف أنها زكاة قاله: القاضي حسين (^٥).\n_________\n(^١) انظر كفاية النبيه (٦/ ١٣٨ - ١٤٢).\n(^٢) ينظر: الحاوي الكبير (٣/ ١٤٦).\n(^٣) كفاية النبيه (٦/ ١٤٣).\n(^٤) كفاية النبيه (٦/ ١٠٢).\n(^٥) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٦) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (٣/ ١١٥) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٥٤٩) فتح الوهَّاب بشرح منهج الطلاب (١/ ١٢٠) منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي - ﵁ - (ص: ٣٣) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ٢٠٨) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٦٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ٤٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ٣) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/ ٣) بحر المذهب للروياني (٣/ ٣).","vol":"5","page":105},{"text":"وفي وجه لا يوكل الصبي كالمجنون (^١) وفي تعليق أبي الطيب أن زكاة الفطر لا تدخلها النيابة مع القدرة على دفعها بنفسه (^٢) قال: ويجوز أن يدفع إلى الإمام لأنه نائب عن المستحقين فجاز الدفع إليه كولي اليتيم قال: وفي الأفضل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يصرف بنفسه لأنه على ثقة من أدائه، والثاني: أن يدفع إلى الإمام أو الساعي أي وإن كان جائزا، ولأن الإمام أعرف بالمصارف والدفع إليه، يؤدي إلى انبساطها على المستحقين ويبرأ به ظاهرًا وباطنًا، والثالث: إن كان الإمام عادلا أي في الزكاة فالأفضل أن يدفع إليه؛ لتحصيل المصلحة المذكورة، وإن كان جائزا فالأفضل أن يفرق بنفسه لأنه ليس على يقين من البراءة بالدفع إليه وهذا هو الأصح، ثم محل الخلاف إذا لم يطلب الإمام الزكاة فإن طلبها وجب [دفعها] إليه قطعا بذلا للطاعة قاله في الروضة (^٣). واللّه أعلم.\nفائدة: اعلم أن نية الزكاة واجبة (^٤) ونيتها تكون بالقلب كغيرها من العبادات ويستحب أن يضم إليها التلفظ باللسان كما في غيرها من العبادات\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٦/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) كفاية النبيه (٦/ ١٠٢).\n(^٣) انظر الروضة (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، وكفاية النبيه (٦/ ١٠٣ - ١٠٦).\n(^٤) ينظر: الشرح الكبير على متن المقنع (٢/ ٤٣٣) المغني لابن قدامة (٢/ ٤٢٧) الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ٤٧٧) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٤١١) المبدع في شرح المقنع (٢/ ٣٠٩) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (٣/ ٣) شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٨٧) كشاف القناع عن متن الإقناع (٢/ ١٦٥) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ٥).","vol":"5","page":106},{"text":"فإن اقتصر على لفظ اللسان دون النية بالقلب ففي صحته خلاف الأصح أنه لا يصح ولا يجب على دافع الزكاة إذا نوى أن يقول مع ذلك هذه زكاة بل يكفيه الدفع إلى من كان من أهلها ولو تلفظ بذلك لم يضره فينوبي: هذا فرض زكاة مالي أو فرض زكاة صدقة مالي أو نحوهما ولا يكفي فرض مال وكذا الصدقة في الأصح.\nفرع: تكفي نية الموكل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح والأفضل أن ينوي الوكيل عند التفرقة أيضًا (^١).\nفرع: أيضًا ولو دفع إلى السلطان كفته النية عنده فإن لم ينو لم يجز على الصحيح وإن نوى السلطان والأصح أنه يلزم السلطان النية إذا أخذ زكاة الممتنع وإن نيته تكفي واللّه أعلم.\nفرع: يلزم الولي النية إذا أخرج مال الصبي والمجنون لأنهما ليسا أهلًا للنية فلو لم ينو لم يقع الموقع وعليه الضمان قاله ابن كج ومساق التعليل يقتضي منع إلحاق السفيه بهما لأنه من أهل النية وفي الاعتداد بنيته نظر (^٢) واللّه أعلم قاله في مختصر الكفاية.\nفائدة: يستحب أن يدعى لباذل الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (^٣) أي ادع لهم والصلاة في اللغة الدعاء ولأن فيه [ترغيبًا] في الخير وقيل إن أخذها\n_________\n(^١) الروضة (٢/ ٢٠٩)، والمنهاج (ص ٧٣)، والنجم الوهاج (٣/ ٢٥٦).\n(^٢) كفاية النبيه (٦/ ١٣١).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.","vol":"5","page":107},{"text":"الإمام لزمه أن يدعو له لظاهر هذا الأمر وقيل إن سأل رب المال الدعاء وجب لما روى عبد اللّه بن أبي أوفى عن أبيه قال: أتيت رسول اللّه - ﷺ - بصدقات قومي فقلت يا رسول اللّه صلى على فقال: \"اللهم صلى على آل أبي أوفى\" (^١) والأصح الاستحباب مطلقا وجزم به جماعة لأنه - ﷺ - لم يأمر به معاذا حين بعثه إلى اليمن وأمر بأخذ الزكاة قال: القاضي حسين ولأنه لم ينقل أنه - ﷺ - دعا لغير أبي أوفى وفيه نظر ففي الصحيحين عن أبي أوفى قال: كان النبي - ﷺ - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: \"اللهم صلى على آل فلان\" فأتاه أبي بصدقته فقال: \"اللهم صلى على آل أبي أوفى\" (^٢).\nتنبيه: قال: العُلماء فيقال: آجرك اللّه فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت وجعله لك طهورا لأنه لائق بالحال كذا حكاه القاضي أبو الطيب عن النص والمحكى في المختصر وأورده ابن الصباغ والغزالي وغيرهيا آجرك اللّه فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت قال: النووي (^٣) وهو أحسن وبأي دعاء دعا إذا لاق بالحال وكان حسنا نص عليه الشافعي في الأم (^٤) وفي\n_________\n(^١) مسلم (١٠٧٨).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) ينظر: المجموع شرح المهذب (٥/ ٥٦٩).\n(^٤) الأم للشافعي (٢/ ١٦) وينظر: حاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ٣) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٦٢ البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٥٤٩) فتح الوهَّاب بشرح منهج الطلاب (١/ ١٢٠) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ٢٠٨) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج =","vol":"5","page":108},{"text":"قوله آجرك اللّه لغتان القصر والمد (^١).\nفرع: هل يجوز لغير النبي - ﷺ - أن يصلي على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟\n[الجواب]: فيه خلاف قيل لا يجوز أن يقول اللهم صلى على أبي بكر أو على علي إلا تبعًا. مثل اللهم صلى على محمد وآله وصحبه قيل إن ذلك مكروه وهو الأصح وما فعله النبي - ﷺ - مخصوص به لأن الصلاة منصبه فيجزى به من شاء وليس لغيره ذلك قيل تركه [أولي] وجعله الرافعي بها الشرح الصغير الأشبه، وقيل إن كانت بمعنى الدعاء جاز، وإن قصدت بها التعظيم والتكريم فلا لاختصاص ذلك بالأنبياء وقال بها المهذب (^٢): يستحب أن يقال: لدافع الزكاة اللهم صلى على آل فلان للخبر، قال الجويني: السَّلام كالصلاة فيما ذكرنا قال الرافعي: (^٣) لأن اللّه تعالى جمع بينهما فقال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٤) فلا يقال: أبو بكر وعلي ﵉ وكذا غيرهما لا يفرد به بها حال الغيبة ولا بأس به في الخطاب\n_________\n= (٣/ ٤٣) منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي ﵁ (ص: ٣٣) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/ ٣).\n(^١) انظر كفاية النبيه (٦/ ٦٦).\n(^٢) ينظر: المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢)\n(^٣) ينظر: الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠).\n(^٤) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.","vol":"5","page":109},{"text":"فقال: للحي والميت سلام عليكم قال في الروضة (^١): وقوله: لا بأس به ليس بجيد بل يسن للأحياء والأموات وكأنه أراد لا منع واللّه أعلم قاله في مختصر الكفاية (^٢).\n\n١١٦١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ خير الْكسْب كسب الْعَامِل إِذا نصح، رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة، قوله - ﷺ -: \"خير الكسب كسب العامل إذا نصح\" الحديث قال في النهاية: (^٤) العامل هو الذي يتولى أمور [الرجل في ماله] وملكه وعمله ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة عامل والذي يأخذ العامل من الأجرة يقال: له عمالة بالضم، ومنه حديث عمر قال: لابن السعدي \"خذ ما أعطيت فإني عملت على عهد رسول اللّه - ﷺ - فعملني أي أعطاني عمالتي وأجرة عملي\" يقال: منه أعملته وعملته وقد يكون عملته بمعنى وليته وجعلته عاملا ا. هـ.\n(تنبيه): في كتب الفقه العامل على الصدقة هو الساعي الذي يتولى قبض الزكوات من أهلها ووضعها في حقها فيعطى من مال الصدقة فقيرا\n_________\n(^١) ينظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) كفاية النبيه (٦/ ٦٦ - ٦٨).\n(^٣) أحمد (٨٤١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢٣٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٧٤).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٠٠).","vol":"5","page":110},{"text":"كان أو غنيا أجر مثل عمله وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: لَهُ الثُّمُنُ مِنَ الصَّدَقَةِ قاله البغوي (^١) في تفسيره وتقدم الكلام على شروطه المذكورة في كتب الفقه.\n\n١١٦٢ - وَعَن مَسْعُود بن قبيصَة أَو قبيصَة بن مَسْعُود - ﵁ -: قَالَ صلى هَذَا الْحَيّ من محَارب الصُّبْح فَلَمَّا صلوا قَالَ شَاب مِنْهُم سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِنَّه ستفتح عَلَيْكُم مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَإِن عمالها فِي النَّار إِلَّا من اتَّقى اللّه ﷿ وَأدّى الأمَانَة، رَوَاهُ أَحْمد (^٢)، وَفِي إِسْنَاده شَقِيق بن حبَان وَهُوَ مَجْهُول ومسعود لا أعرفهُ.\nقوله: وعن مَسْعُودِ بْنِ قَبِيصَةَ، أَوْ قَبِيصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قوله: \"صَلَّى هَذَا الْحَيُّ مِنْ مُحَارِبٍ الصُّبْحَ\" الحي: هو اسْم لمنزل الْقَبِيلَة ثمَّ سميت الْقَبِيلَة بِهِ لِأَن بَعضهم يحيى بِبَعْض.\nقوله - ﷺ -: \"ستفتح عليكم مشارق الأرض ومغاربها وإن عمالها في النار إلا من اتقى اللّه ﷿ وأدى الأمانة\" تقدم الكلام على العمال، قوله: وَفِي إِسْنَاده شقِيق بن حبَان وَهُوَ مَجْهُول قال الحافظ: ومسعود لَا أعرفهُ.\n[مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يروي عن أبي هريرة. روى عنه شقيق، وقال أبو حاتم: مجهول].\n\n١١٦٣ - وَعَن سعد بن عبَادَة - ﵁ -: أَنَّ رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لَهُ قُم على صَدَقَة بني فلَان وَانْظُر أَن تَأتي يَوْم الْقِيَامَة ببكر تحمله على عاتقك أَو كاهلك لَهُ\n_________\n(^١) ينظر: شرح السنة للبغوي (٥/ ٤٧٢)، وتفسير البغوى (٤/ ٦٣).\n(^٢) أحمد (٢٣١٠٩).","vol":"5","page":111},{"text":"رُغَاء يَوْم الْقِيَامَة، قَالَ يَا رَسُول اللّه اصرفها عني فصرفها عَنهُ رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد ثِقَات إِلَّا أَن سعيد بن الْمسيب لم يدْرك سَعْدا (^١). وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضًا عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ بعث رَسُول اللّه - ﷺ - سعد بن عبَادَة فَذكر نَحوه وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\nالْبكر: بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف هُوَ الفتي من الْإِبِل وَالأُنْثَى بكرَة.\nقوله: وعن سعد بن عبادة كنيته أبو ثابت (^٣) قيل أبو قيس سعد بن عبادة بن دليم بضم الدال المهملة وفتح اللام بن حارثة بن حرام بن خزيمة بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الساعدي المدني اتفقوا على أنه كان نقيب بني ساعدة وكان صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها وكان سيدا جوادا وجيها في الأنصار ذا رياسة وسيادة وكرم وكان مشهور بالكرم وكان يحمل كلّ يوم إلى النبي - ﷺ - جفنة مملوءة ثريدا ولحما وثريد لها ولأهله في الجود والكرم أشياء كثيرة مشهورة وليس في الصحابة من اسمه\n_________\n(^١) أحمد (٥/ ٢٨٥)، والبزار (٨٩٧)، والطبراني في الكبير (٥٣٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٨٥)، ورجاله ثقات، إلا أن سعيد بن المسيب لم ير سعد بن عبادة، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٧٥).\n(^٢) البزار (٨٩٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٨٦)، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١/ ٢٧٠) الجرح والتعديل: ٤/ ٨٨ الاستيعاب: ٤/ ١٥٢، تاريخ دمشق لابن عساكر: ١/ ٧/ ٥٦، أسد الغابة: ٢/ ٣٥٦، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢١٢ - ٢١٣، تهذيب الكمال: ٤٧٤، الإصابة: ٤/ ١٥٢.","vol":"5","page":112},{"text":"سعد بن عبادة غير اثنين أحدهما هذا، والثاني: سعد بن عبادة الزرقي أنصاري أيضًا وأسند سعد بن عبادة عن النبي - ﷺ - الحديث فأخرج له الإمام أحمد بن حنبل في المسند سبعة أحاديث وليس له في الصحيح شيء، وقال: ابن سعد بإسناده عن ابن عباس أن سعد بن عبادة ماتت أمه وهو غائب عنها مع رسول اللّه - ﷺ - في غزوة دومة الجندل وكانت في شهر ربيع الأول سنة خمسة من الهجرة فلما قدم رسول اللّه - ﷺ - المدينة أتى قبرها فصلى عليها، واسم أم سعد عمرة بنت مسعود بن قيس وكانت من المبايعات وليس فيهن من اسمها عمرة بنت مسعود غيرها فأما عمرة غير بنت مسعود فكثير، توفي - ﵁ - سنة ست عشرة وقيل، خمس عشرة قيل أربع عشرة وقيل إحدى عشرة وهو شاذ بل غلط واتفقوا على أنه كان بأرض حوران من الشام وأجمعوا على أنه توفى بحوران [وحوران قرية من قرى الشام] قال: الحافظ أبو القاسم بن عساكر وغيره وهذا القبر المشهور في المزة القرية المعروفة بقرب دمشق يقال أنه قبر سعد بن عبادة فيحتمل أنه نقل من حوران إليها قالوا يقال: أن الجن قتلته وانشدوا فيه البيتين المشهورين (^١).\nقوله - ﷺ -: لسعد بن عبادة \"قم على صدقة بني فلان وانظر: أن تأتي يوم القيامة ببكر تحمله على عاتقك أو كاهلك\" والبكر ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو [الفتي] من الإبل والأنثى بكرة وقوله عاتقك أو كاهلك العاتق والكاهل معروفان [العاتق: هو من المنكب إلى اصل العنق هذا قول أبي\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٢ - ٢١٣ ترجمة ٢٠٤).","vol":"5","page":113},{"text":"عبيدة وقال الأصمعي هو موضع الرداء من الجانبين، والكاهل من الإنسان ما بين كتفيه وقيل موصل العنق في الصلب] والرغاء: يأتي تفسيره في الحديث بعده.\n\n١١٦٤ - وَعَن عبد اللّه بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فَمَا أَخذ بعد ذَلِك فَهُوَ غلُول، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله وعن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه [هو بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد اللّه بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى أبو عبد اللّه، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. روى له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم على حديث، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (^٢)].\nقوله - ﷺ -: \"من استعملناه على عمل فرزقناه\" أي من وليناه على عمل وفرضنا له شيء معلوما على ذلك.\nقوله: \"فما أخذ بعد ذلك فهو غلول\" الحديث والغلول هو ما أخذ أحد\n_________\n(^١) أبو داود (٢٩٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٧٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨١).","vol":"5","page":114},{"text":"الغزاة خيانة ولم يحضره لأمير الجيش سواء قل أو كثر ففيه وعيد شديد وسيأتي الكلام عليه في الجهاد إن شاء اللّه تعالى مبسوطا.\n\n١١٦٥ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - بَعثه على الصَّدَقَة فَقَالَ يَا أَبَا الْوَلِيد اتَّقِ اللّه لا تَأتي يَوْم الْقِيَامَة بِبَعِير تحمله لَهُ رُغَاء أَو بقرة لَهَا خوار أَو شَاة لَهَا ثُغَاء، قَالَ يَا رَسُول اللّه إِن ذَلِك لكذلك قَالَ إِي وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، قَالَ فوالذي بَعثك بِالْحَقِّ لا أعمل لَك على شَيْء أبدًا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده صَحِيح (^١).\nالرُّغَاء: بِضَم الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ صَوت الْبَعِير.\nوالخوار: بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة صَوت الْبَقر.\nوالثغاء: بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالغين الْمُعْجَمَة ممدودا هُوَ صَوت الْغنم قوله: وعن عبادة بن الصامت الصحابي، هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي وسالم هذا يقال: له الحبلي لعظم بطنه ويقال: للمنتسبين إليه بنو الحبلي شهد عبادة بن الصامت العقبة الأولى والثانية مع رسول اللّه وشهد بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد وكان أحد النقباء ليلة العقبة كان نقيبًا على العوامل بني عمرو بن الخزرج وآخى\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (٣/ ٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رجاله رجال الصحيح، والبيهقي (٤/ ١٥٨)، والحميدي (٨٩٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٧٨).","vol":"5","page":115},{"text":"رسول اللّه - ﷺ - بينه وبين أبي مرشد الغنوي واستعمله النبي - ﷺ - على الصدقات وكان يعلم أهل الصفة القرآن ولما فتح الشام أرسله عمر بن الخطاب ومعاذا وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفقهوهم فأقام عبادة بن الصامت بحمص ومعاذا بفلسطين وأبو الدرداء بدمشق ثم صار عبادة إلى فلسطين روي له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة حديث وثمانون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بآخرين قال: الأوزاعي أول من ولي قضاء فلسطين عبادة وكان فاضلًا خيرا جميلا طويلا جسميا توفي ببيت المقدس وقيل بالرملة سنة أربع وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين سنة وقيل توفي سنة خمس وأربعين والأول أصح وأشهر، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ - \"اتق اللّه يا أبا الوليد لا تأت يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء\" سيأتي الكلام على الرغاء والخوار والثغاء في حديث عدي بن عميرة الذي بعد واللّه أعلم.\n\n١١٦٥ - م - وَعَن عدي بن عميرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من استعملناه مِنْكُم على عمل فكتمنا مخيطا فَمَا فَوْقه كَانَ غلولا يَأْتِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَقَامَ إِلَيْهِ رجل أسود من الْأَنْصَار كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه اقبل عني عَمَلك، قَالَ وَمَا لَك قَالَ سَمِعتك تَقول كَذَا وَكَذَا، قَالَ وَأَنا أَقُول الْآن من استعملناه مِنْكُم على عمل فليجئ بقليله وَكَثِيره فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخذ وَمَا نهي\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ الترجمة ٢٨١).","vol":"5","page":116},{"text":"عَنهُ انْتهى، رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: وعن عدي بن عميرة بفتح العين وكسر الميم [وبالراء ابن فروة بن زرارة بن الأرقم بن النعمان بن عمرو بن وهب بن ربيعة الكندي الحضرمي أبو زرارة وهو والد عدي بن عدي الذي قبله وأخوه العرس بن عميرة. سكن الكوفة، ثم انتقل إلى الجزيرة وسكنها، ومات بها (^٢)].\nقوله - ﷺ - \"من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلول يأتي به يوم القيامة\" المخيط بكسر الميم وسكون الخاء الإبرة وفي الحديث دليل على أن قليل ما غنم وكثيره مقسوم بين من شهد الوقعة ليس لأحد أن يستبد به وإن قل إلا الطعام الذي وقعت فيه رخصة (^٣) ا. هـ.\nوالغلول: هو ما يأخذه أحد الغزاة مختصا به ولا يحضره لأمير الجيش (^٤)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الجهاد.\n\n١١٦٦ - وَعَن أبي حميد السَّاعِدِيّ - ﵁ - قَالَ اسْتعْمل النَّبِيّ - ﷺ - رجلًا من الأزد يُقَال لَهُ ابْن اللتبية على الصَّدَقَة فَلَمَّا قدم قَالَ هَذَا لكم وَهَذَا أهدي إِلَيّ، قَالَ فَقَامَ رَسُول اللّه - ﷺ - فَحَمدَ اللّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِنِّي أسْتَعْمل\n_________\n(^١) مسلم (١٨٣٣)، وأبو داود (٣٥٨١).\n(^٢) انظر: الاستيعاب (٣/ الترجمة ١٧٨٥)، وجامع الأصول (١٢/ ٥٩٩)، وأسد الغابة (٣/ ٥١١ - ٥١٢)، وتهذيب الكمال (١٩/ الترجمة ٣٨٨٨).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٩١) وزاد وهذا قول الشافعي.\n(^٤) قاله المنذري كما في كتاب الجهاد باب الترهيب من الغلول وزاد: سواء قل أو كثر وسواء كان الآخذ أمين الجيش أو أحدهم.","vol":"5","page":117},{"text":"الرجل مِنْكُم على الْعَمَل مِمَّا ولاني اللّه فَيَأْتِي فَيَقُول هَذَا لكم وَهَذَا هَدِيّه أهديت لي أَفلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه حَتَّى تَأتيه هديته إِن كانَ صَادِقًا وَاللّه لا يَأْخُذ أحد مِنكم شَيْئا بِغَيْر حَقه إِلَّا لَقِي اللّه يحملهُ يَوْم الْقِيَامَة فَلَا أَعرفن أحدا مِنْكُمْ لَقِي اللّه يحمل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء أَو بقرة لهَا خوار أَو شَاة تَيْعر ثمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى رئي بَيَاض إبطَيْهِ يَقُول اللَّهُمَّ هَل بلغت، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^١).\nاللتبية: بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا يَاء مثناة تَحت مُشَدّدَة ثمَّ هَاء تَأْنِيث نِسْبَة إِلَى حَيّ يُقَال لَهُم بَنو لتب بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء وَاسم ابْن اللتبية عبد اللّه.\nوَقَوله: وتيعر هُوَ بمثناة فَوق مَفْتُوحَة ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة ثمَّ عين مُهْملَة مَفْتُوحَة وَقد تكسر أَي تصيح واليعار صَوت الشَّاة.\nقوله وعن أبي حميد الساعدي، أبو حميد اسمه عبد الرحمن، وقيل المنذر بن سعد بن المنذر، وقيل ابن سعد بن مالك، وقيل غير ذلك الأنصاري الساعدي من بني ساعدة بطن من الأنصار الخزرجي المدني توفي في خلافة معاوية روى عنه جماعة ووصف صلاة النبي - ﷺ - روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ستة وعشرون حديثًا (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٩٧)، ومسلم (١٨٣٢)، وأبو داود (٢٩٤٦).\n(^٢) الاستيعاب (٢/ الترجمة ١٤٢٠)، وتلقيح فهوم أهل الأثر (ص ١٦١ و٢٦٦)، وجامع الأصول (١٢/ ٥٨٨)، وأسد الغابة (٣/ الترجمة ٣٣١٥)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢١٥ - ٢١٢ ترجمة ٧٧٠).","vol":"5","page":118},{"text":"قوله: استعمل النبي - ﷺ - رجلًا من الأزد يقال: له ابن اللتبية على الصدقة الحديث والأزد بفتح الهمزة وإسكان الزاي المعجمة من أزدشنوءة، ويقال: لهم الأسد بالسين المهملة الساكنة نسبة إلى الأسد، واللتبية بإسكان التاء المتناة ومنهم من فتحها قالوا وهو خطأ ومنهم من يقول الأتبية بفتحها قالوا وهو خطأ أيضًا (^١) قال: الحافظ الدمياطي الصَّواب الأول وهو الذي جاء في الصحيحين نسبة إلى حي يقال: لهم بنو لُتب بضم اللام وسكون التاء قاله: المنذري، وقال: في المفهم (^٢) الرِّواية المعروفة هنا بفتح التاء وقد جاء في الرِّواية الأخرى الأتبية وكلاهما صحيح الرِّواية جائز وابن اللتبية اسمه عبد اللّه قاله: المنذري.\nقوله فقام رسول اللّه - ﷺ - اللوحة فحمد اللّه وأثنى عليه أي خطيبا ذكر البخاري أن هذه الخطبة كانت عشية بعد العصر.\nقوله: \"واللّه لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي اللّه يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدا منكم لقي اللّه يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر\" الرغاء بضم الراء والغين المعجمة والمد هو صوت الإبل وفيه وجهان أحدهما يحمله بصورته والثاني يحمل إثمه (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(^٢) المفهم (١٢/ ٨٤).\n(^٣) كشف المشكل (٢/ ١٦٨).","vol":"5","page":119},{"text":"والخوار بضم الخاء صوت البقر وقد روى بالجيم والهمزة وهو رفع الصوت والإستغاثة وَالْمَشْهُورُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. قاله: في النهاية (^١).\n[وقوله ج:] أو شاة تيعر هو بمثناة فوق مفتوحة ثم مثناة تحت [ساكنة ثم عين مهملة] مكسورة ومفتوحة معناه تصيح [واليعار صوت الشاة] بضم الياء المثناة (^٢) ا. هـ.\nالخوار: بالخاء مستعمل في الشاة والظباء والجؤار للبقر والناس ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (^٣) وفي حديث موسى - ﵇ - له جؤار إلى اللّه أي صوت عال، ا. هـ. قاله عياض (^٤).\n[قوله ض:] ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، الإبط ما تحت الجناح [والجمع آباط] قال الشيخ أبو عبد اللّه بن أبي جمرة في [إقليد] التقليد على المدونة ﷺ استدل بعضهم على سعة الأكمام بهذا الحديث وهو قوله إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه لأن بياض الإبط لا يرى إلا مع سعة الكم وفي الأثر كانت أكمام الصحابه واسعة وإنما كانت ضيقة في الأسفار (^٥) ا. هـ.\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٣٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٩).\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(^٤) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٥) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"5","page":120},{"text":"قال شيخ الإسلام بن عبد السَّلام (^١) في فتاويه توسعة الثياب والأكمام بدعة (^٢) وترف وتضيع للمال، وقال الشيخ محب الدين الطبري في أحكامه (^٣): في أبواب الاستشفاء مما يعد من خصائص النبي - ﷺ - أن الإبط من سائر الناس متغير بخلافه - ﷺ - فإنه كسائر جسده (^٤) رواه أحمد والترمذي والنسائي وذكر\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٣٨).\n(^٢) يكره إطالة الكُم عن الحد المعتاد وهو من الإسبال: نص عليه الشافعية والحنابلة وهو قول ابن باز ابن عثيمين فعن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الصَّحَابِيَّةِ ﵂ قَالَتْ كَانَ كُمُّ قميص رَسُولُ اللّهِ - ﷺ - إلَى الرُّسْغِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيث حَسَنٌ.\nينظر: حاشية قليوب وعميرة (١/ ٣٥١) وقال: ويحرم إفراط سعة الأكمام أو الثياب أو طولها مع الخيلاء، ويكره بغيرها. المجموع (٤/ ٤٥٤).\nيستحب تقصير الكم لحديث أسماء بنت يزيد الصحابية ﵂ قَالَتْ كان كم قميص رسول اللّه - ﷺ - إلى الرسغ رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن. الإقناع (١/ ٩١): ويحسن تطويل كم الرجل إلى رؤس أصابعه أو أكثر يسيرا وتوسيعه قصدا وقصر كم المرأة وتوسيعه من غير إفراط. فتاوى نور على الدرب (٢٢/ ٢): أما تطويل الأكمام في اليدين فإن من العُلماء من قال إن فيه الخيلاء فإن بعض الناس قد يطيل أكمامه وقد يوسعها توسيعا أكثر مما يحتاج إليه فخرا وخيلاء وتطاولا فيناله من الوعيد مثل ما نزل ثوبه وعلى كلّ حال فإن تطويل الأكمام وتوسيعها أكثر مما يحتاج إليه قد يكون داخلا في الإسراف الذي نهي اللّه عنه وقال تعالى (لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) نعم.\n(^٣) لم نقف عليه.\n(^٤) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ١٣٩). قال الشيخ ابن باز في تعليقه على الفتح (٢/ ٢٩٥): مثل هذا التخصيص يحتاج إلى دليل، ولا أعلم في الأحاديث ما يدلّ على ما قاله المحب، فالأقرب ما قاله القرطبي، وهو: أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن =","vol":"5","page":121},{"text":"بعض الشافعية أن النبي - ﷺ - لم يكن تحت إبطيه شعر بل كان له بياض لحديث أنس، وقال الشيخ جمال الدين الأسنوي في المهمات: من خصائص النبي - ﷺ - أنه لم يكن له تحت إبطيه شعر، وأما غيره فله شعر أسود وفيما قاله نظر، فإنه لم يثبت في الكتب المعتمدة أنه من الخصائص قاله في شرح الأحكام (^١).\nوفي رواية \"فرفع يديه حتى رأينا عفرة إبطية\"، والعفرة بضم العين المهملة وفتحها والفاء ساكنة فيهما قاله في المشارق والمطالع والأشهر ضم العين (^٢). قال: الأصمعي (^٣) وآخرون عفرة الإبط هي البياض ليس بالناصع بل فيه شيء كلون الأرض مأخوذ من عفر الأرض بفتح العين والفاء وهو وجهها وهو ظاهر في إبطه ﵇ - لم يكن فيه شعر وقد جاء في الحديث وصفه كثيرًا قد أشار ابن ماجة إلى ذلك ا. هـ قاله في شرح الإلمام.\nأما وصف الإبط بالبياض فيحتمل أنه لكونه ليس فيه شعر خلقة ويحتمل أنه لمحافظته على إزالته والأول أولى واختاره المنذري، وقد جاء في رواية عفرة إبطيه وضبطه وهي بياض غير خالص فيه قليل أحمرة، قاله ابن الصلاح (^٤): وفي رواية: وضح إبطيه وقال المنذري: كان هذا من [جماله]- ﷺ -\n_________\n= عليه ثوب لرئي، قاله القرطبي، وهو ظاهر كثير من الأحاديث، ويحتمل أن يكون شعر إبطيه - ﷺ - كان خفيفًا فلا يتضح للناظر من بعد سوى بياض الإِبطين، واللّه أعلم.\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٨٠ - ٨١).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٩٧) ومطالع الأنوار (٥/ ٢٤).\n(^٣) غريب الحديث (٢/ ١٤٢)، والغريبين (٤/ ١٢٩٨)، وتاج العروس (١٣/ ٨٩).\n(^٤) شرح مشكل الوسيط (٢/ ١٤٠).","vol":"5","page":122},{"text":"كان هذَا من جَمَالِهِ - ﷺ -؛ لأنّ كلَّ إِبطٍ أَسْوَد من سائر النّاس متغير؛ لأنّه مغمومٌ مِرْواحٌ متفالّ، وكان منه - ﷺ - مُتَأرِّجًا عَطِرًا. (^١) قاله في شرح الإلمام.\nقوله يقول: \"اللهم هل بلغت\" معناه ما أمرت به من التحذير والإنذار وغير ذلك والمراد تحريضهم على [تحفظه] واعتنائهم به لأنه مأمور بإنذارهم واللّه أعلم (^٢).\nوفي هذا الحديث دليل واضح على أن هدايا العمال حرام وغلول لأنه خان في ولايته وأمانته وكذلك هدايا الأمراء والقضاة وكل من ولي أمر من أمور المسلمين العامة لا يجوز وإن حكمها حكم الغلول في التغليظ والتحريم لأنها أكل المال بالباطل وقد بين النبي - ﷺ - في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه وأنها سبب الولاية بخلاف الهدية لغير العامل فإنها مستحبة ويجب على العامل رد ما أخذه باسم الهدية وأنه يرده إلى مهديه فإن تعذر فإلى بيت المال كذا قال: أصحابنا قاله: النووي (^٣) ويستثنى من ذلك من كان يهدي له قبل الولاية فيباح قدر ذلك (^٤) وله تفاصيل معروفة في كتب الفقه.\n_________\n(^١) قاله أيضًا القاضي ابن العربي في المسالك (٣/ ٣٠٩)، وفي عارضة الأحوذى (٣/ ٥٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٩).\n(^٤) روضة الطالبين (١١/ ١٤٣).","vol":"5","page":123},{"text":"تنبيه: قال ابن بطال (^١): لما أخذ اللّه على أنبيائه الميثاق في تبليغ دينه لأممهم وجعل العُلماء ورثة الأنبياء وجب عليهم أيضًا التبليغ والنشر حتى يظهر على جميع الأديان وكان في عصره فرض عين وأما اليوم فهو فرض كفاية لانتشار الدين وعمومه ا. هـ. وإنما كرر ذلك ثلاثا في بعض الروايات ليكون أكثر وقعا وتعظيما وحفظا في خواطرهم يعني اللّه شاهد على تبليغ حال الفرقة حتى لا ينكروا تبليغي يوم القيامة وإنما كرر هذا التقرير أيضًا موعظة للناس وحجة عليهم ا. هـ.\n\n١١٦٧ - وَعَن أبي مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ - ﵁ - قَالَ بَعَثَنِي رَسُول اللّه - ﷺ - ساعيا ثمَّ قَالَ انْطلق أَبَا مَسْعُود لا ألفينك تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على ظهرك بعير من إبل الصَّدَقَة لَهُ رُغَاء قد غللته قَالَ فَقلت إِذا لَا أَنطلق قَالَ إِذا لا أكرهك، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله عن أبي مسعود الأنصاري اسمه [عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو أسيرة بن عسيرة بن عطية بن جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، أبو مسعود البدري، صاحب النبي - ﷺ -. وأمه سلمى بنت عامر بن عوف بن عبد اللّه، شهد العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم قال شعبة، عن الحكم: كان أبو مسعود بدريا، وقال شعبة، عن سعد بن إبراهيم: لم يكن أبو مسعود بدريا، وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: لم يشهد بدرا، وهو قول محمد بن إسحاق، وقيل: إنه كان يسكن ماء ببدر فنسب إليه وسكن\n_________\n(^١) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٤٤٩)\n(^٢) أبو داود (٢٩٤٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٨١).","vol":"5","page":124},{"text":"الكوفة وكان من أصحاب علي، واستخلفه علي على الكوفة لما سار إلى صفين وجملة ما روى أبو مسعود عن النبي - ﷺ - مائة حديث وحديثان، أخرج له منها في الصحيحين سبعة عشر حديثًا (^١)].\nقوله بعثني رسول اللّه - ﷺ - ساعيا ثم قال: \"انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجييء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته\" قال إذا لا أنطلق قال \"إذا لا أكرهك\" وتقدم الكلام على الغلول وعلى الرغاء في الحديث قبله وفيه [أن ترك الولاية والإمارة] من الحزم والاحتياط لنفسه فامتنع من قبول الولاية مع [تشوف] النفوس إليها خوفا من الوقوع في المحذور فإن الولاية مظنة تعلق الأثام بالمتولى ألا ترى إلى قول النبي - ﷺ - لأبي ذر - ﵁ -: \"لا تأمرن على اثنين ولا تلي مال يتيم\" وروى الحاكم في المستدرك (^٢) بإسناده عن رسول اللّه - ﷺ - أنه قال: إن الإمام إذا لم يعدل في حكمه لم يقبل اللّه له صلاة وغير ذلك من الأحاديث.\n\n١١٦٨ - وَعَن أبي رَافع - ﵁ - قَالَ كانَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا صلى الْعَصْر ذهب إِلَى بني عبد الأَشْهَل فيتحدّث عِنْدهم حَتَّى ينحدر للمغرب قَالَ أَبُو رَافع فَبَيْنَمَا النَّبِيّ - ﷺ - مسرع إِلَى الْمغرب مَرَرْنَا بِالبَقِيعِ فَقَالَ أفا لَك أفا لَك فَكبر ذَلِك فِي ذرعي فاستأخرت وظننت أَنه يُرِيدنِي فَقَالَ مَا لَك امش فَقلت أأحدّثت حَدثا قَالَ وَمَا لَك قلت أففت بِي قَالَ لَا وَلَكِن هَذَا فلَان بعثته ساعيا\n_________\n(^١) كشف المشكل (٢/ ١٩٧)، وتهذيب الكمال (٢٠/ الترجمة ٣٩٨٤).\n(^٢) أخرجه ومسلم (١٨٢٦)، وأبو داود (٢٨٦٨).","vol":"5","page":125},{"text":"على بني فلَان فَغَلَّ نمرة فدرع على مثلهَا من النَّار، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\n\"النمرة\" بِكَسْر الْمِيم كسَاء من صوف مخطط.\nقوله: وعن أبي رافع أبو رافع هو مولى رسول اللّه - ﷺ - اختلف في اسمه فقيل أسلم وقيل هرمز وقيل ثابت وقيل إبراهيم وقيل صالح وكان قبطيا وهبه العبَّاس للنبي - ﷺ - فلما بشره بإسلام العبَّاس أعتقه فيما قيل شهد أحدا والخندق وما بعدها مع رسول اللّه - ﷺ - روى عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث وعن ابن مسعود وغيره [روى عنه ابناه عبد اللّه والحسين، والحسن، وعطاء بن يسار، وسعيد المقبري، مات بالمدينة بعد قتل عثمان [بيسير وقيل: مات في] أول خلافة علي وروى له الجماعة أيضًا ا. هـ.\nقوله كان رسول اللّه - ﷺ - إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدت عندهم حتى ينحدر للمغرب .. الحديث.\nبنو عبد الأشهل قبيلة من قبائل العرب معروفة [هم من الأوس، وعبد الأشهل هو ابن جشم بن الحرث بن الخزرج الأصغر بن عمرو وهو النبيت بن مالك بن أوس بن حارثة. وقال ابن دريد: زعموا أن الأشهل صنم والنسبة إليه أشهلي، منهم: أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل].\nقوله: قال أبو رافع بينما النبي - ﷺ - مسرعا إلى المغرب مررنا بالبقيع. البقيع بالباء هو مقبرة مدينة رسول اللّه - ﷺ - المعدة لدفن الأموات قوله فكبر\n_________\n(^١) النسائي (٢/ ١١٥)، وابن خزيمة (٢٣٣٧)، وأحمد (٢٧١٩٢).","vol":"5","page":126},{"text":"ذلك في ذرعي أي عظم عندي موقعة قوله ولكن هذا فلان بعثته ساعيا على بني فلان فضّل نمرة، النمرة: كساء من صوف مخطط.\nقوله: فدرع مثلها أي جعل له درع من نار.\n\n١١٦٩ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﷺ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِنِّي مُمْسك بِحُجزِكُمْ عَن النَّار هَلُمَّ عَن النَّار هَلُمَّ عَن النَّار وتغلبونني تقاحمون فِيهِ تَقَاحم الْفراش أَو الجنادب فَأوشك أَن أرسل بِحُجزِكُمْ وَأَنا فَرَطكُمْ على الْحَوْض فَتَردونَ عَليّ مَعًا وأشتاتا فأعرفكم بِسِيمَاكُمْ وَأَسْمَائِكُمْ كَمَا يعرف الرجل الغريبة من الإِبِل فِي إبِله وَيذْهب بكم ذَات الشمَال وأناشد فِيكُم رب الْعَالمين فَأَقُول أَي رب قومي أَي رب أمتِي فَيَقُول يَا مُحَمَّد إِنَّك لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك إِنَّهُم كَانُوا يَمْشُونَ بعْدك الْقَهْقَرَى على أَعْقَابهم فَلَا أَعرفن أحدكُم يَوْم الْقِيَامَة يحمل شَاة لهَا ثُغَاء فينادي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد بلغتك فَلَا أَعرفن أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يحمل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء فينادي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد بلغتك فَلأ أَعرفن أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يحمل فرسا لَهُ حَمْحَمَة فينادي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَأقول لا أملك لَك شَيْئا قد بلغتك فَلَا أَعرفن أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يحمل سقاء من أَدَم يُنَادي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد بلغتك، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار إِلَّا أَنه قَالَ قشعا مَكَان سقاء وإسنادهما جيد إِن شَاءَ اللّه (^١).\n_________\n(^١) البزار (٩٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٨٥)، ورجال الجميع ثقات، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٣٣٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٤٤)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٨٢). وينظر: المطالب العالية (٢٢٥٢).","vol":"5","page":127},{"text":"الفرط: بِالتَّحْرِيكِ هُوَ الَّذِي يتَقَدَّم الْقَوْم إِلَى الْمنزل ليهئ مصالحهم.\nوالحجز: بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم بعدهمَا زَاي جمع حجزة بِسُكُون الْجِيم وَهُوَ معقد الإِزَار وَمَوْضِع التكة من السَّرَاوِيل.\nوالحمحمة: بحاءين مهملتين مفتوحتين هُوَ صَوت الْفرس وَتقدم تَفْسِير الثغاء والرغاء.\nوالقشع مُثَلّثَة الْقَاف وبفتح الشين الْمُعْجَمَة هُوَ هُنَا الْقرْبَة الْيَابِسَة وَقيل بَيت من أَدَم وَقيل هُوَ النطع وَهُوَ مُحْتَمل الثَّلَاثة غير أَنه بالقربة أمس.\nقوله: وعن عمر بن الخطاب تقدم الكلام على عمر في حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" في أوائل الكتاب مبسوطا.\nقوله - ﷺ - \"إني ممسك بحجزكم عن النار\" والحجز قد ضبطها الحافظ وفسرها، فقال: جمع حجزة بسكون الجيم وهو معقد الإزار وموضع التكة من السراويل. اهـ\nقوله - ﷺ - \"تغلبونني تقاحمون فيه تقاحم الفراش أو الجنادب\" والتقاحم: هو عبارة [عن الدخول في الشيء بغتة من غير روية].\nقوله: \"فأوشك\" معناها أسرع.\nقوله: - ﷺ - و\"وأنا فرطكم على الحوض\" الفرط: فسره الحافظ رحمه اللّه تعالى فقال: هو الذي يتقدم القوم إلى المنزل ليهيئ مصالحهم فيها أ. هـ.\nقوله: \"فتردون علي معا وأشتاتا\" [معا أي مجتمعين وأشتاتا أي متفرقين وكذلك شتى وشتات وقيل الشت مفرد والأشتات جمع].","vol":"5","page":128},{"text":"قوله: \"فأعرفكم بسيماكم وأسمائكم\"، السيما: العلامة وتقدم الكلام على ذلك في الوضوء.\nقوله: \"وأنا أناشد فيكم رب العالمين\" المناشدة مأخوذة من النشد وهو رفع الصوت.\nقوله: \"إنهم كانوا يمشون بعدك القهقري على أعقابهم\" القهقري هو المشي [إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه. قيل: إنه من باب القهر].\nقوله: \"فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء\" تقدم تفسير الثغاء قريبا.\nقوله - ﷺ -: \"فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء\" وتقدم أيضًا تفسير الرغاء قريبا.\nقوله - ﷺ -: \"فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة\" قد ضبط الحافظ الحمحمة وفسرها بصوت الفرس.\nقوله - ﷺ -: \"فلا أعرفن أحدكم يوم القيامة يحمل سقاء من أدم\" والأدم الجلد.\nوقوله - ﷺ - في رواية البزار (^١): قشعا من أدم وفسر الحافظ القشع وضبطه، وقال في النهاية: (^٢) القشع من أدم أي جلدا يابسا، وقيل نطعا وقيل أَرَادَ القِرْبة البالِيَة، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْخِيَانَةِ فِي الغَنيمة أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ. ومنه حديث\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١/ ٤٢٦/ ٩٠٠) والرامهرمزي في الأمثال (٢١ - ٢٢) وانظر الصحيحة (٢٨٦٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٦٥).","vol":"5","page":129},{"text":"سلمة غزونا مع أبي بكر على عهد رسول اللّه - ﷺ - فنفلني جارية عليها قشع لها، قيل أراد بالقشع الفرو الخلق.\nوأخرجه الزمخشري عن سلمة (^١) وأخرجه الهروي (^٢)، عن أبي بكر قال: نفلني رسول اللّه - ﷺ - جارية عليها قشع لها ولعلهما حديثان واللّه أعلم ا. هـ. وسيأتي الكلام على غريب هذا الحديث في الجهاد في الغلول مبسوطا واللّه أعلم.\n\n١١٧٠ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - المعتدي فِي الصَّدَقَة كمانعها، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة سعد بن سِنَان عَن أنس وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث كَرِيب وَقد تكلم أَحْمد بن حَنبل فِي سعد بن سِنَان ثمَّ قَالَ وَقَوله المعتدي فِي الصَّدَقَة كمانعها يَقُول على المعتدي من الإِثْم كمَا على الْمَانِع إِذا منع (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ وَسعد بن سِنَان وثق كَمَا سَيَأْتِي.\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام على أنس قوله - ﷺ -: \"المعتدي في الصدقة كمانعها\" الحديث، قال الحافظ المنذري نقلًا عن الإمام أحمد بن حنبل في قوله \"المعتدي في الصدقة كمانعها\" (^٤) يقول: على المعتدي في الإثم كما على المانع إذا منع ا. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٦ - ١٧٥٥) عن سلمة بن الأكوع.\n(^٢) الغريبين (٥/ ١٥٤٧).\n(^٣) أبو داود (١٥٨٥)، والترمذي (٦٤٦)، وابن ماجة (١٨٠٨)، وابن خزيمة (٢٣٣٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٨٣).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"5","page":130},{"text":"ويعني العامل الذي يأخذ في الزكاة أكثر من القدر الواجب بظلم أرباب الأموال هو في الوزر كالذي لايعطي الزكاة وقال: ابن قتيبة الإعتداء والعدوان والتعدي هو الظلم ووضع الشيء في غير موضعه فالاعتداء مجاوزة الحد فقد يكون من الساعي وقد يكون من رب المال وهذا شبه بحديثه الآخر حيث قال: لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن \"إياك وكرائم أموالهم\" (^١) كأنه يمنعهم ذلك عن أدائها السنة القابلة وقد نهى - ﵇ - أن تؤخذ الصدقة من حزرات أموالهم كي يجمعوا (^٢) ا. هـ.\nوقيل أراد الساعي إذا أخذ خيار المال ربما منعه في السنة يكون الساعي سبب ذلك فهما في الإثم سواء (^٣) كما تقدم ذكره.\nقوله: من رواية سعد بن سنان، وسعد بن سنان كندي مصري قال المنذري: تكلم فيه غير واحد من الأئمة واختلف فيه فقيل سعد بن سنان وقيل سنان بن سعد قال: البخاري والصحيح سنان بن سعد واللّه أعلم.\n\n١١٧١ - وَعَن جَابر بن عتِيك - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ سَيَأْتِيكُمْ ركب مبغضون فَإِذا جاؤوكم فرحبوا بهم وخلوا بَينهم وَبَين مَا يَبْتَغُونَ فَإِن عدلوا فلأنفسهم وَإِن ظلمُوا فَعَلَيْهِم وأرضوهم فَإِن تَمام زَكَاتكُمْ رضاهم وليدعوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٨) مسلم (١٩).\n(^٢) أخرجه الطحاوى في معانى الآثار (٣٠٦٧) عن عائشة. وأخرجه أيضًا (٣٠٦٨) والبيهقي في الكبرى (٤/ ١٠٢) عن عروة مرسلًا.\n(^٣) النهاية (٣/ ١٩٣).","vol":"5","page":131},{"text":"كم، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: وعن جابر بن عتيك هو جابر بن عتيك بن [قيس بن الأسود من بني كعب بن سلمة الأنصاري. ويقال: من بني النجار. وقال ابن عبد البر: هو جابر بن عتيك الأنصاري المعاوي، من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، ويقال: جبر بن عتيك. كذا قال ابن إسحاق: جبر فنسبه فقال: جبر بن عتيك بن الحارث بن قيس بن هيشة بن أمية بن زيد بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك الأوسي الأنصاري المعاوي. مدني شهد بدرا وجميع المشاهد بعدها، روى عنه ابناه عبد اللّه، وأبو سفيان، وابن أخيه عتيك بن الحارث بن عتيك، مات سنة إحدى وستين وله إحدى وتسعون سنة (^٢)].\nقوله: \"سيأتيكم ركب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون\" الحديث قال: صاحب المغيث في تفسير غريب القرءان والحديث، الركيب: تصغير ركب والركب جمع راكب كما يقال: صحب وتجر في جمع صاحب وتاجر (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) أبو داود (١٥٨٨)، والبزار (١٩٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٧٩)، رواه البزار ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف لا يضر، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣١٩٧).\n(^٢) جامع الأصول (١٢/ ٢٥٦)، وتهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٨٧٢).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٧٩٤).","vol":"5","page":132},{"text":"وقال المناوي: قال في التنقيح على المصابيح (^١): قال المنذري وغيره: الركب جمع راكب كصاحب وصحب، وضعفه ابن الأثير (^٢) وقال: الراكب اسم من أسماء الجموع كنفر ورهط ولهذا صغر على لفظه ولو كان جمع راكب لقالوا في تصغيره رويكبون كما يقال: صويلحون وصويحبون والركب في الأصل ركبان الإبل في السفر وهم عشرة فما فوقها واتسع فأطلق على كلّ من ركب دابة.\nقوله: \"مبغضون\" أي يبغضونهم بحب المال وعني بهم السعاة إذا أقبلوا لطلب الزكاة، قاله: صاحب المغيث (^٣) ا. هـ.\nوجعلهم - ﷺ - مبغضين لما في نفوس أرباب الأموال من حبها وكراهة فراقها وشدة حلاوتها إلا من عصمه اللّه تعالى كمن أخلص النية.\nقوله: \"فرحبوا بهم\" أي [: قولوا لهم: مرحبا وأهلا؛ أي: احفظوا عزتهم وتعظيمهم].\nقوله: - ﷺ - \"وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليهم\" أي [فعلى أنفسهم] إثم الظلم.\n_________\n(^١) كشف المناهج (٢/ ٨٣).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٥٦).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٧٩٤) وهو قول الخطابى في معالم السنن (٢/ ٤٠).","vol":"5","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>فصل</span>\n١١٧٢ - عَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - أَنه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول لا يدْخل صَاحب مكس الْجنَّة، قَالَ يزِيد بن هَارُون يَعْنِي العشار، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم (^١)، كلهم من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم كَذَا قَالَ وَمُسلم إِنَّمَا خرج لمُحَمد بن إِسْحَاق فِي المتابعات.\nقَالَ الْبَغَوِيّ: يُرِيد بصَاحِب المكس الَّذِي يَأْخذ من التُّجَّار إِذا مروا عَلَيْهِ مكسا باسم الْعشْر (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ أما الآن فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ مكسا باسم الْعشْر ومكوسا آخر لَيْسَ لَهَا اسْم بل شَيء يأخذونه حَرَامًا وسحتا ويأكلونه فِي بطونهم نَارا حجتهم فِيهِ داحضة عِنْد رَبهم وَعَلَيْهِم غضب وَلَهُم عَذَاب شَدِيد.\nقوله: وعن عقبة بن عامر الصحابي هو أبو حمَّاد ويقال: أبو سعاد ويقال: أبو عامر ويقال: أبو لبيد ويقال: أبو عمرو ويقال: أبو عبيد ويقال: أبو أسيد ويقال: أبو أسد ويقال: أبو الأسود عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي [بن عمرو بن رفاعة] ابن قيس بن جهينة الجهني روى له عن رسول اللّه - ﷺ - خمسة\n_________\n(^١) أبو داود (٢٩٣٧)، وابن خزيمة (٢٣٣٣)، وأحمد (١٧٢٩٤)، والدارمي (١٧٠٨)، وأبو يعلى (١٧٥٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٤١).\n(^٢) شرح السنة للبغوي (٥/ ٣١٠).","vol":"5","page":134},{"text":"وخمسون حديثًا اتفقا منها على تسعة وللبخاري حديث ولمسلم تسعة، وسكن دمشق وكانت له دار في ناحية قنطرة \"سنان\" من \"باب توما\" وسكن مصر ووليها لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربع وأربعين. وتوفّي بها سنة ثمان وخمسين وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن وشهد فتوح الشام وهو كان البريد إلى عمر بن الخطاب بفتح دمشق ووصل المدينة في سبعة أيام ورجع منها إلى الشام في يومين ونصف بدعائه عند قبر الرسول - ﷺ - (^١) وتشفعه به في تقريب طريقه، ومناقبه كثيرة مشهورة ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"لا يدخل صاحب مكس الجنة\" المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس [قال الحافظ قال يزيد بن هارون: يعنى العشار (^٣) والماكس العاشر وأصل المكس النقصان مكس وبخس بمعنى نقص الشيء قاله عياض (^٤).\nوأصل المكس الخيانة قاله بعضهم (^٥)].\n_________\n(^١) من قصد قبر النبي ﷺ أو غيره ظانا أنه يستجاب عنده الدعاء، أو يزاد في أجر طاعته فقد ابتدع في الدين ما ليس منه، وهو يحوم حول حمى الشرك، يوشك أن يقع فيه، والعياذ باللّه. ووضح ذلك شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٤٧): \"ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عند قبر يدعوا لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده - ﷺ -\".\n(^٢) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٦).\n(^٣) الحافظ أي المنذري.\n(^٤) مشارق الأنوار (١/ ٣٧٩).\n(^٥) شرح السنة (١٠/ ٢٩٦).","vol":"5","page":135},{"text":"قوله \"لا يدخل الجنة\" فيه تأويلان كغيره من الأحاديث، أحدهما: أنه محمول على من يستحل ذلك مع علمه بالتحريم فهذا كافر لا يدخلها أصلا، والثاني: معناه جزاؤه ألا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم واللّه أعلم قاله النووي في شرح مسلم (^١)، قال: البغوي (^٢) يريد بصاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه مكسا باسم العشر إلى آخر كلام المنذري ولهم عذاب شديد.\nتنبيه: من الكبائر أخذ المكس والإعانة عليه لقوله - ﷺ - \"لا يدخل الجنة صاحب مكس\" (^٣).\nفائدة: المكاس أعظم إثما من السارق وقاطع الطريق فإنه يحدد على الناس ظلما مستمرا على تعاقب الدهر وتصير سنة يقتدى به فيها فعليه إثمها ما دام يعمل بها من بعده (^٤)، وقد جاء في أثر أنه أمر بقتل صاحب المكس (^٥) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٢).\n(^٢) ينظر: شرح السنة للبغوي (٦/ ١٩).\n(^٣) مسند أحمد (١٧٠٠١) ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٨٧١).\n(^٤) انظر إكمال المعلم (٥/ ٥٢٢).\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٤٥٥) عن رجل عن مالك بن العتاهية بلفظ: \"من لقي صاحب عشور فليضرب عنقه\". وأخرجه أبو عبيد (١٤٥٦) وأحمد ٤/ ٢٣٤ (١٨٠٥٧ و١٨٠٥٩) والحربي في غريب الحديث (٥/ ٣٢/ ١)، والبخاري في التاريخ (٤/ ١/ ٣٠٢)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٦٢، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ٢٣١)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٣٠١ (٦٧١) عن مالك بن عتاهية بلفظ: \"إذا لقيتم عاشرًا فاقتلوه\". وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٤٣٤).","vol":"5","page":136},{"text":"١١٧٣ - وَعَن الْحسن - ﵁ - قَالَ مر عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ - ﵁ -: على كلاب بن أُميَّة وَهُوَ جَالس على مجْلِس الْعَاشِر بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ مَا يجلسك هَاهُنَا قَالَ استعملني على هَذَا الْمَكَان يَعْنِي زيادا فَقَالَ لَهُ عُثْمَان أَلا أحَدثك حَدِيثا سمعته من رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ بلَى فَقَالَ عُثْمَان سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول كَانَ لداود نَبِي اللّه ﵇ - سَاعَة يوقظ فِيهَا أَهله يَقُول يَا آل دَاوُد قومُوا فصلوا فَإِن هَذِه سَاعَة يستجيب اللّه فِيهَا الدُّعَاء إِلَّا لساحر أَو عَاشر فَركب كلاب بن أُميَّة سفينة فَأتى زيادا فاستعفاه فأعفاه، رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١) والأوسط وَلَفظه عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ تفتح أَبْوَاب السَّمَاء نصف اللَّيْل فينادي مُنَاد هَل من دَاع فيستجاب لَهُ هَل من سَائل فَيعْطى هَل من مكروب فيفرج عَنهُ فَلَا يبْقى مُسلم يَدْعُو بدعوة إِلَّا اسْتَجَابَ اللّه ﷿ لَهُ إِلَّا زَانِيَة تسْعَى بفرجها أَو عشارا (^٢).\nقوله: وعن الحسن تقدم الكلام على الحسن، قوله مر عثمان بن أبي العاصي على كلاب بن أمية عثمان بن أبي العاصي الثقفي استعمله رسول اللّه - ﷺ - على الطائف ثم أقره أبي بكر وعمر، توفي في خلافة معاوية وله عقب كثير أشراف قدم على رسول النبي - ﷺ - في وفد تقيف فأسلموا وروي له عن رسول اللّه - ﷺ - تسعة أحاديث روي له مسلم ثلاثة منها ولم يزل على\n_________\n(^١) أحمد (١٦٢٨١)، والطبراني في الكبير (٨٣٧٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٤٤).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٢٧٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٨٤).","vol":"5","page":137},{"text":"الطائف وهو الذي منع أهل الطائف من الردة بعد النبي - ﷺ - فأطاعوه ثم سكن البصرة (^١).\nقال: بعض المفسرين (^٢) أن سبب تسمية الطائف أنها الجنة التي ذكرها اللّه تعالى في سورة [ن] قال: اللّه ﷾: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ (^٣) [كان الطائف] جبريل ﵇ -[اقتلعها] من موضعها فأصبحت [كالصريم وهو الليل أصبح موضعها كذلك، ثم سار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت] ثم أنزلها [حيث الطائف اليوم] فسميت باسم الطائف الذي طاف عليها [وطاف] بها وتلك الجنة على فراسخ من صنعاء ومن ثم كان الشجر والماء في الطائف [دون] ما حولها من الأرضين (^٤) ا. هـ قاله في الديباجة.\n[قوله مر] على كلاب بن أمية هو: كلاب بن أمية بن [حرثان بن الأشكر بن عبد اللّه بن زهرة بن جندع بن ليمث الكناني الليثي، قيل: أسلم هو وأبوه، وأبوه هو الذي يقول: أتاه مهاجران فولجاه قال البخاري: هو أبو هارون، سمع النبي ﵌ (^٥)].\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢١ ترجمة ٣٩٣).\n(^٢) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٤٢)\n(^٣) سورة القلم، الآية: ١٩.\n(^٤) الروض الأنف (٧/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٥) أسد الغابة (٤/ ٤٦٥).","vol":"5","page":138},{"text":"قوله: \"وهو جالس على مجلس العاشر بالبصرة\"، مجلس العاشر: هو الموضع الذي يؤخذ فيه المكس باسم العشر، قوله بالبصرة البصرة بفتح الباء وكسرها لغتان مشهورتان، والبصرة مدينة مشهورة معروفة.\nقوله: فقال: ما يجلسك ها هنا؟ فقال: استعملني على هذا المكان يعني زيادًا يعني وَلّاني على مال لأخذ العشور التي تؤخذ باسم المكس وزياد هو ابن أمية (^١) وبعضهم يقول زياد بن أبي سفيان ا. هـ.\nواسمه: صخر وبعضهم يقول: زياد الأمير وكنيته أبو المغيرة وكان أحمر اللون في عينه اليمنى انكسار، وقال ابن عبد البر (^٢): قد اختلف في مولد زياد فقيل عام الفتح بالطائف وقيل عام الهجرة، وقيل قبل الهجرة، وقيل يوم بدر، وليست له صحبة ولا رواية ولم ير رسول اللّه - ﷺ - بل أسلم في زمان أبي بكر، وقال البلاذري (^٣): لما استولى علي - ﵁ - على [البصرة فاستعمل عليها] ابن عباس استكتب زيادا وأقام حتى توجه ابن عباس إلى مكة مراغما لعلي فولاه علي على فارس وكان من أخص أصحابه فلما قتل أمير المؤمنين بعث معاوية المغيرة بن شعبة إلى زياد فخدعه حتى صالح معاوية وقال الأصمعي: أول من ضرب الدَّنانير والدراهم ونقش عليها اسم الله ومحى عنها اسم\n_________\n(^١) أسد الغابة ٢/ ٢٧١، الكامل ٣/ ٤٩٣، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١/ ١٩٨، العبر ١/ ٥٨، تاريخ الإسلام ٢/ ٢٧٩، ٢٨٠، الوافي بالوفيات ١٠/ ١٥.\n(^٢) الاستيعاب: ٥٢٣.\n(^٣) أنساب الأشراف (٥/ ١٨٨).","vol":"5","page":139},{"text":"الروم ونقوشهم زياد، وقال الشعبي: أول من جُمع له العراقان وخراسان وسجستان والبحرين وعمان زياد وإنما كانت البحران وعمان إلى ولاة الحجاز، وقال أبو اليقطان: كان معاوية قد جمع لزياد العراقين سنة خمسين فكان يُشَتّي في البصرة ويُصيِّف بالكوفة فيقيم في كلّ مصر ستة أشهر وأما مدّة ولايته فقال أبو عبد اللّه الحاكم (^١): ولي زياد العراق سنة ثمان وأربعين ومات سنة ثلاث وخمسين وقال: أبو القاسم بن عساكر (^٢) عن الأصمعي أقام زياد على العراق تسع سنين (^٣) ما بني دارا ولا وضع لبنة على لبنة ولا غرس شجرة، قال الواقدي: سُّر أهل العراق والعلماء والزهاد بموته وقالوا مات طاغية العراق وأعظم إنكارهم عليه كونه ينال من أمير المؤمنين مع زهده وعفافه وقناعته وشهامته وحسن سياسته وقال ابن عساكر (^٤): ولما بلغ معاوية موته قال:\nوأفردت سهما في الكنانة واحدا ... سيرمى به أو يكسر السهم كاسر (^٥)\nقال علماء السير: كان له أربعون ولدا ذكورًا وإناثًا ا. هـ. قاله في مرآة الزمان.\nقوله سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: كان لداود نبي اللّه ساعة يوقظ فيها أهله يقول يا آل داوود قوموا فصلوا فإن هذه ساعة يستجيب اللّه فيها الدعاء إلا\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٣/ ٤٩٤).\n(^٢) تاريخ ابن عساكر ٦/ ٢٤٢.\n(^٣) تاريخ الطبري ٥/ ١٧٦، ٢١٤، ٢٨٨، مروج الذهب ٣/ ١٩٢، ٢١٥.\n(^٤) تاريخ ابن عساكر ٦/ ٢٤٢.\n(^٥) انظر التعازى (ص ٨٣ و١٦٧) والكامل (٤/ ٢٣).","vol":"5","page":140},{"text":"لساحر أو عاشر، داوود النبي - ﷺ - هو أبو سليمان ﵊ داوود بن إيشا بهمزة مكسورة ثم مثناة من تحت ثم شين معجمة قال: أبو إسحاق الثعلبي في كتابه العرائس (^١) هو داوود بن إيشا فذكر نسبه إلى أن قال: ابن يهود بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وقد تظاهرت الآيات والأحاديث الصحيحة على عظم فضل اللّه تعالى عليه وكان رسول اللّه - ﷺ - إذا ذكر داوود ﵊ قال: كان [أعبد] البشر (^٢)، وفي حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: قال داوود - ﵇ -: إلهي كن لابني سليمان كما كنت لي فأوحى اللّه تعالى إليه يا داوود قل لابنك سليمان يكن لي كما كنت لي حتى أكون له كما كنت لك (^٣)، وقال: الثعلبي، وقال: كعب ووهب بن منبه كان داوود أحمر اللون سبط الرأس أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت فلم يعط أحد مثل صوته قال: أهل التاريخ كان عمر داوود مائة سنة مدّة ملكه منها أربعون سنة - ﷺ - وأعطى أشياء منها تسخير الجبال والطير للتسبيح معه ومنها الحكمة وفصل الخطاب، فالحكمة الإصابة في الأمور وفصل الخطاب قيل معرفة الأحكام وإتقانها وتسهيلها وقيل بيان الكلام ومنها السلسلة\n_________\n(^١) عرائس المجالس (ص ٣٧٦ - ٣٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ (١/ ٨٩)، والختلى في المحبة (٧٥)، والترمذي (٣٤٩٠)، والبزار (٤٠٨٩) والحاكم (٢/ ٤٣٣)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في الصحيحة (٧٠٧).\n(^٣) آداب الشافعي ومناقبه (ص ٢٣٨).","vol":"5","page":141},{"text":"المشهورة ومنها القوة في العبادة والمجاهدة ومنها قوة الملك وتمكينه ومنها قوة بدنه، ومنها إلانة الحديد له (^١) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ - في رواية الطبراني في الكبير: \"إن اللّه يدنو من خلقه فيغفر لمن يستغفر\" دنو اللّه تعالى من خلقه هو عبارة عن قرب كرامة ولطف ورحمته (^٢).\n\n١١٧٤ - وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي الْكَبِير أَيْضًا: سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن اللّه تَعَالَى يدنو من خلقه فَيغْفر لمن يسْتَغْفر إِلَّا لبغي بفرجها أَو عشار (^٣)، وَإسْنَاد أَحْمد فِيهِ عَليّ بن يزِيد وَبَقِيَّة رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَاخْتلف فِي سَماع الْحسن بن عُثْمَان - ﵁ -.\nقوله: في رواية الطبراني \"إلا لبغي بفرجها\" الحديث، يُقَالُ: بَغَتِ الْمَرْأَةُ تَبْغِي بِغَاءً - بِالْكَسْرِ - إِذَا زنَتْ، فَهِيَ بَغِيّ، جَعَلُوا البِغَاء عَلَى زِنَةِ العُيوب، كَالْحِرَانِ والشِّرَاد، لِأَنَّ الزّنَا عيْب. قاله ابن الأثير (^٤).\n\n١١٧٥ - وَعَن أبي الْخَيْر - ﵁ -: قَالَ عرض مسلمة بن مخلد وَكَانَ أَمِيرا على مصر على رويفع بن ثَابت - ﵁ -: أَن يوليه العشور فَقَالَ إِنِّي سَمِعت\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٩ - ١٨١ الترجمة ١٥٣).\n(^٢) قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: يَدْنُو مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ. ويقول شيخ الإسلام - ﵀ -: والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص: فيثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفى ما نفاه اللّه ورسوله كما نفاه، وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء، وينفي المثل والسمي والكفؤ والند بيان تلبيس الجهمية (١/ ٦٢٢).\n(^٣) الطبراني في الكبير (٨٣٧١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٧٣٤).\n(^٤) النهاية (١/ ١٤٤).","vol":"5","page":142},{"text":"رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن صَاحب المكس فِي النَّار، رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَالطَّبَرَانِيّ بِنَحْوِهِ وَزَاد يَعْنِي الْعَاشِر (^١).\nقوله وعن أبي الخير واسمه [مرثد بن عبد اللّه اليزني، أبو الخير المصري ويزن بطن من حمير يروى عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي بصرة الغفاريّ، وزيد بن ثابت، وعمرو، وابن عمرو، وعقبة بن عامر وكان يلزمه، روى عنه يزيد بن أبي حبيب. كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن مروان يحضره، فيجلسه للفتيا. قال ابن عفير: توفى سنه تسعين (^٢)].\nقوله: قال عرض مسلمة بن مخلد وكان أميرا على مصر، الحديث.\nأمر معاوية بن أبي سفيان الأموي مسلمة بن مخلد بن صامت بن نيار بن لوذان بن عبد وُدّ بن زيد بن ثعلبة بن الحارث بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر الأنصاري الخزرجي الساعدي (^٣) وقيل الزرقي وُلّي على الديار المصرية سنة سبع وأربعين للهجرة اختلف في كنية مسلمة بن مخلد، قال: الحافظ ابن عساكر يقال: أبو معن وأبو مسعود وأبو سعيد وأبو معمر وأبو معاوية (^٤)، وقال: ابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة وجامع\n_________\n(^١) أحمد (١٧٠٠١)، والطبراني في الكبير (٤٤٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٨٨)، رواه أحمد والطبراني في الكبير إلا أنه قال: صاحب المكس في النار، يعين العاشر، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٧١).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٧/ ٣٥٧ - ٣٥٩ الترجمة ٥٨٥٠).\n(^٣) ينظر: الأعلام للزركلي (٧/ ٢٢٤) كتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي (ص: ٣٢).\n(^٤) تاريخ دمشق (٥٨/ ٥٤ ترجمة ٧٣٩٩).","vol":"5","page":143},{"text":"الأصول (^١) مسلمة بفتح الميم وسكون السين وفتح اللام بن مخلد بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وفتحها ونيار بكسر النون وتخفيف الياء تحتها نقطتان وبعد الألف راء مهملة والساعدي منسوب إلى ساعدة والزرقي بتقديم الزاي المعجمة المضمومة على الراء المهملة المفتوحة وبالقاف بطن من الأنصار وهم أولاد عامر بن زريق بن عبد حارثة وروى عن رسول اللّه - ﷺ - وله صحبة وكتب البخاري أن له صحبة ثم تحول إلى مصر فنزل بها.\nوقال: أبو الحسن الدَّارقُطْنِي (^٢) مسلمة بن مخلد له صحبة ورواية ولي مصر وأقام بها إلى أن [توفي] روى ابن عبد البر (^٣) وساقه بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي إلى أن قال: حدثنا موسى بن علي بضم العين عن مسلمة بن مخلد، قال: قدم النبي - ﷺ - المدينة وأنا ابن أربع سنين وتوفي وأنا ابن عشر سنين ورواية المصريين أنه ولد [حين قدم] النبي - ﷺ - المدينة (^٤).\nقال: الحافظ بن عساكر قال الحافظ عبد [الغني بن سعيد قال مخلد بضم الميم وفتح الخاء وتشديد اللام والدال مسلمة له صحبة وكان مسلمة] بن مخلد من الغزاة الرماة [وكان] يعد بألف فارس كثير التلاوة للقرآن العزيز\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٨٥٠)، وأسد الغابة (٥/ ١٦٨ ترجمة ٤٩٢٤)، واللباب (٢/ ٦٥).\n(^٢) المؤتلف والمختلف (٤/ ٢٠٠٣).\n(^٣) الاستيعاب (٣/ ١٣٩٨).\n(^٤) الاستيعاب: ٣/ ١٣٩٧ ورواه من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن مسلمة بن مخلد.","vol":"5","page":144},{"text":"وكان أخشع الناس عند قراءة القرآن [وقال] الواقدي وابن عبد الحكم أن مسلمة كان [يقوم] في المحراب يسمع [صوت بكائه و] دموعه على الأرض من كثرة خشوعه.\nوقال: الواقدي وابن الأثير (^١) جمع معاوية بن أبي سفيان الأموي لمسلمة بن مخلد الأنصاري بين ولاية مصر وإفريقية سنة تسع، وقال: الواقدي والطبراني في معجمه الكبير وابن حبان وابن عبد البر وغيرهم أول من جمعت له مصر من العرب مسلمة بن مخلد أقام مسلمة بن مخلد أميرا على مصر بقية خلافة معاوية بن أبي سفيان الأموي وخلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي وخلافة معاوية بن يزيد بن معاوية وقيل أقام مسلمة أميرًا على الديار المصرية خمس عشرة سنة إلى أن توفي في خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي في ذي قعدة سنة اثنتين وستين للهجرة وقيل توفي بمصر سنة ستين للهجرة في خلافة معاوية بن أبي سفيان الأموي، والصحيح أنه عاش بعد خلافة معاوية وتوفي في خلافة ولده يزيد سنة اثنتين وستين.\nوقال: الحافظ بن حبان في كتاب الثقات (^٢) له مات مسلمة بن مخلد الأنصاري بمصر في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وقال غيره: توفي بمصر ودفن بها ببيته بمذبح الجمل سنة اثنتين وستين للهجرة نقل ذلك ابن زولاق\n_________\n(^١) الكامل ٣/ ٤٩٣ تاريخ الإسلام ٢/ ٢٧٩.\n(^٢) الثقات (٣/ ٣٩١).","vol":"5","page":145},{"text":"وابن عبد الحكم والواقدى وغيرهم وقبره هناك معروف بإجابة الدعاء ويتبرك به (^١)، الصادر والوارد وزرت قبره وقيل توفي بأفريقيه والأول أظهر ولم يعقب مسلمة ولدا ذكرا قال: ابن عبد الحكم، وتوفي مسلمة ولم يترك ولدا ذكرا فورثته ابنته أم سهل ابنة مسلمة وتزوج أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان الأموي أم سهل ابنة مسلمة وقضى عبد العزيز على مسلمة بعد وفاته عشرين ألف دينار وكانت دينًا عليه (^٢) ا. هـ. قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه واللّه تعالى أعلم بالصواب.\n[قوله: عرض] على رويفع بن ثابت أن يوليه العشور فقال: إني سمعت\n_________\n(^١) لا يجوز التبرك بالقبور فإن زيارتها للتذكير بالآخرة والاستغفار للميت أمر حث عليه الشارع، أما التبرك وطلب النفع وما شابه ذلك فلا يجوز لأن ذلك لا يطلب إلا ممن يملك النفع والضر وهو الله ﷾. وقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: التبرك بالقبور حرام ونوع من الشرك وذلك لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانًا ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك فيكون من هذه الناحية بدعة أيضًا وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركًا أكبر إذا دعاه لجلب المنفعة أو دفع المضرة. وكذلك يكون من الشرك الأكبر إذا تعبد لصاحب القبر بركوع أو سجود أو ذبح تقربًا له وتعظيمًا له قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧] قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] والمشرك شركًا أكبر كافر مخلد في النار والجنة عليه حرام لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].\n(^٢) انظر: إكمال تهذيب الكمال (١١/ ١٩٢ - ١٩٥).","vol":"5","page":146},{"text":"رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"إن صاحب المكس في النار\" (^١) [صاحب المكس هو الذي يعشر أموال الناس ويأخذ من التجار والمختلفين ما لا يجب عليهم إذا مروا به مكسا باسم العشر أو الزكاة وهو ما فسره بقوله] يعنى [العاشر وريفع بن ثابت] هو: رويفع بن ثابت بن السكن الأنصاري بن حارثة بن عمرو بن زيد فذكره إلى أن قال: الأنصاري النجاري المصري وله صحبة - ﵁ - وشهد فتح مصر وسكن بها واختطَّ بها، وكان فارسًا جَوادًا، وله في المغرب فتوحٌ كثيرة. وكان قد ولَّاه مَسْلَمة بن مُخَلَّد الأنصاري أميرُ مصر بَرْقَةَ وتلك النواحي، فماتَ ببَرقَةَ وهو وال عليها وأمره معاوية على أطرابلس البلدة المعروفة بالغرب سنة ست وأربعين فغزى منها إفريقيه سنة سبع وأربعين وفتحها، وتوفي ببرقة أميرا عليها وقبره بها، وقيل مات بالشام والصحيح الأول وهو آخر من توفي من الصحابة هناك، وروى عنه جماعة من التابعين أحاديث عن النبي - ﷺ - وليس في الصحابة من اسمه رويفع غيره (^٢).\nوأخرج له الإمام أحمد بن حنبل في المسند ستة أحاديث وليس له في الصحيح شيء وفي مسانيده حديث خيبر قال: أحمد (^٣) بإسناده عن رويفع بن\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) انظر تاريخ ابن يونس (١/ ١٨٠ - ١٨٣)، وأسد الغابة (٢/ ٢٩٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٢ ترجمة ١٧٢)، وتهذيب الكمال (٩/ الترجمة ١٩٣٩).\n(^٣) رواه أبو داود (٢١٥٨) و(٢١٥٩)، وحسنه الترمذي (١١٣١)، وصححه ابن حبان (٤٨٥٠): ونصه أن النبي - ﷺ - قال يوم حنين: لا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسقي ماءَه زرع غيره (يعني إتيان الحبالى) ولا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ...","vol":"5","page":147},{"text":"ثابت الأنصاري قال: كنت مع النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر فقام فينا خطيبا فقال \"لا يحل لامرء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره\" الحديث أشار إلى وطئ الحبالى من السبايا وأخرجه عنه أحمد (^١) في المسند أيضًا نهى رسول اللّه - ﷺ - عن \"أن توطأ الأمة حتى تحيض، وعن الحبالى حتى يضعن\" ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"إن صاحب المكس في النار\" يعني العاشر وهو الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه مكسا باسم العشر.\n\n١١٧٦ - وَرُوِيَ عَن أم سَلمَة - ﵁ - قَالَت كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - فِي الصحرَاء فَإِذا مُنَاد يُنَادِيه يَا رَسُول اللّه فَالْتَفت فَلم ير أحدا ثمَّ الْتفت فَإِذا ظَبْيَة موثقة فَقَالَت ادن مني يَا رَسُول اللّه فَدَنَا مِنْهَا فَقَالَ مَا حَاجَتك قَالَت إِن لي خشفين فِي هَذَا الْجَبَل فحلني حَتَّى أذهب فأرضعهما ثمَّ أرجع إِلَيْك، قَالَ وتفعلين قَالَت عذبني اللّه عَذَاب العشار إِن لم أفعل فأطلقها فَذَهَبت فأرضعت خشفيها ثمَّ رجعت فأوثقها وانتبه الْأَعرَابِي فَقَالَ أَلك حَاجَة يَا رَسُول اللّه قَالَ نعم تطلق هَذِه فأطلقها فَخرجت تعدو وَهِي تَقول أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَأنَّك رَسُول اللّه، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٣١٨) وأخرجه النسائي ٧/ ٣٠١، وأبو يعلى (٢٤١٤) و(٢٤٩١)، والدارقطني ٣/ ٦٩، والحاكم ٢/ ١٣٧ من طريقين عن مجاهد عن ابن عباس، قال: نهى رسولُ اللّه - ﷺ - عن بيع المغانم حتى تُقسم، وعن الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن، وعن لحم كلّ ذي ناب من السباع، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٢) الطبراني في الكبير (٧٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٩٥)، وفيه أغلب بن تيميم وهو ضعيف.","vol":"5","page":148},{"text":"قوله: وروي عن أم سلمة تقدم الكلام على أم سلمة واسمها هند وقيل رملة (^١).\nقوله كان رسول اللّه ج بالصحراء، والصحراء بالمد البرية سميت صحراء للون ترابها، قوله: فإذا ظبية موثقة، فقالت: ادن مني يا رسول اللّه فدنا منها الحديث، الظبي: الغزال والأنثى ظبية والجمع ظبيات وظباء وظبية أيضًا اسم امرأة تخرج قبل الدجال تنذر المسلمين به قاله ابن سيده وتكنى الظبية أم الخشف وأم شادن وأم الطلاء والظباء مختلفة الألوان وهي ثلاثة أصناف منها الآرام وهي بيض خالصة البياض الواحدة مثها ريم مساكنها الرمل ويقال إنها ضأن الظباء لأنها أكثر لحوما وشحوما وصنف يسمى العفر وألوانها حمر وهي قصار الأعناق وهي أضعف الظباء عدوا تألف المواضع المرتفعة من الأرض والأماكن الصلبة وصنف يسمى الأدم طوال الأعناق والقوائم بيض البطون وتوصف الظباء بحدة البصر وهي أشد الحيوان نفورا، قاله: في حياة الحيوان (^٢).\nقوله: فقالت إن لى خشفين في هذا الجبل أي ولدين، الخشف بكسر أوله الظبي بعد أن يكون [جداية] وقيل هو خشف أول ما يولد والجمع خشفة قاله: ابن سيده (^٣).\nقوله: قالت: عذبني اللّه عذاب العشار إن لم أفعل، العشار تقدم ذكره.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦١).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٣) المحكم والمحيط الأعظم (٥/ ٢٩)، وحياة الحيوان (١/ ٤١٠).","vol":"5","page":149},{"text":"قوله: فخرجت تعدوا وهي تقول أشهد أن لا إله إلا اللّه، أنك رسول اللّه، العدوة والإسراع في المشي مع تقارب الخطا، وسيأتي الكلام عليه في الجنائز إن شاء اللّه تعالى.\nفائدة: ذكر ابن خلكان (^١) في ترجمة جعفر الصادق أنه سأل أبا حنيفة ما تقول في محرم كسر رباعية ظبى فقال: يا ابن بنت رسول اللّه - ﷺ - لا أعلم ما فيه فقال: إن الظبي لا يكون رباعيا وهو ثنى أبدًا حكاه كشاجم (^٢) في كتاب المصايد والمطارد (^٣).\nوروى الدَّارقُطْنِي والطبراني في معجمه الأوسط (^٤) عن أنس بن مالك قال: مر رسول اللّه - ﷺ - على قوم قد صادوا ظبية وشدوها إلى عمود فسطاط فقالت يا رسول اللّه إني وضعت خشفان فأستأذن لي أن أرضعهما ثم أعود إليهم فقال: - ﷺ - خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما ثم وتأتي إليكم قالوا ما لنا بذلك يا رسول اللّه قال: \"أنا\" فأطلقوها فذهبت فأرضعتهما ثم عادت إليهم فأوثقوها فقال: ﵇ - \"أتبيعوها\" قالوا هي لك يا رسول اللّه فخلوا عنها\n_________\n(^١) وفيات الأعيان (١/ ٣٢٧).\n(^٢) هو محمود بن الحُسين، أبو الفتح الكاتب المعروف بكشاجم؛ هو من أهل الرملة من نواحي فلسطين، هو لقب نفسه كشاجم فسئل عن ذلك فقال: الكاف من كاتب والشين من شاعر والألف من أديب والجيم من جواد والميم من منجم. انظر فوات الوفيات (٤/ ٩٩).\n(^٣) المصايد والمطارد (ص ٢٠٢ - ٢٠٣)، وحياة الحيوان (٢/ ١٤١).\n(^٤) المعجم الأوسط (٥٥٤٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٨/ ٢٩٤) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه صالح المري وهو ضعيف.","vol":"5","page":150},{"text":"فأطلقها، وفي رواية عن زيد بن أرقم لما أطلقها رسول اللّه - ﷺ - رأيتها تسيح في البرية وهي تقول \"لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه\".\nوفي دلائل النبوة للبيهقي (^١) عن أبي سعيد قال: مر النبي - ﷺ - بظبية إلى خباء فقالت يا رسول اللّه حلني حتى أذهب فأرضع خشفي ثم أراجع فتربطني فقال: - ﷺ - \"صيد قوم وربيطة قوم\" قال: فأخذ عليها فحلفت له [فحلها] فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها فربطها رسول اللّه - ﷺ - ثم أتى خباء أصحابها فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها ثم قال: - ﷺ - لو علمت البهائم من الموت ما [تعلمون] ما أكلتم منها سمينا أبدًا، [وفي ذلك يقول صالح الشافعي من قصيدة له].\nوجاء امرؤ قد صاد يومًا غزالة، .. لها ولد خشف تخلف بالكدا\nفنادت رسول اللّه والقوم حضر، .. فأطلقها والقوم قد سمعوا الندا (^٢) ا. هـ.\n\n١١٧٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ويل لِلْأُمَرَاءِ ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أَقوام يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم معلقَة بِالثُّرَيَّا يتذبذبون بَين السَّمَاء وَالأرْض وَلم يَكُونُوا عمِلُوا على شَيْء، رَوَاهُ أَحْمد من طرق رُوَاة بَعْضهَا ثِقَات (^٣).\n_________\n(^١) دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٣٤) ونقله ابن كثير في التاريخ (٦: ١٤٨)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (٢: ٦١) كلاهما عنه.\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ١٤٥).\n(^٣) أحمد (٨٦٢٧)، وأبو يعلى (٦٢١٧)، والبزار (١٦٤٣)، والطيالسي (٢٦٤٦)، والبيهقي =","vol":"5","page":151},{"text":"١١٧٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ويل لِلْأُمرَاءِ ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أَقوام يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم معلقَة بِالثُّرَيَّا يدلون بَين السَّمَاء وَالأرْض وَإِنَّهُم لم يلوا عملا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله وعن عائشة تقدم الكلام على عائشة قوله - ﷺ - \"ويل للعرفاء ويل للأمناء\" أي شدة عذاب في الآخرة، وقال: ابن عباس أنه واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار (^٢).\nقوله: العرفاء، والعرفاء جمع عريف والعريف القيم بأمور القبيلة والجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم، وهو فعيل بمعنى فاعل مبالغة في اسم من يعرف الجند ونحوهم، والعرافة عمل وقال الجوهري: العريف النقيب وهو دون الرئيس وقال غيره: (^٣) والنقيب فوق العريف على القوم وقيل الأمير، قاله: صاحب المغيث (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا ليتذبذبون بين السماء والأرض لم يكونوا عملوا على شيء\"، الثريا النجم المعروف\n_________\n= (١٠/ ٩٧)، والبغوي في شرح السنة (٢٤٦٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٠٠)، رواه أحمد ورجاله ثقات في طريقين من أربعة، ورواه أبو يعلى والبزار.\n(^١) ابن حبان (٤٤٨٣)، والحاكم (٤/ ٩١).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٩/ ٢٥٠).\n(^٣) قاله الماوردى وغيره كما في النجم الوهاج (٦/ ٢٩١).\n(^٤) المجموع المغيث (٢/ ٤٢٨)، والنجم الوهاج (٦/ ٢٩١).","vol":"5","page":152},{"text":"وهو تصغير ثروي ويقال: ثري القوم يثرون وأثروا إذا كثروا وكثرت أموالهم ويقال: إن خلال أفحم الثريا الظاهرة كواكب خفية كثيرة العدد ومنه حديث إسماعيل - ﵇ - قال: لأخيه إسحاق إنك أثريت وأمشيت أي كثر. ثراؤك وهو المال وكثرت ماشيتك ا. هـ، قاله في النهاية.\n\n١١٧٩ - وَرُوِيَ عَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن فِي النَّار حجرا يُقَال لَهُ ويل يصعد عَلَيْهِ العرفاء وينزلون، رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: عن سعد بن أبي وقَّاص (^٢)، سعد بن أبي وقَّاص هو أحد العشرة هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن وهيب ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري المكي المدني أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه - ﷺ - بالجنة وتوفي رسول اللّه - ﷺ - وهو عنهم راض وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب أمر الخلافة إليهم وأسلم قديما بعد أربعة وقيل بعد ستة وهو ابن سبع عشرة سنة وهو \"أول من رمى بسهم في سبيل اللّه\"، \"وأول من أراق دما في سبيل اللّه\" (^٣) وهو من المهاجرين الأوليين هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول اللّه - ﷺ - إليها\n_________\n(^١) البزار (٩٠٤).\n(^٢) الاستيعاب: ٤/ ١٧٠ - ١٧٧، تاريخ بغداد: ١/ ١٤٤ - ١٤٦، تاريخ ابن عساكر: ٧/ ٦٦/ ٢، تاريخ الإسلام: ٢/ ٢٨١، العبر: ١/ ٦٠ الإصابة: ٤/ ١٦٠ - ١٦٤، النجوم الزاهرة: ١/ ١٤٧، تاريخ الخلفاء: ٢٥٠، خلاصة تذهيب الكمال: ١٣٥.\n(^٣) ينظر: مسند أحمد: ١/ ١٦٨ - ١٨٧.","vol":"5","page":153},{"text":"شهد مع رسول اللّه - ﷺ - بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد وكان يقال: له فارس الإسلام وكان مجاب الدعوة وحديثه في دعائه على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة وهو أبو سعدة وأجيبت دعوته فيه في ثلاثة أشياء مشهورة في الصحابة روي له عن رسول اللّه - ﷺ - مائتان وسبعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بثمانية عشر استعمله عمر بن الخطاب على الجيوش التي بعثها لقتال الفرس وهو كان أمير الجيش الذين هزموا الفرس بالقادسية وبجلولا وغنموهم وهو الذي فتح المدائن مدائن كسرى وهو الذي بني الكوفة وولاه عمر العراق قال: الزهري رمى سعد يوم أحد ألف سهم ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن فلم يقاتل في شيء من تلك الحروب توفي سنة خمس وخمسين وقيل غير ذلك توفي بقصره بالعقيق على عشرة أميال وقيل سبعة من المدينة (^١).\nقوله: - ﷺ - \"أن في النار حجرًا يقال له ويل يصعد عليه العرفاء وينزلون\" تقدم ذكره.\n\n١١٨٠ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - مرت بِهِ جَنَازَة فَقَالَ طُوبَى لَهُ إِن لم يكن عريفا، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^٢).\nقوله: عن أنس تقدم ذكر أنس.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٣ - ٢١٤ ترجمة ٢٠٥).\n(^٢) أبو يعلى (٣٩٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٨٩)، رواه أبو يعلى عن محمد ولم ينسبه فلم أعرفه وبقية رجاله ثقات.","vol":"5","page":154},{"text":"قوله أن رسول اللّه - ﷺ - \"مرت به جنازة فقال: طوبى له إن لم يكن عريفًا\" طوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها وقيل غير ذلك.\n\n١١٨١ - وَعَن الْمِقْدَام بن معدي كرب - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - ضرب على مَنْكِبَيْه ثمَّ قَالَ أفلحت يَا قديم إِن مت وَلم تكن أَمِيرا وَلا كَاتبا وَلا عريفا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله عن المقدام بن معدي كرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب أبو كريمة (وقيل: أبو صالح،) وقيل أبو يحيى الكندي صاحب رسول اللّه - ﷺ - مات بالشام وهو ابن إحدى وسبعين سنة روى له الجماعة سوى مسلم (^٢) وسيأتي الكلام عليه مبسوطا واللّه تعالى أعلم.\nقوله أن رسول اللّه - ﷺ - ضرب علي منكبيه ثم قال: \"أفلحت يا قديم\" أي فزت يقال: لكل من أصاب خيرًا مفلح (^٣) قال: الزمخشري (^٤) في كتابه الكشاف والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه قاله البغوي في شرح السنة (^٥) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٩٣٣)، وأحمد (١٧٢٠٥)، والطبراني في مسند الشاميين (١٣٧٧)، والبيهقي (٦/ ٣٦١)، وابن عساكر في التاريخ (٦٠/ ١٩٤)، وجامع الأصول (٢٠٣٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٠٥٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٣)، وتهذيب الكمال (٢٨/ ٤٥٩).\n(^٣) شرح السنة (١/ ٢٠).\n(^٤) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٤٦).\n(^٥) قاله الطيبى في شرح المشكاة (٤/ ١٢٥١).","vol":"5","page":155},{"text":"وقيل الفلاح الفوز والبقاء (^١) وقيل هو الظفر وإدراك البغية وقيل أنه عبارة عن أربعة أشياء بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل (^٢) قالوا ولا كلمة في اللغة أجمع للخيرات منه (^٣) وقديم تصغير المقدام - ﵁ -.\n\n١١٨٢ - وَعَن مَوْدُودُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ضُرَيْبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سَيْفِ بْنِ جَارِيَةَ الْيَرْبُوعِيُّ عَن أَبِيه عَن جدّه - ﵁ -. أَنه أَتَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه إِن رجلًا من بني تَمِيم ذهب بِمَالي كلّه فَقَالَ لي رَسُول اللّه - ﷺ - لَيْسَ عِنْدِي مَا أعطيكه ثمَّ قَالَ هَل لَك أَن تعرف على قَوْمك أَو أَلا أعرفك على قَوْمك قلت لا قَالَ أما إِن العريف يدْفع فِي النَّار دفعا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ومودود لَا أعرفهُ (^٤).\nقوله: وعن مَوْدُودُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ضُرَيْبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سَيْفِ بْنِ جَارِيَةَ الْيَرْبُوعِيُّ عن أبيه عن جدّه [يزيد بن سيف بن حارثة اليربوعي عداده في أعراب البصرة، روى عنه أولاده قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: له صحبة، وكذا قال ابن حبان. وقال أبو عمر: يزيد بن سيف، ويقال ابن يوسف التميمي اليربوعي (^٥)].\n_________\n(^١) شرح السنة (١/ ٢٠).\n(^٢) المفردات في غريب القرآن (ص ٦٤٤) للراغب، وفتوح الغيب (٢/ ١١٨) وشرح المشكاة (٢/ ٤٥٩) للطيبي.\n(^٣) عمدة القاري (١/ ٢٦٦).\n(^٤) الطبراني في المعجم الكبير (٦٤٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٦١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٨٩)، رواه الطبراني في الكبير ومودود وأبوه لم أجد من ترجمهما.\n(^٥) الجرح والتعديل (٩/ ٢٦٦) والاستيعاب (٤/ الترجمة ٢٧٨٥)، وأسد الغابة (٥/ الترجمة ٥٥٦٣).","vol":"5","page":156},{"text":"قوله: أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللّه إن رجلًا من بني تميم ذهب بمالي كلّه الحديث بنو تميم اسم قبيلة معروفة من العرب.\nقوله: - ﷺ - \"ألا أعرفك على قومك\" الحديث.\nالعريف: القيم أو القائم بأمور القوم أو القبيلة ويلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم وهو حَقّ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ النَّاسِ (^١).\n\n١١٨٣ - وَعَن غَالب الْقطَّان عَن رجل عَن أَبِيه عَن جدّه - ﵁ -: أَن قوما كَانُوا على منهل من المناهل فَلَمَّا بَلغهُمْ الإِسْلام جعل صَاحب المَاء لِقَوْمِهِ مائَة من الإِبِل على أَن يسلمُوا فأسلموا وَقسم الْإِبِل بَينهم وبدا لَهُ أَن يرتجعها فَأرْسل ابْنه إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَذكر الحَدِيث وَفِي آخِره ثمَّ قَالَ إِن أبي شيخ كَبِير وَهُوَ عريف المَاء وَإنَّهُ يَسْأَلك أَن تجْعَل لي العرافة بعده، قَالَ إِن العرافة حق وَلا بُد للنَّاس من عرافة وَلَكِن العرفاء فِي النَّار، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم يسم الرجل وَلا أَبَاهُ وَلَا جدّه (^٢).\nقوله وعن غالب القطَّان عن رجل عن أبيه عن جدّه [في إسناده مجاهيل وغالب القطَّان قد وثقه غير واحد من الأئمة واحتج به البخارى ومسلم في صحيحيهما، وذكر ابن عدي هذا الحديث في كتاب الضعفاء في ترجمة غالب القطَّان مختصرا، وقال: ولغالب غير ما ذكرت وفي حديثه النكر وقال أيضًا: الضعف على أحاديث غالب بين (^٣)].\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ٤٢٨)، والنهاية (٣/ ٢١٨).\n(^٢) أبو داود (٢٩٣٤).\n(^٣) الكامل لابن عدي (٦/ ٢٣٥)، مختصر سنن أبي داود (٤/ ١٩٦).","vol":"5","page":157},{"text":"قوله: \"أن قومه كانوا على منهل من المناهل\" الحديث. المنهل من المياه: كلّ ما يطؤه الطريق، وما كان على غير الطريق لا يدعى منهلا، ولكن يضاف إلى موضعه، أو إلى من هو مختص به، فيقال: منهل بني فلان: أي مشربهم وموضع نهلهم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إن العرافة حق ولا بد للناس من عرافة ولكن العرفاء في النار\" يريد إن فيها مصلحة للناس ورفقا بهم في أمورهم وأحوالهم ألا تراه ج يقول \"ولابد للناس من عرافَة ولكن العرفاء في النار\" (^٢) الحديث ومعناه التحذير من التعرض للرياسة والتأمر على الناس لما في ذلك من الفتنة لأن فيها خمار التكبر وأخذ الرشا وأنه إذا لم يقم بحقها ولم يؤد الأمانة فيها أثم واستحق العقوبة في النار (^٣)، والمعنى أن الحاكم يكون أسيرًا متحيرًا يوم القيامة حتى يحاسب فإن كان عادلا خلصه العدل وإن كان جائرًا دخل النار بظلمه (^٤).\nوفي الحديث دليل على جواز تعريف العرفاء على العساكر ونحوها ولتيسر ضبط الجيوش ونحوها على الإمام بإتخاذ العرفاء، وأما قوله - ﷺ - \"ولكن العرفاء في النار\" فمحمول على العرفاء المقصرين في ولايتهم\n_________\n(^١) الغريبين (٦/ ١٩٠١)، والنهاية (٥/ ١٣٨).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٩٣٤) وأخرجه البيهقي ٦/ ٣٦١ من طريق أبي داود وضعف الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (١٣/ ١٧٣) وقال: وهذا إسناد مجهول؛ ولذلك أوردته في ضعيف أبي داود (٥١٠).\n(^٣) انظر: معالم السنن (٣/ ٤)، وشرح السنة (١٠/ ٦٠)، والمجموع المغيث (٢/ ٤٢٨) والنهاية (٣/ ٢١٨).\n(^٤) المفاتيح (٤/ ٣٠٤).","vol":"5","page":158},{"text":"المرتكبون فيها ما لا يجوز كما هو المعتاد لكثير منهم قاله القرطبي وصاحب المغيث في غريب القرآن والحديث (^١). ومنه حديث طاووس أنه \"سأل ابن عباس ما معنى قول الناس أهل القرءان عرفاء أهل الجنة فقال: رؤساء أهل الجنة\" (^٢)، انتهي، قاله في النهاية (^٣).\n\n١١٨٤ - وَعَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة - ﵄ - قَالا قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ليَأْتِيَن عَلَيْكُم أُمَرَاء يقربون شرار النَّاس ويؤخرون الصَّلَاة عَن مواقيتها فَمن أدْرك ذَلِك مِنْكُم فَلَا يكونن عريفا وَلا شرطيا وَلا جابيا وَلا خَازِنًا، رَوَاهُ ابْن حبَان في صَحِيحه (^٤).\nقوله: وعن أبي سعيد وأبي هريرة تقدم الكلام عنهما - ﵄ -، قوله - ﷺ - \"ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا\" والشرطي بضم الشين وسكون الراء وهو الواحد من أعوان الولاة والظلمة (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التذكرة (ص ٨٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠) وانظر التعليقين السابقين.\n(^٢) أورده ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢١٨) ولم أجده مسندا.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) ابن حبان (٤٥٨٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٨٥).\n(^٥) قاله المنذري كما في باب الترغيب في ستر المسلم، والترهيب من هتكه وتتبع عورته من الحدود.","vol":"5","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>التَّرْهِيب من الْمَسْأَلَة وتحريمها مَعَ الْغنى وَمَا جَاءَه في ذمّ الطمع وَالتَّرْغِيب فِي التعفف والقناعة وَالْأكل من كسب يَده</span>\n١١٨٥ - عَن ابْن عمر - ﵄ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لا تزَال الْمَسْألة بأحدكم حَتَّى يلقى اللّه تَعَالَى وَلَيْسَ فِي وَجهه مزعة لحم، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (^١).\nالمزعة بِضَم الْمِيم وَسُكُون الزاء وبالعين الْمُهْملَة هِيَ الْقطعَة.\n\n١١٨٧ - (^٢) وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول الْمَسْألة كلوح فِي وَجه صَاحبهَا يَوْم الْقِيَامَة فَمن شَاءَ استبقى على وَجهه، الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته كلهم ثِقَات مَشْهُورُونَ (^٣).\nقوله عن ابن عمر - ﵁ - تقدم الكلام على ابن عمر، قوله - ﷺ - \"لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللّه تعالى وليس في وجهه مزعة لحم\" الحديث المزعة بضم الميم [وسكون] الزاي وبالعين المهملة وهي اللحم قاله المنذري وقال: غيره أي قطعة يسيرة من اللحم والممزع المقطع ومنه قول الشاعر وباركت يد اللّه في ذاك الأديم الممزع أي المقطع ويعبر بالمزعة عن القليل يقال ما في [الإناء مزعة من الماء أي جرعة (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠).\n(^٢) هذا خطأ في الترقيم. المحقق.\n(^٣) أحمد (٥٦٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥١٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٨٨).\n(^٤) الميسر (٢/ ٤٣٣).","vol":"5","page":160},{"text":"وفى الحديث تأويلان قالهما الإمام أبو عبد اللّه القرطبى في كتابه: قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتاب والشفاعة أحدهما: حمل الحديث على وجهه وأنه يأتى هذا العبد الذي جعل مسألة الناس حرفته، وسؤال الخلق دون الحق دأبه، وعادته يوم القيامة وقد تساقط لحم وجهه فيبقى عظما أجرد قبيح المنظر والثانى: أن المراد أنه يأتى في القيامة ولا قدر له ولا وجه ولا وجاهة عند اللّه تعالى كما جاء في بعض طرق الحديث \"أنه يلقى اللّه ولا وجه له عنده\"، كما يقال: لفلان وجه عند الناس.\nقال الإمام أبو عبد اللّه القرطبى: وقد يجمع له الوجهان: كشف الوجه، وعدم الجاه زيادة في عقوبته (^١) انتهى.\nوعلامة ذنبه حين طلب وسأل بوجهه كما جاءت به الأحاديث الأخر بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي (^٢)، قال ابن عقيل وجاء في الحديث \"أن أهل المعاصى يحشرون على الهيئة التي كانوا يتعاطونها في الدنيا يحشر شارب الخمر والقدح بيده والكوز معلق في عنقه والقدح بيده\" (^٣) وقال في الميسر: وقد عرفنا اللّه تعالى أن الصور في الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال اللّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (^٤) (^٥) وهذا فيمن سأل\n_________\n(^١) قمع الحرص بالزهد والقناعة (ص ١٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٠).\n(^٣) التذكرة (ص ٥٢٦) نقلًا عن أبي حامد الغزالى في الدرة الفاخرة (ص ٦٥).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.\n(^٥) الميسر (٢/ ٤٣٣).","vol":"5","page":161},{"text":"لغير ضرورة سؤالا منهيا عنه وأكثر منه كما في الرِّواية الأخرى من سأل تكثرا فإنما يسأل جمرا (^١) قال ابن بطالى فيه ذم السؤال وتقبيحه، وفهم البخاري، ﵀، أن الذي يأتى يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه السائل تكثرا لغير ضرورة إلى السؤال (^٢)، أي يستكثر بسؤاله المال لا يريد به سد الخلة قال وجازاه اللّه من جنس ذنبه حين بذل ماء وجهه وعنده الكفاية (^٣) والحكمة في ذهاب لحم وجهه وصول حر الشمس إلى العظام بحيث لا يقيها شئ وقال في المفهم: وخص الوجه لأنه بذله فيما أمر بصونه عنه ففى هذا الحديث النهى عن السؤال واتفق العُلماء على تحريم ذلك إلا لضرورة فإذا كان قادرا على الكسب فالصحيح أن السؤال حرام وقيل مكروه بشرط أن لا يذل نفسه وأن لا يلح فيه وأن لا يؤذى المسؤول وإن فقد أحد الشروط فهو حرام، وقال في الميسر وقد عرفنا اللّه - سبحانه - أن الصور في الدار الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال اللّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (^٤) فالذى يبذل وجهه لغير اللّه في الدنيا، من غير ضرورة، بل للتكثر يصيبه شين في الوجه بذهاب اللحم عنه، ليظهر للناس فيه على صورة المعنى الذي خفي عليهم (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٠).\n(^٢) شرح الصحيح (٣/ ٥١٢).\n(^٣) الكواكب الدراري (٨/ ٢٠).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.\n(^٥) الميسر (٢/ ٤٣٣).","vol":"5","page":162},{"text":"١١٨٦ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِنَّمَا الْمسَائِل كدوح يكدح بهَا الرجل وَجهه فَمن شَاءَ أبقى على وَجهه وَمن شَاءَ ترك إِلَّا أَن يسْأَل ذَا سُلْطَان أَو فِي أَمر لا يجد مِنْهُ بدا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، وَعِنْده الْمَسْألة كد يكد بهَا الرجل وَجهه الحَدِيث وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ كد فِي رِوَايَة وكدوح فِي أُخْرَى (^١).\n\"الكدوح\" بِضَم الْكَاف آثَار الخموش.\nقوله: وعن سمرة بن جندب تقدم الكلام عليه.\nقوله ج: \"إنما المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك \"قال: الحافظ المنذري: الكدوح بضم الكاف آثار الخموش ا. هـ، وقال غيره الكدوح بضم الكاف والدال وبالواو والحاء المهملة وهي الآثار من الخدش والعض ونحوه (^٢)، وقيل الكدوح أكثر من الخدش وكل أثر من خدش أو عض ونحوه فهو كدوح (^٣) وكدوح للمبالغة كصبور أي يريق بالسؤال ماء وجهه ومن أراق ماء وجهه فكأنه جرحه (^٤) انتهى.\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٣٩)، والنسائي (٥/ ١٠٠)، والترمذي (٦٨١)، وابن حبان (٣٣٨٦)، وأحمد (٢٠١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٨٧).\n(^٢) كشف المناهج (٢/ ١١٥).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٥٥).\n(^٤) المفاتيح (٢/ ٥١٨).","vol":"5","page":163},{"text":"ويجوز أن يكون مصدرا سمى به الأثر والكدوح في غير هذا السعي والحرص والعمل (^١)، وقال: صاحب المغيث في رواية الترمذي والمسألة كد يكد بها الرجل وجهه وفي رواية أخرى كدوح وفي أخرى خدوش أو خموش الكد: الإتعاب يقال: كد يكد في عمله كدا، إذا استعجل وتعب كأنه يشير إلى الحديث الذي جاء فيه: \"جاءت مسألته خدوشا في وجهه\" لأن الوجه إذا خدش فقد أتعب ويحتمل أن يريد بالوجه ماءه ورونقه (^٢) واللّه أعلم قاله في النهاية (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إلا أن يسئل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا\" إنما جاز سؤال السلطان لأنه لا يلحقه منة فيما يأخذ منه (^٤).\nوقوله - ﷺ -: \"أو في أمر لا يجد منه بدا\" يريد ما تدعو الحاجة إليه والضرورة إلى المسألة فيه ككتاب أو ثوب أو غير ذلك، وأباح أيضًا سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك إذ هم أهل الفضل بها، فإن أوقع حاجته باللّه تعالى فهو أولى وأفضل وأعلى (^٥) على ما يأتي، وكان سفيان الثورى مع\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١٥٥).\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٢١ - ٢٢)، والنهاية (٤/ ١٥٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٥٥) ونصه: فِيهِ \"المَسائلُ كَدٌّ، يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَه\" الكَدُّ: الْإِتْعَابُ، يُقال: كَدَّ يَكُدُّ فِي عَمَله كَدًّا، إِذَا اسْتَعْجل وتَعِب. وَأَرَادَ بالوَجْه مَاءَ ورَوْنَقَه.\n(^٤) قمع الحرص (ص ٣٤).\n(^٥) قمع الحرص (ص ٣٤).","vol":"5","page":164},{"text":"ورعه وفضله يقول: جوائز السلطان أحب إلى من صدقة الإخوان لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن ومثل هذا عن العُلماء الفضلاء في وجمع فيه الناس أبوابا واللّه أعلم ذكره القرطبى في كتابه قمع الحرص بالزهد والقناعة (^١).\nوقال بعضهم: سؤال السلطان هو: أن يسأل حقه من بيت المال الذي في يده وليس على معنى استباحة الأموال التي تخونها أيديهم من غصب ونحوه واللّه أعلم (^٢).\n\n١١٨٨ - وَعَن مَسْعُود بن عَمْرو - ﵁ - أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لا يزَال العَبْد يسْأَل وَهُوَ غَنِي حَتَّى يخلق وَجهه فَمَا يكون لَهُ عِنْد اللّه وَجه، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (^٣).\nقوله: وعن مسعود بن عمرو [ذكر البغوي أنه مسعود بن عمرو بن ربيعة بن عمرو القاري، حليف بني زهرة، شهد بدرًا وروى عن النبي - ﷺ - في كراهة السؤال، روى عنه سعيد بن يزيد، تفرد بحديثه محمد بن جامع العطار، وهو متروك، كذا أورده ابن عبد البر، وأقره ابن الأثير وزاد: وله حديث آخر رواه عنه الحسن في النهي عن قتل الحيات، قال ابن حجر: ودعواه تفرد محمد بن\n_________\n(^١) قمع الحرص (ص ٢٠٦).\n(^٢) جامع الأصول (١٠/ ١٤٤)، والمفاتيح (٢/ ٥١٨).\n(^٣) البزار (٩١٩)، والطبراني في الكبير (٧٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٦)، رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام.","vol":"5","page":165},{"text":"جامع به ليس بصحيح، فقد أخرجه البغوي، وابن السكن، والطبراني، وابن مندة، وأبو نعيم، وغيرهم، من طرق ليس فيها محمد بن جامع، لكن كلها تدور على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (^١)].\nقوله: \"لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فما يكون له عند اللّه وجه\" الحديث].\nقوله - ﷺ -: \"لا يزال العبد يسأل وهو غني\" وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (^٢).\nفائدة: قال ابن الأثير في الجامع: إِذا أطلق المحدّثون: ابْن أبي ليلى، يعنون: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَإِذا أطلقهُ الْفُقَهَاء يُرِيدُونَ ابْنه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (^٣). قال في مسمع الأحباب: ابن أبي ليلى أدرك مائة وعشرين من أصحاب النبي - ﷺ - وليا ولي القضاء ركب أول يوم فاصطفت له الناس فنظر إليه مجنون من المجانين وقال: انظروا إلى من جمع اللّه له سرور الدنيا بحزن الآخرة فقال ابن أبي ليلى: لو سمعتها قبل أن أراك ما وليت لهم شيئًا أسند عن علماء الصحابة وروى عن جماعة من التابعين،\n_________\n(^١) معجم الصحابة (٥/ ٤٠٧) للبغوي، ومعجم الصحابة (٣/ ٦٤) لابن قانع، والاستيعاب (٣/ الترجمة ٢٣٨٧)، وأسد الغابة (٥/ الترجمة ٤٨٩٥)، والإصابة (٦/ الترجمة ٧٩٧٣).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٦٢) طبقات ابن سعد ٦/ ١٠٩، طبقات خليفة ت ١٠٨٠، تاريخ البخاري ٥/ ٣٦٨ تذهيب التهذيب ٢/ ٢٢٦ آ، غاية النهاية ت ١٦٠٢، الإصابة ت ٥١٩٢، تهذيب التهذيب ٦/ ٢٦٠.\n(^٣) جامع الأصول (١٢/ ٨٣١).","vol":"5","page":166},{"text":"قال: النووي (^١) اسم أبي ليلى يسار وهو صحابي شهد أحدا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه - ﷺ - ثم انتقل إلى الكوفة سكنها وحضر مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها وقتل معه بصفين وقال: عبد الملك بن عمير رأتهما عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من أصحاب النبي - ﷺ - يسمعون لحديثه وينصتون له منهم البراء بن عازب، وقال عبد اللّه بن الحارث: ما شعرت أن النساء يلدن مثل ابن أبي ليلى ولد عبد الرحمن لست سنين بقيت من خلافة عمر وهو تابعي كبير جليل واتفقوا على توثيقه وجلالته، وتوفي سنة ثلاث وتسعين ا. هـ واللّه أعلم.\n\n١١٨٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من سَأل النَّاس فِي غير فاقة نزلت بِهِ أَو عِيَال لَا يطيقهم جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة بِوَجْه لَيْسَ عَلَيْهِ لحم.\n\n١١٩٠ - وَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من فتح على نَفسه بَاب مَسْألة من غير فاقة نزلت بِهِ أَو عِيَال لا يطيقهم فتح اللّه عَلَيْهِ بَاب فاقة من حَيْثُ لا يحْتَسب، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ حَدِيث جيد فِي الشواهد (^٢).\nقوله وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله: - ﷺ - \"من سأل الناس في غير فاقة نزلت به أوعيال لا يطيقهم\" الفاقة الحاجة والفقر قوله - ﷺ -: \"جاء يوم القيامة بوجه ليس عليه لحم\" الحديث تقدم الكلام على ذلك في أول الباب.\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٠٣.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٥٢٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٠).","vol":"5","page":167},{"text":"١١٩١ - وَعَن عَائِذ بن عَمْرو - ﵁ - أَن رجلًا أَتَى النَّبِيّ - ﷺ - يسْأَله فَأعْطَاهُ فَلَمَّا وضع رجله على أُسْكُفَّة الْبَاب، قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لَو يعلمُونَ مَا فِي الْمَسْألة مَا مَشى أحد إِلَى أحد يسْأَله، رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق قَابُوس عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -، قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لَو يعلم صَاحب الْمَسْألة مَا لَهُ فِيهَا لم يسْأَل (^٢).\nقوله: وعن عائذ بن عمرو (عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد بن رواحة بن زبينة بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزني، يكنى أبا هبيرة، ويقال لولد عثمان وأوس ابني عمرو: مزينة، نسبا إلى أمهما.\nوكان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة، سكن البصرة، وابتنى بها دارا، وتوفي في إمارة عبيد اللّه بن زياد، أيام يزيد بن معاوية، وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، لئلا يصلي عليه ابن زياد. روى عنه الحسن، ومعاوية بن قرة، وعامر الأحول، وغيرهم. (^٣)\nقوله أن رجلًا أتى رسول اللّه - ﷺ - يسأله فأعطاه فلما وضع رجله على اسكفة الباب الحديث اسكفة الباب بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء\n_________\n(^١) النسائي (٥/ ٩٤)، وأحمد (٢٠٦٤٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩١).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٢٦١٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٣)، وفيه قابوس وفيه كلام، وقد وثق، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٢).\n(^٣) أسد الغابة (٣/ ١٤٦).","vol":"5","page":168},{"text":"المفتوحة هي عتبته قاله: في الصحاح وغيرها (^١).\nقوله - ﷺ -: \"لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله\" وفي رواية الطبراني عن ابن عباس \"لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل\" (^٢) قال: الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (^٣) في كتابه المذكور في أول الباب إذا كان السائل صادقا في سؤاله محتاجا إلى ما يدفع به ضرورته وفاقته فله أن يسأل وعلى الناس أن يعطوه كما دل عليه حديث جرير وغيره وأما إذا كان السائل من الملحين في السؤال الملحفين في طلب النوال الذين اتخذوه ديدنا وعادة وحرفة وصنعة فإنهم يقامون ويخرجون لأنهم يشوشون على الناس وعلى هذا يحمل كراهة مالك وما روى عن معاذ بن جبل في ذلك واللّه أعلم قال: معاذ - ﵁ - \"إذا كان يوم القيامة نادى منادي أين بغضاء اللّه في أرضه فيقوم سؤال المساجد\" (^٤)، وقال: صالح المري قلت: للحسن قد كثر السؤال فمن أعطى قال: من رق قلبك عليه (^٥) واللّه أعلم.\nقوله: ورواه الطبراني في الكبير من طريق قابوس عن عكرمة قابوس لا\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ١٧٧)، ومجمل اللغة (ص ٦٤٦)، ومقاييس اللغة (٣/ ٩٠)، ومشارق الأنوار (١/ ٤٨)، والنهاية (٣/ ١٧٥).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أي في كتابه قمع الحرص.\n(^٤) أورده الغزالي في إحياء علوم الدين (٢/ ٦٣)، وأخرجه ابن حبان مرفوعًا في المجروحين (١/ ٢١٦) عن ابن عمر مرفوعًا وفيه جعفر بن أبان متهم بالكذب. وأخرجه الديلمى في الغرائب الملتقطة (٤٣٥) من حديث بقية، عن اليمان بن أبي اليمان، عن الحسن، عن أنس.\n(^٥) قمع الحرص (ص ٧٤ - ٧٥).","vol":"5","page":169},{"text":"ينصرف للمعجمة والتعريف قال النابغة:\nنُبِّئْتُ أن أبا قابوسَ أوعدني ... ولا قرارَ على زَأْرٍ من الأسَدِ\nقاله في الصحاح (^١).\n\n١١٩٢ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَسْألة الْغَنِيّ شين فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار وَزَاد وَمَسْألة، الْغَنِيّ نَار إِن أعطي قَلِيلا فقليل وَإِن أعطي كثيرًا فكثير (^٢).\nقوله وعن عمران بن حصين تقدم الكلام عليه في الجمعة مبسوطًا.\nقوله - ﷺ -: \"مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة\" الشين هو الشيء الفاحش القبيح يكون في وجهه أي يأتي بوجه ليس عليه لحم كما صرح به في الحديث الآخر وتقدم تحريم الصدقة على الأغنياء واختلفوا في القوي المكتسب، فقيل يحرم عليه لأنه في معناهم وبه قال: الشافعي لحديث فيه (^٣) وأباحه مالك وأبو حنيفة وحملا التحريم على المسألة واللّه أعلم.\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ٩٦٠). انظر: ديوان النابغة (ص: ٣٦).\n(^٢) أحمد (١٩٨٢١)، والطبراني في الأوسط (٧١٤١)، والبزار (٩٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٦)، رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط والكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٣).\n(^٣) أخرجه الشافعي في المسند (٦٦٣)، وأبو عبيد في الأموال (١٥٢٠)، وأحمد ٤/ ٢٢٤ (١٧٩٧٢ و١٧٩٧٣) و(٢٣٠٦٣٥/ ٣٦٢)، وأبو داود (١٦٣٣)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٩٥ (٢٦١٨) والكبرى (٢٥٨٥) عن عبيد اللّه بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - ﷺ - يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، ورآهما جلدين، فقال: إن =","vol":"5","page":170},{"text":"١١٩٣ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ سَأَلَ مَسْألةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْئًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن ثوبان تقدم الكلام عليه أيضا، قوله: - ﷺ - \"من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شينا في وجهه يوم القيامة\" تقدم الكلام على الشين.\n\n١١٩٤ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من سَأَلَ وَهُوَ غَنِي عَن الْمَسْألة يحْشر يَوْم الْقِيَامَة وَهِي خموش فِي وَجهه، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٢).\nوقوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على جابر قوله - ﷺ - \"من سأل وهو غني عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه\" أي خدوش يقال: خمشت المرأة وجهها تخمشه خمشًا، وخموشا الخموش مصدر ويجوز أن يكون جمعا للمصدر حيث سمي به قاله في النهاية وخدش الجلد يخدشه خدشا إذا قشره بعود أو نحوه والخدوش جمعه لأنه سمي به الأثر وإن كان مصدرا قاله في النهاية (^٣).\n_________\n= شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب. وصححه الألباني في المشكاة (١٨٣٢) وصحيح أبي داود (١٤٤٣).\n(^١) أحمد (٢٢٤٢٠)، والطبراني في الكبير (١٤٠٧)، والبزار (٩٢٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٤).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٥٤٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٦)، ورجاله موثقون، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٤).","vol":"5","page":171},{"text":"١١٩٥ - وَعَن مَسْعُود بن عَمْرو - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه أُتِي بِرَجُل يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَالَ كم ترك قَالُوا دينارين أَو ثَلَاَثة، قَالَ ترك كيتين أَو ثَلاث كيات فَلَقِيت عبد الله بن الْقَاسِم مولى أبي بكر فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ لَهُ ذَاك رجل كَانَ يسْأَل النَّاس تكثرا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي (^١).\nقوله عن مسعود بن عمرو [مسعود بن عمرو الثقفي سكن المدينة، روى عن النبي - ﷺ - في كراهية السؤال.\nروى عنه سعيد بن يزيد، والذي انفرد بحديثه محمد بن جامع العطار، وهو متروك الحديث].\nقوله أنه أتى برجل يصلي عليه النبي - ﷺ - فقال: \"كم ترك\" قالوا: دينارين أو ثلاثة فقال: ترك كيتين أو ثلاثة كيات فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر فذكرت ذلك له فقال: ذاك رجل كان يسأل الناس تكثرا أي يسأل الناس ليكثر ما عنده من المال بما يأخذه منهم وذلك محرم عليه.\nفائدة: رواه البيهقي (^٢) من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني، الحماني: بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وفي آخرها نون، قال السمعاني: (^٣) هَذِه\n_________\n(^١) أحمد (٩٥٣٨)، البيهقي في شعب الإيمان (٣٥١٥)، والبزار (٣٦٥٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٢).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"5","page":172},{"text":"النِّسْبَة إِلَى حمان بن عبد الْعَزِيز بن كَعْب بْن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَهِي قَبيلَة من تَمِيم نزلت الْكُوفَة وَالْمَشْهُور بِهَذ النِّسْبَة أَبُو يحيى عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن مَيْمُون الْحمانِي روى عَن الأعْمَش وَالثَّوْري وَغَيرهمَا روى عَنهُ ابْنه أَبُو زَكَرِيَّا يحيى، والله أعلم.\n\n١١٩٦ - وَعَن حبشِي بن جُنَادَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من سَأل من غير فقر فَكَأنَّمَا يَأْكُل الْجَمْر، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله رجال الصّحِيح وَابْن خُزَيمَة فِي صَحِيحه (^١).\nوَالْبَيْهَقِيّ وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الَّذِي يسْأَل من غير حَاجَة كمثل الَّذِي يلتقط الْجَمْر (^٢).\nوَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مجَالد عَن عَامر عَن حبشِي أطول من هَذَا وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - فِي حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَة أَتَاهُ أَعْرَابِي فَأخذ بِطرف رِدَائه فَسَألهُ إِيَّاه فَأعْطَاهُ وَذهب فَعِنْدَ ذَلِك حرمت الْمَسْأَلَة فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الْمَسْأَلَة لا تحل لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي إِلَّا لذِي فقر مدقع أَو غرم مقطع وَمن سَأَلَ النَّاس ليثري بِهِ مَاله كَانَ خموشا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة\n_________\n(^١) أحمد (١٧٥٠٨)، الطبراني في الكبير (٣٥٠٦)، وابن خزيمة (٢٤٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٦)، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٦).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٥١٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٦).","vol":"5","page":173},{"text":"ورضفا يَأْكُلهُ من جَهَنَّم فَمن شَاءَ فليقلل وَمن شَاءَ فليكثر قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^١). زَاد فِيهِ رزين: وَإِنِّي لأعطي الرجل الْعَطِيَّة فَينْطَلق بهَا تَحت إبطه وَمَا هِيَ إِلَّا النَّار فَقَالَ لَهُ عمر وَلم تُعْطِي يَا رَسُول الله مَا هُوَ نَار فَقَالَ أَبى الله لي الْبُخْل وأبوا إِلَّا مَسْأَلَتي قَالُوا: وَمَا الْغنى الَّذِي لا تنبغي مَعَه الْمَسْألة قَالَ قدر مَا يغديه أَو يعشيه وَهَذِه الزِّيَادَة لهَا شَوَاهِد كَثِيرَة لكني لم أَقف عَلَيْهَا فِي شَيْء من نسخ التِّرْمِذِيّ (^٢).\n\"الْمرة\": بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء هِيَ الشدَّة وَالْقُوَّة. والسوي: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء هُوَ التَّام الْخلق السَّالِم من مَوَانِع الاكْتِسَاب. يثري: بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي مَا يزِيد مَاله بِهِ. والرضف: يَأْتِي وَكَذَا بَقِيَّة الْغَرِيب.\nقوله: وعن حبشى بن جنادة [هو حبشي بن جنادة بن نصر بن أسامة بن الحارث بن معيط بن عمرو بن جندل بن مرة بن صعصة ومرة أخو عامر بن صعصعة ويقال لكل من ولده سلولي نسبوا إلى أمهم سلول بنت ذهل بن شيبان يكنى أبا الجنوب يعد في الكوفيين رأى النبي - ﷺ - في حجة الوداع، روى عنه الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي (^٣)].\n_________\n(^١) الترمذي (٦٥٣)، والطبراني في الكبير (٣٥٠٤)، والبغوي في شرح السنة (١٦٢٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٦).\n(^٢) ابن الأثير في جامع الأصول (٧٦٤٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٦).\n(^٣) أسد الغابة (١/ الترجمة ١٠٢٩)، وتهذيب الكمال (٥/ الترجمة ١٠٧٥).","vol":"5","page":174},{"text":"قوله: - ﷺ - \"من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر\" أي الذي يأخذه يصير جمرًا فإن شئت اسأل القليل أو الكثير فالجمر أيضا كان قليلا أو كثيرا، وفى رواية: \"كمثل الذي يلتقط الجمر\" رواه الترمذي من رواية مُجالدٍ عن عامر بن حبشي أطول من هذا.\nقوله: سمعت رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع وهو واقف بعرفة أتاه أعرابي فأخذ بطرف ردائه فسأله إياه فأعطاه وذهب فعند ذلك حرمت المسألة الحديث تقدم الكلام على حجة الوداع وعلى الأعرابي.\nقوله: - ﷺ - \"إن المسألة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي\" المرة: الشدة والقوة، قاله: الحافظ والسوي هو التام الخلق السالم من موانع الاكتساب أي الصحيح الأعضاء، قاله المنذري.\nقوله: - ﷺ - \"إلا لذي فقر مدقع أو غرم مفظع\" قال في النهاية: أي شديدًا يفضي بصاحبه إلى الدقعاء (^١) وقيل هو سوء لاحتمال الفقر، وقيل: الفقر المدقع الذي لا يملك معه شيئا أو يملك ما لا يقع موقعا في كفايته (^٢) وهذا عند الشافعية وعكسه الحنفية (^٣).\nقوله: أو غرم مفظع المفظع الشديد الشنيع وقد أفظع يفظع فهو مفظع وفظع الأمر فهو فظيع قاله: في النهاية (^٤) والغرم بضم الغين المعجمة وسكون الراء هو ما يلزم أداؤه تكلفا.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٢٧).\n(^٢) المجموع (٦/ ١٨٩ - ١٩٠) وشرح النووي على مسلم (١٠/) وطرح التثريب (٤/ ٣٣).\n(^٣) انظر درر الحكام (١/ ١٨٨).\n(^٤) النهاية (٣/ ٤٥٩).","vol":"5","page":175},{"text":"قوله: - ﷺ -: \"من سأل الناس ليثري به ماله كانت خموشا في وجهه يوم القيامة ورضفا يأكله من جهنم\" الحديث قوله: ليثري به ماله أي يزيد ماله به كذا فسره الحافظ المنذري وتقدم الكلام على الخموش في الأحاديث المتقدمة، والرضف الحجارة المحماة وتقدم الكلام عليه في الزكاة.\nقوله: قالوا: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة قال: قدر ما يغذيه أو يعيشه واختلف العلماء في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة فقال: الأكثرون حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة وهو قول مالك والشافعي قال: أصحاب الرأي حده أن يملك مائتي درهم وقال: قوم من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة ولما روى عن ابن مسعود قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش\" قيل: وما يغنيه قال: \"خمسون درهما أو قيمته من الذهب\" وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين وقيل أربعون درهما لما روى أن النبي - ﷺ - قال: \"من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا\" (^١) والله أعلم ذكره البغوي (^٢) وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) تفسير البغوى (٢/ ٣٦٠).","vol":"5","page":176},{"text":"١١٩٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سَأل النَّاس تكثرا فَإِنَّمَا يسْأَل جمرا فليستقل أَو ليستكثر، رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَه (^١).\n\n١١٩٨ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سَأَلَ النَّاس عَن ظهر غنى استكثر بهَا من رضف جَهَنَّم، قَالُوا وَمَا ظهر غنى قَالَ عشَاء لَيْلَة، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي زوائده على الْمسند وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَإِسْنَاده جيد (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة، قوله: - ﷺ - \"من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر\" الحديث قال: النووي (^٣) ضبطناه بالمثلثة في قوله ليستكثر بعد الكاف وكذا هو في معظم الأصول وهو الظاهر وضبطه بعض الأئمة المعتمدين في نسخته بالباء الموحدة وله وجه وهو بمعنى الأول أن يصير ماله كثيرا عظيما المراد به أن يسأل مع استغنائه وفيه وعيد شديد لمن سأل مع عدم الاحتياج وتهديد أبلغ في التهديد والمنع\n_________\n(^١) مسلم (١٠٤١)، وابن ماجه (١٨٣٨).\n(^٢) عبد الله ابن أحمد في زوائد المسند (١٢٥٣)، والطبراني في الأوسط (٧٠٧٨)، والدارقطني (١٩٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٤)، رواه عبد الله بن أحمد والطبراني في الأوسط وفي إسنادهما الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت، والحسن وإن أخرج له البخاري فقد ضعفه غير واحد، ولم يسمعه من حبيب، بينهما عمرو بن خالد الواسطي، كما حكاه ابن عدي في الكامل عن ابن صاعد، وعمرو بن خالد كذبه أحمد وابن معين والدارقطني، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٨).\n(^٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٣).","vol":"5","page":177},{"text":"وليس بتخيير وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (^١) والمراد بجمر جهنم التعذيب بها يوم القيامة فلما كانت المسألة سبب التعذيب بها أطلق المسألة عليها من باب إطلاق اسم المسبب على السبب، قاله: ابن عقيل وقال: القاضي عياض (^٢) معناه يعاقب بالنار ويحتمل أن يكون على ظاهره وإن الذي يأكله يصير جمرا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة وقال: الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٣) في كتابه قمع الحرص \"من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرًا\" أي من غير حاجة ولا ضرورة به إلى ما يسألهم وإنما يسأل استكثارا ليكثر ما عنده من المال بما يأخذه منهم وذلك محرم عليه لأن المسألة من أموال الناس لا تحل إلا لضرورة على ما يأتي بيانه فمن سألها عن غير حاجة أخذ حراما وأكل مالا بالباطل وهو دعوى الفقر وأخذ ما لا يحل ولهذا توعد عليه بالنار فقال: \"إنما يسأل جمرا\" يعني يأكله غدا أو يحرقه أو لأن فيه إظهارا منه للفقر وقد أغناه الله وكتما لنعمة الله تعالى فبدل شكرها كفرا وكذب في سؤاله وأخذ صدقة يستحقها الفقراء وهم أولى بها فمنعهم حقوقهم بأخذها وكل هذه فواحش ومعاصي باطنة وظاهرة توجبما عذاب النار وحكم من هذا فعله أن يؤخذ ذلك منه (^٤).\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٢٩.\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٣) قمع الحرص (ص ٢٠).\n(^٤) زيادة من المصدر السابق.","vol":"5","page":178},{"text":"١١٩٩ - وَعَن سهل ابْن الحنظلية - ﵁ - قَالَ قدم عُيَيْنه بن حصن والأقرع بن حَابِس - ﵄ - على رَسُول الله - ﷺ - فَسَألَاهُ فَأمر مُعَاوِيَة فَكتب لَهما مَا سَألَا فَأَما الأقْرَع فَأخذ كِتَابه فلفه فِي عمَامَته وَانْطَلق وَأما عُيَيْنه فَأخذ كِتَابه وأتى بِهِ رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَترَانِي حَامِلا إِلَى قومِي كتابا لا أَدْرِي مَا فِيهِ كصحيفة المتلمس فَأخْبر مُعَاوِيَة بقوله رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سَألَ وَعِنْده مَا يُغْنِيه فَإِنَّمَا يستكثر من النَّار، قَالَ النُّفَيْلِي وَهُوَ أحد رُوَاته قَالُوا وَمَا الْغنى الَّذِي لا تنبغي مَعَه الْمَسْأَلَة قَالَ قدر مَا يغديه ويعشيه، رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ (^١). وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ فِيهِ من سَألَ شَيْئا وَعِنْده مَا يُغْنِيه فَإِنَّمَا يستكتر من جمر جَهَنَّم، قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا يُغْنِيه قَالَ مَا يغديه أَو يعشيه كَذَا عِنْده أَو يعشيه بِأَلف (^٢).\nوَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة بِاخْتِصَار إِلَّا أَنه قَالَ قيل يَا رَسُول الله وَمَا الْغنى الَّذِي لا تنبغي مَعَه الْمَسْأَلَة قَالَ أَن يكون لَهُ شبع يَوْم وَلَيْلَة أَو لَيْلَة وَيَوْم (^٣).\nقَوْله: كصحيفة المتلمس هَذَا مثل تضربه الْعَرَب لمن حمل شَيْئا لَا يدْرِي هَل يعود عَلَيْهِ بنفع أَو ضرّ وَأَصله أَن المتلمس واسْمه عبد الْمَسِيح قدم هُوَ\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٩).\n(^٢) ابن حبان (٥٤٥)، وأحمد (١٧٦٢٥)، والطبراني في الكبير (٥٦٢٠)، والبيهقي (٧/ ٢٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٩).\n(^٣) ابن خزيمة (٢٣٩١)، والبيهقي (٧/ ٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٩٩).","vol":"5","page":179},{"text":"وطرفة الْعَبْدي على الْملك عَمْرو بن الْمُنْذر فأقاما عِنْده فنقم عَلَيْهِمَا أمرا فَكتب إِلَى بعض عماله يَأْمُرهُ بِقَتْلِهِمَا وَقَالَ لَهما إِنِّي قد كتبت لَكمَا بصلَة فاجتازا بِالْحيرَةِ فَأعْطى المتلمس صَحِيفَته صَبيا فقرأها فَإِذا فِيهَا الْأَمر بقتْله فألقاها وَقَالَ لطرفة افْعَل مثل فعلي فَأبى عَلَيْهِ وَمضى إِلَى عَامل الْملك فقرأها وَقَتله.\nقَالَ الْخطابِيّ اخْتلف النَّاس فِي تَأْوِيله يَعْنِي حَدِيث سهل فَقَالَ بَعضهم من وجد غداء يَوْمه وعشاءه لم تحل لَهُ الْمَسْأَلة على ظَاهر الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا هُوَ فِيمَن وجد غداء وعشاء على دَائِم الْأَوْقَات فَإِذا كَانَ عِنْده مَا يَكْفِيهِ لقُوته الْمدَّة الطَّوِيلَة حرمت عَلَيْهِ الْمَسْأَلة وَقَالَ آخَرُونَ هَذَا مَنْسُوخ بالأحاديث الَّتِي تقدم ذكرهَا يَعْنِي الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَقْدِير الْغنى بِملك خمسين درهما أَو قيمتهَا أَو بِملك أُوقِيَّة أَو قيمتهَا (^١).\nقَالَ الْحَافِظ - ﵁ - ادِّعَاء النّسخ مُشْتَرك بَينهمَا وَلَا أعلم مرجحا لأحَدهمَا على الآخر وَقد كَانَ الشَّافِعِي ﵀ يَقُول قد يكون الرجل بالدرهم غَنِيا مَعَ كَسبه وَلَا يُغْنِيه الْألف مَعَ ضعفه فِي نَفسه وَكَثْرَة عِيَاله وَقد ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَالْحسن بن صَالح وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه إِلَى أَن من لَهُ خَمْسُونَ درهما أَو قيمتهَا من الذَّهَب لَا يدْفع إِلَيْهِ شَيء من الزَّكَاة وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة يَقُولَانِ من لَهُ أَرْبَعُونَ درهما فَهُوَ غَنِي وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي يجوز دَفعهَا إِلَى من يملك دون النّصاب وَإِن كَانَ\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ١٢٩).","vol":"5","page":180},{"text":"صَحِيحا مكتسبا مَعَ قَوْلهم من كَانَ لَهُ قوت يَوْمه لَا يحل لَهُ السُّؤَال اسْتِدْلَالا بِهَذَا الحَدِيث وَغَيره وَاللّه أعلم.\nقوله: وعن سهل بن الحنظلية، سهل هذا هو: ابن الربيع وهو صحابي أنصاري أوسي والحنظلية أمة لأنها غلبت عليه قوله: قال: قدم عيينة بن حصن [هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان الفزاري يكنى: أبا مالك، أسلم بعد الفتح، وقيل: أسلم قبل الفتح، وشهد الفتح مسلما، وشهد حنينا أو الطائف أيضا، وكان من المؤلفة قلوبهم، ومن الأعراب الجفاة، وقيل: إنه دخل على النبي - ﷺ - من غير إذن، فقال له: \"أين الإذن\"؟ فقال: ما استأذنت على أحد من مضر! وكان ممن ارتد وتبع طليحة الأسدي، وقاتل معه، فأخذ أسيرًا، وحمل إلى أبي بكر - ﵁ -، فكان صبيان المدينة يقولون: يا عدو الله أكفرت بعد إيمانك؟! فيقول: ما آمنت بالله طرفة عين، فأسلم، فأطلقه أبو بكر، وكان عيينة في الجاهلية من الجرارين، يقود عشرة آلاف، وتزوج عثمان بن عفان ابنته، فدخل عليه يوما، فأغلظ له، فقال عثمان: لو كان عمر ما أقدمت عليه بهذا، فقال: إن عمر أعطانا فأغنانا وأخشانا فأتقانا، وقال أبو وائل: سمعت عيينة بن حصن، يقول لعبد الله بن مسعود: أنا ابن الأشياخ الشم، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وهو عم الحر بن قيس، وكان الحر رجلا صالحا من أهل القرآن، له منزلة من عمر بن الخطاب، فقال عيينة لابن أخيه: ألا تدخلني على هذا الرجل؟ قال: إني أخاف أن تتكلم بكلام لا","vol":"5","page":181},{"text":"ينبغي، فقال: لا أفعل، فأدخله على عمر، فقال: يابن الخطاب، والله ما تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل! فغضب عمر غضبا شديدا، حتى هم أن يوقع به، فقال ابن أخيه يا أمير المؤمنين، إن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (^١)، وإن هذا لمن الجاهلين، فخلى عنه، وكان عمر وقافا عند كتاب الله ﷿ (^٢)].\nقوله: والأقرع بن حابس على رسول الله - ﷺ - الأقرع بن حابس التميمي شهد مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة وحنينا وحصار الطائف وشهد مع خالد بن الوليد فتح العراق والأنبار وكان على مقدمة خالد. قال ابن دريد اسم الأقرع نواس (^٣) وقال في شرح الإلمام.\nوالأقرع: قيل إنه لقب واسمه فراس وقيل: بل هو اسمه ولقب الأقرع لقرع كان في رأسه وكان شريفا في الجاهلية والإسلام واستعمله عبد الله بن عامر على جيش بعثه إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش - ﵁ - ومناقبه كثيرة (^٤).\nقوله: في الحديث فأمر معاوية فكتب لهما ما سألاه، معاوية هو ابن أبي سفيان واسم أبيه طلحة وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا، وإنما أمر النبي\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(^٢) أسد الغابة (٤/ الترجمة ٤١٦٦).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٤ ترجمة ٦٣).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"5","page":182},{"text":"- ﷺ - معاوية أن يكتب لهما ما سأله لأنه أحد كتاب الوحي وكان يكتب له المراسلات إلى الملوك وغيرها فأمره بذلك على عادته فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، تقدم الكلام على الأقرع، وأما عيينة بن حصن فأخذ كتابه وأتى به رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد أتراني حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس، أتراني بضم التاء ومعناه [أتظنني على جهة الإنكار والتعجب].\nقوله: كصحيفة المتلمس، الصحيفة: الكتاب قال الحافظ المنذري: هذا مثل تضربه العرب لمن حمل شيئا لا يدري هل يعود عليه بنفع أو ضر وأصله إن المتلمس، واسمه عبد المسيح قدم هو وطرفة العبدي على الملك عبد بن المنذر إلى آخره، وقال: في التنقيح المتلمس هو جرير بن عبد المسيح الضبعي الشاعر المشهور جاهلي ورأيت في بعض الكتب جرير بن عبد الله وقيل عبد اللات هجا هو وطرفة العبدي الشاعر عمرو بن هند ملك الحيرة فكتب له ولطرفة بن العبد كتابيين أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز وكتب له يأمره بقتلهما والقصة مشهورة عند العرب وأن المتلمس لما علم ما في كتابه رمى به وهرب فضرب العرب المثل بصحيفته (^١) ا. هـ.\nأعجوبة قال في حياة الحيوان: ولطرفة بن عبد قصة عجيبة مع عمرو بن المنذر بن امرء القيس ويقال له: عمرو بن هند وكان لا يبتسم ولا يضحك وكانت العرب تسميه مُضَرِّطَ الْحِجَارَةِ لِشِدَّةِ مُلْكِهِ، فإنه ملك ثلاثا وخمسين\n_________\n(^١) كشف المناهج (٢/ ١١٦ - ١١٧).","vol":"5","page":183},{"text":"سنة وكانت العرب تهابه هيبة شديدة وكان طرفة غلاما معجبا فجعل يَتَخَلَّجُ في مشيه بين يديْهِ، فنظر إليه نظرة كادت تبتلعه من مجلسه، فقال له المتلمس حين قاما: يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك، فقال: كلا، ثم إنه كتب لهما كتابين إلى المكعبر وكان عامله على البحرين وعمان فخرجا حتى إذا هبطا بأرض قريبة من الحيرة فإذا هما بشيخ معه كسرة يأكلها وهو يتبرز ويقصع القمل فقال له المتلمس: بالله ما رأيت شيخا أحمق وأضعف وأقل عقلا منك! فقال له: وما الذي أنكرته علي؟ فقال: تتبرز، وتأكل، وتقصع القمل! قال: أخرج خبيثا وأدخل طيبا وأقتل عدوا ولكن أحمق مني وألأم حامل حتفه بيمينه قال: فنبهني وكأنما كنت نائما فإذا أنا بغلام من أهل الحيرة يسقى غنيمة له من نهر الحيرة قلت: يا غلام أتقرأ قال: نعم فقلت أقرأ هذه فإذا فيها باسمك اللهم من عمرو بن هند إلى المكعبر إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس فأقطع يديه ورجليه وادفنه حيا فألقيت الصحيفة وقلت: يا طرفة والله معك مثلها قال: كلا، ما كان ليكتب لي مثل ذلك ثم أتى طرفة إلى الأمير فقطع يديه ورجليه ودفنه حيا فضرب المثل بصحيفة المتلمس لمن يسعى في حتفه بنفسه ويغرر بها (^١) ا. هـ.\nوقيل السبب في قتل طرفة العبدي الشاعر أنه كان قد هجا عمرو بن هند ملك الحيرة ثم مدحه فحقد عليه وأراد قتله فكره أن يقتله بحضرة بكر بن وائل وخاف أن يهجوه المتلمس لأنه خاله فكتب لطرفة والمتلمس إلى\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٢٦).","vol":"5","page":184},{"text":"المكعبر عامله على البحرين كتابين بمثلهما جميعا.\nقوله - ﷺ -: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثره من النار قال النفيلي: وهو أحد رواته قالوا: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: \"قدر ما يعْديه أو يعشيه\" رواه أبو دود ورواه ابن حبان (^١) وقال فيه قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟، قال: \"ما يغديه، أو يعشيه\" كذا عنده أو يعشيه بالألف ورواه ابن خزيمة (^٢) إلا أنه قال: قيل يا رسول الله وما الغنى الذي لا ينبغي معه مسألة قال: أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم وفي حديث علي الذي تقدم قبل هذا الحديث قالوا: وما ظهر غنى؟ قال: عشاء ليلة وفي أخرى خمسون درهما أو قيمتها وفي أخرى أوقية أو عدلها ويحتمل أن يستفاد من لفظ غنى يغنيه فإن معناه شيء يقع موقعا من حاجته فمن له ذلك فهو الغنى فإن قلت: ليس في هذه الأحاديث ما يدل على كمية الغنى، قلت: قال مالك والشافعي: لا حد للغنى معلوما وإنما يعتبر حال الإنسان قال الشافعي: قد يكون الرجل بالدرهم غنيا مع الكسب ولا يغنيه الألف أمع ضعفه في نفسه وكثرة عياله] (^٣) والصحيح من مذهبه أن الغنى عن حاجته وحاجة من تلزمه مؤنته وقضاء دين نصابا والحاجة تندفع بكفاية سنة وفي وجه كفاية العمر كأن يشتري عقارا تفي غلته بكفايته أو يشتري من له حرفة آلة حركته أو رأس مال\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٥٦ - ٥٧).","vol":"5","page":185},{"text":"ليتجر فيه بحيث يفي يربحه بكفايته غالبا فإن كان بقليا فخمسة دراهم أو باقلانيا فعشرة أو خباز فخمسون أو بقدر الكفاية أو عطارا فألف أو بزازا فالفان أو صيرفيا فخمسة الألف درهم أو جوهريا فعشرة الألف ويجوز أن يعطي الفقير ذلك لسد خلته (^١) وخالف أبو حنيفة فقال لا يعطى مقدار نصاب وقال أحمد لا يعطى خمسين درهما ولا مقدارها من الذهب [لما روى الدارمي وغيره عن ابن مسعود أن النبي]- ﵇ -[قال (من سأل وعنده ما يكفيه، فإنما يستكثر من النار) قالوا: ما يكفيه؟ قال: (خمسون درهما أو ما يساوي خمسين درهما) أو وجود ما تحصل به] الكفاية بقوله حتى يصيب قواما من عيش ا. هـ. قاله في شرح الإلمام.\nقال: الحافظ الخطابي (^٢): اختلف الناس في تأويله يعنى حديث سهل فقال: بعضهم من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث.\nوقال بعضهم إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة فقد حرمت عليه المسألة. ا. هـ.\nوقال غيره: ولا شك أنه يجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء (^٣) وقال النووي في شرح مسلم: اختلف أصحابنا في مسألة القادر\n_________\n(^١) انظر الحاوى (٨/ ٥١٩ - ٥٢٠)، وبحر المذهب (٦/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، والمجموع (٦/ ١٩٤ - ١٩٥) وروضة الطالبين (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، والنجم الوهاج (٦/ ٤٢٣).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٥٨).\n(^٣) شرح أبي داود للعيني (٦/ ٣٦٧) ونخب الأفكار (٨/ ٥٠).","vol":"5","page":186},{"text":"على الكسب على وجهين أصحهما أنه حرام لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أحدها أن لا يذل نفسه، والثاني لا يلح في السؤال، والثالث: ولا يؤذي المسلمين فإن فقدت هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق (^١).\nقال الحافظ في الكلام على حديث سهل: وقد ذهب سفيان الثوري وابن المبارك والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية إلى أن من له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب لا يدفع شيء من الزكاة ويؤيد هذا القول أيضا ما روى عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - \"لا تحل الصدقة لمن يملك خمسين درهما أو عرضها من الذهب\" رواه مسدد (^٢).\nقوله: سفيان الثوري بضم السين وكسرها وفتحها والضم أشهر هو الإمام الكبير العالم الرباني المتفق على ارتفاع منزلته وكثرة علومه وصلابة دينه القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم.\nأبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن مضر. الثوري نسب (^٣) إلى جد له يقال له ثور وهو من تابعي التابعين ولد سنة سبع\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٧).\n(^٢) أخرجه مسدد كما في المطالب العالية (٩٣٩).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩) التاريخ الكبير: ٤/ ٩٢ - ٩٣، التاريخ الصغير: ٢/ ١٥٤، المعارف: ٤٩٧ - ٤٩٨، المعرفة والتاريخ: ١/ ٧١٣ - ٧٢٨، تاريخ الطبري ٨/ ٥٨، =","vol":"5","page":187},{"text":"وسبعين وفي نسخة وستين وكان يتقدم سفيان في الحفظ على مالك، وقال: عبد الرزاق وروى أنا أبا جعفر الخليفة بعث الخشابين قدامه حين خرج إلى مكة وقال: إذا رأيتم سفيان فاصلبوه فوصل النجارون إلى مكة ونصبوا الخشب فنودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض ورجله في حجر سفيان بن عيينة فقالا: يا أبا عبد الله لا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى أستار الكعبة فأخذها وقال: بريت منها أن دخل أبو جعفر فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة وانتقل سفيان إلى البصرة فمات فيها متواريا من سلطانها ودفن عشاء سنة ستين ومائة، وقال: أبو حاتم الرازي (^١) سمعت قبيصة يقول: رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ:\nنَظَرْتُ إِلَى رَبِّي كِفَاحًا فَقَالَ لِي ... هَنِيئًارِ ضَائِي عَنْكَ يَا ابْنَ سَعِيدِ\nفَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إِذَا أَقْبَلَ الدُّجَى ... بِعَبْرَةِ مُشْتَاقٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ\nفَدُونَكَ فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ أَرَدْتَهُ ... وَزُرْنِي فَإِنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ\nقال في مختصر مجمع الأحباب: سمع سفيان الثوري أبا إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وعمرو بن مرة وخلائق من كبار التابعين وغيرهم، واتفق العلماء على وصفه بالبراعة في العلم بالحديث والفقه والورع والزهد وخشونة العيش والقول بالحق وغير ذلك من المحاسن وقال ابن\n_________\n= الجرح والتعديل: ١/ ٥٥ - ١٢٦، ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٥، مشاهير علماء الأمصار: ١٦٩ - ١٧٠، حلية الأولياء: ٦/ ٣٥٦\n(^١) الجرح والتعديل: ١/ ٥٥ - ١٢٦.","vol":"5","page":188},{"text":"المبارك (^١): كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثوري، وقال: عبد الرزاق سمعت الثوري يقول ما استودعت قلبي قط شيئًا فخانني، وقال ابن عيينة: أَنا من غلْمَان الثَّوْريّ وَمَا رَأَيْت أعلم بالحلال وَالْحرَام مِنْهُ والثناء عليه أكثر من أن تحصى وأوضح من أن تشهر وهو أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، قال محمد بن سعد: أجمعوا على أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة وتقدم الكلام على ابن المبارك في صلاة التسبيح وتقدم الكلام أيضا على الإمام أحمد بن حنبل قريبا وعلى الحسن البصري، وأما إسحاق بن راهويه (^٢) فهو بالهاء والواو المفتوحتين والتحتانية الساكنة والهاء المكسورة وهو المشهور ويقال أيضا بالهاء المضمومة وبالتحتانية المفتوحة، قال: أبو الفرج (^٣) هو إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب بن مخلد\n_________\n(^١) تذهيب التهذيب: ٢/ ٣٣ - ٣٥، تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٠٣ - ٢٠٧، عبر الذهبي: ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦، طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٠٨، تهذيب التهذيب: ٤/ ١١١ - ١١٥.\n(^٢) التاريخ الكبير ١/ ٣٧٩، التاريخ الصغير ١/ ٣٦٨، الجرح والتعديل ٢/ ٢٠٩، ٢١٠، حلية الأولياء ٩/ ٢٣٤، الفرست: ٢٨٦، تاريخ بغداد ٦/ ٣٤٥، ٣٥٥، طبقات الفقهاء للشيرازي: ٧٨، طبقات الحنابلة ١/ ١٠٩، الأنساب ٦/ ٥٦، ٥٧، وفيات الأعيان ١/ ١٩٩، ٢٠١، ميزان الاعتدال ١/ ١٨٢، ١٨٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٣، العبر ١/ ٤٢٦، الوافي بالوفيات ٨/ ٣٨٦، ٣٨٨، طبقات الشافعية ٢/ ٨٣، ٨٩، البداية والنهاية ١٥/ ٣١٧، تهذيب التهذيب ١/ ٢١٦، ٢١٩، النجوم الزاهرة ٢/ ٢٩٥، طبقات الحفاظ: ١٨٨، ١٨٩، خلاصة تذهيب الكمال: ٢٧، طبقات المفسرين ١/ ١٠٢، الرسالة المستطرفة: ٦٥، شذرات الذهب ٢/ ٨٩، تهذيب ابن عساكر ٢/ ٤٠٩، ٤١٤.\n(^٣) المنتظم ١١/ ٢٥٩.","vol":"5","page":189},{"text":"بفتح الميم والخاء المعجمة الساكنة واللام المفتوحة أبو يعقوب الحنظلي المروزي ساكن نيسابور أحد أئمة الإسلام، قال: عبد الله بن طاهر له لم قيل لك ابن راهوية قال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة فقال: المراوزة راهوي لأنه ولد في الطريق وهو بالفارسية راه وقال: الحسن بن عبد الصمد (^١) سمعت إسحاق يقول أحفظ سبعين ألف حديث كلها نصب عيني أسند إسحاق عن جرير بن عبد الحميد وإسماعيل وسفيان بن عيينة وخلائق لا يحصون وهو ﵀ أحد أركان المسلمين وعلم من أعلام الدين توفي بنيسابور ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومائتين والله أعلم.\nقوله: وقال: أصحاب الرأي يجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب وإن كان صحيحا مكتسبا.\nتنبيه: والمحدثون يسمون أصحاب القياس أصحاب الرأي يعنون أنهم يأخذون بآرائهم فيما يشكل من الحديث أو ما لم يأت فيه حديث ولا أثر ا. هـ. قاله في النهاية (^٢).\n\n١٢٠٠ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سَأل النَّاس ليثري مَاله فَإِنَّمَا هِيَ رضف من النَّار ملهبة فَمن شَاءَ فَلْيقل وَمن شَاءَ فليكثر، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (١١/ ٣٥٨).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٧٩).\n(^٣) ابن حبان (٣٣٩١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٠٠).","vol":"5","page":190},{"text":"الرضف: بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا فَاء الْحِجَارَة المحماة قوله وعن عمر بن الخطاب: تقدم الكلام على عمر بن الخطاب أوائل هذا التعليق في حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" ومن فضائله أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا: فما أولته يا رسول الله قال: \"الدين\" رواه البخاري ومسلم (^١) وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"بينما أن نائم رأيتني في الجنة وإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر\" فقالوا: لعمر \"فذكرت غيرتك\" فبكى عمر - ﵁ - وقال: أو عليك أغار يا رسول الله؟ رواه البخاري ومسلم (^٢) أيضا قوله - ﷺ - \"من سأل الناس ليثري ماله فإنما هي رضف من النار ملهبة، فمن شاء فليقل ومن شاء فليكثر\" (^٣) وتقدم معنى ليثري ماله والرضف هي الحجارة المحماة كذا فسره الحافظ رحمه الله تعالى.\n\n١٢٠١ - وَرُوِيَ عَن حَكِيم بن حزَام - ﵁ - قَالَ جَاءَ مَال من الْبَحْرين فَدَعَا النَّبِي - ﷺ - الْعَبَّاس - ﵁ -. فحفن لَهُ ثمَّ قَالَ أزيدك قَالَ نعم فحفن لَهٌ ثمَّ قَالَ أزيدك قَالَ نعم فحفن لَهُ ثمَّ قَالَ أزيدك قَالَ نعم، قَالَ أبق لمن بعْدك ثمَّ دَعَاني\n_________\n(^١) سبق تخريج فضائله في أوائل هذا التعليق في حديث \"إنما الأعمال بالنيات\".\n(^٢) سبق.\n(^٣) سبق.","vol":"5","page":191},{"text":"فحفن لي فَقلت يَا رَسُول الله خير لي أَو شَرّ لي قَالَ لا بل شَرّ لَك فَرددت عَلَيْهِ مَا أَعْطَانِي ثمَّ قلت لا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أقبل من أحد عَطِيَّة بعْدك قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ حَكِيم فَقلت يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يُبَارك لي قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لَهُ فِي صَفْقَة يَده، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: وعن حكيم بن حزام بفتح الحاء وبالياء بن حزام بالزاي كنيته أبو خالد حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزيز بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي المكي أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وكان شهد بدرا وكان إذا اجتهد في يمينه قال: والذي نجاني أن أكون قتيلا يوم بدر، ولد - ﵁ - قَبْلَ عَامِ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً على الأشهر وأمه اسمه فاختة بنت زهير وعمته خديجة بنت خويلد زوجة النبي - ﷺ - وعاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام ولا يشاركه في هذا أحد إلا حسان بن ثابت، والمراد بقولهم ستين سنة في الإسلام أي من حين ظهوره ظهورا فاشيا قالوا: وولد حكيم في جوف الكعبة ولا يعرف أحد ولد فيها غيره.\nأما ما روي أن علي بن أبي طالب ولد فيها فضعيف عند العلماء وذلك أن أمه دخلت تزور الكعبة فضربها الطلق وهي في الكعبة فولدته عَلَى نِطْعٍ، وكان - ﵁ -: شديد المحبة لرسول الله - ﷺ - وهو الذي اشْترى حُلَّةَ ذِي يَزَنَ فَأَهْدَاهَا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلَبِسَهَا، قَالَ حكيم: فَمَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ فِيهَا.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٣١٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٧)، وفيه إسماعيل بن مسلم، وفيه كلام كثير، وقد قيل فيه إنه صدوق يهم.","vol":"5","page":192},{"text":"وكان إسلامه يوم فتح مكة هو وأولاده كلهم توفي حكيم بالمدينة سنة ستين أو أربع وخمسين وكان حكيم من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام وأكبر هم وأعلمهم بالأنساب وكان كثير الصدقة والبر وكان حكيم قد شهد بدرا مع المشركين ولما سار رسول الله - ﷺ - إلى فتح مكة ومعه جنود خرج حكيم وأبو سفيان يتحسسان الأخبار فلقيهما العباس فأخذ أبا سفيان وأجاره وأخذ له أمانا من رسول الله - ﷺ - وأسلم أبو سفيان ومن صبح ذلك اليوم أسلم حكيم وشهد مع رسول الله - ﷺ - حنينا وأعطاه النبي - ﷺ - يوم حنين مائة بعير ولم يصنع من المعروف شيئا في الجاهلية إلا صنع مثله في الإسلام وكانت دار الندوة له باعها بمائة ألف درهم فقيل له بحت مكرمة قريش فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى وتصدق بثمنها، ذكر الزبير بن بكار (^١): أن حكيما قالوا حج عاما في الإسلام فأهدى مائة بدنه مجللة بالحبرة وألف شاة وأوقف معه بعرفات بألف وصيف في أعناقهم أطوقة من الفضة منقوش فيها هؤلاء عتقاء الله من حكيم بن حزام وكان جوادا - ﵁ - قيل أنه أعتق في الجاهلية مائة رقبة وفي الإسلام مائة رقبة ولما حضرته الوفاة كان آخر كلامه لا إله إلا الله اللهم إني كنت أخشاك وأنا اليوم أرجوك وتوفي - ﵁ - وله من العمر مائة وعشرون سنة وحكيم بن حزام ابن أخي خديجة بنت خويلد أم المؤمنين زوج رسول الله - ﷺ - وابن عم الزبير بن العوام بن خويلد وأوصى إلى عبد الله بن الزبير قال النووي: روينا في صحيح البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام\n_________\n(^١) جمهرة نسب قريش (ص ٣٥٤).","vol":"5","page":193},{"text":"قال: قلت: يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم فهل لي فيها من أجر فقال: النبي - ﷺ - \"أسلمت على ما أسلفت من خير قلت فوالله لا ادع شيئا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله\" (^١) التحنث التبرر ومعناه رفع الحنث (^٢).\nقوله: جاء مال من البحرين تقدم في الزكاة أن البحرين هو اسم لبلاد معروفة وإقليم مشهور يشتمل على مدن قاعدتها هجر (^٣).\nقوله: فدعا النبي - ﷺ - العباس فحفن له ثم قال: أزيدك قال: نعم قال: أبق لمن بعدك قال: حكيم ثم دعاني فحفن لي الحديث تقدم الكلام على عمه العباس.\nوقوله قال: محمد بن سيرين تقدم الكلام على محمد بن سيرين.\nقوله: قال حكيم: فقلت يا رسول الله ادع الله أن يبارك لي في صفقة يدي قال: اللهم بارك له في صفقة يده، الصفقة المراد بها البيعة وأصلها من وضع أحد المتبايعين يده في يد آخر عند البيع كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٣٦) ومسلم (١٢٣).\n(^٢) جمهرة نسب قريش وأخبارها (ص ٣٥٣ - ٣٥٦)، والاستيعاب (١/ ٣٦٢ - ٣٦٣ ترجمة ٥٣٧)، وأسد الغابة (٢/ الترجمة ١٢٣٤)، وتهذيب الأسماء وااللغات (١/ ١٦٦ - ١٦٧ ترجمة ١٢٧).\n(^٣) المجموع ٥/ ٣٨٩. بلاد البحرين: هي بلاد واسعة شرقيها ساحل البحر - يعني بالبحر الخليج العربي -، وجوفها متصل باليمامة، وشمالها متصل بالبصرة، وجنوبها متصل ببلاد عمان، وقاعدتها هجر، وأهلها عبد القيس، ومن بلاد البحرين الأحساء والقطيف.","vol":"5","page":194},{"text":"مأخوذ من عادة العرب أنهم عند البيع يضعون أيديهم في أيدي من يبايعونه فسمي صفقة لهذا المعنى ويقال: الصفقة بالسين والصاد والصفق الاجتماع (^١) ا. هـ.\n\n١٢٠٢ - وَعَن أسلم قَالَ قَالَ لي عبد الله بن الأرقم أدللني على بعير من العطايا أستحمل عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت نعم جمل من إبل الصَّدَقَة فَقَالَ عبد الله بن الأرقم أَتُحِبُّ لَو أَن رجلا بادنا فِي يَوْم حَار غسل مَا تَحت إزَاره ورفغيه ثمَّ أعطاكه فَشَربته قَالَ فَغضِبت وَقلت يغْفر الله لَك لم تَقول مثل هَذَا لي قَالَ فَإِنَّمَا الصَّدَقَة أوساخ النَّاس يغسلونها عَنْهُم، رَوَاهُ مَالك (^٢).\nالبادن السمين. والرفغ بِضَم الرَّاء وَفتحهَا وبالغين الْمُعْجَمَة هُوَ الإِبِط وَقيل وسخ الثَّوْب والأرفاغ المغابن الَّتِي يجْتَمع فِيهَا الْعرق والوسخ من الْبدن.\nقوله وعن أسلم [هو أبو خالد، ويقال: أبو زيد القريشى العدوى المدنى، مولى عمر بن الخطاب، ﵁، من سبى اليمن، هكذا قاله البخارى في التاريخ، وابن أبي حاتم، وآخرون. وحكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: هو حبشى، قالوا: بعث أبو بكر الصديق عمر، ﵄، سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، واشترى أسلم. سمع أبا بكر الصديق، وعمر،\n_________\n(^١) انظر: المحكم ٦/ ٢١١ - ٢١٣، والسير الغريب ص ٢٣٣ - ٢٣٤، وأساس البلاغة ١/ ٥٥٠، ومشارق النوار ٢/ ٥٠، والكواكب الدراري ٩/ ١٧٩.\n(^٢) مالك (٢٨٥٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٠١).","vol":"5","page":195},{"text":"وعثمان، وأبا عبيدة، ومعاذ، أو ابن عمر، ومعاوية، وأبا هريرة، وحفصة، ﵃، روى عنه ابنه زيد، والقاسم بن محمد، ونافع، وآخرون. واتفق الحفاظ على توثيقه. وروى له البخارى ومسلم، وحضر الجابية مع عمر. توفى بالمدينة سنة ثمانين، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال البخارى: صلى عليه مروان بن الحكم، وهذا يخالف الأول، لأن مروان بن الحكم مات سنة خمس وستين، وكان معزولا عن المدينة. قال البخارى في التاريخ: توفى أسلم وهو ابن مائة وأربع عشرة سنة، والله أعلم (^١)].\nقوله قال: لى عبد الله بن الأرقم [هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، والد عمر بن عبد الله بن الأرقم، له صحبة، أسلم عام الفتح، وكتب للنبي - ﷺ -، ثم لأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال لعمر بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفان، ثم تركه ولما استكتبه رسول الله - ﷺ - أمن إليه ووثق به، فكان إذا كتب له إلى بعض الملوك يأمره أن يختمه ولا يقرؤه لأمانته عنده روى عنه: أسلم مولى عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وقيل: بينهما رجل، وعمرو بن دينار مرسل، ويزيد بن قتادة (^٢)].\nقوله: أَتُحِبُّ لو أَنَّ رَجُلًا بَادِنًا قد فسر الحافظ (^٣) البادن: بالسمين، غَسَلَ\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١١٧ - ١١٨ ترجمة ٥٣).\n(^٢) أسد الغابة (١/ الترجمة ٢٨١١)، وتهذيب الكمال (١٤/ الترجمة ٣١٦٠).\n(^٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣١٨).","vol":"5","page":196},{"text":"لَكَ مَا تَحْتَ إِزَارِهِ وَرُفْغَيهِ، ثُمَّ أَعْطَاكَهُ فَشَرِبْتَهُ؟، والرفغ: قد ضبطه الحافظ وفسره فقال (^١): الرفغ الإبط وقيل وسخ الثوب والأرفاغ المغابن التي يجتمع فيها العرق والوسخ من البدن ا. هـ.\nوقال في النهاية: الرفغ واحد الأرفاغ: وهي أصول المغابن كالإبط والحوالب وغيرها من مطاوي الأعضاء وما تجتمع فيه الوسخ والعرق (^٢) ا. هـ.\nقوله: \"فإنما الصدقة أوساخ الناس يغسلونها عنهم\" ومعنى أوساخ أي إنها تطهر أموالهم ونفوسهم قال: الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (^٣) الآية فهي كغسالة الأوساخ والمغابن جمع مغبن من غبن الثوب إذا ثناه وعطفه ومنه حديث عكرمة \"من مس مغابنه فليتوضأ\" (^٤). أمره بذلك استطهارا واحتياطا فإن الغالب على من يلمس ذلك أن تقع يده على ذكره. قاله في النهاية.\nقوله: رواه مالك أي في الموطأ قال النووي (^٥): هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي (^٦) المدني إمام دار الهجرة وأحد أئمة\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٤٤).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٤٤).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(^٤) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (٤٤٢).\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات للنووي: ٢/ ٧٥ - ٧٩.\n(^٦) ينظر: الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء: ٩ - ٦٣، ترتيب المدارك: ١/ ١٠٢ - ٢٥٤، تهذيب الأسماء واللغات للنووي: ٢/ ٧٥ - ٧٩، تهذيب التهذيب: ١٠/ ٥، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي: ٢/ ٩٦ - ٩٧، التاريخ الكبير: ٧/ ٣١٠.","vol":"5","page":197},{"text":"المذاهب المتبوعة وهو من تابعي التابعين سمع نافعا ومحمد بن المنكدر وأبا الزبير الزهري وأبا حازم وخلائق آخرين وروى عنه يحيى الأنصاري والزهري وهما من شيوخه وابن جريج وابن الأوزاعي والثوري وابن عيينة وشعبة والليث وابن المبارك والشافعي وابن وهب خلائق كثيرة آخرون وأجمعت العلماء على إمامته وجلالته وعظم سيادته وتبجيله وتوقيره والإذعان له في الحفظ وتعظيم حديث رسول الله - ﷺ - وعن أبي سلمة الخزاعي قال (^١): كان مالك إذا أراد أن يخرج يُحَدِّث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ومشط لحيته، فإن رفع أحد صوته في مجلسه، قال: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (^٢)، فمن رفع صوته عند حديث النبي - ﷺ - فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي - ﷺ -.\nوعن محمد بن رمح قال (^٣): رأيت النبي - ﷺ - في المنام فقلت يا رسول الله مالك والليث يختلفان في المسألة فقال النبي - ﷺ -: \"مالك مالك مالك ورث جدي\" يعني إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وقال الإمام أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين: أخذ مالك عن تسعمائة شيخ فيهم ثلاثمائة شيخ من التابعين وستمائة من تابعيهم ممن اختارهم وارتضى دينه وفقهه وقيامه بحق الرواية وشروطها توفي بالمدينة في صفر سنة تسع وسبعين ومائة وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس\n_________\n(^١) البداية والنهاية: ١٠/ ١٧٤.\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ٢.\n(^٣) تهذيب الكمال: ١٢٩٧.","vol":"5","page":198},{"text":"وهو يومئذ والي المدينة ودفن بالبقيع وقبره بباب البقيع عليه قبة وولد مالك سنة ثلاث وتسعين من الهجرة وحملت به أمه في بطنها ثلاث سنين قال: مطرف بن عبد الله: (^١) كان مالك طويلا عظيم [الهامة] أبيض الرأس واللحية شديد البياض لباسه الثياب العدنية وكان يكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المنكر وقال مصعب: (^٢) سمعت مالك يقول ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك وأحوال مالك ومناقبه كثيرة مشهورة والله أعلم.\n\n١٢٠٣ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ قلت للْعَبَّاس سل النَّبِي - ﷺ - يستعملك على الصَّدَقَة فَسَألهُ قَالَ مَا كنت لاستعملك على غسالة ذنُوب النَّاس، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٣).\nقوله وعن علي تقدم الكلام على علي بن أبي طالب.\nقوله: قلت للعباس سل النبي - ﷺ - يستعملك على الصدقة فسأله فقال: \"ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس\" الحديث شرط العامل على الصدقات أن لا يكون ممن حرمت عليه الصدقة من ذوي القربى أي إذا عمل ليأخذ من الصدقة لقوله - ﷺ - للفضل بن العباس وقد طلب منه أن يجعله عاملا على الصدقة أليس في خمس الخمس ما يكفيكم ويغنيكم عن أوساخ\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٥/ ٤٦٥).\n(^٢) تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٤ وسير أعلام النبلاء ٧/ ١٧٩، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٨ - ٩.\n(^٣) ابن خزيمة (٢٣٩٠)، والحاكم (٣/ ٣٣٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٠٢).","vol":"5","page":199},{"text":"الناس (^١) وهذا هو الأصح المنصوص ولقوله - ﷺ - \"إن هذه الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا آل محمد\" (^٢) وروي أن الحسن وضع في فمه تمرة من الصدقة فنزعها النبي - ﷺ - من فيه بلعابه وقال: \"كخ كخ\" وقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ولقوله - ﷺ - \"نحن وبنو عبد المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه\" (^٣) وقيل يجوز أن يكون منهم لأنه يأخذه أجرة فجاز كأجرة النقال والحافظ (^٤) وتقدم الكلام على ذلك في الزكاة في شروط العامل على الصدقات.\nفائدة: تحرم الصدقة على رسول الله - ﷺ - قال: النووي ومذهبنا أنه يحرم عليه صدقة الفرض بلا خلاف وكذا صدقة التطوع على الأصح وتجوز الصدقة على موالي قريش وإن الصدقة لا تحرم على قريش غير بني هاشم وبني عبد المطلب لأن عائشة قرشية وقبلت ذلك اللحم من بريرة على أن له حكم الصدقة وإنها حلال لها دون رسول الله - ﷺ - (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢١٧ رقم ١١٥٤٣)، وأبو نعيم في المعرفة (٦٤٣٠) عن ابن عباس بلفظ: بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله - ﷺ - فقال لهما: انطلقا إلى عمكما لعله يستعين بكما على الصدقات\". قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٩١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وفيه كلام كثير، وقد وثقه أبو محصن.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) كفاية النبيه (٦/ ١٤١ - ١٤٢).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٤٣).","vol":"5","page":200},{"text":"تنبيه: قيل كانت الصدقة حلالا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل نبينا - ﷺ - وإنما حرمت الصدقة على نبينا واستدل القائل بقصة إخوة يوسف ﵈ بقوله تعالى: (وتصدق علينا ..) الآية وهم أنبياء، لم تكن الصدقة حلا لا لأحد من الأنبياء ﵈، ذكر ذلك الحوفي في تفسيره (^١) والله أعلم، ذكره ابن الفرات الحنفي في تاريخه.\n\n١٢٠٤ - وَعَن أبي عبد الرَّحْمَن عَوْف بن مَالك الأشْجَعِيّ - ﵁ - قَالَ كُنَّا عِنْد رَسُول الله - ﷺ - تِسْعَة أَو ثَمَانِيَة أَو سَبْعَة فَقَالَ أَلا تُبَايِعُونَ رَسُول الله - ﷺ - وَكُنَّا حَدِيث عهد ببيعة فَقُلْنَا قد بايعناك يَا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ قَالَ أَلا تُبَايِعُونَ رَسُول الله - ﷺ - فبسطنا أَيْدِينَا وَقُلْنَا قد بايعناك يَا رَسُول الله فعلام نُبَايِعك قَالَ أَن تعبدوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا والصلوات الْخمس وتطيعوا وَأسر كلمة خُفْيَة وَلا تسألوا النَّاس فَلَقَد رَأَيْت بعض أُولَئِكَ النَّفر يسْقط سَوط أحدهم فَمَا يسْأَل أحدا يناوله إِيَّاه رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار (^٢).\nقوله: وعن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي (^٣) هو أبو عبد الرحمن، ويقال أبو محمد، ويقال: أبو حماد ويقال: أبو عمرو، عوف بن\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن للحوفى (ص ٣٠١ - ٣٠٢). وانظر تفسير الطبرى ١٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥.\n(^٢) مسلم (١٠٤٣)، وأبو داود (١٦٤٢)، والنسائي (١/ ٢٢٩)، وابن ماجه (٢٨٦٧)، وابن حبان (٣٣٨٥)، وأحمد (٢٣٩٩٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ رقم ١٣٠).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٨٧) الاستيعاب: ٣/ ١٢٢٦، التاريخ الكبير: ٧/ ٥٦، الاستيعاب: ٣/ ١٢٢٦، أسد الغابة: ٤/ ٣١٢، ٣١٣، تهذيب الكمال: ١٠٦٦، تهذيب التهذيب: ٨/ ١٦٨، الإصابة: ٧/ ١٧٩.","vol":"5","page":201},{"text":"مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفانى أول مشاهده مع النبي - ﷺ - خيبر وشهد معه فتح مكة وكانت معه راية أشجع نزل الشام وسكن دمشق وكانت داره عند سوق الغزل العتيق روي له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وستون حديثا روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة واتفقوا على أنه توفي بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان وعبد الملك بن مروان هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ومروان كان في زمن النبي - ﷺ - ولم يره فإنه خرج مع أبيه الحكم حين نفاه رسول الله - ﷺ - عن المدينة فلم يزل إلى خلافة عثمان فرجع مع أبيه الحكم، قال العلماء: ولي مروان الخلافة ولم يثبت بها إلا أقل من سنة (^١) قال ابن قتيبة كان معاوية جعل عبد الملك بن مروان على ديوان المدينة وهو ابن ست عشرة سنة وولاه أبوه مروان هجر ثم جعله خليفة بعده وكانت خلافة عبد الملك بعد أبيه سنة خمس وستين وبويع ابن الزبير بالخلافة أيضا سنة خمس وستين وولي الحجاج بن يوسف العراق سنة خمس وسبعين ونقش الدراهم والدنانير بالعربية سنة ست وسبعين وبني الحجاج واسط سنة ثلاث وثمانين وتوفي عبد الملك بدمشق سنة ست وثمانين وله ثنتان وستون سنة ولد بالمدينة وله من الولد مروان الأكبر والوليد وسليمان ويزيد ومروان الأصغر وهشام وأبو بكر ومسلمة وعبد الله وسعيد والحجاج\n_________\n(^١) انظر الاستيعاب ٣/ ١٣٨٩، وأسد الغابة ٥/ ١٣٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٨٨، وتهذيب الكمال ٢٧/ ٣٨٩.","vol":"5","page":202},{"text":"ومحمد (^١) وأما قول صاحب المهذب (^٢) في أول باب العاقلة إن عوف بن مالك الأشجعي رجع عليه سيفه يوم خيبر فقتله فغلط صريح بل الذي رجع عليه سيفه فقتله هو عامر بن الأكوع عم سلمة بن عمرو بن الأكوع وحديثه في الصحيحين مشهور (^٣) والله أعلم.\nقوله: \"أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ \" وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ \" فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: \"أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ \" قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ ونبايِعُكَ؟ يا رسول الله ... \" الحديث.\nالمبايعة: المحالفة والمعاهدة ومبايعتهم إياه التزام طاعته والمبايعة مأخوذة من البيع كان كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره قاله ابن الأثير (^٤).\nقوله: \"ولا تسألوا الناس شيئًا\".\nلطيفة: قال القاضي أبو بكر بن العربي (^٥): في كتابه الأحكام في تفسير سورة الرعد عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٩ ترجمة ٣٧٣).\n(^٢) ينظر: المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٠ - ٤١ ترجمة ٤٧٢).\n(^٤) النهاية (١/ ١٧٤).\n(^٥) أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (٣/ ٨٣).","vol":"5","page":203},{"text":"(٢٠)﴾ (^١) وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَوَاثِيقِ فِي الذِّكْرِ أَلَا تَسْأَل أحدا إلا الله، فَقَدْ كَانَ أَبُو حَمْزَةَ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ سَمِعَ أَنَّ نَاسًا بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - على أَلَّا يَسْألوا أَحَدًا شَيْئًا، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا وَقَعَ سَوْطُهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا رَفْعَهُ إلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: رَبِّ، إنَّ هَؤُلَاءِ عَاهَدُوا نَبِيَّك إذْ رَأَوْهُ، وَأَنَا أُعَاهِدُك أَلَّا أَسْأَل أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا. قَالَ: فَخَرَجَ حَاجًّا مِنَ الشَّامِ يُرِيدُ مَكَّةَ، فَبِينَا هُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ بِاللَّيْلِ إذْ بَقِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ لِعُذْرٍ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ، فَبِينَا هُوَ يَمْشِي إلَيْهِمْ إذْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ عَلَى حَاشِيَةِ الطرِيقِ، فَلَمَّا حَصلَ فِي قَعْرِهِ قَالَ: أَسْتَغِيثُ؛ لَعَلَّ أَحَدًا يَسْمَعُنِي فَيُخْرِجُنِي، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الَّذِي عَاهَدْته يَرَانِي وَيَسْمَعُنِي، وَاَللّهِ لَا تَكَلَّمْت بِحَرْفٍ لِبَشَرٍ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا إذْ مَرَّ بِتِلْكَ الْبِئْرِ نَفَر، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَاشِيَةِ لطَّرِيقِ.\nقَالُوا: إنَّهُ لَيَنْبَغِي سَدُّ هَذِهِ الْبِئْرِ، ثُمَّ قَطَعُوا خَشَبًا، وَنَصَبُوهَا عَلَى فَمِ الْبِئْرِ غَطَّوْهَا بِالتُّرَابِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: هَذِهِ مَهْلَكَة، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللهِ لَا أَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: أَليْسَ الَّذِي عَاهَدْت يَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ، فَسَكَتَ وَتَوَكَّلَ، ثُمَّ اسْتَنَدَ فِي قَعْرِ الْبِئْرِ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِهِ، فَإِذَا بِالتُّرَابِ يَقَعُ عَلَيْهِ، وَالْخَشَبُ يُرْفَعُ عَنْهُ، وَسَمِعَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: هَاتِ يَدَك. قَالَ: فَأَعْطَيْته يَدِي، فَأَقَلَّنِي فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ إلَى فَمِ الْبِئْرِ، فَخَرَجْت وَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ سَمِعْت هَاتِفًا يَقُولُ: كَيْفَ رَأَيْت ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ؟ ثم\n_________\n(^١) سورة الرعد، الآية: ٢٠.","vol":"5","page":204},{"text":"قال ابن العربي (^١): فَهَذَا رَجُلٌ عَاهَدَ اللهَ، فَوَجَدَ الْوَفَاءَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَبِهِ فَاقْتَدُوا تَهْتَدُوا. أ. هـ.\nقال أبو نعيم (^٢): في أواخر \"الحلية\" أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي كان مولى عيسى بن أبان القاضي وعرفت له آيات وكرامات. انتهى قاله في الديباجة.\nقوله: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه النفر من ثلاثة إلى تسعة تقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أولى الكتاب فيه التمسك بالعموم لأنهم نهوا عن السؤال فحملوه على عمومه، فيه الحث على التنزه عن جميع ما يسمى سؤالا وإن كان حقيرًا، والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) وقد أنكر ابن الجوزي فعل هذا الرجل وبين خطأه وأن التوكل لا ينافي الاستغاثة في تلك الحال فقال: سُكُوتُ هَذَا الرَّجُل فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى التَّوَكُّلِ بِزَعْمِهِ إِعَانَةً عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ، وَلَوْ فَهِمَ مَعْنَى التَّوَكُّلِ لَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي اسْتِغَاثَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، كَمَا لَمْ يَخْرُجُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - من التَّوَكُّلِ بِإِخْفَائِهِ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، وَاسْتِئْجَارِهِ دَلِيلًا، وَاسْتِكْتَامِهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَاسْتِتَارِهِ فِي الْغَارِ، وَقَوْلِهِ لِسُرَاقَةَ: اخْفِ عَنَّا. فَالتَّوَكُّلُ الْمَمْدُوحُ لَا يُنَالُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، وَسُكُوتُ هَذَا الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ خَلَقَ لِلآدَمِيِّ آلَةً يَدْفَعُ عَنْهُ بِهَا الضَّرَرَ، وَآلَةٌ يَجْتَلِبُ بِهَا النَّفْعَ، فَإِذَا عَطَّلَهَا مُدَّعِيًا لِلتَّوَكُّلِ كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا بِالتَّوَكُّلِ، وَرَدًّا لِحِكْمَةِ التَّوَاضُعِ، لِأَنَّ التَّوَكُّلَ إِنَّمَا هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتهِ قَطْعَ الْأَسْبَابِ، وَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا جَاعَ فَلَمْ يَسْأَلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ دُلَّ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَامَةِ، فَإِذَا تَقَاعَدَ عَنْهَا أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ. انظر تفسير القرطبي (٩/ ٣٠٨).\n(^٢) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١٠/ ٣٢٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٢).","vol":"5","page":205},{"text":"١٢٠٥ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ بايعني رَسُول الله - ﷺ - خمْسا وأوثقني سبعا وَأشْهد الله عَليّ سبعا أَن لَا أَخَاف فِي الله لومة لائم قَالَ أَبُو الْمثنى قَالَ أَبُو ذَر فدعاني رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ هَل لَك إِلَى الْبيعَة وَلَك الْجنَّة قلت نعم وَبسطت يَدي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ يشْتَرط عَليّ أَن لا أسأَل النَّاس شَيْئا قلت نعم قَالَ وَلا سَوْطك إِن سقط مِنْك حَتَّى تنزل فتأخذه.\nوَفِي رِوَايَة أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ سِتَّة أَيَّام ثمَّ اعقل يَا أَبَا ذَر مَا يُقَال لَك بعد فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم السَّابِع قَالَ أوصيك بتقوى الله فِي سر أَمرك وعلانيته وَإِذا أَسَأْت فَأحْسن وَلا تسألن أحدا شَيْئا وَإِن سقط سَوْطك وَلا تقبضن أَمَانَة رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n\n١٢٠٦ - وَعَن ابْن أبي مليكَة قَالَ رُبمَا سقط الخطام من يَد أبي بكر الصّديق - ﵁ - فَيضْرب بِذِرَاع نَاقَته فينيخها فَيَأْخذهُ قَالَ فَقَالُوا لَهُ أَفلا أمرتنا فنناولكه قَالَ إِن حبي - ﷺ - أَمرنِي أَن لَا أسأَل النَّاس شَيْئا، رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي مليكَة لم يدْرك أَبَا بكر - ﵁ - (^٢).\nالخطام بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة هُوَ مَا يوضع على أنف النَّاقة وفمها لتقاد بِهِ.\n_________\n(^١) أحمد (٢١٥٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٢)، رواه أحمد ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٠٤).\n(^٢) أحمد (٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٢)، وابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر، وعبد الله بن المؤمل فيه كلام وقد وثق.","vol":"5","page":206},{"text":"١٢٠٧ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من يُبَايع فَقَالَ ثَوْبَان مولى رَسُول الله - ﷺ - بَايعنَا يَا رَسُول الله قَالَ على أَن لَا تسْأَل أحدا شَيْئا فَقَالَ ثَوْبَان فَمَا لَهُ يَا رَسُول الله قَالَ الْجنَّة فَبَايعهُ ثَوْبَان قَالَ أَبُو أُمَامَة فَلَقَد رَأَيْته بِمَكَّة فِي أجمع مَا يكون من النَّاس يسْقط سَوْطه وَهُوَ رَاكب فَرُبمَا وَقع على عاتق رجل فَيَأْخذهُ الرجل فيناوله فَمَا يَأْخُذهُ حَتَّى يكون هُوَ ينزل فَيَأْخذهُ رَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة (^١).\n\n١٢٠٨ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ -. قَالَ أَوْصَانِي خليلي - ﷺ - بِسبع بحب الْمَسَاكِين وَأَن أدنو مِنْهُم وَأَن أنظر إِلَى من هُوَ أَسْفَل مني وَلا أنظر إِلَى من هُوَ فَوقِي وَأَن أصل رحمي وَإِن جفاني وَأَن أَكثر من قَول لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله وَأَن أَتكَلّم بمر الْحق وَلا تأخذني فِي الله لومة لائم وَأَن لا أسأَل النَّاس شَيْئا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن أبي ذَر وَلم يسمع مِنْهُ (^٢).\nقوله وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر، قوله: بايعني رسول الله - ﷺ - خمسًا وأوثقني سبعًا وأشهد الله عليَّ سبعًا. الحديث، تقدم معنى المبايعة في الحديث قبله.\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٧٨٣٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٣)، رواه الطبراني في الكبير وفيه علي بن يزيد، وهو ضعيف.\n(^٢) أحمد (٢١٤١٥)، والطبراني في الكبير (١٦٤٨)، وفي الصغير (٧٤٥)، وابن حبان (٤٤٩)، والبيهقي (١٠/ ٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٣)، رواه الطبراني في الكبير والصغير بنحوه وأظنه رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن الشعبي لم أجد له سماعا من أبي ذر - ﵁ -، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٠٥).","vol":"5","page":207},{"text":"قوله: وعن ابن أبي مليكة اسمه [عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير، بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مره القرشي التيمي، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، المكي الأحول. كان قاضيا لعبد الله بن الزبير، ومؤذنا له روى عن: جده أبي مليكة، وله صحبة، وعن عائشة، وأم سلمة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وطائفة.\nوعنه: عمرو بن دينار، وأيوب، وحاتم بن أبي صغيرة، وابن جريج، ونافع بن عمر الجمحي، وعبد الواحد بن أيمن، ويزيد بن إبراهيم التستري، وجرير بن حازم، وأبو عامر الخزاز، وعبد الجبار بن الورد، وابن لهيعة، والليت بن سعد، وخلق كثير.\nروى أيوب. عن ابن أبي مليكة قال: بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف، فكنت أسأل عن ابن عباس وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وغير واحد، ومات سنة سبع عشرة ومائة (^١)].\nقوله: وربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق الحديث.\nالخطام: ضبطه الحافظ وفسره فقال: الخطام هو ما يوضع على أنف الدابة وفمها لتقادى به ا. هـ.\nقوله: عن أبي أمامة واسمه صدي بن عجلان وتقدم الكلام على مناقبه، قوله - ﷺ - \"من يبايع\" فقال: ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - بايعنا يا رسول الله قال: \"ألا تسألوا أحدًا شيئًا\" تقدم معنى المبايعة وتقدم الكلام على ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٥/ الترجمة ٣٤٠٥)، وتاريخ الإسلام ٣/ ٢٦٢.","vol":"5","page":208},{"text":"قوله رواه الطبراني (^١) من طريق علي بن يزيد هو علي بن يزيد بن أبي هلال الألهاني، ويقال: الهلالي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحسن، الشامي الدمشقي اتفقوا على تضعيفه].\nقوله، وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر قوله - ﵁ - أوصاني خليلي - ﷺ - تقدم الكلام على الخليل في صلاة الضحى، قوله: \"وأن أصل رحمي وإن جفاني\" والمراد بالرحم القرابة سواء كان وارثا أو غير وارث وتقدم الكلام على الرحم والصلة.\nقوله: رواه الطبراني (^٢) من رواية الشعبي، والشعبي بفتح الشين وسكون العين، هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل بفتح الشين الكوفي نسب إلى شعب وهو بطن من همدان بسكون الميم وإهمال الدال ولد لست سنين مضت من خلافة عثمان وروى عن علي والسبطين وسعد وسعيد وابن عباس وابن عمر وغيرهم وقال: أدركت خمسمائة من الصحابة وقال: ما كتبت سوداء في بيضاء قط ولا حدثني أحد بحديث فأحببت أن يعيده علي ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته وقال: ابن عيينة كان الشعبي أكبر الناس في زمانه (^٣) وكان ضئيلا فقيل ما لنا نراك نحيفًا فقال: إني كنت زوحمت في الرحم وذلك لأنه كان أحد التوءمين وهو: كاتب عبد الله بن مطيع العدوي أمير العريش يوم\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) الحلية ٦/ ٣٥٦ و٩/ ١٦٧.","vol":"5","page":209},{"text":"الحرة وأمه كانت من سبي [جلولاء] هي قرية من ناحية فارس (^١) توفي بالكوفة فجأه في بضع ومائة وقيل سنة أربع ومائة وهو ابن سبع وتسعين سنة (^٢) قال الحافظ أبو نعيم عن ابن سيرين قال: قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَلِلشَّعْبِيِّ حَلْقَة عَظِيمَة، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ (^٣).\nوعن عاصم بن سليمان قال: ما رأينا أحدًا كان أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز والأفاق من الشعبي (^٤) وقال: رجل للشعبي يا معشر الفقهاء والعلماء فقال: الشعبي لسنا بفقهاء ولا بعلماء ولكنا قوم قد سمعنا حديثًا فنحن نحدثكم بما سمعنا إنما الفقيه من تورع عن محارم الله ﷿ والعالم من خاف الله ﷾ (^٥) وقال: - ﵁ - العلم أكثر من عدد القطر فخذ من كل شيء أحسنه ثم تلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (^٦) (^٧) ا. هـ.\n_________\n(^١) المعارف ١/ ٤٥٠.\n(^٢) المنتظم ٧/ ٩٤.\n(^٣) حلية الأولياء ٤/ ٣١٠، وتاريخ دمشق ٢٥/ ٣٥٧.\n(^٤) حلية الأولياء ٤/ ٣١٠.\n(^٥) حلية الأولياء ٤/ ٣١١.\n(^٦) سورة الزمر، الآية: ١٨.\n(^٧) حلية الأولياء ٤/ ٣١٤. وانظر لترجمته المعارف (١/ ٤٤٩ - ٤٥١)، والحلية ٤/ ٣١٠ - ٣٣٧، وتاريخ بغداد ١٤/ ١٤٣، وتاريخ دمشق ٢٥/ ٣٣٥ - ٤٣٠، والمنتظم ٧/ ٩٢ - ٩٤، وتهذيب الكمال ١٤/ ترجمة ٣٠٤٢.","vol":"5","page":210},{"text":"١٢٠٩ - وَعَن حَكِيم بن حزَام - ﵁ - قَالَ سَأَلت رَسُول الله - ﷺ - فَأَعْطَانِي ثمَّ سَأَلته فَأَعْطَانِي ثمَّ سَأَلته فَأَعْطَانِي ثمَّ قَالَ يَا حَكِيم هَذَا المَال خضر حُلْو فَمن أَخذه بسخاوة نفس بورك لَهُ فِيهِ وَمن أَخذه بإشراف نفس لم يُبَارك لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلا يشْبع وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى قَالَ حَكِيم فَقلت يَا رَسُول الله وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لا أرزأ أحدا بعْدك شَيْئا حَتَّى أُفَارِق الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بكر - ﵁ -: يَدْعُو حكيما ليعطيه الْعَطاء فيأبى أَن يقبل مِنْهُ شَيْئا ثمَّ إِن عمر - ﵁ - دَعَاهُ ليعطيه فَأبى أَن يقبله فَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين أشهدكم على حَكِيم أَنِّي أعرض عَلَيْهِ حَقه الَّذِي قسم الله لَهُ فِي هَذَا الْفَيْء فيأبى أَن يَأْخُذهُ وَلم يرزأ حَكِيم أحدا من النَّاس بعد النَّبِي - ﷺ - حَتَّى توفّي - ﵁ - رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار (^١).\nيرزأ برَاء ثمَّ زَاي ثمَّ همزَة مَعْنَاهُ لم يَأْخُذ من أحد شَيْئا، وإشراف النَّفس بِكَسْر الْهمزَة وبالشين الْمُعْجَمَة وَآخره فَاء هُوَ تطلعها وطمعها وشرهها. وسخاوة النَّفس ضد ذَلِك.\nقوله وعن حكيم بن حزام تقدم الكلام عليه مبسوطًا، قوله: سألت رسول الله - ﷺ - فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني الحديث قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه قمع الحرص بالزهد والقناعة وقد قسم علماؤنا رحمة الله عليهم المسألة ثلاثة أقسام محرمة ومكروهة وجائزة فالمحرمة هي التي تكون بمعنى الفقر وليس بفقير أو يظهر من الفقر أكثر مما هو فيه\n_________\n(^١) البخاري (١٤٧٢)، ومسلم (١٠٣٥)، والترمذي (٢٤٦٣)، والنسائي (٥/ ٦٠).","vol":"5","page":211},{"text":"والمكروه هو الذي يسأل وله أوقية لأن النبي - ﷺ - أعطى حكيم بن حزام مرات وكان يملك أكثر من ذلك غير أنه كان ممن يجوز له أخذ الصدقة لأنه كان من المؤلفة قلوبهم ولو كان حرامًا ما أعطاه غير ذلك له ومن كان له دون الآربعين وسأل بالمعروف فلا حرج عليه ومن اضطر إلى المسألة ففرض عليه أن يسأل ولا يكون المسئول حينئذ أفضل من السائل لأن موسى والخضر ﵉ استطعما أهل قرية ومن سأل على غير وجه الفقر بالمعروف لأمر نزل به من جائحة أصابته أو حمالة تحمل بها أو دية لزمت أو ليكافيء على ما يؤتى إليه فهذا حلال ولا يكون المسئول أفضل من السائل (^١) ا. هـ.\nقوله - ﷺ - \"يا حكيم هذا المال خضر حلوة\" خضر بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة أيضًا، وقوله: \"حلوة\" بضم الحاء المهملة وسكون اللام وشبهه للرغبة فيه الميل إليه بالأخضر الحلو المستلذ فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده وكذلك الحلو باجتماعهما أشد وفيه إشارة إلى عدم بقائه فإن الأخضر أسرع الألوان إستحالة وتغيرًا (^٢) ووقع للأصيلي أن هذا المال خضرة حلوة بزيادة التاء أي ناعم مشتهى شبهه بالمراعي الشهية للأنعام ومن روي أن هذا المال شيء كالخضرة خضرة أنث على معنى التأنيث المشبه به أي أن هذا المال شيء كالخضرة وقال: ثابت معناه أن هذا\n_________\n(^١) قمع الحرص ص ٢٠ - ٢١.\n(^٢) شرح النووي على مسلم ٧/ ١٢٦، وعمدة القارى ٩/ ٥٢.","vol":"5","page":212},{"text":"المال شهية كالبقلة الخضرة إلى الدواب، قاله القاضي عياض (^١).\nقوله فمن أخذه بسخاوة نفس والسخاوة والسخاء الجود وسخاوة النفس يجوز أن تكون راجعة إلى الأخذ أي من أخذه في حال كون نفسه سخية به لا لكنزه ويجوز أن تكون راجعة إلى الدافع أي من أخذه ممن يدفعه سخية به نفسه (^٢).\nقوله - ﷺ - \"ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه\" الحديث هاشراف النفس هو تطلعها وطمعها وشرهها وسخاوة النفس ضد ذلك قاله المنذري والمشرف إلى الشيء بالشين المعجمة هو المتطلع إليه والحريص عليه.\nقوله - ﷺ - وكان كالذي يأكل ولا يشبع قيل هو الذي به داء لا يشبع بسببه قال: الخطابي يريد أن سبيله سبيل من يأكل من ذي سقم وآفة فيزداد سقمًا ولا يجد شبعًا فينجع فيه الطعام (^٣) ا. هـ.\nوقيل المراد تشبيهه بالبهيمة الراعية (^٤).\nقوله واليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، ومطالع الأنوار (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨).\n(^٢) انظر: أعلام الحديث ٢/ ٨٠٠، وشرح النووي على مسلم ٧/ ١٢٦، والكواكب الدراري ٨/ ١٧.\n(^٣) أعلام الحديث ٢/ ٨٠٠.\n(^٤) شرح النووي على مسلم ٧/ ١٢٦.","vol":"5","page":213},{"text":"قوله: قال: حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا.\nقوله: إن عمر - ﵁ - دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، يرزأ ضبطه الحافظ وفسره، وقال: معناه لم يأخذ من أحد شيئًا وقال: غيره وأصل الرزء النقصان أي لم ينقص أحدًا شيئًا بالأخذ منه والفيء هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد قاله في النهاية (^١)، وقال الكرماني (^٢): والفيء لغة هو الخراج والغنيمة واصطلاحًا هم المال المأخوذ من الكفار بدون إيجاف فيل وركاب قال ابن بطال: فيه إعطاء السائل من مال واحد مرتين وما كان عليه رسول الله - ﷺ - من الكرم (^٣) وفيه أنه لا يستحق أحد من بيت المال شيئًا إلا بعد إعطاء الإمام وإنما أشهد عمر - ﵁ - على حكيم لأنه خشي سوء تأويله فأراد أن يبرئ ساحته بالإشهاد عليه (^٤) والله أعلم.\nوقال أبو إسحاق الشيرازي (^٥): الفيء كل مال أخذ من الكفار من غير قتال\n_________\n(^١) النهاية ٣/ ٤٢٨.\n(^٢) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٣).\n(^٣) شرح الصحيح ٣/ ٥٠٤ لابن بطال.\n(^٤) شرح الصحيح ٣/ ٥٠٦ لابن بطال.\n(^٥) المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢).","vol":"5","page":214},{"text":"كالمال الذي تركوه فزعًا من المسلمين والخراج والجزية والأموال التي يموت عنها من لا وارث له من أهل الذمة والله أعلم.\n\n١٢١٠ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من يكفل لي أَن لَا يسْأَل النَّاس شَيْئا أتكفل لَهُ بِالْجنَّةِ فَقلت أَنا فَكَانَ لا يسْأَل أحدا شَيْئا رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح.\nوَعند ابْن مَاجَه قَالَ لا تسْأَل النَّاس شَيْئا قَالَ فَكَانَ ثَوْبَان يَقع سَوْطه وَهُوَ رَاكب فَلَا يَقُول لأحَد ناولنيه حَتَّى ينزل فَيَأْخذهُ (^١).\n\n١٢١١ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ثَلَاث وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن كنت لحالفا عَلَيْهِنَّ لا ينقص مَال من صَدَقَة فتصدقوا وَلا يعْفُو عبد عَن مظْلمَة إِلَا زَاده الله بهَا عزا يَوْم الْقِيَامَة وَلا يفتح عبد بَاب مَسْألة إِلَا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر، رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار (^٢).\nوَتقدم فِي الإِخْلَاص من حَدِيث أبي كبْشَة الأنمَارِي مطولا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٣).\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٣٧٤)، والنسائي (٥/ ٩٦)، وابن ماجه (١٨٣٧)، وأبو داود (١٦٤٣)، والطيالسي (١٠٧٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٨١)، والحاكم (١/ ٤١٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٠٧).\n(^٢) أحمد (١٦٧٤)، والبزار (١٠٣٣)، وأبو يعلى (٨٤٩)، وعبد بن حميد (١٥٩) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٠٨).\n(^٣) أحمد (١٨٠٢٤)، والترمذي (٢٣٢٥).","vol":"5","page":215},{"text":"وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير من حَدِيث أم سَلمَة وَقَالَ فِي حَدِيثه وَلا عَفا رجل عَن مظْلمَة إِلَّا زَاده الله بهَا عزا فاعفوا يعزكم الله وَالْبَاقِي بِنَحْوِهِ (^١).\n\n١٢١٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ عمر - ﵁ - يَا رَسُول الله لقد سَمِعت فلَانا وَفُلَانًا يحسنان الثَّنَاء يذكران أنك أعطيتهما دينارين قَالَ فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - وَالله لَكِن فلانا مَا هُوَ كَذَلِك لقد أَعْطيته مَا بَين عشرَة إِلَى مائَة فَمَا يَقُول ذَلِك أما وَالله إِن أحدكُم ليخرج مَسْأَلته من عِنْدِي يتأبطها يَعْني تكون تَحت إبطه نَارا فَقَالَ قَالَ عمر - ﵁ - يَا رَسُول الله لم تعطيها إيَّاهُم قَالَ فَمَا أصنع يأبون إِلَا ذَلِك ويأبى الله لي الْبُخْل رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَرِجَال أَحْمد رجال الصَّحِيح (^٢).\nوَفِي رِوَايَة جَيِّدَة لأبي يعلى وَإِن أحدكُم ليخرج بِصَدَقَتِهِ من عِنْدِي متأبطها وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ نَار قلت يَا رَسُول الله كَيفَ تعطيه وَقد علمت أنَّهَا لَهُ نَار قَالَ فَمَا أصنع يأبون إِلَا مَسْألتي ويأبى الله ﷿ لي الْبُخْل (^٣).\nقوله: وعن ثوبان تقدم الكلام على ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، قوله: - ﷺ -\n_________\n(^١) الطبراني في الصغير (١٣٦)، وفي الأوسط (٢٢٧٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠٥)، وفيه زكريا بن دويد، وهو ضعيف جدا.\n(^٢) أحمد (١١٠٠٤)، وأبو يعلى (١٣٢٧)، والبزار (٩٢٥)، وابن حبان (٣٤١٤)، والحاكم (١/ ٦٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٤)، ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٠٩).\n(^٣) أبو يعلى كما في مجمع الزوائد (٣/ ٩٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨١٠).","vol":"5","page":216},{"text":"\"من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا أتكفل له الجنة\"، الكفالة: الضمان.\nقوله: وعن عبد الرحمن بن عوف، هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني يجتمع نسبه مع النبي - ﷺ - في كلاب بن مرة، كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن وأمه الشفاء بنت عوف أسلمت وهاجرت ولد - ﵁ - بعد الفيل بعشر سنين أسلم عبد الرحمن قديما قبل دخول النبي - ﷺ - دار الأرقم وهو أحد السابقين الثمانية إلى الإسلام وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد الثلاثة الذين انتهت إليهم الخلافة ثم كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان وهو أحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع ومن مناقب عبد الرحمن التي لا توجد لغيره من الناس أن رسول الله - ﷺ - صلى وراءه في غزوة تبوك حين وجده قد صلى بالناس ركعة وحديثه هذا في صحيح مسلم (^١) وقولنا لا توجد لغيره من الناس إحتراز من صلاة النبي - ﷺ - خلف جبريل - ﵇ - حين أعلمه بالمواقيت وقيل إن رسول الله - ﷺ - صلى خلفه الركعة الثانية من صلاة الفجر وأتم الذي فاته وقال: \"ما قبض نبي حتى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٥ - ٢٧٤) عن المغيرة بن شعبة.","vol":"5","page":217},{"text":"يصلي خلف رجل صالح من أمته\" (^١) وهو - ﵁ - من قدماء المهاجرين وكبار البدريين شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﵁ - وجرح عبد الرحمن يوم أحد إحدى وعشرين جراحة وجرح في رجله فعرج وسقطت ثنيتاه وكان كثير الإنفاق في سبيل الله أعتق يوم أحد ثلاثيق عبدًا روي له عن رسول الله - ﷺ - خمسة وستين حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بخمسة وفي الحديث عن النبي - ﷺ - \"أن عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء أمين في الأرض\" (^٢) وكان كثير المال محظوظًا في التجارة قيل أنه دخل على أم سلمة فقال: يَا أُمَّهْ، قَدْ خِفْتُ أَنْ يُهْلِكَنِي كَثْرَةُ مَالِي، قالت: يَا بُنَيَّ، أَنْفِقْ.\nوعن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه المروزي (٣) عن محمد بن معمر، عن يحيى بن حماد، بهذا الإسناد. وهو عنده مختصر بلفظ: ما قُبض نبي قط حتى يؤمَّه رجل من أمته، وانظر: وصحيح البخاري (٣٠٩٤) ومسند أبي بكر للمروزي (٢).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ١٣٤)، وابن منيع كما في المطالب (٣٩٧٧)، وابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ٩٢٤ - ٩٢٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٦١٦) والبزار (٤٦٦)، والبغوى في معجم الصحابة (١٨٧٢)، وابن بطة في الإبانة ٨/ ١٣٣ - ١٣٧ (١٩ و٢٠) والحاكم (٣/ ٣٠٩ - ٣١٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٩٨) وفضائل الخلفاء (١١٩) والمعرفة (٤٧٥) من طريقين عن ابن عمر عن علي. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٥ - ٩٤) عن علي. قال أبو نعيم في الرواية الثانية: غريب من حديث ميمون، لم نكتبه إلا من هذا الوجه. وصحح الحاكم الرواية الأولى وتعقبه الذهبى فقال: فيه أبو المعلى فرات بن السائب، تركوه. وقال البوصيري في الإتحاف ٧/ ٢٢٣: رواه أحمد بن منيع بسند ضعيف لضعف أبي المعلى الجزري واسمه فرات بن السائب.","vol":"5","page":218},{"text":"بشطر ماله أربعة آلاف ثم أربعين ألفًا ثم تصدق بأربعين ألف دينار ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله ثم خمسمائة راحلة وفي كتاب الترمذي (^١) أن عبد الرحمن بن عوف أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف قال الترمذى: حديث حسن صحيح وقال عروة بن الزبير: أوصي عبد الرحمن لمن بقي فمن شهد بدرًا لكل رجل بأربعمائة دينار وكانوا مائة رجل فأخذوها وأخذ عثمان فيمن أخذ وأوصى بألف فرس في سبيل الله تعالى وخلف مالًا عظيمًا من ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منها وترك ألف بعير ومائة فرس وثلاثة آلاف شاة ترعى وكان له أربع نسوة، صالحت امرأة منهن عن نصميبها بثمانين ألفًا وقدمت عير من الشام فيها سبعمائة راحلة ففرقها في سبيل الله بأحمالها وأقتابها وأحلاسها وباع أرضًا له من عثمان بن عفان بأربعين ألف دينار وقسمها في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين فقالت عائشة سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لمن يحنو عليكم بعدي إلا الصالحون فسقى الله عبد الرحمن من سلسبيل الجنة\" (^٢) وكان - ﵁ - من تواضعه لا يعرف من بين عبيده وكان أهل المدينة\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٧٥٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤١٤)، والحاكم ٣/ ٣١١ - ٣١٢.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن الإسناد صحيح لغيره.\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ١٣٢ - ١٣٣، وإسحاق (١٧٥٥)، وأحمد في الفضائل (١٢٤٩) و(١٢٥٨) والمسند ٦/ ١٠٣ (٢٤٧٢٤) و٦/ ١٣٥ (٢٥٠٣٢ و٢٥٠٣٣)، والترمذي (٣٧٤٩)، وابن حبان (٦٩٩٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال =","vol":"5","page":219},{"text":"عيلا على عبد الرحمن ثلث يقرضهم ماله وثلث يقضي ديونهم من ماله وثلث يصلهم وكان عامة ماله من التجارة وكان أبيض مشربًا بحمرة حسن الوجه رقيق البشرة أهدب الأشفار أقنى له جبهة ضخم الكفين غليظ الأصابع لا تغير شعره توفي سنة ثنتين وثلاثين وقيل سنة إحدى وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين سنة وقيل خمس وسبعين وقيل ثمان وسبعين ودفن بالبقيع (^١).\nقوله - ﷺ - ثلاث \"والذي نفسي بيده إن كنت الحالف عليهن ما نقص مال من صدقة فتصدقوا ولا يعفوا عبد عن مظلمة يريد به وجه الله ﷿ إلا رفعه الله بها يوم القيامة\" الحديث تقدم الكلام عليه في الإخلاص في أوائل هذا التعليق وروى من حديث أبي كبشة الأنماري.\n\n١٢١٣ - وَعَن أبي بشر قبيصَة بن الْمخَارِق - ﵁ - قَالَ تحملت حمالَة فَأتيت رَسُول الله - ﷺ - أسأله فِيهَا فَقَالَ أقِم حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَة فنأمر لَك بهَا ثمَّ قَالَ يَا قبيصَة إِن الْمَسْألة لا تحل إِلَّا لأحد ثَلَاثَة رجل تحمل حمالَة فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيبهَا ثمَّ يمسك وَرجل أَصَابَته جَائِحَة اجتاحت مَاله فَحلت لَهُ الْمَسْألة حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش أَو قَالَ سدادا من عَيْش وَرجل أَصَابَته فاقة حَتَّى يَقُول ثَلَاثَة من ذَوي الحجى من قومه لقد أَصَابَت فلانا فاقة فَحلت لَهُ الْمَسْألة حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش أَو قَالَ سدادا من عَيْش فَمَا سواهن من\n_________\n= الألباني: حسن صحيح - المشكاة (٦١٢١ و٦١٢٢)، والصحيحة (١٥٩٤).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٠ - ٣٠٣ ترجمة ٣٥٧).","vol":"5","page":220},{"text":"الْمَسْألة يَا قبيصَة سحت يأكلها صَاحبهَا سحتا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nالْحمالَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ الدِّيَة يتحملها قوم من قوم وَقيل هُوَ مَا يتحمله المصلح بَين فئتين فِي مَاله ليرتفع بَينهم الْقِتَال وَنَحْوه. والجائحة: الآفة تصيب الإِنْسَان فِي مَاله. والقوام: بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا أفْصح هُوَ مَا يقوم بِهِ حَال الإِنْسَان من مَال وَغَيره. والسداد: بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة هُوَ مَا يسد حَاجَة المعون ويكفيه. والفاقة: الْفقر والاحتياج. والحجى: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ الْعقل.\nقوله: وعن أبي بشر قبيصة بن المخارق بضم الميم بن عبد الله بن شداد الهلالي العامري البصري. وكنيته أبو بشر (وفد على رسول الله - ﷺ - فأسلم، وروى عنه ستة أحاديث، روى مسلم أحدها. روى عنه أبو عثمان النهدى،، وأبو قلابة، وكنانة بن نعيم، وابنه قطن بن قبيصة (^٢).\n(وقوله) تحملت حمالة فأتيت رسول الله - ﷺ - قال الخطابي (^٣): وفي هذا الحديث علم كثير وفوائد جمة ويدخل في أبواب من العلم والحكم وذلك\n_________\n(^١) مسلم (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، والنسائي (٥/ ٨٨)، وفي الكبرى (٢٣٦١)، وأحمد (١٥٩١٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٦/ ٥٧ ترجمة ٥٠٢)، وتهذيب الكمال (٢٣/ الترجمة ٤٨٤٥).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٦٦).","vol":"5","page":221},{"text":"أنه قد جعل من تحل المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة غنيًا وفقيرين وجعل الفقر على ضربين فقرًا ظاهر أو فقرًا باطنًا فالغنى الذي تحل المسألة هو صاحب الحمالة، قال الحافظ (^١): الحمالة بفتح الحاء المهملة هي الدية يتحملها قوم عن قوم وقيل هو ما يتحمله المصلح بين فئتين في ماله ليرتفع بينهم القتال ونحوه ا. هـ.\nوقال المنذري في الحواشي على سنن أبي داوود: والحمالة هي الكفالة والحميل والكفيل والضمين والزعيم واحد، وتفسيرها أن يقع بين القوم تشاجر في الدماء والأموال ويحدث بسببها العداوة والشحناء ويخاف منها الفتن العظيمة فيتوسط رجل بينهم ويسعى في إصلاح ذات البين ويضمن مالا لأصحاب الدم أو المال أو نحوه يترضاهم بذلك تسكينًا للثائرة وجلبًا للألفة (^٢) ا. هـ.\nوكانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرمًا في دية أو غيرها قام أحدهم فيتبرع بإلتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الثائرة ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم وكانت العرب لكرمها إذا علمت بأن أحدا تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما يتم به وجه مكرمته وتبرأ به ذمته (^٣)، فهذا رجل صنع معروفًا وابتغى بما أعطاه صلاحًا فليس من المعروف أن تكون الغرامة عليه في ماله ولكن يعان\n_________\n(^١) هو المنذرى.\n(^٢) مختصر سنن أبي داود (٢/ ٢٣٧).\n(^٣) المفهم (٩/ ٥٤).","vol":"5","page":222},{"text":"على أداء ما تحمله منهم ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمته ويخرج من عهدة ما ضمنه منه (^١) ا. هـ.\nولو سأل المتحمل من تلك الحمالة لم يعد ذلك نقصًا بل شرفًا وفخرًا ولذلك سأل هذا الرجل رسول الله - ﷺ - في حمالته التي تحملها على عادتهم فأجابه رسول الله - ﷺ - إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة ووعده النبي - ﷺ - بمال من الصدقة لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات (^٢) وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية (^٣) ومثل هذا يجوز صرف الزكاة إليه وإن كان غنيًا هذا ظاهر مذهب الشافعي وقد جاء في حديث \"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة وذكر منهم الغني الغارم ولإصلاح ذات البين\" (^٤) أما من غرم في حاجة نفسه فيدفع إليه من الزكاة عند حاجته ما يقضي به ديونه وهو المراد بالقسمين الأخيرين (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٦٧)، والمفهم (٩/ ٥٤) وقمع الحرص (ص ٣٤).\n(^٢) المفهم (٩/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٣).\n(^٤) عبد الرزاق في المصنف (٧١٥١)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، وابن الجارود في المنتقى (٣٦٠٥)، وابن خزيمة (٢٣٧٤)، والدارقطني في السنن ٢/ ١٢١، والحاكم ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨، والبيهقي في السنن ٧/ ١٥، ٢٢. وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الإرواء (٨٧٠) وصحيح أبي داود (١٤٤٥).\n(^٥) انظر: المجموع (٦/ ٢٠٥ - ٢٠٨)، والنجم الوهاج (٦/ ٤٤٥ - ٤٤٧).","vol":"5","page":223},{"text":"قوله: - ﷺ - \"ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله\" أي أهلكته فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من العيش، الجائحة بتقديم الجيم على الحاء أي حادثة إجتاحت أي أهلكت قال: الحافظ (^١) الجائحة الآفة تصيب الإنسان في ماله ا. هـ، وقال: في النهاية (^٢) الإجتياح من الجائحة وهي الآفَةُ التي تُهْلِك الثمار والأموال وتستأصلها، وكلُّ مُصِيبة عظيمة وفِتنةٍ مُبِيرَة: جائحة، والجمع الجوائح وجاحهم يجوحهم جرحًا [: إذا غشيهم بالجوائح وأهلكهم ومنه الحديث \"أعاذكم الله من جوح الدهر\"].\nوقال في الديباجة: والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر أمره من الآفات كالسيل يغرق متاعه والنار تحرقه والزرع تفسد زرعه ومتاعه وثماره ونحو ذلك وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها ووقوعها فإذا أصاب الرجل شيء منها فذهب ماله وافتقر حلت له المسألة ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها (^٣).\nوقال القرطبي في شرح مسلم الجائحة ما اجتاتحت المال وأتلفته إتلافًا ظاهرًا كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا مما لا تخفى آثاره (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤) وصححه الألباني كما في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٣/ ٣٧٧)\n(^٢) النهاية (١/ ٣١١ - ٣١٢).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٦٧).\n(^٤) المفهم (٩/ ٥٥).","vol":"5","page":224},{"text":"تنبيه: واستنبطت الشافعية منه أن الجوائح في باب البيع غير مضمونة على البائع بل هي في ضمان المشترى فإذا اشترى ثمرة وقبضها بالتخلية فتلفت قبل قطافها كانت من ضمان المشترى ألا تراه - ﷺ - سوغ دفع الزكاة إليه فلو كانت الجوائح من ضمان البائع لم يكن لدفع الزكاة إليه وجه وقد روى مسلم (^١) إن رجلا ابتاع ثمارًا فأصابتها جائحة فأمر رسول الله - ﷺ - بالصدقة عليه ثم قال: لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك وأراد أنه - ﷺ - أنهم لا يحل لهم حبسه لعدم ما بيده (^٢) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"حتى يصيب قوامًا من عيش\" القوام: ضبطه الحافظ وفسره هو ما يقوم به حال الإنسان من مال وغيره ا. هـ.\nقوله: أو قال: \"سدادًا من عيش\" والسداد قال الحافظ (^٣): بكسر السين المهملة ما يسد به حاجة المعوز ويكفيه ا. هـ، وقال القرطبي (^٤): السداد: بكسر السين ما يسد به الشيء وكل شيء سددت به شيئًا فهو سداد بالكسر وبه سمي سدادا الثغر والقارورة والحاجة وبفتحها الإصابة وقال: غيره\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨ - ١٥٥٦)، وأبو داود (٣٤٦٩)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٢٢٣ (٤٥٧٢) و٧/ ٣٠٣ (٤٧٢١) والكبرى (٦٢٩٧) و(٦٤٥٠) عن أبي سعيد.\n(^٢) انظر: المجموع (٩/ ٢٢٠) والروضة (٣/ ٤٥٣) وشرح النووي على مسلم (١٠/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٣) هو المنذري.\n(^٤) المفهم (٩/ ٥٥).","vol":"5","page":225},{"text":"السداد بكسر السين ما يسد الخلة ويدفع الحاجة أى ما يكفى حاجته يعنى ما يحصل به العيش من قوت ولباس (^١) والسداد [يعنى بفتح السين والدال] العقل والتدبير (^٢).\nلطيفة: حكى أن النضر بن شميل دخل على المأمون على التزوج (^٣) ثم قال: المأمون حدثنا هشيم وساق الحديث أن المرأة سداد ففتح السين فقال:\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٥١٣).\n(^٢) انظر شرح السنة ٦/ ١٢٥.\n(^٣) كذا هو في الأصل وسياق الخبر كما في مجالس العلماء للزجاجى (ص ١٥٢ - ١٥٣): قال النضر بن شميل: دخلت على المأمون وعلي إزار مرقوع، فقال لي: يا نضر، ما هذا التقشف؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، حر مرو كما قد علمت، وأنا شيخ وأحب التروح بهذه الخلقان. قال: فأخذ بنا في الحديث في ذكر النساء، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيما رجل تزوج امرأة لدينها وجمالها كان ذلك سدادا من عوز\". قلت: يا أمير المؤمنين، صدق هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيما رجل تزوج امرأة لدينها وجمالها كان ذلك سدادا من عوز\". قال: فاستوى جالسا ثم قال: يا نضر، كيف قلت سدادا بالكسر ولم تقل سدادا، ما الفرق بينهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين، السداد: القصد في الدين والسبيل والطريق. والسداد للثلمة. وكل ما سددت فهو سداد بالكسر.\nقال: وفي العرب من يقول ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول: أضاعوني وأي فتى أضاعوا، .. ليوم كريهة وسداد ثغر.\nفقال: قبح الله اللحن. قلت: يا أمير المؤمنين، إنما لحن هشيم، وكان هشيم لحانا، فاتبع أمير المؤمنين لفظه، وقد تتبع ألفاظ العلماء ... الخبر.","vol":"5","page":226},{"text":"النضر بن شميل صدق أمير المؤمنين وأخطأ هشيم، حدثنا عوف عن الحسن وساق الحديث في السداد بكسر السين فقال: له المأمون ما الفرق بينهما ففرق بينهما بأن السداد بفتح السين هو العقل وبكسرها ما يسد الخلة فكتب له المأمون إلى وزيره بمال ثم أراد أن يترب الكتاب فقال: أَتْرِبِ الْكِتَابَ يَا غُلام ويريد بذلك ما ورد في الحديث \"أتربوا الكتاب فإنه أنحج للحاجة\" (^١) يقال: أتربت الشيء إذا جعلت عليه التراب قاله في النهاية، (^٢) فقال المأمون: فيكون ماذا؟ فقال: مترب ثم أخذ المأمون طينًا ليختم به الكتاب فقال: كيف الأمر في التطين، فقال النضر: طنه يا غلام، فقال: فهو ماذا، فقال النضر: فهو مطين، فاستحسن ذلك المأمون، ثم حمل الكتاب إلى الوزير فنظر فيه فإذا هو كتب له بخمسين ألف درهم فقال: الوزير ما الذي أوجب لك ذلك يا نضر فذكر القصة فقال: تلحن أمير المؤمنين وتأخذ هذا فقال: لم يلحن أمير المؤمنين وإنما لحن هشيم فدفع إليه ثمانين ألفًا وقال: هذه الثلاثون من كيسي قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل أصابته فاقة\" قال الحافظ (^٣): الفاقة: الفقر والاحتياج.\n_________\n(^١) أخرجه الزجاجى في مجالس العلماء (١/ ١٥٢ - ١٥٥)، والمعافى بن زكريا في الجليس الصالح (ص ٣٨٢ - ٣٨٣)، والخطابى في غريب الحديث (١/ ٥٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ٢٩٣ - ٢٩٥)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٢) النهاية (١/ ١٨٥).\n(^٣) أى المنذرى.","vol":"5","page":227},{"text":"قوله - ﷺ - \"حَتَّى يَقُومَ ثَلاثة مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ\" يقول باللام الحديث فلا يحتاج إلى تقدير وشرط فيهم العقل وفي غير أبي داوود حتى يقوم بالميم قال النووي (^١): هكذا هو في جميع نسخ مسلم يقوم ثلاثة هو صحيح أي يقومون بهذا الأمر فيقولون لقد أصابت فلانًا فاقة والحِجا بكسر الحاء المهملة مقصورًا هو العقل قاله المنذري والفاقة: الفقر والإحتياج قاله الحافظ (^٢)، وإنما قال: النبي - ﷺ - \"من قومه\" لأنهم أهل الخبرة بباطنه والمال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا يصاحبه ولهذا قال: \"من قومه\" ولو كان المراد العقل المشهور لم يكن للتخصيص فائدة إذا هو مشروط في كل شهادة [وهو أولى من القول بأنه خرج مخرج الغالب فيما مفهوم له والله أعلم] وإنما شرط الحجا تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقظ فلا تقبل من مغفل وأما اشتراط الثلاثة فقال: بعض أصحابنا هو شرط في بينة الإعسار فلا تقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث قال الجمهور: تقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنى وحملوا الحديث على الإستحباب وهذا الحديث محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله: في تلفه والإعسار إلا ببينة وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله: في عدم المال (^٣) ا. هـ.\nولم يحتج في الجائحة إلى مثل هذا لظهور أمرها، وفيه من العلم أن من ثبت عليه حق عند حاكم من الحكام وطلب المحكوم له به حبسه وأدعى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٣).\n(^٢) أى المنذرى.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٣ - ١٣٤).","vol":"5","page":228},{"text":"المطلوب الإفلاس والعدم فإن الواجب في ذلك أن ينظر فإن كان الطالب إنما استحقه عليه بسبب فيه تمليك مثل أن يقرضه مالا أو يبيعه متاعا فيقبضه إياه فإنه يحبس له ولا يقبل قوله في العُدم لأنه قد ثبت له ملك ما صار إليه وحصل في يده من ذلك فالظاهر من حاله الوجد واليسار حتى تقوم دلالة على إفلاس حادث بعده فإن أقام البينة على ذلك لم يحبس وخلي عنه وإن كان ذلك مستحقا عليه بجناية من إتلاف مال أو أرش جراحة أو من قبل مهر امرأة أو ضمان أو ما أشبهها مما لم يتقدم فيه تمليك ولا إقباض فإنه لا يحبس له وينظر فإن كان له ملك ظاهر انتزع له منه أو بيع عليه وإلا أنظر إلى الميسرة وأصل الناس العدم والفقر (^١) انتهى قاله: في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت\" قال: النووي (^٢) هكذا هو في جميع نسخ مسلم سحتًا ورواه غيره سحت بالرفع وهو واضح ورواية مسلم صحيحة وفيه إضمار أي اعتقده سحتًا أو يؤكل سحتًا ا. هـ.\nوالمراد بالسحت الحرام قال: الله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (^٣) أي الحرام وهو ما كانوا يأكلون من هدايا اليهود ومنه الحديث أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به (^٤) والله أعلم ذكره ابن عقيل.\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٦٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٤٢.\n(^٤) روى من حديث جابر بن عبد الله ومن حديث كعب بن عجرة ومن حديث أبي بكر.=","vol":"5","page":229},{"text":"١٢١٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - استغنوا عَن النَّاس وَلَو بشوص السِّوَاك، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس، قوله - ﷺ - \"إستغنوا عن الناس ولو بشوص السواك\"، وفي الحديث كان النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك (^٢) أي يدلك أسنانه وينقيها، وقيل هو أن يستاك من سفل إلى علو واصل الشوص الغسل يقال: شاص يشوص وماص يموص إذا غسله (^٣) والله أعلم، أي بغُسالته وقيل بما يتفتت منه عند التسوك (^٤)، وفي\n_________\n= أما حديث جابر:\nأخرجه أحمد ٣/ ٣٢١ (١٤٤٤١)، والبزار ١٦٠٩، وابن حبان (١٧٢٣)، والحاكم ٣/ ٤٧٩، ٤٨٠. وصححه الألباني في الظلال (٧٥٦).\nوأما حديث كعب بن عجرة:\nأخرجه الترمذي (٦١٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٢٩).\nوأما حديث أبي بكر:\nأخرجه أبو يعلى (٨٤) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٥٦ رقم ٥٧٥٩ و٥٧٦٠). وصححه الألباني في المشكاة (٢٧٧٢).\n(^١) البزار (٩١٣)، والطبراني في الكبير (١٢٢٥٧)، والبيهقي في الشعب (٣٥٢٧)، والقضاعي (٦٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٤)، رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨١٢).\n(^٢) البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٥).\n(^٣) غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٦١)، والنهاية (٢/ ٥٠٩).\n(^٤) النهاية (٢/ ٥٠٩).","vol":"5","page":230},{"text":"الحديث أيضًا \"استغنوا عن الناس ولو عن قضمة السواك\" (^١) القضمة بالكسر: ما انكسر منه وانشق إذا استيك به. ويروى بالفاء، قاله في النهاية (^٢).\n\n١٢١٥ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لا يُؤمن عبد حَتَّى يَأْمَن جَاره بوائقه وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو لِيَسْكُت إِن الله يحب الْغَنِيّ الْحَلِيم الْمُتَعَفِّف وَيبغض البذي الْفَاجِر السَّائِل الْملح رَوَاهُ الْبَزَّار (^٣).\nقوله: وروي عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة، قوله - ﷺ - \"لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه\" الحديث. الإيمان في اللغة (^٤): هو التصديق، والبوائق: الشر وغائلته، قوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\" سيأتي الكلام على ذلك في الضيافة.\nقوله: - ﷺ - \"فليقل خيرًا أو ليسكت\" سيأتي الكلام على ذلك أيضًا في الصمت.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله يحب الغني الحليم المتعفف، ويبغض البذيء الفاجر السائل الملح\" البذيء بالذال المعجمة والمد هو المتكلم بالفحش ورديء الكلام.\n_________\n(^١) ذكره في النهاية (٤/ ٧٤).\n(^٢) النهاية (٤/ ٧٤).\n(^٣) البزار (٢٠٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧٥)، وفيه محمد بن كثير، وهو ضعيف جدًّا.\n(^٤) سبق وأشرنا إلى تعريف الإيمان وحقيقته عند أهل السنة.","vol":"5","page":231},{"text":"١٢١٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - عرض عَليّ أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ الْجنَّة وَأول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار فَأَما أول ثَلَاَثة يدْخلُونَ الْجنَّة فالشهيد وَعبد مَمْلُوك أحسن عبَادَة ربه ونصح لسَيِّده وعفيف متعفف ذُو عِيَال، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي منع الزَّكَاة (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه، قوله: - ﷺ - \"عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة\" إلى قوله \"وعفيف متعفف ذو عيال\" الحديث ذو بمعنى صاحب، قوله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه.\nأبو سلمة: اسمه: عبد الله الزهري القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة ومن مشاهير التابعين وأعلامهم، وقيل: اسمه كنيته كان كتير الحديث سمع [جماعة من الصحابة،، وجماعة من التابعين (^٢)].\nكان النبي - ﷺ - يأمر كثيرًا بالتعفف عن السؤال ويقول - ﷺ - \"من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله\" (^٣) وقال النبي - ﷺ - \"ومن لم يسألنا فهو أحب إلينا\" (^٤) وقال النبي - ﷺ -: \"استغنوا عن الناس ومن قل من السؤال\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢٢٤٩).\n(^٢) سقط من الأصل وأضفناه من ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ ترجمة ٨٠١).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢١٦١) وابنُ حبان (٣٣٩٨) ومطولا ابنُ حبان (٣٣٩٩)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٧٠. قال الألباني صحيح ينظر: الجامع الصغير وزيادته (٦٠٢٧).\n(^٤) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء = المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٦٥) أخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا فِي القناعة، والْحَارث بن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَفِيه حصن بن هِلَال لم أر من تكلم فِيهِ، وباقيهم ثِقَات.","vol":"5","page":232},{"text":"فهو خير\" قالوا ومنك يا رسول الله فقال - ﷺ -: \"ومني\" (^١).\nلطيفة: سمع عمر - ﵁ - سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه عش الرجل فعشاه ثم سمعه ثانيا يسأل فقال ألم أقل لك عش الرجل قال قد عشيته فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال لست سائلا ولكنك تاجر ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة وضربه بالدرة وقال لا تعد، ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ولعل الفقيه الضعيف المنة يستبعد هذا من فعل عمر ويقول أما ضربه فهو تأديب وقد ورد الشرع بالتعزير وأما أخذ ماله فهو مصادرة والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ المال فكيف استجازه عمر وهو استبعاد مصدره القصور في الفقه فأين يظهر فقه الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب - ﵁ - وإطلاعه على أسرار دين الله ومصالح عباده بل الفقه الذي لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا فلم يدخل في ملكه بأخذه مع التلبيس وعسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه إذ لا يعرف أصحابه بأعيانهم فبقي مالا لا مالك له فوجب صرفه إلى المصالح وإبل الصدقة وعلفها من المصالح ويتنزل أخذ السائل مع إظهار الحاجة كاذبا كأخذ العلوي بقوله إني علوي وهو كاذب فإنه لا يملك ما يأخذه كأخذ\n_________\n(^١) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء أو المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٦٥) أخرجه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس \"استغنوا عَن النَّاس وَلَو بشوص السِّوَاك، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَله فِي حَدِيث\" فتعففوا وَلَو بحزم الْحَطب وَفِيه من لم يسم، وَلَيْسَ فِيهِ: وَمَا قل من السُّؤَال ... \" إِلَخ.","vol":"5","page":233},{"text":"الصوفي الصالح الذي يعطي لصلاحه وهو في الباطن مقارف لمعصية لو عرفها المعطي لما أعطاه وقد ذكر أن ما أخذه على هذا المنوال لا يملكونه وهو حرام عليهم ويجب عليهم الرد إلى مالكه فاستدل بفعل عمر - ﵁ - على صحة هذا المعنى الذي يغفل عنه كثير من الفقهاء ولا تستدل بغفلتك عن هذا الفقه على بطلان فعل عمر (^١) والله أعلم.\n\n١٢١٧ - وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أَبِيه - ﵁ - قَالَ كَانَت لي عِنْد رَسُول الله - ﷺ - عدَّة فَلَمَّا فتحت قُرَيْظَة جِئْت لينجز إِلَيّ مَا وَعَدَني فَسَمعته يَقُول من يسْتَغْن يُغْنِيه الله وَمن يقنع يقنعه الله فَقلت فِي نَفسِي لا جرم لا أسأله شَيْئا رَوَاهُ الْبَزَّار (^٢). وَأَبُو سَلمَة لم يسمع من أَبِيه قَالَه ابْن معِين وَغَيره.\nقوله: وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أبو سلمة اسمه عبد الله الزهري القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة ومن مشاهير التابعين وأعلامهم وقيل اسمه كنيته كثير الحديث سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر وعائشة وغيرهم مات سنة أربع وتسعين وقيل أربع ومائة وله ثمان وسبعون سنه (^٣) قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي (٤/ ٢١١).\n(^٢) البزار (٩١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٤)، وأبو سلمة قيل إنه لم يسمع من\nأبيه.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ ترجمة ٨٠١).","vol":"5","page":234},{"text":"قوله كانت لي عند رسول الله - ﷺ - عدة فلما فتحت قريظة جئت لينجز لي ما وعدنى به، قريظة: بضم القاف وفتح الراء المهملة وفتح الظاء المشالة المعجمة قوم من يهود بقرب المدينة كان بينهم وبين النبي - ﷺ - عهد.\nقوله - ﷺ -: \"من يستغني يغنه الله ومن يقنع يقنعه الله\" القنع عبارة [عن الطبق الذي يؤكل عليه، والقنع هو الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال، ويقال قنع قناعة فهو قنع، إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل (^١)].\nقوله: \"فقلت في نفسي لا جرم لا أسأله شيئًا\" الحديث. قال الفراء: لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لابد ولا محالة فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقًا فلذلك يجاب عنه باللام كما يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لأتينك (^٢) ا. هـ.\n\n١٢١٨ - وَعَن ابْن عمر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر وَذكر الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف عَن الْمَسْألة الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى والعليا هِيَ المنفقة والسفلى هِيَ السائلة، رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٣).\nوَقَالَ أَبُو دَاوُد اخْتلف على أَيُّوب عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ عبد\n_________\n(^١) انظر: الكشاف ٣/ ١٥٨، والنهاية ٤/ ١١٥، وتفسير القرطبي ١٢/ ٦٤.\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٨٨٦).\n(^٣) البخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)، ومالك في الموطأ (٢٨٥١)، وأبو داود (١٦٤٨)، والنسائي (٥/ ٦١)، وفي الكبرى (٢٣١٢).","vol":"5","page":235},{"text":"الْوَارِث الْيَد الْعليا المتعففة وَقَالَ أَكْثَرهم عَن حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب المنفقة وَقَالَ وَاحِد عَن حَمَّاد المتعففة (^١).\nقَالَ الْخطابِيّ (^٢): رِوَايَة من قَالَ المتعففة أشبه وَأَصَح فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ أَن ابْن عمر ذكر أَن رَسُول الله - ﷺ - ذكر هَذَا الْكَلّام وَهُوَ يذكر الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف عَنْهَا فعطف الْكَلَام جزم على سَببه الَّذِي خرج عَلَيْهِ وعَلى مَا يطابقه فِي مَعْنَاهُ أولى وَقد يتَوَهَّم كثير من الناس أَن معنى الْعليا أَن يَد الْمُعْطِي مستعلية فَوق يَد الآخِذ يجعلونه من علو الشَّيْء إِلَى فَوق وَلَيْسَ ذَلِك عِنْدِي بِالْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ من علا الْمجد وَالْكَرم يُرِيد التعفف عَن الْمَسْألة والترفع عَنْهَا انْتهى كَلَامه وَهُوَ حسن.\nقوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: إن رسول الله - ﷺ - قال: وهو على المنبر وذكر \"الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي المنفقة السفلى هي السائلة\" الحديث هكذا وقع في صحيحي البخاري ومسلم (^٣) العليا المنفقة من الإنفاق وكذا ذكره أبو داوود عن أكثر الرواة (^٤)، قال الحافظ (^٥): وقال أبو\n_________\n(^١) راجع سنن أبي داود (١٦٤٨). وقال الألباني شاذة، ينظر: صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٣٤٦).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٧٠).\n(^٣) البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤).\n(^٤) ينظر: سنن أبي داود (١٦٤٨).\n(^٥) يعنى المنذرى.","vol":"5","page":236},{"text":"داوود: اختلف أبوب عن نافع في هذا الحديث قال: عبد الوارث اليد العليا المتعففة بالعين المهملة من العفة الصحيح الرواية الأولى قال ابن عبد البر (^١) رحمه الله تعالى: ففيه الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة (^٢) ويتضمن التحذير لذوي الأنفة من ذل السؤال (^٣) وفيه إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح وما يكون موعظة أو علما أو قربة إلى الله تعالى (^٤)، قلت لا يلزم من كونه ﵇ قال: ذلك على المنبر أن يكون في خطبة الجمعة فقد كان ﵊ يرقى المنبر فيما يهم من حادثة وموعظة (^٥) ا.\" هـ. والله أعلم.\nوفيه التصريح بأن اليد العليا هي المنفقة وبهذا قال الجمهور: وهو الصحيح كما تقدم ونقل عن الخطابي أنها المتعففة وقال النووي (^٦): بعد تصحيح رواية المنفقة ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة أعلى من السائلة والمتعففة أعلى من السائلة.\nوقوله: وذكر الصدقة والتعفف عنها أي التعفف من أخذ الصدقة في كلام الخطابي بعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه بالسين والبائين\n_________\n(^١) ينظر: الاستذكار (٨/ ٦٠٤)، والتمهيد (١٥/ ٢٤٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٥).\n(^٣) كشف المشكل (٢/ ٥٤٣).\n(^٤) التمهيد (١٥/ ٢٥٠).\n(^٥) طرح التثريب (٤/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٥).","vol":"5","page":237},{"text":"الموحدتين وعلى ما يطابقه في معناه أولى وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا أن يد المعطي مستعلية فوق يد الأخذ يجعلونه من علا الشيء إلى فوق وليس ذلك عندي بالوجه وإنما هو من علا المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها (^١) ا. هـ. قال الحافظ (^٢): وهو حسن وقال: غيره وهذا الذي اختاره الخطابي وجه حسن ولا يمتنع ما أنكره لأنك إذا حملت العليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر وقد صحت لفظة المنفقة فكأن المراد أن هذه اليد التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل والمجد ونيل الثواب وقد زعم قوم مالوا إلى الترفة أن اليد العليا هي الأخذة والسفلى المعطية، قَالَ ابْن قتيْبَة: وَلَا أرى هَؤُلَاءِ إِلَّا قوما استطابوا السُّؤَال، فهم يحتجون للدناءة، وَالنَّاس إِنَّمَا يعلون بِالْمَعْرُوفِ والعطايا لَا بِالْأَخْذِ وَالسُّؤَال، والمعالي للصانعين لَا للمصطنع إِلَيْهِم. (^٣) والله أعلم.\nفائدة: سئل أبو نصر عن قوله اليد العليا خير من اليد السفلى؟ قال: لأن الدافع إذا دفع ماله فإنه يقرب نفسه إلى الفقير والقابض إذا قبض يقرب نفسه إلى الغني فصار الدافع أفضل من القابض ذكره في كتاب النوازل للحنفية (^٤).\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٧٠).\n(^٢) يعنى المنذرى.\n(^٣) كشف المشكل (٢/ ٥٤١ - ٥٤٢).\n(^٤) فتاوى النوازل (لوحة ٢٦٧/ أ/ خ ٢٤١٤ تركية). ولفظه: الدافع إذا دفع ماله فإنه يقرب نفسه إلى الفقراء والقابض يقرب نفسه إلى الأغنياء فصار الدافع أفضل من القابض.","vol":"5","page":238},{"text":"١٢١٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الأيْدِي ثَلَاثَة فيد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِل السُّفْلى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فاستعف عَن السُّؤَال وَعَن الْمَسْأَلَة مَا اسْتَطَعْت فَإِن أَعْطَيْت شَيْئا أَو قَالَ خيرا فلير عَلَيْك وابدأ بِمن تعول وارضخ من الْفضل وَلَا تلام على الكفاف، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْغَالِب على رُوَاته التوثيق وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على ابن مسعود قوله: - ﷺ - الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة فاستعفف عن السؤال وعن المسألة ما استطعت الإستعفاف طلب العفاف وقيل الإستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء (^٢) ومنه الحديث \"اللهم إني أسألك العفة والأمانة وحسن الخلق والرضى بالقدر\" (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٤٤٦ (٤٢٦١)، وأبو يعلى (٥١٢٥)، وابن خزيمة (٢٤٣٥)، والحاكم (١/ ٤٠٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٩٨). وصححه الحاكم.\nوقال البيهقي: تابعه إبراهيم بن طهمان، عن الهجري مرفوعا، ورواه جعفر بن عون، عن إبراهيم الهجري موقوفا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٧)، رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله موثقون. وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٣/ ٤١: ومدار أسانيدهم على إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، لكن لم ينفرد بها الهجري؛ فقد رواه البزار والطبراني من طريق يحيى بن وثاب - وهو ثقة - عن مسروق، عن عبد الله به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٩٧).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٦٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي عمر كما في الإتحاف (٦/ ٤٨٧ رقم ٦٢٥٤) والمطالب (٣٣٤٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٠٧)، والبزار (٣١٨٧/ كشف)، والخرائطى في المكارم =","vol":"5","page":239},{"text":"قوله: \"وإبدأ بمن تعول وأرضخ من الفضل ولا تلام على الكفاف\" وسيأتي الكلام على ذلك قريبًا مبسوطًا إن شاء الله.\n\n١٢٢٠ - وَعَن مَالك بن نَضْلَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الأيْدِي ثَلَاثَة فيد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِل السُّفْلى فأعط الْفضل وَلا تعجز عَن نَفسك، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقوله: وعن مالك بن نضلة (ويقال: مالك بن عوف بن نضلة بن خديج، ويقال: جريج بن حبيب بن حدير بن غنم بن كعب بن عصيم بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن الجشمي، الجشمي صاحب ابن مسعود روى عنه أبو الأحوص، واسمه عوف بن مالك، له صحبة، وعداده في أهل الكوفة (^٢).\nقوله - ﷺ - \"الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى فأعط الفضل ولا تعجز عن نفسك\" الحديث الفضل ما فضل عن الكفاية.\n_________\n= (١٦٦)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٥٠ رقم ١٦٤٤٤) والدعاء (١٤٠٦).\nقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٧٣: رواه الطبراني والبزار، وقال: أسألك العصمة بدل: الصحة، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف الحديث، وقد وثق، وبقية رجال أحد الإسنادين رجال الصحيح. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني في الجامع (١١٩١).\n(^١) أبو داود (١٦٤٩)، وابن حبان (٣٣٦٢)، وأحمد (١٥٨٩٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨١٤).\n(^٢) الاستيعاب (٣/ الترجمة ٢٢٩٩)، وأسد الغابة (٥/ الترجمة ٤٦٥٠)، وتهذيب الكمال (٢٧/ الترجمة ٥٧٥٥).","vol":"5","page":240},{"text":"١٢٢١ - وَعَن حَكِيم بن حزَام - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول وَخير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى وَمن يستعف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يغنه الله، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن حكيم بن حزام تقدم الكلام على حكيم.\nقوله - ﷺ -: \"وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى\" قال ابن الأثير في النهاية (^٢): أي ما كان عفوا قد فضل عن غني وقيل ما فضل عن قوت العيال وكفايتهم والظهر يراد في مثل هذا اتساعًا إشباعا للكلام وتمكينًا كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال ا. هـ، وفي رواية \"خير الصدقة ما أبقت غني\" (^٣) فإذا أعطيتها غيرك أبقت بعدها لك ولهم غنى وكانت على استغناء منك ومنهم عنها (^٤) وقيل معناه أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غني ويعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وحوائجه، وقيل خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله لآن من تصدق بالجميع يندم غالبًا أو قد يندم إذا إحتاج ويود أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا فإنه لا يندم عليه\n_________\n(^١) البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤).\n(^٢) النهاية (٣/ ١٦٥).\n(^٣) النهاية (٣/ ٣٩٠).\n(^٤) الغريبين (٤/ ١٣٩٢)، والنهاية (٣/ ٣٩١).","vol":"5","page":241},{"text":"بل يسر بها وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله فمذهبنا أنه مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه (^١).\nقال: القاضي عياض (^٢) جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله والله أعلم، وقال: في شرح مشارق الأنوار قال: الإمام شهاب الدين التوربشتى هو عبارة عن تمكن المتصدق عن غنى ما وذلك مثل قولهم هو على ظهر سير وراكب متن السلامة ونحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها عن التمكن من الشيء والإستواء عليه (^٣) ا. هـ.\nقال: أبو عبيد الهروي يعني ما فضل عن أهلك وقال: غيره خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة فتجزل له العطية (^٤).\nلطيفة: عن جابر بن عبد الله قال: قدم أبو حصين السلمى بذهب من معدنهم فقضى دينًا كان عليه وفضل معه مثل بيضة الحمامة فأتى بها رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله ضع هذا حيث أراك الله أو حيث رأيت، قال: فجاءه عن يمينه فأعرض عنه ثم جاءه عن يساره فأعرض عنه ثم جاءه من بين يديه فنكس رسول الله - ﷺ - رأسه فلما أكثر عليه أخذها من يده فحذفه بها لو\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٥).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٦٧)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٥).\n(^٣) الميسر (٢/ ٤٥١).\n(^٤) انظر الغريبين (٤/ ١٣٩٢)، وشرح السنة (٦/ ١٧٩ - ١٨٠)، ومشارق الأنوار (٢/ ١٣٧)، ومطالع الأنوار (٥/ ١٨٥).","vol":"5","page":242},{"text":"أصابته لعقرته ثم أقبل عليه رسول الله - ﷺ - فقال: \"يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس، وإنما الصدقة عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول\" رواه البزار (^١) وقد رواه أبو داود في سننه (^٢) من حديث محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله بنحوه وفي رواية أخرى خذ عنا مالك لا حاجة لنا به ذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس (^٣).\nلطيفة أخرى: كان بشر يقول الفقراء ثلاثة لا يسأل وإن أعطي لم يأخذ فهذا مع الروحانيين في عليين وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهذا مع المقربين في جنات الفردوس وفقير يسأل عند ضاقته فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين فإذن اتفق كلهم على ذم السؤال وعلى أنه مع الفاقة تحط المرتبة والدرجة (^٤) ا. هـ.\nقَالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَم، حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِن خُرَاسَان: كَيْفَ تَرَكْتَ الفُقَرَاءَ مِن أَصْحَابِك ..؟\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٧٧)، ومن طريقه أبو نعيم كما في المسند المستخرج (٢/ ١٠٩١ - ١٩٠٢ رقم ٢٢٣). وفيه الواقدى.\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد (١١٢١)، وابن زنجويه في الأموال (٢٣٤٦)، والدارمى (١٧٠٠)، وأبو داود (١٦٧٣) و(١٦٧٤)، وأبو يعلى (٢٢٢٠)، وابن خزيمة (٢٤٤١)، وابن حبان (٣٣٧٢)، والحاكم ١/ ٤١٣، والبيهقي ٤/ ١٨١. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٢٩٨).\n(^٣) تلبيس إبليس (ص ١٧٦ - ١٧٧).\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ٢١٥).","vol":"5","page":243},{"text":"قَال: تَرَكْتُهُمْ؛ إِن أُعْطُوا شكَرُوا، وَإِنْ مُنعُوا صَبرُوا، وَظَنَّ أنَهُ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِتَرْكِ السُّؤَال؛ قَدْ أَثْنى عَلَيْهِمْ غَايَةَ الثَّنَاء، فَقَال شَقِيق: هَكَذَا تَرَكْتُ كِلَابَ بَلْخ - قَالَ - ﵁ -: الفُقَرَاءُ عِنْدَنَا؛ إِنْ مُنِعُوا شكَرُوا، وإِن أُعْطُوا آثَرُوا فَقَبَّلَ إِبْرَاهِيمُ رَأْسَهُ وَقَال: صَدَقْتَ يَا أُسْتَاذِي ... !\nفإذن درجات أرباب الأحوال في الرضى والصبر والشكر والسؤال كثير فلابد لسالك طريق الآخرة من معرفتها ومعرفة أسبابها واختلاف درجاتها (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ومن يستعفف يعفه الله\" قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٢) في كتابه قمع الحرص قال علماؤنا الاستعفاف الصبر ومنه قوله: تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (^٣) قال ابن عرفة وغيره: من أهل اللغة أي ليصبروا فالمعنى من يستعفف عن السؤال للخلق يعفه الله أي يجازيه على استعفافه بصيانة وجهه ورفع فاقته وربما أثمر له العفة غنى قلبه بربه عن خلقه والتيه به على عباده كما قال: بعضهم فأحسن:\nلَبِسْتُ بِالْعِفَّةِ ثَوْبَ الْغَنِيِّ ... فَصِرْتُ أَمْشِي شَامِخَ الرَّاسِ\nإِذَا رَأَيْتُ التِّيهَ مِنْ ذِي الْغِنَا ... تُهْتُ عَلَى التَّائِهِ بِالْيَأسِ أ. هـ\nقوله: يعفه الله بفتح الفاء، قوله - ﷺ -: \"ومن يستغن يغنه الله\" الحديث قال التيمي: من يستغني يغنه الله شَرط وَجَزَاء وعلامة الْجَزْم حذف الْيَاء أَي من\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٤/ ٢١٥).\n(^٢) قمع الحرص (ص ٤٤).\n(^٣) سورة النور، الآية: ٣٣.","vol":"5","page":244},{"text":"يطْلب الْغنى من الله يُعْطه ومن يطلب العفاف وهو ترك المسألة يعطه الله العفاف وقال بعضهم معناه من طلب من نفسه العفة عن السؤال ولم يظهر الاستغناء يعفه الله أي يصيره عفيفًا ومن ترقى من هذه المرتبة إلى ما هو أي منها وهو إظهار الاستغناء عن الخلق يملأ الله قلبه غني لكن أن أعطى شيئًا لم يرده. قاله الكرماني (^١). ومعنى قوله: ومن يستغن أي بالله يغنه أي يخلق في قلبه غنى أو يعطيه ما يستغني به عن الخلق (^٢) وقد يجمع الله له الأمرين غنى قلبه ويده تفضلا منه ﷾ وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي الأشهب قال: سمعت بكر بن عبد الله يقول في دعائه: اللهم ارزقنا من فضلك رزقا تزيدنا لك به شكرًا وإليك فاقةً وفقرًا وبها عمن سواك غنى وتعففًا (^٣) ا. هـ.\n\n١٢٢٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -: أَن أُنَاسًا من الأَنْصَار سَأَلُوا رَسُول الله - ﷺ - فَأَعْطَاهُمْ ثمَّ سَألوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثمَّ سَألوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى إِذا نفد مَا عِنْده قَالَ مَا يكون عِنْدِي من خير فَلَنْ أدخره عَنْكُم وَمن استعف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يغنه الله وَمن يتصبر يصبره الله وَمَا أعْطى الله أحدا عَطاء هُوَ خير لَهُ وأوسع من الصَّبْر، رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٧/ ١٩٧).\n(^٢) المفهم (٩/ ٦٦)، وقمع الحرص (ص ٤٤).\n(^٣) قمع الحرص (ص ٤٥). والأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٢١١)، وعنه ابن أبي الدنيا في القناعة (٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٢٥).\n(^٤) البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣)، والنسائي (٥/ ٩٥).","vol":"5","page":245},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنا أناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، الأنصار هم الذين نصروا رسولى الله - ﷺ - حين هاجر إلى المدينة.\nقوله حتى إذا نفد ما عنده، نفذ بكسر الفاء وبالدال المهملة أي فني قوله: - ﷺ - \"ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم\" ومعناه أقتنيه وأرفعه دونكم والخير المال قال: الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (^١) أي لحب المال (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ومن استعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله\" الاستعفاف طلب العفاف أي من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها ورزقه من حيث لا يحتسب (^٣).\nقوله: ومن يستغن أي يطلب الغنا من الله والغنا مقصور هو اليسار (^٤) وفي الحديث الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا (^٥) وتقدم الكلام على ذلك في حديث حكيم بن حزام مبسوطًا والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة العاديات، الآية: ٨.\n(^٢) كشف المناهج (٢/ ١١٤).\n(^٣) كشف المناهج (٢/ ١١٤).\n(^٤) كشف المناهج (٢/ ١١٤).\n(^٥) كشف المناهج (٢/ ١١٤).","vol":"5","page":246},{"text":"١٢٢٣ - وَعَن سهل بن سعد - ﵁ -: قَالَ جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا مُحَمَّد عش مَا شِئْت فَإنَّك ميت واعمل مَا شِئْت فَإنَّك مَجْزِي بِهِ وأحبب من شِئْت فَإنَّك مفارقه وَاعْلَم أَن شرف الْمُؤمن قيام اللَّيْل وعزه استغناؤه عَن الناس، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن سهل بن سعد هو أبو العباس وقيل أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني (^٢) كان اسمه حزنا فسماه رسول الله - ﷺ - سهلا قال: الزهري سمع من النبي - ﷺ - وكان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين قال ابن سعد: هو آخر من حدّث من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة ليس فيه خلاف فروي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا اتفقا على ثمانية وعشرين وانفرد البخاري بأحد عشر والله أعلم.\nقوله: جاء جبريل إلى النبي - ﷺ -، جبريل هو رسول رب العالمين إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام وتقدم الكلام عليه في الجمعة مبسوطًا والله أعلم.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٢٧٨)، والحاكم (٤/ ٣٢٤)، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٣)، فيه زافر بن سليمان وثقه أحمد وابن معين وأبو داود وتكلم فيه ابن عدي وابن حبان بما لا يضر، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨١٧).\n(^٢) ينظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٢٢) الاستيعاب: ٦٦٤، أسد الغابة ٢/ ٤٧٢، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١/ ٢٣٨، تهذيب الكمال: ٥٥٨، تذهيب التهذيب ٢/ ٦١ آ.","vol":"5","page":247},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وإعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس\" تقدم في قيام الليل.\n\n١٢٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض وَلَكِن الْغنى غنى النَّفس، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nالْعرض: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالرَّاء هُوَ كل مَا يقتنى من المَال وَغَيره.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله - ﷺ -: \"ليس الغنى عن كثرة العرض\" و\"عن\" هنا يحتمل معناها أوجهًا أحدها أن تكون للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ (^٣) أي ليس علة الغنى وسببه كثرة العرض.\nثانيها: أن تكون للظرفية أي ليس الغناء في كثرة العرض.\nثالثها: أنها بمعنى الباء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (^٤) أي بالهوى أي ليس الغنا بكثرة العرض (^٥).\n_________\n(^١) البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٣)، وابن ماجه (٤١٣٧)، وأحمد (٧٣١٦).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٥٣.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١١٤.\n(^٤) سورة النجم، الآية: ٣.\n(^٥) طرح التثريب (٤/ ٨٠ - ٨١).","vol":"5","page":248},{"text":"والعرض: بفتح العين والراء المهملتين وبالضاد المعجمة قد فسره الحافظ فقال: هو كل ما يقتني من المال وغيره. هـ. وقال: غيره هو حطام الدنيا ومتاعها من أي نوع كان سمي بذلك لزواله وقال: بعضهم في كتاب العين العرض ما قيل من الدنيا وجمعه عروض ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (^١) وفي الحديث الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وأما العرض بإسكان الراء فهو ما عدا النقد والنقد الدراهم والدنانير قاله: أبو زيد والأصمعي وغيرهما وقال: أبو عبيد العرض المتاع الذي لا يدخله كيل ولا وزن ولا يكون حيوانا ولا عقارًا (^٢) ا. هـ\nقوله - ﷺ -: \"إنما الغنى غنى النفس\" ومعنى هذا الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس (^٣) ا. هـ.\nوبيانه: أنه إذا استغثت نفسه كفت عن المطامع، فعزت وعظمت، فحصل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيا بماله، فقيرا بحرصه وشرهه، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال، لبخله ودناءة همته، فيكثر ذاموه من الناس، ويصغر قدره فيهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل صغير (^٤) قال العلماء: علامة غنى النفس أن لا\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٦٧.\n(^٢) طرح التثريب (٤/ ٨٠).\n(^٣) المفهم (٩/ ٦٣).\n(^٤) المفهم (٩/ ٦٣).","vol":"5","page":249},{"text":"يحرص ولا يلحف في الطلب، وعلامة غنى القلب القناعة والرضا بما وجد وعكوف همه على المسبب دون السبب (^١) ا. هـ، قاله في الديباجة.\nوقال النووي: مَعْنَى الْحَدِيثِ الْغِنَى المحمود غنى النفس وشبعها وقلة حِرْصِهَا لَا كَثْرَةَ الْمَالِ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ طَالِبًا لِلزِّيَادَةِ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا مَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ غِنًى. ثم حكى عن الإمام المازني أنه قال: يحتمل أن يريد الغنى النافع والذي يكف عن الحاجة وليس ذلك على ظاهره لأنه معلوم أن كثير المال غني (^٢) ا. هـ. وأنشد دريد لسالم بن وابصة شعرًا منه بيتًا:\nغنى النفس ما يكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئًا عاد ذلك الغنى فقرًا (^٣)\n\n١٢٢٥ - وَعَن زيد بن أَرقم - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع وَمن قلب لا يخشع وَمن نفس لَا تشبع وَمن دَعْوَة لَا يُسْتَجَاب لهَا، رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٤).\nقوله: وعن زيد بن أرقم هو أبو عمر وقيل أبو عامر وقيل أبو سعيد وقيل أبو سعد وقيل أبو حمزة وقيل أبو أنيسة زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي المدني وهو الذي ذكر للنبي - ﷺ - قول عبد الله بن أبي بن\n_________\n(^١) قمع الحرص (ص ١٢٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٤٠)، وطرح التثريب (٤/ ٨١).\n(^٣) قمع الحرص (ص ١٢٢).\n(^٤) مسلم (٢٧٢٢)، وأحمد (١٩٣٠٨)، والترمذي (٣٥٧٢)، والنسائي (٨/ ٢٦٠).","vol":"5","page":250},{"text":"سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ﴾ (^١) الآية فأنزل الله تصديق زيد (^٢) وغزا مع رسول الله - ﷺ - سبع عشرة غزوة استصغره النبي - ﷺ - يوم أحد وكان يتيمًا في حجر عبد الله بن رواحة وسار معه في غزوة مؤته روي له عن رسول الله - ﷺ - سبعون حديثًا اتفقا على أربعة وللبخاري حديثان ولمسلم ستة روى عنه أنس بن مالك وابن عباس وخلائق من التابعين نزل الكوفة وابتنى بها دارًا في كنده وتوفي بها سنة ست وقيل سنة خمس وخمسين وقال: محمد بن سعد وآخرون سنة ثمان وستين وشهد صفين مع علي وكان من خاصة أصحابه روى له الجماعة ومناقبه كثيرة مشهورة (^٣) والله أعلم.\nقوله: أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع\" الخشوع الخضوع \"ومن نفس لا تشبع\" الحديث فقوله: \"ومن قلب لا يخشع\" الخشوع الخضوع، وقوله: \"ومن نفس لا تشبع\" يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنها لا تقنع بما آتاها الله تعالى ولا تفتر عن الجمع لشدة ما فيها من الحرص. ثانيها: أن يراد به كثرة الأكل (^٤).\n_________\n(^١) سورة المنافقون، الآية: ٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٠٠ و٤٩٠١ و٤٩٠٢ و٤٩٠٣ و٤٩٠٤) ومسلم (١ - ٢٧٧٢)،\n(^٣) الاستيعاب (٢/ الترجمة ٨٣٧)، وأسد الغابة (٢/ ترجمة ١٨١٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ترجمة ١٨٩)، وتهذيب الكمال (١٠/ ترجمة ٢٠٨٧).\n(^٤) الميسر (٢/ ٥٧٦).","vol":"5","page":251},{"text":"وقيل: هو استعاذة من الحرص والطمع والشره وتعلق النفس بالآمال البعيدة وهذا الحديث وغيره من الأدعية المسجعة دليل لما قاله كثير من العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو التكلف فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والإفتقار وفراغ القلب فأما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظًا فلا بأس بذلك (^١).\n\n١٢٢٦ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - يَا أَبَا ذَر أَتَرَى كثْرَة المَال هُوَ الْغنى قلت نعم يَا رَسُول الله قَالَ أفترى قلَّة المَال هُوَ الْفقر قلت نعم يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّمَا الْغنى غنى الْقلب والفقر فقر الْقلب، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيت يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٢).\nقوله وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر.\nقوله - ﵁ -: قال: لي رسول الله - ﷺ - \"يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى\" قلت: نعم يا رسول الله قال: \"أفترى قلة المال هو الفقر\" قلت نعم يا رسول الله قال: \"إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب\".\nوقوله: \"أفترى\"بضم التاء المثناة ومعناها أتظن. لمَحْمُود الْوَرَّاقُ:\nالْفَقْرُ فِي النَّفْسِ وَفِيهَا الْغِنَى ... وَفِي غِنَى النَّفْسِ الْغِنَى الْأَكْبَرُ\nمَنْ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَلَمْ ... يَقْنَعْ فَذَاكَ الْمُوسِرُ الْمُعْسِرُ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤١).\n(^٢) ابن حبان (٦٨٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٠).","vol":"5","page":252},{"text":"وَكلَّ مَنْ كَانَ قَنُوعًا وَإِنْ ... كَانَ مُقِلًّا فَهْوُ الْمُكْثِرُ (^١)\nولعُثْمَانُ بْنُ سَعْدَانَ:\nتَقَنَّعْ بِمَا يَكْفِيكَ وَاسْتَعْمَلِ الرِّضَا ... فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَتُصْبِحُ أَمْ تُمْسِي\nفَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كثْرَةِ الْمَالِ إِنَّمَا ... يَكُونُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ (^٢)\nولغيره:\nإِذَا عُوْفِيَ المَرْءُ فِي جِسْمِهِ ... وَمَلّكَهُ اللهُ قَلْبًا قَنُوْعَا\nوَأَلْقَى المَطَامِعَ عَنْ نَفْسِهِ ... فَذَاكَ الغَنِيّ وَلَو مَاتَ جُوْعَا (^٣)\nذكرها القرطبي (^٤) في كتابه.\n\n١٢٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَيْسَ الْمِسْكِين الَّذِي ترده اللُّقْمَة وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَة وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِن الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد غنى يُغْنِيه وَلا يفْطن لَهُ فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ وَلا يقوم فَيسْأَل الناس، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٥).\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله - ﷺ -: \"ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقماتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٤٤).\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٤٤).\n(^٣) الدر الفريد (٣/ ٣٦) والبيتان لأبي القاسم الوزير المغربي.\n(^٤) لم أقف على كل الأبيات في كتاب قمع الحرص. انظرها في جواهر الأدب: (٢/ ٤٨٦).\n(^٥) البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩)، ومالك في الموطأ (٢٦٧٢)، وأبو داود (١٦٣١)، والنسائي (٥/ ٨٥).","vol":"5","page":253},{"text":"الذي لا يجد غنى يغنيه\" ولا يعطي له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسئل الناس ومعنى الحديث ليس المسكين الكامل المسكنة والذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها ليس هو بهذا الطواف بل هو الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يعطي له فيتصدق عليه ولا يسئل الناس وليس معناه أصل المسكنة عن الطواف بل معناه نفي كمال المسكنة كقوله - ﷺ - ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^١) الآية أي ليس البر الكامل والغرض من هذا التأويل أن من ردته اللقمة واللقمتان لا يخرج عن أصل المسكنة لكن المسكنة الكاملة لا تحصل إلا بالخمول والانقطاع (^٢).\nقوله: \"لا يجد غني فيغنيه\" بكسر الغين وبالقصر ضد الفقر وإن صح الرواية بالفتح وبالمد فهو الكفاية ا. هـ.\nتنبيه: قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَفِي المِسْكين، فَقِيلَ: الفَقِير الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، والمِسْكين الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يكْفيه، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ. (^٣) وَقِيلَ فِيهِمَا بالعَكْس، وإلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ. والفَقِير مَبْنيٌّ عَلَى فَقُرَ قِياسًا، وَلَمْ يُقَل فِيهِ\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(^٢) شرح الصحيح (٣/ ٥١٦ - ٥١٧)، وإكمال المعلم (٣/ ٥٧٢)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٩).\n(^٣) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٦) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (٣/ ١١٥).","vol":"5","page":254},{"text":"إِلَّا افْتَقَرَ يَفْتَقِرُ فَهُوَ فَقِير. أ. هـ. قاله ابن الأثير في النهاية (^١).\nوقوله: ترده اللقمة واللقمتان تفسير لما وقع في بعض الروايات الأكلة والأكلتان وهي بضم الهمزة ولا يجوز الفتح لأن المراد بالفتح فعل الأكل ولا يناسب ها هنا (^٢) والله أعلم، قاله: ابن عقيل في شرح الأحكام.\n\n١٢٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قد أَفْلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بِمَا آتَاهُ، رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (^٣).\n\n١٢٢٩ - وَعَن فضَالة بن عبيد - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول طُوبَى لمن هدي لِلإِسْلَامِ وَكَانَ عيشه كفافا وقنع، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيت حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٤).\nالكفاف من الرزق مَا كفا عَن السُّؤَال مَعَ القناعة لا يزِيد على قدر الْحَاجة.\nقوله: وعن عبد الله بن عمر تقدم الكلام على ابن عمر قوله: - ﷺ - \"قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا\" أفلح تقدم الكلام عليه في حديث قديم.\nقوله: \"ورزق كفافًا\" والكفاف: ما كف عن السؤال (وألا يزيد على) قدر الحاجة ولا ينقص.\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) انظر: رياض الأفهام (٣/ ٣٩٢).\n(^٣) مسلم (١٠٥٤)، والترمذي (٢٣٤٨)، وابن ماجه (٤١٣٨)، وأحمد (٦٥٧٢)، وابن حبان (٦٧٠).\n(^٤) الترمذي (٢٣٤٩)، وأحمد (٢٣٩٤٤)، وابن حبان (٧٥٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٣).","vol":"5","page":255},{"text":"١٢٣٠ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يَا ابْن آدم إِنَّك أَن تبذل الْفضل خير لَك وَأَن تمسكه شَرّ لَك وَلا تلام على كفاف وابدأ بِمن تعول وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي، قوله: - ﷺ - \"يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفافًا، واليد العليا خير من اليد السفلى\" سيأتي الكلام على بذل الفضل في باب الإنفاق في وجوه الخير مبسوطًا إن شاء الله تعالى.\n\n١٢٣١ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إيَّاكُمْ والطمع فَإِنَّهُ هُوَ الْفقر وَإِيَّاكُم وَمَا يعْتَذر مِنْهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n\n١٢٣٢ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - قَالَ أَتَى النَّبِي - ﷺ - رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أوصني وأوجز فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - عَلَيْك بالإياس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس وَإِيَّاك والطمع فَإِنَّهُ فقر حَاضر وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ، رَوَاهُ الْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد كَذَا قَالَ (^٣).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على جابر، قوله: - ﷺ - \"إياكم\n_________\n(^١) مسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٣).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٧٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٨)، وفيه محمد بن أبي حميد، وهو مجمع على ضعفه. وقال الألباني ضعفه دون الشطر الثاني فحسن في ضعيف الجامع (٢٢٠٢)، وصحيح الجامع (٢٦٧١).\n(^٣) الحاكم (٤/ ٣٢٦)، والبيهقي في الزهد الكبير (١٠٢)، وقال الألباني حسن دون قوله: \"وإياك والطمع\" في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٥).","vol":"5","page":256},{"text":"والطمع فإنه هو الفقر، وإياكم ومما يعتذر منه\" الحديث ومعنى يعتذر منه (أي يقبح عند الله وعند الناس).\n\n١٢٣٣ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - القناعة كنز لَا يفنى، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد وَرَفعه غَرِيب (^١).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم ذكره.\nقوله: - ﷺ - \"القناعة كنز لا يفنى\" الحديث لأن الإنفاق منها كنز لا ينقطع كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي ومنه الحديث الآخر \"عز من قنع، وقل من طمع\" لأن القانع لا يذله الطلب فلا يزال عزيزًا قاله في النهاية (^٢) ولبعض الفضلاء.\nأَفادتني القناعةُ كلَّ عزٍّ ... وهَلْ عِزٍّ أعزُّ مِنْ القَنَاعَهْ\nفَصَيِّرْها لنفسِكَ رأسَ مالٍ ... واجعل بعدها التَّقْوى بِضَاعَهْ\nأحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْت مِنْهُمْ ... لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَهْ\nوَأَكرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي ... وَإِنْ كُنَّا سَوَاءً فِي الْبِضَاعَهْ (^٣)\n_________\n(^١) البيهقي في الكبير (١٠٥)، وابن عدي في الكامل (١٠٣١٩)، القضاعي في مسند الشهاب (٦٣)، والطبراني في الأوسط (٦٩٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٦)، وفيه خالد بن إسماعيل وهو متروك، وقال الألباني ضعيف جدا في ضعيف الجامع (٤١٤٠).\n(^٢) النهاية (٤/ ١١٤).\n(^٣) البيتين الأخيرين للإمام الشافعي، وقَالَ لَهُ تِلْمِيذُهُ الإمام أحمد بْنُ حَنْبَلٍ:\nتُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ... لَعَلَّهُمْ يَنَالُوا بِك الشَّفَاعَهْ\nوَتَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي ... حَمَاك اللهُ مِنْ تِلْكَ الْبِضَاعَهْ","vol":"5","page":257},{"text":"١٢٣٤ - وَعَن عبد الله بن مُحصن الخطمي - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من أصبح آمنا فِي سربه معافى فِي بدنه عِنْده قوت يَوْمه فَكَأَنمَا حيزت لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nفِي سربه بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة أَي فِي نَفسه.\nقوله وعن عبد الله بن محصن الخطمي واختلفوا في اسم عبد الله بن محصن فقيل عبيد الله بن محصن وقيل عبد الله وكذلك اختلفوا في صحبته وكنيته العقيلي وقال بعض الفضلاء أيضًا:\nلا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... فإنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْكَ في الدِينِ\nواسْتَرْزِقِ الله مَمَّا في خَزَائِنِه ... فإنما الرِزْقُ بين الكَافِ والنُونِ\nفَاِستَغنِ بِاللهِ عَن دُنيا المُلوكِ ... كما اِستَغنى المُلوكُ بِدُنياهُم عَنِ الدينِ\nلماذا أذل المخلوق على طمع ... ولو سألت الذي أعطاه يعطيني\nلِكَسْرَةٌ مَنْ رَغِيفِ الْخُبْزِ تُشْبِعُنِي ... وَشَرْبَةٌ مِنْ قَرَاحٍ الْمَاءِ تُرْوِينِي\nوَخِرْقَةٍ مِنْ خَشِينِ الثَّوْبِ تَسْتُرُنيِ ... حَيًّا وَإِنْ مِتُّ تَكْفِينِي لِتكْفِينِي\nقوله: وعن عبد الله بن محصن الخطمي واختلفوا في اسم عبد الله بن محصن فقيل عبيد الله وقيل عبد الله وكذلك اختلفوا في صحبته وكنيته العقيلي ولم يرو عن عبيد الله هذا من أصحاب السنن غير الترمذي وابن\n_________\n(^١) الترمذي (٢٣٤٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٠٠)، وابن ماجه (٤١٤١)، والحميدي (٤٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٣٦٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٦).","vol":"5","page":258},{"text":"ماجه روى له هذا الحديث خاصة والخطمي بفتح الخاء المعجمة منسوب إلى خطمة من الأنصار وهم بنو عبد الله بن مالك بن اوس (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"من أصبح أمنًا في سربه\" قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي في نفسه وقال: غيره السرب نفس الإنسان أي أمناء في نفسه وفلانة واسع السرب أي رضي البال قال: ابن الأثير (^٢): ويروى السرب بفتح السين وهو المسلك والطريق، يقال خل سربه: أي طريقه.\nقوله - ﷺ -: \"حيزت له الدنيا\" حيزلت بكسر الحاء المهملة أي جمعت والحيازة الجمع والضم إلى النفس.\nقوله - ﷺ -: \"بحذافيرها\" الحذافير الجوانب وقيل الأعالي واحدها حذفار، وقيل حذفور أي فكإنما أعطى الدنيا بأسرها، ومنه حديث المبعث.\nفإذا نحن بالحي قد جاءوا بحذافيرهم أي جميعهم ا. هـ، قاله في النهاية (^٣).\nقال الجوهري (^٤): السرب بالفتح الإبل وما يرعى من المال فالإنسان ابن وقته [يهمه وقته الذي هو فيه]، فالأمن والعافية وحصول القوت اليومي\n_________\n(^١) انظر: الاستيعاب (٣/ الترجمة ١٧٢٢)، وأسد الغابة (٣/ الترجمة ٣٤٧٧)، وتهذيب الكمال (١٦/ الترجمة ٣٥٢٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٥٦).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٥٦).\n(^٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ١٤٦).","vol":"5","page":259},{"text":"كحيازة الدنيا كلها إذ مالك الدنيا كلها إنما ينال منها قوته والله أعلم.\nوقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١) في كتابه \"قمع الحرص\": خرَّج الإمام الحافظ أبو بكر بن محمد بن إسحاق السني الحافظ عن ابن عمر قال: قال رسول الله: \"ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في بدنك آمنًا في سربك عندك قوت يومك\" فعلى الدنيا العفاف (^٢) وأنشدوا في المعنى:\nرَضِيتُ مِنَ الدُّنْيَا بِقُوتٍ يُقِيمُنِي ... فَلَا أَبْتَغِي مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا فَضْلَا\nوَلَسْتُ أَرُومُ الْقُوتَ إِلَّا لِأَنَّهُ ... يُعِينُ عَلَى عِلْمٍ أَرُدُّ بِهِ جَهْلَا\nوعن ابن عباس - ﵁ -. قال: قال موسى ﵇: \"رب ما علامة من صافيته من خلقك\" فأوحى الله تعالى إليه \"أقنعه باليسير وأدخر له في الآخرة الكثير\" (^٣)، وعن ابن عباس - ﵁ -. قال: قال: موسى ﵇ \"أي رب أي عبادك أغنى\" قال: \"الراضي بما أعطيه\" قال: فأي عبادك أحب إليك قال: \"أكثرهم لي ذكرًا\" قال: \"يا رب فأي عبادك أحكم\" قال: \"الذي يحكم على نفسه بما يحكم به على الناس\" (^٤) انتهى.\n_________\n(^١) لم نقف عليه.\n(^٢) المعجم الأوسط (٨٨٧٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٠/ ٢٨٩): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو بكر الداهري، وهو ضعيف.\n(^٣) قمع الحرص (ص ١٢٩).\n(^٤) قمع الحرص (ص ١٣٠).","vol":"5","page":260},{"text":"١٢٣٥ - وَعَن أنس - ﵁ -: أَن رجلا من الْأَنْصَار أَتَى النَّبِي - ﷺ - فَسَألهُ فَقَالَ أما فِي بَيْتك شَيْء قَالَ بلَى حلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه وَقَعْب نشرب فِيهِ من المَاء قَالَ ائْتِنِي بهما فَأَتَاهُ بهما فَأَخذهُمَا رَسُول الله - ﷺ - بِيَدِهِ وَقَالَ من يَشْتَرِي هذَيْن قَالَ رجل أَنا آخذهما بدرهم قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من يزِيد على دِرْهَم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا قَالَ رجل أَنا آخذهما بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاه وَأخذ الدرهمين فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَاما فانبذه إِلَى أهلك واشتر بِالآخرِ قدومًا فائتني بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشد فِيهِ رَسُول الله - ﷺ - عودا بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فاحتطب وبع وَلَا أرينك خَمْسَة عشر يَوْمًا فَفعل فجَاء وَقد أصَاب عشرَة دَرَاهِم فَاشْترى بِبَعْضِهَا ثوبا وببعضها طَعَاما فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - هَذَا خير لَك من أَن تَجِيء الْمَسْأَلَة نُكْتَة فِي وَجهك يَوْم الْقِيَامَة إِن الْمَسْأَلَة لَا تصلح إِلَّا لثلاث لذِي فقر مدقع أَو لذِي غرم مفظع أَو لذِي دم موجع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ بِطُولهِ وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْهُ قصَّة بيع الْقدح فَقَط وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^١).\nالحلس بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وبالسين الْمُهْملَة هُوَ كسَاء غليظ يكون على ظهر الْبَعِير وَسمي بِهِ غَيره مِمَّا يداس ويمتهن من الأكسية وَنَحْوهَا. الْفقر المدقع بِضَم الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف هُوَ\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، والنسائي (٧/ ٢٥٩)، وابن ماجه (٢١٩٨)، وأحمد (١٢١٣٤)، وقال الألباني ضعيف دون قوله: \"إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث ... \" إلخ\" فصحيح، في ضعيف الجامع (٨٢٧).","vol":"5","page":261},{"text":"الشَّديد الملصق صَاحبه بالدقعة وَهِي الأَرْض الَّتِي لَا نَبَات بهَا. وَالْغُرْم بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء هُوَ مَا يلْزم أَدَاؤُهُ تكلفا لَا فِي مُقَابلَة عوض. والمفظع بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْفَاء وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة هُوَ الشَّديد الشنيع. وَذُو الدَّم الموجع هُوَ الَّذِي يتَحَمَّل دِيَة عَن قَرِيبه أَو حميمه أَو نسيبه الْقَاتِل يَدْفَعهَا إِلَى أَوْليَاء الْمَقْتُول وَلَو لم يفعل قتل قَرِيبه أَو حميمه الَّذِي يتوجع لقَتله.\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام على أنس.\nقوله: أن رجلا من الأنصار أتى النبي - ﷺ - فسأله فقال: \"أما في بيتك شيء\" قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، الحديث، الحلس قد ضبطه الحافظ (^١)، وفسره.\nقوله: وقعب نشرب فيه من الياء، القعب: قدح من خشب (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"قال: \"ائتني بهما\"، قال: فأتاه جهما، فأخذهما رسول الله - ﷺ - بيده، وقال: \"من يشتري هذين؟ \" قال رجل: أنا، آخذهما بدرهم، قال: \"من يزيد على درهم مرتين، أو ثلاثا\"، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: \"اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به،\"، فأتاه به، فشد فيه رسول الله - ﷺ - عودا بيده، ثم قال له: \"اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا\" الحديث، القدوم\n_________\n(^١) أى المنذرى.\n(^٢) شرح المشكاة (٥/ ١٥١٨) للطيبي.","vol":"5","page":262},{"text":"رواه مسلم متفقون على تخفيفه قالوا: والقدوم آلة النجار المعروفة يقال: فيها قدوم بالتخفيف لا غير (^١)، وأما القدوم مكان بالشام (^٢) ففيه التخفيف والتشديد ممن رواه بالتشديد أراد القرية ومن رواه بالتخفيف تحتمل القرية والآلة والأكثرون على التخفيف على إرادة الآلة (^٣) والله أعلم.\nفائدة: اختتن إبراهيم ﵇ بالقدوم وهو ابن ثمانين سنة وهذا الذي وقع هنا، أن إبراهيم ﵇ اختتن وهو ابن ثمانين سنة هو الصحيح وقيل سبعين ووقع في الموطأ وهو ابن مائة وعشرين سنة موقوفًا على أبي هريرة وهو متأول أو مردود (^٤) والله أعلم.\nفائدة أخرى: الختان واجب لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٥) وهو أول من اختتن، ختن نفسه ولا يفعله إلا عن أمر الله تعالى، ولقول: - ﷺ - لرجل أسلم: \"ألق عنك شعر الكفر واختتن\" (^٦) والأمر للوجوب.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٧٤).\n(^٢) الغريبين في القرآن والحديث ٥/ ١٥١٤.\n(^٣) مطالع الأنوار (٥/ ٤٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٢٢) والمجموع (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، وكشف المناهج (٥/ ٩٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٢٢) وكشف المناهج (٥/ ٩٥).\n(^٥) سورة النحل، الآية: ١٢٣.\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٨٣٥)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٣٥٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٩٥)، وابن عدي في الكامل ١/ ٢٢٣، والبيهقي في السنن ١/ ١٧٢. وقال ابن القطان في الوهم والإيهام ٥/ ٤٣: إسناده غاية في الضعف مع الانقطاع الذي في قول ابن جريج أُخْبِرْتُ وذلك أن عثيم بن كليب وأباه وجده مجهولون. عبد الرزاق: هو ابن همام الصنعاني، ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز.","vol":"5","page":263},{"text":"تنبيه: الرجل الذي أمره رسول الله - ﷺ - أن يحلق شعره لما أسلم اسمه: عثيم بضم العين المهملة وفتح الثاء المثلثة (^١) وروى الحديث أبو (داود) ولم يضعفه فهو عنده [صالح أي حسن أو صحيح (^٢)].\nوفي وجه: أن الختان سنة مؤكدة وفي وجه ثالث: أنه واجب في حق الرجال مستحب للنساء والأصح الوجوب مطلقًا والواجب في حق الرجل قطع الجلدة التي تواري الحشفة وتسمى القلفة حتى تنكشف جميع الحشفة، والواجب في حق المرأة قطع الجلدة، كما قال الماوردي (^٣): أو اللحمة كما قال الرافعي التي في أعلى الفرج فوق ثقبة البول تشبه عرف الديك فإذا قطعت بقي أصلها كالنواة ويكفي أن يقطع ما يقع عليه الاسم (^٤).\nفرع: محل الوجوب بعد البلوغ قال: القاضي حسين بلا خلاف فلو مات قبل الختان فالأصح أنه لا يختتن ولو كان صغيرًا قاله في هادي النبيه (^٥).\n_________\n(^١) هذا غلط فالحديث عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده فقال رجل هو جد عثيم قال عبدان: هو عثيم بن كثير بن كليب، والصحابي هو كليب.\nوقيل: هو عثيم بن قيس بن كثير الجهني. انظر: التلخيص الحبير: ٤/ ٨٢؛ تهذيب التهذيب: ٧/ ١٦١. وانظر: السنن الكبرى، للبيهقي: ٨/ ٣٢٢).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٥٤).\n(^٣) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦).\n(^٤) المجموع (١/ ٣٠١ - ٣٠٢) وكفاية النبيه (١/ ٢٥٦)، والنجم الوهاج (٩/ ٢٧٠).\n(^٥) هادى النبيه (لوحة ٨/ خ ٢١٢١ ظاهرية).","vol":"5","page":264},{"text":"كان بعض من أدركناه يقول الذي يقتضيه الدليل وجوب ختان الكبير لأنه من الفطرة وما ذكره ليس ظاهرًا (^١).\nفرع: كما يجب الختان يجب قطع السرة لأنه لا يتأتى ثبوت الطعام إلا بذلك (^٢).\nفرع: الخنثى المشكل فيه وجهان أشهرهما يجب ختانه فيختتن (في الموضعين) جميعًا توصلا إلى الواجب وأصحهما أنه لا يجب ختانه لأنه جرح على الإشكال وهو ممنوع (^٣) والله أعلم ذكره في مختصر الكفاية لابن النقيب.\nفرع: والختان سنة قبل البلوغ وواجب بعده كما تقدم ويستحب تعجيله في حق الصبي في اليوم السابع من ولادته لأنه أروح له إلا أن يظهر من حالة أنه لا يطيقه لصغر نحوه فيؤخر وإذا أخر عن السابع قال: الماوردي (^٤) فالمستحب أن يختتن (في اليوم) الأربعين وإن أخر عنها فالمستحب أن يختتن في السنة السابعة لأنه الوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالطهارة والصلاة، وقال: القاضي حسين وهو المذكور في التهذيب عندى أن وقته بعد استكمال العشر وأما قبله فلا (يجوز بحال) كما لا (يجب) الضرب للصلاة قبل\n_________\n(^١) المصدر السابق نفس الموضع.\n(^٢) كفاية النبيه (١/ ٢٦١).\n(^٣) كفاية النبيه (١/ ٢٦٠)، والنجم الوهاج (٩/ ٢٧٣).\n(^٤) الحاوى (١٣/ ٤٣٣).","vol":"5","page":265},{"text":"(العشر) والصحيح الأول (^١) والفرق أن الختان يتزايد ألمه في (الكبر) لغلظ الجلد [والختان واجب لأن الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته] لأن الجلدة تحبس البول ولهذا لا يجوز الإستنجاء بالحجر (^٢) وجب عليه غسل داخل القلفة في الإستنجاء وفي غسل الجنابة على الأصح (^٣) قاله ابن العماد في شرح العمدة (^٤).\nفائدة: قد جاء في بعض طرق الحديث أن أول من اختتن إبراهيم ثم اختتنت سارة ومن كان في ملة إبراهيم، وفي بعض الكتب أن أربعة عشر من الأنبياء ولدوا مختونين وهم آدم وشيث ونوح وهود وصالح يوسف وشعيب وموسى وسليمان وزكرياء وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي صاحب الرس ونبينا محمد - ﷺ - (^٥) واختتن لوط مع إبراهيم وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وتوفي وهو ابن ثمانين سنة (^٦) قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه والله أعلم.\nوهذا الحديث فيه فوائد جمة، فيه: أن النبي - ﷺ - هو الذي باع القدح والحلس فقد يستدل به على بيع الحاكم على المعسر ولكن لم ينقل هنا أنه كان عليه دين حتى يبيع الحاكم عليه وقد يقال كانت نفقة أهله واجبة عليه\n_________\n(^١) انظر كفاية النبيه (١/ ٢٥٩).\n(^٢) انظر شرح المشكاة (٣/ ٧٨٧)، وتحفة المولود (ص ١٦٧).\n(^٣) انظر: فتح الباري (١٠/ ٣٤١).\n(^٤) لم نقف عليه.\n(^٥) الميسر (١/ ١٤٢).\n(^٦) التبصرة (ص ١٥٤) والمنتظم (١/ ٢٨٢ - ٢٨٥).","vol":"5","page":266},{"text":"فهي كالدين وأراد الإكتساب بالسؤال فكره له النبي - ﷺ - السؤال مع القدرة على الكسب فباع عليه بعض ما يملكه واشترى له بذلك آلة يكتسب بها، وقد يقال: هذا تصرف في ماله برضاه مع أن النبي - ﷺ - يجوز له التصرف في أموال أمته بما شاء فتصرف له على وجه المصلحة وهذا خاص بالنبي - ﷺ - فإنه يبيع ملك الغير من غير وكالة وذلك لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^١) والله أعلم قاله: العراقي في شرح الأحكام (^٢).\nوفي هذا الحديث جواز الزيادة في ثمن السلعة قبل إيجاب البيع الأول (^٣) وفيه أنه لا نقيصة على الرجل الفاضل أن يكون سمسارًا (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك\" النكتة بالتاء المثناة فوق كالنقطة شبه الوسخ في المرآة (^٥)، تقدم ذكرها في الجمعة.\nقوله - ﷺ - في حديث أنس هذا: \"أن المسألة لا تصلح إلا لثلاث لذي فقر مدقع\" المدقع: قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء وهي الأرض لا نبات بها ا. هـ.\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٦.\n(^٢) طرح التثريب (٦/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) قمع الحرص (ص ٢٨).\n(^٤) قمع الحرص (ص ٢٨).\n(^٥) انظر كلام المنذرى على حديث (٣٧٢٨) كتاب الحدود.","vol":"5","page":267},{"text":"وقال: غيره فيه أن سؤال الخلق لا يحل إلا لحاجة وهو الفقر المدقع وهو غاية الفقر وأشده الذي لم يبق لصاحبه شيئًا من المال يرجع إليه وأصله من الدقعاء وهو التراب والأرض التي لا نبات عليها فيفضي شدة الفقر بصاحبه إلى الجلوس عليها وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ (^١) (^٢)، وقال: ابن العربي (^٣) الدقع سوء احتمال الفقر فكأنه - ﷺ - لم يبح المسألة إلا لمن عجز عن احتمال شدة الفقر.\nوقوله: \"الفاقة والصبر\" وكان عاجزًا منقطعًا عن الكسب وسبب هذا الحديث يكشف عن ذلك فإنه قال: \"أما في بيتك شيء\" قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"أو لذي غرم مفظع\" والغرم قد ضبطه الحافظ (^٤) وفسره فقال: وهو ما يلزم أداؤه تكلفًا لا في مقابلة عوض ا. هـ.\nوقوله: \"مفظع\" قد ضبطه الحافظ (^٥) وفسره فقال: هو الشديد الشنيع ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"أو لذي دم موجع\" قد فسره الحافظ (^٦) فقال: هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول ولو لم يفعل\n_________\n(^١) سورة البلد، الآية: ١٦.\n(^٢) قمع الحرص (ص ٢٧).\n(^٣) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (١/ ٣١٣).\n(^٤) أي المنذري.\n(^٥) أي المنذري.\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"5","page":268},{"text":"قتل قريبة أو حميمة الذي يتوجع لقتله ا. هـ.\nوقال غيره: هذا رجل صنع خيرًا فليس من المعروف أن تترك الغرامة عليه وحده بل يعان على ما تحمله ويعطي من الصدقة وغيرها ما يخرج به من عهدة ما ضمنه وحمله (^١) ا. هـ.\nوفي هذا الحديث أيضًا أنه - ﷺ - لم ير الصدقة تحل لأحد مع القوة على الكسب ولا مع وجود شيء فقد روى أبو داود (^٢) عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تحل الصدقة لغني ولا ذي مرة سوي\" المرة الشدة والقوة والسوي هو التام الخلق سالم من موانع الإكتساب وبحديث هذا الباب يقول الشافعي وأبو ثور وغيرهما قالوا أكل من كان قويًا على الكسب والتحرف مع قوة البدن وحسن التصرف حتى يغنيه ذلك عن الناس فالصدقة عليه حرام وكذلك المتصوفة الذين تركوا أشغالهم وتخلوا لعبادة الله ﷿ ولهم قدرة على التكسب لا يحل لهم الصدقة لأن التكسب مع الإعراض عن النوافل أولى من الاشتغال بالنوافل والطمع مما في أيدي الناس قال النبي - ﷺ -: \"إن أفضل ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده\" (^٣) انتهى (^٤).\n_________\n(^١) قمع الحرص (ص ٣٤).\n(^٢) سنن أبي داود (١٦٣٤) الترمذي (٦٥٨) مسند أحمد (٦٥٣٠). وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (١٨٣٩)، والنسائي في الكبرى (٢٣٨٩). وعن حُبْشي بن جنادة عند الترمذي (٦٥٩)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود - الأم (١٤٤٤).\n(^٣) البخاري (٢٠٧٢).\n(^٤) قمع الحرص (ص ٢٨).","vol":"5","page":269},{"text":"١٢٣٦ - وَعَن الزبير بن الْعَوام - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لأن يَأْخُذ أحدكُم أحبله فَيَأْتِي بحزمة من حطب على ظَهره فيبيعها فيكف بهَا وَجهه خير لَهُ من أَن يسْأَل الناس أَعْطوهُ أم منعُوهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا (^١).\n\n١٢٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لِأَن يحتطب أحدكُم حزمة على ظَهره خير لَهُ من أَن يسْأَل أحدا فيعطيه أَو يمنعهُ، رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن الزبير بن العوام: الصحابي أحد العشرة كنيته أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي المدني يلتقي مع رسول الله ﷺ في قصي وأم الزبير صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ - أسلمت وهاجرت إلى المدينة أسلم الزبير قديمًا في أوائل الإسلام وهو ابن خمس عشرة سنة وقيل ابن ست عشرة، وقيل وهو ابن ثمان سنين قيل ابن ثنتي عشرة وكان إسلامه - ﵁ - بعد إسلام أبي بكر بقليل قيل كان رابعًا أو خامسًا وهاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخى بين المهاجرين بمكة فلما قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش وكان - ﵁ - أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية.\n_________\n(^١) البخاري (١٤٧١)، وابن ماجه (١٨٣٦)، وأحمد (١٤٢٩)، وأبو يعلى (٦٧٥).\n(^٢) البخاري (١٤٧٠)، ومسلم (١٠٤٢).","vol":"5","page":270},{"text":"قال النووي (^١): روينا في صحيح البخاري ومسلم عن جابر قال: ندب رسول الله - ﷺ - يوم الأحزاب فانتدب الزبير بثلاث مرات، قال: من يأتينى بخبر القوم قال: الزبير أنا قال: من يأتني بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا، قال: من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا، فقال: النبي - ﷺ - \"إن لكل نبي حواريًا، وحواري الزبير\" قال القاضي عياض (^٢): اختلف من ضبطه فضبطه جماعة من المحققين بفتح الياء من الثاني كمصرخي وضبطه أكثرهم بكسرها، والحواري الناصر للرجل وقيل الناصح، وكان للزبير - ﵁ - أربع نسوة فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَمِائَتَا أَلْفٍ هذا لفظ رواية البخاري ومما رويناه من أحوال الزبير أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فيتصدق به في مجلسه وما يقوم بدرهم منه وكان الزبير يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف فلحقه جماعة من الغواة فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة وقبره هناك في جمادى الأول سنة ست وثلاثين وكان عمره حينئذ سبعًا وستين سنة، وقيل ستًا وستين سنة وقيل أربعًا وستين سنة ومناقبه كثيرة مشهورة (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"لأن يأخذ أحدكم أحبله فيذهب فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس شيئا أعطوه، أو\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٤ - ١٩٥).\n(^٢) إكمال المعلم (٧/ ٤٢٨)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٤ - ١٩٦ ترجمة ١٧٦).","vol":"5","page":271},{"text":"منعوه\" أحبله: بفتح الهمزة وإسكان الحاء المهملة وضم الباء الموحدة جمع حبل وهو معروف ويجمع أيضا على حبال.\n\n١٢٣٨ - وَعَن الْمِقْدَام بن معد يكرب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - مَا أكل أحد طَعَاما خيرا من أَن يَأْكُل من عمل يَده وَإِن نَبِي الله دَاوُد - ﵇ - كَانَ يَأْكُل من عمل يَده رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن المقدام بن معدي كرب تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ -: \"أن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده\" تقدم الكلام على داوود - ﵇ - في الصدقات دل هذا الحديث على فضيلة الأكل من عمل اليد، وقيل لسفيان الثوري رحمه الله تعالى \"ما تقول في رجل إذا كسب درهما كان فيه ما يقوته وعياله ولم يدرك صلاة الجماعة وإذا كسب أربع دوانيق أدرك الصلاة في الجماعة ولم يكن فيه ما يقوته ويفوت عياله أيهما أفضل قال: يكسب الدرهم الحلال ويصلي وحده\" (^٢).\nوأيضًا دل الحديث على جواز الاشتغال بالكسب وقد كره بعض الناس الاشتغال بالكسب وقالوا الواجب على كل إنسان الاشتغال بعبادة ربه لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٣) وقال عامة أهل العلم: الكسب بمقدار ما يكفيه وعياله واجب وإن زاد على ذلك فهو مباح\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٧٢)، وأحمد (١٧١٨١).\n(^٢) حلية الأولياء (٧/ ١٦ - ١٧).\n(^٣) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.","vol":"5","page":272},{"text":"وإن اشتغل بطلب الزيادة ولا يكون حراما ما لم يرد به الفخر والرياء وذلك لأن الله تعالى فرض على عباده فرائض ولا يتهيأ أداء تلك الفرائض إلا باللباس وقوت النفس ولا يحصل ذلك إلا بالكسب قيل ترك الكسب على ثلاثة أوجه للكسل وللتقوى وللعار فمن ترك الكسب كسلا فلا بد له من السؤال ومن تركه تقوى فلا بد له من الطمع ومن تركه عارًا فلا بد له من السرقة (^١).\nفرع يختم به الباب: السؤال في المسجد مكروه فإن كان يتخطى الناس أو يتخطاهم بجبى له الفلوس لم يجز ذلك وقد تقدم في الجمعة أن تخطي الرقاب حرام فيجب على كل قادرًا إنكار ذلك ومنعهم منه (وقد يضم السؤال إلى ذلك) القراءة على غير الصحة وذكر الأحاديث الموضوعة والأثار المكذوبة والقصص الباطلة فيتأكد وجوب الإنكار ويعظم الإثم في السكوت لأن في السكوت مع هذا الفعل على رؤس الأشهاد إتهامًا له والعوام يظنون أن ذلك جائز فيكون السكوت سببًا لتجرئة غيره على مثل فعله وسببًا لإعطاء العوام له وترغيبًا في ذلك الفعل وقد قال: بعض علماء الحنفية (^٢) لو تصدق بأربعين فلسًا خارج المسجد لم يكن ذلك كفارة لذلك\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٦٧).\n(^٢) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط للشيباني (٢/ ١) تحفة الفقهاء (١/ ٢٦٣) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ٢) الهداية في شرح بداية المبتدي (١/ ٩٨) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٩٩) العناية شرح الهداية (٢/ ١٥٣) الجوهرة النيرة على مختصر=","vol":"5","page":273},{"text":"الفلس الذي أعطاه للسائل في المسجد حكاه القاضي ظهير الدين في فتاويه فلو كان المعطي يقتدى به أو يتوهم الناس في إعطائه أن ذلك جائز عظم الإثم في إعطائه بمساعدته له وترغيبه في فعل المنكر مع ما ترتب عليه من إثم السكوت على الإنكار عليه والله أعلم قاله: ابن النحاس في تنبيهه أو الشيخ شمس الدين السعودي في تهذيب النفوس على الشك (^١).\n_________\n= القدوري (١/ ١١٣) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (٢/ ٢١٦) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٩١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (٢/ ٢٥٦) الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: ١٢٦).\n(^١) تنبيه العافلين (ص ٤٣٨).","vol":"5","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>ترغيب من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزل لها بالله تعالى</span>\n١٢٣٩ - عَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من نزلت بِهِ فاقة فأنزلها بِالنَّاسِ لم تسد فاقته وَمن نزلت بِهِ فاقة فأنزلها بِالله فيوشك الله لَهُ برزق عَاجل أَو آجل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غريب. وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ أرسل الله لَهُ بالغنى إِمَّا بِمَوْت عَاجل أَو غنى آجل (^١).\n\"يُوشك\" أَي يسْرع وزنا وَمعنى.\nقوله: عن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على عبد الله بن مسعود.\nقوله - ﷺ -: \"من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله برزق عاجل أو أجل\" الحديث.\nقوله: \"فأنزلها بالله فيوشك الله بالغناء إما بموت عاجل أو أجل\" أوشك أي قرب أن يحصل غناه.\nقوله: بالغناء أي بالكفاية والغناء بفتح الغين أي بالكفاية من قولهم: لا يغنى غناء بالمد (والهمز) ومن رواه بكسر الغين مقصورا على معنى اليسار فقد صرف المعنى لأنه قال: لا يأتيه الكفاية عما هو فيه إما بموت عاجل أو بغنى آجل وهو ضد العاجل (^٢).\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٤٥)، والترمذي (٢٣٢٦)، وأحمد (٣٦٩٦)، والطبراني في الكبير (٩٧٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣١).\n(^٢) الميسر (٢/ ٤٣٧).","vol":"5","page":275},{"text":"والفاقة الحاجة والفقر (^١) أي من عرض حاجته على الناس لم يزيلوا فقره بل ليعرض العبد فقره على الله تعالى ويسئل منه قضاء الحوائج فإنه الكافي (^٢).\nويوشك قد فسره الحافظ فقال: معناه يسرع وزنه ومعناه، وقال: بعضهم يوشك بضم الياء وكسر الشين أي يقرب ويقال في ماضية أوشك وهو من أفعال المقاربة وقد وقع لدنو الخبر أخذًا فيه وهو مثل كاد وعسى في الاستعمال (^٣).\nقال: الإمام أبو عبد الله القرطبي خرج ابن أبي الدنيا (^٤) عن أبي عمران الجوني أبو عمران الجوني بفتح الجيم وسكون الواو هو (عبد الملك بن حبيب الأزدي، ويقال: الكندي) هو الجونى البصري مات سنة ثمان وعشرين (^٥) والله أعلم. عن أبي الجلد قال: كان لنا جار وكان أثر الفاقة والمسألة عليه بينًا فقلت لو عالجت شيئًا لو طلبت شيئًا قال: يا أبا الجلد وأنت تقول هذا من عرف ربه ﵎ فلم يستغربه فلا أغناه الله (^٦). وروى عن ابن عباس من وجوه أن رسول الله - ﷺ - أوصاه، وقال: في وصيته له إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (^٧)، وذكر القشيري أن موسى\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٥)، ومطالع الأنوار (٥/ ٢٧٤)، والنهاية (٣/ ٤٨٠).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٥٢١ - ٥٢٢)، وشرح المصابيح (٢/ ٤٥١).\n(^٣) شرح أبي داود (٦/ ٣٩٧) للعيني، وحدائق الأزهار الوحة ٢٣٩/ ب) للأرزنجانى.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة (٥٩).\n(^٥) تهذيب الكمال (١٨/ الترجمة ٣٥٢١).\n(^٦) قمع الحرص (ص ٥٠).\n(^٧) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٨٠٢ - الرسالة)، وأبو يعلى (٢٥٥٦)، والطبراني =","vol":"5","page":276},{"text":"- ﵇ - قال في مناجاته: إلهي إنه لتعرض لي الحاجة فاستحي أن أسألك فاسأل غيرك فأوحى الله تعالى إليه لا تسأل غيري واسألني حتى ملح عجينك وعلف شاتك (^١) وخرج الترمذي (^٢) عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:\nالله يَغْضَبُ إِنْ ترَكْتَ سُؤالَهُ ... وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْألُ يَغْضَبُ (^٣)\n\n١٢٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من جَاع أَو احْتَاجَ فكتمه النَّاس وأفضى بِهِ إِلَى الله تَعَالَى كَانَ حَقًا على الله أَن يفتح لَهُ قوت سنة من حَلَال، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط (^٤).\nوروي عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\n_________\n= (١٢٨٢٠) (١٢٩٨٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٧٤)،: والضياء في المختارة (٣٣٨٣) و(٣٣٨٦): من طريق قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: كنت خلف رسول الله - ﷺ - يوما: فذكره وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، قلت: وهو إسناد متصل قوي، وجاء من طريق أخرى وفيها زيادات ليست في الرواية الأولى: أخرجه ابن سمعون في أماليه (٢٢٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٢٦)، والضياء في المختارة (٣٣٨٥). قال ابن حجر العسقلاني في موافقة الخبر الخبر - (١/ ٣٢٧): حسن.\n(^١) الرسالة (٢/ ٣٦٩)، وقمع الحرص (ص ٥٢).\n(^٢) سنن الترمذي (٣٣٧٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٤١٨).\n(^٣) قمع الحرص (ص ٥٣).\n(^٤) الطبراني في الصغير (٢٠٦)، وفي الأوسط (٢٣٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٦)، وفيه إسماعيل بن رجاء الحصني ضعفه الدارقطني.","vol":"5","page":277},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفضى به إلى الله كان حقًا على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال\" الحديث الإفضاء عبارة (عن الوصول للشيء أفضى إلى كذا وصل إليه (^١).\nخاتمة: روى الحافظ النسفي في كتاب \"فضائل الأعمال\" بإسناده إلى حماد بن سلمة، أن عاصم بن أبي النجود، شيخ القراء، في زمانه قال: أصابتني خصاصة فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة، فخرجت من منزله إلى الجبانة فصليت ما شاء الله، ثم وضعت وجهي على الأرض، وقلت: يا مسبب الأسباب، يا مفتح الأبواب، يا سامع الأصوات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك. قال: فو الله ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعة بقربي فرفعت رأسي فإذا حدأة طرحت كيسا أحمر فأخذت الكيس فإذا فيه ثمانون دينارا جوهرة ملفوفة في قطنة مندوفة. قال: فبعت الجوهرة بمال عظيم وفضلت الدنانير فاشتريت بها عقارا وحمدت الله على ذلك ا. هـ. قاله الكمال الدميري في حياة الحيوان (^٢).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٦١).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٣٢٧).","vol":"5","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الترهيب من أخذ ما دفع من غير طيب نفس المعطي</span>\n١٢٤١ - عَن عَائِشَة - ﵂ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: إِن هَذَا المَال خضرَة حلوة فَمن أعطيناه مِنْهَا شَيْئا بِطيب نفس منا وَحسن طعمة مِنْهُ من غير شَره نفس بورك لَهُ فِيهِ وَمن أعطيناه مِنْهَا شَيْئا بِغَيْر طيب نفس منا وَحسن طعمة مِنْهُ وشره نفس كَانَ غير مبارك لَهُ فِيهِ، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وروى أَحْمد وَالْبَزَّار مِنْهُ الشّطْر الْأَخير بِنَحْوِهِ بِإِسْنَاد حسن (^١).\nالشره بشين مُعْجمَة محركا هُوَ الْحِرْص.\nقوله: عن عائشة تقدم الكلام على عائشة - ﵂ -.\nقوله - ﷺ -: \"إن هذا المال خضرة حلوة\" شبهه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه، بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده والحلو كذلك على انفراده فاجتماعها أشد وفيه (إشارة) إلى عدم بقائه لأن الخضروات (لا تبقى و) لا تراد للبقاء (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فمن أعطيناه منها شيئًا بطيب نفس منا وحسن طعمة منه من غير شره نفس بورك له فيه\" الشره قد ضبطه الحافظ (^٣) وفسره فقال: هو الحرص [وأما قوله] بطيب نفس وأما طيب النفس فذكر القاضي [فيه احتمالين]\n_________\n(^١) ابن حبان (٣٢١٥)، وأحمد (٢٤٣٩٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠٠)، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٦).\n(^٣) أي المنذري.","vol":"5","page":279},{"text":"أظهرهما [أنه عائد على الآخذ] ومعناه من أخذه [بغير سؤال] ولا إشراف وتطلع [بورك له فيه] والثاني أنه [عائد إلى الدافع و] معناه من أخذه ممن يدفعه منشرحًا بدفعه [إليه] طيب النفس لا [بسؤال] اضطره إليه أو نحوه مما [لا تطيب معه نفس الدافع قوله فمن أخذه بسخاوة نفس أي بطيبها وتنزهها عن التشوف والحرص عليه وهو من السخاء يمد ويقصر يقال سخا الرجل يسخو سخاء وسخاوة إذا جاد وتكرم حكى القصر عن] الخليل ولم يذكره أبو علي [في المقصور وقد تكون] سخاوة النفس بمعنى ترك الحرص من قولهم سخيت نفسي عن الأمر أي تركته (فكأنه مما) مما تقدم أي نزهتها عنه (^١) ا. هـ.\n(والشره قد ضبطه الحافظ) (^٢) (وفسره فقال: هو الحرص).\n\n١٢٤٢ - وَعَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا تلحفوا فِي الْمَسْأَلَة فوَالله لَا يسألني أحد مِنْكُم شَيْئا فَتخرج لَهُ مَسْأَلته مني شَيْئا وَأَنا لَهُ كَارِه فيبارك لَهُ فِيمَا أَعْطيته، رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).\n\n١٢٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ وَسمعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِنَّمَا أَنا خَازِن فَمن أَعْطيته عَن طيب نفس فمبارك لَهُ فِيهِ وَمن أَعْطيته عَن مَسْأَلَة وشره نفس كَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع (^٤).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢١٠).\n(^٢) أي المنذري.\n(^٣) مسلم (١٠٣٨).\n(^٤) مسلم (١٠٣٧).","vol":"5","page":280},{"text":"لَا تلحفوا: أَي لَا تلحوا فِي الْمَسْأَلَة، وعن معاوية بن أبي سفيان تقدم الكلام عليه مبسوطًا رضي الله تعالى عنه، قوله: - ﷺ - \"لا تلحفوا في المسألة فوالله ما يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا له كاره قيبارك له فيما أعطيته\" الحديث تلحفوا هو بضم المثناة من فوق وبسكون اللام وكسر الحاء المهملة وبالفاء قد فسره المنذري فقال: معناه لا تلحوا في المسألة ا. هـ. والمسألة بمعنى السؤال، وقال: جار الله العلامة الإلحاف والإلحاح وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه من قولهم لحفني من فضل لحافة أي أعطاني من فضل ما عنده، وقال: \"الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١) في كتابه قمع الحرص: الملحف هو الملح يقال: الحف وأخفى وألحّ بمعنى، واشتقاقه من اللحاف من التغطية أي أن هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك وقد جعل سعيد بن المسيب لزوم المسجد ألحافًا فقال: من لزم المسجد وليس له ما يقيمه فقد ألحف في السؤال يعني شغل قلوب أهل المسجد بنفسه وأضرهم إلى مواساته فكأنما ألحف في السؤال فينبغي أن يعمل ويكتسب.\nواختلف العلماء في معنى قوله: لا يسألون الناس إلحافًا على قولين فقال: قوم منهم الطبري (^٢) والزجاج (^٣) أن المعنى لا يسألون ألبتة وهذا على أنهم\n_________\n(^١) قمع الحرص (ص ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٥/ ٥٩٠).\n(^٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٣٥٦).","vol":"5","page":281},{"text":"متعففون عن المسألة عفة تامة وعلى هذا جمهور العلماء المفسرين ويكون التعفف صفة ثابتة لهم أي لا يسألون إلحافًا ولا غير إلحاف وقال: قوم إن المراد نفي الإلحاف أي أنهم يسألون غير ملحفين وهذا هو السابق للفهم وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافًا لأنه يسأل مستكثرًا ولذلك يكون بغيضًا مقيتًا لقوة حرصه وعماه عن ربه حين اشتغل بمسألة الناس عن مسألة كريم يحب الملحين في الدعاء وألحف بسؤاله فهو يكلح وجهه عند السؤال ويبخل بالبذل عند النوال وأما سؤال غير ملحف عند الحاجة فجائز كما تقدم وقد ثبت في الصحيح قوله - ﵇ -: \"رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له\" (^١) الحديث ففي هذا دليل على جواز المسألة والطلب لكن من غير إلحاف وقد يكون وجه سؤال الفقير إرادة نفع الناس به لينالوا جزيل الثواب وكريم المآب لما في عطية الفقراء من الفضل.\nوجاء رجل إلى الجنيد فقال: يا شيخ رأيت النورى يسأل الناس فقال: إنما يسأل لهم يعني ليؤجروا، ورأيت هذه الحكاية مطولة (وذلك كما روي أن) بعضهم رأى أبا الحسين النوري مد يده ويسأل الناس في بعض المواطن فاستعظمت ذلك واستقبحته فلما أتيت الجنيد فأخبرته فقال: لا يعظم هذا عليك فإن النوري لا يسأل الناس إلا ليعيطهم إنما سألهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضره (^٢) وكأنه أشار إلى قوله - ﷺ - \"يد المعطي هي\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٢٢).\n(^٢) قوت القلوب (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).","vol":"5","page":282},{"text":"العليا\" (^١) فقال بعضهم: يد المعطي هي يد الأخذ للمال لأنه يعطي الثواب والمدد له لا لما يأخذه من المال ثم قال: الجنيد عليه الميزان فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ثم قال: احملها إليه فقلت في نفسي إنما يوزن ال [شئ ليعرف] بمقداره فكيف خلط به (شيئا آخر فصار مجهولا) وهو رجل حكيم واستحييت أن أسأله فذهبت بالصرة إلى النوري فقال: هات الميزان فوزن مائة وقال: ردها عليه وقل له إنا لا نقبل منك شيئًا وأخذ ما زاد على المائة فزاد بعجبي فسألته فقال: الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن المائة طلبًا لثواب الآخرة وطرح عليها قبضة بلا وزن لله تعالى أخذ ماله وزن [فأخذت ما كان لله ﵎ ورددت ما جعله لنفسه قال فرددتها إلى الجنيد فبكى وقال أخذ ماله ورد مالنا الله المستعان (^٢).\nقوله: فيبارك له فيما أعطيته علي بناء المفعول قاله: في شرح المشارق (^٣).\nقوله - ﷺ -: في رواية مسلم \"إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فمبارك له فيه\"، وفي الرواية الآخرى \"وإنما أنا قاسم ويعطي الله\" معناه أن المعطي حقيقة هو الله تعالى ولست أن معطيًا وإنما أنا خازن على ما عندي ثم أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره والإنسان مصرف مربوب أي عبد، قاله: النووي (^٤)، وقيل\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) قوت القلوب (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، والإحياء والكلام للغزالي (٤/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٣) حدائق الأزهار (لوحة ٨٧/ أ)، ومبارق الأزهار (١/ ٥١٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٩).","vol":"5","page":283},{"text":"قوله: \"إنما أنا قاسم\" يدل على أنه لم يستأثر من مال الله بشئ دونهم وإنما قال: \"أنا قاسم\" (^١).\nقوله: \"ومن أعطيته عن مسألة، وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع\" فقيل هو الذي به داء لا يشبع بسببه، وقيل الشره هو الحرص وتقدم ذكره.\nوقوله: \"كان الذي يأكل ولا يشبع\" هو الذي أبه داء لا يشبع بسببه أي كمن به الجوع الكاذب وقد يسمى بجوع الكلب كلما ازداد أكلا ازداد جوعا وقيل يحتمل أن المراد ال] تشبيه (بالبهيمة) الراعية (^٢) (وتقدم) قريبًا في حديث حكيم بن حزام في السؤال.\n\n١٢٤٤ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا تلحفوا فِي الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ من يسْتَخْرج منا شَيْئا بهَا لم يُبَارك لَهُ فِيهِ، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\nقوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر قوله: - ﷺ - \"لا تلحفوا في المسألة\" معناه لا تبالغوا في السؤال يقال: ألحف في المسألة يلحف إلحافًا إذا ألح فيها ولزمها قاله في النهاية (^٤) وتقدم معناه مبسوطًا في حديث معاوية.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٣٨).\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٦)، والكواكب الدراري (٢٢/ ٢٠٨).\n(^٣) أبو يعلى (٥٦٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٥)، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٤).\n(^٤) النهاية (٤/ ٢٣٧).","vol":"5","page":284},{"text":"١٢٤٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الرجل يأتيني فيسألني فَأعْطِيه فَينْطَلق وَمَا يحمل فِي حضنه إِلَا النَّار رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على جابر.\nقوله: - ﷺ - \"إن الرجل يأتيني فيسألني فأعطيه فينطلق وما يحمل في حضنه إلا النار\" والمعنى أنه يحمل ما يجر إلى النار فكأنه نار في الحقيقة.\n\n١٢٤٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -. قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله - ﷺ - يقسم ذَهَبا إِذْ أَتَاهُ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أَعْطِنِي فَأعْطَاهُ ثمَّ قَالَ زِدْنِي فزاده ثَلَاث مَرَّات ثمَّ ولى مُدبرا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - يأتيني الرجل فيسألني فَأعْطِيه ثمَّ يسألني فَأعْطِيه ثَلَاث مَرَّات ثمَّ ولى مُدبرا وَقد جعل فِي ثَوْبه نَارا إِذا انْقَلب إِلَى أَهله، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.\nقوله: بينما رسول الله - ﷺ - يقسم ذهبًا إذا أتاه رجل فقال: يا رسول الله أعطني فأعطاه ثم قال: زدني فزاده ثلاث مرات تقدم معناه في حديث حكيم بن حزام في قصة العباس.\n_________\n(^١) ابن حبان (٣٣٩٢)، وعبد الله بن حميد (١١١٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٥).\n(^٢) ابن حبان (٣٢٦٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٦).","vol":"5","page":285},{"text":"١٢٤٧ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - أَنه دخل على النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله رَأَيْت فلَانا يشْكر يذكر أَنَّك أَعْطيته دينار بن فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَكِن فلَانا قد أَعْطيته مَا بَين الْعشْرَة إِلَى الْمِائَة فَمَا شكره وَمَا يَقُوله إِن أحدكُم ليخرج من عِنْدِي بحاجته متأبطها وَمَا هِيَ إِلَّا النَّار، قَالَ قلت يَا رَسُول الله لم تعطهم قَالَ يأبون إِلَا أَن يَسْألُونِي ويأبى الله لي الْبُخْل رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nوَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلىَ من حَدِيث أبي سعيد وَتقدم.\nمتأبطها أَي جاعلها تَحت إبطه.\nقوله: وعن عمر بن الخطاب وختم الله تعالى لعمر بالشهادة وكان يسألها فطعنه العلج أبو لؤلؤة وهو قائم في صلاة الصبح حين أحرم بالصلاة طعنه بسكين مسموم ذات طرفين فضربه في كتفه وخاصرته وقيل ضربه ست ضربات فقال الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام وطعن العلج مع عمر ثلاثة عشر رجلا توفي منهم سبعة وعاش الباقون فطرح عليه رجل مسلم برنسًا فلما أحس العلج أنه مقتول قتل نفسه وشرب عمر لبنًا فخرج من جرحه فعلم هو والناس أنه لا يعيش فأشاروا عليه بالوصية فجعل الخلافة شورى بين عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وقال: [لا أعلم أحدا] أحق بها من هؤلاء الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض، وقال: يؤمر المسلمون أحد\n_________\n(^١) ابن حبان (٣٤١٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٧).","vol":"5","page":286},{"text":"هؤلاء الستة (^١).\nقوله: توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض، تقدم، وقوله عمر تقدم الكلام على عمر بن الخطاب مبسوطًا.\nقوله: - ﷺ - \"إن أحدكم ليخرج من عندي بحاجته متأبطها وما هي إلا النار\" قد فسر الحافظ (^٢) ﵀ متأبطها فقال: جاعلها تخط إبطه.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٣).\n(^٢) أي المنذري.","vol":"5","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>ترغيب من جَاءَهُ شَيْء من غير مَسْأَلَة وَلَا إشراف نفس فِي قبُوله سِيمَا إِن كَانَ مُحْتَاجا وَالنَّهْي عَن رده وَإِن كَانَ غَنِيا عَنهُ</span>\n١٢٤٨ - عَن ابْن عمر - ﵄ -. قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يعطيني الْعَطاء فَأَقُول أعْطه من هُوَ إِلَيْهِ أفقر مني قَالَ فَقَالَ خُذْهُ إِذا جَاءَك من هَذَا المَال شَيْء وَأَنت غير مشرف وَلا سَائل فَخذه فتموله فَإِن شِئْت كُله وَإِن شِئْت تصدق بِهِ وَمَا لَا فَلَا تتبعه نَفسك قَالَ سَالم بن عبد الله فلأجل ذَلِك كَانَ عبد الله لَا يسْأَل أحدا شَيْئا وَلَا يرد شَيْئا أعْطِيه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: أن ابن عمر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يعطيني العطاء فأقول أعطه من هو أفقر إليه مني قال: فقال: خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل وفي هذا الحديث وما قبله وما بعده الحث على التعفف والقناعة والرضى بما تيسر في عفاف وإن كان قليلا والإجمال في الكسب وأنه لا يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف ونحوه فإنه لا يبارك فيه وهو قريب من قول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (١٤٧٣)، ومسلم (١٠٤٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٦).","vol":"5","page":288},{"text":"المشرف بالشين المعجمة والمشرف إلى شيء هو المتطلع إليه الحريص عليه (^١) وإشراف النفس هو تطلعها وطمعها بالشيء يقال: أشرفت النفس الشيء وأشرفت الشئ أي علوته وأشرفت عليه اطلعت عليه من فوق (^٢) أراد ما جاءك منه وأنت غير متطلع إليه ولا طامع فيه (^٣) وسخاوة النفس هو عدم الإشراف إلى الشيء والطمع فيه والمبالاة به (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"فخذه فتموله\" يقال: تمول الرجل إذا صار ذا مال وقال: صاحب المغيث (^٥) فتموله أي اتخذه مالا وقد مولته أنا ويقال: مال يمال ويمول إذا كثر ماله فهو مائل ومال [: أي ذو مال] (^٦).\nقوله - ﷺ -: \"وَمَا لَا فَلَا تتبعه نَفسك\" أي ما لا يكون كذلك بأن لا تتبعه نفسك، وتميل نفسك إليه فلا تتبعه نفسك معناه ما لا يوجد فيه هذه الشروط فلا تعلق النفس به ولا تأخذه وقال: غيره وما أشرفت إليه نفسك وامتدت إليه فلا تتبعه نفسك أي لا تأخذه قاله: النووي (^٧) واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب على ثلاثة مذاهب (^٨) حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤).\n(^٢) قاله الفراء كما في تهذيب اللغة (١١/ ٢٣٥) وانظر شرح السنة (٦/ ١٢٨) والنهاية (٢/ ٤٦٢).\n(^٣) شرح السنة (٦/ ١٢٨)، والنهاية (٢/ ٤٦٢).\n(^٤) رياض الصالحين (ص ١٨١).\n(^٥) هو محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني أبو موسى (المتوفى: ٥٨١ هـ).\n(^٦) المجموع المغيث (٣/ ٢٤٢).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤).\n(^٨) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"5","page":289},{"text":"وآخرون قال: النووي (^١) الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحب في غير عطية السلطان وأما عطية السلطان فحرمها قوم فأما من حمله على عطية السلطان وأنها مندوب إليها فإنما يصح ذلك إذا كانت أموالهم كما كان أموال سلاطين السلف مأخوذة من وجهها غير ممنوعة من مستحقها فأما اليوم فالأخذ إما حرام أو مكروه (^٢) ا. هـ.\nوأباحها قوم وكرهها قوم والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت وكذا إن أعطي شخصًا ما لا يستحقه، وإن لم يغلبه الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ وقالت طائفة الأخذ واجب من السلطان وغيره وقال: آخرون هو مندوب في عطية السلطان دون غيره (^٣) وأنَّ (رد عطاء) الإمام ليس من الأدب وقال: الطبري قال: بعضهم ندب النبي - ﷺ - إلى قبول العطية سواء كان المعطي سلطانًا أو عاميًا صالحًا أو فاسقًا إلا ما علم يقينًا أنه حرام وهو الصواب وقال عثمان - ﵁ -: جوائز السلطان لحم ظبي ذكي، وقال: عكرمة لا تقبل إلا من الأمراء وقيل ما كان من مأثم فهو عليهم وما كان من مهنا فهو لنا (^٤) انتهى.\nوفي هذا الحديث منقبة لعمر وبيان لفضله وزهده وإيثاره (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٢) المفهم (٩/ ٥٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٤) الكراكب الدراري (٨/ ١٨ - ١٩).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤).","vol":"5","page":290},{"text":"قال: سالم بن عبد الله \"فلأجل ذلك كان عبد الله بن عمر لايسأل أحدا شيئًا ولا يرد شيئًا أعطيه\"، وفي هذا الحديث ما كان عليه ابن عمر من شدة الإتباع للسنة والوقوف عندها حتى روي أنه قيل له إن رسول الله - ﷺ - جلس تحت هذه الشجرة فقام حتى جلس تحتها وسقاها ماء وأراد بذلك إتباعًا وقالت عائشة - ﵂ - \"إن ابن عمر ألزمهم للأمر الأول يعني ما كان عليه رسول الله - ﷺ -\" (^١).\nوروى الحاكم (^٢) بإسناده في المستدرك عن مالك بن أنس أن ابن شهاب الزهري قال: له عليك برأي ابن عمر فإنه عاش بعد رسول الله - ﷺ - ستين سنة ولم يغب عليه شيء من أمر رسول الله - ﷺ - ولا أصحابه وأراد بقوله أنه كان شديد الاتباع للسنة وملازمًا لها بحيث كانت متيسرة عليه غير متعذرة وروى الحاكم (^٣) في المستدرك أيضًا عن محمد بن الحنفية - ﵁ -: قال: إن ابن عمر خير هذه الأمة وعن زين العابدين علي بن الحسين ﵈ قال: أزهد القوم وأصوبهم رأيًا عبد الله بن عمر (^٤) وعن نافع قال: دخل ابن عمر الكعبة فجعل يقول في سجوده وقد تعلم أنه لا يمنعني من مزاحمة قريش على الدنيا إلا خوفك (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) المستدرك (٣/ ٥٥٩).\n(^٢) المستدرك (٣/ ٥٥٩).\n(^٣) المستدرك (٣/ ٥٦٠).\n(^٤) المستدرك (٣/ ٥٦٠).\n(^٥) المستدرك (٣/ ٥٦٠).","vol":"5","page":291},{"text":"١٢٤٩ - وَعَن عَطاء بن يسَار - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - أرسل إِلَى عمر بن الْخطاب - ﵁ -. بعطاء فَرده عمر فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ - لم رَددته فَقَالَ يَا رَسُول الله أَلَيْسَ أخبرتنا أَن خيرا لأحدنا أَن لَا يَأْخُذ من أحد شَيْئا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِنَّمَا ذَلِك عَن الْمَسْأَلَة فَأَما مَا كَانَ عَن غير مَسْأَلَة فَإِنَّمَا هُوَ رزق يرزقكه الله فَقَالَ عمر - ﵁ -: أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أسأَل أحدا شَيْئا وَلَا يأتيني شَيْء من غير مَسْأَلَة إِلَّا أَخَذته، رَوَاهُ مَالك هَكَذَا مُرْسلا (^١).\nرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت عمر بن الْخطاب - ﵁ - يَقُول فَذكر بِنَحْوِهِ (^٢).\nقوله: وعن عطاء بن يسار بالمثاناة التحتانية والسين المهملة هو أبو محمد المدني الهلالي مولى ميمونة أم المؤمنين ﵂.\nقوله: إن رسول الله - ﷺ - أرسل إلى عمر بعطاء فرده عمر فقال له رسول الله - ﷺ -: لم رددته، فقال: يا رسول الله أليس أخبرتنا إن خيرًا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئًا فذكر الحديث إلى أن قال: \"فإنما رزق يرزقكه الله\" فقال عمر: أما والذي نفسي بيده لا أسأل أحدًا شيئًا ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا أخذته الحديث.\n(وفي حديث) آخر لبعض الرواة لا ترد على الله رزقه وهذا كله مركب ومبني على ما أجمعوا عليه وهو الحق فمن عرف الشيء المحرم بعينه لا\n_________\n(^١) مالك في الموطأ (٢٨٥٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٩).\n(^٢) البيهقي (٦/ ١٨٤)، وعبد بن حميد (٤٢).","vol":"5","page":292},{"text":"يحل له أخذه (^١) وقد أشار الخطابي في المعالم (^٢) في شرح حديث النعمان بن بشير إلى شيء من هذا فقال: ويدخل في هذا الباب معاملة من في ماله شبهة أو خالطه ربا فإن الاختيار تركها إلى غيرها وليس ذلك محرم عليك مالم يتيقن أن عينه حرام ومخرجه حرام فقد رهن النبي - ﷺ - درعه عند يهود على (صاع) من شعير أخذها لقوت (عياله) ومعلوم أنهم يربون في تجاراتهم ويستحلون أثمان الخمور ووصفهم الله تعالى بأنهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (^٣) فلا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحرم ما أحل الله من غير علم ولا بصيرة والله أعلم.\n\n١٢٥٠ - وَعَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب أَن عبد الله بن عَامر بعث إِلَى عَائِشَة - ﵄ - بِنَفَقَة وَكِسْوَة فَقَالَت للرسول أَي بني لَا أقبل من أحد شَيْئا فَلَمَّا خرج الرَّسُول قَالَت ردُّوهُ عَليّ فَردُّوهُ قَالَت إِنِّي ذكرت شَيْئا قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - يَا عَائِشَة من أَعْطَاك عَطاء من غير مَسْأَلَة فاقبليه فَإِنَّمَا هُوَ رزق عرضه الله إِلَيْك، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ (^٤). ورواة أَحْمد ثِقَات لَكِن قد قَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ مُحَمَّد يَعْنِي البُخَارِيّ لَا أعرف للمطلب بن عبد الله سَمَاعا من\n_________\n(^١) جامع المسائل (ص ٣١٢/ المجموعة الثالثة) لابن تيمية.\n(^٢) معالم السنن (٣/ ٥٨).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٤٢.\n(^٤) أحمد (٢٦٢٣٣)، والبيهقي في السنن (٦/ ١٨٤)، وفي شعب الإيمان (٣٥٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠٠)، رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن المطلب بن عبد الله مدلس واختلف في سماعه من عائشة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٩٥).","vol":"5","page":293},{"text":"أحد من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - إِلَّا قَوْله حَدثنِي من شهد خطْبَة النَّبِي - ﷺ - وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن يَقُول لَا نَعْرِف للمطلب سَمَاعا من أحد من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ -.\nقَالَ المملي - ﵁ - قد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَأما عَائِشَة فَقَالَ أَبُو حَاتِم الْمطلب لم يدْرك عَائِشَة وَقَالَ أَبُو زرْعَة ثِقَة أَرْجُو أَن يكون سمع من عَائِشَة فَإِن كَانَ الْمطلب سمع من عَائِشَة فالإسناد مُتَّصِل وَإِلَّا فالرسول إِلَيْهَا لم يسم وَالله أعلم.\nقوله: وعن المطلب بن عبد الله بن حنظب أن عبد الله بن عامر بن ربيعة بن مالك بن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ سَلَامَانَ حليف الخطاب والد عمر ولد عبد الله هذا زمن النبي - ﷺ - وتوفي النبي - ﷺ - وله أربع سنين وقيل خمس وكان أبوه عامر من كبار الصحابة وقد روى البخاري ومسلم لعبد الله بن عامر هذا عن أبيه توفي سنة خمس وثمانين والله أعلم (^١).\nقوله: - ﷺ - \"يا عابث ما أعطاك من غير مسألة فاقبليه فإنما هو رزق عرضه الله إليك\" أي بغير سؤال.\n\n١٢٥١ - وَعَن عمر بن الخطاب - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله قد قلت لي إِن خيرا لَك أَن لَا تسْأَل أحدا من النَّاس شَيْئا، قَالَ إِنَّمَا ذَاك أَن تسْأَل وَمَا آتاك الله من غير مَسْأَلَة فَإِنَّمَا هُوَ رزق رزقكه الله رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤ الترجمة ٣١١).\n(^٢) أبو يعلى (١٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠٠)، رواه أبو يعلى ورجاله موثقون، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٠).","vol":"5","page":294},{"text":"قوله: وعن واثلة بن الخطاب (^١) سأل قاضي القضاة شيخ الإسلام العسقلاني الشهير بابن حجر، عن واصل هذا فلم يعرفه وقال: ليس في أولاد الخطاب والد عمر من اسمه واصل فهو دائر بين أمرين أما أن يكون صحابيًا غير مشهور أو غلط فيه الناسخ فصحفه والله أعلم، والظاهر أنه تصحيف [من الرواة] فقد قال (^٢): في كتابه الذي ألفه في ذكر الصحابة - ﵃ - (واثلة) ابن الخطاب القرشي العدوي من القريش قال: أبو الحسين الرازى [والد تمام:] صحابي من رهط [عمر، وذكره يحيى بن يونس الشيرازي، وجعفر المستغفري، وأوردا من طريق ابن [عياش] عن مجاهد بن فرقد [الصنعانى] عن واثلة بن الخطاب القرشي (قال) دخل رجل المسجد [فلما رآه] النبي - ﷺ - تزحزح فقال: يا رسول الله إن (في الْمَسْجِدِ قَاعِدٌ) فقال إن \"للمسلم على المسلم إذا راءاه أن يتزحزح له\" (^٣) وأخرجه أبو بكر بن [بن أبي علي] في الصحابة [وأورد] حديثه [من طريق قتيبة بن مهران، عن إسماعيل] فقال: عن مجاهد [بن فرقد] عن واثلة بن الخطاب [قال أبو موسى: وأظنه، صحفه وذكر في [التجريد] واصلة [بن حباب القرشى إنما هو] واثلة بن [الخطاب] من رهط عمر له صحبة سكن دمشق له حديث تفرد به عنه مجاهد بن فرقد شيخ للفريابى ثم قال: بعد واصلة بن حبان القرشي\n_________\n(^١) صحف في الأصل \"واصلة\".\n(^٢) الإصابة (٦/ ٤٦٢ - ٤٦٣ ترجمة ٩١٠٧).\n(^٣) شعب الإيمان (٨٥٣٤) قال في المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (٢/ ٥١٤) فيه إسماعيل بن عياش، قال الذهبي: مختلف فيه وليس بقوي، ومجاهد بن فرقد قال في اللسان: حديثة منكر تكلم فيه وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٩٦٧).","vol":"5","page":295},{"text":"إنما هو واثلة بن الخطاب صحفه بعضهم فإن صاحبه هو مجاهد [بن فرقد المذكور] والمتن واحد (^١) ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"أتاك الله من غير مسألة فإنما هو رزق رزقك الله\" الحديث.\n\n١٢٥٢ - وَعَن خَالِد بن عَليّ الْجُهَنِيّ - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من بلغه عَن أَخِيه مَعْرُوف من غير مَسْألة وَلا إشراف نفس فليقبله وَلا يردهُ فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله ﷿ إِلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإسْنَاد (^٢).\n\n١٢٥٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من آتَاهُ الله شَيْئا من هَذَا المَال من غير أَن يسْأَله فليقبله فَإنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْهِ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\nقوله: وعن خالد بن عدي الجهني هو خالد بن عدي الجهني يعد في أهل المدينة وَكَانَ ينزل الْأَشْعر عده ابن عبد البر في الصحابة (^٤) وكذلك الذهبي\n_________\n(^١) تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٢٥ ترجمة ١٤٢٦ و١٤٣٤).\n(^٢) أحمد (١٧٩٣٦)، وأبو يعلى (٩٢١)، والطبراني في الكبير (٤١٢٤)، وابن حبان (٣٤٠٤)، والحاكم (٢/ ٦٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠٠)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، إلا أنهما قالا: من بلغه معروف من أخيه، وقال أحمد: عن أخيه، ورجال أحمد رجال الصحيح، قلت: وهي كذلك عند ابن حبان والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤١).\n(^٣) أحمد (٧٩٢١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠١)، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٢).\n(^٤) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٤٣٦).","vol":"5","page":296},{"text":"روى عنه بسر بن سعيد ذكره ابن حبان في ثقاته (^١) وخرج حديثه هذا.\nقوله - ﷺ -: \"من بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه\" وتقدم معنى الإشراف أنه التطلع يقال: أشرفت الشيء علوته وأشرفت عليه اطلعت [عليه من فوق] والمراد ولا تطلع عليه ولا طمع فيه فقوله: \"من أخيه\" لا مفهوم له فإنه خرج مخرج الغالب (^٢).\nقوله: \"فإنما هو رزق ساق الله إليه\" قد يستدل به المعتزلة على أن الرزق هو الحلال دون الحرام، وجوابه أن القرينة خصصته هنا ولأهل السنة على المسألة أدلة [كثيرة] وأصول [السنة تدل على] أنه يطلق على الحلال والحرام.\nقوله: \"فليقبله فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْهِ\" الصحيح أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وسواء في هذا [الهبة] والهدية والصدقة.\nوتقدم من تحل له الصدقة والهدية والهبة ولذلك لا يجوز قبول هدايا المشركين للنهي عنه وهو محمول على المحاربين لأنه ﵊ قبل هدية أهل الكتاب كالنجاشي وأكيدر دومة والمقوقس وأما هدية كسرى وقبولها ولم يكن كتابيًا ففي حديثه مقال: وقد رد - ﵇ - على عياض بن حمار كما رواه أهل السير هديته لكونه غير كتابي وقال فيه: \"نهيت عن زبد المشركين\" (^٣) وقد\n_________\n(^١) ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٢٠٨) أسد الغابة ت (١٣٧٧)، الاستيعاب ت (٦٤٠). الثقات (٣/ ١٠٥)، الطبقات (١٢١)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٥٢) التحفة اللطيفة (٢/ ١٣)، ذيل الكاشف (٣٧٢).\n(^٢) بياض في الأصل بمقدار سطر ونصف.\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٩/ ٣٠) الطيالسي (١٠٨٢)، وابن زنجويه (٩٦٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٥٦٧) و(٢٥٦٨)، والطبراني في الأوسط (٧٦١٦)، والبيهقي في السنن =","vol":"5","page":297},{"text":"قيل أن ذلك منسوخ بقبوله ممن ذكرناه واستشكله المنذري لجهل التاريخ ولأن الجمع ممكن بما تقدم، وقيل بل أراد غيظه برد هديته لعله يسلم، وقيل إنما ردها سدًا للذريعة عن والله أعلم.\nقوله: \"رزق ساقه الله إليه\" فيه عدم الإلتفات إلى الأسباب فإنه إن كان على يد شخص أو بتسببه فإن الله هو المعطي واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أو يندب على ثلاثة مذاهب وتقدم ذلك وليس هذا الحديث على ظاهره وإطلاقه كما ظنه بعض الفقراء الجهال الذين يهجمون على ما عَنّ لهم من الأموال فإن الشيء إذا كان حراما لا يجوز قبوله ويجب رده وذلك بأن يكون من سلطان ظالم متحقق ظلمه أو متحرف حرفة محرمة كالطبال والزمار والخمار والمكاس والعشار والمغنيين والنوائح إلى غير ذلك لأنه حرام محض بإجماع (^١) قال أبو عمر بن عبد البر (^٢) ومن المكاسب المجمع على تحريمها الربا ومهور البغي والسحت والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغنا وعلى الكهانة وادعاء أخبار السماء وعلى الزمر واللعب والباطل كله ومن الكسب الحرام المجمع عليه أيضًا الغصب والسرقة وكل ما لا تطيب به نفس مالكه من مال مسلم أو ذمي وفي قبوله من الظالم عون له على المظالم ولأنه لا يأمن أن يحبه قلبه فيعصي الله تعالى بمحبته إياه على ظلمه ولهذا قال: - ﵇ - \"جبلت القلوب على حب من أحسن\n_________\n= ٩/ ٢١٦ قال الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٤/ ١٥٢) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه الصلت بن عبد الرحمن الزبيدي، وهو ضعيف.\n(^١) قمع الحرص (ص ٦٥).\n(^٢) قمع الحرص (ص ٦٥ - ٦٧).","vol":"5","page":298},{"text":"إليها وبغض من أساء إليها\" (^١) ولأن في قبوله من الظالم والفاسق تقليل فتنتهم وقال: - ﵇ - \"اللهم لا تجعل لفاجر عندي منة فيحبه قلبي\" (^٢) ولأنه إذا قبل من الظالم والفاسق دعاه قبوله إلى الدعاء لهم قال: سفيان الثوري من أخذ من ظالم ذرعًا أو مالا أو سلاحًا فغزى به في سبيل الله لعن بكل قدم يرفعه ويضعه حتى يرجع.\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف وقال أيضًا: من دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله ﷿ قالوا ومن حكم الفقير أن لايقبل إلا ممن يعلم حاله الكرم ولا يكون منانًا فإن آفة ذلك أعظم وأنشدوا في ذلك المعنى:\nإذا تكرمت لا تمنن به أبدا ... لا خير في كرم من عند منان\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٣): فهذا حكم الفقراء في أخذ النوال وقد انعكس الحال في هذه الآثار فتراهم، ومن يظن بهم العلم يلحقون وإلى الظلمة والفساق يترددون وعندهم يأكلون، ومنهم يقبلون: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (^٤) وبئس ما يتناولون: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (^٥) وهم\n_________\n(^١) أخرجه أمثال الحديث لأبي الشيخ الأصبهاني (ص: ١٩٥) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٤/ ١٢١) مسند الشهاب القضاعي (٥٩٩) شعب الإيمان (٨٥٧٣) ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٦٢٥).\n(^٢) أخرجه موقوفًا على ابن المبارك اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (برقم ٢٧٥).\n(^٣) قمع الحرص (ص ٦٧).\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ١٣٦.\n(^٥) سورة الكهف، الآية: ١٠٤.","vol":"5","page":299},{"text":"الأخسرون: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (^١) أ. هـ.\n\n١٢٥٤ - وَعَن عَابِد بن عَمْرو - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من عرض لَهُ من هَذَا الرزق شَيْء من غير مَسْألة وَلا إشراف نفس فليتوسع بهِ فِي رزقه فَإِن كَانَ غَنِيا فليوجهه إِلَى من هُوَ أحْوج إِلَيْهِ مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَإسْنَاد أَحْمد جيد قوي قَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ سَأَلت أبي مَا الاستشراف قَالَ تَقول فِي نَفسك سيبعث إِلَيّ فلَان سيصلني فلَان (^٢).\nقوله: وعن عائذ بن عمرو - ﵁ -: [هو عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد بن رواحة بن زبينة بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزني، يكنى أبا هبيرة، ويقال لولد عثمان وأوس ابني عمرو: مزينة، نسبا إلى أمهما.\nوكان مما بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة، سكن البصرة، وابتنى بها دارا، وتوفي في إمارة عبيد الله بن زياد، أيام يزيد بن معاوية، وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، لئلا يصلي عليه ابن زياد.\nقوله - ﷺ -: \"من عرض له من هذا الرزق شيء من غير مسألة ولا إشراف نفس فليتوسع به في رزقه\" الحديث، وإشراف النفس قد فسر في هذا الحديث\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ٤.\n(^٢) أحمد (٢٠٦٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠١)، رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٣).","vol":"5","page":300},{"text":"عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال [قلت لأبي:] ما الإشراف [قال: أن يقول:] سيبعث إليّ فلان سيصلني فلان، [فهذا إن شاء الله رده] (^١) أ. هـ.\n\n١٢٥٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا الْمُعْطِي من سَعَة بِأَفْضَل من الْآخِذ إِذا كَانَ مُحْتَاجا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\n\n١٢٥٦ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قًالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - مَا الَّذِي يُعْطي بسعة بأعظم أجرا من الَّذِي يقبل إِذا كَانَ مُحْتَاجا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَابْن حبَان فِي الضُّعَفَاء (^٣).\nقوله: وروي عن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجا\".\n_________\n(^١) مسائل عبد الله (١١٦٤).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٣٥٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠١): وفيه مصعب بن سعيد، وهو ضعيف، قلت: قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف، وقال صالح جزرة: شيخ ضرير لا يدري ما يقول، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠١٧).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٨٢٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠١)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه عائذ بن شريح، وهو ضعيف، قلت: قال ابن حبان: كان قليل الحديث، ممن يخطئ على قلته، حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأس، وقال ابن طاهر: وعائذ هذا ليس بشيء في الحديث، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠١٦).","vol":"5","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>ترهيب السائل أن يسأل بوجه الله غير الجنة وترهيب المسؤول بوجه الله أن يمنع</span>\n١٢٥٧ - عَن أبي مُوسَى الْأشْعَرِيّ - ﵁ -: أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَلْعُون من سَأل بِوَجْه الله وملعون من سُئِلَ بِوَجْه الله ثمَّ منع سائله مَا لم يسْأَل هجرا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا شَيْخه يحيى بن عُثْمَان بن صَالح وَهُوَ ثِقَة وَفِيه كَلَام (^١).\nهجرا بِضَم الْهَاء وَسُكُون الْجِيم أَي مَا لم يسْأَل أمرا قبيحا لَا يَلِيق وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ مَا لم يسْأَل سؤالا قبيحا بِكَلَام قَبِيح.\nقوله: عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي موسى.\nقوله - ﷺ -: \"ملعون من سأل بوجه الله\" غير الجنة \"وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله\" الحديث، أما الحديث الذي جاء في أنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة (^٢) ولعن من فعل غير ذلك فلعله في جانب طلب تحصيل الشيء\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (٣/ ١٠٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق، (٢٦/ ٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن، على ضعف في بعض مع توثيق. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٦٧١)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٢٤١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٦١) والكبرى (٤/ ٣٣٣ رقم ٧٨٨٩) والشعب (٥/ ١٧٢ رقم ٣٢٥٩) بلفظ لا يسأل بوجه الله إلا الجنة. قال ابن عدى: وهذا الحديث لا أعرفه عن محمد بن المنكدر إلا من رواية سليمان بن قرم وعن سليمان يعقوب بن إسحاق الحضرمي وعن =","vol":"5","page":302},{"text":"ولعل ذكر الجنة في الحديث إنما هو للتنبيه به على الأمور العظام ولم يرد تخصيصها بذلك وإنما أريد النهي عن سؤال المخلوقين بذلك وكذا عن سؤال الله تعالى بوجهه في الأمور الهينة أما طلب الأمور العظام تحصيلا ودفعا فلم يتناوله دفع نهي والله أعلم (^١).\nاعلم أن المنع قد يكون حراما كما إذا كان السائل مضطرا أو محتاجا أو طالبا من الزكاة، وقد يكون مكروها كما إذا كان الفقير لا يعلم حاله والمسئول قادر، وقد يكون المنع واجبا كما إذا سأل شيئا لا يجوز إعطاؤه إليه، وقد يكون مستحبا ومثله بعض العلماء ربما إذا كان يسأل بوجه الله تعالى فإنه لا ينبغي أن يعطى شيئا ليترك السؤال بذلك.\nقال النووي (^٢): يكره السؤال بوجه الله تعالى ويكره للمسؤول رد السائل، وفي الحديث \"أشقى الناس من سأل باللّه فلم يعط\" (^٣) أ. هـ، والله أعلم.\nوتكرر ذكر وجه الله تعالى في الكتاب والسنة وللعلماء في ذلك كغيره من\n_________\n= يعقوب أحمد بن عمرو العصفري. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٢٩٨) وضعيف الترغيب (٥٠٦)، والمشكاة (١٩٤٤).\n(^١) طرح التثريب (٣/ ١١٢).\n(^٢) الأذكار (ص ٥٨٦)، والمجموع (٦/ ٢٤٥).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٦٥٢)، والبزار (٥٢٨٨)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٦٨ (٢٥٨٨) والكبرى (٢٥٥٥)، وابن حبان (٦٠٤ و٦٠٥) عن ابن عباس بلفظ: وأخبركم بشر الناس؟ قلنا: نعم يا رسول الله، قال: الذي يسأل بالله ﷿، ولا يعطي به. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٥)، وصحيح الترغيب (٨٥٤) و(١٢٩٨) و(٢٧٣٧).","vol":"5","page":303},{"text":"الصفات مذهبان مشهوران، أحدهما: إمرارها كما جاءت من غير كيف فنؤمن بها ونكل علمها إلى عالمه مع الجزم بأن الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) وأن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، وثانيهما: تأويلها على ما يليق بذاته الكريمة أ. هـ.\nوقال بعضهم: المراد بوجه الله أي لذات الله أو لجهة رضي الله تعالى (^٢).\nتنبيه: قوله - ﷺ -: \"ملعون من سأل بوجه الله غير الجنة\" (^٣) عده ابن النحاس\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(^٢) الكواكب الدراري (١١/ ٨١)، وعمدة القارى (١٣/ ٨٧). قلنا: هذا تأويل لصفة الوجه الذي يثبته السلف ويثبتون حقيقته قال ابن خزيمة في التوحيد (١ - ٢٦): فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر ذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين.\nوقال البيهقي في الاعتقاد (ص/ ٨٩) حيث قال وهذه صفات طريق إثباتها السمع، فَنُثْيِتُها لورود خير الصادق بها، ولا نكيفها قال الله ﵎: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فأضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: ذو الجلال والإكرام ولو كان ذكر الوجه، ولم يكن للذات صفة لقال: ذي الجلال والإكرام. فلما قال: ذو الجلال والإكرام علمنا أنه نعت للوجه، وهو صفة للذات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: في هاتين الآيتين الكريمتين إثبات الوجه لله - تعالى -، وثبوت الوجه، والصورة لله قد جاء في نصوص كثيرة من الكتاب، والسنة، واتفق على ذلك سلف الأمة. وهو من الصفات الخبرية السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع درء تعارض العقل والنقل (٩/ ١٦).\n(^٣) أخرجه الرويانى (٤٩٥)، والطبراني في الدعاء (٢١١٢) عن أبي موسى. =","vol":"5","page":304},{"text":"في كتابه التنبيه من الصغائر أن يسأل بوجه الله غير الجنة، وقد جاء الوعيد في ذلك في عدة أحاديث فإن بلغ هذا الإسناد أو إسناد غير مبلغه يحتج به كان ذلك من الكبائر (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ - في الحديث: \"ما لم يسأل هجرًا\" قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي: ما لم يسأل أمرا قبيحا، ويحتمل أنه أراد ما لم يسأل سؤال قبيحا بكلام قبيح أ. هـ.\n\n١٢٥٨ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من استعاذ بِالله فأعيذوه وَمن سَأل بِالله فَأَعْطوهُ وَمن دعَاكُمْ فأجيبوه وَمن صنع إِلَيْكُم مَعْرُوفا فكافئوه فَإِن لم تَجدوا مَا تكافئوه فَادعوا لَهُ حَتَّى تروا أَنكُمْ قد كافأتموه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^٢).\n_________\n= قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٣: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن على ضعف في بعضه مع توثيق. وقال في ١٠/ ١٥٣: رواه الطبراني عن شيخه: يحيى بن عثمان بن صالح، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٧٧ رقم ٩٤٣) وأبو نعيم في المعرفة (٦٩٠١) عن أبي عبيد، مولى رفاعة بن رافع. قال أبو زرعة كما في الجرح والتعديل (٩/ ٤٤٨): أبو معقل لا يسمى وأبو عبيد ليست له صحبة. قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٣: رواه الطبراني في الكبير، وفيه من لم أعرفه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٢٩٠) وصحيح الترغيب (٨٥١).\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣٣٧).\n(^٢) أبو داود (١٦٧٢)، والنسائي في الكبرى (٢٣٤٨)، وابن حبان (٣٤٠٨)، والحاكم =","vol":"5","page":305},{"text":"قوله: وعن جابر، تقدم الكلام على جابر.\nقوله - ﷺ -: \"لا يسأل بوجه الله إلا الجنة\" (^١).\nقوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: - ﷺ - \"من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه\" الحديث في تسهيل المقاصد (^٢)، قال في فتاوى بعض الحنفية (^٣): أنه لا ينبغي أن يعطى لمن يسأل بوجه الله تعالى حتى يمتنع من السؤال وهذا يحتمل لأمرين أحدهما أن يكون معناه لا تسألوا من الناس شيئًا بوجه الله مثل أن يقول فلان أعطني شيئًا لوجه الله فإن اسم الله أعظم من أن يسأل به شيء من متاع الدنيا بل اسألوا به الجنة مثل أن يقولوا يا الله يا ربنا نسألك الجنة لوجهك الكريم.\nالثاني: معناه لا تسألوا الله شيئا من الدنيا، بل اسألوا الله الجنة ورضاه؛ فإن متاع الدنيا قليل (^٤)، والمراد بوجه الله أي بذات الله، لكن ورد في الحديث \"من سألكم بالله فأعطوه\".\n_________\n= (١/ ٤١٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١٦)، وأحمد (٥٣٦٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٥).\n(^١) مر تخريجه قريبا.\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٣١).\n(^٣) ذكره ابن العماد في تسهيل المقاصد (لوحة ٣١)، وينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ٢) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (٢/ ٢١٦).\n(^٤) انظر: المفاتيح (٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤)، وشرح المشكاة (٥/ ١٥٦٦ - ١٥٦٧).","vol":"5","page":306},{"text":"وقال النووي في الروضة (^١): في كتاب الإيمان ويكره السؤال بوجه الله ويكره لمن سأل بالله الرد وفي الحديث أشقى الناس من سأل بوجه الله فلم يعط أو فلم يعط كما تقدم. قال: الحليمى في شعب الإيمان ومن اضطر إلى السؤال فليجعل سؤاله في غير المساجد، وعن الحسن يرفعه قال: ينادي مناد يوم القيامة ليقم بغيض الله فيقوم سؤال المساجد، قال الحليمى (^٢): ولا يسأل بوجه الله تعالى ففي الحديث ألا أخبركم بشر الناس رجل يسأل بالله ولا يعطى به نعم إن كان المسئول ممن يعلم السائل إنه إذا سأل بالله اهتز لإعطاءه واغتنمه جاز له أن يسأله به وإن كان ممن يضجر به ولا يأمن أن يرده فحرام عليه المسألة بالله فقيل إنما يكره ذلك لأنه قد يضطر به من لا يريد الإعطاء إلى الإعطاء فيكون كأنه انتزعه منه كرهًا (^٣) ا. هـ والله أعلم.\n\n١٢٥٩ - وَرُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة مولى رِفَاعَة عَن رَافع - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَلْعُون من سَأل بِوَجْه الله وملعون من سُئِلَ بِوَجْه الله فَمنع سائله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٤).\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١١/ ٤).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ٣٦١).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٢).\n(^٤) الطبراني في الكبير (٩٤٣)، والدولابي في الكنى (٢٩٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٩٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٠٣)، رواه الطبراني في الكبير، وفيه من لم أعرفه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٦).","vol":"5","page":307},{"text":"١٢٦٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ أَلا أخْبركُم بشر النَّاس رجل يسْأَل بِالله وَلا يُعْطي، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي آخر حَدِيث يَأْتِي فِي الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\nقوله: وروى عن أبي عبيدة مولى رفاعة بن رافع (أبو عبيد مولى رفاعة بن رافع الزرقي ذكر في الصحابة، ولا يثبت قال أبو زرعة: وأبو عبيد ليست له صحبة (^٢).\nقوله: - ﷺ - \"ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سأل بوجه الله فمنع سائله\" الحديث تقدم الكلام عليه.\n\n١٢٦١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أخْبركُم بشر الْبَريَّة قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ الَّذِي يسْأَل بِالله وَلا يُعْطي رَوَاهُ أَحْمد (^٣).\nقوله: وروى عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بشر البرية\" قالوا: بلى يا رسول الله قال: \"الذي\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٥٢)، والنسائي (٥/ ٨٣)، وابن حبان (٦٠٥)، وأحمد (٢١١٦)، وجامع الأصول (٧١٨٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٧).\n(^٢) الجرح والتعديل (٩/ ٤٤٨)، وأسد الغابة (٦/ ٢٠٠ ترجمة ٦٠٨١).\n(^٣) أحمد (٩١٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩)، رواه أحمد، وأبو معشر نجيح ضعيف، وأبو وهب مولى أبو هريرة لم أعرفه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٤٨).","vol":"5","page":308},{"text":"يسأل بالله ولا يعطى\" البرية: الخلق ت تقول: براه الله يبروه بروا، أي خلقه، ويجمع على البرايا والبريات، من ال [برى] التراب، هذا إذا لم يهمز، ومن ذهب إلى أن أصله الهمزة أخذه من برأ الله الخلق يبرؤهم أي خلقهم قاله في النهاية (^١).\n\n١٢٦٢ - وَروِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ أَلا أحدثكُم عَن الْخضر قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ بَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم يمشي فِي سوق بني إِسْرَائِيل أبصره رجل مكَاتب فَقَالَ تصدق عَليّ بَارك الله فِيك فَقَالَ الْخضر آمَنت بِالله مَا شَاءَ الله من أَمر يكون مَا عِنْدِي شَيْء أعطيكه فَقَالَ الْمِسْكِين أَسأَلك بِوَجْه الله لما تَصَدَّقت عَليّ فَإِنِّي نظرت السماحة فِي وَجهك ورجوت الْبركَة عنْدك فَقَالَ الْخضر آمَنت بِالله مَا عِنْدِي شَيْء أعطيكه إِلَّا أَن تأخذني فتبيعني فَقَالَ الْمِسْكِين وَهل يَسْتَقِيم هَذَا قَالَ نعم أقول لقد سَأَلتنِي بِأَمْر عَظِيم أما إِنِّي لَا أخيبك بِوَجْه رَبِّي بِعني قَالَ فقدمه إِلَى السُّوق فَبَاعَهُ بأربعمائة دِرْهَم فَمَكثَ عِنْد المُشْتَرِي زَمَانا لَا يَسْتَعْمِلهُ فِي شَيْء فَقَالَ إِنَّمَا اشتريتني التمَاس خير عِنْدِي فأوصني بِعَمَل قَالَ أكره أَن أشق عَلَيْك إِنَّك شيخ كَبِير ضَعِيف قَالَ لَيْسَ يشق عَليّ قَالَ قُم فانقل هَذِه الْحِجَارَة وَكَانَ لا ينقلها دون سِتَّة نفر فِي يَوْم فَخرج الرجل لبَعض حَاجته ثمَّ انْصَرف وَقد نقل الْحِجَارَة فِي سَاعَة قَالَ أَحْسَنت وأجملت وأطقت مَا لم أرك تُطِيقهُ قَالَ ثمَّ عرض للرجل سفر فَقَالَ إِنِّي أحسبك أَمينا فَاخْلُفْنِي فِي أَهلِي وَمَالِي خلَافَة حَسَنَة قَالَ وأوصني\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٢٣) بمعناه.","vol":"5","page":309},{"text":"بِعَمَل قَالَ إِنِّي أكره أَن أشق عَلَيْك قَالَ لَيْسَ يشق عَليّ قَالَ فَاضْرب من اللَّبن لبيتي حَتَّى أقدم عَلَيْك قَالَ فَمر الرجل لسفره قَالَ فَرجع الرجل وَقد شيد بناءه قَالَ أَسأَلك بِوَجْه الله مَا سببك وَمَا أَمرك قَالَ سَأَلتنِي بِوَجْه الله وَوجه الله أوقعني فِي هَذِه الْعُبُودِيَّة فَقَالَ الْخضر سأخبرك من أَنا أَنا الْخضر الَّذِي سَمِعت بِهِ سَأَلَني مِسْكين صَدَقة فَلم يكن عِنْدِي شيْء أعْطِيه فسَألَنِي بِوَجْه الله فأمكنته من رقبتي فباعني وأخبرك أَنه من سُئِلَ بِوَجْه الله فَرد سائله وَهُوَ يقدر وقف يَوْم الْقِيَامَة جلدَة وَلَا لحم لَهُ يتقعقع فَقَالَ الرجل آمَنت بِالله شققت عَلَيْك يَا نَبِي الله وَلم أعلم قَالَ لا بَأْس أَحْسَنت وأتقنت فَقَالَ الرجل بِأبي أَنْت وَأمي يَا نَبِي الله احكم فِي أَهلِي بِمَا شِئْت أَو اختر فأخلي سَبِيلك قَالَ أحب أَن تخلي سبيلي فأعبد رَبِّي فخلى سَبيله فَقَالَ الْخضر الْحَمد لله الَّذِي أوثقني فِي الْعُبُودِيَّة ثمَّ نجاني مِنْهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير وَغير الطَّبَرَانِيّ وَحسن بعض مَشَايِخنَا إِسْنَاده وَفِيه بعد وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي.\nقوله: - ﷺ - \"ألا أحدثكم عن الخضر\" قالوا: بلى يا رسول الله، الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد ويجوز إسكان الضاد مع فتح الخاء وكسرها كما\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٧٥٣٠)، وابن عساكر في التاريخ (٦/ ٤١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢١٣)، ورجاله موثقون، إلا أن بقية مدلس، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، بعد عزو الحديث إلى أبي نعيم الأصبهاني: وهذا حديث رفعه خطأ، والأشبة أن يكون موقوفا، وفي رجاله من لا يعرف، فالله أعلم.","vol":"5","page":310},{"text":"في نظائره والخضر لقب وسبب تلقيبه بذلك ما جاء في صحيح البخاري في كتاب الأنبياء أنه - ﵇ - قال: إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء (^١) والفروة وجه الأرض اليابسة وقيل النبات المجتمع اليابس (^٢) والبيضاء الأرض الفارغة التي لا غرس فيها لأنها تكون بيضاء كذا في النهاية (^٣) واهتزاز النبات تحركه، وقيل سمي خضرًا لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله والصواب الأول (^٤) وكنيته أبو العباس واسمه بليا بباء موحدة مفتوحة ثم لام ساكنة ثم مثناه تحت بن ملكان بفتح الميم وإسكان اللام وقيل كليان وهو صاحب موسى - ﷺ - الذي سأل السبيل إلى لقيه وقد أثنى الله عليه في كتابه بقوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ (^٥) وأخبر الله في باقي الآيات بتلك الأعجوبات وموسى الذي صحبه هو موسى بنى إسرائيل وقد اختلف الناس في الخضر اختلافًا متباينًا فاختلفوا أولا في نسبه ومن أغرب ما قيل في ذلك أنه ابن آدم لصلبه (^٦) وقيل إنه من الملائكة وقال أقضى القضاة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٠٢) عن أبي هريرة.\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ٤٢).\n(^٣) النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٤١).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٦).\n(^٥) سورة الكهف، الآية: ٦٥.\n(^٦) أخرجه الدارقطني في المؤتلف والمختلف (٢/ ٨٢٧) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٤٠٠) من طريق رواد بن الجراح، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن =","vol":"5","page":311},{"text":"الماوردي في تفسيره (^١): بعد ذكر الخلاف في نبوته وقيل إنه من الملائكة وهذا غريب ضعيف أو باطل، وقيل إنه من بني إسرائيل وقيل إنه من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا قاله الكرماني (^٢) في شرح البخاري.\nواختلف العلماء أيضًا في نبوة الخضر على أقوال: الأول: هو ملك، والثاني: نبي غير مرسل وهو قول الأكثرين وحكاه ابن عطية عن الجمهور، والثالث: ولي غير نبي وهذا خلاف المختار، والرابع: نبي مرسل نقله النووي (^٣) وغيره واختلف العلماء أيضًا في حياة الخضر فقال الأكثرون: من العلماء هو حي موجود بين أظهرنا وهذا متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة: وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذلك والأكثرون من المحدثين على وفاته وقيل إنه لا يموت إلا آخر الزمان حين يرفع القرآن وقيل إلى حين\n_________\n= ابن عباس. قال ابن حجر في الإصابة (٢/ ٢٤٦): ورواد ضعيف، ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.\n(^١) تفسير الماوردي أو النكت والعيون (٣/ ٣٢١).\n(^٢) وخلاف العلماء يرجع إلى ثلاثة أقوال: وجمهور العلماء على أنه نبي، وجماعة من الصوفية يقولون: هو ولي، وجماعة يقولون: هو ملك، قال الإمام النووي: وقول القائلين: هو ملك؛ باطل، كما أنه ليس بولي، ولكن كما قال جمهور العلماء: الخضر نبي لكن لم يرسل لأحد.\n(^٣) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٦ - ١٧٧ ترجمة ١٤٧)، والمجموع شرح المهذب (٥/ ٥٦٩).","vol":"5","page":312},{"text":"يقتله الدجال وفي آخر صحيح مسلم في أحاديث الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحيي وقا: إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر والصحيح الذي عليه الجمهور أنه نبي معمر موجود كما ذكره النووي (^١) وغيره وقد ثبت وجوده فلا يكون عدمه إلا بدليل ولا دليل على موته ولا نص فيه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا نقل أنه مات بأرض كذا في وقت كذا في زمن ملك من الملوك والصحيح ما تقدم أنه نبي معمر موجود إلى حين رفع القرآن ويقتله الدجال وابن العربي قائل بموته نقله السهيلي والقرطبي (^٢).\nغريبة: ذكر أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني عن أبي عبيدة، وأبى اليقظان، ومحمد بن سلام الجمحي، وغيرهم أن أطول بني آدم عمرا الخضر قال: وذلك أن آدم لما حضره الموت جمع بنيه فقال لهم: إن الله ﷾ منزل على أهل الأرض عذابًا فليكن جسدي معكم في المغارة فإذا كان بعد ذلك فادفنوني بأرض الشام فكان جسده معهم فلما كان بعد الطوفان ونزل نوح بأرض بابل أوصى بنيه الثلاثة وهو سام وحام ويافث أن يذهبوا بجسده إلى المكان الذي أمرهم أن يدفنوه فيه فقالوا أرض موحشة أي لا أنيس بها ولا يهتدى إل الطريق فقال: لهم نوح إن آدم - ﵇ - دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة ولم يزل جسد آدم - ﵇ - حتى كان\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٧) وشرح النووي على مسلم (١٥/ ١٣٦).\n(^٢) ينظر: تفسير القرطبي (٦/ ١١١) والتذكرة (ص ١٢٢٣).","vol":"5","page":313},{"text":"الخضر هو الذي تولى دفنه وأنجز الله ﷾ له ما وعده فهو يحيي إلى ما شاء الله ﷿ أن يحيي (^١).\nقال (^٢): الصوفي القديم لا يرى من يحب الدنيا ولا من ليس على السنة ولا من ليس سليم الصدر من أهل الإيمان فلا يراه أحد من هؤلاء ولو كان أعلم أهل الأرض وأعبدهم وأزهدهم ا. هـ قاله في الديباجة.\nفائدة: وقع الخلاف هل الخضر أعلم من موسى مطلقًا أو في علم دون علم على أقوال من قال: مطلقًا استدل بالحديث وهو قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فسأل أي الناس أعلم قال: انا، فذكر الحديث إلى أن قال: أن عبدًا من عبادنا بمجمع البحرين هو أعلم منك ولا يجوز أن يكون ولي أعلم من نبي بأمور الشرائع، البحرين تثنية البحر موضع معروف بين بحرى فارس والهند مقارب جزيرة العوب وجزيرة العرب هي من عدن إلى العراق طولا ومن جدة إلى الشام عرضًا قاله: الكرماني. (^٣)\nالثاني: قول الخضر لموسى - ﵇ - أنت على علم من علم الله لا أعلمه أنا وأنا على علم من علم الله لا تعلمه أنت فسوى بينهما في إثبات العلم الثابت ونفي العلم المنتفى عنهما.\nالثالث: قول الخضر لموسى ﵉ أمرت أن أفعل أمرًا إذا رأيته\n_________\n(^١) المعمرون والوصايا (ص ١).\n(^٢) بعض الكلمات غير مقروءة.\n(^٣) الكواكب الدراري (٧/ ٢١٦ و١٦/ ٢٣٥).","vol":"5","page":314},{"text":"لم تصبر عليه وهذا تفسير لقوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ (^١) وأنه أمر خفي من الله تعالى مباشرة بلا واسطة.\nالرابع: وهو الدليل الظاهر القوي أن الولي لا يجوز له أن يتحدى بكرامته في أحد القولين والخضر - ﵇ - تحدى وادعى.\nالخامس: قتل الغلام ولا يجوز قتله بغير وحي من الله تعالى لا إلهامًا البتة، فالشرائع مبنية على أحكام الظواهر والسرائر أمرها إلى الله تعالى ولا يرجع إلى قائل يدعي حكمًا باطنًا خلافًا لظواهر الشرائع الظاهرة إلا بوحي من الله تعالى فلا نطع بصدق من ادعى ذلك من غير تردد إذا أخبر عن الله تعالى والولي ليس كذلك، الصواب أن موسى - ﵇ - أفضل لأن الإجماع منعقد على نبوة موسى - ﵇ - ومختلف في نبوة الخضر وما كان نبيًا مجمعًا عليه أعلم من الذي لم يجمع على نبوته، والجواب عن الحديث وهو قوله: أن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك أن يكون الخضر أعلم من موسى في علم من العلوم الخاصة دون سائرها كما أن الإجماع منعقد على أن النبي - ﷺ - أعلم الخلق وأفضل الخلق على الإطلاق والله أعلم.\nقوله: - ﷺ - \"بينما الخضر ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل\" بني إسرائيل هم أولاد يعقوب - ﵇ -.\nقوله: \"أبصره رجل مكاتب فقال: تصدق علي بارك الله فيك فقال: الخضر\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٨٢.","vol":"5","page":315},{"text":"آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون ما عندي شيء أعطيكه\" الحديث المكاتب هو العبد الذي يبتاع نفسه من سيده.\nتنبيه: الكتابة تعليق عتق بصفة ضمنت معاوضة وهي بيع الرجل ماله بماله (^١) وهي قربة لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (^٢) وهذا الأمر للاستحباب والمراد بالخير الأمانة والكسب كذا فسره الشافعي (^٣) ولا يجوز إلا من جائز التصرف في ماله كالهبة ولا يجوز أن يكاتب إلا عبدًا بالغًا عاقلا ولا يستحب إلا لمن عرف كسبه وأمانته (^٤) وأصح الأوجه أن الرقبة باقية على ملك السيد إلى إعطاء النجوم وبه جزم الرافعي (^٥) ولا تصح حتى يقول السيد كاتبتك على كذا فإذا أديت فأنت حر وينوي الكتابة الشرعية ويقبل العبد (^٦) وعلى السيد أن يحط عن المكاتب بعض ما عليه أو يؤتيه شيئًا من عنده يستعين به لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (^٧) وظاهره الوجوب ومحله قبل العتق على الأصح والنجم\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١٢/ ٣٦٢)، وكفاية الأخيار (ص ٥٨٠).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٣٣.\n(^٣) مختصر المزنى (٨/ ٤٣٣)، والحاوى (١٨/ ١٤٠)، وشرح السنة (٩/ ٣٧٣)، وكفاية النبيه (١٢/ ٣٦٣).\n(^٤) التنبيه (ص ١٤٦)، وكفاية النبيه (١٢/ ٣٦٣ و٣٦٥).\n(^٥) العزيز (١٣/ ٤٨٤)، وكفاية النبيه (١٢/ ٣٨٢).\n(^٦) التنبيه (ص ١٤٦)، وكفاية النبيه (١٢/ ٣٧٢).\n(^٧) سورة النور، الآية: ٣٣.","vol":"5","page":316},{"text":"الأخير أليق والأصح أنه يكفى ما يقع عليه الاسم وإن كان حبة بخلاف المتعة (^١) فمن أراد الزيادة على ذلك فليراجع ذلك في كتب الفقه.\nويجوز فسخ الكتابة إذا عجز المكاتب نفسه وإن المكاتب لا يصير حرًا بنفس الكتابة بل هو عبد ما بقي عليه درهم كما صرح به الحديث المشهور في سنن أبي داوود وغيره (^٢) وبهذا قال: الشافعي ومالك وجماهير العلماء وحكى القاضي عياض (^٣) عن بعض السلف أنه يصير حرًا بنفس الكتابة ويكتب المال في ذمته ولا يرجع إلى الرق أبدًا، وعن بعضهم أنه إذا أدى نصف المال صار حرًا ويصير الباقي دينًا عليه قال: وحكى عن عمر وابن مسعود وشريح (^٤) مثل هذا إذا أدى الثلث وعن عطاء مثله إذا أدى ثلاثة ثلاثة أرباع المال (^٥) وإن الكتابة تكون على نجوم ومذهب الشافعي أنها لا تجوز على نجم واحد بل على نجمين فصاعدا وقال مالك والجمهور تجوز على نجوم وتجوز على نجم (^٦) قاله ابن العماد في شرح العمدة.\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١٢/ ٣٨٢ - ٣٨٥)، والنجم الوهاج (١٠/ ٥٤٥ - ٥٤٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦)، والطحاوى في معانى الآثار (٤٧١٢)، والطبراني في الشاميين (١٣٨٦) عن ابن عمرو بلفظ: \"المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم\". وحسنه الألباني في الإرواء (١٦٧٤).\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٤) ينظر: الاستذكار (٣/ ١٨٨).\n(^٥) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، وطرح التثريب (٦/ ٢٣٨).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٤٣)، والعدة (٢/ ١١٥٢).","vol":"5","page":317},{"text":"قوله أسألك بوجه الله لما تصدقت علي فإني نظرت السماحة في وجهك، تقدم الكلام على السؤال بوجه الله.\nقوله: فمكث عند المشتري، المكث الإقامة مع الانتظار والمكث في المكان قاله في النهاية (^١).\nقوله: فَاضْرِبْ مِنَ اللَّبِنِ لِبَيْتِي حَتَّى أُقْدِمَ عَلَيْكَ، اللبن الطوب الذي يبنى به فَرَجَعَ الرَّجُلُ، وَقَدْ شَيَّدَ بِنَاءَهُ، وتشييد البنيان رفعه يقال: شاد البنيان يشيده شيدا فهو مشاد، وشيدته إذا طوله أو إذا جصصه وعمله بالشيد وهو كل ما طليت به الحائط من جص وغيره. قاله في النهاية (^٢).\nقوله: فقال الرجل: آمنت بالله شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم فقول الرجل يا نبي الله يدل على أنه نبي ففيه تقوية لمن يقول ذلك وقد تقدم الكلام على الاختلاف في ذلك في أول هذا الحديث تقدم الكلام على الخضر في كتاب العلم مبسوطًا.\nقوله: وقف يوم القيامة جلدة، ولا لحم له يتقعقع أي يضطرب ويتحرك وهو والقعقعة: حكاية حركة يسمع منها صوت.\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٤٨).\n(^٢) النهاية (٢/ ٥١٧).","vol":"5","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>التَّرْغِيب فِي الصَّدَقَة والحث عَلَيْهَا وَمَا جَاءَ فِي جهد الْمقل وَمن تصدق بِمَا لَا يجب</span>\n١٢٦٣ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تصدق بِعدْل تَمْرَة من كسب طيب وَلا يقبل الله إِلَا الطّيب فَإِن الله يقبلهَا بِيَمِينِهِ ثمَّ يُرَبِّيهَا لصَاحِبهَا كمَا يُربي أحدكُم فلوه حَتَّى تكون مثل الْجَبَل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\n\n١٢٦٤ - وَفِي رِوَايَة لابْنِ خُزَيْمَة إِن العَبْد إِذا تصدق من طيب تقبلهَا الله مِنْهُ وَأَخذهَا بِيَمِينِهِ فرباها كمَا يُربي أحدكُم مهره أَو فَصِيله وَإِن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو فِي يَد الله أَو قَالَ فِي كف الله حَتَّى تكون مثل الْجَبَل فتصدقوا (^٢).\n\n١٢٦٥ - وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة لِلتِّرْمِذِي قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله يقبل الصَّدَقَة ويأخذها بِيَمِينِهِ فيربيها لأحدكم كمَا يُربي أحدكُم مهره حَتَّى إِن اللُّقْمَة لتصير مثل أحد وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (^٣)، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي\n_________\n(^١) البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤).\n(^٢) ابن خزيمة (٢٤٢٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٩).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٤.","vol":"5","page":319},{"text":"الصَّدَقَاتِ﴾ (^١). وَرَوَاهُ مَالك بِنَحْوِ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ هَذِه عَن سعيد بن يسَار مُرْسلا لم يذكر أَبَا هُرَيْرَة (^٢).\n\n١٢٦٦ - وَعَن عَائِشَة - ﵄ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو فَصِيله حَتَّى تكون مثل أحد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ.\nالفلو بِفَتْح الْفَاء وَضم اللَّام وَتَشْديد الْوَاو هُوَ الْمهْر أول مَا يُولد.\nوالفصيل ولد النَّاقة إِلَى أَن يفصل عَن أمه.\n\n١٢٦٧ - وَروِيَ عَن أبي بَرزَة الأسْلَمِيّ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن العَبْد ليتصدق بالكسرة تربو عِنْد الله ﷿ حَتَّى تكون مثل أحد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٣).\nتقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب\" الحديث قال: في النهاية (^٤) العدل بكسر العين وفتحها بمعنى المثل وظاهر الحديث يقتضي أن التمرة الواحدة تنمو وتتزايد حتى تبقى كالجبل ليثقل بها\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(^٢) الترمذي (٦٦٢)، ومالك في الموطأ (٢٨٤٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٩).\n(^٣) الطبراني كما في مجمع الزوائد (٣/ ١١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه سوار بن مصعب وهو ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٥١).\n(^٤) النهاية (٣/ ١٩١).","vol":"5","page":320},{"text":"ميزان المتصدق، وقال: بعضهم بعدل تمرة أي قيمة تمرة يقال: هذا عدل بفتح العين أي مثله في القيمة وبكسرها أي مثله في المنظر (^١) نظيره قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٢) أي يثمرها ويكثرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف الأجر والثواب في العقبى وإن كانت قليلة كما قال تعالى فيضاعفه له أضعافًا كثيرة والله أعلم ويحتمل أن تكون التربية تعظيم الثواب والجزاء على الصدقة (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"من كسب طيب\" أي مكسوب طيب والكسب الطلب طلب الرزق فالطيب ضد الخبيث قال أبو العباس القرطبي (^٤):\nقوله - ﷺ -: \"إن الله طيب\" أي منزه عن النقائص فيكون بمعنى القدوس وقيل طيب الثناء، ومستلذ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا: فطيب من أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنة؛ كالجميل والنظيف؛ على قول من رواه ورآه والكسب الطيب في هذا الحديث الحلال؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (^٥) و﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (^٦) وغير ذلك، وأصل الطيب: المستلذ بالطمع، ثم أطلق\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٥/ ١٥٣٩).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٩).\n(^٤) المفهم (٩/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.\n(^٦) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.","vol":"5","page":321},{"text":"أطلق على المتناول بحكم بالشرع وإنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به تصرف فيه، فلو قبلت منه؛ لزم أن يكون مأمورا به، منهيا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتحرم الرقة والإخلاص، فلا تقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يقبل؛ لأنه ليس بطيب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيب بذاته قاله القرطبي (^١). والمعنى: لا يقبل الله إلا الشيء الطيب ولا يحل أن يتقرب بغير ذلك إليه إذا ليس من صفته قبول الشيء الخبيث والرضى بالمنكر وهذا الحديث أحد الأحاديث التي هي قواعد الإسلام ومباني الأحكام وفيه الحث على الإنفاق من الحلال والنهي عن الإنفاق من غيره وفيه أن المشروب والمأكول، والملبوس ونحوها ينبغي أن تكون حلالًا خالصًا لا شبهة فيه وإن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره (^٢) ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"وإن الله يقبلها بيمينه\" أي يقبل الصدقة وهذا كناية عن القبول والثواب والرضى بذلك العمل والشكر عليه بالجزاء كما قال: \"تلقاها عرابة باليمين\" استعير لكثرة العطاء وسعته وسرعة القبول فالمراد من القبول باليمين هو حسن القبول منه تعالى ووقوع الصدقة منه موقع الرضى (^٣) كما\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٠)، وشرح الأربعين (ص ٥٩) لابن دقيق العيد.\n(^٣) مطالع الأنوار (٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠). =","vol":"5","page":322},{"text":"يقال: هو عندي باليمين فأخذه ﷾ عبارة عن قبول الصدقة والإثابة عليها إذا كانت من كسب طيب وقال الشاعر:\nوأنزلني ذات اليمين ولم أكن ... بمنزلة الملقى شمال الأراذل\nقال الخطابي (^١): وإنما جرى ذكر اليمين ليدل به عَلَى حُسْنِ الْقَبُولِ، لِأَنَّ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَنَّ أَيْمَانَهُمْ تَكُونُ مُرْصَدَةً لِمَا عَزَّ مِنَ الْأُمُورِ، وَشَمَائِلُهُمْ لِمَا هَانَ مِنْهَا ا. هـ.\nوعلى هذا قول ابن عباس - ﵄ - الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده والمراد من اليمين القوة والقدرة.\nقوله - ﷺ -: \"ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل\" وقد قيل في تربية الصدقة وتعظيمها حتى تكون أعظم من الجبل أن المراد بذلك تعظيم أجرها وتضعيف ثوابها قال: ويصح أن يكون على ظاهره وأن تعظم ذاتها ويبارك الله تعالى فيها ويزدها من فضله حتى تثقل في الميزان (^٢).\nقوله ج: \"كما يربي أحدكم فلوة\" الفلو ضبطه الحافظ (^٣) وفسره في حديث عائشة بعد هذا الحديث فقال: بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو وهو المهر أول ما يولد ا. هـ.\n_________\n= وسبق وأشرنا إلى أن المؤلف لا يثبت صفة اليد وقلنا أن مذهب أهل السنة على الإثبات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.\n(^١) ينظر: أعلام الحديث (١/ ٧٥٤ - ٧٥٥)، ومعالم السنن (٢/ ١٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٩).\n(^٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).","vol":"5","page":323},{"text":"وفيه لغة أخرى كسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو المفتوحة (^١) وقال: أبو زيد إذا فتحت الفاء شددت الواو وإذا كسرت خففت فقلت فلو مثل جرو (^٢) ا. هـ.\nوالجمع أفلاء مثل عدو وأعداء وفلاوى، مثل خطايا، وأصله فعائل (^٣) وقال: الجوهري (^٤) الْفَلُوُّ الْمُهْرُ سمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يفتلى عن أمه أي يفطم وقال غيره: لأنه يفلي أي يعزل (^٥)، وقيل هو الفطيم من أولاد ذوات الحوافر والأنثى فلوة كما قالوا عدو وعدوة (^٦) وإنما ضرب المثل بالفلو لأنه يزيد زيادة بينة ولأن الصدقة نتاج العمل ولأن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده ويتولى تربيته ثم إن النتاج أحوج ما يكون إلى التربية وهو فطيم فإذا أحسن القيام به انتهى إلى حد الكمال وكذلك عمل ابن آدم لَا سيما الصدقة التي يجاذبها الشح ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى الله تعالى إلا موسومة بنقائص لَا يجبرها إلا نظر الرحمن تعالى فإذا تصدق العبد من كسب طيب فتح دونها باب الرحمة فلا يزال نظر الله تعالى إليها يكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب حتى تنتهي بالتضعيف\n_________\n(^١) رياض الصالحين (ص ١٨٩)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٩٩).\n(^٢) الصحاح (٦/ ٢٤٥٦)، والميسر (٢/ ٤٤١)، وحياة الحيوان (٢/ ٣٠٥).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ٣٠٥).\n(^٤) الصحاح (٦/ ٢٤٥٦).\n(^٥) مشارق الأنوار (٢/ ١٥٨).\n(^٦) الصحاح (٦/ ٢٤٥٦)، والميسر (٢/ ٤٤١)، وحياة الحيوان (٢/ ٣٠٥).","vol":"5","page":324},{"text":"إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل وقوع المناسبة بين التمرة والجبل كذا قاله في الميسر (^١) وجمل الغرائب في شرح مشارق الأنوار.\nقوله: - ﷺ - في رواية مسلم \"إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله تعالى منه\" وأخذها بيمينه: أي قبلها مشرفة مكرمة مرضيًا بها بالغة محلها وهذا كما قال الشاعر:\nإِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ\nأي هو مؤهل للمجد والشرف ولم يرد به يمين الجارحة لأن المجد معنى باليمين التي تتلقى بها رأيته معنى وكذا اليمين في حق الله تعالى (^٢).\nقوله: - ﷺ - \"وإن الرجل ليتصدق باللقمة\" اللوحة.\n\"فتربو في يد الله\" أو قال: \"في كف الله فتربو\" أي يزيد ثوابها كما تقدم وكف الرحمن ﷾ عبارة عن محل قبول الصدقة فكأن المتصدق قد وضع صدقته في محل القبول والإثابة وإلا فلا كف لله ولا جارحة تعالى الله تعالى عما يقول المشبهون علوًا كبيرًا (^٣) ومنه حديث عمر \"أن الله تعالى إن شاء أدخل خلقه الجنة بكف واحدة\" فقال النبي - ﷺ -: صدق عمر (^٤) ويجوز أن يكون\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٤٤١).\n(^٢) المفهم (٩/ ٢٩).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٨٩ - ١٩٠)، وجامع الأصول (٩/ ٥١٧).\n(^٤) جامع معمر بن راشد (٢٠٥٥٦)، المعجم الصغير للطبراني (٣٤٢) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٥٣) الأحاديث المختارة (٢٧٠٣) وفي أنيس الساري (تخريج أحاديث فتح الباري) (٢/ ١٦٧٣) قال الحافظ سنده جيد لكن اختلف على قتادة في سنده اختلافا كثيرا.","vol":"5","page":325},{"text":"يكون مصدر كف يكف كفًا ويكون معناه الحفظ والصيانة فكأنه قال: تلك الصدقة في حفظ الله وكلاءته فلا ينقص ثوابها ولا يبطل جزاؤها ويحتمل أن يكون الكف عبارة عن كفة الميزان التي يوزن فيها الأعمال فتكون من باب حذف المضاف فكأنه قال: فتربو في كفة ميزان الرحمن (^١) ا. هـ.\nوقال الماوردي (^٢): وغيره هذا الحديث وشبهه إنما عبر به النبي - ﷺ - على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا فكنى هنا عن قبول الصدقة بأخذهها بالكف وعن تضعيف أجرها بالتربية قال القاضي عياض (^٣) رحمه الله تعالى: لما كان الشيء الذي يرتضي ويعز يلتقي باليمين ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا واستعير القبول والرضى إذا الشمال بضده في هذا وتقدم مثله عن الخطابي (^٤) قال: وقيل المراد بكف الرحمن هنا وبيمينه كف الذي تدفع إليه الصدقة وإضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه الصدقة فيها لله ﷿ ا. هـ.\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ٢٩). إن لله تعالى يدين كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] والأحاديث الواردة في إثبات اليد لله تعالى كثيرة، حتى إن النصوص تزيد على مائة فيها إثبات صفة اليد لله تعالى، فنثبتها إثباتًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته، دون أن نشبهها بالأيدي المعروفة من أيدي المخلوقات، ودون أن نؤولها كما أولها هنا المؤلف.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٢٦٣): \"إن لله تعالى يدين مختصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله\". وانظر كذلك: أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤١٢).\n(^٢) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦)، وكذا قال المازرى كما في المعلم (٢/ ٢٥).\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٤) ينظر: معالم السنن (٢/ ٤٣)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٩٨)، وحياة الحيوان (٢/ ٣٠٥).","vol":"5","page":326},{"text":"وقد تكرر ذكر الكف والحفنة واليد في الحديث وكلها تمثيل من غير تشبيه والله أعلم.\nقوله: - ﷺ - في رواية ابن خزيمة (^١) \"كما يربي أحدكم مهره أو فصيله\" الحديث المهر ولد الفرس والجمع أمهار والأنثى مهرة وما أحسن قول مهيار (الديلمي) في وصف المهرة:\nقال لي العاذل: تسلو قلت: مه، ... إنّ أسباب هواها محكمه\nمهرة تسمع في السرج لها، ... تحت من يعلو عليها حمحمه. (^٢)\nلطيفة: لها تعلق بالمعنى كان أبو عبد الله محمد بن حسان البسري، من الأولياء ذوي الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، وأنه خرج للغزاة مرة، فبينما هو في فلاة من الأرض إذ مات مهره الذي كان يركبه، فقال: اللهم أعرنا إياه فقام المهر حيا بإذن الله تعالى، فلما وصل إلى بسر، أخذ السرج عنه فسقط ميتا، وكان ﵀، إذا كان شهر رمضان دخل بيتا وقال لامرأته: طيني علي الباب وألقي إلي كل ليلة رغيفا من الكوة، فإذا كان يوم العيد فتحت الباب ودخلت فوجدت الثلاثين رغيفا في زاوية البيت فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام رضي الله تعالى عنه (^٣)، وفي الأنساب لابن السمعاني، أن أبا\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٤٥٠).\n(^٣) هذه القصص لَا تسمن ولا تغني من جوع وتذكر للتسلية وإثباتها غير ممكن فهي مخالفة للشريعة ظاهرًا وباطنًا وهي من شطحات الصوفية.","vol":"5","page":327},{"text":"عبد الله المذكور منسوب إلى بصرى، قرية من قرى الشأم فأبدلت الصاد سينا على قياس قولهم في السويق الصويق والسراط الصراط انتهى، وقال ابن الأثير (^١): هذا كله خطأ في النقل والنحو، أما النقل فإنه منسوب إلى بسر، وبسر: قرية معروفة، وأما النحو فإبدال الصاد سينا ليس على إطلاقه إنما ذلك مع حروف معلومة، وقد ذكره الحافظ أبو القاسم بن عطاء الدمشقي، في تاريخ دمشق (^٢)، وقال: إنه من قرية بسر وهذا هو الصواب والله تعالى أعلم (^٣).\nوقوله: \"كما يربي أحدكم فصيله\" الحديث والفصيل ولد الناقة إذا فصل عن الرضاع أمه والجمع فصلان بض الفاء وفصال بكسرها (^٤).\nفرع: دخل فَصيلُ (ولد الناقة) رَجُلٍ فِي بَيْتِ رَجُلٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُهُ إِلَّا بِنَقْضِ الْبِنَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، بِأَنْ غَصَبَهُ وَأَدْخَلَهُ، نُقِضَ وَلَمْ يَغْرَمْ صَاحِبُ الْفَصِيلِ شَيْئًا. وإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْفَصِيلِ، نُقِضَ الْبِنَاءُ، وَلَزِمَهُ أَرْشُ النَّقْضِ. وَإِنْ دَخَلَ بِنَفْسِهِ نُقِضَ أَيْضًا، وَلَزِمَ صَاحِبَ الْفَصِيلِ أَرْشُ النَّقْصِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. ثَانِيهِمَا: لَا أَرْشَ عَلَيْهِ. قاله في حياة الحيوان (^٥).\n_________\n(^١) اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ١٥٢).\n(^٢) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٢/ ٢٨٥).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ٤٥١).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٣٠٤).\n(^٥) حياة الحيوان (٢/ ٣٠٤). وانظر كذلك: روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (٥/ ٥٧).","vol":"5","page":328},{"text":"قوله: في آخر الحديث عن سعيد بن يسار مرسلا تقدم الكلام على الحديث المرسل. قوله: وعن أبي برزة الأسلمي أبو برزة اسمه نضلة بن عبد الحارث وقيل نضلة بن عبد الله وقيل عبد الله بن نضلة من بني سلامي بفتح السين بن أسلم الأسلمي وفي نسبه خلاف أسلم قديمًا ومات بمرو وقيل بالبصرة وقيل بالمفازة بين سجستان وهراة سنة ستين أو أربع وستين (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إن العبد ليتصدق بالكسوة تربوا عند الله حتى تكون مثل أحد\" تقدم تفسيره وأحد اسم جبل بالمدينة معروف (^٢).\n\n١٢٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله ﷿ ليدْخل باللقمة الْخبز وقبضة التَّمْر وَمثله مِمَّا ينْتَفع بِهِ الْمِسْكِين ثَلَاثَة الْجنَّة رب الْبَيْت الْآمِر بِهِ وَالزَّوْجَة تصلحه وَالْخَادِم الَّذِي يناول الْمِسْكِين فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْحَمد لله الَّذِي لم ينس خدمنا، رَوَاهُ الْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَاللَّفْظ لَهُ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله.\nالقبضة بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَإِسْكَان الْبَاء وبالصاد الْمُهْملَة هُوَ مَا يتَنَاوَلهُ الْآخِذ برؤوس أنامله الثَّلَاث.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: - ﷺ - \"إن الله ليدخل باللقمة الخبز وقبضة التمر ومثله مما ينتفع به\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٨٠ ترجمة ٧٢٥).\n(^٢) جاء في الأصل بمكة وفي الهامش: قوله بمكة سبق قلم وإنما هو بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.","vol":"5","page":329},{"text":"المسكين ثلاثة الجنة رب البيت الأمر به\" الحديث رب البيت يعني المالك والقبضة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال: هو ما يتناوله الأخذ يدًا ويراد أنامله الثلاث.\n\n١٢٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله ﷿. رَوَاهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ مَالك مُرْسلا.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة أيضًا.\nقوله: - ﷺ - \"ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا\".\nولبعض الفضلاء في ذلك (^١):\nلا تقطعن عادة برّ ولا ... تجعل عقاب المرء في رزقه\nواعف عن الذنب فإن الذي ... نرجوه عفو الله عن خلقه\nوإن بدا من صاحب زلة ... فلا تعاتبه في ذاك واستبقه\nفإن قدر الذنب من مسطح ... يحط قدر النجم من أفقه\nوقد بدا منه الذي قد بدا ... وعوتب الصديق في حقه ا. هـ.\nقوله: \"وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\" الحديث سيأتي الكلام على التواضع في بابه.\n\n١٢٧٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - يرفعهُ قَالَ مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا مد عبد يَده بِصَدقَة إِلَّا ألقيت فِي يَد الله قبل أَن تقع فِي يَد السَّائِل وَلَا فتح\n_________\n(^١) هو شهاب الدين الغزي الشافعي انظر: الكواكب السائرة (٣/ ٩٤).","vol":"5","page":330},{"text":"عبد بَاب مَسْأَلَة لَهُ عَنْهَا غنى إِلَّا فتح الله لَهُ بَاب فقر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nوروي عن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"ما نقصت صدقة من مال وما مد عبد يده بصدقة إلا ألقيت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل\" تقدم الكلام على يد الله في أول الباب مبسوطًا.\nقوله: \"ولا فتح عبد باب مسألة له عنها غنى إلا فتح الله له باب فقر\" المراد بذلك سؤال الناس إذا كان له غنى عن السؤال.\n\n١٢٧١ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى الله قبل أَن تَمُوتُوا وَبَادرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة قبل أَن تشْغَلُوا وصلوا الَّذِي بَيْنكُم وَبَين ربكُم بِكَثْرَة ذكركُمْ لَهُ وَكَثْرَة الصَّدَقَة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة تُرْزَقُوا وَتنصرُوا وَتجبرُوا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي حَدِيث تقدم فِي الْجُمُعَة (^٢).\n\n١٢٧٢ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - أَنهم ذَبَحُوا شَاة فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - مَا بَقِي مِنْهَا قَالَت مَا بَقِي مِنْهَا إِلَّا كتفها قَالَ بَقِي كلهَا غير كتفها\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٤٠٥ رقم ١٢١٥٠) والبيهقي في الشعب (٥/ ١٦٨ رقم ٣٢٤٩)، قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه من لم أعرفه.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٧٤) وضعيف الترغيب (٥١٠).\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد (١١٣٦)، وابن ماجه (١٠٨١)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٩٨)، واللالكائى في أصول السنة (١٩٣٣).\nوضعفه الألباني في الإرواء (٥٩١)، وضعيف الترغيب (٤٤٤) و(٥١١) و(١٩٥٨).","vol":"5","page":331},{"text":"حَدِيث حسن صَحِيح وَمَعْنَاهُ أَنهم تصدقوا بهَا إِلَّا كتفها (^١).\nقوله: وعن عائشة تقدم الكلام على عائشة.\nقوله: \"إنهم ذبحوا شاة\" فقال النبي - ﷺ -: \"ما بقي منها\" قالت ما بقي منها إلا كتفها قال: \"بقي كلها\" الحديث هذا استفهام بمعنى ما تصدقت فهو باق عندك فهو غير فان كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (^٢) ا. هـ قال الحافظ: (^٣) معناه أنهم تصدقوا بها إلا كتفها ا. هـ، وقال: غيره معناه أي بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها.\n\n١٢٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُول العَبْد مَالِي مَالِي وَإِنَّمَا لَهُ من مَاله ثَلَاث مَا أكل فأفنى أَو لبس فأبلى أَو أعْطى فاقتنى مَا سوى ذَلِك فَهُوَ ذَاهِب وتاركه للنَّاس رَوَاهُ مُسلم (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه أيضًا.\nقوله: - ﷺ - \"يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فأبقى ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس\"، قوله: أو أعطى فاقتنى (اقتنى) بمعنى: ادخر، يعني: ما تصدق به يكون له ذخيرة يوم القيامة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٥٠ (٢٤٢٤٠)، والترمذي (٢٤٧٠).\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح، وأبو ميسرة هو الهمداني اسمه: عمرو بن شرحبيل.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٥٩).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(^٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣١٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤ - ٢٩٥٩).\n(^٥) المفاتيح (٥/ ٢٧٩).","vol":"5","page":332},{"text":"١٢٧٤ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَيّكُم مَال وَارثه أحب إِلَيْهِ من مَاله قَالُوا يَا رَسُول الله مَا منا أحد إِلَّا مَاله أحب إِلَيْهِ قَالَ فَإِن مَاله مَا قدم وَمَال وَارثه مَا أخر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن ابن مسعود تقدم الكلام على ابن مسعود.\nقوله: - ﷺ - \"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر\".\nقوله: \"فإن ماله ما قدم\" أي على موته بأن صرفه في حياته في مصارف الخير (^٢) \"ومال وارثه ما أخر\"، أي: ما أخره من المال الذي يتركه ولا يتصدق منه حتى يموت (^٣).\n\n١٢٧٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - بَينا رجل فِي فلاة من الأَرْض فَسمع صَوتا فِي سَحَابَة اسْقِ حديقة فلَان فَتنحّى ذَلِك السَّحَاب فأفرغ مَاءَهُ فِي حرَّة فَإِذا شرجة من تِلْكَ الشراج قد استوعبت ذَلِك المَاء كله فتتبع المَاء فَإِذا رجل قَائِم فِي حديقة يحول المَاء بمسحاته فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله مَا اسْمك قَالَ فلَان للاسم الَّذِي سمع فِي السحابة فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله لم سَأَلتنِي عَن اسْمِي قَالَ سَمِعت فِي السَّحَاب الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُول اسْقِ حديقة فلَان لاسمك فَمَا تصنع فِيهَا قَالَ أما إِذْ قلت هَذَا فَإِنِّي أنظر إِلَى مَا يخرج مِنْهَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٤٢)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٩١ (٣٦٣٨).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٢/ ٢٠٩).\n(^٣) عمدة القارى (٢٣/ ٤٩).","vol":"5","page":333},{"text":"فأتصدق بِثُلثِهِ وآكل أَنا وعيالي ثلثه وأرد ثلثه رَوَاهُ مُسلم. (^١)\nالحديقة الْبُسْتَان إِذا كانَ عَلَيْهِ حَائِط. الْحرَّة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء الأرْض الَّتِي بهَا حِجَارَة سود. والشرجة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء بعْدهَا جِيم وتاء تَأْنِيث مسيل المَاء إِلَى الأرْض السهلة. والمسحاة بِالسِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ المجرفة من الْحَدِيد.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله ج: \"بينا رجل في فلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان\" الفلاة: الأرض المنقطعة عن الماء والحديقة البستان إذا كان عليه حائطا. هـ.\nويقال: للقطعة من النخيل حديقة وإن لم يكن محاطا بها، والجمع الحدائق (^٢).\nقوله فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة معنى تنحى قصد يقال: تنحيت الشيء وانتحيته ونحوته إذا قصدته ومنه سمي علم النحو لأنه قصد لكلام العرب (^٣) والحرة قد ضبطها الحافظ (^٤) وفسرها وهي الأرض التي بها حجارة سود ا. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٥ - ٢٩٨٤).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٥٤).\n(^٣) إكمال المعلم (٨/ ٥٣٤)، وشرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٥).\n(^٤) هو المنذري.","vol":"5","page":334},{"text":"قوله: \"فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله\" الشرجة مسيل الماء إلى الأرض وقد ضبطها الحافظ وفسرها (^١) قوله: \"يحول الماء بمسحاته\" قد ضبط الحافظ المسحاة وفسرها هي المجرفة من الحديد ا. هـ.\nقال: الإمام أبو عبد الله القرطبي قال: علماؤنا لما لم يكن من هذه الدنيا بد كان المأخوذ منها القوت كما قال: المقدام بن معد كرب قال: رسول الله - ﷺ - \"ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لَا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه\" (^٢) كما حكى عن بعض السلف وقد سئل عن سبب توبته فقال: كنت رجلا دهقانا واجتمع علي في ليلة ثلاثة أشغال كان لي زرع وكانت ليلتي في الماء وكان لي حمار فضاع مني وكان لي فقة في الطاحون ومتى اشتغلت بواحدة منها فأتني ما سواها وكانت ليلة الجمعة وكان بيني وبينها مسافة متى توجهت إليها فأتني الجميع فرجحت رواحي إلى الجمعة وتركت الجميع فلما رجعت من الجمعة وجدت الزرع قد سقي والحمار على المعلف والمرأة تغربل الدقيق فقلت ما أصدق من قال: من أصلح أمره مع الله أصلح الله له جميع أموره (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) أي المنذري.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٨٠) والنسائي في الكبرى (٦٧٦٩) وأحمد (١٧١٨٦) وابن المبارك في الزهد (٦٠٣)، و، والقضاعي في مسنده (١٣٤٠) و(١٣٤١)، والبيهقي في الشعب (٥٦٤٨) و(٥٦٥٠)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٤٨)، والبغوي (٤٠٤٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٦٧٤).\n(^٣) قمع الحرص (١٤٩ و١٥٠).","vol":"5","page":335},{"text":"١٢٧٦ - وَعَن عدي بن حَاتِم - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيكلمه الله لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان فَينْظر أَيمن مِنْهُ فَلَا يرى إِلَّا مَا قدم فَينْظر أشأم مِنْهُ فَلَا يرى إِلَّا مَا قدم فَينْظر بَين يَدَيْهِ فَلا يرى إِلَّا النَّار تِلْقَاء وَجهه فَاتَّقُوا النَار وَلَو بشق تَمْرَة\" وَفِي رِوَايَة من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يسْتَتر من النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَلْيفْعَل، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن عدي بن حاتم الصحابي هو أبو طريف وقيل أبو وهب عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن حشرج بن امرئ القيس بن عدي بن ربيعة بن جرول بفتح الجيم وإسكان الراء بن ثعل بضم المثلثة وفتح العين المهلمة بن يعرب بن قحطان الطائي الكوفي الصحابي وأبوه حاتم هو المشهور بالكرم قال: ابن الأعرابي (^٢) كان حاتم من شعراء الجاهلية وكان جوادًا يشبه جوده شعره يصدق قوله فعله وكان حيثما نزل عرف منزله بحومان الطير على منازله لكثرة خيره وذبائحه قدم عدي على رسول الله - ﷺ - في شعبان سنة تسع من الهجرة فأسلم وكان نصرانيًا روي له عن رسول الله - ﷺ - ستة وستون حديثا اتفقا منها على ثلاثة وانفرد مسلم بحدثين نزل الكوفة وتوفي بها سنة تسع وستين وقيل ثمان وهو ابن مائة وعشرين سنة قال: ابن قتيبة وكان عدي طويلا إذا ركب الفرس كادت دجله تخط الأرض وشهد مع علي الجمل ثم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤١٣) و(١٤١٧) و(٦٠٢٣) و(٦٥٣٩ و٦٥٤٠) و(٦٥٦٣) و(٧٤٤٣) و(٧٥١٢)، ومسلم (٦٦ و٦٧ و٦٨ - ١٠١٦).\n(^٢) انظر: الأغانى (١٧/ ٣٦٦)، والمستطرف (١/ ١٧٩).","vol":"5","page":336},{"text":"صفين ولما توفي رسول الله - ﷺ - قدم على أبي بكر في وقت الردة بصدقة قومه وثبت على الإسلام وثبت معه قومه فلم يرتدوا فيمن ارتد من العرب وكان جوادا شريفا في قومه معظما عندهم وعند غيرهم حاضر الجواب وكان رسول الله - ﷺ - يكرمه إذا دخل عليه وشهد فتوح العراق زمن عمر فحضر وقعة القادسية ووقعة مهران وحضر أبو عبيدة وغير ذلك وكان مع خالد بن الوليد حين سار إلى الشام وشهد معه بعض فتوحه وكان عدي يفت الخبز للنمل ويقول إنهن جارات ولهن حق ومناقبه كثيرة (^١).\nلطيفة غريبة: أدرك عدي وسفانة الإسلام فأسلما وروى أن سفانه ابنت حاتم (^٢) حضرت بين يدي رسول الله - ﷺ - فقالت: يا محمد هلك الوالد وغاب الواجد فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي الأعداء من أحياء العرب فإن أبي كان سيد قومه كان يفك العاني ويحمي الدمار ويفرج عن المكروب ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يطلب إليه أحد قط حاجة إلا قضاها أن ابنة حاتم الطائي فقال: سيدنا رسول الله - ﷺ - يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ا. هـ.\nقوله: - ﷺ - \"ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان\" الترجمان: بفتح التاء وضمها وهو المعبر عن لسان بلسان وقال: ابن الأثير (^٣)\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨ ترجمة ٣٩٨).\n(^٢) غرر الخصائص (١/ ٢٧)، والمستطرف (١/ ١٧٩).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٦).","vol":"5","page":337},{"text":"هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى لغة أخرى والجمع والتاء والنون زائدتان ا. هـ كزعفران جمعه زعافر.\nقوله - ﷺ -: \"فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه\" أيمن منه وأشأم منه كلاهما منصوب على الظرف ويعني بهما يمينه وشماله مأخوذ من اليد اليمنى والشؤمى (^١) ومنه قولهم لليد الشمال الشؤمى تأنيت الأشأم يعني [إذا كلم الله سبحانه عبدا من عباده، فقد تحير في ذلك الموطن بحيث لَا مهرب له ولا نصير، فإذا نظر إلى يمينه وشماله، فلا يرى إلا العمل، وإذا نظر إلى بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه (^٢)].\nقوله - ﷺ -: \"فاتقوا النار ولو بشق تمرة\" وشق التمرة بكسر الشين نصفها وجانبها وشق كل شيء نصفه وجانبه (^٣) والمعنى لا تستقلوا من الصدقة ولو كان نصف تمرة (^٤) وفيه دليل على أن الصدقة وقاية للمتصدق من النار قال: في الأحياء (^٥) في كتاب ترتيب الأوراد وكانوا يكرهون أن ينقضي اليوم ولم يتصدقوا ولو بتمرة أو بصلة أو كسرة خبز لقوله \"اتقوا النار ولو بشق\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ٣٠).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٤٨٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠١).\n(^٤) النهاية (٢/ ٤٩١).\n(^٥) الإحياء (١/ ٣٤٧).","vol":"5","page":338},{"text":"تمرة\" والمعنى لا تستقلوا من الصدقة شيئًا ولو كان نصف تمرة والمراد من قوله: \"ولو بشق تمرة\" يريد أن نصف التمرة يسد رمق الجائع كما يورث الشبعان كظة على وقاحته (^١) وفيه الحث على الصدقة وأنه لا يمتنع منها لقلتها وإن قلتها سبب للنجاة من النار (^٢) والله أعلم.\n\n١٢٧٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ليق أحدكُم وَجهه النَّار وَلَو بشق تَمْرَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"ليق أحدكم وجهه من النار ولو بشق تمرة\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n١٢٧٨ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا عَائِشَة استتري من النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَإِنَّهَا تسد من الجائع مسدها من الشبعان رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٤).\n_________\n(^١) الفائق (٢/ ٢٥٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠١).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٣٨٨ (٣٦٧٩) و١/ ٤٤٦ (٤٢٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢١٤).\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٥: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٦٤).\n(^٤) أخرجه أحمد ٦/ ٧٩ (٢٤٥٠١)، وابن عدى (٥/ ١١٨). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٥: رواه كله أحمد، وروى البزار بعضه، وفيه أبو هلال، وفيه بعض كلام، وهو ثقة. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٦٥).","vol":"5","page":339},{"text":"وقوله وعن عائشة - ﵂ - تقدم الكلام على عائشة.\nقوله: - ﷺ - \"استتري من النار ولو بشق تمرة\" أي نصف تمرة يريد أن لَا تستقلوا من الصدقة شيئًا والله أعلم.\nقوله: \"تسد من الجائع مسدها من الشبعان فإنها تقع من الجائع موقعها من الشبعان\" قيل أراد أن شق التمرة لَا يتبين له كبير موقع من الجائع إذا تناوله كما لا يتبين على شبع الشبعان إذا أكل فلا تعجزوا أن تتصدقوا به قيل لأنه يسأل هذا شق تمرة وهذا شق تمرة ثالتا ورابعا فيجتمع له ما يسد به جوعته (^١) والله أعلم.\nقال أبو عبد الله الحليمي (^٢) رحمه الله تعالى: لصدقة التطوع شرائط منها: أن تكون من فضل المال فأما من كان ماله مستغرقًا حاجته فلا ينبغي له أن يتصدق [بماله] على غيره ويحرم نفسه وهكذا إن كان له عيال فلا ينبغي له أن يتصدق بماله ويذر عياله ولا ينبغي أن يتصدق بجميع ماله ويحوج نفسه إلى غيره قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (^٣) قال ابن عباس (^٤): العفو الفضل عن العيال وقال أبو هريرة قال رسول الله\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٢١٥).\n(^٢) المنهاج (٢/ ٣٥٣).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢١٩.\n(^٤) ينظر: تفسير الطبري (٤/ ٢٩١) تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (١/ ٢١٦).","vol":"5","page":340},{"text":"- ﷺ -: \"خير الصدقة ما أبقت غنى\" (^١) وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة ومنها:\n\"أَنَّهُ إِذَا تَصَدَّقَ بَدَأَ بِذَوِي أَرْحَامِهِ\"، أي أقربائه سواء الوارث وغيره \"وَلَا يُمَيِّزُ فِيهَا بَيْنَ الْوَاصِلِ وَالْقَاطِعِ، بَلْ يَبْدَأُ بِذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ\" (^٢) أي المضمر العداوة في باطنه (^٣) وفي ذلك أحاديث كثيرة وردت بذلك، ومنها أنه إن فضل عن ذوي قرابته فضل آثر الجيران فإن فضل عنهم شيء صرفه إلى المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافًا\" وفي ذلك أحاديث كثيرة، ومنها أن لا يحصي ما يتصدق به فيعرض ذلك على قلبه ويثبته كما يثبت حساب تجارته (^٤) وعن عائشة - ﵂ - قالت: جاء سائل فأخرجت له الخادم شيئًا فقالت لا تخرجي الشيء إلا بعلمي فقال رسول الله: - ﷺ - \"لا تحصي فيحصي الله عليك\" (^٥) وفي ذلك أحاديث كثيرة، ومنها \"أن يخفي الصدقة ولا يتحدث بها\" (^٦) قال: الله\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤٢٦) \"خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ\".\n(^٢) مسند أحمد (١٥٣٢٠) المعجم الكبير للطبراني (٣/ ٢٠٢) (٣١٢٦) المستدرك على الصحيحين للحاكم (١٤٧٥) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١١٦، وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (١١١٠).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٧٥).\n(^٤) شعب الإيمان (٥/ ١١٠) وهو نص كلامه.\n(^٥) أخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ٧٣، وفي الكبرى (٢٣٣٠) مسند أحمد ط الرسالة (٢٤٤١٨ - م -) والبيهقي في الشعب (٣٤٣٨) والحديث في الصحيحين عن أسماء.\n(^٦) لم نقف عليه وعند الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٣٩) (٧٩٣٣) قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الَّذِي يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ كَالَّذِي يَجْهَرُ بِالصَّدَقَةِ، وَالَّذِي يُخْفِي الْقُرْآنَ كَالَّذِي يُخْفِي الصَّدَقَةَ\".","vol":"5","page":341},{"text":"تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (^١) الآية وقوله: - ﷺ - \"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها\" (^٢) الحديث قال: الحليمي ومعنى ذلك أنها إذا لم تكن واجبة جرى فيها الرياء عند الإبداء وإذا أخفيت كانت من الرياء أبعد (^٣).\nحكاية: قال: بعض العارفين (^٤) ولقد وشى ببعض شيوخنا بالمغرب عند السلطان بأمر فيه حتفه وكان أهل البلد قد أجمعوا على ما وشي به وما قيل فيه مما يؤدى إلى هلاكه فأمر السلطان نائبه أن يجمع الناس ويحضر هذا الرجل فإن أجمعوا على ما قيل فيه أمر الوالي أن يقتله وإن قيل غير ذلك خلى سبيله فجمع الناس لميقات يوم معلوم وعرفوا ما جمعوا له وكلهم على لسان واحد أنه فاسق يجب قتله بلا مخالفة فلما جيء بالرجل مر في طريقه بخباز فأخذ منه نصف رغيف فتصدق به من ساعته فلما وصل إلى المحفل وكان الوالي من أكبر أعدائه أقيم في الناس وقيل لهم ما عندكم في هذا الرجل وما تقولون فيه وسموه فما بقي أحد من الناس إلا قال: هذا عدل رضي عن آخرهم فتعجب الوالي من قولهم خلاف ما يعلمه منهم وما كانوا يقولونه فيه قبل حضوره فعلم أن الأمر إلهى والشيخ يضحك فقال الوالي لم تضحك فقال: من صدق رسول الله - ﷺ - تعجبا به إيمانا به والله ما من أحد من\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٧١.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٢٣) و(٦٨٠٦) ومسلم (٩١ - ١٠٣١) عن أبي هريرة.\n(^٣) شعب الإيمان (٥/ ١١٣).\n(^٤) هو ابن عربى الصوفى (!!!) كما في الفتوحات المكية (٤/ ٤٩٦).","vol":"5","page":342},{"text":"هذه الجماعة إلا ويعتقد في خلاف ما شهد به وأنت كذلك وكلكم علي لَا لي فتذكرت النار فرأيتها أقوى غضبا منكم وتذكرت نصف رغيف فرأيته أكبر من نصف تمرة وسمعت عن رسول الله - ﷺ - يقول \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\" فعليك يا أخي بالصدقة فإنها تطفيء غضب الرب ولها ظل يوم القيامة.\n\n١٢٧٩ - وَرُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - على أَعْوَاد الْمِنْبَر يَقُول اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَإِنَّهَا تقيم العوج وتدفع ميتَة السوء وَتَقَع من الجائع موقعها من الشبعان رَوَاهُ أَبُو يعلى (^١) وَالْبَزَّار وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن أنس وَأبي هُرَيْرَة وَأبي أُمَامَة والنعمان بن بشير وَغَيرهم من الصَّحَابَة - ﵃ - (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١/ ١٩٥)، وأبو يعلى (٨٥) والمعجم (٩)، وابن الأعرابى (١٧٢٢)، والخطابى في غريب الحديث (١/ ٣٤٥).\nقال البزار: وهذا الحديث لَا نعلم حدث به أحد عن زيد بن الحباب إلا محمد بن إسماعيل، هذا ولم يتابعه عليه أحد ولا يروى عن أبي بكر إلا من هذا الوجه، ولا يحفظ هذا الكلام بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه وحده فلذلك كتبناه وبينا العلة فيه.\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٥: رواه أبو يعلى، والبزار، وفيه محمد بن إسماعيل الوساوسي، وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٥١٢).\n(^٢) أما حديث أنس:\nفأخرجه البزار (٦٦١٩) وابن الأعرابى (١٩٨١)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٧٣ رقم ٣٦٤٤)، وابن عدى (٥/ ٤٤٠) و(٧/ ٣٢٦) و(٩/ ٤٩١)، وأبو الشيخ في العوالى (٧)، وابن المقرئ في المعجم (١٣٧)، والمخلص في المخلصيات (٢٤٣٨)، والضياء في المختارة ٦/ ٦٨ (٢٠٤٨ و٢٠٤٩). وصححه الضياء في المختارة. وقال الهيثمي في =","vol":"5","page":343},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= المجمع ٣/ ١٠٦: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح.\nوأما حديث أبي هريرة:\nفأخرجه البزار (٩٥٨٦) والغسانى في أخباره وحكاياته (٥١)، وابن عدى (٢/ ١٣٢) و(٦/ ٣٢٩) و(١٠/ ٥٥٥)، والدارقطني (٢٠١٥). قال البزار: وهذا الكلام قد روي عن أبي هريرة - ﵁ -، من غير هذا الوجه، وهذا الإسناد، عن أبي هريرة - ﵁ -، أحسن ما يروى في ذلك وأصحه، وقد روي عن عائشة ﵂ رواه ابن أبي مليكة وأبو العالية، عن عائشة ﵂، وروي عن عدي بن حاتم - ﵁ -، من وجوه فرواه محل بن خليفة وعباد بن حبيش وخيثمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن معقل وغيرهم، عن عدي، وروي عن حميد، عن أنس، وعن أبي رجاء، عن ابن عباس - ﵄ -، وروي عن جرير بن عبد الله - ﵁ -.\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٦: رواه البزار، وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وحسن البزار حديثه.\nوأما حديث أبي أمامة:\nأخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٧٨ رقم ٢٥٤٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٢٦٣) وقال الطبراني: تفرد به فضال. قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٦: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف.\nوأما حديث النعمان بن بشير:\nأخرجه البزار (٣٢٢٦) والطبراني في الكبير (١٧/ ١٢١ رقم ١٣٨)، وابن عدى (٢/ ٢١١)، وابن المقرئ في الفوائد (١٣١)، وأبو الطاهر المخلص (١١٠٢).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه وأيوب بن جابر أحسبه أخطأ في هذا الحديث، لأن شعبة وعمرو بن أبي قيس رويا هذا الحديث عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم وهو الصواب عندي. قال البغوى: لَا أعلم حدث بهذا الحديث أحد عن سماك غير أيوب بن جابر، وهو أخو محمد بن جابر السحيمي، ويقال أنه أوثق من أخيه محمد بن جابر. قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٦: رواه البزار، والطبراني في الكبير، وفيه أيوب بن جابر، وفيه كلام كثير، =","vol":"5","page":344},{"text":"وروي عن أبي بكر الصديق تقدم الكلام عليه - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقيم العوج وتدفع ميتة السوء\" الحديث أي ادفعوا النار عن أنفسكم بالخيرات من الصيام والصدقة ولو بنصف تمرة فإنه أيضا يدفع النار عن صاحبه، قال أبو سليمان الخطابي: الميتة بكسر الميم الحال السيئة يقال: مات فلان ميتة حسنة ومات فلان ميتة سيئة كما قالوا حسن القعدة والجلسة والركبة والمشية إذا ارادوا بها الحال والهيئة والاسم (^١) ا. هـ.\n_________\n= وقد وثقه ابن عدي. وروى عن ابن عباس وعمران بن حصين وفضالة بن عبيد وابن عمر: أما حديث ابن عباس:\nأخرجه أبو يعلى (٢٧٠٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٦٣ رقم ١٢٧٧١)، وابن عدى (٢/ ٦٥) و(٧/ ١٧٣). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٥ - ١٠٦: رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير، وفيه أبو بحر البكراوي، وفيه كلام، وقد وثق.\nوأما حديث عمران بن حصين:\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ١٦١ رقم ٣٥٤)، والثقفى في الأربعين (ص ١٦٩).\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٣٨: فيه مجاعة بن الزبير قال أحمد: لَا بأس به في نفسه، وقال ابن عدى: هو ممن يتحمل ويكتب حديثه، وضعفه الدارقطنى، وبقية رجاله ثقات وأما حديث فضالة بن عبيد:\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠٣ رقم ٧٧٧). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام.\nوأما حديث ابن عمر:\nأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٦٧٩).\n(^١) إصلاح غلط المحدثين (ص ٢٠)، وغريب الحديث (٣/ ٢١٩).","vol":"5","page":345},{"text":"وقال غيره: ميتة السوء جميع الأوجاع والهرم والفقر وأراد بميتة السوء ما لَا تحمد عاقبته ولا توثق غائلته من الحالات التي يموت عليها الإنسان عند الموت كالفقر المدقع والوصب الموجع وغيرهما (^١) والظاهر أن المراد من ميتة السوء الموت على حالة مكروهة كالموت بتمزيق السباع ونهش الحيات أو ما قارب ذلك والله أعلم.\n\n١٢٨٠ - وَعَن جَابر - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لكعب بن عجْرَة يَا كعْب بن عجْرَة الصَّلاة قرْبَان وَالصِّيَام جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كمَا يطفئ المَاء النَّار يَا كَعْب بن عجْرَة النَّاس غاديان فبائع نَفسه فموثق رقبته ومبتاع نَفسه فِي عتق رقبته رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح. (^٢)\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٤٤٦)، وشرح المصابيح (٢/ ٤٨٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٧١٩) وعنه إسحاق في مسنده كما في (الأمالي المطلقة ٢/ ٢١٤) وأحمد ٣/ ٣٢١ (١٤٦٦٥)، وعبد بن حميد (١١٣٨) ومن طريقه وابن حبان (٤٥١٤)، والحاكم (١/ ٧٩) و(٤/ ١٢٧) و(٤/ ٤٢٢)، وأحمد ٣/ ٣٩٩ (١٥٥١٧)، والدارمي (٢٩٨٣) مختصرا، والبزار (١٦٠٩ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (١٩٩٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٣٤٥)، وابن حبان (١٧٢٣)، والحاكم ٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٧)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٥ - ٢٦ رقم ٨٩٥٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٠٦).\nقال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ عن جابر إلا بهذا الإسناد. وقال أبو نعيم: لم يسقه هذا السياق من حديث جابر إلا ابن خثيم، تفرد به، رواه عنه الأعلام، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الحافظ: هذا حديث صحيح، وابن خثيم حسن الحديث، وأصل هذا الحديث قد وقع لنا في رواية كعب بن عجرة نفسه، وهو شاهد قوي بهذا الطريق، وباقيه =","vol":"5","page":346},{"text":"قوله: عن جابر تقدم الكلام على جابر.\n\n١٢٨١ - وَعَن كعْب بن عجْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا كَعْب بن عجْرَة إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة لحم وَدم نبتا على سحت النَّار أولى بِهِ يَا كَعْب بن عجْرَة النَّاس غاديان فغاد فِي فكاك نَفسه فمعتقها وغاد فموثقها يَا كعْب بن عجْرَة الصَّلاة قرْبَان وَالصَّوْم جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كمَا يذهب الجليد على الصَّفَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: - ﷺ - لكعب بن عجرة \"أنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت النار أولى به\" السحت الحرام.\nقوله: - ﷺ - \"لكعب بن عجرة يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصيام جنة\n_________\n= وقع مفرقًا في عدة أحاديث من غير هذا الوجه.\nوصححه الألباني في الظلال (٧٥٧) وصحيح الترغيب (٨٦٦) و(٢٢٤٢).\n(^١) أخرجه الترمذي (٦١٤) و(٦١٥) و(٢٢٥٩)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٣٥ (٤٢٤٥) و٦/ ٦٣٧ (٤٢٤٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٥٦ و٧٥٩) والآحاد والمثانى (٢٠٦٤ و٢٠٦٥ و٢٠٦٦)، وابن حبان (٢٧٩) و(٢٨٢ و٢٨٣) و(٢٨٥)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١٠٥ (٢١٢) و١٩/ ١٣٤ (٢٩٤ والأوسط (١/ ٢٣٣ - ١٣٤ رقم ٧٦٤) و(٣/ ١٣٩ - ١٤٠ رقم ٢٧٣٠) و(٤/ ٣٧٧ - ٣٧٨ رقم ٤٤٨٠) و(٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦ رقم ٥٠٩٣)، والحاكم (١/ ٧٨ - ٧٩).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وقال في الموضع الأخير: هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه من حديث مسعر إلا من هذا الوجه.\nوصححه الألباني في تخريج الظلال (٧٥٦) وصحيح الترغيب (٨٦٧) و(٢٢٤٣).","vol":"5","page":347},{"text":"والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار يا كعب بن عجرة الناس غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد فموثقها\" فبائع نفسه فموبق رقبته ومبتاع نفسه في عتق رقبته، معناه أن كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى بإتباعها فيوبقها أي يهلكها بسخط الله ﷿ (^١).\nقوله: عن كعب بن عجرة (وعجرة بضم العين، هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو إسحاق كعب بن عجرة بن أمية بن عدى بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مرى بن أراشة بن عامر بن عبيلة بن قسميل بن قران بن بلى حليف الأنصار.\nتأخر إسلامه، وشهد بيعة الرضوان وغيرها. روى له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وطارق بن شهاب، وأبو وائل، وابن أبي ليلى، وبنوه إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع أولاد كعب، وزيد بن وهب، والشعبى، وغيرهم، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٢)، سكن الكوفة، وتوفى بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين، وله سبع\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٢)، وشرح الأربعين (ص ٨٦)، والتعيين (ص ١٨١).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"5","page":348},{"text":"وسبعون، وقيل: خمس وسبعون سنة (^١).\nقوله: - ﷺ - \"والصدقة تطفيء الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا\" (الجليد ما سقط من الصقيع فجمد وقيل هو الماء الجامد من البرد وقوله الصفا في الأصل جمع صفاة، قال الزجاج: الصفا في اللغة: الحجارة الصلبة الصلدة التي لَا تنبت شيئا، وقيل هي الصخرة والحجر الأملس (^٢».\n\n١٢٨٢ - وَعَن معَاذ بن جبل قَالَ كنت مَعَ النَّبِي - ﷺ - فِي سفر فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فِيهِ ثمَّ قَالَ يَعْني النَّبِي - ﷺ - أَلا أدلك على أَبْوَاب الْخَيْر قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ الصَّوْم جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كَمَا يطفئ المَاء النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيت حسن صَحِيح (^٣) وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الصمت وَهُوَ عِنْد ابْن حبَان من حَدِيث جَابر (^٤) في حَدِيث يَأْتِي فِي كتاب الْقَضَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\n\n١٢٨٣ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الصَّدَقَة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتَة السوء\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيت حسن غَرِيب (^٥) وروى ابْن الْمُبَارك فِي كتاب\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٨ ترجمة ٥٢٧).\n(^٢) كشف المشكل (٢/ ٢٩٨)، والمجموع المغيث (١/ ٣٣٩)، والنهاية (١/ ٢٨٥ و٣/ ٤١).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٤٨ (٢٢١٣٣)، والترمذي (٢٦١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٣٣٠).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الإرواء (٤١٣) وصحيح الترغيب (٨٦٨) و(٩٨٣) و(٢٨٦٦).\n(^٤) أخرجه ابن حبان (١٧٢٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٦٦) و(٢٢٤٢).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٦٦٤)، والبغوى في جزئه (٢٨)، وابن حبان (٣٣٠٩). قال الترمذي =","vol":"5","page":349},{"text":"الْبر شطره الأخير وَلَفظه إِن الله ليدرأ بِالصَّدَقَةِ سبعين بَابا من ميتَة السوء (^١) يدْرَأ بِالدَّال الْمُهْملَة أَي يدْفع وَزنه وَمَعْنَاهُ.\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام على أنس.\nقوله: - ﷺ - \"إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء\" فيه الحث على الصدقة والترغيب فيها وقد جاء في الحديث أن الصدقة والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض أي يتصارعان ويتدافعا والمراد منه أن الله تعالى إذا أنزل البلاء بعبده فتصدق صحدت الصدقة فإذا صادفت البلاء نازلا منعته من الوصول، وروى أبو الليث السمرقندى (^٢) أن قصارا في زمن عيسى ﵇ كان يمزق على الناس أقمشتهم فسألوا عيسى ﵇ أن يدعو عليه فدعا عليه بالهلاك فبينما هم عند غروب الشمس إذا القصار قد دخل ورزمته على رأسه فعجبوا من ذلك وأتوا عيسى ﵇ فطلبه فحضر برزمته فقال: أفتح رزمتك ففتحها فإذا فيها ثعبان عظيم مطوق وقد ألجم بلجام من حديد فقال له عيسى ﵇: ما صنعت اليوم من الخير؟ فقال: لم أصنع شيئا غير أن رجلا نزل إلي\n_________\n= هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوضعفه الألباني في المشكاة (١٩٠٩) وضعيف الترغيب (٥١٣) والإرواء (٨٨٥).\n(^١) أخرجه المروزي في البر والصلة عن ابن المبارك (٢٨٥)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٠٩٤)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٦٣٥)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٧٣١).\nوضعفه الألباني في الإرواء (٣/ ٣٩٢) والضعيفة (٥٣٠٨) وضعيف الترغيب (٥١٣).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٣١٥).","vol":"5","page":350},{"text":"من صومعته أي موضعه الذي يتعبد فيه فشكى الجوع فدفعت إليه رغيفا كان معي فقال: عيسى علسه السلام إن الله بعث هذا الثعبان إليه فلما تصدق أمر الله تعالى ملكا فألجمه بهذا اللجام والله أعلم.\nحكاية: وعن معمر قال: وحدثني شيخ لنا أن امرأة جاءت إلى بعض أزواج النبي - ﷺ -، فقالت لها: ادعي الله أن يطلق لي يدي، قالت: وما شأن يدك؟ قالت: كان لي أبوان، فكان أبي كثير المال كثير المعروف كثير الفضل - أو قالت: كثير الصدقة - ولم يكن عند أمي من ذلك شيء، لم أرها تصدقت بشيء قط، غير أنا نحرنا بقرة، فأعطت مسكينا شحمة في يده، وألبسته خرقة، فماتت أمي، ومات أبي، فرأيت أبي على نهر يسقي الناس، فقلت: يا أبتاه، هل رأيت أمي؟ قال لَا، أو ماتت؟ قالت: قلت: ثعم، قالت: فذهبت ألتمسها فوجدتها قائمة عريانة ليس عليها إلا تلك الخرقة، وتلك الشحمة في يدها وهي تضرب بها على يدها الأخرى، ثم تمص أثرها، وتقول: واعطشاه، فقلت لها: يا أمه، ألا أسقيك؟ قالت: بلى، فذهبت إلى أبي، فأخذت إناء من عنده، فسقيتها منه، فنبذني بعض من كان عنده قائما، فقال: من سقاها أشل الله يده، قالت: فاستيقظت وقد شلت يدي (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين بابا من ميتة السوء\" قد ضبط الحافظ (^٢) الدرء وفسره بالدفع وزنه ومعناه.\n_________\n(^١) الجامع (٢٠٧٦٨) لمعمر.\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).","vol":"5","page":351},{"text":"تتمة: حديث أنس: وروى ابن المبارك شطره الأخير ولفظه \"إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين بابا من ميتة السوء\" يدرأ بالدال المهملة أي يدفع وزنه ومعناه ا. هـ، واعلم ان النبي - ﷺ - حث على الصدقة قبل أن يمر الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها ففي صحيح مسلم (^١) من حديث حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن، فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها\" السبب المقتضي لعدم قبول الصدقة إذ ذاك ما يخرجه الله تعالى من كنوز الأرض فلا يجد الإنسان من يقبل صدقته ففيه الحث على المبادرة بالصدقة واغتنام مكانها قبل تعذرها ففي ذلك الزمان تظهر الكنوز ويقل الناس بعد هلاك يأجوج ومأجوج (^٢) ونبه بذكر الذهب على أن غير الذهب من باب أولى أن لا يقبل ثم روى مسلم (^٣) في صحيحه عقبه عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلَاذَ كبِدِهَا، أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا\".\n_________\n(^١) مسلم (١٠١١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٦)، وكشف المناهج (٢/ ١٢٢)، وطرح التثريب (٤/ ٢٧).\n(^٣) صحيح مسلم (١٠١٣).","vol":"5","page":352},{"text":"(قوله) \"في هذا قطعت\" أي بسببه.\nقال: القرطبي (^١) الذي تخرجه الأرض من كنوزها هو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ (^٢) أي كنوزها في أحد التفسيرين وقيل موتاها ا. هـ.\nوذكر ابن حزم الطبري (^٣): أن في بحيرة طبرية سبعمائة موفرة بالذهب والجوهر لا تقوم الساعة حتى تظهر بسبب انحسار الماء عنها، وفي حديث آخر \"لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب\" (^٤) يحسر أهو بفتح الياء، المثناة تحت وكسر السين أي ينكشف لذهاب مائه (^٥) يقال: حسرت العمامة عن رأسى والثوب عن بدني أي كشفتها ومنه أيضا حسرت المرأة عن وجهها أي كشفت والحاسر الذي لا سلاح عليه (^٦) وروى مسلم أيضا في صحيحه (^٧) عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: \"ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لَا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة، يلذن به، من قلة الرجال وكثرة\n_________\n(^١) ينظر: تفسير القرطبي (٦/ ١١١)، والمفهم (٩/ ٢٦).\n(^٢) سورة الزلزلة، الآية: ٢.\n(^٣) هكذا في المخطوط ولم أجد في المصادر هذا الإسم وأظن فيه تصحيف.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٨٩٤).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٨ - ١٩).\n(^٦) النهاية (١/ ٣٨٣)، والمفهم (٢٣/ ٧٤).\n(^٧) سبق تخريجه.","vol":"5","page":353},{"text":"النساء حتى يطوف بالرجل الواحد أربعين إمرأة\" السبب في ذلك كثرة القتل كما أخبر به في الحديث الثابت في أشراط الساعة وأن يكثر الهرج والمراد به القتل والمراد بأربعين امرأة أقارب الإنسان وقوله: \"يلذن به\" أي ينتمين إليه (^١) قاله ابن عقيل في شرح الأحكام ا. هـ.\n\n١٢٨٤ - وَعَن أبي كبْشَة الْأَنمَارِي - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول ثَلاث أقسم عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ مَا نقص مَال عبد من صَدَقَة وَلَا ظلم عبد مظْلمَة صَبر عَلَيْهَا إِلَّا زَاده الله عزا وَلَا فتح عبد بَاب مَسْألة إِلَّا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر أَو كلمة نَحْوهَا وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لأربعة نفر عبد رزقه الله مَالا وعلما فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ ربه ويصل فِيهِ رَحمَه وَيعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بِأَفْضَل الْمنَازل وَعبد رزقه الله علما وَلم يرزقه مَالا فَهُوَ صَادِق النِّيَّة يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته فأجرهما سَوَاء وَعبد رزقه الله مَالا وَلم يرزقه علما يخبط فِي مَاله بِغَيْر علم وَلَا يَتَّقِي فِيهِ ربه وَلَا يصل فِيهِ رَحمَه وَلَا يعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بأخبث الْمنَازل وَعبد لم يرزقه الله مَالا وَلَا علما فَهُوَ يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت فِيهِ بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته فوزرهما سَوَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٦ - ٩٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٨)، والترمذي (٢٣٢٥)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦) و(٨٦٩) و(٢٤٦٣).","vol":"5","page":354},{"text":"قوله وعن أبي كبشة الأنماري تقدم الكلام عليه وعلى تفسير الحديث في أوائل الكتاب.\n\n١٢٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ ضرب رَسُول الله - ﷺ - مثل الْبَخِيل والمتصدق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جنتان من حَدِيد قد اضطرت أَيْدِيهِمَا إِلَى ثديهما وتراقيهما فَجعل الْمُتَصَدّق كلما تصدق بِصَدقَة انبسطت عَنهُ حَتَّى تغشى أنامله وَتَعْفُو أَثَره وَجعل الْبَخِيل كلما هم بِصَدقَة قلصت وَأخذت كل حَلقَة بمكانها قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأَنا رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا فِي جيبه يوسعها وَلَا تتوسع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه مثل الْمُنفق الْمُتَصَدّق والبخيل كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جبتان أَو جنتان من حَدِيد من لدن ثديهما إِلَى تراقيهما فَإِذا أَرَادَ الْمُنفق أَن ينْفق اتسعت عَلَيْهِ الدرْع أَو مرت حَتَّى تجن بنانه وَتَعْفُو أَثَره فَإذا أَرَادَ الْبَخِيل أَن ينْفق قلصت ولزمت كل حَلقَة موضعهَا حَتَّى أخذت بترقوته أَو بِرَقَبَتِهِ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة - ﵁ - أشهد أَنه رأى رَسُول الله - ﷺ - يوسعها وَلَا تتسع (^١) الْجنَّة بِضَم الْجِيم وَتَشْديد النُّون كل مَا وقى الإِنْسَان ويضاف إِلَى مَا يكون مِنْهُ التراقي جمع ترقوة بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا لحن وَهُوَ الْعظم الَّذِي يكون بَين ثغرة نحر الإِنْسَان وعاتقه وقلصت بِفَتْح الْقَاف وَاللَّام أَي انجمعت وتشمرت وَهُوَ ضد استرخت وانبسطت والجيب هُوَ الْخرق الَّذِي يخرج الإِنْسَان مِنْهُ رَأسه فِي الثَّوْب وَنَحْوه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٤٢ و١٤٤٣ و١٤٤٤) و(٢٩١٧) و(٥٢٩٩) و(٥٧٩٧)، ومسلم (٧٥ و٧٧ - ١٠٢١)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٤٩ (٢٥٦٦) و٤/ ٥٥١ (٢٥٦٧).","vol":"5","page":355},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: ضرب رسول الله - ﷺ - \"مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد\" وفي رواية النسائي (^١) \"عليهما جبتان أو جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما\" الجنة قد ضبطها الحافظ وفسرها (^٢) فقال: كل ما وقى الإنسان أي ستره كالدرع.\nقوله: \"من لدى ثديهما إلى تراقيهما\" الحديث، لدى ظرف مكان بمعنى عند وفيه لغات إلا أنه أقرب مكانا من عند وأخص منه فإن عند يقع على المكان وغيره تقول لي عند فلان مال أي في ذمته ولا يقال ذلك في لدن (^٣) والله أعلم.\nقوله: ثديهما بضم المثلثة جمع ثدي نحو الفلوس والفلس والتراقي جمع الترقوة بفتح التاء وضمها وهي العظم الذي يكون بين نقرة نحر الإنسان وعاتقه قاله النووي (^٤) وقال: عياض (^٥) الترقوة كل واحد من العظمين الذين بين نقرة النحر والعاتق ومنه لَا يجاوز تراقيهم وإلى تراقيهما.\nقوله: - ﷺ - \"فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) هو المنذري.\n(^٣) النهاية (٤/ ٢٤٦).\n(^٤) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١١١)\n(^٥) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦)، ومشارق الأنوار (١/ ١٢١)، ومطالع الأنوار (٢/ ١٥ - ١٦).","vol":"5","page":356},{"text":"أنامله وتعفو أثره\" أي تمحوه أثر مشيه لطولها (^١).\nقوله: - ﷺ - \"وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها\" وقلصت قد ضبطها الحافظ (^٢) وفسرها فقال: أي انجمعت وتشمرت وهو ضد استرخت وانبسطت.\nقوله: فأنا رأيت رسول الله - ﷺ - يقول بأصبعه هكذا في جيبه يوسعها ولا تتوسع، والجيب قد فسره الحافظ (^٣) ﵀ فقال: هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه وفي هذا دليل على لباس القميص وكذا ترجم عليه البخاري (^٤) ﵀ باب جيب القميص من عند الصدر لأنه المفهوم من لباس النبي - ﷺ - في هذه القصة مع أحاديث صحيحة جاءت به (^٥).\nقوله - ﷺ - في رواية النسائي \"فإذا أراد المنفق أن ينفق اتسعت عليه أو مرت به حتى تجن بنانه\" بالجيم والنون وفي رواية \"حتى تخفى\" بالخاء المعجمة وفي رواية \"حتى تغشى أنامله\" ومعنى تجن أي تستر وتغطي (^٦) وبه سمي الجني من الجنة لاستتارهم عن الناس وجن الليل وجن عليه الليل وجنه واجنة إذا أظلم عليه فستره والجنة منه لأن شجرها ستر أرضها وداخلها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٩)، والكواكب الدراري (٢١/ ٦١).\n(^٢) أي المنذري.\n(^٣) أي المنذري.\n(^٤) صحيح البخاري (٧/ ١٤٣).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٠).\n(^٦) النهاية (١/ ٣٠٨).","vol":"5","page":357},{"text":"وجمعه جنات وجنان (^١) ا. هـ.\nوقوله: أثره بفتح الهمزة المثلثة وكسر الهمزة وسكون المثلثة لغتان (^٢) والبنان بفتح الموحدة أطراف الأصابع من الرجلين واليدين الواحدة بنانة ويقال: للأصابع بنانة وهو مشتق من ابن الرجل المكان إذا قام فيه فالبنان تلزم ما تقبض غليلا وقال: الزجاج (^٣) البنان الأصابع وغيرها من الأعضاء حكاه في التحصيل (^٤) في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (^٥) وقال الجوهري (^٦): أبَنّ بالمكان: أقام به، ثم قال بعده: والبنانة واحدة البنان وهي أطراف الأصابع وجمع القلة بنانات ويقال بنانة مخضب لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فإنه يوحد ويذكر وقال الزجاج (^٧): والبَنان بِهِ يُعْتمل كُلّ مَا يكون للإقامة والحياة. قاله في الحواشي، قوله: \"وتعفو أثره\" بفتح الهمزة والمثلثة وكسر الهمزة وسكون المثلثة لغتان ومعنى وتعفو أثره أي تمحو أثر مشيه لسبوغها وطولها وإسبال ذيلها والسابغ الكامل وهو تمثيل لنماء المال بالصدقة والإنفاق ويحتمل هو تمثيل لكثرة الجود والبخل فإن المعطي إذا\n_________\n(^١) المشارق (١/ ١٥٦)، ومطالع الأنوار (٢/ ١٥٢)، والنهاية (١/ ٣٠٧).\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ٢٠٦).\n(^٣) معانى القرآن (٢/ ٤٠٥).\n(^٤) تهذيب اللغة (١٥/ ٣٣٧)، وتفسير القرطبى (٧/ ٣٧٨).\n(^٥) سورة الأنفال، الآية: ١٢.\n(^٦) الصحاح (٥/ ٢٠٨٠ - ٢٠٨١).\n(^٧) معانى القرآن (٢/ ٤٠٥).","vol":"5","page":358},{"text":"أعطى انبسطت يداه بالعطاء وتعود ذلك وإذا أمسك صار ذلك عادة له وقيل معنى تمحو أثره أي تذهب بخطاياه وتمحوها والله أعلم (^١) ومعنى الحديث: أن الموفق إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره وطاوعته نفسه وانبسطت بالعطاء يداه كالذي لبس درعًا فاسترسلت عليه وأخرج منها يديه فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه فحصنته، وأنَّ البخيل إذا أراد الإنفاق حرج به صدره واشمأزت عنه نفسه وانقبضت عنه يداه كالذي أراد أن يستجن بالدرع وقد غلت يداه إلى عنقه فحال ما ابتلي به بينه وبين ما يبتغيه فلا يزيده لبسها إلا ثقلا والتزاما في العنق وأخذا بالترقوة هكذا قاله في الميسر في شرح مشارق الأنوار (^٢).\n\n١٢٨٦ - وَعَن مَالك ﵀ أَنه بلغه عَن عَائِشَة - ﵂ - أَن مِسْكينا سَأَلَهَا وَهِي صَائِمَة وَلَيْسَ فِي بَيتهَا إِلَّا رغيف فَقَالَت لمولاة لَهَا أعطيها إِيَّاه فَقَالَت لَيْسَ لَك مَا تفطرين عَلَيْهِ فَقَالَت أعطيها إِيَّاه قَالَت فَفعلت فَلَمَّا أمسينا أهْدى لَهَا أهل بَيت أَو إِنْسَان مَا كَانَ يهدي لَهَا شَاة وكفنها فدعتها عَائِشَة فَقَالَت كلي من هَذَا خير من قرصك (^٣).\n\n١٢٨٧ - قَالَ مَالك وَبَلغنِي أَن مِسْكينا استطعم عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ - ﵂ - وَبَين يَديهَا عِنَب فَقَالَت لإِنْسَان خُذ حَبَّة فأعطه إِيَّاهَا فَجعل ينظر إِلَيْهَا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٩).\n(^٢) حدائق الأزهار للأرزنجانى (لوحة ١٧٧ آخر الوجه الأول وبداية الثانى/ كتبخانة رقم ٨٧٧٨١).\n(^٣) أخرجه مالك بلاغا (٢٨٤٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥١٤).","vol":"5","page":359},{"text":"ويعجب فَقَالَت عَائِشَة - ﵂ - أتعجب كم ترى فِي هَذِه الْحبَّة من مِثْقَال ذرة ذكره فِي الْمُوَطَّأ هَكَذَا بلاغا بِغَيْر سَنَد. (^١)\nقَوْله وكفنها أَي مَا يَسْتُرهَا من طَعَام وَغَيره.\nقوله: وعن مالك مناقب الإمام مالك معروفة مشهورة قال: أرباب السير وقع في زمان الإمام مالك واقعة غريبة وهي أن إمرأة غسلت إمرأة ميتة ثم ضربت بيدها على فرجها وقالت لها قاتلك الله ما كان أزناك فلصقت يد الغاسلة على فرج الميتة وتحير الناس في خلاصها فسألوا مالكا فقال هذه الغاسلة قذفت الميتة فخذوا منها حد القذف فأخذوا منها حد القذف فخلصت يدها (^٢).\nقوله: أنه بلغه عن عائشة أن مسكينًا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ بلاغا (٢٨٤٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥١٤).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٩٧ - ٩٨). قال ابن حجر في لسان الميزان (ترجمة يعقوب بن إسحاق ٦/ ٣٠٤ - ٣٠٥): وقد وجدت له حكاية تشبه أن تكون من وضعه قرأت بخط الحافظ قطب الدين الحلبي ما نصه: وبسندي إلى عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد وجدت بخط يد عمي بكر بن محمد بن سعيد: حَدَّثَنا يعقوب بن إسحاق بن حجر العسقلاني إملاء حدثنا إبراهيم بن عقبة حدثني المُسَيَّب بن عبد الكريم الخثعمي حدثتني أمة العزيز امرأة أيوب بن صالح صاحب مالك قالت: غسلت امرأة بالمدينة فضربت امرأة بيدها على عجيزتها فقالت: ما علمتك إلا زانية، أو مأبونة فالتزقت يدها بعجيزتها فأخبرنا مالكا فقال: هذه المرأة تطلب حدها فاجتمع الناس فأمر بها مالك أن تضرب الحد فضربت تسعة وسبعين سوطا ولم تنزع اليد فلما ضربت تمام الثمانين انتزعت اليد وصلي على المرأة ودفنت. ويعقوب بن إسحاق العسقلاني: كذاب.","vol":"5","page":360},{"text":"رغيف فقالت لمولاة لها أعطه إياه إلى أن قال: وقال: ما لك وبلغني أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويحجب فقالت عائشة أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة وكانوا لَا يردون السائل إذ كانت هذه أخلاق رسول الله - ﷺ - ما سأله قط أحد شيئا فقال لَا لكنه ألا يقدر على شيء سكت ذكره في الموطأ تقدم الكلام على المسكين والفقير والاختلاف فيهما.\nقوله: فلما أمسينا أهدى لها أهل بيت شاة وكفنها (^١) أي ما يسترها من طعام وغيره قاله الحافظ (^٢)، وقال: في النهاية (^٣) أي ما يغطيها وقيل ما يغطيها من (الرُّغْفان).\nقوله ذكره في الموطأ: وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن كتاب مالك فقال: ما أحسنه لمن تدين به (^٤)، وقال: الإمام الشافعي إذا جاء الحديث عن مالك فأشدد يديك به (^٥)، وقال: مالك شاورني الخليفة هارون الرشيد في ثلاثة أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه وفي أن ينقض منبر رسول الله - ﷺ - ويجعله من جوهر وذهب وفضة وفي أن يقدم نافع بن أبي نعيم إماما\n_________\n(^١) في الأصل \"وكفتها\" والتصويب من النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٩٣).\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٢٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٩٣).\n(^٤) الحلية (٦/ ٣٢٢)، وكشف المغطى (رقم ٢٥).\n(^٥) حلية الأولياء (٦/ ٣٢٢).","vol":"5","page":361},{"text":"يصلي بالليل في مسجد رسول الله - ﷺ - فقلت يا أمير المؤمنين أم تعليق الموطأ في الكعبة فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - اختلفوا في الفروع وتفرقوا في الأفاق وكل مجتهد مصيب وأما نقض منبر رسول الله - ﷺ - واتخاذك إياه من جوهر وذهب فضة فإني لَا أرى أن تحرم الناس أثر رسول الله - ﷺ - وأما تقديمك نافعا فإن نافعا إمامًا في القراءة فلا يؤمن أن تندر منه في المحراب فتحفظ عليه فقال الرشيد وفقك الله يا أبا عبد الله (^١) وقال: للشافعي ما في الأرض كتاب من علم أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس (^٢) انتهى قاله في مجمع الأحباب.\nروى البيهقي في الشعب (^٣) من حديث صالح المري عن الحسن بن أنس أن سائلا أتى النبي - ﷺ - فأعطاه تمرة فقال: السائل سبحان الله نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة فقال: النبي - ﷺ - أو ما علمت أن فيها مثاقيل ذر كبير ثم أتاه أخر فسأله فأعطاه تمرة فقال: تمرة من نبي من الأنبياء لَا تفارقني هذه التمرة ما بقيت ولا أزال أرجو بركتها أبدا فأمر له النبي - ﷺ - بمعروف وفي رواية [قال للجارية] اذهبي إلى أم سلمة فمريها فلتعطه الأربعين درهما التي عندها قال: أنس فما لبث الرجل أن استغنى وأعطى سعد بن أبي وقاص سائلا تمرتين فقبض السائل يده فقال له سعد يا هذا إن الله قد قبل منا مثاقيل الذر وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التميمي عند النبي - ﷺ - فقال: حسبي لَا أبالي أن لا أسمع غيرها وسمعها رجل عند الحسن فقال انتهت الموعظة فقال:\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٦/ ٣٢٢).\n(^٢) حلية الأولياء (٦/ ٣٢٩).\n(^٣) شعب الإيمان (١١/ ٣٨٥ رقم ٧٨١٠ و٧٨١١).","vol":"5","page":362},{"text":"الحسن فقه الرجل (^١) والذرة نملة حمراء حقيرة لا يرجح منها ميزان (^٢) ومقدار الذرة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (^٣) الآية قيل قال: النيسابوري سبعون ذرة تزن جناح بعوضة وسبعون جناح بعوضة تزن حبة (^٤) والله أعلم.\n\n١٢٨٨ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على غَنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وزانية وغني فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَقَالا فِيهِ فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد تقبلت ثمَّ ذكر الحَدِيت (^٥).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٩٥).\n(^٢) كشف المشكل (٣/ ١٦٣) والنهاية (٢/ ١٥٧)، وحياة الحيوان (١/ ٤٩٤).\n(^٣) سورة الزلزلة، الآية: ٧.\n(^٤) كشف الأسرار (لوحة ١٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٤٢١) ومسلم (٧٨ - ١٠٢٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٣٠ (٢٥٤٢)، وابن حبان (٣٣٥٦).","vol":"5","page":363},{"text":"١٢٨٩ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"كل امرئ فِي ظلّ صدقته حَتَّى يقْضى بَين النَّاس قَالَ يزِيد فَكَانَ أَبُو الْخَيْر مرْثَد لَا يخطئه يَوْم إِلَّا تصدق فِيهِ بِشَيْء وَلَو بكعكة أَو بصلَة\" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\n\n١٢٩٠ - وَفي رِوَايَة لابْنِ خُزَيْمَة أَيْضا عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن مرْثَد بن أبي عبد الله الْيَزنِي أَنه كَانَ أول أهل مصر يروح إِلَى الْمَسْجِد وَمَا رَأَيته دَاخِلا الْمَسْجِد قطّ إِلَّا وَفِي كمه صَدَقَة إِمَّا فلوس وَإِمَّا خبز وَإِمَّا قَمح قَالَ حَتَّى رُبمَا رَأَيْت البصل يحملهُ قَالَ فَأَقُول يَا أَبَا الْخَيْر إِن هَذَا ينتن ثِيَابك قَالَ فَيَقُول يَا ابْن أبي حبيب أما إِنِّي لم أجد فِي الْبَيْت شَيْئا أَتصدق بِهِ غَيره إِنَّه حَدثنِي رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ظلّ الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة صدقته (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٧ - ١٤٨ (١٧٣٣٣)، أبو يعلى (١٧٦٦)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٨٣٦)، وابن حبان (٣٣١٠)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٢٨٠ (٧٧١)، والحاكم ١/ ٤١٦، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٨١، والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٣) و(١٣٧)، والبيهقي في الصغير (٢/ ٦٩ رقم ١٢٥٠) والكبرى (٤/ ٢٩٧ رقم ٧٧٥١)، وفي الشعب (٥/ ٤٩ - ٥٠ رقم ٣٠٧٧)، والبغوي في شرح السنة (١٦٣٧)، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٠: رواه كله أحمد. وروى أبو يعلى، والطبراني في الكبير بعضه، ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٨٤) وعمحيح الترغيب (٨٧٢)\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣٣ (١٨٠٤٣) و٥/ ٤١١ (٢٣٤٩٠)، والمروزي في البر والصلة (٣١٠)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٢١)، وابن خزيمة (٢٤٣٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٨٣٧). وصححه الألباني في المشكاة (١٩٢٥) وصحيح الترغيب (٨٧٢).","vol":"5","page":364},{"text":"قوله وعن عقبة بن عامر تقدم الكلام على عقبة.\nقوله - ﷺ -: \"كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس\" قال: يزيد فكان أبو مرثد لَا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو بكعكة أو بصلة الحديث، يزيد هو ابن أبي حبيب كنيته أبو رجاء المصري (^١) وهو تابعي قال: ابن يونس كان مفتي أهل مصر في زمانه وعالم أهلها وكان حليما عاقلا وهو كان أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام وقيل كانوا قبل ذلك يتحدثون بالفتن والملاحم والترغيب في الخير وقال: الليث بن سعد يزيد سيدنا وعالمنا واسم أبي حبيب سويد وقال: ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وروى أنه كان أسود حبشيا وقيل نوبيا كان أبوه من دنقلة ونشأ بمصر وأهلها [علوية] فقلبهم عثمانية ولما كثرت المسائل عليه لزم بيته مات سنة ثمان وعشرين ومائة ونيف على خمس وسبعين سنة واسم أبي حبيب سويد مولى ابن الطفيل الأزدي أسند عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وغيرهما وأراد الوليد بن عبد الملك (^٢) أن يولي يزيد القضاء فلبس يزيد فروة\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٦/ ٣١) تهذيب الكمال (١٥٣٤)، طبقات خليفة: ٢٩٤، تاريخ البخاري ٤/ ٣٢٤، التاريخ الصغير ٢/ ١٠ - ١١، الجرح والتعديل ٩/ ٢٦٧، ثقات ابن حبان ٣/ ٢٩٥، تاريخ الإسلام ٥/ ١٨٤، تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٨ - ١٢٩، تهذيب التهذيب ١١/ ٣١٨، حسن المحاضرة ١/ ٢٩٩، شذرات الذهب ١/ ١٧٥.\n(^٢) هذا وهم من الشارح فيزيد الذي أراد أن يوليه الوليد بن عبد الملك إنما هو يزيد بن مرثد الصنعانى الدمشقى انظر حلية الأولياء (٥/ ١٦٥)، وتاريخ دمشق (٦٥/ ٣٧٩) والمنتظم (٦/ ٢٩٢).","vol":"5","page":365},{"text":"قد قلبها فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا وأخذ بيده رغيفًا وخرج حافيا مكشوف الرأس وجعل يمشي في الأسواق ويأكل الخبز فقيل للوليد أن يزيد قد اختلط وأخبر بما فعل فتركه ا. هـ.\nقوله: فكان أبو مرثد ومرثد بن عبد الله اليزني كنيته أبو الخير (^١) بالخاء المعجمة ومرثد بالميم المفتوحة والراء والثاء المثلثة المفتوحة بن عبد الله اليزني بالمثناة تحت والزاي المفتوحتين والوزن منسوب إلى يزن بطن من حمير (^٢) المصري التابعي كان مفتي أهل مصر في زمانه وكان لا يدع الصدقة في كل يوم قاله ابن يونس روى عن عمرو بن العاص وابنه وعقبة بن عامر وغيرهما روى عنه يزيد بن أبي حبيب وكعب بن علقمة وجعفر بن ربيعة وطائفة وكان عبد العزيز بن مروان يحضره فيجلسه للفتيا.\nقال العلماء (^٣): يستحب لمن خرج إلى المسجد أن يخرج معه بصدقة يتصدق بها ففي هذا الحديث أن أبا مرثد كان لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو بكعكة أبو بصلة، وفي الرواية الآخرى حتى ربما رأيت البصل\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٨٤) طبقات ابن سعد ٧/ ٥١١، تهذيب الكمال ص ١٣١٥ و١٦٠٨، تذكرة الحفاظ ١/ ٦٨، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠٣، العبر ١/ ١٠٥، تذهيب التهذيب ٤/ ٢٩ آ، تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٢، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٢٩، حسن المحاضرة ١/ ٢٩٦، ٣٤٥، خلاصة تذهيب التهذيب ٣٧٢. تاريخ البخاري ٧/ ٤١٦، المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٩١ و٤٩٩، الجرح والتعديل ١/ ٢٩٩، طبقات الفقهاء للشيرازي ٧٨.\n(^٢) اللباب (٣/ ٤١١).\n(^٣) ينظر: الشرح الكبير على متن المقنع (٢/ ٤٣٣) المغني لابن قدامة (٢/ ٤٢٧).","vol":"5","page":366},{"text":"يحمله فأقول يا أبا الخير إن هذا ينتن ثيابك فيقول أما إني لم أجد في البيت شيئا أتصدق به غيره الحديث قال: العلماء ولو أدخل معه المسجد ثوما أو بصلا في مكتل أو خرقة ونحوها فإن كان لحاجة لم يكره كما لو خاف عليه الضياع فإن كان لغير حاجة وكانت له رائحة تنتشق كره لعدم الضرورة إليه بخلاف أكل الثوم وأن أدخله ليتصدق به لم يكره ا. هـ، قاله في تسهيل المقاصد لزوار المساجد (^١).\nوفي الحديث: الحث على الصدقة كل وقت وأنها تستر بين العبد وبين حر الشمس والنار يوم القيامة وهذا ما دامت الشمس موجودة فإذا كورت وألقيت في النار كانت الصدقة تستر من النار.\nوالصدقة وإن قلّت فإن الله تعالى يربي حتى تكون مثل الجبل العظيم وأعظم من ذلك وفي المفهم أنه في ظل العرش (^٢) ويدل عليه قوله عنه في حديث السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فيه دليل على تأخرهم إلى أن يفرغ من الحساب.\nوقد جاء في الحديث أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام والجواب عن ذلك أن فصل القضاء يكون سريعا فإنه تعالى أسرع الحاسبين قال المفسرون فيحاسب العباد كلهم في وقت واحد كل أحد يظن أنه يحاسب وحده وعن ابن عباس قال: يوم القيامة خمسون موقفا كل موقف\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٢/ خ ١٦٢٥ أزهرية).\n(^٢) المفهم (٧/ ٦٤).","vol":"5","page":367},{"text":"ألف سنة (^١) فموقف لا تسمع إلا همسا وموقف للحساب وغير ذلك ا. هـ قاله في شرح الإلمام.\n\n١٢٩١ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الصَّدَقَة لتطفئ عَن أَهلهَا حر الْقُبُور وَإِنَّمَا يستظل الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة فِي ظلّ صدقته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ وَفِيه ابْن لَهِيعَة (^٢).\nقوله: وعنه تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"إن الصدقة لتطفيء عن أهلها حر القبور وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته\" تقدم معنى الظل في الحديث قبله.\nقوله: وفيه ابن لهيعة تقدم الكلام على ابن لهيعة.\n\n١٢٩٢ - وَعَن الْحسن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فِيمَا يروي عَن ربه ﷿ أَنه يَقُول يَا ابْن آدم أفرغ من كَنْزك عِنْدِي وَلَا حرق وَلَا غرق وَلَا سرق أوفيكه أحْوج مَا تكون إِلَيْهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٣) وَقَالَ هَذَا مُرْسل وَقد روينَا عَن ابْن عمر عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ إِن الله إِذا استودع شَيْئا حفظه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (١٣٠) عن الحسن البصرى.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ ٢٨٦ (٧٨٨)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٤٩ رقم ٣٠٧٦)، قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٧٣).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٤٥ رقم ٣٠٧١). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٨٠٤) و(٧١٠٣) وضعيف الترغيب (٥١٦).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٨٧ (٥٦٠٥) و(٥٦٠٦)، وعبد بن حميد (٨٥٥)، والنسائي في الكبرى =","vol":"5","page":368},{"text":"قوله: وعن الحسن هو الحسن البصري تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - عن ربه ﵎ أنه يقول \"يا ابن آدم أفرغ من كنزك عندي ولا حرق ولا غرق ولا سرق أوفيكه أحوج ما تكون إليه\" رواه البيهقي وهذا مرسل وتقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n١٢٩٣ - وَرُوِيَ عَن مَيْمُونَة بنت سعد أنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله أَفْتِنَا عَن الصَّدَقَة فَقَالَ إِنَّهَا حجاب من النَّار لمن احتسبها يَبْتَغِي بهَا وَجه الله ﷿\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وعن ميمونة بنت سعد (ويقال: سعيد، خادم رسول الله - ﷺ - روى حديثها أيوب بن خالد، وهلال بن أبي هلال (^٢).\nقوله: أنها قالت يا رسول الله أفتنا عن الصدقة فقال: إنها حجاب من النار لمن احتسبها المراد بالاحتساب يبتغي بها وجه الله تعالى تقدم الكلام على وجه الله تعالى.\n_________\n= (١٠٢٧٣ و١٠٢٧٤ و١٠٢٧٥ و١٠٢٧٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٥٢ رقم ١٥٥١) و(٧/ ١٧ - ١٨ رقم ٦٧٢٥) والدعاء (٨٢٦)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٤٥ - ٤٦ رقم ٣٠٧٢) و(٥/ ٤٦ رقم ٣٠٧٣) والكبرى (٩/ ٢٩١ رقم ١٨٥٧٧). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٤٧) وصحيح الترغيب (٨٧٤).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥/ ٣٥ رقم ٦٢)، وأبو نعيم في المعرفة (٧٨٤٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٩/ ٤٢). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥١٧).\n(^٢) أسد الغابة (٧/ ترجمة ٧٣٠٧)، وتهذيب الكمال (٣٥/ الترجمة ٧٩٣٧).","vol":"5","page":369},{"text":"١٢٩٤ - وَعَن بُرَيْدَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يخرج رجل شَيْئا من الصَّدَقَة حَتَّى يفك عَنْهَا لحيي سبعين شَيْطَانا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَتردد فِي سَماع الْأَعْمَش من بُرَيْدَة وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا (^١) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن أبي ذَر مَوْقُوفا عَلَيْهِ قَالَ مَا خرجت صَدَقَة حَتَّى يفك عَنْهَا لحيا سبعين شَيْطَانا كلهم ينْهَى عَنْهَا (^٢).\nقوله: وعن بريدة هو أبو عبد الله ويقال: أبو سهل ويقال الحصيب ويقال أبو ساسان بريدة بن الحصيب (^٣) بضم الحاء المهملة بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد الأسلمي سكن المدينة ثم البصرة ثم مرو وتوفي بها سنة اثنتين وستين وهو آخر من توفي من الصحابة بخراسان روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على حديث\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الأموال (٨٨٣)، وأحمد ٥/ ٣٥٠ (٢٢٩٦٢)، وابن زنجويه (١٣٣١)، والبزار (٤٤٥٦)، وابن خزيمة (٢٤٥٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨ رقم ١٠٣٤)، والحاكم ١/ ٤١٧، والبيهقي في السنن (٤/ ٣١٤ - ٣١٥ رقم ٧٨١٩)، وفي الشعب (٥/ ١٣٧ رقم ٣١٩٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا أبو معاوية عن الأعمش، وابن بريدة هذا هو سليمان بن بريدة.\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٩: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وصححه الألباني الصحيحة (١٢٦٨) وضعفه في الضعيفة (٦٨٢٣) وضعيف الترغيب (٥١٨).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٤٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٥١ رقم ٩٨١٢)، وابن زنجويه في الأموال (١٣٣٢)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٣٨ رقم ٣٢٠٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥١٩).\n(^٣) الإصابة: ١/ ٢٤١، أسد الغابة: ١/ ٢٠٩، تاريخ الإسلام: ٢/ ٣٨٦، العبر: ١/ ٦٦.","vol":"5","page":370},{"text":"انفرد البخاري بحديثين ومسلم بأحد عشر أسلم بريدة قبل بدر ولم يشهدها وقيل أسلم بعدها روى عنه أبناءه عبد الله وسليمان (^١).\nقوله: - ﷺ - \"مَا يُخْرِجُ رَجُلٌ شَيْئًا مِنَ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهَا لَحْيَيْ سَبْعِينَ شَيْطَانًا\" وفي الرواية الأخرى \"كلهم ينهى عنها\" لحي الإنسان جانبي حنك الإنسان (^٢).\n\n١٢٩٥ - وَعَن أنس - ﵁ -: قَالَ كَانَ أبُو طَلْحَة أَكثر الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ مَالا من نخل وَكَانَ أحب أَمْوَاله إِلَيْهِ بيرحاء وَكَانَت مُسْتَقْبلَة الْمَسْجِد وَكَانَ رَسُول الله - ﷺ - يدخلهَا وَيشْرب من مَاء فِيهَا طيب قَالَ أنس فَلَمَّا نزلت هَذِه الآيَة: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٣) قَامَ أَبُو طَلْحَة إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن الله ﵎ يَقُول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِن أحب أَمْوَالِي إِلَيّ بيرحاء وَإِنَّهَا صَدَقَة أَرْجُو برهَا وَذُخْرهَا عِنْد الله فضعها يَا رَسُول الله حَيْثُ أَرَاك الله قَالَ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - بخ ذَلِك مَال رابح ذَلِك مَال رابح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مُخْتَصرا (^٤) بيرحاء بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨١).\n(^٢) قال السندي: لَحْيَي سبعين شيطانًا، اللَّحْيُ: منبِت اللِّحْية من الإنسان وغيره، أو العظمان اللذان فيهما الأسنان من كل ذي لَحْي.\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤٦١) و(٢٣١٨) و(٢٧٥٢) و(٢٧٥٨) و(٢٧٦٩) و(٤٥٥٤ و٤٥٥٥) و(٥٦١١)، ومسلم (٤٢ و٤٣ - ٩٩٨)، وأبو داود (١٦٨٩)، والترمذي (٢٩٩٧)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٧٨ (٣٦٢٨) والكبرى (٣٦٩٦).","vol":"5","page":371},{"text":"ممدودا اسْم لحديقة نخل كَانَت لأبي طَلْحَة - ﵁ - وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا صَوَابه بيرحى بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء مَقْصُورا وَإِنَّمَا صحفه النَّاس.\nوَقَوله: رابح رُوِيَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء الْمُثَنَّاة تَحت.\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام على أنس - ﵁ -.\nقوله: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل الحديث أبو طلحة هذا اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد بن النجار الأنصاري النجاري المدني (^١) زوج أم أنس بن مالك سكن الشام وأمه عبادة بتشديد الباء بنت خالد بن عدي نجارية أيضًا وهو من الطبقة الأولى من الأنصار شهد العقبة مع السبعين وبدرا وأحد والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين الأرقم بن المخزومي وكان راميا ورمى بين يد النبي - ﷺ - والنبي - ﷺ - خلفه وكان صبيا واختلفوا في وفاته فروى ابن سعد عن الواقدي (^٢) أن أبا طلحة مات بالمدينة في سنة أربعة وثلاثين وصلى عليه عثمان وهو يومئذ ابن سبعين سنة ودفن بالبقيع وعاش بعد النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) الإصابة: ٤/ ٥٥، أسد الغابة: ٢/ ٢٨٩، سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٧) طبقات ابن سعد: ٣/ ٥٠٤، طبقات خليفة: ٨٨، تاريخ خليفة: ١٦٦، التاريخ الكبير: ٣/ ٣٨١، المعارف: ١٦٦، ٣٠٨، تاريخ الفسوي: ١/ ٣٠٠، الجرح والتعديل: ٣/ ٥٦٤، الاستبصار: ٥٠، الاستيعاب: ٢/ ٥٥٣، ابن عساكر: ٦/ ٣٠٥/ ١، تهذيب الكمال: ٤٥٧، تاريخ الإسلام: ٢/ ١١٩، العبر: ١/ ٣٥، تهذيب التهذيب: ٣/ ٤١٤ - ٤١٥، خلاصة تذهيب الكمال: ١٢٨، شذرات الذهب: ١/ ٤٠، تهذيب تاريخ ابن عساكر: ٦/ ٤ - ١٢.\n(^٢) طبقات ابن سعد: ٣/ ٥٠٤.","vol":"5","page":372},{"text":"أربعين عاما وليس في الصحابة من كنيته أبو طلحة غيره.\nقوله: وكان أحب أمواله إليه بيرحاء قال الحافظ ﵀: بيرحاء بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا ممدودا وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا صَوَابه بيرحى بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء مَقْصورا وَإِنَّمَا صحفه النَّاس ا. هـ.\nواختلف العلماء في ضبط هذه اللفظة على أوجه فقال القاضي عياض (^١) رحمه الله تعالى: روينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها مع كسر الباء وبفتح الباء والراء قال: الباجي (^٢) قرأت هذه اللفظة على أبي ذر الهروي بفتح الراء على كل حال قال: وعليه أدركت أهل العلم والخفض بالمشرق وقال وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس وأشهر الوجوه وأصحهما فتح الموحدة وسكون الياء المثناة وفتح الراء وإهمال الهاء مقصورا واختلف في تفسير بيرحا فروي بفتح الراء على كل حال وروى بضم الراء في الرفع وفتحها في النصب وكسرها في الجر قال: القاضي (^٣) رواية المغارية بضم الراء في الرفع وبفتحها في النصب وبكسرها في الجر مع الإضافة إلى حاء على لفظ حرف المعجم وروينا عن بعض شيوخنا\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١١٥ - ١١٦) وإكمال المعلم (٣/ ٥١٦).\n(^٢) المنتقى (٧/ ٣٢٠).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ١١٥ - ١١٦)، وإكمال المعلم (٣/ ٥١٦). وشرح النووي لمسلم (٧/ ٨٤).","vol":"5","page":373},{"text":"بالوجهين وبالمد وجدته بخط الأصيلي ورواه بعضهم بريحاء ورواه بعضهم بأريحا ا. هـ.\nقوله: وكانت مستقبلة المسجد أي مقابله قال النووي: وهذا الموضع يعرف بقصر بني جُدَيلة قبلي المسجد (^١).\nقوله: وكان رسول الله - ﷺ - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب والمراد بها البئر المعروف بل هي علم على بستان كان لأبي طلحة وقال بعضهم هو حائط يسمى بهذا الاسم وليس بئر وقال: بعضهم هي اسم مال وموضع بالمدينة وقيل موضع بقرب المسجد وقيل اسم رجل نسب إليه البئر وذكر بعضهم أن هذا البئر سميت بيرحاء بزجر الإبل عنها وذلك أن الإبل يقال لها إذا زجرت عن الماء (^٢) ا. هـ.\nوهذا الحديث فيه جواز دخول الإنسان بستان غيره وما في معناه إذا علم رضاه بذلك، وفيه جواز شرب الغير بغير إذنه إذا علم رضاه بذلك أيضًا هكذا قاله: بعضهم (^٣).\nقوله: قال: أنس فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٤) قام أبو طلحة إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن الله تعالى\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٥١٦) والمطالع (١/ ٥٨٦)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٨٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١١٣ - ١١٤، ومعجم البلدان (١/ ٥٢٤)، وشرح أبي داود (٦/ ٤٤٣) وعمدة القارى (٩/ ٢٩).\n(^٣) المنتقى (٧/ ٣٢٠)، وكشف المشكل (٣/ ٢٠٥)، والتوضيح (١٠/ ٤٣٢)\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ٩٢.","vol":"5","page":374},{"text":"يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء الحديث وأنشدوا في المعنى:\nيا رجال الله هبوا ... ليس غير الله رب وا\nإن في القرآن حرفا ... هو على البخلاء صعب وا\nلن تنالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبوا\nقال الحسن: لن تكونوا أبرارا حتى تبذلوا كثير أموالكم وقال: أبو بكر الوراق لن تنالوا بر ربكم حتى تبروا إخوانكم وقال ابن عباس: البر الجنة وقال: مقاتل ثواب البر (^١).\nقوله: وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله الحديث في هذا الحديث فوائد منها ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من سخأوة النفس والمسارعة إلى القربات ألا تراه تصدق بأحب أمواله إليه مسارعا إلى تحصيل الأجر وما يقربه من الله ﷿ ومنها مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات ووجوه الطاعات وغيرها ومنها صحة الوكالة لقوله - ﵁ - لرسول الله - ﷺ - \"فضعها حيث أراك الله\" (^٢) ومنها أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين ومنها أن القرابة يرعى حقها في صلة الرحم وإن اجتمعوا إلا في أب بعيد لأن النبي - ﷺ - أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ١١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٤٦١).","vol":"5","page":375},{"text":"الأقربين فيجعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت وإنما يجتمعان مع أبي طلحة في الجد السابع، ومنها: صحة الصدقة المطلقة والحبس المطلق، وهو الذي لم يعين مصرفه، وبعد هذا يعيّن إطلاق لفظ الصدقة بمعنى الحبس وقد روي أنها بقيت وقفا بأيدي بني عمه وبه احتج غير واحد من العلماء على جواز تحبيس الأصول على الكوفيين ا. هـ، قاله القرطبي في شرح مسلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"بخ بخ\" قال أهل اللغة يقال بخ بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة وحكى القاضي (^٢) الكسر بالتنوين وحكى الأحمر التشديد فيها قال: القاضي (^٣) وروى بالرفع فإذا كررت فالاختيار تحريك الأول منونا وإسكان الثاني واختلف في معنى هذه الكلمة فقيل تقال عند المدح والرضى بالشيء وتكرر للمبالغة وقال ابن دريد معناها تعظيم الأمر وتفخيمه وقال: الداوودي بخ كلمة تقال إذا حمد الفعل وقال غيره تقال عند التعجب وسكنت الخاء فيه كما سكنت باللام في هل وبل ومن، ومن قال: \"بخ\" بكسره منونا شبهه بالأصوات كصه ومه وقال ابن السكيت بخ بخ وبه وبه بمعنى واحد (^٤) ا. هـ.\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ١٢).\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٤٥٧).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"5","page":376},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ذاك مال رابح\" والمشهور بالباء الموحدة من الربح أي من الأجر وجزيل الثواب أي يربح فيه صاحبه في الآخرة ووصف المال بالرابح لأنه يسببه ربح كما قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ (^١) وهذا على مذهب العرب في \"لابن\" و\"تامر\"؛ أي: ذو لبن وتمر كما قال النابغة:\nكليني لهم يا أميمة ناصب ... . . . . . . . . . . .\nأي: ذو نصب وتعب، وقد روى رايح بالياء بأثنتين من تحت ومعناه قريب الفائدة وقيل غير بعيد وقال ابن دينار يروح أجره ونفعه عليه في الآخرة وقال مالك: رايح من الرواح أي من شأنه الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى (^٢) ا. هـ.\nوقال بعضهم أي يروح عليك نفعه وثوابه يعني قرب وصوله إليك (^٣)، وقال: المنذري رايح بالياء المثناة من الرواح عليه بالأجر على الدوام ما بقيت أصوله وثماره ا. هـ.\n\n١٢٩٦ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا تَقول فِي الصَّلَاة قَالَ تَمام الْعَمَل قلت يَا رَسُول الله تركت أفضل عمل فِي نَفسِي أَو خَيره قَالَ مَا هُوَ قلت الصَّوْم قَالَ خير وَلَيْسَ هُنَاكَ قلت يَا رَسُول الله وَأي الصَّدَقَة وَذكر كلمة قلت فَإِن لم أقدر قَالَ بِفضل طَعَامك قلت فَإِن لم أفعل قَالَ بشق تَمْرَة قلت\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٦.\n(^٢) إكمال المعلم (٣/ ٥١٧)، والمفهم (٩/ ١٢)، والكواكب الدراري (٨/ ٥) و(١٧/ ٥٨).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٨١٨)، والنهاية (٢/ ٢٧٤).","vol":"5","page":377},{"text":"فَإِن لم أفعل قَالَ بِكَلِمَة طيبَة قلت فَإِن لم أفعل قَالَ دع النَّاس من الشَّرّ فَإِنَّهَا صَدَقَة تصدق بهَا على نَفسك قلت فَإِن لم أفعل قَالَ تُرِيدُ أَن لَا تدع فِيك من الْخَيْر شَيْئا رَوَاهُ الْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه أطول مِنْهُ بِنَحْوِهِ وَالْحَاكِم (^١) وَيَأْتِي لَفظه إِن شَاءَ الله.\n\n١٢٩٧ - وروى الْبَيْهَقِيّ وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ سَأَلت رَسُول الله - ﷺ - مَاذَا يُنجي العَبْد من النَّار قَالَ الْإِيمَان بِالله قلت يَا نَبِي الله مَعَ الإِيمَان عمل قَالَ أَن ترضخ مِمَّا خولك الله وترضخ مِمَّا رزقك الله قلت يَا نَبِي الله فَإِن كَانَ فَقِيرا لا يجد مَا يرْضخ قَالَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قلت إِن كَانَ لَا يَسْتَطِيع أَن يَأْمر بِالمَعْرُوفِ وَلا ينْهَى عَن الْمُنكر قَال فليعن الأخرق قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن كَانَ لا يحسن أَن يصنع قَالَ فليعن مَظْلُوما قلت يَا نَبِي الله أَرَأَيْت إِن كان ضَعِيفا لا يَسْتَطِيع أن يعين مَظْلُوما قَالَ مَا تُرِيدُ أَن تتْرك لصاحبك من خير ليمسك أَذَاهُ عَن النَّاس قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن فعل\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٥١٦)، والبزار (٤٠٧٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٢٢).\nوقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن أبي ذر بهذا الإسناد.\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٩: رواه البزار، وفيه العوام بن جويرية، وهو ضعيف.\nوضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٥٢٠).\nوقال في الهامش: قلت: ومع ضعف إسناده الشديد فيه ألفاظ منكرة؛ خلافًا لرواية ابن حبان والحاكم الآتية في الصحيح (٢١ - الحدود/ ١)، ونحوها رواية البيهقي هنا في الصحيح أيضًا. قلنا واللفظ الثاني هو التالى المعزو إلى البيهقي.","vol":"5","page":378},{"text":"هَذَا يدْخلهُ الْجنَّة قَالَ مَا من عبد مُؤمن يُصِيب خصْلَة من هَذِه الْخِصَال إِلَا أخذت بِيَدِهِ حَتَّى تدخله الْجنَّة (^١).\nقوله: وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر.\nقوله: إن لم أفعل قال: \"بشق تمرة\" تقدم الكلام على شق التمرة.\nقوله: فإن لم أفعل قال: \"بكلمة طيبة\" فيه أن الكلمة الطيبة سبب النجاة من النار وهي الكلمة التي فيها تطييب قلب إنسان إذا كانت مباحة أو طاعة (^٢) ذكره في شرح مشارق الأنوار.\nقوله - ﷺ - \"دع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك\" معناه صدقة على نفسه والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله تعالى كان له أجر على ذلك كما أن للمتصدق بالمال أجرًا (^٣) أما ترك الناس من الشر ففيه السلامة من (الإثم) ومطالبيهم فجعله رسول الله - ﷺ - متصدقا على نفسه بسلامتها من الغرماء فمن لم يفعل الخير فلا أقل من أن يكف لسانه عن الشر وقد نظم بعض القدماء بيتين في هذا المعنى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٣٧٣)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٥٦ رقم ١٦٥٠) والمكارم (٩٨)، والحاكم (١/ ٦٣)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٢ - ٣٣ رقم ٣٠٥٥) و(٥/ ٣٤ رقم ٣٠٥٧). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٥: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وقد تقدمت له طرق. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٦٩) وصحيح الترغيب (٨٧٦).\n(^٢) قاله النووي في شرحه على مسلم (٧/ ١٠١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٤).","vol":"5","page":379},{"text":"يا حبذا الصالحون إنهم ... في سبل الصالحات قد سلكوا\nإن لم أكن قد فعلت ما فعلوه ... فليتني قد تركت ما تركوا\nالمراد: أنه إذا أمسك عن الشر لله تعالى كان له أجر على ذلك كما أن للمتصدق بالمال أجرا.\nقوله: - ﷺ - قال \"أن ترضخ مما خولك الله وترضخ مما رزقك الله\" الحديث الرضخ بفتح الراء المهملة وسكون الضاد المعجمة وبعدها خاء معجمة وهو العطية قيل العطية القليلة، وفي الحديث أنفقي وأرضخي بمعناه قاله عياض. (^١)\nقوله - ﷺ -: \"فليعن الأخرق\" الأخرق وهو الذي ليس بصانع وقد خرق وخرق إذا لم يحسن العمل فهو أخرق وإذا لم يكن في يديه صنعة والخرقاء الحمقاء والخرقاء المثقوبة الأذن قاله صاحب المغيث (^٢) ا. هـ.\nوقال غيره يقال: رجل أخرق وإمرأة خرقاء لمن لا صنعة له فإن كان صانعا حاذقا قيل رجل صنع بفتح النون وإمرأة صناع بفتح الصاد والله أعلم قاله النووي (^٣).\nقوله: قلت: يا رسول الله أرايت إن فعل هذا يدخله الله الجنة قال: ما من مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة\n_________\n(^١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٥٦٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧٥).","vol":"5","page":380},{"text":"فانظر يا أخي بصرك الله وأراك عنده ما يسرك إلى أن الواحدة من الفعلات الصالحات تؤثر من الخير مثل هذه الآثار فكيف بمن اجتمعت له كثير من الخصال ولعمرى لقد يبعد البعد الكلي أن يخلو مؤمن عاقل مستطيع عن عمل من أعمال البر حتى لو فرط في الصلاة لا يكاد يفرط في الصيام ولو فرط فيه لا يكاد يفرط في الحج ولو فرط فيه لا يكاد يفرط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو فرط فيهما لا يكاد يفرط في نصيحة مسلم أو أعانته أو هدايته أو نفعه بوجه من الوجوه ولو خلا من ذلك كله لا يخلو من حب الله ورسوله ومتى خلا من هذه الأمور كلها والعياذ بالله فهو منافق قاله في حادي القلوب إلى لقاء المحبوب (^١).\n\n١٢٩٨ - وَرُوِيَ عَن رَافع بن خديج - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الصَّدَقَة تسد سبعين بَابا من السوء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله: وروى عن رافع بن خديج تقدم الكلام على رافع بن خديج في الزكاة.\nقوله - ﷺ -: \"الصدقة تسد سبعين بابا من السوء\" تقدم الكلام على السوء وميتته.\n_________\n(^١) حادى القلوب إلى لقاء المحبوب (لوحة ٢٥/ خ ٤٢٨٣ تشستربيتى) لابن بنت الميلق.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ٢٧٤ رقم ٤٤٠٢)، وابن عدى (٣/ ١٧)، وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٣٨٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٩٦).\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٩: رواه الطبراني في الكبير، وفيه حماد بن شعيب، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٧٩٧) وضعيف الترغيب (٥٢١).","vol":"5","page":381},{"text":"١٢٩٩ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - باكروا بِالصَّدَقَةِ فَإِن الْبلَاء لَا يتخطى الصَّدَقَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعا وموقوفا على أنس وَلَعَلَّه أشبه (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس.\nقوله - ﷺ -: \"باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة\" أي لا يتجاوزها قوله: رواه البيهقي مرفوعا وموقوفا على أنس الموقوف في اصطلاح المحدثين هو الذي من كلام الصحابة غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٥٢ - ٥٣ رقم ٣٠٨٢) والسلفى في جزء أحاديث وحكايات (٢١)، وابن الجوزى في الموضوعات (٢/ ١٥٢) مرفوعا. وأخرجه (٥/ ٥٣ رقم ٣٠٨٣) والكبرى (٤/ ٣١٨ رقم ٧٨٣١) موقوفا.\nقال البيهقي: موقوف، وكان في كتاب شيخنا أبي نصر الفامي مرفوعا، وهو وهم، وروي عن أبي يوسف القاضي، عن المختار بن فلفل مرفوعا. قال صالح بن محمد: سألت أبا بكر بن أبي شيبة عن هذا الحديث في سنة ثلاثين ومائتين فقال: من روى هذا الحديث يحتاج إلى أن يقلع له أربعة أضراس. (تاريخ بغداد).\nقال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - رواه عن المختار بن فلفل أربعة: أبو يوسف وسيمان بن عمرو وعبد الأعلى بن أبي المساور وابن إدريس، فأما أبو يوسف فلا يعرف وبشر بن عبيد الراوي عن أبي يوسف منكر الحديث بين الضعف قاله ابن عدي وأما سليمان بن عمرو فهو أبو داود النخعي، وقد أجمع العلماء على أنه كان يضع الحديث، وأما عبد الأعلى فقال يحيى: هو كذاب، وقال على: ليس بشئ، وقال ابن نمير: متروك الحديث، وأما ابن إدريس فالذي رواه عنه الصفر بن عبد الرحمن، قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان يضع الحديث، وقال أبو علي صالح بن محمد: كان كذابا، قال ولا أصل لهذا الحديث. قال الألباني في ضعيف الترغيب (٥٢٢): ضعيف جدًا.","vol":"5","page":382},{"text":"١٣٠٠ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تصدقوا فَإِن الصَّدَقَة فكاككم من النَّار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْحَارِث بن عُمَيْر عَن حميد عَنهُ (^١).\nقوله: وعنه رضي عنه تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار\" هو بفتح الفاء وكسرها والفتح أفصح وأشهر والفكاك الخلاص والفداء ومعنى فكاكك من النار أنك إذا كنت معرضا لدخول النار وهذا فكاكك ذكره في التنقيح (^٢).\n\n١٣٠١ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - باكروا بِالصَّدَقَةِ فَإِن الْبلَاء لَا يتخطاها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣) وَذكره رزين فِي جَامعه وَلَيْسَ فِي شَيْء من الْأُصُول.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٩٠ رقم ٨٠٦٠)، والاسماعيلى في المعجم (٣١٣)، والدارقطني في الأفراد (٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤٠٣)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٥٣ - ٥٤ رقم ٣٠٨٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٧٣)، وابن الجوزى في العلل (٨٢٨). قال الطبراني والدارقطني: تفرد به أبو عمير الحارث بن عمير، عن حميد، عن أنس. قال ابن الجوزى: قال ابن حبان: الحارث يروي عن الأثبات الموضوعات.\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٦: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٥٢٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨٥)، وكشف المناهج (٥/ ١٨).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٩ رقم ٥٦٤٣٦) قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن عبد الله بن محمد، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٥٢٤).","vol":"5","page":383},{"text":"١٣٠٢ - وَعَن الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله أوحى إِلَى يحيى بن زَكرِيَّا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلام بِخمْس كلِمَات أَن يعْمل بِهن وَيَأْمُر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بِهن فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فِيهِ وآمركم بِالصَّدَقَةِ وَمثل ذَلِك كَمثل رجل أسره الْعَدو فَأوثقُوا يَده إِلَى عُنُقه وقربوه ليضربوا عُنُقه فَجعل يَقُول هَل لكم أَن أفدي نَفسِي مِنْكُم وَجعل يُعْطي الْقَلِيل وَالْكثير حَتَّى فدى نَفسه الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن خُزَيْمَة وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة (^١).\nقوله: وعن الحارث الأشعري، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: في حديث الحارث الأشعري \"وآمركم بالصدقة ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه فجعل يقول هل لكم أن أفدي نفسي منكم وجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه\" (^٢) الحديث هذا أيضًا من الكلام الذي برهانه وجوده ودليله وقوعه فإن للصدقة تأثيرا عجيبا في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو ظالم بل\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٨٦٣) و(٢٨٦٤)، والنسائي في الكبرى (٨٨١٤) و(١١٤٦١)، وابن خزيمة (١٨٩٥)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم ١/ ١١٧ - ١١٨ و١١٨.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في المشكاة (٣٦٩٤)، وصحيح الترغيب (٥٥٢) و(٨٧٧) و(١٤٩٨).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"5","page":384},{"text":"من كافر وأن الله يدفع بها عنه أنواعا من البلايا وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه وقد روى في الحديث أن الصدقة تطفيء غضب الرب فهي تطفيء الذنوب والخطايا كما يطفيء الماء النار وفي تمثيل النبي - ﷺ - ذلك بمن قدم ليضرب عنقه فافتدى نفسه منهم بماله كفاية فإن الصدقة تفدي العبد من عذاب الله ﷿ فإن ذنوبه وخطاياه تقتضي هلاكه والصدقة تفديه من العذاب وتستفكه منه ذكره ابن قيم الجوزية (^١) وتقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث مبسوطا في الصلاة والله تعالى أعلم.\n\n١٣٠٣ - وَعَن رَافع بن مكيث وَكَانَ مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ حسن الملكة نَمَاء وَسُوء الْخلق شُؤْم وَالْبر زِيَادَة فِي الْعُمر وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئة وتقي ميتَة السوء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه رجل لم يسم وروى أَبُو دَاوُد بعضه (^٢).\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص ٣١).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠١١٨)، وأحمد ٣/ ٥٠٢ (١٦٠٧٩)، وأبو داود (٥١٦٢) و(٥١٦٣) أوله، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٦٢)، وأبو يعلى (١٥٤٤)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٧ رقم ٤٤٥١). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٠: روى أبو داود منه: \"حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شؤم\". فقط. رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم. وقال في ٨/ ٢٢: رواه أحمد من طريق بعض بني رافع ولم يسمه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٢٥) و(١٦٠٨) والضعيفة (٧٩٤).","vol":"5","page":385},{"text":"قوله: وعن رافع بن مكيث (^١) بفتح الميم وكسر الكاف سيأتي الكلام على رافع بن مكيث في باب الشفقة على خلق الله تعالى.\nقوله: وكان ممن شهد الحديبية، قال: صاحب مطالع الأنوار ضبطناها بالتخفيف عن المتقنين (^٢) وكذا قاله الشافعي وأهل اللغة وبعض أهل الحديث، وهو الصحيح المختار وأما عامة الفقهاء والمحدثين فيشددونها وهو قول ابن وهب قال وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة قال وهي على نحو مرحلة من مكة (^٣).\nقوله حسن الملكة نمو حسن الملكة هو الذي يحسن إلى مماليكه وخدمه والنماء الزيادة (^٤).\nقوله: وسوء الخلق شؤم والشؤم معروف.\nقوله: والبر زيادة في العمر أي الإحسان إلى الخلق والجمهور على أنها زيادة معنوية وهي أن يبارك له في عمره بكثرة الطاعات وسيأتي الكلام على هذه الألفاظ مبسوطا في كتاب البر والصدقة.\nقوله - ﷺ -: \"الصدقة تطفيء الخطيئة وتمنع ميتة السوء\" بكسر الميم معناه يموت على حالة ردية من أنواع الموت كالغرق والجوع والعطش وغيره\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٥٧).\n(^٢) مطالع الأنوار (٢/ ٣٨٤).\n(^٣) المطالع (٢/ ٣٨٤)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٦٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨١).\n(^٤) المجموع المغيث (٣/ ٢٢٨)، والنهاية (٤/ ٣٥٨) وجامع الأصول (٨/ ٤٧).","vol":"5","page":386},{"text":"فتكون تلك الصدقة سببا لدفعها (^١).\n\n١٣٠٤ - وَعَن عَمْرو بن عَوْف - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن صَدَقَة الْمُسلم تزيد فِي الْعُمر وتمنع ميتَة السوء وَيذْهب الله بهَا الْكبر وَالْفَخْر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده عَمْرو بن عَوْف (^٢) وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ وصححها ابْن خُزَيْمَة لغير هَذَا الْمَتْن.\nقوله: وعن عمر بن عوف (جد كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف. هو أبو عبد الله عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضًا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزني، كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله - ﷺ -، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (^٣)، توفي في آخر خلافة معاوية. له عن النبي - ﷺ - أحاديث. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو، روى عنه ابنه عبد الله (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتتة السوء\".\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٥/ ١٥٥١).\n(^٢) أخرجه إسحاق كما في المطالب العالية (٩٥٤)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٢ رقم ٣١)، وابن بشران في الثاني من الأمالى (١٥٠١). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه كثير بن عبد الله المزي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٥٢٦).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٣ ترجمة ٤٥٦).","vol":"5","page":387},{"text":"فقوله: \"إن صدقة المسلم\" أخرج الكافر وتقدم معنى الزيادة في العمر وميتة السوء والميتة جميع الأوجاع والهرم والفقر والميتة الحالة التي عليها يكون الإنسان من الموت وأراد بميتة السوء مالا تحمد عاقبته ولا يوثق غائلته من الحالات التي يكون عليها الإنسان عند الموت كالفقر المدقع والوصب الموجع وغيرهما (^١) والله أعلم.\nقوله: رواه الطبراني (^٢) من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده عمرو بن عوف هو كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وتقدم باقي نسبه في ترجمة أبيه (^٣).\n\n١٣٠٥ - وَعَن عمر - ﵁ - قَالَ ذكر لي أَن الْأَعْمَال تباهى فَتَقول الصَّدَقَة أَنا أفضلكم رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٤).\nقوله: وعن عمر تقدم الكلام على عمر.\nقوله: \"ذكر لي أن الأعمال تباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم\" أصله تتباهى والمباهاة المفاخرة كما في قوله - ﷺ - \"في أهل عرفة فيباهي بهم الملائكة\".\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٥/ ١٥٥١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٥ - ٦٦ ترجمة ٥٢١).\n(^٤) أخرجه إسحاق كما في المطالب (٩٥٢)، وابن خزيمة (٢٤٣٣)، وأبو على الصواف (٣٥)، والحاكم (١/ ٤١٦)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٤ - ٣٥ رقم ٣٠٥٨).\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٧٨).","vol":"5","page":388},{"text":"١٣٠٦ - وَعَن عَوْف بن مَالك - ﵁ - قَالَ خرج رَسُول الله - ﷺ - وَبِيَدِهِ عَصا وَقد علق رجل قنو حشف فَجعل يطعن فِي ذَلِك القنو فَقَالَ لَو شَاءَ رب هَذِه الصَّدَقَة تصدق بأطيب من هَذَا إِن رب هَذِه الصَّدَقَة يَأْكُل حشفا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا فِي حَدِيث (^١).\nقوله: وعن عوف بن مالك (هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفانى. أول مشاهده مع النبي - ﷺ - خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه راية أشجع، نزل الشام، وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق. روى له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وستون حديثا، روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة، روى عنه أبو أيوب الأنصاري، والمقدام بن معدى كرب، وأبو هريرة، وخلق سواهم، واتفقوا على أنه توفى بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان (^٢).\nقوله: خرج رسول الله - ﷺ - \"وبيده عصى وقد علق رجل قنو حشف\" القنو بكسر القاف وسكون النون هو العذق بكسر العين وسكون الذال المعجمة\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٨٢١)، وأبو داود (١٦٠٨)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٠٦ (٢٥١٢) والكبرى (٢٢٨٤)، وابن خزيمة (٢٤٦٧)، وابن حبان (٦٧٧٤).\nوحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٤٢٦) وصحيح الترغيب (٨٧٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٠ ترجمة ٤٧٢).","vol":"5","page":389},{"text":"كالكناسة هو كالعنقود للعنب بما عليه من الرطب والبسر وجمعه أقناء والعذق بفتح العين المهملة النخلة (^١) والحشف كاليابس الفاسد من التمر، وقال عياض: رديء التمر وما يبس منه قبل نضجه مما لا يطعم، قال عياض: وقيل الحشف هو الضعيف النوى أو العديم النوى مع رداءته كالشيص وأحشفت النخلة إذا حملت ذلك ذكره صاحب المغيث (^٢).\nقوله: يجعل يطعن في ذلك القنو يطعن بضم العين وحكى بفتحها.\nقوله - ﷺ -: \"لو شاء رب هذه الصدقة\" الحديث.\nرب الصدقة: معناه مالكها.\n\n١٣٠٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من جمع مَالا حَرَامًا ثمَّ تصدق بِهِ لم يكن لَهُ فِيهِ أجر وَكانَ إصره عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم كلهم من رِوَايَة دراج عَن ابْن حجيرة عَنهُ (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من جمع مالا حراما ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان أصره عليه\" وفي الرواية الأخرى \"فوصل به رحمه أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٤/ ٧٨).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٤٥٥).\n(^٣) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٣٨٣ و١٣٨٤)، وابن الجارود (٣٣٦)، وابن خزيمة (٢٤٧١)، وابن حبان (٣٢١٦) و(٣٣٦٧)، والحاكم ١/ ٣٩٠.\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٧٥٢) و(٨٨٠) و(١٧١٩).","vol":"5","page":390},{"text":"جمع ذلك كله ثم قذف به في جهنم\" قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١) هذا حديث صحيح يدل على صحته من الكتاب قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ (^٢) قيل هذا عام في كل شيء من الأعمال النافعات وغير ذلك ومعنى فيركمه جميعا أي يجعله بعضه على بعض فيكون مما يعذبون به كما قال: تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ (^٣).\n\n١٣٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ خير الصَّدَقَة مَا أبقت غنى وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول تَقول امْرَأَتك أنْفق عَليّ أَو طَلقنِي وَيَقُول مملوكك أنْفق عليّ أَو بِعني وَيَقُول ولدك إِلَى من تكلنا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٤) وَلَعَلَّ قَوْله تَقول امْرَأتك إِلَى آخِره من كَلَام أبي هُرَيْرَة مدرج.\nقوله وعن أبي هريرة أيضًا تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"خير الصدقة ما أبقت غنى\" تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) قمع الحرص (ص ١٤٨).\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ٣٧.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٣٥.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٤٢٧ (١٠٦٩٣) والطبراني في الأوسط (٩/ ١٨٤ رقم ٩٤٨٧) مقتصرا على أوله، وأخرجه البزار (٩١٤١)، وابن خزيمة (٢٤٣٦)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٠٢ - ١٠٣ رقم ٩٢٥١)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٩٥ - ٩٦ رقم ٣١٤٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٨١).","vol":"5","page":391},{"text":"قوله - ﷺ -: \"واليد العليا خير من اليد السفلى\" تقدم الكلام على قريبا مبسوطًا والله تعالى أعلم، وفي حديث عن طارق المحاربى (قال: فأكلنا وشبعنا، واكتلنا، واستوفينا. تم دخلنا) المدينة فإذا رسول الله - ﷺ - قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول \"يا أيها الناس يد المعطي العليا وابدا بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك\" (^١) (وفيه دليل على أنه يجب علي) الرجل نفقه الوالدين والمولودين (وقد تقدم) عليه الكلام عند قوله لهند \"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف\" (^٢) وإذا وجب للولد فالوالد بطريق الأولى ولا تجب لمن كان منهم موسرا أو قويا يمكنه تحصيل نفقته هذا مذهب الشافعي وأوجب سائر الفقهاء نفقتم عند الإعسار ولم يشترطوا الزمانة ولا تجب نفقة غير الوالدين والمولودين من الأقارب وأوجب أصحاب الرأي نفقة كل ذي رحم محرم من الإخوة وأولاد الإخوة والأعمام والأخوال ونفقة القريب على قدر الكفاية ولا يصير دينا في الذمة وإن احتاج الأب المعسر إلى نكاح فعلى الولد الموسر إعفافه بأن يعطيه مهر إمرأة أو ثمن جارية يتسراها ثم عليه نفقة زوجته وسريته ولا يجب على الأب إعفاف ولده (^٣) ا. هـ، قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٣٢)، والطبراني في الكبير (٨١٧٥) وابن حبان (١٤/ ٥١٧)، وابن خزيمة (١/ ٨٢)، والحاكم (٢/ ٦٦٨)، وسنده قوي.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢١١) و(٥٣٦٤) و(٥٣٧٠) و(٧١٨٠)، ومسلم (٧ و٨ و٩ - ١٧١٤) عن عائشة.\n(^٣) انظر شرح المشكاة (٧/ ٢٣٧٨).","vol":"5","page":392},{"text":"١٣٠٩ - وَعنهُ - ﵁ - أَنه قَالَ يَا رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ جهد الْمقل وابدأ بِمن تعول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله في حديث أبي هريرة وهو حديث الكتاب \"وابدأ بمن تعول\" تعول بفتح التاء وضم العين المهملة أي تمون وتلزمك نفقته من عيالك فإن فضل شيء فليكن للأجانب يقال عال الرجل إذا كثر عياله قال ابن الأثير (^٢) واللغة الجيدة (^٣) أعال يعيل قال ابن بطال: (^٤) فيه أن نفقته على الأهل محسوبة في الصدقة وإنما يبدأ بنفسه لأن حق نفسه عليه أعظم من حق غيره بعد الله ورسوله ولا وجه لإحياء غيره بإتلاف نفسه قال (^٥) وفيه دليل على جواز إدخار القوت لأهله وأنه لا يكون حكرة وفيه رد على الصوفية في قولهم ليس لأحد إدخار شيء في يومه لغده وإن فاعله أساء الظن بربه ولم يتوكل عليه حق التوكل.\nوقوله: أنفق علي أو طلقني هو بمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤) و(٢٤٥١)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم (١/ ٤١٤). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٤٧٢) وصحيح الترغيب (٨٨٢).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٢١).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٢١).\n(^٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٧/ ٥٣٠)\n(^٥) شرح الصحيح (٧/ ٥٣٣ - ٥٣٤) لابن بطال.","vol":"5","page":393},{"text":"فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (^١) الآية وفيه أن النفقة على الولد هو ما دام صغيرا لقوله: \"إلى من تكلنا\" وكذلك كل من لا طاقة له على الكسب كالزمن ونحوه واختلفوا في المعسر هل يفرق بينه وبين إمرأته بعدم النفقة فقال: أبو حنيفة لا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٢) الآية ولقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٣) فندب إلى نكاح الفقير فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة وقال: الأئمة الثلاثة هي مخيرة بين الصبر والفسخ لقولها إما أن يطعمني وإما أن يطلقني ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ (^٤) وإذا لم ينفق فهو مضر بها والله أعلم وأما الآية الأولى: فهي في المداينات وأما الثانية: فلم يرد الفقير الذي لا شيء معه للإجماع على أن مثله ليس مندوب على النكاح (^٥) ا. هـ.\nقوله: تقول المرأة أنفق علي أو طلقني وجوب نفقتها إن قدر فإن عجز فليطلق إن طلبته فإن لم يفعل كان لها (الفسخ) بالإعسار وهذا إذا لم يكن المانع منها كالصغيرة التي لا تطيق الوطء والغائبة بغير إذنه والناشز ولو في استمتاع دون استمتاع أو في منزل دون منزل أو (في بلد دون بلد لم تجب\n_________\n(^١) سورة سبأ، الآية: ٣٩.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٠.\n(^٣) سورة النور، الآية: ٣٢.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣١.\n(^٥) انظر: شرح الصحيح لابن بطال (٧/ ٥٣٠ - ٥٣٣)، والكواكب الدراري (٢٠/ ٥ - ٦).","vol":"5","page":394},{"text":"النفقة ويقوم بما) يحتاجون إليه من قوت وكسوة [وسكنى] بخلاف المرض والحيض والنفاس والرتق (والقرن) والصوم والصلاة المفروضين [وقوله] ويقول (العبد) أطعمني أو بعني أو استعملني إلى آخره ومفهومه أن غيرهما لا يخاطب بذلك فأما السيد [فمخاطب] وأما الأم فمخاطبة عند فقد الأب أو [عند فقره وعوزه] قاله في شرح الإلمام.\nقوله: وعنه أيضًا تقدم الكلام عليه.\nقوله: أي الصدقة أفضل قال: \"جهد المقل وإبدأ بمن تعول\" الحديث، والجهد بضم الجيم الطاقة، ومن المضموم حديث الصدقة هذا، وقوله: المقل هو الفقير، وتقدم الكلام على قوله \"وابدأ بمن تعول\" في الحديث قبله جمع كثير من الفقهاء بين هذا الحديث وبين الحديث الآخر \"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى\" إن هذا محمول على من يصبر على الإضاقة والجوع قال: الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١) أي جوع وحديث ما كان عن ظهر غنى محمول على من لا يصبر على الجوع فالأفضل في حقه أن يترك قوته ثم يتصدق بما فضل (^٢).\n\n١٣١٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - سبق دِرْهَم مائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ رجل وَكَيف ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ رجل لَهُ مَال كثير أَخذ من عرضه مائَة ألف دِرْهَم تصدق بهَا وَرجل لَيْسَ لَهُ إِلَّا دِرْهَمَانِ فَأخذ\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٢٩.\n(^٢) كشف المناهج (٢/ ١٤٧).","vol":"5","page":395},{"text":"أَحدهمَا فَتصدق بِهِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقَوْله: من عرضه بِضَم الْعين الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة أَي من جَانِبه.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"سبق درهم مائة ألف درهم\" فذكر الحديث إلى أن قال رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدق بها الحديث وقد فسر الحافظ ﵀ العرض وضبطه فقال: أي من جانبه.\n\n١٣١١ - وَعَن أم بجيد - ﵂ - أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله إِن الْمِسْكِين ليقوم على بَابي فَمَا أجد لَهُ شَيْئا أعْطِيه إِيَّاه فَقَالَ لَهَا رَسُول الله - ﷺ - إِن لم تجدي إِلَّا ظلفا محرقا فادفعيه إِلَيْهِ فِي يَده رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَزَاد فِي رِوَايَة لَا تردي سَائِلك وَلَو بظلف محرق وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٧٩ (٨٩٢٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٣٤ (٢٥٤٦) و٤/ ٥٣٥ (٢٥٤٧) والكبرى (٢٣١٨) و(٢٣١٩)، وابن خزيمة (٢٤٤٣)، وابن حبان (٣٣٤٧)، والحاكم (١/ ٤١٦).\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٨٣)، تخريج المشكلة (١١٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٣٨٤ (٢٧١٤٨ و٢٧١٤٩) و(٢٧١٥٠) و٦/ ٣٨٥ (٢٧١٥١) و(٢٧١٥٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٦٢)، وأبو داود (١٦٦٧)، والترمذي (٦٦٥)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٧٣ (٢٥٩٣) والكبرى (٢٣٦٦)، وابن خزيمة =","vol":"5","page":396},{"text":"الظلْف بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة للبقر وَالْغنم بِمَنْزِلَة الْحَافِر للْفرس.\nقوله: وعن أم بجيد، أم بجيد اسمها حواء بنت يزيد الأنصارية وكانت من المبايعات وبجيد بضم الباء الموحدة وفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف ودال مهملة (^١).\nقوله - ﷺ - لأم بجيد: \"إن لم تجدي إلا ظلفًا محرقًا فادفعيه إليه في يده\" قد ضبط الحافظ ﵀، الظلف وفسره فقال: الظلف للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس ا. هـ.\nوقد يستعار فيقال ظلف شاة كذا في النهاية (^٢) والظلف وإن كان مما لا ينتفع به فإنه استعمل ها هنا على المعتاد من مذهب العرب في كلامهم إذا بالغوا في الأمر وحثوا عليه (^٣) وقد اختلف في تأويله فقيل ضربه مثلا للمبالغة، وقيل إن الظلف المحرق وكان له عندهم قدر (^٤) قاله في شرح المشارق (^٥).\nقوله في الرواية الأخرى: \"ولا تردي سائلك ولو بظلف محرق\" أي أعطوه\n_________\n= (٢٤٧٢) و(٢٤٧٣) وابن حبان (٣٣٧٣).\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٤٦٧) وصحيح الترغيب (٨٨٤).\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٢٢٦ و٣٢٨).\n(^٢) هذا وهم من الشارح فعبارة ابن الأثير المذكورة إنما هو في شرحه لمادة (فرسن) انظر النهاية (٣/ ٤٢٩).\n(^٣) الميسر (٢/ ٤٤٤).\n(^٤) شرح أبي داود (٦/ ٤٢١) للعينى.\n(^٥) حدائق الأزهار (لوحة ١٣٧/ كتبخانة رقم ٨٧٧٨١) للأرزنجانى.","vol":"5","page":397},{"text":"ولو ظلفًا محرقًا ولم يرد رد الحرمان والمنع، وفي الحديث \"لا تردي السائل ولو بظلف\" (^١) أي لا تردوه رد حرمان بلا شيء ولو أنه ظلف قاله، في النهاية (^٢) وهذا القول إنما يقصد به المبالغة في رد السائل بأدنى ما تيسر ولم يرد به صدور هذا الفعل من المسئول عنه فإن الظلف المحرق غير منتفع به (^٣) ا. هـ.\n\n١٣١٢ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تعبد عَابِد من بني إِسْرَائِيل فعبد الله فِي صومعة سِتِّينَ عَاما فأمطرت الأَرْض فاخضرت فَأَشْرَف الراهب من صومعته فَقَالَ لَو نزلت فَذكرت الله فازددت خيرا فَنزل وَمَعَهُ رغيف أَو رغيفان فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الأرْض لَقيته امْرَأَة فَلم يزل يكلمها وتكلمه حَتَّى غشيها ثم أُغمي عَلَيْهِ فَنزل الغدير يستحم فجَاء سَائل فَأَوْمأ إِلَيْهِ أَن يَأْخُذ الرغيفين ثمَّ مَاتَ فوزنت عبَادَة سِتِّينَ سنة بِتِلْكَ الزنية فرجحت الزنية بحسناته ثمَّ وضع الرَّغِيف أَو الرغيفان مَعَ حَسَنَاته فرجحت حَسَنَاته فغفر لَهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٤) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَلَفظه إِن رَاهِبًا عبد الله فِي صومعته سِتِّينَ سنة فَجَاءَت امْرَأَة فَنزلت إِلَى جنبه\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢١٤).\n(^٣) الميسر (٢/ ٤٥٣).\n(^٤) أخرجه ابن حبان (٣٧٨). قال أبو حاتم: سمع هذا الخبر غالب بن وزير، عن وكيع ببيت المقدس، ولم يحدث به بالعراق، وهذا مما تفرد به أهل فلسطين عن وكيع. وقال الألباني: منكر جدا الضعيفة (٦٨٧٥) وضعيف الترغيب (٥٢٧) و(٥٥٢) و(١٤٣٥).","vol":"5","page":398},{"text":"فَنزل إِلَيْهَا فواقعها سِتّ لَيَال ثمَّ سقط فِي يَده فهرب فَأتى مَسْجِدا فأوى فِيهِ ثَلَاثًا لَا يطعم شَيْئا فَأتي برغيف فَكَسرهُ فَأعْطى رجلا عَن يَمِينه نصفه وَأعْطى آخر عَن يسَاره نصفة فَبعث الله إِلَيْهِ ملك الْمَوْت فَقبض روحه فَوضعت السِّتُّونَ فِي كفة وَوضعت السِّتَّة فِي كفة فرجحت يَعْنِي السِّتَّة ثمَّ وضع الرَّغِيف فرجح يَعْنِي رجح الرَّغِيف السِّتَّة (^١).\nقوله: وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر.\nقوله - ﷺ -: \"تعبد عابد من بني إسرائيل فعبد الله في صومعته ستين عاما\" الحديث الصومعة قال: بعض أهل اللغة كل منضم فهو متصمع ومن ذلك اشتقاق الصومعة وهي المعبد (^٢).\nقوله: \"فأشرف الراهب من صومعته فقال لو نزلت فذكرت الله فازددت خيرا فنزل ومعه رغيف أو رغيفان فبينما هو في الأرض لقيته امرأة فلم يزل يكلمها حتى غشيها ثم أغمي عليه فنزل الغدير يستحم فجاء سائل فأومأ إليه أن يأخذ الرغيفين ثم مات\" الحديث والغدير القطعة من السيل تبقى بعد ذهابه سمى غديرا لأن السيل غادره أي تركه (^٣)، وقال: بعضهم الغدير\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٣٢١٣).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٨٥).\n(^٢) مجمل اللغة (ص ٥٤١)، ومقاييس اللغة (٣/ ٣١٠)، والمجموع المغيث (٢/ ٣٠٢)، والمصباح المنير (١/ ٣٤٧).\n(^٣) الجراثيم (٢/ ١٦)، وكفاية المتحفظ (ص ١٨٩).","vol":"5","page":399},{"text":"مجتمع الماء (^١).\nقوله: رواه البيهقي (^٢) عن ابن مسعود موقوفا عليه فذكره إلى أن قال \"فجأت إمرأة إلى جنبه فنزل إليها فواقعها ست ليال ثم سقط في يده\" الحديث أي ندم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ (^٣) أي ندموا على عبادة العجل والعرب تقول لم ندم على أمر سقط في يده ا. هـ، قاله البغوي في تفسيره (^٤) والله أعلم.\nحكايات: تتعلق بمعنى الحديث، الأولى: روى الإمام أحمد في كتاب الزهد (^٥) عن سالم بن أبي الجعد قال كان رجل من قوم صالح قد ءاذاهم فقالوا يا نبي الله ادع الله عليه فقال اذهبوا فقد كفيتموه قال وكان يخرج كل يوم فيحتطب قال فخرج يومئذ ومعه رغيفان فأكل أحدهما وتصدق بالآخر قال فأحتطب ثم جاء بحطبه سالما فلم يصبه شيء قال فدعاه صالح وقال: أي شيء صنعته اليوم قال خرجت ومعي قرصان فتصدقت بأحدهما وأكلت الآخر فقال صالح - ﵇ - حل حطبك فحله فإذا فيه أسود مثل الجدع عاض على جدر من الحطب فقال: بهذا دفع عنك يعني بالصدقة.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١٦/ ٧٧).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٤٩.\n(^٤) ينظر: شرح السنة للبغوي (٦/ ١٩).\n(^٥) الزهد لأحمد بن حنبل (٤٩٤).","vol":"5","page":400},{"text":"الثانية: روى الطبراني في معجمه الكبير (^١) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - \"أن نفرا مروا على عيسى ابن مريم - ﵇ -، فقال: يموت أحد هؤلاء اليوم إن شاء الله، فمضوا ثم رجعوا عليه بالعشي، ومعهم حزم الحطب، فقال: ضعوا، فقال للذي قال إنه يموت اليوم: حل حطبك، فحله، فإذا فيه حية سوداء، قال: ما عملت اليوم قال: ما عملت شيئا قال: انظر ما عملت قال: ما عملت شيئا، إلا أنه كان معي في يدي فلقة من خبز فمر بي مسكين، فسألني فأعطيته بعضها، فقال: بها دفع عنك\"\nالثالثة: في تاريخ ابن النجار (^٢) في حديث الحسن بن أبي الحسن عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"كان فيمن قبلكم رجل يأتي وكر طائر، كلما أفرخ أخذ فراخه فشكا ذلك الطائر إلى الله تعالى ما يفعل به، فأوحى الله تعالى إليه إن عاد فسأهلكه، فلما أفرخ ذلك الطير، خرج ذلك الرجل كما كان يخرج، فبينما هو في بعض الطريق سأله سائل فأعطاه رغيفا كان معه يتغذاه، ثم مضى حتى أتى الوكر ووضع سلمه ثم صعد فأخذ الفرخين وأبواهما ينظران إليه، فقالا: ربنا إنك لا تخلف الميعاد، وقد وعدتنا أنك تهلك هذا إذا عاد، وقد\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٧٧٠٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٣/ ١١٠) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أحمد بن أبي شيبة، ولم أعرفه.\n(^٢) أخرجه ابن ماسى في فوائده (٣٤) من طريق أبان بن أبي عياش، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبي هريرة. وأبان ضعيف. ومن طريقه تاج الدين السبكي في معجمه (ص ٢٤٥) وذكره الدميري في حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٨٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧٢/ ١٠٢).","vol":"5","page":401},{"text":"عاد وأخذ فرخينا ولم تهلكه، فأوحى الله إليهما، ألم تعلما أني لا أهلك أحدا تصدق بصدقة في يومه بموتة سوء وقد تصدق\".\nالرابعة: في تاريخ ابن النجار أيضًا عن وهب بن منبه قال: بينما امرأة من بني إسرائيل، على ساحل البحر تغسل ثيابها، وصبي لها يدب بين يديها، إذ جاء سائل فأعطته لقمة من رغيف كان معها، فما كان بأسرع من أن جاء ذئب فالتقم الصبي، فجعلت تعدو خلفه وتقول: يا ذئب ابني يا ذئب ابني، فبعث الله ملكا فنزع الصبي من فم الذئب ورمى به إليها. وقال: لقمة بلقمة.\nوحكى أن إمرأة تصدقت برغيف فأخذ السبع ولدها فجاءت إلى بعض الصالحين فألقى السبع ولدها ونوديت لقمة بلقمة تصدقت برغيف من أجلنا فرددنا ولدك وإنا لحافظون من استودع إلينا قاله في تهذيب النفوس (^١).\nالخامسة في كتاب الثواب (^٢) عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان مريضا فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة، فلم توجد حتى وجدت بعد كذا وكذا يوما فاشتريت بدرهم ونصف، وشويت وحملت له على رغيف، فقام سائل على الباب فقال للغلام: لفها برغيفها وادفعها إليه.\nفقال الغلام: أصلحك الله اشتهيتها منذ كذا وكذا يوما، فلم نجدها فلما\n_________\n(^١) أخرجه الدينورى في المجالسة (٣٥٢٩) من طريق يزيد بن أبي حكيم العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٨٤). وانظر: حياة الحيوان (١/ ٥٠٣).\n(^٢) كتاب الثواب لأبي الشيخ مفقود.","vol":"5","page":402},{"text":"وجدناها واشتريناها بدرهم ونصف أمرت أن ندفعها له نحن نعطيه ثمنها، فقال: لفها وادفعها إليه فقال الغلام للسائل: هل لك أن تأخذ درهما وتدع هذه السمكة؟ فأخذ منه درهما وردها، فعاد الغلام وقال له: دفعت له درهما وأخذتها منه فقال له: لفها وادفعها إليه، ولا تأخذ منه شيئا، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر الله له\" (^١).\nلطيفة: في الإحياء (^٢) في كتاب كسر الشهوتين حديث لا يستدير الرغيف ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا أولهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة ثم الملائكة التي تزجي السحاب والشمس والقمر والأفلاك وملكوت الهوى ودواب الأرض وآخر ذلك الخباز: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (^٣) الآية.\n\n١٣١٣ - وَعَن الْمُغيرَة بن عبد الله الْجعْفِيّ قَالَ جلسنا إِلَى رجل من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - يُقَال لَهُ خصفة بن خصفة فَجعل ينظر إِلَى رجل سمين\n_________\n(^١) أخرجه من طريق أبي الشيخ الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (١٠٧٢)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١٤٢)، والسلفى في السادس عشر من المشيخة البغدادية (١٢) وابن الجوزى في الموضوعات (٣/ ١٣٨). قال ابن الجوزى: هذا حديث موضوع، والمتهم به عمرو بن خالد. قال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يروي موضوعات، كذبه أحمد ويحيى.\n(^٢) قوت القلوب (١/ ٣٥٠)، وإحياء علوم الدين (٣/ ٧٩).\n(^٣) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤.","vol":"5","page":403},{"text":"فَقلت لَهُ مَا تنظر إِلَيْهِ فَقَالَ ذكرت حَدِيثا سمعته من رَسُول الله - ﷺ - سمعته يَقُول هَل تَدْرُونَ مَا الشَّديد قُلْنَا الرجل يصرع الرجل قَالَ إِن الشَّديد كل الشَّديد الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب تَدْرُونَ مَا الرقوب قُلْنَا الرجل الَّذِي لا يُولد لَهُ قَالَ إِن الرقوب الرجل الَّذِي لَهُ الْوَلَد لم يقدم مِنْهُم شَيْئا ثم قَالَ تَدْرُونَ مَا الصعلوك قَالَ قُلْنَا الرجل الَّذِي لا مَال لَهُ قَالَ إِن الصعلوك كل الصعلوك الَّذِي لَهُ المَال لم يقدم مِنْهُ شَيْئا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَينظر سَنَده (^١) قَالَ الْحَافِظ وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي كتاب الملبس بَاب فِي الصَّدَقَة على الْفَقِير بِمَا يلْبسهُ.\nقوله: وعن المغيرة بن عبد الله الجعفي (ويقال المغيرة بن سعيد الجعفى، ويقال عروة بن عبد الله الجعفى روى عنه يزيد بن خصفة مجهول).\nقوله: جلسنا إلى رجل من أصحاب النبي - ﷺ - يقال له خصفة بن خصفة.\nقوله - ﷺ -: \"يقول هل تدرون ما الشديد قلنا الرجل يصرع الرجل قال إن الشديد كل الشديد الرجل الذي يملك نفسه عند الغضب\".\nوفي رواية: \"ما تدرون ما الصرعة فيكم قالوا الذي لا تصرعه الرجال قال هو الذي يملك نفسه عند الغضب\" (^٢) الصرعة بضم الصاد وفتح الراء المبالغ في الصراع الذي لا يغلب فنقله إلى الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها فإنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه ولذلك قال \"أعدى عدو لك نفسك التي\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٤٤ - ٤٥ رقم ٣٠٧٠) والخطيب في المتفق والمفترق (١٥٦٧). وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٧٤٠) وصححه في صحيح الترغيب (٨٨٦) إلا زيادة تدرون من الصعلوك فضعفها في ضعيف الترغيب (٥٢٨).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"5","page":404},{"text":"بين جنبيك\" وهذا من الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي لضرب من التوسع والمجاز وهو من فصيح الكلام لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شهوة الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه (^١) ومعناه أنكم تعتقدون أن الصرعة الممدوح القوي الفاضل هو الذي لا تصرعه الرجال بل يصرعهم وليس هو كذلك شرعا بل هو من يملك نفسه عند الغضب فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقة ومشاركته في فضيلته بخلاف الأول (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"تدرون ما الرقوب قلنا الرجل الذي لا يولد له قالوا إن الرقوب الرجل الذي له الولد ثم لم يقدم منهم شيئا\" الحديث، الرقوب: بفتح الراء وتخفيف القاف وأصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد ومعنى الحديث أنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعًا، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا (^٣) وقال: في الفائق (^٤) وكذا في النهاية (^٥) الرقوب في اللغة الرجل والمرأة إذا لم يعيش لهما ولد (لأنه) متى ترقب موته وترصده خوفا عليه فنقله - ﷺ - إلى الذي لم\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٦٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٦٢).\n(^٤) الفائق في غريب الحديث (٢/ ٧٦).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٤٩).","vol":"5","page":405},{"text":"يقدم من الولد شيئا أي يموت قبله تعريفا أن الأجر والثواب لمن قدم شيئا من الولد وإن الإعتداد به أكثر والنفع به أعظم وإن فقدهم وإن كان في الدنيا عظيما فإن فقد الأجر والثواب على الصبر والتسليم للقضاء في الأخرة أعظم وإن المسلم ولده في الحقيقة من قدمه واحتسبه ومن لم يرزق ذلك فهو كالذي لا ولد له.\nففي هذا الحديث فضل موت الأولاد والصبر عليهم ويتضمن الدلالة لمذهب من يقول بتفضيل التزويج وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحابنا وفيه فضيلة كظم الغيظ وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاطبة والمنازعة (^١) انتهى.\nخاتمة: عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما رزقت ولد قط ولا ولد لي فقال: \"أين أنت عن كثرة الاستغفار والصدقة يرزق الله تعالى بهما الولد\" فكان الرجل يكثر الصدقة ويكثر الاستغفار قال: جابر فولد له تسعة من الذكور (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٢) الأربعين من حديث أبي حنيفة (٥١) ينظر: الإيماء إلى زوائد الأمالي والأجزاء (٢/ ٢٠٠) وهو موضوع.","vol":"5","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>[الترغيب في صدقة السر]</span>\n١٣١٤ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله الإِمَام الْعَادِل وشاب نَشأ فِي عبَادَة الله ﷿ وَرجل قلبه مُعَلّق بالمساجد ورجلان تحابا فِي الله اجْتمعَا على ذَلِك وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الله وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة هَكَذَا (^١). ورويناه أَيْضا وَمَالك وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَو أبي سعيد على الشَّك (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله\" الحديث. قال القاضي عياض (^٣) رحمه الله تعالى: إضافة الظل إلى الله تعالى إضافة ملك وكل ظل فهو لله تعالى وملكه وخلقه وسلطانه والمراد هنا ظل العرش كما جاء في حديث آخر مبينا والمراد يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين ودنت منهم الشمس واشتد عليهم حرها وأخذهم العرق ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش وقد يراد به هنا ظل الجنة وهو نعيمها والكون فيها\n_________\n(^١) البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).\n(^٢) مالك (٢٧٤٢)، والترمذي (٢٣٩١).\n(^٣) إكمال المعلم (٣/ ٥٦٢).","vol":"5","page":407},{"text":"كما قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ (^١) قال القاضي عياض (^٢): وقال ابن دينار: المراد بالظل هنا الكرامة والكنف والكثرة من المكارم في ذلك الموقف قال: وليس المراد ظل الشمس قال القاضي: وما قاله معلوم في اللسان يقال فلان في ظل فلان أي في كنفه وحمايته قال: وهذا أولى الأقوال وعلى أن المراد بالظل ظل العرش يكون إضافته إلى العرش لأنه مكان التقرب والكرامة وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفي ظله.\nقوله - ﷺ -: \"الإمام العادل\" قال: القاضي (^٣) هو كل من إليه نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام وبدأ به لكثرة مصالحه وعموم نفعه ووقع في أكثر النسخ الإمام العادل، وفي بعضها الإمام العدل وهما صحيحان (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"وشاب نشأ في عبادة الله ﷿\" أي ليس له صبوة أي ميل إلى الهوى وهي المرة منه قاله في النهاية. (^٥)\nقوله - ﷺ -: \"رجل قلبه معلق بالمساجد\" هكذا هو في جميع النسخ كلها في المساجد، وفي غير هذه الرواية بالمساجد ووقع في هذه الرواية في أكثر النسخ معلق في المساجد، وفي بعضها معلق بالمساجد بالباء وكلاهما صحيح\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٥٧.\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٦٢).\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٦٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢١).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٨٤).","vol":"5","page":408},{"text":"ومعناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود في المساجد (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ورجلان تحاب في الله تعالى اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه\" معناه اجتمعا على حب الله وافترقا على حب الله تعالى أي كان سبب اجتماعهما حب الله واستمرا على ذلك حتى تفرقا من مجلسهما وهما صادقان في حب كل واحد منهما صاحبه لله تعالى حال اجتماعهما وافتراقهما، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى التَّحَابِّ فِي اللهِ وَبَيَانُ عِظَمِ فَضْلِهِ وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ فَإِنَّ الْحُبَّ فِي اللهِ وَالْبُغْضَ فِي اللهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَهُوَ بِحَمْدِ اللهِ كَثِيرٌ يُوَفَّقُ لَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ أَوْ مَنْ وُفِّقَ لَهُ (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ورجل دعته إمرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله\".\nقوله: \"منصب\" أي قدر وشرف نصاب الرجل ومنصبه أصله، قال: القاضي عياض (^٣) يحتمل قوله: \"إني أخاف الله\" أن يكون ذلك باللسان وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فِي قَلْبِهِ لِيَزْجُرَ نَفْسَهُ وَخَصَّ ذَاتَ الْمَنْصِبِ وَالْجَمَال لِكَثْرَةِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَعُسْرِ حُصُولِهَا وَهِيَ جَامِعَةٌ لِلْمَنْصِبِ وَالْجَمَالِ لَا سِيَّمَا وَهِيَ دَاعِيَةٌ إِلَى نَفْسِهَا طَالِبَةٌ لِذَلِكَ قَدْ أَغْنَتْ عَنْ مَشَاقِّ التَّوَصُّلِ إِلَى مُرَاوَدَةٍ وَنَحْوِهَا فَالصَّبْرُ عَنْهَا لِخَوْفِ اللهِ تَعَالَى وَقَدْ دَعَتْ إِلَى نَفْسِهَا مَعَ جَمْعِهَا\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٥٦٢)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢١).\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٤٥٧).","vol":"5","page":409},{"text":"الْمَنْصِبَ وَالْجَمَالَ مِنْ أَكْمَلِ الْمَرَاتِبِ وَأَعْظَمِ الطَّاعَاتِ فَرَتَّبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنْ يُظِلَّهُ فِي ظِلِّهِ وَذَاتُ الْمَنْصِبِ هِيَ ذَاتُ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ الشَّرِيفِ وَمَعْنَى دَعَتْهُ أي دعته إلى الزنى بِهَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَاهُ.\nوقول المدعو في هذا الحال أني أخاف الله وامتناعه لذلك دليل على عظيم معرفته بالله تعالى وشدة خوفه من عقابه وحيائه من الله تعالى وهذا هو المقام اليوسفي (^١) ذكر القاضي عياض في قوله: \"دعته إمرأة\" احتمالين أصحهما ما تقدم والثاني أنه يحتمل أنها دعته لنكاحها فخاف العجز عن القيام بحقها أو إن الخوف من الله تعالى شغله عن لذات الدنيا وشهواتها (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" وفي رواية \"حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله\" كذا روى الحديث في مسلم والصحيح المعروف حتى \"لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" هكذا رواه مالك في الموطأ (^٣) والبخاري في صحيحه (^٤) وغيرهما من الأئمة وهو وجه الكلام لأن المعروف في النفقة فعلها باليمين (^٥)، وفي هذا الحديث فضل صدقة السر قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع فالسر فيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل وهكذا\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ٤٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٢).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) إكمال المعلم (٣/ ٥٦٣)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٢).","vol":"5","page":410},{"text":"حكم الصلاة فإعلان فرائضها أفضل وإسرار نوفلها أفضل لقوله - ﷺ -: \"أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\" (^١) قال العلماء: وذكر اليمين والشمال مبالغة في الإخفاء والإستتار بالصدقة وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال وملازمته لها ومعناه لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين لمبالغة الإخفاء ونقل القاضي عن بعضهم أن المراد من عن يمينه وشماله من الناس والصواب الأول (^٢).\nقال الإمام القرطبي (^٣): وقد سمعنا من بعض المشايخ أن معنى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه المبالغة في إخفاء الصدقة وهو أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له درهما مثلا في شيء يساوي نصف درهم فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة وهو اعتبار حسن.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه\" خاليا يعني من الخلق ومن الالتفات إلى غير الله وفيض العين بكاؤها وهو على حسب حال الذاكر وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى فإن انكشف له غضبه وسخطه فبكاؤه عن خوف وإن انكشف له جماله وجلاله فبكاؤه عن محبة وشوق وهكذا يتلون الذاكر بتلون ما تذكر من الأسماء والصفات (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٣١) صحيح مسلم (٧١٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٢).\n(^٣) المفهم (٩/ ٤٥).\n(^٤) المفهم (٩/ ٤٥).","vol":"5","page":411},{"text":"وفيه فضيلة البكاء من خشية الله تعالى وفضل طاعة السر لكمال الإخلاص فيها (^١).\nفائدة: نظم بعض الفضلاء (^٢) هذه السبعة المذكورة في الحديث في بيتين هما:\nإِمَام محب نَاشِئ متصدق ... مصل وَبَاكٍ خَائِف سطوة الباس\nيظلهم الرَّحْمَن فِي ظلّ عَرْشه ... إِذا كَانَ يَوْم الْحَشْر لَا ظلّ للنَّاس\nوالله أعلم.\n\n١٣١٥ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لما خلق الله الأَرْض جعلت تميد وتكفأ فأرساها بالجبال فاستقرت فعجبت الْمَلَائِكَة من شدَّة الْجبَال فَقَالَت يَا رَبنَا هَل خلقت خلقا أَشد من الْجبَال قَالَ نعم الْحَدِيد قَالُوا فَهَل خلقت خلقا أَشد من الْحَدِيد قَالَ النَّار قَالُوا فَهَل خلقت خلقا أَشد من النَّار قَالَ المَاء قَالُوا فَهَل خلقت خلقا أَشد من المَاء قَالَ الرّيح قَالُوا فَهَل خلقت خلقا أَشد من الرّيح قَالَ ابْن آدم إِذا تصدق بِصَدقَة بِيَمِينِهِ فأخفاها من شِمَاله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^٣).\nقوله: وروي عن أنس تقدم الكلام على أنس بن مالك.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٥٦٤)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٣).\n(^٢) هو أبو شامة المقدسى كما في فوات الوفيات (٢/ ٢٧١)، والوافى بالوفيات (١٨/ ٦٩)، والمنهل الصافى (٧/ ١٦٦).\n(^٣) الترمذي (٣٣٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٤١)، وأحمد (١٢٢٥٣)، وعبد بن حميد (١٢١٥)، وأبو يعلى (٤٣١٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٧٧٠).","vol":"5","page":412},{"text":"قوله - ﷺ -: \"لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتكفأ فأرساها بالجبال فاستقرت\" الميد الميل.\nقوله: (جعلت تميد فأرساها بالجبال) الميد الميل يقال: ماد يميد (^١)، إذا مال وتحرك، ومنه حديث ابن عباس \"فدحا الله الأرض من تحتها فمادت\".\nقوله - ﷺ -: \"قالوا\" يعني الملائكة \"يا ربنا فهل خلقت خلقا أشد من الريح قال ابن ءادم إذا تصدق بصدقة بيمينه فأخفاها من شماله\" الحديث وليس المراد شدة يديه وإنما المراد قوة قلبه وثباته على امتثال الأوامر واجتناب النواهي ولا يتمكن الإنسان من نيل مكرمة ولا دفع كريهة إلا بالشجاعة المعبر عنها بقوة القلب فلهذا كان المتصدق سرًا أقوى المخلوقات وأشدها لهذا الحديث ذكره ابن النحاس في تنبيهه والله أعلم، فعلمنا بهذا الحديث أن من قدر على إخفاء الصدقة فهو أشد المخلوقات (^٢).\nقوله: \"فأرساها بالجبال\" أي ضرب بالجبال على الأرض فاستقرت فذكر الحديث إلى أن قال \"ابن ءادم إذا تصدق بصدقة فأخفاها\" يعني لمخالفة النفس وقهر الشيطان (^٣).\nاعلم أن الصدقة الموصوفة إنما كانت أشد من الريح وهو أشد مما قبله لأن صدقة السر تطفيء غضب الرب وغضب الرب تعالى لا يقابله شيء في\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٧٩).\n(^٢) ذكره ابن النحاس في مصارع العشاق (ص ٩٥٧).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٥٤٦)، وشرح المشكاة (٥/ ١٥٥٩).","vol":"5","page":413},{"text":"الصعوبة فإذا عمل ابن ءادم عملا توسل به إلى إطفائه كان أشد وأقوى من هذه الأجرام ولأن نفس الإنسان جبلت على غرائز لا يلينها شيء من هذه الأجرام الشديدة فهي أشد من كل شديد لأن الحديد دافع للحجر والنار دافعة والماء دافعة والريح دافعة (^١) ا. هـ.\nفعلمنا بهذا الحديث أن من قدر على إخفاء الصدقة فهو أشد المخلوقات (^٢).\n\n١٣١٦ - وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن صَدَقَة السِّرّ تطفئ غضب الرب ﵎ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه صَدَقَة بن عبد الله السمين وَلَا بَأْس بِهِ فِي الشواهد (^٣).\nقوله: وعن معاوية بن حيدة، وحيدة بفتح الحاء المهملة وإسكان الياء المثناة تحت [ابن معاوية بن قيس بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيرى البصري الصحابى، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية الراوى عن أبيه، عن جده، وغزا خراسان ومات بها، سئل يحيى بن معين، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، فقال: إسناد صحيح إذا كان من دونهم ثقة (^٤)].\n_________\n(^١) انظر الميسر (٢/ ٤٥٠)، وشرح المشكاة (٥/ ١٥٥٩ - ١٥٦٠)، وشرح المصابيح (٢/ ٤٨٤).\n(^٢) مصارع العشاق (ص ٩٥٦).\n(^٣) الطبراني في الكبير (١٠١٨)، وفي الأوسط (٩٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٥)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه صدقة بن عبد الله وثقه دحيم وضعفه جماعة، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٧٩).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠١ ترجمة ٥٨٧).","vol":"5","page":414},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إن صدقة السر تطفيء غضب الرب ﵎\" قال: عبد العزيز بن أبي رواد كان يقال ثلاثة من كنوز الجنة كتمان المرض وكتمان المصيبة وكتمان الصدقة، وقال: ابن أبي الجعد إن الصدقة لتدفع سبعين بابا من السوء وفضل سرها على علانيتها سبعين ضعفا ذكره الحافظ الدمياطي في كتابه المتجر الرابح (^١).\nقوله: وفيه صدقة بن عبد الله السمين (ضعفه أحمد والبخاري، وابن نمير، والنسائي والدارقطني، وقال أبو زرعة: كان قدريا لينا، وقال ابن عدي: أكثر حديثه مما لا يتابع عليه وهو إلى الضعف أقرب ووثقه دحيم وأبو حاتم وأحمد بن صالح المصري).\n\n١٣١٧ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - صنائع الْمَعْرُوف تَقِيّ مصَارِع السوء وَصدقَة السِّرّ تطفئ غضب الرب وصلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة.\nقوله - ﷺ -: \"صنائع المعروف تقي مصارع السوء\" الحديث المعروف اسم\nجامع لما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس والمنكر ضد ذلك قاله أبو السعادات (^٣).\n_________\n(^١) المتجر الرابح (ص ٢٨٧).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٨٠١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٥)، رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٨٠).\n(^٣) النهاية (٣/ ٢١٦).","vol":"5","page":415},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وصدقة السر تطفيء غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر\" تقدم الكلام على الرحم وهي القرابة وتقدم الكلام على الزيادة في العمر وسيأتي الكلام أيضًا على الزيادة في كتاب بر الوالدين مطولا.\n\n١٣١٨ - وَرُوِيَ عَن أم سَلمَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - صنائع الْمَعْرُوف تَقِيّ مصَارِع السوء وَالصَّدَقَة خفِيا تطفئ غضب الرب وصلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر وكل مَعْرُوف صَدَقَة وَأهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا هم أهل الْمَعْرُوف فِي الآخِرَة وَأهل الْمُنكر فِي الدُّنْيَا هم أهل الْمُنكر فِي الْآخِرَة وَأول من يدْخل الْجنَّة أهل الْمَعْرُوف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وروي عن أم سلمة تقدم الكلام على أم سلمة.\nقوله: \"صنائع المعروف تقي مصارع السوء والصدقة خفيا تطفيء غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"وكل معروف صدقة\" المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات ونهى عنه من المقبحات والصدقة العطية التي يبتغي بها المثوبة من الله تعالى فكل ما يفعل من أعمال البر والخير كان ثوابه كثواب من تصدق بالمال.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٦٠٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٥)، وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي، وهو ضعيف. وقال الألباني حسن، دون قوله: \"وأول من يدخل الجنة أهل المعروف\"، صحيح الترغيب والترهيب (٨٨١).","vol":"5","page":416},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة وأول من يدخل الجنة أهل المعروف\" الحديث أي من بذل معروفه للناس في الدنيا أداه الله جزاء معروفه في الآخرة، وقيل أراد من بذل جاهه لأصحاب الجرائم التي لا تبلغ الحدود فيشفع فيهم شفعه الله في أهل التوحيد في الآخرة وروي عن ابن عباس في معناه أنه يأتي أصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة فيغفر لهم بمعروفهم وتبقى حسناتهم جامة فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته فيغفر له ويدخل الجنة فيجتمع لهم الإحسان إلى الناس في الدنيا والآخرة قاله في النهاية (^١) وسئل أبو جعفر عن معنى قول النبي - ﷺ - \"أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة\" فكيف يكون المعروف في الآخرة قال: معروفهم في الآخرة أنهم يشفعون لغيرهم لأنهم كانوا يعملون المعروف في الدنيا فيأمنون على أنفسهم فيشفعون لغيرهم ذكره السمرقندي في كتاب النوازل (^٢).\n\n١٣١٩ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن أَبَا ذَر قَالَ يَا رَسُول الله مَا الصَّدَقَة قَالَ أَضْعَاف مضاعفة وَعند الله الْمَزِيد ثمَّ قَرَأَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (^٣) قيل: يَا رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أفضل\n_________\n(^١) الغريبين (٤/ ١٢٦١)، والنهاية (٣/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٢) فتاوى النوازل (لوحة ٢٦٨/ خ ٢٤١٤).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٤٥.","vol":"5","page":417},{"text":"قَالَ سر إِلَى فَقير أَو جهد من مقل ثمَّ قَرَأَ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (^١). رَوَاهُ أَحْمد مطولا وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَفِي إسنادهما عَليّ بن يزِيد (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة.\nقوله: أن أبا ذر قال: يا رسول الله ما الصدقة قال: \"أضعاف مضاعفة وعند الله المزيد ثم قرأ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (^٣) \" قال الكسائي القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ وقال: ابن كيسان (^٤) القرض أن تعطي شيئا ليرجع إليك مثله أو ليقضي شبهه فشبه الله تعالى عمل المؤمنين لله ﷿ على ما يرجون من ثوابه بالقرض وأصل القرض القطع ومنه قرض الفأر الثوب وسمي الشعر قريضا لأنه يقطعه من كلامه وسمي الدين قرضا لأنه يقطعه من ماله [ومعنى قوله] قرضا حسنا قال (علي بن الحسين) الواقدي يعني محتسبا طيبة بها نفسه [شبه الله ﷿ عمل المؤمنين لله ﷿ على ما يرجون ثوابه بالقرض؛ لأنهم إنما يعطون ما ينفقون] ابتغاء ما وعدهم الله ﷿ من جزيل الثواب (^٥)\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٧١.\n(^٢) أحمد (٢٢٢٨٨)، والطبراني في الكبير (٧٨٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٦)، وفيه علي بن يزيد وفيه كلام.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٤٥.\n(^٤) ينظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٤٣٠) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/ ٣)\n(^٥) تفسير الثعلبى (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، والتفسير البسيط (٤/ ٣١١ - ٣١٣).","vol":"5","page":418},{"text":"فالقرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازي عليه (^١) وقال: أهل الإشارة أمر الله تعالى بالصدقة على لفظ القرض إظهارا لمحبته لعباده المؤمنين وذلك أنه لا يستقرض إلا من الأحبة ولذلك قال يحي بن معاذ الرازي عجبت لمن يبقى له مال ورب العزة يستقرضه وقال: بعضهم هذا ترغيب (^٢) قال: أهل التفسير (^٣) كما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^٤) قال أبو الدحداح (^٥) فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض قال: \"نعم يريد أن يدخلكم الجنة\" قال: فإني أن أقرضت ربي قرضا تضمن لي به الجنة قال: \"نعم من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة\" قال: وزوجتي أم الدحداح معي قال: \"نعم\" قال نأولني يدك فناوله رسول الله - ﷺ - يده فقال إن لي حديقتين إحداهما بالسالفة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما وجعلتهما قرضا لله ﷿ فقال رسول الله - ﷺ - \"اجعل إحداهما لله ﷿ والأخرى معيشة لك ولعيالك\" قال: فأشهدك يا رسول\n_________\n(^١) تفسير البغوي (١/ ٢٩٤).\n(^٢) تفسير الثعلبى (٢/ ٢٠٦).\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري (٥/ ٢٨٢) تفسير التستري (ص: ١٦١) تفسير ابن أبي حاتم - محققا (٢/ ٤٦٠).\n(^٤) سورة الحديد، الآية: ١١.\n(^٥) أخرجه أحمد (١٢٤٨٢) وعبد بن حميد (١٣٣٤) وابن حبان (٧١٥٩)، والحاكم ٢/ ٢٠، وعنه البيهقي في الشعب (٣٤٥١) وأصله من حديث جابر بن سمرة عند مسلم (٩٦٥).","vol":"5","page":419},{"text":"الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة قال: \"إذا يجزيك الله به الجنة\" قال: فانطلق أبو الدحداح حتى أتى أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشا يقول:\nهَدَاكِ رَبِّي سُبُلَ الرَّشَادِ ... إِلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالسَّدَادِ\nبينِي مِنَ الْحَائِطِ بِالْوِدَادِ ... فَقَدْ مَضَى قَرْضًا إِلَى التَّنَادِّ\nأَقْرَضْتُهُ اللهَ عَلَى اعْتِمَادِي ... بِالطَّوْعِ لَا مَنٍّ وَلَا ارْتِدَادٍ\nإِلَّا رَجَاءَ الضِّعْفِ فِي الْمَعَادِ ... فَارْتَحِلِي بِالنَّفْسِ وَالْأَوْلَادِ\nوَالْبِرُّ لَا شَكَّ فَخَيْرُ زَادِ ... قَدَّمَهُ الْمَرْءُ إِلَى الْمَعَادِ\nقالت أم الدحداح: ربح بيعك بارك الله لها فيما اشتريت وأجابته أم الدحداح وأنشأت تقول:\nبَشَّرَكَ اللهُ بِخَيْرٍ وَفَرَحْ ... مِثْلُكَ أَدَّى مَا لَدَيْهِ وَنَصَحْ\nأزلك الحظ إذا الحظ وضح ... قَدْ مَتَّعَ اللهُ عِيَالِي وَمَنَحْ\nبِالْعَجْوَةِ السَّوْدَاءِ وَالزَّهْوِ الْبَلَحْ ... . . . . . . . . . .\nوَالْعَبْدُ يَسْعَى وَلَهُ مَا قَدْ كَدَحْ ... طُولَ الليالي وعليه ما اجترح\nثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر فقال رسول الله - ﷺ -: \"كم من عذق دواح ودار فياح في الجنة لأبي الدحداح\" (^١) دواح العظيم الشديد العلو وكل شجرة عظيمة دوحة ومنه حديث الرؤيا فأتينا على دوحة عظيمة أي\n_________\n(^١) تفسير الثعلبى (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وتفسير القرطبي (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩).","vol":"5","page":420},{"text":"شجرة (^١)، والعذق بالفتح النخلة بحملها والعذق بالكسر الكناسة (^٢) وهي العرجون بما فيه من الشماريخ ويجمع على عذاق (^٣) والرداح المرأة الثقيلة الأوراك وكتِيبَةٌ رَداحٌ: ثقيلةُ السير والجمع ردح (^٤).\nوقوله: ودار فياح ودار فيحاء أي واسعة وبحر أفيح بين الفيح وفياح أيضًا بالتشديد قال: الأصمعي أنه لجواد فياح وفياض بمعنى وفاحت الغارة اتسعت وفياح مثل قطام اسم للغارة وكانوا يقولون: فِيحي فَياحِ، أي اتَّسعي (^٥) والله أعلم.\nقوله: قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال \"سر إلى فقير أو جهد من مقل\" وتقدم أن الجهد من المقل الصدقة.\n\n١٣٢٠ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة يُحِبهُمْ الله وَثَلَاثَة يبغضهم الله فَأَما الَّذين يُحِبهُمْ فَرجل أَتَى قوما فَسَأَلَهُمْ بِالله وَلم يسألهم بِقرَابَة بَينهم وَبَينه فمنعوه فَتخلف رجل بأعقابهم فَأعْطَاهُ سرا لَا يعلم بعطيته إِلَّا الله وَالَّذِي أعطَاهُ وَقوم سَارُوا ليلتهم حَتَّى إِذا كَانَ النّوم أحب إِلَيْهِم مِمَّا يعدل بِهِ فوضعوا رؤوسهم فَقَامَ يتملقني وَيَتْلُو آياتي وَرجل كَانَ فِي سَرِيَّة فلقي الْعَدو فهزموا فَأقبل بصدره حَتَّى يقتل أَو يفتح لَهُ وَالثَّلَاثَة الَّذين يبغضهم الله الشَّيْخ\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٣٨).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٥٢٢).\n(^٣) النهاية (٣/ ١٩٩).\n(^٤) كتاب الأفعال (٢/ ٦ - ٧)، والصحاح (١/ ٣٦٥).\n(^٥) الصحاح (١/ ٣٩٣).","vol":"5","page":421},{"text":"الزَّانِي وَالْفَقِير المختال والغني الظلوم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهما إِلَا أَن ابْن خُزَيْمَة لم يقل فمنعوه وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ ذكره فِي بَاب كَلَام الْحور الْعين وَصَححهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره وَيبغض الشَّيْخ الزَّانِي والبخيل والمتكبر وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينهم وبينه فمنعوه\" يعني يقول السائل أسألكم فأعطوني بالله ولم يقل أعطوني بحق قرابتي بيني وبينكم يعني (إذا سأل بالله) وجب إجابته تعظيما لاسم الله تعالى فإذا منعوه فقد اجترموا جرما عظيما وإذا أعطاه واحد سرا فله فضيلتان إحدهما [أنه عظم اسم] الله تعالى والثانية أنه تصدق سرا [، وصدقة السر لها فضيلة] (^٢).\nوقوله \"وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي\" والتملق معناه التضرع (^٣).\n(وقوله) \"حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به\" أي مما يقابل يعني غلب عليهم النوم حتى إذا صار النوم أحب إليهم من كل ما يعطونه في مقابلة\n_________\n(^١) النسائي (٥/ ٨٤)، وفي الكبرى (١٢٢٣)، والترمذي (٢٥٦٨)، وأحمد (٢١٣٥٥) وابن حبان (٣٣٥٠)، والحاكم (١/ ٤١٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦١٠).\n(^٢) المفاتيح (٢/ ٥٤٤).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٥٤٥)، وشرح المشكاة (٥/ ١٥٥٧).","vol":"5","page":422},{"text":"النوم فقام سرا أي نزل القوم المسئول [عنهم خلفه، وتقدم] فأعطاه ولم يطلع القوم على إعطائه ا. هـ.\n\"ورجل كان في سرية فلقي القوم العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له\" فهؤلاء الثلاثة انفردوا عن رفقتهم بمعاملة الله سرا بينهم وبينه فأحبهم الله فكذلك من يذكر الله في غفلة الناس أو من يصوم في أيام غفلة الناس عن الصيام وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد كثيرة منها أنه يكون أخفى وإخفاء النوافل وأسرارها أفضل لا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه ولهذا قيل أنه ليس فيه رياء ومنها أنه أشق على النفوس وأفضل الأعمال أشقها على النفوس وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم فسهلت الطاعة وإذا كثرت الغفلات وأهله تأسى بهم عموم الناس فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدون بهم فيها ولهذا المعنى قال: النبي - ﷺ - \"للعامل منهم أجر خمسين منكم أنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون\" (^١) قال - ﵇ - \"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء\" (^٢) وفي رواية قيل ومن الغرباء قال: \"الذين يصلحوا إذا فسد الناس\" (^٣) ومنها أن المنفرد بالطاعة بين أهل\n_________\n(^١) ينظر: تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٣/ ١٣٤٨).\n(^٢) صحيح مسلم (١٤٥).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٦٦٩٠) ابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ٤٥٧.","vol":"5","page":423},{"text":"المعاصي والغفلة قد يدفع به البلاء عن الناس كلهم فكأنه يحميهم ويدافع عنهم والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا (^١) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم\" المختال هو المتعاظم في نفسه المتكبر (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ١٣١ - ١٣٢).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٢٨٤).","vol":"5","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>الترغيب في الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم</span>\n١٣٢١ - عَن زَيْنَب الثقفية امْرَأَة عبد الله بن مَسْعُود - ﵄ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تصدقن يَا معشر النِّسَاء وَلَو من حليكن قَالَت فَرَجَعت إِلَى عبد الله بن مَسْعُود فَقلت إِنَّك رجل خَفِيف ذَات الْيَد وَإِن رَسُول الله - ﷺ - قد أمرنَا بِالصَّدَقَةِ فائته فَاسْأَلْهُ فَإِن كَانَ ذَلِك يجزئ عني وَإِلَّا صرفتها إِلَى غَيْركُمْ فَقَالَ عبد الله بل ائته أَنْت فَانْطَلَقت فَإِذا امْرَأَة من الْأَنْصَار بِبَاب رَسُول الله - ﷺ - مثل حَاجَتهَا حَاجَتي وَكَانَ رَسُول الله - ﷺ - قد ألقيت عَلَيْهِ المهابة فَخرج علينا بِلَال - ﵁ - فَقُلْنَا لَهُ ائْتِ رَسُول الله - ﷺ - فَأخْبرهُ أَن امْرَأتَيْنِ بِالْبَابِ يسألانك أتجزئ الصَّدَقَة عَنْهُمَا على أزواجهما وعَلى أَيْتَام فِي حجورهما وَلَا تخبره من نَحن قَالَت فَدخل بِلَال على رَسُول الله - ﷺ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ - من هما فَقَالَ امْرَأَة من الْأَنْصَار وَزَيْنَب فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَي الزيانب قَالَ امْرَأَة عبد الله بن مَسْعُود فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَهما أَجْرَانِ أجر الْقَرَابَة وَأجر الصَّدَقَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقوله: عن زينب الثقيفة امرأة عبد الله بن مسعود هي زينب ابنة عبد الله بن معاوية قيل بنت أبي معاوية الثقيفة، وقيل اسمها رائطة وقيل ريطة صحابية\n_________\n(^١) البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠)، والترمذي (٦٣٥)، والنسائي (٥/ ٩٢)، وفي الكبرى (٩٢٠٠)، وابن ماجه (١٨٣٤).","vol":"5","page":425},{"text":"روى عنها جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم (^١).\nقوله: \"تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن\" بفتح الحاء وسكون اللام مفردا بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمعا (^٢) وسيأتي الكلام على المعشر في النكاح.\nقولها - ﵂ -: فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم.\nقال النووي (^٣): هو بفتح الياء أي يكفي.\nقال الجوهري (^٤): جزي عني هذا الأمر أي قضى ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (^٥) قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي في شرح مسلم (^٦) هذا لا يدل على أنها الصدقة الواجبة وهي الزكاة وطرق الحديث تدل على ذلك وإنما ذلك لما وعظهن النبي - ﷺ - بقوله: \"تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار\" وفي رواية: \"فإنكن أكثر حطب جهنم بادرن هذا الأمر\" وأخذن في التصدق لتحصل لهن الوقاية من النار فكأنها قالت أتقينى هذه\n_________\n(^١) الاستيعاب (٤/ ١٨٤٨ ترجمة ٣٣٥٣ و٤/ ١٨٥٦ ترجمة ٣٣٦٢)، وأسد الغابة (٧/ ١٢٢ ترجمة ٦٩٤٣ و٧/ ١٣٦ ترجمة ٦٩٧٥)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٤ ترجمة ١١٦٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٦ - ٨٧).\n(^٣) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٣٤) وشرح النووي على مسلم (٧/ ٨٧).\n(^٤) الصحاح (٦/ ٢٣٠٢).\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ٤٨.\n(^٦) المفهم (٩/ ١٥).","vol":"5","page":426},{"text":"الصدقة من النار وكأنها خافت أن تصدقت على زوجها لا ينفعها ذلك ولا يكون لها في ذلك أجر ولذلك قال - ﵇ - لهما في جوابه \"لهما أجران\" ولم يقل تجزيء أولا.\nففي هذا الحديث دليل على أن جهنم بالمعذبين قال الله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^١) وفيه إشارة إلى أن الصدقة من دوافع عذاب جهنم (^٢) وقد صح أنه - ﷺ - قال: \"اتقوا النار لو بشق تمرة\" (^٣) وفيه دليل على جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها لكن فيما لا يجحف بحق الزوج مما لا يكون له بال فأما ما له بال من مالها فليس لها أن تخرجه بغير معاوضة إلا بإذن الزوج بدليل ما أخرجه النسائي (^٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحل لإمرأة أن تقضي مال من مالها إلا بإذن زوجها\" نقلته من حفظ وسماع لا من كتاب وهذا مذهب مالك والذي له بال عنده الثلاث فصاعدا (^٥).\nوقال: بعضهم أيضًا فيه صدقة المرأة من حليها بغير إذن زوجها لأنه لا يملك ذلك فلا اعتراض له ومن المالكية من يرى الحجر عليها في مقدار\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٤.\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٣٤٥)، والعدة (٢/ ٧١٠)، والإعلام (٤/ ٢٣١).\n(^٣) سبق.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) المفهم (٩/ ١٦).","vol":"5","page":427},{"text":"الصداق لأن فيه حق الاستمتاع (^١) قاله في شرح الإلمام (^٢)\nوقال ابن عقيل: في هذا الحديث الدلالة على جواز صرف الصدقة المفروضة إلى الزوج وهو مذهب الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى منع ذلك واحتجوا له بأنا لو جوزنا صرفها إلى الزوج لعادت إليها بسبب النفقة فكأنها لم تخرج شيئا وهو منقوض بصرف الزكاة إلى من له عليه دين فإنه جائز مع أن فيه ما ذكروه من [عودها عليها] (^٣) والله أعلم.\nواختلف قول مالك في الصدقة الواجبة على القرابة غير الوالدين والولد والزوجة بالجواز والكراهة ووجه هذه الكراهة مخافة أن يفسد نية أداء الفرض ويضعف فإما الوالدان والولد الفقراء فلا تدفع الزكاة إليهم بالإجماع.\nاختلفوا في المرأة هل تعطي زوجها الفقير من الزكاة فأجازه الشافعي وأبو يوسف ومحمد ابن الحسين وأبو ثور وأشهب إذا لم يصر فيها إليها فيما يلزمه لها ولم [يجزه] مالك ولا أبو حنيفة واختلف فيه عن الإمام أحمد (^٤).\nتنبيه: لفظ الصدقة يتناول الفرض والنفل فإن قلت السياق يقتضي التخصيص بالتطوع قلت القياس يقتضي التعميم والقياس حجة لا السياق (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) المفهم (١٣/ ٦٣).\n(^٢) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.\n(^٣) انظر الحاوي (٨/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\n(^٤) المفهم (٩/ ١٦).\n(^٥) الكواكب الدراري (٨/ ٦).","vol":"5","page":428},{"text":"قال في المنتقى وهذا عند أكثر العلماء في صدقة التطوع.\nقوله: \"وَكَانَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ\" أي العظمة والخوف يعني أعطى الله تعالى رسوله مهابة يخاف الناس منه أن يُدخَل في داره (^١).\nقوله: فخرج علينا بلال قلنا له ائت رسول الله - ﷺ - فأخبره أن إمرأتين بالباب يسألانك أتجزيء الصدقة عنهما على أزواجهما بفتح الياء أي تكفي يقال أجزاني الشيء أي كفاني وتقدم بيانه.\nوقوله: على أزواجهما هذه أفصح اللغات وبها جاء القرآن العزيز ويقال على زوجها وعلى زوجيهما (^٢).\nوقوله على أيتام في حجورهما حمل لفظ وأيتام في حجرى على أن الإضافة ليست إضافة الولادة إنما هي إضافة التربية (^٣) والحجور جمع حجر وهو من الثوب ما تحت الصدر إلى [الذيل]؛ يعني: على أولاد لهما، ليس لأولئك الأولاد [أب (^٤)] وهذا محمول على أنهم لم يكونوا ممن تجب نفقتهم عليها والمشهور من مذهب الشافعي ﵀ أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى من تجب نفقته على المعطي أو على غيره قاله ابن عقيل الحنبلي (^٥).\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٥٤٨)، وشرح المصابيح (٢/ ٤٨٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٧).\n(^٣) الكواكب الدراري (٨/ ١٢).\n(^٤) المفاتيح (٢/ ٥٤٨).\n(^٥) ينظر: الشرح الكبير على متن المقنع (٢/ ٤٣٣) المغني لابن قدامة (٢/ ٤٢٧) المبدع في في شرح المقنع (٢/ ٣٠٩) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (٣/ ٣) =","vol":"5","page":429},{"text":"قولهما: لبلال ولا تخبره من نحن ثم أخبرهما. هو خطاب لبلال أي لا تعين اسمنا فلا تقل أن السائلة فلانة بل قل تسألك إمرأتان مطلقا (^١) وليس هذا من إفشاء السر المذموم لأنه في جواب النبي - ﷺ - وجوابه - ﷺ - \"واجب محتم لا يجوز تأخيره ولا يقدم عليه غيره\" وقد تقرر أنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"أي الزيانب\" أي آية زينب من الزيانب.\nقوله - ﷺ -: \"لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة\" وفيه الحث على الصدقة على الأقارب وصلة الرحم وإن فيها أجرين (^٣).\n\n١٣٢٢ - وَعَن سلمَان بن عَامر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة وعَلى ذَوي الرَّحِم ثِنْتَانِ صَدَقَة وصلَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَفظ ابْن خُزَيْمَة قَالَ الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة وعَلى الْقَرِيب صدقتان صَدَقَة وصلَة (^٤).\n_________\n= شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٨٧) كشاف القناع عن متن الإقناع (٢/ ١٦٥) حاشية الروض المربع (٣/ ١٦٢).\n(^١) الكواكب الدراري (٨/ ١١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٨).\n(^٤) النسائي (٥/ ٩٢)، والترمذي (٦٥٨)، وابن ماجه (١٨٤٤) وابن خزيمة (٢٣٨٥)، وابن حبان (٣٣٤٤)، وأحمد (١٦٢٢٧)،، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٨٣).","vol":"5","page":430},{"text":"قوله: وعن سَلْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَجَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَيْمِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ ضَبَّةَ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر الضبي والضبي (^١) منسوب إلى ضبة جد من أجداده قال: مسلم بن الحجاج ليس في الصحابة ضبي غيره نزل البصرة وله بها دار بقرب الجامع روى له البخاري حديثا واحدا وأما حديثه في المهذب عن النبي - ﷺ - \"إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فعلى الماء فإن الماء طهور\" (^٢) فرواه [أبو داود، والترمذي، قاله النووي] والدميري (^٣).\nقوله - ﷺ - \"الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة رحم\" وفيه الحث على الصدقة على ذي الرحم أي القرابة فإن كان بينه وبينه منافسة كانت الصدقة عليه أفضل من الصدقة على قريبه المصادق له.\n_________\n(^١) طبقات خليفة: ٣٩، ١٧٧، وتاريخ البخاري الكبير: ٢٢٣٦، والمعرفة ليعقوب: ١/ ٣٢١، والجرح والتعديل: ١٢٩١، وثقات ابن حبان: ١/ ١٦٨،، والاصابة: ٣٣٥٦ والاستيعاب: ٢/ ٦٣٣، وأسد الغابة: ٢/ ٣٢٧، وتهذيب الأَسماء واللغات: ١/ ٢٢٨، والكاشف: ٢٠٣٨،، وتهذيب ابن حجر: ٤/ ١٣٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨) و(٦٩٥)، والنسائي في الكبرى (٣٣٢٠) و(٦٧٠٧)، وابن ماجه (١٦٩٩)، الحميدي (٨٢٣)، وابن خزيمة (٢٠٦٧) و(٢٣٨٥) والدارمي ١/ ٣٩٧، والفسوي في المعرفة والتاريخ ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٣٨)، والبغوي في شرح السنة (١٦٨٤) و(١٧٤٣) وعبد الرزاق في المصنف (٧٥٨٧)، وابن أبي شيبة ٣/ ١٠٧، قال الألباني: ضعيف - والصحيح من فعله - ﷺ - ضعيف سنن الترمذي (ص: ٧٣).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩ ترجمة ٢٢٠)، وكشف المناهج (٢/ ١٦٧ - ١٦٨).","vol":"5","page":431},{"text":"فائدة: صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقربين، من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم. وكذلك إن بعدوا أو أساءوا وقطع الرحم ضد ذلك كله يقال: وصل رحمه يصلها وصلا وصلة، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر قاله في النهاية (^١).\n\n١٣٢٣ - وَعَن حَكِيم بن حزَام - ﵁ - أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله - ﷺ - عَن الصَّدقَات أَيهَا أفضل قَالَ على ذِي الرَّحِم الْكَاشِح رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن (^٢).\nالْكَاشِح بالشين الْمُعْجَمَة هُوَ الَّذِي يضمر عداوته فِي كشحه وَهُوَ خصره يَعْنِي أَن أفضل الصَّدَقَة على ذِي الرَّحِم الْقَاطِع الْمُضمر الْعَدَاوَة فِي بَاطِنه.\nقوله: وعن حكيم بن حزام تقدم الكلام على حكيم بن حزام أن رجلا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصدقات أيها أفضل قال: \"ذي الرحم الكاشح\" (^٣) الكاشح قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو الذي يضمر عدواته في كشحة وهو خصره وقال غيره الكشح ما بين الخاصرة والضلع يعني أن أفضل الصدقات الصدقة على ذي الرحم القاطع المضمر العداوة في باطنه.\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٢) أحمد (١٥٣٢٠)، والطبراني في الكبير (٣١٢٦)، والدرامي (١٧٢١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٦)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٨٤).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"5","page":432},{"text":"تنبيه: وإنما فضلت هذه الصدقة لمخالفة الهوى فإن من تصدق على ذي قرابة يحبه فقد أنفق على هواه فإن من الناس من يعلم فضيلة التصدق على القرابة إلا أنه يكون بينهما عداوة دنيوية فيمتنع من مواساته مع علمه [بفقره] ولو واساه كان له أجر الصدقة والقرابة ومجاهدة الهوى ا. هـ، قاله ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس (^١).\n\n١٣٢٤ - وَعَن أم كُلْثُوم بنت عقبَة - ﵂ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أفضل الصَّدَقَة الصَّدَقَة على ذِي الرَّحِم الْكَاشِح رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: وعن أم كلثوم بنت عقبة (هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هي بضم الكاف، واسم أبى معيط أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلمت أم كلثوم، ﵂، وهاجرت وبايعت النبي - ﷺ -، وكانت هجرتها سنة سبع من الهجرة، وهى أخت عثمان بن عفان، - ﵁ -.\nولما هاجرت تزوجها زيد بن حارثة، فاستشهد يوم مؤتة، ثم تزوجها الزبير بن العوام، ثم طلقها، ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف فمات عنها، ثم تزوجها عمرو بن العاص - ﵁ -، فماتت عنده، قيل: أقامت عنده شهرا ثم ماتت. قال\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (ص: ٣٥٠).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٠٤)، وابن خزيمة (٢٣٨٦)، والحاكم (١/ ٤٠٦)، والحميدي (٣٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٦)، رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٨٥).","vol":"5","page":433},{"text":"الحاكم أبو أحمد في كتابه الأسماء والكنى: هي أول مهاجرة من مكة إلى المدينة، وهى أم حميد بن عبد الرحمن بن عوف التابعى المشهور (^١).\nقوله - ﷺ -: \"أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح\" تقدم تفسير ذلك في الحديث قبله.\n\n١٣٢٥ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الصَّدَقَة على ذي قرَابَة يضعف أجرهَا مرَّتَيْنِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عبد الله بن زحر (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي.\nقوله - ﷺ -: \"إن الصدقة على ذي قرابة يضعف أجرها مرتين\" (^٣).\nقوله: رواه الطبراني (^٤) من طريق عبيد الله بن زحر [\"ضعفوه، وتركه الدارقطني\" (^٥)].\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦ ترجمة ١٢٠٥).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٧٨٣٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٧)، رواه الطبراني في الكبير وفيه عبيد الله بن زحر وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٨٦).\n(^٣) بياض بمقدار ٦ كلمات.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) قال الحافظ في التقريب (٤٣١٩): صدوق يخطيء.","vol":"5","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>الترهيب من أن يسأل الإنسان مولاه أو قريبه من فضل ماله فيبخل عليه أو يصرف صدقته إلى الأجانب وأقرباؤه محتاجون</span>\n١٣٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَا يعذب الله يَوْم الْقِيَامَة من رحم الْيَتِيم ولان لَهُ فِي الْكَلَام ورحم يتمه وَضَعفه وَلم يَتَطَاوَل على جَاره بِفضل مَا آتَاهُ الله وَقَالَ يَا أمة مُحَمَّد وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَا يقبل الله صَدَقَة من رجل وَله قرَابَة محتاجون إِلَى صلته ويصرفها إِلَى غَيرهم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات وَعبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ قَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بالمتروك (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"والذي بعثني بالحق لا يقبل الله صدقة من رجل وله قرابة محتاجون إلى صلته ويصرفها إلى غيرهم والذي نفسي بيده لا ينظر الله إليه يوم القيامة\" ونظر الله ﷾ لعباده هو رحمته ولطفه بهم والله تعالى أعلم (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٨٨٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١٧)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف، وقال أبو حاتم ليس بالمتروك، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٦).","vol":"5","page":435},{"text":"قوله: رواه الطبراني (^١) ورواته ثقات وعبد الله بن عامر الأسلمي، وقال: أبو حاتم ليس بالمتروك (^٢) [وقال يحيى بن معين: ليس بشيء وفي رواية ضعيف وضعفه أحمد والنسائي والبخاري، وقال أبو أحمد بن عدي: عزيز الحديث، لا يتابع في بعض حديثه، وهو ممن يكتب حديثه (^٣)].\n\n١٣٢٧ - وَعَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله من أبر قَالَ أمك ثمَّ أمك ثمَّ أمك ثمَّ أَبَاك ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يسْأَل رجل مَوْلاهُ من فضل هُوَ عِنْده فيمنعه إيَّاه إِلَّا دعِي لَهُ يَوْم الْقِيَامَة فَضله الَّذِي مَنعه شجاعا أَقرع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ (^٤). وَالنَّسَائِيّ (^٥). وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٦). قَالَ أَبُو دَاوُد: الْأَقْرَع الَّذِي ذهب شعر رَأسه من السم.\nقوله: وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده هو أبو عبد الملك بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة (^٧) بفتح الحاء المهملة بعدها ياء مثناة تحت ساكنة\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) عبارة أبي حاتم: هو ضعيف، ليس بالمتروك [الجرح والتعديل (٥/ ١٢٣)].\n(^٣) تهذيب الكمال (١٥/ الترجمة ٣٣٥٥).\n(^٤) أبو داود (٥١٣٩)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٨٦).\n(^٥) النسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٢٠٠٢٠)، وعبد الرزاق (٦٨٦٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ رقم ٩٧٨).\n(^٦) الترمذي (١٨٩٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٣)، والحاكم (٤/ ١٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٨٣٩).\n(^٧) ينظر ترجمته في: تاريخ يحيى برواية الدوري: ٢/ ٦٤، والدارمي: ١٩٩، وتاريخ البخاري الكبير: ٢/ ١/ ١٤٢ - ١٤٣، والمعرفة ليعقوب: ٢/ ٢٨٨ - ٢٩٦، ٧١٧، ٣/ ١٦٩ والجرح =","vol":"5","page":436},{"text":"القشيري البصري روى عن أبيه وزوارة بن أوفى وغيرهما روى عنه الزهري وابن عون وسليمان التميمي وهم تابعيون وثّقه ابن معين وابن المديني والنسائي (^١) وغيرهم، وقال: ابن عدي (^٢) لم أر له حديثا منكرا وقال: الحاكم (^٣) هو ثقة وإنما أسقط من الصحيح لأن روايته عن أبيه عن جده شاذة لا متابع له عليها قال: أبو داود (^٤) وهو عندي حجة قيل له فعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لا ولا نصف حجة (^٥) وتوقف فيه ابن حبان وغيره (^٦) وقال: أبو حاتم (^٧) لا يحتج به قال يحيى إسناده عن أبيه عن جده صحيح، وقال: يحيى بن معين والجمهور هو ثقة يحتج به (^٨) قال الخطيب البغدادي (^٩) حدث عنه الزهري [ومحمد] بن عبد الله الأنصاري وبين وفاتيهما [، وحدث عنه التيمى والأنصارى، وبين وفاتيهما ثنتان أو إحدى وتسعون سنة] ا. هـ\n_________\n= والتعديل لابن أَبي حاتم: ١/ ١/ ٤٣٠ - ٤٣١، والمجروحين لابن حبان: ١/ ١٩٤، وثقات ابن شاهين وإكمال ابن ماكولا: ١/ ٣٨٠، وتهذيب الأَسماء للنووي: ١/ ١٣٧.\n(^١) الكامل في ضعفاء الرجال (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) ميزان الاعتدال (١/ ٣٥٣).\n(^٣) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٤/ ٢٦٠) تاريخ الإسلام ت بشار (٣/ ٨٢٤).\n(^٤) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٤/ ٢٥٩).\n(^٥) تاريخ الإسلام (٣/ ٨٢٤)، وتذهيب تهذيب الكمال (٢/ ٦١ - ٦٢).\n(^٦) المجروحين لابن حبان: ١/ ١٩٤.\n(^٧) والجرح والتعديل لابن أَبي حاتم: ١/ ١/ ٤٣٠ - ٤٣١.\n(^٨) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٧).\n(^٩) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٤/ ٢٥٩) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٨).","vol":"5","page":437},{"text":"[وحكيم بن معاوية بن حيدة القشيري البصري، والد بهز بن حكيم، وسعيد بن حكيم، ومهران بن حكيم روى عن أبيه] روى عنه بنوه بهز وسعيد ومهران وسعيد [بن حكيم وأبو قزعة سويد] بن حجير قال: النسائي (^١) ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات (^٢) قال: ابن الأثير حسن الحديث (^٣) [ومعاوية بن حيدة عداده فيمن] نزل البصرة [روى عنه: ابنه حكيم بن معاوية وحميد المزني والد عبد الله بن حميد] وعروة بن رُوَيم مات بخراسان [وكان قد غزا خراسان (^٤)] قاله في شرح (الإلمام).\nقوله - ﷺ -: \"أمك ثم أمك ثم أمك\" قال: قلت يا رسول الله من أبر الناس فقال: رسول الله - ﷺ - \"أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب\" الحديث أبر بفتح الهمزة والباء لأن ماضيه مكسور العين تقول بررت والدي بالكسر أبره بالفتح وإذا أمرت منه قلت يا فلان بر والديك بفتح الباء من بر والدك لأن الأمر مأخوذ من المضارع (^٥) ا. هـ كذا أملاه بعض الفضلاء.\nقوله - ﷺ -: \"لا يسأل رجل مولاه من فضل هو عنده فيمنعه إياه إلا (دُعِيَ لَهُ) يوم القيامة فضله الذي منعه شجاعا أقرع\" قال: أبو داود الأقرع الذي ذهب شعر رأسه من السم قاله الحافظ وتقدم الكلام على الشجاع في الزكاة.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٤/ ٢٦٣).\n(^٢) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٤/ ٢٥٩).\n(^٣) جامع الأصول (١٢/ ٣١٧).\n(^٤) تهذيب الكمال (٢٨/ ١٧٢ - ١٧٣ ترجمة ٦٠٥١).\n(^٥) تقويم اللسان (ص ٨١) لابن الجوزى وشرح النووي على مسلم (٢/ ٧٦).","vol":"5","page":438},{"text":"١٣٢٨ - وَعَن جرير بن عبد الله البَجلِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من ذِي رحم يَأْتِي ذَا رَحمَه فيسأله فضلا أعطَاهُ الله إِيَّاه فيبخل عَلَيْهِ إِلَّا أخرج الله لَهُ من جَهَنَّم حَيَّة يُقَال لَهَا شُجَاع يتلمظ فيطوق بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير بِإِسْنَاد جيد (^١).\nالتلمظ تطعم مَا يبْقى فِي الْفَم من آثَار الطَّعَام.\nقوله: وعن جرير بن عبد الله البجلي وتقدم الكلام على جرير.\nقوله - ﷺ -: \"إلا أخرج الله له من جهنم حية يقال: لها شجاع يتلمظ فيطوق به\" تقدم الكلام على الشجاع ويتلمظ قد فسره الحافظ (^٢) فقال: التلمظ: تطعم ما يبقى في الفم من آثار الطعام.\n[وجرير بن عبد الله] اليماني الصحابي أسلم سنة عشر في رمضان وكان سيد قومه بسط له النبي - ﷺ - ثوبًا ليجلس عليه وقال: \"إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه\" ثم بايعه وَوَجَّهَهُ إلى ذي الخَلَصَة (^٣) فهدمها ودعا له - ﵇ - حين بعثه إليها وقال: \"اللهم اجعله هاديا مهديا\" (^٤) وشهد فتح المدائن واعتزل\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٥٥٩٣)، والكبير (٢٣٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٤)، رواه الطبراني، وإسناده جيد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٨٧).\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٦٨).\n(^٣) صنم لدوس كانوا يعبدونه.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٣٧١٢) والبيهقي ٨/ ١٦٨ وابن عدي في الكامل ٣/ ١٢١٥، وأبو الشيخ في الأمثال (١٤٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٦١) وقال الألباني صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٦٩).","vol":"5","page":439},{"text":"عليا ومعاوية وقال: ما حجبني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم وقال: فيه عمر ما رأيت رجلًا أحسن من صورة جرير إلا ما بلغنا من صورة يوسف وقال: هو يوسف هذه الأمة وقال: عبد الملك بن عمير كان [حدثني إبراهيم بن جرير: أن عمر ابن الخطاب قال: إن جريرا يوسف هذه الأمة] وكان [وجهه شقة] قمر [وكانت نعله] ذراعا وأصيبت عينه مات سنة إحدى وخمسين، وقيل أربع وخمسين (^١) انتهى.\nوتقدم الكلام على قوله: \"فيطوق به في الزكاة\".\n\n١٣٢٩ - وَعَن عبد الله بن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَيّمَا رجل أَتَاهُ ابْن عَمه يسْأَله من فَضله فَمَنعه مَنعه الله فَضله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَهُوَ غَرِيب (^٢).\nقوله: وروى عن عبد الله بن عمر تقدم الكلام على عبد الله بن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"أيما رجل أتاه ابن عمه يسأله من فضله فمنعه منعه الله فضله يوم القيامة\" الفضل عبارة [عن ما يتفضل به زيادة من غير سبب يوجبه].\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٩١٧).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (١١٩٥)، وفي الصغير (٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٤)، وفيه محمد بن الحسن القردوسي، ضعفه الأزدي بهذا الحديث، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٨٨).","vol":"5","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>[الترغيب في القرض وما جاء في فضله]</span>\n١٣٣٠ - عَن الْبَراء بن عَازِب - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من منح منيحة لبن أَو ورق أَو هدى زقاقا كَانَ لَهُ مثل عتق رَقَبَة رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nوَمعنى قَوْله منح منيحة ورق إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ قرض الدِّرْهَم.\nوَقَوله أَو هدى زقاقا إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ هِدَايَة الطَّرِيق وَهُوَ إرشاد السَّبِيل انْتهى.\nقوله: عن البراء بن عازب هو بفتح الباء وبالمد هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف العلماء من أهل الحديث [القرض بفتح القاف] وكسرها وممن حكى كسرها ابن السكيت والجوهري (^٢) وءاخرون عن حكاية الكسائي وهو في اللغة القطع سمى بذلك لأنه قطعة من مال المقرض (^٣) وأهل الحجاز يسمونه سلفا وأهل العراق يسمونه قرضًا (^٤) والقرض والسلم قيل هما بمعنى\n_________\n(^١) أحمد (١٨٥١٦)، والترمذي (١٩٥٧)، وابن حبان (٥٠٩٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٩٠)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٧)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢٦١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٨٥).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١١٠١).\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٩٣).\n(^٤) النجم الوهاج (٤/ ٢٧٨).","vol":"5","page":441},{"text":"واحد والقرض ما لا أجل له والقرض الفعل الحسن ومنه من يقرض غير عديم وقيل في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^١) قيل يعمل عملًا حسنًا وقيل سمى بذلك لما قدمه الإنسان ورجى زخر الثواب شبهها بالقرض في المداينة والسلف (^٢) والإقراض رخصة ليس على سبيل المعاوضات قال: الغزالي وكأنه عند الشافعي إذن في الإتلاف بشرط الضمان أو هو [قريب] منه أي فيه شوب منه وفيه نظر (^٣) ا. هـ.\nقوله: عن البراء بن عازب البراء هو بفتح الباء وبالمد هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف العلماء من أهل الحديث والتاريخ والأسماء واللغة والمؤتلف والمختلف ويقال أبو الطفيل البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني وأمه حبيبة بنت أبي حبيبة، وقيل أم خالد بن ثابت وأبوه عازب صحابي ذكر محمد بن سعد في الطبقات أنه أسلم روى له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث اتفق البخاري ومسلم منها على اثنين وعشرين وانفرد البخاري بخمس عشرة ومسلم بستة روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي وأبو حجيفة الصحابيان وجماعة من التابعين نزل الكوفة وتوفي بها يوم بدرا وأول مشاهده أحد وشهد\n_________\n(^١) سورة الحديد، الآية: ١١.\n(^٢) مطالع الأنوار (٥/ ٣٣٧).\n(^٣) النجم الوهاج (٤/ ٢٧٩).","vol":"5","page":442},{"text":"البراء مع أبي موسى غزوة تستر وشهد مع على الجمل وصفين والنهروان هو وأخوه عبيد بن عازب وكان للبراء إبنان يزيد وسويد (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من منح منيحة لبن أو ورق أو هدى زقاقا كان له مثل عتق رقبة\" الحديث قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْمَنِيحَةُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعْطِيَ الْإِنْسَانُ آخَرَ شَيْئًا هِبَةً وَهَذَا النَّوْعُ يَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْأَرْضِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، الثَّانِي: أَنَّ الْمَنِيحَةَ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ يَنْتَفِعُ بِلَبَنِهَا وَوَبَرِهَا وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا زَمَانًا ثُمَّ يَرُدُّهَا على صاحبها (^٢) فالمنيحة: العارية ومنه الحديث: \"المنيحة مردودة\" (^٣) فالمنيحة ما يمنحه الرجل صاحبه من أرض يزرعها أو شاة يشرب درها أو شجرة يأكل ثمرتها ثم يردها كما ذكر أولا (^٤).\nقوله: أو ورق والورق الفضة المضروبة ومعنى قوله: من منح منيحة ورق إنما يعني به قرض الدرهم كذا ذكره الحافظ (^٥).\nوقوله: \"أَوْ هَدَى زُقَاقًا\" إنما يعني به هداية الطريق وهو إرشاد السبيل ا. هـ ذكره المنذري، وقال في النهاية: الزُّقَاقُ بالضَّم: الطَّريق، يُريد مَنْ دَلَّ الضَّال\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٢ - ١٣٣ ترجمة ٨٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٧١ - ٧٢).\n(^٣) رواه النسائي في الكبرى (٥٧٨٢)، وابن حبان ١١/ ٤٩١ (٥٠٩٤)، والطبراني في الكبير ٨/ ١٤٣ (٧٦٣٧) من طريق حاتم بن حريث عن أبي أمامة مرفوعًا. ورواه الطبراني في مسند الشاميين ١/ ٣٦٠ (٦٢١) من حديث أنس بن مالك.\n(^٤) مطالع الأنوار (٤/ ٤٧)، وغريب الحديث (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤) لابن الجوزى.\n(^٥) هذا كلام الترمذي تحت حديث (١٩٥٧) وذكره الحافظ المنذري في الترغيب (١٣٣٠).","vol":"5","page":443},{"text":"أَوِ الْأَعْمَى عَلَى طَرِيقه، وقيل أراد بقوله: من هدَّى بتشديد الدال إما للمبالغة من الهداية أو من الهديّة أي من تصدق بزقاق من النخل وهي السكة أي الطريقة المصففة من النخل ومنها قيل للأزقة سكك لإصطفاف الدور فيها والأول أشبه لأن هدى من الهداية لا من الهدية. والله أعلم.\n\n١٣٣١ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ كل قرض صَدَقَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على ابن مسعود.\nقوله - ﷺ -: \"كل قرض صدقة\" الحديث [أي يؤجر عليه كأجر الصدقة] وعن أبي هريرة وابن عباس - ﵄ - قالا قال: رسول الله - ﷺ - \"من أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن أحد وثبير وطور سيناء حسنات\" (^٢).\n\n١٣٣٢ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: دخل رجل الْجنَّة فَرَأى مَكْتُوبًا على بَابهَا الصَّدَقَة بِعشر أَمْثَالهَا وَالْقَرْض بثمَانِيَة عشر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٣٤٩٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٦٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٢٦)، وفيه جعفر بن ميسرة وهو ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٩٠).\n(^٢) في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (١/ ٣٠٩) حديث مكذوب طويل نصه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خُطْبَةً قَبْلَ وَفَاتِهِ وَهِيَ آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْمَدِينَةِ حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ فَوَعَظَنَا فِيهَا مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. . وهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ وإنْ كَانَ بَعْضُهُ فِي أَحَادِيثَ حَسَنَةٍ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ فَإِنَّ دَاوُدَ بْنَ الْمُحَبَّرِ كَذَّابٌ.","vol":"5","page":444},{"text":"وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا من رِوَايَة عتبَة بن حميد (^١). وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا كِلَاهُمَا عَن خَالِد بن يزِيد بن أبي مَالك عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي على بَاب الْجنَّة مَكْتُوبًا الصَّدَقَة بِعشر أَمْثَالهَا وَالْقَرْض بِثمَانِيَة عشر الحَدِيث (^٢). وَعتبَة بن حميد عِنْدِي أصلح حَالا من خَالِد.\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"دخل رجل الجنة فرأى مكتوبا على بابها الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر\".\nقوله: وعن أبي أمامة أيضًا قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"رأيت مكتوبا على باب الجنة ليلة أسري بي القرض بثمانية عشرة والصدقة عشر فقلت يا جبريل ما بال القرض أعظم من الصدقة قال: لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا محتاجا وربما وقعت الصدقة في غير أهلها\".\nقوله: عتبة بن حميد وخالد بن يزيد هو خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الشامي.\nقوله: وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسئل وعنده شيء\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٧٩٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٦٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٢٦)، وفيه عتبة بن حميد، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف.\n(^٢) ابن ماجه (٢٤٣١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٦٦). وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٨٣) ضعيف جدًّا.","vol":"5","page":445},{"text":"والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة\" انفرد به ابن خزيمة (^١) وخرّجه ابن ماجه (^٢) بسند طويل فالقرض مندوب إليه وجاء أن قرضًا بثمانية عشر وإن درهم الصدقة بعشرة كما ورد في الحديث والحكمة فيه أن أجر القرض يضعف أجر الصدقة لكن لما كان درهم القرض يرجع إلى صاحبه والحسنة بعشر أمثالها كان له به تسعة مكررة بثمانية عشر بخلاف درهم الصدقة فإنه لا يعود فكان بعشرة (^٣) ا. هـ قاله في شرح الإلمام (^٤).\nوقال: في الديباجة الحكمة في أن القرض بثمانية عشر أن الحسنة بعشر أمثالها حسنة عدل وحسنة فضل ولما كان المقرض يرد إليه ماله سقط سهم العدل مع ما يقابله وبقيت سهام الفضل وهي تسعة فضوعفت في مثلها فكانت ثمانية عشر (^٥) والله أعلم ا. هـ.\n\n١٣٣٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا من مُسلم يقْرض مُسلما قرضا مرّة إِلَّا كَانَ كصدقتها مرَّتَيْنِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعا وموقوفا (^٦).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) نوادر الأصول (٤/ ٢٥٦).\n(^٤) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.\n(^٥) قاله العز بن عبد السلام كما في عجالة الإملاء (٢/ ٧٦١).\n(^٦) ابن ماجه (٢٤٣٠)، وابن حبان (٥٠٤٠)، والبيهقي في السنن (١٠٩٥١)، والطبراني في الكبير (١٠٢٠٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٩١).","vol":"5","page":446},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرة إلا كان كصدقتها مرتين\" ورواه البيهقي (مرفوعا) وموقوفا وتقدم الكلام على الحديث المرفوع والموقوف.\nفرع: إذا شرط في القرض زيادة في القدر أو في الصفة لم يجز فلو رد هكذا (بلا شرط فحسن لأن) خير الناس أحسنهم قضاء بل يستحب ذلك للمقرض ولا يكره للمقرض أخذه ولا فرق في ذلك بين الربوي وغيره ولا بين الرجل [المسترد] الزيادة وغيره على الأصح فيهما ويجوز للمقرض قبول الهدية من المقترض وغيره من المديونين بغير كراهة هذا مذهبنا ومذهب ابن عباس لكن الأولى أن يتنزه عنها وكرهها ابن مسعود وجماعة، وفي رسالة القشيري (^١) في باب التقوى عن أبي حنيفة أنه كان لا يجلس في ظل شجرة غريمه ويقول كل قرض جر منفعة فهو ربى فلو شرط عليه أن يرد مكسرا عن صحيح أو أن يقرض غيره أو شرط فيه أجلا لغي الشرط والأصح أنه لا يفسد به العقد لأن المنهي عنه جر المقترض النفع إلى نفسه وها هنا النفع للمستقرض فكأنه زاد في المسامحة والوجه الثاني يفسد لأنه ينافي مقتضى العقد نعم لو شرط الرهن والكفيل جاز لأنه توثقة في العقد لا زيادة (^٢).\nوما أحسن قول عمر بن محمد النسفي بفتح النون [من الوافر]:\n_________\n(^١) لم نقف عليه.\n(^٢) النجم الوهاج (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥ و٢٨٧).","vol":"5","page":447},{"text":"أَنِلْنِي بِالَّذِي اسْتَقْرَضْتَ خَطَّا ... وَأَشْهِدْ مَعْشَرًا قَدْ شَاهَدُوهُ\nفَإِنَّ اللهَ خَلَّاقُ الْبَرَايَا ... عَنَتْ لِجَلَالِ هَيْبَتِهِ الْوُجُوهُ\nيَقُولُ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدِينٍ ... إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ (^١)\n\n١٣٣٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nوَرَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي حَدِيث يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٤/ ٢٨٧).\n(^٢) ابن حبان (٥٠٤٥).","vol":"5","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>[الترغيب في التيسير على المعسر وإنظاره والوضع عنه]</span>\nالأصل في هذا الباب قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^١) والعسرة ضيق الحال من جهة [عدم المال ومنه جيش العسرة، والنظرة التأخير] والميسرة مصدر بمعنى اليسر (^٢) ا. هـ.\n\n١٣٣٥ - عَن أبي قَتَادَة - ﵁ - أَنه طلب غريما لَهُ فتوارى عَنهُ ثمَّ وجده فَقَالَ إِنِّي مُعسر قَالَ آللهُ قَالَ آللهُ قَالَ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من سره أَن ينجيه الله من كرب يَوْم الْقِيَامَة فلينفس عَن مُعسر أَو يضع عَنهُ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٣).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد صَحِيح وَقَالَ فِيهِ من سره أَن ينجيه الله من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَأَن يظله تَحت عَرْشه فَلْينْظر مُعسرا (^٤).\nقوله: وعن أبي قتادة اسمه (الحارث بن ربعي بن بلدمة ابن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي المدني، فارس رسول الله - ﷺ -، وقيل: اسمه الحارث بن ربعي، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل: عمرو بن ربعي والمشهور الأول، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم ابن كعب بن سلمة، وقيل: كبشة بنت عباد بن مطهر، شهد أحدا والخندق وما بعد ذلك من\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٠.\n(^٢) تفسير ابن عطية (١/ ٣٧٦)، وتفسير القرطبي (٣/ ٣٧٣).\n(^٣) مسلم (١٥٦٣).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٤٥٩٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٩٣).","vol":"5","page":449},{"text":"المشاهد مع رسول الله - ﷺ - مات بالمدينة سنة أربع وخمسين وقيل: بل مات في خلافة علي بن أبي طالب بالكوفة، وكان شهد معه مشاهده كلها وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه علي، وهو ممن غلبت عليه كنيته (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه\" والتنجية الخلاص والكرب بضم الكاف وفتح الراء جمع كربة والكربة هو الغم الذي يأخذ بالنفس (^٢) ومعنى تنفيس الكرب عن المعسر أن يؤخر مطالبته وأما الوضع عنه فالبراءة من الدين أو من بعضه (^٣).\n\n١٣٣٦ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تلقت الْمَلَائِكَة روح رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ فَقَالُوا عملت من الْخَيْر شَيْئا قَالَ لا قَالُوا تذكر قَالَ كنت أداين النَّاس فآمر فتياني أَن ينْظرُوا الْمُعسر ويتجوزوا عَن الْمُوسر قَالَ قَالَ الله تجاوزوا عَنهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^٤).\n\n١٣٣٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَابْن مَاجَه عَن حُذَيْفَة أَيْضا أن النَّبِي - ﷺ - أَن رجلا مَاتَ فَدخل الْجنَّة فَقيل لَهُ مَا كنت تعْمل قَالَ فإمَّا ذكر وَإِمَّا ذكر فَقَالَ كنت أبايع النَّاس فَكنت أنظر الْمُعسر وأتجوز في السِّكَّة أَو فِي النَّقْد فغفر لَهُ (^٥).\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٢٨٤)، وتهذيب الكمال (٣٤/ ترجمة ٧٥٧٤).\n(^٢) الصحاح (١/ ٢١١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٢٧)، والمفاتيح (٣/ ٤٦٢)، وشرح المشكاة (٧/ ٢١٧٢)، وشرح المصابيح (٣/ ٤٤٩).\n(^٤) البخاري (٢٠٧٧)، ومسلم (١٥٦٠).\n(^٥) مسلم (١١٥٦٠)، وابن ماجه (٢٤٢٠).","vol":"5","page":450},{"text":"١٣٣٨ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم عَنهُ أَيْضا قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن رجلا مِمَّن كانَ قبلكُمْ أَتَاهُ الْملك ليقْبض روحه فَقَالَ هَل عملت من خير قَالَ مَا أعلم قيل لَهُ انْظُر قَالَ مَا أعلم شَيْئا غير أَنِّي كنت أبايع النَّاس فِي الدُّنْيَا فَأنْظر الْمُوسر وأتجاوز عَن الْمُعسر فَأدْخلهُ الله الْجنَّة فَقَالَ أَبُو مَسْعُود وَأَنا سمعته يَقُول ذَلِك (^١).\n\n١٣٣٩ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ أُتِي الله بِعَبْد من عباده آتَاهُ الله مَالا فَقَالَ لَهُ مَاذَا عملت فِي الدُّنْيَا قَالَ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٢) قَالَ يَارب آتيتني مَالا فَكنت أبايع النَّاس وَكَانَ من خلقي الْجَوَاز فَكنت أيسر على الْمُوسر وَأنْظر الْمُعسر فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا أَحَق بذلك مِنْك تجاوزوا عَن عَبدِي فَقَالَ عقبَة بن عَامر وَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ هَكَذَا سمعناه من فِي رَسُول الله - ﷺ - رَوَاهُ مُسلم هَكَذَا مَوْقُوفا على حُذَيْفَة وَمَرْفُوعًا عَن عقبَة وَأبي مَسْعُود (^٣).\nقوله: وعن حذيفة تقدم الكلام على حذيفة.\nقوله: قال: كنت أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر قال قال الله تجاوزوا عنه، وفي رواية: أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسر، وأتجاوز في السكة أو في النقد، السكة بالكسر هي سكة الدراهم المنقوشة وكذلك سكة النخل وهي الطريقة المصطفة منه وسكة\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٥١)، ومسلم (١٥٦٠).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٢.\n(^٣) مسلم (١٥٦٠).","vol":"5","page":451},{"text":"الأرض وهي الحديدة التي تحرث بها الأرض (^١) والنقد ثمن المشتري إذا قدم لأنه ينتقد ويختبر قاله: عياض (^٢).\nفقوله: فتياني معناه غلماني كما صرح به في الرواية الأخرى والتجاوز والتجوز معناه المسامحة في الإقتضاء والاستيفاء وقبول ما فيه نقص يسير كما قال وأتجوز في السكة وفي هذه الأحاديث فضل إنظار المعسر والوضع عنه إما كل الدين وإما بعضه من كثير أو قليل وفضل المسامحة بها الإقتضاء وفي الاستيفاء سواء استوفى من موسر أو معسر وفضل الوضع من الدين وأنه لا يحتقر شيء من أفعال الخير ولعله سبب السعادة والرحمة وفيه جواز توكيل العبيد والإذن لهم في التصرف وهذا على قبول من يقول شرع من قبلنا شرع لنا (^٣).\nقوله: في الرواية المتقدمة: كنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور أي آخذ ما تيسر وأسامح فيما تعسر (^٤).\nقوله: فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر الحديث أيسر أي أسامحه وأعامله بالمياسرة كما قال: أتجاوز (^٥) ا. هـ.\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٢/ ١١٤٨)، وغريب الحديث (١/ ٤٥٧)، والصحاح (٤/ ١٥٩٠ - ١٥٩١)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢١٦).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٢٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٢٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٢٥).\n(^٥) مشارق الأنوار (٢/ ٣٠٥)، ومطالع الأنوار (٦/ ٢٨٦).","vol":"5","page":452},{"text":"قوله: فأمر فتياني أن ينظروا.\nتنبيه: فإن قلت ما حد الموسر قلت: اليسار أمر اعتباري يختلف باختلاف الأحوال فقيل أنه الذي يملك نصاب الزكاة وقيل من [لا تحل] الزكاة وقيل من يجد فاضلا عن ثوبه وقوته ومسكنه وخادمه ودينه (^١).\n\n١٣٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ كَانَ رجل يداين النَّاس وَكَانَ يَقُول لفتاه إِذا أتيت مُعسرا فَتَجَاوز عَنهُ لَعَلَّ الله ﷿ يتَجَاوَز عَنَّا فلقي الله فَتَجَاوز عَنهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nوَالنَّسَائِيّ وَلَفظه إِن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن رجلا لم يعْمل خيرا قطّ وَكَانَ يداين النَّاس فَيَقُول لرَسُوله خُذ مَا تيَسّر واترك مَا عسر وَتجَاوز لَعَلَّ الله يتَجَاوَز عَنَّا فَلَمَّا هلك قَالَ الله لَهُ هَل عملت خيرا قطّ قَالَ لَا إِلَّا أَنه كَانَ لي غُلَام وَكنت أداين النَّاس فَإِذا بعثته يتقاضى قلت لَهُ خُذ مَا تيَسّر واترك مَا عسر وَتجَاوز لَعَلَّ الله يتَجَاوَز عَنَّا قَالَ الله تَعَالَى قد تجاوزت عَنْك (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: \"كان رجل يداين الناس وكان يقول: لفتاه أي لمملوكه إذا أتيت معسرا فتجاوز لعل الله يتجاوز عنا\" والتجوز العفو عنه، وفي هذا الحديث تنبيه على فضيلة الإنظار والإمهال.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٩/ ٢٠١).\n(^٢) البخاري (٢٠٧٨)، ومسلم (١٥٦٢).\n(^٣) النسائي (٧/ ٣١٨).","vol":"5","page":453},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود البدري تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق، وتقدم معنى هذا الحديث في الأحاديث قبله.\n\n١٣٤١ - وَعَن أبي مَسْعُود البدري - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - حُوسِبَ رجل مِمَّن كانَ قبلكُمْ فَلم يُوجد لَهُ من الْخَيْر شَيْء إِلَّا أَنه كانَ يخالط النَّاس وَكَانَ مُوسِرًا وَكَانَ يَأْمر غلمانه أَن يتجاوزوا عَن الْمُعسر قَالَ الله تَعَالَى نَحن أَحَق بذلك تجاوزوا عَنهُ رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\n\n١٣٤٢ - وَعَن بُرَيْدَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من أنظر مُعسرا فَلهُ كل يَوْم مثله صَدَقَة ثمَّ سمعته يَقُول من أنظر مُعسرا فَلهُ كل يَوْم مثلَيْهِ صَدَقَة فَقلت يَا رَسُول الله سَمِعتك تَقول من أنظر مُعسرا فَلهُ كل يَوْم مثله صَدَقَة ثمَّ سَمِعتك تَقول من أنظر مُعسرا فَلهُ كل يَوْم مثلَيْهِ صَدَقَة قَالَ لَهُ كل يَوْم مثله صَدَقَة قبل أَن يحل الدّين فَإِذا حل فأنظره فَلهُ بِكُل يَوْم مثلَيْهِ صَدَقَة رَوَاهُ الْحَاكِم وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\nوَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم مُخْتَصرًا من أنظر مُعسرا فَلهُ كل يَوْم صَدَقَة قبل أَن يحل الدّين فَإِذا حل الدّين فأنظره بعد ذَلِك فَلهُ كل يَوْم مثلَيْهِ صَدَقَة وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (١٥٦١)، والترمذي (١٣٠٧).\n(^٢) أحمد (٢٣٠٤٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٩٨).\n(^٣) أحمد (٢٢٩٦٩)، وابن ماجه (٢٤١٨)، قال البوصيري في الزوائد (٢/ ٢٤٦)، هذا إسناد ضعيف، نفيع بن الحارث متفق على ضعفه، قلت: وقد توبع، والله أعلم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٩٨).","vol":"5","page":454},{"text":"قوله: وعن بريدة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أنظر معسر فله كل يوم مثله صدقة\" والإنظار هو الإمهال قال: الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١) ندب الله ﷾ بهذه الآية إلى الصدقة عن المعسر وجعل ذلك خيرًا من إنظاره كذا قاله جمهور الناس (^٢) والإبراء من الدين من أفضل الصدقات عليه فإن قيل كيف خير بين واجب ومندوب؟\nفالجواب: أن المندوب قد يفضل الواجب كالصدقة بألف دينار تطوعا فإنها أفضل من درهم من الزكاة وكذلك ابتداء السلام أفضل من رده والابتداء سنة والرد يكون واجبًا (^٣) ا. هـ.\n\n١٣٤٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من نفس عَن مُسلم كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن يسر على مُعسر فِي الدُّنْيَا يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَمن ستر على مُسلم فِي الدُّنْيَا ستر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٠.\n(^٢) تفسير ابن عطية (١/ ٣٧٧)، وتفسير القرطبي (٣/ ٣٧٤)، وتفسير الثعالبى (١/ ٥٤٤).\n(^٣) الفروق وحشية ابن الشاط (٢/ ١٢٧)، والأشباه والنظائر (١/ ١٨٦ - ١٩٣) للسبكي، والأشباه والنظائر (١/ ١٤٥ - ١٤٧).\n(^٤) مسلم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (١٩٣٠)، والنسائي في الكبرى (٧٢٨٧)، وابن ماجه في المقدمة (٢٢٥).","vol":"5","page":455},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة\" وتقدم معنى تنفيس الكربة وسيأتي الكلام على بقية ألفاظ هذا الحديث في موضعه إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"ومن يسر على معسر الدنيا\" الحديث والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين إما بإنظاره إلى الميسرة وذلك واجب كما قال: تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^١) [وتارة بالوضع] عنه إن كان [غريما وإلا فبإعطائه ما يزول به] إعساره [وكلاهما] له فضل عظيم (^٢) والله أعلم.\n\n١٣٤٤ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من فرج عَن مُسلم كربَة جعل الله تَعَالَى لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شعبتين من نور على الصِّرَاط يستضيء بضوءيهما عَالم لَا يحصيهم إِلَّا رب الْعِزَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَهُوَ غَرِيب (^٣).\nقوله: وروى عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من فرج عن مسلم كربة\" تقدم معنى تفريج الكربة.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٠.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٠٨).\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٥٠٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٣)، وفيه العلاء بن مسلمة بن عثمان وهو ضعيف.","vol":"5","page":456},{"text":"١٣٤٥ - وَعنهُ - ﵁ - أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أنظر مُعسرا أَو وضع لَهُ أظلهُ الله يَوْم الْقِيَامَة تَحت ظلّ عَرْشه يَوْم لا ظلّ إِلَّا ظله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nوَمعنى وضع لَهُ أَي ترك لَهُ شَيْئا مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ.\nقوله: وعنه أيضًا تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أنظر معسرا أوضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله\" وتقدم الكلام على معنى الأنظار أنه الأمهال ومعنى أوضع له أي ترك له شيئا مما له عليه كذا فسره الحافظ المنذري (^٢).\nوقوله: \"يوم لا ظل إلا ظله\" أي ظل عرشه وقيل ظله كنفه وستره ثم الإعسار قد يكون على العدم وقد يكون على القلة بحيث لو أخذ ما عنده هتكه فإذا أنظر من هذه حاله فقد آثر على نفسه فيستحق ما للمؤثرين على أنفسهم (^٣) كذا في جمل الغرائب (^٤).\n\n١٣٤٦ - وَعَن أبي الْيُسْر - ﵁ - قَالَ أَبْصرت عَيْنَايَ هَاتَانِ وَوضع أصبعيه على عَيْنَيْهِ وَسمعت أذناي هَاتَانِ وَوضع أصبعيه فِي أُذُنَيْهِ ووعاه قلبِي هَذَا\n_________\n(^١) الترمذي (١٣٠٦)، وأحمد (٨٧١١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٠).\n(^٢) وينظر أيضًا: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٦٦) معالم السنن (٢/ ٢) الاستذكار (٣/ ١٨٨).\n(^٣) قاله الطحاوي كما في مشكل الآثار (٩/ ٤٢٧).\n(^٤) جمل الغرائب (ص ٥٢٨).","vol":"5","page":457},{"text":"وَأَشَارَ إِلَى نِيَاط قلبه رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من أنظر مُعسرا أَو وضع لَهُ أظلهُ الله فِي ظله رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَلَفظه قَالَ أشهد على رَسُول الله - ﷺ - لسمعته يَقُول إِن أول النَّاس يستظل فِي ظلّ الله يَوْم الْقِيَامَة لرجل أنظر مُعسرا حَتَّى يجد شَيْئا أَو تصدق عَلَيْهِ بِمَا يَطْلُبهُ يَقُول مَالِي عَلَيْك صَدَقَة ابْتِغَاء وَجه الله ويخرق صَحِيفَته (^٢).\nقَوْله ويخرق صَحِيفَته أَي يقطع الْعهْدَة الَّتِي عَلَيْهِ.\nقوله: وعن أبي اليسر واسم أبي اليسر كعب بن عمرو.\nقوله - ﵁ -: أبصرت عيناي هاتان ووضع أصبعيه على عينيه وسمعت أذناي هاتان ووضع أصبعيه في أذنيه ووعاه قلبي هذا وأشار إلى نياط قلبه رسول الله - ﷺ - أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق ضبطه إياه وتيقنه زمانه ومكانه ولفظه (^٣).\nتنبيه: قال: العلماء إسناد الفعل إلى الجارحة فيه دليل على تأكد صدق ذلك الخبر وبعده عن الشك والتهمة فإنه إذا قال: سمعت ربما يوهم الخطأ\n_________\n(^١) ابن ماجه (٢٤١٩)، والحاكم (٢/ ٢٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠١).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٣٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٤)، وإسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٢٧).","vol":"5","page":458},{"text":"بخلاف ما إذا قال: سمعت أذناى ووعى قلبي ونحو ذلك (^١) ذكره ابن العماد في شرح العمدة.\nقوله: وأشار إلى نياط قلبه النياط بكسر النون وتخفيف الياء هكذا هو في بعض النسخ المعتمدة وفي بعض النسخ مناط قلبه بفتح الميم ومعناهما واحد وهو عرق معلق بالقلب (^٢) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ (^٣) قيل هو نياط القلب وهو حبل الوريد إذا قطع مات صاحبه قاله الكرماني (^٤) وقال: القاضي عياض (^٥) النياط هو الأبهر وهو عرق يكتنف الصلب والقلب متصل به وإذا انقطع فلا حياة لصاحبه ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله في ظله\" تقدم تفسير ذلك.\nقوله: أشهد على رسول الله - ﷺ - لسمعته يقول \"إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لرجل أنظر معسرا حتى يجد شيئا أو تصدق عليه بما يطلبه يقول مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته\" أي يقطع العهدة التي عليه كذا فسره الحافظ المنذري ﵀.\n_________\n(^١) انظر إحكام الأحكام (٢/ ٦٠)، والعدة (٢/ ٩٧٠ - ٩٧١)، ورياض الأفهام (٣/ ٥٩٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٣٥).\n(^٣) سورة الحاقة، الآية: ٤٦.\n(^٤) الكواكب الدراري (١٥/ ١٦٤).\n(^٥) مشارق الأنوار (١/ ١٠٢).","vol":"5","page":459},{"text":"١٣٤٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أَرَادَ أَن تستجاب دَعوته وَأَن تكشف كربته فليفرج عَن مُعسر رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب اصطناع الْمَعْرُوف (^١).\nقوله: وروى عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر\" وتقدم معنى تفريج الكربة.\n\n١٣٤٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أنظر مُعسرا إِلَى ميسرته أنظرهُ الله بِذَنبِهِ إِلَى تَوْبَته رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^٢).\nقوله: وروى عن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظر الله بذنبه إلى توبته\" وتقدم معنى الإنظار أنه الإمهال.\n\n١٣٤٩ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ خرج رَسُول الله - ﷺ - إِلَى الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول هَكَذَا وَأَوْمَأَ أَبُو عبد الرَّحْمَن بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض من أنظر مُعسرًا أَو وضع لَهُ وَقَاه الله\n_________\n(^١) أحمد (٤٧٤٩)، وعبد بن حميد (٨٢٦)، وأبو يعلى (٥٧١٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٨٧).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١١٣٣٠)، وفي الأوسط (٢٢١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٥)، وفيه الحكم بن الجارود، ضعفه الأزدي، وشيخ الحكم وشيخ شيخه لم أعرفهما، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٩٠).","vol":"5","page":460},{"text":"من فيح جَهَنَّم رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^١).\nوَابْن أبي الدُّنْيَا فِي اصطناع الْمَعْرُوف وَلَفظه قَالَ دخل رَسُول الله - ﷺ - الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول أَيّكُم يسره أَن يَقِيه الله ﷿ من فيح جَهَنَّم قُلْنَا يَا رَسُول الله كلنا يسره قَالَ من أنظر مُعسرا أَو وضع لَهُ وَقَاه الله ﷿ من فيح جَهَنَّم (^٢).\nقوله: وعنه تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أنظر معسرا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم\" الحديث فيح جهنم هو بفاء مفتوحة ثم مثناة تحت ساكنة ثم بحاء مهملة أي سطوع حرها وانتشاره وغليانها وفاحت القدر تفيح وتفوح إذا غلت وقد أخرجه مخرج التشبيه والتمثيل أي كأنه نار جهنم في حرها قاله في النهاية (^٣) وجهنم هي الطبقة العليا من النار يدخلها عصاة الموحدين والنار (^٤) سبع دركات أولها جهنم ثم الجحيم ثم السعير ثم لظى ثم سقر تم الحطمة ثم الهاوية وقد نظمها ابن العماد في بيتين:\n_________\n(^١) أحمد (٣٠١٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٣)، رواه أحمد وفيه عبد الله بن جعونة السلمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح، قلت: إنما هو نوح بن جعونة السلمي، وهو نوح بن أبي مريم، ينظر ترجمته في الميزان، وفي التقريب: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع، والله أعلم.\n(^٢) ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (١٠٥).\n(^٣) النهاية (٣/ ٤٨٤).\n(^٤) تفسير ابن عرفة (٢/ ٣٦٩)، وتفسير الثعلبى (٥/ ٤٥٨).","vol":"5","page":461},{"text":"جهنم ثم الجحيم والسعر ... ثم لظى أربعة ثم سفر\nحاطمة وبعد هذا هاوية ... بالله عز من كل نار حامية (^١)\n\n١٣٥٠ - وَعَن أبي قَتَادَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من نفس عَن غَرِيمه أَو محى عَنهُ كَانَ فِي ظلّ الْعَرْش يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن (^٢). وَتقدم فِي أول الْبَاب بِنَحْوِهِ.\nقوله: وعن أبي قتادة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من نفس عن غريمه أو محى كان في ظل العرش يوم القيامة\" تقدم معنى تفسير هذا الحديث في الأحاديث قبله.\n\n١٣٥١ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول أظل الله عبدا فِي ظله يَوْم لا ظلّ إِلَّا ظله أنظر مُعسرا أَو ترك لغارم رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد في زَوَائِد الْمسند (^٣).\n_________\n(^١) قلنا: هذا مخالف للترتيب المأثور عن ابن جريج حيث قال: النار سبع دركات أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية. لكل باب منهم جزء مقسوم، أي: لكل دركة قوم يسكنونها. وقال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، تفسير الطبري (١٤/ ٧٤)، وتفسير البغوي (٤/ ٣٨٢).\n(^٢) البغوي في شرح السنة (٢١٣٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٢).\n(^٣) عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٣)، وفيه عباس ابن الفضل الأنصاري، ونسب إلى الكذب، قلت: قال الحافظ في التقريب: متروك، واتهمه أبو زرعة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩٢٠).","vol":"5","page":462},{"text":"قوله: وروى عن عثمان بن عفان هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي ثم المدني (^١) أمه أروي بنت كريز بضم الكاف وفتح الراء من ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ - أسلم عثمان قديما دعاه أبو بكر إلى الإسلام فأسلم وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة فهاجر بزوجته رقية بنت رسول الله - ﷺ - إلى الحبشة الهجرتين الأولى والثانية.\nقال النووي (^٢): روينا في تاريخ دمشق بها أحوال بنات رسول الله - ﷺ - عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي - ﷺ - أنه قال: حين هاجر عثمان برقية والذي نفسي بيده أنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط صلى الله عليهما وسلم ويقال: لعثمان ذي النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله - ﷺ - إحداهما بعد الأخرى قالوا ولا يُعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره تزوج رقية قبل النبوءة وتوفيت عنده في أيام غزوة بدر في شهر رمضان السنة الثانية من الهجرة وكان تأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله فجاء البشير بنصر المؤمنين ببدر يوم دفنوها بالمدينة وولدت له رقية ثم تزوج بعد وفاتها أختها أم كلثوم بنت\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال (١٩/ ٤٤٥) وطبقات ابن سعد: ٣/ ٥٣ - ٨٤، وتاريخ الدوري: ٢/ ٣٩٤، وفضائل الصحابة لأحمد: ١/ ٤٤٨ - ٥٢٧، وتاريخ البخاري الكبير: ٢١٩١، والقضاة لوكيع: ١/ ١١٠، والجرح والتعديل: ٦/ الترجمة ٨٨٢.\n(^٢) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١١١).","vol":"5","page":463},{"text":"رسول الله - ﷺ - وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة ولم تلد له شيئا روى لعثمان عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وستة وأربعون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة ولد عثمان في السنة السادسة بعد الفيل وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقيل قتل يوم الأربعاء وهو ابن تسعين سنة وقيل ثمان وثلاثين وقيل ثنتين وثمانين وقيل غير ذلك وبويع له بالخلافة غرة المحرم سنة أربع وعشرين وكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليالي، قال: ابن عبد البر (^١) بويع يوم السبت بعد دفن عمر بثلاثة أيام وحج فيها بالناس عشر سنين متوالية وصلى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا بالبقيع واختفى قبره ذلك الوقت ثم أظهر وقيل دفن حشر كوكب قال ابن قتيبة: وهي أرض اشتراها عثمان وزادها في البقيع والحشر البستان وكوكب اسم رجل من الأنصار وقيل صلى عليه حكيم بن حزام وقيل المسور بن مخرمة وإنما دفن ليلا للعجز عن إظهار دفنه بسبب غلبة قاتليه قال: ابن قتيبة وفي زمن عثمان كانت غزوة الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبوس وغير ذلك ثم حصر في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فحصر عشرين يوما في داره وقتل فيها وقال: الواقدي (^٢) حصروه تسعة وأربعين يوما وقال: الزبير بن بكار حصروه\n_________\n(^١) الاستيعاب: ٣/ ١٠٣٧.\n(^٢) ينظر: تهذيب النووي: ١/ ٣٢١، والكاشف ٣٧٧٧، وتذكرة الحفاظ: ١/ ٨، والعبر: ١/ ٥، ١٠، ٣٠، وتجريد أسماء الصحابة: ٤٠٠٤.","vol":"5","page":464},{"text":"شهرين وعشرين يوما وكان حسن الوجه رقيق البشرة كث اللحية أسمر كثير الشعر بين الطويل والقصير وكان محببا في قريش واشترى بئر رومة من يهودي بعشرين ألف درهم وسبّلها للمسلمين وجهز جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا وبخمسين فرسا وفي كتاب الترمذي (^١) عن عبد الرحمن بن خباب بالخاء المعجمة السلمي الصحابي قال: شهدت النبي - ﷺ - وهو يحث على جيش العسرة فقال: عثمان بن عفان يا رسول الله عَلَيَّ هذه ثلاثمائة بعير بأحلاسها وإقتابها في سبيل الله فإنا رأيت رسول الله - ﷺ - ينزل عن المنبر وهو يقول ما على عثمان ما عمل بعد هذه، وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي - ﷺ - بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره ويقول \"ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم مرتين\" رواه الترمذي (^٢) وعن أنس قال: لما أمر رسول الله - ﷺ - ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول، رسول الله - ﷺ - إلى أهل مكة فبايع الناس فقال النبي - ﷺ -: \"إن عثمان في حاجة الله وفي حاجة رسول الله - ﷺ - فضرب إحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله - ﷺ - لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم\" رواه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٧٠٠) وأحمد (٢٧/ ٢٤٨) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤١٩)، وفي السنة (١٢٨٠) الطيالسي (١١٨٩)، وابن سعد ٧/ ٧٨، وعبد بن حميد في المنتخب (٣١١)، والبخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٢٤٦،، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٥٨ - ٥٩، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٢١٤. قال الألباني: ضَعِيف ينظر مشكاة المصابيح (٣/ ١٧١٣).\n(^٢) سنن الترمذي ت بشار (٣٧٠١) قال الألباني: حسن ينظر: مشكاة المصابيح (٣/ ١٧١٣).","vol":"5","page":465},{"text":"الترمذي (^١) وعن كليب بن وائل عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله - ﷺ - فتنة فقال: يقتل فيها هذا مظلوما لعثمان رواه الترمذي (^٢).\nوعثمان بن عفان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة واحد الخلفاء الراشدين وأحد السابقين إلى الإسلام وأحد المنفقين في سبيل الله الإنفاق العظيم وأحد أصهار رسول الله - ﷺ - ولم يلبس السراويل في جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله وقال: إني رأيت رسول الله - ﷺ - البارحة وأبو بكر وعمر وقالوا اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة ثم دعا بمصحف ففتحه فقتل وهو بين يديه وأعتق عشرين مملوكا وهو محصور ومناقبه كثيرة رضي الله تعالى عنه.\nقوله - ﷺ -: \"أظل الله عبد في ظله يوم لا ظل إلا ظله أنظر معسر أو ترك لغارم\" تقدم الكلام على الظل وعلى إنظار المعسر.\n\n١٣٥٢ - وَرُوِيَ عَن أسعد بن زُرَارَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سره أَن يظله الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله فلييسر على مُعسر أَو ليضع عَنهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٣) وَله شَوَاهِد.\n_________\n(^١) سنن الترمذي ت بشار (٣٧٠٢) قال الألباني: ضعيف ينظر: سنن الترمذي (٣٩٦٨).\n(^٢) في حاشية مسند أحمد (١/ ٤٥٩): وجاء متواترًا أن النبي - ﷺ - بَشَّره بالجنة، وعَدَّه من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة. . . ثم ذكر هذا الحديث.\n(^٣) الطبراني في الكبير (٨٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٤)، وفيه عاصم ضعيف، ولم يدرك أسعد بن زرارة، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٣).","vol":"5","page":466},{"text":"قوله: وروى عن أسعد بن زرارة [هو أبو أمامة بضم الهمزة وتخفيف الميمين أسعد بن زرارة بضم الزاي وتخفيف الرائين بن عدس بضم العين المهملة وفتح الدال المهملة وبالسين المهملة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، ويقال له: أسعد الخير، غلبت عليه كنيته، وهو من أول الأنصار إسلاما، وكان سبب إسلامه ما ذكره الواقدي، أن أسعد بن زرارة خرج إلى مكة هو وذكوان بن عبد قيس يتنافران إلى عتبة بن ربيعة، فسمعا برسول الله - ﷺ - فأتياه، فعرض عليهما الإسلام، وقرأ عليهما القرآن فأسلما، ولم يقربا عتبة، ورجعا إلى المدينة، وكانا أول من قدم بالإسلام إلى المدينة، وشهد العقبة الأولى والثانية وبايع فيهما، وكانت العقبة الأولى في ستة نفر أو سبعة والثانية في اثني عشر رجلا، والثالثة في سبعين وهو نقيب بني ساعدة، ويقال: إنه أول من بايع النبي - ﷺ - ليلة العقبة، وكان أول من جمع الأنصار بالمدينة قبل مقدم النبي - ﷺ -، مات قبل بدر أيام بناء مسجد رسول الله - ﷺ -، أخذته الذبحة والمسجد يبنى فكواه رسول الله - ﷺ - ومات في تلك الأيام، وذلك في سنة إحدى، وقيل: على رأس ستة أشهر من الهجرة (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"من سره أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه\" تقدم الكلام أيضًا على ذلك.\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ١٤١)، وأسد الغابة (١/ ٨٦ ترجمة ٩٨).","vol":"5","page":467},{"text":"١٣٥٣ - وَرُوِيَ عَن شَدَّاد بن أَوْس - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من أنظر مُعسرا أَو تصدق عَلَيْهِ أظلهُ الله فِي ظله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وروى عن شداد بن أوس تقدم الكلام على شداد بن أوس في أوائل هذا التعليق في باب الرياء.\nقوله - ﷺ -: \"من أنظر معسر أو تصدق عليه أظله الله في ظله يوم القيامة\" تقدم أيضًا الكلام على الظل في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله في صدقة السر وإن المراد به ظل العرش.\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٤١٢٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٤)، وفيه يحيى بن سلام الإفريقي وهو ضعيف، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٤).","vol":"5","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الترغيب في الإنفاق في وجوه الخير كرما والترهيب من الإمساك والادخار شحا</span>\n١٣٥٤ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من يَوْم يصبح الْعباد فِيهِ إِلَّا ملكان ينزلان فَيَقُول أَحدهمَا اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَيَقُول الآخر اللَّهُمَّ أعْط ممسكا تلفا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nوَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه إِن ملكا بِبَاب من أَبْوَاب الْجنَّة يَقُول من يقْرض الْيَوْم يجز غَدا وَملك بِبَاب آخر يَقُول اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكا تلفا (^٢).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مثل ابْن حبَان إِلَّا أَنه قَالَ بِبَاب من أَبْوَاب السَّمَاء (^٣).\n\n١٣٥٥ - وَعنهُ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قَالَ الله تَعَالَى يَا عَبدِي أنْفق أنْفق عَلَيْك وَقَالَ يَد الله ملأى لا يغيضها نَفَقَة سحاء اللَّيْل وَالنَّهَار أَرَأَيْتُم مَا أنْفق مُنْذُ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِنَّهُ لم يغض مَا بِيَدِهِ وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَبِيَدِهِ الْمِيزَان يخْفض وَيرْفَع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٤).\nلَا يغيضها بِفَتْح أَوله أَي لَا ينقصها.\n_________\n(^١) البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).\n(^٢) ابن حبان (٣٣٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٥).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٨٩٣٥).\n(^٤) البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣).","vol":"5","page":469},{"text":"قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا\".\nقوله: خلفًا: أي عوضا يقال أخلف الله عليك بخير وأخلف عليك خيرا أي أبدلك مما ذهب منك وعوضا عنه وأما أعط الثاني فهو مشارك للأول إذ التلف لا يعطي قاله ابن الأثير وغيره (^١) قال: العلماء وهذا في الإنفاق في الطاعات ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك بحيث لا يذم ولا يسمي سرفا والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا (^٢) انتهى.\nوهو موافق في المعنى لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (^٣) الآية وهذا يعم الواجبات والمندوبات [وقول الملك: \"اللهم أعط ممسكا تلفا\"؛ يعني: الممسك عن النفقات الواجبات، وأما الممسك عن المندوبات] فقد لا يستحق هذا الدعاء اللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها وإن قلت في أنفسها كاللقمة واللحمة وما شاكل هذا فهذا قد يتناوله هذا الدعاء لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذمومة عليه وقل ما يكون كذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات ولا يطيب نفسا بها (^٤) وأسند الترمذي الحكيم، عن الزبير قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتدرون ماذا قال:\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٦٦) وشرح المشكاة (٥/ ١٥٢٣)، والكواكب الدراري (٧/ ٢٠٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٥).\n(^٣) سورة سبأ، الآية: ٣٩.\n(^٤) المفهم (٩/ ٢٤/ ٢٥).","vol":"5","page":470},{"text":"ربكم\" قلت الله ورسوله أعلم قال: \"قال ربكم حين استوى على عرشه، ونظر إلى خلقه: عبادي! أنتم خلقي، وأنا ربكم، أرزاقكم بيدي، فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم، فاطلبوا مني أرزاقكم، وإلي فارفعوا حوائجكم، انصبوا إلي أنفسكم، أصب أرزاقكم، أتدرون ماذا قال ربكم؟ قال الله - ﵎ -: عبدي! أنفق أنفق عليك، وأوسع أوسع عليك، ولا تضيق فأضيق عليك، ولا تصر، فأصر عليك، ولا تخزن، فأخزن عليك، إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات، متواصل إلى العرش، لا يغلق ليلًا ولا نهارًا، ينزل الله منه الرزق على كل امرئ بقدر نيته، وعطيته، وصدقته، ونفقته، فمن أكثر، أكثر له، ومن أقل، أقل له، ومن أمسك، أمسك عليه، يا زبير! فكل وأطعم، ولا توك فيوكى عليك، ولا تحص فيحصى عليك، ولا تقتر فيقتر عليك، ولا تعسر فيعسر عليك، يا زبير! إن الله يحب الإنفاق، ويبغض الإقتار، وإن السخاء من اليقين، والبخل من الشك، فلا يدخل النار من أيقن، ولا يدخل الجنة من شك، يا زبير! إن الله يحب السخاء ولو بفلق تمرة، والشجاعة ولو بقتل عقرب أو حية، يا زبير! إن الله يحب الصبر عند زلزلة الزلازل، واليقين النافذ عند مجيء الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات، والورع الصادق عند الحرام والخبيثات، يا زبير! عظم الأخوان، وجلل الأبرار، ووقر الأخيار، وصل الجار، ولا تماش من الفجار والأشرار، وادخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، هذه وصية الله إلي، ووصيتي إليك يا زبير بن العوام\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذي (٦٨٤) قال: حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي، عن عيسى بن يونس، عن وائل بن داود، عن النخعي، عن =","vol":"5","page":471},{"text":"وعن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: للزبير \"يا زبير، إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل له\" (^١).\nفائدة: وفي كتاب الأربعين (^٢) على مذهب المحققين من الصوفية للحافظ أبي مسعود سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان الأصبهاني بإسناده إلى عمران بن حصين قال قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِطَرَفِ عِمَامَتِي مِنْ وَرَائِي فَقَالَ: \"يَا عِمْرَانُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْإِنْفَاقَ، وَيُبْغِضُ الْإِقْتَارَ، فَأَنْفَقْ وَأَطْعِمْ، وَلَا تُصِرُّ صَرًّا فَيَعْسُرَ عَلَيْكَ الطَّلَبُ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ النَّظَرَ النَّاقِدَ عِنْدَ مَجِيءِ الشُّبُهَاتِ، وَالْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّهَوَاتِ، وَيُحِبُّ السَّمَاحَةَ وَلَوْ عَلَى تَمَرَاتٍ، وَيُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ\" (^٣) قاله في حياة الحيوان (^٤).\nقوله: وعنه تقدم الكلام عليه.\n_________\n= الزبير بن العوام، وفيه شيخه عمر بن أبي عمر البلخى وهاه ابن حجر كما في الفتح (١٢/ ٣٧٠ رقم ٦٩٨٢). وإبراهيم النخعى لم يدرك الزبير بن العوام.\n(^١) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٣٣٨٥)، والسلفى في المشيخة البغدادية (٢٨). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٢٤١).\n(^٢) الأربعون للسلمى (٢٥) وانظر تخريجه في التعليق التالى.\n(^٣) أخرجه أبو بكر النجاد (١٨)، وابن جميع في المعجم (ص ٨٨ - ٨٩)، والسلمى في الأربعون (٢٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٩٩)، وأبو منصور الأصفهانى في جزئه (٢٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٠٨٠ و١٠٨١) والأصبهانى في الترغيب (٤١١). وفيه عمر بن حفص العبدى متروك.\n(^٤) حياة الحيوان (١/ ٣٩٩).","vol":"5","page":472},{"text":"قوله: - ﷺ - قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (^١) فيتضمن الحث على الإنفاق والتبشير بالخلف من فضل الله ﷿.\nقوله: - ﷺ - \"يد الله ملآى\" ملآى بفتح الميم وإسكان اللام بعدها همزة مفتوحة تأنيث ملآن قال: القرطبي (^٢) في شرح مسلم كذا صحت الرواية ورواه بعضهم ملا مثل دعا حكاه القاضي عياض (^٣) قال: وقيل يصح هذا على نقل الهمزة وفي رواية لمسلم ملآن بزيادة نون وقالوا إنها غلط من ابن نمير راويها وإن الصواب ملآى كما في سائر الروايات (^٤) لأن اليمين مؤنثة وملآى هو كناية عن كرمه ﷾ وسعة فضله وهذه استعارة وحمل هذه على الاستعارة عادة التخاطب وحصول التعاظم وكل ما أطلق على الله تعالى مما يدل على الجوارح والأعضاء كلها عين والأيدي والجنب والأصبع فهي كلها مؤولة في حقه ﷾ لاستحالة حملها على ظواهرها (^٥) وقال المازري (^٦): إطلاق اليدين على الله تعالى متأول على القدرة وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وآكد في النفوس وذكر اليمين والشمال حتى يتمم\n_________\n(^١) سورة سبأ، الآية: ٣٩.\n(^٢) المفهم (٩/ ٦).\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٩)\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ٧٩).\n(^٥) المفهم (٩/ ٧).\n(^٦) المعلم (٢/ ١٨ - ١٩).","vol":"5","page":473},{"text":"المثال لأنا نتناول باليمين ما نكرمه بالشمال ما دونه ولأن اليمين في حقنا يقوى لما لا يقوى له الشمال (^١) فنحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا به ولا نشبهه بشيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢) وما قاله\n_________\n(^١) أجمع السلف على إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله سبحانه قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. ومن الأحاديث: ففي الصحيح في حديث احتجاج آدم وموسى أن موسى يقول له: (أنت آدم خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده) وهذه كلها أدلة تثبت لله جل في علاه يدًا حقيقية لا تشبه يد المخلوق، وأيضا قوله - ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ ﷿ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا\" رواه مسلم (٢٧٥٩). وقوله - ﷺ - في حديث الشفاعة: \". . . فيأتونه فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر؛ خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه\" رواه: البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤).\nوقال الإمام أبو حنيفة: وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال. . . [الفقه الأكبر ص ٣٠٢] والقول بأن يد الله ليست كأيدينا دل عليه الوحي أيضًا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] إذن نثبت صفة اليد لله تعالى حقيقة على ما يليق بجلاله دون تشبيه ولا تمثيل لها بيد المخلوقين، ودون تحريف لها ولا تعطيل، فكما أن له تعالى ذاتًا حقيقة لا تشبه ذوات العباد، فصفاته لا تشبه صفاتهم، وقد وردت نصوص أخرى كثيرة تؤيد هذه النصوص في إثبات صفة اليد لله مفردة ومثناة ومجموعة، فيجب الإيمان بها على الحقيقة.\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ١١.","vol":"5","page":474},{"text":"رسول الله - ﷺ - فهو حق وصدق فما أدركنا علمه فبفضل الله وما خفي علينا ءامنا به ووكلنا علمه إلى الله ﷾ وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خوطبنا به وبالله التوفيق.\nوقوله - ﷺ -: \"لا يغيضها نفقة\" قال الحافظ (^١) رحمه الله تعالى: لا يغيضها بفتح أوله أي لا ينقصها ا. هـ، وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي: (^٢) تقديره لا ينقصها شيء يقال: غاض الشيء إذا نقص وغضته أنا (^٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ (^٤) أي تنقص ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (^٥) أي ذهب وإنما خاطبهم رسول الله - ﷺ - بما يفهمونه وأراد الإخبار بأن الله تعالى لا ينقصه الإنفاق ولا يمسك خشية الإملاق جل الله تعالى عن ذلك (^٦).\nقوله - ﷺ -: \"سحاء الليل والنهار\" بفتح السين والحاء المهملتين وتشديد الحاء ممدود مهموز مرفوع على أنه خبر بعد خبر قال قاضى القضاة محدث الإسلام ولى الدين العراقى (^٧) كذا ضبطناه عن شيخنا والدي ﵀\n_________\n(^١) يعني المنذري في الترغيب (٢/ ٢٥) وينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).\n(^٢) ينظر: المفهم (٩/ ٧).\n(^٣) النهاية (٣/ ٤٠١).\n(^٤) سورة الرعد، الآية: ٨.\n(^٥) سورة هود، الآية: ٤٤.\n(^٦) إكمال المعلم (٣/ ٥٠٩).\n(^٧) طرح التثريب (٤/ ٦٩).","vol":"5","page":475},{"text":"وضبطه القاضي عياض (^١) عن أبي بحر سحا بالتنوين على المصدر ونقله في المشارق وعن جميع شيوخهم إلى الصدفي وابن عيسى وذكر النووي (^٢) أنه الأصح الأشهر وعلى كل حال فقوله: الليل والنهار منصوبان على الظرف متعلقان [بما في] سحاء من معنى الفعل وهي الرواية المشهورة (^٣) ومنه حديث أبي بكر أنه قال: \"لأسامة حين أنفذ جيشه إلى الشام أغر عليهم غارة سحا إلى أي تسح عليهم البلاء دفعة من غير تلبث فالسح الصب والسيلان كأنها لامتلائها بالعطاء تسيل أبدا في الليل والنهار\" (^٤)، قال النووي (^٥): ضبطناه بوجهين بنصب الليل والنهار ورفعهما النصب على الظرف والرفع على أنه فاعل ووقع عند الطبري (^٦) في حديث عبد الرزاق لا يغيضها سح الليل والنهار برفع سح على أنه فاعل يغيضها [وخفض الليل والنهار بالإضافة على التوسع، كما قالوا: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار] (^٧) ويقال سح يسح سحا فهو ساح وسحاء أي دائمة الصب والهطل بالعطاء وهو كناية عن كثرة العطاء والفضل (^٨) مأخوذ من قولهم سح الماء سحا إذا سال من فوق\n_________\n(^١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٢) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١١١).\n(^٣) المفهم (٩/ ٧).\n(^٤) النهاية (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، والكواكب الدراري (١٧/ ١٥٥) و(٢٥/ ١٢٤).\n(^٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٠ - ٨١).\n(^٦) سبق تخريجه.\n(^٧) المفهم (٩/ ٨).\n(^٨) النهاية (٢/ ٣٤٥).","vol":"5","page":476},{"text":"ولم يرد أسح ومثله ديمة هطلاء ولم يردا أهطل وعبر - ﷺ - عن توالي النعم بسح اليمين لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه قال: القاضي عياض قال: المازري ويحتمل أنه يريد بذلك أن قدرة الله ﷾ على الأشياء على وجه واحد لا تختلف ضعفا وقوة وإن المقدورات تقع بها على جهة واحدة ولا تختلف قوة وضعفا كما تختلف أفعالنا باليمين والشمال تعالى الله عن صفات المخلوقين ومشابهة المحدثين (^١) انتهى.\nوفي رواية يمين الله ملاء واليمين هنا كناية عن محل عطاءه ووصفها بالإمتلاء لكثرة منافعها وخص اليمين بذلك لأنها في الأكثر مظنة العطاء على طريق المجاز والإتساع (^٢) وما أتم هذه البلاغة وأحسن هذه الاستعارة فلقد نبه - ﷺ - بما ذكر من حيث الاشتقاق على معان دقيقة وذلك أنه وصف يد الله تعالى اليمين لأنها مظنة العطاء ثم أشار - ﷺ - إلى أنها هي المعطية عن ظهر غنى لأن الماء إذا أنصب من فوق أنصب بسهولة ثم أشار - ﷺ - إلى جزالة عطايها وغزارتها لأن السح يستعمل فيما ارتفع عن القطر وبلغ حد السيلان وأشار - ﷺ - أيضًا إلى أنه لا مانع لعطائه لأن الماء إذا أخذ في الانصباب لم يستطع أحد أن يرده ثم وصف السح بالدوام تنبيها على أنه لا انقطاع لمادة عطائه ﷾ (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٥١٠)، وطرح التثريب (٤/ ٦٨).\n(^٢) النهاية (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، وطرح التثريب (٤/ ٦٨).\n(^٣) الميسر (١/ ٥٨).","vol":"5","page":477},{"text":"قوله - ﷺ -: \"أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما بيده وكان عرشه على الماء\" أي كان سريره خلق قبل خلق السموات والأرض وارتفاعه فوق الماء فالعرش في أصل اللغة السرير والعرش المضاف إليه ﷾ عبارة عن موجود عظيم هو أعظم المخلوقات خلقه الله تعالى على الماء فاستوى عليه بمعنى أنه سخره كيف شاء ا. هـ\nفهذا كالدليل والشاهد لما قدمه من أن يمينه ﷾ لا يغيضها نفقة ولما ذكر خلق السموات والأرض استشعر الخاطر ما قبل ذلك فذكر أن الله تعالى كان عرشه قبل خلق السموات والأرض على الماء،\nوفي ذلك دليل على أن خلق العرش والماء كان قبل خلق الأرض والسموات، وفي صحيح البخاري (^١) من حديث عمران بن حصين فذكر الحديث إلى أن قال فقال ﵊ \"كان الله ﷿ ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض\" وقد أجمع علماء الإسلام على أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام واختلفوا في هذه الأيام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون على قولين (^٢) واختلفوا هل كان قبل السموات والأرض مخلوق قبلهما فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لم يكن قبلهما شيء وإنما خلق من العدم المحض وقال آخرون: بل كان قبل خلق السموات والأرض\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) البداية والنهاية (١/ ٨).","vol":"5","page":478},{"text":"مخلوقات أخر لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^١) الآية. [فقال قائلون]: خلق القلم قبل هذه الأشياء [كلها، وهذا هو اختيار] ابن جرير وابن الجوزي وغيرهما، قال: ابن جرير (^٢) وبعد القلم السحاب الرقيق وبعده [العرش] واحتجوا بالحديث الذي رواه أبو داود والترمذي (^٣) عن عبادة بن الصامت موقوفًا: [إن أول ما خلق الله القلم. ثم قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة] (^٤) قال: الترمذي حديث حسن صحيح غريب والذي عليه الجمهور فيما نقله أبو العلاء وغيره أن العرش مخلوق قبل ذلك وهذا هو الذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك من طريق ابن عباس كما دل عليه الحديث الذي رواه مسلم (^٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \"سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"كتب الله تعالى الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء\" فدل هذا على أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقدم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما دل على ذلك الجماهير ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات قال: ابن جرير\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ٧.\n(^٢) تاريخ الطبري (١/ ٣٢).\n(^٣) أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٢١٥٥) و(٣٣١٩).\n(^٤) بياض بالأصل تممنا من السنن للترمذي.\n(^٥) صحيح مسلم (٢٦٥٣).","vol":"5","page":479},{"text":"وقد قيل أن الله تعالى خلق بعد القلم الكرسي ثم خلق بعد الكرسي العرش ثم بعد ذلك خلق الماء فوضع عرشه على الماء (^١) ا. هـ قاله في الديباجة.\nوعن كعب الأحبار قال: خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكنا ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٢) على أي شيء كان الماء قال: على متن الريح (^٣) ا. هـ والمتن الظهر وفيه إشارة إلى أن العرش كان مخلوقا قبل خلق السموات والأرض ولم يكن تحت العرش قبل خلق السموات والأرض إلا الماء والله ﷾ ممسكه بقدرته (^٤) وقال: أبو بكر الأصم ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٥) كقولهم السماء على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما\n_________\n(^١) انظر تاريخ الطبري (١/ ٣٢ - ٣٩)، والبداية والنهاية (١/ ٨ - ٩)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٧.\n(^٣) تفسير القرطبي (٩/ ٨)، والمفهم (٩/ ٨). وقول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في التفسير (١١٨٥)، والطبري في التاريخ (١/ ٤٠) والتفسير (١٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٠٦٩٧)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٤١، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(^٤) الميسر (٤/ ١٢٣١) وشرح المشكاة (١١/ ٣٦٠٠).\n(^٥) سورة هود، الآية: ٧.","vol":"5","page":480},{"text":"ملتصقا بالآخر (^١) وفيه دلالة على كمال قدرته ﷾ لأن العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى ممسك ذلك بغير عمد لما استقام (^٢).\nلطيفة: قال: ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٣) قال: كان يصعد [بخار] من الماء إلى السماء فاستصبر فعاد صبيرا فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (^٤) (^٥) الصبير سحاب أبيض متراكب متكاثف يعني تكاثف البخار وتراكم فصار سحابا قاله في النهاية (^٦) ا. هـ.\nوحكى أبو جعفر الطبري في تاريخه (^٧) عن ابن عباس إن أول ما خلق الله العرش فاستوى عليه وحكى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله الماء قبل العرش ثم وضع العرش عليه وذكر أيضًا عن وهب بن منبه قال: كان العرش قبل أن يخلق الله السموات والأرض على الماء فلما أراد الله تعالى أن يخلق السموات والأرض قبض من صفاء الماء قبضة ثم فتح\n_________\n(^١) تفسير الرازي (١٧/ ٣١٩).\n(^٢) تفسير الرازي (١٧/ ٣١٩)، واللباب (١٠/ ٤٤٠).\n(^٣) سورة هود، الآية: ٧.\n(^٤) سورة فصلت، الآية: ١١.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (٩٠٨٩).\n(^٦) النهاية (٣/ ٨).\n(^٧) تاريخ الطبري (١/ ٣٩).","vol":"5","page":481},{"text":"القبضة فارتفعت دخانا فخلق منه السموات وقال الطبري (^١): أيضًا وأولى القولين عندي بالصواب قول من قال: أن الله تعالى خلق الماء قبل العرش لصحة الحديث الذي رواه أبو رزين العقيلى (^٢) والله أعلم وقال ابن عباس: \"كان العرش على الماء وكان الماء على الريح\" (^٣).\nلطيفة: في رواية مقاتل بن سليمان جعل الله ﷻ العرش أربعة أركان وجعل بين كل ركن وركن وجوها لا يعلم عددها إلا الله سبحانه أكثر من نجوم السماء وتراب الأرض وورق الشجر وليس لطول العرش ولا لعرضه منتهى يعلمه أحد إلا الله ﷻ وتحت العرش الماء الذي قال الله تعالى فيه ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٤) وهو بحر عظيم لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى والكرسي تحت العرش وهو قدر سبع سموات والأرض كما أخبر الله تعالى عنه في كتابه العزيز وسع كرسيه السموات والأرض ا. هـ.\nسؤال: إن قيل لم خلق الله العرش بعد أن لا حاجة له إليه قيل لوجوه: أحدها جعله موضع خدمة ملائكته لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ\n_________\n(^١) تاريخ الطبري (١/ ٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١١ (١٦١٨٨) و٤/ ١٢ (١٦٢٠٠)، وابن ماجه (١٨٢)، والترمذي (٣١٠٩). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. وضعفه الألباني في الظلال (٦١٢)، مختصر العلو (١٩٣ و٢٥٠)، والضعيفة (٥٣٢٠)، والمشكاة (٥٧٢٥).\n(^٣) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٣/ ١٥٢) وقول ابن عباس سبق تخريجه.\n(^٤) سورة هود، الآية: ٧.","vol":"5","page":482},{"text":"مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (^١)، الثاني: أراد إظهار قدرته وعظمته كما قال مقاتل السماء والأرض في عظم الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي مع السماء والأرض في عظم العرش كحلقة في فلاة وكلها في جنب عظمة الله كذرة في جنب الدنيا فخلقه لذلك ليعلم أن خالقه أعظم منه، والثالث خلق العرش إشارة لعباده لطريق دعوته ليدعونه من الفوق لقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (^٢) والرابع خلقه لإظهار شرف محمد - ﷺ - وهو قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^٣) وهو مقامه تحت العرش، والخامس خلقه معدن كتاب الأبرار لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ (^٤) السادس قيل هو مرآة الملائكة يرون الآدميين وأحوالهم كي يشهدوا عليهم في القيامة السابع العرش أعلا العالم وليس مكان أعلا منه ولا أظهر ولذلك فالإستواء عليه والإستواء الإستيلاء عند قوم فمن استولى على أعظم المخلوقات فقد استولى على ما دونه والله أعلم (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"وبيده الميزان يخفض ويرفع\" الحديث، قال: الخطابي:\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٧٥.\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٥٠.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(^٤) سورة المطففين، الآية: ١٨.\n(^٥) كشف الأسرار (لوحة ٩)، وكنز الدرر (١/ ٦٦). تفسير الاستواء بمعنى الاستيلاء هو تأويل الجهمية والمعتزلة وقد أنكره أئمة السلف واللغة كابن الأعرابي وغيره وأنكره الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة، وغيره.","vol":"5","page":483},{"text":"الميزان هنا مثل وإنما هو قسمته بالعدل بين الخلق يخفض ويرفع أي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر كما يصنعه الوزان عند الوزن يرفع مرة ويخفض أخرى (^١) وفي الحديث أيضًا أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، والقسط [الميزان، سمي] به من القسط العدل أراد أن الله تعالى يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد [المرتفعة إليه، وأرزاقهم النازلة من] عنده كما يرفع الوزان يده ويخفضها [عند الوزن] وهو تمثيل لما [يقدره] الله تعالى [وينزله وقيل: أراد] بالقسط القسم من الرزق الذي يصيب كل مخلوق وخفضه تقليله ورفعه تكثيره قاله في النهاية (^٢) فقد يكون عبارة عن الرزق ومقاديره وقد يكون عبارة عن جملة المقادير وهذا أظهر وقد يكونان عبارة عن تصاريف المقادير بالخلق بالعزة والذل كما قال تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ (^٣) ذكرهما القاضي عياض والنووي (^٤) ومن أسمائه تعالى الخافض الرافع وفسر الخافض بأنه الذي يخفض الجبارين والفراعنة أي يضعهم ويهينهم ويخفض كل شيء يريد خفضه (^٥) وفسر الرفع بأنه الذي يرفع المؤمنين بالأسعاد وأولياؤه بالتقريب (^٦) ا. هـ\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٣/ ١٨٦٣).\n(^٢) النهاية (٤/ ٦٠).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٢٦.\n(^٤) إكمال المعلم (٣/ ٥١١)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٨١).\n(^٥) النهاية (٢/ ٥٣).\n(^٦) النهاية (٢/ ٢٤٣).","vol":"5","page":484},{"text":"١٣٥٦ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"يَا ابْن آدم إِنَّك إِن تبذل الْفضل خير لَك وَإِن تمسكه شَرّ لَك وَلَا تلام على كفاف وابدأ بِمن تعول وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى\" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nالكفاف بِفَتْح الْكَاف مَا كف عَن الْحَاجة إِلَى النَّاس مَعَ القناعة لَا يزِيد على قدر الْحَاجة. وَالْفضل: مَا زَاد على قدر الْحَاجة.\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة.\nقوله - ﷺ -: \"يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف\" قد فسر الحافظ (^٢) ﵀ الفضل بما زاد على قدر الحاجة والكفاف: بما كف عن الحاجة إلى الناس مع القناعة لا يزيد على قدر الحاجة ا. هـ.\nفقوله: \"أن تبذل الفضل خير لك\" الحديث هو بفتح الهمزة من أن ومعناه أن بذلك الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك خير لك لبقاء ثوابه لك وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسكه عن الواجب استحق العقاب عليه وإن أمسكه عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته وهذا كله شر ومعنى ولا تلام على كفاف أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعى كمن كان له نصاب زكوي ووجبت الزكاة فيه بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفايته وجب عليه إخراج الزكاة\n_________\n(^١) مسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٣).\n(^٢) يعني به المنذري كما سبق في أعلى الصفحة وينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).","vol":"5","page":485},{"text":"ويحصل كفايته من جهة مباحة (^١) ا. هـ.\nوقال القرطبي: فإمساكه عن الواجبات شر على كل حال بلا شك وإمساكه عن المندوب إليه فقد يقال فيه شر بالنسبة إلى ما فوت الممسك على نفسه من الخير (^٢). وقال: في حدائق الأولياء (^٣): في هذا الحديث بيان ما يؤدي إليه إمساك الفضل الذي هو شر لابن ءادم دينا ودنيا وما زاد على المهم ملوم عليه ما يتقرب به سواء تناولته حتى سمنت أو أمسكته وبخلت به على نفسك وغيرك ولا تلام على كفاف فهو الحسنة بين سيئتين الغلو والتقصير.\nوروى ابن أبي الدنيا (^٤) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف ومن أبغضني فأكثر ماله وولده\" ومنه قوله: - ﷺ - \"اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا\" (^٥). وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٧).\n(^٢) المفهم (٩/ ٥٠).\n(^٣) حدائق الأولياء (١/ ٥٣٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة والتعفف (١٤٧)، والدينورى في المجالسة (٢٩٨٠)، وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٣١٢)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٦٣ - ٦٤ رقم ١٤٠٠)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٣٥٠). قال البيهقي: عبد الله بن سعيد غير قوي في الحديث.\n(^٥) البخاري (٦٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥).","vol":"5","page":486},{"text":"يَا لَهْفَ قَلْبِي عَلَى شَيْئَيْنِ لَوْ جُمِعَا ... عِنْدِي لَكُنْتَ إِذَا مِنْ أَسْعَدِ الْبَشَرِ\nكَفافُ عَيشٍ يَقيني ذُلَّ مَسألةٍ ... وخِدمَةُ العِلمِ حتَّى يَنقَضي عُمُري (^١)\nوأنشد أبو العتاهية:\nتَبْغي مِنَ الدُّنْيا الْكَثيرَ وَإنَّمَا ... يَكْفيكَ مِنْها مِثْلُ زادِ الرّاكِبِ\nلا يُعْجِبَنَّكَ ما تَرى فَكأنَّهُ ... قَدْ زالَ عَنْكَ زَوالَ أَمْسِ الذّاهِبِ (^٢)\n\n١٣٥٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا طلعت شمس قطّ إِلَّا وبجنبيها ملكان يناديان اللَّهُمَّ من أنْفق فأعقبه خلفا وَمن أمسك فأعقبه تلفًا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم بِنَحْوِهِ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nوَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْحَاكِم وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من يَوْم طلعت شمسه إِلَّا وبجنبيها ملكان يناديان نِدَاء يسمعهُ خلق الله كلهم غير الثقلَيْن يَا أَيهَا النَّاس هلموا إِلَى ربكُم إِن مَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى وَلَا آبت الشَّمْس إِلَّا وَكَانَ بجنبيها ملكان يناديان نِدَاء يسمعهُ خلق الله كلهم\n_________\n(^١) محاسن الجزيرة (٨/ ٥٢٤).\n(^٢) ديوان أبي العتاهية (ص ٥٢ - ٥٣).\n(^٣) أحمد (٢١٧٢١)، وابن حبان (٦٨٦)، والحاكم (٢/ ٤٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٢٦)، والطيالسي (١٠٧٢)، وعبد بن حميد (٢٠٧)، والطبراني في الأوسط (٢٨٩١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨١٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٨).","vol":"5","page":487},{"text":"غير الثقلَيْن اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكا تلفا وَأنزل الله فِي ذَلِك قُرْآنًا فِي قَول الْملكَيْنِ يَا أَيهَا النَّاس هلموا إِلَى ربكُم فِي سُورَة يُونُس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ (^١) وَأنزل فِي قَوْلهمَا اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكًا تلفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ (^٢) إِلَى قَوْله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ (^٣) (^٤).\nقوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام على أبي الدرداء - ﵁ -.\nقوله: و\"ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى\" تقدم الكلام على ذلك في السؤال وصدقة السر ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"ما طلعت شمس قط إلا وبجنبتيها ملكان يناديان\" الجنب بسكون النون وفتحها الناحية.\nقوله - ﷺ -: \"اللهم من أنفق فأعقبه خلفا ومن أمسك فأعقبه تلفا\" تقدم الكلام على ذلك في أول الباب.\nقوله - ﷺ -: \"وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين\" والثقلان في اللغة الإنس والجن لأن التكليف عليهما وما سواهما لا\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٢٥.\n(^٢) سورة الليل، الآية: ١ - ٣.\n(^٣) سورة الليل، الآية: ١٠.\n(^٤) البيهقي في شعب الإيمان (٣٤١٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٨).","vol":"5","page":488},{"text":"وزن له ولا يعبأ به فكأنه لا ثقل له (^١) وقيل سميا بذلك لتفضيلهما بالعقل والتمييز [قاله عياض (^٢) وقال] غيره وسمي الجن والإنس ثقلين لأنهما فضلا بالتمييز على سائر الحيوان وكل شيء له وزن وقدر يتنافس فيه فهو ثقل (^٣) ا. هـ، وذكر أبو عمرو الزاهد أن أصل الكلمة من النفاسة لا من الثقل، والثقل: بيض النعام لاستوائه ونقائه ويقال لعزيز القوم بيضة البلد ويقال لكل خاطر نفيس ثقل فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما كذا في النهاية وجمل الغرائب (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"ولا أبت الشمس إلا وكان بجنبتيها ملكان يناديان\" الحديث.\nقوله: \"آبت\" أي غربت من الأوب وهو الرجوع يقال: آب أي رجع لأن الشمس ترجع بالغروب إلى موضعها الذي طلعت منه ولو استعمل ءابت الشمس إذا طلعت لكان له وجه من حيث أنها رجعت إلى مطلعها لكنه لم يستعمل والله أعلم قاله في النهاية (^٥).\nقوله: فإن ما قل وكفى خير ممن كثر وألهى وروى ابن أبي الدنيا عن عمر أنه كان يقول في دعائه اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى ولا تقل لي فيها\n_________\n(^١) انظر سراج الملوك (ص ١٦٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٣٤).\n(^٣) شرح السنة (١٤/ ١١٨).\n(^٤) جمل الغرائب (ص ٧٣)، والنهاية (١/ ٢١٦).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٧٩).","vol":"5","page":489},{"text":"فأنسى فإن ما قل وكفى خير ممن كثر وألهى (^١) ا. هـ.\nقوله: - ﷺ - عن قول المالكين \"اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا\" تقدم.\n\n١٣٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مثل الْبَخِيل والمنفق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جنتان من حَدِيد من ثديهما إِلَى تراقيهما فَأَما الْمُنفق فَلَا ينْفق إِلَّا سبغت أَو وفرت على جلده حَتَّى تخفي بنانه وَتَعْفُو أَثَره وَأما الْبَخِيل فَلَا يُرِيد أَن ينْفق شَيْئا إِلَّا لَزِمت كل حَلقَة مَكَانهَا فَهُوَ يوسعها فَلَا تتسع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nالْجنَّة بِضَم الْجِيم مَا أجن الْمَرْء وستره وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الدرْع وَمعنى الحَدِيث أَن الْمُنفق كلما أنْفق طَالَتْ عَلَيْهِ وسبغت حَتَّى تستر بنان رجلَيْهِ وَيَديه والبخيل كلما أَرَادَ أَن ينْفق لَزِمت كل حَلقَة مَكَانهَا فَهُوَ يوسعها وَلَا تتسع شبه - ﷺ - نعم الله تَعَالَى ورزقه بِالْجنَّةِ وَفِي رِوَايَة بالجبة فالمنفق كلما أنْفق اتسعت عَلَيْهِ النعم وسبغت ووفرت حَتَّى تستره سترا كَامِلا شَامِلًا والبخيل كلما أَرَادَ أَن ينْفق مَنعه الشُّح والحرص وَخَوف النَّقْص فَهُوَ بِمَنْعه يطْلب أَن يزِيد مَا عِنْده وَأَن تتسع عَلَيْهِ النعم فَلَا تتسع وَلَا تستر مِنْهُ مَا يروم ستره وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٤٠) والقناعة (١٥٩).\n(^٢) البخاري (١٤٤٣)، ومسلم (١٠٢١).","vol":"5","page":490},{"text":"قوله - ﷺ -: \"مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما\" الحديث والجنة الستر والدرع وتقدم الكلام على ذلك في الصدقة، وقوله - ﷺ -: \"فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت عليه ووفرت على جلده حتى تخفى بنانه وتعفو أثرة أي أثر مشية\" وسبغت عليه أي امتدت وطالت وإسباغ الوضوء [إكماله] وإتمامه وهو المبالغة فيه (^١) والبنان بفتح الباء الموحدة الأنامل وتقدم الكلام على هذه الألفاظ مبسوطا وقد تكلم الحافظ على الجنة ومعنى الحديث والله أعلم، وقال: الكرماني (^٢) أيضًا: حاصل الحديث أن الجواد إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره وطاوعت يداه فامتدت بالعطاء وإن البخيل يضيق وتنقبض يده عن الإنفاق وقيل ضرب المثل بهما لأن المنفق يستره الله بنفقته ويستر عوراته في الدنيا والآخرة كستر هذه الجنة لابسها والبخيل كمن لبس جبة إلى ثديه فيقي مكشوفا ظاهر العورة مفتضحا في الدارين (^٣) قال: ابن بطال يريد أن المنفق إذا أنفق كفرت الصدقة ذنوبه ومحتها كما أن الجنة إذا سبغت عليه سترته [ووقته] والبخيل [لا تطاوعه نفسه على البذل فيبقى غير مكفر عنه الآثام كما أن] الجنة تبقى من بدنه ما لا يستره [فيكون] معرضا للأفات [انتهى] وقال ابن قيم الجوزية ولو لم يكن في [الصدقة] يعني المذكورة في الحديث إلا هذه الفائدة وحدها\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢٠٥).\n(^٢) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ٢٠٦) و(٨/ ٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٠٩).","vol":"5","page":491},{"text":"[لكان العبد حقيقا] بالاستكثار منها والمبادرة إليها (^١).\n\n١٣٥٩ - وَعَن قيس بن سلع الْأَنْصَارِيّ - ﵁ - أَن إخْوَته شكوه إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالُوا إِنَّه يبذر مَاله وينبسط فِيهِ قلت يَا رَسُول الله آخذ نَصِيبي من التمرة فأنفقه فِي سَبِيل الله وعَلى من صحبني فَضرب رَسُول الله - ﷺ - صَدره وَقَالَ أنْفق ينْفق الله عَلَيْك ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك خرجت فِي سَبِيل الله وَمَعِي رَاحِلَة وَأَنا أَكثر أهل بَيْتِي الْيَوْم وأيسره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَقَالَ تفرد بِهِ سعيد بن زِيَاد أَبُو عَاصِم (^٢) عن قيس بن سلع الأنصاري [هو قيس بن سلع بفتحتين وقيل: قيس بن أسلع، والأول أكثر، وهو أنصاري من أهل المدينة وروى عن النبي - ﷺ - حديثا واحدا (^٣)].\nقوله: إن أخوته شكوه إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: أنه يبذر ماله ويتبسط فيه الحديث، التبذير هو إنفاق المال فيما لا ينبغي والإسراف هو الصرف فيما ينبغي زائدا على ما لا ينبغي قال النووي في المنهاج (^٤): الأصح أن صرف المال في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير والله أعلم.\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص ٣٣).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٨٥٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٨)، رواه الطبراني في الأوسط، وقال: تفرد به سعيد بن زياد أبو عاصم، ولم أجد من ترجمه.\n(^٣) معجم الصحابة للبغوى (٥/ ٣٦)، وأسد الغابة (٤/ ٤٠٦ ترجمة ٤٣٥٦)، والإصابة (٥/ ٣٦٢ ترجمة ٧١٩٧).\n(^٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٣).","vol":"5","page":492},{"text":"قوله تفرد به سعيد بن زياد أبو عاصم [سعد بن زياد أبو عاصم مولى سليمان بن علي سكن البصرة وأدرك عمر بن عبد العزيز وأحسبه كان مع مواليه بالحميمة سمع نافعا مولى بنت شجاع وعمر بن مصعب وكيسان مولى عبد الله بن الزبير، عمر العبشمي العبلي حكى عنه الأصمعي وموسى بن إسماعيل وأبو عبد الله بن أبي الأسود وإسحاق بن أبي إسرائيل وعبد الرحمن بن المبارك العبشي والقواريري ومحمد بن أبي بكر المقدمي، قال إسحاق بن أبي إسرائيل: نا سعد بن زياد أبو عاصم مولى سليمان بن علي، مات الحجاج وأنا ابن عشر سنين، قال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بالمتين].\n\n١٣٦٠ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الأخلاء ثَلَاثَة فَأَما خَلِيل فَيَقُول أَنا مَعَك حَتَّى تَأتي قبرك وَأما خَلِيل فَيَقُول لَك مَا أَعْطَيْت وَمَا أَمْسَكت فَلَيْسَ لَك فَذَلِك مَالك وَأما خَلِيل فَيَقُول أَنا مَعَك حَيْثُ دخلت وَحَيْثُ خرجت فَذَلِك عمله فَيَقُول وَالله لقد كنت من أَهْون الثَّلَاثَة عَليّ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلَا عِلّة لَهُ (^١).\nقوله عن أنس تقدم الكلام عن أنس.\nقوله - ﷺ - \"الأخلاء ثلاثة\" [وتفسير هذا: أن ابن آدم في الدنيا لا بد له من أهل يعاشرهم، ومال يعيش به، فهذان صاحبان يفارقانه ويفارقهما، فالسعيد من اتخذ من ذلك ما يعينه على ذكر الله تعالى، وينفعه في الآخرة، فيأخذ من\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٧٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٠).","vol":"5","page":493},{"text":"المال ما يبلغ به إلى الآخرة، ويتخذ زوجة صالحة تعينه على إيمان، فأما من اتخذ أهلا ومالا يشغله عن الله تعالى، فهو خاسر (^١)]\n\n١٣٦١ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَيّكُم مَال وَارثه أحب إِلَيْهِ من مَاله قَالُوا يَا رَسُول الله مَا منا أحد إِلَّا مَاله أحب إِلَيْهِ من مَال وَارثه قَالَ فَإِن مَاله مَا قدم وَمَال وَارثه مَا أخر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عن ابن مسعود.\nقوله - ﷺ -: \"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله\" [في هذا الحديث تنبيه للمؤمن على أن يقدم من ماله لآخرته، ولا يكون خازنا له وممسكه عن إنفاقه في طاعة الله، فيخيب من الانتفاع به في يوم الحاجة إليه، وربما أنفقه وارثه في طاعة الله فيفوز بثوابه (^٣)].\n\n١٣٦٢ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ دخل النَّبِي - ﷺ - على بِلَال وَعِنْده صَبر من تمر فَقَالَ مَا هَذَا يَا بِلَال قَالَ أعد ذَلِك لأضيافك قَالَ أما تخشى أَن يكون لَك دُخان فِي نَار جَهَنَّم أنْفق يَا بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^٤). وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَقَالَ أما تخشى أَن يفور لَهُ بخار فِي نَار جَهَنَّم (^٥).\n_________\n(^١) مجموع رسائل ابن رجب (٢/ ٤٢١ جزء يتبع الميت).\n(^٢) البخاري (٦٤٤٢).\n(^٣) شرح الصحيح (١٠/ ١٦٢) لابن بطال.\n(^٤) البزار (٢٦٥٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٢).\n(^٥) الطبراني في الكبير (١٠٣٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٦)، رواه الطبراني في الكبير، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٢).","vol":"5","page":494},{"text":"قوله: وعنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: قال دخل النبي - ﷺ - على بلال وعنده صبر من تمر\" بلال هو أبو عبد الله ويقال أبو عبد الكريم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عمرو بلال بن رباح الحبشي القرشي التيمي مولى أبو بكر الصديق أمه حمامة مولاة لبني جمح وكان بلال - ﵁ - قديم الإسلام والهجرة شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وكان ممن يعذب في الله تعالى فيصبر على العذاب وكان أمية بن خلف يعذبه ويتابع عليه العذاب فقدر الله تعالى أن بلالا قتله يوم بدر وكان بلال ممن أسلم أول النبوة ومن أول من أظهر إسلامه وكانوا يطوفون به ويعذبونه اشتراه أبو بكر بخمس أواق وقيل بسبع وقيل بتسع وأعتقه لله ﷿ وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح وكان بلال يؤذن لرسول الله - ﷺ - حياته سفرا وحضرا وهو أول من أذن في الإسلام ولما توفي رسول الله - ﷺ - ذهب إلى الشام للجهاد وأقام بها إلى أن مات وقيل إنه أذن لأبي بكر مدته وأذن لعمر مرة حين قدم عمر الشام فلم ير باكيا كان أكثر من ذلك اليوم، وفي صحيح البخاري (^١) عن قيس بن أبي حازم قال: قال بلال لأبي بكر: \"إن كنت إنما اشتريتني لنفسك، فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله، فدعني وعمل الله\" فتوفي بدمشق سنة عشرين وقيل إحدى وعشرين وقيل ثمان عشرة وهو ابن أربع وستين سنة وقيل كان قرن أبي بكر - ﵁ - وقيل غير ذلك وكان ينزل داريا قرية بقرب دمشق ودفن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٧٥٥).","vol":"5","page":495},{"text":"بباب الصغير من دمشق وكان أدم اللون شديد الأدمة نحيفا طوالا خفيف العارضين ومناقبه كثيرة (^١).\nقوله: وَعِنْده صَبر من تمر الصبر، جمع صبرة وهو الكومة من الطعام وغيره.\nقوله \"أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا\" الحديث قال العلماء خوف الإقلال من سوء الظن بالله وسوء الظن بالله كفر وذلك أن الله تعالى وعد على الإنفاق خلفًا في الدنيا وثوابًا في العقبى فقال في الخلف: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (^٢) وقال في الثواب: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (^٣) وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٤) الآية وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^٥) الآية فمن أمسك عن الإنفاق خشية الفقر والإقلال فكأنه لم يصدق الله ولا رسوله في قولهما ولذلك كان النبي - ﷺ - يقول: \"وأي داء أدوى من البخل\" رواه البخاري (^٦)، فلما كان البخل يحرم العبد الخلف في الدنيا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٦ - ١٣٧ ترجمة ٨٨).\n(^٢) سورة سبأ، الآية: ٣٩.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦٥.\n(^٥) سورة الحديد، الآية: ١١.\n(^٦) الأدب المفرد (٢٩٦). قال الشيخ الألباني: صحيح ينظر: الأدب المفرد مخرجا (ص: ١١١).","vol":"5","page":496},{"text":"والثواب في الآخرة ويسيء ظنه بالله تعالى واستعاذ منه رسول الله - ﷺ - في قوله \"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن\" الحديث رواه البخاري (^١)، والذي يذهب الإقلال عن القلب شيئان، أحدهما: حسن ظنه بالله تعالى أنه يخلف عليه: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (^٢): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (^٣) والثاني: أن يكون الرجل لا مشيئة له في شيء من الأشياء قد اجتزئ بالقوت المقيم لمهجته فهذا يعطي من عسره ويسره فلا يخاف إقلالا لأنه رفع باله عن جميع ذلك وانقطعت مشيئته في نفسه وفي غيره لتدبير الله تعالى فيه وفيهم وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله غدا والله أعلم قاله القرطبي (^٤).\n\n١٣٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - عَاد بِلَالًا فَأخْرج لَهُ صبرا من تمر فَقَالَ مَا هَذَا يَا بِلَال قَالَ ادخرته لَك يَا رَسُول الله قَالَ أما تخشى أَن يَجْعَل لَك بخار فِي نَار جَهَنَّم أنْفق يَا بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا رَوَاهُ أَبُو\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٨٩٣).\n(^٢) سورة النمل، الآية: ٤٠.\n(^٣) سورة سبأ، الآية: ٣٩.\n(^٤) قمع الحرص (ص ١٤٦).","vol":"5","page":497},{"text":"يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عن أبي هريرة.\nقوله: \"أن النبي - ﷺ - عاد بلالا فأخرج له صبرا من تمر\" الحديث تقدم الكلام على بلال وعلى معنى هذا الحديث في الحديث قبله.\n\n١٣٦٤ - وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر - ﵄ - قَالَت قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - لَا توكي فيوكأ عَلَيْك (^٢).\nوَفِي رِوَايَة أنفقي أَو انفحي أَو انضحي وَلَا تحصي فيحصي الله عَلَيْك وَلَا توعي فيوعي الله عَلَيْك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^٣).\nانفحي بِالْحَاء الْمُهْملَة وانضحي وأنفقي الثَّلَاثَة معنى وَاحِد\nوَقَوله: لَا توكي قَالَ الْخطابِيّ لَا تدخري والإيكاء شدّ رَأس الْوِعَاء بالوكاء وَهُوَ الرِّبَاط الَّذِي يرْبط بِهِ يَقُول لَا تمنعي مَا فِي يدك فتنقطع مَادَّة بركَة الرزق عَنْك انْتهى (^٤).\nقوله: وعن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - سيأتي الكلام على مناقبها مبسوطا\n_________\n(^١) أبو يعلى (٦٠٤٠)، والطبراني في الكبير (١٠٢٥)، وفي الأوسط (٢٥٧٢)، والبزار (٣٦٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤١)، رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٣).\n(^٢) البخاري (١٤٣٣).\n(^٣) البخاري (٢٥٩١)، ومسلم (١٠٢٩)، وأبو داود (١٦٩٩).\n(^٤) معالم السنن (٢/ ٨٤).","vol":"5","page":498},{"text":"قريبا إن شاء الله تعالى في باب ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها.\nقولها: قالت قال لي رسول الله - ﷺ - لا توكي فيوكأ عليك\" وفي رواية \"أنفقي أو انفحي أو انضحي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك\" الحديث، قوله - ﷺ - \"لا توكي فيوكأ عليك\" قد فسره الحافظ فقال قال الخطابي (^١): أي لا تدخري والإيكاء شد الوعاء بالوكاء وهو الرباط الذي يربط به وقال بعضهم: الوكاء الحبل الذي يشد به السرة والكيس وغيرهما (^٢) إلى قوله فينقطع مادة بركة الرزق عنك اهـ\nفإن مادة الرزق متصلة باتصال النفقة ومنقطعة بانقطاعها (^٣) ذكره في شرح المشارق (^٤).\nقوله - ﷺ - \"أنفقي\" معناه أعطي.\nوقوله - ﷺ - \"أو انفحي\" هو بفتح الفاء وبحاء مهملة وأصل النفح الضرب بالعصا أو بالسيف وكان الذي ينفق يضرب المعطى له بما يعطيه ويحتمل أن يكون من نفح الطيب إذا تحركت رائحته إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة أو من نفح الريح إذا هبت باردة فكأنه أمر بعطية سهلة كثيرة وفي حديث أبي ذر \"ونفح بها يمينا وشمالا\" أي أعطاه في كل وجه (^٥).\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٨٤).\n(^٢) النهاية (٥/ ٢٢٣).\n(^٣) أعلام الحديث (٢/ ١٢٨٣)، وشرح السنة (٦/ ١٥٣)، والكواكب الدراري (١١/ ١٢٧).\n(^٤) حدائق الأزهار (لوحة ٨٨ و٨٩/ خ ٨٧٧٨١ كتبخانة).\n(^٥) المفهم (٩/ ٤٢).","vol":"5","page":499},{"text":"وقوله - ﷺ - \"أو انضحي\" بكسر الضاد فمعناه أيضًا أعطي وأصل النضح الرش وكأنه أمر بالتصدق بما تيسر وإن كان قليلا وفي الحديث \"أرضخي\" أي أعطي بغير تقدير ويطلق النضح أيضًا على الصب ولعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح ويفيد تكرار هذه الألفاظ تأكد أمر الصدقة والحث عليها على أي حال تيسرت بكثير أو قليل بمقدر أو غير مقدر في الطاعة والنهي عن الإمساك والبخل وعن ادخار المال في الوعاء (^١) فقوله \"أنفقي أو انفحي أو انضحي\" قال الحافظ (^٢): الثلاثة بمعنى واحد.\nقوله - ﷺ - \"ولا تحصي فيحصي الله عليك\" أي لا تبخلي فتجازين على بخلك وأصل هذا من الإحصاء الذي هو العد وعبر عن البخل بالإحصاء لأن البخيل يعد ماله ويتحرز به ويغار عليه (^٣) فيحتمل قوله \"ولا تحصي فيحصي الله عليك\" وجهين:\nأحدهما: أنه يحبس عنك مادة الرزق ويقلله بقطع البركة حتى يصير كالشيء المعدود، والآخر: أن يحاسبك عليه في الآخرة كذا في الميسر (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"ولا توعي فيوعي الله عليك\" أي لا تمسكي المال في الوعاء\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٨ - ١١٩)، والمفهم (٩/ ٤٢).\n(^٢) أي المنذري.\n(^٣) المفهم (٩/ ٤٢).\n(^٤) الميسر (٢/ ٤٣٨)، والكواكب الدراري (٧/ ١٩٩ - ٢٠٠).","vol":"5","page":500},{"text":"فيمسك الله فضله وثوابه عنك (^١) وهذا كله من باب مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كمال قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (^٢) ومعناه: يمنعك الله كما منعت ويقتر عليك كما قترت ويمسك فضله عنك كما أمسكت، وقيل: معنى ولا تحصي أي لا تعديه فتستكثريه فيكون سببا لانقطاع انفاقك (^٣) والإحصاء للشيء معرفته قدرا أو وزنا أو عدا (^٤) ومعنى ما ذكر أنك إذا فعلت ذلك جوزيت عليه بنسبة ما فعلت (^٥)، والله أعلم.\n\n١٣٦٥ - وَعَن بِلَال - ﵁ - قَالَ قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - يَا بِلَال مت فَقِيرا وَلَا تمت غَنِيا قلت وَكَيف لي بذلك قَالَ مَا رزقت فَلَا تخبأ وَمَا سُئِلت فَلَا تمنع فَقلت يَا رَسُول الله وَكَيف لي بذلك قَالَ هُوَ ذَاك أَو النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَعِنْده قَالَ لي الق الله فَقِيرا وَلَا تلقه غَنِيا وَالْبَاقِي بِنَحْوِهِ (^٦).\nقوله: وعن بلال - ﵁ -، تقدم الكلام على بلال.\nقوله - ﷺ - لبلال: \"يا بلال مت فقيرا ولا تمت غنيا\" والفقير هو الذي لا\n_________\n(^١) المفهم (٩/ ٤٢).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٥٤.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٩).\n(^٤) مطالع أنوار (٢/ ٣٢٦).\n(^٥) المفهم (٩/ ٤٣).\n(^٦) الطبراني في الكبير (١٠٢١)، والحاكم (٤/ ٣١٦)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: واه.","vol":"5","page":501},{"text":"يملك شيئا وهو ضد الغني.\n\n١٣٦٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق وَرجل آتَاهُ الله حِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا.\nوَفِي رِوَايَة لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يُنْفِقهُ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١). وَالْمرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَة وَهُوَ تمني مثل مَا للمغبط وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ وَله نِيَّته فَإِن تمنى زَوَالهَا عَنهُ فَذَلِك حرَام وَهُوَ الْحَسَد المذموم.\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها\"، وفي الرواية الأخرى: \"لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار\" الحديث وقد فسر الحافظ: الحسد، فقال: والمراد بالحسد هنا الغبطة والإناء الساعات وتقدم الكلام على الحكمة وعلى ألفاظ الحديث في أوائل هذا التعليق.\n\n١٣٦٧ - وَعَن طَلْحَة بن يحيى عَن جدته سعدى قَالَت دخلت يَوْمًا على طَلْحَة تَعْنِي ابْن عبيد الله فَرَأَيْت مِنْهُ ثقلا فَقلت لَهُ مَا لَك لَعَلَّه رَابَك منا شَيْء فنعتبك قَالَ لَا ولنعم حَلِيلَة الْمَرْء الْمُسلم أَنْت وَلَكِن اجْتمع عِنْدِي مَال وَلَا أَدْرِي كَيفَ أصنع بِهِ قَالَت وَمَا يغمك مِنْهُ ادْع قَوْمك فاقسمه بَينهم فَقَالَ يَا غُلَام عَليّ بقومي فَسَأَلت\n_________\n(^١) البخاري (١٤٠٩)، ومسلم (٨١٦).","vol":"5","page":502},{"text":"الخازن كم قسم قَالَ أَرْبَعمِائَة ألف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن طلحة بن يحيى عن جدته سعدى قالت دخلت يوما على طلحة تعني ابن عبيد الله فرأيت منه ثقلا، كنيته: أبو محمد القرشي التيمي المكي المدني (^٢) هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أمه: الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت، سماه رسول الله - ﷺ - طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا لأنه كان حينئذ بالشام لكن ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره كمن حضر وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وكان أبو بكر إذا ذكر أحدا قال: ذاك يوم كله كان لطلحة.\nوري له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية وثلاثون حديثا، قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادي الأولى سنة ست وثلاثين وعمره أربع وستون سنة على الصحيح وقبره مشهور بالبصرة يزار ويتبرك به (^٣)، ثبت مع النبي - ﷺ - يوم أحد\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٨٨)، وفي معرفة الصحابة (٣٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٨)، ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٦).\n(^٢) الاستيعاب: ٥/ ٢٣٥ - ٢٤٩، أسد الغابة: ٣/ ٨٥ - ٨٩، الإصابة: ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٥ طبقات ابن سعد: ٣/ ١/ ١٥٢ - ١٦١، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢٥١، تهذيب الكمال: ٦٢٨، تاريخ الإسلام: ٢/ ١٦٣، العبر: ١/ ٣٧، تهذيب التهذيب: ٥/ ٢٠،، خلاصة تذهيب الكمال: ١٨٠.\n(^٣) التبرك بالقبور بدعة ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك، وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك =","vol":"5","page":503},{"text":"ووقاه بيده وجاءته ضربة فاشلتها يومئذ (^١) فقال - ﷺ -: \"أوجب [طلحة] \" (^٢) أي وجبت له الجنة، قال ابن قتيبة: رأته ابنته عائشة بعد موته بثلاثين سنة في المنام فشكى إليها أن ماء قرب منه فآذاه فامرت به فاستخرج طريًا ودفن في دار له بالبصره لم يتغير منه سوى عقيصته فإنها مالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي الأرض من أثر الماء، وقيل: اشتروا له دارا بعشرة آلاف درهم ودفنوه بها وكان له عشر بنين سماهم بأسماء الأنبياء وكان له أربع بنات وهم محمد وموسى وعيسى وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى وصالح وعمران وأم إسحاق وعائشة ومريم والصعبة، وروي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: سماني رسول الله - ﷺ - يوم أحد طلحة الخير [ويوم العشير طلحة الفياض ويوم خيبر] طلحة الجود، وفي المستدرك عن سعدى المرية\n_________\n= حراما وشركًا أكبر إذا دعاه لجلب المنفعة أو دفع المضرة. وكذلك يكون من الشرك الأكبر إذا تعبد لصاحب القبر بركوع أو سجود أو ذبح تقربًا له وتعظيمًا له، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].\n(^١) أخرج هذه الأخبار: البخاري (٣٧٢٢) و(٤٠٦٠) ومسلم (٤٧ - ٢٤١٤) عن أبي عثمان قال: \"لم يبق مع النبي - ﷺ -، في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله - ﷺ -\" غير طلحة، وسعد عن حديثهما.\nوأخرجه البخاري (٣٧٢٤) و(٤٠٦٣) وابن ماجه (١٢٨) عن قيس، قال: \"رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي - ﷺ - يوم أحد\".\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٦٩٢) و(٣٧٣٨)، وابن حبان (٦٩٧٩). وحسنه الألباني في الصحيحة (٩٤٥).","vol":"5","page":504},{"text":"أنها دخلت على طلحة فوجدته مغموما فقالت: ما لك؟ قال: مال اجتمع عندي قلت: فأقسمه في أهلك وقومك ففعل فسألت الخازن كم قسم، قال: أربعمائة ألف درهم، وقال الواقدي (^١): قتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل قتله مروان وقيل [غيره وقتل] ابنه محمد السجاد [يوم الجمل أيضًا] وكان الصحابة يتبركون به وبدعائه فذكر بسنده أنه قتل وفي يد خازنه ألف ألف ومائتا ألف وقومت أصوله وعقاره بثلاثين ألف ألف درهم، قال في [النهاية (^٢)] ومنه الحديث أنه قال لطلحة: أنت الفياض سمي به لسعة عطائه وكثرته وكان قسم في قومه أربعمائة ألف وكان جوادا كما ذكر في ترجمته، قال ابن بطال (^٣) يقال: فاض الإناء إذا امتلأ وأفاضه ملأه مشتق من الفيض بالفاء، ومنه الحديث في آخر الزمان يفيض المال فلا يجد الرجل من يقبل صدقته والظاهر أن فيضان المال كثرته بسبب نزول البركات وظهور الخيرات وقلة الرغبات لقصر الآمال ولعلمهم بقرب القيامة (^٤).\nقولها: فقلت له ما لك لعلك رابك منا شيء فنعتبك، الحديث، يقال: رابني فلان إذا رأيت منه ما تكرهه، وهذيل تقول أرابني فلان (^٥) ومعناه أي شيء رابك من الريبة أي ما الذي كرهته.\n_________\n(^١) الطبقات (٣/ ٢١٤ - ٢٢٥).\n(^٢) النهاية (٣/ ٤٨٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (٧/ ١٨٣).\n(^٤) الكواكب الدراري (١١/ ٤٤).\n(^٥) جامع الأصول (١١/ ٥٠٢).","vol":"5","page":505},{"text":"قوله: \"ولنعم حليلة المرء المسلم أنت\" نعم تقال للمدح ويئس تقال للذم، والحليلة بالحاء المهملة هي الزوجة.\n\n١٣٦٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - نشر الله عَبْدَيْنِ من عباده أَكثر لَهما من المَال وَالْولد فَقَالَ لأَحَدهمَا أَي فلَان ابْن فلَان قَالَ لبيْك رب وَسَعْديك قَالَ ألم أَكثر لَك من المَال وَالْولد قَالَ بلَى أَي رب قَالَ وَكَيف صنعت فِيمَا آتيتك قَالَ تركته لوَلَدي مَخَافَة الْعيلَة قَالَ أما إِنَّك لَو تعلم الْعلم لضحكت قَلِيلا ولبكيت كثيرا أما إِن الَّذِي تخوفت عَلَيْهِم قد أنزلت بهم وَيَقُول للْآخر أَي فلَان ابْن فلَان فَيَقُول لبيْك أَي رب وَسَعْديك قَالَ لَهُ ألم أَكثر لَك من المَال وَالْولد قَالَ بلَى أَي رب قَالَ فَكيف صنعت فِيمَا آتيتك فَقَالَ أنفقت فِي طَاعَتك ووثقت لوَلَدي من بعدِي بِحسن طولك قَالَ أما إِنَّك لَو تعلم الْعلم لضحكت كثيرا ولبكيت قَلِيلا أما إِن الَّذِي قد وثقت بهِ أنزلت بهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط (^١).\nالْعيلَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء هُوَ الْفقر. والطول بِفَتْح الطَّاء هُوَ الْفضل وَالْقُدْرَة والغنى.\nقوله: وروي عن ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام على ابن مسعود.\nقوله ﷺ: \"نشر الله عبدين من عباده أكثر لهما من المال\n_________\n(^١) الطبراني في الصغير (٥٩١)، والأوسط (٤٣٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٣)، وفيه يوسف بن العز - وهو ضعيف -.","vol":"5","page":506},{"text":"والولد\" الحديث، معناه أحياهما يقال أنشر الله الميت إنشارا فنشر نشورا، قال الله ﷿: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (^١) وقال الله ﷿: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ (^٢) وقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (^٣): ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (^٤) والنشور الإحياء بعد الموت للبعث يوم القيامة.\nقوله: فقال لأحدهما أي فلان ابن فلان قال لبيك رب وسعديك، تقدم الكلام على التلبية.\nقوله: قال ألم أكثر لك من المال والولد قال بلى أي رب، قال وكيف صنعت فيما آتيتك قال تركته لولدي مخافة العيلة، الحديث، العيلة قد فسرها الحافظ (^٥) وضبطها فقال هو الفقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٦) وقد اتفق مثل هذا لعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين - ﵁ - فإنه لما حضرته الوفاة أحضر بنيه وهم أحد عشر ذكرا وأمر أن يجهز مما يخلف ثم تعطي زوجته ما يخصها وما بقي يفرق على بنيه فناب كل ابن دينار فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين لو وكلت أمرهم إلي فقال إن بنيى أحد\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٩.\n(^٢) سورة عبس، الآية: ٢٢.\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ٩.\n(^٤) سورة الملك، الآية: ١٥.\n(^٥) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).\n(^٦) سورة التوبة، الآية: ٢٨.","vol":"5","page":507},{"text":"رجلين أن يكونوا صالحين الله يتولى الصالحين أو غير ذلك فلا أعينهم على معصية الله تعالى ولقد جهز بعد موته أحد بنيه مائة فارس على مائة فرس في سبيل الله وأما مسلمة فإنه لما مات ناب كل واحد أحد عشر ألف دينار ولقد رُؤِيَ أحد بنيه يوقد في أتون الحمام، ذكر هذه الحكاية جماعة منهم القرطبي في تاريخه وذكره ابن النحاس في تاريخه (^١) وغيره. (^٢)\nقوله: للآخر أي فلان ابن فلان فيقول لبيك أي رب وسعديك قال له ألم أكثر لك من المال والولد قال بلى أي رب، قال فكيف صنعت فيما آتيتك فقال أنفقته في طاعتك ووثقت لولدي من بعدي بحسن طولك، قال الحافظ: الطول هو الفضل والقدرة والغنا.\n\n١٣٦٩ - وَعَن مَالك الدَّار أَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - أَخذ أَرْبَعمِائَة دِينَار فَجَعلهَا فِي صرة فَقَالَ للغلام اذْهَبْ بهَا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ثمَّ تله فِي الْبَيْت سَاعَة حَتَّى تنظر مَا يصنع فَذهب بهَا الْغُلَام إِلَيْهِ فَقَالَ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ اجْعَل هَذِه فِي بعض حَاجَتك فَقَالَ وَصله الله ورحمه ثمَّ قَالَ تعالى يَا جَارِيَة اذهبي بِهَذِهِ السَّبْعَة إِلَى فلَان وبهذه الْخَمْسَة إِلَى فلَان وبهذه الْخَمْسَة إِلَى فلَان حَتَّى أنفذها وَرجع الْغُلَام إِلَى عمر فَأخْبرهُ فَوَجَدَهُ قد أعد مثلهَا لِمعَاذ بن جبل فَقَالَ اذْهَبْ بهَا إِلَى معَاذ بن جبل وتله فِي الْبَيْت حَتَّى تنظر مَا يصنع فَذهب\n_________\n(^١) مصارع العشاق (ص ٣٠٠).\n(^٢) مصارع العشاق (ص ٣٠٠)، وينظر: تاريخ الإسلام: ٢/ ١٦٣، العبر: ١/ ٣٧، العقد الثمين: ٥/ ٦٨ - ٦٩.","vol":"5","page":508},{"text":"بهَا إِلَيْهِ فَقَالَ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ اجْعَل هَذِه فِي بعض حَاجَتك فَقَالَ ﵀ وَوَصله تعالي يَا جَارِيَة اذهبي إِلَى بَيت فلَان بِكَذَا اذهبي إِلَى بَيت فلَان بِكَذَا اذهبي إِلَى بَيت فلَان بِكَذَا فاطلعت امْرَأَة معَاذ وَقَالَت نَحن وَالله مَسَاكِين فَأَعْطِنَا فَلم يبْق فِي الْخِرْقَة إِلَّا دِينَارَانِ فدحى بهما إِلَيْهَا وَرجع الْغُلَام إِلَى عمر فَأخْبرهُ فسر بذلك فَقَالَ إِنَّهُم إخْوَة بَعضهم من بعض رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته إِلَى مَالك الدَّار ثِقَات مَشْهُورُونَ وَمَالك الدَّار لَا أعرفهُ (^١).\nتله: هُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَاللَّام أَيْضا وَتَشْديد الْهَاء أَي تشاغل. فدحى بهما: بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي رمى بهما.\nقوله: وعن مالك الدار [هو مالك بن عياض المعروف بمالك الدار المدني مولى عمر بن الخطاب ويقال الجبلاني سمع أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وروى عنه أبو صالح السمان وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع وابناه عون بن مالك وعبد الله بن مالك وقدم مع عمر بن الخطاب الشام وشهد معه فتح بيت المقدس وخطبته بالجابية وقال أبو عبيدة: ولاه عمر كيلة عيال عمر، فلما قدم عثمان ولاه القسم، فسمى مالك الدار، وقال إسماعيل القاضي، عن علي بن المديني: كان مالك الدار خازنا لعمر (^٢)].\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٧)، وابن المبارك في الزهد (٥١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٥)، ومالك الدار لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) تاريخ دمشق (٥٦/ الترجمة ٧١٨٠)، والإصابة (٦/ ٢١٦).","vol":"5","page":509},{"text":"قوله: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تلّه في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع.\nقوله: تله، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال أي تشاغل.\nقوله: فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل، فقال للغلام: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتلَّه في البيت حتى تنظر ما يصنع فذهب بها إليه فقال يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك فقال ﵀ ووصله تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا اذهبي إلى بيت فلان بكذا اذهبي إلى بيت فلان بكذا فاطلعت امرأة معاذ وقالت نحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحى بهما إليها.\nقوله: \"دحى\" قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي رمي بهما إليها والله أعلم.\n\n١٣٧٠ - وَعَن سهل بن سعد - ﵁ - قَالَ كانَت عِنْد رَسُول الله - ﷺ - سَبْعَة دَنَانِير وَضعهَا عِنْد عَائِشَة فَلَمَّا كانَ عِنْد مَرضه قَالَ يَا عَائِشَة ابعثي بِالذَّهَب إِلَى عَليّ ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ وشغل عَائِشَة مَا بِهِ حَتَّى قَالَ ذَلِك مرَارًا كل ذَلِك يغمى على رَسُول الله - ﷺ - ويشغل عَائِشَة مَا بِهِ فَبعث إِلَى عَليّ فَتصدق بهَا وَأمسى رَسُول الله - ﷺ - فِي حَدِيد الْمَوْت لَيْلَة الِاثْنَيْنِ فَأرْسلت عَائِشَة بمصباح لَهَا إِلَى امْرَأَة من نسائها فَقَالَت أهدي لنا فِي مصباحنا من عكتك السّمن فَإِن رَسُول الله - ﷺ - أَمْسَى فِي حَدِيد الْمَوْت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٥٩٩٠)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٨٤)، وقال الهيثمي في =","vol":"5","page":510},{"text":"وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة بِمَعْنَاهُ (^١).\nقوله: وعن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه في قيام الليل مبسوطا.\nقوله: وأمسى رسول الله - ﷺ - في حديد الموت ليلة الاثنين، حديد الموت هو [شدة الموت وكرباته وسكراته].\nقوله: فأرسلت عائشة بمصباح لها إلى امرأة من نسائه فقالت أهدي لنا في مصباحنا من عكتك السمن فإن رسول الله - ﷺ - أمسى في حديد الموت، والمصباح السراج، سمي بذلك لأنه مطلب به الضياء وهو الصبح والصباح، والعكة: بضم العين وتشديد الكاف وهي وعاء من جلود مستدير يخص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص وقد تكرر في الحديث (^٢) فإذا كان للخَلّ فهي زُكْرَة، فإذا استَطَال كَهَيْئَة الزِّقِّ، فإن كان لِلَّبَن فهي وَطْبٌ، وللسَّمْن نِحْىٌ، ولِلرُّبِّ حَمِيتٌ (^٣).\n\n١٣٧١ - وَعَن عبد الله بن الصَّامِت قَالَ كنت مَعَ أبي ذَر - ﵁ - فَخرج\n_________\n= مجمع الزوائد (٣/ ١٢٣)، رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٧).\n(^١) ابن حبان (٣٢١٢)، وأحمد (٢٤٢٢٢)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (٤٣٨)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٨٢)، والحميدي (٢٨٣)، والبغوي في شرح السنة (١٦٥٢).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٨٤)\n(^٣) المجموع المغيث (٢/ ٤٨٧).","vol":"5","page":511},{"text":"عطاؤه وَمَعَهُ جَارِيَة لَهُ قَالَ فَجعلت تقضي حَوَائِجه ففضل مَعهَا سَبْعَة فَأمرهَا أَن تشتري بِهِ فُلُوسًا قَالَ قلت لَو أَخَّرته للْحَاجة تنوبك أَو للضيف ينزل بك قَالَ إِن خليلي عهد إِلَيّ أَن أَيّمَا ذهب أَو فضَّة أوكئ عَلَيْهِ فَهُوَ جمر على صَاحبه حَتَّى يفرغه فِي سَبِيل الله ﷿ رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\nوَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالطَّبَرَانِيّ بِاخْتِصَار الْقِصَّة قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من أوكى على ذهب أَو فضَّة وَلم يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الله كَانَ جمرا يَوْم الْقِيَامَة يكوى بِهِ هَذَا لفظ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله أَيْضا رجال الصَّحِيح (^٢).\n[قوله]: وعن عبد الله بن الصامت [عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، ابن أخي أبي ذر، روى عن: حذيفة بن اليمان، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمه أبي ذر الغفاري وعائشة أم المؤمنين، وغيرهم، روى عنه: حميد بن هلال العدوي، وسعيد بن أبي الحسن البصري، وسوادة بن عاصم، وعمرو بن مرة، وجماعة وثقه النسائي وابن سعد والعجلى وقال أبو حاتم: يكتب حديثه (^٣). وأما عمه فهو أبو ذر اسمه جندب، بضم الجيم،\n_________\n(^١) أحمد (٢١٣٨٤)، والطبراني في الكبير (١٦٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٩).\n(^٢) أحمد (٢١٤٦١)، والطبراني في الكبير (١٦٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٥)، رواه الطبراني في الكبير وأحمد بنحوه ورجاله ثقات، وله طريق رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٩).\n(^٣) تهذيب الكمال (١٥/ الترجمة ٣٣٣٩).","vol":"5","page":512},{"text":"وبضم الدال وبفتحها، ابن جنادة، بضم الجيم، وقيل: اسمه برير، بموحدة مضمومة، وراء مكررة، ابن جندب، وقيل: اسمه جندب بن عبد الله، وقيل: جندب بن السكن، والمشهور: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن الرفيقة بن حرام بن غفار بن مليك بن ضمرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الغفارى الحجازى، وأمه رملة بنت الرفيقة، وكان أبو ذر، - ﵁ -، من السابقين إلى الإسلام، ثبت في صحيح مسلم أنه قدم إلى رسول الله - ﷺ - في أول الإسلام، فقال: يا رسول الله، من اتبعك على هذا؟ قال: \"حر وعبد\"، وأنه أقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة، وأسلم ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي - ﷺ -، ثم هاجر إلى النبي - ﷺ - إلى المدينة، وصحبه حتى توفى رسول الله - ﷺ -، روى له عن رسول الله - ﷺ - مائتا حديث وواحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على اثنى عشر حديثا، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر توفى أبو ذر بالربذة سنة اثنين وثلاثين. قال المدائنى: وصلى عليه ابن مسعود، ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام عشرة أيام ثم توفى، وكان أبو ذر طويلا عظيما، ﵁، وكان زاهدا، متقللا من الدنيا، وكان مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته، وكان قوالا بالحق (^١)].\nقوله: كنت مع أبي ذر - ﵁ - فخرج عطاؤه ومعه جارية له، المراد بقوله (فخرج عطاؤه) هو ما يخصه من بيت الماء في ذلك الزمان.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠ ترجمة ٧٨١).","vol":"5","page":513},{"text":"قوله: قال إن خليلي عهد إلي أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه فهو جمر على صاحبه، وتقدم الكلام على الوكاء في أحاديث الباب.\n\n١٣٧٢ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ أهديت للنَّبِي - ﷺ - ثَلَاث طوائر فأطعم خادمه طائرا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أَتَتْهُ بهَا فَقَالَ لَهَا رَسُول الله - ﷺ - ألم أَنْهَك أَن ترفعي شَيْئا لغد فَإِن الله يَأْتِي برزق غَد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ (^١). ورواة أبي يعلى ثِقَات.\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ -، تقدم الكلام على أنس.\nقوله: أهدي لرسول الله - ﷺ - ثلاث طوائر، فأطعم خادمه طائرًا، فلما كان من الغد أتته بها فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد، فإن الله يأتي برزق غد\".\n\n١٣٧٣ - وَعَن أنس أَيْضا - ﵁ - قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يدّخر شَيْئا لغد رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا من رِوَايَة جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضبعِي عَن ثَابت عَنهُ (^٢).\n_________\n(^١) أبو يعلى (٤٢٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٣٤٧)، وأحمد (١٣٠٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤١)، رواه أبو يعلى ورواته ثقات، وقال في (١٠/ ٣٢٢)، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير هلال أبي معلى وهو ثقة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢١٩).\n(^٢) ابن حبان (٦٣٥٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٤٦٤)، والترمذي (٢٣٦٢)، وقال: حديث غريب، وفي الشمائل (٣٥٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٠).","vol":"5","page":514},{"text":"قوله: وعن أنس أيضًا - ﵁ -، تقدم الكلام على أنس أيضًا.\nقوله: [ورواه البيهقي من رواية جعفر بن سليمان الضبعي].\nقوله: كان رسول الله - ﷺ -: \"لا يدخر شيئا لغده\" الحديث.\nفائدة: جاء في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - كان لا يدخر شيئا لغد وجاء في حديث آخر أن رسول الله - ﷺ - كان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع (^١)، الحديث فكيف الجمع بينهما؟\nفالجواب: إن هذا الحديث فيه جواز ادخار قوت سنة وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما جرى للنبي - ﷺ -، أما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخر لقوت عياله فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل يشتري مالا يضيق على المسلمين كقوت أيام وشهور وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة أو أكثر، قال النووي (^٢): هكذا نقل القاضي (^٣) هذا التفصيل عن أكثر العلماء وعن قوم: إباحته مطلقا.\nقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵀: ووجه الجمع بين هذا الحديث والحديث الآخر وهو أنه - ﷺ - كان لا يدخر شيئا لغد يعني لا يدخر لنفسه شيئا، وذلك الحديث على الادخار لعياله وهو - ﷺ - وإن كان يأكل\n_________\n(^١) البخاري (٢٩٠٤) مسلم (٧٤٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٧٠ - ٧١).\n(^٣) إكمال المعلم (٦/ ٧٦).","vol":"5","page":515},{"text":"معهم لكنهم المقصودون بالادخار حتى لو لم يكن عنده أهله لم يدخر لنفسه شيئا (^١)، أ. هـ.\nويحتمل وجه آخر في الجمع وهو أنه كان لا يدخر لنفسه طعاما يصلح للأكل كالخبز والطعام المطبوخ والفاكهة كما يفعله بعض غالب الناس ولا يمنع أن يدخر لنفسه ما لا يصلح للأكل كالحب والدقيق ونحوهما والله أعلم.\nوروي عن سلمان الفارسي أنه كان يجتهد في تعجيل ادخار قوته فيخاطب في ذلك فيقول إن النفس إذا ادخرت قوتها اطمأنت (^٢) أي تفرغت للعبادة [والتفكر] في كتاب الله تعالى [كما ورد أن] الله تعالى يقول: \"يا عبدي إذا كان عندك القوت فتعبد\" كذا في طبقات الأولياء، ونقل في الروضة في كتاب السير (^٣) عن إمام الحرمين أنه ذكر في كتابه الغياثى (^٤) أنه يجب على الإنسان مواساة الفقراء إشباع الجائع وإطعام [المضطر] بما زاد على قوت السنة وهو يوهم أنه يعطيه إياهم من غير رجوع وليس كذلك بل يعطيه إياهم ثم يرجع عليهم عند يسارهم ويكون سبيله سبيل المقرض كما صرح بذلك\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ٣١١).\n(^٢) إصلاح المال (٩٢).\n(^٣) روضة الطالبين (١٠/ ٢٢٢).\n(^٤) الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم (ص ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"5","page":516},{"text":"أبو الفتوح العجلي (^١)، ويؤيده ما نقله هبة الله المفسر في كتاب الناسخ والمنسوخ (^٢) أن التصدق بما زاد على قوت السنة كان أولا ثم نسخ بآية الزكاة والله أعلم ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\nقوله: أهدى لرسول الله - ﷺ - ثلاث طوائر، الحديث.\nقال الخطابي (^٣): كان النبي - ﷺ - يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة وكان المعنى في ذلك أن الهدية [إنما] يراد بها ثواب الدنيا فكان النبي - ﷺ - يقبلها ويثيب عليها فتزول المنة وأما الصدقة فيراد بها ثواب الآخرة ولأن الصدقة أوساخ الناس فصانه الله عنها وأبدلها بخمس الخمس والفيء وهي ما أخذ من الكفار من غير قتال وتقدم الكلام عليه في السؤال في حديث حكيم بن حزام [.......] وقال بعضهم أيضًا: والفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة هبة لثواب الآخرة والهدية هبة تنقل إلى المثيب إكراما له.\nقال ابن بطال (^٤): وإنما كان الرسول - ﷺ - يأكل الهدية لما فيها من تآلف القلوب والدعاء إلى المحبة ويجوز أن يثيب عليها بمثلها وبأفضل منها فلا منة ولا ذلة بخلاف الصدقة، أ. هـ.\nفرع في الحديث: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد فالمراد به\n_________\n(^١) انظر البيان (٨/ ٤٣)، وكفاية النبيه (٦/ ١٥٩) و(١٦/ ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(^٢) الناسخ والمنسوخ (ص ٩٠ و١٦٨).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٧١).\n(^٤) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٤٤٩).","vol":"5","page":517},{"text":"الفرض والنفل جميعا بالنسبة إليه - ﵇ - على المرجح، وأما آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب فإنما يحرم عليهم صدقة الفرض على الصحيح وفي النفل خلاف وليس ذلك لغناهم ولكن تشريفا لمنزلتهم واختلف في مواليهم، وأما السؤال لغير المحتاج فحرام لما فيه من الذلة ومخالفة الأحاديث الصريحة في تسميتها سحتا، أ. هـ قاله في شرح الإلمام (^١).\nفائدة لطيفة: حكى الزمخشري (^٢) وغيره في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ (^٣) الآية، عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شيء من الحيوان يخبأ قوته إلا الإنسان والنملة والفأر والعقعق وهو طائر على قدر الحمامة على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة وهو ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب وهو لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به بل يهيئ وكره في المواضع المشرفة وفي طبعه الزنى والخيانة ويوصف بالسرقة والخبث، والعرب تضرب به المثل في جميع ذلك وفي طبعه شدة الاختطاف لما يراه من الحلي فكم عقد ثمين اختطفه من يمين.\nقال الشاعر:\nإذَا بَارَكَ اللهُ فِي طَائِرٍ ... فَلَا بَارَكَ اللهُ فِي الْعَقْعَقِ\nقَصِيرُ الْجَنَاحِ طَوِيلُ الذِّنَابِ ... مَتَى مَا يَجِدْ غَفْلَةً يَسْرِقْ\n_________\n(^١) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.\n(^٢) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٣/ ٤٦٢).\n(^٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٠.","vol":"5","page":518},{"text":"يُقَلِّبُ عَيْنَيْنِ فِي رَأْسِهِ ... كَأَنَّهُمَا قَطْرَتَا زِئْبَقِ\nالحكم في حله، فيه وجهان: أحدهما: يؤكل الغراب الزرع، والثاني: يحرم وهو الأصح تبعا للبغوي قاله في حياة الحيوان (^١).\n\n١٣٧٤ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يَقُول إِنِّي لألج هَذِه الغرفة مَا ألجها إِلَّا خشيَة أَن يكون فِيهَا مَال فأتوفى وَلم أنفقهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nلألج أَي لأدخل.\nوالغرفة بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة هِيَ الْعلية.\nقوله: وعن سمرة بن جندب - ﵁ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إني لألج هذه الغرفة ما ألجها إلا خشية أن يكون فيها مال فأتوفى ولم أنفقه\" قد فسر الحافظ الولوج بالدخول والغرفة هي العلية.\n\n١٣٧٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا أبقى صبح ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء إِلَّا شَيْئا أعده لدين رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عَطِيَّة عَن أبي سعيد وَهُوَ إِسْنَاد حسن وَله شَوَاهِد كَثِيرَة (^٣).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٧١٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٣)، وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢١).\n(^٣) البزار (٣٦٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٩)، رواه البزار وفي إسناده عطية، وضعفه غير واحد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٢).","vol":"5","page":519},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي سعيد.\nقوله: \"ما أحب أن لي أحدا ذهبا أبقى صبح ثالثة وعندي منه شيء إلا شيئا أعده لدين\" الحديث، سيأتي الكلام على أحد في الحديث بعده.\n\n١٣٧٦ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ لي أَبُو ذَر يَا ابْن أخي كنت مَعَ رَسُول الله - ﷺ - آخِذا بِيَدِهِ فَقَالَ لي يَا أَبَا ذَر مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا وَفِضة أنفقهُ فِي سَبِيل الله أَمُوت يَوْم أَمُوت أدع مِنْهُ قيراطا قلت يَا رَسُول الله قِنْطَارًا قَالَ يَا أَبَا ذَر أذهب إِلَى الْأَقَل وَتذهب إِلَى الْأَكْثَر أُرِيد الْآخِرَة وتريد الدُّنْيَا قيراطا فَأَعَادَهَا عَليّ ثَلَاث مَرَّات رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله: كنت مع رسول الله - ﷺ - آخذا بيده فقال لي يا أبا ذر: \"ما أحب أن لي أحدا ذهبا وفضة أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت أدع منه قيراطا\" الحديث، أحد: جبل، قيل: أكبر جبل في الدنيا أحد لأنه يبلغ إلى الأرض السفلى فلهذا ذكره النبي - ﷺ - ولأنه أكبر جبل عندهم وإلا ففي الدنيا جبال أكبر من أحد، ويقال: إن في وادي من الأودية جبلان شامخان ملتقيان من فوق وبين هذا وهذا من الأرض مسيرة ثلاثة أيام (^٢).\n_________\n(^١) البزار (٣٦٥٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٩)، رواه البزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وإسناده البزار حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٣).\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ٦٧).","vol":"5","page":520},{"text":"١٣٧٧ - وَعنهُ - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - الْتفت إِلَى أحد فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا يسرني أَن أحدا تحول لآل مُحَمَّد ذَهَبا أنفقهُ فِي سَبِيل الله أَمُوت يَوْم أَمُوت أدع مِنْهُ دينارين إِلَّا دينارين أعدهما للدّين إِن كَانَ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَإسْنَاد أَحْمد جيد قوي (^١).\nقوله: وعنه - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده\" هو من أحاديث الصفة التي فيها مذهبان مشهوران، أحدهما: تأويل اليد بالقدرة، ثانيهما: إقرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه والكف عن تفسير الصفة المذكورة وإن ظاهرها ليس بمراد والله أعلم.\n\n١٣٧٨ - وَعَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ دخلت على سعيد بن مَسْعُود نعوده فَقَالَ مَا أَدْرِي مَا يَقُولُونَ وَلَكِن لَيْت مَا فِي تابوتي هَذَا جمر فَلَمَّا مَاتَ نظرُوا فَإِذا فِيهِ ألف أَو أَلفَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن قيس بن أبي حازم [هو أبو عبد الله قيس بن أبي حازم، واسمه\n_________\n(^١) أحمد (٢٧٢٤)، وأبو يعلى (٢٦٨٤)، والبزار (٣٦٨٢)، وعبد ابن حميد (٥٩٨)، والطبراني في الكبير (١١٨٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٩)، رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب، وهو ثقة، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٤).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٥٤٠٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣١٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢٥)، ورجاله رجال الصحيح قلت: ما عدا شيخ الطبراني أحمد بن القاسم بن مساور، فلم أجده، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٥).","vol":"5","page":521},{"text":"عبد عوف بن الحارث، وقيل: اسمه عوف الأحمسى، بالحاء والسين المهملتين، البجلى، الكوفى، التابعى، الجليل، المخضرم. أدرك الجاهلية، وجاء ليبايع النبي - ﷺ - فتوفى النبي - ﷺ - وهو في الطريق، وأبوه صحابى، روى قيس عن جماعات من الصحابة. روى عنه جماعات من التابعين. قال جماعة من الحفاظ: روى قيس عن العشرة أصحاب رسول الله - ﷺ -، هكذا رويناه عن الحافظ عبد الرحمن بن يوسف بن خراش، والحاكم أبى عبد الله، وغيرهما. قال ابن خراش وغيره: وليس في التابعين من روى عن العشرة غير قيس، وقال أبو داود السجستانى: روى عن تسعة منهم، ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف. قال أبو داود: أجود الناس إسنادا قيس بن أبي حازم. توفى سنة أربع وثمانين، وقيل: سبع وثمانين، وقيل: ثمان وسبعين، ﵀ (^١)].\nقوله: قال دخلنا على سعيد بن مسعود نعوده، الحديث، سعيد هذا هو ابن [مسعود أبو مسعود الكندي قال ابن منده: لا تصح له صحبة، وهو كوفي، وذكره البخاري والبغوى في الصحابة، روى عنه قيس بن أبي حازم، ومسلم بن يسار (^٢)].\n\n١٣٧٩ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رجلا توفّي على عهد رَسُول الله - ﷺ - فَلم يُوجد لَهُ كفن فَأتى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ انْظُرُوا إِلَى دَاخِلَة إزَاره فأصيب دِينَار أَو\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦١ ترجمة ٥١٢).\n(^٢) أسد الغابة (٢/ ترجمة ٢٠٤٥)، والإصابة (٣/ ترجمة ٣٢٠٩).","vol":"5","page":522},{"text":"دِينَارَانِ فَقَالَ كَيَّتَانِ (^١).\nوَفِي رِوَايَة توفّي رجل من أهل الصّفة فَوجدَ فِي مِئْزَره دِينَار فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - كَيَّة ثم توفّي آخر فَوجدَ فِي مِئْزَره دِينَارَانِ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - كَيَّتَانِ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طرق ورواة بَعْضهَا ثِقَات أثبات غير شهر بن حَوْشَب (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي أمامة.\nقوله: أن رجلا توفي على عهد رسول الله - ﷺ - فلم يوجد له كفن فأتى النبي - ﷺ - فقال: \"انظروا إلى داخلة إزاره فأصيب دينار أو ديناران فقال كيتان\" وفي رواية: \"توفي رجل من أهل الصفة\" (^٣)، الحديث، الصفة موضع بمسجد رسول الله - ﷺ - يأوي فيه الفقراء الغرباء.\nفائدة: أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله - ﷺ - وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله - ﷺ -، وقيل: أهل الصفة كان رسول الله يأتيهم فيقول: \"السلام عليكم يا أهل الصفة\" فيقولون: وعليك يا رسول الله، فيقول: \"كيف أصبحتم\" فيقولون: بخير يا رسول الله (^٤)، وعن نعيم المجمر عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٧٥٠٦)، وفي مسند الشاميين (٦٨٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٦).\n(^٢) أحمد (٢٢١٧٤)، والطبراني في الكبير (٧٥٧٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٦).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١/ ٣٤٠).","vol":"5","page":523},{"text":"حضرنا باب رسول الله - ﷺ - فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقى من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتى بالنبي - ﷺ - بعشائه فنتعشى معه فإذا فرغنا قال رسول الله - ﷺ -: \"ناموا في المسجد\" (^١).\nقال أبو الفرج بن الجوزي: قلت هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة [وإنما أكلوا] من الصدقة ضرورة فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا (^٢) قاله في مجمع الأحباب.\n\n١٣٨٠ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ توفّي رجل من أهل الصّفة فوجدوا فِي شملته دينارين فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي - ﷺ - فَقَالَ كَيَّتَانِ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُ ادخر مَعَ تلبسه بالفقر ظَاهرا ومشاركته الْفُقَرَاء فِيمَا يَأْتِيهم من الصَّدَقَة وَالله أعلم.\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: توفي رجل من أهل الصفة فوجدوا في شملته دينارين فذكروا ذلك\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (ص ١٤٦).\n(^٢) تلبيس إبليس (ص ١٤٦).\n(^٣) أحمد (٤٣٦٧)، وابن حبان (٣٢٦٣)، وأبو يعلى (٥٠١٥)، والبزار (٣٦٥٢)، وأبو داود الطيالسي (٣٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٠)، رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه عاصم بن بهدلة، وقد وثقه غير واحد، بقية رجاله رجال الصحيح، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٧).","vol":"5","page":524},{"text":"للنبي - ﷺ - فقال \"كيتان\" الحديث، قال الحافظ (^١): وإنما كان كذلك لأنه ادخر مع تلبسه بالفقر ظاهرا ومشاركته الفقراء فيما يأتيهم من الصدقة والله أعلم، وقد مات على عهد رسول الله - ﷺ - كثير من الصحابة وتركوا أموالا فما قال فيهم رسول الله - ﷺ - مثل ما قال في هذا لأنهم لم يبطنوا خلاف ما أظهروا وهذا الذي كان من أهل الصفة أظهر الفاقة وكان عنده هذان الديناران فلما أظهر خلاف ما أبطن قال الرسول - ﷺ -: \"كيتان من نار\" انتهى، قاله في متن اللطائف لابن عطاء الله (^٢).\nوأجاب ابن عطية ﵀ بأنهما كانا يعيشان من الصدقات وعندهما الذهب أو أن هذا كان في صدر الإسلام ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه (^٣) والدليل على ذلك فرض الزكوات في أصناف الأموال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (^٤) الآية، ولهذا قال - ﵇ -: \"إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وأن الله تعالى تولى قسم المواريث بنفسه\" (^٥) فلو كان الإنسان يحرم عليه أن يدخر المال لورثته لما تولى الله سبحانه قسمة\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).\n(^٢) لطائف المنن (ص ١٤٩).\n(^٣) تفسير ابن عطية المسمى \"المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز\" (٣/ ٢٩).\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(^٥) أخرجه أبو داود (١٦٦٤) وأبو يعلى (٢٤٩٩) والمعجم (١٨٥٥)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٠٨ - ٤٠٩ و٢/ ٣٣٣. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٢٩٣) والضعيفة (١٣١٩).","vol":"5","page":525},{"text":"المال المخلف بنفسه فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^١) الآية، ولما نهى عن إضاعة المال فالصحيح من هذا كله الذي استقرت عليه الشريعة المطهرة وأجمع عليه فقهاء الأمصار وعلماء الأمة أن الإنسان له أن يأخذ المال من حله وعليه أن يخرج منه زكاته فمن منع زكاة ماله فذلك هو الأمر الشنيع والحال الفظيع الذي جاء في الوعيد الشديد، والله أعلم.\nتتمة: وقد قال بعض الفضلاء في ذلك:\nمات فقير كان بالصفية ... خلف دينارًا له مخفية\nقال النبي سيد البرية ... كية أي بالنار بئس الكية\n\n١٣٨١ - وَعَن سَلمَة بن الْأَكْوَع - ﵁ - قَالَ كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي - ﷺ - فَأتي بِجنَازَة ثم أُتِي بِأُخْرَى فَقَالَ هَل ترك من دين قَالُوا لَا قَالَ فَهَل ترك شَيْئا قَالُوا نعم ثَلَاثَة دَنَانِير فَقَالَ بأصابعه ثَلَاث كيات الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن جيد وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبُخَارِيّ بِنَحْوِهِ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - الصحابي، هو: أبو مسلم ويقال أبو إياس ويقال أبو عامر سلمة بن عمرو بن الأكوع.\nفائدة: قال شيخ الإسلام النووي في الأذكار (^٣): وقد كان من الصحابة جماعات لهم كنى قبل أن يولد لهم كأبي هريرة وأبي حمزة وخلائق لا\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١١.\n(^٢) البخاري (٢٢٨٩)، أحمد (١٦٥١٠)، وابن حبان (٣٢٦٤).\n(^٣) الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ٢٩٥).","vol":"5","page":526},{"text":"يحصون من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ولا كراهة في ذلك بل هو [محبوب] قال (^١): والأدب أن [يخاطب] أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية، وكذلك إذا كتب إليه رسالة وكذا إن روى عنه رواته فيقول: حدثنا الشيخ الإمام أبو فلان بن فلان وما أشبهه والأدب أن لا يذكر الرجل كنيته في كتابه ولا في غيره إلا أن لا يعرف إلا بكنيته أو كانت الكنية أشهر من اسمه والسنة أن يكنى الرجل بأكبر أولاده لأن النبي - ﷺ - كنى بأبي القاسم لأنه أكبر بنيه، وفي حديث أبي شريح هانئ الصحابي لما كناه النبي - ﷺ - بأبي شريح وهو أكبر أولاده، أ. هـ. قاله في الديباجة (^٢).\nواسم الأكوع سنان بن عبد الله بن قشير بن خزيمة بن مالك بن [سلامان بن أسلم الأسلمي] شهد بيعة الرضوان بالحديبية وبايع رسول الله - ﷺ - يومئذ ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم وكان - ﵁ - شجاعا راميا محسنا خيرا فاضلا، غزى مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات ويقال شهد غزوة مؤتة، روي له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وسبعون حديثا، اتفقا على ستة وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بتسعة روى عنه ابنه إياس ومولاه يزيد بن أبي عبيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون وكان يسكن المدينة فلما قتل عثمان خرج إلى الربذة فسكنها وتزوج هناك وولد له فلم يزل بها حتى كان قبل وفاته بليال عاد إلى المدينة فتوفي\n_________\n(^١) الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ٢٩٤).\n(^٢) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"5","page":527},{"text":"بها سنة أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة وكان يصفر لحيته ورأسه، قال ابنه إياس: ما كذب أبي قط وقال النبي - ﷺ - \"خير رجالتنا سلمة بن الأكوع\" (^١) ومناقبه كثيرة (^٢) وتقدم تفسير الحديث في الحديث قبله.\n\n١٣٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن أَعْرَابِيًا غزا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - خَيْبَر فَأَصَابَهُ من سَهْمه دِينَارَانِ فَأَخذهُمَا الْأَعرَابِي فجعلهما فِي عباءة فخيط عَلَيْهِمَا ولف عَلَيْهِمَا فَمَاتَ الْأَعرَابِي فَوجدَ الديناران فَذكر ذَلِك لرَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ كَيَّتَانِ رَوَاهُ أَحْمد وَإِسْنَاده حسن لَا بَأْس بِهِ فِي المتابعات (^٣).\nقوله عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على أبي هريرة وتقدم أيضًا معنى الحديث في الحديث قبله.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - أعرابيا غزا مع رسول الله - ﷺ - خيبر فأصابه من سهمه ديناران\" والأعرابي هو الذي يسكن البادية وخيبر تقدم الكلام عليها في باب أكل اللوحة الثوم والبصل والله أعلم.\nترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها إذا أذن وترهيبها منها ما لم يأذن\n\n١٣٨٣ - عَن عَائِشَة - ﵂ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا أنفقت الْمَرْأَة من طَعَام بَيتهَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٠٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٩ الترجمة ٢٢١).\n(^٣) أحمد (٨٦٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤١)، وفيه ابن لهيعة وقد اعتضد، وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٢٩).","vol":"5","page":528},{"text":"غير مفْسدَة كَانَ لَهَا أجرهَا بِمَا أنفقت ولزوجها أجره بِمَا اكْتسب وللخادم مثل ذَلِك لَا ينقص بَعضهم من أجر بعض شَيْئا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَعند بَعضهم إِذا تَصَدَّقت بدل أنفقت.\nقوله: عن عائشة - ﵂ - هي عائشة أم المؤمنين بنت الصديق (^٢) - ﵂ - وأمها أم رومان بنت عويمر الكنانية تزوجها رسول الله - ﷺ - بعد وفاة خديجة - ﵂ - بثلاث سنين [قبل الهجرة] خطبها رسول الله - ﷺ - من أبيها أبي بكر - ﵁ - فقال يا رسول الله أو تحل لك؟ قال \"نعم\" فقال له أبو بكر: ألست أخاك؟ قال \"بلى في الإسلام وهي لي حلال\" (^٣) فتزوجها رسول الله - ﷺ - وأحبها حبا شديدا وقالت عائشة: أتتني أمي أم رومان وإني لفي [أرجوحة] ومعي صواحب لي فصرخت في فأتيتها ما أدري ما تريد بي فأخذت بيدي حتى وقفت على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن على الخير والبركة، وعلى خير طائر (^٤)، فأسلمتني\n_________\n(^١) البخاري (١٤٣٧)، ومسلم (١٠٢٤)، وأبو داود (١٦٨٥)، والترمذي (٦٧٢)، والنسائي (٩١٩٧)، وابن ماجه (٢٢٩٤)، وابن حبان (٣٣٥٨)، وأحمد (٢٤١٧١).\n(^٢) أسد الغابة: ٧/ ١٨٨، تهذيب الكمال: ١٦٨٨، تاريخ الإسلام: ٢/ ٢٩٤، البداية والنهاية: ٨/ ٩١، ٩٤ تهذيب التهذيب: ١٢/ ٤٣٣ - ٤٣٦، الإصابة: ١٣/ ٣٨.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) قال النووي في شرح مسلم ٩/ ٢٠٧: الطائر: الحظ، يطلق على الحظ من الخير والشر، =","vol":"5","page":529},{"text":"إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله - ﷺ - ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين\" (^١) وفي رواية قالت عائشة: ثم أقبلت أمي تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي فإذا رسول الله - ﷺ - جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء، فخرجوا وبنى بي رسول الله - ﷺ - وأنا يومئذ بنت تسع سنين، وكانت - ﵂ - تفتخر بأشياء لم تعطها امرأة غيرها منها أن جبريل أتى بصورتها وقال لرسول الله - ﷺ - هذه زوجتك ومنها أنه كان يصلي وأنا معترضة بين يديه كالجنازة ولم يفعل ذلك بأحد من نساءه غيري ومنها أنها كانت أعلم الناس على الإطلاق، قال عطاء بن أبي رباح (^٢): كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا ولم يرو أحد من الأحاديث أكثر منها، وقال أبو موسى الأشعري (^٣): ما أشكل على أصحاب رسول الله - ﷺ - حديث قط فسألنا عائشة عنه إلا وجدنا عندها علما وقد تفردت من بين الصحابة بمسائل لم تكن إلا عندها ومن مناقبها نزول الوحي\n_________\n= والمراد هنا: على أفضل حظ وبركة، وفيه استحباب الدعاء بالخير والبركة لكل واحد من الزوجين، ومثله في حديث عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك.\n(^١) صحيح البخاري (٣٨٩٤).\n(^٢) ينظر: الإصابة: ١٣/ ٣٨.\n(^٣) ينظر: تهذيب الكمال: ١٦٨٨.","vol":"5","page":530},{"text":"على رسول الله - ﷺ - في لحافها ولم ينزل عليه في لحاف غيرها وأقرأها جبريل الروح الأمين السلام على لسان بعلها ورأته مع رسول الله - ﷺ - في حجرتها ونزل القرآن العظيم ببراءتها وقبول عذرها وتوفي رسول الله - ﷺ - في نوبتها وليلتها وقد امتزج ريقه المطهر بريقها ورأسه المقدس في حجرها ومات بين حاقنتها وذاقنتها وسحرها ونحرها ونزلت آية التيمم ببركتها وكانت أكرم أهل زمانها وعابدة أوانها وأقامت بعد رسول الله - ﷺ - تسرد الصوم بقية عمرها وتفتي في [الفقه ويؤخذ بقولها فأي] فخر كفخرها.\nوعن عبد الله عن عروة، عن عائشة، قالت: \"تزوجني رسول الله - ﷺ - في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله - ﷺ - كان أعظم عنده مني؟ (^١) \" الحديث، وصدقت - ﵂ - كانت أحظى النساء عند رسول الله - ﷺ - وأحبهن إليه بعد خديجة وبنى بها بالمدينة [بعد بدر] وهي بنت تسع سنين ومات رسول - ﷺ - وهي بنت ثماني عشرة سنة، ونشرت عنه علما كثيرا لأنها روت عنه فيما ذكر أصحاب [الأعداد ألفين حديثا ومائتين حديثا وعشرة أحاديث].\nقوله - ﷺ -: \"إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها\" أي طعام زوجها الذي في بيتها كما صرح به في الرواية الأخرى وفي رواية \"إذا أطعمت المرأة من بيت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٢٣) وهو عند الترمذي (١٠٩٣)، والنسائي في المجتبى (٥٣٥٣)، وابن ماجه (١٩٩٠) وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في مصنفه (١٠٤٥٩)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٥٠٨)، وابن سعد ٨/ ٦٠، وإسحاق بن راهوية (٧٢٤).","vol":"5","page":531},{"text":"زوجها\" وعند بعضهم \"إذا تصدقت\" فإن قلت: الطعام إما للزوج فلا يجوز لها الإنفاق منه وإما للزوجة فلا دخل للزوج فيه قلت: هو للزوج وهذا ورد بناء على عادتهم لأنهم يأمرون أزواجهم بالإنفاق على الفقراء من طعام البيت قاله الكرماني (^١).\nقوله - ﷺ - \"غير مفسدة\" يقتضي اليسير الذي لا يجحف بالزوج، قال المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود: فرق بعض العلماء بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال الزوج ولها النظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق بما لا يكون إسرافا لكن بمقدار العادة وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها، فأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه (^٢) اهـ.\nقال النووي في شرح مسلم (^٣): معناه من غير إذنه الصريح في ذلك القدر المعين ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره وذلك الإذن الذي قد بيناه سابقا إما بالصريح وإما بالعرف ولا بد من هذا التأويل، ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر، واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة فإن زاد على المتعارف لم يجز وهذا معنى قوله - ﷺ - إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة فأشار - ﷺ - إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به في العادة\n_________\n(^١) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٩/ ١٩٥).\n(^٢) طرح التثريب (٤/ ١٤٧)، وعمدة القارى (٨/ ٢٩٢).\n(^٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"5","page":532},{"text":"ونبه بالطعام أيضًا على ذلك لأنه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس وفي كثير من الأحوال واعلم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال وغلمانه ومصالحه وقاصديه من ضيف وابن سبيل ونحوهما وكذلك صدقتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف.\nويمكن أن يحمل ذلك على ما إذا أنفقت من مالها الذي اكتسبته وأعطاه لها في نفقتها فلها الأجر وإن لم يأذن لها في إنفاقه لأنه خالص ملكها وله الأجر باكتسابه ودفعه لها فجعل الأجر فيما أعطاه لها فكيف ما انضم إلى ذلك أنها تصدقت به فكان باكتسابه سببا لتلك الصدقة (^١) اهـ.\nقوله - ﷺ -: \"وللخازن مثل ذلك\" الخازن هو الوكيل إذا علم رضا المالك جاز له أن يتصدق بغير إذنه ويؤيد ذلك قوله ﷿: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (^٢) ونقل ابن عبد البر إجماعا أن للرجل أن يأكل من مال صديقه بغير إذنه إذا استطاب نفسه وقد تظاهرت سنة رسول الله - ﷺ - على ذلك (^٣)، أما إذا علمت الزوجة أو الوكيل أن الزوج لا يرضى بذلك أو شكت فيه كانت آثمة فضلا عن أن يكون لها أجر (^٤). قاله ابن عقيل.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٤/ ١٤٤).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٦٠.\n(^٣) الاستذكار (٥/ ١٢٦)، والتمهيد (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(^٤) انظر: شرح السنة (٦/ ٢٠٥)، والمجموع (٦/ ٢٤٤)، والمفاتيح (٢/ ٥٥٥)، وطرح =","vol":"5","page":533},{"text":"قوله - ﷺ -: \"لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا\" هكذا وقع في جميع النسخ شيئًا بالنصب فيقدر له ناصب فيحتمل أن يكون تقديره من غير أن ينقص الله من أجورهم شيئا ويحتمل أن يقدر من غير أن ينقص الزوجة من أجر المرأة والخازن شيئًا (^١) والله أعلم.\n\n١٣٨٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَا يحل للْمَرْأَة أَن تَصُوم وَزوجهَا شَاهد إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأذن فِي بَيته إِلَّا بِإِذْنِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^٢).\n\n١٣٨٥ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد أَن أَبَا هُرَيْرَة - ﵁ - سُئِلَ عَن الْمَرْأَة هَل تَتَصَدَّق من بَيت زَوجهَا قَالَ لَا إِلَّا من قوتها وَالْأَجْر بَينهمَا وَلَا يحل لَهَا أَن تَتَصَدَّق من مَال زَوجهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ (^٣).\nزَاد رزين الْعَبدَرِي فِي جَامعه فَإِن أذن لَهَا فالأجر بَينهمَا فَإِن فعلت بِغَيْر إِذْنه فالأجر لَهُ وَالْإِثْم عَلَيْهَا.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه\" هذا محمول على صوم التطوع المندوب الذي ليس له زمن معين وهذا النهي للتحريم\n_________\n= التثريب (٤/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٤).\n(^٢) البخاري (٥١٩٥)، ومسلم (١٠٢٦)، وأبو داود (١٦٨٧).\n(^٣) أبو داود (١٦٨٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٣١).","vol":"5","page":534},{"text":"كما صرح به أصحابنا وحكاه النووي في الروضة (^١) وشرح مسلم (^٢) عن أصحابنا وحكاه في شرح المهذب (^٣) عن جمهور أصحابنا ثم قال: وقال بعض أصحابنا يكره والصحيح الأول، قال: فلو صامت بغير إذن زوجها صح باتفاق أصحابنا وكان الصوم حراما لأن تحريمه لمعنى آخر لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم فهو كالصلاة في دار مغصوبة وقال صاحب البيان (^٤): قبوله إلى الله تعالى، قال النووي (^٥): ومقتضى المذهب في نظائرها الجزم بعدم الثواب كما في الصلاة في دار مغصوبة قاله العراقي (^٦).\nقال النووي في شرح مسلم (^٧): وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام وحقه واجب على الفور فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي فإن قيل فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها فالجواب أن صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة لأنه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد، وقوله - ﷺ - وزوجها شاهد إلا بإذنه هذا الحديث فيه النهي عن الصوم بأن يكون زوجها شاهدا إلا بإذنه والمراد\n_________\n(^١) روضة الطالبين وعمدة المفتين (٢/ ٣٤٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٥).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٦/ ٣٩٢).\n(^٤) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠).\n(^٥) المجموع شرح المهذب (٦/ ٣٩٢).\n(^٦) طرح التثريب (٤/ ١٤٠).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٥).","vol":"5","page":535},{"text":"بشهوده حضوره أن يكون مقيما في البلد ومفهومه أن لها صوم التطوع في غيبته وهو كذلك بلا خلاف كما ذكره النووي في شرح المهذب (^١) وهو واضح لزوال معنى النهي.\nوَأَمَّا قَضَاؤُهَا رَمَضَانَ وَصَوْمُهَا الْكَفَّارَةَ وَالنَّذْرَ فَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ وَالْأَمَةُ الْمُسْتَبَاحَةُ لِسَيِّدِهَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَالزَّوْجَةِ وَأَمَّا الْأَمَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا فحكمها مبسوط في كتب الفقه والله أعلم.\nوَمَا الْمُرَادُ بِغَيْبَتِهِ هُنَا؟ هَلْ الْمُرَادُ الْغَيْبَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَوْ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْغَيْبَةِ عَنْ الْبَلَدِ وَلَوْ قَلَّتْ الْمَسَافَةُ وَقَصُرَتْ مُدَّتُهَا؟ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْحَدِيثِ تَرْجِيحُ هَذَا الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ لَكِنْ لَوْ ظَنَّتْ قُدُومَهُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَيَنْبَغِي تَحْرِيمُ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ فَمَتَى ظَنَّتْ قُدُومَهُ فِي يَوْمٍ حَرُمَ عَلَيْهَا صَوْمُهُ وَلَوْ بَعُدَتْ بَلَدُ الْغَيْبَةِ وَطَالَتْ مُدَّتُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْرُمَ اسْتِصْحَابًا لِلْغَيْبَةِ وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهَا.\nوفِي مَعْنَى غَيْبَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِزَوْجَتِهِ فَلَهَا حِينَئِذٍ الصَّوْمُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فِيمَا يَظْهَرُ.\nهَلْ الْمُرَادُ إذْنُهُ صَرِيحًا أَوْ يَكْفِي مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ احْتِفَافِ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ احْتِفَافَ الْقَرَائِنِ وَاطِّرَادَ الْعَادَةِ يَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ الصَّرِيحِ.\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٦/ ٣٩٢).","vol":"5","page":536},{"text":"وفي كلام المالكية أن هذا مخصوص بمن علمت كراهة الزوج لذلك أما إذا علمت أنه لا يكره ذلك فلا إثم عليها في إنشاء الصوم والشافعية قضوا بسقوط نفقتها إذا صرح الزوج بمنعها منه فإن لم يصرح فلهم في سقوط نفقتها وجهان، ذكره العراقي في شرح الأحكام (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ولا تأذن في بيته\" أي وهو شاهد إلا بإذنه فيه تخصيص المنع بحضور الزوج وهو يدل على أن ذلك لحق الزوج في زوجته إذ قد يكون المأذون له في تلك الحال ممن يشوش على الزوج مقصوده وخلوته بها وعلى هذا تظهر المناسبة بين هذا النهي وبين النهي عن الصوم المتقدم (^٢) اهـ.\nوفيه إشارة إلى أنه (لا يفتات) على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم إلا بإذنهم وهذا محمول على ما لا يعلم رضا الزوج ونحوه به فإن علمت المرأة ونحوها رضاه به جاز كما سبق في النفقات (^٣) اهـ.\nوفيه منع الزوجة من الإدخال عليها قالت الشافعية للزوج منعها من إدخال أبويها وأولادها وقال بعضهم والأولى أن لا يفعل.\nقوله - ﷺ - في رواية لأبي داود إن أبا هريرة سئل عن المرأة هل تصدق من بيت زوجها قال \"لا إلا من قوتها والأجر بينهما\" قوله والأجر بينهما قال\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٤/ ٥٩).\n(^٢) المفهم (٩/ ٣٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٥).","vol":"5","page":537},{"text":"النووي (^١): معنى هذه الأحاديث أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجر، وليس معناه أنه يزاحم المالك في أجر أحدهما، والمراد: المشاركة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه فإذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته أو غيرهما مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره ونحوه فأجر المالك أكثر وإن أعطاه رمانة أو رغيفًا أو نحوهما فحيث ليس له قيمة كثيرة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف فأجر الوكيل أكثر وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلا فيكون مقدار الأجر سواء. والله أعلم.\nوأما قوله - ﷺ - (الأجر بينهما نصفان) فمعناه قسمان وإن كان أحدهما أكثر كما قال الشاعر: إذا مت كان الناس نصفان بيننا.\n(وأشار القاضي إلى أنه يحتمل أن يكون سواء لأن الأجر فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء ولا يدرك بقياس ولا هو بحسب الأعمال بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقوله - ﷺ - الأجر بينكما ليس معناه أن الأجر الذي لأحدهما يزدحمان فيه والمختار الأول بل معناه أن هذه النفقة والصدقة التي أخرجها الخازن أو المرأة أو المملوك ونحوهم بإذن المالك يترتب على جملتها ثواب على قدر المال والعمل فيكون ذلك مقسوما بينهما لهذا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١١).","vol":"5","page":538},{"text":"نصيب بماله ولهذا نصيب بعمله فلم يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله (^١).\nوقال الخطابي (^٢): إذا أخذت المرأة من مال زوجها أكثر من نفقتها، وتصدقت به ورضي بذلك يكون الأجر بينهما نصفين فلها نصف أجره بما تصدقت من نفقتها، ونصف للزوج بما أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها؛ لأن الأكثر حق الزوج، وهذا الحديث مفسر عند العلماء على عادة أهل الحجاز فإن عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الضيفان ويطعموا السائلين فحرض رسول الله - ﷺ - أمته على هذه العادة الحسنة وأما إذا أنفقت المرأة بغير إذن زوجها [يحصل لها مظلمة وإثم،] سواء أكان قليلا أو كثيرا.\n[وقوله:] نصف أجره أي مثله لما في مسلم كان لها أجرها وله مثله بما اكتسب ولها بما أنفقت وللخازن مثل ذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيئا اهـ قاله في شرح الإلمام (^٣).\nقوله - ﷺ - \"ولا يحل لها أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه\" واعلم أنه لا بد في العامل وهو الخزان وفي الزوجة والمملوك من إذن المالك في ذلك\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٢).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٧٨)، وأعلام الحديث (١/ ٧٦١)، وشرح السنة (٦/ ٢٠٤)، والمفاتيح (٢/ ٥٥٥).\n(^٣) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.","vol":"5","page":539},{"text":"فإن لم يكن أذن أصلا فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة بل عليهم وزر بتصدقهم من مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان أحدهما الإذن الصريح في النفقة والصدقة والثاني الإذن المفهوم من اطراد العرف كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به واطرد العرف فيه وعلم بالعرف رضا المالك والزوج به فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم هذا إذا علم رضاه لاطراد العرف وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضا به فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شحيحا يشح بذلك وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها والتصدق بماله إلا بصريح إذنه والله أعلم قاله في الديباجة.\n\n١٣٨٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَا يجوز لامْرَأَة عَطِيَّة إِلَّا بِإِذن زَوجهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب (^١).\nقوله عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها\" العطية الهبة هذا محمول على غير الرشيدة قال الكرماني (^٢) وأقول وأن المراد من مال زوجها لا من\n_________\n(^١) أبو داود (٣٥٤٧)، والنسائي (٥/ ٦٥)، وابن ماجه (٢٣٨٨)، وأحمد (٧٠٥٨)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٣٢).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ٩٣).","vol":"5","page":540},{"text":"مالها في الحديث \"حجر الأزواج على النساء في التصرف\" (^١) وبه قال أحمد (^٢) فيما زاد على الثلث وعنه رواية بالجواز مطلقا وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (^٣) وعلل ذلك بأنها بالغة رشيدة وبأن ملكها تام فلا يزول بالتزويج والحديث محمول على العطية من مال زوجها [مما] لم تجر العادة به مما لا يسمح أو [يؤذن] فيه ونسب إليها لتمكنها من أكله وإطعامه بالرضا ولها أجر قال مالك: لا تملك التصرف في مالها إلا بإذنه حتى تعنس قلنا الفرق فيما قبل التعنيس وبعده [أن] له حق الاستمتاع بما ملكته [قلنا] لا نسلم حقه في مالها بل في [بضعها] وفيما قلنا جمع [بين] الحديث والقاعدة والله أعلم اهـ قاله في شرح الإلمام.\n\n١٣٨٧ - وَعَن أَسمَاء - ﵂ - قَالَت قلت يَا رَسُول الله مَا لي مَال إِلَّا مَا أَدخل عَليّ الزبير أفأتصدق قَالَ تصدقي وَلَا توعي فيوعى عَلَيْك. وَفِي رِوَايَة أَنَّهَا\n_________\n(^١) لم نقف عليه.\n(^٢) ينظر: الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ٤٧٧)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٢/ ٤١١) المبدع في شرح المقنع (٢/ ٣٠٩) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (٣/ ٣) كشاف القناع عن متن الإقناع (٢/ ١٦٥) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٩٤٦).\n(^٣) ينظر: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٩١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (٢/ ٢٥٦)، الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦) المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (٣/ ١١٥) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٣/ ١٦٠) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٥٤٩).","vol":"5","page":541},{"text":"جَاءَت النَّبِي - ﷺ - فَقَالَت يَا نَبِي الله لَيْسَ لي شَيْء إِلَّا مَا أَدخل عَليّ الزبير فَهَل عَليّ جنَاح أَن أرضخ مِمَّا يدْخل عَليّ قَالَ ارضخي مَا اسْتَطَعْت وَلَا توعي فيوعي الله عَلَيْك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\n\n١٣٨٨ - وَعَن عائشة - ﵂ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا تَصَدَّقت الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا كَانَ لَهَا أجرهَا ولزوجها مثل ذَلِك لَا ينقص كل وَاحِد مِنْهُمَا من أجر صَاحبه شَيْئا لَهُ بِمَا كسب، وَلها بِمَا أنفقت رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٢).\nقوله وعن أسماء: هي أسماء بنت أبي بكر الصديق (^٣) - ﵂ - وعن أبيها امرأة الزبير بن العوام واسم أمها قيلة وقيل قتيلة بنت عبد العزى وأسلمت أسماء قديما بعد سبعة عشر إنسانا وكانت أسماء أسن من عائشة وهي أختها لأبيها وكان عبد الرحمن بن أبي بكر أخا أسماء شقيقها سماها النبي - ﷺ - ذات النطاقين لأنها صنعت للنبي - ﷺ - سفرة ولأبيها لما هاجرا فلم تجد ما تشدها به فشقت نطاقها وشدت به السفرة فسماها النبي - ﷺ - ذات النطاقين، هاجرت أسماء إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بعد الهجرة فكان أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة، بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سن ولم يتغير عليها من عقلها شيء، روي لها عن رسول الله - ﷺ - ستة\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٩٠)، ومسلم (١٠٢٩)، وأبو داود (١٦٩٩)، والترمذي (١٩٦٠)، وأحمد (٢٦٩٨٧).\n(^٢) الترمذي (٦٧١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٣٤).\n(^٣) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٣٥/ ١٢٣) (٧٧٨٠).","vol":"5","page":542},{"text":"وخمسون حديثا توفيت - ﵂ - بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بيسير لم تبق بعد إنزاله من الخشبة إلا ليال يسيرة قيل ثلاث ليال وقيل عشر ليال وقيل عشرون وقيل غير ذلك وفي تاريخ دمشق عن خليفة بن خياط قال: ولدت أسماء للزبير عبد الله وعروة والمنذر والمهاجر بني الزبير، وفيه عن الزبير بن بكار أنها ولدت للزبير عبد الله وعروة وعاصم والمنذر والمهاجر وخديجة وأم حسين وعائشة وأن أسماء وابنها وأباها وجدّها أربعة صحابيين لا يعرف لغيرهم إلا لمحمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ومناقبها كثيرة مشهورة والله أعلم.\nقولها - ﵂ -: قلت يا رسول الله ليس لي مال إلا ما أدخل علي الزبير، هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها أو مما هو ملك الزبير ولا تكره الصدقة منه بل يرضى بها على عادة غالب الناس (^١).\nوقوله - ﷺ - \"ارضخي ما استطعت\" معناه ما يرضى به الزبير وتقديره أن لك في الرضخ مراتب مباحة بعضها فوق بعض وكلها يرضاها الزبير فافعلي أعلاها أو يكون معناها ما استطعت مما هو ملك لك (^٢).\nوقولها أفأتصدق قال تصدقي ولا توعي فيوعي عليك\" أي لا تمسكى المال في الوعاء فيمسك الله فضله وثوابه عنك (^٣) ومعناه يمنعك كما منعت\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٩).\n(^٣) المفهم (٩/ ٤٢).","vol":"5","page":543},{"text":"ويقتر عليك كما قترتِ ويمسك فضله عنك كما أمسكت (^١) وتقدم الكلام عليه في الباب قبله.\nوقولها: فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي الزبير قال \"أرضخي ما استطعت\" الحديث، الجناح المراد به [الإثم والميل] والرضخ العطاء اليسير وإنما قال لها رسول الله - ﷺ - أرضخي لما عرف من حالها ومقدرتها وأنه لم يكن لها أن تتصرف في مال زوجها بغير إذنه إلا في الشيء اليسير الذي جرت فيه العادة بالتسامح من قبل الأزواج كالكسرة والتمرة والطعام الذي يفضل في البيت ولا يصلح للخزن لتسارع الفساد إليه (^٢) كذا في شرح المشارق، وارضخي همزته همزة وصل من الرضخ بسكون الضاد وهو العطية اليسيرة (^٣) كما تقدم اهـ.\nقوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها أجره ولزوجها بما كسب ولها بما أنفقت\" تقدم الكلام على هذا في حديث قبله.\n\n١٣٨٩ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع لَا تنْفق امْرَأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إِلَّا بِإِذن زَوجهَا قيل يَا رَسُول الله وَلا الطَّعَام قَالَ ذَلِك أفضل أَمْوَالنَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١١٩).\n(^٢) الميسر (٢/ ٤٣٨).\n(^٣) حدائق الأزهار (لوحة ٨٨ و٨٩/ خ ٨٧٧٨١ كتبخانة)، ومبارق الأزهار (١/ ١٢٠).","vol":"5","page":544},{"text":"حسن (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي.\nقوله: قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في خطبته عام حجة الوداع\" تقدم الكلام على حجة الوداع.\nقوله - ﷺ - \"لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها قيل يا رسول الله ولا الطعام قال ذلك أفضل أموالنا\" أي لأنه قوت وبه تقوم البنية فهو أفضل من الأدم وغيره ويحتمل أن يراد بالفضيلة العزة وأنه أعز من الذهب والفضة [وقيل] وغير ذلك لكثرة منافعه وإمكان تناوله حبا وعلى أنواع أخر وبه تحصل هذه الأمور وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها أكثر أموالهم ولهذا فسر بعضهم حديث النهي [عن إضاعة المال] بالحيوان (^٢) وفي هذا الحديث إطلاق [اسم المال على كل ما يقتنى ويملك من] الحب وغيره اهـ. قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) الترمذي (٦٧٠)، وأبو داود (٣٥٦٥)، وابن ماجه (٢٢٩٥)، وأحمد (٢٢٢٩٤)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٣٥).\n(^٢) النهاية (٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣).","vol":"5","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>الترغيب في إطعام الطعام وسقي الماء والترهيب من منعه</span>\n١٣٩٠ - عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله - ﷺ - أَي الْإِسْلَام خير قَالَ تطعم الطَّعَام وتقرأ السَّلَام على من عرفت وَمن لم تعرف رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله عن عبد الله تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رجلا سأل رسول الله - ﷺ -: أي الإسلام خير؟ الحديث، أي: أي خصال الإسلام خير (^٢) أو أي أعمال الإسلام خير؟ (^٣)\nتنبيه: قوله - ﷺ - في حديث عمرو بن العاص أي الإسلام خير؟ قال: \"تطعم الطعام\" الحديث، وفي حديث أبي موسى أي المسلمين أفضل قال: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\" (^٤).\nفإن قلت: جاء في الجواب عن الأول أن الخير أن يطعم الطعام وفي الآخر أنه من سلم المسلمون من لسانه ويده، فما وجه التوفيق بينهما؟\nقلت: كان الجوابان في وقتين فأجاب في كل وقت بما هو أفضل في حق السامع أو أهل المجلس فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ولسانه\n_________\n(^١) البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩)، وأبو داود (٥١٩٤)، وابن ماجه (٣٢٥٣)، وأحمد (٦٥٨١).\n(^٢) شرح السنة (١٢/ ٢٦٠).\n(^٣) كشف المشكل (٤/ ١١٦)، واللامع الصبيح (١٥/ ٢٧٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١١)، ومسلم (٦٦ - ٤٢).","vol":"5","page":546},{"text":"وإيذاء المسلمين ومن الآخر إمساك من الطعام وتكبر فأجابهما على حسب حالهما أو علم - ﷺ - أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال أو أن الأول يسأل عما يدفع المضار، والثاني عما يجلب المنافع أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الطعام مستلزم لسلامة اليد والسلامة لسلامة اللسان، وفيه الحث على الجود والسخاء وعلى مكارم الأخلاق وخفض الجناح للمسلمين والتواضع والحث على تآلف قلوبهم واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك والحديث مشتمل على نوعي المكارم لأنها إما مالية والإطعام إشارة إليها وإما بدنية والسلام إشارة إليها، قال القاضي البيضاوي (^١): والألفة إحدى فرائض الإسلام وأركان الشريعة ونظام شمل الدين والله أعلم قاله الكرماني (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" أي لا تخص به أحدا كما يفعله بعض الناس تكبرًا وتهاونًا ولا يكون مصانعةً ولا ملقًا بل مراعاةً لإخوة الإسلام وتعظيما لشعار الشريعة وإذا كان خالصا لله تعالى لا يختص بأحد دون أحد ولا ينبغي أن تكون المعاداة ونحوها مانعة من السلام والله أعلم (^٣) وسيأتي الكلام أيضًا على ذلك في إفشاء السلام في محله إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) كذا هو في الكواكب الدراري (١/ ٩٣) وإنما هو القاضي عياض كما في إكمال المعلم (١/ ٢٧٦)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٠ - ١١).\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ٩٣).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ٩٣).","vol":"5","page":547},{"text":"١٣٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنِّي إِذا رَأَيْتُك طابت نَفسِي وقرت عَيْني أنبئني عَن كل شَيْء قَالَ كل شَيْء خلق من المَاء فَقلت أَخْبرنِي بِشَيْء إِذا عملته دخلت الْجنَّة قَالَ أطْعم الطَّعَام وأفش السَّلَام وصل الْأَرْحَام وصل باللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدخل الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقول أبي هريرة للنبي - ﷺ -: أنبئني عَن كل شَيْء قَالَ كل شَيْء خلق من المَاء .. الحديث ... فهذ الحديث يدُل على أن الماءَ أصلُ جميع المخلوقاتِ ومادّتها. وجميعُ المخلوقاتِ خُلِقَتْ منه، وقد دلّ القرآن على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾.\nقوله - ﷺ - لأبي هريرة: \"أطعم الطعام وأفش السلام وصل الأرحام وصل بالليل والناس نيام\" تقدم الكلام على صلة الرحم وقيام الليل وإطعام الطعام وأما إفشاء السلام فقال القاضي أبو بكر ابن العربي (^٢): إفشاء السلام أن يعم به الخلق ولا يخص به المعرفة، ففي الصحيح: \"وتقرأ السلام على من عرفت ومن لا تعرف\" والسبب في ذلك أنها كلمة إذا صدرت\n_________\n(^١) أحمد (٧٩٣٢)، وابن حبان (٢٥٥٩)، والحاكم (٤/ ١٢٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٦)، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا أبا ميمونة، وهو ثقة.\n(^٢) عارضة الأحوذى (١/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"5","page":548},{"text":"أخلصت القلوب الواعية لها عن النفرة إلى الإقبال عليها وهي أول كلمة تفاوض بها آدم مع الملائكة فإنه لما خلقه الله تعالى قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم واستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال لهم: السلام عليكم، فقالت له الملائكة: وعليك السلام ورحمة الله، أ. هـ. قاله في الديباجة.\n\n١٣٩٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اعبدوا الرَّحْمَن وأطعموا الطَّعَام وأفشوا السَّلَام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nفائدة: اتفقوا على أن اسم عمرو يكتب في حالتي الجر والرفع بالواو ولا يكتب في النصب واو قالوا ويكتب الواو للفرق بينه وبين عمر وحذفت في النصب لحصول الفرق بالألف وجعلت الواو فيه دون عمر لخفة عمرو بثلاثة أشياء فتح أوله وسكون ثانيه وصرفه فلا تجحف به الزيادة بخلاف عمر (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) الترمذي (١٨٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٨١)، وابن ماجه (٣٦٩٤)، وأحمد (٦٥٨٧)، وابن حبان (٤٨٩)، والدارمي (٢١٢٦)، وابن أبي شيبة (٢٥٧٣٠)، والحاكم (٤/ ١٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٧)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٣٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤).","vol":"5","page":549},{"text":"قوله - ﷺ -: \"اعبدوا الرحمن وأطعموا الطعام وأفشوا السلام تدخلوا الجنة بسلام\" أي من الله أو من الملائكة لأهل الجنة.\n\n١٣٩٣ - وَعنهُ أَيْضا - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن فِي الْجنَّة غرفا يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا فَقَالَ أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ لمن هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ هِيَ لمن أطاب الْكَلَام وَأطْعم الطَّعَام وَبَات قَائِما وَالنَّاس نيام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: وعنه أيضًا تقدم الكلام عليه - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها\" فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: \"هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام\" الحديث.\nاعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال فبعضها أعلى من بعض وأرفع (^٢).\n\n١٣٩٤ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن فِي الْجنَّة غرفا يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا أعدهَا الله تَعَالَى لمن أطْعم\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٤٦٨٧)، وفي مكارم الأخلاق (١٦٧)، والحاكم (١/ ٨٠)، وقال صحيح على شرط الشيخين، وفي (١/ ٣٢١)، قال: صحيح على شرط مسلم، وأحمد (٦٦١٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٤)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٣٨).\n(^٢) التذكرة (ص ٩٦٥).","vol":"5","page":550},{"text":"الطَّعَام وَأفْشى السَّلَام وَصلى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي مالك الأشعري - ﵁ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها\" الحديث تقدم الكلام عليه.\n\n١٣٩٥ - وَعَن حَمْزَة بن صُهَيْب عَن أَبِيه - ﵁ - قَالَ قَالَ عمر لِصُهَيْب فِيك سرف فِي الطَّعَام فَقَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول خياركم من أطْعم الطَّعَام رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وَمن لَا يحضرني الْآن حَاله (^٢).\nقوله: وعن حمزة بن صهيب عن أبيه - ﵁ -، هو حمزة بن صهيب بن سنان القرشي التيمي المدني أخو صيفي مولى ابن جدعان، روى عن أبيه صهيب، وفي مسند الإمام أحمد (^٣) عن حمزة بن صهيب كان يكنى أبا يحيى ويقول إنه\n_________\n(^١) ابن حبان (٥٠٩)، وأحمد (٢٢٩٠٥)، والطبراني في الكبير (٣٤٦٦)، وعبد الرزاق (٢٠٨٨٣)، وابن خزيمة (٢١٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٤)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٣٩).\n(^٢) أحمد (٢٣٩٢٩)، والأصبهاني في الترغيب (٤٠٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/ ٢٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥٣)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٤٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٣٩٢٦) وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٥٣ وابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧.","vol":"5","page":551},{"text":"من العرب ويطعم الطعام الكثير، فقال له عمر بن الخطاب: يا صهيب! مالك تكنى أبا يحيى وليس لك [ولد] وتقول إنك من العرب وتطعم الطعام الكثير وذلك سرف في المال فقال صهيب: إن رسول الله - ﷺ - كنانى أبا يحيى وأما قولك في النسب فأنا رجل من [النمر بن قاسط] من أهل الموصل ولكني شببت غلاما صغيرا قد عقلت أهلي، وقومي وأما قولك في الطعام فإن رسول الله - ﷺ - كان يقول: \"خياركم من أطعم الطعام ورد السلام فذلك الذي يحملني على [أن أطعم] الطعام\" (^١).\nقوله: قال عمر لصهيب فيك سرف في الطعام فقال إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"خياركم من أطعم الطعام\" الحديث.\nالطعام في لغة العرب كل ما يؤكل وربما خص بالطعام البر (^٢) قال أبو عبد\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد (٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، وابن أبي شيبة في المسند (٤٨٣)، وأحمد ٦/ ١٦ (٢٣٩٢٦) وعنه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٦)، ولوين في جزئه (٦٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير ٢/ ٧٤٣ (٣١٥٠) و٢/ ٩٥٩ (٤١٠٧)، والطحاوى في مشكل الآثار (٧٢٤٨)، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٨ رقم ٧٣١٠)، وأبو الطاهر في المخلصيات (١٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٧٨)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٢٩٩ - ٣٠٠ رقم ٨٥٦٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال ابن عساكر: هذا حديث غريب تفرد به العقيلي وفيه ضعف. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٦ - ١٧: رواه أحمد، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وقال البوصيري: هذا إسناد حسن. عبد الله بن محمد مختلف فيه مصباح الزجاجة ٤/ ١١٩. وحسنه الألباني في الصحيحة (٤٤).\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٩٧٤).","vol":"5","page":552},{"text":"الله القرطبي: فأما إطعام الطعام فهو فعل الله ﵎ لأن الخلق عيال الله تعالى فهو يعولهم ويتكفل بأرزاقهم فإذا قام عبد بإطعام عبيده فإنما يطعم عن الله تعالى ما تكفل لعبيده فهذا فعل استأثر الله به وارتضاه لنفسه ثم أجراه على أيدي أنبيائه وأوليائه وهو من أشرف الخصال وفيه إقامة الروح في الأبدان وسلامة المهج أكرم الله به خليله إبراهيم - ﵇ - وحبيبه محمدا - ﷺ - بذلك فكان إبراهيم يقري الضيفان وكان محمد - ﷺ - لا يدخر شيئا لغد فأقربهم وسيلة وأقربهم درجة أفعلهم لهذا وأخلقهم بهذا انتهى.\nقوله: وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل [ضعفه ابن معين وقال ابن خزيمة لا أحتج به، وقال أبو حاتم وغيره لين الحديث، وقال الترمذي: صدوق تكلم فيه من قبل حفظه واحتج به أحمد وإسحاق والحميدي وغيرهم].\n\n١٣٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْكَفَّارَات إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - كَيفَ وَعبد الله بن أبي حميد مَتْرُوك.\n\n١٣٩٧ - وَعَن عبد الله بن سَلام - ﵁ - قَالَ أول مَا قدم رَسُول الله - ﷺ - إِلَى الْمَدِينَة انجفل النَّاس إِلَيْهِ فَكنت فِيمَن جَاءَهُ فَلَمَّا تَأَمَّلت وَجهه واستثبته\n_________\n(^١) الحاكم (٤/ ١٢٩)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: عبيد الله، قال أحمد: تركوا حديثه.","vol":"5","page":553},{"text":"علمت أَن وَجهه لَيْسَ بِوَجْه كَذَّاب قَالَ وَكَانَ أول مَا سَمِعت من كَلَامه أَن قَالَ أَيهَا النَّاس أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^١).\nانجفل النَّاس بِالْجِيم أَي أَسْرعُوا ومضوا كلهم.\nاستثبته أَي تحققته وتبينته.\nقوله: وعن عبد الله بن سلام - ﵁ -، هو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري الخزرجي الصحابي (^٢) كان حليفا لبني الخزرج كنيته أبو يوسف كنى بابنه يوسف وهو من بني قينقاع [منصرفا وغير منصرف قبيلة من اليهود قاله الكرماني (^٣)، أ. هـ،] بضم النون وكسرها وفتحها وهو من ولد يوسف بن إسحاق بن إبراهيم - ﷺ - وكان اسمه في الجاهلية حصينا فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله، أسلم أول قدوم رسول الله - ﷺ - المدينة، وروي أنه قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإنهم إن علموا بإسلامي بهتوني عندك فسلهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"كيف عبد الله\n_________\n(^١) الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)، والحاكم (٣/ ١٣)، وأحمد (٢٣٧٨٤)، وعبد ابن حميد (٤٩٦)، والدارمي (١٤٦٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٥٠٢)، وفي شعب الإيمان (٨٧٤٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٤١).\n(^٢) الاستيعاب: ٣/ ٩٢١، الإصابة: ٦/ ١٠٨، أسد الغابة: ٣/ ٢٦٤، تاريخ الإسلام: ٢/ ٢٣٠، العبر: ١/ ٥١، تهذيب التهذيب: ٥/ ٢٤٩، تهذيب الكمال: ٦٩١.\n(^٣) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٧٤).","vol":"5","page":554},{"text":"ابن سلام فيكم\" فقالوا: خيرنا وأعلمنا وسيدنا وأثنوا عليه خيرا، فقال: \"أرأيتم إن أسلم\" قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم عبد الله فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا عنه: هو شرنا وابن شرنا فقال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله ونزل في فضله قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (^١) الآية، ثم قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (^٢) (^٣) وري له عن رسول الله - ﷺ - خمسة وعشرون حديثا اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بالآخر روى عنه ابناه محمد ويوسف وأبو هريرة وأنس وعبد الله بن مغفل المزني وجماعات من التابعين وشهد مع عمر بن الخطاب فتح بيت المقدس والجابية في سنة ثلاث وأربعين بالمدينة، قال النووي (^٤): روينا في صحيح البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت رسول الله يقول لحي يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام (^٥)، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٦) وتقدم الكلام عليه أيضًا في قيام الليل.\n_________\n(^١) سورة الأحقاف، الآية: ١٠.\n(^٢) سورة الرعد، الآية: ٤٧.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٢٩) و(٣٩١١) و(٣٩٣٨) عن عبد الله بن سلام دون ذكر الآية وستأتى في حديث سعد بن أبي وقاص التالى في رواية البخاري.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٨١٢) ومسلم (١٤٧ - ٢٤٨٣) عن سعد.\n(^٦) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٠ - ٢٧١ ترجمة ٣٠٤).","vol":"5","page":555},{"text":"قوله: أول ما قدم رسول الله - ﷺ - إلى المدينة انجفل الناس إليه، قال الحافظ (^١): انجفل بالجيم أي أسرعوا ومضوا كلهم أ. هـ، وقال صاحب المغيث (^٢): أي ذهبوا مسرعين نحوه والجفول سرعة العدو، يقال جفل الظليم وأجفل أسرع أ. هـ.\nوقال في النهاية (^٣): يقال: جفل وأجفل وانجفل.\nقوله: فلما تأملت وجهه واستثبته، أي تحققته وتبينته قاله الحافظ (^٤).\n\n١٣٩٨ - وَعَن جَابر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من مُوجبَات الرَّحْمَة إطْعَام الْمُسلم الْمِسْكِين رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ مُتَّصِلا ومرسلا من طَرِيقه أَيْضا إِلَّا أَنه قَالَ إِن من مُوجبَات الْمَغْفِرَة إطْعَام الْمُسلم السغبان وَقَالَ قَالَ عبد الْوَهَّاب يَعْنِي الجائع (^٥).\nوَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب إِلَّا أَنه قَالَ إِن من مُوجبَات الْجنَّة إطْعَام الْمُسلم السغبان.\nالسغبان بِالسِّين الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة بعدهمَا بَاء مُوَحدَة.\nقوله: وعن جابر، هو: ابن عبد الله تقدم الكلام على جابر.\n_________\n(^١) أي المنذري.\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٣٣٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٧٩).\n(^٤) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٤).\n(^٥) الحاكم (٢/ ٥٢٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٦٤). قلت: والمتصل في إسناده طلحة بن عمرو، متروك.","vol":"5","page":556},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إن من موجبات الرحمة إطعام المسلم المسكين\" وفي الرواية الأخرى: \"المسلم السغبان\" (^١) يعني الجائع [قال الحافظ (^٢): قال السغبان الجائع]، وتقدم الكلام على تفسير المسكين والفرق بينه وبين الفقير.\n\n١٣٩٩ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو فَصِيله حَتَّى يكون مثل أحد رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n١٤٠٠ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله ﷿ ليدْخل بلقمة الْخبز وقبصة التَّمْر وَمثله مِمَّا ينفع الْمِسْكِين ثَلَاثَة الْجنَّة الْآمِر بِهِ وَالزَّوْجَة الْمصلحَة لَهُ وَالْخَادِم الَّذِي يناول الْمِسْكِين وَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْحَمد لله الَّذِي لم ينس خدمنا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَتقدم (^٤).\nالقبصة بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وبالصاد الْمُهْملَة هِيَ مَا يتَنَاوَلهُ الْآخِذ برؤوس أَصَابِعه الثَّلَاث.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٨٠).\n(^٣) ابن حبان (٣٣١٧)، والطبراني في الأوسط (٤٢٤٠)، والبزار (٩٣١)، وأحمد (٢٦١٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١١١)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، وقال (٣/ ١١٢)، رواه البزار ورجاله ثقات، ولم ينسبه لأحمد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٤٢).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٥٣٠٩)، والحاكم (٢/ ٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٩)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه سويد بن عبد العزيز، قال أحمد متورك، وضعفه الجمهور ووثقه دحيم، وبقية رجاله ثقات.","vol":"5","page":557},{"text":"١٤٠١ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تعبد عَابِد من بني إِسْرَائِيل فعبد الله فِي صومعته سِتِّينَ عَاما وأمطرت الأَرْض فاخضرت فَأَشْرَف الراهب من صومعته فَقَالَ لَو نزلت فَذكرت الله فازددت خيرا فَنزل وَمَعَهُ رغيف أَو رغيفان فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الأَرْض لَقيته امْرَأَة فَلم يزل يكلمها وتكلمه حَتَّى غشيها ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ فَنزل الغدير يستحم فجَاء سَائل فَأَوْمأ إِلَيْهِ أَن يَأْخُذ الرغيفين ثمَّ مَاتَ فوزنت عبَادَة سِتِّينَ سنة بِتِلْكَ الزنية فرجحت الزنية بحسناته ثمَّ وضع الرَّغِيف أَو الرغيفان مَعَ حَسَنَاته فرجحت حَسَنَاته فغفر لَهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وروي عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله ﷿ ليدخل بلقمة الخبز وقبصة التمر ومثله مما ينفع المسكين ثلاثة الجنة\" القبصة: بالصاد المهملة هي ما يتناوله الآخذ برؤوس أصابعه الثلاث، قاله الحافظ (^٢) وتقدم الكلام عليه في الحث على الصدقات.\n\n١٤٠٢ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله عَلمنِي عملا يدخلني الْجنَّة قَالَ إِن كنت أقصرت الْخطْبَة لقد أَعرَضت الْمَسْأَلَة أعتق النَّسمَة وَفك الرَّقَبَة فَإِن لم تطق ذَلِك فأطعم الجائع\n_________\n(^١) ابن حبان (٣٧٨)، قال العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٣٤)، عن ابن وهب: حديثه منكر لا أصل له.\n(^٢) أي المنذري.","vol":"5","page":558},{"text":"واسق الظمآن الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الْعتْق إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\nقوله: وعن البراء بن عازب، تقدم.\nقوله: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ -، الأعرابي: هو الذي يسكن البادية.\nقوله: قال إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أي جئت بالخطبة قصيرة وبالمسألة عريضة أي واسعة يعني قللت الخطبة وأعظمت المسألة.\nقوله: \"أعتق النسمة وفك الرقبة\" النسمة النفس والروح أي من أعتق ذا روح وكل دابة فيها روح فهو نسمة وإنما يريد الناس.\nتنبيه: وإنما يقال أعتق رقبة وفك رقبة وخص الرقبة دون سائر الأعضاء مع ان العتق يتناول الجميع لأن حكم السيد عليه كحبل في رقبة العبد وكالغل المانع له من الخروج فإذا أعتق فكأنه أطلقت رقبته من ذلك (^٢)، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن\".\nالظمأ: العطش، فيه: الأمر بإطعام الجائع وهو من فروض الكفايات فإن\n_________\n(^١) أحمد (١٨٦٤٧)، وابن حبان (٣٧٤)، والبيهقي في السنن (١٠/ ٢٧٢)، وفي شعب الإيمان (٤٣٣٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٩)، والحاكم (٢/ ٢١٧)، والطيالسي (٧٧٥)، والبغوي فىِ شرح السنة (٢٤١٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٤٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٣٥).","vol":"5","page":559},{"text":"قام به بعض الناس سقط عن الباقين وإن تركه الكل أثموا (^١)، وفي الحديث: \"ما من رجل يموت جوعا بقرية إلا برئت منهم الذمة\" (^٢).\n\n١٤٠٣ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أطْعم أَخَاهُ حَتَّى يشبعه وسقاه من المَاء حَتَّى يرويهِ باعده الله من النَّار سبع خنادق مَا بَين كل خندقين مسيرَة خَمْسمِائَة عَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي الثَّوَاب وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أطعم أخاه حتى يشبعه وسقاه من الماء حتى يرويه باعده الله من النار سبع خنادق\" الحديث سيأتي الكلام على ذلك.\nفائدة: وفي البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أطعم أخاه المسلم شهوته حرمه الله على النار\" خرجه البيهقي في شعبه (^٤).\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٥/ ٢١٠) و(٩/ ٤٥٨) لابن بطال، والتوضيح (٢٦/ ٦٨)، وعمدة القارى (١٤/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٣٩٦)، وأحمد ٢/ ٣٣ (٤٨٨٠)، والبزار (٥٣٧٨)، وأبو يعلى (٥٧٤٦) بلفظ: أيما أهل عرصة أصبح منهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (١١٠٠).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٦٥١٨)، والحاكم (٤/ ١٢٩)، وقال: صحيح الإسناد، وقال الألباني موضوع في ضعيف الجامع (٥٤٤٠).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٧٠ رقم ٣١١٠). وقال البيهقي: وهو بهذا الإسناد منكر، والله أعلم. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٠٦).","vol":"5","page":560},{"text":"١٤٠٤ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أفضل الصَّدَقَة أَن تشبع كبدا جائعا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ والأصبهاني كلهم من رِوَايَة زَرْبِي مُؤذن هِشَام عَن أنس.\nوَلَفظ أبي الشَّيْخ والأصبهاني قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من عمل أفضل من إشباع كبد جَائِع (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام على أنس.\nقوله - ﷺ -: \"أفضل الصدقة أن تشبع كبدا جائعا\" تقدم الكلام على الجائع.\nقوله: كلهم من رواية زربي مؤذن هشام. هو: زَرْبيّ بن عبد الله أبو يحيى مؤذن هشام قال البخاري: في حديثه نظر وقال الترمذي: له مناكير (^٢).\n\n١٤٠٥ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَيّمَا مُؤمن أطْعم مُؤمنا على جوع أطْعمهُ الله يَوْم الْقِيَامَة من ثمار الْجنَّة وَأَيّمَا مُؤمن سقى مُؤمنا على ظمإ سقَاهُ الله يَوْم الْقِيَامَة من الرَّحِيق الْمَخْتُوم وَأَيّمَا مُؤمن كسا مُؤمنا على عري كَسَاه الله يَوْم الْقِيَامَة من حلل الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٣٦٧)، والأصبهاني في الترغيب (٤٠٦)، وابن الجوزي في الموضوعات (١٠٨٥)، وابن عدي في الكامل (٧٥١٥)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣١٢)، وقال ابن حبان: نقله عنه ابن الجوزي وابن طاهر: زربي منكر الحديث روى عن أنس ما لا أصل له، وقال ابن عدي: وأحاديثه وبعض متون أحاديثه منكرة.\n(^٢) قال الحافظ في التقريب (٢٠١٣): ضعيف،. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٠١٥) والسلسلة الضعيفة (٧٠٣٣).","vol":"5","page":561},{"text":"دَاوُد وَيَأْتِي لَفظه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^١). وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا على أبي سعيد وَهُوَ أصح وأشبه (^٢).\nوَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب اصطناع الْمَعْرُوف مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود وَلَفظه قَالَ يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة أعرى مَا كَانُوا قطّ وأجوع مَا كَانُوا قطّ وأظمأ مَا كَانُوا قطّ وأنصب مَا كَانُوا قطّ فَمن كسا لله ﷿ كَسَاه الله ﷿ وَمن أطْعم لله ﷿ أطْعمهُ الله ﷿ وَمن سقى لله ﷿ سقَاهُ الله ﷿ وَمن عمل لله أغناه الله وَمن عَفا لله ﷿ أَعْفَاهُ الله ﷿ وَرُوِيَ مَرْفُوعا بِهَذَا اللَّفْظ (^٣).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أيما مسلم أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة وأيما مؤمن سقى مؤمنا على ظمإ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم\" الحديث تقدم الكلام على الظمأ وأنه العطش، والرحيق المختوم: من أسماء الخمر يريد خمر الجنة، والمختوم المصون الذي لم يتبدل لأجل ختامه قاله في النهاية (^٤)، وقيل: الرحيق المختوم الشراب الذي لا غش فيه والختم\n_________\n(^١) الترمذي (٢٤٤٩)، وأبو داود (١٦٨٢)، وأحمد (١١١٠١)، وأبو يعلى (١١٠٦)، وجامع الأصول (٧٣٣٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٤٩).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٣٧١).\n(^٣) الديلمي في مسند الفردوس (٨٧٨٣).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٠٨).","vol":"5","page":562},{"text":"التغطية على الشيء، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء [يفسده] (^١) أ. هـ.\nوفي حديث آخر: \"ومن كسى مؤمنا على عري كساه الله من خضر الجنة\".\nوفي حديث أبي سعيد هذا وهو حديث الباب: \"ومن كسا مؤمنا على عري كساه الله يوم القيامة من حلل الجنة\" كما رواه الترمذي \"خضر الجنة\" جمع أخضر أي من ثيابه الخضر أقام الصفة مقام الموصوف فأشار إلى قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ (^٢) أ. هـ، ورواه ابن أبي الدنيا (^٣) في كتاب اصطناع المعروف موقوفا على ابن مسعود ولفظه: \"يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط وأجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط وأنصب ما كانوا قط\" الحديث النصب التعب، شرط هذه الأموال أن تكون من كسب حلال وأن يبتغي بذلك وجه الله تعالى، أما ما تفعله الظلمة من أخذ أموال الناس بالباطل فهذا غير مقبول بل زيادة عذاب عليهم أنهم ظلموا المأخوذ منه وأوقعوا الآخذ في الحرام فهؤلاء يضاعف عليهم عذاب صدقتهم قبحهم الله تعالى ما أجهلهم يريدون أن يتقربوا إلى الله تعالى بما فيه غضب الله تعالى، وأما إذا كان من مال حلال وقصد بذلك الثناء والمحمدة عند الناس فهذا ساع في سحبه على وجهه إلى النار كما جاء في\n_________\n(^١) النظم المستعذب (١/ ١٦٦)، والميسر (٢/ ٤٤٧).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ٣١.\n(^٣) اصطناع المعروف لابن أبي الدنيا (٨٣) وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٦٧٤٦).","vol":"5","page":563},{"text":"الحديث الذي رواه مسلم فقد قيل ذلك ثم سحب على وجهه حتى ألقي في النار (^١).\n\n١٤٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله ﷿ يَقُول يَوْم الْقِيَامَة يَا ابْن آدم مَرضت فَلم تعدني قَالَ يَا رب كيفَ أعودك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ أما علمت أَن عَبدِي فلَانا مرض فَلم تعده أما علمت أَنَّك لَو عدته لَوَجَدْتنِي عِنْده يَا ابْن آدم استطعمتك فَلم تطعمني قَالَ يَا رب كَيفَ أطعمك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ أما علمت أَنه استطعمك عَبدِي فلَان فَلم تطعمه أما علمت أَنَّك لَو أطعمته لوجدت ذَلِك عِنْدِي يَا ابْن آدم استسقيتك فَلم تَسْقِنِي قَالَ يَا رب وَكَيف أسقيك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ استسقاك عَبدِي فلَان فَلم تسقه أما إِنَّك لَو سقيته وجدت ذَلِك عِنْدِي رَوَاهُ مُسلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٢ - ١٩٠٥) عن أبي هريرة بلفظ: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم، وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار.\n(^٢) مسلم (٢٥٦٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٥١٧)، وابن حبان (٢٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١٨٢)، وجامع الأصول (٧٣٢٩).","vol":"5","page":564},{"text":"١٤٠٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أصبح مِنْكُم الْيَوْم صَائِما فَقَالَ أَبُو بكر - ﵁ - أَنا فَقَالَ من أطْعم مِنْكُم الْيَوْم مِسْكينا فَقَالَ أَبُو بكر أَنا قَالَ من تبع مِنْكُم الْيَوْم جَنَازَة قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من عَاد مِنْكُم الْيَوْم مَرِيضا قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا اجْتمعت هَذِه الْخِصَال قطّ فِي رجل إِلَّا دخل الْجنَّة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَه فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله ﷿ يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده\" الحديث، الرب هو المالك وهو إذا أطلق لا يحمل إلى على الله تعالى وإذا أضيف يحمل على غيره أيضًا فيقال رب الدار ونحوه أ. هـ.\nوقوله: \"لوجدتني عنده\" قال في حدائق الأولياء (^٢): فيه رتبة العبادة المتوجهة إلى الرب تعالى ووجدانه عنده وأي لسان يقدر على أن يعبر عن هذه الرتبة وفي ضمنه تخجيل عظيم لمن ترك ذلك وتحذير من حسرة خسران فوائده العلمية أ. هـ.\n_________\n(^١) مسلم (١٠٢٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٥١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١٩٩).\n(^٢) حدائق الأولياء (٢/ ٥٧).","vol":"5","page":565},{"text":"وَتَأَمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﷿ \"أَنَّهُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟، فقال في عِيَادَةِ الْمَرِيضِ \"لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ\" وَقَالَ فِي الْإِطْعَامِ، وَالْإِسْقَاءِ \"لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي\" فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْمَرِيضَ مَكْسُورُ الْقَلْبِ وَلَوْ كَانَ مَنْ كَانَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْسِرَهُ الْمَرَضُ فَإِذَا كَانَ مُؤْمِنًا قَدِ انْكَسَرَ قَلْبُهُ بِالْمَرَضِ كَانَ اللهُ عِنْدَهُ.\nوَهَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - هُوَ السِّرُّ فِي اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ الثَّلَاثَةِ: الْمَظْلُومِ، وَالْمُسَافِرِ، وَالصَّائِمِ، لِلْكَسْرَةِ الَّتِي فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّ غُرْبَةَ الْمُسَافِرِ وَكَسْرَتَهُ مِمَّا يَجِدُهُ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، فَإِنَّهُ يَكْسِرُ سُورَةَ النَّفْسِ السَّبْعِيَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَيُذِلُّهَا. وَالْقَصْدُ: أَنَّ شَمْعَةَ الْجَبْرِ وَالْفَضْلِ وَالْعَطَايَا، إِنَّمَا تَنْزِلُ فِي شَمْعِدَانِ الِانْكِسَارِ (^١) أ. هـ.\n\n١٤٠٨ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ سُئِلَ رَسُول الله - ﷺ - أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ إدخالك السرُور على مُؤمن أشبعت جوعته أَو كسوت عَوْرَته أَو قضيت لَهُ حَاجَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\nوَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب من حَدِيث ابْن عمر بِنَحْوِهِ (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٠٧).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٥٠٨١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٠)، وفيه محمد بن بشير الكندي، وهو ضعيف.\n(^٣) ابن عدي في الكامل (٨٧٩٦).","vol":"5","page":566},{"text":"وَفِي رِوَايَة: لَهُ أحب الْأَعْمَال إِلَى الله ﷿ سرُور تدخله على مُسلم أَو تكشف عَنهُ كربَة أَو تطرد عَنهُ جوعا أَو تقضي عَنهُ دينا (^١).\nقوله: وعن عمر بن الخطاب تقدم الكلام عليه - ﵁ -.\nقوله: سئل رسول الله - ﷺ - أي الأعمال أفضل؟ قال: \"إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته أو كسوت عورته أو قضيت له حاجة\" تقدم تفسيره وتقدم أيضًا تفسير الكربة في الرواية الأخرى.\n\n١٤٠٩ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من أطْعم مُؤمنا حَتَّى يشبعه من سغب أدخلهُ الله بَابا من أَبْوَاب الْجنَّة لَا يدْخلهُ إِلَّا من كَانَ مثله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nالسغب: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة جَمِيعًا هُوَ الْجُوع.\nقوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ -، تقدم الكلام على معاذ.\nقوله - ﷺ -: \"من أطعم مؤمنا حتى يشبعه من سغب أدخله الله بابا من أبواب الجنة لا يدخله إلا من كان مثله\" الحديث إلا من كان مثله الحديث، السغب:\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب (١١٦٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣٦٤٦)، وفي الأوسط (٦٠٢٦)، وفي الصغير (٨٤٧).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩١)، رواه الطبراني في الثلاثة وفيه سكين بن سراج، وهو ضعيف.\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٦٢)، وفي مسند الشاميين (٢٢٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣١)، وفيه عمرو بن واقد، وفيه كلام، وقال محمد بن المبارك: كان يتبع السلطان، وكان صدوقا.","vol":"5","page":567},{"text":"قد ضبطه الحافظ (^١) وفسره فقال هو الجوع، قال في الإحياء (^٢): تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كبير، قال جعفر: إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعمالكم، وقال الحسن (^٣): كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه ومن دونهم يحاسب عليها العبد إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام فإن الله ﷾ يستحيي أن يسأله عن ذلك هذا مع ما روي من الأخبار في الإطعام قال - ﵇ -: \"لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة بين يديه حتى ترفع\" رواه الطبراني في الأوسط (^٤)، قال: وروي عن بعض علماء خراسان أنه كان يقدم إلى إخوانه طعاما لا يقدرون على أكل جميعه لكثرته وكان يقول بلغنا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لا يحاسب من أكل فضل ذلك الطعام\" (^٥) وإني أحب أن استكثر مما أقدمه إليكم لآكل أنا وأهلي فضل ذلك، قال: وفي الخبر \"لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه\" وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك ويقلل إذا أكل وحده، وفي الخبر: \"ثلاث لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحر وما أفطر عليه\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٦٨).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٨ - ٩).\n(^٣) المرجع السابق.\n(^٤) مسند إسحاق بن راهويه (١٠٢٥) المعجم الأوسط (١٠٣٥) شعب الإيمان (٩١٧٩). ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٧٩٠).\n(^٥) قال العراقي: لم أقف له على أصل. قال ابن السبكي: (٦/ ٣٠٨) لم أجد له إسنادًا.","vol":"5","page":568},{"text":"وما أكل مع الإخوان\" (^١) وكان ابن عمر يقول: \"من كرم المؤمن طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه\" (^٢) وكان أصحابه - ﵃ - يقولون الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق وكانوا يجتمعون على قراءة القرآن لا يتفرقون إلا عن ذواق، أ. هـ.\n\n١٤١٠ - وَرُوِيَ عَن جَعْفَر الْعَبْدي وَالْحسن قَالَا قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله ﷿ يباهي مَلَائكَته بالذين يطْعمُون الطَّعَام من عبيده رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٧٨٢)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٥٩ رقم ١٢٠١٢) عن ابن عباس بلفظ: ثلاثة ليس عليهم حساب فيما طعموا إذا كان حلالا: الصائم، والمتسحر، والمرابط في سبيل الله. قال البزار: لا نحفظه إلا بهذا الإسناد، وابن عصمة، وابن الصباح ليسا بالمشهورين. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٥١: رواه البزار، والطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن عصمة، عن أبي الصباح وهما مجهولان.\nوقال الألباني في الضعيفة (٦٣١): موضوع.\nوأخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (١٣٥٦) عن أبي هريرة بلفظ: ثلاثة لا يسئلون على نعيم، المطعم والمشرب، المفطر والمتسحر، وصاحب الضيف، وثلاثة لا يلامون على سوء الخلق، المريض، والصائم حتى يفطر، والإمام العادل، وقال الألباني في الضعيفة (١٩٨٠): موضوع.\n(^٢) أخرجه وكيع (١/ ٤٠٨) وابن الحمامى كما في مجموعه (٣٥٦) من طريق إبراهيم المكي عن ابن نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر، وزاد فيه حماد بن سلمة عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجوزة.\nوروى مرسلا عن هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن علي بن عروة القرشي.\nقال الإمام أحمد كما في المنتخب للخلال (٢٢): عبد الرحمن بن يحيى شامي ليس هو بذاك، وعلي بن عروة لا أعرفه ولا أدري من هو.","vol":"5","page":569},{"text":"الثَّوَاب مُرْسلا (^١).\nقوله: وروي عن جعفر العبدي والحسن، والحسن هو البصري تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه.\nقوله: قالا قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله ﷿ يباهي ملائكته بالذين يطعمون الطعام من عبيده\" المباهاة: المفاخرة وفلان يباهي بأهله أي يفاخر بهم.\nقوله: مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n١٤١١ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاث من كن فِيهِ نشر الله عَلَيْهِ كنفه وَأدْخلهُ جنته رفق بالضعيف وشفقة على الْوَالِدين وإحسان إِلَى الْمَمْلُوك وَثَلَاث من كن فِيهِ أظلهُ الله ﷿ تَحت عَرْشه يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله الْوضُوء فِي المكاره وَالْمَشْي إِلَى الْمَسَاجِد فِي الظُّلم وإطعام الجائع رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِالثلَاثِ الأول فَقَط وَقَالَ حَدِيث غَرِيب.\nرَوَاهُ الشَّيْخ فِي الثَّوَاب وَأَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ بِتَمَامِهِ (^٢).\nقوله: وروي عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم الكلام على جابر بن عبد الله.\nقوله ﷺ: \"ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كنفه\" الحديث، الكنف هو الستر.\n_________\n(^١) ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٥٨).\n(^٢) الترمذي (٢٤٩٤)، والأصبهاني في الترغيب (١٤٩)، وقال الألباني شطره الأول، موضوع، والثاني ضعيف، كما في ضعيف الجامع (٢٥٤٨، ٢٥٥٦).","vol":"5","page":570},{"text":"١٤١٢ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ لِأَن أجمع نَفرا من إخْوَانِي على صَاع أَو صَاعَيْنِ من طَعَام أحب إِلَيّ من أَن أَدخل سوقكم فأشتري رَقَبَة فَأعْتقهَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم (^١).\nقوله: وعن علي - ﵁ -، تقدم الكلام على عليّ.\nقوله - ﵁ -: لأن أجمع نفرًا من إخواني على صاع أو صاعين من طعام أحب إليّ من أن أدخل سوقكم فأشتري رقبة فأعتقها، الحديث، النفر من الثلاثة إلى التسعة وتقدم الكلام عليه، والصاع يذكر ويؤنث ويقال أيضًا صوع وصواع والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث، قال الخطابي (^٢): سمي المد مدا لأن اليد تمد به لأنهم كانوا أقل ما يتصدقون به عادة والله أعلم.\n\n١٤١٣ - وَرُوِيَ عَن الْحسن بن عَليّ - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لِأَن أطْعم أَخا لي فِي الله لقْمَة أحب إِلَيّ من أَن أَتصدق على مِسْكين بدرهم وَلِأَن أعطي أَخا لي فِي الله درهمًا أحب إِلَيّ من أَن أَتصدق على مِسْكين بِمِائَة دِرْهَم رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ أَيْضا فِيهِ وَلَعَلَّه مَوْقُوف كَالَّذي قبله (^٣).\nقوله: وروي عن الحسن بن علي - ﵄ - (^٤)، هو أبو محمد أمير المؤمنين\n_________\n(^١) البخاري في الأدب المفرد (٥٦٦)، والأصبهاني في الترغيب (٥٠٤)، وابن وهب في الجامع (٢٢٦)، وابن أبي الدنيا في الأخوان (١٩٩).\n(^٢) غريب الحديث (١/ ٢٤٨)\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٩٦٢٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٦٣٨).\n(^٤) سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨٣)، تاريخ البخاري ٢/ ٢٨٩، المعارف ٢١٢ تاريخ ابن عساكر ٤/ ٢١٧ تاريخ الإسلام ٣/ ٣٥٦، تذهيب التهذيب ١/ ١٣٢ ب، تهذيب التهذيب ٢/ ٢٦٣، طبقات ابن سعد ٥/ ٣١٩.","vol":"5","page":571},{"text":"الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المدني سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته وابن بنته فاطمة الزهراء بنت رسول الله - ﷺ - سيدة نساء العالمين، ولد - ﵁ - في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة فحنكه رسول الله - ﷺ - بريقه الشريف وأذن في أذنه وسماه حسنا فقال علي - ﵁ - لما ولد الحسن جاءه رسول الله - ﷺ - فقال: \"أروني ابني، ما سميتموه؟ \" قلت: سميته حربا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"بل هو حسن\" (^١) وكان رسول الله - ﷺ - يحبه حبا شديدا حتى إنه كان يقبل زبيبته وهو صغير وربما مس لسانه واعتنقه ولاعبه وربما جاء ورسول الله - ﷺ - ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك ويطيل السجود من أجله وربما [صعد معه إلى] المنبر، وقد ثبت في الحديث أن رسول الله - ﷺ - بينهما هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين مقبلين وعليهما قمصان أحمران فنزل إليهما واحتضنهما وأخذهما معه إلى المنبر وقال: \"صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (^٢) \" (^٣) [إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن] نزلت إليهما وقال رسول الله - ﷺ -: \"من أحب الحسن والحسين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٢٣)، والبزار (٧٤٢)، وابن حبان (٦٩٥٨)، والطبراني في الكبير (٢٧٧٣)، والحاكم ٣/ ١٦٥ و١٨٠.\n(^٢) سورة التغابن، الآية: ١٥.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٤١٠٨)، والنسائي ٣/ ١٠٨ و١٩٢ وأحمد (٢٢٩٩٥)، وابن حبان (٦٠٣٨). وصححه الألباني في صحيح أبي داود - الأم (٤/ ٢٧٢).","vol":"5","page":572},{"text":"فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني\" (^١) وقال رسول الله - ﷺ -: \"إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهما الرجس وطهرهما\" (^٢)، روي له عن رسول الله - ﷺ - أحاديث وروت عنه عائشة وروي عنه جماعات من التابعين منهم ابنه الحسن بن الحسن وأبى الحوار بالراء المهملة ربيعة بن سنان والشعبي وأبو وائل وابن سيرين وآخرون، توفي - ﵁ - بالمدينة مسموما سنة تسع وأربعين، قيل: سنة خمسين، قيل: إحدى وخمسين، ودفن بالبقيع وقبره فيه مشهور وصلى عليه سعيد بن العاصي (^٣)، ذكر المسعودي أن وفاة الحسن كانت وله خمس وخمسون سنة مسموما، وذلك أن معاوية بن أبي سفيان دس إلى جعدة بنت الأشعث زوجة الحسن أنك إن احتلت عليه حتى يموت وجهت إليك بمائة ألف درهم وزوجتك يزيد فكان سبب سمه ووفاته فلما مات - ﵁ - ودفن بالبقيع مع أمه فاطمة ووفي معاوية لجعدة بالمال وأرسل إليها إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بزواجه، فاشتكى الحسن - ﵁ - بالسم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٨٨ (٧٨٧٦)، وابن ماجه (١٤٣)، والنسائي في الكبرى (٨١١٢)، وأبو يعلى (٦٢١٥) عن أبي هريرة. وحسنه الألباني في أحكام الجنائز (١٠١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢٩٢ (٢٦٥٠٨) و٦/ ٢٩٨ (٢٦٥٥٠) و٦/ ٣٠٤ (٢٦٥٩٧)، والترمذي (٣٨٧١) عن أم سلمة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وصححه الألباني الروض النضير (٩٧٦ و١١٩٠). ذكر الترجمة ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٣٧ - ٣٩).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٨).","vol":"5","page":573},{"text":"أربعين يومًا ثم توفي قاله في تاريخ كنز الدرر (^١) وكان الحسن شبيها بالنبي - ﷺ -، قال أبو أحمد العسكري: سماه النبي - ﷺ - الحسن وكناه أبا محمد ولم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية ثم روي عن ابن الأعرابي عن المفضل قال: إن الله تعالى حجب اسم الحسن والحسين حتى سمي بهما النبي - ﷺ - ابنيه الحسن والحسين، قال: قلت له فالذين باليمن قال: ذاك حسن بإسكان السين وحسين بفتح الحاء وكسر السين، وأرضعته أم الفضل امرأة العباس مع ابنها قثم بن العباس ونقلوا أن الحسن حج حجات ماشيا وكان يقول: إني أستحيي من الله تعالى أن ألقاه ولم امش إلى بيته وكان - ﵁ - حليما كريما ورعا، دعاه ورعه وحلمه إلى أن ترك الدنيا والخلافة لله تعالى وكان من المبارزين إلى نصرة عثمان بن عفان وولي الخلافة بعد قتل أبيه علي - ﵁ - وبايعه أكثر من أربعين ألفا كانوا بايعوا أباه، وقيل بايعه تسعون ألفا وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك، ثم سار إليه معاوية من الشام وسار هو إلى معاوية فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين فأرسل إلى معاوية يبذل تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة بعده وعلى أن لا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان في أيام أبيه وغير ذلك من القواعد فأجابه معاوية إلى\n_________\n(^١) كنز الدرر (٣/ ٤١٢ - ٤١٣). قلنا المسعودى معروف بتشيعه الشديد والروايات عن مقتل الحسن بن على على يد أمير المؤمنين معاوية واهية جدًا لا يثبت منها شيء.","vol":"5","page":574},{"text":"ما طلب فاصطلحا على ذلك وظهرت المعجزة النبوية في قوله - ﷺ - للحسن: \"إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" (^١).\nتنبيه: قيل السيد الذي لا يغلبه غضبه، وقيل: السيد الحليم، وقيل: السيد الذي يفوق قومه في الخير، قلت: قد خرج مصداق هذا القول في الحسن بن علي بتركه الأمر حين صارت الخلافة إليه خوفا من الفتنة وكراهة لإراقة دماء أهل الإسلام فأصلح الله بين أهل العراق وأهل الشام [وسمي ذلك] العام سنة الجماعة (^٢) [بايع الحسن تسعون ألفا] فزهد في الخلافة وصالح معاوية ولم يسفك في أيامه محجمة دم (^٣) أ. هـ.\nقيل: كان صلحهما لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وقيل في شهر ربيع الآخر، وقيل: في نصف جمادي الأولى من السنة المذكورة وكان وصي إلى أخيه الحسين (^٤)، وعن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: طرقت النبي ذات ليلة فخرج وهو مشتمل على شيء قلت ما هذا فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال: \"هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما\" رواه الترمذي (^٥) وقال: حديث حسن، روينا في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٧٠٤)، وما سبق من ترجمة من تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(^٢) شرح السنة (١٤/ ١٣٩)، والمفاتيح (٦/ ٣٢٣).\n(^٣) البداية والنهاية (٨/ ٤٥).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٩).\n(^٥) سنن الترمذي (٣٧٦٩).","vol":"5","page":575},{"text":"صحيح البخاري ومسلم (^١) عن البراء قال: رأيت النبي - ﷺ - والحسن على عاتقه وهو يقول: \"اللهم إني أحبه فأحبه\" وفي البخاري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي - ﷺ - من الحسن بن علي - ﵁ -، وعن أبيه.\nلطيفة: وروي عن عبد الله بن عباس قال: كنت عند النبي - ﷺ - فأتته فاطمة باكية فقال لها النبي - ﷺ - \"فداك أبوك، ما أبكاك؟ \" قالت: إن الحسن والحسين درجا يدبان فما دريت أين باتا؟ فقال: \"إن الذي خلقهما ألطف بهما منك\" ثم دعا النبي - ﷺ - لهما بالحفظ، قال: \"اللهم إن كانا أخذا برا أو بحرا فسلمهما واحفظهما\" فجاءه جبريل - ﵇ - فأخبره أنهما في حظيرة بني النجار وأن الله ﷾ قد وكل بهما ملكا يكلؤهما فقام النبي - ﷺ - فأتى الحظيرة فإذا هما نائمان متعانقين وإذا الملك الموكل بهما قد بسط لهما أحد جناحيه وأظلهما بالآخر فأكب عليهما النبي - ﷺ - يقلبهما حتى انتبها من نومهما فحمل الحسن على عاتقه الأيمن والحسين على عاتقه الأيسر وقال: \"والله لأشرفنكما كما شرفكما الله ﷿\" فتلقاه الصديق فقال يا رسول الله ناولني أحد الصبيين أخفف عنك، فقال - ﷺ -: \"نعم المطية مطيتهما ونعم الراكبان وأبوهما خير منهما\" ذكر حديثا مطولا (^٢)، قاله في تاريخ كنز الدرر (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٣٧٤٩) صحيح مسلم (٢٤٢١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٦٥ رقم ٢٦٧٧) عن سلمان.\nوقال الهيثمي في المجمع ٩/ ١٨٢: رواه الطبراني، وفيه أحمد بن رشد الهلالي، وهو ضعيف. وقال الألباني في الضعيفة (١٤/ ٢٣٠ - ٢٣١): قلت: وهذا إسناد واه جدًا، مسلسل بالعلل والضعفاء، وبعضهم من الشيعة.\n(^٣) كنز الدرر (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩).","vol":"5","page":576},{"text":"قوله - ﷺ -: قال \"لأن أطعم أخا لي في الله لقمة أحب إلي من أن أتصدق على مسكين بدرهم\" الحديث، تقدم الكلام على المسكين.\n\n١٤١٤ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن نَبِي الله - ﷺ - قَالَ رجلَانِ سلكا مفازة عَابِد وَالْآخر بِهِ رهق فعطش العابد حَتَّى سقط فَجعل صَاحبه ينظر إِلَيْهِ وَهُوَ صريع فَقَالَ وَالله إِن مَاتَ هَذَا العَبْد الصَّالح عطشا وَمَعِي مَاء لَا أُصِيب من الله خيرا أبدا وَلَئِن سقيته مائي لأموتن فتوكل على الله وعزم فرش عَلَيْهِ من مَائه وسقاه فَضله فَقَامَ فَقطع الْمَفَازَة فَيُوقف الَّذِي بِهِ رهق لِلْحسابِ فَيُؤْمَر بِهِ إِلَى النَّار فتسوقه الْمَلَائِكَة فَيرى العابد فَيَقُول يَا فلَان أما تعرفنِي فَيَقُول وَمن أَنْت فَيَقُول أَنا فلَان الَّذِي آثرتك على نَفسِي يَوْم الْمَفَازَة فَيَقُول بلَى أعرفك فَيَقُول للْمَلَائكَة قفوا فيقفون فَيَجِيء حَتَّى يقف فيدعو ربه ﷿ فَيَقُول يَا رب قد عرفت يَده عِنْدِي وَكَيف آثرني على نَفسه يَا رب هبه لي فَيَقُول هُوَ لَك فَيَجِيء فَيَأْخُذ بيد أَخِيه فيدخله الْجنَّة فَقلت لأبي ظلال أحَدثك أنس عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ نعم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١). وَأَبُو ظلال اسْمه هِلَال بن سُوَيْد أَو ابْن أبي سُوَيْد وَثَّقَهُ البُخَارِيّ وَابْن حبَان لَا غَيره.\nوَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أبي ظلال أَيْضا عَن أنس بِنَحْوِهِ ثمَّ قَالَ وَهَذَا الْإِسْنَاد إِن كَانَ غير قوي فَلهُ شَاهد من حَدِيث أنس ثمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ من طَرِيق\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٩٠٦)، وأبو يعلى (٤١٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٢)، رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال القسملي، وقد وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه غير واحد.","vol":"5","page":577},{"text":"عَليّ بن أبي سارة وَهُوَ مَتْرُوك.\n\n١٤١٥ - وَعَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَن رجلًا من أهل الْجنَّة يشرف يَوْم الْقِيَامَة على أهل النَّار فيناديه رجل من أهل النَّار فَيَقُول يَا فلَان هَل تعرفنِي فَيَقُول لَا وَالله مَا أعرفك من أَنْت فَيَقُول أَنا الَّذِي مَرَرْت بِي فِي الدُّنْيَا فاستسقيتني شربة من مَاء فسقيتك قَالَ قد عرفت قَالَ فاشفع لي بهَا عِنْد رَبك قَالَ فَيسْأَل الله تَعَالَى جلّ ذكره فَيَقُول إِنِّي أشرفت على النَّار فناداني رجل من أَهلهَا فَقَالَ لي هَل تعرفنِي قلت لَا وَالله مَا أعرفك من أَنْت قَالَ أَنا الَّذِي مَرَرْت بِي فِي الدُّنْيَا فاستسقيتني شربة من مَاء فسقيتك فاشفع لي عِنْد رَبك فشفعني فِيهِ فيشفعه الله فيأمر بِهِ فَيخرج من النَّار (^١).\nرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ يصف النَّاس يَوْم الْقِيَامَة صُفُوفا ثمَّ يمر أهل الْجنَّة فيمر الرجل على الرجل من أهل النَّار فَيَقُول يَا فلَان أما تذكر يَوْم اسْتَسْقَيْت فسقيتك شربة قَالَ فَيشفع لَهُ ويمر الرجل على الرجل فَيَقُول أما تذكر يَوْم ناولتك طهُورا فَيشفع لَهُ ويمر الرجل على الرجل فَيَقُول يَا فلَان أما تذكر يَوْم بعثتني لحَاجَة كذَا وَكذَا فَذَهَبت لَك فَيشفع لَهُ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِنَحْوِ ابْن مَاجَه (^٢).\nقَوْله بِهِ رهق بِفَتْح الرَّاء وَالْهَاء بعدهمَا قَاف أَي غشيان للمحارم وارتكاب للطغيان والمفاسد.\n_________\n(^١) ابن عدي في الكامل (١٢٦٩٤)، وأبو يعلى (٣٤٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٥)، رواه أبو يعلى، وفيه علي بن أبي سارة، وهو متروك.\n(^٢) ابن ماجه (٣٦٨٥)، والبغوي في شرح السنة (٤٢٤٨)، والأصبهاني في الترغيب (١١٦٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٤٣٠).","vol":"5","page":578},{"text":"قوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ -، تقدم الكلام على أنس.\nقوله - ﷺ -: \"إن رجلين سلكا مفازة\" المفازة الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها قيل سميت مفازة للتفاؤل بسلامة سالكها (^١) والله أعلم قاله في الديباجة (^٢).\nقوله: \"عابد والآخر به رهق\" وضبطه الحافظ (^٣) وفسره فقال: أي غشيان المحارم وارتكاب للطغيان والمفاسد.\nقوله لأبي ظلال: أحدثك عن أنس عن رسول الله - ﷺ - قال: نعم، قال الحافظ (^٤): أبو ظلال اسمه هلال بن سويد أو ابن أبي سويد وثقه البخاري وابن حبان لا غير (^٥)، وأبو ظلال بكسر الظاء المعجمة وتخفيف اللام اسمه هلال كما ذكر الحافظ (^٦) وهو أعمى.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٨٩).\n(^٢) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.\n(^٣) يعني المنذري\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) اختلفت النقولات عن البخاري في أبي ظلال فقد قال فيه: عنده مناكير كما في ميزان الاعتدال (٥/ ٦٩ ترجمة ٨٧٦٤)، وقال ابن الجوزى في الضعفاء: هلال بن سويد ويقال ابن أبي سويد يروي عن أنس قال البخاري لا يتابع في حديثه [الضعفاء (٣/ ١٧٧ ترجمة ٣٦١١)] وقال الترمذي في العلل الكبير (ص ٣٨٥): سألت محمدا، عن أبي ظلال، عن أنس، فقال: هو رجل قليل الحديث ليس له كبير شيء، ورأيته حسن الرأي فيه قلت له: ما اسمه؟ قال: اسمه هلال بصري.\n(^٦) المصدر السابق.","vol":"5","page":579},{"text":"١٤١٦ - وَعَن كدير الضَّبِّيِّ أَن رجلًا أَعْرَابِيًا أَتَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ أَخْبرنِي بِعَمَل يقربنِي من الْجنَّة وَيُبَاعِدنِي من النَّار فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - أَو هما أعملتاك قَالَ نعم قَالَ تَقول الْعدْل وَتُعْطِي الْفضل قَالَ وَالله لا أَسْتَطِيع أَن أَقُول الْعدْل كل سَاعَة وَمَا أَسْتَطِيع أَن أعطي الْفضل قَالَ فتطعم الطَّعَام وتفشي السَّلَام قَالَ هَذِه أَيْضا شَدِيدَة قَالَ فَهَل لَك إبل قَالَ نعم قَالَ فَانْظُر إِلَى بعير من إبلك وسقاء ثمَّ اعمد إِلَى أهل بَيت لَا يشربون المَاء إِلَّا غبا فاسقهم فلعلك لَا يهْلك بعيرك وَلَا ينخرق سقاؤك حَتَّى تجب لَك الْجنَّة قَالَ فَانْطَلق الْأَعرَابِي يكبر فَمَا انخرق سقاؤه وَلَا هلك بعيره حَتَّى قتل شَهِيدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ إِلَى كدير رُوَاة الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِاخْتِصَار وَقَالَ لست أَقف على سَماع أبي إِسْحَاق هَذَا الْخَبَر من كدير (^١).\nقَالَ الْحَافِظ قد سَمعه أَبُو إِسْحَاق من كدير وَلَكِن الحَدِيث مُرْسل وَقد توهم ابْن خُزَيْمَة أَن لكدير صُحْبَة فَأخْرج حَدِيثه فِي صَحِيحه وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيّ شيعي تكلم فِيهِ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقواهُ أَبُو حَاتِم وَغَيره وَقد عده جمَاعَة من الصَّحَابَة وهما مِنْهُم وَلَا يَصح وَالله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ رقم ٤٢٢)، والبيهقي (٤/ ١٨٦)، وابن خزيمة (٢٥٠٣)، وعبد الرزاق (١٩٦٩١)، والطيالسي (١٤٥٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٢)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) لسان الميزان (٤/ ٤٨٦).","vol":"5","page":580},{"text":"أعملتاك أَي بعثتاك واستعملتاك وحملتاك على الْإِتْيَان وَالسُّؤَال\nوَقَوله لَا يشربون المَاء إِلَّا غبا بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي يَوْمًا دون يَوْم.\n\n١٤١٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قالَ أَتَى النَّبِي - ﷺ - رجل فَقَالَ مَا عمل إِن عملت بِهِ دخلت الْجنَّة قَالَ أَنْت بِبَلَد يجلب بِهِ المَاء قَالَ نعم قَالَ فاشتر بهَا سقاء جَدِيدا ثمَّ اسْقِ فِيهَا حَتَّى تخرقها فَإنَّك لن تخرقها حَتَّى تبلغ بهَا عمل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير ورواة إِسْنَاده ثِقَات إِلَّا يحيى الْحمانِي (^١).\nقوله: وعن كدير الضبي [كدير بالتصغير، الضبي، يقال هو ابن قتادة مختلف بها صحبته، سكن الكوفة، روى عنه: أبو إسحاق السبيعي وقال أبو عمر ابن عبد البر: حديثه عند أكثرهم مرسل (^٢)].\nقوله: أن رجلًا [أعرابيًا] أتى النبي - ﷺ -، وتقدم أن الأعرابي هو الذي يسكن البادية.\nقوله: فقال أخبرني بعمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار فقال النبي - ﷺ -: \"أو هما أعملتاك\" قال: نعم، قال الحافظ (^٣): أعملتاك أي بعثتاك واستعملتاك وحملتاك على الإتيان والسؤال.\nقوله: \"فهل لك إبل\"، قال: نعم، قال: \"فانظر إلى بعير من إبلك وسقاء ثم\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٢٦٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٢)، رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى الحماني وفيه كلام، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) الاستيعاب (٣/ ١٣٣٢)، وأسد الغابة (٤/ ٢٣٨).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"5","page":581},{"text":"اعمد إلى أهل بيت\" أي اقصد.\nقوله - ﷺ -: \"لا يشربون الماء إلا غبا فاسقهم\" الغب: قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي: يومًا دون يوم والله أعلم.\nقوله: يحيى الحماني، تقدم الكلام على يحيى الحماني.\n\n١٤١٨ - وَعَن عبد الله بن عمر - ﵄ - أَن رجلًا جَاءَ إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ إِنِّي أنزع فِي حَوْضِي حَتَّى إِذا ملأته لإبلي ورد عَليّ الْبَعِير لغيري فسقيته فَهَل فِي ذَلِك من أجر فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن فِي كل ذَات كبد أجرا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمر - ﵄ -، وتقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال إني أنزع في حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته فهل في ذلك من أجر، أنزع في حوضي أي استقي منه الماء باليد، يقال: نزعت الدلو أنزعها إذا أخرجها وأصل النزع الجذب والقلع، ومنه نزع الميت روحه ونزع النفوس إذا جذبها (^٢).\nقوله: فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن في كل ذات كبد [حري] أجر\"، الحرى فعلى من الحر وهي تأنيث حران وهما للمبالغة يريد أنه لشدة حرها قد\n_________\n(^١) أحمد (٧٠٧٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣١)، رواه أحمد، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٤٦).\n(^٢) النهاية (٥/ ٤١)","vol":"5","page":582},{"text":"عطشت ويبست من العطش، والمعنى أن في سقي كل ذي كبد حري أجر، وقيل: أراد بالكبد الحري حياة صاحبها لأنه تكون كبده حري إذا كان فيه حياة يعني في سقي كل ذي روح من الحيوان، ويشهد له ما في الحديث الآخر: \"في كل كبد حارة وفي أخرى رطبة\" قاله في النهاية (^١).\n\n١٤١٩ - وَعَن مَحْمُود بن الرّبيع أَن سراقَة بن جعْشم قَالَ يَا رَسُول الله الضَّالة ترد على حَوْضِي فَهَل لي فِيهَا من أجر إِن سقيتها قَالَ اسقها فَإِن فِي كل ذَات كبد حراء أجرا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّحْمَن بن مَالك بن جعْشم عَن أَبِيه عَن عَمه سراقَة بن جعْشم - ﵁ - (^٣).\nقوله: وعن محمود بن الربيع [هو أبو نعيم، ويقال: أبو محمد محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة ابن عامر بن عدى بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن خزرج الأنصاري الخزرجى المدني، ثبت عنه في الصحيح أنه قال: عقلت عن النبي - ﷺ - مجة مجها في وجهى من دلو من بئر في دارنا، وأنا ابن خمس سنين، وروى عنه أنس بن مالك، وابنه أبو بكر بن أنس، ورجاء بن حيوة، والزهري، ومكحول. قال الواقدى: توفى سنة تسع\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٦٤).\n(^٢) ابن حبان (٥٤٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٤٧).\n(^٣) ابن ماجه (٣٦٨٦)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٨٦)، وأحمد (١٧٥٨١)، والطبراني في الكبير (٦٥٩٨)، والحاكم (٣/ ٦١٩).","vol":"5","page":583},{"text":"وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين. وقال غيره: سنة ست وتسعين (^١)].\nقوله: أن سراقة بن جعشم، هو: أبو سفيان سراقة بن مالك بن جعشم، وجعشم بضم الجيم وإسكان العين والشين المعجمة هو قول الجمهور من الطوائف، وحكي الجوهري (^٢): ضم الشين وفتحها، وسراقة من مشهوري الصحابة، وري له عن رسول الله - ﷺ - تسعة عشر حديثًا، روى البخاري أحدها، كان ينزل قديدا بضم القاف بين مكة والمدينة، قيل: سكن مكة ويعد في أهل المدينة، أسلم عند النبي - ﷺ - بالجعرانة حين انصرف من الحديبية والطائف وحديثه في خروجه وراء النبي - ﷺ - مهاجرا مشهورا في الصحيحين، توفي سراقة أول خلافة عثمان سنة أربع وعشرين، وقيل: توفي بعد عثمان والصحيح الأول (^٣).\nقوله: فإن في كل ذات كبد حري أجر، تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\n\n١٤٢٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ بَيْنَمَا رجل يمشي بطرِيق اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحر فَوجدَ بِئْرا فَنزل فِيهَا فَشرب ثمَّ خرج فَإِذا كلب يَلْهَث يَأْكُل الثرى من الْعَطش فَقَالَ الرجل لقد بلغ هَذَا الْكَلْب من الْعَطش مثل الَّذِي كانَ مني فَنزل الْبِئْر فَمَلَأ خفه مَاء ثم أمْسكهُ بِفِيهِ حَتَّى رقي فسقى الْكَلْب فَشكر الله لَهُ فغفر لَهُ قَالُوا يَا رَسُول الله إِن لنا فِي الْبَهَائِم أجرا فَقَالَ فِي كل كبد\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٤ ترجمة ٥٥٦).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٩ - ٢١٠ ترجمة ٢٠٠).","vol":"5","page":584},{"text":"رطبَة أجر رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^١).\nوَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ فَشكر الله لَهُ فَأدْخلهُ الْجنَّة (^٢).\n\n١٤٢١ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - سبع تجْرِي للْعَبد بعد مَوته وَهُوَ فِي قَبره من علم علما أَو كرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته رَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث قَتَادَة تفرد بِهِ أَبُو نعيم عَن الْعَزْرَمِي (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ تقدم أَن ابْن مَاجَه رَوَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد حسن لَكِن لم يذكر ابْن مَاجَه غرس النّخل وَلَا حفر الْبِئْر وَذكر موضعهما الصَّدَقَة وَبَيت ابْن السَّبِيل وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه لم يذكر فِيهِ الْمُصحف وَقَالَ أَو نَهرا أكراه يَعْنِي حفره (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: \"فإذا كلب يلهث\" أي يخرج لسانه من العطش (^٥)، واللهث تنفس بسرعة وتحرك أعضاء الفم معه وامتداد اللسان وخلقة الكلب أنه يلهث على\n_________\n(^١) البخاري (٦٠٠٩)، ومسلم (٢٢٤٤)، وأبو داود (٢٥٥٠).\n(^٢) ابن حبان (٥٤٣).\n(^٣) البزار (١٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٤٩).\n(^٤) ابن ماجه في المقدمة (٢٤٢)، وابن خزيمة (٢٤٩٠).\n(^٥) النهاية (٤/ ٢٨١)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤٢)، والمفهم (١٨/ ٤٠).","vol":"5","page":585},{"text":"كل حال (^١). قوله: \"يأكل الثرى من العطش\" الثرى التراب الندي (^٢).\nقوله: فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب\" الحديث، يقال: رقيت في السلم بالكسر إذا صعدت (^٣)، ومضارعه يرقى بفتحها بخلاف الماضي من رقية اللسعة والعين فإنه بفتح القاف في الماضي وبكسرها في المضارع (^٤).\nقوله: \"فشكر الله له\" معناه: قبل عمله أي جزاه الله فغفر له، وقيل: أثابه وضاعفه، وقيل: أثنى عليه بذلك وذكره به لملائكته (^٥)، أ. هـ.\nلطيفة: عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: بلغني أن أبا شعيب المقفع كان قد حج سبعين حجة راجلا، أحرم في كل حجة من عند صخرة بيت المقدس، ودخل بادية تبوك على التوكل، فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: يشتري مني سبعين حجة بشربة ماء، قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب ثم قال: هذا خير لي من حجي لأن النبي - ﷺ - قال: \"فِي كُل ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ\" (^٦) الحديث قاله في البستان (^٧).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٤١٩).\n(^٢) النهاية (١/ ٢١١)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤١).\n(^٣) الصحاح (٦/ ٢٣٦١)، والكواكب الدراري (٥/ ١١٦).\n(^٤) مشارق الأنوار (١/ ٢٩٩).\n(^٥) مطالع الأنوار (٦/ ٤٧).\n(^٦) أخرجه البخاري (٢٣٦٣) و(٢٤٦٦) و(٦٠٠٩)، ومسلم (٢٢٤٤).\n(^٧) تلبيس إبليس (ص ٢٨٠).","vol":"5","page":586},{"text":"قوله: \"فِي كُلِّ ذَاتِ كبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ\" أي في إرواء كل حيوان أجر، والرطبة كناية عن الحياة، وقيل: الكبد إذا ظمئت ترطبت وكذا إذا ألقيت على البنان، وقيل: كنى بالرطوبة عن الحياة فإن الميت يابس الكبد، وقيل: بما يؤول أمرها إليه، والكبد مؤنث سماعي قاله في النهاية (^١) وغيرها.\nفائدة: قال النووي في شرح مسلم (^٢): الحيوان المحترم يحصل الثواب بالإحسان إليه، وخرج بالمحترم الحربي والكافر والمرتد والزاني المحصن وتارك الصلاة والكلب العقور، ويمتثل أمر الشارع في قتله وأما غير العقور مما لا ينتفع به بنص الشافعي على جواز قتله والله أعلم، قاله الكرماني (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"سبع تجري للعبد بعد موته وهو في قبره من علم علما أو كرى نهرا\" وقال ابن خزيمة (^٤) في صحيحه: يعني \"حفره\" وتقدم الكلام على هذا الحديث في العلم مبسوطًا.\n\n١٤٢٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ صَدَقَة أعظم أجرا من مَاء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٥).\nقوله: وروي عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: \"ليس صدقة أعظم أجرا من ماء\" الحديث.\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٣٦٤)، والكواكب الدراري (١٠/ ١٧٨).\n(^٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤١).\n(^٣) الكواكب الدراري (٣/ ١٠).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) البيهقي في شعب الإيمان (٣٣٧٨)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٤٩).","vol":"5","page":587},{"text":"لطيفة: الماء معروف والجمع: أمواه ومياه، ومن عجيب لطف الله تعالى أن كل مأكول ومشروب يحتاج إلى تحصيل أو معالجة حتى [يصلح للأكل] إلا الماء فإن الله تعالى أكثر منه ولم يحوج إلى معالجة لعموم الحاجة إليه أ. هـ. قاله الكمال الدميري (^١).\n\n١٤٢٣ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن سَعْدا أَتَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي توفيت وَلم توص أفينفعها أَن أَتصدق عَنْهَا قَالَ نعم وَعَلَيْك بِالْمَاءِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام على أنس.\nقوله: أن سعدًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: \"نعم وعليك بالماء\" الحديث، في هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصل ثوابها إليه وهو ثابت بإجماع العلماء (^٣) وشذ من قال من المبتدعة أنه لا يصل إلى الميت من الثواب إلا ما عمله أو تسبب في عمله وهذا حكاه أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه الحاوي (^٤) عن بعض أصحاب الكلام أن الميت لا يلحقه\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٢٥).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٠٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٨)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٥٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٠)، والعدة (٢/ ٧٨٢).\n(^٤) الحاوي (٨/ ٢٩٨).","vol":"5","page":588},{"text":"بعد موته ثواب فهذا مذهب باطل قطعا و[خطأ] بين مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة فلا التفات إليه ولا تعريج عليه (^١)، وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء إليه وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصح الحج عن الميت إذا كان حج الإسلام عند الشافعي وكذلك إذا أوصى بحج التطوع على الأصح (^٢) عندنا ففيه القولان.\nواختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضي عنه أو لا، وللشافعي في المسألة قولان قديم وجديد مشهوران أشهرهما لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلا بل يطعم عن كل يوم مد من طعام وهو مروي عن عائشة ورفعه ابن عمر إلى النبي - ﷺ - وهذا القول هو الجديد.\nوالثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه ويصح صومه عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إطعام عنه وهو القديم (^٣).\nقال النووي (^٤): وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأخبار الصحيحة الصريحة فقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من مات وعليه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٩٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٥).","vol":"5","page":589},{"text":"صوم صام عنه وليه\" (^١) والمراد بالولي القريب سواء كان عصبة أو وارثا أو غيرهما، وقيل: المراد الوارث وقيل العصبة، والصحيح الأول، ولو صام عنه أجنبي إذا كان بإذن الولي صح وإلا فلا في الأصح، ولا يجب على الولي الصوم عنه لكن يستحب هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت لا نذر ولا غيره وبه قال مالك وأبو حنيفة، قال القاضي عياض (^٢) وغيره وهو قول جمهور العلماء (^٣).\nوأما الصلاة عن الميت فممنوعة عند الشافعي، وأجراها بعض أصحابه مجرى الصوم في الإطعام (^٤).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: يصل ثواب الجميع كالحج وأجمع الكل على أنه لا يصام عن أحد في حياته، واختلفوا في وصول ثواب القراءة إلى الميت فالجمهور من العلماء نفوا ذلك وهو المشهور من مذهب الشافعي (^٥)، وقال جماعة من أصحابنا يصل ثوابها وبه قال الإمام أحمد بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١٥٣ - ١١٤٧)، وأبو داود (٢٤٠٠) و(٣٣١١) عن عائشة.\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٦).\n(^٤) انظر شرح النووي على مسلم (١/ ٩٠).\n(^٥) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١٦) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٦) المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (٣/ ١١٥) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٥٤٩) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ٤٣) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/ ٣) بحر المذهب للروياني (٣/ ٣).","vol":"5","page":590},{"text":"حنبل، قاله النووي (^١) وغيره، وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات من الصلاة والصوم وغير ذلك، وفي صحيح [البخاري في باب] من مات وعليه نذر، أن ابن عمر أمر امرأة ماتت أمها وعليها صلاة أن تصلي عنها (^٢).\nوحكى صاحب الحاوي (^٣) عن عطاء بن أبي رباح وإسحاق بن راهوية أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت واختاره ابن عصرون وكل هذه المذاهب ضعيفة دليلهم القياس على الدعاء والصدقة والحج فإنها تصل إلى الميت بالإجماع (^٤) أ. هـ.\n\n١٤٢٤ - وَعَن سعد بن عبَادَة - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ المَاء فحفر بِئْرا وَقَالَ هَذِه لأم سعد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ إِن صَحَّ الْخَبَر وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قلت يَا رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ سقِيِ المَاء وَالْحَاكِم بِنَحْوِ ابْن حبَان وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: المجموع شرح المهذب (٥/ ٥٦٩)، وشرح النووي على مسلم (١/ ٩٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٥/ ١٤٢) تعليقًا.\n(^٣) الحاوي الكبير (١٥/ ٣١٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١/ ٩٠).\n(^٥) أبو داود (١٦٧٩)، وابن ماجه (٣٦٨٤)، وابن خزيمة (٢٤٩٦)، وابن حبان (٣٣٤٨)، والحاكم (١/ ٤١٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٤)، والطبراني في الكبير (٥٣٧٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٧٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٥١).","vol":"5","page":591},{"text":"قَالَ المملي الْحَافِظ ﵀ بل هُوَ مُنْقَطع الإِسْنَاد عِنْد الْكل فَإِنَّهُم كلهم رَوَوْهُ عَن سعيد بن الْمسيب عَن سعد وَلم يُدْرِكهُ فَإِن سَعْدا توفّي بِالشَّام سنة خمس عشرَة وَقيل سنة أَربع عشرَة ومولد سعيد بن الْمسيب سنة خمس عشرَة.\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن سعد وَلم يُدْرِكهُ أَيْضا فَإِن مولد الْحسن سنة إِحْدَى وَعشْرين (^١).\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا وَغَيره عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن رجل عَن سعد وَالله أعلم (^٢).\nقوله: وعن سعد بن عبادة - ﵁ -، وقع في الوسيط أن سعدا السائل عن فضل سقي الماء هو سعد بن أبي وقاص، والصواب أنه سعد بن عبادة (^٣) بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة، أحد نقباء النبي - ﷺ -[الإثني عشر شهد سعد العقبة، وبدرا]، وقيل غير ذلك، بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري سيد الخزرج، كنيته [أبو ثابت وقيل]، أبو قيس كان من نقباء أحد نقباء النبي - ﷺ - الإثنى عشر واتفقوا على أنه كان نقيب بني ساعدة وكان حامل راية الأنصار في المشاهد كلها وكان سيدا جوادا وجيها في الأنصار ذا رياسة وسيادة وكرم وكان مشهورا بالكرم وكان يبعث إلى النبي\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٨٠)، والنسائي (٦/ ٢٥٥)، وأحمد (٢٢٤٥٩).\n(^٢) أبو داود (١٦٨١).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٢٧).","vol":"5","page":592},{"text":"- ﷺ - لما قدم المدينة في كل يوم جفنة مملوءة ثريدا ولحما أو بلبن أو عسل وزيت أو بسمن والأكثر بلحم وكانت جفنة سعد تدور مع النبي - ﷺ - في بيوت أزواجه، ونقلوا أنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متوالدون إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم وآباءه هؤلاء وله ولأهله في الجود والكرم أشياء كثيرة وكان يكتب بالعربية وكانت الكتابة في العرب قليلا، وكان يحسن العوم والرمي وكان من أجل ذلك يسمى الكامل، ذكر في غير موضع في الصحيحين، وروي له الأربعة وله في الكتب الأربعة أربعة أحاديث وكان من دعائه: اللهم لا شرف إلا بفعال ولا فعال إلا بمال ولا مال إلا من رزقك فارزقني من فضلك رزقا كثيرا مباركا يبلغني شرف الدنيا والآخرة، توفي سنة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة، واتفقوا على أنه كان بأرض حوران من أرض الشام وتوفي بها، ويقال: إن الجن قتلته ولم يختلفوا أنه وُجِدَ مَيِّتًا فِي مُغْتَسَلِهِ وَقَدْ أُحْضِرَ جَسَدُهُ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ وَلَا يَرَوْنَهُ:\nقَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهُ\nقال سعد بن عبد العزيز: أول مدينة فتحت بالشام بصري، وفيها مات سعد بن عبادة، وعن محمد بن سيرين أن سعدا بال قائما فلما رجع قال لأصحابه إني لأجد دبيبا فمات (^١).\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (٢٠/ ترجمة ٢٤١٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٢ - ٢١٣)، وتهذيب الكمال (١٠/ ٢٧٧ - ٢٨١ ترجمة ٢٢١٤).","vol":"5","page":593},{"text":"[قوله] قال: قلت يا رسول الله إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: \"الماء\" فحفر بئرًا وقال: هذه لأم سعد، أم سعد اسمها: عمرة بنت مسعود بن عمر، من المبايعات توفيت بالمدينة ورسول الله - ﷺ - غائب في غزوة (^١).\nقوله: أن سعدًا أتى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله إن أمي توفيت ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها قال نعم وعليك بالماء، وعن سعد بن عبادة قال: قلت يا رسول الله إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: \"الماء\" فحفر بئرًا وقال: [هذه لأم سعد وفي رواية أنه]، سأله عن نفس الصدقة عنها: هل تنفعها، قال: نعم (^٢)، فسأله ثانيا عن أفضل الصدقة، فقال: \"سقي الماء\" فحفر لها بئرا، في حديث آخر أن سعد بن عبادة استفتى النبي - ﷺ - في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها (^٣)، قال القاضي عياض (^٤): اختلف في نذر أم سعد ما كان فقيل: كان نذرا مطلقا، وقيل: كان صوما، وقيل: كان عتقا، وقيل: صدقة، واستدل كل قائل بأحاديث وردت في\n_________\n(^١) أسد الغابة (٧/ ٢٠٠)، والإصابة (٨/ ٢٤٦) قال ابن سعد في الطبقات (٣/ ٦١٤): توفيت بالمدينة ورسول الله - ﷺ - غائب في غزوة دومة الجندل، وكانت في شهر ربيع الأول سنة خمس من الهجرة، وكان سعد بن عبادة معه في تلك الغزوة، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أتى قبرها فصلى عليها.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٦٢) و(٢٧٦٢) عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٦١) و(٦٦٩٨) و(٦٩٥٩)، ومسلم (١ - ١٦٣٨) عن ابن عباس.\n(^٤) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٤٥٧).","vol":"5","page":594},{"text":"قصة أم سعد.\nواسمها عمرة بنت مسعود بن عمرو من المبايعات توفيت بالمدينة ورسول الله - ﷺ - غائب في غزوة دومة الجندل وكانت في شهر ربيع الأول سنة خمس من [الهجرة وكان] سعد بن عبادة [معه في] تلك الغزوة فلما [قدم] رسولى الله - ﷺ - المدينة أتى قبرها [وصلى] عليها (^١) أ. هـ.\nففي حديث النذر دليل على أن من مات وعليه حق من حقوق الله تعالى كالزكاة والنذر والكفارة يجب أداؤه من التركة قبل الوصايا والميراث كما يجب أداء ديون الآدمي وسواء أوصي به أو لم يوص وبه قال الشافعي (^٢).\nقوله: رواه أبو داود أيضًا وغيره عن أبي إسحاق السبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة، منسوب إلى سبيع جد القبيلة، وهو سبيع بن صحب وهو بطن من همدان، واسم أبي إسحاق [عمرو بن] عبد الله الهمداني [الكوفي] التابعي الجليل [ولد أبو إسحاق] لسنتين بقيتا من خلافة عثمان.\nقال أحمد العجلي: كوفي، تابعي، ثقة، سمع ثمانية وثلاثين من أصحاب النبي ﷺ، والشعبي أكبر منه بسنتين، ولم يسمع أبو إسحاق من علقمة شيئًا، ولم يسمع من حارث الأعور إلا أربعة أحاديث وسائر ذلك\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٦١).\n(^٢) شرح السنة (٧/ ٢٩)، وشرح النووي على مسلم (١١/ ٩٦ - ٩٧) وشرح المشكاة (٦/ ١٩٤٠).","vol":"5","page":595},{"text":"إنما هو كتاب أخذه وقال على بن المديني: سمع السبيعي من سبعين شيخا لم يرو عنهم غيره.\nقال الحافظ أبو نعيم: روى أبو إسحاق عن أربعة وعشرين من أصحاب النبي - ﷺ - أسند عن جماعة من الصحابة وانفرد بالرواية عن جماعة من الصحابة والتابعين، ولم يشاركه فيها أحد، توفي سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع وعشرين ومائة (^١) والله أعلم.\n\n١٤٢٥ - وَعَن جَابر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من حفر مَاء لم تشرب مِنْهُ كبد حرى من جن وَلَا إنس وَلَا طَائِر إِلَّا آجره الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن جابر - ﵁ -، تقدم الكلام على جابر.\nقوله ﷺ: \"من حفر ماء لم تشرب منه كبد حرى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة\" الحديث، تقدم الكلام على الكبد الحري في أحاديث الباب.\n\n١٤٢٦ - وَعَن عَليّ بن الْحسن بن شَقِيق قَالَ سَمِعت ابْن الْمُبَارك وَسَأَلَهُ رجل يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قرحَة خرجت فِي ركبتي مُنْذُ سبع سِنِين وَقد عَالَجت\n_________\n(^١) تهذيب الكمال ١٠٤٠، تذهيب التهذيب ٣/ ١٠٣/ ١، تاريخ الإسلام ٥/ ١١٦، تذكرة الحفاظ ١/ ١١٤.\n(^٢) البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٣٢)، وابن خزيمة (١٢٩٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٥٢).","vol":"5","page":596},{"text":"بأنواع العلاج وَسَأَلت الْأَطِبَّاء فَلم أنتفع بِهِ قَالَ اذْهَبْ فَانْظُر موضعا يحْتَاج النَّاس المَاء فاحفر هُنَاكَ بِئْرا فَإِنِّي أَرْجُو أَن تنبع هُنَاكَ عين ويمسك عَنْك الدَّم فَفعل الرجل فبرأ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\nوَقَالَ وَفِي هَذَا الْمَعْنى حِكَايَة شَيخنَا الْحَاكِم أبي عبد الله ﵀ فَإِنَّهُ قرح وَجهه وعالجه بأنواع المعالجة فَلم يذهب وَبَقِي فِيهِ قَرِيبا من سنة فَسَأَلَ الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبَا عُثْمَان الصَّابُونِي أَن يَدْعُو لَهُ فِي مَجْلِسه يَوْم الْجُمُعَة فَدَعَا لَهُ وَأكْثر النَّاس التَّأْمِين فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة الأُخْرَى أَلْقَت امْرَأَة فِي الْمجْلس رقْعَة بِأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى بَيتهَا وَاجْتَهَدت فِي الدُّعَاء للْحَاكِم أبي عبد الله تِلْكَ اللَّيْلَة فرأت فِي منامها رَسُول الله - ﷺ - كَأَنَّهُ يَقُول لَهَا قولي لأبي عبد الله يُوسع المَاء على الْمُسلمين فَجئْت بالرقعة إِلَى الْحَاكِم فَأمر بسقاية بنيت على بَاب دَاره وَحين فرغوا من بنائها أَمر بصب المَاء فِيهَا وَطرح الجمد فِي المَاء وَأخذ النَّاس فِي الشّرْب فَمَا مر عَلَيْهِ أُسْبُوع حَتَّى ظهر الشِّفَاء وزالت تِلْكَ القروح وَعَاد وَجهه إِلَى أحسن مَا كَانَ وعاش بعد ذَلِك سِنِين (^٢).\n[قوله]: وعن علي بن الحسن بن شقيق [هو علي بن الحسن بن شقيق بن دينار بن مشعب العبدي، أبو عبد الرحمن مولى عبد القيس، ويقال: إنه مولى آل الجارود العبدي، قال أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي: وكان شقيق بصريا قدم خراسان قال أحمد بن حنبل: لم يكن به بأس. تكلموا فيه\n_________\n(^١) البيهقي في الشعب (٣٣٨١).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢٢١).","vol":"5","page":597},{"text":"للإرجاء، وقد رجع عنه. وقال الحسين بن حبان: قال ابن معين: ما أعلم أحدا قدم علينا من خراسان كان أفضل من ابن شقيق. كان عالما بابن المبارك، وتوفي في سنة خمس عشرة ومئتين (^١)].\nقوله: سمعت ابن المبارك، هو الإمام المجمع على إمامته وجلالته في كل شيء الذي تستنزل الرحمة بذكره وترتجي المغفرة بحبه وهو من تابعي التابعين عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي أبو عبد الرحمن وكان أبوه تركيا مملوكا لرجل من همدان، وأمه: خوارزمية، قال أبو أسامة: ما رأيت أطلق للعلم من ابن المبارك الشام ومصر واليمن والحجاز، قال ابن مهدي: ابن المبارك أفضل من الثوري، فقيل: إن الناس يخالفونك فقال: لم يعرفوا ما رأيت مثل ابن المبارك، وقال أبو أسامة ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس، وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين، وقال ابن أبي جميل: قلنا لابن المبارك يا عالم الشرق حدثنا فسمعها سفيان، فقال: ويحكم هو عالم المشرق والمغرب وما بينهما، وقيل: لما قدم هارون الرشيد الرقة أشرفت أم ولد له من قصره فرأى الغبرة قد ارتفعت والبغال قد انقطعت وانجفل الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: قد قدم عالم من خراسان يقال له ابن المبارك فقالت: هذا والله الملك لا ملك لهارون الذي لا يجمع الناس إلا بالسوط والخشب، ولد بمرو سنة\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٠/ ترجمة ٤٠٤٢)، وتاريخ الإسلام (٥/ ٤٠٣ - ٤٠٤).","vol":"5","page":598},{"text":"ثماني عشرة ومائة وتوفي بهيت [منصرفا من الغزو وهيت مدينة معروفة على الفرات فوق الأنبار من] العراق سنة إحدى وثمانين ومائة (^١) والله أعلم.\nقوله: سمعت ابن المبارك: وسأله رجل يا أبا عبد الرحمن قرحة خرجت في ركبتي منذ سبع سنين، القرحة: جمعها قروح، والقرحة: حبات تخرج في بدن الإنسان، وقيل: القرحة كالدمل والورم والجرح كالقطع والشق فيفرق بينهما.\nقوله: وفي هذا المعنى حكاية شيخنا الحاكم أبي عبد الله فإنه قرح وجهه، هو: الإمام الجليل أبو عبد الله [محمد بن عبد الله الضبي النيسابوري المعروف بابن البيع من أهل العلم والحفظ والتصانيف الحسنة في علوم الحديث وغيرها رحل الكثير وسمع بخراسان وما وراء النهر والعراق والحجاز وغيرها روى عن أبي العباس الأصم وغيره روى عنه الدارقطني وغيره من الأئمة في الدنيا وكان فيه تشيع وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين وثلثمائة وتوفي بنيسابور في صفر سنة خمس وأربعمائة (^٢)].\nقوله: فسأل الأستاذ الإمام أبا عثمان الصابوني أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، أبو عثمان الصابوني، اسمه [إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الصابوني المعروف بشيخ الإسلام كان إماما مفسرا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ ترجمة ٣٢٩).\n(^٢) اللباب (١/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"5","page":599},{"text":"محدثا فقيها واعظا خطيبا أوحد وقته في طريقته وعظ المسلمين ستين سنة وخطب بنيسابور نحوا من عشرين سنة سمع أبا طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبا بكر الجوزقي وأستاذه الحاكم أبا عبد الله وغيرهم سمع منه الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي وغيره لا يحصون كثرة بخراسان إلى غزنة وبلاد الهند وجرجان وطبرستان والجبال والعراق والثغور والشام وبيت المقدس وبلاد أذربيجان وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وتوفي في المحرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة (^١)].\n_________\n(^١) اللباب (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).","vol":"5","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>فصل</span>\n١٤٢٧ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم رجل على فضل مَاء بفلاة يمنعهُ ابْن السَّبِيل.\nزَاد فِي رِوَايَة يَقُول الله لَهُ الْيَوْم أمنعك فضلي كمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة\" هو على لفظ الآية الكريمة، قيل: معنى لا يكلمهم أي لا يكلمهم تكليم أهل الخير وبإظهار الرضى بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: المراد الإعراض عنهم (^٢)، وقال جمهور المفسرين: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية (^٣) ومعنى لا ينظر إليهم: أي يعرض عنهم ونظره ﷾ لعباده رحمة ولطفه بهم (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٢٣٦٩)، ومسلم (١٠٨)، وأبو داود (٣٤٧٥)، والنسائي (٧/ ٢٤٧)، وابن ماجه (٢٢٠٧)، وأحمد (٧٤٤٢)، وابن حبان (٤٩٠٨).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٣٨٠)\n(^٣) تفسير القرطبي (٢/ ٢٣٥)\n(^٤) إكمال المعلم (١/ ٣٨٠).","vol":"5","page":601},{"text":"قوله: ولا ينظر إليهم، [أي يعرض عنهم] ومعنى ولا يزكيهم، أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، وقال الزجاج وغيره: معناه لا يثني عليهم (^١).\nقوله: ولهم عذاب أليم، أي: مؤلم، قال الواحدي (^٢): هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه، قال: والعذاب كل ما يغني الإنسان ويشق عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل\" زاد في رواية: \"يقول الله له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك\" الحديث وإذا كان من يمنع فضل الماء الماشية عاصيا فكيف من يمنعه الآدمي المحترم فإن الكلام فيه، فلو كان ابن السبيل غير محترم كالحربي والمرتد لم يجب بذل الماء له (^٣).\nقال النووي (^٤): قال أصحابنا: يجب بذل الماء بالفلاة كما ذكرناه بشروط أحدها: أن لا يكون ماء آخر يستغني به، والثاني: أن يكون البذل لحاجة الماشية لا لسقي الزرع، الثالث: أن لا يكون مالكه محتاجا إليه.\nواعلم أن المذهب الصحيح أن من نبع من ملكه الماء صار مملوكا له، وقال بعض أصحابنا: لا يملكه أما إذا أخذ الماء في إناء من الماء المباح فإنه\n_________\n(^١) كشف المناهج (٢/ ٤٦٨).\n(^٢) ينظر: التفسير البسيط (٢/ ٤٤٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٢٩).","vol":"5","page":602},{"text":"يملكه هذا هو الصواب، وقد نقل بعضهم الإجماع عليه، وقد قال بعض أصحابنا لا يملك بل يكون أخص به وهذا غلط ظاهر (^١).\nوقال في المفهم (^٢): ظاهر اللفظ النهي عن بيع فضل الماء الذي يشرب فإنه السابق إلى الفهم ونقل الإجماع على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلا فقد ملكه وإن له بيعه إلا خلافا شاذا لا يلتفت إليه، قال: وأما الأنهار والعيون والآبار في الفيافي التي ليست بمملوكة فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه ولا بيعه ولا نكر في تناول أحاديث النهي لذلك، وأما فضل الماء في بلد فهذا هو محل الخلاف هل يجبر على بذل فضله لمن احتاجه أو لا يجبر وإذا أجبر فهل يجبر بالقيمة أو لا، قولان: [سببهما] معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه والأرجح إن شاء الله حمل الخبر على عمومه فيجب بذل الفضل بغير قيمة ويفرق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالبا وعدم المشاحة فيه وقلة الطعام غالبا ووجود المشاحة فيه أ. هـ.\nوفي [الاشراف] لابن المنذر (^٣): والإجماع على جواز بيع الماء المأخوذ من النيل والفرات في ظرف بثمن معلوم فدل على أن نهيه عن بيع الماء ليس المراد منه جميع الماء، ويجوز أن يدخل النهي الماء المجهول كالمياه التي\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٢٩).\n(^٢) المفهم (١٤/ ٧٣٠٧٤).\n(^٣) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٦/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"5","page":603},{"text":"يتبايعها أهل المشرق وغيرهم ببيع الرجل منهم ما يجري في نهره في يومه وليلته بكذا وكذا درهما وذلك مجهول يزيد وينقص وتحيط به الآفات، ويختلف ذلك في الشتاء عند كثرة الأمطار، ويقل عند قلة الأمطار وفي الصيف اختلافا متفاوتا وقال الأوزاعي في بيع فضل الماء قال: يسقي به ثم [يسيبه] في الأرض ولا يعطيه أحدا وقال مالك في ماء البئر: إذا وقع الفضل الناس في الفضل أسوة، وقال أحمد: إنما نهي عن بيع فضل الماء في قراره في الآبار والعيون واختلفوا في بيع الماء روايا وقِرَب، فرخص ابن سيرين وحماد بن أبي سليمان واحمد وإسحاق/ وفيه قول ثان وهو أن ذلك لا يجوز إلا بقرب معروفة الوزن لا يجوز عددا هذا هو مذهب الشافعي والنظر يدل عليه (^١).\nوقال في القبس (^٢): في الأثر النهي عن بيع نبع البئر وروي نقع البئر بالقاف والفاء، وروي \"لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ\"، واختلف علماؤنا في الأرض يملكها الرجل فتنبت نباتا سماويا هل يختص المالك بالنبات كاختصاصه بالأرض أم هو لجميع الناس يحتشونه ويحتطبونه وكذلك أيضًا: اختلفوا إذا نطر بئر ففاضت على حاجته هل يختص بالفضل دون [سائر الخلق أم ليس له إلا قدر ما يحتاج إليه والباقي مشاع] بين الناس، والصحيح أن ذلك كله مشاع إذا لم يحتج إليه ولكن الحاجة عندي على\n_________\n(^١) الإشراف لابن المنذر (٦/ ٤٨).\n(^٢) القبس (ص ٩٢٨).","vol":"5","page":604},{"text":"قسمين إما أن يحتاج الماء لسقي زرعه وثمرته أو يحتاج النبات لسرحه أو يحتاج الحطب لاحتطابه وبيعه فإذا كان لذلك فلا خلاف أنه أحق به من غيره وإن كان يحتاجه لقوته وكسوته فمثله أيضًا وما فضل عن هاتين الحاجتين هو الذي يتناول الحديث النهي عنه (^١) أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\nفائدة: من الصغائر أن يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ وذلك حرام وقد عده الذهبي من الكبائر واستدل عليه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال: \"من منع فضل مائه أو فضل كلائه منعه الله فضله يوم القيامة\" أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (^٢)، قال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين (^٣): قلت: فإن صح هذا الحديث فينبغي أن يكون فعل ذلك مرة واحدة صغيرة وإلا فبالإصرار تصير كبيرة والله أعلم، ورأيت في تفسير الإمام أبي بكر بن المنذر: فذكر السند إلى أن قال: حدثنا صالح بن حبان قال: سمعت عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضل الماء بعد الري ومنع طروق الفحل إلا بجعل\" رواه ابن أبي حاتم (^٤)، وقد نهى النبي - ﷺ - في الصحيحين عن ذلك\n_________\n(^١) القبس (ص ٨٠١).\n(^٢) وهو عند البخاري (٢٣٦٩) و(٧٤٤٦) وفيه: ورجل منع فضل مائه، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك.\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٣٤٦ - ٣٤٧).\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٣٣).","vol":"5","page":605},{"text":"ومعناه: أن يكون للإنسان بئر مملوكة بالفلاة وفيها ماء فاضل عن حاجته ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذا ولا يمكن أصحاب المواشي رعيهم إلا إذا جعل لهم السقي من هذا البئر فيحرم عليه منع فضل الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض لأنه إذا منع بذله امتنع أرباب الماشية من رعي الكلأ خوفا على مواشيهم من العطش فيكون بمنعه الماء مانعا من رعى الكلأ وأما منع الماء الذي لا يختص بأحد فهو من الكبائر، والله أعلم.\nقال أهل اللغة (^١): الكلأ مهموز مقصور هو النبات سواء كان رطبا أو يابسا وأما الحشيش والهشيم فيختص باليابس وأما الخلى مقصور غير مهموز والعشب هو مختص بالرطب ويقال له أيضًا الرطب بضم الراء وإسكان الطاء، أ. هـ.\n\n١٤٢٨ - (^٢) وَعَن امْرَأَة يُقَال لَهَا بهيسة عَن أَبِيهَا قَالَت اسْتَأْذن أبي النَّبِي - ﷺ - فَدخل بَينه وَبَين قَمِيصه فَجعل يقبل ويلتزم ثمَّ قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه قَالَ المَاء قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لا يحل مَنعه قَالَ الْملح قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لا يحل مَنعه قَالَ أَن تفعل الْخَيْر خير لَك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٣).\nقوله: وعن امرأة يقال لها بُهيسة عن أبيها، بهيسة الفزارية بضم الباء\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ٦٩) لسان العرب (١/ ١٤٨).\n(^٢) خطأ في الترقيم. المحقق.\n(^٣) أبو داود (١٦٦٩)، والبيهقي (٦/ ١٥٠).","vol":"5","page":606},{"text":"الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها سين مهملة مفتوحة وتاء تأنيث ولم أقف على اسم أبيها ولم يعرف لها غير هذا الحديث (^١).\nقوله: قالت استأذن أبي النبي - ﷺ - فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبل ويلتزم، تقدم الكلام على قميص النبي - ﷺ - من كلام الزركشي في اقتداء ابن عمر بالنبي - ﷺ - في أوائل الكتاب.\nقوله: فجعل يقبل التقبيل معروف.\nقوله: ثم قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: \"الماء\" الحديث، ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا سواء قيل إن الماء ملك لمالك أرضه أم لا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب وسقي البهائم وسقي الزرع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي لا يجب بذله للزرع (^٢).\nقوله: يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: \"الملح\" قال الخطابي (^٣): معناه الملح إذا كان في معدنه في أرض أو جبل غير مملوك فإن أحدا لا يمنع من أخذه فإما إذا صار في حوز مالكه فهو أولى به وله منعه وبيعه والتصدق فيه كسائر أملاكه، أ. هـ.\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٢٢٤)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ١٣٨ - ١٣٩ ترجمة ٧٨٠٠).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٩٢٧).\n(^٣) ينظر: معالم السنن (٢/ ١٢٩)، وطرح التثريب (٦/ ١٨٥).","vol":"5","page":607},{"text":"قال أصحابنا: فلو كان بقرب الساحل بقعة لو حفرت وسيق الماء إليها ظهر فيها الملح فليست من المعادن الظاهرة لأن المقصود منها يظهر بالعمل فللإمام إقطاعها ومن حفرها وساق الماء إليها وظهر الملح ملكها كما لو أحيى مواتا والله أعلم ذكره ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^١).\nقوله: وعن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي - ﷺ - لم يسم هذا الرجل ولا يضر ذلك فإنه صحابي والصحابة عدول ﵃ أجمعين.\nقوله: غزوت مع النبي - ﷺ - ثلاثًا أسمعه يقول: \"المسلمون شركاء في ثلاثة في الكلأ والماء والنار\" أما الكلأ الذي يشترط فيه الناس، قال الخطابي (^٢): فهو الكلأ ينبت في موات الأرض ترعاه الناس ليس لأحد أن يختص به دون أحد أو يحجزه عن غيره وكان أهل الجاهلية إذا عز الرجل منهم حمي بقعة من الأرض لماشيته ترعاها يذود الناس عفا فأبطل النبي - ﷺ - ذلك وجعل الناس فيه شركاء يتعاورونه بينهم فأما الكلأ إذا نبت في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لأحد أن يشركه فيه إلا بإذنه، وأما الماء قال الأزهري: أراد النبي - ﷺ - بالماء ماء السماء وماء العيون التي لا مالك لها (^٣) فالمراد به هنا المياه المباحة النابعة في موضع لا يختص بأحد ولا صنع الآدميين في إنباطها وإجرائها كالفرات وجيحون والنيل وسائر أودية العالم والعيون في\n_________\n(^١) طرح التثريب (٦/ ١٨٥).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ١٢٩)، وطرح التثريب (٦/ ١٨٥).\n(^٣) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص ١٧٢)، والنهاية (٢/ ٤٦٧).","vol":"5","page":608},{"text":"الجبال وسيول الأمطار فالناس فيها سواء لكن من أخذ منها شيئًا في إناء أو جعله في حوض ملكه ولم يكن لغيره مزاحمته فيه (^١) ذهب قوم إلى أن الماء لا يملك والأصح بيعه مطلقًا (^٢) وأما النهي عن منع النار فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار وهذا بعيد، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها أو ينضج عليها طعامه ونحوه لم يبعد أ. هـ، قاله الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي (^٣).\nوقال بعضهم: له أن يمنع من يريد أن يأخذ منها جذوة من الحطب قد احترق فصار جمرًا وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحا أو يدني منها ضغثا يشتعل بها لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئا (^٤) أ. هـ.\nوقال صاحب العدة من أصحابنا: لو أضرم نارا في حطب مباح بالصحراء لم يكن له منع من ينتفع بتلك النار فلو جمع الحطب ملكه فإذا أضرم فيه النار كان له منع غيره منها أ. هـ قاله العراقي (^٥) في شرح الأحكام، وذهب قوم إلى العمل بظاهر الحديث في الثلاثة والصحيح الأول.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٦/ ١٨٥).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٦٧).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٢٦ - ٩٢٧).\n(^٤) معالم السنن (٣/ ١٢٩)، وطرح التثريب (٦/ ١٨٤).\n(^٥) طرح التثريب في شرح التقريب (٦/ ١٨٤).","vol":"5","page":609},{"text":"١٤٣٠ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه قَالَ المَاء وَالْملح وَالنَّار قَالَت قلت يَا رَسُول الله هَذَا المَاء وَقد عَرفْنَاهُ فَمَا بَال الْملح وَالنَّار قَالَ يَا حميراء من أعْطى نَارا فَكَأَنَّمَا تصدق بِجَمِيعِ مَا أنضجت تِلْكَ النَّار وَمن أعْطى ملحا فَكَأَنَّمَا تصدق بِجَمِيعِ مَا طيبت تِلْكَ الْملح وَمن سقى مُسلما شربة من مَاء حَيْثُ يُوجد المَاء فَكَأَنَّمَا أعتق رَقَبَة وَمن سقى مُسلما شربة من مَاء حَيْثُ لَا يُوجد المَاء فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن عائشة، تقدم الكلام على عائشة.\nقوله - ﷺ - لعائشة: \"يا حميراء\"، تصغير الحمراء يريد البيضاء والأحمر الشديد البياض، ومثله قوله - ﷺ -: \"خذوا شطر دينكم من الحميراء\" والعرب تعبر عن الأبيض بالأحمر، ومنه قوله - ﷺ -: \"بعثت إلى الأحمر والأسود\" والأحمر العجم والأسود العرب والأبيض عندهم أيضًا الأبرص، وقد رأى النبي - ﷺ - بامرأة أراد أن يتزوجها بياضا، يعني برصا، فقال لها: \"الحقي بأهلك\" فهو كناية في بعض المواضع عن البرص.\nقوله: \"من أعطى نارا\" الحديث، تقدم معناه.\n\n١٤٣١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي ثَلَاث فِي المَاء والكلإ وَالنَّار وثمنه حرَام. قَالَ أَبُو سعيد يَعْنِي المَاء\n_________\n(^١) ابن ماجه (٢٤٧٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (٦٥٩٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٩١).","vol":"5","page":610},{"text":"الْجَارِي رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا (^١). الْكلأ بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام بعدهمَا همزَة غير مَمْدُود هُوَ العشب رطبه ويابسه.\nقوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلإ والنار\" تقدم الكلام على الثلاثة المذكورة في الحديث.\nقوله: \"وثمنه حرام\" وإنما جعل ثمنه حراما لأنه غير مملوك فلا يجوز بيعه وحمل أبو سعيد ذلك على الجاري وهو الغالب ولو كان الماء المباح غير جار كماء السيول الراكدة في المستنقعات فحكمها كذلك والله أعلم (^٢)، والظاهر أن أبا سعيد هذا يعني المذكور في الحديث هو عبد الله بن سعيد شيخ ابن ماجه وهو الأشج وكان أحد الحفاظ وهذا الإسناد ضعيف لضعف عبد الله بن خراش وهو بكسر الخاء وبالشين المعجمتين.\nخاتمة: ذكر البغوي في تفسيره (^٣) عن عبد الله بن عمر أن قوله - ﷺ - قال: إن الله [أنزل] أربع بركات من السماء إلى الأرض [الحديد والنار] والماء والملح (^٤)، وقال الأطباء: في الملح مرارة وقبض وأجوده الداراني الأبيض\n_________\n(^١) ابن ماجه (٢٤٧٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١١١٠٥)، وقال الألباني صحيح، دون قوله: \"وثمنه حرام\" ضعيف الجامع (٥٩٣٥).\n(^٢) طرح التثريب (٦/ ١٨٤).\n(^٣) ينظر: شرح السنة للبغوي (٦/ ١٩).\n(^٤) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٦٧٢). وقال الألباني في الضعيفة (٣٠٥٣): موضوع.","vol":"5","page":611},{"text":"الرقيق وهو حار يابس ينفع في العفونة [وينفع من] غلظ الأخلاط ويذيبها واستعمال الملح بالغداة يحسن اللون وينفع في الجرب المتقرح والحكة البلغمية والنقرس (^١) وعد في الإحياء (^٢) من آداب الآكل أن يبدأ بالملح ويختم به وأن ينوي بأكله التقوي على طاعة الله ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل قال إبراهيم بن شيبان: منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئًا بشهوة وأن يرضي بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام ولا يجتهد في التنعم وطلب الزيادة وانتظار الآدم بل كرامة الخبز أن لا ينتظر به الآدم، وقد ورد الخبر بإكرام الخبز (^٣) فكل ما يديم الرمق ويقوي على العبادة فهو خير كثير لا ينبغي أن يستحقر بل لا ينتظر بالخبز الصلاة إن حضر وقتها إذا كان في الوقت متسع أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) الآداب الشرعية (٣/ ٦٢).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٢ - ٤).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٢) عن عائشة بلفظ أكرموا الخبز. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة ٢٨٨٤، ٢٨٨٥.","vol":"5","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الترغيب في شكر المعروف ومكافأة فاعله والدعاء له وما جاء فيمن لم يشكر ما أولي إليه</span>\n١٤٣٢ - عَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من استعاذ بِالله فأعيذوه وَمن سألكم بِالله فَأَعْطوهُ وَمن استجار بِالله فأجيروه وَمن أَتَى إِلَيْكُم مَعْرُوفا فكافئوه فَإِن لم تَجدوا فَادعوا لَهُ حَتَّى تعلمُوا أَن قد كافأتموه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مُخْتَصرا قَالَ من اصْطنع إِلَيْكُم مَعْرُوفا فجازوه فَإِن عجزتم عَن مجازاته فَادعوا لَهُ حَتَّى تعلمُوا أَن قد شكرتم فَإِن الله شَاكر يحب الشَّاكِرِينَ (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه\" الرواية الأخرى \"ومن اصطنع إليكم معروفا فجازوه\" الحديث قال أبو الليث السمرقندي: إذا أهدى إليك إنسان هدية فإن لم يكن الذي أهدى إليك ظالما ولا ماله حراما فالأفضل أن تقبل هديته وتكافئه بأفضل منه أو مثله فإن عجزت عن المكافأة بالمال\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٨٢)، وابن حبان (٣٤٠٨)، والحاكم (١/ ٤١٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١٦)، وأحمد (٥٧٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٥٧).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٨١)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك.","vol":"5","page":613},{"text":"فالدعاء وحسن الثناء لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من أهدى إليكم معروفا فكافئوه\" الحديث (^١).\n\n١٤٣٣ - وَعَن جَابر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من أعطي عَطاء فَوجدَ فليجز بِهِ فَإِن لم يجد فليثن فَإِن من أثنى فقد شكر وَمن كتم فقد كفر وَمن تحلى بِمَا لم يُعْط كَانَ كلابس ثوبي زور رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن أبي الزبير عَنهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢) وَرَوَاهُ أبُو دَاوُد عَن رجل عَن جَابر وَقال هُوَ شُرَحْبِيل بن سعد (^٣). وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صحِيحه عن شُرَحْبِيل عَنهُ وَلفظه من أولي مَعْرُوفا فَلم يجد لَهُ جَزَاء إِلَّا الثَّنَاء فقد شكره وَمن كتمه فقد كفره وَمن تحلى بباطل فَهُوَ كلابس ثوبي زور (^٤). قَالَ الْحَافِظ وشرحبيل بن سعد تَأتي تَرْجَمته. وَفِي رِوَايَة جَيِّدَة لأبي دَاوُد من أبلي فَذكره فقد شكره وَمن كتمه فقد كفره (^٥).\n_________\n(^١) بستان العارفين (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).\n(^٢) الترمذي (٢٠٣٤)، وقال: حديث حسن غريب، من طريق أبي الزبير عن جابر، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٥٨).\n(^٣) أبو داود (٤٨١٣)، والبيهقي (٦/ ١٨٢).\n(^٤) ابن حبان (٣٤١٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١٥)، والطبري في تهذيب الآثار (١٠٤)، وعبد بن حميد (١١٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١٠٩)، والقضاعي (٤٨٥)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٥٨).\n(^٥) أبو داود (٤٨١٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٩)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٥٨).","vol":"5","page":614},{"text":"قَوْله من أبلي أَي من أنعم عَلَيْهِ والإبلاء الإنعام.\nقوله: وعن جابر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور\" وفي حديث عائشة: \"من تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور\" الزور الكذب والباطل والتهمة.\nقال النووي (^١): قالوا معناه المتكثر بما ليس عنده مذموم كلابس ثوبي زور، ومعناه: أن العرب أكثر ما كانت تلبس عند الجدة [والقدرة] إزارا ورداء ولهذا حين سئل النبي - ﷺ - عن الصلاة في الثوب الواحد قال \"أو كلكم يجد ثوبين\" (^٢) وفسره عمر - ﵁ - بإزار ورداء وقميص وغير ذلك، وروي عن إسحاق بن راهوية قال: سألت أبا الغمر الأعرابي وهو ابن ابنة ذى الرمة عن تفسير ذلك فقال: كانت العرب إذا اجتمعوا في المحافل كانت لهم جماعة يلبس أحدهم ثوبين حسنين فإن احتاجوا إلى شهادة شهد لهم بزور فيمضون شهادته بثوبيه يقولون: ما أحسن ثيابه وما أحسن هيئته فيجيزون شهادته لذلك والأحسن أن يقال فيه أن المتشبع بما لم يعط هو أن يقول: أعطيت كذا لشيء لم يعطه فأما أنه يتصف بصفات ليست فيه ويريد أن الله منحه إياها أو يريد أن بعض الناس وصله شيء خصه به فيكون بهذا القول قد\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١١٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٦٢٩)، وابن حبان (٢٢٩٧). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٤٠).","vol":"5","page":615},{"text":"جمع بين كذبين أحدهما اتصافه بما ليس فيه أو أخذه ما لم يأخذه والآخر الكذب على المعطي وهو الله تعالى أو الناس (^١)، وأراد بثوبي الزور هذين [الحالين اللذين ارتكبهما] واتصف بهما و[قد سبق أن الثوب يطلق على الصفة المحمودة والمذمومة، وحينئذ] يصح التشبيه في [في التثنية] لأنه شبه اثنين باثنين قاله ابن الأثير وغيره (^٢).\nقال أبو عبيد وآخرون هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة والورع ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه فهذه ثياب زور ورياء، وقيل: هو فيمن لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له، وقيل: هو فيمن لبس قميصا واحدا ويصل بكميه كمين آخرين فيظهر أن عليه قميصين، وحكي الخطابي (^٣) قولا آخر أن المراد هنا بالثوب الحالة والمذهب والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه ومعناه أنه كالكاذب القائل ما لم يكن (^٤).\nقوله: \"من أبلي فذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره\" الحديث، قد فسر الحافظ (^٥) قوله \"من أبلى من أنعم عليه\" والبلاء الإنعام أ. هـ، وقال في\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٢٨).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٢٨١ - ٢٨٢) والنهاية (١/ ٢٢٨).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ١٣٥).\n(^٤) غريب الحديث (٢/ ٢٥٣) لأبي عبيد، وشرح الصحيح (٧/ ٣٤٧)، ومشارف الأنوار (١/ ١٣٥ و١٣٧)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ١١٠ - ١١١).\n(^٥) أي المنذري.","vol":"5","page":616},{"text":"النهاية (^١): الإبلاء الإنعام والإحسان يقال: بلوت الرجل وأبليت عنده بلاء حسنا والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان يقال: بلوته وأبليته [وابتليته] والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معا من غير فرق بين فعليهما ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (^٢) وفرق القتيبي بينهما فقال: يقال في الخير أبليته وفي الشر بلوته (^٣)، انتهى.\n\n١٤٣٤ - وَعَن أُسَامَة بن زيد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صنع إِلَيْهِ مَعْرُوف فَقَالَ لفَاعِله جَزَاك الله خيرا فقد أبلغ فِي الثَّنَاء (^٤).\nوَفِي رِوَايَة من أولي مَعْرُوفا أَو أسدي إِلَيْهِ مَعْرُوف فَقَالَ للَّذي أسداه جَزَاك الله خيرا فقد أبلغ فِي الثَّنَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٥).\nقَالَ الْحَافِظ وَقد أسقط من بعض نسخ التِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير مُخْتَصرا إِذا قَالَ الرجل جَزَاك الله خيرا فقد أبلغ فِي الثَّنَاء (^٦).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٥٥).\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) الترمذي (٢٠٣٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٠٠٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٧٦)، وابن حبان (٣٤١٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١١٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٥٩).\n(^٥) ابن الأثير في جامع الأصول (١٠٣٧).\n(^٦) الطبراني في المعجم الصغير (١١٥١)، وعبد الرزاق (٣١١٨)، والحميدي (١١٦٠)، والبزار (١٩٤٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٠).","vol":"5","page":617},{"text":"قوله: وعن أسامة بن زيد - ﵁ -، تقدم الكلام على أسامة بن زيد.\nقوله - ﷺ -: \"من صُنِع إليه معروف\" وفي الرواية الأخرى \"من أولِيَ معروفا أو أسدى إليه معروف\" (^١) أسدى وأولي وأعطى بمعنى يقال: أسديت إليه معروفا أسدي إسداء [ومعنى قوله فقال] للذي أسداه جزاك الله خيرا، الحديث، أي أعطاه جزاء ما [أسلف] من طاعته قاله في النهاية (^٢).\n\n١٤٣٥ - وَعَن الْأَشْعَث بن قيس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن أشكر النَّاس لله ﵎ أشكرهم للنَّاس.\nوَفِي رِوَايَة لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^٣).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أُسَامَة بن زيد بِنَحْوِ الأولى (^٤).\nقوله: وعن الأشعث بن قيس - ﵁ -، كنيته: أبو محمد، الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، وفد الكندي وهو الأشعث على النبي - ﷺ - سنة عشر من الهجرة في وفد كندة وكانوا ستين راكبا فأسلموا ورجع إلى اليمن وكان الأشعث ممن ارتد بعد النبي - ﷺ - فبعث أبو بكر الصديق الجنود إلى اليمن فأسروه فأحضروه بين يديه فأسلم وقال [فأسلم] [وقال: استبقنى لحربك]\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٧٠) و(٢/ ٣٥٦).\n(^٣) أحمد (٢١٨٤٦)، والخرائطي في فضيلة الشكر (٧٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١٢٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٩٩٦)، والطيالسي (١٠٤٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦١).\n(^٤) الطبراني في الكبير (٤٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٨١)، وفيه عبد المنعم بن نعيم، وهو ضعيف.","vol":"5","page":618},{"text":"وزوجني أختك، فأطلقه أبو بكر وزوجه أخته، وهي أم محمد بن الأشعث وشهد الأشعث اليرموك بالشام ثم القادسية بالعراق والمدائن وجلولا ونهاوند وسكن الكوفة وشهد صفين مع علي - ﵁ -: وكان عثمان استعمله على أذربيجان وكان الحسن بن علي زوج ابنته روي له عن النبي - ﷺ - تسعة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على حديث منها نزل الكوفة وتوفي بها بعد قتل علي بن أبي طالب بأربعين ليلة بعد سنة ثنتين وأربعين (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إن أشكر الناس لله ﵎ أشكرهم للناس\" سيأتي الكلام على الشكر في حديث أبي هريرة بعد بعده.\n\n١٤٣٦ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من أُتِي إِلَيْهِ مَعْرُوف فليكافئ بِهِ وَمن لم يسْتَطع فليذكره فَإِن من ذكره فقد شكره وَمن تشبع بِمَا لم يُعْط فَهُوَ كلابس ثوبي زور رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا صَالح بن أبي الْأَخْضَر (^٢).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام على عائشة.\nقوله - ﷺ -: \"من أتي إليه معروف فليكافئ به ومن لم يستطع فليذكره فإن من ذكره فقد شكره ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور\" قال في النهاية (^٣):\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٣ - ١٢٤ ترجمة ٦١).\n(^٢) أحمد (٢٤٥٩٣)، والطبراني في الأوسط (٢٤٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٨٠)، رواه أحمد والطبراني في الأوسط وفيه صالح بن أبي الأخضر وقد وثق على ضعفه، وبقية رجال أحمد ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٢).\n(^٣) النهاية (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤).","vol":"5","page":619},{"text":"معنى الحديث أن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر، وقيل: معناه أن من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لهم كان من عادته كفر نعمة الله وترك الشكر له، وقيل: معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله وإن شكره كما تقول: لا يحبني [من لا يحبك] أي أن محبتك مقرونة بمحبتي فمن أحبني يحبك ومن لم يحبك فكأنه لم يحبني وهذه الأقوال مبنية على رفع اسم الله تعالى ونصبه أ. هـ.\nقوله: \"ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور\" أي: المتكثر بأكثر مما عنده يتجمل بذلك كالذي يرى أنه شبعان وليس كذلك، ومن فعله فإنما يسخر من نفسه وهو من أفعال ذوي الزور بل هو في نفسه زور أي كذب (^١).\nفائدة: فإن قلت: ما فائدة التثنية؟ قلت: المبالغة اشعارا بالإزار والارتداء يعني هو زور من رأسه إلى قدمه أو للإعلام بأن في التشبع حالتين مكذوبتين فقدان ما تشبع به وإظهار الباطل (^٢) أ. هـ.\n\n١٤٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ صَحِيح (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٤١).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٩/ ١٦٠).\n(^٣) أبو داود (٤٨١١)، والترمذي (١٩٥٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١٨)، وأحمد (٧٩٣٩)، والطيالسي (٢٦١٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩١١٧)، وابن حبان (٣٤٠٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٨٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٣).","vol":"5","page":620},{"text":"قَالَ الْحَافِظ رُوِيَ هَذَا الحَدِيث بِرَفْع الله وبرفع النَّاس وَرُوِيَ أَيْضا بنصبهما وبرفع الله وَنصب النَّاس وَعَكسه أَربع رِوَايَات.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة وعلى معنى الحديث في الأحاديث قبله وقد ضبطه الحافظ (^١).\nقوله - ﷺ -: \"لا يشكر الله من لا يشكر الناس\" فقال: برفع الله ورفع الناس وروي أيضًا بنصبهما وبرفع الله وبنصب الناس وبعكسه أربع روايات أ. هـ.\nفائدة: قوله \"لا يشكر الله من لا يشكر الناس\" قال الحافظ (^٢): في هذا الحديث نكتة حسنة وهي التنبيه بالأدنى على الأعلى وذلك أن الذي يفعل الإحسان من الخلق يحتاج إلى المكافأة والله تعالى غني عنها فإذا كان المنعم عليه لا يكافئ بالشكر من هو محتاج إليه فلأن لا يشكر غير المحتاج أولى (^٣) والله أعلم قاله ابن العماد في شرح العمدة.\n\n١٤٣٨ - وَرُوِيَ عَن طَلْحَة يَعْنِي ابْن عبيد الله - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أولي مَعْرُوفا فليذكره فَمن ذكره فقد شكره وَمن كتمه فقد كفره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٤). وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث عَائِشَة - ﵂ - (^٥).\n_________\n(^١) أي المنذري.\n(^٢) كذا هو في المخطوط ومحله الفقرة السابقة.\n(^٣) انظر معالم السنن (٤/ ١١٣)، والنهاية (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤).\n(^٤) الطبراني في المعجم الكبير (٢١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٨١)، وفيه من لم أعرفهم، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٤).\n(^٥) ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (٧٩).","vol":"5","page":621},{"text":"قوله: وروي عن طلحة يعني ابن عبيد الله - ﵁ -، هو: أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي المكي المدني وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت وأسلم الحضرمي عبد الله بن عماد بن البرء وعماد بالميم وطلحة أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض سماه رسول الله - ﷺ - طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا ولكن ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره كمن حضر وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وكان أبو بكر إذا ذكر أحدا قال ذلك يوم كله كان لطلحة، روي له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية وثلاثون حديثًا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادي الآخر سنة ست وثلاثين وهذا لا خلاف فيه، وكان عمره أربعا وستين سنة، وقيل: ثمانيا وخمسين، وقيل: ثنتين وستين، وقيل: غير ذلك، وقبره بالبصره مشهور يزار ويتبرك به (^١) وكان طلحة ثبت مع رسول الله - ﷺ - ووقاه بيده ضربة قصد بها فشكت يده فقال رسول الله ﷺ: \"أوجب طلحة\" وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن أبي وقاص، وذكر ابن قتيبة في\n_________\n(^١) سبق الكلام عن النهي بتبرك القبور وأنها بدعة وقد يكون شركا.","vol":"5","page":622},{"text":"المعارف (^١): أن طلحة دفن بقنطرة قرة فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام فشكى إليها النز فأمرت به فأخرج طريا فدفن في داره في الهجرتين في البصرة وذكر غيره أنهم حين حولوه قال الراوي كأني أنظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فإنها مالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي الأرض من نز الماء فاشتروا له دارا من دور أبي بكرة بعشوة آلاف درهم قال: ولطلحة عشر بنين وأربع بنات وهم: محمد وموسى وعيسى وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى وصالح وعمران وأم إسحاق وعائشة ومريم والصعبة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من أُولِيَ معروفا فليذكره فمن ذكره فقد شكره\" تقدم ذكره.\n\n١٤٣٩ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لم يشْكر الْقَلِيل لم يشْكر الْكثير وَمن لم يشْكر النَّاس لم يشْكر الله والتحدث بِنِعْمَة الله شكر وَتركهَا كفر وَالْجَمَاعَة رَحْمَة والفرقة عَذَاب رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي زوائده بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا في كتاب اصطناع الْمَعْرُوف بِاخْتِصَار (^٣).\n_________\n(^١) المعارف (ص: ٢٢٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥١ - ٢٥٣ ترجمة ٢٧٠).\n(^٣) عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٩٣٥١)، وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (٧٨)، والبزار (١٦٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢١٧)، رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني، ورجالهم ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٦).","vol":"5","page":623},{"text":"قوله: وعن النعمان بن بشير - ﵄ -، تقدم ذكره في وصل الصفوف.\nقوله - ﷺ -: \"من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر\" الحديث تقدم معنى الشكر.\n\n١٤٤٠ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَا رَسُول الله ذهب الْأَنْصَار بِالْأَجْرِ كُله مَا رَأينَا قوما أحسن بذلا لكثير وَلَا أحسن مواساة فِي قَلِيل مِنْهُم وَلَقَد كفونا الْمُؤْنَة قَالَ أَلَيْسَ تثنون عَلَيْهِم بِهِ وتدعون لَهُم قَالُوا بلَى قَالَ فَذَاك بِذَاكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: قالت المهاجرون يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، المهاجرون الأولون الذي هاجروا قبل قدوم النبي - ﷺ - المدينة والأنصار هم الذين آووا رسول الله - ﷺ -[ونصروه وبذلوا له أنفسهم وأموالهم أوان الضعف والعسرة (^٢)].\n* * *\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨١٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٧).\n(^٢) تحفة الأبرار (٣/ ٥٧٥).","vol":"5","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>كتاب الصيام</span>\nتقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في أوائل هذا التعليق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>الصوم الترغيب في الصوم مطلقا وما جاء في فضله وفضل دعاء الصائم</span>\nفالصيام لاسمه معنيان، أحدهما لغوي، والآخر شرعي تعبد الله به عباده، فأما معنى الصيام في اللغة فالإمساك مطلقا عما يصنعه الإنسان وغيره من حركة أو كلام أو أكل أو شرب أو مشي ونحو ذلك من سائر الحركات، فإذا أمسك عما يصنعه سمي صائما في اللغة، ودليل ذلك قوله تعالى حاكيا عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (^١) أي إمساكا عن الكلام، وقال المفسرون (^٢): أي صمتا، وتقول العرب: خيل صائمة إذا كانت قائمة دون أكل ولا رعي، يقال صام الفرس إذا ثبت قائما (^٣). قاله في العلم المشهور (^٤).\nوالصيام في الشريعة: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٢٦.\n(^٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣/ ٣٢٦).\n(^٣) التمهيد (٢/ ٣٧).\n(^٤) العلم المشهور (لوحة ١١٥).","vol":"5","page":625},{"text":"الفجر إلى غروب الشمس (^١) فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسيا فلا فطر ولا قضاء (^٢) للحديث وهو قوله - ﷺ -: \"من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه\" (^٣)، وقال أهل المعرفة: الصوم ثلاثة، صوم العام وصوم الخاص وصوم الأخص، فصوم العام ترك الأكل والشرب والوقاع وصوم الخاص مخالفة الجوارح والأعضاء وأن يعفو عمن ظلمه ويكف لسانه عن أهل القبلة (^٤).\n\n١٤٤١ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الله ﷿ كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ وَالصِّيَام جنَّة فَإِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فَلَا يرْفث وَلَا يصخب فَإِن سابه أحد أَو قَاتله فَلْيقل إِنِّي صَائِم إِنِّي صَائِم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك للصَّائِم فرحتان يفرحهما إِذا أفطر فَرح بفطره هاِذا لَقِي ربه فَرح بصومه، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم (^٥).\n_________\n(^١) التمهيد (٢/ ٣٨) والعلم المشهور (لوحة ١١٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٣٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٣٣) و(٦٦٦٩)، ومسلم (١٧١ - ١١٥٥) عن أبي هريرة.\n(^٤) انظر إحياء علوم الدين (١/ ٢٣٤)، ومنهاج القاصدين (١/ ١٨٩). وزادا: وأما صوم خصوص الخصوص: صوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية.\n(^٥) البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١)، وأحمد (٧٦٩٣).","vol":"5","page":626},{"text":"١٤٤٢ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ يتْرك طَعَامه وَشَرَابه وشهوته من أَجلي الصّيام لي وَأَنا أجزي بِهِ والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم\" الحديث، هذا حديث شريف رواه رسول الله - ﷺ - عن رب العالمين وأجمع المسلمون على صحته أخرجه البخاري بهذا النص.\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي في شرح مسلم (^٢): اختلف العلماء في معنى هذا على أقوال، أحدها: أن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها فتكون لهم إلا الصيام فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص لأن حال الممسك شبعا كحال الممسك تقربا، وارتضاه المازري؛ ثانيها: أن أعمال بني آدم كلها لهم فيه حظا إلا الصيام فإنه لا حظ لهم فيه قاله الخطابي (^٣)، وثالثها: أن أعمالهم هي أوصافهم ومناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه استغناء عن الطعام وذلك من خواص أوصاف الحق ﷾؛ ورابعها: ان أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفا كما قال بيتي وعبادي؛ وخامسها: أن أعمالهم يقتص منها يوم القيامة [فيما عليهم] إلا الصيام فإنه لله تعالى ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن تأخذ منه شيئًا قاله ابن\n_________\n(^١) البخاري (١٨٩٤).\n(^٢) المفهم (١٠/ ١ - ٣).\n(^٣) أعلام الحديث (٢/ ٩٤٦).","vol":"5","page":627},{"text":"العربي (^١)، وقد كنت أستحسنه إلى أن فكَّرت في حديث المُقاصَّة الذي في صحيح مسلم فوجدت فيه ذكر الصوم من جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها فإنه قال: \"أتدرون من المفلس؟ \" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: \"المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وضرب هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار\" (^٢) وهذا يدل على أن الصوم يؤخذ كسائر الأعمال (^٣)؛ وسادسها: أن الأعمال كلها ظاهرة للملائكة فتكتبها إلا الصوم فإنما هو نية وإمساك فالله يعلمه ويتولى جزاؤه قاله أبو عبيد، وسابعها: أن الأعمال قد كشفت لبني آدم مقادير ثوابها وتضعيفها إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير ويشهد لهذا سياق الراوية الأخرى التي فيها \"كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف\" قال الله تعالى \"إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\" يعني والله أعلم أنه يجازي عليه جزاء كثيرا من غير أن يعين مقداره ولا تضعيفه وهذا كما قال الله تعالى:\n_________\n(^١) ينظر المفهم (١٠/ ٢)، وشرح الالمام (٣/ ١٦١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٩ - ٢٥٨١)، والترمذي (٢٤١٨) عن أبي هريرة.\n(^٣) قال الحافظ ابن حجر ردًا على القرطبي: قلت: يمكن تخصيص الصيام من ذلك، ويستدل له بما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي هريرة رفعه: كل العمل كفارة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به انظر: فتح الباري (٦/ ١٠٩).","vol":"5","page":628},{"text":"﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^١) وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين وهذا قول ظاهر الحسن والله أعلم أ. هـ\nقوله - ﷺ -: \"إلا الصوم فإنه لي\" الحديث، قال النووي (^٢): اختلف العلماء في معنى إضافة الصوم إلى الله تعالى مع كون جميع الطاعات لله تعالى، فقيل: سبب ذلك أنه لم يعبد أحد غير الله تعالى به فلم تعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك، وقيل: لأن الصوم يبعد من الرياء لخفائه بخلاف الصلاة والحج والغزو والصدقة وغيرها من العبادات الظاهرة وارتضاه المازري وتقدم، وقيل: معناه أنا المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته وغيره ذلك من العبادات أظهر الله ﷾ بعض مخلوقاته أ. هـ.\nفقد أكثر الناس في [تأويل] هذا الحديث وأنه لم خص الصيام والجزاء عليه بنفسه ﷿ وإن كانت العبادات كلها له وجزاؤها منه وذكروا فيه وجوها مدار كلها على أن الصوم سر بين الله تعالى والعبد لا يطلع عليه سواه ولا يكون العبد حقيقة صائما إلا وهو مخلص في الطاعة، وأحسن ما سمعت في تأويل هذا الحديث أن جميع العبادات التي يتقرب بها العباد إلى الله تعالى من صلاة وحج وصدقة واعتكاف وتبتل ودعاء وقربان وهدي وغير ذلك من\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٩).","vol":"5","page":629},{"text":"أنواع العبادات قد عبد المشركون بها آلهتهم وما كانوا يتخذونه من دون الله أندادا ولم يسمع أن طائفة من طوائف المشركين وأرباب النحل في الأزمان المتقادمة عبدت آلهتها بالصوم ولا تقربت إليها به ولا عرف الصوم في العبادات إلا من جهة الشرائع فلذلك قال الله تعالى: \"الصوم لي وأنا أجزي به\" أي لم يشاركني فيه أحد ولا عبد به غيري فأنا حينئذ أجزي به وأتولى الجزاء عليه بنفسي ولم آكله إلى أحد من ملك مقرب أو غيره على قدر اختصاصه بى قاله ابن الأثير (^١)، أ. هـ.\nوذكر أبو الخير الطالقاني: فيه خمسة وخمسين قولا، قال الشيخ: من أحسنها قول سفيان بن عيينة ناهيك به أن يوم القيامة يتعلق خصماؤه بجميع أعماله [إلا] الصوم [فلا سبيل لهم عليه] فإنه لله تعالى (^٢) [قيل هي إضافة تشريف] وذلك من قول [الله تعالى ناقة الله مع أن العالم كلّه لله تعالى] والله أعلم؛ وفي هذا الحديث: بيان عظيم فضل الصوم والحث عليه (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"وأنا أجزي به\" ففيه بيان لعظيم فضله وكثرة ثوابه لأن الكريم إذا أخبر أنه يتولى الجزاء بنفسه اقتضى عظم قدر الجزاء وسعة العطاء (^٤) [ودليل على أن جزاءه موكول إلى علم الله تعالى وأنه لا يدخل تحت إحاطة البشر (^٥)].\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٧٠ - ٢٧١).\n(^٢) البدر المنير (١/ ٦٩٥)، والنجم الوهاج (٣/ ٣٥٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٩).\n(^٥) طرح التثريب (٤/ ١٠٢).","vol":"5","page":630},{"text":"قوله - ﷺ -: \"والصيام جنة\" قد ضبطه الحافظ (^١): الجنة وفسرها فقال الجنة ما يجنك أي يسترك ويقيك مما تخاف، وقال: معنى الحديث أن الصوم يستر صاحبه ويحفظه من الوقوع في المعاصي وقال في شرح المشارق: الجنة الترس مأخوذ من الجن وهو الستر جعل الصيام جنة لأنه يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان فإن الشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان، لهذا قال النبي - ﷺ - \"ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه\" (^٢) فإن من امتلأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت فكرته لما يستولي على معادن إدراكه من الأبخرة المتصاعدة من معدته إلى دماغة فلا يتأتي له نظر صحيح ولعله يقع في مداحض فيزيغ عن الحق كما أشار إليه صلوات الله عليه في قوله - ﷺ -: \"لا تشبعوا فتطفئوا أنوار المعرفة من قلوبكم\" (^٣) كذا في شرح القاضي البيضاوي (^٤)، وذكر في جمل الغرائب: الصوم جنة أي من النار أو من المعاصي لكسر الشهوة أو جنة عن اللغو والغيبة فالصائم يجتن بصومه عنهما والجنة جمع جنن (^٥).\n_________\n(^١) أي المنذري.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٤٩)، والترمذي (٢٣٨٠) وابن حبان (٦٧٤) و(٥٢٣٦) عن المقدام بن معدى كرب. وصححه الألباني في الإرواء (١٩٨٣)، الصحيحة (٢٢٦٥).\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٤٤٧) من طريق عمرو بن عمر عن إسحاق بن نوح عن مكحول عن أبي هريرة. وإسناده واه جدًا.\n(^٤) تحفة الأبرار (١/ ٦٧ - ٦٨).\n(^٥) جمل الغرائب (ص ٤١٣).","vol":"5","page":631},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث\" الرفث: قال الحافظ (^١) بفتح الفاء والراء ويطلق ويراد به الجماع ويطلق ويراد به الفحش ويطلق ويراد به [خطاب] الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع وقال كثير من العلماء: إن المراد به [فى هذا] الحديث الفحش وردئ الكلام أ. هـ.\nوقال القاضي عياض (^٢): يرفث بضم الفاء وكسرها وفتحها ثلاث لغات حكاها في المشارق والمراد به الفحش من القول وقال صاحب العلم المشهور (^٣): الرفث في كلام العرب على وجهين أحدهما: الجماع والآخر الكلام القبيح والفحش من المقال والتشاتم والخنا والتلاعن ونحو ذلك من قبيح الكلام الذي هو سلاح اللئام ومنه اللغو كله والباطل والزور (^٤) وقال أبو عبيد: اللغو كل شيء من الكلام ليس بحسن والفحش أشد من اللغو (^٥)، أ. هـ.\nوقوله - ﷺ -: \"ولا يصخب\" هذا هو بالصاد هو هنا بالصاد ويقال أيضًا بالسين والصاد وهو الصياح (^٦)، وقال في العلم المشهور (^٧): والصخب ارتفاع الأصوات واختلاطها وصواب كتبه بالصاد وضعف الخليل من كتبها\n_________\n(^١) أي المنذري كما بعد حديث ١٤٤٧.\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢٩٦).\n(^٣) العلم المشهور (لوحة ١٢٢ و١٢٣).\n(^٤) التمهيد (١٩/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٥) الاستذكار (٢/ ٢٠) والتمهيد (١٩/ ٣٢).\n(^٦) مشارق الأنوار (٢/ ٢٠٩).\n(^٧) العلم المشهور (لوحة ١٢٣).","vol":"5","page":632},{"text":"بالسين (^١) والله أعلم، قال القاضي عياض (^٢): ورواه الطبري (^٣) \"يسخر\" بالراء، قال: ومعناه: صحيح لأن السخرية تكون بالقول والفعل وكله من الجهل قال بعض العلماء: قلت هذه الرواية تصحيف وإن كان لها معنى (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"فإن سابه أحد أو قاتله\" قال القاضي عياض (^٥): قوله \"أو قاتله\" قاتله\" معنى قاتله دافعه ونازعه ويكون بمعنى شاتمه ولاعنه وقد جاء القتل بمعنى اللعن وقال ابن عبد البر (^٦): المعنى في المقاتلة مقاتلته بلسانه.\nقوله - ﷺ -: \"فليقل إني صائم إني صائم\" الحديث، ذكر العلماء فيه تأويلين أحدهما وبه جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة أنه يقول في قلبه لا بلسانه بل يحدث نفسه بذلك ويذكرها أنه صائم لا يليق به الجهل والمشاتمة لينزجر بذلك (^٧) فنهى الشارع - ﷺ - الصائم عن مقاتلة من قاتله بلسانه ومشاتمة من شاتمه لصونه صومه عن ذلك على ما ورد به هذا الحديث المجمع على صحته (^٨).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٤٠).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ١١٠).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) قاله النووي كما في شرح مسلم (٨/ ٣١).\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ١٠٩).\n(^٦) الاستذكار (٣/ ٣٤٧) التمهيد (١٩/ ٥٥).\n(^٧) طرح التثريب (٤/ ٩٣).\n(^٨) التمهيد (١٩/ ٥٥).","vol":"5","page":633},{"text":"قال في العلم المشهور (^١): ولا يظهر قوله \"إني صائم\" لما فيه من الرياء وإطلاع الناس على عمله لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر ولذلك يجزي الله جل ثناؤه الصائم أجره بغير حساب (^٢)؛ الثاني: أنه يقوله بلسانه ويسمعه صاحبه ليزجره عن نفسه (^٣)، وقال في العلم المشهور: أي صومي يمنعني من مجاوبتك لأنى أصون صومي عن الخنا والزور من القول فبهذا أمرت، ولولا ذلك لانتصرت لنفسي بمثل ما قلت لي (^٤) وهذا رجحه النووي في الأذكار وغيرها (^٥) فقال إنه أظهر الوجهين، وقال في شرح المهذب (^٦): التأويلان حسنان حسنان والقول باللسان أقوى ولو جمعهما كان حسنا انتهى، وحكي الروياني في البحر (^٧) وجها واستحسنه أنه إن كان صوم رمضان فيقوله بلسانه وإن كان نفلا فبقلبه (^٨).\nواعلم أن نهي الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصا به بل كل أحد مثله في أصل النهي عن ذلك لكن الصائم\n_________\n(^١) العلم المشهور (لوحة ١٢٣).\n(^٢) الاستذكار (٣/ ٣٧٤)، والتمهيد (١٩/ ٥٦).\n(^٣) طرح التثريب (٤/ ٩٣).\n(^٤) قاله ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٣٧٤) والتمهيد (١٩/ ٥٥).\n(^٥) الأذكار (ص ٣٣٠)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٢٧).\n(^٦) المجموع شرح المهذب (٦/ ٣٥٦).\n(^٧) بحر المذهب (٣/ ٢٩٤).\n(^٨) طرح التثريب (٤/ ٩٣).","vol":"5","page":634},{"text":"آكد (^١) والله أعلم.\nواختلف إذا سب الصائم أحدا أو اغتابه فالجمهور (^٢) أن ذلك ليس بمفسد للصوم، وذهب الأوزاعي إلى أن ذلك مفطر مفسد وبه قال الحسن البصري فيما أحسب قاله القرطبي (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفس محمد بيده\" تقدم الكلام على ذلك وأن فيها تأويلين للعلماء ففيه من الفقه معرفة يمين رسول الله - ﷺ - وأنه كان يحلف على ما يريد بالله تعالى وقد جاء عنه في غير ما حديث وفيه رد على من قال: لا يحلف أحد بالله صادقا ولا كاذبا وفي رسول الله - ﷺ - الأسوة الحسنة مع ما صح عنه أنه قال: \"من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت\" وإنما يحرم الاستخفاف والحنث وفيه إشارة إلى التوحيد الخالص وأنه لا حكم عليه إلا حكم الله تعالى وحده أ. هـ، قاله في العلم المشهور (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"لخلوف [فم] الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\"\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢/ ٢٧٦) شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٢/ ٣٩٩) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (٣/ ١٧٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ١٤٨) مغني المحتاج (١/ ٤٢٠) المحلى بالآثار (٣/ ٤١٥).\n(^٣) المفهم (١٠/ ٤).\n(^٤) العلم المشهور (لوحة ١٢٣).","vol":"5","page":635},{"text":"الحديث، الخلوف ضبطه الحافظ (^١) بضم الخاء المعجمة واللام وفسره فقال هو تغير رائحة الفم من الصوم أ. هـ، وهذا الذي ضبطه المنذري قال النووي (^٢) هو الصواب وهو الذي ذكره الخطابي (^٣) وغيره من أهل الغريب وهو ما يخلف بعد الطعام في الفم من ريح كريهة لخلو المعدة من الطعام فهو مصدر خلف فمه يخلف خلوفا على وزن قعد يقعد قعودا بضم الخاء ولا يجوز فتحها هو مأخوذ من قولهم خلف اللبن وأخلف إذا تغيرت رائحته أ. هـ\nوكثير من المحدثين يفتحون الخاء وهو غلط والمعنى يفسد به فإن الخلوف بفتح الخاء هو الشخص الذي يكثر خلفه في موعده قاله الخطابي (^٤) وهو خطأ عند أهل العربية وأما صاحبا المشارق والمطالع (^٥) فقالا بضم الخاء. اختلف العلماء في معنى كون هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد الاتفاق على أنه ﷾ منزه عن استطابة الروائح الطيبة واستقذار الروائح الخبيثة الكريهة فإن ذلك من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء فتستطيبه وتنفر من شيء فتستقذره فالله تعالى مقدس (^٦) على أقوال\n_________\n(^١) أي المنذري.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٣) أعلام الحديث (٢/ ٩٤٠) وغريب الحديث (٣/ ٢٣٩).\n(^٤) إصلاح غلط المحدثين (ص ٤٤) وغريب الحديث (٣/ ٢٣٩).\n(^٥) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٩)، ومطالع الأنوار (٢/ ٤٤٨).\n(^٦) المعلم (٢/ ٦١).","vol":"5","page":636},{"text":"أقوال أحدها: قال المازري (^١) هو مجاز واستعارة لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير بذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى، أهـ، فيكون المعنى: أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي أنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم وذكر ابن عبد البر (^٢)، نحوه، الثاني: أن معناه أن الله تعالى يجازيه به في الآخرة أي ثوابا عظيما فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما قال - ﷺ - في الشهيد: \"اللون لون الدم والريح ريح المسك\" حكاه القاضي عياض (^٣)، الثالث: قال صاحب المفهم (^٤): يحتمل أن يكون ذلك في حق ملائكة الله تعالى يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك وإن كانت رائحة الخلوف عندنا بخلافه، الرابع: أن المعنى أن صاحب الخلوف هو تغير رائحة الفم أكثر ثوابا من المسك حيث ندب في الجمع والأعياد ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير قاله الداودي من المغاربة وابن العربي (^٥) وصاحب المفهم وبعض أصحابنا (^٦)، قال النووي (^٧): إنه الأصح وقال عالم المغرب وقاضيها: قال\n_________\n(^١) المعلم (٢/ ٦١ - ٦٢).\n(^٢) الاستذكار (٣/ ٣٥٧) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٩/ ٥٧).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ١١٢).\n(^٤) المفهم (١٠/ ٥).\n(^٥) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٠٨)، وعارضة الأحوذى (١/ ١٤٩).\n(^٦) المجموع (١/ ٢٧٨)، وطرح التثريب (٤/ ٩٦).\n(^٧) انظر: شرح النووي على مسلم (٨/ ٣٠).","vol":"5","page":637},{"text":"بعض أهل العلم إنما سيق هذا الحديث في معرض أن الإنسان لا ينبغي له أن يأنف من القرب من الصائم لما فيه من التغير فإن ذلك التغير أطيب يوم القيامة من ريح المسك كما جاء في الشهداء إن دمائهم في كلومهم فإن الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب بالثاء المثلثة والباء الموحدة أي يسيل اللون لون دم والريح ريح المسك (^١) قاله ابن عقيل، أ. هـ.\nلطيفة: قال العلماء: وفي طيب ريح خلوف فم الصائم عند الله معنى قاله عالم المغرب وقاضى القضاة بها أبو موسى عيسى بن عمران أن وجه التمثيل أن المسك أطيب الطيب كما ثبت عن رسول الله - ﷺ - فالصيام أفضل العبادات لأن العبد أطاع فيه ربه وعصى الشيطان بقطع الشهوات التي هي سبب تسلطه عليه فمعنى قوله - ﷺ - \"لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" أي أرضي عند الله تعالى وأحب من ريح المسك عند الخلق (^٢)، وهذه الرائحة إنما هي في عرصات القيامة يشمها الخلائق تنويها من الله جلت قدرته بالصائمين فتبين أن هذه الرائحة المكروهة في الدنيا تنقلب في القيامة أطيب من ريح المسك، على ما أخبرنا الصادق الأمين والحق والصدق في ذلك الخبر كما ثبت في جميع المصنفات من رواية الثقات الأثبات أن الشهيد يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك، يثعب: أي ينفجر والفرق بين الرائحتين فيما نص النبي\n_________\n(^١) انظر: عارضة الأحوذى (١/ ١٠٠)، وطرح التثريب (٤/ ٩٧).\n(^٢) العلم المشهور (لوحة ١٢٣).","vol":"5","page":638},{"text":"- ﷺ - وفهمته العلماء في الإشارة إليه فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ودم الشهيد ريحه ريح المسك، والأطيبية التي في فم الصائم هي الخصوصية التي يمتاز بها عن دم الشهيد في اليوم المشهود بين يدي العزيز الحميد فحصل الفرق بينهما في الرائحة غير بعيد ولم أر أحدا سبقني إلى ذلك أ، هـ قاله في العلم المشهور (^١).\nوقال في شرح الإلمام (^٢) في قوله: \"لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" أي أفضل في حكم الله وأقرب إلى رضاه وأرجح في الميزان من ريح المسك الذي يستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضى الله تعالى حيث [ندب إلى] نبذ الرائحة الكريهة وملابسة الرائحة الطيبة كما في المساجد والصلوات وغيرها أ. هـ.\nفائدة: قال بعض أهل العلم: إنما سيق هذا الحديث في معرض أن الإنسان لا ينبغي له أن يأنف من القرب من الصائم لما فيه من التغير فإن ذلك التغير أطيب يوم القيامة من ريح المسك كما جاء في الشهداء: \"زملوهم في كلومهم ودمائهم فإن الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب\" (^٣) بالثاء المثلثة والباء الموحدة أي يسيل واللون لون دم والريح ريح المسك، قاله ابن عقيل، أ. هـ.\nلطيفة: قال العلماء: وفي طيب ريح خلوف فم الصائم عند الله معنى أن\n_________\n(^١) العلم المشهور (لوحة ١٢٣ - ١٢٤).\n(^٢) شرح الالمام (٣/ ٢١٩ - ٢١٧).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٣٦٥٩)، والشافعي في المسند ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥، وسعيد بن منصور في السنن (٢٥٨٣)، والبيهقي في السنن ٤/ ١١.","vol":"5","page":639},{"text":"الصيام لما كان سرا بين العبد وربه في الدنيا أظهره الله تعالى في الآخرة علانية للخلق ليشتهر بذلك أهل الصيام ويعرفون بصيامهم بين الناس جزاء لاخفائهم صيامهم في الدنيا (^١).\nلطيفة أخرى: في المعنى أن من عبد الله وأطاعه وطلب رضاه في الدنيا بعمل فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا فإن تلك الآثار غير مكروهة عند الله بل هي محبوبة له وطيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته وابتغاء مرضاته فإخباره بذلك العاملين في الدنيا فيه تطييب لقلوبهم لئلا يكره منهم ما وجد في الدنيا والله أعلم (^٢).\nتنبيه: هذا الحديث وهو قوله ﷺ: \"لخلوف فم الصائم\" الحديث. . . (^٣).\nتنبيه: احتج أصحابنا بهذا الحديث على كراهة السواك للصائم بعد الزوال لما فيه من إزالة الخلوف الذي هذه صفته وفضيلته وإن كان السواك فيه فضل أيضًا إلا أن فضيلة الخلوف أعظم قالوا كما أن دم الشهيد مشهود له بالطيب ويترك له غسل الشهيد مع أن غسل الميت واجب فإذا ترك الواجب للمحافظة على بقاء الدم المشهود له بالطيب فترك السواك الذي ليس هو\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ١٦١).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ١٦٢).\n(^٣) بياض في الأصل بمقدار سطر.","vol":"5","page":640},{"text":"واجبا للمحافظة على بقاء الخلوف المشهود له بذلك أولى (^١)، قال الشافعي (^٢): أكره السواك بعد الزوال للصائم إلى آخر النهار وهكذا حكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالكي في كتاب عيون المجالس (^٣) حتى بالغ بعض العلماء فقال: ولا يستاك لصلاة المغرب حتى يفطر، وبالغ آخر فقال: لا يتمضمض لإفطاره لئلا يزول الخلوف، وممن وافق الشافعية على التحديد بالزوال في ذلك الحنابلة (^٤) وعبارة الشيخ مجد الدين ابن تيمية في المحرر: ولا يسن السواك للصائم بعد الزوال وهو المنصوص عن الإمام أحمد وهل يكره؟ على روايتين ثم إن المشهور عند أصحابنا زوال الكراهة بغروب الشمس وقال الشيخ أبو حامد: لا تزول الكراهة حتى يفطر (^٥) والله أعلم.\nقوله: في الرواية الأخرى \"لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك\"، قوله: \"ويوم القيامة\" إشارة على أن ذلك يكون تشريفا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٩).\n(^٢) ينظر: الشرح الكبير للرافعي (٦/ ٢٤٧) والغرر البهية في شرح البهجة الوردية (٢/ ٢٠٤).\n(^٣) عيون المجالس (ص ٦٦٥)، والعلم المشهور (لوحة ١٢٣).\n(^٤) ينظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ١٥١) مزيد النعمة لجمع أقوال الأئمة (ص: ٢٢٤) الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ٤٩٢) منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين (ص: ١١١).\n(^٥) طرح التثريب (٤/ ٩٨ - ٩٩).","vol":"5","page":641},{"text":"وتعظيما للصائم حينئذ كما جعل التحجيل والغرة للمتوضئ وكون الدم للشهيد علامة على شرفها وهي مقيدة لما أطلق في رواية من لم يذكر القيامة وإن حملناه على الدنيا فتأويله أن رضاه جعله طيبا فيرجع إلى قوله \"مرضاة للرب\" وهذا الحديث مجاز قطعا، فإن وصول الرائحة إلى الله تعالى محال فإن ذلك من لوازم الجسمية فالمراد إثابة لفاعله والرضي، ويجوز أن يكون ذلك حقيقة بحيث يفوح على أهل الموقف أن يكون عبارة عما يحل له به من الراحة والجزاء أو بمجموع الأمرين كما أن الشهيد يجمع له الأمران الثواب وريح المسك فيما كان دما وهذا أولى بالصواب.\nتنبيه: وقع نزاع بين الشيخين عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين بن الصلاح هل هو مخصوص بالآخرة أو في الدنيا أيضًا؟ والحديث صريح باختصاصه بيوم القيامة ولأنه يوم الجزاء وهو المراد بطيب الرائحة أي يفوح على أهل الموقف [رائحته] المسكية عكس ما [يكون منه في] الدنيا [. . . .] يثيبهم ذلك اليوم عليه [. . . .] له بالسواك وأيضًا فالجمع بين العبادتين حاصل بأن [يستاك لأن] الخلوف يعود سريعا [وسببه لا يزول فإن سببه قائم] عن خلو المعدة [فإذا استاك في] وقت الصلاة [عاد سريعا لخلو المعدة] فتحصل المحافظة على هذه العبادة العظيمة التي فيها رضى [الله تعالى] ولا سيما والصلاة [بسواك] أفضل من سبعين بغيرها وهذا يؤيد ما يقدح من قربها من درجة الفرائض بكونها بدلا عن الوضوء الذي كان واجبًا لكل صلاة، ووجهه أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة","vol":"5","page":642},{"text":"كما نبه عليه الإمام وذكر فيه حديثًا لكن المحدثين لا يصححونه ففيه استئناس والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nقوله - ﷺ -: \"للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره\" أي فرح بزوال جوعه وعطشه حين أبيح له الفطر وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم، وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف ربه ومعونة على مستقبل صومه، وأما قوله: \"وإذا لقي ربه فرح بصومه\" أي بجزاء صومه وثوابه قاله القرطبي (^١)، قال ابن رجب في اللطائف (^٢): الصائمون على طبقتين، إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى يرجوا عنده عوض ذلك في الجنة فهذا قد تاجر مع الله وعامله والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب معه من عامله بل يربح عليه أعظم الربح؛ الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عما سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى ويحفظ البطن وما وعى ويذكر الموت والبلى ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غدًا في الجنة ومن صام عما سوى الله تعالى فعيده يوم لقائه: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (^٣) أ. هـ.\n_________\n(^١) المفهم (١٠/ ٥).\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٥٧ - ١٥٩).\n(^٣) سورة. . . . .","vol":"5","page":643},{"text":"قوله - ﷺ - في رواية البخاري (^١): \"يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي\" فيه إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه وأن الصائم يقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح وهذه أعظم شهوات النفس، وفي التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد، منها: كسر النفس فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة، ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر، ومنها: أن الغنى يعرف قدر نعمة الله عليه بإمراره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به، ومن منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته [بما يمكن] من ذلك، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر سورة الشهوة والغضب، قاله ابن رجب في اللطائف (^٢).\nقوله - ﷺ - عن الله تعالى: \"الصوم لي وأنا أجزي به\" قال أبو عبيد: معناه أنا أتولي جزاؤه إذ لا يظهر فتكتبه الحفظة إذ ليس من أعمال الجوارح الظاهرة وإنما هو نية وإمساك فأنا أجازي به من التضعيف على ما أحب أ. هـ، قاله في\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) لطائف المعارف (ص ١٥٥).","vol":"5","page":644},{"text":"شرح الأحكام (^١).\n\n١٤٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم كل عمل ابْن آدم يُضَاعف الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف قَالَ الله تَعَالَى إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ يدع شَهْوَته وَطَعَامه من أَجلي للصَّائِم فرحتان فرحة عِنْد فطره وفرحة عِنْد لِقَاء ربه ولخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك (^٢).\n\n١٤٤٤ - وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضا وَلابْن خُزَيْمَة وَإِذا لَقِي الله ﷿ فجزاه فَرح الحَدِيث (^٣). وَرَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِمَعْنَاهُ مَعَ اخْتِلَاف بَينهم فِي الْأَلْفَاظ (^٤).\n\n١٤٤٥ - وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"إِن ربكُم يَقُول كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف وَالصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ وَالصَّوْم جنَّة من النَّار ولخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وَإِن جهل على أحدكُم جَاهِل وَهُوَ صَائِم فَلْيقل إِنِّي صَائِم إِنِّي صَائِم\" (^٥).\nقوله - ﷺ - في رواية لمسلم (^٦) \"كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر\n_________\n(^١) طرح التثريب (٤/ ١٠٢).\n(^٢) مسلم (١١٥١)، وابن ماجه (١٦٣٨).\n(^٣) مسلم (١١٥١)، وابن خزيمة (١٩٠٠).\n(^٤) مالك (٨٦١)، وأبو داود (٢٣٦٣)، والترمذي (٧٦٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٨).\n(^٥) الترمذي (٧٦٤)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٨).\n(^٦) سبق تخريجه.","vol":"5","page":645},{"text":"أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\" الحديث فعلى هذه الرواية يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة فتكون الأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة بغير حصر عدد فإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^١) ولهذا ورد عن النبي - ﷺ - أنه سمى شهر رمضان شهر الصبر (^٢) أ. هـ.\nقوله - ﷺ - عن الله تعالى: \"إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\" فإن الله تعالى خص الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال وقد كثر القول في معنى ذلك من الفقهاء والصوفية وغيرهم وذكروا فيه وجوها كثيرة ومن أحسن ما\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(^٢) لطائف المعارف (ص ١٥٠).\nوالحديث أخرجه أحمد (٧٥٧٧)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٢٨ (٢٤٢٧) عن أبي هريرة بلفظ: شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر. وصححه الألباني في الإرواء (٤/ ٩٩).\nوأخرجه أحمد (٢٠٣٢٣) وابن ماجه (١٧٤١) النسائي في الكبرى (٢٧٥٦) عن رجل من باهلة، قال: أتيت رسول الله - ﷺ - لحاجة مرة، فقال: \"من أنت؟ \" قال: أو ما تعرفني؟ قال: \"ومن أنت؟ \" قال: أنا الباهلي الذي أتيتك عام أول، قال: \"فإنك أتيتني وجسمك ولونك وهيئتك حسنة، فما بلغ بك ما أرى؟ \" فقال: إني والله ما أفطرت بعدك إلا ليلا، قال: \"من أمرك أن تعذب نفسك؟ \" ثلاث مرات، \"صم شهر الصبر رمضان\" الحديث. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٢٣).","vol":"5","page":646},{"text":"ذكر فيه وجهان أحدهما: أن الصيام هو مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية التي جبلت على الميل إليها لله ﷿، ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام، الوجه الثاني: أن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله فتركه لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها في العادة وكذلك قيل لا تكتبه الحفظة وقيل: إنه ليس فيه رياء كذا قاله الإمام أحمد وغيره، وهذا الوجه اختيار أبي عبيد وغيره (^١) أ. هـ.\nقوله - ﷺ - عن الله تعالى: \"للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه\" الحديث أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه، فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقربا إليه وطاعة له فما تركها إلا بأمر ربه ولا عاد إليها إلا بأمر ربه فهو مطيع له في الحالين وأما فرحه عند لقاء ربه فيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدخرًا فيجده أحوج ما كان إليه كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (^٣) ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره فإن فطره على\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ١٥٢ و١٥٤).\n(^٢) سورة المزمل، الآية: ٢٠.\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٠.","vol":"5","page":647},{"text":"الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته فيدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (^١) ولكن شرط ذلك أن يكون فطره على حلال، فإن كان فطره على حرام كان ممن صام عما أحل الله له وأفطر على ما حرم الله عليه ولم يستجب له دعاء قاله ابن رجب (^٢) أ. هـ.\n\n١٤٤٦ - وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَعْنِي قَالَ الله ﷿ كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَهُوَ لي وَأَنا أجزي بِهِ الصّيام جنَّة وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة من ريح الْمسك للصَّائِم فرحتان إِذا أفطر فَرح بفطره وَإِذا لَقِي ربه فَرح بصومه (^٣).\n\n١٤٤٧ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ كل عمل ابْن آدم لَهُ الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف قَالَ الله إِلَّا الصَّوْم فَهُوَ لي وَأَنا أجزي بِهِ يدع الطَّعَام من أَجلي ويدع الشَّرَاب من أَجلي ويدع لذته من أَجلي ويدع زَوجته من أَجلي ولخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وللصائم فرحتان فرحة حِين يفْطر وفرحة حِين يلقى ربه (^٤).\nالرَّفَث بِفَتْح الرَّاء وَالْفَاء يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْجِمَاع وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْفُحْش\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٥٨.\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٣) ابن خزيمة (١٨٩٦)، وأحمد (٢/ ٢٧٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٨).\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (١٨٩٧)، وأحمد (٢/ ٤١٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٨).","vol":"5","page":648},{"text":"وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ خطاب الرجل وَالْمَرْأَة فِيمَا يتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ، وَقَالَ كثير من الْعلمَاء إِن المُرَاد بِهِ فِي هَذَا الحَدِيث الْفُحْش ورديء الْكَلَام.\nوَالْجنَّة بِضَم الْجِيم هُوَ مَا يجنك\nأَي يسترك ويقيك مِمَّا تخَاف وَمعنى الحَدِيث إِن الصَّوْم يستر صَاحبه ويحفظه من الْوُقُوع فِي الْمعاصِي.\nوالخلوف بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضم اللَّام هُوَ تغير رَائِحَة الْفَم من الصَّوْم وَسُئِلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن قَوْله تَعَالَى كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي فَقَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُحَاسب الله ﷿ عَبده وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ من الْمَظَالِم من سَائِر عمله حَتَّى لا يبْقى إِلَا الصَّوْم فيتحمل الله مَا بَقِي عَلَيْهِ من الْمَظَالِم ويدخله بِالصَّوْمِ الْجنَّة هَذَا كَلَامه وَهُوَ غَرِيب وَفِي معنى هَذِه اللَّفْظَة أوجه كثِيرَة لَيْسَ هَذَا مَوضِع استيفائها.\nقوله - ﷺ -: في رواية ابن خزيمة \"والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك\" قال العراقي في شرح الأحكام (^١) في الحديث: يقتضي أن طيب رائحة الخلوف إنما هو في الآخرة ويوافقه القول الذي حكي عن العلماء فيما تقدم أن الله تعالى يجز به في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك، قال الخطابي ﵀ (^٢):\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٤/ ٩٦).\n(^٢) ينظر: أعلام الحديث (٢/ ٩٤٠).","vol":"5","page":649},{"text":"طيبها عند الله رضاه به وثناؤه عليه، وقال ابن عبد البر (^١): معناه أزكى عند الله وأقرب إليه وأرفع عنده من ريح المسك وقال البغوي في شرح السنة (^٢): معناه الثناء على الصائم والرضى بفعله وأما ذكر يوم القيامة في الرواية المتقدمة وهي رواية ابن خزيمة فإنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضى الله حيث يؤمر باجتنابها واجتناب الرائحة الطيبة فخص يوم القيامة بالذكر في الرواية لذلك كما خص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ (^٣) (^٤).\nفائدة: تتعلق بالخلوف: أسند أبو موسى المدني في الترغيب والترهيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان يوم القيامة يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح صيامهم أفواههم أطيب من ريح المسك فيلقون بالموائد والأباريق مختمة بالمسك فيقال لهم كلوا فقد جعتم واشربوا فقد عطشتم دون الناس واستريحوا فقد عييتم إذ استراح الناس فيأكلون ويشربون ويستريحون والناس متعلقون في الحساب في عناء وظمأ\" (^٥) ذكره في\n_________\n(^١) ينظر: الاستذكار (٣/ ٣٧٥) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٩/ ٥٧).\n(^٢) ينظر: شرح السنة للبغوي (٦/ ٢٢٢).\n(^٣) سورة العاديات، الآية: ١١.\n(^٤) طرح التثريب (٤/ ٩٧).\n(^٥) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٤٤٦) من طريق حماد أبو عمرو، عن النضر بن حميد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس. والنضر بن حميد واه قَالَ أَبُو حاتم: متروك =","vol":"5","page":650},{"text":"اللطائف (^١).\nقوله - ﷺ - وفي رواية ابن خزيمة: \"للصائم فرحتان إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه\" قال العلماء: أما فرحته عند فطره فبسببها تمام عبادته وسلامتها من المفسدات وما يرجوه من ثوابها وأما فرحته عند لقاء ربه فسببها ما يلقاه من جزائه وتذكر نعمة الله تعالى عليه بتوفيقه لذلك والله أعلم، ذكر الخطابي (^٢) رحمه الله تعالى: إن لفرحته فطره سببين أحدهما: سرور بحصول الأجر ونيل الثواب، والثاني: إعطاء النفس حظها من الأكل والشرب.\nقوله: وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى \"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي\" سفيان هذا هو أبو محمد وهو بضم السين على المشهور، ويقال: بكسرها وحكي فتح السين أيضًا ابن عيينة: بضم العين ابن أبي عمران ميمون الكوفي المكي الهلالي مولاهم مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك، وكان بنو عيينة عشرة حرازين، حدث منهم خمسة وأشهرهم وأجلهم سفيان هذا وكان من أحد حفاظ الإسلام وهو شيخ الحميدي روى عنه الشافعي وكان الشافعي يجلس إليه وكان سفيان إذا سئل عن بعض المسائل يقول للسائل\n_________\n= الحديث. وقال العقيلي: روى النضر بْن حميد عَن أَبِي الجارود، وثابت، ثم قَالَ: وقَالَ البخاري: منكر الحديث.\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٥٧).\n(^٢) ينظر: أعلام الحديث (٢/ ٩٤٧).","vol":"5","page":651},{"text":"هذا: سل هذا، ويشير إلى الشافعي - ﵁ -، وربما كان يقول في بعض المسائل: ما عندك في هذا؟ وهو معدود من تابعي التابعين، سمع الزهري وعمرو بن دينار والسبيعي واتفقوا على إمامته وجلالته وعظيم مرتبته، أسند ابن عيينة عن جماعة من جماهير التابعين وأدرك ستة وثمانين نفسا من أعلام التابعين وحدث عنه الأئمة سفيان والأعمش وشعبة والأوزاعي، وقال سفيان: لما بلغت خمس عشرة سنة دعاني أبي فقال: يا سفيان قد انقطعت عنك شرائع الصبا فاحفظ الخير تكن من أهله واستأنس بالوحشة عن جلساء السوء، واعلم أنه لن يسعد بالعلماء إلا من أطاعهم قال سفيان: فجعلت وصية أبي قبلة أميل إليها ولا أميل عنها، وقال الحسن بن عمران: حججت مع عمي سفيان آخر حجة فلما كنا بجمع في مزدلفة وصلى، استلقى على فراشه ثم قال: قد وافيت هذا الموضع ثمانين عاما أقول في كل [سنة اللهم لا تجعله] آخر العهد بهذه المواضع [وإني] قد [استحييت] من الله [من كثرة ما أسأله] ذلك فرجع فتوفي السنة الداخلة في رجب سنة ثمان وتسعين وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من سفيان بن عيينة، وقال سفيان بن عيينة: قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين وكتبت الحديث وأنا ابن [سبع سنين]، وقال أبو يوسف الغسولي: دخلت على ابن عيينة وبين يديه قرصان من شعير فقال: إنهما طعامي منذ أربعين سنة وهو أحد أجداد الشافعية في طريق الفقه ولد سفيان سنة سبع ومائة وسكن مكة وتوفي بها ومناقبه كثيرة","vol":"5","page":652},{"text":"مشهورة - ﵁ - ونفعنا ببركاته (^١).\nقول سفيان: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ونودي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة، قال الحافظ (^٢): هذا كلامه وهو غريب، قال بعض العلماء: وعلى هذا فيكون المعنى أن الصيام لله ﷿ فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصيام بل أجره مدخر لصاحبه عند الله ﷿ وحينئذ فقد يقال: عن سائر الأعمال قد يكفر بها ذنوب صاحبها فلا يبقى لها أجر فإنه روي أنه يوازن يوم القيامة به الحسنات والسيئات ويقص بعضها من بعض، فإن بقي من الحسنات حسنة دخل بها صاحبها إلى الجنة، قاله سعيد بن جبير وغيره فيحتمل أن يقال في الصوم إنه لا يسقط ثوابه بمقاصة ولا غيرها بل يوفر أجره لصاحبه حتى يدخل الجنة فيوفي أجره فيها (^٣) أ. هـ.\nوَتقدم حَدِيث الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ فِيهِ وآمركم بالصيام وَمثل ذَلِك كَمثل رجل فِي عِصَابَة مَعَه صرة مسك كلهم يحب أَن يجد رِيحهَا وَإِن الصّيام أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ إِلَّا أَنه قَالَ وَإِن ريح الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ ترجمة ٢١٦).\n(^٢) أي المنذري.\n(^٣) لطائف المعارف (ص ١٥٢).","vol":"5","page":653},{"text":"وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة (^١).\nقوله: وتقدم حديث الحارث الأشعري وفيه قال رسول الله - ﷺ -: \"وآمركم بالصيام ومثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة مسك كلهم يحب أن يجد ريحها\" وتقدم تفسير العصابة في الالتفات في الصلاة، وأما معنى الحديث فقال ابن قيم الجوزية الحنبلى (^٢): إنما مثل النبي - ﷺ - ذلك بصاحب الصرة التي فيها المسك لأنها مستورة عن العيون مخبوءة عن مشاهدة الخلق تحت ثيابه كعادة حامل المسك وهكذا الصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق لا تدركه حواسهم والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور وبطنه عن الطعام والشراب وفرجه عن الرفث فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه فيخرج كلامه كل نافعا صالحا وكذلك أعماله فهو بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب ففي الحديث: \"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه\" (^٣) وفي الحديث: \"رب صائم حظه\n_________\n(^١) الترمذي (٢٨٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي (١١٣٤٩)، وابن خزيمة (٩٣٠)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ١١٧)، وأحمد (١٧١٧٠).\n(^٢) الوابل الصيب (ص ٢٦).\n(^٣) صحيح البخاري (١٩٠٣).","vol":"5","page":654},{"text":"من صيامه الجوع والعطش\" (^١) الحديث.\nفالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته فيصير بمنزلة من لم يصم، وقد اختلف في وجود هذه الرائحة من الصائم، هل هي في الدنيا أو في الآخرة على قولين: تقدم الكلام في ذلك عن ابن الصلاح وابن عبد السلام (^٢).\n\n١٤٤٨ - وَرُوِيَ عَن ابن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْأَعْمَال عِنْد الله ﷿ سبع عملان موجبان وعملان بأمثالهما وَعمل بِعشر أَمْثَاله وَعمل بسبعمائة وَعمل لَا يعلم ثَوَاب عَامله إِلَّا الله ﷿ فَأَما الموجبان فَمن لَقِي الله يعبده مخلصا لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن لَقِي الله قد أشرك بِهِ وَجَبت لَهُ النَّار وَمن عمل سَيِّئَة جزي بهَا وَمن أَرَادَ أَن يعْمل حَسَنَة فَلم يعملها جزي مثلهَا وَمن عمل حَسَنَة جزي عشرا وَمن أنْفق مَاله فِي سَبِيل الله ضعفت لَهُ نَفَقَته الدِّرْهَم بسبعمائة وَالدِّينَار بسبعمائة وَالصِّيَام لله ﷿ لَا يعلم ثَوَاب عَامله إِلَّا الله ﷿ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٨٥٦) الدارمي (٢٧٢٠) أبو يعلى (٦٥٥١)، وابن خزيمة (١٩٩٧) والبغوي (٧٤٧)، والحاكم ١/ ٤٣١، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٢٦) وصححه الألباني كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٣٤٨٨).\n(^٢) الوابل الصيب (ص ٢٧ - ٣١).\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٦٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٨٩)، وقال الهيثمي =","vol":"5","page":655},{"text":"وَهُوَ فِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث خريم بن فاتك بِنَحْوِهِ لم يذكر فِيهِ الصَّوْم (^١).\nقوله: وروي عن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"الأعمال عند الله سبع: عملان موجبان وعملان بأمثالهما وعملان بعشر أمثاله وعمل بسبعمائة وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى وهو الصوم\" وقد فسر ذلك في الحديث.\nفائدة: قوله في الحديث: رواه الطبراني (^٢) قال ذو النسبين في كتابه \"العلم المشهور\": وقد قرأت بمدينة أصبهان بها معجم الإمام أبي القاسم الطبراني وعندي منه أصله في مائتين وأحد وثلاثين جزءً يحتوي على ستين ألف حديث وهو أكبر مسانيد الدنيا قرأته كله على موفق الدين أبي جعفر محمد بن أحمد بن نصر سبط [حسين] بن مندة وقد قارب التسعين وكان ثقة مسندا مجاب الدعوة وآخر من حدث في الدنيا عن قريبه الإمام أبي زكريا يحيى بن منده إجازة (^٣) والله أعلم.\nقوله: وهو في صحيح ابن حبان من حديث خريم بن فاتك بنحوه، ولفظه\n_________\n= في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٢)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن المتوكل وقد ضعفه جمهور الأئمة.\n(^١) ابن حبان (٦١٧١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) العلم المشهور (لوحة ٥٤). انظر ترجمة أبي جعفر الصيدلانى: التكملة (٢/ ١٢١)، وتاريخ الإسلام (١٣/ ٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٤).","vol":"5","page":656},{"text":"أن النبي - ﷺ - قال: \"الناس أربعة والأعمال ستة، فالناس موسع عليه في الدنيا [وفي] الآخرة، وموسع عليه في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، موسع عليه في الآخرة مقتور عليه في الدنيا، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان ومثل بمثل وعشرة أضعاف وسبعمائة ضعف، [فأما] الموجبتان من مات مسلما لا يشرك بالله دخل الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار، وأما مثل بمثل فمن هم بحسنة ولم يعملها وعلم الله أنه [قد أشعرها] قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن عمل سيئة كتبت له سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له بعشر أمثالها، ومن أنفق في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضعف\" (^١) أ. هـ.\n\n١٤٤٩ - وَعَن سهل بن سعد - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ الريان يدْخل مِنْهُ الصائمون يَوْم الْقِيَامَة لا يدْخل مِنْهُ أحد غَيرهم فَإِذا دخلُوا أغلق فَلم يدْخل مِنْهُ أحد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ.\nوَالتِّرْمِذِيّ وَزَاد وَمن دخله لم يظمأ أبدا وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ فَإِذا دخل أحدهم أغلق من دخل شرب وَمن شرب لم يظمأ أبدًا (^٢).\nقوله: وعن سهل بن سعد - ﵁ -[هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٧٤٣)، وأحمد في المسند ٤/ ٣٤٥ (١٩٠٣٥)، وابن حبان (٦١٧١)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٧ رقم ٤١٥١ - ٤١٥٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٠٤).\n(^٢) البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢)، والترمذي (٧٦٥)، وابن ماجه، وابن خزيمة (١٩٠٢)، وابن ماجه (١٦٤٠)، وأحمد (٢٢٨١٨)، وابن حبان (٣٤٢٠).","vol":"5","page":657},{"text":"سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني، كان اسمه حزنا، فسماه النبي - ﷺ - سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله - ﷺ - في المتلاعنين، قال الزهري: سمع من النبي - ﷺ -، وكان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما. (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة\" الحديث، وفي هذا الحديث فضيلة الصيام وشرف الصائمين وكرامتهم والصائم الذي يدخل باب الريان هو كامل الصوم الذي صان صومه عن الرفث والفسق وقول الزور ومع ذلك المراد به من كان الغالب عليه عبادة الصوم بأن يكثر منه بأن يصوم يومًا ويفطر يومًا أو يصوم الأيام البيض والاثنين والخميس وعرفة وعاشوراء وتاسوعاء وكل ما ورد في ثوابه حديث ونحو ذلك هذا هو الظاهر، أ. هـ، قاله في الديباجة.\nقال صاحب العلم المشهور (^٢): وقد أعد الله جلت قدرته للصائمين بابا في\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء والصفات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧).\n(^٢) العلم المشهور (لوحة ١٢٤).","vol":"5","page":658},{"text":"الجنة يسمى الريان لا يدخل منه غير الصائمين وقد ثبت وصح اسم هذا الباب لدار المآب قال أهل اللغة: الريان فعلان مشتق من الري بكسر الراء على جهة المبالغة واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه (^١)، والري هو استيفاء الشرب حتى يمتلئ محله من الجسم امتلاء لا يحتمل زيادة خص به الصائمون جزاء على عطشهم في الدنيا (^٢)، قال: والحكمة في ذلك إنه لما كان الصائم موصوفا بالعطش سمي الباب الذي يدخل منه باب الريان أي الذي قد زال عنه العطش ووصل إلى الري (^٣) أ. هـ.\nوقال ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام، قيل: إنما سمي بالريان لري من دخل منه بأنهار الجنة (^٤) وقيل: لما كان الصائم يكابد العطش أدخل من هذا الباب على سبيل المجازاة له ومقابلة عطشه بالري، فروعي المناسبة بين العمل وجزائه بباب الريان؟ (^٥).\nفإن قيل: من المعلوم أن الجنة لا عطش فيها وأن الري شامل لجميع أهلها، فما وجه اختصاص الصائمين؟\nقلنا: الصائمين يحصل لهم الري قبل حصوله لغيرهم مجازاة لعطشهم في\n_________\n(^١) المفهم (١٠/ ٦).\n(^٢) مطالع الأنوار (٣/ ١٩٨) والعلم المشهور (لوحة ١٢٥).\n(^٣) مشارق الأنوار (لوحة ١٢٥).\n(^٤) انظر المفهم (٩/ ٤٠).\n(^٥) انظر: كشف المشكل (٣/ ٣٩١)، والكواكب الدراري (٩/ ٨١ - ٨٢).","vol":"5","page":659},{"text":"الهواجر (^١) أ. هـ.\nوقال في شرح المشارق (^٢): وقيل المعنى أن الصيام بتعطيشهم أنفسهم في الدنيا يدخلون من باب الريان ليأمنوا من العطش قبل تمكنهم في الجنة، وقال بعض العلماء: لما صبر الصائمون لله ﷿ في الحر على شدة العطش والظمأ أفرد لهم بابا من أبواب الجنة وهو باب الريان من دخله شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا فإذا دخلوا أغلق على من بعدهم فلا يدخل منه غيرهم (^٣)، وفي هذا الحديث فضيلة الصيام وكرامة الصائمين (^٤) جعلنا الله منهم بمنه وكرمه آمين.\n\n١٤٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات (^٥).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا\" الحديث،\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٣٢٣)، والتوضيح (١٣/ ٣٨).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٢).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٣٢٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٨/ ٣٢).\n(^٥) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٧٩)، رواه الطبراني في الأوسط، ورواته ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢١٠).","vol":"5","page":660},{"text":"رواه الطبراني (^١)، وفي حديث آخر: \"الصوم مصحة\" يروى بفتح الصاد وكسرها وهي مفعلة من الصحة العافية قاله ابن الأثير في النهاية (^٢).\n\n١٤٥١ - وَرُوِيَ عَن نَبِي الله - ﷺ - قَالَ الصّيام جنَّة وحصن حُصَيْن من النَّار، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ (^٣).\nقوله: وعنه أيضًا، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الصيام جنة وحصن حصين من النار\" والجنة بضم الجيم ومعناه: سترة ومانع من الرفث والآثام ومانع أيضًا من النار (^٤) لأنه يكسر الشهوة ويضعف القوة (^٥) أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات والجنة الوقاية ومنه الحديث: \"الإمام جنة\" لأنه يقي المأموم الذلل والسهو قاله ابن الأثير (^٦)، ومنه أيضًا: المجن وهو الترس ومنه الجن لاستتارهم والله أعلم.\n\n١٤٥٢ - وَعَن جَابر - ﵁ - عَن نَبِي الله - ﷺ - قَالَ الصّيام جنَّة يستجن بهَا العَبْد من النَّار، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ (^٧).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٢).\n(^٣) أحمد (٩٢٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٧١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٠)، رواه أحمد وإسناده حسن.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٨/ ٣٠ - ٣١).\n(^٥) أعلام الحديث (٢/ ٩٣٩) وشرح السنة (٦/ ٢٢٣).\n(^٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠٨).\n(^٧) أحمد (١٥٢٦٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٧٠)، وحسنه الألباني في صحيح =","vol":"5","page":661},{"text":"قوله: وعن جابر - ﵁ -، تقدم الكلام على جابر.\nقوله: \"الصيام جنة يستجن بها العبد\" تقدم الكلام على الجنة مبسوطا في أول الباب وفي الحديث قبله.\n\n١٤٥٣ - وَعَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الصّيام جنَّة من النَّار كجنة أحدكُم من الْقِتَال وَصِيَام حسن ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن عثمان بن أبي العاص - ﵁ -، هو: أبو عبد الله عثمان بن أبي العاصي الثقفي قدم على رسول الله - ﷺ - في وفد ثقيف واستعمله النبي - ﷺ - على الطائف ثم أقره أبو بكر وعمر - ﵄ -، روى له عن رسول الله - ﷺ - تسعة أحاديث روى له مسلم ثلاثة أحاديث منها، توفي - ﵁ - في خلافة معاوية.\nقوله - ﷺ -: \"الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال\" تقدم الكلام على الجنة.\nقوله - ﷺ -: \"وصيام حسن ثلاثة أيام من كل شهر\" سيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه إن شاء الله تعالى.\n\n١٤٥٤ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَهُ أَلا أدلك على أَبْوَاب\n_________\n= الترغيب والترهيب (٩٧٠).\n(^١) ابن خزيمة (١٨٩١)، وأحمد (١٦٢٧٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٧٣)، والطبراني في الكبير (٨٣٦٠)، وابن حبان (٣٦٤٩)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (١٣٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧١).","vol":"5","page":662},{"text":"الْخَيْر، قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ الصَّوْم جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كَمَا يطفئ المَاء النَّار، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث وَصَححهُ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الصمت إِن شَاءَ الله (^١).\nوَتقدم حَدِيث كَعْب بن عجْرَة وَغَيره بِمَعْنَاهُ.\nقوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ -، تقدم الكلام على معاذ - ﵁ -.\nقوله - ﷺ - لمعاذ: \"ألا أدلك على أبواب الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: \"الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n١٤٥٥ - وَعَن عبد الله بن عمر - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الصّيام وَالْقُرْآن يشفعان للْعَبد يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الصّيام أَي رب منعته الطَّعَام والشهوة فشفعني فِيهِ وَيَقُول الْقُرْآن منعته النّوم بِاللَّيْلِ فشفعني فِيهِ قَالَ فيشفعان، رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْجُوع وَغَيره بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\n_________\n(^١) الترمذي (٢٦١٦)، وقال: حديث حسن صحيح، وعبد الرزاق (٢٠٣٠٣)، وأحمد (٢٢٠١٦)، وعبد بن حميد (١١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والنسائي في الكبرى (١١٣٩٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٢).\n(^٢) أحمد (٦٦٢٦)، والطبراني في الكبير (١٤٦٧٢)، والحاكم (١/ ٥٥٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٩٤)، ونعيم بن حماد في زوائد الزهد (٣٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨١)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، =","vol":"5","page":663},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة\" سيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب قراءة القرآن إن شاء الله تعالى.\n\n١٤٥٦ - وَعَن سَلمَة بن قَيْصر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاء وَجه الله باعده الله من جَهَنَّم كبعد غراب طَار وَهُوَ فرخ حَتَّى مَاتَ هرما رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فَسَماهُ سَلامَة بِزِيَادَة ألف وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن لَهِيعَة (^١).\nوَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم (^٢).\nقوله سلمة بن قيصر: [هو سلامة بن قيصر الحضرمى: وقيل: سلمة بن قيصر الحضرمى. من أصحاب رسول الله - ﷺ - عداده في المصريين، ولي بيت المقدس، روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزنىّ، وأبو الشّعثاء عمرو بن ربيعة الحضرمى قال البخاري: لا يصح حديثه (^٣)].\nقوله - ﷺ -: من صام يومًا ابتغاء وجه الله باعده الله من جهنم كبعد غراب\n_________\n= ورجال الطبراني الصحيح،، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٣).\n(^١) أبو يعلى (٩٢١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٩٠)، والطبراني في الكبير (٦٣٦٥)، وفي الأوسط (٣١١٨)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٤٦٦).\n(^٢) أحمد (١٠٨٠٨)، والبزار (١٠٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨١)، رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير والأوسط، إلا أنه قال: سلامة بن قيصر، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام.\n(^٣) التاريخ الكبير (٤/ ١٩٤)، وتاريخ ابن يونس (١/ ٢٢٧) وأسد الغابة (٢/ ٥٠٧).","vol":"5","page":664},{"text":"طار، وهو فرخ حتى مات هرما ومعنى المباعدة من جهنم المعافاة منها كذا قاله النووي (^١) (^٢).\n\n١٤٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَو أَن رجلًا صَامَ يَوْمًا تَطَوّعا ثمَّ أعطي ملْء الأَرْض ذَهَبا لم يسْتَوْف ثَوَابه دون يَوْم الْحساب، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا لَيْث بن أبي سليم (^٣).\n\n١٤٥٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - بعث أبَا مُوسَى على سَرِيَّة فِي الْبَحْر فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك قد رفعوا الشراع فِي لَيْلَة مظْلمَة إِذا هَاتِف فَوْقهم يَهْتِف يَا أهل السَّفِينَة قفوا أخْبركُم بِقَضَاء قَضَاهُ الله على نَفسه فَقَالَ أَبُو مُوسَى أخبرنَا إِن كنت مخبرا قَالَ إِن الله ﵎ قضى على نَفسه أَنه من أعطش نَفسه لَهُ فِي يَوْم صَائِف سقَاهُ الله يَوْم الْعَطش رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن إِن شَاءَ الله (^٤).\nوَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث لَقِيط عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى بِنَحْوِهِ إِلَّا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٨/ ٣٣).\n(^٢) من هنا بدأ البياض بمقدار لوحتين (١١٣ و١١٤) من المخطوط. وذكرت أحاديث الترغيب والترهيب مع كلام المنذري بترتيب الكتاب مع التخريج بدون شرح.\n(^٣) أبو يعلى (٦١٠٤)، والطبراني في الأوسط (٤٨٦٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٢)، رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة، لكنه مدلس، وبقية رجاله ثقات.\n(^٤) البزار (١٠٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٣)، رواه البزار، ورجاله موثقون، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٤).","vol":"5","page":665},{"text":"أَنه قَالَ فِيهِ قَالَ إِن الله تَعَالَى قضى على نَفسه أَنه من عَطش نَفسه لله فِي يَوْم حَار كانَ حَقًا على الله ﷿ أَن يرويهِ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وَكانَ أَبُو مُوسَى يتوخى الْيَوْم الشَّديد الْحر الَّذِي يكَاد الإِنْسَان يَنْسَلِخ فِيهِ حرا فيصومه (^١).\nالشراع بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة هُوَ قلع السَّفِينَة الَّذِي يصفقه الرّيح فتمشي.\n\n١٤٥٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لكل شَيْء زَكَاة وَزَكاة الْجَسَد الصَّوْم وَالصِّيَام نصف الصَّبْر، رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٢).\n\n١٤٦٠ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - قَالَ أسندت النَّبِي - ﷺ - إِلَى صَدْرِي فَقَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله ختم لَهُ بهَا دخل الْجنَّة وَمن صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاء وَجه الله ختم لَهُ بِهِ دخل الْجنَّة وَمن تصدق بِصَدقَة ابْتِغَاء وَجه الله ختم لَهُ بهَا دخل الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ.\nوالأصبهاني وَلَفظه يَا حُذَيْفَة من ختم لَهُ بصيام يَوْم يُرِيد بِهِ وَجه الله ﷿ أدخلهُ الله الْجنَّة (^٣).\n\n١٤٦١ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله مرني بِعَمَل قَالَ عَلَيْك\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٩٢١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٥).\n(^٢) ابن ماجه (١٧٤٥)، وعبد بن حميد (١٤٤٩)، وابن أبي شيبة (٨٩٠٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٧٢٣).\n(^٣) أحمد (٢٣٣٢٤)، والأصبهاني في الترغيب (١٠٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣٠٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢١٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٦).","vol":"5","page":666},{"text":"بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا عدل لَهُ، قلت يَا رَسُول الله مرني بِعَمَل قَالَ عَلَيْك بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا عدل لَهُ، قلت يَا رَسُول الله مرني بِعَمَل قَالَ عَلَيْك بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مثل لَهُ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه هَكَذَا بالتكرار وبدونه وللحاكم وَصَححهُ (^١).\n\n١٤٦٢ - وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَ أتيت رَسُول الله - ﷺ - فَقلت يَا رَسُول الله مرني بِأَمْر يَنْفَعنِي الله بِهِ قَالَ عَلَيْك بالصيام فَإِنَّهُ لَا مثل لَهُ (^٢).\nوَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث قَالَ قلت يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل أَدخل بِهِ الْجنَّة قَالَ عَلَيْك بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مثل لَهُ.\nقَالَ فَكَانَ أَبُو أُمَامَة لَا يرى فِي بَيته الدُّخان نَهَارا إِلَّا إِذا نزل بهم ضيف (^٣).\n\n١٤٦٣ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من عبد يَصُوم يَوْمًا فِي سَبِيل الله تَعَالَى إِلَّا باعد الله بذلك الْيَوْم وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٤).\n\n١٤٦٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صَامَ يَوْمًا فِي\n_________\n(^١) ابن خزيمة (١٨٩٣)، والحاكم (١/ ٤٢١)، وأحمد (٢٢١٤٠)، والطبراني في الكبير (٧٤٦٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٧).\n(^٢) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٧).\n(^٣) ابن حبان (٣٤٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٨٩٣)، وأحمد (٢٢١٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٧).\n(^٤) البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣)، والترمذي (١٦٢٣)، وأحمد (١١٢١٠)، وابن ماجه (١٧١٧)، وابن خزيمة (٢١١٢).","vol":"5","page":667},{"text":"سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار خَنْدَقًا كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير بِإِسْنَاد حسن (^١).\n\n١٤٦٥ - وَعَن عَمْرو بن عبسة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله بَعدت مِنْهُ النَّار مسيرَة مائَة عَام، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٢).\n\n١٤٦٦ - وَعَن معَاذ بن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله فِي غير رَمَضَان بعد من النَّار مائَة عَام سير الْمُضمر الْجواد، رَوَاهُ أَبُو يعلى من طَرِيق زبان بن فائد (^٣).\n\n١٤٦٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله زحزح الله وَجهه عَن النَّار بذلك الْيَوْم سبعين خَرِيفًا، رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن عبد الْعَزِيز اللَّيْثِيّ وَبَقِيَّة الْإِسْنَاد ثِقَات (^٤).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٣٥٧٤)، وفي الصغير (٤٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٤)، رواه الطبراني في الصغير وفي الأوسط، وإسناده حسن.\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير، كما في مجمع الزوائد، والأوسط (٣٢٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٤)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله موثقون، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٧٩).\n(^٣) أبو يعلى (١٤٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٤)، رواه أبو يعلى، وفيه زبان بن فائد وفيه كلام كثير، وقد وثق.\n(^٤) والترمذي (١٦٢٢)، وقال حديث غريب من هذا الوجه، وابن ماجه (١٧١٨)، وأحمد (٧٩٩٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٨٠).","vol":"5","page":668},{"text":"١٤٦٨ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار خَنْدَقًا كمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة الْوَلِيد بن جميل عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي أُمَامَة وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ إِلَّا أَنه قَالَ من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله بعد الله وَجهه عَن النَّار مسيرَة مائَة عَام ركض الْفرس الْجواد الْمُضمر (^٢).\nوَقد ذهب طوائف من الْعلمَاء إِلَى أَن هَذِه الْأَحَادِيث جَاءَت فِي فضل الصَّوْم فِي الْجِهَاد وَبَوَّبَ على هَذَا التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن كل الصَّوْم فِي سَبِيل الله إِذا كَانَ خَالِصا لوجه الله تَعَالَى وَيَأْتِي بَاب فِي الصَّوْم فِي الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٢٤)، والطبراني في الكبير (٧٩٢١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٨١).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٧٨٠٦)، وعبد الرزاق (٩٦٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٤)، رواه الطبراني في الكبير وفيه مطرح، وهو ضعيف.","vol":"5","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>فصل</span>\n١٤٦٩ - عَن عبد الله يَعْنِي ابْن أبي مليكَة عَن عبد الله يَعْنِي ابْن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن للصَّائِم عِنْد فطره لدَعْوَة مَا ترد قَالَ وَسمعت عبد الله يَقُول عِنْد فطره اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِرَحْمَتك الَّتِي وسعت كل شَيْء أَن تغْفر لي.\nزَاد فِي رِوَايَة ذُنُوبِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١). عَن إِسْحَاق بن عبيد الله عَنهُ وَإِسْحَاق هَذَا مدنِي لَا يعرف وَالله أعلم.\n\n١٤٧٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاثَة لَا ترد دعوتهم الصَّائِم حِين يفْطر وَالْإِمَام الْعَادِل ودعوة الْمَظْلُوم يرفعها الله فَوق الْغَمَام وتفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء وَيَقُول الرب وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأنصرنك وَلَو بعد حِين رَوَاهُ أَحْمد فِي حَدِيث وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا إِلَّا أَنهم قَالُوا حَتَّى يفْطر (^٢).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٩٠٤)، وابن ماجه (١٧٥٣)، وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، والحاكم (١٤٢٢)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٨٢)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (١٤٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩٦٥).\n(^٢) أحمد (٨٠٤٣)، والترمذي (٣٥٩٨)، وابن ماجه (١٧٥٢)، وابن خزيمة (١٩٠١)، وابن حبان (٣٤٢٨)، والطبراني في الدعاء (١٣١٥)، والطيالسي (٢٧٠٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٥٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٥٩٢).","vol":"5","page":670},{"text":"وَرَوَاهُ الْبَزَّار مُخْتَصرا ثَلَاث حق على الله أَن لَا يرد لَهُم دَعْوَة الصائِم حَتَّى يفْطر والمظلوم حَتَّى ينتصر وَالْمُسَافر حَتَّى يرجع (^١).\n_________\n(^١) البزار (٣١٣٩).","vol":"5","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>التَّرْغِيب فِي صِيَام رَمَضَان احتسابا وَقيام ليله سِيمَا لَيْلَة الْقدر وَمَا جَاء فِي فَضله</span>\n١٤٧١ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمن صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا (^١).\n\n١٤٧٢ - وَفِي رِوَايَة للنسائي أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمن قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه، قَالَ وَفِي حَدِيث قُتَيْبَة وَمَا تَأَخّر (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ انْفَرد بِهَذِهِ الزِّيَادَة قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان وَهُوَ ثِقَة ثَبت وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح وَرَوَاهُ أَحْمد بِالزِّيَادَةِ بعد ذكر الصَّوْم بِإِسْنَاد حسن إِلَّا أَن حمادا شكّ فِي وَصله أَو إرْسَاله (^٣).\nقَالَ الْخطابِيّ قَوْله إِيمَانًا واحتسابا أَي نِيَّة وعزيمة وَهُوَ أَن يَصُومهُ على التَّصْدِيق وَالرَّغْبة فِي ثَوَابه طيبَة بِهِ نَفسه غير كَارِه لَهُ وَلَا مستثقل لصيامه وَلَا\n_________\n(^١) البخاري (١٩٠١)، ومسلم (٧٥٩)، وأبو داود (١٣٧٢)، وابن ماجه (١٣٢٦)، وأحمد (٧٢٨٠).\n(^٢) النسائي في الكبرى (٣٤١٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٨٢).\n(^٣) أحمد (٩٠٠١).","vol":"5","page":672},{"text":"مستطيل لأيامه لَكِن يغتنم طول أَيَّامه لعظم الثَّوَاب.\nوَقَالَ الْبَغَوِيّ قَوْله احتسابا أَي طلبا لوجه الله تَعَالَى وثوابه يُقَال فلَان يحْتَسب الْأَخْبَار ويتحسبها أَي يتطلبها (^١).\n\n١٤٧٣ - وَعنهُ قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يرغب فِي قيام رَمَضَان من غير أَن يَأْمُرهُم بعزيمة ثمَّ يَقُول من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\n\n١٤٧٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صَامَ رَمَضَان وَعرف حُدُوده وَتحفظ مِمَّا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتحفظ كفر مَا قبله، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^٣).\n\n١٤٧٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من أدْرك شهر رَمَضَان بِمَكَّة فصامه وَقَامَ مِنْهُ مَا تيَسّر كتب الله لَهُ مائَة ألف شهر رَمَضَان فِيمَا سواهُ وَكتب لَهُ بِكُل يَوْم عتق رَقَبَة وَبِكُل لَيْلَة عتق رَقَبَة وكل يَوْم حملان فرس فِي\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي (٣/ ٤٤٨).\n(^٢) البخاري (٢٠٠٩)، ومسلم (٧٥٩)، وأبو داود (١٣٧١)، والترمذي (٨٠٨)، ومالك في الموطأ (٣٠٠)، وأحمد (٧٧٨٧).\n(^٣) ابن حبان (٣٤٣٣)، والبيهقي في السنن (٤/ ٣٠٤)، وفي شعب الإيمان (٣٦٢٣)، وأحمد (١١٥٢٤)، وأبو يعلى (١٠٥٣)، ونعيم بن حماد في زيادات الزهد (٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٨٠)، والخطيب في التاريخ (٨/ ٣٩٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٤٤)، رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، وفيه عبد الله بن قريط، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.","vol":"5","page":673},{"text":"سَبِيل الله وَفِي كل يَوْم حَسَنه وَفِي كل لَيْلَة حَسَنَة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلا يحضرني الْآن سَنَده (^١).\n\n١٤٧٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَعْطَيْت أمتِي خمس خِصَال فِي رَمَضَان لم تعطهن أمة قبلهم خلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وَتَسْتَغْفِر لَهُم الْحيتَان حَتَّى يفطروا ويزين الله ﷿ كل يَوْم جنته ثمَّ يَقُول يُوشك عبَادي الصالحون أَن يلْقوا عَنْهُم الْمُؤْنَة ويصيروا إِلَيْك وتصفد فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين فَلَا يخلصوا فِيهِ إِلَى مَا كَانُوا يخلصون إِلَيْهِ فِي غَيره وَيغْفر لَهُم فِي آخر لَيْلَة قيل يَا رَسُول الله -ﷺ- أَهِي لَيْلَة الْقدر قَالَ لا وَلَكِن الْعَامِل إِنَّمَا يُوفى أجره إِذا قضى عمله، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب إِلَّا أَن عِنْده وَتَسْتَغْفِر لَهُم الْمَلائِكَة بدل الْحيتَان (^٢).\n\n١٤٧٧ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أَعْطَيْت أمتِي فِي شهر رَمَضَان خمْسا لم يُعْطهنَّ نَبِي قبلي أما وَاحِدَة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ أول لَيْلَة\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣١١٧)، وقال ابن أبي حاتم في العلل (٧٣٥): قال أبي: هذا حديث منكر، وعبد الرحيم ابن زيد متورك الحديث، وقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٥٣٧٥).\n(^٢) أحمد (٧٩١٧)، والبزار (٩٦٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٦٠٢)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٥٧)،، وعبد الغني المقدسي في فضائل رمضان (١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٤٠)، رواه أحمد والبزار، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو ضعيف،","vol":"5","page":674},{"text":"من شهر رَمَضَان نظر الله ﷿ إِلَيْهِم وَمن نظر الله إِلَيْهِ لم يعذبه أبدا وَأما الثَّانِيَة فَإِن خلوف أَفْوَاههم حِين يمسون أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وَأما الثَّالِثَة فَإِن الْمَلَائِكَة تستغفر لَهُم فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وَأما الرَّابِعَة فَإِن الله ﷿ يَأْمر جنته فَيَقُول لَهَا استعدي وتزيني لعبادي أوشك أَن يستريحوا من تَعب الدُّنْيَا إِلَى دَاري وكرامتي وَأما الْخَامِسَة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ آخر لَيْلَة غفر الله لَهُم جَمِيعًا فَقَالَ رجل من الْقَوْم أَهِي لَيْلَة الْقدر فَقَالَ لا ألم تَرَ إِلَى الْعمَّال يعْملُونَ فَإِذا فرغوا من أَعْمَالهم وفوا أُجُورهم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَإِسْنَاده مقارب أصلح مِمَّا قبله (^١).\n\n١٤٧٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان مكفرات مَا بَينهُنَّ إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر، رَوَاهُ مُسلم (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ وَتقدم أَحَادِيث كثِيرَة فِي كتاب الصَّلَاة وَكتاب الزَّكَاة تدل على فضل صَوْم رَمَضَان فَلم نعدها لكثرتها فَمن أَرَادَ شَيْئا من ذَلِك فَليُرَاجع مظانه.\n\n١٤٧٩ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- احضروا الْمِنْبَر فحضرنا فَلَمَّا ارْتقى دَرَجَة قَالَ آمين فَلَمَّا ارْتقى الدرجَة الثَّانِيَة قَالَ آمين\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٦٠٢).\n(^٢) مسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤)، وابن ماجه (١٠٨٦)، وابن خزيمة (٣١٤)، وابن حبان (١٧٣٣)، وأحمد (١٠٢٨٥).","vol":"5","page":675},{"text":"فَلَمَّا ارْتقى الدرجَة الثَّالِثَة قَالَ آمين فَلَمَّا نزل قُلْنَا يَا رَسُول الله لقد سمعنَا مِنْك الْيَوْم شَيْئا مَا كنَّا نَسْمَعهُ قَالَ إِن جِبْرِيل ﵇ عرض لي فَقَالَ بعد من أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ قلت آمين فَلَمَّا رقيت الثَّانِيَة قَالَ بعد من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَقلت آمين فَلَمَّا رقيت الثَّالِثَة قَالَ بعد من أدْرك أَبَوَيْهِ الْكبر عِنْده أَو أَحدهمَا فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة قلت آمين، رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\n\n١٤٨٠ - وَعَن الْحسن بن مَالك بن الْحُويرِث عَن أَبِيه عَن جده -﵁- قَالَ صعد رَسُول الله -ﷺ- الْمِنْبَر فَلَمَّا رقي عتبَة قَالَ آمين ثمَّ رقي أُخْرَى فَقَالَ آمين ثمَّ رقي عتبَة ثَالِثَة فَقَالَ آمين ثمَّ قَالَ أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد من أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ فَأَبْعَده الله فَقلت آمين قَالَ وَمن أدْرك وَالِديهِ أَو أَحدهمَا فَدخل النَّار فَأَبْعَده الله فَقلت آمين قَالَ وَمن ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَأَبْعَده الله فَقلت آمين رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n\n١٤٨١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- صعد الْمِنْبَر فَقَالَ آمين آمين آمين قيل يَا رَسُول الله إِنَّك صعدت الْمِنْبَر فَقلت آمين آمين آمين فَقَالَ إِن\n_________\n(^١) الحاكم (٤/ ١٥٣)، والطبراني في الكبير (٣١٥)، والبيهقي في الشعب (١٥٧٢)، والبخاري في التاريخ (٧/ ٢٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٦)، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٨٥).\n(^٢) ابن حبان (٤٠٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ رقم ٦٤٩)، وابن عدي (١٦٢٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٦)، وفيه عمران بن أبان، وثقه ابن حبان، وضعفه غير واحد، وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٨٦).","vol":"5","page":676},{"text":"جِبْرِيل ﵇ أَتَانِي فَقَالَ من أدْرك شهر رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ فَدخل النَّار فَأَبْعَده الله قل آمين فَقلت آمين الحَدِيث رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n١٤٨٢ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا كَانَ أول لَيْلَة من رَمَضَان فتحت أَبْوَاب السَّمَاء فَلَا يغلق مِنْهَا بَاب حَتَّى يكون آخر لَيْلَة من رَمَضَان وَلَيْسَ عبد مُؤمن يُصَلِّي فِي لَيْلَة فِيهَا إِلَا كتب الله لَهُ ألفا وَخَمْسمِائة حَسَنَة بِكُل سَجْدَة وَبنى لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من ياقوتة حَمْرَاء لَهَا سِتُّونَ ألف بَاب لكل بَاب قصر من ذهب موشح بياقوتة حَمْرَاء فَإِذا صَامَ أول يَوْم من رَمَضَان غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه إِلَى مثل ذَلِك الْيَوْم من شهر رَمَضَان واستغفر لَهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك من صَلَاة الْغَدَاة إِلَى أَن توارى بالحجاب وَكَانَ لَهُ بِكُل سَجْدَة يسجدها فِي شهر رَمَضَان بلَيْل أَو نَهَار شَجَرَة يسير الرَّاكب فِي ظلها خَمْسمِائَة عَام رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ قد روينَا فِي الأحَادِيث الْمَشْهُورَة مَا يدل على هَذَا أَو لبَعض مَعْنَاهُ كَذَا قَالَ ﵀ (^٢).\n\n١٤٨٣ - وَعَن سلمَان -﵁- قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله -ﷺ- فِي آخر يَوْم من شعْبَان قَالَ يَا أَيهَا النَّاس قد أظلكم شهر عَظِيم مبارك شهر فِيهِ لَيْلَة خير من ألف شهر شهر جعل الله صِيَامه فَرِيضَة وَقيام ليله تَطَوّعا من تقرب فِيهِ بخصلة\n_________\n(^١) ابن خزيمة (١٨٨٨)، وابن حبان (٩٠٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٦)، والطبراني في الأوسط (٨٩٩٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٨٧).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٦٣٥).","vol":"5","page":677},{"text":"من الْخَيْر كَانَ كمن أدّى فَرِيضَة فِيمَا سواهُ وَمن أدّى فَرِيضَة فِيهِ كَانَ كمن أدّى سبعين فَرِيضَة فِيمَا سواهُ وَهُوَ شهر الصَّبْر وَالصَّبْر ثَوَابه الْجنَّة وَشهر الْمُوَاسَاة وَشهر يُزَاد فِي رزق الْمُؤمن فِيهِ من فطر فِيهِ صَائِما كَانَ مغْفرَة لذنوبه وَعتق رقبته من النَّار وَكَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْء قَالُوا يَا رَسُول الله لَيْسَ كلنا يجد مَا يفْطر الصَّائِم فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- يُعْطي الله هَذَا الثَّوَاب من فطر صَائِما على تَمْرَة أَو على شربة مَاء أَو مذقة لبن وَهُوَ شهر أَوله رَحْمَة وأوسطه مغْفرَة وَآخره عتق من النَّار من خفف عَن مَمْلُوكه فِيهِ غفر الله لَهُ وَأعْتقهُ من النَّار واستكثروا فِيهِ من أَربع خِصَال خَصْلَتَيْنِ ترْضونَ بهما ربكُم وخصلتين لَا غناء بكم عَنْهُمَا فَأَما الخصلتان اللَّتَان ترْضونَ بهما ربكُم فشهادة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وتستغفرونه وَأما الخصلتان اللَّتَان لا غناء بكم عَنْهُمَا فتسألون الله الْجنَّة وتعوذون بِهِ من النَّار وَمن سقى صَائِما سقَاهُ الله من حَوْضِي شربة لا يظمأ حَتَّى يدْخل الْجنَّة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ثمَّ قَالَ صَحَّ الْخَبَر وَرَوَاهُ من طَرِيق الْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي الثَّوَاب بِاخْتِصَار عَنْهُمَا (^١).\n\n١٤٨٤ - وَفِي رِوَايَة لابي الشَّيْخ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من فطر صَائِما فِي شهر رَمَضَان من كسب حَلَال صلت عَلَيْهِ الْمَلائِكَة ليَالِي رَمَضَان كلهَا وَصَافحهُ جِبْرَائِيل ﵇ لَيْلَة الْقدر وَمن صافحه جِبْرَائِيل ﵇ يرق قلبه وتكثر دُمُوعه\n_________\n(^١) ابن خزيمة (١٨٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٦٠٨)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٥٣)، وعبد الغني المقدسي في فضائل رمضان (٢٤).","vol":"5","page":678},{"text":"قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله أفرَأَيْت من لم يكن عِنْده قَالَ فقبضة من طَعَام قلت أفرَأَيْت إِن لم يكن عِنْده لقْمَة خبز قَالَ فمذقة من لبن قَالَ أفرَأَيْت إِن لم تكن عِنْده قَالَ فشربة من مَاء.\nقَالَ الْحَافِظ وَفِي أسانيدهم عَليّ بن زيد بن جدعَان (^١).\nوَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة أَيْضا وَالْبَيْهَقِيّ بِاخْتِصَار عَنهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَفِي إِسْنَاده كثير بن زيد.\n\n١٤٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أظلكم شهركم هَذَا بمحلوف رَسُول الله -ﷺ- مَا مر بِالْمُسْلِمين شهر خير لَهُم مِنْهُ وَلَا مر بالمنافقين شهر شَرّ لَهُم مِنْهُ بمحلوف رَسُول الله -ﷺ- إِن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أَن يدْخلهُ وَيكْتب إصره وشقاءه قبل أَن يدْخلهُ وَذَلِكَ أَن الْمُؤمن يعد فِيهِ الْقُوت من النَّفَقَة لِلْعِبَادَةِ ويعد فِيهِ الْمُنَافِق اتِّبَاع غفلات الْمُؤمنِينَ وَاتِّبَاع عَوْرَاتهمْ فغنم يغنمه الْمُؤمن وَقَالَ بنْدَار فِي حَدِيثه فَهُوَ غنم للْمُؤْمِنين يغتنمه الْفَاجِر رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَه فِي صَحِيحه وغَيره (^٢).\n\n١٤٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا جَاءَ رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة وغلقت أَبْوَاب النَّار وصفدت الشَّيَاطِين،\n_________\n(^١) البيهقي في الشعب (٣٦٥٥)، والطبراني في الكبير (٦١٦١)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٤٧).\n(^٢) ابن خزيمة (١٨٨٤)، وأحمد (٨٨٧٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٦٠٧)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٥٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩٢١).","vol":"5","page":679},{"text":"رَوَا البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n١٤٨٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم فتحت أَبْوَاب الرَّحْمَة وغلقت أَبْوَاب جَهَنَّم وسلسلت الشَّيَاطِين (^٢).\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة أبي بكر بن عَيَّاش عَن الأعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة وَلَفْظهمْ قَالَ إِذا كانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان صفدت الشَّيَاطِين ومردة الْجِنّ وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة الشَّيَاطِين مَرَدَة الْجِنّ بِغَيْر وَاو وغلقت أَبْوَاب النَّار فَلم يفتح مِنْهَا بَاب وَفتحت أَبْوَاب الْجنَّة فَلم يغلق مِنْهَا بَاب وينادي مُنَاد يَا باغي الْخَيْر أقبل وَيَا باغي الشَّرّ أقصر وَلله عُتَقَاء من النَّار وَذَلِكَ كل لَيْلَة قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).\nصفدت بِضَم الصَّاد وَتَشْديد الْفَاء أَي شدت بالأغلال.\n\n١٤٨٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان نظر الله إِلَى خلقه وَإِذا نظر الله إِلَى عبد لم يعذبه أبدا\n_________\n(^١) البخاري (١٨٩٨)، ومسلم (١٠٧٩).\n(^٢) مسلم (١٠٧٩).\n(^٣) الترمذي (٦٨٢)، وابن ماجه (١٦٤٢)، وابن خزيمة (١٨٨٣)، والبيهقي (٤/ ٣٠٣)،، والحاكم (١/ ٤٢١)، وابن حبان (٣٤٣٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٨٨).","vol":"5","page":680},{"text":"وَلله فِي كل يَوْم ألف ألف عَتيق من النَّار فَإِذا كَانَت لَيْلَة تسع وَعشْرين أعتق الله فِيهَا مثل جَمِيع مَا أعتق فِي الشَّهْر كُله فَإِذا كَانَت لَيْلَة الْفطر ارتجت الْمَلَائِكَة وتجلى الْجَبَّار تَعَالَى بنوره مَعَ أَنه لا يصفه الواصفون فَيَقُول للْمَلَائكَة وهم فِي عيدهم من الْغَد يَا معشر الْمَلَائِكَة يُوحى إِلَيْهِم مَا جَزَاء الْأَجِير إِذا وفى عمله تَقول الْمَلَائِكَة يُوفى أجره فَيَقُول الله تَعَالَى أشهدكم أنَّي قد غفرت لَهُم رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (^١).\n\n١٤٨٩ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَتَاكُم شهر رَمَضَان شهر مبارك فرض الله عَلَيْكُم صِيَامه تفتح فِيهِ أَبْوَاب السَّمَاء وتغلق فِيهِ أَبْوَاب الْجَحِيم وتغل فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين لله فِيهِ لَيْلَة خير من ألف شهر من حرم خَيرهَا فقد حرم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ (^٢). كِلَاهُمَا عَن أبي قلَابَة عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يسمع مِنْهُ فِيمَا أعلم.\nقَالَ الْحَلِيمِيّ وتصفيد الشَّيَاطِين فِي شهر رَمَضَان يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ أَيَّامه خَاصَّة وَأَرَادَ الشَّيَاطِين الَّتِي مسترقة السّمع أَلا ترَاهُ قَالَ مَرَدَة الشَّيَاطِين لِأَن شهر رَمَضَان كَانَ وقتا لنزول الْقُرْآن إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَكَانَت الحراسة قد\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب (١٧٦٦)، وابن الجوزي في الموضوعات (١١٢٠)، قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله -ﷺ-، وفيه مجاهيل، والمتهم به، عثمان بن عبدالله.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٢٦٠٠)، وأحمد (٧١٤٨)، وعبد الرزاق (٨٣٨٣)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٨٩).","vol":"5","page":681},{"text":"وَقعت بِالشُّهُبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ (^١). فزيدوا التصفيد فِي شهر رَمَضَان مُبَالغَة فِي الْحِفْظ وَالله أعلم وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَيَّامه وَبعده وَالْمعْنَى أَن الشَّيَاطِين لا يخلصون فِيهِ من إِفْسَاد النَّاس إِلَى مَا كَانُوا يخلصون إِلَيْهِ فِي غَيره لاشتغال الْمُسلمين بالصيام الَّذِي فِيهِ قمع الشَّهَوَات وبقراءة الْقُرْآن وَسَائِر الْعِبَادَات.\n\n١٤٩٠ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ يَوْمًا وَحضر رَمَضَان أَتَاكُم رَمَضَان شهر بركَة يغشاكم الله فِيهِ فَينزل الرَّحْمَة ويحط الْخَطَايَا ويستجيب فِيهِ الدُّعَاء ينظر الله تَعَالَى إِلَى تنافسكم فِيهِ ويباهي بكم مَلَائكَته فأروا الله من أَنفسكُم خيرا فَإِن الشقي من حرم فِيهِ رَحْمَة الله ﷿ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن مُحَمَّد بن قيس لا يحضرني فِيهِ جرح وَلا تَعْدِيل (^٢).\n\n١٤٩١ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ دخل رَمَضَان فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن هَذَا الشَّهْر قد حضركم وَفِيه لَيْلَة خير من ألف شهر من حرمهَا فقد حرم الْخَيْر كله وَلا يحرم خَيرهَا إِلَا محروم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٣).\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآية: ٧.\n(^٢) الطبراني في الكبير كما في الزوائد (٣/ ١٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد وفيه محمد ابن أبي قيس، ولم أجد من ترجمه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٠).\n(^٣) ابن ماجه (١٦٤٤)، وقال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٠).","vol":"5","page":682},{"text":"١٤٩٢ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول هَذَا رَمَضَان قد جَاءَ تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنَّة وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار وتغل فِيهِ الشَّيَاطِين بعدا لمن أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ إِذا لم يغْفر لَهُ فَمَتَى (^١).\n\n١٤٩٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الْجنَّة لتنجد وتزين من الْحول إِلَى الْحول لدُخُول شهر رَمَضَان فَإِذا كَانَت أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش يُقَال لَهَا المثيرة فتصفق ورق أَشجَار الْجنان وَحلق المصاريع فَيسمع لذَلِك طنين لم يسمع السامعون أحسن مِنْهُ فَتبرز الْحور الْعين حَتَّى يَقِفن بَين شرف الْجنَّة فينادين هَل من خَاطب إِلَى الله فيزوجه ثمَّ يقلن الْحور الْعين يَا رضوَان الْجنَّة مَا هَذِه اللَّيْلَة فيجيبهن بِالتَّلْبِيَةِ ثمَّ يَقُول هَذِه أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة للصائمين من أمة مُحَمَّد -ﷺ- قَالَ وَيَقُول الله ﷿ يَا رضوَان افْتَحْ أَبْوَاب الْجنان وَيَا مَالك أغلق أَبْوَاب الْجَحِيم عَن الصائمين من أمة أَحْمد -ﷺ- وَيَا جِبْرَائِيل اهبط إِلَى الأرْض فاصفد مَرَدَة الشَّيَاطِين وغلهم بالأغلال ثمَّ اقذفهم فِي الْبحار حَتَّى لا يفسدوا على أمة مُحَمَّد حَبِيبِي -ﷺ- صِيَامهمْ.\nقَالَ وَيَقُول الله ﷿ فِي كل لَيْلَة من شهر رَمَضَان لمناد يُنَادي ثَلَاث مَرَّات هَل من سَائل فَأعْطِيه سؤله هَل من تائب فأتوب عَلَيْهِ هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ من يقْرض المليء غير العدوم والوفي غير الظلوم.\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٧٦٢٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٤٣)، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف.","vol":"5","page":683},{"text":"قَالَ وَلله ﷿ فِي كل يَوْم من شهر رَمَضَان عِنْد الإِفْطَار ألف ألف عَتيق من النَّار كلهم قد استوجبوا النَّار فَإِذا كَانَ آخر يَوْم من شهر رَمَضَان أعتق الله فِي ذَلِك الْيَوْم بِقدر مَا أعتق من أول الشَّهْر إِلَى آخِره وَإِذا كَانَت لَيْلَة الْقدر يَأْمر الله ﷿ جِبْرَائِيل ﵇ فيهبط فِي كبكبة من الْمَلَائِكَة وَمَعَهُمْ لِوَاء أَخْضَر فيركزوا اللِّوَاء على ظهر الْكَعْبَة وَله مائَة جنَاح مِنْهَا جَنَاحَانِ لَا ينشرهما إِلَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فينشرهما فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فيجاوزان الْمشرق إِلَى الْمغرب فيحث جِبْرَائِيل ﵇ الْمَلَائِكَة فِي هَذِه اللَّيْلَة فيسلمون على كل قَائِم وقاعد ومصل وذاكر ويصافحونهم ويؤمنون على دُعَائِهِمْ حَتَّى يطلع الْفجْر.\nفَإِذا طلع الْفجْر يُنَادي جِبْرَائِيل ﵇ معاشر الْمَلَائِكَة الرحيل الرحيل فَيَقُولُونَ يَا جِبْرَائِيل فَمَا صنع الله فِي حوائج الْمُؤمنِينَ من أمة أَحْمد -ﷺ- فَيَقُول نظر الله إِلَيْهِم فِي هَذِه اللَّيْلَة فَعَفَا عَنْهُم وَغفر لَهُم إِلَا أَرْبَعَة فَقُلْنَا يَا رَسُول الله من هم قَالَ رجل مدمن خمر وعاق لوَالِديهِ وقاطع رحم ومشاحن قُلْنَا يَا رَسُول الله مَا المشاحن قَالَ هُوَ المصارم فَإِذا كَانَت لَيْلَة الْفطر سميت تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَة الْجَائِزَة فَإِذا كَانَت غَدَاة الْفطر بعث الله ﷿ الْمَلَائِكَة فِي كل بِلَاد فيهبطون إِلَى الأَرْض فَيقومُونَ على أَفْوَاه السكَك فينادون بِصَوْت يسمع من خلق الله ﷿ إِلَّا الْجِنّ وَالإِنْس فَيَقُولُونَ يَا أمة مُحَمَّد اخْرُجُوا إِلَى رب كريم يُعْطي الجزيل وَيَعْفُو عَن الْعَظِيم فَإِذا برزوا إِلَى مصلاهم يَقُول الله ﷿ للْمَلَائكَة مَا جَزَاء الْأَجِير إِذا عمل عمله قَالَ فَتَقول الْمَلَائِكَة إلهنا وَسَيِّدنَا جَزَاؤُهُ أَن توفيه أجره قَالَ فَيَقُول فَإِنِّي أشهدكلم يَا ملائكتي أَنِّي قد","vol":"5","page":684},{"text":"جعلت ثوابهم من صِيَامهمْ شهر رَمَضَان وقيامهم رضاي ومغفرتي وَيَقُول يَا عبَادي سلوني فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لا تَسْأَلُونِي الْيَوْم شَيْئا فِي جمعكم لآخرتكم إِلَّا أَعطيتكُم وَلا لدنياكم إِلَّا نظرت لكم فَوَعِزَّتِي لأسترن عَلَيْكُم عثراتكم مَا راقبتموني وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لا أخزيكم وَلا أفضحكم بَين أَصْحَاب الْحُدُود وَانْصَرفُوا مغفورا لكم قد أرضيتموني ورضيت عَنْكُم فتفرح الْمَلَائِكَة وتستبشر بِمَا يُعْطي الله ﷿ هَذِه الْأمة إِذا أفطروا من شهر رَمَضَان رَوَاهُ الشَّيْخ ابْن حبَان فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من أجمع على ضعفه (^١).\n\n١٤٩٤ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن شهر رَمَضَان شهر أمتِي يمرض مريضهم فيعودونه فَإِذا صَامَ مُسلم لم يكذب وَلم يغتب وفطره طيب سعى إِلَى العتمات محافظا على فَرَائِضه خرج من ذنُوبه كَمَا تخرج الْحَيَّة من سلخها رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ أَيْضا.\n\n١٤٩٥ - وَعَن أبي مَسْعُود الْغِفَارِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- ذَات يَوْم وَأهل رَمَضَان فَقَالَ لَو يعلم الْعباد مَا رَمَضَان لتمنت أمتِي أَن تكون السّنة كلهَا رَمَضَان فَقَالَ رجل من خُزَاعَة يَا نَبِي الله حَدثنَا فَقَالَ إِن الْجنَّة لتزين لرمضان من رَأس الْحول إِلَى الْحول فَإِذا كَانَ أول يَوْم من رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش فصفقت ورق أَشجَار الْجنَّة فتنظر الْحور الْعين إِلَى ذَلِك\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٦٩٥)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٦٨)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٨٨٠)، وقال: هذا حديث لا يصح.","vol":"5","page":685},{"text":"فيقلن يَا رَبنَا اجْعَل لنا من عِبَادك فِي هَذَا الشَّهْر أَزْوَاجًا تقر أَعيننَا بهم وتقر أَعينهم بِنَا قَالَ فَمَا من عبد يَصُوم يَوْمًا من رَمَضَان إِلَّا زوج زَوْجَة من الْحور الْعين فِي خيمة من درة كمَا نعت الله ﷿: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ (^١). على كل امْرَأَة مِنْهُنَّ سَبْعُونَ حلَّة لَيْسَ مِنْهَا حلَّة على لون الْأُخْرَى وتعطى سبعين لونا من الطّيب لَيْسَ مِنْهُ لون على ريح الآخر لكل امْرَأَة مِنْهُنَّ سَبْعُونَ ألف وصيفة لحاجتها وَسَبْعُونَ ألف وصيف مَعَ كل وصيف صَحْفَة من ذهب فِيهَا لون طَعَام يجد لآخر لقْمَة مِنْهَا لَذَّة لم يجده لاوله وَلكُل امْرَأَة مِنْهُنَّ سَبْعُونَ سريرا من ياقوتة حَمْرَاء على كل سَرِير سَبْعُونَ فراشا بطائنها من إستبرق فَوق كل فرَاش سَبْعُونَ أريكة وَيُعْطى زَوجهَا مثل ذَلِك على سَرِير من ياقوت أَحْمَر موشحا بالدر عَلَيْهِ سواران من ذهب هَذَا بِكُل يَوْم صَامَهُ من رَمَضَان سوى مَا عمل من الْحَسَنَات رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه وَأَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة وَفِي الْقلب من جرير بن أَيُّوب شَيْء (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ جرير بن أَيُّوب البَجلِيّ واه وَالله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية: ٧٢.\n(^٢) ابن خزيمة (١٨٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٦٣٤)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٦٥)، والطبراني في الكبير (٩٦٧)، وأبو يعلى (٥٢٥١)، وعبد الغني المقدسي في فضائل رمضان (٢٧)، وابن الجوزي في الموضوعات (١١١٩)، وقال: هذه حديث موضوع على رسول الله -ﷺ-.","vol":"5","page":686},{"text":"الأريكة اسْم لسرير عَلَيْهِ فرَاش وبشخانة وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الأرائك الْفرش فِي الحجال يَعْنِي البشخانات وَفِي الحَدِيث مَا يفهم أَن الأريكة اسْم للبشخانة فَوق الْفراش والسرير وَالله أعلم.\n\n١٤٩٦ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لله ﷿ عِنْد كل فطر عُتَقَاء، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب فِي رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَهُوَ رِوَايَة الأعْمَش عَن الْحُسَيْن بن وَاقد (^١).\n\n١٤٩٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ثَلَاَثة لا ترد دعوتهم الصَّائِم حَتَّى يفْطر وَالإِمَام الْعَادِل ودعوة الْمَظْلُوم يرفعها الله فَوق الْغَمَام وتفتح لهَا أَبْوَاب السَّمَاء وَيَقُول الرب وَعِزَّتِي لأنصرنك وَلَو بعد حِين رَوَاهُ أَحْمد فِي حَدِيث وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٢).\nوَالْبَزَّار وَلَفظه ثَلَاثَة حق على الله أَن لَا يرد لَهُم دَعْوَة الصَّائِم حَتَّى يفْطر والمظلوم حَتَّى ينتصر وَالْمُسَافر حَتَّى يرجع (^٣).\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٢٠٢)، والطبراني في الكبير (٨٠٨٨٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٦٠٥)، وابن الأعرابي في معجمه (١٣٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩١).\n(^٢) أحمد (٨٠٤٣)، والترمذي (٣٥٩٨)، وابن ماجه (١٧٥٢)، وابن خزيمة (١٩٠١)، وابن حبان (٣٤٢٨)، والطبراني في الدعاء (١٣١٥)، والطيالسي (٢٧٠٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٥٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع.\n(^٣) البزار (٣١٣٩).","vol":"5","page":687},{"text":"١٤٩٩ - وَعَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن لله ﷿ فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان سِتّمائَة ألف عَتيق من النَّار فَإذا كَانَ آخر لَيْلَة أعتق الله بِعَدَد من مضى رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ هَكَذَا جَاءَ مُرْسلَا (^١).\n\n١٥٠٠ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عِنْده عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنان فَلم يغلق مِنْهَا بَاب وَاحِد الشَّهْر كُله وغلقت أَبْوَاب النَّار فَلم يفتح مِنْهَا بَاب الشَّهْر كُله وغلت عتاة الْجِنّ ونادى مُنَاد من السَّمَاء كل لَيْلَة إِلَى انفجار الصُّبْح يَا باغي الْخَيْر يمم وأبشر وَيَا باغي الشَّرّ أقصر وَأبْصر هَل من مُسْتَغْفِر يغْفر لَهُ هَل من تائب يَتُوب الله عَلَيْهِ هَل من دَاع يُسْتَجَاب لَهُ هَل من سَائل يعْطى سُؤَاله وَلله ﷿ عِنْد كل فطر من شهر رمضان كل لَيْلَة عتقا من النَّار سِتُّونَ ألف فَإِذا كَانَ يَوْم الْفطر أعتق الله مثل مَا أعتق فِي جَمِيع الشَّهْر ثَلَاِثينَ مرّة سِتِّينَ ألف سِتِّينَ ألف رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢). وَهُوَ حَدِيث حسن لا بَأْس بِهِ فِي المتابعات فِي إِسْنَاده ناشب بن عَمْرو الشيبان وثق وَتكلم فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ.\n\n١٥٠١ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ذَاكر الله فِي رَمَضَان مغْفُور لَهُ وَسَائِل الله فِيهِ لا يخيب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني (^٣).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٦٠٤).\n(^٢) البيهقي في الشعب (٣٦٠٦).\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٣٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٦٢٧)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٤٣)، رواه الطبراني في=","vol":"5","page":688},{"text":"١٥٠٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَاذَا يستقبلكم وتستقبلون ثَلَاث مَرَّات فَقَالَ عمر بن الْخطاب يَا رَسُول الله وَحي نزل قَالَ لا قَالَ عَدو حضر قَالَ لا قَالَ فَمَاذَا قَالَ إِن الله يغْفر فِي أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان لكل أهل هَذِه الْقبْلَة وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهَا فَجعل رجل بَين يَدَيْهِ يهز رَأسه وَيَقُول بخ بخ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا فلَان ضَاقَ بِهِ صدرك قَالَ لا وَلَكِن ذكرت الْمُنَافِق فَقَالَ إِن الْمُنَافِقين هم الْكَافِرُونَ وَلَيْسَ للْكَافِرِينَ فِي ذَلِك شَيْء رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة إِن صَحَّ الْخَبَر فَإِنِّي لا أعرف خلفا أَبَا الرّبيع بعدالة وَلا جرح وَلا عَمْرو بن حَمْزَة الْقَيْسِي الَّذِي دونه (^١).\nقَالَ الْحَافِظ قد ذكرهمَا ابْن أبي حَاتِم وَلم يذكر فيهمَا جرحا وَالله أعلم.\n\n١٥٠٣ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- ذكر رَمَضَان يفضله على الشُّهُور فَقَالَ من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا خرج من ذنُوبه كيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ هَذَا خطأ وَالصَّوَاب أَنه عَن أبي هُرَيْرَة.\n\n١٥٠٤ - وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ إِن الله فرض صِيَام رَمَضَان وسننت لكم قِيَامه فَمن صَامَهُ وقامه إِيمَانًا واحتسابا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه (^٢).\n_________\n=الأوسط، وفيه هلال بن عبد الرحمن وهو ضعيف. وقال الألباني موضوع، في ضعيف الجامع (٣٠٣٨).\n(^١) ابن خزيمة (١٨٨٥)، والبيهقي في شَعب الإيمان (٣٦٢١)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٢١١٣)، وعبد الغني المقدسي في فضائل رمضان (٢٢).\n(^٢) أحمد (١٦٦٠)، وعبد الغني المقدسي في فضائل رمضان (٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٤١٢).","vol":"5","page":689},{"text":"١٥٠٥ - وَعَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ -﵁- قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن شهِدت أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله وَصليت الصَّلَوَات الْخمس وَأديت الزَّكَاة وَصمت رَمَضَان وقمته فَمِمَّنْ أَنا قَالَ من الصديقين وَالشُّهَدَاء رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَاللَّفْظ لِابْنِ حبَان (^١).\n\n١٥٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه الحَدِيث أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَتقدم (^٢).\nفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ من يقم لَيْلَة الْقدر فيوافقها وَأرَاهُ قَالَ إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه (^٣).\n\n١٥٠٧ - وروى أَحْمد من طَرِيق عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن عَمْرو بن عبد الرَّحْمَن عَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ أخبرنَا رَسُول الله -ﷺ- عَن لَيْلَة الْقدر قَالَ هِيَ فِي شهر رَمَضَان فِي الْعشْر الْأَوَاخِر لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين أَو ثَلَاث\n_________\n(^١) البزار (٢٥)، وابن خزيمة (٢٢١٢)، وابن حبان (٣٤٣٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٠٨)، وأحمد (٢٤٠٠٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٦)، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، خلا شيخي البزار، وأرجو إسناده أنه إسناد حسن أو صحيح، وقال في (٨/ ١٤٧)، رواه أحمد والطبراني بإسنادين، ورجال أحد أسانيد الطبراني رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٣).\n(^٢) البخاري (١٩٠١)، ومسلم (٧٥٩).\n(^٣) مسلم (٧٥٩).","vol":"5","page":690},{"text":"وَعشْرين أَو خمس وَعشْرين أَو سبع وَعشْرين أَو تسع وَعشْرين أَو آخر لَيْلَة من رَمَضَان من قامها احتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر (^١).\nوَمَا تقدّمت هَذِه الزِّيَادَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي أول الْبَاب\n\n١٥٠٨ - وَعَن مَالك ﵀ أَنه سمع من يَثِق بِهِ من أهل الْعلم يَقُول إِن رَسُول الله -ﷺ- أرِي أَعمار النَّاس قبله أَو مَا شَاءَ الله من ذَلِك فَكَأَنَّهُ تقاصر أَعمار أمته أَن يبلغُوا من الْعَمَل مثل الَّذِي بلغ غَيرهم فَأعْطَاهُ الله لَيْلَة الْقدر خيرا من ألف شهر ذكره فِي الْمُوَطَّأ هَكَذَا (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٧١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٧٥)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه كلام وقد وثق.\n(^٢) مالك في الموطأ (٨٩٦)، قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٧٣)، لا أعلم هذا الحديث يروى منسدا من وجه من الوجوه، ولا أعرفه في غير الموطأ مرسلا ولا مسدا، وهذا أحد الاحاديث التي انفرد بها مالك، ولكنها رغائب وفضائل وليست أحكاما، ولا يبني عليها في كتابه ولا في موطئه حكما.","vol":"5","page":691},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>التَّرْهِيب من إفطار شَيْء من رَمَضَان من غير عذر</span>\n١٥٠٩ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا مرض لم يقضه صَوْم الدَّهْر كُله وَإِن صَامَهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة ابْن المطوس وَقيل أبي المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة (^١). وَذكره البُخَارِيّ تَعْلِيقا غير مجزوم فَقَالَ وَيذكر عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير عذر وَلَا مرض لم يقضه صَوْم الدَّهْر وَإِن صَامَهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه وَسمعت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ يَقُول أَبُو المطوس اسْمه يزِيد بن المطوس وَلا أعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث انْتهى وَقَالَ البُخَارِيّ أَيْضا لا أَدْرِي سمع أَبوهُ من أبي هُرَيْرَة أم لا وَقَالَ ابْن حبَان لا يجوز الِاحْتِجَاج بِمَا انْفَرد بِهِ وَالله أعلم (^٢).\n\n١٥١٠ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول بَينا أَنا نَائِم أَتَانِي رجلَانِ فأخذا بضبعي فَأتيَا بِي جبلا وعرا فَقَالَا اصْعَدْ فَقلت إِنِّي\n_________\n(^١) الترمذي (٧٢٣)، وأبو داود (٢٣٩٦)، والنسائي في الكبرى (٣٢٧٨)، وابن ماجه (١٦٧٢)، وابن خزيمة (١٩٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٦٥٣)، وفي السنن (٤/ ٢٢٨)، وأحمد (٩٠١٤)، والدارمي (١٧٥٥)، والدارقطني (٢/ ٢١١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٦٢).\n(^٢) البخاري تعليقا، وفتح الباري (٤/ ١٩٠).","vol":"5","page":692},{"text":"لا أُطِيقهُ فَقَالا إِنَّا سنسهله لَك فَصَعدت حَتَّى إِذا كنت فِي سَوَاء الْجَبَل إِذا بِأَصْوَات شَدِيدَة قلت مَا هَذِه الأصْوَات قَالُوا هَذَا عواء أهل النَّار ثمَّ انْطلق بِي فَإِذا أَنا بِقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دَمًا قَالَ قلت من هَؤُلَاءِ قَالَا الَّذين يفطرون قبل تَحِلَّة صومهم الحَدِيث رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^١).\nوَقَوله قبل تَحِلَّة صومهم مَعْنَاهُ يفطرون قبل وَقت الْإِفْطَار\n\n١٥١١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ حَمَّاد بن زيد وَلَا أعلمهُ إِلَّا قد رَفعه إِلَى النَّبِي -ﷺ- قَالَ عرى الْإِسْلَام وقواعد الدّين ثَلَاثَة عَلَيْهِنَّ أسس الْإِسْلَام من ترك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَهُوَ بهَا كَافِر حَلَال الدَّم شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَالصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَصَوْم رَمَضَان رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن.\nوَفِي رِوَايَة من ترك مِنْهُنَّ وَاحِدَة فَهُوَ بِالله كَافِر وَلَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل وَقد حل دَمه وَمَاله (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ وَتَقَدَّمت أَحَادِيث تدل لهَذَا الْبَاب فِي ترك الصَّلَاة وَغَيره.\n_________\n(^١) ابن خزيمة (١٩٨٦)، وابن حبان (٧٤٩١)، والنسائي في الكبرى (٣٢٨٦)، والحاكم (١/ ٤٠٣)، والطبراني في الكبير (٧٦٦٦)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢١٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٥).\n(^٢) أبو يعلى (٢٣٤٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٥٧٦)، والأصبهاني في الترغيب (١٩٣٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٩٦).","vol":"5","page":693},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>التَّرْغِيب فِي صَوْم سِتّ من شَوَّال</span>\n١٥١٢ - عَن أبي إيُّوب -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه سِتا من شَوَّال كَانَ كصيام الدَّهْر رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nوَالطَّبَرَانِيّ وَزَاد قَالَ قلت بِكُل يَوْم عشرَة قَالَ نعم وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٢).\n\n١٥١٣ - وَعَن ثَوْبَان -﵁- مولى رَسُول الله -ﷺ- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من صَامَ سِتَّة أَيَّام بعد الْفطر كَانَ تَمام السّنة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٣) رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٤).\nوَالنَّسَائِيّ وَلَفظه جعل الله الْحَسَنه بِعشر أَمْثَالهَا فشهر بِعشْرَة أشهر وَصِيَام سِتَّة أَيَّام بعد الْفطر تَمام السّنة (^٥). وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه وَهُوَ رِوَايَة النَّسَائِيّ قَالَ صِيَام شهر رَمَضَان بِعشْرَة أشهر وَصِيَام سِتَّة أَيَّام بشهرين فَذَلِك صِيَام\n_________\n(^١) مسلم (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣)، والترمذي (٧٥٩)، وقال حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٣٨٦٣)، وابن ماجه (١٧١٦)، وأحمد (٢٣٥٣٣)، وابن خزيمة (٢١١٤)، وابن حبان (٣٦٣٤).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٣٩٠٢)، وعبد الرزاق (٧٩٢١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٤)، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.\n(^٤) ابن ماجه (١٧١٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٧).\n(^٥) النسائي في الكبرى (٢٨٦١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٧).","vol":"5","page":694},{"text":"السّنة (^١). وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه من صَامَ رَمَضَان وستا من شَوَّال فقد صَامَ السّنة (^٢). رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله (^٣).\n\n١٥١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -رضي الله- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ بست من شَوَّال فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر رَوَاهُ الْبَزَّار وَأحد طرقه عِنْده صَحِيح (^٤).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بإِسْنَاد فِيهِ نظر قَالَ من صَامَ سِتَّة أَيَّام بعد الْفطر متتابعة فَكَأَنَّمَا صَامَ السّنة كلهَا (^٥).\n\n١٥١٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ سِتا من شَوَّال خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^٦).\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢١١٥)، والنسائي في الكبرى (٢٨٦٠)، وأحمد (٢٢٤١٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٧).\n(^٢) ابن حبان (٢٦٣٥)، والطبراني في الكبير (١٤٥١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٧).\n(^٣) أحمد (١٤٣٠٢)، والبزار (١٠٦٢)، والطبراني في الأوسط (٣١٩٢)، وعبد بن حميد (١١١٦)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٩٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٣)، رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وفيه عمرو بن جابر، وهو ضعيف.\n(^٤) البزار (١٠٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٣)، رواه البزار، وله طرق رجال بعضها رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٩٩).\n(^٥) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٦٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٤)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفه.\n(^٦) الطبراني في الأوسط (٨٦٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٤)، رواه الطبراني =","vol":"5","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>التَّرْغِيب فِي صِيَام يَوْم عَرَفَة لمن لم يكن بهَا وَمَا جَاءَ فِي النَّهي عَنْهَا لمن كَانَ بهَا حَاجا</span>\n١٥١٦ - عَن أبي قَتَادَة -﵁- قَالَ سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن صَوْم يَوْم عَرَفَة قَالَ يكفر السّنة الْمَاضِيَة والباقية رَوَاهُ مسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nوَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه إِن النَّبِي -ﷺ- قَالَ صِيَام يَوْم عَرَفَة إِنِّي أحتسب على الله أَن يكفر السّنة الَّتِي بعده وَالسّنة الَّتِي قبله (^٢).\n\n١٥١٧ - وروى ابْن مَاجَه أَيْضا عَن قَتَادَة بن النُّعْمَان قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من صَامَ يَوْم عَرَفَة غفر لَهُ سنة أَمَامه وَسنة بعده (^٣).\n\n١٥١٨ - وَعَن عَطاء الْخُرَاسَانِي أَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر -﵁- دخل على عَائِشَة -﵂- يَوْم عَرَفَة وَهِي صَائِمَة وَالْمَاء يرش عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا عبد الرَّحْمَن أفطري فَقَالَت أفطر وَقد سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن صَوْم يَوْم عَرَفَة يكفر الْعَام الَّذِي قبله رَوَاهُ أَحْمد (^٤).\n_________\n=في الأوسط، وفيه مسلمة بن علي الخشني، وهو ضعيف.\n(^١) مسلم (١١٦٢).\n(^٢) مسلم (١١٦٢)، وأبو داود (٢٤٢٥)، وابن ماجه (١٧٣٠)، والترمذي (٧٤٩)، وقال حديث حسن، وأحمد (٢٢٥٣٧)، وابن خزيمة (٢٠٨٧)، وابن حبان (٣٦٣٢).\n(^٣) ابن ماجه (١٧٣١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٠١).\n(^٤) أحمد (٢٤٩٧٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوأئد (٣/ ١٨٩)، رواه أحمد، وعطاء لم يسمع من عائشة ﵂.","vol":"5","page":696},{"text":"وَرُوَاته ثِقَات مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن عَطاء الْخُرَاسَانِي لم يسمع من عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر.\n\n١٥١٩ - وَعَن سهل بن سعد -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صَامَ يَوْم عَرَفَة غفر لَهُ ذَنْب سنتَيْن متتابعتين رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\n\n١٥٢٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَشول الله -ﷺ- من صَامَ يَوْم عَرَفَة غفر لَهُ سنة أَمَامه وَسنة خَلفه وَمن صَامَ عَاشُورَاء غفر لَهُ سنة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n\n١٥٢١ - وَعَن مَسْرُوق أَنه دخل على عَائِشَة -﵁- يَوْم عَرَفَة فَقَالَ اسقوني فَقَالَت عَائِشَة يَا غُلَام اسْقِهِ عسلا ثمَّ قَالَت وَمَا أَنْت بصائم يَا مَسْرُوق قَالَ لَا إِنِّي أَخَاف أَن يكون يَوْم الْأَضْحَى فَقَالَت عَائِشَة لَيْسَ ذَلِك إِنَّمَا عَرَفَة يَوْم يعرف الإِمَام وَيَوْم النَّحْر يَوْم ينْحَر الإِمَام أوما سَمِعت يَا مَسْرُوق أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يعدله بِأَلف يَوْم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ (^٣).\n_________\n(^١) أبو يعلى (٧٥١٠)، والطبراني في الكبير (٥٩٢٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٩)، رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٠٢).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٢٠٦٥)، والبزار (١٠٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٩)، رواه البزار، وفيه عمر بن صهبان وهو متروك، والطبراني في الأوسط باختصار يوم عاشوراء، وإسناد الطبراني حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٠٣).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٦٨٠٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٩)، فيه دلهم بن صالح، ضعفه ابن معين وابن حبان.","vol":"5","page":697},{"text":"١٥٢٢ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَت كانَ رَسُول الله -ﷺ- يَقُول صِيَام يَوْم عَرَفَة كصيام ألف يَوْم (^١).\n\n١٥٢٣ - وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ سَأَلَ رجل عبد الله بن عمر -﵁- عَن صَوْم يَوْم عَرَفَة فَقَالَ كُنَّا وَنحن مَعَ رَسُول الله -ﷺ- نعدله بِصَوْم سنتَيْن رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٢). وَهُوَ عِنْد النَّسَائِيّ بِلَفْظ سنة (^٣).\n\n١٥٢٤ - وَعَن زيد بن أَرقم -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه سُئِلَ عَن صِيَام يَوْم عَرَفَة قَالَ يكفر السّنة الَّتِي أَنْت فِيهَا وَالسّنة الَّتِي بعْدهَا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة رشدين بن سعد (^٤).\n\n١٥٢٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- نهى عَن صَوْم يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَه رَوَاهُ أبُو دَاوُد وَالنّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٥).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٦٤)، والعقيلي (٢/ ١٤٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٢٣).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٠)، رواه الطبراني في الأوسط وهو حديث حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٠٤).\n(^٣) النسائي في الكبرى (٢٨٢٨)، وقال: هذا حديث منكر.\n(^٤) الطبراني في الكبير (٥٠٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٠)، وفيه رشدين بن سعد، وفيه كلام، وقد وثق.\n(^٥) أبو داود (٢٤٤٠)، والنسائي في الكبرى (٢٨٣١)، وابن خزيمة (٢١٠١)، وابن ماجه (١٧٣٢)، وأحمد (٨٠٣١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٠٦٩).","vol":"5","page":698},{"text":"وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط عَن عَائِشَة (^١).\nقَالَ الْحَافِظ اخْتلفُوا فِي صَوْم يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَة فَقَالَ ابْن عمر لم يصمه النَّبِي -ﷺ- وَلا أَبُو بكر وَلا عمر وَلا عُثْمَان وَأَنا لا أصومه وَكَانَ مَالك وَالثَّوْري يختاران الْفطر وَكَانَ ابْن الزبير وَعَائِشَة يصومان يَوْم عَرَفَة وَرُوِيَ ذَلِك عَن عُثْمَان بن أبي العَاصِي وَكَانَ إِسْحَاق يمِيل إِلَى الصَّوْم وَكَانَ عَطاء يَقُول أَصوم فِي الشتَاء وَلا أَصوم فِي الصَّيف وَقَالَ قَتَادَة لا بَأْس بِهِ إِذا لم يضعف عَن الدُّعَاء وَقَالَ الشَّافِعِي يسْتَحبّ صَوْم يَوْم عَرَفَة لغير الْحَاج فَأَما الْحَاج فَأحب إِلَيّ أَن يفْطر لتقويته على الدُّعَاء وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل إِن قدر على أَن يَصُوم صَامَ وَإِن أفطر فَذَلِك يَوْم يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْقُوَّة. (^٢)\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٢٣٢٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٩)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن أبي يحيى، وفيه كلام كثير، وقد وثق.\n(^٢) إلى هنا انتهى البياض من رقم الحديث ١٤٥٦ الى رقم ١٥٢٥، ورقم اللوحة ١١٣ و١١٤.","vol":"5","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>التَّرْغِيب فِي صِيَام شهر الله الْمحرم</span>\n١٥٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أفضل الصّيام بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم وَأفضل الصَّلَاة بعد الْفَرِيضَة صَلَاة اللَّيْل رَوَاهُ مسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِى (^١).\nوَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِاخْتِصَار ذكر الصَّلَاة (^٢). [١١٥/ أ]\nقوله -ﷺ-: \"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\" الحديث، الكلام على هذا الحديث في فصلين في أفضل التطوع بالصيام وأفضل التطوع بالقيام، الفصل الأول: في أفضل التطوع بالصيام، وهذا الحديث صريح في أن أفضل ما تطوع به من الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وقد يحتمل أن يراد أنه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملا بعد رمضان فأما بعض التطوع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه كصيام يوم عرفة أو عشر ذي الحجة أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك، يشهد لهذا ما أخرجه الترمذي (^٣) من حديث علي أن رجلا أتى النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) مسلم (١١٦٣)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، وابن خزيمة (٢٠٧٦)، وابن حبان (٣٦٣٦)، وأحمد (٨٥٣٤).\n(^٢) ابن ماجه (١٧٤٢).\n(^٣) أخرجه والترمذي (٧٤١)، والدارمي (١٧٥٦)، وقال الترمذي: حسن غريب، وقال محقق المسند: إسناده ضعيف.","vol":"5","page":700},{"text":"فقال: يا رسول الله أخبرني بشهر أصومه بعد شهر رمضان، قال رسول الله -ﷺ-: \"إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرم\" الحديث، ولكن يقال إن النبي -ﷺ- كان يصوم شعبان ولم ينقل أنه كان يصوم المحرم إنما كان يصوم عاشوراء وقوله في آخر سنة: \"لئن عشت إلى قابل لأصو من التاسع\" (^١) يدل على أنه كان لا يصوم التاسع قبل ذلك، وقد أجاب الناس عن هذا السؤال بأجوبة فيها ضعف، والذي ظهر لي والله أعلم أن التطوع بالصيام نوعان أحدهما التطوع المطلق بالصوم فهذا أفضل المحرم كما أن أفضل التطوع المطلق بالصلاة قيام الليل، والثاني: ما صيامه تبع كصيام رمضان قبله وبعده فهذا ليس من التطوع المطلق بل صيامه تبع لصيام رمضان وهو ملحق بصيام رمضان ولهذا قيل إن صيام ستة أيام من شوال تلتحق بصيام رمضان ويكتب بذلك لمن صامها مع رمضان صام الدهر فرضا فهذا النوع من الصيام ملتحق برمضان وصيامه أفضل التطوع مطلقًا، فأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه أمر رجلا أن يصوم الأشهر الحرم وأفضل صيام الأشهر الحرم صيام شهر الله المحرم، ويشهد لهذا أنه -ﷺ- قال في هذا الحديث: \"وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل\" (^٢) ومراده بعد المكتوبة ولو أخفها من سننها الرواتب فإن\n_________\n(^١) عَلقه البخاري (١٩٥٣) عن أبي معاوية، ووصله أبو داود (٣٣١٠) وأخرجه مسلم (١١٤٨) (١٥٤)، والنسائي في الكبرى (٢٩١٢).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"5","page":701},{"text":"الرواتب قبل الفرائض وبعدها أفضل من قيام الليل عند جمهور العلماء لالتحاقها بالفرائض وإنما خالف في ذلك بعض الشافعية (^١) فكذلك الصيام قبل رمضان وبعده ملتحقين برمضان وصيامه أفضل من صيام الأشهر الحرم وأفضل التطوع المطلق بالصيام صيام المحرم (^٢).\nوقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل، فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم ورجحه طائفة من المتأخرين وإطلاقه في هذا الحديث أفضل الأشهر محمول على ما بعد رمضان كما في رواية الحسن المرسلة، وزعم بعض الشافعية (^٣) أن أفضل الأشهر الحرم رجب وهو قول مردود وضعفه النووي (^٤) وغيره وقيل: ذو الحجة روي ذلك عن سعيد بن جبير وغيره وهو أظهر والله أعلم وأفضل شهر الله المحرم عشره الأول، وروي عن وهب بن منبه قال: \"أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: أن مر قومك أن يتوبوا إلي في أول عشر المحرم فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إلي أغفر لهم\" (^٥)، وقد سمي النبي -ﷺ- المحرم شهر الله وإضافته إلى الله تدل\n_________\n(^١) ينظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ٣٧٠) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ١٤٨) حاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ٦٢) مغني المحتاج (١/ ٤٢٠).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٣٣ - ٣٤).\n(^٣) ينظر: فتح العزيز بشرح الوجيز (٦/ ٢٤٧) المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٤٧).\n(^٤) انظر: المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٤٨).\n(^٥) لم أقف عليه عند غير المنذري في الترغيب (١٨٨١).","vol":"5","page":702},{"text":"على شرفه وفضله فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته كما نسب محمدا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته ونسب إليه بيته وناقته ولما كان هذا الشهر مختصا بإضافته إلى الله تعالى وكان الصيام من بين الأعمال مضافا إلى الله تعالى ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله تعالى بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام (^١)، وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله، وقال في العلم المشهور: شهر الله المحرم إضافته إلى الله تعالى إضافة تشريف وتخصيص كإضافة الكعبة والبيت الحرام إلى الله تنبيها على شرف الجميع وإلا فالدنيا كلها لله تعالى وسكانها عبيد الله تعالى (^٢) أ. هـ.\nوقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله إشارة إلى أن تحريمه إلى الله ﷿ ليس لأحد تبديله كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صفر فأشار إلى أنه شهر الله الذي حرمه فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره، شعر:\nشهرُ الحرامِ مباركٌ ميمون ... والصومُ فيه مضاعفٌ مَسنونُ\nوثوابُ صائمه لوجه إِلهه ... في الخُلد عند مَليكه مخْزُونُ.\nقاله في اللطائف (^٣).\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) العلم المشهور (لوحة ١١).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٣٦).","vol":"5","page":703},{"text":"فائدة: قوله -ﷺ-: \"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم\" هذا إنما كان والله أعلم من أجل أن المحرم أول السنة المستأنفة التي لم تجئ بعد رمضان فكان استفتاحها بالصوم الذي هو من أفضل الأعمال والذي أخبر عنه ﵇ أنه ضياء بقوله: \"والصوم ضياء\" فإذا استفتح بالضياء مشى فيه بقيتها والله أعلم قاله القرطبي (^١).\nفائدة أخرى: في قوله \"أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم\" وإنما كان الصيام فيه أفضل لأنه فاتحة السنة كما كان العمل في عشر ذي الحجة أحب إلى الله تعالى فيوافي فاتحة السنة بصيام هو أفضل عند الله وبعشر ذي الحجة بعمل هو أحب إلى الله فواظب على الطاعات من فاتحة السنة إلى خاتمتها والعمل في الخاتمة أفضل وأكمل فهو إلى تعالى أهب أ. هـ قاله في العلم المشهور (^٢).\nأعجوبة تتعلق بذلك: روى عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه ذكر من عجائب الدنيا بأرض عاد عمود من نحاس عليه شجرة من نحاس فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء فملؤوا منه حياضهم وسقوا مواشيهم وزروعيه فإذا [ذهبت] الأشهر الحرم انقطع الماء (^٣) أ. هـ.\n_________\n(^١) المفهم (١٠/ ١٦).\n(^٢) العلم المشهور (لوحة ١١).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"5","page":704},{"text":"١٥٢٧ - وَعَن عَليّ -﵁- وَسَأَلهُ رجل فَقَالَ أَي شهر تَأْمُرنِي أَن أَصوم بعد شهر رَمَضَان فَقَالَ لَهُ مَا سَمِعت أحدا يسْأَل عَن هَذَا إِلَّا رجلا سمعته يسْأَل رَسُول الله -ﷺ- وَأَنا قَاعد عِنْده فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي شهر تَأْمُرنِي أَن أَصوم بعد شهر رَمَضَان قَالَ إِن كنت صَائِما بعد شهر رَمَضَان فَصم الْمحرم فَإِنَّهُ شهر الله فِيهِ يَوْم تَابَ الله فِيهِ على قوم وَيَتُوب فِيهِ على قوم آخَرين رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد عَن غير أَبِيه وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَهُوَ ابْن أبي شيبَة عَن النُّعْمَان بن سعد عَن عَليّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن علي -﵁- تقدم الكلام على علي -﵁-.\nقوله: قال: \"إن كنت صائما بعد شهر رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله، فيه يوم تاب الله فيه على قوم ويتوب فيه على قوم آخرين\" الحديث، فيه حث الناس على تجديد التوبة النصوح في يوم عاشوراء وترجيه لقبول التوبة، فمن تاب فيه إلى الله ﷿ من ذنوبه تاب الله عليه كما تاب فيه على من قبلهم، وقد قال الله ﷿ عن آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (^٢) أ. هـ (^٣) لما أهبط آدم من الجنة بكى على تلك المعاهد فيما يروي ثلاثمائة عام وحق له ذلك، كان في دار لا يجوع فيها ولا\n_________\n(^١) عبد الله بن الإمام أحمد في زيادته على المسند (١٣٢٢)، والترمذي (٧٤١)، وقال: حديث حسن غريب، والبزار (٦٩٩)، وأبو يعلى (٢٦٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٩٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٧.\n(^٣) تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ٢٣٨).","vol":"5","page":705},{"text":"يعرى ولا يظمأ فيها ولا يضحى فلما نزل إلى الأرض أصابه ذلك فكان إذا رأى جبريلا ﵇ يتذكر برؤيته المعاهد فيشتد بكاؤه حتى يبكي جبريل ﵇ لبكائه ويقول له ما هذا البكاء يا آدم؟ فيقول: وكيف لا أبكي وقد أخرجت من دار النعمة إلى دار البؤس، فيقول له بعض ولده: لقد اَذيت أهل الأرض ببكائك؟ فقال: إنما أبكي على أصوات الملائكة حول العرش، وفي رواية: قال إنما أبكي على جوار ربي في دار تربتها طيبة أسمع فيها أصوات الملائكة، وفي رواية: قال أبكي على دارا لو رأيتها لزهقت نفسك شوقا إليها، وروي أنه قال لولده: كنا نسلا من نسل السماء خلقنا كخلقهم وغذينا بغذائهم فسبانا عدونا إبليس فليس لنا فرح ولا راحة إلا الهم والعنا حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها قاله في كتاب اللطائف (^١).\nقوله: من رواية عبد الرحمن بن إسحاق وهو أبو شيبة [ابن الحارث الواسطي، ويقال: الكوفي، ابن أخت النعمان بن سعد الأنصاري ضعيف، قال البخاري: فيه ثظر وروى عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أحمد عن أبيه له مناكير وليس هو في الحديث بذاك وحسن له الترمذي].\n\n١٥٢٨ - وَعَن جُنْدُب بن سُفْيَان -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن أفضل الصَّلاة بعد الْمَفْرُوضَة الصَّلَاة فِي جَوف اللَّيْل وَأفضل الصّيام بعد رَمَضَان شهر الله الَّذِي تَدعُونَهُ الْمحرم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٥٦).\n(^٢) النسائي في الكبرى (٢٩٠٤)، والطبراني في الكبير (١٦٩٥)، والبيهقي في السنن=","vol":"5","page":706},{"text":"قوله: وعن جندب بن سفيان -﵁-[جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ثم العلقي، يكنى أبا عبد الله، له صحبة، ينسب تارة إلى أبيه وتارة إلى جده، ويقال: جندب بن خالد بن سفيان وعلقة، بفتح العين واللام: بطن من بجيلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث، له صحبة ليست بالقديمة، يكنى أبا عبد الله، سكن الكوفة ثم انتقل إلى البصرة، قدمها مع مصعب بن الزبير، روى عنه من أهل البصرة: الحسن، ومحمد وأنس ابنا سيرين، وأبو السوار العدوي، وبكر ابن عبد الله، ويونس بن جبير الباهلي، وصفوان بن محرز، وأبو عمران الجوني. وروى عنه من أهل الكوفة عبد الملك بن عمير، والأسود بن قيس، وسلمة بن كهيل، روى جندب ثلاثة وأربعين وقال البرقي له سبعة عشر حديثا عاش جندب البجلي-وقد ينسب إلى جده- وبقي إلى حدود سنة سبعين (^١)].\nقوله: كان رسول الله -ﷺ- يقول \"إن أفضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم\" الحديث، فيه تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم، وقد سبق الجواب عن إكثار النبي -ﷺ- من صوم شعبان دون المحرم وذكر فيه جوابين: أحدهما: لعله إنما\n_________\n= (٤/ ٢٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩١)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٠٦).\n(^١) أسد الغابة (١/ ٥٦٦ ترجمة ٨٠٤)، وتلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٢٦٥)، وتهذيب الكمال (٥/ ترجمة ٩٧٣)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ١٧٤ - ١٧٥).","vol":"5","page":707},{"text":"علم فضله في آخر حياته، والثاني: لعله كان يعرض فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما (^١).\nوقوله -ﷺ-: \"وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\" دليل لما اتفق عليه العلماء أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي من أصحابنا ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة، وقال أكثر أصحابنا: الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض والأول أقوى وأوفق للحديث (^٢) أ. هـ.\nوإنما فضلت صلاة الليل عن صلاة النهار لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص ولأن صلاة الليل أشق على النفوس فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة، قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر فإنه تنقطع الشواغل بالليل ويحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم ولأن وقت التهجد من الليل أفضل أوقات التطوع بالصلاة وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو وقت فتح أبواب السماء واستجابة الدعاء واستعراض حوائج السائلين، قال بعض السلف: قيام الليل يهون طول القيام يوم القيامة وإذا كان أهله يسبقون إلى الجنة بغير حساب فقد استراح أهله من طول الموقف للحساب (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٨/ ٥٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٥٥).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٣٩ - ٤١) باختصار.","vol":"5","page":708},{"text":"تنبيه: قوله شهر الله المحرم نسبه إليه تعظيما له كما يقال بيت الله ﷿ (^١)، وقال سفيان بن عيينه في قوله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^٢) نسبه إلى نفسه لأنه أشرف المكاسب وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (^٣) نسبها إليهم لأنها أوساخ الناس، وفي بعض طرق الحديث الذي تدعونه المحرم، قيل: تبين أنه الشهر المسمى بهذا الاسم لا غيره من الأشهر، أ. هـ، ذكره المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود أ هـ.\nوقال الفقيه أبو الليث السمرقندي: الإضافة على نوعين إضافة تحقيق وإضافة تكريم فإضافة التحقيق مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٤) وإضافة التكريم مثل قوله: بيت الله وناقة الله ورسول الله وما اشبه ذلك، فقوله -ﷺ-: \"شهر الله\" من النوع الثاني، وصلاة الليل خالية عن الرياء فلذلك صارت أفضل الصلاة بعد الفريضة، وقال ابن شاهين: ومما فضل الله تعالى به شهر المحرم أنه أقسم به وجعله مفتاح سورة من كتابه فقال: ﴿الْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ (^٥) قال ابن عباس: الفجر هو المحرم\n_________\n(^١) الفائق (٢/ ٢٧٠)، والنهاية (٢/ ٥١٥).\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ٤٠.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(^٤) سورة النور، الآية: ٤٢.\n(^٥) سورة الفجر، الآيتان: ١ - ٢.","vol":"5","page":709},{"text":"فجر السنة والله أعلم.\n\n١٥٢٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صَامَ يَوْم عَرَفَة كَانَ لَهُ كَفَّارَة سنتَيْن وَمن صَامَ يَوْمًا من الْمحرم فَلهُ بِكُل يَوْم ثَلَاثُونَ يَوْمًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَهُوَ غَرِيب وَإِسْنَاده لا بَأس بِهِ والهيثم بن حبيب وَثَّقَهُ ابْن حبَان (^١).\nقوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله -ﷺ-: \"من صام يوم عرفة كان له كفارة سنتين\" تقدم الكلام على ذلك قريبا.\nقولهﷺ-: \"ومن صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يوما\".\n_________\n(^١) الطبراني في الصغير (٩٤٣)، وفي الكبير (١١٠٨١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٠)، وفيه الهيثم بن حبيب عن سلام الطويل وهو ضعيف، وأما الهيثم بن حبيب فلم أر من تكلم فيه غير الذهبي، اتهمه بخبر رواه، وقد وثقه ابن حبان. وقال الألباني، الشطر الثاني موضوع، في ضعيف الجامع (٥٦٥٤).","vol":"5","page":710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>الترغيب في صوم يوم عاشوراء والتوسيع فيه على العيال</span>\n١٥٣٠ - عَن أبي قَتَادَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- سُئِلَ عَن صِيَام يَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ يكفر السّنة الْمَاضِيَة رَوَاهُ مسلم (١) وَغَيره.\nوَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ صِيَام يَوْم عَاشُورَاء إِنِّي أحتسب على الله أَن يكفر السّنة الَّتِي بعْدهَا (٢).\nقوله: عن أبي قتادة -﵁-[أبو قتادة الأنصاري، اسمه الحارث بن ربعي بن بلدمة بن خناس بن عبيد ابن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد الأنصاري الخزرجي السلمي، فارس رسول الله -ﷺ-، وقيل: اسمه النعمان، قاله الكلبي، وابن إسحاق.، والحارث أكثر، وكان عبد الله بن أبي داود يقول لا اختلاف بين المحدثين أن اسمه الحارث ابن ربعي وليس كذلك إنما هو عمرو بن ربعي هؤلاء ولده يقولون ذلك وكذلك اسمه في الدواوين، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، اختلف في شهوده بدرا، فقال بعضهم: كان بدريا. ولم يذكره ابن عقبة، ولا ابن إسحاق في البدريين. وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد كلها روى أبو قتادة مائة حديث وسبعون حديثا].","vol":"5","page":711},{"text":"قوله: سئل رسول الله -ﷺ- عن صيام يوم عاشوراء فقال: \"يكفر السنة الماضية\" وفي رواية ابن ماجه (^١) قال: \"صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده\" وعاشوراء اسم اسلام لا يعرف في الجاهلة والمشهور في اللغة أن عاشوراء وتاسوعاء ممدودان وحكي القصر فيهما والمشهور أنه العاشر من المحرم، وقال ابن عباس وجماعة هو التاسع وقيل غير ذلك، وقيل: أن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء بعشر كرامات، وقيل: لأنه عاشر كرامة أكرم الله تعالى بها هذه الأمة زادها الله شرفا؛ واتفق العلماء على أن صوم عاشوراء سنة ليس بواجب، واختلفوا في حكمه أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان فقال أبو حنيفة (^٢): كان واجبا واختلف أصحاب الشافعي (^٣) فيه على وجهين مشهورين أشهرهما عندهم أنه لم يزل سنة من حين شرع لم يكن واجبا قط في هذه الأمة ولكنه كان متأكد الاستحباب فقط، قال ابن رجب الحنبلي وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك الاستحباب، والثاني كان واجبا كقول أبي حنيفة (^٤) وهو ظاهر كلام الإمام وأبي بكر الأثرم،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط للشيباني (٢/ ١٨٦) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (٢/ ٢٧٦) التجريد للقدوري (٣/ ١٤٣٥).\n(^٣) ينظر: المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٤٧).\n(^٤) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢/ ٢٧٦) شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٢/ ٣٩٩).","vol":"5","page":712},{"text":"وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل فأبو حنيفة (^١) لا يشترطها، ويقول كان كل الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه وأصحاب الشافعي (^٢) يقولون: كان مستحبا فصح بنية من النهار ويتمسك أبو حنيفة (^٣) بقوله أمر بصيامه والأمر للوجوب وبقوله: فلما فرض شهر رمضان قال: \"من شاء صامه ومن شاء تركه\"، ويحتج الشافعية (^٤) بقوله -ﷺ-: \"هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه\" والله أعلم، أ. هـ، قاله النووي (^٥).\n\n١٥٣١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- صَامَ يَوْم عَاشُورَاء أَو أَمر بصيامه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٦).\n\n١٥٣٢ - وَعنهُ -﵁- أَنه سُئِلَ عَن صِيَام يَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ مَا علمت أَن رَسُول الله -ﷺ- صَامَ يَوْمًا يطْلب فَضله على الْأَيَّام إِلَّا هَذَا الْيَوْم وَلا شهرا إِلَّا\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) ينظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ٣٧٠) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ١٤٨) ومغني المحتاج (١/ ٤٢٠).\n(^٣) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢/ ٢٦٦) شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٢/ ٣٩٠) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (٣/ ١٦٢).\n(^٤) ينظر: فتح العزيز بشرح الوجيز (٦/ ٢٤٧) المجموع شرح المهذب (٦/ ٢٤٧) روضة الطالبين وعمدة المفتين (٢/ ٣٤٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٨/ ٤) المجموع شرح المهذب (٦/ ٣٨٢).\n(^٦) البخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠).","vol":"5","page":713},{"text":"هَذَا الشَّهْر يَعْنِي رَمَضَان رَوَاهُ مُسلم (^١).\n\n١٥٣٣ - وَعنهُ -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- لم يكن يتوخى فضل يَوْم على يَوْم بعد رَمَضَان إِلَا عَاشُورَاء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَإِسْنَاده حسن بِمَا قبله (^٢).\n\n١٥٣٤ - وَعنهُ -﵁- أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَيْسَ ليَوْم فضل على يَوْم فِي الصّيام إِلَّا شهر رَمَضَان وَيَوْم عَاشُورَاء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ ورواة الطَّبَرَانِيّ ثِقَات (^٣).\n\n١٥٣٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صَامَ يَوْم عَرَفَة غفر لَهُ سنة أَمَامه وَسنة خَلفه وَمن صَامَ عَاشُورَاء غفر لَهُ سنة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَتقدم (^٤).\n\n١٥٣٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من أوسع على عِيَاله وَأَهله يَوْم عَاشُورَاء أوسع الله عَلَيْهِ سَائِر سنته رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من طرق\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٠٦)، ومسلم (١١٣٢).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٢٧٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٦)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن عبد الرحمن بن بكر العلاف، ولم أجد من ترجمه.\n(^٣) الطبراني في الكبير (١١٢٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٨٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٧٥)، وابن عدي في الكامل (١٣٤٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٦)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٩٢٥).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٢٠٦٥)، والبزار (١٠٥٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠١١).","vol":"5","page":714},{"text":"وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذِه الْأَسَانِيد وَإِن كَانَت ضَعِيفَة فَهِيَ إِذْ ضم بَعْضهَا إِلَى بعض أخذت قُوَّة وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵁-، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله: \" [أن] رسول الله -ﷺ- صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه\" الحديث يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقد صامه نوح وموسى ﵉، وكان للنبي -ﷺ- في صيامه أربع حالات، الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة وكان لا يأمر الناس بالصوم، الحالة الثانية: أن النبي -ﷺ- لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه وأمر بصيامه وأكد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يصومونه أطفالهم؛ الحالة الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي -ﷺ- أمر أصحابه بصيام عاشوراء وتأكيده فيه ففي الصحيحين عن ابن عمر -﵁- قال: \"صام النبي عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك ذلك\" (^٢)، وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا فهذه الأحاديث كلها تدل على أنه -ﷺ- لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه فإن كان أمره -ﷺ- بصيامه قبل فرض صيام رمضان للوجوب فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ هل يبقى الاستحباب\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٩٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٧٣).\n(^٢) صحيح البخاري (١٨٩٢)، صحيح مسلم (١١٢٥).","vol":"5","page":715},{"text":"أم لا؟ وفيه خلاف مشهور بين العلماء وإن كان أمره للاستحباب المؤكد فقد قيل: إنه زال التأكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد؛ الحالة الرابعة: أن النبي -ﷺ- عزم في آخر عمره على أن لا يصومه مفردا بل يضم إليه يوما آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه ففي صحيح مسلم (^١) عن ابن عباس فذكر الحديث وفي آخره: \"فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع\" قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي.\nقوله: من حديث عامر بن ربيعة -﵁- هو: عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة عامر العنزي (^٢).\n_________\n(^١) أخرج مسلم (١١٣٤)، وأبو داود (٢٤٤٥).\n(^٢) بياض في أصل المخطوط من اللوحة ١١٦ إلى ١١٨، ذكرت أحاديث الترغيب والترهيب مع تخريجها وكلام المنذري من حديث رقم ١٦٧٨ إلى ١٧٥٠،","vol":"5","page":716},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>التَّرْغِيب فِي صَوْم شعْبَان وَمَا جَاءَ فِي صِيَام النَّبِي -ﷺ- لَهُ وَفضل لَيْلَة نصفه</span>\n١٥٣٧ - عَن أُسَامَة بن زيد -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول الله لم أرك تَصُوم من شهر من الشُّهُور مَا تَصُوم من شعْبَان قَالَ ذَاك شهر يغْفل النَّاس عَنهُ بَين رَجَب ورمضان وَهُوَ شهر ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رب الْعَالمين وَأحب أَن يرفع عَمَلي وَأَنا صَائِم رَوَاهُ النَّسَائِيّ.\n\n١٥٣٨ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يَصُوم وَلا يفْطر حَتَّى نقُول مَا فِي نفس رَسُول الله -ﷺ- أَن يفْطر الْعَام ثمَّ يفْطر فَلَا يَصُوم حَتَّى نقُول مَا فِي نَفسه أَن يَصُوم الْعَام وَكَانَ أحب الصَّوْم إِلَيْهِ فِي شعْبَان رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ (^١).\n\n١٥٣٩ - وروى التِّرْمِذِيّ عَن أنس -﵁- قَالَ سُئِلَ النَّبِي -ﷺ- أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان قَالَ شعْبَان لتعظيم رَمَضَان قَالَ فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ صَدَقَة فِي رَمَضَان قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (١٣٤٠٣)، والطبراني في الأوسط (٤٧٦٦)، وقال الهيثمي فِى مجمع الزوائد (٣/ ١٩٢)، رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه عثمان بن رشيد الثقفي، وهو ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠١٣).\n(^٢) الترمذي (٦٦٣)، وقال: هذا حديث غريب، وصدقه بن موسى ليس عندهم بذاك القوي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٠٢٣).","vol":"5","page":717},{"text":"١٥٤٠ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن النَّبِي -ﷺ- كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله قَالَت قلت يَا رَسُول الله أحب الشُّهُور إِلَيْك أَن تصومه شعْبَان قَالَ إِن الله يكْتب فِيهِ على كل نفس ميتَة تِلْكَ السّنة فَأحب أَن يأتيني أَجلي وَأَنا صَائِم رَوَاهُ أَبُو يعلى وَهُوَ غَرِيب وَإِسْنَاده حسن (^١).\n\n١٥٤١ - وعنها -﵂- قَالَت كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يَصُوم حَتَّى نقُول لا يفْطر وَيفْطر حَتَّى نقُول لا يَصُوم وَمَا رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- اسْتكْمل صِيَام شهر قطّ إِلَّا شهر رَمَضَان وَمَا رَأَيْته فِي شهر أَكثر صياما مِنْهُ فِي شعْبَان رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^٢).\nوَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا قَالَت مَا رَأَيْت النَّبِي -ﷺ- فِي شهر أَكثر صياما مِنْهُ فِي شعْبَان كَانَ يَصُومهُ إِلَا قَلِيلا بل كَانَ يَصُومهُ كُله (^٣).\n\n١٥٤٢ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَت كَانَ أحب الشُّهُور إِلَى رَسُول الله -ﷺ- أَن يَصُومهُ شعْبَان ثمَّ يصله برمضان (^٤).\n\n١٥٤٣ - وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَت لم يكن رَسُول الله -ﷺ- لشهر أَكثر صياما مِنْهُ لشعبان كَانَ يَصُومهُ أَو عامته.\n_________\n(^١) أبو يعلى (٤٩١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٢)، رواه أبو يعلى، وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وفيه كلام، وقد وثق، وفي الصحيح طرف منه.\n(^٢) البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦)، وأبو داود (٢٤٣٤).\n(^٣) الترمذي (٧٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠١٤).\n(^٤) أبو داود (٢٤٣١)، وابن خزيمة (٢٠٧٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠١٤).","vol":"5","page":718},{"text":"١٥٤٤ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم قَالَت لم يكن النَّبِي -ﷺ- يَصُوم شهرا أَكثر من شعْبَان فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله وَكَانَ يَقُول خُذُوا من الْعَمَل مَا تطيقون فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا وَكَانَ أحب الصَّلَاة إِلَى النَّبِي -ﷺ- مَا دووم عَلَيْهَا وَإِن قلت وَكَانَ إِذا صلى صَلَاة داوم عَلَيْهَا (^١).\n\n١٥٤٥ - وَعَن أم سَلمَة -﵂- قَالَت مَا رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إِلَا شعْبَان ورمضان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن.\nوَأَبُو دَاوُد وَلَفظه قَالَت لم يكن النَّبِي -ﷺ- يَصُوم من السّنة شهرا تَاما إِلَّا شعْبَان كَانَ يصله برمضان رَوَاهُ النَّسَائِيّ باللفظين جَمِيعًا (^٢).\n\n١٥٤٦ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يطلع الله إِلَى جَمِيع خلقه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر لجَمِيع خلقه إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَو مُشَاحِن رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١٧٧).\nقال الألباني فِى هامش صحيح الترغيب: ليس في رواية الشيخين: فإنه كان يصوم شعبان كله، وإنما هو عند ابن خزيمة وغيره،\n(^٢) الترمذي (٧٣٦)، وأبو داود (٢٣٣٦)، وأحمد (٢٦٥٦٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠١٥).\n(^٣) الطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٢١٥)، وفي الأوسط (٦٧٧٦)، وابن حبان (٥٦٦٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٩١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٨٣٣).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٥)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠١٦).","vol":"5","page":719},{"text":"١٥٤٧ - وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَائِشَة -﵂- أن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أَتَانِي جِبْرَائِيل ﵇ فَقَالَ هَذِه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَلله فِيهَا عُتَقَاء من النَّار بِعَدَد شُعُور غنم كلب وَلَا ينظر الله فِيهَا إِلَى مُشْرك وَلَا إِلَى مُشَاحِن وَلَا إِلَى قَاطع رحم وَلَا إِلَى مُسبل وَلا إِلَى عَاق لوَالِديهِ وَلا إِلَى مدمن خمر فَذكر الحَدِيث بِطُولهِ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي التهاجر إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^١).\n\n١٥٤٨ - وروى الإِمَام أَحْمد عَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- أَن رَسُول -ﷺ- قَالَ يطلع الله ﷿ إِلَى خلقه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر لِعِبَادِهِ إِلَّا اثْنَيْنِ مُشَاحِن وَقَاتل نفس (^٢).\n\n١٥٤٩ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَامَ رَسُول الله -ﷺ- من اللَّيْل فصلى فَأطَال السُّجُود حَتَّى ظَنَنْت أَنه قد قبض فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك قُمْت حَتَّى حركت إبهامه فَتحَرك فَرَجَعت فَسَمعته يَقُول فِي سُجُوده أعوذ بعفوك من عقابك وَأَعُوذ برضاك من سخطك وَأَعُوذ بك مِنْك إِلَيْك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك فَلَمَّا رفع رَأسه من السُّجُود وَفرغ من صلَاته قَالَ يَا عَائِشَة أَو يَا حميراء أظننت أَن النَّبِي -ﷺ- قد خاس بك قلت لا وَالله يَا رَسُول الله وَلَكِنِّي ظَنَنْت أنك قبضت لطول سجودك فَقَالَ أَتَدْرِينَ أَي لَيْلَة هَذِه قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هَذِه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِن الله ﷿ يطلع على\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٨٣٧)، وقال: هذا إسناد ضعيف.\n(^٢) أحمد (٦٦٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٥)، رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو لين الحديث، وبقية رجاله وثقوا.","vol":"5","page":720},{"text":"عباده فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر للمستغفرين وَيرْحَم المسترحمين وَيُؤَخر أهل الحقد كمَا هم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْعَلأء بن الْحَارِث عَنْهَا وَقَالَ هَذَا مُرْسل جيد يَعْني أَن الْعَلَاء لم يسمع من عَائِشَة وَاللّه سُبْحَانَهُ أعلم (^١).\nيُقَال خاس بِهِ إِذا غدره وَلم يوفه حَقه وَمعنى الحَدِيث أظننت أنني غدرت بك وَذَهَبت فِي ليلتك إِلَى غَيْرك وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالسِّين الْمُهْملَة.\n\n١٥٥٠ - وَرُوِيَ عَن عَليّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا يَوْمهَا فَإِن اللّه ﵎ ينزل فِيهَا لغروب الشَّمْس إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول أَلا من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ أَلا من مسترزق فأرزقه أَلا من مبتلى فأعافيه أَلا كَذَا أَلا كَذَا حَتَّى يطلع الْفجْر رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٢).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٨٣٥).\n(^٢) ابن ماجه (١٣٨٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٨٢٢)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٩٢٣)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٤٦)، هذا إسناد فيه ابن أبي سبرة، قال أحمد وابن معين: يضع الحديث، وقال الألباني موضوع، في ضعيف الجامع (٦٥٢).","vol":"5","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>التَّرْغِيب فِي صَوم ثلاثة أَيَّام من كل شهر سِيمَا الْأَيَّام الْبيض</span>\n١٥٥١ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ أَوْصَانِي خليلي -ﷺ- بِثَلَاث صِيَام ثَلَاَثة أَيَّام من كل شهر وركعتي الضُّحَى وَأَن أوتر قبل أَن أَنَام رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (^١).\n\n١٥٥٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قًالَ أَوْصَانِي حَبِيبِي بِثَلَاث لن أدعهن مَا عِشْت بصيام ثَلَاثَة إَّلام من كل شهر وَصَلاة الضُّحَى وَبِأَن لا أنام حَتَّى أوتر رَوَاهُ مسلم (^٢).\n\n١٥٥٣ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- صَوْم ثَلَاثة أيَّام من كل شهر صَوْم الدَّهْر كله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\n\n١٥٥٤ - وَعنهُ -﵁-: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول صَامَ نوح ﵇ الدَّهْر كله إِلَا يَوْم الْفطر والأضحى وَصَامَ دَاوُد ﵇ نصف الدَّهْر وَصَامَ إِبْرَاهِيم ﵇ ثَلَاثَة أيّام من كل شهر صَامَ الدَّهْر وَأفْطر الدَّهْر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ (^٤). وَفِي إسنادهما أَبُو فراس لم أَقف فِيهِ على جرح وَلا\n_________\n(^١) البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١)، والنسائي في الكبرى (١٣٨٧).\n(^٢) مسلم (٧٢٢)، وأبو داود (١٤٣٣)، وأحمد (٢٧٤٨١)، والطبراني في مسند الشاميين (١٠٠٢).\n(^٣) البخا ري (١٩٧٩)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٤) الطبراني في الكبير (١٤٧١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٨٤٦)، والمزي في تهذيب =","vol":"5","page":722},{"text":"شهر الصَّبْر هُوَ رَمَضَان. ووحر الصَّدْر هُوَ بِفَتْح الْوَاو والحاء الْمُهْملَة بعدهمَا رَاء هُوَ غشه وحقده ووساوسه.\n\n١٥٥٨ - وَرُوِيَ عَن مَيْمُونَة بنت سعد -﵂- أنَّهَا قَالَت يَا رَسُول اللّه أَفْتِنَا عَن الصَّوْم فَقَالَ من كل شهر ثَلَاثَة أيَّام من اسْتَطَاعَ أَن يصومهن فَإِن كل يَوْم يكفر عشر سيئات وينقي من الإِثْم كمَا ينقي المَاء الثَّوْب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\n\n١٥٥٩ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- من صَامَ من كل شهر ثَلاثَة أيَّام فَذَلِك صِيَام الدَّهْر فَأنزل الله تَصْدِيق ذَلِك فِي كِتَابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢) الْيَوْم بِعشْرَة أَيَّام رَوَاهُ أحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجه وَابْن خُزَيْمَة فِي صحِيحه (^٣).\n\n١٥٦٠ - وَفِي رِوَايَة للنسائي من صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر فقد تمّ صَوْم الشَّهْر أَو فَلهُ صَوْم الشَّهْر (^٤).\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٧)، رواه الطبراني في وإسناده ضعيف.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.\n(^٣) أحمد (٢١٣٠١)، والترمذي (٧٦٢)، وابن ماجه (١٧٠٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٢٥).\n(^٤) النسائي (٤/ ٢١٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٢٥).","vol":"5","page":723},{"text":"تَعْدِيل وَلا أرَاهُ يعرف وَاللّه أعلم.\n\n١٥٥٥ - وَعَن أبي قَتَادَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- ثَلاث من كل شهر ورمضان إِلَى رَمَضَان فَهَذَا صِيَام الدَّهْر كُله رَوَا مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ (^١).\n\n١٥٥٦ - وَعَن قُرَّة بن إِيَاس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- صِيَام ثَلاثَة أَيَّام من كل شهر صِيَام الدَّهْر وإفطاره رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَزَّار وَالطَّبرانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n\n١٥٥٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- صَوْم شهر الصَّبْر وَثَلَاَثة أَيَّام من كل شهر يذْهبن وحر الصَّدْر رَوَاهُ الْبَزَّار وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٣).\nوَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ الثَّلَاثَة من حَدِيث الأعرَابِي وَلم يسموه (^٤). وَرَوَاهُ البزار أَيْضا من حَدِيث عَليّ (^٥).\n_________\n=الكمال (٣٢/ ١٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٥)، رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو قنان، ولم أعرفه،\n(^١) مسلم (١١٦٢)، وأبو داود (٢٤٢٥)، وأحمد (٢٢٥٣٧).\n(^٢) أحمد (١٦٢٤٩)، والبزار (١٠٥٩)، والطبراني فىِ الكبير (٥٣)، وابن حبان (٣٦٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٦)، رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠١٢).\n(^٣) البزار (١٥٥٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٦)، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٢٢).\n(^٤) أحمد (٢٠٧٣٨)، وابن حبان (٦٥٥٧)، والبيهقي (٧/ ٥٨).\n(^٥) البزار (١٠٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٦)، وفيه الحجاج بن أرطأة، وفيه كلام.","vol":"5","page":724},{"text":"١٥٦١ - وَعَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل -﵁- عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- قيل للنَّبِي -ﷺ- رجل يَصُوم الدَّهْر فَقَالَ وددت أَنه لم يطعم الدَّهْر قَالُوا فثلثيه قَالَ أَكثر قَالُوا فنصفه قَالَ أَكثر ثمَّ قَالَ أَلا أخْبركُم بِمَا يذهب وحر الصَّدْر قَالَ صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر رَوَاهُ النَّسَائيّ (^١).\n\n١٥٦٢ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِ -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَهُ بَلغني أنَك تَصُوم النَّهَار وَتقوم اللَّيْل فَلَا تفعل فَإِن لجسدك عَلَيْك حظا ولعينيك عَلَيْك حظا وَإِن لزوجك عَلَيْك حظا صم وَأفْطر صم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام فَذَلِك صَوْم الدَّهْر قلت يَا رَسُول اللّه إِن لي قُوَّة قَالَ فَصم صَوْم دَاوُد ﵇ صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا فَكَانَ يَقُول يَا لَيْتَني أخذت بِالرُّخْصَةِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nوَالنَّسَائيّ وَلَفظه قَالَ ذكرت -ﷺ- الصَّوْم فَقَالَ صم من كل عشرَة أَيَّام يَوْمًا وَلَك أجر تِلْكَ التِّسْعَة قلت إِنِّي أقوى من ذَلِك قَالَ فَصم من كل تِسْعَة أَيَّام يَوْمًا وَلَك أجر تِلْكَ الثَّمَانِية فَقلت إِنِّي أقوى من ذَلِك قَالَ فَصم من كل ثَمَانِيَة أَيَّام يَوْمًا وَلَك أجر تِلْكَ السَّبْعَة قلت إِنِّي أقوى من ذَلِك قَالَ فَلم يزل حَتَّى قَالَ صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا (^٣).\n_________\n(^١) النسائي (٤/ ٢٠٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٢٦).\n(^٢) البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٣) النسائي (٤/ ٢١٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٢٧).","vol":"5","page":725},{"text":"١٥٦٣ - وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا وَلمُسلم أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ صم يَوْمًا وَلَك أجر مَا بَقِي قَالَ إِنِّي أُطِيق أَكثر من ذَلِك قَالَ صم يَوْمَيْنِ وَلَك أجر مَا بَقِي قَالَ إِنِّي أُطِيق أَكثر من ذَلِك قَالَ صم ثَلاثَة أَيَّام وَلَك أجر مَا بَقِي قَالَ إِنِّي أُطِيق أَكثر من ذَلِك قَالَ صم أَرْبَعَة أَيَّام وَلَك أجر مَا بَقِي قَالَ إِنِّي أُطِيق أَكثر من ذَلِك قَالَ فَصم أفضل الصّيام عِنْد الله صَوْم دَاوُد كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا (^١).\n\n١٥٦٤ - وَفِي أُخْرَى للْبُخَارِيّ وَمُسلم قَالَ أخبر رَسُول اللّه -ﷺ- أَنه يَقُول لأقومن اللَّيْل ولأصومن النَّهَار مَا عِشْت فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- إِنَّك الَّذِي تَقول ذَلِك فَقلت لَهُ قد قلته يَا رَسُول اللّه فقَالَ رَسُول الله -ﷺ- فَإنَّك لا تَسْتَطِيع ذَلِك فَصم وَأفْطر ونم وقم صم من الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا وَذَلِكَ مثل صِيَام الدَّهْر قَالَ فَإِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمَيْنِ قَالَ فَقلت فَإِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك يَا رَسُول اللّه قَالَ فَصم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَام دَاوُد وَهُوَ أعدل الصّيام قَالَ فَإِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لا أفضل من ذَلِك.\nزَاد مُسلم قَالَ عبد اللّه بن عَمْرو لِأن أكون قبلت الثلَاثَة الَّتِي قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- أحب إِلَيّ من أَهلِي وَمَالِي (^٢).\n\n١٥٦٤ - م ١ - وَفِي أُخْرَى لمُسلم قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- بَلغني أنَّك تقوم اللَّيْل وتصوم النَّهَار قلت يَا رَسُول اللّه مَا أردْت بذلك إِلَا الْخَيْر قَالَ لا صَامَ\n_________\n(^١) مسلم (١١٥٩).\n(^٢) البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩).","vol":"5","page":726},{"text":"من صَامَ الدَّهْر وَفِي رِوَايَة الْأَبَد وَلَكِن أدلك على صَوْم الدَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر قلت يَا رَسُول اللّه أَنا أُطِيق أَكثر من ذَلِك الحَدِيث (^١).\n\n١٥٦٤ - م ٢ - وَفِي أُخْرَى للْبُخَارِيّ وَمُسلم قَالَ أخبر رَسُول اللّه -ﷺ- أَنه يَقُول لأقومن اللَّيْل ولأصومن النَّهَار مَا عِشْت فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- إِنَّك الَّذِي تَقول ذَلِك فَقلت لَهُ قد قلته يَا رَسُول اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- فَإنَّك لا تَسْتَطِيع ذَلِك فَصم وَأفْطر ونم وقم صم من الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا وَذَلِكَ مثل صِيَام الدَّهْر قَالَ فَإِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمَيْنِ قَالَ فَقلت فَإِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك يَا رَسُول اللّه قَالَ فَصم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَام دَاوُد وَهُوَ أعدل الصّيام قَالَ فَإِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لا أفضل من ذَلِك.\nزَاد مُسلم قَالَ عبد اللّه بن عَمْرو لِأن أكون قبلت الثَّلَاثَة الَّتِي قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- أحب إِلَيّ من أَهلِي وَمَالِي (^٢).\n\n١٥٦٥ - وَفِي أُخْرَى لمُسلم قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- بَلغني أَنَّك تقوم اللَّيْل وتصوم النَّهَار قلت يَا رَسُول اللّه مَا أردْت بذلك إِلَا الْخَيْر قَالَ لا صَامَ من صَامَ الدَّهْر وَفِي رِوَايَة الْأَبَد وَلَكِن أدلك على صَوْم الدَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر قلت يَا رَسُول اللّه أَنا أُطِيق أَكثر من ذَلِك الحَدِيث (^٣).\n_________\n(^١) النسائي (٤/ ٢١٣).\n(^٢) البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٣) النسائي (٤/ ٢١٣).","vol":"5","page":727},{"text":"١٥٦٥ - م - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- إِذا صمت من الشَّهْر ثَلاثًا فَصم ثَلاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمس عشرَة رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^١).\nوَزَاد ابْن مَاجَه فَأنْزل اللّه تَصْدِيق ذَلِك فِي كتَابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢) فاليوم بِعشْرَة أَيَّام.\n\n١٥٦٦ - وَعَن عبد اللّه بن قدامَة بن ملْحَان عَن أَبِيه -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول اللّه -ﷺ- يَأْمُرنَا بصيام أَيَّام الْبيض ثَلاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة قَالَ وَقَالَ -ﷺ- وَهُوَ كهَيئَةِ الدَّهْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٣).\nوَالنَّسَائيّ وَلَفظه إِن رَسُول اللّه -ﷺ- كَانَ يَأْمُرنَا بِهَذِهِ الأَيَّام الثَّلاث الْبيض وَيَقُول هن صِيَام الشَّهْر (^٤).\nقَالَ المملي -﵁- هَكَذَا وَقع فِي النَّسَائيّ عبد الْملك بن قدامَة وَصَوَابه قَتَادَة كَمَا جَاءَ فِي أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَجَاء فِي النَّسَائيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا عبد الْملك بن الْمنْهَال عَن أَبِيه.\n_________\n(^١) أحمد (٢١٣٤٧)، والترمذي (٧٦٢)، وابن ماجه (١٧٠٨)، وابن خزيمة (٢١١٨)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٢٨).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.\n(^٣) أبو داود (٢٤٤٩)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٢٩).\n(^٤) ابن ماجه (١٧٠٧)، وأحمد (٢٠٣١٦)، وابن حبان (٣٦٥١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٢٩).","vol":"5","page":728},{"text":"١٥٦٧ - وَعَن جرير -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر صِيَام الدَّهْر أَيَّام الْبيض صَبِيحَة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\n\n١٥٦٨ - وَعَن ابْن عمر -﵁- أَن رجلا سَأل النَّبِي -ﷺ- عَن الصّيام فَقَالَ عَلَيْك بالبيض ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر رَوَاهُ الطّبَرانِيّ فِي الأوْسَط وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٨٥٣)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٣٠).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٨٢٨٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٦)، رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات.","vol":"5","page":729},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>التَّرْغِيب فِي صَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخمِيس</span>\n١٥٦٩ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ تعرض الأعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَأحب أَن يعرض عَمَلي وَأَنا صَائِم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\n\n١٥٧٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَيْضا أَن النَّبِي -ﷺ- كَانَ يَصُوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَقيل يَا رَسُول اللّه إِنَّك تَصُوم الِاثْنينِ وَالْخَمِيس فَقَالَ إِن يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس يغْفر اللّه فيهمَا لكل مُسلم إِلَا مهتجرين يَقُول دعهما حَتَّى يصطلحا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nوَرَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِاخْتِصَار ذكر الصَّوْم وَلَفظ مُسلم قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- تعرض الأعْمَال فِي كل اثْنَيْنِ وخميس فَيغْفر اللّه ﷿ فِي ذَلِك الْيَوْم لكل امرئ لَا يُشْرك بِاللّه شَيْئا إِلَّا امْرأ كَانَت بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء فَيَقُول اتْرُكوا هذَيْن حَتَّى يصطلحا (^٣).\nوَفِي رِوَايَة لَهُ تفتح أَبْوَاب الْجنَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَيغْفر لكل عبد لَا يُشْرك بِاللّه شَيْئا إِلَا رجلا كَانَ بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء الحَدِيث (^٤).\n_________\n(^١) الترمذي (٧٤٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٣١).\n(^٢) ابن ماجه (١٧٤٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٣٢).\n(^٣) مسلم (٢٥٦٥)، ومالك في الموطأ (٢٦٤٢)، وأبو داود (٤٩١٦)، والترمذي (٢٠٢٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٤١١)، وأحمد (٧٦٣٩).\n(^٤) مسلم (٢٥٦٥).","vol":"5","page":730},{"text":"وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَفظه قَالَ تنسخ دواوين أهل الأرْض فِي دواوين أهل السَّمَاء فِي كل اثْنَيْنِ وخميس فَيغْفر لكل مُسلم لا يُشْرك بِاللّه شَيْئا إِلَّا رجلا بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء (^١).\n\n١٥٧١ - وَعَن أُسَامَة بن زيد -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه إِنَّك تَصُوم حَتَّى لا تكَاد تفطر وتفطر حَتَّى لا تكَاد تَصُوم إِلَا يَوْمَيْنِ إِن دخلا فِي صيامك وَإِلَّا صمتهما قَالَ أَي يَوْمَيْنِ قلت يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس قَالَ ذَلِك يَوْمَانِ تعرض فيهمَا الأعْمَال على رب الْعَالمين فَأحب أَن يعرض عَمَلي وَأَنا صَائِم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢). وَفِي إِسْنَاده رجلَانِ مَجْهُولانِ مولى قدامَة وَمولى أُسَامَة.\n\n١٥٧٢ - وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن شُرَحْبِيل بن سعد عَن أُسَامَة قَالَ كَانَ رَسُول اللّه -ﷺ- يَصُوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَيَقُول إِن هذَيْن الْيَوْمَيْنِ تعرض فيهمَا الأعْمَال (^٣).\n\n١٥٧٣ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ تعرض الأعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَمن مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ وَمن تائب فيتاب عَلَيْهِ وَيرد أهل الضغائن بضغائنهم حَتَّى يتوبوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (^٤).\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٩٢٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٦)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.\n(^٢) أبو داود (٢٤٣٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٣٣).\n(^٣) ابن خزيمة (٢١١٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٣٣).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٧٤١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٦)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٣٤).","vol":"5","page":731},{"text":"١٥٧٤ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت كانَ رَسُول اللّه -ﷺ- يتحَرَّى صَوْم الِاثْنينِ وَالْخَمِيس رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٧٣٩)، والترمذي (٧٤٥)، وأحمد (٢٤٥٠٨)، وأبو يعلى (٤٧٥١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٣٥).","vol":"5","page":732},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>التَّرْغِيب فِي صَوْم الأرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة والسبت والأحد وَمَا جَاءَ فِي النَّهْي عَن تَخْصِيص الْجُمعَة بِالصَّوْم أَو السبت</span>\n١٥٧٥ - رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- من صَامَ يَوْم الأرْبَعَاء وَالْخَمِيس كتبت لَهُ بَرَاءَة من النَّار رَوَاهُ أَبُو يعلى (^١).\n\n١٥٧٦ - وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- من صَامَ الأرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة بنى اللّه لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة يرى ظَاهره من بَاطِنه وباطنه من ظَاهره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^٢).\nوَرَوَاهُ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي أُمَامَة (^٣).\n\n١٥٧٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول من صَامَ الأرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة بنى اللّه لَهُ قصرا فِي الْجنَّة من لُؤْلُؤ وَيَاقُوت وَزَبَرْجَد وَكتب لَهُ بَرَاءَة من النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ (^٤).\n_________\n(^١) أبو يعلى (٥٦٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٨)، فيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.\n(^٢) الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزائد (٣/ ١٩٨)، وقال فيه صالح بن جبلة ضعفه الأزدي.\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٧٩٨١).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٢٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٩٩)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه صالح بن جبلة ضعفه الأزدي.","vol":"5","page":733},{"text":"١٥٧٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- قالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- من صَامَ الأرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَيَوْم الْجُمُعَة ثمَّ تصدق يَوْم الْجُمُعَة بِمَا قل أَو كثر غفر لَهُ كل ذَنْب عمله حَتَّى يصير كَيَوْم وَلدته أمه من الْخَطَايَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\n\n١٥٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- من صَامَ يَوْم الْجُمُعَة كتب اللّه لَهُ عشرَة أَيَّام عددهن من أَيَّام الآخِرَة لا تشاكلهن أَيَّام الدُّنْيَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن رجل من جشم عَن أبي هُرَيْرَة وَعَن رجل من أَشْجَع عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا وَلم يسم الرجلَيْن وَهَذَا الحَدِيث على تَقْدِير وجوده مَحْمُول على مَا إِذا صَامَ يَوْم الْخَمِيس قبله أَو عزم على صَوْم السبت بعده (^٢).\n\n١٥٨٠ - وَعَن عبيد اللّه بن مُسلم الْقرشِي عَن أَبِيه قَالَ سَأَلت أَو سُئِلَ النَّبِي -ﷺ- عَن صِيَام الدَّهْر فَقَالَ لا إِن لاهلك عَلَيْك حَقًا صم رَمَضَان وَالَّذِي يَلِيهِ وكل أربعاء وخميس فَإِذن أَنْت قد صمت الدَّهْر وَأَفْطَرت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٣).\nقَالَ المملي عبد الْعَظِيم -﵁- وَرُوَاته ثِقَات.\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٣٣٠٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٨٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٩)، فيه محمد بن قيس المدني ولم أجد من ترجمه، وفيه يحيى بن عبد اللّه البابلتي ضعيف.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٨٦٢).\n(^٣) أبو داود (٢٤٣٢)، والنسائي في الكبرى (٢٧٨٠)، والترمذي (٧٤٨)، وقال حديث غريب.","vol":"5","page":734},{"text":"١٥٨١ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي وَلا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام إِلَّا أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم رَوَا مسلم وَالنَّسَائيّ (^١).\n\n١٥٨٢ - وَعنهُ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسول اللّه -ﷺ- يَقُول لا يصومن أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَن يَصُوم يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيمَه في صحِيحه (^٢).\nوَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة إِن يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عيد فَلَا تجْعَلُوا يَوْم عيدكم يَوْم صِيَامكُمْ إِلَّا أَن تَصُومُوا قبله أَو بعده (^٣).\n\n١٥٨٣ - وَعَن أم الْمُؤمنِينَ جوَيْرِية بنت الْحَارِث -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- دخل عَلَيْهَا يَوْم الْجُمُعَة وَهِي صَائِمَة فَقَالَ أصمت أمس قَالَت لا قَالَ تريدين أَن تصومي غَدا قَالَت لا قَالَ فأفطري رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد (^٤).\n\n١٥٨٤ - وَعَن مُحَمَّد بن عباد -﵁- قَالَ سَأَلت جَابِرا وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ أنهى النَّبِي -ﷺ- عَن صِيَام الْجُمُعَة قَالَ نعم وَرب هَذَا الْبَيْت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٥).\n_________\n(^١) مسلم (١١٤٤)، والنسائي في الكبرى (٢٧٥١).\n(^٢) البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤)، والترمذي (٧٤٣)، والنسائي في الكبرى (٢٧٥٦)، وابن ماجه (١٧٢٣)، وابن خزيمة (٢١٥٨)، وأبو داود (٢٤٢٠)،\n(^٣) ابن خزيمة (٢١٦١)، وأحمد (٨٠٢٥)، والحاكم (١/ ٤٣٧).\n(^٤) البخاري (١٩٨٦)، وأبو داود (٢٤٢٢)، والنسائي في الكبرى (٢٧٥٣)، وابن خزيمة (٢١٦٤).\n(^٥) البخاري (١٩٨٤)، ومسلم (١١٤٣)، وابن ماجه (١٧٢٤)، وأحمد (١٤١٥٤)، والنسائي في الكبرى (٢٧٤٦).","vol":"5","page":735},{"text":"١٥٨٥ - وَعَن عَامر بن لدين الأشْعَرِي -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول إِن يَوْم الْجُمُعَة عيدكم فَلَا تَصُومُوا إِلَا أَن تَصُومُوا قبله أَو بعده رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^١).\n\n١٥٨٦ - وَعَن ابْن سِيرِين قَالَ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء -﵁- يحيي لَيْلَة الْجُمُعَة ويصوم يَوْمهَا فَأَتَاهُ سلمَان وَكَانَ النَّبِي -ﷺ- آخى بَينهمَا ونام عِنْده فَأَرَادَ أَبُو الدَّرْدَاء أَن يقوم ليلته فَقَامَ إِلَيْهِ سلمَان فَلم يَدعه حَتَّى نَام وَأفْطر فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَأخْبرهُ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- عُوَيْمِر سُلَيْمَان أعلم مِنْك لا تخص لَيْلَة الْجُمُعَة بِصَلَاة وَلا يَوْمهَا بصيام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n\n١٥٨٧ - وَعَن عبد اللّه بن بسر عَن أُخْته الصماء -﵃- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ: لا تَصُومُوا لَيْلَة السبت إِلَا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم فَإِن لم يجد أحدكم إِلَّا لحاء عنبة أَو عود شَجَرَة فليمضغه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ هَذَا حَدِيث مَنْسُوخ (^٣).\n_________\n(^١) البزار (١٠٦٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٩)، رواه البزار وإسناده حسن،\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٠٥٦)، وعبد الرازق (٧٨٠٣)، وأحمد (٢٧٥٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٠)، رواه الطبراني في الكبير، وهو مرسل، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) الترمذي (٧٤٤)، والنسائي (٢٧٦٢)، وابن خزيمة (٢١٦٣)، وأبو داود (٢٤٢١)، وابن ماجه (١٧٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٨٠)، وأحمد (٢٧٠٧٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤٠).","vol":"5","page":736},{"text":"وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عبد اللّه بن بسر دون ذكر أُخْته (^١).\n\n١٥٨٨ - وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه أَيْضا عَن عبد اللّه بن شَقِيق عَن عمته الصماء أُخْت بسر أنَهَا كانَت تَقول نهى رَسُول اللّه -ﷺ- عَن صِيَام يَوْم السبت وَيَقُول إِن لم يجد أحدكُم إِلَا عودا أَخْضَر فليفطر عَلَيْهِ (^٢).\nاللحاء بِكَسْر اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة ممدودا هُوَ القشر.\nقَالَ الْحَافِظ وَهَذَا النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَن إِفْرَاده بِالصَّوْمِ لما تقدم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة لا يَصُوم أحدكم يَوْم الْجُمُعَة إِلَا أَن يَصُوم يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده فَجَاز إِذا صَوْمه.\n\n١٥٨٩ - وَعَن أم سَلمَة -﵂- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- أَكثر مَا كانَ يَصُوم من الأيام يَوْم السبت وَيَوْم الأحَد كانَ يَقُول إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين وَأَنا أُرِيد أن أخالفهم رَوَاهُ ابْن خُزَيمه في صحِيحه وغيره (^٣).\n_________\n(^١) النسائي (٢٧٥٩)، وابن ماجه (١٧٢٦)، وابن حبان (٣٦١٥)، وأحمد (١٧٦٨٦).\n(^٢) ابن خزيمة (٢١٦٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤٠).\n(^٣) ابن خزيمة (٢١٦٧)، وأحمد (٢٦٧٥٠)، وابن حبان (٣٦١٦)، والنسائي في الكبرى (٢٧٧٥)، والحاكم (١/ ٤٣٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٣)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤١).","vol":"5","page":737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>التَّرْغِيب فِي صَوْم يَوْم وإفطار يَوْم وَهُوَ صَوْم دَاوُد ﵇</span>\n١٥٩٠ - عَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵁- قالَ قَالَ لي رَسُول اللّه -ﷺ- إِنَّك لتصوم الدَّهْر وَتقوم اللَّيْل قلت نعم قَالَ إِنَّك إِذا فعلت ذَلِك هجمت لَهُ الْعين ونفهت لَهُ النَّفس لا صَامَ من صَامَ الْأَبَد صَوْم ثَلاثَة أَيَّام من الشَّهْر صَوْم الشَّهْر كُله قلت فَإِنِّي أُطِيق أَكثر من ذَلِك قَالَ فَصم صَوْم دَاوُد ﵇ كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَلا يفر إِذا لاقَى (^١).\nوَفِي رِوَايَة ألم أخبر أنك تَصُوم وَلا تفطر وَتصلي اللَّيْل فَلَا تفعل فَإِن لعينك حظا وَلنَفْسِك حظا ولاهلك حظا فَصم وَأفْطر وصل ونم وصم من كل عشرَة أَيَّام يَوْمًا وَلَك أجر تِسْعَة قَالَ إِنِّي أجد أقوى من ذَلِك يَا نَبِي اللّه قَالَ فَصم صِيَام دَاوُد ﵇ قَالَ وَكَيف كَانَ يَصُوم يَا نَبِي اللّه قَالَ كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا وَلا يفر إِذا لاقَى (^٢).\nوَفِي أُخْرَى قَالَ النَّبِي -ﷺ- لا صَوْم فَوق صَوْم دَاوُد ﵇ شطر الدَّهْر صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٣).\n\n١٥٩١ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ لَهُ صم يَوْمًا وَلَك أجر مَا بَقِي قَالَ أَنا أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ صم ثَلَاَثة أَيَّام وَلَك أجر مَا بَقِي قَالَ إِنِّي\n_________\n(^١) البخاري (١٩٧٩)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٢) البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٣) البخاري (١٩٨٠)، ومسلم (١١٥٩).","vol":"5","page":738},{"text":"أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ صم أفضل الصّيام عِنْد اللّه صَوْم دَاوُد ﵇ كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا (^١).\n\n١٥٩٢ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَأبي دَاوُد قَالَ صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمًا وَهُوَ أعدل الصّيام وَهُوَ صِيَام دَاوُد ﵇ قلت إِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لا أفضل من ذَلِك (^٢).\n\n١٥٩٣ - وَفِي رِوَايَة للنسائي صم أحب الصّيام إِلَى اللّه ﷿ صَوْم دَاوُد كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا (^٣).\n\n١٥٩٤ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ كنت أَصوم الدَّهْر وأقرأ الْقُرْآن كل لَيْلَة قَالَ فإمَّا ذكرت للنَّبِي -ﷺ- وَإِمَّا أرسل إِلَيّ فَأتيْته فَقَالَ ألم أخبر أنَك تَصُوم الدَّهْر وتقرأ الْقُرْآن كل لَيْلَة فَقلت بلَى يَا نَبِي اللّه وَلم أرد بذلك إِلَّا الْخَيْر قَالَ فَإِن بحسبك أَن تَصُوم من كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام فَقلت يَا نَبِي اللّه إِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ فَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا ولزورك عَلَيْك حَقًا ولجسدك عَلَيْك حَقًا قَالَ فَصم صَوْم دَاوُد نَبِي اللّه ﵇ فَإِنَّهُ كَانَ أعبد النَّاس قَالَ قلت يَا نَبِي اللّه وَمَا صَوْم دَاوُد قَالَ كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا قَالَ واقرإ الْقُرْآن فِي كل شهر قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه إِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ فاقرأه فِي كل عشْرين قَالَ قلت يَا نَبِي اللّه إِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ فاقرأه فِي كل عشرَة\n_________\n(^١) مسلم (١١٥٩).\n(^٢) البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٣) النسائي (٤/ ٢١٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤٢).","vol":"5","page":739},{"text":"قَالَ قلت يَا نَبِي اللّه إِنِّي أُطِيق أفضل من ذَلِك قَالَ فاقرأه فِي كل سبع وَلا تزد على ذَلِك فَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا ولزورك عَلَيْك حَقًا ولجسدك عَلَيْك حَقًا (^١).\n\n١٥٩٥ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- أحب الصّيام إِلَى اللّه صِيَام دَاوُد وَأحب الصَّلَاة إِلَى اللّه صَلَاة دَاوُد كانَ ينَام نصف اللَّيْل وَيقوم ثلثه وينام سدسه وَكانَ يفْطر يَوْمًا ويصوم يَوْمًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه (^٢).\nهجمت الْعين بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم أَي غارت وَظهر عَلَيْهَا الضعْف. ونفهت النَّفس بِفَتْح النُّون وَكسر الْفَاء أَي كلت وملت وأعيت. والزور بِفَتْح الزَّاي هُوَ الزائر الْوَاحِد وَالْجمع فِيهِ سَوَاء.\n_________\n(^١) مسلم (١١٥٩).\n(^٢) البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩)، وأبو داود (٢٤٤٨)، والنسائي في الكبرى (٢٦٥٣)، وابن ماجه (١٧١٢).","vol":"5","page":740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>ترهيب الْمَرْأَة أَن تَصُوم تَطَوّعا وَزوجهَا حَاضر إِلَّا أَن تستأذنه</span>\n١٥٩٦ - عَن أبي هُرَيرَة -﵁- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ لا يحل لامْرَأَة أَن تَصُوم وَزوجهَا شَاهد إِلَا بِإِذْنِهِ وَلا تَأذن فِي بَيته إِلَا بِإِذْنِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَرَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَزَاد إِلَا رَمَضَان وَفِي بعض رِوَايَات أبي دَاوُد غير رَمَضَان.\n\n١٥٩٧ - وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي وَابْن مَاجَه لا تصم الْمَرْأَة وَزوجهَا شَاهد يَوْمًا من غير شهر رَمَضَان إِلَا بإذْنِهِ وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا بِنَحْوِ التِّرْمِذِيّ (^١).\n\n١٥٩٨ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- أَيّمَا امْرَأَة صَامت بِغَيْر إِذن زَوجهَا فأرادها على شَيْء فامتنعت عَلَيْهِ كتب الله عَلَيْهَا ثَلًَاثا من الْكَبَائِر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة بقِيَّة وَهُوَ حَدِيث غَرِيب وَفِيه نَكَارَة وَالله أعلم (^٢).\n\n١٥٩٩ - وروى الطَّبَرَانِيّ حَدِيثا عَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- وَفِيه وَمن حق الزَّوْج على الزَّوْجَة أَن لا تَصُوم تَطَوّعا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِن فعلت جاعت وعطشت وَلا يقبل مِنْهَا وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي النِّكاح إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٥١٩٥)، ومسلم (١٠٢٦)، وأبو داود (٢٤٥٨)، والترمذي (٧٨٢)، وابن ماجه (١٧٦١)، وأحمد (٩٧٣٤)، وابن خزيمة (٢١٦٨)، وابن حبان (٣٥٧٣).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٢٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٠)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه بقية وهو ثقة، ولكنه مدلس، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٢٥).\n(^٣) البزار (١٤٦٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٠٧)، رواه البزار، وفيه حسين بن قيس المعروف بحنش، وهو ضعيف.","vol":"5","page":741},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>ترهيب الْمسَافِر من الصَّوْم إِذا كَانَ يشق عَلَيْهِ وترغيبه فِي الْإِفْطَار</span>\n١٦٠٠ - عَن جَابر -﵁- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- خرج عَام الْفَتْح إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان حَتَّى بلغ كرَاع الغميم فصَام وَصَامَ النَّاس ثمَّ دَعَا بقدح من مَاء فرفعه حَتَّى نظر النَّاس إِلَيْهِ ثمَّ شرب فَقيل لَهُ بعد ذَلِك إِن بعض النَّاس قد صَامَ فَقَالَ أُولَئِكَ العصاة.\nوَفِي رِوَايَة فَقيل لَهُ إِن بعض النَّاس قد صَامَ فَقَالَ أُولَئِكَ العصاة أُولَئِكَ العصاة وَفِي رِوَايَة فَقيل لَهُ إِن بعض النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصّيام وَإِنَّمَا ينظرُونَ فِيمَا فعلت فَدَعَا بقدح من مَاء بعد الْعَصْر الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم (^١).\nكرَاع بِضَم الْكَاف. الغميم بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَوضِع على ثَلَاثَة أَمْيَال من عسفان.\n\n١٦٠١ - وَعنهُ -﵁- قالَ كَانَ النَّبِي -ﷺ- فِي سفر فَرَأى رجلا قد اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ وَقد ظلل عَلَيْهِ فَقَالَ مَا لَهُ قَالُوا رجل صَائِم فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لَيْسَ الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر زَاد فِي رِوَايَة وَعَلَيْكُم بِرُخْصَة اللّه الَّتي رخص لكم.\nوَفِي رِوَايَة لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (١١١٤).\n(^٢) البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، وأبو داود (٢٤٠٧).","vol":"5","page":742},{"text":"١٦٠٢ - وَفِي رِوَايَة للنسائي أَن رَسُول اللّه -ﷺ- مر على رجل فِي ظلّ شَجَرَة يرش عَلَيْهِ المَاء قَالَ مَا بَال صَاحبكُم قَالُوا يَا رَسُول اللّه صَائِم قَالَ إِنَّه لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا في السّفر وَعَلَيْكُم بِرُخْصَة اللّه ﷿ الَّتي رخص لكم فاقبلوها (^١).\n\n١٦٠٣ - وَعَن عمار بن يَاسر -﵁- قَالَ أَقبلنَا مَعَ رَسُول اللّه -ﷺ- من غَزْوَة فسرنا فِي يَوْم شَدِيد الْحر فنزلنا فِي بعض الطَّرِيق فَانْطَلق رجل منا فَدخل تَحت شَجَرَة فَإِذا أَصْحَابه يلوذون بِهِ وَهُوَ مُضْطَجع كهَيئَةِ الوجع فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ مَا بَال صَاحبكُم قَالُوا صَائِم فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر عَلَيْكُم بالرُّخْصَةِ الَّتِي أرخص الله لكم فاقبلوها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n\n١٦٠٤ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو -﵄- قَالَ سَار رَسُول اللّه -ﷺ- فَنزل بِأَصْحَابِهِ وَإِذا نَاس قد جعلُوا عَرِيشًا على صَاحبهمْ وَهُوَ صَائِم فَمر بِهِ رَسُول اللّه -ﷺ- فَقَالَ مَا شَأْن صَاحبكُم أوجع قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَلكنه صَائِم وَذَلِكَ فِي يَوْم حرور فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لا بر أَن يصام فِي سفر رَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) النسائي (٤/ ١٧٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤٦).\n(^٢) الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٣/ ١٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤٧).\n(^٣) الطبراني في الكبير (١٤٦٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٦١)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤٨).","vol":"5","page":743},{"text":"١٦٠٥ - وَعَن كَعْب بن عَاصِم الأشْعَرِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول لَيْسَ من الْبر الصّيام فِي السّفر رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^١). وَهُوَ عِنْد أَحْمد بِلَفْظ لَيْسَ من ام بر ام صِيَام فِي ام سفر وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢).\n\n١٦٠٦ - وَعَن عبد اللّه بن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n١٦٠٧ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- صَائِم رَمَضَان فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر رَوَاهُ ابْن مَاجَه مَرْفُوعا هَكَذَا (^٤).\nوَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن إِلَّا أَنه قَالَ كانَ يُقَال الصّيام فِي السّفر كالإفطار فِي الْحَضَر. وَفِي رِوَايَة الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر (^٥).\nقَالَ الْحَافِظ قَول الصَّحَابِيّ كَانَ يُقَال كَذَا هَل يلْتَحق بالمرفوع أَو\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٦٦٤)، وابن خزيمة (٢٠١٦)، وأحمد (٢٣٦٨٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤٨).\n(^٢) أحمد (٢٣٦٧٩)، وعبد الرزاق (٤٤٦٧)، والطبراني في الكبير (١٩/ رقم ٣٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٦١)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٤٨).\n(^٣) ابن ماجه (١٦٦٥)، وابن حبان (٣٥٤٨)، والطبراني في الكبير (١٣٣٨٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٦٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٥٠).\n(^٤) ابن ماجه (١٦٦٦)، قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف ومنقطع، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٤٥٦).\n(^٥) النسائي (٤/ ١٨٣).","vol":"5","page":744},{"text":"الْمَوْقُوف فِيهِ خلاف مَشْهُور بَين الْمُحدثين والأصوليين لَيْسَ هَذَا مَوضِع بَسطه لَكِن الْجُمْهُور على أَنه إِذا لم يضفه إِلَى زمن النَّبِي -ﷺ- يكون مَوْقُوفا وَاللّه أعلم.\n\n١٦٠٨ - وَعَن أبي طعمة قَالَ كنت عِنْد ابْن عمر فَجَاءَهُ رجل فَقَالَ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِنِّي أقوى على الصّيام فِي السّفر فَقَالَ ابْن عمر -﵁- إِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول من لم يقبل رخصَة اللّه ﷿ كلانَ عَلَيْهِ من الإِثْم مثل جبال عَرَفَة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nوَكانَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن ﵀ يَقُول: إِسْنَاد أَحْمد حسن وَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الضُّعَفَاء: هُوَ حَدِيث مُنكر وَاللّه أعلم.\n\n١٦٠٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن اللّه ﵎ يحب أَن تُؤْتى رخصه كَمَا يكره أَن تُؤْتى مَعْصِيَته رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَزَّار وَالطّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (٥٣٩٢)، والطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٣/ ١٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناد أحمد حسن، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٤٤).\n(^٢) أحمد (٥٨٦٦)، والبزار (٩٨٨)، والطبراني في الأوسط (٥٣٥٢)، وابن خزيمة (٩٥٠)، وابن حبان (٢٧٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٦٢)، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والبزار والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٥١).","vol":"5","page":745},{"text":"وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَ إِن الله يحب أَن تُؤْتى رخصه كمَا يحب أَن تتْرك مَعْصِيَته (^١).\n\n١٦١٠ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط أَيْضا وَالْكَبِير عَن عبد اللّه بن يزِيد بن آدم قَالَ حَدثني أَبُو الدَّرْدَاء وواثلة بن الأسْقَع وَأَبُو أُمَامَة وَأنس بن مَالك أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ إِن اللّه يحب أَن تقبل رخصه كمَا يحب العَبْد مغْفرَة ربه (^٢).\n\n١٦١١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- إِن اللّه يحب أَن تُؤْتى رخصه كمَا يحب أَن تُؤْتى عَزَائِمه رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n١٦١٢ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ كنَّا مَعَ النَّبِي -ﷺ- فِي السّفر فمنا الصَّائِم وَمنا الْمُفطر قَالَ فنزلنا منزلًا فِي يَوْم حَار أكثرنا ظلا صَاحب الكساء فمنا من يَتَّقِي الشَّمْس بِيَدِهِ قَالَ فَسقط الصوام وَقَامَ المفطرون فَضربُوا الأبْنِيَة وَسقوا الركاب فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- ذهب المفطرون الْيَوْم بِالأجْرِ رَوَاهُ مُسلم (^٤).\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢٠٢٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٥١).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٤٩٢٧)، والكبير، كما في مجمع الزوائد (٣/ ١٦٣)، وقال: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وعبد اللّه بن يزيد ضعفه أحمد وغيره، وقال الألباني موضوع، في ضعيف الجامع (١٧١٣).\n(^٣) البزار (٩٩٠)، والطبراني قي الكبير (١١٨٨٠)، وابن حبان (٣٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٦٢)، رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجال البزار ثقات، وكذلك رجال الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٥٢).\n(^٤) البخاري (٢٨٩٠)، ومسلم (١١١٩).","vol":"5","page":746},{"text":"١٦١٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِي -﵁- قَالَ غزونا مَعَ رَسُول اللّه -ﷺ- لست عشرَة مَضَت من رَمَضَان فمنا من صَامَ وَمنا من أفطر فَلم يعب الصَّائِم على الْمُفطر وَلا الْمُفطر على الصَّائِم.\nوَفِي رِوَايَة يرَوْنَ أَن من وجد قُوَّة فصَام فَإِن ذَلِك حسن ويرون أَن من وجد ضعفا فَأفْطر فَإِن ذَلِك حسن رَوَاهُ مسلم وَغَيره (^١).\nقَالَ الْحَافِظ اخْتلف الْعلمَاء أَيّمَا أفضل فِي السّفر الصَّوْم أَو الْفطر فَذهب أنس بن مَالك -﵁- إِلَى أَن الصَّوْم أفضل وَحكي ذَلِك أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي العَاصِي وَإِلَيْهِ ذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالثَّوْري وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي وَقَالَ مَالك والفضيل بن عِيَاض وَالشَّافِعِيّ الصَّوْم أحب إِلَيْنَا لمن قوي عَلَيْهِ وَقَالَ عبد اللّه بن عمر وَعبد اللّه بن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَالأوْزَاعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه الْفطر أفضل وَرُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَقَتَادَة وَمُجاهد أفضلهما أيسرهما على الْمَرْء وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْمُنْذر وَهُوَ قَول حسن وَاللّه أعلم\n_________\n(^١) مسلم (١١١٦)، والترمذي (٧١٣)، وابن خزيمة (٢٠٣٠)، وابن حبان (٣٥٥٨)، وأحمد (١١٠٨٣).","vol":"5","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>التَّرْغِيب فِي السّحُور سِيمَا بِالتَّمْرِ</span>\n١٦١٤ - عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- تسحرُوا فَإِن فِي السّحُور بركَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\n١٦١٦ - وَعَن سلمَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- الْبركَة فِي ثَلَاثَة فِي الْجَمَاعَة والثريد والسحور رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات وَفِيهِمْ أَبُو عبد اللّه الْبَصْرِيّ لا يدرى من هُوَ (^٢).\n\n١٦١٧ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- إِن اللّه وَمَلَائِكَته يصلونَ على المتسحرين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n١٦١٨ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة -﵁- قَالَ دَعَاني رَسُول اللّه -ﷺ- إِلَى السّحُور فِي رَمَضَان فَقَالَ هَلُمَّ إِلَى الْغذَاء الْمُبَارك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، والترمذي (٧٠٨)، وابن ماجه (١٦٩٢)، وأحمد (١١٩٥٠).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٦١٢٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٥٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥١)، وفيه أبو عبد اللّه البصري، قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله ثقات.\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٦٤٣٤)، وابن حبان (٣٤٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٠)، رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به يحيى بن يزيد الخولاني، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٥٨).\n(^٤) أبو داود (٢٣٤٤)، وابن خزيمة (١٩٣٨)، وابن حبان (٣٤٦٥)، وأحمد (١٧١٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٥٩).","vol":"5","page":748},{"text":"قَالَ المملي -﵁- رَوَوْهُ كلهم عَن الْحَارِث بن زِيَاد عَن أبي رهم عَن الْعِرْبَاض والْحَارث لم يرو عَنهُ غير يُونُس بن سيف وَقَالَ أَبُو عمر النميري مَجْهُول يروي عَن أبي رهم حَدِيثه مُنكر.\n\n١٦١٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- هُوَ الْغذَاء الْمُبَارك يَعْنِي السّحُور رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n١٦٢٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ اسْتَعِينُوا بِطَعَام السحر على صِيَام النَّهَار والقيلولة على قيام اللَّيْل رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من طَرِيق زَمعَة بن صَالح عَن سَلمَة هُوَ ابْن وهران عَن عِكْرِمَة عَنهُ إِلَّا أَن ابْن خُزَيْمَة قَالَ وبقيلولة النَّهَار على قيام اللَّيْل (^٢).\n\n١٦٢١ - وَعَن عبد اللّه بن الْحَارِث عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- قَالَ دخلت على النَّبِيﷺ- وَهُوَ يتسحر فَقَالَ إِنَّهَا بركة أَعْطَاكم اللّه إِيَّاهَا فَلَا تَدعُوهُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٣).\n\n١٦٢٢ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن عَبَّاسَ -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ ثَلَاثَة لَيسَ عَلَيْهِم حِسَاب فِيمَا طعموا إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى إِذا كَانَ حَلَالا الصَّائِم والمتسحر\n_________\n(^١) ابن حبان (٣٤٦٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦٠).\n(^٢) ابن ماجه (١٦٩٣)، وابن خزيمة (١٩٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٧٤٢)، والطبراني في الكبير (١١٦٢٥)، والحاكم (١/ ٤٢٥)، وفي إسناده زمعة بن صالح، ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٨١٦).\n(^٣) النسائي في الكبرى (٢٤٨٣)، وأحمد (٢٣١١٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦١).","vol":"5","page":749},{"text":"والمرابط فِي سَبِيل الله رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\n\n١٦٢٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- السّحُور كله بركَة فَلَا تَدعُوهُ وَلَو أَن يجرع أحدكُم جرعة من مَاء فَإن الله ﷿ وَمَلَائِكَته يصلونَ على المتسحرين رَوَاهُ أَحْمد وَإِسْنَاده قوي (^٢).\n\n١٦٢٤ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- تسحرُوا وَلَو بجرعة من مَاء رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n١٦٢٥ - وَرُوِيَ عَن السَّائِب بن يزِيد -﵁- قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- نعم السّحُور التَّمْر وَقَالَ يرحم الله المتسحرين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٤).\n\n١٦٢٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ نعم سحور الْمُؤمن التَّمْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) البزار (٩٧٥)، والطبراني في الكبير (١٢٠١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥١)، رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن عصمة، عن أبي الصباح وهما مجهولان، وقال الألباني موضوع، في ضعيف الجامع (٢٥٨٢).\n(^٢) أحمد (١١٠٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٠)، رواه أحمد وفيه أبو رفاعة ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله رجال الصحيح، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦٢).\n(^٣) ابن حبان (٣٤٧٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦٣).\n(^٤) الطبراني في الكبير (٦٦٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥١)، وفيه يزيد بن بعد الملك النوفلي، وهو ضعيف.\n(^٥) أبو داود (٢٣٤٥)، وابن حبان (٣٤٧٥)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦٤).","vol":"5","page":750},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>التَّرْغِيب فِي تَعْجِيل الْفطر وَتَأْخِير السّحُور</span>\n١٦٢٧ - عَن سهل بن سعد -﵁- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ لا يزَال النَّاس بِخَير مَا عجلوا الْفطر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\n\n١٦٢٨ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ لا تزَال أمتِي على سنتي مَا لم تنْتَظر بفطرها النُّجُوم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n\n١٦٢٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ اللّه ﷿ إِن أحب عبَادي إِلَيّ أعجلهم فطرا رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٣).\n\n١٦٣٠ - وَرُوِيَ عَن يعلى بن مزة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- ثَلاثَة يُحِبهَا\nاللّه ﷿ تَعْجِيل الإِفْطَار وَتَأْخِير السّحُور وَضرب الْيَدَيْنِ إِحْدَاهمَا على الأخرَى فِي الصَّلَاة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨)، ومالك (٧٩٠)، والترمذي (٦٩٩)، وابن ماجه (١٦٩٧)، والنسائي في الكبرى (٣٣١٢)، وابن خزيمة (٢٠٥٩) وابن حبان (٣٥٠٢)، وأحمد (٢٢٨٠٤).\n(^٢) ابن حبان (٣٥١٠)، وابن خزيمة (٢٠٦١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦٦).\n(^٣) أحمد (٧٢٤١)، والترمذي (٧٠٠)، وقال: حسن غريب، وابن خزيمة (٢٠٦٢)، وابن حبان (٣٥٠٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٠٤١).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٧٤٧٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٥)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى، وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٠٨).","vol":"6","page":5},{"text":"١٦٣١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ لا يزَال الدّين ظَاهرا مَا عجل النَّاس الْفطر لأن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يؤخرون رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَعند ابْن مَاجَه لا يزَال النَّاس بِخَير (^١).\n\n١٦٣٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ مَا رَأَيْت رَسُول اللّه -ﷺ- قطّ صلى صَلَاة الْمغرب حَتَّى يفْطر وَلَو على شربة من مَاء رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٢).\n_________\n(^١) أبو داود (٢٣٥٣)، وأبن ماجه (١٦٩٨)، والنسائي في الكبرى (٣٣١٣)، وأحمد (٩٨١٠)، والحاكم (١/ ٤٣١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩١٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦٧).\n(^٢) أبو يعلى (٣٧٨٠)، وابن خزيمة (٢٠٦٣)، وأبن حبان (٣٥٠٤)، والحاكم (٣/ ٤٣٢)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٥)، رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦٨).","vol":"6","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الترغيب في الفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء</span>\n١٦٣٣ - عن سلمان بن عامر الضَّبِّيّ -﵁- عن النبي -ﷺ- قال إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فإن لم يجد فالماء فإنه طهور رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن صحيح (^١).\n\n١٦٣٤ - وعن أنس -﵁- قال كان رسول الله -ﷺ- يفطر قبل أن يُصَلِّي على رطبات فإن لم تكن رطبات فتمرات فإن لم تكن حسا حسوات من ماء رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (^٢).\n\n١٦٣٥ - ورواه أبو يعلى قال كان النبي -ﷺ- يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار (^٣).\n_________\n(^١) أبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨)، وقال حديث حسن، وابن ماجه (١٦٩٩)، والنسائي في الكبرى (٣٣٢٠)، وابن حبان (٣٥١٥)، وابن خزيمة (٢٠٦٧)، وأحمد (١٦٢٢٨)، والدرامي (١٧٤٣)، والحاكم (١/ ٤٣١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٦٩).\n(^٢) أبو داود (٢٣٥٦)، والترمذي (٦٩٦)، وقال: حسن غريب، وأحمد (١٢٦٧٦)، والدراقطني (٢٢٤٦)، وقال: هذا إسناد صحيح، والحاكم (١/ ٤٣٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٠).\n(^٣) أبو يعلى (٣٣٠٥)، والعقيلي (٣/ ٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٥)، عبد الواحد ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٠).","vol":"6","page":7},{"text":"١٦٣٦ - وعنه -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- من وجد تمرا فليفطر عليه ومن لم يجد فليفطر على الماء فإنه طهور رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما (^١).\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢٠٦٦)، والحاكم (١/ ٤٣١)، والترمذي (٦٩٤)، والطبراني في المعجم الصغير (١٠٠٧)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٣٩) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧١).","vol":"6","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>التَّرْغِيب فِي إطْعَام الطَّعَام</span>\n١٦٣٧ - عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنىّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: \"من فطر صَائِمًا كَانَ لَهُ مثل أجره غير أَنه لا ينقص من أجر الصَّائِم شَيْء\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح.\nوَلَفظ ابْن خُزَيْمَة وَالنَّسَائيّ من جهز غازيا أَو جهز حَاجا أَو خَلفه فِي أَهله أَو فطر صَائِما كَانَ لَهُ مثل أُجُورهم من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء (^١).\n\n١٦٣٨ - وَرُوِيَ عَن سلمَان -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ-: \"من فطر صَائِما على طَعَام وشراب من حَلَال صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة فِي سَاعَات شهر رَمَضَان وَصلى عَلَيْهِ جِبْرَائِيل لَيْلَة الْقدر\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nوَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب إِلَا أَنه قَالَ وَصَافحهُ جِبْرَائِيل لَيْلَة الْقدر وَزَاد فِيهِ وَمن صافحه جِبْرَائِيل ﵇ يرق قلبه وتكثر دُمُوعه قَالَ فَقلت\n_________\n(^١) الترمذي (٨٠٧)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٣٣٣٠)، وابن ماجه (١٧٤٦)، وابن خزيمة (٢٠٦٤)، وابن حبان (٣٤٢٩)، وأحمد (١٧٠٣٣)، والدارمي (١٧٤٤)، والطبراني في الكبير (٥٢٦٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٢).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٦١٦٢)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٦)، رواه الطبراني في الكبير، وفيه الحسن بن أبي جعفر، قال ابن عدي: له أحاديث صالحة وهو صدوق.","vol":"6","page":9},{"text":"يَا رَسُول اللّه أَفرَأَيْت من لم يكن عِنْده قَالَ فقبصة من طَعَام قلت أَفرَأَيْت إِن لم يكن عِنْده قَالَ فشربة من مَاء (^١).\nالقبصة بالصَّاد الْمُهْملَة هُوَ مَا يتَنَاوَلهُ الآخِذ بأنامله الثَّلَاث.\nوَتقدم حَدِيث سلمَان الَّذِي رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَفِيه من فطر فِيهِ صَائِما يَعْنِي فِي رَمَضَان كَانَ مغْفرَة لذنوبه وَعتق رَقَبَة من النَّار وَكَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْء قَالُوا لَيْسَ كلنا يجد مَا يفْطر الصَّائِم فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- يُعْطي اللّه هَذَا الثَّوَاب من فطر صَائِما على تَمْرَة أَو شربة مَاء أَومذقة لبن الحَدِيث.\n_________\n(^١) ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٤٧)، وابن عدي في الكامل (٤٩٥٢).","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>ترغيب الصَّائِم فِي أكل المفطرين عِنْده</span>\n١٦٣٩ - عَن أم عمَارَة الْأْنصَارِيَّة -﵂- أَن النَّبِي -ﷺ- دخل عَلَيْهَا فَقدمت إِلَيْهِ طَعَاما فَقَالَ كلي فَقَالَت إِنِّي صَائِمَة فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- إِن الصَّائِم تصلي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة إِذا أكل عِنْده حَتَّى يفرغوا وَرُبمَا قَالَ حَتَّى يشبعوا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١). وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي الصَّائِم إِذا أكل عِنْده المفاطير صلت عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة (^٢).\n\n١٦٤٠ - وَعَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة -﵁- عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لِبلَال الْغَدَاء يَا بِلَال فَقَالَ إِنِّي صَائِم قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- نَأْكُل أرزاقنا وَفضل رزق بِلَال فِي الْجنَّة شَعرت يَا بِلَال أَن الصَّائِم تسبح عِظَامه وَتَسْتَغْفِر لَهُ الْمَلَائِكَة مَا أكل عِنْده رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ (^٣). كِلَاهُمَا من رِوَايَة بَقِيَّة حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن هَذَا مَجْهُول وَبَقِيَّة مُدَلّس وتصريحه بِالتَّحْدِيثِ لا يُفِيد مَعَ الْجَهَالَة وَاللّه أعلم.\n_________\n(^١) الترمذي (٧٨٤)، وابن ماجه (١٧٤٨)، وابن خزمة (٢١٣٨)، وابن حبان (٣٤٣٠)، وأحمد (٢٧٤٧٢).\n(^٢) الترمذي (٧٨٤).\n(^٣) ابن ماجه (١٧٤٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٨٦).","vol":"6","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>ترهيب الصَّائِم من الغَيْبَة وَالْفُحْش وَالْكذب وَنَحْو ذَلِك</span>\n١٦٤١ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ النَّبِي -ﷺ- من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ للّه حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَعِنْده من لم يدع قَول الزُّور وَالْجهل وَالْعَمَل بِهِ وَهُوَ رِوَايَة للنسائي (^١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من حَدِيث أنس بن مَالك وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- من لم يدع الْخَنَا وَالْكذب فَلا حَاجَة للّه أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه (^٢).\n\n١٦٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ اللّه ﷿ كل عمل ابْن اَدم لَهُ إِلَا الصّيام فَإِلَيَّ وَأَنا أجزي بِهِ وَالصِّيَام جنَّة فَإِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فَلَا يرْفث وَلا يصخب فَإِن سابه أحد أَو قَاتله فَلْيقل إِنِّي صَائِم إِنِّي صَائِم الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وأَبو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَتقدم بِطرقِهِ وَذكر غَرِيبه فِي الصّيام (^٣)\n_________\n(^١) البخاري (١٩٠٣)، وأبو داود (٢٣٦٢)، والترمذي (٧٠٧)، والنسائي (٣٢٤٥)، وابن ماجه (١٦٨٩).\n(^٢) الطبراني في الصغير (٤٦٣)، والأوسط (٣٦٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٧١)، وفيه من لم أعرفه.\n(^٣) البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١)، ومالك (٨٦١)، وأبو داود (٢٣٦٣)، والترمذي (٧٦٦)، وابن ماجه (١٦٣٨)، وأحمد (٧٦٩٣).","vol":"6","page":12},{"text":"١٦٤٣ - وَعَن أبي عُبَيْدَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول الصّيام جنَّة مَا لم يخرقها رَوَاهُ النَّسَائيّ بِإِسْنَاد حسن وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزَاد قيل وَبِمَ يخرقها قَالَ بكذب أَو غيبَة (^٢).\n\n١٦٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- لَيْسَ الصّيام من الأكل وَالشرب إِنَّمَا الصّيام من اللَّغْو والرفث فَإِن سابك أحد أَو جهل عَلَيْك فَقل إِنِّي صَائِم إِنِّي صَائِم رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\n\n١٦٤٥ - وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة عَنهُ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لا تساب وَأَنت صَائِم فَإِن سابك أحد فَقل إِنِّي صَائِم وَإِن كنت قَائِما فاجلس (^٤).\n_________\n(^١) النسائي في الكبرى (٢٥٤٢)، وابن خزيمة (١٨٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٧٢)، وأحمد (١٧٠٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٧٨).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٤٥٣٦)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٧٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٧١)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف، وقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٣٥٧٩).\n(^٣) ابن خزيمة (١٩٩٦)، وابن حبان (٣٤٧٩)، والحاكم (١/ ٤٣٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٧٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٥).\n(^٤) ابن خزيمة (١٩٩٤)، وابن حبان (٣٤٨٣)، وأحمد (٩٥٣٢)، والنسائي في الكبرى (٣٢٥٩)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٥).","vol":"6","page":13},{"text":"١٦٤٦ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ وَسُول اللّه -ﷺ- رب صَائِم لَيْسَ لَهُ من صِيَامه إِلَا الْجُوع وَرب قَائِم لَيْسَ لَهُ من قِيَامه إِلَا السهر رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائيّ (^١). وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَلَفْظهمَا رب صَائِم حَظه من صِيَامه الْجُوع والعطش وَرب قَائِم حَظه من قِيَامه السهر. وَرَوَاهُ الْبَيْهقِيّ وَلَفظه رب قَائِم حَظه من الْقيام السهر وَرب صَائِم حَظه من الصّيام الْجُوع والعطش (^٢).\n\n١٦٤٧ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- رب صَائِم حَظه من صِيَامه الْجُوع والعطش وَرب قَائِم حَظه من قِيَامه السهر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده لا بَأْس بِهِ (^٣).\n\n١٦٤٨ - وَعَن عبيد مولى رَسُول اللّه -ﷺ- أَن امْرَأتيْنِ صامتا وَأَن رجلا قَالَ يَا رَسُول اللّه -ﷺ- إِن هَاهُنَا امْرَأتَيْنِ قد صامتا وإنهما قد كادتا أَن تموتا من الْعَطش فَأَعْرض عَنهُ أَو سكت ثمَّ عَاد وَأرَاهُ قَالَ بالهاجرة قَالَ يَا نَبِي اللّه إنَّهُمَا\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٦٩٠)، والنسائي (٣٢٤٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٦).\n(^٢) ابن خزيمة (١٩٩٧)، والحاكم (١/ ٤٣١)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٧٠)، وفي شعب الإيمان (٣٦٤٢)، وأحمد (٨٨٥٦)، وابن حبان (٣٤٨١)، وأبو يعلى (٦٥٢٠)، والدارمي (٢٧٦٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٦).\n(^٣) الطبراني في الكبير (١٣٤١٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٢٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٢)، رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٧).","vol":"6","page":14},{"text":"وَاللّه قد ماتتا أَو كادتا أَن تموتا قَالَ ادعهما قَالَ فجاءتا قَالَ فجيء بقدح أَو عس فَقَالَ لإحداهما قيئي فقاءت قَيْحا ودما وصديدا وَلَحْمًا حَتَّى مَلَأت نصف الْقدح ثمَّ قَالَ لِلأخْرَى قيئي فقاءت من قيح وَدم وصديد وَلحم عبيط وَغَيره حَتَّى مَلَأت الْقدح ثمَّ قَالَ إِن هَاتين صامتا عَمَّا أحل اللّه لَهما وأفطرتا على مَا حرم اللّه عَلَيْهِمَا جَلَست إِحْدَاهمَا إِلَى الأخْرَى فجعلتا تأكلان من لُحُوم النَّاس رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى كلهم عَن رجل لم يسم عَن عبيد (^١).\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي ذمّ الْغَيْبة وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أنس وَيَأْتِي فِي الْغَيْبَة إِن شَاءَ اللّه (^٢).\nالْعس بِضَم الْعين وَتَشْديد السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الْقدح الْعَظِيم والعبيط بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة ثمَّ يَاء مثناة تَحت وطاء مُهْملَة هُوَ الطري.\n_________\n(^١) أحمد (٢٣٦٥٣)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٧١)، وأبو يعلى (١٥٧٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٨٦).\n(^٢) أبو داود الطيالسي (٢٢٢١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٧٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٩).","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>التَّرْغِيب فِي الِاعْتِكَاف</span>\n١٦٤٩ - رُوِيَ عَن عَليّ بن حُسَيْن عَن أَبِيه -﵃- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- من اعْتكف عشرا فِي رَمَضَان كانَ كحجتين وعمرتين رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\n\n١٦٥٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أنه كانَ معتكفا فِي مَسجِد رَسُول الله -ﷺ- فَأتاهُ رجل فَسلم عَلَيْهِ ثمَّ جلس فقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس يَا فلَان أَرَاك مكتئبا حَزينًا قَالَ نعم يَا ابْن عَم رَسُول اللّه لفُلَان عَليّ حق وَلاء وَحُرْمَة صَاحب هَذَا الْقَبْر مَا أقدر عَلَيْهِ قَالَ ابْن عَبَّاس أَفلاُ أُكَلِّمهُ فِيك فَقَالَ إِن أَحْبَبْت قَالَ فانتعل ابْن عَبَّاس ثمَّ خرج من الْمَسْجِد فَقَالَ لَهُ الرجل أنسيت مَا كنت فِيهِ قَالَ لا وَلَكِنِّي سَمِعت صَاحب هَذَا الْقَبْر -ﷺ- والعهد بِهِ قريب فَدَمَعَتْ عَيناهُ وَهُوَ يَقُول من مَشى فِي حَاجَة أَخِيه وَبلغ فِيهَا كَانَ خيرا لَهُ من اعْتِكَاف عشر سِنِين وَمن اعْتكف يَوْمًا ابْتِغَاء وَجه اللّه تَعَالَى جعل اللّه بَينه وَبَين النَّار ثَلَاث خنادق أبعد مِمَّا بَين الْخَافِقين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم مُخْتَصرا وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد كَذَا قَالَ (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ: وَأَحَادِيث اعْتِكَاف النَّبِي -ﷺ- مَشْهُورَة فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا لَيست من شَرط كتَابنَا.\n_________\n(^١) البيهقي في الشعب (٣٩٦٦)، وقال: وإسناده ضعيف، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٥١) موضوع.\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٧٣٢٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٦٥).","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>التَّرْغِيب فِي صَدَقَة الْفطر وبَيَان تأكيدها</span>\n١٦٥١ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ فرض رَسُول اللّه -ﷺ- صَدَقَة الْفطر طهرة للصائِم من اللَّغْو والرفث وطعمة للْمَسَاكين فَمن أَدَّاهَا قبل الصَّلَاة فَهِيَ زَكَاة مَقْبُولَة وَمن أَدَّاهَا بعد الصَّلَاة فَهِيَ صَدَقَة من الصَّدَقَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^١).\nقَالَ الْخطابِيّ ﵀ قَوْله فرض رَسُول اللّه -ﷺ- زَكاة الْفطر فِيهِ بَيَان أَن صَدَقَة الْفطر فرض وَاجِب كافتراض الزَّكَاة الْوَاجِبَة فِي الأمْوَال وَفِيه بَيَان أَن مَا فرض رَسُول اللّه -ﷺ- فَهُوَ كمَا فرض اللّه لِأن طَاعَته صادرة عَن طَاعَة اللّه وَقد قَالَ بفرضية زَكَاة الْفطر ووجوبها عَامَّة أهل الْعلم وَقد عللت بِأَنَّهَا طهرة للصائِم من الرَّفَث واللغو فَهِيَ وَاجِبَة على كل صَائِم غني ذِي جدة أَو فَقير يجدهَا فضلا عَن قوته إِذا كَانَ وُجُوبهَا لعِلَّة التَّطْهِير وكل الصائمين محتاجون إِلَيْهَا فَإِذا اشْتَركُوا فِي الْعلَّة اشْتَركُوا فِي الْوُجُوب انْتهى (^٢).\nوَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْمُنْذر أجمع عوام أهل الْعلم على أَن صَدَقَة الْفطر فرض وَمِمَّنْ حفظنا ذَلِك عَنهُ من أهل الْعلم مُحَمَّد بن سِيرِين وَأَبُو الْعَالِيَة وَالضَّحَّاك وَعَطَاء وَمَالك وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأحمد\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٨).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٤٠).","vol":"6","page":17},{"text":"وَإِسْحَاق وَأَصْحَاب الرَّأْي وَقَالَ إِسْحَاق هُوَ كالإجماع من أهل الْعلم انْتهى.\n\n١٦٥٢ - وَعَن عبد اللّه بن ثعْلَبَة أَو ثَعْلَبَة بن عبد اللّه بن أبي صعير عَن أَبِيه -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- صَاع من بر أَو قَمح على كل صَغِير أَو كبِير حر أَو عبد ذكر أَو أنثَى غَني أَو فَقير أما غنيكم فيزكيه اللّه وَأما فقيركم فَيرد اللّه عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا أعْطى رَوَاهُ أَحْمد رأَبُو دَاوُد (^١).\nصعير هُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة مُصَغرًا\n\n١٦٥٣ - وَعَن جرير -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- صَوْم شهر رَمَضَان مُعَلّق بَين السَّمَاء وَالأرْض وَلا يرفع إِلا بِزَكاة الْفطر رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين فِي فَضَائِل رَمَضَان وَقَالَ حَدِيث غَرِيب جيد الإِسْنَاد (^٢).\n\n١٦٥٤ - وَعَن كثير بن عبد اللّه الْمُزنِيّ -﵁- عَن أَبِيه عَن جده قَالَ سُئِلَ رَسُول اللّه -ﷺ- عَن هَذِه الآيَة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (^٣) قَالَ: أنزلت فِي زَكاة الفطر\" رَوَاهُ ابْن خُزَيمه في صحِيحه (^٤).\nقَالَ الْحَافِظ: كثير بن عبد اللّه واه.\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على ابن عباس.\n_________\n(^١) أحمد (٢٣٦٦٤)، وأبو داود (١٦١٩)، والدارقطني (٢/ ١٤٧)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٦٧).\n(^٢) ابن شاهين في الترغيب، كما في كنز العمال (٢٤١٢٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٤١٣).\n(^٣) سورة الأعلى، الآيتان: ١٤ - ١٥.\n(^٤) ابن خزيمة (٢٤٢٠)، والبيهقي (٤/ ١٥٩).","vol":"6","page":18},{"text":"قوله: [أن] رسول اللّه -ﷺ- صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه\" الحديث.\nيوم عاشوراء له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقد صامه نوح وموسى ﵉، وكان للنبي -ﷺ- في صيامه أربع حالات، الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة وكان لا يأمر الناس بالصوم، الحالة الثانية: أن النبي -ﷺ- لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه وأمر بصيامه وأكد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يصومونه أطفالهم؛ الحالة الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي -ﷺ- أمر أصحابه بصيام عاشوراء وتأكيده فيه ففي الصحيحين عن ابن عمر -﵄- قال: \"صام النبي عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك ذلك\" (^١)، وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا فهذه الأحاديث كلها تدل على أنه -ﷺ- لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيامه شهر رمضان بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه فإن كان أمره -ﷺ- بصيامه قبل فرض صيامه رمضان للوجوب فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ هل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه خلاف مشهور بين العلماء وإن كان أمره للاستحباب المؤكد فقد قيل: إنه زالى التأكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قالى قيس بن سعد: ونحن نفعله وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد، الحالة الرابعة: أن النبي -ﷺ- عزم في آخر عمره على أن لا يصومه مفردا بل يضم إليه يوما آخر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٨٩٢)، صحيح مسلم (١١٢٥).","vol":"6","page":19},{"text":"مخالفة لأهل الكتاب في صيامه ففي صحيح مسلم (^١) عن ابن عباس فذكر الحديث وفي آخره: \"فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التاسع\" قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي [وقع هنا بترًا أيضًا، بيض له المصنف ﵀ بنحو ما هنا] قوله: من حديث عامر بن ربيعة -﵁-، هو: عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن عامر العنزي.\n* * *\n_________\n(^١) أخرج مسلم (١١٣٤)، وأبو داود (٢٤٤٥).","vol":"6","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>كتاب الْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>التَّرْغِيب فِي إحْيَاء لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ</span>\nعَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من قَامَ لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ محتسبا لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت الْقُلُوب، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن بَقِيَّة مُدَلّس وَقد عنعنه (^١).\n\n١٦٥٦ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أَحْيَا اللَّيَالِي الْخمس وَجَبت لَهُ الْجنَّة لَيْلَة التَّرويَة وَلَيْلَة عَرَفَة وَلَيْلَة النَّحْر وَلَيْلَة الْفطر وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان، رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^٢).\n\n١٦٥٧ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من أَحْيَا لَيْلَة الْفطر وَلَيْلَة الْأَضْحَى لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت الْقُلُوب، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير (^٣).\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٧٨٢)، والأصبهاني في الترغيب (٣٧٣). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٤٢).\n(^٢) الأصبهاني في الترغيب (٣٧٤)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٥٨) موضوع.\n(^٣) الطبراني في الكبير والأوسط، كما في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه عمر بن هارون البلخي، والغالب عليه الضعف. وقال الألباني موضوع، في ضعيف الجامع (٥٣٦١).","vol":"6","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>التَّرْغِيب فِي التَّكْبِير فِي الْعِيد وَذكر فَضله</span>\n١٦٥٨ - رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- زَينُوا أعيادكم بِالتَّكْبِيرِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَفِيه نَكَارَة (^١).\n\n١٦٥٩ - وَعَن سعد بن أَوْس الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا كَانَ يَوْم عيد الْفطر وقفت الْمَلَائِكَة على أَبْوَاب الطّرق فَنَادوا اغدوا يَا معشر الْمُسلمين إِلَى رب كريم يمن بِالْخَيرِ ثمَّ يثيب عَلَيْهِ الجزيل لقد أمرْتُم بِقِيَام اللَّيْل فقمتم وأمرتم بصيام النَّهَار فصمتم وأطعتم ربكُم فاقبضوا جوائزكم فَإِذا صلوا نَادَى مُنَاد أَلا إِن ربكُم قد غفر لكم فَارْجِعُوا راشدين إِلَى رحالكُمْ فَهُوَ يَوْم الْجَائِزَة وَيُسمى ذَلِك الْيَوْم فِي السَّمَاء يَوْم الْجَائِزَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ (^٢)، وَتقدم فِي الصّيام مَا يشْهد لَهُ.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٣٧٣)، والصغير (٥٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٩٧): وفيه عمر بن راشد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وقال العجلي: لا بأس به. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣١٨٢).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٦١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٠١)، وفيه جابر الجعفي وثقه الثوري، وروي عنه هو وشعبة، وضعفه الناس، وهو متروك.","vol":"6","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>التَّرْغِيب فِي الْأُضْحِية وَمَا جَاءَ فِيمَن لم يضح مَعَ الْقُدْرَة وَمن بَاعَ جلد أضحيته</span>\n١٦٦٠ - عَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا عمل آدَمِيّ من عمل يَوْم النَّحْر أحب إِلَى الله من إهراق الدَّم وَإنَّهُ لتأتي يَوْم الْقِيَامَة فِي فرشه بقرونها وَأَشْعَارهَا وأظلافها وَإِن الدَّم ليَقَع من الله بمَكَان قبل أَن يَقع من الأَرْض فطيبوا بهَا نفسا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ من طَرِيق أبي الْمثنى واسْمه سُلَيْمَان بن يزِيد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَنْهَا وَسليمَان واه وَقد وثق.\nقَالَ التِّرْمِذِيّ ويروى عَن النَّبِي -ﷺ- أَنه قَالَ الْأُضْحِية لصَاحِبهَا بِكُل شَعْرَة حَسَنَة.\nوَهَذَا الحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا كلهم عَن عَائِذ الله عَن أبي دَاوُد عَن زيد بن أَرقم قَالَ قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- يَا رَسُول الله مَا هَذِه الْأَضَاحِي قَالَ سنة أبيكم إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه قَالُوا فَمَا لنا فِيهَا يَا رَسُول الله قَالَ بِكُل شَعْرَة من الصُّوف حَسَنَة، قَالُوا فالصوف قَالَ بِكُل شَعْرَة من الصُّوف حَسَنَة وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد.\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣١٢٦)، والترمذي (١٤٩٣)، والحاكم (٤/ ٢٢١)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥١) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥١١٢).","vol":"6","page":23},{"text":"قَالَ الْحَافِظ بل واهيه عَائِذ الله هُوَ الْمُجَاشِعِي وَأَبُو دَاوُد هُوَ نفيع بن الْحَارِث الْأَعْمَى وَكِلَاهُمَا سَاقِط (^١).\n\n١٦٦١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- فِي يَوْم أضحى مَا عمل آدَمِيّ فِي هَذَا الْيَوْم أفضل من دم يهراق إِلَّا أَن يكون رحما توصل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢)، وَفِي إِسْنَاده يحيى بن الْحسن الْخُشَنِي لَا يحضرني حَاله.\n\n١٦٦٢ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا فَاطِمَة قومِي إِلَى أضحيتك فاشهديها فَإِن لَك بِأول قَطْرَة تقطر من دَمهَا أَن يغْفر لَك مَا سلف من ذنوبك قَالَت يَا رَسُول الله ألنا خَاصَّة أهل الْبَيْت أَو لنا وللمسلمين قَالَ بل لنا وللمسلمين رَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الضَّحَايَا وَغَيره (^٣) وَفِي إِسْنَاده عَطِيَّة بن قيس وثق وَفِيه كَلَام.\nوَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ عَن عَليّ وَلَفظه أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ يَا فَاطِمَة قومِي فاشهدي أضحيتك فَإِن لَك بِأول قَطْرَة تقطر من دَمهَا مغْفرَة لكل ذَنْب\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣١٢٧)، والحاكم (٢/ ٣٨٩)، وأحمد (١٩٢٨٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٥٠٧٥).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٠٩٤٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٨)، وفيه يحيى بن الحسن الخشني، وهو ضعيف، وقد وثقه جماعة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥١١٣).\n(^٣) البزار (١٢٠٢)، والحاكم (٤/ ٢٢٢)، وقال الذهبي: عطية واه، وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٣٨٩) رقم (١٥٩٦)، عن أبيه: هو حديث منكر، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧)، وفيه عطية بن قيس، وفيه كلام كثير، وقد وثق.","vol":"6","page":24},{"text":"أما إِنَّه يجاء بلحمها ودمها تُوضَع فِي ميزانك سبعين ضعفا قَالَ أَبُو سعيد يَا رَسُول الله هَذَا لآل مُحَمَّد خَاصَّة فَإِنَّهُم أهل لما خصوا بِهِ من الْخَيْر أَو للْمُسلمين عَامَّة قَالَ لآل مُحَمَّد خَاصَّة وللمسلمين عَامَّة وَقد حسن بعض مَشَايِخنَا حَدِيث عَليّ هَذَا وَالله أعلم (^١).\n\n١٦٦٣ - وَرُوِيَ عَن عَليّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يَا أَيهَا النَّاس ضحوا واحتسبوا بدمائها فَإِن الدَّم وَإِن وَقع فِي الأَرْض فَإِنَّهُ يَقع فِي حرز الله ﷿ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n\n١٦٦٤ - وَرُوِيَ عَن الْحُسَيْن بن عَليّ -﵄- قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ضحى طيبَة نَفسه محتسبا لاضحيته كَانَت لَهُ حِجَابا من النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٣).\n\n١٦٦٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا أنفقت الْوَرق فِي شَيْء أحب إِلَى الله من نحر ينْحَر فِي يَوْم عيد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأصبهاني (^٤).\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب (٣٥٥).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧)، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك الحديث.\n(^٣) الطبراني في الكبير (٢٧٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧)، وفيه سليمان بن عمرو النخعي أبو داود، وهو كذاب، وقال الألباني موضوع، في ضعيف الجامع (٥٦٧٩).\n(^٤) الطبراني في الكبير (١٠٨٩٤)، والأصبهاني في الترغيب (٣٥٧)، والدارقطني في السنن (٤٦٦٧)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد =","vol":"6","page":25},{"text":"١٦٦٦ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خير الْأُضْحِية الْكَبْش وَخير الْكَفَن الْحلَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ الْكَبْش الأقرن رَوَوْهُ كلهم من رِوَايَة عفير بن معدان عَن سليم بن عَامر عَن أبي أُمَامَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب قَالَ الْحَافِظ عفير واه (^١).\n\n١٦٦٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من وجد سَعَة لِأَن يُضحي فَلم يضح فَلَا يحضر مصلانا رَوَاهُ الْحَاكِم مَرْفُوعا هَكَذَا وَصَححهُ وموقوفا وَلَعَلَّه أشبه (^٢).\n\n١٦٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من بَاعَ جلد أضحيته فَلَا أضْحِية لَهُ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ فِي إِسْنَاده عبد الله بن عَيَّاش الْقِتْبَانِي الْمصْرِيّ مُخْتَلف فِيهِ وَقد جَاءَ فِي غير مَا حَدِيث عَن النَّبِي -ﷺ- النَّهْي عَن بيع جلد الْأُضْحِية.\n_________\n= (٤/ ٢٠)، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو ضعيف، وقال: ابن طاهر في تذكرة الحفاظ (٦٧٧)، وإبراهيم ليس بشيء في الحديث.\n(^١) الترمذي (١٥١٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٨١).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٣٨٩)، وأحمد (٨٢٧٣)، وابن ماجه (٣١٢٣)، والبيهقي (٩/ ٢٦٠)، والحاكم (٤/ ٢٣٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٧٩).\n(^٣) الحاكم (٢/ ٣٩٠)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٨٠).","vol":"6","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>التَّرْهِيب من الْمثلَة بِالْحَيَوَانِ وَمن قَتله لغير الْأكل وَمَا جَاءَ فِي الْأَمر بتحسين القتلة والذبحة</span>\n١٦٦٩ - عَن شَدَّاد بن أَوْس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة وليحد أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\n١٦٧١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ أَمر النَّبِي -ﷺ- بِحَدّ الشفار وَأَن توارى عَن الْبَهَائِم وَقَالَ إِذا ذبح أحدكُم فليجهز رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٢).\nالشفار جمع شفرة وَهِي السكين وفليجهز هُوَ بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْجِيم وَكسر الْهَاء وَآخره زَاي أَي فليسرع ذَبحهَا ويتمه.\n\n١٦٧٢ - وَعَن ابْن عمر أَيْضا -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من إِنْسَان يقتل عصفورا فَمَا فَوْقهَا بِغَيْر حَقّهَا إِلَّا يسْأَله الله ﷿ عَنْهَا قيل يَا رَسُول الله\n_________\n(^١) مسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، وابن ماجه (٣١٧٠)، وأحمد (١٧١١٣)، وابن حبان (٨٥٥٣).\n(^٢) ابن ماجه (٣١٧٢)، وأحمد (٥٨٦٤)، والطبراني في الكبير (١٣١٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٠٧٤)، قال البوصيري في الزوائد (٣/ ٥٩)، إسناد حديث ابن عمر ضعيف، لأن مدار الإسنادين على عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٨٣).","vol":"6","page":27},{"text":"وَمَا حَقّهَا قَالَ أَن يذبحها فيأكلها وَلَا يقطع رَأسهَا وَيَرْمِي بهَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^١).\n\n١٦٧٣ - وَعَن الشريد -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من قتل عصفورا عَبَثا عج إِلَى الله يَوْم الْقِيَامَة يَقُول يَا رب إِن فلَانا قتلني عَبَثا وَلم يقتلني مَنْفَعَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n\n١٦٧٤ - وَعَن ابْن سِيرِين أَن عمر -﵁- رأى رجلا يسحب شَاة برجلها ليذبحها فَقَالَ لَهُ وَيلك قدها إِلَى الْمَوْت قودا جميلا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي كِتَابه مَوْقُوفا (^٣).\n\n١٦٧٥ - وَرَوَاهُ أَيْضا مَرْفُوعا عَن مُحَمَّد بن رَاشد عَن الْوَضِين بن عَطاء قَالَ إِن جزارا فتح بَابا على شَاة ليذبحها فانفلتت مِنْهُ حَتَّى جَاءَت النَّبِي -ﷺ- فاتبعها فَأَخذهَا يسحبها برجلها فَقَالَ لَهَا النَّبِي -ﷺ- اصْبِرِي لامر الله وَأَنت يَا جزار فسقها سوقا رَفِيقًا وَهَذَا معضل والوضين فِيهِ كَلَام (^٤).\n_________\n(^١) النسائي في الكبرى (٤٥٤٣)، والحاكم (٤/ ٢٣٣)، وأحمد (٦٥٥٠)، والطيالسي (٢٢٩٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٠٧٥)، والدرامي (٢٠٢١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٨٤).\n(^٢) النسائي في الكبرى (٤٥٣٥)، وابن حبان (٥٨٩٤)، وأحمد (١٩٤٧٠)، والطبراني في الكبير (٧٢٤٥). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٥١).\n(^٣) عبد الرزاق في المصنف (٨٦٠٥).\n(^٤) عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٠٩).","vol":"6","page":28},{"text":"١٦٧٦ - وَعَن أبي صَالح الْحَنَفِيّ عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- رَآهُ ابْن عمر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من مثل بِذِي روح ثمَّ لم يتب مثل الله بِهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (^١).\n\n١٦٧٧ - وَعَن مَالك بن نَضْلَة -﵁- قَالَ أتيت النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ هَل تنْتج إبل قَوْمك صحاحا فتعمد إِلَى الموسى فتقطع آذانها وتشق جلودها وَتقول هَذِه صرم فتحرمها عَلَيْك وعَلى أهلك قلت نعم قَالَ فَكل مَا آتاك الله حل ساعد الله أَشد من ساعدك ومُوسَى الله أَشد من موساك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَسَيَأْتِي فِي بَاب الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة إِن شَاءَ الله (^٢).\nالصرم بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء جمع الصريم وَهُوَ الَّذِي صرم مِنْهُ أَي قطع، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أحمد (٥٦٦١)، والطبراني في الأوسط (٧٢٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤٩)، أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط، عن ابن عمر من غير شك، ورجال أحمد ثقات.\n(^٢) ابن حبان (٥٦١٥)، والحاكم (١/ ٢٥)، والطيالسي (١٣٩٩)، وأحمد (١٥٨٨٨).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٠٨٥).","vol":"6","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>كتاب الحج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>الترغيب في الإحرام من المسجد الأقصى</span>\n١٦٧٨ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- أَي الْعَمَل أفضل قَالَ إِيمَان بِالله وَرَسُوله قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ حج مبرور رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١). وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أفضل الْأَعْمَال عِنْد الله تَعَالَى إِيمَان لَا شكّ فِيهِ وغزو لَا غلُول فِيهِ وَحج مبرور قَالَ أَبُو هُرَيْرَة حجَّة مبرورة تكفر خَطَايَا سنة (^٢).\nالمبرور قيل هُوَ الَّذِي لَا يَقع فِيهِ مَعْصِيّة وَقد جَاءَ من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا إِن بر الْحَج إطْعَام الطَّعَام وَطيب الْكَلَام وَعند بَعضهم إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام وَسَيَأْتِي.\n\n١٦٧٩ - وَعنهُ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من حج فَلم يرْفث وَلم يفسق رَجَعَ من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ إِلَّا أَنه قَالَ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٦)، ومسلم (١٣٥)، وأحمد (٧٥٩٠)، والدرامي (٢٤٣٨).\n(^٢) ابن حبان (٤٥٩٧)، والبخاري في خلق أفعال العباد (١٥١)، وأحمد (٧٥١١)، والطيالسي (٢٦٤٠).\n(^٣) البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠)، وابن ماجه (٢٨٨٩)، والترمذي (٨١١)، وأحمد (٧١٣٦)، وابن خزيمة (٢٥١٤)، وابن حبان (٣٦٩٤).","vol":"6","page":30},{"text":"الرَّفَث بِفَتْح الرَّاء وَالْفَاء جَمِيعًا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ الرَّفَث مَا رُوجِعَ بِهِ النِّسَاء وَقَالَ الْأَزْهَرِي الرَّفَث كلمة جَامِعَة لكل مَا يُريدهُ الرجل من الْمَرْأَة.\nقَالَ الْحَافِظ الرَّفَث يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْجِمَاع وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْفُحْش وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ خطاب الرجل الْمَرْأَة فِيمَا يتَعَلَّق بِالْجِمَاعِ وَقد نقل فِي معنى الحَدِيث كل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة عَن جمَاعَة من الْعلمَاء وَالله أعلم.\n\n١٦٨٠ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كفَّارَة لما بَينهمَا وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nوالأصبهاني وَزَاد وَمَا سبح الْحَاج من تَسْبِيحَة وَلَا هلل من تَهْلِيلَة وَلَا كبر من تَكْبِيرَة إِلَّا بشر بهَا تبشيرة (^٢).\n\n١٦٨١ - وَعَن ابْن شماسَة -﵁- قَالَ حَضَرنَا عَمْرو بن العَاصِي وَهُوَ فِي سِيَاقَة الْمَوْت فَبكى طَويلا وَقَالَ فَلَمَّا جعل الله الْإِسْلَام فِي قلبِي أتيت النَّبِي -ﷺ- فَقلت يَا رَسُول الله ابْسُطْ يَمِينك لابايعك فَبسط يَده فقبضت يَدي فَقَالَ مَا لَك يَا عَمْرو قَالَ أردْت أَن أشْتَرط قَالَ تشْتَرط مَاذَا قَالَ أَن يغْفر لي قَالَ أما علمت يَا عَمْرو أَن الْإِسْلَام يهدم مَا كَانَ قبله وَأَن الْهِجْرَة تهدم مَا كَانَ قبلهَا\n_________\n(^١) البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩)، ومالك (٩٨٧)، والترمذي (٩٣٣)، وابن ماجه (٢٨٨٨)، وأحمد (٩٩٤٨)، وابن خزيمة (٢٥١٣)، وابن حبان (٣٦٩٦).\n(^٢) الأصبهاني في الترغيب (١٠٥٤).","vol":"6","page":31},{"text":"وَأَن الْحَج يهدم مَا كَانَ قبله رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه هَكَذَا مُخْتَصرا وَرَوَاهُ مُسلم وَغَيره أطول مِنْهُ (^١).\n\n١٦٨٢ - وَعَن الْحسن بن عَليّ -﵄- قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ إِنِّي جبان وَإِنِّي ضَعِيف فَقَالَ هَلُمَّ إِلَى جِهَاد لَا شَوْكَة فِيهِ الْحَج وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَرُوَاته ثِقَات وَأخرجه عبد الرَّزَّاق أَيْضًا (^٢).\n\n١٦٨٣ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قلت يَا رَسُول الله نرى الْجِهَاد أفضل الْأَعْمَال أَفلا نجاهد فَقَالَ لَكِن أفضل الْجِهَاد حج مبرور رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (^٣).\nوَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَت قلت يَا رَسُول الله هَل على النِّسَاء من جِهَاد قَالَ عَلَيْهِنَّ جِهَاد لَا قتال فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة (^٤).\n\n١٦٨٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ جِهَاد الْكَبِير والضعيف وَالْمَرْأَة الْحَج وَالْعمْرَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٥).\n_________\n(^١) مسلم (١٢١)، ابن خزيمة (٢٥١٥).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٩١٠)، وفي الأوسط (٤٢٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٦)، ورجاله ثقات، وعبد الرزاق (٨٨٠٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٠٤٤).\n(^٣) البخاري (٢٧٨٤).\n(^٤) ابن خزيمة (٣٠٧٤)، وابن ماجه (٢٩٠١)، وأبو يعلى (٤٥١١)، وابن حبان (٣٧٠٢)، وأحمد (٢٤٣٨٣).\n(^٥) النسائي (٥/ ١١٣، ١١٤)، وأحمد (٩٤٥٩)، والطبراني في الأوسط (٨٧٤٦)، والبيهقي (٤/ ٣٥٠) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٣٨).","vol":"6","page":32},{"text":"١٦٨٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- فِي سُؤال جِبْرَائِيل ﵇ إِيَّاه عَن الْإِسْلَام فَقَالَ الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن تقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتحج وتعتمر وتغتسل من الْجَنَابَة وَأَن تتمّ الْوضُوء وتصوم رَمَضَان قَالَ فَإِذا فعلت ذَلِك فَأَنا مُسلم قَالَ نعم قَالَ صدقت رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِغَيْر هَذَا السِّيَاق (^١).\nوَتقدم فِي كتاب الصَّلَاة وَالزَّكَاة أَحَادِيث كَثِيرَة تدل على فضل الْحَج وَالتَّرْغِيب فِيهِ وتأكيد وُجُوبه لم نعدها لكثرتها فَلْيُرَاجِعهَا من أَرَادَ شَيْئا من ذَلِك.\n\n١٦٨٦ - وَعَن أم سَلمَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْحَج جِهَاد كل ضَعِيف رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي جَعْفَر عَنْهَا (^٢).\n\n١٦٨٧ - وَعَن عَمْرو بن عبسة -﵁- قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله مَا الْإِسْلَام قَالَ أَن يسلم لله قَلْبك وَأَن يسلم الْمُسلمُونَ من لسَانك ويدك قَالَ فَأَي الْإِسْلَام أفضل قَالَ الْإِيمَان قَالَ وَمَا الْإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِالله وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت قَالَ فَأَي الْإِيمَان أفضل قَالَ الْهِجْرَة قَالَ وَمَا الْهِجْرَة قَالَ أَن تهجر السوء قَالَ فَأَي الْهِجْرَة أفضل قَالَ الْجِهَاد قَالَ وَمَا الْجِهَاد قَالَ أَن\n_________\n(^١) مسلم (٨)، ابن خزيمة (١)، والبخاري في خلق أفعال العباد (١٩٠)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، وابن ماجه في المقدمة (٦٣)، وأحمد (٣٦٧)، وابن حبان (١٧٣)، وابن منده (١).\n(^٢) ابن ماجه (٢٩٠٢)، وأحمد (٢٦٥٢٠)، وأبو يعلى (٦٨٨٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ رقم ٦٤٧)، والطيالسي (١٧٠٤)، قال البوصيري في الزوائد (٣/ ٩)، هذا إسناد ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣١٧١).","vol":"6","page":33},{"text":"تقَاتل الْكفَّار إِذا لقيتهم قَالَ فَأَي الْجِهَاد أفضل قَالَ من عقر جَوَاده وَأُهْرِيقَ دَمه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ثمَّ عملان هما أفضل الْأَعْمَال إِلَّا من عمل بمثلهما حجَّة مبرورة أَو عمْرَة مبرورة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيره (^١). وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي قلَابَة عَن رجل من أهل الشَّام عَن أَبِيه (^٢).\n\n١٦٨٨ - وَعَن مَاعِز -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- أَنه سُئِلَ أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان بِالله وَحده ثمَّ الْجِهَاد ثمَّ حجَّة برة تفضل سَائِر الْأَعْمَال كَمَا بَين مطلع الشَّمْس إِلَى مغْرِبهَا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد إِلَى مَاعِز رُوَاة الصَّحِيح (^٣). وماعز هَذَا صَحَابِيّ مَشْهُور غير مَنْسُوب.\n\n١٦٨٩ - وَعَن جَابر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْحَج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة قيل وَمَا بره قَالَ إطْعَام الطَّعَام وَطيب الْكَلَام رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم مُخْتَصرا وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٤).\n_________\n(^١) أحمد (١٧٠٢٧)، وعبد الرزاق (٢٠١٠٧)، وعبد بن حميد (٣٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٩)، رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه، ورجاله ثقات.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٢٢).\n(^٣) أحمد (١٩٠١٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٧)، والطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٨١١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٧)، رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٨٤٠٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١١٩)، وابن خزيمة (٣٠٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٧)، رواه أحمد وفيه محمد بن ثابت =","vol":"6","page":34},{"text":"وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَالْبَيْهَقِيّ إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام (^١).\n\n١٦٩٠ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة فَإِنَّهُمَا ينفيان الْفقر والذنُوب كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَيْسَ للحجة المبرورة ثَوَاب إِلَّا الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\nوَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عمر وَلَيْسَ عِنْدهمَا وَالذَّهَب إِلَى آخِره. وَعند الْبَيْهَقِيّ فَإِن مُتَابعَة بَينهمَا يزيدان فِي الْأَجَل وينفيان الْفقر والذنُوب كَمَا يَنْفِي الْكِير الْخبث (^٣).\n\n١٦٩١ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن جَراد الصَّحَابِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- حجُّوا فَإِن الْحَج يغسل الذُّنُوب كَمَا يغسل المَاء الدَّرن رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٤).\n_________\n= وهو ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن، وأخرجه الحاكم (١/ ٤٨٣)، وسنده ضعيف جدا، وعزاه المنذري إلى أحم وليس عنده غير الرواية الثانية، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٨١٩).\n(^١) أحمد (١٤٤٨٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٢٠).\n(^٢) الترمذي (٨١٠)، وقال: حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود، وابن خزيمة (٢٥١٢)، وابن حبان (٣٦٩٣)، وأحمد (٣٦٦٩)، والطبراني في الكبير (١٠٤٠٦)، وأبو يعلى (٤٩٥٥). وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٠٠).\n(^٣) ابن ماجه (٢٨٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٩٥)، وأحمد (١٦٧)، والحميدي (١٧)، وأبو يعلى (١٩٣).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٤٩٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٩)، وفيه يعلى بن الأشدق وهو كذاب، وقال الألباني موضوع، في ضعيف الجامع (٢٦٩٦).","vol":"6","page":35},{"text":"١٦٩٢ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- رَفعه إِلَى النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْحَاج يشفع فِي أَرْبَعمِائَة من أهل بَيت أَو قَالَ من أهل بَيته وَيخرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ الْبَزَّار وَفِيه راو لم يسم (^١).\n\n١٦٩٣ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ سَمِعت النَّبِي -ﷺ- يَقُول مَا ترفع إبل الْحَاج رجلا وَلَا تضع يدا إِلَّا كتب الله لَهُ بهَا حَسَنة أَو محا عَنهُ سَيِّئَة أَو رفع بهَا دَرَجَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث يَأْتِي إِن شَاءَ الله (^٢).\n\n١٦٩٤ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم -ﷺ- يَقُول من جَاءَ يؤم الْبَيْت الْحَرَام فَركب بعيره فَمَا يرفع الْبَعِير خفا وَلَا يضع خفا إِلَّا كتب الله لَهُ بهَا حَسَنَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى الْبَيْت فَطَافَ وَطَاف بَين الصَّفَا والمروة ثمَّ حلق أَو قصر إِلَّا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه فَهَلُمَّ نستأنف الْعَمَل فَذكر الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٣).\n\n١٦٩٥ - وَعَن زَاذَان -﵁- قَالَ مرض ابْن عَبَّاس مَرضا شَدِيدا فَدَعَا وَلَده فَجَمعهُمْ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من حج من مَكَّة مَاشِيا حَتَّى يرجع إِلَى مَكَّة كتب الله لَهُ بِكُل خطْوَة سَبْعمِائة حَسَنَة كل حَسَنَة مثل حَسَنَات الْحرم قيل لَهُ وَمَا حَسَنَات الْحرم قَالَ بِكُل حَسَنَة مائَة ألف حَسَنه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا من رِوَايَة عِيسَى بن سوَادَة وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح\n_________\n(^١) البزار (١١٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١١)، وفيه من لم يسم.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤١١٦)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٩٦).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٣٨٢٠).","vol":"6","page":36},{"text":"الْإِسْنَاد وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة إِن صَحَّ الْخَبَر فَإِن فِي الْقلب من عِيسَى بن سوَادَة (^١). قَالَ الْحَافِظ قَالَ البُخَارِيّ هُوَ مُنكر الحَدِيث.\n\n١٦٩٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن آدم ﵇ أَتَى الْبَيْت ألف أتية لم يركب قطّ فِيهِنَّ من الْهِنْد على رجلَيْهِ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه أَيْضا وَقَالَ فِي الْقلب من الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن (^٢). قَالَ الْحَافِظ الْقَاسِم هَذَا واه.\n\n١٦٩٧ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْحجَّاج والعمار وَفد الله دعاهم فَأَجَابُوهُ وسألوه فَأَعْطَاهُمْ رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات (^٣).\n\n١٦٩٨ - وَعَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْغَازِي فِي سَبِيل الله والحاج والمعتمر وَفد الله دعاهم فَأَجَابُوهُ وسألوه فَأَعْطَاهُمْ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٤). كِلَاهُمَا من رِوَايَة عمرَان بن عُيَيْنَة عَن عَطاء بن السَّائِب.\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢٧٩١)، والحاكم (١/ ٤٦٠)، والبزار (١١٢٠، ١١٢١)، والطبراني في الكبير (١٢٦٠٦)، والأوسط (٢٦٧٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٩)، رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وفيه قصة، وله عند البزار إسنادان، أحدهما فيه كذاب، والآخر فيه إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد بن جبير، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) ابن خزيمة (٢٧٩٢).\n(^٣) البزار (١١٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١١)، ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣١٧٣).\n(^٤) ابن ماجه (٢٨٩٣)، وابن حبان (٤٦١٣)، والطبراني في الكبير (١٣٥٥٦)، قال البوصيري (٣/ ٧)، هذا إسناد حسن، عمران مختلف فيه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤١٧١).","vol":"6","page":37},{"text":"١٦٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْحجَّاج والعمار وَفد الله إِن دَعوه أجابهم وَإِن استغفروه غفر لَهُم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.\nوَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَفْظهمَا قَالَ وَفد الله ثَلَاثَة الْحَاج والمعتمر والغازي (^١). وَقدم ابْن خُزَيْمَة الْغَازِي.\n\n١٧٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يغْفر للْحَاج وَلمن اسْتغْفر لَهُ الْحَاج رَوَاهُ الْبَزَّار (^٢).\nوَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَلَفْظهمَا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للْحَاج وَلمن اسْتغْفر لَهُ الْحَاج وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم قَالَ مُسلم (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ فِي إِسْنَاده شريك القَاضِي وَلم يخرج لَهُ مُسلم إِلَّا فِي المتابعات وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله.\n_________\n(^١) ابن ماجه (٢٨٩٢)، والبيهقي (٥/ ٢٦٢)، وابن خزيمة (٢٥١١)، وابن حبان (٣٦٩٢)، والحاكم (١/ ٤٤١)، والبيهقي (٥/ ٢٦٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧١١٢).\n(^٢) البزار (١١٥٥).\n(^٣) الطبراني في الصغير (١٠٦١)، وابن خزيمة (٢٥١٦)، والحاكم (١/ ٤٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١١)، وفيه شريك بن عبد الله النخعي، وهو ثقة، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٧٧).","vol":"6","page":38},{"text":"١٧٠١ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اسْتَمْتعُوا بِهَذَا الْبَيْت فقد هدم مرَّتَيْنِ وَيرْفَع فِي الثَّالِثَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ ابْن خُزَيْمَة قَوْله وَيرْفَع فِي الثَّالِثَة يُرِيد بعد الثَّالِثَة (^١).\n\n١٧٠٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ لما أهبط الله آدم ﵇ من الْجنَّة قَالَ إِنِّي مهبط مَعَك بَيْتا أَو منزلا يُطَاف حوله كمَا يُطَاف حول عَرْشِي وَيصلى عِنْده كمَا يصلى عِنْد عَرْشِي فَلَمَّا كَانَ زمن الطوفان رفع وَكَانَ الْأَنْبِيَاء يحجونه وَلَا يعلمُونَ مَكَانَهُ فبوأه لإِبْرَاهِيم ﵊ فبناه من خَمْسَة أجبل حراء وثبير ولبنان وجبل الطّور وجبل الْخَيْر فتمتعوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا وَرِجَال إِسْنَاده رجال الصَّحِيح (^٢).\n\n١٧٠٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- تعجلوا إِلَى الْحَج يَعْنِي الْفَرِيضَة فَإِن أحدكُم لَا يدْرِي مَا يعرض لَهُ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ (^٣).\n_________\n(^١) البزار (١٠٧٢)، وابن خزيمة (٢٥٠٦)، وابن حبان (٦٧٥٣)، والحاكم (١/ ٤٤١)، والطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه البزار والطبراني، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٤٥١).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٤١٥٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٨)، رواه الطبراني في الكبير موقوفا ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) الأصبهاني في الترغيب (١٠٤٦)، وأحمد (٢٨٦٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٩٥٧).","vol":"6","page":39},{"text":"١٧٠٤ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أوحى الله تَعَالَى إِلَى آدم ﵇ أَن يَا آدم حج هَذَا الْبَيْت قبل أَن يحدث بك حدث الْمَوْت قَالَ وَمَا يحدث عَليّ يَا رب قَالَ مَا لَا تَدْرِي وَهُوَ الْمَوْت قَالَ وَمَا الْمَوْت قَالَ سَوف تذوق قَالَ وَمن أستخلف فِي أَهلِي قَالَ اعْرِض ذَلِك على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَعرض ذَلِك على السَّمَوَات فَأَبت وَعرض على الأَرْض فَأَبت وَعرض على الْجبَال فَأَبت وَقَبله ابْنه قَاتل أَخِيه فَخرج آدم ﵇ من أَرض الْهِنْد حَاجا فَمَا نزل منزلا أكل فِيهِ وَشرب إِلَّا صَار عمرانا بعده وقرى حَتَّى قدم مَكَّة فاستقبلته الْمَلَائِكَة فَقَالُوا السَّلَام عَلَيْك يَا آدم بر حجك أما إِنَّا قد حجَجنَا هَذَا الْبَيْت قبلك بألفي عَام قَالَ أنس قَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَالْبَيْت يَوْمئِذٍ ياقوتة حَمْرَاء جوفاء لَهَا بَابَانِ من يطوف يرى من فِي جَوف الْبَيْت وَمن فِي جَوف الْبَيْت يرى من يطوف فَقضى آدم نُسكه فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ يَا آدم قضيت نسكك قَالَ نعم يَا رب قَالَ فسل حَاجَتك تعط قَالَ جلّ حَاجَتي أَن تغْفر لي ذَنبي وذنب وَلَدي قَالَ أما ذَنْبك يَا آدم فقد غفرنا حِين وَقعت بذنبك وَأما ذَنْب ولدك فَمن عرفني وآمن بِي وَصدق رُسُلِي وكتابي غفرنا لَهُ ذَنبه رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا (^١).\n\n١٧٠٥ - وَرُوِيَ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من عبد وَلَا أمة يضن بِنَفَقَة ينفقها فِيمَا يُرْضِي الله إِلَّا أنْفق أضعافها فِيمَا يسْخط الله وَمَا من عبد يدع الْحَج لحَاجَة من حوائج الدُّنْيَا إِلَّا رأى الْمُخلفين قبل أَن يقْضِي تِلْكَ الْحَاجة يَعْنِي حجَّة الْإِسْلَام وَمَا من عبد\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب (١٠٤٨).","vol":"6","page":40},{"text":"يدع الْمَشْي فِي حَاجَة أَخِيه الْمُسلم قضيت أَو لم تقض إِلَّا ابْتُلِيَ بمعونة من يَأْثْم عَلَيْهِ وَلَا يُؤجر فِيهِ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا وَفِيه نَكَارَة (^١).\nيضن بالضاد الْمُعْجَمَة أَي يبخل ويشح.\n\n١٧٠٦ - وَرُوِيَ عَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الْكَعْبَة لَهَا لِسَان وشفتان وَلَقَد اشتكت فَقَالَت يَا رب قل عوادي وَقل زواري فَأوحى الله ﷿ إِنِّي خَالق بشرا خشعا سجدا يحنون إِلَيْك كَمَا تحن الْحَمَامَة إِلَى بيضها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n\n١٧٠٧ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن دَاوُد النَّبِي -ﷺ- قَالَ إلهي مَا لِعِبَادِك عَلَيْك إِذا هم زاروك فِي بَيْتك قَالَ لكل زائر حق على المزور حَقًا يَا دَاوُد إِن لَهُم عَليّ أَن أعافيهم فِي الدُّنْيَا وأغفر لَهُم إِذا لقيتهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط أَيْضًا (^٣).\n\n١٧٠٨ - وَرُوِيَ عَن سهل بن سعد -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا رَاح مُسلم فِي سَبِيل الله مُجَاهدًا أَو حَاجا مهلا أَو ملبيا إِلَّا غربت الشَّمْس بذنوبه وَخرج مِنْهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط أَيْضًا (^٤).\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب (١٠٧٩).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط، كما في مجمع الزوائد، (٣/ ٢٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه سهل بن قرين، وهو ضعيف.\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٦٠٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٨)، وفيه محمد بن حمزة الرقي، وهو ضعيف.\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٦١٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٩)، وفيه من لم أعرفه.","vol":"6","page":41},{"text":"١٧٠٩ - وروى ابْن عمر -﵄- قَالَ كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي -ﷺ- فِي مَسْجِد منى فَأَتَاهُ رجل من الْأَنْصَار وَرجل من ثَقِيف فسلما ثمَّ قَالَا يَا رَسُول الله جِئْنَا نَسْأَلك فَقَالَ إِن شئتما أخبرتكما بِمَا جئتما تسألاني عَنهُ فعلت وَإِن شئتما أَن أمسك وتسألاني فعلت فَقَالَا أخبرنَا يَا رَسُول الله فَقَالَ الثَّقَفِيّ للْأَنْصَارِيِّ سل فَقَالَ أَخْبرنِي يَا رَسُول الله فَقَالَ جئتني تَسْأَلنِي عَن مخرجك من بَيْتك تؤم الْبَيْت الْحَرَام وَمَا لَك فِيهِ وَعَن ركعتيك بعد الطّواف وَمَا لَك فيهمَا وَعَن طوافك بَين الصَّفَا والمروة وَمَا لَك فِيهِ وَعَن وقوفك عَشِيَّة عَرَفَة وَمَا لَك فِيهِ وَعَن رميك الْجمار وَمَا لَك فِيهِ وَعَن نحرك وَمَا لَك فِيهِ مَعَ الْإِفَاضَة فَقَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لعن هَذَا جِئْت أَسأَلك قَالَ فَإنَّك إِذا خرجت من بَيْتك تؤم الْبَيْت الْحَرَام لَا تضع نَاقَتك خفا وَلَا ترفعه إِلَّا كتب الله لَك بِهِ حَسَنَة ومحا عَنْك خَطِيئَة وَأما ركعتاك بعد الطّواف كعتق رَقَبَة من بني إِسْمَاعِيل ﵇ وَأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رَقَبَة وَأما وقوفك عَشِيَّة عَرَفَة فَإِن الله يهْبط إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فيباهي بكم الْمَلَائِكَة يَقُول عبَادي جاؤوني شعثا من كل فج عميق يرجون جنتي فَلَو كَانَت ذنوبكم كلعدد الرمل أَو كقطر الْمَطَر أَو كزبد الْبَحْر لغفرتها أفيضوا عبَادي مغفورا لكم وَلمن شفعتم لَهُ وَأما رميك الْجمار فلك بِكُل حَصَاة رميتها تَكْفِير كَبِيرَة من الموبقات وَأما نحرك فمذخور لَك عِنْد رَبك وَأما حلاقك رَأسك فلك بِكُل شَعْرَة حلقتها حَسَنَة ويمحى عَنْك بهَا خَطِيئَة وَأما طوافك بِالْبَيْتِ بعد ذَلِك فَإنَّك تَطوف وَلَا ذَنْب لَك يَأْتِي ملك حَتَّى يضع يَدَيْهِ بَين كتفيك فَيَقُول اعْمَلْ فِيمَا تسْتَقْبل فقد غفر","vol":"6","page":42},{"text":"لَك مَا مضى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من وُجُوه وَلَا نعلم لَهُ أحسن من هَذَا الطَّرِيق (^١).\nقَالَ المملي -﵁- وَهِي طَرِيق لَا بَأْس بهَا رواتها كلهم موثقون وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَيَأْتِي لَفظه فِي الْوُقُوف إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\n\n١٧١٠ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت وَقَالَ فِيهِ فَإِن لَك من الْأجر إِذا أممت الْبَيْت الْعَتِيق أَلا ترفع قدما أَو تضعها أَنْت ودابتك إِلَّا كتبت لَك حَسَنَة وَرفعت لَك دَرَجَة وَأما وقوفك بِعَرَفَة فَإِن الله ﷿ يَقُول لملائكته يَا ملائكتي مَا جَاءَ بعبادي قَالُوا جاؤوا يَلْتَمِسُونَ رضوانك وَالْجنَّة فَيَقُول الله ﷿ فَإِنِّي أشهد نَفسِي وَخلقِي أَنِّي قد غفرت لَهُم وَلَو كَانَت ذنوبهم عدد أَيَّام الدَّهْر وَعدد رمل عالج وَأما رميك الْجمار قَالَ الله ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^٢). وَأما حلقك رَأسك فَإِنَّهُ لَيْسَ من شعرك شَعْرَة تقع فِي الأَرْض إِلَّا كانَت لَك نورا يَوْم الْقِيَامَة وَأما طوافك بِالْبَيْتِ إِذا ودعت فَإنَّك تخرج من ذنوبك كَيَوْم وَلدتك أمك (^٣).\n_________\n(^١) البزار (١٠٨٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٧٤)، رواه البزار، والطبراني في الكبير بنحوه، ورجال البزار موثقون.\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١٧.\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٢٣٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٧٧)، وفيه محمد بن عبد الرحيم بن شروس، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.","vol":"6","page":43},{"text":"وَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث أنس بن مَالك نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ وَأما وقوفك بِعَرَفَات فَإِن الله تَعَالَى يطلع على أهل عَرَفَات فَيَقُول عبَادي أَتَوْنِي شعثا غبرا أَتَوْنِي من كل فج عميق فيباهي بهم الْمَلَائِكَة فَلَو كَانَ عَلَيْك من الذُّنُوب مثل رمل عالج ونجوم السَّمَاء وقطر الْبَحْر والمطر غفر الله لَك وَأما رميك الْجمار فَإِنَّهُ مدخور لَك عِنْد رَبك أحْوج مَا تكون إِلَيْهِ وَأما حلقك رَأسك فَإِن لَك بِكُل شَعْرَة تقع مِنْك نورا يَوْم الْقِيَامَة وَأما طوافك بِالْبَيْتِ فَإنَّك تصدر وَأَنت من ذنوبك كهَيئَةِ يَوْم وَلدتك أمك (^١).\n\n١٧١١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من خرج حَاجا فَمَاتَ كتب لَهُ أجر الْحَاج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن خرج مُعْتَمِرًا فَمَاتَ كتب لَهُ أجر الْمُعْتَمِر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن خرج غازيا فَمَاتَ كتب لَهُ أجر الْغَازِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو يعلى من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات (^٢).\n\n١٧١٢ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة -﵂- قالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من خرج فِي هَذَا الْوَجْه لحج أَو عمْرَة فَمَاتَ فِيهِ لم يعرض وَلم يُحَاسب وَقيل لَهُ ادخل الْجنَّة قَالَت وَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله يباهي بالطائفين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو يعلى\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب (١٠٣٦)، وفي إسناده سلام بن سلم الطويل، متروك (لتقريب) وزيادة بن ميمون، متروك.\n(^٢) أبو يعلى (٦٣٢٧)، والطبراني في المعجم الأوسط (٥٣٢١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٨)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جميل ابن أبي ميمونة، وقد ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.","vol":"6","page":44},{"text":"وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\n\n١٧١٣ - وَرُوِيَ عَن جَابر -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن هَذَا الْبَيْت دعامة من دعائم الْإِسْلَام فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَهُوَ ضَامِن على الله فَإِن مَاتَ أدخلهُ الْجنَّة وَإِن رده إِلَى أَهله رده بِأَجْر وغنيمة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\nالدعامة بِكَسْر الدَّال هِيَ عَمُود الْبَيْت والخباء\n\n١٧١٤ - وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من مَاتَ فِي طَرِيق مَكَّة ذَاهِبًا أَو رَاجعا لم يعرض وَلم يُحَاسب أَو غفر لَهُ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^٣).\n\n١٧١٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ بَينا رجل وَاقِف مَعَ رَسُول الله -ﷺ- بِعَرَفَة إِذْ وَقع عَن رَاحِلَته فأقصعته فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- اغسلوه بِمَاء وَسدر وكفنوه بثوبيه وَلَا تخمروا رَأسه وَلَا تحنطوه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن خُزَيْمَة.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٥٣٨٨)، وأبو يعلى (٤٥٨٩)، والدراقطني (٢/ ٢٩٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٩٧)، والأصبهاني في الترغيب (١٠٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٨)، رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، وفي إسناد الطبراني محمد بن صالح العدوي، ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله رجال الصحيح، وإسناد أبي يعلى فيه عائذ بن نسير، وهو ضعيف.\n(^٢) الطبراني في الأوسط، كما في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، وهو متروك.\n(^٣) الأصبهاني في الترغيب (١٠٦٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١١٦٩)، وقال: هذا حديث لا يصح، والمتهم به إسحاق بن بشر، وقد كذبه ابن أبي شيبة وغيره، وقال الدارقطني: هو في عداد من يضع الحديث.","vol":"6","page":45},{"text":"وَفِي رِوَايَة لَهُم أَن رجلا كَانَ مَعَ النَّبِي -ﷺ- فوقصته نَاقَته وَهُوَ محرم فَمَاتَ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- اغسلوه بِمَاء وَسدر وكفنوه فِي ثوبيه وَلَا تمسوه بِطيب وَلَا تخمروا رَأسه فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا.\n\n١٧١٦ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم فَأَمرهمْ رَسُول الله -ﷺ- أَن يغسلوه بِمَاء وَسدر وَأَن يكشفوا وَجهه حسبته قَالَ: وَرَأسه فَإِنَّهُ يبْعَث وَهُوَ يهل (^١).\nوقصته نَاقَته مَعْنَاهُ رمته نَاقَته فَكسرت عُنُقه وَكذَلِكَ فأقصعته.\n_________\n(^١) البخاري (١٢٦٦)، ومسلم (١٢٠٦)، وأحمد (١٨٥٠)، وأبو داود (٣٢٣٨)، والترمذي (٩٥١)، وابن ماجه (٣٠٨٤)، وابن حبان (٣٩٥٩).","vol":"6","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>التَّرْغِيب فِي النَّفَقَة فِي الْحَج وَالْعمْرَة وَمَا جَاءَ فِيمَن أنْفق فيهمَا من مَال حرَام</span>\n١٧١٧ - عَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَهَا فِي عمرتها إِن لَك من الْأجر على قدر نصبك ونفقتك رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا، وَفِي رِوَايَة لَهُ وصححها إِنَّمَا أجرك فِي عمرتك على قدر نَفَقَتك (^١).\nالنصب هُوَ التَّعَب وزنا وَمعنى.\n\n١٧١٨ - وَعَن بُرَيْدَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- النَّفَقَة فِي الْحَج كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيل الله بسبعمائة ضعف رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن (^٢).\n\n١٧١٩ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط أَيْضا عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- النَّفَقَة فِي الْحَج كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيل الله الدِّرْهَم بسبعمائة (^٣).\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٤٧١، ٤٧٢)، والدارقطني (٢/ ٢٨٥)، والطبراني في الأوسط (٨٢٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٣٨).\n(^٢) أحمد (٢٣٠٠٠)، والطبراني في الأوسط (٥٢٧٤)، والبيهقي (٤/ ٣٣٢)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٧٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٨)، وفيه أبو زهير، ولم أجد من ذكره، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٩٩٣).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٥٦٩٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٨)، فيه من لم أعرفه، ولفظه في معجم الطبراني ومجمع الزوائد: الحج في سبيل الله النفقة فيه، الدرهم بسبعمائة.","vol":"6","page":47},{"text":"١٧٢٠ - وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الْحجَّاج والعمار وَفد الله إِن سَأَلُوا أعْطوا وَإِن دعوا أجِيبُوا وَإِن أَنْفقُوا أخلف لَهُم وَالَّذِي نفس أبي الْقَاسِم بِيَدِهِ مَا كبر مكبر على نشز وَلَا أهل مهل على شرف من الْأَشْرَاف إِلَّا أهل مَا بَين يَدَيْهِ وَكبر حَتَّى يَنْقَطِع مِنْهُ مُنْقَطع التُّرَاب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\nالنشز بِفَتْح النُّون وَإِسْكَان الشين الْمُعْجَمَة وبالزاي هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع.\n\n١٧٢١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْحجَّاج والعمار وَفد الله ﷿ يعطيهم مَا سَأَلُوا ويستجيب لَهُم مَا دعوا ويخلف عَلَيْهِم مَا أَنْفقُوا الدِّرْهَم ألف ألف رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢).\n\n١٧٢٢ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- رَفعه قَالَ مَا أمعر حَاج قطّ قيل لجَابِر مَا الإمعار قَالَ مَا افْتقر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَزَّار وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٣).\n\n١٧٢٣ - وَروِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا خرج الْحَاج حَاجا بِنَفَقَة طيبَة وَوضع رجله فِي الغرز فَنَادَى لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك ناداه\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٠٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٦٥).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٠٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٦٦).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٥٢١٣)، والبزار (١٠٨٠)، وقال تفرد به محمد بن أبي حميد، وعنده أحاديث لا يتابع عليها، ولا أحسب ذلك من تعمده، ولكن من سوء حفظه، فقد روى عنه أهل العلم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٨)، رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجاله رجال الصحيح، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٢٠).","vol":"6","page":48},{"text":"مُنَاد من السَّمَاء لبيْك وَسَعْديك زادك حَلَال وراحلتك حَلَال وحجك مبرور غير مأزور وَإِذا خرج بِالنَّفَقَةِ الخبيثة فَوضع رجله فِي الغرز فَنَادَى لبيْك ناداه مُنَاد من السَّمَاء لَا لبيْك وَلَا سعديك زادك حرَام ونفقتك حرَام وحجك مأزور غير مبرور رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١). وَرَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث أسلم مولى عمر بن الْخطاب مُرْسلا مُخْتَصرًا (^٢).\nالغرز بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا زَاي هُوَ ركاب من جلد.\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٥٢٢٨)، والبزار (١٠٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٩)، رواه البزار، وفيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف.\n(^٢) الأصبهاني في الترغيب (١٠٧٦).","vol":"6","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>التَّرْغِيب فِي الْعمرَة فِي رَمَضَان</span>\n١٧٢٤ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ أَرَادَ رَسُول الله -ﷺ- الْحَج فَقَالَت امْرَأَة لزَوجهَا أحججني مَعَ رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ مَا عِنْدِي مَا أحججك عَلَيْهِ فَقَالَت أحججني على جملك فلَان قَالَ ذَاك حبيس فِي سَبِيل الله ﷿ فَأتى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ إِن امْرَأَتي تقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله وَإِنَّهَا سَأَلتنِي الْحَج مَعَك فَقلت مَا عِنْدِي مَا أحججك عَلَيْهِ قَالَت أحججني على جملك فلَان فَقلت ذَاك حبيس فِي سَبِيل الله ﷿ فَقَالَ أما إِنَّك لَو أحججتها عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيل الله قَالَ وَإِنَّهَا أَمرتنِي أَن أَسأَلك مَا يعدل حجَّة مَعَك قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أقرئها السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وأخبرها أَنَّهَا تعدل حجَّة معي عمْرَة فِي رَمَضَان رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا بالقصة وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد وَآخره عِنْدهمَا سَوَاء (^١).\n\n١٧٢٥ - وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة (^٢).\nوَمُسلم وَلَفظه قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لامْرَأَة من الْأَنْصَار يُقَال لَهَا أم سِنَان مَا مَنعك أَن تحجي مَعنا قَالَت لم يكن لنا إِلَّا ناضحان فحج أَبُو وَلَدهَا وَابْنهَا\n_________\n(^١) أبو داود (١٩٩٠)، وابن خزيمة (٣٠٧٧).\n(^٢) البخاري (١٧٨٢)، وابن ماجه (٢٩٩٤)، وابن حبان (٣٧٠٠)، وأحمد (٢٨٠٨).","vol":"6","page":50},{"text":"على نَاضِح وَترك لنا ناضحا ننضح عَلَيْهِ قَالَ فَإِذا جَاءَ رَمَضَان فاعتمري فَإِن عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة وَفِي رِوَايَة لَهُ تعدل حجَّة أَو حجَّة معي (^١).\n\n١٧٢٦ - وَعنهُ -﵁- قَالَ جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَت حج أَبُو طَلْحَة وَابْنه وتركاني فَقَالَ يَا أم سليم عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة معي رَوَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n\n١٧٢٧ - وَعَن أم معقل -﵂- قالَت لما حج رَسُول الله -ﷺ- حجَّة الْوَدَاع وَكَانَ لنا جمل فَجعله أَبُو معقل فِي سَبِيل الله قَالَت وأصابنا مرض وَهلك أَبُو معقل قَالَت فَلَمَّا قفل رَسُول الله -ﷺ- من حجه فَقَالَ يَا أم معقل مَا مَنعك أَن تخرجي مَعنا قَالَت يَا رَسُول الله لقد تهيأنا فَهَلَك أَبُو معقل وَكَانَ لنا جمل هُوَ الَّذِي نحج عَلَيْهِ فأوصى بِهِ أَبُو معقل فِي سَبِيل الله قَالَ فَهَلا خرجت عَلَيْهِ فَإِن الْحَج فِي سَبِيل الله فَأَما إِذْ فاتتك هَذِه الْحجَّة فاعتمري فِي رَمَضَان فَإِنَّهَا كحجة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.\nوَالتِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا عَنْهَا أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب.\nوَابْن خُزَيْمَة بِاخْتِصَار إِلَّا أَنه قَالَ إِن الْحَج وَالْعمْرَة فِي سَبيل الله وَإِن عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة أَو تجزي حجَّة (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (١٨٦٣)، ومسلم (١٢٥٦)، وأحمد (٢٠٢٥).\n(^٢) ابن حبان (٣٦٩٩).\n(^٣) أبو داود (١٩٨٩)، والترمذي (٩٣٩)، وابن خزيمة (٣٠٧٥)، وأحمد (٢٧١٠٧).","vol":"6","page":51},{"text":"١٧٢٨ - وَفِي رِوَايَة لابي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنْهَا أنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي امْرَأَة قد كبرت وسقمت فَهَل من عمل يَجْزِي عني من حجتي قَالَ عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة (^١).\nقفل محركة أَي رَجَعَ من سَفَره.\n\n١٧٢٩ - وَعَن أبي معقل -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٢).\n\n١٧٣٠ - وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير فِي حَدِيث طَوِيل بِإِسْنَاد جيد عَن أبي طليق أَنه قَالَ للنَّبِي -ﷺ- فَمَا يعدل الْحَج مَعَك قَالَ عمْرَة فِي رَمَضَان (^٣).\nقَالَ المملي -﵁- أَبُو طليق هُوَ أَو معقل وَكَذَلِكَ زَوجته أم معقل تكنى أم طليق أَيْضا ذكره ابْن عبد الْبر النمري (^٤).\n_________\n(^١) أبو داود (١٩٨٨).\n(^٢) ابن ماجه (٢٩٩٣).\n(^٣) البزار (١١٥١) والطبراني في الكبير (٢٢/ رقم ٨١٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٠)، رواه الطبراني في الكبير، والبزار باختصار عنه، ورجال البزار رجال الصحيح.\n(^٤) الاستيعاب (٢٣٨٦).","vol":"6","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>التَّرْغِيب فِي التَّوَاضُع فِي الْحَج والتبذل وَلبس الدون من الثِّيَاب اقْتِدَاء بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام</span>\n١٧٣١ - رُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ حج النَّبِي -ﷺ- على رَحل رث وقطيفة خلقَة تَسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم أَو لَا تَسَاوِي ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حجَّة لَا رِيَاء فِيهَا وَلَا سمعة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَابْن مَاجَه والأصبهاني إِلَّا أَنه قَالَ لَا تَسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم (^١)، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ابْن عَبَّاس (^٢).\nالقطيفة كسَاء لَهُ خمل.\n\n١٧٣٢ - وَعَن ثُمَامَة -﵁- قَالَ حج أنس على رَحل وَلم يكن شحيحا وَحدث أَن النَّبِي -ﷺ- حج على رَحل وَكَانَت زاملته رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٣).\n\n١٧٣٣ - وَعَن قدامَة بن عبد الله وَهُوَ ابْن عمار -﵁- قَالَ رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- يَرْمِي الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر على نَاقَة صهباء لَا ضرب وَلَا طرد وَلَا إِلَيْك إِلَيْك رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَغَيره (^٤).\n\n١٧٣٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي -ﷺ- بَين مَكَّة وَالْمَدينَة\n_________\n(^١) الترمذي (٣٣٤)، وابن ماجه (٢٨٩٠)، والأصبهاني في الترغيب (١٠٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٥٤)، وابن أبي شيبة (١٥٨٠٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٠٢).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (١٣٧٨).\n(^٣) البخاري (١٥١٧).\n(^٤) ابن خزيمة (٢٨٧٨).","vol":"6","page":53},{"text":"فمررنا بواد فَقَالَ أَي وَاد هَذَا قَالُوا وَادي الْأَزْرَق قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى مُوسَى -ﷺ- فَذكر من طول شعره شَيْئا لَا يحفظه دَاوُد وَاضِعا إصبعه فِي أُذُنه لَهُ جؤار إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ مارا بِهَذَا الْوَادي قَالَ ثمَّ سرنا حَتَّى أَتَيْنَا على ثنية فَقَالَ أَي ثنية هَذِه قَالُوا ثنية هرشى أَو لفت قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى يُونُس -ﷺ- على نَاقَة حَمْرَاء عَلَيْهِ جُبَّة صوف وخطام نَاقَته خلبة مارا بِهَذَا الْوَادي ملبيا رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة وَاللَّفْظ لَهما (^١).\n\n١٧٣٥ - وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِإِسْنَاد على شَرط مُسلم وَلَفظه أَن رَسُول الله -ﷺ- أَتَى على وَادي الْأَزْرَق فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا وَادي الْأَزْرَق فَقَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى مُوسَى ﵇ مهبطا لَهُ جؤار إِلَى الله بِالتَّكْبِيرِ ثمَّ أَتَى على ثنية فَقَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى يُونُس ﵇ على نَاقَة حَمْرَاء جعدة خطامها لِيف وَهُوَ يُلَبِّي وَعَلِيهِ جُبَّة صوف (^٢).\nهرشى بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الرَّاء بعدهمَا شين مُعْجمَة مَقْصُورَة ثنية قريب الْجحْفَة.\nولفت بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا أَيْضا هُوَ ثنية جبل قديد بَين مَكَّة وَالْمَدينَة.\nوالخلبة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام هِيَ الليف كَمَا جَاءَ مُفَسرًا فِي\n_________\n(^١) مسلم (١٦٦)، وابن ماجه (٢٨٩١)، وابن خزيمة (٢٦٣٢، ٢٦٣٣)، أحمد (١٨٥٤)، وابن حبان (٣٨٠١)، والطبراني في الكبير (١٢٧٥٦).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٣٤٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.","vol":"6","page":54},{"text":"الحَدِيث.\n\n١٧٣٦ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- صلى فِي مَسْجِد الْخيف سَبْعُونَ نَبيا مِنْهُم مُوسَى -ﷺ- كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ وَعَلِيهِ عباءتان قطوانيتان وَهُوَ محرم على بعير من إبل شنُوءَة مَخْطُوم بِخِطَام لِيف لَهُ ضفيرتان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده حسن (^١).\nقطوان بِفَتْح الْقَاف والطاء الْمُهْملَة جَمِيعًا مَوضِع بِالْكُوفَةِ تنْسب إِلَيْهِ العبى والأكسية.\n\n١٧٣٧ - وَعنهُ -﵁- قَالَ لما مر رَسُول الله -ﷺ- بوادي عسفان حِين حج قَالَ يَا أَبَا بكر أَي وَاد هَذَا قَالَ وَادي عسفان قَالَ لقد مر بِهِ هود وَصَالح على بكرات خطمها الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يحجون الْبَيْت الْعَتِيق رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا من رِوَايَة زَمعَة بن صَالح عَن سَلمَة بن وهرام وَلَا بَأْس بحديثهما فِي المتابعات وَقد احْتج بهما ابْن خُزَيْمَة وَغَيره (^٢).\nعسفان بِضَم الْعين وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ مَوضِع على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة. والبكرات جمع بكرَة بِسُكُون الْكَاف وَهِي الْفتية من الْإِبِل. والنمرات بِكَسْر الْمِيم جمع نمرة وَهِي كسَاء مخطط.\n\n١٧٣٨ - وَعنهُ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ حج مُوسَى ﵇ على ثَوْر أَحْمَر عَلَيْهِ\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٢٢٨٣)، والأوسط (٥٤٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٩٧)، رواه الطبراني في الكبير، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط.\n(^٢) أحمد (٢٠٦٧).","vol":"6","page":55},{"text":"عباءة قطوانية رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة لَيْث بن أبي سليم وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات (^١).\n\n١٧٣٩ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لقد مر بِالرَّوْحَاءِ سَبْعُونَ نَبيا فيهم نَبِي الله مُوسَى ﵇ حُفَاة عَلَيْهِم العباء يؤمُّونَ بَيت الله الْعَتِيق رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ فِي المتابعات (^٢).\nوَرَوَاهُ أَبُو يعلى أَيْضا من حَدِيث أنس بن مَالك (^٣).\n\n١٧٤٠ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كَأَنِّي أنظر إِلَى مُوسَى بن عمرَان ﵇ فِي هَذَا الْوَادي محرما بَين قطوانيتين رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٤).\n\n١٧٤١ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رجلا قَالَ لرَسُول الله -ﷺ- من الْحَاج قَالَ الشعث التفل قَالَ فَأَي الْحَج أفضل قَالَ العج والثج قَالَ وَمَا السَّبِيل قَالَ الزَّاد والرحالة رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^٥).\nوَعند التِّرْمِذِيّ عَنهُ جَاءَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا يُوجب الْحَج قَالَ الزَّاد\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٢٥١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٢١)، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة، ولكنه مدلس، وبقية رجال ثقات.\n(^٢) أبو يعلى (٧٢٣١)، والطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٣/ ٢٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه يزيد الرقاشي، وفيه كلام.\n(^٣) أبو يعلى (٤٢٧٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٢٠)، رواه أبو يعلى، وفيه سعيد بن ميسرة، وهو ضعيف.\n(^٤) أبو يعلى (٥٠٩٣)، والطبراني في الأوسط (٦٤٨٧)، والكبير (١٠٢٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٤)، وفيه يزيد بن سنان الرهاوي، وهو متروك.\n(^٥) ابن ماجه (٢٨٩٦)، والدارقطني (٢/ ٢١٦)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٦٨).","vol":"6","page":56},{"text":"وَالرَّاحِلَة وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\n\n١٧٤٢ - وَتقدم فِي حَدِيث ابْن عمر وَأما وقوفك عَشِيَّة عَرَفَة فَإِن الله يهْبط إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فيباهي بكم الْمَلَائِكَة يَقُول عبَادي جاؤوني شعثا من كل فج عميق يرجون جنتي فَلَو كَانَت ذنوبكم كعدد الرمل أَو كقطر الْمَطَر أَو كزبد الْبَحْر لغفرتها أفيضوا عبَادي مغفورا لكم وَلمن شفعتم لَهُ الحَدِيث.\n\n١٧٤٣ - وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان قَالَ فَإِذا وقف بِعَرَفَة فَإِن الله ﷿ ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي شعثا غبرا اشْهَدُوا أَنِّي قد غفرت لَهُم ذنوبهم وَإِن كَانَت عدد قطر السَّمَاء وَرمل عالج الحَدِيث\nالشعث بِكَسْر الْعين هُوَ الْبعيد الْعَهْد بتسريح شعره وغسله\nوالتفل بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَكسر الْفَاء هُوَ الَّذِي ترك الطّيب والتنظيف حَتَّى تَغَيَّرت رَائِحَته. والعج بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْجِيم هُوَ رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ وَقيل بِالتَّكْبِيرِ. والثج بِالْمُثَلثَةِ هُوَ نحر الْبدن.\n\n١٧٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله يباهي بِأَهْل عَرَفَات مَلَائِكَة السَّمَاء فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي هَؤُلَاءِ جاؤوني شعثا غبرا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\nوَسَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع فِي الْوُقُوف إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\n_________\n(^١) الترمذي (٨١٣).\n(^٢) أحمد (٨٠٤٧)، وابن حبان (٣٨٥٢)، والحاكم (١/ ٤٦٥)، وابن خزيمة (٢٨٣٩)، والبيهقي (٥/ ٥٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٨٦٧).","vol":"6","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>التَّرْغِيب فِي الْإِحْرَام والتلبية وَرفع الصَّوْت بهَا</span>\n١٧٤٥ - عَن ابْن مَسْعُود -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ تابعوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة فَإِنَّهُمَا ينفيان الْفقر والذنُوب كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَيْسَ للحجة المبرورة ثَوَاب إِلَّا الْجنَّة وَمَا من مُؤمن يظل يَوْمه محرما إِلَّا غَابَتْ الشَّمْس بذنوبه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَلَيْسَ فِي بعض نسخ التِّرْمِذِيّ وَمَا من مُؤمن إِلَى آخِره وَكَذَا هُوَ فِي النَّسَائِيّ وصحيح ابْن خُزَيْمَة بِدُونِ الزِّيَادَة. وَزَاد رزين فِيهِ وَمَا من مُؤمن يُلَبِّي لله بِالْحَجِّ إِلَّا شهد لَهُ مَا على يَمِينه وشماله إِلَى مُنْقَطع الأَرْض وَلم أر هَذِه الزِّيَادَة فِي شَيْء من نسخ التِّرْمِذِيّ وَلَا النَّسَائِيّ (^١).\n\n١٧٤٦ - وَعَن سهل بن سعد -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من ملب يُلَبِّي إِلَّا لبّى مَا عَن يَمِينه وشماله من حجر أَو شجر أَو مدر حَتَّى تَنْقَطِع الأَرْض من هَاهُنَا وَهَاهُنَا عَن يَمِينه وشماله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن عمَارَة بن غزيَّة عَن أبي حَازِم عَن سهل وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن عُبَيْدَة يَعْنِي ابْن حميد حَدثنِي عمَارَة بن غزيَّة عَن أبي حَازِم عَن سهل وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n_________\n(^١) وقال الألباني صحيح: دون \"وما من مؤمن ... إلخ\" أخرجه الترمذي (٨١٠)، دون هذه الزيادة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٩٠١).\n(^٢) الترمذي (٨٢٨)، وابن ماجه (٢٩٢١)، والبيهقي (٥/ ٤٣)، وابن خزيمة (٢٦٣٤)، والحاكم (١/ ٤٥١)، والطبراني في الكبير (٥٧٤١)، وفي الأوسط (٢٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٧٧٠).","vol":"6","page":58},{"text":"١٧٤٧ - وَعَن خَلاد بن السَّائِب عَن أَبِيه -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَتَانِي جِبْرَائِيل فَأمرنِي أَن آمُر أَصْحَابِي أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بالإهلال والتلبية رَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١). وَزَاد ابْن مَاجَه فَإِنَّهَا شعار الْحَج.\n\n١٧٤٨ - وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ جَاءَنِي جِبْرَائِيل ﵇ فَقَالَ مر أَصْحَابك فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا من شعار الْحَج رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n\n١٧٤٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا أهل مهل قطّ وَلَا كبر مكبر قطّ إِلَّا بشر قيل يَا رَسُول الله بِالْجنَّةِ قَالَ نعم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَادَيْنِ رجال الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) مالك (٩٣٨)، وأبو داود (١٨١٤)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، والترمذي (٨٢٩)، وقال حسن صحيح، وابن خزيمة (٢٦٢٥)، وأحمد (١٦٥٥٧)، والحاكم (١/ ٤٥٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢).\n(^٢) ابن ماجه (٢٩٢٣)، وابن خزيمة (٢٦٢٨)، وابن حبان (٣٨٠٣)، والحاكم (١/ ٤٥٠)، وأحمد (٢١٦٧٨)، والطبراني في الكبير (٥١٦٨) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٣٠).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٧٧٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٢٤)، رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٢١).","vol":"6","page":59},{"text":"وَالْبَيْهَقِيّ إِلَّا أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا أهل مهل قطّ إِلَّا آبت الشَّمْس بذنوبه (^١). أهل الملبي إِذا رفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ.\n\n١٧٥٠ - وَعَن أبي بكر الصّديق -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- سُئِلَ أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ العج والثج رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لم يسمع مُحَمَّد من عبد الرَّحْمَن.\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَزَّار إِلَّا أَنه قَالَ مَا بر الْحَج قَالَ العج والثج قَالَ وَكِيع يَعْنِي بالعج العجيج بِالتَّلْبِيَةِ والثج نحر الْبدن وَتقدم (^٢) (^٣).\n\n١٧٥١ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من محرم يُضحي لله يَوْمه يُلَبِّي حَتَّى تغيب الشَّمْس إِلَّا غَابَتْ بذنوبه فَعَاد كَمَا وَلدته أمه رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ (^٤).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَامر بن ربيعَة -﵁- (^٥).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤٠٢٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٣١).\n(^٢) ابن ماجه (٢٩٢٤)، والترمذي (٨٢٧)، وابن خزيمة (٢٦٣١)، والحاكم (١/ ٤٥١)، والبزار في مسنده (٧١)، والدرامي (١٨٣٨)، وأبو يعلى (١١٧)، والبيهقي (٥/ ٤٢) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٠٠).\n(^٣) إلى هنا انتهى البياض.\n(^٤) أحمد (١٥٠٠٨)، وابن ماجه (٢٩٢٥)، والبيهقي (٥/ ٤٣)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٥)، هذا إسناد ضعيف.\n(^٥) البيهقي (٥/ ٤٣)، وفي شعب الإيمان (٣٧٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٢٤)، رواه الطبراني في الكبير وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف.","vol":"6","page":60},{"text":"وَتقدم حَدِيث سهل بن سعد فِي الْبَاب الأول وَفِيه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا رَاح مُسلم فِي سَبِيل الله مُجَاهدًا أَو حَاجا مهلا أَو ملبيا إِلَّا غربت الشَّمْس بذنوبه وَخرج مِنْهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله من حديث عامر بن ربيعة هو عامر بن عبد الله بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر العنزى أبو عبد الله العدوي (^٢) كان من المهاجرين الأولين أسلم قبل عمر وهاجر الهجرتين وشهد [بدرا] والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-، سافر مع عمر إلى الجابية، وعقد له لواء واستخلفه على المدينة عثمان وكان حليفا للخطاب ويقال له عامر بن الخطاب حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (^٣) فرجع عامر إلى نسبه، أسلم عامر قبل ان يدخل النبي -ﷺ- دار الأرقم ولم يقدم أحد من المهاجرين المدينة قبل عامر إلا\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٦١٦٥).\n(^٢) كذا هو في الأصل والذى عليه الأكثرون أن اسمه عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك ابن ربيعة بن عامر بن سعد بن عبد الله بن الحارث بن رفيدة بن عنز بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وقيل: ربيعة بن مالك بن عامر بن حجير بن سلامان بن هنب بن أفصى، وقيل: عامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رفيدة بن عنز بن وائل.\nقال ابن الأثير: هذا الاختلاف كله ممن نسبه إلى عنز بن وائل، وعنز، بسكون النون، هو أخو بكر وتغلب ابني وائل، ومنهم من ينسبه إلى مذحج.\nانظر: الطبقات (٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، والاستيعاب (٢/ ٧٩٠)، وأسد الغابة (٣/ ١١٨ ترجمة ٢٦٩٣)، وتهذيب الكمال (١٤/ ترجمة ٣٠٣٧).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥.","vol":"6","page":61},{"text":"أبو سلمة بن عبد الأسد، قال يحيى بن سعيد الأنصاري: قام عامر بن ربيعة [يصلى] من [الليل، وذلك حين شغب] الناس على عثمان ثم نام فرأى في منامه [فقيل له: قم فسل الله] أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده فقام [فصلى] ثم اشتكى فما خرج [قط إلا جنازة فمات] في تلك الأيام ولم يشهد الفتنة -﵁-.","vol":"6","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>التَّرْغِيب فِي الْإِحْرَام من الْمَسْجِد الْأَقْصَى</span>\n١٧٥٢ - عَن أم حَكِيم بنت أبي أُميَّة بن الْأَخْنَس عَن أم سَلمَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من أهل بِعُمْرَة من بَيت الْمُقَدّس غفر لَهُ.\nرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أهل بِعُمْرَة من بَيت الْمُقَدّس كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب قَالَت فَخرجت أُمِّي من بَيت الْمُقَدّس بِعُمْرَة (^١).\nالمسجد الأقصى: فتحه عمر صلحا لخمس خلون من ذي القعدة سنة ست عشرة من الهجرة بعد موت سيدنا رسول الله -ﷺ- بخمس سنين وأشهر (^٢).\nقال الزركشي (^٣): وقد جمعت في أسمائه سبعة عشر وهو من النفائس المهمة، الأول: المسجد الأقصى، وإنما قيل له ذلك لأنه أبعد المساجد التي تزار، الثاني: مسجد إيلياء بهمزة مكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم لام مكسورة ثم ياء آخر الحروف مفتوحة ثم ألف ممدودة على وزن كبرياء، وحكي البكرى فيها القصر قيل معناه بيت الله [وعن كعب الاحبار أنه كره أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٠٠١) و(٣٠٠٢)، وأبو يعلى (٦٩٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٤١٦ رقم ١٠٠٦). وضعفه الألباني في المشكاة (٣٥٣٢)، والضعيفة (٢١١)، وضعيف الترغيب (٧١٩).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٢٧٥).\n(^٣) إعلام الساجد (ص ٢٧٧ - ٢٧٩).","vol":"6","page":63},{"text":"يسمى بإيلياء ولكن بيت الله] المقدس حكاه الواسطي في [فضائله] (^١) وحكى صاحب المطالع فيه لغة [ثالثة بحذف الياء] الأولى وسكون اللام والمد، وفي مسند أبي يعلى الموصلي (^٢) عن ابن عباس أنه قال الإلياء (^٣) بالألف واللام قال النووي (^٤) وهو غريب، الثالث: بيت المقدس بفتح الميم وإسكان القاف أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب والقدس الطهر، الرابع: البيت المقدس بضم الميم وفتح الدال المشددة أي المطهر، قال ابن سراقة (^٥) ويقال الأرض\n_________\n(^١) أخرجه أبو بكر الواسطى في فضائل بيت المقدس (لوحة ٩) ولفظه عن ثور بن يزيد: بلغنى أن كعبا مر بابن أخيه ورجل معه فسألهما أين تريدان؟ قالا نريد إيلياء قال كعب: مه لا تقولا إيلياء ولكن قولا بيت الله المقدس وصفوته من بلاده وخيرته وكنزه ومقامه منها بسط الأرض وإليها يطويها ثم قال ما لكما من حاجة غير الصلاة فيها قالال قال بخ بخ ما تدرون مثل بيت المقدس عند الله ﷿ وسائر الأرض ولله الأمثال العى مثل ذلك مثل رجل له مال كثير فهو أحب ماله إليه فإذا أصبح لم يطلع إلى شئ من ماله غير كنزه كذلك رب العالمين ﷿ في كل صباح لا يطلع في شئ من الأرض قبلها يدر عليها حنانه ورحمته ثم يدرها بعده على سائر الأرضين لا تأتيا كنيسة مريم ولا العمود فإنهما طاغوت من أتاهما حبطت صلاته إلى أن يعود من ذي قبل قاتل الله النصارى ما أعجزهم ما بنوا كنيستهم إلا في وادي جهنم.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٢٦١٧).\n(^٣) كذا هو في إعلام الساجد وفى تهذيب الأسماء واللغات للنووى الايلا وكلاهما غلط والذى في مسند أبي يعلى \"الايلياء\".\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢٠).\n(^٥) محمد بن يحيى بن سراقة أبو الحسن العامري البصري الفقيه الشافعي الفرضي المحدث صاحب التصانيف في الفقه، والفرائض، وأسماء الضعفاء، والمتروكين، أقام بآمد مدة، =","vol":"6","page":64},{"text":"المقدسة ثلاثة فلسطين والأردن ودمشق وهو ما أدركه بصر إبراهيم ﵇ حين رفع على الجبل وقيل ما أدرك بصرك فهو ميراث لك ولولدك من بعدك، الخامس: بيت المقدس بضم الدال وإسكانها لغتان، السادس: سلم لكثرة سلام الملائكة فيه، قال ابن برى وأصله شلم بالشين المعجمة شين العجمية في العربية سين فالسلام شلام واللسان لشان والاسم اشم، وحكي ابن [القطاع] في الأبنية له شلام على وزن فعال (^١) قال ابن الأثير في النهاية (^٢): شلم بالشين وتشديد اللام اسم بيت المقدس [ورواه بعضهم بالسين المهملة وكسر اللام كأنه عربه وقال: معناه بالعبرانية بيت السلام. وروي عن كعب أن الجنة في السماء السابعة بميزان بيت المقدس] والصخرة [، ولو وقع حجر منها وقع على الصخرة، ولذلك دعيت أورسلم، ودعيت الجنة دار السلام]، السابع: كورة [إليا]، الثامن: بيت أيل، التاسع: صهيون، العاشر: [مصروث] بالصاد المهملة وبالثاء المثلثة، الحادي عشر: بابوش بموحدتين وآخرها\n_________\n= روى عن: ابن داسة، وابن عباد، والهجيمي، ورحل إلى فارس، وأصبهان، والدينور، وله تصنيف حسن في الشهادات، وأخذ كتاب الضعفاء عن أبي الفتح الأزدي، ثم نقحه، وراجع فيه الدارقطني، ذكره الذهبي في المتوفين في حدود سنة عشر وأربع مائة، وذكره ابن الصلاح في الطبقات، وقال: كان حيا في سنة أربع مائة، وذكر أنه: كانت له رحلة في الحديث، وعناية به، ومعرفة بعلم الفرائض، والضعفاء من الرجال [طبقات الشافعيين (١/ ٣٦٢)].\n(^١) أبنية الأسماء زالأفعال والمصادر (ص ١٧٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٠).","vol":"6","page":65},{"text":"شين معجمة وبقية أسمائه لم يكتب [لعدم] الفائدة (^١).\nقال في مختصر الكفاية: الإحرام هو نية الدخول في حج أو عمرة أو فيهما أو فيما يصلح لهما أو لأحدهما وهو الإحرام المطلق، وسمي إحراما لأنه يمنع من المحظورات (^٢)، أ. هـ.\nوقال في الديباجة: وإنما يكون الدخول فيه بالنية وقول من قال الإحرام نية معناه أن بها يحصل الدخول وعلى ذلك قوله -ﷺ- في الصلاة \"تحريمها التكبير\" (^٣) أي به يحصل التحريم وحقيقة الإحرام مشكلة قل من أوضحها فإن النية اعتقاد وعزم والقول ليس بنية، وكان الشيخ عز الدين يستشكل ذلك فإن قيل له إنه النية اعترض بأنها شرط فيه وشرط الشيء غيره ويعترض على أنها التلبية بأنها من سننه ولذلك قال الشيخ شهاب الدين القرافى: أقمت عشر سنين لم أعرف حقيقة الإحرام (^٤)، أ. هـ.\nقوله: عن أم حكيم بنت أبي أمية بن الأخنس عن أم سلمة -﵂-، أم حكيم: اسمها حكيمة بنت أمية، جدة يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، وقيل:\n_________\n(^١) باقى الاسماء: الرابع عشر: كورشيلا وشليم وأزيل وصلمون ثم قال: ذكر هذه الاسماء الحسين بن خالويه إلا ثلاثة. بيت المقدس. وبيت القدس. ومسجد إيليا.\n(^٢) كفاية النبيه (٧/ ١٣٦)، ومختصر الكفاية (لوحة ٢٠١/ خ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٦١) و(٦١٨)، وابن ماجه (٢٧٥)، والترمذي (٣)، والدارمي (٦٨٧)، وعبد الرزاق (٢٥٣٩)، والبزار (٦٣٣)، وأبو يعلى (٦١٦) قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ٤٤٤).","vol":"6","page":66},{"text":"أمه، وقيل: خالته، روت عن أم سلمة -﵂-، ذكرها ابن حبان في الثقات (^١).\nوأم سلمة: هي أم المؤمنين زوج النبي -ﷺ- تقدم الكلام على مناقبها.\nتنبيه: نساؤه -ﷺ-[اللاتي] (^٢)، توفي عنهن تسع عائشة وحفصة وسودة وزينب وأم سلمة وأم حبيبة وميمونة وجويرية وصفية، وقد تزوج غيرهن فبلغت عدة النسوة اللاتي عقد عليهن أو خطبهن أو عرض عليه ولم يدخل بهن خمسا وثلاثين امرأة، سماهن الشيخ علاء الدين مغلطاي (^٣)، أ. هـ، قاله في شرح الإلمام.\nقوله -ﷺ-: \"من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر الله له\" الحديث، الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية يقال أهل المحرم بالحج يهل إهلالا إذا لبى ورفع صوته (^٤) فيستحب الإحرام بالحج والعمرة من بيت المقدس لهذا الحديث، فقد أحرم جماعة من السلف منه كابن عمر ومعاذ وكعب الأحبار وغيرهم والله أعلم، وبيت المقدس يقال بفتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال ويقال بضم الميم وفتح القاف وفتح الدال المشددة لغتان مشهورتان والنسبة إليه مُقْدِسي ومُقَدَّسي، والقُدْس والقُدُس التطهير اسم ومصدر ومنه قيل للجنة حظيرة القدس والتقديس التطهير والأرض المقدسة المطهرة هذا\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣٥/ ١٥٧ ترجمة ٧٨٢٠).\n(^٢) في الأصل الذى وفى الحاشية صوابه اللاتى.\n(^٣) الاشارة إلى سيرة المصطفى لمغلطاى (ص ٤٠٥ - ٤١٣).\n(^٤) النهاية (٥/ ٢٧١).","vol":"6","page":67},{"text":"معنى كلام الجوهري (^١)، وقال الواحدي (^٢) في أول سورة البقرة البيت المقدس معناه المطهر وتطهيره على معنى إخلائه من الأصنام وإبعاده منها فحديث أم حكيم هذا عن أم سلمة، استدل به الرافعي ﵀ وجماعة على أن الأفضل أن يحرم الإنسان من دويرة أهله وهو المنصوص عليه في الإملاء صريحا وهو مذهب أبي حنيفة وهو المشهور عن عمر وعلي وابن مسعود (^٣) وحكاه ابن المنذر (^٤) عن علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبي إسحاق السبيعي قال ابن المنذر (^٥) وثبت ان ابن عمر أهل من إيلياء وهو بيت المقدس وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٦)، إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك وروي في الإبانة (^٧) ذلك عن النبي -ﷺ- أفضل\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ٩٦١).\n(^٢) التفسير البسيط (٢/ ٣٣٢) وينظر: معاني القرآن للزجاج ١/ ٧٨، تهذيب اللغة (قدس) ٣/ ٢٩٠٠، تفسير الثعلبي ١/ ٦١.\n(^٣) الحاوى (٤/ ٦٩ - ٧٠).\n(^٤) الأوسط (١١/ ٣٠١)، والإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٣/ ١٧٩).\n(^٥) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٣/ ١٧٩) قال: واختلفت الأخبار عن الأوائل في هذا الباب، فثبت أن ابن عمر أهل من إيلياء وكان الأسود، وعلقمة، وعبد الرحمن، وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم، ورخص فيه الشافعي، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وكره الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومالك: الإحرام من المكان البعيد، وقال أحمد، وإسحاق: وجه العمل الإحرام من المواقيت.\n(^٦) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(^٧) الإبانة للفورانى (لوحة ٩٧/ مخطوط ٩٩٦ مصورات الجامعة الاسلامية).","vol":"6","page":68},{"text":"الأعمال حج الرجل من دويرة أهله (^١) يؤم هذا البيت العتيق ولأنه أكثر عملا وهذا هو الأصح عند الرافعي وغيره وقال النووي (^٢) وطائفة الأفضل أن يحرم من الميقات لأنه الموافق للأحاديث الصحيحة لأن النبي -ﷺ- أحرم من ذي الحليفة في حجة الوداع وفي عمرة الحديبية (^٣) ولقوله -ﷺ-: \"استمتع بأهلك حتى تأتي الميقات فتحرم منه\" (^٤) ولو كان قبل الميقات أفضل لفعله\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٢/ ٣٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٤٥ رقم ٨٩٢٩) والشعب (٥/ ٤٧٢ رقم ٣٧٣٦). قال ابن عدى: وجابر بن نوح هذا ليس له روايات كثيرة، وهذا الحديث الذي ذكرته لا يعرف إلا به، بهذا الإسناد، ولم أر له أنكر من هذا.\nقال البيهقي: تفرد به جابر بن نوح، وفيه نظر، وهذا إنما يعرف عن علي موقوفًا. وقال الألباني منكر الضعيفة (٢١٠).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (٧/ ٢٠١)، والروضة (٣/ ٤٢)، وشرح النووي على مسلم (٨/ ٧٨ و٩٢).\n(^٣) أما إهلاله من ذى الحليفة في حجة الوداع: فأخرجه البخاري (١٥١٥) عن جابر. والبخاري (١٥٤٢) و(١٦٩١) ومسلم (٢٣ - ١١٨٦) و(١٧٤ - ١٢٢٧) عن ابن عمر.\nوأما في عمرة الحديبية: أخرجه البخاري (١٨٠٧) و(١٨١٣) ومسلم (١٨١ - ١٢٣٠) عن ابن عمر.\n(^٤) أخرجه الشاشى في المسند (١١٣٦)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٤٥ - ٤٦ رقم ٨٩٣١) عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة، عن عمه أبي أيوب الأنصاري بلفظ: ليستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض في إحرامه.\nوأخرجه أيضا عن عطاء مرسلا بلفظ: ليستمتع المرء بأهله وثيابه حتى يأتي كذا وكذا الكبرى (٥/ ٤٥ رقم ٨٩٣٠). وقال البيهقي: هذا إسناد ضعيف واصل بن السائب منكر الحديث، قاله البخاري وغيره. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢١٢).","vol":"6","page":69},{"text":"النبي -ﷺ- ولو مرة ولأنه أقل تغريرا بالعبادة وهذا هو الأصح عند النووي (^١) وبه قال عطاء والحسن ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وروي عن عمر بن الخطاب حكاه ابن المنذر (^٢) عنهم كلهم والله أعلم.\n\n١٧٥٣ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من أهل من الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِعُمْرَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه قَالَ فركبت أم حَكِيم إِلَى بَيت الْمُقَدّس حَتَّى أهلت مِنْهُ بِعُمْرَة.\n\n١٧٥٤ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفْظهمَا من أهل بِحجَّة أَو عمْرَة من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر أَو وَجَبت لَهُ الْجنَّة شكّ الرَّاوِي أَيَّتهمَا.\n\n١٧٥٥ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من أهل بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَوَجَبَت لَهُ الْجنَّة (^٣).\nقوله: ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من أهل من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام\" وفي رواية أبي\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٧/ ٢٠٢).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) ابن ماجه (٣٠٠١)، وابن حبان (٣٧٠١)، وأبو داود (١٧٤١)، والبيهقي (٥/ ٣٠)، وفي شعب الإيمان (٤٠٢٦)، وأحمد (٢٦٥٥٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ رقم ١٠٠٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٩٣).","vol":"6","page":70},{"text":"داود والبيهقي (^١) \"من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة\" شك الراوي أيتهما قالت، وفي رواية للبيهقي (^٢) \"غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة\" ولم يشك الراوي في هذه الرواية، نعم يستثنى من ذلك الحائض والنفساء، فقد نقل صاحب التقريب أن الأفضل لهما أن يحرما من الميقات (^٣)، قال النووي في شرح المهذب (^٤): وحديث أم حكيم عن أم سلمة ليس بقوي، ويجاب عنه بأربعة أجوبة، أحدها: أن إسناده ليس بقوي، والثاني: أن فيه بيان فضيلة الإحرام من فوق الميقات [وليس فيه أنه أفضل من الميقات ولا خلاف أن الإحرام من فوق الميقات] فيه فضيلة وإنما الخلاف أيهما أفضل، فإن قيل: هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى.\nفالجواب: أن فيه فائدة وهو تبيين قدر الفضيلة له فيه. الجواب الثالث: أن هذا معارض لفعله -ﷺ- المتكرر في حجة وعمرة فكان فعله المتكرر أفضل، الرابع: أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى لأن له مزايا عديدة معروفة ولا يوجد ذلك في غيره فلا يلحق به، والله أعلم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) ونصه شعب الإيمان (٥/ ٤٧٤) مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ.\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٤٣٧).\n(^٤) المجموع شرح المهذب (٧/ ٢٠٢).","vol":"6","page":71},{"text":"تنبيه: إن قلت: لم سمي المسجد الأقصى ولم يكن بعد المسجد الحرام غيره، ففي الصحيحين (^١) عن أبي ذر -﵁- قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال: \"المسجد الحرام\" قلت: ثم أي؟ قال: \"المسجد الأقصى\" قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\"، قلت: علم الله تعالى أن مسجد المدينة سيبنى فيكون قاصيا أي بعيدا من مسجد مكة وكون مسجد بيت المقدس أقصى فسمي بذلك باعتبار ما يؤول حاله إليه والله أعلم، قاله العراقي في شرح الأحكام (^٢).\nتنبيه: المسجد الحرام مسجد مكة والمسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، سمي الأقصى لبعده عن الحجاز أو لبعده عن الأقذار والخبائث فإنه مقدس مطهر فقوله في حديث أبي ذر: قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\" فيه إشكال وذلك أن مسجد مكة بناه إبراهيم ﵇ بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (^٣) والمسجد الأقصى بناه سليمان وبين إبراهيم وسليمان آماد طويلة تزيد على ألف سنة بالاتفاق، وقال أبو العباس القرطبي (^٤): وأجيب عنه بأن الآية وحديث بناء سليمان بيت المقدس لا يدلان على أن بناء إبراهيم وسليمان ﵉\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٦٦)، صحيح مسلم (٥٢٠).\n(^٢) طرح التثريب في شرح التقريب (٦/ ٤٦).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٢٧.\n(^٤) المفهم (٥/ ٤٣).","vol":"6","page":72},{"text":"[لما بنيا] ابتدئا وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما أسسه غيرهما وابتدأه ولم يقل أحد أن بين سليمان وإبراهيم ﵉ أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه، وهذا القول لم يوافق عليه ولم يسبق إليه (^١) والله أعلم.\nخاتمة: قال أثرم: سألت الإمام أحمد بن حنبل: في أي سنة أقت النبي -ﷺ- مواقيت الإحرام، فقال: عام حج (^٢) وأهل الصفراء وبدر بين ميقاتين (^٣) وقال البندنيجي: يجوز أن يقيم على إحرامه بالعمرة أبدا ويكملها متى شاء وفيما قاله نظر لأنه لم يؤثر ولما في مصابرة الإحرام من المشقة (^٤)، أ. هـ.\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١/ ٣٧٦).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٤٤٣).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٤٣٣) وزاد: أحدهما أمامهم والآخر وراءهم، والمشهور: أن ميقاتهم الجحفة، صرح به الروياني في (البحر).\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ٤٤٣).","vol":"6","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>الترغيب في الطواف واستلام الحجر الأسود والركن اليماني وما جاء في فضلهما وفضل المقام ودخول البيت</span>\n١٧٥٦ - عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر -﵁- أَنه سمع أَبَاهُ يَقُول لِابْنِ عمر -﵄- مَا لي لَا أَرَاك تستلم إِلَّا هذَيْن الرُّكْنَيْنِ الْحجر الْأسود والركن الْيَمَانِيّ فَقَالَ ابْن عمر إِن أفعل فقد سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن استلامهما يحط الْخَطَايَا قَالَ وسمعته يَقُول من طَاف أسبوعا يُحْصِيه وَصلى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعدْل رَقَبَة قَالَ وسمعته يَقُول مَا رفع رجل قدما وَلَا وَضعهَا إِلَّا كتب لَهُ عشر حَسَنَات وَحط عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه.\nوَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه إِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن مسحهما كفَّارَة للخطايا وسمعته يَقُول لَا يضع قدما وَلَا يرفع أُخْرَى إِلَّا حط الله عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَكتب لَهُ بهَا حَسَنَة.\n\n١٧٥٧ - وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ إِن أفعل فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مسحهما يحط الْخَطَايَا وسمعته يَقُول من طَاف بِالْبَيْتِ لم يرفع قدما وَلم يضع قدما إِلَّا كتب الله لَهُ حَسَنَة وَحط عَنهُ خَطِيئَة وَكتب لَهُ دَرَجَة وسمعته يَقُول من أحصى أسبوعا كَانَ كعتق رَقَبَة.\n\n١٧٥٨ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مُخْتَصرا أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مسح الْحجر والركن الْيَمَانِيّ يحط الْخَطَايَا حطا (^١).\n_________\n(^١) أحمد (٤٤٦٢)، والترمذي (٩٥٩)، والحاكم (١/ ٤٨٩)، وابن خزيمة (٢٧٥٣)، وابن حبان (٣٦٩٨)، وأبو يعلى (٥٦٦٨)، والطيالسي (١٨٩٩)، والطبراني في الكبير =","vol":"6","page":74},{"text":"قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الله.\nقوله: عن عبد الله بن عبيد، أبو عبد الله بن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد أبو عاصم الليثي ثم الجندعي المكي (^١)، قاضي أهل مكة، قال مسلم: ولد عبيد بن عمير في زمان النبي -ﷺ- (^٢)، روى عن أبي وعمر وعلي وعائشة وأبي موسى وأبي هريرة وابن عباس وطائفة، وثقه أبو زرعة وجماعة وكان من أبلغ الناس، وكان يبكي حتى [بل الحصى بدموعه] (^٣)، وكان إذا آخى في الله تعالى استقبل به القبلة وقال: اللهم اجعلنا سعداء بما جاء به نبيك واجعله شهيدا علينا بالإيمان (^٤)، قيل: إنه مات قبل ابن عمر، وقيل: سنة أربع وسبعين (^٥) أ. هـ، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: أنه سمع أباه يقول لابن عمر -﵄- ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليماني؟ فقال ابن عمر -﵁-: إن أفعل فقد\n_________\n= (١٣٤٣٩)، والبيهقي في السنن (٥/ ١١٠)، والنسائي في الكبرى (٣٩٥١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٨٠).\n(^١) التاريخ الكبير للبخاري (١٤٧٩)، تاريخ الإسلام (٢/ ٨٦٠).\n(^٢) الاستيعاب (٣/ ١٠١٨)، وتهذيب الكمال (١٩/ ٢٢٣).\n(^٣) كذا هو في الأصل وإنما المعروف أنها حكاية عن ابن عمر فقد قال في تهذيب الكمال (١٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥): عن العوام بن حوشب: رأى ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير وكان من أبلغ الناس يبكي حتى بل الحصى بدموعه.\n(^٤) وتمام كلامه: وقد سبقت لنا منك الحسنى غير متطاول علينا الأمد ولا قاسية قلوبنا ولا قائلين ما ليس لنا بحق ولا سائليك ما ليس لنا به علم.\n(^٥) تهذيب الكمال (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٥ ترجمة ٣٧٣٠).","vol":"6","page":75},{"text":"سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن استلامهما يحط الخطايا حطا\" (^١) الحديث، فالاستلام هو المسح باليد بلا خلاف، واستلم الركن معناه: مسحه بيده مشتق من السلام الذي هو التحية ولذلك سمي المحيا أي أن الناس يحيونه بالسلام لأن أهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا وقيل مشتق من السلام بكسر السين وهي الحجارة (^٢).\nاعلم أن للبيت الحرام أربعة أركان: ركنان يمانيان وأما الآخران فيقال لهما الشاميان فالركن الأسود هو الذي في ركن الكعبة القريب بباب البيت من جانب المشرق ويقال له وللركن اليماني الركنان اليمانيان وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ذراعان وثلثا ذراع، قاله الأزرقي (^٣)، قال: وذرع ما بين الركن الأسود والمقام ثمانية وعشرون ذراعًا (^٤) وروي الأزرقي في فضله وما يتعلق به أشياء كثيرة، قال [التيمى] الركنان اللذان يليان الحجر ليسا بركنين\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٩٥٩)، والنسائي في الكبرى (٣٩٥١)، وأبو يعلى (٥٦٨٧)، وابن خزيمة (٢٧٥٣)، والحاكم ١/ ٤٨٩، وابن خزيمة (٢٧٥٣) وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على ما بينتُه من حال عطاء بن السائب، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، قال الهيثمي، وقال: روى ابنُ ماجه بعضه، رواه أحمد، وفيه عطاء بن السائب، وهو ثقة، ولكنه اختلط. قلنا: هذا ليس من شرطه، فقد رواه الترمذي. المجمع الزوائد (٣/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(^٢) النهاية (٢/ ٣٦٥)، وشرح النووي على مسلم (٩/ ٨ - ٩).\n(^٣) أخبار مكة (١/ ٣١٧)، وشرح النووي على مسلم (٩/ ١٤)، والكواكب الدراري (٨/ ١١٦ و١٢٣ - ١٢٤).\n(^٤) أخبار مكة (١/ ٣١٧).","vol":"6","page":76},{"text":"أصليين لأن وراء ذلك الحجر وهو من البيت فلو رفع جدار الحجر وضم إلى الكعبة في البناء كما كان على بناء إبراهيم ﵇ يستلمان (^١) أ. هـ.\nفالركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما: كونه على قواعد إبراهيم ﵇، والثانية: كونه فيه الحجر الأسود، وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة وهي كونه على قواعد إبراهيم، وأما الركنان الشاميان فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين فلهذا اختص الأسود بشيئين الاستلام والتقبيل للفضيلتين، وأما اليماني فيستلم ولا يقبل لأن فيه فضلية واحدة؛ وأما الشاميان فلا يستلمنا ولا يقبلان، وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين واتفق الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين واستحبه بعض السلف وممن كان يرى استلامهما الحسن والحسين وابن الزبير وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء (^٢)، قال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمة الأمصار على أنهما لا يستلمان، قال وإنما فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين (^٣) وعن بعض الصحابة أنه كان يستلم الأركان كلها ويقول ليس شيء من البيت مهجورا (^٤) وكذا نقل عن الشافعي أنه قال وأي البيت قبل\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٨/ ١٢٤).\n(^٢) المجموع (٨/ ٥٨)، وشرح النووي على مسلم (٩/ ١٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤) وزاد: وانقرض الخلاف.\n(^٤) الحاوى ونقله عن عبد الله بن الزبير (٤/ ١٣٧) وأخرجه ابن أبي شيبة (١٤٩٩٥) عنه، ومعروف عن معاوية أخرجه البخاري (١٦٠٨)، والترمذي (٨٥٨).","vol":"6","page":77},{"text":"فحسن (^١) والله أعلم.\nوكان ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم يقبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله -ﷺ- يفعله (^٢) ومنه يؤخذ استحباب تقبيل اليد بعد استلام الحجر الأسود وهذا محمول على من عجز عن تقبيله وإلا فالقادر يقبله (^٣) ويستحب تقبيله في أول الطواف (^٤) ويستحب إذا قبل الحجر أن يخفف القبلة فلا يظهر لها صوت ولا يشرع للنساء استلام ولا تقبيل إلا عند خلو المطاف ليلا أو نهارا (^٥)، وأما ضبط الركنين اليمانيين فهما فبتخفيف الياء وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة وحكي سيبويه والجوهري وغيرهما من الأئمة تشديدها في لغة قليلة والصحيح التخفيف فمن خفف قال هي نسبة إلى اليمن فحقه أن يقال اليمني (^٦) فالمراد بالركنين اليمانيين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود (^٧) ويقال له العراقي لكونه إلى جهة العراق وقيل للذي قبله اليماني لأنه إلى جهة اليمن، سميا بذلك لأن كلا منهما يمان لكونه من جهة اليمن، قال النووي (^٨): ويقال لهما اليمانيين من باب التغليب تغليبا لأحد الاسمين كما\n_________\n(^١) الأم (٢/ ١٨٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٤٦ - ١٢٦٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٥).\n(^٤) المجموع (٨/ ٣٣)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٩٣).\n(^٥) المجموع (٨/ ٣٣ - ٣٤)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٨٤).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (٨/ ٩٤).\n(^٨) شرح النووي على مسلم (٨/ ٩٤).","vol":"6","page":78},{"text":"قالوا الأبوان للأب والأم والقمران للشمس والقمر والعمران لأبي بكر وعمر والأسودان للتمر والماء، ونظائره مشهورة فتارة يغلبون للفضيلة كالأبوين وتارة للخفة كالعمرين وتارة بغير ذلك، قال العلماء: ويقال للركنين الآخرين اللذين يليان الحجر بكسر الحاء الشاميان لجهة الشام قالوا: واليمانيان باقيان على قواعد إبراهيم ﵇ بخلاف الشاميين كما تقدم.\nتنبيه: قال بعض السلف: استلام الحجر الأسود هو أن لا يعود إلى معصية يشير إلى ما قاله ابن عباس (^١) أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه وصافحه فكأنما صافح الله ﷿ وقبل يمينه، وقال عكرمه: الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن لم يدرك بيعة رسول الله -ﷺ- فمسح الركن فقد بايع الله ورسوله (^٢) فمستلم الحجر يبايع الله على اجتناب معاصيه والقيام بحقوقه ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (^٣) (^٤).\nقوله: وسمعته يقول \"من طاف أسبوعا [يحصيه] وصلى ركعتين\" الحديث، الطواف هو الدوران حول البيت، قال العلماء: ويبدأ الحاج بطواف القدوم لما روى مسلم (^٥) أنه -ﷺ- طاف حين قدم مكة واستلم الركن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨٩١٩ و٨٩٢٠) والأزرقى في أخبار مكة (١/ ٣٢٣ و٣٢٤ و٣٢٦)، والفاكهى (١٤ و١٧ و١٨ و٢٠ و٢١).\n(^٢) أخرجه الأزرقى (١/ ٢٢٥).\n(^٣) سورة الفتح، الآية: ١٠.\n(^٤) لطائف المعارف (ص ٦٢).\n(^٥) صحيح مسلم (١٢٢٧).","vol":"6","page":79},{"text":"أول شيء ثم ركع حين قضى طوافه، وهذا الطواف سنة للحاج رجلا كان أو امرأة إذا دخل مكة قبل الوقوف لأنه تحية البيت كتحية المسجد (^١).\nتنبيه: وفي الشرع ثلاثة أطواف، أحدها: القدوم ويقال طواف القادم والوارد والورود والتحية، والثاني: طواف الإفاضة ويقال طواف الزيارة وطواف الفرض وطواف الركن وطواف الصدر بفتح الصاد والدال، والثالث: طواف الوداع (^٢) ويبتدئ من الحجر الأسود فيستلمه بيده أي يلمسه ويقبله، وقد ورد في الحديث أن الله تعالى لما استخرج من ظهر آدم ذريته وأخذ عليهم الميثاق، كتب ذلك العهد في رق ثم استودعه هذا الحجر فمن ثم يقول من استلمه [وفاء بعهدك] (^٣). قال العلماء: يقال عند ابتداء الطواف أي وهي حالة استلام الحجر الأسود باسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد -ﷺ-، قال الرافعي:\n_________\n(^١) قال ابن القيم: اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن على كل منهما طوافين وسعيين، روي ذلك عن علي وابن مسعود، وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأهل الكوفة، والأوزاعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، الثاني: أن عليهما كليهما طوافا واحدًا وسعيًا واحدًا، نص عليه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله، وهو ظاهر حديث جابر، الثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين، وعلى القارن سعي واحد، وهذا هو المعروف عن عطاء وطاووس والحسن، وهو مذهب مالك والشافعي وظاهر مذهب أحمد، تهذيب السنن ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣.\n(^٢) الإيضاح (ص ٢٠٤)، والمجموع (٨/ ١٢)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٥٠)، وكفاية النبيه (٧/ ٣٥٨).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٦٢).","vol":"6","page":80},{"text":"كذا رواه ابن السائب عن النبي -ﷺ- وهو غريب نقل في المهذب بعضه عن النبي -ﷺ- وبعضه عن الصحابة، قال في مختصر الكفاية: ولا يتعين هذ في تأدية هذه السنة، وروي أن عمر قال: باسم الله والله أكبر والحمد لله على ما هدانا [لا إله إلا الله] وحده لا شريك له آمنت بالله وكفرت بالطاغوت وباللات والعزى وما ادعى من [دون] الله ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ (^١) الآية (^٢)، وهذا الدعاء يستحب في كل طواف (^٣) وروي عبد الرزاق عن الحسن أنه كان يقول إذا استلم الركن اللهم إني أعوذ بك من الفقر والكفر ومواقف الذل (^٤)، والمراد بالعهد هنا الميثاق الذي يأخذه الله تعالى على بني آدم بامتثال أمره حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (^٥) (^٦) ثم يجعل البيت عن يساره ويطوف سبعا حول البيت ثم يصلي ركعتي الطواف لما روى مسلم وغيره أنه -ﷺ- طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الركعة الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لما رواه جابر في صفة حج النبي -ﷺ- (^٧) أ. هـ.\n_________\n(^١) الأعراف، الآية: ١٩٦.\n(^٢) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة (١/ ٣٣٩).\n(^٣) الحاوى (٤/ ١٣٦).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٨٩٦).\n(^٥) سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.\n(^٦) لطائف المعارف (ص ٦٢).\n(^٧) صحيح مسلم (١٢١٨).","vol":"6","page":81},{"text":"١٧٥٩ - وَعَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من طَاف بِالْبَيْتِ أسبوعا لَا يَلْغُو فِيهِ كَانَ كَعدْل رَقَبَة يعتقها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: عن محمد بن المنكدر عن أبيه -﵁-، كنيته: أبو عبد الله محمد بن المنكدر، قال أبو الفرج: جاء المنكدر والد محمد هذا إلى عائشة يشتكي إليها الحاجة فقالت: أول شيء يأتيني ابعث به إليك فجاءتها عشرة آلاف درهم فقالت ما أسرع ما امتحنت عائشة وبعثت بها إليه فاشترى منها جارية فولدت له محمدا وأبا بكر وعمر [وكلهم] يذكر بالصلاح والعبادة [ويحمل] عنه الحديث، توفي بالمدينة سنة ثلاثين ومائة (^٢) كان محمد بن المنكدر إذا بكى مسح لحيته ووجهه بدموعه ويقول: بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسته الدموع (^٣) أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"من طاف بالبيت أسبوعا لا يلغو فيه كان كعتق رقبة يعتقها\" تقدم الكلام على الطواف في الحديث قبله.\nوقوله: \"أسبوعا\" أي سبع مرات ومنه الأسبوع للأيام ويقال له سبوع بلا ألف لغة فيه قليلة، وقيل: هو جمع سبع أو سبع كبرد وبرود وضرب\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٨٤٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٤٥)، ورجاله ثقات.\n(^٢) صفة الصفوة (١/ ٣٧٨ - ٣٨٠).\n(^٣) أخرجه الدينورى في المجالسة (٤١٠).","vol":"6","page":82},{"text":"وضروب ومنه حديث سلمة بن جنادة إذا كان يوم سبوعه يريد يوم أسبوعه من العرس أي بعد سبعة أيام، أ. هـ، قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"كعدل رقبة يعتقها\" العدل بفتح العين وكسرها المثل، وتقدم الكلام على ذلك في أذكار الصبح، فالطواف يكون حول البيت في المسجد في أرضه والمراد بالمسجد ما كان في زمنه -ﷺ- وما استجد فيه من بعده وقد زيد فيه زيادات فيجوز الطواف فيها كلها، ولو وسع المسجد جاز الطواف في جميعه داخله (^٢) ولو طاف خارج المسجد لم يصح قاله فى مختصر الكفاية (^٣).\n\n١٧٦٠ - وَعَن حميد بن أبي سوية -﵁- قَالَ سَمِعت ابْن هِشَام يسْأَل عَطاء بن أبي رَبَاح عَن الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ فَقَالَ عَطاء حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ وكل بِهِ سَبْعُونَ ملكا فَمن قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَفو والعافية فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار قَالُوا آمين فَلَمَّا بلغ الرُّكْن الْأسود قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا بلغك فِي هَذَا الرُّكْن الْأسود فَقَالَ عَطاء حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من فاوضه فَإِنَّمَا يفاوض يَد الرَّحْمَن قَالَ لَهُ ابْن هِشَام يَا أَبَا مُحَمَّد\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٣٦).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٤٨٢).\n(^٣) الوسيط (٢/ ٦٤٥)، والمجموع (٨/ ٣٩)، وكفاية النبيه (٧/ ٤٠١)، ومختصر الكفاية (لوحة ٢٤١ و٢٤٢/ خ ٢١٧٦ ظاهرية).","vol":"6","page":83},{"text":"فالطواف قَالَ عَطاء حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- قَالَ من طَاف بِالْبَيْتِ سبعا وَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بسبحان الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله محيت عَنهُ عشر سيئات وكتبت لَهُ عشر حَسَنَات وَرفع لَهُ بهَا عشر دَرَجَات وَمن طَاف فَتكلم وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال خَاضَ فِي الرَّحْمَة برجليه كخائض المَاء برجليه رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش حَدثنِي حميد بن أبي سوية وَحسنه بعض مَشَايِخنَا (^١).\nقوله: عن حميد بن أبي سوية -﵁-: ويقال بن أبي سويد ويقال ابن أبي حميد المكي (^٢) روى عن عطاء بن أبي رباح وعنه اسماعيل بن عياش (^٣) له أحاديت منكرة روى له ابن عدي (^٤) عن أبي هريرة هذا الحديث وحديث \"علموا ولا تعنفوا\" وحديث \"أقرب ما يكون العبد إلى الله وأحب إليه من كان جبهته في الأرض ساجدا لله تعالى\" ثم قال وحديث ابن أبي سوية هذا قد\n_________\n(^١) ابن ماجه (٢٩٥٧)، قال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩)، هذا إسناد ضعيف، حميد قال فيه ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة، وقال الذهبي، مجهول، وقال الألباني ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٢٩٥٧)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٢) هكذا وقع في رواية ابن ماجه، وَقَال المزي في تحفة الاشراف (١٠/ ٢٦٠) والصحيح: حميد بن أَبي سويد، كذلك ذكره عَبْد الرحمن بْن أَبي حاتم، عَن أبيه، وكذلك رواه أَبُو أَحْمَد بْن عدي الحافظ عن جعفر بن أحمد بن عاصم الدمشقي، عن هشام بن عمار.\n(^٣) تهذيب الكمال (٧/ ٣٧٣)، والجرح والتعديل: (٩٨١)، والكامل لابن عدي: (٢٣٨)، وميزان الاعتدال: (٢٣٣١)، وتذهيب التهذيب: (١٧٩)، والكاشف: ١/ ٢٥٦، وتهذيب التهذيب: ٣/ ٤٣، وخلاصة الخزرجي: (١٦٤٩).\n(^٤) الكامل: (٢/ ٢٣٨).","vol":"6","page":84},{"text":"حدث عنه ابن عياش بغير هذه الأحاديث وهي الأحاديث التي يرويها عن عطاء غير محفوظات. ا. هـ.\nقوله: سمعت ابن هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت الحديث، ابن هشام اسمه [هو سليمان بن هشام بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو أيوب ويقال أبو الغمر الأموي (^١)] وعطاء بن أبي رباح كنيته أبو محمد المكي القرشي وهو معدود في كتاب التابعين ولد في آخر خلافة عثمان ابن عفان ونشأ بمكة وسمع العبادلة الأربعة ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن أبي العاص وجماعة آخرين من الصحابة وهو مفتي أهل مكة وأئمتهم المشهورين وهو أحد شيوخ أصحابنا الشافعي في [سلسلة الفقه] المتصلة برسول الله -ﷺ- روينا عن سلمة بن كهيل قال: ما رأيت من [يطلب بعلمه ما] عند الله تعالى غير عطاء وطاوس ومجاهد واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته توفي بمكة قال الجمهور سنة خمس عشرة ومائة وقيل سنة أربع عشرة وقيل سبع عشرة ومن غرائبه ما حكاه عنه ابن المنذر وغيره أنه قال: إذا كان العيد يوم الجمعة وجبت صلاة العيد ولا يجب بعدها لا جمعة ولا ظهر ولا صلاة بعد العيد إلا العصر (^٢) وتقدم الكلام أيضا على مناقبه في كتاب الجمعة.\nقوله: فقال عطاء حدثني أبو هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"وكل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (٢٢/ الترجمة ٢٧٠٣)، وتاريخ الاسلام (٣/ ٦٦٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤ الترجمة ٤٠٩).","vol":"6","page":85},{"text":"آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين\" وهو كذلك في كتب الرافعي وشرح المهذب وقد جاء عن الحسن في تفسير الحسنة العلم والعبادة وقيل الطاعة والعبادة وفي الآخرة الجنة بالإجماع وقيل حسنة الدنيا المرأة الصالحة الحسنة وفي الآخرة الحور العين وقيل المال.\nقوله: \"وقنا عذاب النار\" وأصل قنا أو قنا فسقطت الواو كما سقطت ألف الوصل والمعنى اجعلنا موقين عذاب النار قال النووي (^١): ومأثور الدعاء أي منقوله أفضل من القراءة تأسيا بمن أنزل عليه القرآن قال وهي أفضل من غير مأثورة لأن القرآن أفضل من الذكر قال تعالى [حديث قدسي]: \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" و\"فضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه\" رواه الترمذي وقال حسن، قال الشافعي وبلغني عن مجاهد أنه قال: يقرأ القرآن وهو طائف وقال عروة ومالك تكون القراءة فيه ومن المأثور في المستدرك (^٢) عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- يقول في طوافه \"اللهم قنعني فيما رزقتني وبارك لي فيما أعطيتني واخلف لي في كل غائبة لي منك بخير\" وفي بعض [الأجزاء أن] النبي -ﷺ- كان يقول \"إذا حاذى الميزاب اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المجموع شرح المهذب (٨/ ٤٤).\n(^٢) المستدرك على الصحيحين للحاكم (١٦٧٤) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَحْتَجَّا بِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَخِي حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.\n(^٣) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة (١/ ٣١٩) عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلًا.","vol":"6","page":86},{"text":"قوله: قال عطاء حدثني أبو هريرة أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: \"من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\" إلى آخره، وروى الحافظ الطبري في كتاب القرى عن ابن عباس -﵁- قال: \"حج آدم ﵇ فطاف بالبيت سبعًا فلقيته الملائكة في الطواف فقالوا بر حجك يا آدم أما إنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام فقال ما كنتم تقولون في الطواف؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، قال آدم ﵇: فزيدوا فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: فزادت الملائكة فيها ذلك، فلما حج إبراهيم ﵇ بعد بنيانه البيت، فلقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه، فقال لهم إبراهيم: ماذا كنتم تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فأعلمناه ذلك، فقال آدم ﵇: زيدوا فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال إبراهيم: زيدوا فيها العلي العظيم، قال: ففعلت الملائكة ذلك\" أخرجه الأزرقي (^١) فالطواف بالبيت من سنن النبيين والمرسلين وقد حج آدم وجماعة من الأنبياء لا يحصون البيت قبل رفع إبراهيم قواعده على ما ورد في الآثار عن النبي المختار.\n\n١٧٦١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ينزل الله كل يَوْم على حجاج بَيته الْحَرَام عشْرين وَمِائَة رَحْمَة سِتِّينَ للطائفين وَأَرْبَعين\n_________\n(^١) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة (١/ ٤٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٤٢٩).","vol":"6","page":87},{"text":"للمصلين وَعشْرين للناظرين رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄- تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"ينزل الله كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة ستين للطائفين وأربعين للمصلين وعشرين للناظرين\" رواه البيهقي، يترتب الثواب على مجرد النظر للكعبة لهذا الحديث [وروى] الأزرقى [حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال] أخبرني [زهير] بن محمد قال [الجالس في المسجد ينظر] إلى البيت لا يطوف به ولا يصلي أفضل من الصلاة في بيته [لا] ينظر إلى البيت (^٢) أ. هـ.\n\n١٧٦٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الطّواف حول الْبَيْت صَلَاة إِلَّا أَنكُمْ تتكلمون فِيهِ فَمن تكلم فِيهِ فَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بِخَير رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه قَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا وَلَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب (^٣).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤٥٠١)، والطبراني في الكبير (١١٤٧٥)، وابن الجوزي في العلل (٩٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٩٢)، وفيه يوسف بن السفر، وهو متروك، والطبراني في الكبير (١١٢٤٨)، وفي إسناده خالد بن يزيد العمري، كذاب.\nوالبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٠١)، وابن عدي في الكامل (١٥٦٥٦)، والخطيب في التاريخ (٦/ ٢٧)، وفي إسناده محمد بن معاوية النيسابوري، متروك.\n(^٢) أخبار مكة (٢/ ٩).\n(^٣) الترمذي (٩٦٠)، وابن حبان (٣٨٣٦)، وابن خزيمة (٢٧٣٩)، وأبو يعلى (٢٥٩٩)، والدارمي (١٨٨٩)، والحاكم (١/ ٤٥٩)، والبيهقي (٥/ ٨٧)، وصححه الألباني في =","vol":"6","page":88},{"text":"١٧٦٣ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من طَاف بِالْبَيْتِ خمسين مرّة خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١) سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ إِنَّمَا يرْوى عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"الطواف حول البيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير\" الحديث، فالطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق فسماه صلاة وهو لا يضع الأسماء اللغوية وإنما يكسبها أحكاما شرعية، وإذا ثبت أنه صلاة أي الطواف لم يجز بدون الستارة وطهارة الحدث وطهارة البدن والثوب والمطاف (^٣) لكن قد عمت البلوى بغلبة النجاسة في المطاف من جهة الطير وغيره فاختار جماعة من أصحابنا المحققين المتأخرين أنه يعفى عنه أي عما يشق الاحتراز عنه كدم البراغيث ونحوه لأن المطاف لم يزل كذلك في عهده -ﷺ- وأصحابه ومن بعدهم ولم يأمروا بتطهيره لأجل الطواف (^٤) ولو نام فى الطواف على هيئة لا تنقض\n_________\n= صحيح الجامع (٣٩٥٥).\n(^١) الترمذي (٨٦٦)، وابن الجوزي في العلل (٣/ ٥٧٣) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٦٨٢).\n(^٢) عبد الرزاق في مصنفه (٩٨٠٩).\n(^٣) الحاوى (٤/ ١٤٥)، والمجموع (٨/ ١٥ - ١٦)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦).\n(^٤) المجموع (٨/ ١٥)، والإيضاح (ص ٢٢٢)، وكفاية النبيه (٧/ ٣٩١ - ٣٩٢).","vol":"6","page":89},{"text":"الوضوء فالأصح في الروضة صحة طوافه (^١) والله أعلم.\nوسئل مالك عمن أصابه ما ينقض وضوئه وهو يطوف فقال: يتوضأ ثم يستأنف الطواف بخلاف السعي وإن كان الطواف تطوعا فإن شاء توضأ واستأنف وإن شاء ترك وكذلك الصلاة (^٢) وعندنا يجوز في الطواف البناء على الأصح (^٣)، وقال أبو حنيفة: إذا طاف جنبا أو محدثا أو فارق مكة لا يلزمه الإعادة وعليه دم شاة (^٤)، وقيل: بدنة، وكذلك الحائض، وعند الشافعي: لا يجزئ الطواف إلا بما تجزئ به الصلاة من الطهارة عن الحدث والنجاسة، والشروط التي تقدم ذكرها، فإن ترك شيئا منها فعليه الإعادة (^٥)، وعند الإمام أحمد خلاف في ذلك. (^٦)\n_________\n(^١) المجموع (٨/ ١٦)، الروضة (٣/ ٨٣)، وكفاية النبيه (٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٩٥).\n(^٢) الموطأ رواية أبي مصعب الزهرى (١٢٩٥ و١٢٩٦)، وشرح السنة (٧/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٣) انظر: المجموع (٨/ ٤٨ - ٤٩)، والروضة (٣/ ٧٩)، وكفاية النبيه (٧/ ٣٩٤)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٧٧).\n(^٤) شرح السنة (٧/ ١٢٦).\n(^٥) شرح السنة (٧/ ١٢٦).\n(^٦) قال ابن قدامة: الطَّهَارَة مِنْ الْحَدَثِ شرط لِصِحَّةِ الطَّوَافِ، فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ اهـ. واستدل الجمهور لهذا القول بعدة أدلة، منها:\n\n١ - قول النبي -ﷺ-:\" (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ، إلا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ\". رواه الترمذي (٩٦٠) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢١).\n\n٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: \"لما أراد -ﷺ- أن يطوف توضأ\". وقد قال: -ﷺ-: \"خذوا عني مناسككم\". رواه مسلم (١٢٩٧). وذهب بعض العلماء إلى أن الطهارة من =","vol":"6","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحدث ليست شرطًا للطواف. وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. وأجابوا عن أدلة القول الأول بالآتي: أما حديث \"الطواف بالبيت صلاة\" فقالوا: لا يصح من قول النبي -ﷺ-، وإنما هو من قول ابن عباس، ا. قال النووي في المجموع: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ اهـ. وأما فعل النبي -ﷺ- وأنه طاف متطهرًا فقالوا: هذا لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب فقط، لأن النبي -ﷺ- فعله ولم يَرِد أنه أمر أصحابه بذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلًا؛ فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النَّبي -ﷺ- لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمَرًا متعددة والناس يعتمرون معه فلو كان الوضوء فرضًا للطواف لبيَّنه النبي -ﷺ- بيانًا عامًّا، ولو بيَّنه لنَقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر ... اهـ. مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٧٣) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعد أن أجاب عن أدلة الجمهور: وعليه: فالقول الراجح الذي تطمئن إليه النفس: أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها بلا شك أفضل وأكمل واتباعًا للنبي -ﷺ-، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، ولكن أحيانًا يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام، مثل: لو أحدث أثناء طوافه في زحام شديد، فالقول بأنه يلزمه أن يذهب ولتوضأ ثم يأتي في هذا الزحام الشديد، لا سيما إذا لم يبق عليه إلا بعض شوط: فيه مشقة شديدة، وما كان فيه مشقة شديدة ولم يظهر فيه النص ظهورًا بيِّنًا: فإنه لا ينبغي أن نُلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح منافٍ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. البقرة/ ١٨٥ اهـ. الشرح الممتع (٧/ ٣٠٠). وأما بالنسبة للسعي: فلا يشترط فيه الوضوء وهو مذهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، بل يجوز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة، لأن النبي -ﷺ- لم يمنع الحائض إلا من الطواف فقال لعائشة -﵂- =","vol":"6","page":91},{"text":"قوله -ﷺ-: \"من تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير\" الكلام في الطواف مباح ولا يبطل به ولا يكره، ولكن الأولى تركه إلا في خير ويكره أن يبصق فيه وأن يتنخم وأن يغتاب وَأَنْ يَكُونَ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا (^١) أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تشوق نفسه إليه وأن تكون المرأة منتقبة ويكره فيه الأكل والشرب وكراهة الشرب أخف، وينبغي أن يكون في طوافه خاشعا متواضعا حاضر القلب ملازم الأدب بظاهره وباطنه مستحضرا في قلبه عظمة من يطوف ببيته ويلزمه أن يصون نظره عما لا يحل نظره إليه وقلبه عن احتقار من يراه من الضعفاء والمرضى ويعلم الجاهل [برفق وهل] الأفضل التطوع في المسجد الحرام بالطواف أو الصلاة، قال الماوردي: الطواف أفضل وظاهر قول غيره أن الصلاة أفضل، وقال ابن عباس: الصلاة [لأهل مكة] والطواف (للغرباء)، والمستحب أن يقول قبالة البيت: اللهم البيت بيتك والحرم حرمك (والأمن) أمنك، وهذا مقام العائذ بك، قال الشيخ أبو محمد: ويشير بقوله \"وهذا مقام العائذ بك\" إلى مقام إبراهيم وخطأه ابن الصلاح وصوب أنه قد يشير إلى نفسه، وقبالة: بضم القاف يعني الجهة التي تقابل البيت ولا يتكلم إلا بذكر أو\n_________\n= لما حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. انظر المغني ٥/ ٢٤٦.\nقال الشيخ ابن عثيمين: فلو سعى محدثًا، أو سعى وهو جنب، أو سعت المرأة وهي حائض: فإن ذلك مجزئ، لكن الأفضل أن يسعى على طهارة. الشرح الممتع (٧/ ٣١٠، ٣١١).\n(^١) قَوْله: حاقنا أَو حاقبا الأول بالنُّون وَهُوَ مدافع الْبَوْل وَالثَّانِي بِالْبَاء وَهُوَ مدافع الْغَائِط. دقائق المنهاج للنووي (ص: ٤٥).","vol":"6","page":92},{"text":"قراءة [وليدع بما شاء ومأثور] الدعاء أفضل مثل قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (^١) (^٢) ولفظ خير في الحديث يعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وجواب المستغيث والإنقاذ مما يضر وإجابة من يؤمر بإجابته ورد السلام وتشميت العاطس ونحوه، قاله في شرح الإلمام (^٣).\nفرع: الموالاة هل تشترط في الطواف ففيه قولان، أصحهما: لا وهو الجديد لأنها عبادة لا يبطلها التفريق اليسير لإجماعهم على جواز الجلوس للاستراحة فلا يبطلها التفريق الكثير كالزكاة، والقديم اشتراطها لأنها عبادة تتعلق بالبيت فأبطلها التفريق كالصلاة ومحلهما إذا فرق بلا عذر، فإن فرق كثيرا بعذر فطريقان كالوضوء، أحدهما: يضر، والثانية: أجزأ القولين، قال الإمام: وحد الكثير وما يغلب على الظن الإضراب به عن الطواف (^٤).\nفرع آخر: إذا أحدث في أثناء الطواف عمدا أو سبقه، فإن قلنا لا تشترط الموالاة توضأ وبنى على طوافه من حيث أحدث هذا هو الأصح، وفي وجه إن كان حدثه في أثناء طوفه استأنف تلك الطوفة من أولها لأن التفريق يجوز بين أعداد الطواف لأن لكل طوفة حكمها، وليس كذلك الطوفة الواحدة، وإن قلنا تشترط الموالاة فإن كان حدثه عمدًا استأنف الطواف وإن سبقه\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٠١.\n(^٢) المجموع (٨/ ٤٦ - ٤٧)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨).\n(^٣) سبق وقد أشرنا الى أن الكتاب لم يطبع بكامله.\n(^٤) كفاية النبيه (٧/ ٣٩٣).","vol":"6","page":93},{"text":"[الحدث] فإن قلنا التفريق بالحذر جائز كان الحكم كما ذكرنا تفريعا على القول الأول وإن قلنا يضر فإن قلنا إن الصلاة لا تبطل بذلك فالطواف أولى وإلا فقولان أصحهما البناء (^١).\nفرع آخر: يندب عقيب كل أسبوع ركعتان فلو طاف أسبوعين أو أكثر بلا صلاة ثم صلى لكل أسبوع ركعتين جاز لكن [كان تاركا] للأفضل ويندب أن يدعو عقيبهما خلف [المقام] بما أحب (^٢) والله أعلم.\n\n١٧٦٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من طَاف بِالْبَيْتِ وَصلى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كعتق رَقَبَة رَوَاهُ ابْن ماجه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحَة وَتقدم (^٣).\n\n١٧٦٥ - وَعنهُ أَيْضا -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من طَاف بِالْبَيْتِ أسبوعا لَا يضع قدما وَلَا يرفع أُخْرَى إِلَّا حط الله عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَكتب لَهُ بهَا حَسَنَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان وَاللَّفْظ لَهُ (^٤).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من طاف بالبيت وصلى ركعتين كان كعتق رقبة\" قال في الديباجة: قال أصحابنا وغيرهم: يستحب أن يصلي الطائف ركعتين خلف\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٧/ ٣٩٤).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٢٥١)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٩٥).\n(^٣) ابن ماجه (٢٩٥٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٧٩).\n(^٤) ابن حبان (٣٦٩٧)، وابن خزيمة (٢٧٥٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٨٠).","vol":"6","page":94},{"text":"المقام يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وتقدم ذلك، فلو صلى فريضة كفت عنهما كتحية المسجد نص عليه في القديم (^١)، وقيل للزهري إن عطاء يقول تجزيه المكتوبة عن ركعتي الطواف، فقال: السنة أفضل لم يطف النبي -ﷺ- أسبوعا إلا صلى ركعتين، رواه البخاري (^٢)، وقال الروياني في البحر (^٣): يختار أن يدعو عقبيهما بما روى عن جابر أن النبي -ﷺ- قال بعدهما: \"اللهم إن هذا بلدك الحرام ومسجدك الحرام وبيتك الحرام وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك، أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنك دعوت عبادك إلى بلدك الحرام وقد جئتك طالبا رحمتك ومبتغيا مرضاتك وأنت مننت علي بذلك فاغفر لي وراحمني إنك على كل شيء قدير\" (^٤) أ. هـ.\nفائدة: يجوز الطواف راكبًا وماشيًا ولكن الطواف ماشيًا أفضل إلا أن يكون ممن يستفتي فيستحب له الطواف راكبًا (^٥) وعلى ذلك يحمل الحديث الذي فيه طاف رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع على بعير يستلم الركن\n_________\n(^١) روضة الطالبين (٣/ ٨٣)، وبحر المذهب (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣)، وكفاية النبيه (٧/ ٤٠٧)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٩٢ - ٤٩٣)\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ١٥٤).\n(^٣) بحر المذهب (٣/ ٤٩٤).\n(^٤) قال ابن حجر في نتائج الأفكار (٥/ ٢٨٨): ولم أظفر بسنده إلى الآن.\n(^٥) انظر: معالم السنن (٢/ ١٩٢)، والإيضاح (١/ ٢٣١) وإحكام الأحكام (٢/ ٧٢)، ورياض الأفهام (٤/ ٢٧).","vol":"6","page":95},{"text":"بمحجن (^١) والمحجن عصى معوجة الرأس (^٢) فإنه -ﷺ- طاف راكبا ليرى الناس فيقتدون بأفعاله وأقواله فإن الراكب يتيسر سؤاله ويتيسر جوابه (^٣)، وفي هذا الحديث دليل على جواز دخول البعير المسجد لحاجة الطواف ونحوها كنقل الماء للوضوء إلى المسجد على الدابة وفيه دليل على طهارة بول البعير وطهارة بول جميع ما يؤكل لحمه (^٤) فإن البعير من عادته إرسال البول، وادعى بعضهم أن من خصائصه -ﷺ- كان إذا ركب دابة لا تبول ما دام راكبا، وفي ذلك نظر فبول البعير على تقدير طهارته يجب تنزيه المسجد لاستقذاره كما يجب تنزيهه عن المخاط والبصاق فيه، وفيه دليل على الاستلام بالمحجن إذا تعذر الوصول إلى الاستلام باليد وعلى أن الآلة المتصلة باليد تعطي حكم اليد حتى يستحب له تغسيل المحجن وعلى أنه لو أمسك عصى وهو في الصلاة ووضع طرفها على نجاسة بطلت صلاته وكذا لو أمسك طرف حبل وطرفه متصل بالنجاسة بطلت صلاته أيضًا (^٥)، اختلفوا اختلفوا في المحدث إذا قلب أوراق المصحف بعود في يده فظاهر الحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٠٧) ومسلم (٢٥٣ - ١٢٧٢) عن ابن عباس.\n(^٢) غريب الحديث (٣/ ٢١٦)، ومشارق الأنوار (١/ ١٨٢)، ومطالع الأنوار (٢/ ٢٣٧).\n(^٣) يدل عليه حديث جابر عند مسلم (٢٥٤ و٢٥٥ - ١٢٧٣). وانظر تحفة الأبرار (٢/ ١٤٥) وإحكام الأحكام (٢/ ٧٢)، والإعلام (٦/ ٢١٣).\n(^٤) انظر شرح النووي على مسلم (٩/ ١٨)، والعدة (٢/ ١٠٠٨)، والاعلام (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٥) انظر المجموع (٣/ ١٤٩)، والروضة (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، وعمدة السالك (ص ٣٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٠٣).","vol":"6","page":96},{"text":"تحريمه وهو ما صححه الرافعي وصحح النووي (^١) الحل قياسا على ما لو وضع اللوح بين يديه وكتب فيه القرآن من غير مس، أ. هـ قاله ابن العماد.\n\n١٧٦٦ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- قَالَ من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ أَتَى الرُّكن يستلمه خَاضَ فِي الرَّحْمَة فَإِذا استلمه فَقَالَ بِسم الله وَالله أكبر أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله غمرته الرَّحْمَة فَإِذا طَاف بِالْبَيْتِ كتب الله لَهُ بِكُل قدم سبعين ألف حَسَنَة وَحط عَنهُ سبعين ألف سَيِّئَة وَرفع لَهُ سبعين ألف دَرَجَة وشفع فِي سبعين من أهل بَيته فَإِذا أَتَى مقَام إِبْرَاهِيم فصلى عِنْده رَكْعَتَيْنِ إِيمَانًا واحتسابا كتب الله لَهُ عتق رَقَبَة محررة من ولد إِسْمَاعِيل وَخرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ مَوْقُوفا (^٢).\n_________\n(^١) قال في التبيان (ص ١٩٣): إذا تصفح المحدث أو الجنب أو الحائض أوراق المصحف بعود أو شبهه ففي جوازه وجهان لأصحابنا ١ - أظهرهما جوازه وبه قطع العراقيون من أصحابنا لأنه غير ماس ولا حامل ٢ - والثاني تحريمه لأنه يعد حاملا للورقة والورقة كالجميع وأما إذا لف كمه على يده وقلب الورقة فحرام بلا خلاف وغلط بعض أصحابنا فحكى فيه وجهين والصواب القطع بالتحريم لأن القلب يقع باليد لا بالكم. ونحوه ذكر ذلك في المجموع (٢/ ٦٨).\nومثله قال في روضة الطالبين وعمدة المفتين (١/ ٧٩): وَلَوْ قَلَّبَ أَوْرَاقَهُ بِعُودٍ، حَرُمَ عَلَى الْأَصَحِّ قلت: قطع العراقيون بالجواز، وهو: الراجح، فإنه غير حامل ولا ماس.\nولو لف كمه على يده، وقلب به الورق، حرم عند الجمهور، وهو الصواب. وقيل: وجهان.\n(^٢) الأصبهاني في الترغيب (١٠٤١).","vol":"6","page":97},{"text":"قوله: وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"من توضأ فأسبغ الوضوء [ثم أتى الركن يستلمه] خاض في الرحمة فإذا استلمه فقال بسم الله والله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله غمرته الرحمة فإذا طاف بالبيت كتب الله له بكل قدم سبعين ألف حسنة\" تقدم الكلام على إسباغ الوضوء، وتقدم الكلام أيضًا على استلام الركن [اليمانى كلما حاذاه] في كل طوافه، وتقدم الكلام أيضا على الطواف بالبيت وأنه الدوران حوله يقال: طفت أطوف طوفا وطوافا والجمع الأطواف.\nفرع: من البدع ما يفعله بعض الجهال وهو أن يأتي الحجر الأسود فيقبله أو يستلمه ثم يأخذ في الطواف أو يفعل ذلك في أواخر الطواف وينصرف وهذا لا يصح طوافه لأن شرط الطائف أن يحاذي أول الحجر بجميع بدنه ثم يطوف وشبهه القاضي أبو الطيب بتكبيرة الإحرام، والذي يواجهه لا يصح منه ذلك ولا يحسب له الشوط الأول فعلى هذا يكون طوافه ستة أشواط فإن كان ذلك طواف القدوم وجب عليه دم وإن كان طواف الإفاضة بطل حجه فيجب على من رأى من يفعل ذلك ان يبينه له ويامره أن يتأخر عن الحجر الأسود إلى جهة الركن اليماني قليلا ثم يجعل البيت عن يساره ويأخذ في الطواف وإذا كان آخر شوط تقدم إلى جهة الباب قليلا أيضا ثم خرج أ. هـ، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٦٧).","vol":"6","page":98},{"text":"فرع آخر: ومن البدع أيضا أن كثيرا من الناس يمس الجدار بيده في طوافه حال موازته الشاذروان وهذا لا يصح طوافه وإن كان ذلك في طواف الإفاضة فسد حجه وهذا فعل يسير وخطره عظيم فيجب التنبيه على مثل هذا وكذلك الحكم فيمن مشى على الشاذروان أو وقف عليه أو وضع عليه رجله في حال الطواف وكثير من الناس يقف على الشاذروان ويضمع وجهه على جدار الشاذروان فليحذر الإنسان مثل هذا غاية الحذر لئلا يفسد حجه أو يقع في محذور وإن من رأى من يفعل ذلك أو الذي قبله فلينهه عليه ويأمره أن يرجع خطوة أو خطوتين احتياطا ثم يطوف على ما كان ليصح طوافه قاله ابن النحاس أيضا (^١).\nفرع آخر: ومن البدع أن بعضهم يرجع يوم النحر ويطوف طواف الإفاضة ثم يشتغل بها إلى الليل ويثبت بها والمبيت بمكة في ليالي منى بدعة ومن بات بها أراق دما عند مالك ومن تابعه، وأظهر أقوال الشافعي أنه لا يريق دما بليلة واحدة والأظهر عند النووي (^٢) ان الدم بترك المبيت واجب وهو مذهب مالك ومن تابعه قاله ابن النحاس (^٣).\nفائدة مهمة: طواف الإفاضة ركن لا بد منه (^٤)، وأنه لا يسقط عن الحائض ولا\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٦٨).\n(^٢) انظر: المجموع شرح المهذب (٧/ ٢).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٤٧٠).\n(^٤) سمي طواف الإفاضة بعدة أسماء منها: =","vol":"6","page":99},{"text":"غيرها، وإذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة فالأولى أن تقيم حتى تطهر فتطوف إلا أن يكون عليها ضرر ظاهر، فإن أرادت السفر مع الناس قبل طواف الإفاضة جاز وتبقى محرمة حتى تعود إلى مكة فتطوف ولو طال سنين، وفي كلام الشافعي والماوردي ما يشعر بأنه لا يجوز لها أن تنفر حتى تطوف، وحاول النووي (^١) تأويله على الكراهة وإذا أرادت الإقامة حتى تطهر لم يلزم الجمال انتظارها خلافا لمالك فيما إذا كان الطريق آمنا، فإن كان مخوفا لم ينتظرها بالإجماع قاله السبكي (^٢)، وذهب أبو حنيفة إلى أن الحائض إذا حجت وطافت صح طوافها ولكن لا يفتيها بذلك، وكان البارزي يفتي النساء بذلك لأن في تخلفهن عن السفر وانقطاعهن عن الرفقة ضررا شديدا وما ذكره لا تجوز\n_________\n=\n\n١ - طواف الإفاضة: وسمي بذلك لأنه يأتي بعد إفاضته من منى إلى مكة.\n\n٢ - طواف الزيارة: وذلك لأن الحاج يأتي من منى لزيارة البيت، ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى.\n\n٣ - طواف الصَّدَر: لأنه يفعل بعد الرجوع، والصدر يطلق أيضًا على طواف الوداع.\n\n٤ - طواف الواجب وطواف الركن وطواف الفرض: وذلك باعتبار الحكم.\nوطواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به، ولا ينوب عنه شيء. الأدلة: يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ونقل الإجماع على ركنية طواف الإفاضة: ابن المنذر، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد، وابن قدامة، والنووي، وابن تيمية وغيرهم.\n(^١) انظر: المجموع شرح المهذب (٧/ ٢).\n(^٢) كذا هو في الأصل والصواب قاله الدميرى فهذا نص كلامه في النجم الوهاج (٣/ ٥٥٢)، وانظر أيضا المجموع (٨/ ٢٥٧).","vol":"6","page":100},{"text":"الفتوى به لمخالفته الحديث الصحيح (^١) أ. هـ.\n[وقوله] إن في تخلفها ضررا عليها ليس كذلك لأنه لا ضرر عليها في الإقامة بمكة حتى تطهر وتطوف ثم بعد ذلك إن وجدت رفقة وإلا أقامت بمكة إلى العام المقبل أو إلى أن تجد رفقة، وهذا ظاهر والله أعلم، قاله ابن العماد.\nفرع: ومن البدع [تقبيل] بعضهم الحجر الأسود أو استلامه بيده وهو مُحْرِم وفي الحجر ما فيه من الطيب والمسك ونحو ذلك فيقع فيما حرم عليه من الطيب وهو لا يشعر ويجب عليه دم وما أظن في ذلك خلافا [وهذا الفعل قل من يسلم منه] فيجب على من علم تحريم ذلك أن ينبه عليه غيره من إخوانه المسلمين نصحا لهم وشفقة عليهم (^٢).\nفرع آخر: ومن البدع أن بعض الجهال والأعراب يطوف من داخل الحجر وهذا لا يصح طوافه ويبطل حجه إن فعل ذلك في طواف الإفاضة ولم يتداركه ويجب عليه دم إن فعل ذلك في طواف القدوم أو الوداع على الصحيح (^٣) أ. هـ.\nومنها -أي البدع-: طوافهم بالقبة التي يسمونها قبة آدم ﵇ وهو بدعة شنيعة يجب إنكارها والمنع منها قاله ابن النحاس أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) رسالة في طواف الحائض للبارزى (خ ٦/ ٣٨٦٥/ المكتبة المركزية بمسجد السيدة زينب).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٤٦٨).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٤٦٨).\n(^٤) تنبيه الغافلين (ص ٤٦٨ - ٤٦٩).","vol":"6","page":101},{"text":"١٧٦٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- فِي الْحجر وَالله ليبعثنه الله يَوْم الْقِيَامَة لَهُ عينان يبصر بهما ولسان ينْطق بِهِ يشْهد على من استلمه بِحَق وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^١).\n\n١٧٦٨ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَلَفظه يبْعَث الله الْحجر الْأسود والركن الْيَمَانِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَلَهُمَا عينان ولسانان وشفتان يَشْهَدَانِ لمن استلمهما بِالْوَفَاءِ (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله -ﷺ- في الحجر \"والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق\" وفي رواية الطبراني (^٣) [في الكبير] \"يبعث الله الحجر الأسود والركن اليماني يوم القيامة ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء\" ولما أخذ الله العهد على آدم وذريته أودعه إياه فهو يشهد لمن وافاه يوم القيامة وهذا معنى ما روى أن الطائف يستحب له أن يقول في أول الطواف اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك\n_________\n(^١) الترمذي (٩٦١)، وابن خزيمة (٢٧٣٥)، وابن حبان (٣٧١١)، وأحمد (٢٢١٥)، وابن ماجه (٢٩٤٤)، والحاكم (١/ ٤٥٧)، والبيهقي (٥/ ٧٥) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٣٤٦).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١١٤٣٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٤٢)، رواه الطبراني في الكبير من طريق بكر بن محمد القرشي عن الحارث بن غسان، كلاهما لم أعرفه.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"6","page":102},{"text":"واتباعا لسنة نبيك محمد -ﷺ-، وهذا هو المراد بقوله في الحديث \"يشهد لمن استمله\" بالوفاء، والمراد بالعهد ها هنا قيل: الميثاق الذي أخذ الله تعالى على إبراهيم بامتثال أمره، أمر ﷾ أن يكتب بذلك عهدا وأن يدرج في الحجر الأسود (^١).\n\n١٧٦٩ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَأْتِي الرُّكْن الْيَمَانِيّ يَوْم الْقِيَامَة أعظم من أبي قبيس لَهُ لسانان وشفتان رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن. وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَزَاد يشْهد لمن استلمة بِالْحَقِّ وَهُوَ يَمِين الله ﷿ يُصَافح بهَا خلقه. وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَزَاد يتَكَلَّم عَمَّن استلمه بِالنِّيَّةِ وَهُوَ يَمِين الله الَّتِي يُصَافح بهَا خلقه (^٢).\n\n١٧٧٠ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أشهدوا هَذَا الْحجر خيرا فَإِنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة شَافِع يشفع لَهُ لسانان وشفتان يشْهد لمن استلمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن الْوَلِيد بن عباد مَجْهُول (^٣).\nقوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) انظر تنبيه الغافلين (ص ٤٩١)، ورياض الأفهام (٤/ ١٦)، ولطائف المعارف (ص ٦٢).\n(^٢) أحمد (٦٩٧٨)، والطبراني في الأوسط (٥٦٣)، وابن خزيمة (٢٧٣٧)، والحاكم (١/ ٤٥٧)، وقال الذهبي: عبد الله بن المؤمل واه، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٩٤٥)، وقال: وهذا لا يثبت، قال أحمد: عبد الله بن مؤمل أحاديثه مناكير، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٤٢)، رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٩٧١) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٨٨٠).","vol":"6","page":103},{"text":"قوله -ﷺ-: \"يأتي الركن اليماني يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان\" الحديث، وزاد الطبراني (^١) \"يشهد لمن استلمه بالحق وهو [يمين] الله ﷿ [يصافح بها خلقه] \"، ورواه ابن خزيمة وزاد (^٢) \"يتكلم عمن استلمه [بالنية وهو] يمين الله التي يصافح بها خلقه\" تقدم الكلام على الركن اليماني وعلى أبي قبيس، وللترمذي (^٣) \"مسح الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطا\" وفي الطبراني (^٤) \"أنه يرجع إلى الجنة\" ومعنى كون الحجر يمين الله في الأرض، قال الخطابي (^٥): هذا كلام تمثيل وتشبيه وأصله أن الملك إذا صافح رجلا قبل الرجل يده فكأن الحجر الأسود لله تعالى بمنزلة اليمين للملك فنزل الحجر منزلة يمين الملك حيث يستلم ويلثم ولله المثل الأعلى (^٦)، وكذلك من صافحه كان له عند الله عهد كما أن الملوك تعطي العهد بالمصافحة (^٧)، ومنه الحديث الآخر \"وكلتا يديه يمين\" (^٨) أي إن يديه ﵎ بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) ينظر: معالم السنن (٢/ ١٩١ - ١٩٢) والمجموع المغيث (٣/ ٥٣٣).\n(^٦) تأويل مختلف الحديث (١/ ٣١٣) وغريب الحديث (٢/ ٣٣٧) لابن قتيبة، والنهاية (٥/ ٣٠٠).\n(^٧) معالم السنن (٢/ ١٩١)، وشرح السنة (٧/ ١١٤).\n(^٨) سبق تخريجه عند الحديث على صفة اليدين لله تعالى.","vol":"6","page":104},{"text":"اليمين وكل ما جاء في القرآن والحديث من إضافة اليد والأيدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح إلى الله تعالى فإنما هو على سبيل المجاز والاستعارة والله تعالى منزه عن التشبيه والتجسيم (^١) انتهى.\nوالمعنى: أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد وكان كالعهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به وكما يصفق في أيدي الملوك للبيعة (وكذلك) تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه (^٢).\n\n١٧٧١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللهﷺ- نزل الْحجر الْأسود من الْجنَّة وَهُوَ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن فسودته خَطَايَا بني آدم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ أَشد بَيَاضًا من الثَّلج (^٣).\n\n١٧٧٢ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَلَفظه قَالَ الْحجر الْأسود من حِجَارَة الْجنَّة وَمَا فِي الأَرْض من الْجنَّة غَيره وَكَانَ أَبيض كالمها وَلَوْلَا مَا مَسّه من رِجْس الْجَاهِلِيَّة مَا مَسّه ذُو عاهة إِلَّا برأَ (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٣٠١). وما ذكره ابن الأثير في النهاية هو خلاف ما عليه السلف من إثبات اليد لله سبحانه مع تنزيهه عن التشبيه والتمثيل. وقد سبق الرد على هذه الشبهة.\n(^٢) معالم السنن (٢/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٣) الترمذي (٨٧٧)، وابن خزيمة (٢٧٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٧٥٦).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٥٦٧٣)، وفي الكبير (١١٣١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٤٢)، وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٦٨).","vol":"6","page":105},{"text":"قوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم\" قال بعضهم: إذا كان هذا فعل الخطايا في الحجارة فكيف في القلوب (^١)، وفي كامل ابن عدي (^٢) عن أنس أن النبي -ﷺ- قال: \"الحجر الأسود من ياقوت الجنة فمسحة المشركون فاسود من مسحهم\" فقوله \"نزل الحجر الأسود من الجنة\" قال بعضهم: يحتمل أن يحمل الحديث على ظاهره ويحتمل أن يؤول على ما يستقيم عليه المعنى من باب الاتساع، ومن المعلوم أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر خلقت خلقا غير قابل للزوال والفناء وهي مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية التي هي في حكم الزوال والفناء، وقد كسر الحجر الأسود وذلك من أقوى أسباب الزوال وتأويله أن الحجر الأسود لما فيه من الشرف والكرامة وما فيه من اليمن والبركة يشارك جواهر الجنة فكأنما نزل منها وأن خطايا بني آدم [تكاد تؤثر في الجماد] فتجعل المبيض مسودا فكيف [بقلوبكم أو لأنه من حيث إنه مكفر للخطايا محاء للذنوب، لما روي عن ابن عمر: أنه كان يزاحم على الركنين، وقال: سمعت أن النبي -ﷺ- يقول: \"إن مسحهما كفارة للخطايا\" (^٣) كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه ذا بياض شديد، فسودته الخطايا،\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (٢/ ١٤٧)، وكشف المناهج (٢/ ٣٨٣)، والإعلام (٦/ ١٩٦).\n(^٢) الكامل في ضعفاء الرجال (٤/ ٤٣٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٩٥٩) واللفظ له، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢١٥ (٢٩٤١)، وابن خزيمة (٢٧٢٩ و٢٧٣٠ و٢٧٥٣)، وابن حبان (٣٦٩٨). وصححة الألباني.","vol":"6","page":106},{"text":"هذا، وإن احتمال إرادة الظاهر غير مدفوع عقلًا ولا سمعًا، والله أعلم بالحقائق والمطلع على ما في الضمائر] (^١).\n[وقوله فى الحديث الآخر] عن ابن عباس \"أنزل الله الركن والمقام مع آدم ﵇ ليلة نزل\" (^٢)، وقد ورد أن الله تعالى حين أخرج الذرية من ظهر آدم ﵇ على أقسام أربعة قسم كالجواهر وقسم كالسرج وقسم كبياض البيض وقسم كسواد القار والقار الزفت، أمرهم الله ﵎ أن يسجدوا له فسجدوا إلا قسم سواد القار لم يطق السجود لأن الله ﵎ جعل في أصلابهم صياصي فلم يقدروا على السجود ثم أمر الله ﵎ الملك أن يأتى بالحجر من الجنة ليضعه بين أيديهم وأن يضعوا أيديهم عليه ويشهدوا لله بالربوبية والوحدانية فوضعوا وشهدوا وشهد الله تعالى على شهادتهم لقوله تعالى: ﴿فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (^٣) وكتب بذلك كتابا، وأمر الحجر أن يلتقمه، وروي أيضًا عن علي أنه قال: \"لما أخذ الله تعالى على بني آدم [عهودهم، ومواثيقهم] كتب بذلك كتابا في رق [وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، قال: ففتح فاه فجعله] في جوف [الحجر] فيجيء يوم القيامة ويشهد لمن استلمه\" (^٤) أ. هـ.\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (٢/ ١٤٧)، وشرح المشكاة (٦/ ١٩٨١).\n(^٢) أخبار مكة للأزرقي (١/ ٣٢٥).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٨١.\n(^٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨). وتعقبه الذهبى فقال: أبو هارون ساقط.","vol":"6","page":107},{"text":"تتمة: روى مسلم والترمذي (^١) من حديث جابر بن سمرة أن النبي -ﷺ- قال: \"إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن\" وفي بعض المسندات أنه الحجر الأسود، قال السهيلي: وهذا التسليم الأظهر فيه أنه حقيقة وأن يكون الله تعالى أنطقه إنطاقا كما خلق الحنين في الجذع [وقال:] ولكن ليس من شرط الكلام الذي هو صوت وحرف الحياة والعلم والإرادة لأنه صوت كسائر الأصوات والصوت عرض في قول الأكثرين ولم يخالف فيه إلا النظام فإنه زعم أنه جسم وجعله الأشعري اصطكاكا في الجواهر بعضها لبعض فهو عنده من الألوان ولكنه معني زائد عليه ولو قدرنا الكلام صفة قائمة بنفس الحجر والشجر والصوت عبارة عنه لم يكن بُدّ من اشتراط الحياة والعلم مع الكلام أي ذلك كان كلاما مقرونا بحياة وعلم فيكون الحجر به [مؤمنا] أم كان صوتا مجردا غير مقترن بحياة وعلى كلا الوجهين هو علم من أعلام النبوة وأما حنين الجذع فحقيقة الحنين [يقتضي] شرط الحياة [وقد يحتمل تسليم] الحجارة أن تكون مضافة إلى ملائكة، يسكنون تلك الأماكن ويعمرونها فيكون مجازا من باب قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٢) والأول أظهر وإن كان هذا علما من أعملا النبوة لا يسمى معجزة في اصطلاح المتكلمين إلا ما تحدى به الخلق فعجزوا عن معارضته (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) مسلم (٢٢٧٧) الترمذي (٣٦٢٤)، ابن حبان (٦٤٨٢) وتمام في فوائده (١٤١٢).\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ٨٢.\n(^٣) الروض الأنف (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩).","vol":"6","page":108},{"text":"١٧٧٣ - وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَ الْحجر الْأسود ياقوتة بَيْضَاء من يَوَاقِيت الْجنَّة وَإِنَّمَا سودته خَطَايَا الْمُشْركين يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة مثل أحد يشْهد لمن استلمه وَقَبله من أهل الدُّنْيَا (^١).\n\n١٧٧٤ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصرا قَالَ الْحجر الْأسود من الْجنَّة وَكَانَ أَشد بَيَاضًا من الثَّلج حَتَّى سودته خَطَايَا أهل الشّرك (^٢).\nالمها مَقْصُورا جمع مهاة وَهِي البلورة.\n\n١٧٧٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ نزل الرُّكْن الْأسود من السَّمَاء فَوضع على أبي قبيس كَأَنَّهُ مهاة بَيْضَاء فَمَكثَ أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ وضع على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا بِإِسْنَاد صَحِيح (^٣).\n\n١٧٧٦ - وَعنهُ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- وَهُوَ مُسْند ظَهره إِلَى الْكَعْبَة يَقُول الرُّكْن وَالْمقَام ياقوتتان من يَوَاقِيت الْجنَّة وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى طمس نورهما لأضاءتا مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة رَجَاء بن صبيح وَالْحَاكِم وَمن طَرِيقه الْبَيْهَقِيّ (^٤).\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢٧٣٤) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٧٠).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٠٣٤)، وأحمد (٢٧٩٥) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٦٧).\n(^٣) الطبراني في الكبير (١٤١٧٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٤٣).\n(^٤) الترمذي (٨٧٨)، وابن حبان (٣٧١٠)، والحاكم (١/ ٤٥٦)، والبيهقي في السنن (٥/ ٧٥)، وفي شعب الإيمان (٤٠٣٠)، وأحمد (٧٠٠٠)، وابن خزيمة (٢٧٣١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٦٣٣).","vol":"6","page":109},{"text":"١٧٧٧ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ إِن الرُّكْن وَالْمقَام من ياقوت الْجنَّة وَلَوْلَا مَا مَسّه من خَطَايَا بني آدم لأضاء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَمَا مسهما من ذِي عاهة وَلَا سقيم إِلَّا شفي (^١).\n\n١٧٧٨ - وَفِي أُخْرَى لَهُ -﵁- أَيْضا رَفعه قَالَ لَوْلَا مَا مَسّه من أنجاس الْجَاهِلِيَّة مَا مَسّه ذُو عاهة إِلَّا شفي وَمَا على الأَرْض شَيْء من الْجنَّة غَيره (^٢).\nقوله: في الحديث في رواية ابن خزيمة \"الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة وإنما سودته خطايا المشركين\" وروى الطبراني (^٣) من حديث عبد الله بن عمرو قال: \"نزل الحجر الأسود من السماء فوضع على أبي قبيس كأنه مهاة بيضاء فمكث أربعين سنة ثم وضع على قواعد إبراهيم\"، وفي رواية للبيهقي (^٤) قال: \"إن الركن والمقام من ياقوت الجنة ولولا ما مسه من خطايا بني آدم لأضاء ما بين المشرق والمغرب وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي\" وفي رواية أخرى له أيضًا: \"ما مسه ذو عاهة إلا شفي وما على الأرض شيء من الجنة غيره\" (^٥) أ. هـ، الياقوت فارسي\n_________\n(^١) البيهقي في السنن (٥/ ٧٥)، وفي شعب الإيمان (٤٠٣١).\n(^٢) البيهقي في السنن (٥/ ٧٥)، وفي شعب الإيمان (٤٠٣١).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١٣/ ٣٥٢) (١٤١٧٠): ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٤٣)، وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات\".\n(^٤) أخرجه أحمد (٧٠٠٠)، وابنُ خزيمة (٢٧٣٢)، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ٢٣٢).\n(^٥) انظر ما قبله.","vol":"6","page":110},{"text":"معرب الواحدة ياقوتة وجمعه يواقيت وهو معدن معروف عند أهله فيه خاصية كما ان النار لا تؤثر فيه ولا تغيره وأن من تختم به أمن من الطاعون وتيسرت له أمور المعاش ويقوي قلبه وتهابه الناس ويسهل عليه قضاء الحوائج (^١)، روي ابن عدي في كامله (^٢) عن أنس بن مالك أن النبي -ﷺ- قال: \"من اتخذ خاتما فصه من ياقوت نفي عنه الفقر\"، قال ابن الأثير (^٣): يريد أنه إذا ذهب ماله باع خاتمه فوجد به غني، قال: والأشبه إن صح الحديث أن يكون لخاصية فيه كما تقدم.\nقوله في الحجر بأنه مهاة بيضاء، قال الحافظ (^٤): المهى مقصور جمع مهاة وهي [البلورة] أ. هـ، قال ابن الأثير في النهاية: المَهَا: البِلَّوْرُ، وكلُّ شَيءٍ صُفِّي فَهُوَ مُمَهًّى، تَشْبِيهًا بِهِ. وَيُقَالُ للكَوْكَبِ: مَهًا، ولِلثَّغْرِ إِذَا ابْيَضَّ وكَثُرَ ماؤُهُ: مَهًا (^٥) أ. هـ.\nوقال [فى حياة] الحيوان: المهى بالفتح جمع مهاة والجمع مهوات نوع من البقر الوحشية إذا حملت الأنثى منها هربت من البقر وبها يضرب المثل في سمن المرأة، وروي ابن عروة عن أبيه قال: بينما عمر يطوف بالبيت إذا\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٢٥٩).\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (١/ ٣٩٣). قال ابن عدى: وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد، وأبو ضمرة ثقة.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٠)\n(^٤) أى المنذرى.\n(^٥) النهاية (٤/ ٣٧٧).","vol":"6","page":111},{"text":"رجل يطوفه على عنقه مثل المهاة يعني حسنا وجمالا وهو يقول:\nصِرْتُ لِهَذِهِ جَمَلًا ذَلُولَا ... مُوَطَّأَ أتَّبِعُ السُّهُوَلَا\nأعْدِلُهَا بِالْكَفِّ أَنْ تَمِيلَا ... أَحْذَرُ أَنْ تَسْقُطَ أَوْ تَزُولَا\nأَرْجو بِذَاكَ نَائِلًا جَزِيلَا ... .................................\nفَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَنْ هَذِهِ الَّتِي وَهَبْتَ لَهَا حَجَّكَ؟ قَالَ: امرأَتي، يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ إِنها حَمْقَاءُ مِرْغامة، أَكول قَامَةٌ، مَا تَبْقى لَهَا خَامَةٌ قَالَ: مَا لَكَ لَا تُطَلِّقُهَا؟ قَالَ: يَا أَمير الْمُؤْمِنِينَ، هِيَ حَسْنَاءُ فَلَا تُفْرَك، وأُم صِبْيَانٍ فَلَا تُتْرك (^١)، أ. هـ.\nتنبيه: حجر البلور: من علق عليه لم ير منام سوء (^٢)، وَالْفَيْرُوزَجِ حجر أخضر تشوبه زرقة يصفر لونه مع صفاء الجو ويتكدر بتكدره ومن خواصه أنه لم ير في يد قتيل خاتم منه أبدا، والمرجانة: إذا علق على طفل امتنعت عنه أعين السوء من الجن والإنس (^٣). أ. هـ.\nتتمة: في سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قدم أبو طاهر القرمطي (^٤) -واسمه\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٤٤٩).\n(^٢) مطالع البدور ومنازل السرور للغزولى (ص ٢٢٨).\n(^٣) ليس له أصل في الشرع. انظر: النجم الوهاج (١/ ٢٥٩). والتعليق الرشيق في التختم بالعقيق لإبراهيم الناجي (ص: ١٨).\n(^٤) قال ابن الجوزي في المنتظم (٢/ ١٥٦) وابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ١٦٠): فِيهَا [أي في حوادث سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ] خَرَجَ رَكْبُ الْعِرَاقِ وَأَمِيرُهُمْ مَنْصُورٌ الدَّيْلَمِيُّ فَوَصَلُوا إِلَى مَكَّةَ سَالِمِينَ، وَتَوَافَتِ الرُّكُوبُ هُنَاكَ من كل مكان وجانب وفج، فَمَا شَعَرُوا =","vol":"6","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إِلَّا بِالْقِرْمِطِيِّ قَدْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي جَمَاعَتِهِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَانْتَهَبَ أَمْوَالَهُمْ وَاسْتَبَاحَ قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقا كثيرًا، وجلس أميرهم أبو طاهر لَعَنَهُ اللهُ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، وَالرِّجَالُ تُصْرَعُ حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، الَّذِي هُوَ مِنْ أَشْرَفِ الأيام، وهو يقول: أنا الله وبالله، أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا. فكان الناس يفرون منهم فَيَتَعَلَّقُونَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَلَا يُجْدِي ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا. بَلْ يُقْتَلُونَ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَيَطُوفُونَ فَيُقْتَلُونَ فِي الطَّوَافِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَوْمَئِذٍ يَطُوفُ، فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ أَخَذَتْهُ السُّيُوفُ، فَلَمَّا وَجَبَ أَنْشَدَ وَهُوَ كَذَلِكَ:\nتَرَى الْمُحِبِّينَ صَرْعَى فِي دِيَارِهِمُ ... كَفِتْيَةِ الْكَهْفِ لَا يَدْرُونَ كم لبثوا\nفلما قضى القرمطى لعنه الله أمره وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيرا منهم في أماكنهم من الحرم، وفي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَيَا حَبَّذَا تِلْكَ الْقِتْلَةُ وَتِلْكَ الضجعة، وذلك المدفن والمكان، ومع هذا لم يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُكَفَّنُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ محرمون شهداء في نفس الأمر. وَهَدَمَ قُبَّةَ زَمْزَمَ وَأَمَرَ بِقَلْعِ بَابِ الْكَعْبَةِ وَنَزَعَ كُسْوَتَهَا عَنْهَا، وَشَقَّقَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَصْعَدَ إِلَى مِيزَابِ الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار فعند ذلك انكف الخبيث عَنِ الْمِيزَابِ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُقْلَعَ الْحَجَرُ الأسود، فجاءه رجل فضربه بِمُثْقَلٍ فِي يَدِهِ وَقَالَ: أَيْنَ الطَّيْرُ الْأَبَابِيلُ، أَيْنَ الْحِجَارَةُ مِنْ سِجِّيلٍ؟ ثُمَّ قَلَعَ الْحَجَرَ الأسود وأخذوه حين رأحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عِنْدَهُمْ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً حَتَّى رَدُّوهُ، كَمَا سنذكره في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ف إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ٢: ١٥٦ وَلَمَّا رَجَعَ الْقِرْمِطِيُّ إلى بلاده ومعه الحجر الأسود وتبعه أَمِيرُ مَكَّةَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَجُنْدُهُ وَسَأَلَهُ وتشفع إليه أن يرد الحجر الأسود لِيُوضَعَ فِي مَكَانِهِ، وَبَذَلَ لَهُ جَمِيعَ مَا عنده من الأموال فلم يلتفت إليه، فَقَاتَلَهُ أَمِيرُ مَكَّةَ فَقَتَلَهُ الْقِرْمِطِيُّ وَقَتَلَ أَكْثَرَ أهل بيته، وأهل مكة وَجُنْدِهِ، وَاسْتَمَرَّ ذَاهِبًا إِلَى بِلَادِهِ وَمَعَهُ الْحَجَرُ وأموال الحجيج. وقد ألحد هذا للعين فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلْحَادًا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا يَلْحَقُهُ فِيهِ، وَسَيُجَازِيهِ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلَا يَوْثِقُ =","vol":"6","page":113},{"text":"سليمان بن أبي ربيعة- مكة يوم التروية فنهب هو وعسكره أموال الحاج وقتلوهم في المسجد والبيت وقلع الحجر الأسود وأرسله إلى بلاد الحساء والقطيف وقتل أمير مكة وقلع باب الكعبة وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن البقية في المسجد بلا غسل ولا صلاة وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه ونهب دور مكة، ثم كان رد الحجر إلى مكة سنة اثنتين وثلاثين فكانت مدة غيبته عندهم اثنتين وعشرين سنة، والقرمطي بكسر القاف، والقصة في ذلك مطولة شهيرة (^١) والله أعلم.\n\n١٧٧٩ - وعنِ ابن عمر -﵄- قال: استقبل رسول الله -ﷺ- الحجر، ثمَّ وضع شفتيهِ عليه يبكي طويلًا، ثمُّ التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي فقال يا عمر: ها هنا تسكب العبرات. رواه ابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وصححه (^٢)، ومن طريقه البيهقي، وقال: تفرَّد به محمد بن عون. (^٣)\n_________\n= وِثَاقَهُ أَحَدٌ. وَإِنَّمَا حَمَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الصنيع أنهم كفار زَنَادِقَةً، وَقَدْ كَانُوا مُمَالِئِينِ لِلْفَاطِمِيِّينَ الَّذِينَ نَبَغُوا في هذه السنة بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الْمَغْرِبِ، وَيُلَقَّبُ أَمِيرُهُمْ بِالْمَهْدِيِّ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبِيدُ اللهِ بْنِ ميمون القداح.\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠).\n(^٢) ابن ماجه (٢٩٤٥)، وابن خزيمة (٢٧١٢)، والحاكم (١/ ٤٥٤)، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٥٦)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٨)، هذا إسناد ضعيف، وضعفه جدًاالألباني في ضعيف الترغيب (٧٣٠) وراجع تعليق الشيخ على كلام المنذري والسلسلة الضعيفة (١٠٢٢).\n(^٣) ومحمد بن عون: قال يحيى بن معين وأبو داود: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال أبو =","vol":"6","page":114},{"text":"قال الحافظ: ولا نعرفه إلا من حديثه، وهو متروك.\nقوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: استقبل رسول الله -ﷺ- الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه [عليه يبكي طويلا] فالتفت [فإذا] عمر بن الخطاب يبكي فقال: \"يا عمر ها هنا تسكب العبرات\"، رواه الحاكم بلفظ \"وضع جبهته\" بدل شفتيه، فيستحب أن يضع جبهته عليه فإن أمكنه أن يجعل جبهته عليه ثلاثا فليفعل ويستحب استقبال\n_________\n= زرعة: ضعيف الحديث ليس بقوي. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث.\nوقال أبو بشر الدولابي وأبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. قال ابن حبان: كان ممن ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الاثبات على قلة روايته فلا يحتج به إلا فيما وافق الثقات.\nقال الحافظ: متروك. انظر التاريخ الكبير (١/ ١٩٧)، والضعفاء للبخاري (١/ ١٠٤)، والجرح والتعديل (٨/ ٤٧) والضعفاء للنسائي (٥٣٢)، والضعفاء للعقيلي (٤/ ١١٢)، والمجروحين (٢/ ٢٧٢)، والكامل في الضعفاء (٦/ ٢٤٤) تهذيب الكمال (٢٦/ ٢٤٠)، وتقريب التهذيب (٦٢٠٣) الذهبي في الميزان (٣/ ٦٧٦). قال الحافظ في الدراية (٢/ ١٣) وروى البخاري من وجه آخر عن ابن عمر أنه سئل عن استلام الحجر فقال رأيت رسول الله -ﷺ- يستلمه ويقبله. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٩٣): هذا إسناد ضعيف محمد بن عوف ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري والنسائي وغيرهم رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصحح إسناده ومن طريقه البيهقي وقال تفرد به محمد بن عون ورواه عبد بن حميد في مسنده عن يعلى به\nوأورده الزيلعي في في نصب الراية (٣/ ٣٨)، وقال: ورواه العقيلي، وابن عدى في كتابيهما، وأسند ابن عدى تضعيف ابن عون عن البخاري والنسائي وابن معين، وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: هو قليل الرواية، ولا يحتج به إلا إذا وافق الثقات. انتهى.","vol":"6","page":115},{"text":"الحجر الأسود لهذا الحديث، وهذا الاستقبال يظهر أنه حين دخول المسجد يعني أنه يقصده لا في حال الطواف فإن لم يمكنه التقبيل استلمه بيده أو بمحجن وقبله لأنه -ﷺ- طاف على بعير يستلم الركن بمحجنه ثم يقبله، رواه مسلم وغيره، والمحجن: عصي محنية الرأس، ثم الأصح أن تقبيل ما يستلم به يكون بعد الاستلام فإن لم يمكنه أشار إليه بيده لأنه قدر استطاعة ولا يشير إلى القبلة بالفم لأنه لم ينقل، واستحب جماعة من العلماء الزحام عند تقبيل الحجر لأن ابن عمر كان يزاحم عليه وذلك مكروه عندنا، وفي مسند الإمام أحمد عن عمر أن النبي -ﷺ- قال له يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر الأسود فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه والا فاستقبله وهلل وكبر والمستحب للمرأة الإشارة باليد مطلقا لقول عائشة وما للنساء واستلام الركن، نعم لو أرادت التقبيل فعلته ليلا عند خلوة المطاف (^١)، أ. هـ، قاله في مختصر الكفاية.\nقوله: \"ها هنا تسكب العبرات\"، والعبرات جمع عبرة وهي جلب الدمع قاله الجوهري (^٢) وقال ابن سيدة (^٣) العبرة الدمع وقيل هو أن ينهمل الدمع ولا يسمع البكاء، وقيل: هي الدمعة قبل أن تقبض، وقيل: تردد البكاء في الصدر، وقيل: هي الحزن بغير بكاء والصحيح الأول، [وفي] الحديث أن\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٧/ ٣٧٠).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٧٣٢).\n(^٣) المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ١٣٢).","vol":"6","page":116},{"text":"النبي -ﷺ- قال لعلي: \"ما من حبرة الا ستتبعها عبرة\" (^١) والعين العبراء الباكية، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n١٧٨٠ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ فَدَخَلْنَا مَكَّة ارْتِفَاع الضُّحَى فَأتى يَعْنِي النَّبِي -ﷺ- بَاب الْمَسْجِد فَأَنَاخَ رَاحِلَته ثمَّ دخل الْمَسْجِد فَبَدَأَ بِالْحجرِ فاستلمه وفاضت عَيناهُ بالبكاء فَذكر الحَدِيث قَالَ وَرمل ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا حَتَّى فرغ فَلَمَّا فرغ قبل الْحجر وَوضع يَدَيْهِ عَلَيْهِ ثمَّ مسح بهما وَجهه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: عن جابر بن عبد الله، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: فدخلنا مكة ارتفاع الضحى فأتى يعني النبي -ﷺ- باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر -يعني الأسود-[فاستلمه وفاضت] عيناه بالبكاء\" الحديث.\nقوله: فدخلنا مكة، وسميت مكة بالميم [لقلة] مائها من قولهم أمتك الفضيل أمه إذا استخرج ما في ضرعها، وقيل: لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها، وبكة: بالباء، قيل هما اسم البلد، قيل: بالميم الحرم كله، وبالباء المسجد، قيل: بالميم البلد وبالباء موضع البيت، قاله مالك، قال ابن رشد: أخذ ذلك من قوله ﷿ لأنه قال في بكة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ (^٣) وهو إنما\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الاعتبار (١) عن أنس.\n(^٢) ابن خزيمة (٢٧١٣)، والحاكم (١/ ٤٥٤)، والبيهقي (٥/ ٧٤).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٩٦.","vol":"6","page":117},{"text":"وضع موضعه الذي وضع فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في مكة ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (^١) وذلك إنما [كان] في القرية لا في موضع البيت، ولها أسماء كثيرة مكة وبكة والبلد، والبلد الأمين والبيت والبيت العتيق والبيت الحرام والمأموم وأم رحم بضم الراء وأم القرى وصلاح كقطام والقادسة من التقديس وهو التطهير لأنها تطهر من الذنوب والمقدسة والنساسة بالنون وسينين مهملتين، وقيل: الناسة أيضا بسين واحدة والباسة أيضا بالباء وسين واحدة لأنها تبس من الحد فيها أي تحطمه، وقيل: تبسهم تخرجهم منها والحاطمة والرأس مثل رأس الإنسان وكوثى بضم الكاف وثاء مثلثة باسم بقعة بها كانت منزل بني عبد الدار، قاله عياض (^٢)، قال النووي ﵀ (^٣): ولا نعلم بلدا أكثر أسماء من مكة والمدينة لكونهما أفضل الأرض، وذلك لكثرة الصفات المقتضية للتسمية وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولهذا كثرت أسماء الله تعالى ورسوله -ﷺ-، قيل: أن لله تعالى ألف اسم ولرسوله -ﷺ- كذلك ومكة أفضل الأرض إلا الموضع الذي ضم أعضاء النبي -ﷺ- فهو أفضل من كل البقاع بالإجماع (^٤):\n_________\n(^١) سورة الفتح، الآية: ٢٤.\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٩٢).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٥٧).\n(^٤) ذكره كمال الدين الدميري في النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٤٦٥). ولم أجد دليلا شرعيا على ذلك.","vol":"6","page":118},{"text":"جَزَمَ الْجَمِيعُ بِأَنَّ خَيْرَ الْأَرْضِ مَا ... قَدْ حَاطَ ذَاتَ الْمُصْطَفَى وَحَوَاهَا\nنَعَمْ لَقَدْ صَدَقُوا بِسَاكِنِهَا عَلَتْ ... كَالنَّفْسِ حِينَ زَكَتْ زَكَى مَأوَاهَا (^١)\nوأنشد بعضهم:\nفمكة خير أرض الله إلا ... ضريحا فيه خير خلق الله باقي\nوفي مثير الغرام الساكن عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنبِّهٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مَلَكًا وَلا سَحَابَةً فَتَمُرُّ حَيْثَ تُبْعَثُ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ تَمْضِي حَيْثُ أُمِرَتْ. وروي الليث بن سعد عن عطاء بن خالد قال: يحج عيسى بن مريم إذا نزل في سبعين ألفا فيهم أصحاب الكهف فإنهم لم يموتوا ولم يحجوا (^٢) وقال في باب [توقان] النفوس إلى مكة التائقون إلى مكة ستة أقسام، الأول: من تكون وطنا له وهذا ظاهر، الثاني: من يتردد إليها للتجارة، الثالث: أن يكون محصورا في بلد فيحب النزهة والفرحة فيروح نفسه بذلك محبة للراحة، الرابع: من تبطن نفسه الرياء ويخفيه عنه حتى لا يكاد يحس به وذلك لمحبة قول الناس له قد حج فلان، وهذ من الغرور الذي يجب الحذر منه، الخامس: من يعلم فضل الحج فيتشوق إلى ثواب الله ﷿ وهذا هو المؤمن، السادس: توقان عام ليس له سبب من الأسباب المتقدمة إلا ان فيه شائبة من القسم الخامس الذي هو صفة المؤمن وهو أن قوما يشوفون ويحدون قلقا لأنه يبعث عليه شيء من الأسباب المتقدمة، وليس المكان\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٥٦ - ١٥٧)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦).\n(^٢) مثير الغرام الساكن (ص ٣٧٢ و٣٧٧).","vol":"6","page":119},{"text":"مستلذا في نفسه فيوجب ذلك القلق فهذا السد الغامض الذي يحتاج إلي الكشف ولهذا التوقان ثلاثة أسباب أحدها: دعاء الخليل ﵊ حين قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ (^١) قال ابن عباس: معناه تحن إليهم ولو قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ لحجه اليهود والنصارى لكنه قال من الناس، الثاني: أنه قد جاء في الحديث أن الله تعالى ينظر إلى الكعبة ليلة النصف من شعبان فتحن القلوب إليها وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال ليلة النصف من شعبان تنسخ فيها الآجال [ويكتب] فيها الحاج، والثالث: أن الله تعالى أخذ العهد من ذرية آدم بأرض نعمان وهي عرفة بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (^٢) فذلك المكان أول وطن والنفس أبدًا تنازع إلى حب الوطن والأوطان أبدا محبوبة (^٣) أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله: \"ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر الأسود فاستلمه وفاضت عيناه بالدموع\" تقدم الكلام على الاستلام وهو المسح باليد بلا خلاف فلهذا يستحب لداخل المسجد أن يستلم الحجر في أول الطواف كما صرح به الحديث.\nقوله: \"ورمل ثلاثا ومشى أربعا حتى فرغ\" الرمل: بتحريك الميم وفتحها\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٧.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.\n(^٣) مثير الغرام الساكن (ص ٧٣ - ٧٥).","vol":"6","page":120},{"text":"قال العلماء هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا وهو الخبب دون شدة العدو (^١) ويمشى في الأربعة الأخيرة بسكينة، قال العلماء: الرمل مطلوب في كل طواف يعقبه سعي قالوا: ولا يشرع استحباب الرمل في غير طواف الحج والعمرة ولا في طواف الوداع (^٢) أ. هـ.\nفيه دليل على استحباب الرمل والأكثرون على استحبابه مطلقا في طواف القدوم في زمن النبي -ﷺ- وبعده وإن كافت العلة التي ذكرها ابن عباس قد زالت فيكون استحبابه في ذلك الوقت لتلك العلة وفيما بعد ذلك تأسيا واقتداء بما فعل في زمن الرسول -ﷺ- وفي ذلك من الحكمة بذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفى طي ذلك تذكر مصالح دينية إذ تبين في أثناء كتيرة منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى والمبادرة إليه وبذل الأنفس في ذلك وبهذه النكتة يظهر لك كثير من الأعمال التي وقعت في الحج يقال فيها أنها تعبد ليست كما قيل (^٣)، قال ابن عباس: \"قدم رسول الله -ﷺ- وأصحابه مكة فقال المشركون: يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم رسول الله -ﷺ- أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين\" (^٤)\n_________\n(^١) الايضاح (ص ٢٣٣)، والروضة (٣/ ٨٦)، وشرح النووي على مسلم (٩/ ٧).\n(^٢) المجموع (٨/ ٢٠)، وشرح النووي على مسلم (٨/ ١٧٥) و(٩/ ٧)، والمنهاج (ص ٨٧)، والعدة (٢/ ١١٠٤)، وعمدة السالك (ص ١٣٢ - ١٣٣)، وكشف المناهج (٢/ ٣٧٢)، والاعلام (٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٩٠ - ٤٩١).\n(^٣) إحكام الأحكام (٢/ ٧١).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٦٠٢) و(٤٢٥٦)، ومسلم (٢٣٧ و٢٤٠ - ١٢٦٤).","vol":"6","page":121},{"text":"الحديث، أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا فَعَلْنَاهَا وَتَذَكَّرْنَا أَسْبَابَهَا: حَصَلَ لَنَا مِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمُ الْأَوَّلِينَ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ احْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي امْتِثَالِ أَمْرِ اللهِ، فَكَانَ هَذَا التَّذَكُّرُ بَاعِثًا لَنَا عَلَى عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَمُقَرِّرًا فِي أَنْفُسِنَا تَعْظِيمَ الْأَوَّلِينَ. وَذَلِكَ مَعْنًى مَعْقُولٌ. مِثَالُهُ: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. إذَا فَعَلْنَاهُ وَتَذَكَّرْنَا أَنَّ سَبَبَهُ: قِصَّةُ هَاجَرَ مَعَ ابْنِهَا، وَتَرْكُ الْخَلِيلِ لَهُمَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُوحِشِ مُنْفَرِدَيْنِ مُنْقَطِعَيْ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ مَا أَظْهَرهُ اللهُ تَعَالَى لَهُمَا مِنْ الْكَرَامَةِ، وَالْآيَةِ فِي إخْرَاجِ الْمَاءِ لَهُمَا -كَانَ فِي ذَلِكَ مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ. أَيْ فِي التَّذَكُّرِ لِتِلْكَ الْحَالِ. وَكَذَلِكَ \"رَمْيُ الْجِمَارِ\" إذَا فَعَلْنَاهُ، وَتَذَكَّرْنَا أَنَّ سَبَبَهُ: رَمْيُ إبْلِيسٍ بِالْجِمَارِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عِنْدَ إرَادَةِ الْخَلِيلِ ذَبْحَ وَلَدِهِ: حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ مَصَالِحُ عَظِيمَةُ النَّفْعِ فِي الدِّينِ (^١)، أ. هـ قاله ابن العماد.\nتنبيه: يستحب أن يقال في الرمل اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبا مغفورًا وسعيًا مشكورًا، قال الرافعي: إن ذلك روي عن النبي -ﷺ- (^٢)، والمبرور الذي لم يخالطه ذنب، والسعي المشكور: العمل المتقبل قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (^٣) (^٤) ويستحب أن يقال في الأربعة\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ٧١)، والعدة (٢/ ١٠٠٢)، والاعلام (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧). ورياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (٤/ ٢٠).\n(^٢) العزيز شرح الوجيز (٣/ ٤٠٤).\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ١٩.\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ٤٩١).","vol":"6","page":122},{"text":"الأخيرة: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك انت الأعز الأكرم، فإن كان في عمرة قال: وعمرة متقبلة بدلا من حجا مبرورا، روي: \"رب اغفر وارحم واهدنا السبيل الأقوم\" (^١)، ويستحب في السعي الطهارة والستر [والمشى] والموالاة بينه وبين الطواف وكذلك الموالاة بين السبع، ويكره أن يقف في سعيه لحديث، ولو أقيمت الصلاة قطعه وصلى ثم بنى (^٢). أ. هـ.\nفرع: لو طاف راكبا أو محمولا ففي قول لا يرمل لأنه فيه أذى الناس والأصح أن الحامل يرمل بالمحمول والراكب يحرك الدابة (^٣).\nفرع آخر: لو ترك الرمل في الثلاثة الأول لم يأت به في الأربعة الأخيرة لأن المشي فيها سنة فلا تترك سنة لسنة أخرى، فإن قيل: لو منعته الزحمة عند قربه من البيت من الرمل ولم يرج زوالها فإنه يتباعد عنه ليرمل فقد ترك سنة القرب لسنة الرمل، قيل: ثم السنتان في نفس العبادة فلا [يكون] لأحدهما [مزية فإن] القرب فضيلة في محل العبادة والرمل فضيلة في نفس العبادة فقط، كما أن الصلاة جماعة في البيت أفضل منها منفردا في المسجد نعم قال الماوردي: إن كان إذا تباعد ليرمل خالط النساء لفعلهن ما هو الأفضل في حقهن وهو الطواف متباعدا فليقرب من البيت ويترك الرمل ويستحب أن\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقى (٥/ ١٣٧) والمعرفة (٧/ ٢٣٠)، والأذكار (ص ١٩٤)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٩١).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٥٠٢ - ٥٠٣).\n(^٣) المجموع (٨/ ٤٤) والروضة (٣/ ٨٧)، وكفاية النبيه (٧/ ٣٧٩).","vol":"6","page":123},{"text":"يشير بالرمل (^١) أ. هـ قاله في مختصر الكفاية.\nقوله في الحديث: \"فلما فرغ رسول الله -ﷺ- قبل الحجر ووضع يديه عليه ثم مسح بهما وجهه\" ولهذا كان عمر بن الخطاب يقبل الحجر الأسود ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولو لا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك ما قبلتك، وفي بعض طرقه: لما قال عمر ذلك قرأ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٢) روي أنه لما قال ذلك، قال له أبي بن كعب: إنه يضر وينفع إنه يأتي يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن قبله واستلمه فهذه منفعته (^٣)، قال الخطابي (^٤) وكذا الروياني: فيه من العلم أن متابعة السنن واجبة وإن لم يوقف لها على علل معلومة وأسباب معقولة وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها إلا أن معلوما في الجملة أن تقبيل الحجر إنما هو إكرام له وإعظام لحقه وتبرك به وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض كما فضل تلك البقعة على سائر البقاع والبلدان على بعض، ويوم عرفة\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٧/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(^٣) بحر المذهب (٣/ ٤٧٢). والحديث أخرجه الأزرقى في أخبار مكة (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٧)، والبيهقي في الشعب (٣٧٤٩) والقائل هو على بن أبي طالب. قال الحاكم: ليس من شرط الشيخين، فإنهما لم يحتجا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي وقال البيهقي: أبو هارون العبدي غير قوي. وقال الذهبى: أبو هارون ساقط. وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٠٨): وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدًّا.\n(^٤) ينظر: أعلام الحديث (٢/ ٨٧٥)، ومعالم السنن (٢/ ١٩١)، وبحر المذهب (٢/ ٤٧٢).","vol":"6","page":124},{"text":"على سائر الأيام وكما فضل بعض الليالي والشهور وباب هذا كله التسليم، وهذا أمر سائغ في العقول جائز فيها غير ممتنع ولا مستنكر وليس لهذه الأمور علة يرجع إلها وإنما هو حكم الله تعالى ومشيئته لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، ففيه استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف ويستحب أيضا وضع الجبهة عليه خلافا لمالك وهو من مفاريد مذهبه وإنما قال إنك لا تضر ولا تنفع خوفا من أن يرى تقبيله قريبو العهد بالإسلام الذين ألفوا عبادة الأصنام من الحجارة وتعظيما ورجاء نفعها فيشتبه عليهم الأمر فصرح عمر بأنه لا يضر ولا ينفع وأشاع هذا في الموسم ليشتهر في البلدان ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفي الأوطان (^١) والله أعلم.\n\n١٧٨١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"من دخل الْبَيْت دخل فِي حَسَنَة وَخرج من سَيِّئَة مغفورًا لَهُ\" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من رِوَايَة عبد الله بن المؤمل (^٢).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورًا له\" [رواه ابن خزيمة فى صحيحه من رواية] عبد الله بن المؤمل، نفس دخول الكعبة مثاب عليه لهذا الحديث، وقد نص الشافعي على استحباب دخول\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٨/ ١١٦).\n(^٢) ابن خزيمة (٣٠١٣)، والطبراني في الكبير (١١٤٩٠)، والبيهقي (٥/ ١٥٨)، والبزار (١١٦١) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٥٧٤).","vol":"6","page":125},{"text":"البيت لهذا الحديث، فيستحب لمن حج أو اعتمر أن يدخل البيت إن لم يؤذ غيره بمزاحمة وغيرها (^١) لما روى أبو داود (^٢) عن ابن عمر أنه -ﷺ- دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأغلقها عليهم فمكث فيها.\nولدخولها آداب، منها: كف البصر من غير تأمل جدرانه وسقوفه (^٣) لأنه -ﷺ- لما دخله لم يرفع رأسه إلى السقف (^٤)، ومنها: أن يكون متواضعا خاشعا\n_________\n(^١) البيان (٤/ ٣٧٣)، وكفاية النبيه (٧/ ٥٢١)، وإعلام الساجد (ص ١١١ - ١١٢)، وطرح التثريب (٥/ ١٣٠).\n(^٢) أبو داود (٢٠٢٣) و(٢٠٢٤) وهو مروي في البخاري (٥٠٥).\n(^٣) إعلام الساجد (ص ١١٢).\n(^٤) أخرج ابن خزيمة (٣٠١٢)، والحاكم (١/ ٤٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٥٨ رقم ٩٧٢٦) عن عن سالم بن عبد الله، أن عائشة، كانت تقول: عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قبل السقف يدع ذلك إجلالا لله وإعظاما؟ دخل رسول الله -ﷺ- الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها. وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الإرواء تحت حديث: ٣٥٤. قال أبو حاتم في العلل (٨٩٥): هو حديث منكر. قلنا فيه: أحمد بن عيسى بن زيد بن عبد الجبار بن مالك اللخمي قال عنه ابن عدي: له مناكير وقال الدارقطني: ليس بقوي وكذبه ابن طاهر. وهو من رواية عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد:\nقال أحمد: في رواية الشاميين عن زهير يروون عنه مناكير، أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التنيسي عنه فتلك بواطيل موضوعة أو نحو هذا. وقال النسائي: زهير بن محمد ليس به بأس وعند عمرو بن أبي سلمة يعني التنيسي عنه مناكير. وقال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح.","vol":"6","page":126},{"text":"خاضعًا (^١) وغير ذلك لحديث عائشة -﵂- قالت: خرج رسول الله -ﷺ- من عندي وهو قرير العين طيب النفس ثم رجع إلى وهو حزين فقال: \"إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي\" رواه أحمد وأبو داود والترمذي (^٢) وصححه، وقال البيهقي: ولأنه أشرف الأرض ومحل الرحمة، ومنها: ان يدخله حافيا تعظيما له (^٣)، ومنها: أن يدخله تائبا منيبا، ومنها: أن يدخله مرات مرة يصلي فيه ركعتين ومرة أربعا ومرة يدعو فقط لاختلاف الروايات في ذلك وحمله المحققون على دخوله مرات أ. هـ. قاله الزركشي (^٤).\nوالمراد بالصلاة فيه صلاة النفل اقتداء برسول الله -ﷺ-، أما الفرض فالقياس أن يكون خارجها أفضل خروجا من خلاف مالك فإنه لا يرى بصحته فيها (^٥) لكن نقل النووي (^٦) عن الأصحاب أنه إن رجى جماعة فخارجها أفضل وإلا ففيها أفضل، ويستحب أن يقصد مصلى رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) المجموع (٨/ ٢٦٩) وإعلام الساجد (ص ١١٢ - ١١٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٥٠٥٦)، والترمذي (٨٧٣)، وابن ماجه (٣٠٦٤)، وابن خزيمة (٣٠١٤) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(^٣) المجموع (٨/ ٢٦٩)، والروضة (٣/ ١١٨).\n(^٤) إعلام الساجد (ص ١١٢ - ١١٣)، وانظر: النجم الوهاج (٣/ ٥٥٥).\n(^٥) كذا في الأصل ولعله: لا يرى صحتها فيه أو لا يرى بالصحة كما في كفاية النبيه (٧/ ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(^٦) الايضاح في مناسك الحج والعمرة (ص ٣٩٦ - ٣٩٧).","vol":"6","page":127},{"text":"فإذا دخل من الباب مشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع فيصلي هناك ويدعوا في جوانبه بحضور القلب (^١) ويستحب الإكثار من دخول الحجر والصلاة فيه والدعاء لسهولته لأنه من البيت أو بعضه (^٢)، قال الحسن البصري في رسالته المشهورة: الدعاء يستجاب في خمسة عشر موطنا في الطواف والملتزم وتحت الميزاب وفي البيت وعند زمزم وعلى الصفا والمروة وفي المشعر وخلف المقام وفي عرفات ومزدلفة ومنى وعند الجمرات الثلاث وقال ابن عباس من دعى في الملتزم من ذي غم أو ذي كربة فرج الله عنه (^٣)، وفي الحديث: إن هناك ملكا يؤمن على الدعاء (^٤).\nفرع: يستحب أن يختم القرآن بمكة وأن ينوي الاعتكاف كلما دخل المسجد الحرام وأن يزور الأماكن المشهورة بالفضل منها البيت الذي ولد فيه -ﷺ- وهو اليوم في مسجد في زقاق يسمى زقاق المولد، ومنها: بيت خديجة الذي كان -ﷺ- يسكنه معها إلى أن هاجر فجعله معاوية مسجدا في دار الأرقم وهي دار الخيزران عند الصفا كان -ﷺ- مستترا فيها في أول\n_________\n(^١) الايضاح (ص ٣٩٤)، والروضة (٣/ ١١٨)، وكفاية النبيه (٧/ ٥٣٢).\n(^٢) المجموع (٨/ ٢٦٩) والنجم الوهاج (٣/ ٥٥٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٢١ رقم ١١٨٧٣) بلفظ بين الركن والمقام ملتزم؛ ما يدعوبه صاحب عاهة إلا برئ. قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٢٤٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عباد بن كثير الثقفي، وهو متروك. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٢١٤٩).\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ٥٥٣ - ٥٥٤).","vol":"6","page":128},{"text":"الإسلام، ومنها: الغار الذي كان رسول الله -ﷺ- يتعبد فيه بحراء ومنها الغار الذي بجبل ثور وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (^١) (^٢) قاله في مختصر الكفاية.\nخاتمة: يستحب أن يحمل المسافر إلى أهله هدية لما روى البيهقي في الشعب عن عائشة -﵂- قالت قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا قدم أحدكم على أهله من سفر فليهد لأهله وليطرفهم ولو كان حجارة\" (^٣)، ويستحب إذا قدم من وطنه أن يرسل إليهم من يعلمهم بقدومه إلا أن يكون في قافلة اشتهر عند أهل البلد وقت دخولها ويكره أن يطرقهم ليلا والسنة أن يتلقى المسافر وأن يقال له إذا كان حاجا قبل الله تعالى حجك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك، وَإِنْ كَانَ غَازِيًا قِيلَ لَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَك، وَأَكْرَمَك، وَأَعَزَّك، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ عِنْدَ دُخُولِهِ بِأَقْرَبِ مَسْجِدٍ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بنِيَّةِ صَلَاةِ الْقُدُومِ وَيستحب النَّقِيعَةُ وَهِيَ طَعَامٌ يُعْمَلُ لِقُدُومِ الْمُسَافِرِ (^٤).\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٤٠.\n(^٢) كفاية النبيه (٧/ ٥٢٧ - ٥٢٨).\n(^٣) أخرحه البيهقي في الشعب (٦/ ٧٥ رقم ٣٩٠٥)، وابن الجوزى في العلل (٩٤٦). قال البيهقي: تفرد به عتيق، عن يحيى. قال ابن الجوزى: وهذا لا يصح. قال ابن حبان: محمد بن المنذر يروي عن الأثبات الموضوعات لا يحل كتب حديثه إلا على الاعتبار وعتيق مجهول. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الجامع (٦٢٥).\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ٦٢٩). وتحفة المحتاج (٤/ ٢١٤).","vol":"6","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>[الترغيب في العمل الصالح في عشر ذي الحجة وفضله]</span>\n١٧٨٢ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من أَيَّام الْعَمَل الصَّالح فِيهَا أحب إِلَى الله ﷿ من هَذِه الْأَيَّام يَعْنِي أَيَّام الْعشْر قَالُوا يَا رَسُول الله وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله ثمَّ لم يرجع من ذَلِك بِشَيْء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه (^١).\nوَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَلَفظه قَالَ مَا من أَيَّام أعظم عِنْد الله وَلَا أحب إِلَى الله الْعَمَل فِيهِنَّ من أَيَّام الْعشْر فَأَكْثرُوا فِيهِنَّ من التَّسْبِيح والتحميد والتهليل وَالتَّكْبِير (^٢).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله ﷿ من هذه الأيام\"، يعني أيام العشر، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: \"ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء\" الحديث، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) البخاري (٩٦٩)، والترمذي (٧٥٧)، وأبو داود (٢٤٣٨)، وابن ماجه (١٧٢٧)، وابن خزيمة (٢٨٦٥)، وابن حبان (٣٢٤).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١١١١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٥١).\n(^٣) سورة الحج، الآية: ٢٨.","vol":"6","page":130},{"text":"وقد اختلف العلماء في الأيام المعلومات سميت بذلك لاستواء علم الناس بها وكذا قال جماعة من المفسرين (^١) وقال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: الأيام المعلومات أيام العشر قال: وفيها يوم النحر، وروي عن علي وابن عمر أن المعلومات يوم النحر ويوما بعده وبه قال مالك (^٢)، وفي حديث عائشة قال ما رأيت النبي -ﷺ- صام العشر قط، وفي رواية \"لم يصم العشر\" (^٣) قال النووي (^٤): قال العلماء هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر وهذا مما يتأول وسيأتي الكلام على هذا الحديث.\nاعلم أنه يستحب الإكثار من الأذكار والأوراد والصدقات وفعل الخيرات في هذه العشر زيادة على غيره وفي يوم عرفة من الفضل يتجاوز الله عن الذنوب العظام ما ليس لسائر الأيام على ما ثبت عن سيد الأنام وأن الله تعالى يباهي بمن وقف فيه الملائكة (^٥) ويغفر لمن صامه السنة الماضية والسنة\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٨٣)، ومطالع الأنوار (٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨).\n(^٢) الاستذكار (٥/ ٢٤٤)، والتمهيد (١٢/ ١٣٠). بحر المذهب (٤/ ٨٩)، والبيان (٤/ ٤٣٠)، واختلاف الأئمة (١/ ٣١٥)، والمجموع (٨/ ٣٨١)، وفتح الباري (٩/ ٥ - ٦) ولطائف المعارف (ص ٢٦٩ - ٢٧٠).\nولأبى حنيفة قولان الأول كقول الشافعى وأحمد في المشهور عنه والجمهور والثانى: المعلومات ثلاثة أيام: يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعده ويوم الفطر.\n(^٣) أخرجه مسلم (٩ و١٠ - ١١٧٦)، وابن ماجه (١٧٢٩)، وأبو داود (٢٤٣٩)، والترمذي (٧٥٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٨/ ٧١).\n(^٥) أخرجه مالك في الموطأ (١٢٦٩) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله -ﷺ- قال: ما رئي الشيطان يوما، هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ، منه في يوم عرفة، وما =","vol":"6","page":131},{"text":"الآتية (^١) والمراد بالعشر هنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة وليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحبابا شديدا لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة (^٢) كما سيأتي فضله والكلام عليه فذو الحجة آخر شهور السنة والعمل في الخاتمة أفضل وأكمل فهو إلى الله تعالى أحب وقال سهيل بن\n_________\n= ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما أري يوم بدر، قيل وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة. ووصله البيهقي في الشعب (٥/ ٤٩٩ رقم ٣٧٧٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧٣٩). وأما مباهاة الملائكة فقد صح من حديث عائشة وأبى هريرة وعبد الله بن عمرو: أما حديث عائشة: فأخرجه مسلم (٤٣٦ - ١٣٤٨) بلفظ: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟.\nوأما حديث أبي هريرة: أخرجه ابن خزيمة (٢٨٣٩) وابن حبان (٣٨٥٢) بلفظ: إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٥٢).\nوأحديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه أحمد ٢/ ٢٢٤ (٧٠٨٩) والطبراني في الصغير (١/ ٣٤٥ رقم ٥٧٥) والأوسط (٨/ ١٤٢ رقم ٨٢١٨) والكبير (١٣/ ٦٠٤ - ٦٠٥ رقم ١٤٥٢٢) بلفظ: إن الله ﷿ يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٢٥١ - ٢٥٢: رواه أحمد والطبراني في الصغير والكبير، ورجال أحمد موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٥٣).\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٦، ١٩٧ - ١١٦٢) عن أبي قتادة مرفوعا بلفظ: وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: يكفر السنة الماضية والباقية.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٧١).","vol":"6","page":132},{"text":"أبي صالح عن أبيه عن كعب قال: اختار الله تعالى الزمان فأحب الزمان إليه الشهر الحرام وأحب الأشهر الحرم إلى الله تعالى ذو الحجة وأحب ذي الحجة إلى الله تعالى العشر الأول (^١) وقال مسروق في قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ (^٢) هي أفضل أيام السنة (^٣) وأيضا فأيام هذا العشر يشتمل على يوم عرفة فروي أنه أفضل أيام الدنيا وفيه يوم النحر وفي حديث عبد الله بن قرط عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر\" خرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما (^٤) وهذا كله يدل على أن عشر ذي الحجة\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٥) والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣ رقم ٣٤٦٥) وتمامه:، واختار الله الأيام فأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة، واختار الله الليالي فأحب الليالي إلى الله ﷿ ليلة القدر، واختار الله ساعات الليل والنهار فأحب الساعات إلى الله ساعات الصلوات المكتوبات، واختار الله الكلام فأحب الكلام إلى الله تعالى لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، من قال لا إله إلا الله فهي كلمة الإخلاص كتب له بها عشرون حسنة وحط عنه بها عشرون سيئة، ومن قال الله أكبر فذاك جلال الله كتب له بها عشرون حسنة، ومحى عنه بها عشرين سيئة، ومن قال سبحان الله، قال الله ﷿ حين خلق خلقه استوى على العرش سبح له عرشه كتب له بها عشرون حسنة، ومحى عنه بها عشرين سيئة، ومن قال الحمد لله فذاك ثناء الله، كتب الله له بها ثلاثين حسنة، ومحا عنه بها ثلاثين سيئة.\n(^٢) سورة الفجر، الآية: ٢.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٨١٢٠).\n(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ٣٥٠ (١٩٠٧٥)، وأبو داود (١٧٦٥)، وابن خزيمة (٢٨٦٦) و(٢٩١٧)، والنسائي في الكبرى (٤٠٩٨)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ١٠٣ - ١٠٤، وابن حبان (٢٨١١)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٢١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٥٤٩) المشكاة (٢٦٤٣)، الإرواء (٢٠١٨).","vol":"6","page":133},{"text":"أفضل من غيره من الأيام من غير استثناء هذا في أيامه فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر وهذا بعيد جدا ولو صح حديث أبي هريرة \"قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر\" (^١) لكان صريحا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان فإن عشر رمضان فضل بليلة واحدة فيه وهذا جميع لياليه متساوية لها في القيام على هذا الحديث ولكن حديث جابر الذي خرجه أبو موسى (^٢) صريح في تفضيل لياليه كتفضيل أيامه أيضا والأيام إذا أطلقت دخل فيها الليالي تبعا وكذلك الليالي تدخل أيامها تبعا وقد أقسم الله تعالى بلياليه فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ (^٣) وهذا يدل على تفضيل لياليه أيضا لكن لم يثبت أن لياليه ولا شيء منها يعدل ليلة القدر والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها (^٤) والله أعلم.\nقوله: في حديث ابن عباس وهو حديث الباب \"قالوا: يا رسول الله ولا\nالجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء\" فقوله إلا رجلا ذكره الحافظ الدمياطي بالنصب\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٧٢٨)، والترمذي (٧٥٨) عن أبي هريرة. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (١٤٧١)، والضعيفة (٥١٤٢).\n(^٢) لم أقف عليه في مظانه بهذه الزيادة.\n(^٣) سورة الفجر، الآيتان: ١ - ٢.\n(^٤) لطائف المعارف (ص ٢٦٧).","vol":"6","page":134},{"text":"وذكره غيره بالرفع (^١) اهـ. ومعنى: إلا رجلا إلا عمل رجل على حذف المضاف لأنه استثناء من العمل (^٢) اهـ.\nقيل يحتمل ألا يرجع بشيء من ماله ويرجع هو ويحتمل أن لا يرجع هو ولا ماله فيرزقه الله الشهادة وقد وعد الله عليها الجنة (^٣) اهـ قاله الحافظ المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود وفي رواية \"إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشي\" هذا نص صحيح البخاري (^٤) وقد تلقاه الأئمة العدول عن ابن عباس أنه عشر ذى الحجة وكذا قال لهم صاحب رسول الله -ﷺ- الذي تلقى الوحي من المنزل عليه.\nقوله: \"يخاطر بنفسه وماله أي يلقيها في الهلكة يعني الجهاد أنفق ماله [وسلاحه ونفسه] وفرسه فلم يرجع بشيء\" لأنه أنفق جميع ذلك في سبيل الله ولم يرجع بنفسه أي يقاتل فيقتل فيكون شهيدًا (^٥) والله أعلم.\nقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أي العشر أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده قد ورد هذا الحديث بلفظ \"ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام\n_________\n(^١) المتجر الرابح (ص ٤١٦).\n(^٢) شواهد التوضيح (ص ١٧٧) وإرشاد السارى (٢/ ٢١٧).\n(^٣) قاله ابن بطال كما في شرح الصحيح (٢/ ٥٦٢).\n(^٤) صحيح البخاري (٩٦٩).\n(^٥) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٤)، ومطالع الأنوار (٢/ ٤٣١).","vol":"6","page":135},{"text":"العشر\" (^١) وروي بالشك في لفظة \"أحب أو أفضل\"، وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله تعالى من العمل في غيره من أيام السنة كلها صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا ولهذا قالوا: يا رسول الله \"ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله\" ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد فإنه -ﷺ- سئل أي الجهاد أفضل قال \"من عقر جواده وأهريق دمه (^٢) وصاحبه أفضل درجة عند الله\"، سمع النبي -ﷺ- رجلا يدعو: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين فقال له: \"إذا يعقر جوادك وتستشهد\" (^٣) فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله ﷿ منها وكذلك سائر الأعمال وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٧٢٨) الترمذي (٧٦٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٥٧)، والبغوي في شرح السنة (١١٢٦)، وينظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٣/ ٣٩٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٤٤٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٣٣ (٢٥٤٥) عن عبد الله بن حُبْشي وصححه الألباني في المشكاة (٣٨٣٣)، وصحيح أبي داود (١٣٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٢٢)، والبزار (١١١٢ و١١١٣)، والنسائي في الكبرى (٩٨٤١) وابن حبان (٤٦٤٠)، والحاكم (١/ ٢٠٧) و(٢/ ٧٤)، عن سعد بن أبي وقاص. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\nوقال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٣٨٨): هذا حديث حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٥٥).","vol":"6","page":136},{"text":"بمضاعفة ثوابه وأجره وقد روي في حديث ابن عباس هذا زيادة \"والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة\" (^١).\n\n١٧٨٣ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ مَا من عمل أزكى عِنْد الله وَلَا أعظم أجرا من خير يعمله فِي عشر الْأَضْحَى قيل وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله فَلم يرجع من ذَلِك بِشَيْء فَقَالَ فَكَانَ سعيد بن جُبَير إِذا دخل أَيَّام الْعشْر اجْتهد اجْتِهَادًا شَدِيدا حَتَّى مَا يكَاد يقدر عَلَيْهِ (^٢).\nوقوله -ﷺ- في رواية الطبراني (^٣): \"ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير\" أما استحباب الإكثار من الذكر فيها فقد دل عليه قول الله ﷿ ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (^٤) فإن الأيام المعلومات عند جمهور العلماء هي أيام العشر وأما مشاركة أهل الأمصار للحجاج في الذكر في الأيام المعلومات فإنه يشرع للناس كلهم الإكثار من ذكر الله في ايام العشر\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٢٦١). ومضاعفته بسبعمائة: وردت عند البيهقي في الشعب (٥/ ٣١١ - ٣١٢ رقم ٣٤٨١) عن ابن عباس بلفظ: وإن صيام يوم منها يعدل بصيام سنة، والعمل فيهن يضاعف سبعمائة ضعف.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٥٢)، والدارمي (١٨١٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٩٧٠).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) سورة الحج، الآية: ٢٨.","vol":"6","page":137},{"text":"خصوصا لهذا الحديث واختلف العلماء هل يشرع إظهار التكبير والجهر به في الأسواق في العشر فأنكرته طائفة واستحسنه الإمام أحمد والشافعي ولكن الشافعي خصه بحال رؤية بهيمة الأنعام والإمام أحمد يستحسنه مطلقا روى المروزي في كتاب الورع بإسناده عن عبد الملك بن عمير عن رجل إما من الصحابة أو من التابعين أن آتيا أتاه في منامه في العشر من ذي الحجة قال ما من مسلم إلا يغفر له في هذه الأيام كل يوم خمس مرات إلا أصحاب الشاة يقولون مات ما موته يعني أصحاب الشطرنج فإذا كان اللاعب بالشطرنج مانع من المغفرة فما الظن بالإصرار على الكبائر المجمع عليها (^١).\n\n١٧٨٤ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من أَيَّام الْعَمَل الصَّالح فِيهَا أفضل من أَيَّام الْعشْر قيل وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\nقوله: وعن عبد الله يعني ابن مسعود -﵁- وقد تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من أيام العشر قيل ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله\" الحديث. فإن قيل: \"ما من أيام العمل فيها أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام\" هل يقتضي تفضيل كل\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٠٤٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٦)، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":138},{"text":"عمل صالح وقع في شيء من أيام العشر على جميع ما يقع في غيرها وإن طالت مدته أم لا؟ قيل: الظاهر والله أعلم أن المراد أن العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها فكل عمل صالح يقع في هذا العشر فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان فيكون تفضيلا للعمل في كل يوم منه على العمل في كل يوم من أيام السنة وغيره، وقد قيل إنما يفضل العمل فيها على الجهاد إذا كان العمل فيها [مستغرقا لأيام العشر فيفضل على جهاد في عدد تلك الأيام من غير العشر وإن كان العمل مستغرقا لبعض أيام العشر فهو أفضل من جهاد في نظير ذلك الزمان من غير العشر واستدل على ذلك بأن النبي -ﷺ- جعل العمل الدائم الذي لا يفتر من صيام وصلاة معادلا للجهاد في أي وقت كان فإذا وقع ذلك العمل الدائم في العشر كان أفضل من الجهاد في مثل أيامه لفضل العشر وشرفه ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: أجده قال: \"لا هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر\" قال: ومن يستطيع ذلك ولفظه للبخاري ولمسلم معناه وزاد ثم قال: \"مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله\" (^١) وللبخاري: \"مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم\" وللنسائي: \"كمثل الصائم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٨٥)، ومسلم (١١٠ - ١٨٧٨).","vol":"6","page":139},{"text":"القائم الخاشع الراكع الساجد\" (^١) ويدل على أن المراد تفضيله على جهاد في مثل أيامه خاصة: ما في صحيح ابن حبان عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: \"ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة\" فقال رجل: يا رسول الله هو أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال: \"هو أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله\" (^٢) فلم يفضل العمل في العشر إلا على الجهاد في عدة أيام العشر لا مطلقا] (^٣) (^٤).\n\n١٧٨٥ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أفضل أَيَّام الدُّنْيَا الْعشْر يَعْنِي عشر ذِي الْحجَّة قيل وَلَا مِثْلهنَّ فِي سَبِيل الله قَالَ وَلَا مِثْلهنَّ فِي سَبِيل الله إِلَّا رجل عفر وَجهه بِالتُّرَابِ الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن. وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَفظه قَالَ مَا من أَيَّام أفضل عِنْد الله من أَيَّام عشر ذِي الْحجَّة قَالَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله هن أفضل أم عدتهن جهادا فِي سَبِيل الله قَالَ هن أفضل من عدتهن جهادا فِي سَبِيل الله إِلَّا عفير يعفر وَجهه فِي التُّرَاب الحَدِيث وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٨٧) والنسائي في المجتبى ٥/ ٣٦٣ (٣١٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٣٨٥٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٩).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٢٦٤ - ٢٦٥).\n(^٤) بياض في أصل المخطوط من ١٢٧ أ (من النصف) إلى ١٢٨ أ ورقم الحديث: ١٨٢٧.\n(^٥) البزار (١١٢٨)، وأبو يعلى (٢٠٩٠)، وابن حبان (٣٨٥٣)، وابن خزيمة (٢٨٤٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٦٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٣٣).","vol":"6","page":140},{"text":"١٧٨٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من أَيَّام أحب إِلَى الله أَن يتعبد لَهُ فِيهَا من عشر ذِي الْحجَّة يعدل صِيَام كل يَوْم مِنْهَا بصيام سنة وَقيام كل لَيْلَة مِنْهَا بِقِيَام لَيْلَة الْقدر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مَسْعُود بن وَاصل عَن النهاس بن قهم وَسَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَلم يعرفهُ من غير هَذَا الْوَجْه (^١). قَالَ الْحَافِظ: روى الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن يحيى بن عِيسَى الرَّمْلِيّ حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب البَجلِيّ عَن عدي بن ثَابت وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة ثِقَات مَشْهُورُونَ تكلم فيهم.\n\n١٧٨٧ - وَعَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من أَيَّام أفضل عِنْد الله وَلَا الْعَمَل فِيهِنَّ أحب إِلَى الله ﷿ من هَذِه الْأَيَّام يَعْنِي من الْعشْر فَأَكْثرُوا فِيهِنَّ من التهليل وَالتَّكْبِير وَذكر الله وَإِن صِيَام يَوْم مِنْهَا يعدل بصيام سنة وَالْعَمَل فِيهِنَّ يُضَاعف بسبعمائة ضعف (^٢).\n\n١٧٨٨ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ كانَ يُقَال فِي أَيَّام الْعشْر بِكُل يَوْم ألف يَوْم وَيَوْم عَرَفَة عشرَة آلَاف يَوْم قَالَ يَعْنِي فِي الْفضل رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني وَإسْنَاد الْبَيْهَقِيّ لَا بَأْس بِهِ (^٣).\n_________\n(^١) الترمذي (٧٥٨)، وابن ماجه (١٧٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٥٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥١٦١).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٥٨).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٦٦)، والأصبهاني في الترغيب (٣٧١).","vol":"6","page":141},{"text":"١٧٨٩ - وَعَن الْأَوْزَاعِيّ -﵁- قَالَ بَلغنِي أَن الْعَمَل فِي الْيَوْم من أَيَّام الْعشْر كَقدْر غَزْوَة فِي سَبِيل الله يصام نَهَارهَا ويحرس لَيْلهَا إِلَّا أَن يخْتَص امْرُؤ بِشَهَادَة قَالَ الْأَوْزَاعِيّ حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث رجل من بني مَخْزُوم عَن النَّبِي -ﷺ- رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٥٣).","vol":"6","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>التَّرْغِيب فِي الْوُقُوف بِعَرَفَة والمزدلفة وَفضل يَوْم عَرَفَة</span>\n١٧٩٠ - عَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من أَيَّام عِنْد الله أفضل من عشر ذِي الْحجَّة قَالَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله هن أفضل أم من عدتهن جهادا فِي سَبِيل الله قَالَ هن أفضل من عدتهن جهادا فِي سَبِيل الله وَمَا من يَوْم أفضل عِنْد الله من يَوْم عَرَفَة ينزل الله ﵎ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فيباهي بِأَهْل الأَرْض أهل السَّمَاء فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي جاؤوني شعثا غبرا ضاحين جاؤوا من كل فج عميق يرجون رَحْمَتي وَلم يرَوا عَذَابي فَلم ير يَوْم أَكثر عتيقا من النَّار من يَوْم عَرَفَة رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ.\nوَالْبَيْهَقِيّ وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا كَانَ يَوْم عَرَفَة فَإِن الله ﵎ يباهي بهم الْمَلَائِكَة فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي أَتَوْنِي شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق أشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُم فَتَقول الْمَلَائِكَة إِن فيهم فلَانا مرهقا وَفُلَانًا قَالَ يَقُول الله ﷿ قد غفرت لَهُم قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من يَوْم أَكثر عتيقا من النَّار من يَوْم عَرَفَة وَلَفظ ابْن خُزَيْمَة نَحوه لم يختلفا إِلَّا فِي حرف أَو حرفين (^١). المرهق هُوَ الَّذِي يغشى الْمَحَارِم ويرتكب الْمَفَاسِد.\n_________\n(^١) البزار (١١٢٨)، وأبو يعلى (٢٠٨٦)، وابن حبان (٣٨٥٣)، وابن خزيمة (٢٨٤٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٦٨).","vol":"6","page":143},{"text":"قَوْله ضاحين هُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة أَي بارزين للشمس غير مستترين مِنْهَا يُقَال لكل من برز للشمس من غير شَيْء يظله ويكنه إِنَّه لضاح.\n\n١٧٩١ - وَعَن طَلْحَة بن عبيد الله بن كريز -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا رئي الشَّيْطَان يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَر وَلَا أَدْحَر وَلَا أَحْقَر وَلَا أَغيظ مِنْهُ فِي يَوْم عَرَفَة وَمَا ذَاك إِلَّا لما يرى فِيهِ من تنزل الرَّحْمَة وَتجَاوز الله عَن الذُّنُوب الْعِظَام إِلَّا مَا رأى يَوْم بدر فَإِنَّهُ رأى جِبْرَائِيل ﵇ يَزع الْمَلَائِكَة رَوَاهُ مَالك وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه وَغَيرهمَا وَهُوَ مُرْسل (^١).\nأَدْحَر بِالدَّال والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بعدهمَا رَاء أَي أبعد وأذل.\n\n١٧٩٢ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَوْم عَرَفَة أَيهَا النَّاس إِن الله ﷿ تطول عَلَيْكُم فِي هَذَا الْيَوْم فغفر لكم إِلَّا التَّبعَات فِيمَا بَيْنكُم ووهب مسيئكم لمحسنكم وَأعْطى لمحسنكم مَا سَأَلَ فادفعوا باسم الله فَلَمَّا كَانَ بِجمع قَالَ إِن الله ﷿ قد غفر لصالحيكم وشفع صالحيكم فِي طالحيكم تنزل الرَّحْمَة فتعمهم ثمَّ تفرق الْمَغْفِرَة فِي الأَرْض فَتَقَع على كل تائب مِمَّن حفظ لِسَانه وَيَده وإبليس وَجُنُوده على جبال عَرَفَات ينظرُونَ مَا يصنع الله بهم فَإِذا نزلت الرَّحْمَة دَعَا إِبْلِيس وَجُنُوده بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن فيهم رجلا لم يسم (^٢).\n_________\n(^١) مالك في الموطأ (١٢٧٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٦٩)، وعبد الرزاق (٨٨٣٢)، والبغوي في شرح السنة (١٩٣٠).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير، كما في الزوائد (٣/ ٢٥٦)، وعبد الرزاق في المصنف =","vol":"6","page":144},{"text":"١٧٩٣ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيث أنس وَلَفظه قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الله تطول على أهل عَرَفَات يباهي بهم الْمَلَائِكَة يَقُول يَا ملائكتي انْظُرُوا إِلَى عبَادي شعثا غبرا أَقبلُوا يضْربُونَ إِلَيّ من كل فج عميق فأشهدكم أَنِّي قد أجبْت دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم وَأعْطيت لمحسنهم جَمِيع مَا سَأَلُونِي غير التَّبعَات الَّتِي بَينهم فَإِذا أَفَاضَ الْقَوْم إِلَى جمع ووقفوا وعادوا فِي الرَّغْبَة والطلب إِلَى الله تَعَالَى فَيَقُول يَا ملائكتي عبَادي وقفُوا فعادوا فِي الرَّغْتة والطلب فأشهدكم أَنِّي قد أجبْت دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم وَأعْطيت محسنيهم جَمِيع مَا سَأَلُونِي وكفلت عَنْهُم التَّبعَات الَّتِي بَينهم (^١).\n\n١٧٩٤ - وَعَن عَبَّاس بن مرداس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- دَعَا لامته عَشِيَّة عَرَفَة فَأُجِيب أَنِّي قد غفرت لَهُم مَا خلا الْمَظَالِم فَإِنِّي آخذ للمظلوم مِنْهُ قَالَ أَي رب إِن شِئْت أَعْطَيْت الْمَظْلُوم الْجنَّة وغفرت للظالم فَلم يجب عَشِيَّة عَرَفَة فَلَمَّا أصبح بِالْمُزْدَلِفَةِ أعَاد فَأُجِيب إِلَى مَا سَأَلَ قَالَ فَضَحِك رَسُول الله -ﷺ- أَو قَالَ تَبَسم فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر وَعمر -﵄- بِأبي أَنْت وَأمي إِن هَذِه لساعة مَا كنت تضحك فِيهَا فَمَا الَّذِي أضْحكك أضْحك الله سنك قَالَ إِن عَدو الله إِبْلِيس لما علم أَن الله قد اسْتَجَابَ دعائي وَغفر لامتي أَخذ التُّرَاب فَجعل\n_________\n= (٨٨٣١)، وابن الجوزي في الموضوعات (١١٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١) أبو يعلى (٤١٠٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٥٧)، رواه أبو يعلى، وفيه صالح المري، وهو ضعيف.","vol":"6","page":145},{"text":"يحثوه على رَأسه وَيَدْعُو بِالْوْيْلِ وَالثُّبُور فأضحكني مَا رَأَيْت من جزعه رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن عبد الله بن كنَانَة بن عَبَّاس بن مرداس أَن أَبَاهُ أخبرهُ عَن أَبِيه (^١).\n\n١٧٩٥ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَلَفظه أَن رَسُول الله -ﷺ- دَعَا عَشِيَّة عَرَفَة لامته بالمغفرة وَالرَّحْمَة فَأكْثر الدُّعَاء فَأوحى الله إِلَيْهِ أَنِّي فعلت إِلَّا ظلم بَعضهم بَعْضًا وَأما ذنوبهم فِيمَا بيني وَبينهمْ فقد غفرتها فَقَالَ يَا رب إِنَّك قَادر على أَن تثيب هَذَا الْمَظْلُوم خيرا من مظلمته وَتغْفر لهَذَا الظَّالِم فَلم يجبهُ تِلْكَ العشية فَلَمَّا كَانَ غَدَاة الْمزْدَلِفَة أعَاد الدُّعَاء فَأَجَابَهُ الله أَنِّي قد غفرت لَهُم قَالَ فَتَبَسَّمَ رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه يَا رَسُول الله تبسمت فِي سَاعَة لم تكن تتبسم قَالَ تبسمت من عَدو الله إِبْلِيس إِنَّه لما علم أَن الله قد اسْتَجَابَ لي فِي أمتِي أَهْوى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور ويحثو التُّرَاب على رَأسه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن كنَانَة بن الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ وَلم يسمه عَن أَبِيه عَن جده عَبَّاس ثمَّ قَالَ وَهَذَا الحَدِيث لَهُ شَوَاهِد كَثِيرَة وَقد ذَكرنَاهَا فِي كتاب الْبَعْث فَإِن صَحَّ بشواهده فَفِيهِ الْحجَّة وَإِن لم يَصح فقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) وظلم بَعضهم بَعْضًا دون الشّرك انْتهى (^٣).\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٠١٣)، وعبد الله بن أحمد في زيادته على المسند (١٦٢٠٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٣٩٠)، والبخاري في التاريخ (٧/ ٢)، والطبري في التفسير (٣٨٤٣)، والعقيلي في الضعفاء (١٥٦٣)، وقال الألباني ضعيف، أخرجه ابن ماجه (٣٠١٣)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٣) البيهقي في السنن (٥/ ١١٨)، وفي شعب الإيمان (٣٤٦).","vol":"6","page":146},{"text":"١٧٩٦ - وروى ابْن الْمُبَارك عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الزبير بن عدي عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ وقف النَّبِي -ﷺ- بِعَرَفَات وَقد كَادَت الشَّمْس أَن تؤوب فَقَالَ يَا بِلَال أنصت لي النَّاس فَقَامَ بِلَال فَقَالَ أَنْصتُوا لرَسُول الله -ﷺ- فأنصت النَّاس فَقَالَ معشر النَّاس أَتَانِي جِبْرَائِيل ﵇ آنِفا فأقرأني من رَبِّي السَّلَام وَقَالَ إِن الله ﷿ غفر لأهل عَرَفَات وَأهل الْمشعر وَضمن عَنْهُم التَّبعَات فَقَامَ عمر بن الْخطاب -﵁- فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذَا لنا خَاصَّة قَالَ هَذَا لكم وَلمن أَتَى من بعدكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ عمر بن الْخطاب -﵁- كثر خير الله وطاب (^١).\n\n١٧٩٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله يباهي بِأَهْل عَرَفَات أهل السَّمَاء فَيَقُول لَهُم انْظُرُوا إِلَى عبَادي جاؤوني شعثا غبرا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n\n١٧٩٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- كَانَ يَقُول إِن الله ﷿ يباهي مَلَائكَته عَشِيَّة عَرَفَة بِأَهْل عَرَفَة فَيَقُول انْظروا إِلَى عبَادي شعثا غبرا وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير وَإسْنَاد أَحْمد لَا بَأْس بِهِ (^٣).\n_________\n(^١) صحيح التغريب، وقال صحيح لغيره، ولم أجده فيما لدي من مصادر، حتى يتسنى لي الحكم عليه والله أعلم، وقال الألباني إسناده صحيح، في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٦٤).\n(^٢) أحمد (٨٠٤٦)، وابن حبان (٣٨٥٢)، والحاكم (١/ ٤٦٥)، وابن خزيمة (٢٨٣٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٦٣٩).\n(^٣) أحمد (٧٠٨٩)، والطبراني في الصغير (٥٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٥٠)، رواه أحمد والطبراني في الصغير والكبير، ورجال أحمد موثقون، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٨٦٨).","vol":"6","page":147},{"text":"١٧٩٩ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من يَوْم أَكثر من أَن يعْتق الله فِيهِ عبيدا من النَّار من يَوْم عَرَفَة وَإنَّهُ ليدنو يتجلى ثمَّ يباهي بهم الْمَلَائِكَة فَيَقُول مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nوَزَاد رزين فِي جَامعه فِيهِ اشْهَدُوا ملائكتي أَنِّي قد غفرت لَهُم\n\n١٨٠٠ - وَعَن عبد الْعَزِيز بن قيس الْعَبْدي قَالَ سَمِعت ابْن عَبَّاس -﵄- يَقُول كَانَ فلَان ردف رَسُول الله -ﷺ- يَوْم عَرَفَة فَجعل الْفَتى يُلَاحظ النِّسَاء وَينظر إلَيْهِنَّ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- ابْن أخي إِن هَذَا يَوْم من ملك فِيهِ سَمعه وبصره وَلسَانه غفر لَهُ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالطَّبَرَانِيّ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَعِنْدهم كَانَ الْفضل بن عَبَّاس رَدِيف رَسُول الله -ﷺ- الحَدِيث (^٢).\n\n١٨٠١ - وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن الْفضل بن الْعَبَّاس عَن النَّبِي -ﷺ- مُخْتَصرا قَالَ من حفظ لِسَانه وسَمعه وبصره يَوْم عَرَفَة غفر لَهُ من عَرَفَة إِلَى عَرَفَة (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (١٣٤٨)، وابن ماجه (٣٠١٤).\n(^٢) أحمد (٣٠٤١)، والطبراني في الكبير (١٢٩٧٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٦٦٨)، وابن خزيمة (٢٨٣٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٧١).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٦٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٥٦٢).","vol":"6","page":148},{"text":"١٨٠٢ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَو يعلم أهل الْجمع بِمن حلوا لاستبشروا بِالْفَضْلِ بعد الْمَغْفِرَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\n\n١٨٠٣ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ جَاءَ رجل من الْأَنْصَار إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول الله كَلِمَات أسأَل عَنْهُن فَقَالَ -ﷺ- اجْلِسْ وَجَاء رجل من ثَقِيف فَقَالَ يَا رَسُول الله كَلِمَات أسأَل عَنْهُن فَقَالَ -ﷺ- سَبَقَك الْأنْصَارِيّ فَقَالَ الْأنْصَارِيّ إِنَّه رجل غَرِيب وَإِن للغريب حَقًا فابدأ بِهِ فَأقبل على الثَّقَفِيّ فَقَالَ إِن شِئْت أَنْبَأتك عَمَّا كنت تَسْأَلنِي عَنهُ وَإِن شِئْت تَسْأَلنِي وأخبرك فَقَالَ يَا رَسُول الله بل أجبني عَمَّا كنت أَسأَلك.\nقَالَ جِئْت تَسْأَلنِي عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالصَّلَاة وَالصَّوْم فَقَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أَخْطَأت مِمَّا كَانَ فِي نَفسِي شَيْئا قَالَ فَإِذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك ثمَّ فرج أصابعك ثمَّ اسكن حَتَّى يَأْخُذ كل عُضْو مأخذه وَإِذا سجدت فمكن جبهتك وَلَا تنقر نقرا وصل أول النَّهَار وَآخره فَقَالَ يَا نَبِي الله فَإِن أَنا صليت بَينهمَا قَالَ فَأَنت إِذا مصل وصم من كل شهر ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة فَقَامَ الثَّقَفِيّ.\nثمَّ أقبل على الْأنْصَارِيّ فَقَالَ إِن شِئْت أَخْبَرتك عَمَّا جِئْت تَسْأَلنِي وَإِن شِئْت تَسْأَلنِي وأخبرك فَقَالَ لَا يَا نَبِي الله أَخْبرنِي بِمَا جِئْت أَسأَلك قَالَ جِئْت\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١١٠٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١١٣)، وابن عدي في الكامل (٤٨٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٧٧)، وفي إسناده من لم أعرفه.","vol":"6","page":149},{"text":"تَسْأَلنِي عَن الْحَاج مَا لَهُ حِين يخرج من بَيته وَمَا لَهُ حِين يقوم بِعَرَفَات وَمَا لَهُ حِين يَرْمِي الْجمار وَمَا لَهُ حِين يحلق رَأسه وَمَا لَهُ حِين يقْضِي آخر طواف بِالْبَيْتِ فَقَالَ يَا نَبِي الله وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أَخْطَأت مِمَّا كانَ فِي نَفسِي شَيْئا قَالَ فَإِن لَهُ حِين يخرج من بَيته أَن رَاحِلَته لَا تخطو خطْوَة إِلَّا كتب الله بهَا حَسَنَة أَو حط عَنهُ بهَا خَطِيئَة فَإِذا وقف بِعَرَفَات فَإِن الله ﷿ ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي شعثا غبرا اشْهَدُوا أَنِّي قد غفرت لَهُم ذنوبهم وَإِن كانَت عدد قطر السَّمَاء وَرمل عالج وَإِذا رمى الْجمار لَا يدْرِي أحد مَا لَهُ حَتَّى يتوفاه الله يَوْم الْقِيَامَة وَإِذا قضى آخر طواف بِالْبَيْتِ خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n١٨٠٤ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلم يقف عَشِيَّة عَرَفَة بالموقف فيستقبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ ثمَّ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير مائَة مرّة ثمَّ يقْرَأ قل هُوَ الله أحد مائَة مرّة ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كمَا صليت على إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد وعلينا مَعَهم مائَة مرّة إِلَّا قَالَ الله تَعَالَى يَا ملائكتي مَا جَزَاء عَبدِي هَذَا سبحني وهللني وكبرني وعظمني وعرفني وَأثْنى عَليّ وَصلى على نبيي اشْهَدُوا ملائكتي أَنِّي قد غفرت لَهُ وشفعته فِي نَفسه وَلَو سَأَلَني عَبدِي هَذَا لشفعته فِي أهل الْموقف\n_________\n(^١) البزار (١٠٨٢)، والطبراني (١٣٥٦٤)، وابن حبان (١٨٨٧).","vol":"6","page":150},{"text":"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ هَذَا متن غَرِيب وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ينْسب إِلَى الْوَضع وَالله أعلم (^١).\n\n١٨٠٥ - وَعَن أبي سُلَيْمَان الدراني قَالَ سُئِلَ عَليّ بن أبي طَالب -﵁- عَن الْوُقُوف بِالْجَبَلِ وَلم لم يكن فِي الْحرم قَالَ لَان الْكَعْبَة بَيت الله وَالْحرم بَاب الله فَلَمَّا قصدوه وافدين أوقفهم بِالْبَابِ يَتَضَرَّعُونَ قيل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فالوقوف بالمشعر الْحَرَام قَالَ لِأَنَّهُ لما أذن لَهُم بِالدُّخُولِ إِلَيْهِ وقفهم بالحجاب الثَّانِي وَهُوَ الْمزْدَلِفَة فَلَمَّا أَن طَال تضرعهم أذن لَهُم بتقريب قُرْبَانهمْ بمنى فَلَمَّا أَن قضوا تفثهم وقربوا قُرْبَانهمْ فتطهروا بهَا من الذُّنُوب الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم أذن لَهُم بالزيارة إِلَيْهِ على الطَّهَارَة قيل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمن أَيْن حرم الصّيام أَيَّام التَّشْرِيق قَالَ لَان الْقَوْم زوار الله وهم فِي ضيافته وَلَا يجوز للضيف أَن يَصُوم دون إِذن من أَضَافَهُ قيل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَتعلق الرجل بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة لاي معنى هُوَ قَالَ هُوَ مثل الرجل بَينه وَبَين صَاحبه جِنَايَة فَيتَعَلَّق بِثَوْبِهِ ويتنصل إِلَيْهِ ويتخدع لَهُ ليهب لَهُ جِنَايَته رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره هَكَذَا مُنْقَطِعًا وَرَوَاهُ أَيْضا عَن ذِي النُّون من قَوْله وَهُوَ عِنْدِي أشبه وَالله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤٠٧٤).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٠٨٥)، والمزي في تهذيب الكمال (٥/ ٩٤).","vol":"6","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>التَّرْغِيب فِي رمي الْجمار وَمَا جَاءَ فِي رَفعهَا</span>\nقَالَ الْحَافِظ تقدم فِي الْبَاب قبله فِي حَدِيث ابْن عمر الصَّحِيح وَإِذا رمى الْجمار لَا يدْرِي أحد مَا لَهُ حَتَّى يتوفاه الله ﷿ يَوْم الْقِيَامَة لفظ ابْن حبَان وَلَفظ الْبَزَّار وَأما رميك الْجمار فلك بِكُل حَصَاة رميتها تَكْفِير كَبِيرَة من الموبقات. وَتقدم فِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت وَأما رميك الْجمار قَالَ الله ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^١).\n\n١٨٠٦ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي -ﷺ- عَن رمي الْجمار مَا لنا فِيهِ فَسَمعته يَقُول تَجِد ذَلِك عِنْد رَبك أحْوج مَا تكون إِلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير من رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَأَة (^٢).\nوَتقدم فِي حَدِيث أنس -﵁- وَأما رميك الْجمار فَإِنَّهُ مذخور لَك عِنْد رَبك أحْوج مَا تكون إِلَيْهِ.\n\n١٨٠٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- رَفعه إِلَى النَّبِي -ﷺ- قَالَ لما أَتَى إِبْرَاهِيم خَلِيل الله صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه الْمَنَاسِك عرض لَهُ الشَّيْطَان عِنْد جَمْرَة الْعقبَة فَرَمَاهُ بِسبع حَصَيَات حَتَّى ساخ فِي الأَرْض ثمَّ عرض لَهُ عِنْد الْجَمْرَة\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١٧.\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٣٤٧٩)، والأوسط (٤١٤٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٦٠)، وفيه الحجاج بن أرطأة، وفيه كلام.","vol":"6","page":152},{"text":"الثَّانِيَة فَرَمَاهُ بِسبع حَصَيَات حَتَّى ساخ فِي الأَرْض ثمَّ عرض لَهُ عِنْد الْجَمْرَة الثَّالِثَة فَرَمَاهُ بِسبع حَصَيَات حَتَّى ساخ فِي الأَرْض قَالَ ابْن عَبَّاس -﵄- الشَّيْطَان ترجمون وملة أبيكم إِبْرَاهِيم تتبعون رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\n\n١٨٠٨ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا رميت الْجمار كَانَ لَك نورا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة صَالح مولى التَّوْأَمَة (^٢).\n\n١٨٠٩ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله هَذِه الْجمار الَّتِي ترمى كل سنة فنحسب أَنَّهَا تنقص قَالَ مَا تقبل مِنْهَا رفع وَلَوْلَا ذَلِك رأيتموها مثل الْجبَال رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣). قَالَ المملي ﵀ وَفِي إسنادهما يزِيد بن سِنَان التميلي مُخْتَلف فِي توثيقه.\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢٩٦٧)، والحاكم (١/ ٤٦٦)، والطبراني في الكبير (١٢٢٩١)، والبيهقي (٥/ ١٥٣)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ ٢٨٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٦٠)، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط.\n(^٢) البزار (١١٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٦٠)، وفيه صلح مولى التوأمة، وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٢٦).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (١٧٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٦٠)، وفيه يزيد بن سنان التميمي، وهو ضعيف.","vol":"6","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>التَّرْغِيب فِي حلق الرَّأْس بمنى</span>\n١٨١٠ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين قَالُوا يَا رَسُول الله وللمقصرين قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين قَالُوا يَا رَسُول الله وللمقصرين قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين قَالُوا يَا رَسُول الله وللمقصرين قَالَ وللمقصرين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\n\n١٨١١ - وَعَن أم الْحصين -﵂- أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي -ﷺ- فِي حجَّة الْوَدَاع دَعَا للمحلقين ثَلَاثًا وللمقصرين مرّة وَاحِدَة رَوَاهُ مُسلم (^٢).\n\n١٨١٢ - وَعَن مَالك بن ربيعَة -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين اللَّهُمَّ اغْفِر للمحلقين قَالَ يَقُول رجل من الْقَوْم وللمقصرين فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة وللمقصرين ثمَّ قَالَ وَأَنا يَوْمئِذٍ محلوق الرَّأْس فَمَا يسرني بحلق رَأْسِي حمر النعم رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ وَتقدم فِي حَدِيث ابْن عمر الصَّحِيح أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ\n_________\n(^١) البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (١٣٠٢)، وابن ما جه (٣٠٤٣)، وأحمد (٧١٥٨).\n(^٢) مسلم (١٣٠٣).\n(^٣) أحمد (١٧٥٩٨)، والطبراني في الأوسط (٢٩١٤)، وفي الكبير (١٩/ رقم ٦٠٤)، وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٢٥)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧)، وإسناده حسن.","vol":"6","page":154},{"text":"للْأَنْصَارِيِّ وَأما حلاقك رَأسك فلك بِكُل شَعْرَة حلقتها حَسَنَة وتمحى عَنْك بهَا خَطِيئَة.\nوَتقدم أَيْضا فِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت وَأما حلقك رَأسك فَإِنَّهُ لَيْسَ من شعرك شَعْرَة تقع فِي الأَرْض إِلَّا كَانَت لَك نورا يَوْم الْقِيَامَة.","vol":"6","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>التَّرْغِيب فِي شرب مَاء زَمْزَم وَمَا جَاءَ فِي فَضله</span>\n١٨١٣ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خير مَاء على وَجه الأَرْض مَاء زَمْزَم فِيهِ طَعَام الطّعْم وشفاء السقم وَشر مَاء على وَجه الأَرْض مَاء بوادي برهوت بقبة بحضرموت كَرجل الْجَرَاد تصبح تتدفق وتمسي لَا بِلَال فِيهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nبرهوت بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَضم الْهَاء آخِره تَاء مثناة.\nوحضرموت بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة اسْم بلد.\nقَالَ أهل اللُّغَة وهما اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا إِن شِئْت بنيت حضر على الْفَتْح وأعربت موت إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف وَإِن شِئْت أضفت الأول إِلَى الثَّانِي فأعربت حضرا وخفضت موت.\n\n١٨١٤ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- زَمْزَم طَعَام طعم وشفاء سقم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\nقَوْله طَعَام طعم بِضَم الطَّاء وَسُكُون الْعين أَي طَعَام يشْبع من أكله.\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١١١٦٧)، وفي الأوسط (٣٩١٢)، وفيض القدير (٤٠٧٧)، وكنز العمال (٣٤٧٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٦)، ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٢٢).\n(^٢) البزار (١١٧١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٦)، رواه البزار والطبراني في الصغير، ورجال البزار رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٧٢).","vol":"6","page":156},{"text":"١٨١٥ - وَعَن أبي الطُّفَيْل عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سمعته يَقُول كُنَّا نسميها شباعة يَعْنِي زَمْزَم وَكُنَّا نجدها نعم العون على الْعِيَال رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَهُوَ مَوْقُوف صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n\n١٨١٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵁- مَا قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ إِن شربته تستشفي شفاك الله وَإِن شربته لشبعك أشبعك الله وَإِن شربته لقطع ظمئك قطعه الله وَهِي هزمة جِبْرَائِيل ﵇ وسقيا الله إِسْمَاعِيل ﵇ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَزَاد وَإِن شربته مستعيذا أَعَاذَك الله وَكَانَ ابْن عَبَّاس -﵁- إِذا شرب مَاء زَمْزَم قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك علما نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وشفاء من كل دَاء وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد إِن سلم من الْجَارُود يَعْنِي مُحَمَّد بن حبيب (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ سلم مِنْهُ فَإِنَّهُ صَدُوق قَالَه الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَغَيره لَكِن الرَّاوِي عَنهُ مُحَمَّد بن هِشَام الْمروزِي لَا أعرفهُ وروى الدَّارَقُطْنِيّ دُعَاء ابْن عَبَّاس مُفردا من رِوَايَة حَفْص بن عمر الْعَدنِي.\nالهزمة بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الزَّاي هُوَ أَن تغمز موضعا بِيَدِك أَو رجلك فَتَصِير فِيهِ حُفْرَة.\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٠٦٣٧)، وعبد الرزاق وهو في مصنفه (٩١٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٦)، ورجاله ثقات.\n(^٢) الدراقطني (٢/ ٢٨٨)، والحاكم (١/ ٤٧٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٩٧٢).","vol":"6","page":157},{"text":"١٨١٧ - وَعَن سُوَيْد بن سعيد -﵁- قَالَ رَأَيْت عبد الله بن الْمُبَارك بِمَكَّة أَتَى مَاء زَمْزَم واستسقى مِنْهُ شربة ثمَّ اسْتقْبل الْكَعْبَة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن ابْن أبي الموَالِي حَدثنَا عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ وَهَذَا أشربه لعطش يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ شرب رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ غَرِيب من حَدِيث ابْن أبي الموَالِي عَن ابْن الْمُنْكَدر تفرد بِهِ سُوَيْد عَن ابْن الْمُبَارك من هَذَا الْوَجْه عَنهُ انْتهى (^١).\nوروى أَحْمد وَابْن مَاجَه الْمَرْفُوع مِنْهُ عَن عبد الله بن المؤمل أَنه سمع أَبَا الزبير يَقُول سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول فَذكره وَهَذَا إِسْنَاد حسن (^٢).\n\n١٨١٨ - وَعَن السَّائِب -﵁- أَنه كانَ يَقُول اشربوا من سِقَايَة الْعَبَّاس فَإِنَّهُ من السّنة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم وبقيته ثِقَات (^٣).\n_________\n(^١) الخطيب في التاريخ (١٠/ ١٦٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٢٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٠٢).\n(^٢) أحمد (١٤٨٤٩)، وابن ماجه (٣٠٦٢)، والطبراني في الأوسط (٨٤٩)، والبيهقي (٥/ ١٤٨).\n(^٣) الطبراني في الكبير (٦٦٢١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٦)، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات.","vol":"6","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>ترهيب من قدر على الْحَج فَلم يحجّ وَمَا جَاءَ فِي لُزُوم الْمَرْأَة بَيتهَا بعد قَضَاء فرض الْحَج</span>\n١٨١٩ - رُوِيَ عَن عَليّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ملك زادا وراحلة تبلغه إِلَى بَيت الله الْحَرَام فَلم يحجّ فَلَا عَلَيْهِ أَن يَمُوت يَهُودِيًّا أَو نَصْرَانِيًّا وَذَلِكَ أَن الله يَقُول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحَارِث عَن عَليّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه (^٢).\n\n١٨٢٠ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط عَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من لم تحبسه حَاجَة ظَاهِرَة أَو مرض حَابِس أَو سُلْطَان جَائِر وَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يَهُودِيّا وَإِن شَاءَ نَصْرَانِيّا (^٣).\n\n١٨٢١ - وَتقدم حَدِيث حُذَيْفَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم الْإِسْلَام سهم وَالصَّلَاة سهم وَالزَّكَاة سهم وَحج الْبَيْت سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سهم وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله سهم وَقد\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.\n(^٢) الترمذي (٨١٢)، وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٧٨)، والبزار (٨٦١)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٣٤٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٦٠).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٣٩٧٩).","vol":"6","page":159},{"text":"خَابَ من لَا سهم لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\n\n١٨٢٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ يَقُول الله ﷿ إِن عبدا صححت لَهُ جِسْمه ووسعت عَلَيْهِ فِي الْمَعيشَة تمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَة أَعْوَام لَا يفد إِلَيّ لمحروم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ قَالَ عَليّ بن الْمُنْذر أَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ كَانَ حسن بن حييّ يُعجبهُ هَذَا الحَدِيث وَبِه يَأْخُذ وَيُحب للرجل الْمُوسر الصَّحِيح أَن لَا يتْرك الْحَج خمس سِنِين (^٢).\n\n١٨٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لنسائه عَام حجَّة الْوَدَاع هَذِه ثمَّ ظُهُور الْحصْر قَالَ وَكن كُلهنَّ يحججن إِلَّا زَيْنَب بنت جحش وَسَوْدَة بنت زَمعَة ﵅ وكانتا تقولان وَالله لَا تحركنا دَابَّة بعد إِذْ سمعنَا ذَلِك من النَّبِي -ﷺ- وَقَالَ إِسْحَاق فِي حَدِيثه قَالتَا وَالله لَا تحركنا دَابَّة بعد قَول رَسُول الله -ﷺ- هَذِه ثمَّ ظُهُور الْحصْر رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَإِسْنَاده حسن رَوَاهُ عَن صَالح مولى التَّوْأَمَة بن أبي ذِئْب وَقد سمع مِنْهُ قبل اخْتِلَاطه (^٣).\n_________\n(^١) البزار (٣٣٦).\n(^٢) ابن حبان (٣٧٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٣٢)، وأبو يعلى (١٠٣١)، والخطيب في التاريخ (٨/ ٣٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٦)، رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجال الجميع رجال الصحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٦٢).\n(^٣) أحمد (٢٦٧٥١)، وأبو يعلى (٧١٥٤)، والطيالسي (٢٤٣١)، والبزار (١٠٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١٤)، وهو حديث صحيح.","vol":"6","page":160},{"text":"١٨٢٤ - وَعَن أم سَلمَة -﵂- قَالَت قَالَ لنا رَسُول الله -ﷺ- فِي حجَّة الْوَدَاع هِيَ هَذِه الْحجَّة ثمَّ الْجُلُوس على ظُهُور الْحصْر فِي الْبيُوت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأَبُو يعلى وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n\n١٨٢٥ - (^٢) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن ابْن عمر -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- لما حج بنسائه قَالَ إِنَّمَا هِيَ هَذِه ثمَّ عَلَيْكُم بِظُهُور الْحصْر (^٣).\nوعنِ ابنٍ لأبي واقدٍ الليثيِّ عنْ أبيه -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول لأزواجه في حجَّة الوداع: هذه، ثمَّ ظهور الحصرِ. رواه أبو داود، ولم يسمِّ ابن أبي واقد (^٤).\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٢٣/ رقم ٧٠٦)، وأبو يعلى (٦٨٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١٤)، ورجال أبي يعلى ثقات.\n(^٢) وقع هنا خطأ بالترقيم. (المحقق).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٧٩٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١٤)، وفيه عاصم بن عمر العمري، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، وضعفه الجمهور.\n(^٤) أبو داود (١٧٢٢)، وأحمد (٢١٩٠٥)، وأبو يعلى (١٤٤٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٠٣)، والطبراني في الكبير (٣٣١٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٠٠٨).","vol":"6","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>التَّرْغِيب فِي الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَبَيت الْمُقَدّس وقباء</span>\n١٨٢٧ - عَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ صَلاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١). [اللوحة ١٢٨/ أ].\nمن الأحكام التي تخالف سائر البلاد خمسة أحكام:\nأحدها: أنه لا يدخلها أحد إلا بإحرام بحج أو عمرة.\nالثاني: أن لا يحارب أهلها فإن بغوا على أهل العدل فقد ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم قتالهم ويضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي ويدخلوا في أحكام أهل العدل والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم.\nالثالث: تحريم صيده على المحلين والمحرمين من أهل الحرم وممن طرأ عليه.\nالرابع: تحريم قطع شجره.\nالحكم الخامس: أن يمنع جميع من خالف دين الإسلام من دخوله مقيما كان أو مارا هذا مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء وجوزه أبو حنيفة إذا لم يستوطنوه هذا آخر كلام الماوردي (^٢) وترك الماوردي من الأحكام الذي\n_________\n(^١) مسلم (١٣٩٥)، وابن ماجه (١٤٠٥)، وأحمد (٤٦٤٦).\n(^٢) الأحكام السلطانية (ص ٢٥٠ - ٢٥٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"6","page":162},{"text":"يتميز بها الحرم اللقطة فإن لقطة الحرم لا تحل إلا لمنشد لا للتمليك على المذهب الصحيح بخلاف غيره (^١) وترك أيضا تحرم إخراج أحجاره وترابه منه إلى غيره وهو حرام ونباته مشهور في كتب المذهب (^٢).\nفرع: وَجٌّ: وَادٍ بِصَحْرَاءِ الطَّائِفِ، (^٣) وَصَيْدُهُ حَرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ و[الصحيح] أنه لا ضمان فيه (^٤).\nفرع آخر: تنفير صيد الحرم [وهو] إزعاجه عن مكانه وتنحيته عن موضعه وذلك كله حرام وفاعله عاص فإن نفر الصيد فتلف بتنفيره عصا وضمنه\n_________\n(^١) روضة الطالبمِن (٦/ ٣٨) وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨٤)، وإعلام الساجد (ص ١٥٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨٤)، إعلام الساجد (ص ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٣) في المجاز بين اليمامة والحجاز ص: ٢٦٤، و٢٦٥ قال: أما أودية الطائف فمن أبرزها وأنبهها ذكرا وادي وج وكانت المدينة تسمى باسمه قديما حتى أطيف حولها بسور فسميت الطائف، على ما جاء في الأخبار من تحصن ثقيف بمدينتهم حينما زاحمهم العرب على بلادهم. إ هـ. وانظر كذلك: معجم البلدان ٥/ ٣٦١ والقاموس المحيط ١/ ٢١١ وشرح المواهب ٤/ ٩ و١٠. أما التحريم فقال الخطابي: ولست أعلم لتحريمه وجًّا معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، ويحتمل أن يكون ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم، وفي مدة محصورة ثم نسخ وبين الخطابي أن المسلمين أثناء حصار الطائف أفادوا من شجر وصيد ومرفق المكان فدل ذلك على أنها حل مباح (مختصر سنن أبي داؤد للمنذري ٢/ ٤٤٢). فإن الإمام الشافعي أخذ بهذا الحديث في القديم ولم يأخذ به في الجديد بل اتفق فيه رأيه مع رأي الجمهور بعدم تحريم وج (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٤/ ١٠).\n(^٤) روضة الطالبين (٣/ ١٦٩)، وتنبيه الغافلين (ص ٣٤٥). وزاد المعاد: (٣/ ٥٠٨).","vol":"6","page":163},{"text":"والدليل على ذلك كله قوله -ﷺ- يوم فتح مكة \"إن هذا البلد حرمه الله\" وفيه لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده (^١).\nفرع: صيد الحرم حرام بالإجماع على الحلال والمحرم ولو أدخل صيدا من الحل إلى الحرم فله التصرف فيه بالدم [بالذبح والأ] كل وغيره وهو قول لمالك وقال أبو حنيفة وأحمد لا يجوز له ذبحه ولا التصرف فيه بل يلزمه أن يسأله فإن أدخله مذبوحا جاز أكله اهـ قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٢).\nفرع: ما يصحبه الإنسان معه من الكيزان والأكر ونحو ذلك على سبيل الهدية إن كان معمولا من تراب الحرم [حرم إخراجه] ووجب رده إليه ولو طالت المسافة وكذلك الكواويز التي يشترونها للشرب بها في الطريق وسواء في ذلك تراب [حرم مكة والمدينة] (^٣).\nوترك الماوردي أيضا إدخال الأحجار والتراب من غيره إليه فإنه مكروه وترك أيضا اختصاص نحر الهدايا ودماء الحج به وترك وجوب قصده بالنذر خلاف غيره كمسجد رسول الله -ﷺ- وبيت المقدس على أحد القولين فيهما وترك أيضا تغليظ الدية بالقتل فيه وترك أيضا تحريم دفن المشرك فيه وإنه إن دفن نبش إن لم ينقطع وإنه لا يجوز الإذن في الدخول إليه على حال وأنه لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهله وبقيت أشياء وهذا الذي ذكره\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣٤٣).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٣٤٤).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٣٤٤).","vol":"6","page":164},{"text":"الماوردي من أن البغاة إذا امتنعوا في الحرم يقاتلون عند أكثر الفقهاء هو الصحيح وقد نص عليه الشافعي اهـ ذكره النووى (^١).\nوقال بعض العلماء أيضا ويتحصل في المراد بالمسجد الحرام التي تضاعف فيه الصلاة سبعة أقوال:\nالأول: أنه المكان الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه. الثاني: أنه مكة الثالث: أنه الحرم كله إلا الحدود الفارقة بين الحل والحرم قاله عطاء والماوردي وغيره والروياني. الرابع: أنه الكعبة وهو أبعدها. الخامس: أنه الكعبة والمسجد حولها وهو الذي قاله النووي (^٢) في استقبال القبلة. السادس: أنه جميع الحرم وعرفة قاله ابن حزم.\nوالسابع: أنه الكعبة وما في الحجر من البيت وهو قول صاحب البيان من أصحابنا فقال في باب استقبال القبلة وقد ذكر في حديث مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام سألت الشريف محمد بن أحمد العثماني ما المراد بالمسجد الحرام من هذا الخبر؟ فقال المراد به الكعبة والمسجد حولها وسائر بقاع الحرم لأن الله تعالى أطلق الإسراء على المسجد الحرام ومعلوم أنه أسري بنبيه من بيت خديجة وكل موضع أطلق فيه المسجد الحرام فالمراد به جميع الحرم قال صاحب البيان: والذي تبين لي أن المراد بهذا الخبر: الكعبة، وما في الحجر من البيت، وهو ظاهر كلام الأصحاب في \"المهذب\" (^٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨٤).\n(^٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٠٢).\n(^٣) إعلام الساجد (ص ١٢٠ - ١٢١).","vol":"6","page":165},{"text":"١٨٢٨ - وَعَن عبد الله بن الزبير -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من مائَة صَلاة فِي هَذَا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَزَاد يَعْنِي فِي مَسْجِد الْمَدِينَة.\nوَالْبَزَّار وَلَفظه أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنَّهُ يزِيد عَلَيْهِ مائَة صَلَاة وَإِسْنَاده صَحِيح أَيْضا (^١).\n\n١٨٢٩ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من مائَة ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن قصي الأسدي المدني (^٣) يلتقي مع رسول الله -ﷺ- في قصي كنيته أبو بكر وقيل أبو\n_________\n(^١) أحمد (١٦١١٧)، وابن حبان (١٦٢٠)، والبزار (٤٢٥)، والطيالسي (١٣٦٧)، والبيهقي في السنن (٥/ ٢٤٦)، وفي شعب الإيمان (٤١٤١)، وعبد بن حميد (٥٢١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٥)، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٨٤١).\n(^٢) أحمد (١٤٦٩٤)، وابن ماجه (١٤٠٦)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٥٣١)، هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٨٣٨).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٦٣)، التاريخ الكبير ٥/ ٦، الحلية ١/ ٣٢٩، الاستيعاب: ٩٠٥، =","vol":"6","page":166},{"text":"خبيب بضم الخاء المعجمة ويقال أبو بكير القرشي المكي الصحابي ابن الصحابي وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وأبوه الزبير أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وحواري رسول الله -ﷺ- وأمه بنت أبي بكر الصديق وجدته لأبيه صفية نجت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ- ورضي عنها أسلمت وهاجرت إلى المدينة وعمة أبيه خديجة بنت خويلد أم المؤمنين وخالته عائشة أم المؤمنين وهو أول مولود ولد للمهاجرين إلى المدينة بعد الهجرة وفرح المسلمون بولادته فرحا شديدا لأن اليهود كانوا يقولون قد سحرناهم فلا يولد لهم ولد فأخزاهم الله تعالى فحنكه رسول الله -ﷺ- بتمرة لاكها فكان ريق رسول الله أول شيء نزل في جوفه وسماه عبد الله وكناه أبو بكر الصديق بكنية جده وسماه باسمه قاله ابن عبد البر (^١) ولد بعد عشرين شهرا من الهجرة وقيل في السنة الأولى وكان -﵁- صواما قواما طويل الصلاة وصولا للرحم عظيم الشجاعة ومن مجاهدته في العبادة المنقوله عنه أنه قسم الدهر ثلاثا ليلة يصلي قائما حتى الصباح وليلة راكعا حتى الصباح وليلة ساجدا حتى الصباح، روي له عن رسول الله -ﷺ- ثلاثة وثلاثون حديثا اتفق على ستة وانفرد مسلم بحديثين، واعلم أن عبد الله بن الزبير هو أحد\n_________\n= أسد الغابة ٣/ ٢٤٢، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١/ ٢٦٦، وفيات الأعيان ٣/ ٧١، تهذيب الكمال: ٦٨٢، تذهيب التهذيب ٢/ ١٤٤ الإصابة ٢/ ٣٠٩، تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٣.\n(^١) ينظر: الاستيعاب: ٩٠٥.","vol":"6","page":167},{"text":"العبادلة الأربعة وهم: عبد الله بن الزبير، عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص هكذا قاله الإمام أحمد بن حنبل وسائر المحدثين، وتقدم الكلام على ذلك في أول الكتاب في حديث الغار قيل للإمام أحمد بن حنبل فابن مسعود؟ قال هو ليس منهم ويلتحق بابن مسعود في هذا سائر المسمين عبد الله من الصحابة وهم نحو مائتين وعشرين وأما قول الجوهري في صحاحه: أن ابن مسعود هو أحد العبادلة وإخراج ابن عمرو بن العاص فغلط ظاهر نبهت عليه لئلا يغتر به ولما مات يزيد ببن معاوية منتصف شهر ربيع الأول سنة أربعة وستين بويع لعبد الله بن الزبير بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان وجدد عمارة الكعبة وبقي في الخلافة إلا أن حصره الحجاج بن يوسف بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين وحج الحجاج بالناس ولم يزل محاصره إلا أن قتله يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين هكذا نقله ابن سعد عن أهل العلم ونقله غيرهم وكان أملس لا لحية له ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله -ﷺ-: \"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا\" وزاد ابن حبان يعني \"في مسجد المدينة\" يحتمل أن يكون المراد منه إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه تعدل تسعمائة فيما سواه وعلى هذا يكون\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ ترجمة ٢٩٧).","vol":"6","page":168},{"text":"مسجد المدينة أفضل إلا أن هذا الاحتمال ينفيه ما رواه الإمام أحمد في المسند والبيهقي في سننه أن النبي -ﷺ- قال: \"وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة صلاة في مسجدي\" واختلف العلماء في هذه الصلاة هل هي الفريضة أم النافلة.\nتنبيهات: الأول: إن هذه الصلاة في المسجدين لا تختص بالفريضة بل تعم الفرض والنفل كما قال النووي في شرح مسلم (^١): أنه المذهب، وقال الطحاوي من الحنفية في شرح الأثار: هو مختص بالفرض وإن فعل النوافل في البيت أفضل من المسجد الحرام وكذلك ذكره ابن ابي زيد من المالكية وقال ابن أبى الصيف اليمني: هذا التضعيف في الصلوات يحتمل أن يعم الفرض والنفل وهو ظاهر الأخبار ويحتمل أن يختص بالفرض دون النفل لأن النفل دونه وقد ورد أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة وأن ثواب الصلاة تزيد على صلاة المنفرد بخمس وعشرين أو سبع وعشرين في المساجد الثلاثة وغيرها وذلك في الفرائض ويلحق بها ما شرع لهم جماعة من النوافل (^٢).\nالثاني: أن اختلاف الروايات في التضعيف [يحتمل إن] صحت كلها أن يكون حديث الأقل قبل حديث الأكثر ثم تفضل الله تعالى بالأكثر شيئا بعد شيء كما قيل في الجمع بين رواية أبي هريرة في فضل الجماعات بخمس\n_________\n(^١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٠٨).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"6","page":169},{"text":"وعشرين وبين رواية ابن عمر بسبع وعشرين بأن حديث أبي هريرة قبل حديث ابن عمر فزادهم درجتين ويحتمل أن تكون الأعداد تنزل على الأحوال فقد جاء أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة وأنها تضاعف إلى غير نهاية وقد روي تفكر ساعة خير من عبادة سنة لتفاوت الأحوال (^١).\nالثالث: بحث قاضي القضاة تاج الدين السبكي مع الشيخ والده في صلاة الظهر بمنى يوم النحر إذا جعلنا منى خارجة عن حدود الحرم أن تكون أفضل من صلاتها في المسجد لأن النبي -ﷺ- صلاها بمنى يومئذ والاقتداء به أفضل أو في المسجد لأجل المضاعفة فقال الشيخ بل في منى وإن لم يحصل بها المضاعفة فإن في الاقتداء بأفعال النبي -ﷺ- من الخير ما يزيد على المضاعفة (^٢).\nالرابع: أن التضعيف لا يختص بالصلاة بل وسائر أنواع الطاعات كذلك قياسا على ما ثبت في الصلاة والنظر إلى الكعبة فالحق به ما في معناه من أعمال البر قال الحسن البصري: صوم يوم بمكة بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف وكل حسنة بمائة ألف اهـ قاله الزركشي في كتابه الذي ألفه في فضل المساجد (^٣).\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ١٢٦).\n(^٣) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ١٢٦).","vol":"6","page":170},{"text":"١٨٣٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا خير من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\n١٨٣١ - وروى الْبَزَّار عَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَنا خَاتم الْأَنْبِيَاء ومسجدي خَاتم مَسَاجِد الْأَنْبِيَاء أَحَق الْمَسَاجِد أَن يزار وتشد إِلَيْهِ الرَّوَاحِل الْمَسْجِد الْحَرَام ومسجدي وَصَلَاة فِي مَسْجِدي أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عن أبي هريرة.\nقوله -ﷺ-: \"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام\" استثناء يحتمل أمورا ثلاثة أن يكون مساويا لمسجد رسول الله -ﷺ- وأفضل منه أدون منه بأن يراد بأن مسجد المدينة خير منه بألف صلاة بل خير منه بتسعمائة مثلا ونحوه قال الجمهور مكة أفضل من المدينة وكذا مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة [وعكس مالك] وأول الحديث بأن معناه إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الأ [لف] (^٣) اهـ.\n_________\n(^١) البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤)، والترمذي (٣٢٥)، وابن ماجه (١٤٠٤)، وأحمد (٧٢٥٣).\n(^٢) البزار (١١٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٤)، رواه البزار وفيه مسوى بن عبيدة، وهو ضعيف.\n(^٣) الكواكب الدراري (٧/ ١٤).","vol":"6","page":171},{"text":"قوله -ﷺ- في رواية البزار \"وأنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل المسجد الحرام ومسجدي\" الحديث.\nوقوله -ﷺ- في الحديث الآخر في صحيح مسلم \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى\"، وفي رواية \"ومسجد إيلياء\" هكذا وقع في صحيح مسلم هنا وإيلياء هو بيت المقدس وفيه ثلاثة لغات أفصحهن وأشهرهن إيلياء بكسر الهمزة واللام والمد والثانية كذلك إلا أنه مقصور والثالثة إلياء بحذف الياء وبالمد وسمي الأقصى لبعده من المسجد الحرام ومسجد الحرام ومسجد الأقصى هو من إضافة الموصوف على صفته وقد أجازه النحويون الكوفيون وتأوله البصريون على أن فيه محذوفا تقديره مسجد المكان الحرام والمكان الأقصى منه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (^١) أن المكان الغربي ونظائره (^٢).\nوقوله: \"لا تشد الرحال\" والرحال جمع رحل البعير وهو أصغر من القتب والرحل أيضا مسكن الرجل (^٣) والمعنى على الأول والمسجد الحرام مجرور وكذا ما عطف عليه من البدل من الثلاثة ففيه بيان عظيم لفضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء\n_________\n(^١) سورة القصص، الآية: ٤٤.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٦٨).\n(^٣) الصحاح (٤/ ١٧٠٦ - ١٧٠٧).","vol":"6","page":172},{"text":"صلوات الله وسلامه عليهم ومتعبداتهم ولفضل الصلاة فيها (^١)، ومعنى الحديث لا يسافر لمسجد [لفعل] قربة إلا في هذه المساجد (^٢).\nوقوله: \"لا تشد الرحال\" قال الخطابي (^٣): لا تشد لفظه لفظ خبر ومعناه الإيجاب فيما نذر الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها والشد الى المسجد الحرام فرض للحج والعمرة وكان يشد إلى مسجد رسول الله -ﷺ- في حياته للهجرة وكانت واجبة على الكفاية وأما إلى بيت المقدس فإنما هو فضيلة واستحباب، وقد تأول معنى الحديث على وجه آخر وهو أنه لا يرحل في الاعتكاف إلا إلى هذه الثلاثة فقد ذهب بعض السلف إلى أن الاعتكاف لا يصح إلا فيها دون سائر المساجد، وفيه فضيلة شد الرحال إليها ولا خلاف في أن هذه المساجد الثلاثة أفضل من سائر المساجد كلها.\nومعناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها وشد الرحال كناية عن السفر (^٤).\nوقال في المفهم: شد الرحال كناية عن السفر البعيد (^٥)، وقد فسر هذا المعنى في [الرواية الأخرى] التي فيها إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد، ولو نذر\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٠٦).\n(^٢) المفهم (١١/ ٨).\n(^٣) أعلام الحديث (١/ ٦٤٧)، ومعالم السنن (٢/ ٢٢٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٦٧)، والكواكب الدراري (٧/ ١٢).\n(^٥) المفهم (١١/ ٨).","vol":"6","page":173},{"text":"الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده بحج أو عمرة ولو نذر الذهاب إلى المسجدين الآخرين فقولان للشافعي ﵀ (^١) أصحهما عند أصحابه يستحب قصدهما ولا يجب، والثاني: يجب وبه قال كثير من العلماء أما باقي المساجد سوى الثلاثة فلا يجب قصدها بالنذر ولا ينعقد نذر قصدها هذا مذهبنا أو مذهب العلماء كافة إلا محمد بن مسلمة المالكي فقال: إذا نذر قصد مسجد قباء لزمه قصده لأن النبي -ﷺ- كان يأتيه كل سبت راكبا وماشيا (^٢) أ. هـ.\nفصار شد الرحال في هذا الحديث عبارة عن السفر البعيد، فأما لو كان المسجد قريبا منه لزمه المضي إليه إذا نذر الصلاة فيه إذ لم يتناوله هذا النهي قاله القرطبي (^٣)، وقال الليث بن سعد لزمه قصد ذلك المسجد أي مسجد كان وعلى مذهب الجماهير لا ينعقد نذره ولا يلزمه شيء وقال أحمد بن حنبل: تلزمه كفارة يمين، واختلف العلماء في شد الرحال وأعمال المضي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره، وهذا القول الذى قاله الجوينى\n_________\n(^١) ينظر: الأم للشافعي (٢/ ١١٩) وينظر أيضا: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ٥) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (١/ ٤٤٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٠٦).\n(^٣) المفهم (١١/ ٨).","vol":"6","page":174},{"text":"غلط، قال النووي (^١): والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة. أ. هـ.\nفينبغي للعاقل أن لا يشتغل إلا بما له فيه صلاح دنيوي أو فلاح أخروي، ولما كان ما عدا ذلك من المساجد متساوي الإقدام في الشرف والفضل وكان التنقل والارتحال لأجلها عبثا ضائعا نهى الشارع -ﷺ- عنه (^٢) والله أعلم.\n\n١٨٣٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صلى فِي مَسْجِدي أَرْبَعِينَ صَلَاة لَا تفوته صَلَاة كتبت لَهُ بَرَاءَة من النَّار وَبَرَاءَة من الْعَذَاب وبرئ من النِّفَاق رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣) وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ (^٤).\n\n١٨٣٣ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- صَلَاة الرجل فِي بَيته بِصَلَاة وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل (^٥) بِخمْس وَعشْرين صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٠٦).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٢٥٥).\n(^٣) أحمد (١٢٥٨٣)، والطبراني في الأوسط (٥٤٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٨)، ورجاله ثقات.\n(^٤) الترمذي (٢٤١)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٦٤).\n(^٥) قال الصنعاني: المراد به مسجد الحارة المنسوب إليها كمسجد بني فلان ونحوه. التنوير (٧/ ٢٨).","vol":"6","page":175},{"text":"صَلَاة وَصَلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١). وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن أَبَا الْخطاب الدِّمَشْقِي لَا تحضرني الْآن تَرْجَمته وَلم يخرج لَهُ من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة أحد إِلَّا ابْن مَاجَه وَالله أعلم.\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام على أنس.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار وبراءة من العذاب\" الحديث.\nقوله: وعن أنس أيضا، تقدم الكلام على أنس أيضا.\nقوله -ﷺ-: \"صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاة في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة\" أي تصلى فيه الجمعة، الصلاة في الجامع أفضل من المسجد الصغير لكثرة الجماعة، حدثنا عبد الله بن السمي فذكره إلى أن قال: حدثني نافع عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"الصلاة في المسجد الجامع تعدل الفريضة حجة مبرورة والنافلة الحجة المتقبلة\" وفضلت الصلاة في الجامع على ما سواه من المساجد بخمس مائة صلاة [لا يروى] هذا الحديث عن نافع إلا عطاء ولا\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٤١٣)، والطبراني في الأوسط (٧٠٠٨)، ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٩٤٦) وقال: هَذا حديثٌ لَا يَصِحُّ. وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٥٦): هذا إسناد ضعيف، أبو الخطاب الدمشقي لا يعرف حاله، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٠٩). وقال في ضعيف الترغيب (٧٥٦): ضعيف جدًا.","vol":"6","page":176},{"text":"عن عطاء إلا نوح، تفرد بن زهير قاله الزركشى (^١).\nقوله: \"وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة\" الحديث، أجمع المسلمون على استحباب زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه وعلى فضله قال الله ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (^٢) الآية، وروى الحاكم في المستدرك عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس الشرقي يبكي فقال له بعضهم ما يبكيك يا أبا الوليد فقال من ها هنا أخبرنا رسول الله -ﷺ- أنه رأى جهنم، ثم قال صحيح الإسناد (^٣)، وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان (^٤) في ترجمة محمد بن هارون بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (^٥) قال: قال الحسن هو بيت المقدس، لأنه يسرج\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٧٦).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ١.\n(^٣) أخرجه الشاشى (١٣١١)، وابن حبان (٧٤٦٤)، والطبراني في الشاميين (٣٤٢ و٣٤٣)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبى فقال: بل منكر وآخره باطل، لأنه ما اجتمع عبادة برسول الله -ﷺ- هناك ثم من هو ابن ميمون وشيخه، وفي نسخة أبي مسهر عن سعيد، عن زياد بن أبي سودة قال: رئي عبادة على سور بيت المقدس يبكي وقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله -ﷺ- أنه رأى جهنم، فهذا المرسل أجود. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٦٦٣).\n(^٤) تاريخ أصبهان أو أخبار أصبهان (٢/ ٢٠٦).\n(^٥) سورة النور، الآية: ٣٦.","vol":"6","page":177},{"text":"فيه أحد عشرة آلاف قنديل (^١)، وفي المستدرك في كتاب الفتن [والملاحم] عن أبي ذر قال: تذاكرنا ونحن عند النبي -ﷺ- أيما أفضل، مسجد رسول الله -ﷺ- أو مسجد بيت المقدس؟ فقال -ﷺ-: \"صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى\" (^٢) وفيه أبو الخطاب الدمشقي، أبو الخطاب الدمشقي هذا اسمه حماد روى عن أبي عبد الله رزيق الألهاني هذا الحديث وليس له في الكتب الستة سواه، قال في التهذيب (^٣): أبو الخطاب الدمشقي مولى واثلة بن الأسقع يقال إنه [رأى] أنس بن مالك روى عن واثلة بن الأسقع، وأبو عبد الله رزيق بتقديم الراء المهملة الألهاني صدوق (^٤) قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٠٥).\n(^٢) أخرجه الطحاوى في المشكل (٦٠٨)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٠٣ رقم ٦٩٨٣) و(٨/ ١٤٨ رقم ٨٢٣٠) والشاميين (٢٧١٤) و(٢٧٦٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٠٩).\nوقال الطبراني في الموضع الأول: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا الحجاج، وسعيد بن بشير، تفرد به: إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج، وتفرد به: ابن سليمان بن أبي داود، عن سعيد. وقال في الثانى: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا الحجاج، وسعيد بن بشير، تفرد به عن الحجاج: إبراهيم بن طهمان، ونفرد به عن سعيد: محمد بن سليمان بن أبي داود.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٧: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٠٢) وصحيح الترغيب (١١٧٩).\n(^٣) تهذيب الكمال (٢٨/ ٢٦٩ - ٢٧١ ترجمة ٦٠٨٩).\n(^٤) تهذيب الكمال (٩/ ١٨٥ - ١٨٦ ترجمة ١٩٠٧).","vol":"6","page":178},{"text":"١٨٣٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ دخلت على رَسُول الله -ﷺ- فِي بَيت بعض نِسَائِهِ فَقلت يَا رَسُول الله أَي المسجدين الَّذِي أسس على التَّقْوَى فَأخذ كفا من حَصْبَاء فَضرب بِهِ الأَرْض ثمَّ قَالَ هُوَ مَسْجِدكُمْ هَذَا لمَسْجِد الْمَدِينَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ. وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه قَالَ تمارى رجلَانِ فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم فَقَالَ رجل هُوَ مَسْجِد قبَاء وَقَالَ رجل هُوَ مَسْجِد رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- هُوَ مَسْجِدي هَذَا (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال \"هو مسجدكم هذا لمسجد المدينة\" الحديث، فيه رد قول ابن عباس إذ قال إنه مسجد قباء، قال لأنه أول مسجد بني في الإسلام وذلك أنه رأى مسجد قباء أول مسجد بناه النبي -ﷺ- وأصحابه وذلك أنه لما هاجر -ﷺ- نزل على بني عمرو بن عوف في قباء يوم الاثنين فأقام فيهم إماما وأسس فيها مسجد قباء ثم إنه ارتحل عنهم يوم الجمعة إلى بني سالم بن عوف فصلى عندهم الجمعة وهي أول جمعة جمعت في الإسلام ثم إنه دخل المدينة فنزل على بني مالك بن النجار على أبي أيوب (^٢)، أ. هـ.\n_________\n(^١) مسلم (١٣٩٨)، والترمذي (٣٠٩٩)، وأحمد (١١٠٤٦)، وابن حبان (١٦٠٦)، والطبري في التفسير (١٧٢٢٠).\n(^٢) المفهم (١١/ ٤٧).","vol":"6","page":179},{"text":"ولما قدم النبي -ﷺ- المدينة نزل على أبي أيوب فبركت الناقة على باب مسجده وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو، فسأل النبي -ﷺ- عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء يا رسول الله لسهل وسهيل ابنى عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا فبناه النبي -ﷺ- وعمل فيه بيده ليرغب الناس في العمل فعمل فيه المهاجرون والأنصار فبناه النبي -ﷺ- وجعل عضادتيه الحجارة وسواريه جذوع النخل وسقفه بالجريد بعد أن نبش قبور المشركين وسواها وقطع النخل فلما استخلف أبو بكر لم يحدث في المسجد شيئا ثم لما كان عمر زاد فيه دار العباس وغيرها فلما كان عُثْمَانَ بَنَاهُ فِي خِلافَتِهِ بِالْحِجَارَةِ وَالْغُصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ حِجَارَةً وَسَقْفَهُ بِالسلاج، وَزَادَ فِيهِ، وَنَقَلَ إِلَيْهِ الْحَصْبَاءَ مِنَ الْعَقِيقِ. ثم لم يزل كذلك إِلَى أَنْ وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ أَبِيهِ، فَكتب إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ وَبِنَائِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمَالٍ وَفُسَيْفِسَاءَ وَرُخَامٍ، وَبِثَمَانِينَ صَانِعًا مِنَ الرُّوم وَالْقِبْطِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَبَنَاهُ وَزَادَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَيُقَالُ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، ثُمَّ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ شَيْئًا حَتَى اسْتُخْلِفَ الْمَهْدِيُّ. فأرسل إليه عمالا عملوا فيه سنة وزاد في مؤخره مائة ذراع وعرضه مائتي ذراع وتم بناؤه فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ (^١) أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) عيون الأثر (١/ ٢٢٣ - ٢٢٦).","vol":"6","page":180},{"text":"فمسجد قباء هو الذي أسس على التقوى كما ورد به القرآن العظيم وفي السنة الأولى من الهجرة بنى النبي -ﷺ- مسجد المدينة، ومسجد قباء فلما تساوى المسجدان المذكوران في بناء النبي -ﷺ- وأصحابه لهما صار كل واحد من المسجدين مؤسسا على التقوى فلما قال الله تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (^١) أشكل التعيين فسأل عن ذلك فأجاب بأنه مسجد المدينة.\nفإن قيل: إذا كان كل واحد منهما أسس على التقوى فما المزية التي أوجبت تعيين مسجد المدينة؟ قلنا: يمكن ان يقال إن بناء مسجد قباء لم يكن بأمر جزم من الله تعالى لنبيه ﵇ بل ندب إليه أو كان رأيا رآه بخلاف مسجد المدينة فإنه أمر بذلك وجزم عليه فأشبه امتثال الواجب وكان بذلك الاسم أحق أو حصل له -ﷺ- ولأصحابه من الأحوال القلبية عند بنائه ما يحصل لهم عند غيره فكان أحق بذلك والله أعلم ذكره القرطبي (^٢).\n\n١٨٣٥ - وَعَن سهل بن سعد -﵁- قَالَ اخْتلف رجلَانِ فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى فَقَالَ أَحدهمَا هُوَ مَسْجِد الْمَدِينَة وَقَالَ الآخر هُوَ مَسْجِد قبَاء فَأتوا رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ هُوَ مَسْجِدي هَذَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١٠٨.\n(^٢) المفهم (١١/ ٤٨).\n(^٣) ابن حبان (١٦٠٤)، وأحمد (٢٢٨٠٥)، والطبراني في الكبير (٦٠٢٥)، والطبري في التفسير (١٧٢١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٠)، رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح.","vol":"6","page":181},{"text":"قوله: وعن سهل بن سعد -﵁-، كنيته: أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بْن سَعْد بْن مَالِك بْن خالد بْن ثعلبة بْن حارثة الأنصاري الساعدي المدني (^١) كان اسمه حزنا فسماه رسول الله -ﷺ- سهلا، روى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين وانفرد البخاري بأحد عشر حديثا، وتوفي -﵁- بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة أحدى وتسعين، قال ابن سعد هو آخر من مات من أصحاب رسول الله -ﷺ- بالمدينة ليس فيه خلاف، وقال غيره بل فيه خلاف (^٢) والله أعلم.\nقوله: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فأتوا رسول الله -ﷺ- فقال: \"هو مسجدي هذا\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n١٨٣٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدي بِأَلف صَلَاة وَالصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس بِخَمْسِمِائَة صَلَاة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير.\nوَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ صَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل مِمَّا سواهُ من الْمَسَاجِد بِمِائَة ألف صَلَاة وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة أفضل من ألف\n_________\n(^١) أسد الغابة ٢/ ٤٧٢، الإصابة ٢/ ٨٨، الاستيعاب: ٦٦٤، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٢٢)، الجرح والتعديل ٤/ ١٩٨، مشاهير علماء الأمصار: ت ١١٤، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١/ ٢٣٨، تهذيب الكمال: ٥٥٨، تذهيب التهذيب ٢/ ٦١،، تهذيب التهذيب ٤/ ٢٥٢، خلاصة تذهيب الكمال: ١٣٣، شذرات الذهب ١/ ٩٩.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧).","vol":"6","page":182},{"text":"صَلَاة فِيمَا سواهُ وَصَلَاة فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس أفضل مِمَّا سواهُ من الْمَسَاجِد بِخَمْسِمِائَة صَلاة.\nوَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه قَالَ فضل الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام على غَيره بِمِائَة ألف صَلَاة وَفِي مَسْجِدي ألف صَلَاة وَفِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس خَمْسمِائَة صَلَاة وَقَالَ الْبَزَّار إِسْنَاده حسن كَذَا قَالَ (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء -﵁-، أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل: عامر بن زيد بن قيس بن الخزرج بن الحارث الأنصاري (^٢)، روي له عن رسول لله -ﷺ- مائة حديث وتسعة وسبعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين وانفرد البخاري بثلاث ومسلم بثمانية وكان -﵁- فقيها زاهدا حليما، شهد ما بعد أحد من المشاهد مع رسول الله -ﷺ-، اختلفوا في شهوده أحدا، وكان اسلامه تأخر قليلا عن أول الهجرة وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان سنة إحدى وقيل سنة ثنتين وثلاثين من الهجرة، وقبره وقبر زوجته أم\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٤/ ٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٤٠)، والبزار (٤٢٢)، وابن خزيمة (٣٣٣٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦٠٩)، قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ مرفوعا إلا بهذا الإسناد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٦٩).\n(^٢) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ٢١٠٢) حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (١/ ٢٤٤) سير السلف الصالحين لإسماعيل بن محمد الأصبهاني (ص: ٥٥٣) مشاهير علماء الأمصار (ص: ٨٤).","vol":"6","page":183},{"text":"الدرداء الصغرى بباب الصغير من دمشق مشهوران وكان له امرأتان كل واحدة يقال لها أم الدرداء صحابية وتابعية تزوج التابعية بعد وفاة الصحابية، فالصحابية هي الكبرى اسمها خيرة لها صحبة ورواية عن النبي -ﷺ- ويقال أنها ماتت قبل أبي الدرداء والتابعية اسمها هجيمة وآخى رسول الله -ﷺ- بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي -﵄- وحديث زيارة سلمان له في حياة رسول الله -ﷺ- مشهور في صحيح البخاري وغيره والله أعلم، ويقال جهيمة بنت حيي ويقال بنت حي الأصابية ويقال الوصابية والوصاب بطن من حمير وهي التي مات عنها أبو الدرداء وخطبها معاوية فلم تقبل، روت عن سلمان الفارس وفضالة بن عببد وزوجها أبي الدرداء وأبي هريرة وعائشة وعنها أمم، وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله -ﷺ-: \"المرأة لأخر أزواجها فلست أريد بأبي الدرداء بدلا\" (^١) وفي رواية أنها قالت لأبي الدرداء عند الموت إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحوني وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تنكحي بعدنا فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان فقال: عليك بالصيام وكانت ذا حسن وجمال وفقه وكانت تقول أفضل العلم المعرفة وكانت تكتب في ألواح الصبيان [فيما تعلمهم] تَعلَّمُوا الْحِكْمَةَ صِغَارًا تَعْمَلُوا بِهَا كِبَارًا، إِنَّ كل زارع حاصدٌ مِنْ خيرٍ أَوْ شَرٍّ وقال سليم بن عامر أَرْسَلَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ إِلَى نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ\n_________\n(^١) شرح مشكل الآثار (٢/ ١٢١) وصحح الشطر الاول الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٢٨١).","vol":"6","page":184},{"text":"وَإِلَى رَجُلٍ آخَرَ كَانَ يَقُصُّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَتْ: قُلْ لَهُمَا: اتَّقِيَا اللهَ وَلْتَكُنْ مَوْعِظَتُكُمَا النَّاسَ مَوْعِظَتَكُمَا لَأَنْفُسِكُمَا (^١). وآخى رسول الله -ﷺ- بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي -﵄- وحديث زيارة سلمان في حياة رسول الله -ﷺ- مشهور في صحيح البخاري وغيره (^٢) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة\" قد اختلفت الأحاديث في مضاعفة الصلاة في بيت المقدس، الأول: بخمسمئة صلاة لحديث أبي الدرداء هذا، الثاني: ألف صلاة لما روى ابن ماجه بسنده عن ميمونة مولاة النبي -ﷺ- قالت: قلت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس قال: \"أرض المحشر والنشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره\" (^٣)، الثالث: خمسين ألف صلاة ولما [روى ابن ماجه] في سننه عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-: [\"صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمس مائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف\n_________\n(^١) الزهد لأحمد (٩٨١)، وحلية الأولياء (٦/ ٥٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩ ترجمة ٧٨٠) و(٢/ ٣٥٩ - ٣٦١ ترجمة ١١٩٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٧٦٢٦)، وابن ماجه (١٤٠٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦١٠)، والطبراني في مسند الشاميين (٤٧١)، والضياء المقدسي في فضائل بيت المقدس (١٧)، الآحاد والمثاني (٣٤٤٨).","vol":"6","page":185},{"text":"صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة\" (^١) وعنه أيضا قال:] قال رسول الله -ﷺ-: \"من صلى في بيت المقدس خمس صلوات نافلة كل صلاة أربع ركعات يقرأ في الخمس عشرة آلاف قل هو الله أحد فقد اشترى نفسه من الله ليس للنار عليه سلطان\" (^٢).\n\n١٨٣٧ - وَرُوِيَ عَن بِلَال بن الْحَارِث -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- رَمَضَان بِالْمَدِينَةِ خير من ألف رَمَضَان فِيمَا سواهَا من الْبلدَانِ وجمعة بِالْمَدِينَةِ خير من ألف جُمُعَة فِيمَا سواهَا من الْبلدَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٣).\nقوله: وروي عن بلال بن الحارث -﵁-، كنيته: أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة بن خلاوة بفتح الخاء المعجمة بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بضم الهاء وإسكان الذال المعجمة [ابن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة] بن إلياس بن مضر بن نزار المزني وبلال مدني وفد إلى رسول الله -ﷺ- في وفد مزينة سنة خمس من الهجرة وأقطعه النبي -ﷺ- المعادن القبلية بفتح القاف والباء وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة ثم سكن البصرة وتوفي سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة روى له عن النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٤١٣). وضعفه الألباني جدا في المشكاة (٧٥٢)، وضعيف الترغيب (٧٥٦).\n(^٢) ذكره ابن الجوزى في تاريخ بيت المقدس (ص ٤٦) ولم نقف على سنده.\n(^٣) الطبراني في الكبير (١١٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠١)، وفيه عبد الله بن كثير، وهو ضعيف وقال الألباني موضوع، في ضعيف الجامع (٣١٣٨).","vol":"6","page":186},{"text":"ثمانية أحاديث (^١).\nقوله -ﷺ-: \"رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان\" الحديث.\n\n١٨٣٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لما فرغ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ من بِنَاء بَيت الْمُقَدّس سَأَلَ الله ﷿ ثَلَاثًا أَن يؤتيه حكما يُصَادف حكمه وملكا لَا يَنْبَغِي لَاحَدَّ من بعده وَأَنه لَا يَأْتِي هَذَا الْمَسْجِد أحد لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِيهِ إِلَّا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أما اثْنَتَيْنِ فقد أعطيهما وَأَرْجُو أَن يكون قد أعطي الثَّالِثَة رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم أطول من هَذَا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلَا عِلّة لَهُ (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي، هو: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصير عبد الله بن عمرو بن العاصي القرشي (^٣) الزاهد العابد الصحابي بن الصحابي كان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٥ - ١٣٦ ترجمة ٨٧).\n(^٢) أحمد (٦٦٤٤)، والنسائي في الكبرى (٦٨٣)، وابن ماجه (١٤٠٨)، وابن خزيمة (١٣٣٤)، وابن حبان (١٦٣٣)، والحاكم (١/ ٣٠)، وقال الألباني صحيح، أخرجه ابن ماجه (١٤٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٣/ ٧٩)، طبقات بن سعد ٢/ ٣٧٣، التاريخ الكبير ٥/ ٥، المعرفة والتاريخ ١/ ٢٥١، الجرح والتعديل ٥/ ١١٦، الحلية ١/ ٢٨٣، الاستيعاب: ٩٥٦، أسد الغابة ٣/ ٣٤٩، تهذيب الكمال: ٧١٦، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٩.","vol":"6","page":187},{"text":"وقيل: إحدى عشرة سنة وأمه ريطة بنت منبه بن الحجاج أسلمت، قالوا: وكان النبي -ﷺ- يقول: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، وأسلم عبد الله قبل أبيه وكان كثير العلم مجتهدا في العبادة وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله -ﷺ-، وثبت في الصحيح (^١) عن أبي هريرة قال: ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله -ﷺ- مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب، وكان -﵁- تلاءا للقرآن روى له عن رسول الله -ﷺ- سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم منها على تسعة عشر وانفرد البخاري بثمانية ومسلم منها على سبعة عشر وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة ونقلوا عنه -﵁-، قال حفظت عن النبي -ﷺ- ألف مثل، وأنه قال لخبر أعلمه اليوم أحب إلي من مثليه مع رسول الله -ﷺ- لأنا كنا مع رسول الله -ﷺ- تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيال وإنا اليوم مالت بنا الدنيا، وشهد مع أبيه فتح الشام وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك توفي عبد الله سنة ثلاث وستين وقيل خمس وستين بالطائف، وقيل: توفي بفلسطين سنة خمس وستين وكان عمره ثنتين وسبعين سنة ومناقبة كثيرة مشهورة (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١١٣).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨١ - ٢٨٢ ترجمة ٣٢٣).","vol":"6","page":188},{"text":"قوله -ﷺ-: \"لما فرغ سليمان بن داود ﵉ من بناء بيت المقدس سأل الله ﷿ ثلاثا أن يؤتيه حكما يصادف حكمه\" الحديث، وأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (^١) الآية، ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^٢) قد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت.\nفإن قيل: ما الحكمة فى تمني سليمان الملك مع أنه كان منزها عنها؟\nفالجواب: إن الملك كان معجزة له كالعصى لموسى وشبه ذلك، وقيل: ليتمكن به من الطاعة ويستعين على الخير وكان يجالس المساكين ويقول: مسكين جالس مسكينا (^٣)، أ. هـ.\nقال أبو إسحاق الثعلبي في كتاب العرائس (^٤) في قول الله ﷿: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (^٥) أي نبوته وعلمه وكلمته دون سائر أولاد داود، وكان لداود ﵇ اثنا عشر ابنا، قال: وكان سليمان ﵊ ملك الشام إلى اصطخر، قال وقيل: ملك الأرض، وقد روى عن ابن عباس\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٧٨.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٧٩.\n(^٣) انظر معانى القرآن (٤/ ٣٣٣) للزجاج، وتفسير السمرقندى (٣/ ١٦٨)، وتفسير الثعلبى (٨/ ٢٠٩)، وأحكام القرآن (٤/ ٦٨) لابن العربى.\n(^٤) عرائس المجالس (ص ٤٠٠) وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٣).\n(^٥) سورة النمل، الآية: ١٦.","vol":"6","page":189},{"text":"-﵄- قال: ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمرود وبخت نصر، قال: قال كعب الأحبار ووهب بن منبه: كان سليمان ﵇ أبيض جسيما وسيما وضيئا جميلا خاشعا متواضعا يلبس الثياب البيض ويجالس المساكين ويقول مسكين جالس مسكينا وكان أبوه يشاوره في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه، قالط: وكان سليمان حين ملك كثير الغزو ولا يكاد يتركه فتحمله الريح هو وعسكره ودوابهم حين أراد وتمر به وبعسكره الريح على المزرعة فلا تحرك الزرع، قال: وقال محمد بن كعب القرظي بلغنا أن عسكر سليمان كان مائة فرسخ خمسة وعشرون للإنس ومثلها للجن ومثلها للطير ومثلها للوحش، قال: قال أهل التاريخ كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاثين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين -ﷺ- (^١) أ. هـ، هذا الحديث صريح في أن سؤال سليمان الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده كان بعد إكمال بناء بيت المقدس، وعن كعب الأحبار أن سليمان عليه [السلام بني البيت المقدس على أساس قديم. كان أسسه سام بن نوح وذكر أبو بكر محمد بن أحمد الواسطى في كتاب فضائل القدس: أن سلمان اشترى أرضه بسبعة قناطير ذهب، وعن عطاء الخرساني. قال: بيت المقدس] بنته الأنبياء وعمرته الأنبياء والله ما فيه موضع شبر إلا وقد سجد فيه نبي (^٢)، وقال أبو العباس\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٤).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٢٨٣).","vol":"6","page":190},{"text":"القرطبي (^١): الحديث لا يدل على أن بناء سليمان لما [بنى] ابتدأ وضعه له بل ذلك تجديد لما أسسه غيرهما [وبدأه] وقد روي أن أول من بنى البيت آدم وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع البيت المقدس بعده، وقيل: إن إبراهيم ﵊ لما فرغ من بناء البيت الحرام وذهب إلى الشام ابتنى بيت المقدس ثم جدده سليمان ﵇ وقال ابن كثير في كتاب الأنبياء [وعند] أهل الكتاب أن يعقوب ﵇ هو الذي أسس المسجد الأقصى وهو مسجد إيلياء وهو مسجد بيت المقدس وهذا متجه.\nفعلى هذا يكون بناء يعقوب وهو إسرائيل ﵇ بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام وما جاء في الحديث [أن سليمان] بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا .. الحديث. المراد من ذلك أنه جدد بناءه (^٢)، قال الخطابي (^٣): يشبه أن يكون الأقصى بناه بعض أولياء الله تعالى قبل داود وسليمان ثم إنهما زادا فيه ووسعاه فأضيف إليهما بناؤه وقد ينسب هذا المسجد إلى [إيلياء فالله أعلم أهو اسم من بناه أو غيره] والله أعلم [وقال] في موضع آخر في حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله -ﷺ- عن أول مسجد وضع في الأرض فقال: \"المسجد الحرام\" قلت: ثم أي؟ قال: \"المسجد الأقصى\" قلت: وكم بينهما؟ قال: \"أربعون عاما\" (^٤) وقد أشكل\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٤٣).\n(^٢) البداية والنهاية (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٤/ ٢٧).\n(^٤) صحيح مسلم (٥٢٠).","vol":"6","page":191},{"text":"هذا الحديث على بعضهم، فقال معلوم: عن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى كما ورد في حديث النسائي بإسناد صحيح وهو بعد إبراهيم ﵇ كما قال أهل التاريخ بأكثر من ألف عام وهذا القائل جهل التاريخ فإن سليمان ﵇ إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه والذي أسسه هو يعقوب ﵇ بن إسحاق -ﷺ- بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا القدر ولما ذكره الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه المسمى بالتقاسيم والأنواع (^١) قال فيه [دحض] لقول من زعم أن بين إسماعيل وداود [-ﷺ-] عليهما ألف سنة ورد عليه الحافظ الضياء المقدسي في استدراكاته عليه، وقال: وجه هذا الحديث أن هذين المسجدين وضعا قديما ثم خربا ثم بنيا (^٢) أ. هـ.\nوزعم بعضهم أن أول من بنى البيت آدم وأن غيره من ولده رفع بيت المقدس بعده بأربعين عاما، حكاه ابن الجوزي وغيره وذكر ابن هشام في كتاب التيجان (^٣): ان آدم لما بنى البيت أمره جبريل بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه أ. هـ، قاله الزركشي (^٤).\n\n١٨٣٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة -﵄- قَالَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- صَلَاة فِي مَسْجِدي خير من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْأَقْصَى\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (١٤/ ١٢٠ تبويبا على الحديث قال: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن بين إسماعيل، وداود ألف سنة).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٢٩ - ٣٠)\n(^٣) التيجان في ملوك حمير (ص ٢٢).\n(^٤) إعلام الساجد (ص ٣٠).","vol":"6","page":192},{"text":"رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة أو عائشة -﵄-، تقدم الكلام عليهما.\nقوله -ﷺ-: \"صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة [فيما سواه] من المساجد\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n١٨٤٠ - وَعَن أبي ذَر -﵁- أَنه سَأَلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن الصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس أفضل أَو فِي مَسْجِد رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من أَربع صلوَات فِيهِ ولنعم الْمصلى هُوَ أَرض الْمَحْشَر والمنشر وليأتين على النَّاس زمَان ولقيد سَوط أَو قَالَ قَوس الرجل حَيْثُ يرى مِنْهُ بَيت الْمُقَدّس خير لَهُ أَو أحب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا جَمِيعًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَفِي مَتنه غرابة (^٢).\nقوله: وعن أبي ذر -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه سأل رسول الله -ﷺ- عن الصلاة في بيت المقدس أفضل أو في مسجد رسول الله -ﷺ-، فذكره إلى أن قال \"ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر وليأتين على الناس زمان ولقيد سوط أو قال قوس الرجل حيث يرى\n_________\n(^١) أحمد (٧٧٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٥)، حديث أبي هريرة في الصحيح، خلا قوله: \"إلا المسجد الاقصى\".\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٤٥)، والحاكم (٤/ ٥٠٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦٠٨)، والطبراني في الأوسط (٨٢٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧)، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":193},{"text":"منه بيت المقدس خير له أو أحب إليه من الدنيا جميعا\" قيد القوس أو السوط معناه قدر سوط أو قوس، وسيأتي تفسير ذلك في آخر الكتاب في صفة الجنة، وعن ميمونة مولاة النبي -ﷺ- قال: قلت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، قال: \"أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن فيه كألف صلاة في غيره\" قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه، قال: \"فتهدي إليه زيتا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه\" رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد جيد، وفي رواية: \"من فعل ذلك فهو كمن صلى فيه\" (^١)؛ وميمونة هي ميمونة بنت سعد خادم رسول الله -ﷺ- عن النبي -ﷺ- روى عنها [زياد] بن أبى سودة وغيره، وأخرجه أيضا الإمام أحمد وفي رواية لأحمد (^٢) عن بعض نساء النبي -ﷺ- أنها قالت: يا رسول الله فإن لم تستطع إحدانا أن تأتيه قال: \"فإن لم تستطع [قال إذا لم تستطع إحداكن أن تأتيه] فلتبعث له بزيت يسرج فيه [فإن من] بعث له بزيت يسرج فيه كان كمن صلى فيه\" وروي بعضه أبو داود وقال بعض الأشياخ (^٣): من حسن الأدب ومحاسن التعبد أن يعتقد المؤمن إذا كان بالمسجد الحرام أفضليته على ما سواه وكذلك إذا كان بمسجد النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٤٠٧)، وأبو داود (٤٥٧). قال الذهبى: هذا حديث منكر جدا، رواه سعيد بن عبد العزيز، عن زياد، عنها، فهذا منقطع. ورواه ثور بن يزيد، عن زياد متصلا. قال عبد الحق: ليس هذا الحديث بقوي. وقال ابن قطان: زياد وعثمان ممن يجب التوقف عن روايتهما. (ميزان الاعتدال) [٢/ ٩٠]. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٦٨).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) هو الشيخ ولى الدين المنفلوطى كما في تسهيل المقاصد (لوحة ٦٥).","vol":"6","page":194},{"text":"وليس من الأدب إذا كان بمسجد النبي -ﷺ- أن يقول بأفضلية المسجد الحرام، قاله ابن العماد (^١).\nفأفضل مساجد الأرض الكعبة ثم مسجد مكة المحيط بالكعبة ثم مساجد الحرم ثم مسجد المدينة ثم مسجد الأقصى ثم مسجد الطور (^٢)، وقد قال -ﷺ-: \"إن الدجال يطوف الأرض إلا أربعة مساجد مسجد المدينة ومسجد مكة والأقصى ومسجد الطور\" رواه أحمد (^٣) في المسند في [هذه الأحاديث] تفضيل هذه المساجد على غيرها والمسجد الأقصى وصف بذلك لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وقيل: لأنه أقصى موضع في الأرض ارتفاعا وقربا من السماء، قال الزمخشري: المسجد الأقصى يطلق ويراد به بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد (^٤).\n\n١٨٤١ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الصَّلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْجُمُعَة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف جُمُعَة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَشهر رَمَضَان فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف شهر رَمَضَان فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٥).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٤).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٤ (٢٣٦٨٣) و(٢٣٦٨٤) و٥/ ٤٣٥ (٢٣٦٨٥)، والطحاوى في المشكل (١٤/ ٣٧٦). وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٤٣: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٣٤).\n(^٤) الكواكب الدراري (٧/ ١٣).","vol":"6","page":195},{"text":"الْحَرَام رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١). وَرَوَاهُ أَيْضا هُوَ وَغَيره من حَدِيث ابْن عمر بِنَحْوِهِ (^٢). وَتقدم حَدِيث بِلَال مُخْتَصرا.\nقوله: وروي عن جابر بن عبد الله -﵄-، تقدم الكلام على جابر.\nقوله -ﷺ-: \"الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام\" تقدم معناه.\nقوله:\n\n١٨٤٢ - وعنْ أسيد بن ظهير الأنصاري -﵁-، أسيد بضم الهمزة يحدِّث عن النبي -ﷺ- أنَّه قال: صلاة في مسجد قباء كعمرةٍ. رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن غريب (^٣).\nقال الحافظ: ولا نعرف لأسيد حديثًا صحيحًا غير هذا، والله أعلم.\nوكان من الصحابة يحدث عن النبي -ﷺ- قال أبو نعيم وابن مندة أنه عم رافع بن خديج، والصواب أنه ابن عمه وظهير بضم الظاء المعجمة وفتح\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٤٧) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٧٢).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٤٨)، وقال: هذا إسناد ضعيف بمرة.\n(^٣) الترمذي (٣٢٤)، وقال: حديث أسيد حديث حسن غريب وفي نسخة د. شار: حسن صحيح، وقال في الحاشية وفي بعض النسخ حسن غريب، ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث، وابن ماجه في الإقامة (١٤١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٩٠)، والحاكم (١/ ٤٧٨)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إلا إن ابا الأبرد مجهول، ووافقه الذهبي، وأبو يعلى (٧١٧٢)، والطبراني في الكبير (٥٧٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٨٧٢).","vol":"6","page":196},{"text":"الهاء له ولابنه صحبة [روى له] الأربعة وهذا الحديث رواه أبو القاسم الطبراني قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ-: \"صلاة في مسجد قباء كعمرة\" سيأتي الكلام على مسجد قباء.\n\n١٨٤٣ - وَعَن سهل بن حنيف -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من تطهر فِي بَيته ثمَّ أَتَى مَسْجِد قبَاء فصلى فِيهِ صَلَاة كانَ لَهُ كَأَجر عمْرَة رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ وَرَوَاهُ يُوسُف بن طهْمَان عَن أبي أُمَامَة بن سهل عَن أَبِيه عَن النَّبِي -ﷺ- بِمَعْنَاهُ وَزَاد وَمن خرج على طهر لَا يُرِيد إِلَّا مَسْجِدي هَذَا يُرِيد مَسْجِد الْمَدِينَة ليُصَلِّي فِيهِ كَانَت بِمَنْزِلَة حجَّة (^١).\nقَالَ الْحَافِظ انْفَرد بِهَذِهِ الزِّيَادَة يُوسُف بن طهْمَان وَهُوَ واه وَالله أعلم (^٢).\n\n١٨٤٤ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ دخل مَسْجِد قبَاء فيركع فِيهِ أَربع رَكعَات كانَ ذَلِك عدل رَقَبَة (^٣).\n_________\n(^١) أحمد (١٥٩٨١)، وابن ماجه (١٤١٢)، والحاكم (٣/ ١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٩١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٥٤).\n(^٢) البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٧٩)، ويوسف بن طهمان واه، كما قال المنذري، راجع ترجمته في لسان الميزان.\n(^٣) الطبراني في الكبير (٥٥٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١١)، وفيه موسى بن عبيد، وهو ضعيف.","vol":"6","page":197},{"text":"قوله: وعن سهل بن حنيف (^١)، كنتيه: أبو ثابت ويقال أبو سعيد ويقال أبو الوليد سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة [بن مجدعة بن الحارث بن عمرو ابن خنساء بن عوف] بن مالك بن الأوس الأنصاري المدني شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-، روى له عن رسول الله -ﷺ- أربعون حديثا اتفقا على أربعة وانفرد مسلم بحديثين، توفي -﵁- بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه علي بن أبي طالب وحديث سهل بن حنيف في قيامه في الناس ووعظه إياهم مشهور في الصحيحين (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٦).\n(^٢) البخاري (٣١٨٢) مسلم (١٧٨٥)، ولفظه: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: \"بَلَى\"، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: \"بَلَى\"، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَقَالَ: \"يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُوُل اللهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا\"، قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِيَ الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا، قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ، فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ فَتْحٌ هُو؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ.","vol":"6","page":198},{"text":"كأجر عمرة\" الحديث، المراد بالتطهير الوضوء الشرعي ففي هذا الحديث بيان فضيلة مسجد قباء حيث جعل الصلاة فيه معادلة لعمرة مع ما انضم إلى ذلك من أن النبي -ﷺ- كان يزور قباء راكبا وماشيا، قال ابن عبد البر: وليس في [إتيان رسول الله -ﷺ-] مسجد قباء راكبا وماشيا ما يعارض قوله -ﷺ-: \"لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد\" (^١) لأن قوله ذلك معناه عند العلماء من نذر على نفسه الصلاة في أحد المساجد الثلاثة أنه يلزمه إتيانها دون غيرها، وأما إتيان قباء ونحوها فلا بأس به (^٢) أ. هـ، والله أعلم.\n\n١٨٤٥ - وَرُوِيَ عَن كَعْب بن عجْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ عمد إِلَى مَسْجِد قبَاء لَا يُرِيد غَيره وَلَا يحملهُ على الغدو إِلَّا الصَّلَاة فِي مَسْجِد قبَاء فصلى فِيهِ أَربع رَكْعَات يقْرَأ فِي كل رَكعَة بِأم الْقُرْآن كَانَ لَهُ كَأَجر الْمُعْتَمِر إِلَى بَيت الله تَعَالَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَهَذِه الزِّيَادَة فِي الحَدِيث مُنكرَة (^٣).\nقوله: وروي عن كعب بن عجرة -﵁-، تقدم الكلام على مناقب كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه.\nقوله: \"من توضا فأحسن الوضوء\" تقدم الكلام على إحسان الوضوء.\n_________\n(^١) البخاري (١١٨٩)، مسلم (١٣٩٧) ولفظه: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ.\n(^٢) الاستذكار (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(^٣) الطبراني في الكبير (١٩/ رقم ٣١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١١)، وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف.","vol":"6","page":199},{"text":"وقوله: \"ثم عمد إلى مسجد قباء\" عمد بفتح الميم في الماضي وكسرها في المضارع معناه قصد.\nوقوله: \"لا يريد غيره ولا يحمله على الغدو إلا الصلاة في مسجد قباء\" الغدو هو الذهاب.\nقوله: \"فصلى فيه أربع ركعات\" فذكره إلى أن قال \"كان له كأجر المعتمر إلى بيت الله تعالى\" تقدم الكلام على العمرة في أول كتاب الحج.\n\n١٨٤٦ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ كانَ النَّبِي -ﷺ- يزور قبَاء أَو يَأْتِي قبَاء رَاكِبًا وماشيا. زَاد فِي رِوَايَة فَيصَلي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n١٨٤٧ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يَأْتِي مَسْجِد قبَاء كل سبت رَاكبًا وماشيا وَكَانَ عبد الله يَفْعَله (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: كان النبي -ﷺ- يزور قباء أو يأتي قباء راكبا وماشيا\".\nقوله فى رواية \"فيصلي فيه ركعتين\" ورواية \"كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا وماشيا\" الحديث وينبغي أن يلحق بالمساجد الثلاثة في التعيين مسجد قباء بهذا الحديث [كما] ينبغي أن يلحق فيه مسجد الطور لما تقدم من حديث المساجد الأربعة والله أعلم، وقباء بضم القاف وبالباء الموحدة والأفصح\n_________\n(^١) البخاري (١١٩٤)، ومسلم (١٣٩٩)، وأبو داود (٢٠٤٠)، وابن حبان (١٦١٨)، وأحمد (٤٨٤٦).\n(^٢) البخاري (١١٩٣)، ومسلم (١٣٩٩)، وابن حبان (١٦٣٢).","vol":"6","page":200},{"text":"المشهور فيه المد والتذكير والصرف (^١) وهو قرية عرفت باسم بئر هناك وبها مسجد التقوى وهو على ثلاثة أميال من المدينة عواليها وما حواليها والأصحاب ذكروا تفضيل المساجد الثلاث على سائر المساجد ولم يذكروا في مسجد قباء وبنبغي أن يتعين بالنذر للاعتكاف فيه (^٢) كما يتعين المسجد الأقصى ومسجد مكة والمدينة، قاله ابن العماد (^٣)، وذكر ابن عبد البر (^٤) والقاضي عياض (^٥) أن أدناها ميلان وأبعدها ثمانية فليست مما يشد إليها (^٦) الرحال فلا يتناولها الحديث المشهور المذكور في الباب في ذلك والظاهر أنه من جملة العوالي فإنها القرى التي حول المدينة من جهة أعلاها، وفي هذه الأحاديث بيان فضل قباء وفضل مسجده والصلاة فيه وفضيلة زيارته (^٧).\nواتفق العلماء على استحباب زيارته والصلاة فيه، وهكذا جميع المواضع الفاضلات يستحب زيارتها راكبا وماشيا (^٨) وكونه ﵊ يأتيها يأتيها راكبا وماشيا بحسب ما اتفق له وكان تعاهده لقباء لفضيلة مسجدها، ولتفقد أهلها اعتناء بهم وتشريفا لهم وليس في تعاهده ﵇ مسجد قباء ما\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٠).\n(^٢) النجم الوهاج (١٠/ ١٢٣).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٤).\n(^٤) ينظر: التمهيد (٨/ ٢٠٥).\n(^٥) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ١٧٦).\n(^٦) اللوحة ١٣٣ تكرار للوحة ١٣٢.\n(^٧) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٠).\n(^٨) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٠).","vol":"6","page":201},{"text":"يدل على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه محمد بن مسلمة المالكي (^١) وفي هذا الحديث أنه يستحب أن تكون صلاة النفل بالنهار ركعتين كصلاة الليل وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه خلاف أبي حنيفة (^٢).\nوقوله: \"كل سبت\" فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة وهذه هو الصواب وقول الجمهور أ. هـ قاله النووي (^٣)، وأصل مذهب الإمام مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القرب إلا ما ثبت به توقيف (^٤) فلذلك كرهه ابن مسلمة المالكي، وقالوا: لعله لم تبلغه هذه الأحاديث (^٥) أ. هـ قاله ابن عقيل.\nوقوله: \"كل سبت\" معنى هذا أنه كان يزوره في كل أسبوع وعبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عنه بالجمعة ذكره أبو شامة المقدسي في كتابه في البدع المحدثة (^٦) وهو أحد شيوخ الشيخ محي الدين النووي هكذا قاله قاضي القضاة العسقلاني الشهير بابن حجر تغمده الله بالرحمة والرضوان.\n\n١٨٤٨ - وَعَن عَامر بن سعد وَعَائِشَة بنت سعد سمعا أباهما -﵁- يَقُول لِأَن أُصَلِّي فِي مَسْجِد قبَاء أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس\n_________\n(^١) المفهم (١١/ ٤٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧١).\n(^٤) المفهم (١١/ ٤٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧١).\n(^٦) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٥٣).","vol":"6","page":202},{"text":"رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: وعن عامر بن سعد وعائشة بنت سعد، هو: سعد بن أبي وقاص.\nقوله: أنهما سمعا أباهما -﵁- يقول: لأن أصلي في مسجد قباء أحب إلي من أن أصلي في مسجد بيت المقدس، تقدم الكلام على مسجد بيت المقدس في الأحاديث المتقدمة.\n\n١٨٤٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَنه شهد جَنَازَة بالأوساط فِي دَار سعد بن عبَادَة فَأقبل مَاشِيا إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف بِفنَاء الْحَارِث بن الْخَزْرَج فَقيل لَهُ أَيْن تؤم يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ أؤم هَذَا الْمَسْجِد فِي بني عَمْرو بن عَوْف فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من صلى فِيهِ كَانَ كَعدْل عمْرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: أنه شهد جنازة بالأوساط في دار سعد بن عبادة فأقبل ماشيا إلى بني عمرو بن عوف بفناء الحارث بن الخزرج، الأوساط اسم [موضع تلقاء الحديبية].\nقوله: فقيل له أين تؤم يا أبا عبد الرحمن، أي تقصد.\n\n١٨٥٠ - وَعَن جَابر يَعْنِي ابْن عبد الله -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- دَعَا فِي مَسْجِد الْفَتْح ثَلَاثًا يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الثُّلَاثَاء وَيَوْم الْأَرْبَعَاء فاستجيب لَهُ يَوْم الْأَرْبَعَاء\n_________\n(^١) الحاكم (٣/ ١٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يرخاه، ووافقه الذهبي.\n(^٢) ابن حبان (١٦٢٧).","vol":"6","page":203},{"text":"بَين الصَّلَاتَيْنِ فَعرف الْبشر فِي وَجهه قَالَ جَابر فَلم ينزل بِي أَمر مُهِمّ غليظ إِلَّا توخيت تِلْكَ السَّاعَة فأدعو فِيهَا فأعرف الْإِجَابَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَغَيرهمَا وَإسْنَاد أَحْمد جيد (^١).\nقوله: وعن جابر يعني ابن عبد الله، تقدم الكلام على جابر.\nقوله: أن النبي -ﷺ- دعا في مسجد الفتح أي على الأحزاب ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين\" الحديث، يعني الظهر والعصر، والمعنى فيه: إن أبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس فلا ترتج أي لا تغلق حتى يفرغ من الصلاة، كذا رواه أبو أيوب الأنصاري عنه -ﷺ-، وإذا فتحت أبواب السماء استجيب الدعاء ولهذا أمر النبي -ﷺ- أصحابه بالدعاء وأمرهم أن يسألوا الله العافية، قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى (^٢): وقد ورد حديث خاص باستجابة الدعاء يوم الأربعاء بعد الزوال أو أثر عن بعض الصحابة والله أعلم قاله ابن العماد.\nقوله: قال جابر فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة\" التوخي التحري وتقدم معناه في الصوم المطلق.\n_________\n(^١) أحمد (١٤٥٦٣)، والبزار (٤٣١)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٠٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٨٧٤)، والمقدسي في الترغيب في الدعاء (٤٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٢)، رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٢) ينظر: تفسير القرطبي (٢/ ٤١٤).","vol":"6","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات وما جاء في فضلها وفضل أحد ووادي [القرى]</span>\nقَالَ الْحَافِظ تقدم فِي الْبَاب قبله مِمَّا يَنْتَظِم فِي سلكه وَيقرب مِنْهُ حَدِيث بِلَال بن الْحَارِث رَمَضَان بِالْمَدِينَةِ خير من ألف رَمَضَان فِيمَا سواهَا من الْبلدَانِ وجمعة بِالْمَدِينَةِ خير من ألف جُمُعَة فِيمَا سواهَا من الْبلدَانِ.\nوَحَدِيث جَابر أَيْضا وَفِيه إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام.\n\n١٨٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا يصبر على لأواء الْمَدِينَة وشدتها أحد من أمتِي إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة أَو شَهِيدا رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (^١).\n\n١٨٥٢ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَا يصبر أحد على لأوائها إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة إِذا كَانَ مُسلما رَوَاهُ مُسلم (^٢).\nاللأواء مهموزا ممدودا هِيَ شدَّة الضّيق.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله -ﷺ-: \"لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي\" الحديث،\n_________\n(^١) مسلم (١٣٧٨)، والترمذي (٣٩٢٤)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأحمد (٧٨٦٥)، وابن حبان (٣٧٤٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٦٩).\n(^٢) مسلم (١٣٧٤).","vol":"6","page":205},{"text":"قال المنذري: اللأواء مهموز ممدود هي شدة الضيق أ. هـ.\nوقال غيره: اللأواء هو الجوع وشدة الكسب فيها والمشقات الحاصلة للمقيم بها (^١) فيستحب المجاورة بالمدينة لما يحصل من ذلك من نيل الدرجات ومزيد الكرامات قاله الزركشي (^٢).\nقوله: \"إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدًا\" وفي حديث أبي سعيد الذي بعده: \"إذا كان مسلما\" فيكون المعنى أن الصابر على شدة المدينة صنفان: من يشفع له النبي -ﷺ- من العصاة ومن يشهد له بما نال فيها من الشدة ليوفي أجره، وشفاعته -ﷺ- وإن كانت عامة للعصاة من أمته إلا أن العصاة من أهل المدينة لهم زيادة خصوص، وذلك والله أعلم بأن يشفع لهم قبل أن يعذبوا بخلاف غيرهم أو يشفع في رفع درجاتهم أو في السبق إلى الجنة أو فيما شاء الله من ذلك (^٣)، أ. هـ.\nوقال في شرح مشارق الأنوار (^٤) القول الأقوم في هذا الحديث أن (أو) للتقسيم لا على الشك من بعض الرواة والمراد منه على هذا كنت شفيعا لبعضهم شهيدا لبعضهم وهو الذي وفى لله تعالى بعهده والرسول -ﷺ- لا يشهد إلا لمن هذه صفته ويشهد على سائر أمته بالبلاغ وإن ذهب ذاهب إلى\n_________\n(^١) المفهم (١١/ ٢٩).\n(^٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ٢٤٥).\n(^٣) المفهم (١١/ ٣٠).\n(^٤) حدائق الأزهار (لوحة ١٦٩/ خ ٨٧٧٨١ كتبخانة) للأرزنجانى.","vol":"6","page":206},{"text":"أن أو بمعنى الواو لورود الرواية أيضا بالواو فالتأويل أن يقال: إنه أشار إلى اختصاص أهل المدينة بالجمع بين الفضيلتين الشهادة والشفاعة كذا في الميسر (^١)، وقال ابن عقيل في شرح الأحكام والمراد به أن يكون شاهدا لأهل الطاعة شفيعا لأهل المعصية (^٢).\nفإن قيل: شفاعته عامة في العصاة فما وجه اختصاص أهل المدينة بذلك؟\nقلنا: يجوز أن يكون وجه اختصاصهم حمايتهم من دخول النار بالكلية بخلاف غيرهم فإنهم يعذبون ثم يخرجون بالشفاعة أ. هـ.\nقال القاضي عياض (^٣) رحمه الله تعالى: سُئِلْتُ قَدِيمًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَ خُصَّ سَاكِنُ الْمَدِينَةِ بِالشَّفَاعَةِ هُنَا مَعَ عُمُومِ شَفَاعَتِهِ -ﷺ- وَادِّخَارِهِ إِيَّاهَا؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِجَوَابٍ شَافٍ مُقْنِعٍ فِي أَوْرَاقٍ اعْتَرَفَ بِصَوَابِهِ كُلُّ وَاقِفٍ عَلَيْهِ، قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا \"أَوْ\" هُنَا لِلشَّكِّ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلشَّكِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ جَابِرٌ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وجماعة كثيرة من الصحابة عن النبي -ﷺ- بهذا اللفظ وَيَبْعُدُ اتِّفَاقُ جَمِيعِهِمْ أَوْ رُوَاتِهِمْ عَلَى الشَّكِّ وَيُطَابِقُهُمْ فِيهِ عَلَى صيغَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ -ﷺ- قَالَهُ هَكَذَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ هَكَذَا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ \"أَوْ\" لِلتَّقْسِيمِ وَيَكُونُ شَهِيدًا لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٦٤٥ - ٦٤٦).\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٦)، وحدائق الأزهار (لوحة ١٦٩/ خ ٨٧٧٨١ كتبخانة) للأرزنجانى.\n(^٣) إكمال المعلم (٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣).","vol":"6","page":207},{"text":"وَشَفِيعًا لِبَاقِيهِمْ، إِمَّا شَفِيعًا لِلْعَاصِينَ وَشَهِيدًا لِلْمُطِيعِينَ، وَإِمَّا شَهِيدًا لِمَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ وَشَفِيعًا لِمَنْ مَاتَ بَعْدَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ رَائِدَةٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ لِلْمُذْنِبِينَ أَوْ لِلْعَاصِينَ فِي الْقِيَامَةِ، وَعَلَى شَهَادَتِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ قَالَ -ﷺ- فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: \"أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ\" فَيَكُونُ لِتَخْصِيصِهِمْ بِهَذَا كُلِّهِ مَزِيَّةٌ وَزِيَادَةُ مَنْزِلَةٍ وَحُظْوَةٌ، قَالَ: وَيحتمل أن تَكُونُ \"أَوْ\" بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَكُونُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ شَفِيعًا وَشَهِيدًا. قَالَ وَقَدْ رُوِيَ إِلَّا كنت له شهيدا أو له شَفِيعًا قَالَ وَإِذَا جَعَلْنَا أَوْ لِلشَّكِّ كَمَا قَالَهُ الْمَشَايِخُ فَإِنْ كَانَتِ اللَّفْظَةُ الصَّحِيحَةُ شَهِيدًا انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ الْمُدَّخَرَةِ الْمُجَرَّدَةِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتِ اللَّفْظَةُ الصَّحِيحَةُ شَفِيعًا فَاخْتِصَاصُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِهَذَا مَعَ مَا جَاءَ مِنْ عُمُومِهَا وَادِّخَارُهَا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ أَنَّ هَذِهِ شَفَاعَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ لِإِخْرَاجِ أُمَّتِهِ مِنَ النَّارِ وَمُعَافَاةِ بَعْضِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَتِهِ -ﷺ- في الْقِيَامَةِ وَتَكُونُ هَذِهِ الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ أَوْ تَخْفِيفِ الْحِسَابِ أَوْ بِمَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بِإِكْرَامِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْكَرَامَةِ كَإِيوَائِهِمْ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ أَوْ كَوْنِهِمْ فِي رَوْحٍ وَعَلَى مَنَابِرَ أَوَ الْإِسْرَاعِ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصِ الْكَرَامَاتِ الْوَارِدَةِ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَاللهُ أَعْلَمُ أ. هـ.\nقوله: في قتلى أحد \"أنا شهيد\" والشهيد بمعنى الشاهد، والشفاعة هي السؤال في التجاوز عن الذنوب.","vol":"6","page":208},{"text":"١٨٥٣ - وَعَن سعد -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِنِّي أحرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها أَو يقتل صيدها وَقَالَ الْمَدِينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ لَا يَدعهَا أحد رَغْبَة عَنْهَا إِلَّا أبدل الله فِيهَا من هُوَ خير مِنْهُ وَلَا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة.\nوَزَاد فِي رِوَايَة وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بسوء إِلَّا أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص أَو ذوب الْملح فِي المَاء رَوَاهُ مُسلم (^١).\nلابتا الْمَدِينَة بِفَتْح الْبَاء مُخَفّفَة هُوَ حرتاها وطرفاها\nوالعضاه بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف هَاء جمع عضاهة وَهِي شَجَرَة الخمط وَقيل بل كل شَجَرَة ذَات شوك وَقيل مَا عظم مِنْهَا قوله: وعن سعد -﵁-، هو: سعد بن أبي وقاص، تقدم الكلام على مناقبه، أعاد الله علينا من بركاته.\nقوله: \"إني أحرم ما بين لابتي المدينة\" وفي رواية أخرى \"ما بين جبليها\" قال الحافظ المنذري: لابتي المدينة بفتح الباء مخففة هو حرتاها وطرفاها، أ. هـ. وقال بعض العلماء: لابتا المدينة تثنية لابة وهي الحرة، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود، ومعناه: اللابتان وما بينهما، وقال بعضهم: اللابتان من جهة المشرق والمغرب والجبلان جهتا الشمال والجنوب [والمراد تحريم المدينة ولابتيها] (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (١٣٦٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٥ - ١٣٦) و(٩/ ١٤٣).","vol":"6","page":209},{"text":"[قوله]: \"أن يقطع عضاهها\" والعضاه بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة وبعد الألف هاء جمع عضاهة وهي شجرة الخمط، وقيل: بل كل شجرة ذات شوكة، وقيل: ما عظم منها، أ. هـ، قاله المنذري.\n[وعضاهها: بالقصر وكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة] جمع عضاهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة وشجرة الخمط هي شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، وعضهت العضاه إذا قطعتها ومنه الحديث: \"ما عضهت عضاة إلا بترك التسبيح\" قاله في النهاية (^١).\nوفي هذا الحديث تصريح ودلالة للشافعي ومالك وأحمد والجمهور على تحريم صيد المدينة وقطع شجرها على الحلال والمحرم كمكة، وخالف أبو حنيفة في ذلك واحتج له بحديث أنس أن رسول الله -ﷺ- قال: \"يا أبا عمير ما فعل النغير\" (^٢) وكان النغير صيدا فأقرهم على اصطياده، ولو كان صيد المدينة حراما لأنكر عليهم؟ وأجيب عن ذلك بجوابين: أحدهما: أن ذلك كان قبل النهي وفي هذا الجواب ضعف فإنه مجرد دعوى، والجواب الثاني: لعل ذلك كان من صيد الحل، وهذا الجواب أيضا ضعيف فإن الخصم يرى أن صيد الحل متى دخل الحرم التحق بصيد الحرم (^٣)، وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال رسول الله -ﷺ-:\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٥٥)، وكشف المناهج (٢/ ٤٤٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٢٩) و(٦٢٠٣)، ومسلم (٣٠ - ٢١٥٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٤).","vol":"6","page":210},{"text":"\"ما بين لابتيها حرام\" وأراد بقوله \"ما ذعرتها\" (^١) أي: ما أفزعتها وخوفتها قاله ابن عقيل.\nوقوله في حديث أنس: \"يا أبا عمير ما فعل النغير\" والنغير تصغير النغر بضم النون وفتح الغين المعجمة قال الجوهري (^٢) أنه طير كالعصافير حمر المناقير والجمع نغران كصرد وصردان ومؤنثه نغرة كهمزة وأهل المدينة يسمونه البلبل، وفي الصحيحين (^٣) عن أنس قال: كان رسول الله -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ -قَالَ: أَحْسِبُهُ- فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: \"يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ\".\nوعمير: تصغير عمر أو عمرو والفطيم بمعنى المفطوم (^٤)، قال وكيع يعني طيرا كان يلعب به، وقيل: نوع من الحمر وقيل هو طائر أسود اللون أحمر المنقار (^٥)، وأبو عمير المذكور في الحديث هو ابن أبي طلحة الأنصاري أخو أنس بن مالك لأمه (^٦)، قال النووي (^٧): في هذا الحديث فوائد كثيرة، منها: جواز تكنية من لم يولد له، وتكنية الطفل وأنه ليس كذبا،، وفي الحديث\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٧١ و٤٧٢ - ١٣٧٢)، والترمذي (٣٩٢١) وهو في الموطأ (٢٦٠٠).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٨٣٣).\n(^٣) البخاري (٦١٢٩)، مسلم (٢١٥٠).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٤٩٣).\n(^٥) مطالع الأنوار (٤/ ١٨٧).\n(^٦) عمدة القارى (٢٢/ ١٧٠).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢٩).","vol":"6","page":211},{"text":"بادروا بكنى أولادكم لا يسبق لها ألقاب السوء (^١)، وفيه جواز المزاح فيما ليس بإثم، وفي الترمذي (^٢) من حديث ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: \"لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه\" قال العلماء المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط [ويداوم] عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين [ويؤول في] كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار، فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله -ﷺ- يفعله فإنه -ﷺ- إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة ولتطييب نفس المخاطب ومؤانسته وهذا لا منع منه مطلقا بل هو سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة (^٣) قاله في الديباجة. أ. هـ.\nوفيه: جواز تصغير بعض المسميات وفيه جواز السجع في هذا الكلام الحسن بلا كلفة وفيه ملاطفة الصبيان وتأنيسهم وفيه بيان ما كان عليه رسول الله من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع وزيارة أهل الفضل لأن أم\n_________\n(^١) روى مرفوعا عن ابن عمر وموقوفا على عمر بن الخطاب:\nأما المرفوع عن ابن عمر: أخرجه ابن حبان (١/ ١٧٢)، وابن عدى (٢/ ١٧٢) بلفظ بادروا أولادكم بالكنى لا يغلب عليهم الألقاب. وقال الألباني موضوع الضعيفة (١٧٢٨). وأما الموقوف: أخرجه الغسانى في ألقاب الصحابة (ص ٢٥) وتقييد المهمل (٢/ ١٠٨٧) من طريق بقية، عن عبد الملك بن النعمان، أن رجلًا حدثه أن عمر بن الخطاب قال: \"عجلوا بكنى أولادكم، لا تسرع إليهم ألقاب السوء\".\n(^٢) سنن الترمذي (١٩٩٥) وقال الألباني ضعيف ينظر: ضعيف الأدب المفرد (٥٨/ ٣٩٤).\n(^٣) الأذكار (ص ٥٠٨) للنووى.","vol":"6","page":212},{"text":"الفضل والدة أبي عمير وأنس من محارمه -ﷺ-، واستدل به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة ولا دلالة فيه لذلك لأنه ليس في الحديث [صراحة ولا كناية أنه من] حرم المدينة بل يقال إنه صيد من الحل وأدخل الحرم ويجوز للحلال أن يفعل ذلك ولا يجوز له أن يصيد من الحرم فيفرق بينه وبين ابتداء صيده وبين استحباب إمساكه، وقد صحت أحاديث كثيرة عن النبي -ﷺ- في تحريم صيد المدينة فلا يجوز تركها بمثل هذا الاحتمال ومعارضتها به، وفي الحديث أيضًا دليل على جواز لعب الصغير بالطير الصغير (^١).\nقال الإمام العباس القرطبي (^٢): لكن الذي أجاز العلماء أن يمسك له وأن يلهو بحبسه وأما تعذيبه والعبث به فلا يجوز لأن النبي -ﷺ- نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة.\nوقال غيره معنى قوله: \"يلعب به\" يتلهى بحبسه وإمساكه، وفيه دليل على جواز حبس الطير في القفص لهذا الغرض وغيره ومنع ابن عقيل الحنبلي من ذلك وجعله سفها وتعذيبا لقول أبي الدرداء -﵁- تجيء العصافير يوم القيامة تتعلق بالعبد الذي كان يحبسها في القفص عن طلب أرزاقها وتقول: هذا عذبني في الدنيا؟ والجواب: ان هذا فيمن منعها المأكول والمشروب (^٣) وقد\n_________\n(^١) المفهم (١٧/ ١٣٧ - ١٣٨)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢٩).\n(^٢) المفهم (١٧/ ١٣٨).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ٤٩٣).","vol":"6","page":213},{"text":"سئل القفال عن ذلك لسماع أصواتها وغير ذلك، فأجاب بالجواز إذا كفاها مالكها المؤنة لما تحتاج إليه لأنها كالبهيمة [تربط وقال] (^١) كذلك ابن يونس في النفقات من شرح التعجيز، وقال: إن الطائر كالدابة والقفص كالاصطبل وهذا واضح لا توقف فيه (^٢)، أ. هـ.\nبل في الحديث دليل على جواز قصها للعب الصبيان بها وكان بعض الصحابة يكره ذلك (^٣).\nلطيفة: ورأيت لأبي العباس أحمد بن القاضي تصنيفا حسنا على هذا الحديث قال فيه: إن أبا حنيفة سمع صوت امرأة يضربها بعلها وهي تصيح فقال: صدقة مقبولة وحسنة مكتوبة، فقال له رجل من أصحابه، كيف ذلك يا أستاذ، فقال لقوله -ﷺ-: \"أدب الجاهل صدقة عليه وأنا أعرفها جاهلة\" (^٤).\nقوله -ﷺ- في الحديث: \"أن تقطع عضاهها أو يقتل صيدها\" الحضاه قد ضبطها الحافظ (^٥) وفسرها فقال جمع عضاهة وهي شجرة الخمط، وقيل: بل كل شجرة ذات شوك، وقيل: ما أعظم منها (^٦)، أ. هـ.\nوقال غيره واحدها عضاهة وعضيهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٩/ ٢٨١).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٤/ ٢٤١) للهيتمى.\n(^٣) فوائد حديث أبي عمير (ص ٢٩) لابن القاص، وحياة الحيوان (٢/ ٤٩٣).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٤٩٣).\n(^٥) المراد بالحافظ المنذرى.\n(^٦) لسان العرب (١٣/ ٥١٦).","vol":"6","page":214},{"text":"كما حذفت من الشفة وهي شجرة أم غيلان (^١).\nفرع: من قطع شيئا من شجر المدينة أو اصطاد صيدا ففي ضمانه قولان للشافعي قديم وجديد، الجديد: أنه لا يضمن وهو قول مالك لأنه مكان يجوز دخوله بغير إحرام فلا يضمن، والقديم: يضمن لحديث عامر بن سعد عن أبيه: [أنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد غلاما يخبط شجرا أو يقطعه فسلبه، فلما رجع سعد جاءَ أهل الغلام فكلموه أن يرد ما أَخذ من غلامه. فقال معاذ الله أن أَرد شيئا نَفَّلنيه رسول الله -ﷺ-، فأبى أن يرده عليهم (^٢)] قال النووي في شرح المهذب ومسلم وتصحيح التنبيه وهذا القول هو المختار فإن فيه حديث صحيح يعني ما ذكرنا، وقال ابن المنذر: ثبت [عن] رسول الله -ﷺ- أنه أخذ سلب القاتل وقاطع الشجر ولكن لم يقل به أحد إلا ابن أبي ليلى والشافعي في القديم وهو المختار وعمل به سعد بن أبي وقاص، وإذا قلنا به فقيل كضمان مكة، والأصح أنه يسلب الصائد والقاطع وعلى هذا ففي المراد بالسلب وجهان: أحدهما أنه ثيابه فقط وأصحهما أنه كسلب القتيل فيدخل فيه فرسه وسلاحه وهل هو للسالب أو لمساكين المدينة أو بيت المال فيه ثلاثة أوجه، أصحها: الأول وإذا سلب أخذ جميع ما عليه إلا ساتر العورة على الأصح وسلبه بمجرد الاصطياد سواء أتلف أو لا نعم يستثنى علف البهائم والعلف بإسكان اللام مصدر علف علفا وأما\n_________\n(^١) كشف المناهج (٢/ ٤٤٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٦١ - ١٣٦٤).","vol":"6","page":215},{"text":"بمفتوحها فاسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها قاله الزركشى (^١).\nوقال ابن النحاس في تنبيهه (^٢): ففي ضمانه قولان القديم يضمن، وفي ضمانه وجهان أحدهما أخذ سلب الصائد وقاطع الشجر والصحيح أنه كسلب المقتول من الكفار وأنه للسالب أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون\" يعني للمرتحلين عنها إلى غيرها (^٣).\nوقوله -ﷺ-: \"لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه\" الحديث، أي: كراهية لها، يقال: رغبت في الشيء أحببته، ورغبت عنه كرهته (^٤)، يعني: أن الذي يخرج من المدينة راغبا عنها أي زاهدا فيها إنما هو إما جاهل بفضلها وفضل المقام بها وإما كافر بذلك، وكل واحد من هذين إذا خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه وأفضل على كل حال قال: وقد خص الله تعالى مكة والمدينة بأنهما لا تخلوان من أهل العلم والفضل والدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين (^٥).\nقوله -ﷺ-: \"ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٢٤٣ - ٢٤٤).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨١).\n(^٣) المفهم (١١/ ٢٩).\n(^٤) المفهم (١١/ ٢٩).\n(^٥) المفهم (١١/ ٣٨).","vol":"6","page":216},{"text":"شهيدا\" تقدم تفسير الألواء، وأما الجهد فهو المشقة وهو بفتح الجيم وفي لغة قليلة بضمها، وأما الجهد بمعنى الطاقة فبضمها على المشهور وحكي فتحها (^١).\nوقوله في الرواية الأخرى: \"ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء\" سيأتي الكلام عليه في آخر الباب.\n\n١٨٥٤ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ليَأْتِيَن على أهل الْمَدِينَة زمَان ينْطَلق النَّاس مِنْهَا إِلَى الأرياف يَلْتَمِسُونَ الرخَاء فيجدون رخاء ثمَّ يأْتونَ فيتحملون بأهليهم إِلَى الرخَاء وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢).\nالأرياف جمع ريف بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ مَا قَارب الْمِيَاه فِي أَرض الْعَرَب وَقيل هُوَ الأَرْض الَّتِي فِيهَا الزَّرْع وَالْخصب وَقيل غير ذَلِك.\nقوله: وعن جابر -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء\" الأرياف جمع ريف، قد ضبطه المنذري وفسره فقال: وهو ما قارب المياه من أرض العرب ومن غيرها، وقيل: هو الأرض التي فيها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٦).\n(^٢) أحمد (١٤٦٨٠)، والبزار (١١٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٠)، رواه أحمد والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح.","vol":"6","page":217},{"text":"الزرع والخصب ومنه حديث العرنيين: كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف أي إنا من أهل البادية لا من أهل المدن (^١)، وقيل: غير ذلك أ. هـ قاله الحافظ (^٢).\n\n١٨٥٥ - وَعَن سُفْيَان بن أبي زُهَيْر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول تفتح الْيمن فَيَأْتِي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وَمن أطاعهم وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ وتفتح الشَّام فَيَأْتِي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وَمن أطاعهم وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ وتفتح الْعرَاق فَيَأْتِي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وَمن أطاعهم وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كانُوا يعلمُونَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nالبس السُّوق الشَّديد وَقيل البس سرعَة الذّهاب.\nقوله: وعن سفيان بن أبي زهير -﵁-[واسمه: القرد الأزدي الشنائي، قاله ابن المديني، وشباب، وقيل: سفيان بن نمير بن مرارة بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث، وقيل: إنه نميري، وقيل: نمري، والأول أكثر، ولا يختلفون أنه من أزد شنوءة، فربما كان في أجداده من اسمه نمر أو نمير، فنسب إليه، قال أبو أحمد العسكري: يعني أنه من النمر بن عثمان بن نصر بن\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٤٢٣).\n(^٣) البخاري (١٨٧٥)، ومسلم (١٣٨٨)، ومالك في الموطأ (٢٥٩٦)، وأحمد (٢١٩١٥)، وعبد الرزاق (١٧١٥٩)، والحميدي (٨٦٥)، والنسائي في الكبرى (٤٢٦٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٩٦)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣١٣)، وابن حبان (٦٦٧٣).","vol":"6","page":218},{"text":"زهران، من ازد شنوءة، شنوءة، وشنوءة: هو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن يعرب بن الغوث. وإنما سموا شنوءة لشنئآن كان بينهم وقال بعضهم، في نسبه: النمري، وبعضهم: النميري. له صحبة يعد في أهل المدينة أخرج له في الصحيحين حديثان متفق عليهما (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم\" الحديث، يبسون قال أهل اللغة بفتح الياء المثناة من تحت وبعدها باء موحدة تضم وتكسر ويقال أيضا بضم المثناة مع كسر الباء الموحدة وبالسين المهملة المشددة فتكون اللفظة ثلاثية ورباعية فحصل في ضبطه ثلاثة أوجه (^٢)، قال الحافظ المنذري: البس السوق الشديد، وقيل: البس سرعة الذهاب أ. هـ، وقال غيره: قيل: هو السَّوْق اللين وقال الزمخشري في فائقة (^٣): إنه يخرج قوم من المدينة إلى العراق والشام يَبُسُّون، قالوا: والبس السوق والطرد وبه فسر قوله تعالى ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (^٤) والمعنى: يسوقون بهائمهم سائرين، أ. هـ.\nوقال إبراهيم الحربي (^٥): بسست الغنم والنوق إذا دعوتها فمعناه يدعون الناس إلى بلاد الخصب ومعنى الحديث يحملون بأهليهم، وقال ابن وهب:\n_________\n(^١) تلقيح أهل الفهوم (ص ٢٨٥)، وأسد الغابة (٢/ ٤٩٥)، وتهذيب الكمال (١١/ ترجمة ٢٤٠٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٥٨).\n(^٣) الفائق في غريب الحديث (١/ ١٠٧).\n(^٤) سورة الواقعة، الآية: ٥.\n(^٥) إكمال المعلم (٤/ ٥٠٥).","vol":"6","page":219},{"text":"معناه يزينون البلاد ويحببونها إليهم ويدعونهم إلى الرحيل إليها ونحوه، قال العلماء: وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه -ﷺ- فإنه أخبر بوقوع أمور ثم وقعت بعد ذلك فكان ذلك دليلا على صدقه فإنه -ﷺ- أخبر بفتح هذه الأقاليم وأن الناس يتحملون بأهليهم إليها ويتركون المدينة وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب ووجد جميع ذلك كذلك بحمد الله وفضله، وفيه فضيلة سكنى المدينة والصبر على شدتها وضيق العيش بها (^١) والله أعلم.\n\n١٨٥٦ - وَعَن أبي أسيد السَّاعِدِيّ -﵁- قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- على قبر حَمْزَة بن عبد الْمطلب فَجعلُوا يجرونَ النمرة على وَجْهه فتنكشف قدماه ويجرونها على قَدَمَيْهِ فينكشف وَجهه فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- اجْعَلُوهَا على وَجهه وَاجْعَلُوا على قَدَمَيْهِ من هَذَا الشّجر قَالَ فَرفع رَسُول الله -ﷺ- رَأسه فَإِذا أَصْحَابه يَبْكُونَ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِنَّه يَأْتِي على النَّاس زمَان يخرجُون إِلَى الأرياف فيصيبون مِنْهَا مطعما وملبسا ومركبا أَو قَالَ مراكب فيكتبون إِلَى أَهْليهمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا فَإِنَّكُم بِأَرْض حجاز جدوبة وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nالنمرة بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم وَهِي بردة من صوف تلبسها الْأَعْرَاب.\nقوله: وعن أبي أسيد الساعدي -﵁-، أبو أسيد الساعدي بضم الهمزة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٥٩).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٩٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠١)، وإسناده حسن.","vol":"6","page":220},{"text":"واسمه مالك بن ربيعة.\nقوله: كنا مع رسول الله -ﷺ- على قبر حمزة بن عبد المطلب، الحديث، حمزة يقال له أسد الرحمن وأسد رسول الله -ﷺ- وعمه وأخوه من الرضاعة، وكنيته أبو عمارة كنى بابن له يقال له عمارة من امرأة من بني النجار، وقيل: كنيته أبو يعلى بابنه يعلى، وهو شقيق صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام وكان حمزة أسن من رسول الله -ﷺ- بسنتين، وقيل: بأربع، وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين زيد بن حارثة، أسلم حمزة في السنة الثانية من مبعث رسول الله -ﷺ- وهاجر إلى المدينة وشهد بدرا وبارز وأبلى فيها بلاء عظيما وقاتل بسيفين ودفن عند أحد في موضعه وقبره مشهور مزار ويتبرك به (^١)، أ. هـ.\nقوله: \"فجعلوا يجرون النمرة على وجهه فتنكشف قدماه\" الحديث.\nالنمرة: قد ضبطها الحافظ (^٢) وفسرها فقال: هي بردة من صوف يلبسها الأعراب، أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف\" تقدم معناه في الحديث قبله.\n\n١٨٥٧ - وَعَن عمر -﵁- قَالَ غلا السّعر بِالْمَدِينَةِ فَاشْتَدَّ الْجهد فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- اصْبِرُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنِّي قد باركت على صاعكم ومدكم وكلوا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء (١/ ١٦٨ - ١٦٩ ترجمة ١٣١). لا يجوز التبرك بالقبور وسبق الكلام عنه.\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٤٣٢).","vol":"6","page":221},{"text":"وَلَا تتفرقوا فَإِن طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَطَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَة وَطَعَام الْأَرْبَعَة يَكْفِي الْخَمْسَة والستة وَإِن الْبركَة فِي الْجَمَاعَة فَمن صَبر على لأوائها وشدتها كنت لَهُ شَفِيعًا وشهيدا يَوْم الْقِيَامَة وَمن خرج عَنْهَا رَغْبَة عَمَّا فِيهَا أبدل الله بِهِ من هُوَ خير مِنْهُ فِيهَا وَمن أرادها بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن عمر -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"غلا السعر بالمدينة فاشتد الجهد\" وهو بفتح الجيم المشقة وفي لغة قليلة بضمها وتقدم الكلام عليه وكذلك تقدم الكلام على قوله \"فمن صبر على لأوائها وشدتها\".\nوقوله -ﷺ-: \"ومن خرج عنها رغبة عما فيها أبدل الله به من هو خير منه فيها\" قال القاضي (^٢): اختلف في هذا فقيل في معناه قولان أحدهما أنه مخصوص بمدة حياته -ﷺ-، والثاني: أنه دائم أبدا بدليل قوله في حديث آخر \"يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم\" (^٣) الحديث وهذا القول أصح (^٤).\n_________\n(^١) البزار (١١٨٥)، وقال: تفرد به عمرو بن دينار، وهو لين، وأحاديثه لا يشاركه فيها أحد، قد روى عنه جماعة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٥)، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) إكمال المعلم (٤/ ٣٨٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٨٧ - ١٣٨١) عن أبي هريرة.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٧).","vol":"6","page":222},{"text":"[قوله] \"ومن أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء\" الحديث، قال القرطبي (^١): ظاهر هذا أن الله يعاقبه بذلك في النار وقيل: يحتمل أن المراد من أرادها غازيا مغيرا عليها ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن إهلاكه في الدنيا أو عن [توهين] أمره وطمس كلمته كما قد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها كمسلم بن عقبة إذا أهلكه الله بمنصرفه عنها وكإهلاك يزيد بن معاوية [إثر إغزائه أهل المدينة، إلى غير ذلك].\n\n١٨٥٨ - وَعَن أَفْلح مولى أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَنه مر بزيد بن ثَابت وَأبي أَيُّوب -﵄- وهما قاعدان عِنْد مَسْجِد الْجَنَائِز فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه تذكر حَدِيثا حدّثنَاهُ رَسُول الله -ﷺ- فِي هَذَا الْمَسْجِد الَّذِي نَحن فِيهِ قَالَ نعم عَن الْمَدِينَة سمعته يزْعم أَنه سَيَأْتِي على النَّاس زمَان تفتح فِيهِ فتحات الأَرْض فَتخرج إِلَيْهَا رجال يصيبون رخاء وعيشا وَطَعَامًا فيمرون على إخْوَان لَهُم حجاجا أَو عمارا فَيَقُولُونَ مَا يقيمكم فِي لأواء الْعَيْش وَشدَّة الْجُوع فذاهب وقاعد حَتَّى قَالَهَا مرَارًا وَالْمَدينَة خير لَهُم لَا يثبت بهَا أحد فيصبر على لأوائها وشدتها حَتَّى يَمُوت إِلَّا كنت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شَهِيدا أَو شَفِيعًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\n[قوله]: وعن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري [كنيته أبو عبد الرحمن\n_________\n(^١) ينظر: المفهم (١١/ ٣٠).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٣٩٨٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٠)، ورجاله ثقات.","vol":"6","page":223},{"text":"ويقال: أبو يحيى ويقال: أبو كثير، من سبي عين التمر الذين سباهم خالد بن الوليد.\nروى عن: مولاه أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وكان يكون معه في مغازيه، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد سعد بن مالك الأنصاري الجدري، وعبد الله بن سلام، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، روى عنه: أبو الوليد عبد الله بن الحارث البصري نسيب محمد بن سيرين، ومحمد بن سيرين وقال محمد بن سعد: مات في خلافة يزيد بن معاوية، سنة ثلاث وستين، وكان ثقة قليل الحديث وقال غيره: قتل بالحرة (^١)].\nقوله: أنه مر بزيد بن ثابت وأبي أيوب -﵄- وهما قاعدان عند مسجد الجنائز، اسم [أبى أيوب الأنصارى خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف ابن غنم بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى النجارى المدنى الصحابى الجليل. شهد العقبة، وبدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وجميع المشاهد مع رسول الله -ﷺ-، ونزل عليه رسول الله -ﷺ- حين قدم المدينة مهاجرا، وأقام عنده شهرا حتى بنيت مساكنه ومسجده، روى له عن رسول الله -ﷺ- مائة وخمسون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على سبعة منها، وانفرد البخارى بحديث ومسلم بخمسة. روى عنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقدام بن معدى كرب، وأبو أمامة الباهلى، وزيد بن خالد الجهنى، وابن عباس، وعبد الله بن يزيد الخطمى، وكلهم صحابة، وسعيد بن\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦ ترجمة ٥٤٩).","vol":"6","page":224},{"text":"المسيب، وسالم بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد الليثى، وعبد الله بن حنين، وخلائق سواهم. توفى بأرض الروم غازيا سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثنتين وخمسين، وقبره بالقسطنطينية، ﵁ (^١)] وتقدم معنى اللأواء في أحاديث هذا الباب.\n\n١٨٥٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت بهَا فَإِنِّي أشفع لمن يَمُوت بهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ. وَلَفظ ابْن مَاجَه من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فَلْيفْعَل فَإِنِّي أشهد لمن مَاتَ بهَا.\n\n١٨٦٠ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ من مَاتَ بِالْمَدِينَةِ شفعت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: \"من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها\" الحديث.\nوالمدينة: تسمى طيبة، وسيأتي الكلام على أسمائها، فيستحب دعاء الإنسان أن يكون موته في البلد الشريف (^٣)، وقد كان [المهاجرون] إلى المدينة يكرهون أن يموتوا بغيرها ويسألون الله ﷿ أن يتوفاهم بها لهذا الحديث فإن\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٧ ترجمة ٧٢٢).\n(^٢) الترمذي (٣٩١٧)، وابن ماجه (٣١١٢)، وابن حبان (٣٧٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٨٥)، وأحمد (٥٤٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٠١٥).\n(^٣) الأذكار (ص ١٣٨) وإعلام الساجد (ص ٢٤٨).","vol":"6","page":225},{"text":"قيل: قد جاء ما يعارض هذا عن عمرو بن العاصي قال: مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه رسول الله -ﷺ- ثم قال: \"يا ليته مات بغير مولده\" قالوا: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: \"إن الرجل إذا مات بغير مولده [قيس له] من مولده إلى منقطع أثره في الجنة\" (^١) وذكره ابن طاهر في [الصفوة] وبوب عليه [إيثارهم] الغربة على الوطن (^٢) [فالجواب] إن صح فلا [يعارضه، بل الحديث] خاص بمن يولد في المدينة والله أعلم. قاله الزركشي (^٣).\n\n١٨٦١ - وَعَن الصميتة امْرَأَة من بني لَيْث -﵂- أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن لَا يَمُوت إِلَّا بِالْمَدِينَةِ فليمت بهَا فَإِنَّهُ من يمت بهَا نشفع لَهُ أَو نشْهد لَهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^٤).\n\n١٨٦٢ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَمن مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا (^٥).\nقوله: وعن الصميتة امرأة من بني ليث -﵂-، بنو ليث [بطن من بكر من كنانة نسبة إلى ليث بن كنانة].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٧ (٦٦٥٦)، وابن ماجه (١٦١٤)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٥ (١٨٤٨) والكبرى (١٩٧١)، وابن حبان (٢٩٣٤)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٧٣ رقم ١٤٦٧٤). وقال الألباني: حسن، المشكاة (١٥٩٣)، وصحيح الترغيب (٣١٣٤).\n(^٢) صفة الصفوة (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥ رقم ٤٦٦).\n(^٣) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ٢٤٨ - ٢٤٩)\n(^٤) ابن حبان (٣٧٤٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٨٣).\n(^٥) البيهقي في الشعب (٤١٨٢)، والطبراني في الكبير (٢٤/ رقم ٨٢٣).","vol":"6","page":226},{"text":"قوله: \"من استطاع منكم أن لا يموت إلا بالمدينة فليمت بها\" تقدم الكلام على المدينة.\n\n١٨٦٣ - وَعَن سبيعة الأسْلَمِيَّة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ لَا يَمُوت بهَا أحد إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا عبد الله بن عِكْرِمَة روى عَنهُ جمَاعَة وَلم يُخرجهُ أحد وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هُوَ خطاء وَإِنَّمَا هُوَ عَن صميتة كَمَا تقدم (^١).\nقوله: وعن سبيعة الأسلمية -﵂-، هي: سبيعة بنت الحارث الأسلمية بنت الحارث الأسلمية روى عنها: عمر بن عبد الله بن الأرقم، روى لها عن رسول الله -ﷺ- اثنا عشر حديثا، روى لها الجماعة إلا الترمذي.\nقوله -ﷺ-: \"من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت\" تقدم الكلام على المدينة.\n\n١٨٦٤ - وَعَن امْرَأَة يتيمة كانَت عِنْد رَسُول الله -ﷺ- من ثَقِيف أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ من مَاتَ بهَا كنت لَهُ شَهِيدا أَو شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٢٤/ رقم ٧٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٨٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٦)، ورجاله رجال الصحيح، خلا عبد الله بن عكرمة، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وروى عنه جماعة ولم يتكلم فيه أحد بسوء.\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٤/ رقم ٨٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٦)، وإسناد حسن، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني.","vol":"6","page":227},{"text":"قوله: وعن امرأة يتيمة كانت عند رسول الله -ﷺ- من ثقيف، وتقدم الكلام على المدينة.\n\n١٨٦٥ - وَعَن حَاطِب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من زارني بعد موتِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي وَمن مَاتَ بِأحد الْحَرَمَيْنِ بعث من الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن رجل من آل حَاطِب لم يسمه عَن حَاطِب (^١).\nقوله: وعن حاطب -﵁-[هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله حاطب بن أبى بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل بن العتيك بن سعاد، بفتح السين وتشديد العين، ابن راشدة بن جزيلة، بالزاى، ابن لخم بن عدى حليف للزبير بن العوام. وقيل: كان لعبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه فأدى كتابته، شهد بدرا، والحديبية، وشهد الله له بالإيمان فى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (^٢) الآيتين نزلتا فيه.\nقالوا: وأرسله رسول الله -ﷺ- إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست من الهجرة، فقال له المقوقس: أخبرنى عن صاحبك أليس هو نبيا؟ قال: بلى، قال: فما له لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته؟ قال له حاطب: فعيسى ابن مريم رسول الله حين أراد قومه صلبه لم يدع عليهم حتى رفعه\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٥١)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٧)، شطره الأول وقال: موضوع.\n(^٢) سورة الممتحنة، الآية: ١.","vol":"6","page":228},{"text":"الله، قال: أحسنت، أنت حكيم جئت من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول الله -ﷺ- منها مارية القبطية، وأختها شيرين، وجارية أخرى، فاتخذ مارية سرية، ووهب شيرين لحسان بن ثابت، والأخرى لأبى جهم بن حذيفة، وأرسل معه من يوصله مأمنه.\nتوفى حاطب سنة ثلاثين بالمدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان، ﵁، وكان عمره خمسا وستين سنة. وروينا فى صحيح البخارى عن جابر، أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله -ﷺ- يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله -ﷺ-: \"كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا، والحديبية\"، وكان حاطب حسن الجسم، خفيف اللحية. ذكره ابن سعد (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة\" الحديث.\n\n١٨٦٦ - وعن عمر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من زار قبري، أو قال: من زارني كنت له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة، ومنْ مات في أحدِ الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة. رواه البيهقي وغيره عن رجل من آل عُمر لم يسمه عن عمر (^٢).\nقوله: وعن عمر، تقدم الكلام على أمير المؤمنين عمر.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥١ - ١٥٢ ترجمة ١١٠).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٥٣)، والطيالسي (٦٥).","vol":"6","page":229},{"text":"قوله -ﷺ-: \"من زار قبري أو قال زارني كنت له شفيعا أو شهيدا\" الحديث تقدم الكلام على شفيعا أو شهيدا.\n\n١٨٦٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من مَاتَ فِي أحد الْحَرَمَيْنِ بعث من الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة وَمن زارني محتسبا إِلَى الْمَدِينَة كَانَ فِي جواري يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا (^١).\nقَالَ المملي الْحَافِظ ﵀ وَقد صَحَّ من غير مَا طَرِيق عَن النَّبِي -ﷺ- أَن الوباء والدجال لَا يدخلانها اختصرت ذَلِك لشهرته.\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام على أنس.\nقوله -ﷺ-: \"من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ومن زارني محتسبا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة\" الحديث، وجاء في الحديث أيضًا: \"من زار قبري وجبت له شفاعتي\" رواه الدراقطني وغيره وصححه عبد الحق، ورواه جماعة منهم الحافظ أبو علي بن السكن في كتابه المسمى بالسنن الصحاح (^٢)، فهذان إمامان صححا هذين الحديثين وقولهما أولى من قول من طعن في ذلك.\nفائدة: ويستحب لقاصد ذلك أن يغتسل قبل دخوله المدينة ويلبس أنظف ثيابه فإذا دخل المدينة استحضر شرفها وحرمة من فيها وملأ قلبه من الهيبة\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٥٨).\n(^٢) سنن الدارقطني (٢٦٩٥)، الكنى والأسماء للدولابي (١٤٨٣) شعب الإيمان (٣٨٦٢) وضعفه الالباني كما في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥٦٠٧).","vol":"6","page":230},{"text":"والإجلال والخشوع فإذا دخل المسجد بدأ بالتحية في مسجد النبي -ﷺ- الذي كان في زمنه وقد وسع بعده وقد تقدم ذلك، والضعيف مختص بذلك القدر الذي كان في زمانه فليحرص عليه لكن إذا صلى في جماعة فالتقدم إلى الصف الأول ثم ما يليه أفضل فإذا صلى التحية شكر الله تعالى وسأله إتمام ما قصده وقبول [زيارته] ثم يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر والمسمار الفضة الذي في الجدار فمن استقبله استقبل وجه [النبى -ﷺ-] واستقبال [القبلة مستحب] عند جمهور العلماء عند السلام وعند الدعاء ومناظرة مالك بن أنس أبا جعفر المنصور مشهورة، وعن أبي حنيفة أنه يستقبل القبلة ليجمع بين عبادتين السلام على النبي -ﷺ- واستقبال القبلة والجمهور على ما قدمناه [وآداب السلام عليه] كما في حالة الحياة ويقف الزائر غاض البصر في مقام الهيبة والإجلال ثم يسلم ولا يرفع صوته بل يقتصد فيقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا خيرة الله من خلقه السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا صفوة الله السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين السلام عليك وعلى الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين السلام عليك أيها النبي رحمت الله وبركاته جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل ما جزى الله نبيا ورسولا عن أمته، صلى الله عليك كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون، وصلى عليك في الأولين وصلى عليك في الآخرين أفضل وأكمل وأطيب [ما صلى","vol":"6","page":231},{"text":"على]، على أحد من الخلق أجمعين كما استنقذنا بك من الضلالة وبصرنا بك من العمى والجهالة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده اللهم آته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون وغاية ما ينبغي أن يؤمله المأملون وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته و[أقل] ذلك السلام عليك يا رسول الله وعن السلف [الاقتصار فى] ذلك جدا، فإنه -ﷺ- يسمع ويعلم الواقف بين يديه (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nومعنى وجبت: حقت وتبتت ولزمت وأنه لا بد منها لمن زار قبره بوعده الصادق، وفي هذا بشارة عظيمة وهو موت الزائر على الإسلام وهذه البشارة العظيمة من ثمرة زيارة قبره المكرم وفي قوله -ﷺ-: \"وجبت له شفاعتي\" تحقيق لما قلته لأجل إضافة الشفاعة إليه لأنه ﵊ مشفع لا ترد له شفاعة في حياته ولا بعد وفاته ولا في عرصات القيامة ويا لها من فائدة عظيمة ما أجزلها وأعظم نيلها (^٢)، وقال ﵇: \"من جاءني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقا على أن أكون شفيعا له يوم القيامة\" (^٣) قول الحافظ\n_________\n(^١) انظر: الايضاح (ص ٤٤٧ - ٤٥٣)، والمجموع (٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^٢) دفع شبه من تمرد (ص ١٦١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٦ رقم ٤٥٤٦) والكبير (١٢/ ٢٩١ رقم ١٣١٤٩) والخلعى في الخلعيات (٦٨) عن ابن عمر. وقال الطبراني: لم يرو هذه الأحاديث عن عبيد الله ابن عمر إلا مسلمة بن سالم، قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢: رواه الطبراني في الأوسط، والكبير وفيه مسلمة بن سالم، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٧٣٢).","vol":"6","page":232},{"text":"﵀ (^١): وقد صح من غير ما طريق عن النبي -ﷺ- أن الوباء والدجال لا يدخلان المدينة، ففي الصحيحين من حديث أنس مرفوعا: \"إن الدجال لا يطأ مكة ولا المدينة وأنه يخرج حتى ينزل في ناحية المدينة فترجف ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق وفي رواية البخاري عن أبي بكرة عن النبي -ﷺ-: \"لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال [لها] يومئذ سبعة أبواب على باب ملكان\" (^٢) وفي الحديث أيضًا: \"إن الطاعون لا يدخل المدينة\" وهذا من خصائصها ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله -ﷺ- \" [على أنقاب] المدينة ملائكة [لا يدخلها الطاعون] ولا الدجال\" (^٣) قال القرطبي (^٤): الطاعون الموت العام الفاشي، ويعني بذلك أنه لا يكون بالمدينة من الطاعون مثل الذي يكون في غيرها من البلاد كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف وغيرهما، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله -ﷺ- فإنه لم يسمع من النقلة ولا من غيرهم من يقول أنه وقع بالمدينة طاعون عام وذلك ببركة دعائه -ﷺ- حيث قال: \"اللهم صححها لنا\" (^٥) والسر في ذلك أن الطاعون وباء عند الأطباء، وقد صح أنهم لما قدموا المدينة أصابتهم أمراض عظيمة وحمى شديدة دعا لهم النبي -ﷺ- فكشف عنهم ذلك، وقال: اللهم\n_________\n(^١) أى المنذرى.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٧٩) و(٧١٢٥) و(٧١٢٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٨٠) و(٥٧٣١) و(٧١٣٣)، ومسلم (٤٨٥ - ١٣٧٩) عن أبي هريرة.\n(^٤) ينظر: تفسير القرطبي (٣/ ٤٣) والمفهم (١١/ ٣٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٨٨٩) و(٣٩٢٦) و(٥٦٥٤) و(٥٦٧٧)، ومسلم (٤٨٠ - ١٣٧٦) عن عائشة.","vol":"6","page":233},{"text":"انقل وباءها إلى خُمّ، هو بضم الخاء وتشديد الميم كما سيأتي أو إلى الحجفة أ. هـ، قاله الزركشي (^١).\nالوباء بالقصر والمد والهمز لغتان، قال الجوهري وغيره: والقصر أشهر وهو مرض عام يفضي إلى الموت غالبا (^٢) أ. هـ\nوالمراد أن الطاعون وباء يتركه الله تعالى فيما شاء من أرضه يكون سببا لكثرة الموت أ. هـ، قاله ابن عقيل، وفي هذه الأحاديث فضيلة المدينة وفضيلة سكانها وحمايتها من الطاعون والدجال والله أعلم.\n\n١٨٦٨ - وَعَن أبي قَتَادَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- تَوَضَّأ ثمَّ صلى بِأَرْض سعد بِأَرْض الْحرَّة عِنْد بيُوت السقيا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم خَلِيلك وَعَبْدك وَنَبِيك دعَاك لأهل مَكَّة وَأَنا مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك أَدْعُوك لاهل الْمَدِينَة مثل مَا دعَاك بِهِ إِبْرَاهِيم لمَكَّة ندعوك أَن تبَارك لَهُم فِي صاعهم ومدهم وثمارهم اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كَمَا حببت إِلَيْنَا مَكَّة وَاجعَل مَا بهَا من وباء بخم اللَّهُمَّ إِنِّي حرمت مَا بَين لابتيها كَمَا حرمت على لِسَان إِبْرَاهِيم الْحرم رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَال إِسْنَاده رجال الصَّحِيح (^٣).\nخم بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم اسْم غيضة بَين الْحَرَمَيْنِ قَرِيبا من الْجحْفَة لَا يُولد بهَا أحد فيعيش إِلَى أَن يَحْتَلِم إِلَّا أَن يرتحل عَنْهَا لشدَّة مَا بهَا\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٢٥٤).\n(^٢) الصحاح (١/ ٧٩)، ومطالع الأنوار (٦/ ١٤٦)، النهاية (٥/ ١٤٤) وشرح النووي على مسلم (١٣/ ١٨٦ - ١٨٧) و(١٤/ ٢٠٤).\n(^٣) أحمد (٢٢٦٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٤)، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":234},{"text":"من الوباء والحمى بدعوة النَّبِي -ﷺ- وأظن غَدِير خم مُضَافا إِلَيْهَا.\nقوله: وعن أبي قتادة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة\" إلى قوله \"أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم\" الحديث، قال القاضي عياض (^١): البركة هنا بمعنى النماء والزيادة، وتكون بمعنى الثبات واللزوم، قال: فقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية وهي ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكوات والكفارات فتكون بمعنى الثبات، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفى منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها وإلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها أو تكون الزيادة فيما يكال بها لإتساع عيشتهم وكثرته بعد ضيقه لما فتح الله تعالى عليهم ووضع من فضله لهم وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى كثر الحمل إلى المدينة واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه فزاد مدهم وصار هاشميا مثل مد النبي -ﷺ- مرتين أو مرة ونصفا، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوته -ﷺ- وقبولها هذا آخر كلام القاضي، والظاهر من هذا كله أن المراد البركة في نفس المكيل في المدينة بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها والله أعلم.\n_________\n(^١) ينطر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٢٢٧).","vol":"6","page":235},{"text":"قوله -ﷺ-: \"واجعل ما بها من وباء بخم\" خم بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم اسم غيضة بين الحرمين لا يولد بها أحد فيعيش إلى أن يحتلم إلا أن يرتحل عنها [لشدة ما بها من] الوباء والحمى بدعوة النبي -ﷺ- وأظن غدير خم مضافا إليها، قاله المنذري، وقال في النهاية (^١): \"غدير خم\" هو موضع بين مكة والمدينة تصب فيه عين هناك، وبينهما مسجد النبي -ﷺ-، قيل: وإنما دعا النبي -ﷺ- بنقل الحمى إلى الجحفة لأنها كانت إذ ذاك دار اليهود [قال ابن بطال:] فيه الدعاء برفع المرض والرغبة في العافية وهذا [رد] على الصوفية في [قولهم:] لا تتم له الولاية حتى يرضى بجميع ما ينزل به من البلاء [ولا يدعو] في كشفه أ. هـ قاله الكرماني (^٢)، وفيه دليل من دلائل النبوة إذ لا يشرب أحد من مائها إلا صار [محموما] الحديث فإن قلت: كيف قدموا على الوباء وفي الحديث النهي عن القدوم عليه؟ قلت: هذا كان قبل النهي أو المنهي عنه [هو] الأمر العام وهذا الذي كان في المدينة هو للغرباء، وفيه: الدعاء على الكفار بالأمراض وللمسلمين بالصحة وكشف الضر عنهم وفيه رد بعض قول المتصوفة [أن الدعاء] قدح في التوكل وقول المعتزلة أنه لا فائدة في الدعاء مع سبق القدر والمذهب أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه إلا ما سبق به التقدير أ. هـ قاله الكرماني (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٨١).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٠/ ١٨٦).\n(^٣) الكواكب الدراري (٩/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"6","page":236},{"text":"تنبيه: فإن قلت: كيف يتصور نقل الحمى وهي عرض؟ قلت: جوزه طائفة مع أن معناه أن يعدم من المدينة ويوجد في الجحفة، فإن قلت: لا دعاء بالإعدام مطلقا؟ قلت: كانوا يهودها أعداء شديدى الإيذاء للمسلمين فدعا عليهم إرادة الخير لأهل الإسلام (^١) أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"اللهم إني أحرم ما بين لابتيها\" والمراد باللابتين الحرتان والأحاديث كلها متفقة على أن المراد فيما بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهة المشرق والمغرب وما بين جبليها في الرواية الأخرى، وبيان لحده من جهتي الجنوب والشمال (^٢) ففي هذا الحديث حجة ظاهرة للشافعي ومالك وموافقيهما في تحريم صيد المدينة وقطع شجرها وأباح أبو حنيفة ذلك والمشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وشجرها بل هو حرام بلا ضمان (^٣) وتقدم الكلام على ذلك، والمراد بقوله \"وإني حرمت المدينة\" الحديث المراد بتحريمها أنه لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم\" المراد أن إبراهيم -ﷺ- بين حرمة مكة وأنا بينت حرمة المدينة، فهذا الحديث دليل لمن يقول أن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٠/ ١٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٦).","vol":"6","page":237},{"text":"تحريم مكة إنما كان في زمن إبراهيم ﵇ والصحيح أنه كان يوم خلق الله السموات والأرض وذكروا في تحريم إبراهيم احتمالين، أحدهما: إنه حرمها بأمر الله تعالى له بذلك لا باجتهاده فلهذا أضاف التحريم إليه تارة وإلى الله تارة، والثاني: أنه دعا لها فحرمها الله تعالى بدعوته فأضيف التحريم إليه لذلك (^١).\n\n١٨٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَنه قَالَ كانَ النَّاس إِذا رَأَوْا أول الثَّمر جاؤوا بِهِ إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَإِذا أَخذه رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي ثمرنا وَبَارك لنا فِي مدينتنا وَبَارك لنا فِي صاعنا ومدنا اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم عَبدك وخليلك وَنَبِيك وَإِنِّي عَبدك وَنَبِيك وَإنَّهُ دعَاك لمَكَّة وَإِنِّي أَدْعُوك للمدينة بِمثل مَا دعَاك بِهِ لمَكَّة وَمثله مَعَه قَالَ ثمَّ يَدْعُو أَصْغَر وليد يرَاهُ فيعطيه ذَلِك الثَّمر رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٢).\nقَوْله فِي صاعنا ومدنا يُرِيد فِي طعامنا الْمكيل بالصاع وَالْمدّ وَمَعْنَاهُ أَنه دَعَا لَهُم بِالْبركَةِ فِي أقواتهم جَمِيعًا.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤوا به لرسول الله -ﷺ- فإذا أخذه رسول الله -ﷺ- قال: \"اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا\" الحديث.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٤).\n(^٢) مسلم (١٣٧٣)، ومالك في الموطأ (٢٥٩١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٦٢)، والترمذي (٣٤٥٤)، وابن ماجه (٣٣٢٩)، والنسائي (١٠١٣٤)، وابن حبان (٣٧٤٧).","vol":"6","page":238},{"text":"ومجيء الناس لرسول الله -ﷺ- بأول التمر مبادرة بهدية ما يستطرف واغتناما لدعائه وبركته -ﷺ-، ولذلك كان النبي -ﷺ- إذا أخذ أول ذلك التمر وضعه على وجهه كما رواه بعض الرواة عن مالك في هذا الحديث من الزيادة (^١)، قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه -ﷺ- وللمدينة والصاع والمد وإعلاما له -ﷺ- بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من الزكاة وغيرها وتوجيه الخارصين إليها (^٢).\nقوله: \"ثم يدعو أصغر وليد يراه\" لأنه أقل صبرا ممن هو أكبر منه وأكثر جزعا وأشد فرحا وهذ من حسن سياسته -ﷺ- ومعاملته الكبار والصغار، قيل: إن ذلك من باب التفاؤل بنمو الصغير وزيادته كنمو التمرة وزيادتها والله أعلم، ففي هذا الحديث بيان ما كان عليه النبي -ﷺ- من مكارم الأخلاق وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار -ﷺ- وشرف وكرم ذكره النووي (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"اللهم بارك لنا في تمرنا\" إلى قوله \"وصاعنا\" قال الحافظ المنذري: يريد في طعامنا المكيل بالصاع والمد، ومعناه أنه دعا له بالبركة في أقواتهم جميعا، أ. هـ.\n_________\n(^١) المفهم (١١/ ٣٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٦).","vol":"6","page":239},{"text":"قال السهيلي (^١): دعاؤه -ﷺ- بالبركة في صاع المدينة ومدها يعني به الطعام الذي يكال والمد ولذلك قال في حديث آخر كيلوا طعامكم (^٢) وذكر في تفسيره ما قلناه قال: وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال (^٣): مد المدينة قال: هو رطل وثلث والرطل مائة وثمانية و[الرطل مائة وثمانية وعشرون] درهما والدرهم خمسون حبة وخمسان قاله الزركشي (^٤).\n\n١٨٧٠ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كحبنا مَكَّة أَو أَشد وصححها لنا وَبَارك لنا فِي صاعها ومدها وانقل حماها فاجعلها بِالْجُحْفَةِ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٥).\nقيل إِنَّمَا دَعَا بِنَقْل الْحمى إِلَى الْجحْفَة لِأَنَّهَا كانَت إِذْ ذَاك دَار الْيَهُود.\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام على عائشة.\nقوله -ﷺ-: \"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد\" الحديث تقدم معناه.\nقوله -ﷺ-: \"وانقل حماها فاجعلها بالجحفة\" تقدم الكلام على الحجفة.\n\n١٨٧١ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- حَتَّى إِذا كُنَّا عِنْد السقيا الَّتِي كَانَت لسعد قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم عَبدك\n_________\n(^١) الروض الأنف (٥/ ٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٢٨) عن المقدام بن معدى كرب.\n(^٣) الأموال للقاسم بن سلام (ص: ٦٢٩).\n(^٤) إعلام الساجد (ص ٢٥١).\n(^٥) البخاري (٥٦٧٧)، ومسلم (١٣٧٥)، وأحمد (٢٤٢٨٨)، والنسائي في الكبرى (٤٢٧١)، ومالك في الموطأ (٢٦٠٣).","vol":"6","page":240},{"text":"وخليلك دعَاك لأهل مَكَّة بِالْبركَةِ وَأَنا مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك وَإِنِّي أَدْعُوك لأهل الْمَدِينَة أَن تبَارك لَهُم فِي صاعهم ومدهم مثل مَا باركت لاهل مَكَّة وَاجعَل مَعَ الْبركَة بركتين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد قوي (^١).\nقوله: وعن علي بن أبي طالب -﵁-، تقدم الكلام على علي -﵁-.\nقوله: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- حتى إذا كنا عند السقيا التي كانت لسعد قال رسول الله -ﷺ- \"اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة\" الحديث، تقدم معناه.\n\n١٨٧٢ - وَعَن أبي سعيد -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي مدينتنا اللَّهُمَّ اجْعَل مَعَ الْبركَة بركتين وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا من الْمَدِينَة شَيْء وَلَا شعب وَلَا نقب إِلَّا عَلَيْهِ ملكان يحرسانها رَوَاهُ مُسلم فِي حَدِيث (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد -﵁-، هو الخدري تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده ما من المدينة شيء ولا شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها\" أي: لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، قال أهل اللغة: الشعب بكسر الشين هو الفرجة النافدة بين الجبلين، والنقب: الطريق بينهما،\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٦٨١٨)، وأحمد (٩٣٦)، والترمذي (٣٩١٤)، والنسائي في الكبرى (٤٢٧٠)، وابن خزيمة (٢٠٩)، وابن حبان (٣٧٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٥)، رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٧٢).\n(^٢) مسلم (١٣٧٤).","vol":"6","page":241},{"text":"قال ابن السكيت (^١): هو الطريق في الجبل والنقب بفتح النون على المشهور وحكى القاضي عياض (^٢): ضمها أيضا هو مثل الشعب، وقيل: هو الطريق في الجبل قال الأخفش (^٣) أنقاب المدينة طرقها وفجاجها.\nقوله في الحديث الآخر \"على أنقاب المدينة ملائكة\" جمع النقب جمع قلة وأما النقاب فهو جمع كثرة وهي الطريق في الجبل، قال ابن وهب: يريد بالأنقاب يعني مداخل المدينة، وقال غيره: هي أبوابها وفوهات طرقها التي يدخل إليها منها، والنقب أيضا في الحائط وغيره كالباب يخلص منه إلى ما وراءه ومنه الحديث الآخر: \"وإذ نقب مثل التنور\" قاله عياض (^٤) وفي هذا الحديث بيان فضل المدينة وحراستها في زمنه -ﷺ- وكثرة الحراس واستيعابهم الشعب زيادة في الكرامة لرسول الله -ﷺ- (^٥) والله أعلم.\n\n١٨٧٣ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل بِالْمَدِينَةِ ضعْفي مَا جعلت بِمَكَّة من الْبركَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٦).\nقوله: وعن أنس -﵁-، تقدم الكلام على أنس.\nقوله: \"اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة\" قال\n_________\n(^١) الألفاظ (ص ٣٤٣) لابن السكيت.\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٢٣) وإكمال المعلم (٤/ ٤٩٤).\n(^٣) إكمال المعلم (٤/ ٤٩٤).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ٢٣) وإكمال المعلم (٤/ ٤٩٤).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٨).\n(^٦) البخاري (١٨٨٥)، ومسلم (١٣٦٩)، وأحمد (١٢٤٥٢).","vol":"6","page":242},{"text":"الجوهري: ضعف الشيء [مثله، وضعفاه مثلاه، وقال الفقهاء: ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله، ولفظ البركة مجمل في بركة الدنيا والدين فبينها بقوله \"اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا\" إن المراد البركة الدنيوية (^١) ودعوته -ﷺ- مستجابة بلا شك، أ. هـ].\n\n١٨٧٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ دَعَا نَبِي الله -ﷺ- فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا وَبَارك لنا فِي شامنا ويمننا فَقَالَ رجل من الْقَوْم يَا نَبِي الله وعراقنا قَالَ إِن بهَا قرن الشَّيْطَان وتهيج الْفِتَن وَإِن الْجفَاء بالمشرق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nقرن الشَّيْطَان قيل مَعْنَاهُ أَتبَاع الشَّيْطَان وأشياعه وَقيل شدته وقوته وَمحل ملكه وتصريفه وَقيل غير ذَلِك.\nوقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وبارك لنا في شامنا ويمننا\" فقال رجل من القوم: يا نبي الله وعراقنا، قال: \"إن بها قرن الشيطان وتهيج الفتن\" الحديث، قال الحافظ (^٣): قرن الشيطان، قيل: معناه أتباعه وأشياعه، وقيل: شدته وقوته ومحل ملكه وتصرفه، وقيل: غير ذلك أ. هـ، وفي حديث: \"تطلع الشمس بين قرني الشيطان\" الحديث، قال الحربي (^٤): قرني الشيطان هما\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٩/ ٧١).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٢٥٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٥)، ورجاله ثقات.\n(^٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٥٧٩).\n(^٤) إكمال المعلم (٢/ ٥٨٨).","vol":"6","page":243},{"text":"ناحيتا رأسه وجانباه، وقال غيره: يأتي الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها فيجعل رأسه تحتها مخيلا أن سجود الكفار له لا لها (^١)، وقال بعض أهل العلم: المراد بقرنه جماعته وحزبه (^٢)، وقال بعضهم: هذا على المجاز والمراد من ذلك أن الشيطان في هذا الوقت تشتد وسوسته وتقوى (^٣) قاله ابن عقيل.\nقوله في حديث [وعراقنا قال]: \"إن بها قرن الشيطان\" الحديث، قيل: القرن القوة أي حين تطلع يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون كالمعين لها وقيل قرنيه [أي أمتيه] الأولين والآخرين وكل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها فكأن الشيطان سول له ذلك فإذا سجد لها كان الشيطان مقترن بها أ. هـ قاله في النهاية (^٤).\n\n١٨٧٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- رَأَيْت فِي الْمَنَام امْرَأَة سَوْدَاء ثائرة الرَّأْس خرجت حَتَّى قَامَت بمهيعة وَهِي الْجحْفَة فأولت أَن وباء الْمَدِينَة نقل إِلَى الْجحْفَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط ورواة إِسْنَاده ثِقَات (^٥).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٩٠).\n(^٢) أعلام الحديث (٣/ ١٥٠٨)، وغريب الحديث للخطابى (١/ ٧٢٥).\n(^٣) انظر شرح الإلمام (٤/ ٤٦٨)\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٥٢).\n(^٥) البخاري (٧٠٣٨)، والطبراني في الكبير (١٣١٤٧)، وفي الأوسط (٤٤٢٥)، وأحمد (٥٨٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٥)، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٧٤) وعزاه للبخاري.","vol":"6","page":244},{"text":"مهيعة: بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْهَاء بعْدهَا يَاء مثناة تَحت وَعين مُهْملَة مفتوحتين هِيَ اسْم لقرية قديمَة كَانَت بميقات الْحَج الشَّامي على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ميلًا من مَكَّة فَلَمَّا أخرج العماليق بني عبيل إخْوَة عَاد من يثرب نزلوها فَجَاءَهُمْ سيل الجحاف بِضَم الْجِيم فجحفهم وَذهب بهم فسميت حِينَئِذٍ الْجحْفَة بِضَم الْجِيم وَإِسْكَان الْحَاء الْمُهْملَة.\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله -ﷺ-: \"رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة\" بفتح الميم وإسكان الهاء بعدها ياء مثناة تحت وعين مهملة مفتوحتين هي اسم لقرية قديمة كانت ميقات الحج الشامي على اثنين وثلاثين (^١) ميلا من مكة فلما أخرج العماليق بني عبيل إخوة عاد من يثرب نزلوها فجاءهم سيل الجحاف بضم الجيم فجحفهم وذهب بهم فسميت حينئذ الجحفة بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة أ. هـ، قاله المنذري.\n\n١٨٧٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْمَدِينَة قبَّة الْإِسْلَام وَدَار الْإِيمَان وَأَرْض الْهِجْرَة ومثوى الْحَلَال وَالْحرَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل وثمانين.\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٥٦١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٩٨)، وفيه عيسى بن ميناء قالون، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٩٢١).","vol":"6","page":245},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"المدينة قبة الإسلام [يحتمل أن يكون المراد بذلك: عصمة المدينة من الدجال والفتن، فيكون الإسلام فيها موقرا]، ويحتمل أن يكون المراد بذلك [رجوع الناس] إلى سنة رسول الله -ﷺ-، ومنها: ظهرت ويحتمل أن يريد بذلك أن الدين أخذ من علمائها وأئمتها وكذلك كان (^١)، وفي الترمذي (^٢) أن النبي -ﷺ- قال: \"يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة، وعالم المدينة هو مالك بن أنس، \"ودار الإيمان وأرض الهجرة ومثوى الحلال والحرام\" والمثوى المنزل من ثوى المكان يثوي إذا أقام فيه قاله ابن الأثير (^٣)، وروي البزار (^٤) بإسناده عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: \"فتحت البلاد بالسيف وفتحت المدينة بالقرآن\" وروى الطبراني (^٥) عن معقل بن يسار مرفوعا: \"الْمَدِينَةُ مُهَاجِرِي وَمَضْجَعِي فِي الْأَرْضِ، حَقٌّ عَلَى أُمَّتِي أَنْ يُكْرِمُوا جِيرَانِي مَا اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ سَقَاهُ اللهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ\" قُلْنَا: يَا\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٩٩).\n(^٢) سنن الترمذي ت بشار (٢٦٨٠)، السنن الكبرى للنسائي (٤٢٧٧) وينظر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦٤٤٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٣٠).\n(^٤) سلسلة الأحاديث الضعيفة (١٨٤٧)، ولفظه: افتتحت القرى بالسيف، وافتتحت المدينة بالقرآن.\n(^٥) البخاري (١٨٧٦).","vol":"6","page":246},{"text":"أَبَا يَسَارٍ، مَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: \"عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ\". عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- \"إنَّ الإيمان لَيَأْزِرُ إلى المدينة كما تأْزِرُ الحيّةُ إلى جُحْرها\" رواه البخاري في الحج (^١) ومسلم في الإيمان (^٢)، وروي مسلم (^٣) عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا\".\nقوله \"يأرز هو بياء مثناة من تحت بعدها همزة ثم راء ساكنة ثم ياء\" هذا هو المشهور في أكثر الروايات، قال أبو الحسن بن سراج: ليأزر بضم الراء، وحكي [القابسي] فتح الراء ومعناه ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض هذا هو المشهور عند أهل اللغة والغريب (^٤).\nوقوله: \"بين مسجدين\" أي: بين مسجدي مكة والمدينة.\nقوله: \"بدأ الإسلام غريبا\" لفظة بدأ بالهمز من الابتداء قوله: \"طوبى\" فعلى من الطيب (^٥).\nوقوله: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (^٦) اختلف المفسرون في معناه فعن ابن عباس أنه فرح وقرة عين، وقال عكرمة نعم ما لهم وقال الضحاك غبطة\n_________\n(^١) مسلم (١٤٧).\n(^٢) مسلم (١٤٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٤٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٧).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٦).\n(^٦) سورة الرعد، الآية: ٢٩.","vol":"6","page":247},{"text":"لهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وقيل: خير وكرامة، وقيل: دوام الخير، وقيل: الجنة، وقيل: شجرة في الجنة وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث (^١) ومعنى غرابة الإسلام قال مالك في المدينة فإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود إليها كذلك، قال القاضي: وظاهر الحديث العموم وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر ثم سيحلقه النقص والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد [ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد] وقلة أيضا كما بدأ و[جاء فى الحديث] تفسير الغرباء بأنهم [النزاع] من القبائل، قال الهروي [: أراد بذلك] المهاجرين الذين أوطانهم إلى الله تعالى (^٢).\nقوله: \"وهو يأرز إلى المدينة\" قال القاضي عياض (^٣): معناه أولًا وآخرا بهذه الصفة لأنه كان في أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة إما مهاجرًا مستوطنا أو متشوقا إلى رؤية رسول الله -ﷺ- ومتعلما منه ومتقربا ثم بعده هكذا في زمان الخلفاء لأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة فيها ثم بمن بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقت وأئمة الهدى ولأخذ السنن المنتشرة بها عنهم وكان كل ثابت الإيمان منشرح الصدر به يرحل إليها ثم بعد ذلك في كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبي -ﷺ- والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه الكرام فلا يأتيها إلا مؤمن قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٧).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٤٥٧).","vol":"6","page":248},{"text":"١٨٧٧ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خير مَا ركبت إِلَيْهِ الرَّوَاحِل مَسْجِد إِبْرَاهِيم -ﷺ- ومسجدي رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ مَسْجِدي هَذَا وَالْبَيْت الْمَعْمُور.\nوَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه إِن خير مَا ركبت إِلَيْهِ الرَّوَاحِل مَسْجِدي هَذَا وَالْبَيْت الْعَتِيق (^١).\nقَالَ الْحَافِظ وَقد صَحَّ من غير مَا طَرِيق أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَا تشد الرَّوَاحِل إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى (^٢).\nقوله: وعن جابر تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"خير ما ركبت إليه الرواحل مسجد إبراهيم -ﷺ- ومسجدي\" وفي الرواية الأخرى: \"مسجدي هذا والبيت المعمور\" وفي الرواية الأخرى \"والبيت العتيق\" وتقدم الكلام على هذا وعلى قوله \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد\" في أول الباب مبسوطًا.\nقوله: \"البيت المعمور\" قيل: البيت المعمور الذي [بناه] آدم أول ما نزل إلى الأرض [فرفع] إلى السماء أيام الطوفان يدخل كل يوم سبعون ألف\n_________\n(^١) أحمد (١٤٦١٢)، والطبراني في الأوسط (٧٤٤)، وابن حبان (١٦١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٣٤٧)، وعبد بن حميد (١٠٤٩)، وأبو يعلى (٢٢٦٦)، والبزار (١٠٧٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣)، رواه أحمد والطبراني في الأوسط وإسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٢٥).\n(^٢) البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧)، وأحمد (٧١٩١)، وأبو داود (٢٠٣٣)، والنسائي في الكبرى (٦٩٠)، وابن ماجه (١٤٠٩)، وابن حبان (١٦٣١).","vol":"6","page":249},{"text":"ملك، وقال الزمخشري في ربيع الأبرار (^١): ويقاله له الضريح، ومن قال الضراح فهو اللحن الصراح، قاله الزركشي (^٢)، وقيل: البيت المعمور بيت في السماء حيال الكعبة (^٣) اسمه الضراخ والضراخ ضبطه الجوهري (^٤) بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وبالخاء المعجمة وسمي بذلك لأنه ضرخ عن الأرض إلى السماء أي بعد عنها، قال في كنز الدرر (^٥): واختلفوا في أي سماء هو على أقوال، أحدها: في السماء الدنيا وهو قول ابن عباس ومجاهد و[الربيع] وروي عكرمة عن ابن عباس حديث [بمعناه، وقال: حرمته] في السماء كحرمة الكعبة في [الأرض فهو] معمور بكثرة الغاشية [والأهل والعبادة] يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه [وخازنه يقال] له [رزين] والقول الثاني: أنه في السماء السادسة عند شجرة طوبى، روي عن علي، والقول الثالث: أنه في السماء السابعة قاله مجاهد والضحاك، وقد روى البخاري (^٦) في حديث المعراج عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"رأيت البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه\"، قلت: ولا منافاة بين هذه الأقوال لأنه يحتمل أن الله تعالى\n_________\n(^١) ربيع الأبرار (١/ ٩٦). وكذلك الفائق (٢/ ٣٣٦).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ١٩٥).\n(^٣) قاله الليث في تهذيب اللغة (٤/ ١٢٢).\n(^٤) الصحاح للجوهري (١/ ٣٨٦).\n(^٥) كنز الدرر (١/ ٦١ - ٦٢).\n(^٦) صحيح البخاري (٣٢٠٧).","vol":"6","page":250},{"text":"رفعه ليلة المعراج إلى السماء السابعة عند سدرة المنتهى تعظيما للنبي -ﷺ- حتى رءاه ثم أعاده إلى السماء الدنيا، ذكر الثعلبي عن الحسن البصري أنه قال: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ (^١) أنه الكعبة الحرام يعمره الله كل سنة بالناس وهو أول بيت عمر بالعباد، والقول الأول أظهر ولأن الكعبة تعمر بالناس في كل عام مرة واحدة والبيت المعمور يعمر كل يوم بالملائكة أ. هـ.\n\n١٨٧٨ - وَعَن سعد -﵁- قَالَ لما رَجَعَ رَسُول الله -ﷺ- من تَبُوك تَلقاهُ رجال من المتخلفين من الْمُؤمنِينَ فأثاروا غبارا فخمر بعض من كَانَ مَعَ رَسُول الله -ﷺ- أَنفه فأزال رَسُول الله -ﷺ- اللثام عَن وَجهه وَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن فِي غبارها شِفَاء من كل دَاء قَالَ وَأرَاهُ ذكر وَمن الجذام والبرص ذكره رزين الْعَبدَرِي فِي جَامعه وَلم أره فِي الْأُصُول (^٢).\nقوله: وعن سعد -﵁-[هو سعد بن أبى وقاص وتقدمت ترجمته].\n_________\n(^١) سورة الطور، الآية: ٤.\n(^٢) قال الحافظ الناجى في عجالة الاملاء (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨): عزوه حديث سعد، في غبار المدينة، إلى رزين، وتوريكه عليه. مُسَلَّم، وقد روى الحافظ أبو نعيم في الطب من حديث ثابت بن قيس بن شماس مرفوعا: غبار المدينة شفاء من الجذام.\nوروى أيضا مرسلا، من حديث سالم أنه يبرئ من الجذام. انظر جامع الأصول (٦٩٦٢).\nوقال الألباني في الضعيفة (٨/ ٤٢٤ رقم: ٣٩٥٧): وإذا عرفت أن طرق الحديث ضعيفة جدًا مع إرسالها وإعضالها، وفقدان الشاهد الصالح لها؛ يتبين لك جهل المعلقين على الترغيب (٢/ ١٩١) بقولهم: حسن بشواهده!\nوقال في ضعيف الترغيب (٧٧٠): منكر جدا. وقال في ضعيف الجامع (٣٩٠٨): ضعيف جدًا.","vol":"6","page":251},{"text":"قوله: لما رجع رسول الله -ﷺ- من تبوك تلقاه رجال من المتخلفين من المؤمنين فأثاروا غبارا فخمر بعض من كان مع رسول الله -ﷺ- أنفه، خمر معناه غطى أنفه والتخمير التغطية.\nقوله: \"تبوك\" وغزوة تبوك كانت في السنة [التاسعة من الهجرة].\n\n١٨٧٩ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لابي طَلْحَة التمس لي غُلَاما من غِلْمَانكُمْ يخدمني فَخرج أَبُو طَلْحَة يردفني وَرَاءه فَكنت أخدم رَسُول الله -ﷺ- كلما نزل قَالَ ثمَّ أقبل حَتَّى إِذا بدا لَهُ أحد قَالَ هَذَا جبل يحبنا ونحبه فَلَمَّا أشرف على الْمَدِينَة قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أحرم مَا بَين جبليها مثل مَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لَهُم فِي مدهم وصاعهم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقَالَ الْخطابِيّ فِي قَوْله هَذَا جبل يحبنا ونحبه: أَرَادَ بِهِ أهل الْمَدِينَة وسكانها كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٢) أَي أهل الْقرْيَة.\nقَالَ الْبَغَوِيّ: وَالْأولَى إجراؤه على ظَاهره وَلَا يُنكر وصف الجمادات بحب الْأَنْبِيَاء والأولياء وَأهل الطَّاعَة كَمَا حنت الأسطوانة على مُفَارقَته -ﷺ- حَتَّى سمع الْقَوْم حنينها إِلَى أَن سكنها وكما أخبر أَن حجرا كَانَ يسلم عَلَيْهِ قبل الْوَحْي فَلَا يُنكر عَلَيْهِ وَيكون جبل أحد وَجَمِيع أَجزَاء الْمَدِينَة تحبه وتحن إِلَى لِقَائِه حَالَة مُفَارقَته إِيَّاهَا. قَالَ الْحَافِظ وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْبَغَوِيّ حسن جيد وَالله أعلم.\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٨٩)، ومسلم (١٣٦٥).\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ٨٢.","vol":"6","page":252},{"text":"١٨٨٠ - وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْوَلِيد بن أبي ثَوْر عَن السّديّ عَن عبَادَة بن أبي يزِيد عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ كنت مَعَ النَّبِي -ﷺ- بِمَكَّة فخرجنا فِي بعض نَوَاحِيهَا فَمَا استقبله جبل وَلَا شجر إِلَّا وَهُوَ يَقُول السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- لأبي طلحة التمس: \"لي غلاما من غلمانكم يخدمني\" الحديث، الغلام الشاب القوي (^٢)، قال ذلك لأبي طلحة عند مقدمه إلى المدينة فاختار له أبو طلحة أنسا فخدمه عشر سنين.\nقوله: فخرج أبو طلحة يردفني وراءه فكنت أخدم رسول الله -ﷺ- كلما نزل، وقال: ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: \"هذا جبل يحبنا ونحبه\" الحديث، أحد: جبل بالمدينة، قال السهيلي (^٣): سمي به لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هنالك، وإنما خص الجبل بالذكر لأنه أول ما يبدوا من أعلامها، وقيل: سمي هذا الجبل بهذه الاسم إذ أهله هم الأنصار نصروا التوحيد والمبعوث بدين التوحيد مع انه مشتق من الأحدية، وحركاته الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وارتفاعه، أ. هـ، وجبل أحد كانت الوقعة عنده.\n_________\n(^١) الترمذي (٣٦٢٦)، والدرامي (٢١)، والحاكم (٢/ ٦٢٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٥٣)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٧٤٧).\n(^٢) المفاتيح (٦/ ١٩٢).\n(^٣) الروض الأنف (٥/ ٤٤٨ - ٤٥٠).","vol":"6","page":253},{"text":"قوله -ﷺ-: \"هذا جبل يحبنا ونحبه\" الحديث، قال الحافظ (^١): قال الخطابي (^٢) في قوله \"هذا جبل يحبنا ونحبه\": أراد به أهل المدينة وسكانها كما قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٣) أي أهل القرية أ. هـ، فتقدير الكلام أن أهل أحد يحبونا ونحبهم، أ. هـ.\nقال الزهري: وهذا عند علماء البيان والبديع جائز، قال العلماء في معنى هذا الحديث أقوال أحدها: ما ذكر وقيل: أراد أنه كان يبشره إذا رآه عند القدوم من أسفاره بالقرب من أهله ولقائهم وذلك فعل المحب، وقيل: بل حبه حقيقة وضع الحب فيه [كما وضع التسبيح] في الجبال المسبحة مع داود ﵇ (^٤)، قال الحافظ البغوي (^٥): والأولى إجراؤه على ظاهره ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة كما حنت الأسطوانة على مفارقته -ﷺ- حتى سمع القوم حنينها إلى أن سكنها، الحديث، الأسطوانة بضم الهمزة وسكون السين وضم الطاء المهملتين وهي السارية والعمود هكذا ذكره في التنقيح (^٦)، فهذا الذي ذكره البغوي (^٧) هو الصحيح\n_________\n(^١) أراد المنذرى.\n(^٢) ينظر: أعلام الحديث (٢/ ٨١٣) و(٢/ ١٣٩٠)، ومعالم السنن (٢/ ١٤٧).\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ٨٢.\n(^٤) الروض الأنف (٥/ ٤٤٨).\n(^٥) شرح السنة للبغوي (٧/ ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٦) كشف المناهج (٤/ ٤٩١).\n(^٧) ينظر: شرح السنة للبغوي (٧/ ٣١٤ - ٣١٥).","vol":"6","page":254},{"text":"المختار أن معناه أن أحدا يحبنا حقيقة جعل الله فيه تمييزا الحب به كما قال ﷾ في الحجارة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (^١) وكما حن الجذع اليابس (^٢)، وفي لفظ البخاري أنه -ﷺ- كان يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه النبي -ﷺ- فالتزمه (^٣)، وفي روايه له \"فمسحه (^٤) [وفى رواية] أخرى \"فسمعنا له مثل أصوات العشار\" (^٥) وفي صحيح مسلم وغيره أنه -ﷺ- أرسل إلى امرأة أن مري غلامك غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم عليها الناس فعملت هذه الثلاث درجات فكان يخطب عليها (^٦) وكان منبره -ﷺ- ثلاث دُرَج غير الدرجة التي تسمى المستراح ويستحب أن يقف على التي تليها (^٧) وكما سبح الحصى في في يديه (^٨) وكما فرَّ الحجر بثوب موسى -ﷺ- (^٩) وكما قال نبينا محمد -ﷺ- إني\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٧٤.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(^٣) الترمذي (٥٠٥) عن ابن عمر\n(^٤) البخاري (٣٥٨٣) وابن حبان (٦٥٠٦) عن ابن عمر.\n(^٥) البخاري (٩١٨) و(٣٥٨٥) عن جابر.\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٤٨) و(٩١٧) و(٢٠٩٤) و(٢٥٦٩)، ومسلم (٤٤ و٤٥ - ٥٤٤) عن سهل بن سعد.\n(^٧) كفاية النبيه (٤/ ٣٤٨).\n(^٨) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٤٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١١٤٦)، والبزار (٤٠٤٠) و(٤٠٤٤).\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٩٩: رواه البزار بإسنادين ورجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف.\n(^٩) أخرجه البخاري (٣٤٠٤) ومسلم (٧٥ - ٣٣٩) عن أبي هريرة.","vol":"6","page":255},{"text":"إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن يقال هو الحجر الأسود (^١)، وفي حديث بحيرا أن رسول الله -ﷺ- لما أقبل من العقبة من أرض بصرى قال بحيرا لمن كان عنده هذا سيد العالمين فقيل له بم ذلك، فقال إنه لما أقبل لم تبق شجرة ولا حجر إلا سجد (^٢)، ويروى أن النبي -ﷺ- لما خاف المشركين على نفسه ناداه جبل حراء إلي إلي يا رسول الله، وعن مجاهد قال: ما من صباح إلا ويسلم الجبل على الجبل ويقول: هل مر بك ذاكر لله ﷿، وكما دعا -ﷺ- الشجرتين المفرقتين فاجتمعتا (^٣) وكما رجف جبل حراء فقال: اسكن حراء فليس عليك إلا نبي\" (^٤) الحديث، وكما كلمته ذراع الشاة وأدل دليل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (^٥) الآية، قال بعض المفسرين: لا يزال الثوب يسبح الله ﷿ ما لم يتسخ فإذا اتسخ قطع التسبيح ولا تزال الورقة تسبح لله تعالى على\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢ - ٢٢٧٧) عن جابر بن سمرة وانظر الروض الأنف (٢/ ٣٨٨).\n(^٢) أخرجه البزار (٣٠٩٦) عن أبي موسى.\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه إلا يونس بن أبي إسحاق ولا عن يونس إلا عبد الرحمن بن غزوان المعروف بقراد.\n(^٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٦١٧ - ٦١٨) عن يعلى بن مرة عن أبيه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٨٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (٥٠ - ٢٤١٧) عن أبي هريرة.\n(^٥) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.","vol":"6","page":256},{"text":"الشجرة ما لم تسقط فإذا سقطت قطعت التسبيح ولا يزال الماء يسبح الله تعالى ما دام جاريا فإذا ركن قطع التسبيح، ونقيض السقف تسبيح وصرير الباب تسبيح (^١).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: نهى رسول الله -ﷺ- عن قتل الضفدع، وقال: \"إن نقيقها تسبيح\" (^٢) ولله ﷾ سر في هذه الجمادات من الأحجار والأشجار وغيرها أودعها معرفة وفهمًا، والصحيح في معنى هذه الأشياء كلها أن كل شيء يسبح حقيقة بحسب حاله ولكن لا نفقهه فهذا ما اختاره المحققون في معنى الحديث، وأن أحدا نحبه حقيقة (^٣) والله أعلم.\n\n١٨٨١ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أحد جبل يحبنا ونحبه فَإِذا جئتموه فَكُلُوا من شَجَره وَلَو من عضاهه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة كثير بن زيد (^٤).\n\n١٨٨٢ - وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن عبد الله بن\n_________\n(^١) تفسير الخازن (٣/ ١٣١).\n(^٢) أبو داود (٤٥٨٦)، ابن ماجه (٣٢٢٣)، الدارمي (١٩٤١)، مسند عبد الحميد (٦٥٧)، مصنف عبد الرزاق (٨١٩١)، السنن الكبرى للبيهقي (١٧٨٣٨) وروى البيقهي عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفًا: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، قال البيهقي: إسناده صحيح، قال الحافظ: وإن كان إسناده صحيحًا لكن عبد الله بن عمرو كان يأخذ عن الإسرائيليات. قال الصنعاني: والحديث دليل على تحريم قتل الضفادع.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (١٩٠٥)، وابن شبة في تاريخ المدينة (١/ ٨٤)، وعبد الرزاق (١٧١٧٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٦).","vol":"6","page":257},{"text":"مكنف عَن أنس وَهَذَا إِسْنَاد واه قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن جبل أحد يحبنا ونحبه وَهُوَ على ترعة من ترع الْجنَّة وعير على ترعة من ترع النَّار (^١).\nقَالَ المملي -﵁- وَقد صَحَّ عَن النَّبِي -ﷺ- من غير مَا طَرِيق وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنه قَالَ لَاحَدَّ هَذَا جبل يحبنا ونحبه وَالزِّيَادَة على هَذَا عِنْد الطَّبَرَانِيّ غَرِيبَة جدًّا.\nالعضاه تقدم.\nوالترعة بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا عين مُهْملَة مَفْتُوحَة هِيَ الرَّوْضَة وَالْبَاب أَيْضا وَهُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث فقد جَاءَ مُفَسرًا فِي حَدِيث أبي عَنْبَس بن جبر -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لأحد هَذَا جبل يحبنا ونحبه على بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة وَهَذَا عير جبل يبغضنا ونبغضه على بَاب من أَبْوَاب النَّار رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^٢).\nقوله: وعنه -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أحد يحبنا ونحبه فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه\".\nقوله: \"أحد يحبنا ونحبه\" قال ﵇ \"المرء مع من أحب\" وكان ﵇\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣١١٥)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٤٥)، هذا إسناد ضعيف، لتدليس ابن إسحاق، وشيخه عبد الله بن مكنف، قال البخاري: في حديثه نظر، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وقال الألباني ضعيف جدًا: في ضعيف الجامع (١٣٦٨).\n(^٢) البزار (١١٩٩)، والطبراني في الأوسط (٦٥٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣)، وفيه عبد المجيد بن أبي عبس، لينه أبو حاتم، وفيه من لم أعرفه، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٨).","vol":"6","page":258},{"text":"يحب الاسم الحسن ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد خص الله تعالى هذا الجبل بهذا الاسم لموافقته لما أراد الله تعالى من مشاكلة اسمه لمعناه إذ أن أهله وهم الأنصار نصروا التوحيد والمبعوث بدين التوحيد عنده استقر حيا وميتا وكان من عادته ﵇ أن يحب الوتر ويستعمله في شأنه كله استشعارا للأحدية، فقد وافق اسم هذا الجبل لأغراضه ﵇ ومقاصده في الأسماء فاسم هذا الجبل من أوفق الأسماء له ومع أنه مشتق من الأحدية فحركات حروفه الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه فتعلق الحب من النبي -ﷺ- به اسمًا ومعنى فخص من بين الجبال كلها بان يكون معه في الجنة إذا بست الجبال بسا فكانت هباء منبثا، وفي أحد قبر هارون ﵇ وفيه قبض وكان أحد محببا إلى قومه (^١) انتهى قاله في الديباجة، وتقدم الكلام على أحد وعلى العضاه.\nوقوله في الرواية الأخرى: \"إن جبل أحد يحبنا ونحبه وهو على ترعة من ترع الجنة\" والترعة هي الروضة والباب أيضا كذا فسرها الحافظ (^٢)، وهو المراد في هذا الحديث، وقيل: الترعة الدرجة، وقيل: الباب وفي رواية \"على ترعه من ترع الحوض\" وهو مفتح الماء إليه، وأترعت الحوض إذا ملأته، والترعة في الأصل الروضة على المكان المرتفع خاصة فإذا كانت في المطمئن فهي الروضة، وقال الطحاوي في مشكل الآثار: وقد جاء \"وضع\n_________\n(^١) قاله السهيلى في الروض الأنف (٥/ ٤٤٩ - ٤٥٠).\n(^٢) أى المنذرى.","vol":"6","page":259},{"text":"منبري على ترعة من ترعات الجنة وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة وإن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة\" (^١) قال: ففي هذا الحديث ما يدل على أن قبره ومنبره خارجان عن الروضة وأن منبره في موضع من الجنة غير الروضة المذكورة في الحديث، ومما يدل على ذلك أن سهل بن سعد لما حدث عن النبي -ﷺ- أن منبره على ترعة من ترع الجنة قال: أتدرون ما الترعة؟ هي الباب من أبواب الجنة (^٢) وإذا كان منبره -ﷺ- قد بلغه الله بجلوسه وقيامه عليه هذه المنزلة فغيره الذي تضمن بدنه الشريف وصار له مثوى بأن يكون من الجنة أرفع منها وأحرى وهو بذلك أولى والجنة فيها روضات كثيرة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ (^٣) فقد يكون قبره في روضة منها غير الروضة المذكورة في الحديث، وقد يكون فيها\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في مشكل الآثار (٢٨٧١)،، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٧٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٢٦٤، و٦/ ٣٤١) والسمرقندى في الفوائد (٦١)، وأبو الحسين الطيورى في الطيوريات (٩٣). قال أبو نعيم: غريب من حديث مالك وربيعة، تفرد به مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ، أبو الربيع التيمي البصري. وقال ابن عبد البر: لم يتابعه أحد على هذا الإسناد. التمهيد (١٧/ ١٨٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٣٥ (٢٢٨٤١) و٥/ ٣٣٩ (٢٢٨٧٤)، والطحاوى في المشكل (٢٨٨٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٢ رقم ٥٧٧٩) و(٦/ ١٤٩ رقم ٥٨٠٩) و(٦/ ١٧٠ رقم ٥٨٨٨) و(٦/ ١٩٠ رقم ٥٩٧١) و(٦/ ١٩٩ رقم ٥٩٩٥). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٩: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٦٣).\n(^٣) سورة الشورى، الآية: ٢٢.","vol":"6","page":260},{"text":"من غير الروضة مما هو أرفع من الروضة وقد يكون مما تجمع الروضة وغيرها مما شرفه الله به وأبان منزلته عن الناس، وفي تصحيح هذه الألفاظ علم من أعلام نبوته -ﷺ- لأن [الله اختصه بأَن أَعلمه بالمخفيات] والله أعلم قاله الزركشى (^١)، وجاء في الحديث: \"ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة\" وفي لفظ \"ما بين بيتي ومنبري\" وفي لفظ للطبراني \"ما بين حجرتي ومصلاي\" قال الكرماني (^٢): قال الطبري: المراد بالبيت إما القبر وإما مسكنه [الظاهر] ولا تفاوت بينهما لأن قبره في حجرته وهي بيته وسمي تلك البقعة المباركة روضة لأن زوار قبره من الملائكة والإنس والجن لم يزالوا مكبين على ذكر الله وعبادته.\nواختلف في المراد به فقيل: مجري على ظاهره فيوم القيامة ينقل قبره ومنبره فيكون ما بينهما روضة من رياض الجنة وهذا لا مانع منه (^٣)، وقيل: المراد به أن من قصد زيارة هذا الموضع الشريف كان جزاؤه أن يدخل روضة من رياض الجنة (^٤) والأول أصوب، أ. هـ.\nوقيل: معنى الحديث أن الصلاة والذكر فيما بينهما يؤدي إلى روضة من رياض الجنة، وقيل: سمى ما بينهما روضة لأنه مجلس الذكر والدعاء وقد سمى\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٢٥٢).\n(^٢) ينظر: الكواكب الدراري (٧/ ١٦ - ١٧).\n(^٣) المفهم (١١/ ٤٢).\n(^٤) الميسر (١/ ٢٠١) وشرح المصابيح (١/ ٤١٩).","vol":"6","page":261},{"text":"رسول الله -ﷺ- مجالس الذكر والدعاء رياضا لأنها مؤدية إليها كذا ذكره البيضاوي في شرح المصابيح (^١)، وفي هذه الرواية الأخرى \"منبري على حوضى\" [أي: حوض الكوثر يدعو الناس عليه، قال الخطابي (^٢): معناه [تفضيل] المدينة والترغيب في المقام بها والاستكثار من ذكر الله تعالى وعبادته في مسجدها وأن من لزم الطاعة آلت به الطاعة إلى روضة الجنة ومن لزم عبادة الله عند المنبر سقى في القيامة من الحوض والله أعلم قاله الكرماني (^٣)].\nاختلف العلماء في معناه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن المراد به أن هذا المنبر بعينه يعاد فيكون على الحوض منصوبا، والثاني: أنه ينصب له منبر آخر، والثالت: أن من قصد زيارته ترتب له على ذلك أن يسقي من حوضه (^٤) ذكره ابن عقيل، وقال القاضي عياض (^٥): قال أكثر العلماء: المراد منبره بعينه الذي كان في الدنيا قال: وهذا هو الأظهر وأنكر كثير منهم ذلك، قال: وقيل إن له هناك منبرا على حوضه، وقيل: معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ويقتضي شربه منه (^٦) أ. هـ.\nوفي رواية أخرى: \"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة\" ذكروا في\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٦٤٩).\n(^٣) ينظر: الكواكب الدراري (٢٣/ ٦٩ - ٧٠).\n(^٤) المفهم (١١/ ٤٣).\n(^٥) ينظر: إكمال المعلم (٤/ ١٧٦).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٦٢).","vol":"6","page":262},{"text":"معناه قولين، أحدهما: القبر قاله زيد بن أسلم كما روي مفسرا بين قبري ومنبري أن ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنة، والثاني: ان العبادة فيه تؤدي إلى الجنة، قال الطبري: في المراد ببيتي هنا قولان، أحدهما: القبر قاله زيد بن أسلم كما روي مفسرا بين قبري ومنبري، والثاني: بيت سكناه على ظاهره، وروي: \"ما بين حجرتي ومنبري\" قال الطبري والقولان متفقان لأن قبره -ﷺ- في حجرته وهي بيته (^١) ا. هـ والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"وهذا عير جبل يبغضنا ونبغضه على باب من أبواب النار\" عير: بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة جبل معروف بالمدينة، ويقال له غاير، وفي حديث آخر في الصحيح: \"المدينة حرم ما بين عير إلى ثور\" وأما ثور فالمعروف أنه بمكة وفيه الغار الذي اختفي فيه رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وفي راوية قليلة: \"المدينه حرم ما بين عير وأحد\" وأحد بالمدينة فيكون ثور غلطا من الراوي وإن كان هو الأشهر في الرواية والأكثر وإن صحت الرواية فيكون معناه حرم المدينة مقدر في المسافة ما بين عير وثور إن كانا موجودين بمكة أو غيرها أو حرم المدينة تحريمًا مثل تحريم بين عير وثور بمكة على حذف المضاف ووصف المصدر محذوف، وقال القاضي عياض (^٢): ويقول بعضهم ليس بالمدينة عير ولا ثور ولا بقربه منها جبل يسمى بواحد من هذين الاسمين، وقال الزبير: عير جبل بناحية\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٦١).\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ١٧٦).","vol":"6","page":263},{"text":"بالمدينة وأكثر الرواة لكتاب البخاري ذكروا عيرا وأما ثور فمنهم من كنى عنه بلدا ومنهم من ترك بمكانه بياضا ليتبين الوهم فيه لأنهم اعتقدوا أن ذكر تور هنا خطأ، وقال المحب الطبرى: ثور جبل بالمدينة رأيته غير مرة وحددته (^١) أ. هـ، ويقال له ثور المحل، وقال بعضهم: اسم [الجبل] المحل نسب إلى ثور بن عبد مناة لأنه نزله (^٢)، أ. هـ.\n\n١٨٨٣ - وَرُوِيَ عَن سهل بن سعد -﵄- قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أحد ركن من أَرْكَان الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٣).\nقوله: وروي عن سهل بن سعد -﵄-، تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"أحد ركن من أركان الجنة\" تقدم الكلام على أحد.\n\n١٨٨٤ - وَعَن سَلمَة بن الْأَكْوَع -﵁- قَالَ كنت أرمي الْوَحْش وأصيدها وأهدي لَحمهَا إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أما لَو كنت تصيدها بالعقيق لشيعتك إِذا ذهبت وتلقيتك إِذا جِئْت فَإِنِّي أحب العقيق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^٤).\n\n١٨٨٥ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَتَانِي آتٍ وَأَنا بالعقيق فَقَالَ\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(^٢) كنز الدرر (١/ ١٣١).\n(^٣) أبو يعلى (٧٤٧٨)، والطبراني في الكبير (٥٨١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣)، وفيه عبد الله بن جعفر، والد علي بن المديني، وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٧).\n(^٤) الطبراني في المعجم الكبير (٦٢٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٤)، وإسناده حسن.","vol":"6","page":264},{"text":"إِنَّك بواد مبارك رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد قوي (^١).\nقوله: وعن سلمة بن الأكوع -﵁-، واسم الأكوع سنان بن مسلم، ويقال أبو إياس الأسلمي المدني الحجازي أحد من بايع تحت الشجرة وغزى غزوات وكان شجاعا راميا محسنا، قال يحيى بن بكير وغيره: مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وله ثمانون سنة (^٢) والله أعلم.\nقوله: قال كنت أرمي الوحش وأصيدها وأهدي لحمها إلى رسول الله -ﷺ-\" الحديث، وتقدم الكلام على سلمة بن الأكوع، قال الشيخ تقي الدين القشيري: والظاهر أن هذا كله قبل التحريم.\nقوله -ﷺ-: \"أما لو كنت تصيدها بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق\" والعقيق: موضع بينه وبين المدينة عشرة أميال (^٣)، وهو واد عليه أموال أهل المدينة (^٤)، وبه مات سعد وحمل إلى المدينة فصلى عليه ودفن بها فرضي الله تعالى عنه (^٥)، وقيل: على ثلاثة أميال وقيل ميلين وقيل ستة، وقيل: سبعة، قاله ابن وضاح، وهما عقيقان أحدهما عقيق المدينة وهو العقيق الأصغر وفيه بئر رومة والعقيق الآخر أكبر من هذا وفيه بئر عروة\n_________\n(^١) البزار (١٢٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٤)، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٩ ترجمة ٢٢١)، وتهذيب الكمال (١١/ ٣٠١ - ٣٠٢ ترجمة ٢٤٦٢). وعندهم أن الأكوع اسمه سنان بن عبد الله بن قشير الأسلمى.\n(^٣) كشف المشكل (١/ ٢٤٦) والمفهم (١١/ ٣٠).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ١٠٨).\n(^٥) كشف المشكل (١/ ٢٤٦) والمفهم (١١/ ٣٠).","vol":"6","page":265},{"text":"الذي ذكره الشعراء والعقيق الذي جاء فيه: \"إنك بواد مبارك\" هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة وهو الأقرب منهما، قاله عياض (^١) والعقيق واد يدفق ماؤه في غور تهامة (^٢) ومبارك بلفظ النكرة وقي بعضها بالمعرفة والإضافة أي وادي الموضع [المبارك] (^٣).\n\n١٨٨٦ - وَعَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ حَدثنِي رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي وَأَنا بالعقيق أَن صل فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٤).\nقوله: وعن عمر، تقدم الكلام على عمر -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"أتاني الليلة آت من ربي وأنا بالعقيق [قال الجوهرى: العقيق واد بظاهر المدينة وكل مسيل شقه ماء السيل وهو موضع قريب من ذات عرق، قبلها بمرحلة أو مرحلتين وقال أبو سليمان الخطابي: هو ميقات لأهل العراق].\nقوله \"أن صل في هذا الوادي المبارك\" إعلام [منه ﵇] بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه لأن الأمة مجمعة على أن الصلاة بوادي العقيق غير فرض فبان بهذا أن أمره -ﷺ- بالصلاة فيه نظير حثه على الصلاة في مسجده\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٠٨).\n(^٢) عمدة القارى (٩/ ١٤٧).\n(^٣) الكواكب الدراري (٨/ ٦٧)، وعمدة القارى (٩/ ١٤٧).\n(^٤) البخاري (١٥٣٤)، وابن خزيمة (٢٦١٧).","vol":"6","page":266},{"text":"ومسجد قباء (^١) أ. هـ، قاله في الديباجة.\nوقد ركب ﵊ إليه ثم رجع فقال: \"يا عائشة، جئنا من هذا العقيق فما ألين موطئه وأعذب ماءه! \" قالت: أفلا ننتقل إليه؟ قال: \"وكيف وقد ابتنى الناس\"، وقد ابتنى الناس من خلافة عثمان ونزلوا وحفروا فيه الآبار وغرسوا فيه الأشجار والنخيل من جميع نواحيه على جنبتي وادي العقيق ونزل فيه جماعة من الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص وأبو [هريرة وسعيد بن زيد] وسعيد بن العاصي ومات به سعد وسعيد وهما من العشرة، و[أبو هريرة] مات به سعيد بن العاص وحملوا إلى المدينة ودفنوا بالبقيع وكانت فيه قصور مشيدة ومناظر رائقة وآبار عذبة وحدائق ملتفة فخرب على طول الزمان ولم فيه اليوم إلا الآثار، قال ابن النجار وليس به مساكن (^٢) أ. هـ، قاله في شرح الإلمام.\nوروى ابن أبي الدنيا في \"كتاب الاعتبار\" من حديث أنس بن مالك قال: خرجت مع رسول الله -ﷺ- إلى وادي العقيق فقال: \"يا أنس خذ هذه المطهرة واملأها من هذا الوادي المبارك فإنه يحبنا ونحبه\" فأخذتها فملأتها وأسرعت فلحقت النبي -ﷺ- وهو آخذ بيد علي فلما سمع حسي التفت إلي وقال: \"يا أنس فعلت ما أمرتك به\" قلت: نعم يا رسول الله، ثم التفت إلي على فقال:\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٤/ ٢٠٣) لابن بطال.\n(^٢) تاريخ مكة المشرفة (ص ٢٤٢ - ٢٤٣).","vol":"6","page":267},{"text":"\"يا علي ما من حبرة إلا ستتبعها عبرة يا علي ما من حبرة إلا ستتبعها عبرة، يا علي كل هم منقطع إلا هم النار\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الاعتبار (١). قلنا فيه الحسن بن يحيى الخشنى صدوق كثير الغلط.","vol":"6","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الترهيب من إخافة أهل المدينة أو إرادتهم بسوء</span>\n١٨٨٧ - عَن سعد -﵁- قَالَ سَمِعت النَّبِي -ﷺ- يَقُول لَا يكيد أهل الْمَدِينَة أحد إِلَّا انماع كَمَا ينماع الْملح فِي المَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n١٨٨٨ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بسوء إِلَّا أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص أَو ذوب الْملح فِي المَاء (^٢).\nوَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا (^٣).\nقوله: عن سعد -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء\" الحديث، إنماع أي يذوب كما يذوب الملح ويسيل يقال ماع الشيء يميع وانماع إذا ذاب وسال ومنه حديث جرير \"مَاؤُنا يَمِيع، وجَنَابُنَا مَريع\" قاله في النهاية (^٤)، وفي الرواية الأخرى: \"لا يريد أحد لأهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص وذوب الملح في الماء\" (^٥) الحديث [قال القاضي هذه\n_________\n(^١) البخاري (١٨٧٧)، ومسلم (١٣٨٧).\n(^٢) مسلم (١٣٦٣).\n(^٣) مسلم (١٣٨٦)، وأحمد (٧٧٥٥)، والنسائي في الكبرى (٤٢٦٨)، وابن ماجه (٣١١٤)، وعبد الرزاق (١٧١٥٦).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٨١).\n(^٥) مسلم (١٣٦٣).","vol":"6","page":269},{"text":"الزيادة وهي قوله في النار تدفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها] هذه الزيادة وتبين أن هذا حكمه في الآخرة، قال: وقد يكون المراد به من أرادها في حياة رسول الله -ﷺ- كفي المؤمنون أمره واضمحل كيده كما يضمحل الرصاص في النار والملح في الماء، ويحتمل أن يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله تعالى بل يرهبه عن قرب كما انقضى حال من [حاربها] أيام بني أمية كمسلم بن عقبة فإنه هلك في منصرفه عنها ثم هلك يزيد بن معاوية مرسلة على أثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنيعهما (^١) ودليل حمل ذلك على زمانه وحياته -ﷺ- ما في الحديث الآخر لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه وقد خرج منها بعد موته -ﷺ- من الصحابة من لم يعوض الله خيرا منه فدل على أن ذلك محمول على حياته فإن الله تعالى كان يعوض أبدا رسوله خيرا ممن رغب عنه وهذا واضح، ويحتمل أن يكون قوله \"أذابه الله\" كناية عن إهلاكه في الدنيا [قبل موته وقد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله] بعد منصرفه عنها إلى مكة لقتال ابن الزبير ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث ليال (^٢).\n\n١٨٨٩ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- أَن أَمِيرا من أُمَرَاء الْفِتْنَة قدم الْمَدِينَة وَكانَ قد ذهب بصر جَابر فَقيل لجَابِر لَو تنحيت عَنهُ فَخرج يمشي بَين ابنيه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢) التذكرة (ص ١١٨٥).","vol":"6","page":270},{"text":"فانكب فَقَالَ تعس من أَخَاف رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ ابناه أَو أَحدهمَا يَا أبتاه وَكَيف أَخَاف رَسُول الله -ﷺ- وَقد مَاتَ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من أَخَاف أهل الْمَدِينَة فقد أَخَاف مَا بَين جَنْبي رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\n\n١٨٩٠ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِى صَحِيحه مُخْتَصرا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أَخَاف أهل الْمَدِينَة أخافه الله (^٢).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله -﵄-، تقدم الكلام على جابر.\nقوله: أن أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة، فذكره إلى أن قال: تعس من أخاف رسول الله -ﷺ-، تعس بفتح التاء [وكسر العين قال ابن الأثير وقد تفتح العين - ومعناه لغة: عثر وانكب لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك (^٣)].\n\n١٨٩١ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ اللَّهُمَّ من ظلم أهل الْمَدِينَة وأخافهم فأخفه وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَلَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير بِإِسْنَاد جيد (^٤).\n_________\n(^١) أحمد (١٤٨١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٦)، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٩٧٨).\n(^٢) ابن حبان (٣٧٣٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٩٧٧).\n(^٣) النهاية (١/ ١٩٠).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٣٥٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٦)، رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":271},{"text":"١٨٩٢ - وروى النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ عَن السَّائِب بن خَلاد -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اللَّهُمَّ من ظلم أهل الْمَدِينَة وأخافهم فأخفه وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا (^١).\n\n١٨٩٣ - وَفِي رِوَايَة للطبراني قَالَ من أَخَاف أهل الْمَدِينَة أخافه الله يَوْم الْقِيَامَة وَغَضب عَلَيْهِ وَلم يقبل مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا (^٢).\nالصّرْف هُوَ الْفَرِيضَة الْعدْل التَّطَوُّع قَالَه سُفْيَان الثَّوْريّ.\nوَقيل هُوَ النَّافِلَة وَالْعدْل الْفَرِيضَة.\nوَقيل الصّرْف التَّوْبَة وَالْعدْل الْفِدْيَة قَالَه مَكْحُول.\nوَقيل الصّرْف الِاكْتِسَاب وَالْعدْل الْفِدْيَة.\nوَقيل الصّرْف الْوَزْن وَالْعدْل الْكَيْل وَقيل غير ذَلِك.\nقوله: وعن عبادة بن الصامت -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" هذا الحديث فيه وعيد شديد لمن ارتكب هذا، قال القاضي عياض (^٣) رحمه الله تعالى: واستدلوا بهذا على أن ذلك من\n_________\n(^١) النسائي في الكبرى (٤٢٦٥، ٤٢٦٦)، والطبراني في الكبير (٦٦٣٦)، وأحمد (١٦٥٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٧٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثالي (٢١٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٧)، وفيه من لم أعرفه.\n(^٢) الطبراني في الكبير (٦٦٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٦)، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ١٧٦).","vol":"6","page":272},{"text":"الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة، ومعناه: ان الله تعالى يلعنه كذلك والملائكة تلعنه والناس أجمعون وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله تعالى وعن الجنة فإن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد قالوا والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة أول الأمر وليس هي كلعنة الكفار الذين يبعدون عن رحمة الله كل الإبعاد أولا وآخرا، أ. هـ والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"ولا يقبل منه صرف ولا عدل\" قال الحافظ المنذري: الصرف هو الفريضة والعدل هو التطوع، قاله سفيان الثوري، وقيل: هو النافلة والعدل الفريضة، أ. هـ قاله الحسن البصري عكس قول الجمهور، قال الحافظ (^١): وقيل: الصرف التوبة والعدل الفدية قاله مكحول، قال القاضي عياض (^٢) ﵀: وقيل معناه لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى وإن قبل قبول جزاء، وقيل: يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما قال: وقد يكون معنى الفدية هنا أنه لا يجد في القيامة فداء يفتدي به بخلاف غيره من المذنبيين الذين يتفضل الله تعالى على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما ثبت في الصحيحين (^٣) أنه -ﷺ- قال: \"يؤتى كل مؤمن برجل من اليهود أو من النصارى فيقال له: هذا فداؤك من النار\" أ. هـ.\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٤٩١).\n(^٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٢٦٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٩٦٠٠) والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩). وأخرجه مسلم (٢٧٦٧) (٥٠) وأحمد (١٩٤٨٥) ولفظه: لَا يَمُوتُ مُسْلِمٌ، إِلَّا أَدْخَلَ اللهُ ﷿ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا.","vol":"6","page":273},{"text":"١٨٩٤ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من آذَى أهل الْمَدِينَة آذاه الله وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من آذى أهل المدينة آذاه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" تقدم الكلام على اللعنة في الحديث قبله.\n\n١٨٩٥ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اللَّهُمَّ اكفهم من دهمهم ببأس يَعْنِي أهل الْمَدِينَة وَلَا يريدها أحد بِسوء إِلَّا أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^٢). وَآخر فِي الصَّحِيح بِنَحْوِهِ وَتقدم.\nدهمهم محركة: أَي غشيهم بِسُرْعَة وَالله أعلم.\nقوله: وعن سعد بن أبي وقاص -﵁-، تقدم الكلام على منقابه في صلاة الاستخارة وغيرها مبسوطا رضي الله تعالى عنه.\nقوله -ﷺ-: \"اللهم اكفهم من دهمهم ببأس يعني أهل المدينة\" دهمهم محركة أي غشيهم بسرعة، أ. هـ، قاله المنذري، والدهيم والدهيماء مصغران\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه العباس بن الفضل الأنصاري، وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣١٣).\n(^٢) البزار (١١٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٧).","vol":"6","page":274},{"text":"من أسماء الدواهي قاله عياض (^١) وقال القرطبي (^٢): الدهيم والدهيماء من أسماء الداهية والجيش العظيم أو الفساد العظيم، أ. هـ.\nفائدة في أسماء المدينة: ولها أسماء كثيرة منها وهو المشهور المدينة قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا﴾ (^٤) وهي إذا أطلقت أريد بها دار الهجرة التي فيها بيت رسول الله -ﷺ- ومنبره وقبره، ثم قال قطرب وابن فارس وغيرهما (^٥): إنها مشتقة من دان إذا أطاع والدين الطاعة فتكون الميم على هذا زائدة، وقيل: من مدن بالمكان إذا أقام به فتكون الميم أصله وجمعها مدن بضم الدال وإسكنها ومدائن بالهمز وتركه وترك الهمز أفصح وبه جاء القرآن، أ. هـ، ومنها: اسمها طابة وفي صحيح مسلم (^٦) عن جابر بن سمرة ان النبي -ﷺ- قال: \"إن الله ﷿ سمى المدينة طابة\" ومعناه طاهرة التربة وهي سبخة فدل ذلك على جواز التيمم بالسباخ، وقيل: معناه الطاهرة من النفاق، ومنها: اسمها طيبة بفتح الطاء وسكون الياء وسميت بذلك من الطيب وهو الرائحة الحسنة والطيبة.\n_________\n(^١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٢٩٧).\n(^٢) ينظر: تفسير القرطبي (٢/ ٤٠٤).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٢٠.\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١٠١.\n(^٥) ينظر: لسان العرب (١٣/ ٤٠٢)، تاج العروس (٣٦/ ١٥٦)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٢٠١).\n(^٦) صحيح مسلم (١٣٨٥).","vol":"6","page":275},{"text":"والطيب لغتان بمعنى واحد، وقيل: هو مأخوذ من الشيء الطيب وهو الطاهر لخلوصه من الشرك وطهارتها منه، وقيل: لطيبها كساكنها وأمنهم ودعتهم فيها، وقيل: من طيب العيش، يقال: طاب لي الشيء أي وافقني، قال ابن بطال (^١): من سكنها يجد في تربتها وحيطانها رائحة طيبة [والمعجونات] من الطيب فيها أحد رائحة من غيرها، ومنها: اسمها طيبة بتشديد الياء ومنه الحديث: \"جعلت لي الأرض طيبة طهورا\" أي نظيفة غير خبيثة قاله في النهاية (^٢)، ومنها: اسمها الطيبة، ومنها: اسمها المحببة، ومعناها غير معنى المحبة، حكي هذه الثالثة ابن بري عن ابن خالويه، ومنها: اسمها الدار، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ (^٣) ولا خلاف أنها المدينة، سميت بذلك لأمنها والاستقرار بها، ومنها: المسكينة، ذكر ابن زبالة (^٤) بإسناده عن كعب قال: نجد في كتاب الله تعالى الذي نزله على موسى -ﷺ-: إن الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة يا طابة يا مسكينة لا تقبلي الكنوز ارفعي أحاجيرك على أحاجير القرى، وهي إما من السكينة أو المسكنة، ومنها: اسمها جابرة، ومنها: اسمها: المجبورة، ومنها: اسمها العذراء، قال ابن سيدة في المحكم (^٥) قال: وأراها سميت بذلك لأنها لم تنل بمكروه ولا أصيبت\n_________\n(^١) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤/ ٥٤٤ - ٥٤٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٤٩).\n(^٣) سورة الحشر، الآية: ٩.\n(^٤) أخبار المدينة (ص ١٨٧).\n(^٥) المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٧٤).","vol":"6","page":276},{"text":"سكانها بأذاة عدو، ومنها: المحبة ذكره [أبو] عبيد البكري، ومنها: اسمها المحبوبة، ومنها: اسمها القاصمة لأنها قصمت الجبابرة، ومنها: اسمها الحبيبة حكاه ابن خالويه، ومنها: مدخل صدق هو المدينة في قول أكثر المفسرين، ومنها: اسمها حسنة قيل: في قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (^١) قيل: هي المدينة، ومنها: اسمها دار السنة، ومنها: اسمها دار الهجرة، ومنها: اسمها دار الإيمان لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (^٢)، قال ابن أبي خيثمة: الإيمان من أسمائها، قال عبد العزيز بن محمد: وبلغني أن لها في التوراة أربعين اسما، ومنها: تسميتها يثرب فهو اسمها في الجاهلية وسماها في الحديث به، فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل النهي، وقيل: لبيان الجواز وأن النهى للتنزيه لا للتحريم، وقيل: خوطب به من يعرفها به، ولهذا جمع بينه وبين اسمها الشرعي، فقال المدينة يثرب هكذا هو مذكور فأما تسميتها بذلك ففي معجم البكري سميت بيثرب بن وائل من بني آدم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها، وعن أبي عبيدة: يثرب اسم أرض ومدينة الرسول في ناحية منها، وقال الماوردي في يثرب وجهان، أحدهما: المدينة حكاه ابن عباس، والثاني: ان المدينة في ناحية من يثرب قاله أبو عبيدة، وفي الكشاف: يثرب اسم للمدينة وقيل أرض وقعت المدينة في ناحية منها، وكذا قال ابن عطية وسميت في القرآن بذلك حكاية عن قول من\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٤١.\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٩.","vol":"6","page":277},{"text":"قالها من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وقد جاء النهي عن تسميتها بذلك لأنه مأخوذ من الثرب وهو الفساد أو من التثريب وهو التوبيخ والملامة وكان رسول الله -ﷺ- يكره الاسم الخبيث، وروي الإمام أحمد في مسنده وأبو يعلى برجال ثقات من حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من سمى المدينة بيثرب فليستغفر الله تعالى هي طيبة وهي طابة\" (^١) قال ابن بطال (^٢): وروي عنه -ﷺ- أنه قال \"من قال يثرب فكفارته أن يقول المدينة عشر مرات\" (^٣) يريد بذلك التوكيد أن يقال لها المدينة، ورينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة\" (^٤) أ. هـ، هكذا ذكر هذه الأسماء للمدينة الزركشي (^٥) وغيره.\nتنبيه: حكى ابن الحاج في المدخل (^٦) عن النووي أنه كان يكره أن يلقب بمحي الدين كراهة شديدة، قال: وقد وقع في بعض الكتب المنسوبة إليه أنه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٥ (١٨٥١٩)، وابن شبة في تاريخ المدينة ١/ ١٦٥، وأبو يعلى (١٦٨٨). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٠٠: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله ثقات! قلنا: يزيد بن أبي زياد ضعفوه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٦٣٥).\n(^٢) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤/ ٢٢٢).\n(^٣) أخرجه ابن طهمان في مشيخته (٤٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢١٧)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ١٩٨). وقال البخاري: ولا يتابع عليه، وفى إسناده نظر.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٩١٩). وابن حبان (٦٧٧٦). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٠٠).\n(^٥) إعلام الساجد (ص ٢٣٢ - ٢٣٦).\n(^٦) المدخل (١/ ١٢٧).","vol":"6","page":278},{"text":"قال: إني لا أجعل أحدا في حل ممن يسميني بمحيى الدين، قال: وقد رأيت في بعض الفضلاء من الشافعية من أهل الخير والصلاح يقول: إذا حكي شيئا عن النووي قال: يحيى النووي فسألته عن ذلك فقال: إنما نكره أن نسميه باسم كان يكرهه في حياته أ. هـ.\nخاتمة: هل المدينة يمانية أو شامية؟ قال الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه: مدينة النبي -ﷺ- ليست يمانية ولا شامية بل هي حجازية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء أ. هـ، وما حكاه من الاتفاق على أنها ليست يمانية عجيب فقد نص الشافعي على أنها يمانية، وحكاه البيهقي في المعرفة في الكلام على الآذان للصبح قبل الفجر ولفظه: قال الشافعي: ومكة والمدينة يمانيان، وفي مسند الشافعي عن الحسن بن القاسم الأزرق قال: وقف رسول الله -ﷺ- على ثنية تبوك فقال: ما ها هنا شام وأشار بيده إلى الشام ومن ها هنا يمن وأشار بيده إلى جهة المدينة، قال ابن الأثير (^١) في شرحه: الغرض من هذا الحديث بيان حد الشام واليمن وقد جعل المدينة من اليمن ثم قال في جهة الشام ما ها هنا ومن جهة اليمن من ها هنا وبينهما فرق وذلك ان قوله من ها هنا يفيد أن ابتداء اليمن من هذه البقعة وقوله: ما ها هنا، إشارة إلى أن هذه البقعة من الشام وإن لم يتعرض إلى أنها ابتداء الشام أو لا، انتهى كلام ابن الأثير، قاله الزركشي (^٢).\n_________\n(^١) الشافي شرح مسند الشافعي (٥/ ٥٣٠).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ٢٣٧).","vol":"6","page":279},{"text":"انتهى الجزء الثاني من فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب.\nقاله مؤلفه عفا الله عنه انتهى.\nووجدت على أول ورقة من هذا الجزء المنتسخ منه بخط مؤلفه تسمية المؤلف نفسه بما نصه: تأليف كاتبه حسن بن علي الفيومي، سامحه الله انتهى، نفعنا الله به وبتآليفه بجاه النبي -ﷺ- (^١) وغفر لنا وله ولسائر المسلمين.\n* * *\n_________\n(^١) لا يجوز التوسل بجاهه -ﷺ- ولا بجاه غيره من الأنبياء والصالحين لأن ذلك بدعة لم ينقل عنه -ﷺ- ولا عن أصحابه ﵃ فلا يجوز التوسل إلا بما قرره الدليل، ولو كان التوسل بجاه النبي -ﷺ- جائزًا، لأمرنا به، وحثَّنا عليه، كيف وهو لم يترك شيئًا يقربنا إلى الله إلا ودلَّنا عليه.","vol":"6","page":280},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>كتاب الجهاد</span>\nالجهاد: محاربة الكفار وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل، يقال: جهد الرجل في الشيء أي جد فيه وبالغ وجاهد في الحرب مجاهدة وجهادا (^٢) [عن] أنس بن مالك أن النبي -ﷺ-[قال:] \"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم [وألسنتكم] \" رواه أبو داود وفي لفظ [وأيديكم] ورواه أحمد والدارمي والنسائي، فيه وجوب الجهاد للأمر به، واختلف في ذلك فقيل: هو فرض [على الأعيان]، وقيل: كان على الأعيان في أول الإسلام ثم صار على الكفاية فإن [دهمهم] العدو أو كان [قريبا منهم] تعين [الدفع على] حرهم وعبدهم [وقيل كان فرض عين] في زمنه ﵇، وقال [الماوردى] (^٣): كان فرض عين على المهاجرين وكفاية على غيرهم [وقال السهيلي: كان فرض عين] على الأنصار دون غيرهم (^٤)، وقالت جماعة: هو سنة، وقيل: بالتخيير [وقوله] \"جاهدوا المشركين\" عام ولكنه [مخصوص بما] سوى الرهبان والنساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فإن\n_________\n(^١) [كذا بخط المؤلف بإثبات الحمد بعد البسملة لا غير].\n(^٢) النهاية (١/ ٣١٩).\n(^٣) الحاوى (١٤/ ١١٢).\n(^٤) الروض الأنف (٧/ ٣٩٦).","vol":"6","page":281},{"text":"قاتلوا قتلوا عند جماهير العلماء وأما الشيوخ [من الكفار] فإن كان فيهم أهل رأي قتلوا وإلا [ففيهم] والرهبان خلاف، وقال [مالك] أبو حنيفة: لا يقتلون والأصح [فى مذهب] الشافعي: قتلهم (^١).\nواعلم [أن الجهاد شرع] لإعلاء كلمة الإسلام [فيقاتلوا حتى يجيبوا على الاسلام] أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إن كانوا أهل كتاب [لأن اسم المشرك] يطلق على أهل الكتاب [وغيرهم وكان تخصيصهم معلوما عند الصحابة واختلفوا في قدر الجزية فقال الشافعي أقلها دينار على الغني ودينار على الفقير أيضا في كل سنة وأكثرها ما يقع به التراضي وقال مالك هي أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الفضة وقال أبو حنيقة رضي الله تعالى عنه وغيره من الكوفيين وأحمد رضي الله تعالى عنه على الغني ثمانية وأربعون درهما والمتوسط أربعة وعشرون والفقير اثنا عشر (^٢)].\nواعلم أن الجهاد والمجاهدة والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع، وجاء الجهاد في القرآن على ثلاثة أوجه، أحدها: القتال لقوله تعالى في سورة النساء ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣٩).","vol":"6","page":282},{"text":"أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ (^١)، الثاني: الجهاد [بالقول] لقوله تعالى في سورة التوبة ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (^٢) الآية، ونظيرها في التحريم والفرقان ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (^٣)، الثالث: العمل لقوله في الحج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (^٤) وفي العنكبوت ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ (^٥) ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (^٦).\nقوله: ﴿فِينَا﴾ أي في مرضاتنا وهذه الآية نزلت قبل الجهاد العرفي وهو جهاد [وإنما هو جهاد عام] في دين الله وطلب مرضاته بذلك، قال الحسن: الآية في العبادة، قال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون، وقال ﵇: \"من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم\" رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه، وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين والقمع للظالمين وعظمه الأمر [بالمعروف] والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفس في طاعة الله [وهو] الجهاد الأكبر (^٧) أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٧٣.\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٥٢.\n(^٤) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(^٥) سورة العنكبوت، الآية: ٦.\n(^٦) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.\n(^٧) تفسير ابن عطية (٤/ ٣٢٦)، وعنه نقله القرطبى في التفسير (١٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥).","vol":"6","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>الترغيب في الرباط في سبيل الله ﷿</span>\n١٨٩٦ - عَن سهل بن سعد -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِع سَوط أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا والروحة يروحها العَبْد فِي سَبِيل الله أَو الغدوة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (^١).\nالغدوة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الذّهاب.\nوالروحة بِفَتْح الرَّاء الْمرة الْوَاحِدَة من الْمَجِيء.\nقوله: عن سهل بن سعد الساعدي -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها\" سبيل الله عام يقع على كل عمل خالص لله تعالى سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع الطاعات وإذا أطلق السبيل فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه كذا في التحفة (^٢).\nوقال في الديباجة: السبيل ها هنا يحتمل ان يكون طرق الجنة ومسالكها ويحتمل أن يكون سبيل الأعمال المؤدية إلى الجنة، وقال ابن أسباط: هي إصلاح النية في الأعمال فيزداد بها العالم فهما في الدين (^٣)، انتهى.\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٩٢)، ومسلم (١٨٨١).\n(^٢) النهاية (٢/ ٣٣٨).\n(^٣) تفسير ابن عطية (٤/ ٣٢٦) وعبارته قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النية في الأعمال =","vol":"6","page":284},{"text":"قوله -ﷺ-: \"خير من الدنيا وما عليها\" اختلف العلماء في هذا الحديث وفي أمثاله فقيل إنه على ظاهره، وقيل: معناه أن هذه الطاعة خير من الدنيا وما عليها لو قدر أن يملكها إنسان وينفقها في طاعة الله تعالى، قاله القاضي عياض (^١) والشيخ محب الدين الطبري في فضائل العشرة وغيرهما ورجحه جماعة لأن الدنيا وما عليها لا تزن عند الله جناح بعوضة فكيف تقاس بشيء من الأجر الموجب للجنة التي لا قيمة لأقل جزء منها ولو قدر استواؤهما في القيامة وهو محال لكان العقل بالضرورة يقطع أن ذرة مما يبقى أبدا خير من ملئ الأرض مما يفني، فالتفاضل بينهما إذًا عارٍ عن الفائدة إلا أن يراد مقابلة الأجر الباقي بالأجر الفانى [وهو ما قاله القاضي عياض (^٢) ومحب الدين الطبري وما ذكره كان ترجيح له وإيضاح]، وقال بعضهم هو من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس المحقق تحقيقا له وتثبيتا في النفوس فإن ملك الدنيا ونعيمها ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس محقق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط وهو من المغيبات خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا (^٣)، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (^٤): وهذا\n_________\n= وحب التزيد والتفهيم، وهذا هو أن يجازى العبد على حسنة بازدياد حسنة وبعلم يقتدح من علم متقدم.\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٠٠).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٠٠) وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٧).\n(^٣) إحكام الأحكام (٢/ ٣٠١).\n(^٤) إحكام الأحكام (٢/ ٣٠٢).","vol":"6","page":285},{"text":"عندي أوجه وأظهر يعني مما ذكره القاضي عياض (^١) والله أعلم.\nفإن قيل: لا خصوصية للجهاد بذلك لأن أدنى عمل من عمل البر يكون ثوابه خيرا من الدنيا وما فيها لأن الدنيا تفنى والعمل يبقى وقد ورد مثل ذلك في قوله -ﷺ-: \"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها\".\nقوله -ﷺ-: \"وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها\" ومعنى الحديث: ولقدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها (^٢)، وقد رواه البزار مختصرا \"موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" (^٣) ويحتمل أن يكون المراد ثواب موضع السوط خير من الدنيا وما عليها موضع السوط هو الموضع الذي يعلق فيه على الدابة وإذا كان هذا ثواب موضع السوط الذي هو أدنى أمتعة المجاهد فغيره أولى، أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها\" قال الحافظ المنذري: الروحة المرة الواحدة من المجيء، والغدوة المرة الواحدة من الذهاب، انتهى. وقال ابن النحاس (^٤): الروحة\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٣٦٨ - ٣٦٩).\n(^٢) قاله المنذرى كما سأتى في فصل في أن أعلى ما يخطر على البال أو يجوزه العقل من حسن الصفات المتقدمة فالجنة وأهلها فوق ذلك.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٢٥٠) و(٦٤١٥) وابن ماجه (٤٣٣٠) عن سهل بن سعد. وأخرجه البزار (٦٢٥٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٥٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٥٦) عن أنس بن مالك. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٤١٥: رواه البزار، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٦٨).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"6","page":286},{"text":"السير من الزوال إلى آخر النهار والغدوة السير من أول النهار إلى وقت الزوال وهو وقت الغداء، ولو حلف إنسان لا يتغدي حنث بالأكل قبل الزوال، وأو هنا للتقسيم لا للشك، ومعناه: أن الروحة يحصل بها هذا الثواب وكذا الغدوة والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو أو الرواح من بلدته بل يحصل هذا الثواب بل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه ورواحه في موضع القتال لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله وثوابها خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها إنسان وتصور تنعمه بها كلها لأنه زائل ونعيم الآخرة باق، قال القاضي عياض (^١) رحمه الله تعالى: وقيل في معناه ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها خير من الدنيا وما فيها لو ملكها إنسان وملك جميع ما فيها وأنفقه في أمور الآخرة.\n\n١٨٩٧ - وَعَن سلمَان -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول رِبَاط يَوْم وَلَيْلَة خير من صِيَام شهر وقيامه وَإِن مَاتَ فِيهِ جرى عَلَيْهِ عمله الَّذِي كَانَ يعْمل وَأجْرِي عَلَيْهِ رزقه وَأمن من الفتان رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَزَاد وَبعث يَوْم الْقِيَامَة شَهِيدا (^٢). قوله: وعن سلمان -﵁-، هو الفارسي تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه\" الحديث، وهذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وقد تقدم الكلام على الرباط ومعناه.\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).\n(^٢) مسلم (١٩١٣)، والترمذي (١٦٦٥)، وابن حبان (٤٦٢٣)، وأحمد (٢٣٧٢٨)، والطبراني في الكبير (٦١٧٩).","vol":"6","page":287},{"text":"وقوله: \"وإن مات فيه\" أي في الرباط \"جرى عليه عمله الذي كان يعمل\" وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا في غير مسلم: \"كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة\" أي يزاد ويرفع ولا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه بل هي فضل دائم من الله تعالى وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"من مات مرابطا أجري عليه أجر عمله الصالح\" (^١) قاله القرطبي (^٢).\nقوله: \"وأجري عليه رزقه\" موافق لقوله تعالى في الشهداء ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^٣) وفي الصحيح ان أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"وأمن من الفتان\" قال النووي (^٥): ضبطوا \"أمن\" بوجهين أحدهما: أمن بفتح الهمزة وكسر الميم من غير واو، والثاني: أومن بضم الهمزة وبواو، وأما الفتان: فقال القاضي عياض (^٦) رواية الأكثرين بضم الفاء\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٦٧).\nوقال الألباني: صحيح، الروض النضير (١٠١٣).\n(^٢) تفسير القرطبى (٤/ ٣٢٥) والتذكرة (ص ٤١٥ - ٤١٦).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦١).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦١).\n(^٦) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٤٢).","vol":"6","page":288},{"text":"جمع فاتن قال: ورواية الطبري (^١) بالفتح، وفي رواية أبي داود في سننه (^٢) \"وأومن من فتاني القبر\" الحديث، ويريد مسائلة منكر ونكير ﵉ (^٣) وهو من الفتنة التي هي الاختبار والامتحان (^٤) ذكره المنذري في حواشي مختصر أبي داود، وهذا الحديث هو أحد الأحاديث الخمس التي تنجي من أهوال القبر وفتنته وعذابه وهي: رباط، قتل، قول، بطن، زمان. فأولها الرباط وذكر هذا الحديث وسيأتي الكلام على البواقي ذكر ذلك القرطبي (^٥).\nفائدة: إنما سميا فتاني القبر منكر ونكير لأن في سؤالهما انتهارا وفي خلقهما صعوبة لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق الطير ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام بل هما خلق بديع وليس في خلقتهما أنس للناظرين إليهما بل جعلهما الله تعالى مكرمة للمؤمن لتثبته وتبصره وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل ان يبعث حتى يحل عليه العذاب قاله أبو عبد الله الترمذي (^٦).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) جامع الأصول (٩/ ٤٦٩) ومشارع الأشواق (ص ٣٧٤).\n(^٤) شرح المصابيح (٤/ ٣٠٨).\n(^٥) التذكرة (ص ٤١٥).\n(^٦) نوادر الأصول (٦/ ٢٤) وعنه القرطبى في التذكرة (ص ٣٨٤ - ٣٨٥) وزاد الترمذي: وإنما وإنما صارت مكرمة للمؤمن؛ لأن العدو لم ينقطع طمعه بعد، فهو يتخلل السبيل إلى أن =","vol":"6","page":289},{"text":"١٨٩٨ - وَعَن فضَالة بن عبيد -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ كل ميت يخْتم على عمله إِلَّا المرابط فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ ينمى لَهُ عمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ويؤمن من فتْنَة الْقَبْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم.\nوَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَزَاد فِي آخِره قَالَ وَسمعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الْمُجَاهِد من جَاهد نَفسه لله ﷿ (^١)، وَهَذِه الزِّيَادَة فِي بعض نسخ التِّرْمِذِيّ.\nقوله: وعن فضالة بن عبيد (^٢) -﵁-، بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها ياء مثناة تحت بن ناقد بن قيس كنيته أبو محمد الأنصاري من الطبقة الثانية من الأنصار من الأوس وأمه عفرة بنت محمد بن عقبة، وقال ابن سعد (^٣) عن الواقدي، وفضالة هو الذي بشر الأنصار بقدوم رسول الله -ﷺ- إلى المدينة وكان ابن ست سنين وكان فضالة شاعرًا\n_________\n= يجده في البرزخ.\n(^١) أبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٩٢١)، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (٢/ ١٤٤)، وابن حبان (٤٦٢٤)، وأحمد (٢٣٩٥١)،، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٧٩).\n(^٢) التاريخ الكبير: ٧/ ١٢٤، الجرح والتعديل ٧/ ٧٧، الحلية ٢/ ١٧، الإصابة ٣/ ٢٠٦، الاستيعاب: ١٢٦٢، أسد الغابة ٤/ ١٨٢، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢/ ٥٠، تهذيب الكمال: ١٠٩٦، تهذيب التهذيب ٨/ ٢٦٧\n(^٣) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٠١.","vol":"6","page":290},{"text":"فاضلًا وهو أحد الذين بايعوا رسول الله -ﷺ- تحت الشجرة وشهد مع رسول الله -ﷺ- أحدا والخندق والمشاهد كلها ثم نزل الشام وكان له شرف وولاه عمر بن الخطاب وولاه معاوية قضاء دمشق، قال ابن سعد عن الواقدي: كان فضالة قاضيا بالشام ونزل دمشق وبنى بها دارا.\nذكر وفاته: حكى ابن عساكر عن ابن معين قال: مات فضالة في دمشق سنة ثلاث وخمسين، وقال ابن يونس: فتح مصر وولي البحر بها، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله -ﷺ-: \"كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة\" وتقدم أن النماء الزيادة، ومعناه يزاد ويرفع.\nقوله: \"ويؤمن من فتنة القبر\" أي من مسائلة منكر ونكير، وفي الحديث، وأمن من الفتان جمع فاتن وهو الذي يضل الناس عن الحق، وروي بفتح الفاء وهو الشيطان يفتن الناس بخدعه وغروره وتزيينه للمعاصي (^٢) والله أعلم.\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي في حديث فضالة هذا دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت كما في حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ-: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٠ ترجمة ٤٩٠).\n(^٢) الميسر (٣/ ٨٧٣).","vol":"6","page":291},{"text":"ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له\" رواه مسلم (^١) من طرق عدة فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والوالد الصالح الذي يدعو لأبويه قد ينقطع ذلك بنفاد الصدقة وذهاب العلم وموت الولد والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منهم بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام (^٢)، أ. هـ، كلامه وهو مليح جدا فتأمله (^٣) والله أعلم.\nتنبيه: قال ابن النحاس عفا الله عنه: جرت السنة في معاملة الله عبيده بفضله وكرمه أن من توجه بصدق إلى شئ من القربات فمنعه منه القدر الإلهى مع شدة حرصه عليه وتصميم قصده في طلبه إن الله يعطيه يوم القيامة أجر تلك القربة تفضلا منه وإحسانا لحسن قصده وإخلاص نيته وصدق طويته، والدليل على ذلك أن من خرج مجاهدا فمات كان شهيدا وكذلك من حج فمات كتب حاجا وقد قال النبي -ﷺ- في المحرم الذي سقط عن بعيره فمات \"إنه يبعث يوم القيامة ملبيا\" (^٤)، وكذلك قوله -ﷺ-: \"من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى أصبح كتب له ما نوى وكان نومه\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٨٢).\n(^٢) تفسير القرطبى (٤/ ٣٢٥)، والتذكرة (ص ٤١٦).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٣٧٢).\n(^٤) البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦).","vol":"6","page":292},{"text":"صدقة عليه من ربه\" (^١) وكذلك قال النبي -ﷺ-: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطا له الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا\" (^٢) وأشباه هذا الحديث كثيرة والمرابط إنما يرابط توقعا للشهادة وتعرضا من بذل نفسه في نيلها فلا [جرم] أنه إذا مات يبعث شهيدا، ويؤيد هذا ما وهبه الله من خصائص الشهداء وهو إجراء الرزق عليه والأمان من فتنة القبر ومن الفزع الأكبر ونحو ذلك فلو لم يرد حديث مصرح بأنه يبعث شهيدا لكان مما يستنبط من هذه القاعدة فكيف وقد روي في ذلك عدة أحاديث وإن كانت.\nلا تسلم من مقال فهي تتعاضد وتقوي بكثرة الطرق ويؤيدها القاعدة المذكورة (^٣) والله أعلم، أ. هـ.\n\n١٨٩٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ رِبَاط شهر خير من صِيَام دهر وَمن مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله أَمن من الْفَزع الْأَكْبَر وغدي عَلَيْهِ برزقه وريح من الْجنَّة وَيجْرِي عَلَيْهِ أجر المرابط حَتَّى يَبْعَثهُ الله ﷿ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (^٤).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (١٣٤٤) سنن النسائي (١٧٨٧)، وابن خزيمة (١١٧٥).\n(^٢) شرح السنة للبغوي (٧٨٩) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٦٣ - ٢٠٥٢).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٣٧٧ - ٣٧٩).\n(^٤) الطبراني في الكبير، كما في كنز العمال (١٠٥١٢)، ومجمع الزوائد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٠)، رواه الطبراني ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٧٩).","vol":"6","page":293},{"text":"قوله: وعن أبي الدرداء -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر\" الحديث، وقال في الديباجة: والفزع: الذعر وشدة الخوف وهو في الأصل مصدر وربما جمع على أفزاع (^١)، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٢) روى أبو هريرة: \"إن الملك له في الصور ثلاث نفخات نفخة النزع من حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من القبور\" (^٣) وهي المعبر عنها بقوله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ (^٤) وهو كل هول يكون يوم القيامة فكأن يوم القيامة بجملته هو الفزع الأكبر (^٥)، والفزع أيضا الإغاثة والنصر ومنه قوله -ﷺ- للأنصار: \"إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع\" (^٦) أ. هـ.\nالفزع الأكبر: قال الواحدي (^٧) في وسيطه قال أكثرهم هو إطباق جهنم على أهلها، وقال الحسن: هو أن يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ابن جرير هو\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ١٢٥٨).\n(^٢) سورة النمل، الآية: ٨٧.\n(^٣) تفسير ابن عطية (٤/ ٢٧٢).\n(^٤) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٣.\n(^٥) تفسير ابن عطية (٤/ ١٠٢).\n(^٦) النهاية (٣/ ٤٤٣).\n(^٧) التفسير البسيط (٧/ ١٦٥).","vol":"6","page":294},{"text":"ذبح الموت بين الفريقين.\nقوله -ﷺ-: \"وغدي عليه برزقه وريح من الجنة ويجري عليه إجراء المرابط حتى يبعثه الله ﷿\" تقدم الكلام على ذلك.\nتنبيه: قال ابن النحاس في كتاب الجهاد: واعلم أن الرباط أحد شعب الإيمان وموجبات الغفران وقد ورد في فضله أشياء عظيمة لم ترد في غيره من القربات فمن فضائله ان رباط يوم خير من الدنيا وما عليها (^١).\nومنها: أن رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ورباط شهر خير من صيام دهر (^٢).\nومنها: أن كل ميت إذا مات ينقطع عمله إلا المرابط إذا مات في رباطه فإنه يجري عليه أجر عمله الصالح من الرباط وغيره إلى يوم القيامة (^٣).\nومنها: أن المرابط إذا مات في رباطه أمنه الله تعالى من فتاني القبر وهما منكر ونكير ﵉ (^٤).\nومنها: أن المرابط إذا مات في رباطه بعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع الأكبر (^٥).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٣٦٨).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٦٩).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٣٧٠).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٣٧٤).\n(^٥) مشارع الأشواق (ص ٣٧٥).","vol":"6","page":295},{"text":"ومنها: ما روي أن المرابط إذا مات بعثه الله يوم القيامة شهيدا (^١).\nومنها: ما روي أن المرابط إذا مات في رباطه يمر على الصراط كهيئة الريح بغير حساب ولا عذاب (^٢).\nومنها: أن الرباط في سبيل الله أفضل من موافقة ليلة القدر (^٣).\nومنها: ما روي ان من رابط يوما جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق (^٤).\nومنها: أن المرابط في سبيل الله أجر من خلفه (^٥).\nومنها: أن رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل (^٦).\nومنها: أن صلاة المرابط بأرض الرباط مضاعفة وكذلك صومه وذكره وقراءته ونفقته (^٧)، والله أعلم. أ. هـ.\n\n١٩٠٠ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كل عمل يَنْقَطِع عَن صَاحبه إِذا مَاتَ إِلَّا المرابط فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ ينمى لَهُ عمله ويجرى عَلَيْهِ رزقه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٣٧٦).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٧٩).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٣٨٠).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٣٨٢).\n(^٥) مشارع الأشواق (ص ٣٨٣).\n(^٦) مشارع الأشواق (ص ٣٨٣).\n(^٧) مشارع الأشواق (ص ٣٨٦).","vol":"6","page":296},{"text":"أَحدهمَا ثِقَات (^١).\nقوله: وعن العرباض بن سارية -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله\" الحديث، أي يزاد ويصل إليه كل لحظة أجر جديد لأنه فدى نفسه في شيء يعود نفعه إلى المسلمين فيكون داخلا في قوله ﵇: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث\" الحديث، وتقدم الكلام عليه في الأحاديث قبله.\n\n١٩٠١ - وَعَن أم الدَّرْدَاء -﵂- ترفع الحَدِيث قَالَ من رابط فِي شَيْء من سواحل الْمُسلمين ثَلَاثَة أَيَّام أَجْزَأت عَنهُ رِبَاط سنة رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن الْمَدَنِيين وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات (^٢).\nقوله: وعن أم الدرداء، اسمها -﵂-[وهى بالمد، وهى زوجة أبى الدرداء، وهى صحابية، واعلم أن لأبى الدرداء زوجتين كل واحدة منهما كنيتها أم الدرداء، وهما كبرى وصغرى، فالكبرى صحابية، والصغرى تابعية، واسم الكبرى خيرة،\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٦٤١)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٥٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٠)، رواه الطبراني في بإسنادين رجال أحدهما ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٥٣٩).\n(^٢) أحمد (٢٧٠٤٠)، والطبراني في الكبير (٦٤٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٤)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٣٠٧)، وفي الآحاد والمثاني (٣٣٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٩)، رواه أحمد والطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين، وبقية رجاله ثقات.","vol":"6","page":297},{"text":"بفتح الخاء المعجمة، واسم الصغرى هجيمة، بضم الهاء، وفتح الجيم، وبعدها ياء مثناة تحت ساكنة، ثم ميم، ويقال: جهيمة بنت حيى، وقيل: حيى الأصابية، ويقال: الوصابية، والوصاب بطن من حمير، قال البخارى فى صحيحه فى أبواب صفة الصلاة: وكانت أم الدرداء، يعنى هذه، فقيهة. واتفقوا على وصفها بالفقه، والعقل، والفهم، والجلالة. توفى عنها أبو الدرداء بدمشق، فخطبها معاوية فلم تفعل، وهى أم بلال بن أبى الدرداء، وسمعت أبا الدرداء، وأبا هريرة، وعائشة، روى عنها خلائق من كبار التابعين. روى لها مسلم فى صحيحه، قال الحميدى فى آخر الجمع بين الصحيحين: قال أبو بكر البرقانى: أم الدرداء الصغرى هى التى روت فى الصحيح، وأما أم الدرداء الكبرى الصحابية فليس لها فى الصحيحين حديث، وفى تاريخ دمشق فى ترجمة أم الدرداء الكبرى الصحابية، قال: اسمها خيرة بنت أبى حدرد، واسم أبى حدرد سلامة بن عمير، وهى أخت عبد الله بن أبى حدرد، وهى أسلمية، ويقال: كنيتها أم محمد، توفيت أم الدرداء فى حياة أبى الدرداء، وفى التاريخ فى ترجمة أم الدرداء الصغرى هجيمة أنها روت عن أبى الدرداء، وأبى هريرة، وعائشة، وكانت زاهدة فقيهة، وفى تاريخ دمشق أن أم الدرداء الصغرى، قالت لأبى الدرداء عند الموت: إنك خطبتنى إلى أبوى فى الدنيا فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك فى الآخرة. قال: فلا تنكحى بعدى، فخطبها معاوية بن أبى سفيان، فأخبرته بالذى كان، فقال: عليك بالصوم، وفى رواية: أن معاوية خطبها بعد وفاة أبى الدرداء، فقالت: قال أبو الدرداء: قال رسول الله -ﷺ-: \"المرأة لزوجها الأخير\"، فلست بمتزوجة بعد أبى الدرداء زوجا حتى","vol":"6","page":298},{"text":"أتزوجه فى الجنة. وفى رواية: خطبها معاوية، فقالت: لا والله لا أتزوج زوجا فى الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله تعالى فى الجنة. وفى رواية: لست أريد بأبى الدرداء بدلا، وروينا فى المستصفى عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كانت أم الدرداء هجيمة تقيم ببيت المقدس وبدمشق ستة أشهر (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة\" الحديث، وتقدم معنى الرباط، والسواحل جمع ساحل، والظاهر من كلام الإمام مالك أن السواحل سواحل البحر وأن الثغور هي المعدة لإقامة المرابطين القاطنين بها بأهاليهم وأولادهم وغير ذلك كالاسكندرية ودمياط وعسقلان وصيدا وبيروت وأذنة وطرابلس وأنطاكية وطرسوس وقزوين والأندلس وغير ذلك من الثغور.\n\n١٩٠٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله أجري عَلَيْهِ أجر عمله الصَّالح الَّذِي كانَ يعْمل وَأجْرِي عَلَيْهِ رزقه وَأمن من الفتان وَبَعثه الله يَوْم الْقِيَامَة آمنا من الْفَزع الْأَكْبَر رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٢).\n(^٢) ابن ماجه (٢٧٦٧)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٩٧)، وأحمد (٩٢٤٤)، وعبد الرزاق (٩٦٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٩٥)، والبزار (١٦٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٠٠).\nوقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٩١)، هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٥٤٤).","vol":"6","page":299},{"text":"وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط أطول مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ والمرابط إِذا مَاتَ فِي رباطه كتب لَهُ أجر عمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وغدي عَلَيْهِ وريح برزقه ويزوج سبعين حوراء وَقيل لَهُ قف اشفع إِلَى أَن يفرغ من الْحساب وَإِسْنَاده مقارب (^١).\n\n١٩٠٣ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا مَا عمل بهَا فِي حَيَاته وَبعد مماته حَتَّى تتْرك وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ إثمها حَتَّى تتْرك وَمن مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله جرى عَلَيْهِ عمل المرابط فِي سَبِيل الله حَتَّى يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٢).\n\n١٩٠٤ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن أجر الرِّبَاط فَقَالَ من رابط لَيْلَة حارسا من وَرَاء الْمُسلمين كَانَ لَهُ أجر من خَلفه مِمَّن صَامَ وَصلى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد (^٣).\n\n١٩٠٥ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من رابط يَوْمًا فِي سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار سبع خنادق كل خَنْدَق كسبع سموات وَسبع أَرضين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ إِن شَاءَ الله وَمَتنه غَرِيب (^٤).\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٣٢٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٣)، رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه بكر بن سهل الدمياطي، قال الذهبي: مقارب الحديث، وضعفه النسائي.\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٨٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦٨)، ورجاله موثقون.\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٠٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٩)، ورجاله ثقات.\n(^٤) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٨٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٩)، وفيه عيسى بن سليمان أبو طيبة، وهو ضعيف، وقال الشيخ الألباني في حاشية، ضعيف الترغيب: فقه عند الطبراني أبو طيبة عيسى بن سلميان، وهو ضعيف كما قال الهيثمي، =","vol":"6","page":300},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁-.\nقوله: \"من مات مرابطا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن من الفتان\" الحديث، الفتان بفتح الفاء على لفظ الواحد هو الذي يفتن المقبور بالسؤال ويعذبه، وقيل: أريد به الشيطان الذي يفتن الناس أي يخدعهم بتزيينه لهم المعاصي، ويروي بضم الفاء على أنه جمع فاتن وهم الذين يعاونون من يضلون الناس عن الحق ويفتنونهم كذا في التحفة وتقدم الكلام على ألفاظ الحديث كلها.\n\n١٩٠٦ - وعن أبيِّ بن كعبٍ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لرباط يومٍ في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر رمضان أعظم أجرًا من عبادة مائة سنةٍ صيامها وقيامها.\nقوله: وعن أبي بن كعب، هو: أبي بن كعب بن قيس بن عمرو بن مالك بن النجار (^١)، واسم النجار تيم الله، وقيل: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر الأصناري الخزرجي النجاري بالنون المدني، وقيل: أبي بن كعب بن المنذر بن قيس، وله كنيتان إحداهما: أبو المنذر كناه بها رسول الله -ﷺ-، والثانية: أبو الطفيل كناه بها عمر بن الخطاب كني بابنه الطفيل، وأمه: صهيلة بضم الصاد المهملة بنت السود بن حرام بالراء بن عمرو بن زيد مناة بن\n_________\n= وقال الحافظ في التقريب، صدوق يهم.\n(^١) الاستيعاب: ١/ ١٢٦، أسد الغابة: ١/ ٦١، الإصابة: ١/ ٢٦، التاريخ الكبير: ٢/ ٣٩ - ٤٠، الجرح والتعديل: ٢/ ٢٩٠.","vol":"6","page":301},{"text":"عدي بن عمرو بن مالك بن النجار وهي عمة أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام والأوس والخزرج هما جماع الأنصار وهما ابنا حارثة بالحاء والمثلثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس، وأما النجار: فقيل سمي بذلك لأنه اختتن بالقدوم، وقيل: ضرب وجهه رجل بالقدوم فنجره أي نحته، شهد أبي العقبة الثانية في السبعين من الأنصار وشهد بدرا وغيرها من المشاهد مع رسول الله -ﷺ-، روي له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وأربعة وستون حديثا (^١) وتقدم الكلام عليه مبسوطا.\n\n١٩٠٧ - وَعَن مُجَاهِد وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَنه كَانَ فِي الرِّبَاط ففزعوا إِلَى السَّاحِل ثمَّ قيل لَا بَأْس فَانْصَرف النَّاس ووقف أَبُو هُرَيْرَة فَمر بِهِ إِنْسَان فَقَالَ مَا يوقفك يَا أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول موقف سَاعَة فِي سَبِيل الله خير من قيام لَيْلَة الْقدر عِنْد الْحجر الْأسود رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا (^٢).\n\n١٩٠٨ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من ألف يَوْم فِيمَا سواهُ من الْمنَازل رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٨ - ١٠٩ ترجمة ٤٤).\n(^٢) ابن حبان (٤٦٠٣) والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٨٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٣٦).\n(^٣) الترمذي (١٦٦٧). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٨٤).","vol":"6","page":302},{"text":"١٩٠٩ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَزَاد فَلْينْظر كل امرئ لنَفسِهِ وَهَذِه الزِّيَادَة مدرجة من كَلَام عُثْمَان غير مَرْفُوعَة كَذَا جَاءَت مبينَة فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^١).\n\n١٩١٠ - وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من رابط لَيْلَة فِي سَبِيل الله كَانَت كألف لَيْلَة صيامها وقيامها (^٢).\nقوله: وعن مجاهد وأبي هريرة، هو: مجاهد بن [جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومى، مو لاهم مولى عبد الله بن أبى السائب، ويقال: مولى السائب ابن أبى السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، ﵃. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبى ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبى سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن أبى نجيح،\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٦٠٩)، والحاكم (٢/ ٦٨).\n(^٢) ابن ماجه (٢٧٦٦)، وابن المبارك في الجهاد (٧٢)، والطيالسي (٨٧)، وأحمد (٤٤٢)، والدرامي (٢٤٢٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٩٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢١٤)، والطبراني في الكبير (١٤٥)، قال البوصيري (٢/ ٣٩٠)، هذا إسناد ضعيف.","vol":"6","page":303},{"text":"وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام فى الفقه، والتفسير، والحديث قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة].\nقوله: \"أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل فقيل لا بأس فانصرف الناس وأبو هريرة واقف.\n\n١٩١١ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن صَلَاة المرابط تعدل خَمْسمِائَة صَلَاة وَنَفَقَة الدِّينَار وَالدِّرْهَم مِنْهُ أفضل من سَبْعمِائة دِينَار يُنْفِقهُ فِي غَيره رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\n\n١٩١٢ - وروى أَبُو الشَّيْخ وَغَيره من حَدِيث أنس إِن الصَّلَاة بِأَرْض الرِّبَاط بألفي ألف صَلَاة وَفِيه نَكَارَة.\nقوله: وروي عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.\nوقوله -ﷺ-: \"صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره\" وروي أبو الشيخ وغيره من حديث أنس ان الصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة.\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤٢٩٥).","vol":"6","page":304},{"text":"تنبيه: قال ابن النحاس في كتابه الذي ألفه في الجهاد: خرج أبو الشيخ بن حيان في كتاب الثواب بإسناد ضعيف عن أنس يرفعه إلى النبي -ﷺ- قال: \"صلاة في مسجدي تعدل بعشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام تعدل بمائة ألف صلاة والصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة\" (^١) قال -﵁-: قد صح أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة كما رواه أصحاب السنن وقد صح مع هذا أن إقامة يوم بأرض الرباط أفضل من ألف يوم فيما سواه، وتقدم أنه يعم مكة وغيرها فمن المحتمل أن يقال إن كل عبادة تصدر من المرابط في ذلك اليوم حكمها حكم اليوم في التضعيف لأن كل يوم من أجزاء يوم الرباط أفضل من مثله من اليوم ليس فيه رباط فذلك الجزاء الذي أديت فيه الصلاة وما استعمل عليه من الطاعة أفضل من ألف جزء مثله بغيرها وإن اشتمل على مثل ما اشتمل عليه، فالتضعيف لازم لذلك فيكون صلاة المرابط على هذا بمائة ألف ألف صلاة، وإذا كان فضل الله وكرمه اقتضى أن المرابط إذا مات يجري عليه أجر عمله الصالح إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنة القبر ويجري عليه رزقه كما في الأحاديث الصحيحة ولم يرد ذلك فيمن مات بمكة أو المدينة فلا يبعد أن يخص الله المرابط بزيادة تضعيف الصلاة أيضا على الصلاة بالمساجد الثلاثة والله يؤتي فضله\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٤٦١) والطبراني في المعجم الأوسط (٣٩٠٨) بدون زيادة الرباط وأخرجه بنصه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٤٦). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٧٠).","vol":"6","page":305},{"text":"من يشاء والله واسع عليهم (^١)، أ. هـ.\n\n١٩١٣ - وَعَن عتبَة بن الْمُنْذر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا انتاط غزوكم وَكَثُرت العزائم واستحلت الْغَنَائِم فَخير جهادكم الرِّبَاط رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن عتبة بن [الندر]-﵁-، بضم النون وفتح الدال المشددة السلمي له صحبة عداده في الشاميين يقال: إنه سكن دمشق، ذكره محمد بن سعد فيمن لم يحفظ، روى عن النبي -ﷺ- وروي عنه: علي بن رباح اللخمي المصري، وقال ابن عبد البر (^٣): عتبة بن الندر وهو عتبة بن عبد السلمي، قال: وقد قيل: إن عتبة بن الندر غير عتبة بن عبد، وليس ذلك بشيء والصواب ما ذكرناه إن شاء الله تعالى (^٤). قال الحافظ: كذا قال، ولَمْ نجد\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٣٨٧ - ٣٨٩).\n(^٢) ابن حبان (٤٨٥٦)، والطبراني في الكبير (٣٣٤)، والخطيب في التاريخ (١٢/ ١٣٥)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٣١٨)، وفي الآحاد والمثاني (١٣٧٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٣٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٢٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٠)، رواه الطبراني، وفيه سويد بن عبد العزيز، وهو متروك. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٠١).\n(^٣) الاستيعاب (٣/ ١٠٣١ - ١٠٣٢ ترجمة ١٧٦٨).\n(^٤) وحجة ابن عَبد الْبَرِّ رواية خالد بن معدان عنهما وقول أبي حاتم في هذا، إنه شامي، قال ابن حجر: وهي حجة واهية، فقد قال محمد بن الربيع لما ذكر حديث علي بن رباح عنه، وروى عنه من أهل الشام خالد بن معدان، ولا يلزم من روايته عن عتبة بن عبد أن يكون هو عتبة بن الندر (الإصابة: ٢/ الترجمة ٥٤١٥،). وَقَال ابن حجر في التهذيب: قال ابن =","vol":"6","page":306},{"text":"أحدًا تابعه عَلَى ما قال، والصواب مَا ذكره غَيْر واحد أنهما اثنان والله أعلم.\nوعلي بن رباح اللخمي أبو عبد الله ويقال أبو موسى المصري، والمشهور فيه علي بالضم، قال الدارقطني: كان يلقب بعلي وكان اسمه عليا وكان يحرج عليه من يسميه عليا بالتصغير روي عن سراقة بن مالك وعقبة بن عامر الجهني وعمرو بن العاصي وفضالة بن عبيد وعتبة بن الندر وغيرهم، ووفد على معاوية بن أبي سفيان وعلي عبد الملك بن مروان وكان تابعيا مصريا ثقة وكان في المكتب يوم قتل عثمان، قال الليث بن سعد: كان علي بن رباح يقول: لا أجعل في حل من سماني عليا فاسمي علي، قال أبو عبد الرحمن المقري: كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه فبلغ ذلك رباحا فقال هو علي وكان يغضب منه وكان أعور وليس لعتبة بن الندر في الكتب الستة سوى هذا الحديث (^١) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا انتاط غزوكم\" انتاط معناه بعد، وفي حديث عمر: \"إذا انتاطت المغازي\" أي بعدت وهو من نياط المغازي وهو بعدها فكأنها نيطت بمفازة أخرى لا تكاد تنقطع، وانتاط فهو نيط إذا بعد وانتاطت الديار أي بعدت.\nوقوله -ﷺ-: \"وكثرت العزائم\" وفي حديث عمر \"واشتدت العزائم\" يريد\n_________\n= يونس الرواية عنه قصيرة وما عرفنا وقت قدومه مصر، وَقَال أبو عُبَيد الله الجريري، عن يحيى بن عثمان شهد فتح مصر (٧/ ١٠٢). انظر حاشية تهذيب الكمال (١٩/ ٣٣٥).\n(^١) انظر تهذيب الكمال (١٩/ ترجمة ٣٧٨٠) و(٢٠/ ترجمة ٤٠٦٧).","vol":"6","page":307},{"text":"عزمات الأمراء على الناس في الغزو إليى الأقطار البعيدة وأخذهم بها، ومنه حديث سعد \"فلما أصابنا البلاء اعتزمنا لذلك\" احتملناه وصبرنا عليه وهو افتعلناه من العزم قاله صاحب النهاية (^١)، وقال ابن النحاس رحمه الله تعالى: كثرت العزائم يعني حمل السلطان عليهم شدة الأمر والعزم فيما يشق عليهم لبعد المغزى وقلة عونهم عليهم وغير ذلك، قال أبو الوليد بن رشد في المقدمات (^٢) بعد ذكر هذا الحديث دل ذلك من قوله على أن الجهاد على السنة أفضل من الرباط وكذلك روى ابن القاسم عن مالك والأظهر في تأويل ذلك عندي أن معناه عند شدة الخوف على أهل ذلك الثغر وتوقع هجوم العدو عليهم وغلبته إياهم على أنفسهم ونسائهم وذراريهم إذ لا يشك أن إعانتهم في ذلك الوقت وحراستهم فيما يتوقع عليهم أفضل من الجهاد إلى أرض العدو فلا يصح أن يقال أن أحدهما أفضل من صاحبه على الإطلاق وإنما ذلك على قدر ما يرى وينزل (^٣)، أ. هـ.\nروى عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب فذكر الحديث إلى أن قال \"فإذا انتاطت المغازي وأكلت الغنائم واستحلت الحرم فعليكم بالرباط\" (^٤) فإنه\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٣٢).\n(^٢) المقدمات الممهدات (١/ ٣٦٥).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٤٠٠ - ٤٠١).\n(^٤) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (١٣٧٦) الجهاد لابن أبي عاصم (٣١٨).","vol":"6","page":308},{"text":"أفضل غزوكم\" وروي ابن أبي شيبة (^١) عن أبي أسامة عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر: حدثنا خالد بن معدان قال: سمعت أبا أمامة وجبير بن نفير يقولان: يأتي على الناس زمان أفضل الجهاد الرباط فقلت وما ذاك؟ قال: \"إذا انتاط الغزو وكثرت العزائم واستحلت الغنائم فأفضل الجهاد يومئذ الرباط\" ذكره في مختصر الجهاد.\n\n١٩١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ تعس عبد الدِّينَار وَعبد الدِّرْهَم وَعبد الخميصة زَاد فِي رِوَايَة وَعبد القطيفة إِن أعطي رَضِي وَإِن لم يُعْط سخط تعس وانتكس وَإِذا شيك فَلَا انتقش طُوبَى لعبد آخذ بعنان فرسه فِي سَبِيل الله أَشْعَث رَأسه مغبرة قدماه إِن كَانَ فِي الحراسة كَانَ فِي الحراسة وَإِن كَانَ فِي السَّاقَة كَانَ فِي السَّاقَة إِن اسْتَأْذن لم يُؤذن لَهُ وَإِن شفع لم يشفع رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).\nالقطيفة كسَاء لَهُ خمل يَجْعَل دثارا. والخميصة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة ثوب معلم من خَز أَو صوف. وانتكس أَي انْقَلب على رَأسه خيبة وخسارا. وشيك بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت أَي دخلت فِي جِسْمه شَوْكَة وَهِي وَاحِدَة الشوك وَقيل الشَّوْكَة هُنَا السِّلَاح وَقيل النكاية فِي الْعَدو. والانتقاش بِالْقَافِ والشين الْمُعْجَمَة نَزعهَا بالمنقاش. وَهَذَا مثل مَعْنَاهُ إِذا أُصِيب فَلَا انجبر. وطوبى اسْم الْجنَّة وَقيل اسْم شَجَرَة فِيهَا وَقيل فعلى من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٢١٩ (١٩٤٥٩). وانتاط: بعد النهاية (٥/ ١٤١).\n(^٢) البخاري (٢٨٨٦، ٢٨٨٧).","vol":"6","page":309},{"text":"الطّيب وَهُوَ الْأَظْهر.\nقوله: عن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله -ﷺ-: \"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة\" وفي رواية \"وعبد القطيفة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط\" الحديث، الخميصة: ثوب معلم من خز أو صوف، والقطيفة: كساء له خمل يجعل دثارا هكذا فسرها المنذري، فسمي هؤلاء الذين أن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا عبيدا لهذه الأشياء لأنها محنتهم ورضاهم ورغبتهم إليها فإذا أشغف الإنسان بمحبة صورة لغير الله بحيث يرضيه وصوله إليها وظفره بها ويسخطه فوات ذلك كان فيه من التعبد لها بقدر ذلك، أ. هـ.\nقوله: \"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم\" قال النووي (^١): تعس بفتح العين وكسرها لغتان واقتصر الجوهري (^٢) على الفتح والقاضي على الكسر ومعناه عثر، وقيل: هلك، وقيل: لزمه الشر، وقيل: سقط وجهه، وقيل: تعس أي انكب إلى آخره والمراد بعبد الدينار وعبد الدرهم من يحرص على تحصيل أنواع الأموال ولا يتفكر في أنه يحصله من الحلال أو من الحرام وإذا حصلها بخل بانفاقها وبأداء حقوق الله تعالى الواجب فيها، وهذه الكلمات دعاء من النبي -ﷺ- على من ترك عمل الآخرة واشتغل بجمع أموال الدنيا يعني من كان هذا صفته صار ذليلا وإن أصابه غم وجراحة ما أزال الله عنه ذلك الغم ففيه ذم فتنة متاع الدنيا الفاني، ومعنى قوله \"إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط\"\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨).\n(^٢) الصحاح (٣/ ٩١٠).","vol":"6","page":310},{"text":"أي: سخط ما قدره له خالقه ويسره له من رزقه فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين فوجب الدعاء عليه بالتعس لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني وترك العمل لنعيم الآخرة الباقي قاله في الديباجة، فمعنى \"تَعِسَ\" أَيِ: انْكَبَّ وَعَثَرَ، وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ، أَيْ: أَتْعَسَهُ اللهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷾: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ (^١) أَيْ: عِثَارًا وَسُقُوطًا، قال الجوهري في صحاحه (^٢): التعس: الهلاك، وأصله الكب وهو ضد الانتعاش، وقال في النهاية (^٢): تعس يتعس إذا عثر وانكب لوجهه، وقد تفتح العين وهو دعاء بالهلاك.\nقوله -ﷺ-: \"تعس وانتكس\" أي انقلب على رأسه خيبة وخسارا قاله المنذري وهو دعاء عليه بالخيبة والخسران لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر [والانتقاش بالقاف والشين نزعها بالنقاش وهذا مثل معناه] الدعاء عليه (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"وإذا شيك\" أي: دخلت في جسمه شوكة، وهي واحدة الشوك فلا قدر على انتقاشها وهو إخراجها بالمنقاش قاله ابن الأثير والانتقاش نزعها من الرجل وقيل الشوكة هنا السلاح، وقل: النكاية في العدو أ. هـ ذكره المنذري وهذا مثل الدعاء عليه إذا اصيب فلا انجبر أي فلا قدر على انتقاشها فيمتنع عليها السعي للدينار والدرهم (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ٨.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١١٥).\n(^٣) النهاية (٥/ ١١٥) ومشارع الأشواق (ص ٤١٢ - ٤١٣).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٤١٣).","vol":"6","page":311},{"text":"قوله -ﷺ-: \"طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه\" قال الحافظ (^١): طوبى اسم الجنة، وقيل: اسم شجرة فيها، وقيل: فعلى من الطيب وهو الأظهر (^٢)، أ. هـ.\nوقوله -ﷺ-: \"آخذ بعنان فرسه في سبيل الله\" الْعَنَان: بِكَسْر الْعين، وهو ما تقاد به الدابة، كاللجام ونحوه، والعنان بفتح العين السحاب.\nقوله: أشعث رأسه مغبرة قدماه، شعث الرأس هو قلة تعاهدها بالدهن ونحوه وإغبار القذم معروف.\nقوله: \"إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة\". هذا بيان لحال هذا العبد وانه ممتثل مطيع لأمر الإمام المطاع، وأراد بالحراسة حراسة العدو وهي تكون في مقدمة الجيش والمراد بالساقة ساقة الجيش أي مؤخره وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة من غيرهما، الأول: عند دخولهم في دار الحرب والآخر عند خروجهم منها (^٣) والله اعلم.\n\n١٩١٥ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من خير معاش النَّاس لَهُم رجل يمسك بعنان فرسه فِي سَبِيل الله يطير على مَتنه كلما سمع هيعة أَو فزعة طَار على مَتنه يَبْتَغِي الْقَتْل أَو الْمَوْت مظانه وَرجل فِي غنيمَة فِي شعفة من هَذِه الشعفاء وبطن وَاد من هَذِه الأودية يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكاة ويعبد ربه حَتَّى\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٤١٣).\n(^٣) عمدة القارى (١٤/ ١٧٢).","vol":"6","page":312},{"text":"يَأْتِيهِ الْيَقِين لَيْسَ من النَّاس إِلَّا فِي خير رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ (^١).\nمتن الْفرس ظَهره. والهيعة بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء كل مَا أفزع من جَانب الْعَدو من صَوت أَو خبر. والشعفة بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة مفتوحتين هِيَ رَأس الْجَبَل.\nقوله: وعنه -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من خير معاش الناس لهم\" الحديث، المعاش هو العيش وهو الحياة وتقديره والله أعلم من خير أحوال عيشهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله وتقدم معنى العنان.\nقوله: \"يطير على متنه\" وقد فسره الحافظ (^٢): فقال متن الفرس ظهره أ. هـ، ومعناه: يسرع على ظهره.\nقوله: \"كلما سمع هيعة\" والهيعة، قال الحافظ (^٣): كل ما أفزع [من] جانب العدو من صوت أو خبر، أ. هـ، وقال غيره: الصوت الذي يفزع ويجزع منه ويخاف، أ. هـ.\nوقوله -ﷺ-: \"أو فزعه\" بإسكان الزاي النهوض إلى العدو.\nوقوله \"طار على متنه\" أ يسرع راكبا على ظهره قال في النهاية (^٤) أي يجريه\n_________\n(^١) مسلم (١٨٨٩)، والنسائي في الكبرى (٨٨٣٠)، وأحمد (٩٧٢٣).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٤٣).\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).\n(^٤) ينظر: النهاية (٣/ ١٥٠).","vol":"6","page":313},{"text":"في الجهاد واستعار له الطيران ومنه حديث وابصة فلما قتل عثمان طار قلبي نطاره أي مال إلى جهة يهواها وتعلق بها، والمطار موضع الطيران قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"يبتغي القتل أو الموت مظانه\" والمظان جمع مظنة بالكسر وهي موضع الشيء ومعدنه أي المواضع التي يعلم فيها القتال والموت ومعناه يطلبه في مواطنه التي يرجى فيها لشدة رغبته في الشهادة.\nقوله: \"ورجل في غنيمة\" والغنيمة تصغير الغنم أي قطعة منها وهو مؤنث سماعي ولذلك صغر بالتاء.\nقوله: \"في شعفة من هذه الشعفاء\" قال الحافظ (^٢): الشعفى هي رأس الجبل أ، هـ، قال غيره: وشعفة كل شيء أعلاه والمراج هنا رأس جبل من الجبال والجمع شعف وشعاف وشعوف.\nقوله: \"ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين\" واليقين في الأصل هو العلم الثابت الذي زال عنه الشك والمراد به هنا الموت لتحققه عن كل أحد وزوال الشك عنه ففي هذا الحديث فضيلة الجهاد والرباط والحرص على الشهادة.\n\n١٩١٦ - وَعَن أم مَالك البهزية -﵂- قَالَت ذكر رَسُول الله -ﷺ- فتْنَة فقربها قَالَت قلت يَا رَسُول الله من خير النَّاس فِيهَا قَالَ رجل فِي مَاشِيَة يُؤَدِّي حَقّهَا ويعبد ربه وَرجل آخذ بِرَأْس فرسه يخيف الْعَدو ويخيفونه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٤٣).","vol":"6","page":314},{"text":"رجل عَن طَاوس عَن أم مَالك وَقَالَ حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه وَرَوَاهُ لَيْث بن أبي سليم عَن طَاوس عَن أم مَالك انْتهى (^١).\n\n١٩١٧ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصرا من حَدِيث أم مُبشر تبلغ بِهِ النَّبِي -ﷺ- قَالَ خير النَّاس منزلَة رجل على متن فرسه يخيف الْعَدو ويخيفونه (^٢).\nقوله: وعن أم مالك البهزية -﵂-، وأم مالك هذه ليس لها في الكتب الستة غير هذا الحديث وهو عند الترمذي خاصة.\nقولها: إنه -ﷺ- ذكر فتنة فقربها قالت قلت يا رسول الله من خير الناس فيها قال \"رجل في ماشية يؤدي حقها ويعبد ربه\" المراد بالحق هنا الزكاة.\nقوله: \"ورجل آخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخيفونه\" تقدم معناه في الحديث قبله ورواه البيهقي مختصرا من حديث أم بشير، وأم بشير هذه هي بنت البراء بن معرور قاله ابن النحاس عفا الله عنه.\n_________\n(^١) أحمد (٢٧٣٥٣)، والطبراني في الكبير (٢٦٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧٦٩).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٢٩١)، والطبراني (٢٥/ رقم ٢٧١).","vol":"6","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>الترغيب في الحراسة في سبيل الله تعالى</span>\n١٩١٨ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول عينان لَا تمسهما النَّار عين بَكت من خشيَة الله وَعين باتت تحرس فِي سَبِيل الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nعن ابن عباس، تقدم الكلام على ابن عباس -﵄-.\nقوله -ﷺ-: \"عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله\" الحديث، هذا كناية عن جسم صاحب العينين كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٢) بمعنى: ناعمة، الوجوه لا تنعم على الحقيقة وإنما ينعم أصحابها، أ. هـ.\nقال ابن النحاس في كتابه: واعلم أن الحراسة في سبيل الله من أعظم القربات وأعلا الطاعات وهي أفضل أنواع الرباط وكل من حرس المسلمين في موضع يخشى عليهم فيه من العدو فهو مرابط ولا ينعكس، فللحارس في سبيل الله أجر المرابط وفضائل أخر كثيرة، منها: أن النار لا تمس عينا حرست في سبيل الله أبدًا (^٣).\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٣٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٠٩)، والمزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٥٢٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤١١٢).\n(^٢) سورة القيامة، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٤١٣).","vol":"6","page":316},{"text":"ومنها: ما روى أن من حرس في سبيل الله لا يرى النار بعينيه (^١).\nومنها: ما رواه ابن ماجه بإسناد واهٍ (^٢) عن أنس قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة\" السنة: ثلاثمائة وستون يوما، اليوم كألف سنة، انفرد به ابن ماجه (^٣) وهو حديث ضعيف قال في الميزان (^٤): هذا لو صح لكان مجموع ذلك الفضل ثلاثمائة ألف ألف سنة قاله في الديباجة.\nومنها ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن مكحول قال: \"من بات حارسًا حتى يصبح تحاتت عنه خطاياه\" (^٥).\nومنها: شهادة النبي -ﷺ- لمن حرس في سبيل الله أنه من أهل الجنة (^٦).\nومنها: ما روى أن من حرس في سبيل الله كان له بعدد من خلقه قراريط من الأجر (^٧).\nومنها: أن حرس ليلة في موضع يخاف فيه على نفسه أفضل من ليلة القدر (^٨).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٤١٦).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٤١٨) وعبارته هناك وهذا حديث منكر.\n(^٣) سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط (٢٧٧٠).\n(^٤) ميزان الاعتدال (٢/ ١٢٥).\n(^٥) مشارع الأشواق (ص ٤١٨) والخبر أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٦ (١٩٣٤١).\n(^٦) مشارع الأشواق (ص ٤١٩).\n(^٧) مشارع الأشواق (ص ٤٢٢).\n(^٨) مشارع الأشواق (ص ٤٢٣).","vol":"6","page":317},{"text":"ومنها: ما روي أن حرس ليلة أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها (^١).\nومنها: ما خرجه السلطان نور الدين محمود في كتاب الجهاد بإسناده عن محمد بن مقاتل الرازي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من سهر ليلة في سبيل الله فله عند الله من الثواب ما لا يقدر أحدا أن يصفه من أمتي\" (^٢).\nومنها: ما روى أن كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا سهرت في سبيل الله وما يذكر معها (^٣).\nومنها: ما روي عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله -ﷺ- قال: \"رحم الله حارس الأحراس\" (^٤) أ. هـ.\n\n١٩١٩ - وَعَن معَاذ بن أنس -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من حرس من وَرَاء الْمُسلمين فِي سَبِيل الله ﵎ مُتَطَوعا لَا يَأْخُذهُ سُلْطَان لم ير النَّار بِعَيْنِه إِلَّا تَحِلَّة الْقسم فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٤٢٣).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٤٢٤).\nوالحديث أخرجه في الاجتهاد (لوحة ١٨٢/ خ ٢٣٤ فيض الله).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٤١٧).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٤٢٥). والحديث: أخرجه الدارمى (٢٤٤٥) وابن ماجه (٢٧٦٩)، وأبو يعلى (١٧٥٠)، والحاكم (٢/ ٨٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٤١).","vol":"6","page":318},{"text":"وَارِدُهَا﴾ (^١). رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ فِي المتابعات (^٢).\nتَحِلَّة الْقسم هُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام بعْدهَا تَاء تَأْنِيث مَعْنَاهُ تَكْفِير الْقسم وَهُوَ الْيَمين.\nقوله: وعن معاذ بن أنس، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ \" الحديث.\nقال الحافظ (^٣): تحلة القسم معناه: تكفير القسم وهو اليمين، أ. هـ، وقال غيره: تحلة القسم أي قدرها، يبر الله تعالى قسمه حكاه ابن فارس ويقال: فعلت هذا تحلة القسم أي لم أفعل إلا بقدر ما حللت به يميني، وحكى الهروي: أن موضع القسم مردود إلى قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ (^٤) قال: والعرب تقسم وتضمر المقسم به، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ\n_________\n(^١) سورة سورة مريم، الآية: ٧١.\n(^٢) أحمد (١٥٦١٢)، وأبو يعلى (١٤٩٠)، والطبراني في الكبير (٤٠٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٧)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في أحد إسنادي أحمد: ابن لهيعة، وهو أحسن حالا من رشدين.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٦).\n(^٤) سورة مريم، الآية: ٦٨.","vol":"6","page":319},{"text":"لَيُبَطِّئَنَّ﴾ (^١) معناه: وإن منكم والله، أ. هـ قاله ابن النحاس.\n\n١٩٢٠ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول حرس لَيْلَة فِي سَبِيل الله أفضل من صِيَام رجل وقيامه فِي أَهله ألف سنة السّنة ثَلَاثمِائَة يَوْم وَسِتُّونَ يَوْمًا الْيَوْم كألف سنة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَيُشبه أَن يكون مَوْضُوعا.\n\n١٩٢١ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى مُخْتَصرا قَالَ من حرس لَيْلَة على سَاحل الْبَحْر كَانَ أفضل من عِبَادَته فِي أَهله ألف سنة (^٢).\nقوله: وروى عن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة\" الحديث.\n\n١٩٢٢ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- عينان لَا تمسهما النَّار أبدا عين باتت تكلأ فِي سَبِيل الله وَعين بَكت من خشيَة الله رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط إِلَّا أَنه قَالَ عينان لَا تريان النَّار (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٧٢.\n(^٢) ابن ماجه (٢٧٧٠)، وأبو يعلى (٤٢٦٧)، والمزي في تهذيب الكمال (١٠/ ٤٠٤)، قال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٩٥) هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٠٥).\n(^٣) أبو يعلى (٤٣٤٦)، والطبراني في الأوسط (٥٧٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٨)، رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بنحوه، ورجال أبي يعلى ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤١١١).","vol":"6","page":320},{"text":"تكلأ مهموزا أَي تحفظ وتحرس.\nقوله: وعنه، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"عينان لا تمسهما النار أبدًا، عين باتت تكلؤا في سبيل الله \"الحديث، قال الحافظ: (^١) تكلؤا: مهموز أي تحفظ وتحرس أي في سبيل الله.\n\n١٩٢٣ - وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاثَة لا ترى أَعينهم النَّار عين حرست فِي سَبِيل الله وَعين بَكت من خشيَة الله وَعين كفت عَن محارم الله رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن أَبَا الحبيب العبقري لا يحضرني حَاله (^٢).\nقوله: وعن معاوية بن حيدة - ﵁ -: [بفتح الحاء المهملة وإسكان المثناة تحت - ابن معاوية بن قيس بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيرى البصرى الصحابى، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية الراوى عن أبيه، عن جده، مذكور في المهذب في الزكاة، وغزا خراسان ومات بها، سئل يحيى بن معين، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، فقال: إسناد صحيح إذا كان من دونهم ثقة] روى معاوية بن حيدة عن رسول الله - ﷺ - اثنين\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٠٠٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٨)، وفيه أبو حبيب العنقزي، ويقال القنوي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٥٩١).","vol":"6","page":321},{"text":"وأربعين حديثًا.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ترى أعينهم النار\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n١٩٢٤ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أَلا أنبئكم لَيْلَة أفضل من لَيْلَة الْقدر حارس حرس فِي أَرض خوف لَعَلَّه أَن لا يرجع إِلَى أَهله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أنبئكم ليلة أفضل من ليلة القدر، حارس حرس في أرض خوف لعله أن لا يرجع إلى أهله\" الحديث.\n\n١٩٢٥ - وَعَن عُثْمَان - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول حرس لَيْلَة فِي سَبِيل الله أفضل من ألف لَيْلَة يُقَام لَيْلهَا ويصام نَهَارهَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\n\n١٩٢٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلاثَة أعين لا تمسها النَّار عين فقئت فِي سَبِيل الله وَعين حرست فِي سَبِيل الله وَعين بَكت من خشيَة الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٨٠)، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٢) الحاكم (٢/ ٨١)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٠٤).\n(^٣) الحاكم (٢/ ٨٢)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: عمر ضعفوه =","vol":"6","page":322},{"text":"قَالَ المملي - ﵁ - بل فِي إِسْنَاده عمر بن رَاشد الْيَمَانِيّ.\n\n١٩٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَيْضا أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ حرم على عينين أَن تنالهما النَّار عين بَكت من خشيَة الله وَعين باتت تحرس الإِسْلَام وَأَهله من الْكفْر رَوَاهُ الْحَاكِم وَفِي إِسْنَاده انْقِطَاع (^١).\nقوله: وعن عثمان، تقدم الكلام عليه، وتقدم أيضا على الحديث وعلى الحديث الذي بعده وعلى الحديث أيضًا الذي بعده.\n\n١٩٢٨ - وَعَن أبي رَيْحَانَة - ﵁ - قَالَ كنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فِي غَزْوَة فأتينا ذَات يَوْم على شرف فبتنا عَلَيْهِ فأصابنا برد شَدِيد حَتَّى رَأَيْت من يحْفر فِي الأرْض حُفْرَة يدْخل فِيهَا ويلقي عَلَيْهِ الحجفة يَعْنِي الترس فَلَمَّا رأى ذَلِك رَسُول الله - ﷺ - من النَّاس قَالَ من يحرسنا اللَّيْلَة وأدعو لَهُ بِدُعَاء يكون فِيهِ فضل فَقَالَ رجل من الأَنْصَار أَنا يَا رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ادنه فَدَنَا فَقَالَ من أَنْت فتسمى لَهُ الأنْصَارِيّ فَفتح رَسُول الله - ﷺ - بِالدُّعَاءِ فَأكْثر مِنْهُ قَالَ أَبُو ريحَانَة فَلَمَّا سَمِعت مَا دَعَا بِهِ رَسُول الله - ﷺ - فَقلت أَنا رجل آخر قَالَ ادنه فدنوت فَقَالَ من أَنْت فَقلت أَبُو ريحَانَة فَدَعَا لي بِدُعَاء وَهُوَ دون مَا دَعَا للأَنصَارِيِّ ثمَّ قَالَ حرمت النَّار على عين دَمَعَتْ أَو بَكت من خشيَة الله وَحرمت النَّار على عين سهرت فِي سَبِيل الله ﷿ وَقَالَ حرمت النَّار على عين أُخْرَى ثَالِثَة لم يسْمعهَا مُحَمَّد بن شمير رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات للنسائي بِبَعْضِه\n_________\n= وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٥٧٥).\n(^١) الحاكم (٢/ ٨٢)، وقال الذهبي: فيه انقطاع، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣١٣٦).","vol":"6","page":323},{"text":"وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي ريحانة، أبو ريحانة هذا هو الأزدي له صحبة، واسمه: شمغون بالشين والغين المعجمتين، وقيل: بالعين المهملة وهو أنصاري، وقيل: قرشي، ويقال له مولى رسول الله - ﷺ - سكن دمشق واتخذها دارا، سكن بعد ذلك بيت المقدس، وكان صالحا عابدا مجاهدا - ﵁ -، قاله في الديباجة، وكذلك ابن [الأثير] ويقال: إنه والد ريحانة سرية النبي - ﷺ - قاله ابن عبد البر (^٢) وهو مشهور بكنيته (^٣)، وماتت ريحانة قبل وفاة النبي - ﷺ -[بعد عوده] من حجة الوداع وهي في أملك، النبي - ﷺ -[وكان رسول الله - ﷺ - عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله]، بل تتركنى يا رسول الله [في ملكك] فهو أخف عليّ وعليك فتركها (^٤)، ركب أبوها البحر وكان يخيط فيه بإبرة فسقطت إبرته في البحر فقال: عزمت عليك يارب إلا رددت علي إبرتي فظهرت حتى أخذها، واشتد عليهم البحر ذات يوم وهاج فقال: اسكن أيها البحر فإنما أنت عبد حبشى فسكن حتى صار\n_________\n(^١) أحمد (١٧٢١٣)، والطبراني في الأوسط (٨٧٣٦)، والحاكم (٢/ ٨٣)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٤٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٧)، روى النسائي طرفا منه، رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورحال أحمد ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٠٦).\n(^٢) التمهيد (١٦/ ٢٢٢).\n(^٣) أسد الغابة (٢/ ٦٣٩).\n(^٤) أسد الغابة (٧/ ١٢٢).","vol":"6","page":324},{"text":"كالزيت (^١).\nقوله: كنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة فأتينا ذات يوم على شرف فبتنا عليه، الشرف: ما ارتفع وعلا من الأرض.\n\n١٩٢٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - كل عين باكية يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا عين غضت عَن محارم الله وَعين سهرت فِي سَبيل الله وَعين خرج مِنْهَا مثل رَأس الذُّبَاب من خشيَة الله رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه وعلى الحديث.\nقوله: ويلقي عليه الحجفة. الحجفة هي الترس والدرفة قاله عياض (^٣) والترس الذي من الجلد يسمي بالدرفة.\nقوله: قال: ادنه، هو أمر بالدنو وهو القرب، والهاء فيه للسكت جيء بها لبيان الحركة وقد تكررت في الحديث قاله في النهاية (^٤).\nقوله: من يحرسنا من الليلة؛ فإن قيل: كيف طلب الحراسة مع توكله وثقته بالقدر؟ الجواب: من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه سن هذه الأشياء لا لحاجته إليها ويدل على غناه عنها أنهم كانوا إذا [اشتد البأس قدموه واتقوا\n_________\n(^١) كرامات الأولياء (ص ٢٢٨) لللالكائى.\n(^٢) الأصبهاني في الترغيب (٤٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٦٣). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٤٣).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٩٣).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٣٨).","vol":"6","page":325},{"text":"به ولما وقع فزع بالمدينة ركب وحده وخرج والثاني أن التوكل والثقة بالله سبحانه لا ينافيان العمل بالأسباب بدليل قوله، اعقلها وتوكل [وهذا] لأن التوكل عمل يخص القلب، والتعرض لأسباب أفعال تخص البدن فلا تناقض، الثالث: أن وساوس النفس وحديثها لا تدفع إلا بمراعاة الأسباب، ومنه قول إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^١) [ومتى] وسوست النفس قلقلت القلب عن وظائفه إذا سكنت وسوستها [بشيء من] الأسباب تشاغلت عن إيذاء القلب المتوكل الناظر إلى السبب ومن هذا حديث سلمان الفارسي أنهم رأوه يحمل طعاما ويقول: إن [النفس] إذا أحرزت [قوتها] اطمأنت (^٢) والله أعلم قاله بعضهم على حاشية كتاب المشارق للقاضي عياض.\n\n١٩٣٠ - وَعَن سهل ابْن الحنظلية - ﵁ -: أَنهم سَارُوا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - يَوْم حنين فأطنبوا السّير حَتَّى كَانَ عَشِيَّة فَحَضَرت صَلَاة الظّهْر مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فجَاء فَارس فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي انْطَلَقت بَين أَيْدِيكُم حَتَّى طلعت على جبل كَذَا وَكَذَا فَإِذا أَنا بهوازن على بكرَة أَبِيهِم بظعنهم ونعمهم وَنِسَائِهِمْ اجْتَمعُوا إِلَى حنين فَتبَسَّمَ رَسُول الله - ﷺ - وَقَالَ تِلْكَ غنيمَة الْمُسلمين غَدا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ من يحرسنا اللَّيْلَة قَالَ أنس بن أبي مرْثَد الغنوي أَنا يَا رَسُول الله قَالَ اركب فَركب فرسا لَهُ وَجَاء إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٦٠.\n(^٢) قاله ابن الجوزى كما في كشف المشكل (١/ ١٢٢٥).","vol":"6","page":326},{"text":"اسْتقْبل هَذَا الشّعب حَتَّى تكون فِي أَعْلاهُ وَلا تغرن من قبلك اللَّيْلَة فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خرج رَسُول الله - ﷺ - إِلَى مُصَلَّاهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ هَل أحسستم فارسكم قَالُوا يَا رَسُول الله مَا أحسسناه فثوب بِالصَّلَاةِ فَجعل رَسُول الله - ﷺ - يُصَلِّي وَهُوَ يلْتَفت إِلَى الشّعب حَتَّى إِذا قضى رَسُول الله - ﷺ - صلَاته وَسلم قَالَ أَبْشِرُوا فقد جَاءَ فارسكم فَجعلنَا نَنْظُر إِلَى خلال الشّجر فِي الشّعب فَإِذا هُوَ قد جَاءَ حَتَّى وقف على رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ إِنِّي انْطَلَقت حَتَّى كنت فِي أَعلَى هَذَا الشّعب حَيْثُ أَمرنِي رَسُول الله - ﷺ - فَلَمَّا أَصبَحت اطَّلَعت الشعبين كِلَاهُمَا فَنَظَرت فَلم أر أحدا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ - هَل نزلت اللَّيْلَة قَالَ لا إِلَّا مُصَليا أَو قَاضِي حَاجَة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ - قد أوجبت فَلَا عَلَيْك أَن لا تعْمل بعْدهَا رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nأوجبت أَي أتيت بِفعل أوجب لَك الْجنَّة.\nقوله: وعن سهل بن الحنظلية؛ هو سهل بن الربيع الأنصاري، والحنظلية أمه، وقيل: أم جده.\n[قوله] أنهم ساروا مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، المراد بيوم حنين الغزاة التي وقعت فيه، وغزوة حنين كانت بعد سبع سنين وثمانية أشهر واثني عشر يوما من الهجرة، بعد فتح مكة بيوم واحد، قال القرطبي والمنذري: حنين يسمى باسم رجل أقام فيه.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٥٠١)، والنسائي في الكبرى (٨٨٧٠)، والطبراني في الكبير (٥٦١٩)، والحاكم (١/ ٢٣٧)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٧٨).","vol":"6","page":327},{"text":"وقوله: فأطنبوا السير أي بالغوا فيه، وأطنبت الإبل إذا تبع بعضها بعضا في السير، وأطنبت الريح إذ اشتدت في غبار.\nوقوله: فإذا أنا بهوزان، هوازن هذه قبيلة مشهورة من قيس غيلان وهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن حصفة بن قيس بن غيلان نسب إليها جماعة من الصحابة فمن بعدهم وفي هوازن بطون كثيرة وأفخاذ وقل من ينسب هذه النسبة، استغنى بالنسبة إلى البطون والأفخاذ عن النسبة إليها ووقع في الشعر وقيس غيلان الهوازنيين، وفي خزاعة أيضًا هوازن بطن، أ. هـ.\nوغزوة هوازن هي غزوة حنين وحنين وادي [بين مكة] والطائف وراء عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا وهو معروف كما جاء في القرآن العزيز، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ (^١)، وغزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، وغزوة بدر كانت في السنة الثانية (^٢) من الهجرة أ. هـ. قوله: عن بكرة أبيهم، وعلى هنا بمعنى مع، وبكرة أبيهم: بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وهي كلمة العرب يريدون بها الكثرة والوفور في العدد (^٣)، يريدون إذا جاءوا ولم يتخلف منهم أحد أي: بأجمعهم وليس هناك بكرة في الحقيقة (^٤)، وقال بعضهم: البكرة هنا التي يستقي عليها أي من\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٢٥.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١١٣) وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨٦).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٤٠).\n(^٤) الصحاح (٢/ ٥٩٦).","vol":"6","page":328},{"text":"البئر أي: جاءوا بعضهم في إثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد، وقال قوم: أراد بالبكرة الطريقة أراد أنهم جاءوا على طريقة أبيهم أي يقتفون أثره، وقيل: هو ذم ووصف بالقلة والذلة، أي يكفيهم للركوب بكرة واحدة وذكر الأب احتقارًا وتصغيرًا لشأنهم (١)، ويقال: إن أصل ذلك أن قومًا من العرب عرض لهم انزعاج فلم يتخلف منهم أحد لا صغير ولا كبير حتى بكرة كانت لأبيهم فصار مثلا فيمن جاءوا بأجمعهم وإن لم يكن معهم بكرة، قيل: أصله أنهم قتلوا وحملوا على بكرة أبيهم فقيل فيهم ذلك ثم صار مثلا لقوم جاءوا مجتمعين (٢)، أ. هـ.\nقوله: بظعنهم ونعمهم وشاتهم اجتمعوا إلى حنين [فتبسم] رسول الله - ﷺ -، والظعن: النساء والإبل خاصة وإذا قيل الأنعام دخلت معهما في ذلك البقر، وقيل: هما لفظان بمعنى واحد على الجميع وظاهر هذا الحديث يؤيد الأول، أ. هـ.\nوالظعن النساء واحدتها ظعينة (٣)، والظعينة بالظاء المعجمة واحدة الظعن وهن النساء، وقيل: الظعينة المرأة في الهودج والظعن النساء، ثم قيل للهودج بلا امرأة وللمرأة بلا هودج ظعينة (٤)؛ والهودج: بفتح الهاء المهملة وبالجيم","vol":"6","page":329},{"text":"مركب من مراكب العرب (^١)، تكون فيه المرأة على البعير، وجمع الظعينة ظُعُن وظُعْن وظعائن وأظعان، وأصل الظعينة الراحلة التي ترحل ويظعن عليها أي يسافر وقيل للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيث ما ظعن (^٢) أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت فسميت به المرأة مجازًا، واشتهر ذلك وكثر حتى خفيت الحقيقة حتى استعمل في كل امرأة وحتى سمى الجمل الذي يركب عليه ظعينة ولا يقال ذلك إلا للإبل التي عليها الهودج (^٣)، أ. هـ.\nوهذا من باب تسمية الشيء باسم سببه كما سموا المطر سماء إذ كان نزوله من السماء وكما سموا حافر الدابة أرضا لوقوعه عليها وكما يقال للجمل والمزادة راوية، وقيل: كل جمل موطئا للنساء ظعينة والظعون البعير المظعن للرحلة، أ. هـ قاله صاحب المغيث (^٤).\nفائدة (^٥): عن البراء قال: لما لقي النبي - ﷺ - المشركين يوم حنين نزل عن بغلته فترجل. أخرجه أبو داود (^٦) [وهو مخرج] في الصحيحين في حديث\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١١/ ١٨١).\n(^٢) النهاية (٣/ ١٥٧).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٩)، وشرح النووي على مسلم (٨/ ١٨٩ و٩/ ٤٠)، والكواكب الدراري (٨/ ١٧٠).\n(^٤) المجموع المغيث (٢/ ٣٨٥).\n(^٥) [محل هذه الفائدة ادخل الخاتمة الآتي كما نبه عليه المصنف ﵀].\n(^٦) أخرجه أبو داود (٢٦٥٨). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٣٨٧).","vol":"6","page":330},{"text":"مطول (^١) [عن العباس بن عبد المطلب وفيه ورسول الله - ﷺ - على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي قوله أهداها له فروة بن نفاثة فهو بنون مضمومة ثم فاء مخففة ثم ألف ثم ثاء مثلثة وفي رواية إسحاق بن إبراهيم قال فروة بن نعامة] والصحيح الأول، قال القاضي واختلفوا في إسلامه فقال الطبري أسلم وعمر طويلا، وقيل: لم يسلم وكانت البغلة بيضاء وجاء أنها شهباء وهي واحدة، قال العلماء: لا يعرف له بغلة سواها وهي دلدل ورأيت في موضع آخر أن الذي أهداها له المقوقس، وهي بيضاء، والبيضاء هي الشهباء وتسمي الدلدل والأول قاله في شرح الإلمام وفي الحديث ركوب البغال في القتال للإمام لثباتها فيقف عليها ويقاتلون بين يديه، قال العلماء: ركوبه ﵊ في موطن الحرب وعند اشتداد البأس وقيامه عليها هو النهاية في الشجاعة والثبات (^٢) والذي قاتل فيه رسول الله - ﷺ - من الغزوات بدرا وأحدا والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر والفتح والطائف، قال ابن سعد: هو الذي أجمع لنا عليه، وفي بعض الروايات أنه قاتل في النضير وفي غزاة وادي القرى منصرفه من خيبر [وقاتل في] الغابة قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد له (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٦٤) و(٢٨٧٤) و(٢٩٣٠) و(٣٠٤٢) و(٤٣١٧)، ومسلم (٧٨ و٧٩ و٨٠ - ١٧٧٦). وأخرجه مسلم (٧٦ - ١٧٧٥) عن اكثير بن عباس بن عبد المطلب.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١١٤).\n(^٣) عيون الأثر (١/ ٢٥٨)، ومشارع الأشواق (ص ٨٠٩).","vol":"6","page":331},{"text":"قوله: قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله، مرثد بفتح الميم وسكون الراء المهملة وفتح الثاء المثلثة وبعدها دال مهملة، والغنوي بفتح الغين المعجمة وبعدها نون مفتوحة نسبة إلى غني بفتح الغين وكسر النون وهو غني بن يعصر ويقال: أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر.\nقوله - ﷺ -: \"استقبل هذا الشعب\" والشعب: الطريق في الجبل، وقيل: هو ما أفرج بين جبلين.\nوقوله - ﷺ -: \"ولا نُغَرِّبُ من قِبَلك\" هو بضم النون وفتح الغين المعجمة وتشديد الراء، ومن قبلك بكسر الميم أي لا يؤخذ على غفلة بسببك وهو مثل قولهم: لا أرينك هاهنا ظاهره نهي المتكلم نفسه، وإنما هو نهى المخاطب عن إتيان ذلك المكان، ورأيته في بعض النسخ المعتمدة مضبوطًا بتاء مثناة من فوق مفتوحة وبضم الغين المعجمة وبفتح ميم (من) والصواب الأول ذكره النووي (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فهل أحسستم فارسكم\" أي: أدركتم فارسكم [بالحس].\nقوله: فثوب بالصلاة، والتثويب يقع على النداء للصلاة أو لا وعلى الإقامة والمراد به هاهنا الإقامة. سميت تثويبا لأنها دعاء إلى الصلاة، وأصل التثويب الدعاء إلى الشيء.\nقوله: فقال له رسول الله - ﷺ -: \"قد أوجبت\"، قال الحافظ (^٢): أي أتيت\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٧).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).","vol":"6","page":332},{"text":"بفعل أوجب لك الجنة، قال ابن النحاس أوجبت لنفسك الجنة بما صنعت من حرسك الليلة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فلا عليك ألا تعمل بعدها\" أي: لا ضرر ولا حرج عليك في ترك العمل الصالح سوى الفرائض بعد هذه الليلة وهذه بشارة بأنه غفر له والله أعلم.\nخاتمة: وأما ما كان له - ﷺ - من السلاح فكان له من الرماح أربعة ومن القسي ستة ومن التربية ثلاثة ومن الأسياف ثمانية، وقيل: تسعة، منها: ذو الفقار بكسر الفاء ويقال أبا الفتح أيضًا كان في وسطه مثل فقرات الظهر غنمه يوم بدر وكان للعاصي بن منبه السهمي وبقى معه في حروبه ﵇ كلها وكانت قائمته وقبيعته وحلقته وعلاقته فضة، ومن الأدراع ستة، ومنطقة ومغفران وفسطاط وثلاث حربات ومحجن ومخصرة وعصب وقضيب وهراوة، ومن الخفاف ستة أزواج وثلاث جبات يلبسهن في الحرب وجعبة وغير ذلك وكل ما خلفه من ذلك وغيره فهو صدقة لحديث أبي هريرة: \"لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يورثون إنما ورثوا العلم\" نعم هم يرثون من غيرهم، أ. هـ قاله ابن النحاس أيضا في كتاب الجهاد (^٢) انتهى.\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٤٢٢).\n(^٢) عيون الأثر (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧) ومشارع الأشواق (ص ٥٠١ - ٥٠٣).","vol":"6","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>الترغيب في النفقة في سبيل الله وتجهيز الغزاة وخلفهم ها أهليهم</span>\n١٩٣١ - عَن خريم بن فاتك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أنْفق نَفَقَة فِي سَبِيل الله كتبت بسبعمائة ضعف رَوَاهُ النَّسَائيِّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\n\n١٩٣٢ - وروى الْبَزَّار حَدِيث الإِسْرَاء من طَرِيق الرّبيع بن أنس عَن أبي الْعَالِيَة أَو غَيره عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - أُتِي بفرس يَجْعَل كل خطو مِنْهُ أقْصَى بَصَره فَسَار وَسَار مَعَه جِبْرَائِيل ﵇ فَأتى على قوم يزرعون فِي يَوْم ويحصدون فِي يَوْم كلما حصدوا عَاد كمَا كانَ فَقَالَ يَا جِبْرَائِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ المجاهدون فِي سَبِيل الله تضَاعف لَهُم الْحَسَنَة بسبعمائة ضعف وَمَا أَنْفقُوا من شَيْء فَهُوَ يخلفه فَذكر الحَدِيث بِطُولهِ (^٢).\nقوله: عن خريم بن فاتك [هو أبو يحيى، وقيل: أبو أيمن خريم، بضم الخاء وفتح الراء، ابن فاتك بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك بن\n_________\n(^١) النسائي في الكبرى (٤٣٩٥)، والترمذي (١٦٢٥)، وابن حبان (٤٦٤٧)، والحاكم (٢/ ٨٧)، وأحمد (١٩٠٣٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٧١)، وفي الآحاد والمثاني (١٠٤٧)، والطبراني في الكبير (٤١٥٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١١٠).\n(^٢) البزار (٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٧)، ورجاله موثقون، إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره فتابعيه مجهول.","vol":"6","page":334},{"text":"القليب، بضم القاف، ابن عمرو بن أسد بن خزيمة الأسدى. شهد هو وأخوه سبرة بدرا، وقيل: لم يشهدها، والصحيح الأول، وبه قال البخاري والأكثرون، وهو معدود في الشاميين، وقيل: في الكوفيين، نزل الرقة. روى عنه ابنه أيمن، والمعرور بن سويد، والربيع بن عميلة، بضم العين، وآخرون].\nقوله - ﷺ -: \"من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف\" الحديث، وروى البزار حديث الإسراء، وفي آخره فقال: يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.\nقوله: في حديث الإسراء أن رسول الله - ﷺ - أتي بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره، الحديث، هذا الفرس هو البراق مركب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوف في الحديث يحتمل أن يسمى براقا من البرق لسرعة سيره وأنه يضع حافره حيث يجعل طرفه أو لكونه أبرق وهو الأبيض كما قال في الحديث، أ. هـ قاله عياض (^١).\nفائدة: في الصلاة قال الحربي ويحيى بن سلام والسهيلي أن الصلاة قبل [الإسراء] كانت صلاتين قبل الغروب وقبل الطلوع ركعتين ركعتين ويشهد له قوله تعالى في سورة غافر وهي مكية ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (^٢)\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٩٣).\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٥٥.","vol":"6","page":335},{"text":"ثم صارت الصلوات خمسا، وزيدت في العدد أيضا فمعنى قول عائشة: فرضت الصلاة أي قبل الإسراء ركعتين وبهذا قال طائفة من السلف منهم ابن عباس وأنكر أبو عمر هذا وقال: ليس فيه أثر صحيح ورجح أن الخمس فرضت ركعتين ركعتين لأن [الإشارة بالألف واللام إلى الصلاة] معناه [إشارة إلى الصلاة المعهودة وهذا هو الظاهر المعروف في الكلام وقد أجمع العلماء أن الصلوات الخمس إنما فرضت في الإسراء والظاهر من حديث عائشة أنها أرادت تلك الصلاة وقولها] زيد في الحضر في [المدينة]، وقال الحسن ونافع بن جبير: أول ما فرضت أربعًا، وفي البيهقي (^١) أن جبريل ﵇ صلى بالنبي - ﷺ - أربعًا أربعًا وكل هذا ضعيف يرده قوله في الصحيح ثم هاجر ففرضت أربعا بل قال الحسن والشعبي إن الزيادة كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه ذكره أبو عمر وغيره وجزم به السهيلي، وقال بعضهم: بعد شهر من مقدمه المدينة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول قال الدولابي: يوم الثلاثاء (^٢)، قال أبو عمر: وأجمعوا على عدم قصرهما الآن ولا يضر الاختلاف في الأصل (^٣) والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.\n\n١٩٣٣ - وَعَن ابْن عمر - ﵁ - قَالَ لما نزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (١/ ٥٣٢ رقم ١٦٩٤) عن أبي مسعود. قال البيهقي: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمع من أبي مسعود الأنصاري، إنما هو بلاغ بلغه.\n(^٢) انظر: التمهيد (٨/ ٣٣ - ٣٥) و(٨/ ٤٨)، والروض ٣/ ١٢، وعيون الأثر (١/ ١٧٣ - ١٧٧)، والإشارة (١/ ١٨٢).\n(^٣) عيون الأثر (١/ ١٧٦).","vol":"6","page":336},{"text":"يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ (^١). قَالَ رَسُول الله - ﷺ - رب زد أمتِي فَنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٢). رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^٣).\n\n١٩٣٤ - وَعَن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي هُرَيْرَة وَأبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ وَعبد الله بن عمر وَجَابِر بن عبد الله وَعمْرَان بن حُصَيْن - ﵁ - كلهم يحدث عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ من أرسل نَفَقَة فِي سَبِيل الله وَأقَام فِي بَيته فَلهُ بِكُل دِرْهَم سَبْعمِائة دِرْهَم وَمن غزا بِنَفسِهِ فِي سَبِيل الله وَأنْفق فِي وَجهه ذَلِك فَلهُ بِكُل دِرْهَم سَبْعمِائة ألف دِرْهَم ثمَّ تَلا هَذِه الآيَة: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٤). رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن الْخَلِيل بن عبد الله وَلا يحضرني فِيهِ جرح وَلا عَدَالَة عَن الْحسن عَنْهُم وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن عَن عمرَان فَقَط (^٥).\nقَالَ الْحَافِظ وَالْحسن لم يسمع من عمرَان وَلَا من ابْن عمر وَقَالَ الْحَاكِم أَكثر مَشَايِخنَا على أَن الْحسن سمع من عمرَان انْتهى وَالْجُمْهُور على أَنه لم\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(^٣) ابن حبان (٤٦٤٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٨٠).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(^٥) ابن ماجه (٢٧٦١)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٨٨) هذا إسناد ضعيف، الخليل بن عبد الله، لا يعرف؛ قاله الذهبي وابن عبد الهادي، وقال الحافظ في التقريب: مجهول. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٩٠).","vol":"6","page":337},{"text":"يسمع من أبي هُرَيْرَة أَيْضا وَقد سمع من غَيرهم وَالله أعلم\nقوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر وعلى الحديث.\n\n١٩٣٥ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ طُوبَى لمن أَكثر فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله من ذكر الله فَإِن لَهُ بِكُل كلمة سبعين ألف حَسَنَة كل حَسَنة مِنْهَا عشرَة أَضْعَاف مَعَ الَّذِي لَهُ عِنْد الله من الْمَزِيد قيل يَا رَسُول الله النَّفَقَة قَالَ النّفقَة على قدر ذَلِك قَالَ عبد الرَّحْمَن فَقلت لِمعَاذ إِنَّمَا النَّفَقَة بسبعمائة ضعف فَقَالَ معَاذ قل فهمك إِنَّمَا ذَاك إِذا أنفقوها وهم مقيمون فِي أَهْليهمْ غير غزَاة فَإِذا غزوا وأنفقوا خبأ الله لَهُم من خَزَائِن رَحمته مَا يَنْقَطِع عَنا علم الْعباد وصفتهم فَأُولَئِك حزب الله وحزب الله هم الغالبون رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده راو لم يسم (^١).\nقوله: وعن معاذ بن جبل، معاذ بالذال المعجمة وهو: أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن [أوس] بن عائذ الأنصاري الخزرجي الجشمي المدني الفقيه الفاضل الصالح يشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار ثم شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وآخي رسول الله - ﷺ - بينه وبين عبد الله بن مسعود، روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وسبعة وخمسون حديثا، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، توفي - ﵁ - في طاعون عمواس وهذا الطاعون منسوب إلى بلدة يقال\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ رقم ١٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٢)، وفيه رجل لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٣٩).","vol":"6","page":338},{"text":"لها عمواس وهي بين المقدس والرملة من أرض الشام سنة ثمانية عشرة، وقيل: سنة سبع عشرة، والصحيح الأول، وقبره في مشاريق غوربيسان وتوفي شهيدًا في الطاعون وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقيل: أربع وثلاثين سنة، وقيل: غير ذلك، ولما وقع الطاعون بالشام قال معاذ: اللهم أدخل على آل معاذ نصيبهم من هذا فطعنت له امرأتان فماتتا ثم طعن ابنه عبد الرحمن فمات ثم طعن معاذ فجعل يغشى عليه فإذا أفاق قال: رب غمني غمك وعزتك لإنك تعلم أني لأحبك ثم يغشى عليه فإذا أفاق قال مثل ذلك فلما حضرته الوفاة قال: مرحبا بالموت مرحبا بزار حبيب جاء على فاقة اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر، ومناقبه كثيرة مشهورة.\nقوله ﷺ: \"طوبي لمن أكثر في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله فإن له بكل كلمة سبعين ألف حسنة\" الحديث، تقدم الكلام على طوبى في الباب قبله.\n\n١٩٣٦ - وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهنِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من جهز غازيا فِي سَبِيل الله فقد غزا وَمن خلف غازيا فِي أَهله بخَير فقد غزا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ (^١).\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٤٣)، ومسلم (١٨٩٥)، وأبو داود (٢٥٠٩)، والترمذي (١٦٢٨)، والنسائي في الكبرى (٤٣٨٩)، وأحمد (١٧٠٣٩).","vol":"6","page":339},{"text":"١٩٣٧ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه من جهز غازيا فِي سَبِيل الله أَو خَلفه فِي أَهله كتب الله لَهُ مثل أجره حَتَّى إِنَّه لا ينقص من أجر الْغَازِي شَيء وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِنَحْوِ ابْن حبَان لم يذكر خَلفه فِي أَهله (^١).\n\n١٩٣٨ - وروى ابْن مَاجَه أَيْضا عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ سَمِعت\nرَسُول الله - ﷺ - يَقُول من جهز غازيا حَتَّى يسْتَقلّ كَانَ لَهُ مثل أجره حَتَّى يَمُوت\nأَو يرجع (^٢).\nقوله: وعن زيد بن خالد الجهني (^٣)، كنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، وقيل: أبو زرعة سكن المدينة وشهد الحديبية روى له عن رسول الله - ﷺ - أحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة وانفرد مسلم بثلاثة، توفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة وقيل: بمصر سنة ثمان وستين وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقيل: توفي سنة خمسين وقيل سنة ثنتين وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين والله أعلم.\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٦٣٠)، وابن ماجه (٢٧٥٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٩٤).\n(^٢) ابن ماجه (٢٧٥٨)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٩٢)، قال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٨٦)، هذا إسناد صحيح إن كان عثمان بن عبد الله سمع من عمر بن الخطاب، فقد قال في التهذيب: إن روايته عنه مرسلة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٥٤٧).\n(^٣) طبقات ابن سعد: ٤/ ٣٤٤، والجرح والتعديل: ٢٥٤٠، وثقات ابن حبان: ١/ ١٤٥، ورجال صحيح مسلم لابن منجوبه، ٥٠، ورجال البخاري للباجي، ٥٨، والاستيعاب: ٢/ ٥٤٩، وأسد الغابة: ٢/ ٢٢٨، وتهذيب الأَسماء واللغات: ١/ ٢٥٣، وتهذيب التهذيب: ٣/ ٤١٠، والإصابة: ١/ ٥٦٥.","vol":"6","page":340},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزى، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزى\" وفي رواية ابن حبان: \"من جهز غازيا في سبيل الله أو خلفه في أهله كتب الله له مثل أجره حتى إنه لا ينقص من أجر الغازي شيء\"، وفي رواية ابن ماجه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من جهز غازيا في سبيل الله حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع\" الحديث، أي: حصل له أجر سبب الغزو وهذا الأجر يحصل بكل جهاز سواء قليله وكثيره ولكل خالف له في أهله بخير من قضاء حاجة لهم أو إنفاق عليهم أو ذب عنهم أو مساعدتهم في أمر لهم ويختلف قدر الثواب بقلة ذلك وكثرته، كل من أعان مؤمنا على عمل بر فللمعين عليه مثل أجر العامل به وإذا أخبر النبي - ﷺ - أن من جهز غازيا فقد غزى وكذلك من فطَّر صائما أو قواه على صومه وكذلك من أعان حاجا أو معتمرا بما يتقوى به [على حجه أو عمرته حتى يأتى ذلك] على تمامه فله مثل أجره ومن أعان [فإنما يجيء] بحق من حقوق الله بنفسه أو بماله فله مثل أجر القائم ومثله المعونة على معاصي الله للمعين عليها من الوزر والإثم مثل ما لعاملها (^١) فينبغي لمن تجهز للغزو وعاقه عنه مرض أو غيره أن يدفع ما تجهز به إلى غيره ليغزو لقوله - ﷺ -: \"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزى\" (^٢) أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٥/ ٥١ - ٥٢) لابن بطال.\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٠٧).","vol":"6","page":341},{"text":"وفي هذا الحديث الحث على الإحسان إلى من فعل مصلحة المسلمين أو قام بأمر من مهماتهم (^١) والله أعلم.\n\n١٩٣٩ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - بعث إِلَى بني لحيان ليخرج من كل رجلَيْنِ رجل ثمَّ قَالَ للقاعد أَيّكُم خلف الْخَارِج فِي أَهله فَلهُ مثل أجره رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إن رسول الله - ﷺ - بعث إلى بني لحيان ليخرج من كل رجلين رجل ثم قال: للقاعد أيكم خلف الخارج في أهله فله مثل أجره\" الحديث، وقد اتفق العلماء على أن بني لحيان كانوا في ذلك الوقت كفارا فبعث إليهم بعثا يغزوهم وقال: لذلك البعث ليخرج من كل قبيلة نصف عددها، وهو المرإد بقوله - ﷺ - من كل رجلين رجل، أما اللحيان بكسر اللام وفتحها والكسر أشهر اسم قبيلة وهو لحيان بن هذيل [بن مدركة بن إلياس بن مضر] (^٣) والبعث جماعة يرسلهم الإمام إلى ناحية للغزو، وأما كون الأجر بينهما فهو بقوله على ما إذا أخلف المقيم الغازي في أهله بخير كما صرح به في باقي الأحاديث، قال الإمام أبو بكر بن المنذر (^٤): وفي هذا الحديث دليل على أن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٠).\n(^٢) مسلم (١٨٩٦)، وأبي داود (٢٥١٠)، وابن حبان (٤٦٢٩)، وأحمد (١١١١٠).\n(^٣) اللباب (٣/ ١٢٩).\n(^٤) الإشراف (٤/ ١٢).","vol":"6","page":342},{"text":"فرض الجهاد ساقط عن الناس إذا قام به منهم من فيه الكفاية وكان منهم من إذا تخلف عن الغزو اجتهد في مشاركة الغزاة في أجورهم، فإما أن يخرج مكانه رجلا بماله، وأما أن يعين غازيا وأما أن يخلفه في أهله بخير، فإن من فعل هذا كله فقد غزى.\n\n١٩٤٠ - وَعَن زيد بن ثَابت - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من جهز غازيا فِي سَبِيل الله فَلهُ مثل أجره وَمن خلف غازيا فِي أَهله بِخَير أَو أنْفق على أَهله فَلهُ مثل أجره رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن زيد بن ثابت (^٢) الصحابي، هو: أبو سعيد وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بفتح اللام وإسكان الواو وهو بذال معجمة بن عمرو بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري المدني الفرضي الكاتب كاتب الوحي والمصحف، وكان عمره حين قدم رسول الله - ﷺ - المدينة إحدى عشرة سنة، وحفظ قبل قدوم رسول الله - ﷺ - المدينة مهاجرًا ست عشرة سورة، وقتل أبوه ولزيد بن ثابت ست سنين واستصغره النبي - ﷺ - يوم بدر فرده وشهد أحدًا،\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٧٨٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٣)، رواه الطبراني\nفي الأوسط ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) طبقات ابن سعد: ٢/ ٣٥٨، طبقات خليفة: ٨٩، التاريخ الكبير: ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١، الجرح والتعديل: ٣/ ٥٥٨، الاستيعاب: ٢/ ٥٣٧، أسد الغابة: ٢/ ٢٧٨، تهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٩ الإصابة: ٤/ ٤١.","vol":"6","page":343},{"text":"وقيل: لم يشهدها وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله - ﷺ - وأعطاه النبي - ﷺ - يوم تبوك راية بني النجار، وقال القرآن مقدم وزيد أكثر أخذًا للقرآن وكان يكتب الوحي لرسول الله - ﷺ -، ويكتب له أيضًا المراسلات إلى الناس وكان يكتب لأبي بكر وعمر بن الخطاب في خلافتهما وكان أحد الثلاثة الذين جمعوا المصحف، أمره بذلك أبو بكر وعمر وكان عمر يستخلفه إذا حج وكان معه حين قدم الشام، قال ابن أبي داود وآخرون: كان زيد أعلم الصحابة بالفرائض للحديث: \"أفرضكم زيد\"روى له عن رسول الله - ﷺ - اثنان وتسعون حديثا اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث، روى عنه جماعات من الصحابة، توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل سنة ست وخمسين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى وأربعين، وقيل: غير ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"ومن خلف غازيا في أهله بخير\" الحديث، ومعنى خلف غازيا قام بعده بما كان يفعله وذلك بأن يتولى مصالح الغازي في أهله وماله وينوب منابه فيما يهتم به في غيبته، أ. هـ.\n\n١٩٤١ - وَعَن عبد الله بن سهل بن حنيف - ﵁ - أَن سهلا - ﵁ - حَدثهُ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من أعَان مُجَاهدًا فِي سَبيل الله أَو غارما فِي عسرته أَو مكَاتبا فِي رقبته أظلهُ الله فِي ظله يَوْم لا ظلَّ إِلَّا ظله رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَنهُ (^١).\n_________\n(^١) أحمد (١٥٩٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٧٧)، وابن أبي عاصم في الجهاد =","vol":"6","page":344},{"text":"١٩٤٢ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أظل رَأس غاز أظلهُ الله يَوْم الْقِيَامَة وَمن جهز غازيا فِي سَبِيل الله فَلهُ مثل أجره وَمن بنى لله مَسْجِدا يذكر فِيهِ اسْم الله بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن سهل بن حنيف [عبد الله بن سهل بن حنيف الأنصاري ولد على عهد رسول الله - ﷺ - وقد تقدم نسبه عند ذكر أبيه، وأمه أميمة التي كانت امرأة حسان بن الدحداح، وفيها نزلت: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (^٢)، رواه ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أنه بلغه ذلك والصحيح أن عبد الله يروي عن أبيه سهل بن حنيف].\nقوله - ﷺ -: \"من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غازيا في عسرته أو مكاتبا في رقبته\" الحديث، المكاتب هو العبد الذي يبتاع نفسه من سيده على نجوم معلومة فإذا أداها إليه وحط عنه السيد بعض النجوم صار حرًا وتقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" المراد بالظل هنا ظل العرش يوم القيامة وتقدم معنى الظل في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، تقدم الكلام على الظل وعلى باقي الحديث.\n_________\n= (٩٤)، والحاكم (٢/ ٨٩)، والطبراني في الكبير (٥٥٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٣)، وفيه عبد الله بن سهل بن حنيف، ولم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٤٧).\n(^١) ابن حبان (٤٦٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٧٦).\n(^٢) سورة الممتحنة، الآية: ١٢.","vol":"6","page":345},{"text":"١٩٤٣ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أفضل الصَّدقَات ظلّ فسطاط فِي سَبِيل الله ومنحة خَادِم فِي سَبِيل الله أَو طروقة فَحل فِي سَبِيل الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غريب (^١).\nطروقة الْفَحْل بِفَتْح الطَّاء وبالإضافة هِيَ النَّاقة الَّتِي صلحت لطرق الْفَحْل وَأَقل سنّهَا ثَلَاث سِنِين وَبَعض الرَّابِعَة وَهَذِه هِيَ الحقة وَمَعْنَاهُ أَن يعْطى الْغَازِي خَادِمًا أَو نَاقَة هَذِه صفتهَا فَإِن ذَلِك أفضل الصَّدقَات.\nقوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله\" الفسطاط: خيمة كبيرة من شعرة، قيل: الفسطاط ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق، وقيل: الفسطاط البيت من الشعر يعني: أعطاه خيمة يستريح بظلها المجاهدون.\nقوله: \"ومنحة خادم في سبيل الله أو طروقة فحل\" قال الحافظ (^٢): طروقة الفحل هي الناقة التي صلحت لطرق الفحل أي استحقت أن يطرقها [الذكر] ليضربها، وأقل سنها ثلاث سنين وبعض الرابعة وهذه هي الحقة، والطروقة: بفتح الطاء وطروقة هي فعولة بمعنى مفعولة أي مركوبة للفحل والطرق في الأصل ماء الفحل وقيل: هو الضراب ثم سمي به الماء ومنه الحديث: \"كان\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٢٧)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند (٢٢٣٢١)، والطبراني في الكبير (٧٩١٦)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١١٠٩).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣).","vol":"6","page":346},{"text":"يصبح جنبا من غير [طروقة] \". أي زوجها: وكل امرأة طروقة زوجها وكل ناقة طروقة فحل ومنه الحديث: \"ومن حقها إطراق فحلها\" أي: إعارته للضراب، فاستطراق الفحل إعارته لذلك، ومنه حديث عمر: \"والبيضة منسوبة إلى طرقها\" أي [إلى فحلها] والله أعلم، قاله في النهاية (^١)، ومعناه: أن يعطي الغازي خادما أو ناقة هذه صفتها فإن ذلك أفضل الصدقة، أ. هـ، وقال غيره: معنى الحديث إن من أظل الغازي بفسطاط وهو الخيمة أو منحة خادمًا يعني أعطاه إياه بغير عوض أو أعطاه ناقة هذه صفتها كان ذلك أفضل الصدقات قاله ابن النحاس (^٢).\nخاتمة: عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومه\" (^٣) أي: الزمام في أنفها.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٢٢) ونصه: وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ \"والبَيْضَةُ منسُوبَة إِلَى طَرْقِها\" أَيْ إِلَى فَحْلِهَا ..\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣١٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣٢ - ١٨٩٢).","vol":"6","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>الترغيب في احتباس الخيل في الجهاد لا رياء ولا سمعة وما جاءه في فضلها، والترغيب فيها يذكر منها والنهي عن قص نواصيها لأن فيها الخير والبركة</span>\n١٩٤٤ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من احْتبسَ فرسا فِي سَبِيل الله إِيمَانًا بِالله وَتَصْدِيقًا بوعده فَإِن شبعه وريه وروثه وبوله فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة يَعْني حَسَنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائيُّ وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"من احتبس فرسا\" أي: ربطه وحبسه على نفسه لما عسى أن يحدث من جهاد وسد ثغر من ثغور المسلمين.\nقوله: \"في سبيل الله\" وسبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه قاله في النهاية.\nقوله: \"فإن شبعه وريه وروثه وبوله\" الحديث، أي: ما يشبعه وما يرويه.\n\n١٩٤٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قيل يَا رَسُول الله فالخيل قَالَ الْخَيل ثَلاثَة هِيَ لرجل وزر وَهِي لرجل ستر وَهِي لرجل أجر فَأَما الَّذِي هِيَ لَهُ وزر\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٥٣)، وأحمد (٨٨٦٦)، وابن حبان (٤٦٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٣٠٣).","vol":"6","page":348},{"text":"فَرجل ربطها رِيَاء وفخرا ونواء لاهل الإِسْلَام فَهِيَ لَهُ وزر وَأما الَّتِي هِيَ لَهُ ستر فَرجل ربطها فِي سَبِيل الله ثمَّ لم ينس حق الله فِي ظُهُورهَا وَلا رقابها فَهِيَ لَهُ ستر وَأما الَّتِي هِيَ لَهُ أجر فَرجل ربطها فِي سَبِيل الله تَعَالَى لأهل الإِسْلَام فِي مرج أَو رَوْضَة فَمَا أكلت من ذَلِك المرج أَو الرَّوْضَة من شَيْء إِلَّا كتب الله لَهُ عدد مَا أكلت حَسَنَات وَكتب لَهُ عدد أرواثها وَأَبْوَالهَا حَسَنَات وَلا تقطع طولهَا فاستنت شرفا أَو شرفين إِلَّا كتب الله لَهُ عدد آثارها وأرواثها حَسَنَات وَلا مر بهَا صَاحبهَا على نهر فَشَرِبت مِنْهُ وَلا يُرِيد أَن يسقيها إِلَّا كتب الله تَعَالَى لَهُ عدد مَا شربت حَسَنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث تقدم بِتَمَامِهِ فِي منع الزَّكَاة (^١).\n\n١٩٤٦ - وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ فَأَما الَّذِي هِيَ لَهُ أجر فَالَّذِي يتخذها فِي سَبِيل الله ويعدها لَهُ لا تغيب فِي بطونها شَيْئا إِلَّا كتب لَهُ بهَا أجر وَلَو عرض مرجا أَو مرجين فرعاها صَاحبهَا فِيهِ كتب لَهُ بِمَا غيبت فِي بطونها أجر وَلَو استنت شرفا أَو شرفين كتب لَهُ بِكُل خطْوَة خطاها أجر وَلَو عرض نَهرا فَسَقَاهَا بِهِ كَانَت لَهُ بِكُل قَطْرَة غيبت فِي بطونها مِنْهُ أجر حَتَّى ذكر الأجر فِي أرواثها وَأَبْوَالهَا وَأما الَّتِي هِيَ لَهُ ستر فَالَّذِي يتخذها تعففا وتجملا وتسترا وَلا يحبس حق ظُهُورهَا وبطونها فِي يسرها وعسرها وَأما الَّذِي عَلَيْهِ وزر فَالَّذِي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا عَلَيْهِم الحَدِيث (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٦٠)، مسلم (٩٨٧)، وفي الخيل (٦/ ٢١٦).\n(^٢) مسلم (٩٨٧).","vol":"6","page":349},{"text":"١٩٤٧ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصرا بِنَحْوِ لفظ ابْن خُزَيْمَة وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْخَيْل ثَلَاثَة خيل أجر وخيل وزر وخيل ستر فَأَما خيل ستر فَمن اتخذها تعففا وتكرما وتجملا وَلم ينس حق ظُهُورهَا وبطونها فِي عسره ويسره وَأما خيل الأجر فَمن ارتبطها فِي سَبِيل الله فَإِنَّهَا لا تغيب فِي بطونها شَيْئا إِلَّا كَانَ لَهُ أجر حَتَّى ذكر أرواثها وَأَبْوَالهَا وَلا تعدو فِي وَاد شوطا أَو شوطين إِلَّا كَانَ فِي مِيزَانه وَأما خيل الْوزر فَمن ارتبطها تبذخا على النَّاس فَإِنَّهَا لا تغيب فِي بطونها شَيْئا إِلَّا كَانَ وزرا حَتَّى ذكر أرواثها وَأَبْوَالهَا وَلا تعدو فِي وَاد شوطا أَو شوطين إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ وزر (^١).\nالنواء بِكَسْر النُّون وبالمد هُوَ المعاداة.\nالطول بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْوَاو هُوَ حَبل تشد بِهِ الدَّابَّة وترسلها ترعى.\nواستنت بتَشْديد النُّون أَي جرت بِقُوَّة.\nوالشرف بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء جَمِيعًا هُوَ الشوط مَعْنَاهُ جرت بِقُوَّة شوطا أَوشوطين كمَا جَاءَ مُفَسرًا فِي لفظ الْبَيْهَقِيّ.\nالبذخ بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة اَخِره خاء مُعْجمَة هُوَ الْكبر والتبذخ التكبر وَمَعْنَاهُ أَنه اتخذ الْخَيل تكبرا وتعاظما واستعلاء على ضعفاء الْمُسلمين وفقرائهم.\nقوله: وعن أبي هريرة أيضًا تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤٣٠٥).","vol":"6","page":350},{"text":"قوله - ﷺ -: \"الخيل ثلاثة\" الخيل: جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والبقر، وقيل: مفرده خايل قاله أبو عبيدة والجمع خيول سميت خيلا لاختيالها في المشية فهو على هذا اسم جمع عند سيبويه وجمع عند أبي الحسن ويكفي في شرف الخيل أن الله تعالى أقسم بها في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ (^١) وهي خيل الغزو التي تعدو فتضبح أي تصوت بأجوافها.\nقوله - ﷺ -: \"هي لرجل وزر وهي لرجل ستر وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرًا ونواء لأهل الإسلام فهي له وزر\" ربطها بمعنى أعدها.\nوقوله: \"ونواء لأهل الإسلام\" قال المنذري: ونواء بالمد أي معاداة لأهل الإسلام أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله\" أي: أعدها للجهاد وأصله من الربط ومنه الرباط وهو حبس الرجل نفسه في الثغر وإعدادها الأهبة لذلك.\nقوله - ﷺ -: \"ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها\" الحديث، حق الظهور أن يحمل عليها منقطعا به أو يجاهد عليها، ومنه الحديث الآخر: \"ومن حقها إقفار ظهرها\" قاله في النهاية، واستدل به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل ومذهبه إن كانت الخيل كلها ذكورا فلا زكاة فيها وإن كانت\n_________\n(^١) سورة العاديات، الآية: ١.","vol":"6","page":351},{"text":"إناثا وذكورًا وجبت فيها الزكاة، قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وجمهور العلماء: لا زكاة في الخيل بحال لقوله - ﷺ -: \"ليس على المسلم في فرسه صدقه\" (^١) وهو في الصحيح، وتأولوا الحديث على أن المراد أنه يجاهد بها إذا تعين.\nوقيل: يحتمل أن المراد بالحق في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها لما روى عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من ارتبط فرسا في سبيل الله ثم عالج علفه بيده كان له بكل حبة حسنة\" رواه أحمد في مسنده (^٢)، والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا أطلب منه عاريته وهذا على سبيل الندب، وقيل المراد حق الله مما يكسبه من مال العدو على ظهورها وهو خمس الغنيمة.\nقوله - ﷺ -: \"وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة\" الحديث، المرج بفتح الميم وإسكان الراء وبالجيم الموضع الواسع الذي فيه نبات ترعاه الدواب، سمي بذلك لأنها تمرج أو تسرج وتجيء وتذهب كيف شاءت والله أعلم، والروضة ليست معدة لرعي الدواب وإنما هي للتنزه لما فيها من أصناف النبات هذا هو الذي يتحرر من كلام أهل اللغة وتقدم ذلك في كتاب الزكاة.\n_________\n(^١) البخاري (١٤٦٣) و(١٤٦٤) ومسلم (٩٨٢).\n(^٢) لم يخرجه أحمد بهذا اللفظ وأخرجه ابن ماجه (٢٧٩١)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٤٠، والدلاوبي في الكنى ١/ ٣٠، والبيهقي في الشعب (٤٢٧٤) بلفظه.","vol":"6","page":352},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ولا يقطع طولها\" قال الحافظ (^١): والطول هو حبل تشد به الدابة ويرسلها ترعى، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"فاستنت شرفا أو شرفين\" قال الحافظ (^٢): استنت أي جرت بقوة والشرف هو الشوط ومعناه جرت بقوة شوطا أو شوطين كما جاء مفسرا في لفظ البيهقي أ. هـ، وجوز بعضهم أن يراد بالشرفين الطلقان وهما الشوطان.\nقوله - ﷺ -: \"ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله تعالى له عدد ما شربت حسنات\" النهر فيه لغتان فتح الهاء وسكونها فيه إثبات الأجور في بعض المواطن من غير قصد إلى فعل الخير، ألا ترى إلى قوله: \"ولا يريد أن يسقيها\" فأثبت له الأجرمن غير قصد إلى السقي، ونظير ذلك ما ثبت في الفرس حيث أثبت لصاحب البستان الأجر فيما يؤكل منه مع عدم قصده إليه وهذا من كرم الله تعالى على العباد.\nوقوله - ﷺ -: في رواية ابن خزيمة \"ولا تغيب في بطونها شيئا إلا كتب الله له به أجر\" ففيه تنبيه على أنه إذا كان يثاب على كل ما غيبت في بطونها وإن لم يكن بقصده ونيته فكيف بما يقصده ويحتسبه والله ذو الفضل العظيم.\nلطيفة: وفي الباب الثالث من أحكام الكسب من الإحياء (^٣): روى بعض\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٤٣).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٦).\n(^٣) ينظر: إحياء علوم الدين (٢/ ٦٠).","vol":"6","page":353},{"text":"الغزاة في سبيل الله قال: حملت على فرسي لأفتك علجًا فنفرني فرسي فرجعت ثم دنا مني العلج فحملت ثانية فنقرني فرسي ثم حملت الثالثة فحمل بي فرسي وكنت لا أعتاد منه ذلك فرجعت حزينا ومكثت منكوس الرأس منكسر القلب لما فاتني من العلج وما ظهر لي من خلق الفرس فوضعت راسي على عمود الفسطاط وفرسي قائم فرأيت في المنام كأن الفرس يخاطبني ويقول بالله عليك أردت أن تأخذ العلج على ثلاث مرات وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه درهما زائفا، لا يكون هذا أبدا، قال: فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلاف وأبدلت له ذلك الدرهم. أ. هـ، قاله في حياة الحيوان نقلا عن الإحياء (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ولو عرض مرجا أو مرجين فرعاها صاحبها كتب له بما غيبت في بطونها أجر\" تقدم الكلام على هذه الألفاظ في الأحاديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"وأما التي هي ستر فالذي يتخذها تعففا\" والعفة أن يظهر الغنى بركوبها أو نحو ذلك فتكون سترا له تحجبه عن الفاقة وتكففه عن التكفف والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ولا يحبس عن ظهورها وبطونها\" تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\nوقوله - ﷺ -: \"وأما التي هي له وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا\" الحديث، قال القيسي: الأثر بفتح الهمزة والسين المرح والتكبر قال الهروي\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"6","page":354},{"text":"وإذا قيل فعل ذلك أشرا وبطرا، فالمعنى أنه لح في البطر والمرح واللجاج، وأما البطر فهو عند الحق الظغيان، أ. هـ.\nوالبذخ بالباء الموحدة وسكون الذال المعجمة آخره خاء معجمة الفخر والتطاول والباذخ المتعالي، ويجمع على بذخ، والبذخ أيضا التكبر ومعناه أنه اتخذ الخيل تكبرا وتعاظما واستعلاء على ضعفاء المسلمين وفقرائهم، أ. هـ، قاله المنذري، والأشر والبطر، وقيل: أشد البطر وقيل الأشر والبطر بمعنى واحد وهي مبالغة في البطر وهو المرح وترك شكر النعمة.\nقوله - ﷺ -: في رواية البيهقي: \"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة\" والمشهور في معنى \"الخيل معقود في نواصيها الخير\" ما جاء مفسرا في الحديث الآخر الصحيح الأجر والمغنم ومعنى عقد الخير بنواصيها أنه ملازم لها كأنه معقود فيها، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة قاله الخطابي (^١) وغيره، قالوا: وكنى بالناصية عن جميع ذات الفرس يقال: فلان مبارك الناصية وميمون العزم أي: الذات.\nوأما الحديث الآخر: \"إن الشؤم قد يكون في الفرس\" فالمراد به: غير الخيل المعدة للغزو ونحوه، وأن الخير والشر يجتمعان فيها فإنه فسر الخيل بالأجر والمغنم، ولا يمتنع مع هذا أن يكون الفرس مما يتشاءم به، والله أعلم.\nوفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قبيل الإسلام بيسير أي: حتى تأتي الريح الطيبة من ناحية اليمن تقبض روح كل\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٢٣٦).","vol":"6","page":355},{"text":"مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح.\nواعلم أن للخيل فضائل عظيمة: منها: أن من ارتبط منها شيئا بنية الجهاد فِي سَبِيلِ اللّهِ كَانَ شِبَعُهَا وَجُوعُهَا وَرِيُّهَا وَظِمَاؤُهَا وَأَرْوَاثُهَا وَأَبْوَالُهَا وعدد ما تأكله وتشربه وتخطوه حسنات في ميزانه، وفيه: دليل على أن النية الصالحة يؤجر عليها الإنسان كما يؤجر على العمل، وفيه: أن الأمثال تضرب لصحة المعاني [وإن كان] فيها بعض المكروهات الذكر (^١)، أ، هـ.\nومنها: ما روى \"أن من احتبس فرسا في سبيل الله كلان ستره من النار يوم القيامة\" (^٢).\nومنها: ما روى \"أن من همّ أن يرتبط فرسا أعطي أجر شهيد\" (^٣).\nومنها: أن من ربط فرسا في سبيل الله كان من ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٤) الآية (^٥).\nومنها: أن المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها (^٦).\nومنها: أن أهلها يمدهم بالمعونة على خدمتها والإنفاق عليها (^٧).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٣٢٤).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٢٨).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٣٢٩).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧٤.\n(^٥) مشارع الأشواق (ص ٣٢٩).\n(^٦) مشارع الأشواق (ص ٣٣١).\n(^٧) مشارع الأشواق (ص ٣٣٣).","vol":"6","page":356},{"text":"ومنها: أن خيرات الدنيا والآخرة معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة (^١).\nومنها: أن الخيل كانت أحب الأشياء إلى رسول الله - ﷺ - بعد النساء (^٢).\nومنها: أنها تدعوا الله أن يحببها إلى صاحبها (^٣).\nومنها: أن في الجنة خيلا من ياقوت لها أجنحة تطير براكبها حيث شاء (^٤).\nومنها: أن من ارتبط فرسا في سبيل الله فقد امتثل أمر الله وأمر رسوله - ﷺ -، أما أمر الله فقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (^٥) الآية، وأما أمر رسوله - ﷺ - فقوله: \"ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأعجازها\" (^٦) رواه أبو داود، وعجز الفرس: مؤخرها (^٧).\nومنها: ما روى أن الجن لا تدخل بيتا فيه فرس (^٨).\nومنها: أن الملائكة لا تحضر من اللهو شيئًا غير إجراء الخيل (^٩) وما يذكر يذكر معه عن أبي أيوب أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تحضر الملائكة من اللهو شيئا\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٣٣٣).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٣٦).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٣٣٧).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٣٤٠).\n(^٥) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.\n(^٦) سبق تخريجه.\n(^٧) مشارع الأشواق (ص ٣٤١).\n(^٨) مشارع الأشواق (ص ٣٤٣).\n(^٩) مشارع الأشواق (ص ٣٤٤).","vol":"6","page":357},{"text":"إلا لهو الرجل مع امرأته وإجراء الخيل والنضال\" (^١)، وما أحسن ما أنشد أبو أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (^٢) لابن عباس:\nأَحِبُّوا الْخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا .. . فَإِنَّ الْعِزَّ فِيهَا وَالْجَمَالا\nإِذَا مَا الْخَيْلُ ضَيَّعَهَا أُناس ... رَبَطْنَاهَا فَشَارَكَتِ الْعِيَالا\nنُقَاسِمُهَا الْمَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمِ ... وَنَكْسُوهَا الْبَرَاقِعَ وَالْجِلَالا\n\n١٩٤٨ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد - ﵂ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْخَيل فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر مَعْقُود أبدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَمن ارتبطها عدَّة فِي سَبِيل الله وَأنْفق عَلَيْهَا احتسابا فِي سَبِيل الله فَإِن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وَأَبْوَالهَا فلاح فِي مَوَازِينه يَوْم الْقِيَامَة وَمن ارتبطها رِيَاء وَسُمْعَة ومرحا وفرحا فَإِن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وَأَبْوَالهَا خسران فِي مَوَازِينه يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٣).\nقوله: وعن أسماء بنت يزيد [هي أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن عبد الأشهل الأنصارية الأشهلية أم سلمة، ويقال: أم عامر وهي ابنة عمة معاذ بن جبل.\nبايعت رسول الله - ﷺ -، وروت عنه أحاديث صالحة، وشهدت اليرموك\n_________\n(^١) أخرجه الذهبى في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٨٠). وقال الذهبى: عبد الله هو الليثي مدني ضعفه أبو حاتم.\n(^٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٨/ ٣٤١).\n(^٣) أحمد (٢٥٧٤)، والخطيب في التاريخ (١١/ ٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦١)، رواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف.","vol":"6","page":358},{"text":"وقتلت يومئذ تسعة من الروم بعمود خبائها روى عنها شهر بن حوشب، ومجاهد، وإسحاق بن راشد، ومحمود بن عمرو، وغيرهم].\nقوله ع - ﷺ -: \"الخيل في نواصيها الخير معقود أبدا إلى يوم القيامة\" الحديث أي: ملازم لها كأنه معقود فيها، قاله في النهاية (^١)، وهذا كلام يحث به على ارتباط الخيل في سبيل الله يريد أن من ارتبطها لله كان له ثواب ذلك فهو خير آجل وما يصيب على ظهرها من الغنائم ومن بطونها من النتاج خير عاجل وخص النواصي من بين أعضاء الجسد لأن العرب تقول فلان ميمون الناصية أي: مبارك الناصية، وهذا نحو قوله (بطونها كنز وظهورها حرز).\nقوله - ﷺ -: \"فمن ارتبطها عدة في سبيل الله فإن شبعها وجوعها وريها وظمأها\" الحديث، وفي هذا الحديث ونظائره دليل صريح واضح على أن ارتباطها للرياء والسمعة والمفاخرة حرام يعاقب عليه فاعله يوم القيامة وأن أرواثها وأبوالها وجوعها وشبعها وريها وظمأها وركوبها وخطاها ونحو ذلك سيئات ووزر في موازينه كما أنها حسنات وأجر في موازين من ارتبطها لله مخلصا والله أعلم.\n\n١٩٤٩ - وَروِيَ عَن خباب بن الأرَت - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْخَيل ثَلَاثَة ففرس للرحمن وَفرس للإنْسَان وَفرس للشَّيْطَان فَأَما فرس الرَّحْمَن فَمَا اتخذ فِي سَبِيل الله وَقتل عَلَيْهِ أَعدَاء الله وَأما فرس الإِنْسَان فَمَا استبطن\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٧١).","vol":"6","page":359},{"text":"وتجمل عَلَيْهِ وَأما فرس الشَّيْطَان فَمَا روهن عَلَيْهِ وقومر عَلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَهُوَ غَرِيب (^١).\nقوله: وروى عن خباب بن الأرت، بالتاء المثناة فوق المشددة هو أبو عبد الله الصحابي، قيل: أبو محمد قيل: أبو يحيى خباب بن الأرت بن جندلة بن جديمة بن كعب بن سعد بن زيد [مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان] وهو عربي لحقه سبي في الجاهلية فبيع بمكة، وقيل: هو حليف بني زهرة وقيل: هو مولى أم أنمار بنت سباع الخزاعية وهو من حلفاء بني زهرة بن كلاب بن مرة فهو تميمي النسب خزاعي الولاء زهري الحلف وكان خباب من السابقين إلى الإسلام، وممن يعذب في الله تعالى وكان سادس ستة في الإسلام، قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه من الصحابة أبوبكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وسمية أم عمار فكان أبو بكر - ﵁ - يمنع عنه قومه، وأما الآخرون فكانوا يعذبونهم وشهد مع رسول الله - ﷺ - بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها روى له عن رسول الله - ﷺ - اثنان وثلاثون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديث ومرض خباب مرضا شديدًا طويلًا، توفي بالكوفة سنة سبع وثلاثين في خلافة علي - ﵁ -، وقبره أول قبر دفن بظهر الكوفة، وكان أوصى بذلك وكان الناس إنما يدفنون على أبواب دورهم ثم دفنوا بظاهر الكوفة\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٣٧٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٠)، وفيه مسلمة بن علي، وهو ضعيف.","vol":"6","page":360},{"text":"حين أوصى خباب بذلك، ولما [قام علي بن أبي طالب] على قبره قال: رحم الله خبابا أسلم راغبًا وهاجر طائعًا وعاش مجاهدًا، وابتلي في جسمه ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة، وقال بعضهم: توفي سنة تسع عشرة وغلطوه ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"الْخَيْلُ ثَلَاثٌ فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وَفَرَسٌ لِلإِنْسَانِ، وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ\" الحديث، \"فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ: فَمَا اتُّخِذَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وقُوتِلَ عَلَيْهِ أَعْدَاءُ اللّهِ ﷿\" قال ابن النحاس: لو لم يكن من فضل الخيل إلا إضافتها إلى الرحمن ﷾ تشريفا لها وتكريما كما في هذا الحديث، وحديث ابن مسعود الذي بعده لكان كافيا، ونظير هذا قول سمرة بن جندب، أما بعد، فإن النبي - ﷺ - سمي خيلنا خيل الله إذا فزعنا، رواه أبو داود، وبوب عليه باب النداء عند النفير يا خيل الله اركبي (^٢).\n\n١٩٥٠ - وَعَن رجل من الأَنْصَار - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْخَيل ثَلاثَة فرس يرتبطه الرجل فِي سَبِيل الله ﷿ فثمنه أجر وركوبه أجر وعاريته أجر وَفرس يغالق عَلَيْهِ الرجل ويراهن فثمنه وزر وركوبه وزر وَفرس للبطنة فَعَسَى أَن يكون سدادا من الْفقر إِن شَاءَ الله رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٤ - ١٧٥ ترجمة ١٤٣).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٢٦).\n(^٣) أحمد (٢٣٢٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٠)، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":361},{"text":"١٩٥١ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْخَيل ثَلَاَثة فرس للرحمن وَفرس للإنْسَان وَفرس للشَّيْطَان فَأَما فرس الرَّحْمَن فَالَّذِي يرتبط فِي سَبِيل الله ﷿ فعلفه وبوله وروثه وَذكر مَا شَاءَ الله وَأما فرس الشَّيْطَان فَالَّذِي يقامر عَلَيْهِ ويراهن وَأما فرس الإِنْسَان فالفرس يرتبطها الإِنْسَان يلْتَمس بَطنهَا فَهِيَ ستر من فقر رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا (^١). بِإِسْنَاد حسن.\nقوله: وعن رجل من الأنصار [الظاهر أنه صحابي، لأن الراوي عنه أبا عمرو الشيبانى - واسمه سعد بن إياس - تابعي كبير].\nقوله - ﷺ -: \"الخيل ثلاثة فرس يرتبطه الرجل في سبيل الله\" [فثمنه أجر وركوبه أجر وعاريته أجر] الحديث ومعنى الربط [وهو الشد أي أعدها للجهاد].\nقوله: \"وفرس يغالق عليه الرجل ويراهن فثمنه حرام\" يغالق: أي يراهن، والمغالق سهام الميسر وأحدها مغلق بالكسر كأنه كره الرهان في الخيل إذا كان على رسم الجاهلية، ومنه الحديث \"لا طلاق ولا عتاق في إغلاق\" أي: في إكراه لأن المكره مغلق عليه في أمره ومضيق عليه في تصرفه كما يغلق الباب على الإنسان، أ. هـ. قاله صاحب النهاية (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (٣٧٥٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٥)، ورجاله ثقات، وابن حبان (٤٦٧٤)، والحاكم (٢/ ٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٩)، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٥٠).\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"6","page":362},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"وفرس للبطنة فعسى أن يكون سدادا من الفقر\" الحديث، السداد بكسر السين وهو ما يسد حاجة المعوز ويكفيه، وتقدم ذلك في السؤال.\n\n١٩٥٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْخَيْر مَعْقُود بنواصي الْخَيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمثل الْمُنفق عَلَيْهَا كالمتكفف بِالصَّدَقَةِ رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَهُوَ فِي الصَّحِيح بِاخْتِصَار النّفقَة (^١).\n\n١٩٥٣ - وروى ابْن حبَان فِي صَحِيحه شطره الأخير قَالَ مثل الْمُنفق على الْخَيل كالمتكفف بِالصَّدَقَةِ فَقلت لعمر مَا المتكفف بِالصَّدَقَةِ قَالَ الَّذِي يُعْطي بكفه (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة\" معناه: ملازم لها يريد الأجر والمغنم [حتى كأنه شيء عقد فيها] ولم يرد الناصية خاصة قاله عياض (^٣).\n_________\n(^١) أبو يعلى (٥٩٨٨)، والطبراني في الأوسط (٣٠٨٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٩)، رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٤٩).\n(^٢) ابن حبان (٤٦٧٥).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧) ومشارق الأنوار (٢/ ٩٩).","vol":"6","page":363},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"ومثل المنفق عليها كالمتكفف بالصدقة\" وفي رواية ابن حبان: \"مثل المنفق على الخيل كالمتكفف بالصدقة\" فقلت لعمر: ما المتكفف بالصدقة؟ قال: الذي يعطي بكفه.\n\n١٩٥٤ - وَعَن أبي كَبْشَة - ﵁ -: صَاحب النَّبِي - ﷺ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَهْلهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا والمنفق عَلَيْهَا كالباسط يَده بِالصَّدَقَةِ رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي كبشة الأنماري، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الخيل معقود في نواصيها الخير وأهلها معانون عليها\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n١٩٥٥ - (^٢) وَرُوِيَ عَن عريب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْخَيل مَعْقُود في نَوَاصِيهَا الْخَيْر والنيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَهْلهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا والمنفق عَلَيْهَا كالباسط يَده بِالصَّدَقَةِ وَأَبْوَالهَا وأرواثها لأهلها عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة من مسك الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير والأوسط وَفِيه نَكَارَة (^٣).\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٨٤٩)، وابن حبان (٤٦٧٤)، والحاكم (٢/ ٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٩)، رجاله ثقات.\n(^٢) وقع هنا خطأ بالترقيم. (المحقق).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٥٠٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٩٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٥٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٩)، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٩٥٦).","vol":"6","page":364},{"text":"١٩٥٧ - وَعَن ابْن عمر - ﵁ -، أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وروى عن عريب، هو المليكي، وعُريب بضم العين المهملة قاله في النهاية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"الخيل والنيل إلى يوم القيامة\" تقدم الكلام على ذلك أيضا.\nقوله: وعن سهل بن الحنظلية هو سهل بن عمرو الأنصاري والحنظلية أمه وقيل: أم جده، وتقدم ذلك قريبا.\nقوله - ﷺ -: \"المنفق على الخيل كالباسط يده على الصدقة لا يقبضها\" تقدم معناه.\n\n١٩٥٨ - وَعَن عُرْوَة بن أبي الْجَعْد - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر الأجر والمغنم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه (^٣).\nقوله: وعن عروة بن أبي الجعد ويقال بن الجعد الباقري الكوفي، وباقر: بطن من الأزد وهو باقر بن عدي بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٤٩)، ومسلم (١٨٧١)، ومالك في الموطأ (١٣٤١)، وابن ماجه (٢٧٨٧)، وأحمد (٤٦١٦)، وابن حبان (٤٦٦٨).\n(^٢) المصدر السابق للنهاية ..\n(^٣) البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٨٧٣)، والترمذي (١٦٩٤)، وابن ماجه (٢٧٨٦)، وأحمد (١٩٣٥٤).","vol":"6","page":365},{"text":"مازن، وإنما قيل له باقر لأنه نزل عند جبل يقال له باقر فنسب إليه، وقيل: غير ذلك، سكن عروة الكوفة، روى له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثة عشر حديثا اتفقا منها على حديث، واستعمله عمر بن الخطاب على قضاء الكوفة قبل شريح، وكان - ﵁ -: مرابطا معه عدة أفراس منها فرس اشتراه بعشرة ألاف درهم، وقال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة بن الجعد سبعين فرسا مربوطة للجهاد في سبيل الله ﷿ ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"الخيل معقود في نواصيها الخير الأجر والمغنم إلى يوم القيامة\" الحديث، وفي رواية: \"الخير معقوص بنواصي الخيل\"، وفي رواية: \"البركة في نواصي الخيل\" والمعقوص والمعقود بمعنى واحد ومعناه: ملوي مظفور والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة قاله الخطابي (^٢) وغيره، وفي هذه الأحاديث استحباب رباط الخيل واقتنائها للغزو وقتل أعداء الله وأن فضلها وخيرها والجهاد باق إلى يوم القيامة وروي في حديث عنه - ﷺ - انه قال: \"لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها\" (^٣) وذكره أبو عبيد في كتاب الخيل عن الوضين بن عطاء مرسلا.\n\n١٩٥٩ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر والنيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَهْلهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا فامسحوا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣١ ترجمة ٤٠٤).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٢٤٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٩٣) عن الوضين مرسلا.","vol":"6","page":366},{"text":"بنواصيها وَادعوا لَهَا بِالْبركَةِ وقلدوها وَلا تقلدوها الأوتار رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن جابر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة\" ومعنى معقود فيها تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار\" قال في النهاية (^٢) أي قلدوها طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية وذحولها التي كانت بينكم، والأوتار جمع وتر بالكسر وهو الدم وطلب الثأر يريد: اجعلوا ذلك لازما لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق، وقيل: أراد بالأوتار جمع وتر القوس أي: لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق لأنها ربما رعت فتشبثت الأوتار ببعض شعبها فاختنقت، وقيل: إنما نهاهم عنها لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى فيكون كالعودة لها فنهاهم عن ذلك وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا ولا تصرف حذرًا، أ. هـ.\nوقال أبو عبيد: الأشبه أنه نهى عن تقليد الخيال أوتار القسي، نهى عن ذلك إما لاعتقادهم أن تقليدها بالأوتار يدفع عنهم العين، أ. هـ، حكي هذا\n_________\n(^١) أحمد (١٤٧٩١)، والطحاوي في معاني الآثار (٣/ ٢٧٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨٩٧٧)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٥٦).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٩٩).","vol":"6","page":367},{"text":"عن محمد بن الحسن ومخافة اختناقها عند شدة الركض قاله الإمام مالك؛ وقيل: كانوا يعلقون التمائم في الأوتار فكان النهي عنها نهي عن تعليق التمائم، وقيل: المراد بالأوتار الأحقاد بدليل ما روى أنه - ﷺ - أمر بقطع الأوتار من أعناق الخيل، أ. هـ (^١).\nقال الخطابي ﵀ (^٢): وأمره - ﷺ - بقطع قلائد الخيل قال مالك: أراه من أجل العين وقال غيره: إنما أمر - ﷺ - بقطعها لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس ويحتمل أن يكون أراد عين الوتر خاصة دون غيره من السيور والخيوط، وقيل معناه لا تطلبوا عليها الأوتار والذحول ولا تركضوها في درك الثأر على ما كان من عادتهم في الجاهلية، أ. هـ.\n_________\n(^١) عبارات أبي عبيد هنا فيها تقديم يذهب بالمعنى وما جاء في الغريب له (٢/ ٢): فمعنى الأوتار ههنا: الذحول يقول: لا يطلبون عليها الذحول التي وتروا بها في الجاهلية. قال أبو عبيد: هذا معنى يذهب إليه بعض الناس أن النبي ﷺ أراد لا تطلبوا عليها الذحول وغير هذا الوجه أشبه عندي بالصواب قال: سمعت محمد بن الحسن يقول: إنما معناها أوتار القسي وكانوا يقلدونها تلك فتختنق يقال: لا تقلدوها بها ومما يصدق ذلك حديث هشيم عن أبي بشر عن سلمان اليشكري عن جابر أن النبي ﵇ أمر أن تقطع الأوتار من أعناق الخيل. قال [أبو عبيد -] وبلغني عن مالك بن أنس [أنه -] قال: إنما كان يفعل ذلك [بها -] مخافة العين عليها. [قال -]: حدثنيه عنه أبو المنذر الواسطي: يعني أن الناس كانوا يقلدونها لئلا تصيبها العين فأمره النبي ﵇ بقطعها يعلمهم أن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا وهذا أشبه بما كره من التمائم.\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٢٤٩).","vol":"6","page":368},{"text":"١٩٦٠ - وَعَن جرير - ﵁ -: قَالَ رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - يلوي نَاصِيَة فرس بِأُصْبُعِهِ وَهُوَ يَقُول الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة الأجر وَالْغنيمَة رَوَاه مسلم وَالنَّسَائيّ (^١).\nقوله: وعن جرير بن عبد الله تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﵁ -: أنه رأى رسول الله - ﷺ - يلوي ناصية فرس بإصبعه، الحديث، قال القاضي عياض (^٢): فيه استحباب خدمة الرجل فرسه المعدة للجهاد، حديث \"فرس المرابط إن علفه وروثه وشجاعته\" يريد مسح التراب عنه وتنظيف جلده، قاله في النهاية (^٣).\n\n١٩٦١ - وَعَن معقل بن يسَار - ﵁ - قَالَ لم يكن شَيْء أحب إِلَى رَسُول الله - ﷺ - من الْخَيل ثمَّ قَالَ غفرانك النِّسَاء رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^٤).\n\n١٩٦٢ - وَرَوَاهُ النَّسَائيُّ من حَدِيث أنس وَلَفظه لم يكن شَيْء أحب إِلَى رَسُول الله - ﷺ - بعد النِّسَاء من الْخَيل (^٥).\nقوله: وعن معقل بن يسار [هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو علي معقل بن يسار بن معبر بن حراق بن لأى بن كعب بن عبيد بن ثور بن هذمة\n_________\n(^١) مسلم (١٨٧٢).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٢٨).\n(^٤) أحمد (٢٠٣١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧)، رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات. وقال الألباني ضعيف في ضعيف سنن النسائي.\n(^٥) الطبراني في الأوسط (١٧٠٨).","vol":"6","page":369},{"text":"بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزنى البصرى.\nوكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها توفى في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصرى.\nقال أحمد بن عبد الله العجلى: ليس في الصحابة من يكنى أبا على غير معقل بن يسار هذا، وهذا الذي قال مردود، فقد سبق أن طلق بن علي كنيته أبو علي. وذكر الحاكم أبو أحمد وغيره أن قيس بن عاصم كنيته أبو علي، وقيل: أبو قبيصة، وكان لمعقل دار بالبصرة، وإليه ينسب نهر معقل الذي في البصرة، وإليه أيضا ينسب التمر المعقلى الذي بالبصرة، وروينا في صحيح مسلم، عن معقل بن يسار هذا، قال: لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبى - ﷺ - يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشر مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر (^١)].\nقوله: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله - ﷺ - من الخيل ثم قال: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ (^٢) النساء، وفي الحديث الآخر: \"لم يكن شيء أحب إلى\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٦ ترجمة ٥٩٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.","vol":"6","page":370},{"text":"رسول الله - ﷺ - بعد النساء من الخيل\" قال ابن النحاس عفا الله عنه (^١): فيسن لكل مسلم حب الخيل لهذا الحديث اقتداء بالنبي - ﷺ - سواء كانت الخيل له أو لغيره والله أعلم.\n\n١٩٦٣ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من فرس عَرَبِيّ إِلَّا يُؤذن لَهُ عِنْد كل سحر بِكَلِمَات يَدْعُو بِهن اللَّهُمَّ خولتني من خولتني من بني آدم وجعلتني لَهُ فَاجْعَلْنِي أحب أَهله وَمَاله أَو من أحب أَهله وَمَاله إِلَيْهِ رَوَاهُ النَّسَائيُّ (^٢).\n\n١٩٦٤ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْبركَة فِي نواصي الْخَيل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: وعن أبي ذر، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند كل سحر بكلمات يدعو بهن اللهم خولتني من خولتني\" الحديث.\nقال ابن النحاس عفا الله عنه: ولهذا الحديث قصة ذكرها النسائي في كتاب الخيل من سننه، قال أبو عبيدة: قال معاوية بن خديج: لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها دوابهم فمر معاوية بأبي ذر يمرغ فرسا فسلم عليه ثم قال: يا أبا ذر، ما هذا الفرس؟ قال: فرس لا أراه إلا مستجاب\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٣٣٧).\n(^٢) النسائي (٦/ ٢٢٣)، وقال الألباني صحيح، في صحيح سنن النسائي.\n(^٣) البخاري (٢٨٥١)، ومسلم (١٨٧٤)، وأحمد (١٢١٢٥).","vol":"6","page":371},{"text":"الدعوة، قال: وهل تدعوا الخيل وتجاب؟ قال: نعم، ليس من ليلة إلا والفرس يدعوا فيها ربه فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب ولا أرى فرسي هذا إلا مستجابا (^١)، وذكر صاحب شفاء الصدور عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"للفرس ثلاث دعوات كل ليلة يقول في الأولى: اللهم اجعلني أحب ماله إليه، ويقول في الثانية: اللهم وسع عليه يوسع عليّ، ويقول في الثالثة: اللهم ارزقه الشهادة عليّ\" وقال ابن النحاس عفا الله عنه: ولا يتعجب من دعاء الخيل فإنها تتميز على غيرها من الحيوان المركوب بمزيد إدراك وفهم وسرعة قبول للتهذيب ورياضة الأخلاق وغير ذلك مما شهد به العيان، ومن ذلك ما روى عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عاتبوا الخيل فإنها تعتب\" (^٢) أي: [أدبوها] وروضوها للحرب فإنها تتأدب وتقبل العتاب قاله في النهاية (^٣)، خرج الطبراني هذا الإسناد وإن كان فيه مقال\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٣٦ - ٣٣٧) والحديث أورده ابن الأثير في النهاية (٣/ ١٧٥) وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١١٢ رقم ٧٥٢٩) والشاميين (٨٣٣). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٦٢: رواه الطبراني من رواية إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن بقية، وبقية مدلس. وسأل ابن جوصا محمد بن عوف عن هذا الحديث فقال: رأيته على ظهر كتاب إبراهيم ملحقا فأنكرته فقلت له: فتركه قال: وهذا من عمل ابنه محمد بن إبراهيم كان يسوي الأحاديث، وأما أبوه فشيخ غير متهم وقال فيه أبو حاتم: صدوق، ووثقه ابن حبان. وقال الألباني في الضعيفة (٦٣٦٠): منكر.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٧٥).","vol":"6","page":372},{"text":"فالحديث مما يستأنس به مع الحيل والتجربة والله أعلم.\nفائدة: وفي تاريخ نيسابور للحاكم (^١) أبي عبد الله في ترجمة أبي جعفر الحسن بن محمد بن جعفر الزاهد العابد أنه روى بإسناده عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ - \"لما أراد الله أن يخلق الخيل قال لريح الجنوب إني خالق منك خلقا اجعله عزا لأوليائي ومذلة لأعدائي وجمالًا لأهل طاعتي فقالت الريح [اخلق] يارب فقبض منها قبضة فخلق منها فرسا وقال: خلقتك أعربيا، وجعلت الخير بناصيتك والغنائم محتازة على ظهرك وبوّأتك سعة من الرزق وأيدتك على غيرك من الدواب وعطفت عليك صاحبك وجعلتك تطير بغير جناح فأنت للطلب وأنت للهرب وسأجعل على ظهرك رجالك يسبحوني ويحمدوني ويهللوني ويكبروني ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من تسبيحة وتهليلة وتكبيرة يكبرها صاحبها فتسمعه الملائكة إلا تجيبه بمثلها\" فلما سمعت الملائكة بخلق الفرس قالت: يا رب نحن ملائكتك نسبحك ونحمدك ونهللك فماذا لنا؟ فخلق الله لها خيلا لها أعناق كأعناق البخت يمد بها من شاء من أنبيائه ورسله فلما استوت قوائم الفرس في الأرض [قال] الله تعالى على آدم كل شيء مما خلق قاله له اختر من خلقي ما شئت فاختار الفرس فقيل اختر عزك وعز ولد خالدا ما خلدوا وباقيا ما بقوا أبد [الآبدين و] دهر الدهرين، وهو في شفاء الصدور عن ابن عباس بغير هذا اللفظ ولفظه أن النبي - ﷺ - قال: \"لما أراد الله أن يخلق الخيل\n_________\n(^١) الكتاب مفقود. نقله من كتاب الحيوان للدميري (١/ ٤٣٤). وقال الدميري: رأيت في تاريخ.","vol":"6","page":373},{"text":"أوحي إلى الريح الجنوبي إني خالق منك خلقا فاجتمعي فاجتمعت، فأتى جبريل فأخذ منها قبضة ثم قال الله ﷿: هذه قبضتي ثم خلق منها فرسا كميتا، وقال الله ﷿: خلقتك فرسا وجعلتك عربيا وفضلتك على سائر ما خلقت من البهائم بسعة الرزق والغنائم تقاد علي [ظهرك والخير معقود بناصيتك. ثم أرسله فصهل، فقال جل وعلا:] يا كميت بصهيلك أرهب المشركين واملأ مسامعهم [وأزلزل] أقدامهم ثم وسمه بغرة وتحجيل فلما خلق الله ﷿ آدم قال يا آدم اختر أي الدابتين أحببت يعني الفرس أو البراق على صورة البغل لا ذكر ولا أنثى فقال: يا جبريل اخترت أحسنهما وجها [وهو] الفرس قال الله ﵎ له: يا آدم اخترت عزك وعز أولادك [باقيا] ما بقوا وخلدوا انتهى\" قاله في حياة الحيوان (^١).\n\n١٩٦٥ - وَعَن عقبَة بن عبد السّلمِيّ - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لا تقصوا نواصي الْخَيل وَلا معارفها وَلا أذنابها فَإِن أذنابها مذابها ومعارفها دفؤها ونواصيها مَعْقُود فِيهَا الْخَيْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي إِسْنَاده رجل مَجْهُول (^٢).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٣٤). أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٦١١) وقال: هَذَا حديثٌ موضوع بلا شك، قَالَ يَحيَى: الْحَسَن بن زَيْد ضعيف الحديث، وقَالَ ابن عَدِيّ: يروي أحاديث معضلة، وأحاديثه عَنْ أَبِيهِ منكرة. الخبر منكر جدًّا، وأعله ابن الجوزي بالحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأساء ابن الجوزي في ذلك، فالحسن برئ منه ومن أمثاله وإنما البلاء ممن دونه، ففي السند محمد بن أشرس، وهو متهم في الحديث. وبه اتهمه الذهبي في التلخيص (٥٣٠) وابن العراق في تنزيه الشريعة (١/ ٢١٥).\n(^٢) أبو داود (٢٥٤٢). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٢٥٤).","vol":"6","page":374},{"text":"قوله: وعن عتبة بن عبد السلمي [هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر. وقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. وهذا عتبة كان اسمه عتلة، فسماه النبي ﷺ عتبة. شهد خيبر.\nروى عنه ابنه يحيى، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة، وخالد بن معدان، وغيرهم.\nمات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي].\nقوله - ﷺ -: \"لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها فإن أذنابها مذابها ومعارفها دفؤها ونواصيها معقود فيها الخير\" الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"لا تقصوا نواصي الخيل\" أي: لا تقطعوا (^١).\nقوله: \"ولا معارفها\" جمع معرفة وهي موضع العرف جمع معرف أي شعر عنقها (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فإن أذنابها مذابها\" المذاب بفتح الميم وبعدها ذال معجمة مفتوحة وبعد الألف باء موحدة مشددة جمع مذبة بكسر الميم وفتح الذال وهو ما يذب به الإنسان الذباب وغيره، والذب المنع والدفع فهي تدفع\n_________\n(^١) المفاتيح (٤/ ٣٧٣).\n(^٢) المفاتيح (٤/ ٣٧٣) وشرح المشكاة (٨/ ٢٦٧٢) وشرح المصابيح (٤/ ٣٥٢).","vol":"6","page":375},{"text":"بأذنابها ما يقع عليها من الذباب (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ومعارفها\" جمع معرفة بفتح الميم والراء. قوله: \"دفؤها\" بكسر الدال المهملة وسكون الفاء وبعدها همزة أي ما يدفئها، والدفء هو الشيء الذي يدفئك أي تدفع به البرد ذكره المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود، وقال غيره: دفؤها أي: كساؤها التي تدفئ به.\n\n١٩٦٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر وَأبي قَتَادَة - ﵁ - قَالا قَالَ رَسُول الله - ﷺ - خير الْخَيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل طلق الْيَد الْيُمْنَى قَالَ يزِيد يَعْني ابْن أبي حبيب فَإِن لم يكن أدهم فكميت على هَذِه الشية رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صحِيحه (^٢).\n\n١٩٦٧ - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكم عَن أبي قَتَادَة وَحده وَلَفظ التِّرْمِذِيّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - خير الْخَيل الأدهم الأقرح الأرثم ثمَّ الأقرح المحجل طلق الْيَد الْيُمْنَى فَإِن لم يكن أدهم فكميت على هَذِه الشية قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).\nالأقرح هُوَ الْفرس يكون فِي وسط جَبهته قرحَة وَهِي بَيَاض يسير.\n_________\n(^١) المفاتيح (٤/ ٣٧٣) وشرح المصابيح (٤/ ٣٥٢).\n(^٢) ابن حبان (٤٦٧٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٧٣).\n(^٣) الترمذي (١٦٩٦)، وقال: حسن صحيح غريب، وابن ماجه (٢٧٨٩)، والحاكم (٢/ ٩٢)، وأحمد (٢٢٥٦١).","vol":"6","page":376},{"text":"والأرثم بِفَتْح الْهمزَة وثاء مُثَلّثَة مَفْتُوحَة هُوَ الْفرس يكون بِهِ رثم محركا ومضموم الرَّاء سَاكن الثَّاء وَهُوَ بَيَاض فِي شفته الْعليا وَالأُنثَى رثماء.\nوطلق الْيُمْنَى بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون اللَّام وَبِضَمِّهَا أَيْضا إِذا لم يكن بهَا تحجيل.\nوالكميت بِضَم الْكَاف وَفتح الْمِيم هُوَ الْفرس الَّذِي لَيْسَ بالأشقر وَلا الأدهم بل يخالط حمرته سَواد.\nوالشية بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء مُخَفّفَة هُوَ كل لون فِي الْفرس يكون مُعظم لَوْنهَا على خِلَافه.\nقوله: وعن عقبة بن عامر وأبي قتادة تقدم الكلام عليهما.\nقوله - ﷺ -: \"خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم\" الأدهم: الأسود الذي يميل من شدة سواده إلى خضرة، والأقرح: قال الحافظ المنذري: هو الفرس يكون في وسط جبهته قرحة وهي بياض يسير، أ. هـ.\nأي: في وجه الفرس دون الغرة، والأقرح والقارح من الخيل ما دخل في السنة الخامسة وجمعه قرح (^١)، والغرة: بياض الوجه ومنه \"غرًا مجحلين من آثار الوضوء\"، والأرثم: قال المنذري: بفتح الهمزة وثاء مثلثة مفتوحة هو الفرس يكون به رثم محركا ومضموم الراء ساكن الثاء وهو بياض في شفته العليا، والأنثى رثماء، أ. هـ.\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٦).","vol":"6","page":377},{"text":"وقال في الديباجة: الأرثم الذي أنفه أبيض وشفته العليا (^١)، أ. هـ.\nوقال صاحب المغيث (^٢): قال وهب بن جرير: الرثم الذي في منخره بياض كأنه رثم أي لطخ وأنشد: كأن مارنها بالمسك مرثوم، أ. هـ.\nقوله: \"المحجل طلق اليد اليمنى\" أي: مطلقها لشيء فيها تحجيل، قال المنذري: وطلق اليد اليمنى بعد ضبطه إذا لم يكن بها تحجيل، أ. هـ.\nقال في النهاية (^٣): المحجل الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين لأنها مواضع الإحجال وهي الخلاخل والقيود ولا يكون التحجيل باليد واليدين ما لم يكن معها رجل أو رجلان ومنه الحديث: أمتي الغر المحجلون\" أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والأقدام واستعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان في البياض الذي يكون في وجه الفرس ورجليه.\nقوله: \"فإن لم يكن أدهم فكميت\" قال المنذري: الكميت هو الفرس الذي ليس بالأشقر ولا الأدهم بل يخالط حمرته سواد، أ. هـ.\nوقال غيره: الكميت الفرس الشديد الحمرة ولا يقال كميت حتى يكون عرفه وذنبه أسودين فإن كانا أحمرين فهو أشقر، قاله في حياة الحيوان، ويستوي في الذكر والمؤنث (^٤)، أ. هـ.\nوقال سيبويه: سألت الخليل عن كميت، فقال: إنما صغر لأنه بين السواد\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٩٦).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٧٣٤).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤٦).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٤٢٤).","vol":"6","page":378},{"text":"والحمرة كأنه لم يخلص له واحد منهما فأرادوا بالتصغير أنه منهما قريب (^١) قاله المنذري في الحواشي، وقد سأل عمر بن عبد العزيز العبسيين أي الخيل وجدتم أصبر في حربكم؟ قالوا: الكميت (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"على هذه الشية\" قال المنذري: والشية بكسر الشين المعجمة وفتح الياء مخففا هو كل لون في الفرس يكون معظم لونها على خلافه، أ. هـ.\nوأصله من الوشى أيضا تقدم الكلام عليه الوشى والهاء عوض من الواو المحذوفة كالزنة والوزن يقلل وشيت الثوب أشيه وشيا وشية وأصلها وشية والوشى النقش أراد على هذه الصفة [وهذا] اللون من الخيل (^٣)، أ. هـ.\nفائدة: عن أبي هريرة قال: كان النبي - ﷺ - يكره الشكال من الخيل رواه الجماعة (^٤)، والشكال أن يكون في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى أو في يده اليمنى ورجله اليسري وهذا [التفسير] هو [أحد الأقوال] وجمهور أهل اللغة والغريب هو أن يكون منه ثلاث قوائم [محجلة وواحدة مطلقة]، وقيل: الشكلة: بياض الرجل اليمنى واليد اليمنى قيل بياض الرجل اليسري واليد اليسري، وقيل: بياض اليدين ورجل واحدة، وقيل: بياض الرجلين ويد\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ٢٦٣).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٥٣).\n(^٣) النهاية (٢/ ٥٢٢).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٢٥٠ (٧٤٠٨) و٢/ ٤٣٦ (٩٦٢٦) و٢/ ٤٥٧ (٩٨٩٣) و٢/ ٤٦١ (٩٩٣٢) و٢/ ٤٧٦ (١٠١٦٠)، ومسلم (١٠١ و١٠٢ - ١٨٧٥)، وابن ماجه (٢٧٩٠)، وأبو داود (٢٥٤٧)، والترمذي (١٦٩٨)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٥٢ (٣٥٩٢) و(٣٥٩٣).","vol":"6","page":379},{"text":"واحدة، قال العلماء: وإنما كرهه لأنه على صورة المشكول، وقيل: يحتمل أن يكون قد جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة، وقال بعض العلماء: إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبه الشكال (^١) والله أعلم.\n\n١٩٦٨ - وَعَن عقبَة - ﵁ - أَيْضا عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا أردْت أَن تغزو فاشتر فرسا أغر محجلا مُطلق الْيُمْنَى فَإنَّك تغنم وتسلم رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: وعن عقبة أيضًا تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا أردت أن تغزو فاشتر فرسا أغر محجلا مطلق اليمنى\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n١٩٦٩ - وَعَن أبي وهب - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ عَلَيْكُم من الْخَيل بِكُل كميت أغر محجل أَو أشقر أغر محجل أَو أدهم أغر محجل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائيّ أطول من هَذَا (^٣).\nقوله: وعن أبي وهب، أبو وهب: هو الجشمي قال المنذري في الحواشي: له صحبة من النبي - ﷺ - ولم يذكر له اسم وقال أبو القاسم البغوي (^٤): أبو وهب الجشمي سكن الشام وروى عن النبي - ﷺ - حديثين، وقال أبو أحمد\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٨ - ١٩).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٩٢)، والطبراني في الكبير (٨٠٩)، والبيهقي (٦/ ٣٣٠). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٠).\n(^٣) أبو داود (٢٥٤٤)، وأحمد (١٩٠٣٢). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٨).\n(^٤) يراجع: شرح السنة للبغوي (١٠/ ٣٤٥) ومعجم الصحابة (٢/ ٣٠١) وسماه: ديلم.","vol":"6","page":380},{"text":"الكرابيسي: أبو وهب الجشمي له صحبة من النبي - ﷺ -[حديثه] في أهل اليمامة، ذكره في الذين عرفهم بكناهم ولم أقف على أسمائهم.\nقوله - ﷺ -: \"عليكم من الخيل بكل كميت أغر محجل أو أشقر أغر محجل أو أدهم أغر محجل\" والفرق بين الكميت والأشقر بالذنب والعرف فإن كانا أحمرين فهو أشفر وإن كانا أسودين فهو كميت؛ وفي كتاب شفاء الصدور عن رسول الله - ﷺ - أنه ذكر الخيل فقال: \"خضرها صلبها وكمتها ديباجها وشقرها جيادها اللهم بارك في الأخضر اللهم بارك في الأشقر\" (^١).\n\n١٩٧٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يمن الْخَيل فِي شقرها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nالْيمن بِضَم الْيَاء هُوَ الْبركَة وَالْقُوَّة.\nقوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يمن الخيل في شقرها\" قال المنذري: اليمن بضم الياء هو البركة والقوة، أ. هـ، وقال غيره: هو الخير والبركة والقوة والله أعلم.\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٣٥٤ - ٣٥٥).\n(^٢) أبو داود (٢٥٤٥)، والترمذي (١٦٩٥)، وأحمد (٢٤٥٤)، والطبراني في الكبير (١٠٦٧٦)، والبيهقي (٦/ ٣٣٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٦٢).","vol":"6","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>ترغيب الغازي والمرابط في الإكثار من العمل الصالح من الصوم والصلاة والذكر ونحو ذلك</span>\n١٩٧١ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - لَيْلَة أسرِي بِهِ أَتَى على قوم يزرعون فِي يَوْم ويحصدون فِي يَوْم كلما حصدوا عَاد كَمَا كَانَ فَقَالَ يَا جِبْرَائِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ المجاهدون فِي سَبِيل الله تضَاعف لَهُم الْحَسَنة بسبعمائة ضعف وَمَا أَنْفقُوا من شَيْء فَهُوَ يخلفه رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nتقدم في باب النفقة في سبيل الله حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - ليلة أسرى به أتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم إلى قوله \"قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه\".\n\n١٩٧٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من عبد يَصُوم يَوْمًا فِي سَبِيل الله إِلَّا باعد الله بذلك الْيَوْم وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا\" المباعدة: المعافاة منها تقدم في الصوم المطلق.\n_________\n(^١) البزار (٥٥).\n(^٢) البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣)، والترمذي (١٦٢٣)، وأحمد (١١٢١٠)، وابن ماجه (١٧١٧).","vol":"6","page":382},{"text":"١٩٧٣ - وَعَن معَاذ بن أنس - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله فِي غير رَمَضَان بعد من النَّار مائَة عَام سير الْمُضمر الْجواد رَوَاهُ أَبُو يعلى من طَرِيق زبان بن فائد (^١).\n\n١٩٧٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صَامَ يَوْمًا فِي سَبيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار خَنْدَقًا كَمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط وَالصَّغِير بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n\n١٩٧٥ - وَعَن أبي - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار خَنْدَقًا كَمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الْوَليد بن جميل عَن الْقَاسِم عَنهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٣).\nقوله: وعن معاذ بن أنس [معاذ بن أنس الجهني الأنصاري له صحبة عداده في أهل مصر، وهو والد سهل بن معاذ بن أنس].\nقوله - ﷺ -: \"من صام يوما في سبيل الله في غير رمضان بعد من النار مائة عام سير الجواد المضمر\" والجواد الفرس الجيد، والإضمار ضد التسمين وهو تدريج لها في أقواتها إلى أن يحصل لها التضمير وقال صاحب العلم: التضمير تقليل علفها مدة وإدخالها بيتا كنينا وتجليلها فيه لتعرق ويجفف\n_________\n(^١) أبو يعلى (١٤٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٤)، وفيه زبان بن فائد وفيه كلام كثير، وقد وثق.\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٣٥٧٤)، وفي الصغير (٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٤)، وإسناده حسن.\n(^٣) الترمذي (١٦٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٣٣).","vol":"6","page":383},{"text":"عرقها فتصلب وتقوى على الجرى، أ. هـ، وتقدم الكلام على الحديث في الصوم المطلق مبسوطا.\n\n١٩٧٦ - وَعَن عَمْرو بن عبسة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله بَعدت مِنْهُ النَّار مسيرَة مائَة عَام رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^١).\nوَرَوَاهُ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي أُمَامَة إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ بعد الله وَجهه عَن النَّار مسيرَة مائَة عَام ركض الْفرس الْجواد الْمُضمر (^٢).\nوَرَوَاهُ النَّسَائيُّ من حَدِيث عقبَة لم يقل فِيهِ ركض الْفرس إِلَى آخِره (^٣).\nقوله: وعن عمرو بن عبسة [هو أبو نجيح، وقيل: أبو شعيب عمرو بن عبسة، بعين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين، ثم سين مهملة على وزن عدسة، وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث، والأسماء، والتواريخ، والسير، والمؤتلف، وغيرهم من أهل الفنون، وزاد جماعة ممن صنف في ألفاظ المهذب فيه نونا، وهذا غلط فاحش، ومنكر ظاهر، وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان،\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٣٢٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٩٤)، ورجاله موثقون، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٣٠).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٧٨٠٦)، وعبد الرزاق (٩٦٨٣).\n(^٣) النسائي (٤/ ١٧٤).","vol":"6","page":384},{"text":"بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابى الصالح، أسلم قديما، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، وأنه قدم على رسول الله - ﷺ - مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبي - ﷺ - الإقامة معه بمكة، فقال: \"إنك لا تقدر على ذلك الأن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعت بخروجى فأتنى\"، وأنه أتى النبي - ﷺ - بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وكان أخا أبى ذر لأمه، وقدم المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام، روي له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية وثلاثون حديثا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفى بها].\nقوله - ﷺ -: \"ومن صام في سبيل الله بعدت منه النار مسيرة مائة عام ركض الفرس الجواد المضمر\" تقدم معنى المباعدة وركض الجواد المضمر في الصوم، قال ابن النحاس عفا الله عنه (^١): وقد كان كثير من السلف يصومون في الجهاد ويقاتلون ولا يفطرون احتسابا لذلك عند الله تعالى وطلبا لمرضاته ورغبة في جزيل ثوابه وحكايات الصالحين في سبيل الله مشهورة، وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة الوالد على ولده ودعوة المظلوم ودعوة المسافر\" (^٢) فإذا كان الله يستجيب دعاء المسافر من حيث هو فلم لا يستجيب دعاء المجاهد\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ع ٣٦٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٦٢)، وأبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (٣٤٤٨). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٣٧٤) الصحيحة (٥٩٦)، الروض النضير (٥١٠).","vol":"6","page":385},{"text":"وهو أكرم الناس سفرا وأعظمهم في سفره أجرًا لهذا جاء في الحديث: \"أن الله يستجيب لهم كما يستجيب للرسل\" وما ذاك إلا لكرامتهم عليه ورفعة منزلتهم لديه، والله أعلم.\n\n١٩٧٧ - وَعَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الصَّلاة وَالصِّيَام وَالذكر يُضَاعف على النَّفَقَة فِي سَبِيل الله بسبعمائة ضعف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق زبان عَنهُ (^١).\nقوله: وعن سهل بن معاذ، وأبوه هو: معاذ بن أنس الجهني له صحبة وكان بمصر وبالشام، وله ذكر في أهل مصر وأهل الشام.\nقوله - ﷺ -: \"إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف\" الحديث، ورواه ابن المنذر أيضا وابن عساكر عن أبي عقيل أنه سمع ابن المسيب يقول: إن الأعمال في سبيل الله تضاعف على النفقات بسبعمائة ضعف، والأعمال الصلاة والتسبيح والذكر والصدقة، فسأل رجل أبا عقيل: عمن يذكر هذا، قال أبو عقيل عن رسول الله - ﷺ -، قال عفا الله عنه: وهذا [مرسل] وعلى هذا تكون صلاة المجاهد في سبيل الله بأربعة ألاف صلاة وتسعمائة صلاة، وكذا الصيام والذكر (^٢) والله أعلم.\nومما يدل على أن نفقة المرابط مضاعفة كنفقة المجاهد (^٣) ما في حديث\n_________\n(^١) أبو داود (٢٤٩٨). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٩٣).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٣٦٣).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٣٨٦ - ٣٨٧).","vol":"6","page":386},{"text":"أبي أمامة المذكور في آخر الباب أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ونفقة الدينار والدرهم منه أي: من المرابط أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره\" (^١).\n\n١٩٧٨ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵄ -، أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ طُوبَى لمن أَكثر فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله من ذكر الله فَإِن لَهُ بِكُل كلمة سبعين ألف حَسَنَة كل حَسَنَة مِنْهَا عشرَة أَضْعَاف مَعَ الَّذِي لَهُ عِنْد الله من الْمَزِيد الحَدِيت رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير وَفِيه رجل لم يسم (^٢).\n\n١٩٧٩ - وَرُوِيَ عَن معَاذ - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَن رجلا سَألَهُ فَقَالَ أَي الْمُجَاهدين أعظم أجرا قَالَ أَكثَرهم لله ﵎ ذكرا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانيُّ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله (^٣).\nقوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رجلا سأل رسول الله - ﷺ -: أي المجاهدين أعظم أجرًا؟ قال: \"أكثرهم لله ذكرًا\".\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٦/ ١٤٥ رقم ٣٩٨٧) ووقع عنده: ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من تسعمائة دينار ينفقه في غيره.\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٢)، وفيه رجل لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٣٩).\n(^٣) أحمد (١٥٦١٤)، والطبراني في الكبير (٤٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤)، وفيه زبان بن فائد، وهو ضعيف، وقد وثق، وكذلك ابن لهحعة، وبقية رجال أحمد ثقات.","vol":"6","page":387},{"text":"١٩٨٠ - وَعَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَرَأَ ألف آيَة فِي سَبِيل الله كتبه الله مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق زبان عَنهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - وَالظَّاهِر أَن المرابط أَيْضا هُوَ فِي سَبِيل الله فيضاعف عمله الصَّالح كَمَا يُضَاعف عمل الْمُجَاهِد.\n\n١٩٨١ - وَقد رُوِيَ عَن أنس - ﵁ - يرفعهُ قَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي تعدل بِعشْرَة آلاف صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تعدل بِمِائَة ألف صَلَاة وَالصَّلَاة بِأَرْض الرِّبَاط بألفي ألف صَلَاة الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب (^٢).\n\n١٩٨٢ - وروى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن صَلَاة المرابط تعدل خَمْسمِائَة صَلاة وَنَفَقَة الدِّينَار وَالدِّرْهَم مِنْهُ أفضل من سَبْعمِائة دِينَار يُنْفِقهُ فِي غَيره وَالله أعلم (^٣).\nقوله: وعن سهل بن معاذ عن أبيه تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ ألف آية في سبيل الله كتبه الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين\" قال عفا الله عنه من سورة تبارك الذي بيده الملك إلى آخر القرآن ألف آية، قال الحافظ المنذري: والظاهر أن المرابط أيضا في\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٨٧، ٨٨)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٢) أبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٦)، وكنز العمال (٣٤٦٣٣).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٤٢٩٥).","vol":"6","page":388},{"text":"سبيل الله فيضاعف عمله الصالح كما يضاعف عمل المجاهد فقد روى عن أنس - ﵁ - يرفعه قال: \"صلاة في مسجدي تعدل بعشرة ألاف صلاة وصلاة في المسجد الحرام تعدل بمائة ألف صلاة والصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة\" وسبيل الله يحتمل الغزو وأن يراد به الغزو ويحتمل أن المراد بسبيل الله طاعته وقد يستعمل السبيل في الطاعة كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (^١) وقوله [تعالى: ﴿وَ] فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٢)، وتقدم معناه أبين من هذا.\nفائدة فيها بشرى المرابط: قال في شفاء الصدور ذكر عبد المؤمن قال: إذا كان يوم القيامة خلق الله تعالى أرضا بيضاء يغشاها سحاب الرحصة ثم ينادي مناد من عند الله تعالى: أين المرابطون اصعدوا على أعلا هذه الأرض فماذا صعدوا نصب لهم كراسي من نور ثم ينادي بهم جبريل قولوا: مثل الذي كنتم تقولون على ساحل البحر يطلب منهم التهليل والتكبير فتمر بهم الأرض مر السحاب حتى يقفوا بين يدي الله ﵎ فيقول لهم مرحبا وأهلا بأوليائي المرابطين في دار الدنيا يا جبريل شق بهم الأرض شقا إلى الجنة (^٣).\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"6","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>الترغيب في الغدوة في سبيل الله والروحة وما جاء في فضل المشي والغبار في سبيل الله والخوف فيه</span>\n١٩٨٣ - عَن أنس بن مَالك - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لغدوة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكم من الْجنَّة أَو مَوضِع قيد يَعْني سَوْطه خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو أَن امْرَأَة من أهل الْجنَّة اطَّلَعت إِلَى أهل الأرْض لأضَاءَتْ مَا بَينهمَا وَلَمَلأتهُ ريحًا وَلنَصِيفهَا على رَأسهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\nالغدوة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الذّهاب. والروحة بِفَتْح الرَّاء هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الْمَجِيء.\nقوله: عن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لغدوة في سبيل الله أو روحة\" الغدوة هي المرة الواحدة الذهاب والروحة هي المرة الواحدة من المجيء، قاله الحافظ المنذري: وتقدم الكلام على الغدوة والروحة هي المرة مبسوطا في أول الرباط.\nقوله - ﷺ -: \"ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيد يعني سوطه خير من الدنيا وما فيها\" القاب والقيد هنا قيل هو القدر يقال بيني وبينه قاب رمح\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٩٦)، ومسلم (١٨٨٠)، والترمذي (١٦٥١)، وابن ماجه (٢٧٥٧)، وابن حبان (٧٣٩٨)، وأحمد (١٣٧٨٠).","vol":"6","page":390},{"text":"وقاب قوس أي مقدارهما.\nقوله - ﷺ -: \"ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا\" \"ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها\" النصيف الخمار والخمار ما يغطى به الرأس ويقال أيضا للعمامة وكل ما غطى الرأس نصيف وقد رواه البزار مختصرا بإسناد حسن، قال: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ومعنى الحديث: ولقدر قوس أحدكم أو قدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها.\n\n١٩٨٤ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - غدْوَة فِي سَبيل الله أَو رَوْحَة خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس أَو غربت رَوَاه مسلم وَالنَّسَائيُّ (^١).\nقوله: وعن أبي أيوب تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت\" وتقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\n\n١٩٨٥ - وَعَن سهل بن سعد - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِع سَوط أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا والروحة يروحها العَبْد فِي سَبِيل الله أَو الغدوة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَتقدم (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (١٨٨٣).\n(^٢) البخاري (٢٨٩٢)، ومسلم (١٨٨١)، والترمذي (١٦٤٨، ١٦٦٤)، وأحمد (١٥٥٦٠)، وابن ماجه (٢٧٥٦).","vol":"6","page":391},{"text":"قوله: وعن سهل بن سعد [هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنا، فسماه النبي - ﷺ - سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله - ﷺ - في المتلاعنين. قال الزهرى: سمع من النبي - ﷺ -، وكان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثماثين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهرى، وأبو حاتم، وغيرهما (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها\" والروحة يروحها العبد في سبيل الله، والغدوة خير من الدنيا وما عليها، تقدم تفسير ذلك.\n\n١٩٨٦ - وَرُوِيَ عَنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا رَاح مُسلم فِي سَبِيل الله مُجَاهدًا أَو حَاجا مهلا أَو ملبيا إِلَّا غربت الشَّمْس بذنوبه رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٦١٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٩)، وفيه من لم أعرفه.","vol":"6","page":392},{"text":"قوله: وروى عنه، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدا أو حاجا مهلا أو ملبيا إلا غربت الشمس بذنوبه\" تقدم الكلام عليه في الحج، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية.\n\n١٩٨٧ - وَعَن ابْن عمر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْغَازِي فِي سَبِيل الله والحاج إِلَى بَيت الله والمعتمر وَفد الله دعاهم فَأَجَابُوهُ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ كلَاهُمَا عَن عمرَان بن عُيَيْنَة عَن عَطاء بن السَّائِب عَن مُجَاهِد عَنهُ وَالْبَيْهَقِيّ من هَذِه الطَّرِيق فَوَقفهُ وَلم يرفعهُ (^١).\nوَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة النَّسَائيُّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ ابْن مَاجَه فِي آخِره إِن دَعوه أجابهم وَإِن استغفروه غفر لَهُم (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"الغازي في سبيل الله والحاج إلى بيت الله والمعتمر وفد الله دعاهم فأجابوا\" الوفد الجماعة، واحدهم وافد وتقدم الكلام على الوفد.\n\n١٩٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - تضمن الله لمن خرج فِي سَبيله لا يُخرجهُ إِلَّا جِهَاد فِي سبيلي وإيمان بِي وتصديق برسلي فَهُوَ ضَامِن أَن أدخلهُ الْجنَّة أَو أرجعه إِلَى منزله الَّذِي خرج مِنْهُ نائلا مَا نَالَ من أجر\n_________\n(^١) ابن ماجه (٢٨٩٣)، وابن حبان (٤٦١٣)، والطبراني في الكبير (١٣٥٥٦)، والبيهقي (٥/ ٢٦٢). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤١٧١).\n(^٢) النسائي في الكبرى (٣٦٠٤)، وابن ماجه (٢٨٩٢)، وابن خزيمة (٢٥١١).","vol":"6","page":393},{"text":"أَو غنيمَة وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا كلم يكلم فِي سَبِيل الله إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة كَهَيْئَته يَوْم كلم لَونه لون دم وريحه ريح مسك وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْلا أَن أشق على الْمُسلمين مَا قعدت خلاف سَرِيَّة تغزو فِي سَبِيل الله أبدا وَلَكِن لا أجد سَعَة فأحملهم وَلا يَجدونَ سَعَة ويشق عَلَيْهِم أَن يتخلفوا عني وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَن أغزو فِي سَبِيل الله فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل رَوَاه مسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nوَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائيُّ وَلَفْظهمْ تكفل الله لمن جَاهد فِي سَبيله لا يُخرجهُ من بَيته إِلَّا الْجِهَاد فِي سَبيله وتصديق بكلماته أَن يدْخلهُ الْجنَّة أَو يردهُ إِلَى مَسْكَنه بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة الحَدِيث (^٢).\nالْكَلم بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون اللَّام هُوَ الْجرْح.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"تضمن الله ﷿ لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان وتصديق برسلي\" الحديث، معنى تضمن: أي تكفل الله لمن خرج في سبيلة مجاهدا، وفي الرواية الأخرى: \"تكفل الله\" والتكفل من الكفالة وهي الضمان، قال النووي (^٣): ومعناهما أوجب الله له الجنة بفضله\n_________\n(^١) مسلم (١٨٧٦)، وأحمد (٧١٥٧).\n(^٢) البخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦)، ومالك في الموطأ (١٢٨٤)، وابن حبان (٤٦١٠)، وأحمد (٩١٧٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٥).","vol":"6","page":394},{"text":"وكرمه ﷾، قال الشيخ تقي الدين: والضمان والكفالة هنا عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله ﷾، فإن الضمان والكفالة مذكوران لما تضمن وتكفل به، وتحقيق ذلك من لوازمه، وفي رواية: \"انتدب الله لمن خرج في سبيله\" المعنى والله أعلم: التزم الله أي أجابه إلى غفرانه يقال وندبته فانتدب أي بعثه ودعوته فأجاب، قيل: معناه سارع في الثواب وحسن الجزاء، وقيل: أجاب وقيل: تكفل والندب الحث على الشيء والرغبة فيه وهذا الضمان والكفالة والانتداب موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^١) الآية، فقوله: \"لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي\" معناه: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى.\nتنبيه: في قوله \"لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي\" الحديث وقع في الصحيحين: \"إلا جهادًا\" وكذا \"إيمانًا\" و\"تصديقًا\" في جميع النسخ بالنصب وهو مفعول على أنه مفعول له، وتقديره: ولا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلا الجهاد والإيمان والتصديق.\nوقوله: \"أو تصديق\" وفي بعض النسخ \"وتصديق\" بالواو الواصلة وهو ظاهر.\nفإن قلت: إذا كان بأو الفاصلة فمعناه إذ لابد من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسل الله لأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله إذ من جملة\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١١.","vol":"6","page":395},{"text":"الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله وكذا التصديق بالرسل، يستلزم الإيمان بالله وهو ظاهر، وتقديره: لا يخرج المخرج إلا الإيمان والتصديق انتهى.\nقوله: \"فهو ضامن إن أدخله الجنة\" ذكروا في قوله \"ضامن\" هنا وجهين أحدهما أنه بمعنى مضمون كـ ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (^١) بمعنى مدفوق، و﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ و(^٢) بمعنى مرضية، و﴿لَا عَاصِمَ﴾ (^٣) بمعنى معصوم، وفسر كاتم بمعنى مكتوم، والثاني: أنه بمعنى ذو ضمان.\nقوله: \"إن أدخله الجنة\" فإن قلت: جميع المؤمنين يدخلهم الله الجنة، فيا وجه اختصاصهم بذلك؟ قلت: قال القاضي: يحتمل أنه يدخله الجنة عند موته، قال تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^٤) وفي الحديث: \"أرواح الشهداء في الجنة\" قال: ويحتمل أن يكون المراد دخوله الجنة عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفرة لذنوبه كما صرح به في الحديث الصحيح.\nقوله: \"أو أراجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة\" ومعنى الحديث أن الله تعالى ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيرا بكل حال فأما أن يستشهد فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما بأجر وغنيمة فهو\n_________\n(^١) سورة الطارق، الآية: ٦.\n(^٢) سورة القارعة، الآية: ٧.\n(^٣) سورة هود، الآية: ٤٣.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.","vol":"6","page":396},{"text":"مضمون إحدى الحسنيين وضمانه على الله إما الجنة إن قتل وإما الرجوع إلى أهله بالأجر والغنيمة وإنما عطف الغنيمة على الأجر لأن المجاهد لا يأخذها أجرة على قتاله وإنما هي نحلة من الله تعالى أباحها لهذه الأمة ولم تكن لغيرهم من الأمم كما قال النبي - ﷺ -: \"وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي\" وهذا بظاهره يقتضي أن المجاهد لا ينقص أجره بالغنيمة لأنه لم يقاتل ليأخذ الغنيمة وإنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فلا يجوز أن يكون ما منحه الله سببا للنقص في ثوابه، وفي هذا الحديث الحث المؤكد على الجهاد، فإن كفالة الله تعالى باعث عظيم، فقوله - ﷺ -: \"بما نال من أجر وغنيمة\" قد يتوهم متوهم أن الأجر لا يجتمع مع الغنيمة وليس كذلك بل المعنى أن الله تعالى يرده بأجر كامل إن لم تحصل غنيمة أو بأجر ما وغنيمة، ومما يدل على أن الأجر يحصل مع الغنيمة قوله - ﷺ -: \"ما من غازية أو سرية يسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم\" و(أو) في قوله \"بأجر أو غنيمة\" قال أبو الوليد بن رشد في مقدماته: (أو) هنا بمعنى الواو إذ لا تنفي الغنيمة الأجر، وقد تكون (أو) على بابها فيكون معنى الكلام: مع ما نال من أجر دون غنيمة أو غنيمة مع أجر، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: وهذا التقدير لا بأس به.\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفس محمد بيده ما كلمٌ يكلم في سبيل الله\" الكلم الجرح، والجرح بفتح الجيم على المصدر لا غير قاله الأزهري، فأما الجرح بالضم فهو الاسم، قاله في النهاية (^١).\n_________\n(^١) يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٩٨).","vol":"6","page":397},{"text":"قوله: \"إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم يكلم لونه لون دم وريحه ريح المسك\" فيه دليل على أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره، الحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى، وفيه دليل على جواز اليمين وانعقادها بقوله - ﷺ -: \"والذي نفس محمد بيده\" ونحو هذه الصيغة من الحلف بما دل على الذات ولا خلاف في هذا، قال النووي (^١): قال أصحابنا: اليمين تكون بأسماء الله تعالى أو صفاته وما دل على ذاته قال القاضي عياض (^٢): واليد هنا بمعنى القدرة والملك والله أعلم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزوا في سبيل الله أبدًا\" الحديث، يعني: خلفها وبعدها، وفيه ما كان عليه - ﷺ - من الشفقة على المسلمين والرأفة بهم، وأنه كان - ﷺ - يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدئ بأهمها.\nوفيه: مراعاة الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم.\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزوا فأقتل، ثم أغزوا فأقتل\" الحديث، وفيه الحث على حسن النية، وفيه:\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٦٩).\n(^٣) سبق الكلام على صفة اليد وقلنا أن مذهب أهل السنة هو إثبات اليد بلا تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل.","vol":"6","page":398},{"text":"استحباب القتل في سبيل الله وجواز قول الإنسان: وددت حصول كذا من الخير الذي يعلم أنه يحصل، قال: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار يدخل فيه من [خرج في سبيل الله في] قتال البغاة [و] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، أ. هـ، قاله الكرماني (^١)، قال النووي (^٢): فيه فضيلة الغزو والشهادة وفيه تمني الشهادة والخير وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات، وفيه: أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين [وقوله و] السرية بتخفيف الراء وتشديد الياء، أي: ما تخلفت عنها بل خرجت في جميعها [بنفسي] لعظم الأجر فيه بارتفاع الدرجات ونيل السعادات بسببه، قال إبراهيم الحربي: السرية هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها قالوا: سميت سرية لأنها تسري في الليل ويخفي ذهابها وهي فعيلة بمعنى فاعلة يقال: أسرى وأسرى إذا ذهب ليلا.\nفائدة أخرى ثانية: وكانت سراياه - ﷺ - التي بعث بها على ما ذكره ابن سعد والحافظ شرف الدين الدمياطي ستا وخمسين سرية، وقال موسى بن عقبة سبعا وأربعين سرية، وقيل: ثمانيا وأربعين، وقيل: ستا وثلاثين، وقيل: غير ذلك، قالوا: ولم يقاتل - ﷺ - إلا في تسع بدر وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وغزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، والخندق وبني قريظة، وقريظة قبيلة من اليهود كانوا في قلعة، وبني المصطلق بضم الميم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٢/ ٩٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٥).","vol":"6","page":399},{"text":"وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية وكسر اللام وقاف، عرب من خزاعة، وكانت هذه الغزوة في سنة ست من الهجرة، وخيبر: وهي بلدة معروفة نحو أربع مراحل من المدينة إلى نحو الشام فتحت سنة سبع، وفتح مكة، وحنين وهو واد بين مكة والطائف وراء عرفات، وكانت غزوة حنين في السنة الثامنة من الهجرة، والطائف: وهي بلدة معروفة على مرحلتين من مكة من جهة الشرق، وقيل: قاتل بوادي القرى وفي الغابة، وبني النضير، والنضير بفتح النون وكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة، وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر وقد دخلوا في العرب فقريظة والنضير إشارة إلى قبيلتين عظيمتين من يهود خيبر.\nفائدة ثالثة أخرى: وكانت عدة غزوات النبي - ﷺ - التي غزاها بنفسه الكريمة على ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة سبعا وعشرين غزوة، ونقل أبو عبد الله محمد بن سعد في الطبقات الاتفاق على أن غزواته - ﷺ - بنفسه ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة، قال غيرهما: خمسا وعشرين وهذا هو المشهور، وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله - ﷺ - غزى تسع عشرة غزوة.\nفائدة رابعة: وهذه الغزوات التي تقدمت هي التي غزاها بنفسه الشريفة - ﷺ -، ومنها: ما قاتل فيه، ومنها: ما لم يتفق فيها قتال، وأعظم سراياه سرية زيد بن حارثة وهي غزوة مؤتة وكانت في جمادي الأولى من سنة ثمان، بعث رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة في ثلاثة آلاف من المسلمين إلى أرض البلقا من أطراف الشام، وقال: \"إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن","vol":"6","page":400},{"text":"أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس\" فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج، أ. هـ.\n\n١٩٨٩ - وَعَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من فصل فِي سَبِيل الله فَمَاتَ أَو قتل فَهُوَ شَهِيد أَو وقصه فرسه أَو بعيره أَو لدغته هَامة أَو مَاتَ على فرَاشْه بِأَيّ حتف شَاءَ الله مَاتَ فَإِنَّهُ شَهِيد وَإِن لَهُ الْجنَّة.\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة بَقِيَّة بن الْوَليد عَن ابْن ثَوْبَان وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان وَيَأْتِي الْكَلَام على بَقِيَّة وَعبد الرَّحْمَن (^١).\nفصل بالصَّاد الْمُهْملَة محركا أَي خرج وقصه بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة محركا أَي رَمَاه فَكسر عُنُقه الحتف بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة فَوق هُوَ الْمَوْت.\nقوله: وعن أبي مالك الأشعري، تقدم الكلام عليه.\nقال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه يوم مؤتة بعد قتل زيد بن حارثة فقطعت يده فأخذها بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث و[ثلاثين] سنة [فأثابه] جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، ويقال: إن رجلا من الروم ضربه فقطعه نصفين انتهى قاله في الديباجة، وسيأتي الكلام على غزوة مؤتة في فضل الشهداء مبسوطا إن شاء الله تعالى.\nقوله: وعن أبي مالك الأشعري، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٤٩٩)، والمشكاة (٣٨٤٠)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٤١٣).","vol":"6","page":401},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد\" قال الحافظ (^١): فصل بالصاد المهملة محركا أي خرج، وقال غيره: خرج من منزله وبلده ومنه الحديث: \"لا رضاع بعد فصال\" أي: بعد أن يفصل الولد عن أمه، وبه سمي الفصيل من أولاد الإبل فعيل بمعنى مفعول، وقال بعضهم: فصل أي مشى ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ (^٢) أي: مشى.\nوقوله: \"أو وقصه فرسه أو بعيره\" قال الحافظ (^٣): أي رماه فكسر عنقه، أ. هـ، وقال غيره: الوقص الدق والكسر.\nقوله: \"أو لدغته هامة\" هو بفتح الدال المهملة والغين المعجمة، والهامة بتشديد الميم واحدة الهوام، وهي ذوات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما، وقال بعضهم: ما له سم إلا أنه لا يقتل فهو من الهوام كالعقرب والزنبور ونحوهما، وقد تقع الهامة على كل ما يدب من الحيوان.\nوقوله: \"أو مات على فراشه\" أي: في طريق الغزو بأي حتف شاء الله مات فإنه شهيد وإن له الجنة، والحتف هو الموت.\n\n١٩٩٠ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله عمن خرج حَاجا فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر الْحَاج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن خرج مُعْتَمِرًا فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر الْمُعْتَمِر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن خرج غازيا فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٦).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤٩.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).","vol":"6","page":402},{"text":"الْغَازِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو يعلى من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث في الحج.\n\n١٩٩١ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ عهد إِلَيْنَا رَسُول الله - ﷺ - فِي خمس من فعل وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنا على الله ﷿ من عَاد مَرِيضا أَو خرج مَعَ جَنَازَة أَو خرج غازيا فِي سَبِيل الله أَو دخل على إِمَام يُرِيد بذلك تعزيره وتوقيره أَو قعد فِي بَيته فَسلم وَسلم النَّاس مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٢).\n\n١٩٩٢ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - فِيمَا يَحْكِي عَن ربه قَالَ أَيّمَا عبد من عبَادي خرج مُجَاهدًا فِي سبيلي ابْتِغَاء مرضاتي ضمنت لَهُ إِن رجعته أرجعه بِمَا أصَاب من أجر أَو غنيمَة وَإِن قَبضته غفرت لَهُ رَوَاهُ النَّسَائيُّ (^٣).\nقوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام على معاذ - ﵁ -.\nقوله: \"عهد إلينا رسول الله - ﷺ - في خمس، من فعل واحدة منهن كان ضامنا\n_________\n(^١) أبو يعلى (٦٣٢٧).\n(^٢) أحمد (٢٢٠٩٣)، والبزار (١٦٤٩)، والطبراني في الكبير (٥٥)، وابن خزيمة (١٤٩٥)، وابن حبان (٣٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٧)، رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح خلا ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف.\n(^٣) النسائي في الكبرى (٤٣٣٤)، وأحمد (٥٩٧٧)، وقال الألباني صحيح، في صحيح سنن النسائي.","vol":"6","page":403},{"text":"على الله\" ومعنى ضامن على الله أي صاحب ضمنا والضمان الرعاية للشيء كما يقال: تامر ولابن، أي: صاحب تمر ولبن، فمعناه أنه في رعاية الله تعالى وما أجزل هذه العطية اللهم ارزقناها ذكره النووي في أذكاره، وتقدم ذلك في الجلوس في المساجد.\n\n١٩٩٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا يلج النَّار رجل بَكَى من خشيَة الله حَتَّى يعود اللَّبن فِي الضَّرع وَلا يجْتَمع غُبَار فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح (^١).\nوَالنَّسَائيُّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ إِلَّا أَنهم قَالُوا وَلا يجْتَمع غُبَار فِي سَبيل الله ودخان جَهَنَّم فِي منخري مُسلم أبدا وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع\" هو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (^٣) علقه على شيء لا يكون، ومعناه: لا يدخل النار أبدًا.\nاعلم: أن البكاء يكون من سبعة أشياء، البكاء من الحزن، والبكاء من الوجع، والبكاء من الفزع، والبكاء من الفرح، والبكاء من الرياء والكذب، والبكاء من الشكر، والبكاء من خشية الله ﷿، وحُقّ لمن لم يعلم ما\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٧٧٨).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٧٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٥٧)، وأحمد (١٠٥٦٠)، وابن حبان (٤٦٠٧).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٤٠.","vol":"6","page":404},{"text":"جرى أنه من الحكم في سابق علم الله تعالى بالسعادة جرى له القلم أو بالشقاوة، ولا يعلم ما الذي ينكشف له من الحال عند المعاينة وبماذا يختم له وهو فيما بين هاتين الحالتين قد ركب المحظورات، وخالف خالقه في المنهيات أن يكثر بكاؤه ونحيبه، قال الهروي: والولوج الدخول.\nقوله - ﷺ -: \"ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم\"، وفي رواية البيهقي وغيره: \"ولا يجتمع غبار في سبيل الله في منخري مسلم أبدًا\"، وسئل ابن المبارك - قدس الله روحه - أيهما أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله - ﷺ - أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله - ﷺ - فقال: \"سمع الله لمن حمده\"، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا، قال ابن النحاس - عفا الله عنه -: وقد رئي السيد الجليل عبد الله بن المبارك في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قال: بعملك الذي بثتته للناس، قال: لا ولكن بما دخل منخري من الغبار في سبيل الله تعالى.\n\n١٩٩٤ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن جبر - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا اغبرت قدما عبد فِي سَبِيل الله فَتَمَسهُ النَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nوَرَوَاهُ النَّسَائيُّ وَالتِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث وَلَفظه من اغبرت قدماه فِي سَبيل الله فهما حرَام على النَّار (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٨١١).\n(^٢) البخاري (٩٠٧)، الترمذي (١٦٣٢)، وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٥٩٣٥)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١١٢)، وابن حبان (٤٦٠٥).","vol":"6","page":405},{"text":"قوله: وعن عبد الرحمن بن جبر، وكنيته: أبو عبس وهو أنصاري صحابي له صحبة شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، قال ابن عبد البر (^١): وهو معدود من كبار الصحابة من الأنصار، توفي وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع ونزل في قبره أبو بردة بن نيار وقتادة بن النعمان ومحمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة ولم يخرج له مسلم في كتابه شيئًا، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة غير الثلاثة وهم البخاري والترمذي والنسائي والمذكورين أخرجوا له هذا الحديث خاصة.\nقوله - ﷺ -: \"ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار\" قال ابن بطال في شرح البخاري (^٢): مصداق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ذلك العمل الصالح بأنه لا تمس النار من اغبرت قدماه في سبيل الله\" وهذا وعد من النبي - ﷺ -، والوعد منه منجز، وسبيل الله جميع الطاعات، أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) الاستذكار (٥/ ١٢٤) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٦/ ٢٢٢).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥/ ٥).\n(^٣) سورة التوبة، الآيتان: ١١٩ - ١٢٠.","vol":"6","page":406},{"text":"١٩٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّار اجتماعا يضر أَحدهمَا الآخر مُسلم قتل كَافِرًا ثمَّ سدد الْمُسلم وقارب وَلا يَجْتَمِعَانِ فِي جَوف عبد غُبَار فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم وَلا يَجْتَمِعَانِ فِي قلب عبد الإِيمَان وَالشح رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَقَالَ النَّسَائيُّ الإِيمَان والحسد وَصدر الحَدِيث فِي مُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر مسلم قتل كافرا ثم سدد المسلم وقارب \" الحديث، وفي حديث آخر\"لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا\" أي: إذا كان الكافر في النار ولا يكون قاتله في النار بل يخرج قاتله بعد استيفاء ما وجب عليه من العذاب، وقيل: يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في مجاهدة العدو، وأن ذلك تكفير للذنوب حتى لا يعاقب عليها، أو يكون بنية مخصوصة الله أعلم بها، ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار في الأعراف كالحبس عن دخول الجنة، ولا يدخل النار أبدًا، أو يكون أن عوقب بها لا يكون حيث يعاقب الكفار ولا يكون معهم في إدراكها والله أعلم.\nوقوله في أول الحديث \"اجتماعا يضر أحدهما الآخر\": يدل أنه اجتماع مخصوص وأنه لا يجتمع معه في وقت أن يستحق العقاب فيعيره بدخوله معه وأن إيمانه وقتله إياه لم يغنه والله أعلم ذكره المنذري في الحواشي.\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٧٢).","vol":"6","page":407},{"text":"١٩٩٦ - وَروِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا من رجل يغبر وَجهه فِي سَبِيل الله إِلَّا آمنهُ الله دُخان النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَمَا من رجل تغبر قدماه فِي سَبِيل الله إِلَّا آمن الله قَدَمَيْهِ النَّار يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا أمنه الله دخان النار يوم القيامة\" الحديث، تقدم تفسيره في الأحاديث قبله.\n\n١٩٩٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - يرفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي - ﷺ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا يجمع الله ﷿ فِي جَوف عبد غبارا فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم وَمن اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله باعد الله مِنْهُ النَّار يَوْم الْقِيَامَة مسيرَة ألف عَام للراكب المستعجل وَمن جرح جِرَاحَة فِي سَبِيل الله ختم لَهُ بِخَاتم الشُّهَدَاء لَهُ نور يَوْم الْقِيَامَة لَوْنهَا مثل لون الزَّعْفَرَان وريحها مثل ريح الْمسك يعرفهُ بهَا الأولونَ وَالآخرُونَ يَقُولُونَ فلَان عَلَيْهِ طَابع الشُّهَدَاء وَمن قَاتل فِي سَبِيل الله فوَاق نَاقَة وَجَبت لَهُ الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد ورواة إِسْنَاده ثِقَات إِلَّا أَن خَالِد بن دريك لم يدْرك أَبَا الدَّرْدَاء (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٧٤٨٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٩٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٧)، وفيه جميع بن ثوب، متروك. وقال الألباني ضعيف جدًّا، في ضعيف الجامع (٥١٧٨).\n(^٢) أحمد (٢٧٥٠٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٥)، ورجاله ثقات، إلا أن خالد بن دريك لم يسمع من أبي الدرداء، ولم يدركه.","vol":"6","page":408},{"text":"١٩٩٨ - وروى الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط عَن عَمْرو بن قيس الْكِنْدِيّ قَالَ أَنا مَعَ أبي الدَّرْدَاء منصرفين من الصائفة فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اجْتَمعُوا سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرم الله سَائِر جسده على النَار (^١).\nقَوْله من الصائفة أَي من غَزْوَة الصائفة وَهِي غَزْوَة الرّوم سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يغزونهم فِي الصَّيف خوفًا من الْبرد والثلج فِي الشتَاء.\nقوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يجمع الله ﷿ في جوف عبد غبارا في سبيل الله ودخان جهنم\" تقدم ذكره.\nقوله: \"ومن اغبرت قدماه في سبيل الله\" يعني: جميع الطرق الموصلة إلى الله وهي طاعته \"باعد الله منه النار يوم القيامة مسيرة ألف عام\" ومعنى المباعدة من النار: المعافاة منها.\nفائدة [محل هذه الفائدة تقدم في الحديث الذي سبق فيه ذكر السيد الجليل عبد الله بن المبارك - نفعنا الله به -]: قال عبد الله بن محمد قاضي نصيبين: حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وأرسلها معي إلى الفضيل بن عياض (^٢) في\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٥٥٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٦)، وفيه صدقة بن موسى الدقيقي، ضعفه الجمهور، ووثقه مسلم بن إبراهيم.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٩٣).","vol":"6","page":409},{"text":"سنة سبع وسبعين ومائة وكان عبد الله يفضل الجهاد على الانقطاع للعبادة، والفضيل يرى عكس ذلك، وهذه الأبيات ستذكر بكمالها ونذكر منها ما يتعلق بهذا الحديث:\nيَا عَابِدَ الحَرَمِيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا ... لَعَلِمْتَ أنَّكَ فِي العِبَادَةِ تَلْعَبُ\nرِيْحُ العَبيْرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيْرُنَا ... رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغبارُ الأطْيَبُ\nوَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا ... قَوْلٌ صَحِيْحٌ صَادِقٌ لا يُكْذَبُ\nلَا يَسْتَوِي وَغُبَارُ خَيْلِ اللهِ فِي ... أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلهبُ\nهَذَا كتَابُ اللهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا ... لَيْسَ الشَّهِيْدُ بِمَيِّتٍ لَا يُكْذَبُ\nوكان عبد الله بن المبارك فرد زمانه، وكان يقال: هو أمير المؤمنين في كل شيء، قرأ القرآن على أبي عمرو بن العلاء وجالس أبا حنيفة في الفقه، وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَطْلَبَ لِلْعِلْمِ مِنِ ابْنِ المُبَارَكِ، وَهُوَ فِي المُحَدِّثِيْنَ مِثْلُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ فِي النَّاسِ. وقَالَ نُعَيْمُ بن حَمَّادٍ: قَالَ رَجُل لابْنِ المُبَارَكِ: قرأت القرآن البارحة في ركعة، فقال: لكنّي أعرف رجلا لم يزل البارحة يردد ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (^١) إلى الصُّبْح ما قدِر أن يتجاوزها، يعني نفسه. أ. هـ قاله في الديباجة (^٢).\nقوله: \"ومن جرح جراحة في سبيل الله ختم له بخاتم الشهداء له نور يوم القيامة\" إلى قوله: \"يقولون فلان عليه طابع الشهداء\" والطابع بالطاء المهملة\n_________\n(^١) سورة التكاثر، الآية:١.\n(^٢) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٩٧). وفي تاريخ الإسلام (٤/ ٨٨٢).","vol":"6","page":410},{"text":"وبعد الألف باء موحدة مفتوحة هو: الخاتم يختم به على الشيء وكسر الباء لغة فيه.\nقوله - ﷺ -: \"ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة\" فواق الناقة بضم الفاء وفتحها هو ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، ومنه الحديث: \"عبادة المريض قدر فواق الناقة\"، قال الزمخشري (^١): وسمي فواقا لأن اللبن ينزل فيه من فوق الضرع إلى أسفله، أ. هـ، وقيل: ما بين الشخبتين والله أعلم.\n\n١٩٩٩ - وَعَن ربيع بن زِيَاد - ﵁ -: أَنه قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله - ﷺ - يسير إِذا هُوَ بِغُلَام من قُرَيْش معتزل من الطَّرِيق يسير فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَليْسَ ذَاك فلَان قَالُوا بلَى قَالَ فَادعوهُ فَدَعوهُ قَالَ مَا بالك اعتزلت الطَّرِيق قَالَ يَا رَسُول الله كرهت الْغبار قَالَ فَلَا تعتزله فوالذي نفس مُحَمَّد بيَدِهِ إِنَّه لذريرة الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (^٢).\nقوله: وعن ربيع بن زياد [وقيل: ربيعة بن زيد. وقيل: ابن يزيد السلمي. روى عنه أبو كرز وبرة قال البغوي: لا أدري له صحبة أم لا؟ وجعله أبو داود والنسائي من التابعين].\nقوله: قال: يا رسول الله كرهت الغبار قال: \"فلا تعتزله فوالذي نفس\n_________\n(^١) الفائق في غريب الحديث (٣/ ١٤٦).\n(^٢) أبو داود (٣٠٥)، والنسائي في الكبرى (٨٨١٩)، والطبراني في الكبير (٤٦٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٧)، ورجاله ثقات.","vol":"6","page":411},{"text":"محمد بيده إنه لذريرة الجنة\" الذريرة بالذال المعجمة وهي فتات قصب طيب يجاء به من الهند، خرج ابن عساكر بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول لله - ﷺ -: \"الغبار في سبيل الله اسفار الوجوه يوم القيامة\" قال ابن النحاس - عفا الله عنه - لما كانت الوجوه يوم القيامة منها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ (^١) أمن الله الوجه الذي علاه الغبار في سبيل الله من غبره ذلك اليوم وزاده على ذلك أن جعله مسفرا ضاحكا مستبشرا والله ذو الفضل العظيم، أ. هـ.\nوفي حديث مكحول أنه كره التلثم من الغبار في الغزو، أي: سد الفم باللثام وهو ثوب يتقنع به وإنما كرهه رغبة في زيادة الثواب بما يناله من الغبار في سبيل الله قاله في النهاية (^٢)، وحكي ابن يونس الصقلي في كتاب الجامع لمسائل المدونة عن مكحول أنه كره التلثم في سبيل الله يعني من أجل الغبار، قال - عفا الله عنه - وينبغي أن يكون مكروهًا عند غيره أيضًا لما ورد من النهي عن التلثم والترغيب في الغبار وفضله، وقد كره جماعة من العلماء السواك للصائم بعد الزوال لا لنهي ورد فيه ولكن لإزالة الخلوف الذي هو أحب إلى الله من ريح المسك فكراهة التلثم للاحتراز من الغبار أولى لأن السواك من أجل السنن وآكدها وقد صار مكروها لإزالة ذلك الأثر المرغب فيه، فلم لا يُكره التلثم الذي ليس بمسنون ولا مستحب ككونه\n_________\n(^١) سورة عبس، الآيات: ٣٨ - ٤١.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٣١).","vol":"6","page":412},{"text":"يمنع الغبار الذي هو سبب التحريم على النار، وقد نهى عنه هذا مما لا ينبغي أن يكون في كراهته خلاف والله أعلم.\n\n٢٠٠٠ - وَعَن أبي المصبح المقرائي - ﵁ - قَالَ بَيْنَمَا نَحن نسير بِأَرْض الرّوم فِي طَائِفَة عَلَيْهَا مَالك بن عبد الله الْخَثْعَمِي إِذْ مر مَالك بجابر بن عبد الله - ﵄ -. وَهُوَ يَقُود بغلا لَهُ فَقَالَ لَهُ مَالك أَي أَبَا عبد الله اركب فقد حملك الله فَقَالَ جَابر أصلح دَابَّتي وأستغني عَن قومِي وَسمعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرمه الله على النَّار فَسَار حَتَّى إِذا كَانَ حَيْثُ يسمعهُ الصَّوْت نَادَى بِأَعْلَى صَوته يَا أَبَا عبد الله اركب فقد حملك الله فَعرف جَابر الَّذِي يُرِيد فَقَالَ أصلح دَابَّتي وأستغني عَن قومِي وَسمعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرمه الله على النَّار فتواثب النَّاس عَن دوابهم فَمَا رَأَيْت يَوْمًا أَكثر مَاشِيا مِنْهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٢٠٠١ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَنه قَالَ عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى قَالَ بَينا نَحن نسير فَذكره بِنَحْوِهِ وَقَالَ فِيهِ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا اغبرت قدما عبد فِي سَبِيل الله إِلَّا حرم الله عَلَيْهِمَا النَّار فَنزل مَالك وَنزل النَّاس يَمْشُونَ فَمَا رئي يَوْمًا أَكثر مَاشِيا مِنْهُ (^٢).\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٦٠٤)، وابن المبارك في الجهاد (٣٢)، والطيالسي (١٨٨١)، والبيهقي (٩/ ١٦٢).\n(^٢) أبو يعلى (٩٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٦)، ورجاله ثقات.","vol":"6","page":413},{"text":"المصبح بِضَم الْمِيم وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة.\nوالمقرائي بِضَم الْمِيم وَقيل بِفَتْحِهَا وَالضَّم أشهر وبسكون الْقَاف بعْدهَا رَاء وَألف ممدودة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة بِدِمَشْق.\nقوله: وعن أبي المصبح المقرأي، المصبح: قال المنذري: بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة، أ. هـ وقال غيره: بضم الميم وتشديد الباء الموحدة وكسرها، والمقرأى بضم الميم وقيل بفتحها والضم أشهر وسكون القاف بعدها راء وألف ممدودة نسبة إلى قرية بدمشق، أ. هـ وقال غيره: نسبة إلى مقرأ قرية بدمشق في ذيل جبل قاسيون، قاله ابن النحاس.\nقوله: بينما نحن نسير بأرض الروم في طائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي، الحديث، الروم: بنو الأصفر، وسموا به لأن جيشا من الحبشة غلبوهم على ناحيتهم في وقت فوطئ أي الجيش نساءهم فولدت أولادا صفرا بين سواد الحبشة وبياض الروم، وقيل: نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، أ. هـ؟ قال ابن النحاس: مالك بن عبد الله الخثعمي هذا صحابي مشهور يعرف تلك السرايا لأنه كان كثير الغزو، وقاد سرايا الطوائف في سبيل الله تعالى أربعين سنة.\n\n٢٠٠٢ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا خالط قلب امرئ رهج فِي سَبِيل الله إِلَّا حرم الله عَلَيْهِ النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n_________\n(^١) أحمد (٢٤٥٤٨)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٢٢)، والطبراني في الأوسط (٩٤١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٥)، رواه أحمد والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦١٦).","vol":"6","page":414},{"text":"الرهج بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْهَاء وَقيل بِفَتْحِهَا هُوَ مَا يداخل بَاطِن الإِنْسَان من الْخَوْف والجزع وَنَحْوه.\nقوله: وعن عائشة تقدم الكلام على عائشة.\nقوله - ﷺ -: \"ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار\" الرهج: هو ما بدا من باطن الإنسان من الخوف والجزع ونحوها. هـ، قاله المنذري، وقال بعض العلماء: الرهج الغبار.\nقوله: حديث آخر: \"من دخل جوفه الرهج لم يدخله حر النار\"أ. هـ.\n\n٢٠٠٣ - وَرُوِيَ عَن سلمَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا رجف قلب الْمُؤمن فِي سَبِيل الله تحاتت عَنهُ خطاياه كَمَا يتحات عذق النَّخْلَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).\nالعذق بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الذال الْمُعْجَمَة بعْدهَا قَاف هُوَ القنو وَهُوَ المُرَاد هُنَا وبفتح الْعين النَّخْلَة.\n\n٢٠٠٤ - وَعَن أم مَالك البهزية - ﵂ - قَالَت ذكر رَسُول الله - ﷺ - فتْنَة فقربها قَالَت قلت يَا رَسُول الله من خير النَّاس فِيهَا قَالَ رجل فِي مَاشِيَة يُؤَدِّي حَقّهَا ويعبد ربه وَرجل أَخذ بِرَأْس فرسه يخيف الْعَدو ويخيفونه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٦٠٨٦)، وفي الأوسط (٨٣٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٦)، وفيه عمرو بن الحصين، وهو ضعيف. وقال الألباني موضوع في ضعيف الجامع (٥١٨).","vol":"6","page":415},{"text":"رجل عَن طَاوس عَن أم مَالك وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَتقدم (^١).\nقوله: وعن سلمان تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا رجف قلب المؤمن في سبيل الله تحاتت عنه خطاياه كما تتحات عذق النخلة\" قال المنذري: العذق بكسر العين المهملة وإسكان الذال المعجمة بعدها قاف هو القنو وهو المراد هنا وبفتح العين النخلة.\n_________\n(^١) الترمذي (٢١٧٧). تقدم.","vol":"6","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>الترغيب في سؤال الشهادة في سبيل الله</span>\n٢٠٠٥ - عَن سهل بن حنيف - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من سَأل الله الشَّهَادَة بِصدق بلغه الله منَازِل الشُّهَدَاء وَإِن مَاتَ على فرَاشه رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيُّ ابْن مَاجَه (^١).\n\n٢٠٠٦ - وَعَن أنس - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من طلب الشَّهَادَة صَادِقا أعطيها وَلَو لم تصبه رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\nقوله: عن سهل بن حنيف، كنيته: أبو ثابت ويقال: أبو سعيد ويقال أبو الوليد سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة الأنصاري المدني، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، روى له عن النبي - ﷺ - أربعون حديثًا، توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه علي بن أبي طالب.\nقوله - ﷺ -: \"من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه\" وفي حديث أنس بعده: \"من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه\" الحديث، أي: لم تقدر له ولم تنله، وقوله: \"أعطيها\" أي: أعطي\n_________\n(^١) مسلم (١٩٠٩)، وأبو داود (١٥٢٠)، والترمذي (١٦٥٣)، وابن ماجه (٢٧٩٧)، وابن حبان (٣١٩٢)، والطبراني في الكبير (٥٥٥٠)، والحاكم (٢/ ٧٧).\n(^٢) مسلم (١٩٠٨)، والحاكم (٢/ ٧٧).","vol":"6","page":417},{"text":"أجرها، قال النووي (^١): معنى الحديث أنه إذا سأل الشهادة يعني أن يقتل شهيدا في سبيل الله بصدق وأعطي ثواب الشهداء وإن مات على فراشه ففيه استحباب طلب الشهادة واستحباب نية الخير ولهذا وضعه مسلم في صحيحه بعد حديث: \"الأعمال بالنيات\".\n\n٢٠٠٧ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من قَاتل فِي سَبِيل الله فوَاق نَاقَة فقد وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن سَأل الله الْقَتْل من نَفسه صَادِقا ثمَّ مَاتَ أَو قتل فَإِن لَهُ أجر شَهِيد وَمن جرح جرحا فِي سَبِيل الله أَو نكب نكبة فَإِنَّهَا تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كأغزر مَا كَانَت لَوْنهَا لون الزَّعْفَرَان وريحها ريح الْمسك فَذكر الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائيُّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ وَمن سَأل الله الشَّهَادَة مخلصا أعطَاهُ الله أجر شَهِيد وَإِن مَاتَ على فرَاشه وَرَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\nفوَاق النَّاقة بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الْوَاو هُوَ مَا بَين رفع يدك عَن الضَّرع حَال الْحَلب ووضعها وَقيل هُوَ مَا بَين الحلبتين.\nقوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٧).\n(^٢) أبو داود (٢٥٤١)، والترمذي (١٦٥٧)، وابن ماجه (٢٧٩٢)، وابن حبان (٣١٨٥)، وأحمد (٢٢٠١٤)، والحاكم (٢/ ٧٧)، وقال: صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤١٦).","vol":"6","page":418},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة\" قد ذكره الحافظ (^١)، وتقدم أيضًا تفسيره.\nقوله: \"ومن سأل الله القتل من نفسه صادقًا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد\" تقدم في الحديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران\" الجرح بفتح الجيم على المصدر لا غير، قال الأزهري: فأما الجرح بالضم الاسم، قال المنذري: وأكثر ما يقرأ هذا بالضم كما ذكره في الحواشي، والنكبة سيأتي الكلام علها قريبا، والغزارة الكثرة يقال: غزر الشي بالضم يغزر فهو غزير إذا كثر والله أعلم.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٤٣).","vol":"6","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه</span>\n٢٠٠٨ - عَن عقبَة بن عَامر - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ على الْمِنْبَر يَقُول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (^١) أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٢).\nقوله: وعن عقبة بن عامر، تقدم الكلام عليه.\nقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (^٣) ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي\" قد ذهب بعض العلماء إلى إيجابه لهذه الآية الشريفة لأن المراد بالقوة الرمي، والحديث الذي فيه \"ألا إن القوة الرمي\" ثلاث مرات، رواه مسلم، وقد روى هذا الحديث أبو عوانة في صحيحه، وبوب عليه باب الترغيب في الرمي وإيجابه على المسلم، والدليل على أنه من اللهو المباح، وبيان عقاب من تعلم الرمي ثم تركه، ثم ذكر هذا الحديث، وفي هذا الحديث تصريح بأن [هذا هو تفسيرها] ورد لما يحكيه المفسرون من الأقوال سوى هذا، وفي هذا الحديث وفي الأحاديث بعده\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.\n(^٢) مسلم (١٩١٧)، وأبو داود (٢٥١٤)، وابن ماجه (٢٨١٣)، وأحمد (١٧٤٣٢)، وابن حبان (٤٧٠٩).\n(^٣) سورة الأنفال، الآية:٦٠.","vol":"6","page":420},{"text":"فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل اللّه، وكذلك المتابعة وسائر أنواع استعمال السلاح وكذلك المسابقة للخيل وغيرها والمراد بهذا كلّه التمرن على القتال والتدرب والتحدق فيه ورياضة الأعضاء بذلك.\nوفي فتاوي ابن [الصلاح مسألة الرمي] أفضل أو [الضرب بالسيف أجب] الرمي أفضل لأنه أعدة وقوة لأهل طاعة، اللّه تعالى على [أهل معصية اللّه، واستدل بهذا الحديث على [ذلك وبأن رسول اللّه صلى اللّه عليه] وسلم كرر فيه ألا [إن القوة الرمي] ومعنى هذه [الصيغة عند أهل] العلم أن معظم [القوة المأمور بإعدادها] الرمي وهذا [يوجب تفضيل] الرمي على السيف [ثم أورد] رحمه الله تعالى عقبها [مسألة] وهي أنه أيما أفضل [الكرم في طاعة] اللّه أو الشجاعة في طاعة اللّه [أجاب] فقال إن قابلنا بين الكرم المطلق وبين الشجاعة، فالكرم المطلق أرجح وأفضل فإنه يدخل فيه الشجاعة مع سائر أجناس الجود ثم الكرم من صفات الباري سبحانه وتعالي، ولا يوصف تبارك بالشجاعة وإن قابلنا بين الشجاعة على الخصوص وبين الكرم بالمال على الخصوص أو مع ما يلتحق به من المنافع، فالشجاعة أفضل لأنها جود بالنفس والجود بالنفس أقصى غايات الجود (^١)، واللّه أعلم. قاله في الديباجة].\n\n٢٠٠٩ - وَعنهُ - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن اللّه يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاَثة نفر الْجنَّة صانعه يحْتَسب فِي صَنعته الْخَيْر والرامي بِهِ ومنبله وَارْمُوا\n_________\n(^١) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥).","vol":"6","page":421},{"text":"واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا وَمن ترك الرَّمْي بعد مَا علمه رَغْبَة عَنهُ فَإِنَّهَا نعْمَة تَركَهَا أَو قَالَ كفرها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْحَاكِم وَغَيرهَا (^١).\n\n٢٠١٠ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن اللّه ﷿ يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة صانعه الَّذِي يحْتَسب فِي صَنعته الْخَيْر وَالَّذِي يُجهز بِهِ فِي سَبِيل اللّه وَالَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيل اللّه (^٢).\nمنبله بِضَم الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة.\nقَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ الَّذِي يناول الرَّامِي النبل وَهُوَ يكون على وَجْهَيْن أَحدهمَا يقوم بِجنب الرَّامِي أَو خَلفه يناوله النبل وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى يَرْمِي وَالآخر أَن يرد عَلَيْهِ النبل المرمي بِهِ ويروى والممد بِهِ وَأي الْأَمريْنِ فعل فَهُوَ ممد بِهِ انْتهى (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله منبله أَي الَّذِي يُعْطِيهِ للمجاهد ويجهز بِهِ من مَاله إمدادا لَهُ وتقوية وَرِوَايَة الْبَيْهَقِيّ تدل على هَذَا.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٥١٣)، والنسائي في الكبرى (٤٣٥٤)، والحاكم (٢/ ٩٥)، وقال الألباني ضعيف، دون قوله: ومن ترك الرمي، فصحيح، ضعيف سنن أبي داود (٥٤٠)، وصحيح الجامع (٦١٤٢).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٣٠١).\n(^٣) شرح السنة، للبغوي (٥/ ٥٢٨).","vol":"6","page":422},{"text":"قوله: وعنه أيضًا تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن اللّه يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله\"، قوله \"ومنبله\" قد ضبطه المنذري في الترغيب بضم الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحّدة، وضبطه في التنقيح نقلًا عن المنذري أيضًا بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحّدة وكسرها، وهذا رأيتُ أكثر العُلماء نحوا إليه، يقال: نبلت الرجل بالتشديد وكذا أنبلته إذا ناولته النبل، أ. هـ؛ قال البغوي في شرح السنة (^١): والمنبل هو الذي يناول الرامي النبل وهو يكون على وجهين [أحدهما] يقوم بجنب الرامي أو خلفه يناوله النبل واحدًا بعد واحد حتى يرمي، والوجه الآخر: أن يرد عليه النبل المرمي به والممد به، وأي الأمرين فعل فهو سعد به، ومما يؤيد ما ذكره البغوي (^٢) ما رواه الحاكم وغيره عن عامر بن سعد عن أبيه مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أنه قال يوم أحد \"إنبوا سعدًا، ارم يا سعد رمى اللّه لك فداك أبي وأمي\" قال الحاكم: صحيح على شرطهما، ومعنى قوله: \"إنبلوا سعدًا\" أي: ناولوه النبل، والنبل: قال الجوهري (^٣) وغيره هي السماع العربية وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وقد يجمعوها على نبال وأنبال، أ. هـ.\nوقال الهروي: وإذا أراد الواحد قالوا نشابة أو سهم، أ. هـ، وقال غير الجوهري: والنبل السهام العربية وهي لطاف ليست بطوال كسهام النشاب\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي (١٠/ ٣٧٠).\n(^٢) شرح السنة للبغوي (١٠/ ٣٧٧).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ١٨٢٣).","vol":"6","page":423},{"text":"والحسان أصغر من النبل وهي التي يرمي بها عن القسي الكبار في مجاري من خشب، وذكر الرافعي والنووي (^١) وصاحب المغني وغيرهم: أن سهام القوس الأعجمية هي المسماة بالنشاب وأن سهام العربية هي التي تسمي نبلا بالقوس العربية تنقسم على أنواع كثيرة منها الحجازية والواسطية وغيرهما، والقوس العربية: اسم جامع لها وإنما سميت عربية لأن أبا العرب وهو إسماعيل صلوات اللّه وسلامه عليه كان الأصل في رمي العرب، أ. هـ، قال الحافظ ﵀ (^٢): ويحتمل أن يكون المراد بقوله \"ومنبله\" أي: الذي يعطيه المجاهد ويجهزه به من ماله إمدادًا له وتقوية، ورواية البيهقي المذكورة في الكتاب تدل على هذا، أ. هـ، وقال في التنقيح: الظاهر أن الضمير في منبله عائد إلى الرامي واللّه أعلم.\n\n٢٠١١ - وَعَن سَلمَة بن الْأَكْوَع - ﵁ - قَالَ مرَّ النَّبِيّ - ﷺ - على قوم ينتصلون فَقَالَ ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كانَ راميا ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان فَأمْسك أحد الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِم فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا لكم لَا ترمون قَالُوا كيفَ نرمي وَأَنت مَعَهم قَالَ النَّبِيّ - ﷺ - ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٥).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٦).\n(^٣) البخاري (٢٨٩٩)، وأحمد (١٦٥٢٨)، وابن حبان (٤٦٩٣)، والطبراني في الكبير (٦٢٩٢)، وابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٤١٧)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٢٠١٨).","vol":"6","page":424},{"text":"وَالدَّارَقُطْنِيّ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ ارموا وَأَنا مَعَ بني الأدرع فَأمْسك الْقَوْم وَقَالُوا من كنت مَعَه فَأنى يغلب قَالَ ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ فرموا عَامَّة يومهم فَلم يفضل أحدهم الآخر أَو قَالَ فَلم يسْبق أحدهم الآخر أَو كَمَا قَالَ (^١).\nقوله: وعن سلمة بن الأكوع [هو أبو مسلم، ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد اللّه بن قشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم الأسلمى.\nشهد بيعة الرضوان بالحديبية، وبايع رسول اللّه - ﷺ - يومئذ ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وكان شجاعا، راميا، محسنا، خيرا، فاضلا، غزا مع رسول اللّه - ﷺ - سبع غزوات، ويقال: شهد غزوة مؤتة.\nروى له عن رسول اللّه - ﷺ - سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة. روى عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون، وكان يسكن المدينة، فلما قتل عثمان خرج إلى الربذة فسكنها، وتزوج هناك وولد له، فلم يزل بها حتى كان قبل وفاته بليال عاد إلى المدينة فتوفى بها سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، وكان يصفر رأسه ولحيته. قال ابن إياس: ما كذب أبي قط.\nوفى صحيح البخاري أحاديث ثلاثيات يرويها البخاري، عن المكى بن إبراهيم، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة، ﵁، عن النبي - ﷺ -. وثبت في الصحيح أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"خير رجالتنا سلمة بن الأكوع\"،\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٩٤)، والبيهقي (١٠/ ١٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٧١).","vol":"6","page":425},{"text":"قاله في غزوة ذي قرد لما استنقذ لقاح رسول اللّه - ﷺ - من العدو الذين أغاروا عليها وهزمهم وحده (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"على قوم ينتضلون\" بالضاد المعجمة أي: يرمون بالسهام [والنضال] الرمي مع الأصحاب يقال: انتضل القوم وتناضلوا أي رموا للسبق وناضله إذا رماه، وفلان يناضل عن فلان إذا رمى عنه وحاجج وتكلم بعذره ودفع عنه ومنه في شعر أبي طالب:\nكذبتم وبيت اللّه نبري محمدًا ... ولما نطاعن دونه ونناضل\nقاله صاحب المغيث، قال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: وفي هذا الحديث دليل على استحباب التعصيب للرماة تقوية لقلوبهم وزيادة لنشاطهم وترغيبا لهم وتحريضا بشرط أن يكون القصد في ذلك حسنا اقتداء بفعل رسول اللّه - ﷺ - لا لتعصيب أهل هذا الزمان بالبواعث النفسانية والأهوية الشيطانية التي يتولد منها الحقود وينتج عنها الضغائن كما يشهد به العيان من أحوالهم، فإن ذلك التعصيب حرام لما ينشأ عنه واللّه أعلم، ويقاس على ذلك اللعب بالسيوف والرماح والعصى ونحوها من آلات الحرب، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: فقال: \"ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكم كَانَ راميا\" وبني إسماعيل منادي، وأباهم هو إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه وسلامه عليهما وهو أبو العرب، قال الخطابي (^٢) فيه: فيه دليل على أن أهل اليمن ولد [إسماعيل].\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٩ ترجمة ٢٢١).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٢٤٢).","vol":"6","page":426},{"text":"قوله: \"ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان فَأمْسك أحد الْفَرِيقَيْنِ\" إلى قوله [- ﷺ -] \"وَأَنت مَعَهم\" الحديث، أي: لا نقاوم [وأنت] معهم، فإن قلت: كيف كان رسول اللّه - ﷺ - مع الفريقين وأحدهما غالب والآخر [مغلوب]؟ قلت: المراد منه معية القصد على الخير وإصلاح النية والتدن فيه إلى القتال.\nفائدة: واعلم أن المسابقة والمناضلة إذا كان المال فيهما من جهة الإمام أو [من جهة واحد من] عرض الناس وشرط للسابق من الناس أو للمناضل من الراميين مالا معلوما فجائز وإذا سبق أو نضل استحق ذلك المال وإن كان من جهة أحدهما وقال لصاحبه إن سبقتني أو نضلتني بكذا فلك علي كذا، وإن سبقتك أو نضلتك فلا شيء لي عليك فهو جائز أيضًا فإذا سبق أو نضل المشروط له استحق وإن كان المال من جهة كلّ واحد منهما، فإن قال لصاحبه إن نضلتك أو سبقتك فلي عليك كذا وإن سبقتني أو نضلتني فلك علي كذا فهذا لا يجوز إلا بمال يدخل بينهما (^١)، أ. هـ قاله في الإلمام.\n\n٢٠١٢ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - رَفعه قَالَ عَلَيْكُم بِالرَّمْي فَإِنَّهُ خير أَو من خير لهوكم رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَقَالَ فَإِنَّهُ من خير لعبكم وإسنادهما جيد قوي (^٢).\n_________\n(^١) شرح السنة (١٠/ ٣٩٤ - ٣٩٥).\n(^٢) البزار (١٧٠١)، والطبراني في الأوسط (٢٠٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٨)، ورجال البزار رجال الصحيح، خلا حاتم بن الليث وهو ثقة، كذلك رجال الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٦٥، ٤٠٦٦).","vol":"6","page":427},{"text":"قوله: وعن سعد بن أبي وقَّاص (^١)، هو أحد العشرة كنيته أبو إسحاق هو سعد بن مالك بن وهيب، ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري المكي المدني وهو من العشرة الذين توفي رسول اللّه - ﷺ - وهو عنهم راض وكان يقال له فارس الإسلام، وكان مجاب الدعوة، وهو الذي فتح المدائن مدائن كسرى واستعمله عمر بن الخطاب على الجيوش التي بعثها لقتال الفرس وهو القرشي الكوفي، وولاه عمر بن الخطاب العراق وأسلم قديما بعد أربعة، وقيل: ستة، وهو ابن سبع عشرة سنة، هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول اللّه - ﷺ - إليها، شهد بدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد كلها مع رسول اللّه - ﷺ -، روى له عن رسول اللّه مائتان وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمس عشرة، وانفرد البخاري ومسلم بثمانية عشر حديثًا، واختلفوا في وفاته، فحكي ابن سعد عن الواقدي بإسناده عن عائشة بنت سعد قالت: مات أبي بالعقيق في قصره على عشرة أميال من المدينة، وقيل: سبعة على أعناق الرجال إلى البقيع، وصلى عليه مروان وهو والي المدينة يومئذ، وذلك في سنة خمس وخمسين، وكان يوم مات - ﵁ - ابن بضع وسبعين سنة، قال الواقدي: وهذا أثبت ما قيل في وفاته، وقيل: غير ذلك، قال علماء السير: وكان لسعد بن أبي وقَّاص أربعون\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد: ٣/ ١/ ٩٧ - ١٠٥، التاريخ الكبير: ٤/ ٤٣، حلية الأولياء: ١/ ٩٢ - ٩٥، الاستيعاب: ٤/ ١٧٠ - ١٧٧، تاريخ بغداد: ١/ ١٤٤ - ١٤٦، تاريخ ابن عساكر: ٧/ ٦٦/ ٢، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢١٣ - ٢١٤، تهذيب الكمال: ٤٧٨، تهذيب التهذيب: ٣/ ٤٨٣، الإصابة: ٤/ ١٦٠ - ١٦٤.","vol":"6","page":428},{"text":"ولدًا ما بين ذكر وأنثي، وقيل: أربعة وخمسون ولدًا، واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"عليكم بالرمي فإنه من خير لهوكم\" الحديث، ذهب مالك - ﵀ - إلى أن تعلم ركوب الخيل والسبق بها أفضل من تعلم الرمي والنضال به، كذا حكاه عنه أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (^١) وابن كثير الحافظ الدمشقي في تفسيره، وذهب جمهور العُلماء إلى أن تعلم الرمي والنضال أفضل من تعلم ركوب الخيل والسبق بها لقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"وارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلى من أن تركبوا\" (^٢) وهو دليل واضح، وقال بعض العُلماء المتأخرين: لا شك أن كلّ واحد من الرمي والركوب لا تتم الفروسية إلا بمجموعهما، فالرمي [مع] بعد العدو أنفع، والكر والفر عند الاختلاط أنفع، والأفضل منهما ما كان أنكى في العدو وأنفع للجيش، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص ومقتضى الحال واللّه أعلم، قاله ابن النحاس (^٣).\n\n٢٠١٣ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ من مَشى بَين الغرضين كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة حَسَنَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٤).\nقوله: وعن أبي الدرداء، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) التمهيد (١٨/ ٣٤١).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٥١٣) وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود - الأم (٤٣٣).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٤٦٤).\n(^٤) الطبراني، كما في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه عثمان بن مطر وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٥٨).","vol":"6","page":429},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة\" الحديث، الغرض بفتح الغين المعجمة والراء جميعا بعدهما ضاد معجمة هو ما تقصده الرماة بالإصابة، أ. هـ، قاله المنذري، وقال غيره: هو ما ينصب في [الهدف] من قرطاس أو جلد ونحوه ثم تقصده الرماة بالإصابة.\nواعلم أن العُلماء قد نصوا على أنه يستحب أن يكون الرمي بين غرضين متقابلين يرمي المتناضلان من عند أحدهما إلى الآخر ثم يأتيان التاني ويلتقطان السهام ويرميان إلى الأول، قال صاحب المغني: السنة أن يكون لهما غرضان لأن هذا كان فعل أصحاب رسول اللّه - ﷺ -، وقد روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة\" (^١) قاله ابن النحاس (^٢) - عفا اللّه عنه -.\n\n٢٠١٤ - وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ رَأَيْت جَابر بن عبد اللّه وَجَابِر بن عُمَيْر الْأَنْصَارِيِّ - ﵃ - يرتميان فمل أَحدهمَا فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ الآخر كسلت سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول كلّ شَيْء لَيْسَ من ذكر اللّه ﷿ فَهُوَ لَهو أَو\n_________\n(^١) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (١٢١٢) عن مطهر بن الهيثم، عن، عنبسه الحذاء، عن مكحول، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: تعلموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة. قال ابن حجر في التلخيص ٤/ ٣٠٢: لم أجده هكذا إلا عند صاحب مسند الفردوس من جهة ابن أبي الدنيا بإسناده، عن مكحول، عن أبي هريرة رفعه: \"تعلموا الرمي، فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة\". وإسناده ضعيف مع انقطاعه.\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٤٤٩).","vol":"6","page":430},{"text":"سَهْو إِلَّا أَربع خِصَال مشي الرجل بَين الغرضين وتأديبه فرسه وملاعبته أَهله وَتَعْلِيم السباحة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد (^١).\nالْغَرَض بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالرَّاء بعدهمَا ضاد مُعْجمَة هُوَ مَا يَقْصِدهُ الرُمَاة بالإصابة.\nقوله: وعن عطاء بن رباح، واسم أبي رباح أسلم وكنيته عطاء أبو محمد المكي القرشي، مولى أبي خثيم القرشي الفهري، وعطاء معدود في كبار التابعين، ولد في خلافة عثمان بن عفان، ونشأ بمكة، وسمع العبادلة الأربعة: عبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن الزبير، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص، وجماعات آخرين من الصحابة، واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته، توفي بمكة قال الجمهور سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: سبع عشرة.\nقوله - ﷺ -: \"كلّ شيء ليس من ذكر اللّه فهو لهو أو سهوٌ إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة\" والسباحة العوم فاستثناء رسول اللّه - ﷺ - هذه الخلال الأربع لأن كلّ واحدة منها معيته على حق أو ذريعة إليه كما تقدم، ويدخل في ذلك ما كان في معناها، الحديث: \"علموا أولادكم العوم والفراسة\" والفراسة بالفتح ركوب\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٧٨٥)، وفي الأوسط (٨٩٣٩)، والنسائي في الكبرى (٨٩٣٨)، والبزار (١٧٠٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٩)، ورجال الطبراني رجال الصحيح، خلا عبد الوهَّاب بن بخت، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٥٣٤).","vol":"6","page":431},{"text":"الخيل وركضها من الفروسية، وفي الحديث أيضًا: \"علموا صبيانكم العوم\" والعوم السباحة يقال: عام يعوم عوما، في هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة، وإنما استثنى رسول اللّه - ﷺ - هذه الخلال من جملة ما حرّم منها؛ لأنّ كلّ واحدة منها، إذا تأمّلْتها وَجَدْتها مُعينة على حق، أو ذريعة إليه. ويدخل في معناها ما كان من المثاقفة بالسّلاح، والشدّ على الأقدام، ونحوهما، مما يرتاض به الإنسان، فيتوقّح بذلك بدنه، ويتقوّى به على مجالدة العدو.\nفأمّا سائر ما يتلهى به البطّالون من أنواع اللهو، كالنرد والشطرنج، والمزاجلة بالحمام، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حقٍّ، ولا يُستجمُّ به لدرك الواجب فمحظور كلّه] (^١) قاله في الديباجة.\n\n٢٠١٥ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول ستفتح عَلَيْكُم أرضون ويكفيكم اللّه فَلَا يعجز أحدكُم أَن يلهو بأسهمه رَوَاهُ مُسلم وغيره (^٢).\nقوله: وعن عقبة بن عامر، كنيته: أبو حمَّاد، ويقال: أبو سعاد، ويقال أبو أسد، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو الأسود، ويقال: أبو عبس، وهو عقبة بن\n_________\n(^١) قاله ابن القيم في تهذيبه على سنن أبي داود (٣/ ٣٧١)، ونحوه في شرح السنة (١٠/ ٣٨٣) للبغوي.\n(^٢) مسلم (١٩١٨)، وأحمد (١٧٤٣٣)، وأبو يعلى (١٧٤٢)، وابن حبان (٤٦٧٩)، والطبراني في الكبير (٩١٢).","vol":"6","page":432},{"text":"عامر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم اللّه فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه\" الأرضون بفتح الراء على المشهور، وحكي الجوهري (^١) لغة شاذة بإسكانها.\nقوله: \"فلا يعجز\" هو بكسر الجيم على المشهور، وبفتحها في لغة، ومعناه: الندب إلى الرمي، ومعنى الحديث: أن النعمة تتسع عليكم فلا تحتاجون في طلب القوت إلى كد وتعب ويبقى أحدكم لا شغل له فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه أي: يلعب بنباله، والمراد به المراماة، وجاز هذا اللعب لأنه مَعين على قتال العدو واللّه أعلم.\n\n٢٠١٦ - وَعَن أبي نجيح عَمْرو بن عبسة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من بلغ بسَهْم فَهُوَ لَهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة فبلغت يَوْمئِذٍ سِتَّة عشر سَهْما رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي نجيح، واسمه عمرو بن عبسة، هو عمرو بن عبسة [بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين\n_________\n(^١) ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١٠٦٣).\n(^٢) ابن حبان (٤٦١٥)، والحاكم (٢/ ٩٥)، والبيهقي (١٠/ ٢٧٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٢٦).","vol":"6","page":433},{"text":"المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابى الصالح.\nأسلم قديما، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، وأنه قدم على رسول اللّه - ﷺ - مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبي - ﷺ - الإقامة معه بمكة، فقال: \"إنك لا تقدر على ذلك الأن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعتُ بخروجى فأتنى\"، وأنه أتى النبي - ﷺ - بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وحديث هجرته طويل مشتمل على جمل من أنواع العلم والأصول والقواعد، وهو بطوله في صحيح مسلم قبيل صلاة الخوف، وكان أخا أبي ذر لأمه، وقدم المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام.\nروي له عن رسول اللّه - ﷺ - ثمانية وثلاثون حديثًا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفى بها (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَهُوَ لَهُ عدل مُحَرر\" والمحرر المعتق وهو الذي جعل من العبيد حرا فأعتق أي فله أجر معتق، يقال: حر العبد يحر حرارا بالفتح أي صار حرا.\n\n٢٠١٧ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَهُوَ لَهُ عدل مُحَرر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣١ - ٣٢ ترجمة ٤٥٤).\n(^٢) أبو داود (٣٩٦٥)، والترمذي (١٦٣٨)، والحاكم (٢/ ٩٥)، وأحمد (٤/ ١١٣).\nوصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٦٨).","vol":"6","page":434},{"text":"٢٠١٨ - وَعنهُ - ﵁ -: أَيْضًا قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَبلغ بِهِ الْعَدو أَو لم يبلغ كَانَ لَهُ كعتق رَقَبَة وَمن أعتق رَقَبَة مُؤمنَة كَانَت فداءه من النَّار عضوا بعضو رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^١) وأفرد التِّرْمِذِيّ مِنْهُ ذكر الشيب (^٢) وَأَبُو دَاوُد ذكر الْعتْق (^٣).\nوَابْن مَاجَة ذكر الرَّمْي وَلَفظه سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من رمى الْعَدو بِسَهْم فَبلغ سَهْمه أصَاب أَو أَخطَأ فَعدل رَقَبَة (^٤) وروى الْحَاكِم ذكر الرَّمْي فِي حَدِيث وَالْعِتْق فِي آخر (^٥).\nقوله: وعنه أيضًا تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة، وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَبلغ بِهِ الْعَدو أَو لم يبلغ كَانَ لَهُ كعتق رَقَبَة\" الحديث، قال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: وفي حديث عمرو بن عبسة دليل على هذا لأن من لازم عدم البلاغ إلى العدو وعدم الإصابة واللّه أعلم، ففي هذا الحديث دليل واضح على أن من رمى بسهم في سبيل اللّه أعتقه اللّه من النار، وفي رواية: \"ستفتح عليكم أراضي ويكفيكم [اللّه، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه\" أي\n_________\n(^١) النسائي (٦/ ٢٦). وقال الألباني صحيح، في صحيح سنن النسائي.\n(^٢) الترمذي (١٦٣٥)، وقال: حسن صحيح غريب.\n(^٣) أبو داود (٣٩٦٦)، وأحمد (١٩٤٤١).\n(^٤) ابن ماجه (٢٨١٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٦٧).\n(^٥) الحاكم (٣/ ٥٠)، (٢/ ٢١١).","vol":"6","page":435},{"text":"يكفيكم القتال بما فتح عليكم وظهور دينكم\"، وفي حديث آخر: \"ستفتح عليكم الروم\" وأهل الروم غالب حربهم الرمي وأنتم تعلمون الرمي ليمكنكم محاربة أهل الروم، فإذا فتح عليكم الروم فلا تتركوا الرمي وتعلمه بأن تقولوا: لم نكن نحتاج في قتالهم إلى الرمي بل تعلموا الرمي وداوموا عليه فإن الرمي مما يحتاج إليه أبدًا، كان الرمي في العرب قليلا فلذلك حرضهم.\n\n٢٠١٩ - وَعَن كَعْب بن مرّة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من بلغ الْعَدو بِسَهْم رفع اللّه لَهُ دَرَجَة فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن النحام وَمَا الدرجَة يَا رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ أما إِنَّهَا لَيست بِعتبَة أمك مَا بَين الدرجتين مائَة عَام رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nالنحام بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ الْكثير النحم وَهُوَ التنحنح.\n\n٢٠٢٠ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه كَانَ كمن أعتق رَقَبَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن كعب بن مرة، هو: كعب بن مرة [كعب بن مرة، وقيل: مرة بن كعب البهزي، من بهز بن الحارث بن سليم بن منصور له صحبة.\nسكن الأردن من الشام، ومات بها سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة سبع وخمسين (^٣)].\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٦١٦)، وأحمد (١٨٠٦٣).\n(^٢) ابن حبان (٤٦١٤)، وأحمد (١٨٠٦٥).\n(^٣) الاستيعاب ٣/ ١٣٢٦، وتهذيب الكمال (٢٤/ ١٩٦ - ١٩٧ ترجمة ٤٩٨٢).","vol":"6","page":436},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من بلغ العدو بسهم رفع اللّه له درجة\" فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن النحام: وَمَا الدرجَة يَا رَسُول اللّه. والنحام: قد فسره الحافظ (^١) فقال: هو الكثير النحيم وهو التنحنح [وقوله وَمَا الدرجَة يَا رَسُول اللّه - ﷺ -]، قَالَ: \"أما إِنَّهَا لَيست بِعتبَة أمك\" الحديث، العتبة في الأصل: أسكفة الباب، وكل مرقاة من الدرج أي: أنها ليست بالدرجة التي تعرفها في بيت أمك، فقد روى أن ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض.\n\n٢٠٢١ - وَعَن مَعْدان بن أبي طَلْحَة - ﵁ -: قَالَ حاصرنا مَعَ رَسُول اللّه - ﷺ - الطَّائِف فَسَمعته يَقُول من بلغ بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه فَهُوَ لَهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة قَالَ فبلغت يَوْمئِذٍ سِتَّة عشر سَهْما رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن مَعْدان بن أبي طلحة، وهو ثقة، روى له الأربعة، تقدم ذكره في الصلاة مطلقا وكثرة السجود.\nقوله: حاصرنا مع رسول اللّه - ﷺ - الطائف، قال سفيان بن عيينة: آخر غزوة غزاها رسول اللّه - ﷺ - الطائف، وغزوة الطائف في شوال سنة ثمان، سار رسول اللّه - ﷺ - إلى الطائف حين فرغ من حنين ثم مضى حتى نزل قريبًا من الطائف فضرب به عسكره فحاصرهم رسول اللّه - ﷺ - ثمانية عشر يومًا ويقال: خمسة عشر يومًا، وقال ابن إسحاق: بضعا وعشرين ليلة، وروى ابن سعد عن مكحول أن النبي - ﷺ - نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول اللّه - ﷺ - بنفسه كما تقدم قريبًا.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).\n(^٢) ابن حبان (٤٦١٥)، والحاكم (٢/ ٩٥)، والبيهقي (١٥/ ٢٧٢).","vol":"6","page":437},{"text":"٢٠٢٢ - (^١) وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ -: أَنه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورًا يَوْم الْقِيَامَة وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه أَخطَأ أَو أصَاب كَانَ لَهُ بِمثل رَقَبَة من ولد إِسْمَاعِيل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا ثِقَات (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نور يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل اللّه أخطأ أو أصاب كان له بمثل رقبة من ولد إسماعيل\" الحديث، تقدم معناه في الأحاديث قبله.\nقوله: وعن عتبة بن عبد السلمي [هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر. وقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. مات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي].\nقوله - ﷺ - لأصحابه: فرموا فقاتلوا فرمى رجل بسهم، فقال النبي - ﷺ -: \"أوجب هذا\"، قال الحافظ (^٣): أي أوجب لنفسه الجنة بما صنع.\n_________\n(^١) وقع هنا خطأ بالترقيم. (المحقق).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٧٥٥٦)، وعبد الرزاق (٩٥٤٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٠)، رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).","vol":"6","page":438},{"text":"٢٠٢٤ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من رمى رمية فِي سَبِيل اللّه قصر أَو بلغ كَانَ لَهُ مثل أجر أَرْبَعَة أُنَاس من بني إِسْمَاعِيل أعتقهم رَوَاهُ الْبَزَّار عَن شبيب بن بشر عَن أنس (^١).\n\n٢٠٢٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من رمى بسَهْم فِي سَبِيل اللّه كَانَ لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من رمى رمية في سبيل اللّه قصر أو بلغ كان له مثل أربعة أناس من بني إسماعيل أعتقهم\" الحديث، والحكمة في ذكر بني إسماعيل [فلكونهم أفضل أصناف الأمم فإن العرب أفضل الأمم قدرا ورجاحة ووفاء وسماحة وحسبا وشجاعة وفهما وفصاحة وعفة ونزاهة وأنفة ونباهة، ثم أولاد إسماعيل أفضل العرب؛ لمكان النبي - ﷺ - منهم مع ما امتازوا به من كرم الأخلاق وطهارة النسب من سواهم. وقد قيل أن أولاد إسماعيل - ﵇ - لم يجر عليهم الرق قبل الإسلام وذكر بعض أهل المعرفة بأنساب العرب أن ليس من قبائل العرب قبيلة إلا وهي تنتمي إلى إسماعيل من جهة ما غير أربع قبائل ثقيف وسلت وأوزاع والحضرميون].\n_________\n(^١) البزار (١٧٠٦)، والطبراني في الأوسط (١٣٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٠)، رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه شبيب بن بشر، وهو ثقة وفيه ضعف.\n(^٢) البزار (١٧٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٠)، رواه البزار عن شيخه عبد الرحمن بن الفضل بن موفق، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":439},{"text":"قوله: رواه البزار عن شبيب بن بشر عن أنس [شبيب بن بشر، ويقال: ابن عبد اللّه، البجلي، أبو بشر الكوفى وثقه ابن مَعين وقال أبو حاتم: لين الحديث، حديثه حديث الشيوخ. وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"، وقال: يخطئ كثيرًا].\n\n٢٠٢٦ - وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد ابْن حنفية قَالَ رَأَيْت أَبَا عَمْرو الْأَنْصَارِيّ - ﵁ -: وَكَانَ بَدْرِيًّا عقبيا أحديا وَهُوَ صَائِم يتلوى من الْعَطش وَهُوَ يَقُول لغلامه وَيحك ترسني فترسه الْغُلَام حَتَّى نزع بِسَهْم نزعا ضَعِيفا حَتَّى رمى بِثَلَاثَة أسْهم ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل اللّه قصر أَو بلغ كَانَ لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة فَقتل قبل غرُوب الشَّمْس - ﵁ - رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وروى عن محمد بن الحنفية [محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو القاسم، ويقال: أبو عبد اللّه المدني المعروف بابن الحنفية، واسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة ابن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة، وكانت من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر الصديق، وقيل: كانت أمة لبني حنيفة، ولم تكن من أنفسهم، دخل على عمر بن الخطاب.\nوروى عن: عبد اللّه بن عباس، وعثمان بن عفان، وأبيه علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي هريرة.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير، (٢٢/ رقم ٩٥١)، وأبو نعيم في معرف الصحابة (٦٩٠٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٠)، وفيه عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللّه العرزمي، وهو ضعيف.","vol":"6","page":440},{"text":"روى عنه: ابناه إبراهيم بن محمد بن الحنفية، والحسن بن محمد بن الحنفية، وسالم بن أبي الجعد، وابنه عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، وعبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وغيرهم.\nروى عن محمد بن الحنفية، عن علي، قال: قلت: يا رسول اللّه إن ولد لي مولود بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم.\nوقال أحمد بن عبد اللّه العجلي: تابعي، تقة، كان رجلًا صالحا وثلاثة يكنون بأبي القاسم رخص لهم: محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد اللّه.\nوقال إبراهيم بن عبد اللّه بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي عن النبي - ﷺ - أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية (^١)].\nقوله: رَأَيْت أَبَا عَمْرو الْأنْصَارِيّ - ﵁ - وَكَانَ بَدْرِيًّا عقبيا أحديا وَهُوَ صَائِم يتلوى من الْعَطش، فذكر الحديث إلى أن قال: فَقتل قبل غرُوب الشَّمْس - ﵁ -.\nقوله: فترسه الْغُلَام حَتَّى نزع بِسَهْم نزعا ضَعِيفا، وأصل النزع الجذب، فالنزع هو شدة جذب الوتر للرمي، وذكر ابن الذهبي الحافظ في الترهيب عن أبي عبد اللّه الجوزجاني رفيق السيد الجليل إبراهيم بن أدهم قال: غزى إبراهيم بن أدهم في البحر فقدم أصحابنا فأخبروني أنه اختلف في الليلة التي توفي فيها إلى الخلاء خمسا وعشرين مرة كلّ ذلك يجدد الوضوء للصلاة\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٦/ ترجمة ٥٤٨٤).","vol":"6","page":441},{"text":"فلما أحس بالموت قال: أوتروا لي قوسي وقبض على قوسه فقبض اللّه روحه والقوس في يده، قال - عفا اللّه عنه -: ما أراه فعل ذلك إلا رجاء أن يبعثه الله يوم القيامة على الهيئة التي قبض عليها.\n\n٢٠٢٧ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من علم الرَّمْي ثمَّ تَركه فَلَيْسَ منا أَو فقد عصى رَوَاهُ مسلم.\nوَابْن مَاجَة إِلَّا أَنه قَالَ من تعلم الرَّمْي ثمَّ تَركه فقد عَصَانِي (^١).\nقوله: وعن عقبة بن عامر، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من علم الرمي ثم تركه فليس منا\" أي: ليس على طريقتنا ولا سنتنا كما قال النبي - ﷺ -: \"ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية\" و\"من غشنا فليس منا\" وهو ذم بلا شك، وهذا وعيد عظيم في نسيان الرمي بعد تعلمه وهو مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر، وسبب هذا الذم أن هذا الذي تعلم الرمي حصل له أهلية الدفاع عن دين اللّه تعالى والنكاية في العدو فتعين أن يقوم بوظيفة الجهاد، فإذا ترك ذلك حتى يعجز عنه فقد فرط في القيام بما تعين عليه فذم على ذلك وهذا بمثل من تعلم القرآن ثم نسيه.\nقوله - ﷺ -: \"من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني\" الحديث، وقد ذهب جماعة من العُلماء إلى أن ترك الرمي بعد تعلمه من الكبائر للقاعدة المعتمدة عندهم أن كلّ فعل قال فيه النبي - ﷺ - من فعله فليس منا أو فقد عصى أو عصاني وما أشبه\n_________\n(^١) مسلم (١٩١٩)، وابن ماجة (٢٨١٤).","vol":"6","page":442},{"text":"ذلك يكون كبيرة، وتقدم أن أبا عوانة بوب على هذا الحديث باب بيان عقاب من تعلم الرمي تم تركه، وعلى كلّ تقدير فترك الرمي ونسيانه إن لم يكن كبيرة فهي صغيرة تلتحق عند الإصرار على الترك بالكبائر فيجب التنبيه لهذا والمبادرة إلى التوبة منه والإقلاع عن الإصرار عليه وملازمة الرامي الرمي ملازمة لا يعد فاعلها تاركًا واللّه ولي التوفيق.\n\n٢٠٢٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تعلم الرَّمْي ثمَّ نَسيَه فَهِيَ نعْمَة جَحدهَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّئبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط بِإِسْنَاد حسن (^١).\nوَتقدم فِي أول الْبَاب حَدِيث عقبَة بن عَامر وَفِيه وَمن ترك الرَّمْي بعد مَا علمه رَغْبَة عَنهُ فَإِنَّهَا نعْمَة تَركهَا أَو قَالَ كفرها.\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها\" الحديث، اعلم أن الرمي وتعلمه بنية الجهاد في سبيل اللّه وتعليمه والمسابقة به مما ندب إليه النبي - ﷺ - وحض عليه، وقد ورد في ذلك فضائل كثيرة منها: أن اللّه تعالى أمر بالرمي استعدادًا للجهاد في سبيل اللّه تعالى فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (^٢)، ومنها: أن اللّه يدخل بالسهم\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٤١٧٧)، وفي الصغير (٥٣٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٠)، رواه البزار والطبراني في الصغير والأوسط، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري وغيرهما، وضعفه جماعة، وبقة رجاله ثقات.\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ٦٠.","vol":"6","page":443},{"text":"الواحد ثلاثة الجنة صانعه والرامي به والذي يناوله السهم كما تقدم، ومنها: ما رواه مسلم وغيره عن عقبة قال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم اللّه فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه\" كما تقدم، ومنها: ما روى أن تقلد القوس والرمي بها يذهب الهم، ومنها: أن الرمي خير ما يلهو به الرجل كما تقدم، ومنها: أن الرمي وما يذكر معه من الحق المندوب إليه وإن سمي لهوا وليس من اللهو المذموم، ومنها: أن للرامي في مشيه بين الغرضين بكل خطوة حسنة كما تقدم، ومنها: أن من رمى في سبيل اللّه بسهم فبلغ العدو رفعه اللّه درجة، والدرجة مائة عام كما تقدم، ومنها: أن من رمى بسهم في سبيل اللّه فبلغ العدو أو لم يبلغه كان كعتق رقبة كما تقدم، ومنها أن من رمى بسهم في سبيل اللّه وجبت له الجنة كما تقدم، ومنها: أن من رمى بسهم في سبيل اللّه أخطأ أو أصاب كان له كعتق رقبة، ومنها: أن من رمى بسهم في سبيل اللّه كان له نورًا يوم القيامة، ومنها: ما روى أن من اقتنى فرسا عربية نفى اللّه عنه الفقر أربعين سنة، ومنها: ما روى أن رسول اللّه - ﷺ - قرن تعلمه مع تعلم القرآن وناهيك بهذا فضلًا وشرفًا.\nومنها: أن الملائكة لا تحضر شيئًا من اللهو إلا الرمي وما يذكر معه وهو الرهان والمراد بالرهان الرهان في إجراء الخيل على الوجه المشروع والله أعلم.","vol":"6","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>التَّرْغِيب فِي الْجِهَاد فِي سَبِيلِ اللّه تَعَالَى وَمَا جَاءَ فِي فضل الْكَلم فِيهِ وَالدّعَاءِ عِنْد الصَّفّ والقتال</span>\nاعلم أنه لا خفاء أن الإيمان باللّه أفضل الأعمال لأنه الأصل [وهو] الذي لا يصح سواه إلا به، وأما الجهاد في سبيل اللّه ففضائله كثيرة، بينها أنه لا يتمكن من إظهار الإيمان باللّه وإقامة [الدين إلا به] فكان [تاليا] له، واختلف فيه [هل هو أفضل الأعمال أم غيره أفضل فقيل هو أفضل] لمن علم من حاله الشجاعة وأنه يبلي في العدو ما لا يبلي غيره فهو أفضل في حقه من غيره، وأما العاجزون فمنهم من الأفضل له الصلاة ومنهم من الأفضل له بر الوالدين إلى غير ذلك من الأعمال فكل على ما يقتضيه حاله يكون ذلك أفضل بالنسبة إليه، فإن قيل: لم لم يذكر الجهاد في مباني الإسلام؟ قلنا: إنه فرض كفاية يسقط بفعل البعض بخلاف المباني الخمسة بأنها على التعيين وأيضًا فإنها لم تظهر وتتم إلا بالجهاد فإنها من أركانها ووسيلة إليه نعم إن تعين الجهاد، قال القرطبي كما في هذه الأزمان فهو أفضل من جميع العبادات العملية، وأما إذا لم يتعين فحينئذ تكون الصلاة أفضل منه كما في حديث أبي ذر لما سئل عن أفضل الأعمال فقال: \"الصلاة على وقتها\" وكذلك العلم كما نقله في شرح الهداية وغيرها، أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\n\n٢٠٢٩ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: سُئِلَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَي الْعَمَل أفضل قَالَ إِيمَان بِاللّه وَرَسُوله قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ حج","vol":"6","page":445},{"text":"مبرور رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nوَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أفضل الأعْمَال عِنْد اللّه إِيمَانٌ لا شكّ فِيهِ وغزوٌ لا غلُول فِيهِ وَحج مبرور (^٢).\n\n٢٠٣٠ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ -: قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه أَي الأعْمَال أفضل قَالَ الإِيمَان بِاللّه وَالْجهَاد فِي سَبِيل اللّه الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: سئل رسول اللّه - ﷺ - أي العمل أفضل؟ قال: \"إيمان باللّه ورسوله\" قيل: ثم ماذا؟ قال: \"الجهاد في سبيل اللّه\" قيل: ثم ماذا؟ قال: \"حج مبرور\"، وفي رواية ابن خزيمة في صحيحه قال رسول اللّه - ﷺ -: \"أفضل الأعمال عند اللّه إيمان لا شك فيه وغزو لا غلول فيه وحج مبرور\" الحديث، هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين، أحدهما: الإيمان باللّه ورسوله وهو التصديق الجازم باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما فسر النبي - ﷺ - الإيمان بذلك في حديث جبريل المطول، الثاني: الجهاد في سبيل اللّه، وقد تقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أول كتاب الحج مما يدلّ على فضل الجهاد على الحج ما جاء عن عمرو بن الأسود قال: قال عمر\n_________\n(^١) البخاري (٢٦)، ومسلم (١٣٥)، والترمذي (١٦٥٨)، وأحمد (٧٥٩٠).\n(^٢) أحمد (٧٥١١)، والطيالسي (٢٥١٨)، وابن حبان (٤٥٩٧)، والبخاري في خلق أفعال العباد (١٥١).\n(^٣) البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤)، وابن حبان (٤٣١٠)، وأحمد (٢١٣٣١).","vol":"6","page":446},{"text":"- ﵁ -: عليكم بالحج فإنه عمل صالح أمر اللّه به والجهاد أفضل منه، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، قال - عفا اللّه عنه - في هذا الحديث والأحاديث قبله أن الجهاد مطلقا أفضل من الحج مطلقا، وقد جاء في أحاديث آخر إنما هو أفضل من حج النافلة، وأن حجة الإسلام أفضل من الجهاد، والظاهر أن حجة الإسلام إنما تكون أفضل من جهاد هو فرض كفاية، وأما الجهاد إذا صار فرض عين فهو مقدم على حجة الإسلام قطعا لوجوب فعله على الفور، ولعل الأحاديث المتقدمة محمولة على ذلك واللّه أعلم.\nفمن الأحاديث ما رواه عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج \"رواه الطبراني (^١) ومثله أحاديث آخر.\n\n٢٠٣١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ أَتَى رجل رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ أي النَّاس أفضل قَالَ مُؤمن يُجَاهد بِنَفسِهِ وبماله فِي سَبِيل اللّه تَعَالَى قَالَ ثمَّ من قَالَ ثمَّ مُؤمن فِي شعب من الشعاب يعبد اللّه ويدع النَّاس من شَره رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nوَالْحَاكم بِإِسْنَاد على شَرطهمَا وَلَفظه قَالَ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أَنه سُئِلَ أَي الْمُؤمنِينَ أكمل إِيمَانًا قَالَ الَّذِي يُجَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله وَرجل يعبد اللّه فِي شعب\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٣١٤٤).\n(^٢) البخاري (٢٧٨٦)، ومسلم (١٨٨٨)، وأبو داود (٢٤٨٥)، والترمذي (١٦٦٠)، وابن ماجه (٣٩٧٨)، وابن حبان (٦٠٦)، وأحمد (١١١٢٥).","vol":"6","page":447},{"text":"من الشعاب وَقد كفى النَّاس شَره (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أتى رجل رسول اللّه - ﷺ - فقال: أي الناس أفضل؟ قال: \"مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللّه\" الحديث، قال القاضي عياض (^٢) - ﵀ -: هذا عام مخصوص، وتقديره: هذا من أفضل الناس وإلا فالعلماء أفضل وكذلك الصديقون كما جاءت به الأحاديث الصحيحة.\nقوله - ﷺ -: \"ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره\" الحديث، ففيه إشارة إلى أن الخلوة والانقطاع أفضل من الاختلاط بالناس، الشعب: هو ما انفرج بين جبلين، وليس المراد نفس الشعب خصوصًا بل المراد الانفراد والاعتزال، وذكر الشعب مثالا لأنه خال عن الناس غالبا، وهذا الحديث نحو الحديث الآخر حين سئل - ﷺ - عن النجاة فقال: \"أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك\" فيه دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الاختلاط، وفي ذلك خلاف مشهور فذهب الشافعي وأكثر العُلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن فذهب طوائف أن الاعتزال أفضل؟ وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمان الفتن والحروب أو هو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر عليهم أو نحو ذلك من الخصوص، وقد كانت الأنبياء عليهم الصلاة\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٧١).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).","vol":"6","page":448},{"text":"والسلام وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين فيحصلون منافع الاختلاط كشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك.\n\n٢٠٣٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - خرج عَلَيْهِم وهم جُلُوس فِي مجْلِس لَهُم فَقَالَ أَلَا أخْبركُم بِخَير النَّاس منزلًا قَالُوا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ رجل أَخذ بِرَأْس فرسه فِي سَبِيل اللّه حَتَّى يَمُوت أَو يقتل أَلا أخْبركُم بِالَّذِي يَلِيهِ قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ امْرُؤ معتزل فِي شعب يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة ويعتزل شرور النَّاس أَو أخْبركُم بشر النَّاس قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ الَّذِي يسْأَل بِاللّه وَلا يُعْطي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهما وَهُوَ أتم (^١). وَرَوَاهُ مَالك عَن عَطاء بن يسَار مُرْسلا (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بخير الناس منزلا\" قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: \"رجل أخذ برأس فرسه في سبيل اللّه حتى يموت أو يقتل\"، أراد من خير الناس، إذ قد علمنا أن في القاعدين من هو خير من هذا الذي أمسك بعنان\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٥٢)، وابن حبان (٦٠٤)، وأحمد (٢١١٦)، وابن المبارك في الجهاد (١٦٩)، والطيالسي (٢٦٦١)، والدارمي (٢٤٠٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٥٣). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٠١).\n(^٢) مالك في الموطأ (١٢٨٦)، قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٣٩)، هذا حديث مرسل من رواية مالك، لا خلاف عنه فيه، وقد يتصل من وجوه ثابتة عن النبي - ﷺ - من حديث عطاء بن يسار وغيره.","vol":"6","page":449},{"text":"فرسه إذا كان أعلم باللّه وأخشى للّه ولم يكن الجهاد عليه فرض عين، فهذا خير الناس أي بعده.\nقوله: \"معتزل في شعب\" أي: متباعد عن الناس.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بالذي يليه؟ \" قلنا: بلى يا رس ل اللّه، قال: \"امرؤ\nمعتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور\nالناس\"، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\nقوله: \"معتزل في شعب\"أي: متباعد عن الناس.\nقوله: ورواه مالك عن عطاء بن يسار مرسلا، تقدم الكلام على مناقب الإمام مالك - قدس اللّه سره - وتقدم الكلام أيضًا على الحديث المرسل في اصطلاح المحدّثين، وأما عطاء بن يسار فهو الإمام الجليل [أبو محمد عطاء بن يسار الهلالى المدني، مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، ﵂، أخو سليمان، وعبد الملك، وعبد اللّه بنى يسار، وهو من كبار التابعين، سمع ابن مسعود، وأبى بن كعب، وعبد اللّه بن سلام، وأبا أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وأبا واقد الليثي، وأبا رافع سعيد الخدري، وأبا هريرة، وأبا مالك، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد، ومولاته ميمونة، ﵃. وقال أبو حاتم: لم يسمع ابن مسعود، وأثبت البخاري سماعه منه.\nروى عنه جماعات من التابعين، منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، وغيرهما. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. واتفقوا على","vol":"6","page":450},{"text":"توثيقه. قال زيد بن أسلم: توفى سنة ثلاث أو أربع ومائة. وقال عمرو بن علي، وابن نمير: توفى سنة أربع وتسعين، وهذا أصح. وقال الهيثم بن عدى: سنه سبع وتسعين (^١)].\n\n٢٠٣٣ - وَعَن سُبْرَة بن الْفَاكِه - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن الشَّيْطَان قعد لابْنِ آدم بطرِيق الْإِسْلَام فَقَالَ تسلم وَتَذَر دينك وَدين آبَائِك فَعَصَاهُ فَأسلم فغفر لَهُ فَقعدَ لَهُ بطرِيق الْهِجْرَة فَقَالَ لَهُ تهَاجر وَتَذَر دَارك وأرضك وسماءك فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ فَقعدَ بطرِيق الْجِهَاد فَقَالَ تُجَاهِد وَهُوَ جهد النَّفس وَالْمَال فتقاتل فَتقْتل فَتُنْكح الْمَرْأَة وَيقسم المَال فَعَصَاهُ فَجَاهد فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - فَمن فعل ذَلِك فَمَاتَ كَانَ حَقًا على اللّه أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَإِن غرق كَانَ حَقًا على اللّه أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَإِن وقصته دَابَّة كَانَ حَقًا على اللّه أَن يدْخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\nقوله: وعن سبرة بن الفاكه [ويقال: ابن أبي الفاكه. ويقال: ابن الفاكهة. ويقال: ابن أبي الفاكهة. له صحبة. نزل الكوفة، له عن النبي - ﷺ - حديث واحد، روى عنه: سالم بن أبي الجعد وعمارة بن خزيمة بن ثابت (^٣)].\nقوله - ﷺ -: \"إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام والهجرة والجهاد\" وتقدم الكلام على ذلك كلّه.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٥ ترجمة ٤١١).\n(^٢) ابن حبان (٤٥٩٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٤٦)، والطبراني في الكبير (٦٥٥٨)، وأحمد (١٥٩٥٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٦٥٢).\n(^٣) تهذيب الكمال (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣ ترجمة ٢١٨٠).","vol":"6","page":451},{"text":"٢٠٣٤ - وَعَن فضَالة بن عبيد - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول أَنا زعيم والزعيم الْحميل لمن آمن بِي وَأسلم وَهَاجَر بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة وببيت فِي وسط الْجنَّة وَأَنا زعيم لمن آمن بِي وَأسلم وجاهد فِي سَبِيل اللّه بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة وببيت فِي وسط الْجنَّة وببيت فِي أَعلَى غرف الْجنَّة فَمن فعل ذَلِك لم يدع للخير مطلبا وَلا من الشَّرّ مهربا يَمُوت حَيْثُ شَاءَ أَن يَمُوت رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن فضالة بن عبيد [هو بفتح الفاء. وهو أبو محمد فضالة بن عبيد بن نافذ، بالمعجمة، ابن قيس بن صهيب بن الأحرم بن جحجبا، بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء موحّدة، ابن لفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى العمرى. أول مشاهده أحد، شهدها وما بعدها من المشاهد، ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر. وسكن دمشق، وولى قضاءها لمعاوية، وأمره على غزو الروم في البحر.\nروى له عن رسول اللّه - ﷺ - خمسون حديثًا، روى مسلم منها حديثين. روى عنه ثمامة بن سعد، وعلي بن رباح، بضم العين، وقيل: بفتحها، وحنش الصنعاني، وسلمة بن صالح، وعمرو بن مالك، وعبد اللّه بن محيرز، وآخرون. توفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة تسع وستين، والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه:\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٦١٩)، والطبراني في الكبير (٨٠١)، والحاكم (٢/ ٧١)، والبيهقي (٦/ ٧٢). قال الألباني صحيح، وصححه في صحيح سنن النسائي.","vol":"6","page":452},{"text":"أعنى يا بني، فإنك لا تحمل بعده مثله. وتوفى معاوية سنة ستين، وكان لفضالة عقب بدمشق (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"أنا زعيم\" والزعيم الكفيل، والكفيل هو الضامن - ﷺ - \"لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة\" وربض الجنة ما حولها من داخل والمراد بالبيت هنا القصر.\nقوله - ﷺ -: \"وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وهاجر في سبيل اللّه ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة\" تقدم الكلام على ذلك في أواخر كتاب العلم.\n\n٢٠٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ مر رجل من أَصْحَاب رَسُول اللّه - ﷺ - بشعب فِيهِ عُيَيْنَة من مَاء عذبة فَأَعْجَبتهُ فَقَالَ لَو اعتزلت النَّاس فأقمت فِي هَذَا الشّعب وَلنْ أفعل حَتَّى أَسْتَأْذن رَسُول اللّه - ﷺ - فَذكر ذَلِك لرَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ لا تفعل فَإِن مقَام أحدكم فِي سَبِيل اللّه تَعَالَى أفضل من صلَاته فِي بَيته سبعين عَاما أَلا تحبون أَن يغْفر اللّه لكم ويدخلكم الْجنَّة اغزوا فِي سَبِيل اللّه من قَاتل فِي سَبِيل اللّه فوَاق نَاقَة وَجَبت لَهُ الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٠ ترجمة ٤٩٠).\n(^٢) الترمذي (١٦٥٠)، والحاكم (٢/ ٦٨)، وأحمد (٩٧٦٢)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٣٥)، والبزار (١٦٥٢)، والبيهقي (٩/ ١٦٠)، وقال الألباني صحيح، وأخرجه الترمذي (١٦٥١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.","vol":"6","page":453},{"text":"وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي أُمَامَة أطول مِنْهُ إِلَّا أَنه قَالَ ولمقام أحدكُم فِي الصَّفّ خير من صلَاته سِتِّينَ سنة (^١).\nفوَاق النَّاقة هُوَ مَا بَين رفع يدك عَن ضرْعهَا وَقت الْحَلب ووضعها وَقيل هُوَ مَا بَين الحلبتين\n\n٢٠٣٦ - وَعَن عمرَان بن حُصَين - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مقَام الرجل فِي الصَّفّ فِي سَبِيل اللّه أفضل عِنْد اللّه من عبَادَة الرجل سِتِّينَ سنة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^٢).\n\n٢٠٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أفضل الأعْمَال عِنْد اللّه تَعَالَى إِيمَان لَا شكّ فِيهِ وغزو لَا غلُول فِيهِ وَحج مبرور رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ وَقد تقدم (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: مر رجل من أصحاب رسول اللّه - ﷺ - بشعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته، الحديث، تقدم الكلام على الشعب، والعيينة تصغير عين وهي الينبوع، ووقع في كثير من نسخ المصابيح \"غيضة\" والظاهر أنه وهم.\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٢٩١)، والطبراني في الكبير (٧٨٦٨).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٦٨)، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافق الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٨٨٦).\n(^٣) أحمد (٧٥١١)، والطيالسي (٢٥١٨)، وابن حبان (٤٥٩٧)، والبخاري في خلق أفعال العباد (١٥١).","vol":"6","page":454},{"text":"قوله: فأعجبته، أي: حسنت في عينه وطابت في قلبه [قاله في المفاتيح (^١)].\nقوله: فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول اللّه فذكر ذلك لرسول اللّه - ﷺ - فقال: \"لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل اللّه أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما\" فذكره إلى أن قال: \"من قاتل في سبيل اللّه فواق ناقة وجبت له الجنة\"، فواق الناقة: هو ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلب ووضعها، قيل: هو ما بين الحلبتين، كذا قاله المنذري، وقال غيره: فواق الناقة هو بضم الفاء وفتحها، قال الجوهري (^٢) وغيره: فواق الناقة هو ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصل لتذر ثم تحلب، أ. هـ قال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: وعلى هذا فتكون من باب المبالغة في التحريض على القتال والترغيب فيه لا من باب إرادة حقيقة اللفظ، وهذا كقوله - ﷺ -: \"من بني للّه مسجدًا ولو كمفحص قطاة بني اللّه له بيتا في الجنة\" (^٣) ومحال أن يسع مفحص القطاة آدميا يصلي فيه، وقال ابن حبيب فيما حكاه عنه ابن رشد في مقدماته: هو قدر ما تحلب فيه وعلى هذا يكون المراد حقيقة اللفظ وهو أحسن، وفي هذا الحديث أدل دليل على ما تقدم من أن الجهاد والتصدى له أفضل من العزلة للعبادة واللّه\n_________\n(^١) المفاتيح (٤/ ٣٥٤).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٥٤٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢١٥٧)، والطيالسي (٢٦١٧)، وابن أبي شيبة ١/ ٣١٠، وابن عدي ٢/ ٥٤٢.","vol":"6","page":455},{"text":"أعلم، يا هذا ليت شعري من يقوم مقام هذا الصحابي في عزلته وعبادته وطيب مطعمه، ومع هذا فقد قال له النبي - ﷺ -: \"لا تفعل\" وأرشده إلى الجهاد فكيف لو أحد منا أن يتركه مع أعمال لا يوثق بها مع قلتها وخطايا لا ينجي معها لكثرتها وجوارح لا تزال مطلقة فيما منعت منه، ونفوس جامحة إلا نهيت عنه ومآكل حكم حلها عند خالقها، وخواطر علم أصلها عند خالقها ونيات لا يتحقق إخلاصها وتبعات لا يرجى بغير العناية خلاصها، وروى ابن الجوزي عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول اللّه في سرية من سراياه، قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال: فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيفوته ما كان فيه ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى من الدنيا، ثم قال: لو أني أتيت نبي اللّه - ﷺ - فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه، فقال: يا نبي اللّه إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدّثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا، قال: فقال النبي - ﷺ -: \"إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت با [لحنيفية] السمحة، والذي نفس محمد بيده، لغدوة أو روحة في سبيل اللّه خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة\" أ. هـ.\n\n٢٠٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَيْضًا قَالَ قيل يَا رَسُول اللّه مَا يعدل الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه قَالَ لَا تستطيعونه فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا كلّ ذَلِك يَقُول لا تستطيعونه ثمَّ قَالَ مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كَمثل الصَّائِم الْقَائِم القانت بآيَات اللّه لا يفتر من صَلَاة وَلا صِيَام حَتَّى يرجع الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ","vol":"6","page":456},{"text":"البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٢٠٣٩ - وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَن رجلًا قَالَ يَا رَسُول اللّه دلَّنِي على عمل يعدل الْجِهَاد قَالَ لَا أَجِدهُ ثمَّ قَالَ هَل تَسْتَطِيع إِذا خرج الْمُجَاهِد أَن تدخل مسجدك فتقوم وَلَا تفتر وتصوم وَلَا تفطر قَالَ وَمن يَسْتَطِيع ذَلِك فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَإِن فرس الْمُجَاهِد ليستن يمرح فِي طوله فَيكْتب لَهُ حَسَنَات وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ نَحْو هَذَا (^٢).\nاسْتنَّ الْفرس عدا.\nوالطول بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْوَاو هُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الدَّابَّة ويمسك طرفه لترعى.\n\n٢٠٤٠ - وَعنهُ - ﷺ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة أعدهَا اللّه للمجاهدين فِي سَبِيل اللّه مَا بَين الدرجتين كمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: قال: قيل لرسول اللّه - ﷺ -: ما يعدل الجهاد في سبيل اللّه؟ قال: \"لا تستطيعونه\" فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا كلّ ذلك يقول: \"لا تستطيعونه\" الحديث، هكذا في بعض النسخ \"لا تستطيعونه\" بالنون، وهذا جار على اللغة\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٨٧)، ومسلم (١٨٧٨)، وأحمد (٩٤٨١)، وابن حبان (٤٦٢٧).\n(^٢) البخاري (٢٧٨٥).\n(^٣) البخاري (٢٧٩٠).","vol":"6","page":457},{"text":"المشهورة، وفي بعضها: \"لا تستطيعوه\" هكذا هو في معظم النسخ \"تستطيعوه\" وهذا صحيح أيضًا وهي لغة فصيحة، حذف النون من غير ناصب ولا جازم.\nقوله - ﷺ -: \"مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل الصائم القائم\" الحديث، يريد قيام الليل أو قيام الصلاة ومداومة ذلك.\nقوله: \"لا يفتر\" هو صفة للقائم [كقوله: ولقد أمر علي اللئيم يسبني] القانت هنا المطيع، قال ابن الأنباري: القنوت أربعة أقسام: الصلاة وطول القيام وإدامة الطاعة والسكوت، وفي هذا الحديث عظيم فضل الجهاد لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات اللّه أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد، ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"لا تستطيعونه\".\nقوله - ﷺ -: \"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر من صلاتك\" ولا تفتر معناه: ولا تسكن، قول أبي هريرة: فإن فرس المجاهد لتستريح بمرج في طولة فتكتب له حسنات، استن الفرس: عدا، والطول: بكسر الطاء وفتح الواو وهو الحبل الذي يشد في الدابة ويمسك طرفه لترعى قاله المنذري.\n\n٢٠٤١ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - خرج بِالنَّاسِ قبل غَزْوَة تَبُوك فَلَمَّا أَن أصبح صلى بِالنَّاسِ صَلَاة الصُّبْح ثمَّ إِن النَّاس ركِبُوا فَلَمَّا أَن طلعت الشَّمْس نعس النَّاس على إِثْر الدلجة وَلزِمَ معَاذ رَسُول اللّه - ﷺ - يَتْلُو إثره وَالنَّاس تَفَرَّقت بهم رِكَابهمْ على جواد الطَّرِيق تَأْكُل وتسير فَبينا معَاذ","vol":"6","page":458},{"text":"على إِثْر رَسُول اللّه - ﷺ - وناقته تَأْكُل مرّة وتسير أُخْرَى عثرت نَاقَة معَاذ فحنكها بالزمام فَهبت حَتَّى نفرت مِنْهَا نَاقَة رَسُول اللّه - ﷺ -.\nثمَّ إِن رَسُول اللّه - ﷺ - كشف عَنهُ قناعه فَالْتَفت فَإِذا لَيْسَ فِي الْجَيْش أدنى إِلَيْهِ من معَاذ فناداه رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ يَا معَاذ فَقَالَ لبيْك يَا رَسُول اللّه قَالَ ادن دُونك فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى لصقت راحلتاهما إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا كنت أَحسب النَّاس منا بمكانهم من الْبعد.\nفَقَالَ معَاذ يَا نَبِي اللّه نعس النَّاس فتفرقت رِكَابهمْ ترتع وتسير فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - وَأَنا كنت ناعسا فَلَمَّا رأى معَاذ بشر رَسُول اللّه - ﷺ - وخلوته لَهُ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه ائْذَنْ لي أَسأَلك عَن كلمة أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - سل عَمَّا شِئْت قَالَ يَا نَبِي اللّه حَدثنِي بِعَمَل يدخلني الْجنَّة لا أَسأَلك عَن شَيْء غَيره.\nقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - بخ بخ بخ لقد سَأَلت لعَظيم لقد سَأَلت لعَظيم ثَلَاثًا وَإنَّهُ ليسير على من أَرَادَ اللّه بِهِ الْخَيْر وَإنَّهُ ليسير على من أَرَادَ اللّه بِهِ الْخَيْر وَإنَّهُ ليسير على من أَرَادَ اللّه بِهِ الْخَيْر فَلم يحدّثه بِشَيْء إِلَّا أَعَادَهُ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاث مَرَّات حرصا لكيما يتقنه عَنهُ فَقَالَ نَبِي اللّه - ﷺ - تؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وَتعبد اللّه وَحده لا تشرك بِهِ شَيْئا حَتَّى تَمُوت وَأَنت على ذَلِك قَالَ يَا رَسُول اللّه أعد لي فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ نَبِي اللّه - ﷺ - إِن شِئْت يَا معَاذ حدّثتك بِرَأْس هَذَا الْأَمر وقوام هَذَا الْأَمر وذروة السنام.\nفَقَالَ معَاذ بلَى يَا رَسُول اللّه حَدثني بِأبي أنت وَأمي فَقَالَ نَبِي اللّه - ﷺ - إِن رَأس","vol":"6","page":459},{"text":"هَذَا الْأَمر أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَإِن قوام هَذَا الْأَمر إقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَإِن ذرْوَة السنام مِنْهُ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه إِنَّمَا أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة ويشهدوا أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَإِذا فعلوا ذَلِك فقد اعتصموا وعصموا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على اللّه وَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَد مَا شحب وَجه وَلَا اغبرت قدم فِي عمل تبتغى بِهِ دَرَجَات الْآخِرَة بعد الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة كجهاد فِي سَبِيل اللّه وَلَا ثقل ميزَان عبد كدابة تنْفق فِي سَبِيل اللّه أَو يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَن معَاذ وَلَا أرَاهُ سمع مِنْهُ (^١).\nوَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة كلهم من رِوَايَة أبي وَائِل عَنهُ مُخْتَصرا وَيَأْتِي فِي الصمت إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام عليه.\nقوله: إن رسول اللّه - ﷺ - خرج بالناس قبل غزوة تبوك، وغزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة، وخرج رسول اللّه - ﷺ - إليها في ثمانين ألفا في\n_________\n(^١) أحمد (٢٢١٢٢)، والبزار (١٦٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٣)، رواه أحمد والبزار والطبراني باختصار، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وقد يحسن حديثه.\n(^٢) أحمد (٢٢٠١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والترمذي (٢٦١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٣٩٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٥٠).","vol":"6","page":460},{"text":"شدة الحر، وسميت تبوك لأنه - ﵇ - جاءوهم يبوكون بقدح فقال: \"ما زلتم تبوكونها بعد\" وهو مشتق من البوك.\nقوله: نعس الناس على أثر الدلجة؛ نعس: بفتح العين، قوله: على أثر الدلجة، الدلجة: هو نزول المسافر آخر الليل ليستريح.\nقوله: ولزم معاذ رسول اللّه - ﷺ - يتلوا أثره، هو بفتح الهمزة والثاء المثلثة وبكسر الهمزة وسكون الثاء لغتان مشهورتان.\nقوله: \"والناس قد تفرقت بهم ركابهم على جواد الطريق\" الجواد الطرق واحدها جادة وهي سواء الطريق ووسطه، قيل: هي الطريق الأعظم الذي يجمع الطرق ولابد من المرور عليه قاله في النهاية (^١).\nقوله: عثرت ناقة معاذ فحنكها بالزمام فهبت، الحديث، الزمام: ما يقاد به الدابة.\nقوله: حتى نفرت منها ناقة رسول اللّه - ﷺ -، وحكي النووي في شرح مسلم في كتاب الحج (^٢) في العضباء، والقصوي، والجذعاء، هل هي ناقة واحدة أو نوق؟ فقال ابن قتيبة: كانت للنبي - ﷺ - نوق ثلاث: القصوي، والعضباء، والجذعاء، وقال القاضي عياض (^٣): إنها ناقة واحدة بخلاف ما قاله ابن قتيبة وأن هذا كان اسمها ووصفها، وقال النووي (^٤) بعد ذلك: وقد\n_________\n(^١) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٧).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٦٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٥).","vol":"6","page":461},{"text":"قال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي وغيره أن العضباء والقصوى والجذعاء أسماء لناقة واحدة كانت لرسول اللّه - ﷺ -.\nقوله: ثم إن رسول اللّه - ﷺ - كشف عنه قناعه، القناع: ما يغطى به الرأس.\nقوله: فقال معاذ: يا رسول اللّه ائذن لي أن أسألك عن كلمة أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني، وهذا يدلّ على شدة اهتمام معاذ - ﵁ - بالأعمال الصالحة.\nقوله: يا نبي اللّه حدّثني بعمل يدخلني الجنة، لا أسألك عن شيء غيره، وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (^١)، وأما قول النبي - ﷺ -: \"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله\" فالمراد، واللّه أعلم، أن العمل بنفسه لا يستحق به أحدٌ الجنة لولا أن اللّه جعله بفضله ورحمته سببا لذلك والعمل نفسه من رحمة اللّه وفضله على عبيده، وأسبابها كلّ من فضل اللّه ورحمته.\nقوله - ﷺ -: \"بخ بخ، لقد سألت عن عظيم\" قالها ثلاثًا، وذلك أن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم ولأجله أنزل الله تعالى الكتب وأرسل الرسل.\nقوله - ﷺ -: \"وإنه ليسير على من أراد اللّه به الخير\" إشارة إلى أن التوفيق كلّه بيد اللّه تعالى ممن يسر اللّه عليه الهدى اهتدي، ومن لم ييسره عليه لم ييسر له ذلك، وقال - ﷺ -: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" أما أهل السعادة فييسرون\n_________\n(^١) سورة الزخرف، الآية: ٧٢.","vol":"6","page":462},{"text":"لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة.\nقوله - ﷺ -: \"وتعبد اللّه وحده لا تشرك به شيئًا حتى تموت وأنت على ذلك\" الحديث، إنما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه ﷾ في الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء فنفى هذا بقوله: \"تعبد اللّه\" أما العبادة فهي الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة اللّه تعالى والإقرار بوحدانيته.\nقوله - ﷺ -: \"إن شئت يا معاذ حدّثتك برأس هذا الْأَمر وقوام هذا الْأَمر وذروة السنام\" الحديث، أخبر - ﷺ - عن ثلاثة أشياء رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، فأما رأس الْأَمر: فهو الدين الذي بعث به - ﷺ - وهو الإسلام، وقد جاء تفسيره في هذا الحديث بالشهادتين فمن لم يقربهما ظاهرا وباطنا فليس من الإسلام في شيء وأما قوام الْأَمر الذي يقوم به الدين كما يقوم الفسطاط على عموده فهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقامة الصلاة هو الإتيان بها بالشروط الصحيحة المكملة مع الدوام عليها، وأما الزكاة فمعروفة يأتي الكلام عليها في أماكنها فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم يثبت بدونه، والفسطاط الخيمة، وأما ذروة سنامه وهو أعلا ما فيه وأرفعه فهو الجهاد وهذا يدل على أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العُلماء قاله ابن رجب الحنبلي، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا شيء بعد فرض الأعيان من أعمال البر أفضل من العلم ثم الجهاد، ومذهب الشافعي: أفضل","vol":"6","page":463},{"text":"الأعمال بعد الفرائض الصلاة أفضل الأعمال البدنية وتطوعها أفضل التطوع، قاله ابن هبيرة، وقال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: إنما كان الإسلام رأس الْأَمر وهو الدين لأنه لا يصح شيء من الأعمال إلا مع وجوده، فإذا فقد الرأس كانت الأعمال كالجسد بلا رأس فهي موات، ولهذا تجعل يوم القيامة هباء منثورا وإنما كانت الصلاة عمود الدين تشبيها لها بعمود الخيمة لأن أول ما يحاسب به المرء من عمله إقامة الصلاة كذلك أول ما يقام من الخيمة عمودها، وكما أنه إذا ردت الصلاة رد عليه سائر عمله كما جاء في الحديث كذلك عمود الخيمة إن أقيم رفعت وإن حبط حبطت، وأيضًا كما أن الخيمة لا تثبت وتمنع من الحر والبرد إلا إذا أقيم عمودها كذلك لا يثبت الإسلام ويحقن الدم إلا إذا أقيمت الصلاة، وإنما شبه الجهاد بذروة سنام البعير لأن ذروة السنام وهي أعلاه لا يعادلها شيء من أجزاء البعير كذلك الجهاد لا يعادله شيء من أعمال الإسلام لقوله - ﷺ - لما سئل ما يعدل الجهاد في سبيل اللّه؟ قال: \"لا أجده\"، وفي رواية: \"لا تستطيعونه\" هذا ما يظهر لي واللّه أعلم بمراد نبيه - ﷺ -، ويحتمل أنه لما كان البعير حاملا الإنسان وموصلا له إلى المكان الذي يرومه شبه به هذا الْأَمر وهو الدين الحنيفي لأنه يوصل المؤمن في سفره الدنيوي إلى موطنه الأول وهو الجنة ثم شبه - ﷺ - الإسلام وهو التلفظ بالشهادة برأس البعير إذ كان كلّ أحد يمكنه الوصول إلى هذا الإسلام كما يمكنه الوصول إلى رأس البعير إما باللمس أو الرؤية، وشبه الجهاد بذروة سنامه إذ كان لا ينالها إلا أطول الناس جدًّا أو","vol":"6","page":464},{"text":"مالًا كذلك الجهاد لا يناله إلا أفضل المؤمنين سابقة ومآلا كما قال - ﷺ -: \"لا يناله إلا أفضلهم\"، ويحتمل أن النبي - ﷺ - إنما شبه الجهاد بذروة السنام لأن من تسور السنام فقد حكم على جميع أجزاء البعير كذلك من رزقه الله الجهاد فقد أناله جميع ما في الإسلام من أجزاء الفضل؛ لأن نوم المجاهد أجر، وسفره أجر، ونفقته أجر، ونصبه أجر، وخوفه أجر، وظمأه أجر، وجوعه أجر، وحركاته كلها أجر إلى غير ذلك واللّه سبحانه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة\" الحديث، إذا قال الرسول - ﷺ -: \"أمرت\" فهم منه أن اللّه أمره بذلك، وإذا قال الصحابي: فهم منه أن الرسول ﵊ أمره بذلك فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره بذلك.\nقوله - ﷺ -: \"ويشهدوا أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله\" ومن أعظم [الأعمال وأفضلها] أداء الصلوات في أوقاتها بكمالها وحقوقها كما أمرنا، قال بعض الحكماء: من منع الصلاة منع اللّه منه الشهادة ومن منع الزكاة منع اللّه منه البركة، ومن منع الصدقة منع اللّه منه الصحة، ومن منع الدعاء منع اللّه منه الإجابة، ومن منع الاستغفار منع اللّه منه التوبة.\nقوله - ﷺ -: \"فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها\" ومعنى عصموا: منعوا.\nقوله - ﷺ -: \"وحسابهم على اللّه\" أي: فيما يسرون به من الكفر والمعاصي ويخفونه من النيات ويذرونه من الأعمال الباطنة دون ما يخلون به من","vol":"6","page":465},{"text":"الواجبات الظاهرة، والمعنى: إنما نحكم عليهم بالإيمان ونؤاخذهم بحقوق الإسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم واللّه ﷾ يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب المنافق ويجازي الفاسق بفسقه أو يعفو عنه فذلك إلى المطلع على السرائر، وأن حكم النبي - ﷺ - والأئمة بعده إنما كان على الظاهر، أما إذا أخلوا بشيء من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر فإنهم يطالبون بموجبه كما قاتل الصديق - ﵁ - مانعي الزكاة، ويدل عليه قوله: \"عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه\".\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده\" تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما شحب وجه ولا اغبرت قدم\" الحديث شحب بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدهما باء موحّدة أي تغير، والشحوب من حزن أو خوف أو نحوه.\nقوله - ﷺ -: \"ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق في سبيل اللّه\" أي: تموت، يقال: نفقت الدابة إذا هلكت أي ماتت، قد جاء في الحديث أن النفقة في سبيل الله توضع في ميزان منفقها كلّ يوم.\nقوله: رواه البزار من رواية شهر بن حوشب، تقدم الكلام على شهر بن حوشب، ورواه أحمد وغيره من رواية أبي وائل، أبو وائل: اسمه شقيق بن مسلمة الأسدي، أدرك النبي - ﷺ - لم يسمع منه شيئًا واللّه أعلم، أ. هـ.\n\n٢٠٤٢ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من رَضِي بِاللّه رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - رَسُولًا وَجَبت لَهُ الْجنَّة فَعجب لَهَا أَبُو سعيد","vol":"6","page":466},{"text":"فَقَالَ أعدهَا عَليّ يَا رَسُول اللّه فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَأُخْرَى يرفع اللّه بهَا للْعَبد مائَة دَرَجَة فِي الْجنَّة مَا بَين كلّ دَرَجَتَيْنِ كمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُول اللّه قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من رضي باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - رسولا وجبت له الجنة\" الحديث، أي: من آمن باللّه ورضي به وبدين الإسلام ونبوة محمد - ﷺ - وجبت له الجنة واستحق دخولها فإذا دخلها بفضلة وكرمه أعطى الثواب بقدر عمله، وأي عمل أزكى ممن باع نفسه للّه تعالى وبذلها في طاعته وهو الجهاد في سبيله بقتال الكفار أو بقهر الشيطان وعدم طاعته كذا في التحفة، وفي رواية: \"ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا\" الرضي ينقسم إلى عام وخاص، فالعام هو الرضي بأن لا رب سوى اللّه ولا دين سوى دين الإسلام ولا نبي في زمن المصطفى ولا بعده سواه وهذا هو الظاهر من الحديث، وأما الخاص فقد كان أبو الحُسين النوري يقول: هو سرور القلب بمر القضاء فالرضى بربوبية اللّه تعالى يتضمن الرضى بعبادته وحده لا شريك له والرضى بتدبيره للعبد واختياره له والرضي بالإسلام دينا يقتضي اختياره على سائر الأديان، والرضي بمحمد - ﷺ - يقتضي الرضي بجميع ما جاء به من عند اللّه وقبول ذلك بالتسليم والانشراح\n_________\n(^١) مسلم (١٨٨٤).","vol":"6","page":467},{"text":"كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (^١) الآية.\nقوله: فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها عليّ يا رسول اللّه، فأعادها عليه رسول اللّه - ﷺ - ثم قال: \"وأخرى يرفع اللّه بها للعبد مائة درجة في الجنة ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض\"، قال: وما هي يا رسول اللّه؟ قال: \"الجهاد في سبيل اللّه\" الحديث، قال القاضي عياض (^٢): يحتمل أن هذا على ظاهره وأن الدرجات هي المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدري، قال: ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعيم وعظيم الإحسان ما لم يخطر على قلب بشر ولا يصفه مخلوق، وأن أنواع ما أنعم اللّه به عليه من البر والكرامة يتفاضل تفاضلا كثيرًا ويكون تباعده في الفضل كما بين السماء والأرض في البعد، قال القاضي عياض (^٣): والاحتمال أظهر وهو كما قال.\nفائدة: في صحيح البخاري (^٤) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"من آمن باللّه ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على اللّه أن\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٥.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٩٣).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٦٩).\n(^٤) صحيح البخاري (٢٧٩٠).","vol":"6","page":468},{"text":"يدخله الجنة\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"إن في الجنة مائة درجة\".\nأعدها اللّه للمجاهد في سبيل اللّه، وخرج ابن عساكر عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعن أبي أمامة - ﵄ - قالا: ذكر عند رسول - ﷺ - الجهاد، فقال: \"إن للمجاهد في سبيل اللّه سبعين درجة من ياقوت ما بين كلّ درجتين مثل ما بين السماء والأرض\"، فإن قلت: قد تقدم في حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد أن الدرجات مائة، وفي هذا الحديث أن الدرجات سبعون، فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب: أن الوازع لا تقوم به حجة، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة الذي بعده من حيث الصحة لا يقاومهما شيء وإن صح حديث السبعين فيحمل على تفاوت المجاهدين بتفاوت مقاصدهم وإخلاصهم: فمنهم من يرفع سبعين درجة، ومنهم من يرفع مائة درجة، واللّه أعلم، ذكره ابن النحاس في كتابه الذي في الجهاد.\n\n٢٠٤٣ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ ذرْوَة سَنَام الْإِسْلَام الْجِهَاد لا يَنَالهُ إِلَّا أفضلهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وروي عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ذروة سنام الإسلام الجهاد لا يناله إلا أفضلهم\" تقدم ذكر ذروة سنام الإسلام في حديث معاذ المطول.\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٧٨٨٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٤)، وفيه علي بن يزيد، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٤٥).","vol":"6","page":469},{"text":"٢٠٤٤ - وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن عبسة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ من قَاتل فِي سَبِيل اللّه فوَاق نَاقَة حرم اللّه على وَجهه النَّار رَوَاهُ أَحْمد (^١).\nقوله: وعن عمرو بن عبسة [هو أبو نجيح، وقيل: أبو شعيب عمرو بن عبسة، بعين مهملة ثم باء موحّدة مفتوحتين، ثم سين مهملة على وزن عدسة، وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث، ورأيت جماعة ممن صنف في ألفاظ المهذب يزيدون فيه نونا، وهذا غلط فاحش، ومنكر ظاهر، وإنما ذكرته نتبيها عليه لئلا يغتر به، وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابي الصالح أسلم قديما، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، وأنه قدم على رسول اللّه - ﷺ - مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبي - ﷺ - الإقامة معه بمكة، فقال: \"إنك لا تقدر على ذلك الآن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعتُ بخروجى فأتنى\"، وأنه أتى النبي - ﷺ - بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وكان أخا أبي ذر لأمه، وفد المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام روى له عن رسول اللّه - ﷺ - ثمانية وثلاثون\n_________\n(^١) أحمد (١٩٤٤٤)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٣٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٥)، وفيه عبد العزيز بن عبيد اللّه، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٢٤).","vol":"6","page":470},{"text":"حديثا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفي بها (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"من قاتل في سبيل اللّه فواق ناقة حرم اللّه على وجهه النار\" فواق الناقة، تقدم الكلام عليه.\n\n٢٠٤٥ - وَعَن أبي الْمنْذر - ﵁ - أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه إِن فلانا هلك فصل عَلَيْهِ فَقَالَ عمر إِنَّه فَاجر فَلَا تصل عَلَيْهِ فَقَالَ الرجل يَا رَسُول اللّه ألم ترَ اللَّيْلَة الَّتِي صبحت فِيهَا فِي الحرس فَإِنَّهُ كانَ فيهم فَقَامَ رَسُول اللّه - ﷺ - فصلى عَلَيْهِ ثمَّ تبعه حَتَّى جَاءَ قَبره قعد حَتَّى إِذا فرغ مِنْهُ حثى عَلَيْهِ ثَلَاث حثيات ثمَّ قَالَ يثني عَلَيْك النَّاس شرا وأثني عَلَيْك خيرا فَقَالَ عمر وَمَا ذَاك يَا رَسُول اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - دَعْنَا مِنْك يَا ابْن الْخطاب من جَاهد فِي سَبِيل اللّه وَجَبت لَهُ الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده لا بَأْس بِهِ إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^٢).\nقوله: وعن أبي المنذر، أبو المنذر اسمه [لا يعرف وذكره مطين في الصحابة، وأخرجه أبو داود في المراسيل].\nقوله: أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللّه، إن فلانا هلك فصل\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣١ - ٣٢ ترجمة ٤٥٤).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٨٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٦)، وفيه يزيد بن ثعلب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.","vol":"6","page":471},{"text":"عليه! فقال عمر: إنه فاجر، فلا تصل عليه، فقال الرجل: يا رسول اللّه، ألم تر الليلة التي صبحت فيها في الحرس فإنه كان فيهم، فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا فرغ منه حثى عليه ثلاث حثيات، الحثية أما أخذ بالكف المبسوطة وقيل: الحثية باليد والحفنة باليدين وقيل الحثية ما يحثيه الإنسان بيديه].\n\n٢٠٤٦ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ بَيْنَمَا أَنا عِنْد رَسُول اللّه - ﷺ - إِذْ جَاءَهُ رجل فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أَي الأعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان بِاللّه وَجِهَاد فِي سَبيله وَحج مبرور فَلَمَّا ولى الرجل قَالَ وأهون عَلَيْك من ذَلِك إطْعَام الطَّعَام ولين الْكَلَام وَحسن الْخلق فَلَمَّا ولى الرجل قَالَ وأهون عَلَيْك من ذَلِك لا تتهم اللّه على شَيْء قَضَاهُ عَلَيْك رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا حسن وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقوله: وعن عبادة بن الصامت [هو أبو الوليد عبادة بن أبي عبادة الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصارى الخزرجى، شهد عبادة العقبة الأولى والثانية مع رسول اللّه - ﷺ -، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان،\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٧١٦)، والطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩)، رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وفي الآخر سويد بن إبراهيم، وثقه ابن معين في روايتين وضعفه النسائي، وبقية رجالهما ثقات.","vol":"6","page":472},{"text":"وسائر المشاهد، وكان أحد النقباء ليلة العقبة، كان نقيبا على القواقل؛ وآخى رسول اللّه - ﷺ - بينه وبين أبى مرثد الغنوى، واستعمله النبي - ﷺ - على الصدقات، وكان يعلّم أهل الصفة القرآن، ولما فتح الشام أرسله عمر بن الخطاب، ومعاذا، وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفهموهم، فأقام عبادة بحمص، ومعاذ بفلسطين، وأبو الدرداء بدمشق، ثم صار عبادة إلى فلسطين، روى له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة وأحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين. قال الأوزاعى: أول من ولى قضاء فلسطين عبادة، وكان فاضلا، خيرا، جميلا، طويلا، جسيما، توفى ببيت المقدس، وقيل: بالرملة، سنة أربع وثلاثين، وهو ابن ثنتين وسبعين سنة، وقيل: توفى سنة خمس وأربعين، والأول أصح وأشهر (^١)].\nقوله: إذ جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه، أي الأعمال أفضل؟ قال: \"إيمان باللّه وجهاد في سبيله وحج مبرور\" تقدم الكلام على ذلك، والحج المبرور: هو الذي لا تقع فيه معصية، وقيل: [هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرا مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما].\n\n٢٠٤٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ ثَلاثَة حق على اللّه عونهم الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه وَالْمكَاتب الَّذِي يُرِيد الأدَاء والناكح الَّذِي يُرِيد العفاف\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ ترجمة ٢٨١).","vol":"6","page":473},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل اللّه والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف\" المكاتب هو: العبد الذي يبتاع نفسه من سيده على نجوم معلومة، فإذا أداها إليه وحط عنه السيد بعض الشيء من النجوم صار حرًا.\n\n٢٠٤٨ - وَعَن مَكْحُول - ﵁ -: قَالَ كثر المستأذنون رَسُول اللّه - ﷺ - إِلَى الْحَج يَوْم غَزْوَة تَبُوك فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - غَزْوَة لمن قد حج أفضل من أَرْبَعِينَ حجَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (^٢).\nقوله: وعن مكحول [هو أبو عبد اللّه مكحول بن زيد، ويقال: ابن أبي مسلم بن شاذل بن سند بن شروان بن يردك بن يغوث بن كسرى الكابلى الدمشقى، يقال: كابلى، ويقال: هذلى، فالكابلى من سبى كابل، والهذيلى قيل لأنه كان مولى لامرأة من هذيل، وقيل: كان مولى لسعيد بن العاص، فوهبه لامرأة من قريش فأعتقته، وكان يسكن دمشق، وداره عند طرف سوق الأحد، وقال أبو مسهر: لم يسمع مكحول عنبسة بن أبي سفيان، ولا أدرى\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٥٥)، وقال: حديث حسن، وابن حبان (٤٠٣٠)، والحاكم (٢/ ١٦٠)، وابن ماجه (٢٥١٨)، وأحمد (٧٤١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٧٨)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٥٠).\n(^٢) أبو داود في المراسيل (٣٠٤).","vol":"6","page":474},{"text":"أدركه أم لا. وقال ابن إسحاق: سمعت مكحولا يقول: طفت الأرض في طلب العلم. وقال أبو وهيب، عن مكحول: عقبت بمصر فلم أدع بها علما إلا احتويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فلم أدع بها علما إلا احتويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها. وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال ابن يونس: كان فقيها، عالما. واتفقوا على توثيقه، سكن دمشق. توفى بها سنة ثمانى عشرة ومائة (^١)].\nقوله: فقام رجل رث الهيئة، الرث بالثاء المثلثة الشيء البالي، أ. هـ.\nقوله: كثر المستأذنون على رسول اللّه - ﷺ - إلى الحج يوم غزوة تبوك.\nقوله: \"غزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة\" رواه أبو داود في المراسيل من رواية إسماعيل بن عياش [هو إسماعيل بن عياش الحمصي: عالم أهل الشام قال النسائي ضعيف وقال ابن حبان كثير الخطأ في حديثه فخرج عن حد الاحتجاج به وقال علي بن المديني إسماعيل عندي ضعيف وقال ابن خزيمة لا يحتج به وقال أبو داود سمعت ابن معين يقول إسماعيل بن عياش ثقة، وكذا روى عباس عن ابن معين أيضا وقال دحيم هو في الشاميين غاية وخلط عن المدنيين وقال الفسوي: تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشاميين أكثر ما تكلموا فيه قالوا يغرب عن نقات الحجازيين وقال البخاري إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر وقال أبو حاتم لين].\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٣ - ١١٤ ترجمة ٦٠٥).","vol":"6","page":475},{"text":"٢٠٤٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ حجَّة خير من أَرْبَعِينَ غَزْوَة وغزوة خير من أَرْبَعِينَ حجَّة يَقُول إِذا حج الرجل حجَّة الإِسْلَام فغزوة خير لَهُ من أَرْبَعِينَ حجَّة وَحجَّة الإِسْلَام خير لَهُ من أَرْبَعِينَ غَزْوَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقات معروفون (^١).\nوعنبسة بن هُبَيْرَة وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَلم أَقف فِيهِ على جرح.\nقوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"حجة أفضل من أربعين غزوة، وغزوة خير من أربعين حجة\" يقول: إذا حج الرجل حجة الإسلام فغزوة خير له من أربعين حجة، وحجة الإسلام خير له من أربعين، رواه البزار، وفيه عنبسة بن هبيرة [عنبسة بن هبيرة بن النعمان الطائي من أهل حران كنيته أبو مروان يروي عن عكرمة روى عنه عثمان بن عبد الرحمن قال أبو حاتم: مجهول، وقال ابن حبان في الثقات: يعتبر حديثه من غير رواية عثمان الطائفي عنه (^٢)].\n\n٢٠٥٠ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - حجَّة لمن لم يحجّ خير من عشر غزوات وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيهَقِيّ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي غزَاة الْبَحْر إِن شَاءَ اللّه (^٣).\n_________\n(^١) البزار (١٦٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩)، ورجاله ثقات، وعنبسة ابن هبيرة وثقه ابن حبان، وجهلة الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٩٠).\n(^٢) الجرح والتعديل (٦/ ٤٠٣) والثقات (٧/ ٢٨٩).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٣١٤٤)، والبيهقي (٤/ ٣٣٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨١)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال =","vol":"6","page":476},{"text":"قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات\" الحديث، تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\n\n٢٠٥١ - وَعَن أبي بكر بن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ - ﵁ -: قَالَ سَمِعت أبي وَهُوَ بِحَضْرَة الْعَدو يَقُول قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن أَبْوَاب الْجنَّة تَحت ظلال السيوف فَقَامَ رجل رث الْهَيْئَة فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَنْت سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول هَذَا قَالَ نعم فَرجع إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ أَقرَأ عَلَيْكُم السَّلَام ثمَّ كسر جفن سَيْفه فَأَلْقَاهُ ثمَّ مَشى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدو فَضرب بِهِ حَتَّى قتل رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وغيرهما (^١).\nجفن السَّيْف بِفَتْح الْجِيم وَإِسْكَان الْفَاء هُوَ قرَابه.\nقوله: وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري [أخو أبي بردة بن أبي موسى، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل الكوفة، وقال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود: أبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: أراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة بن أبي موسى، كان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهني\n_________\n= عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعفه غيره. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٩٢).\n(^١) مسلم (١٩٠٢)، والترمذي (١٦٥٩)، وأحمد (١٩٥٣٨)، وابن حبان (٤٦١٧)، والحاكم (٢/ ٧٠)، والبيهقي (٩/ ٤٤).","vol":"6","page":477},{"text":"قاتل عمار فأجلسه إلى جنبه، وقال: \"مرحبا بأخي\"، وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، ومات في ولاية خالد بن عبد اللّه (^١)].\nقوله: سمعت أبي وهو بحضرة العدو، هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات، ويقال: أيضًا يحضر العدو بفتح الحاء والضاد وحذف الهاء، ذكره النووي في شرح مسلم (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف\" قال العلماء: معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها، وقيل: المراد به الدنو من الأقران حتى يكونوا تحت ظلال سيوفهم ولا يفرون منهم وكل شيء علاك ودنا منك فقد أظلك، وقيل: معناه ثواب اللّه والسبب الوصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل اللّه، ومشي المجاهد في سبيل اللّه فأحضروا فيه بصدق واثبتوا، قال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العمدة: هو من باب البلاغة والمجاز الحسن فيجوز أن يكون من مجاز التشبيه مع حذف المضاف، فإن ظل الشيء لما كان ملازما له جعل ثواب الجنة واستحقاقها بالجهاد وأعمال السيوف لازما لذلك كما يلزم الظل، أ. هـ؛ قال - عفا اللّه عنه -: والذي يظهر في معناه واللّه أعلم أنه من رفع يده بالسيف ضاربا به في سبيل اللّه أو رفع عليه سيف في سبيل اللّه على أي حال\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٣٣/ ١٤٤ - ١٤٥ ترجمة ٧٢٥٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨).","vol":"6","page":478},{"text":"ظلل عليه السيف صار بذلك كأنه وصل إلى أبواب الجنة فيوشك أن يستشهد فيدخلها في الحال أو يؤخر فيموت على فراشه فيدخلها في المآل لأن من قاتل في سبيل اللّه وجبت له الجنة فكأن أبواب الجنة لذلك تحت ظلال السيوف حقيقة، وشبيه بهذا قوله - ﷺ - يوم بدر: \"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض\".\nقوله - ﷺ - لمن جاء يستأذنه في الجهاد: \"ألك والدن؟ \" قال: نعم، قال: \"الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما\" وكذلك ما روي في الحديث: \"الجنة تحت ظلال السيوف وتحت أقدام الأمهات\" وأشباه ذلك والله أعلم.\nقوله: \"الجنة تحت ظلال السيوف\" أي: تحت بارقة السيوف وبارقة السيوف هو ظلها الذي يقع على الأرض وغيره ولما كان بارقة السيوف مما يفزع الأنفس ويكون سببا لفرارها، بيّن - ﷺ - أن من وقف تحت ظلال السيوف وحبس نفسه على القتال دخل الجنة قُتل أم لم يقتل لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (^١) ويحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون المعنى أن الصبر على بارقة السيوف ثوابه أفضل من الجنة وأن الجنة دونه وأن ثوابه - ﵁ -: أفضل من الجنة وكذلك النظر إلى وجهه الكريم، الثاني: أنه يعبر بالتحت [عما] خفي عن المشاهدة بالبصر، وقد يكون للشيء ظاهر مكروه وباطن محبوب ببارقة السيوف ظاهرها ورؤيتها مما يكره النفس وثواب الجنة منطو فيها والصبر على بارقة السيوف\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١.","vol":"6","page":479},{"text":"كالصبر على شرب الدواء لما فيه من النفع العظيم والصبر على القتال في سبيل الله في ضمنه تكفير الذنوب وحصولها الجنة، وهذا وقع نظيره في الدجال فإنه يأتي ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار فجنته ظاهرها محبوب وباطنها مكروه وناره على العكس ظاهرها مكروه وباطنها محبوب، ومما قيل فيه:\nفَنَارُهُ جَنَّة طُوْبَي لِدَاخِلِها ... وَزُوْرُ جَنّتِهِ نَارٌ مِنَ السُّعُرِ\nولما كانت الجنة منطوية فيما يشاهد من المكروه من طلال السيوف أي: بارقتها، وكان المجاهد كأنه يرى الموت عيانا أعطى اللّه تعالى للمجاهد خصلتين إحداهما: ألا يذوق من ألم الموت إلا كما يذوق الإنسان من قرصة البقة، كما رواه النسائي عنه - ﷺ -، ويكفيه بارقة السيوف عبارة عن السكرة، الثانية: أنه قتل حصلت له الشهادة والحياة الأبدية من غير تأخير حسب قوله تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^١) بيّن تعالى أنهم في البرزخ أحياء يتنعمون بالجنة وأن عملهم لا ينقطع بموتهم كما جاء في الخبر الآخر، أ. هـ، واللّه أعلم، وعن الحسن أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"ما أذن اللّه لعبد في جهاد ولو قدر فواق ناقة إلا استحيى أن يرده إلى منزله ولم يعتقه من النار\" ذكره صاحب شفاء الصدور.\nفائدة: ذكر غير واحد أن أول سيف سلّ في سبيل اللّه تعالى سيف الزبير بن العوام - ﵁ - لدعوة النبي - ﷺ - له، وذلك أنه أسلم وله ثمان سنين فنفخت\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.","vol":"6","page":480},{"text":"نفخة من الشيطان أن النبي - ﷺ - أخذ بأعلى مكة فخرج الزبير وهو ابن ثنتي عشرة سنة ومعه سيف حتى أتى النبي - ﷺ - فقال: \"ما لك؟ \" قال: أخبرت أنك أخذت، فقال: كنت صانعا ماذا، قال: كنت أضرب به من أخذك فدعا له النبي - ﷺ - فكان سيفه أول سيف سل في سبيل الله وهو أحد شجعان الإسلام وأبطاله، قال ابن أبي الزناد: ضرب الزبير يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره فقطعه إلى القربوس، فقالوا: ما أجود سيفك؟ فغضب الزبير يريد أن العمل ليده لا للسيف، وهذه الضربة إحدى الضربات المشهورة في الإسلام، أ. هـ، قاله ابن النحاس.\nفائدة أخرى: كان للنبي - ﷺ - أسياف، منها: (المأثور) ورثه من أبيه وقدم به المدينة، ومنها: (العضب) بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة أرسل به إليه سعد بن عبادة عند توجهه إلى بدر، ومنها: (ذو الفقار) بكسر الفاء وقيل بفتحها كان في وسطه مثل فقرات الظهر غنمه يوم بدر وكان معه في حروبه كلها وكانت قائمته وحلقه وعلاقته وبكراته ونصله فضة، ومنها: (الصمصام) بصادين مهملتين مفتوحتين وهو سيف عمرو بن معدي كرب وكان مشهورًا، ومنها: (القلعي) بفتح القاف واللام نسبه إلى مرج القلعة بالبادية، ومنها: (البتار) بباء موحدة ثم مثناة فوق مشددة، ومنها: (الحتف) بفتح الحاء المهملة وهو من أسماء الموت، ومنها أيضًا: (الرِّسُوب) وكان عنده، من رسب في الماء إذا غاص فيه، لأن ضربته تغوص في المضروب به، ومنها: (المخذم) بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الذال المعجمة","vol":"6","page":481},{"text":"وهو اسم للسيف القاطع والقضيب، أ. هـ.\nفائدة أخرى: وقد روى في السيوف والرماح أحاديث وفضائل، منها: ما رواه أحمد من حديث عبد اللّه بن عمرو قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللّه وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي\" الحديث، ومنها: \"أن الجنة تحت ظلال السيوف\"، ومنها: \"أن السيوف مفاتيح الجنة\"، ومنها: \"أن الضرب بالسيف في سبيل اللّه سبب لدخول الجنة\"، ومنها: ما روي أن \"من تقلد سيفا في سبيل اللّه قلده اللّه وشاح الكرامة ورداه رداء الإيمان\"، ومنها: ما روي أن \"من تقلد سيفا في سبيل اللّه قلده اللّه تعالى وشاحين من الجنة وأن اللّه يباهي ملائكته بسيف الغازي ورمحه\"، ومنها: ما روي أن الملائكة تصلي على الغازي ما دام سيفه معلقا في عنقه، أ. هـ.\n\n٢٠٥٢ - وَعَن الْبَراء - ﵁ - قَالَ أَتَى النَّبِي - ﷺ - رجل مقنع بالحديد فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أقَاتل أَو أسلم قَالَ أسلم ثمَّ قَاتل فَأسلم ثمَّ قَاتل فَقتل فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - عمل قَلِيلا وَأجر كثيرا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم (^١).\n\n٢٠٥٣ - وروى مُسلم عَن جَابر - ﵁ -: قَالَ جَاءَ رجل من بني النبيت قبيل من الأَنصَار فَقَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا اللّه وَأنَك عَبده وَرَسُوله ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - عمل هَذَا يَسِيرا وَأجر كثيرا (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٢٨٠٨)، ومسلم في الإمارة، وهو الحديث الآتي بعد، وابن حبان (٤٦٠١).\n(^٢) مسلم (١٩٠٠).","vol":"6","page":482},{"text":"مقنع بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون الْمُشَدّدَة أَي متغط بالحديد وَقيل على رَأسه خوذة وَقيل غير ذَلِك.\nقوله: وعن البراء، هو البراء بن عازب تقدم الكلام على مناقبه - ﵁ -.\nقوله: أتى النبي - ﷺ - رجل مقنع بالحديد، قال الحافظ (^١): أي متغط بالحديد، قيل: على رأسه خوذة، وقيل: بيضة وهي الخوذة، لأن الرأس موضع القناع، قاله في [النهاية] وقيل: غير ذلك، ومنه الحديث أن النبي - ﷺ - زار قبر أمه في ألف مقنع، أي: ألف فارس مغطى بالسلاح.\nقوله - ﷺ -: \"عمل هذا قليلا\" إشارة إلى الزمان الذي قتل فيه وهو زمان يسير لم يفتقر إلى أداء شيء من العبادات.\nقوله: \"وأجر كثير\" إشارة إلى ما حصل له من الفوز بالشهادة.\nقوله: في حديث جابر من رواية مسلم: جاء رجل من بني النبيت قبيل من الأنصار، النبيت: هو بنون مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة ثم مثناة تحت ساكنة ثم مثناة فوق وهم قبيل من الأنصار كما ذكر في حديث جابر، وقال غيره: بنو النبيت: جيل من النصارى.\n\n٢٠٥٤ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ انْطلق رَسُول اللّه - ﷺ - وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى بدر وَجَاء الْمُشْركُونَ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا يتقدمن أحد مِنْكُم إِلَى شَيْء حَتَّى أكون أَنا دونه فَدَنَا الْمُشْركُونَ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - قومُوا إِلَى\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣).","vol":"6","page":483},{"text":"جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالأرْض قَالَ عُمَيْر بن الْحمام يَا رَسُول اللّه جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالأرْض قَالَ نعم قَالَ بخ بخ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا يحملك على قَوْلك بخ بخ فَقَالَ لا وَاللّه يَا رَسُول اللّه إِلَا رَجَاء أَن أكون من أَهلهَا قَالَ فَإنَّك من أَهلهَا فَأخْرج تمرات من قرنه فَجعل يَأْكُل مِنْهُنَّ ثمَّ قَالَ إِن أَنا حييت حَتَّى آكل تمراتي هَذِه إِنَّهَا لحياة طَوِيلَة فَرمى بِمَا كَانَ مَعَه من التَّمْر ثمَّ قَاتلهم حَتَّى قتل - ﵁ - رَوَاهُ مُسلم (^١).\nالْقرن بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء هُوَ جعبة النشاب.\nقوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه.\nقوله: انطلق رسول اللّه - ﷺ - وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون، وغزاة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول اللّه - ﷺ - بنفسه كما تقدم ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه\" الحديث أي: قدامه متقدما في ذلك الشيء لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا يعلمونها.\nقوله - ﷺ -: \"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض\" أي: إلى سبب جنة وهو القتال لإعلاء كلمة اللّه تعالى، وقيل: قوموا إلى قتال إن قتلتم فلكم الجنة، والجنة هي دار النعيم في الدار الآخرة من الاجتنان وهو الستر لتكاثف\n_________\n(^١) مسلم (١٩٠١).","vol":"6","page":484},{"text":"أشجارها وتطليلها بالتفاف أغصانها.\nقوله: فقال عمير بن الحمام: يا رسول اللّه جنة عرضها السموات والأرض، قال: \"نعم\"؛ عمير بن الحمام بضم الحاء المهملة وتخفيف بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي الصحابي، شهد بدرا واستشهد بها، وذكر ابن عقبة في مغازيه أن عمير أول قتيل يومئذ من الأنصار في الإسلام، وكان النبي - ﷺ - آخى بينه وبين عبيدة بن الحارث المطلبي فاستشهدا في وقعة بدر - ﵄ -، والقاتل لعمير بن الحمام خالد بن الأعلم العقيلي، قيل: بل أول قتيل من الأنصار حارثة بن سراقة.\nقوله: بخ بخ، بفتح الباء وإسكان الخاء المعجمة وهي كلمة تقال عند تعظيم الأمور وتفخيمه في الخير تعجبا ويقال فيها أيضا بخ بخ بالخفض منونا.\nقوله: فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"ما يحملك على قولك بخ بخ؟ \" قال لا واللّه يا رسول اللّه إلا رجاءة أن أكون من أهلها قال \"فإنك من أهلها\" هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة، (رجاءة) بالمد ونصب التاء وفي بعضها رجاء بلا تنوين وفي بعضها بالتنوين ممدودا بحذف التاء وكله صحيح معروف في اللغة ومعناه: واللّه ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها.\nقوله: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، القرن هو جعبة النشاب أي السهام وهي تصنع من جلد قش ويجعل فيها النشاب والقرن بالتحريك ويجمع على أقرن وأقران كحبل وأحبال ومنه الحديث \"الناس يوم القيامة","vol":"6","page":485},{"text":"كالنبل في القرن يجتمعون مثلها\" قاله في النهاية (^١).\nقوله: فإن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، أي لم ير تأخير الغزو إلى الفراغ من أكل التمر فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل - ﵁ - الحديث. في هذا الحديث جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة فيه عند جماهير وفيه ثبوت الجنة للشهيد وفيه المبادرة بالخير وأنه لا يشتغل عنه بحظوظ النفس وفيه أن عميرا إنما قاتل رجاء دخول الجنة، وقد شهد النبي - ﷺ - أنه من أهلها.\n\n٢٠٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لا يجْتَمع كَافِر وقاتله فِي النَّار أبدا رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكم أطول مِنْهُ (^٢).\nوَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيت معَاذ بن جبل.\n\n٢٠٥٦ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - يَعْنِي يَقُول اللّه ﷿ الْمُجَاهِد فِي سبيلي هُوَ عَليّ ضَامِن إِن قَبضته أورثته الْجنَّة وَإِن رجعته رجعته بِأَجْر أَو غنيمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح (^٣) وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَتقدم.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٥٥).\n(^٢) مسلم (١٨٩١)، وأبو داود (٢٤٩٥)، وابن حبان (٤٦٦٥)، وأحمد (٨٨١٦)، والحاكم (٢/ ٧٢).\n(^٣) الترمذي (١٦٢٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٤٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٣٥).","vol":"6","page":486},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا\" الحديث وفي رواية \"لا يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر\" قيل من هم يا رسول اللّه؟ قال \"هو من قتل كافرا ثم سدد\" قال القاضي عياض (^١) في الرواية الأولى يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في الجهاد فيكون ذلك مكفرا لذنوبه حتى لا يعاقب عليها أو تكون نيته مخصوصة أو حالة مخصوصة، ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة أولا ولا يدخل النار أو يكون إن عوقب به في غير موضع عقاب الكفار ولا يجتمعان في إدراكها، قال وأما قوله في الرواية الثانية اجتماع يضر أحدهما الآخر فيدل على أنه اجتماع مخصوص قال وهو مشكل المعنى وأوجه ما فيه أن يكون معناه ما أشرنا إليه أنهما لا يجتمعان في وقت إن استحق العقاب فيعيره بدخوله معه وأنه لم ينفعه إيمانه وقتله إياه، وقد جاء مثل هذا في بعض الآثار لكن قوله في هذا الحديث: مؤمن قتل كافرا ثم سدد مشكل لأن المؤمن إذا سدد ومعناه استقام على الطريقة المثلى ولم يخلط لم يدخل النار أصلا سواء قتل كافرا أو لم يقتله، قال القاضي ووجهه عندي أن يكون قوله ثم سدد عائدا على الكافر القاتل ويكون بمعنى الحديث الآخر \"يضحك اللّه من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة\" ورأى بعضهم هذا اللفظ تغييرا من بعض الرواة وأن صوابه \"مؤمن قتله كافر ثم سدد\" ويكون معنى قوله \"لا\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٩٣).","vol":"6","page":487},{"text":"يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر\" أي لا يدخلانها للعقاب ويكون هذا استثناء من اجتماع الورود وتخاصمهم على جسر جهنم هذا آخر كلام القاضي عياض (^١) والله أعلم.\nوقد تقدم الكلام على شيء من ذلك من كلام المنذري في الحواشي.\n\n٢٠٥٧ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من جَاهد فِي سَبِيل اللّه كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن عَاد مَرِيضا كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن غَدا إِلَى الْمَسْجِد أَو رَاح كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن دخل على إِمَام يعزره كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن جلس فِي بَيته لم يغتب إنْسَانا كَانَ ضَامِنا على اللّه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَاللَّفْظ لَهما (^٢).\nوَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِنَحْوِهِ وَعِنْده أَو خرج مَعَ جَنَازَة بدل وَمن غَدا إِلَى الْمَسْجِد وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَتقدم لَفْظهمَا (^٣).\nوَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد من حَدِيث أبي أُمَامَة إِلَا أَن عِنْده الثَّالِثَة وَرجل دخل بَيته بِسَلام فَهُوَ ضَامِن على اللّه (^٤).\nقوله: وعن معاذ بن جبل تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).\n(^٢) ابن حبان (٣٧٢)، وابن خزيمة (١٤٩٥).\n(^٣) أبو يعلى في مسنده الكبير، وأحمد (٢٢٠٩٣)، والطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٥٥)، والبزار (١٦٤٩).\n(^٤) أبو داود (٢٤٩٤).","vol":"6","page":488},{"text":"قوله: \"فهو علي ضامن\" بمعنى مضمون ويجيء فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (^١) أي مرضية وقوله تعالى: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (^٢) أي مدفوق قيل معناه ذا ضمان كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٣) وذا عيشة راضية ومعنى \"ضامن على اللّه تعالى\": أي صاحب ضمان، والضمان: الرعاية للشيء، كما يقال: تَامِرٌ، ولَابنٌ: أي صاحب تمر ولبن فمعناه أنه في رعاية اللّه تعالى وحفظه ذكره النووي في الأذكار (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"من غدا إلى المسجد أو راح كان ضامنا على اللّه\" الحديث، الغدو والرواح عند العرب يستعملان في السير متى كان ليلا أو نهارا يقال راح أول النهار وآخره وغدا بمعناه، هذا كلام الأزهري (^٥).\nقوله: \"ومن دخل على إمام يعزره كان ضامنا على اللّه\" تقدم الكلام على قوله: يعزره في المشي إلى المساجد.\nقوله: \"ورجل دخل بيته بسلام\" قيل يحتمل وجهين أحدهما أن يسلم إذا دخل منزله كما قال تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً\n_________\n(^١) سورة القارعة، الآية: ٧\n(^٢) سورة الطارق، الآية: ٦.\n(^٣) سورة النساء، الآية ١٠٠.\n(^٤) (ص:٢٤ رقم ٥٩).\n(^٥) تهذيب اللغة (٨/ ١٥٥).","vol":"6","page":489},{"text":"مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (^١) الوجه الآخر أن يكون أراد بدخوله بيته أي لزم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب بذلك من العزلة ويأمن بالإقلال من الخلطة ذكره المنذري في الحواشي (^٢) أ. هـ.\n\n٢٠٥٨ - وَعَن عبد اللّه بن حبشِي الْخَثْعَمِي - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - سُئِلَ أَي الأعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان لا شكّ فِيهِ وَجِهَاد لا غلُول فِيهِ وَحجَّة مبرورة قيل فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ جهد الْمقل قيل فَأَي الْهِجْرَة أفضل قَالَ من هجر مَا حرم اللّه قيل فَأَي الْجِهَاد أفضل قَالَ من جَاهد الْمُشْركين بنَفسِهِ وَمَاله قيل فَأَي الْقَتْل أشرف قَالَ من أهريق دَمه وعقر جَوَاده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم (^٣).\nقوله: وعن عبد اللّه بن حبشي الخثعمي - ﵁ -[سكن مكة، وله صحبة. روى عنه عبيد بن عمير ومحمد بن جبير بن مطعم (^٤)].\nقوله: \"أن النبي - ﷺ - سئل أي الأعمال أفضل قال إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله: قيل فأي الصدقة أفضل قال جهد المقل [أي قدر ما يحتمله حال القليل المال].\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٦١.\n(^٢) انظر: معالم السنن للخطابي (٣/ ٣٦١).\n(^٣) أبو داود (١٤٤٩)، وأحمد (١٥٤٠١)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٦)، وفي الآحاد والمثاني (٢٥٢٠).\n(^٤) أسد الغابة (٣/ ١٠٤ ترجمة ٢٨٨٤).","vol":"6","page":490},{"text":"قوله: قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بنفسه وماله.\nقيل فأي القتل أشرف قال من أهريق دمه\" يقال هراق الماء يهريقه بفتح الهاء هراقة أي صبه وأصله أراق يريق إراقة وفي الحديث الآخر: \"قال فأي الهجرة أفضل قال الجهاد قال وما الجهاد قال أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم قال فأي الجهاد أفضل قال من عقر جواده وأهريق دمه\" الجواد الفرس الجيد سمي بذلك لأنه يجود بجريه والأنثى جواد أيضا قاله في الديباجة.\n\n٢٠٥٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: جاهدوا فِي سَبِيل اللّه فَإِن الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة يُنجي اللّه ﵎ بِهِ من الْهم وَالْغَم رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده (^١).\nقوله وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: جاهدوا في سبيل اللّه فإن الجهاد في سبيل اللّه باب من أبواب الجنة\".\n\n٢٠٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كمثل القانت الصَّائِم لا يفتر صَلَاة وَلا صياما حَتَّى يرجعه اللّه إِلَى أَهله بِمَا يرجعه إِلَيْهِم من أجر أَو غنيمَة أَو يتوفاه فيدخله الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٦٨٠)، والحاكم (٢/ ٧٤)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٢)، رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط أطول من هذا، وأحد أسانيد أحمد وغيره ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٦٣).","vol":"6","page":491},{"text":"في صَحِيحه (^١). عَن شَيْخه عَمْرو بن سعيد بن سِنَان قَالَ وَكَانَ قد صَامَ النَّهَار وَقَامَ اللَّيْل ثَمَانِينَ سنة غازيا ومرابطا. قَالَ المملي ﵀ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَتقدم.\n\n٢٠٦١ - وَفِي رِوَايَة للنسائي فِي هَذَا الحَدِيث مثل الْمُجَاهِد فِي سَبيل اللّه وَاللّه أعلم بِمن جَاهد فِي سَبيله كمثل الصَّائِم الْقَائِم الخاشع الرَّاكع الساجد (^٢).\nقوله عن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل القانت الصائم لا يفتر صلاة ولا صياما\" ومعنى القانت هنا المطيع وقد تقدم الكلام على ذلك.\n\n٢٠٦٢ - وَعَن معَاذ بن أنس - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - أَن امْرَأَة أَتَتهُ فَقَالَت يَا رَسُول اللّه انْطلق زَوجي غازيا وَكنت أقتدي بِصَلَاتِهِ إِذا صلى وبفعله كُله فَأَخْبرنِي بِعَمَل يبلغنِي عمله حَتَّى يرجع قَالَ لَهَا أتستطيعين أَن تقومي وَلا تقعدي وتصومي وَلا تفطري وتذكري اللّه تَعَالَى وَلا تفتري حَتَّى يرجع قَالَت مَا أُطِيق هَذَا يَا رَسُول اللّه فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أطقته مَا بلغت العشور من عمله رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة رشدين بن سعد وَهُوَ ثِقَة عِنْده وَلا بَأْس بحَديثه فِي المتابعات وَالرَّقَائِق (^٣).\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٦٢٢).\n(^٢) النسائي (٦/ ١٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٨٥٠).\n(^٣) أحمد (١٥٦٣٣)، والطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٤٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٤)، رواه أحمد والطبراني، وفيه رشدين بن سعد، وثقه أحمد، وضعفه جماعة.","vol":"6","page":492},{"text":"العشور جمع عشرَة وَهُوَ الْوَاحِد من عشرَة أَجزَاء.\nقوله وعن معاذ بن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن امرأة أتته فقالت يا رسول اللّه انطلق زوجي غازيا وكنت أقتدي بصلاته إذا صلى وبفعله كله فأخبرني بعمل يبلغني عمله حتى يرجع فذكره إلى أن قال والذي نفسي بيده لو أطقته ما بلغت العشور من عمله. قال الحافظ (^١): العشور جمع عشر وهو الواحد من عشرة أجزاء قد كان بعض من يقعد عن الجهاد من امرأة وضعيف في عهد النبي - ﷺ - يسأله عن عمل يعدل الجهاد وفات بعض النساء الحج مع رسول اللّه - ﷺ - فلما قدم سألته عما يجزئ من تلك الحجة قال \"اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجه أو حجة معي\" ا هـ.\nولما كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء. اهـ.\nفائدة فيها بشرى لهذه الأمة زادها اللّه شرفا: حكى القرطبي في تفسيره عن كعب الأحبار (^٢) قال: كان ملكا في بني إسرائيل، فعل خصلة واحدة، فأوحى اللّه إلى نبي زمانهم: قل لفلان يتمنى. فقال: يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي، فرزقه اللّه ألف ولد، فكان يجهز الولد بماله في العسكر، ويخرجه\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٤٣).\n(^٢) تفسير القرطبى (٢٠/ ١٣٢).","vol":"6","page":493},{"text":"مجاهدا في سبيل اللّه، فيقوم شهرا ويقتل ذلك الولد، ثم يجهز آخر في العسكر، فكان كل واحد يقتل في شهر، والملك مع ذلك قائم الليل، صائم النهار، فقتل الألف ولد في ألف شهر، ثم تقدم فقاتل فقتل. فقال الناس: لا أحد يدرك منزلة هذا الملك، فأنزل اللّه تعالى: ليلة القدر خير من ألف شهر من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل اللّه.\nقال المؤلف عفا اللّه عنه: وهذا من سعة فضل اللّه على هذه الأمة يضاعف لها من العمل اليسير ما لم تدركه الأمم السالفة في العمر الطويل والعمل الكثير فإذا كانت ليلة القدر لهذه الأمة خيرا من ألف شهر من شهور ذلك الملك فكيف بما هو أفضل من ليلة القدر عند الحجر الأسود وهو موقف ساعة في سبيل اللّه تعالى كما صح ذلك من حديث أبي هريرة - ﵁ - واللّه أعلم أبيات في فضل الجهاد:\nقال عبد اللّه بن محمد قاضي نصيبين حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال أملى علي عبد اللّه بن المبارك بهذه الأبيات بطرسوس فأرسلها إلى مكة إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومائة وكان عبد الله يفضل الجهاد على الانقطاع والفضيل يرى عكس ذلك وهي هذه الأبيات:\nيَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أبْصَرتَنا ... لَعَلِمْتَ أنَّكَ في العِبَادَةِ تَلْعبُ\nمَنْ كَانَ يَخْضِبُ جيْدَهُ بِدُمُوْعِهِ ... فَنَحُوُرُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّب\nأوْ كَانَ يُتعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلٍ ... فَخُيُوْلنا يَوْم الصبيحة تَتْعَبُ\nريْحُ العَبيْرِ لكُمْ وَنحْنُ عَبِيرنا ... رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغُبارُ الأطْيَبُ","vol":"6","page":494},{"text":"وَلقد أتانَا مِنْ مَقَالِ نبينا ... قَوْلٌ صَحِيْحٌ صَادِق لا يَكذِبُ\nلا يَسْتَوِى وَغُبَارُ خَيْلِ اللّه في ... أنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ\nهَذَا كتَابُ الله يَنطِقُ بَيْنَنَا ... لَيسَ الشَّهِيدُ بِميِّتٍ، لا يَكذِب\nقال: فلقيت الفضيل بكتابه، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني واللّه أعلم.\n\n٢٠٦٣ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كمثل الصَّائِم نَهَاره الْقَائِم ليله حَتَّى يرجع مَتى يرجع رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَرِجَال أَحْمد مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن النعمان بن بشير - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل الصائم نهاره القائم ليله حتى يرجع متى يرجع\" الحديث تقدم معناه.\n\n٢٠٦٤ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَاتل فِي سَبِيل اللّه من رجل مُسلم فوَاق نَاقَة وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن جرح جرحا فِي سَبِيل اللّه أَو نكب نكبة فَإِنَّهَا تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كأغزر مَا كَانَت لَوْنهَا لون الزَّعْفَرَان وريحها ريح الْمسك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وصدره فِي صَحِيح ابْن حبَان (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (١٨٤٠١)، والبزار (١٦٤٥)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٥)، رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٢) أبو داود (٢٥٤١)، والترمذي (١٦٥٧)، وابن ماجه (٢٧٩٢)، وابن حبان (٣١٨٥)، وأحمد (٢٢٠١٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤١٦).","vol":"6","page":495},{"text":"قوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قاتل في سبيل اللّه من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة\" تقدم الكلام على فواق الناقة.\nقوله - ﷺ -: \"ومن جرح جرحا في سبيل اللّه أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك\" تقدم الكلام على الجرح، قوله: \"أو نكب نكبة\" والنكبة بفتح النون وسكون الكاف واحدة نكبات الدهر: وهو ما يصيب الإنسان من الحوادث.\nوقوله: \"فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت\" يقال: غزر الشيء بالضم يغرز فهو غزير إذا كثر وتقدم الكلام على ذلك.\n\n٢٠٦٥ - وَعنهُ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من جرح جرحا فِي سَبِيل اللّه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة رِيحه كريح الْمسك ولونه لون الزَّعْفَرَان عَلَيْهِ طَابع الشّهَدَاء وَمن سَأل اللّه الشَّهَادَة مخلصا أعطَاهُ الله أجر شَهِيد وَإِن مَاتَ على فرَاشه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: وعنه - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من جرح جرحا في سبيل اللّه جاء يوم القيامة ريحه كريح المسك ولونه لون الزعفران عليه طابع الشهداء\" والطابع بالطاء المهملة وبعد الألف باء موحدة مفتوحة وهو الخاتم يختم به على الشيء، وكسر الباء لغة فيه والله أعلم. وتقدم ذلك أيضًا.\n_________\n(^١) ابن حبان (٣١٩١)، والحاكم (٢/ ٧٧).","vol":"6","page":496},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ومن سأل اللّه الشهادة مخلصا أعطاه اللّه أجر شهيد وإن مات على فراشه\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٢٠٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من مكلوم يكلم فِي سَبِيل اللّه إِلَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَكَلمه يدمى اللَّوْن لون دم وَالرِّيح ريح مسك.\nوَفِي رِوَايَة كل كلم يكلم فِي سَبِيل اللّه يكون يَوْم الْقِيَامَة كهيئتها يَوْم طعنت تفجر دَمًا اللَّوْن لون دم وَالْعرْف عرف مسك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ مَالك وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ (^١).\nالْكَلم بِفَتْح الْكَاف وَإِسْكَان اللَّام هُوَ الْجرْح.\nوَالْعرْف بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الرَّاء هُوَ الرَّائِحَة.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من مكلوم يكلم في سبيل اللّه إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى اللون لون دم والريح ريح المسك، والكلم بفتح الكاف وإسكان اللام هو الجرح، وفيه دليل على أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة اللّه تعالى، وفي رواية \"واللّه أعلم بمن يكلم في سبيله\" الحديث، هذا تنبيه على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه\n_________\n(^١) البخاري (٢٧)، ومسلم (١٨٧٦)، ومالك (١٣٢٦)، والترمذي (١٦٥٦)، وأحمد (٩١٧٥).","vol":"6","page":497},{"text":"وقاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا، قالوا: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار فيدخل فيه من جرح في سبيل اللّه في قتال البغاة وقطاع الطريق في إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك والله أعلم. وفي رواية: \"كل كلم يكلم في سبيل اللّه يكون يوم القيامة كهيئتها يوم طعنت تفجر دما لون دم والعرف عرف المسك\" العرف بفتح العين المهملة وإسكان الراء هو الرائحة كذا قاله المنذري، وفي رواية \"إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما\" هو بفتح الياء وإسكان الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وآخره باء موحدة ومعناه: يجري متفجرًا أي: كثيرًا وهو معنى الرواية الأخرى: \"يتفجر دما\"، وقوله - ﷺ - \"كهيئتها يوم طعنت\" الضمير في هيئتها يعود على الجراحة، قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة: (^١) مجيئه يوم القيامة مع سيلان الجرح فيه أمران: أَحَدُهُمَا: الشَّهَادَةُ عَلَى ظَالِمِهِ بِالْقَتْلِ. الثَّانِي: إظْهَارُ شَرَفِهِ لِأَهْلِ الْمَشْهَدِ وَالْمَوْقِفِ بِمَا فِيهِ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ الشَّاهِدَةِ بِالطِّيبِ، واللّه أعلم.\n\n٢٠٦٧ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ شَيْء أحب إِلَى اللّه من قطرتين وأثرين قَطْرَة دموع من خشيَة اللّه وقطرة دم تهراق فِي سَبيل اللّه وَأما الأثران فأثر فِي سَبِيل اللّه وَأثر فِي فَرِيضَة من فَرَائض اللّه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\n_________\n(^١) إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٣٠٥).\n(^٢) الترمذي (١٦٦٩)، والطبراني في الكبير (٧٩١٨)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٠٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١٣٦٣).","vol":"6","page":498},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ليس شيء أحب إلى اللّه من قطرتين وأثرين قطرة دموع من خشية اللّه وقطرة دم تهراق في سبيل اللّه وأما الأثران فأثر في سبيل اللّه وأثر في فريضة من فرائض اللّه\" هو الذي يقوم فتنفطر قدماه أو يصوم فينحل بدنه وتجف شفتاه ويصفر لونه من أثر العبادة واللّه أعلم، قاله في التنقيح، وقال في الديباجة: الأثران هما الخُطى في سبيل اللّه وفي أداء فرائض اللّه من الصلاة والحج، روى الحاكم من حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"من حج من مكة حتى يرجع إليها كتب اللّه له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم الحسنة بمائة ألف حسنة\" قال الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (^١) قال مجاهد وقتادة والحسن: الآثار في هذه الآية الخطى إلى الجمعة، وقال ثابت البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت فحبسني فلما انقضت قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى الصلاة فأسرعت فحبسني فلما انقضت الصلاة قال لي: أما علمت أن الآثار تكتب، وتقدم قريبا فضل من اغبرت قدماه في سبيل اللّه، وفي أبواب الصلاة فضل [المشي] إلى المسجد واللّه أعلم، أهـ.\n\n٢٠٦٨ - وَعَن سهل بن سعد - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ساعتان تفتح فيهمَا أَبْوَاب السَّمَاء وقلما ترد على دَاع دَعوته عِنْد حُضُور النداء والصف فِي سَبِيل اللّه (^٢).\n_________\n(^١) سورة يس، الآية: ١٢.\n(^٢) عبد الغني المقدسي في الترغيب (٣٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٧٩).","vol":"6","page":499},{"text":"وَفِي لفظ ثِنْتَانِ لا تردان أَو قَالَ مَا تردان الدُّعَاء عِنْد النداء وَعند الْبَأْس حِين يلحم بعض بَعْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nوَفِي رِوَايَة لابْنِ حبَان ساعتان لا ترد على دَاع دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل اللّه (^٢).\nيلحم بِالْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ ينشب بَعضهم بِبَعْض فِي الْحَرْب.\nقوله: \"وعن سهل بن سعد - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ساعتان لا تردان أو ما تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا\" الحديث، قوله - ﷺ - \"وعند البأس\" بالهمز الشدة في الحرب.\nقوله - ﷺ - \"يلحم بعضهم بعضا\" يلحم: هو بضم الباء وسكون اللام وكسر الحاء هذا هو الذي يظهر من كلام الجوهري في صحاحه وكلام النهاية ومعناه: ينشب بعضهم ببعض في الحرب كذا قاله المنذري، أي: يشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضا، يقال: لحمت الرجل إذا قتلته، والملحمة الحرب وموضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسداء وقيل غير ذلك.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٥٤٠)، وابن خزيمة (٤١٩)، والحاكم (١/ ١٩٨) وقال الألباني صحيح، أخرجه أبو داود (٢٥١٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.\n(^٢) ابن حبان (١٧٦٤).","vol":"6","page":500},{"text":"خاتمة: قد ورد في الحديث \"لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا\"، فإن قيل: فما الفرق بين تمني لقاء العدو حيث نهي عنه وبين تمني الشهادة حيث طلبه ورغب فيه فقال - ﷺ - \"من سأل اللّه الشهادة صادقا من قلبه أعطيها وإن مات على فراشه\"؟ قلنا: الفرق بينهما أن الجهاد ابتلاء وامتحان لا يعرف ما تسفر عاقبته وقد لا تحصل فيه غنيمة ولا شهادة بل حصل ضد ذلك ففيه خطر عظيم بخلاف الشهادة من حيث الشهادة فإنها درجة عظيمة يتمناها العلماء، وقد قال ﵇ وددت أن أقتل في سبيل اللّه الحديث، وربما تحصل الشهادة وهو على فراشه بغير قتال بالنية أو بمرض من الأمراض انتهى.","vol":"6","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الترغيب في إخلاص النية في الجهاد وما جاء فيمن يولد الأجر والغنيمة والذكر وفضل الغزاة إذا لم يغنموا</span>\n٢٠٦٩ - عَن أبي مُوسَى - ﵁ -: أَن أَعْرَابِيًا أتى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه\nالرجل يُقَاتل للمغنم وَالرجل يُقَاتل ليذكر وَالرجل يُقَاتل ليرى مَكَانَهُ فَمن فِي سَبِيل اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من قَاتل لتكون كلمة اللّه هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن أبي موسى - ﵁ -. تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن أعرابيا أتى النبي - ﷺ - \"الأعرابي بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية.\nقوله: \"فقال يا رسول اللّه الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر\" أي ليذكره الناس بالشجاعة.\nقوله: \"والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل اللّه فقال رسول اللّه - ﷺ - من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه\" وفي حديث آخر \"سئل رسول اللّه - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل اللّه فقال رسول اللّه - ﷺ - من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل\n_________\n(^١) البخاري (٢٨١٠)، ومسلم (١٩٠٤)، وأبو داود (٢٥١٧).","vol":"6","page":502},{"text":"اللّه\" (^١) قال أهل اللغة الشجاعة شدة في القلب عند البأس (^٢)، والحمية الأنفة والغيرة والمحاماة عن عشيرته وأقاربه (^٣) ولولا ذلك لم يقاتل، والرياء يمد ويقصر والأشهر المد وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة وهو ضد الإخلاص فإن أراد نفع الدنيا والآخرة فهو مراء أيضا (^٤)، وأما القتال للشجاعة فتارة يكون لإظهارها ليقال هو شجاع وهذا هو الفرق بينه وبين من يقاتل لإعلاء كلمة اللّه وبذل نفسه في رضاه رغبة فيما عند اللّه تعالى ظاهرا وهو في الباطن بخلاف ذلك، فالأول قصد المدح على الشجاعة في الدنيا فقط فهذا قصد الدنيا أو غيرها من الأغراض الفاسدة، وتارة يقاتل للشجاعة طبعا ولم يقصد شيئا فهو أقل من الأول ذنبا لعدم قصده ولا يقال إنه قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا إذ لم يقصد ذلك، نعم إن أخلص أولا ثم قاتل طبعا وشجاعة ولم يقصد ما ينافي الأول فهو على نيته لأن الإنسان عندما يدهمه القتال قد يذهل عن ذلك كما [قد] يذهل عن التوحيد عند الموت [فيحكم] بإيمانه المتقدم ما لم يطرأ [على استحضاره ما ينافيه والثالث] يقاتل للشجاعة [قاصدا إعلاء كلمة اللّه - تعالى - حال]، القتال فهذا هو المراد بالحديث وهو الغاية (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٥٨) ومسلم (١٥٠ - ١٩٠٤) عن أبي موسى.\n(^٢) الصحاح للجوهري (٣/ ١٢٣٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٩).\n(^٤) رياض الأفهام (٥/ ٦٠٩).\n(^٥) رياض الأفهام (٥/ ٦٠٩ - ٦١٠).","vol":"6","page":503},{"text":"واعلم أن من قاتل لثواب اللّه فهو في سبيل اللّه ويشهد له فعل الصحابة، وقد سمع [رسول اللّه - ﷺ -] يقول: \"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض [فألقى التمرات التي في يده وقاتل حتى قتل وظاهر هذا أنه قاتل لثواب الجنة] \" ذكره [ابن النحاس (^١)] عفا اللّه عنه، وقال أبو العباس القرطبي: من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه\" يعني بكلمة اللّه دين الإسلام وأصله أن الإسلام ظهر بكلام اللّه تعالى الذي أظهره على لسان نبيه - ﷺ -، ويفهم من هذا الحديث اشتراط الإخلاص في الجهاد وكذلك هو شرط في جميع العبادات لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٢) (^٣) قال المهلب: إذا كان في أصل النية إعلاء كلمة اللّه ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك، ومن قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فخليق أي حقيق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة اللّه وأن يحب الغنى بإعلاء كلمة اللّه فهذا لا يضره إذا كان عقدًا صحيحًا (^٤). اهـ\nففي هذا الحديث بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل اللّه مختص بمن قاتل لتكون كلمة\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦١٤ - ٦١٥) وانظر إحكام الأحكام (٢/ ٣١٩).\n(^٢) سورة البينة، الآية: ٥.\n(^٣) المفهم (١٢/ ٥٠).\n(^٤) شرح الصحيح (٥/ ٢٦) لابن بطال.","vol":"6","page":504},{"text":"الله هي العليا (^١) واللّه أعلم، ففيه دليل على أن الإخلاص واجب في الجهاد كما يجب في غيره، وأنه تدخله النية، وقد قسم العلماء [الشهداء ثلاثة أقسام شهيد في الدنيا والآخرة وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وشهيد] في الدنيا دون الآخرة وهو الذي يقاتل رياء أو سمعة أو [طمعا في المغنم] ولا يمنع الإخلاص في الجهاد دخول الشهرة بالشجاعة ووقوع المحمدة من الناس فإنا لو فتحنا هذا الباب أدى ذلك إلى ترك العمل جملة بل متى صح القصد لم يضر المدح، وكذلك لا يمنع الإخلاص القتال لطلب الجنة والغنيمة مع قصد إعلاء الكلمة لأنه طلب لما وعد اللّه على الجهاد ولذلك لا يقدح قصد طلب الثواب وسائر الأعمال، قال عبد اللّه بن المبارك: العبادة على ثلاثة أقسام عبادة الأحرار وهم الذين عبدوا اللّه لأداء حق الربوبية لا لطلب ثواب ولا لخوف عقاب فهذه أعلاها، وعبادة التجار وهم الذين عبدوا اللّه تعالى لطلب الثواب وعبادة العبيد وهم الذين عبدوا اللّه خوفا من النار (^٢) ا. هـ.\nوإنما كانت عبادة الأحرار أفضل لأنهم شاهدوا من أنفسهم التقصير ورأوا نعم اللّه تعالى أوجبت عليهم الشكر ورأوا أعمالهم تقع قاصرة عن أداء الشكر الواجب عليهم قال اللّه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (^٣)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٩).\n(^٢) هذا كلام علي بن الحسين كما في حلية الأولياء (٣/ ١٣٤)، وصفة الصفوة (١/ ٣٥٤).\n(^٣) سورة سبأ، الآية: ١٣.","vol":"6","page":505},{"text":"والعامل إذا رأى عمله قاصرًا عن وفاء الحق الذي عليه لم يحسن منه طلب ثوابا عليه كما أن دافع الدين لا يطلب عوض ما دفع ممن له الحق اهـ.\n\n٢٠٧٠ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ -. أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول اللّه رجل يُرِيد الْجِهَاد وَهُوَ يُرِيد عرضا من الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا أجر لَهُ فأعظم ذَلِك النَّاس وَقَالُوا للرجل عد لرَسُول اللّه - ﷺ - فلعلك لم تفهمه فَقَالَ الرجل يَا رَسُول اللّه رجل يُرِيد الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه وَهُوَ يَبْتَغِي عرض الدُّنْيَا قَالَ لا أجر لَهُ فأعظم ذَلِك النَّاس وَقَالُوا عد لرَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَة رجل يُرِيد الْجِهَاد وَهُوَ يَبْتَغِي عرضا من الدُّنْيَا فَقَالَ لا أجر لَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم بِاخْتِصَار وَصَححهُ (^١). الْعرض بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالرَّاء جَمِيعًا هُوَ مَا يقتنى من مَال وَغَيره.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -. تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن رجلًا قال: يا رسول اللّه رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضًا من الدنيا فقال رسول اللّه - ﷺ - لا أجر له\" العرض ما يقتنى من مال وغيره قاله الحافظ المنذري اهـ، والعرض أيضا بالتحريك المال قل أو كثر وبالسكون المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير.\nقوله: \"يبتغي عرضا\" أي يطلب.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٥١٦)، وابن حبان (٤٦٣٧)، وأحمد (٧٩٠٠)، والحاكم (٢/ ٨٥)، وابن المبارك في الجهاد (٢٢٧). وقال الألباني صحيح، أخرجه أبو داود (٢٥١٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.","vol":"6","page":506},{"text":"قوله \"لا أجر له\" أي لا ثواب له.\nاعلم أن المجاهدين في نية الجهاد على أقسام، منهم من يجاهد ونيته تحصيل عرض الدنيا من غير التفات إلى قصد نوع من العبادة بحيث لو عرض عليهم غزو طائفة من الكفار ليس لهم ما يغنم أو علم أنه يمنع من الغنيمة لم يغز فهذا إذا قتل ليس بشهيد وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهيد وليس له أجر البتة لقوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة المتقدم لما سئل عمن يريد الجهاد وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال: \"لا أجر له\" ثم هل يعاقب على ذلك في الآخرة؟ اختلف السلف في ذلك على قولين منهم من قال يعاقب لأنه عمل عمل الآخرة للدنيا، القول الثاني أنه لا يثاب ولا يعاقب وهو الظاهر ويدل عليه قوله - ﷺ - \"لا أجر له\" ولم يذكر فيه عقابا، وكذلك قوله - ﷺ - \"من غزا ولم ينوي إلا عقالا فله ما نوى\" وأشباه ذلك (^١). اهـ\nومنهم من يخرج إلى الجهاد مكثرا سواد المسلمين ليس له من نية أن يقتل ولا يقتل وهذا إن قتل فهو شهيد لأن من كثر سواد قوم فهو منهم (^٢) ومنه الحديث \"الشهداء ثلاثة\" وذكر منهم من يكثر سواد المسلمين، ومنهم من يجاهد ونيته وجه اللّه ونيل الغنيمة جميعا فهذه النية مما اختلف فيها وفي أشباهها أئمة السلف فذهب بعضهم إلى أن هذه النية فاسدة وأن صاحبها يعاقب عليها لإدخاله قصد الدنيا في عمل الآخرة وذهب آخرون إلى أن هذه\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦٣١).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٦٢٢).","vol":"6","page":507},{"text":"النية صحيحة وهذا هو المذهب الصحيح وإليه ذهب حجة الإسلام أبو حامد الغزالي وذكر كلاما مطولا ملخصه أن هذا تصريح منه بأن هذه النية صحيحة ومن قتل بها فهو شهيد وكذلك صرح الإمام أبو عبد اللّه القرطبي بصحتها فإنه قال في التفسير: ودل خروج النبي - ﷺ - ليلقى العير يعني عير أبي سفيان لما قدم من الشام على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال. وهو يرد ما كره مالك من ذلك، إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه دون من يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ (^١). أ. هـ\nوهذا الدليل الذي استدل به القرطبي دليل جيد فإن أبا سفيان بن حرب لما قدم من الشام في عير قريش وفيها أموالهم وتجارتهم وكان فيها ثلاثون رجلا قال ابن عقبة كانوا سبعين رجلا وكانت عيرهم ألف بعير فلما سمع النبي - ﷺ - بها فندب المسلمين إليها الحديث في غزوة بدر الكبرى (^٢)، ومنهم من إذا دهمه القتال يقاتل مقبلا غير مدبر ليس له نية البتة غير الدفع عن نفسه وهذا قريب من أصحاب النية الثالثة وليس مثلهم وهو شهيد لأن من دفع عن نفسه قطاع الطريق فقتلوه كان من الشهداء فكيف لا يكون شهيدا من قتل بسيوف الأعداء بل هو شهيد في الفضل والحكم والمقاتل مع هؤلاء مع\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦٢٣ - ٦٢٤) وكلام الغزالى في الإحياء (٤/ ٣٨٥)، وكلام القرطبى في التفسير (٧/ ٣٧٦).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٦٢٤ - ٦٢٥).","vol":"6","page":508},{"text":"علمه أنه يسلم إذا استسلم أفضل من المقاتل الذي يعلم أنه إذا استسلم قتلوه وأما من فر حيث يحرم الفرار فقتل مدبرا فإنه ليس بشهيد وإن جرت عليه أحكام الشهداء في هذه الدار (^١).\nقوله في الحديث \"أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني خطاياي فقال رسول اللّه - ﷺ - نعم إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر\" فدل هذا الحديث على أن من قتل مدبرا حيث لا يجوز له الفرار أنه ليس بشهيد بل قد باء بغضب من اللّه وسخطه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (^٢) الآية، فأين هذا من الفوز برتبة الشهادة ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول في دعائه \"وأعوذ بك أن أقتل في سبيلك مدبرًا\" رواه النسائي وغيره (^٣) واللّه أعلم قاله ابن النحاس عفا اللّه عنه (^٤).\n\n٢٠٧١ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - أَنه قَالَ يَا رَسُول اللّه أَخْبرنِي عَن الْجِهَاد والغزو فَقَالَ يَا عبد اللّه بن عَمْرو إِن قَاتَلت صَابِرًا محتسبا بَعثك اللّه\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦٢١).\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ١٦.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٧ (١٥٥٢٣) و(١٥٥٢٤)، وأبو داود (١٥٥٢)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٣٨٧ (٥٥٧٥) و٨/ ٣٨٨ (٥٥٧٦) و(٥٥٧٧) والكبرى (٧٩١٧ و٧٩١٨ و٧٩١٩)، والحاكم (١/ ٥٣١) عن أبي اليسر. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٣٨٨).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٦٢٢).","vol":"6","page":509},{"text":"صَابِرًا محتسبا وَإِن قَاتَلت مرائيا مكاثرا بَعثك اللّه مرائيا مكاثرا يَا عبد اللّه بن عَمْرو على أَي حَال قَاتَلت أَو قتلت بَعثك اللّه على تِلْكَ الْحَال رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: لعمر بن العاص: إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك اللّه صابرًا محتسبًا وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك اللّه مرائيًا مكاثرًا\" تقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.\n\n٢٠٧٢ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِنَّمَا الأعْمَال بِالنِّيَّةِ وَفِي رِوَايَة بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى اللّه وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى اللّه وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن عمر بن الخطاب - ﵁ -. تقدم الكلام عليه مبسوطا في أوائل هذا الكتاب.\nقوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنية وفي رواية بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\"، والنيات: جمع نية بالتشديد والتخفيف فإن شددت كانت من نوى ينوي إذا قصد\n_________\n(^١) أبو داود (٢٥١٩)، والحاكم (٢/ ٨٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٥٤١).\n(^٢) البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، وأحمد (١٦٨)، ومالك في الموطأ (٩٨٣).","vol":"6","page":510},{"text":"وأصلها نويه قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها فقيل نية وإن خففت كانت من ونى يني إذ أبطأ وتأخر لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر ولهذا ترى بعض الناس يبطئ في نية الصلاة حتى تفوته الركعة الأولى مع الإمام، ومنها: نوى ينوي إذا قصد يقال: نواك اللّه بخير إذا قصدك به ونويت فلانا وانتويته بمعنى، ا. هـ، قاله الطوفي (^١)، ومعنى الحديث: لا تحسب الأعمال الشرعية إلا بالنية (^٢)، قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهما: لفظة إنما موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير هذا الحديث: أن الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية، وفيه: دليل على أن الطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم لا تصح إلا بالنية وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات (^٣)، ولهذا لو نوى الصلاة بلسانه دون قلبه لم تصح، ولو قرأ الفاتحة بقلبه دون لسانه لم تصح، فهذا الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات كما مثلنا، وتدخل النية في الطلاق والعتاق والقذف، ومعنى دخولها: أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح، وإذا أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى، وإن نوى بالصريح غير مقتضاه دُين فيما بينه وبين اللّه تعالى، ولا يقبل منه في الظاهر (^٤).\n_________\n(^١) التعيين (ص ٢٨).\n(^٢) الفتح المبين (ص ٦٤٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).","vol":"6","page":511},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وإنما لكل امرئ ما نوى\"، قالوا: فائدة ذكره بعد \"إنما الأعمال بالنية\": بيان أن تعين المنوي شرطٌ، فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أدر عصرا أو غيرهما، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أوهم ذلك (^١)؛ والنية: هي القصد إلى الشيء، تقول العرب: نواك اللّه بحفظه أي قصدك اللّه بحفظه (^٢)، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أوائل هذا التعليق، وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: قوله \"وإنما لكل امرئ ما نوى\" يقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، وكل ما لم ينزه لم يحصل له فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من [المسائل]، فإن جاء دليل خارج يقتضي أن المنوي لا يحصل أو أن غير المنوي يحصل وكان راجحا وعمل وخصص هذا العموم ثم قال: وفرق بين قولنا من نوى شيئا لم يحصل له غيره، وبين قولنا: من لم ينو شيئا لم يحصل له، والحديث: يحتمل الأمرين وآخره: يشير إلى المعنى الأول (^٣)، ا. هـ.\nوقد [رأينا] من نوى شيئا فحصل غيره كالجمعة للمسبوق يفوتها قبل سلام الإمام ويصليها ظهرًا وغير ذلك ولكن يدخل في ذلك قوله: إلا بدليل قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ٤٦) وشرح الأربعين (ص ١١).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٦١ و٦٣).","vol":"6","page":512},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله\" وأما الهجرة فأصلها الترك، والمراد هنا: ترك الوطن ومفارقة الأهل وكان واجبا على من أسلم أن يهاجر إلى النبي - ﷺ - مفارقا دار قومه، فلما فتحت مكة ودخل الناس في دين اللّه أفواجًا انقطعت هذه الهجرة وبقيت هذه الهجرة من دار الكفر على حالها، أما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فباقية إلى يوم القيامة، ولهذا قال - ﵇ -: \"أنا برئ من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين\" (^١) فمن لم يتمكن من إظهار دينه فعليه أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، وعن معاوية - ﵁ - قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها\" (^٢)، وسمي الذين تركوا موطن مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك، واسم الهجرة يقع على أمور الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة - ﵁ -، الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة\" الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول اللّه - ﷺ - لتعلم الشرائع ثم يرجعون إلى المواطن ويعلمون قومهم، الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي - ﷺ - ثم يرجع إلى مكة، الهجرة الخامسة: هجرة ما نهي اللّه عنه، وهي أعظمها وأعمها، قال - ﵇ -: \"المهاجر مما نهى اللّه عنه\"\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٠٢ رقم ٢٢٦٤) واللفظ له. وصححه الألباني في الإرواء (١٢٠٧)، صحيح أبي داود (٢٣٧٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٤٧٩). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٢٤١).","vol":"6","page":513},{"text":"ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة واللّه أعلم، والتقدير: فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى اللّه ورسوله حكما وشرعًا (^١).\nوقوله: \"ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه\" هذا الحديث ورد على سبب: وهو أنه لما أمر بالهجرة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم اللّه تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٢) الآية، ولم يهاجر جماعة لفقدان استطاعتهم فعذرهم اللّه تعالى واستثناهم بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (^٣) الآية، وهاجر إليه المخلصون فمدحهم اللّه تعالى في كتابه في غير موضع من القرآن وكان من المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين منهم من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة يقال لها أم قيس فهاجرت إلى المدينة فهاجر الرجل لأجلها لا تدينا فعرض النبي - ﷺ - في هذا الحديث، هذا الحديث تنفيرا عن مثل قصده، وكان ذلك الرجل بعد يدعى مهاجر أم قيس، وأم قيس هذه معدودة (^٤).\nوقوله: \"لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها\" يحتمل أن مهاجر أم قيس المذكور\n_________\n(^١) شرح الأربعين للنووى (ص ١٣ - ١٥) وإحكام الأحكام (١/ ٦٢) والتعيين (ص ٣٩).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٩٧.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٩٨.\n(^٤) إحكام الأحكام (١/ ٦٢) والتعيين (ص ٣٨ - ٣٩).","vol":"6","page":514},{"text":"كان يحبها لمالها وجمالها فجمعهما في التعريض به، ويحتمل أنه كان يطلب نكاحها وغيره من الناس هاجر لتحصيل دنيا من جهة ما فعرض بهما، ويحتمل غير ذلك، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^١)، ومعنى الحديث: من قصد بهجرته وجه اللّه وقع أجره على اللّه، ومن قصد دنيا أو امرأة ينكحها فهي حظه ولا نصيب له في الآخرة (^٢) واللّه أعلم، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا.\n\n٢٠٧٣ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ أَرَأَيت رجلا غزا يلْتَمس الأجر وَالذكر مَا لَهُ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا شَيء لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول رَسُول اللّه - ﷺ - لا شَيْء لَهُ ثمَّ قَالَ إِن اللّه لا يقبل من الْعَمَل إِلَّا مَا كَانَ خَالِصا وابتغي بِهِ وَجهه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٣).\nقَوْله يلْتَمس الْأجر وَالذكر يَعْنِي يُرِيد أجر الْجِهَاد وَيُرِيد مَعَ ذَلِك أَن يذكرهُ النَّاس بِأَنَّهُ غاز أَو شجيع وَنَحْو ذَلِك.\n\n٢٠٧٤ - وَعَن أبي بن كَعْب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - بشر هَذِه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بِالدّينِ والتمكين فِي الْبِلَاد والنصر فَمن عمل مِنْهُم بِعَمَل الآخِرَة للدنيا فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَة من نصيب رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي\n_________\n(^١) التعيين (ص ٤٠)\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٥).\n(^٣) النسائي في الكبرى (٤٣٤٨)، والطبراني في الكبير (٧٦٢٨)، والأصبهاني في الترغيب (١٠٣)، وقال الألباني صحيح في صحيح سنن النسائي.","vol":"6","page":515},{"text":"صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَتقدم فِي الرِّيَاء هُوَ وَغَيره (^١).\n\n٢٠٧٥ - وَتقدم أَيْضا حَدِيث معَاذ بن جبل - ﵁ -: عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ مَا من عبد يقوم فِي الدُّنْيَا مقَام سمعة ورياء إِلَّا سمع اللّه بِهِ على رُؤُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: جاء رجل إلى رسول اللّه - ﷺ - فقال: أرأيت رجلا غزى يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"لا شيء له\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"إذ اللّه لا يقبل اللّه من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه\".\nقوله: يلتمس الأجر والذكر، يعني: يريد أجر الجهاد ويريد مع ذلك أن يذكره الناس بأنه غاز أو شجاع ونحو ذلك، هكذا قاله المنذري، اختلف الناس هل يعاقب على هذه النية أم لا؟ فذهب ذاهبون إلى أنه يعاقب لإرادته بعباده اللّه غيره، وذهب آخرون إلى أنه لا يثاب ولا يعاقب بل يكفيه من العقوبة إحباط أجر في بذل نفسه التي هي أنفس الأشياء لديه وأعزها عليه، والدليل لهذا القول جملة من الأحاديث منها قوله - ﷺ -: \"قال اللّه ﷿ أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن\n_________\n(^١) أحمد (٢١٢٢٠)، وابن حبان (٤٠٥)، والحاكم (٤/ ٣١١)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٨٢٥).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٢٣٧)، وفي مسند الشاميين (١٠٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٣)، إسناده حسن.","vol":"6","page":516},{"text":"عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو للذي أشرك\" (^١) وروى الترمذي عن أبي سعد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"إذا جمع اللّه الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمله أحدا فليطلب ثوابه من عنده فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك\" (^٢) وهذه أدلة واضحة لهذا القول إذ لم يذكر النبي - ﷺ - فيها عقابا. فإن قلت: ينبغي أن يثاب على شائبة القربى في قصده بقدرهما مما يثاب المخلص ويعاقب على قصده الرياء بقدر ما يعاقب المرائي الكامل لأن: (من يعمل مثقال ذرة خيرا يره) الآية، قلنا يكفيه من العقوبة إحباط أجره في بذل نفسه وعدم فوزه بالشهادة مع ما ناله من ألم القتل لأنه لا يخفف عنه ألمه كما يخفف عن المخلص وحسبه من الثواب على شائبة القربة في قصده دفع العقوبة عنه إذ لولا تلك الشائبة لكان من الثلاثة الذين تسعر بهم النار فوجود تلك الشائبة هو الذي منعه من العقوبة التي يستحقها المرائي الكامل ووجود الرياء هو الذي منعه من الأجر الذي يفوز به المخلص فلا يكون له أجر لعدم حقيقة الإخلاص ولا يستحق عقوبة لما في عمله من قصد القربة وعدم تمحض الرياء واللّه سبحانه أعلم، قاله ابن النحاس (^٣) عفا اللّه عنه.\n\n٢٠٧٦ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْغَزْو غَزوَان فَأَما من ابْتغى وَجه اللّه وأطاع الإِمَام وَأنْفق الْكَرِيمَة وياسر الشَّرِيك واجتنب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٦ - ٢٩٨٥) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٣)، والترمذي (٣١٥٤) وابن حبان (٤٠٤ و٧٣٤٥). وقال الألباني: حسن صحيح - المشكاة (٥٣١٨)، صحيح الترغيب (٣٣).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٦٣٣ - ٦٣٥).","vol":"6","page":517},{"text":"الْفساد فَإِن نَومه وتنبهه أجر كله وَأما من غزا فخرا ورياء وَسُمْعَة وَعصى الإِمَام وأفسد فِي الأرْض فَإِنَّهُ لن يرجع بالكفاف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره (^١).\nقَوْله: يَاسر الشَّرِيك مَعْنَاهُ عَامله باليسر والسماحة\nقوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه اللّه وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله\" الحديث، الكريمة هي العزيزة على صاحبها الجامعة للكمال الممكن في حقها من الحيوان وغيره (^٢).\nقوله: \"وياسر الشريك\" معناه عامله باليسر والسماحة كذا قاله المنذري والمياسرة المساهلة.\nقوله: \"ونبهه\" بفتح النون وبعدها باء موحدة مفتوحة وهاء من الانتباه والسهر.\nقوله: \"فإنه لن يرجع بالكفاف\" هو الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه (^٣) ويكون معناه يرجع ولم يحصل له حسنة ولم يكتسب خطيئة أي يرجع بالإثم لا بالأجر (^٤) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٥١٥)، وأحمد (٢٢٠٤٢)، والنسائي في الكبرى (٨٧٣٠)، والحاكم (٢/ ٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ١٧٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٣٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٦٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٧٤).\n(^٢) النهاية (٤/ ١٦٧).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٩١).\n(^٤) المفاتيح (٤/ ٣٦٣)، وشرح المشكاة (٨/ ٢٦٥٧).","vol":"6","page":518},{"text":"٢٠٧٧ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من غزا فِي سَبِيل اللّه وَلم ينْو إِلَّا عقَالًا فَلهُ مَا نوى رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n٢٠٧٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -. قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول اللّه إِنِّي أَقف الْموقف أُرِيد وَجه اللّه وَأُرِيد أَن يرى موطني فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول اللّه - ﷺ - حَتَّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٢). رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^٣).\n\n٢٠٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن أول النَّاس يقْضى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِن قَاتَلت لأن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^٤).\n\n٢٠٨٠ - وَعند التِّرْمِذِيّ حَدثنِي رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِن اللّه ﵎ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بَينهم وكل أمة جاثية فَأول من يَدْعُو بِهِ\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٦٣٨)، وأحمد (٢٢٦٩٢)، والحاكم (٢/ ١٠٩)، والبيهقي (٦/ ٣٣١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٠١).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(^٣) الحاكم (٢/ ١١١)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٥٤).\n(^٤) مسلم (١٩٠٥)، والنسائي في الكبرى (٤٣٤٥)، وأحمد (٨٢٧٧)، والبيهقي (٩/ ١٦٨).","vol":"6","page":519},{"text":"رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل اللّه وَرجل كثير المَال فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ وَيُؤْتى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل اللّه فَيَقُول اللّه لَهُ فيماذا قتلت فَيَقُول أَي رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول اللّه لَهُ كذبت وَتقول لَهُ الْمَلائِكَة كذبت وَيَقُول اللّه ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان جريء فقد قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول اللّه - ﷺ - على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق اللّه تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة (^١). وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الرِّيَاء.\nجريء هُوَ بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء وبالمد أَي شُجَاع.\nقوله: وعن عبادة بن الصامت - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من غزا في سبيل اللّه ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى\" تقدم الكلام على معنى ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل\" [الحديث] قال النووى: قوله - ﷺ -: [في الغازي والعالم] والجواد وعقابهم [على فعلهم ذلك] وجه اللّه تعالى [وإدخالهم النار دليل على] على تغليظ [تحريم الرياء وشدة] عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٢) وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد اللّه تعالى بذلك مخلصا\n_________\n(^١) الترمذي (٢٣٨٢)، وابن حبان (٤٠٨)، وابن المبارك في الزهد (٤١٩)، والبغوي في شرح السنة (٤١٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧١٣).\n(^٢) سورة البينة، الآية: ٥.","vol":"6","page":520},{"text":"وكذلك الثناء على العُلماء وعلى المنفقين في وجوه الخير كلّه محمول على من فعل ذلك للّه مخلصًا (^١) اهـ. واللّه أعلم.\n\n٢٠٨١ - وَعَن شَدَّاد بن الْهَاد - ﵁ - أَن رجلًا من الأعْرَاب جَاءَ إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَآمن بِهِ وَاتّبعهُ ثمَّ قَالَ أُهَاجِر مَعَك فأوصى بِهِ النَّبِيّ - ﷺ - بعض أَصْحَابه فَلَمَّا كَانَت غزاته غنم النَّبِيّ - ﷺ - فقسم وَقسم لَهُ فَأعْطى أَصْحَابه مَا قسم لَهُ وَكَانَ يرْعَى ظهْرهمْ فَلَمَّا جَاءَ دفعوه إِلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا قسم قسمه لَك النَّبِيّ - ﷺ - فَأَخذه فجَاء بِهِ إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ قسمته لَك قَالَ مَا على هَذَا اتبعتك وَلَكِن اتبعتك على أَن أرمي إِلَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حلقه بِسَهْم فأموت فَأدْخل الْجنَّة فَقَالَ إِن تصدق اللّه يصدقك فلبثوا قَلِيلا ثمَّ نهضوا إِلَى قتال الْعَدو فَأتي بِهِ إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - يحمل قد أَصَابَهُ سهم حَيْثُ أَشَارَ فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - أهوَ هُوَ قَالُوا نعم قَالَ صدق اللّه فَصدقهُ ثمَّ كَفنه النَّبِيّ - ﷺ - فِي جبته الَّتِي عَلَيْهِ ثمَّ قدمه فصلى عَلَيْهِ وَكَانَ مِمَّا ظهر من صلَاته اللَّهُمَّ هَذَا عَبدك خرج مُهَاجرا فِي سَبِيلك فَقتل شَهِيدا أَنا شَهِيد على ذَلِك رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن شداد بن الهاد - ﵁ -: هو شداد بن أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر والهاد لقب لأسامة، وقيل لعمرو، ولقب به لأنه كان يوقد نارا ليهتدي إليه الأضياف وغيرهم واللّه أعلم.\nقوله: أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتبعه\" فذكر الحديث إلى أن قال: ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمي إلى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥١).\n(^٢) النسائي (٤/ ٦٠)، وقال الألباني صحيح، في صحيح سنن النسائي.","vol":"6","page":521},{"text":"هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال إن تصدق اللّه يصدقك فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به إلى النبي - ﷺ - يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي - ﷺ - أهو هو قيل نعم قال صدق اللّه فصدقه ثم كفنه النبي - ﷺ - في جبته التي عليه ثم قدمه فصلى عليه وكان مما ظهر من صلاته اللهم هذا عبدك خرج مجاهدًا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك. فانظر رحمك اللّه كيف شهد اللّه له النبي - ﷺ - بالشهادة مع أنه ما أراد غير الجنة ولو كانت هذه النية غير صحيحة لأرشده النبي - ﷺ - إلى غيرها حين ذكرها له [قاله ابن النحاس (^١)].\nقوله: أنا شهيد على ذلك\" شهيد بمعنى شاهد.\n\n٢٠٨٢ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من غَازِيَة أَو سَريَّة تغزو فِي سَبِيل اللّه يسلمُونَ ويصيبون إِلَّا تعجلوا ثُلثي أجرهم وَمَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تخفق وتخوف وتصاب إِلَّا تمّ أجرهم (^٢).\nوَفِي رِوَايَة مَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تغزو فِي سَبيل اللّه فيصيبون الْغَنِيمَة إِلَّا تعجلوا ثُلثي أجرهم من الآخِرَة وَيبقى لَهُم الثُّلُث وَإِن لم يُصِيبُوا غنيمَة تمّ لَهُم أجرهم رَوَاه مسلم وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة الثَّانِيَة (^٣).\nيُقَال أخفق الْغَازِي إِذا غزا وَلم يغنم أَو لم يظفر.\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦١٢).\n(^٢) مسلم (١٩٠٦).\n(^٣) مسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، وابن ماجة (٢٧٨٥)، وأحمد (٦٥٧٧)، والحاكم (٢/ ٧٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٤٥).","vol":"6","page":522},{"text":"قوله: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"ما من غازية أو سرية تغزو في سبيل اللّه\" الحديث، والغازية تأنيث الغازي وهو ههنا صفة لجماعة غازية.\nقوله \"أو سرية\" ليس هو من قول الراوي وإنما هو من قول الرسول - ﷺ - أتى به للتقسيم وإثبات الحكم المذكور في القليل منهم والكثير، والسرية طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وسموا بذلك لأنهم يكونون خيار العسكر، من السرى وهو الشيء النفيس كذا في النهاية (^١).\nقوله - ﷺ -: \"يسلمون ويصيبون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم\" الحديث، معنى الحديث والصواب الذي لا يجوز غيره أن معناه أن الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المرتب على غزوهم وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر (^٢) فقد أصاب مرتبتين من المراتب الثلاثة للغزو وبقي له الثالثة وهي دخول الجنة وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله منا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها أي يجنيها (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٣٦٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٢).","vol":"6","page":523},{"text":"قال النووي (^١): وهذا الذي ذكرناه هو الصَّواب وهو ظاهر الحديث ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حملة على ما ذكرنا وقد اختار القاضي عياض (^٢) معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالا فاسدة منها قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل غنيمة. وذكر كلاما طويلا لا طائل تحته.\nقوله - ﷺ -: \"تخفق وتخوف وتصاب إلا تم لهم أجرهم\" أي تقتل وتهلك قاله القاضي عياض (^٣) الحديث معناه رجعت ولم تغنم شيئًا، قال الحافظ (^٤) يقال أخفق الغازي أذا غزا ولم يغنم أو لم يظفر اهـ، وقال أهل اللغة الإخفاق أن يغزوا فلا يغنم شيئًا وكذا كلّ طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق ومنه إخفاق الصائد إذا لم يقع له صيد فإذا غزا ولم يغنم شيئًا وليصاب في نفسه أي قتل دخل الجنة وأصاب أجور المراتب كلها والله أعلم.\nتنبيه: الناس في الغزو على ثلاثة أحوال:\nإما أن يغنموا ويسلموا. أو لم يسلموا ولم يغنموا. أو يخفقوا ويصابوا بقتل أو جراحة، فإذا غنموا وسلموا فاتهم أجر الإخفاق والإصابة وسلم لهم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٢).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٩٣).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).\n(^٤) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٦).","vol":"6","page":524},{"text":"ثلثا الأجر بمحاربتهم أعداء اللّه و[الأجر] الكامل إنما يستوفيه من أخفق وأصيب اهـ.\nخاتمة: اختلف العُلماء أيهما أفضل من قتل في سبيل اللّه أو غنم ورجع سالما فالأكثرون على الأول وأما الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام فرجح الثاني لما فيه من نكاية العدو وبقائه كذلك بخلاف من انقطع فعله فيهم بالقتل واللّه تعالى أعلم.","vol":"6","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>الترهيب من الفرار من الزحف</span>\n٢٠٨٣ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﷺ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَمَا هن قَالَ الإِشْرَاك بِاللّه وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم اللّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nوَالْبَزَّار وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْكَبَائِر سبع أولَاهُنَّ الإِشْرَاك بِاللّه وَقتل النَّفس بِغَيْر حَقّهَا وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والفرار يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات والانتقال إِلَى الْأَعْرَاب بعد هجرته (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"اجتنبوا السبع الموبقات\"، أي: المهلكات.\nقوله: قالوا: يا رسول اللّه: وما هن؟ قال: \"الشرك باللّه والسحر وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\"، أما عده السحر من الكبائر\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائي (٦٤٩٨)، وابن حبان (٥٥٦١).\n(^٢) البزار (١٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٣)، وفيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما.","vol":"6","page":526},{"text":"فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور ومذهب الجماهير أن السحر حرام من الكبائر تعلمه وتعليمه، ذكره النووي (^١).\nقوله: \"والتولي يوم الزحف\"، التولّي: هو الإعراض، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون نحوهم (^٢) ويوم الزحف يوم الجهاد ولقاء العدو في الحرب ويحرم الانصراف عن الصف إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا، فإن فرَّ متحرفًا لقتال أو متحيزا إلى فئة يستنجد بها جاز هذا في حال الغزوة، أما من عجز بمرض أو نحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف بكل حال، فالعبد إذا لثحهد الوقعة بغير إذن سيده فلا يحرم عليه الانصراف، والنساء إذا شهدن القتال فلا يأثمن بالتولي (^٣) واللّه أعلم.\n\n٢٠٨٤ - وَرُوِيَ عَن ثَوْبَان - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ ثَلاثَة لَا ينفع مَعَهُنَّ عمل الشّرك بِاللّه وعقوق الْوَالِدين والفرار من الزَّحْف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٤).\nقوله: وعن ثوبان - ﵁ -، تقدم الكلام على ثوبان.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف\"، تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٩٧).\n(^٣) النجم الوهاج (٩/ ٣٢٩ - ٣٣١).\n(^٤) الطبراني في الكبير (١٩٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٤)، وفيه يزيد بن ربيعة، ضعيف جدًّا. وقال الألباني ضعيف جدًّا، في ضعيف الجامع (٢٦٠٦).","vol":"6","page":527},{"text":"٢٠٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من لَقِي اللّه ﷿ لا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَأدّى زَكاة مَاله طيبَة بهَا نَفسه محتسبا وَسمع وأطاع فَلهُ الْجنَّة أَو دخل الْجنَّة وَخمْس لَيْسَ لَهُنَّ كفَّارَة الشّرك بِاللّه وَقتل النَّفس بِغَيْر حق وبهت مُؤمن والفرار من الزَّحْف وَيَمِين صابرة يقتطع بهَا مَالا بِغَيْر حق رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه بَقِيَّة بن الْوَليد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من لقي اللّه ﷿ لا يشرك به شيئًا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة\" تقدم الكلام عليه في الزكاة.\nقوله - ﷺ -: \"خمس ليس لهن كفارة الشرك باللّه وقتل النفس بغير حق و[بهت] مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق\" سيأتي الكلام على ذلك في بابه.\nقوله: وفيه بقية بن الوليد، وبقية بن الوليد [أحد الأعلام ثقة عند الجمهور لكنه مدلس، قال النسائي: وغيره إذا قال حدّثنا أو أخبرنا فهو ثقة وقال أحمد هو أحب إليّ من إسماعيل بن عيَّاش، وروى له مسلم في صحيحه شاهدا حديث \"من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب\" لم يرو له غيره وفيه كلام كثير مبسوط في كتب الرجال].\n_________\n(^١) أحمد (٨٧٣٧)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٧٨)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٣٩) (ح ١٠٠٥)، والطبراني في مسند الشاميين (١١٨٤).","vol":"6","page":528},{"text":"٢٠٨٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ صعد رَسُول اللّه - ﷺ - الْمِنْبَر فَقَالَ لَا أقسم لَا أقسم ثمَّ نزل فَقَالَ أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا من صلى الصَّلَوَات الْخمس واجتنب الْكَبَائِر دخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ قَالَ الْمطلب سَمِعت رجلًا يسْأَل عبد اللّه بن عَمْرو أسمعت رَسُول اللّه - ﷺ - يذكرهن قَالَ نعم عقوق الْوَالِدين والشوك بِاللّه وَقتل النَّفس وَقذف الْمُحْصنَات وَأكل مَال الْيَتِيم والفرار من الزَّحْف وَأكل الرِّبَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسنَاده مُسلم بن الْوَليد بن الْعَبَّاس لا يحضرني فِيهِ جرح وَلَا عَدَالَة (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر، قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرٍو: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللّهِ - ﷺ - يَذْكُرُهُنَّ؟، قَالَ: نَعَمْ: \"عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالشِّرْكُ بِاللّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ الرِّبَا\"\n[قوله: وفي إسناده (مسلم بن الوليد بن العبَّاس)].\n\n٢٠٨٧ - وَعَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم - ﵁ -: عَن أَبِيه عَن جدّه أَن رَسُول اللّه - ﷺ - كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات فَذكر فِيهِ وَإِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد اللّه يَوْم الْقِيَامَة الإِشْرَاك بِاللّه وَقتل النَّفس\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٤٥٨٧)، وابن بشران في أماليه (٤٣٦)، والفاكهي في حديثه (١٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٤)، وفيه مسلم بن الوليد بن العبَّاس، ولم أر من ذكره.","vol":"6","page":529},{"text":"المؤمنة بِغَيْر الْحق والفرار فِي سَبِيل اللّه يَوْم الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَرمي المحصنة وَتعلم السحر وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم الحَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه [أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنصارى مدنى من تابعى التابعين، وثقات المسلمين وأئمتهم، يقال: اسمه كنيته لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد. واتفقوا على توثيقه، وإمامته، وجلالته، قال محمد بن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، توفى بالمدينة سنة عشرين ومائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة (^٢)، وأبوه هو أبو عبد الملك، ويقال: أبو سليمان، ويقال: أبو القاسم محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان، المدنى. ولد في حياة رسول اللّه - ﷺ - بنجران، وأبوه عامل عليها لرسول اللّه - ﷺ -، وهو من كبار التابعين. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، له عقب بالمدينة وببغداد، قتل يوم الحرة بالمدينة سنة ثلاث وستين، وكان فقيها، فاضلًا من صالحي المسلمين (^٣)، وجده هو أبو الضحاك، ويقال: أبو محمد عمرو بن حزم بن زيد بن لوزان، بفتح اللام وإسكان الواو بذال معجمة، ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى النجارى المدني،\n_________\n(^١) ابن حبان (٦٥٥٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٩٥ - ١٩٦ ترجمة ٧٣٩).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٩ ترجمة ٢١).","vol":"6","page":530},{"text":"وقيل في نسبه غير هذا، أول مشاهده مع رسول اللّه - ﷺ - الخندق، واستعمله رسول اللّه - ﷺ - على نجران باليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وبعث معه كتابا فيه الفرائض، والسنن، والصدقات، والجروح، والديات، وكتابه هذا مشهور في كتب السنن. توفى بالمدينة سنة إحدي، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وخمسين (^١)].\nقوله: أن رسول اللّه - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات فذكر فيه وإن أكبر الكبائر عند اللّه يوم القيامة الإشراك باللّه وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار في سبيل اللّه يوم الزحف وعقوق الوالدين ورمي المحصنات وتعلم السحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم\" الحديث، الكبائر جمع كبيرة، وهي: ما كان حراما محضا شرع عليها عقوبة محضة بنص قاطع في الدنيا أو في الآخرة (^٢)، وقيل: كلّ صغيرة جاءت مخالفة لأمر اللّه تعالى فهي كبيرة، قال ابن عباس: كلّ ما نهى اللّه عنه فهو كبيرة (^٣) [وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة، وقيل: كلّ ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا، فهو صغيرة،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٦ ترجمة ٤٤٨).\n(^٢) التعريفات للجرجانى (ص ١٨٣).\n(^٣) تفسير الطبرى (٦/ ٦٥٠) وشعب الإيمان (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣ رقم ٢٨٨) و(٩/ ٣٤٩ رقم ٦٧٤٩).","vol":"6","page":531},{"text":"وقيل: كلّ ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة، وقيل: كلّ ما لعن اللّه أو رسوله فاعله فهو كبيرة، وقيل: كلّ ما ذكر من أولط سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^١)، وقالت طائفة الذنوب كلها بالنسبة إلى الجراءة على اللّه سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره، كبائر، فالنظر إلى من عصى أمره وانتهك محارمه، يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة] (^٢)، وسيأتي الكلام على كلّ واحدة من الكبائر المذكورة في الحديث في بابها إن شاء الله تعالى.\n\n٢٠٨٨ - وَعَن عبيد بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - فِي حجَّة الْوَدَاع إِن أَوْليَاء اللّه المصلون وَمن يُقيم الصَّلَوَات الْخمس الَّتِي كتبهن اللّه عَلَيْهِ ويصوم رَمَضَان ويحتسب صَوْمه وَيُؤْتى الزَّكاة محتسبا طيبَة بهَا نَفسه ويجتنب الْكَبَائِر الَّتِي نهى اللّه عَنْهَا فَقَالَ رجل من أَصْحَابه يَا رَسُول اللّه وَكم الْكَبَائِر قَالَ تسع أعظمهن الْإِشْرَاك بِاللّه وَقتل الْمُؤمن بِغَيْر حق والفرار من الزَّحْف وَقذف المحصنة وَالسحر وَأكل مَال الْيَتِيم وَأكل الرِّبَا وعقوق الْوَالِدين الْمُسلمين وَاسْتِحْلَال الْبَيْت الْحَرَام قبلتكم أَحيَاء وأمواتا لَا يَمُوت رجل لم يعْمل هَؤُلَاءِ الْكَبَائِر وَيُقِيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة إِلَّا رافق مُحَمَّدًا - ﷺ -\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(^٢) انظر: الجواب الكافى (ص ٢٩٢ - ٢٩٤)، شرح عقيدة الطحاوية ص ٤١٨، والزواجر (١/ ١٢ - ١٣).","vol":"6","page":532},{"text":"فِي بحبوحة جنَّة أَبْوَابهَا مصاريع الذَّهَب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^١).\nبحبوحة الْمَكَان بحاءين مهملتين وياءين موحدتين مضمومتين هُوَ وَسطه قَالَ الْحَافِظ كانَ الشَّافِعِي - ﵁ -: يَقُول إِذا غزا الْمُسلمُونَ فَلَقوا ضعفهم من الْعَدو حرم عَلَيْهِم أَن يولوا إِلَّا متحرفين لقِتَال أَو متحيزين إِلَى فِئَة وَإِن كَانَ الْمُشْركُونَ أَكثر من ضعفهم لم أحب لَهُم أَن يولوا وَلَا يستوجبون السخط عِنْدِي من اللّه لَو ولوا عَنْهُم على غير التحرف لِلْقِتَالِ أَو التحيز إِلَى فِئَة وَهَذَا مَذْهَب ابْن عَبَّاس الْمَشْهُور عَنهُ (^٢).\nقوله: وعن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه [هو أبو عاصم، عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة. ولد في زمن رسول اللّه - ﷺ -، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر، وأبا ذر، وعبد اللّه بن عمرو بن علي توثيقه، أخرج له الجماعة، وأبوه صحابى ذكره البر في وقال له حديثان].\nقوله - ﷺ -: \"إن أولياء اللّه المصلون ومن يقيم الصلوات\" فذكر الحديث إلى أن قال \"ويجتنب الكبائر التي نهى اللّه عنها\"، فقال رجل من أصحابه: يا رسول اللّه وكم الكبائر؟ قال: \"تسع أعظمهن الإشراك باللّه وقتل المؤمن بغير\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٠١)، والحاكم (١/ ٥٩)، والبيهقي (١٠/ ١٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٨)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.\n(^٢) الأم، للإمام الشافعي (٤/ ٩٢).","vol":"6","page":533},{"text":"حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام\"، تقدم في حديث أبي هريرة في أول الباب أن الكبائر سبع، وفي حديث أبي بكر بن محمد بن حزم عدها ثمانية، وفي حديث عبيد بن عمير عدها تسعا (^١).\nقوله: \"والفرار من الزحف\" قال الحافظ (^٢): كان الشافعي ﵀ يقول: إذا غزا المسلمون فلقوا ضِعفهم (ضِعف الشيء: مثلاه) من العدو حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وان كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا ولا يستوجبون السخط عندي من اللّه لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة، وهذا مذهب ابن عباس المشهور عنه، ا. هـ.\nقال غيره: اعلم أن الفرار من الزحف حيث لا يجوز من أعظم كبائر الذنوب عند اللّه تعالى بإجماع العُلماء وفعله مستحق لغضب اللّه ومقته وأليم عذابه، وقد ورد في الترهيب من ذلك والتحذير من فعله جملة أحاديث (^٣)، واعلم أن الجهاد إذا كان فرض كفاية على الإنسان ثم حضر الصف صار عليه فرض عين وحرم عليه الفرار، وإنما يحرم الفرار إذا لم يزد عدد الكفار على المسلمين فإن فر متحيزا القتال كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم\n_________\n(^١) بياض في الأصل بمقدار سطرين.\n(^٢) أي المنذري.\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٥٦٦).","vol":"6","page":534},{"text":"أو يكون في مضيق فينصرف فيتبعه العدو لمتسع يسهل القتال فيه أو يتحول من مقابلة الشمس والريح ونحو هذا جاز وسواء كانت تلك الفئة قليلة أو كثيرة قريبة أو بعيدة على الصحيح، ومن عجز بمرض ونحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانهزام كما تقدم إن لم يمكنه الرمي بالحجارة فإن أمكنه الرمي بالحجارة حرم عليه الانهزام على الأصح وإن زاد عدد الكفار على المثلين جاز الانهزام وإن كانوا رجالة والمسلمون فرسانا، فلو كان المسلمون رجالة والكفار فرسانا حرمت الهزيمة، ويحرم انهزام مائة بطل من مائتين وواحد ضعفاء على الأصح لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا وإنما يراعي العدد عند تقارب الأوصاف واللّه أعلم، ذكره ابن النحاس عفا اللّه عنه (^١).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٥٦٩).","vol":"6","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>الترغيب في الغزاة في البحر وأنها أفضل من عشر غزوات في البر</span>\n٢٠٨٩ - عَن أنس - ﵁ -: أَنَّ رَسُول اللّه - ﷺ - كَانَ يدْخل على أم حرَام بنت ملْحَان فتطعمه وَكَانَت أم حرَام تَحت عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - فَدخل عَلَيْهَا رَسُول اللّه - ﷺ - فأطعمته ثمَّ جَلَست تفلي رَأسه فَنَامَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يضْحك قَالَت فَقلت يَا رَسُول اللّه مَا يضحكك قَالَ نَاس من أمتِي عرضوا عَليّ غزَاة فِي سَبِيل اللّه يركبون ثبج هَذَا الْبَحْر ملوكا على الأسرة أَو مثل الْمُلُوك على الأسرة قَالَت فَقلت يَا رَسُول اللّه ادْع اللّه أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم فَدَعَا لَهَا ثمَّ وضع رَأسه فَنَامَ ثمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يضْحك قَالَت فَقلت مَا يضحكك يَا رَسُول اللّه قَالَ نَاس من أمتِي عرضوا عَليّ غزَاة فِي سَبِيل اللّه كمَا قَالَ فِي الأولى قَالَت فَقلت يَا رَسُول اللّه ادْع اللّه أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم قَالَ أَنْت من الْأَوَّلين فركبت أم حرَام بنت ملْحَان الْبَحْر فِي زمن مُعَاوِيَة فصرعت عَن دابتها حِين خرجت من الْبَحْر فَهَلَكت - ﵂ - رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - كَانَ مُعَاوِيَة - ﵁ - قد أغزى عبَادَة بن الصَّامِت قبرس فَركب الْبَحْر غازيا وَركبت مَعَه زَوجته أم حرَام.\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٨٨)، وفي الأدب المفرد (٩٥٢)، ومسلم (١٩١٢)، وأحمد (١٣٧٩٠)، وأبو داود (٢٤٩١)، والترمذي (١٦٤٥).","vol":"6","page":536},{"text":"ثبج الْبَحْر هُوَ بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة بعدهمَا جِيم مَعْنَاهُ وسط الْبَحْر ومعظمه.\nقوله: عن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام على أنس - ﵁ -.\nقوله: أن رسول اللّه - ﷺ - كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، الحديث، ملحان: بكسر الميم وإسكان اللام، واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام، وأم حرام بفتح الحاء والراء المهملتين وبعد الألف ميم، قيل: اسمها الرميصاء، وقيل: غير ذلك، وهي أخت أم سليم أم أنس بن مالك زوجة أبي طلحة الأنصاري، وقيل: النمري، لم أقف لها على اسم صحيح وهي أنصارية نجارية خالة أنس بن مالك نسبًا وخالة رسول اللّه - ﷺ - رضاعا، واتفق العُلماء على أن أم حرام كانت محرما لسيدنا رسول اللّه - ﷺ -، واختلفوا في ذلك فقال ابن عبد البر (^١) وغيره كانت إحدى خالاته من الرضاع، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار وكان رسول اللّه - ﷺ - يأتيها زائرا والزيارة من صلة الرحم وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول اللّه - ﷺ - فأطعمته تم جلست تفلي رأسه، الحديث، قال المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود: ظاهره أنه كان زوجها حين نام النبي - ﷺ - غير أنه جاء في الحديث الآخر ما يبين ذلك وأن عبادة بن الصامت تزوجها بعد ذلك فأخبر الابن في\n_________\n(^١) ينظر الاستذكار (٥/ ١٢٤) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٦/ ٢٢٢).","vol":"6","page":537},{"text":"الحديث الأول عن حالها بعد لا في ذلك الوقت، وفسره في الثاني (^١)، ا. هـ.\nفتحمل الرِّواية الأولى على موافقة الثانية ويكون قد أخبر عما صار حالها بعد ذلك، وقوله \"ثم جلست تفلي رأسه\" تفلي بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر الميم فيه جواز فلي الرأس وقتل القمل منه ومن غيره، قال النووي (^٢): قال أصحابنا قتل القمل وغيره من المؤذيات مستحب وفيه جواز ملامسة المحرم في الرأس وغيره مما ليس بعورة وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها وهذا كلّه مجمع عليه، ا. هـ وما نقله في الإجماع في المسائل الثلاث صحيح، وما ذكره من الاتفاق على أن أم حرام كانت محرما له - ﷺ - ليس بصحيح ومن أحاط علما بنسب النبي - ﷺ - ونسب أم حرام علم أنه ليس محرما لها وقد بين ذلك الحافظ شرف الدين الدمياطي في جزء مفرد (^٣) وأما الجواب عن قصة أم حرام فهو أن النبي - ﷺ - لم يكن يفعل ذلك مع كلّ أحد لكن أم حرام لها خصوصية فلذلك كان يقيل عندها وتفلي رأسه - ﷺ -، وأيضًا فقد صح أن أبا بكر قبل خد عائشة وهي نائمة، وكان قد دخل عليها وهي مضطجعة أصابتها حمى فقال: كيف أنت يا بنية؟ وقبل خدها، وفي رواية: أن فاطمة كانت إذا دخلت على رسول اللّه - ﷺ - قام إليها ورحب بها وأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وقال مالك: ولا بأس أن يقبل الرجل خد ابنته\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٣٤٠ - ٣٤١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨).\n(^٣) خصائص النبي - ﷺ - لابن الملقن (ص ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"6","page":538},{"text":"وَلَا يُقَبِّلُ خَدَّ ابْنِهِ ولا غيره لأنه لم يكن من فعل الماضين (^١)، وقال النووي (^٢): وفي الحديث جواز أكل الضيف عند الأمة المزوجة.\nقوله: إلا أن يعلم أنه من مال الزوج ويعلم أنه يكره أكله من طعامه.\nقوله: فنام رسول اللّه - ﷺ - ثم استيقظ إلى آخره، هذا الضحك مرحا وسرورًا بكون أمته تبقى بعده متظاهرة بأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر (^٣)، وسروره بما يفتح اللّه عليهم في الدنيا وما يجب لهم من الأجر في الآخرة (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"ثبج هذا البحر\" معناه: وسط البحر ومعظمه، قاله المنذري، وقال غيره: هو ظهره ووسطه (^٥).\nقوله: \"مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ: مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ\"، شَكَّ إِسْحَاقُ\" ابن عبد اللّه أنه قال: ملوكًا أو مثل الملوك. والأسرة: جمع سرير شبههم بالملوك لفضل الجهاد في سبيل اللّه، وقيل: هو صفتهم في الآخرة إذا دخلوا الجنة كما قال اللّه تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ (^٦) و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ (^٧)، وقيل: يحتمل أن يريد حالهم في الدنيا من ركوب البحر\n_________\n(^١) قضاء أرب في أسئلة حلب (ص ٢٥٦ - ٢٥٨) للسبكى.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨).\n(^٤) إكمال المعلم (٦/ ٣٣٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨).\n(^٦) سورة الواقعة، الآية: ١٦.\n(^٧) سورة يس، الآية: ٥٦.","vol":"6","page":539},{"text":"مراكب الغزاة أو الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم وكثرة عددهم وجودة آلاتهم فكأنهم الملوك على أسرتهم وهذا هو الأصح (^١).\nقوله: فقالت أم حرام: قلت: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يجعلني منهم فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، إلى قوله: فقلت يا رسول اللّه: ادع اللّه أن يجعلني منهم! قال: \"أنت من الأولين\"، ومعنى قوله \"أنت من الأولين\" أي: لا تركبين البحر ثانيًا، وكان النبي - ﷺ - قد دعا لها في الأولى فهذا يدلّ على أن عرض فيها عليه غير الطائفة الأولى، ففي هذا الحديث دليل على جواز الركوب في البحر للجهاد، ولسرور النبي - ﷺ - بما عرض عليه من ذلك، وفيه دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى فيه وجه من إعلام نبوءته - ﷺ - أخبر بها - ﷺ - قبل وقوعها فكانت كما أخبر، منها جهاد أمته في البحر وضحكه دليل على أن اللّه تعالى يفتح لهم ويغنمهم، وفيه معجزات للنبي - ﷺ - منها إخباره ببقاء أمته بعده وأنه يكون لهم شوكة وقوة وعدد وأنهم يغزون وأنهم يركبون البحر وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان وأنها تكون معهم وقد وجد بحمد الله تعالى كلّ ذلك وفيه فضيلة لتلك الجيوش وأنهم غزاة في سبيل اللّه (^٢).\nقوله: فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت - ﵂ -، الحديث، قال الحافظ (^٣) - ﵀ -:\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٣٣٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٣) أي المنذري.","vol":"6","page":540},{"text":"كان معاوية قد أغزى عبادة بن الصامت قبرس (^١) فركب البحر غازيا وركبت معه زوجته أم حرام، ا. هـ.\nواختلف العُلماء متى جرت هذه الغزوة التي توفيت فيها أم حرام في البحر، وقال القاضي عياض (^٢) - ﵀ -: قال أكثر أهل السير والأخبار أن ذلك كان في خلافة عثمان بن عفان، قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ (^٣): رَكِبَ مُعَاوِيَةُ الْبَحْرَ غَازِيًا بِالْمُسْلِمِينَ فِي خِلَافَةِ عُثمَانَ إلَى قُبْرُصَ وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ زَوْجَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَرَكِبَتْ بَغْلَتَهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ السَّفِينَةِ فَصُرِعَتْ فَمَاتَتْ.\nوكانت هذه الغزوة لمعاوية سنة ثمان وعشرين فذهب أكثر أهل السير، إلى ما قدمناه وأن ذلك في خلافة عثمان وأن قوله في زمن معاوية أي في زمان غزوه في البحر لا في أيام خلافته (^٤)، قال ابن النحاس عفا اللّه عنه (^٥): كان أول من غزا في البحر معاوية في زمن عثمان - ﵁ -: كذا قال الفريابي وغيره، وأغزى عبادة بن الصامت قبرس فخرجت معه زوجته أم حرام فلما أن جاءت قربت لها بغلة لتركبها فصرعتها فاندقت عنقها، قال بعضهم: فأهل قبرس يستسقون\n_________\n(^١) بضم أوله وسكون ثانيه ثم ضم الراء وسين مهملة. قال ياقوت: كلمة رومية وافقت من العربية (القبرس): النحاس الجيد. وهي جزيرة معروفة في شرقي البحر المتوسط بين تركيا وسورية. ويلفظونها اليوم: (قبرص) بالصاد.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٤٠).\n(^٣) أورده ابن عبد البرّ في الاستذكار (١٤/ ٢٩٠) والتمهيد: (١/ ٢٤٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٩).\n(^٥) مشارع الأشواق (٢٤٥ - ٢٤٧).","vol":"6","page":541},{"text":"بقبرها - ﵂ - (^١)، ثم أغزى أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك القسطنطينية وجهز إليها الجيوش برا وبحرا فأغزى أهل الشام والجزيرة في البر في نحو من عشرين ومائة ألف وأغزى إلى أهل مصر والمغرب في البحر في ألف مركب وعليهم عمر بن هبيرة وأمير الكل مسلمة بن عبد الملك، فنزل بفنائها يحاصرها ثلاثين شهرا حتى أكل الناس في العسكر الميتة والعذرة من الجوع هذا، وفي وسط العسكر عرمة حنطة مثل الجبل يغيظون بها الروم، قال محمد بن زياد الألهاني: غزونا القسطنطينية فجعنا حتى هلك ناس كثير وإن كان الرجل ليخرج إلى قضاء الحاجة والآخر ينظر إليه فإذا قام أقبل ذلك على رجيعه فأكله وإن كان الرجل يذهب إلى الحاجة فيؤخذ ويذبح ويؤكل وإن الأهرام من الطعام كالتلال لا نصل إليها نكايد بها أهل القسطنطينية فلما استخلف عمر بن عبد العزيز أذن لهم في الترحل عنها ذكر ذلك غير واحد من أئمة التاريخ، أ. هـ.\nففي هذا الحديث يعني حديث أم حرام يعني جواز ركوب البحر للرجال والنساء وكذا قاله الجمهور، وكره مالك ركوبه للنساء لأنه لا يمكنهن غالبا التستر فيه ولا غض البصر عن المبصرين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن في تصرفهن لاسيما فيما صغر من السقى مع ضرورتهن إلى قضاء حاجة بحضرة الرجال، قال القاضي عياض (^٢): وروى عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد\n_________\n(^١) لا يجوز الاستسقاء بالقبور بل هو منكر ومحرم.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٩).","vol":"6","page":542},{"text":"العزيز منع ركوبهن، وقيل: إنما منعه العمران للتجارة وطلب الدنيا لا لطلب الطاعات، وقد روى عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - النهي عن ركوب البحر إلا لحاج أو معتمر أو غاز، وضعف أبو داود هذا الحديث وقال رواته مجهولون (^١)، وفيه: ضحك المستبشر إذا بشر بما يسره كما فعل النبي - ﷺ - (^٢)، قيل: وفيه: فضل لمعاوية لأنه أول من غزى في البحر وجعل من غزى تحت رايته من الأولين (^٣).\nفائدة: استدل بعض العُلماء بهذا الحديث أن القتل في سبيل اللّه والموت فيه سواء في الأجر لأن أم حرام ماتت ولم تقتل ولا دلالة فيه لذلك لأنه - ﷺ - لم يقل إنهم شهداء إنما قال: \"يغزون في سبيل اللّه\" ولكن قد ذكر مسلم في حديث زهير بن حرب من رواية أبي هريرة: \"من قتل في سبيل اللّه فهو شهيد ومن مات في سبيل اللّه فهو شهيد\" وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٤) الآية (^٥)، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٩).\n(^٢) شرح الصحيح (٥/ ١١) لابن بطال.\n(^٣) شرح الصحيح (٥/ ١١) لابن بطال.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٠٠.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"6","page":543},{"text":"٢٠٩٠ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ -. قالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - حجَّة لمن لم يحجّ خير من عشر غزوات وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج وغزوة فِي الْبَحْر خير من عشر غزوات فِي الْبر وَمن أجَاز الْبَحْر فَكَأَنَّمَا أجَاز الأودية كلهَا والمائد فِيهِ كالمتشحط فِي دَمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ كلَاهُمَا من رِوَايَة عبد اللّه بن صَالح كَاتب اللَّيْث (^١).\nوروى الْحَاكِم مِنْهُ غَزْوَة فِي الْبَحْر خير من عشر غزوات فِي الْبر إِلَى آخِره وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَا يضر مَا قيل فِي عبد اللّه بن صَالح فَإِن البُخَارِيّ احْتج بِهِ (^٢).\nالمائد هُوَ الَّذِي يدوخ رَأسه ويميل من ريح الْبَحْر والميد الْميل.\n\n٢٠٩١ - وَرُوِيَ عَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من غزا فِي سَبِيل اللّه غَزْوَة فِي الْبَحْر وَاللّه أعلم بِمن يَغْزُو فِي سَبيله فقد أدّى إِلَى اللّه طَاعَته كلهَا وَطلب الْجنَّة كلّ مطلب وهرب من النَّار كلّ مهرب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة (^٣).\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٣١٤٤)، والبيهقي (٤/ ٣٣٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨١)، وفيه عبد اللّه بن صالح، كاتب الليث، قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعفه غيره.\n(^٢) الحاكم (٢/ ١٤٣). وقال الألباني ضعيف، دون قوله \"وغزوة في البحر ... إلخ\" فصحيح في السلسلة الضعيفة، (١٢٣٠)، وصحيح الجامع (٤١٥٤).\n(^٣) الطبراني في الكبير (٣٣٦)، وفي الأوسط (٢٩٦٤)، وفي الصغير (٢٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨١)، وفي عمر بن الصبح، وهو متروك.","vol":"6","page":544},{"text":"قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"وغزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلها والمائد فيه كالمتشحط في دمه\" المائد هو الذي تدوخ رأسه وتميل من ريح البحر بالأمواج، والميد الميل قاله المنذري وغيره، والمائد [هذا اسم فاعل] من ماد يميد إذا دار رأس الرجل من [من خوف البحر وغشيان معدته من تحرك السفينة في البحر\" يعني: من] ركب البحر [وأصابه دوار له أجر شهيد إن كان يمشي إلى طاعة، كالغزو والحج وتحصيل العلم] أما التجار؛ فإن لم يكن لهم طريق سوى البحر، وكانوا يتَّجِرون للقُوت لا لجمعِ المال، فهم داخلون في هذا الأجر، قاله في شرح المصابيح (^١).\nقوله: \"كالمتشخط في دمه في البر\" أي المضطرب في الدم (^٢).\nفائدة فيها بشرى لشهداء البحر: ورد في الحديث: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة ركب شهداء البحر في قراقير من در\" (^٣) القراقير: جمع قرقور وهي السفينة العظيمة ذكره في النهاية لابن الأثير (^٤).\n_________\n(^١) المفاتيح شرح المصابيح (٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩).\n(^٢) الصحاح (٣/ ١١٣٥)، ومجمل اللغة (ص ٥٢٣).\n(^٣) أخرجه الحارث (٦٣٢). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٥/ ١٥٦): هذا حديث فيه داود بن المحبر، وهو ضعيف، قال فيه ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات. قال ابن حجر في المطالب (١٩٧٢): قلت: هذا حديث موضوع ما أجهل من افتراه وأجرأه على ذلك.\n(^٤) النهاية (٤/ ٤٨).","vol":"6","page":545},{"text":"واعلم أيدك اللّه بتوفيقه أن للغزو في البحر فضائل ليست للغزو في البر، منها: أن غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر كما هو مذكور في هذا الحديث، ومنها: أن المائد في البحر كالشهيد المتشخط في دمه كما هو مذكور أيضًا في هذا الحديث ومنها: أن شهداء البحر أفضل على الإطلاق من شهداء البر، قال ابن النحاس عفا اللّه عنه: إذا كان المائد في البحر كالشهيد في البر فكيف يكون الشهيد فيه، ومنها: ما روى أن من غزى في البحر كمن غزى مع النبي - ﷺ -، ومنها: ما خرجه ابن عساكر بإسناده عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"مَنْ غَزَا فِي الْبَحْرِ غَزْوَةً فِي سَبِيلِ اللّهِ - وَاللّهُ أَعْلَمُ مَنْ هُوَ فِي سَبيلِهِ - فَقَدْ أَدَّى إِلَى اللّهِ طَاعَتَهُ كُلَّهَا، وَطَلَبَ الْجَنَّةَ كُلَّ مَطْلَبٍ، وَهَرَبَ مِنَ النَّارِ كُلَّ مَهْرَبٍ\" (^١)، ومنها: ما روي أن فَضْلُ الْغَازِي فِي الْبَحْرِ عَلَى الْغَازِي فِي الْبَرِّ كَفَضْلِ الْغَازِي فِي الْبَرِّ عَلَى الْقَاعِدِ فِي بَيْتِهِ (^٢)، ومنها: أن أجر جهاد في يوم في البحر كأجر جهاد شهر في البر، ومنها: أن خيار الشهداء عند اللّه تعالى وأفضلهم من تتغلب بهم مراكبهم فيغرقون في سبيل اللّه وأن للمجاهد إذا غرق في البحر أجر شهيدين في البر، ومنها: ما روي أن غزاة البحر لا يحزنهم الفزع الأكبر، وقد صح أن المرابط إذا مات يبعث يوم القيامة آمنا من الفزع الأكبر وغازي البحر أعلا منه وأولى بهذه الفضيلة والله أعلم، ومنها: ما روى أن لغازي البحر ما بين كلّ موجين كمن قطع الدنيا في\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١٨/ ١٥٤ رقم ٣٣٦)، وابن عساكر (٤٣/ ٧٩). وأخرجه أيضًا: ابن أبي عاصم في الجهاد (٢/ ٦٦٧ رقم ٢٩٠)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢١٨، رقم ٢٩٦٤)، وفى الصغير (١/ ١٥٩، رقم ٢٤٧) قال الهيثمى (٥/ ٢٨١): فيه عمر بن الصبح وهو متروك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٢٢٤ رقم ١٩٥٠٨).","vol":"6","page":546},{"text":"طاعة اللّه ﷿، ومنها: ما روي أن شهداء البحر يغفر لهم الذنوب كلها والديون بخلاف شهداء البر لأنهم يغفر لهم كلّ الذنوب إلا الدين، ومنها: أن الغازي في البحر إذا وضع رجله في السفينة يخلف خطايا خلف ظهره ويخرج منها كيوم ولدته أمه ويضحك اللّه ﷿ إليه، ومنها: ما روى أن شهيد البحر لا يجد القتل في سبيل اللّه إلا كشربة عسل بماء بارد، ومنها: ما ذكر صاحب شفاء الصدور عن كعب أن شهيد البحر يأتي يوم القيامة في نهر من نور أبيض يتلألأ رافعين شراعهم من دورهم في سفائنهم، الحديث مطول، ومنها: ما روي أن ملك الموت يقبض روح كلّ شهيد وغيره إلا شهداء البحر فإن اللّه تعالى يتولى قبض أراوحهم لكرامتهم عليه.\n[فائدة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: من أراد أن يوقن بأن اللّه هو الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البحر (^١)].\nقال صاحب المغني (^٢) وغيره من أصحاب الإمام أحمد: غزو البحر أفضل من غزو البر لأن البحر أعظم خطرا ومشقة فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضل من غيره، قال ابن النحاس عفا اللّه عنه: وينبغي أن لا يكون في هذا خلاف لما تقدم في فضله من الأحاديث الحسان وغيرها (^٣) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٢/ ٣٥٨).\n(^٢) المغني لابن قدامة (٩/ ١٦٥). ط. إحياء التراث.\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٢٤٧ - ٢٦١) باختصار.","vol":"6","page":547},{"text":"قوله: في آخر حديث عبد اللّه بن عمرو: ولا يضر ما قيل في عبد اللّه بن صالح فإن البخاري احتج به، قال شيخ الإسلام ومحدّث الأنام ابن حجر: البخاري لم يحتج به واللّه أعلم (^١).\n\n٢٠٩٢ - وَعَن أم حرَام - ﵄ - أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ المائد فِي الْبَحْر الَّذِي يُصِيبهُ الْقَيْء لَهُ أجر شَهِيد والغريق لَهُ أجر شَهِيد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\n\n٢٠٩٣ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من فَاتَهُ الْغَزْو معي فليغز فِي الْبَحْر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣).\nقوله: وعن أم حرام - ﵂ -، تقدم الكلام على أم حرام.\nقوله - ﷺ -: \"المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد\" الحديث؛ قوله: \"الذي يصيبه القيء\" أي: غثيان معدته من تحرك السفينة في البحر.\nخاتمة: عن سليم بن عامر قال: سمعتُ أبا أمامة يقول: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: فذكر الحديث (^٤) إلى أن قال: \"وإن اللّه وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإن اللّه يتولى قبض روحه ويغفر لشهيد البر الذنوب\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ٢٧٣).\n(^٢) أبو داود (٢٤٩٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٤٢).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٨٣٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨١)، وفيه عمرو بن الحصين، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧١٨)\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٤٩٣)، وابن ماجة (٢٧٧٨)، والحميدي (٣٤٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٨٥)، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٨١٧).","vol":"6","page":548},{"text":"كلها إلا الدين ولشهيد البحر الذنوب والدين\" انفرد به ابن ماجه، ومذهب جميع العُلماء أن اللّه تعالى هو القابض لأرواح جميع الخلق وأن ملك الموت وأعوانه وسائط، وسئل مالك بن أنس عن البراغيث، أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مليا ثم قال: ألها نفس؟ قالوا: نعم، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ (^١) (^٢) [ففي الخبر أن ملكي الموت والحياة]، تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت الأحياء، وقال ملك الحياة: أنا أحيي الموتي، فأوحى الله تعالى إليهما كونا على عملكما [وما سخرتكما له] من الصنع وأنا المميت [والمحي لا يميت] ولا يحيى سواي، كذا ذكره الشيخ أبو حامد في الإحياء (^٣) قاله في الديباجة.","vol":"6","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>الترهيب من الغلول والتشديد فيه وما جاء فيمن ستر على غال</span>\n٢٠٩٤ - عَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ -. قالَ كَانَ على ثقل رَسُول اللّه - ﷺ - رجل يُقَال لَهُ كركرة فَمَاتَ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - هُوَ فِي النَّار فَذَهَبُوا ينظرُونَ إِلَيْهِ فوجدوا عباءة قد غلها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَالَ قَالَ ابْن سَلام كركرة يَعْنِي بفتحهما (^١).\nالثّقل محركا هُوَ الْغَنِيمَة.\nوكركرة ضبط بِفَتْح الكافين وبكسرهما وَهُوَ أشهر.\nوالغلول هُوَ مَا يَأْخُذهُ أحد الْغُزَاة من الْغَنِيمَة مُخْتَصًّا بِهِ وَلَا يحضرهُ إِلَى أَمِين الْجَيْش ليقسمه بَين الْغُزَاة سَوَاء قل أَو كثر وَسَوَاء كانَ الآخِذ أَمِين الْجَيْش أَو أحدهم.\nوَاخْتلف الْعلمَاء فِي الطَّعَام والعلوفة وَنَحْوهمَا اخْتِلَافا كثيرًا لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره.\nقوله: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: كان على ثقل رسول اللّه - ﷺ - رجل يقال له كركرة، الثقل هو بفتح الثاء المثلثة والقاف هو متاع المسافر وما يحمله على دوابه، ومنه قوله\n_________\n(^١) البخاري (٣٠٧٤) وابن ماجه (٢٨٤٩)، وأحمد (٦٤٩٣)، وعبد الرزاق (٩٥٠٤)، وسعيد بن منصور (٢٧٢٠).","vol":"6","page":550},{"text":"تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ (^١) الآية (^٢)، هكذا ذكره في شرح مشارق الأنوار، وذكره ابن النحاس في كتاب الجهاد له فقال: النفل بفتح النون والفاء جميعا هو الغنيمة (^٣)، أ. هـ.\nوقال أهل اللغة والفقهاء: الأنفال هي العطايا من الغنيمة غير السهم المستحق بالقسمة واحدها نفل، بفتح الفاء على المشهور وحكي إسكانها (^٤)، وقال الحافظ (^٥): النفل محركا هو الغنيمة، ولم يتعرض الشيخ لمادة حروف الثقل ولكن تفسيره بالغنيمة يقتضي أن يكون بالنون والفاء، قال الجوهري (^٦): والنفل بالتحريك الغنيمة والجمع الأنفال، وقيده القاضي في المشارق (^٧) بفتح الثاء المثلثة والقاف.\nوقال تبعا للجوهري (^٨): الثقل متاع البيت وحشمه أي خدمه ومن يغضب له، وكذا قيده الزركشي في تنقيحه (^٩) وفسره بالعيال وما يثقل من الأمتعة وهو قريب من الأول وهذا هو الظاهر وقال الكرماني (^١٠): الثقل هو متاع المسافر\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٧.\n(^٢) إكمال المعلم (٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، وشرح النووي على مسلم (٩/ ٦١).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٨٠٢)، وانظر: الصحاح (٥/ ١٨٣٣)، والنهاية (٥/ ٩٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٥٥).\n(^٥) أي المنذري.\n(^٦) الصحاح (٥/ ١٨٣٣).\n(^٧) مشارق الأنوار (١/ ١٣٤).\n(^٨) الصحاح (٤/ ١٦٤٧)، والمشارق (١/ ١٣٤).\n(^٩) التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح (ص ٦٨٠).\n(^١٠) الكواكب الدراري (١٢/ ١١٨).","vol":"6","page":551},{"text":"وحشمه أصله من الثقل ضد الخفة والمراد هنا: آلات السفر ومتاع المسافر، قال في شرح مشارق الأنوار هو متاع المسافر وما يحمله على دوابه، وتقدم تفسيره من كلام المشارق\" وكركرة: هذا معدود من موالي رسول اللّه كان غلاما للنبي - ﷺ -، ذكره عبد الملك النيسابوري في شرف المصطفى (^١) فقال: كركرة مولى رسول اللّه - ﷺ - كان نوبيا أهداه هوذة بن علي الحنفي إلى رسول اللّه - ﷺ - فأعتقه ولا يعرف لكركرة المذكور ذكر في غير هذا الحديث واللّه أعلم، قال ابن سَلَام: كركرة بفتح الكافين، قال الكرماني (^٢): ابن سلام الصحيح الذي عليه الجمهور تخفيف لامه، وقيل: بتشديدها، قال الدَّارقُطْنِي (^٣): ليس في الأسماء ابن سلام بالتخفيف إلا عبد اللّه بن سلام الصحابي وكانت الموالي نحو ستة عشر.\nواعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي - ﷺ - بل كان بعض منهم في وقت (^٤).\n[قوله:] فمات فقال رسول اللّه - ﷺ - \"هو في النار\" فذهبوا ينظرون فوجدوا عباءة قد غلها، الحديث، ففي هذا الحديث تحريم قليل الغلول وكثيره كما سيأتي ذكره في [هذا] الباب في [الرجل الذي غل خرزا من خرز يهود]\n_________\n(^١) شرف المصطفى (٣/ ٢٦٩).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٢/ ١٥٠).\n(^٣) المؤتلف والمختلف (٣/ ١١٩٣ - ١١٩٤).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨).","vol":"6","page":552},{"text":"والغلول هو ما يأخذه أحد الغزاة من الغنيمة مختصا به ولا يحضره إلى أمين الجيش ليقسمه بين الغزاة إلى آخره.\nتنبيه: قال بعض العُلماء: وإنما سمي غلولا لأن الأيدي مغلولة عنه أي ممنوعة من تناوله مجعول فيها غل [وهو الحديدة] التي تجمع في يد الأسير إلى عنقه (^١) وقال نفطويه: سمي بذلك لأن الأيدي مغلولة عنه أي محبوسة (^٢) والغلول هو أحد عظائم الذنوب وكبائر المعاصي وموبقات الآثام (^٣)، وقد قال اننبي - ﷺ -: \"من مات وهو برئ من الكبر والغلول والدين دخل الجنة\" رواه الترمذي (^٤).\nفائدة: أجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول فإنه من الكبائر وأجمعوا على أن عليه رد ما غله فإن كان تفرق الجيش وتعذر إيصال كلّ واحد إلى حقه، ففيه خلاف للعلماء قال الشافعي وطائفة: يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم كسائر الأموال الضائعة، وقال ابن مسعود وابن عباس ومعاوية والحسن والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد بن حنبل والجمهور: يدفع خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي (^٥).\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٨٠).\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ٢٣٢) والايجاز (١/ ٢٥٤) وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٧٩٧ - ٧٩٨).\n(^٤) سنن الترمذي (١٥٧٢) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٤/ ١٣٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣١٧).","vol":"6","page":553},{"text":"لطيفة: غلّ رجل من الغنيمة ثم تاب فجاء بما غله إلى أمير الجيش فأبى أن يقبل منه وقال: كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا فأتى حجاج بن الشاعر فقال: يا هذا، إن اللّه تعالى يعلم الجيش وأسمائهم وأنسابهم فادفع خمسة إلى صاحب الجيش وتصدق بالباقي عنهم فإن اللّه يوصل ذلك إليهم أو كما قال ففعل فلما أخبر معاوية قال: لأن أكون أفتيتك بذلك أحب إليّ من نصف ملكي (^١)، ا. هـ.\n\n٢٠٩٥ - وَعَن عبد اللّه بن شَقِيق أَنه أخبرهُ من سمع النَّبِيّ - ﷺ - وَهُوَ بوادي الْقرى وجاءه رجل فَقَالَ اسْتشْهد مَوْلَاك أَو قَالَ غلامك فلَان قَالَ بل يجر إِلَى النَّار فِي عباءة غلها رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\nقوله: وعن عبد اللّه بن شقيق، هو عبد اللّه بن شقيق [العقيلي أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد البصري، من بني عقيل بن كعب بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة. وكان عبد اللّه بن شقيق عثمانيا، وكان ثقة في الحديث وروى أحاديث صالحة، وقال صالح بن أحمد، عن علي: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: كان سليمان التيمي سئ الرأي في عبد اللّه بن شقيق، وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان يحمل على علي، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن مَعين: ثقة، من خيار المسلمين، لا يطعن في حديثه وقال أبو حاتم: ثقة\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٩١).\n(^٢) أحمد (٢٠٣٥١).","vol":"6","page":554},{"text":"وقال أبو أحمد بن عدي: ما بأحاديثه إن شاء اللّه بأس، وقال الهيثم بن عدي، ومحمد بن سعد: توفي في ولاية الحجَّاج بن يوسف على العراق، وقال خليفة بن خياط: مات بعد المئة، وقال غيرهم: مات سنة ثمان ومئة (^١)].\nقوله: أنه أخبره من سمع النبي - ﷺ - وهو بوادي القرى. جمع القرية موضع، وادي القرى بضم القاف وفتح المهملة من أعمال المدينة والشام، جاء ذكره كثيرًا في الحديث والمغازي، وقد نزل فيه رسول اللّه - ﷺ -.\nقوله: وجاءه رجل فقال استشهد مولاك أو قال غلامك فلان، قال: بل يجر إلى النار في عباءة غلها، أي: من أجلها وسببها.\n\n٢٠٩٦ - وَعَن زيد بن خَالِد - ﵁ - أَن رجلًا من أَصْحَاب النَّبِيّ - ﷺ - توفّي يَوْم خَيْبَر فَذكرُوا لرَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ صلوا على صَاحبكُم فتغيرت وُجُوه النَّاس لذَلِك فَقَالَ إِن صَاحبكُم غل فِي سَبِيل اللّه ففتشنا مَتَاعه فَوَجَدنَا خرزا من خرز يهود لا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ رَوَاهُ مَمالك وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة (^٢).\nقوله: وعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - توفي يوم خيبر فذكروا للنبي - ﷺ - فقال: \"صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك\"، فقال: \"إن\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٥/ ترجمة ٣٣٣٣).\n(^٢) مالك في الموطأ (١٣٢٠)، وأحمد (١٧٠٣١)، وأبو داود (٢٧١٠)، وابن ماجه (٢٨٤٨)، وابن حبان (٤٨٥٣). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٥٧٩).","vol":"6","page":555},{"text":"صاحبكم غل\". الحديث، وكانت غزوة خيبر في السنة السادسة من الهجرة وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول اللّه - ﷺ - بنفسه (^١) قد جاء في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - كان لا يصلي على من غل في سبيل اللّه ولو كان غلوله شيئًا يسيرًا تعظيما لجرمه وتغليظا لإثمه وإشارة إلى أنه كما امتنع من الدعاء له والشفاعة في الدنيا كذلك يمتنع من الشفاعة فيه في الآخرة كما سيأتي في حديث أبي هريرة المطول أنه إذا جاء إليه حاملا مكروبا فيقول: يا رسول اللّه أغثني فيجيبه - ﷺ -: \"لا أملك لك من اللّه شيئًا\"، قد أبلغتك الحديث وتاللّه أن من حرم شفاعة النبي - ﷺ - لجدير بالهلاك والبوار وأن من رده الشفوق النصوح الرحيم خائبا لحري أن يكون من أهل النار، اللهم لا تحرمنا شفاعته وإن من عظم جرمنا وجل حوبنا وكثرت ذنوبنا يا أرحم الراحمين (^٢).\nقوله: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين، الحديث، الأصل في يهود أن يستعمل بغير لام التعريف لأنه علم خاص لقوم أي علم للقبيلة فلهذا امتنع من الصرف للتأنيث والعلمية وقد يدخله اللام نحو الحس وإنما جوز تعريفه لأنه أجرى يهودي ويهود مجرى تمرة وتمر كذا في الفائق (^٣).\nقوله: رواه مالك، هو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة المجمع على حفظه\n_________\n(^١) عيون الأثر (٢/ ١٧٢). وذكر في صفحة (٣٥٣) أن غزوة خيبر في عام ٧ هـ.\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٨٠٧).\n(^٣) الفائق (١/ ١٥٦).","vol":"6","page":556},{"text":"وإتقانه وعدالته وعلو شأنه، خرجه في موطئه الذي رواه عنه أكابر الأئمة وتلقاه بالقبول أحبار الأمة واللّه أعلم.\nقوله: ورواه الإمام أحمد بن حنبل، كان الإمام أحمد بن حنبل أحفظ الناس للسنة وأشدهم بها إحاطة حتى ثبت أنه كان يذاكر بألف ألف حديث، وأنه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين اللّه ﷿ فما لم تجدوه فيه فليس بشيء، ذكره الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^١).\nقوله: ورواه أبو داود، اسم أبي داود سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر، كذا نسبه ابن أبي حاتم، وكان أبو داود إماما حافظا محدّثا فقيها أجمع الناس على عدالته، قال أبو عيسى الرملي: ورّاق أبي داود، قلت لأبي داود: ما خرجت هذه السنن إلا من حديث كثير، فقال لي: أو قد فطنت بذلك ما خرجتها إلا من ثلثمائة ألف ونيف وستين ألف حديث، ولد أبو داود سنة ثنتين ومائتين، وتوفي بالبصرة في النصف من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين، ذكره صاحب العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور (^٢).\n\n٢٠٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ حَدثنِي عمر - ﵁ - قَالَ لما كَانَ يَوْم خَيْبَر أقبل نفر من أَصْحَاب النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالُوا فلَان شَهِيد وَفُلَان شَهِيد وَفُلَان شَهِيد حَتَّى مروا على رجل فَقَالُوا فلَان شَهِيد فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - كلا إِنِّي\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢١١).\n(^٢) العلم المشهور (لوحة ٥٣/ أ).","vol":"6","page":557},{"text":"رَأَيْته فِي النَّار فِي بردة غلها أَو عباءة غلها ثمَّ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - يَا ابْن الْخطاب اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاس إِنَّه لا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (^١).\nقوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام عليه.\nقوله: حدّثني عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي - ﷺ - فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد، فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها\" الحديث، تقدم الكلام على النفر وأنهم من الثلاثة إلى التسعة، وقوله: \"كلا\" كلمة زجر ورد لقولهم في هذا الرجل أنه شهيد محكوم له بالجنة أول وهلة بل هو في النار بسبب غلولة والغلول أصله الخيانة مطلقا ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة (^٢) وكل من خان في شيء [خفية] فقد غل (^٣)، ويحك يا ظالم بل ويلك إذا كان هذا شهيد المعركة، وصاحب حق في الغنيمة وجاهد بين يدي رسول اللّه - ﷺ -، ولو أراد أن ينفله ما أخذه لكان يسوغ له الأخذ والشملة أو العباءة تلتهب عليه نارا فكيف حال من يأخذ الأموال بالإجمال ولا حق له فيها البتة قاله الشيخ تقي الدين اليحصبي (^٤).\n_________\n(^١) مسلم (١١٤)، والترمذي (١٥٧٤)، وأحمد (٢٠٣)، والدرامي (٢٤٩٢)، وابن حبان (٤٨٤٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦).\n(^٣) النهاية (٣/ ٣٨٠).\n(^٤) كذا هو وهو خطأ إملائى فهو تقى الدين الحصنى أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني، تقي الدين: فقيه ورع من أهل دمشق. ووفاته بها. =","vol":"6","page":558},{"text":"تنبيه: كلمة (ويلك) هذه كلمة أصلها لمن وقع في هلكة يقال له ذلك، وقيل: هذه كلمة تجري على اللسان وتستعمل من غير قصد إلى غير ما وضعت له أولا لذلك كقولهم لا أم لك، لا أب له، تربت يداه أو قاتله اللّه وَعَقْرَى وَحَلْقَى، وما أشبه ذلك (^١) واللّه أعلم.\nقوله: ثم قال رسول اللّه - ﷺ -: \"يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون\" أنه بفتح الهمزة لكون إن مع اسمه وخبره مفعولا، وناد بالكسر فيه معنى القول.\nقوله: \"أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون\" قال ابن النحاس عفا اللّه عنه (^٢): في هذا الحديث إشارة إلى أن الغال ليس بمؤمن ويؤيده ما روى عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يغل مؤمن\" رواه الطبراني (^٣) وهو من باب قوله: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (^٤) الحديث.\n_________\n= نسبته إلى الحصن (من قرى حوران) وإليه تنسب (زاوية الحصني) بناها رباطا في محلة الشاغور بدمشق (٧٥٢ - ٨٢٩ هـ). وكلامه من كتابه قمع النفوس ورقية المأيوس (لوحة ٥٩ - ٥٨).\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٧٤).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٧٩٩ - ٨٠٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٩١ رقم ٢٧٥) والكبير (١١/ ٢٢٩ رقم ١١٥٧٨).\nقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٣٣٩): وفيه روح بن صلاح، وثقه ابن حبان والحاكم، وضعفه ابن عدي، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في الجامع (٧٧٣٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) و(٥٥٧٨) و(٦٧٧٢) و(٦٨١٠)، ومسلم (١٠٠ و١٠١ و١٠٢ و١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ - ٥٧) عن أبي هريرة.","vol":"6","page":559},{"text":"٢٠٩٨ - وَعَن حبيب بن مسلمة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت أَبَا ذَر يَقُول قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن لم تغل أمتِي لم يقم لَهُم عَدو أبدًا قَالَ أَبُو ذَر لحبيب بن مسلمة هَل يثبت لكم الْعَدو حلب شَاة قَالَ نعم وَثَلَاث شِيَاه غزر قَالَ أَبُو ذَر غللتم وَرب الْكَعْبَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد لَيْسَ فِيهِ مَا يُقَال إِلَّا تَدْلِيس بَقِيَّة بن الْوَليد فقد صرح بِالتَّحْدِيثِ (^١).\nقوله: وعن حبيب بن مسلمة - ﵁ -، حبيب هذا [حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر] القرشي [الفهري، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو مسلمة، ويقال: أبو سلمة المكي نزيل الشام] قال البخاري: له صحبة، قال مصعب بن عبد الله الزبيري: قد [سمع من النبي]- ﷺ -[أخرج إلى الشام مجاهدا في حياة أبي بكر الصديق]، وشهد اليرموك وكان له دار بدمشق وكان شريفا [أنكر الواقدي أن يكون سمع من النبي - ﷺ -، توفي رسول اللّه - ﷺ -] ولحبيب اثنتا عشرة سنة [وقال ابن أبي مليكة أن حبيب بن مسلمة قدم المدينة] على النبي - ﷺ - غازيا [وأدركه] أبوه، وقال [للنبي - ﷺ -: يا نبي اللّه إني ليس لي ولد غيره يقوم في مالي وضيعتي، وعلى أهل بيتي فرده] رسول اللّه - ﷺ - وقال: [لعلك أن يخلو لك] وجهك [عامك، فارجع يا حبيب مع أبيك] فمات مسلمة من عامه\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٨١٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٣٨)، رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، وقد صرح بقية بالتحديث.","vol":"6","page":560},{"text":"وكان يقال له حبيب الروم لكثرة مجاهدته الروم ودخوله بلادهم (^١)، وقد أثبت البخاري والزبيري صحبته، ومات سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة اثنتين وأربعين، قال ابن سعد: بأرمينيا واليًا عليها، وقيل بدمشق، قاله في شرح الإلمام، وقد مدحه حسان بن ثابت بأبيات منها:\nفِيهِمْ حَبِيبٌ شِهَابُ الْمَوْتِ يَقْدُمُهُمْ ... مُسْتَلْئِمًا قَدْ بَدَا فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ\nقال سمعتُ أبا ذر يقول قال رسول اللّه - ﷺ - إن لم تغل أمتي لم يقم لهم عدو أبدًا، تقدم الكلام على الغلول.\nوقوله: [قال نعم] وثلاث شياه غزر، الحديث، فغزر جمع غزيرة أي: كثيرة اللبن هكذا جاء في رواية المعزوز بالعين المهملة والزاءين جمع عزوز قاله في النهاية (^٢).\nقوله: قال أبو ذر: غللتم ورب الكعبة، أي: خنتم في القول والعمل ولم تصدقوا قاله في النهاية (^٣) أيضًا وتقدم الكلام على أبي ذر.\n\n٢٠٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول اللّه - ﷺ - ذَات يَوْم فَذكر الْغلُول فَعَظمهُ وَعظم أمره حَتَّى قَالَ لا أَلفَيْنِ أحدكم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته بعير لَهُ رُغَاء فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئًا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته فرس لَهُ حَمْحَمَة فَيَقُول\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٥/ ٣٩٦ - ٤٠٥ ترجمة ١٠٩٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٦٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٨١).","vol":"6","page":561},{"text":"يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته شَاة لَهَا ثُغَاء يَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته نفس لَهَا صياح فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته رقاع تخفق فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته صَامت فَيَقُول يَا زسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nلا أَلفَيْنِ أَي لَا أجدن.\nوالرغاء بِضَم الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ هُوَ صَوت الإِبِل وَذَوَات الْخُف.\nوالحمحمة بحاءين مهملتين مفتوحتين هُوَ صَوت الْفرس.\nوالثغاء بِضَم الْمُثَلَّثَة وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ هُوَ صَوت الْغنم.\nوالرقاع بِكَسْر الرَّاء جمع رقْعَة وَهُوَ مَا تكْتب فِيهِ الْحُقُوق.\nوتخفق أَي تتحرك وتضطرب.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: قام فينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، أي: خطيبًا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره الحديث، هذا تصريح بغلظ تحريم الغلول وأصل الغلول الخيانة\n_________\n(^١) البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، وأحمد (٩٥٠٣)، وابن حبان (٤٨٤٨)، وأبو يعلى (٦٩٨).","vol":"6","page":562},{"text":"مطلقًا كما تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"حتى قال لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء\" قال الحافظ (^١): \"لا ألفين\" بالفاء لا أجدن، قال النووي (^٢): ضبطناه بضم الهمزة وبالفاء المكسورة أي لا أجدن أحدكم على هذه الصفة ومعناه: لا تعملوا عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة، قال القاضي: ووقع في رواية العذري \"لا ألفين\" بفتح الهمزة والقاف من اللقاء وبالفاء من باب الأفعال يقال: ألفيت الشيء ألفيه إلفاء إذا وجدته وصادفته ولقيته (^٣)، قال الجوهري (^٤): ألفيت الشيء وجدته ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (^٥) أي صادفاه وفيه أن المرأة تقول: [لبعلها] سيدي وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف - ﷺ - لا يصح فلم يكن بعلها سيدًا ليوسف - ﵇ - في الحقيقة (^٦)، واللفاء في اللغة هو الشيء الخسيس الحقير يقال: رضي فلان من الوفاء باللفاء ومن الجرا بأقل الجرا (^٧)، قاله في الديباجة لكن المشهور الأول.\n_________\n(^١) المنذري.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٦).\n(^٣) النهاية (٤/ ٢٦٢).\n(^٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٤٨٤).\n(^٥) سورة يوسف، الآية: ٢٥.\n(^٦) الكشاف (٢/ ٤٥٨).\n(^٧) انظر التقفية (ص ٤٢)، والصحاح (٦/ ٢٤٨٤)، والمحكم (١٠/ ٤٠٣) والنهاية (٤/ ٢٥٨).","vol":"6","page":563},{"text":"قوله: \"بعير له رغاء\" الرغاء هو صوت الإبل وذوات الخف قاله المنذري، أ. هـ يقال: رغا يرغو رغاء وأرغيته أنا ومنه حديث الإفك، وقد أرغى الناس للرحيل أي حملوا رواحلهم على الرغاء وهذا دأب الإبل عند رفع الأحمال عليها، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي رَجاء \"لَا يكونُ الرَّجل مُتَّقيا حَتَّى يَكُونَ أذَلَّ مِنْ قَعُود، كلُّ مَن أتَى عَلَيْهِ أَرْغَاهُ\" أَيْ قَهَره وأذلَّه، لِأَنَّ الْبَعِيرَ لَا يَرْغُو إلَّا عَنْ ذُلّ وإسْتِكَانة، وَإِنَّمَا خَصَّ القَعُود لِأَنَّ الفَتِيَّ مِنَ الْإِبِل يَكُونُ كثيرَ الرُّغَاءِ. قاله في النهاية (^١).\nقوله: فيقول: يا رسول اللّه أغثني فأقول لا أملك لك شيئًا فقد أبلغتك. قال القاضي (^٢): معناه أي من المغفرة أو الشفاعة إلا بإذن اللّه، قال: ويكون ذلك أولًا غضبا عليه لمخالفته ثم يشفع في جميع الموحدين بعد ذلك.\nقوله: \"لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة\" الحديث: الحمحمة هو صوت الفرس إذا طلب العلف قاله المنذري.\nقوله: \"لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء\" والثغاء هو صوت الغنم قاله المنذري، يقالط: ما له ثاغية أي شيء من الغنم، ومنه حديث جابر: عمدت إلى عنز لأذبحها فثغت فسمع رسول اللّه - ﷺ - ثغوتها فقال: \"لا تقطع [درا ولا] نسلا\" الثغوت المرة من الثغاء قاله في النهاية (^٣)،\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٤٠)\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ٢٣٤).\n(^٣) النهاية (١/ ٢١٤).","vol":"6","page":564},{"text":"والثغاء للضأن أو يعار، واليعار للمعز، ومثله شاة تيعر (^١).\nقوله: \"لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق\" الرقاع جمع الرقعة وهي الخرقة (^٢) وهو ما يكتب فيه الحقوق (^٣).\nوقوله: \"تخفق\" أي: تتحرك وتضطرب، قاله المنذري، وليس المقصود منه تعيينها بل تعميم الأجناس من الحيوان والنقود والثياب وغيرها قاله الكرماني (^٤).\nقوله: \"لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت\" والصامت: الذهب والفضة خلاف الناطق وهو الحيوان (^٥).\nفائدة: والحكمة في خفق الرقاع ونطق الحيوان أن كلّ من غل شيئًا في سبيل الله فإنه يأتي يوم القيامة وهو على عنقه يصوت بلغته ويصيح على رأسه ليروعه.\nبصياحه وليفتضح بذلك على رؤوس الأشهاد، ويحصل له الخزي بإظهار خيانته بين كافة العباد مع ما هو فيه من مشقة حمله في كرب المحشر وشدة الزحام وإلجام العرق وعظم الأهوال وغير ذلك هذا ما يظهر لي واللّه أعلم قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد (^٦).\n_________\n(^١) عمدة القارى (٨/ ٢٥١).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٣/ ٦٤).\n(^٣) النهاية (٢/ ٢٥١).\n(^٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ٦٤).\n(^٥) النهاية (٣/ ٥٢).\n(^٦) مشارع الأشواق (ص ٨٠٦).","vol":"6","page":565},{"text":"قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (^١) قال علماؤنا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٢) إن ذلك على الحقيقة كما بينه النبي - ﷺ - أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته موبخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد وكذلك مانع الزكاة كما في الحديث الصحيح. قال أبو حامد الغزالى (^٣): فمانع زكاة الإبل يحمل بعيرًا على كاهله له رغاء وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة البقر يحمل ثورًا على كاهله له خوار وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة الغنم يحمل شاة لها ثغاء وثقل يعدل الجبل العظيم والرغاء والخوار والثغاء كالرعد القاصف، ومانع زكاة الزرع يحمل على كاهله أعدالًا قد ملئت من الجنس الذي كان يبخل به برًا كان أو شعيرًا أثقل ما يكون ينادي تحته بالويل والثبور، ومانع زكاة المال يحمل شجاعًا أقرع له زبيبتان وذنبه قد انساب في منخريه واستدارت بجيده وثقل على كاهله كأنه طوق بكل وحي في الأرض وكل واحد ينادي مثل هذا فتقول الملائكة هذا ما بخلتم به في الدنيا رغبة فيه وشحًا عليه وهو قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٤).\nقلت: وهذه الفضيحة التي يوقعها اللّه بالغال نظير الفضيحة التي يوقعها بالغادر، إذا رفع له لواء غدرته يوم القيامة.\n_________\n(^١) تفسير القرطبى (٤/ ٢٥٦)، والتذكرة (ص ٦٩٣).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦١.\n(^٣) التذكرة (ص ٦٩٣).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.","vol":"6","page":566},{"text":"[فصل] فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١) أي: بذلك الشيء بعينه يحمله على عنقه وهذا وعيد عظيم فإن يفتضح به على رؤوس الأشهاد، وقال الزمخشري (^٢): وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك وتليت عليه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فقال: أجيء بها حقيقة المحمل طيبة الريح، أ. هـ وجعل اللّه تعالى هذه المعقبات حسب ما تعهده البشر ويفهمونه [ألا ترى إلى قول الشاعر (^٣).\nأَسُمَّيَ وَيْحَكَ هل سمعتِ بِغَدْرَةٍ ... رُفع اللِّوَاءُ لنَا بِها في مَجمعِ\nفكانت العرب ترفع للغادر لواء في المحافل ومواسم الحج، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، و] ذهب بعض العُلماء أن ما يجيء به الغال يحمله عبارة عن وزر ذلك وشهرة الْأَمر أي يأتي يوم القيامة قد شهر اللّه أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء وفرسا لها حمحمة (^٤).\nقلت: وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وقد أخبر النبي - ﷺ - بالحقيقة فهو أولى (^٥) واللّه أعلم، أ. هـ.\nاعلم أن من غل شيئًا في سبيل اللّه استوجب عقوبتين عقوبة في الدنيا وعقوبة\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٦١.\n(^٢) الكشاف (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(^٣) هو الحادرة الغطفانى انظر: المفضليات (ص ٤٥)، والتذكرة الحمدونية (٣/ ٣٩٣).\n(^٤) تفسير القرطبي (٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، والتذكرة (ص ٦٩٤ - ٦٩٥).\n(^٥) تفسير القرطبي (٤/ ٢٥٧)، والتذكرة (ص ٦٩٥).","vol":"6","page":567},{"text":"في الآخرة، أما عقوبة الآخرة فقد تقدم أن من غل يدخل النار ويلبس مثل ما غل من النار وأنه يأتي يوم القيامة بحمل ما غله على عنقه وهو يصيح عليه ويفضحه على رؤوس الأشهاد، وتقدم أن الغلول نار وعار وشنار يوم القيامة، وإن الغال إذا جاء يوم القيامة يسأل رسول اللّه الشفاعة والإغاثة يقول: \"لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك\"، وأنه يحرم الفوز بالشهادة وإن قتل في جهاده لقوله - ﷺ - حين قال الصحابة لمن قتل في سبيل اللّه وقد غل: فلان شهيد، فقال: \"كلا، واللّه إنه في النار\" فنفي أن يكون شهيدًا، وأكد ذلك بقسمه البار - ﷺ -، وقد صرح النووي (^١) بأن من غل في سبيل اللّه لا يكون شهيدًا في الآخرة، ذكره مسلم في باب بيان الشهداء واللّه أعلم (^٢)، وأما عقوبة الغال في الدنيا فإن الغلول ما ظهر في قوم إلا ألقى في قلوبهم الرعب وأخر عنهم النصر لقوله - ﷺ -: \"ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى اللّه في قلوبهم الرعب\" (^٣) الحديث (^٤)، أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦٣).\n(^٢) قاله ابن النحاس في مشارع الأشواق (ص ٨١٣).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٣٢٣) بلاغا عن ابن عباس وتمامه: ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم القطر، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٣٣/ ٤٣٠ - ٤٣١): قد رويناه متصلًا عنه ومثله لا يقال رأيا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٩٠).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٨١٧).","vol":"6","page":568},{"text":"٢١٠٠ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ -. قَالَ كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا أصَاب غنيمَة أَمر بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه فجَاء رجل يَوْمًا بعد النداء بزمام من شعر فَقَالَ يَا رَسُول اللّه هَذَا كَانَ فِيمَا أصبناه من الْغَنِيمَة فَقَالَ أسمعت بِلَالًا نَادي ثَلَاثًا قَالَ نعم قَالَ فَمَا مَنعك أَن تَجِيء بِهِ فَاعْتَذر إِلَيْهِ فَقَالَ كن أَنْت تَجِيء بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَلَنْ أقبله عَنْك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: كان رسول اللّه - ﷺ - إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه فجاء رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر، فقال يا رسول اللّه: هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة. الحديث، وكل هذا تعظيم أمر الغلول وتحذير له وإذا كان هذا في القليل فمان الظن بالكثير، وقد اختلف العُلماء في صفة عقوبة الغال، قال ابن النحاس عفا اللّه عنه (^٢): هذه المسألة مما اختلف العُلماء فيها، قال الإمام أبو بكر بن المنذر في كتاب الإشراف (^٣): واختلفوا فيما يفعل بالغال، فقالت طائفة: يُحَرَّقُ رَحْلُهُ، كذلك\n_________\n(^١) أبو داود (٢٧١٢)، وابن حبان (٤٨٠٩)، وأحمد (٦٩٩٦)، والحاكم (٢/ ١٢٧)، والبيهقي (٦/ ٢٩٣)، وقال الألباني صحيح، أخرجه أبو داود (٢٧١٢)، وصححه في صحيح سنن أبي داود.\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٨٢١ - ٨٢٣).\n(^٣) (٤/ ٦٥).","vol":"6","page":569},{"text":"قال الحسن البصري، ومكحول، وسعيد بن عبد الملك، والوليد بن هشام، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.\nوقال الحسن البصري: \"ألا أن لا يكون حيوانًا أو مصحفًا\"، وقال الأوزاعي: لا يحرق ما غلّ لأنه حق للغانمين يرد عليهم فإن استهلكه غرم قيمته ويحرق مَتَاعه الَّذِي غزا بِهِ، وسرجه، وإكافه، وَلَا تحرق دَابَّته وَلَا نَفَقَته إِن كَانَت فِي خرجه، وقال أحمد بن حنبل: لَا تحرق ثِيَابه الَّتِي عَلَيْهِ، وَلَا سَرْجه، وَلَا يحرق مَا يلْبسهُ عَلَيْهِ من سلاحه. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يحرق رَحْله وَلَا يعاقب فِي مَاله هَذَا قَول مَالك بن أنس، وَاللَّيْث بن سعد، وَالشَّافِعِيّ، وَكَانَ اللَّيْث بن سعد يرى أَن عَلَيْهِ الْعقُوبَة، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي إِذا كَانَ عَالما بِالنَّهْي، وَقَالَ الشَّافِعِي: \"لَا يعاقب رجل فِي مَاله إِنَّمَا يُعَاقب فِي بدنه، جعل اللّه الْحُدُود على الْأَبدَان، لا على الأموال\"، أ. هـ.\nوقال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره (^١): إذا غل الرجل في المغنم ووجد أخذ منه وأدب وعوقب بالتعزير عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، أ. هـ.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٤/ ٢٦٠) وتمام كلامه: والليث: لا يحرق متاعه. وقال الشافعي والليث وداود: إن كان عالما بالنهي عوقب. وقال الأوزاعي: يحرق متاع الغال كلّه إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه، ولا تنزع منه دابته، ولا يحرق الشيء الذي غل. وهذا قول أحمد وإسحاق، وقاله الحسن، إلا أن يكون حيوانا أو مصحفا. وقال ابن خويز منداد: وروي أن أبا بكر وعمر، اضربا الغال وأحرقا متاعه. قال ابن عبد البر: وممن قال يحرق رحل الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبد العزيز. وحجة من ذهب إلى هذا حديث صالح المذكور. وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة، ولا إنفاذ حكم، لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه. وما ذهب إليه مالك ومن تابعه من هذه المسألة أصح من جهة النظر وصحيح الأثر.","vol":"6","page":570},{"text":"٢١٠١ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - إِلَى خَيبَر فَفتح الله علينا فَلم نغنم ذَهَبا وَلا وَرقا غنمنا الْمَتَاع وَالطَّعَام وَالثيَاب ثمَّ انطلقنا إِلَى الْوَادي يَعْني وَادي الْقرى وَمَعَ رَسُول الله - ﷺ - عبد لَهُ وهبه لَهُ رجل من جذام يدعى رِفَاعَة بن يزِيد من بني الضبيب فَلَمَّا نزلنَا الْوَادي قَامَ عبد رَسُول الله - ﷺ - يحل رَحْله فَرمي بِسَهْم فَكَانَ فِيهِ حتفه فَقُلْنَا هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَة يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله - ﷺ - كلا وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن الشملة لتلتهب عَلَيْهِ نَارا أَخذهَا من الْغَنَائِم لم تصبها المقاسم قَالَ فَفَزعَ النَّاس فجَاء رجل بِشِرَاك أَو شراكين فَقَالَ أصبت يَوْم خَيْبَر فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - شِرَاك من نَار أَو شراكان من نَار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ (^١).\nالشملة كسَاء أَصْغَر من القطيفة يتشح بهَا.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا غنمنا المتاع والطعام والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي يعني وادي القرى. الحديث، تقدم الكلام على غزوة خيبر وعلى وادي القرى وهو: اسم موضع قتل فيه رفاعة أصابه سهم.\nقوله: ومع رسول الله ﷺ عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن [زيد] (^٢) من بني الضبيب، قال ابن النحاس عفا الله عنه: هذا\n_________\n(^١) البخاري (٦٧٠٧)، ومسلم (١١٥)، وأبو داود (٢٧١١)، والنسائي (٨٧٦٣).\n(^٢) في المخطوط يزيد، وجاء في هامش المخطوط [صوابه (رفاعة بن زيد) بدون ياء في أوله، قاله بعض أهل أصحاب الحديث، أهـ من خط المصنف ﵀] كذا.","vol":"6","page":571},{"text":"العبد الذي قتل بوادي القرى اسمه مدعم بكسر الميم وإسكان الدال المهملة وفتح العين المهملة أيضًا على وزن درهم، كذا جاء مسمى عند أبي داود وغيره (^١).\nواختلف العلماء هل أعتقه النبي - ﷺ - أو مات عبدا وجاء هاهنا أن العبد الأسود هو مدعم، وقيل: غير مدعم وكلاهما قتل بخيبر (^٢).\nقوله: من بني الضبيب، الضبيب بضم الضاد وبعدها باء موحدة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ثم باء موحدة اسم قبيلة.\nقوله: فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله - ﷺ - يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه. الرحل هو بالحاء وهو مركب الرجل على البعير، والحتف هو: بفتح الحاء وإسكان المثناة فوق أي موته، وجمعه حتوف، ومات حتف أنفه أي من غير قتل ولا ضرب (^٣).\nقوله ﷺ: \"كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم لم تصبها المقاسم\" [والشملة، قال الحافظ (^٤): كساء أصغر من القطيفة يتشح بها] وقال في الديباجة: الشملة كساء يتغطى به ويتلفف فيه (^٥).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٨٠١).\n(^٢) الاستيعاب (٤/ ١٤٦٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٩).\n(^٤) أي المنذري.\n(^٥) النهاية (٢/ ٥٠١).","vol":"6","page":572},{"text":"وفي حديث سهل أن الشملة هي البردة (^١) وتقدم الكلام على قوله \"والذي نفسي بيده\"، وفيه أن من غل شيئًا يجب رده وإذا رده يقبل منه ولا يحرق متاعه سواء رده أم لم يرده، فإنه ﵇ لم يحرق متاع صاحب الشملة وصاحب الشراك، ولو كان واجبا لفعله ولو قبله لنقل (^٢)، وقد تقدم الخلاف في عقوبة الغال في ماله.\nوقوله: \"لتلتهب عليه نارًا\" والتهاب النار إيقادها.\nقوله: \"لم تصبها المقاسم\" معناه: لم تدخل في القسمة أي أخذها قبل قسمة الغنائم.\nقوله - ﷺ -: \"شراك من نار أو شراكان من نار\" الشراك أحد سيور النعل [التي تكون على وجهها على ظهر القدم، قال العلماء: قد تكون المعاقبة بهما أنفسهما فيعذب بهما وهما من نار، وقد يكون ذلك على أنهما سبب لعقاب النار (^٣).\nقوله: رواه البخاري، قال البخاري: روينا عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري رواية صحيح البخاري قال: رأيت النبي - ﷺ - في النوم فقال: \"أين تريد؟ \" قلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: \"أقرئه مني السلام\" (^٤)، وعن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٧٧) و(٢٠٩٣) و(٥٨١٠) و(٦٠٣٦) ولفظه: عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - ببردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي الشملة، فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٣٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٩).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٨).","vol":"6","page":573},{"text":"محمد بن حمدويه قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائة ألف حديث غير صحيح، جملة ما صحح البخاري من الأحاديث المسندة سبعة ألاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة وبحذف المكررة نحو أربعة آلاف حديث (^١). (^٢)\n\n٢١٠٢ - وَعَن أبي رَافع - ﵁ -: قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا صلى الْعَصْر ذهب إِلَى بني عبد الأشْهَل فيتحدث عِنْدهم حَتَّى ينحدر للمغرب قَالَ أَبُو رَافع فَبينا النَّبِي - ﷺ - يسْرع إِلَى الْمغرب مَرَرْنَا بِالبَقِيعِ فَقَالَ أُفٍّ لَك أُفٍّ لَك أُفٍّ لَك قَالَ فَكبر ذَلِك فِي ذرعي فاستأخرت وظننت أَنه يُرِيدنِي فَقَالَ مَا لَك امش قلت وَحدث حدث فَقَالَ مَا ذَاك قلت أففت بِي قَالَ لا وَلَكِن هَذَا فلَان بعثته ساعيا علي بني فلَان فَغَلَّ نمرة فدرع مثلهَا من نَار رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صحِيحه (^٣).\nالبقيع بِالْبَاء الْمُوَحدَة مَوَاضِع بِالْمَدِينَةِ.\nمِنْهَا بَقِيع الْخَيل وبقيع الخنجبة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْجِيم وبقيع الْغَرْقَد وَهُوَ المُرَاد هُنَا كَذَا جَاءَ مُفَسرًا فِي رِوَايَة الْبَزَّار وَكبر فِي ذرعي هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة بعْدهَا رَاء سَاكنة أَي عظم عِنْدِي موقعه.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) ينظر ترجمته والكلام على الصحيح، تهذيب الأسماء واللغات، الجزء الأول من القسم الأول، (ص ٦٧ - ٧٦)، وفيات الأعيان، (٤/ ١٨٨)، تهذيب الكمال، (٢٤/ ٤٣٠)، تذهيب التهذيب، (٨/ ٣٢)، سير أعلام النبلاء، (١٢/ ٣٩١).\n(^٣) أحمد (٢٧١٩٢)، والطبراني (٩٦٢). وقال الألباني حسن في صحيح سنن النسائي.","vol":"6","page":574},{"text":"والنمرة بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم بردة من صوف تلبسها الأعْرَاب.\nوَقَوله فدرع بِالدَّال الْمُهْملَة المضمومة أَي جعل لَهُ درع مثلهَا من نَار.\n\n٢١٠٣ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة بَرِيئًا من ثَلَاث دخل الْجنَّة الْكبر والغلول وَالدّين رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: وعن أبي رافع - ﵁ -، هو: أبو رافع أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز من موالي رسول الله - ﷺ - وهبه العباس من رسول الله - ﷺ - فلما أسلم العباس بشر رسول الله - ﷺ - بإسلامه فأعتقه رسول الله - ﷺ -، توفي - ﵁ - قبل مقتل عثمان - ﵁ - (^٢).\nقوله: كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب، بنو عبد الأشهل اسم قبيلة.\nقوله: قال أبو رافع فبينا النبي - ﷺ - يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع، بالباء الموحدة مواضع بالمدينة، منها: بقيع الخيل، ومنها: بقيع الخبجبة بفتح الخاء المعجمة والجيم الخبجبة شجرة [عرف بها] ذكره السهيلي في الروض\n_________\n(^١) النسائي (٨٧٦٤)، وابن حبان (١٩٨)، والحاكم (٢/ ٢٦)، وأحمد (٢٢٣٦٩)، والترمذي (١٥٧٢)، وابن ماجه (٢٤١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٥٤٠). وقال الألباني صحيح، أخرجه أبو الترمذي (١٥٧٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٣٠ ترجمة ٧٨٢). وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٦٥٧): وقيل: فِي خلافة علي ﵁، وَهُوَ الصواب إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":575},{"text":"الأنف على السيرة (^١)، ومنها: بقيع الغرقد وهو موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها كان به شجر الغرقد [، فذهب وبقي اسمه]، قاله في النهاية (^٢) وهو المراد هنا كذا جاء مفسرا في رواية البزار، أ. هـ.\nوقال القاضي عياض (^٣): النقيع روى بالباء والنون، حكاهما القاضي عياض (^٤) والأصح الأشهر الذي قاله الخطابي (^٥) والأكثرون بالنون وكسر القاف الخفيفة والمهملة وهو موضع في [صدر] وادي العقيق على نحو عشرين ميلا من المدينة، وسمي به لأنه مستنقع للماء وإذا نضب نبت فيه الكلأ وهو الذي حماه رسول الله لإبل الصدقة و[خيل] المجاهدين ونحوه (^٦).\nقوله: فقال أف لك أف لك [أف لك]، الحديث، قال القاضي عياض (^٧) وغيره: فيها عشر لغات بفتح الفاء وضمها وكسرها بلا تنوين وبالتنوين فهذه ستة وأف وأفى وأفه، قالوا: وأصل الأف والفف وسخ الأظفار، وأف لفظ يستعمل جوابا عما يضجر منه، وتستعمل هذه الكلمة في كل ما يستقذر وهو فعل يستعمل في الواحد والاثنين والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد،\n_________\n(^١) الروض الأنف (٤/ ١٠٠).\n(^٢) النهاية (١/ ١٤٦).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٦٩).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٩٣).\n(^٥) معالم السنن (٢/ ٢٣٦).\n(^٦) الكواكب الدراري (١٠/ ١٨٢).\n(^٧) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).","vol":"6","page":576},{"text":"قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^١) قال الهروي: يقال لكل ما يضجر منه ويستثقل أف له، وقيل: معناه الاحتقار مأخوذ من الأفف وهو القليل.\nقوله: فكبر ذلك في ذرعي، بالذال المعجمة المفتوحة بعدها راء ساكنة أي عظم عندي موقعه كذا قاله المنذري وقال غيره: أي عظم عندي موقع ما فعله رسول الله - ﷺ - من التأفيف.\nقوله: \"فغل نمرة فدرع مثلها من نار\" النمرة بكسر الميم وسكونها ويجوز كسر النون مع سكون الميم قاله الكرماني (^٢)، وهي كما قال المنذري: بردة من صوف تلبسها الأعراب، أ. هـ.\nوقال غيره: النمرة كساء من صوف فيه خطوط بيض وسود وحمر كأنها أخذت من جلد النمر لاشتراكهما في التلون ولذلك سميت نمرة لشبهها بال [نمر] وهي من مأزر العرب (^٣)، وقال في النهاية (^٤): أي ألبس عوضها درعا من نار ودرع المرأة قميصها والدراعة والمدرعة والمدرع واحد وأدرعهما إذا لبسها، أ. هـ.\nقوله: \"فدرع مثلها من نمار\" بالدال المهملة المضمومة أي جعل له درع مثلها من نار، قاله المنذري.\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٢٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٨٩).\n(^٤) النهاية (٢/ ١١٤).","vol":"6","page":577},{"text":"٢١٠٤ - وَعَن أبي حَازِم - ﵁ -: قَالَ أُتِي النَّبِي ﷺ بنطع من الْغَنِيمَة فَقيل يَا رَسُول الله هَذَا لَك تستظل بِهِ من الشَّمْس قَالَ أتحبون أَن يستظل نَبِيكُم بِظِل من نَار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَالطَّبَرَانيّ فِي الأوْسَط وَزَاد يَوْم الْقِيَامَة (^١).\nقوله: وعن أبي حازم - ﵁ -: [هو سلمة بن دينار المدنى الأعرج، الزاهد، الفقيه، المشهور بالمحاسن، وهو مخزومى، مولى الأسود بن سفيان المخزومى، وقيل: مولى لبنى ليث، سمع سهل بن سعد الساعدى، وأكثر الرواية عنه في الصحيحين وغيرهما، والنعمان بن أبي عياش الزرقى، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وآخرين، روى عنه ابناه عبد العزيز وعبد الجبار، والزهرى وهو أكبر من أبى حازم، ومالك بن أنس، وابن أبي ذؤيب، وسفيان التورى، وسليمان بن بلال، ومعمر، وسفيان بن عيينة، وأخوه محمد بن عيينة، وخلائق لا يحصون. وأجمعوا على توثيقه وجلالته والثناء عليه، قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: لم يكن في زمن أبى حازم مثله، توفى سنة خمس وثلاثين ومائة.\nواعلم أن في هذا المرتبة اثنين يكنيان أبا حازم، أحدهما هذا المشهور بالرواية عن سهل، والثانى أبو حازم سلمان مولى عزة الأشجعية المشهورة بالرواية عن أبي هريرة، والله أعلم].\n_________\n(^١) أبو داود في المراسيل (٢٩٥)، والطبراني في الأوسط (٧١٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٣٩)، وفيه الحسن بن صالح بن أبي الأسود ضعفه الأزدي. وقال الألباني مرسل.","vol":"6","page":578},{"text":"قوله: أتي النبي - ﷺ - بنطع من الغنيمة، في النطع أربع لغات مشهورة أشهرها كسر النون مع فتح الطاء، والثانية: بفتحهما، والثالثة بفتح النون مع إسكان الطاء بكسر النون مع إسكان الطاء، قاله النووي (^١).\n\n٢١٠٥ - وَعَن يزِيد بن مُعَاوِيَة أَنه كتب إِلَى أهل الْبَصْرَة سَلام عَلَيْكُم أما بعد فَإِن رجلا سَأل رَسُول الله - ﷺ - زماما من شعر من مغنم فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - سَأَلتنِي زماما من نَار لم يكن لَك أَن تسألنيه وَلم يكن لي أَن أعْطِيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل أَيْضا.\nقوله: وعن يزيد بن معاوية أنه كتب إلى أهل البصرة: [سلام عليكم أما بعد] فإن رجلا سأل رسول الله - ﷺ - زمامًا من شعر، الحديث، الزمام هو [السير الذي يعقد فيه الشسع].\nقوله: رواه أبو داود في المراسيل، الحديث المرسل تقدم الكلام عليه مرات عديدة [وهو ما أسنده التابعي أو تابع التابعي إلى النبي - ﷺ - من غير أن يذكر الصحابي الذي يروي الحديث].\n\n٢١٠٦ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ -: قَالَ أما بعد فَكَانَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من يكتم غالا فَإِنَّهُ مثله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nيكتم غالا أَي يستر عَلَيْهِ.\nقوله: وعن سمرة بن جندب - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) في المنهاج للنووي (١/ ٣١٠).\n(^٢) أبو داود (٢٧١٦)، والطبراني في الكبير (٧٠٢٣). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٥٨٤).","vol":"6","page":579},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من يكتم غالا فإنه مثله\" أي: يستر عليه قاله المنذري، وقال: قد جاء أن من رأى غالا أو علم به فستر عليه كان عليه مثل إثمه.\nواعلم أن الغلول ذنب عظيم عند الله تعالى سواء كان قليلًا أو كتيرًا جليلًا أو حقيرًا، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أحاديث الباب، والله أعلم.\nخاتمة: في الحديث \"لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول\" تقدم الكلام على الغلول أنه بضم الغين وهو الخيانة وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، قال أبو سليمان الخطابي (^١): إنه يدل على أن من سرق مالا أو [خانه] ثم تصدق به لم يجز وإن كان نواه عن صاحبه وفيه مستدل لمن ذهب إلى أنه إن تصدق به على صاحب المال لم تسقط عنه تبعته وإن كان طعاما فأطعمه إياه لم يبرأ منه ما لم يُعلِمه بذلك وإطعام الطعام لأهل الحاجة صدقة ولغيرهم معروف وليس من باب أداء الحقوق ورد الظلامات، أ. هـ.\nوهذه المسألة ذكرها الأصحاب في باب الغصب أن الغاصب إذا حمل المغصوب منه على إتلافه بأن قدم له طعامًا مغصوبا ضيافة فأكله فللشافعي قولان: أحدهما: أن قرار الضمان على الغاصب لأنه غر المالك؛ والقول الثاني، وهو الأظهر: أن الغاصب يبرأ بذلك من ضمان المغصوب لأن المالك هو المباشر لإتلافه وإليه عادت منفعته وهذان القولان يعرفان بقول المباشرة والغرور ومحلهما عند جهل الأكل، أما عند علمه فيبرأ الغاصب قطعًا، أما إذا أمر الغاصب رجلا بإتلاف المغصوب بفعل أو إحراق ففعله\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٣٣).","vol":"6","page":580},{"text":"جاهلا بالحال فالمذهب القطع بأن القرار على المتلف لأن الفعل حرام، وقيل: على القولين، ولو لم يطعمه الغاصب المغصوب بل أكله المالك ظانا أنه طعام الغاصب برئ وجها واحدا، ولو صال العبد المغصوب فقتله بالدفع لم يبرأ الغاصب سواء علم أنه عبده أم لا لأنا الإتلاف [بهذه الجهة كإتلاف العبد نفسه ولهذا لو] كان العبد [لغيره] لم [يضمنه] وقيل: لا يبرأ عند [العلم] وهو ضعيف، وإذا قال الغاصب للمالك أعتق هذا العبد فأعتقه جاهلا نفذ العتق وبرئ الغاصب [ولو زوج الغاصب الجارية المغصوبة من مالكها] فتزوجها جاهلًا بالحال فتلفت [عنده] لم يبرأ كما لو [أودعها] فتلفت، ولو استولدها .. نفذ الاستيلاد قطعًا وبرئ الغاصب (^١) والله أعلم.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٥/ ١٧٦ - ١٧٧).","vol":"6","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء</span>\n٢١٠٧ - عَن أنس - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا أحد يدْخل الْجنَّة يحب أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا وَإِن لَهُ مَا على الأرْض من شَيْء إِلَّا الشَّهِيد فَإِنَّهُ يتَمَنَّى أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا فَيقْتل عشر مَرَّات لما يرى من الْكَرَامَة وَفِي رِوَايَة لما يرى من فضل الشَّهَادَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ما أحدٌ يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة\" الحديث، سيأتي الكلام على معنى هذا الحديث في الحديث بعده.\nقوله: \"وإن له مما على الأرض\" الحديث، بفتح الهمزة عطف على أن يرجع وبالكسر على أنها جملة حالية.\n\n٢١٠٨ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله يُؤْتى بالرجل من أهل الْجنَّة فَيَقُول الله لَهُ يَا بن آدم كَيفَ وجدت مَنْزِلك فَيَقُول أَي رب خير منزل فَيَقُول سل وتمنه فَيَقُول وَمَا أَسأَلك وأتمنى أَسأَلك أَن تردني إِلَى الدُّنْيَا فأقتل فِي سَبِيلك\n_________\n(^١) البخاري (٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧)، والترمذي (١٦٦١)، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (١٢٢٧٣)، وابن حبان (٤٦٦٢).","vol":"6","page":582},{"text":"عشر مَرَّات لما يرى من فضل الشَّهَادَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول أي رب خير منزل فيقول سل وتمنَّه فيقول وما أسألك وأتمنى أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة\" رواه النسائي والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، أ. هـ. قال ابن النحاس، ورواه أبو عوانة في صحيحة (^٢)، قال عفا الله عنه: فإذا كان أهل الجنة يتمنون الشهادة يسألونها وقد حصلوا على ما حصلوا عليه من الفوز العظيم ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من النعيم المقيم فكيف لا يتمناها ويسألها من هو الآن في دار المحي والغرور واللعن والشرور، ولا يدري إلى الجنة يصير أو إلى النار وبئس المصير، وقد ثبت من غير ما حديث عن النبي - ﷺ - أن الشهداء يتمنون الخروج من الجنة ومفارقة ما هم فيه من النعيم والرجوع إلى الدنيا ليقتلوا في سبيل الله لما وجدوا من لذة القتل في سبيل الله وفضل الشهادة عند الله (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ٣٨٧ (٣١٨٤)، والحاكم (٢/ ٧٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٩٦).\n(^٢) أخرجه أبو عوانة (٧٧٧٥).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٦٧٤).","vol":"6","page":583},{"text":"٢١٠٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَن أغزو فِي سَبِيل الله فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث تقدم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل\" قال النووي (^٢): في هذا الحديث جواز قول الإنسان وددت حضور كذا من الخير الذي يعلم [أنه لا] يحصل، وفيه فضل الجهاد [والشهادة] في سبيل الله والحث على حسن النية، قال: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار يدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البغاة، وفيه إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، وفيه: أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، وفيه: تمني الشهادة وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات والله أعلم، وتقدم الكلام على هذا الحديث مطولا في الجهاد.\n\n٢١١٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵁ -. أن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يغْفر للشهيد كل ذَنْب إِلَّا الدّين رَوَاه مسلم (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) البخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦)، ومالك في الموطأ (١٢٨٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٢) وانظر الكواكب الدراري (١/ ١٥٧).\n(^٣) مسلم (١٨٨٦).","vol":"6","page":584},{"text":"قوله - ﷺ -: \"يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين\" رواه مسلم، وفي رواية قال: \"القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين\" قال أبو الوليد بن رشد في مقدماته، وقد قيل: إن ذلك كان في أول الإسلام ولما روي أن الله تعالى يقضي عنه دينه (^١)، أ. هـ.\nوقال الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (^٢): الدين الذي يحبس صاحبه عن الجنة والله أعلم هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به أو قدر على الأدإء فلم يؤده أو أدانه في سفر أو سرف ومات ولم يوفه فهذا هو الذي يحبس صاحبه عن الجنة [حتى يقع] القصاص بالحسنات والسيئات لا [إتلاف المال على صاحبه، فيحتمل] أن يكون قوله في شهيد البحر عام في الجميع وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين، وأما من أدان في حق واجب كفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله شهيدًا كان أو غيره، لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين (^٣)، قال - ﷺ -: \"من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالا فلورثته\" (^٤) أ. هـ.\n_________\n(^١) المقدمات الممهدات (١/ ٣٥١).\n(^٢) تفسير القرطبي (٤/ ٢٧٤).\n(^٣) تفسير القرطبي (٤/ ٢٧٤) والتذكرة (ص ٤٣٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٣ - ٨٦٧) عن جابر.","vol":"6","page":585},{"text":"ثم قال (^١): فإن لم يقض عنه السلطان فإن الله يقضي عنه ويرضي خصمه ثم ذكر الدليل على ذلك ومن جملته قوله - ﷺ -: \"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله\" رواه البخاري (^٢)، قال ابن النحاس عفا الله عنه: ومما يؤيد ما ذكره القرطبي قصة عبد الله والد جابر فإنه خرج في غزاة أحد وعليه دين فاستشهد فرأى النبي - ﷺ - ولده جابرا بعد أيام وهو مهتم [لما] على أبيه من الدين فأخبره أن الله تعالى كلم أباه كفاحًا (^٣) فلو كان أبوه محبوسا عن الجنة بسبب دينه لما حصلت له هذه الدرجة العظيمة في تخصيص الله تعالى له بالتكليم كفاحا وكذلك الزبير استشهد وعليه ألف ألف ومائتا ألف (^٤) والله أعلم.\n\n٢١١١ - وَعَن أبي قَتَادَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَامَ فيهم فَذكر أَن الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَالإِيمَان بِالله أفضل الأعْمَال فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن قتلت فِي سَبِيل الله تكفر عني خطاياي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - نعم إِن قتلت فِي سَبِيل الله وَأَنت صابر محتسب مقبل غير مُدبر ثمَّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - كيفَ قلت قَالَ أَرَأَيْت إِن قتلت فِي سَبِيل الله أتكفر عني خطاياي فَقَالَ رَسُول الله\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٤٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٨٧) عن أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٩٠ و٢٨٠٠)، والترمذي (٣٠١٠)، وابن حبان (٧٠٢٢). وحسنه الألباني في الظلال (٦٠٢)، وصحيح الترغيب (١٣٦١).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٧٢١ - ٧٢٢).","vol":"6","page":586},{"text":"- ﷺ - نعم إِن قتلت وَأَنت صابر محتسب مقبل غير مُدبر إِلَّا الدّين فَإِن جِبْرَائِيل قَالَ لي ذَلِك رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^١).\nقوله: وعن أبي قتادة، تقدم.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، الحديث، إونما جعل الجهاد أفضل من غيره لأنه بذل النفس في سبيل الله والجود بالنفس أفضل غاية الجود والأفضل بعده هو الحج لأنه عبادة مركبة من العبادة البدنية والمالية، وأسقط في الحديث ذكر الصلاة والزكاة والصيام ولا شك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد مرتبة؛ فإن قيل: لم قدم الجهاد على الحج مع أن الحج من أركان الإسلام والجهاد فرض كفاية، فالجواب: أن الجهاد قد يتعين كسائر فروض الكفايات وإذا لم يتعين لم يقع إلا فرض كفاية وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة وما زاد فنفل (^٢) قال النووي (^٣): الأفضل في هذا الحديث بعد الإيمان الجهاد، وفي حديث ابن مسعود، وفي بالصلاة لوقتها، وفي حديث أبي ذر ولم يذكر الحج، وفي الحديث الآخر أي الإسلام أفضل قال: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\" وفي حديث آخر: أي الإسلام خير؟ قال: \"تطعم الطعام\" (^٤) قال العلماء: اختلاف الأجوبة في هذا الحديث لاختلاف الأحوال فأعلم كل قوم بما بهم الحاجة إليه\n_________\n(^١) مسلم (١٨٨٥)، والترمذي (١٧١٢).\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ١٢٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٥).\n(^٤) سبق تخريجهم.","vol":"6","page":587},{"text":"دون ما لم تدع حاجتهم إليه، وذكر ما لم يعلمه السائل وأهل المجلس وترك ما علموه والله أعلم، قاله الكرماني في شرح البخاري (^١).\nقوله: فقام رجل: فقال يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي فقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر\" وفي آخره \"إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك\"، في هذا الحديث هذه الفضيلة العظيمة للمجاهد وهي تكفير خطاياه كلها إلا حقوق الآدميين وإنما يكون تكفيرها بهذه الشروط المذكورة وهو أن يقاتل صابرًا محتسبًا مقبلا غير مدبر، ومنه أن الأعمال لا تنفع إلا بالنية والإخلاص لله تعالى، وقوله \"مقبل غير مدبر\" لعله احتراز ممن يقبل في وقت ويدبر في وقت، والمحتسب هو المخلص لله تعالى، فإن قاتل لعصبية أو لغنيمة أو لصيت أو نحو ذلك فليس له هذا الثواب ولا غيره، وأما قوله: \"إلا الدين\" ففيه تنبيه على حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا تكفر حقوق الآدميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى، وأما قوله - ﷺ - \"نعم\" ثم قال بعد ذلك \"إلا الدين\" فمحمول على أنه أوحى إليه به في الحال، ولهذا قال - ﷺ - \"إلا الدين\" فإن جبريل قال لي ذلك (^٢).\nتنبيه: والمراد بالدين هاهنا ما يتعلق بذمته من كل ما كان من حقوق الآدميين كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحة وغير ذلك من التبعات وكذلك الغيبة والنميمة والسخرية وما أشبه ذلك فإن هذه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٢٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٩).","vol":"6","page":588},{"text":"الحقوق كلها لابد من استيعابها لمستحقها وقد نبه على ذلك النووي في شرح مسلم (^١) وغيره (^٢) والله أعلم.\nفائدة: روى الطبراني (^٣) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يسبق المقتول في سبيل الله تعالى مقبلا غير مدبر المقتول المدبر بسبعين خريفًا\".\n\n٢١١٢ - وَعَن ابْن أبي عميرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا من نفس مسلمة يقبضهَا رَبهَا تحب أَن ترجع إِلَيْكُم وَإِن لهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا غير الشَّهِيد قَالَ ابْن أبي عميرَة - ﵁ -: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لِأن أقتل فِي سَبِيل الله أحب إِلَيّ من أَن يكون لي أهل الْوَبر والمدر رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالنَّسَائيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^٤).\nأهل الْوَبر هم الَّذين لا يأوون إِلَى جِدَار من الأعْرَاب وَغَيرهم.\nوَأهل الْمدر أهل الْقرى والأمصار والمدر محركا هُوَ الطين الصلب المستحجر.\nقوله: وعن ابن أبي عمرة: صوابه ابن أبي عميرة بفتح العين وكسر الميم بعدها ياء هكذا ذكره بعض المحدثين.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٣٠٣)، والمفهم (١٢/ ٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٩).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٧٢٠) وانظر تفسير القرطبي (٤/ ٢٧٢) والميسر (٣/ ٨٧٦).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١٢١) (١٢٦٥١).\n(^٤) أحمد (١٨٩٤)، وقال الألباني صحيح في صحيح سنن النسائي.","vol":"6","page":589},{"text":"قوله - ﷺ -: لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل الوبر والمدر\" قال الحافظ (^١): أهل الوبر هم الذين لا يأوون إلى جدار من الأعراب وغيرهم اهـ، وقال في النهاية: أهل البوادي الذين يسكنون مواضع الأحجار والجبال سموا بذلك لأنهم يتخذون بيوتهم من وبر الإبل (^٢) اهـ.\nقيل يريد ربيعة ومضر وقال في النهاية (^٣) يريد بأهل المدر أهل القرى والأمصار المدن، والمدر جمع مدرة وهي البنية اهـ وأهل المدر هم أهل القرى والأمصار والمدر محركا هو الطين الصلب المستحجر اهـ.\n\n٢١١٣ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ غَابَ عمي أنس بن النَّضر عَن قتال بدر فَقَالَ يَا رَسُول الله غبت عَن أول قتال قَاتَلت الْمُشْركين لَئِن أشهدني الله قتال الْمُشْركين ليرين الله مَا أصنع فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد وانكشف الْمُسلمُونَ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعْتَذر إِلَيْك مِمَّا صنع هَؤُلاءِ يَعْني أَصْحَابه وَأَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع هَؤُلاءِ يَعْني الْمُشْركين ثمَّ تقدم فَاسْتَقْبلهُ سعد بن معَاذ - ﵁ -: فَقَالَ يَا سعد بن معَاذ الْجنَّة وَرب النَّصْر إِنِّي أجد رِيحهَا دون أحد قَالَ سعد فَمَا اسْتَطَعْت يَا رَسُول الله أصنع مَا صنع قَالَ أنس فَوَجَدنَا بِهِ بضعا وَثَمَانِينَ ضَرْبَة بِالسَّيْفِ أَو طعنة بِرُمْح أَو رمية بِسَهْم ووجدناه قد قتل وَقد مثل بِهِ الْمُشْركُونَ فَمَا عرفه أحد إِلَّا أُخْته ببنانه فَقَالَ أنس كنَّا نرى أَو نظن أَن هَذِه الآيَة نزلت فِيهِ وَفِي\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٤٣ و٥/ ١٤٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٩ و٥/ ١٤٥).","vol":"6","page":590},{"text":"أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^١) إِلَى آخر الآيَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائيّ (^٢).\nالْبضْع بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا أفْصح وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع وَقيل مَا بَين الْوَاحِد إِلَى أَرْبَعَة وَقيل من أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة وَقيل هُوَ سَبْعَة قوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"غاب عمي أنس بن النضر\" بن ضمضم بن زيد بن حرام عم أنس بن مالك استشهد يوم أحد وثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال في حقه \"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره\".\n[قوله] \"غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر\" هي أول غزوة غزاها رسول الله - ﷺ - بنفسة وهي في السنة الثانية من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام.\nقوله \"لئن أشهدني الله قتال المشركين\" أي أحضرني.\nقوله \"ليرين الله ما أصنع\" الحديث جواب القسم المقدر هكذا هو في بعفالنسخ بياء بعد الراء ثم نون مشددة وهكذا وقع في صحيح البخاري ووقع في أكثر النسخ \"ليراني\" بالألف وهو صحيح ويكون معنى ما أصنع بدلا من الضمير في أراني أي ليرى الله ما أصنع وعلى ليرن الله ضبطوه بوجهين\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.\n(^٢) البخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣)، والنسائي في الكبرى (٨٢٩١)، والترمذي (٣٢٠١)، وأحمد (١٣٠١٥).","vol":"6","page":591},{"text":"أحدهما ليرن بفتح الياء والراء أي يراه الله واقعا بارزا والثاني ليرين بضم الياء وكسر الراء ومعناه ليرين الله الناس ما أصنع ويبرزه الله تعالى لهم ذكره النووي (^١).\nقوله \"فلما كان يوم أحد\" أي في العام المقبل أي في يوم قتال أحد وأطلقوا اليوم وأريد الوقعة.\nقوله \"وانكشف المسلمون فقال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين\" وفيه حسن العبارة إذ لم يصرح بلفظ الانهزام على المسلمين (^٢).\nقوله وانكشف المسلمون أي انهزموا وفارقوا مواضعهم وكشفوها (^٣).\nوقوله \"أعتذر إليك مما صنع هؤلاء\" يعني أصحابه أي من فرار المسلمين (^٤).\nوقوله \"وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء\" يعني المشركين أي أمتنع من هذا وأنكره (^٥) أي القتال مع رسول الله - ﷺ - (^٦).\nقوله \"ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ - ﵁ - فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها دون أحد\" سعد بن معاذ هو أبو عمرو سعد بن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٨).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٢/ ١٠٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٢٠).\n(^٤) الكواكب الدراري (١٢/ ١٠٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٣).\n(^٦) الكواكب الدراري (١٢/ ١٠٨).","vol":"6","page":592},{"text":"معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأنصاري الأوسي الأشهلي المدني سيد الأوس وأمه كبشة بنت رافع أسلمت ولها صحبة أسلم سعد على يد مصعب بن عمير - ﵁ - حين بعثه رسول الله - ﷺ - قبله مهاجرا إلى المدينة يعلم الناس أمر دينهم فلما أسلم سعد قال لبني الأشهل كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا فأسلموا فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام ومن أنفعهم لقومه وشهد بدرا وأحدا والخندق وقريظة وثبت مع رسول الله - ﷺ - وتوفي شهيدا عام الخندق من جرح أصابه من قتال المشركين وثبت في صحيح البخاري عن جابر عن النبي - ﷺ - قال \"اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ - ﵁ -\" (^١) وقال العلماء: اهتزاز العرش فرح الملائكة بقدومه لما رأوا منزلته وشهده سبعون ألفا من الملائكة وفيه يقول الشاعر:\nوَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللهِ مِنْ مَوْتِ هَالِكٍ ... سَمِعْنَا بِهِ إِلا لِسَعْدِ أَبِي عَمْرٍو\nوفي الصحيحين عن البراء \"أهدي للنبي - ﷺ - ثوب حرير، فجعلنا نلمسه ونتعجب منه، فقال النبي - ﷺ -: \"أتعجبون من هذا\" قلنا: نعم، قال: \"مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا وألين\" (^٢)، وفي الترمذي عن أنس \"لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في بني قريظة، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: \"إن الملائكة كانت تحمله\" (^٣)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٤٩) و(٣٨٠٢) و(٥٨٣٦) و(٦٦٤٠)، ومسلم (١٢٦ - ٢٤٦٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٨٤٩) وابن حبان (٧٠٣٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني في المشكاة (٦٢٢٨)، الصحيحة (٣٣٤٧).","vol":"6","page":593},{"text":"ووافق حكمه في قريظة حكم الله من فوق سماواته روى له البخاري حديثا من رواية ابن مسعود ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقوله \"فقال يا سعد بن معاذ الجنة\" هو بالنصب أي أريد الجنة وبالرفع أي هي مطلوبي (^٢).\nقوله \"ورب النضر إني لأجد ريحها دون أحد\" أي عند هذا محمول على ظاهره وأن الله تعالى أوجده ريحا من موضع المعركة وقد ثبتت الأحاديث أن ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام وريح الجنة نوعان ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح أحيانا لا تدركه العبارة وريح يدرك بحاسة الشم للأبدان كما تشم روائح الأزهار وغيرها وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة من قرب ومن بعد وأما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبياءه ورسله وهذا الذي وجده أنس بن النضر يجوز أن يكون من هذا القسم وأن يكون من الأول قاله في حادي الأرواح (^٣).\nقوله \"قال سعد فما استطعت يا رسول الله أصنع ما صنع\" أي ما قدرت على مثل ما يصنع أنس مع أني شجاع كامل القوة (^٤).\nقوله \"قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٤ - ٢١٥ ترجمة ٢٠٦).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٢/ ١٠٨).\n(^٣) حادى الأرواح (ص ١٦١).\n(^٤) الكواكب الدراري (١٢/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"6","page":594},{"text":"رمية بسهم ووجدناه قد قتل\" قال الحافظ (^١): البضع بفتح الباء وكسرها أفصح وهي ما بين الثلاث إلى التسع وقيل ما بين الواحد إلى الأربعة وقيل من أربعة إلى تسعة وقيل هو سبعة اهـ.\nقوله \"ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون\" قال أهل اللغة يقال مثل بالقتيل والحيوان يمثل مثلا كقتل يقتل قتلا إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو مذاكيره ونحو ذلك والاسم المثلة (^٢)، وهي تعذيب المقتول بقطع أعضاءه وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده مثل [أن يجدع] (^٣) والجدع قطع الأنف أو الأذن أو الشفة أو اليد وهو بالأنف أخص فإذا [أطلق] غلب عليه (^٤) فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة [ومنه الحديث \"نهى أن يمثل بالدواب\" أي تنصب فترمى، أو تقطع أطرافها وهي حية (^٥)]، وهذا إذا لم يكن الكافر فعل ذلك بالمقتول المسلم فإن [مثل بالمقتول المسلم] جاز أن يمثل به و[لذلك قطع رسول الله - ﷺ - أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم وكانوا فعلوا ذلك برعاء رسول الله - ﷺ - وكذلك] هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القطع فإنه يعاقب بمثله وقد قال الله تعالى:\n_________\n(^١) أي المنذري.\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٠/ ١٠٤)، ومشارع الأشواق (ص ٧٢٢).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٨٠).\n(^٤) النهاية (١/ ٢٤٦).\n(^٥) النهاية (٤/ ٢٩٤).","vol":"6","page":595},{"text":"﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا﴾ (^١) الآية (^٢) اهـ.\nقوله \"فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه\" واسم أخته الربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة وبالمهملة بنت النضر بفتح النون وإسكان المعجمة الأنصارية أخت أنس بن النضر وعمة أنس بن مالك والبنان الأصابع وقيل أطراف الأنامل واحدها بنانه (^٣).\nقوله \"فقال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^٤) إلى آخر الآية، النحب النذر كأنه ألزم نفسه أن يصدق وقيل النحب الموت كأنه ألزم نفسه أن يقاتل إلى أن يموت ولذلك قالت عائشة أم المؤمنين طلحة من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه (^٥) ففي هذا الحديث إلى أنه ينبغي للإنسان الصبر عند اللقاء ولا يكون سببا للهزيمة وإن فعلت هذه من بعض الناس يثبت ويقاتل مع من بقي لعلهم ينصرون أو يقتل شهيدا ليكون مع الذين قال الله في حقهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾، الآية إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٩٤.\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٢٨٠).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٢/ ١٠٩).\n(^٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.\n(^٥) النهاية (٥/ ٢٦).\n(^٦) سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٤.","vol":"6","page":596},{"text":"٢١١٤ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - رَأَيْت اللَّيْلَة رجلَيْنِ أتياني فصعدا بِي الشَّجَرَة فأدخلاني دَارا هِيَ أحسن وَأفضل لم أر قطّ أحسن مِنْهَا قَالا لي أما هَذِه فدار الشُّهَدَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي حَدِيث طَوِيل تقدم (^١).\nقوله: وعن سمرة بن جندب - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل لم أر قط أحسن منها قالا لي أما هذه فدار الشهداء\" رواه البخاري في حديث طويل تقدم في ترك الصلاة.\n\n٢١١٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ جِيءَ بِأبي إِلَى النَّبِي - ﷺ - قد مثل بِهِ فَوضع بَين يَدَيْهِ فَذَهَبت أكشف عَن وَجهه فنهاني قومِي فَسمع صَوت صائحة فَقيل ابْنة عَمْرو أَو أُخْت عَمْرو فَقَالَ لم تبْكي أَو لا تبْكي مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nقوله عن جابر بن عبد الله - ﵄ - هو عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر.\nقوله \"جيء بأبي إلى النبي - ﷺ - قد مثل به\" مثل بضم الميم وكسر الثاء المثلثة المخففة والاسم مثلة وقد تقدم وأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة والرواية هنا بالتخفيف (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٩١).\n(^٢) البخاري (٢٨١٦)، ومسلم (٢٤٧١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢٥).","vol":"6","page":597},{"text":"قوله \"فسمع صوت صائحة\" أي امرأة صارخة، فقيل ابنة عمرو أو أخت عمرو فقال لم تبكي أو لا تبكي قوله: ابنة عمرو وهي عمة جابر أو أخت عمرو فهي عمة المقتول، لما استشهد عبد الله أبو جابر يوم أحد وكانت تبكيه، وأصل لم تبكي لم تبكين حذفت النون نخفيفا ومعناه سواء بكت عليه أم لا فما زالت الملائكة تظله أي بأجنحتها حتى رفع أي فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره فلا ينبغي البكاء على مثل هذا [وفي هذا] تسلية لها (^١).\nقوله \"مما زالت الملائكة\" يحتمل أن يكون هذا خاصا بعبد الله كرامة له من الله تعالى كما خصه بكلامه له كفاحا، وقال القاضي عياض (^٢): ويحتمل أن يكون لتزاحمها عليه لبشارته بفضل الله عليه ورضاه وما أعد الله له من الكرامة، وازدحموا عليه إكراما له وفرحا به عند الله من الكرامة والدرجة الرفيعة، أو أظلوه من حر الشمس لئلا يتغير ريحه أو جسمه.\n\n٢١١٦ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ لما قتل عبد الله بن عَمْرو بن حرَام يَوْم أحد قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا جَابر أَلا أخْبرك مَا قَالَ الله لأبيك قلت بلَى قَالَ مَا كلم الله أحدا إِلَّا من وَرَاء حجاب وكلم أَبَاك كفاحا فَقَالَ يَا عبد الله تمن عَليّ أعطك قَالَ يَا رب تحييني فأقتل فِيك ثَانِيَة قَالَ إِنَّه سبق مني أَنهم إِلَيْهَا لا يرجعُونَ قَالَ يَا رب فأبلغ من ورائي فَأنْزل الله هَذِه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢٥ - ٢٦).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٨).","vol":"6","page":598},{"text":"فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (^١) الآيَة كلهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن أَيْضا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعنه - ﵁ -، تقدم الكلام عليه، قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد، غزوة أحد تقدم الكلام عليها وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول الله - ﷺ - بنفسه.\nقوله - ﷺ -: \"يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك قلت بلى قال ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحًا\" بكسر الكاف أي مواجهة، قال علي بن المديني: الكفاح الحواجهة (^٣) ومعناه معاينة ليس بينهما حجاب ولا رسول وأنه رآه قبل الناس في الآخرة وهذا يعضد أن النبي - ﷺ - رآه ليلة الإسراء إذ لا يتقدمه إلى رؤيته أحد من أمته، قاله ابن العربي (^٤).\nقال أبو العباس القرطبي في شرح مسلم في باب فضائل أبي دجانة بن خرشة الأنصاري، أبو جابر هو: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أحد النقباء شهد العقبة وبدرًا وقتل يوم أحد ومثل به كما تقدم ذكره،\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٦٩.\n(^٢) الترمذي (٣٠١٠)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه في المقدمة (١٩٠)، والحاكم (٣/ ٢٠٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٩٨)، وأحمد (١٤٨٨١)، وابن حبان (٧٠٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٠٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٠٥).\n(^٣) ذكره ابن مردويه في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (٢/ ١٤٣).\n(^٤) عارضة الأحوذى (١/ ١٦٥).","vol":"6","page":599},{"text":"وقد تضمن حديثه هذا فضيلة عظيمة لعبد الله لم يسمع بمثلها لغيره وهو أن الله كلمه مشافهة بغير حجاب حجبه به ولا واسطة قبل يوم القيامة ولم يفعل الله تعالى بغيره في هذه الدار كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (^١)، وكما قال - ﷺ - في هذا الحديث: \"وما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب \"ظاهر هذه الآية وهذا الحديث أن الله تعالى لم يفعل هذا في هذه الدار لحي ولا ميت إلا لعبد الله هذا خاصة فيلزم على هذا العموم أنه قد خص من ذلك بما لم يخص به أحدًا من الأنبياء وهذا مشكل بالعموم من ضرورة الشرع ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الأولياء والشهداء فوجه التوفيق أن قوله ﵇: \"وما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب\" إنما يعني به والله أعلم: أحدًا من الشهداء وممن ليس بنبي بعد موته وقبل يوم القيامة إلا عبد الله ولم يرد به الأنبياء ولا أراد بعد يوم القيامة لما قد علم أيضًا من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة من أن المؤمنين يرون الله تعالى في الجنة ويكلمهم بغير حجاب ولا واسطة، وأما الآية فإنما مقصودها حصر أنواع الوحي الحاصل إلى الأنبياء من الله تعالى فمنه ما يقذفه الله تعالى في النبي وروعه ومنه، ومنه ما يسمعه الله تعالى النبي مع كون ذلك النبي محجوبًا من رؤية الله تعالى ومنه ما يبلغه له الملك حاصلها الإعلام بأن الله\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ٥١.","vol":"6","page":600},{"text":"تعالى لم يره أحد من البشر في هذه الدار نبيا كان أو غيره وشهد لهذا قوله ﵇ في الصحيح \"اعلموا أنه لا يرى الله أحد ربه حتى يموت\" ويقوم الخلاف في رؤية نبينا - ﷺ - لربه والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك والأصل بقاء ما ذكرناه على أصلنا (^١) أ. هـ.\n\n٢١١٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - رَأَيْت جَعْفَر بن أبي طَالب - ﵁ - ملكا يطير فِي الْجنَّة ذَا جناحين يطير مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ مقصوصة قوادمه بالدماء رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا حسن (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"رأيت جعفر بن أبي طالب - ﵁ - ملكا يطير في الجنة ذا جناحين يطير منها حيث شاء\" الحديث، هو: أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب الطيار الهاشمي (^٣) ذو الجناحين وذو الهجرتين الجواد أبو الجواد وكان من متقدمي الإسلام وهاجر إلى الحبشة وكان هو وأصحابه سبب إسلام النجاشي ﵀، وارتفق المسلمون بجعفر هناك واعتضدوا به وكان جعفر أميرهم في الهجرة وهاجرت معه زوجته أسماء بنت عميس فولدت له هناك عبد الله بن\n_________\n(^١) المفهم (١٢٠/ ١٨ - ١٢٠).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٤٦٧)، وفي (١٢١١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٣)، رواه الطبراني في بإسنادين أحدهما جيد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٦٥).\n(^٣) طبقات ابن سعد: ٤/ ١/ ٢٢، التاريخ الكبير: ٢/ ١٨٥، الجرح والتعديل: ٢/ ٤٨٢، حلية الأولياء: ١/ ١١٤ - ١١٨، الاستيعاب: ٢/ ١٤٩، أسد الغابة: ١/ ٣٤١، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ١٤٨ - ١٤٩، تهذيب التهذيب: ٢/ ٩٨، الإصابة: ٢/ ٨٥.","vol":"6","page":601},{"text":"جعفر وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، وقضية جعفر مع النجاشي في أول اجتماعه به وقراءته عليه سورة مريم، وقوله إن عيسى عبد الله تعالى وغير ذلك مما جرى له مشهور معروف، ثم قدم من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين ومن دخل في الإسلام هناك وجاءوا في سفينتين في البحر فقدموا على رسول الله - ﷺ - في خيبر فأسهم له منها ولم يسهم لمن لم يحضرها غير أهل السفينة، وحديث قصتهم في الصحيح مشهور، سكن المدينة ثم أمره النبي - ﷺ - على جيش غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة فاستشهد هو وزيد فيها فأخبر بوفاته رسول الله - ﷺ - على المنبر في المدينة حال وفاته واستغفروا له وأمر المسلمين بالاستغفار له ووجدوا به يؤمئذ أربعا وخمسين ضربة بالسيف في مقدمه وقبر صاحبيه زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة مشهوران بأرض مؤتة من الشام على نحو مرحلتين من بيت المقدس.\nقوله: \"مقصوصة قوادمه بالدماء\" قوادم الطائر مقاديم ريشه وهي عشر في كل جناح، الواحدة: قادمة (^١)، وفي الحديث: \"إن مدينة لوط حملها جبريل ﵇ على خوافي جناحه\" وهي الريش الصغار التي في جناح الطائر ضد القوادم واحدها خافية قاله في النهاية (^٢).\n\n٢١١٨ - وَعَن سَالم بن أبي الْجَعْد - ﵁ - قَالَ أريهم النَّبِي - ﷺ - فِي النّوم فَرَأى جعفرا ملكا ذَا جناحين مضرجين بالدماء وَزيد مُقَابِله رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٢٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٧).","vol":"6","page":602},{"text":"وَهُوَ مُرْسل جيد الإِسْنَاد (^١).\nقَالَ الْحَافِظ كَانَ جَعْفَر - ﵁ -: قد ذهبت يَدَاهُ فِي سَبِيل الله يَوْم مُؤْتَة فأبدله بهما جناحين فَمن أجل ذَلِك سمي جعفرا الطيار.\nقوله: وعن سالم بن أبي الجعد - ﵁ -، واسم أبي الجعد [رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، أخو زياد بن أبي الجعد، وعبد الله بن أبي الجعد، وعبيد بن أبي الجعد، قال يحيى بن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة وقال منصور: قلت لإبراهيم: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثا منك؟ قال: لأنه كان يكتب وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول أنه ذكر له عن سالم بن أبي الجعد أنه كان يعطي، فعاتبته امرأته أم أبان، فقال: لأن أذهب بخير وأترككم بشر أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير، وقال مطين: مات سنة مئة، وقيل: سنة إحدى ومئة، وقال أبو نعيم: مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (^٢)].\nقوله: أريهم النبي - ﷺ - في النوم فرأى جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجين بالدماء وزيد مقابله، أي: على السرير، وابن رواحة جالس معهما كأنهما معرضان عنه، رواه الطبراني وهو مرسل جيد الإسناد، قال الحافظ (^٣): كان جعفر - ﵁ - قد ذهبت يداه في سبيل الله يوم مؤتة فأبدله بهما جناحين فمن\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٤٦٨)، وفي (١٤٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٣)، رواه الطبراني مرسلا بإسنادين، ورجال أحدهما، رجال الصحيح.\n(^٢) تهذيب الكمال (١٠/ ترجمة ٢١٤٢).\n(^٣) أي المنذري.","vol":"6","page":603},{"text":"أجل ذلك سمي جعفرًا الطيار، أ. هـ.\nقوله: \"مضرجين بالدماء\" أي: ملطخين به، وتضرج الثوب بالدم إذا تلطخ بدم أو غيره، قاله صاحب المغيث (^١) فالتضريج التدمية والتلطيخ وتقدم الكلام على جعفر.\nوقوله: \"وزيد مقابله\" الكلام الآن على زيد بن حارثة، هو: [والد] أسامة بن زيد بن حارثة بالحاء المهملة بن شراحيل بفتح الشين بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس [بن عامر بن الثعمان بن عامر ابن عبد الله بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة بن الحاف، بن قضاعة الكلبي نسبا القرشي الهاشمي بالولاء الحجازي وهو مولى رسول الله - ﷺ - أشهر مواليه، ويقال له حب رسول الله - ﷺ - وأبو حبه، كان أصابه سبي في الجاهلية لأن أمه خرجت به تزور قومها فأغارت عليهم بنو القين فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد فوهبته للنبي - ﷺ - قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، قيل: رآه النبي - ﷺ - ينادى عليه بالبطحاء فذكره لخديجة فقال له يشتريه من مالها ثم وهبته للنبي - ﷺ - فأعتقه وتبناه، قال ابن عمر: كنا ندعوه زيد بن محمد حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (^٢) وآخى رسول الله - ﷺ - بنيه وبين جعفر بن أبي طالب وكان من أول من أسلم حتى أن الزهري قال في رواية عنه أنه أول من أسلم، وقال غيره: أولهم إسلامًا خديجة ثم أبو بكر ثم زيد،\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥.","vol":"6","page":604},{"text":"وفي المسألة خلاف مشهور ولكن تقديم زيد على الجميع ضعيف وهاجر مع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المسلمين يوم بدر، وكان - ﵁ -: من الرماة المذكورين وزوجه النبي - ﷺ - مو لاته أم أيمن فولدت له أسامة وتزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين ثم طلقها ثم تزوجها رسول الله - ﷺ - وقصته في القرآن العظيم في سورة الأحزاب، قال العلماء: ولم يذكر الله ﷿ في القرآن باسم العلم من أصحاب نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إلا زيدًا في قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (^١)، ولما جهز رسول الله - ﷺ - الجيش إلى غزاة مؤتة جعل أميرهم زيد بن حارثة، وقال: \"إن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة\" فاستشهدوا ثلاثتهم بها - ﵄ - وحزن عليهم رسول الله - ﷺ - والمسلمون، روي لزيد عن النبي - ﷺ - حديثا وروي عنه ابنه أسامة بن زيد - ﵁ -، قال النووي (^٢): روينا في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال حين أمر أسامة بن زيد فطعن بعض المنافقين في إمارته فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ من بعده\" (^٣)، وقد ذكر تمام الرازي في فوائده أن حارثة والد زيد أسلم حين جاء في طلب\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٢٥٠).","vol":"6","page":605},{"text":"زيد ثم ذهب إلى قومه مسلمًا، ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nفائدة: وغزوة مؤتة كانت في جمادي الأولي في السنة الثامنة من الهجرة قبل الفتح، ومؤتة بضم الميم ثم همزة ساكنة ويجوز ترك الهمزة كما في نظائره وهي قرية معروفة من قرى البلقاء في طرف الشام عند الكرك، التقت جيوش المسلمين وهرقل وقتل جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة فيها وأخذ الراية بعد ابن رواحة خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وكان المسلمون ثلاثة آلاف والروم مع هرقل في مائة ألف كذا في التحفة فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في ثلاثة آلاف من المسلمين إلى أرض البلقاء من أطراف الشام، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج (^٢) وقد اختلف العلماء في عسكر المسلمين بمؤتة هل كانت الهزيمة عليهم أو على المسلمين فحكى ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين وحكي أيضا أنها كانت على الروم وذهبت جماعة إلى أن الهزيمة كانت على المشركين والنصرة للمسلمين وهو الأقرب واليه مال البيهقي ورجحه في دلائل النبوة واستدل بقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣ ترجمة ١٨٧).\n(^٢) عيون الأثر (٢/ ١٩٦) ومشارع الأشواق (ص ٨٨٣ - ٨٨٤).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٨٩١).","vol":"6","page":606},{"text":"٢١١٩ - وَعَن عبد الله بن جَعْفَر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - هَنِيئًا لَك يَا عبد الله أَبوك يطير مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن عبد الله، عبد الله هذا هو ابن جعفر - ﵄ - الطيار، وهو والد والد علي بن المديني (^٢).\nقوله: \"هنيئا لك يا عبد الله، جعفر أبوك يطير مع الملائكة في السماء\"، وتقدم أن جعفر قد ذهبت يداه في سبيل الله يوم مؤتة فأبدله الله بهما جناحين، أ. هـ، فجزاه الله أن جعله من الأحياء المذكورين عنده وزاده أن أبدله بيديه جناحين يطير بهما حيث شاء، ويأكل من ثمار الجنة ما شاء فمن أجل ذلك سمي الطيار وكان عبد الله بن عمر إذا حيي عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين (^٣).\nفائدة: قال السهيلي (^٤): ومما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنهما ليسا كما سبق الوهم على مثل جناحي الطائر وريشة لأن الصورة الآدمية\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٤٧٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد وإسناده حسن، وكذا قال الحافظ في الفتح.\n(^٢) هذا غلط فاحش ووهم عجيب فلا رابطة نسب ولا ولاء من قريب أو بعيد بين عبد الله بن جعفر وعلي بن عبد الله المديني من جهتين من جهة أن ابن المديني من مواليد الموالى فهو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدى، أبو الحسن ابن المديني البصرى، مولى عروة بن عطية السعدى. والثانى أن ولاء ابن المديني لغير الهاشميين.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٧٠٩) و(٤٢٦٤).\n(^٤) الروض الأنف (٧/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"6","page":607},{"text":"أشرف الصورة وأكملها وقي قوله - ﷺ -: \"إن الله خلق آدم على صورته\" تشريف لها عظيم وحاشى الله من التشبيه والتمثيل، ولكنها عبارة عن صورة ملائكته وقوة روحانية أعطيها جعفر كما أعطيتها الملائكة وقد قال الله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ (^١) فعبر عن العضد بالجناح توسعا وليس ثم طيران فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة أخلق به إذن بوصف الجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية، وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة: ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (^٢) فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا، ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة فكيف بستمائة جناح كما جاء في صفة جبريل ﵊، فدل على أثها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد أيضا في بيانها خبر فيجب علينا الإيمان بها ولا يفيدنا إعمال الفكر في كيفيتها علما، وكل أمريء قريب من معاينة ذلك فإما أن يكون من الذين تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون وإما أن يكون من الذين تقول لهم الملائكة وهم باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون، أ. هـ، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ٢٢.\n(^٢) سورة فاطر، الآية: ١.","vol":"6","page":608},{"text":"٢١٢٠ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - أَنه كانَ فِي غَزْوَة مُؤْتَة قَالَ فالتمسنا جَعْفَر بن أبي طَالب - ﵁ - فوجدناه فِي الْقَتْلَى فَوَجَدنَا بِمَا أقبل من جسده بضعا وَتِسْعين بَين ضَرْبَة ورمية وطعنة.\nوَفِي رِوَايَة فعددنا بِهِ خمسين طعنة وضربة لَيْسَ مِنْهَا شَيْء فِي دبره رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه كان في غزوة مؤتة. ومؤتة: موضع على مرحلتين من بيت المقدس (^٢)، وتقدم الكلام على مؤتة في حديث سالم بن أبي الجعد.\nقوله: فوجدنا بما أقبل من جسده بضعا وتسعين بين ضربة ورمية وطعنة، وفي رواية: فعددنا به خمسين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، الحديث، والدبر: بضم الباء الموحدة وسكونها الظهر يعني لم يكن شيء منها في حال الإدبار بل كلها في حال الإقبال وغرضه بيان شجاعته - ﵁ - (^٣).\nتنبيه: فإن قلت: الرواية السابقة خمسون، قلت: كان ذلك في قبله خاصة وهذا في جميع جسده، أو ذلك من الطعنات والضربات وهذا من الطعنات والرميات، والفرق بينهما أن الطعنة بالرمح والضربة بالسيف والرمية بالسهم مع أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد والله أعلم.\n_________\n(^١) البخاري (٤٢٦١).\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ٥٦) ونهاية الأرب (ص ٤٦١).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٦/ ١٢١).","vol":"6","page":609},{"text":"قاله الكرماني (^١)، وهذا يدل على أن الحرب لما انكشفت وانهزم المشركون رجع المسلمون إلى القتلى ينظرون من فقد منهم كما جرت به العادة وكان ممن وقف على القتلى عبد الله بن عمر فلا طريق إلى الجمع بين الحديثين إلا أن يقال إن ابن عمر انهزم في أول الحرب مع طائفة ثم تشجعوا ورجعوا وقاتلوا إلى أن فتح الله على المسلمين وانهزم المشركون وكان اختفاؤهم في المدينة لما رجع العسكر، أ. هـ، ذكره ابن النحاس (^٢).\n\n٢١٢١ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ بعث رَسُول الله - ﷺ - زيدا وجعفرا وَعبد الله بن رَوَاحَة وَدفع الرَّايَة إِلَى زيد فأصيبوا جَمِيعًا قَالَ أنس فنعاهم رَسُول الله - ﷺ - قبل أَن يَجِيء الْخَبَر فَقَالَ أَخذ الرَّايَة زيد فأصيب ثمَّ أَخذهَا جَعْفَر فأصيب ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فأصيب ثمَّ أَخذ الرَّايَة سيف من سيوف الله خَالِد بن الْوَلِيد قَالَ فَجعل يحدث النَّاس وَعَيناهُ تَذْرِفَانِ.\nوَفِي رِوَايَة قَالَ وَمَا يسرهم أَنهم عندنَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (^٣).\nقوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه.\nقوله: بعث رسول الله - ﷺ - زيدًا وجعفرًا وعبد الله بن رواحة، وتقدم الكلام على زيد وجعفر والكلام الآن على عبد الله بن رواحة، وقيل: أبو عمرو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١٦/ ١٢٢).\n(^٢) مشارع الأشواق (٨٩٥).\n(^٣) البخاري (١٢٤٦).","vol":"6","page":610},{"text":"امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي المدني، شهد العقبة وشهد بدرا وأحدا والحندق والحديبية وخيبر وعمرة القضاء والمشاهد كلها مع رسول الله إلا الفتح وما بعدها فإنه كان توفي قبلها يوم مؤتة وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة وهو خال النعمان بن بشير وكان أول خارج إلى الغزوات وآخر قادم وكان أحد الشعراء المحسنين الذي يردون الأذى عن رسول الله - ﷺ - والإسلام والمسلمين، وعن الزبير بن العوام - ﵁ - قال: ما رأيت أحدا أجرأ ولا أسرع شعرا من ابن رواحة، وعن أبي الدرداء قال: أعوذ بالله أن يأتي يومٌ لا أذكر فيه عبد الله بن رواحة كان إذا لقيني يقول: يا عويمر اجلس فلنؤمن ساعة فنجلس فنذكر الله تعالى ما شاء الله ثم يقول يا عويمر هذه الإيمان، وهو الذي شجع المسلمين في غزوة مؤتة على لقاء الكفار وكان المسلمون ثلاثة آلاف والكفار مائتي ألف، وقيل: غير ذلك، استشهد عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة ولم يعقب ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).\nقال ابن هشام في السيرة: وحدثني من أتق به من أهل العلم أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله جناحين يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين (^٢)، وقال موسى بن عقبة\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٥ ترجمة ٢٩٥).\n(^٢) سيرة ابن هشام (٢/ ٣٧٨).","vol":"6","page":611},{"text":"زعموا والله أعلم أن يعلى بن منبه قدم على رسول الله - ﷺ - بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله - ﷺ -: \"إن شئت فأخبرني وإن شئت فأخبرتك\" قال: فأخبر في يا رسول الله، فأخبره رسول الله خبره كله ووصفه لهم فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم\" (^١) أ. هـ.\nقوله: ودفع الراية إلى زيد فأصيبوا جميعًا، الراية: العلم الكبير، واللواء دوثه (^٢)، واللواء بكسر اللام وبالمد هو بمعنى الراية والمراد بهما العلم الذي يحمل في الحروب وهو من العلامة لأنه يعرف به موضع مقدم الجيش واللواء والراية مترادفان صرح به أهل اللغة والغريب، ومنهم صاحب المشارق والنهاية (^٣)، انتهى.\nوقال بعض العلماء: كانت راية النبي - ﷺ - سوداء ولواءه أبيض (^٤)، والراية قال الجوهري: العلم (^٥)، وكان اسم راية النبي - ﷺ - العقاب (^٦)، قال الجوهري\n_________\n(^١) عيون الأثر (٢/ ١٥٦ - ٥ - ١٥٦) ومشارع الأشواق (ص ٨٨٨ - ٨٨٩).\n(^٢) الميسر (٣/ ٨٩٠) وتحفة الأبرار (٢/ ٦١٠)، والمفاتيح (٤/ ٣٧٦)، وشرح المصابيح (٤/ ٣٥٦).\n(^٣) طرح التثريب (٧/ ٢٢٠)، وانظر مشارق الأنوار (١/ ٣٠٤)، والنهاية (٤/ ٢٧٩).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٢٨١٨)، والترمذي (١٦٨١) عن ابن عباس. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٣٣٣).\n(^٥) الصحاح (٦/ ٢٣٦٤).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣٦٠٤) وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٤٢٧) عن الحسن البصرى مرسلا، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٦٨) عن عائشة.","vol":"6","page":612},{"text":"في باب المعتل: والألوية المطارف أردية من خز مربعة لها أعلام (^١)، وفي هذا الحديث استحباب الألوية في الحروب وأنه ينبغي أن تكون مع أمير الجيش فجعل آخذ الراية هو الأمير، وقد يقيم الأمير في حملها غيره، ولا أمير كامل [الإمرة] مع حضوره ﵇ ولكنه يقيم من يشاء فيما شاء (^٢) والله أعلم.\nقوله: قال أنس فنعاهم النبي - ﷺ - قبل أن يجيء الخبر، الخبر والنعي بسكون العين وبكسرها خبر الموت (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"فقال أخذ الراية زيد فأصيب\" إلى آخره، وأصيب معناه: نيل بالمصيبة.\nقوله: \"ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد\" الحديث هو: أبو سليمان، وقيل: أبو الوليد خالد بن الوليد بن المغيرة [بن عبد الله بن عمرو بن] مخزوم [بن يقظة] بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزوكي، سيف الله، أمه: لبابة الصغرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، ولبابة الكبرى امرأة العباس، أسلم بعد الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة وشهد غزوة مؤتة وسماه النبي - ﷺ - يومئذ سيف الله، وشهد خيبر وفتح مكة وحنينا، روى له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر حديثا، اتفق\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٣٩٤) و(٦/ ٢٤٨٩).\n(^٢) طرح التثريب (٧/ ٢٢١).\n(^٣) الصحاح (٦/ ٢٥١٢).","vol":"6","page":613},{"text":"البخاري ومسلم على حديث، روى عنه ابن عباس وجابر والمقدام بن معدي كرب وأبو أمامة بن سهل الصحابيون وغيرهم من التابعين، وكان - ﵁ - من المشهورين بالشجاعة والشرف والرياسة، قال الزبير بن بكار وغيره: وكان خالد هو المقدم على خيول قريش في الجاهلية ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله - ﷺ - أعنة الخيل فيكون في مقدمتها، أرسله رسول الله - ﷺ - إلى أكيدر صاحب دومة فأسره وأحضره عند رسول الله - ﷺ - فصالحه على الجزية ورده إلى بلده، وأرسله رسول الله - ﷺ - سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب من مدلج فقدم معه رجال منهم فأسلموا ورجعوا إلى قومهم، وأمره أبو بكر الصديق على قتال مسيلمة الكذاب والمرتدين باليمامة وكان له في قتالهم الأثر العظيم، وله الآثار العظيمة المشهورة في قتال الروم بالشام والفرس بالعراق، وافتتح دمشق، وكان في قلنسوته شعر من شعر رسول الله - ﷺ - يستنصر به وببركته فلا يزال منصورًا، ولما حضرت خالدًا الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو نحوها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية وها أنا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء، وما لي عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا متترس بها [الجبناء جمع جبان والجبن الخوف وعدم الإقدام على الشيء]، وتوفي - ﵁ - في خلافة عمر بن الخطاب سنة إحدى وعشرين، وكانت وفاته بحمص وقبره مشهور على نحو ميل من حمص، وقيل: توفي بالمدينة، قاله أبو زرعة الدمشقي عن دحيم، والصحيح الأول، وحزن عليه عمر والمسلمون حزنا شديدا عظيما، ولما حضرته الوفاة","vol":"6","page":614},{"text":"حبس فرسه وسلاحه في سبيل الله، وثبت في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن خالدا احتبس أذراعه وأعتاده في سبيل الله\" وفضائله كثيرة مشهورة (^١)، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه بسر محمد، وتقدم الكلام عليه أخصر من هذا.\nقوله: فجعل يحدث الناس وعيناه تذرفان، وتذرفان بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الذال المعجمة وكسر الراء المهملة وبالفاء أي: يسيل دمعهما، يقال: ذرفت عينه إذا سال دمعها (^٢)، وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ - (^٣) والله أعلم.\n\n٢١٢٢ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَي الْجِهَاد أفضل قَالَ أَن يعقر جوادك ويهراق دمك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٤). وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن عبسة قَالَ أتيت النَّبِي - ﷺ - فَقلت فَذكره (^٥).\nقوله: وعن جابر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: قال رجل: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: \"أن يعقر جوادك ويهراق دمك\" الحديث.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٢ - ١٧٤ ترجمة ١٤٢).\n(^٢) كشف المناهج (٢/ ٢٤٠).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٢/ ١٠٣).\n(^٤) ابن حبان (٤٦٣٩)، وأحمد (١٤٢١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٢٢٥٣).\n(^٥) ابن ماجه (٢٧٩٤)، وأحمد (١٩٤٣٥).","vol":"6","page":615},{"text":"٢١٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا يجد الشَّهِيد من مس الْقَتْل إِلَّا كمَا يجد أحدكم من مس القرصة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله - ﷺ -: \"ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة\" إنما كان كذلك لأنه ينتقل إلى روح وريحان ورب غير غضبان ويبشر بالنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول فتقرأ عليهم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ (^٢) فلا يجدون من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة، وهذه الأحاديث وغيرها تدل على فضل الشهادة ولا شك أنها كذلك، أ. هـ.\nواعلم أن الجريح في سبيل الله لا يجد من ألم الجراح ما يجده غيره فإنه قد صح في الحديث أن القتيل في سبيل الله لا يجد ألم القتل إلا كمس القرصة وإذا كان هذا حال القتل فكيف بما دونه من الجراح، وهذا أمر مستقر لا يجحده إلا من لم يجرب، وما تقدم من أخبار الجرحي يؤيد ذلك مع ان العقل لا يستبعد ذلك فإن سورة الغضب والحمية إذا اشتدت وحكمت وجد الإنسان في نفسه من الشدة والقوة والصبر والاحتمال وقلة المبالاة بالمكروه وعدم الإحسالس بالآلام ما لم يكن يجده قبل ذلك حتى ربما يقع بيني المتخاصمين الشجاج المؤلمة\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٦٨)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وابن ماجه (٢٨٠٢)، وابن حبان (٤٦٥٥)، وأحمد (٧٩٥٣)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٨١٣).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٧١.","vol":"6","page":616},{"text":"والجراح البالغة ولا يحسون بذلك إلا بعد انفصالهم مما هم فيه، هذا وكل منهم مجتهد في الدفع عن نفسه كاره للموت أن ينزل به فكيف بمن يشتد غضبه لله ويخرج عن نفسه إلى الله، ويتمنى الشهادة عند الله ويعد ما أصابه من فضل الله، ويشهد بقوة نور الإيمان ما أعدّ الله للشهداء والجرحى في سبيله من الفضل الجزيل شهودًا محققًا لا علمًا مجردًا كما قال أنس بن النضر في وقعة أحد: واها لريه الجنة إني لأجد ريحها دون أحد، ثم انغمس في المشركين حتى قتل لص - ﵁ - (واها) قال العلماء: كلمة تحنن وتلهف (^١)، ومن هذا ما قيل: إن امرأة فتح الموصلي عثرت فطار ظفرها، فضحكت فقيل لها: يذهب ظفرك وتضحكين، فقال: عن حلاوة الأجر أذهبت عني مرارة الألم أو نحو هذا، وروي أيضًا في الحديث عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا التقى الزحفان ونزل الصبر كان القتل أهون على الشهيد من الماء البارد في اليوم الصائف\" (^٢) ذكره صاحب شفاء الصدور، وفي حديث مرفوع قال: \"عضة نملة أشد على الشهيد من مس السلاح بل هو أشهى إليه من شراب بارد في يوم صائف\" (^٣)، أ. هـ، ذكره ابن النحاس في كتابه (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٨).\n(^٢) ذكره صاحب كتاب شفاء الصدور وعنه ابن النحاس في مشارع الأشواق (ص ٧٥٢) وورد بمعناه في الحديث التالي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٢) ومن طريقه الضياء في المختارة (١٠/ ٣٤٤ (٣٧٢) ومن طريق آخر ١٠/ ٣٤٣ (٣٧١) عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"عضة نملة أشد على الشهيد من مس السلاح، بل هو أشهى عنده من شراب بارد في يوم صائف\". وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٨٦٦).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٥١٤ - ٥١٥).","vol":"6","page":617},{"text":"٢١٢٤ - وَعَن كعْب بن مَالك - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر تعلق من ثَمَر الْجنَّة أَو شجر الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nتعلق بِفَتْح الْمُثَنَّاة فَوق وَعين مُهْملَة وَضم اللَّام أَي ترعى من أعالي شجر الْجنَّة.\n\n٢١٢٥ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الشَّهِيد يشفع فِي سبعين من أهل بَيته رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن كعب بن مالك - ﵁ -، كعب بن مالك [هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، وقيل: أبو بشير كعب بن مالك بن عمرو بن القين بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن علي الأنصارى الخزرجى السلمى، بفتح السين واللام.\nشهد العقبة، وأحدا، وسائر المشاهد إلا بدرا، وتبوك، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (^٣)، والثلاثة: كعب بن مالك،\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٤١)، وأحمد (١٥٧٧٦)، وابن حبان (٤٦٥٧)، وابن ماجه (٤٢٧١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٥٥٩).\n(^٢) أبو داود (٢٥٢٢)، وابن حبان (٤٦٦٠)، والبيهقي (٩/ ١٦٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٧٤٦).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١١٨.","vol":"6","page":618},{"text":"ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وحديث قصتهم طويل مشهور في الصحيحين.\nروى لكعب عن رسول الله - ﷺ - ثمانون حديثا اتفقا على ثلاثة، وللبخارى حديث، ولمسلم حديثان. روى عنه بنوه عبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد، وعبيد الله بنو كعب، وابن عباس، وجابر، وأبو أمامة الباهلى، ومحمد بن علي بن الحسين، ﵃، وآخرون.\nجرح كعب يوم أحد أحد عشر جرحا في سبيل الله، وهو أحد شعراء رسول الله - ﷺ -، وكانوا ثلاثة: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكان حسان يقبل على الأنساب، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكعب يخوفهم الحرب. توفى بالمدينة في زمن معاوية سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنه خمسين، ﵁ (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة\" الحديث، تعلق بضم اللام أي تتناول، وقيل: [تأكل وتصيب منها وقيل تشم] وبالفتح أيضًا ومعناه تتعلق وتلزم ثمارها وتأوي إليها وتقع عليها، وقيل: هما سواء، وقد روي: \"تسرح\" وهذا يشهد بضم اللام ومن رواه التاء عني النسمة ويحتمل أن يرجع على الطير على أن يكون جميعا ويكون ذكر النسمة لأنه أراد الجنس لا الواحد، وقد يكون التذكير والتأنيث جمعا للروح لأن الروح تذكر وتؤنث، أ. هـ، قاله عياض (^٢)، وقال المنذري:\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٩ ترجمة ٥٣٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٨٤).","vol":"6","page":619},{"text":"تعلق أي ترعى من أعالى شجر الجنة، وقال في النهاية (^١) هو في الأصل في الإبل إذا أكلت العضاة يقال: علقت تعلق فنقل إلى الطير، قاله في النهاية (^٢)، وفي هذا الحديث: بيان أن الجنة مخلوقة موجودة الآن وهو مذهب أهل السنة وهي التي أهبط الله منها آدم وهي التي ينعم فيها المؤمنون يوم القيامة، هذا إجماع أهل السنة، وقالت المعتزلة وطائفة من المبتدعة أيضا غيرهم: أنها ليست موجودة وأنها توجد بعد البعث في القيامة قالوا: والجنة التي أخرج منها آدم غيرها، وظواهر القرآن والسنة تدل لمذهب أهل الحق، وفي هذا الحديث إثبات مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة (^٣)، قال القاضي عياض (^٤): وفيه أن الأرواح باقية لا تفنى فينعم المحسن ويعذب المسيء، وقد جاء بذلك القرآن والآثار وهو مذهب أهل السنة خلافا لطائفة من المبتدعة قالت تفنى.\nفائدة في أرواح الشهداء: في حديث سئل عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن أرواح الشهداء عند الله كطير في قناديل تحت العرش، وفيه أحاديث مختلفة وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح المنعم على جهات مختلفة منها ما هو طائر يعلق من شجر الجنة ومنها ما هو في حواصل طير خضر ومنا ما يأوى في قناديل تحت العرش ومنها ما هو في حواصل طير بيض ومنها ما هو\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٥٥).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣١).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٠٦).","vol":"6","page":620},{"text":"في تاجواف طير كالزرازير ومنها ما هو في أشخاص وصور من صور الجنة ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم ومنها ما يسرح ويتردد جنتها يزورها ومنها ما يتلقى أرواح المقبوضين وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل ومكنها ما هو في كفالة آدم ومنها ما هو في كفالة إبراهيم ﵇ وهذا قول حسن فإنه يجمع الأخبار حتى لا تتدافع والله أعلم ذكره القرطبي في التذكرة (^١).\nفائدة: روى الطبراني وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: \"أرواح المؤمنين في أجواف طيور خضر، كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة\" (^٢) الزرزور: بضم الزاي طائر من نوع العصفور سمي بذلك لزرزرته أي تصويته، وما أحسن قول شيخنا الشيخ برهان الدين القيراطي رحمة الله تعالى عليه (^٣):\nقد قلت لما مر بي معرضا ... وكفه يحمل زرزورا\nيا ذا الذي عذّبني مطله ... إن لم يزر حقا فزرزورا\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٤٣٧ - ٤٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك (٤٤٦) وابن أبي شيبة ٧/ ٣١ (٣٣٩٧٨)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣٤٦ - ٣٥٠ رقم ١٤١٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠ و٥/ ٢١٢) وصفة الجنة (١٣٣). وصحح إسناده الألباني كما في الضعيفة (٧/ ٤٧٣).\n(^٣) برهان الدين القيراطي (٧٢٦ - ٧٨١ هـ) هو إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفر بن نجم بن شادي، الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين ابن مفتي المسلمين شرف الدين الطائي الطريفي، الشهير بالقيراطي المصري، الأديب الشاعر المشهور.","vol":"6","page":621},{"text":"وفي مناقب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، لعبد المحسن بن عثمان بن غانم، قال الشافعي: من عجائب الدنيا، طلسم على صفة الزرزور من نحاس في رومية، يصفر في يوم واحد من السنة فلا يبقى طائر من جنسه إلا أتى رومية وفي منقاره زيتونة، فإذا اجتمع ذلك عصر، وكان منه زيتهم في ذلك العام. قاله في حياة الحيوان (^١).\nفائدة أخرى: قال أبو الحسن القابسي أنكر العلماء قول من قال أرواح الشهداء في حواصل طير خضر لأنها رواية غير صحيحة لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق عليها، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي الرواية صحيحة لأنها في صحيح مسلم فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى على فيكون المعنى أرواحهم على حواصل طير خضر كما قال تعالى ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٢) [أي على جذوع النخل وجائز أن يسمى الظهر: جوفا: إذا هو محيط به ومشتمل عليه، قال أبو محمد عبد الحق: وهو حسن جدا] (^٣) قال ابن النحاس عفا الله عنه: في هذا الكلام كله نظر فإنا لا نسلم أن أرواحهم محصورة بأجسادها وأن يكون جعفر - ﵁ - محصورا بالجسد الذي رآه النبي - ﷺ - فيه وهو سيد الشهداء ولا ضرورة تدعو إلى التأويل الذي أوله أبو محمد (^٤)، قال ابن\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٧).\n(^٢) سورة طه، الآية: ٧١.\n(^٣) التذكرة (ص ٤٣٧).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٧٣١).","vol":"6","page":622},{"text":"النحاس عفا الله عنه: بل الذي يظهر لي والله أعلم من الحكمة في جعلهم في هذه الأجساد أنهم لما جاءوا بأجسادهم الكثيفة لله تعالى وبذلوها في حبه وعرضوها للآلام والمشاق الشديدة وسمحوا بها للفناء امتثالا لأمر الله تعالى وطلبا لمرضاته عوضهم الله عنها أجسادا لطيفة في دار النعيم الباقي يأكلون بها ويشربون ويسرحون في الجنة حيث شاءوا ولما كان ألطف الحيوانات أجساما الطير وألطف الألوان الأخضر وألطف الجمادات الشفافة الزجاج كما قال الله تعالى ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (^١) فإن كانت من ذهب كما جاء في حديث ابن عباس فهو المفرح طبعا وخاصية وناهيك بذهب الجنة مفرحا فلذلك والله أعلم جعل الله أرواح الشهداء في ألطف الأجساد وهو الطير الملون بألطف الألوان وهو الخضرة تأوي إلى ألطف الجمادات وهي القناديل المنورة أو المفرحة في ظل عرش لطيف رحيم ليكمل لها لذة النعيم في جوار الرب الكريم فكيف يظن أنها محصورة كلا والله إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليشمر المشمرون وعليه فليجتهد المجتهدون (^٢) والله أعلم. اهـ\nفائدة أخرى: قال القرطبي (^٣): الذي عليه المعظم هو ما ذكرناه، وأن حياة الشهداء محققة. وأنهم أحياء في الجنة يرزقون كما أخبر الله تعالى ولا محالة\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣٥.\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٧٣١ - ٧٣٢).\n(^٣) تفسير القرطبي (٤/ ٢٦٩) وانظر مشارع الأشواق (ص ٦٩٩).","vol":"6","page":623},{"text":"أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم، ومن العلماء من يقول: ترد إليهم الأرواح في قبورهم فينعمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون. وقال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون.\nوقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١): وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن ما صح به النقل فهو الواقع. وقد قيل إنه يكتب في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في كل جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة وقيل لأن أرواحهم تركع وتسجد إلى يوم العرش إلى يوم القيامة كأرواح المؤمنين الذين باتوا على وضوء. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض.\nقال ابن النحاس عفا الله عنه: والذي يظهر لي والله أعلم أن أجساد الشهداء تتميز عن أجساد الأموات بصفة من صفة الحياة تفيد إدراكا ما والظاهر أن أرواحهم عند الله على رتب في المكانة فمنهم من روحه في جوف طير خضر ترعى في الجنة وتأوى إلى قناديل في ظل العرش كما ورد في الأحاديث ومنهم من هو على بارق نهر بباب الجنة يخرج إليهم رزقهم في الجنة بكرة وعشيا ومنهم من يطير مع الملائكة في السماء وفي الجنة حيث يشاء كما في حديث جعفر بن أبي طالب ومنهم من هو على أسرة في الجنة\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠) وانظر مشارع الأشواق (ص ٦٩٩ - ٧٠٠).","vol":"6","page":624},{"text":"كما في حديث ابن رواحة وصاحبيه وإنما تفاوتت منازل أرواحهم لتفاوت رتب إخلاصهم وسماحة أنفسهم بأنفسهم وما كانوا عليه قبل حصول الشهادة من رتب الإسلام والإيمان والإحسان (^١) اهـ.\n[ويجاب أيضا بأن حواصل الطير لا تنحصر الأرواح فيها حصر الظرف في مظروفه كسائر خلق الجنة كما ورد وصفه في الأحاديث من وصف قصورها وحورها بل ذلك على خلاف ما تفهمه العقول بل في ذلك أيضا نوع استئناس للأرواح عن مفارقة الأشباح وتعويضها أجساما هي ألطف وأشف في فضاء هذه الحواصل مما الله عالم بقدر سعته وإن كانت بادي الرأى طيرا صغيرة الجرم ومنحصرة الجسم ولعل داخل حواصلها من النعيم والمنظر الرائق العجيب ما تقصر عنه العبارة وتنبو عنه الإشارة مما يفوت غير الشهداء ممن ليس كذلك والله أعلم قاله كاتبه].\nفائدة أخرى: وقد من الله على الشهداء بفضائل لا تحصى ومآثر لا تستقصى قال ابن النحاس عفا الله عنه: وها أنا أذكر إن شاء الله تعالى من ذلك ما وصل إليه علمي القليل وفهمي الكليل فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون:\nفمنها أنهم أحياء عند ربهم يرزقون كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ (^٢) وقال\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٠٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٤.","vol":"6","page":625},{"text":"تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ (^١) الآية (^٢).\nومنها أن الشهادة في سبيل الله تكفر جميع ما على العبد من الذنوب التي بينه وبين الله تعالى (^٣).\nومنها أن الملائكة تظلل الشهيد بأجنحتها (^٤).\nومنها أن الشهادة الخالصة في سبيل الله توجب دخول الجنة مطلقا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^٥) الآية وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (^٦) الآية (^٧).\nومنها أن الشهداء حين يقتلون في سبيل الله تجعل أرواحهم في أجواف طير خضر في الجنة (^٨).\nومنها أن الشهداء لا يفتنون في قبورهم ولا يصعقون عند نشورهم وقد\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٦٩ - ١٧٠.\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٦٩٤).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٧٢٠).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٧٢٢).\n(^٥) سورة التوبة، الآية: ١١١.\n(^٦) سورة محمد، الآية: ٤.\n(^٧) مشارع الأشواق (ص ٧٢٢).\n(^٨) مشارع الأشواق (ص ٧٢٧).","vol":"6","page":626},{"text":"ثبت أن المرابط في سبيل الله لا يفتن في قبره فالشهيد أولى وأحرى لأنه أفضل منه، وما نال المرابط ما ناله من الفضل إلا بتعرضه للشهادة وتوقعه لها فكيف لا يعطى ذلك الفضل من نالها (^١).\nومنها: أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته (^٢).\nومنها: أن الشهيد يأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة (^٣).\nومنها: أن الشهيد يغفر له بأول قطرة من دمه ذنوبه كلها ويرى مقعده من الجنة (^٤).\nومنها: أن دم الشهيد لا يجف حتى يرى الحور العين (^٥).\nومنها: أن الشهيد في سبيل الله أفضل ممن انتصر ورجع سالما (^٦).\nومنها: أن الشهيد لا يجد من ألم القتل في سبيل الله إلا كما يجد أحدكم من ألم القرصة (^٧).\nومنها: أن الملائكة يدخلون على الشهداء من كل باب يسلمون عليهم (^٨).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٣٤).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٧٣٨).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٧٤٠).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٧٤١).\n(^٥) مشارع الأشواق (ص ٧٤٥).\n(^٦) مشارع الأشواق (ص ٧٤٧).\n(^٧) مشارع الأشواق (ص ٧٥١).\n(^٨) مشارع الأشواق (ص ٧٥٥).","vol":"6","page":627},{"text":"ومنها: أن الشهيد في سبيل الله يرضى الله عنه رضي لا سخط بعده (^١).\nومنها: أن الشهادة لا يشترط فيها سبق أعمال الأبرار بل هي بسابق الإرادة والاختيار (^٢).\nومنها: أن الشهيد في سبيل الله لا يفضله النبيون إلا بفضل النبوءة (^٣).\nومنها: أن الشهيد يزوجه الله الحور العين (^٤).\nتنبيه: ذكر الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره حديثا غريبا جدًّا (^٥) قال: روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"أكرم الله تعالى الشهداء\" بخمس كرامات لم يكرم بها أحدا من الأنبياء ولا أنا، إحداها: أن جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت وهو الذي سيقبض روحي وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف شاء ولا يسلط على أرواحهم ملك الموت، والثاني: أن جميع الأنبياء قد غسلوا بعد الموت وأنا أغسل بعد الموت والشهداء لا يغسلون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا؛ والثالث: أن جميع الأنبياء قد كفنوا وأنا أكفن والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم؛ والرابع: الأنبياء لما ماتوا سموا أمواتا وأنا إذا مت يقال: قد مات والشهداء لا يسمون\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٥٧).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٧٥٩).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٧٦٣).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٧٦٦).\n(^٥) تفسير القرطبي (٤/ ٢٧٦).","vol":"6","page":628},{"text":"أمواتا؛ والخامس: أن الأنبياء لهم الشفاعة لهم يوم القيامة وشفاعتي أيضًا يوم القيامة، وأما الشهداء فإنهم يشفعون كل يوم فيمن يشفعون (^١)، أ. هـ.\n\n٢١٢٦ - وَعَن عتبة بن عبد السّلمِيّ - ﵁ - وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْقَتْلَى ثَلَاثَة رجل مُؤمن جَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله حَتَّى إِذا لَقِي الْعَدو وَقَاتلهمْ حَتَّى يقتل فَذَلِك الشَّهِيد الممتحن فِي جنَّة الله تَحت عَرْشه لَا يفضله النَّبِيُّونَ إِلَّا بِفضل دَرَجَة النُّبُوَّة وَرجل فرق على نَفسه من الذُّنُوب والخطايا جَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله حَتَّى إِذا لَقِي الْعَدو قَاتل حَتَّى يقتل فَتلك ممصمصة محت ذنُوبه وخطاياه إِن السَّيْف محاء للخطايا وَأدْخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ فَإِن لهَا ثَمَانِيَة أَبْوَاب ولجهنم سَبْعَة أَبْوَاب وَبَعضهَا أفضل من بعض وَرجل مُنَافِق جَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله حَتَّى إِذا لَقِي الْعَدو قَاتل فِي سَبِيل الله ﷿ حَتَّى يقتل فَذَلِك فِي النَّار إِن السَّيْف لَا يمحو النِّفَاق رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\nالممتحن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ المشروح صَدره وَمِنْه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أَي شرحها ووسعها.\nوَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فَذَلِك المفتخر فِي خيمة الله تَحت عَرْشه وَلَعَلَّه تَصْحِيف.\n_________\n(^١) لم أعثر عليه.\n(^٢) أحمد (١٧٦٥٧)، والطبراني (١٧/ رقم ٣١٠)، وابن حبان (٤٦٦٣)، والبيهقي (٩/ ١٦٤)، وفي شعب الإيمان (٤٢٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩١)، ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا أبا المثنى، الأملوكي، وهو ثقة.","vol":"6","page":629},{"text":"وَفرق بِكَسْر الرَّاء أَي خَائِف وجزع.\nوالممصمصة بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَكسر الثَّالِثَة وبصادين مهملتين هِيَ الممحصة المكفرة.\nقوله: وعن عتبة بن عبد الله السلمي، عتبة بن عبد الله السلمي [هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر. وقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. وهذا عتبة كان اسمه عتلة، فسماه النبي - ﷺ - عتبة. شهد خيبر.\nروى عنه ابنه يحيى، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة، وخالد بن معدان، وغيرهم.\nمات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"القتلى ثلاثة رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد الممتحن\" الحديث، الممتحن هو المشروح صدره ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (^٢) أي: شرحها ووسعها قاله المنذري، وقيل: اختبرها وأخلصها،\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ٣.","vol":"6","page":630},{"text":"أ. هـ، وقال شمر: الممتحن هو المصفى المهذب (^١) يقال: محنت الفضة إذا صفيتها وخلصتها بالنار قاله في النهاية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل\"، قوله \"فرق\" أي خاف وجزع كذا قاله المنذري؛ قوله \"فتلك ممصمصة\"، والممصمصة هي الممحصة المكفرة قاله المنذري، وقال الهروي في الغريبين (^٣)، معنى ممصمصة أي مطهرة غاسلة من دنس الذنوب، وأصله من الموص وهو الغسل، وقال ابن الأثير والأصمعي: يقال ممصمص إناءه إذا جعل فيه الماء وحركه ليتنظف وإنما انتهى والقتل مذكر لأنه أراد معنى الشهادة أو خصلة ممصمصة فأقام الصفة مقام الموصوف قاله في النهاية (^٤) والمعنى أن القتل في سبيل الله يطهر من الذنوب كما يمصمص الإناء بالماء فانظر إلى الثاني الذي قاتل خوفا على نفسه من ذنوبه وخطاياه كيف غفر الله له ومحيت ذنوبه وأدخل الجنة (^٥).\nقوله: وفي رواية لأحمد فذلك المفتخر في خيمة الله تحت عرشه\" الخيمة معروفة ومنه خيم بالمكان أي أقام فيه وسكنه فاستعارها لظل رحمة الله\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٦٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٤).\n(^٣) الغريبين (٦/ ١٧٥٦).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٣٧).\n(^٥) مشارع الأشواق (ص ٧٦٤).","vol":"6","page":631},{"text":"ورضاه [وأمنه] بصدقة الحديث الآخر [الشهيد] في ظل الله وظل عرشه قاله في النهاية (^١).\n\n٢١٢٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الشُّهَدَاء ثَلَاثَة رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله لَا يُرِيد أَن يُقَاتل وَلَا يقتل يكثر سَواد الْمُسلمين فَإِن مَاتَ أَو قتل غفرت لَهُ ذنُوبه كلهَا وأجير من عَذَاب الْقَبْر ويؤمن من الْفَزع ويزوج من الْحور الْعين وحلت عَلَيْهِ حلَّة الْكَرَامَة وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار والخلد وَالثَّانِي خرج بِنَفسِهِ وَمَاله محتسبا يُرِيد أَن يقتل وَلَا يقتل فَإِن مَاتَ أَو قتل كَانَت ركبته مَعَ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ بَين يَدي الله ﵎: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ (^٢) وَالثَّالِث خرج بِنَفسِهِ وَمَاله محتسبا يُرِيد أَن يقتل وَيقتل فَإِن مَاتَ أَو قتل جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة شاهرا سَيْفه وَاضعه على عَاتِقه وَالنَّاس جاثون على الركب يَقُول أَلا أفسحوا لنا فَإنَّا قد بذلنا دماءنا وَأَمْوَالنَا لله ﵎.\nقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو قَالَ ذَلِك لإِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ أَو لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء لزحل لَهُم عَن الطَّرِيق لما يرى من وَاجِب حَقهم حَتَّى يَأْتُوا مَنَابِر من نور تَحت الْعَرْش فيجلسوا عَلَيْهَا ينظرُونَ كيفَ يقْضى بَين النَّاس لَا يَجدونَ غم الْمَوْت وَلَا يغتمون فِي البرزخ وَلَا تفزعهم الصَّيْحَة وَلَا يهمهم الْحساب وَلَا الْمِيزَان وَلَا الصِّرَاط ينظرُونَ كيفَ يقْضى بَين النَّاس\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٩٤).\n(^٢) سورة القمر، الآية: ٥٥.","vol":"6","page":632},{"text":"وَلَا يسْأَلُون شَيْئا إِلَّا أعْطوا وَلَا يشفعون فِي شَيْء إِلَّا شفعوا فِيهِ ويعطون من الْجنَّة مَا أَحبُّوا ويتبوؤون من الْجنَّة حَيْثُ أَحبُّوا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني وَهُوَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nزحل بالزاي والحاء الْمُهْملَة كَذَا فِي رِوَايَة الْبَزَّار وَقَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي رِوَايَته لتنحى لَهُم عَن الطَّرِيق وَمعنى زحل وَتَنَحَّى وَاحِد.\n\n٢١٢٨ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا وقف الْعباد لِلْحسابِ جَاءَ قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دَمًا فازدحموا على بَاب الْجنَّة فَقيل من هَؤُلاءِ قيل الشُّهَدَاء كَانُوا أَحيَاء مرزوقين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِسْنَاده حسن (^٢).\nقوله: عن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"الشهداء ثلاثة رجل خرج بنفسه وماله ... إلى قوله ... ويوضع على رأسه تاج الوقار والخلد\" التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر تجعله على رؤوسها ولهذا قال ﵇ \"العمائم تيجان العرب\" (^٣) وفي جامع الترمذي\n_________\n(^١) البزار (١٧١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٥٥)، وقال: محمد بن معاوية النيسابوري، غيره أوثق منه، والأصبهاني في الترغيب (٨٣٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩١)، رواه البزار، وضعفه بشيخه محمد بن معاوية، فإن كان هو النيسابوري فهو متروك، وفيه - أيضًا - مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف وقد وثق.\n(^٢) الطبراني في الأوسط (١٩٩٨)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٨٧)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٥)، في إسناده الفضل بن يسار، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه.\n(^٣) النهاية (١/ ١٩٩).","vol":"6","page":633},{"text":"عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال \"يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه\" (^١).\nقوله - ﷺ -: والذي نفسي بيده لو قال ذلك لإبراهيم خليل الرحمن ﵇ أو لنبي من الأنبياء لزحل لهم عن الطريق\" ومعنى زحل تنحى وقال الأصبهاني في روايته لتنحى لهم عن الطريق ومعنى زحل وتنحى واحد قاله المنذري، وقال غيره زحل أي تنحى وزال عن مكانه وبه سمي زحل لبعده كذا قاله الأزهري وغيره (^٢).\n\n٢١٢٩ - وَعَن نعيم بن همار - ﵁ - أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله - ﷺ - أَي الشُّهَدَاء أفضل قَالَ الَّذين إِن يلْقوا فِي الصَّفّ لَا يلفتون وُجُوههم حَتَّى يقتلُوا أُولَئِكَ ينطلقون فِي الغرف الْعلَا من الْجنَّة ويضحك إِلَيْهِم رَبهم وَإِذا ضحك رَبك إِلَى عبد فِي الدُّنْيَا فَلَا حِسَاب عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى ورواتهما ثِقَات (^٣).\nقوله: وعن نعيم بن همار - ﵁ -[ويقال: ابن هبار، ويقال: ابن هدار، ويقال: ابن خمار، ويقال: ابن حمار، الغطفاني من غطفان بن سعد بن قيس\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٩١٥). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٢٥).\n(^٢) تهذيب اللغة (٤/ ٢١١)، والغريبين (٣/ ٨١٦)، والنهاية (٢/ ٢٩٨).\n(^٣) أحمد (٢٢٤٧٦)، وأبو يعلى (٦٨٥٥)، والبخاري في التاريخ (٨/ ٩٥)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٢٨)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٢)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٠٧).","vol":"6","page":634},{"text":"عيلان، وقيل: من غطفان جذام الشامي. له صحبة روى عنه قيس الجذامي، وأبو إدريس الخولاني، وسعيد بن عبد العزيز].\nقوله: \"ويضحك إليهم ربهم وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه\" قال القاضي عياض (^١) ﵀: الضحك هنا استعارة في حق الله لأنه لا يجوز عليه ﷾ الضحك: المعروف في حقنا لأنه إنما يصح من الأجسام وممن يجوز عليه تغير الحالات والله ﷾ منزه عن ذلك، وإنما المراد بذلك الرضى بفعل العبد والثواب عليه وحمد فعله ومحبته لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقة ما يرضاه وسروره به وبره لمن يلقاه، قال: ويحتمل أن يكون المراد هنا ضحك ملائكة الله تعالى الذين يوجههم لقبض روحه وإدخاله الجنة كما يقال قتل السلطان فلانا أي أمره بقتله والله أعلم.\n\n٢١٣٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أفضل الْجِهَاد عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة الَّذين يلتقون فِي الصَّفّ الأول فَلَا يلفتون وُجُوههم حَتَّى يقتلُوا أُولَئِكَ يتلبطون فِي الغرف من الْجنَّة يضْحك إِلَيْهِم رَبك وَإِذا ضحك إِلَى قوم فَلَا حِسَاب عَلَيْهِم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nيتلبطون مَعْنَاهُ هُنَا يضطجعون وَالله أعلم.\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٤١٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٢)، رواه الطبراني في الأوسط، من طريق عنبسة بن سعيد بن أبان، وثقه الدراقطني كما نقل الذهبي، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":635},{"text":"٢١٣١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ الْجنَّة الْفُقَرَاء الْمُهَاجِرُونَ الَّذين تتقى بهم المكاره إِذا أمروا سمعُوا وأطاعوا وَإِن كَانَت لرجل مِنْهُم حَاجَة إِلَى السُّلْطَان لم تقض لَهُ حَتَّى يَمُوت وَهِي فِي صَدره وَإِن الله ﷿ ليدعو يَوْم الْقِيَامَة الْجنَّة فتأتي بزخرفها وَزينتهَا فَيَقُول أَيْن عبَادي الَّذين قَاتلُوا فِي سبيلي وَقتلُوا وأوذوا وَجَاهدُوا فِي سبيلي ادخُلُوا الْجنَّة فيدخلونها بِغَيْر حِسَاب وَتَأْتِي الْمَلائِكَة فيسجدون فَيَقُولُونَ رَبنَا نَحن نُسَبِّح بحَمْدك اللَّيْل وَالنَّهَار ونقدس لَك من هَؤُلاءِ الَّذين آثرتهم علينا فَيَقُول الرب ﷿ هَؤُلاءِ عبَادي الَّذين قَاتلُوا فِي سبيلي وأوذوا فِي سبيلي فَتدخل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة من كل بَاب سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِإِسْنَاد حسن لَكِن مَتنه غَرِيب (^١).\n\n٢١٣٢ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أخْبركُم عَن الأجود الأجود الله الأجود الأجود وَأَنا أَجود ولد آدم وأجودهم من بعدِي رجل علم علما فنشر علمه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَحده وَرجل جاد بِنَفسِهِ لله ﷿ حَتَّى يقتل رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n(^١) الأصبهاني في الترغيب (٨٣٧)، وأحمد (٦٥٧٠، ٦٥٧١)، والطبراني (١٤٧٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤٧)، وفي صفة الجنة (٨١)، والبزار (٣٦٦٥)، وابن حبان (٧٤٢١)، والحاكم (٢/ ٧١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٩)، رواه أحمد والبزار والطبراني ورجالهم ثقات.\n(^٢) أبو يعلى (٢٧٨٢)، وابن عدي في الكامل (٢٢٥٨)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٣٠١)، وابن طاهر في تذكرة الحفاظ (٣٤٢)، وابن الجوزي في الموضوعات =","vol":"6","page":636},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أفضل الجهاد عند الله يوم القيامة الذين يلتقون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف من الجنة\" الحديث، يتلبطون معناه هنا يضطجعون وقال في النهاية (^١) أي يتمرغون ومنه حديث ماعز \"لا تسبوه فإنه يتلبط الجنة\" ومنه حديث أم إسماعيل: جعلت تنظر إليه يتلوي ويتلبط، وتقدم معنى الضحك في الحديث قبله.\n\n٢١٣٣ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - مثئل حَدِيث قبله وَمَتنه قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن للشهيد عِنْد الله سبع خِصَال أَن يغْفر لَهُ فِي أول دفْعَة من دَمه وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة ويحلى حلَّة الْإِيمَان ويجار من عَذَاب الْقَبْر ويأمن من الْفَزع الْأَكْبَر وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار الياقوتة مِنْهُ خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ويزوج ثِنْتَيْنِ وَسبعين زَوْجَة من الْحور الْعين ويشفع فِي سبعين إنْسَانا من أَقَاربه رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن (^٢).\n_________\n= (٤٥٣)، وقال: قال أبو حاتم: هذا حديث منكر باطل لا أصل له، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦٦)، رواه أبو يعلى وفيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢١٦١).\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٢٦).\n(^٢) أحمد (١٧١٨٣)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٥٦٣)، والبزار (١٧٠٩)، وابن أبي عصم في الجهاد (٢٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٣)، رواه أحمد هكذا، قال مثل ذلك، والبزار والطبراني، إلا أنه قال: سبع خصال، وهي كذلك، ورجال أحمد والطبراني ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥١٨٢).","vol":"6","page":637},{"text":"قوله: وعن عبادة بن الصامت - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن للشهيد عند الله سبع خلال\" أي: خصال، والخلة بالفتح الخصلة، وفي الرواية الأخرى [سقط هنا نحو ثلاث كلمات].\nقوله: \"أن يغفر له في أول دفعة من دمه\" قال الحافظ (^١): الدفعة بضم الدال المهملة هي الدفعة من الدفع وغيره أ. هـ، أي: في أول قطرة من الدم، وقيل: الدفعة بالضم ما دفع من إناء أو سقاء فانصب بمرة وكذلك الدفعة من المطر وغيره (^٢) مثل الدفقة بالقاف يقال: جاء القوم دفعة واحدة بالضم إذا دخلوا بمرة واحدة، وقال غيره: الدفعة بالفتح المرة الواحدة من الدفع وهو الإزالة بقوة (^٣) فلا يصح هاهنا إنما المراد الأول (^٤) ويبينه رواية [يغفر له] في أول دفعة من دمه، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"ويأمن من الفزع الأكبر\" الفزع الأكبر: قيل هو إذا أطبقت النار على أهلها أعاذنا الله منها ومن كل عذاب في الدنيا والآخرة، وقيل: هو النفخ في الصور، وقيل: هو حين يعرض على النار، وقيل: هو حين يذبح الموت (^٥) وتقدم ذكر ذلك.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٦).\n(^٢) المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٢٣) ولسان العرب (٨/ ٨٧ - ٨٨).\n(^٣) المحكم (٢/ ٢٢ - ٢٣)، ولسان العرب (٨/ ٨٧).\n(^٤) كذا ضبطها في مشارع الأشواق (ص ٧٤٠) والدميرى كما في كشف المناهج (٣/ ٣٣٦).\n(^٥) المفاتيح (٤/ ٣٥٦)، وشرح المشكاة (/ ٢٦٥٠)، وكشف المناهج (٣/ ٣٣٧).","vol":"6","page":638},{"text":"قوله: \"ويوضع على رأسه تاج الوقار\" أي: العزة، وقيل: الوقار [الحلم والرزانة]، والتاج: هو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر [وفى] حديث \"العمائم تيجان العرب\" التيجان جمع تاج وقد توجته إذا ألبسته التاج العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرأس، القلانس والعمائم فيهم قليلة (^١).\nقوله - ﷺ - \"ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين\" ويحتمل أن المراد من ينزل له منهن عند خروج روحه ومن يزوج بهن يوم القيامة في الجنة (^٢).\n\n٢١٣٤ - وَعَن الْمِقْدَام بن معد يكرب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - للشهيد عِنْد الله سِتّ خِصَال يغْفر لَهُ فِي أول دفْعَة وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة ويجار من عَذَاب الْقَبْر ويأمن من الْفَزع الْأَكْبَر وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار الياقوتة مِنْهُ خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ويزوج اثْنَتَيْنِ وَسبعين من الْحور الْعين ويشفع فِي سبعين من أَقَاربه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح غَرِيب (^٣).\nالدفعة بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وَهِي الدفقة من الدَّم وَغَيره.\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٢١٣) و(١/ ١٩٩).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٧٤١).\n(^٣) الترمذي (١٦٦٣)، وابن ماجه (٢٧٩٩)، وأحمد (١٧١٨٢)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٠٤)، والطبراني في السير (٢٠/ رقم ٦٢٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٥٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥١٨٢)، وفيه سبع، بدلا من ست.","vol":"6","page":639},{"text":"قوله: وعن المقدام بن معد يكرب - ﵁ - تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة\" تقدم تفسيره في الحديث الذي قبله.\nقوله: \"ويشفع في سبعين من أقاربه\" فإنهما أنه ارتفعت درجته حتى صار من الشافعين والحمد لله رب العالمين.\nقوله: \"ويجار من عذاب القبر\" أي يحفظ منه.\n\n٢١٣٥ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ شَيْء أحب إِلَى الله من قطرتين وأثرين قَطْرَة دموع من خشيَة الله وقطرة دم تهراق فِي سَبِيل الله وَأما الأثران فأثر فِي سَبِيل الله وَأثر فِي فَرِيضَة من فَرَائض الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين ... وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله\" هو الذي يقوم فتنفطر قدماه أو يصوم فينحل بدنه ويصفر لونه من أثر العبادة وتقدم الكلام على ذلك قريبا أبسط من هذا.\n\n٢١٣٦ - وَعَن مُجَاهِد عَن يزِيد بن شَجَرَة وَكَانَ يزِيد بن شَجَرَة - ﵁ - مِمَّن يصدق قَوْله فعله خَطَبنَا فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم مَا أحسن\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٦٩)، والطبراني (٧٩١٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١٣٦٣).","vol":"6","page":640},{"text":"نعْمَة الله عَلَيْكُم ترى من بَين أَخْضَر وأحمر وأصفر وَفِي الرِّجَال مَا فِيهَا وَكَانَ يَقُول إِذا صف النَّاس للصَّلَاة وصفوا لِلْقِتَالِ فتحت أَبْوَاب السَّمَاء وأبواب الْجنَّة وغلقت أَبْوَاب النَّار وزين الْحور الْعين واطلعن فَإِذا أقبل الرجل قُلْنَ اللَّهُمَّ انصره وَإِدْا أدبر احْتَجِبْنَ مِنْهُ وقلن اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ فانهكوا وُجُوه الْقَوْم فدى لكم أبي وَأمي وَلَا تخزوا الْحور الْعين فَإِن أول قَطْرَة تنضح من دَمه تكفر عَنهُ كل شَيْء عمله وَينزل إِلَيْهِ زوجتان من الْحور الْعين يمسحان التُّرَاب عَن وَجهه ويقولان فدانا لَك وَيَقُول فدانا لَكمَا ثمَّ يكسى مائَة حلَّة من نسج بني آدم وَلَكِن من نبت الْجنَّة لَو وضعن بَين أصبعين لوسعن وَكَانَ يَقُول نبئت أَن السيوف مَفَاتِيح الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيقين إِحْدَاهمَا جَيِّدَة صَحِيحَة (^١).\nوَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْبَعْث إِلَّا أَنه قَالَ فَإِن أول قَطْرَة تقطر من دم أحدكُم يحط الله عَنهُ بهَا خطاياه كمَا يحط الْغُصْن من ورق الشّجر وتبتدره اثْنَتَانِ من الْحور الْعين وتمسحان التُّرَاب عَن وَجهه ويقولان فدانا لَك وَيَقُول فدانا لَكمَا فيكسى مائَة حلَّة لَو وضعت بَين أُصْبُعِي هَاتين لوسعتاهما لَيست من نسج بني آدم وَلكنهَا من نبَات الْجنَّة مكتوبون عِنْد الله بأسمائكم وسماتكم الحَدِيث (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٦٤١)، والحاكم (٣/ ٤٩٤)، وعبد الرزاق (٩٥٣٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٤)، رواه الطبراني من طريقين رجال أحدهما رجال الصحيح.\n(^٢) البيهقي في كتاب البعث والنشور (٥٦٢).","vol":"6","page":641},{"text":"رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن يزِيد بن شَجَرَة مَرْفُوعا مُخْتَصرا (^١)، وَعَن جدان أَيْضا مَرْفُوعا وَالصَّحِيح الْمَوْقُوف مَعَ أَنه قد يُقَال إِن مثل هَذَا لَا يُقَال من قبل الرَّأْي فسبيل الْمَوْقُوف فِيهِ سَبِيل الْمَرْفُوع وَالله أعلم (^٢).\nوَيزِيد بن شَجَرَة بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم مفتوحتين قيل لَهُ صُحْبة وَلَا يثبت وَالله أعلم (^٣).\nوانهكوا وُجُوه الْقَوْم هُوَ بِكَسْر الْهَاء بعد النُّون أَي أجهدوهم وابلغوا جهدهمْ والنهك الْمُبَالغَة فِي كل شَيْء.\nقوله: وعن مجاهد [هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومى، مولاهم مولى عبد الله بن أبي السائب، ويقال: مولى السائب بن أبي السائب، ويقال: مولى قيمس بن الحارث، وهو تابعي، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، ﵃. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبي ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين.\n_________\n(^١) البزار (١٧١٢)، والطبراني في الكبير (٦٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٤)، رواه البزار الطبراني وفي إسناد البزار إسماعيل بن إبراهيم التيمي، وفي إسناد الآخر فهد بن عوف؛ وكلاهما ضعيف جدا.\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٢٠٣)، والبزار (١٧١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٥)، وفيه العباس بن الفضل الأنصاري، وهو ضعيف.\n(^٣) الإصابة (١١/ ٤١٠).","vol":"6","page":642},{"text":"روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن أبي نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث.\nقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة].\nقوله: عن يزيد بن شجرة قال المنذري: قيل له صحبة ولا يثبت والله أعلم. وقال غيره هو يزيد بن شجرة الرهاوي ورهاء قبيلة من مدلج مختلف في صحبته وقد ذكره الحافظ الذهبي في تجريد الصحابة وقال له صحبة ورواية (^١) والله أعلم.\nقوله: \"يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم ما أحسن نعمة الله عليكم ترى من بين أخضر وأحمر وأصفر وفي الرجال ما فيها\" الرجال بالحاء المهملة أي في البيوت والمنازل قال الرهاوي ومنه الحديث \"إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال\" يعني في الدور والمساكن والمنازل وهي جمع رحل يقال لمنزل\n_________\n(^١) تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٣٨).","vol":"6","page":643},{"text":"الإنسان ومسكنه رحله وانتهينا إلى رحالنا أي منازلنا قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"فانهكوا وجوه القوم\" انهكوا هو بكسر الهاء بعد النون أي اجهدوهم وأبلغوا جهدهم والنهك المبالغة في كل شيء قاله المنذري يقال في الحث على القتال انهكوا وجوه القوم أي ابلغوا جهدكم في قتالهم.\nقوله: \"ولا تخزوا الحور العين\" الحديث يقول لا تجعلوهن يستحيين من فعلكم وتقصيركم في الجهاد وقد يكون الخزي بمعنى الهلاك والوقوع في البلية ومنه الحديث \"شارب الخمر شارب الخمر أخزاه\" ويروى خزاه أي قهره يقال منه يخزي قاله في النهاية (^٢) بمعنى الحديث لا تجعلهن يستحيين من فعلكم وبالغوا في قتال القوم أي غير مستحيين مأخوذ من الخزاية وهي الاستحياء.\nقوله: \"وينزل إليه زوجتان من الحور العين يمسحان التراب عن وجهه ويقولان فدانا لك ويقول فدانا لكما\" فدانا هو بفتح الألف وتخفيف النون مقصور أي حان لك يقال أنا الشيء إذا حان وقته والله أعلم.\nقوله: \"وكان يقول نبئت أن السيوف مفاتيح الجنة\" نبئت أي أخبرت قال ابن النحاس عفا الله عنه: جعلت السيوف في هذا الحديث مفاتيح الجنة لأنها سبب في فتح أبوابها لكونها إذا أشهرت في سبيل الله عند التقاء الصفين تفتح أبواب الجنة (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٠٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٠).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٤٩٦).","vol":"6","page":644},{"text":"فائدة: وفي حديث آخر في المعنى عن مجاهد قال: قام يزيد بن شجرة في أصحابه فقال: إنه قد أصبحت عليكم، وأمسيت من بين أخضر وأحمر وأصفر، وفي البيوت ما فيها، فإذا لقيتم العدو غدا فقدما قدما، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما تقدم رجل من خطوة إلا تقدم إليه الحور العين، فإن تأخر استترن منه، وإن استشهد، كانت أول نضحة كفارة الخطايا، وينزل الله من الحور العين ثنتين، فتنفضان عنه التراب، ويقولان: مرحبا، قد آن لك ويقول: مرحبًا: قد آن لكما\" رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل وكذا رواه ابن الأثير في أسد الغابة ورواه أيضا ابن أبي شيبة موقوفا مختصرا بإسناد صحيح وكذا رواه عبد الرزاق موقوفا بإسناد صحيح (^١).\nقوله: \"قدما قدما\" هو بضم القاف والدال قال الجوهري (^٢) ومعناه التحريض\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٤٣). وأما تخريج الحديث: رواه مرفوعًا: ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٤ (١٩٣٢٨) وابن أبي عاصم في الآحاد (٢٦٥٤) والجهاد (٢٠٤) والبزار (١٧١٢ و١٧١٣ و١٧١٤)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٩ رقم ٢٢٠٣) والدارقطني في المؤتلف والمختلف (٢/ ٧٥٨ - ٧٥٩) وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٥٢٠).\nوأما الموقوف:\nأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٣) وعبد الرزاق (٩٥٣٨) وسعيد بن منصور (٢٥٦٤) و(٢٥٦٧) وابن أبي شيبة في المسند (٣٢٧) والمصنف ٤/ ٢٠٧ (١٩٣٥١). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٩٤: رواه البزار، والطبراني، وفي إسناد البزار إسماعيل بن إبراهيم التيمي، وفي إسناد الآخر فهد بن عوف، وكلاهما ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٧٤٠).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١٠٧٠).","vol":"6","page":645},{"text":"على القتال قال أهل اللغة: يقال مضى قدما إذا لم يعرج ولم ينثني (^١).\nقوله: \"قد أنى لك\" بفتح الألف وتخفيف النون مقصور أي حان (^٢) وتقدم الكلام على الحديث قبله.\nفائدة أخرى: غزا قوم في سبيل الله فلما صافوا عدوهم واقتتلوا رأى كل واحد منهم زوجته من الحور قد فتحت بابا من السماء وهي تستدعي صاحبها إليه وتحثه على القتال فقتلوا كلهم إلا واحدا وكان كلما قتل منهم واحد أغلق باب وغابت منه المرأة فأفلت آخرهم فأغلقت تلك المرأة الباب الباقي وقالت ما فاتك يا شقي فكان يبكي على حاله إلى أن مات ولكنه أورثه ذلك طول الاجتهاد والحزن والأسف.\nعلى مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كان من ليلى على الهجر طاويا (^٣)\n\n٢١٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ ذكر الشَّهِيد عِنْد النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ لَا تَجف الأَرْض من دم الشَّهِيد حَتَّى تبتدره زوجتاه كَأَنَّهُمَا ظئران أظلتا فصيليهما فِي براح من الأَرْض وَفِي يَد كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حلَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب (^٤).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٤٤).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٧٤٤).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٢٤٣).\n(^٤) ابن ماجه (٢٧٩٨)، وأحمد (٧٩٥٥)، قال البوصيري في الزوائد (٢/ ٤٠٤)، هذا إسناد فيه هلال القرشي، وهو ضعيف، وقال الألباني ضعيف جدا في ضعيف الجامع (٦١٩٧).","vol":"6","page":646},{"text":"الظِّئْر بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا همزَة سَاكنة هِيَ الْمُرْضع وَمَعْنَاهُ أَن زوجتيه من الْحور الْعين تبتدرانه وتحنوان عَلَيْهِ وتظلانه كمَا تحنو النَّاقة الْمُرْضع على فصيلها وَيحْتَمل أَن يكون أضلتا بالضاد فَيكون النَّبِي - ﷺ - شبه بدارهما إِلَيْهِ باللهفة والحنو والشوق كبدار النَّاقة الْمُرْضع إِلَى فصيلها الَّذِي أضلته وَيُؤَيّد هَذَا الاحْتِمَال قَوْله فِي براح من الأَرْض وَالله أعلم.\nوالبراح بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة هِيَ الأَرْض المتسعة لَا زرع فِيهَا وَلَا شجر.\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أظلتا فصيليهما في براح من الأرض\" قال الحافظ (^١) الظئر بكسر الظاء المعجمة بعدها همزة ساكنة هي المرضه. اهـ\nقال صاحب المغيث (^٢): الظئر يقع على الذكر والأنثى وأصله التعطف وفي حديث إبراهيم - ﷺ - إن له ظئرا يتم رضاعه في الجنة، الظئر المرضعة غير ولدها وتقع على الذكر والأنثى والاسم الظئار والظئار أن تعطف الناقة على غير ولدها وكانوا إذا أرادوا ذلك سدوا أنف الناقة وعينيها وحشوا في جيابها خرقة ثم حلوه بخلالين وتركوها كذلك يوما فتظن أنها قد مخضت بولادة فإذا غمها ذلك وأكربها نفسوا عنها وأخرجوا الخرقة من جيابها ويكونون قد\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).\n(^٢) المجموع المغيث (٢/ ٣٨٢).","vol":"6","page":647},{"text":"أعدوا لها حوارا من غيرها فيلطخونه بتلك الخرقة ويقدمونه ثم يفتحون أنفها وعينيها فإذا رأت الحوار وشمته ظنت أنه ولدته [فترأمه] وتعطفت عليه اهـ قاله في النهاية (^١) ومعنى الحديث أن زوجتيه من الحور العين تبتدرانه وتحنوان عليه وتظلانه كما تحنوا الناقة المرضع على فصيلها قاله الحافظ (^٢) وقال غيره معنى الحديث إن زوجتى الشهيد من الحور العين تبتدرانه قبل أن يجف دمه كما تبتدر الناقة المرضع ولدها الضال إذا وجدته مع شدة شوقها إليه في أرض متسعة ليس لها شيء يحول بينه وبينها من بناء ولا غيره (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"أضلتا فصيلها في براح من الأرض\" أضلتا بالضاد غير المشالة، وقال بعضهم: هو بالطاء، والفصيل ولد الناقة قبل أن يفصل عنها، والبراح بفتح الباء الموحدة وبالحاء المهملة هي الأرض المتسعة لا زرع فيها ولا شجر، قال الحافظ (^٤): ويحتمل أن يكون أصلها بالضاد فيكون النبي - ﷺ - شبه بدارهما إليه باللهفة والحنو والشوق كبدار الناقة المرضع إلى فصيلها الذي أضلته، ويؤيد هذا الاحتمال قوله \"في براح من الأرض\"، والله أعلم، ا. هـ، وقال غيره: معناه أن زوجتيه من الحور العين يحنوان عليه ويظلانه كما تحنو الناقة على فصيلها، وتظله من الشمس وغيرها في أرض\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٥٤).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٤٣).\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٧٤٧).\n(^٤) فتح الباري لابن حجر (٦/ ١٦).","vol":"6","page":648},{"text":"ليس فيها ما يقيه ذلك الحر من ماء أو شجر ونحو ذلك (^١)، أ. هـ.\n\n٢١٣٨ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الشُّهَدَاء أَرْبَعَة رجل مُؤمن جيد الْإِيمَان لَقِي الْعَدو فَصدق الله حَتَّى قتل فَذَاك الَّذِي يرفع النَّاس إِلَيْهِ أَعينهم يَوْم الْقِيَامَة هَكَذَا وَرفع رَأسه حَتَّى وَقعت قلنسوته فَلَا أَدْرِي قلنسوة عمر أَرَادَ أم قلنسوة النَّبِي - ﷺ - قَالَ وَرجل مُؤمن جيد الْإِيمَان لَقِي الْعَدو فَكَأَنَّمَا ضرب جلده بشوك طلح من الْجُبْن أَتَاهُ سهم غرب فَقتله فَهُوَ فِي الدرجَة الثَّانِيَة وَرجل مُؤمن خلط عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا لَقِي الْعَدو فَصدق الله حَتَّى قتل فَذَلِك فِي الدرجَة الثَّالِثَة وَرجل مُؤمن أسرف على نَفسه لَقِي الْعَدو فَصدق الله حَتَّى قتل فَذَلِك فِي الدرجَة الأولى رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nالقلنسوة هُوَ مَا يلبس فِي الرَّأْس.\nوالطلح بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام نوع من الْأَشْجَار ذِي الشوك.\nوالجبن بِضَم الْجِيم وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ الْخَوْف وَعدم الْإِقْدَام.\nوَسَهْم غرب غرب بِالْإِضَافَة أَيْضا وبسكون الرَّاء وتحريكها فِي كليهمَا أَيْضا أَرْبَعَة وُجُوه هُوَ الَّذِي لَا يدرى راميه وَلَا من أَيْن جَاءَ.\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٤٧).\n(^٢) الترمذي (١٦٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٦٢)، وأحمد (١٤٦)، والطيالسي (٤٥)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٨٦)، وأبو يعلى (٢٥٢)، والبزار (٢٤٦). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٤٤٦).","vol":"6","page":649},{"text":"قوله: وعن عمر بن الخطاب - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الشهداء أربعة\" الحديث\"رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو\" فذكره إلى أن قال \"ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته\" قال الحافظ (^١) ﵀: القلنسوة هو ما يلبس في الرأس، وقال غيره: البرنس بضم الباء الموحدة وسكون الواو وضم النون ثوب رأسه منه ملتزق به قلنسوة طويلة، قال الجوهري (^٢): كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، اهـ\nقوله \"ورجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن\" والطلح نوع من الأشجار والشوك والجبن هو الخوف وعدم الإقبال على الشيء قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"أتاه سهم غرب فقتله\" هو الذي لا يدري راميه ولا من أين جاء، قاله المنذري، قوله سهم غرب على النعت هو بفتح الراء وسكونها قال أبو زيد فبالفتح إذا رمى شيئًا فأصاب غيره وبسكونها إذا أتى السهم من حيث لا يدري، وقال الكسائي والأصمعي: إنما هو سهم غرب بفتح الراء مضاف الذي لا يعرف راميه فإذا عرف فليس بغرب، قال أبو عبيد: والمحدثون يسكنون الراء والفتح أجود، وقال ابن سراج وبالإضانة مع فتح الراء ولا تضاف مع سكونها، ومنه سهم غرض وحجر غرض، قاله القاضي عياض (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ٩٠٨).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٦٩).","vol":"6","page":650},{"text":"٢١٣٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الشُّهَدَاء على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة فِي قبَّة خضراء يخرج عَلَيْهِم رزقهم من الْجنَّة بكرَة وعشيا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الشُّهَدَاء على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة فِي قبَّة خضراء يخرج عَلَيْهِم رزقهم من الْجنَّة بكرَة وعشيا\" والنهر بالفتح والسكون لغتان واحد الأنهار، وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر﴾ (^٢) أي أنهار وقد يعبر بالواحد عن الجمع كما قال تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (^٣) أ. هـ.\n\n٢١٤٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لما أُصِيب إخْوَانكُمْ جعل الله أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة تَأْكُل من ثمارها وتأوي إِلَى قناديل من ذهب معلقَة فِي ظلّ الْعَرْش فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ قَالُوا من يبلغ إِخْوَاننَا عَنَّا أَنا أَحيَاء فِي الْجنَّة نرْزق لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد وَلَا ينكلُوا عَن الْحَرْب فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا أبلغهم عَنْكُم\n_________\n(^١) أحمد (٢٣٩٠)، وابن حبان (٤٦٥٨)، والحاكم (٢/ ٧٤)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٩)، والطبراني في الكبير (١٠٨٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٤)، ورجال أحمد ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٧٤٢).\n(^٢) سورة القمر، الآية: ٥٤.\n(^٣) سورة القمر، الآية: ٤٥.","vol":"6","page":651},{"text":"قَالَ فَأنْزل الله ﷿ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (^١). إِلَى آخر الْآيَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nينكلُوا مُثَلّثَة الْكَاف أَي يجبنوا ويتأخروا عَن الْجِهَاد.\nقوله: وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لما أُصِيب إخْوَانكُمْ جعل الله أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة تَأْكُل من ثمارها\" وفي هذا الحديث دليل على أن الأرواح باقية لَا تفنى فينعم المحسن ويعذب المسيء، وتقدم الكلام على ذلك أوضح من هذا.\nقوله: \"فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ، قَالُوا: من يبلغ إِخْوَاننَا عَنَّا أَنا أَحيَاء فِي الْجنَّة نرْزق؟ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد وَلَا ينكلُوا عَن الْحَرْب\" الحديث، \"ينكلوا\" مثلثة الكاف أي يجيئوا ليلا ويتأخروا عن الجهاد قاله المنذري، وهذا الحديث صريح في أكلها وشربها وحركتها وانتقالها وكلامها، وإذا كان هذا شأن الأرواح فتميزها بعد المفارقة يكون أظهر من تمييز الأبدان والاشتباه بينها أبعد من اشتباه البدر فإن الأبدان تشتبه كثيرًا، وأما الأرواح فقلما تشتبه قاله ابن قيم الجوزية (^٣).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٦٩.\n(^٢) أبو داود (٢٥٢٠)، والحاكم (٢/ ٢٩٧)، وأحمد (٢٣٨٨)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٤٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٠٥).\n(^٣) الروح (ص ٤٠).","vol":"6","page":652},{"text":"تنبيه: في أراوح الشهداء هل تكون في السماء أو في الأرض؟ فالجواب: أنها تسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش كما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود، وروي الإمام أحمد (^١) بإسناد حسن عن ابن عباس رفعه \"أراوح الشهداء على باب نهر على باب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا\" ولا مغايرة بين الحديثين أن النهر على باب الجنة والقناديل المعلقة بالعرش، أيضًا تحمل على أنها بجوار الجنة، وأما ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رفعه: \"أن كل ميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي\" (^٢) الحديث، فلا ينافي الحديث المذكور أيضًا لأنه محمول على غير الشهداء، وأما على عمومه والمراد بالمقعد المستقرئ في القيامة كالقصر ونحوه، فذلك لا يحصل دخوله، والاستقراء فيه إلا يوم القيامة وهذا هو المعتمد والله أعلم قاله قاضي القضاة شيخ الإسلام ابن حجر (^٣).\nوقد اختلف الناس في الروح ما هي اختلافا كثيرا لا يكاد ينحصر، فقال كثير من العلماء: هي مما لا يعلمه إلا الله تعالى لقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (^٤)، وقال جمهور الأطباء: هي البخار اللطيف السائر في البدن،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٣٢١)، وأحمد ١/ ٢٦٦ (٢٣٩٠) وابن حبان (٤٦٥٨) والحاكم ٢/ ٧٤. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٧٩) و(٣٢٤٠) و(٦٥١٥)، ومسلم (٦٥ -) عن ابن عمر.\n(^٣) فتح الباري (٣/ ٢٤٣).\n(^٤) سورة الإسراء، الآية: ٨٥.","vol":"6","page":653},{"text":"قيل: هو الدم والأصح عند أصحابنا أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن فإذا فارقته مات، وقال كثيرون من شيوخنا: هو الحياة، وقال بعض متقدمي أئمتنا: هو جسم لطيف متصور على صورة الإنسان داخل الجسم، وقال بعض مشايخنا وغيرهم: إنه النفس الداخل والخارج، وقال آخرون: هو الدم، هذا ما نقله القاضي، قال القاضي: واختلفوا في النفس والروح، فقيل: هما بمعنى، قيل: لفظان لمسمى واحد، وقيل: إن النفس هي الداخل والخارج (^١).\n\n٢١٤١ - وَعَن رَاشد بن سعد - ﵁ - عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله مَا بَال الْمُؤمنِينَ يفتنون فِي قُبُورهم إِلَّا الشَّهِيد قَالَ كفى ببارقة السيوف على رَأسه فتْنَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وَعَن رَاشد بن سعد - ﵁ -[هو راشد بن سعد المقرائي. تابعي جليل القدر، يعد في الشاميين، سمع ثوبان، ويعلي بن مرة روى عنه ثور، وصفوان بن عمرو، والمقرائي: بضم الميم، وسكون القاف، وفتح الراء، وكسر الهمزة، وقيل: هو بفتح الميم، نسبة إلى مقرا قرية بدمشق \"والحبراني\" بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وفتح الراء نسبة إلى حبران بطن من حمير.\nقال الأثرم عن أحمد لَا بأس به وقال الدارمي عن ابن معين ثقة وكذا قال أبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد هو أحب إلي من مكحول وقال المفضل الغلابي من أثبت أهل\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٢) النسائي (٤/ ٩٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٨٣).","vol":"6","page":654},{"text":"الشام وقال ابن سعد كان ثقة. مات سنة (١٠٨) وقال الدارقطني لا بأس به إذا لم يحدث عنه متروك وله ذكر في الجهاد من صحيح البخاري. قلت وذكره ابن حبان في الثقات وقال مات سنة (١١٣) وكذا أرخه أبو عبيد وخليفة والحربي وابن قانع وقال أبو حاتم والحربي لم يسمع من ثوبان وقال الخلال عن أحمد لا ينبغي أن يكون سمع منه وقال أبو زرعة راشد بن سعد عن سعد بن أبي وقاص مرسل قلت وفي روايته عن أبي الدرداء نظر وذكر الحاكم أن الدارقطني ضعفه وكذا ضعفه بن حزم وقد ذكر البخاري أنه شهد صفين مع معاوية].\nقوله: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، مَا بَال الْمُؤمنِينَ يفتنون فِي قُبُورهم إِلَّا الشَّهِيد؛ الحديث، قد ثبت أن المرابط في سبيل الله لا يفتن في قبره، فالشهيد أولى وأحرى لأنه أفضل منه، وما نال المرابط ما ناله من الفضل إلا بتعرضه للشهادة وتوقعه لها فكيف لا يعطي ذلك الفضل من نالها (^١).\nقوله: \"كفى ببارقة السيوف على رَأسه فتْنَة\" الحديث، بارقة السيوف: هو ظلها الذي يقع على الأرض وغيرها، وقال في النهاية (^٢): هو لمعانها، يقال: برق سيفه وأبرق إذا لمع به، ومنه حديث عمار\"الجنة تحت البارقة\"، أي: تحت السيوف ومعنى قوله \"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة\" أن الفتنة في القبر بسؤال الملكين إنما هي لاختبار ما عند المرء من حقيقة الإيمان\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٣٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٢٠).","vol":"6","page":655},{"text":"والتصديق، ولا شك أن من وقف للقتال وراء السيوف تلمع وتقطع والأسنة تبرق وتخرق والسهام ترشق وتمزق والرءوس تندر والدماء تثغب، والأعضاء تتطاير والثاس بين قتيل وجريح وطريح فثبت على ذلك ولم يول الدبر ولم ينهزم وجاء بنفسه لله تعالى إيمانا وتصديقا بوعده ووعيده كما وصف الله تعالى المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ (^١) فيكفيه هذا امتحانا واختبارًا وفتنة إذ لو كان عنده شك وارتياب لولى الدبر وذهل عما هو واجب عليه من الثبات داخله الشك والارتياب كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿غُرُورًا﴾ (^٢) فيكفي الشهيد هذا الامتحان من سؤال الفتان كما قاله ابن النحاس (^٣)، وقال القرطبي في التذكرة: معناه أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان وبرقت السيوف فروا لأن من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسا وهيجان حمية الله والتعصب له لإعلاء كلمته فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر قاله الترمذي الحكيم (^٤)، قال أبو عبد الله\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٢.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ١٢.\n(^٣) مشارع الأشواق (ص ٧٣٥ - ٧٣٦).\n(^٤) نوادر الأصول (٦/ ٤٤٥).","vol":"6","page":656},{"text":"القرطبي في التذكرة: وإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أجل خطرًا وأعظم أجرًا، فهو أحرى أن لا يفتن لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ (^١) وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ فتأمله (^٢) والله تعالى أعلم.\n\n٢١٤٢ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن رجلا أسود أَتَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله - ﷺ - إِنِّي رجل أسود منتن الرّيح قَبِيح الْوَجْه لَا مَال لي فَإِن أَنا قَاتَلت هَؤُلاءِ حَتَّى أقتل فَأَيْنَ أَنا قَالَ فِي الْجنَّة فقاتل حَتَّى قتل فَأَتَاهُ النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ قد بيض الله وَجهك وَطيب رِيحك وَأكْثر مَالك وَقَالَ لهَذَا أَو لغيره لقد رَأَيْت زَوجته من الْحور الْعين نازعته جُبَّة لَهُ من صوف تدخل بَينه وَبَين جبته رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\nقوله: وروى عَن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أَن رجلا أسود أَتَى النَّبِي - ﷺ -. قال عفا الله عنه: اسم هذا الأسود الذي أتى النبي - ﷺ - (جُعال) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة، وذكره الحافظ أبو موسى الأصبهاني في الصحابة، وروي هذا الحديث بنحوه في ترجمته من حديث ابن عمر ولفظه: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله،\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(^٢) التذكرة (ص ٤٢٤).\n(^٣) الحاكم (٢/ ٩٣).","vol":"6","page":657},{"text":"أرأيت إن قاتلت بين يديك حتى أقتل، يدخلني ربي ﷿ الجنة ولا يحقرني؟ قال: \"نعم، قال: فكيف وأنا منتن الريح، أسود اللون، خسيس في العشيرة؟، ومضى، فقاتل، فاستشهد، فمر به رسول الله - ﷺ - فقال: \"الآن طيب الله ريحك، يا جعال، وبيض وجهك\" (^١).\n\n٢١٤٣ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - أن النَّبِي - ﷺ - مر بخباء أَعْرَابِي وَهُوَ فِي أَصْحَابه يُرِيدُونَ الْغَزْو فَرفع الأعرَابِي نَاحيَة من الخباء فَقَالَ من الْقَوْم فَقيل رَسُول الله - ﷺ - وَأَصْحَابه يُرِيدُونَ الْغَزْو فَقَالَ هَل من عرض الدُّنْيَا يصيبون قيل لَهُ نعم يصيبون الْغَنَائِم ثمَّ تقسم بَين الْمُسلمين فَعمد إِلَى بكر لَهُ فاعتقله وَسَار مَعَهم فَجعل يدنو ببكره إِلَى رَسُول الله - ﷺ - وَجعل أَصْحَابه يذودون بكره عَنهُ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - دعوا لي النجدي فوالذي نَفسِي بِيَد إِنَّه لمن مُلُوك الْجنَّة قَالَ فَلَقوا الْعَدو فاستشهد فَأخْبر بذلك النَّبِي - ﷺ - فَأَتَاهُ فَقعدَ عِنْد رَأسه مُسْتَبْشِرًا أَو قَالَ مَسْرُورا يضْحك ثمَّ أعرض عَنهُ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله رَأَيْنَاك مُسْتَبْشِرًا تضحك ثمَّ أَعرَضت عَنهُ فَقَالَ أما مَا رَأَيْتُمْ من استبشاري أَو قَالَ سروري فَلَمَّا رَأَيْت من كَرَامَة روحه على الله ﷿ وَأما إعراضي عَنهُ فَإِن زَوجته من الْحور الْعين الْآن عِنْد رَأسه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام علي ابن عمر.\nقوله: أن النبي - ﷺ - مر بخباء أعرابي. الخباء بكسر المعجمة وخفة\n_________\n(^١) أسد الغابة (١/ ٣٣٩).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٣١٧).","vol":"6","page":658},{"text":"الموحدة وبالمد خيمة من وبر أو صوف وهي على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت، قاله الكرماني (^١)، والأعرابي: بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية وتقدم ذكر ذلك.\nقوله: فقال: \"هل من عرض الدنيا يصيبون قيل له: نعم، يصيبون الغنائم ثم تقسم بين المسلمين\" العرض بفتح العين والراء ما يقتنى من المال وغيره، وتقدم ذكر ذلك في السؤال في الصدقة؟\nقوله: \"فعمد إلى بكر له فاعتقله وسار معهم\" الحديث عمد بفتح الميم معناه قصد، وهذا الحديث بمفرده دليل واضح على ما ذكرناه في الذي يجاهد ونيته وجه الله ونيل الغنيمة فإن في الحديث التصريح بقصد الغزو، وقد أخبر النبي - ﷺ - بكرامة روحه على الله تعالى وأنه من ملوك الجنة وحسبك بهذا شرفا وفضلا غير أن من كان قصده مشوبا بإرادة الغنيمة والميل إليها لا يساوي من ليس إليها التفات البتة كما تقدم أن نيل الغنيمة منقص لأجر أكثر الغزاة وإن لم ينووها لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ - \"ما من غزية أو سرية في سبيل الله فيصيبون ويغنمون\" الحديث، ولأجل ما في نيل الغنيمة من شائبة نقص الأجر كان جماعة يتعففون عن المغنم منهم إبراهيم بن أدهم كان إذ غزى لم ينل من المغنم شيئا فيقال له: أتشك في أنه حلال؟ فيقول: إنما الزهد في الحلال، ذكره ابن النحاس (^٢)، وذكر صاحب شفاء\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٢/ ١٥٠).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٦٢٩ - ٦٣٠).","vol":"6","page":659},{"text":"الصدور حديثا غريبا عن أبي الدرداء قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - مر عليه علقمة اليهودي وهو شاب جميل فقال له النبي - ﷺ -: \"يا علقمة، لو كان لك مع جمالك إسلام لكمل لك أمرك، ألا تتقي الله على حسن صورتك\" قال: فقال: يا رسول الله إن أسلمت فما لي، قال: \"أزوجك سبعين من الحور العين\" قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فخرج رسول الله - ﷺ - إلى غزوة وخرج معه علقمة فقاتل بين يديه حتى استشهد فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر وعمر: \"ائتيا لي خيمة من سعف\" وقال: \"لا يدخل عليّ أحد\" فدخل النبي - ﷺ - في الخيمة وعليه جبة له فسمع أبو بكر وعمر جلبة كجلبة الخيل فقام عمر وأخذ سيفه، فقال له أبو بكر: لا يا عمر نهى رسول الله - ﷺ - أن يدخل عليه أحد فخرج رسول الله - ﷺ - قد انقطعت أزرار جبته وقد شقوها من خلفه فقال: \"هل سمعتم شيئًا\" فقال عمر نعم يا رسول الله قد سمعنا جلبة كجلبة الخيل فأخذت سيفي ظننت أن العدو أتاك فحبسني أبو بكر، فقال: إن تلك الجلبة التي سمعتها الحور العين اقتتلوا عليه حتى أوفيته سبعين حوراء فهن شققن عليّ جبتي (^١).\nفائدة: واعلم أن الحور العين قد يتراءين للجريح إذا أغمي عليه بشارة له بأن الله تعالى قد أفاض خلعة الشهادة عليه وقد يتراءين في اليقظة لبعض المجاهدين ليبذل جهده ويكون من المستشهدين (^٢)، وأما من تراءين له\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٦٨ - ٧٦٩).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٧٦٩ و٧٧١).","vol":"6","page":660},{"text":"في المنام فكثير لا تحصره الأقلام (^١) والله أعلم وفي الاستيعاب وغيره قصة إسلام الأسود الحبشي الذي كان يرعى غنما لعامر اليهودي، أنه أتى النبي - ﷺ - وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه الغنم فقال: يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم. ثم قال: يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع فيها؟ فقال: \"اضرب في وجوهها فسترجع إلى ربها\". فقام الأسود، فأخذ حفنة من حصى، ورمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لَا أصبحك بعدها أبدا، فرجت الغنم مجتمعة، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم يقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به إلى النبي - ﷺ - وقد سجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله - ﷺ - ثم أعرض عنه. فقالوا: يا رسول الله لم أعرضت عنه؟ فقال - ﷺ -: \"إن معه الآن زوجتيه من الحور العين، ينفضان التراب عن وجهه، ويقولان: ترب الله وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك\". قال أبو عمرو: إنما رد رسول الله - ﷺ - الغنم إلى الحصن، لأن ذلك كان مصالحا عليه، أو كان قبل حل الغنائم. ذكره في حياة الحيوان (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"دعوا لي النجدي \" قال الجوهري: ونجد من بلاد العرب، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد (^٣)، قال الرافعي: اليمن تشتمل\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٧٧٢).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٢٥٨).\n(^٣) الصحاح (٢/ ٥٤٢).","vol":"6","page":661},{"text":"على نجد وتهامة. وكذلك الحجاز وإذا أطلق ذكر نجد كان المراد منه نجد الحجاز (^١).\n\n٢١٤٤ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن أم الرّبيع بنت الْبَراء - ﵂ - وَهِي أم حَارِثَة بنت سراقَة أَتَت النَّبِي - ﷺ - فَقَالَت يَا رَسُول الله - ﷺ - أَلا تُحَدِّثنِي عَن حَارِثَة وَكَانَ قتل يَوْم بدر فَإِن كَانَ فِي الْجنَّة صبرت وَإِن كَانَ غير ذَلِك اجتهدت عَلَيْهِ بالبكاء فَقَالَ يَا أم حَارِثَة إِنَّهَا جنان فِي الْجنَّة وَإِن ابْنك أصَاب الفردوس الأعْلَى رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"أن أم الربيع بنت البراء - ﵂ - هي أم حارثة بنت سراقة الأنصارية\".\nقوله: فقال يا أم حارثة إنها جنان في الجنة\" أي إن جنته جنان في الجنة.\nقوله \"وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى\" الفردوس هو البستان الذي يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات وقال الضحاك: الفردوس هو الجنة الملتفة بالأشجار وهو اختيار المبرد وقال: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف بالأشجار والأغلب عليه العنب وجمعه الفراديس قال وبهذا سمي باب الفراديس بالشام والفردوس الأعلى وجنة الفردوس وهو اسم يقال على جميع الجنة ويقال على أفضلها وأعلاها ومنه\n_________\n(^١) فتح العزيز بشرح الوجيز (٧/ ٨٠).\n(^٢) البخاري (٢٨٠٩)، وأحمد (١٢٢٥٢)، وأبو يعلى (٣٥٠٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٥٩)، والطبراني في الكبير (٣٢٣٤).","vol":"6","page":662},{"text":"تتفجر الأنهار وفي الحديث \"الفردوس ربوة الجنة أي أرفعها\" الربوة بالضم والفتح وهو ما ارتفع من الجنة قاله في النهاية (^١).\n\"قوله أم الربيع\" بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء المكسورة مصغر كذا في جميع النسخ وهذا وهم والصحيح أن يقول الربيع بنت النضر وهي أم حارثة بن سراقة عمة البراء لابنته قال الدارقطني: الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك أم حارثة بن سراقة المستشهد ببدر والبراء هذا هو [أخو] أنس بن مالك بن النضر اهـ قاله عياض (^٢). وكذا قاله ابن الأثير (^٣) في جامع الأصول الذي جاء في كتب النسب وأسماء الصحابة [أن أم حارثة بن سراقة هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك] وكذا الربيع بنت [معوذ] بياء التصغير وأمها أم الربيع ومن عداهما الربيع بالفتح.\n\n٢١٤٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - عجب رَبنَا ﵎ من رجل غزا فِي سَبِيل الله فَانْهَزَمَ يَعْنِي أَصْحَابه فَعلم مَا عَلَيْهِ فَرجع حَتَّى أهريق دَمه فَيَقُول الله ﷿ لملائكته انْظُرُوا إِلَى عَبدِي رَجَعَ رَغْبَة فِيمَا عِنْدِي وشفقة مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أهريق دَمه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَطاء بن السَّائِب عَن مرّة عَنهُ (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٩٢)\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٠٨).\n(^٣) جامع الأصول (١٢/ ٣٩٥ و٣٩٧).\n(^٤) أبو داود (٢٥٣٦).","vol":"6","page":663},{"text":"٢١٤٦ - وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَتقدم لَفظهمْ فِي قيام اللَّيْل (^١).\nوَتقدم فِيهِ أَيْضا حَدِيث أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - ثَلَاثَة يُحِبهُمْ الله ويضحك إِلَيْهِم ويستبشر بهم الَّذِي إِذا انكشفت فِئَة قَاتل وَرَاءَهَا بِنَفسِهِ لله ﷿ فإمَّا أَن يقتل وَإِمَّا أَن ينصره الله ويكفيه فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا كيفَ صَبر لي بِنَفسِهِ الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"عجب ربنا ﵎ من رجل غزا في سبيل الله فانهزم يعني أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق دمه\" الحديث قيل معناه عظم ذلك عنده وكثر وكبر لديه وقيل رضي وأثاب فسماه عجبا مجازا والله ﷾ لا تخفى عليه أسباب الأشياء، والعجب ما خفى سببه ولم يعلم وقال ابن فورك (^٣): العجب المضاف إلى الله تعالى يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم وأن الله يعظم من أخبر عنه فإنه يعجب منه ويرضى عنه وتقدم أيضا الكلام على ذلك في قيام الليل.\n_________\n(^١) أحمد (٣٩٤٩)، وأبو يعلى (٥٢٧٢)، والطبراني في الكبير (١٠٣٨٣)، وابن حبان (٢٥٥٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٥)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وإسناده حسن.\n(^٢) الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٩٢).\n(^٣) مشكل الحديث (ص ١٩٢).","vol":"6","page":664},{"text":"٢١٤٧ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ جَاءَ أنَاس إِلَى النَّبِي - ﷺ - أَن ابْعَثْ مَعنا رجَالًا يعلمونا الْقُرْآن وَالسّنة فَبعث إِلَيْهِم سبعين رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُم الْقُرَّاء فيهم خَالِي حرَام يقرؤون الْقُرْآن وَيَتَدَارَسُونَهُ بِاللَّيْلِ يتعلمون وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يجيئون بِالْمَاءِ فيضعونه فِي الْمَسْجِد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون بِهِ الطَّعَام لأهل الصّفة وللفقراء فبعثهم النَّبِي - ﷺ - إِلَيْهِم فعرضوا لَهُم فَقَتَلُوهُمْ قبل أَن يبلغُوا الْمَكَان فَقَالُوا اللَّهُمَّ أبلغ عَنَّا نَبينَا أَنا قد لقيناك فرضينا عَنْك ورضيت عَنَّا قَالَ وأتى رجل حَرَامًا خَال أنس من خَلفه فطعنه بِرُمْح حَتَّى أنفذه فَقَالَ حرَام فزت وَرب الْكَعْبَة فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن إخْوَانكُمْ قد قتلوا وَإِنَّهُم قَالُوا اللَّهُمَّ أبلغ عَنَّا نَبينَا أَنا قد لقيناك فرضينا عَنْك ورضيت عَنَّا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ.\n\n٢١٤٨ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ قَالَ أنس - ﵁ - أنزل فِي الَّذين قتلوا ببئر مَعُونَة قُرْآن قرأناه ثمَّ نسخ بعد بلْغُوا قَومنَا أَنا قد لَقينَا رَبنَا فَرضِي عَنَّا ورضينا عَنْهُ (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"جاء أناس إلى النبي - ﷺ - أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام بن ملحان يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد\" الحديث معناه يضعونه في المسجد سبيلا لمن\n_________\n(^١) البخاري (٢٨١٤)، ومسلم (٦٧٧).","vol":"6","page":665},{"text":"أراد استعماله لطهارة أو شرب أو غيره وفيه جواز وضعه في المسجد وقد كانوا أيضا يضعون أعذاق التمر لمن أرادها في المسجد في زمن النبي - ﷺ - ولا خلاف في جواز هذا وفضله.\nقوله \"ويحتطبون\" أي يجمعون الحطب \"فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء\" والقراء جمع قارئ وسموا به لأنهم كانوا أكثر قراءة من غيرهم وكانوا من أورع الناس ومن أوزاع وقصته أن عامر بن مالك قدم على رسول الله - ﷺ - قبل إسلامه فقال: لو بعثت إلي أهل نجد بعثًا لاستجابوا لك فقال رسول الله - ﷺ - أخاف عليهم فقال: أنا جار لهم فابعثهم فبعث رسول الله - ﷺ - رجلا من قراء الصحابة وفضلائهم وجعل أميرهم المنذر بن عمرو الساعد فلما نزلوا بئر معونة بعثوا إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله - ﷺ - فلم ينظر فيه وقتل رسولهم وجاء بطائفة من قبائل عصية ورعل وذكوان على بعث رسول الله - ﷺ - فقتلوا أكثرهم قاله الكرماني (^١)، وقيل: لم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري، وأما أهل الصفة ففقراء الغرباء المهاجرين ومن لم يكن له منزل يسكنه الذين كانوا يأوون إلى مسجد النبي - ﷺ -، وكانت لهم في آخره صفة وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه قاله إبراهيم الحربي والقاضي، وأصله من صفة البيت وهي شيء كالظلة قدامه (^٢).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ٩٤).\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ٣٢٥)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٧).","vol":"6","page":666},{"text":"قوله: \"فبعثهم النبي - ﷺ - إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان\" الحديث، قال: فدعا النبي - ﷺ - على من قتلهم أربعين صباحا، وفي رواية: \"شهرا\"، [قاله في أهل بئر معونة] ومعونة بفتح الميم وضم العين في أرض بني سليم فيما بين مكة والمدينة [وبني سليم بين مكة وعسفان بأرض هذيل]، فإما الغين المعجمة فموضع قريب من المدينة قاله في النهاية (^١)، وكانت هذه الوقعة بعد الهجرة في أول السنة الرابعة، وفي هذا الحديث فضل الصدقة وفضل الاكتساب من الحلال لها، وفيه: جواز الصفة في المسجد، وفيه: جواز المبيت فيه بلا كراهة وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.\nقوله - ﷺ -: \"إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا\" الحديث؛ قوله \"إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا\" بكسر إن للحال أو للعطف في هذا الحديث أيضًا فضيلة ظاهرة للشهداء وثبوت الرضى منهم ولهم وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٢) قال العلماء: أي بطاعته ورضوا عنه بما أكرمهم به وأعطاهم إياه من الخيرات والرضي من الله تعالى إفاضة الخير والإحسان والرحمة فيكون من صفات الأفعال وهو أيضًا بمعنى إرادته فيكون من صفات الذات (^٣).\nقال أنس أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ثم نسخ بعد بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، رفع بعد ذلك أي نسخ تلاوته،\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٤٤).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١١٩.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"6","page":667},{"text":"قال الكرماني (^١): قلت القرآن المنسوخ يجوز نقله بالمعنى والله أعلم.\n\n٢١٤٩ - وَعَن مَسْرُوق - ﵁ - قَالَ سَأَلنَا عبد الله عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٢) فَقَالَ أما أَنا فقد سَأَلنَا عَن ذَلِك رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر لَهَا قناديل معلقَة بالعرش تسرح من الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت ثمَّ تأوي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل فَاطلع عَلَيْهِم رَبهم اطلاعة فَقَالَ هَل تشتهون شَيْئا قَالُوا أَي شَيْء نشتهي وَنحن نَسْرَح من الْجنَّة حَيْثُ شِئْنَا فَفعل ذَلِك بهم ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا رَأَوْا أَنهم لن يتْركُوا من أَن يسْأَلُوا قَالُوا يَا رب نُرِيد أَن ترد أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نقْتل فِي سَبِيلك مرّة أُخْرَى فَلَمَّا رأى أَن لَيْسَ لَهُم حَاجَة تركُوا رَوَاه مسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (^٣).\nقوله: وعن مسروق - ﵁ -، مسروق هو ابن [الأجدع، بالجيم ودال مهملة، ابن مالك بن أمية بن عبد الله الهمدانى الكوفى التابعى المخضرم. روى عن أبي بكر الصديق، وعثمان، وعلى. وسمع عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وزيد بن ثابت، وابن عمرو، والمغيرة، وعائشة، ﵃. روى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، وسليم بن أسود، وابن الضحى، والشعبي، والنخعي، والسبيعي، وعبد الله بن مرة،\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٢/ ١١٦).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.\n(^٣) مسلم (١٨٨٧)، والترمذي (٣٠١١)، وابن ماجه (٢٨٠١)، والحميدي (١٢٠)، والدرامي (٢٤٥٤).","vol":"6","page":668},{"text":"وعبيد الله ابن عبد الله بن عقبة، وآخرون. واتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته، قال الشعبي: ما علمت أحدا كان أطلب للعلم من مسروق. وقال مرة: ما ولدت همدانية مثل مسروق. وقال علي بن المديني: لا أقدم على مسروق أحدا من أصحاب ابن مسعود، وصلى خلف أبي بكر، ولقى عمر وعليا، ولم يرو عن عثمان شيئا. وقال أبو داود: كان أبو مسروق أفرس فارس باليمن، وهو ابن أخت عمرو بن معدى كرب، وقال عمر بن الخطاب لمسروق: ما اسمك؟ قال: مسروق بن الأجدع، فقال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"الأجدع شيطان\"، أفت مسروق بن عبد الرحمن. قال الشعبي: فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن، وكان مسروق يصلى حتى تورمت قدماه. قال أبو سعد السمعانى: كان مسروق سرق في صغره، فغلب عليه ذلك. توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة ثلاث وستين، رحمه الله تعالى (^١)].\n[قوله:] سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ (^٢) [قال المازري] كذا جاء، عبد الله غير منسوب قال أبو علي الغساني: من الناس من ينسبه فيقول عبد الله بن عمرو، وذكره [أبو مسعود] الدمشقي في مسند ابن مسعود، قال القاضي عياض (^٣): ووقع في بعض النسخ من صحيح مسلم عبد الله بن مسعود [قال]\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٨ ترجمة ٥٦٧).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٤.\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٦٩).","vol":"6","page":669},{"text":"النووي (^١): وكذا وقع في نسخ [بلادنا] المعتمدة ولكن لم يقع منسوبا إلى معظمها، وذكر خلف الواسطي والحميدي وغيرهما في مسند ابن مسعود وهو الصواب، وهذا الحديث مرفوع لقوله إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله - ﷺ -.\nقوله: \"فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت\" هذا الحديث في صحيح مسلم، وفي غير مسلم بطير خضر، وفي حديث آخر لحواصل طير، وفي الموطأ \"إنما نسمة المؤمن طير\" والنسمة تطلق على ذات الإنسان جسما وروحا وتطلق على الروح مفردة وهو المراد بها هنا لتفسيرها في الحديث بالروح ولعلمنا بأن الجسم يفنى ويأكله التراب، وفي حديث آخر عن قتادة: \"الروح في صورة طير أبيض\" قال القاضي: كل هذا من المجوزات فإذا أراد الله تعالى أن يجعل هذه الروح إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد في قناديل أجواف طير أو حيث شاء كان ذلك ووقع ولم يبعد لاسيما مع القول بأن الأرواح أجسام لطيفة (^٢).\nقوله \"تسرح من الجنة حيث شاءت\" أي: الأرواح تتنعم وتردد في ثمار الجنة كما تسرح الإبل في مراعيها (^٣) انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"فاطلع عليهم ربهم إطلاعة\" فقال: \"هل تشتهون شيئا؟ \" ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٢).\n(^٣) مطالع الأنوار (٥/ ٤٧٦).","vol":"6","page":670},{"text":"نريد أن ترد أرواحنا أي: الأرواح، في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى\" الحديث، هذا مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم إذ قد أعطاهم ما لا يخطر على قلب بشر ثم رغبهم في سؤال الزيادة فلم يجدوا مزيدا على ما أعطاهم فسألوا حين رأوا أنه لابد من سؤال أن ترجع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا نفوسهم في الله تعالى ويستلذوا بالقتل في سبيله (^١) والله أعلم.\n\n٢١٥٠ - (^٢) وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه سَأَلَ جِبْرَائِيل ﵇ عَن هَذِه الآيَة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٣) من الَّذين لم يشإ الله أَن يصعقهم قَالَ هم شُهَدَاء الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه سأل جبرائيل ﵇ عن هذه الآية ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم قال هم شهداء الله، الصعق [أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما مات منه، ثم استعمل في الموت كثيرًا].\n\n٢١٥٢ - وَعَن عَامر بن سعد - ﵁ - عَن أَبيه أَن رجلا جَاءَ إِلَى الصَّلاة وَالنَّبِيّ - ﷺ - يُصَلِّي فَقَالَ حِين انْتهى الصَّفّ اللَّهُمَّ آتني أفضل مَا تؤتي عِبَادك\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٣).\n(^٢) وقع هنا خطأ بالترقيم. (المحقق).\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٤) الحاكم (٢/ ٢٥٣)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"6","page":671},{"text":"الصَّالِحين فَلَمَّا قضى النَّبِي - ﷺ - الصَّلَاة قَالَ من الْمُتَكَلّم آنِفا فَقَالَ الرجل أَنا يَا رَسُول الله قَالَ إِذا يعقر جوادك وتستشهد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن عامر بن سعد - ﵁ - عن أبيه [هو عامر بن سعد بن أبي وقاص القريشي الزهري المدني التابعي، سمع أباه، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأسامة، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم، ﵃. روى عنه ابنه داود، وسعيد بن المسيب، وخلق من التابعين. واتفقوا على توثيقه. توفى بالمدينة سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك (^٢)].\nقوله: أن رجلا جاء إلى الصلاة والنبي - ﷺ - يصلي فقال حين انتهى الصف اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى الضبي - ﷺ - الصلاة قال من المتكلم آنفا فقال الرجل أنا يا رسول الله، آنفا أي قريبا.\nقوله: \"إذا يعقر جوادك وتستشهد\" تقدم معنى الجواد، وتقدم الكلام على الشهيد وفضائل الشهادة، ذهب بعض العلماء إلى أن الميت [في سبيل الله والمقتول سواء].\n_________\n(^١) أبو يعلى (٦٩٣)، وابن حبان (٤٦٤٠)، والحاكم (١/ ٢٠٧)، والنسائي (٩٩٢١)، وابن السني (١٠٧)، وابن خزيمة (٤٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٥)، رواه أبو يعلى والبزار بإسنادين، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٦ ترجمة ٢٧٨).","vol":"6","page":672},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغز ولم ينو الغزو وذكر أنواع من الموت تلحق أربابها بالشهداء والترهيب من الفرار من الطاعون</span>\n٢١٥٣ - عَن أبي عمرَان - ﵁ - قَالَ كنَّا بِمَدِينَة الرّوم فأخرجوا إِلَيْنَا صفا عَظِيما من الرّوم فَخرج إِلَيْهِم من الْمُسلمين مثلهم أَو أَكثر وعَلى أهل مصر عقبَة بن عَامر - ﵁ - وعَلى الْجَمَاعَة فضَالة بن عبيد - ﵁ - فَحمل رجل من الْمُسلمين على صف الرّوم حَتَّى دخل بَينهم فصاح النَّاس وَقَالُوا سُبْحَانَ الله يلقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة فَقَامَ أَبُو أَيُّوب فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم لتأولون هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا نزلت هَذِه الآيَة لبَعض سرا دون رَسُول الله - ﷺ - إِن أَمْوَالنَا قد ضَاعَت وَإِن الله تَعَالَى قد أعز الْإِسْلَام وَكثر ناصروه فَلَو أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا وأصلحنا مَا ضَاعَ مِنْهَا فأنْزل الله تَعَالَى على نبيه - ﷺ - مَا يرد علينا مَا قُلْنَا وللفقراء فِي سَبِيل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^١) وَكَانَت التَّهْلُكَة الإِقَامَة على الأمْوَال وإصلاحها فِينَا معشر الْأَنْصَار لما أعز الله الْإِسْلَام وَكثر ناصروه فَقَالَ بَعْضنَا وَتَركنَا الْغَزْو فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوب شاخصًا فِي سَبِيل الله حَتَّى دفن بِأَرْض الرّوم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.\n(^٢) الترمذي (٢٩٧٢)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والطيالسي (٦٠٠)، وأبو داود (٢٥١٢)، والنسائي (١١٠٢٨)، وابن حبان (٤٧١١)، والطبراني في الكبير (٤٠٦٠).=","vol":"6","page":673},{"text":"قوله: عن أبي عمران - ﵁ -[هو أسلم بن يزيد التجيبي المصري: مولى عميرة بن تميم بن جدّ التجيبي، يكنى أبا عمران. يحدث عن أبي أيوب الأنصاري، وعقبة بن عامر، وهبيب بن مغفل، وعبد الله بن عمرو، ومسلمة بن مخلّد، وأم سلمة، وصفية \"زوجى النبي - ﷺ -\"، حدث عنه يزيد بن أبي حبيب، وسعيد بن أبي هلال، وعبد الله بن عياض، وكان وجيها بمصر في أيامه، وكانت الأمراء يسألونه في أمورهم وقال النسائي: ثقة وقال العجلي: \"مصري تابعي ثقة\" وذكره ابن حبان في الثقات (^١)].\nقوله: كنا بمدينة الروم، المراد بمدينة الروم القسطنطينية، بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم طاء ثانية مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة تحتها ونون مكسورة وبعدها ياء ثانية ثم هاء ساكنة، أعظم مدائن الروم بالقرب من بلاد كسري بناها قسطنطين ملك الروم وهو [أول من تنصر] من ملوك الروم فنسبت المدينة إليه (^٢)، وثم أخرى في بلاد من بلاد إفريقية أ. هـ.\nوتقدم الكلام عليها في أوائل هذا التعليق في دخول الحمام مبسوطًا.\n_________\n= وقال الألباني صحيح، أخرجه الترمذي (٢٩٨٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.\n(^١) تاريخ ابن يونس (١/ ٤١ ترجمة ١٢١)، وتهذيب الكمال (٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩ ترجمة ٤٠٥)، وتهذيب التهذيب (١/ ٢٦٥ ترجمة ٤٩٩).\n(^٢) الأنساب للسمعاني (١٠/ ٤١٩) واللباب (٣/ ٣٦ - ٣٧)، وفيات الأعيان (٧/ ٨٠).","vol":"6","page":674},{"text":"قوله: فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم، والروم هم بنو الأصفر وهو الروم بن عيصو (^١) بن إسحاق بن إبراهيم كذا قال بعضهم، وقال أبو إسحاق إبراهيم الحربي: نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم - ﷺ - (^٢)، وقيل: إنما سموا بني الأصفر لكثرة أموالهم وإنما يقال ذلك لملوكهم، وقيل: لأن أباهم كان أصفر في بياض فسموا به، وقيل: اسم رجل أسود ملكهم فنكح من نسائهم فولد له ولد في غاية الحسن فنسب إليه الروم (^٣)، وقال ابن الأنباري: سموا بني الأصفر لأن جيشا من الحبشة غلب على بلادهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولادا أصفر من سواد الحبشة وبياض الروم (^٤)، قال القاضي عياض (^٥): قول الحربي أشبه.\nقوله: وعلى أهل مصر عقبة بن عامر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه، وعلى الجماعة.\nفضالة - ﵁ -[هو أبو محمد فضالة بن عبيد بن نافذ، بالمعجمة، ابن قيس بن صهيب بن الأحرم بن جحجبا، بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء\n_________\n(^١) في الأصل غيصوم وهكذا وقع في كشف المناهج (٤/ ٤٧٤)، والتصويب من المعارف (ص ٣٨).\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ١٢٢ - ١٢٣)، ومطالع الأنوار (٤/ ٣٠٢).\n(^٣) كشف المناهج (٤/ ٤٧٤ - ٤٧٥)\n(^٤) شرح الصحيح (١/ ٥٤) لابن بطال، وإكمال المعلم (٦/ ١٢٢ - ١٢٣) ومطالع الأنوار (٤/ ٣٠٢) وشرح النووي على مسلم (١٢/ ١١١).\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ١٢٣).","vol":"6","page":675},{"text":"موحدة، ابن لفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسى العمري. أول مشاهده أحد، شهدها وما بعدها من المشاهد، ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر. وسكن دمشق، وولى قضاءها لمعاوية، وأمره على غزو الروم في البحر، روى له عن رسول الله - ﷺ - خمسون حديثا، روى مسلم منها حديثين. روى عنه ثمامة بن سعد، وعلي بن رباح، بضم العين، وقيل: بفتحها، وحنش الصنعاني، وسلمة ابن صالح، وعمرو بن مالك، وعبد الله بن محيرز، وآخرون. توفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلات وخمسين، وقيل: سنة تسع وستين، والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه: أعنى يا بنى، فإنك لا تحمل بعده مثله. وتوفى معاوية سنة ستين، وكان لفضالة عقب بدمشق (^١)].\nقوله: فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم، قال في شرح الإلمام: لم أقف على اسم هذا الرجل، وفيه جواز ذلك لمن علم من نفسه غناء ونكاية في العدو وبخلافه عكسه فإنه مخاطرة بالنفس فلو فعل وظن الهلاك فله الفرار ليقوي بالمسلمين وينحاز إلى فئة (^٢)، قال ابن عباس:\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٠ ترجمة ٢٥٠).\n(^٢) انظر تفسير القرطبي (٢/ ٢٦٣) قال: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة. وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ=","vol":"6","page":676},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا.\nقال الشافعي في الأم: لا أرى ضيقا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل، وإن كان الأغلب أنه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله - ﷺ - وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي - ﷺ - بما في ذلك من الخير فقتل.\nوقال أحمد في \"مسائل صالح\" (٢/ ٤٦٩): \"قلت: الأسير يجد السيف أو السلاح فيحمل علهيم وهو لا يعلم أنه لا ينجو، أعانَ على نفسه؟ قال: أما سمعت قول عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: \"ذلك اشترى الآخرة بالدنيا\".\nوقال أبو داود في مسائله (٢٤٧): \"سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا علم أنه يؤسر فليقاتل حتى يقتل أحب إليَّ\". وقال: \"لا يستأسر، الأسر شديد\". وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سأل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: \"إذا علم أنه يقوى بهم\".\nوقال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ١٦٥): قال القاسم بن مخيمرة، والقاسم بن محمد، وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة؛ فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] والصحيح عندي جوازه؛ لأن فيه أربعة أوجه: الأول: طلب الشهادة.\nالثاني: وجود النكاية.\nالثالث: تجرية المسلمين عليهم.\nالرابع: ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد، فما ظنك بالجميع، والفرض لقاء واحد اثنين، وغير ذلك جائز. =","vol":"6","page":677},{"text":"\"من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر\" (^١)، وقال البغوي (^٢): يريد إذا فر مسلم من كافرين غير منحرف لقتال أو متحيزًا إلى فئة يستحق الوعيد من الله تعالى وإن كانوا أكثر من اثنين بإزاء المسلم فلا عيب على من فر، ومن فر من اثنين فليس له أن يصلي بالإيماء لأنه عاص كقاطع الطريق وهو من الكبائر، أ. هـ، وحمل الحس تحريم الفرار على يوم بدر خاصة وخالفه الجمهور (^٣)، وفي الحديث الحث على الغزو والمداومة عليه والله أعلم. قاله في شرح الإلمام.\n_________\n= وقال النووي في شرح مسلم (١٣/ ٤٦): فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء.\nوقال ابن تيمية في قاعدة في الانغماس (ص ٢٧ - ٢٨): والرجل: ينهزم أصحابه فيقاتل وحده أو هو وطائفة معه العدو وفي ذلك نكاية ٢ في العدو، ولكن يظنون أنهم يقتلون، فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، اتفاق المذاهب الأربعة على جواز هذه الصورة، وليس في ذلك إلا خلافا شاذ نص الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك على الجواز.\n(^١) الأم (٤/ ٢٥٦) ومسند الشافعي (١٧٣٠). قال الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٥٦٧ - الجزء المفقود): الحق على من لقي مشركا من أهل الحرب عند التقاء الزحفين ألا يفر منه، وأن الذي له - إن أتاه أمر لا طاقة له به - الاستطراد للكرة أو التحيز إلى فئة، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].\n(^٢) شرح السنة للبغوي (١١/ ٧٠).\n(^٣) انظر تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧١).","vol":"6","page":678},{"text":"قوله: فصاح الناس وقالوا سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، الحديث، سبحان الله للتعجب، وقد جاء ذكر ذلك كثيرًا وتقدم ذلك في قوله \"سبحان الله إن المؤمن لا ينجس\" (^١) فيجوز أن يراد الذكر والتعجب ولا يضر ذلك وإن وردت على سبب خاص كما ذكره أبو أيوب، ولا يمنع أن يشار بها إلى ما في معناه فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح لكن لعل أبا أيوب يقصره على سببه كما يقوله آخرون أ. هـ.\nقوله: يلقي بيده إلى التهلكة، التهلكة: الهلكة والخصلة التي تؤدي إلى الهلاك، وأصل الهلاك السقوط والبطلان بأي شيء كان (^٢)، والتهلكة أيضًا لمن ترك الجهاد (^٣)، وقال غيره: التقحم فيه بلا نكاية للعدو (^٤)، وقيل: العقوبة على ترك الجهاد (^٥)، وقيل: ترك التوبة من الناس (^٦)، والصحيح الأول (^٧).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٥٠٧).\n(^٣) تفسير البغوي (١/ ٢١٦) وتفسير القرطبي (٣/ ٢٦١).\n(^٤) تفسير البغوي (١/ ٢١٦)، وشرح الإلمام (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٨).\n(^٥) تفسير الثعلبي (٢/ ٩٢).\n(^٦) تفسير البغوي (١/ ٢١٧) وتفسير القرطبي (٣/ ٢٦١).\n(^٧) تفسير الطبري (٣/ ٣١٢ - ٣٢٦) قال بعد أن ساق الأقوال السابقة: فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولم يكن الله ﷿ خص منها شيئا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه وأما التهلكة، فإنها التفعلة من الهلاك.","vol":"6","page":679},{"text":"قوله: فقام أبو أيوب فقال أيها الناس، فذكر الحديث إلى أن قال: فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله - ﷺ - إن أموالنا قد ضاعت، أراد بالأموال الزرع [والصرف] ضاعت أي بقلة المتعهد.\nقوله: فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم، يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص بصره كأنه رفع من الأرض لقلقه وانزعاجه، ومنه شخوص المسافر خروجه عن منزله، ومنه حديث عثمان \"إنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة عدو أو مسافر\" قاله في النهاية (^١)، وأبو أيوب: هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري المدني الصحابي الجليل، شهد العقبة وبدرًا وأحد والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله - ﷺ - ونزل عليه رسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة مهاجرًا وأقام عنده شهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده، روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وخمسون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على سبعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بخمسة، توفي - ﵁ - بأرض الروم غازيا سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: غير ذلك، وقبره - ﵁ - بالقسطنطينية (^٢).\n\n٢١٥٤ - وَعَن ابْن عمر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أَذْنَاب الْبَقر ورضيتم بالزرع وتركتم الْجِهَاد سلط الله عَلَيْكُم ذلا لَا\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٧ ترجمة ٧٢٢).","vol":"6","page":680},{"text":"يَنْزعهُ حَتَّى ترجعوا إِلَى دينكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره من طَرِيق إِسْحَاق بن أسيد نزيل مصر (^١).\nقوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم\" الحديث، العينة: بكسر العين المهملة وبالياء المثناة آخر الحروف وبالنون قال البيهقي في الشعب: التبايع بالعينة أن يقول الرجل اشتر كذا وكذا وأنا أشتريه منك بربح كذا وكذا (^٢)، أ. هـ.\nوقال الهروي في الغريبين: العينة أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل أيضا من الثمن فهذا أيضا عينة وهي أهون من الأولى (^٣).\nقال في المفهم (^٤): احتج أصحابنا وموافقوهم لأن مسألة العينة ليست بحرام وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلا إلى مقصود الربا بأن\n_________\n(^١) أبو داود (٣٤٦٢)، وابن عدي في الكامل (١٣٧٠٢)، والبيهقي (٥/ ٣١٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٠٨)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٤١٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢٣).\n(^٢) شعب الإيمان (٦/ ٩٢).\n(^٣) الغريبين (٤/ ١٣٥٤).\n(^٤) القائل هو النووي وليس القرطبي وكلامه الذي ساقه الشارح ذكره النووي في شرح مسلم (١١/ ٢١).","vol":"6","page":681},{"text":"يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين ثم يشتريه منه بمائة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد: إنه من قبلك عن العينة فإنها أخت الربا (^١)، وبيع العينة لها تفاصيل وأمثلة منها الشديد الكراهة فهو مكروه عند الشافعي ومنها المحرم فلم يجزه مالك وأحمد بن حنبل سدا للذريعة، وقال أقضى القضاة الماوردي في الحاوي (^٢): سميت عينة لأنها أخذ عين بربح والعين الدراهم والدنانير (^٣)، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"وأخذتم أذناب البقر\" الحديث، وفي الحديث أيضًا وهو لفظ الحاكم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن طالت بك مدة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر\" (^٤) وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس\" (^٥) الحديث، وهذا الحديث من معجزات الثبوة فقد وقع ما أخبر به - ﷺ - فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرط ونحوه (^٦) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا\" الحديث،\n_________\n(^١) المصنف لابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٨ (٢٠١٥٨).\n(^٢) الحاوي (٥/ ٣٣٨)، وذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٥٤).\n(^٣) انظر لجميع ما سبق مشارع الأشواق (ص ١٠٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (٥٣ و٥٤ - ٢٨٥٧)، والحاكم ٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦\n(^٥) أخرجه مسلم (٥٢ و١٢٥ - ٢١٢٨)، وابن حبان (٧٤٦١).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٩٠).","vol":"6","page":682},{"text":"وفي حديث عمر - ﵁ -: \"اتقوا الله في الفلاحين\" (^١) يعني الزارعين الذين يفلحون الأرض أي يشقونها، والفلح الشق والقطع قاله في النهاية (^٢)، وفي نهاية الغريب في باب السين المهملة في الحديث \"ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا\" (^٣) السكة هي الحديدة التي يحرث بها الأرض أي إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن الغزو فيأخذهم السلطان بالمطالبات والجبايات (^٤) فالذل هاهنا بما يلزمهم من الحقوق التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين، قال الشاعر:\nهِيَ العَيْشُ إلَّا أَنَّ فيها مَذلَة ... فمَنْ ذَلَّ قَاسَاهَا ومَنْ عَزَّ بَاعَهَا (^٥)\nقريب من هذا الحديث. قوله جم - ﷺ -: \"العز في نواصي الخيل، والذل في أذناب البقر\"، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (^٦).\nوقال ابن النحاس عفا الله عنه: معنى الحديث أن الناس إذا تركوا الجهاد وأقبلوا على الزرع ونحوه تسلط عليهم العدو، ولعدم تأهبهم له واعتدادهم\n_________\n(^١) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (١٣٢)، وسعيد بن منصور في السنن (٢٦٢٥)، وابن أبي شيبة ٦/ ٤٨٣ (٣٣١٢٠)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ١٥٥ رقم ١٨١٥٩) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، عن عمر بن الخطاب.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٦٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٣٢١) عن أبي أمامة.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٨٤).\n(^٥) أعلام الحديث (٢/ ١١٤٨ - ١١٤٩)، والكواكب الدراري (١٠/ ١٤٨).\n(^٦) حياة الحيوان (١/ ٢١٤).","vol":"6","page":683},{"text":"لنزوله ورضاهم بما هم فيه من الأسباب فأولاهم ذلا وهوانا لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم من جهاد الكفار والإغلاظ عليهم وإقامة الدين ونصرة الإسلام وأهله وإعلاء كلمة الله وإذلال الكفر وأهله، واستدل بقوله - ﷺ - \"حتى ترجعوا إلى دينكم\" (^١) على أن ترك الجهاد والإعراض عنه والسكون إلى الدنيا خروج من الدين وكفى به ذنبا وإثما مبينا (^٢) والله أعلم.\nقوله: رواه أبو داود وغيره من طريق إسحاق بن أسيد نزيل مصر، وفي حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - فذكره إلى أن قال إذا الناس تبايعوا بالعين واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يرجعوا دينهم (^٣)، صححه أبو الحسن القطان، وذكر أنه نقله من كتاب الزهد يعني للإمام أحمد بن حنبل (^٤) أشار بذلك إلى\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٨ (٤٨٢٥) والطرسوسي في مسند بن عمر (٢٢) والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣٢ رقم ١٣٥٨٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٣ - ٣١٤) و(٣/ ٣١٨ - ٣١٩) والبيهقي في الشعب (٦/ ٩٢ - ٩٣ رقم ٣٩٢٠) و(١٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ١٠٣٧٢).\nوحسنه ابن تيمية في الفتاوى (٦/ ٤٥)، وصححه الألباني في الصحيحة (١١).\n(^٤) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٩٦)، وانظر الإلمام (٢/ ٤٩٩ حديث ٩٧٧) طبعة دار المعارج. قوله صححه ابن القطان ليس بسديد بل قال في الوهم والايهام: وهذا الإسناد كل رجاله ثقات، فاعلم ذلك.","vol":"6","page":684},{"text":"تغير الأحوال وانقباض النفوس عن ذلك ثم ذكر أمورا تكون في آخر الزمان منها بيع العين وهو بكسر العين المهملة وبالباء المثناة تحت وتقدم ذلك، ومنها: اتباع أذناب البقر والمراد به الحراثة، ويبينه أن في الحديث قبله وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وقال: \"سلط الله عليكم ذلا\" بدل قوله \"بلاء\"، ويقويه أن في الصحيح \"أن آلة الحرث ما دخلت بيت قوم إلا دخله الذل\" فأما العينة والحراثة فإنهما يوجبان الذل والرياء، والحديث يدل على الكراهة الشديدة فيهما للتوعد على ذلك بالبلاء والمراد به الشقاء في الدنيا والذل ومنه الإقبال على الدنيا والإعراض عن الاشتغال بالآخرة، وأما ترك الجهاد فحرام على الكافة لأنه فرض كفاية.\nقوله: \"حتى ترجعوا إلى دينكم\" أي: بالتوبة، واعلم أن العقوبة في الدنيا ليرجع المذنب والمسيء بذلك من الرحمة والفضل على المسلم بخلاف الكافر فإنه [.......] وفيه تعظيم التحذير عن الحيل عن أكل الربا فكيف بمن يأكله بالصريح وهو إشارة على حرمة المسلم والنهى عن إيثار الدنيا والبقاء فيها سالما على الآخرة والشهادة ومنه أن ترك الجهاد يلزم منه فساد كثير بترك إعلاء كلمة الله والذب عن الإسلام والمسلمين ولذلك عاجلهم على ذلك العقوبة في الدنيا فمن أصر جمع له بين عقوبة الدنيا والآخرة، ومن رجع سلم وفاز بالجنة والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\n\n٢١٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَاتَ وَلم يغز وَلم يحدث بِهِ نَفسه مَاتَ على شُعْبَة من النِّفَاق رَوَاهُ","vol":"6","page":685},{"text":"مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق\" الحديث، الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه، كذا في النهاية (^٢)، ومعنى مات على شعبة من نفاق، أي: على قطعة وبعض منه، قال مسلم: قال عبد الله بن المبارك: كنا نرى أي نظن أن ذلك كان على عهد رسول الله - ﷺ -، وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل وقد قال غيره إنه عام، وقيل: الشعبة الخصلة وهي في هذا الحديث فريضة الجهاد للتوعد الشديد على ذلك ولهذا حمله بعضهم على النفاق الحقيقي، وقد يحتمل أن يكون على العموم ويكون معنى هذا أنه تشبه بأخلاق المنافقين التي منها التخلف عن الجهاد، وهذا أحد شعب أخلاق المنافقين (^٣)، قال المنذري: ويمكن حمله على الزجر والمبالغة في التحذير من التواني فيه كما في قوله في ترك الصلاة \"فقد حبط عمله\" \"ومن ترك الصلاة فقد كفر\" [والناس فيه] على قسمين [قادر] وعاجز، فالقادر مطالب بالفعل، والعاجز مطالب بأنه متى قدر فعل، وأما الذي لا يعمل المأمور به ولا ينويه وخصوصا الجهاد الذي به أعز الفه الإسلام [و] أظهر به الدين حتى علا على الأديار ولو كره الكافرون (^٤)، وفيه\n_________\n(^١) مسلم (١٩١٠)، وأبو داود (٢٥٠٢).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٧٧).\n(^٣) إكمال المعلم (٦/ ٣٣٥)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٦).\n(^٤) المفهم (١٢/ ٥٥).","vol":"6","page":686},{"text":"أن من منعه مانع من أداء فرض أو مسارعة إلى ركن من أركان الشريعة أو إلى سنة من السنن المشهورة فتركه عجزا أنه لا يؤاخذ بل يؤجر على نيته وأن العزم على الشيء يدل على فعله إذا لم يتمكن منه (^١)، قال النووي (^٢): وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها في أثنائه فمات قبل فعلها أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى فمات قبل فعله هل يأثم أم لا؟ والصحيح عندهم أنه يأثم في الحج دون الصلاة لأن مدة الصلاة قريبة فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحج، وقيل: يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج الشيخ دون الشاب، وفيه الحث على الجهاد إن قدر عليه بشرطه.\nواعلم أنه يخرج عن العهدة بمدة إن لم يحتج إلى غيرها وفيه تمني الشهادة والعزم على الجهاد وإن أدى إلى الفوت، وقد صح في مسلم: \"من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه\" (^٣) فيكتب له أجر شهيد بالنية ويدخل في ذلك من خرج للغزو فمات كما قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٤) والحمد لله، أ. هـ.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٣٣٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٦).\n(^٣) صحيح مسلم (١٩٠٨).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٠٠.","vol":"6","page":687},{"text":"٢١٥٦ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من لم يغز أَو يُجهز غازيا أَو يخلف غازيا فِي أَهله بِخَير أَصَابَهُ الله تَعَالَى بقارعة قبل يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله تعالى بقارعة قبل يوم القيامة\" أي: بداهية تهلكه، والقارعة الشديدة من شدائد الدهر وهي الداهية أعاذنا الله منها بفضله وكرمه، ويقال: أقرعه أمر إذا أتاه فجأة، و[معنى] تجهيز الغازي تحميله وإعداد ما يحتاج في غزوه ومنه تجهيز العروس وتجهيز الميت قاله في النهاية (^٢)، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ (^٣) أي داهية تقرعهم بما يحل بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في أنفسهم وأموالهم وأولادهم (^٤) وسمى الله تعالى القيامة القارعة لأنه تقرع القلوب بهولها (^٥) وجمع القارعة قوارع والله أعلم.\n_________\n(^١) أبو داود (٢٥٠٣)، وابن ماجه (٢٧٦٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٢٢٣١).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٢١) و(٤/ ٤٥).\n(^٣) سورة الرعد، الآية: ٣١.\n(^٤) الكشاف (٢/ ٥٣١).\n(^٥) تفسير ابن عطية (٥/ ٥١٦)، وتفسير ابن جزى (٢/ ٥٠٧).","vol":"6","page":688},{"text":"٢١٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لَقِي الله بِغَيْر أثر من جِهَاد لَقِي الله وَفِيه ثلمة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن رَافع عَن سمي عَن أبي صَالح عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الله الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من لقي الله بغير أثر من جهاد\" أي: بغير علامة كالجراحة والتعب أو بذل المال.\nقوله: \"لقي الله وفيه ثلمة\" الثلمة الموضع المنهدم (^٢) أي لقي الله وفي شأنه نقصان، وتقدم ذكرها في كتاب العلم.\n\n٢١٥٨ - (^٣) وَعَن أبي بكر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا ترك قوم الْجِهَاد إِلَّا عمهم الله بِالْعَذَابِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٤).\nقوله: وعن أبي بكر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب\" تقدم معناه في أحاديث الباب المتقدمة.\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٦٦)، وابن ماجه (٢٧٦٣)، والحاكم (٢/ ٧٩). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٣٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٢٩).\n(^٣) وقع هنا خطأ بالترقيم. (المحقق).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٣٨٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٤)، رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه علي بن سعيد الرازي، قال الدراقطني: ليس بذاك، وقال الذهبي: روى عنه الناء.","vol":"6","page":689},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>فصل</span>\n٢١٥٩ - عَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا تَعدونَ الشُّهَدَاء فِيكُم قَالُوا يَا رَسُول الله من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد قَالَ إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل قَالُوا فَمن يَا رَسُول الله قَالَ من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ فِي الطَّاعُون فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ من الْبَطن فَهُوَ شَهِيد قَالَ ابْن مقسم أشهد على أَبِيك يَعْني أَبَا صَالح أَنه قَالَ والغريق شَهِيد رَوَاهُ مُسلم (^١).\nعن أبي هريرة - ﷺ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما تعدون الشهداء فيكم؟ \" قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: \"إن شهداء أمتي إذا لقليل\" قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: \"من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات من البطن فهو شهيد\" وفي رواية مالك وغيره: \"وصاحب الهدم شهيد\".\nاعلم أن الشهادة رتبة عظيمة ومنزلة جسيمة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم ولا ينالها إلا من سبق له القدر بالفوز العظيم وهي الرتبة الثالثة من مقام النبوة كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ\n_________\n(^١) مسلم (١٩١٥).","vol":"6","page":690},{"text":"النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (^١) وقد صح من حديث عتبة بن عبد الله أن الشهيد لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة (^٢) ولعل ذلك في خواص من الشهداء والآية في عامتهم (^٣) والله أعلم.\nقوله - ﷺ - \"من قتل في سبيل الله فهو شهيد\" الشهيد في الأصل من قتل مجاهدا في سبيل الله تعالى ويجمع على شهداء ثم اتسع فيه فأطلق على من سماه النبي - ﷺ - من المبطون والمطعون وإخوانهما لأنهم شهداء في أحكام الآخرة لا في أحكام الدنيا والأول شهيد في الدنيا والآخرة (^٤)، واختلفوا لما سمي الشهيد شهيدًا فقيل لأن جرحه شاهد له بالقتل في سبيل الله، وقال النضر بن شميل لأنه حي شهدت روحه دار السلام وروح غيره لم تشهدها إلا يوم القيامة وقيل لأن ملائكة الرحمة تشهده وقيل لأنه يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف ولهم خصوصية بالشهادة، قال ابن فارس (^٥): والشهيد هو القتيل في سبيل الله قالوا لأن ملائكة الله تشهده وقيل سمي بذلك لشهادته على نفسه لله ﷿ حين لزمه الوفاء بالبيعة التي بايعه كما في قوله تعالى\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٥ - ١٨٦ (١٧٦٥٧ و١٧٦٥٨)، والدارمي (٢٤٥٥)، وابن حبان (٤٦٦٣). وصححه الألباني في المشكاة (٣٨٥٩) وصحيح الترغيب (١٣٧٠).\n(^٣) مشارع الأشواق (ع ٦٩٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٦٤).\n(^٥) مجمل اللغة (ص ٥١٤).","vol":"6","page":691},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^١) قال ابن الأنباري إن الله وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة وقيل لأنه يخرج عند خروج روحه بما أعده الله له من الثواب والكرامة قيل لأنه ملائكة الرحمن يشهدونه فيأخذون روحه وقيل لأن عليه شاهدا يشهد بكونه شهيدا وهو الدم فإنه يبعث يوم القيامة وأوداجه تثغب دما (^٢) والأوداج هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج بالتحريك وقيل الودجان عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر (^٣).\nقوله - ﷺ - \"من قتل في سبيل الله فهو شهيد\" معناه الشهيد من مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب (^٤).\nقوله \"من قتل في سبيل الله فهو شهيد\" أي بأي شيء كان كما جرى لأم حرام وغيرها لأنها لم تقاتل ولكنها وقعت عن دابتها فهلكت أي ماتت فهي شهيدة (^٥).\nفائدة: يختم بها الباب في الميت في الجهاد: ذهب بعض العلماء إلى أن\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١١.\n(^٢) انظر إكمال المعلم (١/ ٤٤٣)، والتذكرة (ص ٤٤٣ - ٤٤٤) وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٦٤ - ١٦٣)، وطرح التثريب (٧/ ٢٠٥)، والنجم الوهاج (٣/ ٦٩)، ومشارع الأشواق (ص ٦٩٣ - ٦٩٤).\n(^٣) المجموع المغيث (٣/ ٣٩٧)، والنهاية (٥/ ١٦٥).\n(^٤) المهذب (١/ ٢٥٠).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦٠ و٦٣).","vol":"6","page":692},{"text":"الميت في سبيل الله والمقتول سواء واستدلوا بحديث أم حرام وقول النبي - ﷺ - \"أنت من الأولين\" مع أنها صرعت عن دابتها ولم تقتل وبالأحاديث المتقدمة بقوله - ﷺ - \"من مات في سبيل الله فهو شهيد\" وذهب آخرون إلى أن للمقتول في سبيل الله مزية عن الميت بما أصابه في سبيل الله فهو أفضل وهذا أرجح لقول النبي - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة لما سئل أي الجهاد أفضل قال \"قال أن يعقر جوادك ويهراق دمك\" مع أن المستقر في بديهة العقل عند عامة الناس قديما وحديثا أن المقتول أفضل من الميت وأن من نوى عملا فعمله أفضل ممن نواه ومات ولم يعمله وإن كان له مثل أجره مع أن الميت في سبيل الله وإن كان له أجر الشهداء فإنه يسمى ميتا والمقتول لا يسمى ميتا بل قد نهى الله عن ذلك فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (^١) وأيضا للمقتول في سبيل الله ثواب ما أصابه من الجراح الذي يأتي يوم القيامة يتفجر دما لونه لون الدم وريحه ريح المسك والميت لم ينل ذلك وأيضا المقتول في سبيل الله يتمنى الرجعة في الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة ثانية وليس كذلك الميت لقوله - ﷺ - \"ما من نفس تموت لها خير عند الله يسرها أن ترجع إلى الدنيا وإن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا لما يرى من فضل الشهادة\" فإن قيل لفظ الشهيد يشملها قلنا الشهيد حيث أطلق لا يراد به إلا المقتول في سبيل الله، ولو قلنا أن الميت في سبيل الله يتمنى الرجعة أيضا فإنه إنما يتمناها للقتل لا للموت كما جاء\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٥٤.","vol":"6","page":693},{"text":"مصرحا به في جميع ألفاظ هذا الحديث وطرقه وهو يدل على فضل القتل على الموت وأيضا القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب ولم يرد ذلك في الموت وأيضا الميت في سبيل الله يصلى عليه والمقتول لا يغسل ولا يصلى عليه فإن الصلاة عليه شفاعة عند الله تعالى في غفران ذنوبه وقد غفرت [قلت ينتقض هذا بغسل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخصوصا سيد المرسلين - ﷺ - وإنما ذلك لما يزيله الغسل من غبار الطاعة الكبرى وأتر الشهادة الذي يتميز به الشهيد يوم القيامة بشهادته له وحرارة طيب ريحه إلى غير ذلك قاله كاتبه] فلا يصلى عليه، وأيضا المقتول روحه في جوف طير أخضر في الجنة وليس كذلك الميت، وأيضا الشهيد القتول يشفع ولم يرد ذلك في الميت، وأيضا الشهيد يرى الحور العين قبل أن يجف دمه وليس كذلك الميت فهذه الفضائل كلها يتميز بها المقتول على الميت، والله أعلم ذكره ابن النحاس عفا الله عنه (^١)، وإن اشتركا في مطلق الشهادة كما أن الميت في سبيل الله يتميز عن المطعون والمبطون والحريق والغريق وغير ذلك وإن كانوا كلهم شهداء هذا ما يظهر لي من غير تردد (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ومن مات في الطاعون فهو شهيد\" وفي الرواية الأخرى \"الطاعون شهادة لكل مسلم\" والطاعون هو المرض العام وسيأتي الكلام عليه.\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٦٥٦ - ٦٥٨)\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٦٥٨).","vol":"6","page":694},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ومن مات من البطن فهو شهيد\" والمبطون هو الذي يموت بمرض بطنه وهو الإسهال، وقيل: هو الذي به استسقاء وانتفاخ البطن وقيل هو الذي يشتكي بطنه، وقيل هو الذي يموت بداء بطنه مطلقا (^١) وسيأتي الكلام عليه.\nقوله: قال ابن مقسم، ابن مقسم اسمه عبد الله.\nقوله: اشهد على أبيك يعني أبا صالح.\nفرع: ينزع عن الشهيد الحديد والجلود والجبة المحشوة وما لبس من لباس العادة ويدفن في باقي ثيابه، وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينزع عنه شيء من ذلك، لما روى أبو داود أن النبي - ﷺ - أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم (^٢) أ. هـ.\n\"أنه قال: والغريق شهيد\" أبيك بالباء والياء المثناة في أكثر نسخ بلادنا على أخيك بالخاء وفي بعضها \"على أبيك\" وهو الصواب كما تقدم، وفي رواية الجلودي \"على أخيك\" وهو خطأ أيضًا، والصواب \"على أبيك\" وإنما قاله ابن صقسم لسهيل بن أبي صالح (^٣)، وأما الغريق فهو الذي يموت غريقا بالماء (^٤)؛ وقوله في رواية مالك وغيره: قال \"الشهداء خمسة، ومنهم صاحب\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦٢ - ٦٣).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٧٤). والحديث أخرجه ابن ماجه (١٥١٥)، وأبو داود (٣١٢٦) عن ابن عباس. وضعفه الألباني في المشكاة (١٦٤٣)، الإرواء (٧٠٩).\n(^٣) إكمال المعلم (٦/ ٣٤٥)، ومشارق الأنوار (١/ ٦٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦٣).٥","vol":"6","page":695},{"text":"الهدم شهيد\" وهو الذي ينهدم عليه البناء فيموت به، وفي حديث عقبة بن عامر: \"خمس من قبض في شيء منهن فهو شهيد\" فذكرهم كما سيأتي، وفي حديث جابر بن عتيك: \"الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله\" (^١) قد جاء في حديث آخر في الصحيح: \"من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أجله فهو شهيد\" (^٢) وغير ذلك، فالجواب عنه: أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد والله أعلم، قاله الكرماني (^٣).\nواعلم أن الشهداء على ثلاثة أقسام، أحدها: المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب قتالهم فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا وهو أنه لا يغسل ولا يصلي عليه؛ والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم ومن قتله بطنه [هو تكرار مع المبطون] والغريق والحريق واللديغ والميت بذات الجنب أو محموما ومن قتله مسلم أو ذمي أو باغ وكذا الميت غريبا وطالب العلم إذا مات على طلبه، والمرأة تموت بسبب الولادة ومن عشق فعف فكتم فمات\n_________\n(^١) أبو داود (٣١١١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٤١)، والنسائي في الكبرى (٧٥٢٩)، وابن حبان (٣١٨٩) و(٣١٩٠)، والبيهقي ٤/ ٦٩ - ٧٠، والبغوي في شرح السنة (١٥٣٢).\n(^٢) لم أقف عليه مسندا.\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٨٢ و١/ ١٥١ و٤/ ٦٦ و٥/ ٤٢ و٦/ ١٢٥ و٧/ ١٧٠ و١٠/ ١٧٤ و١١/ ١١ و١١/ ١٠٥ و١٥/ ٩٢ و٢٢٤ و١٦/ ٦٧ و١٧/ ١٢ و١٩/ ١٧١ و٢٠/ ٥٦ و٢١/ ١٩٩).","vol":"6","page":696},{"text":"فهو شهيد ومن قتل دون ماله أو أهله ممن جاءت الأحاديث بتسميته شهيدًا فهذا يغسل ويصلي عليه [وله في الآخرة ثواب، الشهداء] ولا يلزم أن يكون مثل الأول؛ والثالث: من غل في الغنيمة ومن قاتل رياء وسمعة وقتل والمقتول مدبرا أو شبهة ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدا إذا قتل في حرب الكفار فهذا له حكم الشهيد في الدنيا فلا يغسل ولا يصلي عليه وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة (^١)، أ. هـ.\nفائدة: فإن قيل: فما الحكمة في عدم تغسيل الشهداء والصلاة عليهم؟ قلنا: أما عدم التغسيل فلبقاء أثر الشهادة كما جاء في \"دمه لونه لون الدم وريحه ريح المسك\" فوجب أن لا تغير أحوالهم تمييزا لهم وشهادة بما نالوا وامتثالا للأمر، وأما عدم الصلاة فلأنها مرتبة على الغسل فلا تصح على من لم يغسل، وتزال عنه النجاسة من الدماء (^٢) وغيرها دليله السقط الذي لم يستهل وإذا سقطت الطهارة سقطت الصلاة (^٣) وأيضًا فالصلاة على الميت شفاعة له أن يغفر له والشهيد مغفور له أمن من فتنة القبر.\nتنبيه: [.......] رفع الدرجات ونحوها [.......] أ.\nقال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة بتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها، وقد جاء في حديث آخر في الصحيح: \"من قتل دون ماله\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٦٤)، والنجم الوهاج (٣/ ٧١).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٧٣).\n(^٣) شرح الصحيح (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١).","vol":"6","page":697},{"text":"فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد\" قال العلماء: والمراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء وأما في الدنيا فيغسلون ويصلي عليهم (^١) كما تقدم.\n\n٢١٦١ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ دَخَلنَا على عبد الله بن رَوَاحَة نعوده فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَقُلْنَا رَحِمك الله إِن كُنَّا لنحب أَن تَمُوت على غير هَذَا وَإِن كُنَّا لنَرْجُو لَك الشَّهَادَة فَدخل النَّبِي - ﷺ - وَنحن نذْكر هَذَا فَقَالَ وفيم تَعدونَ الشَّهَادَة فأرم الْقَوْم وتحرك عبد الله فَقَالَ أَلا تجيبون رَسُول الله - ﷺ - ثمَّ أَجَابَهُ هُوَ فَقَالَ نعد الشَّهَادَة فِي الْقَتْل فَقَالَ إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل إِن فِي الْقَتْل شَهَادَة وَفِي الطَّاعُون شَهَادَة وَفِي الْبَطن شَهَادَة وَفِي الْغَرق شَهَادَة وَفِي النُّفَسَاء يَقْتُلهَا وَلَدهَا جمعا شَهَادَة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ ورواتهما ثِقَات (^٢).\nأرم الْقَوْم بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم سكتوا وَقيل سكتوا من خوف وَنَحْوه وَقَوله يَقْتُلهَا وَلَدهَا جمعا مُثَلّثَة الْجِيم سَاكنة الْمِيم أَي مَاتَت وَوَلدهَا فِي بَطنهَا يُقَال مَاتَت الْمَرْأَة بِجمع مُثَلّثَة الْجِيم إِذا مَاتَت وَوَلدهَا فِي بَطنهَا وَقيل إِذا مَاتَت عذراء أَيْضا.\nقوله: وعن عبادة بن الصامت، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦٣).\n(^٢) أحمد (١٧٧٩٧)، والطبراني، وهذا لفظه، كما في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه الطبراني وأحمد بنحوه ورجالهما ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٣٨).","vol":"6","page":698},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وفيم تعدون الشهادة؟ فأرم القوم\"، أي: اسكتوا، وقيل: سكتوا من خوف ونحوه، أ. هـ.\nقال القاضي عياض (^١): ورواه بعضهم في غير صحيح مسلم \"فأزم\" بالزاي المفتوحة وتخفيف الميم من الأزم وهو الإمساك وهو صحيح المعنى.\nقوله - ﷺ -: \"إن في القتل شهادة وفي الطاعون شهادة وفي البطن شهادة\" وتقدم تفسير ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"وفي الغرق شهادة\" والغرق بكسر الراء هو الذي ينغمس في الماء فيموت، والغرق بفتحهما هو الرسوب في الماء ذكر في شرح مشارق الأنوار، ووقع في البخاري \"الغريق\" بالياء وكلاهما صحيح يقال لمن غرق غرق فإذا مات غرقا فهو غريق، وقيل: هو الذي غلبه الماء ولم يغرق فإذا غرق غريق منه لحديث \"اللهم إني أعوذ بك من الغرق والحرق\" والغرق بفتح الراء المصدر قاله في النهاية (^٢) ومنه قوله [في الدعاء] \"أدعوك دعاء الغريق\" الذي يخشى الغرق ويتوقعه (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"وفي النفساء يقتلها ولدها جمعا شهادة\" قال المنذري جمعا مثلث الجيم ساكنة الميم وكله صحيح ولم يرجح شيئًا، وقال غيره: ضم الجيم أشهر أي إذا ماتت وولدها في بطنها، وقيل: إذا ماتت عذراء أيضًا أ. هـ قاله المنذري، وقال غيره: قيل هي التي تموت حاملا جامعة ولدها في بطنها،\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).\n(^٢) النهاية (٣/ ٣٦١).\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ١٣٢) ومطالع الأنوار (٥/ ١٤١)، والاقتضاب (١/ ١٥٣).","vol":"6","page":699},{"text":"وقيل: بل من نفاس، وقيل: صغيرة لم تحض، وقيل: هي البكر التي لم تفتض والصحيح الأول، والمعنى أنها ماتت [مع] شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل وبكارة (^١).\n\n٢١٦٢ - وَعَن ربيع الْأنْصَارِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - عَاد ابْن أخي جبر الْأنْصَارِيّ فَجعل أَهله يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم جبر لَا تُؤْذُوا رَسُول الله - ﷺ - بِأَصْوَاتِكُمْ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - دَعْهُنَّ يبْكين مَا دَامَ حَيا فَإِذا وَجب فليسكتن فَقَالَ بَعضهم مَا كُنَّا نرى أَن يكون موتك على فراشك حَتَّى تقتل فِي سَبِيل الله مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أوما الْقَتْل إِلَّا فِي سَبِيل الله إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل إِن الطعْن شَهَادَة والبطن شَهَادَة والطاعون شَهَادَة وَالنُّفَسَاء بِجمع شَهَادَة والحرق شَهَادَة وَالْغَرق شَهَادَة وَذَات الْجنب شَهَادَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\nقَوْله بِجمع تقدم قبله.\nإِذا وَجب أَي إِذا مَاتَ.\nقوله: وعن ربيع الأنصاري - ﵁ -[هو الزرقى قال ابن عبد البر: لَا أقف على نسبه، روى عبد الملك بن عمير (^٣)].\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٩٦).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٤٦٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٠٠)، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) الاستيعاب (٢/ ٤٨٧ ترجمة ٧٥٠)، وأسد الغابة (٢/ ٥٣ ترجمة ١٦٢٠).","vol":"6","page":700},{"text":"قوله: أن رسول الله - ﷺ - عاد ابن أخي جبر الأنصاري.\nجبر بفتح الجيم وبالموحدة الساكنة، وقيل: جابر بن عتيك الأنصاري المدني فقال لهم جبر: لا تؤذوا رسول الله - ﷺ - بأصواتكم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"دعهن يبكين ما دام حيا فإذا وجب فليسكتن\" الحديث، سيأتي الكلام على البكاء في حديث جابر بن عتيك قريبا، وأما الوجوب فهو الموت كذا فسره الحافظ (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إن الطعن شهادة والبطن شهادة والطاعون شهادة والنفساء بجمع شهادة والحرق شهادة والغرق شهادة وذات الجنب شهادة\" تقدم الكلام على تفسير بعض الألفاظ والكلام الآن على الحرق، والحرق هو الذي يموت بحريق النار، والغرق والحرق والشرق ومنه الحديث الآخر: \"شهيد\" بكسر الراء، وفي رواية \"الحريق\" أي: الذي يقع في حرق الناس فيلتهب.\nقوله: \"وصاحب ذات الجنب شهيد\" وهي قرحة تكون في الجنب باطنا، وقال في النهاية (^٢): وذات الجنب هي الديبلة والدمل الكبيرة التي [تظهر] في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل وقلما يسلم صاحبها وذو الجنب الذي يشتكي جنبه بسبب الديبلة إلا أن ذو للمذكر وذات للمؤنث، وصار ذات الجنب علما وإن كانت في الأصل صفة مضافة، أ. هـ.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٧).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤).","vol":"6","page":701},{"text":"٢١٦٣ - وَعَن رَاشد بن حُبَيْش - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - دخل على عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - يعودهُ فِي مَرضه فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أتعلمون من الشَّهِيد من أمتِي فأرم الْقَوْم فَقَالَ عبَادَة ساندوني فَأَسْنَدُوهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله الصابر الْمُحْتَسب فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل الْقَتْل فِي سَبِيل الله ﷿ شَهَادَة والطاعون شَهَادَة وَالْغَرق شَهَادَة والبطن شَهَادَة وَالنُّفَسَاء يجرها وَلَدهَا بسرره إِلَى الْجنَّة قَالَ وَزَاد أَبُو الْعَوام سَادِن بَيت الْمُقَدّس والحرق والسل رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١). وَرَاشِد بن حُبَيْش صَحَابِيّ مَعْرُوف.\nأرم الْقَوْم تقدم.\nوالسادن بِالسِّين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الْخَادِم.\nوالسل بِكَسْر السِّين وَضمّهَا وَتَشْديد اللَّام هُوَ دَاء يحدث فِي الرئة يؤول إِلَى ذَات الْجنب وَقيل زكام أَو سعال طَوِيل مَعَ حمى عَادِية وَقيل غير ذَلِك.\n\n٢١٦٤ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ خمس من قبض فِي شَيْء مِنْهُنَّ فَهُوَ شَهِيد الْمَقْتُول فِي سَبِيل الله شَهِيد والغريق فِي سَبِيل الله شهِيد والمبطون فِي سَبِيل الله شهِيد والمطعون في سَبِيل الله شهِيد وَالنُّفَسَاء فِي سَبِيل الله شَهِيد رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (١٥٩٩٨).\n(^٢) ابن المبارك في الجهاد (١٩٨)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٩٠٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٥٤).","vol":"6","page":702},{"text":"قوله: وعن راشد بن حبيش - ﵁ -، قال الحافظ (^١): راشد بن حبيش صحابي معروف.\nقوله - ﷺ -: \"القتل في سبيل الله ﷿ شهادة والطاعون شهادة\" وتقدم تفسير هذه الألفاظ، والطاعون الموت الكثير، وقيل: هو بتر مؤلم جدًّا يخرج غالبًا في الإباط مع لهيب واسوداد حواليه يخضر ويحصل معه خفقان القلب وورم والقيء في المراق، قال الجوهري: هو الموت من الوباء، والوباء بالمد والقصر قال الخليل هو الطاعون وقال: هو المرض العام فكل طاعون وباء بدون العكس، والوباء الذي وقع بالشام في زمن عمر كان طاعونا وهو طاعون عمواس بفتح المهملة وسيأتي الكلام عليه قاله الكرماني (^٢).\nقوله: \"وسادن بيت المقدس شهيد\" السادن هو الخادم، قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"والسل شهادة\" بضم السين وفتحها، قال المنذري: هو داء يحدث في الرئة يؤل إلى ذات الجنب، وقيل: زكام أو سعال طويل مع حمي هادئة، وقيل: غير ذلك، أ. هـ، وقال غيره: هو مرض يفني البدن ويذيب المريض حتى يجعله نحيفا من غير وجع، أ. هـ.\n\n٢١٦٥ - وَعَن جَابر بن عتِيك - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - جَاءَ يعود عبد الله بن ثَابت - ﵁ - فَوَجَدَهُ قد غلب عَلَيْهِ فصاح بِهِ فَلم يجبهُ فَاسْتَرْجع رَسُول الله - ﷺ - وَقَالَ غلبنا عَلَيْك يَا أَبَا الرّبيع فصاحت النسْوَة وبكين وَجعل ابْن عتِيك\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٢/ ١٥٠).","vol":"6","page":703},{"text":"يسكتهن فَقَالَ لَهُ النَّبِي - ﷺ - دَعْهُنَّ فَإِذا وَجب فَلَا تبكين باكية قَالُوا وَمَا الْوُجُوب يَا رَسُول الله قَالَ إِذا مَاتَ قَالَت ابْنَته وَالله إِنِّي لأرجو أَن تكون شَهِيدا فَإنَّك كنت قد قضيت جهازك فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - إِن الله قد أوقع أجره على قدر نِيَّته وَمَا تَعدونَ الشَّهَادَة قَالُوا الْقَتْل فِي سَبِيل الله فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - الشَّهَادَة سبع سوى الْقَتْل فِي سَبِيل الله المبطون شَهِيد والغريق شَهِيد وَصَاحب ذَات الْجنب شَهِيد والمطعون شَهِيد وَصَاحب الْحَرِيق شَهِيد وَالَّذِي يَمُوت تَحت الْهدم شَهِيد وَالْمَرْأَة تَمُوت بِجمع شَهِيد رَوَاهُ أبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n٢١٦٦ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الطَّاعُون شَهَادَة لكل مُسلم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nقوله: وعن جابر بن عتيك - ﵁ -[هو جابر بن عتيك بن قيس بن الأسود بن مري بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري السلمي، أخو جبر بن عتيك، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - يكنى أبا عبد الله، وقال ابن منده: كنيته أبو الربيع، قال أبو نعيم: وهو وهم، فإنها كنية عبد الله بن ثابت الظفري، وكانت معه راية بني معاوية عام الفتح، روى عنه ابناه: عبد الله وأبو سفيان،\n_________\n(^١) أبو داود (٣١١١)، والنسائي في الكبرى (٧٥٢٩)، وابن ماجه (٢٨٠٣)، وابن حبان (٣١٩٠)، ومالك في الموطأ (٦٢٩)، وأحمد (٢٣٧٥٣)، والطبراني في الكبير (١٧٧٩)، والحاكم (١/ ٣٥١)، والبيهقي (٤/ ٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٧٣٩).\n(^٢) البخاري (٢٨٣٠)، ومسلم (١٩١٦)، وأحمد (١٢٥١٩).","vol":"6","page":704},{"text":"وعتيك بن الحارث بن عتيك (^١)].\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - جاء يعود عبد الله بن ثابت - ﵁ - فوجده قد غُلب عليه فصاح به فلم يجبه فاسترجع رسول الله - ﷺ -، الحديث، أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.\nقوله: فصاحت النسوة وبكين، وجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال له النبي - ﷺ - \"دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية\" الحديث، والوجوب الموت وقد فسر في نفس الحديث.\nقوله: \"فلا تبكين باكية\" البكاء عند المحتضر جائز رحمة له بغير ندب ولا رفع صوت، وأما حديث \"فإذا وجب فلا تبكين باكية\" فمعناه لا تنوح نائحة وليس المراد مع العين، والعرب تطلق بكاء البواكي على النوائح قاله في شرح الإلمام.\nقوله: فإنك كنت قد قضيت جهازك، أي: فرغت من النظر فيه والإعداد له، والجهاز: بفتح الجيم هو اسم الشيء المعد ومنهم من أجاز كسر الجيم ومنهم من منعه والله تعالى أعلم، قال النووي (^٢): قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده ولكن قبل الموت أولى للحديث: \"فإذا وجب فلا تبكين باكية\" قد نص الشافعي ﵀ والأصحاب على أنه يكره البكاء بعد الموت كراهية تنزيه ولا يحرم وتأولوا حديث \"فلا تبكين باكية\" على الكراهة.\n_________\n(^١) أسد الغابة (١/ ٣٠٩ ترجمة ٦٤٩)، وتهذيب الكمال (٤/ ٤٥٤ - ٤٥٥ ترجمة ٨٧٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٨).","vol":"6","page":705},{"text":"قوله - ﷺ -: \"الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله تعالى\" تقدم الكلام على تفسير السبع.\nقوله \"والذي يموت تحت الهدم شهيد\" والهدم بكسر الدال قيدناه أي: الذي مات تحت الهدم بفتح الدال وهو ما يهدم ومثله الحروق، ومن رواه \"وصاحب الهدم\" بالإسكان فهو اسم الفعل قاله عياض (^١).\n\n٢١٦٧ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت سَأَلت رَسُول الله - ﷺ - عَن الطَّاعُون فَقَالَ كَانَ عذَابا يَبْعَثهُ الله على من كَانَ قبلكُمْ فَجعله الله رَحْمَة للْمُؤْمِنين مَا من عبد يكون فِي بلد فَيكون فِيهِ فيمكث لَا يخرج صَابِرًا محتسبا يعلم أَنه لَا يُصِيبهُ إِلَّا مَا كتب الله لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مثل أجر شَهِيد رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها - ﵂ -.\nقوله عائشة: سألت رسول الله - ﷺ - عن الطاعون فقال: \"كان عذابا يبعثه الله على من كان قبلكم فجعله الله رحمة للمؤمنين\" الحديث، وجاء في الأحاديث أنه أرسل على بني إسرائيل أو من كان قبلكم عذابا لهم [قوله] الطاعون رجز على من كان قبلكم، والطاعون: قروح تخرج في المغابن وفي غيرها فلا يلبث صاحبها وتعم غالبا إذا [ظهرت، و\"رجز\": عذاب] (^٣) وتقدم الكلام عليه، وهذا الوصف بكونه عذابا مختص بمن كان قبلنا، وأما هذه\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢٨).\n(^٢) البخاري (٦٦١٩).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٢١)، ومطالع الأنوار (٣/ ٣٧٤).","vol":"6","page":706},{"text":"الأمة فهو لها رحمة وشهادة (^١) وإنما يكون الطاعون شهادة لمن صبر كما بينه في الحديث (^٢)، وفي الأحاديث: منع القدوم على بلد الطاعون ومنع الخروج منه فرارا من ذلك، قال البيضاوي (^٣): وإنما نهى عن الدخول في الوباء لأنه تهور وإقدام على خطر وعن الخروج منه فإنه فرار من القدر وأن لا تضيع المرضى ممن يتعهدهم والموتى ممن يجهزهم واحد الأمرين تأديب وتعليم والآخر تفويض وتسليم (^٤)، أ. هـ، أما الخروج لعارض فلا بأس به (^٥)، قال النووي (^٦): وهذا الذي ذكرناه هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال القاضي عياض ﵀ (^٧): هو قول الأكثرين حتى قالت عائشة - ﵂ -: \"الفار منه كالفار من الزحف\".\n\n٢١٦٨ - وَعَن أبي عسيب - ﵁ - مولى رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَتَانِي جِبْرَائِيل ﵇ بالحمى والطاعون فَأَمْسَكت الْحمى بِالْمَدِينَةِ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠٥).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٤٢٣)، والميسر (٢/ ٣٧٥)، وشرح المشكاة (٤/ ١٣٤٢ - ١٣٤٣)، والكواكب الدراري (٢١/ ١٨).\n(^٤) معالم السنن (١/ ٢٩٩).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠٥).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠٥) يعنى قوله: وفي هذه الأحاديث منع القدوم على بلد الطاعون ومنع الخروج منه فرارا من ذلك أما الخروج لعارض فلا بأس به.\n(^٧) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ١٣٢)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠٥).","vol":"6","page":707},{"text":"وَأرْسلت الطَّاعُون إِلَى الشَّام فالطاعون شَهَادَة لأمتي ورجز على الْكَافِر رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير ورواة أَحْمد ثِقَات مَشْهُورُونَ (^١).\nالرجز الْعَذَاب.\nقوله: وعن أبي عسيب - ﵁ - مولى رسول الله - ﷺ -، أبو عسيب اسمه [أحمر ويقال مرة ووقع في الاستيعاب أحمر بن عسيب له حديثان].\nقوله - ﷺ -: \"أتاني جبرائيل ﵇ بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام\" الحديث، قال أبو الحسن المدائني (^٢): كانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام خمسة، أحدها: طاعون شيرويه بن كسرى بالمدائن في عهد رسول الله - ﷺ - سنة ست من الهجرة، ثانيها: طاعون عمواس وعمواس بفتح العين المهملة والميم في آخره وفي آخره سين مهملة لأنه عم الناس وتواسوا وتساووا فيه (^٣)، وقيل: عم وآسى أي جعل بعض الناس أسوة بعض (^٤)، وعمواس قرية معروفة بين الرملة وبيت المقدس في زمن عمر بن الخطاب كان بالشام (^٥)، وقال الجوهري (^٦):\n_________\n(^١) أحمد (٢٠٧٦٧)، والطبراني في الكبير (٩٧٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٠٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣١٠)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٠).\n(^٢) الأذكار (ص ٢٧٥ - ٢٧٦)، وشرح النووي على مسلم (١/ ١٠٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ١٠٧) وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٥٩).\n(^٤) التذكرة (ص ١١٥٢).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١/ ١٠٧).\n(^٦) الصحاح (٣/ ٩٥٣).","vol":"6","page":708},{"text":"وطاعون عمواس أول طاعون كان في الإسلام بالشام عرف الطاعون بها لأنها منها بدأ (^١)، أ. هـ.\nمات فيه أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح والأمين الفقيه أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل، وقبر أبي عبيدة بغور بيسان، وعليه من الجلالة ما هو اللائق به، وصلى عليه معاذ ونزل في قبره هو وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، وتوفي وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات شهيدا بالطاعون المذكور فإنه شهادة لكل مسلم، وفي الحديث: أن النبي - ﷺ - قال لأبي عبيدة بن الجارح \"هذا أمين هذه الأمة\" تفرد به ابن ماجه (^٢)، قال العلماء: والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة لكن النبي - ﷺ - خص بعضهم بصفات غلبت عليهم وكانوا بها أخص (^٣) وقد ظهر هذا الوصف على أبي عبيدة، وذلك أن عمر - ﵁ - لما قدم الشام تفقد أحوال الناس والأمراء ودخل منازلهم وبحث عنهم، وأراد أن يدخل منزل أبي عبيدة وهو أمير على الشام وقد ترادفت على يديه الفتوحات واجتمعت لديه كنوزها وأموالها فلما كلمه عمر في ذلك قال له يا أمير المؤمنين لئن دخلت منزلي [لتعصرن] عينيك فلما دخل منزله لم يجد فيه شيئا يرد البصر أكثر من سلاحه ورحل\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٠٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٥٩) وقول الشارح تعليقا تفرد به ابن ماجه غير صواب فقد أخرجه البخاري (٣٧٤٤) و(٤٣٨٠) و(٤٣٨٢) و(٧٢٥٥) ومسلم (٥٣ و٥٤ - ٢٤١٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"6","page":709},{"text":"بعيره فبكى عمر وقال: صدق رسول الله - ﷺ -: أنت أمين هذه الأمة (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nقال الإمام أحمد بن حنبل في تاريخه: كان طاعون عمواس في الشام [سنة ثمان عشرة رواه عن أحمد أبو زرعة الرازي (^٢) وقال هشام مات بطاعون عمواس في الشام] ثلاثون ألفا، وقيل: خمسة وعشرون ألفا (^٣)، وقال الإمام أحمد بإسناده عن شهر بن حوشب الأشعري عن رجل من قومه وكان قد شهد طاعون عمواس، قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة خطيبا قال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له حظا منه، قال: فطعن عمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام خطيبا بعده فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم، الحديث، ومات فاستخلف على الناس عمرو بن العاص فقام خطيبا (^٤)؛ ثالثها: طاعون في زمن ابن الزبير في شوال سنة تسع\n_________\n(^١) المفهم (٤٢/ ٢٠).\n(^٢) التذكرة (ص ١١٥٢) وانظر تاريخ أبي زرعة (ص ١٧٨).\n(^٣) البداية والنهاية (٧/ ٩٣).\n(^٤) أخرجه أحمد ١/ ١٩٦ (١٦٩٧) والطبرى في تاريخه (٤/ ٦١ - ٦٢) وفيه: فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام فينا خطيبا فقال أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتجبلوا منه في الجبال قال فقال له أبو واثلة الهذلي كذبت والله لقد صحبت رسول الله - ﷺ - وأنت شر من حماري هذا قال والله ما أرد عليك ما تقول وايم الله لا نقيم عليه، ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا عنه ودفعه الله عنهم قال فبلغ ذلك =","vol":"6","page":710},{"text":"وستين ومات في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفا مات فيه لأنس بن مالك ثلاثة وثمانون ابنا، وقيل: ثلاثة وسبعون ابنا، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابنا؛ رابعها: طاعون الفتيات في شوال سنة سبع وثمانين وسمي طاعون الفتيات لأن بدأ في العذارى بالبصرة وواسط والشام والكوفة ويقال طاعون الأشراف لما مات فيه من الأشراف. خامسها: طاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة في رجب واشتد في شهر رمضان وكان يحصي في سكة المربد في كل يوم ألف جنازة ثم خف في شوال وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين فيه توفي المغيرة بن شعبة هذا آخر كلام المدائني ولم يقع بالمدينة ولا بمكة طاعون قط لأنها عصمت قلنا في الحديث الصحيح أن المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال وأما مكة فلا يدخلها الدجال وأما الطاعون بها فلم يصح فيه حديث يثبته أو ينفيه وقد وقع سنة تسع وأربعين وسبعمائة به وبغيرها من البلاد إلا المدينة كما في الحديث ووقع الطواعين بعد ذلك إلى زماننا هذا يدور في البلاد آخرها سطيرة وهي سنة اثنين وسبعين وسبعمائة.\nقوله - ﷺ -: \"والطاعون شهادة لأمتي ورجز على الكافر\" الرجز العذاب قاله المنذري وقيل الرجز العذاب والإثم والذنب ورجز الشيطان وسواسه قاله ابن الأثير (^١).\n_________\n= عمر بن الخطاب من رأى عمرو فوالله ما كرهه قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل أبان بن صالح جد أبي عبد الرحمن مشكدانة.\n(^١) النهاية (٢/ ٢٠٠).","vol":"6","page":711},{"text":"٢١٦٩ - وَعَن أبي منيب الأحدب - ﵁ - قَالَ خطب معَاذ بِالشَّام فَذكر الطَّاعُون فَقَالَ إِنَّهَا رَحْمَة بكم ودعوة نَبِيكُم وَقبض الصَّالِحين قبلكُمْ اللَّهُمَّ اجْعَل على آل معَاذ نصِيبهم من هَذِه الرَّحْمَة ثمَّ نزل عَن مقَامه ذَلِك فَدخل على عبد الرَّحْمَن بن معَاذ فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (^١). فَقَالَ معَاذ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (^٢). رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٣).\nقوله: وعن أبي المنيب الأحدب، أبو المنيب اسمه [لا يعرف روى عن معاذ وأبي هريرة وابن عمر وعمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وأبي عطاء اليحبوري روى عنه حسان بن عطية وزيد بن واقد ومجاهد بن فرقد الصنعاني وعاصم الأحول وثور بن يزيد وداود بن أبي هند وفرقد السبخي وثقه العجلي وابن حبان].\nقوله: خطب معاذ بن جبل بالشام فذكر الطاعون فقال رحمة ربكم ودعوة نبيكم الحديث تقدم معناه.\n\n٢١٧٠ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول ستهاجرون إِلَى الشَّام فتفتح لكم وَيكون فِيكُم دَاء كالدمل أَو كالخزة يَأْخُذ\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٩٤.\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ١٠٢.\n(^٣) أحمد (٢٢٠٨٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣١١)، رواه أحمد وروى الطبراني بعضه في الكبير، ورجال أحمد ثقات، وسنده متصل.","vol":"6","page":712},{"text":"بمراق الرجل يستشهد الله بِهِ أنفسهم ويزكي بِهِ أَعْمَالهم اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن معَاذًا سَمعه من رَسُول الله - ﷺ - فأعطه هُوَ وَأهل بَيته الْحَظ الأوفر مِنْهُ فَأَصَابَهُمْ الطَّاعُون فَلم يبْق مِنْهُم أحد فطعن فِي أُصْبُعه السبابَة فَكَانَ يَقُول مَا يسرني أَن لي بهَا حمر النعم رَوَاهُ أَحْمد عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد الله عَن معَاذ وَلم يُدْرِكهُ (^١).\nقوله: عن معاذ بن جبل تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"فتهاجرون إلى الشام فيفتح لكم ويكون فيكم داء كالدمل أو كالجرة فأخذ بمراق الرجل يستشهد الله به أرواحهم ويزكي أعمالهم\" الحديث.\nقوله: عن أبي بكر الصديق، قال: كنت مع النبي - ﷺ - في الغار، فقال: \"اللهم طعنا، وطاعونا\". قلت: يا رسول الله، إني أعلم أنك قد سألت منايا أمتك، فهذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: \"ذرب كالدمل، إن طالت بك حياة ستراه\" رواه أبو يعلى الموصلي بسند فيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف (^٢).\nقوله: \"ويكون فيكم داء كالدمل أو كالخزة يأخذ بمراق الرجل\" الطاعون قروح تخرج في الجسد فتكون في المرافق والإباط والأيدي أو الأصابع\n_________\n(^١) أحمد (٢٢٠٨٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣١١)، وإسماعيل بن عبيد لم يدرك معاذا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٦٠).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦٢) والمروزي في مسند أبي بكر (٨٢). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣١٠ - ٣١١: رواه أبو يعلى وفيه جعفر بن الزبير الحنفي وهو ضعيف.","vol":"6","page":713},{"text":"وسائر البدن ويكون معه ورم وألم شديد وتخرج تلك القروح مع لهيب ويسود ما حواليه ويخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقا للقلب والقيء (^١).\nقوله - ﷺ - \"فأخذ بمراق الرجل\" المراق ما بين أصول الأفخاذ والبطون واحدها مرق وهو حيث يسترق الجلد قال ابن قتيبة: المراق أسفل البطن والعامة تخففه وهو مشدد قلت أصلها عند النحويين مرافق فأدغمت الفاء في القاف وهي مفاعل من رق سميت بذلك لأنها موضع رقة الجلد ذكره صاحب العلم المشهور، قال في النهاية (^٢): المراق: ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التي ترق جلودها، واحدها مرق. قاله الهروي. وقال الجوهري: لا واحد لها اهـ.\nقوله: اللهم إن كنت تعلم أن معاذا سمعه من رسول الله ﷺ فأعطه هو وأهل بيته الحظ الأوفر منه فأصابهم الطاعون فلم يبق منهم أحد\".\nتتمة: ورد في الحديث النهي عن تمني لقاء العدو ويقاس عليه تمني الطاعون فيكره ويستحب الدعاء لرفعه والقنوت بسببه وما ورد من تمني معاذ إياه وقوله إنه دعوة نبيكم كما رواه أحمد فجوابه أن تمنيه كان اختياره ومذهبه فلا يورد على مذهب غيره وعلى ما شهدت به القواعد والأحاديث.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠٤).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٥٢).","vol":"6","page":714},{"text":"وأما قوله دعوة نبيكم فإنه - ﷺ - لما دعا ربه تعالى أن لا يجعل بأس أمته بينهم ومنع من ذلك سأل أن يكون قتالهم بالطعن والطاعون فلم يدعو به إلا لذلك.\nوخز الجن فأشبه الطعن من الكفار وقريب من ذلك النهي عن الدخول في الأرض التي فيها الطاعون فإنه سبب في الموت نعم لا يفر منه بل يصبر ويحتسب فإن مات كان شهيدا ويفوز بالحياة وفيه حديث صحيح.\nقوله \"فطعن في أصبعه السبابة فكان يقول ما يسرني أن لي بها حمر النعم\" وحمر النعم بسكون الميم وتقدم الكلام على ذلك في الصدقات وتقدم الكلام أيضا على السبابة لما سميت سبابة في أوائل هذا التعليق المبارك.\nقوله: رواه أحمد عن إسماعيل بن عبيد الله السبيعي عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره توفي سنة ست وعشرين ومائة (^١).\n\n٢١٧١ - وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فنَاء أمتِي بالطعن والطاعون فَقيل يَا رَسُول الله هَذَا الطعْن قد عَرفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُون قَالَ وخز أعدائكم من الْجِنّ وَفِي كل شَهَادَة رَوَاهُ أَحْمد بأسانيد أَحدهَا صَحِيح\n_________\n(^١) كذا هو في المخطوط، وهو خلط فالذي روى عن سبعين .. إلخ هو أبو إسحاق السبيعي كما مر، وأما صاحب الترجمة فهو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، واسمه أقرم القرشي المخزومي، أبو عبد الحميد الدمشقي، مولى بني مخزوم، والد عبد العزيز ويحيى، وكانت داره ظاهر باب الجابية عند طريق القنوات، وكان يؤدب ولد عبد الملك بن مروان، واستعمله عمر بن عبد العزيز على إفريقية من ثقات الشاميين وعلمائهم الكبار، ولكنه لم يدرك معاذًا. انظر تهذيب الكمال (٣/ ١٤٣ - ١٥١ ترجمة ٤٦٥).","vol":"6","page":715},{"text":"وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ (^١).\nالوخز بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا زَاي هُوَ الطعْن.\nقوله: وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"فناء أمتي بالطعن والطاعون\" الطعن القتل بالرماح أراد أن الغالب على فناء الأمة بالفتن التي تسفك فيها الدماء والطاعون المرض العام والوباء مهموز ومقصور وممدود والقصر أفصح وأشهر وقال آخرون الوباء هو كل مرض عام والصحيح هو ما قاله المحققون إنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض دون سائر الجهات ويكون مخالفا للمعتاد من أمراض في الكثرة وغيرها ويكون مرضهم نوعا واحدا يخالف سائر الأوقات فإن أمراضهم فيها مختلفة قالوا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا والوباء الذي وقع بالشام كان طاعونا وهو طاعون عمواس يقال طعن الرجل فهو مطعون وطعنت إذا أصابه الطاعون (^٢).\nقوله: فقيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال وخز أعدائكم من الجن\" قال الحافظ (^٣): الوخز هو الطعن الوخز طعن ليس بنافذ قاله صاحب الغريب ومنه حديث عمرو بن العاص وذكر الطاعون إنما [هو\n_________\n(^١) أحمد (١٩٥٢٨)، وأبو يعلى (٧٢٢٦)، والبزار (٣٠٤٠)، والطبراني في الصغير (٣٥١)، والأوسط (١٤١٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢٣١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠٤).\n(^٣) هو المنذري.","vol":"6","page":716},{"text":"وخز من] الشيطان (^١).\n\n٢١٧٢ - وَعَن أبي بكر بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه - ﵁ - قَالَ ذكر الطَّاعُون عِنْد أبي مُوسَى فَقَالَ سَأَلنَا عَنهُ رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ وخز أعدائكم الْجِنّ وَهُوَ لكم شَهَادَة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: وعن أبي بكر بن أبي موسى [اسمه كنيته، وكان أسن من \"أبي بردة\"، ويقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر قال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود: أبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: أراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة بن أبي موسى، كان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهني قاتل عمار فأجلسه إلى جنبه، وقال: \"مرحبا بأخي\"، وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، ومات في ولاية خالد بن عبد الله (^٣)].\nقوله في حديثه فقال \"وخز أعدائكم الجن وهو لكم شهادة\" تقدم تفسيره.\n\n٢١٧٣ - وَعَن أبي بردة بن قيس أخي أبي مُوسَى - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اللَّهُمَّ اجْعَل فنَاء أمتِي قتلا فِي سَبِيلك بالطعن والطاعون رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٤). وَرَوَاهُ الْحَاكم من حَدِيث أبي مُوسَى\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٦٣).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥٠)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٣) تهذيب الكمال (٣٣/ ترجمة ٧٢٥٦).\n(^٤) أحمد (١٥٦٠٨)، والطبراني في الكبير (٧٩٢)، والحاكم (٢/ ٩٣)، والبخاري في الكنى =","vol":"6","page":717},{"text":"وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد.\nقوله: وعن أبي بردة بن قيس أخي أبي موسى - ﵁ - أبو بردة هذا اسمه عامر بن قيس واسم أخيه عبد الله وكان لأبي موسى ولد يكنى بأبي بردة من علماء التابعين.\nقوله: \"اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك\" الحديث وفي هذا الحديث بيان أن النبي - ﷺ - سأل الشهادة لأمته وقد كان النبي - ﷺ - يرددها ويتمناها لنفسه الشريفة أيضا ففي الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ - \"تضمن الله لمن خرج في سبيله ... \" الحديث (^١) وفي آخر \"والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل\" (^٢) وفي لفظ البخاري \"ولوددت أن أقتل في سبيل الله فقتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت\" (^٣) وذكر القتل أربع مرات ذكره ابن النحاس (^٤).\n\n٢١٧٤ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يخْتَصم الشُّهَدَاء والمتوفون على فرشهم إِلَى رَبنَا فِي الَّذين يتوفون فِي الطَّاعُون فَيَقُول\n_________\n= (٩/ ١٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٠٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣١٢)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٥٨).\n(^١) البخاري (٣٦)، مسلم (١٨٧٦).\n(^٢) مسلم (١٨٧٦).\n(^٣) البخاري (٢٩٧٢).\n(^٤) مشارع العشاق (ص ٦٦٥ - ٦٦٦).","vol":"6","page":718},{"text":"الشُّهَدَاء قتلوا كمَا قتلنَا وَيَقُول المتوفون على فرشهم إِخْوَاننَا مَاتُوا على فرشهم كمَا متْنا فَيَقُول رَبنَا ﵎ انْظُرُوا إِلَى جراحهم فَإِن أشبهت جراح المقتولين فَإِنَّهُم مِنْهُم وَمَعَهُمْ فَإِذا جراحهم قد أشبهت جراحهم رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^١).\nقوله: وعن العرباض بن سارية - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفون في الطاعون\" الاختصام هو المجادلة والاختلاف وتقدم الكلام على الطاعون.\n\n٢١٧٥ - وَعَن عتبَة بن عبد - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ يَأْتِي الشُّهَدَاء والمتوفون بالطاعون فَيَقُول أَصْحَاب الطَّاعُون نَحن شُهَدَاء فَيَقُول انْظُرُوا فَإِن كانَت جراحهم كجراح الشُّهَدَاء تسيل دَمًا كريح الْمسك فهم شُهَدَاء فيجدونهم كَذَلِك رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ فِيهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش رِوَايَته عَن الشاميين مَقْبُولَة وَهَذَا مِنْهَا وَيشْهد لَهُ حَدِيث الْعِرْبَاض قبله (^٢).\nقوله: وعن عتبة بن عبد - ﵁ -[السلمي، كنيته أبو الوليد، له صحبة، عداده\n_________\n(^١) أحمد (١٧١٥٩)، والطبراني في الكبير (٦٢٦)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٠٤٦).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٩٢)، وأحمد (١٧٦٥١).","vol":"6","page":719},{"text":"في أهل حمص، يقال: كان اسمه عتلة، ويقال: نشبة، فسماه النبي - ﷺ - عتبة، شهد عتبة بن عبد خيبر مع رسول الله - ﷺ -،. توفي سنة سبع وثمانين أيام الوليد بن عبد الملك. وهو ابن أربع وتسعين سنة، يعد في الشاميين، روى عنه جماعة من تابعي أهل الشام. منهم: خالد بن معدان، وعبد الرحمن بن عمرو السلمي. وكثير بن مرة، وراشد بن سعد، وأبو عامر الألهاني، وعلي بن رباح (^١)].\nتقدم الكلام على هذا الحديث.\n\n٢١٧٦ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا تفنى أمتِي إِلَّا بالطعن والطاعون قلت يَا رَسُول الله هَذَا الطعْن قد عَرفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُون قَالَ غُدَّة كَغُدَّة الْبَعِير الْمُقِيم بهَا كالشهيد والفار مِنْهُ كالفار من الزَّحْف رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ (^٢).\n\n٢١٧٧ - وَفِي رِوَايَة لأبي يعلى أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ وخزة تصيب أمتِي من أعدائهم من الْجِنّ كَغُدَّة الإِبِل من أَقَامَ عَلَيْهَا كَانَ مرابطا وَمن أُصِيب بِهِ كَانَ شَهِيدا وَمن فر مِنْهُ كَانَ كالفار من الزَّحْف (^٣).\n_________\n(^١) أسد الغابة (٣/ ٤٥٩ ترجمة ٣٥٤٦)، وتهذيب الكمال (١٩/ ترجمة ٣٧٨٠).\n(^٢) أحمد (٢٥١١٨)، وأبو يعلى (٤٤٠٨)، والطبراني في الأوسط (٥٥٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣١٤)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد ثقات، وبقية الأسانيد حسان.\n(^٣) أبو يعلى (٤٦٦٤).","vol":"6","page":720},{"text":"رَوَاهُ الْبَزَّار وَعِنْده قلت يَا رَسُول الله هَذَا الطعْن قد عَرفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُون قَالَ يشبه الدمل يخرج فِي الآباط والمراق وَفِيه تَزْكِيَة أَعْمَالهم وَهُوَ لكل مُسلم شَهَادَة (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - أَسَانِيد الْكل حسان.\nقوله: وعن عائشة - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\nقوله: قلت يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال غدة كغدة البعير تأخذهم في مراقيهم\" أي في بطونهم، \"المقيم بها كالشهيد\" الحديث الغدة طاعون الإبل يقال بعير مغد وقلما تسلم منه الإبل حتى تموت والغدة والغرة في الجسم وغدة في المال قطعة ذكره صاحب المغيث (^٢) والغدة [هي شبه الذبحة] يخرج في الحلق والغدة لحمة تنبت بين الجلد واللحم في البعير قاله عياض (^٣).\n\n٢١٧٨ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول فِي الطَّاعُون الفار مِنْهُ كالفار من الزَّحْف وَمن صَبر فِيهِ كَانَ لَهُ أجر شَهِيد رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن (^٤).\n_________\n(^١) البزار (٣٠٤١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٤٦)، وفيه كغدة الإبل والمراق، والمراق: ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التي ترق جلودها.\n(^٢) المجموع المغيث (٢/ ٥٤١)\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ١٢٩).\n(^٤) أحمد (١٤٧٩٣)، والبزار (٣٠٣٨)، والطبراني في الأوسط (٣١٩٣)، وقال الهيثمي في =","vol":"6","page":721},{"text":"قوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله ﷺ: \"في الطاعون الفار منه كالفار من الزحف\" تقدم الكلام عليه.\n\n٢١٧٩ - وَعَن أبي إِسْحَاق السبيعِي - ﵁ - قَالَ قَالَ سُلَيْمَان بن صرد لخَالِد بن عرفطة أَو خَالِد بن سُلَيْمَان - ﵁ - أما سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من قَتله بَطْنه لم يعذب فِي قَبره فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه نعم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ خَالِد بن عرفطة من غير شكّ (^١).\nعرفطة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَالْفَاء جَمِيعًا بعدهمَا طاء مُهْملَة.\nقوله: وعن أبي إسحاق السبيعي - ﵁ - فلقبه السبيعي واسمه عمرو بن عبد الله والسبيع بطن من همدان القبيلة المشهورة بسكون الميم وبالدال المهملة، قال ابن المديني روى أبو إسحاق السبيعي [عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. قال: وأحصينا مشائخه ثلاثمائة أو أربعمائة شيخ. توفى سنة ست وعشرين ومائة، وقيل سبع وعشرين، وقيل: ثمان وعشرين،\n_________\n= مجمع الزوائد (٢/ ٣١٥)، رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢٧٧).\n(^١) الترمذي (١٠٦٤)، وابن حبان (٢٩٣٣)، والطبراني في الكبير (٤١٠١)، وأحمد (١٨٣١٠)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٨٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٨٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٦١).","vol":"6","page":722},{"text":"وقيل: تسع وعشرين].\nقوله - ﷺ - \"من قتله بطنه لم يعذب في قبره\" الحديث، وفي حديث \"فهو شهيد\" وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - \"من مات مريضا مات شهيدا ووقي فتنة القبر وعدي وريح عليه برزقه من الجنة\" انفرد به ابن ماجه (^١).\nفائدة: قال القرطبي (^٢): الذي ينجي المؤمن من أهوالط القبر وعذابه وفتنته خمسة أشياء أولها البطن بدليل هذا الحديث وهو قوله \"من قتله بطنه لم يعذب في قبره\".\nأولها: القتل في سبيل الله.\nالثاني: الرباط في سبيل الله.\nالثالث: قراءة سورة تبارك الذي بيده الملك فإنها تنجي من عذاب القبر كما رواه الترمذي عن ابن عباس (^٣).\nالخامس: الموت ليلة الجمعة رواه الترمذي عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو قال ثقال رسول الله - ﷺ - \"ما من مسلم\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٦١٥). وضعفه الألباني جدًّا في المشكاة (١٥٩٥)، الضعيفة (٤٦٦١).\n(^٢) التذكرة (ص ٤١٥ - ٤٢٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٨٩٠). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٦١٠١)، المشكاة (٢١٥٤).","vol":"6","page":723},{"text":"يموت ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر\" وخرجه الترمذي الحكيم والحافظ أبو نعيم (^١).\nثم قال: وقوله - ﷺ - \"من مات مريضا\" عام في جميع الأمراض لكن يقيده الحديث الآخر من تقتله بطنه (^٢).\nتتمة: في دعاء يدعى به للطاعون يذكر عن الشيخ سراج الدين البلقيني: اللهم أنى اعوذ بك من الطعن والطاعون والوباء وعظيم البلاء في النفس والأهل والمال والولد الله أكبر الله أكبر الله أكبر مما نخاف ونحذر الله أكبر الله أكبر الله أكبر عدد ذنوبنا حتى تغفر اللهم صل على سيدنا محمد صاحب الكوثر اللهم يا عظيم يا سلطان أمنا في الأوطان حى صمد له كنف وإن حي له صمد كنف وإن حي له صمد كنف باسمك اللهم أسلم يستحب قراءته في كل يوم اهـ.\nوفي قوله: \"من قتله بطنه\" وفيه قولان:\nأحدهما: أنه الذي يصيبه الذرب وهو الإسهال تقول العرب أخذه البطن إذا أصابه الداء وذرب الجرح إذا لم يقبل الدواء وذربت معدته فسدت.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٥٨٢) و(٦٦٤٦) و(٧٠٥٠)، والترمذي (١٠٧٤). وقال الترمذي: وهذا حديث ليس إسناده بمتصل ربيعة بن سيف، إنما يروي عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعا من عبد الله بن عمرو. وحسنه الألباني في حسن، المشكاة (١٣٦٧)، الأحكام (٣٥).\n(^٢) التذكرة (ص ٤٢٤ - ٤٢٥).","vol":"6","page":724},{"text":"الثاني: أنه الاستسقاء وهو أظهر القولين فيه، لأن العرب تنسب موته إلى بطنه تقول قتله بطنه يعنون الداء الذي أصابه في جوفه وصاحب الاستسقاء قل إن يموت إلا بالذرب فكأنه قد جمع الوصفين وغيرهما من الأمراض والوجود شاهد للميت بالبطن إن عقله لا يزال حاضرًا، وذهنه باقيًا إلى حين مكوته ومثل ذلك صاحب السل إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، وليست حالة هؤلاء كحال من يموت فجأة أو من يموت بالسام والبرسام، والحميات المطبقة أو القولنج أو الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الآلام، ولزوم أدمغتهم، ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا فالميت يموت وذهنه حاضر وهو عارف. والله أعلم.\nذكره القرطبي في التذكرة (^١).\n\n٢١٧٩ - م - وَعَن سعيد بن زيد - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون أَهله فَهُوَ شَهِيد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\n\n٢١٨٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٤٢٥).\n(^٢) أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، وابن ماجه (٢٥٨٠)، وأحمد (١٦٥٢)، وابن حبان (٣١٩٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٤٥).","vol":"6","page":725},{"text":"من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\n\n٢١٨١ - وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي وَغَيره قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من أُرِيد مَاله بِغَيْر حق فقاتل فَقتل فَهُوَ شَهِيد (^٢).\nوَفِي رِوَايَة للنسائي من قتل دون مَاله مَظْلُوما فَهُوَ شَهِيد (^٣).\n\n٢١٨٢ - وَعَن سُويد بن مقرن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قتل دون مظلمته فَهُوَ شَهِيد رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٤).\n\n٢١٨٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن جَاءَ رجل يُرِيد أَخذ مَالِي قَالَ فَلَا تعطه مَالك قَالَ أَرَأَيْت إِن قاتلني قَالَ قَاتله قَالَ أَرَأَيْت إِن قتلني قَالَ فَأَنت شَهِيد قَالَ أَرَأَيْت إِن قتلته قَالَ هُوَ فِي النَّار رَوَاهُ مُسلم (^٥).\nوَالنَّسَائِيّ وَلَفظه قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن عدي على مَالِي قَالَ فانشد بِالله قَالَ فَإِن أَبَوا عَليّ قَالَ فانشد بِالله قَالَ فَإِن أَبَوا عَليّ قَالَ فانشد بِالله قَالَ فَإِن أَبَوا عَليّ قَالَ فقاتل فَإِن قتلت فَفِي الْجنَّة وَإِن\n_________\n(^١) البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١)، والترمذي (١٤١٩)، وأبو داود (٤٧٧١)، وأحمد (٦٥٢٢).\n(^٢) الترمذي (١٤٢٠)، وأحمد (٦٨١٦).\n(^٣) النسائي (٧/ ١١٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٤٦).\n(^٤) النسائي (٧/ ١١٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٤٦).\n(^٥) مسلم (١٤٠).","vol":"6","page":726},{"text":"قتلت فَفِي النَّار (^١). والله ﷾ أعلم.\nقوله وعن سعيد بن زيد - ﵄ -[أحد العشرة، ﵃، هو أبو الأعور، وقيل: أبو ثور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح، بالمثناة، ابن عبد الله بن قرط بن رزاح، براء مفتوحة ثم زاى وحاء مهملة، ابن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب القريشي العدوي المكي المدني، أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، وتوفى وهو راض عنهم، وهو ابن ابن عم عمر بن الخطاب، ﵁، وتزوج أخت عمر فاطمة بنت الخطاب، أسلمت هي وزوجها سعيد قبل عمر، وكانا سبب إسلام عمر، ﵃، وأسلم سعيد قديما، وكان من المهاجرين الأولين، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي بن كعب.\nوشهد مع النبي - ﷺ - المشاهد كلها بعد بدر، واختلفوا في شهوده بدرا، فقال الأكثرون: لم يشهدها لعذره، فإنه كان غائبا عن المدينة، وضرب له النبي - ﷺ - بسهمه منها وأجره. وقال جماعة: شهد بدرا. وذكره البخاري في صحيحه فيمن شهد بدرا، وشهد اليرموك، وحصار دمشق، وكان مجاب الدعوة.\nروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عروة، أن سعيد بن زيد خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان، وادعت عليه أنه أخذ شيئا من أرضها، فقال\n_________\n(^١) أحمد (٨٤٧٥).","vol":"6","page":727},{"text":"سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها بعد أن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من أخذ شبرا من أرض ظلما، طوقه إلى سبع أرضين\"، فقال مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، قال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في أرضها، فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينا هي تمشى في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. وفي رواية لمسلم أنها قالت: أصابتنى دعوة سعيد.\nروى له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية وأربعون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث. روى عنه ابن عمر، وعمرو بن حريث، وابن الطفيل الصحابيون، ﵃، وجماعات من التابعين. توفى بالعقيق، وقيل: بالمدينة سنة خمسين أو إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وغسله ابن عمر، وقيل: سعد بن أبي وقاص، وصلى عليه ابن عمر، ونزل في قبره سعد، وابن عمر، ﵃ أجمعين (^١)].\nقوله: \"من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد\" الحديث.\nقوله - ﷺ - \"من قتل دون ماله فهو شهيد\" يعني عند ماله وقال الفراء دون تكون بمعنى عند وأما أحكام الحديث فذهب عامة العلماء إلى أن الرجل إذا أريد ماله فله دفع القاصد بالأحسن فإن لم يمتنع إلا بالقتل فقتله فدمه هدر ففي هذا الحديث جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء أكان المال\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٧ - ٢١٨ ترجمة ٢٠٩).","vol":"6","page":728},{"text":"قليلا أو كثيرا لعموم الحديث وهذا قول جماهير العلماء وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئا يسيرا كالثوب والطعام، قال النووي (^١): وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير وحينئذ فيكون دمه هدرا لتعريضه نفسه لذلك وكذلك من منع من الماء عطشان وهو مستغن عنه وللمسألة نظائر وإذا جاز ذلك في الآدمي ففي القاتل من الحيوانات بالأحق والأولى ولا فرق بين المملوك منها وغيره ولا يلزمه شيء وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف في مذهب الشافعي ﵀ ومذهب غيره والمدافعة عن المال جائزة غير واجبة.\nقوله في حديث أبو هريرة قال جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال فلا تعطه مالك الحديث فمعناه لا يلزمك أن تعطيه وليس المراد تحريم الإعطاء قال ابن المنذر (^٢): ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه قال \"من قتل دون ماله فهو شهيد\" وقد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أموالهم وأنفسهم هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان قال أبو [بكر] وبهذا يقول عوام أهل العلم إن للرجل أن يقاتل عن نفسه إذا لم ير ظلما للأخبار التي جاءت عن رسول الله\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٦٥).\n(^٢) الأشراف (٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨).","vol":"6","page":729},{"text":"- ﷺ - أن يقاتل عن نفسه وماله لم يخص وقتا من وقت ولا حالا دون حال إلا السلطان فإن جماعة أهل الحديث كالمجمعين على من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج عن السلطان ومحاربته أن لا يحاربه ولا يخرج عليه للأخبار الدالة عن رسول الله - ﷺ - بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم والله أعلم ذكره القرطبي في القرطبي (^١).\nوقال البغوي (^٢): وذهب بعض العلماء على أن الرجل إذا أريد ماله أو دمه أو أهله فله دفع القاصد ومقاتلته وينبغي أن يدفع بالأحسن فالأحسن فإن لم يمتنع إلا بالمقاتلة فقتله فأتى القتل على نفسه فدمه هدر ولا شيء على الدافع وكره قوم أن يقاتل عن نفسه وتمسكوا بأحاديث في ترك القتال في الفتن وليس هذا من ذاك في شيء إنما هذا في قتال اللصوص ونحوهم وذاك في القتال على الملك فهناك يستسلم والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nوقوله - ﷺ -: في القاتل إذا قتل فهو في النار فمعناه أنه يستحق ذلك وقد يجازى وقد يعفى عنه إلا أن يكون مستحلا لذلك بغير تأويل فإنه يكفر ولا يعفى عنه والله أعلم ذكره النووي (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) التذكرة (ص ١١٣٨).\n(^٢) شرح السنة للبغوي (١٠/ ٣٧٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨٣).","vol":"6","page":730},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>كتاب قراءة القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>الترغيب في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وفضل تعلمه وتعليمه والترغيب في سجود التلاوة</span>\n٢١٨٤ - عن عثمان بن عفان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ\". رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائيُّ، وابن ماجه، وغيرهم (^١).\nقوله: عن عثمان بن عفان - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" الحديث، وفي الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا هريرة، علم الناس القرآن وتعلمه، فإنك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، وعلم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجعة فلا تحدث في دين الله حديثا برأيك\" (^٢)\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٢٧)، وأبو داود (١٤٥٢)، والترمذي (٢٩٠٧)، والنسائي (٨٠٣٩)، وابن ماجه في المقدمة (٢١١)، وأحمد (٤١٢)، وابن الضريس في فضائل القرآن (١٣٣)، وابن حبان (١١٨)، والدارمي (٣٣٨١)، والطيالسي (٧٣)، وعبد الرزاق (٥٩٩٥)، وعلي بن الجعد (٤٨٩)، والبزار (٣٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٢٠٥).\n(^٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧) والسلفي في الأربعين البلدانية (ص ١٥٦) ومعجم السفر (١٢٣١)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٦٤). =","vol":"7","page":5},{"text":"قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١): قال علماؤنا تعليم القرآن من أفضل الأعمال لأن فيه إعانة على الدين فهو كتلقين الكافر الشهادة ليسلم ومن استحقر معلما لأجل تعليمه خيف عليه يعني من سوء الخاتمة وقد بعث الله جبريل ﵊ ليعلم النبي - ﷺ - وقال سبحانه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ (^٢) وما تعلمه أول ما تعلمه من الأمة إلا من النبي - ﷺ - وفي الخبر عن حذيفة مرفوعا عن النبي - ﷺ - قال النبي - ﷺ - \"قال إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب الحمد لله رب العالمين فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة\" (^٣) ذكر الشيخ أبو عبد الله في تفسيره (^٤) حديثا قال: خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال\n_________\n= هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وقد غطى بعض الرواة عواره بأن قال حدثنا أبو همام القرشي وهذا عندي من أعظم الخطأ أن يهرج بكذاب. واسمه محمد بن مجيب، قال يحيى بن معين: كذاب عدو الله. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٦٥). وقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث.\n(^١) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٣٥).\n(^٢) سورة النجم، الآية: ٥.\n(^٣) أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان عن تفسير القرآن (١/ ٩٠). قال الشربيني الشافعي في السراج المنير (١/ ١٤)، والمناوي في الفتح السماوي (١/ ١١٩)، والسيوطي في نواهد الأبكار (١/ ٢٥٢)، والعجلوني في كشف الخفاء (١/ ٢٥١): موضوع.\n(^٤) تفسير القرطبي (١/ ٣٣٦).","vol":"7","page":6},{"text":"الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار (^١). قاله في المدخل (^٢).\nوعن أبي بن كعب قال: علمت رجلا القرآن فأهدى إلي قوسا فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \"إن أخذتها أخذت قوسا من نار\" فرددتها. انفرد به ابن ماجه (^٣) والرجل الذي أقرأه السورة أو قال القرآن هو [الطفيل] ابن عمرو الدوسي كذا في الأطراف (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزي في التحقيق من طريق ابن مردويه (١٥٧٨) عن ابن عباس. قال ابن الجوزي: وهذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به لأنه من عمل أحمد بن عبد الله الهروي وهو الجويباري وكان كذابا يضع الحديث أجمع أهل النقل على ذلك احتجوا بحديثين.\nوقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٤/ ١٨٧): هذا الحديث موضوع، وقد سقط بين هشام وابن أبي مليكة رجل، أما ابن جريج أو غيره. وقال الذهبي في التنقيح (٢/ ١٣١): موضوع.\n(^٢) المدخل (٢/ ٣٠٨).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢١٥٨). وصححه الألباني في الإرواء (١٤٩٣).\n(^٤) تحفة الأشراف (١/ ٣٥). وجاء ذكره في حديث أبي السالف من رواية الطفيل بن عمرو عند حنبل في جزئه (٤٥) والطبراني في الأوسط (١/ ١٣٩ رقم ٤٣٩)، والبغوى في معجم الصحابة (١٣٧٠).\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن الطفيل بن عمرو إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسماعيل بن عياش.\nقال أبو القاسم البغوي: والذي روى عنه إسماعيل بن عياش هذا الحديث عبد ربه واسمه ابن زيتون أحسبه من أهل حمص ولم يسمع من الطفيل بن عمرو وهو حديث غريب وللطفيل بن عمرو رواية عن النبي - ﷺ - غير هذا، ويقال: إن الطفيل قتل يوم اليمامة. =","vol":"7","page":7},{"text":"وقال الخطابي (^١) في حديث القوس: اختلف الناس في معنى هذا الحديث وتأويله فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره ورأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح [قال في] التبيان: [وروينا عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله: خيركم، من تعلم القرآن وعلمه\" وفي رواية \"خياركم\" رواه البخاري وقال الترمذي بعد روايته: قال أبو عبد الرحمن: \"فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، وعلم القرآن في زمن عثمان حتى بلغ الحجاج بن يوسف\" وأبو عبد الرحمن السلمي اسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة بالتصغير الكوفي القارئ روى عن جماعة من الصحابة كان يقرئ القرآن بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج بن يوسف، قال أبو إسحاق السبيعي أقرأ أبو عبد الرحمن السلمي القرآن في الكوفة أربعين سنة وصام ثمانين رمضانا وكان ضريرا مقرئا كوفي تابعي ثقة، قال عبد الباقي بن قانع مات سنة خمس ومائة وهو ابن تسعين سنة اهـ قاله في الديباجة (^٢).\nففي هذا الحديث تنبيه على فضيلة تعلم القرآن وتعليمه.\nتنبيه: اختلف العلماء في أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه (^٣) فمنع\n_________\n= قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٩٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن سليمان بن عمير، ولم أجد من ترجمه، ولا أظنه أدرك الطفيل.\n(^١) معالم السنن (٣/ ٩٩).\n(^٢) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه (ص ١٠٧ - ١١١/ رسالة علمية).\n(^٣) الألباني ذكر في الصحيحة حديثين في هذا الموضوع وهما حديث: من أخذ على تعليم القرآن قوسًا، قلده الله قوسًا من نار يوم القيامة. وحديث عبادة بن الصامت قال: علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوسًا فقلت ليست بمال =","vol":"7","page":8},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأرمي عنها في سبيل الله ﷿ لآتين رسول الله - ﷺ - فلأسألنه فأتيته فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسًا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله، قال: إذ كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها. وذكر أحاديث شواهد لهذا المعنى يعضد بعضها بعضًا فأفادت عنده الثبوت وكان يفتي بحرمة الأجرة على تعليم القرآن محتجًا بهذه الأحاديث وبأن الأصل في العبادات أن تكون خالصة، ولكنه عارضه أهل العلم بما يفيد من النصوص إباحة أخذ العوض مقابل تعليم القرآن، والمسألة مختلف فيها عند أهل العلم على أقوال:\nفذهبت طائفة من العلماء إلى منعه مطلقًا وقصر حديث الإباحة على الرقية أو الدواء وهذا هو مذهب الحنفية وهو معتمد مذهب الحنابلة، وذهبت طائفة أخرى إلى التفصيل فقالت: لا تجوز الإجارة على تعليم القرآن ولا على الأذان، ولا يقع ذلك إلا قربة لفاعله، ولكن يجوز أخذ رزق من بيت المال، أو من الوقف على عمل يتعدى نفعه، كتعليم القرآن ونحوه، لأنه من المصالح التي تفيد المسلمين، وليس المأخوذ بعوض، بل هو رزق للإعانة على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة، ولا يقدح في الإخلاص وإلا لما استحقت الغنائم، وأسلاب القتلى وبعضهم يقول بجوازه من غير اشتراط وعدمه إن اشترط وفرق قوم بين من تعين عليه ومن لم يتعين عليه وعن بعضهم أنه يباح للمحتاج دون غيره.\nوهناك طائفة ثالثة تقول: بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم، لأنه استئجار على عمل معلوم بعوض معلوم وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية والظاهرية وهو رواية عن أحمد وبه يفتي متأخرو الحنفية، وهذا المذهب الأخير هو الأرجح عند كثير من المحققين ولا سيما عند الحاجة والتفرغ.\nوقال الإمام النووي في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف العلماء فيه فحكى الإمام أبو سليمان الخطابي منع أخذ الأجرة عليه من جماعة من العلماء منهم الزهري وأبو حنيفة وعن جماعة أنه يجوز إن لم يشترطه وهو قول الحسن البصري والشعبي وابن سيرين وذهب عطاء ومالك والشافعي وآخرون إلى=","vol":"7","page":9},{"text":"من ذلك الزهري وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهوية وقالوا لا يجوز أخذ الأجرة على ذلك لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجر كالصلاة والصيام (^١) واحتجوا من الأثر بما روي عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - \"معلموا صبيانكم شرارهم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين\" (^٢) واحتجوا بالحديث المتقدم ولأن النبي - ﷺ - قال \"بلغوا عني ولو آية\" (^٣) فأوجب على\n_________\n= جوازها إن شارطه واستأجره إجارة صحيحة وقد جاء بالجواز الأحاديث الصحيحة واحتج من منعها بحديث عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفة القرآن فأهدى له قوسا فقال: له النبي إن سرك أن تطوق بها طوقًا من نار فاقبلها وهو حديث مشهور رواه أبو داود وغيره وبآثار كثيرة عن السلف وأجاب المجوزون عن حديث عبادة بجوابين أحدهما أن في إسناده مقالًا والثاني أنه كان تبرع بتعليمه فلم يستحق شيئًا ثم أهدي إليه على سبيل العوض فلم يجز له الأخذ بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم. والله أعلم. انتهى.\n(^١) معالم السنن (٣/ ٩٩)، والمفهم (١٨/ ٦٩) والتذكار (ص ١١٤).\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (٤/ ٥٠٧)، والجورقانى في الأباطيل والمناكير (٧٢٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣). قال ابن عدى: وهذا حديث منكر موضوع وقد اتفق في هذا الحديث ثلاثة من الضعفاء فرووه عبيد بن إسحاق الكوفي العطار يلقب عطار المطلقات ضعيف وسيف بن عمر الضبي كوفي وسعد الإسكاف كوفي ضعيف، وهو أضعف الجماعة فأرى والله أعلم أن البلاء من جهته.\nقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع بلا شك، وفيه جماعة مجروحون، وأشدهم في ذلك سيف وسعد فكلاهما متهم بوضع الحديث.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٦١) عن عبد الله بن عمرو.","vol":"7","page":10},{"text":"أمته التبليغ كما أوجب الله عليه التبليغ فكما لم يجز للنبي - ﷺ - أخذ الأجرة فكذلك لا يجوز لأمته (^١) والله أعلم.\nوأفتى بعض مشايخ الحنفية المتأخرين بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن (^٢) وأجازها مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء - ﵃ - لقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس حديث الرقية \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ﷿\" خرجه البخاري (^٣) وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه واحتجوا أيضا بحديث سهل بن سعد أن النبي - ﷺ - قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهرا \"زوجتكها بما معك من القرآن\" (^٤)، وتأولوا حديث القوس على أنه كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعلم أي طلب عوض ونفع فحذره النبي - ﷺ - إبطال أجره وتوعده عليه ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزا، وقال بعض أهل العلم أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات: فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم أخذ الأجرة عليه لأن فرض ذلك لا يتعين عليه وإن كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة وعلى هذا\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣١٧).\n(^٢) انظر المحيط البرهاني (٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩) و(٧/ ٤٧٩) وتبيين الحقائق (٥/ ١٢٤) والغرة المنيفة (ص ١١٨)، والعناية (٩/ ٩٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٧٣٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٢٩) و(٥١٣٢)، ومسلم (٧٧ - ١٤٢٥).","vol":"7","page":11},{"text":"يتأول اختلاف اللأخبار فيه (^١) اهـ.\nولأنه لو لم يجز ذلك في زماننا [لهجر] الكتاب من [معظم] المسلمين، وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في مقابلة النص، ثم إن بينهما فرقا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالعامل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولة النقل كتعليم كتابة القرآن قال ابن المنذر (^٢) وأبو حنيفة: يكره تعليم القرآن بالأجرة ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم فيجوز الأجرة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة (^٣).\nفائدة: قال الإمام القرطبي: وإنما استنقص الناس المعلمين لمعنيين أحدهما أنهم يقصرون زمانهم على معاشرة الصبيان الذين لا عقول لهم فيؤثر ذلك على تطاول الأيام في عقولهم كما يزاد عقل من عاشر\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ٩٩ - ١٠٠)، والتذكار (١/ ١١٤) والمفهم (١٨/ ٧٠)، والتبيان (ص ٥٨ - ٥٧)، وشرح النووي على مسلم (٩/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(^٢) كذا في التذكار (ص ١١٤ - ١١٥) والذى في الإشراف جوازه قال ابن المنذر في الإشراف (٦/ ٢٩٤): القول الأول أصح، لأن النبي - ﷺ - لما أجاز أن يأخذ الرجل على تعليم القرآن عوضًا في باب النكاح، ويقوم ذلك مقام المهر: جاز أن يأخذ المعلم على تعليم القرآن الأجر، والنعمان يجيز أن يستأجر الرجل الرجل على أن يكتب له نوْحًا، أو شعرًا، أو غناء معلومًا، بأجر معلوم، فيجيز الإجارة على ما هو معصية، ويبطلها فيما هو طاعة لله، ومما قد دلت السنة على إجازته.\n(^٣) التذكار (ص ١١٤ - ١١٥)، والمفهم (١٨/ ٧٠).","vol":"7","page":12},{"text":"الحكماء والوجه الآخر: ما يجري منهم من الأطماع الكاذبة وأخذ الأشياء من الصبيان فلم يوقروا الوجود الشره منهم والله أعلم ذكر ذلك كله القرطبي في كتاب التذكار (^١).\n\n٢١٨٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَرَأَ حرفا من كتاب الله فَلهُ بِهِ حَسَنَة والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا لَا أَقُول الم حرف وَلَكِن ألف حرف وَلَام حرف وَمِيم حرف رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صحِيح غَرِيب (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف\" الحديث قال الإمام القرطبي: وأنبأنا ابن رواح عن الحافظ السلفي فذكره إلى أن قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: من قرأ القرآن زوجه الله ﷿ بكل حرف زوجتين من الحور العين وليس الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف (^٣)، وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - \"من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت\" (^٤).\n_________\n(^١) التذكار (ص ١١١).\n(^٢) الترمذي (٢٩١٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٦٩).\n(^٣) التذكار (ص ١٠١ - ١٠٢).\n(^٤) أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (١١٥٠) وابن عدي في الكامل (٤/ ٨٣)، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن (١١٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥٥). =","vol":"7","page":13},{"text":"فائدة: أسند أبو بكر محمد الأنباري قال حدثنا فذكره إلى أن قال عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - \"من قرأ القرآن فلم يعربه وكل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات فإن أعرب بعضه وكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه وكل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة\" (^١)، وخرج ابن شاهين أبو حفص عمر قال حدثنا عبد الله بن عثمان فذكره إلى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله - ﷺ - \"من قرأ القرآن على أي حال قرأه فله بكل حرف عشر حسنات فإن أعرب بعضه ولحن بعضه كتب له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه كتب له بكل حرف أربعون حسنة\" (^٢) ذكره القرطبي في كتابه التذكار في فضائل القرآن. (^٣).\nسؤال: ما الحكمة من إنزال القرآن متفرقا؟ قيل لوجوه:\n_________\n= قال ابن عدي: لا يرويه عن رشدين وقال يحيى رشدين ليس بشيء وقال النسائي متروك وكاتب الليث ليس بثقة. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٧١).\n(^١) أخرجه ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء (١٠)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٦٠) والرازي في فضائل القرآن (١١٠). قال الذهبي في الميزان (٥/ ٢٥٧): قال ابن معين: أبو الطب الحربي سمع من معمر، كذاب خبيث. وروى عباس، عن ابن معين قال: كان أبو الطيب من الأبناء، وكان في الحديث كذابًا. وقال الألباني في الضعيفة (٦٥٨٤): موضوع.\n(^٢) أخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٢٠٣) والبيهقي في الشعب (٣/ ٥٤٩ رقم ٢٠٩٧). وفيه أبو عصمة نوح بن أبي مريم كذبوه متهم بالوضع.\n(^٣) التذكار (ص ١٠٦).","vol":"7","page":14},{"text":"أحدها: تفضيلا لنبيه - ﷺ - أراد أن تكون الرسالة بينه وبين متصلة في كل وقت ويكون الحبيب على علم منه في كل ساعة.\nوالثاني: لو أنزله مرة لم يقدر على حفظه ألم تر إلى قوله ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ (^١).\nالثالث: فيه الناسخ والمنسوخ فلو أنزله دفعة واحدة لكان الناسخ والمنسوخ في دفعة واحدة وهو لا يجوز لفوات فائدة النسخ ومراعاة المصالح بحسب الأزمنة المتعاقبة.\nالرابعة: لو أنزله مرة واحدة لثقل عليه استعمال ما فيه من التكاليف كما ثقل على قوم موسى فأراد أن يكون عليهم يسيرا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٢).\nالخامس: أراد أن يكون معجزة للنبي - ﷺ - في أخبار الكوائن فكلما أرادوا شيئا نزل جبريل ﵇ ببيانه فأخبر عما يكون فكان كما أخبر.\nالسادس: من قضاء الحوائج وإجابة المسائل فكلما سئلوا منه شيئا نزل جبريل بإجابة سؤالهم ليرتفع مرادهم وأيضا لا يقنطوا من حياة النبي - ﷺ - ويعلموا أنه باق ما لم يتم القرآن.\nوالسابع: أنزله متفرقا لئلا يستوحش النبي - ﷺ - وهذا معنى قوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ\n_________\n(^١) سورة القيامة، الآية: ١٧.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.","vol":"7","page":15},{"text":"فُؤَادَكَ﴾ (^١) ويكون أنسا له في كل ساعة. ذكره في كتاب كشف الأسرار (^٢).\nسؤال آخر: فإن قيل لم أنزل القرآن ليلا؟ قيل لوجوه:\nأحدها: أن أكثر الكرامات تنزل باليل.\nوأيضا: الأحباء يتناجون ليلا.\nوأيضا: ليكون أهيب على قلوب سامعه.\nوأيضا: ليكون أحفظ للقلوب لأن القلب بالليل أفرغ.\nوأيضا: أهل الليل يتلذذون بالمناجاة ما لا يتلذذون بالنهار.\nذكره أيضا في كشف الأسرار (^٣).\n\n٢١٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَينهم إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٣٢.\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ١١).\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ١١).\n(^٤) مسلم (٢٦٩٩)، وأبو داود (١٤٥٥)، وابن ماجه في المقدمة (٢٢٥)، وأحمد (٧٤٢٧)، والترمذي (٢٩٤٥).","vol":"7","page":16},{"text":"فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده\" الحديث.\nقوله \"إلا نزلت عليهم السكينة\" والسكينة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^١) قيل إنه حيوان له وجه كوجه الإنسان مجتمع وسائرها خلق رقيق كالريح والهواء (^٢) وقيل هي صورة كالهرة كانت معهما في جيوشهم فإذا ظهرت انهزم أعدأئهم (^٣).\nوقيل ما كانوا يسكنون إليه من [الآيات] التي أعطيها موسى ﵇ (^٤)، وقيل روح من الله تعالى يكلمهم ويبين لهم ما اختلفوا فيه (^٥)، وقيل الرحمة (^٦) وقيل الوقار والطمأنينة (^٧).\nقوله \"وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة\" أي أطافوا بهم واستداروا\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٤٨.\n(^٢) يروى عن علي بن أبي طالب تفسير الطبري (٤/ ٤٦٧ و٤٦٨) وابن أبي حاتم (٢٤٧٤).\n(^٣) يروى في وجه عن ابن عباس تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٧٥) ووهب بن منبه (٤/ ٤٦٩).\nوفي وجه ثان لابن عباس والسدى قال: طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء تفسير الطبري (٤/ ٤٧٠).\n(^٤) قاله عطاء كما في تفسير الطبري (٤/ ٤٧١)، والحسن كما تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٨٠).\n(^٥) قاله وهب بن منبه كما في تفسير الطبري (٤/ ٤٧٠ - ٤٧١)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٤٧٩).\n(^٦) قاله ابن عباس كما في تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٨١)، والربيع كما في تفسير الطبري (٤/ ٤٧١).\n(^٧) قاله قتادة كما في تفسير الطبري (٤/ ٤٧١). وانظر لهذه الأقوال المجموع المغيث (٢/ ١٠٨).","vol":"7","page":17},{"text":"حولهم قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (^١) الآية (^٢) واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لدراسة القرآن في الجملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع على الذكر والقرآن أفضل أنواع الذكر، وقد أخبر النبي - ﷺ - عن الذين يجلسون في بيت الله يتدارسون كتاب الله أربعة أشياء [أحدها: تنزل السكينة عليهم] (^٣).\nقوله: \"تتنزل عليهم السكينة\" وفيها أحاديث كثيرة وحديث أسيد بن حضير (^٤) وفي حديث \"فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت عنهم\" (^٥). والثاني: غشيان\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٧٥.\n(^٢) كشف المناهج (٢/ ٢٦٥).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣ و٣٠٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠١٨)، ومسلم (٢٤٢ - ٧٩٦) عن أسيد بن حضير، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرش فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها، فأشفق أن تصيبه فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء، حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي - ﷺ - فقال: اقر أيا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: \"وتدري ما ذاك؟ \"، قال: لا، قال: \"تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم\".\n(^٥) أخرجه ابن المبارك الزهد (٩٤٣) عن سعد بن مسعود أن رسول الله - ﷺ - كان في مجلس، فرفع نظره إلى السماء، ثم طأطأ نظره، ثم رفعه، فسئل رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: \"إن =","vol":"7","page":18},{"text":"الملائكة. والثالث: أن الملائكة تحف بهم. والرابع: أن الله تعالى يذكرهم عنده وهذه الخصال الأربع لكل المجتمعين على ذكر الله تعالى كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد كلاهما عن رسول الله - ﷺ - قال \"إن لأهل ذكر الله أربعا تتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحف بهم الملائكة ويذكرهم الرب فيمن عنده\" (^١) وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (^٢) وذكر الله تعالى لعبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين الملائكة لمباهاته بهم وتنويهه بذكره ذكره ابن رجب الحنبلي (^٣).\n\n٢١٨٧ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - وَنحن فِي الصّفة فَقَالَ أَيّكُم يحب أَن يَغْدُو كل يَوْم إِلَى بطحان أَو إِلَى العقيق فَيَأْتِي مِنْهُ بناقتين كوماوين فِي غير إِثْم وَلَا قطيعة رحم فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كلنا نحب ذَلِك قَالَ أَفلا يَغْدُو أحدكُم إِلَى الْمَسْجِد فيتعلم أَو فَيقْرَأ آيَتَيْنِ من كتاب الله ﷿ خير لَهُ من ناقتين وَثَلَاث وَأَرْبع خير لَهُ من أَربع وَمن أعدادهن من الْإِبِلِ رَوَاهُ مُسلم.\nوَأَبُو دَاوُد وَعِنْده كوماوين زهراوين بِغَيْر إِثْم لله ﷿ وَلَا قطيعة رحم\n_________\n= هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى - يعني أهل مجلس أمامه - فنزلت عليهم السكينة ... \" وهو مرسل.\n(^١) أخرجه مسلم (٣٩ - ٢٧٠٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣ و٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"7","page":19},{"text":"قَالُوا كلنا يَا رَسُول الله قَالَ فَلِأَن يَغْدُو أحدكُم كل يَوْم إِلَى الْمَسْجِد فَيعلم آيَتيْنِ من كتاب الله خير لَهُ من ناقتين وَإِن ثَلَاث فَثَلَاث مثل أعدادهن من الإبل (^١).\nبطحان بِضَم الْبَاء وَسُكُون الطَّاء مَوضِع بِالْمَدِينَةِ.\nوالكوماء بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْوَاو وبالمد هِيَ النَّاقة الْعَظِيمَة السنام.\nقوله: وعن عقبة بن عامر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن في الصفة\" قال النووي (^٢): أهل الصفة هم زهاد من الصحابة فقراء غرباء كانوا - ﵃ - يأوون إلى مسجد النبي - ﷺ - وكانت لهم في آخره صفة وهي مكان منقطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه وكانوا يقلون تارة ويكثرون أخرى ففي وقت كانوا سبعين وفي وقت غير ذلك يتزيدون بمن ولد بينهم وينقصون بمن يموت ويسافر ويتزوج وقيل سموا بأصحاب الصفة لأنهم كانوا يصفون على باب المسجد لأنهم غرباء لا مأوى لهم قاله الكرماني (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم\" الحديث، قال الحافظ ﵀ (^٤): بطحاء بضم الباء وسكون الطاء وبالحاء المهملة هكذا عند أكثر الرواة في\n_________\n(^١) مسلم (٨٠٣)، وأبو داود (١٤٥٦)، وأحمد (١٧٤٠٨)، والطبراني في الكبير (٧٩٩)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٤٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤٧).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤/ ٢٣٧).\n(^٤) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٥٧٣).","vol":"7","page":20},{"text":"رواياتهم وتقييدهم ورواه الحافظ أبو موسى بفتح الباء وعن أهل اللغة أنه بفتح الباء وكسر الطاء ولم يجيزوا غير هذا وكذا نقله صاحب البارع وأبو عبيد والبكري وهو اسم واد بالمدينة (^١)، سمي بذلك لسعته وانبساطه من البطح وهو البسط (^٢) قاله الكرماني (^٣).\nوفيه دليل على أنه لا تكره الصلاة في سائر الأودية سوى الوادي الذي نام فيه رسول الله - ﷺ - هو والصحابة وهو الأصح في الروضة (^٤) أ. هـ.\nقوله: \"أو إلى العقيق\" والعقيق بفتح العين المهملة وبقافين الأولى مكسورة وبينهما ياء آخر الحروف والمراد به العقيق الأصغر وهو واد على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: على ميلين عليه أموال أهلها (^٥)، وقال في النهاية (^٦): هو واد من أودية المدينة مسيل للماء وهو الذي ورد ذكره أنه واد بالمدينة مبارك، أ. هـ.\nوفيه بئر رومة وإنما خصصها بالذكر لأنها أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة (^٧).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٣٢).\n(^٢) شرح المشكاة (٥/ ١٦٣٤) للطيبي.\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤/ ٢١٠).\n(^٤) المجموع (٣/ ١٦٢)، والروضة (١/ ٢٧٨).\n(^٥) مطالع الأنوار (٥/ ٦٥) والميسر (٢/ ٤٨٦).\n(^٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٧٨)\n(^٧) الميسر (٢/ ٤٨٦) وشرح المصابيح (٣/ ٨).","vol":"7","page":21},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين\" والكوماء بفتح الكاف وسكون الواو وبالمد هي الناقة العظيمة السنام المشرفة قاله الحافظ، وقال غيره: والكوماء الناقة العظيمة السنام المشرفة أيقال ناقة كوماء أي طويلة السنام، وإنما ضرب المثل بها لأنها خيار مال العرب وأحبها إليهم (^١).\nوقوله: \"في غير إثم ولا قطيعة رحم\" معناه: في غير ما يوجب إثما كغصب وسرقة، سمي موجب الإثم إثما مجازا (^٢) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"خير له من ناقتين\" أي هما خير له من ناقتين.\nقوله - ﷺ -: \"ومن أعدادهن من الإبل\" متعلق بمحذوف أي ثلاث خير من ثلاث وأربع خير من أربع، وأكثر من أربع خير من أعدادهن من الإبل على هذا القياس، ووجه القرآن بين الآية والناقة الكوماء في باب المخايرة وإن كانت الآية الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها هو أن هذا القول صدر منه - ﷺ - على وفق ما كان المخاطب يغتنمه ويبتغيه حيازته من المال فبين أن اشتغالهم بأمر الدين خير لهم مما يكدحون فيه من طلب الرزق، أو المراد أنها خير لهم في أمر المعاش الذي يتوخونه من ناقة كوماء وأما في أمر المعاد فإنها خير من الدنيا وما فيها، كذا في الميسر وشرح القاضي البيضاوي على المصابيح (^٣).\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٤٨٦) وشرح المصابيح (٣/ ٨).\n(^٢) شرح المصابيح (٣/ ٨).\n(^٣) الميسر (٢/ ٤٨٦)، وشرح المشكاة (٥/ ١٦٣٤)، وشرح المصابيح (٣/ ٨ - ٩).","vol":"7","page":22},{"text":"٢١٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من اسْتمع إِلَى آيَة من كتاب الله كتبت لَهُ حَسَنَة مضاعفة وَمن تَلَاهَا كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَحْمد عَن عباد بن ميسرَة وَاخْتلف فِي توثيقه عَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة وَالْجُمْهُور على أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة (^١)\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة\" قال الليث بن سعد ﵀: يقال: ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقول الله ﷿ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (^٢) (^٣) قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٤): وإذا كان هذا الثواب لمستمع القرآن فكيف بتاليه، وفي الخبر أنه يدفع عن مستمعه بلوى الدنيا وعن تاليه بلوى الآخرة، وقال النخعي: أوحى الله إلى القبر أن لا يأكل لحم حامل القرآن فقال يا رب كيف آكله وقد قرأ كتابك؟ (^٥) وقال الفضيل يعني ابن عياض: لو كان هذا القرآن آية\n_________\n(^١) أحمد (٨٤٩٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٠٨).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.\n(^٣) التذكار (ص ١٠٠ - ١٠١).\n(^٤) التذكار (ص ١٠١).\n(^٥) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٤٨٢) من طريق أحمد بن يعقوب، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا مات حامل القرآن أوحى الله إلى الأرض أن لا تأكلي لحمه، قالت: إلهي كيف آكل لحمه وكلامك في جوفه\". =","vol":"7","page":23},{"text":"بالمشرق وآية بالمغرب لكان للرجل حكم أن يذهب فيستمع كلام ربه ﷿، وقال ثابت البناني: دخلت على مطرف عند النزع فأغمي عليه فسطع منه ثلاثة أنوار نور من رأسه ونور من صدره ونور من رجله، فلما أفاق سألته عن ذلك قال: هو نور السجدة ويس وتبارك (^١) والله أعلم، وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له ألف حسنة مضاعفة ومن تلا آية من كتاب الله ﷿ كانت له نورا يوم القيامة\" خرجه الوائلي أبو نصر (^٢).\nقوله: في حديث الباب: رواه أحمد عن عباد بن ميسرة [هو عباد بن ميسرة المنقري التميمي البصري المعلم، ذكره ابن حبان في جملة الثقات قال: وكان من العباد وقال أبو داود: ثنا [أحمد بن وكيع] عنه ونحن نكتب حديثه، وقال الساجي: ليس حديثه بالقوي لكنه يكتب، وقال ابن عدي: وهو ممن\n_________\n= قال الذهبي في لسان الميزان (١/ ١٧٧): أحمد بن يعقوب البلخي عن سفيان بن عيينة وغيره أتى بمناكير وعجائب.\n(^١) أخرجه بنحوه ابن أبي الدنيا في من عاش بعد الموت (٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) لم نقف عليه مسندا وأخرجه أحمد (٨٤٧٥): عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنة مُضَاعَفَةٌ، وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥٤٠٨).\nوذكره القرطبي في التذكار (ص ١٠١) وقال: خرجه الوايلي أبو نصر من حديث إسماعيل بن عياش عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس فذكره.","vol":"7","page":24},{"text":"يكتب حديثه، وذكره العقيلي وأبو العرب في جملة الضعفاء، وابن شاهين وابن خلفون في الثقات زاد: وهو عندي في الطبقة الرابعة من المحدثين وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه].\n\n٢١٨٩ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الرب ﵎ من شغله الْقُرْآن عَن مَسْألتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين وَفضل كَلَام الله على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يقول الرب ﵎: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" الحديث، وهذا الحديث نص في الباب لا يحتمل التأويل وهو يفسر قوله - ﷺ - في الحديث الآخر: \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" (^٢) فأخبر - ﷺ - أنه من قرأ القرآن\n_________\n(^١) الترمذي (٢٩٢٦)، والدرامي في مسنده (٣٣٩٩)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٠٧)، والطبراني في الدعاء (١٨٥١)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٧٧)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٨٢)، وقال أبو حاتم: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٤٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١١٥) وخلق أفعال العباد (ص ١٠٩)، والبزار (١٣٧)، والطبراني في الدعاء (١٨٥٠)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (١٥٤) عن عمر.\nقال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٢٤٠ - ٢٤١): هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه. =","vol":"7","page":25},{"text":"واشتغل به عن الدعاء أعطاه الله ﷿ أفضل سؤال سأله أحد من خلقه، وروي: \"من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين\" خرجه ابن شاهين أبو حفص عمر بن أحمد (^١)، وذكر الوابلي عن عطية بن قيس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله تعالى من كلامه، وما ورد إلى الله ﷿ أحب إليه من كلامه\" (^٢) ذكره القرطبي في كتابه التذكار (^٣).\n\n٢١٩٠ - وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل التمرة لَا ريح لهَا وطعمها حُلْو وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كمثل الحنظلة لَيْسَ لهَا ريح وطعمها مر.\n_________\n= وقال العراقي في تخريج الإحياء (ص ٣٥٠): أخرجه البخاري في التاريخ والبزار في المسند والبيهقي في الشعب من حديث عمر بن الخطاب وفيه صفوان بن أبي الصفا ذكره ابن حبان في الضعفاء وفي الثقات أيضًا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٩٨٩).\n(^١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٨)، وقاضي المارستان (٣٥٠) عن أبي سعيد الخدري.\nقال العقيلي: لا يتابع عليه. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٣٣٥).\n(^٢) أخرجه العبسي في نسخة وكيع (٥) مرسلا، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٥٢٧) موقوفًا. وفيه سويد بن سعيد وبقية وأبو بكر بن أبي مريم. قال القرطبي في التذكار (ص ٥٠): قال الوايلي: هذا حديث فيه إرسال، وعطية من التابعين تابعي، ولكن الرواة مشاهير، وبقية إذا روى عن المشهورين كان حجة.\n(^٣) التذكار (ص ٤٩ - ٥٠).","vol":"7","page":26},{"text":"وَفِي رِوَايَة مثل الْفَاجِر بدل الْمُنَافِق رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\n٢١٩١ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل التمرة لَا ريح لَهَا وطعمها طيب وَمثل الْفَاجِر الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كمثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر وَمثل الْفَاجِر الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا وَمثل الجليس الصَّالح كَمثل صَاحب الْمسك إِن لم يصبك مِنْهُ شَيْء أَصَابَك من رِيحه وَمثل الجليس السوء كَمثل صَاحب الْكِير إِن لم يصبك من سوَاده أَصَابَك من دخانه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب\" الأترجة: بضم الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وضم الراء المهملة وتشديد الجيم، واحدة الأترج، وحكى أبو زيد: ترنجة بغير همزة مع ضم التاء وزيادة نون، في هذا الحديث فضيلة حافظ القرآن واستحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد وإنما يضرب المثل لكشف الغطاء وكان - ﷺ - يخاطب العرب بما يفهمونه.\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٥٩)، ومسلم (٧٩٧)، وابن ماجه في المقدمة (٢١٤)، وأحمد (١٩٥٤٩)، والترمذي (٢٨٦٥)، وابن حبان (٧٧١).\n(^٢) أبو داود (٤٨٢٩)، والقضاعي (١٣٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٨٣٩).","vol":"7","page":27},{"text":"قوله: \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن\" إلى آخره، ضرب النبي - ﷺ - المثل للمؤمن بالأترجة لطيب طعمها وريحها عبارة عن طيب الظاهر [بالذكر والباطن] بالاعتقاد وضرب [للمنافق مثلا] بالريحان لأن ظاهره طيب [الريح] وإذا اختبرت باطنه وجدته [مرا] وضرب المثل للكافر بالحنظلة لخبث ظاهره وباطنه والله أعلم قاله في الديباجة (^١).\nتنبيه: لم يوجد من الثمار الشجرية التي أنشأتها العرب في بلادهم أبلغ من هذا المعنى من الأترجة لكونها أفضل الثمار وأجدى لأسباب كثيرة منها كبر الجرم وحسن المنظر ومنها أنها طيبة الطعم لين الملمس ذكي الأرج ناقع لونها تسر الناظرين تتوق إليها النفس قبل التناول يفيد أكلها بعد الالتذاذ طيب نكهة وقوة هضم وأجزاؤها تنقسم طبائع، فإن قشرها حار يابس ولحمها حار رطب أو بارد رطب وحماضها بارد يابس وبزرها حار فتخفف ويدخل بهذه الأجزاء في الأدوية للأدواء المزمنة والأوجاع المقلقة مائة ثمرة تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة وشمول المنفعة ثم إنه - ﷺ - أشار في ضرب هذا المثل إلى معان منها: أنه ضربه بما يخرجه من الشجر للمشابهة التي بينه وبين الأعمال فإنها من ثمرات النفوس وإن ضرب المؤمن نفسه فإن العبرة فيه بالعمل الذي يصدر منه لأنه الكاشف عن حقيقة الحال ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بما تخرجه الشجر وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض تنبيها على علو شأن المؤمن وارتفاع عمله ودوام ذلك ما لم تيبس الشجرة وتوفيقا\n_________\n(^١) الديباجة (ص ١٢٢/ رسالة علمية).","vol":"7","page":28},{"text":"على ضعة شأن المنافق وإحباط عمله وقلة جدواه وسقوط منزلته ومنها أن الأشجار المثمرة لا تخلوا عمن يغرسها ويسقيها ويربيها وكذلك المؤمن يقيض الله له من يؤدبه ويعلمه ويهذبه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء كذا في الميسر (^١) ذكره شارح مشارق الأنوار (^٢).\nلطيفة: الخواص لا تدخل الجن بيتا فيه الأترج، روينا عن الإمام أبي الحسن علي بن الحسن بن الحسين الخلعي نسبة إلى بيع الخلع وهو من أصحاب الشافعي وقبره معروف بالقرافة بإجابة الدعاء وكان يقال قاضي الجن أنه أخبر أنهم كانوا يأتون إليه ويقرؤون عليه وأنهم أبطأوا عنه جمعة ثم أتوه فسألهم عن ذلك فقالوا: كان في بيتك شيء من هذا الأترج وإنا لا ندخل بيتا هو فيه، قال الحافظ أبو الطاهر السلفي: وكان الخلعي إذا سمع عليهم الحديث يختم مجالسه بهذا الدعاء وهو اللهم ما مننت به فتممه وما أنعمت به فلا تسلبه وما سترته فلا تهتكه وما علمته فاغفره، توفي في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (^٣).\nقلت: ولهذا ضرب النبي - ﷺ - المثل للمؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة لأن الشيطان يهرب من قلب المؤمن القارئ للقرآن فناسب ضرب المثل به بخلاف سائر الفواكه، وفي المستدرك في تراجم الصحابة من حديث أحمد بن\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩).\n(^٢) حدائق الأزهار للأرزنجاني (لوحة ١٧٧ و١٧٨/ خ ٨٧٧٨١ كتابخانة).\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"7","page":29},{"text":"حنبل عن عبد القدوس عن بكير بن حبيش بإسناده إلى مسلم بن صبيح (^١) قال: دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف وهي تقطع له الأترج وتطعمه له بالعسل فقالت: هذا ابن أم مكتوم الأعمى عاتب الله فيه نبيه - ﷺ - ما زال هذا له من آل محمد - ﷺ - (^٢)، وفي تخصيصه بالأترج والعسل ما لا يخفى على متأمل (^٣) والله أعلم.\nوفي معجم الطبراني عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله - ﷺ - \"يعجبه النظر إلى الأترج وكان يعجبه النظر إلى الحمام الأحمر\" (^٤) والله أعلم ذكره الشيخ كمال الدين الدميري في\n_________\n(^١) هذا خلط بين إسنادين الأول إنما رواه من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه نا أبو الجهم عبد القدوس بن بكر بن خنيس، عن مسعر، عن أبي البلاد، عن الشعبي والثاني من طريق أحمد بن بشير الهمداني، ثنا أبو البلاد، عن مسلم بن صبيح، وسيأتي تخريجهما.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٥٥ رقم ٩٤٠٤)، والحاكم (٣/ ٦٣٤ - ٦٣٥)، وأبو نعيم في الطب (١٦٤) و(٧٩٦)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٤٧٧ رقم ٧٨٢٩) من طريق أحمد بن بشير الهمداني، ثنا أبو البلاد، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي البلاد، عن مسلم بن صبيح إلا أحمد بن بشير تفرد به أبو موسى الأنصاري.\nوأخرجه الحاكم (٣/ ٦٣٤) أبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٣)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٤٧٧ - ٤٧٦ رقم ٧٨٢٨) من طريق أحمد بن حنبل ثنا أبو الجَهْم عبد القدوس بن بكر بن خُنَيس ثنا مسعر به. قال البيهقي عقبه: (كذا قال في إسناده عن الشعبي، وقد خولف فيه).\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٣٠٧).\n(^٤) أخرجه ابن قانع (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٤٨)، والطبراني في=","vol":"7","page":30},{"text":"حياة الحيوان (^١).\nقوله - ﷺ - \"ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر\" فأخبر أن الفاجر يقرؤه وقال الإمام مالك قد يقرأ القرآن من لا خير فيه (^٢) وأخبر الحق سبحانه بأن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من اليهود والنصارى يقرؤونه قال الإمام القرطبي ومن دخل النار من القراء الموحدين فإنه يخرج بالشفاعة ثم يدخل الجنة (^٣).\nقوله - ﷺ - \"ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها\" والحنظلة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة معروفة.\nقوله - ﷺ - \"ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه\n_________\n= الكبير (٢٢/ ٣٣٩ رقم ٨٥٠)، وأبو نعيم في الطب (٢١٦)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٤٥٢).\nقال ابن حبان أبو سفيان الأنماري شيخ يروي الطامات من الروايات لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.\nوقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد: تفرد به بفية بن الوليد عن أبي سفيان الأنماري عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة عن أبيهه عن جده.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٦٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو سفيان الأنماري، وهو ضعيف. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٣٩٣).\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٠٧).\n(^٢) التذكار (ص ٥٥).\n(^٣) التذكار (ص ٦١ - ٦٢).","vol":"7","page":31},{"text":"شيء أصابك من ريحه\" الحديث وسيأتي الكلام على ذلك في بابه.\n\n٢١٩٢ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ الماهر بِالْقُرْآنِ مَعَ السفرة الْكِرَام البررة وَالَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن ويتتعتع فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شاق لَهُ أَجْرَانِ.\nوَفِي رِوَايَة وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يشْتَد عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ - تقدم الكلام على عائشة.\nقوله - ﷺ - \"الماهر بالقرآن\" الحديث، الماهر بالقرآن الحاذق بالقراءة الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا تشق عليه القراءة لجوده حفظه وإتقانه والماهر مأخوذ من المهارة قال أبو العباس القرطبي: المهارة في القراءة جودة التلاوة كجودة الحفظ فلا يتردد فيه لأنه يسره الله عليه كما يسره على الملائكة فهو على مثلها في الحفظ والدرجة اهـ\nوالمهارة الحذق في الشيء وقد مهر يمهر مهارة قاله في النهاية.\nقوله: \"السفرة الكرام البررة\" والسفرة جمع سافر وهم ملائكة الوحي ككاتب والسافر السول والسفارة الرسل لأنه يسفرون إلى الناس برسالات الله تعالى وقيل السفرة الكتبة جمع سافر أيضا من السفر وأصله الكشف فإن الكاتب يبين ما يكتب ويوضحه ومنه قيل للكتاب سفر بالكشف لأنه يكشف\n_________\n(^١) البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨)، وأبو داود (١٤٥٤)، والترمذي (٢٩٠٤)، والنسائي (٨٠٤٧)، وابن ماجه (٣٧٧٩)، وأحمد (٦/ ٤٨).","vol":"7","page":32},{"text":"عن الحقائق ومنه أسفار الكتب (^١) وعلى هذا فيكون [وجه] كونهم مع الملائكة أن حملة [القرآن يبلغون] كلام الله إلى خلقه فهم سفراء بين رسل الله وبين خلقه فهم معهم أي في مرتبتهم في هذه العبادة و[يستفيد] من هذا حملة القرآن التحرز في التبليغ [والتعليم والاجتهاد في] في تحصيل [الصدق] والإخلاص في النية لله تعالى حتى تصح لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة (^٢) اهـ.\n\"الكرام البررة\" والبررة جمع بار وهو المطيع مأخوذ من البر وهو الطاعة وقيل الإحسان، قال القاضي عياض (^٣) يحتمل أن يكون ممعن كونه مع السفرة الكرام البررة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السفرة لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله قال ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم وسالك مسلكهم والمراد بهؤلاء الملائكة الذين هم حملة اللوح المحفوظ كما قال الله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (^٤) سموا بذلك لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنيباء فإنهم يستنسخونها والماهر بالقرآن من حيث أنه حامل للقرآن حافظ له أمين عليه يؤديه إلى المؤمنين ويكشف لهم ما يلتبس عليهم مع السفرة ومعدود من أعدادهم فإنهم الحاملون لأصله الحافظون له ينزلون به على رسل الله تعالى ويؤدون\n_________\n(^١) كشف المشكل (٤/ ٣٦٥)، وتحفة الأبرار (١/ ٥١٩).\n(^٢) المفهم (٧/ ٥٨).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٦٦).\n(^٤) سورة عبس، الآيتان: ١٥ - ١٦.","vol":"7","page":33},{"text":"إليهم ألفاظه ويكشفون عليهم معانيه (^١) ذكره في شرح مشارق الأنوار (^٢).\nفائدة: قال الإمام القرطبي في كتابه التذكار: ولا يكون ماهرا بالقرآن إلا حتى يكون عالما بالقرآن وذلك بأن يتعلم أحكامه فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه ويعرف المكي من المدني ليفرق بين ما خاطب الله به عباده في أول الإسلام وما ندبهم إليه في آخر الإسلام وما افترض في أول الإسلام وما زاد عليهم من الفرائض في آخره ويعرف الإعراب والغريب كذلك يسهل عليه معرفة ما يقرأ ويزيل عنه الشك فيما يملو ثم ينظر في السور المأثورة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - فيها يصل الطالب إلى مراد الله ﷿ في كتابه وهي تفتح له أحكام قد قال الضحاك في قول الله ﷿: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ (^٣) حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيها فإذا حصلت هذه المراتب لقارئ القرآن كان ماهرا وهو الكمال والماهر الحاذق بالشيء والعالم به (^٤) اهـ.\nقوله - ﷺ - \"والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه\" الحديث، التعتعة في الكلام التردد في تلاوته لضعف حفظه (^٥) ومعناه يقف في قراءته (^٦).\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٥١٩).\n(^٢) حدائق الأزهار للأرزنجاني (لوحة ١٦٨/ خ ٨٧٧٨١ كتابخانة).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٧٩.\n(^٤) التذكار (ص ٦٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٥).\n(^٦) تحفة الأبرار (١/ ٥٢٠).","vol":"7","page":34},{"text":"قوله - ﷺ - \"له أجران\" أي أجر القرأءة وأجر ما يعتريه من المشقة في قراءته ودرجة الماهر فوق ذلك كله لأنه قد كان قرأ القرآن متتعتعا عليه ثم ترقى عن ذلك إلى أن شبه بالملائكة (^١).\nقال القاضي عياض (^٢) وغيره من العلماء: وليس معناه الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا لأنه مع السفرة، وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته وروايته كاعتنائه حتى مهر فيه قاله في الديباجة (^٣).\n\n٢١٩٣ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ عَلَيْك بتقوى الله فَإِنَّهُ رَأس الأمر كُله قلت يَا رَسُول الله زِدْنِي قَالَ عَلَيْك بِتِلَاوَة الْقُرْآن فَإِنَّهُ نور لَك فِي الأَرْض وَذخر لَك فِي السَّمَاء رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث طَوِيل (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٥٨).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٢٣) ونصه: قَوْله وَالَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن يتتعتع فِيهِ يَعْنِي فِي الْقُرْآن مَعْنَاهُ يترَدَّد فِي تِلَاوَته عيا والتعتعة فِي الْكَلَام العي والتردد فِيهِ وأصل التعتمة الْحَرَكَة.\n(^٣) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.\n(^٤) ابن حبان (٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦)، والطبراني في الكبير (١٦٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٦)، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٧٤٦).","vol":"7","page":35},{"text":"قوله: وعن أبي ذر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"قلت يا رسول الله زدني قال عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء\" الذخر بالذال المعجمة.\n\n٢١٩٤ - وَعَن جَابر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْقُرْآن شَافِع مُشَفع وَمَاحِل مُصدق من جعله أَمَامه قَادَهُ إِلَى الْجنَّة وَمن جعله خلف ظَهره سَاقه إِلَى النَّار رَوَاه ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nماحل بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة أَي ساع وَقيل خصم مجادل.\nقوله: وعن جابر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"القرآن شافع مشفع وماحل مصدق\" المشفع بفتح الحاء المقبول الشفاعة والمراد بذلك أنه يشفع يوم القيامة في كل من آمن به واتبعه.\nقوله \"وماحل مصدق\" الماحل بكسر الهاء المهملة أي ساع وقيل خصم مجادل اهـ. قاله المنذري وقال في النهاية (^٢): وقيل: ساع مصدق، من قولهم: محل بفلان، إذا سعى به إلى السلطان يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه فإنه شافع له مقبول الشفاعة، ومصدق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به.\nومنه حديث الدعاء \"لا تجعله ماحلا مصدقا\". اهـ\nقوله \"مصدق\" يروى بفتح الدال وكسرها ومعنى الفتح أنه سبب إعجازه\n_________\n(^١) ابن حبان (١٢٤)، والبزار (١٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٧)، رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٤٣).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٣).","vol":"7","page":36},{"text":"شاهد للنبي - ﷺ - بصحة نبوءته وصحة رسالته والمؤمنون في هذه الشهادة ومعنى الكسر أنه شاهد على جميع الأمم الماضية مصدق لسائر الكتب المنزلة قبله كما قال تعالى مصدقا لما بين يديه.\nقوله - ﷺ - \"من جعله أمامه قاده إلى الجنة\" بفتح الهمزة أي قدامه والمراد بجعله أمامه اتباعه والاقتداء به.\nقوله \"ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار\" والمراد بجعله خلف ظهره الإعراض عنه وترك العمل به قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (^١) الآية قاله الأصبهاني في شرح الأربعين الودعانية (^٢).\nوقال في النهاية (^٣): وفي حديث الأشعري \"اتبعوا القرآن ولا يتبعنكم\" أي اجعلوه أمامكم ثم اتلوه، وأراد: لا تدعوا تلاوته والعمل به فتكونوا قد جعلتموه وراءكم. وقيل معناه لا يطلبنكم لتضييعكم إياه كما يطلب الرجل صاحبه بالتبعة. اهـ\n\n٢١٩٥ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول اقرؤوا الْقُرْآن فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة شَفِيعًا لأصحابه الحَدِيث رَوَاه مسلم وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله (^٤).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٧.\n(^٢) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢١٢/ الحديث الخامس).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٧٩).\n(^٤) مسلم (٨٠٤).","vol":"7","page":37},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه\" الحديث، وفيه إظهار العناية لحامله وتكريمه بنصبه شافعا له بعد تحقق خوفه قاله صاحب حدائق الأولياء (^١).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: يجيء القرآن يوم القيامة، فيشفع لصاحبه، فيكون قائدا إلى الجنة، أو يشهد عليه، فيكون سائقا إلى النار (^٢).\nقال بعض السلف: ما جالس أحد القرآن، فقام عنه سالما؛ بل إما أن يربح أو أن يخسر، ثم تلا هذه الآية ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) (^٤) ذكره ابن رجب الحنبلي (^٥).\n\n٢١٩٦ - وَعَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن وَعمل بِهِ ألبس والداه تاجا يَوْم الْقِيَامَة ضوؤه أحسن من ضوء الشَّمْس فِي بيُوت الدُّنْيَا فَمَا ظنكم بِالَّذِي عمل بِهَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَكِلَاهُمَا عَن زبان عَن سهل وَقَالَ الْحَاكِم صحِيح الْإِسْنَاد (^٦).\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (٢/ ٨٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣١ (٣٠٠٥٣)، والدارمي (٣٣٢٥).\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.\n(^٤) أخرجه الدارمي (٣٣٨٧) عن قتادة، والطبري في التفسير (١٣/ ٤٢٦) عن الحسن.\n(^٥) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٦).\n(^٦) أبو داود (١٤٥٣)، والحاكم (١/ ٥٦٧)، وأبو يعلى (١٤٩٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٤٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٦٢).","vol":"7","page":38},{"text":"قوله: وعن سهل بن معاذ عن أبيه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجا يوم القيامة\" أي تاج التوقير والكرامة فالعلماء مجمعون على القول به وأن المطلوب العمل بما يقرأ ويتلو وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال \"إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوي إلى شيء منه\" وفي حديث آخر عن النبي - ﷺ - أنه قال \"شر الناس: رجل يقرأ كتاب الله ﷿ لا يرعوي إلى شيء منه\" أي لا ينكف ولا ينزجر [من رعا يرعو] إذا كف عن الأمور وقد ارعوى عن القبيح يرعوي ارعواء والاسم الرعياء بالفتح والضم وقيل الارعواء الندم على الشيء والانصراف عنه والترك (^١) اهـ.\nوفي حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع معناه أن قوما ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان فلا يجاوز تراقيهم ليصل إلى قلوبهم وليس ذلك هو المطلوب بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب اهـ.\nوالتراقي جمع ترقوة وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجنبين والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها فكأنها لم تجاوز حلوقهم وقيل المعنى إنهم لا يعملون بالقرآن فلا [يثابون] على قراءته فلا يحصل لهم غير القراءة قاله في النهاية (^٢).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٣٦).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٧).","vol":"7","page":39},{"text":"فبين - ﷺ - أن المقصود العمل كما بينا وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف ولكن بإقامة حدوده (^١)، وروى شريك عن ابن إسحاق عن شداد بن أوس قال قال رسول الله - ﷺ - \"ثلاثة كرباء: قرآن في قلب رجل فاجر، ومصحف في بيت لا يقرأ فيه، وصالح مع الظالمين\" (^٢)، وروي أبو داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالسا عند النبي - ﷺ - فقال: \"أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا؟ \" قلنا: الملائكة، قال: وحق لهم بل غيرهم، قلنا: الأنبياء، قال: \"وحق لهم، بل غيرهم\"، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيمانًا\" (^٣)، قال القرطبي: قال العلماء رحمة الله عليهم: حملة\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٥٧).\n(^٢) أخرجه الدينوري في المجالسة (٢٥٦٨). وفيه نعيم بن مورع قال ابن عدى: يروي عن الثقات العجائب لا يجوز الاحتجاج به بحال فقد قال البخاري: حديثه غير محفوظ إلا، عَن أبي معشر. وقال فيه أيضا: عامة ما يرويه غير محفوظ. وذكره العقيلي في الضعفاء ونقل عن البخاري أنه قال: منكر الحديث.\nوقال الحاكم وأبو سعيد النقاش: روى عن هشام أحاديث موضوعة. وقال أبو نعيم: روى عن هشام مناكير.\n(^٣) أخرجه إسحاق كما في إتحاف الخيرة ١/ ١٠٦ (١/ ٧٣) والمطالب العالية (١/ ٢٩٢٢)، وأبو يعلى (١٦٠)، والبغوي في حديث مصعب الزبيري (١٢٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٨٦ - ٨٥). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه محمد بن أبي حميد وقد ضعفوه. وضعفه الحافظ في الفتح (٧/ ٦)، واستغربه في الأمالي المطلقة (٢/ ٣٧). وقال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٤٨): ضعيف جدًّا.","vol":"7","page":40},{"text":"القرآن وقراؤه هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فما ظنكم بالذي عمل بهذا\" أي: بالقرآن.\n\n٢١٩٧ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - مَا أذن الله لعبد فِي شَيْء أفضل من رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهمَا وَإِن الْبر ليذر على رَأس العَبْد مَا دَامَ فِي صلَاته وَمَا تقرب الْعباد إِلَى الله بِمثل مَا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nقوله: وروي عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"وما تقرب العباد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه\" الحديث، قال أبو النضر (^٣): يعني القرآن، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: رأيت رب العزة ﷿ في المنام فقلت يا رب: ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؛ فقال: بكلامي يا أحمد. فقلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم. نقل هذه الرؤيا عنه كبار العلماء.\nواعلم أنك لن تتقرب إلى الله بشيء أفضل من كلامه لا شيء عند المحبين أحلى من كلام الله محبوبهم فهو لذة قلوبهم وغاية مطلوبهم (^٤)، قال\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ٢٦) والتذكار (ص ١٤٨) ونسبه فيهما لابن عبد البر وهو في التمهيد (١٧/ ٤٣٠).\n(^٢) الترمذي (٢٩١١)، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأحمد (٢٢٣٠٦)، والطبراني في الكبير (٧٦٥٧)، وابن الضريس في فضائل القرآن (١٤١)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (١٧٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٩٩٣).\n(^٣) هو هاشم بن القاسم.\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٢).","vol":"7","page":41},{"text":"عثمان - ﵁ -: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم (^١)، وقال ابن مسعود: من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله (^٢)، وقال بعض العارفين لمريد: أتحفظ القرآن، قال: لا، فقال: واغوثاه بالله، مريد لا يحفظ القرآن فبما يتنغم فيما يترنم فبما يناجي ربه ﷿ (^٣)، كان بعضهم يكثر تلاوة القرآن ثم اشتغل عنه بغيره فرأى في المنام:\nإن كنت تزعم حبي ... فلم جفوت كتابي\nأما تأملت ما فيه ... من لطيف عتابي\nذكره ابن رجب الحنبلي (^٤).\n\n٢١٩٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يَجِيء صَاحب الْقُرْآن يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول الْقُرْآن يَا رب حلّه فيلبس تَاج الْكَرَامَة ثمَّ يَقُول يَا رب زده فيلبس حلَّة الْكَرَامَة ثمَّ يَقُول يَا رب ارْض عَنهُ فيرضى عَنهُ فَيُقَال لَهُ اقْرَأ وارق ويزداد بِكُل آيَة حَسَنَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٥).\n_________\n(^١) فضائل الصحابة (٧٧٥) والحلية (٧/ ٣٠٠).\n(^٢) التفسير من سنن سعيد بن منصور (١/ ١٢) سنن الدارمي (٣٣٦٦) أمالي ابن سمعون الواعظ (١٧١) بلفظ مَنْ أَحَبَّ الْقُرْآنَ فَلْيُبْشِرْ.\n(^٣) صفة الصفوة (١/ ٥١٨) وجامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٣).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣).\n(^٥) الترمذي (٢٩١٥)، والحاكم (١/ ٥٥٢)، وقال: صح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٠٦)، وأحمد (١٠٠٨٧)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٠٣٠).","vol":"7","page":42},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة\" الحديث، وفي حديث آخر: \"يعطي صاحب القرآن الملك بيمينه والخلد بشماله\" الحديث (^١)، قال ابن الأثير في النهاية (^٢) معناه: لم يرد أن شيئا يوضع في يديه، وإنما أراد أن الخلد والملك يجعلان له في مملكته، فلما كانت اليد على الشيء سبب الملك له والاستيلاء عليه، فاستعير اليمين والشمال لأن الأخذ والقبض بهما.\n\n٢١٩٩ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يُقَال لصَاحب الْقُرْآن اقْرَأ وارق ورتل كمَا كنت ترتل فِي الدُّنْيَا فَإِن مَنْزِلك عِنْد آخر آيَة تقرؤها رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٢٩ رقم ٣٠٠٤٥)، وأحمد ٥/ ٣٤٨ (٢٢٩٥٠)، والدارمي (٣٤٣٤)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٩٩)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥ رقم ١٨٣٥)، والبغوي (١١٩٠) عن بريدة. قال البغوي: هذا حديث حسن غريب. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٥٩: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في الإتحاف ٦/ ٣٣٠: هذا إسناد حسن. وحسنه ابن حجر في المطالب (٣٤٧٨). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٢٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٢).\n(^٣) الترمذي (٢٩١٤)، وأبو داود (١٤٦٤)، وابن حبان (٧٦٦)، والنسائي (٨٠٥٦)،=","vol":"7","page":43},{"text":"قَالَ الْخطابِيّ جَاءَ فِي الْأَثر أَن عدد آي الْقُرْآن على قدر درج الْجنَّة فَيُقَال للقارئ ارق فِي الدرج على قدر مَا كنت تقْرَأ من آي الْقُرْآن فَمن استوفى قِرَاءَة جَمِيع الْقُرْآن استولى على أقْصَى درج الْجنَّة فِي الْآخِرَة وَمن قَرَأَ جُزْءا مِنْهُ كَانَ رقِيه فِي الدرج على قدر ذَلِك فَيكون مُنْتَهى الثَّوَاب عِنْد مُنْتَهى الْقِرَاءَة (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها\" الحديث، قال الخطابي ﵀ (^٢): جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فيقال للقارئ ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأمن آي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة، أ. هـ.\nوقالت عائشة - ﵂ -: إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن، ذكره مكي مرفوعا (^٣)، وفي المسند عن\n_________\n= والحاكم (١/ ٥٥٣)، وأحمد (٦٧٩٩)، وابن الضريس في فضائل القرآن (١١١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٢٢).\n(^١) معالم السنن (٢/ ١٣٦).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٨٩).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٢٠ رقم ٢٩٩٥٢) موقوفًا. وأخرجه البيهقي في الشعب (٣/ ٣٨٠ رقم ١٨٤٣) مرفوعًا. وقال الحاكم: هذا إسناد صحيح ولم يكتب هذا المتن إلا بهذا الإسناد وهو من الشواذ. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٣٨٥٨).","vol":"7","page":44},{"text":"أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ -: \"إن في الجنة مائة درجة ولو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن وسعتهم\". (^١)\nوفي المسند أيضًا عن النبي - ﷺ - قال: \"يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه\" (^٢) وهذا صريح في [أن درج الجنة تزيد] على مائة وأما حديث أبي هريرة الذي في البخاري (^٣) عن النبي قال: \"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله\" الحديث، فإما أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدرج وإما أن تكون من نهايتها [هذه المائة] وفي ضمن من كل درجة دونها قاله في حادي الأرواح (^٤). وروى الترمذي عن عبادة بن الصامت مرفوعا \"في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام\"، وقال: حسن غريب [ولا] تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمسمائة لاختلاف السير في السرعة والبطيء والنبي - ﷺ - هذا تقريبا للإفهام وإعلاء درجات الجنة (^٥)، الوسيلة وهي منزلة النبي - ﷺ - ذكر هذا لأنه أعظم الخلق عبودية\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٣٢) وأحمد (١١٢٣٦)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٣١) و(٢٣٢)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٦٢) عبد بن حميد (٩٢٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٧٨٠) وأحمد (١١٣٦٠)، وأبو يعلى (١٠٩٤) عن أبي سعيد وهو في المسند عن أبي هريرة (١٠٠٨٧) صحيح الجامع الصغير وزيادته (٨١٢١ - ٣٢٠٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٧٩٠).\n(^٤) حادى الأرواح (ص ٧٩).\n(^٥) حادى الأرواح (ص ٨٠).","vol":"7","page":45},{"text":"لربه وأعلمهم به وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة فلذلك كانت هذه منزلة وأمر - ﷺ - أمته أن يسألوها له لتنال الأمة بهذا الدعاء [زلفى من الله وزيادة الإيمان] (^١)، وروي عن ابن عباس [قال: قال رسول الله - ﷺ -:] قال: \"درج الجنة على قدر آي القرآن لكل آية درجة فتلك ستة آلاف ومائتا آية وستة وعشرون آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض\" (^٢) أ. هـ.\nوكلمات القرآن [سبع] وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة وحروفه ثلاثمائة [ألف] وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا على اختلاف في ذلك بين أهل المدينة وأهل الكوفة (^٣).\n\n٢٢٠٠ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله هَذَا الْكتاب فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل أعطَاهُ الله مَالا فَتصدق بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٤).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليهما.\nقوله - ﷺ -: \"لا حسد إلا في اثنتين\" الحديث، الحسد: تمني زوال النعمة عن غيره، والغبطة تمني مثلها من غير زوالها، والحسد حرام والغبطة في الخير\n_________\n(^١) حادى الأرواح (ص ٨٣).\n(^٢) أخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٢٠٦)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (١٦٠٦). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٧١٨).\n(^٣) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٦٥)، والبرهان في علوم القرآن (١/ ٢٤٩).\n(^٤) البخاري (٥٠٢٥)، ومسلم (٨١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٠٧٢)، وابن ماجه (٤٢٠٩).","vol":"7","page":46},{"text":"محبوبة، والمراد بقوله - ﷺ -: \"لا حسد إلا في اثنتين\" أي: لا غبطة محبوبة يتأكد الاهتمام بها إلا في اثنتين (^١).\nقوله - ﷺ -: \"رجل آتاه الله هذا الكتاب فقام به آناء الليل وآناء النهار\" يحتمل أن يراد بالقيام تلاوته، وعليه يدل قوله في حديث أبي هريرة فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ويحتمل أن يراد بالقيام به تفهمه والاستنباط منه والتفقه فيهن وعليه يدل قوله في حديث ابن مسعود: \"ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها\" قال النووي (^٢): والحكمة كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح (^٣)، أ. هـ.\nوتقدم الكلام على الحكمة مبسوطًا في العلم وغيره.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل أتاه الله مالا فتصدق به آناء الليل وآناء النهار\" آناء: بالمد أي ساعاته وواحد الآناء إناء مثل معي، وإناء: بفتح الهمزة وكسرها وانو وأنى بالواو والياء مع كسر الهمزة فيهما أربع لغات (^٤).\n\n٢٢٠١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل علمه الله الْقُرْآن فَهُوَ يتلوه آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار فَسَمعهُ جَار لَهُ فَقَالَ لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ\n_________\n(^١) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٢٠٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٨).\n(^٣) طرح التثريب (٤/ ٧٣).\n(^٤) طرح التثريب (٤/ ٧٤).","vol":"7","page":47},{"text":"يهلكه فِي الْحق فَقَالَ رجل لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقَالَ المملي وَالْمرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَة وَهُوَ تمني متل مَا للمحسود لَا تمني زَوَال تِلْكَ النِّعْمَة عَنهُ فَإِن ذَلِك الْحَسَد المذموم.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل\" الحديث، وقال النووي (^٢): قال العلماء: الحسد قسمان حقيقي ومجازي، فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها وهو حرام بإجماع المسلمين مع النصوص الصريحة الصحيحة، وأما المجازي: فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمى التي على غيره من غير تمني زوالها عن صاحبها، فإن كانت في أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة، والمراد بالحديث: لا غبطة محمودة إلا في هاتين الخصلتين وما في معناهما أ. هـ، فأشار إلى أن إطلاق الحسد في هذا الحديث مجاز وأنها اغتباط ويدل على أنه ليس المراد في هذا تمني زوال نعمة الإنفاق والقراءة على صاحبها، وإنما المراد أن يكون له مثلها (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٢٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٧).\n(^٣) طرح التثريب (٤/ ٧٢).","vol":"7","page":48},{"text":"٢٢٠٢ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاثَة لَا يهولهم الْفَزع الْأَكبَر وَلَا ينالهم الْحساب هم على كثيب من مسك حَتَّى يفرغ من حِسَاب الْخَلَائق رجل قَرَأَ الْقُرْآن ابْتِغَاء وَجه الله وَأم بِهِ قوما وهم بِهِ راضون وداع يَدْعُو إِلَى الصَّلَوَات ابْتِغَاء وَجه الله وَعبد أحسن فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَفِيمَا بَينه وَبَين موَالِيه رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالصَّغِير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١).\nوَرَوَاهُ فِي الْكَبير بِنَحْوِهِ وَزَاد فِي أَوله قَالَ ابْن عمر - ﵁ - لَو لم أسمعهُ من رَسُول الله - ﷺ - إِلَّا مرّة وَمرَّة حَتَّى عد سبع مَرَّات لما حدثت بِهِ (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب\" تقدم الكلام على الفزع الأكبر في الأذان وقريبا في في أواخر كتاب الجهاد أنه إطباق النار على أهلها.\n\n٢٢٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ بعث رَسُول الله - ﷺ - بعثا وهم ذَوُو عدد فاستقرأهم فاستقرأ كل رجل مِنْهُم يَعْنِي مَا مَعَه من الْقُرْآن فَأتى على رجل من أحدثهم سنا فَقَالَ مَا مَعَك يَا فلَان قَالَ معي كَذَا وَكَذَا وَسورَة الْبَقَرَة فَقَالَ أَمَعَك سُورَة الْبَقَرَة قَالَ نعم قَالَ اذْهَبْ فَأَنت أَمِيرهمْ فَقَالَ رجل من أَشْرَافهم وَالله مَا مَنَعَنِي أَن أتعلم الْبَقَرَة إِلَّا خشيَة أَلا أقوم بهَا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - تعلمُوا\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٩٢٨٠)، وفي الصغير (١٠٨٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٢٨)، فيه عبد الصمد بن عبد العزيز المقرئ؛ ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤١٥).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٣٥٨٤)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٢٧)، وفيه بحر بن كنيز السقاء، وهو ضعيف.","vol":"7","page":49},{"text":"الْقُرْآن واقرؤوه فَإِن مثل الْقُرْآن لمن تعلمه فقرأه كمثل جراب محشو مسكا يفوح رِيحه فِي كل مَكَان وَمن تعلمه فيرقد وَهُوَ فِي جَوْفه فَمثله كمثل جراب أوكئ على مسك رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: بعث رسول الله - ﷺ - بعثا وهم ذوو عدد، فذكر الحديث إلى أن قال: فأتى على رجل من أحدثهم سنا فقال ما معك يا فلان قال معي كذا وكذا وسورة البقرة فقال \"أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: \"اذهب فأنت أميرهم\" الحديث.\nقوله: \"كمثل جراب أوكئ على مسك\" الجراب، فيه وجهان فتح الكاف وكسرها.\nوقوله: \"أوكئ على مسك\" الوكاء الرباط.\n\n٢٢٠٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن فقد استدرج النُّبُوَّة بَين جَنْبَيْهِ غير أَنه لَا يُوحى إِلَيْهِ لَا يَنْبَغِي لصَاحب الْقُرْآن أَن يجد مَعَ من وجد وَلَا يجهل مَعَ من جهل وَفِي جَوْفه كَلَام الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) الترمذي (٢٨٧٦)، وابن ماجه في المقدمة (٢١٧)، وابن خزيمة (١٥٠٩)، وابن حبان (٢١٢٦)، والنسائي في الكبرى (٨٧٤٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٥٢).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥٥٢)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"7","page":50},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله\" الحديث، وعن عبد الله بن مسعود قال: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مقيلون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس [يختالون] وبحزنه إذا الناس [يفرحون] (^١)، وفي الحلية في ترجمة الفضيل بن عياض أنه قال: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو ولا يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو، وينبغي لحامل القرآن أن لَا يكون له إلى الناس حاجة وأن تكون حوائج الخلق إليه (^٢) أ. هـ.\n\n٢٢٠٥ - وَعنهُ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الصّيام وَالْقُرْآن يشفعان للْعَبد يَقُول الصّيام رب إِنِّي منعته الطَّعَام وَالشرَاب بِالنَّهَارِ فشفعني فِيهِ وَيَقُول الْقُرْآن رب منعته النّوم بِاللَّيْلِ فشفعني فِيهِ فيشفعان رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْجُوع وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٣١ رقم ٣٥٥٨٤)، وأحمد في الزهد (٨٩٨)، وأبو داود في الزهد (١٧٣)، والدينوري في المجالسة (٢٣٠٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٢) حلية الأولياء (٨/ ٩٢).\n(^٣) أحمد (٦٦٢٦)، والطبراني في الكبير (١٤٦٧٤)، والحاكم (١/ ٥٥٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٩٤)، ونعيم بن حماد في زوائد الزهد (٣٨٥)، وأبو نعيم في الحلية =","vol":"7","page":51},{"text":"قوله: وعنه - ﵁ - أيضًا، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة\" الحديث.\nإن قال قائل: كيف يشفع القرآن والصيام وإنما ذلك عمل العاملين؟ قيل له: يجيء القرآن فيقول أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك الحديث كالرجل الشاحب (^١) أي المتغير اللون والجسم بعارض من مرض [أو سفر ونحوهما] والشحوب [الهزال] أي: يجيء ثواب قراءة القرآن.\nوقد جاء في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: \"يؤتى بالقرآن وأهله الذين يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران يحاجان عن صاحبهما\" وسيأتي الحديث قريبا، قال العلماء: قوله \"يحاجان عن صاحبهما\" أي: يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة كما جاء في بعض الحديث \"أن من قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (^٢) الآية خلق الله سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة\"، قلت: فكذلك يخلق الله من ثواب قراءة القرآن والصيام ملكين كريمين يشفعان له وكذلك سائر الأعمال الصالحة إن شاء الله تعالى كما ذكره ابن المبارك في حديث مطول، ذكره القرطبي في التذكرة (^٣).\n_________\n= (٨/ ١٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨١)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٨٨٢).\n(^١) هو جزء من حديث بريدة وقد مر تخريجه.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨.\n(^٣) التذكرة (ص ٧٨٨ - ٧٨٩).","vol":"7","page":52},{"text":"٢٢٠٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن أسيد بن حضير بَيْنَمَا هُوَ فِي لَيْلَة يقْرَأ فِي مربده إِذْ جالت فرسه فَقَرَأَ ثمَّ جالت أُخْرَى فَقَرَأَ ثمَّ جالت أُخْرَى أَيْضا قَالَ أسيد فَخَشِيت أَن تطَأ يحيى فَقُمْت إِلَيْهَا فَإِذا مثل الظلة فَوق رَأْسِي فِيهَا أَمْثَال السرج عرجت فِي الجو حَتَّى مَا أَرَاهَا قَالَ فَغَدَوْت على رَسُول الله - ﷺ - فَقلت يَا رَسُول الله بَيْنَمَا أَنا البارحة فِي جَوف اللَّيْل أَقرَأ فِي مربدي إِذْ جالت فرسي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - اقْرَأ ابْن حضير قَالَ فَقَرَأت ثمَّ جالت أَيْضا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - اقْرَأ ابْن حضير قَالَ فَقَرَأت ثمَّ جالت أَيْضا ثمَّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اقْرَأ ابْن حضير قَالَ فَانْصَرَفت وَكَانَ يحيى قَرِيبا مِنْهَا خشيت أَن تطأه فَرَأَيْت مثل الظلة فِيهَا أَمْثَال السرج عرجت فِي الجو حَتَّى مَا أَرَاهَا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - تِلْكَ الْمَلَائِكَة تستمع لَك وَلَو قَرَأت لأصبحت يَرَاهَا النَّاس مَا تستتر مِنْهُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم بِنَحْوِهِ بِاخْتِصَار وَقَالَ فِيهِ فَالْتَفت فَإِذا أَمْثَال المصابيح قَالَ مدلاة بَين السَّمَاء وَالأرْض فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا اسْتَطَعْت أَن أمضي فَقَالَ تِلْكَ الْمَلائِكَة نزلت لقِرَاءَة الْقُرْآن أما إِنَّك لَو مضيت لرأيت الْعَجَائِب وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nالظلة بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام هِيَ الغاشية وَقيل السحابة.\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) البخاري (٥٠١٨)، ومسلم (٧٩٦).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥٥٤).","vol":"7","page":53},{"text":"قوله: أن أُسَيد بن حُضير، أسيد بضم الهمزة وفتح السين وبالياء المثناة تحت آخر الحروي وبالدالى، وحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة والياء آخر الحروف ثم بالراء المهملة وفي الحديث (^١) أن عيينة بن حصن الفزاري مد رجله بين يدي رسول الله - ﷺ - فقال أسيد بن حضير: يا عين الهجرس أتمد رجلك بين يدي رسول الله - ﷺ -[ولد الثعلب والجمع هجارس] قيل [للأصمعي]: ما الهجرس؟ قال: الثعلب، وقيل: ولد الثعلب، وقيل: هو ولد الدب، وقال [أبو زيد:] هو القرد وفي الاستيعاب (^٢) في ترجمة أسيد بن حضير قال: جاء عامر بن الطفيل وأربد إلى رسول الله - ﷺ - فسألاه أن يجعل له نصيبا من [تمر المدينة] فأبى رسول الله - ﷺ - فقال عامر بن الطفيل أملأنها عليك خيلا جردا ورجلا مردا فقال - ﷺ -: \"اللهم اكفني عامر بن الطفيل\" فأخذ أسيد بن حضير الرمح وجعل [يقرع رؤوسهما] ويقول اخرجا أيها الهجرسان قال عامر: من أنت قال: أسيد بن حضير قال أبوك خير منك، قال: بل أنا خير منك ومن أبي مات أبي وهو كافر فلما رجع عامر وأربد من عند رسول الله - ﷺ - وكانوا ببعض الطريق أرسل الله تعالى على أربد صاعقة أحرقته وأحرقت بعيره وبعث الله على عامر الطاعون في عنقه فقتله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول: يا بني عامر أغدة كغدة [وموتا في سلولية] هنا فلما [كان زمن معاوية أراد] أن ينقصه الخمس مائة فقال له\n_________\n(^١) ذكره ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٤٧).\n(^٢) الاستيعاب (١/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"7","page":54},{"text":"كلاما مشهورا في موضعه لم أذكره فرق له معاوية وتركها له فمات لبيد بعد ذلك بأيام قليلة [وقد قيل: إنه قال] في الإسلام واحدا وهو:\nالْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي ... حَتَّى لَبِسْتُ مِنَ الْإِسْلَامِ سِرْبَالَا\nوقيل قال:\nوَلَقَدْ سَئِمتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ كَيفَ لَبيدُ\nأ. هـ، قاله في حياة الحيوان (^١).\nكغدة البعير وموتا في بيت سلولية، وقيل: عامر بن الطفيل أسلم [والصواب أن عامر بن الطفيل] لم يؤمن بالله طرفة عين لم يختلف أحد من أهل النقل في ذلك، وأما أربد المذكور فهو أخو لبيد الشاعر الذي عاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها شعرًا، سأله عمر عن تركه الشعر، فقال: ما كنت لأقول شهرا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران، فزاد عمر في عطائه خمسمائة درهم من أجل هذا القول، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة (^٢).\nقوله: بينما هو في ليلة يقرأ في مربده، المربد بكسر الميم وإسكان الراء وفتح الباء الموحدة المهملة وهو الموضع الذي تحبس فيه الإبل وهو مثال الحظيرة للغنم، ومربد البصرة سوق الإبل التي تحبس فيه للبيع وأهل المدينة يسمون الموضع الذي ييبس فيه التمر إذا طرح كالبيدر للحنطة ونحوها مربدا (^٣).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٥١٤).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٥١٣ - ٥١٤).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، والنهاية (٢/ ١٨٢).","vol":"7","page":55},{"text":"قوله: إذ جالت فرسه فقرأ ثم جالت أخرى فقرأ ثم جالت أيضًا، الحديث؛ قوله: جالت: أي نفرت عن مكانها بمعنى دارت ووثبت يقال: جال واجتال إذا ذهب وجاء ومنه الجولان في الحرب، والجائل [الزائل عن] مكانه ويقال جال يجول [جولة] إذا دار قاله في النهاية (^١) وقال: هنا جالت فأنث الفرس، وفي بعض الروايات: وعنده فرسه [مربوط] فذكره، وهما صحيحان والفرس يقع على الذكر والأنثى (^٢).\nقوله: فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، الحديث، الظلة هي الغاشية، وقيل: السحابة قاله المنذري.\nتنبيه: وقد عذب الله تعالى قوم شعيب بالظلة، يروى أنه حبس عليهم الريح وسلط عليهم الحر فأخذ بأنفاسهم فاضطروا إلى أن خرجوا من البيوت إلى الصحراء فأظلتهم سحابة فوجدوا لها بردا [ونسيما] فاجتمعوا تحتها كلهم فأمطرت عليهم نارا فأحرقوا كلهم وكان شعيب مبعوثا إلى أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة، قاله الكرماني (^٣) وكل هذه عقوبات بسبب المعاصي ذكره ابن رجب (^٤).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٣).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٤/ ٦٢)\n(^٤) لطائف المعارف (ص ٣٢٤).","vol":"7","page":56},{"text":"قوله: \"تلك الملائكة نزلت لقراءة القرآن\" قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها بني آدم والملائكة لم يعطوا هذه الفضيلة وهي حريصة على استماعه من الإنس كذا أفتى ابن الصلاح وقد يتوقف فيه من جهة أن جبريل ﵇ هو النازل بالقرآن على النبي - ﷺ -، وقال الله تعالى في وصف الملائكة ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ (^١) أي: يتلوا القرآن ذكره ابن الأثير في النهاية (^٢).\nقوله: عرجت في الجو، وعرجت بعين وراء مهملتين وجيم مفتوحات أي: ارتفعت والجو بفتح الجيم وتشديد الواو ما بين السماء والأرض.\nقوله - ﷺ -: اقرأ ابن حضير قال: فقرأت ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"اقرأ ابن حضير\" وفي الرواية الأخرى: اقرأ ثلاث مرات واقرأ يا بلال معناه: كان ينبغي أن تستمر على القراءة وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، وتستكثر من القراءة التي هي سبب بقائها (^٣) وكان أسيد بن حضير من أحسن الناس صوتا بالقرآن (^٤).\nقوله: \"تلك الملائكة تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم\" وفي الرواية الأخرى: \"تلك السكينة نزلت لقراءة القرآن\"، قد قيل في معنى السكينة هنا أشياء المختار منها أنها شيء من\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآية: ٣.\n(^٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٢٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٢).\n(^٤) الكواكب الدراري (١٨/ ٩٨).","vol":"7","page":57},{"text":"مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة يستمعون القرآن وفي هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة الملائكة، وفيه فضيلة قراءة القرآن وانها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة، وفيه فضيلة استماع القرآن (^١).\n\n٢٢٠٧ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِنَّكُم لَا ترجعون إِلَى الله بِشَيْء أفضل مِمَّا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن جُبَير بن نفير (^٢).\nقوله: وعن أبي ذر، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه\" [يعني القرآن، لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية مطلوبهم].\n\n٢٢٠٨ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته مَا اسْتَطَعْتُم إِن هَذَا الْقُرْآن حَبل الله والنور الْمُبين والشفاء النافع عصمَة لمن تمسك بِهِ وَنَجَاة لمن اتبعهُ لَا يزِيغ فيستعتب وَلَا يعوج فَيقوم وَلَا تَنْقَضِي عجائبه وَلَا يخلق من كثْرَة الرَّد اُتْلُوهُ فَإِن الله يَأْجُركُمْ على تِلَاوَته كل حرف عشر حَسَنَات أما إِنِّي لَا أَقُول الم حرف وَلَكِن ألف حرف وَلام حرف وَمِيم حرف رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٢).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥٥٥)، وأبو داود في المراسيل (٥٣٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٤٢).","vol":"7","page":58},{"text":"صَالح بن عمر عَن إِبْرَاهِيم الهجري عَن أبي الأحْوَص عَنهُ وَقَالَ تفرد بِهِ صَالح بن عمر عَنهُ وَهُوَ صَحِيح (^١).\nقوله: وعن عبد الله يعني ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن هذا القرآن مأدبة الله\" والمأدبة لفتح الدال وضمها والمشهور الضم هو الطعام الذي يدعى إليه فكل طعام عمل لدعوة فهو مأدبة.\nقوله: \"فاقبلوا مأدبته ما استطعتم\" وفي رواية: \"مأدبة الله في الأرض\" يعني مدعاته وهو صنيع يصنعه الرجل يدعو إليه الناس شبه القرآن بصنيع يصنعه الله للناس لهم فيه خير ومنافع وسمي الأدب أدبا لأنه يدعو إلى المحامد (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين\" وفي حديث: \"هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض\" [أي نور ممدود، يعني نور هداه] والعرب تشبه النور الممتد بالحبل والخيط ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (^٣) يعني نور الصبح من ظلمة الليل، وفي رواية: \"حبل الله المبين\" يعني: نور هداه وفي حديث الدعاء [\"يا ذا الحبل الشديد\"] والمراد به القرآن [، أو الدين]، أو السبب\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٥٥٥)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، تفرد به صالح بن عمر عنه وهو صحيح، وقال الذهبي: صالح ثقة أخرج له مسلم ولكن إبراهيم بن مسلم ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٢٤).\n(^٢) الغريبين (١/ ٥٥ - ٥٦).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.","vol":"7","page":59},{"text":"ومنه قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^١) ووصفه بالشدة لأنها من صفات الحبال والشدة في الدين الثبات والاستقامة، وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى: \"انقطعت بي الحبال في سفر\" أي: انقطعت بي الأسباب (^٢)، أ. هـ.\nوالحبل العهد والميثاق، ومنه حديث ابن مسعود \"عليكم بحبل الله\" أي: كتابه ويجمع الحبل على حبال قاله في النهاية (^٣).\nقوله: \"والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه\" الحديث، الاعتصام بحبل الله هو اتباع القرآن وترك الفرقة (^٤) فالاعتصام بالحبل تمثيل الوثوق المعتصم بحماية المعتصم به بإمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه أو استعارة بعهده (^٥).\nقوله: \"لا يزيغ\" يقال: زاغ إذا مال وعدل (^٦).\nقوله: \"فيستعتب\" أي: يدخل عليه العتب والضرر والمشقة وأصل العتب الشدة ذكره البوصيري.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.\n(^٢) النهاية (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٣٢).\n(^٤) الغريبين (٢/ ٤٠١)، وشرح السنة (١/ ١٨٩)، ومشارق الأنوار (١/ ١٧٦) ومطالع الأنوار (٢/ ٢١٧).\n(^٥) تفسير الكشاف (١/ ٣٩٤).\n(^٦) تفسير غريب ما في الصحيحين (ص ٢٤٠) للحميدي.","vol":"7","page":60},{"text":"قوله: \"ولا يخلق من كثرة الرد\" بضم اللام ويجوز فتحها والياء فيهما مفتوحة ويجوز ضم الياء مع كسر اللام يقال: خلق الشيء يخلق إذا بلى والمراد هنا لا تذهب جلالته، وحلاوته استظهره حفظه ظاهرًا (^١).\nقوله: \"رواه الحاكم من رواية صالح بن عمر عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص\" [إبراهيم الهجرى هو ابن مسلم الهجري: ضعفه ابن معين وقال أبو حاتم ليس بقوي ووثقه ابن حبان وابن خزيمة وأخرجا له في صحيحيهما غير ما حديث عن أبي الأحوص، وقال ابن عدي إنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد الله وعامتها مستقيمة، وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة الأشجعي، أبو الأحوص الكوفي، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، روى عن ابن مسعود وعلى وغيرهما ثقة مشهور قتلته الخوارج في أيام الحجاج بن يوسف].\n\n٢٢٠٩ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن لله أهلين من النَّاس قَالُوا من هم يَا رَسُول الله قَالَ أهل الْقُرْآن هم أهل الله وخاصته رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم كلهم عَن ابْن مهْدي حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن بديل عَن أَبِيه عَن أنس وَقَالَ الْحَاكِم يرْوى من ثَلَاثَة أوجه عَن أنس هَذَا أَجودهَا (^٢).\n_________\n(^١) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٢٠١).\n(^٢) النسائي (٨٠٣١)، وابن ماجه في المقدمة (٢١٥)، والحاكم (١/ ٥٥٦)، وأحمد (١٢٢٧٩)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٧٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٨٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١٧٩).","vol":"7","page":61},{"text":"قَالَ المملي الْحَافِظ عبد الْعَظِيم: وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح.\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن لله أهلين من الناس\" قالوا: من هم يا رسول الله؟ الحديث، أي: حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله والمختصون به اختصاص أهل الإنسان به وكانوا يسمون أهل مكة أهل الله تعظيما لهم كما يقال بيت الله، ويجوز أن يكون المراد أهل بيت الله لأنهم كانوا سكان بيت الله قاله في النهاية (^١)، وسئل أبو بكر الوراق عنه فقال: أهل القرآن من يحوطه القرآن ولا يسلمه الشيطان ولا يسلك به غير طريق الرحمن هل رأيتم أحدا أسلم أهله إلى أعدائه فانظر أسلمك القرآن إلى عمل الشيطان أم إلى عبادة الرحمن؟ فإن أسلمك إلى عبادة الشيطان فلست من أهل القرآن وإن أسلمك إلى عبادة الرحمن فأنت من أهل القرآن ذكره صاحب المغيث (^٢).\nقوله: حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس [عبد\nالرحمن بن بديل بن ميسرة العقيلي البصري قال يحيى بن معين وأبو داود والنسائي: ليس به بأس، وقال الطيالسي: حدثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي، وكان ثقة، صدوقا، وأبوه ثقة وثقه يحيى بن معين والنسائي وابن سعد].\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٤).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ١١٤).","vol":"7","page":62},{"text":"٢٢١٠ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵄ - أنه مر على قارئ يقْرَأ ثمَّ سَأَلَ فَاسْتَرْجع ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من قَرَأَ الْقُرْآن فليسأل الله بِهِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقوام يقرؤون الْقُرْآن يسْأَلُون بِهِ النَّاس رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: وعن عمران بن حصين - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه مر على قارئ يقرأ ثم سأل فاسترجع، يعني: قال عمران بن حصين إنا لله وإنا إليه راجعون، يقال: منه رجع واسترجع.\nقوله: ثم قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس\" الحديث، وروي عنه - ﷺ - أنه قال: \"تعلموا القرآن واسألوا الله به الجنة قبل أن يجيء أقوام يسألون به الدنيا وإن القرآن يتعلمه ثلاثة رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرؤه لله\" (^٢) وقال عبد الله بن مسعود: سيجيء على الناس زمان يسأل فيه بالقرآن فإذا سألوكم فلا تعطوهم (^٣)، وقال ميمون بن مهران: لا تتخذوا القرآن\n_________\n(^١) الترمذي (٢٩١٧)، وقال: حديث حسن، زاد في طبعة د. بشار: حديث حسن ليس إسناده بذاك، وأحمد (١٩٩١٧)، والطبراني في الكبير (٣٧٠)، وسعيد بن منصور (١/ ١٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٦٢٨)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٦٧).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٤٨)، والمروزي في مختصر قيام الليل (ص ١٧٩ - ١٨٠)، والبيهقي في الشعب (٢/ ١٦ رقم ٢٣٨٩)، والبغوي (١١٨٢). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٨).\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٥٩).","vol":"7","page":63},{"text":"بضاعة تلتمسوا به الشف في الدنيا، يعني الربح واطلبوا الدنيا بالدنيا والآخرة بالآخرة (^١)، وروي عن عبد الله بن عمرو أنه جاء من المسجد الجامع حتى إذا بلغ أصحاب الدر إذا رجل والناس مجتمعون عليه، نظر فإذا رجل يقرأ ويسأل الناس فالتمس سوطا فوجده ثم أتى الناس فقال: افرجوا فعلا رأسه ضربا حتى سبقه عدوا فقال: يا لعباد الله ما كنت أرى أن أبقى حتى أرى أحدا يسأل بكتاب الله (^٢)، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: فلا ينبغي لمن حفظ القرآن أن يسأل به غير الله تعالى وكان بعض السلف إذا ختم القرآن يقول: اللهم اغفر لي بالقرآن اللهم ارحمني بالقرآن اللهم اهدني بالقرآن اللهم عافني بالقرآن وإنما كان هذا لأن القرآن كلامه ﷾ فلا ينبغي أن ينال به غيره ذكره القرطبي في كتابه التذكار (^٣) ..\n\n٢٢١١ - وَعَن بُرَيْدَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَرَأَ الْقُرْآن وَتعلم وَعمل بِهِ ألبس والداه يَوْم الْقِيَامَة تاجا من نور ضوؤه مثل ضوء الشَّمْس ويكسى والداه حلتين لَا يقوم لَهما الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ بِمَ كسينا هَذَا فَيُقَال بِأخذ ولدكما الْقُرْآن رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٤).\nقوله: وعن بريدة - ﵁ -[هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن\n_________\n(^١) تاريخ ابن عساكر (٦١/ ٣٥٤)، وتهذيب الكمال (٢٩/ ٢١٩).\n(^٢) المنهاج (٢/ ٣٦٠).\n(^٣) التذكار (ص ٩٧ - ٩٨).\n(^٤) الحاكم (١/ ٥٦٨)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"7","page":64},{"text":"عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمي. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به ألبس والداه يوم القيامة تاجا من نور\" الحديث، وذكر أبو بكر الأنباري فذكر الحديث إلى أن بلغ إلى العوام بن حوشب أن أبا عبد الرحمن السلمي كان إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا اتق الله فما أعرف. أحدا خيرا منك إن عملت بالذي علمت (^٢)، وروي سفيان عن حبيب بن أبي عمرة قال: إذا ختم الرجل القرآن قبل الملك بين عينيه، حدث به أحمد بن حنبل فاستحسنه وقال هذا من مخبئات سفيان (^٣) ذكره القرطبي في كتابه التذكار (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨١).\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ١٣ - ١٤) والتذكار (ص ٦٧).\n(^٣) المجالسة (٣٩٥ و٣٣٨٠)، وشعب الإيمان (٣/ ٤٢٣ رقم ١٩١٠)، وتاريخ بغداد (١٣/ ٤٤).\n(^٤) التذكار (ص ٨٨).","vol":"7","page":65},{"text":"٢٢١٢ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَرَأَ الْقُرْآن فاستظهره فأحل حَلَاله وَحرم حرَامه أدخلهُ الله بِهِ الْجنَّة وشفعه فِي عشرَة من أهل بَيته كلهم قد وَجَبت لَهُم النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: وعن علي بن أبي طالب - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ القرآن فاستظهره\" أي: حفظه يقول: قرأت القرآن عن ظهر قلبي أي قرأته من حفظي وفيه [ما نزل من] القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، قيل: ظهرها لفظها، وبظنها معناها، قيل: أراد بالظهر ما ظهر تأويله وعرف معناه وبالبطن ما بطن تفسيره، وقيل: قصصه في الظاهر أخبار وفي الباطن عبرة وتنبيه وتحذير وغيره ذلك، قيل: أراد بالظهر التلاوة وبالبطن [التفهيم] (^٢) والتعظيم قاله في النهاية (^٣).\nقوله: \"فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله به الجنة\" الحديث، وعن أبي نضرة أن رجلا من التابعين كان إذا جلس إليه أصحاب رسول الله - ﷺ - أعجبهم مجلسه وحديثه، فقالوا يوما إن مثل القرآن مثل المطر حلو طيب\n_________\n(^١) الترمذي (٢٩٠٥)، وقال: حديث غريب من هذا الوجه، وليس له إسناد صحيح، وابن ماجه في المقدمة (٢١٦)، والطبراني في الأوسط (٥١٢٦)، وعبد الله بن أحمد في زيادته على المسند (١٢٦٨)، وقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٥٧٦١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٦٦) [التفهم].\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٦٦).","vol":"7","page":66},{"text":"طهور مبارك أنزله الله تعالى فأصاب به الشجر حلوه ومره فزاد الحلاوة حلاوة إلى حلاوتها والمرارة مرارة إلى مرارتها وكذلك القرآن هدى وشفاء للذين آمنوا (^١).\n\n٢٢١٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن لم يرد إِلَى أرذل الْعُمر وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٢) قَالَ الَّذين قرؤوا الْقُرْآن رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٤) قال: الذين قرأوا القرآن.\n\n٢٢١٤ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا أَبَا ذَر لِأَن تَغْدُو فتعلم آيَة من كتاب الله خير لَك من أَن تصلي مائَة رَكْعَة وَلِأَن تَغْدُو فتعلم بَابا من الْعلم عمل بِهِ أَو لم يعْمل بِهِ خير من أَن تصلي ألف رَكعَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^٥).\n_________\n(^١) التذكار (ص ٦٧).\n(^٢) سورة التين، الآيتان: ٥ - ٦.\n(^٣) الحاكم (٢/ ٥٢٨)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٠٦).\n(^٤) سورة التين، الآيتان: ٥ - ٦.\n(^٥) ابن ماجه (٢١٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٧٣).","vol":"7","page":67},{"text":"قوله: وعن أبي ذر - ﵁ - تقدم الكلام عليه، وعلى تفسير الحديث في كتاب العلم وكذلك تقدم الكلام على الحديث الذي بعده في قيام الليل.\nفائدة: روى أبو محمد عبد الغني الحافظ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قرأ القرآن أو جمع القرآن كانت له عند الله دعوة مستجابة إن شاء عجلها له في الدنيا وإن شاء ادخرها له يوم القيامة\" (^١)، وهذا عام في كل مسلم قرأ القرآن إذ الكافر والمنافق ليست لهما عند الله دعوة مستجابة تدخر والله أعلم، روى ابن لهيعة فذكر الحديث إلى أن قال: سمعت عقبة بن عامر يقول قال رسول الله - ﷺ -: \"لو كا القرآن في إهاب لم\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٥٥ رقم ٦٦٠٦)، وابن عدى في الكامل (٨/ ١٨٨ - ١٨٩)، والخولاني في تاريخ داريا (ص ٩٧)، والخطيب في الموضح (٢/ ٤٨٤).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن جابر إلا شرحبيل، ولا رواه عن شرحبيل إلا مقاتل ابن دوال دوز، تفرد به المحاربي، ولم يسند مقاتل غير هذا الحديث.\nوقال ابن عدي: ولمقاتل غير ما ذكرت من الحديث حديث صالح، وعامة أحاديثه مما لا يتابع عليه، على أن كثيرا من الثقات والمعروفين قد حدث عنه، والشافعي محمد بن إدريس، يقول: الناس عيال على مقاتل بن سليمان في التفسير، وكان من أعلم الناس بتفسير القرآن، وله كتاب الخمسمائة آية، التي يرويها عنه أبو نصير منصور بن عبد الحميد الباوردي، وفي ذلك الكتاب حديث كثير مسند، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.\nكذا جعله ابن عدى مقاتل بن حيان وهو منصوص عليه كذلك في تاريخ داريا وعند الآخرين ابن سليمان أو ابن دوال دوز وكلاهما معروف بالتفسير.\nقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٦٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مقاتل بن دوال دوز، فإن كان هو مقاتل بن حيان كما قيل فهو من رجال الصحيح، وإن كان ابن سليمان فهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات.","vol":"7","page":68},{"text":"تأكله النار\" قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وجه هذا عندنا أن يكون أراد بالإهاب قلب المؤمن وجوفه الذي قد وعي القرآن (^١)، أ. هـ قاله القرطبي في التذكار (^٢)، وفي رواية أخرى: \"لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق\" (^٣) قيل: كان هذا معجزة القرآن في زمن النبي - ﷺ - كما تكون الآيات في عصور الأنبياء وقيل: المعنى من علمه الله القرآن لم تحرقه نار الآخرة فجعل جسم حافظ القرآن كالإهاب له والله أعلم قاله في النهاية (^٤).\n\n٢٢١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة لم يكْتب من الغافلين رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٥).\n_________\n(^١) فضائل القرآن (١/ ٢٤٤/ ح ١٤).\n(^٢) التذكار (ص ٦٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٤ (١٧٤٠٩) و٤/ ١٥٥ (١٧٤٢٠)، والدارمي (٣٣٥٣)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ٢٢٠)، وأبو يعلى ٣/ ٢٨٤ (١٧٤٥)، والطحاوي في المشكل (٩٠٦) والطبراني ١٧/ ٣٠٨ (٨٥٠).\nوقال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا خالد بن خداش قال: قال لي ابن وهب - ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة: إني لست كغيري في ابن لهيعة، فاكتبها. وقال لي: حديثه عن عقبة بن عامر أن النبي - ﷺ - قال: لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار، ما رفعه لنا ابن لهيعة قط، أول عمرها لعلل رواية عبد الله (١٧٨٤)، (٥١٩٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٥٦٢).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٣).\n(^٥) الحاكم (١/ ٥٥٥)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخراجه، ووافقه الذهبي، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٧٠٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٧٤).","vol":"7","page":69},{"text":"٢٢١٦ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من حَافظ على هَؤُلاءِ الصَّلَوَات المكتوبات لم يكْتب من الغافلين وَمن قَرَأَ فِي لَيْلَة مائَة آيَة كتب من القانتين رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١). قَالَ الْحَافِظ وَقد تقدم فِي صَلَاة اللَّيْل أَحَادِيث نَحْو هَذَا.\n\n٢٢١٧ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا قَرَأَ ابْن آدم السَّجْدَة فَسجدَ اعتزل الشَّيْطَان يبكي يَقُول يَا ويله.\nوَفِي رِوَايَة يَا ويلي أَمر ابْن آدم بِالسُّجُود فَسجدَ فَلهُ الْجنَّة وَأمرت بِالسُّجُود فأبيت فلي النَّار رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَه (^٢).\nوَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس (^٣).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أبي إِسْحَاق عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا قَالَ إِذا رأى الشَّيْطَان ابْن آدم سَاجِدا صَاح وَقَالَ يَا ويله يَا ويل الشَّيْطَان أَمر الله ابْن آدم أَن يسْجد وَله الْجنَّة فأطاع وَأَمرَنِي أَن أَسجد فعصيت فلي النَّار (^٤).\n_________\n(^١) ابن خزيمة (١١٤٢)، والحاكم (١/ ٣٠٨)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٢) مسلم (١٣٣)، وابن ماجه (١٠٥٢)، وأحمد (٩٧١٣)، وابن خزيمة (٥٤٩)، وابن حبان (٢٧٥٩).\n(^٣) البزار (٧٥٤)، وابن عدي (١٤٢٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٤)، وفيه كنانة بن جبلة؛ وثقه أبو حاتم وضعفه غيره، وسهيل بن أبي حزم؛ وثقه ابن معين وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.\n(^٤) الطبراني في الكبير (٩٤٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٤)، ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا إسحاق لم يسمع من ابن مسعود.","vol":"7","page":70},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله\" وفي الرواية الأخرى \"يا ويلي\" يجوز فيه فتح اللام وكسرها، فقوله: \"إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد\" فمعناه آبة السجدة، فقوله \"اعتزل الشيطان يبكي\" فقوله \"يا ويله\" وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملا على المعنى وعدل عن حكاية قول إبليس يا ويلي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، وقد يرد الويل بمعنى التعجب، أ. هـ كلامه في النهاية (^١).\nوقال غيره في قوله: \"يا ويله\" هو من آداب الكلام وهو أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء واقتضت الحكاية رجوع الضمير إلى المتكلم صرف الحاكي الضممير عن نفسه تصاونا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه (^٢)، أ. هـ.\nفقوله \"ويله\" الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني ويا هلاكي ويا عذابي أحضر فهذا وقتك وأوانك فكأنه نادي الويل أدن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع وهو الندم على تركه السجود لآدم ﵇، أ. هـ كلام النهاية (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٣٦).\n(^٢) قاله النووي كما في شرح مسلم (٢/ ٧١)، وعنه ابن مفلح كما في الآداب الشرعية (١/ ٣٦).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٣٦).","vol":"7","page":71},{"text":"واعلم أن مقصود الإمام مسلم بذكر هذا الحديث هنا أن من الأفعال ما تركه يوجب الكفر إما حقيقة وإما تسمية فأما كفر إبليس بسبب السجود فمأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ (^١) قال الجمهور: معناه وكان في علم الله تعالى من الكافرين، وقال بعضهم وصار من الكافرين (^٢).\nفائدة: اعلم أن أول معصية عصى الله بها الحسد، قال الكرابيسي صاحب الشافعي: الحسد أول معصية عصى الله تعالى بها في السماء وهو سابق على الكفر وذلك أن إبليس لعنه الله حسد آدم ﵇ يسجد له فكفر (^٣)، قال العلماء - ﵃ -: وكفر إبليس من ثلاثة أوجه: الأول: أنه استنقص نبيا وهو آدم ﵇ ومن استنقص نبيا كفر (^٤)، قال صاحب اللمع: عبد إبليس ربه ثمانين ألف سنة ثم كفر نعوذ بالله من ذلك (^٥).\nالثاني: أنه خالف إجماع الملائكة في السجود ومن خالف الإجماع كفر (^٦).\nالثالث: أنه نسب البارئ ﷻ وتعالى إلى التجوير وعدم الحكمة في\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٤.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧٠).\n(^٣) انظر: نزهة المجالس (٢/ ٤٩).\nوقال مالك: إن أول معصية عصي الله بها الحسد، حسد إبليس لآدم، وحسد قابيل لهابيل.\nالقبس (ص ١٠٤٨)، والمسالك (٧/ ٢٦٨).\n(^٤) كشف الأسرار (لوحة ١٢).\n(^٥) انظر: منهاج العابدين (ص ١٢٠).\n(^٦) كشف الأسرار (لوحة ١٢)، والبرهان (٣/ ٤٩).","vol":"7","page":72},{"text":"أمره، بالسجود لآدم ﵇ وهو خير منه بدعواه لأن الأشرف لا يسجد للأدنى (^١) [سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته سبحان الحكيم العليم سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا سبحان من لا يسلم قدره غيره ولا يبلغ الواصفون صفته الحمد لله رب العالمين، ينبغي أن تذكر هذه الكلمات في هذا المحل مع حضور قلب والله الموفق] قالوا: وأخطأ إبليس لعنه الله تعالى في دعواه الخيرية بقوله إنه خلق من نار وآدم ﵇ خلق من طين والنار تأكل الطين فهو خير منه وأخطأ لعنه الله في قياسه من وجهين، الأول: أنه قاس في معرض النص والقياس في معرض النص لا يجوز إلا عند إبليس ومن قاس في معرض النص كان كقياس إبليس؛ الثاني: أن الأصل ممنوع فإن الطين خير من النار لأنه يثبت وينتفع به في غالب الأشياء ومن طبعه الرزانة والسكون، والنار من شأنها الخفة والإحراق والطيش وكذلك إبليس لعنه الله لما خلق منها طاش فقاس (^٢)، قال الكرابيسي: والحسد أيضًا أول معصية عصى الله بها في الأرض وذلك أن قابيل حسد هابيل أخاه حين قربا القربان ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾ (^٣) الآية (^٤)، فهو أول من سن\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ١٢) وحياة الحيوان (١/ ٣٠٢).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٨٦)، والتفسير الوسيط (٢/ ٣٥٣)، وتفسير القرطبي (٧/ ١٧١)، وتفسير الخازن (٢/ ١٨٥)، وكشف الأسرار (لوحة ١٢).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٢٧.\n(^٤) انظر: نزهة المجالس (٢/ ٤٩).","vol":"7","page":73},{"text":"القتل في الأرض كما ورد في الحديث المشهور (^١)، قاله ابن العماد في شرح العمدة.\nمسألة: قال القرافي: واتفق الناس على تكفير إبليس بقصته مع آدم ﵇، وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا وليس كذلك، ولا كان كفره لكونه حسد آدم ﵇ على منزلته من الله ﷿ وإلا لكان كل حاسد كافرا، ولا كان كفره لعصيانه. وفسوقه وإلا لكان كل عاص وفاسق كافر، قد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء، وينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبته الحق ﷾ إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرض، وأظهر ذلك من فحوى كلامه ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (^٢) ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير بالسجود للحقير من الجور والظلم، وهذا وجه كفره لعنه الله، وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك كافر، واختلفوا هل كان قبل إبليس كافر أو لا؟ فقيل: لا وأنه أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض، واختلفوا أيضًا: هل كفر إبلي جهلا أو عنادًا، على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال كفر جهلا قال: إنه سلب العلم عند كفره، ومن قال: كفر عنادًا ومعه علمه.\nقال ابن عطية المفسر: والكفر مع بقاء العلم مستبعد (^٣)، إلا أنه عندي جائز لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) و(٦٨٦٧) و(٧٣٢١)، ومسلم (٢٧ - ١٦٧٧) عن ابن مسعود.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٢.\n(^٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ١٢٦).","vol":"7","page":74},{"text":"يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن شاء (^١) [كما خذل ﷾ بعدله أحبار اليهود والنصارى عن اتباع رسوله - ﷺ - مع رسوخ قدمهم في معرفته وانكشاف أوصافه الشريفة لديهم انكشاف الشمس لذوي الأبصار، قال جل من قائل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ (^٢) فسبحان مقلب القلوب، والله أعلم، قاله كاتبه؛] واختلفوا هل بعث الله تعالى من الجن إليهم رسولا قبل بعثة نبينا - ﷺ -، فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (^٣) الآية (^٤).\nوقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط وإنما الرسل من الإنس خاصة وهذا هو الصحيح المشهور (^٥).\nوقد احتج أبو حنيفة وأصحابه بقوله: \"أمر ابن آدم بالسجود فسجد\" الحديث على أن سجود التلاوة واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض، ومذهب مالك والشافعي والأكثرين أنه سنة، وأجابوا\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٠١ - ٣٠٢).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٦.\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٣٠.\n(^٤) تفسير الطبري (٩/ ٥٦٠).\n(^٥) وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن جريج انظر تفسير الطبري (٩/ ٥٦١) وتفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٣٨٩ رقم ٧٩٠٣) وتفسير الثعلبي (٤/ ١٩١ - ١٩٢) والتفسير البسيط (٨/ ٤٤٢ - ٤٤٤)، وتفسير البغوي (٣/ ١٩٠) وتفسير القرطبي (٧/ ٨٦) و(١٦/ ٢١٧)، وفتاوى السبكى (٢/ ٦٠٩).","vol":"7","page":75},{"text":"عن هذا بأجوبة أحدها: أن تسمية هذا أمرا أنه من كلام إبليس فلا حجة فيها.\nفإن قالوا: قد حكاها النبي - ﷺ - فلم ينكرها.\nقلنا: قد حكى غيرها من أقوال الكفار ولم يبطلها حال الحكاية وهي باطلة، الثاني: أن المراد أمر ندب لا إيجاب، والوجه الثالث: أن المراد المشاركة في السجود لا في الوجوب (^١).\nومستند الشافعي والجمهور ما ثبت عن عمر - ﵁ - أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء إلى السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء إلى السجدة قال: \"إنما أمرنا بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه\" ولم يسجد عمر - ﵁ -، وروي أنه قال: إن الله لم يفرض السجود إلا لمن شاء.\nروى البخاري الروايتين في صحيحه (^٢) ولم ينقل أنهم أنكروا عليه، وهذا من عمر - ﵁ - في هذا الموطن العظيم دليل على إجماعهم على أنه ليس بواجب (^٣)، فإن قيل: ذم الله تعالى من لم يسجد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ (^٤)؟ فالجواب: أن الآية في الكافرين بدليل ما قبلها وما بعدها (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧١ - ٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٧٧).\n(^٣) المجموع (٤/ ٦٢)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(^٤) سورة الانشقاق، الآية: ٢١.\n(^٥) شرح الصحيح (٣/ ٦١ - ٦٢) لابن بطال، والنجم الوهاج (٢/ ٢٧٠).","vol":"7","page":76},{"text":"٢٢١٨ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَنه رأى رُؤْيا أَنه يكْتب ص فَلَمَّا بلغ إِلَى سجدتها قَالَ رأى الدواة والقلم وكل شَيء بِحَضرَتِهِ انْقَلب سَاجِدا قَالَ فقصصتها على النَّبِي - ﷺ - فَلم يزل يسْجد بهَا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، تقدم.\nقوله: أنه رأى رؤيا أنه يكتب ص - يعني سورة ص - فلما بلغ إلى سجدتها قال رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا، فقال فقصصتها على النبي - ﷺ - فلم يزل يسجد بها، اعلم أن سجود التلاوة مشروع عند قراءة آيات السجدات مطلوب بالإجماع، ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله - ﷺ -: \"يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه لا يرى بعضنا موضعًا لمكان جبهته\"، وفي رواية لمسلم \"في غير صلاة\" (^٢) وهو سنة للقارئ والمستمع له، ويستحب أيضا للسامع الذي لا يستمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي، والسجدات في القرآن أربع عشرة سجدة على مذهب الشافعي: سجدة في آخر سورة الأعراف وسجدة في الرعد وسجدة في النحل وسجدة في سبحان وسجدة في مريم وسجدتان في\n_________\n(^١) أحمد (١١٧٤١)، والحاكم (٢/ ٤٣٢)، والبيهقي (٢/ ٣٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٤)، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٧٥) و(١٠٧٦) و(١٠٧٩)، ومسلم (١٠٣ و١٠٤ - ٥٧٥) عن ابن عمر.","vol":"7","page":77},{"text":"الحج وسجدة في الفرقان وسجدة في النمل وسجدة في ألم تنزيل وسجدة في حم السجدة وسجدة في النجم وسجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ وسجدة في اقرأ باسم ربك الذي خلق، وموضعها معروف مذكور في كتب الفقه وموضع السجدة في حم السجدة عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (^١)، وفي سورة النمل عند قوله ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ (^٢) على الأصح فيهما (^٣)، وأما سجدة سورة ص فسجدة شكر أي لله تعالى على قبول توبة داود ﵊ ليست من عزائم السجود أي من متأكداته لحديث ابن عباس - ﵄ - أنه - ﷺ - سجد في ص وقال: \"سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا\" رواه النسائي (^٤)، فإن قرأها الإنسان في الصلاة لم يسجد كما لا يسجد في غيرها من سجود الشكر وهذا هو الأصح، فإن سجد عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته فإن كان ناسيا أو جاهلا فلا (^٥).\nتنبيه: وأما عدد السجدات فمذهب الشافعي الصحيح أن عددها أربع عشرة منها: سجدتا الحج لا ص، وتقدم ذلك، وعن مالك روايتان إحداهما\n_________\n(^١) سورة فصلت، الآية: ٣٨.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٩.\n(^٣) انظر: التبيان (ص ١٣٧ - ١٣٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١).\n(^٤) أخرجه النسائي في المجتبى ٢/ ٣٧٥ (٩٦٩) والكبرى (١٠٣١ و١١٣٧٤)، والطبراني في الأوسط (١/ ٣٠١ رقم ١٠٠٨) والكبير (١٢/ ٣٤ رقم ١٢٣٨٦ و١٢٣٨٧). وصححه الألباني في المشكاة (١٠٣٨) وصحيح أبي داود (١٢٧٠).\n(^٥) التبيان (ص ١٤٠).","vol":"7","page":78},{"text":"كمذهبنا وأشهرهما إحدى عشرة أسقط سجدات المفصل، قال: لا سجدة فيه، وعن أحمد روايتان إحداهما كمذهبنا والثانية خمس عشرة بإثبات [ص] وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه وهو قولى ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وأجمعوا على السجدة الأولى من الحج واختلفوا في الثانية (^١).\nفرع: قال الرافعي: لو سجد أمامه في ص لكونه يرى السجود فيها كالحنفي لم يتابعه بل ينتظره قائما ويفارقه، وإذا انتظره هل يسجد للسهو فيه وجهان قال النووي (^٢) في الروضة: قلت الأصح لا يسجد وهذا الصحيح مشكل لا يمشي على القواعد، والصواب أنه يسجد لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته شيئا جاهلا والاعتبار بنية المقتدي ثم إن تخصيص السجود بحالة الانتظار لا وجه له بل يجزيء مع نية المفارقة أيضًا (^٣).\nفائدة: وسجود التلاوة عندنا وعند الجمهور سنة ليس بواجب وعند أبي حنيفة واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض وهو سنة للقارئ والمستمع له وهو سنة، ويستحب أيضًا للسامع الذي لم يستمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي كما تقدم، وإذا سجد المستمع لقراءة غيره وهما في صلاة لم يرتبط به بل له أن يرفع قبله وله أن يطول السجود بعده وله أن يسجد إن لم يسجد القارئ، وسواء كان\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٦٢).\n(^٢) روضة الطالبين وعمدة المفتين (١/ ٣١٩).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٧٣).","vol":"7","page":79},{"text":"القارئ متطهرًا أو محدثا امرأة أو صبيا أو غيرهم ولأصحابنا وجه ضعيف أنه لا يسجد لقراءة الصبي والمحدث والكافر والصحيح الأول (^١)، أ. هـ.\nتنبيه: واعلم أنه يشترط لجواز سجود التلاوة وصحته شروط صلاة النفل من الطهارة عن الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة وسائر الشروط ولا يجوز السجود حتى تتم قراءة السجدة ويجوز عندنا سجود التلاوة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لأنها ذات سبب ولا يكره عندنا ذوات الأسباب وفي سجود التلاوة مسائل وتفريعات مشهورة في كتب الفقه لا يحتملها هذا التعليق فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من مظانه.\n\n٢٢١٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي رَأَيْت فِي هَذِه اللَّيْلَة فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي أُصَلِّي خلف شَجَرَة فَرَأَيْت كَأَنِّي قَرَأت سَجْدَة فَرَأَيْت الشَّجَرَة كَأَنَّهَا تسْجد لسجودي فسمعتها وَهِي سَاجِدَة وَهِي تَقول اللَّهُمَّ اكتُبْ لي بهَا عنْدك أجرا وَاجْعَلْهَا لي عنْدك ذخْرا وضع عني بهَا وزرا واقبلها مني كَمَا تقبلت من عَبدك دَاوُد قَالَ ابْن عَبَّاس فَرَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - قَرَأَ السَّجْدَة فَسَمعته وَهُوَ ساجد يَقُول مثل مَا قَالَ الرجل عَن كَلَام الشَّجَرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٧٤).\n(^٢) الترمذي (٥٧٩)، وابن ماجه (١٠٥٣)، وابن حبان (٢٧٦٨)، والعقيلي (١/ ٢٤٣)، وابن خزيمة (٥٦٣)، والحاكم (١/ ٢١٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٦٥).","vol":"7","page":80},{"text":"قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن مُحَمَّد بن يزِيد بن خُنَيْس عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن جريج عَن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه انْتهى وَالْحسن قَالَ بَعضهم لم يرو عَنهُ غير مُحَمَّد بن يزِيد وَقَالَ الْعقيلِيّ لَا يُتَابع على حَدِيثه.\n\n٢٢٢٠ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي تَحت شَجَرَة وَكَأن الشَّجَرَة تقْرَأ ص فَلَمَّا أَتَت على السَّجْدَة سجدت فَقَالَت فِي سجودها اللَّهُمَّ اغْفِر لي بهَا اللَّهُمَّ حط عني بهَا وزرا وأحدث لي بهَا شكرا وتقبلها مني كَمَا تقبلت من عَبدك دَاوُد سجدته فَغَدَوْت على رَسُول الله - ﷺ - فَأَخْبَرته فَقَالَ سجدت يَا أَبَا سعيد قلت لَا قَالَ فَأَنت أَحَق بِالسُّجُود من الشَّجَرَة ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله - ﷺ - سُورَة ص ثمَّ أَتَى على السَّجْدَة فَسجدَ وَقَالَ فِي سُجُوده مَا قَالَت الشَّجَرَة فِي سجودها وَفِي إِسْنَاده يمَان بن نصر لَا أعرفهُ (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم.\nقوله: عن كلام الشجرة \"اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا\" إلى آخره يستحب هذا الدعاء في سجود التلاوة، سواء كان السجود في صلاة وغيرها ويستحب أن يقول أيضا: سجد وجهي\n_________\n(^١) أبو يعلى (١٠٦٤)، والطبراني في الأوسط (٤٧٦٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٥)، وفيه اليمان بن نصر، قال الذهبي: مجهول.","vol":"7","page":81},{"text":"للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته\" كذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عائشة (^١) وزاد الحاكم: \"فتبارك الله أحسن الخالقين\" (^٢) فيستحب أن يدعو الساجد للتلاوة جهذه الدعوات الواردة في هذا الحديث لمناسبتها وحسن حديثها.\nوفي هذا الحديث المبادرة إلى العمل بما يسمعه الإنسان من العلم فإن سيد المرسلين - ﷺ - لما سمع هذا المنام [قرأه في سجود التلاوة]، قال الأستاذ إسماعيل الضرير في تفسيره عن الإمام الشافعي أنه اختار أن يقول: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (^٣)، قال في شرح المهذب، وظاهر القرآن يقتضي مدح هذا فيكون حسنا ولو قال ما في حديث علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد قال: \"اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت أنت ربي سجد وجهي للذي شق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين\" رواه مسلم، ورواه ابن حبان بلفظ: \"فتبارك الله\" بالفاء (^٤) وكذا ذكره الرافعي وغيره، وذكر\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤١٤)، والترمذي (٥٨٠) و(٣٤٢٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤٩١ (١١٤٠) والكبرى (٧١٨)، والدارقطني (١٥١٤)، والحاكم (١/ ٢٢٠). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (١٠٣٥) وصحيح أبي داود (١٢٧٣).\n(^٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢٢٠)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٤٦٠ رقم ٣٧٧٤). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي.\n(^٣) المجموع (٤/ ٦٥)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٧٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٠١ و٢٠٢ - ٧٧١)، وابن حبان (١٩٧٧).","vol":"7","page":82},{"text":"الإمام الغزالي في الإحياء (^١) طريقة حسنة في كيفية الدعاء ونحى نحوها الروياني في [البحر (^٢)] فقالا: يستحب أن يقول في سجوده ما يليق بالآية التي قرأ بها فيقول في الفرقان سجدت للرحمن وآمنت بالرحمن فاغفر لي يا رحمان (^٣)، أ. هـ.\nقال في التتمة أن الخبر ورد به (^٤) هكذا في مختصر الكفاية وعند قوله تعالى ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^٥) قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك أو على أوليائك، وإن قرأ قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (^٦) الآية، فليقل: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك (^٧).\nتنبيه: وينبغي أن لا يزيد على مقدار ثلاث تسبيحات في سجود التلاوة إلا برضى الحضور (^٨).\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٢٧٧).\n(^٢) بحر المذهب (٢/ ١٤٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٧٨).\n(^٤) بحر المذهب (٢/ ١٤٢)، وكفاية النبيه (٣/ ٣٨٤).\n(^٥) سورة السجدة، الآية: ١٥.\n(^٦) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.\n(^٧) إحياء علوم الدين (١/ ٢٧٧).\n(^٨) النجم الوهاج (٢/ ٢٧٨).","vol":"7","page":83},{"text":"٢٢٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - كتبت عِنْده سُورَة النَّجْم فَلَمَّا بلغ السَّجْدَة سجد وسجدنا مَعَه وسجدت الدواة والقلم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم.\nقوله: أن النبي - ﷺ - كتبت عنده سورة النجم فلما بلغ السجدة سجد وسجدنا معه وسجدت الدواة والقلم، تقدم الكلام على السجدات وذكرها في السور.\nفروع يختم بها الباب: أحدها: إذا سجد في آخر سورة الأعراف ونحوها فيلزمه أن ينتصب بعد السجود ليركع ويستحب أن يقرأ شيئا من سور أخرى وعن العجلي في استحبابه وجهان (^٢).\nالثاني: قال المتولي: جرت عادة بعض الناس بالسجود بعد الصلاة يدعون فيه ولا يعرف لهذا أصل، ولم ينقل عنه - ﷺ - فالأولى أن يدعو بعد الفراغ كما وردت به الأخبار (^٣) والله أعلم، ذكره في مختصر الكفاية.\nالثالث: لا يقوم الركوع مقام سجدة التلاوة عندنا خلافا لأبي حنيفة والخطابي، ونقل في زيادات الروضة هنا عن البحر وأقره أن الخطيب إذا قرأ آية سجدة يترك السجود لما فيه من الكلفة، وقال في صلاة الجمعة إن أمكنه\n_________\n(^١) البزار (٧٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٥)، ورجاله ثقات.\n(^٢) كفاية النبيه (٣/ ٣٧٩).\n(^٣) كفاية النبيه (٣/ ٣٨٦).","vol":"7","page":84},{"text":"السجود على المنبر سجد وإلا نزل وسجد، والإمام الشافعي له في المسألة نصان فالذي قاله هنا موافق لأحدهما الآخر (^١).\nالرابع: يكره للمأموم قراءة السجدة والإصغاء إلى قراءة غير إمامه ولا يكره للإمام قراءة السجدة في جهرية ولا سرية خلافا لمالك (^٢).\nالخامس: لو سمع في دخوله المسجد قراءة سجدة فهل يسجد أو يصلي التحية فيه احتمال وقال البندنيجي وغيره إذا قرأ أو سمع آية وهو محدث توضأ وسجد وهذا قريب إذا تيسر الوضوء على قرب (^٣).\nفائدة مهمة: قال النووي في زوائد الروضة لم أر نقلا في جمع السجدات لغرض السجود فقط، وفي كراهة ذلك خلاف للسلف، ومقتضى مذهبنا أنه إن كان في غير الوقت المنهي عن الصلاة فيه أو في غير الصلاة لم يكره، وإن كان في الصلاة أو في وقت كراهتها ففيه الوجهان فيمن دخل المسجد في هذه الأوقات لا لفرض سوى التحية والأصح أنه يكره له الصلاة (^٤)، أ. هـ والمسألة ذكرها القاضي حسين والشيخ عز الدين، فأما القاضي فمقتضي كلامه جواز ذلك، وعدم استحبابه وأما الشيخ عز الدين منع ذلك وأفتى ببطلان الصلاة مطلقا وقت الكراهة وغيرها والله أعلم ذكره الشيخ كمال الدين الدميري (^٥).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٧٩).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٠).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٠).\n(^٤) روضة الطالبين (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٢٧٦).","vol":"7","page":85},{"text":"لطيفة: حكي الشيخ كمال الدين الآدمي في كتابه الطالع السعيد (^١) في ترجمة محمد بن محمد النصيبي (^٢) القوصي الفاضل المحدث الأديب أنه أخبره أنه حضر مرة عند عز الدين بن البطراوي الحاجب بقوص وكان له مجلس يجتمع فيه الرؤساء والقضاة والأدباء فحضر الشيخ علي الحرم وحكي أنه رأى ذرة تقرأ سورة يس فقال النصيبي وكان غراب يقرأ سورة السجدة فإذا جاء محل السجود سجد ويقول: سجد لم سوادي واطمأن بك فؤادي ذكره الدميري في حياة الحيوان (^٣) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) الطالع السعيد (ص ٦٢١ - ٦٢٢).\n(^٢) هو محمد بن محمد بن عيسى بن نحام بن نجدة بن معتوق الشيباني النصيبيني ثم القوصي.\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٤٦٨).","vol":"7","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>الترهيب من نسيان القرآن بعد تعلمه وما جاء فيمن ليس في جوفه منه شيء</span>\n٢٢٢٢ - عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله إِن الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفه شَيْء من الْقُرْآن كلبيت الخرب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا من طَرِيق قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\n\n٢٢٢٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ إِن أَصْغَر الْبيُوت بَيت لَيْسَ فِيهِ شَيْء من كتاب الله رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ رَفعه بَعضهم (^٢).\nقوله: عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \" [إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب، وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -] إن أصغر البيوت بيت ليس فيه شيء من كتاب الله\" الأصغر الخالي، وروي الطبراني قال: حدثنا عمران بن موسى الفزاز فذكره إلى أن قال عن عبد الرحمن بن سابق (^٣) قال: أكثروا تلاوة القرآن في بيوتكم\n_________\n(^١) الترمذي (٢٩١٣)، والحاكم (١/ ٥٥٤)، قال الذهبي: قابوس لين، (١٩٤٧)، والدارمي (٣٣٤٩)، والطبراني في الكبير (١٢٦١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٤٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٥٢٤).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥٥٦)، وابن أبي شيبة (٣٠٦٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٨٧)، والطبراني في الكبير (٨٦٤٥).\n(^٣) كذا وقع في التذكار (ص ١١٦) والذى عند غيره عبد الرحمن بن سابط.","vol":"7","page":87},{"text":"فإن البيت الذي يذكر فيه أو إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن ليتسع على أهله ويكثر خيره وتحضره الملائكة ويدحر عنه الشيطان\" (^١)، وكان يقول: \"اعمروا بيوتكم بذكر الله ولا تتخذوها قبورا كما اتخذت اليهود والنصارى بيوتهم، واجعلوا لها من صلاتكم جزءا فإن البيت الذي يذكر الله فيه يضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض\" (^٢) قال القرطبي: وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال فهو يستن من وجه صحيح والله أعلم قاله القرطبي في كتابه التذكار. (^٣).\n\n٢٢٢٤ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - عرضت عَليّ أجور أمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد وَعرضت عَليّ ذنُوب أمتِي فَلم أر ذَنبا أعظم من سُورَة من الْقُرْآن أَو آيَة أوتيها رجل ثمَّ نَسِيَهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة الْمطلب بن عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٥٩٩٨)، والدارمي (٣٣٥٠)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٢٩ رقم ٨٦٤٢ و٨٦٤٥) والحاكم (١/ ٥٦٦) موقوفًا. وأخرجه الحاكم (١/ ٥٦٦)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٧٢ رقم ٩١٨٣٣) مرفوعًا. قال الحاكم: صحيح الإسناد.\nقال في المجمع ٧/ ١٥٩: رواه الطبراني، وفيه عاصم بن بهدلة، وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) أخرجه الضبي في الدعاء (١١٣) وعبد الرزاق (٥٩٩٩) بلفظ أنيروا بيوتكم عن عبد الرحمن بن سابط مرسلا. ووصله أبو نعيم في المعرفة (٣٦٥٢) والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (١١٩٤) عن عبد الرحمن بن سابط عن أبيه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٣٨٣) و(٧٠٦٩).\n(^٣) التذكار (ص ١١٦).","vol":"7","page":88},{"text":"حنْطَب عَن أنس (^١)، قَالَ الْحَافِظ وَتقدم الْكَلام عَلَيْهِ فِي تنظيف الْمَسَاجِد.\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد\" الحديث، وفي رواية \"حتى القذاة، والبعرة يخرجها الرجل من المسجد\" والقذاة واحدة القذى.\nقوله - ﷺ -: \"وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها\" الحديث، قد ذكر صاحب العدة وهو الإمام أبو المكارم الروياني من أصاحبنا أي الشافعية: أي نسيان القرآن من الكبائر (^٢)، وعن سلمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أكبر ذنب توافي به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها\" (^٣)، وعن الضحاك بن مزاحم قال: \"ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه\" لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (^٤) وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (^٥).\n_________\n(^١) أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦)، وابن خزيمة (١٢٩٧)، وأبو يعلى (٤٢٤٩)، والخطيب في الجامع (١/ ١٦٢)، وابن الجوزي في العلل (١/ ١١٦)، والبيهقي (٢/ ٤٤٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٧٠٠).\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ١٠٢).\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٣٦) بلاغا عن ابن جريج.\n(^٤) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(^٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٣٩).","vol":"7","page":89},{"text":"وعن الحسن قال: مات عمر ولم يجمع القرآن، قال أموت وأنا في زيادة أحب إلي من أن أموت وأنا في نقصان، قال الأنصاري: يعني نسيان القرآن (^١)، وكان ابن عيينة يذهب في أن النسيان الذي يستحق اللوم ويضاف إليه الإثم هو الترك للعمل به وأن النسيان في كلام العرب الترك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (^٢) أي: تركوا طاعة الله فترك رحمتهم، قال سفيان: وليس من اشتهى حفظ شيء من القرآن وتفلت بناس له إذا كان يحل حلاله ويحرم حرامه، قال القرطبي: وهذا تأويل حسن جدا، وفيه: توجيه إلى أن الله تعالى أثنى على من كان دأبه قراءة القرآن فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ (^٣) أي: بالقرآن، وسمي القرآن ذكرا وتواعد من أعرض عنه ومن تعلمه فنسبه فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿حِمْلًا﴾ (^٤) وقال [بعد] ذلك ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ (^٥) فهذا ظاهر تلاوة القرآن وكذلك ظاهر الحديث فإذا كان نسيان القرآن من الذنوب بهذا المحل فلا احتراز منه إلا بإدمان القرآن وقال - ﷺ -: \"يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٤٦).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٦٧.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(^٤) سورة طه، الآيتان: ٩٩ - ١٠١.\n(^٥) سورة طه، الآيتان: ١٢٤ - ١٢٥.","vol":"7","page":90},{"text":"واتلوه حق تلاوته آناء الليل وآناء النهار وتغنوه وتغنوه واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون\" (^١)، قال أبو عبيد: قوله \"وتغنوه\" أي اجعلوه غناكم من الفقر ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا، قوله: \"وتغنوه أي اقتنوه كما تقتنون الأموال\" أ. هـ، ذكره القرطبي (^٢).\nقوله: في حديث الباب: رواه الحاكم أو غيره من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب.\n\n٢٢٢٥ - وَعَن سعد بن عبَادَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من امرئ يقْرَأ الْقُرْآن ثمَّ ينساه إِلَّا لَقِي الله أَجْذم رَوَاهُ أَبُّو دَاوُد عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عِيسَى بن فائد عَن سعد (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ وَيزِيد بن أبي زِيَاد هُوَ الْهَاشِمِي مَوْلاهُم كنيته أَبُو عبد الله يَأتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فعيسى بن فائد إِنَّمَا روى عَمَّن سمع سَعْدا قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم وَغَيره (^٤).\nقَالَ الْخطابِيّ قَالَ أَبُو عبيد الأجذم الْمَقْطُوع الْيَد وَقَالَ ابْن قُتَيْبة الأجذم هَاهُنَا المجذوم وَقَالَ ابْن الأَعرَابِي مَعْنَاهُ أَنه يلقى الله تَعَالَى خَالِي الْيَدَيْنِ من\n_________\n(^١) شعب الإيمان (١٨٥٢) بلفظه وجاء في المجمع بلفظ مغاير قال الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٢/ ٢٥٢): رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.\n(^٢) التذكار (ص ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٣) أبو داود (١٤٧٤)، والطبراني في الكبير (٥٣٩١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥١٥٣).\n(^٤) الجرح والتعديل (٦/ ٢٨٤).","vol":"7","page":91},{"text":"الْخَيْر كنى بِالْيَدِ عَمَّا تحويه الْيَد وَقَالَ آخر مَعْنَاهُ لا حجَّة لَهُ وَقد روينَاهُ عَن سُوَيْد بن غَفلَة.\nقوله: وعن سعد بن عبادة - ﵁ -، تقدم الكلام على سعد بن عبادة في فضل الشهداء في حديث النضر.\nقوله - ﷺ -: \"ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله أجذم\" انتهى هو بالذال المعجمة، قال الحافظ (^١): قال الخطابي: قال أبو عبيد: الأجذم المقطوع اليد أ. هـ.\nوهو من الجذم وهو القطع قال القتيبى: الأجذم هاهنا الذي ذهبت أعضاؤه كلها وليست اليد أولى بالعقوبة من باقي الأعضاء (^٢) يقال: رجل أجذم ومجذوم إذا تهافتت أطرافه من الجذام وهو الداء المعروف (^٣)، قال الجوهري (^٤): لا يقال للمجذوم أجذم، وقال ابن الأنباري ردا على ابن قتيبة: لو كان العتاب لا يقع إلا بالجارحة التي باشرت المعصية لما عوقب الزاني بالجلد والرجم في الدنيا وبالنار في الآخرة، وقال ابن الأنباري: معنى الحديث أنه لقي الله وهو أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده (^٥)\n_________\n(^١) أي المنذري.\n(^٢) الغريبين (١/ ٣٢٦).\n(^٣) الغريبين (١/ ٣٢٧).\n(^٤) الصحاح (٥/ ١٨٨٤).\n(^٥) الغريبين (١/ ٣٢٧)، والنهاية (١/ ٢٥١).","vol":"7","page":92},{"text":"وقال الخطابي (^١): معنى الحديث ما ذهب إليه ابن الأعرابي وقال ابن الأعرابي: معناه أنه يلقى الله تعالى خالي اليدين من الثواب كنى باليد عما تحويه من الخير وقال آخر معناه لا حجة له اهـ.\nومعنى لا حجة له أي يأتي يوم القيامة ولا حجة له في فعله ولا عذر له ينفعه عند ربه (^٢).\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢٩٨) وغريب الحديث (١/ ٣١٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٤٠).","vol":"7","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>الترغيب في دعاء يدعى به لحفظ القرآن</span>\n٢٢٢٦ - عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قالَ بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله - ﷺ - إِذْ جَاءَهُ عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - فَقَالَ بِأبي أنت تفلت هَذَا الْقُرْآن من صَدْرِي فَمَا أجدني أقدر عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ - يَا أَبَا الْحسن أَفلا أعلمك كلِمَات ينفعك الله بِهن وينفع بِهن من عَلمته وَيثبت مَا تعلمت فِي صدرك قَالَ أجل يَا رَسُول الله فعلمني قَالَ إِذا كانَ لَيْلَة الْجُمُعَة فَإِن اسْتَطَعْت أَن تقوم فِي ثلث اللَّيْل الآخر فَإِنَّهَا سَاعَة مَشْهُودَة وَالدُّعَاء فِيهَا مستجاب فقد قَالَ أخي يَعْقُوب لِبَنِيهِ ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (^١) يَقُول حَتَّى تَأتي لَيْلَة الْجُمُعَة فَإِن لم تستطع فَقُمْ فِي وَسطهَا فَإِن لم تستطع فَقُمْ فِي أَولهَا فصل أَربع رَكْعَات تقْرَأ فِي الرَّكعَة الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة يس وَفِي الرَّكعَة الثَّانِيَة بِفَاتِحَة الْكتاب وحم الدُّخان وَفِي الرَّكعَة الثَّالِثَة بِفَاتِحَة الْكتاب والم تَنْزِيل السَّجْدَة وَفِي الرَّكعَة الرَّابِعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وتبارك الْمفصل.\nفَإِذا فرغت من التَّشَهُّد فاحمد الله وَأحسن الثَّنَاء على الله وصل عَليّ وَأحسن وعَلى سَائِر النَّبِيين واستغفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات ولإخوانك الَّذين سبقوك بِالإِيمَان ثمَّ قل فِي آخر ذَلِك اللَّهُمَّ ارْحَمْني بترك الْمعاصِي أبدا مَا أبقيتني وارحمني أَن أتكلف مَا لا يعنيني وارزقني حسن النّظر فِيمَا يرضيك\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٩٨.","vol":"7","page":94},{"text":"عني اللَّهُمَّ بديع السَّمَوَات وَالأرْض ذَا الْجلَال وَالإِكْرَام والعزة الَّتِي لا ترام أَسأَلك يَا الله يَا رَحْمَن بجلالك وَنور وَجهك أَن تلْزم قلبِي حفظ كتابك كمَا علمتني وارزقني أَن أتلوه على النَّحْو الَّذِي يرضيك عني اللَّهُمَّ بديع السَّمَوَات وَالأرْض ذَا الْجلَال وَالإِكْرَام والعزة الَّتِي لا ترام أَسأَلك يَا الله يَا رَحْمَن بجلالك وَنور وَجهك أَن تنور بكتابك بَصرِي وَأَن تطلق بِهِ لساني وَأَن تفرج بِهِ عَن قلبِي وَأَن تشرح بِهِ صَدْرِي وَأَن تسْتَعْمل بِهِ بدني فَإِنَّهُ لا يُعِينيي على الْحق غَيْرك وَلا تؤتينيه إِلَّا أَنت وَلا حول وَلا قُوَّة إِلَّا بِالله الْعلي الْعَظِيم يَا أبا الْحسن تفعل ذَلِك ثَلَاث جمع أَو خمْسا أَو سبعا تجاب بِإِذن الله وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخطَأ مُؤمنا قطّ.\nقَالَ ابْن عَبَّاس - ﵄ - فوَالله مَا لبث عَليّ إِلَّا خمْسا أَو سبعا حَتَّى جَاءَ رَسُول الله - ﷺ - فِي مثل ذَلِك المجلس فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي كنت فِيمَا خلا لا آخذ إِلَّا أَربع آيَات وَنَحْوهَا فَإِذا قرأتهن على نَفسِي تفلتن وَأَنا أتعلم الْيَوْم أَرْبَعِينَ آيَة ونحوهن فَإِذا قرأتهن على نَفسِي فكَأنَّمَا كتاب الله بَين عَيْني وَلَقَد كنت أسمع الحَدِيث فَإِذا رَددته تفلت وَأَنا الْيَوْم أسمع الأحَادِيث فَإِذا تحدثت بهَا لم أخرم مِنْهَا حرفا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - عِنْد ذَلِك مُؤمن وَرب الْكَعْبَة يَا أبا الْحسن رَوَاهُ الترمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب لا نعرفه إِلَّا من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم (^١).\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا إِلَّا أَنه قَالَ يقْرَأ فِي الثَّانِيَة بِالْفَاتِحَةِ والم السَّجْدَة وَفِي الثَّالِثَة بِالْفَاتِحَةِ وَالدُّخَان عكس مَا فِي التِّرْمِذِيّ\n_________\n(^١) الترمذي (٣٥٧٠)، وقال الألباني موضوع في ضعيف سنن الترمذي (٧١٩).","vol":"7","page":95},{"text":"وَقَالَ فِي الدُّعَاء وَأَن تشغل بِهِ بدني مَكَان وَأَن تسْتَعْمل وَهُوَ كَذَلِك فِي بعض نسخ التِّرْمِذِيّ ومعناهما وَاحِد وَفِي بَعْضهَا وَأَن تغسل (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - طَرِيق أَسَانِيد هَذَا الحَدِيث جَيِّدَة وَمَتنه غَرِيب جدا وَالله أعلم.\nقوله: عن ابن عباس - ﵄ - تقدم الكلام عليه (^٢).\nقوله \"بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - إذ جاءه علي بن أبي طالب - ﵁ - فقال بأبي أنت تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه فقال له رسول الله - ﷺ - يا أبا الحسن أفلا أعلمك كللمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك قال أجل يا رسول الله فعلمني قال إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب\" الحديث مطول وصفتها يعني صلاة حفظ القرآن ودعاءه وذلك مما ثبت من رسول الله - ﷺ - تعليمه لعلي بن أبي طالب - ﵁ - وذلك مما يعين على حفظ القرآن وغيره فيحسن حفظه ويذهب بلادته إذا كان مؤمنا حقا تقيا مجتنبا للمعاصي وهي مخصوصة بليلة الجمعة أي ساعة شاء منها لكن آخر الليل أفضل، فإذا كانت\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وقال الذهبي: هذا حديث منكر شاذ، أخاف أن يكون موضوعا، وقد حيرني والله جودة سنده، والأصبهاني في الترغيب (١٢٩٧)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٨٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٠٣٦).\n(^٢) من أول ص (٢٠٨) إلى ص (٢١٠) مكررات.","vol":"7","page":96},{"text":"ليلة الجمعة فقم فصل أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وآلم تنزيل السجدة فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله وصل علي وأحسن وعلى سائر النبيين واستغفر للمؤمنين والمؤمنات وذلك كله بعد التسليم ثم قل اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني الدعاء مذكور في الأصل فراجعه منه تفعل ذلك سبع جمع أي في كل جمعة تصل أربع ركعات وتدعو بهذا الدعاء تجلب بإذن الله تعالى ورب الكعبة ما أخطأ مؤمن قط والله أعلم.\nقوله: وتبارك المفصل، والمفصل من الحجرات وقيل من الدخان وقيل غير ذلك واحترز بالمفصل عن تبارك الفرقان.\nقوله: واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، قال ابن عطية: وواجب على كل مؤمن أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنها صدقة (^١).\nقال بعض العلماء: إن أراد بالوجوب الاستحباب المؤكد فصحيح ذلك وإن أراد الوجوب فغريب لم أر من صرح به ولا بخلافه (^٢) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (٥/ ١١٦).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٤٧١) وعبارته: إن أراد بالوجوب الاستحباب المؤكد .. فصحيح، وإن أراد الوجوب .. فغريب لم أر من صرح به ولا بخلافه، ويمكن الاستدلال له بأن ظاهر الأمر الوجوب، وأن ما ثبت في حقه .. ثبت في حق أمته إلا ما خصه الدليل.","vol":"7","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الترغيب في تعاهد القرآنه وتحسين الصوت به</span>\n٢٢٢٧ - عَن ابن عمر - ﵄ - أَن رسُول الله - ﷺ - قالَ إِنَّمَا مثل صاحب الْقُرْآن كمثل الابِل المعقلة إِن عَاهَدَ عَلَيْهَا أمْسكهَا وَإِن أطلقها ذهبت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة وَإِذا قَامَ صَاحب الْقُرْآن فقرأه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار ذكره وَإِذا لم يقم بِهِ نَسيَه (^١).\nقوله: عن ابن عمر - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت\" قال القاضي عياض ﵀ (^٢): معنى صاحب القرآن أي الذي ألفه والمؤالفة المصاحبة ومنه فلان صاحب فلان وأصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى وأصحاب الصفة وأصحاب إبل وغنم وصاحب غنم وصاحب كنز وصاحب عبارة.\nوقوله الذي ألفه يصدق بأن يألف تلاوته في المصحف مع كونه غير حافظ له لكن الظاهر أن المراد بصاحب القرآن حافظه وقد صرح أبو العباس القرطبي باعتبار الحفظ في ذلك فقال: وصاحب القرآن هو الحافظ له المشتغل به الملازم لتلاوته (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٨٩)، ومالك (٥٤١)، وابن حبان (٧٦٤)، وأحمد (٥٩٢٣)، والنسائي في الكبرى (٩٢٤).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٥٦) بمعناه وانظر شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٧).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ١٨١).","vol":"7","page":98},{"text":"قوله - ﷺ - \"كمثل الإبل\" الإبل لا واحد لها من لفظها وهي مؤنثة وتصغيرها أبيلة وربما قالوا أبل بسكون بالباء بالتخفيف حكاه الجوهري (^١) اهـ من خط المؤلف ﵀.\nقوله \"المعقلة\" والمعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة والقاف المشددة هي المشدودة بالعقل بضم العين والقاف وهو جمع عقال بكسر العين والمراد به الحبل الذي يشد به ركبة البعير شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بالعقال الذي يمنع البعير من الشراب ما دام الدرس موجودا فالحفظ مستمر وما دام العقال موثقا فالبعير محفوظ وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوانات الإنسية شردا أو نفورا وتحصيلها بعد نفورها أشد وأصعب وتحصيل غيرها بعد نفور ولهذا قال النبي - ﷺ - \"إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش\" الحديث (^٢)، وقال فيما روي عنه \"إن على ذروة كل بعير شيطان\" (^٣).\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٦١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٨٨) و(٢٥٠٧) و(٣٠٧٥) و(٥٤٩٨) و(٥٥٤٤)، ومسلم (٢٠ - ١٩٦٨) عن رافع بن خديج.\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ١٠١). والحديث: أخرجه الدارمى (٢٧٠٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٢٦٥)، وابن خزيمة (٢٥٤٦)، وابن حبان (١٧٠٣) و(٢٦٩٤) عن حمزة بن عمرو. قال أبو عبد الرحمن: أسامة بن زيد ليس بالقوي في الحديث. قال الألباني: حسن صحيح - حقيقة الصيام (٤٨). وأخرجه ابن خزيمة (٢٥٤٧) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في (حقيقة الصيام ٦٣).","vol":"7","page":99},{"text":"قوله - ﷺ - \"إن عاهد عليها أمسكها\" المعاهدة على الشيء والتعاهد عليه الاحتفاظ به والملازمة له وفي رواية البخاري \"إن تعاهد عليها أمسكها\" ومنه الحديث \"أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر\" (^١) ففي هذا الحديث الحث على تعاهد القرآن وتلاوته ودراسته والتحذير من تعرضه للنسيان بإهمال تلاوته وفيه استحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد (^٢).\n\n٢٢٢٨ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - بئْسَمَا لأحدهم يَقُول نسيت آيَة كيْت وَكيْت بل هُوَ نسي استذكروا الْقُرْآن فَلَهو أَشد تفصيا من صُدُور الرِّجَال من النعم بعقلها رَوَاهُ البُخَارِيّ هَكَذَا وَمُسلم مَوْقُوفا (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله ﷺ: \"بئسما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت\" الحديث.\nفائدة: الإبل من الحيوان العجيب وإن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم له وهو أنه حيوان عظيم الجسم شديد الانقياد ينهض بالحمل الثقيل ويبرك به ويأخذ زمامه فأرة تذهب به إلى حيث شاءت، قال ابن عطيه (^٤) في تفسير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٦٩) عن عائشة.\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ١٠١ - ١٠٢) وشرح النووي على مسلم (٦/ ٨٤).\n(^٣) البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٩٠)، والترمذي (٢٩٤٢)، وأحمد (٣٦٢٠).\n(^٤) تفسير ابن عطية (٥/ ٤٧٤).","vol":"7","page":100},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (^١) قال الثعلبي في بعض التفاسير (^٢): إن فأرة جرت بزمام ناقة فتبعتها حتى دخلت الجحر فبركت الناقة وأذنت رأسها من فم الحجر ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان فيه، مع مأكوله ومشروبه وملبوسه وظروفه ووسائده، كأنه في بيته ويتخذ للبيت سقف وهو يمشي بكل هذه. ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ وقد جعلها الله تعالى طوال الأعناق لتثور بالأثقال، وعن بعض الحكماء، أنه حدث عن الإبل وعن بديع خلقها وكان قد نشأ بأرض لا إبل فيها، ففكر ساعة ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحيث أراد الله تعالى بها أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش، حتى إن ظمأها ليرتفع إلى العشر. وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما يرعاه سائر البهائم. وقال تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ (^٣) قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفن البر قال ذو الرّمة: سفينة بر تحت خدي زمامها وإنما جعل الله تعالى أعناقها طوالا، لتستعين بها على النهوض، بالحمل الثقيل، وفي الحديث لا تسبوا الإبل فإنها من نفس الله تعالى أي مما يوسع الله تعالى به على الناس حكاه ابن سيده (^٤)، ذكره في حياة\n_________\n(^١) سورة الغاشية، الآية: ١٧.\n(^٢) تفسير الثعلبى (١٠/ ١٨٩).\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ٢٣.\n(^٤) المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٥٢٦).","vol":"7","page":101},{"text":"الحيوان (^١) والله أعلم.\nفائدة أيضا: تكره الصلاة في أعطان الإبل وهي الأمكنة التي يأوي إليها الإبل للشرب روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: \"سئل رسول الله - ﷺ - عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: \"توضأوا منها\".\nوسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: \"لا تتوضؤا منها\". وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: \"لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها مأوى الشياطين\" وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: \"صلوا فيها فإنها مباركة\" (^٢).\nوروى النسائي وابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الإبل خلقت من الشياطين\" (^٣).\nقوله عن عبد الله بن مسعود: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"بئسما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت\" أي آية كذا وكذا وهو بفتح التاء على المشهور حكى الجوهري فتحها وكسرها عن أبي عبيدة (^٤).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٢٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٨٤) و(٤٩٣)، والترمذي (٨١)، وابن خزيمة (٣٢)، وأبو يعلى (١٧٠٩)، والبيهقي في معرفة السنن ١/ ٤٥٣ والطيالسي (٧٣٤) و(٧٣٥) وابن الجارود (٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٨٤. صحيح أبي داود - الأم (١/ ٣٣٧).\n(^٣) أخرجه بتمامه ابنُ حبان (٥٦٥٧) والنسائي في المجتبى ٧/ ١٨٥ وأخرجه أبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، وابن ماجه (٣٢٠٥) وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٤) الصحاح (١/ ٢٦٣).","vol":"7","page":102},{"text":"في هذا الحديث كراهة قول نسيت آية كذا وكذا وهي كراهة تنزيه وإنه لا يكره قول أنسيتها وإنما نهى عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها وقد قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (^١) (^٢) وقال القاضي عياض (^٣): أولى ما يتأول هذا الحديث أن معناه ذم الحال لا ذم القول أي بئست الحالة حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه (^٤) ا هـ.\nوقال صاحب المغيث في حل مشكل القرآن والحديث (^٥): النسيان هو ذهاب الحفظ كره نسبته إلى نفسه لمعنيين:\nأحدهما: أن الله تعالى الذي أنساه إياه لأنه المقدر للأشياء كلها.\nوالثاني: أن أصل النسيان الترك فكره له أن يقول تركت القرآن أو قصدت إلى نسيانه لما في ذلك من الكراهة ولأن ذلك لم يكن باختياره قد أنساه الله تعالى ونساه إياه ومنه قوله - ﷺ - \"بل هو نسي\".\nقوله بل هو نسي قال القاضي عياض (^٦): ضبطناه بالتخفيف والتشديد قال صاحب المغيث ولو روي نسي بالتخفيف يكون معناه أنه ترك من الخير\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ١٢٦.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٦).\n(^٣) إكمال المعلم (٣/ ١٥٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٦).\n(^٥) المجموع المغيث (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٦) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٥٥)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٧).","vol":"7","page":103},{"text":"وحرم منه ومنه قوله - ﷺ - \"بل هو نسي\" حديث إنما أنسى لأبين أي لأذكر لكم ما سيلزم الناس لشيء من عبادته وأفعل ذلك فتقتدوا بي (^١) فقوله أنسي هو بتشديد السين لا غير.\nتنبيه: قال الخطابي ﵀: أحدهما: أن الله تعالى الذي أنساه إياه لأنه المقدر للأشياء كلها.\nوالثاني: أن أصل النسيان الترك فكره له أن يقول تركت القرآن أو قصدت إلى نسيانه لما في ذلك من الكراهة ولأن ذلك لم يكن باختياره قد أنساه الله تعالى ونساه إياه ومنه قوله - ﷺ - \"بل هو نسي\" قوله بل هو نسي (^٢) قال القاضي عياض (^٣): ضبطناه بالتخفيف والتشديد قال صاحب المغيث ولو روي نسي بالتخفيف يكون معناه أنه ترك من الخير وحرم (^٤).\nتنبيه: قوله \"بل هو نسي\" قال الخطابي ﵀: يحتمل أن يكون خاصا في زمان رسول الله - ﷺ - ويكون معنى نسي نسخت تلاوته نهاهم عن هذا القول لئلا يتوهم الضياع على محكم القرآن وأراهم أن ذلك من قبل الله تعالى لما رأى في نسخ التلاوة من الحكمة (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٣/ ٢٩٥)، والنهاية (٥/ ٥١).\n(^٢) لم أعثر عليه في كتب الخطابى إنما ذكره صاحب المجموع المغيث (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٥٥).\n(^٤) المجموع المغيث (٣/ ٢٩٥).\n(^٥) أعلام الحديث (٣/ ١٩٤٦).","vol":"7","page":104},{"text":"فائدة فيها فوائد: في الحديث سمع النبي - ﷺ - رجلا يقرأ من الليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطها من سورة كذا وكذا، وفي رواية كان النبي - ﷺ - يستمع قراءة رجل في المسجد فقال \"﵀ لقد أذكرني آية كنت نسيتها\" (^١) في هذه الألفاظ فوائد منها جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد ولا كراهة فيها إذا لم يؤذ أحدأ ولا تعرض للرياء والإعجاب ونحو ذلك وفيه الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيرا وإن لم يقصده ذلك، وفيه أن الاستماع للقراءة سنة وفيه جواز قول سورة كذا كسورة البقرة، ونحوها ولا التفات إلى من خالف في ذلك فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على استعماله، وقوله كنت أنسيتها فيه دليل على جواز النسيان عليه - ﷺ - فيما قد بلغه إلى الأمة (^٢) قال القاضي عياض ﵀ (^٣): جمهور المحققين على جواز النسيان عليه - ﷺ - ابتداء فيما ليس طريقه الإبلاغ واختلفوا فيما طريقه الإبلاغ والتعليم ولكن من جوزه قال لا يقر عليه بل لابد أن يتذكره أو يذكره واختلفوا هل من شرط ذلك الهوانم يصح على التراضي قبل وفاته - ﷺ - قال وأما نسيان ما بلغه كما في هذا الحديث وفي باب السهو من صحيح مسلم تقدم الكلام فيما يجوز من السهو وما لا يجوز (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٥٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٦).\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٥١٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٦ - ٧٧).","vol":"7","page":105},{"text":"قوله - ﷺ -: \"استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها\" الحديث، وفي رواية \"من قلوب الرجال\"، تفصيا بالتاء ثالثة الحروف وبالفاء والصاد المهملة والتفصي معناه التخلص والانفصال أي أشد خروجا وهو بمعنى الرواية الأخرى أشد تفلتا أي أسرع تخلصا وذهابا من النعم المعقلة إذا أطلقها صاحبها ولا يعقل من النعم غير الإبل (^١) يقال تفصى اللحم عن العظم وتفصى من البلية أي تخلص (^٢) ويقال تفصيت من الأمر تفصيا إذا خرجت منه وتخلصت قاله في النهاية (^٣)، والاسم الفصية (^٤).\nقوله: \"من النعم بعقلها\" والنعم أصلها الإبل والبقر والغنم والمراد هنا الإبل خاصة لأنها التي تعقل والعقل بضم العين والقاف ويجوز إسكان القاف كنظائره وهو جمع عقال ككتاب وكتب وهو الحبل الذي يعقل به البعير ووقع في هذه الرواية بعقلها وفي رواية \"من عقله\" وفي رواية \"في عقلها\" وكله صحيح والمراد برواية الهاء من كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه﴾ (^٥) على أحد القولين في معناه، وقوله في رواية \"عقله\" بتذكير النعم وهو صحيح كما ذكرنا وجمع النعم أنعام (^٦).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٧).\n(^٢) مقاييس اللغة (٤/ ٥٠٦).\n(^٣) النهاية (٣/ ٤٥٢).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) سورة الإنسان، الآية: ٦.\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٧).","vol":"7","page":106},{"text":"٢٢٢٩ - وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ تَعَاهَدُوا الْقُرْآن فوالذي نفس مُحَمَّد بيَدِهِ لَهو أَشد تفلتا من الإبل فِي عقلها رَواهُ مُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"تعاهدوا القرآن\" الحديث، تعاهد الشيء محافظته وتجديد العهد به والمراد منه الأمر بالمواظبة على تلاوته والمداومة على تكراره ودرسه لكي لا ينسى.\nقوله - ﷺ - \"فوالذي نفس محمد بيده\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله - ﷺ - \"لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها\" التفلت والإفلات والانفلات التخلص من الشيء فجأة في غير تمكث ومنه الحديث أن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أي تعرض لي في صلاتي فجأة قاله في النهاية (^٢)، ومعنى الحديث أي أسرع تخلصا وذهابا من الإبل المعقلة إذا أطلقها صاحبها (^٣) فإنها تتفلت حتى لا تكاد تلحق (^٤).\nالعقال هو الحبل الذي يشد به البعير وسط الذراع (^٥) وتقدم تفسير ذلك أيضًا.\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٦٧).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٥٣٨).\n(^٤) الميسر (٢/ ٥٠٧).\n(^٥) الميسر (٢/ ٥٠٧).","vol":"7","page":107},{"text":"٢٢٣٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا أذن الله لشَيْء كمَا أذن لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بالْقُرْآنِ يجْهر بهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقَالَ الْحَافِظ أذن بِكَسْر الذَّال أَي مَا اسْتمع لشَيْء من كَلَام النَّاس كمَا اسْتمع الله إِلَى من يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ أَي يحسن بِهِ صَوته وَذهب سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَغَيره إِلَى أَنه من الاسْتِغْنَاء وَهُوَ مَرْدُود\n\n٢٢٣١ - وروى ابْن جرير الطَّبَرِيّ هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد صَحِيح وَقَالَ فِيهِ مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ حسن الترنم بِالْقُرْآنِ.\n\n٢٢٣٢ - وروى الإِمَام أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن فضَالة بن عبيد أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لله أَشد أذنا للرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من فيحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\nالْقَيْنه بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت بعدهمَا نون هِيَ الأمة الْمُغنيَة قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به \" الحديث، قال الحافظ ﵀ (^٣): أذن بكسر الذال أي ما استمع\n_________\n(^١) البخاري (٧٥٤٤)، ومسلم (٧٩٢)، وأبو داود (١٤٧٣)، وابن حبان (٧٥١).\n(^٢) أحمد (٢٣٩٤٧)، وابن ماجه (١٣٤٠)، وابن حبان (٧٥٤)، والحاكم (١/ ٥٧١)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: بل هو منقطع، والبيهقي (١٠/ ٢٣٠)، والطبراني في الكبير (٧٧٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٦٣٠).\n(^٣) أي المنذري.","vol":"7","page":108},{"text":"الله لشيء من كلام الناس كما استمع إلى من يتغنى بالقرآن أي يحسن به صوته اهـ.\nقال غيره: أذن هو بكسر الذال المعجمة وهو مشتق من الإذن وهو الاستماع ومنه قوله تعالى ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ (^١) ولا يجوز أن يحمل على الاستماع بمعنى الإصغاء فإنه مستحيل في حق الله تعالى بل هو مجاز ومعناه الكناية عن تقريبه القاري وإجزال ثوابه لأن سماع الله تعالى لا يختلف فوجب تأويله وهو إشارة إلى الرضا والقبول (^٢).\nقوله - ﷺ - \"كما أذن لنبي حسن الصوت\" وإنما خص بذلك صوت النبي - ﷺ - لأن صوت النبوة ألذ وأحلى لصفاء معدنه وقرب متناوله.\nقوله \"يتغنى بالقرآن\" يجهر به وقال في النهاية (^٣): أي يتلوه يجهر به. يقال منه أذن يأذن أذنا بالتحريك.\nوقيل: إن قوله يجهر به تفسير لقوله يتغنى (^٤) قال النووي (^٥) وغيره التغني بالقرآن معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون تحسين الصوت به، ونقل بعض العلماء الاتفاق على استحباب\n_________\n(^١) سورة الانشقاق، الآية: ٢.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٣).\n(^٤) قاله أحمد بن حنبل قال صالح: قلت: قوله: ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به، ما معناه؟ قال أبي: إذا رفع صوته فقد تغنى به. مسائل صالح (٢٨٨).\n(^٥) المجموع شرح المهذب (٢٠/ ٢٤٨)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٧٨).","vol":"7","page":109},{"text":"تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها، ونقل بعض العلماء الاتفاق على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها (^١) وقال الإمام الشافعي وموافقوه معناه: تحزين القراءة وترقيقها، ويشهد له الحديث الآخر: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" (^٢) وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء، وقال الهروي: معنى يتغني به يجهر به (^٣)، وقال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك فمحمولة على التحزين والتشويق (^٤)، قال الحليمي (^٥): والذي يظهر بدلالة الأخبار أنه أرادبالتغني أن يحسن القارئ صوته مكان ما يحسن المغني صوته بغنائه إلا أنه يميل به نحو التحزن دون التطريب أي قد عوض الله تعالى من غناء الجاهلية خيرا منه وهو القرآن فمن لم يحسن صوته بالقرآن ولم يرض به بدلا من ذلك الغناء فليس منا، إلا أن قراءة القرآن لا يدخلها من التغني وفضول الألحان وترديد الصوت ما يلبس المعني ويقطع أوصال الكلام كما قد يدخل ذلك كله الغناء وإنما يليق\n_________\n(^١) نقله القاضي عياض كما في إكمال المعلم (٣/ ١٦٠)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ٦٨ و٦٩)، وابن ماجه (١٣٤٢)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٤١٣ (١٠٢٧) و٢/ ٤١٤ (١٠٢٨) والكبرى (١٠٨٩) و(١٠٩٠) و(٧٩٩٦) عن البراء. وصححه الألباني في الصحيحة (٧٧٢)، صحيح أبي داود (١٣٢٠)، تخريج المشكاة (٢١٩٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٩).\n(^٤) فضائل القرآن (١/ ٣٣٣)، ونقله القاضي في إكمال المعلم (٣/ ١٦٠)، والتذكار (ص ١٢٦)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٨٠).\n(^٥) المنهاج (٢/ ٢٣٠).","vol":"7","page":110},{"text":"بالقرآن حسن الصوت والتحرير دون ما عداهما، وسئل رسول الله - ﷺ - من أحسن الناس صوتا بالقرآن ققال: \"من إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه أنه يخشى الله تعالى\" (^١) ذكره القرطبي في التذكار (^٢).\nتنبيه: واختلفوا في القراءة بالألحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم وأباحها أبو حنيفة وجماعات من\n_________\n(^١) روى من حديث جابر وابن عباس وابن عمر وعائشة ومرسل طاووس:\nأما حديث ابن عمر: أخرجه عبد بن حميد (٨٠٢)، والبزار (٦١٣٦)، والمروزي في مختصر قيام الليل (ص ١٣٨)، والرويانى (١٤١٥)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣١١ رقم ٢٠٧٤) و(٦/ ٢٠٨ رقم ٦٢٠٥) عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قيل له: أي الناس أحسن قراءة؟ قال: \"الذي إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى الله ﷿\".\nوأما حديث جابر: أخرجه ابن ماجه (١٣٣٩)، والآجرى في أخلاق حملة القرآن (٧٨) بلفظ: \"إن أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله\".\nوأما حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٧ رقم ١٠٨٥٢) بلفظ: \"إن أحسن الناس قراءة من إذا قرأ يتحزن\". قال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٧٠: رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه ضعف.\nوأما حديث عائشة: أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٥٨) بلفظ: إن أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله.\nوأما مرسل طاووس: أخرجه عبد الرزاق (٤١٨٥)، وابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٥٧ (٨٧٤٢) عن طاوس، قال: سئل رسول الله - ﷺ - أي الناس أحسن قراءة؟ قال: \"الذي إذا رأيته يقرأ رأيت أنه يخشى الله\"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٥٠) والمشكاة (٢٢٠٩) والصحيحة (١٥٨٣).\n(^٢) التذكار (ص ١٣١).","vol":"7","page":111},{"text":"السلف للأحاديث ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استعماله، قال الشافعي في مواضع أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع: لا أكرهها، قال النووي (^١): قال أصحابنا: ليس له فيها خلاف وإنما هو اختلاف حالين فحيث كرهها أراد إذا هو مطط القارئ وإخراج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص أو مد غير ممدود أو أدغم ما لا يجوز إدغامه ونحو ذلك وحيث أباحها إذا لم يكن فيها تغير لوضع الكلام أ. هـ.\nفائدة: ذكر الحافظ أبو الحسن زين العبدري وأبو عبد الله الترمذي الحكيم من حديث حذيفة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم\" الحديث (^٢)،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٠).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢٣٤)، وابن وضاح في البدع (٢٥٤)، والمروزي في مختصر قيام الليل (ص ١٣٥)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٣٤٠)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٨٣ رقم ٧٢٢٣)، وابن عدى (٢/ ٥٤٥)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٢٠٨ رقم ٢٤٠٦).\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: بقية. قال الذهبى في الميزان ١/ ٥٠٦: تفرد عنه بقية، ليس بمعتمد والخبر منكر. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٦٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه راو لم يسم وبقية أيضا. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار ٣/ ٢٢٣: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٠٦٧).","vol":"7","page":112},{"text":"اللحون: جمع لحن وهو التطريب وترجيح الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء، قال القرطبي: قال علماؤنا: ويشبه هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها ما نهى عنه رسول الله - ﷺ - والترجيع في القراءة ترديد الحرف كقراءة النصارى (^١).\nقول الحافظ: وذهب سفيان بن عيينة وغيره إلى أنه من الاستغناء وهو مردود أ. هـ.\nقال أبو عبيد: قوله \"من لم يتغن\" التغني هو الاستغناء والتعفف عن مسألة الناس واستئكالهم بالقرآن وأن يكون في نفسه بحمله القرآن غنيا وإن كان من المال معدما، قال أبو عبيد: ليس للحديث عندي وجه غيره هذا ويدل عليه ما روى عن عبد الله: من قرأ سورة آل عمرأن فقد غنى ويؤكد هذا أيضا ما روى عنه - ﷺ -: \"أنه من لم يستغن بالقرآن فلا أغناه الله\" (^٢) وقيل: فيه غير ذلك (^٣)، قال القرطبي (^٤): هذا الذي اختاره أبو عبيد هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وقد قيل: إن معنى يتغنى بالقرآن يستغني به من الاستغناء الذي هو ضد\n_________\n(^١) التذكار (ص ١٣٠).\n(^٢) لم أعثر عليه. قال ابن السبكي: (٦/ ٣٦٠) حديث من لم يستغن بآيات الله فلا أغناه الله لم أجد له إسنادًا.\n(^٣) غريب الحديث (٢/ ١٦٩ - ١٧٢)، وفضائل القرآن (٢/ ١٠).\n(^٤) ينظر: تفسير القرطبي (١/ ١٥).","vol":"7","page":113},{"text":"الافتقار لا من الغناء، قال الجوهري: تغني القرآن بمعنى استغنى وإلى هذا التأويل ذهب أيضا وكيع بن الجراح، وقد روي عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه أي: يستغني به عما سواه من الأحاديث والكتب وإلى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لاتباعه الترجمة في كتابه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (^١) والمراد الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم، قاله أهل التأويل، وقيل: إن معنى يتغنى به يتحزن بأي يظهر في قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته وليس من الغنية لأنه لو كان من الغنية لقال يتغانى به ولم يقل يتغنى به، وسئل الإمام الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا لو أراد النبي - ﷺ - الاستغناء لقال من لم يستغن ولكن لما قال: \"يتغنى\" علمنا أنه أراد التغني قال الطبري المعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيح، قال الشاعر:\nتغَنَّ بِالشِّعْرِ مَهْمَا كنْتَ قَائِلَهُ ... إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ (^٢)\nوعن حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: أبطأت على عهد رسول الله ليلة بعد العشاء ثم جئت فقال، أين كنت؟ قالت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك، لم أسمع مثل قراءته قط وصوته [من أحد] قالت: فقام رسول الله\n_________\n(^١) سورة العنكبوت، الآية: ٥١.\n(^٢) التذكار (ص ١٢٧).","vol":"7","page":114},{"text":"وقمت معه حتى استمع له ثم التفت إليّ فقال: هذا سالم مولى أبي حذيفة: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا، انفرد ابن ماجه (^١)، ورجال إسناده ثقات سالم مولى أبي حذيفة هو أبو عبد الله سالم بن عبيد بن ربيعة، كذا نسبه ابن مندة، وقال أبو نعيم: هذا وهم فاحش قال غيره: هو سالم بن معقل وهو مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن قصي القرشي العبشي، كان سالم من أهل فارس من اصطخر وهو من فضلاء الصحابة والمهاجرين وعتقته مولاته بثينة، امرأة أبي حذيفة الأنصاري فتبناه أبو حذيفة فيقال له قرشي وأنصاري وفارسي لما ذكرناه (^٢)، قال: وأما ادعاء الزاعم إن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها ولا يعلم أن أحدا من أهل اللغة قاله في التذكار (^٣) والله أعلم.\nقول الحافظ: وروي ابن جرير الطبري هذا الحديث يترنم بالقرآن، الترنم التطريب والتغني وتحسين الصوت بالتلاوة، ويطلق على الحيوان والجماد يقال: ترنم الحمام والقوس، قول الحافظ: وروي الإمام أحمد وابن ماجه غيره عن فضالة بن عبيد تقدم الكلام على مناقبه - ﵁ -.\n_________\n(^١) أخرجه سنن ابن ماجه (١٣٣٨) وأحمد (٢٥٣٢٠) والحاكم ٣/ ٢٢٥، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٧١، والبيهقي في الشعب (٢١٤٨) والفاكهي في أخبار مكة (١٧٢٩) محمَّد بن نصر المروزي في قيام الليل (١٥٣)، ابن المبارك في الجهاد (١٢٠). قال في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (١/ ١٥٨) هَذَا إِسْنَاد صحِيح رِجَاله ثِقَات.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٦ ترجمة ١٩٥).\n(^٣) التذكار (ص ١٢٧).","vol":"7","page":115},{"text":"قوله - ﷺ -: \"لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته\" وأصله أن المستمع يميل بإذنه على جهة المستمع، تقول العرب: أذن بكسر الذال يأذن بفتحها في المستقبل إذنا بفتح الهمزة، والذال في المصدر إذا أصغى واستمع، وهذا المعنى في حق الله مجاز، وإنما هو من باب التوسع على ما جرى من عرف التخاطب وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ وإجزال [ثوابه ووجه] هذا [التوسع] أن الإصغاء إلى الشيء [قبول] له واعتناء به ويترتب على ذلك إكرام المصغي إليه فعبر عن الإكرام بالإصغاء [إذ هو عنه]، وفائدة هذا الخير حث القارئ على إعطاء القراءة حقها في ترتيلها وتحسينها [وتطيبها بالصوت] الحسن ما أمكن، أ. هـ قاله القرطبي (^١).\nقال الحافظ (^٢): القينة هي الأمة المغنية وقال المنذري أيضا في حواشي مختصر سنن أبي داود: والقينة الأمة المغنية أو غير مغنية (^٣) وقال أبو عمرو: وكل عبد عند العرب قين، والأمة قينة وبعض الناس يظن القينة المغنية خاصة وليس كذلك (^٤)، وقال غيره: سميت قينة لأنها تصلح البيت وتزينه والقينة الماشطة، والقينة المغنية وذلك راجع إلى الإصلاح والتزيين (^٥).\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٥٤).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٩/ ٧١).\n(^٣) المحكم (٦/ ٥٠٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٠٧).\n(^٤) الصحاح (٦/ ٢١٨٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٠٧).\n(^٥) انظر الصحاح (٦/ ٢١٨٦)، والميسر (٢/ ٦٦٢) والمفهم (١٩/ ٤١).","vol":"7","page":116},{"text":"٢٢٣٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيُّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ هَكَذَا فسره غير وَاحِد من أَئِمَّة الحَدِيث وَزَعَمُوا أَنه من بَاب المقلوب كَمَا قَالُوا عرضت النَّاقة على الْحَوْض أَي عرضت الْحَوْض على النَّاقة وكقولهم إِذا طلعت الشعرى واستوى الْعود على الحرباء أَي اسْتَوَت الحرباء على الْعود ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن شُعْبَة قَالَ نهاني أَيُّوب أَن أحدث زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ قَالَ وَرَوَاهُ معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة فَقدم الأَصْوَات على الْقُرْآن وَهُوَ الصَّحِيح أخبرناه مُحَمَّد بن هَاشم حَدثنَا الديري عَن عبد الرَّزَّاق أَنبأَنَا معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْسَجَة عَن الْبَراء أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ وَالْمعْنَى اشغلوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ والهجوا بِهِ واتخذوه شعارا وزينة انْتهى (^٢).\nقوله: وعن البراء بن عازب - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" كذا فسره غير واحد من أئمة الحديث وزعموا أنه من باب المقلوب إلى آخره.\n_________\n(^١) أبو داود (١٤٦٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٨)، وابن ماجه (١٣٤٢)، وأحمد (١٨٤٩٤)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٥٠)، وابن حبان (٧٤٩)، والحاكم (١/ ٥٧١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢١٤٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٨٠).\n(^٢) معالم السنن، للخطابي (٢/ ١٣٧)، والمفاتيح شرح المصابيح، للمظهري (٣/ ١٠٥).","vol":"7","page":117},{"text":"تنبيه: قوله كقولهم إذا طلعت الشعرى واستوى العود على الحرباء أي استوى الحرباء على العود، والحرباء: أكبر من العصاة، وهو مستقبل الشمس يدور معها كيف دارات ويتلون، ألوانا بحر الشمس، وذكر الشيخ جمال الدين بن هشام في شرح بانت سعاد: إن للحرباء سناما كسنام البعير وأنه يكون ألوانا وهي تتشكل بشكل الشجرة التي تكون عليها حتى تنكاد تختلط بلونها فإذا قرب منه الذباب ونحو اختطفته بلسانها (^١)، أ. هـ.\nقال الحافظ (^٢): قال الخطابي: وراوه البخاري تعليقا في أواخر صحيحه والحاكم في المستدرك في فضائل القرآن وزاد في بعض طرقه فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا كلهم من رواية البراء بن عازب، قول الحافظ ﵀ (^٣): ثم يروي بإسناده عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" أ. هـ.\nقال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتناول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله - ﷺ - في هذه الألحان المبتدعة ولهذا نهاه أن يحدث به (^٤)،أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح قصيدة بانت سعاد (ص ٢٦٥) وحياة الحيوان (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠). انظر شرحه لقول\nكعب: يَوْمًا يَظَلُّ به الحِرْباءُ مُصْطَخِدًا ... كأنَّ ضاحِيَة بالشَّمْسِ مَمْلولُ.\n(^٢) ينظر المرجع القادم.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٥١٩).\n(^٤) فضائل القرآن (١/ ٣٣٦).","vol":"7","page":118},{"text":"قول الحافظ: حدثنا الدبري عن عبد الرزاق، الدبري: اسمه إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري منسوب إلى دبرة، ودبرة قرية من اليمن من قرى صنعاء وهو ثقة حافظ، أدخله الإمام أبو جعفر العقيلي في كتابه صحيح الحديث الذي ألفه، وقد رحل إليه للقراءة عليه جماعة من أهل المشرق وأهل الأندلس من أهل المشرق أبو سعيد بن الأعرابي، ومن أهل الأندلس الإمام أبو عمر أحمد بن خالد بن يزيد يعرف بابن الجباب، أ. هـ.\nقوله: وعن البراء بن عازب - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"زينوا أصواتكم بالقرآن\"، قال الحافظ المنذري: والمعنى: اشغلوا أصواتكم بالقرآن والهجو ابه واتخذوه شعارا وزينة، أ. هـ، وقيل: معناه الحض على قراءة القرآن والدءوب عليه، وروي عن عمر أنه قال: حسنوا أصواتكم بالقرآن، وقيل: المعنى: زينوا القراءة بأصواتكم فيكون القرآن بمعنى القراءة، [كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (^١) أي قراءة الفجر. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ (^٢). أي قراءته. وكما ثبت] في صحيح مسلم عن عبد الله وقال: إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان ﵇ يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا، وقال الشاعر في عثمان في بيت وفي آخره يقطع الليل تسبيحا\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٧٨.\n(^٢) سورة القيامة، الآية: ١٨.","vol":"7","page":119},{"text":"وقرآنا أي قراءة فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها فيكون خبرا لها (^١) والله أعلم قاله في الديباجة (^٢).\n\n٢٢٣٤ - وَرُوِيَ عَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن هَذَا الْقُرْآن نزل بحزن فَإِذا قرأتموه فابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا وَتَغَنوا بِهِ فَمن لم تتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ منا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٣).\nقوله: وروي عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \" [إن هذا القرآن] نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا\" الحديث، رواه ابن ماجه بإسناد جيد، ورواه أبو يعلى الموصلي: التباكي تكلف البكاء والبكاء يمد ويقصر إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع [وخروجها] (^٤) قال النووي (^٥) في الأذكار: ينبغي لقارئ القرآن أن يكون شأنه الخضوع والتدبر والخضوع فهذا هو المقصود والمطلوب وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب وقد كان جماعة من السلف يكررون الآية الليل كله، وصعق جماعة منهم عند القراءة\n_________\n(^١) انظر التذكار (ص ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٢) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.\n(^٣) ابن ماجه (١٣٣٧)، وأبو يعلى (٦٨٥)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٨٥)، والبيهقي (١٠/ ٢٣١)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٣٤)، هذا إسناد فيه: أبو رافع، واسمه: إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٢٥).\n(^٤) الصحاح (٦/ ٢٢٨٤)، والمطلع على ألفاظ المقنع (ص ١٥٤).\n(^٥) الأذكار (ص ١٠٧).","vol":"7","page":120},{"text":"وماتوا، ويستحب البكاء والتباكي لمن لم يقدر على البكاء فإن ذلك صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (^١) قال السيد الجليل إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وفضاء البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين، وقال الغزالي بعد ذكر الحديث (^٢): يستحب البكاء مع القراءة، قال صالح المري: قرأت على النبي - ﷺ - في المنام، فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟، وقال ابن عباس: إذا قرأ سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه، وطريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن.\nوفي سند هذا الحديث عبد الرحمن بن السائب، وكان حسن الصوت بالقرآن، قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره فسلمت عليه فقال: من أنت؟ فأخبرته فقال: مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن هذا القرآن نزل بحزن\" (^٣) فذكر الحديث، أ. هـ.\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٢٧٧).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه ت (١٣٣٧) وأبو يعلى (٦٨٩)، والآجري في أخلاق أهل القرآن (٨٥)، والبيهقي ١٠/ ٢٣١، وأخرجه مختصرًا أبو داود (١٤٦٩) و(١٤٧٠) وهو أيضا في مسند أحمد (١٤٧٦)، وصحيح ابن حبان (١٢٠). ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٠٢٥).","vol":"7","page":121},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وتغنوا به فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا\" الحديث، معنى يتغن: يحسن صوته بالقرآن، أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن وقال أبو عبيد ومحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت محمولة على التحزين والتخويف والتشويق (^١).\nلطيفة: استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا يذم بل يحمد، وقد وقف النبي - ﷺ - على أبي موسى الأشعري واستمع قراءته فروي ابن ماجه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد فسمع قراءة رجل، فقال: من هذا؟ فقيل: عبد الله بن قيس، قال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود، وخرجه مسلم (^٢) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - إن عبد الله بن قيس الأشعري أعطى مزمارا من مزامير آل داود، وفي رواية أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله لأبي موسى: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، وخرجه البخاري (^٣) أيضًا، وفي رواية أن النبي - ﷺ - سمع قراءة أبي موسى فأخبر بذلك فقال: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا (^٤)، وكان عمر - ﵁ - يأمره إذا\n_________\n(^١) فضائل القرآن (١/ ٣٣٣)، والتذكار (ص ١٢٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٧٩٣).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٠٤٨).\n(^٤) أخرجه البزار (٣١٦٠)، والنسائي في الكبرى (٨٢٠١)، وأبو يعلى (٧٢٧٩)، وابن حبان (٧١٩٧)، والحاكم (٣/ ٤٦٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٥٣٢).","vol":"7","page":122},{"text":"حضر عنده من الصحابة أن يسمعهم قراءته فيقرأ وهم يسمعون (^١)، قال العلماء: المراد هنا الصوت الحسن وأصل الزمر الغناء (^٢).\nوقوله: \"من مزامير آل داود\" أراد من مزامير داود نفسه والآل صلة (^٣)، وآل فلان يطلق على نفسه (^٤)، وقال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن وبه سميت الزمر مزمار وكان داود - ﷺ - حسن الصوت جدا شبه حسن صوته وحلاوة نغمته بصوت المزمار وداود النبي - ﷺ - إليه المنتهي في حسن الصوت بالقراءة (^٥)، وفي الحديث أن النبي - ﷺ - قرأ ورجع قراءته (^٦).\nوقوله: \"لحبرته لك تحبيرا\" التحبير التزيين والتحسين (^٧)، يقال: حبرت الشيء تحبيرا إذا حسنته (^٨) وهذا محمول من أبي موسى على أنه كان يزيد في رفع صوته وتحسين ترتيله حتى يسمع النبي - ﷺ - ويعرفه أنه قبل عنه كيفية أداء القراءة وأنه متمكن منها فيحمده النبي - ﷺ - ويدعو له فيحصل له فضيلة\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٢٢٨)، والدارمى (٣٥٣٦) و(٣٥٣٨)، وأبو عوانة (٤٣٢٨) وابن حبان (٧١٩٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٠).\n(^٣) غريب الحديث (١/ ٣٧)، وكشف المشكل (١/ ٤١٥)، والنهاية (١/ ٨١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٠).\n(^٥) النهاية (٢/ ٣١٢).\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٢٨١) و(٥٠٣٤) و(٥٠٤٧) و(٧٥٤٠)، ومسلم (٢٣٧ و٢٣٨ و٢٣٩ - ٧٩٤) عن عبد الله بن مغفل.\n(^٧) التذكار (ص ١٢٤).\n(^٨) النهاية (١/ ٣٢٧).","vol":"7","page":123},{"text":"[ومنقبة] كما فعل بأُبيّ حيث سأله فأجابه بقوله - ﷺ -: \"ليهنك العلم أبا المنذر\" ويحتمل أن يكون ذلك ليبالغ في حالة يطيب بها القرآن له فإن الإنسان قد يتساهل مع نفسه في أموره ويعتني بها عند مشاركة غيره فيها وإن كان مخلصا في أصل عمله (^١).\nقال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود السجستاني: لأبي موسى مع حسن صوته فضيلة ليست لأحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، هاجر ثلاث هجرات هجرة من اليمن إلى رسول الله - ﷺ - بمكة، وهجرة من مكة إلى الحبشة، وهجرة من [الحبشة إلى المدينة]، واستعمله النبي - ﷺ - على زبيد وعدن وساحل اليمن، واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة، روى له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثمائة وستون حديثا، توفي سنة خمس، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة (^٢).\nومعناه: لو علم أن النبي - ﷺ - كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها كما كان يقرأ على النبي - ﷺ - فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقرآن (^٣)، هذا كان سماع القوم فمن حرم هذا السماع أو من كرهه وهل هذا إلا سماع خواص الأولياء فلابد للروح من سماع طيب تتغذى به قاله القرطبي في التذكار، فأين هذا من سماع المكاء والتصدية وقرآة الشيطان وآلات الملاهي أ. هـ.\n_________\n(^١) المفهم (٧/ ٥٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٦٨).\n(^٣) التذكار (ص ١٢٤).","vol":"7","page":124},{"text":"تنبيه: اختلف العلماء في التطريب في القراءة والترجيح فيها فمنع من ذلك، وأنكره مالك بن أنس وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم وكرهه الإمام أحمد بن حنبل كما كرهه مالك وأجاز ذلك طائفة منهم الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك والنضر بن شميل واختاره الطبرى وابن العربي وغيرهما، واحتجوا بقوله - ﷺ -: \"زينوا أصواتكم بالقرآن\" وبقوله - ﷺ -: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" أخرجه مسلم وبقول أبي موسى للنبي - ﷺ -: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا، وبما رواه عبد الله بن المغفل قال: قرأ النبي - ﷺ - عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته، قال الإمام القرطبي: والقول الأول أصح إن شاء الله، وبيان ما روي عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا ما هكذا يفعلون وكان - ﵁ - إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه (^١)، أ. هـ، وتقدم الكلام على ذلك أيضا واختلاف العلماء في ذاك مبسوطا.\n\n٢٢٣٥ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن من أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذا سمعتموه يقْرَأ حسبتموه يخْشَى الله رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا (^٢).\n_________\n(^١) التذكار (ص ١٢١ - ١٢٢).\n(^٢) ابن ماجه (١٣٣٩)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٣٦)، هذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل عبد الله بن جعفر، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٢٠٢).","vol":"7","page":125},{"text":"قوله: وروي عن جابر تقدم الكلام على جابر.\nقوله - ﷺ -: \"إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله\" خشية الله تعالى عبارة [عن خوف مقرون بمعرفة، وقال النبي - ﷺ - \"إني أتقاكم لله، وأشدكم له خشية\" فالخوف حركة، والخشية انجماع، وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما: حركة للهرب منه، هي حالة الخوف، والثانية: سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه، وهي الخشية، ومنه: انخشى الشيء، والمضاعف والمعتل أخوان، كتقضي البازي وتقضض (^١)].\nقوله: وروي عن ابن أبي مليكة، ابن أبي مليكة اسمه [عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مره القرشي التيمي، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، المكي الأحول. كان قاضيا لعبد الله بن الزبير، ومؤذنا له، قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال البخاري وغير واحد: مات سنة سبع عشرة ومئة (^٢)].\n\n٢٢٣٦ - وَعَن ابْن أبي مليكَة قَالَ قَال عبيد الله بن أبي يزِيد - ﵁ - مر بِنَا أَبُو لبَابَة فاتبعناه حَتَّى دخل بَيته فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَإِذا رجل رث الْهَيْئَة يَقُول سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ قَالَ فَقلت لابْنِ أبي مليكَة يَا أَبَا مُحَمَّد أَرَأَيْت إِن لم يكن حسن الصَّوْت قَالَ يُحسنهُ مَا اسْتَطَاعَ وَرَوَاهُ أَبُو\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٥٠٨).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٥/ ترجمة ٣٤٠٥).","vol":"7","page":126},{"text":"دَاوُد (^١)، وَالْمَرْفوع مِنْهُ فِي الصَّحِيحيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (^٢).\nقوله: قال عبيد الله بن أبي يزيد [المكي، مولى آل قارظ بن شيبة الكناني، حلفاء بني زهرة، وقال البخاري: مولى أهل مكلة، ويقال: مولى رهم من بني كنانة قال يحيى بن معين: ثقة.\nوكذلك قال علي بن المديني، وأحمد بن عبد الله العجلي، وأبو زرعة، والنسائي، ومحمد بن سعد، زادة كثير الحديث، وقال سفيان بن عيينة: مات سنة ست وعشرين ومئة، وله ست وثمانون سنة (^٣)].\nقوله: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حت دخل بيته فدخلنا عليه فإذا رجل رث الهيئة، رث بالثاء المثلثة وأبو لبابة اأسمه [بشير بن عبد المنذر أبو لبابة الأنصاري الأوسي ثم من بني عمرو بن عوف، ثم من بني أمية بن زيد، وهو بشير بن عبد المنذر بن زنبر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وقيل: اسمه رفاعة، وهو بكنيته أشهر، قال الحاكم أبو أحمد: يقال: شهد بدرًا مع النبي - ﷺ -، ويقال: رده رسول الله - ﷺ - حين خرج إلى بدر من الروحاء، واستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها وأمه نسيبة بنت زيد بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف وقال أبو عمر بن عبد البر: شهد مع رسول الله - ﷺ - أحدا وما\n_________\n(^١) أبو داود (١٤٧١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٤٤٢).\n(^٢) البخاري (٧٥٢٧)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٢١١).\n(^٣) تهذيب الكمال (١٩/ ترجمة ٣٦٩٧).","vol":"7","page":127},{"text":"بعدها من المشاهد، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في غزوة الفتح، مات في خلافة علي، وقال غيره: مات بعد الخمسين].\nقوله - ﷺ -: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" أي يلهج بتلاوته كما يلهج سائر الناس بالغناء والطرب، كذا قال الهروي والخطابي (^١) ومن تقدمهما والصحيح أنه من تحسين الصوت ويؤيده الرواية الأخرى، يتغنى بالقرآن أي يجهر به ويحسن به صوته وقيل معناه تحسين القراءة وترجيع الصوت به يقال تغنى بمعنى جهر أي رفع صوته يقال جهر وأجهر والجهر والإجهار لغتان فمعنى اجهر أي أرفع صوته فالمراد بقوله يجهر به هو إخراج القرآن في التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار [بإلذاذ] أسماعهم بحسن الصوت وترجيعه [لا الجهر المنهى] عنه الجافي على المسامع كما قال الله ﷿ في النبي - ﷺ -: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ (^٢) (^٣) قاله في الحواشي، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢٩١).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ٣.\n(^٣) قاله ابن بطال كما في شرح الصحيح (١٠/ ٥٤٣).","vol":"7","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الترغيب في قراءة سورة الفاتحة وما جاء في فضلها</span>\n٢٢٣٧ - عَن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى - ﵁ -: قَالَ كنت أُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ فدعاني رَسُول الله - ﷺ - فَلم أجبه ثمَّ أَتَيْته فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي كنت أُصَلِّي فَقَالَ ألم يقل الله تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (^١) ثمَّ قَالَ لأعلمنك سُورَة هِيَ أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن قبل أَن تخرج من الْمَسْجِد فَأخذ بيَدي فَلَمَّا أردنَا أَن نخرج قلت يَا رَسُول الله إِنَّك قلت لأعلمنك أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن قَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين هِيَ السَّبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيتهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ أَبُو سعيد: هَذَا لَا يعرف اسْمه وَقيل اسْمه رَافع بن أَوْس وَقيل الْحَارِث بن نفيع بن الْمُعَلَّى وَرجحه أَبُو عمر النمري وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم (^٣).\nقوله: عن أبي سعيد بن المعلى - ﵁ -، قال الحافظ: أبو سعيد هذا قيل لا يعرف اسمه، وقيل: اسمه رافع بن أوس، وقيل: الحارث بن نفيع، ورجحه أبو عمر النمري وقيل: غير ذلك والله أعلم أ. هـ.\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.\n(^٢) البخاري (٤٤٧٤)، وأبو داود (١٤٥٨)، وابن ماجه (٣٧٨٥)، وابن خزيمة (٨٦٢)، وأحمد (١٥٧٣٠)، وابن حبان (٧٧٧).\n(^٣) الاستيعاب (٤/ ١٦٦٩)، والإصابة (١٢/ ت ١٠٠٥٠).","vol":"7","page":129},{"text":"أبو سعيد هذا: أنصاري واسمه رافع بن أوس بن المعلى، وقيل: الحارث بن أوس المعلى ورجحه ابن عبد البر وكان من جلة الأنصار وساداتهم، توفي سنة أربع وتسعين وهو أول من صلى إلى القباء حين حولت وليس له في الصحيح سوى هذا الحديث وروى له النسائي حديثا آخر من حديث رواية عبيد بن حنين عنه، وقال أبو عمر بن عبد البر: لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين فذكرهما قاله صاحب سلاح المؤمن (^١).\nقوله: كنت أصلي بالمسجد فدعاني رسول الله - ﷺ - فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول الله: إني كنت أصلي، فقال: \"ألم يقل الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (^٢) \" الحديث، أجمعت الأمة على بطلان الصلاة بالكلام العمد الذي يصلح لخطاب الآدميين من غير عذر إذا لم يكن من مصلحة الصلاة لما روى مسلم عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٣) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (^٤)، ثم الكلام المبطل هو المسموع [المهجى] وهو حرفان أو حرف مفهم فإذا نطق بحرفين بطلت صلاته سواء أفهما معنى أم لا، والحرف\n_________\n(^١) سلاح المؤمن (ص ٨٣).\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٢١٦).\nوالحديث أخرجه مسلم (٣٥ - ٥٣٩).","vol":"7","page":130},{"text":"الواحد إذا أفهم أبطل مثل: (ق) و(ع) و(ش) فإن لم يفهم لم تبطل وإن كان [قبل] الحرف [همزة] مثل آه بطلت سواء كان من خوف النار أو من غيره، وقال المحاملي: إن كان من خوف النار لم تبطل والمشهور الأول (^١).\nفروع: الفرع الأول: لو دعا النبي - ﷺ - مصليا في عصره لزمه إجابته على الأصح ولا تبطل صلاته به وما ذكرناه من وجوب الإجابة وعدم البطلان هو مذهب الشافعي وبه جزم الرافعي أنها تبطل بخطاب الملائكة وبقية الأنبياء، وحكى ابن الرفعة وجها إن إجابته لا تجب وتبطل به الصلاة والأول أصح (^٢) واللّه أعلم.\nفرع في إجابة الأبوين: ثلاثة أوجه، أصحهما أن الإجابة لا تجب، وثانيهما: تجب وتبطل الصلاة، وثالثهما: تجب ولا تبطل الصلاة وأختار الشيخ أن الصلاة إن كانت نفلا قطعها وأجاب، وإن كانت فرضا لا يقطعها ولا يجيب والأصح البطلان ولا يجيب، وروينا في معجم ابن قانع من حديث حوشب الفهري أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: لو كان جريج الراهب فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه أفضل من عبادة ربه لأن الكلام الذي يحتاج إليه كان مباحا في ذلك، وكذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ وإشارة الأخرس المفهمة لا تبطل صلاته على الأصل قاله الكمال الدميري (^٣).\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٢١٧).\n(^٢) كفاية النبيه (٣/ ٤٠٧)، والنجم الوهاج (٢/ ٢١٨)، وطرح التثريب (٣/ ١٤).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢١٨).","vol":"7","page":131},{"text":"الفرع الثاني: لو رأى صغيرا أو أعمى أو نحوهما مشرفا على الهلاك وأمكن إنذاره بغير الكلام كفعل أو فعلين فتكلم بطلت صلاته وإن لم يمكن إلا بالكلام فقيل: لا يجب إنذاره فإن فعل بطلت صلاته، والمذهب الوجوب فإن فعل بطلت صلاته والمذهب الوجوب فعلى هذا لا تبطل صلاته على الأصح لأنه قد لا يقع فيما يخاف منه، لكنه في الروضة تبع الرافعي فصحح البطلان لأنه قد لا يقع فيما يخاف منه (^١).\nالفرع الثالث: قراءة الآية المنسوخة في الصلاة تبطلها، وفيه درجه أنها لا تبطل بآية الرجم والقراءة بالشواذ لا تبطل لكن تكره، قاله القاضي حسين، واشترط الرافعي أنه لا يكون فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه فتجوز (^٢)، ولا تبطل الصلاة كاللحن الذي لا يغير المعنى وإن كان فيها زيادة حروف أو تغيير معنى امتنع وتبطل الصلاة به إذا تعمده كقوله ثلاثة أيام [متتابعات] وقوله [فاقطعوا] أيمانهم وقوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٣) و﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٤) برفع الله ونصب العلماء (^٥) وجزم النووي (^٦) في كتبه بتحريم القراءة بالشواذ من غير تفصيل، وحكى\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٢٩١)، وكفاية النبيه (٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) كفاية النبيه (٣/ ٤٠٨)، والنجم الوهاج (٢/ ١١٦).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٩٦.\n(^٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ١١٦).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٦): وقال وَيَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ وَلَا يَجُوزُ","vol":"7","page":132},{"text":"البغوي (^١) في أول تفسيره الاتفاق على جواز القراءة بما يقرأ يعقوب وأبو جعفر لاستفاضها وصوبه الشيخ واختاره في فتاوي قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري: أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقا إلا في الفاتحة للمصلي، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ ولا الصلاة خلف من يقرأ بها وقال العجلي: تكره الصلاة بها وتجزئ الصلاة أ. هـ، قاله الكمال الدميري (^٢).\nالفرع الرابع: التلفظ بالنذر عامدا لا يبطل الصلاة على الأصح في شرح المهذب (^٣) لأنه مناجاة لله تعالى (^٤)، ويجب أن يكون محل هذا الخلاف فيما إذا قال لله على كذا فلو علق كإن شفى الله زيدًا [ونحوها] من صيغ التعليق [فلا وجه إلا] البطلان (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"ثم قال لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد\" الحديث، ومعنى قوله \"أعظم سورة في القرآن\" أراد به في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض كما سيأتي بيانه (^٦) إنما قال أعظم سورة في\n_________\n= بِالشَّوَاذِّ وفي المجموع شرح المهذب (٢/ ١٦٥) وَتَجُوزُ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ وَلَا تَجُوزُ بِالشَّوَاذِّ.\n(^١) تفسير البغوي - طيبة (١/ ٣٧)\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٣) المجموع (٤/ ٨٥).\n(^٤) طرح التثريب (٦/ ٣٩).\n(^٥) النجم الوهاج (٢/ ٢١٨).\n(^٦) التذكار (ص ٤١)، وتفسير القرطبي (١/ ١١٠).","vol":"7","page":133},{"text":"القرآن اعتبارا بعظم قدرها وتفردها بالخاصية التي لا يشاركها فيها سورة ولاشتمالها على فوائد ومعاني كثيرة مع قصرها ووجازة ألفاظها، ولذلك سميت أم القرآن (^١)، وسميت فاتحة الكتاب لافتتاح القرآن بها، وسميت أم الكتاب لأنها أوله وأصله ولذلك شما مكة أم القرى لأنها أول الأرض وأصلها ومنها دحيت وحكي في التحرير لها عشرة أسماء: الحمد وفاتحة الكتاب وأم الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني لأنه سبع آيات وتثني في الصلاة والوافية والكافية والشفاء والأساس وزاد الكاشغرى في غريبه الكنز، قال في الإكمال وكره قوم منهم ابن سيرين تسميتها بأم القرآن ولا وجه له لصحة الأحاديث به (^٢).\nقوله: \"الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\" الحديث، وسميت بذلك لأنها سبع آيات بالاتفاق (^٣) غير أن منهم من عد أنعمت عليهم دون التسمية ومنهم من عكس (^٤)، وقال عمرو بن عبيد ثمان آيات وجعل إياك نعبد آية (^٥)، وأجمعت الأمة على أنها قرآن ولم يكتبها ابن مسعود في مصحفه كما لم يكتب المعوذتين اكتفاء بحفظ الناس لذلك\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٥/ ١٦٣٩).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١١ أ - ١١٢).\n(^٣) معاني القرآن (١/ ٤٥)، وتفسير الكشاف (١/ ٩٩)، وتفسير الماوردى (١/ ٤٦)، وتفسير العز بن عبد السلام (١/ ٨٨)، وتحفة الأبرار (١/ ٥٢١)، وجمال القراء (١/ ١٩٠) للسخاوى.\n(^٤) تحفة الأبرار (١/ ٥٢١).\n(^٥) المحرر الوجيز (١/ ٥٨ - ٥٩)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٠١).","vol":"7","page":134},{"text":"واختلفوا هل مكية أو مدنية، فقيل: مكية، وقيل: مدنية، وقيل: نصفها مكي ونصفها مدني، حكاه أبو الليث السمرقندي في تفسيره (^١)، والصواب الأول لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (^٢) وسورة الحجر مكية بالإجماع ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ عنه - ﷺ - أنه صلى صلاة بغير فاتحة (^٣) أ. هـ.\nوهي مثنى في الصلاة أو الإنزال فإنها نزلت بمكة حينما فرضت الصلاة وبالمدينة لما حولت القبلة (^٤)، أ. هـ.\nوقال بعض العلماء: السبع المثاني من أسماء سورة الفاتحة لأنها تثنى في كل ركعة أو لأنها مثنى نصفها ثناء العبد للرب ونصفها إعطاء الرب للعبد (^٥)، وليس عطف القرآن على السبع المثاني من باب عطف الشيء على نفسه وإنما هو من باب ذكر الشيء بوصفين أحدهما معطوف على الأخرى أي هي الجامع لهذين الوصفين (^٦).\n\n٢٢٣٨ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله خرج على أبي بن كَعْب فَقَالَ يَا أبي وَهُوَ يُصلِّي فَالْتَفت أبي فَلم يجبهُ وَصلى أبي فَخفف ثمَّ انْصَرف\n_________\n(^١) بحر العلوم (١/ ١٥).\n(^٢) سورة الحجر، الآية: ٨٧.\n(^٣) التذكار (ص ١٧١).\n(^٤) تحفة الأبرار (١/ ٥٢١)، وشرح أبي داود للعينى (٥/ ٣٧١).\n(^٥) نوادر الأصول (٦/ ٣٦٥)، وتفسير الثعلبى (٥/ ٣٥٠)، والميسر (١/ ٢٣٩)، وتفسير النيسابورى (١/ ٨٣).\n(^٦) الميسر (٢/ ٤٩١).","vol":"7","page":135},{"text":"إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ السَّلام عَلَيْك يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَعَلَيْك السَّلام مَا مَنعك يَا أبي أَن تُجِيبنِي إِذْ دعوتك فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي كنت فِي الصَّلَاة قَالَ فَلم تَجِد فِيمَا أوحى الله إِلَيّ أَن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (^١) قَالَ بلَى وَلا أعُود إِن شَاءَ الله قَالَ أَتُحِبُّ أن أعلمك سُورَة لم ينزل فِي التَّوْرَاة وَلا فِي الإِنْجِيل وَلا فِي الزبُور وَلا فِي الْفرْقَان مثلهَا قَالَ نعم يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - كيفَ تقْرَأ فِي الصَّلَاة قَالَ فَقَرَأَ أم الْقُرْآن فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أنزل الله فِي التَّوْرَاة وَلا فِي الإِنْجِيل وَلا فِي الزبُور وَلا فِي الْفرْقَان مثلهَا وَإِنَّهَا سبع من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أَعْطيته رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\nوَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم بِاخْتِصَار عَن أبي هُرَيْرَة عَن أبي وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - خرج على أبي بن كعب، تقدم الكلام على أبي بن كعب، وتقدم الكلام أيضا على إجابته - ﷺ - في الصلاة في الحديث أول الباب.\nقوله - ﷺ - لأبي بن كعب: \"أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل مثلها\" الحديث، ومعنى قوله ﵇: \"ما في التوراة ولا في الإنجيل\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.\n(^٢) الترمذي (٢٨٧٥)، وأحمد (٩٣٤٥).\n(^٣) ابن خزيمة (٨٦١)، ابن حبان (٧٧٥)، والحاكم (١/ ٥٥٧)، والترمذي (٣١٢٥)، وأحمد (٨٦٨٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.","vol":"7","page":136},{"text":"مثلها\" أن الله تعالى لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل في يعطي لقارئ أم القرآن لأن الله تعالى بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه وهو فضل منه لهذه الأمة، وقال ابن العربي (^١): قوله - ﷺ - \"ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزيور ولا في الفرقان مثلها\" الفرقان من أسماء سور القرآن أي أنه فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام يقال: فرقت بين الشيئين أفرق فرقا وفرقانا ومنه الحديث محمد فرق بين الناس، أي: يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه قاله في النهاية (^٢).\nقوله: \"وأنها سبع من المثاني والقرآن الذي أعطيته\" الحديث، قيل: هي الفاتحة لكونها سبع آيات وقيل: السبع الطول بالضم جمع الطولي مثل الكبر في الكبرى وهذا البناء يلزمه الألف واللام أو الإضافة، والسبع الطوال هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة (^٣) على أن تحسب التوبة والأنفال بسورة واحدة ولهذا لم يفصل بينهما في المصحف بالبسملة ومن في قوله من المثاني لتبيين الجنس ويجوز أن تكون للتبعيض أي سبع آيات أو سبع سورة من جملة ما يثنى به على الله من الآيات (^٤)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (١/ ١٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٣٩)\n(^٣) النهاية (٣/ ١٤٤).\n(^٤) النهاية (٢/ ٣٣٥).","vol":"7","page":137},{"text":"وسكت عن سائر الكتب كالصحف المنزلة وغيرها لأن هذه المذكورة أفضلها وإذا كان الشيء أفضل الأفضل كان أفضل الكل كقولك زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها حتى قيل إن جميع القرآن فيها وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن قاله القرطبي في كتابه التذكار (^١) ..\nقوله - ﷺ -: \"كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: تقرأ أم القرآن\" سميت الفاتحة أم القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو أهله والتعبد بالأحكام والترغيب والترهيب بالوعد والوعيد وقصة الغابرين من العصاة والمطيعين (^٢)، قال ابن عرفة: سميت أم القرآن لأن السور تضاف إليها ولا تضاف إلى شيء من السور (^٣)، أ. هـ.\nلطيفة: ذكر بعض العلماء أن في سورة الفاتحة اثنى عشر اسما من أسماء الله تعالى ولم يشرحها، قال الإقليش (^٤) فتأملت ما قال فوجدت فيها ثلاثة عشر اسما من أسماء الله تعالى طريقة من يجيز أن يشتق من الأفعال أسماء وأن يسمي الله تعالى بكل ما كان كمالا في حقه فمنها حميد من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ومنها الله وهو الاسم الأعظم الخاص لله ﷿، ومنها\n_________\n(^١) التذكار (ص ٤٣).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٢٨٦).\n(^٣) الميسر (١/ ٢٣٨).\n(^٤) الانباء في شرح الصفات والأسماء (لوحة ٨/ مخ ٢٨٩٢٤ أزهرية).","vol":"7","page":138},{"text":"الرب، ومنها الرحمن، ومنها الرحيم، ومنها مالك، ومنها الديان من قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ومنها المعبود من قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومنها: المستعان من قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وفي القرآن ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ﴾ (^١)، ومنها: الهادي من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ وقد ورد الهادي في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٢) الآية، ومنها: المنعم من قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يرد المنعم في القرآن ولا عند الترمذي في الأسماء المعدودة ووري في حديث لم يخرجه الترمذي وخرجه غيره في الأسماء المعدودة فعد منها المنعم ومنها المضل ولم يرد هذا الاسم في القرآن العزيز ولكن إجماع أهل الحق قد انعقد على أن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء فهو الهادي والمضل لا إله إلا هو.\nومن شرف الفاتحة أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده ولا تصح الصلاة إلا بها ولا يلحق عمل بثوابها وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم كما صارت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن إذ القرآن تعدل ثلث القرآن إذ القرآن توحيد وأحكام ومواعظ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله ﵇ لأبيّ: \"أي آية في القرآن أعظم؟ \" قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها كما صار قوله عليه الصلام \"أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ١١٢.\n(^٢) سورة الحج، الآية: ٥٤.","vol":"7","page":139},{"text":"إله إلا الله وحده لا شريك له\" أفضل الذكر لأنها كلمات حولت جميع العلوم في التوحيد والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والتذكير ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى ذكره القرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار (^١).\n\n٢٢٣٩ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ كَانَ النَّبِي - ﷺ - في مسير فَنزل وَنزل رجل إِلَى جَانِبه قَالَ فَالْتَفت النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ أَلا أخْبرك بِأَفْضَل الْقُرْآن قَالَ بلَى فَتلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أخبرك بأفضل القرآن\".\nتتمة: اختلف العلماء في تفضيل بعض سور القرآن على بعض والآي على بعض وتفضيل بعض أسماء الله الحسنى على بعض فقال قوم: لا تفضيل لبعض على بعض لأن الجميع كلام الله تعالى وكذلك أسماء الله تعالى لا مفاضلة بينها وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر بن الطيب وأبو حاتم البستى وجماعة من الفقهاء، وروي جماعة معناه عن مالك واحتج هؤلاء بأن الأفضل يؤذن بنقص المفضول والذاتية في الكل واحدة وقال قوم بالتفضيل وأن ما تضمنه قوله تعالى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٣) الآية، وآية الكرسي وآخر\n_________\n(^١) التذكار (ص ٤٣).\n(^٢) ابن حبان (٧٧٤)، والحاكم (١/ ٥٦٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٩٢).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.","vol":"7","page":140},{"text":"سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانية الله وصفاته ليس موجودًا في [تبت يدا أبي لهب] [وما كان] مثلها وهذا هو الحق، وقال بذلك إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين [وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار لحديث أبي سعيد بن المعلى خرجه البخاري. قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - ﷺ - فلم أجبه، فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي فقال: \"ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم\" ثم قال: \"لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد\" ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن؟ قال: \"الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\" وحديث أبي بن كعب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل\" (^١)، والله أعلم.\nقوله: قال بلى، فتلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، في معنى الرب أربعة أقوال حكاها الماوردي وغيره، المالك والسيد والمدبر والمربي الأولان من صفات الذات والأخيران من صفات الأفعال، فإن وصف الله تعالى برب لأنه مالك أو سيد فهو من صفات الذات، وإن وصف به لأنه مدبر خلقه ومربيهم فهو من صفات فعله، ومتى دخلت الألف واللام فقيل الرب اختص بالله تعالى، وان حذفتا جاز إطلاقه على غيره فقيل: رب المال ورب الدار ونحو ذلك والعالمين\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ١٠٩ - ١١٠)، والتذكار (ص ٤١ - ٤٢).","vol":"7","page":141},{"text":"جمع عالم وليس للعالم واحد من لفظه، وقد اختلف العلماء من أهل اللغة والمتكلمين والمفسرين في حقيقته، قال الأكثرون: على أنه جميع المخلوقات وإنما جمع باعتبار أنواعه، وقال جماعة هم الملائكة والجن والإنس، قيل: والشياطين أيضًا، وقيل: بنو آدم خاصة قاله الحسين بن الفضل و[أبو] معاذ النحوي، وقيل: العالم الدنيا وما فيها [والصحيح] الأول، ثم قيل: هو مشتق من العلامة لأن كل مخلوق علامة على وجود صانعه، وقيل: من العلم فيختص بالعقلاء (^١) قاله في شرح الإلمام (^٢) أ. هـ، وتقدم الكلام على أفضل.\n\n٢٢٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول قَالَ الله تَعَالَى قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ ولعبدي مَا سَأَلَ.\nوَفِي رِوَايَة فنصفها لي وَنِصْفهَا لعبدي فَإِذا قَالَ العَبْد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قَالَ الله حمدني عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ قَالَ أثنى عَليّ عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قَالَ مجدني عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قَالَ هَذَا بيني وَبَين عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ فَإِذا قَالَ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قَالَ هَذَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ رَوَاهُ مُسلم (^٣).\n_________\n(^١) النكت والعيون (١/ ٥٤ - ٥٥)، والتفسير البسيط (١/ ٤٨٩ - ٤٩٢)، وتفسير القرطبي (١/ ١٣٨ - ١٣٩)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٦٤)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٥٨).\n(^٢) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.\n(^٣) مسلم (٣٩٤).","vol":"7","page":142},{"text":"قَوْله قسمت الصَّلَاة يَعْنِي الْقِرَاءَة بِدَلِيل تَفْسِيره بهَا وَقد تسمى الْقِرَاءَة صَلَاة لكَونهَا جُزْءا من أَجْزَائِهَا وَالله أعلم.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل\" وفي رواية \"فنصفها لي ونصفها لعبدي\" الحديث، قال الحافظ: قوله \"قسمت الصلاة\" يعني القراءة بدليل تفسيره بها، وقد تسمى القراءة صلاة لكونها جزء من أجزائها، أ. هـ، وقال غيره: أراد بالصلاة القراءة لكونها جزءا من أجزائها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (^١) أي: بقراءتك والمراد بالصلاة قراءة الفاتحة، ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة، قال العلماء: والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن الأول تحميد الله تعالى وتمجيده وثناء عليه وتفويض إليه والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة فالعبادة حق الرب والمسألة حق العبد، وليس المراد كلماتها على السواء، وقال الخطابي ﵀ (^٢): حقيقة التقسيم في قوله: \"نصفين\" راجعة إلى المعنى لا إلى الألفاظ المتأثرة لأن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة ونصفها سفر يريد به أيام السنة مدة للسفر ومدة للإقامة لا على سبيل التعديل\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٠٣).","vol":"7","page":143},{"text":"والتسوية بينهما حتى لا يزيد أحدهما على الآخر، ثم التنصيف لا يلزم منه التساوي كما سمي الوضوء شطر الإيمان والفرائض نصف العلم، ويؤيده أن النصف باعتبار الحروف والكلمات غير معتبرة، وقال الإمام شهاب الدين التوربشتي (^١): الأظهر أن التنصيف ينصرف إلى آيات السورة لأن الفاتحة سبع آيات فثلاث منها ثناء وثلاث منها مسألة والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة نصفها ثناء ونصفها دعاء، وهذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة وهو بين واضح والحديث يحكم على من خالفه، وروي أبو عبد الله الحاكم في صحيحه هذا الحديث بإسناده عن أبي هريرة وذكر فيه: \"فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله: ذكرني عبدي\" وهذا يؤيد مذهب من جعل التسمية من الفاتحة، وأجاب من جعل البسملة آية من الفاتحة بأجوبة: أحدها: أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ، والثاني: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، والثالث: معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فإذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، قال: أثنى عليّ عبدي\" لم يذكر البسملة فاحتج بهذا الحديث من لا يرى البسملة منها، فقال: لو كانت\n_________\n(^١) الميسر (١/ ٢٣٩).","vol":"7","page":144},{"text":"منها لذكرها (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، قال: مجدني عبدي\"؛ اعلم أن قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ أن الله تعالى منفرد بالملك ذلك اليوم [وبجزاء] العباد وبحاسبهم، والدين الحساب، وقيل: الجزاء ولا دعوى لأحد ذلك اليوم ولا حقيقة ولا مجازا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ذلك مجازي، ويدعى بعضهم دعوى باطلة وكل هذا منقطع في ذلك اليوم هذا معناه وإلا فالله ﷾ هو المالك، والمالك على الحقيقة في الدارين وما فيهما ومن فيهما وكل من سواه مربوب له عبد مسخر، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد وتفويض الأمر ما لا يخفى (^٢).\nقوله: \"مجدني عبدي\"، ومعنى \"مجدني\" شرفني وعظمني ونزهني عما لا ينبغي (^٣).\nقوله: \"وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل\" معناه أن عبدي توجه إليّ بالعبادة وسألني العون\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٣) وذكر النووي جوابا على ذلك فقال: وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة أحدها أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ والثاني أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة والثالث معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٤).\n(^٣) النهاية (٤/ ٢٩٨).","vol":"7","page":145},{"text":"عليها فعبادته متقبلة، والعون مني له عليها حتى يوقعها على وجهها، فالعبادة وصف العبد والعون من الله تعالى للعبد، فلذلك قال: \"هذا بيني وبين عبدي\" (^١).\nقوله: \"فإذا قال: ﴿اهْدِنَا﴾ \" هو سؤال رغبة من العبد لربه تعالى في الهداية، وقد أمر الله تعالى كل مكلف أن يسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، وهذا السؤال ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون السؤال واقعا لمن ليس بمهتد بعد فيأمرهم بسؤال الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو الإيمان كما أمرهم بالتوحيد فإنه لا خلاف أن الكفار مخاطبون بالإيمان؛ والسؤال الثاني: أن يكون هذا السؤال واقعا من المؤمنين الذين هم مهتدون ولكون معنى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ أي: ثبتنا عليه فإن الله تعالى قد يهب الهداية العبد ما شاء من عمره ثم يسلبها منه إذا شاء [ينبغي أن يدعى هنا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (^٢)]؛ والسؤال الثالث: أن يكون هذا السؤال أيضًا من الأنبياء المهتدين المعصومين من وقوع الضلال بهم أبدًا، ويكون معنى ﴿اهْدِنَا﴾ أي: زدنا هدى فإن هدى الله تعالى لا نهاية له، فالسؤال الأول الهداية ممن ليس بمهتد هو سؤال دخول فيها كما يقول القائل للواقف امش أي تلبس بالمشي، والسؤال الثاني الذي هو\n_________\n(^١) قاله الاقليشى كما في تفسير ابن عجيبة (١/ ٦٠).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٨.","vol":"7","page":146},{"text":"طلب الاستدامة هو كقولك للماشي امش أي تماد على مشيك، والسؤال الثالث الذي طلب استزادة هو كقولنا للماشي امش أي زد في المشي وحث سيرك وهدايته تعالى لا نهاية لها ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (^١) ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (^٢).\nقوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ والصراط هو الطريق وأما الصراط المستقيم فقد ذكر الزجاج بسنده عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"الصراط المستقيم كتاب الله تعالى\"، وعن ابن مسعود مثله؛ وعن النبي - ﷺ - هو الإسلام، وقاله جماعة من الصحابة، واختار الطبري القول والعمل الموافق للحق وهذا شامل لأن الصراط المستقيم هو صراط الله الذي دعا إليه عباده وهو امتثال أوامره واجتناب نواهيه والله أعلم.\nفائدة تتعلق بالفاتحة: قال صاحب الهدى: وكانت قراءته - ﷺ - مدًا يقف عند كل آية ويمد بها صوته، روينا في كتاب الشمائل للترمذي عن عائشة - ﵂ - قالت: كان النبي - ﷺ - يقرأ الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول الرحمن الرحيم يمد بها صوته (^٣) ثم يقرأ قراءة مفسرة يقف عند كل آية ويمد بها\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ١٧.\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٧٦.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٠٠١)، والترمذي في السنن (٢٩٢٧) والشمائل (٣١٥) و(٣١٧) عن أم سلمة. وصححه الألباني في الإرواء (٣٤٣)، المشكاة (٢٢٠٥)، صفة الصلاة، مختصر الشمائل (٢٧٠).","vol":"7","page":147},{"text":"صوته، قال صاحب الهدى: فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال آمين (^١) والله اعلم.\nتنبيه: قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، افترض الله على عباده أن من يسألوه في كل صلاة الهداية إلى صراط الذين أنعمت عليهم وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (^٢) (^٣) انتهى.\n\n٢٢٤١ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ بَيْنَمَا جِبْرَائِيل ﵇ قَاعد عِنْد النَّبِي - ﷺ - سمع نقيضا من فَوْقه فَرفع رَأسه فَقَالَ هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح لم يفتح قطّ إِلَّا الْيَوْم فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّا الْيَوْم فَسلم وَقَالَ أبشر بنورين أُوتِيتهُمَا لم يؤتهما نَبِي قبلك فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم سُورَة الْبَقَرَة لن تقْرَأ بِحرف مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطيته رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٤).\nالنقيض بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ الصَّوْت.\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) زاد المعاد (١٢٠٠).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(^٣) تفسير القرطبي (١/ ١٤٩).\n(^٤) مسلم (٨٠٦)، والحاكم (١/ ٥٥٨).","vol":"7","page":148},{"text":"قوله: بينما جبرائيل ﵇ قاعد عند النبي - ﷺ -، تقدم الكلام على جبريل ﵇ في كتاب الجمعة.\nقوله: سمع نقيضا من فوقه؛ قال الحافظ: النقيض هو الصوت أ. هـ، وقال غيره: النقيض هو بالقاف والضاد المعجمة أي صوتا كصوت الباب إذا فتح، وقال في النهاية (^١): النقيض الصوت ونقيض المحامل صوتها، ونقيض السقف تحريك خشبه.\n[وقوله] أبشر [بنورين] إلى أن قال \"فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة\" سيأتي الكلام على هذا الحديث في فضل سورة البقرة وآل عمران [سماهما (نورين)؛ لأن كلا منهما يكون لقارئه يوم القيامة نورا يسعى بين يديه، أو لأنه يرشده ويهديه بالتأمل فيه والتفكر في معانيه إلى الطريق القويم].\n\n٢٢٤٢ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ أَعْطَيْت مَكَان التَّوْرَاة السَّبع وَأعْطيت مَكَان الزبُور المئين وَأعْطيت مَكَان الْإِنْجِيل المثاني وفضلت بالمفصل رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده عمرَان الْقطَّان (^٢).\nقوله: وعن واثلة بن الأسقع - ﵁ -[هو أبو شداد، ويقال: أبو الأسقع،\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٧)\n(^٢) أحمد (١٦٩٨٢)، والطبراني في الكبير (١٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٨٤)، والطيالسي (١٠١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٤٦)، رواه أحمد وفيه عمران القطان، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٠٥٩).","vol":"7","page":149},{"text":"وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الخطاب، وقيل: أبو قرصافة، بكسر القاف، واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكنانى الليثى، وقيل: إنه واثلة بن عبد الله بن الأسقع، قيل: أسلم والنبى - ﷺ - يتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي - ﷺ - ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، روى له عن رسول اللّه - ﷺ - ستة وخمسون حديثا، روى له البخاري حديثا ومسلم آخر، سكن الشام فسكن دمشق، ثم استوطن بيت جبرين، وهي بلدة بقر بيت المقدس، ودخل البصرة، وكان له بها دار. روى عنه عبد الواحد بن عبد الله البصرى، بالصاد المهملة، وشداد بن عبد الله بن عامر اليحصبى، وأبو إدريس الخولانى، ومكحول، وأبو المليح، ويونس بن ميسرة، وخلق سواهم، توفى بدمشق سنة ست أو خمس وثمانين، وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر. وقال سعيد بن خالد: توفى سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح الأول (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"مكان التوراة السبع\" [وهي: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة على أن تحسب التوبة والأنفال بسورة واحدة].\nقوله: وفي إسناده عمران القطان [هو عمران بن داود القطان: قال عباس عن يحيى ليس بشيء وضعفه أبو داود والنسائي، وقال ابن عدي هو ممن\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤١ - ١٤٢ ترجمة ٦٦٢).","vol":"7","page":150},{"text":"يكتب حديثه وحدث عنه عفان ووثقه ومشاه أحمد واحتج به ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهما].\nخاتمة: اختلف في وقت نزول فاتحة الكتاب فقيل إنها أول ما نزل من القرآن وقرأها -ﷺ- على ورقة بن نوفل، وقيل: نزلت مرتين، قال ابن عطية: ظن بعض العلماء أن جبريل ﵇ لم ينزل بسورة الحمد، لما روى مسلم عن ابن عباس قال: \"بينما جبريل قاعد عند النبي -ﷺ- سمع نقيضا من فوقه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، وفي آخره: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة\"، قال ابن عطية: وليس كما ظنه، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل ﵇ تقدم الملك إلى النبي -ﷺ- معلما به وبما ينزل معه، والصواب أن جبريل نزل بتلاوتها بمكة والملك الآخر نزل بثوابها بالمدينة (^١) أ. هـ قاله في شرح الإلمام (^٢).\n_________\n(^١) تفسير القرطبى (١/ ١١٦).\n(^٢) سبق وقد أشرنا الى أن الكتاب لم يطبع بكامله.","vol":"7","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمران وما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها</span>\n٢٢٤٣ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر إِن الشَّيْطَان يفر من الْبَيْت الَّذِي تقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر\" أي: اجعلوا لبيوتكم حصة من ذكركم وتلاوتكم وصلاتكم لئلا تكون كالمقابر التي تورط أهلها في مهاوي الفناء فقصرت مقدرتهم عن العمل.\nقوله - ﷺ -: \"إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة\" هكذا رواه بعض رواة مسلم \"يفر\" وضبطه الجمهور \"ينفر\" وكلاهما صحيح وإذا كان هذا شان البيت فما ظنك بالقارئ قاله في حدائق الأولياء (^٢)، وفي الحديث جواز أن يقال سورة البقرة (^٣) وسيأتي الكلام على ذلك في هذا الباب وفيه أيضا دليل على الحث على قراءة سورة البقرة.\n_________\n(^١) مسلم (٧٨٠)، والترمذي (٢٨٧٧)، والنسائي (٨٠١٥)، وأحمد (٧٨٢١)، وابن حبان (٧٨٣).\n(^٢) حدائق الأولياء (٢/ ٨٩).\n(^٣) إحكام الأحكام (٢/ ٩٤).","vol":"7","page":152},{"text":"٢٢٤٤ - وَعَن معقل بن يسَار - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْبَقَرَة سَنَام الْقُرْآن وذروته نزل مَعَ كل آيَة مِنْهَا ثَمَانُون ملكا واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^١) من تَحت الْعَرْش فوصلت بهَا أَو فوصلت بِسُورَة الْبَقَرَة وَيس قلب الْقُرْآن لَا يقْرؤهَا رجل يُرِيد الله وَالدَّار الْآخِرَة إِلَّا غفر لَهُ رَوَاهُ أَحْمد عَن رجل عَن معقل (^٢) وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مِنْهُ ذكر يس (^٣).\nقوله: وعن معقل بن يسار - ﵁ -[هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو على معقل بن يسار بن معبر بن حراق بن لأى بن كعب بن عبيد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزنى البصرى، ومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها توفى في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٢) أحمد (٢٠٣٠٠)، والنسائي (١٠٩١٤)، والطبراني في الكبير (٥١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١١)، رواه أحمد وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) أبو داود (٣١٢١)، والنسائي (١٠٩١٣)، وابن ماجه (١٤٤٨)، وأحمد (٢٠٣٠١)، وابن حبان (٣٠٠٢)، وقال الألباني في إسناده جهالة كما يأتي.","vol":"7","page":153},{"text":"بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصرى، قال أحمد بن عبد الله العجلى: ليس في الصحابة من يكنى أبا على غير معقل بن يسار هذا، وهذا الذي قال مردود، فقد سبق أن طلق بن على كنيته أبو علي. وذكر الحاكم أبو أحمد وغيره أن قيس بن عاصم كنيته أبو علي، وقيل: أبو قبيصة، وكان لمعقل دار بالبصرة، وإليه ينسب نهر معقل الذي في البصرة، وإليه أيضا ينسب التمر المعقلى الذي بالبصرة، وروينا في صحيح مسلم، عن معقل بن يسار هذا، قال: لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبى - ﷺ - يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشر مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا\" سنام كل شيء أعلاه مأخوذ من سنام البعير.\nتتمة: سورة البقرة فسطاط القرآن وسنامه ولبابه تعلمها عمر بفقهها وما تحتوي عليه في اثنى عشر سنة وابنه عبد الله في ثمانين سنة، قال ابن العربي (^٢): فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة وهم السحرة لمجيئهم بالباطل إذا قرئت في بيت لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام، أ. هـ.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٦ ترجمة ٥٩٣).\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (١/ ١٥).","vol":"7","page":154},{"text":"قوله - ﷺ -: \"واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^١) من تحت العرش فوصلت بها\" سيأتي الكلام على آية الكرسي في باب مفرد إن شاء الله تعالى.\n\n٢٢٤٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ بَيْنَمَا جِبْرَائِيل ﵇ قَاعد عِنْد النَّبِي - ﷺ - سمع نقيضا من فَوْقه فَرفع رَأسه فَقَالَ هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح لم يفتح قطّ إِلَّا الْيَوْم فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّا الْيَوْم فَسلم وَقَالَ أبشر بنورين أُوتِيتهُمَا لم يؤتهما نَبِي قبلك فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم سُورَة الْبَقَرَة لن تقْرَأ بِحرف مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطيته رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَتقدم (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله: فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: \"أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة\" الحديث، فهذا الحديث يدل على أنها مدنية وأن جبريل لم ينزل بها وليس كذلك بل نزل بها جبريل ﵇ نزل بتلاوتها بمكة ونزل الملك بفضلها وثوابها بالمدينة فتتفق الآثار وقد قيل إنها مكية مدنية نزل بها جبريل ﵇ مرتين حكاه الثعلبي وغيره وما ذكرناه أولى (^٣)، وأنزلت بالمدينة قال القرطبي وهو قول مجاهد وأبي هريرة وعطاء بن يسار والزهري، وقيل:\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٢) مسلم (٨٠٦)، والحاكم (١/ ٥٥٨).\n(^٣) التذكار (ص ١٧٢).","vol":"7","page":155},{"text":"نزلت بمكة، قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية وهو أصح لقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (^١)، والحجر مكية بإجماع ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ أنه كان في الإسلام صلاة قط بغير الحمد لله رب العالمين ذكره في التذكار (^٢).\n\n٢٢٤٦ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول اقرؤوا الْقُرْآن فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة شَفِيعًا لاصحابه اقرؤوا الزهراوين الْبَقَرَة وَسورَة آل عمرَان فَإِنَّهُمَا يأتيان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف تحاجان عَن أصحابهما اقرؤوا سُورَة الْبَقَرَة فَإِن أَخذهَا بركَة وَتركهَا حسرة وَلَا تستطيعها البطلة قَالَ مُعَاوِيَة بن سَلام بَلغنِي أَن البطلة السَّحَرَة رَوَاهُ مُسلم (^٣).\nالغيايتان مثنى غياية بغين مُعْجمَة وياءين مثناتين تَحت وَهِي كل شَيْء أظل الْإِنْسَان فَوق رَأسه كالسحابة والغاشية وَنَحْوهمَا.\nوفرقان أَي قطعتان.\nقوله: وعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران\" الحديث، الزهراوين أي المنيرتين كما سمي القرآن نورا وهو كله راجع إلى البيان قاله\n_________\n(^١) سورة الحجر، الآية: ٨٧.\n(^٢) التذكار (ص ١٧١).\n(^٣) مسلم (٨٠٤).","vol":"7","page":156},{"text":"عياض (^١)، قالوا: سميتا الزهراوين لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما (^٢)، والزهراوين واحدتهما زهراء مأخوذ من الزهر والزهرة وهي البياض [النير] وهو أحسن الألوان (^٣)، وفيه تنبيه على أن مكان السورتين مما عداهما من سور القرآن مكان القمرين من سائر النجوم (^٤) ونصب البقرة وآل عمران على البدل من الزهراوين أو عطف البيان لهما. [وفي تسمية البقرة وآل عمران بالزهراوين ثلاثة أقوال: الأول أنهما النيرتان مأخوذ من الزهر والزهرة، فأما لهدايتهما قارئهما بما يزهران من أنوارهما أي من معانيهما وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة وهو القول الثاني. الثالث سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن النبي - ﷺ - قال: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (^٥) والتي في آل عمران: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ (^٦) \"، أخرجه ابن ماجه أيضًا في التفسير والغمام: السحاب الملتف، وهو الغياية إذا كانت قريبا من الرأس، وهي الظلة أيضا. والمعنى: إن قارئهما في ظل ثوابهما، كما جاء\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٧٣)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣١٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٨٩ - ٩٠).\n(^٣) النهاية (٢/ ٣٢١).\n(^٤) الميسر (٢/ ٤٩٢).\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.\n(^٦) سورة آل عمران، الآية: ٢.","vol":"7","page":157},{"text":"\"الرجل في ظل صدقته\" (^١) وفيه جواز قول سورة آل عمران وسورة النساء وسورة المائدة وشبهها ولا كراهة في ذلك وكرهه بعض المتقدمين وقال إنما يقال السورة التي يذكر فيها آل عمران والصواب الأول وبه قال الجمهور لأن المعنى معلوم (^٢).\nقوله - ﷺ -: فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان الحديث قال أبو عمرو: الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك، والغيايتان مثنى غياية بغين معجمة وياءين مثناتين تحت وهي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة والغاشية ونحوهما قاله المنذري.\nقوله - ﷺ - أو كأنما فرقان من طير صواف الفرقان بكسر الفاء وإسكان الراء وفي الرواية الأخرى كأنهما حزقان من طير صواف والحزقان بكسر الحاء المهملة وإسكان الزاي ومعناهما واحد وهما قطيعان وجماعتان يقال في الواحد فرق وحزق وحزيقة أي جماعة (^٣) وقوله: \"حزقان\" ذكره الحميدي فقال: خرقان بالخاء المعجمة مع الراء المهملة، وقال: إن كان محفوظا فالخرق ما انخرق من الشيء وبان منه، والصواب حزقان بالحاء المهملة والزاي المعجمة. قال ابن قتيبة: الحزق والحزيق والحزيقة والحازقة:\n_________\n(^١) التذكار (ص ١٨٢ - ١٨٣)، وتفسير القرطبي (٤/ ٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٠ - ٩١).","vol":"7","page":158},{"text":"الجماعة من الطير والناس (^١) وقيل للجماعة حزقة، لانضمام بعضهم إلى بعض (^٢).\nوقوله: صواف جمع صافة يقول صففت القوم إذا أقمتهم في الحرب على خط مستو، وصفت الإبل قوائمها فهي صافة وصواف قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (^٣) أي قائمات. وقد صففن أيديهن وأرجلهن. وطير صواف: يصففن أجنحتهن في الهواء ومنه قوله سبحانه ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ (^٤) (^٥).\nوفيه (تحاجان عن صاحبهما) الأصل في المحاجة أن يطلب كل واحد من المتخاصمين أن يرد صاحبه عن حجته ومحجته وأريد ها هنا مدافعة السورتين عن صاحبهما والذب عنه. وذلك داخل في المعنى المراد من المثل المضروب؛ لأنه إنما ضرب مثل السورتين مرة بغمامتين وكرة بغيايتين وتارة بفرقين من طير لينبه على أنهما يظللان صاحبهما عن حر الموقف وكرب يوم القيامة، وإنما بنى الأمر في بيان المراد على الأنواع الثلاثة ترتيبا لطبقات أهل الإيمان وتمييزا بين درجاتهم، فإن العباد وإن تباعدت منازلهم\n_________\n(^١) كشف المشكل (٤/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٧٨).\n(^٣) سورة الحج، الآية: ٣٥.\n(^٤) سورة النور، الآية: ٤١.\n(^٥) الميسر (٢/ ٤٩٢).","vol":"7","page":159},{"text":"في العبودية واختلفت أحوالهم في علوم المعارف لا يتعدون عن الأقسام الثلاثة التي وقع عليها التنصيص في كتاب الله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (^١) وهم المفتونون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا والأبرار والمقربون وإدخال (أو) في (غيايتان) و(فرقان) إنما كان] [الوجه الأيمن في هذه اللوحة ممسوح]. [الوجه الأيسر] للتقسيم لا للتردد عن الرواة لاتساق الروايات فيه على منوال واحد (^٢)، وعلى هذا يحتمل أنه ضرب الأول لأدناهم منزلة وهو أدناهم منزلة وهو أن يقرأهما ولا يعرف معناهما، والثاني: لمن وفق للجمع بين تلاوة اللفظ ودراية المعنى والثالث لمن ضم إليهما تعليم المستفيدين وإرشاد الطالبين وبيان حقائقهما ولطائفهما حتى صاروا من حضيض الجهالة إلى درج العرفان واليقين ولا جرم يمثل له يوم القيامة مساعيه طيورا صواف يحرسونه ويحاجون عنه بالدلالة على سعيه في الدين (^٣)، ثم إن الضرب الثاني أرفع وأنفع من الأول والثالث أفضل وأكمل من الثاني لأن قوله فرقان من طير يدل على أن أصحابهما قد بلغ منزلة لم يبلغها غيره، ثم تظليل الطير إياه من عجائب الأمور لأن تظليل الغمام قد كان لكثير من عباد الله تعالى فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأما تظليل الطير بتصفيف أجنحتها فإنه\n_________\n(^١) سورة فاطر، الآية: ٣٢.\n(^٢) الميسر (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٥٢٣ - ٥٢٤).","vol":"7","page":160},{"text":"مما أكرم الله تعالى به نبيه ﵊ الذي أتاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده (^١) والله تعالى أعلم قاله شارح الأنوار.\nقوله - ﷺ -: \"اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة\" قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة السحرة، أ. هـ.\nوعبر عن السحرة بالبطلة لأن ما يأتون له باطل سماهم باسم فعلهم وإنما لم يقدروا على حفظهما ولم يستطيعوا قراءتهما لزيغهم عن الحق واتباعهم للوساوس وانهماكهم ولجاجهم في الباطل (^٢) والله أعلم.\n\n٢٢٤٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لكل شَيْء سَنَام وَإِن سَنَام الْقُرْآن سُورَة الْبَقَرَة وفيهَا آيَة هِيَ سيدة آي الْقُرْآن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن حَكِيم بن جُبَير عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٣).\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم من هَذِه الطَّرِيق أَيْضا وَلَفظه سُورَة الْبَقَرَة فِيهَا آيَة سيدة آي الْقُرْآن لَا تقْرَأ فِي بَيت وَفِيه شَيْطَان إِلَّا خرج مِنْهُ آيَة الْكُرْسِيّ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٤٩٣).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٥٢٤).\n(^٣) الترمذي (٢٨٧٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٧٢٥).\n(^٤) الحاكم (١/ ٥٦٠)، وعبد الرزاق (٦٠١٩)، والحميدي (٩٩٤).","vol":"7","page":161},{"text":"سيدة آي القرآن\" وفي الرواية الأخرى: \"لا تقرأ في بيت وفيه شيطان إلا خرج منه آية الكرسي\" تقدم الكلام على السنام وسيأتي الكلام على آية الكرسي.\nلطيفة: روى اليافعي [الغافقي]، في كتاب نفحات الأزهار ولمحات الأنوار، عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: سمعت حبيبي رسول الله - ﷺ - يقول: \"هبط عليّ جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا، فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سليمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر، وسيد الشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القرآن، وسيد القرآن سورة البقرة\" ذكره في حياة الحيوان (^١).\n\n٢٢٤٨ - وَعَن سهل بن سعد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن لكل شَيْء سناما وَإِن سَنَام الْقُرْآن سُورَة الْبَقَرَة من قَرَأَهَا فِي بَيته لَيْلًا لم يدْخل الشَّيْطَان بَيته ثَلَاث لَيَال وَمن قَرَأَهَا نَهَارا لم يدْخل الشَّيْطَان بَيته ثَلَاثَة أَيَّام رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n\n٢٢٤٩ - وَعَن عبد الله - ﵁ - قَالَ اقرؤوا سُورَة الْبَقَرَة فِي بُيُوتكُمْ فَإِن الشَّيْطَان لَا يدْخل بَيْتا يقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا هَكَذَا وَقَالَ\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٤٧٥).\n(^٢) ابن حبان (٧٨٠)، والطبراني في الكبير (٥٨٦٤)، والعقيلي (٢/ ٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩٣٣).","vol":"7","page":162},{"text":"صَحِيح على شَرطهمَا (^١) وَرَوَاهُ عَن زَائِدَة عَن عَاصِم بن أبي النجُود عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله فرفعه (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ وَهَذَا إِسْنَاد حسن بِمَا تقدم وَالله أعلم.\nقوله: وعن سهل بن سعد - ﵁ -[هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه: حزنا، فسماه النبي - ﷺ - سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله - ﷺ - في المتلاعنين.\nقال الزهرى: سمع من النبي - ﷺ -، وكان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهرى، وأبو حاتم، وغيرهما (^٣)].\nقوله - ﷺ -: \"إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة من قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام\" الحديث، قال أبو حاتم: قوله ﵇ \"لم يدخل الشيطان بيته\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٥٦١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٧٠).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥٦١).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧).","vol":"7","page":163},{"text":"ثلاثة أيام\" أراد مردة الشياطين، وخرج الوائلي أبو نصر بإسناده من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قرأ سورة البقرة وآل عمران إيمانا واحتسابا جعل الله له يوم القيامة جناحين مضرجين بالدر والياقوت يطير بهما على الصراط أسرع من البرق\" وقال الوائلي: وهذا حديث غريب الإسناد والمتن (^١)، قول الحافظ: رواه ابن حبان في صحيحه عن زائدة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي الأحوص.\n\n٢٢٥٠ - وَعَن أسيد بن حضير - ﵁ - أَنه قَالَ يَا رَسُول الله بَيْنَمَا أَنا أَقرَأ اللَّيْلَة سُورَة الْبَقَرَة إِذْ سَمِعت وجبة من خَلْفي فَظَنَنْت أَن فرسي انْطلق فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - اقْرَأ أَبَا عتِيك فَالْتَفت فَإِذا مثل الْمِصْبَاح مدلى بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَرَسُول الله - ﷺ - يَقُول اقْرَأ أَبَا عتِيك فَقَالَ يَا رَسُول الله فَمَا اسْتَطَعْت أَن أمضي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - تِلْكَ الْمَلَائِكَة تنزلت لقِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة أما إِنَّك لَو مضيت لرأيت الْعَجَائِب رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nوَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي سعيد بِنَحْوِهِ وَتقدم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ كما في الزيادات على الموضوعات (١/ ١٣١ رقم ١٤٨) قال: أبو الشيخ: حدثنا سلمة بن عصام حدثنا عبد القدوس بن محمد حدثنا عمي صالح بن عبد الكبير بن شعيب عن عبد الله بن زياد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وذكره الذهبى في ترجمة عبد الله بن زياد من الميزان (٢/ ٣٨١) فقال: عبد الله بن زياد أبو العلاء عن عكرمة بن عمار منكر الحديث، قاله البخاري، روى عبد الله بن زياد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره.\n(^٢) ابن حبان (٧٧٩)، والطبراني في الكبير (٥٦٦).","vol":"7","page":164},{"text":"قوله: وعن أسيد بن حضير - ﵁ -، تقدم الكلام عليه وعلى تفسير الحديث قريبا.\n\n٢٢٥١ - وَعَن النواس بن سمْعَان - ﷺ - قَالَ سَمِعت النَّبِي - ﷺ - يَقُول يُؤْتى بِالْقُرْآنِ يَوْم الْقِيَامَة وَأَهله الَّذين كَانُوا يعْملُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا تقدمه سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَضرب لَهما رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاثَة أَمْثَال مَا نسيتهن بعد قَالَ كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو ظلتان سودوان بَينهمَا شَرق أَو كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف يحاجان عَن صَاحبهمَا رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nوَمعنى هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم أَنه يَجِيء ثَوَاب قِرَاءَته كَذَا فسر بعض أهل الْعلم هَذَا الحَدِيث وَمَا يشبه من الْأَحَادِيث أَنه يَجِيء ثَوَاب قِرَاءَة الْقُرْآن وَفِي حَدِيث نواس يَعْنِي هَذَا مَا يدل على مَا فسروا إِذْ قَالَ وَأَهله الَّذين كَانُوا يعْملُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَفِي هَذَا دلَالَة على أَنه يَجِيء ثَوَاب الْعَمَل انْتهى.\nقَوْله: بَينهمَا شَرق هُوَ بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَقد تكسر وبسكون الرَّاء بعدهمَا قَاف أَي بَينهمَا فرق يضيء.\nقوله: وعن النواس بن سمعان - ﵁ -، بفتح السين وكسرها [وهو النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن أبي كلاب كذا نسبه العلائي عن يحيى بن معين معدود في الشاميين، يقال: إن أباه سمعان بن خالد وفد على النبي - ﷺ - فدعا له، وأهدى إلى النبي - ﷺ - نعلين،\n_________\n(^١) مسلم (٨٠٥)، والترمذي (٢٨٨٣)، وأحمد (١٧٦٣٧)، والطبراني في مسند الشاميين (١٤١٨).","vol":"7","page":165},{"text":"فقبلهما، وزوج أخته من النبي - ﷺ - فلما دخلت على النبي - ﷺ - تعوذت منه، فتركها وهي الكلابية، وقد اختلفوا في المتعوذة كثيرا روى النواس عن النبي - ﷺ - وعنه: جبير بن نفير، وبسر بن عبيد الله، وغيرهما].\nقوله ﷺ \"يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله\nالذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران\" الحديث، قال الحافظ: ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم [أنه يجيئ] ثواب القراة القرآن، كذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث وما يشبهه من الأحاديث انه يجيء ثواب قراءة القرآن، وفي حديث نواس يعني هذا ما يدل على ما فسروه إذ قال وأهله الذين يعملون به في الدنيا ففي هذا دلالة على أنه يجيء ثواب العمل أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"تقدمه سورة البقرة وآل عمران\" وضرب لهما رسول الله - ﷺ - ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سودوان، والظلتان مثنى ظلة والظلة كل ما أظلك ومنه عذاب يوم الظلة وهي سحابة أظلتهم فلجئوا إلى ظلها من شدة الحر فأطبقت عليهم وأهلكتهم (^١) وتقدم ذلك.\nوقوله: \"بينهما شرق\" وهو بفتح المعجمة وقد تكسر وبسكون الراء بعدها قاف أي بينهما برق يضيء قاله الحافظ المنذري، وقال غيره: شرق هو بفتح الراء وإسكانها أي ضياء ونور والشرق ها هنا الشمس والشق أيضا، وممن حكى فتح الراء وإسكانها القاضي وآخرون والأشهر في الرواية واللغة\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٦٠ - ١٦١).","vol":"7","page":166},{"text":"والإسكان (^١).\nقوله - ﷺ -: \"أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما\" تقدم الكلام على تفسير ذلك في أحاديث الباب.\n\n٢٢٥٢ - وَعَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه - ﵁ - مَرْفُوعا تعلمُوا الْبَقَرَة وَآل عمرَان فَإِنَّهُمَا الزهراوان يظلان صَاحبهمَا يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو فرقان من طير صواف رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: وعن [ابن] بريدة عن أبيه - ﵁ -[ابن بريدة هو عبد الله بن بريدة هو أبو سهل، عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، قاضي مرو. تابعي من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع أباه، وسمرة بن جندب، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مغفل، روى عنه ابنه سهل، وحسين المكتب، وعبد الله بن مسلم المروزي الأسلمي، مات بمرو، وله عند المراورة حديث كثير، وأبوه هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. روى له\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، ومطالع الأنوار (٦/ ٣٨)، والنهاية (٢/ ٤٦٤)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٩١).\n(^٢) أحمد ٥/ ٣٤٨ (٢٢٩٥٠)، والدارمى (٣٤٣٤)، والحاكم (١/ ٥٦٠). وقال الحاكم صحيح على شرطهما. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٥٩: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (١٤٦٦).","vol":"7","page":167},{"text":"عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة\" الحديث تقدم الكلام على ذلك أيضا في أحاديث تقدمت.\n\n٢٢٥٣ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن الله كتب كتابا قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بألفي عَام أنزل مِنْهُ آيَتَيْنِ ختم بهما سُورَة الْبَقَرَة لَا يقرآن فِي دَار ثَلَاث لَيَال فيقربها شَيْطَان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم إِلَّا أَن عِنْده وَلَا يقرآن فِي بَيت فيقربه شَيْطَان ثَلَاث لَيَال وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: وعن النعمان بن بشير - ﵄ -[هو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس، بضم الجيم وتخفيف اللام، كذا قيده الحافظ عبد الغنى المقدسى وغيره. وقال ابن ماكولا: هو خلاس، بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، ابن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصارى،\n_________\n(^١) انظر: جامع الأصول (١٢/ ٦٥٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨٣)، وتهذيب الكمال (١٤/ ترجمة ٣١٧٩).\n(^٢) الترمذي (٢٨٨٢)، وقال: حديث غريب، كذا في طبعة د. بشار، والنسائي (١٠٨٠٣)، وابن حبان (٧٨٢)، والحاكم (١/ ٥٦٢)، وأحمد (١٨٤١٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٧٩).","vol":"7","page":168},{"text":"وهو وأبوه وأمه صحابيون، اسم أمه عمرة بنت رواحة، شهد بشير العقبة الثانية، وبدرا، وأحدا، والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وهو أول أنصارى بايع أبا بكر الصديق، رضى الله تعالى عنهما، واستشهد مع خالد بن الوليد بعين التمر سنة اثنتى عشرة من الهجرة بعد انصرافه من اليمامة، روى عنه أبنه النعمان، وجابر بن عبد الله، وروى عنه أيضا عروة، والشعبى مرسلا، فإنهما لم يدركاه، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة، وهو أول مولود من الأنصار بعد الهجرة، وقيل في مولده غير ما ذكرنا، لكن ما ذكرناه هو الأصح الأشهر، روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة وأربعة عشر حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بأربعة. روى عنه ابناه بشير ومحمد، وعروة بن الزبير، والشعبى، وآخرون. قتل بالشام بقرية من قرى حمص في ذي الحجة سنة أربع وستين. وقال ابن أبي خيثمة: سنة ستين، استعمله معاوية على حمص، ثم على الكوفة، واستعمله عليها بعده يزيد بن معاوية، وكان كريما، جوادا، شاعرا، رضى الله تعالى عنه (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان\" الحديث، وروي الدارمي في مسنده عن الشعبي قال عبد الله: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل البيت شيطان تلك الليلة حتى\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٢٩ - ١٣٠ ترجمة ٦٣٣).","vol":"7","page":169},{"text":"يصبح أربعا من أولها وآية الكرسي وآية بعدها وثلاث خواتيمها أولها ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (^١) (^٢) وعن الشعبي عنه \"من قرأ أربع آيات من أول سورة البقرة، وآية الكرسي، وآيتان بعد آية الكرسي، وثلاثًا من آخر سورة البقرة، لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق\" (^٣).\n\n٢٢٥٤ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله ختم سُورَة الْبَقَرَة بآيتين أعطانيهما من كنزه الَّذِي تَحت الْعَرْش فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم فَإِنَّهُمَا صَلَاة وَقُرْآن وَدُعَاء رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^٤).\nقَالَ الْحَافِظ مُعَاوِيَة بن صَالح لم يحْتَج بِهِ البُخَارِيّ إِنَّمَا احْتج بِهِ مُسلم وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن جُبَير بن نفير (^٥).\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش\" الحديث، أما إعطاء خواتيم سورة البقرة من كنزه الذي تحت عرشه\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.\n(^٢) أخرجه الدارمي (٣٤٢٥).\n(^٣) أخرجه الدارمي (٣٤٢٦).\n(^٤) الحاكم (١/ ٥٦٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٦١٠).\n(^٥) أبو داود في المراسيل (٩١).","vol":"7","page":170},{"text":"فمعناه أنها ذخرت له وكنزت له فلم يؤتها أحد من قبله.\nفإن قلت: الكلمة كيف كانت من الكنز؟ قلت: إنها كالكنز في كونها ذخيرة يتوقع الانتفاعات منها (^١) وذلك أن كثيرا من آي القرآن منزل في الكتب السابقة منه ما هو باللفظ ومنها ما هو بالمعنى وهذه الآيات لم يؤتها أحد وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤته غيره إلا أن في هذه الآيات خصوصية لهذه الأمة وهو وضع الإصرار الذي كان على الأمم المتقدمة فقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (^٢) فناسب ذكرها من الخصائص (^٣) والله أعلم.\n\n٢٢٥٥ - وَعَن عبيد بن عُمَيْر - ﵁ - أَنه قَالَ لعَائِشَة - ﵂ - أخْبِرِينَا بِأَعْجَب شَيْء رَأَيْته من رَسُول الله - ﷺ - قَالَ فَسَكَتَتْ ثمَّ قَالَت لما كَانَ لَيْلَة من اللَّيَالِي قَالَ يَا عَائِشَة ذَرِينِي أَتَعبد اللَّيْلَة لرَبي قلت وَالله إِنِّي أحب قربك وَأحب مَا يَسُرك قَالَت فَقَامَ فَتطهر ثمَّ قَامَ يُصَلِّي قَالَت فَلم يزل يبكي حَتَّى بل حجره قَالَت وَكَانَ جَالِسا فَلم يزل يبكي - ﷺ - حَتَّى بل لحيته قَالَت ثمَّ بَكَى حَتَّى بل الأَرْض فجَاء بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا رَآهُ يبكي قَالَ يَا رَسُول الله تبْكي وَقد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا لقد نزلت عَليّ اللَّيْلَة آيَة ويل لمن قَرَأَهَا وَلم يتفكر فِيهَا ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٨٩).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(^٣) طرح التثريب (٢/ ١١٤).","vol":"7","page":171},{"text":"وَالْأَرْضِ﴾ (^١) الْآيَة كلهَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره (^٢).\n\n٢٢٥٦ - وروى ابْن أبي الدُّنْيَا عَن سُفْيَان يرفعهُ قَالَ من قَرَأَ آخر آل عمرَان وَلم يتفكر فِيهَا ويله فعد بأصابعه عشرا (^٣).\nقوله: وعن عبيد بن عمير [هو أبو عاصم، عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة، قال مسلم: ولد في زمن رسول الله - ﷺ -، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر، وأبا ذر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة. ولم يسمع من أبيه شيئا، ولا يذكره، روى عنه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومجاهد، مات قبل ابن عمر وقال شهاب بن خراش، قال العوام بن حوشب: رأى ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير وكان من أبلغ الناس يبكي حتى بل الحصى بدموعه، وقال غيلان بن جرير عن عبيد بن عمير أنه كان إذا آخى في الله استقبل به القبلة وقال: اللهم اجعلنا سعداء بما جاء به نبيك محمد - ﷺ -، واجعل محمدا شهيدا علينا بالإيمان وقد سبقت لنا منك الحسنى غير متطاول علينا الأمد ولا قاسية قلوبنا ولا قائلين ما ليس لنا بحق ولا سائليك ما ليس لنا به علم (^٤)].\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٦٤.\n(^٢) ابن حبان (٦٢٠)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ - (٥٦١)، وابن أبي الدنيا في التفكير، وابن المنذر، وابن عساكر، والأصبهاني في الترغيب، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٨).\n(^٣) ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر، كما في الدر المنثور (٢/ ١٩٥).\n(^٤) جامع الأصول (١٢/ ٦٩٦)، وتهذيب الكمال (١٩/ الترجمة ٣٧٣٠).","vol":"7","page":172},{"text":"قوله: في حديث عمير قالت عائشة - ﵂ -: فتطهر ثم قام يصلي، فلم يزل رسول الله - ﷺ - يبكي حتى بلَّ حجره؛ الحجر: يجوز فيه الفتح والكسر.\nقوله: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، أي: يعلمه بها.\nقوله - ﷺ -: \"لقد نزلت عليّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١) الآية كلها\"، ويل: اسم واد في جهنم، وقيل: اسم حجر فيها يصعد عليه العرفاء وينزلون وتقدم الكلام على كلمة ويل في تخليل الأصابع في الوضوء مبسوطا وكذا في سجود التلاوة.\nفائدة يختم بها الباب: تستحب قراءة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية عند الاستيقاظ في الليل مع النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر إذا تكرر نومه واستيقاظه وخروجه، يستحب تكريره قراءة الآيات لحديث ورد في ذلك (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٦٤.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٤٥ - ١٤٦). والحديث أخرجه البخاري (٦٢١٥)، ومسلم (٤٨ - ٢٥٦) عن ابن عباس أنه بات عند النبي - ﷺ - ذات ليلة فقام نبي الله - ﷺ - من آخر الليل، فخرج فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى ثم اضطجع ثم قام، فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك فتوضأ، ثم قام فصلى.","vol":"7","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>الترغيب في قراءة آية الكرسي وما جاء في فضلها</span>\n٢٢٥٧ - عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ - ﵁ - أَنه كَانَت لَهُ سهوة فِيهَا تمر وَكَانَت تَجِيء الغول فتأخذ مِنْهُ قَالَ فَشَكا ذَلِك إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ اذْهَبْ فَإِذا رَأَيْتهَا فَقل باسم الله أجيبي رَسُول الله قَالَ فَأَخذهَا فَحَلَفت أَن لَا تعود فأرسلها فجَاء إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ مَا فعل أسيرك قَالَ حَلَفت أَن لَا تعود قَالَ كذبت وَهِي معاودة للكذب قَالَ فَأَخذهَا مرّة أُخْرَى فَحَلَفت أَن لَا تعود فأرسلها فجَاء إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ مَا فعل أسيرك قَالَ حَلَفت أَن لَا تعود فَقَالَ كذبت وَهِي معاودة للكذب فَأَخذهَا فَقَالَ مَا أَنا بتاركك حَتَّى أذهب بك إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَت إِنِّي ذاكرة لَك شَيْئا آيَة الْكُرْسِيّ اقرأها فِي بَيْتك فَلَا يقربك شَيْطَان وَلا غَيره فجَاء إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ مَا فعل أسيرك قَالَ فَأخْبرهُ بمَا قَالَت قَالَ صدقت وَهِي كذوب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nوَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيمَا يَقُوله إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه وَسَتَأْتِي أَحَادِيث فِي فَضلهَا فِيمَا يَقُوله دبر الصَّلَوَات إِن شَاءَ الله.\nالسهوة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة هِيَ الطاق فِي الْحَائِط يوضع فِيهَا الشَّيْء وَقيل هِيَ الصّفة وَقيل المخدع بَين الْبَيْتَيْنِ وَقيل هُوَ شَيْء شَبيه بالرف وَقيل بَيت\n_________\n(^١) الترمذي (٢٨٨٠)، وأحمد (٢٣٥٩٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٤٠١١)، والحاكم (٣/ ٤٥٩)، وأبو نعيم في الدلائل (٥٤٥)، وأبو الشيخ في العظمة (١١٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.","vol":"7","page":174},{"text":"صَغِير كالخزانة الصَّغِيرَة.\nقَالَ المملي كل وَاحِد من هَؤُلاءِ يُسمى السهوة وَلَفظ الحَدِيث يحْتَمل الْكل وَلَكِن ورد فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مَا يرجح الأول.\nوالغول بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة هُوَ شَيْطَان يَأْكُل النَّاس وَقيل هُوَ من يَتلون من الْجِنّ.\nقوله: عن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه كانت له سهوة فيها تمر؛ السهوة هي الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء، وقيل: هي الصفة، وقيل: المخدع بين البيتين، وقيل: هو شيء شبيه بالرف، وقيل: بتي صغير كالخزانة الصغيرة، قال المملي ﵀: كل واحد من هؤلاء يسمى السهوة ولفظ الحديث يحتمل الكل ولكن ورد في بعض طرق الحديث ما يرجح الأول.\nقوله: \"وكانت تجيء الغول فتأخذ منه\" الحديث، الغول بضم الغين المعجمة هو شيطان يأكل الناس، وقيل: هو من يتلون من الجن، أ. هـ قاله المنذري.\nوقال في حياة الحيوان: الغول: واحدة الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين، وجمعهم أغوال وغيلان، وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول، والتغول التلون. وقال قدم الغول ساحرة الجن وهي تتصور في صور شتى وأخذوا ذلك من قول كعب بن زهير بن أبي سلمى - ﵁ -:\nفما تكوم على حال تدوم بها ... كما تلوّن في أثوابها الغول","vol":"7","page":175},{"text":"وقال الجوهري: قال العلماء: السعالي بالسين المهملة المفتوحة والعين المهملة سحرة الجن، وفي الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس إذا انفرد رجل في الصحراء ظهرت له الغول في حلقه إنسان فلا يزال يتبعها حتى يضل عن الطريق فتدنوا منه وتتمثل له في صور مختلفة فتهلكه رواع وإذا أرادت أن تضل إنسانا أيضا أوقدت له نارا فيقصدها فتفعل ذلك قالوا: وخلقتها خلقة إنسان ورجلاها رجلا حمار (^١).\nفائدة: وروي الطبراني والبزار برجال ثقات من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا تغولت لكم الغول فنادوا بالأذان فإن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله حصاص\" (^٢) قال في الأذكار إنه حديث صحيح، أرشد - ﷺ - إلى دفع ضررها بذكر الله والذي ذهب إليه المحققون أن الغول شيء يخوف به ولا وجود له كما قال الشاعر:\nالجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم تؤخذ ولم تكن\nولذلك سموا الغول خيتعور وهو كل شيء لا يدوم على حالة واحدة، ويضحل كالسراب وكالذي ينزل من الهواء في شدة الحر كنسج العنكبوت،\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٢٩)، وابن خزيمة (٢٥٤٨) عبد الرزاق (٩٢٤٧)، وابن خزيمة (٢٥٤٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٢٣). ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤٣٦).","vol":"7","page":176},{"text":"قال الشاعر:\nكل أنثى وإن بدا لك منها ... آية الخب حبها خيتعور (^١)\nفائدة أخرى: روى ابن أبي الدنيا في كتاب مكائد الشيطان من حديث أبي الدرداء أن النبي - ﷺ - قال: خلق الله الجن ثلاثة أصناف صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء وصنف عليهم الحساب والعقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أصناف صنف كالبهائم لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين وصنف كالملائكة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله (^٢).\nفائدة أخرى: روى الشافعي والبيهقي أن رجلا من الأنصار خرج يصلي العشاء فسبته الجن وفقد أعواما وتزوجت امرأته ثم أتى المدينة فسأله عمر عن ذلك، فقال: اختطفتني الجن فلبث فيهم زمانا طويلا فغزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم فظهروا عليهم فسبوا منهم سبايا وسبوني معهم فقالوا نراك رجلا\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (١٥٦) ومكائد الشيطان (١)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٥٦٠٠) والمطالب (٣٤٣)، والحكيم الترمذي في النوادر (٢٢٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢١٤ رقم ٥٧٣) والشاميين (١٩٥٦)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٨١)، والحاكم في المستدرك (٢/)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٣٧).\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٦: رواه الطبراني ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف.\nوقال في الإتحاف: رواه أبو يعلى بسند ضعيف لجهالة بعض رواته وضعف بعضهم.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٣٥٤٩).","vol":"7","page":177},{"text":"مسلما ولا يحل لنا سباؤك فخيروني بين المقام عندهم والقفول إلى أهلي فاخترت أهل فأتوا بي إلى المدينة، الحديث (^١)، ونقل ابن عطية وغيره الإجماع على اتفاق العلماء على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص وأن نبينا - ﷺ - مبعوث إلى الثقلين يعني الجن والإنس، ويدل العموم بعثته من السنة أحاديث منها ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: أعطيت جوامع الكلم وأرسلت إلى الناس كافة (^٢)، ومن المستغربات ما روي أحمد بن مروان المالكي الدينوري في أوائل الجزء التاسع من المجالسة عن مجاهد أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة؟ فقال: يدخلونها ولكن لا يأكلون فيها ولا يشربون ويلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجد أهل الجنة من لذيذ الطعام والشراب، وقيل: إنهم إذا دخلوا الجنة لا يكونون مع الإنس بل يكونون في ربضها (^٣).\nفإن قيل: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة لهم لكانوا يترددون إلى النبي - ﷺ - حتى يتعلموها ولم ينقل أنهم أتوه إلا مرتين بمكة وقد تجدد بعد ذلك أكثر الشريعة؛ قلنا: لا يلزم من عدم النقل عدم إجتماعهم به وحضورهم مجلسه وسماعهم كلامه من غير أن يراهم المؤمنون ويكون هو - ﷺ - يراهم\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (١٧٥٥)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٧٣٣ - ٧٣٤ رقم ١٥٥٧٠ و١٥٥٧١). وصححه الألباني في الإرواء: ١٧٠٩.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥ - ٥٢٣).\n(^٣) أخرجه الدينورى في المجالسة (١٢١٢).","vol":"7","page":178},{"text":"ولا يراهم المؤمنون فإن الله تعالى يقول عن رأس الجن ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (^١) فقد يراهم هو - ﷺ - بقوة يعطيها الله تعالى له زائدة على قوة أصحابه، وقد يراهم بعض الصحابة في بعض الأحوال كما رأى أبو هريرة الشيطان الذي أتاه يسرق من زكاة رمضان كما رواه البخاري، وقال القزويني: ورأى الغول جماعة من الصحابة منهم عمر حين سافر إلى الشام قبل الإسلام فضربه بالسيف والأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى وكذلك أشعار العرب وأخبارها فالنزاع في ذلك مكابرة فيها هو معلوم بالتواتر ثم إنه أمر لا يحيله العقل ولا يكذبه الحس، والله أعلم، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (^٢).\nقوله: في حديث أبي أيوب أول الباب في ذكر الغول فقالت: إني ذاكرة لك شيئا آية الكرسي اقرأها في بيتك فلا يقربها شيطان ولا غيره، الحديث، كان عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع وأن ينفي عنه الشيطان من زوايا بيته، ويروي عن نوف البكالي أنه قال: آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله، ويدعى قارئها في ملكوت السموات عزيزا، ذكر أبو نصر الوابلي عن أبي أمامة الباهلي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: ما أرى رجلا ولد في الإسلام أو أدرك عقله الإسلام يبيت ليلة حتى يقرأ هذه الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٣) ولو يعلمون ما\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٢٧.\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٢٩٣ - ٢٩٦) و(٢/ ٢٦٧).\n(^٣) سورة البقرة، ٢٥٥.","vol":"7","page":179},{"text":"هي، إنما أعطيها نبيكم من كنز تحت العرش ولم يعطها أحد قبل نبيكم - ﷺ -، ما بت ليلة قط حتى أقرأها ثلاث مرات، أقرأها ثلاث مرات أرأها في الركعتين بعد العشاء الآخرة وفي وتري حين آخذ مضجعي من فراشي (^١)؛ وعن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"من خرج من منزله ودخل بيته فقرأ آية الكرسي نزع الله ﷿ الفقر من بين عينيه\" نقل من بعض التفاسير (^٢).\nفائدة: قال الإمام أبو محمد بن عطية في تفسيره، وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات [العلى] وهي خمسون كلمة وفي كل كلمة خمسون بركة وهي تعدل ثلث القرآن ورد بذلك الحديث، وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ أبا جعفر أحمد بن محمد القيسي ﵀ يقول: إنما كانت أشرف آية لأنه تكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة مرة وليس يوجد ذلك في غيرها (^٣).\nفائدة أخرى: قال أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري له، وفي كتاب وهب بن منبه أن تأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فتدقه بين حجرين ثم تضربه بالماء وتقرأ فيه آية الكرسي ثم تحسوا فيه ثلاث حسيات وتغتسل به\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٤٢٣)، والطبراني في الدعاء (٢٧٦)، والشجرى في الأمالى (٥٥٥).\n(^٢) التذكار (ص ١٧٧ - ١٧٩).\n(^٣) التذكار (ص ١٧٩).","vol":"7","page":180},{"text":"فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله (^١) والله أعلم.\n\n٢٢٥٨ - وَعَن أبي بن كَعْب - ﵁ - أَن أَبَاهُ أخبرهُ أَنه كَانَ لَهُم جرين فِيهِ تمر وَكَانَ مِمَّا يتَعَاهَد فيجده ينقص فحرسه ذَات لَيْلَة فَإِذا هُوَ بِدَابَّة كَهَيئَةِ الْغُلَام المحتلم قَالَ فَسلم فَرد ﵇ فَقلت مَا أَنْت جن أم إنس قَالَ جن فَقلت ناولني يدك فَإِذا يَد كلب وَشعر كلب فَقلت هَذَا خلق الْجِنّ فَقَالَ لقد علمت الْجِنّ أَن مَا فيهم من هُوَ أَشد مني فَقلت مَا يحملك على مَا صنعت قَالَ بَلغنِي أَنَّك تحب الصَّدَقَة فَأَحْبَبْت أَن أُصِيب من طَعَامك فَقلت مَا الَّذِي يحرزنا مِنْكُم قَالَ هَذِه الْآيَة آيَة الْكُرْسِيّ قَالَ فتركته وَغدا أبي إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَأخْبرهُ فَقَالَ صدق الْخَبيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره (^٢).\nالجرين بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء هُوَ البيدر.\nقوله: وعن أبي بن كعب - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أن أباه أخبره أنه كان لهم جرين فيه تمر وكان مما يتعاهد فيجده ينقص\" الحديث، الجرين: هو موضع تجفيف التمر وهو له كالبيدر للحنطة، تجمع على جرن بضمتين (^٣)، والبيدر بالدال المهملة هو الموضع\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٩/ ٤٤٦) لابن بطال.\n(^٢) ابن حبان (٧٨٤)، والنسائي (١٠٧٩٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (٧/ ١٠٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٥٤١).\n(^٣) النهاية (١/ ٢٦٣).","vol":"7","page":181},{"text":"الذي يداس فيه الطعام والطعام في اللغة كل ما يؤكل، وربما خص بالطعام البر والطعام في عرف الحجاز اسم للحنطة خاصة، قاله الجوهري (^١)، أ. هـ.\nقال الهروي: والمربد كالجرين وهو الموضع الذي يلقى فيه التمر بعد الجذاذ قبل أن يوضع في [فيه الأو] عية [وينقل] إلى البيوت (^٢) وقا [ل في المغيث] الجرن: جمع جرين وهو البيدر وهو [للبر] كالمسطح للتمر (^٣)، قال بعض العلماء: قد وقع في حديث جابر بن عبد الله في دين أبيه في صحيح البخاري إطلاق البيدر على موضع التمر [الذي يجفف].\nقوله: في الحديث \"فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة كهيئة الغلام المحتلم، قال: فسلم فرد ﵇، فقلت: ما أنت جن أم إنس قال جن، فقلت: ناولني يدك فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هذا خلق الجن، فقال: لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني\" الحديث، روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه صارع جنيا فصرعه عمر فقال له الجني: خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به فخلى عنه وسأله قال: \"فإنكم تمتنعون منا بآية الكرسي\" (^٤)\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٥٨٧) و(٥/ ١٩٧٤)\n(^٢) الغريبين (٣/ ٧٠١).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٣٢٣).\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في غريب القرآن (٤/ ٢١٤ - ٢١٥)، والدارمى (٣٤٢٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٦٥ رقم ٨٨٢٤) و(٩/ ١٦٦ رقم ٨٨٢٦).\nقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٧١: رواهما الطبراني بإسنادين، ورجال الرواية الثانية رجال الصحيح إلا أن الشعبي لم يسمع من ابن مسعود، ولكنه أدركه. ورواة الطريق الأولى =","vol":"7","page":182},{"text":"وروى الحاكم عن أبي الأسود الديلي، قال: قلت لمعاذ بن جبل - ﵁ -: حدثني عن قصة الشيطان حين أخذته، فقال: جعلني رسول الله - ﷺ - على صدقة المسلمين فجعلت الثمر في غرفة، فوجدت فيه نقصانا، فأخبرت رسول الله - ﷺ -، فقال: \"هذا الشيطان يأخذه\" قال: فدخلت الغرفة فأغلقت الباب علي فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب، ثم تصور في صورة فيل، ثم تصور في صورة أخرى، فدخل من شق الباب فشددت إزاري علي فجعل يأكل من التمر، قال: فوثبت إليه فضبطته فالتقت يداي عليه فقلت: يا عدو الله، فقال: خل عني فإني كبير ذو عيال كثير وأنا فقير وأنا من جن نصيبين وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم، فلما بعث أخرجنا عنها فخل عني، فلن أعود إليك فخليت عنه، وجاء جبريل ﵇ فأخبر رسول الله - ﷺ - بما كان، فصلى رسول الله - ﷺ - الصبح فنادى مناديه أين معاذ بن جبل، فقمت إليه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما فعل أسيرك يا معاذ؟ \" فأخبرته فقال: \"أما إنه سيعود\" فعاد، قال: فدخلت الغرفة، وأغلقت علي الباب فدخل من شق الباب، فجعل يأكل من التمر فصنعت به كما صنعت في المرة [اللوحة الأولى، فقال: خل عني فإني لن أعود إليك، فقلت: يا عدو الله ألم تقل: لا أعود؟ قال: فإني لن أعود وآية ذلك علي أن لا يقرأ أحد منكم خاتمة\n_________\n= فيهم المسعودي، وهو ثقة ولكنه اختلط فبان لنا صحة رواية المسعودي برواية الشعبي. والله أعلم.","vol":"7","page":183},{"text":"البقرة فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة (^١). قاله في حياة الحيوان (^٢).\n\n٢٢٥٩ - وَعَن أبي بن كعْب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا أَبَا الْمُنْذر أَتَدْرِي أَي آيَة من كتاب الله مَعَك أعظم قَالَ قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذر أَي آيَة من كتاب الله مَعَك أعظم قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٣) قَالَ فَضرب فِي صَدْرِي وَقَالَ لِيَهنك الْعلم أَبَا الْمُنْذر رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد (^٤). وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي شيبَة فِي كتَابه بِإِسْنَاد مُسلم وَزَاد وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن لهَذِهِ الْآيَة لِسَانا وشفتين تقدس الْملك عِنْد سَاق الْعَرْش (^٥).\nوَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة لكل شَيْء سَنَام وَإِن سَنَام الْقُرْآن سُورَة الْبَقَرَة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الهواتف (١٧٥) والمكائد (١٤)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٥١ رقم ٨٩) و(٢٠/ ١٠١ رقم ١٩٧) والشاميين (١٦١٢)، والحاكم (١/ ٥٦٣ - ٥٦٤) والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٠٩ - ١١٠).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعبد المؤمن بن خالد الحنفي مروزي ثقة يجمع حديثه، وروى عنه زيد بن الحباب هذا الحديث بعينه.\nوقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٢٢: رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح وهو صدوق إن شاء الله كما قال الذهبي، قال ابن أبي حاتم: وقد تكلموا فيه، وبقية رجاله وثقوا.\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٢٦٦).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٤) مسلم (٨١٠)، وأبو داود (١٤٦٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٨٤٧)، والحاكم (٣/ ٣٠٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٤٨).\n(^٥) أحمد (٢١٢٧٨)، وعبد الرزاق (٦٠٠١).","vol":"7","page":184},{"text":"وفيهَا آيَة هِيَ سيدة آي الْقُرْآن وَلَفظ الْحَاكِم سُورَة الْبَقَرَة فِيهَا آيَة سيدة آي الْقُرْآن لَا تقْرَأ فِي بَيت وَفِيه شَيْطَان إِلَّا خرج مِنْهُ آيَة الْكُرْسِيّ.\nقوله: وعن أبي بن كعب - ﵁ - تقدم الكلام عليه أيضا.\nقوله - ﷺ - \"يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم قال قلت الله ورسوله أعلم\" قال الإمام السهيلي (^١): ومحال أن يريد بقوله أعظم معنى عظيم لأن القرآن كله عظيم فكيف يقول له أي آية في القرآن عظيمة وكل آية فيها عظيمة كذلك وإنما سأله عن الأعظم منه والأفضل في ثواب التلاوة وقرب الإجابة وفي هذا الحديث دليل أيضا على ثبوت الاسم الأعظم وأن لله تعالى اسم هو أعظم أسمائه ومحال أن يخلو القرآن عن ذلك الاسم والله تعالى يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٢) فهو في القرآن لا محالة، قال الفقيه أبو القاسم في قول النبي - ﷺ - لأبي - ﵁ -: \"معك من كتاب الله أعظم\" ولم يقل \"أفضل\" إشارة إلى الاسم الأعظم أنه فيها إذ لا يتصور أن تكون هي أعظم آية ولكون الاسم الأعظم في أخرى دونها بل إنما صارت أعظم الآيات لأن الاسم الأعظم فيها ألا ترى كيف هنأه رسول الله - ﷺ - بما أعطاه الله من العلم وما هنأه إلا بعظيم بأن عرف الاسم الاعظم والآية العظمى التي كانت الأمم قبلنا لا يعلمه منهم إلا الأفراد والله أعلم اهـ.\nقوله - ﷺ -: \"يا أبا المنذر أي آية من كتاب الله معك أعظم قلت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ\n_________\n(^١) الروض الأنف (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.","vol":"7","page":185},{"text":"إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^١) \" الحديث، قال القاضي عياض (^٢): فيه حجة للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيله على سائر كتب الله تعالى قال: وفيه خلاف للعلماء فمنع منه أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والعلماء لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضول وليس في كتاب الله نقص وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في الآيات والسور بمعنى عظيم وفاضل وأجاز ذلك إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين قالوا وهو راجع إلى عظم أجر قارئ ذلك وجزيل ثوابه والمختار جواز قول هذه الآية أو السورة أعظم أو أفضل بمعنى أن الثواب المتعلق بها أكثر وهو معنى الحديث والله أعلم وتقدم ذلك.\nقال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات والله أعلم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"ليهنك العلم أبا المنذر\" أي ليكن العلم هنيئا لك أو أن العلم أتاك من غير تعب كذا في شرح القاضي البيضاوي وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لأبي - ﵁ - ودليل على كثرة علمه وفيه تبجيل العالم فضلاء أصحابه وتكنيتهم وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان فيه مصلحة ولم يخف\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٧٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٤).","vol":"7","page":186},{"text":"عليه إعجاب ونحوه لكمال نفسه ورسوخه في التقوى (^١) ذكره في مشارق الأنوار.\nقوله \"والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش\" قال أبو عبد الله الترمذي: فهذه آية أنزلها الله جل ذكره وجعل ثوابها لقارئها عاجلا أو آجلا فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من جميع الآفات (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٣).\n(^٢) نوادر الأصول (٦/ ١١٩).","vol":"7","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>الترغيب في قراءة سورة الكهف أو عشر من أولها أو عشر من آخرها</span>\n٢٢٦٠ - عَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - أَن نَبِي الله - ﷺ - قَالَ من حفظ عشر آيَات من سُورَة الْكَهْف عصم من الدَّجَّال رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَعِنْدَهُمَا عصم من فتْنَة الدَّجَّال وَهُوَ كَذَا فِي بعض نسخ مُسلم (^١). وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَأبي دَاوُد من آخر سُورَة الْكَهْف (^٢). وَفِي رِوَايَة للنسائي من قَرَأَ الْعشْر الْأَوَاخِر من سُورَة الْكَهْف (^٣). وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَلَفظه من قَرَأَ ثَلَاث آيَات من أول الْكَهْف عصم من فتْنَة الدَّجَّال (^٤).\nقوله: عن أبي الدرداء - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال\" قيل سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال وكذا في آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا ...﴾ (^٥) الآية. ويحتمل أن يكون التخصيص بعشر آيات من أول\n_________\n(^١) ٦ مسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والنسائي (١٠٧٨٥)، وأحمد (٢٧٥٤٠)، وابن حبان (٧٨٥).\n(^٢) مسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣).\n(^٣) النسائي (١٠٧٨٦).\n(^٤) الترمذي (٢٨٨٦).\n(^٥) سورة الكهف، الآية: ١٠٢.","vol":"7","page":188},{"text":"سورة الكهف لما فيه من ذكر خلاص أصحاب الكهف من شر الكفرة المتجبرة.\nقوله - ﷺ -: \"عصم من الدجال\" والدجال هو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الألوهية مأخوذ من الدجل وهو تمويه الشيء وسمي الكذاب دجالا منه (^١).\nتنبيه: يقرأ عند النوم ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ (^٢) إلى آخرها وقل بعدها \"اللهم أيقظني في أحب الأوقات إليك واستعملني بأحب الأعمال إليك\" فإنه ﷾ يوقظك ويكتبك من قوام الليل إن شاء الله تعالى.\nفائدة: عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال له رجل: إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم فقال: إن أردت أن تقوم أية ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (^٣) إلى آخر السورة فإن الله يوقظك متى شئت من الليل. ذكره الثعلبي (^٤).\nوفي مسند الدارمي أبي محمد عن زر بن حبيش، قال: \"من قرأ آخر سورة\n_________\n(^١) مجمل اللغة (ص ٣٤٧) ومقاييس اللغة (٢/ ٣٢٩).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١٠٧.\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ١٠٩.\n(^٤) تفسير القرطبي (١١/ ٧٢)، والتذكار (ص ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"7","page":189},{"text":"الكهف لساعة يريد يقوم من الليل، قامها\" قال عبدة: \"فجربناه فوجدناه كذلك\" (^١). والله أعلم ذكره القرطبي (^٢).\n\n٢٢٦١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَرَأَ الْكَهْف كَمَا أنزلت كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة من مقَامه إِلَى مَكَّة وَمن قَرَأَ عشر آيَات من آخرهَا ثمَّ خرج الدَّجَّال لم يُسَلط عَلَيْهِ وَمن تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك كتب فِي رق ثمَّ طبع بِطَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَذكر أَن ابْن مهْدي وَقفه على الثَّوْريّ عَن أبي هَاشم الروماني (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ وَتقدم بَاب فِي فضل قرَاءَتهَا يَوْم الْجُمُعَة وَلَيْلَة الْجُمُعَة فِي كتاب الْجُمُعَة.\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله في حديثه: \"كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة\" الطابع بفتح الباء وكسرها وهو الختم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٤٦٥)، والدارمى (٣٤٤٩).\n(^٢) التذكار (ص ١٩٩).\n(^٣) الحاكم (١/ ٥٦٤).","vol":"7","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>التَّرْغِيب فِي قِرَاءَة سُورَة يس وَمَا جَاءَ فِي فَضلهَا</span>\n٢٢٦٢ - عَن معقل بن يسَار - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قلب الْقُرْآن يس لا يقْرؤهَا رجل يُرِيد الله وَالدَّار الْآخِرَة إِلَا غفر الله لَهُ اقرؤوها على مَوْتَاكُم رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^١).\nقوله: عن معقل بن يسار [هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو علي معقل بن يسار بن معبر بن حراق بن لأى بن كعب بن عبيد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزنى البصرى.\nومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها توفى في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم\n_________\n(^١) أحمد (٢٠٣٠٠)، وأبو داود (٣١٢١)، والنسائي (١٠٩١٤)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والحاكم (١/ ٥٦٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ رقم ٥١١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٨٥).","vol":"7","page":191},{"text":"بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصرى، قال أحمد بن عبد الله العجلى: ليس في الصحابة من يكنى أبا على غير معقل بن يسار هذا، وهذا الذي قال مردود، فقد سبق أن طلق بن علي كنيته أبو علي. وذكر الحاكم أبو أحمد وغيره أن قيس بن عاصم كنيته أبو على، وقيل: أبو قبيصة، وكان لمعقل دار بالبصرة، وإليه ينسب نهر معقل الذي في البصرة، وإليه أيضا ينسب التمر المعقلى الذي بالبصرة، وفى صحيح مسلم، عن معقل بن يسار هذا، قال: لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبى - ﷺ - يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشر مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر (^١)].\nقوله - ﷺ - \"قلب القرآن يس لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر الله له\" قوله قلب القرآن يس يعني أن الله تعالى جعل لقارئها الفضل والحسنات كثيرا فجعل في قراءنها فضلا كما فضل القلب على جميع الجسد وقلب كل شيء لبه وخالصه.\nقوله - ﷺ - \"اقرؤوها على موتاكم\" أي على المحتضرين ذكره الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي - ﷺ - قال \"من ما ميت يقرأ عليه سورة يس إلا هون عليه\" (^٢) ورواه أبو حاتم أيضا وقال: أراد من حضرته المنية لأن الميت يقرأ وكذلك \"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله\" قال بعضهم: أما\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٦ ترجمة ٥٩٣).\n(^٢) أخرجه ابن شاهين في فضائل الأعمال (٢٥٠).","vol":"7","page":192},{"text":"في التلقين فمسلم وأما في قراءة يس فذلك نافع للمحتضر وللميت، وعن عائشة - ﵁ - أن رسول الله قال - ﷺ - قال: \"إن من القرآن لسورة تشفع لقارئها وتغفر لمستمعها ألا وهي سورة يس تدعى في التوراة المعمة\" قيل: يا رسول الله وما المعمة؟ قال: \"تعم صاحبها بخير الدنيا وتدفع عنه أهاويل الآخرة وتدعى الدافعة والقاضية، قيل: يا رسول الله وكيف ذلك، قال: تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضي له كل حاجة، من قرأها عدلت له عشرين حجة ومن سمعها كانت له كألف دينار تصدق بها في سبيل الله ومن كتبها وشربها [أدخلت] جوفه ألف دواء وألف نور وألف رأفة وألف يقين وألف رحمة وألف هدى ونزع عنه كل دواء وغل\" ذكره الترمذي من حديث عائشة والترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبي بكر (^١)، وقال يحيى بن أبى كثير: بلغني أن من قرأها ليلا لم يزل في فرح حتى يصبح ومن قرأها حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي، وقد حدثني من جربها، قال ابن\n_________\n(^١) أخرجه آدم ابن الضريس في فضائل القرآن (٢١٦ و٢١٧)، والترمذي الحكيم في النوادر (١٣٥٢)، والعقيلى (٢/ ١٤٣)، وأبو الشيخ في جزء شيوخه (٢)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٩٧ - ٩٦ رقم ٢٢٣٧) عن أبي بكر.\nقال البيهقي: تفرد به محمد بن عبد الرحمن هذا عن سليمان، وهو منكر.\nوأخرجه الخطيب (٣/ ٦٧١)، وابن الجوزى في الموضوعات (١/ ٢٤٦) عن أنس.\nقال ابن الجوزى: أما حديث أنس فقال الدارقطني: محمد بن عبد يكذب ويضع.\nوأما حديث أبي بكر فقال النسائي: محمد بن عبد الرحمن الجدعاني متروك الحديث.\nوقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (٣٢٦٠).","vol":"7","page":193},{"text":"عطية: وتصديق ذلك التجربة، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة أن النبي - ﷺ - قال: \"من قرأها وهو خائف أو جائع شبع أو عطشان روي أو عار كسي أو مريض شفي\" حتى ذكر [خلالا]، كثيرة، قال ابن [الرفعة]، ويستحب أن تقرأ عند المريض مطلقا، ففي رباعيات أبي بكر الشافعي أن النبي - ﷺ - قال: \"ما من مريض يقرأ [عنده (يس)] إلا مات ريانا وأدخل قبره ريانا وحشر يوم القيامة ريانا\" واستحب أبو الشعثاء التابعي الكبير قراءة سورة الرعد عند المحتضر وكان ذلك واللّه أعلم لقوله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^١) وقال الجيلي: يستحب تجريع المحتضر ماء فإن العطش يغلب من شدة النزع فيخاف منه إزلال الشيطان إذ ورد أنه [يأتي بماء] زلال يقول [قل: لا إله غيري] حتى أسقيك، نسأل الله الثبات عند الممات (^٢) أ. هـ، قاله القرطبي في تذكاره (^٣) ..\n\n٢٢٦٣ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن لكل شَيْء قلبا وقلب الْقُرْآن يس وَمن قَرَأَ يس كتب الله بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَة الْقُرْآن عشر مَرَّات زَاد فِي رِوَايَة دون يس رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٤).\n_________\n(^١) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ١٢).\n(^٣) التذكار (ص ٢٠٢ - ٢٠٤).\n(^٤) الترمذي (٢٨٨٧)، والدرامي (٣٤٥٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٦٠)، قال أبو حاتم في العلل (١٦٥٢)، حديث باطل لا أصل له، وقال الألباني موضوع في ضعيف الجامع (١٩٣٥).","vol":"7","page":194},{"text":"٢٢٦٤ - وَعَن جُنْدُب - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَرَأَ يس فِي لَيْلَة ابْتِغَاء وَجه الله غفر لَهُ رَوَاهُ مَالك وَابْن السّني وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - وَيَأْتِي فِي بَاب مَا يَقُوله بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار غير مُخْتَصّ بصباح وَلا مسَاء ذكر سُورَة الدُّخان.\nقوله: وروي عن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات\" الحديث، وذكر أبو جعفر النحاس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لكل شيء قلب وقلب القرآن يس من قرأها نهارا كفي همه ومن قرأها ليلا غفر ذنبه. وقال شهر بن حوشب يقرأ أهل الجنة طه ويس، وعن محمد بن علي قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث، وفيه: وإن في كتاب الله لسورة تدعى الفريدة يدعى صاحبها الشريف يوم القيامة تشفع لصاحبها أكثر من ربيعه ومضر وهي سورة يس (^٢). وذكر الثعلبي عن أبي هريرة أن رسول الله قال: \"من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن حبان (٢٥٧٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٧٦)، والدرامي (٣٤٦٠)، والطبراني في الصغير (٤١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٦٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٨٥، ٥٧٨٧، ٥٧٨٨).\n(^٢) التذكار (ص ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٣) أخرجه الثعلبى (٨/ ١١٩) من طريق أيوب بن مدرك عن أبي عبيدة عن الحسن عن أنس بن مالك. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٤٦).","vol":"7","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>الترغيب في قراءة سورة تبارك الذي بيده الملك</span>\n٢٢٦٥ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن سُورَة فِي الْقُرْآن ثَلَاثُونَ آيَة شفعت لرجل حَتَّى غفر لَهُ وَهِي تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك رَوَاهُ أبو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك\" وفي بعض طرقه أن سورة من القرآن وهي ثلاثون آية شفعت لرجب حتى أخرجته من النار يوم القيامة وأدخلته الجنة وهي سورة تبارك، وقال ابن مسعود: إذا وضع الميت في قبره يؤتى من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل أنه كان يقرأ بي سورة الملك ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه ليس لكم عليه سبيل أنه كان يقرأ بي سورة الملك ثم [قال: هي المانعة]، من عذاب [الله]، من قرأها في كل ليلة لم يضره الفتان وتسمى الواقية والمنجية (^٢) قاله في الديباجة (^٣).\n_________\n(^١) أبو داود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩١)، والنسائي (١١٦١٢)، وابن ماجه (٣٧٨٦)، وان حبان (٧٨٧)، والحاكم (١/ ٥٦٥)، وأحمد (٧٩٧٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٠٩١).\n(^٢) التذكار (ص ٢١٣).\n(^٣) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":196},{"text":"٢٢٦٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵁ - قَالَ ضرب بعض أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - خباءه على قبر وَهُوَ لَا يحْسب أَنه قبر فَإِذا قبر إِنْسَان يقْرَأ سُورَة الْملك حَتَّى خَتمهَا فَأتى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله ضربت خبائي على قبر وَأَنا لا أَحسب أَنه قبر فَإِذا قبر إِنْسَان يقْرَأ سُورَة الْملك حَتَّى خَتمهَا فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - هِيَ الْمَانِعَة هِيَ المنجية تنجيه من عَذَاب الْقَبْر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: ضرب بعض أصحاب النبي - ﷺ - خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، الخباء بمنزلة الخيمة، وقال بعضهم: إذا كان البيت من وبر أو صوف فهو خباء وإن كان من شجر فهو خيمة وإن كان من شعر فهو مظلة وإن كان من أدم فهو طراف وقبة (^٢)، والجمع أخبية وقد [يستعمل] المنازل والمساكن ومنه [الحديث] أنه أتى خباء فاطمة وهي بالمدينة يريد منزلها [وأصل الخباء الهمز] لأنه يختبأ فيه (^٣) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر\" رواه الترمذي وقال حديث غريب، قال المنذري: رواه الحاكم ولذلك استدركه بعض\n_________\n(^١) الترمذي (٢٨٩٠)، والطبراني في الكبر (١٢٨٠١)، وضعفه الألباني ويصح منه \"هي المانعة .. إلخ \" في ضعيف الجامع (٥٤٦).\n(^٢) كفاية المتحفظ (ص ١٦٩).\n(^٣) النهاية (٢/ ٩).","vol":"7","page":197},{"text":"أصحاب الحديث فكتب علي [الحديث]، كذلك خرج الترمذي (^١) أيضًا عنه - ﷺ -: \"أن من قرأ كل ليلة تبارك جاءت تجادل عن صاحبها\" أي: تدافع وتخاصم ملكي [القبر وجاء في معنى هذا] هذا أثر ويحتمل أن المجادلة هنا بمعنى الشفاعة والشهادة له قاله عياض (^٢)، وروي [أنها]، المجادلة تجادل عن صاحبها [يعنى]، قارئها في القبر، وعن عكرمة أن ابن عباس قاله لرجل أن أتحفك بحديث تفرح به قال الرجل يا ابن عباس رحمك الله قال: اقرأ تبارك الذي بيده الملك واحفظها وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك فإنها [المنجية]، والمجادلة تجادل وتخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من النار إذا كانت في جوفه وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر (^٣) وتقدم أن قراءة الرجل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في مرض الموت تنجيه من ذلك قاله القرطبي (^٤) ..\n\n٢٢٦٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - وددت أنهَا فِي قلب كل مُؤمن يَعْنِي تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ هَذَا إِسْنَاده عِنْد اليمانيين صَحِيح (^٥).\n_________\n(^١) لا يوجد بهذا اللفظ في الترمذي راجع مشكاة المصابيح (١/ ٦٦٨) وجامع الأصول (٨/ ٤٩٥) والمسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (٦/ ٢٢٢).\n(^٢) مطالع الأنوار (٢/ ٩٨).\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد (٦٠٣).\n(^٤) التذكرة (ص ٤٢٠ - ٤٢١).\n(^٥) الحاكم (١/ ٥٦٥)، وقال: هذا إسناد عند اليمانيين صحيح، ولم يخرجاه، وقال الذهبي حفص واهٍ، وقال الألباني ضعيف جدا في ضعيف الجامع (٦١١٨).","vol":"7","page":198},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"وددت\" معناها تمنيت.\n\n٢٢٦٨ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ يُؤْتى الرجل فِي قَبره فتؤتى رِجْلَاهُ فَتَقول لَيْسَ لكم على مَا قبلي سَبِيل كَانَ يقْرَأ سُورَة الْملك ثمَّ يُؤْتى من قبل صَدره أَو قَالَ بَطْنه فَيَقُول لَيْسَ لكم على مَا قبلي سَبِيل كَانَ يقْرَأ فِي سُورَة الْملك ثمَّ يُؤْتى من قبل رَأسه فَيَقُول لَيْسَ لكم على مَا قبلي سَبِيل كَانَ يقْرَأ فِي سُورَة الْملك فَهِيَ الْمَانِعَة تمنع عَذَاب الْقَبْر وَهِي فِي التَّوْرَاة سُورَة الْملك من قَرَأَهَا فِي لَيْلَة فقد أَكثر وَأطيب رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nوَهُوَ فِي النَّسَائِيّ مُخْتَصر من قَرَأَ تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك كل لَيْلَة مَنعه الله ﷿ بهَا من عَذَاب الْقَبْر وَكُنَّا فِي عهد رَسُول الله - ﷺ - نسميها الْمَانِعَة وَإِنَّهَا فِي كتاب الله ﷿ سُورَة من قَرَأَ بهَا فِي كل لَيْلَة فقد أَكثر وأطاب (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"يؤتى الرجل في قبره فتؤتى رجلاه فتقول ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ سورة الملك\".\nقوله: \"يؤتى الرجل في قبره\" معناه [يأتيه العذاب].\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٤٩٨)، وعبد الرزاق (٦٠٢٥)، والطبراني في الكبير (٨٦٥١)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٢٣٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٢٨)، وفيه عاصم بن بهدلة، وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) النسائي (١٠٥٤٧).","vol":"7","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>الترغيب في قراءة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وما يذكر معها</span>\n٢٢٦٩ - عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من سره أَن ينظر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَأنهُ رَأْي الْعين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ وَ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ \" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره (^١).\nقَالَ المملي - ﵁ - لم يصف التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث بِحسن وَلا بغرابة.\nقوله: عن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (^٢) و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ \" الحديث، إنما كانت هذه السور الثلاث أخص بالقيامة لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها وتكوير شمسها وانكدار نجومها وسائر كواكبها إلى غير ذلك من أفزاعها وأهوالها وخروج الخلق من قبورهم إلى سجونهم أو قصورهم بعد نشر صحفهم وقراءة كتبهم وأخذها بأيمانهم وشمائلهم أو من وراء ظهورهم في موقعهم على ما يأتي بيانه في أهوال القيامة، قال الله تعالى\n_________\n(^١) الترمذي (٣٣٣٣)، وأحمد (٤٨٠٦)، والحاكم (٢/ ٥١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٣١)، قال الحافظ في الفتح (٨/ ٦٩٥)، حديث جيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٩٣).\n(^٢) سورة الانفطار، الآية: ١.","vol":"7","page":200},{"text":"﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (^١)، وقال ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (^٢) وقال: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (^٣) فقرأها واقية منفطرة متشققة لقوله تعالى ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ (^٤) وتكون السماء سمرة بين السماء والأرض قال الله تعالى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ (^٥) قال ابن عباس: تكويرها إدخالها في العرش، وقيل: ذهابها ضربها قاله الحسن وقتادة وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقال أبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة تلف التكوير فتحمى. وقال الربيع بن خيثم: كورت رمى بها ومنه كورته فتكون أي سقط، قلت: وأصل التكوير الجمع.\nقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ (^٦) أي: انتثرت قيل: تتناثر في أيدي الملائكة لأنهم يموتون وفي الخبر أنها معلقة بين السماء والأرض لسلاسل بأيدي ملائكة وقال ابن عباس: انكدرت تغيرت وأصل الإنكدار الإنصباب واللّه أعلم ذكره القرطبي (^٧).\n_________\n(^١) سورة الانشقاق، الآية: ١.\n(^٢) سورة الانفطار، الآية: ١.\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٢٥.\n(^٤) سورة النبأ، الآية: ١٩.\n(^٥) سورة التكوير، الآية: ١.\n(^٦) سورة التكوير، الآية: ٣.\n(^٧) التذكرة (ص ٥٣٨ - ٥٤٠).","vol":"7","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الترغيب في قراءة إذا زلزلت وما يذكر معها</span>\n٢٢٧٠ - عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -. قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا زلزلت تعدل نصف الْقُرْآن وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ تعدل ربع الْقُرْآن وَإِسْنَاده مُتَّصِل وَرُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم كِلاهُمَا عَن يمَان بن الْمُغيرَة الْعَنزي حَدثنَا عَطاء عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ التّرمِذِيّ حَدِيت غَرِيب لا نعرفه إِلَا من حَدِيث يمَان بن الْمُغيرَة وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا زلزلت تعدل نصف القرآن و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن\" الحديث، ولما كان القرآن شطرين شطر في الدنيا وأحكامها ومتعلقاتها والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلفين وغيرها وشطر في الآخرة وما يقع فيها وكانت سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ قد أخلصت من أولها إلى أولها لهذا الشطر فلم تذكر فيها الآخرة وما يكون فيها من أحوال الأرض وسكانها كانت تعدل نصف القرآن فأحرى\n_________\n(^١) الترمذي (٢٨٩٤) والحاكم (١/ ٥٦٦)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: بل يمان ضعفوه، وحسنه الألباني، دون فضل زلزلت: في ضعيف سنن الترمذي (٥٤٨).","vol":"7","page":202},{"text":"بهذا الحديث أن يكون صحيحا، واللّه أعلم. ولهذا يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف (^١).\nقوله: رواه الترمذي والحاكم كلاهما عن يمان بن المغيرة العنزي.\n\n٢٢٧١ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لرجل من أَصْحَابه هَل تزوجت يَا فلان قَالَ لا وَاللّه يَا رَسُول الله وَلا عِنْدِي مَا أَتزوّج بِهِ قَالَ أَليْسَ مَعَك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قَالَ بلَى قَالَ ثلث الْقُرْآن قَالَ أَليْسَ مَعَك إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح قَالَ بلَى قَالَ ربع الْقُرْآن قَالَ أَليْسَ مَعَك قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ قَالَ بلَى قَالَ ربع الْقُرْآن قَالَ أَليْسَ مَعَك إِذا زلزلت الأرْض قَالَ بلَى قَالَ ربع الْقُرْآن تزوج تزوج رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن سَلمَة بن وردان عَن أنس وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن انْتهى (^٢). وَقد تكلم فِي هَذَا الحَدِيث مُسلم فِي كتاب التَّمْيِيز وَسَلَمَة يَأْتِي الْكَلام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: لرجل من أصحابه \"هل تزوجت يا فلان؟ \" قال: لا واللّه يا رسول الله. فذكر الحديث إلى أن قال قال: \"أليس معك إذا زلزلت الأرض\" قال: بلى، قال: \"ربع القرآن تزوج تزوج\" الحديث، وروي الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قرأ إذا زلزلت عدلت بنصف القرآن ومن قرأ قل يأيها الكافرون عدلت بربع القرآن ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٣٠٧).\n(^٢) الترمذي (٢٨٩٥)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٥٤٩)","vol":"7","page":203},{"text":"أَحَدٌ﴾ عدلت بثلث القرآن\" وذكر أبو نصر الوائلي السجستاني في كتاب الإبانة له من حديث ابن وهب فذكره إلى أن قال عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن رجلا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: أقرئني يا رسول الله، قال: \"اقرأ ثلاثا من ذوات الراء\" قال الرجل: كبر سني وثقل لساني، قال فاقرأ ثلاثا من ذوات سبح، فقال الرجل: مثل ذلك ولكن يا رسول أقرئني سورة جامعة فاقرأها قال: إذا زلزلت الأرض زلزالها حتى أتى على آخرها ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^١) فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أبالي أن لا أزيد عليها حتى ألقى الله ﷿ فذكر الحق وفيه: فقال يا رسول الله أفلح الرجل (^٢)، قول المنذري رواه الترمذي عن سلمة بن وردان [ضعف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، عامة ما عنده عن أنس منكر، وقال معاوية بن صالح عن يحيى ليس حديثه بذاك وحسن الترمذي حديثه].\nخاتمة يختم بها الباب تتعلق بالمعنى: قيل صلى الإمام أبو حنيفة العشاء خلف إمام فقرأ الإمام ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ فلما قضيت الصلاة خرج\n_________\n(^١) سورة الزلزلة، الآية: ٧ - ٨.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٥٠٣)، وأحمد ٢/ ١٦٩ (٦٥٧٥)،، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٥٨ - ٢٥٩، وأبو داود (١٣٩٩)، والبزار (٢٤٥٩) والنسائي في الكبرى (٧٩٧٣) و(١٠٤٨٤) وابن حبان (٧٧٣) والحاكم ٢/ ٥٣٢.\nوصححه الحاكم على شرطهما وتعقبه الذهبى فقال: بل صحيح وصححه النسائي.\nوضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٢٤٧).","vol":"7","page":204},{"text":"الناس جعل يفكر ويتنفس فقال قيم المسجد أخرج عنه لئلا يشتغل قلبه وقال فخرجت عنه وما جئت حتى طلع الفجر فلما دخلت المسجد وجدت القنديل يقد وكان فيه إلا قليل زيت ووجدت الإمام أبا حنيفة - ﵁ - قائما قد أخذ بلحيته وهو يقول يا من يجزي بمثقال ذرة خير مثقال ذرة خيرا وبمثقال ذرة شر مثقال ذرة شرا أجر النعمان عبدك من النار وما يقرب منها من السوء وأدخله في سعة رحمتك فرجعت وأذنت ثم لما دخلت [قال: تريد أن] تأخذ القنديل فقلت [قد أذنت] لصلاة الغداة فقال اكتم عني ما رأيت وركع الفجر وصلى معي الغداة بوضوء العشاء - ﵁ - ونفعنا ببركاته في الدنيا والآخرة (^١) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (١٣/ ٣٥٧).","vol":"7","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>الترغيب في قراءة ألهاكم التكاثر</span>\n٢٢٧٢ - عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا يَسْتَطِيع أحدكُم أَن يقْرَأ ألف آيَة كل يَوْم قَالُوا وَمن يَسْتَطِيع ذَلِك قَالَ أما يَسْتَطِيع أحدكُم أَن يقْرَأ أَلْهَاكُم التكاثر رَوَاهُ الْحَاكِم عَن عقبَة بن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات إِلَا أَن عقبَة لا أعرفهُ (^١).\nقوله: عن ابن عمر - ﵄ - تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ - \"لا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية كل يوم قالوا ومن يستطيع ذلك قال أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر\".\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٥٦٧)، وقال: رواة هذا الحديث كلهم ثقات، وعقبة هذا غير مشهور.","vol":"7","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>الترغيب في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾</span>\n٢٢٧٣ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -، قَالَ أَقبلت مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فَسمع رجلا يقْرَأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَجَبت فَسَأَلته مَاذَا يَا رَسُول الله فَقَالَ الْجنَّة فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأَرَدْت أَن أذهب إِلَى الرجل فأبشره ثمَّ فرقت أَن يفوتني الْغَدَاء مَعَ رَسُول الله - ﷺ - ثمَّ ذهبت إِلَى الرجل فَوَجَدته قد ذهب رَوَاهُ مَالك وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَلَيْسَ عِنْده قَول أبي هُرَيْرَة فَأَرَدْت إِلَى آخِره وَقَالَ حَدِيث حسن صحِيح غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صحِيح الإِسْنَاد (^١).\nفرقت بِكَسْر الرَّاء أَي خفت.\n\n٢٢٧٤ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - احشدوا فَإِنِّي سأقرأ عَلَيْكُم ثلث الْقُرْآن فحشد من حشد ثمَّ خرج النَّبِي - ﷺ - فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثمَّ دخل فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض إِنَّا نرى هَذَا خَبرا جَاءَهُ من السَّمَاء فَذَلِك الَّذِي أدخلهُ ثمَّ خرج نَبِي الله - ﷺ - فَقَالَ إِنِّي قلت لكم سأقرأ عَلَيْكُم ثلث الْقُرْآن أَلا إِنَّهَا تعدل ثلث الْقُرْآن رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\n_________\n(^١) مالك في الموطأ (٥٥٨)، والترمذي (٢٨٩٧)، والنسائي في الكبرى (٩٧٦)، والحاكم (١/ ٥٦٦)، وأحمد (١٠٩١٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.\n(^٢) مسلم (٨١٢)، والترمذي (٢٩٠٠)، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأحمد (٩٥٣٥)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٢٥١).","vol":"7","page":207},{"text":"قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أقبلت مع رسول الله - ﷺ - فسمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، فقال رسول الله - ﷺ -: \"وجبت وجبت\" فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: الجنة، إلى قوله: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله - ﷺ -، الحديث، فرقت: بكسر الراء أي خفت قاله المنذري والغداء اسم ما يتغدى [ممدودا قال]، ابن وضاح: إنما [أراد صلاة الغداة]، وهذا عندهم خطأ من التفسير ولا يعلم هذا في لسان العرب وقد علم من [عادة أبي هريرة وقوله كنت ألزم] رسول الله - ﷺ - على شبع بطنى أ. هـ قاله عياض (^١).\nوروي الدارمي في مسنده عن أبي عقيل زهرة بن عبد زعموا أنه كان من الأبدال، عن سعيد بن المسيب مرسلا أن نبي الله - ﷺ - قال: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات بني له قصر في الجنة ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران في الجنة ومن قرأها ثلاثين مرة بني له ثلاثة قصور في الجنة\" فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إذًا لتكثر قصورنا فقال رسول الله - ﷺ - \"الله أوسع من ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٢٩).\n(^٢) أخرجه الدارمي (٣٤٧٢). وأخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٩٣ رقم ٢٨١) عن أبي هريرة. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زهرة بن معبد متصل الإسناد إلا خالد بن حميد، تفرد به: هانئ بن المتوكل. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٤٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه هانئ بن المتوكل وهو ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٨٩).","vol":"7","page":208},{"text":"وقال النووي (^١): روينا في كتاب ابن السني ودلائل النبوة للبيهقي أن أبا أمامة الباهلي واسمه صدي بن عجلان قال: أتى رسول الله - ﷺ - جبرائيل ﵇ وهو بتبوك، فقال: \"يا محمد، اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني\". قال: فخرج رسول الله - ﷺ -، ونزل جبرائيل ﵇ في سبعين ألفا من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على رءوس الجبال فتواضعت، ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت، حتى نظر إلى مكة والمدينة، فصلى عليه رسول الله - ﷺ - وجبرائيل والملائكة ﵈، فلما فرغ قال: \"يا جبريل، بم بلغ معاوية هذه المنزلة\"؟ قال: بقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قائما وقاعدا وراكبا وماشيًا (^٢)، أ. هـ.\nوروي الحافظ أبو نعيم في كتاب الحلية والطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: قال رسول الله \"من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٣٠٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٦٣ رقم ٣٨٧٤) والكبير (٨/ ١١٦ رقم ٧٥٣٧) والشاميين (٨٣١)، وابن السنى (١٨٠)، والخلال في فضائل سورة الإخلاص (٩). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٨: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه نوح بن عمر، قال ابن حبان: يقال إنه سرق هذا الحديث، قلت: ليس هذا بضعف في الحديث، وفيه بقية وهو مدلس، وليس فيه علة غير هذا. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٤٢٩ رقم ١٠٤١)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٥٢ - ١٥٣ رقم ٢٣٢٠) عن معاوية بن معاوية.\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه صدقة بن أبي سهل ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. قال الذهبى في الميزان ٥/ ٣٩: هذا حديث منكر.","vol":"7","page":209},{"text":"في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة\" قال: هذا حديث غريب من حديث يزيد تفرد به نصر بن حماد البجلي (^١)، وفي الطبراني أيضا من حديث جابر مرفوعا: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في كل يوم خمسين مرة نودي يوم القيامة من قبره قم يا مادح الله فادخل الجنة\" (^٢) وفيه أيضًا عنه قال: قالوا يا رسول الله انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (^٣)، وروي الحاكم من حديث أبي بن كعب أن المشركين، قالوا: يا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٥٧ رقم ٥٧٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢١٣)، والخلال في فضائل سورة الإخلاص (٥٠). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن رسول الله - ﷺ -، إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو الحارث الوراق، ويزيد بن عبد الله هو يزيد بن عبد الله بن الشخير. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٤٥ - ١٤٦: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لا يروى عن النبي - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، وفيه نصر بن حماد الوراق وهو متروك.\nوقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٠١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ٢٦١ رقم ١١٣٤) والأوسط (٩/ ١٧١ رقم ٩٤٤٦).\nقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٤٦: رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٥ رقم ٥٦٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣٥) و(١٠/ ١١٣ - ١١٤)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٥٢ رقم ٢٣١٩).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن مجالد إلا ابنه إسماعيل، تفرد به سريج بن يونس، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد.\nقال أبو نعيم: غريب من حديث الشعبي لم يروه إلا إسماعيل عن أبيه.\nقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٤٦: رواه الطبراني في الأوسط، ورواه أبو يعلى، إلا أنه قال: =","vol":"7","page":210},{"text":"محمد انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله تعالى لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوا أحد لم يكن له شبيه ولا عدل له ليس كمثله شيء، ثم قال: صحيح الإسناد (^١)، وذكر أبو بكر بن الخطيب بن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن الجبار فتنزل الملائكة فيأخذون بأقطار الأرض فلا يزالون يقرؤون ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يسكن غضبه ﷿ (^٢) قال أبو عمرو مولى جرير بن عبد الله البجلي عن جرير: من قرأ هو الله أحد حين يدخل منزله نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل وعن الجيران (^٣)، وعن سهل بن سعد الساعدي قال: شكا رجل إلى رسول الله - ﷺ -\n_________\n= إن أعرابيا أتى النبي - ﷺ - فقال: انسب الله. وفيه مجالد بن سعيد، قال ابن عدي له عن الشعبي عن جابر، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٣٦٤)، وأبو سعيد الدارمي في الرد على الجهمية (٢٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٦٣)، وابن خزيمة في التوحيد (ص ٩٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٨)، والحاكم ٢/ ٥٤٠، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٠) و(٦٠٧) والاعتقاد (ص ٤٤) والشعب (١/ ٢٠٦ رقم ١٠٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. ورواه الترمذي عن الربيع عن أبي العالية مرسلا. قال الترمذي: وهذا أصح من حديث أبي سعد. وقال العقيلي (٤/ ١٤١): هذا أولى.\n(^٢) فضائل سورة الإخلاص (٤٩) للخلال.\n(^٣) أخرجه الخرائطى في المكارم (٨٧٨)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٤٠ رقم ٢٤١٩).\nوضعف ابن كثير إسناده في التفسير ٤/ ٥٦٩. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢٨: رواه الطبراني، وفيه مروان بن سالم الغفاري، وهو متروك.","vol":"7","page":211},{"text":"الفقر وضيق العيش فقال له رسول الله - ﷺ - إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد أو لم يكن فيه أحد واقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرة واحدة ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق حتى أبان على جيرانه (^١) واللّه أعلم، قاله القرطبي في كتاب التذكار (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن\" احشدوا معناها اجتمعوا واستحضروا الناس والحشد الجماعة منهم واحتشد القوم لفلان تجمعوا له وتأهبوا ومنه حديث [أم]، معبد محشود محفود أي أتى أصحابه يخدمونه ويجتمعون إليه قاله في النهاية (^٣).\nقوله \"فقال بعضنا لبعض إنا نرى هذا خبرا جاءه من السماء\" نرى بضم النون معناه نظن.\nقوله - ﷺ - \"ألا إنها تعدل ثلث القرآن\" قال بعض العلماء: إنما عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم الذي هو الصمد فإنه لا يوجد في غيرها من السور وكذلك أحد فالصمد هو السيد الذي انتهى إليه السؤدد. وقيل هو الدائم الباقي. وقيل هو الذي لا جوف له. وقيل الذي يصمد في الحوائج إليه: أي\n_________\n(^١) أخرجه الثعلبى في التفسير (١٠/ ٣٣٠ - ٣٣١). وفيه عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثى متهم بالوضع.\n(^٢) التذكار (ص ٢١٩ - ٢٢٠).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٨٨).","vol":"7","page":212},{"text":"يقصد. قاله في النهاية (^١).\nوقيل إن القرآن أنزل أثلاثا ثلثا منها أحكام وثلث منها وعد ووعيد وثلث منها أسماء وصفات وقد جمعت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أحد الأثلاث وهو الأسماء والصفات ودل على هذا التأويل ما في صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال \"إن الله ﷿ جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جزءا من أجزاء القرآن\" (^٢) وهذا نص وبهذا المعنى سميت به لأنها خالصة في صفة الله تعالى خاصة، أو لأن اللافظ بها قد أخلص التوحيد للّه تعالى. قاله في النهاية (^٣).\n\n٢٢٧٥ - وَعَن أي الدَّرْدَاء - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أَيعْجزُ أحدكُم أَن يقْرَأ فِي لَيْلَة ثلث الْقُرْآن قَالُوا وَكَيف يقْرَأ ثلث الْقُرْآن قَالَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن.\nوَفِي رِوَايَة قَالَ إِن الله ﷿ جزأ الْقُرْآن بِثَلَاثَة أَجزَاء فَجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جُزْءا من أَجزَاء الْقُرْآن رَوَاه مسلم (^٤).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن\" يعجز بكسر الجيم\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٥٢).\n(^٢) مسلم (٢٦٠ - ٨١١).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٦١).\n(^٤) مسلم (٨١١).","vol":"7","page":213},{"text":"وهذا هي اللغة الفصحى ويجوز فتح الجيم في لغة قليلة وفي رواية \"إن الله ﷿ جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جزءا من أجزاء القرآن\" الجزء هو النصيب من الشيء ثم إن القرآن على ثلاثة أجزاء الجزء الأول ما كان فيه من ذكر الله تعالى وصفاته والثناء عليه بما هو أهله والتمجيد والتوحيد ونحو ذلك والجزء الثاني ما كان فيه من ذكر النبوة وما جاءت به الأنبياء من الأمر والنهي والوعد والوعيد والبشارة والنذارة ونحو ذلك والجزء الثالث ما كان فيه من التذكير والوعظ والنظر والاعتبار والقصص ونصب الدلائل والشواهد وضرب الأمثال وغير ذلك وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مشتملة على ما اشتمل عليه الجزء الأول فلذلك جعلت ثلثه.\nوقال القاضي: قال المازري قيل معناه على ثلاثة أنحاء قصص وأحكام وصفات للّه تعالى و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ متمحضة للصفات فهي ثلث وجزء من ثلاثة أجزاء وقيل معناه أن ثواب قراءتها تضاعف بقدر قراءة ثلث القرآن بغير تضعيف (^١)، وقال في النهاية (^٢): جعلها ثلث القرآن لأن القرآن العزيز لا يتجاوز ثلاثة أقسام، وهي: الإرشاد إلى معرفة ذات الله تعالى وتقديسه، أو معرفة صفاته وأسمائه، أو معرفة أفعاله وسنته في عباده. ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة، وهو التقديس، وازنها رسول الله - ﷺ - بثلث القرآن.\n_________\n(^١) انظر: المعلم (١/ ٤٦٢)، وإكمال المعلم (٣/ ١٧٩ - ١٨٠)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢١٩).","vol":"7","page":214},{"text":"٢٢٧٦ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَيعْجزُ أحدكُم أَن يقْرَأ فِي لَيْلَة ثلث الْقُرْآن من قَرَأَ الله الْوَاحِد الصَّمد فقد قَرَأَ ثلث الْقُرْآن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: وعن أبي أيوب - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن من قرأ الله الواحد الصمد فقد قرأ ثلث القرآن\" تقدم الكلام عليه.\n\n٢٢٧٧ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن رجلا سمع رجلا قْرَأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدهَا فَلَمَّا أصبح جَاءَ إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَذكر ذَلِك لَهُ وَكَانَ الرجل يتقالها فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لتعدل ثلث الْقُرْآن رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَأبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ وَالرجل القارئ هُوَ قَتَادَة بن النُّعْمَان أَخُو أبي سعيد الْخُدْرِيّ من أمه.\n\n٢٢٧٨ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لرجل من أَصْحَابه هَل تزوجت قَالَ لا وَاللّه يَا رَسُول الله وَمَا عِنْدِي مَا أَتزوّج بِهِ قَالَ أَليْسَ مَعَك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قَالَ بلَى قَالَ ثلث الْقُرْآن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَتقدم (^٣).\n_________\n(^١) الترمذي (٢٨٩٦)، وأحمد (٢٣٥٤٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٦٣).\n(^٢) البخاري (٥٠١٣)، ومالك في الموطأ (٥٥٧)، وأبو داود (١٤٦١)، وأحمد (٣/ ٣٥).\n(^٣) الترمذي (٢٨٩٥)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٥٤٩).","vol":"7","page":215},{"text":"٢٢٧٩ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن أنس الْجُهَنِيّ - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يختمها عشر مَرَّات بنى الله لَهُ قصرا فِي الْجنَّة فَقَالَ عمر بن الْخطاب إِذا نَسْتكْثِر يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - الله أَكثر وَأطيب رَوَاهُ أَحْمد (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رجلا سمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، الحديث، إلى أن قال: وكان الرجل يتقالها، قال الحافظ (^٢): والرجل القارئ هو قتادة بن النعمان أخو سعيد الخدري لأمه واللّه أعلم.\nتنبيه: قوله \"وكان الرجل يتقالها\" كذا للرواة بتشديد النون عند شيوخنا وأكثر الرواة، وقال بعضهم: وتخفيف النون أحسن ولم يقل شيئا بل تشديدها هاهنا أبلغ في المعنى لأنه شئ تأول عليه ذلك المخبر، فالعبارة عنه بكأن المشددة أحسن (^٣) واللّه تعالى أعلم.\nوروي الطبراني من حديث أسماء بنت واثلة بن الأسقع قالت: كان أبي إذا صلى الصبح جلس مستقبل القبلة حتى تطلع الشمس فربما كلمته في الحاجة\n_________\n(^١) أحمد (١٥٦١٠)، والطبراني في الكبير (٣٩٧)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٩٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٩٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٥)، رواه الطبراني وأحمد، وفي إسناده رشدين بن سعد وزبان، وكلهما ضعيف، وفيهما توثيق لين، وقال الألباني هذا القدر منه صحيح، في السلسلة الصحيحة (٥٨٩).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٨٩).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٣٥)، ومطالع الأنوار (٣/ ٣٣٣).","vol":"7","page":216},{"text":"فلم يكلمني فقلت: ما هذا؟ فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من صلى الصبح ثم قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائة مرة قبل أن يتكلم فكلما قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ غفر له ذنب سنة\" (^١) روى الإمام أحمد عن شيخ أدرك النبي - ﷺ - قال: خرجت مع النبي - ﷺ - في سفر فمر برجل يقرأ قل يأيها الكافرون فقال: أما هذا فقد برئ من الشرك، وإذا آخر يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال - ﷺ -: \"بها وجبت الجنة\" (^٢)، وسئل محمد بن مسلمة عن معنى قول النبي - ﷺ -: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله\" قال: معناه يعطى أجر قراءة القرآن كله بغير تضعيف (^٣)، أ. هـ.\n\n٢٢٨٠ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أَن النَّبِي - ﷺ - بعث رجلا على سَرِيَّة وَكانَ يقْرَأ لأصحابه فِي صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رجعُوا ذكرُوا ذَلِك\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٩٦ رقم ٢٣٢)، وابن السنى (١٤٣)، والحاكم (٣/ ٥٧٠). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٠٩: رواه الطبراني، وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري، وهو متروك. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٤٠٥).\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (١٢٩)، وابن أبي شيبة في المسند (٩٦٢)، وأحمد ٤/ ٦٣ (١٦٦٠٥) و٤/ ٦٥ (١٦٦١٧) و٥/ ٣٧٦ (٩٤١٢٣) و٥/ ٣٧٨) (٢٣٢٠٦)، والدارمى (٣٤٦٩)، والنسائي في الكبرى (٧٩٧٤) و(١٠٤٧٢).\nقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٤٥: رواه أحمد بإسنادين، في أحدهما شريك وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال البوصيرى في الإتحاف ٦/ ٣٠٦: وهو إسناد صحيح.\n(^٣) الحديث أخرجه الخلال في فضائل سورة الإخلاص (٢) عن ابن عمر. وأخرجه أيضا (٧) عن النعمان بن بشير.","vol":"7","page":217},{"text":"للنَّبِي - ﷺ - فَقَالَ سلوه لأي شَيْء يصنع ذَلِك فَسَألوهُ فَقَالَ لأنها صفة الرَّحْمَن وَأَنا أحب أَن أَقرَأ بهَا فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - أَخْبرُوهُ أَن الله يُحِبهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - بعث رجلا على سرية، السرية هي القطعة من الجيش تخرج منه ثم تعود إليه سميت سرية لأنها تسري في الليل غالبا (^٢)، قال يعقوب: هي ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة (^٣)، وقال الخليل: هي نحو أربع مائة (^٤).\nوقوله: \"فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ \" فيه دليل على استحباب الجمع بين السورتين وأكثر في الركعة الواحدة (^٥)، قد روى عن ابن مسعود أنه أتاه رجل فقال: تقرأ المفصل كله في ركعة واحدة، فقال هذا كهذ الشعر [ونثرا كنثر]، الذقل، والذقل بالذال المعجمة (^٦) هو الردى من التمر.\n_________\n(^١) البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣٧) والكواكب الدراري (١٦/ ١٦٦ - ١٦٧).\n(^٣) الألفاظ (ص ٣٦)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢١٤)، ومطالع الأنوار (٥/ ٤٨٢).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ٢١٤) ومطالع الأنوار (٥/ ٤٨٢).\n(^٥) إحكام الأحكام (١/ ٢٦٨).\n(^٦) كذا في المخطوط والمعروف أنه بالمهملة انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٤٦) ومجمل اللغة (ص ٣٣٠)، والمحكم (٦/ ٣١٤)، والفائق (٢/ ٤)، والمجموع المغيث (١/ ٦٦٧)، والنهاية (٢/ ١٢٧).","vol":"7","page":218},{"text":"قوله: \"لأنها صفة الرحمن ﷿\" ويحتمل أن يريد أنها وصف الرحمن.\nقوله - ﷺ -: \"أخبروه أن الله يحبه\" محبة الله تعالى لعبده إرادة الخير له وإبعاد الشر عنه، وقال [المازرى]: محبة الله تعالى لعباده إرادة ثوابهم وتنعيمهم، وقيل: محبته لهم نفس الإثابة والتنعيم لا الإرادة (^١)، وفيه: دليل على أن من أحب قراءة القرآن كانت محبته دليلا على رضى الله تعالى عنه واللّه أعلم.\n\n٢٢٨١ - وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا وَالتِّرْمِذِيّ عَن أنس أطول مِنْهُ وَقَالَ فِي آخِره فَلَمَّا أَتَاهُم النَّبِي - ﷺ - أَخْبرُوهُ الْخَبَر فَقَالَ يَا فلَان مَا يمنعك أَن تفعل مَا يَأْمُرك بِهِ أَصْحَابك وَمَا يحملك على لُزُوم هَذِه السُّورَة فِي كل رَكْعَة فَقَالَ إِنِّي أحبها فَقَالَ حبك إِيَّاهَا أدْخلك الْجنَّة (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ وَفِي بَاب مَا يَقُوله دبر الصَّلَوَات وَغَيره أَحَادِيث من هَذَا الْبَاب وَتقدم أَيْضا أَحَادِيث تَتَضَمَّن فَضلهَا فِي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة.\nقوله: ورواه البخاري أيضًا والترمذي عن أنس بن مالك، وذكر منه قطعة وأنا أذكره بتمامه قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة يقرأ بها، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ١٨١)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٢) البخاري (٧٧٤).","vol":"7","page":219},{"text":"فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى، قال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي - ﷺ - أخبروه الخبر. فقال: \"يا فلان، ما يمنعك مما يأمر به أصحابك، وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ \" فقال: يا رسول الله إني أحبها. فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن حبها أدخلك الجنة\". وقال: هذا حديث غريب صحيح، قال القاضي أبو بكر بن العربي (^١): هذا دليل على أنه يجوز تكرار سورة في كل ركعة واللّه أعلم.\nفائدة يختم بها الباب: روى الدارقطني والبيهقي (^٢) عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبا، وجعله في كمه، فأتى فقال: ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، ولولا أن يسميني قومي عجولا لقتلتك، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! دعني فأقوم فأقتله، قال - ﷺ -: \"يا عمر! أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا\"، ثم أقبل الأعرابي على رسول الله - ﷺ - فقال: واللات والعزى لا آمنت\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (٤/ ٤٦٨).\n(^٢) المعجم الأوسط (٥٩٩٦) قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٨/ ٢٩٤): رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن علي بن الوليد البصري قال البيهقي: والحمل في هذا الحديث عليه. قلت:، وبقية رجاله رجال الصحيح، وضعفه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٥/ ١٠٨).","vol":"7","page":220},{"text":"بك أو يؤمن بك هذا الضب، وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا ضب! فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين، قال: من تعبد يا ضب؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه، قال: فمن أنا يا ضب؟ قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك، قال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، لقد جئتك وما على ظهر الأرض أبغض إلي منك، وإنك اليوم أحب إلي من والدي، ومن عيني، ومني، وإني لأحبك بداخلي وخارجي وسري وعلانيتي:، فقال رسول الله - ﷺ -: \"الحمد للّه الذي هداك بي، إن هذا الدين يعلو ولا يعلى، ولا يقبل إلا بصلاة، ولا تقبل الصلاة إلا بقرآن. قال: فعلمني فعلمه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: زدني فما سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا. قال: يا أعرابي! إن هذا كلام الله ليس بشعر، [إنك إن قرأت] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [مرة كان لك كأجر من قرأ] ثلث القرآن، وإن قرأت مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله، قال الأعرابي: نعم الإله إلهنا يقبل اليسير ويعطي الجزيل\"، فذكر الحديث.","vol":"7","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>الترغيب في قراءة المعوذتين</span>\n٢٢٨٢ - عَن عقبَة بن عَامر - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ألم ترَ آيَات أنزلت اللَّيْلَة لم ير مِثْلهنَّ قل أعوذ بِرَبّ الفلق وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nوَأَبُو دَاوُد وَلَفظه قَالَ كنت أَقُود برَسُول الله - ﷺ - فِي السّفر فَقَالَ يَا عقبة أَلا أعلمك خير سورتين قرئتا فعلمني قل أعوذ بِرَبّ الفلق وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس فَذكر الحَدِيث (^٢).\nقوله: عن عقبة بن عامر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن\" قال النووي (^٣): ضبطناه بالنون المفتوحة وبالياء المثناة من تحت المضمومة وكلاهما صحيح.\n\n٢٢٨٣ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَ بَيْنَمَا أَنا أَسِير مَعَ رَسُول الله - ﷺ - بَين الْجحْفَة والأبواء إِذْ غشيتنا ريح وظلمة شَدِيدَة فَجعل رَسُول الله - ﷺ - يتَعَوَّذ بأعوذ بِرَبّ الفلق وَأَعُوذ بِرَبّ النَّاس وَيَقُول يَا عقبَة تعوذ بهما فَمَا تعوذ متعوذ بمثلهما قَالَ وسمعته يؤمنا بهما فِي الصَّلَاة (^٤).\n_________\n(^١) مسلم (٨١٤)، والترمذي (٢٩٠٢)، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (١٧٢٩٩).\n(^٢) أبو داود (١٤٦٢)، وأحمد (١٧٢٩٦)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٤٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٦).\n(^٤) أبو داود (١٤٦٣).","vol":"7","page":222},{"text":"٢٢٨٤ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قلت يَا رَسُول الله أقرئني آيا من سُورَة هود وآيا من سُورَة يُوسُف فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - يَا عقبة بن عَامر إِنَّك لن تقْرَأ سُورَة أحب إِلَى الله وَلا أبلغ عِنْده من أَن تقْرَأ قل أعوذ بِرَبّ الفلق فَإِن اسْتَطَعْت أَن لا تفوتك فِي الصَّلَاة فافعل (^١).\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم بِنَحْوِ هَذِه وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَلَيْسَ عِنْدهمَا ذكر قل أعوذ بِرَبّ النَّاس (^٢).\n\n٢٢٨٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اقْرَأ يَا جَابر فَقلت وَمَا أَقرَأ بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ قل أعوذ بِرَبّ الفلق وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس فقرأتهما فَقَالَ اقْرَأ بهما وَلنْ تقْرَأ بمثلهما رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣) وَسَيَأْتِي ذكرهمَا فِي غير هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: في رواية أبي داود (^٤) \"كنت أقود برسول الله - ﷺ - في السفر فقال يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا فعلمني قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس\" فذكر الحديث \"ويقول يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما\" في هذا الحديث بيان عظم فضل هاتين السورتين، قد سبق الخلاف\n_________\n(^١) ابن حبان (١٨٤٢)، والطبراني في الكبير (٨٦١)، وأحمد (١٧٣٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٥٦٦).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٥٤٠).\n(^٣) ابن حبان (٧٩٦).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"7","page":223},{"text":"في تفضيل بعض القرآن على بعض وفيه دليل واضح على كونهما من القرآن ورد على ما نسب إلى ابن مسعود خلاف هذا وفيه أن لفظة قل من القرآن ثابتة من أول السورتين بعد البسملة الشريفة وقد أجمعت الأمة على هذا كله (^١).\nقوله: في رواية أبي داود قال \"بينما أنا أسير مع رسول الله - ﷺ - بين الجحفة والأبواء\" الجحفة بضم الميم وسكون الحاء المهملة كانت قرية كبيرة على نحو سبع مراحل من المدينة وثلاث من مكة (^٢)، قال صاحب المطالع وغيره: سميت الجحفة لأن السيل جحفها وحمل أهلها ويقال لها مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء (^٣) وقد تقدم ذكر ذلك.\nقوله والأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد هو جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد تنسب إليه (^٤) والله أعلم.\nقوله: \"إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله - ﷺ - يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس ويقول يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما قال وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة\".\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٦).\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٣٨)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٥٨).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ١٦٨)، ومطالع الأنوار (٢/ ١٩٤)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٣٨ - ١٣٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (٦/ ٥٨).\n(^٤) النهاية (١/ ٢٠).","vol":"7","page":224},{"text":"فائدة: عن عائشة - ﵂ - \"أن النبي - ﷺ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها\". متفق عليه (^١)\nوعنها - ﵂ - أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات (^٢).\nوذكر أبو عمر في كتاب الاستذكار (^٣): رقي رسول الله - ﷺ - من العقرب بالمعوذتين وكان يمسح الموضع بماء فيه ملح (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٣٩) و(٥٠١٦) و(٥٧٣٥) و(٥٧٥١)، ومسلم (٥٠ و٥١ - ٢١٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠١٧) و(٦٣١٩) و(٦٧٤٨)، وابن ماجه (٣٨٧٥)، وأبو داود (٥٠٥٦)، والترمذي (٣٤٠٢).\n(^٣) الاستذكار (٨/ ٤١٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٤٤ (٢٣٥٥٣)، والطبراني في الصغير (٢/ ٨٧ رقم ٨٣٠) والأوسط (٦/ ٩٠ - ٩١ رقم ٥٨٩٠)، والخلال في فضائل سورة الإخلاص (٥٦)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٣٦ - ١٧٠ رقم ٢٣٤٠ و٢٣٤١).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن مطرف، إلا ابن فضيل، تفرد به إسماعيل بن موسى.\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١١١: رواه الطبراني في الصغير، وإسناده حسن. وصححه الألباني في المشكاة (٤٥٦٧) والصحيحة (٥٤٨).","vol":"7","page":225},{"text":"قال الإمام أبو عبد الله القرطبي وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه رقى سيد الحي من العقرب بفاتحة الكتاب فبرأ (^١) واللّه أعلم ذكره القرطبي (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٠٧) و(٥٧٣٦) و(٥٧٤٩)، ومسلم (٦٥ و٦٦ - ٢٢٠١).\n(^٢) التذكار (ص ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"7","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>كتاب الذكر والدعاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>الترغيب في الإكثار من ذكر الله سرا وجهرا</span>\nوالمداومة عليه وما جاء فيمن لم يكثر ذكر الله تعالى.\n\n٢٢٨٦ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الله أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا ذَكرنِي فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَإِن ذَكرنِي فِي ملإ ذكرته فِي ملإ خير مِنْهُم وَإِن تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَإِن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعا وَإِن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nوَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ، بِإِسْنَاد صَحِيح وَزَاد فِي آخِره قَالَ قَتَادَة وَالله أسْرع بالمغفرة (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"يقول الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني\" الحديث، والظن هو الاعتقاد الراجح والظن في الحديث يصح إجراءه على ظاهره ولكون المعنى أنا عند ظن عبدي بي أعامله على حسب ظنه وأفعل به\n_________\n(^١) البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، والترمذي (٣٦٠٣)، والنسائي (٧٧٣٠)، وابن ماجه (٣٨٢٢)، وأحمد (٧٤٢٢)، وابن حبان (٨١١).\n(^٢) أحمد (١٢٤٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٨)، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"7","page":227},{"text":"ما يتوقع مني والمراد هو الحث على تغلب الرجاء على الخوف وحسن الظن باللّه كما قال - ﷺ - \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه تعالى\" والمعنى أن عند يقينه بي في الاعتماد عليه والاستيثاق بوعده والرهبة من وعيدة والرغبة فيمتا عنده وعلمه بأن مصيره إلى وحسابه علي وأن ما قضيته له من خير وشر فلا مرد له لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت أي إذا تمكن العبد في مقام التوحيد ورسخ في الإيمان والوثوق بالله تعالى قرب منه ورفع دونه الحجاب بحيث إذا دعاه أجاب وإذا سأله استجاب اهـ. ذكره البيضاوي في شرح المصابيح (^١).\nوقال القاضي عياض ﵀ (^٢): قوله \"أنا عند ظن عبدي بي\" الحديث قيل معناه بالغفران إذا استغفر والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلب الكفاية وقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو وهذا أصح. انتهى.\nفائدة: سئل نصير عن معنى هذا الحديث قال إذا أحسن الظن بالله تعالى أنه غفور رحيم فإن الله لا يخلف ظنه قال الفقيه السمرقندي هذا إذا كانت أفعاله موافقة لظنه وأما إذا كان مصرا على الذنوب ولا يتوب فهو متمني وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ (^٣) (^٤) اهـ.\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (٢/ ١٣ - ١٤).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ١٧٢).\n(^٣) سورة النجم، الآية: ٢٤.\n(^٤) فتاوى النوازل (لوحة ٢٦٥/ خ ٢٤١٤).","vol":"7","page":228},{"text":"قوله - ﷺ -: قال الله تعالى وأنا معه إذا ذكرني، قال القاضي عياض (^١) وأنا معه إذا ذكرني أي معه بالرحمة والتوفيق والرعاية والهداية والإعانة وأما قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٢) فمعناه بالعلم والإحاطة.\nقوله - ﷺ -: قال الله تعالى: فإن ذكرني في نفسه\" أي سرا وخفية إخلاصا وتجنبا من الرياء (^٣).\n\"ذكرته في نفسي\" أسر قبوله على منوال عمله وأتولى بنفسي إثابته لا أكله إلى أحد من خلق كذا قاله البيضاوي (^٤).\nقوله - ﷺ - قال الله تعالى: وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا\" هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره قال في النهاية (^٥): المراد بقرب العبد من الله تعالى القرب بالذكر والعمل الصالح، لا قرب الذات والمكان؛ لأن ذلك من صفات الأجسام. والله يتعالى عن ذلك ويتقدس والمراد بقرب الله من العبد قرب نعمه وألطافه منه، وبره وإحسانه إليه، وترادف مننه عنده، وفيض مواهبه عليه.\nوقال الخطابي ﵀ (^٦): هذا مثل ومعناه حسن القبول ومضاعفة\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ١٧٢).\n(^٢) سورة الحديد، الآية: ٤.\n(^٣) تحفة الأبرار (٢/ ١٤).\n(^٤) تحفة الأبرار (٢/ ١٤).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٢).\n(^٦) معالم السنن (٣/ ٣٠٥)، أعلام الحديث (٤/ ٢٣٥٨).","vol":"7","page":229},{"text":"الثواب على قدر العمل الذي يتقرب به العبد إلى ربه حتى يكون ذلك ممثلا بفعل من أقبل نحو صاحبه قدر شبر فاستقبله صاحبه ذراعا وكمن مشى إليه فهرول إليه صاحبه له وزيادة في الكرامة اهـ.\nوقال العراقي في شرح الأحكام (^١): من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة وإن زاد زدت فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود.\nوقال القاضي عياض (^٢): قيل يجوز أن يكون معنى من تقرب إلي شبرا أي بالقصد والنية قربته توفيقا وتيسيرا ذراعا، وإن تقرب إلي بالعزم والاجتهاد ذراعا قربته بالهداية والرعاية باعا، وإن أتاني معرضا عمن سواي مقبلا إلي أدنيته وحلت بينه وبين كل قاطع وسبقت به كل صانع، وهو معنى الهرولة والهرولة الإسراع في الشيء وهو التوسط بين العدو والمشي هذا حقيقة اللفظ والباع والبوع بفتح العين وضمها بمعنى، وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره قال البازي وهو قد أربعة والمراد، بها في هذا الحديث المجاز.\nقوله: رواه البخاري (^٣): البخاري ﵀ هو الإمام المحدث الكبير\n_________\n(^١) طرح التثريب (٨/ ٢٣٥).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ١٧٢).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"7","page":230},{"text":"وصاحب الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة بباء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ساكنة ثم بموحدة كذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا وقال: هو بالبخارية ومعناه بالعربية الزراع واتفقوا على أن البخاري ولد بعد صلاة الجمة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وأنه توفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر ودفن يوم الفطر بعد الظهر سنة ست وخمسين ومائتين ودفن بخرتنك قرية على فرسخين من سمرقند (^١)، قال النووي (^٢): روينا عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري قال رأيت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل - يعني في المنام - خلف النبي - ﷺ - والنبي - ﷺ - يمشي، فكلما رفع النبي - ﷺ - قدمه وضع أبو عبد الله محمد بن إسماعيل قدمه في ذلك الموضع.\nقال النووي (^٣): وروينا عن الفربري يقول: رأيت النبي - ﷺ - في النوم فقال لي: أين تريد؟ فقلت أريد: محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: أقرئه مني السلام.\nوعن محمذ بن حمدويه قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح (^٤)، قال\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٧ - ٦٨).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٨).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٨).\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٨).","vol":"7","page":231},{"text":"النووي (^١): وروينا عن الفربري قال: سمع الصحيح من البخاري تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري، وقد روى عنه خلائق غير ذلك أما اسمه فسماه مؤلفه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - سننه وأيامه، وأما محله فقال العلماء: هو أول مصنف صنف في الصحيح المجرد واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم واتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحا وأكثرهما فوائد.\nوقال الحافظ النيسابوري وبعض علماء المغرب: صحيح مسلم أصح وأنكر العلماء عليهم ذلك والصحيح ترجيح صحيح البخاري وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين وجواز العمل بأحاديثهما، وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه فروينا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: قال البخاري: قال: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال بعض أصحابنا لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبي فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب (^٢).\nوروينا من جهات عن البخاري ﵀ قال: صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة خرجته من ستمائه ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله ﷿ (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٣).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٣ - ٧٤).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٤).","vol":"7","page":232},{"text":"وروينا عنه قال: رأيت النبي - ﷺ - في المنام كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب عنه فسألت بعض المعبرين فقالوا أنت تذب عنه الكذب، فهذا الذي حملني على إخراج الصحيح (^١).\nوروينا عن الفربري: قال: قال البخاري: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (^٢).\nويبلغني عن الشيخ أبي زيد المروزي من أصحابنا وهو أجل من روى صحيح البخاري عن الفربري قال: رأيت النبي - ﷺ - في المنام فقال: إلى متى تدرس الفقه ولا تدرس كتابي؟ قلت وما كتابك يا رسول الله قال جامع محمد بن إسماعيل البخاري أو كما قال (^٣) اهـ.\nذكر أبو الحسين الفراء في الطبقات أن البخاري ذهبت عينه صبيا فرأى في منامه إبراهيم الخليل فبرك له عليها أو دعا له فعادت فأرى أن قراءة الناس البخاري لتفريج الكرب مأخوذ من هذا لأن مصنفه فرجت كربته ذكره الطوفي (^٤).\nتنبيه: قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في كتاب المدخل إلى معرفة المستدرك (^٥): عدد من أخرج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٤).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٥).\n(^٤) التعيين (ص ٢٥ - ٢٦).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١/ ١٦).","vol":"7","page":233},{"text":"يحتج بهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في جامعه ستمائة وعشرون شيخا ذكره في التنقيح (^١).\n\n٢٢٨٧ - وَعَن معَاذ بن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الله جلّ ذكره لا يذكرنِي عبد فِي نَفسه إِلَا ذكرته فِي ملإ من ملائكتي وَلا يذكروني فِي ملإ إِلَّا ذكرته فِي الملا الْأَعْلَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن أنس - ﵁ -، تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ -: \"قال الله جل ذكره لا يذكرني عبد في نفسه إلا ذكرته في ملإ من ملائكتي\" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله والملأ الجماعة.\nوقوله \"ولا يذكروني في ملإ إلا ذكرته في الملأ الأعلى\" الحديث الملأ الأعلى الملائكة المقربون.\n\n٢٢٨٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ قَالَ الله ﵎ يَا ابْن آدم إِذا ذَكرتني خَالِيا ذكرتك خَالِيا وَإِذا ذَكرتني فِي ملإ ذكرتك فِي ملإ خير من الَّذين تذكرني فيهم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح (^٣).\n_________\n(^١) كشف المناهج (١/ ٥٥).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٣٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٨)، وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٣٥).\n(^٣) البزار (٣٠٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٨)، ورجاله رجال الصحيح، غير بشر بن معاذ العقدي، وهو ثقة.","vol":"7","page":234},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم ذكره ومعنى الحديث أيضًا.\n\n٢٢٨٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن الله ﷿ يَقُول أَنا مَعَ عَبدِي إِذا هُوَ ذَكرنِي وتحركت بِي شفتاه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، والكلام على الحديث أيضًا.\n\n٢٢٩٠ - وَعَن عبد الله بن بسر - ﵁ - أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن شرائع الإِسْلَام قد كثرت فَأَخْبرنِي بِشَيْء أتشبث بِهِ قَالَ لا يزَال لسَانك رطبا من ذكر الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢). أتشبث بِهِ أَي أتعلق.\nقوله: وعن عبد الله بن بسر - ﵁ - تقدم ذكره.\nقوله: أن رجلا قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت فأخبرني بشيء أتشبث به، أي: أتعلق به، قال المنذري، وقال غيره: أتشبث بتاء مثناة فوق ثم شين معجمة ثم باء موحدة مفتوحات ثم ثاء مثلثة ومعانه أتعلق به واستمسك.\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٧٩٢)، وابن حبان (٨١٥)، وأحمد (١٠٩٦٨)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٤٣٦)، والحاكم (١/ ٤٩٦)، قال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٨٨)، هذا إسناد حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٩٠٦).\n(^٢) الترمذي (٣٣٧٥)، وابن ماجه (٣٧٩٣)، وابن حبان (٨١٤)، والحاكم (١/ ٤٩٥)، وأحمد (١٧٦٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٥١)، والطبراني في الدعاء (١٨٥٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥١٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٧٠٠).","vol":"7","page":235},{"text":"قوله - ﷺ -: \"لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله\" قال العلماء (^١): والذكر في القرآن على عشرة أوجه أحدها الأمر به نحو ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (^٢) و﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ (^٣) الآية.\nالثاني: النهي عن ضده من الغفلة والنسيان كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (^٤) و﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ (^٥) الآية.\nالثالث: تعليق الفلاح بالإكثار منه نحو ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٦).\nالرابع: الثناء على أهله وحسن جزائهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (^٧) إلى قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (^٨) الآية.\nالخامس: خسران من لهى عنه لقوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٩) الآية.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٩).\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤١.\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.\n(^٥) سورة الحشر، الآية: ١٩.\n(^٦) سورة الجمعة، الآية: ١٠.\n(^٧) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٨) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٩) سورة المنافقون، الآية: ٩.","vol":"7","page":236},{"text":"السادس: أنه سبحانه جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له نحو قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (^١).\nتنبيه: قال بعض العلماء خاطب الله هذه الأمة بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فأمرهم أن يذكروه بغير واسطة وخاطب بني إسرائيل بقوله ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (^٢) لأنهم لم يعرفوا الله إلا باية فأمرهم أن يتصوروا النعم ليصلوا بها إلى ذكر المنعم (^٣).\nالسابع: الإخبار بأنه أكبر من كل شيء نحو ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (^٤) وفيها أربعة أقوال أحدها: أن الله أكبر من كل شيء فهو أفضل الطاعات لأن المقصود بالطاعات كلها إقامة ذكره فهو سر الطاعات وروحها، الثاني: أن المعنى أنكم إذا ذكرتموه ذكركم فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له فعلى هذا المقصود مضاف إلى الفاعل وعلى الأول مضاف مضاف إلى المذكور.\nالثالث: أن المعنى ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه فاحشة ومنكر بل إذ تم الذكر محق كل معصية وكل خطيئة هذا ما كذره المفسرون وقال الشيخ أبو العباس بن تيمية معنى الآية فائدتين عظيمتين أحدهما نهيها عن الفحشاء\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٤٠.\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ١٨٣).\n(^٤) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.","vol":"7","page":237},{"text":"والمنكر، والثاني: اشتمالها على ذكر الله وتضمنها له ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر (^١).\nالثامن: ختم الأعمال الصالحة به كما ختم به عمل الصائم نحو ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (^٢) وختم به الحج نحو ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ (^٣) الآية، وختم به الصلاة نحوها ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (^٤) وختم به الجمعة نحو ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٥) الآية، ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا وآخر كلام العبد إذا أدخل الجنة (^٦).\nالتاسع: اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآية وهم أولوا الألباب والعقول لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٧) وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (^٨) الآية (^٩).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٠٠.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(^٥) سورة الجمعة، الآية: ١٠.\n(^٦) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩).\n(^٧) سورة آل عمران، الآية: ١٩٠.\n(^٨) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.\n(^٩) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٩).","vol":"7","page":238},{"text":"العاشر: أنه تعالى قرنه بجميع الأعمال وجعله روحها (^١).\nتنبيه: أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتهليل والتحميد، والتكبير والصلاة على رسول الله - ﷺ - والدعاء وغير ذلك ولكن قراءة القرآن حرام على الجنب والحائض والنفساء سواء قرأ قليلا أو كثيرًا حتى بعض آية، ويجوز لهم إجراء القرآن على القلب من غير تلفظ وكذا النظر في المصحف وإمراره على القلب، قال أصحابنا: ويجوز للجنب والحائض أن يقولا عند المصيبة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (^٢)، وعند ركوب الدابة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (^٣) الآية، وعند الدعاء ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (^٤) الآية، ولهما أن يقولا باسم الله والحمد للّه إذا لم يقصد بذلك القرآن وإذا لم يجد الماء تيمما وجاز لهما القراية فإن أحدث بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة كما لو اغتسل ثم أحدث أما إذا لم يجد الجنب ماء ولا ترابا فإنه يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله وتحرم عليه القراءة خارج الصلاة ويحرم عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة، وهل تحرم الفاتحة فيه وجهان أصحهما أنها لا تحرم بل تجب فإن الصلاة لا\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٩).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٦.\n(^٣) سورة الزخرف، الآية: ١٣.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٠١.","vol":"7","page":239},{"text":"تصح إلا بها وكما جازت الصلاة للضرورة تجوز القراءة والثاني تحرم بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها من لا يحسن شيئا من القرآن واللّه تعالى اعلم ذكره النووي (^١).\nومن خصائص الذكر انه غير مؤقت فما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور فيه بذكر الله إما فرضا وإما ندبا والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فقد لا تجوز في بعض الأوقات والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (^٢) (^٣) وروي ابن السني عن عائشة قال: قال رسول الله - ﷺ - \"أذيبوا طعامكم بذكر الله تعالى والصلاة ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم\" (^٤) أ. هـ.\nتنبيه: في أحوال تعرض للذاكر يستحب له قطع الذكر بسببها ثم يعود إليه بعد زوالها منها إذا سلم عليه رد السلام ثم عاد إلى الذكر، ومنها: إذا عطس عنده عاطس شمته ثم عاد إلى الذكر، ومنها: إذا سمع الخطيب، ومنها: إذا سمع المؤذن أجابه في كلمات الأذان وإقامة ثم عاد إلى الذكر، ومنها: إذا رأى منكرا أزاله أو معروفا أرشد إليه أو مسترشدا أجابه ثم عاد إلى الذكر\n_________\n(^١) الأذكار (ص ١١ - ١٢).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩١.\n(^٣) الرسالة (٢/ ٣٧٦).\n(^٤) أخرجه المروزي في مختصر قيام الليل (ص ٥٩)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٦٣ - ١٦٤ رقم ٤٩٥٢)، وابن السنى (٤٨٨). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣٠: رواه الطبراني في الأوسط وفيه بزيع أبو الخليل، وهو ضعيف. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١١٥).","vol":"7","page":240},{"text":"ومنها إذا غلبه النعاس أو نحوه وما أشبه هذا كله (^١).\n\n٢٢٩١ - وَعَن مَالك بن يخَامر أَن معَاذ بن جبل - ﵁ -: قَالَ لَهُم إِن آخر كَلام فَارَقت عَلَيْهِ رَسُول الله - ﷺ - أَن قلت أَي الأعْمَال أحب إِلَى الله قَالَ أَن تَمُوت وَلسَانك رطب من ذكر الله رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانيُّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار إِلَّا أَنه قَالَ أَخْبرنِي بِأَفْضَل الأعْمَال وأقربها إِلَى الله وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن مالك بن يخامر [هو مالك بن يخامر بضم الياء تحتها نقطتان، وتخفيف الخاء المعجمة، وكسر الميم، وبالراء، ذكره ابن مندة في الصحابة وقال: إنه لا يثبت له صحبة، له ذكر في فضل الأمة في حديث معاوية بن أبي سفيان. وقال ابن عبد البر: يقال مالك ابن أخامر. ويقال: أخيمر، وهو الصحيح، روى عنه أبو رزين الباهلي مرفوعا قال: ويقال: إن حديثه مرسل لأنه لم يسمع من النبي - ﷺ -، توفي أيام عبد الملك بن مروان].\nقوله: أن معاذ بن جبل - ﵁ -: قال لهم إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله - ﷺ - أن قلت أي الأعمال أحب إلى الله قال: \"أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله\" تقدم الكلام على معاذ بن جبل أو على معنى الحديث.\n_________\n(^١) الأذكار (ص ١٣).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٢٠٨)، وفي الدعاء (١٨٥٢)، والبزار (٣٠٥٩)، وابن حبان (٨١٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٨١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥١٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤)، رواه الطبراني بأسانيد وفي هذه الطريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن، ضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات، ورواه البزار من غير طريقه وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٦٥).","vol":"7","page":241},{"text":"٢٢٩٢ - وَعَن أبي الْمخَارِق - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - مَرَرت لَيْلَة أسرِي بِي بِرَجُل مغيب فِي نور الْعَرْش قلت من هَذَا أَهَذا ملك قيل لا قلت نَبِي قيل لا قلت من هُوَ قَالَ هَذَا رجل كَانَ فِي الدُّنْيَا لِسَانه رطب من ذكر الله وَقَلبه مُعَلّق بالمساجد وَلم يستسب لوَالِديهِ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا هَكَذَا مُرْسلا (^١).\n\n٢٢٩٣ - وَعَن سَالم بن أبي الْجَعْد - ﵁ - قَالَ قيل لأبي الدَّرْدَاء - ﵁ - إِن رجلا أعتق مائَة نسمَة قَالَ إِن مائَة نسمَة من مَال رجل لكثير وَأفضل من ذَلِك إِيمَان ملزوم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَن لا يزَال لِسَان أحدكُم رطبا من ذكر الله رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَوْقُوفا بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن سالم بن أبي الجعد - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: قيل لأبي الدرداء - ﵁ - إن رجلا أعتق مائة نسمة قال إن مائة نسمة من مال رجل لكثير، فذكره، تقدم الكلام أيضا على أبي الدرداء وعلى معنى الحديث.\nقوله: \"ولم يستسب لوالديه\" معناه ولم يسب أحدا فيسب والديه.\n\n٢٢٩٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أنبئكم بخَير أَعمالكُم وأزكاها عِنْد مليككم وأرفعها فِي درجاتكم وَخير من إِنْفَاق الذَّهَب وَالْوَرق وَخير لكم من أَن تلقوا عَدوكُمْ فتضربوا أَعْنَاقهم ويضربوا أَعْنَاقكُم قَالُوا بلَى قَالَ ذكر الله قَالَ معَاذ بن جبل مَا شَيْء أنجى من عَذَاب الله من ذكر\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في الأولياء (٩٥).\n(^٢) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢٧).","vol":"7","page":242},{"text":"الله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nوَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيت معَاذ بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَن فِيهِ انْقِطَاعًا (^٢).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ -، تقدم ذكره ومعنى الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إنفاق الذهب والورق\" الحديث، قال أبو عيسى: وقد روي بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مثل هذا بهذا الاسناد، وروى بعضهم عنه فأرسله ورواه مالك واحمد والحاكم وصححه، ومثل هذا لا يقوله أبو الدرداء من رأيه فإنه لا يتوصل إليه بالرأى ولا يقوله إلا عن رسول الله - ﷺ - غيره أنه سكت عن رفعه للعلم بذلك عند من حدثه به (^٣) والله أعلم قاله في الديباجة (^٤).\n\n٢٢٩٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه كَانَ يَقُول إِن لكل شَيْء صقالة وَإِن صقالة الْقُلُوب ذكر الله وَمَا من شَيْء أنجى من عَذَاب الله من ذكر الله قَالُوا وَلا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ وَلَو أَن يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِع\n_________\n(^١) أحمد (٢١٧٠٢)، والترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠)، والحاكم (١/ ٤٩٦)، والبيهقي في الشعب (٥١٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٢٩).\n(^٢) أحمد (٢٢٠٧٩).\n(^٣) المفهم (٢٢/ ٨١).\n(^٤) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":243},{"text":"رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سعيد بن سِنَان وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٢٢٩٦ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - سُئِلَ أَي الْعباد أفضل دَرَجَة عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الذاكرون الله كثيرا قَالَ قلت يَا رَسُول الله وَمن الْغَازِي فِي سَبِيل الله قَالَ لَو ضرب بِسَيْفِهِ فِي الْكفَّار وَالْمُشْرِكين حَتَّى ينكسر ويختصب دَمًا لَكَانَ الذاكرون الله كثيرا أفضل مِنْهُ دَرَجَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ -: \"إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله\" الصقالة بالصاد هي الإنجلاء.\nوَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصرا قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي النَّاس أعظم دَرَجَة قَالَ الذاكرون الله (^٣).\nقوله: رواه البيهقي من رواية سعيد بن سنان [سعيد بن سنان الشامي، أبو مهدي الحنفي، ويقال: الكندي، الحمصي روى عن: ثعلبة بن مسلم الخثعمي، وأبي الزاهرية حدير بن كريب، وغيرهما، روى عنه: بشر بن بكر التنيسي، وبقية بن الوليد، وأبو اليمان وغيرهم، وقال إبراهيم بن يعقوب\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٥٢٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩٣٢).\n(^٢) الترمذي (٣٣٧٦)، وأحمد (١١٧٢٠)، وأبو يعلى (١٤٠١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٦٩).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٥٨٩).","vol":"7","page":244},{"text":"الجوزجاني: أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة، لا تشبه أحاديث الناس، وكان أبو اليمان يثني عليه في فضله وعبادته، وقال: كنا نستمطر به، فنظرت في أحاديثه، فإذا أحاديثه معضلة، فأخبرت أبا اليمان بذلك، فقال: أما إن يحيى بن معين لم يكتب منها شيئا. فلما رجعنا إلى العراق ذكرت ليحيى بن معين وقلت: ما منعك أن تكتبها؟ قال: من يكتب تلك الأحاديث؟ لعلك كتبتها يا أبا إسحاق؟ قال: قلت: كتبت منها شيئا يسيرا لأعتبر به. قال: تلك لا يعتبر بها، هي بواطيل، وأجمعوا على ضعفه (^١)].\n\n٢٢٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من عجز مِنْكُم عَن اللَّيْل أَن يكابده وبخل بِالْمَالِ أَن يُنْفِقهُ وَجبن عَن الْعَدو أَن يجاهده فليكثر ذكر الله رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَالْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَفِي سَنَده أَبُو يحيى القَتَّات وبقيته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه أَيْضا (^٢).\n\n٢٢٩٨ - وَعَن جَابر - ﵁ - رَفعه إِلَى النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا عمل آدَمِيّ عملا أنجى لَهُ من الْعَذَاب من ذكر الله تَعَالَى قيل وَلا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ وَلا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا أَن يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِع رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الصَّغِير\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٠/ الترجمة ٢٢٩٥).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١١١٢١)، والبزار (٣٠٥٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٠٨)، وابن شاهين في الترغيب (١٥٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤)، رواه البزار والطبراني، وفيه أبو يحيى القتات، قد وثق، وضعفه الجمهور، وبقية رجال البزار رجال الصحيح، قال الحافظ ابن حجر في التقريب (٨٤٤٤)، لين الحديث.","vol":"7","page":245},{"text":"والأوسط ورجالهما رجال الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ -: \"من عجز منكم عن الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه\" الحديث، يقال: عجز بفتح الجيم يعجز بكسرها هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وبها جاء القرآن العزيز في قوله تعالى قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ (^٢) ويقال: عجز يعجز بكسرها في الماضي وفتحها في المضارع حكاه الأصمعي وغيره والعجز في كلام العرب أن لا يقدر على ما يريد وأنا عاجز وعجز.\nقوله: \"وجبن عن العدو أن يجاهده\" الجبن هو الخوف وعد الإقدام على الشيء.\nقوله: وفي سنده أبو يحيى القتات [مختلف في اسمه فقيل زاذان وقيل دينار، وقيل يزيد، وقيل عبد الرحمن بن دينار قال أحمد كان شريك يضعف أبا يحيى القتات، وقال النسائي: ليس بالقوي واختلف فيه قول ابن معين فروي عنه تضعيفه، وروي عنه توثيقه].\n\n٢٢٩٩ - وَعَن الْحَارِث الأشْعَرِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله أوحى إِلَى يحيى بن زَكَرِيَّا بخمْس كَلِمَات أَن يعْمل بِهن وَيَأْمُر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بِهن فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ بِهن فَأَتَاهُ عِيسَى فَقَالَ إِن الله أَمرك بِخمْس كَلِمَات أَن\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٢٩٦)، وفي الصغير (٢٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤)، ورجالهما رجال الصحيح، هذا القدر منه ذكره الألباني في صحيح الجامع (٥٦٤٤)، وقال صحيح.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٣١.","vol":"7","page":246},{"text":"تعْمل بِهن وتأمر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بِهن فإمَّا أَن تخبرهم وَإِمَّا أَن أخْبرهُم فَقَالَ يَا أخي لا تفعل فَإِنِّي أَخَاف إِن سبقتني بِهن أَن يخسف بِي أَو أعذب قَالَ فَجمع بني إِسْرَائِيل بِبَيْت الْمُقَدّس حَتَّى امْتَلأ الْمَسْجِد وقعدوا على الشرفات ثمَّ خطبهم فَقَالَ إِن الله أوحى إِلَيّ بِخمْس كلِمَات أَن أعمل بِهن وآمر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بِهن أولاهُنَّ لا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئا فَإِن مثل من أشرك بِالله كَمثل رجل اشْترى عبدا من خَالص مَاله بِذَهَب أَو ورق ثمَّ أسْكنهُ دَارا فَقَالَ اعْمَلْ وارفع إِلَيّ فَجعل يعْمل وَيرْفَع إِلَى غير سَيّده فَأَيكُمْ يرضى أَن يكون عَبده كَذَلِك فَإِن الله خَلقكُم ورزقكم فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَإِذا قُمْتُم إِلَى الصلَاة فَلَا تلتفتوا فَإِن الله يقبل بِوَجْهِهِ إِلَى وَجه عَبده مَا لم يلْتَفت وأمركم بالصيام وَمثل ذَلِك كمثل رجل فِي عِصَابَة مَعَه صرة مسك كلهم يحب أَن يجد رِيحهَا وَإِن الصّيام أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وأمركم بِالصَّدَقَةِ وَمثل ذَلِك كمثل رجل أسره الْعَدو فَأوثقُوا يَده إِلَى عُنُقه وقربوه ليضربوا عُنُقه فَجعل يَقُول هَل لكم أَن أفدي نَفسِي مِنْكُم وَجعل يُعْطي الْقَلِيل وَالْكثير حَتَّى فدى نَفسه وأمركم بِذكر الله كثيرا وَمثل ذَلِك كَمثل رجل طلبه الْعَدو سرَاعًا فِي أثره حَتَّى اَتى حصنا حصينا فأحرز نَفسه فِيهِ وَكَذَلِكَ العَبْد لا ينجو من الشَّيْطَان إِلَّا بذكر الله الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ وَالنَّسَائيُّ بِبَعْضِه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\n_________\n(^١) الترمذي (٢٨٦٣)، وقال حديث حسن صحيح غريب، والنسائي (١١٣٤٩)، وابن خزيمة =","vol":"7","page":247},{"text":"٢٣٠٠ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - قَالَ لما نزلت وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة التَّوبَة ٤٣ قَالَ كنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فِي بعض أَسْفَاره فَقَالَ بعض أَصْحَابه أنزلت فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة لَو علمنَا أَي المَال خير فَنَتَّخِذهُ فَقَالَ أفضله لِسَان ذَاكر وقلب شَاكر وَزَوْجَة مُؤمنَة تعينه على إيمَانه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: وعن الحارث الأشعري - ﵁ - تقدم الكلام عليه في باب الترهيب من الالتفات في الصلاة.\nقوله: \"إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات\" تقدم الكلام على يحيى وزكريا في الالتفات في الصلاة.\nقوله: \"ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها\" بنو إسرائيل أولاد يعقوب ﵇.\nقوله: فأتاه عيسى ﵇ فقال إن الله أمرك بخمس كلمات.\nقوله \"فجمع الناس في بيت المقدس\" المقدس فيه لغتان مشهورتان إحداهما فتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال المخففة والثانية بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة فبالتخفيف إما مصدر كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (^٢)\n_________\n= (٩٣٠)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ١١٧)، وأحمد (١٧١٧٠)، وأبو يعلى (١٥٧١)، والطبراني في الكبير (٣٤٢٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧٢٤).\n(^١) الترمذي (٣٠٩٤)، وقال: حديث حسن، وابن ماجه (١٨٥٦)، وأحمد (٢٢٣٩٢)، والطبراني في الأوسط (٢٢٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٨٢)، وقال الألباني صحيح، في صحيح سنن الترمذي.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٦٠.","vol":"7","page":248},{"text":"وإمام مكانا فمعناه بيت مكان الطهارة أو الذي جعل فيه الطهارة أي من الذنوب وبالتشديد المطهر وتقدم الكلمات على الكلمات الأربع في بابها والكلام الآن على الكلمة الخامسة وهي قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^١) إلى قوله فإن الإنسان لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله وأن لا يزال لسانه لهجا بذكر الله فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه وإذا ذكر الله انخنس عدو الله وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوضع والذباب ولهذا سمي الوسواس الخناس أي يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله خنس أي كف وانقبض، قال ابن عباس - ﵄ -: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سهل وغفل وسوس فإذا ذكر الله خنس ذكره ابن القيم (^٢).\nقلت: الذكر يكون بالقلب ولكون باللسان والأفضل أن يكون بالقلب واللسان معا فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل ثم لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب معًا خوفا أن يظن به الرياء بل يذكر بهما جميعا ويقصد به وجه الله ﷿ (^٣) قال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضجعا وقال عطاء: من صلى\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٤٥.\n(^٢) الوابل الصيب (ص ٣٦ - ٣٧).\n(^٣) الأذكار (ص ٩).","vol":"7","page":249},{"text":"الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (^١) (^٢) وجميع ذكر الله تعالى التي تصل إليه الطاقة البشرية والتي وصلت إليه الأفهام ثلاثة أنواع تسبيح وتحميد وتكبير، فالتسبيح نفي النقائص وأنه ﷾ موجود قديم باق صمد واحد أحد وهو معنى سبحان الله والتحميد ذكر أوصاف الكمال فاللّه ﷾ حي عليم قدير مدبر سميع بصير متكلم وهو معنى الحمد لله والتكبير إثبات الجلال وأنه ﷾ أجل أن يحيط به العقل وأعظم من أن يدركه الوصف وهو معنى الله أكبر أي أكبر مما وصفنا وإنما علمنا من حسن ثنائه أما تطيقه، عقولنا وجعل اعترافنا بالعجز عن الإدراك أما يقوم مقام، مقام الإدراك ولذلك سميت هذه الكلمات الباقيات الصالحات وهن سبحان الله والحمد لله الحديث (^٣)، أ. هـ.\n\n٢٣٠١ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أَربع من أعطيهن فقد أعطي خيري الدُّنْيَا وَالآخِرَة قلبا شاكرا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وبدنًا على الْبلَاء صَابِرًا وَزَوْجَة لا تبغيه حوبا فِي نَفسهَا وَمَاله رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَاد جيد (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٢) الأذكار (ص ١٠).\n(^٣) كنز الدرر (١/ ١٢ - ١٣).\n(^٤) الطبراني في المعجم الكبير (١١٢٧٥)، وفي الأوسط (٧٢١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٧٣)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجال الأوسط رجال الصحيح، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٧٥٦).","vol":"7","page":250},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ -: \"أربع من أعطيهن فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها وماله\" الحوب بضم الحاء هو الإثم.\n\n٢٣٠٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ليذكرن الله أَقوام فِي الدُّنْيَا على الْفرش الممهدة يدخلهم الدَّرَجَات العلى رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (^١).\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -\"، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ليذكرن الله أقوام في الدنيا على الفرش الممهدة يدخلهم الدرجات العلى\".\nقوله: من طريق دراج [هو دراج بن سمعان يقال: اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، أبو السمح القرشي السهمي المصري القاص، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، رأى مولاه عبد الله بن عمرو بن العاص: ضعفه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما وصحح حديثه عن الهيثم الترمذي، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وغيرهم].\n_________\n(^١) ابن حبان (٣٩٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٨٧٦).","vol":"7","page":251},{"text":"٢٣٠٣ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - مثل الَّذِي يذكر ربه وَالَّذِي لا يذكر الله مثل الْحَيّ وَالْمَيِّت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم إِلَّا أَنه قَالَ مثل الْبَيْت الَّذِي يذكر الله فِيهِ (^١).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ -، تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ -: \"مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت\" ورواه مسلم ولفظه: \"مثل البيت الذي يذكر الله فيه\" الحديث، فجعل الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت وهو القبر فتضمن اللفظان أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء والغافل كالميت في بيوت الموتى ولا ريب أن أبدان الغافلين في قبور لقلوبهم وقلوبهم فيها كالأموات في القبور كما قيل:\nفَنِسْيَانُ ذِكْرِ اللهِ مَوْتُ قُلُوبِهِمْ ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ\nوَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهِمْ ... وَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ\nوكما قيل:\nفَنِسْيَانُ ذِكْرِ اللهِ مَوْتُ قُلُوبِهِمْ ... وَأَجْسَامُهُمْ فَهْيَ الْقُبُورُ الدَّوَارِسُ\nوَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ حَبِيبِهِمْ ... وَلَكِنَّهَا عِنْدَ الْخَبِيثِ أَوَانِسُ (^٢)\nفي هذا الحديث الندب إلى ذكر الله تعالى في البيت وأنه لا يخلو منه الذكر وفيه جواز التمثيل وفيه أن طول العمر في الطاعة وإن كان الميت ينتقل إلى خير لأن الحي يستلحق به ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات (^٣)، وقال\n_________\n(^١) البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (٧٧٩).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٤٠٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٨).","vol":"7","page":252},{"text":"بعضهم: البيت الذي يذكر الله فيه يصير حيا بالذكر والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الجاهل بالله تعالى، فإن قلبه ميت خال عن نور الإيمان، وقال القرطبي في كتابه التذكار قال: حدثني أبو سفيان الغنوي يزيد بن عمر فذكره إلى أن قال عن طلحة بن عبد الرحمن بن سابق عن النبي - ﷺ - قال: \"نوروا بيوتكم بذكر الله تعالى واجعلوا لبيوتكم من صلاتكم جزءا ولا تتخذوها قبورا كما اتخذها اليهود والنصارى فإن البيت الذي يذكر الله فيه لينير لأهل السماء كما تنير النجوم لأهل الأرض\" (^١)، قال القرطبي: هذا الحديث وإن كان في إسناده مقال فهو يستند من وجه صحيح (^٢).\n\n٢٣٠٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ أَكثرُوا ذكر الله حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُون رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٣).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، تقدم ذكره.\nقوله: \"أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون\".\n_________\n(^١) سبق تخريجه وأنه من مرسلات عبد الرحمن بن سابط.\n(^٢) التذكار (ص ١١٦).\n(^٣) أحمد (١١٦٥٣)، وأبو يعلى (١٣٧٦)، وابن حبان (٨١٧)، والحاكم (١/ ٤٩٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤)، والبيهقي في الدعوات (٢١)، والطبراني في الدعاء (١٨٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٥)، رواه أحمد، وفيه دراج، وقد ضعفه جماعة، ووثقه غير واحد، وبقية رجال أحمد إسنادي أحمد ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٠٨).","vol":"7","page":253},{"text":"تنبيه: الذكر ثلاثة أنواع ذكر الأسماء والصفات ومعانيها والثناء على الله تعالى بها وتوحيد الله بها وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام وذكر الألاء والنعماء والإحسان وأنه يتنوع بتنويع آخر ثلاثة ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاها وذكر بالقلب وحده وهو في الدرجة الثانية وذكر باللسان المجرد وهو في الدرجة الثالثة (^١).\n\n٢٣٠٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اذْكروا الله ذكرا يَقُول المُنَافِقُونَ إِنَّكُم مراؤون رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (^٢). وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الجوزاء مُرْسلا (^٣).\nقوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"اذكروا الله ذكرا يقول المنافقون إنكم مراؤون\" الحديث.\nفائدة جليلة: الذكر منزلة القوم الكبرى فالذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل فالذكر زين الله به السنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين فاللسان الغافل كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته، قال الحسن البصري: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء في الصلاة\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٢٧٨٦)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦)، وفيه الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف. وقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٧٣٨).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٥٢٧).","vol":"7","page":254},{"text":"والذكر وقرءاة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق وبالذكر يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أعل الغفلة والنسيان قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب فإن دنا منه الشيطان صرع كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فتجمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا فيقال قد مسه الإنسي وهو روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه (^١).\nقوله: في الحديث: ورواه البيهقي عن أبي الجوزاء [اسمه أوس بن عبد الله الربعي، أبو الجوزاء البصري، من ربعة الأزد، وهو الربعة بن الغطريف الأصغر بن عبد الله بن الغطريف الأكبر وهو عامر بن بكير بن يشكر بن بكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن الأزد، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الثانية من قراء أهل البصرة، حكى البخاري، عن يحيى بن سعيد: أنه قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين (^٢)].\n\n٢٣٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يسير فِي طَرِيق مَكَّة فَمر على جبل يُقَال لَهُ جمدان فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جمدان سبق المفردون قَالُوا وَمَا المفردون يَا رَسُول الله قَالَ الذاكرون الله كثيرا رَوَاه مسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^٣).\nوَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه يَا رَسُول الله وَمَا المفردون قَالَ المستهترون بِذكر الله\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦).\n(^٢) تهذيب الكمال (٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣ ترجمة ٥٨٠).\n(^٣) مسلم (٢٦٧٦)، وابن حبان (٨٥٨)، وأحمد (٨٢٩٠)، والبيهقي في الدعوات الكبير (١٨).","vol":"7","page":255},{"text":"يضع الذّكر عَنْهُم أثقالهم فَيَأَتُونَ الله يَوْم الْقِيَامَة خفافا (^١).\nالمفردون بِفَتْح الْفَاء وَكسر الرَّاء.\nوالمستهترون بِفَتْح التَّاءَيْنِ المثناتين فَوق هم المولعون بِالذكر المداومون عَلَيْهِ لايبالون مَا قيل فيهم وَلا مَا فعل بهم.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"كان رسول الله - ﷺ - يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان\" الحديث، بضم الجيم وسكون الميم جبل على ليلة من المدينة مر عليه رسول الله - ﷺ - (^٢) وقال في سلاح المؤمن هو جبل بين قديد وعسفان من منازل أسلم (^٣) وقيل بين قديد والجحفة وقديد قال البكري بضم القاف على لفظ التصغير قرية جامعة كثيرة المياه والبساتين وهو موضع بين مكة والمدينة روي أن النبي - ﷺ - صام حتى أتى قديد ثم أفطر، وعسفان بضم المهملة قرية على أربعة برد من مكة (^٤).\nقوله - ﷺ - \"سبق المفردون\" قال الحافظ: المفردون بفتح الفاء وكسر الراء اهـ.\nوقال غيره المفردون يروى بتشديد الراء وكسرها وبالفتح والتخفيف فيهما والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد (^٥) واللفظان وإن اختلفا في\n_________\n(^١) الترمذي (٣٥٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٠٧)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٧٢٦).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٩٢).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ١٦٩)، وسلاح المؤمن (ص ٥٦).\n(^٤) عمدة القارى (١٧/ ٢٧٦).\n(^٥) الميسر (٢/ ٥١٩)، والأذكار (ص ١٠).","vol":"7","page":256},{"text":"الصيغة فإن كل واحد منهما قريب من الآخر في المعنى (^١) يقال فرد الرجل وفرد الرجل بالتشديد والتخفيف، وأفرد (^٢) قال ابن قتيبة وغيره وأصل المفردين الذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم فبقوا يذكرون الله تعالى (^٣) والذي سمعناه من أهل العلم قديما أن المفردين هم القليل من الناس والأفراد النادرة كما قال - ﷺ - \"الناس كإبل مائة ليس فيها راحلة\" أشار - ﷺ - إلى قلة الذاكرين وأنهم يسير بالنسبة إلى غيرهم فالمفردون هم الذين استولى عليهم الذكر فأفردوهم عن كل شيء إلا عن ذكر الله ﷿ فهم يفردونه بالذكر ولا يضمون إليه سواه وقال ابن الأعرابي يقال فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس وخلا بمراعاة الأمر والنهي (^٤) وقال في شرح مشارق الأنوار (^٥): إن المراد منه المستخلصون لعبادة الله تعالى المتخلون بذكره عن الناس المتبتلون إليه الذين وضع الذكر عنهم أوزارهم فهجروا الخلان فأفردوا أنفسهم لله ﷿ عن العلائق والأقران إذ لا يصح للعبد أن يهتدي إلى معالم التوحيد إلا بصحة الانقطاع إلى الله ﷿ تعالى الملك الديان، قال القرطبي: وإنما ذكر النبي - ﷺ - هذا القول عقب قوله \"هذا جمدان\" لأن جمدان جبل منفرد هنالك ليس بحذائه جبل مثله فذكره بهؤلاء المفردين (^٦).\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٥١٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ١٥١) ومطالع الأنوار (٥/ ١١١ - ١١٢).\n(^٥) حدائق الأزهار للأرزنجانى (لوحة ٢٤٣/ خ كتبخانة ٨٧٧٨١).\n(^٦) المفهم (٩/ ٧).","vol":"7","page":257},{"text":"قوله \"قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا\" اعلم أن العلماء اختلفوا في قول الله ﷿: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (^١) إلى آخر الآية، وأن هذه الآية الكريمة مما ينبغي أن يهتم بمعرفتها فقال الإمام أبو الحسن الواحدي (^٢): قال ابن عباس المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات وغدوا وعشيا وفي المضاجع وكلما استيقظ من نومه وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى وقال مجاهد لا يكون من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا وقال عطاء من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قول الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (^٣) نقله الواحدي (^٤) وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتب من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات\" هذا حديث مشهور رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وسئل الإمام الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيرًا فقال إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحا ومساء وفي الأوقات والأحوال المختلفة ليلا ونهارا وهي مبينة في كتاب عمل اليوم والليلة كان من الذاكرين الله كثيرا (^٥) والله أعلم انتهى.\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٢) التفسير البسيط (١٨/ ٢٤٨).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) الأذكار للنووي (ص: ١٠).","vol":"7","page":258},{"text":"قوله: قال المنذري في آخر الحديث: ورواه الترمذي ولفظه \"يا رسول الله وما المفردون قال المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافًا\" وفي رواية \"قالوا ما المفردون قال الذين اهتروا في ذكر الله تعالى\" يعني الذين أولعوا به يقال اهتر فلان بكذا واستهتر فهو مهتر به ومستهتر أي مولع به لا يتحدث به ولا يفعل غيره وقيل أراد بقوله اهتروا فيذكر الله كبروا في طاعته وهلك أقرانهم من قولهم اهتر افرجل فهو مهتر إذا سقط في كلامه من الكبر انتهى قاله في النهاية (^١) ومنه حديث ابن عمر \"اللهم إني أعوذ بك أن أكون من المستهترين\" أي المبطلين في القول والمقسطين في الكلام وقيل الذين لا يبالون ما قيل فيهم وما شتموا به وقيل أراد المستهترين بالدينا، اهـ.\nوقال الحافظ: المستهترون وهم المولعون بالذكر المداومون عليه لا يبالون ما قيل فيهم وما فعل بهم اهـ وقال غيره: الاستهتار بالشيء هو الولوع به والشغف به.\n\n٢٣٠٧ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن الشَّيْطَان وَاضع خطمه على قلب ابْن آدم فَإِن ذكر الله خنس وَإِن نسي الْتَقم قلبه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى وَالبَيْهَقيّ (^٢).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٤٣).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان (٢٢)، وأبو يعلى (٤٣٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٦٨)، وابن شاهين في الترغيب (١٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٩)، وفيه عدي بن أبي عمارة؛ وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٨٠).","vol":"7","page":259},{"text":"خطمه بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة هُوَ فَمه.\nقوله وروي عن أنس تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ - \"إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه\" خطمه هو فمه وخنس بالفتح يخنس بالضم أي تأخر والله أعلم.\n\n٢٣٠٨ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا من يَوْم وَلَيْلَة إِلَّا وَلله ﷿ فِيهِ صَدَقَة يمن بهَا على من يَشَاء من عباده وَمَا من الله على عبد بِأَفْضَل من أَن يلهمه ذكره رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (^١).\nقوله: وروي عن أبي ذر - ﵁ - تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ - \"ما من يوم وليلة إلا ولله ﷿ فيه صدقة يمن بها على من يشاء من عباده\" الحديث وفي الأثر الإلهي يقول الله تعالى \"أهل ذكر أهل مجالستي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل معصيتي لأقنطهم من رحمتي إن تأبوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ابتليهم بالمصايب لأطهرهم من المعايب فالبلاء والعقوبة قدرته\" اهـ قاله في حادي الأرواح (^٢).\n\n٢٣٠٩ - وَرُوِيَ عَن معَاذ - ﵁ -: عَن رَسُول الله - ﷺ - أَن رجلا سَألهُ فَقَالَ أَي الْمُجَاهدين أعظم أجرا قَالَ أَكْثَرهم لله ﵎ ذكرا قَالَ فَأَي الصَّالِحين\n_________\n(^١) البزار (٦٩٤)، والأصبهاني في الترغيب (١٩٥٤).\n(^٢) حادى الأرواح (ص ٣٧٦).","vol":"7","page":260},{"text":"أعظم أجرا قَالَ أَكثَرهم لله ﵎ ذكرا ثمَّ ذكر الصَّلَاة وَالزَّكاة وَالْحج وَالصَّدَقَة كل ذَلِك وَرَسُول الله - ﷺ - يَقُول أَكثَرهم لله ﵎ ذكرا فَقَالَ أَبُو بكر لعمر يَا أَبَا حَفْص ذهب الذاكرون بِكُل خير فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أجل رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانيُّ (^١).\nقوله: وروي عن معاذ - ﵁ -: تقدم ذكره.\nقوله \"أن رجلا سأله فقال أي المجاهدين أعظم أجرا قال أكثرهم لله ﵎ ذكرا\" فذكره إلى أن قال: قال أبو بكر لعمر يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله - ﷺ - أجل\" معناها نعم.\n\n٢٣١٠ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَو أَن رجلا فِي حجره دَرَاهِم يقسمها وَآخر يذكر الله كَانَ الذاكر لله أفضل (^٢).\nوَفِي رِوَايَة مَا صَدَقَة أفضل من ذكر الله رَوَاهُمَا الطَّبَرَانيُّ ورواتهما حَدِيثهمْ حسن (^٣).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أحمد (١٥٦١٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ رقم ٤٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤)، رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: أي المجاهدين أعظم أجرا، وفيه زبان بن فائد، وهو ضعيف، وقد وثق، وكذلك ابن لهيعة وبقية رجال أحمد ثقات.\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٥٩٦٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤)، ورجاله وثقوا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٨٠٤).\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٤١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤)، ورجاله وثقوا.","vol":"7","page":261},{"text":"قوله - ﷺ - \"لو أن رجلا في حجره دراهم يقسمها وآخر يذكر الله كان الذاكر لله أفضل\" الحجر بالفتح والكسر لغتان وتقدم ذكره.\n\n٢٣١١ - وَعَن أم أنس - ﵂ - أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ اهجري الْمعاصِي فَإِنَّهَا أفضل الْهِجْرَة وحافظي على الْفَرَائِض فَإِنَّهَا أفضل الجِهَاد وأكثري من ذكر الله فَإنَّك لا تأتين الله بِشَيْء أحب إِلَيْهِ من كثْرَة ذكره رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَاد جيد (^١).\nوَفِي رِوَايَة لَهما عَن أم أنس واذكري الله كثيرا فَإِنَّهُ أحب الأعْمَال إِلَى الله أَن تَلقاهُ بهَا قَالَ الطَّبَرَانيُّ أم أنس هَذِه يَعْني الثَّانِيَة لَيست أم أنس بن مَالك (^٢).\nقوله: وعن أم أنس - ﵂ - أنها قالت يا رسول الله أوصني قال اهجري المعاصي فإنها أفضل الهجرة\" رواه الطبراني.\nوفي رواية لهما عن أم أنس \"واذكري الله كثيرا\" قال الطبراني (^٣) أم أنس هذه يعني الثانية ليست أم أنس بن مالك.\n\n٢٣١٢ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَيْسَ يتحسر أهل الْجنَّة إِلَّا على سَاعَة مرت بهم لم يذكرُوا الله تَعَالَى فِيهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ عَن\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ رقم ٣١٣)، وفي الأوسط (٦٧٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٨)، وفيه إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس، وهو ضعيف.\n(^٢) الطبراني في الكبير (٣٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٥)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط وقال: أم أنس هذه ليست أم أنس بن مالك.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"7","page":262},{"text":"شَيْخه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الصُّورِي وَلا يحضرني فِيهِ جرح وَلا عَدَالَة وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات معروفون وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بأسانيد أَحدهَا جيد (^١).\nقوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ - تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ - \"ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها\" التحسر التندم كذا بخط المصنف ﵀، رواه الطبراني عن شيخه محمد بن إبراهيم الصوري.\n\n٢٣١٣ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لم يكثر ذكر الله فقد برئ من الإِيمَان رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط وَالصَّغِير وَهُوَ حَدِيث غَرِيب (^٢).\n\n٢٣١٤ - وَرُوِيَ عَنهُ - ﵁ -: أَيْضا عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن الله يَقُول يَا ابْن آدم إِنَّك إِذا ذَكرتني شكرتني وَإِذا نسيتني كفرتني رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط (^٣).\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٨٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥١٢)، والأصبهاني في الترغيب (١٣٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٤)، ورجاله ثقات، وفي شيخ الطبراني محمد بن إبراهيم الصوري خلاف، وصححه الألباني في حج الجامع (٥٤٤٦).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٦٩٣١)، وفي الصغير (٩٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٩)، رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن سهل بن المهاجر عن مؤمل بن إسماعيل، وفي الميزان محمد بن سهل، عن مؤمل بن إسماعيل يروي الموضوعات، فإن كان هو ابن المهاجر فهو ضعيف، وإن كان غيره فالحديث حسن.\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٧٢٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٩)، رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. وقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٥٠٥٧).","vol":"7","page":263},{"text":"قوله: وروي عنه - ﵁ - أيضا تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ - \"إن الله يقول يا ابن آدم إنك إذا ذكرتني شكرتني وإذا نسيتني كفرتني\" رواه الطبراني اهـ. كلام المنذري.\nوفي أثر إلهي إذا كان الغالب على عبدي ذكري أحببني وأحببته، وفي أثر آخر فيه: فافرحوا وبذكري فتنعموا، وفي بعض الآثار الإسرائيلية يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرك وتنساني وأدعوك إلي فتفر مني إلى غيري وأذهب عنك البلايا وأنت منعكف على الخطايا ابن آدم ما يكون اعتذارك غدا إذا جئتني، وفي أثر آخر: اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب وارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتي لنفسك (^١). والله أعلم.\nتنبيه: روى عن النبي - ﷺ - أنه قال \"من أطاع الله تعالى فقد ذكر الله وإن قل صلاته وصنيعه للخير\" ذكره أبو عبد الله محمد بن خوارز منداد في أحكام القرآن له، ذكره أيضا محمد بن عبد الله العامري الواعظ في شرح الشهاب له ولفظه عن النبي - ﷺ - أنه قال \"من أطاع الله فقد ذكره وإن كان ساكتا ومن عصى الله فقد نسيه وإن كان قارئا مسبحًا\" قال القرطبي: هذا والله أعلم كالمستهزئ والمتهاون وممن اتخذ آيات الله هزوا وقد قال العلماء في تأويل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (^٢) لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين ذكره القرطبي في كتاب التذكار في فضائل القرآن (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣١.\n(^٣) التذكار (ص ٥٦ - ٥٧).","vol":"7","page":264},{"text":"وروي عن عائشة - ﵂ - أنَّها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما منْ ساعةٍ تمرُّ بابن آدم لمْ يذكر الله فيها بخيرٍ إلا تحسَّر عليها يوم القيامة. رواه أبي أبي الدنيا، والبيهقي وقال: في هذا الإسناد ضعف غير أن له شواهد من حديث معاذ المتقدم (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵁ - تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"ما من ساعة تمر بابن آدم ولم يذكر الله فيها بخير إلا تحسر عليها يوم القيامة\" الحديث، التحسر الندم على ما يفوت الإنسان من فعل الخيرات.\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٥١١)، والطبراني في الأوسط (٨٣١٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٠)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين، وهو متروك، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٧٢٠).","vol":"7","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>الترغيب في حضور مجالس الذكر والاجتماع على ذكر الله تعالى</span>\n٢٣١٦ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن لله مَلَائِكَة يطوفون فِي الطّرق يَلْتَمِسُونَ أهل الذّكر فَإِذا وجدوا قوما يذكرُونَ الله تنادوا هلموا إِلَى حَاجَتكُمْ فيحفونهم بأجنحتهم إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا قَالَ فيسألهم رَبهم وَهُوَ أعلم بهم مَا يَقُول عبَادي قَالَ يَقُولُونَ يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قَالَ فَيَقُول هَل رأوني قَالَ فَيَقُولُونَ لا وَالله يَا رب مَا رأوك قَالَ فَيَقُول فكيف لَو رأوني قَالَ يَقُولُونَ لَو رأوك كَانُوا أَشد لَك عبَادَة وَأَشد لَك تمجيدا وَأكْثر لَك تسبيحا قَالَ فَيَقُول فَمَا يَسْألوني قَالَ يَقُولُونَ يَسْألُونَك الْجنَّة قَالَ فَيَقُول وَهل رأوها قَالَ يَقُولُونَ لا وَالله يَا رب مَا رأوها قَالَ فَيَقُول فَكيف لَو رأوها قَالَ يَقُولُونَ لَو أَنهم رأوها كَانُوا أَشد عَلَيْهَا حرصا وَأَشد لهَا طلبا وَأعظم فِيهَا رَغْبَة قَالَ فمم يتعوذون قَالَ يتعوذون من النَّار قَالَ فَيَقُول وَهل رأوها قَالَ يَقُولُونَ لا وَالله مَا رأوها قَالَ فَيَقُول فَكيف لَو رأوها قَالَ يَقُولُونَ لَو رأوها كانُوا أَشد مِنْهَا فِرَارًا وَأَشد لَهَا مَخَافَة قَالَ فَيَقُول أشهدكم أنِّي قد غفرت لَهُم قَالَ يَقُول ملك من الْمَلَائِكَة فيهم فلَان لَيْسَ مِنْهُم إِنَّمَا جَاءَ لحَاجَة قَالَ هم الْقَوْم لا يشقى بهم جليسهم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n_________\n(^١) البخاري (٦٤٠٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٣١).","vol":"7","page":266},{"text":"وَمُسلم وَلَفظه قَالَ إِن لله ﵎ مَلَائِكَة سيارة فضلاء يَبْتَغُونَ مجَالِس الذّكر فَإِذا وجدوا مَجْلِسا فِيهِ ذكر قعدوا مَعَهم وحف بَعضهم بَعْضًا بأجنحتهم حَتَّى يملؤوا مَا بَينهم وَبَين السَّمَاء فَإِذا تفَرقُوا عرجوا وصعدوا إِلَى السَّمَاء قَالَ فيسألهم الله ﷿ وَهُوَ أعلم من أَيْن جئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا من عِنْد عِبَادك فِي الأرْض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قَالَ فَمَا يَسْألونِي قَالُوا يَسْألُونَك جنتك قَالَ وَهل رَأَوْا جنتي قَالُوا لا يَا رب قَالَ وَكيف لَو رَأَوْا جنتي قَالُوا ويستجيرونك قَالَ ومم يستجيروني قَالُوا من نارك يَا رب قَالَ وَهل رَأَوْا نَارِي قَالُوا لا يَا رب قَالَ فَكيف لَو رَأَوْا نَارِي قَالُوا ويستغفرونك قَالَ فَيَقُول قد غفرت لَهُم وأعطيتهم مَا سَألوا وأجرتهم مِمَّا استجاروا قَالَ يَقُولُونَ رب فيهم فلأن عبد خطاء إِنَّمَا مر فَجَلَسَ مَعَهم قَالَ فَيَقُول وَله غفرت هم الْقَوْم لا يشقى بهم جليسهم (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر\" والذكر متناول للصلاة وقراءة القرآن وتلاوة الحديث وتدريس العلم ومناظرة العلماء ونحوها اهـ.\nقوله \"فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم\" الحديث، والتنادي تفاعل من النداء ومعنى هلموا أقبلوا وهلم يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث والمذكر عند الحجازيين وبنو تميم تؤنث وتجمع\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٨٩)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٧).","vol":"7","page":267},{"text":"قاله جار الله (^١).\nقوله \"فيحفونهم بأجنحتهم\" الحديث، قال النبي - ﷺ - \"فتحف الملائكة أهل الذكر\" بمعني يحدقون بهم أي يطوفون حولهم ويستديرون بهم ويحف بعضهم بعضا وفي الحديث الآخر \"إلا حفتهم الملائكة\" والحفة الكرامة التامة (^٢).\nقوله - ﷺ - \"فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي\" و(ما) في \"ما يقول عبادي\" للاستفهام بمعنى التقرير.\nفإن قلت: ما وجه السؤال وهو أعلم به؟ قلت: فيه فوائد من جملتها الإظهار على الملائكة أن في بني آدم من المسبحين والمقدسين وفيه شرف أصحاب الأذكار وأهل التصرف الذين يلازمونها ويواظبون عليها وكثرة أعداد الملائكة وشهادتهم على بين آدم بالخيرات، وفيه مع شرف أصحاب الأذكار استلال لما سبق منهم من قولهم: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (^٣)، وفيه إثبات الجنة والنار، وفيه: أن النصيحة لها تأثير عذظيم وأن جلساء السعداء سعداء والتحريض على صحبة أهل الخير (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) الكشاف (٢/ ٧٧).\n(^٢) إكمال المعلم (٨/ ١٨٨ - ١٨٩)، والمشارق (١/ ١٩٣).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٤) الكواكب الدرار (٢٢/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"7","page":268},{"text":"قوله: \"قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك\" أي يعظمونك بالثناء عليك والتحميد التعظيم (^١).\nقوله: \"فمم يتعوذون؟ \" أصله من أي شيء يتعوذون.\nوقوله - ﷺ - في رواية مسلم: \"إن لله تعالى ملائكة سيارة فضلاء يبتغون مجالس الذكر\" الحديث. قوله سيارة معناه سياحون في الأرض.\nقوله فضلاء قال في النهاية (^٢) أي زيادة عن الملائكة المرتبين مع الخلائق (^٣)، قال النووي في شرح مسلم (^٤): وأما فضلا فضبطوه على أوجه أحدها وهو أرجحها وأشهرها في بلادنا فضلا والثانية فضلا ورجحها بعضهم وادعى أنها أكثر وأصوب والثالثة فضلا قال القاضي هكذا الرواية عند جمهور شيوخنا في البخاري ومسلم والرابعة فضل على أنه خبر مبتدأ محذوف والخامسة فضلاء جمع فاضل قال العلماء معناه على جميع الروايات أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم وإنما مقصودهم حلق الذكر (يتبعون) أي يتتبعون من التتبع وهو البحث عن الشيء والتفتيش والوجه الثاني يبتغون من الابتغاء وهو الطلب وكلاهما صحيح (وحف) هكذا هو في كثير من نسخ\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٤/ ١٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٥٥).\n(^٣) النهاية (٣/ ٤٥٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٤).","vol":"7","page":269},{"text":"بلادنا حف وفي بعضها حض أي حث على الحضور والاستماع وحكى القاضي عن بعض رواتهم وحط واختاره القاضي قال ومعناه أشار إلى بعض بالنزول ويؤيد هذه الرواية قوله بعده في البخاري هلموا إلى حاجتكم ويؤيد الرواية الأولى وهي حف قوله في البخاري يحفونهم بأجنحتهم ويحدقون بهم ويستديرون حولهم ويحف بعضهم بعضا وحفاف الشيء جانباه.\nقوله - ﷺ - \"فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء\" العروج الارتقاء.\nقوله - ﷺ - \"ويستجيرونك قال ومم يستجيروني قالوا من نارك يا رب\" الحديث أي يطلبون الأمان منه (^١).\nقوله - ﷺ - \"قال يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم\" أي كثير الخطايا (^٢) وفي هذا المعنى أنشدوا:\nأنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما وقع العفو (^٣)\nقوله - ﷺ - \"هم القوم لا يشقى بهم جليسهم\" الحديث، الجليس بمعنى المجالس كالعشير بمعنى المعاشر في هذا الحديث فضيلة الذكر وفضيلة مجالسه والجلوس مع أهله وإن لم يشاركهم وفضل مجالسة الصالحين وبركتهم.\nقال القاضي عياض ﵀ (^٤): وذكر الله تعالى ضربان ذكر بالقلب\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥).\n(^٣) الأذكار (ص ٣٩٨).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ١٨٩).","vol":"7","page":270},{"text":"وذكر باللسان وذكر القلب نوعان أحدهما وهو أرفع الأذكار وأجلها الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سممواته وأرضه ومنه الحديث خير الذكر الخفي والمراد به هذا والثاني ذكره بالقلب عند الأمر والنهي فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهي عنه ويقف عما أشكل عليه وأما ذكر اللسان مجردا فهو أضعف الأذكار ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث قال وذكر بن جرير الطبري وغيره اختلاف السلف في ذكر القلب واللسان أيهما أفضل قال القاضي والخلاف عندي إنما يتصور في مجرد ذكر القلب تسبيحا وتهليلا وشبههما وعليه يدل كلامهم لا أنهم مختلفون في الذكر الخفي الذي ذكرناه وإلا فذلك لا قاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح المجرد ونحوه والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب فإن كان لاهيا فلا واحتج من رجح ذكر القلب بأن عمل السر أفضل ومن رجح ذكر اللسان قال لأن العمل فيه أكثر فإن زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة أجر قال القاضي واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب فقيل تكتبه ويجعل الله تعالى لهم علامة يعرفونه بها وقيل لا يكتبونه لأنه لا طلع عليه غير الله قلت الصحيح أنهم يكتبونه وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده (^١) والله أعلم.\n\n٢٣١٧ - وَعَن مُعَاوِيَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - خرج على حَلقَة من أَصْحَابه فَقَالَ مَا أجلسكم قَالُوا جلسنا نذْكر الله ونحمده على مَا هدَانَا لِلإِسْلامِ وَمن بِهِ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥ - ١٦).","vol":"7","page":271},{"text":"علينا قَالَ اللهُ مَا أجلسكم إِلَّا ذَلِك قَالُوا اللهُ مَا أجلسنا إِلَّا ذَلِك قَالَ أما إِنِّي لم أستحلفكم تُهْمَة لكم وَلكنه أَتَانِي جِبْرَائِيل فَأَخْبرنِي أَن الله ﷿ يباهي بكم الْمَلَائِكَة رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيُّ (^١).\nقوله: وعن معاوية - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"أن رسول الله - ﷺ - خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا\" الحلقة بسكون اللام على اللغة الفصحى المشهورة وحكى الجوهري وغيره فتح اللام أيضا وكذا حلقة الحديد والجمع حلق مثل بدرة وبدر والحلقة الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب وغيره وقال الجوهري (^٢) جمع الحلقة حلق بفتح الحاء على غير القياس وحكي عن أبي عمرو إن الواحد حلقة بالتحريك والجمع حلق بالفتح وقال ثعلب كلهم يجيزه على ضعفه وقال الشيباني: ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا جمع حالق قاله في النهاية (^٣).\nقوله - ﷺ - \"آلله ما أجلسكم إلا ذلك\" بالمد والجر على القسم وبالنصب من غير مد على حذف حرف المد وأعمال فعل القسم كقوله فذاك أمانة الله.\n_________\n(^١) مسلم (٢٧٠١)، والترمذي (٣٣٧٩)، وابن حبان (٣١٨)، وأحمد (١٦٨٣٥)، وابن المبارك في الزهد (١١٢٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٢٩).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٤٦١ - ١٤٦٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٢٦).","vol":"7","page":272},{"text":"وقوله - ﷺ - \"قالوا آلله ما أجلسنا إلا ذلك\" بالجر والنصب من غير مد فيهما على ما مر.\nقوله - ﷺ - \"أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم\" تهمة هي بفتح الهاء وإسكانها وهي فعلة وفعلة من الوهم ونصبها على أنه مفعول لها والتاء بدل الواو واتهمته إذا ظننت به ذلك (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ولكنه أتاني جبرائيل فأخبرني أن الله ﷿ يباهي بكم الملائكة\" المباهاة المفاخرة فهذا أفصح بالمراد في الجميع وكيف كان اجتماعهم لأنهم كانوا يذكرون الله جهرا لم يحتج ﵇ أن يستفهمهم فلما استفهمهم دل على أن ذكرهم كان سرا وكذلك كان جوابهم له جلسنا نذكر الله أدل دليل على أنهم كانوا يذكرون الله سرا إذا لو كان جهرا لما كان لإخبارهم بذلك معنى وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (^٢) وقد جاء أنهم قالوا \"جلسنا نحمد الله على ما هدانا للإسلام ومن به علينا\" وقد كانوا يجلسون بعد صلاة الصبح فيذكرون ما كانوا فيه في الجاهلية ثم يحمدون الله الذي هداهم والنبي - ﷺ - يتبسم فجاز أن يكون جلوسهم لذلك فحصل لهم ما حصل من المباهاة لأنهم إذا تذاكروا ذلك فيه يعرفون قدر نعمة الله عليهم وأن ما من به عليهم ليس بأيديهم ولا بقدرتهم فتعظم نعمة الله عليهم أن هداهم وأنقذهم من الضلالة وأضل غيرهم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٣).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.","vol":"7","page":273},{"text":"وأصمهم وأعماهم وقد ورد أن الذكر الخفي فضل الجلي بسبعين درجة ومحال في حقهم أن يتركوا ما هو أفضل ويفعلون المفضول ومحال في حقه ﵇ أن يراهم يفعلون المفضول ولا يرشدهم إلى الأفضل وينبههم عليه (^١) والله أعلم. انتهى ذكره في تهذيب النفوس.\nوقال القرطبي: قال علماؤنا الذكر والمجالس المذكورات في هذا الحديث مجالس العلم وهي مجالس الحلال والحرام ما يجوز ولا يجوز كيف يتوضأ وما يجب فيه ويسن ويستحب ويكره ويمنع وكيف ينكح وما يمنع إلى غير ذلك حتى الحركات والسكنات والنطق والصمت تعرف الأحكام عليك في ذلك كله ولهذا أشار بل صرح أبو هريرة - ﵁ - حين خرج إلى الناس بسوق المدينة فنادى فيهم: ما بالكم ميراث رسول الله - ﷺ - يقسم في المسجد بين أمته وأنتم مشغولون في الأسواق فتركوا السوق أتوا المسجد فوجدوا الناس حلقا حلقا لتعلم القرآن والحديث والحلال والحرام فقالوا: أين ما ذكرت يا أبا هريرة؟ فقال: هذا ميراث نبيكم إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم وها هو ذا أو كما قال، وقد قال عمر بن الخطاب - ﵁ - ذكر الله عند أمره ونهيه أفضل من ذكره باللسان (^٢) اهـ.\nلأنه ليس المقصود الذكر باللسان خاصة بل المقصود معرفة الإيمان وأحكامه وفروعه والمشي على تلك الأحكام ويتعين عليه من ذلك ما\n_________\n(^١) المدخل (١/ ٩٢ - ٩٣) لابن الحاج.\n(^٢) المدخل (١/ ٨٧).","vol":"7","page":274},{"text":"يخصه في نفسه من الأحكام التي هو محتاج إليها يتصرف بها وما عدا ذلك يكون من باب فرض الكفاية إن قام به فقد حصل له الأجر الجزيل وإن عجز عنه فقد أتى بما تعين عليه فإذا حصل ذلك يكون الذكر باللسان فرعا على هذا الأصل الذي حصل (^١) اهـ.\n\n٢٣١٨ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: يَقُول الله ﷿ يَوْم الْقِيَامَة سَيعْلَمُ أهل الْجمع من أهل الْكَرم فَقيل وَمن أهل الْكَرم يَا رَسُول الله قَالَ أهل مجَالِس الذّكر رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم (^٢).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يقول الله ﷿ يوم القيامة سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم فقيل ومن أهل الكرم يا رسول الله قال أهل مجالس الذكر\" قال عطاء بن أبي رباح: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام. كيف تشتري وتبيع. وتصلى وتصوم، وتنكح وتطلّق. وأشباه هذا (^٣) اهـ.\n\n٢٣١٩ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ كَانَ عبد الله بن رَوَاحَة إِذا لَقِي الرجل من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: تعال نؤمن بربنا سَاعَة فَقَالَ ذَات يَوْم\n_________\n(^١) المدخل (١/ ٨٧ - ٨٨).\n(^٢) أحمد (١١٦٥٢)، وأبو يعلى (١٠٤٢)، وابن حبان (٨١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦)، رواه أحمد بإسنادين وأحدهما حسن، في الإسناد الأول دراج، وفي الثاني دراج وابن لهيعة.\n(^٣) الأذكار (ص ١٠).","vol":"7","page":275},{"text":"لرجل فَغَضب الرجل فجَاء إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله أَلا ترى إِلَى ابْن رَوَاحَة يرغب عَن إيمانك إِلَى إِيمَان سَاعَة فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - يرحم الله ابْن رَوَاحَة إِنَّه يحب الْمجَالِس الَّتِي تتباهى بهَا الْمَلَائِكَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).\n\n٢٣٢٠ - وَعنهُ أَيْضا - ﵁ -: عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا من قوم اجْتَمعُوا يذكرُونَ الله ﷿ لا يُرِيدُونَ بذلك إِلَّا وَجهه إِلَّا ناداهم مُنَاد من السَّمَاء أَن قومُوا مغفورا لكم قد بدلت سَيِّئَاتكُمْ حَسَنَات رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا مَيْمُون الْمرَائِي وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانيُّ (^٢).\nوَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن مُغفل (^٣).\nقوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام عليه.\nقوله: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال تعال نؤمن بربنا ساعة، الحديث، هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الحارثي المدني وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة وهو خال النعمان بن بشير وكان أو خارج إلى الغزوات وآخر قادم وكان أحد الشعراء المحسنين الذي يردون الأذى عن رسول الله - ﷺ - وعن الإسلام والمسلمين، وعن أبي الدرداء قال: أعوذ بالله أن يأتي يوم لا أذكر فيه عبد الله\n_________\n(^١) أحمد (١٣٧٩٦).\n(^٢) أحمد (١٢٤٥٣)، وأبو يعلى (٤١٤١)، والبزار (٣٠٦١)، والطبراني في الأوسط (١٥٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦)، وفيه ميمون المرائي وثقه جماعة وفيه ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٥٣٤)، والطبراني في الأوسط (٣٧٤٣).","vol":"7","page":276},{"text":"بن رواحة كان إذا لقيني يقول: يا عويمر اجلس ساعة فلنؤمن فيجلس فيذكر الله ما شاء الله ثم يقول يا عويمر هذه الإيمان، وهو الذي شجع المسلمين [في] غزوة مؤتة على لقاء الكفار وكان المسلمون ثلاثة آلاف والكفار مائتي ألف، وقيل: غير ذلك (^١)، وتقدم الكلام عليه ومناقبه كثيرة.\n\n٢٣٢٢ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - أَيْضا عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن لله سيارة من الْمَلائِكَة يطْلبُونَ حلق الذّكر فَإِذا أَتَوا عَلَيْهِم حفوا بهم ثمَّ يقفون وأيديهم إِلَى السَّمَاء إِلَى رب الْعِزَّة ﵎ فَيَقُولُونَ رَبنَا أَتَيْنَا على عباد من عِبَادك يعظمون آلاءك ويتلون كتابك وَيصلونَ على نبيك مُحَمَّد - ﷺ - ويسألونك لآخرتهم ودنياهم فَيَقُول الله ﵎ غشوهم رَحْمَتي فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم رَوَاهُ الْبَزَّار (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله ﷿ لا يريدون بذلك إلا وجهه\" الحديث، اعلم أن العلماء أجمعوا على جواز الذكر بالقلب واللسان كما تقدم للمحدث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة على النبي - ﷺ - والدعاء وغير ذلك (^٣)، وينبغي أن يكون الذكر على أكمل الصفات فإن كان جالسا في موضع استقبل القبلة وجلس\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٥).\n(^٢) البزار (٣٠٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧)، رواه البزار من طريق زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري، وكلاهما وثق على ضعفه، فعاد هذا إسناده حسن.\n(^٣) الأذكار (ص ١١).","vol":"7","page":277},{"text":"متذللا متخشعا بسكينة ووقار مطرقا رأسه ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه لكن أن كان بغير عذر كان تاركا الأفضل، والدليل على عدم الكراهة قوله ﷿ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (^١) الآية، وثبت عن عائشة قالت: كان رسول الله يتكيء في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن رواه البخاري ومسلم (^٢)، وفي رواية: \"ورأسه في حجري\" (^٣) وجاء عن عائشة أنها قالت: إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير (^٤) والمراد من الذكر حضور القلب فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله ويتدبر ما يذكر وتعقل معناه فالتدبر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود، وينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار أو عقب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته أن يتداركهما ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت وإذا تساهل في قضائها يسهل عليه تضييعها في وقتها (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٠.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٧)، ومسلم (١٥ - ٣٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٥٤٩).\n(^٤) الأذكار (ص ١٢). وخبر عائشة: أخرجه ابن أبي شيبة (٨٥٧١) و(٣٠١٨٢)، والفريابي في فضائل القرآن (١٥٤).\n(^٥) الأذكار (ص ١٢ - ١٣).","vol":"7","page":278},{"text":"قوله: ورواته محتج بهم في الصحيح إلا ميمون المرائي [هو ميمون بن موسى المرائي: قال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسا، كان يدلس، وقال أبو حاتم: صدوق وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال عمرو بن علي: صدوق ولكنه ضعيف، ووثقه ابن حبان].\n\n٢٣٢١ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ عَن سهل ابْن الحنظلية - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا جلس قوم مَجْلِسا يذكرُونَ الله ﷿ فِيهِ فَيقومُونَ حَتَّى يُقَال لَهُم قومُوا قد غفو الله لكم وبدلت سَيِّئَاتكُمْ حَسَنَات (^١).\nقوله: ورواه الطبراني عن سهل ابن الحنظلية - ﵁ -.\nفائدة: عن هارون بن عبد الله الحمال عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو عن عشام بن سعد عن قيس بن بشر الثعلبي قال: أخبرني أبي وكان جليسا لأبي الدرداء قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي - ﷺ - يقال له ابن الحنظلي وكان رجلا متوحدا قلما يجالس الناس إنما هو في صلاة فإذا فرغ يسبح ويكبر حتى يأتي أهله (^٢) وابن الحنظلية هو سهل بن\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٦٠٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦)، فيه المتوكل بن عبد الرحمن والد محمد بن أبي السري لم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٥٣)، وأحمد ٤/ ١٧٩ (١٧٦٢٢)، وأبو داود (٤٠٨٩)، والحكيم الترمذي (١٤٣٨)، والطبراني في الكبير (٦/ ٩٤ رقم ٥٦١٦) والحاكم (٤/ ١٨٣). وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبى. قال ابن حجر في الأمالى المطلقة (ص ٣٦): هذا حديث حسن. وضعفه الألباني في الارواء (٧/ ٢٠٩).","vol":"7","page":279},{"text":"الربيع بن عمرو، ويقال له: سهل بن عمرو أنصاري حارثي سكن الشام والحنظلية أمه وقيل هي أم جده وهي من بني حنظلة بن تميم (^١) وتقدم الكلام عليه.\nقوله: إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر، تقدم الكلام على السيارة من الملائكة في الحديث أول الباب وحلق الذكر بفتح الحاء وكسرها لغتان.\nاعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله وقد تظاهرت الأدلة على ذلك ويكفي في ذلك حديث ابن عمر - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - \"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا\" (^٢) وسيأتي الكلام على الرتع ثم لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفا من أن يظن به الرياء بل يذكر بهما جميعا ويقصد به وجه الله تعالى وقد قال السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض - ﵁ - \"ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما\" ولو فتح الإنسان عليه ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير وضيع\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١١)، وتهذيب الكمال (١٢/ ١٨١ - ١٨٣ ترجمة ٢٦٠٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥١٠) وأبو يعلى (٣٤٣٢) عن أنس. وأخرجه (٣٥٥٩) عن أبي هريرة. وأخرجه أبو نعيم (٦/ ٣٥٤) عن ابن عمر وقال: غريب من حديث مالك لم نكتبه إلا من حديث محمد بن عبد الله بن عامر. وضعفه الألباني في المشكاة (٧٢٩) وعاد فحسنه في الصحيحة (٢٥٦٢).","vol":"7","page":280},{"text":"على نفسه شيئا عظيما من مهمات الدين وليس هذا طريقة العارفين (^١).\nواعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها بل كل عامل لله بطاعة فهو ذاكر لله تعالى كذا قاله سعيد بن جبير وغيره من العلماء (^٢).\nقوله - ﷺ - \"فإذا أتوا عليهم حفوا بهم\" الحديث وتقدم معنى الحفاف.\n\n٢٣٢٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ مر النَّبِي - ﷺ - بعَبْد الله بن رَوَاحَة وَهُوَ يذكر أَصْحَابه فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أما إِنَّكُم الْمَلأ الَّذين أَمرنِي الله أَن أَصْبِر نَفسِي مَعكُمْ ثمَّ تَلا هَذِه الآيَة ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الْكَهْف:٨٢] أما إِنَّه مَا جلس عدتكم إِلَّا جلس مَعَهم عدتهمْ من الْمَلائِكَة إِن سبحوا الله تَعَالَى سبحوه وَإِن حمدوا الله حمدوه وَإِن كبروا الله كبروه ثمَّ يصعدون إِلَى الرب جلّ ثَنَاؤُهُ وَهُوَ أعلم بهم فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا عِبَادك سبحوك فسبحنا وكبروك فكبرنا وحمدوك فحمدنا فَيَقُول رَبنَا ﷻ يَا ملائكتي أشهدكم أَنِّي قد غفرت لَهُم فَيَقُولُونَ فيهم فلَان وَفُلَان الخطاء فَيَقُول هم الْقَوْم لا يشقى بهم جليسهم رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الصَّغِير (^٣).\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٩).\n(^٢) الأذكار (ص ٩).\n(^٣) الطبراني في المعجم الصغير (١٠٤٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦)، وفيه محمد بن حماد الكوفي، وهو ضعيف.","vol":"7","page":281},{"text":"قوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"قال مر النبي - ﷺ - بعبد الله بن رواحة وهو يذكر أصحابه فقال رسول الله - ﷺ - أما إنكم الملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معكم ثم تلا هذه الآية واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي\" الآية فالصبر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ (^١) أي احبسها فالصبر حبس النفس عن الجزع والسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش وهو ثلاثة أنواع صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على امتحان الله تعالى (^٢).\nقوله \"فيقولون فيهم فلان وفلان الخطاء فيقول هم القوم لا يشقى بهم جليسهم\" يقال رجل خطاء إذا كان ملازما للخطايا غير تارك لها (^٣).\n\n٢٣٢٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا غنيمَة مجَالِس الذّكر قَالَ غنيمَة مجَالِس الذّكر الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٤).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"ما غنيمة مجالس الذكر قال غنيمة مجالس الذكر الجنة\" والغنيمة معروفة وهي [ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٢٨.\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ١٥٥).\n(^٣) النهاية (٢/ ٤٥).\n(^٤) أحمد (٦٦٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٨)، رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد حسن، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٩١٩).","vol":"7","page":282},{"text":"بالخيل والركاب يقال: غنمت أغنم غنما وغنيمة، والغنائم جمعها، والمغانم: جمع مغنم، والغنم بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. والغانم: آخذ الغنيمة. والجمع: الغانمون. ويقال: فلان يتغنم الأمر: أي يحرص عليه كما يحرص على الغنيمة، ومنه الحديث \"الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة\" إنما سماه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب (^١)].\n\n٢٣٢٥ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن لله سَرَايَا من الْمَلَائِكَة تحل وتقف على مجَالِس الذّكر فِي الأرْض فارتعوا فِي رياض الْجنَّة قَالُوا وَأَيْنَ رياض الْجنَّة قَالَ مجَالِس الذّكر فاغدوا أَو روحوا فِي ذكر الله وذكروه أَنفسكُم من كَانَ يحب أَن يعلم مَنْزِلَته عِنْد الله فَلْينْظر كيفَ منزلَة الله عِنْده فَإِن الله ينزل العَبْد مِنْهُ حَيْثُ أنزلهُ من نَفسه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانيُّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقَالَ المملي - ﵁ -: فِي أسانيدهم كلهَا عمر مولى عفرَة وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَبَقِيَّة أسانيدهم ثِقَات مَشْهُورُونَ مُحْتَج بهم والْحَدِيث حسن وَالله أعلم.\nالرتع هُوَ الأكل وَالشرب فِي خصب وسعة.\nقوله: وعن جابر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠).\n(^٢) أبو يعلى (١٨٠، والبزار ٣٠٦٤)، والطبراني في الأوسط (٢٥٠١)، والحاكم (١/ ٤٩٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧)، وفيه عمر بن عبد الله مولى غفرة، وقد وثقه غير واحد، وضعفه جماعة، وبقية رجالهم رجال الصحيح.","vol":"7","page":283},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض\" الحديث.\nفائدة: ويكفي في شرف الذكر أن الله تعالى يباهي بأهله الملائكة كما في صحيح مسلم المطول وفي آخره أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة فالمراد من الذكر حضور القلب فينبغي أن يكون هو مقصود الذكر فيحرص على تحصيله ويتدبر ما يذكره كما تقدم ولهذا كان المذهب الصحيح استحباب من الذاكر قوله لا إله إلا الله لما فيه من التدبر ولما روى الترمذي عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"أفضل الذكر لا إله إلا الله\" وأقوال السلف وأئمة الخلف في هذا مشهورة (^١).\nقوله - ﷺ - \"فارتعوا في رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة قال مجالس الذكر\" قال الحافظ: الرتع هو الأكل والشرب في خصب وسعة، والخصب بكسر الخاء المعجمة ضد الجدب أراد برياض الجنة ذكر الله شبه الخوض فيه بالرتع في الخصب قال القسي معناه أن الصلاة والذكر في هذه المواضع يؤديان إلى الجنة وهذا المعنى في الاستعارة من الحديث كثير كقوله ﵇ \"عائض المريض في مخارف الجنة\" و\"الجنة تحت أقدام الأمهات\" و\"الجنة تحت بارقة السيوف\" يعني أن هذه الأشياء تؤدي إلى الجنة قاله في النهاية (^٢).\n_________\n(^١) الأذكار (ص ١٢ - ١٣).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٧).","vol":"7","page":284},{"text":"قوله - ﷺ - \"فاغدوا أو روحوا في ذكر الله\" الغدو بضم الغين المعجمة هو السير أول النهار نقيض الرواح.\n\n٢٣٢٦ - وَعَن عَمْرو بن عبسة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول عَن يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين رجال لَيْسُوا بِأَنبِيَاء وَلا شُهَدَاء يغشى بَيَاض وُجُوههم نظر الناظرين يَغْبِطهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاء بِمَقْعَدِهِمْ وقربهم من الله ﷿ قيل يَا رَسُول الله من هم قَالَ هم جماع من نوازع الْقَبَائِل يَجْتَمعُونَ على ذكر الله فينتقون أطايب الْكَلَام كَمَا ينتقي آكل التَّمْر أطايبه رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَإِسْنَاده مقارب لا بَأْس بِهِ (^١).\nجماع بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم أَي أخلاط من قبائل شَتَّى ومواضع مُخْتَلفَة.\nونوازع جمع نَازع وَهُوَ الْغَرِيب وَمَعْنَاهُ أَنهم لم يجتمعوا لقرابة بَينهم وَلا نسب وَلا معرفَة وَإِنَّمَا اجْتَمعُوا لذكر الله لا غير.\nقوله: وعن عمرو بن عبسة - ﵁ - هو أبو نجيح وقيل أبو شعيب عمرو بن عبسة بعين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين ثم سين مهملة على وزن عدسة وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث والأسماء والتواريخ والسير والمؤتلف وغيرهم من أهل الفنون ورأيت جماعة يزيدون فيه نونا وهذا غلط فاحش وعمرو بن عبسة بن عامر بن خالد فذكره السلمي الصحابي\n_________\n(^١) الطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ورجاله موثقون، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٨١٥).","vol":"7","page":285},{"text":"الصالح أسلم قديما وكان أخا لأبي ذر لأمه وقدم المدينة بعد الخندق فسكنها ثم سكن الشام روي له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية وثمانون حديث، سكن حمص وتوفي بها ومناقبه كثيرة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين يغبطهم الناس\".\nقوله - ﷺ - \"قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: هم جماع من نوازع العرب\" أو قال \"من نوازع قبائل العرب\" الحديث، جماع أي أخلاط من قبائل شتى ومواضع مختلفة ونوازع جمع نازع وهو الغريب الذي نزل عن أهله وعشيرته أي بعد وغاب وقيل لأنه ينزع إلى وطنه أي يحدب ويميل وجاء في الحديث \"طوبى للغرباء\" قيل من هم يا رسول الله قال النزاع إلى القبائل والمراد الأول أي طوبى للمهاجرين الذين هجروا أوطانهم لله تعالى قاله في النهاية (^٢)، ومعناه أنهم لم يجتمعوا لقرابة بينهم ولا نسب ولا معرفة وإنما اجتمعوا لذكر الله لا غير اهـ. قاله المنذري، وقال غيره أي من غربائهم والنازع الغريب يعني إنما جمعهم ذكر الله تعالى مع اختلاف قبائلهم وتباين أماكنهم وغربة بعضهم من بعض اهـ.\n\n٢٣٢٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ليبْعَثن الله أَقْوَامًا يَوْم الْقِيَامَة فِي وُجُوههم النُّور على مَنَابِر اللُّؤْلُؤ يَغْبِطهُمْ النَّاس لَيْسُوا بِأَنْبِيَاء\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣١ - ٣٢).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٤١).","vol":"7","page":286},{"text":"وَلا شُهَدَاء قَالَ فَجَثَا أَعْرَابِي على رُكبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول الله حلهم لنا نعرفهم قَالَ هم المتحابون فِي الله من قبائل شَتَّى وبلاد شَتَّى يَجْتَمعُونَ على ذكر الله يذكرُونَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"ليبعثن الله أقواما يوم القيامة\" فذكره إلى أن قال \"يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء\" الغبطة التمني [مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، وهي في الحقيقة عبارة عن حسن الحال، ومنه قولهم: اللهم غبطا لا هبطا، أي: نسألك الغبطة ونعوذ بك أن نهبط (^٢)].\n\n٢٣٢٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد - ﵁ - أنَّهُمَا شَهدا على رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ لا يقْعد قوم يذكرُونَ الله إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (^٣).\n\n٢٣٢٩ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِذا مررتم برياض الْجنَّة فارتعوا قَالُوا وَمَا رياض الْجنَّة قَالَ حلق الذّكر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٤).\n_________\n(^١) الطبراني، كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وإسناده حسن.\n(^٢) الميسر (٣/ ١٠٧٨).\n(^٣) مسلم (٢٧٠٠)، والترمذي (٣٣٧٨)، وابن ماجه (٣٧٩١)، وأحمد (١١٢٨٧)، وأبو يعلى (٦١٥٧).\n(^٤) الترمذي (٣٥١٠)، وأحمد (١٢٥٢٣)، وأبو يعلى (٣٤٣٢)، والبيهقي في شعب الإيمان =","vol":"7","page":287},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة وأبي سعيد - ﵁ - تقدم الكلام عليهما.\nقوله - ﷺ - \"لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة\" الحديث، المراد بالسكينة هنا الرحمة وهو الذي اختاره القاضي، قال النووي (^١): وهو ضعيف لعطف الرحمة عليه وقيل الطمأنينة والوقار هو أحسن وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد.\nومعنى \"وذكرهم الله فيمن عنده\" أي يباهي بهم الملائكة كما ورد مصرحا به في [الحديث] ومعناه [إثباتهم عنده] وثناؤه [عليهم].\n_________\n= (٥٢٩)، والبزار (٣٠٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٦٨)، والطبراني في الدعاء (١٨٩٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٩٩).\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١).","vol":"7","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>الترهيب من أن يجلس الإنسان مجلسا لا يذكر الله فيه ولا يصلى على نبيه محمد - ﷺ </span>-\n٢٣٣٠ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا جلس قوم مَجْلِسا لم يذكرُوا الله فِيهِ وَلم يصلوا على نَبِيّهم إِلَّا كَانَ عَلَيْهِم ترة فَإِن شَاءَ عذبهم وَإِن شَاءَ غفر لَهُم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وَرَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ.\nوَلَفظ أبي دَاوُد قَالَ من قعد مقْعدا لم يذكر الله فِيهِ كَانَ عَلَيْهِ من الله ترة وَمن اضطجع مضجعا لا يذكر الله فِيهِ كَانَت عَلَيْهِ من الله ترة وَمَا مَشى أحد ممشى لا يذكر الله فِيهِ إِلَّا كانَ عَلَيْهِ من الله ترة وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالنَّسَائيُّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحة كلهم بِنَحْوِ أبي دَاوُد (^١).\nالترة بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَتَخْفِيف الرَّاء هِيَ النَّقْص وَقيل التبعة.\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة\" الترة هي النقص وقيل التبعة ا. هـ قاله المنذري.\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٥٦)، والترمذي (٣٣٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٦٩)، وأحمد (٩٧٦٤)، والنسائي (١٠٢٣٧، ١٠٢٣٨)، وابن السني (٤٤٩)، والحاكم (١/ ٤٩٦)، وابن حبان (٨٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٠)، والطبراني في الدعاء (١٩٢٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٠٧).","vol":"7","page":289},{"text":"قوله - ﷺ - \"ومن اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة\" قال في الحدائق الترة النقص أو الحسرة أو الندامة وقيل المطالبة والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة مثل وعدته عدة ويجوز رفعها ونصبها على اسم كان وخبرها قاله ابن الأثير في النهاية (^١) وهو بليغ في تهديد من ترك الذكر.\n\n٢٣٣١ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا قعد قوم مقْعدا لم يذكُرُوا الله ﷿ فِيهِ وَيصلونَ على النَّبِي - ﷺ - إِلَّا كَانَ عَلَيْهِم حسرة يَوْم الْقِيَامَة وَإِن دخلُوا الْجنَّة للثَّواب رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان فِي صحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^٢).\n\n٢٣٣٢ - وَعنهُ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من قوم يقومُونَ من مجْلِس لا يذكرُونَ الله فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَن مثل جيفة حمَار وَكَانَ عَلَيْهِم حسرة يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\nقوله: وعنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة يوم القيامة\" الحديث، وخرج النسائي من\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٩).\n(^٢) أحمد (٩٩٦٥)، وابن حبان (٥٩١)، والحاكم (١/ ٤٩٢).\n(^٣) أبو داود (٢٨٥٥)، والحاكم (١/ ٤٩١)، والنسائي (١٠٢٣٦)، وابن السني (٤٤٦)، وأحمد (١٠٨٢٥)، وابن حبان (٥٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٢)، والأصبهاني في الترغيب (١٣٨٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٧٥٠).","vol":"7","page":290},{"text":"حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من قوم يجلسون مجلسا فتفرقوا قبل أن يذكروا الله إلا تفرقوا عن أنتن من ريح الجيفة وكان مجلسهم يشهد عليهم بعفلتهم وما جلس قوم مجلسا فذكروا الله تعالى قبل أن يتفرقوا إلا تفوقوا عن أطيب من ريح المسك وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم\" فإذا كان المجلس الذي لا يذكر فيه النبي - ﷺ - أنتن كان المجلس الذي يصلي عليه فيه تطيب رائحته، والمعنى في ذلك والله أعلم أنه - ﷺ - كان أطيب الطيبين وأطهر الطاهرين فإذا أكثر من ذكره ومن الصلاة عليه وأطاب المجلس لطيبه (^١) وكذلك روي عن بعض الصحابة أنه قال: ما من مجلس يصلي فيه على محمد - ﷺ - إلا يتأرج له رائحة طيبة حتى تبلغ عنان السماء فتقول الملائكة: هذه رائحة مجلس صلى فيه على محمد - ﷺ - (^٢)، يقال: إن للصلاة عليه رائحة تفوق روائح جميع الطيب تعلمها الملائكة وتميزها [من جميع] الطيب تكرمة [.......] وتعظيما له مع سائر [.......] بها قاله ابن الفرات في [تاريخه]، وقال بعض السلف: يعرض على ابن آدم ساعات عمره فكل ساعة لم يذكر الله فيها تنقطع نفسه عليها حسرات، والحسرة الندم فمن هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام فالسكوت عنه أفضل من التكلم به اللهم إلا أن تدعوا إليه الحاجة مما لابد منه، وقد روي عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: إياكم وفضول الكلام حسب امرئ ما يبلغ حاجته وأيضا فإن الإكثار من\n_________\n(^١) بستان الواعظين (ص ٢٩٣).\n(^٢) بستان الواعظين (ص ٢٨٦).","vol":"7","page":291},{"text":"الكلام الذي لا حاجة فيها يوجب قساوة القلب كما في الحديث فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسي القلب ذكره ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^١).\n\n٢٣٣٣ - وَعَن عبد الله بن مُغفل - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من قوم اجْتَمعُوا فِي مجْلِس فَتَفَرَّقُوا وَلم يذكرُوا الله إِلَّا كَانَ ذَلِك الْمجْلس حسرة عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْبَيْهَقِيّ ورواهُ الطَّبَرَانيُّ مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن مغفل - ﵁ -، هو: أبو سعيد وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو زياد عبد الله بن مغفل بن غنم المزني المدني البصري، ومزينة امرأة عثمان بن عمر، ونسبوا إليها وهي مزينة بنت كلب ابن وبرة، فولد عثمان يقال لهم مزينون وكان عبد الله من أهل بيعة الرضوان، سكن المدينة ثم تحولى إلى البصرة وابتنى بها دارا قرب الجامع وكان أحد البكاءين الذين نزلى فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (^٣) الآية، وكان أحد العشرة الذين بعضهم عمر بن الخطاب إلى البصرة يفقهون الناس وهو\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٣٧٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٠)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ١١٨، ١١٩).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٩٢.","vol":"7","page":292},{"text":"أول من دخل مدينة تستر حين فتحها المسلمون، روي له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثة وأربعون حديثا، توفي بالبصرة سنة ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين وصلى عليه أبو برزة الأسلمي بوصيته بذلك (^١)، وتقدم الكلام عليه في كتاب الطهارة وتقدم أيضا الكلام على معنى الحديث في الأحاديث قبله.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩٠ - ٢٩١ ترجمة ٣٣٤).","vol":"7","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>الترغيب في كلمات يكفرنا لغط المجلس</span>\n٢٣٣٤ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من جلس مَجْلِسا كثر فِيهِ لغطه فَقَالَ قبل أَن يقوم من مَجْلِسه ذَلِك سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك إِلَّا غفر لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسه ذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائيُّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك\" الحديث، اللغظ بالغين المعجمة والطاء المهملة اختلاط أصوات الكلام حتى لا تفهم وقال بعضهم هو صوت وضجة لا يفهم معناها وهما بمعنى والله أعلم.\n\n٢٣٣٥ - وَعَن أبي بَرزَة الأسْلَمِيّ - ﵁ - قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا جلس مَجْلِسا يَقُول بِآخِرهِ إِذا أَرَادَ أَن يقوم من الْمجْلس سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله إِنَّك\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٥٨)، والترمذي (٣٤٣٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٥٢٣٠)، وابن حبان (٥٩٤)، والحاكم (١/ ٥٣٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٤٧)، وأحمد (١٠٤١٥)، والطبراني في الأوسط (٧٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٨٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٩٢).","vol":"7","page":294},{"text":"لتقول قولا مَا كنت تَقوله فِيمَا مضى فَقَالَ كَفَّارَة لما يكون فِي الْمجْلس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: وعن أبي برزة الأسلمي - ﵁ -، أبو برزة الأسلمي [اسم أبى برزة الصحابى: نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله، وقال: نيار شيطان، وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديما، وشهد مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة. روى له عن رسول الله - ﷺ - ستة وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدى، والأزرق بن قيس، وغيرهم، نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفى بها، وقيل: توفى بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة، ﵁ (^٢)].\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٥٩)، والحاكم (١/ ٥٣٧)، والدرامي (٢٧٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٩ - ١٨٠ ترجمة ٧٢٥).","vol":"7","page":295},{"text":"قوله: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس مجلسا يقول بآخره إذا أراد أن يقوم من المجلس سبحانك اللهم وبحمدك، تقدم.\nقوله: \"كفارة لما يكون في المجلس\" أي: من الصغائر إذا لم يكن يتعلق بحق آدمي من غيبة ونميمة وغير ذلك فإن كان كذلك فلابد من التحلل من ذلك ولا يكفره هذا الذكر المذكور في الحديث، وأما [الكبائر] فلابد من التوبة منها والله أعلم.\n\n٢٣٣٦ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت إِن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ إِذا جلس مَجْلِسا أَو صلى تكلم بِكَلِمَات فَسَأَلته عَائِشَة عَن الْكَلِمَات فَقَالَ إِن تكلم بِخَير كَانَ طابعا عَلَيْهِنَّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن تكلم بشر كَانَ كفَّارَة لَهُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لا إِلَه إِلَّا انت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالنَّسَائيِّ وَاللَّفْظ لَهما وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات فسألته عائشة عن الكلمات فقال: \"إن تكلم بخير كان طابعا عليهن إلى يوم القيامة\" الطابع: بفتح الباء وكسرها والفتح أشهر هو الخاتم وتقدم ذكره في الوضوء وغيره.\n\n٢٣٣٧ - وَعَن جُبَير بن مطعم - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْد سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك\n_________\n(^١) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٢٣٣)، وأحمد (٢٤٤٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢٩).","vol":"7","page":296},{"text":"وَأَتوب إِلَيْك فَقَالَهَا فِي مجْلِس ذكر كَانَ كالطابع يطبع عَلَيْهِ وَمن قَالَهَا فِي مجْلِس لَغْو كَانَ كفَّارَة لَهُ رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَالطَّبَرَانيُّ ورجالهما رجال الصَّحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\n\n٢٣٣٨ - وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا جلس أحدكُم فِي مجْلِس فَلَا يبرحن مِنْهُ حَتَّى يَقُول ثَلَاث مَرَّات سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لا إِلَه إِلَّا أَنْت اغْفِر لي وَتب عَليّ فَإِن كَانَ أَتَى خيرا كَانَ كالطابع عَلَيْهِ وَإِن كَانَ مجْلِس لَغْو كَانَ كفَّارَة لما كَانَ فِي ذَلِك الْمجْلس (^٢).\n\n٢٣٣٩ - وَعَن رَافع بن خديج - ﵁ - قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - بأخره إِذا اجْتمع إِلَيْهِ أَصْحَابه فَأَرَادَ أَن ينْهض قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا أنت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّه لا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أنت قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله - ﷺ - إِن هَذِه كلِمَات أحدثتهن قَالَ أجل جَاءَنِي جِبْرَائِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد هن كَفَّارَات الْمجْلس رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الثَّلَاَثة بِاخْتِصَار بِإِسْنَاد جيد (^٣).\nقوله: بأخره بِفَتْح الْهمزَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة جَمِيعًا غير مَمْدُود أَي بآخر أمره.\n_________\n(^١) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٢٥٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٥٨٦)، والحاكم (١/ ٥٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٢)، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٣٠).\n(^٢) الديلمي في مسند الفردوس (١١٧٧).\n(^٣) النسائي في عمل اليوم الليلة (١٠٢٦٠)، والحاكم (١/ ٥٣٧)، والطبراني في الكبير (٤٤٤٥)، وفي الأوسط (٤٤٦٧)، وفي الصغير (٦١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤١)، ورجاله ثقات.","vol":"7","page":297},{"text":"٢٣٤٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵁ - أَنه قَالَ كلِمَات لا يتكَلَّم بِهن أحد فِي مجْلِس حق أَو مجْلِس بَاطِل عِنْد قِيَامه ثَلاث مَرَّات إِلَّا كفر بِهن عَنهُ وَلا يقولهن فِي مجْلِس خير ومجلس ذكر إِلَّا ختم الله لَهُ بِهن كمَا يخْتم بالخاتم على الصَّحِيفَة سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِليْك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١)\nقولهْ وعن رافع بن خديج - ﵁ -، كنيته أبو عبد الله ويقال أبو رافع ويقال ابن خديج، رافع بن خديج بن عدي بن زيد بن جشم بن الحارثة الأنصاري الحارثي المدني، توفي بالمدينة سنة أربع وسبعين وهوابن ست وثمانين وكان عريف قومه روى له عن رسول - ﷺ - ثمانية وسبعون حديثا اتفق البخاري ومسلم على خمسة ولمسلم ثلاثة (^٢) وتقدم الكلام عليه.\nقوله: \"كان رسول الله - ﷺ - يقول بآخره إذا اجتمع إليه أصحابه\" بآخره بفتح الهمزة والخاء المعجمة غير ممدود أي بأخر أمره أي بآخر عمره ويجوز أن يكون في آخر جلوسه.\nقوله \"سبحانك اللهم وبحمدك\" الحديث وهو علم للتسبيح ومعناه التنزيه عن النقائص وقوله \"وبحمدك\" أي وسبحت بحمدك أي بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوتي ففيه شكر الله على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله تعالى قاله الكرماني (^٣).\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٥٧)، وابن حبان (٥٩٣).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٨٧ ترجمة ١٦٢).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ١٥١).","vol":"7","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>الترغيب في قول لا إله إلا الله وما جاء في فضلها</span>\n٢٣٤١ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قلت يَا رَسُول الله من أسعد النَّاس بشفاعتك يَوْم الْقِيَامَة قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لقد ظَنَنْت يَا أَبَا هُرَيْرَة أَن لا يسألني عَن هَذَا الحَدِيث أحد أول مِنْك لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث أسعد النَّاس بشفاعتي يَوْم الْقِيَامَة من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله خَالِصا من قلبه أَو نَفسه رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله \"قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة\" أي من أحظى الناس بالسعادة.\nقوله - ﷺ - \"لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث\" أولى منك يعني قبلك وقال سيبويه هي بمعنى أقدم منك وقال السيرافي: يقال هذا أول منك أي قبلك وأنت أول منه ومررت بأول منك فإذا حذفوا منك قالوا هو الأول ولا يقول الأول منك لأن الألف واللام تعاقب منك (^٢) قاله في حاشية كتاب الشفا.\n_________\n(^١) البخاري (٩٩)، وأحمد (٨٨٥٨)، والنسائي في الكبرى (٥٨٤٢)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٦٩٩)، وابن منده في الإيمان (٩٠٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٢٥).\n(^٢) شرح الصحيح (١/ ١٧٦) لابن بطال.","vol":"7","page":299},{"text":"قوله - ﷺ - \"أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه\" الحديث، والخالص من كل شيء هو الذي لا يشوبه شيء آخر (^١) والمعني به ههنا هو الذي لا يشوبه الشرك والنفاق.\n\n٢٣٤٢ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من شهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن عِيسَى عبد الله وَرَسُوله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق أدخلهُ الله الْجنَّة على مَا كَانَ من عمل زَاد عبَادَة من أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية أَيهَا شَاءَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم (^٢).\n\n٢٣٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من شهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرم الله عَلَيْهِ النَّار (^٣).\nقوله: وعن عبادة بن الصامت - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه\" الحديث ذكر عيسى ﵇ تعريضا للنصارى وإيذانا أي إعلاما بأن إيمانهم مع القول بالتثليث شرك محض لا يخلصهم عن النار (^٤) فهذا يبطل\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٣٣).\n(^٢) البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٥٩٧٥).\n(^٣) مسلم (٢٩)، والترمذي (٢٦٣٨)، وأحمد (٢٢٧١١)، وابن حبان (٢٠٢)، والنسائي في اليوم والليلة (١٠٩٦٧).\n(^٤) تحفة الأبرار (١/ ٦٢).","vol":"7","page":300},{"text":"قولهم بأن عيسى ولده تعالى وأضاف لفظ العبد إلى ظاهر اسمه تعالى دون ضميره كما قال في حق محمد وأن محمدا عبده لأن محمدا لم يختلف في عبوديته بخلاف عيسى فأضيف إلى ظاهر الاسم ليكون أصرح دلالة في إبطال مذهبهم (^١).\nقوله \"ورسوله\" يبطل مذهب اليهود المنكرين لرسالته (^٢) أي سيدنا روح الله عيسى ﵇ - ﷺ - القائلين فيه ما لا يحل من قذفه وقذف أمه (^٣) أو لأنهم كانوا حضورا (^٤) وإنما عيسى كلمة الله لأن خلقة من غير ماء ونطفة [يشبه] إيجاد الإبداعات لمجرد تعلق الإرادة والأمر كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٥) وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (^٦) (^٧) وقيل سماه كلمة لتبشيرها أولا بولد ثم كونه بشرا فسماه كلمة (^٨) أو لأنه لما تكلم في غير أوانه سمي بالكلمة لغاية فصاحته وفرط استغراب الكلام منه كما سمي العادل بالعدل\n_________\n(^١) شرح المصابيح (١/ ٦٠).\n(^٢) شرح المشكاة (٢/ ٤٨٠)، وإرشاد السارى (٥/ ٤١٠)، وشرح المصابيح (١/ ٦٠).\n(^٣) شرح المشكاة (٢/ ٤٨٠)، وإرشاد السارى (٥/ ٤١٠).\n(^٤) تحفة الأبرار (١/ ٦٢).\n(^٥) سورة يس، الآية: ٨٢.\n(^٦) سورة آل عمران، الآية: ٥٩.\n(^٧) تحفة الأبرار (١/ ٦٣).\n(^٨) المفهم (١/ ١١٧).","vol":"7","page":301},{"text":"والمواظب على الصوم بالصوم وما يتعجب منه بالعجب وأضيف إلى الله تعالى تعظيما له ولكون كلامه خارقا للعادة (^١).\nوقوله \"ألقاها إلى مريم\" معناه أوصلها إليها وأوجدها فيها (^٢).\nوقوله \"وروح منه\" أي مبتدأ منه لأنه تعالى خلق روحا ابتداء بلا واسطة أصل وسبق مادة أو لأنه تعالى أحيا به الأموات كما أحيا بالأرواح الأبدان فسمي روحا لذلك (^٣) أو سمي روحا لأنه حدث بنفخ الروح بإرساله تعالى جبريل إلى [أمه، فنفخ في درعها مشقوقا] من قدامها فوصل النفخ إليها فحملت به مقدسا عن لوث النطفة [والتقلب في أطوار الخلقة] زمنا متطاولا (^٤) وروي عن أبي بن كعب في قوله \"وروح منه\" أن أروح عيسى ﵇ كان من الأرواح، التي أخذ عليها الميثاق في عهد آدم ثم ردها إلى [صلب آدم] عيسى إلى أن أراد خلقه فأرسله إلى مريم في [صورة بشر] سويا فحملته أي فحملت الذي [خاطبها وهو روح عيسى فدخل فيها] (^٥).\nواختلف في سبب تسميته مسيحا فقيل لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ وقيل لأنه كان ممسوح الرجل لا أخمص له وقيل لأنه خرج من بطن أمه\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٦٣).\n(^٢) الكشاف (١/ ٥٩٣)، وتحفة الأبرار (١/ ٦٣).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٤) شرح المصابيح (١/ ٦١).\n(^٥) تفسير الطبرى (٧/ ٧٠٥)، وشرح السنة (١/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"7","page":302},{"text":"ممسوحا بالدهن وقيل لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها وقيل المسيح الصديق قاله في النهاية (^١).\nوفي الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال \"أنه لا نبي بعدي\" (^٢) قال العلماء: وفيه دليل على أن عيسى بن مريم إذا نزل في آخر الزمان ينزل حكما من حكام هذه الأمة يحكم بشريعة نبينا - ﷺ - ولا [ينزل] نبيا (^٣) ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال \"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل عيسى بن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد\" (^٤) والله أعلم.\nقوله \"أدخله الله الجنة\" على ما كان من عمل وزاد جناده \"من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء\" الحديث، أي أدخله الله الجنة كائنا على ما كان من العمل طاعة كان أو معصية (^٥) أي فلا يعذبه بالنار وليس المراد أنه يصير إلى الجنة بعد التعذيب بالنار فإن هذا الحديث سيق للبشرى بدخول الجنة مع ما يكون من قبائح الأعمال إذا صح الإيمان وأيضا ممن فرض دخوله النار طهر بذلك من ذنوبه فلا يخرج من النار وعليه شيء من أدران أعماله القبيحة فظهر أن\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٥٥) ومسلم (٤٤ - ١٨٤٢) عن أبي هريرة.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٧٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢٢٢) و(٢٤٧٦) و(٣٤٤٨)، ومسلم (٢٤٢ و٢٤٣ - ١٥٥).\n(^٥) شرح السنة (١/ ١٠١).","vol":"7","page":303},{"text":"الذي يدخل الجنة على ما كان منه من العمل أنه إدخال ليس قبله تعذيب بالنار أو لا يدخل النار بالتعذيب ويدل على هذا الرواية الثانية في صحيح مسلم \"من شهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار\" وفيه دليل أيضا على أن المؤمن لا يخرج من الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها (^١) اهـ، ويؤيده أيضا حديث معاذ ويأتي بعد هذا الحديث وفي آخره \"ما من عبد يشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار\" فهذا الحديث مصرح بعدم التعذيب بالنار اهـ.\nوقال في شرح مشارق الأنوار: هذا حديث دليل على المعتزلة في مقامين:\nأحدهما: أن العصاة من أهل القبلة لا تخلد في النار لعموم قوله - ﷺ - \"من شهد أن لا إله إلا الله ... الحديث\" ولثبوت قوله ﵇ \"أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان\" (^٢).\nوثانيهما: أنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة لقوله - ﷺ - \"على ما كان من العمل\" لأنه حال من الضمير الكائن في أدخله (^٣).\n\n٢٣٤٤ - وَعَن أنس - ﵁ -: أَن النَّبِي - ﷺ - ومعاذ رديفه على الرحل قَالَ يَا معَاذ بن جبل قَالَ لبيْك يَا رَسُول الله وَسَعْديك ثَلَاثًا قَالَ مَا من أحد يشْهد أَن لا إِلَه\n_________\n(^١) شرح السنة (١/ ١٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٦٠)، ومسلم (٣٠٤ - ١٨٤).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٦٤ - ٦٥)، وشرح المشكاة (٢/ ٤٨٠).","vol":"7","page":304},{"text":"إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صدقا من قلبه إِلَّا حرمه الله على النَّار قَالَ يَا رَسُول الله أَفلا أخبر بِهِ النَّاس فيستبشروا قَالَ إِذا يتكلوا وَأخْبر بهَا معَاذ عِنْد مَوته تأثما رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nتأثما أَي تحرجا من الإِثْم وخوفا مِنْهُ أَن يلْحقهُ إِن كتمه.\nقَالَ المملي عبد الْعَظِيم وَقد ذهب طوائف من أساطين أهل الْعلم إِلَى أَن مثل هَذِه الإطلاقات الَّتِي وَردت فِيمَن قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة أَو حرم الله عَلَيْهِ النَّار وَنَحْو ذَلِك إِنَّمَا كَانَ فِي ابْتِدَاء الإِسْلَام حِين كَانَت الدعْوَة إِلَى مُجَرّد الإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ فَلَمَّا فرضت الْفَرَائِض وحدت الْحُدُود نسخ ذَلِك والدلائل على هَذَا كَثِيرَة متظاهرة وَقد تقدم غير مَا حَدِيث يدل على ذَلِك فِي كتاب الصَّلَاة وَالزَّكاة وَالصِّيَام وَالْحج وَيَأْتِي أَحَادِيث أخر مُتَفَرِّقَة إِن شَاءَ الله وَإِلَى هَذَا القَوْل ذهب الضَّحَّاك وَالزهْرِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيرهم وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى لا احْتِيَاج إِلَى ادِّعَاء النّسخ فِي ذَلِك فَإِن كل مَا هُوَ من أَرْكَان الدّين وفرائض الإِسْلَام هُوَ من لَوَازِم الإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ وتتماته فَإِذا أقرّ ثمَّ امْتنع عَن شَيء من الْفَرَائِض جحدا أَو تهاونا على تَفْصِيل الْخلاف فِيهِ حكمنَا عَلَيْهِ بالْكفْر وَعدم دُخُول الْجنَّة وَهَذَا القَوْل أَيْضا قريب وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى التَّلَفُّظ بِكَلِمَة التَّوْحِيد سَبَب يَقْتَضِي دُخُول الْجنَّة والنجاة من النَّار بِشَرْط أَن يَأْتِي بالفرائض ويجتنب الْكَبَائِر فَإِن لم يَأتِ بالفرائض وَلم يجْتَنب الْكَبَائِر لم يمنعهُ التَّلَفُّظ بِكَلِمَة التَّوْحِيد من دُخُول النَّار وَهَذَا قريب مِمَّا قبله أَو هُوَ هُوَ\n_________\n(^١) البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).","vol":"7","page":305},{"text":"وَقد بسطنا الْكَلام على هَذَا وَالْخلاف فِيهِ فِي غير مَا مَوضِع من كتبنَا وَالله ﷾ أعلم.\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"أن النبي - ﷺ - ومعاذ رديفه على الرحل\" رديفه بفتح الراء وكسر الدال المهملة أي ركب خلف رسول الله - ﷺ -.\nوقوله \"على الرحل\" الرحل للبعير وهو أصغر من القتب وفي رواية \"كنت ردف النبي - ﷺ -\" بكسر الراء وسكون الدال المهملتين وفي رواية أخرى \"رديف النبي - ﷺ -\" بزيادة ياء وهو الراكب خلف الراكب أصله من ركوبه على الردف وهو العجز (^١) وفيه جواز الارتداف (^٢) وجواز ركوب اثنين وثلاثة على دابة إذا كان ذلك لا يضر بها (^٣).\nقوله - ﷺ - \"قال يا معاذ بن جبل\" يختار فيه فتح الذال ويجوز ضمها (^٤).\nقوله \"قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا\" لبيك معناه أنا مقيم على طاعتك وسعديك أي سعيد على طاعتك من المصادر التي يجب حذف فعلها وكان حقهما أن يقال لبا لك وإسعادا لك وتقدم معنى لبيك وسعديك في الحج وغيره (^٥).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وشرح النووي على مسلم (١/ ٢٣٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٥).\n(^٣) طرح التثريب (٧/ ٢٤٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٣١).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٣١).","vol":"7","page":306},{"text":"قوله - ﷺ - \"قال ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار\" أي صادقا من قلبه ومعناه الإخلاص فإنه من لم يأت بالشهادتين على الإخلاص لا ينتفع بعمله.\nقوله \"وأخبر بها معاذ عند موته تأثما\" أي تحرجا من الإثم وخوفا منه أن يلحقه إن كتمه، قاله الحافظ، وقال غيره تأثما هو بفتح الهمزة وضم الثاء المثلثة المشددة (^١) أي تجنبا للإثم (^٢). يقال تأثم فلان إذا فعل فعلا خرج به من الإثم (^٣) أي تجنبا المأثم وتحرج أزال عنه الحرج وتحنث أزال عنه الحنث ومعنى تأثم معاذ أنه كان يحفظ علما فخاف فواته وذهابه بموته فخشي ممن يكون كتم علما وممن لم يمتثل أمر رسول الله - ﷺ - في تبليغ سنته فيكون آثما فاحتاط وأخبر بهذه السنة مخافة الإثم وعلم أن النبي - ﷺ - لم ينهه عن الإخبار بها نهي تحريم (^٤) وقد اختار الشيخ الإمام ابن الصلاح فقال: منعه من التبشير العام خوفا من أن يسمع ذلك من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكل، وأخبر - ﷺ - على الخصوص من أمن عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة فإنه أخبر به معاذا فسلك معاذ هذا المسلك فأخبر به من الخاص من رآه أهلا لذلك (^٥) والله أعلما هـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٤٠).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٤).\n(^٣) النهاية (١/ ٢٤)، وشرح النووي على مسلم (١/ ٢٤٠).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٤١).","vol":"7","page":307},{"text":"وفيه منزلة معاذ و[عزته] عند رسول الله - ﷺ -، وقيل علم معاذ أن [النهي عن الإخبار جاء لأن] لا يعتمدوا ويتركوا العمل والقوم يومئذ حديثي العهد بالإسلام فلما استقاموا وثبتوا وصاروا حريصين على العبادة حيث علموا أن عبادة الله تزيد تقربا إليه أخبرهم به أو علم أنه ﵇ لم ينهه عن الإخبار بها نهي تحريم والله أعلم أو يقول أو لعل المنع ما كان إلا من العوام لأنه من الأسرار الإلهية لا يجوز كشفها إلا للخواص من أن يسمع ذلك من لا علم له فيشكل عليه ولهذا لم يخبر النبي - ﷺ - به إلا من آمن عليه الاتكال من أهل المعرفة وسلك معاذ أيضًا هذا المسلك حيث أخبر به أهلا لذلك، ولا يبعد أن يقال إن نداءه - ﷺ - للتوقف في إفشاء هذا السر عليه [أيضا]، وفيه منزلة معاذ عند رسول الله - ﷺ - (^١).\nقال الحافظ ﵀: وقد ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال لا إله إلا الله دخل الجنة أو حرم الله عليه النار ونحو ذلك إنما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد فلما فرضت الفرائض وحدت الحدود نسخ ذلك، والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة، وقد تقدم غير ما حديث يدل على هذا في كتاب الصلاة والزكاة والصيام والحج والنسخ عبارة عن رفع الشارع - ﷺ - حكما منه متقدما بحكم منه متأخرا هذا هو المختار في حده، وقيل فيه غير ذلك، ثم النسخ يعرف بأمور منها تصريح رسول الله - ﷺ - به ككنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ومنها قول الصحابي: كان آخر لأمرين ترك الوضوء\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ١٥٦).","vol":"7","page":308},{"text":"مما مست النار، ومنها: ما يعرف بالتاريخ، ومنها: ما يعرف بالإجماع كقتل شارب الخمر في المرة الرابعة فإنه منسوخ عرف نسخه بالإجماع والإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ لكن يدل على وجود ناسخ والله أعلم ويذكر باقي كلام الحافظ الذي قاله في الترغيب (^١).\n\n٢٣٤٥ - وَرُوِيَ عَن زيد بن أَرقم - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله مخلصا دخل الْجنَّة قيل وَمَا إخلاصها قَالَ أَن تحجزه عَن محارم الله رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط وَفي الْكَبِير إِلَّا أَنه قَالَ أَن تحجزه عَمَّا حرم الله عَلَيْهِ (^٢).\nقوله: وروي عن زيد بن أرقم - ﵁ -.\nفائدة قوله - ﷺ -: \"من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة\" قيل: وما إخلاصها؟ قال: \"أن تحجزه عن محارم الله\" الحديث، الحجز: المنع.\nفائدة: وروي الترمذي الحكيم في نوادره عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ - \" (لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله تعالى ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا لا إله إلا الله ردت عليهم وقال الله تعالى كذبتم\" (^٣)، وذكر أبو عبد الله الترمذي الحكيم عن الحسن قال: ليس\n_________\n(^١) سبق الإشارة إليه.\n(^٢) الطبراني في الأوسط (١٢٣٥)، وفي الكبير (٥٠٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨)، رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، وهو ضاع.\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد (ص ١٤٤)، وأبو يعلى كما في المطالب (٣٢٨٥)، وابن عدي (٥/ ٢٠)، والحكيم الترمذي (٤/ ٥٥٠)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ١٠٠ - ١٠١ =","vol":"7","page":309},{"text":"الإيمان بالتحلي ولا الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: \"من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة\" قيل: يا رسول الله ما إخلاصها؟ قال: \"أن تحجره عن محارم الله تعالى\" (^١).\n\n٢٣٤٦ - وَعَن رِفَاعَة الْجُهَنِيّ - ﵁ - قَالَ أَقبلنَا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - حَتَّى إِذا كُنَّا بالكديد أَو بِقديد فَحَمدَ الله وَقَالَ خيرا وَقَالَ أشهد عِنْد الله لا يَمُوت عبد يشْهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله صدقا من قلبه ثمَّ يسدد إِلَّا سلك فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث (^٢).\nقوله: وعن رفاعة الجهني - ﵁ -[هو رفاعة بن عرابة وقيل: عراة الجهني، ويقال: العذري، يكنى خزامة روى عنه عطاء بن يسار، مدني، يعد في أهل الحجاز].\n_________\n= رقم ١٠٠١٥ و١٠٠١٦). وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧٧)، ثم قال: رواه البزار، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٣٠١).\n(^١) نوادر الأصول (٤/ ٤٩٦). والحديث أخرجه الترمذي في النوادر (٤٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٥٦ رقم ١٢٣٥) عن زيد بن أرقم. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا شريك، تفرد به: محمد بن عبد الرحمن. قال العراقى في تخريح الإحياء (ص ٥٢١): أخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم في معجمه الكبير والأوسط بإسناد حسن.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، إلا أنه قال في الكبير: قال رسول الله - ﷺ -: \"إخلاصه أن تحجزه عما حرم الله عليه\". وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، وهو وضاع. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥١٤٨).\n(^٢) أحمد (١٦٢١٥)، وابن خزيمة في التوحيد (ص ٣١٣).","vol":"7","page":310},{"text":"قوله: أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - حتى إذا كنا بالكديد أو بقديد، الكديد بفتح الكاف وبعدها دال مهملة مكسورة وياء آخر الحروف ساكنة ودال مهملة اسم عين جارية بينها وبين مكة قريب من مرحلتين (^١)، وقيل: اثنين وأربعين ميلا (^٢)، وقديد بضم أوله على لفظ التصغير قرية جامعة كثيرة المياه والبساتين من أعمال الفرع، والفرع حجازي من أعمال المدينة ومن أشرف ولاياتها وبين قديد والكديد ستة عشر ميلا، الكديد أقرب إلى مكة، وسميت قديدا لتقدد السيول بها أي تقطعها وهي لخزاعة وصغروه لأنهم شبهوه بالقديد وهو الشراك الصغير وبقديد كانت وقعة الخارجي الذي يقال له طالب الحق مع أهل المدينة، وفي الكتب القديمة أن قديدا هو الوادي الذي وقعت فيه الريح بسليمان وأنه هو الذي أتى فيه بصاحبة سبأ (^٣)، وسبأ اسم بلدة كانت تسكنها بلقيس (^٤) قاله في الحواشي على الشفا.\nقوله - ﷺ -: \"أشهد عند الله لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقا من قلبه ثم يسدد إلا سلك في الجنة\" الحديث يحترز به عن شهادة المنافقين (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٩/ ١١٥ - ١١٦) و(١٢/ ١٩٥).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٥١)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢٣٠).\n(^٣) الاقتضاب (٢/ ٣٥٩).\n(^٤) المحكم (٨/ ٥٥٩).\n(^٥) الكواكب الدراري (٢/ ١٥٥).","vol":"7","page":311},{"text":"٢٣٤٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا قَالَ عبد لا إِلَه إِلَّا الله قطّ مخلصا إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء حَتَّى يُفْضِي إِلَى الْعَرْش مَا اجْتنبت الْكَبَائِر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nوقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر\"، وتقدم معنى الإخلاص في أحاديث الباب أيضًا، وروي عن الحسن أنه قال: هذا العمود فأين الطنب؟ يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه وهي فعل الواجبات وترك المحرمات، وقيل للحسن أن ناسا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة، ذكره ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^٢)، وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قال لا إله إلا الله ومد بها صوته أسكنه الله ﷿ دار الجلال، دارا سمى بها نفسه فقال ذو الجلال والإكرام، ورزقه النظر إلى وجه الله\" رواه منصور الديلمي في كتابه مسند الفردوس عن والده بسنده إلى عبد الله بن عمر وقال: متصل الإسناد (^٣)، وعن أنس بن مالك أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قال لا إله\n_________\n(^١) الترمذي (٣٥٩٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٦٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٤٨).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٥٢٢).\n(^٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٦٨)، والديلمي كما في الزيادات على =","vol":"7","page":312},{"text":"إلا الله ومدها هدمت أربعة آلاف ذنب من الكبائر\" رواه منصور الديلمي عن والده بسنده إلى أنس مرفوعا فذكره وقال: متصل الإسناد (^١).\nفائدة: عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - إن لله ﷿ ملكا يوم خلق السموات والأرض وأمره أن يقول لا إله إلا الله فهو يقول لا إله إلا الله مادا بها صوته لا يقطعها ولا يتنفس فيها ولا يتمها فإذا أتمها أمر الله إسرافيل ينفخ في الصور وقامت القيامة\" رواه أبو منصور في مسند الفردوس بسنده إلى عبد الله بن عباس قال سألت رسول الله - ﷺ - متى ينفخ في الصور؟ فقال سألت جبريل ﵇. متى ينفخ في الصور؟ فقال سألت إسرافيل متى ينفخ في الصور؟ فقال سألت الرفيع متى ينفخ في الصور؟ فقال سألت اللوح المحفوظ متى ينفخ في الصور؟ فقال سألت القلم متى ينفخ في الصور؟ فقال إن الله ﷿ خلق ملكا ... الحديث (^٢). قال الكاسهردار غفر الله له ولوالديه: قيل الرفيع هو اسم ملك من حملة العرش والله أعلم.\nلطيفة: قال رسول الله - ﷺ - \"أريت حمزة وجعفرا وكأن بين أيديهما طبق فيه نبق كالزبرجد يأكلان منه فقلت لهما: ما وجدتما أفضل الأقوال والأعمال قالا لا إله إلا الله قلت ثم ماذا قالا الصلاة عليك يا رسول الله قلت ثم ماذا؟\n_________\n= الموضوعات (٧٢٠). وقال الذهبى في الميزان (٢/ ٣٣٨): وهذا باطل. قال السيوطى: عباد بن كثير يضع.\n(^١) أخرجه الديلمى كما في الزيادات على الموضوعات (٧٢١). قال السيوطى: يغنم كذاب.\n(^٢) أخرجه ابن النجار كما في الوافى (٥/ ١٤٨)، والزيادات على الموضوعات (٢/ ٦٣٩)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٦٩٩).","vol":"7","page":313},{"text":"قالا حب أبي بكر وعمر\" (^١).\n\n٢٣٤٨ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله نفعته يَوْمًا من دهره يُصِيبهُ قبل ذَلِك مَا أَصَابَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانيُّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٢).\nقوله: وعنه - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره\" [قال النووي: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة، وأن من مات موقنا بالشهادتين يدخل الجنة، فإن كان دينا أو سليما من المعاصي دخل الجنة برحمة الله، وحرم على النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهي أو بعضها ومات عن غير توبة فهو في خطر المشيئة، وهو بصدد أن يمضي عليه الوعيد إلا أن يشاء الله أن يعفو عنه فإن شاء أن يعذبه فمصيره الجنة (^٣)].\n\n٢٣٤٩ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ قَالَ مُوسَى - ﷺ - يَا رب عَلمنِي شَيْئا أذكرك بِهِ وأدعوك بِهِ قَالَ قل لا إِلَه إِلَّا الله قَالَ يَا رب\n_________\n(^١) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٥٤٧).\n(^٢) البزار (٣)، والطبراني في الأوسط (٦٣٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٧)، وفي الأسماء والصفات (١٩٠)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧)، رواه البزار والطبراني في الأوسط والصغير، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٣٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٢٢٠).","vol":"7","page":314},{"text":"كل عِبَادك يَقُول هَذَا قَالَ قل لا إِلَه إِلَّا الله قَالَ إِنَّمَا أُرِيد شَيْئًا تخصني بِهِ قَالَ يَا مُوسَى لَو أَن السَّمَوَات السَّبع وَالأرضين السَّبع فِي كفة وَلا إِلَه إِلَّا الله فِي كفة مَالَتْ بهم لا إِلَه إِلَّا الله رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم كلهم من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله\".\nقوله: كلهم من طريق دراج عن أبي الهيثم [هو سليمان بن عمرو بن عبد، ويقال: ابن عبيد، الليثي العتواري، أبو الهيثم المصري صاحب أبي سعيد الخدري، وكان في حجره أوصى إليه أبوه به وثقه يحيى بن معين وذكره ابن حبان في الثقات].\n\n٢٣٥٠ - وَعَن جَابر - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أفضل الذّكر لا إِلَه إِلَّا الله وَأفضل الدُّعَاء الْحَمد لله رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائيُّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم كلهم من طَرِيق طَلْحَة بن خرَاش عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٧٠)، وابن حبان (٦٢١٨)، والحاكم (١/ ٥٢٨)، والطبراني في الدعاء (١٤٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٨٥).\n(^٢) ابن ماجه (٣٨٠٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٧)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١/ ٤٩٨)، والترمذي (٣٣٨٣)، وقال: حديث حسن غريب، والأصبهاني في الترغيب (٢٥٠٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٤٢)، وابن أبي الدنيا في الشكر (١٠٢)، والخرائطي في فضيلة الشكر (٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٣٧١)، والبغوي في شرح السنة (١٢٦٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١١٠٤).","vol":"7","page":315},{"text":"قوله: وعن جابر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله\" اختلف العلماء أيهما أفضل قول العبد الحمد لله أو لا إله إلا الله فقال طائفة الحمد لله أفضل لأن في ضمنها التوحيد الذي هو لا إله إلا الله ففي ذلك توحيد وحمد وفي قول لا إله إلا الله توحيد فقط (^١) وقال الأكثرون لا إله إلا الله أفضل لأنها تدفع الكفر والإشراك وعليها تقاتل الخلق لقوله - ﷺ - \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" وهي أفضل ما قاله النبي - ﷺ - والنبيون قبله (^٢) وهي ترجح الميزان وإن كانت كلمة الحمد تملأ الميزان فالمرجح أرجح، وفي شعب الإيمان للبيهقي عن معروف الكرخي، يقول: وح رجل البيت، فقال: \"اللهم لك الحمد عدد عفوك عن خلقك\"، ثم حج من قابل فقالها فسمع صوتا ما أحصيناها منذ قلتها عام أول (^٣) اهـ قاله في الديباجة (^٤).\nتنبيه: اختلف أيضا في الحمد والتسبيح غير أن ابن خزيمة في موضع يفضل التسبيح وفي باب آخر يفضل الحامدين وأيضا فالحامد ذاكر للنعمة مثن بها على الله تعالى فعبادته لها سبب موجود عنده وقال فلأن الحامدين أفضل من\n_________\n(^١) تفسير ابن عطية (١/ ٦٦).\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ١٣٢).\n(^٣) شعب الإيمان (٦/ ٧٣ رقم ٣٩٠١).\n(^٤) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":316},{"text":"المسبحين وأما التسبيح فليس له سبب عنده والفضل حاصل بنفس الكلمات التي ينطق بها والحامدون يثابون بسبب حمدهم لله تعالى على نعمه اهـ قاله في الديباجة (^١).\nقوله: كلهم من طريق طلحة بن خراش عنه [طلحة بن خراش - بالخاء المعجمة - بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة، الأنصاري السلمي المدني روى عن جابر قال النسائي: صالح، وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\" قال ابن عبد البر: مدني ثقة. وقال الأزدي: طلحة روى عن جابر مناكير. وذكره أبو موسى في ذيل معرفة الصحابة، وبين أن حديثه مرسل].\n\n٢٣٥١ - وَعَن يعلى بن شَدَّاد قَالَ حَدثنِي أبي شَدَّاد بن أَوْس - ﵁ - وَعبادَة بن الصَّامِت حَاضر يصدقهُ قَالَ كُنَّا عِنْد النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ هَل فِيكُم غَرِيب يَعْني أهل الْكتاب قُلْنَا لا يَا رَسُول الله فَأمر بغلق الْبَاب وَقَالَ ارْفَعُوا أَيْدِيكُم وَقُولُوا لا إِلَه إِلَّا الله فرفعنا أَيْدِينَا سَاعَة ثمَّ قَالَ الْحَمد لله اللَّهُمَّ إِنَّك بعثتني بِهَذِهِ الْكَلِمَة وأمرتني بهَا ووعدتني عَلَيْهَا الْجنَّة وَأَنت لا تخلف الميعاد ثمَّ قَالَ أَبْشِرُوا فَإِن الله قد غفر لكم رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانيّ وَغَيرهمَا (^٢).\nقوله: وعن يعلى بن شداد [يعلى بن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري الخزرجي البخاري، أبو ثابت المقدسي، روى عن: أبيه شداد بن أوس،\n_________\n(^١) سبق.\n(^٢) أحمد (١٧١٢١)، والطبراني في الكبير (٧١٦٣)، والبزار (١٠)، والحاكم (١/ ٥١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨١)، رواه أحمد وفيه راشد بن داود، وقد وثقه غير واحد، وفيه ضعف، وقال في (١/ ١٩)، رواه أحمد والطبراني والبزار ورجاله موثقون.","vol":"7","page":317},{"text":"وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، وأم حرام بنت ملحان، روى عنه: جسر بن الحسن اليمامي، وراشد بن داود الصنعاني وقيل بينهما نافع، وسليمان بن عبد الله بن الزبرقان وغيرهم ذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\" وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء].\n\n٢٣٥٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - جددوا إيمَانكُمْ قيل يَا رَسُول الله وَكَيف نجدد إيمَاننَا قَالَ أَكْثرُوا من قَول لا إِلَه إِلَّا الله رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانيُّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا قال أكثروا من قول لا إله إلا الله\".\nفائدة: قال الإمام فخر الدين الرازي في أسرار التنزيل (^٢): [ذكر الله تعالى كلمة لا إله إلا الله في سبعة وثلاثين موضعا من كتابه وصرح بالوحدانية في مواضع مثل قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٣) وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وكل ذلك صريح في الباب. ورابعها: قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ (^٤)\n_________\n(^١) أحمد (٨٧١٠)، والحاكم (٤/ ٢٥٦)، والبزار (٦٦٤)، - وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٢)، رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٢٦).\n(^٢) تفسير الرازي (٢٢/ ١٣٠).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.\n(^٤) سورة القصص، الآية: ٨٨.","vol":"7","page":318},{"text":"حكم بهلاك كل ما سواه، ومن عدم بعد وجوده لا يكون قديما، ومن لا يكون قديما لا يكون إلها. وخامسها: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^١)، وهو كقوله: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٢) وقوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (^٣). وسادسها: قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (^٤) ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (^٥) وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ (^٦). وسابعها: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ (^٧) وهذا الحصر يدل على نفي الشريك. وثامنها: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٨) والله خالق كل شيء].\nفائدة جليلة فيها بشرى: قال بعض العارفين: أوصيك أن تحافظ على أن\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٢.\n(^٢) سورة المؤمنون، الآية: ٩١.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٤٢.\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ١٧.\n(^٥) سورة يونس، الآية: ١٠٧.\n(^٦) سورة الزمر، الآية: ٣٨.\n(^٧) سورة الأنعام، الآية: ٤٦.\n(^٨) سورة الرعد، الآية: ١٦.","vol":"7","page":319},{"text":"تشتري نفسك من الله بعتق رقبتك من النار بأن تقول لا إله إلا الله سبعين ألف مرة فإن الله يعتق رقبتك أو رقبة من تقولها عنه من النار ورد به خبر نبوي وأخبرني أبو العباس أحمد بن علي بن فخرى عن ابن التوزرى عرف بالقسطلاني بمصر أن العارف أبا الربيع المالقي كان على مائدة وقد ذكر هذا الذكر عليها صبي صغير من أهل الكشف فلما مد يده للطعام بكى فقيل: ما شأنك قال: هذه جهنم أراها وأمي فيها فقال المالقي في نفسه: اللهم إني قد جعلت هذه التهليلة عتق أمه من النار فضحك الصبي وقال: الحمد لله الذي خرجت أمي منها وما أدري سبب خروجها، قال المالقي: فظهر لي صحة الحديث بكشف هذا الصبي وصح عندي كشف هذا الصبي بالخبر (^١). اهـ والله أعلم.\n\n٢٣٥٤ - وَعَن عَمْرو - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِنِّي لأعْلم كلمة لا يَقُولهَا عبد حَقًا من قلبه فَيَمُوت على ذَلِك إِلَّا حرم على النَّار لا إِلَه إِلَّا الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وروياه بِنَحْوِهِ (^٢).\n_________\n(^١) ذكره صاحب الفتوحات المكية (٤/ ٤٧٤). قلنا وهذا على عادته من نقل الخرافات والبدع والتهاويل الصوفية التي لا دليل عليها من كتاب ولا سنة وقد حكم غير واحد عليه بالكفر والزندقة.\n(^٢) الحاكم (١/ ٧٢)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ولا بهذا الإسناد، إنما اتفقا على حديث محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك، الحديث الطويل في آخره.","vol":"7","page":320},{"text":"٢٣٥٣ - وَعَن عبد الله - ﵁ -: من جَاءَ بِالْحَسَنَة قَالَ من جَاءَ بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ قَالَ من جَاءَ بالشرك رَوَاهُ الْحَاكم مَوْقُوفا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: وعن عمرو - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار لا إله إلا الله\" الحديث.\nقوله \"حقا من قلبه\" أي خالصا.\nتنبيه: عن زيد بن أرقم - ﵁ -: قال: قال رسول الله الأنعام، - ﷺ -.: \"إن الله عهد إلي ألا يأتيني أحد من أمتي بلا إله إلا الله لا يخلط بها شيئا إلا وجبت له الجنة قالوا: يا رسول الله وما الذي يخلط بلا إله إلا الله؟ قال: \"حرصا على الدنيا وجمعا لها ومنعا لها، يقولون قول الأنبياء ويعملون أعمال الجبابرة\" (^٢).\nقلت: ذكر هذا الحديث أبو عبد الله القرطبي ولم يضعفه ومن خطه نقلته (^٣).\n\n٢٣٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَكْثرُوا من شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَّا الله قبل أَن يُحَال بَيْنكُم وَبَينهَا رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد قوي (^٤).\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٤٠٦).\n(^٢) أخرجه الحكيم الترمذي (٤٧). وضعفه العراقي في تخريج الإحياء.\n(^٣) تفسير القرطبي (١٠/ ٦٠).\n(^٤) أبو يعلى (٦١٤٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٣٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠٨٢)، رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير ضمام بن إسماعيل، وهو ثقة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢١٢).","vol":"7","page":321},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها\" أي من مرض أو عرض وغيرهما فيمنعه ذلك من الإكثار منها.\n\n٢٣٥٦ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَفَاتِيح الْجنَّة شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَّا الله رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار (^١).\n\n٢٣٥٧ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من عبد قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله فِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار إِلَّا طمست مَا فِي الصَّحِيفَة من السَّيِّئَات حَتَّى تسكن إِلَى مثلهَا من الْحَسَنَات رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله\".\nتتمة: اسم الله في القرآن في ألفين وستمائة وأربع وأربعين موضعا واسم آدم في سبع وعشرين موضعا (^٣) واسم نوح في ثمان وعشرين موضعا (^٤) وأسم\n_________\n(^١) أحمد (٢٢١٠٢)، والبزار (٢)، وقال: شهر لم يسمع من معاذ حديثا، والطبراني في الدعاء (١٤٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦)، رواه أحمد والبزار، وفيه انقطاع بين شهر ومعاذ، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة وهذا منها، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٢٦٤).\n(^٢) أبو يعلى (٣٦١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٢)، وفيه عثمان بن عبد الرحمن الزهري، وهو متروك.\n(^٣) عمدة القاري (١٥/ ٢٠٤).\n(^٤) عمدة القاري (١٥/ ٢١٧).","vol":"7","page":322},{"text":"إدريس في موضعين واسم هود في ستة مواضع واسم صالح في خمسة مواضع واسم إبراهيم في أحد وسبعين موضعا واسم لوط في تسعة عشر موضعا واسم يوسف سبعة وعشرين موضعا (^١) واسم شعيب تسعة مواضع (^٢) واسم موسى في مائة وثمانية وعشرين (^٣) والله أعلم.\n\n٢٣٥٨ - وَروِيَ عَن أبي هرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن لله ﵎ عمودا من نور بَين يَدي الْعَرْش فَإِذا قَالَ العَبْد لَا إِلَه إِلَّا الله اهتز ذَلِك العمود فَيَقُول الله ﵎ اسكن فَيَقُول كَيفَ أسكن وَلم تغْفر لقائلها فَيَقُول إِنِّي قد غفرت لَهُ فيسكن عِنْد ذَلِك رَوَاهُ الْبَزَّار وَهُوَ غَرِيب (^٤).\nقوله: وروي عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"إن لله ﵎ عمودا من نور بين يدي العرش فإذا قال العبد لا إله إلا الله اهتز ذلك العمود\" الحديث.\nفائدة جليلة فيها بشرى: عن أنس بن مالك قال قال رسول الله - ﷺ - \"إذا قال العبد المسلم لا اله إلا الله خرقت السموات حتى تقف بين يدى الله فيقول الله اسكني اسكني فتقول كيف اسكن ولم تغفر لقائلها فيقول ما اجريتك على\n_________\n(^١) عمدة القاري (١٥/ ٢٧٧).\n(^٢) عمدة القاري (١٥/ ٣١١).\n(^٣) عمدة القاري (١٥/ ٢٨٤).\n(^٤) البزار (٣٠٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٢)، وفيه عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو، وهو ضعيف جدا.","vol":"7","page":323},{"text":"لسانه إلا وقد غفرت له\" (^١) قوله \"خرقت\" أي قطعت وجازت رواه أبو منصور الديلمي في كتابه مسند الفردوس بسنده عن والده إلى أنس بن مالك مرفوعا فذكره وقال صحيح الإسناد.\n\n٢٣٥٩ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَيْسَ على أهل لا إِلَه إِلَّا الله وَحْشَة فِي قُبُورهم وَلا منشرهم وَكَأَنِّي أنظر إِلَى أهل لا إِلَه إِلَّا الله وهم يَنْفضونَ التُّرَاب عَن رؤوسهم وَيَقُولُونَ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن.\nوَفِي رِوَايَة لَيْسَ على أهل لا إِلَه إِلَّا الله وَحْشَة عِنْد الْمَوْت وَلا عِنْد الْقَبْر رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَالْبَيْهَقِيّ كِلاهُمَا من رِوَايَة يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي وَفِي مَتنه نَكَارَة (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا منشرهم\" الحديث، المنشر هو إحياء الموتى عند خروجهم من القبور.\n\n٢٣٦٠ - وَعَن عبد الله بن عمر - ﵄ - أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أخْبركُم بِوَصِيَّة نوح ابْنه قَالُوا بلَى قَالَ أوصى نوح ابْنه فَقَالَ لَابْنِهِ يَا بني إِنِّي أوصيك بِاثْنَتَيْنِ وأنهاك عَن اثْنَتَيْنِ أوصيك بقول لا إِلَه إِلَّا الله فَإِنَّهَا لَو وضعت فِي كفة وَوضعت السَّمَوَات وَالأرْض فِي كفة لرجحت بِهن وَلَو كَانَت حَلقَة\n_________\n(^١) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٢٢١) عن أنس. وفيه علي بن عاصم ضعيف.\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٩٤٧٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠)، والطبراني (٩٤٤٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٣)، وفي الرواية الأولى يحيى الحماني، وفي الأخرى مجاشع بن عمرو، وكلاهما ضعيف.","vol":"7","page":324},{"text":"لقصمتهن حَتَّى تخلص إِلَى الله فَذكر الحَدِيت رَوَاهُ الْبَزَّار (^١) وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا ابْن إِسْحَاق.\nوَهُوَ فِي النَّسَائيِّ عَن صَالح بن سعيد رَفعه إِلَى سُلَيْمَان بن يسَار إِلَى رجل من الأنْصار لم يسمه (^٢).\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم عَن عبد الله وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَلَفظه قَالَ وآمركما بِلا إِلَه إِلَّا الله فَإِن السَّمَوَات وَالأرْض وَمَا فيهمَا لَو وضعت فِي كفة وَوضعت لا إِلَه إِلَّا الله فِي الكفة الأُخْرَى كَانَت أرجح مِنْهُمَا وَلَو أَن السَّمَوَات وَالأرْض وَمَا فيهمَا كَانَت حَلقَة فَوضعت لا إِلَه إِلَّا الله عَلَيْهِمَا لقصمتهما وآمر كما بسبحان الله وَبِحَمْد فَإِنَّهَا صَلَاة كل شَيْء وَبهَا يرْزق كل شَيْء (^٣).\n\n٢٣٦١ - وروى التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ التَّسْبِيح نصف الْمِيزَان وَالْحَمْد لله تملؤه وَلا إِلَه إِلَّا الله لَيْسَ لَهَا دون الله حجاب حَتَّى تخلص إِلَيْهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيت غَرِيب (^٤).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق مبسوطا.\n_________\n(^١) البزار (٣٠٦٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٤)، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) النسائي في عمل اليوم والليلة (٨٣٢).\n(^٣) الحاكم (١/ ٤٨)، وأحمد (٦٥٨٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٤٨)، وابن عساكر في التاريخ (٦٢/ ٢٨٥).\n(^٤) الترمذي (٣٥١٨)، وقال: حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.","vol":"7","page":325},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بوصية نوح ابنه قالوا بلى، قال أوصى نوح ابنه\" الحديث.\nفائدة: ابن نوح (^١) اسمه ثاران وقيل أنعم [حكاه النقاش وقال الكلبى: مشكم].\nقوله: \"ولو كانت حلقة لقصمتهن حتى تخلص إلى الله\" تقدم الكلام على الحلقة وبقي الكلام على قوله \"لقصمتهن\" القصم هو [كسر الشيء وإبانته، وبالفاء: كسره من غير إبانة].\n\n٢٣٦٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصي - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله يستخلص رجلا من أمتِي على رُؤُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة فينشر عَلَيْهِ تِسْعَة وتِسْعين سجلا كل سجل مثل مد الْبَصَر تمَّ يَقُول أتنكر من هَذَا شَيْئا أظلمك كتبتي الحافظون فَيَقُول لا يَا رب فَيَقُول أَفَلَك عذر فَقَالَ لا يَا رب فَيَقُول الله تَعَالَى بلَى إِن لَك عندنَا حَسَنةٌ فَإِنَّهُ لا ظلم عَلَيْك الْيَوْم فَتخرج بطاقة فِيهَا أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُول احضر وزنك فَيَقُول يَا رب مَا هَذِه البطاقة مَعَ هَذِه السجلات فَقَالَ فَإنَّك لا تظلم فتوضع السجلات فِي كفة والبطاقة فِي كفة فطاشت السجلات وثقلت\n_________\n(^١) كذا هو بالأصل ابن نوح والمعروف أن ابن نوح اسمه كنعان قاله قتادة كما في تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٣٥ رقم ١٠٨٩٨) وأما ما ذكر المصنف فهو المعروف أنه ابن لقمان قال السهيلى في الروض الأنف (٤/ ٦٧): ولقمان كان نوبيا من أهل أيلة وهو لقمان بن عنقاء بن سرور فيما ذكروا وابنه الذي ذكر في القرآن هو ثأران فيما ذكر الزجاج وغيره وقد قيل في اسمه غير ذلك. وقال القرطبي في التفسير (١٤/ ٦٢): قال السهيلي: اسم ابنه ثاران، في قول الطبري والقتبي. وقال الكلبي: مشكم. وقيل أنعم، حكاه النقاش.","vol":"7","page":326},{"text":"البطاقة فَلَا يثقل مَعَ اسْم الله شَيْء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكم صحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله \"أن رسول الله - ﷺ - قال إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة\" وفي بعض النسخ \"إن الله يستخلص رجلا\".\nرواه الترمذي في الأيمان أي يخصه بالخلاص من بين سائر الخلق وأخرجه ابن ماجه في سننه وقال بدل قوله في أول الحديث \"إن الله يستخلص رجلا من أمتي\" \"يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق.\nقوله - ﷺ -: \"فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر\" ومنه قوله تعالى ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (^٢) اهـ من خط المصنف ﵀. والسجل بالكسر والتشديد هو الكتاب الكبير (^٣).\nقوله: \"فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله\" الحديث، البطاقة رقعة صغيرة سميت بذلك لأنها تشد بطاقة من الثوب فتكون التاء حينئذ زائدة وهي كلمة كثيرة الاستعمال بمصر (^٤) وقال\n_________\n(^١) الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وابن حبان (٢٢٥)، والحاكم (١/ ٥٢٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٣)، وأحمد (٦٩٩٤).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ١٣.\n(^٣) النهاية (٢/ ٣٤٤).\n(^٤) النهاية (١/ ١٣٥).","vol":"7","page":327},{"text":"ابن ماجه في آخر الحديث قال محمد بن يحيى البطاقة الرقعة أهل مصر يقولون للرقعة بطاقة (^١) ومنه حديث ابن عباس قال لامرأة سألته عن مسألة اكتبيها في بطاقة أي رقعة صغيرة (^٢).\nقوله: \"فيها أشهد أن لا إله إلا الله\" الحديث، ليست هذه شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في كفة شيء وفي الأخرى ضده فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة فهذا غير مستحيل لأن العبد يأتي بهما جميعا ويستحيل أن يأتي بالكفر والإيمان جميعا غير وجد حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في كفة لهذا استحال أن توضع شهادة التوحيد في الميزان وأما بعد ما أمن العبد فإن النطق منه بالدار الله حسنه توضع في الميزان مع سائر الحسنات (^٣). قاله الحكيم الترمذي (^٤).\nقلت (^٥): ويدل على هذا قوله في الحديث فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة ولم يقل إن لك عندنا إيمانا، وقد سئل رسول الله - ﷺ - عن لا إله إلا الله أمن الحسنات هي فقال هي من أعظم الحسنات، خرجه البيهقي وغيره ويجوز أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا كما في حديث معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - ﷺ - \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة\".\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٧١٨).\n(^٢) النهاية (١/ ١٣٦).\n(^٣) التذكرة (ص ٧٢٩).\n(^٤) نوادر الأصول (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(^٥) التذكرة (ص ٧٢٩ - ٧٣٠).","vol":"7","page":328},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة\" السجلات جمع سجل بالكسر والتشديد وهو الكتاب الكبير كما تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"فطاشت السجلات\" يعني خفت والطيش الخفة وقد طاش يطيش طيشا فهو طائش ومنه حديث عمر بن أبي سلمة: \"كانت يدي تطيش في الصفحة\" أي تخف وتتناول من كل جانب ومنه حديث ابن شبرمة وسئل عن الشكر فقال: إذا طاشت رجلاه واختلط كلامه قاله في النهاية (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وثقلت البطاقة\" والبطاقة القطعة والله أعلم.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٥٣).","vol":"7","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>الترغيب في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له</span>\n٢٣٦٣ - عَن أبي أَيُّوب - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير عشر مَرَّات كَانَ كمن أعتق أَرْبَعَة أنفس من ولد إِسْمَاعِيل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ (^١).\n\n٢٣٦٤ - وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانيُّ (^٢). فَقَالا كن لَهُ عدل عشر رِقَاب أَو رَقَبَة على الشَّك فِيهِ وَقَالَ الطَّبَرَانيُّ فِي بعض أَلْفَاظه كن لَهُ كعدْل عشر رِقَاب من ولد إِسْمَاعِيل ﵇ من غير شكّ (^٣).\nقوله: عن أبي أيوب - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل\" الولد معروف ويقال للواحد والجمع وكذا في المجمل،\n_________\n(^١) البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣)، والترمذي (٣٥٥٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٥٢).\n(^٢) أحمد (٢٣٥٤٦)، والطبراني في الكبير (٤٠١٨)، البيهقي في الدعوات (١١٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٤)، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٣) الطبراني في الكبير (٤٠٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٤)، وفي رجال الطبراني الحجاج بن نصير وقد ضعفه الجمهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويهم، وبقية رجاله ثقات.","vol":"7","page":330},{"text":"وإسماعيل هو ابن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهما، وإنما خص الولد به لشرفه ولكونه أبا العرب والله أعلم.\n\n٢٣٦٥ - وَعَن يَعْقُوب بن عَاصِم - ﵁ - عَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - أنَّهُمَا سمعا النَّبِي - ﷺ - يَقُول مَا قَالَ عبد قطّ لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير مخلصا بهَا روحه مُصدقا بهَا قلبه ناطقا بهَا لِسَانه إِلَّا فتق الله ﷿ لَهُ السَّمَاء فتقا حَتَّى ينظر إِلَى قَائِلهَا من الأرْض وَحقّ لعبد نظر الله إِلَيْهِ أَن يُعْطِيهِ سؤله رَوَاهُ النَّسَائيُّ (^١).\nقوله: وعن يعقوب بن عاصم - ﵁ -[هو يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي الطائفي، أخو نافع بن عاصم ذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"].\nقوله - ﷺ -: \"ما قال عبد قط لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مخلصا بها روحه مصدقا بها قلبه ناطقا بها لسانه\" الحديث، وتقدم معنى الإخلاص والصدق.\nقوله - ﷺ -: \"إلا فتق الله ﷿ له السماء فتقا حتى ينظر إلى قائلها من الأرض\" ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (^٢).\nقوله: \"وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله\" نظر الله ﷾\n_________\n(^١) النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٥٦).\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٣٠.","vol":"7","page":331},{"text":"لعباده هو عبارة عن رحمته [للمنظور إليه، وبمعنى: قبول أعماله، ومجازاته عليها (^١)].\n\n٢٣٦٦ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيء قدير كَانَ كَعدْل مُحَرر أَو محررين رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَرُوَاته ثِقَات مُحْتَج بهم (^٢).\nقوله: وعن أبي أيوب - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"كان كعدل محرر أو محررين\" وتقدم الكلام على العدل وهو المثل والمحرر هو [الذي جعل من العبيد حرا فأعتق. يقال: حر العبد يحر حرارا بالفتح: أي صار حرا ومنه حديث أبي هريرة \"فأنا أبو هريرة المحرر\" أي المعتق، وفي حديث أبي الدرداء \"شراركم الذين لا يعتق محررهم\" أي أنهم إذا أعتقوه استخدموه، فإذا أراد فراقهم ادعوا رقه (^٣)].\n\n٢٣٦٧ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من منح منيحة ورق أَو منيحة لبن أَو هدى زقاقا فَهُوَ كعتاق نسمَة وَمن قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فَهُوَ كعتق نسمَة رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيّ بِاخْتِصار\n_________\n(^١) المفهم (٢١/ ٨٣).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٤٠١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٤)، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) النهاية (١/ ٣٦٢ - ٣٦٣).","vol":"7","page":332},{"text":"التهليل وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وفرقه ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي موضِعين فَذكر المنيحة فِي مَوضِع والتهليل فِي آخر (^١).\nقوله: وعن البراء بن عازب - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من منح منيحة ورق أو منيحة لبن أو هدى زقاقا تقدم الكلام على هذه الألفاظ في القرض.\nقوله - ﷺ - \"ومن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له\" إلى آخره \"فهو كعتق نسمة\" والنسمة الروح.\n\n٢٣٦٨ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيء قدير لم يسبقها عمل وَلم يبْق مَعهَا سَيِّئَة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وسليم بن عُثْمَان الطَّائِي ثمَّ الفوزي يكْشف حَاله (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام عليه وعلى الحديث.\n_________\n(^١) أحمد (١٨٥١٦)، والترمذي (١٩٥٧)، وابن حبان (٨٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٣٦).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٧٥٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٥)، وفيه سليم بن عثمان الطائي ثم الفوزي، وقد ضعفه غير واحد من قبل حفظه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لم يرو عنه غير سليمان بن سلمة الخبائري وهو ضعيف، فإن وجد له راو غيره اعتبر حديثه، ويلزق به ما يستاهل من جرح أو تعديل، وذكره ابن أبي حاتم وقال عن أبيه: وروى عنه محمد بن عوف وأبو عتبة أحمد بن أبي الفرج، وهو مجهول وعنده عجائب، وقد روى عنه ثلاثة، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"7","page":333},{"text":"قوله: سليم بن عثمان الطائي ثم الفوزي يكشف حاله، قال شيخ الإسلام ابن حجر وسليم صاحب عجائب اتهم بالوضع (^١).\n\n٢٣٦٩ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده - ﵁ -: أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ خير الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة وَخير مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيء قدير رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nقَالَ المملي وَفِي أذكار الْمسَاء والصباح وَمَا يَقُوله بعد الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب وَمَا يَقُوله إِذا دخل السُّوق وَغير ذَلِك أَحَادِيث كثِيرَة من هَذَا الْبَاب نوع مِنْهُ.\nقوله: وعن عمرو بن شعيب تقدم الكلام عليه وعلى هذا الحديث في فضل عرفة.\n\n٢٣٧٠ - عَن ابْن عمر - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ الْحَيّ الَّذِي لا يَمُوت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَئ قدير لا يُرِيد بهَا إِلَّا وَجه الله أدخلهُ الله بهَا جنَّات النَّعيم رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ من رِوَايَة يحيى بن عبد الله الْبَابلُتِّي (^٣).\n_________\n(^١) لسان الميزان (٣/ ١١١ - ١١٢).\n(^٢) الترمذي (٣٥٨٥)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد ليس بالقوي عند أهل الحديث، وأحمد (٦٩٦١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٧٤).\n(^٣) الطبراني في الكبير (١٣٣١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٥)، وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو ضعيف.","vol":"7","page":334},{"text":"نوع آخر مِنْهُ:\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ - تقدم الكلام عليه وعلى الحديث أيضا.\n\n٢٣٧١ - رُوِيَ عَن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ أحدا صمدا لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد كتب الله لَهُ ألفي ألف حَسَنَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (^١).\nقوله: رواه الطبراني من رواية يحيى بن عبد الله البابلتي هو بفتح الباء الموحدة وسكون الباء الثانية وضم اللام وكسر التاء المثناة فوق المشددة هذه النسبة إلى باب لت.\nقال ابن الأثير (^٢) في مختصر الأنساب: وظني أنه موضع بالجزيرة منه أبو سعيد يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي من أهل الجزيرة توفي سنة ثمان عشرة ومائتين وكان ينزل حران اهـ.\nوقال ابن الفرات في تاريخه: مات أبو سعيد في التاريخ مذكور إعلاه ثم ذكره في سنة تسع عشرة وقال مات يوم الجمعة يوم عاشوراء من السنة المذكورة.\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه فائد أبو الورقاء وهو متروك، وعزاه في كنز العمال (٣٨٧٤)، إلى عبد بن حميد (٥٢٩)، عن ابن أبي أوفى، على أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٥٧)، وابن عساكر (٣٨/ ٢٩٩)، عن جابر.\n(^٢) اللباب (١/ ١٠١).","vol":"7","page":335},{"text":"قوله: روي عن عبد الله هو أبو إبراهيم وقيل أبو محمد وقيل أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفى واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن أسيد بفتح الهمزة بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم بن قصي بن حارثة الأسلمي شهد بيعة الرضوان وخيبر وما بعدها والمشاهد مع رسول الله - ﷺ - ولم يزل بالمدينة حتى توفي رسول الله - ﷺ - ثم تحول إلى الكوفة وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة روي له عن رسول الله - ﷺ - خمسة وسبعون حديثا اتفقا على عشرة وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث نزل الكوفة وتوفي بها سنة ست وثلاثين وقيل سنة سبع أو ثمان (^١).\nقوله - ﷺ - \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحدا صمدا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد كتب الله له ألفي ألف حسنة\".\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦١).","vol":"7","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الترغيب في التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد على اختلاف أنواعه</span>\n٢٣٧٢ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم\".\nقوله \"كلمتان خفيفتان على اللسان\" أي كلامان أي وعدل عنه إلى كلمتان إشارة إلى قلة أحرفهما وجزالة لفظهما والكلمة تطلق على الكلام كما يقال كلمة الشهادة (^٢).\nقوله \"ثقيلتان في الميزان\" فيه أن الأقوال والأعمال تجسد وتوزن يوم القيامة.\n\n٢٣٧٣ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أخْبرك بِأحب الكَلام إِلَى الله قلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بِأحب الْكَلَام إِلَى الله فَقَالَ إِن أحب\n_________\n(^١) البخاري (٦٦٨٢)، ومسلم (٢٦٩٤)، والترمذي (٣٤٦٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٦٦)، وابن ماجه (٣٨٠٦)، وأحمد (٧١٦٧)، وابن حبان (٨٣١).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٨٤).","vol":"7","page":337},{"text":"الْكَلَام إِلَى الله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائيُّ وَالتِّرْمِذِيّ إِلَّا أَنه قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ وَقَالَ حَدِيث حسن صحِيح (^١).\n\n٢٣٧٤ - وَفِي رِوَايَة مُسلم أَن رَسُول الله - ﷺ - سُئِلَ أَي الْكَلام أفضل قَالَ مَا اصْطفى الله لملائكته أَو لِعِبَادِهِ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ (^٢).\n\n٢٣٧٥ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ كتب لَهُ مائَة ألف حَسَنَة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف حَسَنَة وَمن قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله كَانَ لَهُ بهَا عهد عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (^٣).\nزَاد فِي رِوَايَة لَهُ عَن أَيُّوب بن عتبَة عَن عَطاء عَنهُ بِنَحْوِهِ فَقَالَ رجل كيفَ نهلك بعد هَذَا يَا رَسُول الله قَالَ إِن الرجل ليَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِالْعَمَلِ لَو وضع على جبل لأثقله فتقوم النِّعْمَة من نعم الله تكَاد أَن تستنفد ذَلِك كُله إِلَّا أَن يتطول الله برحمته (^٤).\n\n٢٣٧٦ - وَرَوَاهُ الْحَاكم من حَدِيث إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أَبِيه عَن جده وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ لا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة أَو وَجَبت لَهُ\n_________\n(^١) مسلم (٢٧٣١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٦١)، والترمذي (٣٥٩٣)،، والبخاري في الأدب المفرد (٦٣٨).\n(^٢) مسلم (٢٧٣١)، وأحمد (٢١٣٢٠).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (١٣٥٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٧)، وفيه\nالنضر بن عبيد، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا.\n(^٤) الطبراني في الكبير (١٣٥٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٢٠)، وفيه أيوب بن عتبة، وهو ضعيف.","vol":"7","page":338},{"text":"الْجنَّة وَمن قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مائَة مرّة كتب الله لَهُ مائَة ألف حَسَنَة وأربعا وَعشْرين ألف حَسَنَة قَالُوا يَا رَسُول الله إِذا لا يهْلك منا أحد قَالَ بلَى إِن أحدكم ليجيء بِالْحَسَنَاتِ لَو وضعت على جبل أثقلته ثمَّ تَجِيء النعم فتذهب بِتِلْكَ ثمَّ تتَطَاوَل الرب بعد ذَلِك برحمته قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\n\n٢٣٧٧ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسول - ﷺ - من قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْد غرست لَهُ نَخْلَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - \"ألا أخبرك\" في ميزان العبد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون وقد أختلف الناس في الميزان وصفته وفي أن كل إنسان له ميزان واحد وفي كيفيته أقوال والأصح أنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين وأنه تعالى يجعل الأعمال كالأعيان موزونة أو توزن صحف الأعمال وفيه إثبات الميزان (^٣) وفيه صيغة المقابلة بين الخفة والثقل والمقصود أنه عمل يسير وله ثواب كثير (^٤).\nقوله \"حبيبتان إلى الرحمن\" والحبيبة المحبوبة يقال حبب فلان إلى هذا الشيء أي جعله محبوبا والمراد [ها هنا] محبوبية قائلهما ومحبة الله تعالى\n_________\n(^١) الحاكم (٤/ ٢٥١)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٢) البزار (٣٠٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٤).\n(^٣) اللامع الصبيح (١٥/ ٤٣٣).\n(^٤) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٨٥).","vol":"7","page":339},{"text":"العبد إرادة إيجاد الخير له والتكرم فإن قلت لما خص لفظ الرحمن من بين سائر أسماء الله الحسنى قلت لأن المقصود من الحديث بيان سعة الله تعالى على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الكثير (^١).\nقوله \"سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم\" معناه وبحمده أسبح فإنه تسبيح وتنزيه وتحميد وتعظيم فالتسبيح في اللغة التنزيه ومعنى سبحان الله تنزيه له من النقائص مطلقا ومن صفات المحدثات كلها وهو اسم منصوب على أنه واقع موقع المصدر بفعل المحذوف وتقديره سبحت الله سبحانه ولا يستعمل غالبا إلا مضافا كقوله سبحان الله وهو مضاف إلى المفعول به أي سبحت الله لأنه المسبح المنزه (^٢).\nواعلم أن لله تعالى صفات عدميه مثل أنه لا شريك له ولا جهة له ولا مثل له وسائر التنزيهات وتسمى بصفات الجلال إشارة إلى الثانية وإطلاق اللفظين يعني ترك التقييد بمتعلق يشعر بالعموم فكأنه قال أنزهه عن جميع النقائص وأحمده بجميع الكمالات، وجاء في القرآن بعبارات متعددة جاء بلفظ المصدر نحو ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (^٣) وبلفظ الماضي ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٤) وبلفظ المضارع نحو ﴿يُسَبِّحُ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٨٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٤٢).\n(^٣) سورة الإسراء، الآية:١.\n(^٤) سورة الحديد، الآية: ١.","vol":"7","page":340},{"text":"لِلَّهِ﴾ (^١) وبلفظ الْأَمر نحو ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^٢) (^٣) قال أهل اللغة والتفسير وغيرهم: التسبيح بمعنى الصلاة في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (^٤) أي من المصلين، والسبحة بضم السين صلاة النافلة ومنه سبحة الضحى وغيرها (^٥) والسبحة خرز منظومة يسبح بها معروفة يعتادها أهل الخير مأخوذة من التسبيح، وأما صلاة التسبيح فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها بخلاف العادة في غيرها (^٦) وفي هذا الحديث أن السجع في الدعاء إذ لم يتكلفه الإنسان ليس بمنهي عنه (^٧) واللّه أعلم.\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أخبرك بأحب الكلام إلى اللّه قلت يا رسول اللّه أخبرني بأحب الكلام إلى اللّه فقال إن أحب الكلام إلى اللّه سبحان اللّه وبحمده\" الظاهر أن المراد بأحب الكلام من كلام البشر (^٨) وإنما كان أحب لما فيه من تنزيه للّه تعالى عما يوجب نقصا والثناء عليه (^٩).\n_________\n(^١) سورة الجمعة، الآية: ١.\n(^٢) سورة الأعلى: الآية: ١.\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(^٤) سورة الصافات، الآية: ١٤٣.\n(^٥) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٤٢).\n(^٦) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٧) إكمال المعلم (٤/ ٤٥٥).\n(^٨) تحفة الأبرار (٢/ ٦١).\n(^٩) الإفصاح (٢/ ١٩٤)، وتحفة الأبرار (٢/ ٦٢).","vol":"7","page":341},{"text":"قوله: وفي رواية لمسلم \"سئل رسول اللّه - ﷺ - أي الكلام أفضل قال ما اصطفاه اللّه\" أي ما اجتباه واختاره واستخلصه لملائكته وعباده (^١) رواه مسلم والنسائي والترمذي إلا أنه قال سبحان ربي وبحمده، وإنما كان أفضل لاشتماله على التنزيه والتوحيد والتمجيد (^٢) وهذا وما أشبهه محمول على كلام الآدميين وإلا فالقرآن أفضل وكذا قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق فأما المأثور في وقت أو حال ونحو ذلك فالاشتغال به أفضل (^٣) وهو منصوب على المصدر، يقال: سبحته أسبحه تسبيحا وسبحانا كغفر غفرانا وشكر شكرانا وقيل معناه التسرع إليه والخفة في طاعته وقيل معناه السرعة إلى هذه اللفظة وقد يطلق التسبيح (^٤) على غيره من أنواع الذكر مجازا كالتحميد والتمجيد وغيرهما (^٥).\n\n٢٣٧٨ - وَعَن جَابر - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ من قَالَ سُبْحَانَ اللّه الْعَظِيم وَبِحَمْدِهِ غرست لَهُ نَخْلَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنه قَالَ غرست لَهُ شَجَرَة فِي الْجنَّة.\nوَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي موضِعين بِإِسْنَادَيْنِ قَالَ فِي أَحدهمَا على شَرط مُسلم وَقَالَ فِي الآخر على شَرط البُخَارِيّ (^٦).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٥٠).\n(^٢) تحفة الأبرار (٢/ ٦٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٩).\n(^٤) اللوحة ٢٣٩ تكرار للوحة ٢٣٨.\n(^٥) المجموع المغيث (٢/ ٤٨)، والنهاية (٢/ ٣٣١).\n(^٦) الترمذي (٣٤٦٤)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وفي (٣٤٦٥)، قال حسن =","vol":"7","page":342},{"text":"قوله: وعن جابر، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قال سبحان اللّه العظيم وبحمده كرست له نخلة في الجنة\" [يعنى بكل مرة قالها، وإنما خص النخل من الأشجار؛ لأنها أنفع الأشجار وأطيبها (^١)].\n\n٢٣٧٩ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من هاله اللَّيْل أَن يكابده أَو بخل بِالْمَالِ أَن يُنْفِقهُ أَو جبن عَن الْعَدو أَن يقاتله فليكثر من سُبْحَانَ اللّه وَبِحَمْد فَإِنَّهَا أحب إِلَى اللّه من جبل ذهب يُنْفِقهُ فِي سَبِيل اللّه ﷿ رَوَاهُ الْفرْيَابِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ حَدِيث غَرِيب وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ إِن شَاءَ اللّه (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من هاله الليل أن يكابده\" إلى قوله \"وجبن عن العدو أن يجاهده\" الحديث، الجبن هو الخوف وعدم الإقدام على الشيء وتقدم ذلك.\n_________\n= غريب، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٦٣)، وابن حبان (٨٢٦)، والحاكم (١/ ٥٠١)، والبيهقي في الدعوات الكبير (١٢٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٢٩).\n(^١) المفاتيح (٣/ ١٦٣).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٧٨٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٤)، وفيه سليمان بن أحمد الواسطي، وثقه عبدان وضعفه الجمهور، والغلب على بقية رجاله التوثيق، وقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي: هو عندي ممن يسرق الحديث وله أفراد، وقال صالح جزرة: كان يتهم في الحديث، وقال مرة كذاب.","vol":"7","page":343},{"text":"قوله: رواه الفريابي: بكسر الفاء وسكون الراء وفتح الياء آخر الحروف وبعد الألف باء موحّدة، هذه النسبة بإرياب بليدة بنواحي بلخ، ويقال في النسبة إليها الفاريابي أيضًا على الأصل، والفيريابي أيضًا بزيادة المثناة تحت نسب إليها جماعة منهم أبو عبد اللّه محمد بن يوسف الفريابي سكن قيسارية مدينة على ساحل الشام، رحل الناس إليه روي عنه البخاري وأبو محمد عبد اللّه بن عبد الرحمن السمرقندي وغيرهما، وكان ثقة ومنهم أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض الفريابي أحد الأئمة رحل إلى الشرق والغرب وولي قضاء الدينور مدّة، وسكن بغداد وحدّث فأكثر وكتب الناس عنه (^١) أ. هـ.\n\n٢٣٨٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ وَمن قَالَ سُبْحَانَ اللّه وَبِحَمْدِهِ في يَوْم مائَة مرّة غفرت لَهُ ذنُوبه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر رَوَاهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي آخر حَدِيث يَأْتِي إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^٢).\nوَفِي رِوَايَة للنسائي من قَالَ سُبْحَانَ اللّه وَبِحَمْدهِ حط اللّه عَنهُ ذنُوبه وَإِن كَانَت أَكثر من زبد الْبَحْر لم يقل فِي هَذِه فِي يَوْم وَلم يقل مائَة مرّة وإسنادهما مُتَّصِل ورواتهما ثِقَات (^٣).\n_________\n(^١) اللباب (٢/ ٤٢٧).\n(^٢) مسلم (٢٦٩١)، والترمذي (٣٤٦٦)، وقال: حديث حسن صحيح، وعزاه للنسائي وليس عنده هذه الزيادة، إنما اشترك معهم في أصل الحديث.\n(^٣) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٦٢).","vol":"7","page":344},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قال سبحان اللّه وبحمده في يوم مائة مرة غفرت له ذنوبه\" الحديث، وفي رواية: \"من قال حين يصبح وحين يمسي مائة مرة سبحان اللّه وبحمده لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال ما قال أو زاد عليه\" فهذه الأحاديث دالة على عدم اعتبار منع الزائد والناقص وإن أصل السنة يحصل بدون المائة وإن الأكمل مائة بعدد أسمائه الحسنى وما زاد عليها أفضل (^١) واللّه أعلم.\nتنبيه: وفي حديث التهليل من قال لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير مائة مرة كتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به\" الحديث، وفي حديث التسبيح من قال سبحان اللّه وبحمده مائة غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، ظاهره أن التسبيح أفضل وقد قال في حديث التهليل ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به (^٢)، قال القاضي (^٣): الجواب عن هذا أن التهليل المذكور أفضل ويكون ما فيه من زيادة الحسنات ومحو السيئات وما فيه من عتق الرقاب وكونه حرزا من الشيطان زائدة على فضل التسبيح وتكفير الخطايا لأنه قد ثبت أن من أعتق رقبة أعتق اللّه بكل عضو منها عضوا منه من النار فقد حصل بعتق رقبة واحدة تكفير\n_________\n(^١) غمز عيون البصائر (٤/ ١٧٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٨).\n(^٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ١٩١).","vol":"7","page":345},{"text":"جميع الخطايا مع ما يبقى له من زيادة عتق الرقاب الزائدة على الواحدة ومع ما فيه من زيادة مائة درجة وكونه حرزا من الشيطان، ويؤيده ما جاء في الحديث بعد هذا أن أفضل الذكر التهليل مع الحديث الآخر أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد\" الحديث، وقيل: إنه اسم اللّه الأعظم وهي كلمة الإخلاص وقد سبق أن معنى التسبيح التنزيه عما لا يليق به ﷾ من الشريك والولد والصاحبة والنقائص مطلقا وسمات المحدّث مطلقا (^١)، أ. هـ.\n\n٢٣٨١ - وَعَن سُلَيْمَان بن يسَار - ﵁ - عَن رجل من الأَنْصَار أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ قَالَ نوح لابْنِهِ إِنِّي مُوصِيك بِوَصِيَّة وقاصرها لكَي لَا تنساها أوصيك بِاثْنَتَيْنِ وأنهاك عَن اثْنَتَيْنِ أما اللَّتَان أوصيك بهما فيستبشر اللّه بهما وَصَالح خلقه وهما يكثران الولوج على اللّه أوصيك بِلَا إِلَه إِلَّا اللّه فَإِن السَّمَوَات وَالأرْض لَو كَانَتَا حَلقَة قصمتهما وَلَو كَانَتَا فِي كفة وزنتهما وأوصيك بسبحان اللّه وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهُمَا صَلَاة الْخلق وَبِهِمَا يرْزق الْخلق وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لا تفقهون تسبيحهم إِنَّه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا وَأما اللَّتَان أَنهَاك عَنْهُمَا فيحتجب اللّه مِنْهُمَا وَصَالح خلقه أَنهَاك عَن الشّرك وَالْكبر رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^٢). وَالْبَزَّار (^٣). وَالْحَاكِم من حَدِيث عبد اللّه بن عَمْرو وَقَالَ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٨).\n(^٢) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٦٨).\n(^٣) البزار (٣٠٦٩).","vol":"7","page":346},{"text":"الْحَاكِم صحِيح الإِسْنَاد (^١).\nالولوج الدُّخُول.\nقوله: وعن سليمان بن يسار - ﵁ -[أحد الفقهاء السبعة، هو أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، وأبو عبد اللّه سليمان بن يسار الهلالى أخو عطاء، وعبد الملك، وعبد اللّه موالى ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، ﵁. قال ابن سعد: ويقال: إن سليمان بنفسه كان مكاتبا لها.\nسمع ابن عباس، وابن عمر، وجابرا، وحسان بن ثابت، وأبا رافع، وزيد بن ثابت، والمقداد بن الأسود، وأبا سعيد، وأبا واقد، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة، ﵃، وسمع خلائق من التابعين. روى عنه جماعات من التابعين، منهم عمرو بن دينار، ونافع، وعمرو بن ميمون، وصالح بن كيسان، والزهري، ويحيى الأنصاري، وقتادة، وآخرون، رحمة اللّه عليهم.\nقال محمد بن سعد: كان ثقة، عالما، رفيعا، فقيها، كثير الحديث. واتفقوا على وصفه بالجلالة وكثرة العلم، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، وقد سبق بيانهم في ترجمة خارجة بن زيد. قال أبو زرعة الرازى: سليمان بن يسار مدني، ثقة، مأمون، فاضل، عابد. قال ابن سعد: توفى سنة تسع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: توفى سنة ثلاث ومائة، واللّه أعلم (^٢)].\nقوله - ﷺ -: \"قال قال نوح لابنه [إني موصيك بوصية وقاصرها لكي لا\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٤٨)، وأحمد (٦٥٨٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٤٨)، وابن عساكر في التاريخ (٦٢/ ٢٨٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥ ترجمة ٢٣٢).","vol":"7","page":347},{"text":"تنساها أوصيك باثنتين وأنهاك عن اثنتين أما اللتان أوصيك بهما فيستبشر اللّه بهما وصالح خلقه]، وهما يكثران الولوج على اللّه\" قال الحافظ (^١): الولوج الدخول وتقدم هذا الحديث.\n\n٢٣٨٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - سُبْحَانَ اللّه وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللّه الْعَظِيم أسْتَغْفر اللّه وَأَتُوب إِلَيْهِ من قَالهَا كتبت لَهُ كمَا قَالهَا ثمَّ علقت بالعرش لَا يمحوها ذَنْب عمله صَاحبهَا حَتَّى يلقى اللّه يَوْم الْقِيَامَة وَهِي مختومة كمَا قَالهَا رَوَاهُ الْبَزَّار (^٢). وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا يحيى بن عمر بن مَالك النكري.\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قال سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم أستغفر اللّه وأتوب إليه\" الحديث.\nقوله: رواه البزار ورواته ثقات إلا يحيى بن عمرو بن مالك النكري، النكري: هو يحيى بن أبي مالك عمرو بن مالك النكري بضم النون وإسكان الكاف وكسر الراء العبدي البصري، يروي عن أبي الجوزاء روي عنه حمَّاد بن زيد وغيره، مات سنة سبع وعشرين ومائة، انتهي، مذكور في الأنساب (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ١١٩).\n(^٢) البزار (٣٠٨١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٤)، وفيه يحيى بن عمرو بن مالك النكري، وهو ضعيف، وقال الدَّارقُطْنِي: صويلح يعتبر به، وبقية رجاله ثقات.\n(^٣) اللباب (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥).","vol":"7","page":348},{"text":"٢٣٨٣ - وَعَن مُصعب بن سعد - ﵁ - قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ كنَّا عِنْد رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ أَيعْجزُ أحدكُم أَن يكْسب كلّ يَوْم ألف حَسَنَة فَسَأَلَهُ سَائل من جُلَسَائِهِ كَيفَ يكْسب أَحَدنَا ألف حَسَنَة قَالَ يسبح مائَة تَسْبِيحَة فتكتب لَهُ ألف حَسَنَة أَو تحط عَنهُ ألف خَطِيئَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقَالَ الْحميدِي ﵀ كَذَا هُوَ فِي كتاب مُسلم فِي جَمِيع الرِّوَايَات أَو تحط قَالَ البرقاني وَرَوَاهُ شُعْبَة وَأَبُو عوَانَة وَيحيى الْقطَّان عَن مُوسَى الَّذِي رَوَاهُ مُسلم من جِهَته فَقَالُوا وتحط بِغَيْر ألف انْتهى.\nقَالَ الْحَافِظ هَكَذَا رِوَايَة مُسلم وَأما التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فَإِنَّهُمَا قَالا وتحط بِغَيْر ألف وَاللّه أعلم.\n\n٢٣٨٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لأن أَقُول سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\nقوله: وعن مصعب بن سعد - ﵁ -[مصعب - بضم الميم - ابن سعد بن أبي وقَّاص الزهري، وهو مدنى سمع أباه، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر.\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٩٨)، والترمذي (٣٤٦)، والنسائي في عمل اليوم والليل (٩٩٨٠)، والحمدي (٨٠)، وأحمد (١٤٩٦)، وأبو يعلى (٧٢٣)، وابن حبان (٨٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠٠)، والطبراني في الدعاء (١٧٠٢).\n(^٢) مسلم (٢٦٩٥)، والترمذي (٣٥٩٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٧١)، وابن حبان (٨٣٤).","vol":"7","page":349},{"text":"روى عنه مجاهد، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وآخرون. واتفقوا على توثيقه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. توفي سنة ثلاث ومائة (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"أيعجز أحدكم أن يكسب كلّ يوم ألف حسنة\" تقدم الكلام على قوله \"أيعجز أحدكم\" وأن اللغة الفصحى كسر الجيم ومعنى \"أن يكسب كلّ يوم ألف حسنة\" أي: ألف خصلة حسنة.\nقوله: فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: \"يسبح مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة أو تحط عنه ألف خطيئة\" قال الحميدي: كذا هو في كتاب مسلم في جميع الروايات \"أو تحط\".\nفائدة: الحميدي اسمه عبد الله بن الزبير هو شيخ البخاري ومسنده مجلد واحد والله أعلم.\n\n٢٣٨٥ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أحب الْكَلَام إِلَى الله أَربع سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لا يَضرك بأيهن بدأت رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَة وَالنَّسَائِيّ وَزَاد وَهن من الْقُرْآن (^٢).\nوَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٥ - ٩٦ ترجمة ٥٧٧).\n(^٢) مسلم (٢١٣٧)، وابن ماجه (٣٨١١)، والنسائي في اليوم والليلة (١٠٦٨١)، والنسائي (١٠٦٨٣)، وأحمد (٢٠١٠٧)، وابن حبان (٨٣٥).\n(^٣) النسائي في اليوم والليلة (١٠٦٧٧)، وابن حبان (٨٣٦).","vol":"7","page":350},{"text":"قوله: وعن سمرة بن جندب - ﵁ -[جندب بضم الدال وفتحها، هو أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن، وأبو عبد اللّه، وأبو سليمان، وأبو محمد، سمرة بن جندب بن هلال بن حريج، بحاء مهملة مفتوحة، ثم راء مكسورة، ثم مثناة تحت، ثم جيم، ابن مرة بن حزن بن عمرو بن جابر بن خشين، بخاء مضمومة وشين معجمتين، ابن لأى بن عصم بن شمخ ابن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان الفزارى.\nتوفى أبوه وهو صغير، فقدمت به أمه المدينة، فتزوجها أنصاري، وكان في حجره حتى كبر، قيل: أجازه النبي - ﷺ - في المقاتلة يوم أحد، وغزا مع رسول اللّه - ﷺ - غزوات، ثم سكن البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا سار إلى البصرة، وكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر، وكان شديدا على الخوارج، ولهذا تبغضه الحرورية ومن قاربهم في مذهبهم. وكان الحسن وابن سيرين وفضلاء البصرة يثنون عليه. قال ابن سيرين: في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير.\nروى له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثًا، اتفاقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه أبو رجاء العطاردي، وعبد الله بن بريدة، والحسن البصري، والشعبي، وابن سيرين، وابن أبي ليلي، وعلي بن ربيعة، وأبو نضرة، وآخرون.\nتوفى بالبصرة سنة تسع، وقيل: ثمان وخمسين. وقال البخاري: توفى سمرة بعد أبي هريرة، يقال: آخر سنة تسع وخمسين، ويقال: سنة ستين. وفى","vol":"7","page":351},{"text":"صحيحي البخاري ومسلم، عن سمرة، قال: لقد كنت على عهد رسول اللّه - ﷺ - غلاما، فكنت أحفظ عنه، فما يمنعنى من القول إلا أن هاهنا رجالا هم أسن منى (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"أحب الكلام إلى اللّه أربع سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر لا يضرك بأيهن بدأت\" وزاد النسائي \"وهن من القرآن\" الحديث، وفي مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ - قال: \"ما أنفق عبد نفقة أفضل عند اللّه من قول ليس من القرآن وهو من القرآن سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر\" (^٢).\nلطيفة: في قوله \"سبحان اللّه والحمد للّه واللّه أكبر\" الحديث، أعطى اللّه تعالى حملة العرش قوة جميع الخلائق وأمرهم بحمل العرش فحملوه لم يطيقوا فقال لهم اللّه ﷿ قولوا: سبحان اللّه فقالوها فرفعوا بعضه حتى بلغ إلى ركبهم ووضعوا فقال لهم اللّه تعالى قولوا الحمد للّه، فقالوها فرفعوه إلى أوساطهم ووقفوا فقال لهم اللّه ﷿ قولوا لا إله إلا اللّه فقالوها فحملوه على أكتافهم ووقفوا فقال لهم اللّه ﷿ قولوا اللّه أكبر فرفعوه على رءوسهم فرءوسهم ناشبة فيه وأقدامهم على الأرض السفلى (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦ ترجمة ٢٣٣).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٢٤٨).\n(^٣) كنز الدرر (١/ ٦٦).","vol":"7","page":352},{"text":"٢٣٨٦ - وَعَن رجل من أَصْحَاب النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أفضل الْكَلَام سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.\nقوله: \"أفضل الكلام سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر\" وتقدم معنى أفضل الكلام.\n\n٢٣٨٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن النَّبِيّ - ﷺ - مر بِهِ وَهُوَ يغْرس غرسا فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة مَا الَّذِي تغرس قلت غراسا قَالَ أَلا أدلك على غراس خير من هَذَا سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر تغرس لَك بِكُل وَاحِدَة شَجَرَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَة بِإِسْنَاد حسن وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - لأبي هريرة: \"ألا أدلك على غراس خير من هذا، سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر تغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة\" الحديث، وتقدم له نظائره في المعنى.\n_________\n(^١) أحمد (١٦٤١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٨)، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٢٧).\n(^٢) ابن ماجه (٣٨٠٧)، والحاكم (١/ ٥١٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣٠٦٩).","vol":"7","page":353},{"text":"نكتة لطيفة: قال محيي السنة في السنة أن رجلًا مر بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير وهذه لا تطعم إلا في كذا عام، فقال وما علي أن يكون لي أجرها ويأكل مهنأها غيري (^١)، وذكر أبو الوفاء البغدادي أنه مر أنو شروان على شيخ يغرس شجر الزيتون ليس هذا أوان غرسك الزيتون وهو شجر بطيء الإثمار فأجاب: غرس من قبلنا فأكلنا ونغرس ليأكل من بعدنا، فقال أنوشروان: زه أي أحسنت وكان إذا قال زه يعطي من قيل له أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك، كيف تتعجب من غرسي وإبطاء ثمري فما أسرع ما أثمرت، فقال: زه فزيد أربعة آلاف أخري، فقال الشيخ: كلّ شجرة تثمر في العام مرة وقد أثمرت شجرتي في ساعة مرتين، فقال: زه فزيد مثلها، ومضى أنوشروان، وقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا (^٢)، أ. هـ.\n\n٢٣٨٨ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لقِيت إِبْرَاهِيم - ﵇ - لَيْلَة أسرِي بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّد أقرئ أمتك مني السَّلَام وَأخْبرهمْ أَن الْجنَّة طيبَة التربة عذبة المَاء وَأنَّهَا قيعان وَأَن غراسها سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَزَاد وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه (^٣).\n_________\n(^١) شرح السنة (٦/ ١٥١).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٠/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٣) الترمذي (٣٤٦٢)، والطبراني في الصغير (٥٣٠)، والأوسط (٤١٧٠)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥١٥٠).","vol":"7","page":354},{"text":"وروياه عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث ابْن مَسْعُود - ﵁ -.\nقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد اللّه بن مَسْعُود وَعبد الرَّحْمَن هَذَا لم يسمع من أَبِيه وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق هُوَ أَبُو شيبَة الْكُوفِي واه.\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضًا بِإِسْنَاد واه من حَدِيث سلمَان الْفَارِسِي وَلَفظه قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن فِي الْجنَّة قيعانا فَأَكْثرُوا من غرسها قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَمَا غرسها قَالَ سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لقيت إبراهيم - ﵇ - ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السَّلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر\" الحديث، والقيعان بكسر القاف جمع قاع وهي الأرض المستوية الواسعة لا نبات بها ولا غراس، وقال ابن فارس: القاع الأرض الملساء (^٢)، قال الأصمعي قاعة الدار ساحتها (^٣).\nتتمة: معشر الأمة وصلت إليكم رسالة من أبيكم إبراهيم - ﵇ - مع نبيكم محمد - ﷺ -، وعن الحسن قال: الملائكة يعملون لبني آدم بها الجنان يغرسون\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٦١٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٠)، وفيه: الحُسين بن علوان وهو ضعيف.\n(^٢) مجمل اللغة (ص ٧٣٨).\n(^٣) تهذيب اللغة (٣/ ٢٣)، والصحاح (٣/ ١٢٧٤)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٧).","vol":"7","page":355},{"text":"ويبنون فيها فربما أمسكوا فيقال لهم قد أمسكتم:\nأرض الجنة لها قيعان ... والأعمال الصالحة لها عمران\nبها تبنى القصور ... وتغرس أرض الجنان\nفإذا تكامل الغراس والبنيان ... انتقل إليه السكان\nوعن الحسن قال: الملائكة يعملون لبني آدم في الجنان يغرسون ويبنون فربما أمسكوا فيقال لهم: قد أمسكتم فيقولون حتى تأتينا النفقات، قال الحسن: فابعثوهم بأبي أنتم وأمي على العمل، قال بعض السلف: بلغني أن دور الجنة تبنى بالذكر فغذا أمسك عن الذكر أمسكوا عن البناء فيقال لهم فيقولون حتى تأتينا نفقة، رأى بعضهم أنه أدخل الجنة وعرض عليه منازله وأزواجه فلما أراد أن يخرج تعلق به أزواجه وقالوا باللّه حسن عملك فكلما حسنت عملك ازددنا نحن حسنا، قاله ابن رجب في اللطائف (^١).\n\n٢٣٨٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من قَالَ سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر غرس لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ شَجَرَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن لا بَأْس بِهِ فِي المتابعات (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قال سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر غرس له بكل واحدة منهن شجرة في الجنة\" تقدم له نظائره.\n_________\n(^١) اللطائف (ص ٥٨ - ٥٩).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٨٤٧٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩١)، ورجاله موثقون.","vol":"7","page":356},{"text":"فائدة: روى عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن قتادة، قال قال ناس من فقراء المؤمنين يا رسول اللّه، ذهب أهل الدثور بالأجور يتصدقون ولا نتصدق وينفقون ولا ننفق، فقال: \"أرأيتم لو أن مال الدنيا وضع بعضه على بعض أكان بالغا السماء\" قالوا: لا يا رسول اللّه، قال: \"أفلا أخبركم بشيء أصله في الأرض وفرعه في السماء أن تقولوا دبر كلّ صلاة لا إله إلا اللّه واللّه أكبر وسبحان اللّه والحمد للّه عشر مرات، فإن أصلهن في الأرض وفرعهن في السماء\" (^١) الدثور جمع دثر وهو المال الكثير (^٢) وقد كان بعض الصحابة يظن أن لا صدقة إلا بالمال فأخبره النبي - ﷺ - أن الصدقة لا تختص بالمال وإن الذكر وسائر المعروف صدقة كما في حديث الدثر وكل تسبيحة صدقة (^٣) وسيأتي الحديث في أحاديث الباب.\nلطيفة: تصدق بعض الأغنياء بمال كثير فبلغ ذلك طائفة من الصالحين فاجتمعوا في مكان وحسبوا ما تصدق به من الدراهم وصلوا بدل كلّ درهم تصدق به للّه ركعة، هكذا يكون استباق الخيرات والتنافس في علو الدرجات:\nكذاك الفخر يا همم الرجال ... تعالى فانظري كيف التغالي (^٤)\n_________\n(^١) المصنف (٣١٨٨).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٩٥)\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٢٤٨).\n(^٤) لطائف المعارف (ص ٢٤٩).","vol":"7","page":357},{"text":"٢٣٩٠ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من هلل مائَة مرّة وَسبح مائَة مرّة وَكبر مائَة مرّة كَانَ خيرا لَهُ من عشر رِقَاب يعتقهن وست بدنات ينحرهن.\nوَفِي رِوَايَة وَسبع بدنات رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن سَلمَة بن وردان عَنهُ وَهُوَ إِسْنَاد مُتَّصِل حسن (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من هلل مائة مرة وسبح مائة مرة وكبر مائة مرة كان خيرا له من عشر رقاب يعتقهن وست بدنات ينحرهن\" وفي رواية: \"وسبع بدنات\" الحديث، البدنة: قال أهل اللغة سميت البدنة لعظمها وتطلق على الذكر والأنثى وتطلق على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر اللغة ولكن معظم استعمالها في الأحاديث وكتب الفقه في الإبل خاصة (^٢)، وفي الحديث دليل على أن ما ذبح قربة إلى اللّه تعالى لا يجوز بيع شيء منه (^٣) واللّه أعلم.\nقوله: رواه ابن أبي الدنيا عن سلمة بن وردان [ضعف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، عامة ما عنده عن أنس منكر، وقال معاوية بن صالح عن يحيى ليس حديثه بذاك وحسن الترمذي حديثه].\n_________\n(^١) البخاري في الأدب المفرد (٦٣٦).\n(^٢) النهاية (١/ ١٠٨).\n(^٣) شرح السنة (٧/ ١٨٨).","vol":"7","page":358},{"text":"٢٣٩١ - وَعَن أم هانئ - ﵄ -. قالَت مرَّ بِي رَسُول اللّه - ﷺ - ذَات يَوْم فَقلت يَا رَسُول اللّه قد كبرت سني وضعفت أَو كمَا قَالَت فمرني بِعَمَل أعمله وَأَنا جالسة قَالَ سبحي اللّه مائَة تَسْبِيحَة فَإِنَّهَا تعدل لَك مائَة رَقَبَة تعتقينها من ولد إِسْمَاعِيل واحمدي اللّه مائَة تَحْمِيدَة فَإِنَّهَا تعدل لَك مائَة فرس مسرجة ملجمة تحملين عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللّه وكبري اللّه مائَة تَكْبِيرَة فَإِنَّهَا تعدل لَك مائَة بَدَنَة مقلدة متقبلة وهللي اللّه مائَة تَهْلِيلَة قَالَ أَبُو خلف أَحْسبهُ قَالَ تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالأرْض وَلَا يرفع يَوْمئِذٍ لأحد عمل أفضل مِمَّا يرفع لَك إِلَّا أَن يَأْتِي بِمثل مَا أتيت رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَلم يقل وَلَا يرفع إِلَى آخِره وَالْبَيْهَقِيّ بِتَمَامِهِ.\nوَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فَجعل ثَوَاب الرّقاب فِي التَّحْمِيد وَمِائَة فرس فِي التَّسْبِيح وَقَالَ فِيهِ وهللي اللّه مائَة تَهْلِيلَة لا تذر ذَنبا وَلَا يسبقها عمل.\nوَرَوَاهُ ابْن مَاجَة بمَعْنَاهُ بِاخْتِصَار وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِنَحْوِ أَحْمد وَلم يقل أَحْسبهُ وَرَوَاهُ فِي الأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ قَالَت قلت يَا رَسُول اللّه قد كبرت سني ورق عظمي فدلني على عمل يدخلني الْجنَّة قَالَ بخ بخ لقد سَأَلت وَقَالَ فِيهِ وَقَوْلي لا إِلَه إِلَّا اللّه مائَة مرّة فَهُوَ خير لَك مِمَّا أطبقت عَلَيْهِ السَّمَاء وَالأرْض وَلَا يرفع يَوْمئِذٍ عمل أفضل مِمَّا يرفع لَك إِلَّا من قَالَ مثل بها قلت أَو زَاد.\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم بِنَحْوِ أَحْمد وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَزَاد قولي وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه لا تتْرك ذَنبا وَلَا يشبهها عمل (^١).\n_________\n(^١) أحمد (٢٦٩١١)، والنسائي في اليوم والليلة (١٠٦٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢١)، وابن ماجه (٣٨١٠)، والطبراني في الكبير (٢٤/ رقم ١٠٠٨)، وفي الأوسط =","vol":"7","page":359},{"text":"قوله: وعن أم هانئ - ﵄ -، أم هانئ بنت أبي طالب، كنيت باسم ابنها واسمها فاختة، وقيل: هند، وقيل: عاتكة، وقيل: فاطمة، وهي أخت علي - ﵁ - روى لها ستة وأربعون حديثًا خطبها رسول اللّه - ﷺ - فقالت: واللّه إني لأحبك في الجاهلية فكيف في الإسلام ولكني امرأة مصبية فسكت رسول اللّه - ﷺ -.\nقوله - ﷺ - في حديث أم هانئ: \"وسبحي اللّه مائة تسبيحة فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل\" تقدم الكلام على ذلك في الباب قبله.\nقوله: \"وكبري اللّه مائة تكبيرة فإنها تعدل لك مائة بدنة مقلدة متقبلة\" البدنة تقدم الكلام عليها في الحديث قبله.\nقوله: \"وهللي اللّه مائة تهليلة\" أي: قولي لا إله إلا اللّه، قال أبو خلف: أحسبه قال تملأ ما بين السماء والأرض\" الحديث، قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال، وعن أبي الدرداء قال: لأن أقول لا إله إلا اللّه واللّه أكبر مائة مرة أحب إليّ من من أن أتصدق بمائة دينار.\nقوله - ﷺ - في رواية الطبراني (^١): \"بخ بخ \"تقدم الكلام عليه في الصوم وغيره.\n_________\n= (٦٣١٣)، والحاكم (١/ ٥١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٢)، رواه أحمد والطبراني في الكبير، ولم يقل أحسبه، ورواه في الأوسط، وأسانيدهم حسنة.\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"7","page":360},{"text":"٢٣٩٢ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من قَالَ سُبْحَانَ اللّه وَبِحَمْدِهِ كَانَ مثل مائَة بَدَنَة إِذا قَالهَا مائَة مرّة وَمن قَالَ الْحَمد للّه مائَة مرّة كَانَ عدل مائَة فرس مسرج ملجم فِي سَبِيل اللّه وَمن قَالَ اللّه أكبر مائَة مرّة كَانَ عدل مائَة بَدَنَة تنحر بِمَكَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ورواة إِسْنَاده رُوَاة الصَّحِيح خلا سليم بن عُثْمَان الفوزي يكْشف حَاله فَإِنَّهُ لا يحضرني الْآن فِيهِ جرح وَلَا عَدَالَة (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث (^٢).\nقوله: ورواة إسناده رواة الصحيح خلا سليم (^٣).\n\n٢٣٩٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد - ﵄ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ إِن اللّه اصْطفى من الْكَلَام أَرْبعا سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر فَمن قَالَ سُبْحَانَ اللّه كتبت لَهُ عشرُون حَسَنَة وحطت عَنهُ عشرُون سَيِّئَة وَمن قَالَ اللّه أكبر فَمثل ذَلِك وَمن قَالَ لا إِلَه إِلَّا اللّه فَمثل ذَلِك وَمن قَالَ الْحَمد للّه رب الْعَالمين من قبل نَفسه كتبت لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَة وحطت عَنهُ ثَلَاثُونَ سَيِّئَة رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكم بِنَحْوِهِ وَقَالَ صحِيح على شَرط مُسلم.\nوَالْبَيْهَقِيّ وَفِي آخِره وَمن أَكثر ذكر اللّه فقد برئ من النِّفَاق (^٤).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٧٥٣٤).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سبق.\n(^٤) أحمد (٨٠١٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٧٦)، والحاكم (١/ ٥١٢).","vol":"7","page":361},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة وأبي سعيد - ﵄ -، تقدم الكلام عليهما.\nقوله - ﷺ -: \"إن اللّه اصطفى من الكلام أربعا\" أي: اختار وأستخلص، وفي أثر عن ابن عمرو قال: سبحان اللّه هي صلاة الخلق والحمد للّه كلمة الشكر ولا إله إلا اللّه كلمة الإخلاص تملأ ما بين السماء والأرض وإذا قال العبد لا حول ولا قوة إلا باللّه قال اللّه أسلم عبدي واستسلم (^١) وأشار ابن عمر بقوله إنها صلاة الخلق إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (^٢) أ. هـ.\nولما عظم قدر الحمد قال رسول اللّه - ﷺ -: \"من قال سبحان اللّه كتبت له عشرون حسنة وحطت عنه عشرون سيئة، فإذا قال اللّه أكبر فمثل ذلك وإذا قال لا إله إلا اللّه فمثل ذلك، وإذا قال الحمد للّه رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة ومحيت عنه ثلاثون سيئة\" (^٣) فجعل ثواب الحمد مضاعفا على سائر الأذكار، وقد اختلف العُلماء في أي الكلمتين أفضل كلمة الحمد أم كلمة\n_________\n(^١) عبد الرزاق في المُصَنّف (٢٠٥٧٩)، والطبرى في التفسير (١٤/ ٦٠٦ - ٦٠٧)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٧).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٠٤ (٢٩٨٢٧)، وأحمد ٢/ ٣٠٢ (٨٠١٢) و٢/ ٣١٠ (٨٠٩٣) و٣/ ٣٥ (١١٣٠٤) و٣/ ٣٧ (١١٣٢٧) والبزار (٣٠٧٤ - كشف الأستار)، والنسائي في اليوم والليلة (٨٤٠) والكبرى (١٠٦٠٨)، والطبراني في الدعاء (١٦٨١)، والحاكم ١/ ٥١٢.\nقال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، وأبو صالح الحنفي، اسمه: ماهان، ولا نعلم روى عنه إلا أبو سنان، وهو عابد ثقة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٥٥٤).","vol":"7","page":362},{"text":"التهليل وقد حكي هذا الاختلاف ابن عبد البر وغيره وقال النخعي كانوا يرون أن الحمد أكثر تضعيفا، وقال الثورى: ليس يضاعف من الكلام مثل الحمد للّه والحمد يتضمن إثبات جميع أنواع الكمال للّه فيدخل فيه التوحيد (^١).\nقوله: \"من قبل نفسه\" أي: صادقا للثناء لربه دون سبب يطرأ عليه ولا منة تتوجه إليه إلا كما يستحقه الرب ﷻ من الحمد فبهذا يكون ثوابها مضاعفا على سائر الأذكار، أ. هـ.\nوقال بعضهم قوله: \"من قبل نفسه\" أي: من غير إكراه ولا إجبار (^٢).\nقال ابن رجب: وقد روي هذا الحديث عن كعب من قوله وقيل إنه أصح من المرفوع (^٣) واللّه أعلم.\n\n٢٣٩٤ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الطّهُور شطر الإِيمَان وَالْحَمْد للّه تملأ الْمِيزَان وَسُبْحَان اللّه وَالْحَمْد للّه تملآن أَو تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالأرْض وَالصَّلَاة نور وَالصَّدَقَة برهَان وَالصَّبْر ضِيَاء وَالْقُرْآن حجَّة لَك أَو عَلَيْك كلّ النَّاس يَغْدُو فبائع نَفسه فمعتقها أَو موبقها رَوَاهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٤).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٠ - ٢١).\n(^٢) مبارق الأزهار (١/ ٤٥٦).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢١).\n(^٤) مسلم (٢٢٣)، والترمذي (٣٥١٧)، وأحمد (٢٢٩٠٢)، وابن ماجة (٢٨٠)، والدارمي (٦٧٩)، وابن حبان (٨٤٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧١٨).","vol":"7","page":363},{"text":"قوله: وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"الطهور شطر الإيمان\" المراد بالطهور الوضوء، وأصل الوضوء من الوضاءة وهي الحسن والنظافة وسمي وضوء الصلاة وضوءا لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه وكذلك الطهارة أصلها النظافة والتنزه.\nقوله: \"شطر الإيمان\" يحتمل أن يكون معناه: الطهارة شطر الصلاة فإن الإيمان ورد في كتاب اللّه تعالى بمعنى الصلاة قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١) أي صلاتكم إلى بيت المقدس فالشطر النصف والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا، وهذا القول أقرب الأقوال، ويحتمل أن يكون معناه أن الإيمان تصديق بالقلب وانقياد بالظاهر وهما شرطان للإيمان والطهارة متضمنة للصلاة فهي انقياد في الظاهر (^٢) واللّه أعلم.\nويحتمل أنه جعله شطر الإيمان على وجه الاتساع لأن الإيمان هو الداعي إلى الصلاة والباعث عليها والطهور هو السبيل إليها ولأن الطهور يطهر الأعضاء الظاهرة عن الأحداث كما أن الإيمان يطهر القلب عن الشرك فهي طهارتان إحداهما تختص بالظاهر والأخرى بالباطن (^٣).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٣) إحياء علوم الدين (١/ ١٢٦)، وشرح الأربعين (ص ٦٨ - ٦٩) للنووي، والمفاتيح (١/ ٣٤٦) والتحفة الربانية (ص ٥٠).","vol":"7","page":364},{"text":"قوله - ﷺ -: \"والحمد للّه تملأ الميزان\" أي: التلفظ بهذه الكلمة يملأ ميزان قائلها (^١)، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وسبحان اللّه والحمد للّه تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض\" ضبطناه بالتاء المثناة من فوق، وفي (تملأن وتملأ) وهو صحيح والأول ضمير مؤنثين اثنتين، والثاني ضمير هذه الجملة من الكلام، قال صاحب التحرير: يجوز في تملأن التأنيث والتذكير جميعا فالتأنيث على ما ذكرنا، والتذكير على إرادة النوعين من الكلام أو الذكر يوشك الراوي في أنه - ﵇ - قال: \"تملأن أو تملأ\" فعلى الرِّواية \"تملأن\" ثنى الضمير لأنهما شيئان وعلى رواية \"تملأ\" معناه تملأ كلّ واحدة من هذين اللفظين قال: وأما \"تملأ\" فمذكر على إرادة الذكر، وأما معناه يحتمل أن يقال لو قدر ثوابهما أجساما لملأت تلك الأجسام كفة الحسنات وملأت ما بين السموات والأرض كلّ ذلك عبارة عن فور الثواب وسبب عظم فضلهما ما اشتملنا عليه من التنزيه للّه تعالى بقوله والحمد للّه سبحان اللّه والتفويض والافتقار إلى اللّه تعالى بقوله الحمد للّه (^٣) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"والصلاة نور\" فمعناه أنها تمنع من المعاصي كما أن النور\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٣٤٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).","vol":"7","page":365},{"text":"يستضاء به، وقيل: الصلاة نور يعني للمصلي في الدنيا والعقبى إما في الدنيا فإنه يهتدي بها من ظلمات الهوى إلى سعة أنوار الهدي، قال اللّه تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وأما في الآخرة فهي نور يسعي بين يديه يهتدي بها إلى الوصول إلى أعلاء المقامات، وقيل: معناه أنه يكون أجرها نورا لصاحبها يوم القيامة، وقيل: معناه أنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضًا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل (^١).\nقوله - ﷺ -: \"والصدقة برهان\" قال صاحب التحرير: معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال فيقول: تصدقت به، قيل: ويجوز أن يوسم المتصدق بسيما يعرف بها فتكون برهانا له على حاله ولا يئل عن مصرف ماله، وقال عن صاحب التحرير: ومعناه أن الصدقة حجة على إيمان فاعلها فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه (^٢) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"والصبر ضياء\" فمعناه الصبر المحبوب في الشرع وهو الصبر على طاعة اللّه تعالى والصبر عن معصيته والصبر أيضًا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود لا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديا مستمرًا على الصواب، قال إبراهيم الخواص: الصبر هو الثبات على\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).","vol":"7","page":366},{"text":"الكتاب والسنة، وقال ابن عطاء الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب وقال الأستاذ أبو علي الدقاق: حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور فإما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال اللّه تعالى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (^١) مع أنه قال ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (^٢) (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"والقرآن حجة لك أو عليك\" فمعناه ظاهر أي تنتفع به أن تلوته وعملت به وإلا فهو حجة عليك، وقال الإمام القرطبي في كتابه التذكار: القرآن حجة لمن عمل به واتبع ما فيه وحجة لمن لم يعمل به ولم يتبع ما فيه، وخرج ابن شاهين عن عمرو بن شعيب عن أبي عن جدّه قال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"يأتي القرآن إلى الذي حمله فأطاعه في صورة حسنة فيأخذ بيده حتى يأتي ربه ﷿ فيصير خصيما من دونه فيقول أي رب حفظته إياي خير حامل حفظ حدودي وعمل بفرئضي وعمل بطاعتي واجتنب معصيتي فلا يزال يقذف دونه بالحجج حتى يقال له فشأنك به\" قال: \"فيأخذ بيده لا يدعه حتى يسقيه بكأس الخلد ويتوجه تاج الملك\".\nقال: \"ويأتي صاحبه الذي حمله فأضاعه فيأخذ بيده حتى يأتي به ربه ﷿ فيصير له خصيما فيقول يا رب حملته إياي فشر حامل ضيع حدودي وترك فرائضي واجتنب طاعتي وعمل بمعصيتي فلا يزال يقذف عليه\n_________\n(^١) سورة ص، الآية: ٤٤.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١ - ١٠٢).","vol":"7","page":367},{"text":"بالحجج حتى يقال له فشأنك به فيأخذ بيده فلا يدعه حتى يكبه على منخره في نار جهنم\" (^١) أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"كلّ الناس يغدو فبائع نفسه\" معناه كلّ إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها للّه تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبعيها للشيطان والهوى باتباعهما فيوبقها أي يهلكها بسخط اللّه ﷿ (^٢)،\n\n٢٣٩٥ - وَعَن رجل من بني سليم قَالَ عدهن رَسُول اللّه - ﷺ - فِي يَدي أَو فِي يَده قَالَ التَّسْبِيح نصف الْمِيزَان وَالْحَمْد للّه تملؤه وَالتَّكبِير يمْلأ مَا بَين السَّمَاء وَالأرْض وَالصَّوْم نصف الصَّبْر وَالطهُور نصف الإِيمَان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٣).\nوَرَوَاهُ أَيْضًا من حَدِيث عبد اللّه بن عَمْرو بِنَحْوِهِ وَزَاد فِيهِ وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه لَيْسَ لَهَا دون اللّه حجاب حَتَّى تخلص إِلَيْهِ (^٤).\nقوله: وعن رجل من بني سليم، بنو سليم: اسم قبيلة [نسبة إلى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر وهي قبيلة مشهورة والمنتسب إليها لا يحصون منهم مجاشع بن مسعود السلمي والعرباض بن سارية السلمي والعباس بن مرداس السلمي روى عن عثمان وعلي - ﵄ - روى\n_________\n(^١) التذكار (ص ٦٩ - ٧٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٢).\n(^٣) الترمذي (٣٥١٩)، وأحمد (١٨٢٨٧)، والدرامي (٦٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٣١)، والطبراني في الدعاء (١٧٣٤).\n(^٤) الترمذي (٣٥١٨)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٢٨)","vol":"7","page":368},{"text":"عنه الناس وأبو عبد الرحمن محمد بن الحُسين بن محمد بن موسى السلمي الصوفي وهو ابن بنت أبي عمرو بن نجيد السلمي له تصانيف في علوم الصوفية لم يسبق إليها وكان مكثرا من الحديث روى عنه الحاكم أبو عبد اللّه ومات قبله بسبع سنين وتوفي ثالث شعبان سنة اثنتي عشرة وأربعمائة بنيسابور (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"التسبيح نصف الميزان والحمد للّه تملؤه والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض والصوم نصف الصبر والطهور نصف الإيمان\" تقدم الكلام على الألفاظ في الحديث قبله وفي غيره وتقدم الكلام على قوله \"والصوم نصف الصبر\" في كتاب الصيام.\n\n٢٣٩٦ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - أَن نَاسا من أَصْحَاب النَّبِيّ - ﷺ - قَالُوا للنَّبِي - ﷺ - يَا رَسُول اللّه ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ يصلونَ كَمَا نُصلي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُول أَمْوَالهم قَالَ أوليس قد جعل اللّه لكم مَا تصدقُونَ بِهِ إِن بِكُل تَسْبِيحَة صدَقَة وكل تَكْبِيرَة صدَقَة وكل تَحْمِيدَة صدَقَة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ صدَقَة وَنهي عَن مُنكر صَدَقَة وَفِي بضع أحدكُم صَدَقَة قَالُوا يَا رَسُول اللّه أَيَأتِي أَحَدنَا شَهْوَته وَيكون لَهُ فِيهَا أجر قَالَ أَرَأَيْتُم لَو وَضعهَا فِي حرَام كَانَ عَلَيْهِ وزر فكَذَلِك إِذا وَضعهَا فِي الْحَلَال كَانَ لَهُ أجر رَوَاهُ مسلم وَابْن مَاجَة (^٢).\nالدُّثُور بِضَم الدَّال جمع دثر بِفَتْحِهَا وَهُوَ المَال الْكثير.\nوالبضع بِضَم الْمُوَحدَة هُوَ الْجِمَاع وَقيل هُوَ الْفرج نَفسه.\n_________\n(^١) اللباب (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٢) مسلم (١٠٠٦)، وابن ماجة (٩٢٧)، وأحمد (٢١٤٧٣)، وابن حبان (٨٣٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٢٧).","vol":"7","page":369},{"text":"قوله: وعن أبي ذر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن ناسًا من أصحاب النبي - ﷺ - قالوا للنبي - ﷺ - يا رسول اللّه ذهب أهل الدثور بالأجور\" الدثور جمع دثر وهو المال الكثير قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"أوليس قد جعل اللّه لكم ما تصدقون به\" الرواية فيه بتشديد الصاد والدال جميعا، ويجوز في اللغة تخفيف الصاد أي: ما تتصدقون به.\nقوله - ﷺ -: \"إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة\" قال النووي (^١): فرويناه بوجهين رفع صدقة ونصبه فالرفع على الاستئناف والنصب عطف على أن بكل تسبيحة صدقة، قال القاضي عياض (^٢): يحتمل تسميتها صدقة أن لها أجرا كما أن للصدقة أجرا وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام، وقيل: معناه أنها صدقة على نفسه.\nقوله - ﷺ -: \"وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة\" فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كلّ فرد من أفراد الْأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل لأن الْأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وزقد يتعين ولا يتصور وقوعه نفلا والتسبيح والحميد والتهليل نوافل، ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل لقوله تعالى في الحديث: \"وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩١).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٢٦).","vol":"7","page":370},{"text":"عليه\" رواه البخاري من رواية أبي هريرة وقد قال إمام الحرمين من أصحابنا: عرف بعض العُلماء أن ثواب الفرض يزيد علي ثواب النافلة بسبعين درجة واستأنسوا فيه بحديث واللّه أعلم، قاله النووي (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وفي بضع أحدكم صدقة\" الحديث، البضع هي الجماع، وقيل: الفرج نفسه، أ. هـ، قاله المنذري.\nوكلاهما تصح إرادته هنا (^٢)، وهو بضم الباء والبضع المباضعة اسم للجماع أيضًا والبضع أيضًا مهر المرأة ومنه قوله - ﷺ - \"استأمروا النساء في أبضاعهن\" قال الأصمعي: يقال ملك فلان بضع فلانه إذا ملك عقد نكاحها وهو كناية عن موضع الغشيان والمباضعة المباشرة والاسم البضع (^٣)، وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصالحات والجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر اللّه تعالى به أو طلب ولدا صالحا أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعها جميعا من النظر إلى حرام أو الفكر فيه أو الهم به أو مكابدة المشاق بالصبر أو غيره ذلك من المقاصد الصالحة (^٤).\nقوله: قالوا يا رسول اللّه أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، إلى قوله: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر، وفي هذا الحديث فضيلة التسبيح\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٢).\n(^٣) الغريبين (١/ ١٨٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٢).","vol":"7","page":371},{"text":"وسائر الأذكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضار النية في المباحات وذكر العالم دليلا لبعض المسائل التي تخفي، وتنبيه المفتي على مختصر الأدلة وجواز سؤال المستفتي عن بعض ما يخفي من الدليل إذا علم من حال المسؤل أنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء أدب واللّه أعلم (^١).\nفائدة: في رواية الإمام أحمد (^٢) مطولة وفيها \"ولك في جماع زوجك أجر، قلت: كيف يكون لي أجر في شهوتي، فقال رسول اللّه - ﷺ -: أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره فمات أكنت تحتسب به قلت: نعم\" الحديث، فظاهر هذا السياق يقتضي أنه يؤجر على جماعه لأهله بنية طلب الولد الذي يترتب الأجر على تربيته وتأديبه وحياته ويحتسبه عند موته وأما إذا لم ينو شيئًا فقضى شهوته، فهذا قد تنازع الناس في دخوله في هذا الحديث (^٣)، واللّه أعلم.\n\n٢٣٩٧ - وَعَن أبي سلمى - ﵁ - راعي رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول بخ بخ لخمس مَا أثقلهن فِي الْمِيزَان لا إِلَه إِلَّا اللّه وَسُبْحَان اللّه وَالْحَمْد للّه وَاللّه أكبر وَالْولد الصَّالح يتوفى للمرء الْمُسلم فيحتسبه رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصححهُ (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٣).\n(^٢) سبق تخريجها.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٢).\n(^٤) النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٩٩٥)، وابن حبان (٨٣٣)، الحاكم (١/ ٥١١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ رقم ٨٧٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٨١٧).","vol":"7","page":372},{"text":"وَرَوَاهُ الْبَزَّار بِلَفْظِهِ من حَدِيث ثَوْبَان وَحسن إِسْنَاده (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث سفينة وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢).\nقوله: وعن أبي سلمى - ﵁ - راعي رسول اللّه - ﷺ -، وأبو سلمى قيل اسمه حريث، قال بقي بن مخلد الأندلسي له عن النبي - ﷺ - حديثان، وقال البرقي له عن رسول اللّه - ﷺ - حديث واحد وليس كما قال، فقد روي له ابن ماجه في الدعاء من سننه حديث \"ما من مسلم أو إنسان أو عبد يقول حين يمسي وحين يصبح رضيت باللّه ربا\" الحديث وأبو سلام هو [ممطور] الحبشي وليس هو من بلاد الحبشة ولكن منسوب إلى حبشي حي من [حمير] وقيل: من خثعم (^٣) أ. هـ.\nقوله: \"بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان\" تقدم الكلام على ذلك في كتاب الصيام وغيره.\nقوله: ورواه الطبراني في الأوسط (^٤) من حديث سفينة هو صاحب رسول اللّه - ﷺ - مولاه يقال اسمه مهران بن فروخ ويقال اسمه نجران وقيل عمير، وقيل: رومان، وقيل: قيس، وقيل: سفينة، بإسكان النون بعد السين وبعدها\n_________\n(^١) البزار (٣٠٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٨)، رواه البزار وحسن إسناده، إلا أن شيخه العبَّاس بن عبد العظيم لم أعرفه.\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٥١٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٨)، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) سلاح المؤمن (ص ٧٥ - ٧٦).\n(^٤) سبق تخريجها.","vol":"7","page":373},{"text":"باء موحّدة كنيته المشهورة أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو البخترى قيل سبب تسميته سفينة أنه حمل متاعا كثيرًا لرفقته في الغزو فقال له النبي - ﷺ - \"أنت سفينة\" (^١).\n\n٢٣٩٨ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ خلق كلّ إِنْسَان من بني آدم على سِتِّينَ وثلاثمائة مفصل من كبر اللّه وَحمد اللّه وَهَلل اللّه وَسبح اللّه واستغفر اللّه وعزل حجرا عَن طَرِيق الْمُسلمين أَو شَوْكَة أَو عظما عَن طَرِيق الْمُسلمين أَو أَمر بِمَعْرُوف أَو نهى عَن مُنكر عدد تِلْكَ السِّتين والثلاثمائة فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمئِذٍ وَقد زحزح نَفسه عَن النَّار قَالَ أَبُو تَوْبَة وَرُبَّمَا قَالَ يمشي يَعْنِي بالشين الْمُعْجَمَة رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"خلق كلّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل\" الحديث، المفصل بفتح الميم وكسر الصاد وتقدم الكلام عليه في الوضوء أو كتاب الصلاة، وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام البدن مائتان وثمانية وأربعون عظما سوى السمسمانيات، وبعضهم يقول هي ثلاثمائة وستون عظما يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظما والباقية صغار لا تظهر تُسمّى السمسمانية وهذه الأحاديث تصدق على هذا القول ومعنى الحديث أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم اللّه على عبده فيحتاج كلّ\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٥ ترجمة ٢١٧).\n(^٢) مسلم (١٠٠٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٧٣).","vol":"7","page":374},{"text":"عضو منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه فيكون ذلك شكرا لهذه النعمة وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في الصلاة واللّه أعلم. ذكره ابن رجب الحنبلي (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فإنه يمسي يومئذ\" قال أبو توبة: وربما قال \"يمشي\" يعني بالشين المعجمة، ا. هـ.\nووقع لأكثر رواة مسلم الأول \"يمشي\" بفتح الياء والشين المعجمة، والثاني بضمها وبالسين المهملة ولبعضهم عكسه وكلاهما صحيح، وأما قوله في رواية الدارمي (^٢) وقال: \"فإنه يمسي يومئذ\" فبالمهملة لا غير وأما قوله في حديث أبي بكر بن نافع وقال: \"فإنه يمسي يومئذ\" فبالمعجمة لا غير باتفاقهم (^٣).\nتنبيه: قوله \"أبو توبة\" أبو توبة هذا أحد رواة الحديث واسمه الربيع بن نافع ذكره النووي في شرح مسلم (^٤) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وقد زحزح نفسه عن النار\" أي: باعدها.\n\n٢٣٩٩ - وَعَن ابْن أبي أوفى - ﵁ - قَالَ قَالَ أَعْرَابِي يَا رَسُول اللّه إِنِّي قد عَالَجت الْقُرْآن فَلم أستطعه فعلمني شَيْئًا يجزئ من الْقُرْآن قَالَ قل سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٤).\n(^٢) سبق تخريجها.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٣).","vol":"7","page":375},{"text":"وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر فَقَالهَا وأمسكها بأصابعه فَقَالَ يَا رَسُول اللّه هَذَا لرَبي فَمَا لي قَالَ تَقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وَعَافِنِي وارزقني وَأَحْسبهُ قَالَ واهدني وَمضى الْأَعرَابِي فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ذهب الْأَعرَابِي وَقد مَلأ يَدَيْهِ خيرا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَن إِبراهِيم السكْسكِي عَنهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصرا وَزَاد فِيهِ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه وَإِسْنَاده جيد (^١).\nقوله: وعن ابن أبي أوفى - ﵁ -، وابن أبي أوفى اسمه عبد اللّه واسم أبي أوفى [علقمة] بن خالد الأسلمي أبو إبراهيم، وقيل: أبو محمد وقيل غير ذلك، ولابنه صحبة ولأخيه، شهد بيعة الرضوان وله عدة أحاديث نزل الكوفة، ومات سنة ست وثمانين وقيل سنة تسع، وقيل ثمان وهو آخر من مات بها من الصحابة (^٢) وتقدم الكلام عليه في الآذان وفي غيره مبسوطا.\nقوله: قال أعرابي: يا رسول اللّه إني قد عالجت القرآن فلم أستطعه، الأعرابي: بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية.\nقوله: فعلمني شيئًا يجزئ من القرآن، الحديث، فيجزئ بفتح الياء وسكون الجيم يغير همز أي يكفي ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ﴾ (^٣) ويجوز ضمها من الإجزاء وأراد بالقرآن الفاتحة.\n_________\n(^١) البيهقي (٢/ ٣٨١)، وأحمد (١٩١١٠)، وأبو داود (٨٣٢)، وابن خزيمة (٥٤٤)، وابن حبان (١٨٠٩)، والحاكم (١/ ٢٤١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦١).\n(^٣) سورة لقمان، الآية: ٣٣.","vol":"7","page":376},{"text":"قوله: رواه ابن أبي الدنيا (^١) عن الحجَّاج بن أرطاة.\nفائدة: الحجَّاج بن أرطاة، بفتح الهمزة هو أبو أرطأة الحجَّاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل بن كعب بن سلامان بن عامر بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخعي الكوفي الفقيه أحد الأئمة في الحديث والفقه وهو من تابعي التابعين، سمع عطاء والشعبي والزهري وقتادة وغيرهم من التابعين وثقه شعبة وقليلون وكان بارعا في الحفظ والعلم، قال النووي (^٢): وروينا عن سفيان الثوري أنه قال لطلبة العلم عليكم بالحجاج فما بقي أحد أعرق بما يخرج من رأسه منه، قال: وما رأيتُ أحفظ منه، وكان قاضي البصرة توفي بالري [قاله النووى (^٣)].\nقوله: عن إبراهيم السكسكي عنه [هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل السكسكي، أبو إسماعيل الكوفي، مولى صخير قال أحمد ضعيف وقال النسائي ليس بذاك القوي ولينه شعبة وأخرج له البخاري، وقال ابن عدي لم أر له حديثًا منكرا].\n\n٢٤٠٠ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ عَلمنِي كلَاما أقوله قَالَ قل لا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ وَاللّه أكبر كبِيرا وَالْحَمْد للّه كثيرًا وَسُبْحَان اللّه رب الْعَالمين وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه\n_________\n(^١) سبق تخريجها.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٣).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٢ - ١٥٣ ترجمة ١١٢).","vol":"7","page":377},{"text":"الْعَزِيز الْحَكِيم قَالَ هَؤُلاءِ لرَبي فَمَا لي قَالَ قل اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني واهدني وارزقني وَزَاد من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ وَعَافني وَفِي رِوَايَة قَالَ فَإِن هَؤُلاءِ تجمع لَك دنياك وآخرتك رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: وعن سعد بن أبي وقَّاص - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال علمني كلاما أقوله، الحديث، تقدم الكلام على الأعرابي مرارا.\n\n٢٤٠١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ -: قَالَ جَاءَ رجل بدوي إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه عَلمنِي خيرا قَالَ قل سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر قَالَ وَعقد بِيَدِهِ أَرْبعا ثمَّ ذهب فَقَالَ سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر ثمَّ رَجَعَ فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللّه تَبَسم وَقَالَ تفكر البائس فَقَالَ يَا رَسُول اللّه سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر هَذَا كُله للّه فَمَا لي فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا قلت سُبْحَانَ اللّه قَالَ اللّه صدقت وَإِذا قلت الْحَمد للّه قَالَ اللّه صدقت وَإِذا قلت لا إِلَه إِلَّا اللّه قَالَ اللّه صدقت وَإِذا قلت اللّه أكبر قَالَ اللّه صدقت فَتَقول اللَّهُمَّ اغْفِر لي فَيَقُول اللّه قد فعلت فَتَقول اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي فَيَقُول اللّه قد فعلت وَتقول اللَّهُمَّ ارزقني فَيَقُول اللّه قد فعلت قَالَ فعقد الأعرَابِي سبعا فِي يَده رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\nوَهُوَ فِي الْمسند وَسنَن النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِمَعْنَاهُ (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٢٦٩٦).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٦١٩).\n(^٣) النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٦٠).","vol":"7","page":378},{"text":"قوله: وروي عن أنس بن مالك - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: جاء رجل بدوي إلى رسول اللّه - ﷺ -، تقدم الكلام على البدوي.\nقوله: فلما رآه رسول اللّه - ﷺ - تبسم وقال: \"تفكر البائس\" البائس: هو الذي عليه أثر البؤس، وهو: الفقر والقلة نعوذ باللّه منهما (^١).\nقوله: علمني كلاما أقوله، قال: \"قل لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له اللّه أكبر كبيرا والحمد للّه كثيرا وسبحان اللّه بكرة وأصيلا رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا باللّه العزيز الحكيم\" الحديث، وفيه إشارة إلى التحريض على ذكر اللّه تعالى بالألفاظ التي علمه إياها أولا وعلى الدعاء بالألفاظ التي علمه إياها ثانيا، فجعل التهليل والتكبير والتسبيح والحول والقوة للّه تعالى وجعل طلب المغفرة والرحمة والهدى والرزق للعبد ولذلك بعدما علمه الألفاظ الأولى هؤلاء لربي وأقره على ذلك وإقراره ﵊ على الشيء دليل على [صحته]، وهذا يدلّ على أن الثناء على اللّه تعالى لا يكتفي به عن المسألة لأن الثناء عليه يقصد به تحصيل مثوبته مطلقا والدعاء يتعين به مطلوب الداعي وقد قال اللّه ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢) الآية، ينبغي للداعي أن يبتدأ بالثناء على اللّه ﷿ والصلاة على نبيه - ﷺ - ثم يدعوا كما جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا يدعو لم يحمد اللّه ولم يصل على نبيه - ﷺ - فقال عجل هذا ثم دعاه فعلمه وقد احتج ابن عيينة في\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٧٩).\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.","vol":"7","page":379},{"text":"الاكتفاء عن المسألة بالثناء بحديث مالك بن الحارث \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" وأنشد قول الشاعر:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... وفاؤك إن شيمتك الوفاء\nإذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء\nوطريق الجمع بينهما هو أنه إذا أشغل نفسه بالثناء قاصدا به التعرض للدعاء [قام] مقامه وناب منابه وكان أبلغ منه وإن قصد الثناء لثوابه كان له ثوابه ولم يدلّ بمطلقه على أن له مطلق ما معينا دنيويا كان أو أخرويا ولهذا قال القائل للنبي - ﷺ - هؤلاء لربي فما لي أي إن هؤلاء الكلمات تتضمن تعظيم الرب ﷿ فما يكون مطلوبي فعلمه الكلمات الأخر، ومعنى قوله سبحان اللّه أي تنزيه اللّه.\nقوله: \"ولا حول ولا قوة إلا باللّه\" وقد جعل النبي - ﷺ - هذه الكلمة كنزا من كنوز الجنة في قوله - ﷺ - لأبي موسى هل أدلك على كنز من كنوز الجنة فذكرها وبإجماع المسلمين على إطلاقها يستدل على المعتزلة في قولهم أن أفعال العبد مخلوقة لهم واللّه تعالى خالق كلّ شيء كما قال ﷾ ممتدحا ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (^١)، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرًا واللّه تعالى أعلم قاله في الديباجة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا\n_________\n(^١) سورة فاطر، الآية: ٣.\n(^٢) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":380},{"text":"قوة إلا باللّه\" وقد اختلف العُلماء - ﵃ - في وجوب الذكر لمن لم يحسن شيئًا من القرآن في الصلاة فقال أبو حنيفة ومالك لا يجب، وذهب الشافعي وأحمد إلى وجوب الذكر إذا عجز المصلي عن قراءة الفاتحة بالعربية وتعليمها أو تلقينها بسبع آيات لأن النبي - ﷺ - قال للمسيء صلاته إذا قمت إلى الصلاة فكبر كما أمرك اللّه فإن كان معك قرآن فاقرأ أولا فاحمد اللّه تعالى وهلل وكبر والمعنى فيه أن القرآن بالقرآن أشبه، وإذا أوجبنا سبع آيات لأن هذا العدد مرعي في الفاتحة لأنه السبع المثاني، قال الشافعي: ثمان آيات لتكون الآية الثامن بدلا عن السورة وأن تكون الآيات متوالية لأنه أشبه بالفاتحة فإن عجز فمتفرقة ولا المقدور عليه، قال النووي في المنهاج (^١): الصحيح المنصوص جواز المتفرقة أي من سورة أو سورة مع حفظه متوالية، فإن عجز عن المتوالية والمتفرقة أتى بالذكر المذكور في هذا الحديث وهو سبحان اللّه والحمد للّه إلى اَخره، ويضيف إلى ذلك كلمتين من الذكر ليكمل سبعا وعلى هذا فالأولى أن يكون ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن لأنهما رويا في بعض الأخبار، وقيل: لا يلزمه أن يضيف إلى الكلمات لأنه - ﷺ - اقتصر عليهم لما سئل عما يجزئ من القرآن ولأنه بدل من غير الجنس ولا يتعين هذا الذكر كما في القنوت ونحوه، فإنه يحصل بما في معناه ولكن لابد من سبعة بعدد حروف الفاتحة، وقال الرافعي: الأقرب سبعة أنواع من الذكر ليكون كلّ نوع مقام آية والحديث يرد ذلك لاقتصاره على ما\n_________\n(^١) منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه (ص: ٢٦).","vol":"7","page":381},{"text":"ذكر، ولو دعا بدله قال النووي في التحقيق (^١) الأقوى إجزاء دعاء محض يتعلق بالآخرة وكذا قال الإمام والغزالي وخالفهم السبكيين ولا يتعين الذكر المذكور في الحديث وهذا هو المرجح وفي كلّ وقت يجب عليه أن يتعلم الفاتحة ولا تسقط إلا بالعجز ومن لم يحسن شيئًا أو ضاق الوقت عن التعلم وقف بقدر قراءة الفاتحة عندنا وفي هذا الحديث وجوب الفاتحة في الصلاة، فإن أحسن بعض الفاتحة ولم يحسن بدلا وجب تكرير ما أحسنه قدر الفاتحة وإلا فالأصح أن يأتي به ويبدل الباقي فلو أحسن النصف الثاني من الفاتحة أتى بالذكر بدلا عن الأول ثم يأتي بالنصف الباقي فلو عكس لم يجزئ على الأصح الصحيح (^٢) واللّه أعلم.\n[وفي هذا خروج عن الحديث بالكلية، والمختار: أنه لا يقوم مقام الذكر و] يشترط في الذكر المأتي به أن لا يقصد به غير البدلية، وفي اشتراط قصد البدلية وجهان أصحهما لا يشترط ولو أتى بدعاء الاستفتاح والتعوذ وقصد به البدلية أجزأه عن الفاتحة وإن لم يقصد شيئًا أجزأه على الأصح (^٣) واللّه أعلم.\nقوله: قال يا رسول اللّه هذا لربي، فما لي؟ قال: \"تقول اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واهدني، وفي حديث رواه الحاكم: الخمس المذكورة في حديث ابن أبى أوفي، وفي حديث سعد بن أبي وقَّاص الذي يأتي\n_________\n(^١) التحقيق (ص ٢٠٥).\n(^٢) انظر التحقيق (ص ٢٠٤ - ٢٠٥)، وعمدة السالك (ص ٤٩)، والنجم الوهاج (٢/ ١٢١).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ١٢١).","vol":"7","page":382},{"text":"بعده هذا، وزاد الحاكم \"واجبرني وارفعني\" هذه الألفاظ السبعة رواها الحاكم بإسناد صحيح وذكرها النووي (^١) في منهاجه فقال: ويجلس بين سجدتيه مطمئنا قائلا رب اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني وارزقني واهدني وعافني.\nقوله: \"وارزقني\" والأرزاق نوعان ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم (^٢)، أ. هـ.\n\n٢٤٠٢ - وَعَن سلمى أم بني أبي رَافع - ﵄ - مولى رَسُول اللّه - ﷺ - أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول اللّه أَخْبرنِي بِكَلِمَات وَلَا تكْثر عَليّ فَقَالَ قولي اللّه أكبر عشر مَرَّات يَقُول اللّه هَذَا لي وَقَوْلِي سُبْحَانَ اللّه عشر مَرَّات يَقُول اللّه هَذَا لي وَقَوْلِي اللَّهُمَّ اغْفِر لي يَقُول قد فعلت فتقولين عشر مَرَّات وَيَقُول قد فعلت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\nقوله: وعن سلمى أم [بني] أبي رافع - ﵄ - مولى رسول اللّه - ﷺ -[وهي بفتح السين بلا خلاف، وقد غلط بعض المصنفين، حيث قال: هي بالضم، وهي مولاة رسول اللّه - ﷺ -، وقيل: مولاة صفية بنت عبد المطلب، وهي امرأة أبي رافع مولى النبي وأم ولده، وكانت قابلة بنى فاطمة بنت رسول اللّه\n_________\n(^١) راجع الموضع السابق المشار إليه.\n(^٢) النهاية (٢/ ٢١٩).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ رقم ٧٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٢)، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"7","page":383},{"text":"- ﷺ - وقابلة إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -، وشهدت خيبر مع رسول الله - ﷺ -].\n\n٢٤٠٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ استكثروا من الْبَاقِيَات الصَّالِحَات قيل وَمَا هن يَا رَسُول اللّه قَالَ التَّكْبِير والتهليل وَالتَّسْبِيح وَالْحَمْد للّه وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هن يا رسول اللّه قال التكبير والتهليل والتسبيح والحمد للّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه\" الحديث، والحكمة في تسمية هذه الكلمات بالباقيات الصالحات دون غيرها أنها تبقى في الجنة يكتمونها كما يلهمون النفس بخلاف بقية الأعمال الصالحات فإنها تنقطع بالموت ولا تعوذ في الآخرة.\n\n٢٤٠٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ خُذُوا جنتكم قَالُوا يَا رَسُول اللّه عَدو حضر قَالَ لا وَلكِن جنتكم من النَّار قُولُوا سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر فَإِنَّهُنَّ يَأْتِين يَوْم الْقِيَامَة مجنبات ومعقبات وَهن\n_________\n(^١) أحمد (١١٧١٣)، وأبو يعلى (١٣٨٤)، وابن حبان (٨٤٠)، والحاكم (١/ ٥١٢)، والطبراني في الدعاء (١٦٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠٥)، والطبري في التفسير (١٥/ ٢٥٥)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٢٨٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠٨٧)، رواه أحمد وأبو يعلي، وإسنادهما حسن، وعزاه المنذري، وكذلك المزي في الأطراف للنسائي ولم أجده، والله أعلم، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٨٢٨).","vol":"7","page":384},{"text":"الْبَاقِيَات الصَّالِحَات رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nجنتكم بِضَم الْجِيم وَتَشْديد النُّون أَي مَا يستركم ويقيكم.\nومجنبات بِفَتْح النُّون أَي مُقَدمَات أمامكم وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم منجيات بِتَقْدِيم النُّون على الْجِيم وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَزَاد وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه (^٢).\nوَرَوَاهُ فِي الصَّغِير من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَجمع بَين اللَّفْظَيْنِ فَقَالَ ومنجيات ومجنبات. (^٣) وَإِسْنَاده جيد قوي.\nومعقبات بِكَسْر الْقَاف الْمُشَدّدَة أَي تتعقبكم وَتَأْتِي من وَرَائِكُمْ.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"خذوا جنتكم\" أي: ما يستركم ويقيكم قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"فإنهن يأتين يوم القيامة مجنبات ومعقبات\" مجنبات أي مقدمات أمامكم ومعقبات أي تعقبكم، وتأتي من وراءكم قاله المنذري.\n_________\n(^١) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٨٤)، والحاكم (١/ ٥٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠٦)، والطبراني في الأوسط (٤٠٢٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢١٤).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٣١٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٩)، وفيه كثير بن سليم، وهو ضعيف.\n(^٣) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٩): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَرِجَالُهُ فِي الصَّغِيرِ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ دَاوُدَ بْنِ بِلَالٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ.","vol":"7","page":385},{"text":"٢٤٠٥ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - قل سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه فَإِنَّهُنَّ الْبَاقِيَات الصَّالِحَات وَهن يحططن الْخَطَايَا كَمَا تحط الشَّجَرَة وَرقهَا وَهِي من كنوز الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أصلحهما فِيهِ عمر بن رَاشد وَبَقِيَّة رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَلَا بَأْس بِهَذَا الإِسْنَاد فِي المتابعات (^١).\nوَرَوَاهُ ابْن مَاجَة من طَرِيق عمر أَيْضًا بِاخْتِصَار (^٢).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"قل سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر\" الحديث، تقدم الكلام عليه.\nقوله: رواه الطبراني بإسنادين أصلحهما فيه عمر بن راشد [عمر بن راشد اليماني: ضعفه الجمهور وقال أبو زرعة لين وقال العجلي: لا بأس به].\n\n٢٤٠٦ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن مِمَّا تذكرُونَ من جلال اللّه التَّسْبِيح والتهليل والتحميد ينعطفن حول الْعَرْش لَهُنَّ دوِي كدَوِيِّ النَّحْل تذكر بصاحبها أما يحب أحدكم أَن يكون لَهُ أَو لا يزَال لَهُ من يذكر بِهِ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن مَاجَة وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما عمر بن راشد اليمامي، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله جال الصحيح.\n(^٢) ابن ماجه (٣٨١٢).","vol":"7","page":386},{"text":"على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أبو عبد اللّه المدني الأمير هو وأبوه وأمه عمرة بنت رواحة صحابيون، وشهد أبوه بشير العقبة الثانية وبدرا وأحدا والمشاهد بعدها، واستشهد مع خالد بعين التمر سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وولد بشير على رأس أربعة شهرا من الهجرة والنعمان أول مولود ولد للأنصار وبعد الهجرة، قتل بالشام بقرية من قرى حمص سنة أربع وستين وكان كريمًا جوادًا شجاعًا شاعرًا (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إن مما تذكرون من جلال اللّه التسبيح والتهليل والتحميد\" الجلال العظمة ومنه [ألظوا بيا] الجلال والإكرام، ومن أسمائه تعالى الجليل وهو منعوت بنعوت الجلال وهو راجع إلى كمال الصفات كما أن الكبير راجع إلى كمال الذات والعظيم راجع إلى كمال الذات والصفات (^٣) فإجلال اللّه ﷾ قد يكون بالأفعال وقد يكون بالأقوال فمن الأول قوله - ﷺ - \"إن من إجلال اللّه تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن\"\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٨٠٩)، والحاكم (١/ ٥٠٠)، وأحمد (١٨٣٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٦٩)، والطبراني في الدعاء (١٦٩٣)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: موسى بن سالم قال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩٣)، هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٧١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٢٩).\n(^٣) النهاية (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"7","page":387},{"text":"الحديث، ومن إجلاله بالأقوال التسبيح والتحميد والتهليل، أ. هـ.\nقوله: \"ينعطفن حول العرش\" أي: يملن ويدرن بالحضرة القدسية.\nقوله: \"لهن دوي كدوي النحل تذكر بصاحبها\" الحديث، الدوي صوت ليس بالعالي كصوت النحل وغيره، وفي حديث الإيمان: أتى النبي - ﷺ - رجل يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، وفي هذا الحديث الصحيح حث على ذكر اللّه، من ذكر اللّه تعالى ذكره، قال اللّه تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (^١) فذكر العبد يذكر به، ولذلك سمي ذكرًا، حكي القشيري عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إن في الجنة قيعانًا فإذا أخذ الذاكر في الذكر أخذت الملائكة في غرس الأشجار فربما يقف بعض الملائكة فيقال له لم وقفت فيقول: فتر صاحبي (^٢)، وقال أبو علي الدقاق: الذكر منشور الولاية فمن وفق للذكر فقد أعطي منشورا الولاية ومن سلب الذكر فقد عزب (^٣).\nقوله: \"أما يحب أحدكم أن يكون له [أو لا يزال له] من يذكر به\" وفي رواية الحاكم \"أيحب أحدكم أن يكون له عند الرحمن شيء يذكر به\" لأنه ﷾ لا يحتاج إلى مذكر ولا يغفل ولا ينسى تنزه وتقدس سبحانه، ولكن هذا يدلّ على عادة العرب في التوسع في الخطاب والمجاز، قاله في الديباجة (^٤)،\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(^٢) الرسالة (٢/ ٣٧٨).\n(^٣) الرسالة (٢/ ٣٧٥).\n(^٤) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":388},{"text":"فالأعمال تشفع لصاحبها عند اللّه وتذكر به إذا وقع في الشدائد، قال اللّه تعالى عن ذي النون - ﵇ - ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ (^١) (^٢)، وفي الشعب للبيهقي عن مجاهد قال: صاحبت [ابن] عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدّث عن رسول اللّه - ﷺ - إلا هذا الحديث: \"إن مثل المؤمن كمثل النخلة، إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك، وكل شأنه منافع، وكذلك النخلة كلّ شأنها منافع\" قال ابن الأثير (^٣): ووجه المشابهة بين المؤمن والنخلة حذق النحل وفطنته، وقلة أذاه وحقارته ومنفعته، وقنوعه وسعيه في الليل، وتنزهه عن الأقذار، وطيب أكله، وأنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله وطاعته لأميره، وأن للنحل آفات تقطعه عن عمله. منها الظلمة والغيم، والريح والدخان، والماء والنار. وكذلك المؤمن له آفات تفتره عن عمله: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء السعة، ونار الهوى. أ. هـ.\n\n٢٤٠٧ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ -: قَالَ إِذا حدّثتكم بِحَدِيث أَتَيْنَاكُم بِتَصْدِيق ذَلِك فِي كتاب اللّه إِن العَبْد إِذا قَالَ سُبْحَانَ اللّه وَالْحَمْد للّه وَلَا إِلَه إِلَّا اللّه وَاللّه أكبر وتبارك اللّه قبض عَلَيْهِنَّ ملك فَضَمَّهُنَّ تَحت جنَاحه وَصعد بِهن لا يمر بِهن على جمع من الْمَلَائِكَة إِلَّا اسْتَغْفرُوا لِقَائِلِهِنَّ حَتَّى يحيا بِهن وَجه\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآية: ١٤٣.\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٩).","vol":"7","page":389},{"text":"الرَّحْمَن ثمَّ تَلا عبد اللّه ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^١) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ كَذَا فِي نُسْخَتي يحيا بِالْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة تَحت وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فَقَالَ حَتَّى يَجِيء بِالْجِيم وَلَعَلَّه الصَّوَاب.\nقوله: وعن عبد اللّه بن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: ثم تلا عبد اللّه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الحديث، نقل القرطبي عن الحسن البصري في معنى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى اللّه تعالى فإذا كان كلم طيّب وعمل شيء رد العمل على القول وكان العمل أحق بذلك من القول (^٣)، قال القرطبي: وقد يجمع هذه الخصال قوله - ﷺ -: \"ذاق طعم الإيمان\" والذوق هنا عبارة عما يجده المؤمن المحقق في إيمانه المطمئن القلب به من إنشراح صدره وتنويره بمعرفة اللّه تعالى ومعرفة رسوله ومعرفة من اللّه تعالى عليه في أن أنعم اللّه عليه بالإسلام ونظمه في سلك أمة محمد خير الأنام وحبب إليه الإيمان\n_________\n(^١) سورة فاطر، الآية: ١٠.\n(^٢) الحاكم (٢/ ٤٢٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٢٥)، والطبراني في الكبير (٩١٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٠)، رواه الطبراني وفيه المسعودي؛ وهو ثقة ولكنه اختلط وبقية رجاله ثقات.\n(^٣) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٣١).","vol":"7","page":390},{"text":"والمؤمنين والكفر والكافرين وأهل البدع والمبتدعين وأنجاه من قبح أفعالهم وركاكة أحوالهم وعند مطالعة هذه المنن والوقوف على تفاصيل تلك النعم يطير القلب فرحا وسرورا ويمتلأ إشراقا ونورا ويجد تلك الحلاوة واللذة ويزول عنه كل هوى وشهوة فيالها من حلاوة وما ألذها وحالة ما أشرفها نسأل الله المنعم أن يتفضل علينا بها ولا يحرمنا إياها بمنه وكرمه (^١) انتهى.\n\n٢٤٠٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا على الأَرْض أحد يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله إِلَّا كفرت عَنهُ خطاياه وَلَو كانَت مثل زبد الْبَحْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وروى شُعْبَة هَذَا الحَدِيث من أبي بلج بِهَذَا الْإسْنَاد نَحوه وَلم يرفعهُ انْتهى.\nوَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْحَاكِم وَزَادا وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله وَقَالَ الْحَاكِم حَاتِم ثِقَة وزيادته مَقْبُولَة يَعْنِي حَاتِم بن أبي صَغِيرَة (^٢).\n\n٢٤٠٩ - وَعَن أنس -﵁-: أَن رَسُول الله -ﷺ- أَخذ غصنا فنفضه فَلم ينتفض ثمَّ نفضه فَلم ينتفض ثمَّ نفضه فانتفض فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن سُبْحَانَ الله\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٢) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٥٨)، والترمذي (٣٤٦٠)، وقال: حديث حسن غريب، وأحمد (٦٤٧٩)، والبيهقي في الدعوات (١٢١)، والحاكم (١/ ٥٠٣)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٣٦).","vol":"7","page":391},{"text":"وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر تنفض الْخَطَايَا كَمَا تنفض الشَّجَرَة وَرقهَا رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\nوَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه أَن النَّبِي -ﷺ- مر بشجرة يابسة الْوَرق فضربها بعصا فَتَنَاثَرَ وَرقهَا فَقَالَ إِن الْحَمد لله وَسُبْحَان الله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لتساقط من ذنُوب العَبْد كَمَا تساقط ورق هَذِه الشَّجَرَة وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَلَا نَعْرِف للأعمش سَمَاعا من أنس إِلَّا أَنه قد رَآهُ وَنظر إِلَيْهِ انْتهى (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ لم يروه أَحْمد من طَرِيق الْأَعْمَش.\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما على الأرض أحد يقول لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله إلا كفرت عنه خطاياه\" المراد بذلك الصغائر وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة كما تقدم في نظائره وتقدم الكلام عليه.\nقوله: وروى شعبة هذا الحديث من [أبي] بلج.\nقوله: ورواه ابن أبي الدنيا والحاكم، وقال الحاكم: حاتم ثقة وزيادته مقبولة يعني حاتم بن أبي صغيرة، أ. هـ، وقال الحافظ الدمياطي في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح: قلت: حاتم ثقة كما ذكر ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وأراه قد توبع على هذه الزيادة والله أعلم.\n_________\n(^١) أحمد (١٢٥٣٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٣٤)، والطبراني في الدعاء (١٦٨٨)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٠٨٩).\n(^٢) الترمذي (٣٥٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٥٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٦٠١).","vol":"7","page":392},{"text":"٢٤١٠ - وَعَن معَاذ بن عبد الله بن رَافع -﵃- قَالَ كنت فِي مجْلِس فِيهِ عبد الله بن عمر وَعبد الله بن جَعْفَر وَعبد الله بن أبي عميرَة -﵃- فَقَالَ ابْن أبي عميرَة سَمِعت معَاذ بن جبل يَقُول سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول كلمتان إِحْدَاهمَا لَيْسَ لَهَا ناهية دون الْعَرْش وَالْأُخْرَى تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر فَقَالَ ابْن عمر لِابْنِ أبي عميرَة أَنْت سمعته يَقُول ذَلِك قَالَ نعم فَبكى عبد الله بن عمر حَتَّى اختضبت لحيته بدموعه وَقَالَ هما كلمتان نعلقهما ونألفهما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته إِلَى معَاذ بن عبد الله ثِقَات سوى ابْن لَهِيعَة ولحديثه هَذَا شَوَاهِد (^١).\nنعلقهما أَي نحبهما ونلزمهما.\nقوله: وعن معاذ بن عبد الله بن رافع -﵃-[هو معاذ بن رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي المدني أخو عبيد بن رفاعة ذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\" وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ضعيف وقال الآجري: سألت أبا داود عن معاذ بن رفاعة فقال: ليس به بأس].\nقوله: قال كنت في مجلس فيه عبد الله بن عمر وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن أبي عميرة -﵃-، تقدم الكلام على عبد الله بن عمر في أول الكتاب، وأما عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي الصحابي بن الالصحابية\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٣٣٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٦)، ومعاذ بن عبد الله بن رافع لم أعرفه، ابن لهيعة حديثه حسن، وبقية رجاله ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٦٦).","vol":"7","page":393},{"text":"والصحابية الجواد بن الجواد أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وكان أبوه جعفر هاجر بأمه إلى أرض الحبشة فولدت عبد الله هناك وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة باتفاق العلماء، وقدم مع أبيه من الحبشة مهاجرين إلى المدينة وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق ويحيى بن أبي طالب لأمهما، [وذلك] أن أسماء تزوجها جعفر ثم أبو بكر ثم علي -﵃-، روي لعبد الله عن رسول الله -ﷺ- خمسة وعشرون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين وتوفي رسول الله -ﷺ- ولعبد الله بن جعفر عشر سنين وكان كريما جوادا حليما وكان يسمى بحر الجود، قال الحافظ عبد الغني: لم يكن في الإسلام أسخى منه، وقال ابن قتيبة في المعارف: كان عبد الله بن جعفر أجود العرب وأخبار أحواله في السخاء والجود والحكم مشهورة لا تحصى، وفي صحيح البخاري عن الشعبي أن ابن عمر كان إذا سلم على ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، توفي عبد الله بن جعفر بالمدينة سنة ثمانين من الهجرة وهو ابن ثمانين سنة من الهجرة، هذا هو الصحيح وقول الجمهور، صلى عليه أبان بن عثمان وهو والي المدينة وحضر غسله وكفنه وازدحم الناس على حمل سريره وحمل أبان معهم بين العمودين فما فارقه حتى وضعه بالبقيع ودموعه تسيل على خديه ويقول: كنت والله خير لا شر فيك وكنت والله شريفا (^١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤ ترجمة ٢٩٢).","vol":"7","page":394},{"text":"فائدة: أبان بن عثمان هو أبو سعيد أبان بن عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المدني التابعي الكبير يلتقي مع رسول الله -ﷺ- في عبد مناف، وأمه أم عمرو بنت جندب الدوسية سمع أباه وزيد بن ثابت، روى عنه الزهري وعمر بن عبد العزيز وخلائق من التابعين وغيرهم، قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أحدا أعلم بحديث ولا فقه من أبان بن عثمان، وقال يحيى بن سعيد: كان فقهاء المدينة عشرة سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن والقاسم وسالم وعروة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة و[قبيصة] بن ذؤيب وأبان بن عثمان وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار، واتفق العلماء على أنه كان ثقة، وتوفي بالمدينة سنة خمس ومائة (^١).\nواعلم أن في صرف أبان خلافا مشهورا والصحيح الذي عليه الجمهور الكثرون والمحققون صرفه فإن الهمزة أصل والألف زائدة ووزنه فعال كغزال وعناق ونظائرهما ومن منع صرفه عكس والله أعلم وتقدم الكلام عليه.\nأما عبد الرحمن بن أبي عميرة فكنيته [أبو عبد الرحمن وهو أخو محمد بن أبي عميرة. له صحبة، سكن حمص].\nقوله: \"هما كلمتان تعلقهما وتحبهما\" تعلقهما أي تحبهما وتلزمهما قاله المنذري.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٩٧ ترجمة ٣١).","vol":"7","page":395},{"text":"٢٤١١ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر أعتق الله ربعه من النَّار وَلَا يَقُولهَا اثْنَتَيْنِ إِلَّا أعتق الله شطره من النَّار وَإِن قَالَهَا أَرْبعا أعْتقهُ الله من النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).\nوعن عمران، يعني ابن حصين -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ما يستطيع أحدكمْ أن يعمل كلَّ يوم مثل أحدٍ عملًا؟ قالوا: يا رسول الله ومن يستطيع أن يعمل كلَّ يومٍ عملًا مثل أحدٍ؟ قال: كلكمْ يستطيعه. قالوا: يا رسول الله ماذا؟ قال: سبحان الله أعظم من أحدٍ، ولا إله إلا الله أعظم منْ أحدٍ، والحمد لله أعظم من أحد، والله أكبر أعظم من أحدٍ. رواه ابن أبي الدنيا والنسائي، والطبراني والبزار، كلهم عن الحسن عن عمران، ولم يسمع منه، وقيل: سمع، ورجالهم رجال الصحيح إلا شيخ النسائي عمرو بن منصور، وهو ثقة (^٢).\nقوله: وروي عن أبي الدرداء -﵁-، تقدم الكلام عليه وعلى معنى الحديث.\nقوله: وعن عمران بن حصين، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أما يستطيع أحدكم أن يعمل كل يوم مثل أحد عملا\" الحديث أحد جبل [بجنب مدينة رسول الله -ﷺ- زادها الله فضلا وشرفا على نحو ميلين، وكانت غزوة أحد يوم السبت لإحدى عشرة خلت من شوال على راس اثنين وثلاثين\n_________\n(^١) الطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيهما أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.\n(^٢) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٧٢)، والطبراني في الكبير (١٨/ رقم ٣٩٨)، وفي الدعاء (١٦٩١)، والبزار (٣٠٧٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩١)، رواه الطبراني والبزار ورجالهما رجال الصحيح.","vol":"7","page":396},{"text":"شهرا من الهجرة. وفي الصحيح: \"أحد جبل يحبنا ونحبه\" وهذا الحديث على ظاهره إذ لا استحالة فيه، ولا يلتفت إلى تأويل من تأوله].\n\n٢٤١٣ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ إِن الله قسم بَيْنكُم أخلاقكم كَمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم وَإِن الله يُؤْتِي المَال من يحب وَمن لَا يحب وَلَا يُؤْتى الْإِيمَان إِلَّا من أحب فَإِذا أحب الله عبدا أعطَاهُ الْإِيمَان فَمن ضن بِالْمَالِ أَن يُنْفِقهُ وهاب الْعَدو أَن يجاهده وَاللَّيْل أَن يكابده فليكثر من قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَالْحَمْد لله وَسُبْحَان الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات وَلَيْسَ فِي أَصله رَفعه (^١).\nضن بالضاد الْمُعْجَمَة أَي بخل.\nقوله: وعن عبد الله يعني ابن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"فمن ضن بالمال أن ينفقه وهاب العدو أن يجاهده\" الحديث، أي: بخل.\n\n٢٤١٤ - وَعَن أبي الْمُنْذر الْجُهَنِيّ -﵁- قَالَ قلت يَا نَبِي الله عَلمنِي أفضل الْكَلَام قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذر قل لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير مائَة مرّة فِي كل يَوْم فَإنَّك يَوْمئِذٍ\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٨٩٩٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٧٥)، وابن المبارك في الزهد (١١٣٤)، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (١٦٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٠)، ورجاله رجال الصحيح، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠٧). ذكره الألباني في ضعيف الجامع، (١٦٢٥)، دون \"فمن ضمن بالمال ... إلخ\" وقال ضعيف.","vol":"7","page":397},{"text":"أفضل النَّاس عملا إِلَّا من قَالَ مثل مَا قلت وَأكْثر من قَول سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله فَإِنَّهَا سيد الاسْتِغْفَار وَإِنَّهَا ممحاة للخطايا أَحْسبهُ قَالَ مُوجبَة للجنة رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي المنذر الجهني -﵁-[روى عنه زيد بن وهب، يعد في أهل الكوفة].\nقوله: رواه البزار من رواية جابر الجعفي [هو جابر بن يزيد الجعفي الكوفي: عالم الشيعة ترك يحيى القطان حديثه، وقال النسائي وغيره متروك ووثقه شعبة وسفيان الثوري، وقال وكيع: ما شككتم في شيء فلا تشكوا أن جابرا الجحفي ثقة].\n\n٢٤١٥ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَالَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر كتب لَهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٢).\n\n٢٤١٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول من قَالَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه الْعلي الْعَظِيم قَالَ الله أسلم عَبدِي واستسلم\" رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) البزار (٣٠٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٨)، وفيه جبار الجعفي، وهو ضعيف.\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٣٤٣٥)، والأوسط (٦٤٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩١)، ورجالهما رجال الصحيح، غير محمد بن منصور الطوسي، وهو ثقة.\n(^٣) الحاكم (١/ ٥٠٢)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقة الذهبي.","vol":"7","page":398},{"text":"٢٤١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا مررتم برياض الْجنَّة فارتعوا قلت يَا رَسُول الله وَمَا رياض الْجنَّة قَالَ الْمَسَاجِد قلت وَمَا الرتع قَالَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقَالَ الْحَافِظ وَهُوَ مَعَ غرابته حسن الْإِسْنَاد.\nقوله: وعن عبد الله بن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه وعلى معنى الحديث.\n\n٢٤١٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أول من يدعى إِلَى الْجنَّة الَّذين يحْمَدُونَ الله ﷿ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الثَّلَاثَة بأسانيد أَحدهَا حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله ﷿ في السراء والضراء\" الحديث، قال أحمد بن أبي الحواري: ذاكرت أبا سليمان في الخبر\n_________\n(^١) الترمذي (٣٥٠٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٩٦).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٢٣٤٥)، وفي الأوسط (٣٠٣٣)، وفي الصغير (٢٨٠)، والبزار (٣١١٤)، والحاكم (١/ ٥٠٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٣٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٥)، رواه الطبراني في الثلاثة بأسانيد وفي أحدها قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وغيرهما وضعفه يحيى القطان وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه وإسناده حسن.","vol":"7","page":399},{"text":"المروي أول من يدعي إلى الجنة الذين يحمدون الله ﷿ في السراء والضراء فقال: ويحك ليس هو أن يحمده على المصيبة وقلبك يبغض عليه إنما الحمد أن تحمده وقلبك مسلم راض (^١).\nفائدة: أحمد بن أبي الحواري يقال بفتح الراء وبكسرها والكسر أشهر والفتح سمعته مرات من شيخنا الحافظ أبي البقاء يحكيه عن أهل الإتقان أو عن بعضهم ذكره النووي في بستان العارفين (^٢)، وقال غيره: الحواري بفتح الراء وكسر الراء ومنهم من يفتح الراء وكان شيخنا أبو الوليد هشام بن خالد النابلسي يحكيه وربما اختاره وكان علامة وقته في هذا الفن مع كمال تحقيقه فيه، واسم أبي الحوارى عبد الله بن ميمون بن عباس بن الحارث، والله أعلم.\n\n٢٤١٩ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ التأني من الله والعجلة من الشَّيْطَان وَمَا أحد أَكثر معاذير من الله وَمَا من شَيْء أحب إِلَى الله من الْحَمد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٣).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"التأني من الله والعجلة من الشيطان وما أحد أكثر معاذير من الله وما من شيء أحب إلى الله من الحمد\" الحديث سبب ذلك أن نعم الدنيا\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢١٠).\n(^٢) بستان العارفين (ص ٣٢).\n(^٣) أبو يعلى (٤٢٥٦)، والبيهقي (١٠/ ١٠٤). قوله: \"التأني من الله والعجلة من الشيطان\" حسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٠١١).","vol":"7","page":400},{"text":"تفنى وثواب الله باق قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (^١) وروى أبو عبد الله الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكان الحمد لله أفضل من ذلك (^٢) قال أبو عبد الله معناه عندنا أنه قد أعطى الدنيا ثم أعطى على أثرها هذه الكلمات حتى نطق بها فكانت هذه الكلمات أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية والكلمة باقية وهي من الباقيات الصالحات ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (^٣) (^٤) وفي حديث أبي مالك الأشعري الذي رواه مسلم والنسائي \"الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان\" والمراد بذلك عظم أجرها وأنها تملأ الميزان وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها (^٥) وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض يعني لو قدر ثوابهما أجساما لملأ ما بين السماء والأرض وسبب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله سبحان الله والتفويض والإقبال إلى الله تعالى بقوله الحمد لله (^٦) ولأن الحمد\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(^٢) أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر (٩٣٠).\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ٤٦.\n(^٤) نوادر الأصول (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).","vol":"7","page":401},{"text":"يرضى به الرب عن العبد لقوله -ﷺ-: \"إن الله ليرضى عن العبد يأكل اللقمة فيحمده عليهما ويشرب الشربة فيحمده عليها\" وما كان سببا لرضوان الله تعالى خير من الدنيا وما فيها (^١)، أهـ، قاله في الديباجة (^٢).\n\n٢٤٢٠ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا أنعم الله على عبد من نعْمَة فَقَالَ الْحَمد لله إِلَّا أدّى شكرها فَإِن قَالَهَا ثَانِيًا جدد الله لَهُ ثَوَابهَا فَإِن قَالهَا الثَّالِثَة غفر الله لَهُ ذنُوبه رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ فِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن قيس أَبُو مُعَاوِيَة الزَّعْفَرَانِي واهي الحَدِيث وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا أنكر عَلَيْهِ.\nقوله: وعن جابر -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما أنعم الله على عبد من نعمة فقال الحمد لله إلا أدى شكرها\" الحديث\n\n٢٤٢١ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا أنعم الله ﷿ على عبد نعْمَة فَحَمدَ الله ﷿ عَلَيْهَا إِلَّا كَانَ ذَلِك أفضل من تِلْكَ النِّعْمَة وَإِن عظمت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِيه نَكَارَة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٩ - ٢٧٣٤).\n(^٢) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.\n(^٣) الحاكم (١/ ٥٠٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إلا أنهما لم يخرجا أبا معاوية، وقال الذهبي: ليس بصحيح، قال أبو زرعة: عبد الرحمن بن قيس كذاب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٢٤).\n(^٤) الطبراني في المعجم الكبير (٧٧٩٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٥)، وفيه =","vol":"7","page":402},{"text":"قوله: وروي عن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث في الأحاديث قبله.\n\n٢٤٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كل كَلَام لَا يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أَجْذم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِحَمْد الله فَهُوَ أقطع (^١).\nقَالَ الْحَافِظ وَفِي الْبَاب بعده أَحَادِيث فِي الْحَمد\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم\" وأجذم بالذال المعجمة وبالجيم أي ناقص قليل البركة وأقطع بمعناه، وفي الرواية الأخرى \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع\" ومعنى ذي بال أي له حال يهتم به وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أول الخطبة.\n_________\n= سويد بن عبد العزيز، وهو متروك، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٦٢)، ولم يذكر فيه \"وإن عظمت\".\n(^١) أبو داود (٤٨٤٠)، وابن ماجه (١٨٩٤)، والنسائي في علم اليوم والليلة (١٠٣٢٨)، وابن حبان (١، ٢) وأحمد (٨٧١٢)، والبيهقي في الدعوات (١)، والدارقطني (١/ ٢٢٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢١٦).","vol":"7","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>الترغيب في جوامع من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير</span>\n٢٤٢٣ - عَن جوَيْرِية -﵄- أن النَّبِي -ﷺ- خرج من عِنْدهَا ثمَّ رَجَعَ بعد أَن أضحى وَهِي جالسة فَقَالَ مَا زلت على الْحَال الَّتِي فارقتك عَلَيْهَا قَالَت نعم قَالَ النَّبِي -ﷺ- لقد قلت بعْدك أَربع كلِمَات ثَلَاث مَرَّات لَو وزنت بِمَا قلت مُنْذُ الْيَوْم لوزنتهن سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ عدد خلقه ورضاء نَفسه وزنة عَرْشه ومداد كَلِمَاته رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ.\nوَفِي رِوَايَة لمُسلم سُبْحَانَ الله عدد خلقه سُبْحَانَ الله رِضَاء نَفسه سُبْحَانَ الله زنة عَرْشه سُبْحَانَ الله مداد كَلِمَاته.\nزَاد النَّسَائِيّ فِي آخِره وَالْحَمْد لله كَذَلِك.\nوَفِي رِوَايَة لَهُ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر عدد خلقه ورضاء نَفسه وزنة عَرْشه ومداد كَلِمَاته.\nوَلَفظ التِّرْمِذِيّ أَن النَّبِي -ﷺ- مر عَلَيْهَا وَهِي فِي الْمَسْجِد ثمَّ مر بهَا وَهِي فِي الْمَسْجِد قريب نصف النَّهَار فَقَالَ مَا زلت على حالك فَقَالَت نعم فَقَالَ أعلمك كَلِمَات تقولينها سُبْحَانَ الله عدد خلقه سُبْحَانَ الله عدد خلقه سُبْحَانَ الله عدد خلقه ثَلَاث مَرَّات سُبْحَانَ الله رضَا نَفسه سُبْحَانَ الله رضَا نَفسه سُبْحَانَ الله رضَا نَفسه ثَلَاث مَرَّات وَذكر زنة عَرْشه ومداد كَلِمَاته ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح.","vol":"7","page":404},{"text":"وَفِي رِوَايَة للنسائي تكْرَار كل وَاحِدَة وَاحِدَة ثَلَاثًا أَيْضا (^١).\nقوله: عن جويرية -﵂-، هي بنت الحارث بن أبي ضرار أم المؤمنين، وروي ابن سعد عن محمد بن عمر عن عبد الله بن الأبيض مولى جويرية قال: سبى رسول الله -ﷺ- بني المصطلق فوقعت جويرية في السبي فجاء أبوها فافتدأها ثم أنكحها رسول الله -ﷺ- بعد (^٢)، وقال ابن سعد بإسناده عن أبي قلابة أن رسول الله -ﷺ- سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها إلى رسول الله -ﷺ- فقال: إن ابنتي لا يُسبى مثلها فأنا أكرم من ذلك فخلي سبيلها، فقال: \"أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنا\" قال: بلى وأديت ما عليك قال فأتاها أبوها وقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا فقالت إني قد اخترت رسول الله -ﷺ- فقال: قد والله فضحتنا (^٣)، وروي ابن سعد أن رسول الله -ﷺ- أعتق جويرية ونكحها وجعل صداقها عتق كل مملوك من بني المصطلق وكانت من ملك النبي -ﷺ- (^٤)، وروى ابن سعد عن الواقدي عن الزهري قال: كانت جويرية من أزواج النبي -ﷺ- وكان قد ضرب عليها الحجاب وكان يقسم لها كما يقسم لنسائه (^٥).\n_________\n(^١) مسلم (٢٧٢٦)، وأبو داود (١٥٠٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٩٨٩)، وابن ماجه في الأدب (٣٨٠٨)، والترمذي (٣٥٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٧)، وأحمد (٢٣٣٤)، وابن حبان (٨٣٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٠٤).\n(^٢) الطبقات (٨/ ١١٧).\n(^٣) الطبقات (٨/ ١١٨).\n(^٤) الطبقات (٨/ ١١٨).\n(^٥) الطبقات (٨/ ١١٨).","vol":"7","page":405},{"text":"قوله -ﷺ-: \"لقد قلت بعدك\" أي بعد فراقك \"أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت\" أي: لو قوبلت تلك الكلمات بما قلت \"لوزنتهن\" أي: عدلتهن في الوزن (^١) أي وزادت عليه في الثواب يقال وازنه فوزنه إذا غلب عليه وزاد في الوزن (^٢).\nقوله: \"منذ اليوم\" اليوم مجرور وهو الاختيار (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"سبحان الله وبحمده\" بيان لقوله \"أربع كلمات\" لعله عد سبحان الله وبحمده عدد خلقه كلمة واحدة لأنها جملة واحدة والبواقي ثلاث لأن كل واحدة منها من حيث أن العامل فيها على تقدير التكرير نظيرها (^٤).\nقوله: \"وعدد خلقه\" نصب على المصدر وكذا البواقي والمعنى أسبحه تسبيحا عدد خلقه عند التعداد و\"وزنة عرشه\" في المقدار ويوجب رضى نفسه أي ما يقع منه ﷾ موضع الرضى أو ما يرضاه لنفسه (^٥).\nقوله -ﷺ-: \"ومداد كلماته\" أي: ويمد مداد كلماته (^٦) وكلمات الله تعالى كلامه وهو صفته وصفاته لا تنحصر بالعدد فذكر العدد هنا مجاز بمعنى المبالغة (^٧).\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٦/ ١٩٦).\n(^٢) تحفة الأبرار (٢/ ٦٣).\n(^٣) الميسر (٢/ ٥٣٥).\n(^٤) تحفة الأبرار (٢/ ٦٣).\n(^٥) تحفة الأبرار (٢/ ٦٣).\n(^٦) تحفة الأبرار (٢/ ٦٣).\n(^٧) النهاية (٤/ ١٩٨).","vol":"7","page":406},{"text":"وقيل: معناه مثلها في العدد (^١)، وقيل: مثلها في أنها لا [تنفد] (^٢) والمراد قدر كلماته ومثلها في الكبر (^٣) وقيل كلمات الله علمه وقيل كلامه (^٤)، قال العلماء: واستعماله هنا المصدر لأن كلمات الله تعالى لا تحصى بعدّ ولا بغيره، والمراد المبالغة في الكثرة لأنه ذكر أولا ما لا يحصره العد الكثير من عدد الخلق ثم زنة العرش ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك وعبر بهذا أي ما لا يحصيه عد كما لا تحصى كلمات الله (^٥)، قال في النهاية (^٦): وهذا تمثيل يراد به التقريب، لأن الكلام لا يدخل في الكيل والوزن، وإنما يدخل في العدد. والمداد: مصدر كالمدد. تقول: مددت الشيء مدا ومدادا، وهو ما يكثر به ويزاد، ومنه حديث الحوض \"ينبعث فيه ميزابان، مدادهما أنهار الجنة\" أي يمدهما أنهارها. أ. هـ.\nقوله: قوله: \"وزنة عرشه\" أي بوزن عرشه في عظم قدره (^٧).\nنوع آخر\n\n٢٤٢٤ - عَن عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيهَا -﵁- أَنه دخل مَعَ رَسُول الله -ﷺ- على امْرَأَة وَبَين يَديهَا نوى أَو حَصى تسبح بِهِ فَقَالَ أخْبرك بِمَا\n_________\n(^١) غريب الحديث (١/ ٢٠٩)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٤).\n(^٣) غريب الحديث (١/ ٢٠٩)، والفائق (٣/ ٣٥٢).\n(^٤) الميسر (٢/ ٥٣٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٤).\n(^٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٧).\n(^٧) النهاية (٢/ ٣١٦).","vol":"7","page":407},{"text":"هُوَ أيسر عَلَيْك من هَذَا أَو أفضل فَقَالَ سُبْحَانَ الله عدد مَا خلق فِي السَّمَاء سُبْحَانَ الله عدد مَا خلق فِي الأَرْض سُبْحَانَ الله عدد مَا بَين ذَلِك سُبْحَانَ الله عدد مَا هُوَ خَالق وَالله أكبر مثل ذَلِك وَالْحَمْد لله مثل ذَلِك وَلَا إِلَه إِلَّا الله مثل ذَلِك وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله مثل ذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب من حَدِيث سعد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n\n٢٤٢٥ - وروى التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم أَيْضا عَن صَفِيَّة -﵂- أَن النَّبِي -ﷺ- دخل عَلَيْهَا وَبَين يَديهَا أَرْبَعَة آلَاف نواة تسبح بِهن فَقَالَ أَلا أعلمك بِأَكْثَرَ مِمَّا سبحت بِهِ فَقَالَت بلَى عَلمنِي فَقَالَ قولي سُبْحَانَ الله عدد خلقه وَقَالَ الْحَاكِم قولي سُبْحَانَ الله عدد مَا خلق من شَيْء وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث صَفِيَّة إِلَّا من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث هَاشم بن سعيد الْكُوفِي وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمَعْرُوف (^٢).\nقوله: عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها -﵁-[عائشة بنت سعد بن أبي وقاص القرشية الزهرية المدنية، روت عن: أبيها سعد بن أبي وقاص، وعن أم ذرة، عن عائشة، ويقال: إنها رأت ستا من أزواج النبي -ﷺ-].\nقوله: في رواية الترمذي عن صفية -﵂-، صفية: هي صفية بنت حيي بضم\n_________\n(^١) أبو داود (١٥٠٠)، والترمذي (٣٥٦٨)، وابن حبان (٨٣٧)، والحاكم (١/ ٥٤٧). وقال الألباني منكر في ضعيف سنن الترمذي (٧١٧).\n(^٢) الترمذي (٣٥٥٤)، والحاكم (١/ ٥٤٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ رقم ١٩٥). وقال الألباني منكر، في ضعيف سنن الترمذي (٧١١).","vol":"7","page":408},{"text":"الحاء وكسرها وفتح الياء الأولى المخففة وتشديد الثانية ابن أخطب بفتح الهمزة وبالخاء المنقوطة من فوق النضيرية بفتح النون وبالضاد المعجمة من بنات هارون النبي أخي موسى -ﷺ- الكليم كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق بضم الحاء المهملة وفتح القاف والأولى وخفة التحتانية، فقتل يوم خيبر سنة سبع سباها رسول الله -ﷺ- عام خيبر ثمن أعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، روى لها عن رسول الله -ﷺ- عشرة أحاديث ماتت سنة ستين، وقيل: سنة خمسين ودفنت بالبقيع (^١).\nنوع آخر\n\n٢٤٢٦ - عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ رَآنِي النَّبِي -ﷺ- وَأَنا أحرك شفتي فَقَالَ لي بِأَيّ شَيْء تحرّك شفتيك يَا أَبَا أُمَامَة فَقلت أذكر الله يَا رَسُول الله فَقَالَ أَلا أخْبرك بِأَكثَرَ وَأفضل من ذكرك بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تَقول سُبْحَانَ الله عدد مَا خلق سُبْحَانَ الله ملْء مَا خلق سُبْحَانَ الله عدد مَا فِي الأَرْض سُبْحَانَ الله ملْء مَا فِي الأَرْض وَالسَّمَاء سُبْحَانَ الله عدد مَا أحصى كِتَابه سُبْحَانَ الله ملْء مَا أحصى كِتَابه سُبْحَانَ الله عدد كل شَيْء سُبْحَانَ الله ملْء كل شَيْء الْحَمد لله عدد مَا خلق وَالْحَمْد لله ملْء مَا خلق وَالْحَمْد لله عدد مَا فِي الأَرْض وَالسَّمَاء وَالْحَمْد لله ملْء مَا فِي الأَرْض وَالسَّمَاء وَالْحَمْد لله عدد مَا أحصى كِتَابه وَالْحَمْد لله ملْء مَا أحصى كِتَابه وَالْحَمْد لله عدد كل شَيْء وَالْحَمْد لله ملْء كل شَيْء رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَاللَّفْظ لَهُ\n_________\n(^١) انظر: معرفة الصحابة (٦/ ٣٢٣١ - ٣٢٣٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩ ترجمة ١١٧٥)، وتهذيب الكمال (٣٥/ الترجمة ٧٨٧٣).","vol":"7","page":409},{"text":"وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاخْتِصَار وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا حسن وَلَفظه قَالَ أَفلا أخْبرك بِشَيء إِذا قلته ثمَّ دأبت اللَّيْل وَالنَّهَار لم تبلغه قلت بلَى قَالَ تَقول الْحَمد لله عدد مَا أحصى كِتَابه وَالْحَمْد لله ملْء مَا أحصى كتَابه وَالْحَمْد لله عدد مَا أحصى خلقه وَالْحَمْد لله ملْء مَا فِي خلقه وَالْحَمْد لله ملْء سمواته وأرضه وَالْحَمْد لله عدد كل شَيْء وَالْحَمْد لله على كل شَيْء وتسبح مثل ذَلِك وتكبر مثل ذَلِك (^٢).\nقوله: عن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: في رواية الطبراني \"والحمد لله ملء سمواته وأرضه\" قال صاحب المغيث: هذا تمثيل لأن الكلام لا يسع الأماكن والمراد به كثرة العدد يقول لو يقدر أن تكون الكلمات أجساما تملأ بها الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملؤها ويمكن أن يريد به أجرها وثوابها، ويحتمل أن يكون المراد تفخيم شأنها كما يقال تكلم بكلمة كأنها جبل وحلف بيمين كالسماوات والأرض (^٣) انتهى.\n_________\n(^١) أحمد (٢٢١٤٤)، والنسائي في اليوم والليلة (٩٩٩٤)، وابن خزيمة (٧٥٤)، وابن حبان (٨٣٠)، والأصبهاني في الترغيب (٧٥٤)، والحاكم (١/ ٥١٣)، والبيهقي في الدعوات (١٣١).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٨١٢٢)، وفي الدعاء (١٧٤٤).\n(^٣) المجموع المغيث (٣/ ٢٢٤).","vol":"7","page":410},{"text":"٢٤٢٧ - عَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- حَدثهمْ أَن عبدا من عباد الله قَالَ يَا رب لَك الْحَمد كَمَا يَنْبَغِي لجلال وَجهك ولعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فَلم يدريا كَيفَ يكتبانها فصعدا إِلَى السَّمَاء فَقَالَا يَا رَبنَا إِن عَبدك قد قَالَ مقَالَة لَا نَدْرِي كَيفَ نكتبها قَالَ الله وَهُوَ أعلم بِمَا قَالَ عَبده مَاذَا قَالَ عَبدِي قَالَا يَا رب إِنَّه قد قَالَ يَا رب لَك الْحَمد كَمَا يَنْبَغِي لجلال وَجهك ولعظيم سلطانك فَقَالَ الله لَهما اكتباها كَمَا قَالَ عَبدِي حَتَّى يلقاني فأجزيه بهَا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه (^١). وَإِسْنَاده مُتَّصِل وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَنه لَا يحضرني الْآن فِي صدَقَة بن بشير مولى العمريين جرح وَلَا عَدَالَة.\nعضلت بالملكين بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي اشتدت عَلَيْهِمَا وعظمت واستغلق عَلَيْهِمَا مَعْنَاهَا\nقوله: عن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها\" قد فسره المنذري.\nقوله: إلا أنه لا يحضرني الآن في صدقة بن بشير مولى العمريين جرح ولا عدالة [قال ابن ماكولا في \"الإكمال\": \"ثقة\" (^٢)].\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٨٠١)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣٢٩٧)، وفي الأوسط (٩٢٤٩)، وفي الدعاء (١٧٠٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٣٨٧)، وفي كنز العمال (٥١٢٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩١)، هذا إسناد فيه مقال، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٧٧).\n(^٢) الإكمال لابن ماكولا (١/ ٢٩١).","vol":"7","page":411},{"text":"قوله: أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد، الحديث الظاهر أن هذا العبد هو داود ﵊ لما روي البيهقي في الشعب في الباب الثالث والثلاثون في تعديد نعم الله على العبد من حديث ابن شهاب قال: قال داود -﵇- الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله إليه أنم أتعبت الحفظة يا دواد.\nقوله: \"فعضلت بالملكين\" أي اشتدت عليهما وعظمت واستغلق عليهما معناهما أ. هـ قاله المنذري.\nوفي الديباجة (^١) قال أهل اللغة: أعضل الأمر اشتد واستغلق والمعضلات الشدائد (^٢) وأصل العضل المنع والشدة يقال أعضل الأمر إذا ضاقت فيه الحيل، ومنه الحديث: \"أعوذ بالله من كل معضلة ليس لها أبو الحسن\"، وحديث معاوية لما جاءته مسألة مشكلة معضلة ولا أبا الحسن (^٣).\nتتمة: قوله \"كما ينبغي لجلال وجهك\" ولأهل المعاني في الوجه قولان أحدهما أن المعنى ويبقى ربك الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه فالوجه على هذا عبارة عن الظهور، والثاني: ويبقى ربك وهو السيد العظيم والوجه يذكر بمعنى الشيء العظيم كقولهم: هذا وجه القوم (^٤)، وقال المتكلمون\n_________\n(^١) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.\n(^٢) تفسير القرطبي (١/ ١٣٢).\n(^٣) النهاية (٢/ ٢٥٤).\n(^٤) التفسير البسيط (٢١/ ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"7","page":412},{"text":"الوجه عبارة عن الذات (^١) والجلال عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح بإحسانه وإنعامه والإكرام للمخلصين من عباده (^٢)، قال الإمام فخر الدين الرازي: الجليل الكامل في الصفات والكبير الكامل في الذات والعظيم الكامل فيهما (^٣) فالجليل يفيد كمال الصفات السلبية والثبوتية قال الأصمعي لا يقال الجلال إلا لله ﵎ ومراده أنه لا يستحقه إلا الله تعالى والإكرام (^٤) هنا المراد به إكرامه لأنبيائه وأوليائه، روى الترمذي من حديث أنس أن النبي -ﷺ- قال: \"ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام\" ورواه النسائي من حديث ربيعة بن عامر الصحابي ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وروي أنه من قول ابن مسعود ومعناه: الزموا ذلك في الدعاء قال أبو عبيد: الإلظاظ لزوم الشيء والمثابرة عليه، ويقال الإلظاظ الإلحاح، وعن سعيد المقبري أن رجلا ألح فجعل يقول: يا ذا الجلال والإكرام فنودي أن قد سمعت فما حاجتك (^٥)، أ. هـ قاله في الديباجة (^٦).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٤/ ٤٥).\n(^٢) التفسير البسيط (٢١/ ١٥٩).\n(^٣) شرح المشكاة (٦/ ١٧٩٤)، والنجم الوهاج (٢/ ١٣٥).\n(^٤) تهذيب اللغة ١/ ٤٨٨، والتفسير البسيط (٢١/ ١٥٩)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٢٧٦)، وكفاية النبيه (١٤/ ٤٢١).\n(^٥) تفسير القرطبي (١٧/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(^٦) سبق.","vol":"7","page":413},{"text":"٢٤٢٨ - رُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- أَيْضا عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من قَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين حمدا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ على كل حَال حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ثَلَاث مَرَّات فَتَقول الْحفظَة رَبنَا لَا نحسن كنه مَا قدسك عَبدك هَذَا وحمدك وَمَا نَدْرِي كَيفَ نَكْتُبهُ فَيُوحِي الله إِلَيْهِم أَن اكتبوه كمَا قَالَ عَبدِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الضُّعَفَاء (^١).\nقوله: وروي عن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده\" الحديث، ومعنى يوافي نعمه أي يلاقيها فتحصل معه.\nوقوله: \"ويكافئ مزيده\" بهمزة في آخره أي يساوي مزيد نعمه ومعناه يقوم بشكر ما زاد من النعم والإحسان ذكره النووي (^٢).\nقوله: \"لا نحسن كنه ما قدسك عبدك هذا\".\n\n٢٤٢٩ - عَن أنس بن مَالك -﵁-: قَالَ قَالَ أبي بن كَعْب لأدخلن الْمَسْجِد فلأصلين ولأحمدن الله بِمَحَامِد لم يحمده بهَا أحد فَلَمَّا صلى وَجلسَ ليحمد الله ويثني عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ بِصَوْت عَال من خَلفه يَقُول اللَّهُمَّ لَك الْحَمد كُله وَلَك الْملك كُله وبيدك الْخَيْر كُله وَإِلَيْك يرجع الْأَمر كُله عَلَانِيَته وسره لَك الْحَمد إِنَّك على كل شَيء قدير اغْفِر لي مَا مضى من ذُنُوبِي واعصمني فِيمَا بَقِي من عمري وارزقني أعمالا زاكية ترْضى بهَا عني وَتب عَليّ فَأتى رَسُول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) لم أجده فيما لدي من مصادر.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢).","vol":"7","page":414},{"text":"فَقص عَلَيْهِ فَقَالَ ذَاك جِبْرَائِيل -﵇- رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الذّكر وَلم يسم تابعيه (^١).\nقوله: عن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه والحديث واضح.\n\n٢٤٣٠ - وَعَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه -﵁- أَن أَعْرَابِيًا قَالَ للنَّبِي -ﷺ- عَلمنِي دُعَاء لَعَلَّ الله أَن يَنْفَعنِي بِهِ قَالَ قل اللَّهُمَّ لَك الْحَمد كله وَإِلَيْك يرجع الْأَمر كُله رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي بلج واسْمه يحيى بن سليم أَو ابْن أبي سليم (^٢).\nقوله: وعن مصعب بن سعد عن أبيه -﵁- أن أعرابيا، تقدم الكلام على الأعرابي.\nقوله: رواه البيهقي (^٣) من رواية أبي بلج واسمه يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم.\n\n٢٤٣١ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رجلا قَالَ للنَّبِي -ﷺ- أَي الدُّعَاء خير أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتي قَالَ نزل جِبْرَائِيل ﵊ فَقَالَ إِن خير الدُّعَاء أَن تَقول فِي الصَّلَاة اللَّهُمَّ لَك الْحَمد كُله وَلَك الْملك كُله وَلَك الْخلق كُله وَإِلَيْك يرجع الْأَمر كُله أَسأَلك من الْخَيْر كله وَأَعُوذ بك من الشَّرّ كُله رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا (^٤).\n_________\n(^١) أحمد (٢٣٣٥٥).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٣٩٩).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) البيهقي في شعب الإيمان (٤٤٠٠)، وقال: تفرد به خالد بن يزيد العمري عن ابن أبي ذئب، وقال ابن حبان، يروي الموضوعات عن الأثبات.","vol":"7","page":415},{"text":"٢٤٣٢ - رُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من قَالَ الْحَمد لله الَّذِي تواضع كل شَيْء لعظمته وَالْحَمْد لله الَّذِي ذل كل شَيْء لعزته وَالْحَمْد لله الَّذِي خضع كل شَيْء لملكه وَالْحَمْد لله الَّذِي استسلم كل شَيْء لقدرته فَقَالهَا يطْلب بهَا مَا عِنْد الله كتب الله لَهُ بهَا ألف حَسَنَة وَرفع لَهُ بهَا ألف دَرَجَة ووكل بِهِ سَبْعُونَ ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: نزل جبرائيل ﵊، جبريل رسول رب العالمين تقدم الكلام في الجمعة.\nقوله -ﷺ-: \"وأعوذ بك من الشر كله\"\nفائدة: في قوله -ﷺ-: \"والشر ليس إليك\" فمما يجب تأويله لأن مذهب العلماء أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها، وحينئذ يجب تأويله وفيه خمسة أقوال أحدها معناه لا يتقرب به إليك قاله الخليل بن أحمد والنضر بن شميل وجماعات، والثاني: حكاه الشيخ أبو حامد عن المزني وقاله غيره أيضا معناه لا يضاف إليك على انفراده لا يقال يا خالق القردة والخنازير ويا رب الشر ونحو هذا وإن كان خالق كل شيء ورب كل شيء وحينئذ يدخل الشر في العموم، والثالث: معناه والشر لا\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٣٥٦٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٢٠٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٦)، وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو ضعيف.","vol":"7","page":416},{"text":"يصعد إليه وإنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح، والرابع: معناه والشر ليس شرا بالنسبة إليك فإنك خلقته لحكمة بالغة وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين، والخامس: حكاه الخطابي أنه كقوله فلان [إلى بنى] فلان إذا كان عداده فيهم أو صفوه إليهم (^١). والله اعلم.\nنوع آخر\n\n٢٤٣٣ - عَن أبي أَيُّوب -﵁- قَالَ قَالَ رجل عِنْد رَسُول الله -ﷺ- الْحَمد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صَاحب الْكَلِمَة فَسكت الرجل وَرَأى أَنه قد هجم من رَسُول الله -ﷺ- على شَيْء يكرههُ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- من هُوَ فَإِنَّهُ لم يقل إِلَّا صَوَابا فَقَالَ الرجل أَنا قلتهَا يَا رَسُول الله أَرْجُو بهَا الْخَيْر فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد رَأَيْت ثَلَاثَة عشر ملكا يبتدرون كلمتك أَيهمْ يرفعها إِلَى الله ﵎ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي أيوب -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك أيهم يرفعها إلى الله ﵎\" الحديث، الابتدار من البدار وهو السبق والضمير في قوله يرفعها للكلمات أي يرفع الكلمات المذكورة إلى السماء\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٩).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٤٠٨٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٦)، وإسناده حسن، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٣٨٤).","vol":"7","page":417},{"text":"ومعنى تخصيص العدد مفوض إلى علم الرسول -ﷺ- ذكره في شرح مشارق الأنوار، وفي رواية ابن ماجه: \"لقد فتحت لها أبواب السماء فما نهنهها شيء دون العرش\" أي ما منعها وكفها عن الوصول إلى العرش شيء (^١)، أ. هـ، انفرد به ابن ماجه.\n\n٢٤٣٤ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ كنت مَعَ النَّبِي -ﷺ- جَالِسا فِي الْحلقَة إِذْ جَاءَ رجل فَسلم على النَّبِي -ﷺ- وَالْقَوْم فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله فَرد النَّبِي -ﷺ- وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَلَمَّا جلس الرجل قَالَ الْحَمد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يحب رَبنَا أَن يحمد وَيَنْبَغِي لَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- كَيفَ قلت فَرد عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد ابتدرها عشرَة أَمْلَاك كلهم حَرِيص على أَن يَكْتُبهَا فَمَا دروا كَيفَ يكتبونها حَتَّى رفعوها إِلَى ذِي الْعِزَّة فَقَالَ اكتبوها كَمَا قَالَ عَبدِي رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَ كَمَا يحب رَبنَا ويرضى (^٢).\nقوله: وعن أنس -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: كنت جالسا مع النبي -ﷺ- في الحلقة، تقدم الكلام على الحلقة قريبا.\nقوله -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده لقد ابتدرها عشرة أملاك\" تقدم معنى الابتدار في الحديث قبله.\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٣٩).\n(^٢) أحمد (١٢٦١٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠١٧٣)، وابن حبان (٨٤٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٤٤).","vol":"7","page":418},{"text":"نوع آخر\n\n٢٤٣٥ - عَن سلمَان -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ قَالَ رجل الْحَمد لله كثيرا فأعظمها الْملك أَن يَكْتُبهَا فراجع فِيهَا ربه ﷿ فَقَالَ اُكْتُبْهَا كَمَا قَالَ عَبدِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (^١).\n\n٢٤٣٦ - وروى أَبُو الشَّيْخ وَابْن حبَان من طَرِيق عَطِيَّة عَن أبي سعيد مَرْفُوعا أَيْضا إِذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله كثيرا قَالَ الله تَعَالَى اكتبوا لعبدي رَحْمَتي كثيرا (^٢).\nقوله: عن سلمان -﵁-، تقدم الكلام عليه وتقدم معنى الحديث.\nنوع آخر\n\n٢٤٣٧ - عَن عَليّ -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- نزل عَلَيْهِ جِبْرَائِيل -﵇- فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِذا سرك أَن تعبد الله لَيْلَة حق عِبَادَته أَو يَوْمًا فَقل اللَّهُمَّ لَك الْحَمد حمدا كثيرا خَالِدا مَعَ خلودك وَلَك الْحَمد حمدا لَا مُنْتَهى لَهُ دون علمك وَلَك الْحَمد حمدا لَا مُنْتَهى لَهُ دون مشيئتك وَلَك الْحَمد حمدا لَا آخر لقائله إِلَّا رضاك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ لم أكتبه إِلَّا هَكَذَا وَفِيه انْقِطَاع بَين عَليّ وَمن دونه (^٣).\nقوله: عن علي -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: نزل عليه جبرائيل -﵇-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٠٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٦)، فيه يوسف بن عبد الملك الواسطي، ولم أعرفه.\n(^٢) لم أجده فيما لدي من مصادر.\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٤٣٨٩)، والطبراني في المعجم الأوسط (٥٥٣٨).","vol":"7","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>الترغيب في قول لا حول ولا قوة إلا بالله</span>\nقَالَ المملي -﵁- قد تقدم قَرِيبا فِي أَحَادِيث كَثِيرَة ذكر لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله مِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحَدِيث أم هانئ وَحَدِيث أبي سعيد وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو وَحَدِيث أبي الْمُنْذر وَغَيرهَا فأغنى قربهَا عَن إِعَادَتهَا.\n\n٢٤٣٨ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَهُ قل لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله فَإِنَّهَا كنز من كنوز الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن أبي موسى -﵁-، واسمه عبد الله بن قيس، وتقدم الكلام عليه قريبا.\nقوله: أن النبي -ﷺ- قال لأبي موسى: \"قل لا حول ولا قوة إلا بالله\" قال العلماء: سبب ذلك لأنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بالإذعان له وأنه لا صانع غيره ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك شيئا من الأمر (^٢)، وقال أهل اللغة: الحول الحركة والحيلة أي لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله ﷿ والحول هنا الحركة، يقال: حال الشخص\n_________\n(^١) البخاري (٦٤٠٩)، ومسلم (٢٧٠٠٤)، وأبو داود (١٥٢٦)، والترمذي (٣٤٦١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٧٢)، وابن ماجه (٣٨٢٤)، وأحمد (١٩٥٧٥)، وابن خزيمة (٢٥٦٣)، وابن حبان (٨٠٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٦).","vol":"7","page":420},{"text":"يحول إذا تحرك، وقيل: معناه لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله تعالى، وقيل: لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمته ولا قوة على طاعة الله تعالى إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود وكله متقارب، ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله الحوقلة، بفتح الحاء وإسكان الواو وبعدها قاف ثم لام قال أهل اللغة: ويعبر عن هذه الكلمة أيضا بالحوقلة والحولقة وبالأول جزم الجمهور والأزهري (^١) في التهذيب (^٢)، والمعروف المشهور هو الأول، ويقال أيضا لا حيل ولا قوة في لغة غريبة حكاها الجوهري وغيره (^٣) ومثل الحوقلة الحيعلة وهي بفتح الحاء وإسكان الياء وفتح العين وهي عبارة عن حي على الصلاة ومثله الحمدلة والبسملة والهيللة والسبحلة إشارة إلى الحمد لله وباسم الله ولا إله إلا الله وسبحان الله، ذكره النووي (^٤) والمراد بهذه الكلمات إظهار الفقر إلى الله تعالى بطلب المعونة منه على ما يحاول من الأمور وهو حقيقة العبودية (^٥) والله أعلم، ففيها معان كثيرة لإظهار الفاقة والفقر إلى الله تعالى والتوكل والتفويض إلى الله تعالى والاستعانة به تعالى وترك الاعتماد على غيره وهو\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٥)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٦ - ٢٧).\n(^٢) تهذيب اللغة (٣/ ٢٤٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ٨٧) و(١٧/ ٢٦ - ٢٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ٨٧).\n(^٥) النهاية (١/ ٤٦٥).","vol":"7","page":421},{"text":"خبر معناه الدعاء بمعنى أن قائلها يطلب من الله الحيل والقوة والإعانة على ما يريد ويقصد، والله أعلم. ذكره ابن العماد (^١).\nقوله -ﷺ-: \"فإنها كنز من كنوز الجنة\" ومعنى الكنز هنا أن هذا الذكر ثواب مدخر لقائله في الجنة وهو ثواب نفيس كما أن الكنز أنفس أموالكم (^٢) والله أعلم.\n\n٢٤٣٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ لي رَسُول الله -ﷺ- أَكثر من قَول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله الْعلي الْعَظِيم فَإِنَّهَا من كنز الْجنَّة قَالَ مَكْحُول فَمن قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله وَلَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ كشف الله عَنهُ سبعين بَابا من الضّر أدناهن الْفقر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث إِسْنَاده لَيْسَ بِمُتَّصِل مَكْحُول لم يسمع من أبي هُرَيْرَة (^٣).\nوَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَزَّار مطولا ورفعا وَلَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ ورواتهما ثِقَات مُحْتَج بهم (^٤).\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح وَلَا عِلّة لَهُ وَلَفظه أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أَلا\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة/ ٦٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٦).\n(^٣) الترمذي (٣٦٠١)، وأحمد (٨٤٠٦)، دون قول مكحول \"فمن قال ... \" فمقطوع في ضعيف سنن الترمذي (٧٢٩).\n(^٤) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠١٩٠)، والبزار (٣٠٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٩)، رواه البزار مطولا هكذا ومختصرا، ورجالهما رجال الصحيح، غير كميل ابن زياد وهو ثقة.","vol":"7","page":422},{"text":"أعلمك أَو أَلا أدلك على كلمة من تَحت الْعَرْش من كنز الْجنَّة تَقول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله فَيَقُول الله أسلم عَبدِي واستسلم (^١).\nوَفِي رِوَايَة لَهُ وصححها أَيْضا قَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أَلا أدلك على كنز من كنوز الْجنَّة قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تَقول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه وَلَا ملْجأ وَلَا منجى من الله إِلَّا إِلَيْهِ ذكره فِي حَدِيث (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: قال قال لي رسول الله -ﷺ- \"أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها من كنز الجنة\" أي كالكنز في كونه أمرا نفيسا مدخرا عن أعين الناس.\nقوله: \"ولا ملجأ [ولا منجا] من الله إلا إليه\" تقدم الكلام على ذلك في أذكار النوم.\n\n٢٤٤٠ - وَعنهُ -ﷺ-: عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله كَانَ دَوَاء من تِسْعَة وَتِسْعين دَاء أيسرها الْهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٢١) وقال: هذا حديث صحيح ولا يحفظ له علة، ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بيحيى بن أبي سليم، ووافقه الذهبي.\n(^٢) الحاكم (١/ ٥١٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه هكذا، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦١٤).\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٥٠٢٨)، والحاكم (١/ ٥٤٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وبشر بن رافع الحارثي ليس بالمتروك، وإن لم يخرجاه، وكذلك الهيثم البكاء، ل يخرجاه، وقال الذهبي بشر واهٍ.","vol":"7","page":423},{"text":"قَالَ الْحَافِظ بل فِي إِسْنَاده بشر بن رَافع أَبُو الأسباط وَيَأتِي الْكَلَام عَلَيْهِ.\nقوله: وعنه -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم\" الحديث، الداء [اسم لكل مرض ظاهر وباطن ويستعمل لفظ الداء في الآثام والعيوب ومنه قوله \"دب إليكم داء الأمم قبلكم، البغضاء والحسد\" فنقل الداء من الأجسام إلى المعاني، ومن أمر الدنيا إلى أمر الآخرة].\nقوله: في إسناده بشر بن رافع أبو الأسباط.\nقوله: في رواية الطبراني \"ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة\" أي: أجرها مدخر لقائلها كما يدخر الكنز، وروي البيهقي في الشعب عن ابن مسعود أنه قال: كنت عن النبي -ﷺ- فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله فقال -ﷺ-: \"ألا أخبرك بتفسيرها\"؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: \"لا حول عن معصية الله، إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله\" قال: ثم ضرب بيده على منكبي وقال هكذا أخبرني جبريل -﵇-، أ. هـ.\n\n٢٤٤١ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أَلا أدلك على بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ إِلَّا أَنه قَالَ أَلا أدلك على كنز من كنوز الْجنَّة وَإِسْنَاده صَحِيح إِن شَاءَ الله فَإِن عَطاء بن السَّائِب ثِقَة وَقد حدث عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة قبل اخْتِلَاطه (^١).\n_________\n(^١) أحمد (٢١٩٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٣٧١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠١٨٩).","vol":"7","page":424},{"text":"قوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام عليه.\nقوله: فيه عطاء بن السائب ثقة [هو عطاء بن السائب بن يزيد الثقفي، ويقال: ابن السائب بن مالك الكوفي، مات سنة ست وثلاثين ومائة، أو نحوها.\nروى عن أنس، وأبيه، وابن أبي أوفى، ومرة الطيب، وعمرو بن حريث المخزومي، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن أبي ليلى، وذر بن عبد الله، وعكرمة، ومجاهد، وخلق، وعنه شعبة، والسفيانان، والحمادان، وزائدة، وعبيدة بن حميد، ويحيى القطان، وعران بن عيينة، وخلائق قال سفيان: حدثني بعض أصحابنا، قال: كان أبو إسحاق يسأل عن عطاء بن السائب فيقول: إنه من البقايا، وقال حماد بن زيد: أتينا أيوب، فقال: اذهبو فقد قدم عطاء بن السائب من الكوفة وهو ثقة، اذهبوا إليه فاسألوه عن حديث أبيه في التسبيح، وقال يحيى بن سعيد القطان: ما سمعت أحدا من الناس يقول في عطاء بن السائب شيئا قط في حديثه القديم، وما حدث سفيان وشعبة عن عطاء بن السائب صحيح إلا حديثين كان شعبة يقول: سمعتهما بأخرة عن زاذان. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: عطاء بن السائب ثقة ثقة رجل صالح، وقال أبو طالب، عن أحمد بن حنبل: من سمع منه قديما كان صحيحا، ومن سمع منه حديثا لم يكن بشيء، سمع منه قديما شعبة وسفيان، وسمع منه حديثا جرير وخالد بن عبد الله وإسماعيل وعلي بن عاصم، وكان يرفع عن سعيد بن جبير شيئا لم يكن يرفعها، قال: وقال وهيب: لما قدم","vol":"7","page":425},{"text":"عطاء البصرة قال: كتبت عن عبيدة ثلاثين حديثا ولم يسمع من عبيدة شيئا، وهذا اختلاط شديد، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان عطاء بن السائب من خيار عباد الله، كان يختم القرآن كل ليلة (^١)].\n\n٢٤٤٢ - وَعَن قيس بن سعد بن عبَادَة -﵁- أَن أَبَاهُ رَفعه إِلَى النَّبِي -ﷺ- يَخْدمه قَالَ فَأتى عَليّ نَبِي الله -ﷺ- وَقد صليت رَكْعَتَيْنِ فضربني بِرجلِهِ وَقَالَ أَلا أدلك على بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة قلت بلَى قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n\n٢٤٤٣ - وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- لَيْلَة أسرِي بِهِ مر على إِبْرَاهِيم ﵊ فَقَالَ من مَعَك يَا جِبْرَائِيل قَالَ هَذَا مُحَمَّد فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم ﵊ يَا مُحَمَّد مر أمتك فليكثروا من غراس الْجنَّة فَإِن تربَتهَا طيبَة وأرضها وَاسِعَة قَالَ وَمَا غراس الْجنَّة قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٠/ ترجمة ٣٩٣٤).\n(^٢) الحاكم (٤/ ٢٩٠)، وأحمد (١٥٤٨٠)، والترمذي (٣٥٨١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والنسائي في اليوم والليلة (١٠١٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٦٠)، والبزار (٣٠٨٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٠٢٢)، والطبراني في الكبير (١٨/ رقم ٨٩٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦١٠).\n(^٣) أحمد (٢٣٥٥٢)، وابن حبان (٨٢١)، والطبراني في المعجم الكبير (٣٨٩٨)، وفي الدعاء (١٦٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٥٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد =","vol":"7","page":426},{"text":"وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي الذّكر وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَكْثرُوا من غراس الْجنَّة فَإِنَّهُ عذب مَاؤُهَا طيب ترابها فَأَكْثرُوا من غراسها قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا غراسها قَالَ مَا شَاءَ الله لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله (^١).\n\n٢٤٤٤ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قًالَ كنت أَمْشِي خلف النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ لي يَا أَبَا ذَر أَلا أدلك على كنز من كنوز الْجنَّة قلت بلَى قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n\n٢٤٤٥ - وَرُوِيَ عَن عقبه بن عَامر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أنعم الله عَلَيْهِ نعْمَة فَأَرَادَ بقاءها فليكثر من قَول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣).\n_________\n= (١٠/ ٩٧)، رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر وهو ثقة، لم يتكلم فيه أحد، ووثقه ابن حبان، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٥).\n(^١) الطبراني في الكبير (١٣٣٥٤)، وفي الدعاء (١٦٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٨)، وفيه عقبة بن علي، وهو ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢١٣).\n(^٢) ابن ماجه (٣٨٢٥)، وابن حبان (٨٢٠)، وأحمد (٢١٢٩٨)، والنسائي في الكبرى (١١٣٠٣)، والطبراني في الدعاء (١٦٤٦)، قال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩٧)، هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٨٢٠).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ رقم ٨٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٩)، وفيه خالد بن نجيح، وهو كذاب. وقال الألباني موضوع في ضعيف الجامع (٥٤٩١).","vol":"7","page":427},{"text":"٢٤٤٦ - وَعَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق -﵁- قَالَ جَاءَ مَالك الْأَشْجَعِيّ إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ أسر ابْني عَوْف فَقَالَ أرسل إِلَيْهِ أَن رَسُول الله -ﷺ- يَأْمُرك أَن تكْثر من قَول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله فَأَتَاهُ الرَّسُول فَأخْبرهُ فأكب عَوْف يَقُول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله وَكَانُوا قد شدوه بالقد فَسقط الْقد عَنهُ فَخرج فَإِذا هُوَ بِنَاقَة لَهُم فركبها فَأقبل فَإِذا هُوَ بسرح الْقَوْم فصاح بهم فأتبع آخرهَا أَولهَا فَلم يفجأ أَبَوَيْهِ إِلَّا وَهُوَ يُنَادي بِالْبَابِ فَقَالَ أَبوهُ عَوْف وَرب الْكَعْبَة فَقَالَت أمه وأسوأتاه وعَوْف كئيب بألم مَا فِيهِ من الْقد فَاسْتَبق الْأَب وَالْخَادِم إِلَيْهِ فَإِذا عَوْف قد مَلأ الفناء إبِلا فَقص على أَبِيه أمره وَأمر الْإِبِل فَأتى أَبوهُ رَسُول الله -ﷺ- فَأخْبرهُ بِخَبَر عَوْف وَخبر الْإِبِل فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- اصْنَع بهَا مَا أَحْبَبْت وَمَا كنت صانعا بإبلك وَنزل ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^١) رَوَاهُ آدم بن أبي إِيَاس فِي تَفْسِيره وَمُحَمّد بن إِسْحَاق لم يدْرك مَالِكًا (^٢).\nقوله: وعن قيس بن سعد بن عبادة -﵁- أن أباه رفعه إلى النبي -ﷺ- يخدمه\" فذكر الحديث إلى أن قال \"ألا أدلك على باب من أبواب الجنة\" الحديث، المراد بالباب في هذا الحديث السبب الموصل إلى الجنة لأنه باب من أبوابها الثمانية، وروي الطبراني عن أبي بكر الصديق عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه أصاب خيرا كثيرا\n_________\n(^١) سورة الطلاق، الآيتان: ١ - ٢.\n(^٢) ابن أبي حاتم في التفسير (١٨٩١١)، وعزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٥٤).","vol":"7","page":428},{"text":"في الدنيا والآخرة\". أ، هـ.\nقوله: وعن محمد بن إسحاق [هو أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار المدني، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، تابعي.\nرأى أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسمع القاسم بن محمد بن الصديق، وأبان بن عثمان بن عفان، ومحمد بن علي الباقر، وأبا سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ونافعا مولى ابن عمر، والزهري، وغيرهم، حدث عنه الأئمة العلماء يحيى بن سعيد الأنصاري، وسفيان الثوري، وابن جريج، وشعبة، وجرير بن حازم، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وشريك بن عبد الله النخعي، وابن عيينة، كان عالما بالسيرة، والمغازي، وأيام الناس، وأخبار المبتدأ، وقصص الأنبياء، وعلم الحديث، والقرآن، والفقه، قدم بغداد وحدث بها، ومات بها سنة خمسين ومائة، وقيل: سنة إحدى وخمسين وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث، ودفن بمقبرة الخيزران في الجانب الشرقي (^١)].\nقوله: جاء مالك الأشجعي إلى النبي -ﷺ- فقال: أسر ابني عوف، الحديث، الأسير بمعنى المأسور من أسره إذا شده بالإسار (^٢).\nقوله: وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، القد بكسر القاف والمهملة\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٨٧١)\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ١١٩).","vol":"7","page":429},{"text":"السير ومنه الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالسير ثم سمي كل [أخيذ] أسيرا وإن كان لم يشد (^١) والقد سير يقد أي يقطع من جلد غير مدبوغ (^٢) ذكره في شرح مشارق الأنوار.\nقوله: فإذا هو بسرح القوم فصاح بهم فأتبع آخرها أولها، الحديث، وسرح القوم مواشيهم.\nقوله: فقالت أمه وأسوأتاه وعوف كئيب بألم ما فيه من القد، الكئيب هو الحزين [والكآبة: تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن (^٣)].\nقوله: فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا، الفناء [هو المتسع أمام الدار. ويجمع الفناء على أفنية (^٤)].\nقوله: ورواه الثعلبي عن ابن عباس قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله إن ابني أسرة العدو وجزعت أمه فما تأمرني قال: آمرك أن تستكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فانصرف إليها فقالت: ما قال لك رسول الله -ﷺ- فقال أمرني وإياك أن نستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فجعلا يقولان ذلك فغفل العدو عن ابنه يوما فجاءه وقد استاق [غنمهم] وهي أربعة آلاف شاة\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٥٧٨)، ومجمل اللغة (ص ٩٧)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣١٤).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٥٢٢)، ومجمل اللغة (ص ٧٢٧)، والنهاية (٤/ ٢١).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٣٧).\n(^٤) النهاية (٣/ ٤٧٧).","vol":"7","page":430},{"text":"[فجاء] بها إلى أبيه فنزلت الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (^١)، وقوله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ رواه الواحدي (^٢) في أسباب النزول بسند الحاكم ومتنه والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الطلاق، الآية: ٢.\n(^٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٢)، والثعلبي (٩/ ٣٣٦)، والواحدى في أسباب النزول (٨٢٨).\nوصححه الحاكم وتعقبه الذهبي: بل منكر وعباد رافضي جبل وعبيد متروك قاله الأزدي.","vol":"7","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>الترغيب في أذكار تقال بالليل والنهار غير مختصة بالصباح والمساء</span>\n٢٤٤٧ - عَن أبي مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ النَّبِي -ﷺ- من قَرَأَ بالآيتين من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي لَيْلَة كفتاه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة (^١).\nكفتاه أَي أَجْزَأَتَاهُ عَن قيام تِلْكَ اللَّيْلَة وَقيل كفتاه مَا يكون من الْآفَات تِلْكَ اللَّيْلَة وَقيل كفتاه من كل شَيْطَان فَلَا يقربهُ ليلته وَقيل مَعْنَاهُ حَسبه بهما فضلا وَأَجرا وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بَاب ذكر أقل مَا يجزئ من الْقِرَاءَة فِي قيام اللَّيْل ثمَّ ذكره وَهَذَا ظَاهر وَالله أعلم.\nقوله: عن ابن مسعود [هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل، بالغين المعجمة والفاء، ابن حبيب بن سمح بن فار، بالفاء وتخفيف الراء، ابن مخزوم بن صاهلة، بالصاد المهملة والهاء، ابن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر ابن نزار الهذلى، حليف بنى زهرة الكوفى، وأمه أم عبد بنت عبدود بن سواء من هذيل أيضا، أسلمت وهاجرت، فهو صحابى ابن صحابية، أسلم عبد الله قديما حين أسلم سعيد بن زيد قبل عمر بن الخطاب بزمان، جاء عنه قال: لقد رأيتنى سادس ستة ما\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٠٩)، ومسلم (٨٠٧)، وأبو داود (١٣٩٧)، والترمذي (٢٨٨١)، والنسائي (٨٠٠٣)، وابن ماجه (١٣٦٨)، وأحمد (١٧٠٦٨)، وابن حبان (٧٨١)، وابن خزيمة (١١٤١).","vol":"7","page":432},{"text":"على الأرض مسلم غيرنا. رواه الطبرانى بإسناده. وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله -ﷺ- بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد، وشهد اليرموك، وهو الذى أجهز على أبى جهل يوم بدر، وشهد له رسول الله -ﷺ- بالجنة، وهو صاحب نعل رسول الله -ﷺ-، كان يلبسه إياها إذا قام، فإذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود فى ذراعه، وكان كثير الولوج على رسول الله -ﷺ- والخدمة له، وثبت فى صحيح مسلم عنه، قال: قال لى رسول الله -ﷺ-: \"آذنك على أن ترفع الحجاب، وتسمع سوادى حتى أنهاك\"، والسواد بكسر السين: السرار، وكان يعرف بصاحب السواد، والسواك، والنعل. روى له عن رسول الله -ﷺ- ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخارى ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخارى بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو موسى الأشعرى، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وعمران بن الحصين، وعمرو بن حريث، وأبو هريرة، وغيرهم من الصحابة، وخلائق لا يحصون من كبار التابعين، نزل الكوفة فى آخر أمره، وتوفى بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: عاد إلى المدينة، واتفقوا على أنه توفى وهو ابن بضع وستين سنة، والذين قالوا: توفى بالمدينة، قالوا: دفن بالبقيع، قيل: وصلى عليه عثمان، وقيل: الزبير، وقيل: عمار ابن ياسر. وكان من كبار الصحابة، وساداتهم، وفقهائهم، ومقدميهم فى القرآن، والفقه، والفتوى، وأصحاب الخلق، وأصحاب الاتباع فى العلم، وعن حذيفة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"تمسكوا بعهد ابن أم عبد\". وبعثه عمر بن الخطاب،","vol":"7","page":433},{"text":"﵁، إلى الكوفة، وكتب إليهم: بعثت إليكم عمارا أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله -ﷺ-، ومن أهل بدر، فاقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى، وكان لابن مسعود ثلاثة بنين: عبد الرحمن، وبه كان يكنى، وعتبة، وأبو عبيدة، واسم أبى عبيدة عامر، وقيل: اسمه كنيته، واتفقوا على أن أبا عبيدة لم يسمع أباه، ورواياته عنه كثيرة وكلها منقطعة، وأما عبد الرحمن، فقال على بن المدينى والأكثرون: سمع أباه. وقال أحمد بن حنبل: توفى ابن مسعود ولابنه عبد الرحمن ست سنين. وقال يحيى بن معين: لم يسمع أباه (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" الباء في بـ \"الآيتين\" زائدة، والآيتان هما قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (^٢) إلى آخر السورة.\nوقوله: \"كفتاه\" أي: أجزأتاه عن قيام تلك الليلة من الشيطان فلا يكون له عليه سلطان، وقيل: غير ذلك كما ذكره الحافظ (^٣)، وروى الدارمي (^٤) أبو محمد عن علي بن أبي طالب قال: ما أظن أحدا أعقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما، وروي عن النبي -ﷺ- أنه [قال: أوتيت] هذه الآيات من آخر سورة البقرة نزلت على من كنز تحت العرش لم يؤتهن أحد قبلي، وتقدم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٨ ترجمة ٣٣٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٩/ ٥٦).\n(^٤) سبق.","vol":"7","page":434},{"text":"ذلك، وكان معاذ بن جبل إذا فرغ من قراءة البقرة قال: آمين، قال ابن عطية: [قال القاضي أبو محمد عبد الحق:] هذا يظن به أنه رواه عن النبي -ﷺ- فإن كان ذلك فكمال وإن كان بالقياس على سورة الفاتحة فحسن (^١) أ. هـ قاله في الديباجة (^٢).\n\n٢٤٤٨ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَرَأَ يس فِي لَيْلَة ابْتِغَاء وَجه الله غفر لَهُ رَوَاهُ ابْن السّني وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n٢٤٤٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة لم يكْتب من الغافلين رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٤).\n\n٢٤٥٠ - وروى الطَّبَرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة لم يكْتب من الغافلين وَمن قَرَأَ مائَة آيَة كتب لَهُ قنوت لَيْلَة وَمن قَرَأَ مِائَتي آيَة كتب من القانتين وَمن قَرَأَ أَرْبَعمِائَة آيَة كتب من العابدين وَمن قَرَأَ خَمْسمِائَة آيَة كتب من الحافظين وَمن قَرَأَ سِتّمائَة آيَة كتب\n_________\n(^١) تفسير ابن عطية (١/ ٣٩٥).\n(^٢) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.\n(^٣) ابن حبان (٢٥٧٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٧٦)، والدارمي (٣٤٦٠)، والطبراني في الصغير (٤١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٦٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٨٥).\n(^٤) الحاكم (١/ ٥٥٥)، وابن خزيمة (١١٤٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٢٤٥).","vol":"7","page":435},{"text":"من الخاشعين وَمن قَرَأَ ثَمَانمِائَة آيَة كتب من المخبتين وَمن قَرَأَ ألف آيَة أصبح لَهُ قِنْطَار وَالْقِنْطَار ألف وَمِائَتَا أُوقِيَّة وَالْأُوقِية خير مِمَّا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض أَو قَالَ خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَمن قَرَأَ ألفي آيَة كَانَ فِي الموجبين (^١).\nقوله: وعن جندب بن عبد الله -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من قرأ يس قي ليلة ابتغاء وجه الله غفر له\" تقدمت أحاديث كثيرة في فضل قراءتها في كتاب قراءة القرآن.\n\n٢٤٥١ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ قَالَ النَّبِي -ﷺ- أَيعْجزُ أحدكُم أَن يقْرَأ ثلث الْقُرْآن فِي لَيْلَة فشق ذَلِك عَلَيْهِم وَقَالُوا أَيّنَا يُطيق ذَلِك يَا رَسُول الله فَقَالَ الله الْوَاحِد الصَّمد ثلث الْقُرْآن رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد -﵁-، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث.\n\n٢٤٥٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من قَرَأَ كل يَوْم مِائَتي مرّة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُحي عَنهُ ذنُوب خمسين سنة إِلَّا أَن يكون\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٧٧٤٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٨)، وفيه يحيى بن عقبة ابن أبي العيزار وهو ضعيف.\n(^٢) البخاري (٥٠١٥)، ومسلم (٨١١)، وأحمد (١١٠٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٥٣٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٣٧)، وأحمد (٢٧٤٩٥)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٢٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٦٨)، ابن حبان (٢٥٧٦)، والبزار (٢٢٩٨)، والطبراني في الكبير (١٠٤٨٥)، والنسائي (١٠٥١١).","vol":"7","page":436},{"text":"عَلَيْهِ دين رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب من حَدِيث ثَابت عَن أنس (^١).\nقوله: عن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من قرأ كل يوم [مائتي] مائة مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ محي عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين\" الحديث، يعني أنها تكفر الذنوب التي بينه وبين الله تعالى خلا الدين فإنه من حقوق الآدميين.\n\n٢٤٥٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ من قَرَأَ تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك كل لَيْلَة مَنعه الله ﷿ بهَا من عَذَاب الْقَبْر وَكُنَّا فِي عهد رَسُول الله -ﷺ- نسميها الْمَانِعَة وَإِنَّهَا فِي كتاب الله ﷿ سُورَة من قَرَأَ بهَا فِي لَيْلَة فقد أَكثر وأطاب رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه وتقدم الحديث في قراءة سورة الملك.\n\n٢٤٥٤ - وَعَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَرَأَ فِي لَيْلَة ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٣) كَانَ لَهُ نور من عدن أبين إِلَى مَكَّة حشوه الْمَلَائِكَة رَوَاهُ الْبَزَّار\n_________\n(^١) الترمذي (٢٨٩٨)، وأبو يعلى (٣٣٦٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٥٤٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٨٣).\n(^٢) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٤٧)، والحاكم (٢/ ٤٩٨)، وعبد الرزاق (٦٠٢٥)، والطبراني في الكبير (٨٦٥١)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٢٣٢).\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ١١٠.","vol":"7","page":437},{"text":"وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن أَبَا فَرْوَة الْأَسدي لم يرو عَنهُ فِيمَا أعلم غير النَّضر بن شُمَيْل (^١).\nقوله: وعن عمر بن الخطاب -﵁-، تقدم الكلام عليه مبسوطًا.\nقوله -ﷺ-: \"من قرأ في ليلة ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٢)، كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة\"، قوله: \"عدن أبين\" عدن من مدن اليمن المشهورة على جانب البحر، وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى البحرين ومنها تسافر مراكب الهند والسند والصين وإليها تجلب بضائع هذه الأقاليم من الحرير [والكيمخت] والمسك والعود والطيب والأبنوس وال [عاج والسروج] وثياب الحرير [المتخذة من الحشيش] وغير ذلك [إلى ما لا نهاية لذكره (^٣)] وهى عدن أبين على وزن أبيض بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ونون هذا هو المشهور في تقييدها، وذكرها سيبويه بكسر الهمزة وجوز فيها الفتح وسميت برجل من حمير عدن بها أي أقام (^٤) وعدن غير منون ولأنه مضاف إلى أبين وأبي كان ينصرف ومنه جنة عدن أي\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣١٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٢٦)، وفيه أبو قرة الأسدي، لم يرو عنه غير النضر بن شميل، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(^٣) خريدة العجائب (ص ١٥١).\n(^٤) كشف المناهج (٤/ ٥٠٥).","vol":"7","page":438},{"text":"جنة الإقامة يقال عدن بالمكان عدنا إذا لزمه ولم يبرح منه (^١) وإن أبين بن زهير بن يمن بن حمير وإن عدن وأبين هما ابنا عدنان أخو معد (^٢) والله أعلم.\nقوله: أبو فروة الأسدي [لم يرو عنه إلا النضر بن شميل].\nقوله: النضر بن شميل [بضم الشين المعجمة، هو الإمام أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عميرة بن عروة بن جاهمة بن مجدر بن خزاعى بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مرة بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار المازني البصرى، الإمام فى العربية واللغة، سكن مرو، وهو من تابعى التابعين، سمع إسماعيل بن أبى خالد، وحميد الطويل، وهشام بن عروة، وابن عون، وعيسى ابن سويد، وحماد بن سلمة، وعوف بن أبى جميلة، وسعيد بن أبى عروبة، وشعبة، وسليمان بن المغيرة، والخليل بن أحمد، وهشاما الدستوائي، وهشام بن حسان، وابن جريج، وآخرين، روى عنه على بن المدينى، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو قدامة، وعبدة ابن عبد الرحيم، وإسحاق بن منصور، والحسين بن حريث، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن رافع، والليث بن خالد البلخى، وخلائف آخرون. واتفقوا على توثيقه، وفضيلته. روى له البخاري ومسلم فى صحيحيهما.\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٩٢).\n(^٢) الأماكن (ص ٣٦) للحازمي، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٥٥).","vol":"7","page":439},{"text":"قال ابن المبارك: لم يكن أحد فى أصحاب الخليل يدانيه. وقال أيضا: هو درة ضائعة بين مروين، يعنى كورة مرو، ومرو الروز. وقال العباس بن مصعب: كان النضر إماما فى العربية والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، وأخرج كتبا كثيرة لم يسبق إليها، وولى قضاء مرو، وقال أبو حاتم: هو ثقة، صاحب سنة. وقال ابن منجويه: كان النضر من فصحاء الناس وعلمائهم بالأدب وأيام الناس، ولد سنة ثلاث أو ثنتين وعشرين ومائة، وتوفى سنة أربع، وقيل: ثلاث ومائتين عن محمد بن ناصح الأهوازي، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: كنت أدخل على المأمون فى سمرة، فدخلت ليلة وعلى قميص مرقوع، فقال: يا نضر، ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين فى هذه الخلقان؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعيف، وحر مرو شديد، فأتبرد بهذه الخلقان، قال: لا، ولكنك قشف، ثم أجرينا وأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز\"، فأورده بفتح السين، فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم، حدثنا عوف بن أبى جميلة، عن الحسن بن على بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز\"، وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا وقال: يا نضر، كيف قلت سداد؟ قلت: لأن السداد هنا لحن، فقال: وتلحنى؟ فقلت: إنما لحن هشيم،","vol":"7","page":440},{"text":"وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه، فقال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بالفتح القصد فى الدين والسبيل، والسداد بالكسر البلغة، وكلما سددت به شيئا فهو سداد، قال: وتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجى يقول: ليوم كريهة وسداد ثغر أضاعونى وأى فتى أضاعوا. فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له، ثم أطرق مليا، ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أريضة لى بمرو أتصابها وأتمززها، قال: أفلا نفيدك مالا معها؟ قلت: إنى إلى ذلك لمحتاج، فأخذ القرطاس ولا أدرى ما يكتب، ثم قال: كيف تقول إذا أمرت أن يترب؟ قلت: أتربه، قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب، قال: فمن الطين، قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين، فقال: هذه أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام، أتربه وطنه، ثم صلى بنا العشاء، وقال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل ابن سهل، قال: فلما قرأ الكتاب، قال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبرته ولم أكذبه، فقال: ألحنت أمير المؤمنين؟ فقلت: كلا، إنما لحن هشيم، وكان لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، وقد يتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار، ثم أمر لى الفضل من خاصته بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف أستفيد منى (^١)].\n\n٢٤٥٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من قَرَأَ كل لَيْلَة سُورَة الْوَاقِعَة لم تصبه فاقة وَفِي المسبحات آيَة كألف آيَة ذكره رزين فِي\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ترجمة ٦٣٢).","vol":"7","page":441},{"text":"جَامعه وَلم أره فِي شَيْء من الْأُصُول وَذكره أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه بِغَيْر إِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من قرأ كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقة\" الفاقة: الفقر، وفي بعض ألفاظ الحديث لم تصبه فاقة أبدا قال: فكان أبو ظبية لا يدعها أبدا، وقال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار ونبأ أهل الآخرة فليقرأ سورة الواقعة، ذكره الثعلبي، وعن هلال بن يساف قال مسروق: من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين وعلم الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة ذكره القرطبي في كتابه التذكار في فضل قراءة القرآن.\nقوله -ﷺ-: \"وفي المسبحات آية كألف آية\" وأول المسبحات سورة الحديد والحشر.\nفائدة: عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من قرأ خواتيم سورة الحشر في ليل أو نهار فقبضه الله في تلك الليلة أو في ذلك اليوم فقد أوجب الله له الجنة\" وذكر الثعالبي عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله -ﷺ- قال:\n_________\n(^١) أبو عبيد في فضائل القرآن (ص ١٣٨) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٨٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٩٨)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٩٥٧)، الجزء الأول من الحديث. وأخرج الجزء الثاني الترمذي (٢٩٢٢)، وأبو داود (٥٠٥٧). ذكره الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٧٣)، دون \"وفي المسبحات ... إلخ\" وقال: ضعيف.","vol":"7","page":442},{"text":"\"من قرأ آخر سورة الحشر ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا﴾ (^١) فمات من ليلته مات شهيدًا\".\n\n٢٤٥٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَرَأَ سُورَة الدُّخان فِي لَيْلَة أصبح يسْتَغْفر لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ (^٢).\nوَفِي رِوَايَة للدارقطني من قَرَأَ سُورَة يس فِي لَيْلَة أصبح مغفورا لَهُ وَمن قَرَأَ الدُّخان لَيْلَة الْجُمُعَة أصبح مغفورًا لَهُ (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من قرأ سورة الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك\" تقدم هذا الحديث.\n\n٢٤٥٧ - وَعَن أبي الْمُنْذر الْجُهَنِيّ -﵁- قَالَ قلت يَا نَبِي الله عَلمنِي أفضل الْكَلَام قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذر قل لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٢١.\n(^٢) الترمذي (٢٨٨٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٧٥)، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمر ابن أبي خثعم يضعف، قال محمد: هو منكر الحديث. وقال الألباني موضوع في ضعيف الجامع (٥٧٦٦).\n(^٣) أبو يعلى (٦١٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٧٧). والشطر الثاني من الحديث الترمذي (٢٨٨٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٨١)، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام يضعف، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة، هكذا قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد، انتهى، هشام أبو المقدام، قال الحافظ ابن حجر في التقريب متروك، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٦٧، ٥٧٨٧).","vol":"7","page":443},{"text":"الْحَمد يحيي وَيُمِيت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير مائَة مرّة فِي يَوْم فَإنَّك يَوْمئِذٍ أفضل النَّاس عملا إِلَّا من قَالَ مثل مَا قلت الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ (^١).\n\n٢٤٥٨ - وَرُوِيَ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله مائَة مرّة فِي كل يَوْم لم يصبهُ فقر أبدا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أَسد بن ودَاعَة عَن النَّبِي -ﷺ- وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أسدا (^٢).\nقوله: وعن أبي المنذر الجهني -﵁- تقدم الكلام عليه، وكذلك الحديث.\nقوله: وروي عنه، تقدم وكذلك تقدم الكلام على قوله -ﷺ-: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\".\nقوله: رواه ابن أبي الدنيا عن أسد بن وداعة [أبو المعلى، وقيل: أبو العلاء، أسد بن وداعة، الطائي، الشامي، الحمصي، توفي سنة ست، أو سبع وثلاثين ومائة، من الرابعة، من صغار التابعين من عباد أهل الشام، وقرائهم، ناصبي، قال ابن معين: كان هو وأزهر الحرازي وجماعة يسبون عليا، وقال النسائي: ثقة].\n_________\n(^١) البزار (٣٠٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٨)، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف.\n(^٢) ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٤٩)، وقال: قال لنا عبد الله بن صالح: حدثني معاوية قال: كان أسد مرضيا، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٣٣٧)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٥٦)، وقال: كان عابدا.","vol":"7","page":444},{"text":"٢٤٥٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فِي يَوْم مائَة مرّة كَانَت لَهُ عدل عشر رِقَاب وكتبت لَهُ مائَة حَسَنَة ومحيت عَنهُ مائَة سَيِّئَة وَكانَت لَهُ حرْزا من الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي وَلم يَأْتِ أحد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أحد عمل أَكثر من ذَلِك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.\nوَزَاد مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَمن قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْم مائَة مرّة حطت خطاياه وَلَو كانَت مثل زبد الْبَحْر (^١).\n\n٢٤٦٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير مِائَتي مرّة فِي يَوْم لم يسْبقهُ أحد كَانَ قبله وَلم يُدْرِكهُ أحد بعده إِلَّا من عمل بِأَفْضَل من عمله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالطَّبَرَانِيّ (^٢).\n\n٢٤٦١ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ من عبد يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله مائَة مرّة إِلَّا بَعثه الله يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه كالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر وَلم\n_________\n(^١) البخاري (٦٤٠٣)، ومسلم (٢٦٩١)، ومالك في الموطأ (٥٦٠)، والترمذي (٣٤٦٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٥٣)، وابن ماجه (٣٧٩٨)، وأحمد (٨٠٠٨)، وابن حبان (٨٤٩).\n(^٢) أحمد (٦٧٤٠)، والطبراني في الدعاء (٣٣٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٧٥)، والبزار (٣٠٧٠)، والحاكم (١/ ٥٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٦)، رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، وفي رجال الطبراني من لم أعرفه.","vol":"7","page":445},{"text":"يرفع يَوْمئِذٍ لَاحَدَّ عمل أفضل من عمله إِلَّا من قَالَ مثل قَوْله أَو زَاد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه وعلى الحديث.\nقوله: وزاد مسلم والترمذي والنسائي \"ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر\" قال الحافظ العسقلاني المشهور بابن حجر (^٢): قلت: هذه الزيادة عند البخاري أيضا إلا أنه أفردها أ. هـ.\n\n٢٤٦٢ - وَعَن عَليّ -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل -﵇- فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن سرك أَن تعبد الله لَيْلَة حق عِبَادَته فَقل اللَّهُمَّ لَك الْحَمد حمدا خَالِدا مَعَ خلودك وَلَك الْحَمد حمدا دَائِما لَا مُنْتَهى لَهُ دون مشيئتك وَعند كل طرفَة عين أَو تنفس نفس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣).\nوَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَلَفظه قَالَ يَا مُحَمَّد إِن سرك أَن تعبد الله لَيْلًا حق عِبَادَته أَو يَوْمًا فَقل اللَّهُمَّ لَك الْحَمد حمدا خَالِدا مَعَ خلودك وَلَك الْحَمد حمدا لَا جَزَاء لقائله إِلَّا رضاك وَلَك الْحَمد عِنْد كل طرفَة عين أَو تنفس نفس وَفِي إسنادهما عَليّ بن الصَّلْت العامري لَا يحضرني حَاله وَتقدم بِنَحْوِهِ عِنْد\n_________\n(^١) الطبراني في كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٩٣٠).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٧/ ١٥٩).\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٥٥٣٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٧)، وفيه علي بن الصلت، ولم أعرفه.","vol":"7","page":446},{"text":"الْبَيْهَقِيّ وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن علي -﵁-، تقدم الكلام عليه وتقدم الحديث أيضا بنحوه.\nقوله: وفي إسنادهما علي بن الصلت العامري [علي بن الصلت لا يعرف عن أبي أيوب الأنصاري وقال ابن خزيمة لا يحتج به، وذكره ابن حبان فى الثقات].\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤٣٨٩).","vol":"7","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>الترغيب في آيات وأذكار بعد الصلوات المكتوبات</span>\n٢٤٦٣ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين أَتَوا رَسُول الله -ﷺ- فَقَالُوا ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العلى وَالنَّعِيم الْمُقِيم قَالَ وَمَا ذَاك قَالُوا يصلونَ كَمَا نصلي وَيَصُومُونَ كمَا نَصُوم وَيَتصَدَّقُونَ وَلَا نتصدق ويعتقون وَلَا نعتق فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَفلا أعلمكُم شَيْئا تدركون بِهِ من سبقكم وتسبقون بِهِ من بعدكم وَلَا يكون أحد أفضل مِنْكُم إِلَّا من صنع مثل مَا صَنَعْتُم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صَلَاة ثَلًَاثا وَثَلَاثِينَ مرّة.\nقَالَ أَبُو صَالح فَرجع فُقَرَاء الْمُهَاجِرين إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالُوا سمع إِخْوَاننَا أهل الْأَمْوَال بِمَا فعلنَا فَفَعَلُوا مثله فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء قَالَ سمي فَحدثت بعض أَهلِي بِهَذَا الحَدِيث فَقَالَ وهمت إِنَّمَا قَالَ لَك تسبح ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وتحمد ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وتكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ قَالَ فَرَجَعت إِلَى أبي صَالح فَقلت لَهُ ذَلِك فَأخذ بيَدي فَقَالَ الله أكبر وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله الله أكبر وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله حَتَّى يبلغ من جَمِيعهنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٢٤٦٤ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من سبح فِي دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحمد الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكبر الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَتلك\n_________\n(^١) البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥)، وأحمد (٧٢٤٣).","vol":"7","page":448},{"text":"تِسْعَة وَتسْعُونَ ثمَّ قَالَ تَمام الْمِائَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير غفرت لَهُ خطاياه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر (^١).\nوَرَوَاهُ مَالك وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِلَفْظ هَذِه إِلَّا أَن مَالِكًا قَالَ غفرت لَهُ ذنُوبه وَلَو كَانَت مثل زبد الْبَحْر (^٢).\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفظه قَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ أَبُو ذَر يَا رَسُول الله ذهب أَصْحَاب الدُّثُور بِالْأُجُورِ يصلونَ كَمَا نصلي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُوم وَلَهُم فضل أَمْوَال يتصدقون بهَا وَلَيْسَ لنا مَال نتصدق بِهِ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا أَبَا ذَر أَلا أعلمك كَلِمَات تدْرك بهَا من سَبَقَك وَلَا يلحقك من خَلفك إِلَّا من أَخذ بِمثل عَمَلك قَالَ بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تكبر الله دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وتسبحه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وتختمها بِلَا إِلَه إِلَا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير غفرت ذنوبك وَلَو كَانَت مثل زبد الْبَحْر (^٣).\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس نَحوه وَقَالا فِيهِ فَإِذا صليتم فَقولُوا سُبْحَانَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مرّة وَالْحَمْد لله ثَلَاثًا وَثَلَاِثينَ مرّة وَالله أكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ مرّة وَلَا إِلَه إِلَّا الله عشر مَرَّات فَإِنَّكُم تدركون من سبقكم\n_________\n(^١) مسلم (٥٩٧).\n(^٢) مالك في الموطأ (٥٦٢)، وابن خزيمة (٧٤٩).\n(^٣) أبو داود (١٥٠٤).","vol":"7","page":449},{"text":"وَلَا يسبقكم من بعدكم (^١).\nالدُّثُور بِضَم الدَّال الْمُهْملَة جمعه دثر وَهُوَ المَال الْكثير.\nقوله: عن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله -ﷺ- فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، والعلى جمع العليا تأنيث العلى وذكر النعيم المقيم تعريض بالنعيم العاجل فإنه قلما يصفوا وإن صفا فهو وشيك الزوال وسرعة الانتقال وفيه إن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، وسيأتي الكلام على هذا مبسوطًا في محله والله أعلم وتقدم الكلام على الدثور أنه جمع دثر وهو المال الكثير، المال لمن استعان به على طاعة الله وأنفقه في سبيل الخيرات المقربة إلى الله تعالى سبب موصل له إلى الله تعالى وهو لمن أنفقه في معاصي الله تعالى واستعان به على نيل أغراضه المحرمة واشتغل به عن طاعة الله تعالى سبب قاطع له عن الله تعالى لما قال أبو سليمان الداراني: الدنيا حجب عن الله لأعدائه وقطيعة موصلة إليه لأوليائه وقد مدح الله في كتابه العزيز القسم الأول وذم القسم الثاني فقال في مدح الأولين ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إلي قوله ﴿يَحْزَنُونَ﴾ (^٢) وغيره من الآيات، وقال في ذم الآخرين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله:\n_________\n(^١) الترمذي (٤١٠)، وقال: حديث حسن غريب، والنسائي في الكبرى (١٢٧٦).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٤.","vol":"7","page":450},{"text":"﴿الْخَاسِرُونَ﴾ (^١)، والأحاديث في مدح من أنفق في سبل الخيرات وفي ذم من لم يؤد حق الله منه كثيرة جدًّا، فالمؤمن الذي يأخذ المال من حقه ويضعه في حقه فله أجر ذلك كله وكل ما أنفق منه يبتغي به وجه الله تعالى فهو صدقة وما يطعم ولده فهو له صدقة وما يطعم أهله هو له صدقة وما يطعم خادمه فهو وله صدقة وكان عامة أهل الأموال من أصحاب النبي -ﷺ- من هذا القسم، قال أبو سليمان: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله في أرضه ينفقان في طاعته وكانت معاملتهما لله تعالى بقلوبهما ورأس المنفقين أموالهم في سبيل الله تعالى من هذه الأمة أبو بكر الصديق -﵁- وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ إلى قوله ﴿يَرْضَى﴾ (^٢) وأخبار الأجواد المنفقين أموالهم في سبيل الله من أصحاب رسول الله -ﷺ- يطول ذكرها جدا فكان الفقراء من الصحابة كلما رأوا أصحاب الأموال منهم ينفقون أموالهم فيما يحبه الله تعالى من الحج والاعتمار والجهاد في سبيل الله والعتق والصدقة والبر والصلة وغير ذلك من أنواع البر والطاعات والقربات حزنوا لما فاتهم من مشاركتهم في الفضائل وقد ذكرهم الله في كتابه العزيز بذلك فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ (^٣) نزلت هذه الآية بسبب قوم من فقراء\n_________\n(^١) سورة المنافقون، الآية: ٩.\n(^٢) سورة الليل، الآيات: ١٧ - ٢١.\n(^٣) سورة التوبة، الآيتان: ٩١ - ٩٢.","vol":"7","page":451},{"text":"المسلمين أتوا النبي -ﷺ- وهو يتجهز إلى غزوة تبوك فطلبوا منه أن يحملهم فقال لهم لا أجد ما أحملكم عليه فرجعوا وهم يبكون حزنا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله -ﷺ-، قال بعض العلماء: هذا والله بكاء الرجال بكوا على فقدهم رواحل يتحملون عليها لأن الموت في مواطن يراق فيها الدماء في سبيل الله وتنزع رءوس الرجال على كواهلها بالسيوف فأما من بكى على فقد حظه من الدنيا وشهواته العاجلة فذاك شبيه ببكاء الأطفال والنساء على فقد حظوظهم العاجلة، بيت:\nسهر العيون لغير وجهك باطل ... وبكاؤهن لغير فقدك ضائع\nإنما يحسن البكاء والأسف على فوات الدرجات العلى والنعيم المقيم، قال بعضهم: يرى رجل في الجنة يبكى فيسأل عن حاله فيقول: كانت لي نفس واحدة قتلت في سبيل الله، وددت أنه كانت لي نفوس كثيرة تقتل كلها في سبيله لما سمع الصحابة -﵃- قول الله ﷿: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (^١) ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢) فهموا من ذلك أن المراد أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملا يعجز عنه خشى أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له فيحزن ولفوات سبقه فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم في الدنيا\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٤٨.\n(^٢) سورة الحديد، الآية: ٢١.","vol":"7","page":452},{"text":"وحظوظها الفانية فلما رأى النبي -ﷺ- تأسف أصحابه الفقراء وحزنهم على ما فاتهم من إنفاق إخوانهم الأغنياء أموالهم في سبيل الله تقربا إليه وابتغاء لمرضاته طيب قلوبهم ودلهم على عمل يسير يدركون به من سبقهم ولا يلحقهم معه أحد بعدهم ويكونون به خيرا ممن هم معه إلا من عمل مثل عملهم وهو الذكر عقب الصلوات المفروضات، وقد اختلفت الروايات في أنواعه وعدده والأخذ بكل ما ورد من ذلك حسن وله فضل عظيم، وقالت طائفة من السلف ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (^١) إن القرض الحسن قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، والصدقة بغير المال نوعان، أحدهما: ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق فيكون صدقة عليهم وربما كان أفضل من الصدقة بالمال وهذا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دعاء على طاعة الله وكف عن معاصيه وذلك خير من النفع بالمال وكذلك تعليم العلم النافع ودفع الأذى عنهم وقال معاذ -﵁-: تعليم علم لمن لا يفمهمه صدقة عليه، وروي مرفوعا في الصدقة أحاديث يطول ذكرها؛ النوع الثاني من الصدقة: التي ليست ماليه ما نفعه قاصر على فاعله كأنواع الذكر والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وكذلك المشي إلى المساجد صدقة ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيام والحج والجهاد أنه صدقة وأكثر هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية لأنه إنما ذكر ذلك جوابا للفقراء الذين سألوا عما يقاوم تطوع الأغنياء بأموالهم، وأما\n_________\n(^١) سورة المزمل، الآية: ٢٠.","vol":"7","page":453},{"text":"الفرائض فقد كانوا مشتركين فيها، وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيرها من الأعمال كما في حديث أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-: \"ألا أنبئكم بخير أعمالكم\".\nوقوله: \"وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة\" وتقدم، وفي ذلك أحاديث يطول ذكرها ففي الحديث دليل على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من شدة حرصهم على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم من الخيرات مما يقدر عليه غيرهم فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدرون عليها الأغنياء ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلاته، وقد أخبر الله عنهم فقال في كتابه ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (^١) الآية وفي هذا الحديث أن الفقراء أغبط أهل الدثور والدثور هي الأموال بما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم فدلهم النبي -ﷺ- على صدقات يقدرون عليهم ومعنى هذا أن الفقراء ظنوا أن الصدقة إلا بالمال وهم عاجزون عن ذلك فأخبرهم النبي -ﷺ- أن جميع أنواع المعروف والإحسان صدقة وفي الحديث عن النبي -ﷺ- قال: \"كل معروف صدقة\" والصدقة تطلق على جميع فعل المعروف والإحسان حتى أن فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة منه عليهم اهـ كلام ابن رجب في اللطائف (^٢) قاله ابن العماد في العمدة.\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٢٤٣).","vol":"7","page":454},{"text":"قوله \"ذهب أهل الدثور بالأجور\" الحديث، وفيه دليل على أن درجات الجنة ومنازلها تقسم بحسب الأعمال الصالحة وأما دخول الجنة فبرحمة الله تعالى والنعيم المقيم هو الذي يؤمن زواله.\nقوله \"يصلون كما نصلي\" فيه دليل على تفضيل الصلاة على الصوم وهو الأصح وقيل الصوم أفضل من الصلاة وقيل الصلاة بمكة أفضل والصوم بالمدينة أفضل.\nقوله \"ويتصدقون ولا نتصدق\" فيه دليل على تفضيل الصدقة على العتق وإنما كانت الصدقة أفضل من العتق لاشتمالها على الصدقة الواجبة وهي الزكاة والعتق مستحب والواجب أفضل من المستحب بسبعين درجة.\nقوله -ﷺ- \"ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم\" الحديث، هذا قد يعارضه قوله -ﷺ- \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" والجواب أن بعض العلماء ذهب إلى أن المراد يلونهم في العمل وإن كانوا من آخر الأمة وليس المراد الذين يلونهم في الزمان ويدل له قوله -ﷺ- \"أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره\".\nقوله \"وتسبقون به من بعدكم\" أي من لم يعمل بهذا العمل، وأما التسبيحات فالمعنى الذي لأجله طلب العمل الخاص أن لله تسعة وتسعين اسما وأسماء الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nقسم يرجع إلى الذات وهو الله تعالى.\nوقسم يرجع إلى الجلال كالملك والكبير والقادر والظاهر.","vol":"7","page":455},{"text":"وقسم يرجع إلى الجمال كالرب والمحسن والمحيي والرزاق.\nوقد قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^١) أي نزه أسماؤه عن الإلحاد فيها كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (^٢) فكما يجب تنزيه ذاته تعالى كذلك يجب تنزيه صفاته وأسمائه ولما كانت الكفرة قد ألحدوا في أسمائه تعالى فاشتقوا من الله اللات ومن اسمه العزيز العزى ومن المنان مناة وجب علينا أن ننزه صفاته والمناسب أن يؤتى بأسماء الذات بالتسبيح والتسبيح هو التنزيه عن الشريك وعكا لا يليق وقد سئل النبي -ﷺ- عن معنى سبحان فقال سبحان الله تنزيه الله ويناسب أسباب الجلال التكبير ويناسب أسماء الجمال التحميد لأن الحمد يكون على النعم ولهذا كانت الأعداد تسعة وتسعين بعدد أسماء الله الحسنى وختمت المائة بلا إله إلا الله في إحدى الروايتين وفي رواية أخرى بأربعة وثلاثين تكبيرة لأنه قيل إن اسم الله الأعظم هو تمام المائة واسم الله الأعظم داخل في أسماء الجلال ولهذا أتى فيه بالتكبير وهذا المعنى يحصل بهذا العدد وبالزيادة عليه وإنما [التنصيص] على هذا العدد للمعنى السابق ولأن عدد درج الجنة مائة على عدد أسماء الله الحسنى ومما يدل على عدم اعتباره منع الزائد عموم قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٣)\n_________\n(^١) سورة الأعلى: الآية: ١.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٩٦.","vol":"7","page":456},{"text":"وقوله تعالى ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (^١) وقوله -ﷺ- فيما رواه أبو هريرة \"من قال في دبر كل صلاة عشر تسبيحات وعشر تحميدات وعشر تكبيرات في خمس صلوات فتلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمسمائة في الميزان\" اهـ.\nفائدة: واستدل بالحديث على أن الغني الشاكر أي القائم بحقوق المال أفضل من الفقير الصابر لامتيازه بعبادات لا يصل الفقير إليها من إخراج الزكاة وصدقة التطوع والعتق ووجوب الحج والعمرة والتزوج ودفع منة الخلق بالقدرة على المكافأة وحمد الله تعالى على مزيد فضله ومزيد الرحم ومعرفة المنعم والاعتراف له بما أنعم وذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر لأن مدار الطريق على تهذيب النفوس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى فكان أفضل بمعنى الشرف (^٢) وممن رجح أن الشكر أولى من الصبر الغزالي قال: لأن الشكر يوجب المحبة ويدوم في الجنة بخلاف الصبر فإنه عبادة تنقطع ولا تدوم وبسطنا ذكره أن الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: الصبر على طاعة الله.\nوالثاني: الصبر عن المعاصي.\nوالثالث: الصبر على المعصية.\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ٨٩.\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦).","vol":"7","page":457},{"text":"والأقسام الثلاثة في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (^١) فالأول الصبر على المعصية والثاني عن المعصية لأنه من المثابرة التي هي المفاعلة لأن فيها مغالبة النفس والشيطان والثالث الصبر على أداء الواجبات وهي الرباط وأصل الرباط حبس النفس على ما تكره والصبر على المكروهات لا يوجب المحبة بخلاف الشكر فإنه يكون على ما تحبه النفس من النعمة والمسرة وزيادة البسط في الرزق جاء في الخبر أن للصبر على الطاعة ثلاثمائة درجة كل درجة كما بين السماء والأرض والصبر على النفس سبع مائة درجة كل درجة كما بين السماء والأرض ثلاثا (^٢) وإنما كان الشكر يدوم في الجنة بخلاف الصبر لأن الجنة ليس فيها مكروهات يصبر العبد عليها وإنما هي دار نعيم وسرور.\nقوله \"وكبر\" أي قال الله أكبر والتكبير هو التعظيم.\nقوله \"في دبر كل صلاة\" أي عقبها.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصبر (٢٤) عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله -ﷺ-: الصبر ثلاث: فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش مرتين. وإسناده ضعيف.","vol":"7","page":458},{"text":"فائدة في كيفية التسبيحات والتكبيرات والتحميدات:\nقوله في كيفية عدد التسبيحات والتحميدات والتكبيرات أن أبا صالح رحمه الله تعالى قال يقول الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة وذكر بعد هذه الأحاديث من طرق غير طريق أبي صالح وظاهرها أنه يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة ويكبر ثلاثا وثلاثين مستقلة ويحمد كذلك وهذا ظاهر الأحاديث قال القاضي عياض (^١) وهو أولى من تأويل أبي صالح وأما قول سهيل إحدى عشرة إحدى عشرة فلا ينافي رواية الأكثرين ثلاثا وثلاثين بل معهم زيادة يجب قبولها وفي رواية تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وفي رواية إن التكبيرات أربع وثلاثون وكلها زيادات من الثقات يجب قبولها فينبغي أن يحتاط الإنسان فيأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة ومثلها تحميدات وأربع وثلاثين تكبيرة ولقول معها لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخرها ليجمع بين الروايات.\nواتفق العلماء أنه لو قدم بعض هذه الأنواع على بعض لحصلت السنة والدبر آخر أوقات الشيء والمراد هنا عقب السلام بينته الرواية الأخرى كان إذا فرغ من الصلاة سلم يقال عن أبي الزبير قال كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاةٍ حين يسلم: \"لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله،\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٥٤٧).","vol":"7","page":459},{"text":"مخلصين له الدين ولو كره الكافرون\" (^١) وإنما شرع هذا الذكر عقب الصلوات لما اشتمل عليه من معاني التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة. والثواب المرتب على الأذكار: يرد كثيرا مع خفة الأذكار على اللسان وقلتها وإنما كان ذلك باعتبار مدلولاتها، وأن كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو أشرف الأشياء (^٢)، انتهى.\n\n٢٤٦٥ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مُعَقِّبَات لَا يخيب قائلهن أَو فاعلهن دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة ثَلَاث وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَة وَأَرْبع وَثَلَاتُونَ تَكْبِيرَة رَوَاهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٣).\nقوله: وعن كعب بن عجرة -﵁-: [وعجرة بضم العين، هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو إسحاق كعب بن عجرة بن أمية بن عدى بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مرى بن أراشة بن عامر بن عبيلة بن قسميل بن قران بن بلى حليف الأنصار.\nتأخر إسلامه، وشهد بيعة الرضوان وغيرها. روى له عن رسول الله -ﷺ- سبعة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٩ - ٥٩٤).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٣٢١).\n(^٣) مسلم (٥٩٦)، والترمذي (٣٤١٢)، والنسائي في الكبرى (١٢٧٢)، وابن حبان (٢٠١٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ رقم ٢٥٩).","vol":"7","page":460},{"text":"وطارق بن شهاب، وأبو وائل، وابن أبى ليلى، وبنوه إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع أولاد كعب، وزيد بن وهب، والشعبى، وغيرهم، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^١). سكن الكوفة، وتوفى بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين، وله سبع وسبعون، وقيل: خمس وسبعون سنة (^٢)].\nقوله -ﷺ- \"معقبات\" ومعقبات بكسر القاف من التعقيب في الصلاة وهو الجلوس بعد القضاء بها لدعاء ونحوه قال الهروي قال شمر: معناه تسبيحات تفعل أقاب الصلوات وقال أبو الهيثم: سميت معقبات لأنها تفعل مرة بعد أخرى والمعقب من كل شيء: ما جاء عقيب ما قبله قال الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ (^٣) أي ملائكة يعقب بعضهم بعضا وملائكة الليل وملائكة النهار معقبات أيضا لأن بعضهم يعقب بعضا ومنه الحديث \"فكان الناضح يعتقبه منا الخمسة\" أي يتعاقبونه في الركوب واحدا بعد واحد. يقال: دارت عقبة فلان: أي جاءت نوبته ووقت ركوبه. ومنه حديث أبي هريرة \"كان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا\" أي يتناوبونه في القيام إلى الصلاة. قاله في النهاية (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٨ ترجمة ٥٢٧).\n(^٣) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٦٨).","vol":"7","page":461},{"text":"قوله -ﷺ- \"لا يخيب قائلهن أو فاعلهن\" والخيبة الحرمان والخسران واعلم أن حديث كعب بن عجرة هذا ذكره الدارقطني في استدراكاته على مسلم وقال الصواب أنه موقوف على كعب وهذا الذي قاله الدارقطني مردود لأن مسلما رواه من طرق كلها مرفوعة وذكره الدارقطني أيضا من طرق أخرى مرفوعة وقد اختلف عليهما أيضا في رفعه وبين الدارقطني ذلك وقد بين النووي (^١) أول شرح مسلم أن الحديث الذي روي موقوفا ومرفوعا يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين منهم البخاري وآخرون والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"دبر كل صلاة مكتوبة\" أي مفروضة والدبر هو بضم الدال والباء هذا هو المشهور في اللغة والمعروف من الروايات قال أبو عمر المطرز في كتابه اليواقيت دبر كل شيء بفتح الدال وسكون الباء آخر أوقاته من الصلاة وغيرها قال هذا هو المعروف في اللغة وأما الجارحة فبالضم وقال الداودي عن ابن الأعرابي دبر الشيء ودبر بالضم والفتح آخر أوقاته والصحيح الضم ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره وتقدم الكلام على قوله \"ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة\".\nفائدة: فائدة في كيفية التسبيحات والتكبيرات والتحميدات:\nقوله في كيفية عدد التسبيحات والتحميدات والتكبيرات أن أبا صالح رحمه الله تعالى قال يقول الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٩٥).","vol":"7","page":462},{"text":"وذكر بعد هذه الأحاديث من طرق غير طريق أبي صالح وظاهرها أنه يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة ويكبر ثلاثا وثلاثين مستقلة ويحمد كذلك وهذا ظاهر الأحاديث قال القاضي عياض وهو أولى من تأويل أبي صالح وأما قول سهيل إحدى عشرة إحدى عشرة فلا ينافي رواية الأكثرين ثلاثا وثلاثين بل معهم زيادة يجب قبولها وفي رواية تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وفي رواية إن التكبيرات أربع وثلاثون وكلها زيادات من الثقات يجب قبولها فينبغي أن يحتاط الإنسان فيأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة ومثلها تحميدات وأربع وثلاثين تكبيرة ويقول معها لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخرها ليجمع بين الروايات (^١).\nواتفق العلماء أنه لو قدم بعض هذه الأنواع على بعض لحصلت السنة والكل واسع فمن أحب الأفضل أتى بالاكثر ومن شاء أتى بهذا مرة وبهذا مرة مع حضور القلب في الجميع وفيه دليل على صحة الحساب وعلمه وجمع التفصيل وهو الذي يسمى الفذلكة بقوله فتلك تسعة وتسعون وأما ما ورد من قوله \"نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب\" [.......] أشار في حسابه بالأصابع وحث على العقد بالأصابع فأراد أن الله يفتح على قلوبنا ويلهمنا الصواب مع راحتنا من الحساب والكتاب لا أنه محرم عليه ولا أنه نقص فينا فعلم الحساب يجب لتخليص الحقوق وتمييز الفروض وكذلك الكتابة\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ٩٣ - ٩٥).","vol":"7","page":463},{"text":"لحفظ المكتوب وإفادة العلوم وقد قال بعضهم إنه ما مات -﵇- حتى علمه الله الكتابة وإنما كان لا يعلمه في أول الأمر، ويدل على طلب تعلم الحساب قوله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (^١) اهـ.\nتنبيه: يستحب عقد التسبيح على الأنامل لما ورد عن يسيرة -بضم الياء وفتح السين المهملة- -﵂-، الصحابية وكانت من المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله -ﷺ- \"عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس والتكبير واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات ولا تغفلن فتنسين الرحمة\". رواه الترمذي وأبو داود بإسناد حسن (^٢)، أ. هـ.\nفإن قلت: ما وجه تخصيص هذه الأذكار؟ قلت: التسبيح إشارة إلى النقائض عند المسمى إلى إثبات الكمالات له، والتكبير إلى أنة حقيقة ذاته أكبر من أن تدركها الأوهام أو تعرفها الأفهام.\n\n٢٤٦٦ - وَعَن عَليّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- لما زوجه فَاطِمَة بعث مَعهَا بخميلة ووسادة من أَدَم حشوها لِيف ورحيين وسقاء وجرتين فَقَالَ عَليّ -﵁- لفاطمة -﵂- ذَات يَوْم وَالله لقد سنوت حَتَّى اشتكيت صَدْرِي وَقد جَاءَ الله\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١٢.\n(^٢) أخرجه أحمد (٤٥/ ٣٥) والترمذي (٣٥٨٣) وعبد بن حُميد (١٥٧٠) ابن سعد في الطبقات ٨/ ٣١٠، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠ و١٠/ ٢٨٩ و١٣/ ٤٥٣،، والبخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٢٣٢،، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٢٨٥)، وابنُ حبان (٨٤٢)، والطبراني في الأوسط (٥٠١٢)، وفي الدعاء (١٧٧١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود - الأم (٥/ ٢٣٦).","vol":"7","page":464},{"text":"أَبَاك بسبي فاذهبي فاستخدميه فَقَالَت وَأَنا وَالله لقد طحنت حَتَّى مجلت يداي فَأَتت رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ مَا جَاءَ بك أَي بنية قَالَت جِئْت لاسلم عَلَيْك واستحيت أَن تسأله وَرجعت فَقَالَ عَليّ مَا فعلت قَالَت استحييت أَن أسأله فَأتيَا جَمِيعًا النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ عَليّ يَا رَسُول الله لقد سنوت حَتَّى اشتكيت صَدْرِي وَقَالَت فَاطِمَة قد طحنت حَتَّى مجلت يداي وَقد جَاءَك الله بسبي وسعة فأخدمنا فَقَالَ وَالله لَا أُعْطِيكُم وأدع أهل الصّفة تطوى بطونهم من الْجُوع لَا أجد مَا أنْفق عَلَيْهِم وَلَكِن أبيعهم وَأنْفق عَلَيْهِم أثمانهم فَرَجَعَا فأتاهما النَّبِي -ﷺ- وَقد دخلا فِي قطيفتهما إِذا غطت رؤوسهما تكشفت أقدامهما وَإِذا غطت أقدامهما تكشفت رؤوسهما فثارا فَقَالَ مَكَانكُمَا ثمَّ قَالَ أَلا أخبركما بِخَير مِمَّا سألتماني قَالَا بلَى قَالَ كَلِمَات علمنيهن جِبْرَائِيل فَقَالَ تسبحان الله فِي دبر كل صَلَاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا فَإِذا أويتما إِلَى فراشكما فسبحا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ واحمدا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وكبرا أَرْبعا وَثَلَاثِينَ قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه فوَالله مَا تركتهن مُنْذُ سَمِعتهنَّ من رَسُول الله -ﷺ- قَالَ فَقَالَ لَهُ ابْن الكوا وَلَا لَيْلَة صفّين فَقَالَ قاتلكم الله يَا أهل الْعرَاق وَلَا لَيْلَة صفّين رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nوَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَتقدم فِيمَا يَقُول إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه بِغَيْر هَذَا السِّيَاق (^٢). وَفِي هَذَا السِّيَاق مَا يستغرب وَإِسْنَاده جيد وَرُوَاته\n_________\n(^١) أحمد (٨٣٨).\n(^٢) البخاري (٣١١٣)، ومسلم (٢٧٢٧)، وأبو داود (٥٠٦٢)، والترمذي (٣٤٠٨)، وأحمد (٧٤٠)، وابن حبان (٥٥٢٤).","vol":"7","page":465},{"text":"ثِقَات وَعَطَاء بن السَّائِب ثِقَة وَقد سمع مِنْهُ حَمَّاد بن سَلمَة قبل اخْتِلَاطه وَالله أعلم.\nالخميلة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم كسَاء لَهُ خمل يَجْعَل غَالِبا وَهُوَ القطيفة أَيْضا من أَدَم بِفَتْح الْألف وَالدَّال أَي من جلد وَقيل من جلد أَحْمَر.\nرحيين بِفَتْح الرَّاء والحاء وَتَخْفِيف الْيَاء مثنى رحى وَقَوله سنوت بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالنُّون أَي أستقيت من الْبِئْر فَكنت مَكَان السانية وَهِي النَّاقة الَّتِي تسقى عَلَيْهَا الأرضون.\nوَقَوله: فاستخدميه أَي اسأليه خَادِمًا وَكَذَلِكَ قَوْله فأخدمنا بِكَسْر الدَّال أَي أعطنا خَادِمًا وَقَوْلها مجلت يداي بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا أَي تقطعت من كَثْرَة الطَّحْن.\nقوله: قال علي -﵁-: فوالله ما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله -ﷺ-، قال: فقال له ابن الكواء: ولا ليلة صفين، فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق قاتلكم الله ولا ليلة صفين، الحديث، الرجل القائل لعليل -﵁-: ولا ليلة صفين، اسمه عبد الله بن الكواء، وصفين: بكسر الصاد وتشديد الفاء وبعدها ياء في الأحوال الثلات الرفع والنصب والجر هذه هي اللغة المشهورة وفيها لغة أخرى حكاها أبو عمرو الزاهد عن ثعلب عن الفراء، وحكاها صاحب المطالع وغيره من المتأخرين، صفون بالواو في حال الرفع وفي حديث أبي وائل شهدت صفين وبئست الصفون، والحاصل أن فيها وفي أمثالها لغتين إحداهما إجراء الإعراب على ما قبل النون وتركها مفتوحة","vol":"7","page":466},{"text":"كجمع السلامة كما قال أبو وائل، والثانية أن تجعل النون حرف الإعراب وتقر الياء بحالها فتقول هذه صفين ورأين صفين ومررت بصفين، وكذلك تقول في قنسرين وفلسطين وبنوين والله أعلم قاله في النهاية (^١)، وصفين هو الموضع المشهور على شاطئ الفرات وكانت به الوقعة المشهورة بين أهل الشام والعراق مع علي ومعاوية -﵄- وخلافة علي بن أبي طالب صحيحة بالإجماع وكان هو الخليفة في وقته ولم يكن لمعاوية خلافة، وأما معاوية فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء وأما الحروب التي جرت بينهما فكان لكل طائفة شبهة [اعتقدت] تصويب [أنفسها] بسببها وكلهم [عدول] متأولون في حروبهم ولم يخرج شيء من ذلك أحدا منهم عن عدالته لأنهم مجتهدون واختلفوا فى مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل الدماء وغيرهم ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم وسبب تلك الحروب أن القضايا اشتبهت فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم، واتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم فيجب الإمساك عما شجر بين الصحابة في ذلك، قال -ﷺ-: \"إياكم وما شجر بين أصحابي\" أي ما وقع بينهم من الاختلاف، يقال: اشتجر القوم وتشاجروا إذا تنازعوا واختلفوا (^٢)، قاله فى الديباجة (^٣) وغيرها، أ. هـ.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٤٩).\n(^٣) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":467},{"text":"ووقعة صفين كانت في خلافة علي -﵁- فإن معاوية لما بلغه مسير علي -﵁- من العراق وخرج من دمشق حتى ورد صفين في النصف من محرم فسبق إلى سهولة المنزل وسعة المناخ وقرب الماء من الفرات، وبنى قصرا ليست ماله وصفين صحراء ذات كدى وأكمات وكان أهل الشام قد سبقوا إلى المشرعة من سائر الجهات ولم يكن ثم مشرعة سواها للواردين والواردات فمنعت عليا -﵁- إياها وجمتها تلك الكمات فذكرهم بالمواعظ الحسنة والآيات وحذرهم بقول النبي -ﷺ- \"فمن منع فضل ماء بالفلاة\" فردوا قوله وأجابوه [بالستة] الطغاة إلى أن قاتلهم بالقواضب [والسمهريات (^١)] فلما غلبهم عليها أباحها للشاربين والشاربات، ثم بنى مسجدا على تل بأعلى الفرات وحضرها مع علي جماعة من البدريين وممن بايع تحت الشجرة من الصحابة المرضيين وكان لمقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر، وقيل: تسعة أشهر وقيل: ثلاثة أشهر وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفا، وقتل في ثلاثة أيام من أيام البيض وهي ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ثلاثة وسبعون ألفا من الفريقين ذكره الثقة العدل أبو إسحاق بن الحسين الكسائي الهمداني المعروف بابن ديزبل وكان القتال بعد صلاتهم الصبح ومرت مواقيت أربع صلوات واقتتلوا إلى نصف الليل وذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين قاله الإمام أحمد في تاريخه وكان أهل الشام يوم صفين خمسة وثلاثين ومائة ألف وكان أهل العراق عشرين أو ثلاثة\n_________\n(^١) السمهريات الرماح الطوال.","vol":"7","page":468},{"text":"ومائة ألف ذكره الزبير بن بكار أبو عبد الله القاضي العدل، قال: والإجماع منعقد على أن طائفة الإمام طائفة عدل والأخرى طائفة بغي ومعلوم أن عليا كان الإمام، وتواترت الأخبار عن النبي -ﷺ- أنه قال \"تقتل عمار الفئة الباغية\" وهو من أصح الأحاديث، وقال فقهاء الإسلام: فيما حكاه عبد القاهر في كتاب الإمامة من تأليفه وأجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم الإمام مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين كما قالوا بإصابته في قتل أصحاب الجمل وقالوا أيضا بأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم (^١) والله أعلم.\n\n٢٤٦٧ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خصلتان لَا يحصيهما عبد إِلَّا دخل الْجنَّة وهما يسير وَمن يعْمل بهما قَلِيل يسبح الله أحدكُم دبر كل صَلَاة عشرا وَيَحْمَدهُ عشرا ويكبره عشرا فَتلك مائَة وَخَمْسُونَ بِاللِّسَانِ وَألف وَخَمْسمِائة فِي الْمِيزَان إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه يسبح ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ويحمد ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيكبر أَرْبعا وَثَلَاثِينَ فَتلك مائَة بِاللِّسَانِ وَألف فِي الْمِيزَان قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَأَيكُمْ يعْمل فِي يَوْمه وَلَيْلَته أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة سَيِّئَة قَالَ عبد الله رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- يعقدهن بِيَدِهِ قَالَ قيل يَا رَسُول الله كَيفَ لَا تحصيها قَالَ يَأْتِي أحدكُم الشَّيْطَان وَهُوَ فِي صلَاته فَيَقُول لَهُ اذكر كَذَا اذكر كَذَا ويأتيه عِنْد مَنَامه فينومه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن\n_________\n(^١) التذكرة (ص ١٠٨٥ - ١٠٨٩).","vol":"7","page":469},{"text":"صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقَالَ المملي: رَوَوْهُ كلهم عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن عبد الله.\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة\" الحديث، تقدم الكلام على هذا الحديث في الأذكار التي تقال حين يأوي إلى فراشه والله أعلم.\n\n٢٤٦٨ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ دبر كل صَلَاة لم يمنعهُ من دُخُول الْجنَّة إِلَّا أَن يَمُوت رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَقَالَ شَيخنَا أَبُو الْحسن هُوَ على شَرط البُخَارِيّ وَابْن حبَان فِي كتاب الصَّلَاة وَصَححهُ (^٢).\n_________\n(^١) أبو داود (٥٠٦٥)، والترمذي (٣٤١٠)، وابن حبان (٢٠١٨)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢١٦)، وابن ماجه (٩٢٦)، وأحمد (٦٩١٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٣٠).\n(^٢) النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٩٢٨)، والطبراني في الكبير (٧٥٣٢)، وفي الأوسط (٨٠٦٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٢٥)، وابن حبان في كتاب الصلاة المفردة، كما في نتائج الأفكار (٢/ ٢٨٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (٤٧٩)، قال ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٢٧٨)، وقد غفل أبو الفجر ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في الموضوعات، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٢)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد وأحدها جيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٦٤).","vol":"7","page":470},{"text":"وَزَاد الطَّبَرَانِيّ فِي بعض طرقه وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإسْنَاده بِهَذِهِ الزِّيَادَة جيد أَيْضا.\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت\" ودبر الصلاة ها هنا يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان أ. هـ.\nوبلغني عن شيخنا أبي العباس بن تيمية قدس الله روحه أنه قال: ما تركتها يعني آية الكرسي عقيب كل صلاة [لعل الحاكي عن إبن تيمية ابن قيم الجوزية فإنه أحد تلامذته وينقل عنه كثيرا (^١) أ. هـ] من خط المصنف ﵀.\nوروى الوائلى عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يتول قبض روحه إلا الله ﷿\" (^٢) قال القرطبي في كتابه التذكار وهذا حديث غريب مصري الإسناد (^٣)، وروي أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها في دبر كل صلاة عن أنس رفع الحديث إلى النبي -ﷺ- قال: أوحى الله تعالى إلى موسى -﵇- \"من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته قلوب الشاكرين\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه الخطيب (٦/ ١٧٤). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٠١٤).\n(^٣) التذكار (ص ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"7","page":471},{"text":"وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت\" قال موسى -﵇- يا رب من سمع بهذا إلا يداوم عليه قال إني لا أعطيه من عبادي إلا نبي أو صديق أو رجل أحبه أو رجل أريد قتله في سبيلي (^١)، وعن أبي بن كعب قال: قال الله تعالى: يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء، قال أبو عبد الله معناه عندنا أنه يعطى ثواب عمل الأنبياء، فأما ثواب النبوءة فليس لأحد إلا الأنبياء، ذكره الإمام القرطبي في كتابه التذكار في فضل القرآن (^٢) ..\n\n٢٤٦٩ - وَعَن الْحسن بن عَليّ -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ فِي دبر الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة كَانَ فِي ذمَّة الله إِلَى الصَّلاة الْأُخْرَى رَوَاهُ الطَّبرانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٣).\nقوله: وعن الحسن بن علي -﵄-، تقدم الكلام عليه وعلى أبيه -﵄-.\nقوله -ﷺ-: \"من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى\" ذمة الله هي [عهد بالحفظ والكلاءة].\n_________\n(^١) أخرجه السلفى في المشيخة (١٥) عن جابر. وأخرجه الديلمي كما في الغرائب (١٠٠٦) عن أبي موسى. ابن كثير في التفسير (١/ ٣٠٧): وهذا حديث منكر جدًا. وقال الألباني في الضعيفة (٣٩٠١): منكر جدًّا.\n(^٢) التذكار (ص ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٢٧٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٨)، وإسناده حسن.","vol":"7","page":472},{"text":"٢٤٧٠ - وَعَن أبي كثير مولى بني هَاشم أَنه سمع أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ -﵁- صَاحب رَسُول الله -ﷺ- يَقُول كلِمَات من ذكرهن مائَة مرّة دبر كل صَلَاة الله أكبر وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله ثمَّ لَو كَانَت خطاياه مثل زبد الْبَحْر لمحتهن رَوَاهُ أَحْمد وَهُوَ مَوْقُوف (^١).\nقوله: وعن أبي كثير مولى بني هاشم [سمع أبا ذر الغفاري روى عنه حيى بن عبد الله وقال أبو زرعة بن العراقي، وابن حجر: لا يعرف].\nقوله: أنه سمع أبا ذر الغفاري -﵁- صاحب رسول الله -ﷺ- يقول: \"كلمات من ذكرهن مائة مرة دبر كل صلاة\" تقدم الكلام على أبي ذر على دبر الصلاة.\n\n٢٤٧١ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن أَرقم عَن أَبِيه -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من قَالَ دبر كل صَلَاة ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (^٢) فقد اكتال بالجريب الأوفى من الْأجر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣).\n_________\n(^١) أحمد (٢١٥١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠١)، وأبو كثير لم أعرفه، وبقية رجاله حديثهم حسن، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٦٣).\n(^٢) سورة الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨٢.\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٥١٢٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٣)، وفيه عبد المنعم بن بشير، وهو ضعيف جدا.","vol":"7","page":473},{"text":"قوله: وروي عن عبد الله بن أرقم عن أبيه -﵁-[هو عبد الله بن زيد بن أرقم وأبوه هو أبو عمرو، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو أنيسة، زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن ثعلبة الأنصارى الخزرجي المدنى، غزا مع رسول الله -ﷺ- سبع عشرة غزوة، استصغره يوم أحد، وكان يتيما فى حجر عبد الله بن رواحة، وسار معه فى غزوة مؤتة. روى له عن رسول الله -ﷺ- سبعون حديثا، اتفقا على أربعة، وللبخارى حديثان، ولمسلم ستة. روى عنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخلائق من التابعين، نزل الكوفة، وتوفى بها سنة ست وخمسين. وقال محمد بن سعد وآخرون: سنة ثمان وستين. وله مناقب، منها ما روينا فى صحيحى البخاري ومسلم فى قصة إخباره بقول المنافقين: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، فقرأ عليه رسول الله -ﷺ- الآية، وقال: \"إن الله قد صدقك\"].\nقوله -ﷺ-: \"من قرأ دبر كل صلاة ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (^١) فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر، الجريب مكيال معروف يسع أربعة أقفزة، والقفيز [مكيال يتواضع الناس عليه، وهو عند أهل العراق ثمانية مكاكيك]، والجريب أيضا مساحة من الأرض مربعة من كل جانبين منها ستون ذراعا قاله الجوهري في صحاحه (^٢) [فائدة: ذكر اليافعي أن من داوم على هذا الذكر\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨٢.\n(^٢) النجم الوهاج (٩/ ٣٦٣).","vol":"7","page":474},{"text":"والدعاء عقب كل صلاة أغناه الله تعالى عن خلقه ويرزقه من حيث لا يحتسب ويسر الله تعالى عليه أمر معيشته ولو كان عليه مثل جبل دينا أعانه الله تعالى على وفائه وهو هذا يا الله يا أحد يا واحد يا واجد يا ماجد يا موجد يا جواد يا باسط يا كريم يا وهاب يا ذا الطول يا غني يا مغني يا فتاح يا رزاق يا حي يا قيوم يا رحمان يا رحيم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حنان يا منان أنجني منك بنفحة تغنني بها عمن سواك ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^١) ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (^٢) ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (^٣) اللهم يا غني يا حميد يا مبدئ يا معيد يا رحيم يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعال لما تريد اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك إنك على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، قاله في كتاب الدر النظيم وفضائل القرآن العظيم].\n\n٢٤٧٢ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَالَ دبر الصَّلَاة سُبْحَانَ الله الْعَظِيم وَبِحَمْدِهِ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله قَامَ مغفورا لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار عَن أبي الزهراء عَن أنس وَسَنَده إِلَى أبي الزهراء جيد وَأَبُو الزهراء لَا أعرفهُ (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ١٩.\n(^٢) سورة الفتح، الآية: ١.\n(^٣) سورة الصف، الآية: ١٣.\n(^٤) البزار (٣٠٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٣)، رواه البزار من رواية أبي الزهراء عن أنس، وأبو الزهراء لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"7","page":475},{"text":"قوله: وعن أنس -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من قال دبر الصلاة سبحان الله العظيم وبحمده لا حول ولا قوة إلا بالله\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٢٤٧٣ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من دَعَا بهؤلاء الْكَلِمَات أَو الدَّعْوَات فِي دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة حلت لَهُ الشَّفَاعَة مني يَوْم الْقِيَامَة اللَّهُمَّ اعط مُحَمَّدًا الْوَسِيلَة وَاجعَل فِي المصطفين محبته وَفِي العالين دَرَجَته وَفِي المقربين دَاره رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ وَهُوَ غَرِيب (^١).\nقوله: وروي عن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من دعا بهؤلاء الكلمات أو الدعوات في دبر كل صلاة مكتوبة حلت له الشفاعة مني يوم القيامة\" الحديث، حلت [أي وجبت وقيل نالته ونزلت به وقيل استحقت لأن من كان الشيء حلاله كان مستحقا لذلك].\n\n٢٤٧٤ - وَرُوِيَ عَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قَالَ دبر كل صَلَاة أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ غفر لَهُ وَإِن كَانَ فر من الزَّحْف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٧٩٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٣)، وفيه مطرح بن يزيد، وهو ضعيف.\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٧٣٨)، وفي الصغير (٨٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٠٤)، وفيه عمر بن فرقد، وهو ضعيف، قتل: قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، راجع لسان الميزان (٤/ ٣٢٣).","vol":"7","page":476},{"text":"قوله: وروي عن البراء بن عازب -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من قال دبر كل صلاة أستغفر الله وأتوب إليه غفر له\" الحديث.\nفائدة: أستغفر وأتوب إليه حجة أنه يجوز بل يستحب أن يقول أستغفر وأتوب إليه، وحكي عن بعض السلف كراهته لئلا يكون كاذبا، قال بل يقول اللهم أغفر لي وتب علي وهذا الذي قاله من قوله اللهم اغفر لي وتب علي حسن لا شك فيه، وأما كراهة قوله أستغفر الله وأتوب إليه فلا يوافق عليها، قاله النووي (^١) في باب الاستغفار من كتابه الأذكار.\n\n٢٤٧٥ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- أَخذ بِيَدِهِ يَوْمًا ثمَّ قَالَ يَا معَاذ وَالله إِنِّي لَأحبك فَقَالَ لَهُ معَاذ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله وَأَنا وَالله أحبك قَالَ أوصيك يَا معَاذ لَا تدعن فِي دبر كل صَلَاة أَن تَقول اللَّهُمَّ أَعنِي على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك وَأوصى بذلك معَاذ الصنَابحِي وَأوصى بهَا الصنَابحِي أَبَا عبد الرَّحْمَن وَأوصى بهَا عبد الرَّحْمَن عقبَة بن مُسلم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن جبل -﵁-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٢).\n(^٢) أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي في عمل اليوم والليل (٩٩٣٧)، وابن خزيمة (٧٥١)، وابن حبان (٢٠٢٠)، والحاكم (١/ ٢٧٣)، وأحمد (٢٢١١٩)، والطبراني (٢٠/ رقم ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٤١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٦٩).","vol":"7","page":477},{"text":"قوله: فقال له معاذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأنا والله أحبك، الحديث، وفي بعض الروايات: فداك أبي وأمي، هذا جار على عادة العرب في التعظيم لأن الإنسان لا يفدي في نفس أبويه إلا لمن يعطيه.\nفائدة: وأوصى بذلك معاذٌ الصنابحي، الصنابحي بضم الصاد المهملة وبالنون ثم بالباء الموحدة ثم بالحاء المهملة ثم بياء النسبة وهو منسوب إلى صنابح بن زاهد بن عامر بطن من مراد، واسمه [عبد الله الصنابحي، وأبو عبد الله الصنابحي مثله وقيل هو الأول [وهو] قول من قال عبد الله وهم، وهو قول البخاري صحابي [فقال: وهم مالك في هذا، فقال: عبد الله الصنابحي] وأبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة وهو الصنابحي، ذكره البخاري منسوبا غير مكنى وغير مسمى في وفاة النبي -ﷺ-، وكنيته] أبو عبد الله، ونقل البيهقي في السنن الكبير عن عباس الدوري أن يحيى بن معين فجعلهما اثنين قال: وإلى هذا مال أبو الحسن القطان وغيره أن الصنابحي اثنان، أحدهما: سمع من النبي -ﷺ- والآخر تابعي وهو الذي قصد النبي -ﷺ- فوجده قد مات، وأما الصنابح بن العسر بغير ياء النسبة فهو رجل من الصحابة والله أعلم، وقيل: اسمه عبد الله الصنابحي وأبو عبد الله مثله الصنابحي، وقيل هو الأول، وأن قول من قال عبد الله وهم وهو قول البخاري وهو قول البخاري وأبو عبد الرحمن وفيه إشارة إلى أن الإنسان إذا أحب إنسانا أعلمه أنه يحبه [.......] وأوصى به الصنابجي أبا عبد الرحمن.\nفرع في الذكر بعد الصلاة: ثبت في الصحيحين بأنواع من الأذكار والأدعية، فمن ذلك حديث ثوبان قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا انصرف من","vol":"7","page":478},{"text":"صلاته قال: أستغفر الله ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ومنها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ومنها: ما رواه مسلم عن كعب بن عجرة قال: معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثا وثلاثين وثلاثا وثلاثين تحميدة وأربعا وثلاثين تكبيرة، وروى أن من قال ذلك غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، وقال -ﷺ-: \"من قال دبر صلاة المغرب وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات\" الحديث، وغير ذلك من الأحاديث، وسيأتي الكلام على ذلك، ويستحب الدعاء بعد الصلاة لما روى الترمذي أن النبي -ﷺ- سئل أي الدعاء أسمع أي أقرب إلى الإجابة قال: جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبات ويندب الإسرار به وبالذكر إلا أن يكون إماما يريد تعليم الحاضرين.","vol":"7","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>الترغيب فيما يقوله ويفعله من رأى في منامه ما يكره</span>\n٢٤٧٦ - عَن جَابر -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ إِذا رأى أحدكُم الرُّؤْيَا يكرهها فليبصق عَن يسَاره ثَلَاثًا وليستعذ بِالله من الشَّيْطَان الرَّجِيم ثَلَاثًا وليتحول عَن جنبه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن جابر -﵁-، هو جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه مرات.\nقوله -ﷺ-: \"إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها\" أي: في المنام، فإذا رأى الإنسان ما يكره بصق عن يساره ثلاثا قائلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثا وليتحول إلى جنبه الآخر وليصل ركعتين لقوله -ﷺ-: \"فمن رأى شيئا كرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل فإذا فعل ذلك فقد عمل بالأحاديث\" قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: والأمر بالبصق ثلاثا طرد الشيطان الذي حضر رؤياه المكروه وتحقيرا له واستقذارا، وخصت اليسار بذلك لأنها محل الأقذار والمكروهات ونحوها واليمين ضدها (^٢).\nفائدة: عن ابن سيرين رحمه الله تعالى وهو محمد بن سيرين الأنصاري مولى أنس بن مالك وهو من سبي عين التمر الذين أسرهم خالد بن الوليد\n_________\n(^١) مسلم (٢٢٦٢)، وأبو داود (٥٠٢٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٤٧)، وابن ماجه (٣٩٠٨)، وأحمد (١٤٧٨٠)، وأبو يعلى (٢٢٦٣)، وابن حبان (٦٠٦٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٧٦١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٨).","vol":"7","page":480},{"text":"أدرك ثلاثين من أصحاب النبي -ﷺ-، وكان ثقة عاليا مأمونا رفيعا فقيها أو إمام كثير العلم ورعا وكان به صمم، قال [الحميري] كنا عند محمد بن سيرين فلما أردنا القيام قلنا دعوة يا أبا بكر فقال اللهم تقبل منا وتجوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وقال أبو عوانة رأيت ابن [سيرين] في السوق فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى، وكان ابن سيرين إذا ذكر الموت مات كل عضو منه على حدته، وذكر المدائني أنه اشترى زيتا بأربعين ألفا فوجد فيه فأرة فبذره وركبه بسبب ذلك الدين، وكان يصوم يوما ويفطر يوما (^١).\nفائدة: أخرى أيضًا: إذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاث مرات ثم ليقل اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان وسيئات الأحلام فإنها لا تكون شيئا (^٢)، أ. هـ والله أعلم.\n\n٢٤٧٧ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول إِذا رأى أحدكُم الرُّؤْيَا يُحِبهَا فَإِنَّمَا هِيَ من الله فليحمد الله عَلَيْهَا وليحدث بِمَا رأى وَإِذا رأى غير ذَلِك مِمَّا يكره فَإِنَّمَا هِيَ من الشَّيْطَان فليستعذ بِالله من شَرها وَلَا يذكرهَا لاحَدَّ فَإِنَّهَا لَا تضره رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٣).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) شرح الإلمام (١/ ٣٤٠ - ٣٤٥) باختصار.\n(^٢) أخرجه ابن السنى (٧٧٥) وانظر الأذكار (ص ٩٩) للنووى.\n(^٣) الترمذي (٣٤٥٣)، وقال: حدي حسن صحيح غريب من هذا الوجه، ولم يعزه للبخاري وهو عنده في التغبير (٦٩٨٥)، وأحمد (١١٠٥٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٠).","vol":"7","page":481},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بما رأى\" قال النووي (^١) وغيره إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف بخلاف المكروه وإن كانتا جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره وبإرادته ولا فعل للشيطان فيها لكنه يحضر الرؤيا المكروهة ويرتضيها ويسر بها، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^٢): قال كثير من العلماء أن للرؤيا ملكا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبهه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر والله أعلم، وعن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"الرؤيا ثلاث فبشرى من الله وحديث النفس وتخويف من الشيطان فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء وإن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي\"، انفرد به ابن خزيمة، فالرؤيا على ثلاثة أقسام رؤيا من الله ورؤيا من الشيطان وحديث النفس، والرؤيا الصحيحة أقسام منها إلهام يلقيها الله تعالى في قلب العبد وهو كلام يكلم به الرب عبده في المنام كما قال عبادة بن الصامت وغيره، ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها، ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم، ومنها: مثل عروج روحه إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك فالتقاء أرواح الأحياء والأموات نوع من أنواع الرؤيا الصحيحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات وهذا نوع اضطرب فيه الناس أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٧).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٢١٥).","vol":"7","page":482},{"text":"قوله -ﷺ-: \"وإذا رأى غير ذلك مما يكره [فإنما هي من الشيطان] فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لاحد فإنها لا تضره\" الحديث فسببه أنه ربما فسرها تفسيرا نكروها على ظاهر صورتها وكان ذلك محتملا فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى العزيز العليم، فإن الرؤيا على رجل طائر، ومعناه: إذا كانت محتملة وجهين فسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة قالوا: وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروها، وتفسر بمحبوب وعكسه وهذا معروف لأهله ولهذا قال النبي -ﷺ-: \"الرؤيا المحبوبة الحسنة لا يخبر بها إلا من يحب\" فسببه أيضًا إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض أو الحسد على تفسيرها بمكروه فقد يقع على تلك الصفة وإلا فيحصل له في الحال حزن وند من سوء تفسيرها أ. هـ والله أعلم.\n\n٢٤٧٨ - وَعَن أبي قَتَادَة -﵁- قَالَ قَالَ النَّبِي -ﷺ- الرُّؤْيَا الصَّالِحَة من الله والحلم من الشَّيْطَان فَمن رأى شَيْئا يكرههُ فلينفث عَن شِمَاله ثَلَاثًا وليتعوذ بِالله من الشَّيْطَان فَإِنَّهَا لَا تضره رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nوَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي سَلمَة وَإِذا رأى مَا يكره فليتعوذ بِالله من شَرها وَشر الشَّيْطَان وليتفل عَن يسَاره ثَلَاثَا وَلَا يحدث بهَا أحدا فَإِنَّهَا لن تضره (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٦٩٩٥)، ومسلم (٢٢٦١)، وأبو داود (٥٠٢١)، والترمذي (٢٢٧٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٣٠)، وابن ماجه (٣٩٠٩)، وأحمد (٢٢٥٢٥).\n(^٢) مسلم (٢٢٦١).","vol":"7","page":483},{"text":"وروياه أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه فَمن رأى شَيْئا يكرههُ فَلَا يقصه على أحد وليقم فَليصل (^١).\nالْحلم بِضَم الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَبِضَمِّهَا هُوَ الرُّؤْيَا وبالضم والسكون فَقَط هُوَ رُؤْيَة الْجِمَاع فِي النّوم وَهُوَ المُرَاد هُنَا.\nقَوْله فليتفل بِضَم الْفَاء وَكسرهَا أَي فليبزق وَقيل التفل أقل من البزدق والنفث أقل من التفل.\nقوله: وعن أبي قتادة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"الرؤيا الصالحة من الله\" الرؤيا الصالحة بشارة من الله تعالى يبشر بها عبده فيحسن ظنه ويكثر عليها شكره، وإن الماذبة هي التي يريد بها الشيطان للإنسان ليحزنه وليسيء ظنه بربه ويقل حظه من الشكر، ولذلك أمره أن يبصق ويتعوذ من شره كأنه يقصد به طرد الشيطان عنه أ. هـ[والرؤيا مقصورة مهموزة، ويجوز ترك همزتها كنظائرها].\nقوله -ﷺ-: \"والحلم من الشيطان\" الحديث، قال الحافظ (^٢): الحلم بضم الحاء وسكون اللام وبضمها هو الرؤيا، وبالضم والسكون فقط هو رؤية الجماع في النوم، أ. هـ، فالريا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء لكن غلبت الرؤيا على ما يراه النائم من الخير والشيء الحسن وغلب الحلم على ما يراه الناس من الشر والقبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ (^٣)\n_________\n(^١) البخاري (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣)، وأبو داود (٥٠١٩)، والترمذي (٢٢٧٠).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٨٩).\n(^٣) سورة يوسف آيه ٤٤، والأنبياء آيه ٥.","vol":"7","page":484},{"text":"ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر قال الإمام المازري رحمه الله تعالى (^١): مذاهب أهل السنة في الرؤيا أن الله ﵎ يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو ﷾ يفعل ما يشاء ولا يمنعه نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور أخر تلحقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس هو بطائر فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على المطر والجميع خلق الله ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بغيره حضرة الشيطان وخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فينسب إلى الشيطان مجازًا لحضوره عندها وإن كان لا فعل له حقيقة وهذا معنى قوله -ﷺ- \"الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان\" لا على أن الشيطان يفعل ما يشاء، فالرؤيا اسم للمحبوب والحلم اسم للمكروه هذا كلام المازري أ. هـ والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا\"، وفي رواية \"فليتفل عن يساره\"، وفي رواية \"فليبصق عن يساره\"، وفي رواية \"فليتحول عن جنبه الذي كان عليه\" ينفث بضم الفاء وكسرها، والنفث أقل من التفل ويتفل بضم الفاء وكسرها أيضًا أي يبصق، وقيل: التفل أقل من البصق واليساء بفتح الياء وكسرها.\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ٢٠١).","vol":"7","page":485},{"text":"فائدة: قال الصاغاني في العباب: التفل شبيه بالبزق وهو أقل، أوله البزق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ، وقد تفل يتفل ومنه تفل الراقي ذكره في سلاح المؤمن (^١) فحاصله ثلاثة أنه جاء في الحديث: فلينفث وفليبصق وفليتفل، وأكثر الروايات \"فلينفث\" وقال بعضهم: إنها بمعنى واحد ولعل المراد بالجميع النفث وهو: نفخ لطيف بلا ريق ويكون التفل والبصق محمول عليه مجازا، وأما قوله -ﷺ-: \"فإنها لا تضره\" فمعناه أن الله تعالى جعل هذا سبيلا لسلامته من مكروه يترتب عليها كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببا لدفع البلاء فينبغي أن يجمع بين هذه الروايات ويعمل بها كلها والله أعلم.\nفائدة: وهي خاتمة الباب: من الصغائر أن يقول الإنسان رأيت كذا وكذا ولم يره، وذلك حرام شديد التحريم، ويحتمل أن يكون كبيرة، ويدل عليه أيضًا قوله -ﷺ-: \"من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين\" الحديث، يقال حلم يحلم حلما وهذا لما ذكر رؤية ما لم يره كلف فعل ما لا يفعل وهو العقد بين شعيرتين [فإن قال قائل: كذب الكاذب في منامه لا يزيد على كذبه في يقظته، فلم زادت عقوبته فيما يتعلق بالنوم؟ فقد أجاب عنه ابن جرير الطبري فقال: قد صح الحديث أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيا، والكاذب في الرؤيا يدعي أن الله تعالى أراه] ما لم يره وأعطاه جزءا من النبوءة لم يعطه، والكاذب على\n_________\n(^١) سلاح المؤمن (ص ٢٨٨).","vol":"7","page":486},{"text":"الله تعالى أعظم فرية ممن كذب على الخلق أو على نفسه، يقال: حلم يحلم حلما إذا رأى وتحلم إذا ادعى كاذبا وهذا شبه قوله -ﷺ-: \"من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ\" الحديث (^١) انتهى.\n_________\n(^١) كشف المشكل (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢).","vol":"7","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>الترغيب في كلمات يقولهن من يأرق أو يفزع بالليل</span>\n٢٤٧٩ - عَن عَمْرو بن شُعَيْب -﵁- عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا فزع أحدكُم فِي النّوم فَلْيقل أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من غَضَبه وعقابه وَشر عباده وَمن همزات الشَّيَاطِين وَأَن يحْضرُون فَإِنَّهَا لن تضره قَالَ وَكَانَ عبد الله بن عَمْرو يلقنها من عقل من وَلَده وَمن لم يعقل كتبهَا فِي صك ثمَّ علقها فِي عُنُقه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَيْسَ عِنْده تخصيصها بِالنَّوْمِ (^١).\nقوله: عن عمرو بن شعيب -﵁- عن أبيه عن جده، تقدم الكلام على عمرو بن شعيب على أبيه وجده -﵃-.\nقوله -ﷺ-: \"إذا فزع أحدكم في النوم\" الحديث، والفزع هو الروع بفتح الراء والروع الخوف.\nقوله: \"ومن همزات الشياطين وأن يحضرون\" الحديث، وهمزات الشياطين أي نزعات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى وهي خطراته التي تخطرها في قلب الإنسان أ. هـ.\n_________\n(^١) أبو داود (٣٨٩٣)، والترمذي (٣٥٢٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٠١)، والحاكم (١/ ٥٤٨)، وأحمد (٦٦٩٦)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٤٤٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٧٥٠)، والطبراني في الدعاء (١٠٨٦)، وحسنه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٧٠٦)، دون قوله: \"فكان عبد الله ... \" إلخ\".","vol":"7","page":488},{"text":"قوله: قال: وكان عبد الله بن عمرو يلقنها من عقل من ولده ومن لم يعقل كتبها في صك ثم علقها في عنقه، الصك بفتح الصاد وهو الكتاب.\n\n٢٤٨٠ - وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَ كَانَ خَالِد بن الْوَليد رجلا يفزع فِي مَنَامه فَذكر ذَلِك لرَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- إِذا اضطجعت فَقل بِسم الله أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة فَذكر مثله (^١).\nوَقَالَ مَالك فِي الْمُوَطَّإِ بَلغنِي أَن خَالِد بن الْوَلِيد قَالَ لرَسُول الله -ﷺ- إِنِّي أروع فِي مَنَامِي فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- فَقل فَذكر مثله (^٢).\nوَرَوَاهُ أَحْمد عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن الْوَلِيد بن الْوَلِيد أَنه قَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي أجد وَحْشَة قَالَ إِذا أخذت مضجعك فَقل فَذكر مثله وَمُحَمّد لم يسمع من الْوَلِيد (^٣).\nقوله: في رواية للنسائي قال: كان خالد بن الوليد رجلا يفزع في منامه فذكر ذلك لرسول الله -ﷺ-. خالد بن الوليد هو أبو سليمان وقيل أبو الوليد خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزومي سيف الله، أمه: لبابة الصغرى بنت\n_________\n(^١) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٠٢).\n(^٢) مالك في الموطأ (٢٧٣٧)، قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٠٩)، هذا حديث مشهور مسندًا وغير مسند.\n(^٣) أحمد (١٦٥٧٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٢٣)، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن محمد بن يحيى بن حبان لم يسمع من الوليد بن الوليد.","vol":"7","page":489},{"text":"الحارث أخت ميمونة بنت الحارث، ولبابة الكبرى امرأة العباس، أسلم بعد الحديبية، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة وشهد غزوة مؤتة، وسماه النبي -ﷺ- يومئذ سيف الله، وشهد خيبر وفتح مكة وحنينا، روى له عن رسول الله -ﷺ- ثمانية عشر حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث وكان -﵁- من المشهورين بالشجاعة والشرف والرياسة، قال الزبير بن بكار وغيره وكان خالد بن الوليد هو المقدم على خيول قريش في الجاهلية ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله -ﷺ- أعنة الخيل في مقدمتها، وشهد فتح مكة قاتلا فيها، وبعثه رسول الله -ﷺ- إلى العزى فهدمها وكان بيتا عظيما لمضر تبجله ولما حضرت خالدا الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو نحوها وما في بدني موشع شبر إلا وفيه ضربة أو رمية وها أنا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء، وما لي من عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا متترس بها، وتوفي -﵁- في خلافة عمر بن الخطاب سنة إحدى وعشرين وكانت وفاته بحمص وقبره مشهور على نحو ميل من حمص، وقيل: توفي بالمدينة قاله أبو زرعة الدمشقي عن دحيم والصحيح الأول وحزن عليه عمر -﵁- والمسلمون حزنا شديدا وفضائله كثيرة مشهورة والله أعلم.\nقوله: وقال مالك في الموطإ بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله -ﷺ- إني أروع في منامي، وفي بعض النسخ: أفزع في منامي، وهو تفسير لأروع قاله عياض (^١).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٠٢).","vol":"7","page":490},{"text":"قوله: ورواه أحمد عن محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن الوليد [ومحمد بن يحيى بن حبان]، حبان بالحاء المهملة المفتوحة وبالموحدة المشددة وبالنون الأنصاري المازني النجاري بالجيم المدني التابعي كان له حلقة في مسجد رسول الله -ﷺ- وكان مفتيا ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة قاله الكرماني في شرح البخاري (^١)، وحبان يحتمل صرفه ومنعه نظرا إلى اشتقاقه من حبن بكسر الموحدة إذا طرأ له السفر أو من أحب.\nقوله: \"إذا أخذت مضجعك\" المضجع بفتح الجيم.\n\n٢٤٨١ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ حدث خَالِد بن الْوَلِيد رَسُول الله -ﷺ- عَن أهاويل يَرَاهَا بِاللَّيْلِ حَالَتْ بَينه وَبَين صَلَاة اللَّيْل فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا خَالِد بن الْوَلِيد أَلا أعلمك كَلِمَات تقولهن وَلَا تقولهن ثَلَاث مَرَّات حَتَّى يذهب الله عَنْك ذَلِك قَالَ بلَى يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي فَإِنَّمَا شَكَوْت هَذَا إِلَيْك رَجَاء هَذَا مِنْك قَالَ قل أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من غَضَبه وعقابه وَشر عباده وَمن همزات الشَّيَاطِين وَأَن يحْضرُون قَالَت عَائِشَة -﵂- فَلم ألبث إِلَّا ليَالِي حَتَّى جَاءَ خَالِد بن الْوَلِيد فَقَالَ يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أتممت الْكَلِمَات الَّتِي علمتني ثَلَاث مَرَّات حَتَّى أذهب الله عني مَا كنت أجد مَا أُبَالِي لَو دخلت على أَسد فِي خيسته بلَيْل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٩٠).\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٩٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٢٧)، وفيه الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو متروك.","vol":"7","page":491},{"text":"خيسة الْأسد بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة هُوَ مَوْضِعه الَّذِي يأوي إِلَيْهِ.\nقوله: وروي عن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: بأبي أنت وأمي، تقدم الكلام على ذلك.\nقوله: ومن همزات الشياطين، تقدم الكلام على ذلك أيضًا.\nقوله: ما أبالي لو دخلت على أسد في خيسته، قد فسر الحافظ: الخيسة وضبطها.\nقوله: [قوله عن أبي التياح إلى إذا الورقة بوجهيها معا مع أول الورقة التي تليها، وذلك في خمسة أسطر ونصف كله مؤخر عن قوله هناك ما نصه: قوله: ما أبالي لو دخلت على أسد في خيسته إلى آخر الباب وهذا محل هذه القولة وما بعدها إلى آخر الباب المذكورة ثم يقرأ قوله: وعن أبي التياح في حسبما نبه على ذلك المصنف ﵀].\n\n٢٤٨٢ - وَعَن أبي التياح قَالَ قلت لعبد الرَّحْمَن بن خنبش التَّمِيمِي -﵁- وَكَانَ كَبِيرا أدْركْت رَسُول الله -ﷺ- قَالَ نعم قلت كَيفَ صنع رَسُول الله -ﷺ- لَيْلَة كادته الْجِنّ قَالَ إِن الشَّيَاطِين تحدرت تِلْكَ اللَّيْلَة على رَسُول الله -ﷺ- من الأودية والشعاب وَفِيهِمْ شَيْطَان بِيَدِهِ شعلة من نَار يُرِيد أَن يحرق بهَا وَجه رَسُول الله -ﷺ- فهبط إِلَيْهِ جِبْرِيل -﵇- فَقَالَ يَا مُحَمَّد قل قَالَ مَا أَقُول قَالَ قل أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من شَرّ مَا خلق وذرأ وبرأ وَمن شَرّ مَا ينزل من السَّمَاء وَمن شَرّ مَا يعرج فِيهَا وَمن شَرّ فتن اللَّيْل وَالنَّهَار وَمن شَرّ كل طَارق إِلَّا طَارِقًا يطْرق بِخَير يَا رَحْمَن قَالَ فطفئت نارهم وَهَزَمَهُمْ الله ﵎ رَوَاهُ أَحْمد","vol":"7","page":492},{"text":"وأَبُو يعلى وَلكُل مِنْهُمَا إِسْنَاد جيد مُحْتَج بِهِ (^١).\nوَقد رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن يحيى بن سعيد مُرْسلا (^٢).\nوَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود بِنَحْوِهِ (^٣).\nخنبش هُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا نون سَاكنة وباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة وشين مُعْجمَة.\nقوله: وعن أبي التياح، أبو التياح بفتح التاء المثناة فوق وبعدها مثناة تحت مشددة وآخرها حاء مهملة واسمه يزيد بن حميد الضبعي البصري العبدي الصالح، قال شعبة كنا نكنيه بأبي حماد قال: وبلغني أنه كان يكنى بأبي التياح وهو علام.\nقوله: قلت لعبد الرحمن بن خنبش التميمي -﵁- وكان كبيرًا، خنبش بفتح الخاء المعجمة بعدها نون ساكنة وباء موحدة مفتوحة وشين معجمة قاله المنذري.\n_________\n(^١) أحمد (١٥٤٦٠)، وأبو يعلى (٦٨٤٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٣٨)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٥٣١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٦٣٧)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٣٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٢٧)، رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجال أحد إسنادي أحمد وأبي يعلى وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح، وكذلك رجال الطبراني، وقال البخاري فيما نقله عنه الحافظ في الإصابة (٦/ ٢٧٥)، في إسناده نظر، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٤٠).\n(^٢) مالك في الموطأ (٢٧٣٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٩٣).\n(^٣) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٩٢).","vol":"7","page":493},{"text":"قوله: \"ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن\" كل آت بالليل طارق، قيل: أصل الطروق من الطرق [وهو الدق] وسمى الآتي بالليل طارقا لحاجته إلى دق الباب قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"من شر ما خلق وذرأ وبرأ\" كله بمعنى واحد وأصل الهمز من الذرء وهو الخلق لأن الله ذرأهم أي خلقهم قاله ابن دريد ذرأ الله الخلق ذرأ وهذا مما تركت العرب الهمز فيه وقال الزبيدي أصله من النشر من ذرأ وقال غيره أصله من الذب فعليه منه لأن الله تعالى خلقهم أو لا أمثال الذر وهو النمل الصغير فعلى هذين الوجهين لا أصل له في الهمز أ. هـ قاله عياض، وقال في النهاية (^٢): ذرأ الله الخلق يذرأهم إذ خلقهم وكطان الذرء مختص بخلق الذرية أ. هـ.\nقوله: وقد رواه مالك في الموطأ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: رأيت ليلة أسري بي عفريتا من الجن يطلبني بشعلة من نار كلما التفت رأيته فقال جبريل -﵇-: ألا أعلمك كلمات تقولهن فتنطفئ شعلته [ويخر] [لفيه] فقال رسول الله -ﷺ-: بلى فقال جبريل قل أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاورهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرف فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٢١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٥٩).\n(^٣) الموطأ (٢٧٣٨)، وحياة الحيوان (٢/ ١٧٢).","vol":"7","page":494},{"text":"٢٤٨٣ - وَعَن خَالِد بن الْوَليد -﵁- أَنه أَصَابَهُ أرق فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا أعلمك كَلِمَات إِذا قلتهن نمت قل اللَّهُمَّ رب السَّمَاوَات السَّبع وَمَا أظلت وَرب الْأَرْضين وَمَا أقلت وَرب الشَّيَاطِين وَمَا أضلت كن لي جارا من شَرّ خلقك أَجْمَعِينَ أَن يفرط عَليّ أحد مِنْهُم أَو أَن يطغى عز جَارك وتبارك اسْمك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَاللَّفْظ لَهُ وَإِسْنَاده جيد إِلَّا أَن عبد الرَّحْمَن بن سابط لم يسمع من خَالِد وَقَالَ فِي الْكَبِير عز جَارك وَجل ثناؤك وَلَا إِلَه غَيْرك (^١).\nوَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بُرَيْدَة بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف وَقَالَ فِي آخِره عز جَارك وَجل ثناؤك وَلَا إِلَه غَيْرك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت (^٢).\nقوله: وعن خالد بن الوليد -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه أصابه أرق، قال أهل اللغة: الأرق السهر.\nقوله -ﷺ-: \"قل اللهم رب السماوات السبع وما أظلت ورب الأرضين\" الحديث، الأرضين بفتح الراء وسكون الراء لغة ضعيفة.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٣٨٣٩)، وفي الصغير (٩٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٢٦)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، إلا أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من خالد بن الوليد، ورواه في الكبير بسند ضعيف بنحوه، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٧٠٣).\n(^٢) الترمذي (٣٥٢٣)، والطبراني في الأوسط (١٤٦)، وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، والحكم بن ظهير قد ترك حديثه بعض أهل الحديث، وقال الحافظ بن حجر في التقريب: متروك رمي بالرفض، واتهمه ابن معين.","vol":"7","page":495},{"text":"قوله: \"وما أقلت\" أي حملت.\nقوله: إلا أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من خالد.\nفائدة: قال النووي (^١): روينا في كتاب ابن السني عن زيد بن ثابت -﵁- قال: شكوت على رسول الله -ﷺ- أرقا أصابني فقال: قل: \"اللهم غارت النجوم وهدأت العيون وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم يا حي يا قيوم اهد ليلي وأنم عيني فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجد\".\nفائدة أخرى: في أواخر دلائل النبوة للبيهقي (^٢) عن أبي دجانة واسمه سماك بن خرشة قال: شكوت إلى النبي -ﷺ- أني نمت في فراشي فسمعت صريرا كصرير الرحى ودويا كدوي النحل ولمعا كلمع البرق فرفعت رأسي فإذا أنا بظل أسود يعلو ويطول في صحن داري عسست جلده فإذا هو كجلد القنفد فرمي في وجهي مثل شرر النار فقال -ﷺ-: \"عامر دارك يا أبا دجانة\" ثم طلب -ﷺ- دواة وقرطاسا، وأمر عليا -﵁- أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول رب العالمين إلى من طرق الدار من العمار والزوار إلا طارقا يطرق بخير. أما بعد، فإن لنا ولكم في الجو سعة فإن تك غاسقا مولعا أو فاجرا مقتحما، فهذا كتاب الله ينطق علينا وعليم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، ورسلنا يكتبون ما تمكرون، اتركوا صاحب كتابي هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام، وإلى من\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٩٧) وأخرجه ابن السنى عن زيد بن ثابت (٧٥٤).\n(^٢) دلائل النبوة للبيهقي محققا (٧/ ١٢٠).","vol":"7","page":496},{"text":"يزعم أن مع الله إلها أخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون، حم ثم لا تنصرون، حم عسق، تفرق أعداء الله وبلغت حجة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، قال أبو دجانة: فأخذت الكتاب وأدرجته وحملته إلى داري وجعلته تحت رأسي فبت ليلتي فما انتبهت إلا من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة، أحرقتنا هذه الكلمات فبحق صاحبك، إلا ما رفعت عنا هذا الكتاب فلا عود لنا في دارك ولا في جوارك ولا في موضع يكون فيه هذا الكتاب، قال أبو دجانة: ولقد طالت علي ليلتي بما سمعت من أنين الجن وصراخهم وبكائهم حتى أصبحت فغدوت فصليت الصبح مع رسول الله -ﷺ- وأخبرته بما سمعت من الجن ليلتي وما قلت لهم فقال: يا أبا دجانة ارفع عن القوم فوالذي بعثني بالحق بينا إنهم ليجدون ألم العذاب إلى يوم القيامة، ورواه الوابلي أيضًا في الإبانة والقرطبي في التذكار (^١) ..\nفائدة أخرى: في كتاب العرائس لأبي الفرج بن الجوزي (^٢) أن بعض طلبة العلم خرج من بلاده فرافق شخصًا في الطريق لما كان قريبا من المدينة التي قصدها قال له صار لي عليك حق وذمام وأنا رجل من الجان ولي إليك حاجة قال: ما هي؟ قال: إذا أتيت إلى مكان كذا وكذا فإنك تجد فيه دجاجا بينهم ديك، فاسأل عن صاحبه واشتره واذبحه فهذه حاجتي فقلت: يا أخي\n_________\n(^١) التذكار (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨).","vol":"7","page":497},{"text":"وأنا أيضا أسألك حاجة قال: ما هي؟ قال: إذا كان الشيطان ماردا لا تعمل فيه العزائم وألح بالآدمي منا، ما دواءه؟ فقال: يؤخذ له وترمي جلد يحمور فيشد إبهامي المصاب من يديه شدًا وثيقا ثم يؤخذ له من دهن السداب البري فيقطر في أنفه الأيمن أربعا وفي الأيسر ثلاثا فإن السالك له يموت ولا يعود إليه أحد بعده قال: فلما دخلت المدينة أتيت إلى ذلك المكان فوجدت الديك لعجوز فسألتها بيعه فابت فاشتريته بأضعاف ثمنه فلما اشتريته تمثل لي من بعيد، وقال: بالإشارة اذبحه فذبحته فخرج عند ذلك رجال ونساء فضربوني ويقولون يا ساحر فقلت لست بساحر قالوا: إنك منذ ذبحت الديك أصيبت شابة عندنا بجني وإنه منذ سلكها لم يفارقها فطلبت منهم وترامي جلد يحمور ودهن السداب البري فلما فعلت به ذلك صاح وقال: إنما علمتك على نفسي ثم قطرت في أنفه الدهن فخر ميتا من ساعته وشفا الله تلك المرأة ولم يعاودها بعده شيطان.\nفائدة: اليحمور المذكور في حديث الجني دابة وحشية نافرة لها قرنان طويلان كأنهما منشاران تنشر بهما الشجر، إذا عطش يرد الفرات تجد الشجر ملتفة فتنشر بهما، قال الجوهري: اليحمور حمار الوحش وحكمه الحل كيف كان، الخواص دهنه ينفع من الاسترخاء الحاصل في أحد شفتي الإنسان إذا استعمله مع دهن البلسان (^١) والله أعلم.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٧).","vol":"7","page":498},{"text":"فائدة: روى البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- كان يعوذ الحسن والحسين -﵄-: \"أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة\" ثم يقول: \"كان أبوكم إبراهيم -﵇- يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق\" أو قال \"إسماعيل وإسحاق ﵉\" (^١)، وكان الإمام أحمد بن حنبل يستدل بقوله \"بكلمات الله التامات\" على أن القرآن غير مخلوق ويقول: إن رسول الله -ﷺ- لا يستعيذ بمخلوق وما من كلام مخلوق إلا فيه نقص فالموصوف منه بالتام غير مخلوق وهو كلام الله تعالى (^٢)، قال الخطابي (^٣): والهامة بتشديد الميم أحد الهوام ذات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما.\nقوله: \"من كل عين لامة\" بتشديد الميم معناه: ذات لمم وهي التي تصيب ما نظرت إليه بسوء.\n[فائدة تذكر للحفظ: قال أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أبي الهيثم المصعبى من أصحاب الشافعي إماما صالحا، عالما من أهل اليمن من أقران صاحب البيان من تصنيفه احتراز المهذب والتعريف في الفقه، روى أن ناسا ضربوه بالسيوف فلم تقطع سيوفهم فيه، فسئل عن ذلك فقال: كنت أقرأ\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٤٣٤) والترمذي (٢٠٦٠) وعبد الرزاق (٧٩٨٨)، وصححه الألباني كما تخريج الكلم الطيب (ص: ١٣٠).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٥١١ - ٥١٢).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٣٩).","vol":"7","page":499},{"text":"﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (^١) ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٢) ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه﴾ (^٣) ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (^٤) ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ (^٥) ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ (^٦) ﴿وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٧) ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ (^٨) ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾ (^٩) إلى آخر السورة، ثم قال: كنت بسرية يوما مع جماعة فرأينا ذئبا يلاعب شاة عجفاء ولا يضرها بشيء فلما دنونا فر منا الذئب وجدنا في عنق الشاة كتابا مربوطا فيه هذه الآيات، مات الضبعي سنة ثلاث وخمسين والله أعلم (^١٠).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ٦٤.\n(^٣) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(^٤) سورة الحجر، الآية: ٩.\n(^٥) سورة الحجر، الآية: ١٧.\n(^٦) سورة الصافات، الآية: ٧.\n(^٧) سورة فصلت، الآية: ١٢.\n(^٨) سورة الطارق، الآية: ٤.\n(^٩) سورة البروج، الآيات: ١٢ - ١٤.\n(^١٠) حياة الحيوان (٢/ ٦١).","vol":"7","page":500},{"text":"فائدة أخرى: قال الحافظ أبو زرعة: وقعت النار بحراء فاحترقت فيها تسعة ألاف دار فيها تسعة ألاف مصحف احترقت وهذه الآيات لم تحترق في كل مصحف ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^١) ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٢) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (^٣) ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^٤) ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (^٥) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ (^٦) ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٧) ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (^٨) فما وضعت هذه في متاع أو غيره إلا حفظه الله تعالى (^٩)، انتهى].\nقوله: ما أبالي لو دخلت على أسد في خيسته بليل، قال الحافظ: خيسة الأسد بكسر الخاء هو موضعه الذي يأوي إليه، والأسد من السباع\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٦٧.\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤٢.\n(^٣) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤.\n(^٤) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(^٥) سورة طه، الآيتان: ٤ - ٥.\n(^٦) سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨ - ٨٩.\n(^٧) سورة فصلت، الآية: ١١.\n(^٨) سورة الذاريات، الآية: ٢٢.\n(^٩) حياة الحيوان (٢/ ٦١).","vol":"7","page":501},{"text":"معروف وجمعه أسود وأسد وأسد وأساد والأنثى أسدة، وفي حديث أم زرع: زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد، وله أسماء كثيرة قال ابن خالويه للأسد خمس مائة اسم وصفة، فمن أشهرها أسامة والحارث وحيدرة والسبع والصعب والضرغام ومن كناه أبو الأبطال وأبو حفص وأبو العباس وغير ذلك وهو أشرف الحيوان المتوحش، وأن منزلته منزلة الملك المهاب لقوته وشجاعته وقساوته وجهامته وشراسة خلقه، ولذلك يضرب به المثل في النجدة وفي شدة الإقدام والصولة وقيل لحمزة بن عبد المطلب أسد الله، قالوا: وللأسد من الصبر على الجوع وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع ولا يأكل من فريسته غيره وإذا شبع من فريسته تركها ولم يعد إليها وإذ جاع ساءت أخلاقه وإذا امتلأ بالطعام ارتأض ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب، ويوصف بالشجاعة والجبن، فمن جبنه أنه يفرق من صوت الديك ونقر الطست ومن السنور ويتحير عند رؤية النار وهو شديد البطش ولا يألف شيئا من السباع ولا يدنو من المرأة الطامث، ولو بلغه الجهد ويعمر كثيرا وعلامة كبره سقوط أسنانه روى ابن سبع السبتي في شفاء الصدور عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه خرج في بعض أسفاره فبينما هو يسير إذا هو بقوم وقوف فقال ما لهؤلاء قالوا أسد على الطريق وقد أخافهم فنزل عن دابته ثم مشى إليه حتى أخذ بأذنيه ونحاه عن الطريق ثم قال: ما كذب عليك رسول الله -ﷺ- إنما سلطت على ابن آدم مخافته غير الله ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم تسلط عليه ولو لم يرج إلا الله لما وكله الله إلى غيره، وفي","vol":"7","page":502},{"text":"سنن أبي داود من حديث عبد الرحمن بن آدم وليس له عنده سواه عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: ينزل عيسى بن مريم على الأرض كأن رأسه تقطر وغن لم يصبه بلل وأنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقيض المال وتقع الأمنة في الأرض حتى ترعى الأسد مع الإبل والنمر مع البقر والذئاب مع الغنم وتلعب الصبيان بالحيات ولا يضر بعضهم بعضا ثم يبقى في الأرض أربعين سنة ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ودعا النبي -ﷺ- على عتيبة بن أبي لهب فقال: \"اللهم سلط عليه كلبا من كلابك\" فافترسه الأسد بالزرقاء من أرض الشام، رواه الحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه وقال صحيح الإسناد، وروى أبو نعيم بسنده إلا الأسود بن هبار قال: تجهز أبو لهب وابنه عتيبة نحو الشام فخرجت معهما فنزلنا السراة قريبا من صومعة راهب فقال الراهب ما أنزلكم ها هنا، هنا سباع فقال أبو لهب أنتم عرفتم سني وحقي قلنا أجل قال إن محمدا دعا على ابني فاجمعوا متاعكم على هذه الصومعة ثم افرشوا لابني عليه وناموا حوله ففعلنا ذلك وجمعنا المتاع حتى ارتفع ودرنا حوله وبات عتبة فوق المتاع فجاء الأسد فشم وجوهنا ثم وثب فإذا هو فوق المتاع فقطع رأسه فقال: سيفي يا كلب فلم يقدر على غير ذلك، وفي رواية: فوثب الأسد فضرب بيده ضربة واحدة فخدشه فقال: اقتلني فمات لساعته وطلبنا الأسد فلم نجده وإنما سماه النبي -ﷺ- كلبا لأنه يشبهه في رفع رجله عند البول (^١).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٦١ - ٦٢).","vol":"7","page":503},{"text":"فائدة: روى ابن السني في عمل اليوم والليلة (^١) من حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عابس عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا كنت بواد تخاف فيه السبع فقل أعوذ بدانيال وبالجب من شر الأسد، أشار بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب أن دانيال طرح في جب وألقيت عليه السباع فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه فأتاه رسول الله -ﷺ- فقال: يا دانيال فقال من أنت؟ قال: أنا رسول ربك إليه أرسلني إليك بطعامك فقال الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره (^٢)، وروى ابن أبي الدنيا من وجه آخر أن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاء المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك فأمر بقتل كل من يولد في تلك الليلة فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة الأسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ وكان ما قدره الله العزيز العليم، ثم روي [ثمن] بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: رأيت في يد أبي بردة خاتما نقش فضة أسد أن بينهما رحل وهما يلحسان ذلك الرجل قال ابن بردة هذا خاتم دانيال أخذه أبو موسى يوم دينه فسأل أبو موسى علماء بلده فقالوا: إن دانيال نقش صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى\n_________\n(^١) عمل اليوم والليلة لابن السني (٣٤٧)، مكارم الأخلاق للخرائطي (١٠٤٣) وفي عجالة الراغب المتمني في تخريج كتاب عمل اليوم والليلة لابن السني (١/ ٣٩٩) إسناده ضعيف جدًا.\n(^٢) شعب الإيمان (٢/ ٤٨١ رقم ١٢٧٧).","vol":"7","page":504},{"text":"نعمة الله عليك في ذلك فلما ابتلى دانيال أولا وآخرا بالسباع جعل الله تعالى الاستعاذة به في ذلك تمنع شرها الذي لا يستطاع، وفي المجالسة للدينوري عن معاذ بن رفاعة قال: مر يحيي بن زكريا -﵇- بغير دانيال النبي -ﷺ- فسمع صوتا من القبر يقول سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت فمضى فإذا هو بصوت من السماء أنا الذي تعززت بالقدرة وقهرت العباد بالموت من قالهن استغفر له السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن (^١) وكان دانيال -﵇- أتاه الله ﷿ النبوءة والحكمة وكان في أيام بخت نصر، قال أهل التاريخ: أسر بخت نصر مع من أسره من بني إسرائيل وحبسهم ثم رأى بخت نصر رؤيا أفزعته وعجز الناس عن تفسيرها ففسرها دانيال -﵇- فأعجبه وأكرمه قالوا: وقبره بنهر السويس ووجده أبو موسى الأشعري فأخرجه وكفنه وصلى عليه ثم قبره في نهر السوس وأجرى عليه الماء وفي المجالسة أيضًا للدينوري قال عبد الجابر بن كليب كنا مع إبراهيم بن أدهم في سفر فعرض لنا الأسد فقال إبراهيم قولوا اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله يا الله يا الله قال: فولى الأسد عنا قال: وأنا أدعوا به عند كل مخوف فما رأيت إلا خيرًا (^٢).\n_________\n(^١) المجالسة (١٦٤٧).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ١٤ - ١٥).","vol":"7","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>الترغيب فيما يقول إذا خرج من بيته إلى المسجد وغيره وإذا دخلهما</span>\nقَالَ الْحَافِظ كَانَ الْأَلْيَق بِهَذَا الْبَاب أَن يكون عقيب الْمَشْي إِلَى الْمَسَاجِد لَكِن حصل ذُهُول عَن إمْلَائِهِ هُنَاكَ وَفِي كل خير.\n\n٢٤٨٤ - عَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا خرج الرجل من بَيته فَقَالَ بِسم الله توكلت على الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله يُقَال لَهُ حَسبك هديت وكفيت ووقيت وَتَنَحَّى عَنهُ الشَّيْطَان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه.\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفظه قَالَ إِذا خرج الرجل من بَيته فَقَالَ بِسم الله توكلت على الله لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله يُقَال لَهُ حِينَئِذٍ هديت وكفيت ووقيت وَتَنَحَّى عَنهُ الشَّيْطَان فَيَقُول لَهُ شَيْطَان آخر كَيفَ لَك بِرَجُل هدي وكفي وَوُقِيَ (^١).\nقوله: عن أنس -﵁-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"قال إذا خرج الرجل من باب بيته أو باب داره كان معه ملكان موكلان به فإذا قال: بسم الله، قالا: هديت، فإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قالا: وقيت، فإذا قال: توكلت على الله، قالا: كفيت، قال:\n_________\n(^١) الترمذي (٣٤٢٦)، وقال: حديث حسن غريب، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٩١٧)، وابن حبان (٨٢٢)، وأبو داود (٥٠٩٥)، والبيهقي (٥/ ٢٥١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٩).","vol":"7","page":506},{"text":"فيلقاه قريناه فيقولان ماذا تريدان من رجل قد هدي وكفي ووقي، وقالت عائشة -﵂-: إذا خرج الرجل من منزله فقال: باسم الله قال الملك هديت وإذا قال ما شاء الله قال الملك كفيت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الملك وقيت، أخرجه الترمذي (^١)، وقد مدح الله التوكل وحث عليه فقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^٣) وقال ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٤) وقال لرسوله -ﷺ- ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (^٥) ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٦) والآيات في ذلك كثيرة وقال النبي -ﷺ-: \"التوكل نصف العبادة\" قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب، ومعنى ذلك أنه ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم والإدراكات، وقال بعضهم: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الله تعالى كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، وقال أهل الحنفية: التوكل هو الثقة بما عند الله تعالى والإياس عما في أيدي الناس وقال بشر الحافي يقول أحدهم توكلت على الله يكذب على الله تعالى لو توكل على الله رضي بما يفعل الله، وسئل\n_________\n(^١) سبق.\n(^٢) سورة المجادلة، الآية: ١٠.\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ٦٧.\n(^٤) سورة الطلاق، الآية: ٣.\n(^٥) سورة النمل، الآية: ٧٩.\n(^٦) سورة آل عمران، الآية: ١٧٣.","vol":"7","page":507},{"text":"يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلا؟ قال: إذا رضي بالله وكيلا، وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي بالأسباب بل يصح التوكل إلا مع القيام بالأسباب وغلا فهو بطالة وتوكل فاسد، قال سهل بن عبد الله: من طعن في الحرفة فقد طعن في السنة ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان فالتوكل حال النبي -ﷺ- والكسب سنة فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته، وأقوال القوم في ذلك واسعة (^١).\nقوله: \"ولا حول ولا قوة إلا بالله\" تقدم أنها كنز من كنوز الجنة، ومعناها: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله هكذا ذكره النبي -ﷺ- عن جبريل -﵇- أنه قال له ذلك (^٢).\nواعلم أن في هذه الأحاديث إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يقول عند حال خروجه من بيته هذا الكلام العظيم ليحترز بذلك من الشيطان وجنوده لأنه يقول الملك حسبك أي يكفيك فقد هديت وكفيت ووقيت ويتنحى عنه الشيطان.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١١٤ - ١١٧) باختصار.\n(^٢) أخرجه البزار (٢٠٠٤ و٢٠٠٥)، وأبو يعلى كما في المطالب (٣٤٢٧)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٠٠). والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٦٢) عن ابن مسعود.\nقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٩٩: رواه البزار بإسنادين: أحدهما منقطع، وفيه عبد الله بن خراش، والغالب عليه الضعف، والآخر متصل حسن.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٣٣٥٥).","vol":"7","page":508},{"text":"٢٤٨٥ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلم يخرج من بَيته يُرِيد سفرا أَو غَيره فَقَالَ حِين يخرج آمَنت بِالله اعتصمت بِالله توكلت على الله لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله إِلَّا رزق خير ذَلِك الْمخْرج رَوَاهُ أَحْمد عَن رجل لم يسمه عَن عُثْمَان وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: عن عثمان بن عفان -﵁-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"ما من مسلم يخرج من بيته يريد سفرا أو غيره فقال حين يخرج آمنت بالله اعتصمت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله\" الحديث، الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب بالله وملائكته وكتبه ورسله قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^٢) أي: بمصدق، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في حديث جبريل المطول، والاعتصام هو التمسك [بالشيء، افتعال منه] [بل الإيمان المفسر بهذا هو الإيمان شرعا أما هو في اللغة فمجرد التصديق قاله كاتبه]، وتقدم الكلام على التوكل في أول هذا الباب وعلى الحوقلة في الذكر وفي باب لا حول ولا قوة إلا بالله.\n\n٢٤٨٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من خرج من بَيته إِلَى الصَّلَاة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق السَّائِلين عَلَيْك وبحق خروجي إِلَيْك إِنَّك تعلم أَنه لم يخرجني أشر وَلَا بطر وَلَا سمعة وَلَا\n_________\n(^١) أحمد (٤٧١)، والأصبهاني في الترغيب (١٢٧٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٢٨)، رواه أحمد عن رجل عن عثمان، وبقية رجال ثقات.\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ١٧.","vol":"7","page":509},{"text":"رِيَاء خرجت هربا وفرارا من ذُنُوبِي إِلَيْك خرجت رَجَاء رحمتك وشفقا من عذابك خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أَسأَلك أَن تنقذني من النَّار بِرَحْمَتك وكل الله بِهِ سبعين ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَأَقْبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ حَتَّى يفرغ من صلَاته ذكره رزين (^١) وَلم أره فِي شَيْء من الأُصُول الَّتِي جمعهَا.\nإِنَّمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد فِيهِ مقَال وَحسنه شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن ﵀ وَلَفظه قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من خرج من بَيته إِلَى الصَّلَاة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق السَّائِلين عَلَيْك وبحق ممشاي هَذَا فَإِنِّي لم أخرج أشرا وَلَا بطرا وَلَا رِيَاء وَلَا سمعة وَخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أَسأَلك أَن تعيذني من النَّار وَأَن تغْفر لي ذُنُوبِي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت أقبل الله إِلَيْهِ بِوَجْهِهِ واستغفر لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك (^٢).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري -﵁-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك\" إلى آخره تقدم الكلام عليه في المشي إلى المساجد.\n_________\n(^١) ............................\n(^٢) ابن ماجه (٧٧٨)، وأحمد (١١١٥٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٨٦)، والطبراني في الدعاء (٤٢١)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٦٥)، والبغوي في مسند ابن الجعد (٢١١٩)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٧٤)، هذا إسناد مسلسل بالضعفاء، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٥٧١).","vol":"7","page":510},{"text":"٢٤٨٧ - وَعَن حَيْوَة بن شُرَيْح قَالَ لقِيت عقبَة بن مُسلم فَقلت لَهُ بَلغنِي أَنَّك حدثت عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يَقُول إِذا دخل الْمَسْجِد أعوذ بِالله الْعَظِيم وبوجهه الْكَرِيم وسلطانه الْقَدِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم قَالَ أقط قلت نعم قَالَ فَإِذا قَالَ ذَلِك قَالَ الشَّيْطَان حفظ مني سَائِر ذَلِك الْيَوْم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: عن حيوة بن شريح [هو أبو زرعة حيوة بن شريح الحضرمي، ويقال: الكندي المصري. قال ابن المبارك: ما ذكر لي رجل إلا وجدته دون ما قيل إلا حيوة بن شريح، سمع عقبة بن مسلم، روى عنه الليث بن سعد، وابن المبارك مات سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وخمسين ومائة، قال أحمد: ثقة ثقة ووثقه ابن معين وقال أبو حاتم: حيوة أعلى القوم، وهو ثقة، وأحب إلى من المفضل بن فضالة. قال ابنه: ومن الليث؟، قال: الليث أحب إلي، وهو أفضل الرجلين وقال عبد الله بن وهب: ما رأيت أحدا أشدا استخفاء بعمله من حيوة بن شريح، وكان يعرف بالإجابة، وكنا نجلس إليه للفقه، فكان كثيرا مما يقول لنا: أبدلني الله بكم عمودا أقوم إليه أتلو كلام ربي. ثم فعل ما قال، ثم تألى أن لا يجلس إلينا أبدا، وما كنا نأتيه وقت صلاة إلا دخل وأغلق دوننا ودونه الباب ووقف يصلي، وقال ابن المبارك: ما وصف لي أحد، ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته إلا حيوة بن شريح فإن رؤيته كانت أكبر من صفته، وقال أحمد بن سهل الأردني، عن خالد بن الفزر: كان حيوة\n_________\n(^١) أبو داود (٤٦٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.","vol":"7","page":511},{"text":"بن شريح دعاء من البكائين، وكان ضيق الحال جدا، فجلست إليه ذات يوم، وهو متخل وحده يدعو، فقلت: رحمك الله، لو دعوت الله أن يوسع عليك في معيشتك؟! فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا، فأخذ حصاة من الأرض، فقال: اللهم فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا، فأخذ حصاة من الأرض، فقال: اللهم اجعلها ذهبا، فإذا هي والله تبرة في كفه ما رأيت أحسن منها فرمى بها إلى، وقال: ما خير في الدنيا إلا للآخرة. ثم التفت إلي فقال: هو أعلم بما يصلح عباده. فقلت: ما أصنع بهذه؟ فقال: استنفقها. فهبته والله أن أراده وقال أبو سعيد بن يونس: مات سنة ثلاث وخمسين ومئة، وقال أبو نصر الكلاباذي: مات سنة تسع وخمسين ومئة (^١)].\nقوله: لقيت عقبة بن مسلم [عقبة بن مسلم التجيبي، أبو محمد المصري القاص، إمام مسجد الجامع العتيق بمصر روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، ثقة].\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- كان يقول إذا دخل المسجد: \"أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم\" إلى آخره، قال: \"أقط\" قلت: نعم، قال صاحب المغيث (^٢): أقط بالألف للاستفهام بمعنى أحسب وهو الاكتفاء مفتوحه القاف ساكنة الطاء وهي لا تقع إلا بعد الماضي المنفي، قال العلماء: يستحب لداخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٧/ ترجمة ١٥٨٠).\n(^٢) المجموع المغيث (٢/ ٧٢٤).","vol":"7","page":512},{"text":"لحديث أنس (^١) -﵁- أنه قال: من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى رواه الحاكم في المستدرك، وقال البخاري: كان ابن عمر يفعله ويستحب أيضًا أن يقول: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم إلى آخره باسم الله والحمد لله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وأنجح من دعاك وتضرع وأربح من سألك وطلب إليك، حكاه الروياني في البحر في صلاة الجمعة وإذا خرج من المسجد وقدم رجله اليسرى ولا يلبسها بل يضعها على النعل ثم يخرج رجله اليمنى فيلبسها ثم يلبس اليسرى ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول جميع ما ذكرنا في الدخول إلا أنه يقول: اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك بدل رحمتك، زاد ابن السني في روايته \"وإذا خرج فليصل على النبي -ﷺ- وليقل [اللهم] أعذني من الشيطان [الرجيم] \" قال النووي: روينا في كتاب ابن السني في عمل اليوم والليلة (^٢) عن أبي أمامة الباهلي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إن أحدكم إذا أراد أن يخرج من المسجد تداعت جنود إبليس واجتمعت كما تجتمع النحل على يعسوبها فإذا قام أحدكم على باب المسجد فليقل اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده فإنه إذا قالها لم يضره\" واليعسوب: ملك النحل وأميره،\n_________\n(^١) سبق.\n(^٢) عمل اليوم والليلة لابن السني (١٥٥).","vol":"7","page":513},{"text":"وقيل: ذكر النحل الذي لا يتم لها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى [الآية] (^١).\nفائدة: يستحب لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس لقوله -ﷺ- \"إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين قبل أن يجلس\" متفق عليه، وإن تكرر دخوله المسجد لما رواه الأثرم في سننه \"أعطوا المساجد حقها! \" قالوا: وما حقها يا رسول الله؟ قال: \"تصلوا ركعتين بل أن تجلسوا\" وهي سنة بإجماع المسلمين، وحكى القاضي عياض (^٢) عن داود الظاهري وجوبها عملا لظاهر الحديث \"إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين\" وفي الحديث تصريح بكراهة الجلوس بلا صلاة وهي كراهة تنزيه وفيه استحباب التحية في أي وقت كان وهو مذهبنا وبه قال جماعة وكرهها أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والليث بن سعد في وقت النهي، وأجاب أصحابنا بأن النبي -ﷺ- إنما هو عمل لا سبب له لأن النبي -ﷺ- صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر فخص وقت النهي وصلى فيه ذات السبب وهو لم يترك التحية في حال من الأحوال بل أمر الذي دخل المسجد يوم الجمعة وهو يخطب فأمره أن يقوم فيركع ركعتين مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إى التحية فلو كانت التحية تترك في حال من الأحوال لتركت الآن لأنه قعد وهي مشروعة قبل القعود ولأنه كان يجهل حكمها ولأن النبي -ﷺ- قطع خطبته وكلمه وأمره أن يصلي التحية فلولا شدة الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات لما اهتم هذا\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٤٧ - ٣٤٨).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٧٩).","vol":"7","page":514},{"text":"الاهتمام ولا يشترط أن ينوي التحية بل يكفيه ركعتان من فرض أو سنة راتبة وغيرهما ولو نوى بصلاته التحية والمكتوبة انعقدت صلاته وحصلتا له ولو صلى جنازة أو سجدة شكر أو تلاوة أو صلى ركعة بنية التحية لم تحصل له التحية على الصحيح من المذهب، فلو دخل المسجد في وقت الكراهة بقصد أن يصلي التحية لم يشرع له التحية كام لو قرأ آية السجدة في الصلاة بقصد السجود فسجد فإن صلاته تبطل (^١).\nفرع: لو دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة لم تستحب له التحية لقوله -ﷺ- \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة مكتوبة\" والأصح أنه يسمر قائما إلى أن يحرم بالصلاة، وقال الحناطي في فتاويه: لو دخل المسجد والإقامة تقام فلا يقوم بل يقعد فإذا فرغت الإقامة قام، قال المحاملي: تستحب التحية إلا في حالين أحدهما إذا دخل والإقامة تقام، والثاني: إذا دخل المسجد الحرام فإنه يبدأ بالطواف فإنه تحية البيت ويصلي بعده ركعتى الطواف (^٢).\nتنبيه: وإذا صلى ركعتي التحية نوى بهما التقرب إلى الله تعالى لا إلى المسجد وقولهم المسجد معناه تحية رب المسجد لأن الإنسان إذا دخل بيت الملك فإنما يجيء الملك لا بيت الملك قاله ابن العماد في كتابه الذي سماه [تسهيل المقاصد (^٣)].\nفرع: يستحب لمن دخل المسجد إن ينوي الاعتكاف عند الدخول ليكتب\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٤ و٣٥).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٥).\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٦).","vol":"7","page":515},{"text":"به أجر الاعتكاف مع أجر الصلاة وسواء دخل المسجد أو الاستراحة أو الأكل أو النوم [لقوله]-ﷺ- اعتكف فواق [ناقة] فكأنما أعتق [نسمة] (^١) قال النووي (^٢) في كتابه التبيان: وهذا الأدب ينبغي أن يعتني به ويشاع ذكره ويعرفه الصغار والعوام فإنه مما يغفل عنه قال في كتاب الأذكار: ينبغي للمار أن ينوي الاعتكاف فإن بعض أصحابنا قال يصح اعتكاف من دخل المسجد مارا والأفضل أن يقف لحظة ثم يمر.\nفرع أيضًا: قال في الإحياء يكره دخول المسجد على غيره وضوء بل صار بعض السلف إلى أنه كالجنب يمر فيه ولا يجلس، نقل ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن البصري قال الغزالي فلو دخل وجلس يستحب أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها تعدل الركعتين في الفضل حكاه النووي عن بعض السلف وجزم به ابن يونس وابن الرفعة وزاد ابن الرفعة ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقال النووي (^٣) في الأذكار قال بعض أصحابنا: من دخل المسجد فلم يتمكن من صلاة التحية لحديث أو شغل يستحب أن يقول أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إلى آخره، فقد قال به بعض السلف وهذا لا بأس به (^٤) أ. هـ.\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٨).\n(^٢) التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ٧٨).\n(^٣) الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ٣٢).\n(^٤) إعلام الساجد (ص ٣٠٤).","vol":"7","page":516},{"text":"قال ابن بطال في شرح البخاري عن جابر بن زيد الإمام الكبير التابعي أنه قال إذا دخلت المسجد فصل فيه فإن لم تصل فاذكر الله تعالى فإنك قد صليت (^١) أ. هـ.\nفائدة: التحيات سبع: الأول: تحية المسجد بصلاة ركعتين، ثانيها: تحية البيت الطواف كما صرح به الأصحاب، ثالثها: تحية الحرم بالإحرام بالحج والعمرة قاله المحاملي وغيره، رابعها: تحية منى بالرمي ذكره في الشامل؛ خامسها: تحية عرفة بالوقوف؛ سادسها: تحية المسلم بالسلام، سابعها: تحية المسجد بالنسبة إلى الخطيب يوم الجمعة الخطبة، قاله النووي في نكت التنبيه بناء على أنه لا يستحب له تحية المسجد وفيها خلاف قاله الزركشي (^٢).\nتنبيه: التحية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ (^٣) الآية، والتحية قيل السلام والسلام أنواع سلام المودة وسلام المؤانسة معناه أنت سالم مني وأنا سالم منك وسلام المفارقة عند القيام من المجلس وهو سنة وسلام المشاركة مثل له العلماء بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ (^٤) وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (^٥) بمعنى تركوهم ومضوا\n_________\n(^١) إعلام الساجد (ص ٣٠٤).\n(^٢) إعلام الساجد (ص ١٠٩).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٨٦.\n(^٤) سورة مريم، الآية: ٤٧.\n(^٥) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.","vol":"7","page":517},{"text":"سالمين من الإثم (^١).\nفرع: ولو اتصلت المساجد بعضها ببعض فدخل واحد وصلى التحية ثم دخل مسجدا آخر لم تستحب التحية على الصحيح بناء على الصحيح أن المساجد المتصلة تعطي حكم المسجد الواحد في اتصاله الصفوف وغيرها (^٢) والله أعلم.\n\n٢٤٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من خرج من بَيته إِلَى الْمَسْجِد فَقَالَ أعوذ بِالله الْعَظِيم وسلطانه الْقَدِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم رَبِّي الله توكلت على الله فوضت أَمْرِي إِلَى الله لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله قَالَ لَهُ الْملك كفيت وهديت ووقيت ذكره رزين.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من خرج من بيته إلى المسجد، فقال: أعوذ بالله العظيم وسلطانه القديم [من الشيطان الرجيم] ربي الله توكلت على الله فوضت أمري إلى الله لا حول ولا قوة إلا بالله\".\nقوله \"فوضت أمري\" التفويض أم لا يختار العبد شيئا من أمر دنياه بل يكل اختياره ذلك إلى مولاه ثم لا يختار خلاف ما يختار له، قيل: التفويض يكون قبل نزول القضاء والتسليم يكون بعده، والتسليم: الانقياد وهو إظهار العبودية وقد مدح الله تعالى أنبياءه بالتفويض والتسليم فقال في حق إبراهيم صلوات الله\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٦).\n(^٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٤).","vol":"7","page":518},{"text":"وسلامه عليه ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ (^١) وفي حق موسى -﵇- ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٢) قيل: التوكل: براءة وهو صفة المؤمنين والتسليم واسطة وهو صفة الأولياء، وقيل: التفويض [صفة الموحدين وقيل التوكل صفة العوام ثم التسليم] وهو [صفة] الخواص والرضى هو سرور القلب بمر القضاء، وقيل: إن [تفويض] العبد إلى الله تعالى علمه أنه عدل في قضائه غير متهم في حكمه، والصبر: ترك الشكوى من ألم البلوى أ. هـ.\n\n٢٤٨٩ - وَعَن جَابر -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول إِذا دخل الرجل بَيته فَذكر الله عِنْد دُخُوله وَعند طَعَامه قَالَ الشَّيْطَان لَا مبيت لكم وَلَا عشَاء وَإِذا دخل فَلم يذكر الله عِنْد دُخُوله قَالَ الشَّيْطَان أدركتم الْمبيت وَإِذا لم يذكر الله عِنْد طَعَامه قَالَ الشَّيْطَان أدركتم الْمبيت وَالْعشَاء رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٣).\nقوله: وعن جابر -﵁-، وهو: ابن عبد الله تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله\" سيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب الطعام.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٣١.\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٤٤.\n(^٣) مسلم (٢٠١٨)، وأبو داود (٣٧٦٥)، والنسائي في الكبرى (٦٧٥٧)، وابن ماجه (٣٨٨٧)، والبخاري في الأدب المفرد (١٠٩٦)، وأحمد (١٥١٠٨)، وابن حبان (٨١٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٥٧)، والحاكم (٢/ ٤٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٨٢٩).","vol":"7","page":519},{"text":"٢٤٩٠ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁-: قَالَ قَالَ لي رَسُول الله -ﷺ- يَا بني إِذا دخلت على أهلك فَسلم فَتكون بركَة عَلَيْك وعَلى أهل بَيْتك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن عَليّ بن زيد عَن ابْن الْمسيب عَنهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- لأنس: \"يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم فتكون بركة عليك وعلى أهل بيتك\" الحديث.\nاعلم أنه يستحب للإنسان إذا دخل بيته أن يسلم سواء كان في البيت آدمي أم لا لقول الله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (^٢) والحديث الآخر \"توكلت على الله\" وينبغي أن يكثر من ذكر الله تعالى ودعائه لما روى عن أبي مالك، واسمه: الحارث وقيل عبيد، وقيل: [عبيد الله] وقيل [عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم] قال: قال رسول الله -ﷺ- \"إذا [ولج] الرجل بيته فليقل اللهم إن أسألك خير المولج، خير المولج باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ثم يسلك على أهله\" رواه أبو داود ولم يضعفه (^٣) ولا يتكلم حتى يتمكن من الجلوس وإذا\n_________\n(^١) الترمذي (٢٦٩٨)، وقال: حديث حسن صحيح غريب. وقال الألباني في تحقيق الكلام الطيب (ص ٢٨) حديث حسن صحيح فإن له طرقًا كثيرة يتوقى بها الحديث كما قال الحافظ ابن حجر.\n(^٢) سورة النور، الآية: ٦١.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥٠٩٦). وضعفه الألباني في ضعيف الكلم الطيب (٦٢/ التحقيق الثاني).","vol":"7","page":520},{"text":"تكلم تكلم التودد والرفق لأن النبي -ﷺ- قال: \"خيركم خيركم لأهله\" قاله أبو الليث السمرقندي (^١)، قال النووي: وروينا في موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه بلغه أنه يستحب إذا دخل بيتا غير مسكون أن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (^٢) أ. هـ.\n\n٢٤٩١ - وَرُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من سره أَن لَا يجد الشَّيْطَان عِنْده طَعَاما وَلَا مقيلا وَلَا مبيتا فليسلم إِذا دخل بَيته وليسم على طَعَامه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣).\nقوله: وروي عن سلمان الفارسي -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من سره أن لا يجد الشيطان عند طعاما ولا مقيلا ولا مبيتا فليسلم إذا دخل بيته وليسم على طعامه\" سيأتي الكلام على ذلك في كتاب الطعام.\n\n٢٤٩٢ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ثَلَاثَة كلهم ضَامِن على الله ﷿ رجل خرج غازيا فِي سَبِيل الله ﷿ فَهُوَ ضَامِن على الله حَتَّى يتوفاه فيدخله الْجنَّة بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة وَرجل رَاح إِلَى الْمَسْجِد فَهُوَ ضَامِن على الله حَتَّى يتوفاه فيدخله الْجنَّة أَو يردهُ بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة وَرجل دخل بَيته بِسَلام فَهُوَ ضَامِن على الله ﷿ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٤٠٧).\n(^٢) الأذكار (ص ٢٥).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٦١٠٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٨)، وفيه أبو الصباح عبد الغفور، وهو متروك.","vol":"7","page":521},{"text":"وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ ثَلَاثَة كلهم ضَامِن على الله إِن عَاشَ رزق وكفي وَإِن مَاتَ دخل الْجنَّة رجل دخل بَيته بِسَلام فَهُوَ ضَامِن على الله فَذكر الحَدِيث (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة كلهم ضامن على الله ﷿\" الحديث، ومعنى \"ضامن على الله تعالى\": أي صاحب ضمان، والضمان: الرعاية للشئ، كما يقال: تَامِرٌ، ولَابنٌ: أي صاحب تمر ولبن، ومعناه كأنه في رعاية الله تعالى وما أجزل هذه العطية ذكره النووي (^٢) في أذكاره أ. هـ وتقدم الكلام على ذلك أيضا في مواضع من هذا التعليق.\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٩٩)، والحاكم (٢/ ٧٣)، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٩/ ١٦٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٥٣).\n(^٢) يراجع: الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ٣٢).","vol":"7","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>الترغيب فيما يقوله من حصلت له وسوسة في الصلاة وغيرها</span>\n٢٤٩٣ - عَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن أحدكُم يَأْتِيهِ الشَّيْطَان فَيَقُول من خلقك فَيَقُول الله فَيَقُول من خلق الله فَإِذا وجد ذَلِك أحدكُم فَلْيقل آمَنت بِالله وَرَسُوله فَإِن ذَلِك يذهب عَنهُ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو (^٢).\nوَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيث خُزَيْمَة بن ثَابت -﵁- (^٣).\nوَتقدم فِي الذّكر وَغَيره حَدِيث الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ وَفِيه وآمركم بِذكر الله كثيرا وَمثل ذلِك كَمثل رجل طلبه الْعَدو سرَاعًا فِي أَثَره حَتَّى أَتَى حصنا حصينا فأحرز نَفسه فِيهِ وَكَذَلِكَ العَبْد لَا ينجو من الشَّيْطَان إِلَّا بِذكر الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَغَيرهمَا (^٤).\n_________\n(^١) أحمد (٢٦٢٠٣)، وأبو يعلى (٤٧٠٤)، والبزار (٥٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٤٨)، وابن حبان (١٥٠)، وابن السني في علم اليوم والليلة (٦٢٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٣)، رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١١٦).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٤٢٣٤)، والأوسط (٨٩٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٤)، رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله رجال الصحيح، خلا أحمد بن محمد بن نافع الطحان شيخ الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٦).\n(^٣) أحمد (٢١٨٦٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٥٠).\n(^٤) الترمذي (٢٨٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح غريب. والنسائي في التفسير (١١٣٤٩)،=","vol":"7","page":523},{"text":"قوله: عن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل: آمنت بالله ورسوله\" وفي الرواية الأخرى التي ستأتي \"فليستعذ بالله ولينته\" فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه قيل: عن وسوستة الشيطان تجري في الإنسان كما يجري فيه الدم كذا قاله الغزالي، وقال غيره: لأنه يدني خرطومه إلى قلب الرجل فيوسوس له بالشر، قال الحافظ أبو نعيم عن الحسن البصري أن بعض الأنبياء سأل ربه أن يريه كيف يوسوس الشيطان لبني آدم فأراه إنسانا في [صورة البلور، يرى داخله من خارجه، ورأى الشيطان في صورة ضفدع] والشيطان في صورة ذباب جاء من موقفه الأيسر فدلى خرطومه حتى وصل إلى القلب (^١)، وعلى هذا يكون المعنى أنه يجري من ابن آدم مجاري الدم ولا تحجزه البشرة عن الدخول فيها كما لا تحجزه الأرض من العبور فيها، وفي تفسير البغوي (^٢) أن شيطان الزنى ينفخ في أحليل الرجل وفي عجز المرأة يهيج الشهوة بينهما واتفقوا على\n_________\n= وابن خزيمة (٩٣٠)، ابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ١١٧)، وأحمد (١٧١٧٠)، وأبو يعلى (١٥٧١)، والطبراني في الكبير (٣٤٢٧).\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٤٠)، والفائق (٣/ ٣٩٦)، وربيع الأبرار (١/ ٣٢٣)، والروض الأنف (٢/ ١٧٨).\n(^٢) تفسير البغوى (٥/ ١٧٩).","vol":"7","page":524},{"text":"أن ما يقع في القلب من خواطر القلب فهو وسواس من قبل الشيطان وما يقع فيه من خاطر الطاعة فهو إلهام وذلك من جهة الملك وما يقع فيه من طلب شهوة فهو هاجس وذلك من قبل النفس وأول ما يقع في القلب الخاطر فإن صرفه الله وإلا صار فكرة فإن صرفها الله وإلا صارت عزمة ووقع في المعصية فإن أنقذه الله بالتوبة وإلا صارت طبعا [وهو الران] قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (^١) والخاطر الأول معفو عنه لقوله -﵇- \"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به [أو تعمل] \" (^٢) أ. هـ.\nونقل الزمخشري في الفائق عن عمر بن عبد العزيز أنه سأل ربه أن يريه مقع الشيطان من قبل ابن آدم فرأى فيما يرى النائم رجلا كالبلور يرى داخله من خارجه ورأى الشيطان في صورة ضفدع له خرطوم كخرطوم البعوضة قد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس له فإذا ذكر الله خنس أي تأخر والله أعلم (^٣). أ. هـ.\nوأما قوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة فليستعذ بالله ولينته معناه إذا عرض له هذا الوسواس فليجأ إلى الله تعالى في دفع شره وليعرض عن هذا الفكر في\n_________\n(^١) سورة المطففين، الآية: ١٤.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٢٨) و(٥٢٦٩) و(٦٦٦٤)، ومسلم (٢٠١ و٢٠٢ - ١٢٧) عن أبي هريرة.\n(^٣) الفائق (٣/ ٣٩٦).","vol":"7","page":525},{"text":"ذلك وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء فليعرض عن هذا الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها (^١) أ. هـ.\nقال الإمام المازري رحمه الله تعالى: ظاهر الحديث أنه -ﷺ- أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها (^٢) أ. هـ.\n\n٢٤٩٤ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- قَالَ تمنيت أَن أكون سَأَلت رَسُول الله -ﷺ- مَاذَا ينجينا مِمَّا يلقِي الشَّيْطَان من أَنْفُسنَا فَقَالَ أَبُو بكر -﵁- قد سَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ ينجيكم مِنْهُ مَا أمرت بِهِ عمي أَن يَقُوله فَلم يقلهُ رَوَاهُ أَحْمد وَإِسْنَاده جيد حسن وَعبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة أَبُو الْحُوَيْرِث وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَله شَوَاهِد (^٣).\n\n٢٤٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَأْتِي الشَّيْطَان أحدكُم فَيَقُول من خلق كَذَا من خلق كَذَا حَتَّى يَقُول من خلق رَبك فَإِذا بلغه فليستعذ بِالله ولينته رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٢) المعلم (١/ ٣١٢ - ٣١٣).\n(^٣) أحمد (٣٧)، وأبو يعلى (١٣٣).\n(^٤) البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤)، وأبو داود في السنة (٤٧٢١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٤٩٩)، وأحمد (٨٣٧٦)، وابن أبي عاصم (٦٥١)، وابن منده في الإيمان (٣٥٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٩٢٥)، والطبراني في الدعاء (١٢٦٥).","vol":"7","page":526},{"text":"وَفِي رِوَايَة لمُسلم فَلْيقل آمَنت بالله وَرَسُوله (^١).\nوَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فَقولُوا الله أحد الله الصَّمد لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد ثمَّ ليتفل عَن يسَاره ثَلَاثًا وليستعذ بِاللّه من الشَّيْطَان وَفِي رِوَايَة للنسائي فليستعذ بِالله مِنْهُ وَمن فتنه (^٢).\nقوله: وعن [عثمان بن] عفان -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ينجيكم من ذلك ما أمرت به عمي أن يقوله فلم يقله\" الحديث، أمر النبي -ﷺ- عمه أن يقول لا إله إلا الله، قال بعض العلماء: يستحب قول لا إله إلا الله لمن ابتلي بالوسوسة في الوضوء أو الصلاة وشبههما فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس أي: تأخر وبعد، ولا إله إلا الله رأس الذكر ولذلك اختار السادة الصوفية في تربية السالكين وأهل الخلوات المباركين قول لا إله إلا الله وأمرهم بالمداومة عليها وقالوا أنفع علاج في دفع الوسوسة الإقبال على ذكر الله تعالى والإكثار منه، قال النووي (^٣): وهذا مما يؤيد ما قاله بعض الأئمة أن الوسواس إنما يبتلى به من كمل إيمانه فإن اللص لا يدخل بيتا خربا.\nقوله -ﷺ- في رواية أبى داود والنسائي: \"فقولوا الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وليتفل عن يساره ثلاثا وليستعذ\n_________\n(^١) مسلم (١٣٤).\n(^٢) ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٢٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٣٩).","vol":"7","page":527},{"text":"بالله من الشيطان\" تقدم الكلام على الحكمة في التفل عن اليسار وعلى الاستعاذة من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (^١) فأحسن ما يقلا ما أدبنا الله تعالى به وأمرنا بقول، أ. هـ.\n\n٢٤٩٦ - وَعَن أبي زميل سماك بن الْوَلِيد -﵁-. قَالَ سَأَلت ابْن عَبَّاس فَقلت مَا شَيْء أَجِدهُ فِي صَدْرِي قَالَ مَا هُوَ قلت وَالله لَا أَتكَلّم بِهِ قَالَ فَقَالَ لي أَشَيْء من شكّ قَالَ وَضحك قَالَ مَا نجا من ذَلِك أحد قَالَ حَتَّى أنزل الله ﷿: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ (^٢) قَالَ فَقَالَ لي إِذا وجدت فِي نَفسك شَيْئا فَقل ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ (^٣) \" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٤).\nقوله: وعن أبي زميل سماك بن الوليد -﵁-، أبو زميل: بضم الزاي الحنفي، احتج به مسلم.\nقوله: سألت ابن عباس -﵄-، فقلت ما شيء أجده في صدري، قال: ما\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠.\n(^٢) سورة يونس، الآية: ٩٤.\n(^٣) سورة الحديد، الآية: ٣.\n(^٤) أبو داود (٥١١٠)، والضياء المقدسي في المختارة (٤٤٢)، وصححه الألباني في سنن أبي داود.","vol":"7","page":528},{"text":"هو؟ قلت: والله لا أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك، قال وضحك قال ما نجا من ذلك أحد، الحديث، قيل: ويحتمل أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر والإعجاب له بتقدمه على الناس، ويحتمل أنه أراد الوسوسة في الصلاة فإنه كان موسوسا ولا يصلح للإمامة الموسوس (^١).\n[قوله:]، فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ (^٢) الآية، الأول [الذي ليس قبله شيء]، والآخر من أسمائه الحسنى فالآخر هو الباقي بعد فناء خلقه كله ناطقه وصامته (^٣)، وفي الحديث أن رجلا شكى إلى النبي -ﷺ- وسوسة الشيطان فقال له النبي -ﷺ-: \"إن السارق لا يدخل بيتا ليس فيه شيء\" (^٤) فذلك من محض الإيمان أي خالصه وصريحه، والمحض الخالص من كل شيء قاله في النهاية (^٥)، وفي رواية فذلك صريح الإيمان والصريح الخالص من كل شيء يعني أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم حتى يصير ذلك وسوسة لا يتمكن في قلوبكم ولا تطمئن إليه نفوسكم وليس معناه أن الوسوسة في نفسها صريح الإيمان لأنها إنما تتولد\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٢) سورة الحديد، الآية: ٣.\n(^٣) النهاية (١/ ٢٩).\n(^٤) لم أجده.\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٢).","vol":"7","page":529},{"text":"من فعل الشيطان وتسويله فكيف يكون إيمانا صريحا (^١) وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد فعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان والوسوسة علامة محض الإيمان، وهذا القول اختاره القاضي عياض (^٢)، وسئل إبراهيم عن الوسوسة فقال: صلاة لا وسوسة فيها فإنها لا تقبل، لأن اليهود والنصارى لا وسوسة لهم (^٣)، وقال علي بن أبي طالب -﵁-: الفرق بين صلاتنا وصلاة أهل الكتاب وسوسة الشيطان لأنه فرغ من عمل الكفار لأنهم وافقوه، والمؤمن يخالفه، والمحاربة تكون مع المخالف (^٤)، وقال النبي -ﷺ-: \"إن الشيطان يوسوس لكم ما لو تكلمتم به كفرتم فعليكم بقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ \".\nفائدة: قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: روى أن رجلا أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله مبتلى بالهم والوسوسة، فقال: \"قل اللهم اجعل نفسي إليك مطمئنة تؤمن بلقائك وتقنع بعطائك وترضى بقضائك وتخشى عقابك\" فقالها فزال عنه ما كان يجده (^٥)، أ. هـ.\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ١٤٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥٤).\n(^٣) نزهة المجالس (١/ ١٢٨).\n(^٤) نزهة المجالس (١/ ١٢٨)، وبريقة محمودية (٤/ ٢٣٥).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٩٩ رقم ٧٤٩٠) والشاميين (١٥٩٨). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٠: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٦٠).","vol":"7","page":530},{"text":"٢٤٩٧ - وَعَن عُثْمَان بن العَاصِي -﵁- أَنه أَتَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن الشَّيْطَان قد حَال بيني وَبَين صَلَاتي وقراءتي يلبسهَا عَليّ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- ذَاك شَيْطَان يُقَال لَهُ خنزب فَإِذا أحسسته فتعوذ بِالله واتفل عَن يسارك قَالَ فَفعلت ذَلِك فأذهبه الله عني رَوَاهُ مسلم (^١).\nخنزب بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الزَّاي بعْدهَا بَاء مُوَحدَة\nقوله: وعن عثمان بن العاصي -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليّ\" الحديث، ومعنى \"حال بيني وبين صلاتي\" أي بلدني فيها ومنعني لذتها والفراغ والخشوع فيها، ومعنى قوله \"وقراءتي يلبسها عليّ\" أي: يخلطها عليّ ويشككني فيها وهو بفتح أوله وكسر ثالثه.\nقوله -ﷺ-: \"ذاك شيطان يقال له خنزب\" الحديث، قال أبو عمر: خنزب لقب له، والخنزب قطعة لحم منتنة، قال النووي (^٢): ويروي بكسر الخاء المعجمة وسكون النون وفتح الزاي، ولم يذكر المنذري غيره، واختلف العلماء في ضبط الخاء والزاي منه فمنهم من فتح الخاء ومنهم من كسرها وهذان مشهوران ومنهم من ضمها حكاه ابن الأثير في النهاية (^٣) وهو\n_________\n(^١) مسلم (٢٢٠٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٨٦).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٨٣).","vol":"7","page":531},{"text":"غريب والمعروف الفتح والكسر واختلفوا في الزاي أيضا فمنهم من كسرها ومنهم من فتحها ومنهم من ضمها مع ضم الخاء حكاه ابن الأثير في النهاية (^١) وقال إنه غريب وفي هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عند وسوسته مع التفل عن اليسار ثلاثا وتقدم الحكمة من ذلك والله أعلم.\nخاتمة: شيطان الصلاة يقال له خنزب وتقدم الكلام على شيطان الوضوء يقال له الولهان عن أبي بن كعب قال قال رسول الله -ﷺ- \"إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء\" رواه الترمذي (^٢).\nوقال في الإحياء (^٣): قال الحسن إن شيطانا يضحك من الناس في الوضوء يقال له الولهان والوله ذهاب العقل [و] التحير فكأن هذا الشيطان يزيل العقل ويحير المتطهر وقال إبراهيم بن أدهم أول ما يبدأ الوسواس من قبل الطهور (^٤)، وروى ابن أبي الدنيا في كتاب مكائد الشيطان حديث أبي ثم روى عن الثوري قال بلغني عن طاوس أنه يقول إن الولهان هو أشد الشياطين قال النووي (^٥) في الأذكار وروينا بالإسناد الصحيح في رسالة القشيري عن أحمد\n_________\n(^١) ينظر المرجع السابق.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٥٧) سنن ابن ماجه (٤٢١)، وأحمد (٢١٢٣٨) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (١٩٧٠).\n(^٣) إحياء علوم الدين (١/ ١٣٤).\n(^٤) كذا وقع هنا وفي الإحياء (١/ ١٣٤) إبراهيم بن أدهم وإنما قاله ابراهيم التيمى كما في الطهور (١٢٤) لابن سلام.\n(^٥) الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ٣١٦).","vol":"7","page":532},{"text":"بن عطاء الروذباري السيد الجليل أنه قال كان بي وسواس في الطهارة فضاف صدري ليلة لكثرة ما استعملت من الماء ولم يسكن قلبي فقلت يا رب عفوك عفوك فسمعت هاتفا يقول العفو في العلم فزال عني (^١) ذلك والله أعلم.\n_________\n(^١) الرسالة (٢/ ٥٣١).","vol":"7","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>الترغيب في الاستغفار والإكثار منه في الليل والنهار</span>\n٢٤٩٨ - عَن أبي ذَر -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ: \"يَقُول الله ﷿ يَا ابْن آدم كلكُمْ مذنب إِلَّا من عافيت فاستغفروني أَغفر لكم وكلكم فَقير إِلَّا من أغنيت فاسألوني أعطكم وكلكم ضال إِلَّا من هديت فاسألوني الْهدى أهدكم وَمن استغفرني وَهُوَ يعلم أَنِّي ذُو قدرَة على أَن أَغفر لَهُ غفرت لَهُ وَلَا أُبَالِي وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا على قلب أَشْقَى رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من سلطاني مثل جنَاح بعوضة وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زادوا فِي سلطاني مثل جنَاح بعوضة وَلَو أَن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم سَأَلُونِي حَتَّى تَنْتَهِي مَسْأَلَة كل وَاحِد مِنْهُم فأعطيتهم مَا سَأَلُونِي مَا نقص ذلِك مِمَّا عِنْدِي كمغرز إبرة لَو غمسها أحدكُم فِي الْبَحْر وَذَلِكَ أَنِّي جواد ماجد وَاحِد عطائي كَلَام وعذابي كَلَام إِنَّمَا أَمْرِي لشَيْء إِذا أردته أَن أَقُول لَهُ كن فَيكون\" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَفِي إِسْنَاده شهر بن حَوْشَب وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَلَفظ التِّرْمِذِيّ نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ يَا عبَادي وَيَأْتِي لفظ لمُسلم فِي الْبَاب بعده إِن شَاءَ الله (^١).\n_________\n(^١) مسلم (٢٥٧٧)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٠٨٩)، وأحمد (٢١٣٦٧).","vol":"7","page":534},{"text":"قوله: عن أبي ذر -﵁- واسم أبي ذر جندب بن جناده وقيل غير ذلك.\nقوله -ﷺ- \"يقول الله ﷿ يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم\" الحديث.\nهذا الباب من أهم الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل بها قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (^٥) وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (^٦) الآية وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ (^٧) وقال الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ، قَالا: قَالَ عَبْدُ اللهِ (^٨): إِنَّ في كِتَابِ اللهِ آيَتَيْنِ مَا أَصَابَ عَبْدٌ\n_________\n(^١) سورة نوح، الآية: ١٠.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٠٦.\n(^٣) سورة النصر، الآية: ٣.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٧.\n(^٥) سورة الأنفال، الآية: ٣٣.\n(^٦) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(^٧) سورة النساء، الآية: ١١٠.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠١٣٧) والطبراني في الكبير (٩/ ٢٤١ رقم ٩٠٣٥) والبيهقي في الشعب (٦٧٤٣).","vol":"7","page":535},{"text":"ذَنْبًا فَقَرَأَهُمَا، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللهَ إِلَّا غَفَرَ لَهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (^١) إِلَى آخِرِ الآيَةِ. و﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ (^٢). وقال الله تعالى. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ (^٣) \" وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن (^٤) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن الله ﷿ ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك\" ولهذا كان بعضهم يقول في دبر كل صلاة اللهم اغفر لأبوي وارحمهما كما ربياني صغيرا وقال خالد بن معدان قال الله تعالى إن أحب قوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (^٥) وغفار وغفور من أمثلة المبالغة والغافر الساتر لذنوب عباده وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم وأصل الغفران التغطية يقال غفر الله لك يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة من الله تعالى العفو للمذنبين اهـ قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ- \"يقول الله ﷿ يا ابن آدم كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم\" الحديث أي يطلب مني المغفرة أغفر لكم وجاء في\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١١٠.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ١١٠.\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٩)، وابن ماجه (٣٦٦٠)، والبيهقي في السنن (٧/ ٧٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٦١٧)، وحسنه في الصحيحة (١٥٩٨).\n(^٥) سورة نوح، الآية: ١٠.","vol":"7","page":536},{"text":"الحديث \"لو أنكم لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم غيركم فيذنبون فيستغفرون فيغفر لهم\" (^١).\nوأصل الغفر الستر وغفرت المتاع سترته والمغفر وقاية تستر الرأس في الحرب وغفر الذنب ستره ومحو أثره وأمن عاقبته ذكره الطوفي اهـ (^٢).\nفالاستغفار من الذنوب هو طلب المغفرة والعبد أحوج شيء إليه لأنه يخطئ بالليل والنهار وقد تكرر في القرآن العظيم والأمر بهما والحث عليهما، فأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله رده وإن شاء أجابه وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون (^٣)، فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله أهله ووعدهم المغفرة.\nقوله -ﷺ- قال الله تعالى \"وكلكم فقير إلا من أغنيت فاسألوني أعطكم\" هذا يقتضي أن جميع الخلق يفتقرون إلى الله تعالى في جلب منافعهم ودفع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٤٩).\n(^٢) كتاب التعيين في شرح الأربعين (ص ١٨٩)\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٥) والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٠) والبيهقي في الشعب (٧٢٣٦) (١١٠٥٢) وقال الهيثمي (١٠/ ١٩١): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير حبان بن يزيد الشرعبي ووثقه ابن حبان ورواه الطبراني كذلك. وقال المناوي (١/ ٤٧٥) قال الزين العراقي والمنذري: إسناده جيد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨٩٧) والسلسلة الصحيحة (٤٨٢).","vol":"7","page":537},{"text":"مضارهم في أمور دينهم ودنياهم وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من عباد إلى المتحابون بحبي والمتعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالأسحار أولئك الذين إذا أردت أهل الأرض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت العقوبة عنهم وقال قتادة القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار، وقال علي بن أبي طالب العجب ممن يهلك ومعه النجاة قيل وما هي؟ قال الاستغفار، قال الغزالي (^١) وكان يقال ما دل الله عبدا على الاستغفار وهو يريد أن يعذبه، وقال الفضيل قول العبد أستغفر الله تفسيرها أقلني وقال بعض العلماء العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الاستغفار والحمد وقال الربيع بن خثيم لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا وكذبا إن لم يفعل ولكن ليقل اللهم اغفر لي وتب علي، قال النووي (^٢) وهذا الذي قاله من قوله اللهم اغفر لي وتب علي حسن، وأما كراهة أستغفر الله وتسميته كذبا فلا يوافق عليه لأن معنى أستغفر الله أطلب مغفرته وليس في هذا كذبا ويكفي في رده في سنن أبي داود والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له ذنوبه وغن كان قد فر من الزحف\" (^٣).\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٣١٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧). وقال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى. ووقع في كتاب أبي داود روايته من حديث هلال بن يسار بن زيد عن أبيه عن جده =","vol":"7","page":538},{"text":"وقال الفضيل: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين، وقالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار وسمع أعرابي متعلق بأستار الكعبة يقول: إن استغفار إليك مع إصراري للؤم وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لعجز فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني وأتبغض إليك بالمعاصي مع حاجتي إليه يا من إذا وعد وفى وإذا تواعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين، وقال أبو عبد الله الوراق: ولو كان عليك مثل عدد القطر وزبد البحر ذنوبا لمحيت عند إذا دعوت ربك بهذا الدعاء مخلصا إن شاء الله تعالى الله استغفر من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه وأستغفرك من كل ما وعدتك به من نفسي ثم لم أوف لك به وأستغفرك من كل عمل أردت له وجهك فخالطه غيره وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فأستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيته في ضياء النهار أو ظلام الليل في ملأ أو خلاء أو سر أو علانية يا حليم، ويقال: إنه استغفار الخضر -﵇- أ. هـ. قاله في الديباجة.، ذلك كله وإن لم\n_________\n= بالهاء ووقع في كتاب الترمذي وغيره وفي بعض نسخ أبي داود: بلال بن يسار بالباء الموحدة.\nوانظر: تعقب الناجي على المنذري في عجالة الإملاء (٤/ ٥٧٨) ويسار بن زيد أبو بلال مولى النبي -ﷺ- ذكره ابن حبان في الثقات، وسكت عنه أبو حاتم، وقال الذهبي: لا يعرف. وقال الحافظ في التقريب. مقبول (ت ٧٨٥٣).\nوبلال بن يسار بن زيد: قال الحافظ في التقريب. مقبول (ت ٧٩٥)، وكلام البخاري في تاريخه (٨/ ٤٢٠).","vol":"7","page":539},{"text":"يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أو بقية خطاياه في الآخرة، قال الله تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (^١)، وفي الحديث دليل على أن الله تعالى يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث: \"ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع\" (^٢)، وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف شاته، وفي الإسرائيليات: أن موسى ﵊ قال: يا رب إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله تعالى فقد أظهر حاجته فيه وافتقاره إلى الله تعالى وذلك يحبه الله تعالى، وكان بعض السلف يستحي من الله تعالى أن يسأله شيئا من حوائج الدنيا، والاقتداء بالسنة أولى والله أعلم ذكره ابن رجب (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"قال الله تعالى: وكلكم ضال إلا من هديت فاسألوني الهدى أهدكم\" الحديث، وأما سؤال المؤمن الله الهداية فإن الهداية نوعان هداية\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ١٧.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٩٦٣) وابن حبان (٨٩٤). وضعفه الألباني (٤٩٤٦)، والضعيفة (١٣٦٢).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٩).","vol":"7","page":540},{"text":"مجملة وهي الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن وهداية مفصلة وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام وإعانته على فعل ذلك وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا ونهارا ولهذا أمر الله عباده أن يقروؤا في كل ركعة من صلاتهم قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (^١) وكان النبي -ﷺ- يقول في دعائه بالليل \"اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\" ولهذا يشمت العاطس فيقال يرحمك الله فيقول يهديكم الله كما جاءت السنة وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهداية وخالفهم جمهور العلماء أتباعا للسنة في ذلك، وقد أمر النبي -ﷺ- عليا -﵁- أن يسأل الله السداد والهدى وعلم الحسن أن يقول في قنوت الوتر اللهم اهدني فيمن هديت قاله ابن رجب الحنبلي (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"قال الله تعالى: ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له غفرت له\" الحديث، وفي الصحيح عن النبي -ﷺ- قال: \"والله لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها\" (^٣) وكان بعض أصحاب ذي النون يطوف ينادي أه من وجد قلبي فدخل يوما بعض السكك فوجد صبيا يبكي وأمه تضربه ثم أخرجته من الدار وأغلقت الباب دونه فجعل الصبي يتلفت يمينا وشمالا لا\n_________\n(^١) سورة الفاتحة، الآية: ٦.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٩).\n(^٣) أخرجه: البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤).","vol":"7","page":541},{"text":"يدري أين يذهب ولا أين يقصد فرجع إلى باب الدار فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يَفْتَحُ لي الباب إذا أغلقت عني بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أنْ غضبت عليَّ؟ فرحمته أمُّه، فقامت، فنظرت من خَلَلِ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خديه متمعِّكًا في التراب، ففتحت البابَ، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تُقبِّله، وتقول: يا قُرَّة عيني، ويا عزيز نفسي، أنتَ الذي حملتني على نفسك، وأنتَ الذي تعرَّضت لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتني لم تلقَ مني مكروهًا، فتواجد الفتى، ثم قام، فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي. أ. هـ قاله ابن رجب (^١).\nقوله -ﷺ-: \"قال الله تعالى: ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أشقى رجل واحد منكم ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة\" الحديث، وفي الحديث الآخر سيأتي في الدعاء \"على قلب أتقى رجل\" وتقديره على تقوى أتقى أو على أتقى أحوال قلب رجل، قال الطوفي: ومعناه أن تقوى العالم بأجمعه لا تزيد في ملك الله تعالى شيئا وكذلك فجورهم لا ينقص من ملكه شيئًا لأن ملك الله تعالى مرتبط بقدرته وإرادته وهما دائمان لا انقطاع لهما فكذا ما ارتبط بهما (^٢) وإنما عائد التقوى والفجور على أهلهما نفعا وضرا كما قال الشاعر (^٣):\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٤).\n(^٢) كتاب التعيين في شرح الأربعين (ص ١٩٠).\n(^٣) قائل هذا البيت هو توبة بن الحمير، وهو من قصيدة له مطلعها: نأتك بليلى دارها لا =","vol":"7","page":542},{"text":"وقد زعمت ليلى بأنني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها أ. هـ\nوقال ابن رجب: هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان.\nقوله -ﷺ-: \"قال الله تعالى: ولو أن أولكم وآخركم\" إلى قوله \"سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي\" الحديث، والمراد بهذا ذكر كمال قدرته ﷾ كما ملكه وأن ملكه وخزائنه لا تنفذ ولا تنقص بالعطاء ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حث للخلق على السؤال وإنزال حوائجهم به ﷾ قاله ابن رجب (^١).\n_________\n= تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها. الشاهد في قوله: أو عليها؛ حيث استشهد به على أن أو ترد بمعنى الواو، أي: تكون لمطلق الجمع، وقيل: إنه لا حجة فيه، لأن أو فيه للإبهام؛ لأنه قد علم ما حاله أتقى أو فجور.\nانظر: الدرر اللوامع على همع الهوامع للشنقيطي ٢/ ١٨١، الأمالي الشجرية ٢/ ٣١٧، الأزهية للهروي ص ١١٩، شرح شواهد المغني ١/ ١٩٤، مغني اللبيب، ١/ ٦٢، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر ص ١٠٩.\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٠).","vol":"7","page":543},{"text":"قوله تعالى: \"وذلك أني جواد ماجد واحد\" الجواد رواه البيهقي وغيره في الأسماء الحسنى (^١) ومعناه الواسع العطاء، وقيل: التفضيل بالنعم قبل استحقاقها المتكفل للأمم بإدرار رزقها وجمعه جود وأجواد وأجاويد والجود سعة العطاء وكثرته والله تعالى يوصف بالجود، وفي الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي -ﷺ-: \"أن الله جود يحب الجود كريم يحب الكرم\" (^٢)، وفي الأثر المشهور عن الفضيل بن عياض أن الله تعالى يقول كل ليلة: \"أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم\" (^٣) فالله ﷾ أجود الأجودين وجوده يتضاعف في أوقات خاصة كشهر رمضان وفيه أنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (^٤) الآية.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، وفي إسناده شهر بن حوشب وهو صدوق كثير الأوهام كما قال الحافظ في التقريب (ت ٢٨٤٦) وقد صح الحديث من رواية أبي ذر عند مسلم (٢٥٧٧) وغيره.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٧٩٩) وقال: حديث غريب وخالد بن إلياس يضعف ويقال ابن إياس قلت: قال البخاري: فيه منكر الحديث ليس بشيء وقال النسائي: متروك وقال: مرة ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وأورده ابن حبان في المجروحين (٢٩٦) في ترجمة خالد بن إلياس. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٩٩): في إسناده مقال. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧١٢) وقال لا يصح. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٦١٦).\n(^٣) أخرجه: أبو نعيم في الحلية ٨/ ٩٢ - ٩٣.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.","vol":"7","page":544},{"text":"قوله تعالى \"عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون\" لأن ملكه ﷿ بين الكاف والنون إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وفي بعض الأثر \"عطائي كلام ورضائي كلام\" أو كما قال إشارة إلى كن فيكون.\nقوله: وفي إسناده شهر بن حوشب [هو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو الجعد، شهر بن حوشب الأشعري الشامي. أصله من دمشق، وقيل: من حمص، سكن البصرة. وهو تابعي مشهور روى عن أسماء بنت يزيد، وعن نفر من الصحابة، منهم ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وأبو هريرة روى عنه قتادة، ومعاوية بن قرة، وأبان بن صالح، وسماك بن حرب ومات سنة مائة، أو قبلها بسنة، وقيل: غير ذلك، قال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه، ووثقه، وهو شامي من أهل حمص، وأظنه قال: هو كندي، وروى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانا وقال أحمد بن حنبل: عبد الحميد بن بهرام أحاديثه مقاربة هي أحاديث شهر كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وإنما هي سبعون حديثا، وهي طوال فيها حروف ينبغي أن تضبط ولكن يقطعونها، وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: ليس به بأس وقال عثمان بن سعيد الدارمي: بلغني أن أحمد بن حنبل كان يثني على شهر بن حوشب وقال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، وقال الترمذي أيضا، عن البخاري: شهر حسن الحديث. وقوى أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون، ثم روى عن هلال بن","vol":"7","page":545},{"text":"أبي زينب عنه قال ابن عون تركوه، وقال شبابة عن شعبة لقيت شهرا فلم أعتد به وقال ابن عدي شهر ممن لا يعتد بحديثه ولا يتدين بحديثه، وقال أبو حاتم: ليس بدون أبي الزبير ولا يحتج به، وقال النسائي وغيره ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة طعن فيه بعضهم، ووثقه ابن معين وأحمد بن حنبل والعجلي والفسوي، وروى له مسلم مقرونا واحتج به غير واحد (^١)].\nقوله: وإبراهيم بن طهمان [إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني، أبو سعيد الهروي ولد بهراة، وسكن نيسابور، وقدم بغداد، وحدث بها، ثم سكن مكة حتى مات بها وثقه أحمد وأبو حاتم وقال عثمان بن سعيد الدارمي: كان ثقة في الحديث، لم يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه ويوثقونه، وقال أبو داود: ثقة وكان من أهل سرخس، فخرج يريد الحج فقدم نيسابور، فوجدهم على قول جهم، فقال: الإقامة على هؤلاء أفضل من الحج. فنقلهم من قول جهم إلى الإرجاء، وقال صالح بن محمد الحافظ: ثقة حسن الحديث، يميل شيئا إلى الإرجاء في الإيمان، حبب الله حديثه إلى الناس، جيد الرواية، وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثا منه، وهو ثقة، وقال أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي: سمعت سفيان ابن عيينة يقول: ما قدم علينا خراساني أفضل من أبي رجاء عبد الله بن واقد الهروي. قلت له: فإبراهيم بن\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٥٠٩)، وتهذيب الكمال (١٢/ الترجمة ٢٧٨١).","vol":"7","page":546},{"text":"طهمان؟ قال: كان ذاك مرجئا، قال أبو الصلت: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهب الخبيث أن الإيمان قول بلا عمل. وأن ترك العمل لا يضر بالإيمان، بل كان إرجاؤهم أنهم يرجون لأهل الكبائر الغفران، ردا على الخوارج وغيرهم الذين يكفرون الناس بالذنوب. وكانوا يرجئون ولا يكفرون بالذنوب، ونحن كذلك، سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت سفيان الثوري يقول في آخر أمره: نحن نرجو لجميع أهل الكبائر الذين يدينون ديننا، ويصلون صلاتنا وإن عملوا أي عمل. وكان شديدا على الجهمية مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومئة بمكة (^١)].\n\n٢٤٩٩ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول قَالَ الله يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم لَو بلغت ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ استغفرتني غفرت لَك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم إِنَّك لَو أتيتني بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتني لَا تشرك بِي شَيْئا لأتيتك بقرابها مغْفرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nالْعَنَان بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة هُوَ السَّحَاب.\nوقراب الأَرْض بِضَم الْقَاف مَا يُقَارب ملأها.\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يقول الله تعالى يا ابن آدم\" فآدم قيل هو أعجمي لا اشتقاق له\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢/ ترجمة ١٨٦).\n(^٢) الترمذي (٣٥٤٠)، وقال: حديث حسن وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٣٨).","vol":"7","page":547},{"text":"وقيل عربي من أديم الأرض لأنه خلق منه وهو لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل إذ وزنه أفعل مثل أحمد (^١).\nقوله -ﷺ-: \"قال الله تعالى: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك\" أي: مدة دعائك يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمني ذلك ولا استكثره، وفي الصحيح عن النبي -ﷺ- قال: \"إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء\" (^٢). فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. أ. هـ (^٣)، وأما معنى الحديث فالدعاء سؤال النفع والصلاح والرجاء تأميل الخير وهو اعتقاد قرب وقوعه لأن الدعاء مخ العبادة والرجاء يتضمن حسن الظن بالله تعالى، والله تعالى يقول \"أنا عند ظن عبدي بي\" (^٤) وعند ذلك تتوجه رحمة الله ﷿ إلى العبد وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء لأنها وسعت كل شيء.\nقوله تعالى: \"ولا أبالي\" كأنه من البال فإذا قال القائل لا أبالي كأنه قال: لا يشتغل بالي بهذا الأمر أو شبيه بذلك.\nقوله -ﷺ-: \"يقول الله تعالى: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء\" عنان\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٣٣٤).\n(^٢) مسلم (٢٦٧٩)\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٠٦).\n(^٤) البخاري (٧٥٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة، به.","vol":"7","page":548},{"text":"السماء قيل هو السحاب كذا قاله المنذري، وقيل: ما عد لك أي ظهر إذا رفعت رأسك ومعنى \"لو بلغت ذنوبك عنان السماء\" أي: ملأت الأرض والفضاء حتى ارتفعت إلى السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي وذلك أن الله ﷿ كريم والاستغفار استقالة والكريم يقيل العثرة ويغفر الذلة، قال حاتم الطائي:\nوَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ إدِّخَارَه ... وَأَعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا (^١)\nفي التنزيل إن الله يغفر الذنوب جميعا وهذا الحديث على عمومه لأن الذنب إما شرك فيغفر بالاستغفار منه وهو الإيمان أو دونه فيغفر بالاستغفار منه وهو سؤال المغفرة وحقيقةُ لفظِ الاستغفارِ: اللَّهمَّ اغفر لي، ويقوم مقامه: أستغفر الله؛ لأنه خبر في معنى الطّلب (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"يقول الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة\" الحديث معناه أن الإيمان شرط في غفران الذنوب التي هي دون الشرك لأن الإيمان أصل يبني عليه قبول الطاعات وغفران المعاصي، أما مع الشرك فلا أصل يبني عليه ذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (^٣) (^٤) انتهى قاله الطوفى.\n_________\n(^١) ديوان شعر حاتم بن عبد الله الطائي وأخباره ص ٢٣٨ ورواية الديوان هكذا. وأغفِرُ عَورَاءَ الكريمِ اصطِنَاعَهُ ... وأصفَحُ عن شتم اللئيم تكرمًا.\n(^٢) التعيين (ص ٣٣٥).\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.\n(^٤) التعيين (ص ٣٣٦).","vol":"7","page":549},{"text":"فقد تضمن حديث أنس المذكور أن الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة: أحدها الدعاء مع الرجاء فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال الله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^١) ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى؛ السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت في الكثرة عنان السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها كما تقدم والاستغفار طلب المغفرة والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار فتارة يؤمر به كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢) ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (^٣) ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ (^٤) وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (^٥) وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ (^٦) الآية، وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة كما ذكر في الحديث وهو حديث أنس وما أشبهه فقد قيل: أريد به الاستغفار المقرن بالتوبة، وقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آل عمران من عدم\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(^٢) سورة المزمل، الآية: ٢٠.\n(^٣) سورة نوح، الآية: ١٠.\n(^٤) سورة هود، الآية: ٣.\n(^٥) سورة آل عمران، الآية: ١٧.\n(^٦) سورة النساء، الآية: ١١٠.","vol":"7","page":550},{"text":"الإصرار فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد؛ السبب الثالث: من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١) فمن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يُقارب ملأها- خطايا، لقيه الله بقُرابها مغفرة، لكنَّ هذا مع مشيئة الله -﷿-، فإنْ شاء غَفَرَ له، وإنْ شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أنْ لا يُخلَّد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنَّة أ. هـ، قاله الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي والله أعلم (^٢).\nتتمة: وعن بعض العباد أنه كان يطوف ليلة يسأل ربه في الطواف أن يعصمه عن معصيته ثم غلبته عيناه فقام فسمع قائلا يقول: أنت تسألني العصمة وكل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم، فعلى من أجود بمغفرته وعفوي وعلى من أتوب وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي ويا ابن آدم إذا أمنت بي ولم تشرك بي شيئا أقمت حملة العرش ومن حوله يسبحون بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك، أ. هـ (^٣).\nقوله: رواه الترمذي، الترمذي: يجوز فيه ضم التاء والميم، وفتحهما، وكسرهما ذكره الطوفي في شرحه على الأربعين النواوية والله تعالى أعلم (^٤).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١٧).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٤/ ١٥٢) وهو قول إبراهيم بن أدهم رحمة الله.\n(^٤) التعيين (ص ٣٣٦).","vol":"7","page":551},{"text":"٢٥٠٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ قَالَ إِبْلِيس وَعزَّتك لَا أَبْرَح أغوي عِبَادك مَا دَامَت أَرْوَاحهم فِي أَجْسَادهم فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَال أَغفر لَهُم مَا استغفروني رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم من طَرِيق دراج وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري بخاء معجمة مضمومة بعدها دال مهملة ساكنة نسبة إلى خدرم اسم قبيلة من الأنصار وإنما ضبطت هذا اللفظ على ظهوره لأن بعض مشايخنا الفضلاء أخبرني أنه تنازع هو وولده، وكان أيضًا فاضلا، في الخدري هل هو بدال مهملة أو معجمة وأنهما سألا عن ذلك الشيخَ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ فأخبرهما أنها بدال مهملة قاله الطوفي (^٢).\nقال العلماء قوله -ﷺ-: \"قال إبليس وعزتك لا أبرح أغوي عبادك\" الحديث، تقدم الكلام على إبليس، قال العلماء: والمشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس، وقال القاضي عياض (^٣) والأكثر أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة لأن الملائكة لا يتناسلون\n_________\n(^١) أحمد (١١٢٣٧)، والحاكم (٤/ ٢٦١)، وأبو يعلى (١٣٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٧)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٦٥٠).\n(^٢) التعيين (ص ٢٣٤).\n(^٣) الشفا (٢/ ١٧٧).","vol":"7","page":552},{"text":"لأنهم ليس فيهم إناث وقيل الجن جنس وإبليس واحد منهم فمن كفر من الجن يقال له شيطان (^١) واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن أم ليس من الملائكة والصحيح أنه من الملائكة قاله ابن عباس وابن مسعود وقتادة وابن جريج والزجاج وابن الأنباري: كان إبليس من الملائكة، وكان اسمه عَزَازِيل فلما عصى الله تعالى لعنه الله وجعله شيطانًا مريدًا، وسماه إبليس (^٢)، وعن الحسن قال: قال إبليس سولت لأمة محمد\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٠٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٧)، وقال ابن جرير -﵀-: حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي -ﷺ-: \"جعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن؛ لأنهم خزان الجنة. وكان إبليس مع ملكه خازنا\". جامع البيان (١/ ٥٠٣). الإسناد من طريق السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ضعيف؛ لضعف أبي صالح باذان، وللانقطاع حيث أنه لم يسمع من ابن عباس. جاء عند أبي الشيخ في العظمة (٥/ ١٦٧٦) (١١١٨) من طريق أبي بسطام، عن الضحاك قال: (اختلف ابن عباس وابن مسعود -،- في إبليس -لعنه الله تعالى- فقال أحدهما: كان سبطا من الملائكة يقال لهم: الجن) وهو ضعيف، أبو بسطام يحيى بن عبد الرحمن التميمي، قال أبو حاتم: ليس بالقوي. ميزان الاعتدال (٦/ ٦٨)، فتح الباب في الكنى والألقاب لابن منده (ص ١٦٩)، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس.\nقال القرطبي في تفسير سورة \"البقرة\": إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور: ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله \"إلا إبليس\" اهـ وما يذكره المفسرون عن =","vol":"7","page":553},{"text":"المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون منها يعني الأهواء (^١) والله أعلم، وقال وهيب ابن الورد، بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له: أنصحك فقال له لا أريد ذلك، ولكن أخبرني عن بني آدم فقال: هم عندنا ثلاثة أصناف: صنف منهم هم أشد الأصناف عندنا نقبل على أحدهم حتى نفتنه عن دينه، ونتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار والتوبة، فيفسد علينا كل شيء نصيبه منه، ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا، فنحن معه في عناء، وصنف منهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفونا مؤنة أنفسهم، وصنف منهم مثلك هم معصومون لا نقدر منهم على شيء.\nقاله في حياة الحيوان (^٢)، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام إبليس قالوا: لو نام لوجدنا راحة (^٣) فلا خلاص للمؤمن من شره إلا بتقوى الله قال في الإحياء (^٤) قبيل باب بيان دواء الصبر: من غفل عن الله تعالى ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ\n_________\n= جماعة من السلف كابن عباس وغيره: من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٧).\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٩٢٨).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٤١٠).\n(^٣) أخرجه أحمد في الزهد (١٥٠٦).\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"7","page":554},{"text":"نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (^١) وقال -﵇-: إن الله يبغض الشاب الفارغ (^٢) لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثم تزدوج أفراخه أيضا وتبيض مرة أخرى وتفرخ وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار وإذا وجد الحلفاء اليابسة كثر توالده فلا يزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة بل تسري شيئا فشيئا على الاتصال فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار وكما لا تبقى النار إذا لم يبق لها قوت وهو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذا لم تكن شهوة فإذن إذا تأملت علمت أن أعدى عدوك شهوتك وهي صفة نفسك ولذلك قال الحسين بن منصور الحلاج (^٣) حين كان يصلب وقد سئل\n_________\n(^١) سورة الزخرف، الآية: ٣٦.\n(^٢) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤/ ٧٣ - بحاشية الإحياء-): غريب، لم أجده. وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية (٦/ ٣٥٩): لم أجد له إسنادًا.\n(^٣) الحسين بن منصور الحلاج. المقتول على الزندقة. ما روى ولله الحمد شيئا من العلم وكانت له بداية جيدة وتأله وتصوف ثم انسلخ من الدين وتعلم السحر وأراهم المخاريق. أباح العلماء دمه فقتل سنة ٣٠٩. انتهى. وهذه الترجمة مجملة وأخبار الحلاج كثيرة والناس مختلفون فيه وأكثرهم على أنه زنديق ضال.\nله ترجمة في: البداية والنهاية لابن كثير ١١/ ١٣٢، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٨/ ١١٢، العبر ٢/ ١٣٨، الفهرست لابن النديم ١٩٠، لسان الميزان للذهبي ٢/ ٣١٤، مرآة الجنان لليافعي ٢/ ٢٥٣، المنتظم لابن الجوزي ٦/ ١٦٠، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٣/ ٢٠٢، وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٤٠٥.","vol":"7","page":555},{"text":"عن التصوف ما هو فقال هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك.\nوروي البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^١)، عن عمر بن زر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أن أراد الله أن لا يعطي لم يخلق إبليس، وقد تبين ذلك في آية من كتاب الله ﷿ وفصلها، علمها من علمها وجهلها من جهلها ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ (^٢) (^٣).\nفائدة: قال بعضهم: كفر إبليس لأنه استنقص نبيا وهو آدم -﵇- ومن استنقص نبيا كفر، وفي الخبر أن الله يخرجه كل مائة ألف سنة ويخرج آدم من الجنة ويأمره بالسجود له فيأبي ثم يرده الله إلى النار وكذلك أبد الآبدين.\nقال النيسابوري قال بعضهم: وإنما استجاب الله دعاءه بإنظاره مكافأة له بعبادته التي مضت ليعلم أنه لا يضيع أجر المحسنين، ويقال: إن إبليس قال يا رب إن عبادك يزعمون أنهم يبغضوني ويطيعوني ويزعمون أنهم يحبونك ويعصونك فقال الله تعالى: (قد وهبت عصيانهم لمحبتهم إياي ووهبت طاعتهم لك ببغضهم إياك) (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١١١.\n(^٢) سورة الصافات، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.\n(^٣) الأسماء والصفات (٣٢٧)\n(^٤) كشف الأسرار (لوحة ١٣).","vol":"7","page":556},{"text":"٢٥٠١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا أدلكم على دائكم ودوائكم أَلا إِن داءكم الذُّنُوب ودواءكم الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١) وَقد رُوِيَ عَن قَتَادَة من قَوْله وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ألا أدلكم على دائكم ودوائكم ألا إن داءكم الذنوب ودواءكم الاستغفار\" قال العلماء: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقدة الإصرار وينتشر معناه في القلب لا اللفظ باللسان فأما من قال بلسانه أستغفر الله وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار وصغيرة لاحقة بالكبائر (^٣) قال مكحول: ما رأيت أحدا أكثر استغفارا من أبي هريرة وكان مكحول كثير الاستغفار (^٤)، وقال يحيى بن معاذ: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم (^٥)، أ. هـ.\n\n٢٥٠٢ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لزم الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل هم فرجا وَمن كل ضيق مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ كلهم\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٧١٤٧).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٤٦).\n(^٣) التذكرة (ص ٢١٤) وتفسير القرطبي (٤/ ٢١٠).\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد (٢١١).\n(^٥) أخرجه الخطيب في الرقائق (٢٣).","vol":"7","page":557},{"text":"من رِوَايَة الحكم بن مُصعب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليهما.\nقوله -ﷺ-: \"من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا\" الحديث، والمراد بالملازمة الإكثار منه بحيث يغلب عليه صفة الاستغفار فالمراد بلزوم الاستغفار الإكثار منه في الليل والنهار وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ (^٢) الآية، والغفار وغافر وغفور وهي من أمثلة المبالغة المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم وأصل الغفران التغطية يقال غفر الله لك ويغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمذنبين اهـ قاله في الديباجة (^٣).\nقوله من رواية الحكم بن مصعب [الحكم بن مصعب القرشي المخزومي الدمشقي روى عن: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس صويلح الحديث لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم فيما أعلم، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي الضعفاء أيضا وقال يخطئ].\n_________\n(^١) أبو داود (١٥١٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٢٩٠)، وابن ماجه (٣٨١٩)، والحاكم (٤/ ٢٦٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٢٩).\n(^٢) سورة نوح، الآيتان: ١٠ - ١١.\n(^٣) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":558},{"text":"٢٥٠٤ - وَعَن الزبير -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من أحب أَن تسرهُ صَحِيفَته فليكثر فِيهَا من الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١).\nقوله: وعن الزبير -﵁- هو أحد العشرة هو أبو عبد الله الزبير بضم الزاي ابن العوام الأسدي القرشي المدني (^٢) يلتقي مع رسول الله -ﷺ- في قصي وأم الزبير صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ- أسلمت وهاجرت وقد خرجت إلى المدينة أسلم الزبير قديما في أول الإسلام أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة وقيل ستة عشرة وقيل ابن ثنتي عشرة سنة وكان إسلامه بعد إسلام أبي بكر الصديق -﵁- بقليل، قيل كان رابعا أو خامسا وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخي بين المهاجرين بمكة فلما قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وآخي بين المهاجرين والأنصار آخي بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش وكان الزبير أول من سل سيفا في سبيل الله شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطائف والمشاهد كلها مع رسول\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٦٤٨)، والطبراني (٨٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٨)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٩٥٥).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ١٩٤ - ١٩٦، تهذيب الكمال: ٤٢٩.","vol":"7","page":559},{"text":"الله -ﷺ- وشهد فتح مصر وكان أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية ومناقبه كثيرة مشهورة والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار\" الاستغفار في حق الأنبياء يكون على سبيل الشكر وفي حق الأمة قد يكون عن تقصير ووجه التقصير عدم القيام بشكر النعمة وقد يكون الاستغفار عن ذنب فيكون واجبا والله أعلم (^١).\nوعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- كان يقول \"اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا\" انفرد به ابن ماجه (^٢)، وهذا الحديث له قصة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الحلية (^٣) فرواه عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: حدثني رسول الله -ﷺ-: \"إن أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقل ثم قال أدبر فأدبر ثم قال: ما خلقت خلقا أحسن منك بك آخذ وبك أعطي\" فذكر الحديث إلى أن قال \"وخيار أمتي\n_________\n(^١) قال البغوي ﵀: الاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة: إما لذنب تقدم على النبوة أو لذنوب أمته وقرابته، أو لمباح جاء الشرع بتحريه فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه: السمع والطاعة لحكم الشرع معالم التنزيل (٢/ ٢٨٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٢٠) قال البوصيري (٤/ ١٣٥): هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف انظر التقريب (٤٧٣٤). والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩٩٢)، والخطيب (٩/ ٢٣٣)، وابن عساكر (٤/ ٦٢). وأخرجه أيضًا: إسحاق بن راهويه (١٣٣٦)، والطيالسي (١٥٣٣)، وأبو يعلى (٤٤٧٢). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٦٨).\n(^٣) حلية الأولياء (٧/ ٣١٨).","vol":"7","page":560},{"text":"الذين إذا أساءوا استغفروا وإذا أحسنوا استبشروا وإذا سافروا قصروا وأفطروا\" أ. هـ قاله في الديباجة (^١).\n\n٢٥٠٣ - وَعَن عبد الله بن بسر -﵁- قَالَ سَمِعت النَّبِي -ﷺ- يَقُول طُوبَى لمن وجد فِي صَحِيفَته اسْتِغْفَار كثير رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن بسر تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- \"طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا\" طوبى اسم الجنة وجاء عن أبي الدرداء أنه قال \"طوبى لمن وجد في صحيفته نبذا من الاستغفار\" النبذ الشيء اليسير (^٣) وطوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها وتقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على شجرة طوبى في ذكر الجنة مبسوطا شافيا والله أعلم.\n\n٢٥٠٥ - وَعَن أم عصمَة العوصية -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلم يعْمل ذَنبا إِلَّا وقف الْملك ثَلَاث سَاعَات فَإِن اسْتغْفر من ذَنبه لم يَكْتُبهُ عَلَيْهِ وَلم يعذبه الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٤).\n_________\n(^١) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.\n(^٢) ابن ماجه (٣٨١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٧)، قال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩٦)، هذا إسناد صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٣٠).\n(^٣) أخرجه قوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٢٣).\n(^٤) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦٢)، والطبراني في الأوسط (١٧)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٠٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٢١٩)، والضعيفة (٣٧٦٥) وقال: موضوع.","vol":"7","page":561},{"text":"قوله: عن أم عصمة العوصية والعوصية بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالصاد المهملة نسبة إلى عوص بن عوف بن عذرة بطن من كلب والله أعلم قاله في سلاح المؤمن (^١).\nقوله -ﷺ- \"ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك ثلاث ساعات ... الحديث\" أي يمنع كاتب اليمين كاتب الشمال من كتابة ذلك الذنب لعل أن يتوب أو يستغفر من ذلك الذنب الذي عمله فإذا تاب واستغفر لم يوقفه الله عليه يوم القيامة ولم يعذبه اهـ.\n\n٢٥٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن العَبْد إِذا أَخطَأ خَطِيئَة نكتت فِي قلبه نُكْتَة فَإِن هُوَ نزع واستغفر صقلت فَإِن عَاد زيد فِيهَا حَتَّى تعلو قلبه فَذَلِك الران الَّذِي ذكره الله تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (^٢) \" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) سلاح المؤمن (ص ٥٢٣).\n(^٢) سورة المطففين، الآية: ١٤.\n(^٣) الترمذي (٣٣٣٤)، والنسائي في التفسير من الكبرى (١١٦٥٨)، وابن ماجه (٤٢٤٤)، وابن حبان (٩٣٠)، والحاكم (٢/ ٥١٧)، وأحمد (٧٩٥٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٢٠٣)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٦٧٠).","vol":"7","page":562},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إن العبد إذا أخطأ خطيئة\" الخطيئة الذنب والإثم وأخطأ يخطئ. إذا سلك سبيل الخطإ عمدا أو سهوا. ويقال خطئ بمعنى أخطأ أيضا. وقيل خطئ إذا تعمد، وأخطأ إذا لم يتعمد. ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ. قاله في النهاية (^١).\nقوله \"نكتت في قلبه نكتة\" الحديث، النكتة بالتاء المثناة فوق ومعنى نكتت فيه نكتة نقط فيه نقطة قاله الجوهري (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"فإن هو نزع واستغفر\" نزع أي رجع يقال نزع إلى أهله إذا حر واشتاق إليهم فرجع إليهم.\nقوله \"وصقلت\" قال الجوهري وصَقَلَ السيفَ وسَقَلَهُ أيضًا صَقْلًا وصِقالًا أي جَلاه، فهو صاقِلٌ، والجمع صقلة (^٣) ..\nقوله ﷺ: \"فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (^٤) \" قال الجوهري (^٥): والرين هو الطبع والدنس يقال: ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي غلب، وقال الحسن هو الذنب حتى يسود القلب ذكره القرطبي في التذكرة (^٦) قال\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٤).\n(^٢) الصحاح (٣/ ١١٦٥).\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٧٤٤).\n(^٤) سورة المطففين، الآية: ١٤.\n(^٥) الصحاح (٥/ ٢١٢٩).\n(^٦) ابن أبي الدنيا في ال (١٩٣).","vol":"7","page":563},{"text":"مجاهد (^١): إذا أذنب الإنسان الذنب أحاط الذنب بقلبه ثم يذنب حتى يحيط الذنب بقلبه حتى تغشى الذنوب قلبه قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (^٢) الآية أي كثرت الذنوب والمعاصي منهم حتى حاطت بقلوبهم فكذلك الرين عليها قال: وذلك أن القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب أصبغ ثم يطبع عليه وإلى هذا الإشارة بقوله -ﷺ- (^٣): \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله\" متصلا بقوله \"الحلال بين والحرام بين\" إشعارا بأن أكل الحلال ينور القلب ويصلحه وأكل الحرام والشبهة يفسده ويقسيه ويظلمه وقد وجد ذلك أهل الورع وآكل الحرام والمسترسل في الشبهات ليس من المتقين، وقال بكر بن عبد الله أن العبد إذا أذنب صار في قلبه كخرم الإبرة ثم إذا أذنب ثانيا صار كذلك ثم إن كثرت الذنوب صار القلب كالمنخل أو كالغربال لا يعي خيرا ولا يثبت فيه صلاح ثم قال ﷾: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (^٤) هذا في الكافرين وهذا يدل على أن الله تعالى يرى في القيامة وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٥) قال مالك: في هذه الآية لما حجب\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في التفسير (١/ ١٨٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٨١.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٢) (٢٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩).\n(^٤) سورة المطففين، الآية: ١٥.\n(^٥) سورة القيامة، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.","vol":"7","page":564},{"text":"أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقال الشافعي لما حجب قوما بالتسخط دل على أن أقواما يرونه بالرضي ثم قال: ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا. وقال الحسين بن الفضل: لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وقال مجاهد في قوله تعالى: لمحجوبون: أي عن كرامته ورحمته ممنوعون أ. هـ. (^١)\n\n٢٥٠٧ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن للقلوب صدأ كصدإ النّحاس وجلاؤها الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"إن للقلوب صدأ كصدأ النحاس\" الحديث بالقصر فيهما وهو: وسخه، وفي الحديث: \"إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد\" هو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام، فيذهب بجلائها، كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما. قاله في النهاية (^٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (^٤) أي طبع وختم ومنه حديث علي: التعلم أينا المرين على قلبه والمغطى على بصره، المرين المفعول به الرين ومنه حديث\n_________\n(^١) ذكره القرطبي في التفسير (١٩/ ٢٦١).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٦٤٩)، والطبراني في الأوسط (٦٨٩٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٧)، فيه الوليد بن سلمة الطبراني، وهو كذاب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩٦٦).\n(^٣) النهاية (٣/ ١٥).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٧.","vol":"7","page":565},{"text":"مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (^١) قال: الران والرين سواء كالزام والزيم والعاب والعيب قاله في النهاية (^٢).\n\n٢٥٠٨ - وَعَن عَليّ -﵁- قَالَ كنت رجلا إِذا سَمِعت من رَسُول الله -ﷺ- حَدِيثا نَفَعَنِي الله بِهِ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي وَإِذا حَدثنِي أحد من أَصْحَابه اسْتَحْلَفته فَإِذا حلف لي صدقته وَقَالَ وحَدثني أَبُو بكر -﵁- وَصدق أَبُو بكر أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من عبد يُذنب ذَنبا فَيحسن الطّهُور ثمَّ يقوم فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يسْتَغْفر الله إِلَّا غفر لَهُ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٣) إِلَى آخر الْآيَة\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَيْسَ عِنْد بَعضهم ذكر الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (^٤). وَذكر أَن بَعضهم وَقفه (^٥).\nقوله: وعن علي بن أبي طالب، تقدم الكلام عليه.\nقوله: وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف صدقته، الحديث، وقد كان جماعة من الصحابة يحلفون الراوي إذا روى حديثا عن\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٨١.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٩١).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(^٤) أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦)، والنسائي في علم اليوم والليلة (١٠٢٥٠)، وابن ماجه (١٣٩٥)، وابن حبان (٦٢٣)، وأحمد (٢)، والطبراني في الدعاء (١٨٤١)، وأبو يعلى (١)، والبزار (٩)، والبغوي في شرح السنة (١٠١٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٥٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٧٣٨).\n(^٥) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٢٤٨).","vol":"7","page":566},{"text":"النبي -ﷺ- لا لشكهم في صدق الراوي بل لإزالة الشك الحاصل عند غيرهم ممن يعتريه وهم أو ريبة أو سوء ظن، وقد وقع الحلف في خبر الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (^١) ووقع الاستحلاف في خبر الصادق، ففي الصحيحين من حديث أنس قال: نهينا أن نسأل رسول الله -ﷺ- فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، وقال: فمن خلق السماوات والأرض؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماوات والأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: فزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: ثم ولي وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي -ﷺ-: \"لئن صدق ليدخلن الجنة\" (^٢) أ. هـ.\n_________\n(^١) سورة الذاريات، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤).","vol":"7","page":567},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور\" والمراد بالطهور الوضوء، تقدم معنى إحسان الوضوء في كتاب الصلاة مبسوطا مختصرا والله أعلم.\nقوله ﷺ: \"ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له\" وتقدم الكلام على ركعتين بعد الوضوء في بابه في كتاب الصلاة.\nقوله: ثم قرأ رسول الله -ﷺ- هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (^١) الآية، قال بعض التابعين (^٢): لما أنزلت هذه الآية الشريفة بكى إبليس لعنه الله، يشير على شدة حزنه بنزولها لما فيها من الفرح لأهل الذنوب فهو لا يزال في هم وغم وحزن منذ بعث رسول الله -ﷺ- لما رأى منه ومن أمته ما يهمه ويغيظه ولا يزال إبليس يرى في مواسم المغفرة والعتق من النار ما يسوءه والله أعلم.\n\n٢٥٠٩ - وَعَن بِلَال بن يسَار بن زيد -﵁- قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول من قَالَ أسْتَغْفر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ غفر لَهُ وَإِن كَانَ فر من الزَّحْف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه (^٣).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(^٢) ذكره ابن جرير في التفسير (٦/ ٦٣) عن ثابت البناني، قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ \"بكى إبليس فزعا من هذه الآية\".\n(^٣) أبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.","vol":"7","page":568},{"text":"قَالَ الْحَافِظ وَإِسْنَاده جيد مُتَّصِل فقد ذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير أَن بِلَال سمع من أَبِيه يسَار وَأَن يسارا سمع من أَبِيه زيد مولى رَسُول الله -ﷺ- وَقد اخْتلف فِي يسَار وَالِد بِلَال هَل هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَو بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنه بِالْمُوَحَّدَةِ وَالله أعلم (^١).\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا إِلَّا أَنه قَالَ يَقُولهَا ثَلَاثًا (^٢).\nقوله: وعن بلال بن زيد مولى رسول الله -ﷺ-، قال: حدثني أبي عن جدي قال البخاري في تاريخه إن بلال سمع من أبيه يسار، وإن يسارا سمع من أبيه زيد مولى رسول الله -ﷺ- (^٣) وقد اختلف في يسار والد بلال هل هو بالباء الموحدة أو بالياء المثناة تحت، وذكر البخاري في تاريخه أنه بالموحدة والله أعلم، ذكره الحافظ المنذري.\n\n٢٥١٠ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- فِي مسيره فَقَالَ اسْتَغْفرُوا الله فاستغفرنا فَقَالَ أتموها سبعين مرّة يَعْنِي فأتممناها فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من عبد وَلَا أمة يسْتَغْفر الله فِي يَوْم سبعين مرّة إِلَّا غفر الله لَهُ سَبْعمِائة ذَنْب وَقد خَابَ عبد أَو أمة عمل فِي يَوْم وَلَيْلَة أَكثر من سَبْعمِائة ذَنْب\n_________\n(^١) التاريخ الكبير (٢/ ١٠٨).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥١١)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي: أبو سنان هو ضرار بن مرة، لم يخرج له البخاري.\n(^٣) التاريخ الكبير (٢/ ١٠٨) و(٨/ ٤٢٠).","vol":"7","page":569},{"text":"رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني (^١).\nقوله: وروي عن أنس بن مالك، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ما من عبد ولا أمة يستغفر الله في يوم سبعين مرة إلا غفر له سبعمائة ذنب\" الحديث، قد تكرر ذكر السبعين والسبعة والسبعمائة في القرآن والحديث، والعرب تضعها مواضع التضعيف والتكثير كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (^٢) الآية، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (^٣) وكقوله \"الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف\" وأعطى رجل أعرابيا درهما فقال سبع الله لك الأجر أراد التضعيف، قاله ابن العماد في شرح العمدة (^٤).\n\n٢٥١١ - وَعَن انس أَيْضا -﵁- فِي قَوْله ﷿: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (^٥) قَالَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّك خير الغافرين لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فارحمني إِنَّك أَنْت أرْحم الرَّاحِمِينَ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٦٥٢)، والأصبهاني في الترغيب (٢٠٦) قال ابن الجوزي: حديث لا يصح والحسن بن جعفر أحد رواته قال السعدي: واه والنسائي: متروك.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٨٠.\n(^٤) انظر عمدة الحفاظ (٢/ ١٦٨)، وقاله ابن العماد في تسهيل المقاصد (لوحة ٤١) وكشف الأسرار (لوحة ٤٠).\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ٣٧.","vol":"7","page":570},{"text":"نَفسِي فتب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم ذكر أَنه عَن النَّبِي -ﷺ- وَلَكِن شكّ فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده من لَا يحضرني حَاله (^١).\nقوله: وعن أنس أيضا تقدم.\nقوله: في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (^٢) قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، الحديث.\nاختلف العلماء في الكلمات فقال ابن أبي نجيح: الكلمات اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، وقال عبيد بن عمير: هو أنّ آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته على نفسي أم شيء قدّرته عليّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيء قدّرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا ربّ كما قدّرته عليّ فأغفر لي (^٣).\nوقال ابن عبّاس ﵄-: كانت \"لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسى فتب علىّ يا خير التوّابين\".\nقال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (^٤) قال: فلمّا قالها آدم انتشر صوته فى الافاق، جعل الأرض والجبال والشجر تقول \"أقرّ الله عينك يا آدم، وهنّاك الله بتوبتك\". وأمره الله\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٧١٧٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٧.\n(^٣) تفسير الدر المنثور: ١/ ٥٩.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٣٧.","vol":"7","page":571},{"text":"أن يبعث بالكلمات إلى حوّاء؛ فحملتها الريح إليها، فقالتها، فتاب الله عليها قال: ولمّا فرغ آدم من الدعاء والسجود قال له جبريل: ارفع رأسك. فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النّور، وفتحت له السماوات، ونودى بالتوبة والرضوان وقيل له: يا آدم، إنّ الله قد قبل توبتك. فذهب ليقوم فلم يقدر لأنه كان قد رسب فى الأرض كعروق الشجر، فاقتلعه جبريل، فصاح صيحة شديدة للألم الذى أصابه، وقال: \"ماذا تفعل الخطيئة\"؟ ثم ضرب جبريل بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل آدم منها، ثم كساه الله حلّتين من سندس الجنّة، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى حوّاء، فبشرها بالتوبة، وكساها كذلك؛ وسأل آدم جبريل عنها؛ فأخبره أن الله قد قبل توبتها، وأنه يجمع بينهما فى أشرف الأعياد وأكرم البقاع قال: وأمر الله ﷿ الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهنّئوه فأتوه وهنّأوه كما كانوا عزّوه ثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصّر من طوله، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء، فيسمع تسبيح الملائكة، فلمّا قصر اغتمّ لفقد ذلك، فقال له جبريل: لا يغمّك ذلك فإن الله يفعل ما يريد (^١).\nنظر آدم -﵇- إلى العرش فرأى على ساقه مكتوبا لا اله إلّا الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق فقال: يا ربّ أسألك بحقّ محمد أن تغفر لي فغفر له (^٢).\n_________\n(^١) نهاية الأرب في فنون الأدب (١٣/ ٢٤).\n(^٢) حديث التوسل الذي ذكره الشارح في هذا الموضع لا يصح: أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣١٣ - ٣١٤ رقم ٦٥٠٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٥) وعنه البيهقي في =","vol":"7","page":572},{"text":"روى المنهال عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (^١) قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه﴾ (^٢) وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه إني راجعك إلى الجنة. أ. هـ، قاله ابن قيم الجوزية في حادي الأرواح (^٣).\nوقال ابن عباس ومجاهد في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ﴾ (^٤) وقيل: أقوال غير هذه الأقوال.\nقوله: \"قال: قال سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين\" كان -ﷺ- يقول: \"سبحانك اللهم وبحمدك\" وقد أخبر الله تعالى عن الملائكة عليهم الصلاة والسلام أنهم\n_________\n= الدلائل (٢/ ٧٦ - ٧٧) و(٥/ ٤٨٨ - ٤٨٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٤٣٦ - ٤٣٧) عن عمر بن الخطاب مرفوعًا. قال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه، وهو ضعيف. قال الذهبي: بل موضوع، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم المذكور في إسناده واه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٥).\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٧.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٧.\n(^٣) انظر حادي الأرواح (ص ٣١)، ونهاية الأرب (١٣/ ٢٥).\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.","vol":"7","page":573},{"text":"قالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (^٢) وروى البغوي (^٣) في تفسيره أن تسبيحهم سبحانك وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك سبحانك وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، وقيل: معناه وبحمدك وبتوفيقك سبحت وهو من مجاز إطلاق السبب على المسبب لأن التوفيق هو سبب الحمد وقول الملائكة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ (^٤) أي: بسبب توفيقك وهذا كما قالت عائشة -﵂-: نحمد الله لا نحمدك [الذي نحيطه (بحمد الله لا بحمد) بالباء الموحدة فيهما وهو كذلك فيما وقعنا عليه من نسخ صحيح البخاري في حديث الإفك (^٥)، وقال -ﷺ- لأبيها: \"دعها، فقد أولت الحمد أهله\".\nوقوله: \"اللهم\" معناه: يا الله فعوضت الميم عن حرف النداء، وقيل: أصله يا الله أمنا.\nوقوله: \"عملت سوءا وظلمت نفسي\"، فإن قيل: كيف قال ظلمت نفسي، والنفس هي الظالمة للعبد لأنها هي الأمارة بالسوء وقال تعالى حكاية عن\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ٥.\n(^٣) ينظر: تفسير البغوي - طيبة (٥/ ٩٥).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٥) قال بعض أصحاب عبد الله بن المبارك له: أنا أستعظم هذا القول. فقال: ولت الحمد أهله ذكره في المصابيح، ولعلها تمسكت بظاهر قوله ﵊ لها: احمدي الله كما في الرواية الأخرى ففهمت منه أنه أمرها بإفراد الله بالحمد. (إرشاد الساري ٥/ ٣٧١).","vol":"7","page":574},{"text":"إبليس حين يقوم في النار خطيبا ولا يتكلم في ذلك المقام إلا بالحق ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١) وقال الله تعالى حكاية عن السامري ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (^٢) وقال -ﷺ-: \"عدوك نفسك التي بين جنبيك \" ويروي أن الله تعالى أعطى العبد نور العقل وجعله حاكما على ما يرد عليه من الوساوس التي من جهة الشيطان وعلى الهواجس التي من جهة النفس وعرفه طريق الرشد من الغي فالعقل متى حكم للنفس واتبع الهوى فقد أهلك نفسه، ولهذا قيل: إن قاضي الهوى يهلك نفسه والمحكوم له والمحكوم عليه والنفس ها هنا حتى حكم لها أهلكها لأنها أبدا تتبع الهوى وإن حكم على النفس نجى.\nوقوله: \"فارحمني\" وفي رواية \"فاغفر لي\" أي فبسبب ظلمي لنفسي واعترافي بذنبي فيه موافقة لقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ (^٣) وقدم المغفرة على الرحمة تأسيا بقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ (^٤).\nفإن قيل: لم قدم سؤال المغفرة على سؤال الرحمة، والمغفرة نوع من الرحمة؟\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٢.\n(^٢) سورة طه، الآية: ٩٦.\n(^٣) سورة القصص، الآية: ١٦.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.","vol":"7","page":575},{"text":"والجواب: أن المغفرة عبارة عن ستر الذنب أو محوه فإذا وجدت بعدها الرحمة كان أبلغ في الكرامة والعبد المذنب تارة يعفو عنه السيد وتاره يعفو عنه ويحسن إليه بالعتق وتارة يكسوه مع العتق والعتق مع الكسوة نوعان من الرحمة وكذلك ربنا ﷾ إذا عفا عن [زلة] عبده ترك عقوبته وستر عليه ذنوبه وأبدلها حسنات، فالرحمة راجعة إلى تبديل السيئات حسنات، [يعني] ذلك قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^١) قيل لإبراهيم بن أدهم: ما معنى قول العبد يا كريم العفو فقال: ما كفى أن غفر السيئات حتى أبدلها حسنات، وجاء في حديث آخر \"فاغفر لي مغفرة من عندك فإنك أنت الغفور الرحيم وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت\".\nقوله: \"مغفرة من عندك\" هو مصدر، وفيه تأكيد لطلب مضاعفة الساتر لأن الغفر الستر في كلام العرب ومنه المغفر لأنه يستر الرأس، وفيه استعارة حسنة لأن العورة الحسية يطلب سترها بمضاعفة الثياب كذلك العورة المعنوية وهي خلل المعصية فطلب ستره بمضاعفة الساتر المعنوي.\nقوله: \"من عندك\" قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: فيه إشارة إلى طلب مغفرة يتفضل بها من عند الله -تعالى- لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.","vol":"7","page":576},{"text":"وهذا تبرأ من الأسباب والإِدلال بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبًا عقليًّا (^١).\nوقوله: لا يقتضيها سبب من العبد، [فيه نظر لأن معناه إحالة العمل شهودا وإن كان ثابتا وجودا، فلعل العمل أن يكون معلولا أو يوجد عند النقد مدخولا فإن الثقة بالعمل خطير كيف والناقد بصير وعلى تقدير خلوصه، فعسى أن تستغرقه النعم التي لا يطاق حصرها ولا يطاق شكرها، وتذكر هنا قصة العابد التي قال الله تعالى: \"أدخلوه الجنة برحمتي\" (^٢) فقال: بل بعبادتي كذا وكذا فلما ركن إلى العمل قوبل بالنعم المستغرقة كذلك إلى أن رجع إلى شهود المنة والفضل (مع العصمة) والله أعلم فكيف لا يفزع إلى باب الفضل وهو تعالى هو المتفضل بالإيجاد والإمدإد وبإعطاء الإيمان قبل السؤال وهو خالق الهداية والموفق لمن وفق فضلا أوليا ثم أثاب عليه فضلا آخريا ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (^٣) فالفضل سابق وعائد منه عليك خلق ونسب إليك على أن الدعاء نفسه من توفيق الله وفضله على استيفاء شرائطه لا ينفى أن يعد سببا يركن إليه، كيف\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ٣١٣)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٥٠٧).\n(^٢) انظر: الضعفاء ٢/ ١٤٤ (٦٣٨)، وهذه القصة مع ضعف سندها ونكارة متنها تخالف نص القرآن: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٢٢٨.\n(^٣) سورة النور، الآية: ٢١.","vol":"7","page":577},{"text":"وهو غير موثوق بذلك والله أعلم قاله كاتبه] فيه نظر لأن تسبب العبد إذا كان بتوفيق الله تعالى كان من عند الله تعالى وأيضًا فدعاء العبد بطلب المغفرة تسبب من العبد فكيف يقال بإحالة ترتبها على السبب والأحسن أن يقال في مثل ذلك أن تكون المغفرة من عند الله تعالى بلا واسطة شفاعة من أحد من المخلوقين، فإن المعصية إذا كانت بين العبد وربه قوبلت بمغفرة من الرب كان أبلغ في الستر وأحسن، وإذا كانت بشفاعة أحد كان في ذلك فضيحة وعار على صاحبها بسبب إطلاع الغير عليها، وقد ورد أن الله تعالى ينسى العبد التائب ذنوبه حتى لا يذكرها بين يديه فيفتضح قيل وإليه الإشاراة بقوله تعالى ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ (^١) أي غطها عنا حتى لا نراها ولا نذكرها فنخجل بين يديك وورد في الحديث أن الله تعالى ينسي الحفظة ما عمله العبد وينسي الأرض ما عمل عليها حتى لا تشهد عليه يوم القيامة.\nقوله: \"فإنك أنت الغفور الرحيم\" فيه إشارة إلى أنه يستحب أن يدعى الله تعالى بإسمائه الحسنى فيقول يا غفور اغفر لي يا رزاق ارزقني ويا رحمان ارحمني وقد وقعت المقابلة هنا الأول بالأول وبالثاني الثاني، وقد يقع على خلاف ذلك بأن يراعي القرب فيجعل الأول للأخير ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٢).\nوقوله: \"ولا يغفر الذنوب إلا أنت\" إقرار بوحدانية الباري ﷾\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٣.\n(^٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧.","vol":"7","page":578},{"text":"ونفي الشريك وبأنه الضار النافع وبأنه ليس لغير من الأمور شيء واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار كما قال تعالى: \"علم عبدي بأن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي\" الحديث.\nتتمة: روى الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا إلى النبي -ﷺ- أنزل الله علي أمانين لأمتي ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (^١) فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة ثم قال حديث غريب فيه إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف أ. هـ (^٢)، الصواب أن إبراهيم بن مهاجر ليس بضعيف فقد روى له مسلم والأربعة (^٣) وحاله متقارب إنما أنكر عليه حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا شيء من نسله إلى سبعة آباء\" وهو: إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي، روى عن إبراهيم النخعي وطارق بن شهاب وطائفة،\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٣٣.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٠٨٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٣٤١)، والضعيفة (١٦٩٠). وفي الإسناد سفيان بن وكيع ضعيف، وعباد بن يوسف مجهول كما في التقريب.\n(^٣) وهم إنما هو إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلى الكوفى قال أحمد: \"أبوه أقوى في الحديث منه\". وقال ابن معين: \"ضعيف\". وقال البخاري: \"في حديثه نظر\"، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: \"ليس بقوي يكتب حديثه\". وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: \"ضعيف، ضعيف، أنا لا أكتب حديثه\"، وقال ابن الجارود: \"ضعيف\".\nوقال ابن حبان: \"كان فاحش الخطأ\". وقال الساجي: \"فيه نظر\". وقال الحافظ: \"ضعيف\". انظر: الجرح والتعديل (٢/ ١٥٢)، تهذيب الكمال (٣/ ٣٣). تهذيب التهذيب (١/ ٢٤٤) والتقريب (٤١٧).","vol":"7","page":579},{"text":"وقال الإمام أحمد: لا بأس به (^١) كما قال ابن عطية: قالت طائفة هذه الآية نزلت كلها بمكة، قالت فرقة: نزلت كلها بعد وقعة بدر، قال القاضي أبو محمد: وأجمع المتأولون على أن معنى قوله وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، أن الله ﷿ لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها، فما كان ليعذب هذه وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم (^٢)، وقوله بعدها ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ (^٣) مخصوص بالكفار أ. هـ، قاله في الديباجة (^٤).\nخاتمة: عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة\" (^٥) الحديث، استغفاره -ﷺ- إظهارا للعبودية والافتقار وملازمة الخضوع وشكرا لما أولاه فقد قال المحاسبي: خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالى (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد في مسنده (١/ ٤٢٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٦٢)، ومن طريق عبد بن حميد: ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١١١)، جميعهم من طريق عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن أبي هريرة، به. قال الطبراني: لم يروه عن إبراهيم إلا عمرو. اهـ، قال الألباني في الضعيفة (٣/ ٤٣٦): وعمرو صدوق له أوهام، لكن شيخه إبراهيم بن المهاجر -وهو ابن جابر البجلي- صدوق لين الحفظ؛ فهو علة الحديث. اهـ.\n(^٢) المحرر الوجيز (٢/ ٥٢١).\n(^٣) سورة الأنفال، الآية: ٣٤.\n(^٤) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٣٠٧)، والترمذي (٣٢٥٩).\n(^٦) نقله ابن بطال في شرح الصحيح (١٠/ ١٣٠) والقاضى عياض في إكمال المعلم (٨/ ١٩٧).","vol":"7","page":580},{"text":"٢٥١٢ - وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن جَابر بن عبد الله -﵁- عَن أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ واذنوباه واذنوباه فَقَالَ هَذَا القَوْل مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- قل اللَّهُمَّ مغفرتك أوسع من ذُنُوبِي ورحمتك أَرْجَى عِنْدِي من عَمَلي فَقَالَهَا ثمَّ قَالَ عد فَعَاد ثمَّ قَالَ عد فَعَاد ثمَّ قَالَ قُم فقد غفر الله لَك رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ رُوَاته مدنيون لَا يعرف وَاحِد مِنْهُم بِجرح (^١).\n\n٢٥١٣ - وَعَن الْبَراء -﵁- قَالَ لَهُ رجل يَا أَبَا عمَارَة وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة الْبَقَرَة ٥٩١ أهوَ الرجل يلقى الْعَدو فَيُقَاتل حَتَّى يقتل قَالَ لَا وَلَكِن هُوَ الرجل يُذنب الذَّنب فَيَقُول لَا يغفره الله رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\nقوله: وعن محمد بن عبد الله بن محمد بن جابر بن عبد الله -﵁- عن أبيه عن جده جابر بن عبد الله [هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بالراء، ابن عمرو بن سواد بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن على ابن أسد بن ساردة، بالسين\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٥٤٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧١٢٦)، حديث منكر؛ تفرد به عبيد الله بن محمد بن حنين أو عبد الله بن محمد بن حبيب وهو مجهول، وعبد الله بن محمد بن جابر لا تعرف حاله، ومحمد بن جابر قال فيه ابن سعد: لا يحتج به. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤١٠١).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٢٧٥)، والبيهقي في الشعب (٧٠٩٣).","vol":"7","page":581},{"text":"المهملة، ابن تزيد، بالتاء المثناة فوق، ابن جشم بن الخزرج الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى. وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله -ﷺ-. روى ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثا، وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم بمائة وستة وعشرين، وروى عن أبى بكر، وعمر، وعلى، وأبى عبيدة، ومعاذ، وخالد بن الوليد، وأبى هريرة، ﵃. روى عنه جماعات من أئمة التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، ومحمد الباقر، وعطاء، وسالم بن أبى الجعد، وعمرو بن دينار، ومجاهد، ومحمد بن المنكدر، وأبو الزبير، والشعبي، وخلائق، ومناقبه كثيرة، استشهد أبوه يوم أحد، فأحياه الله تعالى وكلمه، وقال: يا عبد الله، ما تريد؟ فقال: أن أرجع إلى الدنيا فأستشهد مرة أخرى، وثبت في صحيح البخاري، عن جابر قال: دفنت أبى يوم أحد مع رجل، ثم استخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه. وثبت فى صحيح مسلم، عن جابر، قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ- تسع عشرة غزوة، ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعنى أبى، فلما قتل أبى يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله -ﷺ- فى غزوة قط، وفي صحيح البخاري في كتاب المبعث، عن جابر بن عبد الله، ﵁، قال: أنا وأبى وخالى من أصحاب العقبة. توفى جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، ﵁. وكان ذهب بصره فى آخر عمره. روينا فى صحيحى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال لنا رسول","vol":"7","page":582},{"text":"الله -ﷺ- يوم الحديبية: \"أنتم اليوم خير أهل الأرض\"، وكنا ألفا وأربعمائة. قال جابر: لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وحيث أطلق جابر فى هذه الكتب فهو جابر بن عبد الله، وإذا أراد أبن سمرة قيده (^١)].\nقوله: قال جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: واذنوباه واذنوباه، الحديث وفي معنى الحديث، يقول بعضهم:\nيَا كَبِيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللهِ مِنْ ذَنْبِكَ أَكْبَرْ ... أَكْبَرُ الأَشْيَاءِ فِي أَصْغَرِ عَفْوِ اللهِ يَصْغُرْ (^٢)\nوقال آخر:\nيا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً ... فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ\nأَدعوكَ رَبِّ كما أَمَرتَ تَضَرُّعًا ... فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ\nإِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ ... فَمَنْ ذَا الذِي يَرْجُو وَيَدعُو المُجرِمُ\nما للفقير وَسيلَةٌ إِلّا الرَجا ... وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ (^٣)\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٢ - ١٤٣ ترجمة ١٠٠).\n(^٢) ذكره ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٣٤٥).\n(^٣) انظر: ديوان أبي نؤاس: ٦١٨.","vol":"7","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>الترغيب في كثرة الدعاء وما جاء في فضله</span>\n٢٥١٤ - عَن أبي ذَر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- فِيمَا يروي عَن ربه ﷿ أَنه قَالَ يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظالموا يَا عبَادي كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته فاستهدوني أهدكم يَا عبَادي كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته فاستطعموني أطْعمكُم يَا عبَادي كلكُمْ عَار إِلَّا من كسوته فاستكسوني أكسكم يَا عبَادي إِنَّكُم تخطئون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَنا أَغفر الذُّنُوب جَمِيعًا فاستغفروني أَغفر لكم يَا عبَادي إِنَّكُم لن تبلغوا ضري فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعي فتنفعوني يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أتقى قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا على أفجر قلب رجل وَاحِد مِنْكُم مَا نقص ذَلِك من ملكي شَيْئا يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قَامُوا فِي صَعِيد وَاحِد فسألوني فَأعْطيت كل إِنْسَان مِنْهُم مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا ينقص الْمخيط إِذا أَدخل الْبَحْر يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله ﷿ وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه قَالَ سعيد كَانَ أَبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث جثا على رُكْبَتَيْهِ رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n_________\n(^١) مسلم (٢٥٧٧).","vol":"7","page":584},{"text":"وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن شهر بن حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم عَنهُ وَلَفظ ابْن مَاجَه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله ﵎ يَقُول يَا عبَادي كلكُمْ مذنب إِلَّا من عافيته فاسألوني الْمَغْفِرَة أَغفر لكم وَمن علم مِنْكُم أَنِّي ذُو قدرَة على الْمَغْفِرَة واستغفرني بِقُدْرَتِي غفرت لَهُ وكلكم ضال إِلَّا من هديت فاسألوني الْهدى أهدكم وكلكم فَقير إِلَّا من أغنيت فاسألوني أرزقكم وَلَو أَن حيكم وميتكم وأولكم وآخركم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا فَكَانُوا على قلب أتقى عبد من عبَادي لم يزدْ فِي ملكي جنَاح بعوضة وَلَو اجْتَمعُوا فَكَانُوا على قلب أَشْقَى عبد من عبَادي لم ينقص من ملكي جنَاح بعوضة وَلَو أَن حيكم وميتكم وأولكم وآخركم ورطبكم ويابسكم اجْتَمعُوا فَسَأَل كل سَائل مِنْهُم مَا بلغت أمْنِيته مَا نقص من ملكي إِلَّا كَمَا لَو أَن أحدكُم مر بشفة الْبَحْر فَغَمسَ فِيهَا إبرة ثمَّ نَزعهَا ذَلِك بِأَنِّي جواد ماجد عطائي كَلَام إِذا أردْت شَيْئا فَإِنَّمَا أَقُول لَهُ كن فَيكون وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِ ابْن مَاجَه (^١). وَتقدم لَفظه فِي الْبَاب قبله.\nالْمخيط بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت هُوَ مَا يخاط بِهِ الثَّوْب كالإبرة وَنَحْوهَا.\nقوله: عن أبي ذر -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- فيما يروي عن ربه ﷿ أنه قال: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي\" معناه: تقدست عنه وتعاليت فهو في حقه ﷾\n_________\n(^١) الترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٠٨٩)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.","vol":"7","page":585},{"text":"كالشيء المحرم على الناس فالظلم مستحيل في حق الله تعالى وهذا قول الجمهور، وقد ذهب قوم إلى أنه ﷿ قادر على الظلم وهو متصور منه لكنه يفعله عدلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده واحتجوا بقوله ﷿ ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (^١) ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (^٢) ومثل هذا في القرآن كثير والله أعلم.\nقوله تعالى: \"وجعلته بينكم محرما\" أي كرمته عليكم ومنعتكم منه شرعا، والظلم لغة وضع الشيء في غير موضعه، وشرعا: التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وقد نقل هذا عن إياس بن معاوية وغيره والله أعلم.\nقوله تعالى: \"فلا تظالموا\" هو بفتح التاء، أصله: تتظالموا أي فلا يظلم بعضكم بعضا وهذا توكيد لقوله: \"وجعلته بينكم محرما\" ومعناه: أنه تعالى حرم الظلم على عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم فنهاهم، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره مع أن الظلم نفسه محرم مطلقا، وهو نوعان، أحدهما: ظلم النفس وأعظمه الشرك كما قال ﷿ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^٣)، والثاني: ظلم العبد لغيره وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال النبي -ﷺ- في خطبته في حجة الوداع \"إن دمماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٢٩.\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٣١.\n(^٣) سورة لقمان، الآية: ١٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في التفسير (٤٤٠٦) (٣١٩٧) (١٠٥)، والحج (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩).","vol":"7","page":586},{"text":"قوله -ﷺ-: عن الله ﷿ \"يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته\" هذا كقوله ﷿ ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (^١) ونحوها ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ (^٢).\nقوله: \"فاستهدوني\" أي: اسألوني الهداية واعتقدوا أنها لا تكون إلا من فضلي وبأمري أهدكم، قاله الطوفي (^٣)، وقال النووي في شرح مسلم (^٤): ظاهر هذا الكلام يقتضي أنهم خلقوا على الضلالة إلا من هداه الله، قال المازري ظاهر هذا أنهم خلقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى وفي الحديث المشهور كل مولود يولد على الفطرة قال فقد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي -ﷺ- وأنهم لو تركوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا وهذا الثاني أظهر وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله وبهدي الله اهتدى وبإرادة الله تعالى ذلك وأنه ﷾ إنما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون ولم يرد هداية الآخرين ولو أرادها لاهتدوا خلافا للمعتزلة (^٥).\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ١٧.\n(^٢) سورة الضحى، الآية: ٧.\n(^٣) التعيين (ص ١٨٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٥) شرح مسلم (١٦/ ١٣٣).","vol":"7","page":587},{"text":"قوله -ﷺ- عن الله ﷿: \"يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم\" وذلك أن الناس عبيد الله لا يملكون شيئا وخزائن الرزق بيد الله ﷿ فمن لا يطعمه بفضله بقى جائعا بعدله إذ ليس عليه إطعام أحد.\nفإن قلت: كيف هذا مع قوله ﷿: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^١)؟\nقلنا: هذا التزام منه تفضلا لا أن عليه للدابة حقا بالأصالة، وشبيه بهذا قوله ﷿ ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (^٢) الآية، أي ذلك واجب منه تفضلا التزاما عليه لزوما قاله الطوفي (^٣).\nقوله -ﷺ- عن الله ﷿ أنه قال: \"يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار\" وهذا من باب مقابلة الجمع بالجمع أي تصدر منكم الخطيئة ليلا ونهارا، من بعضكم ليلا، ومن بعضكم نهارا، الرواية المشهور: \"تخطئون\" بضم التاء وسكون الخاء وكسر الطاء وضبطه بعض الفضلاء بفتح التاء والطاء على وزن تفترون من الافتراء يقال: خطئ يخطئ إذا فعل ما يأثم به فهو خاطئ ويقال في الإثم أيضا أخطا وهما صحيحان ومنه قوله تعالى\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ٦.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٧.\n(^٣) التعيين (ص ١٨٦).","vol":"7","page":588},{"text":"﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (^١) والخطأ من غير قصد معفو عنه لا يعتد به أصلا ذنبا لقوله -ﷺ-: \"عفي لأمتي الخطأ والنسيان\".\nقوله -ﷺ- عن الله ﷿: \"وأنا أغفر الذنوب جميعا\" هو كقوله ﷿ في التنزيل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (^٢).\nقوله تعالى: \"يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني\" الحديث، اعلم أن الإجماع والبرهان على أن الله ﷿ منزه مقدس غني بذاته لا يلحقه ضر ولا نفع ولا يحتاج إلى ذلك وظاهر هذا الحديث أن لضره ونفعه غاية لكن لا يبلغها العباد والله أعلم، قاله الطوفي (^٣)، ومعناه: أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله تعالى نفعا ولا ضرا فإن الله تعالى في نفسه غني حميد لا حاجة له بطاعات العباد ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها ولا يتضرر بمعاصيهم وإنما هم يتضررون بها قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (^٤) وكان -ﷺ- يقول في خطبته \"ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا\" قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (^٥) وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٩٧.\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٥٣.\n(^٣) التعيين (ص ١٨٩).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٧٦.\n(^٥) سورة النساء، الآية: ١٣١.","vol":"7","page":589},{"text":"وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (^١) والمعنى: أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه كما أنه قد يكره منهم أن يعصوه ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته التي عليها طعامه وشاربه بفلاة من الأرض وطلبها حتى يعي وأيس منها واستسلم للموت وأيس من الحياة ثم غلبته عينه فنام فاستيقظ وهي قائمة عنده وهذا أغلى ما يتصوره المخلوق من الفرح هذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوبتهم وأنه إنما يعود نفعها إليهم دونه ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم ودفع الضرر عنهم فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده والله أعلم قاله ابن رجب (^٢).\nقوله -ﷺ- عن الله ﷿: \"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني\" الحديث، أي: في أرض واحدة فالصعيد وجه الأرض، والمراد بقوله \"في صعيد واحد\" في مقام واحد قيد السؤال بالاجتماع لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسئول عنه ويعسر عليه إنجاح مآربهم (^٣) والله أعلم قاله في شراح مشارق الأنوار.\nقوله -ﷺ- عن الله ﷿: \"ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر\" المخيط بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٣٧.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٣).\n(^٣) تحفة الأبرار (٢/ ٧٠)، وشرح المشكاة (٦/ ١٨٣٩).","vol":"7","page":590},{"text":"الياء المثناء تحت وهو ما يخاط به الثوب كالإبرة ونحوها قاله الحافظ المنذري، قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام ومعناه لا ينقص شيئا كما قال في الحديث الآخر \"يد الله ملئى لا يغيضها نفقة\" أي لا تنقصها لأن ما عند الله تعالى لا يدخله نقص وإنما يدخل النقص المحدود الفاني وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة والمقصود التقريب إلى الأفهام مما يشاهدوه فإن البحر أعظم المرئيات عيانا وأكبرها، والإبراة من أصغر الموجودات مع أنها صقلية لا يتعلق بها (^١) والله أعلم أ. هـ.\nوقال ابن رجب: تحقيق لأن ما عند الله لا ينقص البتة كما قال تعالى ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (^٢) فإن البحر إذا غمس فيه إبرة ثم أخرجت لم ينقص من البحر بذلك شيء وكذلك لو فرض أنه شرب منه عفور مثلا فإنه لا ينقص البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى -ﷺ- هذا المثل في نفسه في نسبة علمهما إلى علم الله ﷿ وهذا لن البحر لا يزال تمده مياه الدنيا وأنهارها الجارية فمهما أخذ منه لم ينقصه شيء لأنه يمده ماء هذا هذا زيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها فإنه لا ينفد كما قال الله تعالى ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ (^٣) وقد جاء أنه كلما\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٣).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(^٣) سورة الواقعة، الآيتان: ٣٢ - ٣٣.","vol":"7","page":591},{"text":"نزعت تمرة عاد مكانها مثلها، ووري مثلاها فهي لا تنقص أبدا وكذلك الشراب، يشرب حتى ينتهي نفسه ثم يعود مكانه، ورئى بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدة في المنام فقال ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ أما علمتم أن طعام الجنة لا ينفد، أ. هـ.\nقوله -ﷺ- عن الله ﷿: \"يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها\" بالجزاء عليها، وهذا كقوله ﷿ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (^١) فالشر يجازى به مثله من غير زيادة إلا أن يعفو الله عنه، والخير يضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرها إلا الله تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٢) (^٣).\nفائدة: قوله في الحديث \"إنما هي أعمالكم أحصيها لكم\" أي: بعلمي وملائكتي الحفظة.\nفإن قيل: ما الحاجة إلى الحفظة مع علمه؟ قيل: ليكونوا شهداء بين الخالق والمخلوق ولهذا يقال لبعض الناس يوم القيامة كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا، وقيل فيه: غير ذلك والله تعالى أعلم.\nقوله -ﷺ- عن الله ﷿ أنه قال: \"فمن وجد خيرا فليحمد الله ﷿\n_________\n(^١) سورة الزلزلة، الآية: ٧ - ٨.\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٩ - ٥٢) باختصار.","vol":"7","page":592},{"text":"ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه\" الحديث، إن كان المراد من وجد ذلك في الدنيا كما قال الله ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (^١) الآية، ويكون مأمورًا يلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب الذي وجد عاقبتها في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ (^٢) الآية، فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع على نفسه ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، فيه إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على بعده من غير استحقاق والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه كما قال ﷿ ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^٣) والله أعلم قاله ابن رجب (^٤).\nقوله: قال سعيد، وسعيد هذا هو ابن عبد العزيز التنوخي.\nقوله: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه، وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله بالهمز وبالذال المعجمة بن عبد الله بن عمرو على المشهور، الخولاني: بالخاء المعجمة الشامي التابعي الجليل القدر الكبير الشأن ولاه معاوية القضاء بدمشق وكان من عبادة الشام وقرائهم، ولد يوم حنين، توفي سنة ثمانين والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٤٠.\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ٢١.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٧٩.\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٣).","vol":"7","page":593},{"text":"٢٥١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله ﷿ يَقُول أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا دَعَاني رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله ﷿ يقول أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني\" الحديث، للدعاء شرط وآداب منها: أن يحسم الداعي ظنه بالإجابة لهذا الحديث المذكور.\n\n٢٥١٦ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (^٢) \" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nقوله: وعن النعمان بن بشير -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"الدعاء هو العبادة، ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ \".\n_________\n(^١) البخاري (٧٤٠٥)، وفي الأدب المفرد (٦١٦)، ومسلم (٢٦٨٦)، والترمذي (٣٦٠٣)، والنسائي (٧٧٣٠)، وابن ماجه (٣٨٢٢)، وأحمد (٧٤٢٢)، وابن حبان (٨١١).\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(^٣) أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٣٧٢)، والنسائي في اليوم والليلة (١١٤٦٤)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم (١/ ٤٩٠)، وأحمد (١٨٣٥٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٠٧).","vol":"7","page":594},{"text":"قوله: \"هو العبادة\" أي معظمها كقولهم \"الحج عرفة\".\nقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي﴾ قال ابن عباس: يريد وحدوني أغفر لكم، وكذا قال مجاهد ويدل على صحة هذا التفسير حديث النعمان هذا، والدعاء بمعنى العبادة في القرآن كثير ولما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة لتجانس اللفظ وعن الثوري أنه قيل له: ادع الله قال: إن ترك الذنوب هو العبادة (^١)، وفي الحديث \"إذا شغل عبدي طاعتي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" (^٢) وقيل: الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، وعن كعب: إعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلا نبيا مرسلا: كان يقول لكل نبيّ أنت شاهدي على خلقي، وقال لهذه الأمة لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وكان يقول: ما عليك من حرج، وقال لنا ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وكان يقول: ادعني أستجب لك، وقال لنا ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٣). وهذا [الوعد مقيد بشرط] المشيئة وينبغي للداعي أن يفرغ قلبه مما سوى الله تعالى فلا يكون فيه ذرة اعتماد على غيره من مال أو جاه أو قريب أو صديق أو جد واجتهاد فإذا لم يبق في القلب التفات إلى شيء من ذلك فالمرجو\n_________\n(^١) أورده الطبري في التفسير (٢٠/ ٣٥٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦) وإسناده ضعيف جدًّا. قال أبو حاتم في العلل (١٧٣٨): منكر. وفي إسناده عطية وهو العوفي قال عنه الحافظ في التقريب صدوق يخطيء كثيرًا وكان شيعيًّا مدلسًا (ت ٤٦٤٩). وانظر: الضعيفة (١٣٣٥).\n(^٣) ذكره الزمخشري في التفسير (٤/ ١٧٥)، والماوردي في النكت والعيون (٥/ ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"7","page":595},{"text":"من الله ﷾ القبول وإذا حصل الرد والعياذ بالله تعالى فلعله لفوات بعض هذه الأمور وعدم صدق الالتجاء والله أعلم، وقال الله ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ أي: صاغرين، جعل الله الدعاء عبادة ولأن الداعي إنما هو يدعوا الله ﷿ عند انقطاع أمله مما سواه وذاك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها فالدعاء مخ العبادة من هذا الوجه ومخ الشيء خالصه وإنما كان مخها لأمرين، أحدهما: أنه امتثال لأمر الله ﷿ حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وخالصها، والثاني: إنه إذا رأى نجاح الأمور من الله ﷿ قطع أمله ممن سواه ودعاه لحاجته موحدا وهذا هو أصل العبادة أ. هـ، فإن الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء قاله في النهاية (^١) قال النووي (^٢): اعلم المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء أن الدعاء مستحب قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية، والآيات في هذا الباب كثيرة مشهورة، وأما الأحاديث الصحيحة فكذلك وروينا رسالة الإِمام أبي القاسم القشيريّ -﵁- قال: اختلفَ الناسُ في أن الأفضل الدعاء، أم السكوت والرضى؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة، للحديث السابق \"الدُّعاءُ هُوَ العبادة\" ولأنَّ الدعاءَ إظهارُ الافتقار إلى الله تعالى.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٥).\n(^٢) الأذكار (ص ٣٩٥).","vol":"7","page":596},{"text":"وقالت طائفة: السكوت والخمودُ تحت جريان الحكم أتمّ، والرضا بما سبق به القدر أولي، وقال قوم: يكون صاحبُ دعاءٍ بلسانه ورضا بقلبه ليأتيَ بالأمرين جميعًا.\nقال الإمام القشيري: والأولى أن يقال إِن الأوقات مختلفة ففي بَعْض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وَهُوَ الأدب وَفِي بَعْض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وَهُوَ الأدب وإنما يعرف ذَلِكَ فِي الوقت، لأن علم الوقت إِنَّمَا يحصل فِي الوقت فَإِذَا وجد بقلبه إشارة إِلَى الدعاء فالدعاء لَهُ أولى وإذا وجد إشارة إِلَى السكوت فالسكوت لَهُ أتم، أ. هـ (^١)، قال الإمام السبكي: والصواب أن الدعاء أولى مطلقا لما في الحديث الذي رواه أبو هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"من لم يدع الله غضب عليه\" قال: ومن شروط الدعاء أن يكون مطعمه حلالا ومن آدابه حضور القلب، وقال الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء: آداب الدعاء عشرة، الأول: أن يترصد الأزمان الشريفة كيوم عرفة وشهر رمضان ويوم الجمعة والثلث الأخير من الليل ووقت الأسحار؛ والثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة كحالة السجود والتقاء الجيوش ونزول الغيث وإقامة الصلاة وبعدها وبين الأذان والإقامة وعند فطر الصائم، قلت: وحالة رقة القلب، الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع اليدين ويمسح بهما وجهه في آخره، الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر، الخامس: أن لا يتكلف السجع في الدعاء، وقد فسر به\n_________\n(^١) الرسالة للقشيري (٢/ ٤٢٢).","vol":"7","page":597},{"text":"الاعتداء في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (^١) فقيل: معناه التكلف بالأسجاع والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة فما كل أحد يحسن الدعاء فيخاف عليه الاعتداء، وقال بعضهم: ادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والإنطلاق ويقال إن العلماء والأبدال لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات ويشهد له ما ذكره ﷾ في آخر سورة البقرة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ (^٢) إلى آخرها، لم يخبر ﷾ في موضع عن داعية عباده بأكثر من ذلك، قلت: ومثله قول الله سبحانه في سورة إبراهيم ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (^٣) إلى آخره، قلت: والمختار الذي عليه جماهير العلماء أنه لا حجر في ذلك ولا تكره الزيادة على السبع بل يستحب الإكثار من الدعاء مطلقا، السادس: التضرع والخشوع والرهبة قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (^٤) الآية، وقال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (^٥)، السابع: أن يجزم بالطلب ويوقن بالإجابة ويدق رجاؤه فيها ودلائله كثيرة مشهورة، قال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(^٣) سورة إبراهيم، الآية: ٣٥.\n(^٤) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.\n(^٥) الأعراف، الآية: ٥٥.","vol":"7","page":598},{"text":"الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧)﴾ (^١)، الثامن: أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا ولا ولا يستبطئ الإجابة، وقال بعضهم إنني أسأل الله حاجة منذ عشرين سنة وما أجابني وأنا أرجوا الإجابة، التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله، قلت: وبالصلاة على رسول الله -ﷺ- بعد الحمد والثناء ويختمه بذلك كله أيضا، قال سلمة بن الأكوع سمعت النبي -ﷺ- يستفتح الدعاء بقوله سبحان ربي العلي الأعلي الوهاب، وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله تعالى فليبتدئ بالصلاة على النبي -ﷺ- ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي -ﷺ- فإن الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم أن يدع ما بينهما، العاشر: وهو أهمها والأصل في الإجابة وهو التوبة ورد المظالم والإقبال على الله تعالى والله أعلم (^٢).\n\n٢٥١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من سره أَن يستجيب الله لَهُ عِنْد الشدائد فليكثر من الدُّعَاء فِي الرخَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيثه وَمن حَدِيث سلمَان وَقَالَ فِي كل مِنْهُمَا صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) سورة الحجر، الآيتان: ٣٦ - ٣٧.\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٣٠٦). وينظر تخريج الأحاديث في المغني للعراقي.\n(^٣) الترمذي (٣٣٨٢)، وقال: حديث غريب، والحاكم (١/ ٥٤٤)، وأبو يعلى (٦٣٩٦)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٩٠).","vol":"7","page":599},{"text":"قوله -ﷺ-: \"من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء\" الحديث، والرخاء سعة العيش، ومنه الحديث \"ليس كل الناس مرخي عليه\" (^١) أي: موسعا عليه في رزقه ومعيشته.\nقوله: عن أنس بن مالك -﵁- قال: كان رجل على عهد رسول الله -ﷺ- يتجر من بلاد الشام إلى المدينة ولا يصحب القوافل توكلا منه على الله فبينما هو جاء إلى الشام يريد المدينة إذ عرض له لص على فرس فصاح بالتاجر: قف! قال: فوقف له التاجر وقاله له شأنك بمالي وخل سبيلي، قال: فقال له اللص المال مالي وإنما أريد نفسك، فقال له ثانيا وثالثا وهو يأبي، فقال التاجر: أنظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعوا ربي ﷿، قال: افعل ما بدا لك، فتوضأ التاجر وصلى أربع ركعات ورفع يده إلى السماء فكان من دعائه: يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما يريد أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء لا إله إلا أنت يا مغيث أغثني ثلاث مرات، فلما فرغ من دعائه إذا بفارس على فرس أشهب عليه ثياب خضر بيده حربة من نور فلما رأى اللص إلى الفارس ترك التاجر ومر نحو الفارس فلما دنا منه شد الفارس على اللص فطعنه طعنة أرداه عن فرسه ثم جاء إلى التاجر فقال له قم فاقتله فقال له التاجر من أنت، فما قتلت أحدا قط ولا تطيب نفسي بقتله فرجع الفارس إلى اللص وقتله ورجع إلى التاجر\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٥٦).","vol":"7","page":600},{"text":"وقال: اعلم أني ملك من السماء الثالثة حين دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا أمر حدث ثم دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل -﵇- علينا وهو ينادي: من لهذا المكروب فدعوت ربي أن يوليني قتلهن واعلم يا عبد الله أن من دعا بدعائك هذا في كل كربة وشدة وكل نازلة فرج الله عنه وأغاثه، قال: وجاء التاجر إلى المدينة سالما وأخبر النبي -ﷺ- بالحال والدعاء فقال النبي -ﷺ- \"لقنك الله أسماءه الحسنى الذي إذا دعي بها أجاب وإذا سئل بها أعطى\" والله أعلم (^١).\n\n٢٥١٨ - وَعنهُ -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء فِي الرخَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ غَرِيب وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعنه -﵁-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في (مجابوا الدعوة ٦٣)، وفي (الهواتف ٢٤) ومن طريقه: اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (كرامات الأولياء ٥/ ١٦٦، ١١١) وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (١٠٤) وذكره ابن حجر في الإصابة (١٢/ ٢٤). وفي الإسناد الكلبي مجهول، وليس هو صاحب التفسير كما ورد في الأسانيد السابقة وكما يلاحظ، فقد اضطرب فيها فالقصة ليست بثابتة فيما أري، والعلم عند الله.\n(^٢) الترمذي (٣٣٧٠)، وقال: حديث غريب، وابن ماجه (٣٨٢٩)، وابن حبان (٨٧٠)، والحاكم (١/ ٤٩٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١٢)، وأحمد (٨٧٤٨)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٣٩٢).","vol":"7","page":601},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ليس شيء أكرم على الله من الدعاء\" وقال في حديث آخر \"الدعاء هو العبادة\" قال الفقيه أبو الليث: ينبغي أن يدعو الله تعالى في كل وقت ويرفع جميع حوائجه فإن ذلك علامة العبودية فإن أحب عباد الله إلى الله من يسأله وأبغض الناس إلى الله من استغنى عنه وأحب الناس إلى الناس من استغنى عنهم ولا يسألهم شيئا وأبغض الناس إلى الناس من يسألهم انتهي، قال الحليمي (^١): اعلم أن للدعاء أركانا وآدابا وقد ذكرت من كلام الغزالي في الأحاديث المقتدمة لكن الحليمي ذكر أشياء زائدة وأنا أذكر شيئا مما قاله الحليمي بحروفه فمن أركانه: أن لا يكون عليه في سؤال ما سأل حرج، ومنها: أن يكون له في السؤال غرض صحيح، ومنها: أن يكون حسن الظن بالله ﷿ فتكون الإجابة أغلب على قلبه من الرد، ومنها: أن يدعو الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلي، ومنها: أن يسأل جدا وحقيقة ولا يأخذ دعاء مؤلفا فيسرده سردا وهو عن حقائقه غافل، ومنها: أن لا يشغله الدعاء عن فريضة لله تعالى حاضرة فيفوتها، ومنها: أن يكون دعاؤه سؤالا بالحقيقة لا اختبارا للرب تعالي، ومنها: أن يصلح لسانه إذا دعا ولا يخاطب ربه تعالى بما لو خاطب به كفؤه وقريبه لنسبه إلى قلة الحياء أو سوء الأدب أو ركاكة العقل، ومنها: أن لا يدعو ضجرا مستعجلا، ومنها: أن حاجته إذا عظمت لم يسألها الله تعالى مستعظما إياها في ذات الله تعالى بل يسأله الحاجة الصغيرة والكبيرة سؤالا واحدا ويرى منه المحافظة على الدعاء في الرخاء دون تخصيص الشدة والبلاء، ومنها: أن يقتصر على جوامع الدعاء ما لم تعرض\n_________\n(^١) المنهاج (١/ ٥٢٢ - ٥٢٣).","vol":"7","page":602},{"text":"له حاجة يعنيها فينص عليها، ومنها: أن يدعو وهو طاهر، ومنها: أن يستقبل القبلة ويسن في الدعاء مستقبل القبلة وهو أفضل، قال النووي (^١): يلحق بالدعاء الوضوء والغسل والأذكار والقراءة وسائر الطاعات إلا ما خرج بالدليل كالخطبة ونحوها، ومنها: أن يدعو في دبر كل صلاة، ومنها: أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما المنكبين إذا دعا [لأن في رفع اليدين الضراعة إلى الله تعالى والتذلل قاله الكرماني (^٢). أ. هـ من خط المصنف ﵀]، ومنها: أن يخفض صوته بالدعاء، ومنها: أن يمسح بيديه وجهه إذا فرغ من الدعاء، ومنها: أن يحمد الله تعالى إذا عرف الإجابة، ومنها: أن لا يخلى يوما وليلة من الدعاء [ومنها: أن يختم بآمين للحديث \"واختم بآمين وأبشر\"، ومنها: يكره أن يرفع الداعي بصره إلى السماء]، ويتحري للدعاء الأوقات والأحوال والمواطن التي ترجي فيها الإجابة فأما الأوقات فمنها ما بين الظهر والعصر من يوم الأربعاء ومنها ما بين زوال الشمس من يوم الجمعة على أن تغرب الشمس، ومنها عند اجتماع المسلمين على الدعاء ومنها عند القيام من المجلس وأما المواطن فالموقفان والجمرتان وعند البيت والملتزم خاصة وعلى الصفا والمروة.\nفائدة: ومن آداب الدعاء فيما ذكره الغزالي وغيره أن يمسح الداعي يديه على وجهه إذا فرغ من الدعاء، فقد روي أبو داود عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"صلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٨٩).\n(^٢) الكواكب الدراري (٦/ ٤٢).","vol":"7","page":603},{"text":"فامسحوا بها وجوهكم\" (^١) انتهى.\n\n٢٥١٩ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول قَالَ الله تَعَالَى يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي الحَدِيث رَوَاهُ التّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الاسْتِغْفَار (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث قبله مطولا، وفيه: \"يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بقرابها مغفرة\" قراب الأرض بضم القاف ما يقارب ملؤها، وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه (^٣)، فالسنة لمن دعا برفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء ولمن دعا بتحصيل شيء أن يجعل بطنهما إليها، قاله الرافعي وغيره في باب الاستسقاء، وكان مالك يرى رفع اليدين في الاستسقاء وبطونهما إلى الأرض قال النووي (^٤): أما رفع اليدين خارج الصلاة في الدعاء فمستحب فقد ثبت رفع اليدين في الاستسقاء عن رسول الله -ﷺ- من رواية جماعة من الصحابة، وأما مسح الوجه فلا يسن في قنوت الصلاة، قال البيهقي لأنه لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس فلا يستحب قطعا بل نص جماعة على\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٧١٥)، وأبو داود (١٤٨٥)، والحاكم (١/ ٥٣٦). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٢٦٢).\n(^٢) الترمذي (٢٦٩٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٣٢٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٣٨٦). وضعفه الألباني في المشكاة (٢٢٤٥)، الإرواء (٤٣٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٩٠).","vol":"7","page":604},{"text":"كراهته، قال: وإنما روي ذلك في الدعاء خارج الصلاة من رواية ابن عباس بإسناد ضعيف ورود في الحديث حكمته وهو الإفاضة عليه مما أعطاه الله فإن قلنا لا يرفع لم يشرع المسح بلا خلاف وإن قلنا يرفع فوجهان أشهرهما عند جماعة من الأصحاب أنه مستحب، والثاني: لا يمسح وهو الصحيح عند المحققين، والحاصل للأصحاب ثلاثة أوجه الصحيح يستحب رفع يديه دون مسح الوجه، الثاني: لا يستحب، والثالث: يستحبان، وأما غير الوجه والصدر وغيره فاتفقوا على أنه لا يستحب بل قال ابن الصباغ وغيره من العلماء أنه مكروه، والله أعلم.\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث قبله مطولا، وفيه: \"يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بقرابها مغفرة\" قراب الأرض بضم القاف، وحكي صاحب المطالع الكسر ما يقارب مثلها.\n\n٢٥٢٠ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا على الأَرْض مُسلم يَدْعُو الله بدعوة إِلَّا آتَاهُ الله تَعَالَى إِيَّاهَا أَو صرف عَنهُ من السوء مثلهَا مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم فَقَالَ رجل من الْقَوْم إِذا نكثر قَالَ الله أَكثر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (^١). قَالَ الجراحي يَعْنِي الله أَكثر إِجَابَة.\n_________\n(^١) الترمذي (٣٥٧٣)، وقال: حديث حسن صحيح ريب من هذا الوجه، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٣٧)، وعبد الله بن أحمد في زيادته على المسند (٢٢٧٨٥)، والطبراني في الأوسط =","vol":"7","page":605},{"text":"قوله: وعن عبادة بن الصامت -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله تعالى إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم\" من شروط الداعي أن الداعي لا يدعوا بمعصية كالإثم وقطيعة الرحم، وقال -ﷺ-: \"إن العبد لا يخطئه من العبادة إحدى ثلاث إما ذنب يغفر أو خير يعجل أو خير يدخر له\" رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس (^١)، وروي الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا \"سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج\" (^٢) أ. هـ.\nقوله: من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان [صدوق رمي بالقدر وثقه ابن المديني وأبو حاتم ودحيم وابن معين وقال صالح جزرة قدري صدوق، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي وصحح له الترمذي وغيره].\n\n٢٥٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلم ينصب وَجهه لله ﷿ فِي مَسْأَلَة إِلَّا أَعْطَاهَا إِيَّاه إِمَّا أَن يعجلها لَهُ وَإِمَّا أَن يدخرها\n_________\n= (١٤٧)، وفي الدعاء (٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٣١)، والبغوي (١٣٨٧)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٣٨).\n(^١) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٨٧٦). وضعفه العراقى في تخريج الإحياء (ص ٣٦١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٧١)، وابن أبي الدنيا في الفرج (٢). وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٤٩٢).","vol":"7","page":606},{"text":"لَهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من مسلم ينصب وجهه لله ﷿ في مسألة إلا أعطاها إياه إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له في الآخرة\" الحديث.\nفائدة فيها بشرى: قال هلال بن يساف -﵁- بلغني أن المسلم إذا دعا الله تعالى فلم يستجب له كتب له حسنة يعني جزاء لمصيبة رده، خرجه ابن أبي شيبة والله أعلم.\n\n٢٥٢٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا قَالُوا إِذا نكثر قَالَ الله أَكثر رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى بأسانيد جَيِّدَة وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أحمد (٩٧٨٥)، والحاكم (١/ ٤٩٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٢٦).\n(^٢) أحمد (١١١٣٣)، والبزار (٣١٤٤)، وأبو يعلى (١٠١٩)، والحاكم (١/ ٤٩٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١٠)، والبيهقي في الشعب (١١٣٠)، وعبد بن حميد (٩٣٧)، وابن أبي شيبة (٢٩١٧٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨)، رواه أحمد، أبو يعلى بنحوه، والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح، غير علي بن علي، وهو ثقة.","vol":"7","page":607},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث\" فذكره إلى أن قال \"وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها\" قالوا: إذا تكثر قال الله أكثر، قال الجراحي: يعني الله أكثر إجابة.\n\n٢٥٢٣ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يَدْعُو الله بِالْمُؤمنِ يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يوقفه بَين يَدَيْهِ فَيَقُول عَبدِي إِنِّي أَمرتك أَن تَدعُونِي ووعدتك أَن أستجيب لَك فَهَل كنت تَدعُونِي فَيَقُول نعم يَا رب فَيَقُول أما إِنَّك لم تدعني بدعوة إِلَّا استجبت لَك أَلَيْسَ دعوتني يَوْم كَذَا وَكَذَا لغم نزل بك أَن أفرج عَنْك ففرجت عَنْك فَيَقُول نعم يَا رب فَيَقُول إِنِّي عجلتها لَك فِي الدُّنْيَا وَدَعَوْتنِي يَوْم كَذَا وَكَذَا لغم نزل بك أَن أفرج عَنْك فَلم تَرَ فرجا قَالَ نعم يَا رب فَيَقُول إِنِّي ادخرت لَك بهَا فِي الْجنَّة كَذَا وَكَذَا وَدَعَوْتنِي فِي حَاجَة أقضيها لَك فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا فقضيتها فَيَقُول نعم يَا رب فَيَقُول إِنِّي عجلتها لَك فِي الدُّنْيَا وَدَعَوْتنِي يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَة أقضيها لَك فَلم تَرَ قضاءها فَيَقُول نعم يَا رب فَيَقُول إِنِّي ادخرت لَك بهَا فِي الْجنَّة كَذَا وَكَذَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- فَلَا يدع الله دَعْوَة دَعَا بهَا عَبده الْمُؤمن إِلَّا بَين لَهُ إِمَّا أَن يكون عجل لَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا أَن يكون ادخر لَهُ فِي الْآخِرَة قَالَ فَيَقُول الْمُؤمن فِي ذَلِك الْمقَام يَا ليته لم يكن عجل لَهُ شَيْء من دُعَائِهِ رَوَاهُ الحَاكِم (^١).\n_________\n(^١) الحاكم (/ ٤٩٤)، وقال: هذا الحديث تفرد بالفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المتكدر، ومحل الفضل بن عيسى محل من لا يتهم بالوضع، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٣٣).","vol":"7","page":608},{"text":"قوله: وعن جابر بن عبد الله -﵄-، تقدم الكلام عليه، ومعنى الحديث واضح.\n\n٢٥٢٤ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تعجزوا فِي الدُّعَاء فَإِنَّهُ لن يهْلك مَعَ الدُّعَاء أحد رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أنس -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد\" قال العلماء -﵃-: ومن أهمِّ ما يسألُ العبد ربَّه مغفرةُ ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النَّبيُّ -ﷺ-: حولَها نُدنْدِن (^٢) يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار والله أعلم (^٣).\n\n٢٥٢٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن وعماد الدّين وَنور السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَرَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيث عَليّ (^٤).\n_________\n(^١) ابن حبان (٨٧١)، والحاكم (١/ ٤٩٣). وقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٥٦٣٨).\n(^٢) أخرجه: ابن ماجه (٩١٠) و(٣٨٤٧)، وابن حبان (٨٦٨) من حديث أبي هريرة، به، وهو حديث صحيح.\n(^٣) النهاية ٢/ ١٣٧.\n(^٤) الحاكم (١/ ٤٩٢)، وأبو يعلى (٤٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٧)، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك. وقال الألباني موضوع في ضعيف الجامع (٣٠٠١).","vol":"7","page":609},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁-:، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه.\nقوله -ﷺ-: \"الدعاء سلاح المؤمن\" الحديث.\n\n٢٥٢٦ - وَعَن ابْن عمر -﵄-. قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من فتح لَهُ مِنْكُم بَاب الدُّعَاء فتحت لَهُ أَبْوَاب الرَّحْمَة وَمَا سُئِلَ الله شَيْئا يَعْنِي أحب إِلَيْهِ من أَن يسْأَل الْعَافِيَة وَقَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل فَعَلَيْكُم عباد الله بِالدُّعَاءِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْمليكِي وَهُوَ ذَاهِب الحَدِيث عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة\" الحديث.\nقوله: من رواية عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي [وهو ذاهب الحديث].\n\n٢٥٢٧ - وَعَن سلمَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله حييّ كريم يستحي إِذا رفع الرجل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا خائبتين رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^٢).\n_________\n(^١) الترمذي (٣٥٤٨)، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وهو المكي المليكي، وهو ضعيف في الحديث، قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه، والحاكم (١/ ٤٩٨)، وقال: صحيح الإسناد، وقال الذهبي: المليكي ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٢٠).\n(^٢) أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وابن حبان (٨٧٦)، والحاكم (١/ ٤٩٧)، وأحمد (٢٣٧١٥)، والطبراني في =","vol":"7","page":610},{"text":"الصفر بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْفَاء هُوَ الفارغ.\nقوله: وعن سلمان -﵁-، أسلم قبل قدوم النبي -ﷺ- المدينة، وكان عبدا لبني قريظة فكاتبوه فادى عنه رسول الله -ﷺ- كتابته، كان مسافر لطلب الدين فأخذه العرب فباعوه ويقال أنه تداوله بضعة عشر ربا حتى أفضى إلى رسول الله -ﷺ- وساعده في العتق، وقال -ﷺ-: \"سلمان منا أهل البيت (^١) \".\nحين قال المهاجرون يوم حفر الخندق سلمان منا. وقال الأنصار سلمان منا وهو أحد الذين اشتاقت لهم الجنة (^٢) عاش مائتين وخمسين سنة وقيل\n_________\n= الدعاء (٢٠٣)، والبيهقي في الدعوات الكبير (١٨٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧٥٧).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٢١٢) (٦٠٤٠)، والحاكم (٣/ ٦٩١)، وانظر: قول الهيثمي في المجمع (٦/ ١٣٠)، وله شاهد في حديث علي أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٥٦) وإسناد رجاله كلهم ثقات، وراجع: كشف الخفا (٢/ ٤٩٠)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٧٢)، والضعيفة (٣٧٠٤): ضعيف جدًا.\n(^٢) ورد من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"سلمان منا أهل البيت وإن الجنة تشتاق إلى أربعة\". أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٢٠٥). وكثير بن عبد الله ضعيف جدًا عن عبد الله بن عباس. رواه محمد بن مصبح البزاز، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا قيس، عن أبان بن تغلب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"تشتاق الجنة إلى أربعة إلى علي وأبي ذر وعمار والمقداد\". أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ١٧٦ - ١٧٧). قيس هو: ابن الربيع، وهو ضعيف. ومحمد بن مصبح وأبوه لا يعرفان، (انظر: الميزان ٦/ ٤٣٣، واللسان ٧/ ١٠٢).\nوحديث علي بن أبي طالب رواه إبراهيم بن عامر، عن عامر بن إبراهيم، قال: سمعت =","vol":"7","page":611},{"text":"ثلثماثة وخمسين وقيل أنه أدرك وصى عيسىى -﵇- وكان يأكل من عمل يده ولاه عمر المدائن ومات بها قاله الكرماني (^١) وتقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين\" الحديث، الصفر الفارغ قاله المنذري، وقال في سلاح المؤمن: الشيء الخالي الفارغ يقال صفر الشيء بكسر الفاء إذا خلا (^٢) أ. هـ.\nقوله: \"كريم\" من أسمائه تعالى الكريم وهو الجامع لأنواع الخير والشرف المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، وفي الحديث: \"إن الله كريم يحب مكارم الأخلاق (^٣) \" عن الحسن -رحمة الله عليه-، قال: قال الله ﷿: \"أنا أكرم\n_________\n= نهشل بن سعيد، يُحدّث عن الضحاك بن مزاحم، عن الأعمش، عن باذام، عن قنبر، عن علي، عن رسول الله -ﷺ- قال: \"إلا إن الجنة اشتاقت إلى أربعة من أصحابي، فأمرني ربي أن أحبهم ...\nأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٧٥٦٩)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ١٧٧).\nقلت: نهشل بن سعيد متروك، وقد اضطرب فيه، فرواه مرة أخرى بإسقاط الضحاك.\nأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ١٧٧).\n(^١) الكواكب الدراري (٦/ ٩).\n(^٢) سلاح المؤمن (ص ٣٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (١٠)، والخطيب البغدادي في المتفق والمفترق (١٨١٠) عن يونس بن عبيد الله العميري أنا مبارك بن فضالة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ- إن الله تعالى يحب مكارم الأخلاق ويبغض سفسافها.\nقلت: رجاله ثقات وهو شاهد قوي للحديث مبارك بن فضالة صدوق لكنه مدلس.","vol":"7","page":612},{"text":"وأعظم عفوا من أن يبسط العبد يده إلى ما عندي فأرده خائبا فقالت الملائكة يا إلا هنا ليس لذلك بأهل فيقول الله تعالى لكني أهل التقوى وأهل المغفرة (^١) \" وأما حياء الرب من عبده فذاك نوع لا تدركه الأوهام ولا تكيف العقول فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال فإنه حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا خائبتين ويستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام وروي الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث مجاهد عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: \"إن ربكم حيي كريم يستحي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفرا خائبتين لا خير فيهما فإذا رفع أحدكم يديه فيلقل يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين ثلاث مرات، ثم ليفرغ ذلك الخير على وجهه (^٢) وفيه دليل على مسح الوجه باليد عقب الدعاء، وفي التاريخ المذكور عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا دعوت الله فادع ببطون كفك ولا تدع بظهورهما فإذا فرغت فامسح بهما وجهك\" (^٣) وكان يحيى بن معاذ يقول: سبحان من\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم (٢/ ٣٤) عن الحسن، وأخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٤٤)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٥٧) عن أنس، وانظر الميزان (١/ ٤٥٦)، واللسان (١/ ٤٨٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٠٤٦)، والضعيفة (٤٠٣٦).\n(^٢) أخرجه أبي عبد الله بن منده في الفوائد (٣٧) وقال: غريب من حديث عمر بن ذر تفرد به الجارود، وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه الجارود بن يزيد، وهو متروك. (مجمع الزوائد ١٠/ ١٦٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٤٨٥)، وابن ماجه (٣٨٦٦) وإسناده ضعيف كما ذكر الحافظ في الإصابة (٢/ ٤١٢) (٣/ ١٤٠). فيه صالح بن حسيان المدني الأنصاري منكر الحديث =","vol":"7","page":613},{"text":"يذنب عبده ويستحي هو، وفي أثر: من استحيي من الله استحيي الله منه، قال أبو حاتم (^١) الواجب على العاقل لزوم الحياء لأنه أصل العقل وبذر الخير وتركه أصل الجهل وبذر الشر والحياء يدل على العقل كما أن عدمه دال على الجهل وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي:\nحَياءُكَ فَاِحفَظه عَلَيكَ فَإِنَّما ... يَدل عَلى فَضلِ الكَريم حَياؤُه\nإذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤهُ ... ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه\n\n٢٥٢٨ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله رَحِيم كريم يستحي من عَبده أَن يرفع إِلَيْهِ يَدَيْهِ ثمَّ لَا يضع فيهمَا خيرا رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَفِي ذَلِك نظر (^٢).\nقوله: وعن أنس -﵁-، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث في الحديث الذي قبله.\n\n٢٥٢٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من نزلت بِهِ فاقة فأنزلها بِالنَّاسِ لم تسد فاقته وَمن نزلت بِهِ فاقة فأنزلها بِالله فيوشك الله لَهُ\n_________\n= قاله البخاري. (التهذيب ٤/ ٨)، والميزان (٢/ ٢٩١)، وكذلك وهيب بن خالد وإن كان ثقة كما قال الحافظ في التقريب (٧٥٣٧) إلا أنَّه قال لكنه تغير قليلًا بآخره.\nوالحمل فيه على سعيد بن هبيرة فإنَّه كان يحدث بالموضوعات عن الثقات لا يحل الاحتجاج به (المجروحين ١/ ٣٢٦)، الميزان (٢/ ١٦٢).\n(^١) روضة العقلاء (ص ٥٦ - ٥٧).\n(^٢) الحاكم (١/ ٤٩٧)، وقال الذهبي: عامر بن يساف ذو مناكير، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧٦٨).","vol":"7","page":614},{"text":"برزق عَاجل أَو آجل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صحِيح ثَابت (^١).\nيُوشك بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة أَي يسْرع وَزنه وَمَعْنَاهُ.\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، وفي الحديث: \"تمسكوا بعهد ابن أم عبد\" أي: ما يوصيكم به ويأمركم يدل علي حديثه الآخر \"رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد\" لمعرفته شفقته عليهم ونصيحته لهم، وابن أم عبد هو ابن مسعود، قاله في النهاية (^٢)، وتقدم الكلام عليه وعلى الحديث في باب [ترغيب من] من نزلت به فاقة أو حاجة أن ينزلها بالله تعالى.\n\n٢٥٣٠ - وَعَن ثَوْبَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر وَإِن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يذنبه.\nرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nقوله: وعن ثوبان -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يرد القدر إلا الدعاء\" الحديث، قال الغزالي (^٤): فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له، فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٤٥)، والترمذي (٢٣٢٦)، والحاكم (١/ ٤٠٨)، وأحمد (٣٦٩٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٥٦٦).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٢٦).\n(^٣) ابن حبان (٨٧٢)، والحاكم (١/ ٤٩٣)، وابن ماجه (٤٠٢٢)، وأحمد (٢٢٣٨٦)، والطبراني في الكبير (١٤٤٢)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، دون قوله: \"وإن الرجل ليحرم ... إلخ\" (٧٦٨٧)، وضعيف الجامع (١٤٥٢).\n(^٤) الإحياء (١/ ٣٢٩).","vol":"7","page":615},{"text":"فالدعاء سبب لرد البلاء ووجود الرحمة كما أن الترس سبب لدفع السلاح والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وثوبان هو: مولى رسول الله -ﷺ-، وكنيته أبو عبد الله فاشتراه رسول الله -ﷺ- وأعتقه ولم يزل مع رسول الله -ﷺ- حتى قبض رسول الله -ﷺ- فتحول إلى الشام فنزل حمص وله بها دار ومات بها في سنة أربع وخمسين، وقيل: إنه سكن الرملة وله [عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وسبعة وعشرون حديثا، روى له مسلم منها عشرة أحاديث] فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء وليس من شرك الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (^١) فقدر الله تعالى الأمر وقدر سببه، وفيه من الفوائد ما ذكرناه وهو حضور القلب والافتقار وهما نهاية العبادة والمعرفة والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يذنبه\" سيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.\n\n٢٥٣١ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يُغني حذر من قدر وَالدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل وَإِن الْبلَاء لينزل فيلقاه الدُّعَاء فيعتلجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nيعتلجان أَي يتصارعان ويتدافعان.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٠٢.\n(^٢) البزار (٢١٦٥)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢٤٩٨)، والحاكم (١/ ٤٩٢)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: زكريا مجمع على ضعفه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٩)، رواه البزار، وفيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري وضعفه الجمهور، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٧٧٣٩).","vol":"7","page":616},{"text":"٢٥٣٢ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"لا يغني حذر من قدر\" إلى قوله \"وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة\" يعتلجان أي يتصارعان ويتدافعان قاله المنذري، وفي حديث آخر: \"لا يرد القضاء إلا الدعاء\" وقال ابن عباس -﵄-: لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر، وعنه أيضا -﵁- قال: الدعاء يرفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر وهذا كقول النبي -ﷺ- لما سئل عن الأدوية والرقي، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: \"هي من قدر الله تعالى\" (^٢).\nتنبيه: الأصل في الإجابة رد المظالم، نقل في الآثار أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵊ إن قل لظلمة بني إسرائيل لا يدعوني فإني آليت على نفسي أن لا يدعوني أحد إلا أجبته، وإني إن دعوني أجبتهم باللعنة، وهذا معنى الرواية والله أعلم، قال سفيان: بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين\n_________\n(^١) الترمذي (٢١٣٩)، وقال: حديث حسن غريب، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٠٦٨)، والطبراني في الكبير (٦١٢٨)، والقضاعي (٨٣٣)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٧٦٨٧).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٧٦).","vol":"7","page":617},{"text":"حتى أكلوا الميتة من المزابل وأكلوا الأطفال وكانوا لذلك يخرجون إلى الجبال ويتضرعون فأوحى الله تعالى إلى أنبيائهم: \"لو مشيتم إليّ بأقدامكم حتى تحفى ركبكم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم عن الدعاء لما استجبت لكم دعاء ولا رحمت لكم باكيا حتى تردوا المظالم إلى أهلها ففعلوا فمطروا في يومهم\" أ. هـ (^١).\n\n٢٥٣٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- سلوا الله من فَضله فَإِن الله يحب أَن يسْأَل وَأفضل الْعِبَادَة انْتِظَار الْفرج رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا (^٢) وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَكَذَا روى حَمَّاد بن وَاقد هَذَا الحَدِيث وَحَمَّاد بن وَاقد لَيْسَ بِالْحَافِظِ وروى أَبُو نعيم هَذَا الحَدِيث عَن إِسْرَائِيل عَن حَكِيم بن جُبَير عَن رجل عَن النَّبِي -ﷺ- وَحَدِيث أبي نعيم أشبه أَن يكون أصح.\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل\" الحديث، هو كقوله ﷿ ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٣) الآية، فإن خزائن الوجود بيده وأمرها إليه لا معطي ولا مانع إلا سواه، وروى الترمذي الحكيم\n_________\n(^١) الإحياء (١/ ٣٠٧).\n(^٢) الترمذي (٣٥٧١)، وابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٢)، والطبراني في الكبير (١٠٠٨٨)، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (١١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٧٨).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٣٢.","vol":"7","page":618},{"text":"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" (^١) ولبعضهم في المعنى:\nلا تَسْأَلَنَّ أَخَاكَ يَوْمًا حَاجَةً ... وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لا تُحْجَبُ\nاللّهُ يَغْضَبُ إن تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وبُنَيَّ آدمَ حينَ يُسْأَلُ يغضبُ (^٢)\n\n٢٥٣٤ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٣).\nقوله: وروي عن أنس -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"الدعاء مخ العبادة\" ومخ كل شيء خالصه، وتقدم الكلام على هذا الحديث عند قوله -ﷺ-: \"الدعاء هو العبادة\" في هذا الباب.\n\n٢٥٣٥ - رُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا أدلكم على مَا ينجيكم من عَدوكُمْ ويدر لكم أرزاقكم تدعون الله فِي ليلكم ونهاركم فَإِن الدُّعَاء سلاح الْمُؤمن رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٤).\nقوله: وروي عن جابر بن عبد الله -﵁-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٣٧٣) وفي إسناده أبو صالح وهو الخوزي قال عنه الحافظ في التقريب: لين الحديث ت (٨٢٣٣) وليس له غير هذا الحديث.\n(^٢) ذكره البيهقي شعب الإيمان (١١٠٠).\n(^٣) الترمذي (٣٣٧١)، والطبراني في المعجم الأوسط (٣١٩٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٠٣).\n(^٤) أبو يعلى (١٨٠٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٧)، وفيه محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف.","vol":"7","page":619},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم ويدر لكم أرزاقكم تدعون الله في ليلكم ونهاركم فإن الدعاء سلاح المؤمن\" الحديث.\nقوله: \"ويدر لكم أرزاقكم\" بالدال المهملة، ومنه قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (^١) ومعنى الحديث: يكثر لكم الخير.\nتتمة: روى الطبراني في كتاب الدعوات (^٢) عن أبي الزاهرية أنه قال: أتيت بيت المقدس أريد الصلاة، فدخلت وغفلت عني سدنة المسجد حتى أطفئت القناديل، وانقطعت الرجل وغلقت الأبواب، فبينا أنا على ذلك إذ سمعت حفيفًا له جناحان قد أقبل، وهو يقول: سبحان الدائم القائم، سبحان الحي القيوم، سبحان الملك القدوس، سبحان رب الملائكة والروح، سبحان الله وبحمده، سبحان العلي الأعلي، ﷾. ثم أقبل حفيفٌ يتلوه يقول مثل ذلك، ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد، فإذا بعضهم قريب مني، فقال: آدمي أنت؟ قلت: نعم. قال: لا روع عليك، هذه الملائكة. قلت: سألتك بالذي قواكم على ما أري، من الأول؟ قال: جبريل -﵇-. قلت: ثم الذي يتلوه؟ قال: ميكائيل -﵇-. قلت: ثم الذي يتلوه من بعد؟ [قال]: من الملائكة ﵈. قلت: سألتك بالذي قواكم على ما أري، ما لقائلها من الثواب؟ قال: من قالها سنة في كل يوم مرة، لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة، أو يرى له. قال أبو الزاهرية، قلت: سنة، وسنة كثير، لعلي لا أعيش،\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ٥٥.\n(^٢) لم أقف عليها عند الطبراني وأوردها أبو المعالي المشرف بن المرجى بن إبراهيم المقدسي في فضائل بيت المقدس (ص ١٩٢) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٣/ ٢١٢).","vol":"7","page":620},{"text":"فقلتها في يوم عدد أيام السنة، فرأيت خيرًا. قال سعيد بن سنان: فقلت: سنةً، وسنة كثير، لعلي لا أعيش، فقلتها عدد أيام السنة، فرأيت خيرًا.\nوفي كتاب شفاء الصدور لابن سبع (^١): أن أبا الزاهرية لما حضرته الوفاة أتاه عبد الأعلى بن عدي فدخل عليه فقال: إني أريد أن أوصيك بوصية فإن نسيتها فلا حرج عليك أن تقرئ رسول الله -ﷺ- فلما قبض رأته امرأته بعد ثلاث فقال لها: أتعرفين عبد الأعلى قال: لا قال سلي عنه فأنك ستخبرين عنه وأعلميه أني قد أبلغت رسالته وأن رسول الله -ﷺ- يقرأ -﵇- ثم قال لها: إن ابنتك لاحقة بي فتعينت إلى عبد الأعلى فأخبرته بالذي قال أبو الزاهرية فلم تلبثه ابنته بعده إلا قليلا حتى توفيت وكان أبو الزاهرية أميا لا يكتب، مات سنة مائة، روى له البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام وغيره أ. هـ.\nخاتمة يختم بها الباب: قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (^٢) أجمع المتكلمون على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب لم تصح عبادته (^٣) وجزم في أوائل تفسير سورة الفاتحة بأنه لو قال أصلي لثواب الله أو للهرب من عقابه فسدت صلاته، قاله الدميري في شرح المنهاج (^٤).\n_________\n(^١) كتاب شفاء الصدور لأبي الربيع سليمان السبتي المعروف بابن سبع توجد نسخة منه بالمملكة المغربية بالخزانة العامة تحت رقم: ١٣٨٣.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٥.\n(^٣) مفاتيح الغيب (٤/ ٢٨٤).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٩٣).","vol":"7","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>الترغيب في كلمات يستفتح بها الدعاء وبعض ما جاء في اسم الله الأعظم</span>\n٢٥٣٦ - عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- سمع رجلا يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِأَنِّي أشهد أَنَّك أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فَقَالَ لقد سَأَلت الله بِالِاسْمِ الْأَعْظَم الَّذِي إِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى وَإِذا دعِي بِهِ أجَاب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ لقد سَأَلت الله باسمه الْأَعْظَم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقَالَ المملي قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي وَإِسْنَاده لَا مطْعن فِيهِ وَلم يرد فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أَجود إِسْنَادًا مِنْهُ.\nقوله: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه -﵄-، وعبد الله بن بريدة هو أبو سهل البصري قاضي مرو، اتفق الإمامان على الاحتجاج بحديثه، وأبو بريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله -ﷺ-، كنيته أبو سهل، وقيل: غير ذلك، اتفق الإمام على إخراج حديثه قاله المنذري.\nفائدة: أسماء الله تعالى إذا سقط منها حرف ذهبت دلالته على الله كالعليم\n_________\n(^١) أبو داود (١٤٩٣)، والترمذي (٣٤٧٥)، قال: حديث حسن غريب، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وابن حبان (٨٩١)، والحاكم (١/ ٥٠٤)، وأحمد (٢٢٩٦٥)، والنسائي (٧٦٦٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.","vol":"7","page":622},{"text":"والقادر والرحيم وغير ذلك من أسمائه الحسنى إلا اسمه (الله) فإنه إذا أسقطت منه الألف بقى (لله) فإذا أسقطت اللام بقى (له) فإذا أسقطت اللام الثانية بقى (هو) وهو النهاية في الإشارة؛ وأنشد الحسين بن منصور الحلاج (^١):\nأحرف أربع بها هام قلبى ... وتلاشت بها همومي وفكري\nألِفٌ تألف الخلائق بالصنِع ... ولامٌ على الملامة تجري\nثمّ لامٌ زيادة فى المعانى ... ثمَّ هاءٌ أهيمُ فيها .. أتدري؟\nقاله في لطائف المن (^٢).\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقال: \"لقد سألت الله بالاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب\" الحديث، والأحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخرون، وهو: اسم بني لنفي ما معه من العدد، تقول ما جاءني أحد قاله في النهاية (^٣)؛ والصمد: أي المقصود في الحوائج على الدوام وهذا الحديث يدل على بطلان مذهب من ذهب إلى نفي القول بأن لله تعالى اسمًا هو الاسم الأعظم والحمد لله رب العالمين (^٤).\n_________\n(^١) ديوان الحلاج الموسوعة الشعرية رقم القصيدة: (٦٦٥٦).\n(^٢) لطائف المنن (ص ١٦٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٢١).\n(^٤) ذكره السبكي في معجم الشيوخ (ص ١٦٥).","vol":"7","page":623},{"text":"٢٥٣٧ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ سمع النَّبِي -ﷺ- رجلا وَهُوَ يَقُول يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام فَقَالَ قد اسْتُجِيبَ لَك فسل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^١). وَقَالَ حَدِيث حسن (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن جبل -﵁-، تقدم الكلام عليه ومعنى الحديث واضح.\n\n٢٥٣٨ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن لله ملكا موكلا بِمن يَقُول يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ فَمن قَالهَا ثَلَاثًا قَالَ الْملك إِن أرْحم الرَّاحِمِينَ قد أقبل عَلَيْك فسل رَوَاهُ الْحَاكِم (^٣).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه ومعنى الحديث أيضا واضح.\nقوله: \"يا ذا الجلال والإكرام\" الجلال العظمة، ومنه حديث \"ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام\" وفي الرواية الأخرى \"أجلوا الله يغفر لكم\" أي: قولوا له يا ذا الجلال والإكرام قاله في النهاية (^٤).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه ومعنى الحديث واضح.\n_________\n(^١) الترمذي (٣٥٢٧)، وقال: حديث حسن، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٥)، وأحمد (٢٢٠٥٦)، والطبراني في الدعاء (٢٠٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٤)، والبيهقي في الدعوات الكبير (١٩٧)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٧٠٥).\n(^٢) قال الشيخ الألباني في ضعيف الترغيب: هذا التحين غير ثابت في بعض نسخ الترمذي، مثل نسخة الدعاس، وتحفة الأحوذي، ولم يذكره صاحب المشكاة.\n(^٣) الحاكم (١/ ٥٤٤)، وقال الذهبي: فضالة ليس بشيء، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (١٩٥٧).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٧).","vol":"7","page":624},{"text":"٢٥٣٩ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ مر النَّبِي -ﷺ- بِأبي عَيَّاش زيد بن الصَّامِت الزرقي وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِأَن لَك الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا أَنْت يَا حنان يَا منان يَا بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- لقد سَأَلت الله باسمه الْأَعْظَم الَّذِي إِذا دعِي بِهِ أجَاب وَإِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه.\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَزَاد هَؤُلَاءِ الْأرْبَعَة يَا حَيّ يَا قيوم وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم وَزَاد الْحَاكِم فِي رِوَايَة لَهُ أَسأَلك الْجنَّة وَأَعُوذ بك من النَّار (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: مر النبي -ﷺ- بأبي عياش زيد بن الصامت الزرقي وهو يصلي، هو: زيد بن الصامت [هو أبو عياش، زيد بن الصامت بن زيد بن خالد بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي، وقيل: اسمه يزيد بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان، وقيل: عبيد بن معاوية بن الصامت روى عنه أنس بن مالك، وأبو صالح السمان، ومجاهد، مات بعد الأربعين، وقيل: بعد الخمسين].\nقوله: وهو يقول يا حنان يا منان، الحديث، الحنان: الحنان هو الذي يقبل على من أعرض عنه وهو من أسمائه الحسني، والمنان: هو الكثير العطاء،\n_________\n(^١) أحمد (١٣٧٩٨)، وابن ماجه (٣٨٥٨)، وأبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، وابن حبان (٨٩٣)، والحاكم (١/ ٥٠٣، ٥٠٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٠٥)، والطبراني في الدعاء (١١٦)، وقال الألباني حسن صحيح، في صحيح سنن ابن ماجه (٣١١٢)، دون قوله: \"يا حنان\".","vol":"7","page":625},{"text":"وقيل: هو المنعم المعطي من المن العطاء لا من المنة، وكثيرا ما يرد المن في كلامهم بمعنى الإحسان، والمنان من أبنية المبالغة ك (السفاك) والوهاب، ومنه الحديث \"ما أحد أمن علينا من ابن أبي قحافة\" (^١) أي: ما أحد أجود بماله وذات يده قاله في النهاية (^٢)، وقيل: المنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال.\nقوله: \"يا بديع السماوات والأرض\" الحديث، البديع الخالق المخترع لا عن مثال سابق فعيل بمعنى مفعل يقال أبدع فهو مبدع قاله في النهاية (^٣):\nقوله: \"يا حي يا قيوم\" والقيوم أصله قيؤوم على وزن فيعول من أبنية المبالغة، وقيّام أيضا وأصله قيوام على فيعال كذلك.\n\n٢٥٤٠ - وَعَن السّري بن يحيى -﵁- عَن رجل من طيئ وَأثْنى عَلَيْهِ خيرا قَالَ كنت أسأَل الله ﷿ أَن يريني الِاسْم الَّذِي إِذا دعِي بِهِ أجَاب فَرَأَيْت مَكْتُوبًا فِي الْكَوَاكِب فِي السَّمَاء يَا بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام رَوَاهُ أَبُو عَليّ وَرُوَاته ثِقَات (^٤).\nقوله: وعن السري بن يحيى -﵁-[هو السري بن يحيى بن إياس بن حرملة بن إياس الشيباني المحلمي، أبو الهيثم، ويقال: أبو يحيي، البصري من الثقات المعروفين].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٤٦٧ من حديث ابن عباس\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٦٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٠٦).\n(^٤) أبو يعلى (٧٢٠٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٨)، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.","vol":"7","page":626},{"text":"٢٥٤١ - وَعَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان -﵄- قالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من دَعَا بهؤلاء الْكَلِمَات الْخمس لم يسْأَل الله شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ لا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن معاوية بن أبي سفيان -﵄-، وأبو سفيان: اسمه صخر بن حرب بن أمية القرشي [المكي، أسلم زمن الفتح، وكان شيخ مكة إذ ذاك، ورئيس قريش، ولقى رسول الله -ﷺ- بالطريق قبل دخوله مكة لفتحها فأسلم هناك، وشهد حنينا، وأعطاه النبي -ﷺ- من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وشهد الطائف، وفقئت عينه يومئذ، وشهد اليرموك.\nروى له البخاري ومسلم حديث هرقل، من رواية ابن عباس، عن أبي سفيان، وكان أبو سفيان من تجار قريش وأشرافهم، وكان من المؤلفة، ثم حسن إسلامه، ونزل المدينة وتوفى بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وهو والد يزيد، ومعاوية، وأم حبيبة أولاد أبي سفيان وأخوتهم].\n\n٢٥٤٢ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد -﵂- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ اسْم الله الْأَعْظَم فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (^٢)\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٩/ رقم ٨٤٩)، وفي الأوسط (٨٦٣٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٧)، وإسناده حسن.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.","vol":"7","page":627},{"text":"وفاتحة سُورَة آل عمرَان ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ (^١) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\nقَالَ المملي عبد الْعَظِيم رَوَوْهُ كلهم عَن عبيد الله بن أبي زِيَاد القداح عَن شهر بن حَوْشَب عَن أَسمَاء وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا.\nقوله: وعن أسماء بنت يزيد -﵂-. [هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، إحدى نساء بني عبد الأشهل، تكنى أم عامر، وقيل: أم سلمة، وقيل: اسمها فكيهة، وهي من المبايعات يقال: إنها بنت عم معاذ بن جبل، وهي مدنية من ذوات العقل والدين. شهدت اليرموك، وقتلت تسعة من الكفار بعود فسطاط.\nروى عنها محمود بن عمرو، ومهاجر أبو محمد، وشهر بن حوشب].\nقوله: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (^٣) \" الحديث، وهما اسمنا مشتقان من الرحمة مثل ذرمان ونديم وهما من أبنية المبالغة، ورحمن أبلغ من رحيم والرحمان خاص بالله لا يسمى به غيره، ولا يوصف، والرحيم يوصف به غير الله تعالى فيقال: رجل رحيم ولا يقال رحمان قاله في النهاية.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٢.\n(^٢) أبو داود (١٤٩٦)، والترمذي (٣٤٧٨)، وابن ماجه (٣٨٥٥)، وأحمد (٢٧٦١١)، والدارمي (٣٣٩٢)، والطبراني في الكبير (٢٤/ رقم ٤٤٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٣٨٣)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٩٨٠).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.","vol":"7","page":628},{"text":"٢٥٤٣ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِاسْمِك الطَّاهِر الطّيب الْمُبَارك الأحب إِلَيْك الَّذِي إِذا دعيت بِهِ أجبْت وَإِذا سُئِلت بِهِ أَعْطَيْت وَإِذا استرحمت بِهِ رحمت وَإِذ استفرجت بِهِ فرجت قلت فَقَالَ يَوْمًا يَا عَائِشَة هَل علمت أَن الله قد دلَّنِي على الِاسْم الَّذِي إِذا دعِي بِهِ أجَاب قَالَت فَقلت بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله فعلمنيه قَالَ إِنَّه لَا يَنْبَغِي لَك يَا عَائِشَة قَالَت فتنحيت وَجَلَست سَاعَة ثمَّ قُمْت فَقبلت رَأسه ثمَّ قلت لَهُ يَا رَسُول الله علمنيه قَالَ إِنَّه لَا يَنْبَغِي لَك يَا عَائِشَة أَن أعلمك إِنَّه لَا يَنْبَغِي أَن تسألي بِهِ شَيْئا للدنيا قَالَت فَقُمْت فَتَوَضَّأت ثمَّ صليت رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قلت اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوك الله وأدعوك الرَّحْمَن وأدعوك الْبر الرَّحِيم وأدعوك بأسمائك الْحسنى كلهَا مَا علمت مِنْهَا وَمَا لم أعلم أَن تغْفر لي وترحمني قَالَت فاستضحك رَسُول الله -ﷺ- ثمَّ قَالَ إِنَّه لفي الْأَسْمَاء الَّتِي دَعَوْت بهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله: \"وأدعوك البر الرحيم\" البر بفتح الباء: من أسمائه الحسني، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (^٢) أي: الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب، وقيل: معناه العطوف على عباده ببره [ولطفه] قاله الدميري (^٣)، قال في\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٨٥٩)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٠٦)، هذا إسناد فيه مقال، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٩٣).\n(^٢) سورة الطور الآية: ٢٨.\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ١٨٩).","vol":"7","page":629},{"text":"النهاية (^١): البر والبار بمعنى وإنما جاء في أسماء الله تعالى البر دون البار، والبِر بالكسر: الإحسان، أ. هـ.\nفائدة فيها بشرى: حكي عن بعضهم [هو بشر الحافي -﵁-، قاله كاتبه] أنه ألفى رقعة مطرحة في السكة توطأ بالأُقدام وفيها اسم الله تعالى ولم يكن له غير درهم واحد فاشترى به طيبا وطيب به الرقعة وصانها فنودي في بعض مناجاته يلا فلان طيبت اسمي فلأطيبن اسمك (^٢).\nفائدة: في اسم الله الأعظم، قال ابن عدي: حَدثنا عَبد الرحمن بن مُحمد القرشي، حَدثنا مُحمد بن زياد بن معروف، أخبرنا جعفر بن جسر، قال: أخبرني أبي جسر، قال: حَدَّثني ثابت البناني، عن أَنَس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: سألت اسم الله الأعظم، فجاءني جبريل -﵇- مخزونا مختوما: اللهم إني أسألك باسمك المخزون المكنون الطهر الطاهر المطهر المقدس المبارك الحي القيوم، قالت عائشة: بأبي وأمي يا رسول الله علمنيه، فقال لها: يا عائشة، نهينا عن تعليمه النساء والصبيان والسفهاء (^٣) \" قاله في حياة الحيوان (^٤).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١١٦).\n(^٢) ذكرها ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٤٧٣) وغيره.\n(^٣) رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢/ ٤٢٤)، وفي إسناده: جعفر بن جسر بن فرقد القصاب عن أبيه، وهما ضعيفان، وقال الذهبي عن هذا الحديث: شبه موضوع، ميزان الاعتدال (١/ ٣٩٩).\n(^٤) حياة الحيوان (١/ ١٨٩).","vol":"7","page":630},{"text":"فائدة أخرى فيها بشرى: في أمالي أبي بكر القطيعى عن أبي الدرداء -﵁- قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ-[العصر] فمر بنا كلب، فما بلغت يده رجله حتى مات، فلما انصرف رسول الله -ﷺ- من صلاته قال: \"من الداعي على هذا الكلب آنفا؟ \" فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله،، قال: فما قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنّان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، اكفنا هذا الكلب بما شئت، فقال: \"لقد دعوت الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى\" الحديث في السنن الأربعة وفي مسند الإمام أحمد وكتابي الحاكم وابن حبان بغير قصة الكلب. وأفاد الطبراني، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن هذه الصلاة كانت صلاة العصر يوم الجمعة، أن الرجل المذكور الداعي على هذا الكلب سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. فقال له النبي -ﷺ-: \"يا سعد لقد دعوت في يوم وساعة بكلمات، لو دعوت بهن على من في السماوات والأرض استجيب لك فأبشر يا سعد\". قاله أيضًا في حياة الحيوان (^١).\n\n٢٥٤٤ - وَعَن فضَالة بن عبيد -﵁- قَالَ بَينا رَسُول الله -ﷺ- قَاعد إِذْ دخل رجل فصلى فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- عجلت أَيهَا الْمُصَلِّي إِذا صليت فَقَعَدت فاحمد الله بِمَا هُوَ أَهله وصل عَليّ ثمَّ ادْعُه قَالَ ثمَّ صلى رجل آخر بعد ذَلِك فَحَمدَ الله وَصلى على النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ لَهُ النَّبِي -ﷺ-\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٨٣).","vol":"7","page":631},{"text":"أَيهَا الْمُصَلِّي ادْع تجب رَوَاهُ أَحْمد وأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالنَّسَائِيّ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^١).\nقوله: وعن فضالة بن عبيد -﵁-، تقدم.\nقوله: \"قد عجلت أيها المصلي إذا صليت فقعدت فأحمد الله بما هو أهله وصل علي ثم ادعه\" الحديث يستدل به على أن الصلاة على النبي -ﷺ- فرض في التشهد الأخير وتقدم.\n\n٢٥٤٥ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- دَعْوَة ذِي النُّون إِذْ دَعَاهُ وَهُوَ فِي بطن الْحُوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢) فَإِنَّهُ لم يدع بهَا رجل مُسلم فِي شَيْء قطّ إِلَّا اسْتَجَابَ الله لَهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nالْأَنْبِيَاء وَزَاد فِي طَرِيق عِنْده فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله هَل كَانَت ليونس خَاصَّة أم للْمُؤْمِنين عَامَّة فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا تسمع إِلَى قَول الله ﷿ فنجيناه من الْغم وَكَذَلِكَ ننجي الْمُؤمنِينَ (^٤).\n_________\n(^١) أحمد (٦/ ١٨)، وأبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٦)، وابن خزيمة (٧٠٩)، وابن حبان (١٩٦٠)، والطبراني في الكبير (٧٩١)، والحاكم (١/ ٢٣٠)، والبيهقي (٢/ ١٤٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٨٨).\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ١٧٠)، والترمذي (٣٥٠٥)، والحاكم (١/ ٦٨٤)، والبيهقي في الشعب (٦٢٠)، والضياء في المختارة (١٠٤٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٨٣).\n(^٤) الحاكم (١/ ٥٠٥، ٥٠٦).","vol":"7","page":632},{"text":"قوله: وعن سعد بن أبي وقَّاص -﵁-، تقدم، الفائدة المتقدمة آنفا أنه -ﷺ- علمهم ذلك ووافق الإمام الشافعي على ذلك جماعة من التابعين ولم يخالف فيه من أصحابه سوى ابن المنذر وإليه ذهب ابن المواز من المالكية وجماعة من الحنابلة، وقال غيرهم: بعدم الوجوب، وقد يستدل بهذا الحديث على وجوب الصلاة على النبي -ﷺ- في الصلاة لأن الأمر للوجوب ولم يبين موضع الدعاء والظاهر أنه في التشهد بقرينة التعليم بأن يبدأ بالتحميد والثناء ثم الصلاة ثم الدعاء وفيه الجهر في التشهد ونحوه وأنه لا يضر وإن كانت السنة إخفاءه.\nقوله: \"قد عجلت\" هذا قد يستدل به على عدم الوجوب وإنه إنما ترك الأفضل ولو كان واجبا لم يؤخر البيان عن وقت الحاجة ويقال له تركت الواجب فلما عبر بالعجلة علم أنه غير واجب وفيه تعليم الحاضرين لكونه خاطبهم أولا.\nقوله: \"ثم دعاه\" فيه الأمر بالمعروف وتعليم الجاهل وأن ذلك على الفور وأنه لا يختص بالواجب بل يؤمر بالمسنون أيضًا والأمر بالواجب واجب، وبالمسنون مسنون.\nقوله: \"فقال له أو لغيره\" فيه عموم الأحكام وأنها لا تخص واحدا دون آخر سواء كانت (أو) للشك أو بمعنى الواو ولأنه جمع الضمير في قوله \"إذا صلى أحدكم\" فخاطب الجميع، وفيه الرفق بالجاهل في التعليم وإشراك غيره معه في ذلك ليزول خجله وهذا كان شأنه -﵇- في خطابه وتعليمه","vol":"7","page":633},{"text":"فيقول: \"ما بال أقوام يقولون كذا\"و\"ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله\" ونحو هذا، أ. هـ. قاله في شرح الإلمام (^١).\nقوله -ﷺ-: \"دعوة ذي النون إذ دعاه وهو في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢) \" الحديث.\nسؤال: فإن قال قائل: ما الحكمة في أن الله تعالى حبسه في بطن الحوت دون سائر الحيوانات؟ الجواب: عنه أن يقال إنما حبسه في بطن الحوت لأن الحوت الذي جرح نمرود بسهمه، شكى إلى الله تعالى فقال جرحتني بسهم عدوك فأكرمه الله تعالى بكون نبي في جوفه فكانه، قال: إن جرحت قلبك بسهم عدوي فقد أكرمت بطنك بسجن وليي، الثاني: أن لله سجونا مختلفة كما سجن يوسف في سجن مصر والمؤمن في سجن القبر والروح في سجن النفس والشياطين في سجن البحر والأولاد في بطون الأمهات كذلك سجن يونس في بطن الحوت وهو تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (^٣).\nسؤال آخر: فإن قيل: ما الحكمة في أن الله ﷿ أنبت عليه شجرة من اليقطين من بين سائر الأشجار؟ فالجواب: عنه من وجوه، أحدها: أن شجرة اليقطين فيها شفاء المعلولين، والثاني: أنه لا يقع عليها الذباب والبق والبعوض، والثالث: ما قيل إن شجرة اليقطين أبرد الظلال وهي من ألطف\n_________\n(^١) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٣٣).","vol":"7","page":634},{"text":"الأشجار، وقيل: لأن شجرة اليقطين أشرع نباتا وأسرعها ورقا فلذلك أنبته عليه، قاله أبو نصر النعيمي (^١)، أ. هـ.\n\n٢٥٤٦ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا قَالَ العَبد يَا رب يَا رب يَا رب قَالَ الله لبيْك عَبدِي سل تعط رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَرْفُوعا هَكَذَا (^٢). وموقوفا على أنس.\nوروى الْحَاكِم وَغَيره عَن أبي الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا اسْم الله الْأَكْبَر رب رب (^٣).\nقوله: وروي عن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الدعاء، والبزار ١٨/ ١٣٠ (٩٠)، وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (١٤٦)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥١/ ١٦٥).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عائشة ﵂ إلا من هذا الوجه ولا نعلم يروى عن غير عائشة بهذا اللفظ.\nقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥٩: رواه البزار، وفيه الحكم بن سعيد الأموي، وهو ضعيف.\nوقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٦١١) والضعيفة (٢٦٩٣) وضعيف الترغيب (١٠٢٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٧ رقم ٢٩٣٦٥) و(٧/ ٢٣٣ رقم ٣٥٦١٠)، والطبراني في الدعاء (١١٩)، والحاكم (١/ ٥٠٥). وقال الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب (١٠٢٥) والضعيفة (٦١٢٤).","vol":"7","page":635},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إذا قال العبد يا رب يا رب يا رب، قال الله: لبيك عبدي سل تعط\" الحديث، وقال يزيد الرقاشي عن أنس: ما من عبد يقول يا رب يا رب إلا قال له: لبيك لبيك (^١)، وعن عطاء قال: ما قال عبد يا رب يا رب يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إله فذكر ذلك للحسن فقال: أما تقرءون القرآن ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (^٢) الآية (^٣)، فاستجاب لهم ربهم ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبا تفتتح باسم الرب كقوله تعالى ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (^٤) الآية كلها ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ (^٥) الآية، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (^٦)، ومثل هذا في القرآن كثير، وأما ما يمنع الإجابة فقد أشار النبي -ﷺ- إلى أنه التوسع في الحرام أكلا وشربا ولبسا وتغذية، وسيأتي الحديث في المعنى في طلب الحلال إن شاء الله تعالى قاله ابن رجب الحنبلي (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٢٠) بنحوه. وأخرجه الواحدي في التفسير البسيط (١/ ٢٨٤ رقم ٨٦) والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٣٦١) عن أبي هريرة.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٤٦٦٨).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(^٦) سورة آل عمران، الآية: ٨.\n(^٧) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٧٣ - ٢٧٥).","vol":"7","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>الترغيب في الدعاء في السجود ودبر الصلوات وجوف الليل الأخير</span>\n٢٥٤٧ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أقرب مَا يكون العَبْد من ربه ﷿ وَهُوَ ساجد فَأَكْثرُوا الدُّعَاء رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أقرب ما يكون العبد من ربه ﷿ وهو ساجد\" معناه من رحمة ربه وهو ساجد، وتقدم الكلام على ذلك في كثرة السجود.\nقوله: \"فأكثروا فيه من الدعاء\" الصلاة كلها عند علمائنا محل الدعاء غير أنه يكره الدعاء في الركوع وأقربه إلى الإجابة السجود كما هو مذكور في الحديث، ويجوز الدعاء في الصلاة بكل دعاء سواء كان بألفاظ الكتاب أو السنة أو بغير ذلك خلافا لمن منع ذلك إذا كان بألفاظ الناس وهو الإمام أحمد وأبو حنيفة (^٢). أ. هـ.\n\n٢٥٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يسألني فَأعْطِيه من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (^٣).\n_________\n(^١) مسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، وأحمد (٩٤٦١)، والطبراني في الدعاء (٦١٣).\n(^٢) المفهم (٢٢/ ٩٠).\n(^٣) البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨)، ومالك في الموطأ (٥٧٠)، والبخاري في الأدب المفرد =","vol":"7","page":637},{"text":"وَفِي رِوَايَة لمُسلم إِذا مضى شطر اللَّيْل أَو ثُلُثَاهُ ينزل الله ﵎ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول هَل من سَائل فَيعْطى هَل من دَاع فيستجاب لَهُ هَل من مُسْتَغْفِر يغْفر لَهُ حَتَّى ينفجر الصُّبْح (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا\" النزول والصعود والحركة والسكون من صفات الأجسام والله يتعالى عن ذلك ويتقدس، والمراد به نزول الرحمة والإلطاف الإلهية وقربها من العباد (^٢)، وقال المحاسبي: قوله \"ينزل ربنا\" الحديث أي: يعفوا عن المذنبين كما يقال نزل فلان عن حقه إذا عفا عنه، ويحتمل أن ينزل ملك بأمر الله كما أن الملائكة تكتب بأمر الله فأضاف الكتابة إليه تعالى ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ (^٣) فافهمه (^٤).\n_________\n= (٧٥٣)، والترمذي (٣٤٩٨)، وأبو داود (١٣١٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣١٤)، وابن ماجه (١٣٦٦)، وأحمد (٧٥٩٢)، وأبو يعلى (٦١٥٥)، وابن حبان (٩١٩).\n(^١) مسلم (٧٥٨).\n(^٢) النهاية (٥/ ٤٢). وهذا تأويل مخالف لمذهب السلف قال الخطابي كما في أعلام الحديث (١/ ٦٣٧): هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها.\nقال ابن الجوزي في كشف المشكل (٣/ ٣٧٩): وقد حكى أبو عيسى الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، فهذه كانت طريقة عامة السلف.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٤١.\n(^٤) انظر عارضة الأحوذي (٥/ ٤٨)، وإكمال المعلم (٣/ ١٠٩)، والمفهم (٧/ ٢٠).","vol":"7","page":638},{"text":"قوله: \"حين يبقى ثلث الليل الآخر\" وفي رواية \"حتى يمضي ثلث الليل الأول\" وفي رواية: \"إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه\" قال القاضي عياض (^١): رواية \"حين يبقى ثلث الليل الآخر\" [الآخر: بالرفع صفة للثلث] كذا قال شيوخ الحديث، وهو الذي تظاهرت عليه الأخبار بلفظه ومعناه، قال النووي (^٢): يحتمل أن يكون -ﷺ- أعلم بأحد الأمرين في وقت فأخبر به ثم اعلم بالآخر في وقت آخر فأخبر به وسمع أبو هريرة الحديثين فنقلهما [جميعا] وسمع أبو سعيد الخدري خبر الثلث الأول فقط فأخبر به مع أبي هريرة كما رواه مسلم في الرواية الأخري، وهذا لفظ ظاهر، وفيه رد لما أشار إليه القاضي من تضعيف رواية الثلث الأول كيف يضعفها وقد رواها مسلم في صحيح بإسناد لا يطعن فيه عن صحابيين أبي سعيد وأبي هريرة والله أعلم.\nولما ثبت بالقواطع العقلية والنقلية أنه ﵎ منزه عن الجسمية والتحيز والحلول امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه بل المعنى على ما ذكره أهل الحق دنو قدرته ورحمته ورأفته بعباده وعطفه عليه واستجابة دعائهم وقبول معذرتهم كما هو دأب الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقرب محتاجين (^٣)، وسئل بعض\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٧).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٣٦٤)، وشرح المشكاة (٤/ ١٢٠٤).","vol":"7","page":639},{"text":"السلف عن النزول المذكور في الحديث فقال: قولي فيه الإيمان به ونفي الكيفية عنه وإنما خص ذلك بالدليل وبالثلث أو الثلثين لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمن يتعرض للنفحات وعند ذلك تكون النية الخالصة والرغبة إلى الله تعالى وافرة وذلك مظنة القبول والإجابة (^١) والله أعلم.\nوفي هذا الحديث دليل على امتداد وقت الرحمة واللطف التام إلى إضاءة الفجر، وفيه: الحث على الدعاء والاستغفار في جميع الوقت المذكور إلى إضاءة الفجر، وفيه: تنبيه على أن آخر الليل أفضل من أوله (^٢) والله أعلم.\nقوله: \"من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له\" هذه الأفعال منصوبة بالفاء في جواب الاستفهام هذا من الله وعد حق وقول صدق ومن أوفى بعهده من الله.\n\n٢٥٤٩ - وَعَن عَمْرو بن عبسة -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول أقرب مَا يكون العَبْد من الرب فِي جَوف اللَّيْل فَإِن اسْتَطَعْت أَن تكون مِمَّن يذكر الله فِي تِلْكَ السَّاعَة فَكُن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\nقوله: وعن عمرو بن عبسة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٤٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٣) أبو داود (١٢٧٧)، والترمذي (٣٥٧٩)، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والحاكم (١/ ٣٠٩)، وابن خزيمة (١١٤٧) وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٧٣).","vol":"7","page":640},{"text":"قوله -ﷺ-: \"أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل\" سيأتي الكلام على جوف الليل في الحديث بعده.\n\n٢٥٥٠ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء أسمع قَالَ جَوف اللَّيْل الْأَخير ودبر الصَّلَوَات المكتوبات رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: قيل يا رسول الله: أي الدعاء أسمع، أي: أقرب بالإجابة، قال: جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، قد قيل: عن جوف الليل إذا أطلق فالمراد به وسطه وجوف الليل فرضي بالرفع والنصب، والرفع أكثر ومن رفع جعل المضاف إليه مكان المضاف المحذوف في الإعراب، التقدير: دعاء جوف الليل، ومن نصب فعلى الظرفية أي الدعاء جوف الليل ويجوز الجر على ترك المضاف إليه في إعرابه وكذلك الآخر بالثلاث والآخر صفة جوف والله أعلم.\n_________\n(^١) الترمذي (٣٤٩٩)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٩٣٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.","vol":"7","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>[الترهيب من استبطاء الإجابة وقوله دعوت فلم يستجب لي]</span>\n٢٥٥١ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ يُسْتَجَاب لأحدكم مَا لم يعجل يَقُول دَعَوْت فَلم يستجب لي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nوَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ لَا يزَال يُسْتَجَاب للْعَبد مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم مَا لم يستعجل قيل يَا رَسُول الله مَا الاستعجال قَالَ يَقُول قد دَعَوْت وَقد دَعَوْت فَلم أر يستجب لي فيستحسر عِنْد ذَلِك ويدع الدُّعَاء (^٢). فيستحسر أَي يمل ويعى فَيتْرك الدُّعَاء.\n\n٢٥٥٢ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يزَال العَبْد بِخَير مَا لم يستعجل قَالُوا يَا نَبِي الله وَكَيف يستعجل قَالَ يَقُول قد دَعَوْت رَبِّي فَلم يستجب لي رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو يعلى ورواتها مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا أَبَا هِلَال الرَّاسِبِي (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥)، وأبو داود (١٤٨٤)، والترمذي (٣٣٨٧)، وابن ماجه (٣٨٥٣)، ومالك في الموطأ (٥٦٩)، وابن حبان (٩٧٥).\n(^٢) مسلم (٢٧٣٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٥٥)، وابن حبان (٨٨١)، والطبراني في الدعاء (٨٢).\n(^٣) أحمد (١٣٠٠٨)، وأبو يعلى (٢٨٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٩)، والطبراني في الأوسط (٢٥١٨)، وفي الدعاء (٨١)، والبزار (٣١٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد =","vol":"7","page":642},{"text":"قوله: عن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي\" الحديث.\nقوله: \"يستجاب لأحدكم\" من الاستجابة لمعنى الإجابة، قال الشاعر:\nفلم يستجبه عند ذاك مجيب (^١)\nقوله: \"لأحدكم\" أي: كل واحد منكم إذ اسم الجنس المضاف يفيد العموم على الأصح (^٢)، وقال بعضهم: إن الله لا يرد دعاء الموقن وإن تأخر وقد لا يكون ما سأله مصلحة في الجملة فيعوضه الله عنه ما يصلحه وربما يؤخر تعويضه إلى يوم القيامة (^٣)، وفيه حث على ترك الاستعجال واستجابة الدعاء، وفيه إشارة إلى أنه يعلم أن دعاء المسلم يجاب لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٥) وروي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله -ﷺ- قال: \"ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا أتاه الله إياها وصرف\n_________\n= (١٠/ ١٤٧)، وفيه أبو هلال الراسبي، وهو ثقة، وفيه خلاف، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح.\n(^١) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٤٦).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٤٦).\n(^٣) كشف المشكل (٣/ ٤٠١)، والكواكب الدراري (٢٢/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(^٥) سورة غافر، الآية: ٦٠.","vol":"7","page":643},{"text":"عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم\" فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال الله أكثر (^١)، أ. هـ.\nوعن أبي ذر -﵁- قال: من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له (^٢) ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له، ومن آداب الدعاء وشروطه أن لا يستعجل لأن ذلك استحثاث للقدرة وهو سوء أدب ولأن ذلك يقطعه عن الدعاء فتفوته الإجابة (^٣)، أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء\" قال أهل اللغة: يقال حسر واستحسر إذا أعيي وانقطع عن الشيء، والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (^٤) أي: لا ينقطعون عنها، ففيه أنه ينبغي إدامة الدعاء ولا يستبطئ الإجابة (^٥) [والحاصل أن الإجابة حاصلة؛ لكن تكون تارة معجلة، وتارة مؤخرة] ذكر مكي رحمه الله تعالى أن المدة بين دعاء زكريا -ﷺ- بطلب الولد والبشارة أربعون سنة ومثل ذلك ما حكاه ابن عطية عن ابن جريج ومحمد بن علي والضحاك أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢٩ (٢٢٧٨٥)، والترمذي (٣٥٧٣). وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (١٦٣١).\n(^٢) المصنف لابن أبي شيبة، ١٠/ ٢٠٢، وعبد الرزاق، ١٠/ ٤٤٢، والبيهقي في شعب الإيمان، ٢/ ٥٢ عن أبي الدرداء.\n(^٣) التعيين (ص ١١٧).\n(^٤) سورة الأنبياء، الآية: ١٩.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٥٢).","vol":"7","page":644},{"text":"دعوة موسى وهارون على فرعون لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة، وحكي الإمام أبو حامد الغزالي عن بعضهم أنه قال: إني لا أسأل الله ﷿ منذ عشرين سنة حاجة ما أجابني وما أجابني وأنا أرجوا الإجابة (^١).\nفائدة: قال ناس من الصحابة لعمر -﵁-: ما بال الناس في الجاهلية كانوا إذا ظلموا فدعوا يستجاب لهم ونحن اليوم ندعوا فلا يستجاب لنا وإن كنا مظلومين، فقال عمر -﵁-: كان ذلك ولا أجر لهم إلا ذاك فلما نزل الوعد والوعيد والحدود والقصاص والقود وكلهم الله ﷿ إلى ذلك انتهى. قاله في تاريخ كنز الدر (^٢)، وفي مناقب الأبرار قيل لإبراهيم بن أدهم ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: الأول: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه. الثاني: زعمتم أنكم تحبون رسول الله -ﷺ- وتركتكم سنته. الثالث: قرأتك القرآن ولم تعملوا به. الرابع: أكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها. الخامس: قلتم إن الشيطان عدوكم ووافقتموه. السادس: قلتم إن الجنة حق ولم تعملوا لها. السابع: قلتم إن النار حق ولم تهربوا منها. الثامن: قلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له. التاسع: انتبهتم من النوم فاشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم. العاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم (^٣) والله أعلم.\nتنبيه: ومن أجوبة عمر الحسنة أنه قال: لأن في يوم كذا من شهر كذا ساعة\n_________\n(^١) سلاح المؤمن (ص ١٥٧ - ١٥٨)، ودليل الفالحين (٧/ ٣٠٣).\n(^٢) كنز الدرر (٣/ ١٨٠).\n(^٣) حلية الأولياء (٨/ ١٥) ومناقب الأبرار (ص ٢٧).","vol":"7","page":645},{"text":"لا يدعو الله سبحانه فيها أحد إلا استجاب له فقيل له أرأيت إن دعا الله ﷿ فيها منافق؟ فقال: إن المنافق لا يوفق لتلك الساعة (^١). انتهى.\n_________\n(^١) كنز الدرر (٣/ ١٨٠).","vol":"7","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>الترهيب من رفع المصلي رأسه إلى السماء وقت الدعاء وأن يدعو الإنسان وهو غافل</span>\n٢٥٥٣ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لينتهين أَقوام عَن رفعهم أَبْصَارهم عِنْد الدُّعَاء فِي الصَّلَاة إِلَى السَّمَاء أَو ليخطفن الله أَبْصَارهم رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء\" الحديث، قال القاضي عياض (^٢): واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاة فكرهه شريح وآخرون وتقدم الكلام على ذلك في الصلاة مبسوطا.\n\n٢٥٥٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الْقُلُوب أوعية وَبَعضهَا أوعى من بعض فَإِذا سَأَلْتُم الله ﷿ يَا أَيهَا النَّاس فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُم موقنون بالإجابة فَإِن الله لَا يستجيب لعبد دَعَاهُ عَن ظهر قلب غافل رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) مسلم (٤٢٩)، والنسائي في الكبرى (١١٩٩).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٤١).\n(^٣) أحمد (٦٦٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨)، وإسناده حسن.","vol":"7","page":647},{"text":"قوله -ﷺ-: \"القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله ﷿ يا أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة\" نهي أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة ودعا ولو طالت المدة فإنه ﷾ يحب الملحين في الدعاء، وجاء في الأثر أن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه قال: يا جبريل لا تعجل بقضاء حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته (^١) فما دام العبد يلح في الدعاء ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء فهو قريب من الإجابة ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له وبكل حال فلإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله ﷿ موجب للمغفرة والله تعالى يقول: \"أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء\" وفي رواية \"فلا تظنوا بالله إلا خيرا\" (^٢) ويروي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعا: \"يأتي الله تعالى بالمؤمن يوم القيامة فيقربه حتى يجعله في حجابه من جميع الخلق فيقول له اقرأ فيعرفه ذنبا ذنبا أتعرف أتعرف فيقول نعم نعم، ثم يلتفت العبد يمنة ويسرة فيقول الله ﷿: لا بأس\n_________\n(^١) أخرجه: الطبراني في الأوسط (٨/ ٢١٦ رقم ٨٤٤٢) عن جابر بن عبد الله مرفوعًا. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، تفرد به: سويد بن عبد العزيز. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك. وقال الألباني ضعيف جدا الضعيفة (٢٢٩٦).\n(^٢) أخرجه: ابن المبارك في الزهد (٩٠٩)، وأحمد ٣/ ٤٩١، وابن حبان (٦٣٣). وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٦٣).","vol":"7","page":648},{"text":"عليك يا عبدي أنت في ستري من جميع خلقي ليس بيني وبينك اليوم واحد يطلع على ذنوبك غيري واحد من جميع ما ائتني به قال ما هو يا رب قال ما كنت ترجو العفو منه، اذهب فقد غفرتها لك\" (^١) الحديث، قاله ابن رجب الحنبلي (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل\" وهذا إما خاص بدعاء العبادة وإما عام له ولدعاء المسألة وإما خاص بدعاء المسألة فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خالص حقه من قلب غافل، قالوا: ولأن عبودية من غلب عليه الغفلة والسهو في الغالب لا يكون مصاحبه الإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغافل لا قصد له فلا عبودية له (^٣)، وقال الشبلي رحمه الله تعالى في قول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال: ادعوني بلا غفلة أستجب لكم بلا مهلة (^٤)، وهذا قول حسن، ويؤيده الحديث المذكور وهو حديث عبد الله بن عمرو المذكور في الباب \"فأحضر الهمة وأطب الطعمة وادع بجوامع الدعاء، وهي: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد\".\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٩٠ رقم ١٣٧٢٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٧): \"رواه الطبراني، وفيه القاسم بن بهرام؛ وهو ضعيف\".\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٥) باختصار.\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٥٢٣ - ٥٢٤).\n(^٤) لطائف الإشارات (٢/ ٣١٣).","vol":"7","page":649},{"text":"٢٥٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ ادعوا الله وَأَنْتُم موقنون بالإجابة وَاعْلَمُوا أَن الله لَا يستجيب دُعَاء من قلب غافل لاه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ مُسْتَقِيم الْإِسْنَاد تفرد بِهِ صَالح المري وَهُوَ أحد زهاد الْبَصْرَة (^١). قَالَ الْحَافِظ صَالح المري لَا شكّ فِي زهده لَكِن تَركه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة\" الحديث.\nاعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب والافتقار.\nقوله: \"واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل\" وقد علمنا أنه ليس كل الناس تجاب دعوته ولا كل وقت تجاب دعوة الفاضل وأن دعوة المظلوم ولا تكاد ترد.\nواعلم أنه ينبغي للداعي أن يحضر قلبه في الدعاء لأنه المقصود، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في الحديث قبله والله أعلم.\nقوله: \"واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه\" وفي رسالة القشيري في باب الدعاء: مر موسى -﵇- برجل يدعو ويتضرع، فقال موسى:\n_________\n(^١) الترمذي (٣٤٧٩)، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والحاكم (١/ ٤٩٣)، والطبراني في الأوسط (٥١٠٩)، والخطيب في التاريخ (٤/ ٣٥٦)، قال الحاكم: هذا حديث مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد أهل البصرة ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صالح متروك، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٩٤).","vol":"7","page":650},{"text":"إلهي لو كانت حاجته بيدي قضيتها فأوحى الله تعالى إليه أنا أرحك به منك ولكن يدعوني وله غنم، وقلبه عند غنمه وأنا لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عند غيري فذكر موسى للرجل ذلك فانقطع إلى الله تعالى بقلبه فقضيت حاجته (^١) أ. هـ، قاله في حياة الحيوان (^٢)، اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وأرضنا وارض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.\n_________\n(^١) الرسالة (٢/ ٤٢٤).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٢٥٩).","vol":"7","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>الترهيب من دعاء الإنسان على نفسه وولده وخادمه وماله</span>\nعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تدعوا على أَنفسكُم وَلَا تدعوا على أَوْلَادكُم وَلَا تدعوا على خدمكم وَلَا تدعوا على أَمْوَالكُم لَا توافقوا من الله سَاعَة يسْأَل فِيهَا عَطاء فيستجيب لكم رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَغَيرهم (^١).\nقوله: عن جابر: هو جابر بن عبد الله -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم\" فذكره إلى أن قال \"لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم\" الحديث، وفي حديث آخر: \"لا تدعو على أنفسكم\" فذكره إلى أن قال \"لا توافقوا من الله ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم\" نيل بكسر النون وإسكان الياء ومعناه ساعة إجابة ينال الطالب فيها ويعطى مطلوبه.\n\n٢٥٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ثَلاث دعوات لَا شكّ فِي إجابتهن دَعْوَة الْمَظْلُوم ودعوة الْمُسَافِر ودعوة الْوَالِد على وَلَده رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (٣٠٠٩)، وأبو داود (١٥٣٢).\n(^٢) الترمذي (٣٤٤٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٢)، وابن ماجه (٣٨٦٢)، وأبو داود (١٥٣٦)، وأحمد (٨٥٨١)، وابن حبان (٢٦٩٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٨٩٥)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٩٦).","vol":"7","page":652},{"text":"٢٥٥٧ - وروى ابْن ماجه عَن أم حَكِيم عَن النَّبِي -ﷺ- أَنه قَالَ دُعَاء الْوَالِد يُفْضِي إِلَى الْحجاب (^١).\nوَيَأْتِي فِي بَاب دُعَاء الْمَرْء لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب أَحَادِيث فِيهَا ذكر دُعَاء الْوَالِد.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاث دعوات لا شك في إجابتهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده\" وروى ابن ماجه عن أم حكيم عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"دعاء الوالد يفضي إلى الحجاب\".\nخاتمة يختم بها الباب: قال عبد الملك: ما من رجل يدعو على أولاده بالموت إلا ازدادوا طغيانا وعصيانا، وما من رجل يدعوا على أولاده بالخير إلا زادهم الله تعالى طاعة وتوفيقا، قاله في حياة الحيوان.\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٨٦٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ رقم ٣٩٤)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٠٨)، لم يخرج ابن ماجه لأم حكيم غير هذا الحديث، وليس لها رواية في شيء من الخمسة الأصول، وإسناد حديثها فيه مقال، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٩٧٧).","vol":"7","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>الترغيب في إكثار الصلاة على النبي -ﷺ- والترهيب من تركها عند ذكره -ﷺ- كثيرا دائما</span>\n٢٥٥٨ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من صلى عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشرا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nوَفِي بعض أَلْفَاظ التِّرْمِذِيّ من صلى عَليّ مرّة وَاحِدَة كتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا\" الحديث، وفي بعض ألفاظ الترمذي: \"من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا\" لأن الحسنة بعشر أمثالها فالصلاة في اللغة الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^٣) أي: ادع لهم وهي من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم، قال البخاري في صحيحه: وصلاة الله تعالى على العبد هو ثناؤه عليه بين ملائكته وتنويهه فذكره قاله أبو العالية (^٤) فقولهم: الصلاة\n_________\n(^١) مسلم (٤٠٨)، وأبو داود (١٥٣٠)، والترمذي (٤٨٥)، وابن حبان (٩٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٥)، وأحمد (١٠٢٨٧).\n(^٢) ابن حبان (٩١٣).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(^٤) صحيح البخاري (٦/ ١٢٠).","vol":"7","page":654},{"text":"عليك، بمنزلة قولهم: السلام عليك، فالصلاة تحية له كما أن السلام تحية له، وفي ذلك الجمع بين تحيتين والصلاة والسلام هنا خبر معناه الدعاء والمعنى جعل الله الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، وهذا كقول المصلي سمع الله لمن حمده فإنه خبر معناه الدعاء أي قبل الله حمد من حمده، وقال الخطابي أصل الصلاة في اللغة الدعاء إلا أن الدعاء يختلف بحسب المدعو له فصلاته لأمته دعاء لهم بالمغفرة وصلاة الأمة له دعاء له بزيادة القربة والزلفة هذه لا تليق بغيره -ﷺ- (^١)، أ. هـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن عبد السلام: ليست صلاتنا على النبي -ﷺ- شفاعة منا له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله ﷾ أمرنا بمكافأة من أنعم علينا وأحسن إلينا فإن عجز عن مكافأته دعونا له أن يكافئه عنا ولما عجزنا عن مكافأة سيد الأولين والآخرين أمرنا رب العالمين أن نسأل الله أن يصلي عليه لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا وأفضاله إذ لا إحسان أفضل من إحسانه -ﷺ- (^٢)، ورئي الإمام الشافعي في النوم فقيل: ما فعل الله تعالى بك فقال: غفر لي ورحمني وزففت إلى باب الجنة كما تزف العروس ونير عليّ اللؤلؤ الرطب فقلت: بم بلغت هذا؟ فقيل لي بقولك في كتاب الرسالة وصلى الله على محمد عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون قال: فلما أصبحت نظرت الرسالة فإذا الأمر كما رأيت، وفي الإحياء\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٢/ ٨١٧ - ٨١٨).\n(^٢) القول البديع (ص ٣٤).","vol":"7","page":655},{"text":"عن أبي الحسن الشافعي: قال صليت ليلة ما قدر لي ونمت فرأيت النبي -ﷺ- في النوم فقلت: يا رسول الله بماذا جزي الشافعي عنك يقول في كتاب الرسالة، وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، فقال -ﷺ-: \"جزي عني أنه لا يوقف للحساب\" (^١)، وقال في حدائق الأولياء: وهذا تعظيم لجنابه ورفعة لشأنه ومن يقدر صلاة الرب ﷻ، أو يحيط به تعالى كماله [قوله (كماله) هو فاعل تعالى وضمير به عائد إلى الرب سبحانه] [قياما] من ملئ جوفه منها، وآداب نفسه فيها، فإنه يفاض عليه سبب العطاء ويجازي بأكمل الجزاء، ويدفع عنه بها أشد الشدائد، وتجزل لديه العوائد (^٢)، وقد قال ﵊ إذا تكفي همك فاملأ من هذا وهمك، وما أربح هذه التجارة، وأعظم من يجازي على هذه البضاعة (^٣).\nمن عامل الله لم يخسر تجارته ... وكل قلب خراب بالتقى عمره\nوما تصلي على المختار واحدة ... إلا عليك يصلي ربه عن عشرة\nفاغنم صلاتك يا هذا عليه تفز ... بالربح عند الإله فاز من شكره (^٤)\n_________\n(^١) مناقب الشافعي (٢/ ٣٠٤)، وحدائق الأولياء (١/ ٢٤)، والقول البديع (ص ٢٥٠ - ٢٥١).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ١٨).\n(^٣) حدائق الأولياء (١/ ١٨).\n(^٤) حدائق الأولياء (١/ ١٨).","vol":"7","page":656},{"text":"٢٥٥٩ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من ذكرت عِنْده فَليصل عَليّ وَمن صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا.\nوَفِي رِوَايَة من صلى عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشر صلوَات ويحط عَنهُ بهَا عشر سيئات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه.\nوَالْحَاكِم وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشر صلوَات وَحط عَنهُ عشر خطيئات (^١).\n\n٢٥٦٠ - وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشرا وَمن صلى عَليّ عشرا صلى الله عَلَيْهِ مائَة وَمن صلى عَليّ مائَة كتب الله بَين عَيْنَيْهِ بَرَاءَة من النِّفَاق وَبَرَاءَة من النَّار وَأَسْكَنَهُ الله يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الشُّهَدَاء (^٢). وَفِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن سَالم بن شبْل الهجعي لَا أعرفهُ بِجرح وَلَا عَدَالَة.\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من ذكرت عنده فليصل عليّ\" ويقال أمرك بالصلاة عليه لأنه تعالى أراد أن يمن به عليك ولك عليه، قيل: وإنما جعلت الصلاة عليه محالة\n_________\n(^١) أحمد (١١٩٩٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٨٩)، وابن حبان (٩٠٤)، والحاكم (١/ ٥٥٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٤٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٥٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٥٩).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٧٢٣٥)، وفي الصغير (٨٨٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٣)، وفيه: إبراهيم بن سالم بن شبل الهجيمي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.","vol":"7","page":657},{"text":"على الله تعالى وإن كانت صلاتنا عليه لأنا لا نستطيع القيام بحقيقة مدحه -ﷺ- فطلبنا من الله أن يصلي عليه فمعنى قولنا: اللهم صلى على محمد اللهم أنزل صلاتك عليه، والأحسن أن يقال: أن الصلاة عليه -ﷺ- هدية منك إليه والهدية توجب المحبة والوصلة والقرب والمكافأة، ولهذا قيل -ﷺ- مخبرًا عن المكافأة عليها أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أكثركم عليه صلاة، فنحن محتاجون إلى التودد والتقرب إليه بهذه الهدية وطمعا في المكافأة بشفاعته ولو لم يكن فيها إلا إظهار المحبة كان ذلك كافيا، قال بعضهم: إظهار المحبة يوجب النعمة كما أن إظهار العداوة يوجب النقمة ألا ترى أن الوزغ حين نفخ في النار على إبراهيم، وأن كل نفخة لا يصل إلى النار ولا إلى قريب استوجب النقمة لإظهار العداوة والبغضة وقد أمر النبي -ﷺ- بقتله، وقال: إنه كان ينفخ النار على إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، انتهى.\nقوله: \"ويحط عنه بها عشر سيئات\" وحط السيئات عبارة عن غفرانها وغفرانها هو سترها.\nقوله -ﷺ-: \"ورفع له بها عشر درجات\" ورفع الدرجات هو إعلاء المنازل في الجنة.\nقوله: وفي إسناده إبراهيم بن سالم بن شبل الهجعي [لا يعرف بجرح ولا عدالة].\n\n٢٥٦١ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف -﵁- قَالَ خرج رَسُول الله -ﷺ- فاتبعته حَتَّى دخل نخلا فَسجدَ فَأطَال السُّجُود حَتَّى خفت أَو خشيت أَن يكون الله قد","vol":"7","page":658},{"text":"توفاه أَو قَبضه قَالَ فَجئْت أنظر فَرفع رَأسه فَقَالَ مَا لَك يَا عبد الرَّحْمَن قَالَ فَذكرت ذَلِك لَهُ قَالَ فَقَالَ إِن جِبْرِيل -﵇- قَالَ لي أَلا أُبَشِّرك أَن الله ﷿ يَقُول من صلى عَلَيْك صليت عَلَيْهِ وَمن سلم عَلَيْك سلمت عَلَيْهِ زَاد فِي رِوَايَة فسجدت لله شكرا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n\n٢٥٦٢ - وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وأَبُو يعلى وَلَفظه قَالَ كَانَ لَا يُفَارق رَسُول الله -ﷺ- منا خَمْسَة أَو أَرْبَعَة من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- لما ينوبه من حَوَائِجه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار قَالَ فَجِئْته وَقد خرج فاتبعته فَدخل حَائِطا من حيطان الْأَشْرَاف فصلى فَسجدَ فَأطَال السُّجُود فَبَكَيْت وَقلت قبض الله روحه قَالَ فَرفع رَأسه فدعاني فَقَالَ مَا لَك فَقلت يَا رَسُول الله أطلت السُّجُود وَقلت قبض الله روح رَسُوله لَا أرَاهُ أبدا قَالَ سجدت شكرا لرَبي فِيمَا أبلاني فِي أمتِي من صلى عَليّ صَلَاة من أمتِي كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات لفظ أبي يعلى.\nوَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ عشرا وَفِي إسنادهما مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي (^٢).\nقَوْله فِيمَا أبلاني أَي فِيمَا أنعم عَليّ والإبلاء الإنعام\n\n٢٥٦٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صلى عَليّ مرّة كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات\n_________\n(^١) أحمد (١٦٦٢)، والحاكم (١/ ٥٥٠) وأبو يعلى (٨٦٦).\n(^٢) أبو يعلى (٨٥٥)، وابن أبي الدنيا كما في القول البديع (ص ٢٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦١)، فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.","vol":"7","page":659},{"text":"وَكن لَهُ عدل عشر رِقَاب رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الصَّلَاة عَن مولى للبراء لم يسمه عَنهُ (^١).\nقوله: وعن عبد الرحمن بن عوف -﵁-[هو أبو محمد بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة ابن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني، كان اسمه فى الجاهلية عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الرحمن. وأمه الشفاء بنت عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة ولد بعد الفيل بعشر سنين، أسلم عبد الرحمن قديما قبل دخول رسول الله -ﷺ- دار الأرقم، وهو أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله -ﷺ- بالجنة، وأحد الستة الذين هم أهل الشورى الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب، ﵁، بالخلافة، وقال: إن رسول الله -ﷺ- توفى وهو عنهم راض، وكان من المهاجرين الأولين، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد مع رسول الله -ﷺ- بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد. وبعثه رسول الله -ﷺ- إلى دومة الجندل إلى بنى كلب وعممه بيده، وسدلها بين كتفيه، وقال: \"إن فتح الله عليك فتزوج ابنة ملكهم\"، أو قال: \"شريفهم\"، فتزوج بنت شريفهم الأصبغ، وهى تماضر، فولدت له أبا سلمة.\nومن مناقب عبد الرحمن التى لا توجد لغيره من الناس، أن رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) ابن أبي عاصم في الصلاة كما في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع (ص ٢٤١).","vol":"7","page":660},{"text":"صلى وراءه في غزوة تبوك حين أدركه وقد صلى بالناس ركعة، وحديثه هذا في صحيح مسلم وغيره، وقولنا: لا يوجد لغيره من الناس احتراز من صلاة النبي -ﷺ- خلف جبريل حين أعلمه بالمواقيت.\nوجرح عبد الرحمن يوم أحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله، وسقطت ثنيتاه، وكان كثير الإنفاق في سبيل الله تعالي، أعتق في يوم أحد وثلاثين عبدا. روى له عن رسول الله -ﷺ- خمسة وستون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وجبير بن مطعم، وغيرهم من الصحابة، وخلائق من التابعين، منهم بنوه إبراهيم، وحميد، ومصعب بنو عبد الرحمن.\nوفي الحديث عن النبي -ﷺ- أن عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء، أمين في الأرض. وكان كثير المال، محظوظا في التجارة. قيل: إنه دخل على أم سلمة، فقال: يا أمه، خفت أن يهلكنى كثرة مالي، قالت: يا بنى أنفق.\nوعن الزهري، قال: تصدق عبد الرحمن على عهد رسول الله -ﷺ- بشطر ماله أربعة آلاف، ثم بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله، ثم بخمسمائة راحلة، وكان عامة ماله التجارة.\nوفي كتاب الترمذي أن عبد الرحمن بن عوف أوصلا لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال عروة بن الزبير: أوصى عبد الرحمن بخمسين ألف دينار في سبيل الله تعالى. وقال الزهري: أوصى عبد الرحمن لمن بقى ممن شهد بدرا لكل","vol":"7","page":661},{"text":"رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأخذها عثمان فيمن أخذ، وأوصى بألف فرس في سبيل الله. ولما توفى قال على بن أبي طالب، ﵁: اذهب يا ابن عوف، أدركت صفوها، وسبقت كدرها. وكان سعد بن أبي وقاص فيمن حمل جنازته وهو يقول: واجبلاه.\nوخلف مالا عظيما من ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدى الرجال منها، وترك ألف بعير ومائة فرس، وثلاثة آلاف شاة ترعي، وكان له أربع نسوة صالحت امرأة منهن عن نصيبها بثمانين ألفا.\nوكان أبيض مشربا حمرة، حسن الوجه، رقيق البشرة، أعين، أهدب الأشفار، أقني، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، لا يغير شعره. توفى سنة ثنتين وثلاثين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن ثنتين وسبعين، وقيل: خمس وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، ودفن بالبقيع.\nقال ابن قتيبة: ولد عبد الرحمن: محمد، وإبراهيم، وحميد، وزيد، أمهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأبو سلمة الفقيه أمه تماضر، ومصعب أمه يمانية، وسهيل أمه يمانية، وعثمان، والمسور، وعمر، وغيرهم، وبنات (^١)].\nقوله: \"إن الله ﷿ يقول: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه\" الحديث، صلوات الله ﷿ رحمته المترادفة وسلامه تحيته أو تسليمه إياه من كل مكروه فهو السلام ومنه السلام قاله الطوفي (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٠ - ٣٠٢ ترجمة ٣٥٧).\n(^٢) التعيين (ص ٦ - ٧).","vol":"7","page":662},{"text":"قوله -ﷺ-: \"فسجدت لله شكرًا\" لربي فيما أبلاني في أمتي أي فيما أنعم علي والإبلاء الأنعام، وفي سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي -ﷺ- قال: سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي (^١)، وروي البيهقي بإسناد صحيح أن النبي -ﷺ- خر ساجدا لما جاءه كتاب من اليمن بإسلام همدان (^٢)، وفي المسند عن أبي بكرة أن النبي -ﷺ- كان إذا أتاه أمر يسره خر ساجدا شكرًا لله تعالى (^٣)، وسجد أبو بكر الصديق عند فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب وسجد عمر عند فتح اليرموك وسجد علي -﵁- عند رؤية ذي الثدية قتيلا بالنهروان، وسجد أيضًا -ﷺ- شكرا لله تعالى حيث جاءته رأس أبي جهل وذلك في غزوة بدر وكانت بعد قدوم النبي -ﷺ- المدينة بمدة وسجد كعب بن مالك حين جاءته البشرى بتوبة الله تعالى عليه، قال العلماء: يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم لحدوث ولد أو جاه أو مال أو نصر على الأعداء وقدوم غائب أو شفاء مريض أو حدوث مطر عند\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٧٧٥) عن سعد بن أبي وقاص. وضعفه الألباني في الإرواء (٤٧٤).\n(^٢) أخرجه الروياني (٣٠٤)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٥١٦ - ٥١٧ رقم ٣٩٣٢) والمعرفة (٤٧٤٤). قال البيهقي: وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه. وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٩٤)، وأبو داود (٢٧٧٤)، والترمذي (١٥٧٨). وحسنه الألباني في الإرواء (٤٧٤)، الروض النضير (٧٢٤)، صحيح أبي داود (٢٤٧٩).","vol":"7","page":663},{"text":"القحط أو زواله عند خوف التأذي به سواء كان خاصا به أو عاما، ويستحب أيضا سجود الشكر عند اندفاع النقم كنجاة من غرق أو عدو ونحو ذلك، واحترز بتجدد النعمة عن استمرارها فإنه لا يسجد لها لاستمرار النعيم لأنها لا تنقطع فيؤدي ذلك إلى استغراق العمر في ذلك (^١)، ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وهو مذهب الليث بن سعد والجمهور ونقل شارح المنظومة عن الإمام أبي حنيفة أن سجود الشكر ليس بقربة بل هو مكروه لا يثاب عليه وتركه أولي، وعن الإمام مالك روايتان أشهرهما الكراهة، والثانية: أنه ليس بسنة (^٢) وذكر بعضهم أن ذلك منسوخ ولو كان ذلك منسوخا لم يخف على هؤلاء الأكابر كأبي بكر وعلي وغيرهما الذين سجدوا للشكر والصحابة أعرف بتفسير الحديث من غيرهم والذي قاله [.......] ويفتقر سجود الشكر إلى شروط الصلاة من الطهارة واستقبال القبلة وغير ذلك من الشروط، وحكمه حكم سجود التلاوة خارج الصلاة، واتفق العلماء على تحريم سجود الشكر في الصلاة فإن سجد فيها بطلت صلاته بلا خلاف، ولو قرأ آية سجدة ليسجد بها للشكر ففي جواز السجود وجهان أصحهما يحرم وتبطل به صلاته وهما كالوجهين فيمن قصد المسجد في وقت النهي ليصلي التحية لا لغرض آخر والله أعلم.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١).\n(^٢) انظر المجموع (٤/ ٧٠).","vol":"7","page":664},{"text":"قال البغوي: لو تصدق من تجدد له نعمة أو اندفعت عنه نقمة أو صلى شكرا لله تعالى كان حسنا أي مع فعله سجدة الشكر، كذا قاله النووي (^١) والظاهر أن مراد البغوي خلافه (^٢).\nفائدة: لو خضع فتقرب لله بسجدة واحدة من غير سبب فالأصح أنه حرام قال النووي ومن هذا فعل كثير من الجهلة الضالين من السجودين بين يدي المشايخ فإن ذلك حرام قطعا بكل حال سواء كان إلى القبلة أو لغيرها سواء قصد السجود بين يدي المشايخ فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال سواء كان إلى القبلة أو لغيرها وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر (^٣) والله أعلم.\nقوله: \"فدخل حائطا من حيطان الأسواف (الأسواف) \" والحائط: البستان، والأسواف: بالسين المهملة والواو والفاء اسم لحرم المدينة الذي حرمه رسول الله -ﷺ- لما روى الإمام أحمد في مسنده والطبراني في معجمه أن زيد بن ثابت رأى شرحبيل بن سعد وقد صاد نهسا بالأسواف فأخذه من يده وأرسله (^٤)، والنهاس: طائر يشبه الصرد يديم تحريك ذنبه ويصيد العصافير\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ٦٩).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٤).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ١٨١ (٢١٥٧٦)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٥١ رقم ٤٩١١).\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٠٣: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وشرحبيل، وثقه ابن حبان، وضعفه الناس.","vol":"7","page":665},{"text":"وإنما أرسله لأن صيد المدينة حرام كمكة والله أعلم.\nقوله: وفيه موسى بن عبيدة الربذي، هو بفتح الراء والباء الموحدة وبكسر الذال المعجمة نسبة إلى الربذة وهي قرية من قرى المدينة بها قبر أبي ذر الغفاري.\n\n٢٥٦٤ - وَعَن أبي بردة بن نيار -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ من أمتِي صَلَاة مخلصا من قلبه صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشر صلوَات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات وَكتب لَهُ بهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ بهَا عشر سيئات رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار (^١).\nقوله: وعن أبي بردة بن نيار -﵁-، واسم أبي بردة هانئ بن نيار وهو من الطبقة الأولى من الأنصار وهو خال البراء بن عازب [شهد] المشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-، روي عن رسول الله -ﷺ- أحاديث حفظها عنه، أسند عن رسول الله -ﷺ- الحديث أخرج له الإمام أحمد ستة أحاديث منها حديث واحد متفق عليه، ومنها حديث الدابة وليس في الصحابة من اسمه هانئ بن نيار غيره، فأما أبو بردة فثلاثة أحدهم صاحب هذه الترجمة والثاني أبو بردة أخو أبو موسى الأشعري واسمه عامر، والثالث: أبو بردة الظفري من بني كعب بن مالك أ. هـ.\n_________\n(^١) النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٩٢)، والبزار (٣١٦٠)، والطبراني، كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه البزار ورجاله ثقات، ورواه الطبراني، غلا أنه قال: \"ما صلى علي عبد من أمتي صادقا بها في قلب نفسه\" وزاد، \"وكتب له عشر حسنات\". وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢)، رواته ثقات.","vol":"7","page":666},{"text":"قوله -ﷺ-: \"من صلى علي من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات\" الحديث، المخلص [هو المتصف بالإخلاص وهو إفراد الحق ﷾ في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنُّعٍ لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالي].\n\n٢٥٦٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول ثمَّ صلوا عَليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا ثمَّ سلوا لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهَا منزلَة من الْجنَّة لَا تنبغي إِلَّا لعبد من عباد الله وَأَرْجُو أَن أكون أَنا هُوَ فَمن سَأَل الله لي الْوَسِيلَة حلت لَهُ الشَّفَاعَة رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\n\n٢٥٦٦ - وَعنهُ -﵁- قَالَ من صلى على النَّبِي -ﷺ- وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ وَمَلَائِكَته سبعين صَلَاة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة\" تقدم الكلام على هذا الحديث في الأذان وعلى الوسيلة وأنها منزلة في الجنة أ. هـ.\n_________\n(^١) مسلم (٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذي (٣٦١٤)، وأحمد (٦٥٦٨)، وابن حبان (١٦٩٠)، وابن خزيمة (٤١٨).\n(^٢) أحمد (٦٧٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٠)، وإسناده حسن.","vol":"7","page":667},{"text":"قوله: \"من صلى على النبي -ﷺ- واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة\" تقدم الكلام على ذكر السبعين في كلام العرب، والمراد بها التكثير وتضعيف الأجر والله أعلم.\n\n٢٥٦٧ - وَعَن أبي طَلْحَة الْأَنْصَارِيّ -﵁- قَالَ أصبح رَسُول الله -ﷺ- يَوْمًا طيّب النَّفس يرى فِي وَجهه الْبشر قَالُوا يَا رَسُول الله أَصبَحت الْيَوْم طيب النَّفس يرى فِي وَجهك الْبشر قَالَ أجل أَتَانِي آتٍ من رَبِّي ﷿ فَقَالَ من صلى عَلَيْك من أمتك صَلَاة كتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات ورد عَلَيْهِ مثلهَا رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ (^١).\nوَفِي رِوَايَة لأحمد أَن رَسُول الله -ﷺ- جَاءَ ذَات يَوْم وَالسُّرُور يرى فِي وَجهه فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّا لنرى السرُور فِي وَجهك فَقَالَ إِنَّه أَتَانِي الْملك فَقَالَ يَا مُحَمَّد أما يرضيك أَن رَبك ﷿ يَقُول إِنَّه لَا يُصَلِّي عَلَيْك أحد من أمتك إِلَّا صليت عَلَيْهِ عشرا وَلَا يسلم عَلَيْك أحد من أمتك إِلَّا سلمت عَلَيْهِ عشرا قَالَ بلَى وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذِه (^٢).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَفظه قَالَ دخلت على رَسُول الله -ﷺ- وأسارير وَجهه تبرق فَقلت يَا رَسُول الله مَا رَأَيْتُك أطيب نفسا وَلَا أظهر بشرا من يَوْمك هَذَا قَالَ وَمَا\n_________\n(^١) أحمد (١٦٣٥٢)، والنسائي (٣٨٤٤)، وفي الكبرى (١٢٠٦)، والحاكم (٢٨٤٢٠)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢)، رواته ثقات.\n(^٢) أحمد (١٦٣٦٣)، وابن حبان (٩١٥)، والطبراني (٤٧٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧١).","vol":"7","page":668},{"text":"لي لَا تطيب نَفسِي وَيظْهر بشري وَإِنَّمَا فارقني جِبْرِيل -﵇- السَّاعَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد من صلى عَلَيْك من أمتك صَلَاة كتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات وَقَالَ لَهُ الْملك مثل مَا قَالَ لَك فَقلت يَا جِبْرِيل وَمَا ذَاك الْملك قَالَ إِن الله ﷿ وكل ملكا من لدن خلقك إِلَى أَن يَبْعَثك لَا يُصَلِّي عَلَيْك أحد من أمتك إِلَّا قَالَ وَأَنت صلى الله عَلَيْك (^١).\nقوله: وعن أبي طلحة الأنصاري، واسم أبي طلحة زيد بن سهل.\nقوله: \"أجل\" هو حرف من حروف الإيجاب وهو تصديق للخبر ومعناه نعم قاله الكرماني.\nقوله: دخلت على رسول الله -ﷺ- وأسارير وجهه تبرق، والأسارير الخطوط التي تجتمع في الوجه والجبهة والكف وتتكسر جمع سدر على وزن عنب، وسر يقال أيضًا الأسرة، والقصور، وأما التي في الراحة فواحدها والجمع سرر مثل سدرة وسدر ويقال [فيه] أيضا الأسرة على غير قياس ويقال فيها أسرار وسرر قال الجوهري: السرر واحد أسرار الكف والجبهة وهي خطوطها (^٢) أ. هـ قاله في شرح الإلمام (^٣).\nقوله \"تبرق\" قال أهل اللغة تبرق بفتح التاء وضم الراء أي تضيء وتستنير\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٤٧٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦١)، وفي الرواية الأولى إبراهيم في الوليد، وفي الثانية حماد بن عمرو، ولم أعرفهما، وبقية رجالهما ثقات.\n(^٢) الصحاح (٢/ ٦٨٣).\n(^٣) رياض الأفهام (٥/ ٦٩).","vol":"7","page":669},{"text":"من السرور والفرح أ. هـ، وقال في النهاية (^١): أي تلمع وتستنير كالبرق وكان إذا سرا استنار وجهه والسرور ضد الحزن.\n\n٢٥٦٨ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَكْثرُوا الصَّلَاة عَليّ يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيل آنِفا عَن ربه ﷿ فَقَالَ مَا على الأَرْض من مُسلم يُصَلِّي عَلَيْك مرّة وَاحِدَة إِلَّا صليت أَنا وملائكتي عَلَيْهِ عشرا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أبي ظلال عَنهُ وَأَبُو ظلال وثق وَلَا يضر فِي المتابعات (^٢).\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أكثروا الصلاة على يوم الجمعة فإنه أتاني جبريل -﵇- آنفا عن ربع ﷿\" الحديث، آنفا أي قريبا، قول جبريل -ﷺ-: \"ما على الأرض من مسلم يصلي عليك مرة واحدة إلا صليت أنا وملائكتي عليه عشرا\" تقدم الكلام على تفسير الصلاة وأنها من الله بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار مبسوطا في أماكن هذا التعليق.\n\n٢٥٦٩ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا ملك مُوكل بهَا حَتَّى يبلغنيها رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ فِي الْكَبِير (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١٢٠).\n(^٢) الأصبهاني في الترغيب (١٦٧٨)، وعزاه المنذري وكذلك السخاوي في القول البديع (٣١٧). ذكره في صحيح الجامع (١٢٠٩)، مختصرا وقال: حسن.\n(^٣) الطبراني في الكبير (٧٦١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، فيه موسى بن عمير القرشي، وهو ضعيف جدا.","vol":"7","page":670},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ملك وكل بها حتى يباغيها\" وتقدم أيضا الكلام على الصلاة.\nفائدة فيها بشرى: وروي أبو نعيم عن علي قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من صلى علي يوم الجمعة مائة مرة جاء يوم القيامة ومعه نور لو قسم ذلك النور بين الخلق كلهم لوسعهم\" والله أعلم.\n\n٢٥٧٠ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن لله مَلَائِكَة سياحين يبلغوني عَن أمتِي السَّلَام رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه\nقوله -ﷺ-: \"إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام\" السايحون هم الذين لا وظيفة لهم.\nتنبيه: من الصغائر أن يسمع ذكر النبي -ﷺ- فلا يصلي عليه وقد أوجب قوم الصلاة على النبي -ﷺ- كلما ذكر قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (^٢) وهو الاحتياط، أ. هـ.\n_________\n(^١) النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٩٤)، وابن حبان (٩١٤)، وأحمد (٣٦٦٦)، وأبو يعلى (٥٢١٣)، والطبراني في الكبير (١٠٥٢٨)، وابن المبارك في الزهد (١٠٢٨)، والبزار (٨٤٥)، والحاكم (٢/ ٤٢١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢١٧٤).\n(^٢) التفسير (١٤/ ٢٣٣).","vol":"7","page":671},{"text":"وقد اختلف العلماء في ذلك فقيل تجب في العمر مرة واحدة وهو الأكثر، وقيل: تجب كلما ذكر وسيأتي الكلام على من قال بذلك من أئمة المذاهب الأربعة، وقد عد منهم قوم ترك الصلاة عليه كلما ذكر من الكبائر وليس ببعيد فإن الوعيد على ذلك شديد، وفي شرف النبي -ﷺ- وتأكيد حقه على الأمة ما هو أعظم من ذلك قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١)، وروي ابن السني بإسناد جيد عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من ذكرت عنده فلم يصل علي فقد شقي\".\nفائدة فيها بشرى: في الخبر إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله -ﷺ- بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي -ﷺ- بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت فيقول أنا نبيك محمد وهذه صلواتك علي التي كنت تصلي قد وفيتك إياها أحوج ما تكون إليها ذكره القشيري (^٢) والله أعلم.\nتتمة: وقال مقاتل إن لله تعالى ملكا تحت العرش على رأسه ذؤابة قد أحاط بالعرش ما من شعرة على رأسه إلا مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله -ﷺ- فإذا صلى العبد على النبي لم تبق شعرة إلا استغفرت لصاحبها (^٣) قاله في التاريخ.\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣٣٩).\n(^٢) تفسير القرطبي (٧/ ١٦٧).\n(^٣) شرف المصطفى (٥/ ٨٠ رقم ٢٠٢٥)، والقول البديع (ص ١٢٢).","vol":"7","page":672},{"text":"٢٥٧١ - وَعَن الْحسن بن عَليّ -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ حَيْثُمَا كُنْتُم فصلوا عَليّ فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن الحسن بن علي -﵄-، هو: أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته وابن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- سيدة نساء العالمين ولد -﵁- في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة روى له عن رسول الله -ﷺ- أحاديث توفي -﵁- مسموما سنة تسع وأربعين وقيل سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين، ودفن بالبقيع وقبره فيه مشهور وصلى عليه سعد بن العاصي وولاي الخلافة بعد قتل أبيه علي -﵁- وكان قتل علي -﵁- لثلاث عشرة بقيت من رمضان سنة أربعين وبقى نحو سبعة أشهر خليفة بالحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك ثم سار إليه معاوية من الشام وسار هو إلى معاوية فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين فأرسل إلى معاوية يدل له تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة بعده وعلى أن لا يطلب أحد من أهل الحجاز والعراق بشيء مما كان في أيام أبيه وغير ذلك من القواعد فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك.\nقوله -ﷺ-: \"حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني\".\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٢٧٢٩)، وفي الأوسط (٣٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، وفيه حميد بن أبي زينب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣١٦٤).","vol":"7","page":673},{"text":"٢٥٧٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ بلغتني صلَاته وَصليت عَلَيْهِ وَكتب لَهُ سوى ذَلِك عشر حَسَنَات رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١).\n\n٢٥٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله إِلَيّ روحي حَتَّى أرد -﵇- رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد -﵇-\" الحديث، ويؤخذ من هذا الحديث أن النبي -ﷺ- حي على الدوام وذلك أنه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد يسلم على النبي -ﷺ- في ليل أو نهار (^٣).\nفإن قلت: قوله -﵇-: \"إلا رد الله علي روحي\" لا يلتئم مع كونه ﵊ حيا على الدوام بل يلزم أن تتعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة إذ الوجود لا يخلو من مسلم يسلم عليه كما تقدم.\nفالجواب: أن المراد بالروح هنا النطق مجازا فكأنه قال -﵇- إلا رد الله علي نطقي وهو حي على الدوام كما تقدم لكن لا يلزم من حياته نطقه فالله ﷾ يرد عليه النطق عند سلام كل مسلم وعلاقة المجاز أن النطق\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (١٦٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، وفيه راوٍ لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) أحمد (١٠٨١٥)، وأبو داود (٢٠٤١)، والطبراني في الأوسط (٣٠٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٨١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٧٩).\n(^٣) القول البديع (ص ١٧١ - ١٧٢).","vol":"7","page":674},{"text":"من لازمه وجود الروح بالفعل أو بالقوة فعبر -﵇- عن أحد المتلازمين بالآخر ومما يحقق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين عملا بقوله ﵎: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (^١) (^٢) ويحتمل أن يراد بالروح هنا السرور مجازا فإن هذا اللفظ قد يطلق ويراد به السرور والانتعاش (^٣) والله أعلم.\nتنبيه: قال سليمان بن نعيم رأيت النبي -ﷺ- في النوم فقلت يا رسول الله هؤلاء يأتونك ويسلمون عليك أتفقه منهم قال: نعم وأرد عليهم ذكره ابن قيم الجوزية (^٤).\n\n٢٥٧٤ - وَعَن عمار بن يَاسر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله وكل بقبري ملكا أعطَاهُ الله أَسمَاء الْخَلَائق فَلَا يُصَلِّي عَليّ أحد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا أبلغنيِ باسمه وَاسم أَبِيه هَذَا فلَان بن فلَان قد صلى عَلَيْك رَوَاهُ الْبَزَّار (^٥).\nوَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن لله ﵎ ملكا أعطَاهُ أَسمَاء الْخَلَائق فَهُوَ قَائِم على قَبْرِي إِذا مت فَلَيْسَ أحد يُصَلِّي عَليّ صَلَاة\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ١١.\n(^٢) قاله تاج الدين الفاكهانى كما في الفجر المنير (ص ١٤ - ١٥).\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٦٤).\n(^٤) الروح (ص ١٢).\n(^٥) البزار (٣١٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، وفيه ابن الحميري، واسمه عمران، يأتي الكلام عليه بعده، ونعيم بن ضمضم ضعفه بعضهم، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"7","page":675},{"text":"إِلَّا قَالَ يَا مُحَمَّد صلى عَلَيْك فلَان بن فلَان قَالَ فَيصَلي الرب ﵎ على ذَلِك الرجل بِكُل وَاحِدَة عشرا (^١). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِنَحْوِهِ.\nقَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن نعيم بن ضَمْضَم وَفِيه خلاف عَن عمرَان بن الْحِمْيَرِي وَلَا يعرف.\nقوله: وعن عمار بن ياسر، كنيته: أبو اليقظان عمار بن ياسر العنسي الشامي الدمشقي كان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قديما هو وصهيب في وقت واحد حين كان رسول الله -ﷺ- في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأسلم بعد بضعة وثلاثين رجلا، وأمه: سمية كان هو وأبوه وأمه يعذبون في الله ﷿ فيمر بهم رسول الله -ﷺ- فيقول: \"صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة\" (^٢) وروي الإمام أحمد في مسنده عن علقمة عن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من أبغض عمارا أبغضه الله\" (^٣) وهو منقطع فإن علقمة لم يدرك خالد بن الوليد، روي له عن رسول الله -ﷺ- اثنان وستون حديثا اتفقا على\n_________\n(^١) ابن حبان، كما في القول البديع (ص ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه الحارث كما في المطالب (٤٠٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٠٣ رقم ٧٦٩) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٠) عن عثمان بن عفان. قال الهيثمي في المجمع ٩/ ٢٩٣: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصبر (٤٦) عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا.\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٨٩ (١٦٨١٤) و٤/ ٩٠ (١٦٨٢١) والفضائل (١٦٠٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ١٣٦، والنسائي في الكبرى (٨٢١١) والحاكم ٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في المشكاة (٦٢٥٦).","vol":"7","page":676},{"text":"حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث قتل عمار -﵁- بصفين مع علي -﵁- في شهر ربيع الأول وقيل الآخر سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وقيل أربع وتسعين سنة، فأوصى أن يدفن بثيابه فدفنه علي بن أبي طالب بثيابه ولم يغسله وثبت في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- قال: \"ويح عمار تقتله الفئة الباغية\" (^١) وكانت الصحابة -﵃- يوم صفين ويتبعونه حيث توجه لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة بهذا الحديث، قالوا: وكان عمار -﵁- أول من بنى مسجدا لله تعالى في الإسلام بنى مسجد قباء وشهد قتال اليمامة في زمن أبي بكر الصديق فأشرف على صخرة ونادي يا معاشر المسلمين: أمن الجنة تفرون إلي إلي أنا عمار بن ياسر وقطعت أذنه وهو يقاتل أشد القتال -﵁- ومناقبه كثيرة (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"إن الله وكل بقبري ملكا أعطاه الله أسماء الخلائق فلا يصلي عليَّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان بن فلان قد صلى عليك\" الحديث.\nفائدة: في تاريخ ابن الفرات قال -ﷺ-: \"من صلى علي صلاة تعظيما لحقي خلق الله ﵎ من ذلك القول ملكا جناحه بالمشرق وجناحه الآخر بالمغرب ورجلاه مغروزتان في الأرض السابعة السفلى وعنقه ملتوية تحت العرش يقول الله ﷿: صلي على عبدي كما يصلي على نبي فهو يصلي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧) و(٢٨١٢) عن ابن عباس، ومسلم (٧٠ - ٢٩١٥) عن أبي سعيد.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٧ ترجمة ٤٦٥).","vol":"7","page":677},{"text":"عليه إلى يوم القيامة\" (^١) أ. هـ.\nوحكي الشيخ الإمام العلامة ولي الله تقي الدين الحصني في سير السلوك قال: أخبرني السيد الجليل أبو عبد الله المعروف ببولاد في الأسير ببيت المقدس وكان من الأخيار وكثير الذكر والإيثار وحج ماشيا ما يزيد على ثلاثين حجة من بيت المقدس وغيره، قال لي: إذا جاءوا الحج هاج بي الشوق إلى تلك المعاهد الشريفة وإلى زيارة سيد الأولين والآخرين والرحمة للعالمين فآخذ زادي على ظهري واضعا ماء وأسير مع الناس وأنا مشغول بحالي، قال: فاتفق لي أني تذاكرت أنا وخادم والضريح المكرم مواهب الله ﷿ لسيد الأولين والآخرين فقال لي: يا شيخ محمد إني أخدم هذا الضريح نحو ستين سنة فاتفق في يوم حار أني سمعت السرير يصرصر وسمعت صوته ﵊ وهو يقول وعليك السلام يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان وسمي ثمانية أنفس، قال الخادم فقمت من ساعتي وجئت الضريح فإذا بشخص كان أن يموت من الهزال جالسا عند الضريح فسلمت عليه وقلت له ما اسمك؟ فقال فلان بن فلان لأحد الثمانية فقلت له وأين رفقتك فقال هم عند باب الحرم قد عجزوا عن الوصول إلى الضريح قال: فعمدت إليهم فاستسميتهم فإذا ثلاثة من الذين سماهم رسول الله -ﷺ- فقلت وأين بقيتكم؟ فقالوا: فارقناهم من وراء تلك الأكمة قال فأخذت ما أحملهم عليه وأخذت ماء وشيئا من الأكل ومضيت فوجدت\n_________\n(^١) بستان الواعظين (ص ٢٨٨).","vol":"7","page":678},{"text":"الأربعة قد قضوا نحبهم قال فجهزتهم ورجعت إلى الأربعة فأخذتهم وكرمتهم وسألتهم من أين وردتم فقالوا من بلاد شاسعة بعيدة المشقة تعاقدنا وتعاهدنا على زيارة سيد الأولين والآخرين وأن لا نرجع عن ذلك ولو ذهبت أنفسنا فأما نحن فقد أعطانا الله ﷿ مرأدنا وأما إخاوننا الذين ماتوا عند الأكمة فنرجو من الله ﷿ أن لا يخيب مساعهم وقال سفيان الثوري: بينا أنا أطوف وإذا برجل يرفع قدما ولا يضع أخرى إلا وهو يصلي على النبي -ﷺ- فقال له يا هذا إنك تركت التسبيح والتهليل وأقبلت على النبي -ﷺ- فهل عندك من هذا شيء؟ فقال: من أنت عافاك الله تعالى قلت أنا سفيان الثوري، فقال: لولا أنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي ولا اطلعت على سري ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت الله ﷿ الحرام حتى إذا كنت في بعض المنازل مرض والدي فعالجته فلما مات اسود وجهه فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون وغطيت وجهه ثم غلبتني عيناي فنمت فإذا أنا برجل لم أرى أجمل منه ولا أنظف ثوبا منه ولا أطيب ريحا منه فدنى من والدي وكشف عن وجهه وأمر يده عليه فعاد وجهه أبيض ثم ذهب فتعلقت بثوبه وقلت له يا عبد الله من أنت الذي من الله ﷿ علي وعلى والدي في الغربة فقال: أما تعرفني أنا محمد بن عبد الله صاحب القرآن أما إن والدك كان مسرفا على نفسه ولكن كان كثير الصلاة علي فلما نزل به ما نزل استغاث بي وأنا غياث من أكثر الصلاة علي فانتبهت فإذا وجه والدي قد ابي فانظر وفقك الله ﷿ لإجلاله وتعظيمه كيف أغاثة من استغاث به حتى","vol":"7","page":679},{"text":"في البرزخ (^١)، [وقال الشيخ تقي الدين (كذا شطب المصنف هذه الألفاظ كما ترى)] وكنت بدمشق في بعض الجوامع فأقبل علي ثلاثة من السالكين فقصصت عليهم قصة هذا الميت فقال أحدهم كنت في البقاع فطلب واليها رجلا وأراد منه شيئا وهدده بأمور من العقوبات فقال له الرجل أنا أتشفع إليك بسيد الأولين والآخرين أن لا تتعرض إلي ما لا يحل لك فلم يلتفت إليه ولا إلى قوله فلما أصبح الصباح طلب الوالي ذلك الرجل وأكرمه بعد أن عك عنه الطلب فقيل له في ذلك فقال إني رأيت البارحة رسول الله -ﷺ- ونهرني وهم بي وقال: يستشفع بي ولا تقبل فوالله لا يتشفع به أحد إلي في شيء إلا قبلت شفاعته فإني خفت على نفسي الهلكة ومثل هذا كثير ولا ينكر هذه الأمور إلى من في قلبه زندقة قد أراد الله هلاكه هلاك الأبد ببدعته التي كتمها فأظهرها الله ﷿ أ. هـ.\nقوله: رووه كلهم عن نعيم بن ضمضم [نعيم بن ضمضم، العامري قال الدارقطني: نعيم ضعيف].\n\n٢٥٧٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أولى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة أَكثَرهم عَليّ صَلَاة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة مُوسَى بن يَعْقُوب الزمعِي (^٢).\n_________\n(^١) بستان الواعظين (ص ٢٩٩).\n(^٢) الترمذي (٤٨٤)، وقال: حديث حسن غريب، وابن حبان (٩١١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٢١).","vol":"7","page":680},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة\" الحديث أي: أولاهم بشفاعتي وأقربهم مني مجلسا وأحقهم بالإفاضة من أنواع الخيرات ودفع المكروهات قاله في الحدائق.\nوقوله: \"أكثرهم علي صلاة\" الحديث يستحب الإكثار من الصلاة والتسليم على محمد -ﷺ- فإن الصلاة عليه تفضل سائر نوافل الطاعات، وفي صحيح مسلم ما يقتضي تفضيلها على صلاة النافلة وقال القاضي عياض في كتابه الشفا: إنها أفضل من عتق الرقاب، قيل: والمعنى فيه أنه -ﷺ- قال: \"من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها شهرا ومن صلى الله عليه ذكره، ومن ذكره الله تعالى نال الرفعة وقال الله تعالى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ﴾ \" (^١).\nفائدة: قول الناس عقب الصلاة في المساجد والجوامع والمرابط السلام عليك يا رسول الله فلم ترد هذه الصيغة بهذه الكيفية في الرواية لكنها سنة حسنة بل جاء الكتاب العزيز بها بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^٢) الآية، فيكره إفراد الصلاة عن السلام وإفراد السلام عن الصلاة لأن فيه ترك ما أمر الله به وقولهم الصلاة عليك بمنزلة قولهم السلام عليك فالصلاة تحية كما أن السلام تحية وفي ذلك الجمع بين تحقيق والصلاة والسلام خبر معناه الدعاء والمعنى جعل الله الصلاة والسلام عليك\n_________\n(^١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.","vol":"7","page":681},{"text":"يا رسول الله، وهذا كقول المصلي سمع الله لمن حمده فإنه خبر معناه الدعاء أي قيل الله حمد من حمده قاله ابن العماد في شرح العمدة.\nتنبيه: ومن العلماء: من أوجب الصلاة على النبي -ﷺ- كلما ذكر واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعي وابن المواز من المالكية وابن الخباز من الحنابلة، وذكر صاحب الواقعات من الحنفية أن الله تعالى يحب تسبيحه وذكره كلما ذكر قال لأنه إذا وجبت الصلاة على النبي -ﷺ- كلما ذكر فوجوب ذكر الله تعالى أولى وإذا قلنا بوجوب ذكره كلما ذكر فلم يصل فينبغي وجوب القضاء ويحتمل خلافه كما أن سجود التلاوة يفوت بطول المجلس ولذلك رد السلام إذا تأخر عن الفور لا يسقط الواجب والله أعلم.\n\n٢٥٧٦ - وَعَن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يخْطب وَيَقُول من صلى عَليّ صَلَاة لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ مَا صلى عَليّ فَلْيقل عبد من ذَلِك أَو ليكْثر رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه (^١). كلهم عَن عَاصِم بن عبيد الله عَن عبد الله بن عَامر عَن أَبِيه وَعَاصِم وَإِن كَانَ واهي الحَدِيث فقد مَشاهُ بَعضهم وَصحح لَهُ التِّرْمِذِيّ وَهَذَا الحَدِيث حسن فِي المتابعات وَالله أعلم.\nقوله: وعن عامر بن ربيعة عن أبيه -﵁-[هو أبو عبد الله، عامر بن ربيعة\n_________\n(^١) أحمد (١٥٦٨٠)، وابن ماجه (٩٠٧)، وابن المبارك في الزهد (١٠٢٦)، والطيالسي (١٢٣٨)، وأبو يعلى (٧١٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٨٠)، والبيهقي في الشعب (١٥٥٧).","vol":"7","page":682},{"text":"بن عامر بن مالك بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رفيدة بن عنز بن وايل بن قاسط العنزي. وفي نسبه خلاف كثير غير هذا. وهو حليف بني عدي بن كعب، ولذلك يقال له: العدوي. هاجر الهجرتين، وشهد بدرا، والمشاهد كلها. وكان أسلم قديما، روى عنه ابنه عبد الله، وابن عمر، وابن الزبير، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس].\nقوله -ﷺ-: \"من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى عليّ\" وتقدم تفسير الصلاة وتقدم أيضًا معنى صلاة الملائكة.\n\n٢٥٧٧ - وَعَن أبي بن كَعْب -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا ذهب ربع اللَّيْل قَامَ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اذْكروا الله اذْكروا الله جَاءَت الراجفة تتبعها الرادفة جَاءَ الْمَوْت بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْت بِمَا فِيهِ قَالَ أبي بن كَعْب فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي أَكثر الصَّلَاة فكم أجعَل لَك من صَلَاتي قَالَ مَا شِئْت قَالَ قلت الرّبع قَالَ مَا شِئْت وَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك قَالَ فَقلت فثلثين قَالَ مَا شِئْت فَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك قلت النّصْف قَالَ مَا شِئْت وَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك قَالَ أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا قَالَ إِذا يكفى همك وَيغْفر لَك ذَنْبك رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nوَفِي رِوَايَة لأحمد عَنهُ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن جعلت صَلَاتي\n_________\n(^١) أحمد (٢١٢٤١)، والترمذي (٢٤٥٧)، والحاكم (٢/ ٤٢١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٨٦٣).","vol":"7","page":683},{"text":"كلهَا عَلَيْك قَالَ إِذا يَكْفِيك الله ﵎ مَا أهمك من دنياك وآخرتك وَإسْنَاد هَذِه جيد (^١).\nقَوْله أَكثر الصَّلَاة فكم أجعَل لَك من صَلَاتي مَعْنَاهُ أَكثر الدُّعَاء فكم أجعَل لَك من دعائي صَلَاة عَلَيْك.\nقوله: وعن أبي بن كعب -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: كان رسول الله -ﷺ- إذا ذهب ربعُ الليل قام فقال يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة\" الحديث، الرجفة النفحة الأولى التي يموت لها الخلائق، والرادفة النفخة الثانية التي يحيي الخلق منها، وأصل الرجفة الحركة والاضطراب ومنه حديث المنبعث فرجع يرجف بها فؤاده، قاله النهاية.\nقوله: فقلت يا رسول الله: إني أكثر الصلاة فكم أجعل لك من صلاتي\" الحديث، معناه أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك، كذا قاله المنذري، الراجفة والرادفة زلزلة الساعة وأراد منها الموت بأهواله.\nقوله: \"جاء الموت بما فيه\" أي مع أحوال القبر والقيامة، قال غيره: معناه أكثر الدعاء في زماني ادعوا فيه لنفسي فكيف أصرف من ذلك الزمان في الدعاء لك أي فكم أجهل لك من صلاتي أي من دعائي وأورادي في الأوقات المعينة الراتبة.\nقوله: \"وإن زدت فهو خير لك\" هذا دليل على أن الصلاة على النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) أحمد (٢١٢٤٢).","vol":"7","page":684},{"text":"أفضل للرجل من الدعاء لنفسه وإنما كان كذلك لأن الصلاة على النبي -ﷺ- ذكر الله وتعظيمه رسوله -ﷺ- وقد قال النبي -ﷺ-: \"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين\".\nقوله: \"إذا يكفى همك\" والهم ما يقصده الإنسان من أمر الدنيا والآخرة أي إذا صرفت جميع زمانك في دعائك في الصلاة علي أعطيت مراد الدنيا والآخرة. أ. هـ.\n\n٢٥٧٨ - وَعَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن أَبِيه عَن جده -﵁- أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله -ﷺ- أجعَل ثلث صَلَاتي عَلَيْك قَالَ نعم إِن شِئْت قَالَ الثُّلثَيْنِ قَالَ نعم إِن شِئْت قَالَ فصلاتي كلهَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا يَكْفِيك الله مَا أهمك من أَمر دنياك وآخرتك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن محمد بن يحيى بن حبان عن أبيه عن جده -﵁-، تقدم الكلام عليه في باب من يا رزق بالليل أو يفرغ.\nقوله: أن رجلا قال يا رسول الله -ﷺ- أجعل ثلث صلاتي عليك قال نعم إن شئت، وتقدم تفسير الصلاة وأن المراد بها الدعاء كذا في اللغة.\n\n٢٥٧٩ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ فِي يَوْم ألف مرّة لم يمت حَتَّى يرى مَقْعَده من الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٣٥٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٠)، وإسناده حسن.\n(^٢) ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (١٩).","vol":"7","page":685},{"text":"قوله: وروي عن أنس -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى علي في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة.\n\n٢٥٨٠ - وَرُوِيَ عَن أبي كَاهِل -﵁- قَالَ قَال لي رَسُول الله -ﷺ- يَا أَبَا كَاهِل من صلى عَليّ كلّ يَوْم ثَلَاث مَرَّات وكل لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات حبا وشوقا إِلَيّ كَانَ حَقًا على الله أَن يغْفر لَهُ ذنُوبه تِلْكَ اللَّيْلَة وَذَلِكَ الْيَوْم رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث طَوِيل إِلَّا أَنه قَالَ حَقًا على الله أَن يغْفر لَهُ بِكُل مرّة ذنُوب حول وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظ مُنكر وَأَبُو كَاهِل أحمسي وَقيل بجلي يُقَال اسْمه عبد الله بن مَالك وَقيل قيس بن عَائِد وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم (^١).\nقوله: وروي عن أبي كاهل -﵁-، وأبو كاهل يقال اسمه عبد الله بن مالك وهو أحمسي، وقيل: بجلي قاله المنذري وأحمس بالحاء والسين المهملتين وأحمد الحمس وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس سموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا.\n\n٢٥٨١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ أَيّمَا رجل مُسلم لم يكن عِنْده صَدَقَة فَلْيقل فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك وصل على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَالْمُسْلِمين وَالْمُسلمَات فَإِنَّهَا زَكَاة وَقَالَ لَا يشْبع مُؤمن خيرا حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي\n_________\n(^١) ابن أبي عاصم في فضل الصلاة، كما في القول البديع (ص ٢٥٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ رقم ٩٢٨)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٩)، وفيه الفضل بن عطاء، ذكره الذهبي وقال: إسناده مظلم.","vol":"7","page":686},{"text":"صَحِيحه من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري واسم أبي سعيد بن مالك بن سنان وتقدم.\nقوله: \"اللهم صل على محمد عبدك ورسولك\" الحديث الصلاة من الله تكون بمعنى الرحمة وبمعنى الإحسان وبمعنى التعظيم وإظهار الشرف وبمعنى المغفرة فينبغي للمصلي أن ينوي في صلاته طلب هذه المعاني كلها والصلاة من الملائكة استغفار وقال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (^٢) وقال الله تعالى إخبارا عن الملائكة عليهم الصلاة والسلام ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣) ومن المؤمنين تضرع ودعاء، فأما قولنا اللهم صل على محمد فمعناه عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وفي إبقاء شريعته وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته وقيل المعنى لما أمر الله ﷾ عليه ولم تبلغ قدر الواجب من ذلك أحلناه على الله وقلنا اللهم صل أنت على محمد لأنك أعلم بما يليق به وهذا الدعاء قد اختلف فيه هل يجوز إطلاقه على غير النبي -ﷺ- أم لا والصحيح أنه خاص له فلا يقال لغيره (^٤)، وقال الخطابي: الصلاة التي بمعنى التعظيم\n_________\n(^١) ابن حبان (٩٠٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٠)، والحاكم (٤/ ١٣٠)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وأبو يعلى (١٣٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٧)، وإسناده حسن.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.\n(^٣) سورة الشوري، الآية: ٥.\n(^٤) النهاية (٣/ ٥٠).","vol":"7","page":687},{"text":"والتكريم لا تقال لغيره والتي بمعنى الدعاء والتبريك تقال لغيره ومنه الحديث اللهم صل على آل أبي أوفى أي ترحم وبرك، وقيل خاص له ولكنه هو أثر به غيره وأما سواءه فلا يجوز له أن يخص به أحدا وفيه من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة عشرا أي دعت له وبركت قاله في النهاية (^١).\nقوله -ﷺ-: \"لا يشبع مؤمن خيرا حتى يكون منتهاه الجنة\" الحديث أي لا يقنع المؤمن بشيء قليل من العلم بل يجتهد في اكتساب العلم حتى يصير علمه سببا لدخول الجنة وقال بعضهم أيضا في المعنى يقول: لا يشبع المؤمن من سماع العلم ولا يقنع بما علم منه إلى آخر عمره فيموت في طلبه فيدخل الجنة بثوابه فمن شبع فليس بمؤمن وناهيك به منفرا من القناعة من العلم وسره ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٢) (^٣) أ. هـ.\n\n٢٥٨٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَكْثرُوا عَليّ من الصَّلَاة كل يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ مشهود تشهده الْمَلَائِكَة وَإِن أحدا لن يُصَلِّي عَليّ إِلَّا عرضت عَليّ صلَاته حَتَّى يفرغ مِنْهَا قَالَ قلت وَبعد الْمَوْت قَالَ إِن الله حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٥٠).\n(^٢) سورة طه، الآية: ١١٤.\n(^٣) المفاتيح (١/ ٣٢٠)، وحدائق الأولياء (١/ ٦٩).\n(^٤) ابن ماجه (١٦٣٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٥٤٥)، هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع في موضعين، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١١٦).","vol":"7","page":688},{"text":"قوله: وعن أبي الدرداء -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أكثروا علي من الصلاة كل يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة\" أي تحضره.\nقوله: \"إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام\" تقدم الكلام عليه في يوم الجمعة.\n\n٢٥٨٣ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَكْثرُوا عَليّ من الصَّلَاة فِي كل يَوْم الْجُمُعَة فَإِن صَلَاة أمتِي تعرض عَليّ فِي كل يَوْم جُمُعَة فَمن كَانَ أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة كَانَ أقربهم مني منزلَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن إِلَّا أَن مَكْحُولًا قيل لم يسمع من أبي أُمَامَة (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أكثروا علي من الصلاة في كل يوم الجمعة فإن صلاة أمتي تعرض عليّ في كل يوم جمعة\" الحديث فهذا من شرف المصلي عليه صلوات الله وسلامه عليه وإنما ترعض على روحه المقدس.\nقوله: إلا أن مكحولا، قيل: لم يسمع من أبي أمامة [هو أبو أمامة صدي، بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء، ويقال: الصدى بالألف واللام، كالعباس، وعباس، ولم يذكره الحاكم أبو أحمد في كتابه الكنى إلا بالألف واللام. وهو صدى بن عجلان بن والبة، بالموحدة، ابن رياح، بكسر الراء، ابن الحارث بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان،\n_________\n(^١) البيهقي (٣/ ٢٤٩)، وفي حياة الأنبياء (١٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١١٥).","vol":"7","page":689},{"text":"بالعين المهملة، ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ويقال في إملاء نسبه غير هذا، وهو منسوب إلى باهلة، وهو من مشهورى الصحابة.\nروى له عن رسول الله -ﷺ- مائتا حديث وخمسون حديثا، روى له البخاري منها خمسة، ومسلم ثلاثة. روى عنه رجاء بن حيوة، وخالد بن معدان، ومحمد بن زياد، وسليمان بن حبيب، وسليم بن عامر، وشرحبيل بن مسلم، وشداد أبو عمار، وأبو سلام ممطور الحبشي، والقاسم أبو عبد الرحمن الدمشقي، وسالم بن أبي الجعد، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم. سكن مصر، ثم حمص، وبها توفى سنة إحدى وثمانين، وقيل: ست وثمانين، وقيل: هو آخر من توفى من الصحابة بالشام، ﵁، وعامة حديثه عند الشاميين (^١)].\n\n٢٥٨٤ - وَعَن أَوْس بن أَوْس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق آدم وَفِيه قبض وَفِيه النفخة وَفِيه الصَّفْقَة فَأَكْثْرُوا عَليّ من الصَّلَاة فِيهِ فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف تعرض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقد أرمت يَعْنِي بليت فَقَالَ إِن الله ﷿ حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٦ ترجمة ٧١٨).\n(^٢) أحمد (١٦١٦٢)، وأبو داود (١٠٤٧)، وابن ماجه (١٠٨٥)، وابن حبان (٩١٠)، والحاكم (١/ ٢٧٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٧٧)، والطبراني في الكبير =","vol":"7","page":690},{"text":"أرمت بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء وَسكُون الْمِيم وَرُوِيَ بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء.\n\n٢٥٨٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ جزى اللّه عَنَّا مُحَمَّدًا مَا هُوَ أَهله أتعب سبعين كَاتبا ألف صباح رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).\nقوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من قال جزى اللّه عنا محمدا ما هو أهله أتعب سبعين كاتبا ألف صباح\".\nتتمة: ذكر الغزالي في الإحياء عن فاطمة - ﵂ - أنها قالت قال رسول اللّه - ﷺ -: \"من صلى ست ركعات يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب وقل اللهم مالك الملك إلى آخر الآية، فإذا فرغ قال: جزى اللّه عنا محمدا ما هو أهله سبعين مرة غفرت له ذنوب سبعين سنة وقضيت له سائر حوائجه\" وهذا لم يخرجه من خرج أحاديث الإحياء (^٢) قاله في الديباجة (^٣).\n_________\n= (٥٨٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٩٧٦)، وابن خزيمة (١٧٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٢١٢).\n(^١) الطبراني في الكبير (١١٥٠٩)، وفي الأوسط (٣٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٠/ ١٦٣)، وفيه هانئ بن المتوكل وهو ضعيف.\n(^٢) الإحياء (١/ ٢٠٠). وقال العراقى: حديث فاطمة من صلى ست ركعات أي ليلة الأربعاء الحديث أخرجه أبو موسى المديني بسند ضعيف جدًّا.\n(^٣) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجة، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":691},{"text":"٢٥٨٦ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ مَا من عَبْدَيْنِ متحابين يسْتَقْبل أَحدهمَا صَاحبه ويصليان على النَّبِيّ - ﷺ - لم يَتَفَرَّقَا حَتَّى يغْفر لَهما ذنوبهما مَا تقدم مِنْهُمَا وَمَا تَأَخّر رَوَاهُ أَبُو يعلى (^١).\n\n٢٥٨٧ - وَعَن رويفع بن ثَابت الانصَارِيّ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من قَالَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وأنزله المقعد المقرب عنْدك يَوْم الْقِيَامَة وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَبَعض أسانيدهم حسن (^٢).\nقوله: وعن رويفع بن ثابت الأنصاري - ﵁ -[هو رويفع بن ثابت بن سكن بن عدي بن حارثة، من بني مالك بن النجار الأنصاري. عداده في المصريين. وأمره معاوية على طرابلس الغرب سنة ست وأربعين، فغزا إفريقية سنة سبع وأربعين. ومات ببرقة، وقيل: بالشام.\nروى عنه حنش بن عبد اللّه الصنعاني، وشيبان بن أمية القتباني].\nقوله: \"اللهم صل على محمد وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة\" قال أهل اللغة يقال رجل محمد ومحمود إذا كثرت خصاله المحمودة،\n_________\n(^١) أبو يعلى (٢٩٥١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٩٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٩٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٥)، رواه أبو يعلي، وفيه درست بن حمزة، وهو ضعيف.\n(^٢) البزار (٣١٥٧)، والطبراني في الكبير (٤٤٨٠)، وفي الأوسط (٣٣٠٩)، وأحمد (١٦٩٩١)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (٥٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٣١٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٣)، رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير وأسانيدهم حسنة.","vol":"7","page":692},{"text":"واختلف العُلماء أيما أبلغ أحمد أو محمد؟ والأصح أن أحمد أبلغ لأن معناه أمه أحمد البرية لربه، قال ابن فارس: سمي نبينا محمدا - ﷺ - لعلم اللّه تعالى بكثرة خصاله المحمودة (^١)، ألهم اللّه تعالى أهله تسبيحه بذلك واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وجبت له شفاعتي\" أي حلت.\n\n٢٥٨٨ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ إِذا صليتم على رَسُول اللّه - ﷺ - فَأحْسنُوا الصَّلَاة فَإِنَّكُم لا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِك يعرض عَلَيْهِ قَالَ فَقَالُوا لَهُ فَعلمنَا قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ اجْعَل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد الْمُرْسلين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وَخَاتم النَّبِيين مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك إِمَام الْخَيْر وقائد الْخَيْر وَرَسُول الرَّحْمَة اللَّهُمَّ ابعثه مقَاما مَحْمُودًا يغبطه فِيهِ الأَولونَ وَالْآخرُونَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبراهِيم وعَلى آل إِبراهِيم إِنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ بَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبراهِيم وعَلى آل إِبراهِيم إِنَّك حميد مجيد رَوَاهُ ابْن مَاجَة مَوْقُوفا بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك\" الحديث، المراد بالصلوات الأدعية التي يراد بها تعظيم اللّه ﷾ هو مستحقها لا\n_________\n(^١) مجمل اللغة (ص ٢٥٠).\n(^٢) ابن ماجة (٩٠٦)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣١١)، هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن المسعودي اختلط بأخرة، ولم يتميز حديثه الأول بالآخر، فاستحق الترك، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة.","vol":"7","page":693},{"text":"تليق بأحد سواه واجب الصيغ في الصلاة على النبي - ﷺ - ما نقله الرافعي في كتاب الإيمان اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون، وصحح النووي أن الأحب [أحب الصيغ] ما علمه رسول اللّه - ﷺ - لنا وهو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد إلى آخره (^١).\nقوله: \"قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد\" أمر ظاهره الوجوب وقد اتفق العُلماء على فرضية الصلاة على النبي - ﷺ - لكن اختلفوا فأكثرهم على وجوبها في العمر مرة واحدة، وقال بعضهم تجب كلما ذكر النبي - ﷺ - اختيار الطحاوي من الحنفية وأبي عبد اللّه الحليمي من الشافعية وتقدم.\nوقال الشافعي وأحمد هي واجبة في التشهد الأخير عقب السَّلام وهذا مروي عن عمر بن الخطاب وابن عبد اللّه وهو قول الشعبي وإسحاق وليس في الحديث تعرض لإيجابها في الصلاة لكن في الرِّواية الأخرى كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا فقال - ﷺ -: \"قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد\" واختلف العُلماء في آل النبي - ﷺ - المأمور بالصلاة عليهم على ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح في المذهب أنهم بنو هاشم ثم بنو المطلب هذا هو الذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور العُلماء، والثاني: أنهم عترته الذين ينسبون إليه - ﷺ - وهم أولاد فاطمة ونسلهم أبدًا حكاه\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٦٦ - ٦٧).","vol":"7","page":694},{"text":"الأزهري وآخرون.\nوالثالث: أنهم كلّ المسلمين التابعين له - ﷺ - إلى يوم القيامة (^١).\nقوله: \"كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد\".\nسؤال: فإن قيل: ما الحكمة في أن اللّه ﷿ أشرك إبراهيم مع محمد - ﷺ - في الصلاة عليه في قوله \"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم\" الحديث، فالجواب: عنه من وجوه أحدها: إن اللّه ﷿ اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ محمدا - ﷺ - حبيا فلما أشرك بينهما في المحبة أشرك بينهما في الصلاة، الثاني: أن إبراهيم دعا لهذه الأمة وهم معدومون وسأل إن يرسل إلى هذه الأمة رسولا فقال: ربنا وابعث فيهم منهم الآية، فلما دعا لهذه الأمة أراد اللّه تعالى أن هذه الأمة تكافيه بالدعاء فقال لهم: دعا اللّه لكم في حال عدمكم فكافئوه في حال عدمه [وقد دعا لنا رسولان فكافأهما اللّه عنا: أحدهما نوح حيث قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (^٢) الآية، فجعل اللّه مكافأته السَّلام بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ (^٣) وإبراهيم دعا لنا فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ (^٤) فكافأه اللّه لما أمرنا بالصلاة عليه وقال: ضموه مع النبي - ﷺ - في الصلاة لأنه كان خليل اللّه ومحمد حبيب اللّه فقرن اسمهما في\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٠)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ١٢٤)، والتعيين (ص ٥٦).\n(^٢) سورة نوح، الآية: ٢٨.\n(^٣) سورة الصافات، الآية: ٧٩.\n(^٤) سورة إبراهيم، الآية: ٤١.","vol":"7","page":695},{"text":"الصلاة لأن الحبيب يحب أن يذكر أحباءه وأخلائه]، حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه عن بعض أصحابنا وأختاره الأزهري وآخرون وهو قول سفيان الثوري وغيره من المتقدمين ورواه البيهقي عن جابر بن عبد اللّه وغيره وروى عن واثلة بن الأسقع قال: جئت أطلب عليا فلم أجده فقالت فاطمة انطلق إلى رسول اللّه - ﷺ - فدعوه فجاء مع رسول اللّه - ﷺ - فدخلا ودخلت معهما فدعا رسول اللّه - ﷺ - حسنا وحسينا فأجلس كلّ واحد منهما على فخذه وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ثم لف عليهم ثوبه وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (^١) اللهم هؤلاء أهلي قال واثلة: قلت يا رسول اللّه وأنا من أهلك قال: \"وأنت من أهلي\"؛ الثالث: أشرك إبراهيم مع محمد عليهما الصلاة والسلام لما روي أن إبراهيم رأى في المنام جنة عريضة مكتوب على أشجارها لا إله إلا اللّه محمدٌ رسول اللّه فسأل جبريل - ﵇ - عن محمد وأمته فأخبره جبريل عن حاله فقال: يا رب أجر ذكر على لسان أمة محمد فاستجاب اللّه دعاءه وضمه بالصلاة مع النبي - ﷺ -؛ الرابع: أمرنا أن نصلي على إبرأهيم لأن قبلتنا ومناسكنا مناسكه وشريعتنا شريعته وملتنا ملته ومنه قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (^٢) فلما كان هو المتبوع [لعله بضم التاء وتشديد الباء جمع تابع كذلك، قاله كاتبه] [قال واثلة: إنها لمن أرجى ما أرجوا قال البيهقي هذا إسناد صحيح قال: وهو إلى تخصيص واثلة أقرب من تصميم الأمة كلها وكانه رأى واثلة في حكم\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٣.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٥.","vol":"7","page":696},{"text":"الأهل تشبيها لمن يستحق هذا الاسم لا تحقيقا أ. هـ، واحتج الشافعي ثم البيهقي والأصحاب لمذهبهم وهو أن الآل هم بنو هاشم وبنو المطلب فقوله - ﷺ - إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد] وكنا نتبعه في الدين والملة أمرنا بالصلاة عليه، الخامس: أمرنا بالصلاة عليه مع النبي - ﷺ - لأن للّه تعالى مناديين مناد للدين ومناد للشريعة فمنادي الدين محمد - ﷺ - قوله ﵎: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (^١) الآية، ومنادي الشريعة مثل إبراهيم ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (^٢) فلذلك جمع بينهما في الصلاة (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم\" ومعنى بارك على محمد: أي اثبت وأدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة ومعنى البركة هاهنا الزيادة من الخير [والكرامة] وقيل: هو بمعنى [التطهير] والتركية وأصل البركة اجتماع الخيرات ومنه يقال للبعير برك لاجتماع قوله بعضها إلى بعض.\nقوله: \"وآل محمد\" قال النووي في شرح مسلم واختلف العُلماء في آل النبي - ﷺ - على أقوال أظهرها وهو اختيار الزهري وغيره من المحققين أنهم جميع الأمة (^٤).\nقوله: \"إنك حميد مجيد\" حميد بمعنى هو محمود ورد بصيغة المبالغة أي\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٣.\n(^٢) سورة الحج، الآية: ٢٧.\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٢٦ و٢٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٢٤).","vol":"7","page":697},{"text":"مستحق لأنواع المحامد ومجيد مبالغة في ماجد والمجد الشرف وفي ذلك مناسبة لزيادة الاتصال والإعطاء لما يزاد من الأمور العظام والبركة والزيادة من الثمر والخير واللّه أعلم.\n\n٢٥٨٩ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ كلّ دُعَاء مَحْجُوب حَتَّى يصلى على مُحَمَّد - ﷺ - رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مَوْقُوفًا وَرُوَاته ثِقَات (^١). وَرَفعه بَعضهم وَالْمَوْقُوف أصح (^٢).\nقوله: وعن علي تقدم الكلام عليه.\nقوله: كلّ دعاء محجوب حتى يصلي عليه محمد - ﷺ -، الحديث.\nوقوله أيضًا في رواية الترمذي \"الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلى على نبيك محمد - ﷺ -\".\nاعلم أن العُلماء أجمعوا على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد والثناء ثم الصلاة على رسول اللّه - ﷺ - وكذلك يختم الدعاء بهما.\nسؤال: ما الحكمة في أن الدعاء لا يرفع إلا بالصلاة على النبي - ﷺ - قبل الطلب والنبي - ﷺ - هو سيلتنا إلى اللّه تعالى كما كان وسيلة أبينا على اللّه في استجاب دعوته والتوبة عليه حين توسل إلى اللّه تعالى بمحمد - ﷺ - وإنما استجيب للداعي دعوته بالصلاة على النبي - ﷺ - لأن معنى قول القائل اللهم\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٢١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٥).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٦)، وأبو الشيخ، كما في كنز العمال (٣٢١٥)، والقول البديع (ص ٤٢١).","vol":"7","page":698},{"text":"صل على محمد اللهم استجب لمحمد دعوته في أمته كما استجبت لإبراهيم دعوته وهي معنى: كما صليت على إبراهيم وآلط إبراهيم، ومن المعلوم أن الدعاء للنبي - ﷺ - بالوسيلة لا يرد فكذلك ما كان مقرونا به من الدعاء وأيضًا لما صلى الداعي على النبي - ﷺ - كافأه اللّه تعالى بإستجابة دعوته لأن الجزاء من جنس العمل قاله في كشف الأسرار (^١).\nفائدة: فإن قيل: تقرر أن نبينا - ﷺ - أفضل الأنبياء فكيف نسأل أن يصلي عليه عليه كإبراهيم - ﵇ -؟ فالجواب: أن الكلام تم عند قوله اللهم صل على محمد واستأنف وعلى آل محمد إلى آخره، أي: وصل على آل محمد فالمسئول له إبراهيم وآله أمة محمد - ﷺ - لا نفسه - ﷺ -، وقيل: طلب له ولآله وليسوا بأنبياء منازل إبراهيم ولم تجمع الرحمة والبركة لنبي غيره قال اللّه تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (^٢) وإبراهيم بالسريانية معناه أب رحيم.\nتنبيه: قوله (وآل إبراهيم) يدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا يدخل في آل النبي نبي بطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد وهو محمد - ﷺ - بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء ﵈.\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٦٣).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٧٣.","vol":"7","page":699},{"text":"٢٥٩٠ - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن أبي قُرَّة الْأَسدي عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر بن الْخطاب مَوْقُوفا قَالَ إِن الدُّعَاء مَوْقُوف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لا يصعد مِنْهُ شَيْء حَتَّى تصلي على نبيك - ﷺ - (^١).\n\n٢٥٩١ - وَعَن كعْب بن عجْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - احضروا الْمِنْبَر فحضرنا فَلَمَّا ارْتقى دَرَجَة قَالَ آمين فَلَمَّا ارْتقى الدرجَة الثَّانِيَة قَالَ آمين فَلَمَّا ارْتقى الدرجَة الثَّالِثَة قَالَ آمين فَلَمَّا نزل قُلْنَا يَا رَسُول اللّه لقد سمعنَا مِنْك الْيَوْم شَيْئا مَا كنَّا نَسْمَعهُ قَالَ إِن جِبْرِيل عرض لي فَقَالَ بعد من أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ قلت آمين فَلَمَّا رقيت الثَّانِيَة قَالَ بعد من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَقلت آمين فَلَمَّا رقيت الثَّالِثَة قَالَ بعد من أدْرك أَبَوَيْهِ الْكبر عِنْده أَو أَحدهمَا فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة قلت آمين رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن كعب بن عجرة، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - سبعة وأربعون حديثًا، ونزل قوله تعالى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٣) روى عنه ابن عمر وابن عباس، توفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين وله سبع وسبعون سنة.\nقوله: فلما ارتقى درجة، الارتقاء هو الصعود.\n_________\n(^١) الترمذي (٤٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.\n(^٢) الحاكم (٤/ ١٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٥)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (١٩). أشار الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢)، إلى أنه جيد.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.","vol":"7","page":700},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فلما رقيت الثانية، قال: بعد من ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك\" الحديث.\nسؤال: فإن قيل: ما الحكمة في أن اللّه ﷿ أمرنا بالصلاة عليه ثم جعل في ذلك الحوالة عليه فتقول اللهم صل على محمد.\nالجواب: عنه أن يقال إنا اقتدينا في ذلك بالنبي - ﷺ - حيث أمره بالصلاة علينا فقال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) وقال - ﷺ -: \"اللهم صل على آل أبي أوفى فجعل الحوالة إليه فافتدينا به في ذك، وقد روي أن رجلًا قال له: كيف نصلي عليك فقد أمرنا بالصلاة عليه فقال: \"قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد\" فقد أمرنا بهذه اللفظة وبهذه الحوالة لأن صلاته مع التوقير وصلاتنا مع التقصير؛ الثاني: أن الصلاة مدحه بما هو أهله ولا يقدر أحد من أمته على مدحته بالاستحقاق فلذلك أحالنا إلى اللّه تعالى حتى يثنى عليه بما يستحقه (^٢).\nسؤال آخر له تعلق بالصدقة على النبي - ﷺ -: كان محله أن يكون في الصدقات لكن حصل ذهول عن وضعه هناك وفي كلّ خير: وإنما حرمت الصدقة عليه - ﷺ - ليوافق نعته سائر الكتب لأن في سائر الكتب من صفته ونعته أن الصدقة محرمة عليه وأيضًا الصدقة من أوساخ الناس فلم يرد أن يأكلها وأيضًا الصدقة عن رحمة الدافع لمن يتصدق عليه فلم يرد اللّه أن يكون نبيه\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ٧).","vol":"7","page":701},{"text":"- ﷺ - مرحوم غيره وأيضًا فلأنه كان يأمرنا بالصدقة فلو قبلها ربما حصلت تهمة أنه كان يأمر بها لأجل نفسه فأبعده اللّه عن موضع التهم وإنما رباه يتيما [لأن أساس كلّ كبير صغير وعقبى كلّ خطير حقير، وأيضًا لينظر - ﷺ - إذا وصل إلى مدارج عزه إلى أوائل أمره فيعلم أن العزيز من أعزه اللّه، وأن قوته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال بل قوته من اللّه تعالي، وأيضًا ليرحم الفقراء والأيتام دل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (^١) (^٢) أ. هـ.\nوأما صدقة التطوع فللشافعي ﵀ تعال فيها ثلاثة أقوال: أصحها أنها تحرم على رسول اللّه وتحل لآله، والثاني: أنه تحرم عليه وعليهم، والثالث: أنها تحل له وهلم وأما موالي بني هاشم وبني المطلب فهل تحرم عليه الزكاة فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما تحرم، والثاني: تحل وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وبعض المالكية وبالإباحة وقال مالك وادعى ابن بطال المالكي أن الخلاف إنما هو في موال بني هاشم والأصح عند أصحابنا تحريمها على بني هاشم وبني المطلب ولا فرق بينهما (^٣) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) سورة الضحى، الآيات: ٦ - ١١.\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ٧ و٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧٦).","vol":"7","page":702},{"text":"٢٥٩٢ - وَعَن مَالك بن الْحسن بن مَالك بن الْحُوَيْرِث عَن أَبِيه عَن جدّه - ﵁ - قَالَ صعد رَسُول اللّه - ﷺ - الْمِنْبَر فَلَمَّا رقي عتبَة قَالَ آمين ثمَّ رقي أُخْرَى فَقَالَ آمين ثمَّ رقي عتبَة ثَالِثَة فَقَالَ آمين ثمَّ قَالَ أَتَانِي جِبْرِيل - ﵇ - فَقَالَ يَا مُحَمَّد من أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ فَأَبْعَده اللّه فَقلت آمين قَالَ وَمن أدْرك وَالِديهِ أَو أَحدهمَا فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه فَقلت آمين قَالَ وَمن ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَأَبْعَده اللّه قل آمين فَقلت آمين رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جدّه - ﵁ -.\nتنبيه: ابن بطال كنيته أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي أرخ البخاري، وفاته سنة تسع وأربعين وأربعمائة وهو أحد شيوخ أبي عمر بن عبد البر قاله الكرماني.\nقوله: وعن مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جدّه - ﵁ -[هو أبو سليمان مالك بن الحويرث، ويقال: مالك بن الحارث. وقال شعبة: مالك بن حويرثة، وهو ليثي، ويختلفون في كيفية نسبه إلى بنى ليث، واتفقوا على أنه من بنى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، وهو معدود في البصريين.\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٠٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ رقم ٦٤٩). أشار الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢)، إلى أنه جيد.","vol":"7","page":703},{"text":"توفى بالبصرة سنة أربع وسبعين. روى له عن رسول اللّه - ﷺ - خمسة عشر حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث. روى عنه أبو قلابة، ونصر بن عاصم، وغيرهما. وثبت في الصحيحين أنه قدم على رسول اللّه - ﷺ - في شببة متقاربين، فأقاموا عند النبي - ﷺ - عشرين ليلة، ثم أذن لهم في الرجوع إلى أهلهم، وأمرهم أن يعلموهم (^١)].\nقوله: صعد رسول اللّه - ﷺ - المنبر فلما رقي عتبة، قال: \"آمين\"، وفي حديث كعب بن عجرة الذي قبله وغيره فلما رقيت الدرجة الثانية وفي الثالثة كذلك، \"رقيت\" بكسر القاف فيهما يقال رقيت المنبر ورقيت في السلم ومنه الحديث الآخر \"رقيت على بيت حفصة\" بكسر القاف وروي \"صعدت\" وحكي فتحها على اللغة الطائية وحكي في المطالع فتح القاف بالهمز أ. هـ، بخلاف الماضي من رقية اللسعة والعين فإنه بفتح القاف في الماضي وبكسرها في المضارع، قاله الكرماني (^٢)، قال القاضي وقد جاء بالروايتين في مسلم والموطأ في غير هذا الموضع (^٣).\n\n٢٥٩٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -، أَن النَّبِيّ - ﷺ - ارْتقى على الْمِنبر فأمن ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ لم أمنت قلت اللّه وَرَسُوله أعلم قَالَ جَاءَنِي جِبْرِيل - ﵇ - فَقَالَ إِنَّه من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَأَبْعَده اللّه وأسحقه قلت آمين\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٠ ترجمة ٥٤٢).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ١٧٢) و(٤/ ٧٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"7","page":704},{"text":"قَالَ وَمن أدْرك أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا فَلم يَبرهُمَا دخل النَّار فَأَبْعَده اللّه وأسحقه قلت آمين وَمن أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ دخل النَّار فَأَبْعَده اللّه وأسحقه فَقلت آمين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لين (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده اللّه وأسحقه\".\nقوله - ﷺ -: \"ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما دخل النار\" يبرهما بفتح الياء والباء.\n\n٢٥٩٤ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - دخل الْمَسْجِد وَصعد الْمِنبر فَقَالَ آمين آمين آمين فَلَمَّا انْصرف قيل يَا رَسُول اللّه رَأَيْنَاك صنعت شَيْئًا مَا كنت تَصنعهُ فَقَالَ إِن جِبْرِيل تبدى لي فِي أول دَرَجَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد من أدْرك وَالِديهِ فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة فَأَبْعَده اللّه ثمَّ أبعده فَقلت آمين ثمَّ قَالَ لي فِي الدرجَة الثَّانِيَة وَمن أدْرك شهر رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ فَأَبْعَده اللّه ثمَّ أبعده فَقلت آمين ثمَّ تبدى لي في الدرجَة الثَّالِثَة فَقَالَ وَمن ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَأَبْعَده اللّه ثمَّ أبعده فَقلت آمين رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانيّ (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٢٥٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٥)، وفيه إسحاق بن عبد اللّه بن كيسان، وفيه ضعيف، قال البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٧٨) منكر الحديث، وأشار الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢) إلى أنه جيد.\n(^٢) البزار (٣١٦٧)، والطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه البزار والطبراني بنحوه، وفيه من لم أعرفهم.","vol":"7","page":705},{"text":"قوله: وروي عن عبد اللّه بن الحارث بن جزء الزبيدي - ﵁ -[هو أبو الحارث، عبد اللّه بن الحارث بن جزء بن عبد اللّه بن معدي كرب بن عمرو من بني عمرو بن زبيد الزبيدي، حليف بني وداعة السهمي. سكن مصر، وشهد بدرا.\nروى عنه يزيد ابن أبي حبيب، وجماعة من المصريين مات سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان وثمانين بمصر].\nقوله: فقال \"آمين\"، تقدم الكلام على آمين ومعناها في الصلاة.\nقوله: \"إن جبريل - ﵇ - تبدى لي في أول درجة\" تبدي أي ظهر لي.\n\n٢٥٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - صعد الْمِنْبَر فَقَالَ آمين آمين آمين قيل يَا رَسُول اللّه إِنَّك صعدت الْمِنْبَر فَقلت آمين آمين آمين فَقَالَ إِن جِبْرِيل - ﵇ - أَتَانِي فَقَالَ من أدْرك شهر رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه قل آمين فَقلت آمين وَمن أدْرك أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا فَلم يَبرهُمَا فَمَاتَ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه قل آمين فَقلت آمين وَمن ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَمَاتَ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه قل آمين فَقلت آمين رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٢٥٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - رغم أنف رجل ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ وَرَغمَ أنف رجل دخل عَلَيْهِ رَمَضَان ثمَّ انْسَلَخَ\n_________\n(^١) ابن خزيمة (١٨٨٨)، وابن حبان (٩٠٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٦)، والبزار (٣١٦٩)، والطبراني في الأوسط (٨٩٩٤)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (١٨).","vol":"7","page":706},{"text":"قبل أَن يغْفر لَهُ وَرَغمَ أنف رجل أدْرك عِنْده أَبَوَاهُ الْكبر فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nرغم بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة أَي لصق بالرغام وَهُوَ التُّرَاب ذلا وَهَوَانًا وَقَالَ ابْن الأعرَابِي هُوَ بِفَتْح الْغَيْن وَمَعْنَاهُ ذل.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه وعلى معنى الحديث.\nقوله: وعن أبي هريرة أيضًا تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ\" أي لصق بالرغام وهو التراب ذلا وهوانا، وقال ابن الأعرابي: هو بفتح العين ومعناه ذل هكذا ضبطه الحافظ وفسره، وقال في حدائق الأولياء أي أنه يدعو عليه أو يخبر عنه بلزوم ذل وصغار لا يطاق انتهى (^٢).\nوقال في النهاية (^٣): يقال أرغمه اللّه أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب هذا هو الأصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كُره، ومنه الحديث \"وإن رغم أنف أبي الدرداء\" أي: وإن ذل، وقيل: وإن كره ومنه حديث معقل بن يسار \"رغم أنفي لأمر اللّه\" أي ذل وانقاد والأحاديث كثيرة في هذا المعنى أ. هـ.\n_________\n(^١) الترمذي (٣٥٤٥)، وأحمد (٧٤٥١)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (١٦)، والحاكم (١/ ٥٩)، وابن حبان (٩٠٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥١٠).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ١٩).\n(^٣) النهاية (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).","vol":"7","page":707},{"text":"قوله: \"دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له\" يعني فإن لم يتب فه من الذنوب ولم يبالغ في طاعة اللّه حتى يجد الغفران [هذا الكلام محله في حديث \"ومن أدرك والديه\" ثم وقع الذهول فيها للمصنف نفعنا اللّه به عنه واللّه أعلم] ولذلك لحقه ترك تعظيم اللّه تعالى وأمه لم يخدمها في جميع الأحوال وخاصة عن الكبر أحوج إلى أن يخدمه أحد، أ. هـ.\n\n٢٥٩٧ - وَعَن حُسَيْن بن عَليّ - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من ذكرت عِنْده فخطئ الصَّلَاة عَليّ خطئ طَرِيق الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوِيَ مُرْسلا عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة، وكيره، وهو أشبه (^١).\n\n٢٥٩٨ - وَفِي رِوَايَة لابْنِ أبي عَاصِم عَن مُحَمَّدًا ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من ذكرت عِنْده فنسي الصَّلَاة عَليّ خطئ طَرِيق الْجنَّة (^٢).\nقوله: وعن حسين بن علي - ﵄ -، حسين بضم الحاء بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد اللّه سبط رسول اللّه - ﷺ - وريحانته وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، ولد الحُسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة قاله الزبي بن بكار وغيره، وروينا في كتاب الترمذي عن\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٢٨٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٤)، وفيه محمد بن بشير الكندي، وهو ضعيف، والرواية المرسلة عند ابن أبي عاصم، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، كما في القول البديع (ص ٢٩٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٤٥).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٣)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (٤٤).","vol":"7","page":708},{"text":"يعلى بن مرة قال: قال رسول اللّه - ﷺ - \"حسين مني وأنا من حسين، أحب اللّه من أحب حسينا\" سبط من الأسباط (^١).\nفائدة: أكثر الناس يقولون: روينا بفتح الواو ومخففة من روى يروي إذا نقل عن غيره مثل رمى يرمي والأجود روينا بضم الراء وكسر الواو مشددة أي روانا مشايخنا أي نقلوا لنا فسمعنا كذا حرر هذه اللفظة بعض أئمة الحديث، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٢) واللّه أعلم.\nوروينا في الترمذي عن علي - ﵁ - قال: الحسن أشبه برسول اللّه - ﷺ - ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه برسول اللّه - ﷺ - ما كان أسفل من ذلك، قال الترمذي: حديث حسن، قال الزبير بن بكار: وحدّثني مصعب قال: حج الحُسين خمسا وعشرين حجة ماشيا قالوا: وكان الحُسين فاضلًا كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة وأفعال الخير قتل يوم الجمعة وقيل يوم السبت يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق وقبره مشهور ويتبرك به وحزن الناس عليه كثيرًا وأكثروا فيه المراثي والسيحن أولا علي الأكبر وعلي الأصغر وفاطمة وسكينة وروينا في تاريخ دمشق أن سكينة اسمها ميمونة وقيل أمينة وقيل أمة، قدمت دمشق مع أهلها ثم خرجت إلى المدينة ويقال: إنها عادت إلى دمشق وأن قبرها بها والصحيح وقول الأكثرين أنها تركت بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦٢ - ١٦٣ ترجمة ١٢٣).\n(^٢) التعيين (ص ١٤ - ١٥).","vol":"7","page":709},{"text":"سنة سبع عشرة ومائة، وكانت من سيدات السناء وأهل الجود وأهل الفضل - ﵂ - عن أبيها، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من ذكرت عنده فخطئ الصلاة علي خطئ طريق الجنة\"رواه الطبراني وروي مرسلا عن محمد ابن الحنفية، والمرسل عن مالك وأصحابه نجب به الحجة ويلزمه به العمل كما تجب بالمسند سواء، وقال في التنقيح: مذهب الفقهاء وجماعة من المحدّثين [أنه] ما انقطع سنده كالمنقطع وقال جماعة من المحدّثين أو أكثرهم لا يسمى مرسلا إلا ما أخبرنا التابعي فيه عن النبي - ﷺ -، وذهب جماهير المحدّثين أن المرسل لا يحتج به ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يحضده احتج به وبان بذلك صحته وذلك بأن يروي مسندا ومرسلا من جهة أخرى أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العُلماء سواء في هذا مرسل سعيد بن المسيب وغيره هذا هو الصحيح عنده وهذا في مرسل غير الصحابي أما مرسله وهو روايتُه لما لم يدركه أو يحضره لقول عائشة - ﵂ -: كان أول ما بدئ به رسول اللّه - ﷺ - الرؤيا الصالحة، فمذهب الشافعي والجماهير أنه حجة وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: ليس بحجة إلا أن يقول: لا أروي إلا عن صحابي لأنه قد يروي عن تابعي والصواب الأول، ولو روى الحديث متصلا ومرسلا ومرفوعا وموقوفا فالذي عليه الفقهاء وأهل الأصول وجماعة من المحدّثين أن الحكم الوصل والرفع وقيل للإرسال والوقف ونقله الخطيب عن الأكثرين (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦٢ - ١٦٣ ترجمة ١٢٣).\n(^٢) تنقيح التحقيق (١/ ٥٧).","vol":"7","page":710},{"text":"قوله: وفي رواية عن محمد بن الحنفية قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة\" الحديث، فإن قيل: هذا الحديث إن حمل على ظاهره أشكل فإن الظاهر أنه ذم الناسي والنسيان لا يترتب عليه ذلك كحديث الحسن المشهور: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\" ولما تقرر من أن الناسي غير مكلف وغير المكلف لا لوم عليه، الجواب: أن المراد بالناسي التارك كقوله تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ و(^١) وكقوله: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (^٢) قال الهروي: في الأول معناها تركوا أمر اللّه تعالى فتركهم [من رحمته] وكذلك اليوم تنسى أي تترك [في] النار، قال اللّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (^٣) [قال السدى أي نتركهم من الرحمة كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، التارك لها لا صلاة له والصلاة عماد الدين من تركها حق له ذلك، يقال: خطئ في دينه خطأه إذا أثم فيه والخطأ الذنب والإثم وأخطأ تتخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو سهوا ويقال: خطئ بمعنى أخطأ أيضًا وقيل خطئ إذا تعمد وأخطأ إذا لم يتعمد (^٤) واللّه أعلم قاله في الديباجة (^٥).\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٦٧.\n(^٢) سورة طه، الآية: ١٢٦.\n(^٣) سورة الجاثية، الآية: ٣٤.\n(^٤) النهاية (٢/ ٤٤).\n(^٥) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجة، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.","vol":"7","page":711},{"text":"قوله: محمد بن الحنفية: ومحمد بن الحنفية هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بابن الحنفية واسم أمه خولة من سبي بني حنيفية ويقال بل كانت أمه من سبي اليمامة فصارت إلى علي - ﵁ -، قالت أسماء بنت أبي بكر: رأيتُ أم محمد بن الحنفية [سندية] سوداء وكانت أمة [لبني] حنيفة وهي خولة بنت جعفر اليمامي بن قيبر بن مسلم بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة كنية محمد هذا أبو القاسم ويقال أبو عبد اللّه، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وهو من كبار التابعين دخل على عمر بن الخطاب، وسمع عثمان وأباه روي عنه بنوه الحسن وعبد اللّه وإبراهيم وعون وجماعات من التابعين وروينا عنه عن أبي قال: قلت: يا رسول اللّه إن ولد لي مولود بعدك أسميه وأكنيه بكنيتك قال: \"نعم\"، قال محمد بن الحنفية: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر، وقال اللّه ﷿: جعل الجنة ثمنا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها، مات بها سنة إحدى وثمانين وله خمس وستون سنة، ودفن - ﵁ - آل بالبقيع (^١).\nتنبيه: يقال لمحمد هذا محمد ابن الحنفية ويقال محمد بن علي ابن الحنفية فينسب إلى أبيه وأمه جميعا فعلى يشترط أن ينون ويكتب ابن الحنفية بالألف ويكون إعرابه إعراب محمد لأنه وصف لمحمد لا لعلي ولهذا نظائر كثيرة، أفردت في جزء منها عبد اللّه بن مالك بن بحينة مالك أبوه وبحينة أمه، أ. هـ، قاله النووي (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٨ ترجمة ٢٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٩).","vol":"7","page":712},{"text":"٢٥٩٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من نسي الصَّلَاة عَليّ خطئ طَرِيق الْجنَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا عَن جبارَة بن الْمُغلس وَهُوَ مُخْتَلف فِي الاحْتِجَاج بِهِ وَقد عد هَذَا الحَدِيث من مَنَاكِيره (^١).\nقوله: \"من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة\".\nوقوله: رواه الطبراني [وفيه] [جبارة] بن المُغَلِّس الكوفي، قال ابن نمير: صدوق ما هو ممن يكذب، وقال البخاري: مضطرب الحديث، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين وهو في عشر المائة. أ. هـ.\n\n٢٦٠٠ - وَعَن حُسَيْن - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ الْبَخِيل من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَزَاد فِي سَنَده عَليّ بن أبي طَالب وَقَالَ حَدِيث حسن صحِيح غَرِيب (^٢).\nقوله: وعن حسين - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي\" الحديث أي لأنه سيد الأحباب وذكر المحبوب يؤذن بالإقبال فالمعرض عنه مؤذن بالبخل وعدم الاتصال في، قاله في الحدائق (^٣).\n_________\n(^١) ابن ماجة (٩٠٨)، والطبراني في الكبير (١٢٨١٩)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٣١٣)، هذا إسناد ضعيف لضعف جبارة بن المُغَلِّس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٥٦٨).\n(^٢) النسائي (٨١٠٠)، وابن حبان (٩٠٩)، والترمذي (٣٥٤٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٨٤)، والحاكم (١/ ٤٥٩)، وأحمد (١٧٣٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٨٧٨).\n(^٣) حدائق الأولياء (١/ ٢٠).","vol":"7","page":713},{"text":"تنبيه: روي محمد بن حمدان المروزي من حديث ابن مسعود مرفوع من لم يصل علي فلا دين له، قاله في الحدائق أيضًا (^١)، قال الترمذي: ويروي عن بعض أهل العلم قال: \"إذا صلى الرجل على النبي - ﷺ - مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس\" قاله في الأذكار (^٢).\n\n٢٦٠١ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ خرجت ذَات يَوْم فَأتيت رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ أَلا أخْبركم بأبخل النَّاس قَالُوا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ فَذَلِك أبخل النَّاس رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الصَّلَاة من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم (^٣).\nقَالَ الْحَافِظ المملي من هَذَا الْكتاب أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وَتَأْتِي أَبْوَاب آخر إِن شَاءَ اللّه فَتقدم مَا يَقُوله من خَافَ شَيْئا من الرِّيَاء فِي بَاب الرِّيَاء وَمَا يَقُوله بعد الْوضُوء فِي كتاب الطَّهَارَة وَمَا يَقُوله بعد الأذَان وَمَا يَقُوله بعد صَلَاة الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء فِي كتاب الصَّلَاة وَمَا يَقُول حِين يأوي إِلَى فرَاشه فِي كتاب النَّوَافِل وَكَذَلِكَ مَا يَقُول إِذا اسْتَيْقَظَ من اللَّيْل وَمَا يَقُول إِذا أصبح وَأمسى وَدُعَاء الْحَاجة فِيهِ أَيْضًا.\nوَيَأْتِي إِن شَاءَ اللّه فِي كتاب الْبيُوع ذكر اللّه فِي الْأَسْوَاق ومواطن الْغَفْلَة وَمَا يَقُوله الْمَدْيُون والمكروب والمأسور وَفِي كتاب اللبَاس مَا يَقُوله من لبس\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٢١).\n(^٢) الأذكار (ص ١٣٣).\n(^٣) ابن أبي عاصم في الصلاة، كما في القول البديع (ص ٣٠٤)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (٣٧).","vol":"7","page":714},{"text":"ثوبا جَدِيدا وَفِي كتاب الطَّعَام التَّسْمِيَة وَحمد اللّه بعد الْأَكل وَفِي كتاب الْقَضَاء مَا يَقُوله من خَافَ ظَالِما وَفِي كتاب الأدَب مَا يَقُول من ركب دَابَّته وَمن عثرت بِهِ دَابَّته وَمن نزل منزلا وَدُعَاء الْمَرْء لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب وَفِي كتاب الْجَنَائز الدُّعَاء بالعافية وَمَا يَقُوله من رأى مبتلى وَمَا يَقُوله من آلمه شَيْء من جسده وَمَا يدعى بِهِ للْمَرِيض وَمَا يَدْعُو بِهِ الْمَرِيض وَمَا يَقُول من مَاتَ لَهُ ميت وَفِي كتاب صفة الْجنَّة وَالنَّار سُؤال الْجنَّة والاستعاذة من النَّار من اللّه نسْأَل التَّيْسِير والإعانة.\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه، وتقدم لفظ الحديث أيضًا.\n* * *","vol":"7","page":715},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>كتاب البيوع (^١) وغيرها</span>\n_________\n(^١) البيع في اللغة: مقابلة شيء بشيء؛ فمقابلة السلعة بالسلعة تُسمّى بيعًا لغة كمقابلتها بالنقد، ويقال لأحد المتقابلين: مبيع، وللآخر: ثمن.\nوقال بعض الفقهاء: إن معناه في اللغة تمليك المال بالمال، وهو بمعنى التعريف الأول.\nوقال آخرون: إنه في اللغة إخراج ذات عن الملك بعِوض، وهو بمعنى التعريف الثاني؛ لأن إخراج الذات عن الملك هو معنى تمليك الغير للمال، فتمليك المنفعة بالإجارة ونحوها لا يسمى بيعًا.\nأما الشراء فإنه إدخال ذات في الملك بعِوض، أو تملك المال بالمال، على أن اللغة تطلق كلًّا من البيع والشراء على معنى الآخر، فيقال لفعل البائع: بيع وشراء، كما يقال ذلك لفعل المشتري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، فإن معنى ﴿وَشَرَوْهُ﴾ في الآية: باعوه، وكذلك الاشتراء والابتياع فإنهما يطلقان على فعل البائع والمشتري لغة.\nإلا أن العُرف قد خص المبيع بفعل البائع، وهو إخراج الذات مِن الملك، وخص الشراء والاشتراء والابتياع بفعل المشتري، وهو إدخال الذات في الملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>مشروعية البيع:</span>\nإن مشروعية البيع ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.\nفي الكتاب: ورد في القرآن الكريم: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nوفي سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فهذه الآيات صريحة في حِلِّ البيع، وإن كانت مسوقة لأغراض أخرى غير إفادة الحل؛ لأن الآية الأولى مسوقة لتحريم الربا، والثانية مسوقة لنهي الناس عن أكل أموال بعضهم بعضًا بالباطل، والثالثة مسوقة للفت الناس إلى ما يرفع الخصومة، ويحسم النزاع من الاستشهاد عند التبايع.\nفي السنة: أن النبي - ﷺ - قد باشر البيع، وشاهد الناس يتعاطون البيع والشراء، فأقرهم ولم ينهَهم عنه. ومنها قوله - ﷺ -: \"لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها فيكف بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه\"؛ رواه البخاري. =","vol":"7","page":716},{"text":"الكتاب مصدر كتب يكتب كتابا ومعناه الضم، ومنه: كتيبة الخيل لاجتماعها وانضمامها وأما في الاصطلاح فمعناه: ما جمع جملة من علم\n_________\n= وفي هذا الحديث إشارة إلى ما يجب على الإنسان من العمل في هذه الحياة، فلا يحل له أن يهمل طلب الرزق اعتمادًا على سؤال الناس، كما لا يحل له أن يستنكف عن العمل، سواء كان جليلًا أو حقيرًا، بل عليه أن يعمل بما هو ميسر له.\nومنها قوله ﵊: \"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح سواءً بسواء، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبِيعوا كيف شئتم\"، رواه مسلم، فقوله: \"فبيعوا كيف شئتم\" صريح في إباحة البيع.\nومنها قوله ﵊: \"أفضل الكسب بيع مبرور، وعمل الرجل بيده\"، رواه أحمد والطبراني وغيرهما، والبغ المبرور هو الذي يبر فيه صاحبه فلم يغشَّ ولم يخُنْ ولم يعصِ اللّه فيه، وحكمه حِلُّ ما يترتب عليه من تبادل المنافع بين الناس، وتحقيق التعاون بينهم.\nفينتظم بذلك معاشهم، وينبعث كلّ واحد إلى ما يستطيع الحصول عليه من وسائل العيش، فهذا يغرس الأرض بما منحه النِّه من قوة بدنية، وألهمه من علم بأحوال الزرع، ويبيع ثمرها لمن لا يقدر على الزرع ولكنه يستطيع الحصول على الثمن من طريق أخرى، وهذا يحضر السلعة من الجهات الثانية ويبيعها لمن ينتفع بها، وهذا يجيد ما يحتاج إليه الناس من صناعة ليبيع عليهم مصنوعاته، فالبيع والشراء من أكبر الوسائل الباعثة على العمل في هذه الحياة الدنيا، وأجلِّ أسباب الحضارة والعمران.\nالإجماع: وقد أجمع الأئمة على مشروعية البيع، وأنه أحد أسباب التملك.\nكما أن الحكمة تقتضيه؛ لأن الحاجة ماسة إلى شرعيته؛ إذ الناس محتاجون إلى الأعواض والسلع، والطعام والشراب الذي في أيدي بعضهم، ولا طريق لهم إليه إلا بالبيع والشراء. في القانون الوضعي: البيع تمليك مال، أو حق مالي لقاء عوض، البيع عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء، أو حقًّا ماليًّا آخر في مقابل ثمن نقدي.","vol":"7","page":717},{"text":"والبيوع جمع بيع وهو اسم جنس فيعم وإنما جمع باعتبار أنواعه، وقيل: سمي بيعا لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد عادة، وحقيقة البيع في اللسان نقل شيء لشيء وهو لغة مقابلة شيء بشيء تقول العرب: بعت ما كنت أملكه وبعت بمعنى اشتريت وهو في الشرع مقابلة مال بمال ونحوه من الحدود، وقال بعضهم: هو الشرع نقل ملك بعوض على الوجه المأذون فيه فقولنا نقل ملك احترازا من ألا يملك، وقولنا (بعوض) احترازا من الهبات ومما لا يجوز أن يكون عوضا، وقولنا (على الوجه) احترازا من البيوع المنهي (^١) عنها كالملامسة والمنابذة وغير ذلك، والأصل في مشروعية البيع\n_________\n(^١) القاعدة: أن كلّ بيع يشتمل على واحد من هذين المحذورين - الربا والميسر - أو كان حيلة إليهما فهو من البيوع المحرمة.\nومن أمثلة البيوع المحرمة بسبب الربا: بيع العينة، وكثير من صور بيع الدّين، والجمع بين البيع والسلف .. ونحوها.\nومن أمثلة البيوع المحرمة بسبب الميسر: بيع الشيء المجهول، وبيع ما لا يقدر على تسليمه.\nوللبيوع المحرمة صور كثيرة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن شيبة ﵀ قاعدة مفيدة في هذا الباب، تعين على فهم الموضوع، وبالقياس عليها يلتئم الباب.\nقال ﵀ - كما في مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٢) -:\nالقاعدة الثانية: في العقود حلالها وحرامها: والأصل في ذلك أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل، وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وذم اليهود على أخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل، وهذا يعم كلّ بها يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرعات، وما يؤخذ بغير رضا المستحق والاستحقاق. وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ذكرهما اللّه في كتابه هما: الربا، والميسر. =","vol":"7","page":718},{"text":"قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَأَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٢) ورجح الشافعي والأصحاب أن الآية عامة في كلّ بيع، وصح أن النبي ﷺ تاجر لخديجة ﵂، وكان\n_________\n= فذكر تحريم الربا الذي هو ضد الصدقة في آخر سورة البقرة وسورة آل عمران والروم وذم اليهود عليه في سورة النساء. وذكر تحريم الميسر في سورة المائدة.\nثم إن رسول اللّه - ﷺ - فَصَّل ما جمعه اللّه في كتابه: فنهى - ﷺ - عن بيع الغرر كما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة - ﵁ -، والغرر هو المجهول العاقبة، يفضي إلى مفسدة الميسر التي هي إيقاع العداوة والبغضاء، مع ما فه من أكل المال بالباطل الذي هو نوع من الظلم،\nففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء.\nوأما الربا فتحريمه في القرآن أشد، ولهذا قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].\nوذكره النبي - ﷺ - في الكبائر كما خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ -، وذكر اللّه أنه حرم على الذين هادوا طيباتٍ أُحلت لهم، بظلمهم، وصدهم عن سبيل اللّه، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يُربي الصدقات، وكلاهما أمر مجرب عند الناس انتهى.\nالقاعدة: أن كلّ بيع يشتمل على واحد من هذين المحذورين - الربا والميسر - أو كان حيلة إليهما فهو من البيوع المحرمة.\nومن أمثلة البيوع المحرمة بسبب الربا: بيع العينة، وكثير من صور بيع الدّين، والجمع بين البيع والسلف .. ونحوها.\nومن أمثلة البيوع المحرمة بسبب الميسر: بيع الشيء المجهول، وبيع ما لا يقدر على تسليمه.\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.","vol":"7","page":719},{"text":"أبو بكر تاجرا في البر وعمر في الطعام وعثمان في البر والتمر والعباس في العطر، والبيع ثلاثة أنواع (^١):\n_________\n(^١) قبل هذا لابد من معرفة أركان البيع: أركان البيع ستة، وهي الصيغة، والعاقد والمعقود عليه، وكل منهما قسمان، لأن العاقد إما أن يكون بائعًا أو مشتريًا، والمعقود عيه إما أن يكون ثمنًا أو مثمنًا، والصيغة إما أن تكون إيجابًا أو قبولًا؛ فالأركان ستة، والمراد بالركن هنا ما يتوقف عليه وجود الشيء، وإن كان غير داخل في حقيقته، وهذا مجرد اصطلاح؛ لأن ركن الشيء الحقيقي هو أصله الداخل فيه، وأصل البيع هو الصيغة، التي لولاها ما اتصف العاقدان بالبائع والمشتري، ولكل ركن من الأركان أحكام وشروط سنذكرها على الترتيب الذي يلي:\nالركن الأول: الصيغة: الصيغة في البيع: هي كلّ ما يدلّ على رضاء الجانبين، البائع والمشتري، وهي أمران:\nالأول: القول وما يقوم مقامه من رسول أو كتاب.\nالثاني: المعاطاة، وهي الأخذ والإعطاء بدون كلام.\nوأما القول: فهو اللفظ الذي يدلّ على التمليك والتملك، كـ: بعت واشتريت، ويسمى ما يقع من البائع إيجابًا، وما يقع من المشتري قبولًا، وقد يتقدم القبول على الإيجاب، كما إذا قال المشتري: بِعْني هذه السلعة بكذا.\nويشترط للإيجاب والقبول شروط، منها: أن يكون الإيجاب موافقًا للقبول في القدر والوصف والنقد، والحلول والأجل.\nومنها: أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد.\nومنها: أن لا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل يدلّ على الإعراض.\nومنها: سماع المتعاقدين كلام بعضهما البعض.\nالركن الثاني: العاقدان: وأما العاقدان - سواء كان بائعًا أو مشتريًا - فإنه يشترط له شروط، منها: أن يكون مميزًا، فلا ينعقد بيع الصبي الذي لا يميز، وكذلك المجنون، أما الصبي المميِّز والمعتوه اللذان يعرفان البيع وما يترتب عيه من الأثر، ويدركان مقاصد العقلاء من الكلام، ويحسنان الإجابة عنها - فإن بيعهما وشراءهما ينعقد، ولكنه لا ينفذ إلا إذا كان =","vol":"7","page":720},{"text":"بيع أعيان وهي موجودة وهو المراد هنا.\nوبيع أعيان في الذمة وهي المرادة بكتاب السلم.\nوبيع منافع وهي الإجارة أ. هـ.\n_________\n= بإذن من الولي في هذا الشيء الذي باعه واشتراه بخصوصه، ولا يكفي الإذن العام.\nفإذا اشترى الصبي المميز السلعة التي أذن له وليه في شرائها، انعقد البيع لازمًا، وليس للولي رده.\nومنها: أن يكون رشيدًا، وهذا شرط لنفاذ البيع.\nومنها: أن يكون العاقد مختارًا، فلا ينعقد بيع المكره ولا شراؤه.\nالركن الثالث: المعقود عليه: يشترط في المعقود عليه، ثمنًا كان أو مثمنًا، شروط، منها:\nأ - أن يكون طاهرًا.\nب - أن يكون منتفعًا به انتفاعًا شرعيًّا، فلا ينعقد بيع الحشرات التي لا نفع فيها.\nج - أن يكون المبيع مملوكًا للبائع حال البيع.\nد - أن يكون مقدورًا على تسليمه.\nهـ - أن يكون المبيع معلومًا والثمن معلومًا علمًا يمنع من المنازعة.\nو- ألا يكون مؤقتًا، كأن يقول له: بعتك هذا البعير بكذا لمدة سنة.\nومن الجدير بالملاحظة أنه في النظام الاقتصادي الإسلامي تخضع أركان وشروط عقد البيع في تنظيمها لقواعد الفقه الإسلامي المتعلق بالمعاملات.\nوعند تطبيق هذه العقود لدى البنوك الإسلامية في عمليات التمويل، فإن هذه العقود تخضع كذلك في تنظيمها للقواعد العامة للقانون الوضعي في الدولة التي يتم فيها التعاقد.","vol":"7","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>التَّرْغِيب فِي الاكْتِسَاب بِالْبيع وَغَيره</span>\nعَن الْمِقْدَام بن معديكرب - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ مَا أكل أحد طَعَاما قطّ خيرا من أَن يأْكُل من عمل يَده وَإِن نَبِي اللّه دَاوُد ﵊ كَانَ يَأْكُل من عمل يَده رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (^١).\nوَابْن مَاجَة وَلَفظه قَالَ مَا كسب الرجل كسبا أطيب من عمل يَده وَمَا أنفق الرجل على نَفسه وَأَهله وَولده وخادمه فَهُوَ صَدَقَة (^٢).\nقوله: عن المقدام بن معديكرب - ﵁ -، هو الكندي مات سنة سبع وثمانين من الهجرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده\" الحديث. الطعام عام في كلّ ما يقتات من الحنطة والشعير والتمر وغير ذلك، وقال الخليل: إن [العالي] في كلّ العرب أن الطعام هو البر خاصة واللّه أعلم. قاله في النهاية (^٣).\nقوله: \"وإن نبي اللّه داود ﵊ كان يأكل من عمل يده\" تقدم الكلام على داود - ﷺ -، ففي هذا الحديث أن أفضل الكسب عمل اليد قال أبو الزاهرية كان نبي اللّه داود يعمل القفاف ويأكل منها، وقال ابن\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٧٢)، وأحمد (١٧١٨١).\n(^٢) ابن ماجة (٢١٣٨)، والطبراني في الكبير (٦٣٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٦٠).\n(^٣) النهاية (٣/ ١٢٧).","vol":"7","page":722},{"text":"المنذر (^١): إنما فُضل عمل اليد على سائر المكاسب إذا نصح العامل بيده، وروي أبو سعيد المقبري عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"خير الكسب [كسب] يد العامل إذا نصح\" رواه أحمد في مسنده (^٢) وذلك أن فيه أيضًا [إيصال النفع] إلى المكاسب وغيره وللسلامة عن البطالة المؤدية إلى [الفضول ولكسر النفس به وللتعفف] بذلك عن ذل السؤال (^٣) ذكر معتمر عن [سليمان] أنه كان يعمل في الخوض فقيل له أتعمل هذا وأنت أمير المدائن فقال إني [أحب أن آكل] من عمل يدي (^٤) وقد ثبت أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح ولو كان كلّ كاسب ليس بمتوكل كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير [متوكلين فقد كان آدم - ﵇ -، حراثا، ونوح، وزكريا نجارين، وإدريس خياط وإبراهيم ولوط زراعين وصالح تاجرا وكان سليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدرع ويأكل من [ثمنه] وكان موسى وشعيب صلوات اللّه وسلامه عليهم رعاة وقال نبينا - ﷺ -: \"كنت أرعى غنما لأهل مكة بالقراريط فلما أغناه اللّه تعالى بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب\" وقد كان أبو بكر الصديق وعثمان وعبد الرحمن وطلحة ومحمد بن سيرين وميمون بن مهران بزازين، وكان الزبير بن العوام وعمرو بن\n_________\n(^١) الإقناع (٢/ ٥٥٥)، وشرح الصحيح (٦/ ٢١٠) لابن بطال.\n(^٢) أحمد (٨٤١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢٣٦)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٧٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (٩/ ١٩٨).\n(^٤) شرح الصحيح (٦/ ٢١٠) لابن بطال.","vol":"7","page":723},{"text":"العاص وعامر بن [كريز] خرازين وكان سعد بن أبي وقَّاص يبري النبل وكان عثمان بن طلحة خياطا وما زال أصحاب رسول اللّه - ﷺ - يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والتابعون من بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب وبالقدرة بهم، وقال أبو قلابة: لأن أراك ان تطلب معاشاك أحب إليّ من أن أراك في زاوية المسجد، قال عطاء بن السائل: لما استخلف أبو بكر الصديق أصبح غاديا إلى السوق ومعه أثواب يتجر بها فلقيه عمر وأبو عبيدة فقا لا: أين تريد؟ قال: السوق، قالا: [تصنع] ماذا وقد وليت أمور المسلمين، قال: فمن أين أطعم عيالي؟\nوعن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين، فقال زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزادوه خمسمائة، وعن محمد بن عاصم قال: بلغني أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى فتى فأعجبه حاله سأل عنه هل له حرفة، فإن قيل: لا قال سقط من عيني، قاتل في الإحياء: وسئل الإمام أحمد بن حنبل ما تقول في رجل جالس في بيته أو في مسجده، وقال لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي، قال الإمام أحمد: هذا رجل جهل العلم أما سمع قول النبي - ﷺ -: \" [جعل اللّه رزقي تحت، ظل رمحي\" يإسناد صحيح، والحديث الآرخ: \"لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا\" فذكر انها تغدوا وتروح في طلب الرزق، قال اللّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^١)\n_________\n(^١) سورة المزمل، الآية: ٢٠.","vol":"7","page":724},{"text":"وقد كان إبراهيم بن أدهم يحصد وسليمان الخواص يلقط، وحذيفة المرعشي يضرب اللبن، قال ابن عقيل: فالتسبب لا يقدح في التوكل ولما قيل لموسى ﵊: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (^١) خرج، ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه أجر نفسه ثمان سنين [وقال اللّه] تعالى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (^٢) الآية، وهذا لأن الحرفة استعمال لنعمة اللّه تعالى وهي القوى فاستعمل ما عندك ثم اطلب [ما عنده وقد يطلب الإنسان من ربه وينسى ما له عنده من الذخائر فإذا تأخر عنه ما يطلبه يسخط] أ. هـ قاله ابن الجوزي (^٣).\n\n٢٦٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لِأن يحتطب أحدكُم حزمة على ظَهره خير لَهُ من أَن يسْأَل أحدا فيعطيه أَو يمنعهُ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره\" الحديث، يحتطب بتاء الافتعال، وفي رواية \"فيحطب\" بغير تاء وهو صحيح، وروي البزار عن أبي هريرة أيضًا أن رجلين أتيا رسول اللّه - ﷺ - فسألاه فقال: اذهبا إلى هذه\n_________\n(^١) سورة القصص، الآية: ٢٠.\n(^٢) سورة الملك، الآية: ١٥.\n(^٣) تلبيس إبليس (ص ٢٥٠ - ٢٥٤) باختصار.\n(^٤) البخاري (٢٠٧٤)، ومسلم (١٠٤٢)، ومالك في الموطأ (٢٨٥٣)، والترمذي (٦٨٠)، وأحمد (١٠١٥١).","vol":"7","page":725},{"text":"الشعاب فاحتطبا وبيعاه فذهبا فاحتطبا ثم جاء جياعا فأصابا طعاما ثم ذهبا أيضًا فجاء فلم يزالا حتى ابتاعا ثوبين ثم ابتاعا حمارين فقال: قد بارك اللّه لنا في أمر رسول اللّه - ﷺ - (^١)، ففي الحديث الحث على الأكل من عمل يده والاكتساب بالمباحات كالحطب والحشيش النابتين في موات (^٢) واللّه أعلم.\nفغاية ما في هذا فضيلة الاحتطاب على السؤال وليس فيه أنه أفضل المكاسب فلعله ذكره لتيسره لا سيما في بلاد الحجاز لكثرة ذلك فيها (^٣)، وأشار في رواية مسلم على العلة في تفضيل الاكتساب على السؤال وهي أن اليد العليا أفضل من اليد السفلي، يده عليا عن تصد وكذا عن لم يتصدق، وفسرنا العليا بالمتعففة عن السؤال (^٤)، أ. هـ.\n\n٢٦٠٤ - وَعَن الزبير بن الْعَوام - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لِأن يَأْخُذ أحدكم أحبله فيَأْتِي بحزمة من حطب على ظَهره فيبيعها فيكف اللّه بهَا وَجهه خير لَهُ من أَن يسْأَل النَّاس أَعْطوهُ أم منعُوا رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٥).\nقوله: وعن الزبير بن العوام - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"لأن يأخذ أحدكم أحبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٩٥٠٨).\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٩٤: رواه البزار، وفيه بشر بن حرب، وفيه كلام، وقد وثق.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣١).\n(^٣) طرح التثريب (٤/ ٨٤).\n(^٤) طرح التثريب (٤/ ٨٥).\n(^٥) البخاري (١٤٧١).","vol":"7","page":726},{"text":"فيبيعها فيكف اللّه بها وجهه\" أحبله بفتح الهمزة وإسكان الحاء المهملة وضم الباء الموحّدة، والأحبل جمع الحبل نحو الفلس والأفلس ويجمع أيضًا على حبال يعني أخذ الحبل للاحتطاب خير من السؤال (^١).\nوقوله \"فيأتي بحزمة\" والحزمة بضم الحاء المهملة وإسكان الزاي أي ما تُسمّى بالفارسية (دستة) (^٢)، وقوله \"فيكف بها وجهه\" أي فيمنع اللّه بها وجهه أن يريق ماءه بالسؤال عن الناس أي إن لم يجد إلا الاحتطاب من الحرف (^٣) ففي هذا الحديث ترجيح الاكتساب على السؤال ولو كان بعمل شا [ق كا] لاحتطاب ولو لم [يقدر علي] بهيمة بحتطب الحطب عليها بل حمله على ظهره (^٤) وفي الاكتساب فائدتان: الاستغناء عن الناس والتصدق، وقد ذكرهما في قوله في رواية مسلم \"فيتصدق ويستغني من الناس\" كذا هو في أكثر نسخ مسلم بالميم وفي بعضها عن الناس بالعين (^٥)، قال النووي (^٦): وكلاهما صحيح والأول محمول على الثاني، وفيه فضيلة الاكتساب بعمل اليد، وقد ذكر بعضهم أنه أفضل المكاسب (^٧) ففيه التحريض على الاكتساب كما تقدم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٩/ ١٩٩)، وطرح التثريب (٤/ ٨٣).\n(^٢) الكواكب الدراري (٨/ ١٦).\n(^٣) الكواكب الدراري (٨/ ١٦).\n(^٤) طرح التثريب (٤/ ٨٣).\n(^٥) طرح التثريب (٤/ ٨٤).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٣).\n(^٧) طرح التثريب (٤/ ٨٤).","vol":"7","page":727},{"text":"ترك السؤال وتفضيل الاكتساب على السؤال ولو أعطى السائل لما في السؤال من المذلة للسائل والتثقيل على المسؤول (^١)، وعيّن رسول اللّه - ﷺ - الاحتطاب لثلاثة أوجه، أحدها: إنه ذكره لما فيه من المشقة على المترفهين تحصيلا وحملا وبيعا، والثاني: أنه اكتساب بالمباح الذي لا يحتاج إلى تعلم ولا رأس مال بخلاف غيره من المصانع والمتاجر، والثالث: أنه مكسب لا شبهة فيه بخلاف سؤال الناس أن يمكن أن يعطي حياء ونفسه غير طيبة بذلك، أ. هـ.\nقال الأوزاعي: لقيت إبراهيم بن أدهم وعلى رأسه حزمة حطب فقلت: يا أبا إسحاق إلى متى هذا [و] إخوانك يكفونك فقال: دعني عن هذا يا أبا عمرو فإنه بلغني أن من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة (^٢)، قال أبو الحسن الماوردي من أصحابنا: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، وأيها أفضل فيه ثلاثة مذاهب للناس أشبهها بمذهب الشافعي أن التجارة أطيب، قال: والأشبه عندي أن الزراعة أطيبها لأنه أقرب إلى الترك، وذكر الشاشي وصاحب البيان وآخرون نحو ما ذكره الماوردي وأخذوه عنه، قال النووي (^٣): والصواب ما (^٤) نص عليه رسول اللّه\n_________\n(^١) انظر: قمع الحرص (ص ١٧٠).\n(^٢) المجالسة (٩٦) و(٢٩٩٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٦).\n(^٤) اللوحة ٢٥٥ تكرار للوحة ٢٥٤.","vol":"7","page":728},{"text":"- ﷺ -، وهو عمل اليد وإن كان زراعا فهو أطيب المكاسب وأفضلها لأنه عمل يده ولأن فيه توكلا كما ذكره الماوردي ولأن فيه نفعا عاما للمسلمين والدواب ولأنه لابد في العادة أن يوكل منه بغير عوض فيحصل له أجر وإن لم يكن ممن يعمل بيده بل تعمل غلمانه وأجراؤه فاكتسب به فالزراعة أفضل لما ذكرناه، وقد ثبت عن جابر قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقه\" وقال في الروضة بعد ذكره الحديث المتقدم: فهذا صريح في ترجيم الزراعة والصنعة لكونهما من عمل يده ولكن الزراعة أفضلهما لعموم النفع بها للآدمي وغيره وعموم الحاجة إليها (^١) واللّه أعلم.\n\n٢٦٠٥ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن رجلًا من الأنصَار أَتَى النَّبِيّ - ﷺ - فَسَألَهُ فَقَالَ أما فِي بَيْتك شَيْء قَالَ بلَى حلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه وَقَعْب نشرب فِيهِ من المَاء قَالَ ائْتِنِي بهما فَأَتَاهُ بهما فَأَخذهُمَا رَسُول اللّه - ﷺ - بِيَدِهِ وَقَالَ من يَشْتَرِي هذَيْن قَالَ رجل أَنَا آخذهما بدرهم قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من يزِيد على دِرْهَم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا قَالَ رجل أَنا آخذهما بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاه فَأَخذ الدرهمين فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَاما فانبذه إِلَى أهلك واشتر بِالآخرِ قدومًا فائتني بِهِ فَأتَاهُ بِهِ فَشد فِيهِ رَسُول اللّه - ﷺ - عودا بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فاحتطب وبع وَلَا أرينك خَمْسَة عشر يَوْمًا فَفعل فجَاء وَقد أصَاب عشرَة دَرَاهِم فَاشْترى بِبَعْضهَا ثوبا وببعضها طَعَاما فَقَالَ لَهُ رَسُول اللّه - ﷺ - هَذَا خير لَك من أَن تَجِيء الْمَسْأَلَة نُكْتَة فِي وَجهك يَوْم الْقِيَامَة الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو\n_________\n(^١) طرح التثريب (٤/ ٨٤).","vol":"7","page":729},{"text":"دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالتّرمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١). وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْمَسْأَلَة.\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: أن رجلًا من الأنصار أتى النبي - ﷺ - فسأله فقال: \"أما في بيتك شيء\" قال: بلي، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء، الحديث، قال عبد اللطيف البغدادي في شرح هذا الحديث: الحلس كساء أو بساط أو لبد يلزم البيت ولذلك يقال لمن يلزم بيته فلان حلس بيته أي ملازمه ونحن أحلاس الخيل أي الملازمون لظهورها تشبيها بذلك للكساء في لزوم البيت، وأصل الحلس كساء رقيق يلزم ظهر البعير فيكون تحت الرحل، وقيل: القتب (^٢).\nقوله: \"وقعب نشرب فيه من الماء\" القعب: القدح من الخشب (^٣).\nقوله: \"واشتر بالآخر قدوما\" القدوم روى بتخفيف الدال وتشديدها فقالوا: آلة النجار وهي الفأس يقال لها القدوم بالتخفيف لا غير وأما القدوم الذي هو مكان بالشام على ستة أميال من المدينة ففيه التشديد والتخفيف، فمن رواه بالتشديد أراد القرية ومن رواه بالتخفيف يحتمل القرية والآلة\n_________\n(^١) أبو داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، وابن ماجة (٢١٩٨)، وأحمد (١٢١٣٤)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٢١٣).\n(^٢) انظر: غريب الحديث (١/ ٥٦٢) لابن قتيبة، ومشارق الأنوار (١/ ١٩٧).\n(^٣) الصحاح (١/ ٢٠٤)، والمشارق (٢/ ١٩٠).","vol":"7","page":730},{"text":"والأكثرون على التخفيف وإرادة الآلة (^١) أ. هـ قاله الكرماني (^٢).\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اختتن إبراهيم النبي - ﷺ - وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم\" متفق عليه (^٣)، القدوم مخفف الدال قيل أنه اسم موضعين أحدهما جبل بالحجاز قرب المدينة وبه اختتن إبراهيم - ﵇ -، والثاني: قرية عند حلب، وقيل: هو بمجلس إبراهيم - ﵇ - بحلب، وقيل: القدوم آلة النجار وهي أيضًا مخففة (^٤)، وفي الحديث \"الفطرة خمس: الختان\" (^٥) فالختان فرض لأنه شعار الدين كالكلمة وبه يتميز المسلم من الكافر، ولولا [أنه فرض] لم يجز كشف العورة ولا النظر إليها والأربعة الباقون المذكورة في الحديث ستة، فإن قلت: فما أوجه الجمع بينهما؟ قلت: لا يمتنع قران الواجب مع غيره كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^٦) (^٧)، قال النووي: الختان واجب عند الشافعي وكثيرين من العُلماء وسنة عند مالك وأكثر العُلماء، وهو عند الشافعي واجب للرجال والنساء معا ثم الواجب في الرجل أن يقطع جميع الجلدة التي\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٢٢)، وكشف المناهج (٥/ ٩٥).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٤/ ١٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٥٦) و(٦٢٩٨)، ومسلم (١٥١ - ٢٣٧٠).\n(^٤) عمدة القاري (١٥/ ٢٤٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٨٨٩) و(٥٨٩١) و(٦٢٩٧)، ومسلم (٤٩ و٥٠ - ٢٥٧).\n(^٦) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.\n(^٧) الكواكب الدراري (٢١/ ١١٠).","vol":"7","page":731},{"text":"تغطي الحشفة واختلف الأصحاب في الخنثى المشكل فقيل: يجب [ختانه في فرجيه بعد البلوغ وقيل لا يجوز حتى يتبين وهو الآظهر وأما من له ذكران فإن كانا عاملين وجب ختانهما وإن كان أحدهما عاملا دون الآخر ختن العامل وفيما يعتبر العمل به وجهان أحدهما بالبول والآخر بالجماع] (^١).\nقوله: فشد فيه رسول الله - ﷺ - عودًا بيده، أي سمره فيه [ثم قال اذهب واحتطب وقوله:] \"هذا خير لك المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة\" والنكتة الأثر [في الشيء. وقال الجوهري: النكتة: النقطة]. بذلك جاء في حديث آخر \"فإن مسأله كروحا أو خموشا في وجهه\" فيكون سمة الأول وشهرة وصغار في ذلك اليوم.\nقال الخطابي ﵀: في هذا الحديث من الفقه جواز بيع المزايدة وأنه ليس بمخالف لنهيه ﷺ أن يبيع الرجل على بيع أخيه لأن ذلك إنما هو بعد وقوع العقد ووجوب الصفة وقبل التفرق من المجلس وهذا إنما في حال المراودة والمساومة وقبل تمام المبايعة، وفيه إثبات الكسب والأمر به، وفيه: أنه لم يرد الصدقة تحل له مع القوة على الكسب (^٢)، وأما حكم هذا الحديث فإن النبي - ﷺ - أحسن في التعليم وتلطف في الفهم وبالغ في التأكيد، أما إحسانه في التعليم: فإنه ما كهره ولا علمه بعنف، وأما تلطفه في التفهيم: فلأنه دله على طريق واحدة من الغنى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٤٨).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٦٩).","vol":"7","page":732},{"text":"يليق بالأنصاري، وأما كونه بالغ في التوكيد: فلأنه جعل تعليمه بمثال حسي ولم يقصره على القول بل درجه فيه حتى باشر طريق الكسب وشاهد برهان الْأَمر فلم يبق الرجل يسعه إن يتشكك ولم تبق له حجة يحتج بها، فلما صار ذلك محسوسا عد الرجل محققا ومشاهدا عند الصحابة، بينما أتى ﵊ بعد ذلك بالحكم المحتوم على حكم ثبوته وهو قوله: \"هذا خير لك\" أي: التكسب خير لك من المسألة ولم يقتصر على ذلك حتى بين غاية المسألة و[عقباها] في الدنيا والآخرة وهي أنها تجيء في وجهه تؤذن بالخزي والمعيرة والصغار والذلة، فينبغي للعزيز النفس السامي الهمة الحر الطباع الكريم الأعراق أن يستعفف ويجتزئ باليسير فإن القناعة شرف في الدينا والآخرة، قال: ومن كان صحيح البدن قادرا على الكسب وترك ذلك وسأل الناس فهو ساقط الهمة مهين النفس عديم الإنسانية عبد بالطبع بل أخس من العبد ومن الكلب أيضًا، فإن الكلب يعطي لحرفة حراسته وهذا المهين يريد أن يعطي ولا شبهة له في الاستحقاق فذلك لا يثيب الله من يرفده ولا يعين من يعينه، وقال ابن بطال (^١): اختلف الفقهاء في بيع المزايدة فأجازها مالك والكوفيون والشافعي وأحمد وكان الأوزاعي يكره المزايدة إلا في الغنائم والمواريث وهو قول إسحاق وروي عن أيوب [وربيعة] بن عامر كراهية الزيادة وعن إبراهيم النخعي أنه كره [بيع] من يزيد أ. هـ، وتقدم الكلام على شرح هذا الحديث في [الترغيب في الاكتساب بالبيع وغيره].\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٦/ ٢٦٩).","vol":"7","page":733},{"text":"٢٦٠٦ - وَعَن سعيد بن عُمَيْر عَن عَمه - ﵁ - قَالَ سُئِلَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَي الْكسْب أطيب قَالَ عمل الرجل بِيَدِهِ وكل كسب مبرور رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد قَالَ ابْن معِين عَم سعيد هُوَ الْبَراء (^١).\nوَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن سعيد بن عُمَيْر مُرْسلا وَقَالَ هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ وَأَخْطَأ من قَالَ عَن عَمه (^٢).\nقوله: وعن سعيد بن عمير عن عمه - ﵁ -، قال ابن مَعين عم سعيد هو: البراء بن عازب [هو بتخفيف الراء وبالمد، هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف العُلماء من أهل الحديث، والتاريخ، والأسماء، واللغات، والمؤتلف والمختلف، وغيرهم، وحكى فيه القصر. وهو أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب بن الحارث بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى الحارثى المدني، أمه أم حبيبة بنت أبي حبيبة، وقيل: أم خالد بنت ثابت، وأبوه عازب صحابي، ذكر محمد بن سعد في الطبقات أنه أسلم. روى للبراء عن النبي - ﷺ - ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم منها على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشرة،\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ١٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٠٣٣).\n(^٢) البيهقي في السنن (٥/ ٢٦٣)، وفي الشعب (١٢٢٨)، وأبو عبيد في غريب الحديث (٤/ ٤٦٩)، وقال البيهقي: هذا هو المحفوظ مرسلا، وقال البخاري: أسنده بعضهم وهو خطأ.","vol":"7","page":734},{"text":"ومسلم بستة. نزل الكوفة وتوفى بها زمن مصعب بن الزبير. استصغره النبي - ﷺ - يوم بدر، وأول مشاهده أحد، روينا في صحيح البخاري، عن البر اء، قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر. وشهد البراء مع أبي موسى غزوة تستر، وشهد مع علي، ﵁، الجمل، وصفين، والنهروان، هو وأخوه عبيد بن عازب، وكان للبراء ابنان: يزيد، وسويد، ﵁ وعنهما].\nقوله: سئل رسول اللّه - ﷺ -: أي الكسب أطيب؟ قال: \"عمل الرجل بيده وكل [كسب] مبرور\"، قال أبو الليث السمرقندي (^١): كره بعض الناس الاشتغال بالكسب (^٢) وقالوا: الواجب على الإنسان الاشتغال بعبادة ربه ويتوكل عليه، وقال عامة أهل العلم: الكسب بمقدار ما يطفيه ولعياله واجب\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٦٧).\n(^٢) أما التفرغ لطلب العلم فلا شك أن طلب العلم من أفضل العبادات ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالي، وذلك لما اشتمل عليه من إصلاح للفرد ونفع للمجتمع وإحياء للشرع وعلومه. فقد روى ابن ماجة وغيره عن أبي ذر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال له: يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلي ألف ركعة. قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده حسن.\nويكفي العلم فضلًا وشرفا أن الله تعالى لم يأمر نبيه - ﷺ - أن يستزيد من شيء سوى العلم فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\nفإذا استطاع الإنسان أن يجمع بين طلب العلم والبقاء في العمل فلا شك أن هذا أفضل، وإذا لم تستطع الجمع بينهما ولم تكن تحتاج إلى العمل وكان لديك ما يكفيك أنت ومن تجب عليك نفقته فلا كرهة حينها على من ترك العمل وتفرغ لطلب العلم لأن العمل لا يجب على من لا يحتاج إليه.","vol":"7","page":735},{"text":"فإن زاد على ذلك فهو مباح والاشتغال بالعبادة أفضل فإن اشتغل بطلب الزيادة لا يكون حراما إذا لم يرد الفخر والرياء وأما من قال إنه لا يشتغل بالكسب فلأن اللّه تعالى قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^١) وأخبر أنه خلق الخلق لعبادته فينبغي لهم أن يشتغلوا بعبادة ربهم، وقال النبي - ﷺ -: \"ما أوحى إليّ بأن أجمع المال ولا أكون من التاجرين ولكنه أوحي إليّ بأن سبح بحمد ربك\" وكن من الساجدين ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (^٢) وأما حجة من قال أن طلب قوته وقوت عياله واجب لأن اللّه تعالى فرض الفرائض ثم لا يتهيأ للعبد أداء الفرائض إلا باللباس وقوت النفس وذلك لا يقدر عليه إلا بالكسب قال اللّه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^٣) وروى النبي - ﷺ -[تبايعوا بالبز فإن] أباكم إبراهيم كان بزازًا، وقيل: إذا وجد الرجل ست خصال يكون سيد الرجال ثلاث من خارج البيت وثلاث من داخله، فأما اللواتي من خارج البيت فالأولى الاستفادة من العُلماء، الثاني: مخالطة أهل الورع، الثالثة: أن يطلب قوته وقوت عياله من وجه ما يحل ويحمل، وأما اللواتي من داخل البيت وهي الرابعة المذاكرة مع أهله بما يسمع من العُلماء، الخامسة: استعمال النفس بما [رأي] من أهل الورع، السادسة: أن يوسع على أهله من اللباس والطعام بمقدار، أ. هـ.\n_________\n(^١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.\n(^٢) سورة الحجر، الآية: ٩٩.\n(^٣) سورة الجمعة، الآية: ١٠.","vol":"7","page":736},{"text":"ومن الآثار قول لقمان: يا بني استغن بالكسب الحلال على الفقر فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابته ثلاث خصال رقه في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته، وقال عمر - ﵁ -: لا يقعد أحدكم عن الرزق ويقول: ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة (^١).\n\n٢٦٠٧ - وَعَن جَمِيع بن عُمَيْر عَن خَاله قَالَ سُئِلَ رَسُول اللّه - ﷺ - عَن أفضل الْكسْب فَقَالَ بيع مبرور وَعمل الرجل بِيَدِهِ رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِاخْتِصَار وَقَالَ عَن خَالِه أبي بردة بن نيار وروى الْبَيْهَقِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد اللّه بن نمير وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيت فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ عَن سعيد بن عُمَيْر (^٢).\nقوله: وعن جميع بن عمير عن [خاله هو سعيد بن عمير بن نيار، ويقال: سعيد بن عمير بن عقبة بن نيار الأنصاري، الحارثي، المدني، ابن أخي أبي بردة بن نيار وقال البيهقى: هكذا رواه شريك القاضي، وغلط فيه في موضعين:\nأحدهما: في قوله جميع بن عمير وإنما هو سعيد بن عمير. والأخير: في وصله، وإنما رواه غيره عن وائل مرسلا، وهو المحفوظ، وقال شريك، عن وائل بن داود، عن جميع بن عمير عن خاله أبي بردة وجميع خطأ، وقال المسعودي: عن وائل بن داود، عن عباية بن رافع بن خديج [عن أبيه] وهو خطأ، قال: والصحيح: رواية وائل عن سعيد بن عمير، وأما أبو بردة بن نيار اسمه هانئ، بنون بعدها همزة، ابن نيار، بنون مكسورة ثم ياء مثناة تحت\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٦٢).\n(^٢) أحمد (١٥٨٣٦)، والبزار (١٢٥٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ رقم ٥٢٠)، والحاكم (٢/ ١٠)، والبيهقي في السنن (٥/ ٢٦٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٠٣٣).","vol":"7","page":737},{"text":"مخففة بلا همزة، ابن عمرو بن عبيد بن كلاب بن غنم بن هبيرة بن ذهل بن هانى بن بلى بن عمرو بن حلوان بن الحاف بن قضاعة البلوى المدني، وقيل: اسمه الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هبيرة، والأول أشهر وأصح.\nشهد العقبة الثانية مع السبعين، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، وسائر المشاهد مع رسول اللّه - ﷺ -. وروى عن رسول اللّه - ﷺ -، روى له البخاري ومسلم حديثًا واحدا. روى عنه جابر بن عبد اللّه، ثم جماعة من التابعين. شهد مع علي، ﵁، حروبه، وتوفي سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، ولا عقب له، وهو خال البراء بن عازب].\n\n٢٦٠٨ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ سُئِلَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَي الْكسْب أفضل قَالَ عمل الرجل بِيَدِهِ وكل بيع مبرور رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n\n٢٦٠٩ - وَعَن رَافع بن خديج - ﵁ - قَالَ قيل يَا رَسُول اللّه أَي الْكسْب أطيب قَالَ عمل الرجل بِيَدِهِ وكل بيع مبرور رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار (^٢). وَرِجَال\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٣٩٣٩)، وفي الأوسط (٢١٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦٠)، رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٠٣٣).\n(^٢) أحمد (١٧٢٦٥)، والبزار (١٢٥٧)، والطبراني في الكبير (٤٤١١)، وفي الأوسط (٧٩١٨)، والحاكم (٢/ ١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦٠)، رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٠٣٣).","vol":"7","page":738},{"text":"إِسْنَاده رجال الصَّحِيح خلا المَسْعُودِيّ فَإِنَّهُ اخْتَلَط وَاخْتلف فِي الاحْتِجَاج بِهِ وَلَا بَأس بِهِ فِي المتابعات.\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن اللّه يحب المؤمن المحترف\" الحديث، المحترف الذي يكتسب ويتسبب، وقال سهل: من طعن على الحرفة فقد طعن على الإيمان (^١)، وقال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^٢) فلابد من طلب المعيشة وقال تعالى في داود - ﵇ - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (^٣) وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (^٤) قال العُلماء: أي يحترفون ويتجرون وقال تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (^٥) وكانت الصحابة يتجرون ويحترفون في أموالهم يعملون كما تقدم، وأما أصحاب الصفة فإنهم كانوا ضيوف الإسلام عند ضيق الحال فكان النبي - ﷺ - إذا أتته صدقة خصهم بها وإن أتته هدية شاركهم فيها وأكلها معهم وكانوا مع هذا يحتطبون ويسقون الماء إلى آبيات رسول اللّه - ﷺ - كما وصفهم البخاري في كتابه وكانوا سبعين\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (ص ٢٤٨).\n(^٢) سورة الجمعة، الآية: ١٠.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٨٠.\n(^٤) سورة الفرقان، الآية: ٢٠.\n(^٥) سورة الأنفال، الآية: ٦٩.","vol":"7","page":739},{"text":"رجلًا فيما قال أبو هريرة وما لهم ذرية، ثم لما فتح اللّه عليهم البلاد ومهد لهم المهاد [تأمروا] وبالأسباب أمروا قال تعالى لمريهم ﵍ ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ (^١) وقد كان قادرًا على سقوط الرطب من غير هز ولا تعب، شعر:\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أوْحَى لمريمٍ ... إليكِ فهُزي الجذعَ تسَّاقَطِ الرُّطَبْ\nوَلَوْ شَاءَ أَحْنَى الْجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ ... وَلَكِنْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ (^٢)\nتنبيه: قال الإمام القرطبي: لعل ظانا يظن أن الأسباب تحط منزلة من استعملها وليس كذلك، فإن استعمال الكسب لا يقدح في التوكل وهو كان دأب الأنبياء والصالحين كما تقدم، وقال النبي - ﷺ -: \"جعل رزقي تحت ظل رمحي\" الحديث، رواه البخاري (^٣)، فجعل اللّه تعالى رزق نبيه في أشرف وجوه المكسب وكان النبي - ﷺ - يدخر لأهله قوت سنة واشترى سلمان، وسقا من طعام فقيل له في ذلك فقال: إن النفس إذا أحرزت القوت اطمأنت (^٤)، انتهى.\nسؤال: لم وضع اللّه المكاسب في الدنيا؟ قيل: لثلاثة أوجه أحدها [أنه أراد أن يعمر] الآخرة فزينها بشرائع الآخرة وأراد أن يعمر الدنيا [فزينها] بكسب\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٢٥.\n(^٢) قمع الحرص (ص ١٠٧).\n(^٣) البخاري تعليقًا ممرضا (٤/ ٤٠).\n(^٤) قمع الحرص (ص ١٠٤).","vol":"7","page":740},{"text":"الدنيا لتكون الداران عامرتين، الثاني: وضع الكسب بين الطاعة والمعصية ليحجبك عن المعصية كي لا تقع سريعا في المعصية وهذه رحمة من اللّه تعالى حتى لو كسلت عن الطاعة فتشتغل بالرخصة ولا تقع في المعصية، الثالث: ليعتبر الأولياء ويقولون إن الدنيا الفانية لا تدرك إلا بالطلب فكيف توجد الآخرة الباقية بغير طلب، قال عطية بن بسر في قوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (^١) قال: علمه ألف حرفة ثم قال: قل لأولادك إن أردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين (^٢)، وعن الحسن البصري أنه رأى رجلًا يضرط للناس ويعطونه فقال: هذا رجل يأخذ الريح بالريح، يعني: أن الدنيا ريح (^٣).\n\n٢٦١٢ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ -. قالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من أَمْسَى كالا من عمل يَده أَمْسَى مغفورا لَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والأصبهاني من حَدِيث ابْن عَبَّاس (^٤).\nوَتقدم من هَذَا الْبَاب غير مَا حَدِيث فِي الْمَسْألة أغْنى عَن إِعَادَتهَا هُنَا.\nقوله: وروي عن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام على مناقبها.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣١.\n(^٢) أخرجه الديلمى كما في (٢٠٩٩) و(٢٨١٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٥٧).\n(^٣) الكشكول (ص ٣٦٦)، وكشف الأسرار (لوحة ١٠).\n(^٤) الطبراني في الأوسط (٧٥٢٠)، والأصبهاني في الترغيب (١١٠٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦٣)، وفيه جماعة لم أعرفهم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٨٥).","vol":"7","page":741},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له\" الحديث، الكلل: ما يحصل للإنسان من التعب من أمور الدنيا الشاقة من عمل يده.\n\n٢٦١٠ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة - ﵁ - قَالَ مر على النَّبِيّ - ﷺ - رجل فَرَأى أَصْحَاب رَسُول اللّه - ﷺ - من جلده ونشاطه فَقَالُوا يَا رَسُول اللّه لَو كَانَ هَذَا فِي سَبِيل اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن كَانَ خرج يسْعَى على وَلَده صَغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيل اللّه وَإِن كَانَ خرج يَسْعَى على أبوين شيخين كبيرين فَهُوَ فِي سَبِيل اللّه وَإِن كَانَ خرج يسْعَى على نَفسه يعفها فَهُوَ فِي سَبِيل اللّه وَإِن كَانَ خرج يسْعَى رِيَاء ومفاخرة فَهُوَ فِي سَبِيل الشَّيْطَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\n\n٢٦١١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ إِن اللّه يحب الْمُؤمن المحترف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ رقم ٢٨٢)، وفي الأوسط (٦٨٣٥)، وفي الصغير (٩٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٢٥)، رواه الطبراني في الثلاثة، ورجال الكبير رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٤٢٨).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٣٢٠٠)، وفي الأوسط (٨٩٣٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢٣٧)، والقضاعي (١٠٧٣)، وابن عدي في الكامل (٢٤٠٨)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٥٨٩)، قال البيهقي: تفرد به أبو الربيع عن عاصم وليسا بالقويين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦٠)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عاصم بن عبيد اللّه وهو ضعيف، وقال ابن عدي: وأبو الربِيع السمان له من الحديث غير ما ذكرت، وفي أحاديثه ما ليس بمحفوظ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وأنكر ما حدّث عنه ما ذكرته.\nوضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٧٠٤).","vol":"7","page":742},{"text":"قوله: عن كعب بن عجرة - ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: مَرَّ على النبي - ﷺ - رجل، فرأى أصحابُ رسول اللّه - ﷺ - مِن جَلَدِه ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل اللّه، الحديث، يقال: رجل جلد ساكن اللاك وجليد بين الجلد والجلادة ومجلود، والجلد بالفتح القوة والشدة والصبر، أي قويا في نفسه وجسمه.\nقوله: \"إن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل اللّه وإن خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل اللّه\" الحديث، وعن عمران بن حصين قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"إن اللّه يحب عبده المؤمن الفقير المتعفف أبا العيال\" انفرد به ابن ماجة، وقال عبد اللّه بن المبارك وهو مع [إخوانه] في [الغزو] وتعلمون عملا أحسن مما نحن فيه، قال: لا نعلم ذلك، قال: أنا أعلم، رجل متعفف ذو عيال قام من الليل فنظر إلى صبيانه يتامى متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه فعمله أفضل ممانحن فيه (^١)، وقال ﵊: \"من [حسنت] صلاته وكثرت عياله وقل ماله ولم يغتب المسلمين كان معي في الجنة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى\" رواه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي سعيد الخدري (^٢)، وقال بعض السلف: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة، وهذا رواه الطبراني في\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٣٢).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٩٩٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٢٣). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٧٠) وضعيف الترغيب (١٨٦٢).","vol":"7","page":743},{"text":"معجمه الأوسط وأبو نعيم في الحلية والخطيب في تلخيص المتشابه من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف (^١)، وذكر الغزالي في بعض التفاسير أن قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (^٢) هي الزوجة الصالحة وكان عمر يقول: ما أعطي عبد بعد الإيمان باللّه خيرا من امرأة صالحة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٣٨ - ٣٩ رقم ١٠٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٣٥)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ١٢٤ - ١٢٥).\nقال الطبراني: لم يروه عن مالك إلا يحيى بن بكير، تفرد به: محمد بن سلام. قال أحمد بن يحيى: فقلت: كيف سمعتُ هذا من ابن بكير ولم يسمعه أحد غيرك؟ فقال: كنت عند ابن بكير جالسا، فجاءه رجل، فذكر ضعف حاله، فقال ابن بكير: حدّثنا مالك، وذكر هذا الحديث. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٦٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن سلام المصري، قال الذهبي: حدّث عن يحيى بن بكير بخبر موضوع. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٩٢٤).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٩٧.\n(^٣) الإحياء (٢/ ٣١).","vol":"7","page":744},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>الترغيب في البكور في طلب الرزق وفيه وما جاء في نوم الصبحة</span>\n٢٦١٣ - عَن صَخْر بن ودَاعَة الغامدي الصحَابِيّ - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها وَكَانَ إِذا بعث سَرِيَّة أَو جَيْشًا بَعثهمْ من أول النَّهَار وَكَانَ صَخْر تَاجِرًا فَكَانَ يبْعَث تِجَارَته من أول النَّهَار فأثرى وَكثر مَاله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتّرمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَححِيحه وَقَالَ التّرمِذِيّ حَدِيث حسن وَلَا يعرف لصخر الغامدي عَن النَّبِيّ - ﷺ - غير هَذَا الحَدِيث (^١).\nقَالَ المملي عبد الْعَظِيم رَوَوْهُ كلهم عَن عمَارَة بن حَدِيد عَن صخْر وَعمارَة بن حَدِيد بجلي سُئِلَ عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ مَجْهُول وَسُئِلَ عَنهُ أَبُو زرْعَة فَقَالَ لَا يعرف وَقَالَ أَبُو عمر النمري صَخْر بن ودَاعَة الغامدي وغامد فِي الأزد سكن الطَّائِف وَهُوَ مَعْدُود فِي أهل الْحجاز روى عَنهُ عمَارَة بن حَدِيد وَهُوَ مَجْهُول لم يرو عَنهُ غير يعلى الطَّائِفِي وَلَا أعرف لصخر غير حَدِيث بورك لأمتي فِي بكورها وَهُوَ لفظ رَوَاهُ جمَاعَة عَن النَّبِيّ - ﷺ - انْتهى كَلَامه.\nقَالَ المملي ﵀ وَهُوَ كَمَا قَالَ أَبُو عمر قد رَوَاهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة عَن النَّبِيّ - ﷺ - مِنْهُم عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَأنس بن مَالك وَعبد اللّه بن سَلام والنواس بن سمْعَان وَعمْرَان بن حُصَيْن وَجَابِر بن\n_________\n(^١) أبو داود (٢٦٠٦)، والترمذي (١٢١٢)، وابن ماجة (٢٢٣٦)، وابن حبان (٤٧٥٤)، وأحمد (١٥٤٣٨)، والنسائي في الكبرى (٨٨٣٣)، والطبراني في الكبير (٧٢٧٥)، والبيهقي في السنن (٩/ ١٥١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.","vol":"7","page":745},{"text":"عبد اللّه وَبَعض أسانيده جيد ونبيط بن شريط وَزَاد فِي حَدِيثه يَوْم خميسها وَبُرَيْدَة وَأَوْس بن عبد اللّه وَعَائِشَة وَغَيرهم من الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ وَفِي كثير من أسانيدها مقَال وَبَعضهَا حسن وَقد جمعتها فِي جُزْء وَبسطت الْكَلَام عَلَيْهَا.\n\n٢٦١٤ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - باكروا الغدو فِي طلب الرزق فَإِن الغدو بركَة ونجاح رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: عن صخر بن وداعة الصحابي - ﵁ -، وداعة بفتح الدال الغامدي بالغين المعجمة وبالدال الأزدي الأسدي الحجازي الطائفي صاحب رسول اللّه - ﷺ -، سكن الطائف وهو معدود في أهل الحجاز.\nقوله: أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"اللهم بارك لأمتي في بكورها\" الحديث، قال النووي (^٢): رويناه في كتاب الأربعين للحافظ أبي محمد عبد القادر الرُهاوي بضم الراء من طرق كثيرة، وفي حديث آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"بورك لأمتي في بكورها يوم خميسها\" قال في عجائب المخلوقات (^٣): يوم الخميس يوم مبارك [لاسيما لطلب الحوائج، وابتداء\n_________\n(^١) البزار (١٢٤٧)، والطبراني في الأوسط (٧٢٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦١)، فيه إسماعيل بن قيس بن سعيد بن زيد بن ثابت، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٣١٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٣) ورؤوس المسائل (ص ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^٣) عجائب المخلوقات (ص ٦٥ - ٦٦).","vol":"7","page":746},{"text":"السفر، واختياره للخروج للسفر محتمل لوجوه، الأول: أنه يوم مبارك ترفع] فيه أعمال العباد إلى اللّه تعالى فأحب أن يرفع له فيه عمل صالح إذا كانت سفراته للّه تعالي، الثاني: أنه أتم الأسبوع عددًا، الثالث: أنه كان يتفاءل بالاسم الحسن والخميس الجيش لأنهم خمس فرق المقدمة والقلب والميمنة والميسرة، فيرى في ذك من الفأل الحسن حفظ اللّه تعالى له وإحاطة جنوده به حفظا ورعاية، أ. هـ.\nقوله: وكان صخر تاجرا فكان يبعث تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله، حتى كان لا يدري أين يضعه، وفي بعض طرق الحديث: كان صخر يبعث غلمانه يوم الخميس وليس لصخر بن وداعة في الكتب الستة سوى هذا الحديث، وله في غيرها حديث \"لا تسبوا الأموات تؤذوا الأحياء\".\nقوله: وكان إذا بعث جيشا بعثهم أول النهار، السرية: قطعة من الجيش تخرج تغير وترجع إليه، وسميت سرية لأنها ترسى بالليل ويخفي ذهابها.\nفائدة: قال شيخ الإسلام النووي في كتابه رءوس المسائل (^١): يستحب لمن كانت له وظيفة من قراءة أو فقه أو حديث من علوم الشرع أو تسبيح أو اعتطاف أو نحو ذلك من العبادات أو صنعة من الصنائع أو عمل من الأعمال مطلقا يتمكن من فعله أول النهار وغيره أن يفعله في أول النهار، وكذلك من أراد سفرا أو أنشأ أمرًا أو عقد نكاح وغيره أو غير ذلك من الأمور، ودليل هذه الفائدة حديث صخر هذا واللّه أعلم.\n_________\n(^١) رؤوس المسائل (ص ٢٤٠).","vol":"7","page":747},{"text":"٢٦١٥ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - نوم الصبحة يمْنَع الرزق رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا وأوردهما ابْن عدي فِي الْكَامِل وَهُوَ ظَاهر النكارة (^١).\nقوله: عن عثمان - ﵁ -، هو أمير المؤمنين أحد الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرة بالجنة، ابن عفان [ابن أبي العاص] بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يلتقي مع رسول اللّه - ﷺ - في الباب الرابع.\nقوله - ﷺ -: \"نوم الصبحة يمنع الرزق\" قال الهيثم: يمنع [بعض الرزق أي حصوله حقيقة أو بمعنى عدم البركة فيه] فنوم الصبحة يمنع الرزق، الحديث، قال العُلماء: من رواه بفتح الصاد فإنه أراد به الفعلة وهي المرة الواحدة، ومن رفع فإنه أراد به الاسم ومعناه نومة الغدإة قبل ارتفاع النهار لأنه وقت الذكر ووقت لطلب الرزق والكسب (^٢) أ. هـ.\nومن المكروه عند العُلماء النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس فإنه\n_________\n(^١) عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند (١/ ٧٣) رقم (٥٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٧٣١)، وابن عدي في الكامل (٢٠٤٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥١)، وابن الجوزي في الموضوعات (١٤٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦٢)، رواه أحمد وفيه إسحاق بن أبي فروة، وهو ضعيف، قال ابن عدي: وإسحاق بن أبي فروة هذا ما ذكرت هاهنا من أخباره بالأسانيد التي ذكرت، فلا يتابعه أحد على أسانيده ولا على متونه، وسائر أحاديثه مما لم أذكره تشبه هذه الأخبار التي ذكرتها، وهو بين في الضعفاء، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح.\n(^٢) انظر النهاية (٣/ ٧)، ونسبه في فيض القدير (٤/ ٢٣٢) للعامرى في شرح الشهاب.","vol":"7","page":748},{"text":"وقت غنيمة، وللسير في ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلتهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس فإنه أول النهار ومفتاحه ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة ومنه ينشأ النهار وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر، وبالجملة فإن [أنفع] النوم وأعدله نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير وهو مقدار ثماني ساعات وهو أعدل النوم عند الأطباء فما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه، ومن النوم الذي لا ينفع أيضًا النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء، وكان النبي - ﷺ - يكرهه فهو مكروه شرعا وطبعا (^١) أ. هـ.\n\n٢٦١٦ - وَرُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد - ﷺ - و- ﵂ -. قالَت مر بِي رَسُول اللّه - ﷺ - وَأَنا مُضْطَجِعَة متصبحة فحركني بِرجلِهِ ثمَّ قَالَ يَا بنية قومِي اشهدي رزق رَبك وَلَا تَكُونِي من الغافلين فَإِن اللّه ﷿ يقسم أرزاق النَّاس مَا بَين طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢).\n\n٢٦١٧ - وَرَوَاهُ أَيْضًا عَن عَليّ - ﵁ - قَالَ دخل رَسُول اللّه - ﷺ - على فَاطِمَة بعد أَن صلى الصُّبْح وَهِي نَائِمَة فَذكره بِمَعْنَاهُ (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٤٥٧).\n(^٢) البيهقي في الشعب (٤٧٣٥)، وقال: إسناده ضعيف.\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٤٧٣٦).","vol":"7","page":749},{"text":"٢٦١٨ - وروى ابْن مَاجَة من حَدِيث عَليّ قَالَ نهى رَسُول اللّه - ﷺ - عَن النّوم قبل طُلُوع الشَّمْس (^١).\nقوله: عن فاطمة بنت محمد - ﷺ - و- ﵂ -، هي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ابنة سيد الخلق أجمعين وأشرف المرسلين بنت خديجة سيدة نساء قريش، كذا كانت تُسمّى خديجة وكانت تُسمّى الطاهرة روى أن فاطمة بنت رسول اللّه - ﷺ - ما رئيت ضاحكة بعد رسول اللّه - ﷺ -، والأصح أن فاطمة أصغر بنات رسول اللّه - ﷺ -، تزوجها علي - ﵁ -: بعد وقعة أحد وهي بنت خمس عشرة سنة، وتوفيت بعد النبي - ﷺ - بستة أشهر، وقيل: بثلاثة، وقيل: بثمانية، وقيل: بشهرين، وقيل: بسبعين يومًا، توفيت لثلاث خلون من شهر رمضان، وبلغت في العمر تسعا وعشرين سنة، غسلها علي وأسماء بنت عميس وصلى عليها علي والعباس والفضل ودفنت ليلا (^٢)، أ. هـ.\nوروى لها عن رسول اللّه - ﷺ - ثمانية عشر حديثًا، وفي الصحيحين لها حديث واحد روت عنها عائشة أم المؤمنين، قاله الكرماني (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"يا بنية قومي اشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين فإن اللّه ﷿ يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس\" حكي\n_________\n(^١) ابن ماجة (٢٢٠٦)، وأبو يعلى (٥٤١)، والحاكم (٤/ ٢٣٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٩/ ٦٩)، قال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٧٧)، هذا إسناد ضعيف لضعف نوفل بن عبد الملك والربيع بن حبيب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٠٤١).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣ الترجمة ١١٨٢).\n(^٣) الكواكب الدراري (٣/ ٩٦).","vol":"7","page":750},{"text":"عن ابن عباس وغيره أن ما بعد صلاة الصبح وقت يقسم فيه الرزق بين العباد (^١) وهو وقت نشاط النفس وراحة البدن وصفاء الخواطر، وروي عن أبي محمد البغوي في شرح السنة قال: قال علقمة بن قيس بلغنا أن الأرض تعج إلى اللّه تعالى من نومة العالم بعد صلاة الصبح (^٢)، وفي حديث عمر: \"إياكم ونومة الغداة فإنها مبخرة\" أي مظنة البخر وهو يغير ريح الفم، ومنه حديث المغيرة: \"إياك وكل مبخرة\" يعني من النساء، قاله في النهاية (^٣)، وفي حديث مكحول أنه مر برجل نائم بعد العصر فدفعه برجله وقال: لقد عوقبت إنها ساعة يكون فيها الخبتة يريد الخبطة بالطاء أي يتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون، وكان في لسان مكحول لكنه يجعل الطاء تاء (^٤).\nوعن ابن عمرو أنه قال: النوم ثلاثة أي على ثلاثة أقسام فنوم خرق ونوم خلق ونوم حمق، فاما نوم الخرق فنوم الضحى يقضي الناس حوائجهم وهو نائم، وأما نوم الخلق فنوم القايلة ونصف النهار، وأما نوم الحمق فنوم حين تحضر الصلاة (^٥). وروي أن النبي - ﷺ - قال: \"استعينوا بقيلولة النهار على قيام الليل وبطعام السحر على صيام النهار\" (^٦) وروى عن محمد بن المنكدر عن\n_________\n(^١) أخرجه الدينوري في المجالسة (٢٠٤٧).\n(^٢) شرح السنة (٣/ ٢٢٢).\n(^٣) النهاية (١/ ١٠١).\n(^٤) النهاية (٢/ ٤).\n(^٥) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣/ ١٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤٠٩).\n(^٦) أخرجه ابن ماجة (١٦٩٣) وابن خزيمة (١٩٣٩) عن ابن عباس. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٧٥٨).","vol":"7","page":751},{"text":"جابر قال: سأل رجل النبي - ﷺ - أينام أهل الجنة؟، قال: \"النوم أخو الموت ولا يموت أهل الجنة\" (^١).\nفائدة: إذا رأى نائما استحب أن يوقظه لما روى أبو داود أنه - ﷺ - خرج إلى المسجد فلم يمر بنائم إلا أيقظه (^٢)، ولو قيل بوجوب تنبيهه للصلاة لم يبعد لأن ما كان ممنوعا منه ثم جوز، فجوازه دليل على وجوبه، وأعلم أن إيقاظ النائم مستحب في ثلاث عشرة صورة، الأولى: هذه، والثانية: إذا نام أمام المصلين فإنه يشوش عليهم، والثالت: إذا نام في الصف الأول ومحراب المسجد فإنه يوقظ عند إقامة الصلاة لأن إقامتها في هذه المواضع مطلوب وإن كان صلى ثم نام فهو مقصر حيث لم ينم في أخريات المسجد، الرابعة: إذا كان نائما على سطح لا حظير له لورود النهي عنه من طريق أنس، الخامسة: إذا نام وبعضه في الظل وبعضه في الشمس لنهيه - ﷺ - عن ذلك، السادسة: إذ نام بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس لما روي أن النبي - ﷺ - قال: \"نوم الصبحة يمنع الرزق\" وعن بعضهم وأظنه عمر بن عبد العزيز أنه\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٠١)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٨٢ رقم ٩١٩) و(٨/ ٣٤٢ رقم ٨٨١٦)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٠)، وفي صفة الجنة (٢١٥)، وتمام في فوائده (١٧٨٥/ الروض البسام)، والبيهقي في البعث والنشور (٤٨٤)، والشعب (٤٤١٦)، وفي الآداب (٨٤٣)، وأبو الشيخ في طبقات المحدّثين (٣٥٣ و٤٧٧). وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٨٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٢٦٤) عن أبي بكرة بلفظ: \"خرجت مع النبي - ﷺ - لصلاة الصبح، فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة، أو حركه برجله\". وضعفه الألباني في المشكاة (٦٥١).","vol":"7","page":752},{"text":"رأى ابنا له نائما في هذا الوقت فأيقظه وقال: \"الأرزاق تقسم وأنت نائم\"، السابعة: إذا نام قبل صلاة العشاء لكراهة النوم قبلها، الثامنة: إذا نام بعد العصر، التاسعة: إذا نامك خاليا في البيت وحده فإنه يكره كما ذكره الحليمي في شعب الإيمان، العاشرة: إذا نامت المرأة مستلقية ووجهها إلى السماء فإنه يكره كما ذكره الحليمي في منهاجه، واستدل بأن عمر بن عبد العزيز رأى ابنته كذلك فنهاها، الحادية عشرة: إذا رأى شخصا نائما على وجهه فإنه - ﷺ - رأى شخصا كذلك فنهاه وقال: \"هذه ضجعة يبغضها اللّه ورسوله\" (^١)، الثانية عشرة: يستحب أن يوقظ غيره لصلاة الليل لأنه - ﷺ - أيقظ عليا وفاطمة وأيقظ أهله، وفي رواية أبي داود: \"رحم اللّه من صلى بالليل وأيقظ أهله فإن أبت رش في وجهها الماء\" (^٢)، الثالثة عشرة: يستحب إيقاظ النائم في النصف الأخير ليتسحر للصوم وقال - ﷺ -: \"إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم\" (^٣) أ. هـ، قاله ابن العماد (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٧٦٨) وابن حبان (٥٥٤٩). قال الألبان: حسن صحيح - المشكاة (٤٧١٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (١٣٣٦)، وأبو داود (١٣٠٨ و١٤٥٠) عن أبي هريرة. وقال الألباني: حسن صحيح، المشكاة (١٢٣٠)، الروض النضير (٩٦٢)، صحيح أبي داود (١١٨١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١٧ و٦٢٠ و٢٦٥٦ و٧٢٤٨) ومسلم (٣٦ و٣٧ و٣٨ - ١٠٩٢).\n(^٤) تسهيل المقاصد (لوحة ٨ و٩).","vol":"7","page":753},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>[الترغيب في ذكر اللّه تعالى في الأسواق ومواطن الغفلة]</span>\nالنوم مستحيل في حق اللّه تعالى فالباري ﷾ لا يجوز عليه النوم لوجوه، أحدها: لئلا يرجع الداعي عن بابه خائبا، والثاني: [لأن النوم كفلة والباري] ﷾ [منزه] عنه، والثالث: لأنه تعالى يمسك السماء بغير عمد ولا علاقة، فلو نام لوقعت على الأرض (^١)، وقال أبو إسحاق الثعلبي عن [عكرمة] عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يحكي عن موسى ﵊ على [على المنبر] قال: \"وقع في نفس موسى علي الصلاة والسلام: هل ينام اللّه تعالى فأرسل اللّه إليه ملكا فأرقه ثلاثًا وأعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة وأمره أن يتحفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان فيحبس إحداهما على الأخرى حت نام نومة فاصطكت يداه فانكسر القارورتان\" قال: فضرب اللّه مثلا أنه لو نام لم تستمسك السموات والأرض (^٢)، الرابع: لأن النوم آفة ويزيل العقل والقوة ويقهرهما واللّه تعالى لا يجوز عليه ذلك (^٣)، والخامس: لأن النوم استراحة واللّه تعالى لا يأخذه تعب فيستريح (^٤)، وقال أبو إسحاق الثعلبي [بإسناده عن محمد بن المنكدر] عن\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ١٩٥).\n(^٢) تفسير الثعلبي (٢/ ٢٣١).\n(^٣) قاله البغوى (١/ ٣٤٦)، والثعلبي (٢/ ٢٣١)، والنووي شرح النووي على مسلم (٣/ ١٣).\n(^٤) تفسير الثعلبي (٢/ ٢٣١).","vol":"7","page":754},{"text":"جابر بن اللّه سئل رسول اللّه - ﷺ - أينام أهل الجنة؟ قال: \"لا، لأن النوم أخو الموت وأهل الجنة لا يموتون\" واللّه تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم [ولا يتوجه عليه سبة ولا لوم]، السنة: النوم الخفيف وهو النعاس، قال [الزجاج] هي ريح تجيء من قبل [الرأس] لينة فتغشى العين [قال]، والوسنان بين النائم واليقظان، [فإن قيل:] فالملائكة [لا تنام أفهم يشابهون] الباري في هذه [الحالة]؟ فالجواب: أن الملائكة [لا تنام ويجوز عليها النوم والبارئ سبحانه لا يجوز عليه ذلك\" (^١).\n\n٢٦١٩ - عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من دخل السُّوق فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كلّ شَيْء قدير كتب اللّه لَهُ ألف ألف حَسَنَة ومحا عَنهُ ألف ألف سَيِّئَة وَرفع لَهُ ألف ألف دَرَجَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب.\nقَالَ المملي وَإِسْنَاده مُتَّصِل حسن وَرُوَاته ثِقَات أثبات وَفِي أَزْهَر بن سِنَان خلاف وَقَالَ ابْن عدي أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ (^٢).\nوَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَة لَهُ مَكَان وَرفع لَهُ ألف ألف دَرَجَة وَبنى لَهُ بَيْتا فِي\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١/ ١٩ - ٢٠) وكنز الدرر (١/ ١٦ - ١٧).\n(^٢) الترمذي (٣٤٢٨)، والدارمي (٢٧٣٤)، والحاكم (١/ ٥٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٥)، والطبراني في الدعاء (٧٩٢)، قال ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧٤ ت ٢٣٩)، ولأزهر بن سنان غير ما ذكرت أحاديث وليس بالكثير، وأحاديثه صالحة ليست بالمنكرة جدًّا، وأرجوا لأنه لا بأس به، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٣١).","vol":"7","page":755},{"text":"الْجنَّة وَرَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ ابْن مَاجَة وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْحَاكِم وَصَححهُ كلهم من رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار قهرمان آل الزبير عَن سَالم بن عبد اللّه عَن أَبِيه عَن جدّه (^١).\nوَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضًا من حَدِيث عبد اللّه بن عمر مَرْفُوعا أَيْضًا وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد كَذَا قَالَ وَفِي إِسْنَاده مَرْزُوق بن الْمَرْزُبَان يَأْتِي الْكَلام عَلَيْهِ (^٢).\nقوله: عن عمر [بن الخطاب]- ﵁ -، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من دخل السوق فقال لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير، كتب اللّه له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة\" الحديث، وإنما حصل هذا الثواب العظيم للذاكر في السوق لأنه كالحي بين الأموات، وفي بعض طرق هذا الحديث أن محمد بن واسع - أحد رواته - قال: قدمت خراسان فأتيت قتيبة بن مسلم فقلت له: أتيتك جهدية فحدّثته فكان قتيبة بن مسلم يركب في موكبه حتى يأتي السوق فيقولها ثم ينصرف، قال الحاكم: هذا حديث له طرق كثيرة.\nوقتيبة بن مسلم الباهلي كان أمير خراسان وليها عشر سنين وكان بطلا\n_________\n(^١) الترمذي (٣٤٢٩)، وابن ماجة (٢٢٣٥)، وأحمد (٣٢٧)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٨٢).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥٣٩)، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والله أعلم، وقال الذهبي: مسروق بن المرزبان ليس بحجة.","vol":"7","page":756},{"text":"شجاعا هزم الكفار غير مرة، وأفتتح عدة مدائن ولي خراسان أيام عبد الملك بن مروان من جهة الحجَّاج بن يوسف الثقفي لأنه كان أمير العراقين وكل من كان يليهما كانت خراسان مضافة إليه، وكان قبلها على الري وتولي خراسان بعد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهو الذي افتتح خوارزم وسمرقند في عام واحد، وافتتح كثير من بلاد الترك [وبخارى]، وكان والده مسلم كبير القدر عند يزيد بن معاوية فلما مات الوليد سنة ست وتسعين وتولى الْأَمر أخوه سليمان وكان يكره قتيبة وخلع بيعة سليمان وأخرج عليه وأظهر الخلاف فلم يوافقه أكثر الناس فخرج عليه طائفة من جنده يقرعانه وقتلوه في آخر الحجة سنة ست وتسعين وقيل في سنة سبع وتسعين.\nومولده سنة تسع وأربعين وفي قتله يقول جرير:\nنَدِمْتُمْ عَلَى قَتْلِ الأَغَرِّ بْنِ مُسْلِمِ ... وَأَنْتُمْ إِذَا لَاقَيْتُمُ اللّهَ أَنْدَمُ\nلَقَدْ كنْتُمُ مِنْ غَزْوهِ فِي غَنِيمَةٍ ... وَأَنْتُمْ لِمَنْ لاقَيْتُمُ الْيَوْمَ مَغْنَمُ\nعَلَى أَنَّهُ أَفْضَى إِلَى حُورِ جَنَّةٍ ... وَتُطْبِقُ بِالْبَلْوَى عَلَيْكُمْ جَهَنَّمُ\nوقتل أبو مسلم مع مصعب بن الزبير سنة اثنين وسبعين للهجرة (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nفائدة: وروى الحاكم في المستدرك عن بريدة - ﵁ - قال: كان رسول اللّه - ﷺ - قال: بسم اللّه اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها وأعوذ بك\n_________\n(^١) وفيات الأعيان (٤/ ٨٦ - ٩١) باختصار.","vol":"7","page":757},{"text":"من شهرا وشر ما فيها اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة أو صفقة خاسرة (^١) [قال الغزالى في الإحياء:] الأحياء التي بناها السلاطين بالأموال الحرام تحرم التجارة فيها وسكناها فإن سكنها فاجرة وكسب شيئًا بطريق غير شرعي كان عاصيا لسكناه ولا يحرم كسبه وللناس أن يشتروا منه ولكن إن وجد سوقا أخرى فالشراء منها أولى لأن الشراء في الأولى إهانة لسكانها وترغيب في سكناها وكثرة أجرتها (^٢).\n\n٢٦٢٠ - وَعَن أبي قلَابَة - ﵁ - قَالَ التقى رجلَانِ فِي السُّوق فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر تعال نَسْتَغْفِر اللّه فِي غَفلَة النَّاس فَفعل فَمَاتَ أَحدهمَا فَلَقِيَهُ الآخر فِي النّوم فَقَالَ علمت أَن اللّه غفر لنا عَشِيَّة الْتَقَيْنَا فِي السُّوق رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَغَيره (^٣).\nقوله: وعن أبي قلابة - ﵁ -، أبو قلابة اسمه عبد اللّه بن زيد الجرمي اتفقا على الإخراج عنه لثقته وحفظه.\n_________\n(^١) أخرجه الروياني (٤٠)، والطبراني في الدعاء (٧٩٥) والأوسط (٥/ ٣٥٤ رقم ٥٥٣٤) والكبير (٢/ ٢١ رقم ١١٥٧)، وابن السنى (١٨١)، والحاكم (١/ ٥٣٩).\nوصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه أبو عمرو لا يعرف، ومحمد بن عيسى المدائيني وهو متروك.\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٢٩: رواه الطبراني، وفيه محمد بن أبان الجعفي، وهو ضعيف. والحديث ضعفه الألباني في الكلم الطيب (ص ١١٨).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ١٥٠).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٦٧٧).","vol":"7","page":758},{"text":"قوله: التقى رجلان في السوق فقال أحدهما للآخر نستغفر اللّه في غفلة الناس [لأن السوق وقت غفلة الناس عن اللّه ﷿ واشتغالهم بهموم الدنيا فالقلب المتفرغ لخدمة ربه عند إعراض العبيد عن بابه جدير بأن يزكيه اللّه تعالى ويصطفيه لقربه ومعرفته].\n\n٢٦٢١ - وَعَن يحيى بن أبي كثير - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لرجل لا تزَال مُصَليا قَانِتًا مَا ذكرت اللّه قَائِما أَو قَاعِدا أَو فِي سوقك أَو فِي ناديك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا وَفِيه كَلام (^١).\nقوله: وعن يحيى بن أبي كثير - ﵁ -[هو يحيى بن أبي كثير الطائي، مولاهم، أبو نصر اليمامي، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل، وقيل: يسار، وقيل: نشيط، وقيل دينار، وكان مولى لطي، رأى أنس بن مالك، وسمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، وعبد اللّه بن أبي قتادة، روى عنه أيوب، وهشام الدستوائي، وعكرمة، والأوزاعي، قال أيوب قال: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير، وقال شعبة: يحيى بن أبي كثير أحسن حديثا من الزهري، وقال أحمد بن حنبل: إذا خالفه الزهري فالقول قول يحيى، وقال أبو حاتم الرازي: هو إمام، لا يروي إلا، عن ثقة وقد نالته محنة وضرب لكلامه في ولاة الجور، قال حسين المعلم: قلنا ليحيى بن أبي كثير: هذه المرسلات عمن؟ قال أترى رجلا أخذ مدادا وصحيفة فكتب على رسول اللّه - ﷺ - الكذب؟ قال: فقلت: إذا جاء مثل هذا فأخبرنا قال إذا قلت بلغني\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٥٦٩).","vol":"7","page":759},{"text":"فإنه من كتاب، وقال يحيى القطَّان: مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، وقال الفلاس: ما حدّثنا يحيى القطَّان لقتادة، ولا ليحيى بن أبي كثير بشيء مرسل إلا حديثًا واحدا، قال عمرو بن علي: مات سنة تسع وعشرين ومئة وقال غيره: مات باليمامة سنة اثنتين وثلاثين ومائة].\nقول - ﷺ - لرجل: \"لا تزال مصليا قانتا ما ذكرت اللّه قائما أو قاعدا أو في سوقك أو في ناديك\" الحديث، نادي القوم هو الموضع الذي يجتمع فيه الناس يتحدّثون، والمراد بالقنوت هنا هو القيام في الصلاة [والقنوت يستعمل في معنى الطاعة، وفي معنى الإقرار بالعبودية، والخضوع والدعاء، وطول القيام والسكوت. وفي كلام بعضهم ما يفهم منه: أنه موضوع للمشترك. قال القاضي عياض: وقيل: أصله الدوام على الشيء. فإذا كان هذا أصله، فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها كلهم فاعلون للقنوت].\nقوله: رواه البيهقي مرسلا، وتقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n٢٦٢٢ - وَعَن مَالك - ﵁ - قَالَ بَلغَنِي أَن رَسُول اللّه - ﷺ - كانَ يَقُول ذَاكر اللّه فِي الغافلين كالمقاتل خلف الفارين وذاكر اللّه فِي الغافلين كغصن أَخْضَر فِي شجر يَابِس.\nوَفِي رِوَايَة مثل الشَّجَرَة الخضراء فِي وسط الشّجر الْيَابِس وذاكر اللّه فِي الغافلين مثل مِصْباح فِي بَيت مظلم وذاكر اللّه فِي الغافلين يرِيه اللّه مَقْعَده من الْجنَّة وَهُوَ حَيّ وذاكر اللّه فِي الغافلين يغْفر لَهُ بِعَدَد كلّ فصيح وأعجم.","vol":"7","page":760},{"text":"والفصيح بَنو آدم والأعجم الْبَهَائِم ذكره رزين وَلم أره فِي شَيْء من نسخ الْمُوَطَّأ.\nإِنَّمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن عباد بن كثير وَفِيه خلاف عَن عبد اللّه بن دِينَار عَن عبد اللّه بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - فَذكره بِنَحْوِهِ (^١).\nوَرَوَاهُ أَيْضًا عَن عباد بن كثير عَن مُحَمَّد بن جحادة عَن سَلمَة بن كهيل عَن ابْن عمر وَزَاد فِيهِ وذاكر اللّه فِي الغافلين ينظر اللّه إِلَيْهِ نظرة لا يعذبه بعْدهَا أبدًا وذاكر اللّه فِي السُّوق لَهُ بِكُل شَعْرَة نور يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَكَذَا وجدته لَيْسَ بَين سَلمَة وَبَين ابْن عمر أحد وَهُوَ مُنْقَطع الإِسْنَاد غير قوي (^٢).\nقوله: وعن مالك - ﵁ -، تقدم الكلام على الإمام مالك.\nقوله - ﷺ -: \"وذاكر اللّه في الغافلين كغصن أخضر في شجر يابس\" الحديث، وفي حديث ابن عمر \"وذاكر اللّه في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي تحات ورقه من الصرير\" والصرير البرد الشديد، وقيل: الصقيع قاله في النهاية (^٣)، ولهذا ورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة حتى قال أبو صالح: إن اللّه تعالى ليضحك ممن يذكر اللّه في الأسواق.\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٥٦٥)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ١٨١ ب)، والحين بن عرفة في جزئه (٤٥).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٥٦٧).\n(^٣) النهاية (١/ ٣٣٧) و(٣/ ٢١).","vol":"7","page":761},{"text":"ضحك اللّه تعالى رضاه بفعل عبده ورحمته وإرادة الخير لمن يشاء رحمته من عباده (^١)، وسبب ذلك أنه ذكر في مواطن الغافلين بين أهل\n_________\n(^١) صفة الضحك ثابته على ما يليق بجلال اللّه تعالى قال الشيخ: علوي السقاف في كتاب صفات اللّه ﷿ ما نصه: الضَّحِكُ: صفةٌ من صفات اللّه ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالأحاديث الصحيحة. الدليل:\n\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: (يضحك اللّه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة) رواه: البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠).\n\n٢ - حديث عبد اللّه بن مسعود - ﵁ - عند البخاري ومسلم، وقد تقدم في صفة السخر.\nاعلم أنَّ أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة وغيرها من صفات اللّه ﷿ الثابتة له بالكتاب أو السنة الصحيحة؛ من غير تمثيل ولا تكييف، ويسلمون بذلك، ويقولون: كلٌّ من عند ربنا.\nقال الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢/ ٥٦٣): \"باب: ذكر إثبات ضحك ربنا ﷿: بلا صفةٍ تصفُ ضحكه جلَّ ثناؤه، لا ولا يشبَّه ضَحِكُه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي - ﷺ -، ونسكت عن صفة ضحكه جلَّ وعلا، إذ الله ﷿ استأتر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك؛ فنحن قائلون بما قال النبي - ﷺ -، مصَدِّقون بذلك، بقلوبنا منصتون عمَّا لم يبين لنا مما استأثر اللّه بعلمه\". ومعنى قوله: \"بلا صفةٍ تصفُ ضحكه\" أي بلا تكييف لضحكه.\nوقال أبو بكر الآجري في الشريعة (ص ٢٧٧): \"باب الإيمان بأن اللّه ﷿ يضحك: اعلموا - وفقنا اللّه وإياكم للرشاد من القول والعمل - أنَّ أهل الحق يصفون اللّه ﷿ بما وصف به نفسه ﷿، وبما وصفه به رسوله - ﷺ -، وبما وصفه به الصحابة ﵃. وهذا مذهب العُلماء مِمَّن اتّبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به؛ أنَّ اللّه ﷿ يضحك، كذا روي عن النبي - ﷺ - وعن صحابته ﵃، فلا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق\" اهـ. =","vol":"7","page":762},{"text":"الغفلة (^١)، وبها الحديث أن النبي - ﷺ - آخر ليلةً صلاة العشاء إلى نصف الليل وإنما علل ترك ذلك بخشية المشقة على الناس ولما خرج علي أصحابه وهم ينتظرونه لصلاة العشاء قال لهم: \"ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم\" (^٢) وبها هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر اللّه تعالى في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكرٌ له (^٣). أ. هـ.\nقوله: \"وذاكر اللّه في الغافلين يغفر له بعدد كلّ فصيح وأعجمي\" الحديث، وأراد بالفصيح بني آدم وبالأعجمي البهائم كما فسر في الحد، وقيل: أراد بعدد كلّ آدمي وبهيمة، والفصيح بها اللغة المنطلق اللسان بها [القول] الذي يعرف جيد الكلام من رديئه يقال: رجل فصيح وكلام فصيح و[لسان] فصيح وقد أفصح فصاحة، وأفصح، عن الشيء إفصاحا إذا بينه وكشفه، والعجماء\n_________\n= وقال أبو عبيد الاسم بن سلام لما قيل له: هذه الأحاديث التي تروى؛ في: الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ ... وأشباه هذه الأحاديث؟ قال ﵀: \"هذه الأحاديث حقٌّ لا شك فيها رواها الثقات بعضهم عن بعض\" انظر: التمهيد (٧/ ١٤٩ - ١٥٠).\nراجع لهذه الصفة: كتاب الحجة في بيان المحجة لقوَّام السُّنَّة الأصبهاني (١/ ٤٢٩، ٢/ ٤٥٦)، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (١/ ٣١٥)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ١٢١)، شرح الغنيمان لكتاب التوحيد من صحيح البخاري (٢/ ١٠٤).\n(^١) لطائف المعارف (ص ١٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٦) و(٥٦٩) و(٨٦٢) و(٨٦٤)، ومسلم (٢١٨ - ٦٣٨).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ١٣١).","vol":"7","page":763},{"text":"البهيمة سميت بذلك لأنها لا تتكلم وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجمي ومستعجم قاله في النهاية (^١)، واللّه أعلم.\nومنه الحديث \"إذا ركبتم هذه الدواب العجم\" وخصها هنا بهذه الصفة لأنها لا تتكلم [فتشكو والأعجم] الذي لا يفصح بكلام والذي في لسانه لكنة وإن كان عربيا (^٢) انتهى.\n\n٢٦٢٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ ذَاكر اللّه فِي الغافلين بِمَنْزِلَة الصابر فِي الفارين رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٣).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه وتقدم معنى أيضًا معنى الحديث في الأحاديث قبله.\n\n٢٦٢٤ - وَرُوِيَ عَن عصمَة - ﷺ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أحب الْعَمَل إِلَى اللّه ﷿ سبْحَة الحَدِيث وَأبْغض الأعْمَال إِلَى اللّه ﷿ التحريف فَقُلْنَا يَا رَسُول اللّه وَمَا سبْحَة الحَدِيث قَالَ يكون الْقَوْم يتحدّثون وَالرجل يسبح قُلْنَا يَا رَسُول اللّه وَمَا التحريف قَالَ الْقَوْم يكونُونَ بِخَير فيسألهم الْجَار\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٤٥٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٦٨).\n(^٣) البزار (٣٠٦٠)، والطبراني في الكبير (٩٧٩٧)، وفي الأوسط (٢٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٦٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٠)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار، ورجال الأوسط وثقوا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٣٦).","vol":"7","page":764},{"text":"والصاحب فَيَقُولُونَ نَحن بشر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وروي عن عصمة - ﵁ -، هو: عصمة بن [بن مالك بن أمية بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، كذا نسبه أبو نعيم ونسبه ابن منده مثله، إلا أنه قال: الخثعمي وقول ابن منده إنه خثعمي، وهم منه، فإن هذا النسب الذي ساقه مشهور من الأنصار لا شبهة فيه].\nقوله - ﷺ -: \"أحب العمل إلى الله ﷿ سبحة الحديث وأبغض الأعمال إلى الله ﷿ التحريف\" وقد فسر في الحديث سبحة الحديث، والتحريف. [النهاية] انتهى هذا الجزء بحمد الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ رقم ٤٦٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨١)، فيه الفضل بن المختار وهو ضعيف، قتل: بل في إسناده أحمد بن رشدين شيخ الطبراني: كذبوه وأنكرت عليه أشياء.","vol":"7","page":765},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nبداية الجزء الثالث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>التَّرْغِيب فِي الاقتصاد فِي طلب الرزق والإجمال فِيهِ وَمَا جَاءَ فِي ذلّ الْحِرْص وَحب المَال</span>\n٢٦٢٥ - عَن عبد الله بن سرجس - ﵁ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: \"السمت الْحسن والتؤدة والاقتصاد جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جُزْءًا من النُّبُوَّة\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب وَرَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس إِلَّا أَنَّهُمَا قَالا: من خَمْسَة وَعشْرين (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في السنن (٢٠١٠)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٥١٢) والطبراني في الأوسط (١/ ٣٠٣ رقم ١٠١٧) والصغير (٢/ ٢٢٢ رقم ١٠٦٥) عن عبد الله بن سرجس.\nوقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقال الألباني: حسن صحيح الترمذي (٢٠١٠)، وصحيح الجامع (٣٦٩٢) وصحيح الترغيب والترهيب (١٦٩٦). وأخرجه مالك في الموطأ (٢٧٤٥) بلاغًا عن ابن عباس.\nووصله أحمد في المسند ١/ ٢٩٦ (٢٧٤٢) و(٢٧٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٦٨) و(٧٩١)، وأبو داود (٤٧٧٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٢٣٤)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٠٦ رقم ١٢٦٠٨) و(١٢/ ١٠٦ رقم ١٢٦٠٩)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٣٢٦ رقم ٢٠٨٠١) والشعب (٨/ ٤٩٣ رقم ٦١٣٥) و(١٠/ ٣٧١ رقم ٧٦٤٥) و(١١/ ١١ رقم ٨٠٦١ و٨٠٦٢ و٨٠٦٣) من طرق عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس بلفظ \"إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ، وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ، وَالاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النّبوَّةِ\". =","vol":"8","page":5},{"text":"قوله: \"عن عبد اللّه بن سرجس\" (^١) وَسَرْجِسُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ سِينٌ أُخْرَى\" وهو عبد اللّه بن سرجس المدني البصري حليف بني مخزوم روى عن النبي - ﷺ - سبعة عشر حديثًا روى له مسلم منها ثلاثة أحاديث (قوله - ﷺ -: السمت) الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين (جُزْءا من النُّبُوَّة) الحديث (قوله: السمت) الحسن بفتح السين المهملة وسكون الميم وبالتاء المثناة من فوق السيرة والطريقة (قال) الجوهري: طريق أهل الخير (^٢)، قال الزمخشري (^٣): قالوا ما أحسن (سمته أَي طَرِيقَته الَّتِي ينتهجها فِي تحري) الخير والتزييّ بزيّ الصَّالِحين قال ابن الأثير: الدل (والهدي والسمت عبارة عن الحالة التي) يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن (السيرة والطريقة واستقامة) المنظر والهيئة والتؤدة التأني والمعنى التأني في كلّ (شيء مستحسن إلا في عمل الآخرة) واللّه أعلم والاقتصاد سلوك القصد في الْأَمر (والدخول فيه برفق وعلى سبيل يمكن الدوام عليه وقيل) القصد عدم الميل إلى التفريط والإفراط والمقتصد\n_________\n= قال الهيثمى في مجمع الزوائد (٨/ ٩٠): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُثْمَانُ بْنُ فَايِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وقال في الموضع الثانى: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وحسنه الألبانى في صحيح أبي داود والروض النضير (٣٧٤) وصحيح الجامع (١٩٩٣).\n(^١) ترجمته في أسد الغابة (٣/ ٢٥٧)، وتهذيب الكمال (١٥/ ١٣ رقم ٣٢٩٤).\n(^٢) الصحاح (١/ ٢٥٤) للجوهرى وعنده: والسَمْتُ: هيئة أهل الخير.\n(^٣) الفائق في غريب الحديث (٢/ ١٩٩).","vol":"8","page":6},{"text":"(في الأمور التي لا يميل إلى أحد طرفى التفريط) والإفراط ومنه كانت صلاة رسول الله - ﷺ - (قصدا وخطبته قصدا وقال رسول الله) جماع عال مقتصد \"ولا يعيل\" أي لا يفتقر من لا يسرف في الإنفاق فقد مدح الله تعالى من فعل ذلك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ (^١) (ومعنى الحديث أن) هذه الخلال من شمائل الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ومن الخصال المعدودة من خصالهم وأنها جزء من أجزاء فضائلهم [فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها وليس معناه] أن النبوة تتجزأ ولا أن من جمع هذه الخصال كان فيه جزء من النبوة مكتسبة ولا مجتلبة بالأسباب وإنما هي كرامة من الله يختص بها من يشاء من عباده (فالله) أعلم حث يجعل رسالاته وقد انقطعت النبوة بمحمد - ﷺ - (ويجوز أن يكون المراد) بالنبوة هاهنا ما جاءت به النبوة ودعت إليه من الخيرات (أي إن هذه الخلال جزء من خمس) وعشرين جزءًا مما جاءت به النبوة (ودعا إليه الأنبياء صلوات الله عليهم.، وتخصيص هذا العدد مما) يستأثر به النبي - ﷺ - بمعرفته وقيل معناه أن من اجتمعت فيه هذه الخصال لقيه الناس بالتعظيم والتوقير وألبسه الله تعالى لباس التقوى الذي ألبسه أنبياءه قاله البغوي في شرح السنة (^٢) (وأما وجه تحديد الأجزاء مثل ما قال في) حديث عبد الله هذا جزء من أربع عشرين جزءًا وفي رواية مالك وأبي داود جزء من\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٦٧.\n(^٢) شرح السنة (١٣/ ١٧٨).","vol":"8","page":7},{"text":"خمس وعشرين فيجوز أن يكون هذا باعتبار توفر الخصال في شخص وعدم توفرها في آخر فمن توفرت فيه كانت من أربعة وعشرين واللّه أعلم بمراد نبيه - ﷺ - وترك التاء في أربع وخمس يجوز أن يكون على معنى الخصلة أو القطعة واللّه أعلم ذكره في التنقيح (^١).\n\n٢٦٢٦ - وَعَن جَابر - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: \"لَا تستبطئوا الرزق فَإِنَّهُ لم يكن عبد ليَمُوت حَتَّى يبلغ آخر رزق هُوَ لَهُ فأجملوا فِي الطّلب أَخذ الْحَلَال وَترك الْحَرَام\" رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n\n٢٦٢٧ - وَعنهُ - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا اللّه وأجملوا فِي الطّلب فَإِن نفسًا لن تَمُوت حَتَّى تستوفي رزقها وَإِن أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللّه وأجملوا فِي الطّلب خُذُوا مَا حل ودعوا مَا حرم\" رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\n_________\n(^١) كَشْفُ المنَاهِجِ وَالتّنَاقِيحِ في تَخْريج أحَادِيثِ المَصَابِيحِ (٤/ ٢٣٥) لتاج الدين المناوى.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٣٢٣٩ و٣٢٤١)، والحاكم (٢/ ٤)، والبيهقي في السنن الكبري (٥/ ٢٦٤، ٢٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٦٥، ٧/ ١٥٨). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألبانى: صحيح لغيره - \"الترغيب\" (٣/ ٧) وصحيح الجامع (٧٣٢٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجة (٢١٤٤)، والحاكم ٤/ ٣٢٥ من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، والحاكم ٢/ ٤ من طريق محمد بن بكر، كلاهما عن ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللّه. وصححه الحاكم وقال الذهبى: على شرط مسلم.\nوصححه الألبانى في الجامع (٤٥٠٨) وقال في الصحيحة (٢٦٠٧): وأقول: هو كما قالا، =","vol":"8","page":8},{"text":"قوله: وعن جابر تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فاتقوا وأجملوا في الطلب\" بقطع الهمزة أي أحسنوا فيه بأن تأتوه من وجهه قاله عياض (^١) وقيل: معناه أي ارفعوا فيه ولا تغلوا استبطاءه وعده بطيئًا.\n\n٢٦٢٨ - وَعَن أبي حميد السَّاعِدِيّ - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ أجملوا فِي طلب الدُّنْيَا فَإِن كلا ميسر لما خلق لَهُ رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيَّان فِي كتاب الثَّوَاب وَالْحَاكِم إِلَّا أنَّهُمَا قَالا فَإِن كلا ميسر لما كتب لَهُ مِنْهَا وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n_________\n= فقد أمنا تدليس أبي الزبير وصاحبه بتصريحهما بالتحديث في رواية حجاج بن محمد: أخبرنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير سمع جابر بن عبد اللّه به. أخرجه السلفي في الطيوريات، وعلقه البيهقي. وقال البوصيرى (٣/ ٨): هذا إسناد ضعيف.\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض (١/ ١٥٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٢١٤٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٤١٨)، وفي الزهد (٢٣٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧١٦) من طريق عمارة بن غزية.\nوأخرجه البزار في مسنده (٣٧١٩) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وابن خزيمة في التوكل كما في إتحاف المهرة ١٤/ ٩٣، والحاكم ٢/ ٣، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ٢٦٥، والبيهقي ٥/ ٢٦٤ والفضاء والقدر (ص ٢٠٨ رقم ٢٣٣)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٤٣٥ من طريق سليمان بن بلال، ثلاثتهم عن ربيعة الرأي، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ. وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.\nوصححه الألبانى في صحيح ابن ماجة والجامع (١٥٧) والصحيحة (٨٩٨)، وقال: وأقول: إنما هو على شرط مسلم وحده، فإن عبد الملك هذا لم يخرج له البخاري شيئًا.","vol":"8","page":9},{"text":"قوله: وعن أبي حميد (^١) اسمه (عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد الساعدي وقيل: ابن المنذر بن سعد الخزرجي، مدنى توفى في آخر خلافة معاوية، روى عنه جماعة ووصف صلاة رسول الله - ﷺ -).\nقوله: \"أجملوا في طلب الرزق الدنيا\" الحديث قبله.\nقوله: الدنيا الحديث تقدم معنى الإجمال في طلب الرزق في الحديث قبله.\nقوله: \"فإن كلا ميسر لما خلق له\" الحديث أي مهيئا [ومصروفا مسهلا] قال أبو طالب المكي في قوت القلوب (^٢): في الخبر أن اللّه تعالى خلق كلّ صانع وصنعته فكل ميسر لما خلق له فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها تيسرت له ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها تيسرت له أي من قدر أنه من أهل الجنة قدر له ما قربه إليها من الأعمال ووفق لذلك ومن قدر أنه من أهل النار قدر له خلاف ذلك فأتى بأعمال أهل النار، أصر عليها حتى طوى عليه صحيفة عمره.\nقوله: وعن جابر تقدم قوله: فأجملوا في الطلب أخذ الحلال وترك الحرام الحديث الحرام هو الذي يثاب تاركه ويعاقب فاعله.\n\n٢٦٢٩ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لَيْسَ من عمل يقرب من الْجنَّة إِلَّا قد أَمرتكُم بِهِ وَلَا عمل يقرب من النَّار إِلَّا وَقد نَهَيْتُكُمْ عَنهُ فَلَا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢١٥، تحفة الأشراف ٩/ ١٤٤ تهذيب الكمال ٣/ ١٥٩٩، المعرفة والتاريخ ٣/ ١٦٩، تاريخ الإسلام ١/ ٣٣٧، الإصابة ٧/ ٨٠.\n(^٢) قوت القلوب (٢/ ٥٠) لأبى طالب المكى محمد بن علي بن عطية الحارثي، (المتوفى: ٣٨٦ هـ).","vol":"8","page":10},{"text":"يستبطئن أحد مِنْكُم رزقه فَإِن جِبْرِيل ألْقى فِي روعي أَن أحدا مِنْكُم لن يخرج من الدُّنْيَا حَتَّى يستكمل رزقه فَاتَّقُوا اللّه أَيهَا النَّاس وأجملوا فِي الطّلب فَإِن استبطأ أحد مِنْكُم رزقه فَلَا يَطْلُبهُ بمَعْصِيَة اللّه فَإِن اللّه لَا ينَال فَضله بمعصيته رَوَاهُ الْحَاكِم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢/ ٤ - ٥) وعنه البيهقي في الاعتقاد (ص ١٧٣) والقضاء والقدر (١/ ٢٠٩ رقم ٢٣٥) ومن طريق الليث بْن سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سعيد بن أبي هلال، عن سعيد بن أبي أمية الثقفي، عن يونس بن بكير، عن ابن مسعود. وأخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنِّف (٣٤٣٣٢) وإسحاق كما في إتحاف الخيرة ٣/ ٢٧٠ (٢٧٢٢/ ١) والمطالب العالية (٩٢٧)، وهناد في الزهد (١/ ٢٨١، رقم ٤٩٤)، وابن أبي الدنيا في القناعة (محموع ٩٠/ ١/ ١١٢)، وابن مردويه في ثلاثة مجالس من أماليه (٢٤)، والدارقطنى في العلل (٥/ ٢٧٣، رقم ٨٧٥)، والبيهقى في شعب الإيمان (١٣/ ١٩، رقم ٩٨٩١)، والقضاعى في مسند الشهاب (١١٥١) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الملك بن عمير [وزبيد الأيامي] عن عبد الله بن مسعود.\nوعند ابن أبي شيبة عن عبد الملك بن عمير قال: أُخبرت أنْ ابن مسعود قال، فذكره. وزاد الدارقطني عن زبيد عن مرة عن ابن مسعود. قال الدَّارقُطْنِي: وغير هشيم يرويه عن إسماعيل عن زبيد مرسلا عن ابن مسعود، وهذا أصح.\nوقال العراقى في تخريج الإحياء (ص ٥٠٤ رقم ٣): رواه بن أبي الدنيا في القناعة، والحاكم من حديث ابن مسعود وذكره شاهدا لحديث أبي حميد وجابر وصححهما على شرط الشيخين، وهما مختصران، ورواه البيهقي في شعب الإيمان وقال: إنه منقطع. وقال البوصيرى: قلت: فيه انقطاع.\nوصححه الألباني في تخريج أحاديث مشكلة الفقر (ص ١٩) وقال: وأظن أن قوله عن يونس بن بكير مقحم من الناسخ أو الطابع، فإِن ابن بكير هذا من شيوخ أحمد، وسعيد بن أبي أمية أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٥) قائلًا: روى عن أبي أمامة =","vol":"8","page":11},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فإن جبريل - ﵇ - ألقى في روعى\" الحديث الروع بضم الراء أي في نفسي وقيل في خلدي وهما بمعنى وقيل الروع بالضم موضع الروع ورواه بعضهم بالفتح وهو الفزع قاله عياض (^١) وفي حديث \"إن روح القدس نفث في روعي\" وروح القدس هو جبريل - ﵇ - وداله مضمومة وقد تسكن سمي بذلك لأنه روح مطهرة مقدسة ا. هـ، ومعناه ألقي في عقلي وقلبي وأوحى إليّ.\n\n٢٦٣٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن الْغنى لَيْسَ عَن كثْرَة الْعرض وَلَكِن الْغنى غنى النَّفس وَإِن اللّه ﷿ يُؤْتِي عَبده مَا كتب لَهُ من الرزق فأجملوا فِي الطّلب خُذُوا مَا حل ودعوا مَا حرم رَوَاهُ أَبُو يعلى وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ اللّه (^٢).\n_________\n= الباهلي، روى عنه عنبسة بن أبان القرشي ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقد روى عنه سعيد بن أبي هلال أيضًا في هذا الحديث، فهو مجهول الحال وبقية الرجال ثقات. وصححه في الصحيحة (٢٨٦٦).\nقلت: قوله يونس بن بكير إلى آخره ... نتيجة تصحيف فيه صوابه يونس بن كثير كما في اتحاف المهرة (١٤٠٠٨). ويونس بن كثير ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٠٩): يُونُس بْن كَثِير عَنِ ابْنِ مَسعُود. رَوَى عَنه: سَعِيد بْن أُمَية الثَّقَفِيُّ.\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض (١/ ٣٥٢).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦٥٨٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٠٩) من طريق عبد الله بن وهب، عن أسامة، عن عبيد بن نسطاس، مولى كثير بن الصَّلْت، حدّثه عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.\nقال الهيثمى في مجمع الزوائد (٤/ ٧٠ - ٧١): رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ عُبَيْدُ بْنُ نِسْطَاسٍ مَوْلَى =","vol":"8","page":12},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ليس الغنى عن كثرة العرض\" الحديث العرض بفتح العين والراء ما يقتنى من المال وغيره وتقدم معنى الإجمال في طلب الرزق.\n\n٢٦٣١ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ -: قَالَ: قَامَ النَّبِيّ - ﷺ - فَدَعَا النَّاس فَقَالَ: \"هلموا إِلَيّ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ فجلسوا فَقَالَ هَذَا رَسُول رب الْعَالمين جِبْرِيل - ﵇ - نفث فِي روعي أَنه لا تَمُوت نفس حَتَّى تستكمل رزقها فَإِن أَبْطَأَ عَلَيْهَا فَاتَّقُوا اللّه وأجملوا فِي الطّلب وَلَا يحملنكم استبطاء الرزق أَن تأخذوه بِمَعْصِيَة اللّه فَإِن اللّه لا ينَال مَا عِنْده إِلَّا بِطَاعَتِهِ\"، رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا قدامَة بن زَائِدَة بن قدامَة فَإِنَّهُ لَا يحضرني فِيهِ جرح وَلَا تَعْدِيل (^١).\nقوله: وعن حذيفة تقدم الكلام عليه (قال): قام النبي فدعا الناس فقال: هلموا إليّ فاقبلوا إليه فجلسوا فقال: هذا رسول رب العالمين جبريل - ﷺ -\n_________\n= كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، وَلَمْ أَجِدْ مَنْ تَرْجَمَهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ. وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة (٣/ ٢٧٢): هذا إسناد حسن.\n(^١) أخرجه البزار (٢٩١٤) عن إبراهيم بن هانئ النيسابوري وعبد اللّه بن أبي ثمامة الأنصاري ومحمد بن عمر بن هَيَّاج قالوا: أنا قدامة بن زائدة بن قدامة، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٩٦٠) عن أبيه، جميعا عن زائدة بن قدامة، ثني أبي عن عاصم عن زِر عن حذيفة.\nوقال: لا نعلمه يُروى عن حذيفة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧١): وَفِيهِ قُدَامَةُ بْنُ زَائِد بنِ قُدَامَةَ، وَلَمْ أَجِدْ مَنْ تَرْجَمَهُ، وَيَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ.\nوأخرجه ابن عدى في الكامل (٧/ ٥٧٢) من طريق عَمرو بن خالد الأعشى الكوفي، قال: حَدثنا عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن حذيفة. وقال ابن عدى: وأبو حفص الأعشى له غير ما ذكرت، ورواياته بالأسانيد التي يرويها غير محفوظة.","vol":"8","page":13},{"text":"نفث في روعي الحديث، ومعنى نفث في روعي أي أوحى إليّ والنفث بالنون والفاء والثاء المثلثة شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق بخلاف النفحث ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ (^١) يقال: نفث الراقي ونفث الساحر ينفث وينفث بكسر الفاء وضمها.\nتنبيه وفائدة: النفث التبرك بالهواء والنفت المباشر للرقية والذكر الحسن كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى وكان مالك ﵀ ينفث إذا رقى [نفسه] ا. هـ.\n\n٢٦٣٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الرزق ليطلب العَبْد كمَا يَطْلُبهُ أَجله رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَزَّار وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَنه قَالَ إِن الرزق ليطلب العَبْد أَكثر مِمَّا يَطْلُبهُ أَجله (^٢).\n_________\n(^١) سورة الفلق، الآية: ٤.\nوقال البوصيرى في إتحاف الخيرة (٣/ ٢٧٢): هذا إسناد حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢٦٤)، والبزار (٤٠٩٩) وابن حبان في روضة العقلاء (ص ١٥٤) والصحيح (٣٢٣٨) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٨٢) والبيهقى في القضاء والقدر (١/ ٢١٠ رقم ٢٣٩)، من طريق هشام بن خالد، وأبو بكر الإسماعيلي في المعجم (١/ ٤٥٢)، ومن طريقه السهمي في تاريخ جرجان (ص ٤١٣) والبيهقى في الشعب (٢/ ٤١١ رقم ١١٤٧) من طريق هشام بن عمار، والطبراني في مسند الشاميين (٥٦٠) من طريق صفوان بن صالح، ثلاثتهم، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء مرفوعًا.\nوأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٣٤) عن عبد الله بن يوسف، والبيهقي في الشعب (٢/ ٤١٢ رقم ١١٤٨)، من طريق الهيثم بن خارجة، كلاهما عن عبد الله بن =","vol":"8","page":14},{"text":"قوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام.\nقوله: \"إن الرزق [ليطلب العَبْد أكثر مما يطلبه الأجل] \" الحديث قال الإمام القرطبي رحمه اللّه تعالى (^١): روى يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن نافع عن، ابن عمر بن الخطاب عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من رزق على الأرض [وَلا ثِمَارٍ عَلَى الْأَشْجَارِ] ولا حبة في ظلمات الأرض إلا عليها\n_________\n= عبد الرحمن قال: سمعتُ إسماعيل بن عبيد اللّه يقول: سمعتُ أم الدرداء تقول: سمعتُ أبا الدرداء يقول فذكره موقوفًا. قال البيهقي: وهذا أصح، واللّه أعلم.\nقال البزارة وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَن رَسُولِ اللّهِ - ﷺ - إلَّا عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ، ولَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَ هَذَا الطَّرِيقِ، ولَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الْوَلِيدِ إلَّا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ إلَّا أنَّهُ لَمْ يُتَابَعْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ احْتَمَلَهُ عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَذَكَرُوهُ عَنْهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلَّا مَا ذَكَرُوا مِنْ تَفَرُّدِ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ بِهِ، ولَا نَعْلَمُ له علة.\nقال الدارقطني في العلل ٦/ ٢٢٤ (١٠٨٩): رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ مَرْفُوعًا. قَالَ ذَلِكَ: هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، وَغَيْرُهُ، يَرْوِيهِ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وَقِيلَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ أَيْضًا، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْأَوْزَاعِيُّ.\nوَرَوَاهُ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّوَابُ. وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (٤/ ٧٢): رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ إِلَّا أَنهُ قَالَ: \"أَكْثَرَ مِمَّا يَطْلُبُهُ أَجْلُهُ\".\nوَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. قال الألبانى: حديث حسن ورجاله ثقات لكن فيه من يدلس ومن يروج عليه التدليس كما بينته في تخريج المشكاة ٥٣١٢ وإنما قويته بشاهدين له خرجتهما معه في الأحاديث الصحيحة ٩٥٠.\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٤٠٦).","vol":"8","page":15},{"text":"مكتوب بسم اللّه الرحمن الرحيم [رزق فلان بن فُلَانٍ وَذَلِكَ] \" (^١). قوله: تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ (^٢) الآية [وَقَالَ عُمَرُ بْنُ] الخطاب مبين العبد وبين رزقه حجاب [فَإِنْ قَنَعَ وَرَضِيَتْ نَفْسُهُ، آتَاهُ رِزْقَهُ، وَإِنِ] اقتحم وهتك الحجاب لم يزد فوق رزقه (^٣) ا. هـ ذكره ابن رجب (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادى في تاريخ بغداد (٥/ ٢١٣)، والواحدى في الوسيط (٢/ ٢٨١)، وابن الجوزى في العلل المتناهية (٢٣٠) من طريق حمويه بن الحُسين بن معاذ، قال: حدّثني أحمد بن خليل البغدادي، قال: حدّثني يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر.\nقال الخطيب: قال ابن نعيم: هذا حديث تفرد به حمويه بن الحُسين، عن أحمد بن الخليل وهو غير مقبول منه، فإن أحمد بن الخليل ثقة مأمون، قلت: وقد رواه أبو علي محمد بن علي بن عمر المذكر النيسابوري، عن أحمد بن الخليل، وكان هذا المذكر كذابا معروفا بسرقة الأحاديث، ونراه سرقه من حمويه.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٥٩.\n(^٣) أخرجه ابن قُتيبة في عيون الأخبار (٣/ ١٨٣) والدينورى في المجالسة (١١١٢) عَنْ مُجَاهِدٍ؛ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وأخرجه ابن أبي عمر كما في المطالب العالية (٣١٢٦) عن أبي البَخْتَرِي، عن الباهلي قَالَ: إِنَّ عُمَرَ - ﵁ -، قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، مَدْخَلَهُمُ الشَّامَ بِالْجَابِيَةِ، فذكره بطوله ولفظه: واعلموا أن بين العبد وبين رزقه حجاب، قال: فيترأى له رزقه وإن اقتحم هتك الحجاب، ولم يدرك فوق رزقه. قال ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٤٥٩): إسناد جيد، وله شواهد. قال البوصيرى في إتحاف الخيرة (٧/ ٤٠٤ - ٤٠٣): رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر بسند ضعيف لضعف ابن لهيعة.\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٠٢).","vol":"8","page":16},{"text":"٢٦٣٣ - وَرُوِيَ عَن الْحسن بن عَليّ - ﵄ - قالَ صعد رَسُول اللّه - ﷺ - الْمِنْبَر يَوْم غَزْوَة تبوك فَحَمدَ اللّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس [إِنِّي وَاللّهِ (^١)] مَا آمركُم إِلَّا بِمَا أَمركُم اللّه [بِهِ] وَلَا أنهاكم إِلَّا عَمَّا نهاكم اللّه عَنهُ فأجملوا فِي الطّلب فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَطْلُبُهُ رِزْقُهُ كَمَا يَطْلُبهُ أَجَلُهُ، فَإِن تعسر عَلَيْكُم شَيء مِنْهُ فَاطْلُبُوهُ بِطَاعَةِ اللّهِ ﷿ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله [عَن الْحسن بن عَليّ - ﵄ - تقدم] الكلام عليه صعد النبي - ﷺ - المنبر يوم غزوة تبوك تقدم الكلام على غزوة تبوك في الجهاد.\nقوله: \"فوالذي نفس أبي القاسم [بيده تقدم الكلام علي] ذلك\".\nقوله: إن أحدكم ليطلبه رزقه كما يطلبه أجله الحديث روى الحكيم الترمذي عَن أبي هُرَيْرَة قال: قال: رسول اللّه - ﷺ - إن للّه ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم، [وقد علموا أرزاقهم على درجاتهم] ثم قال لهم: أيما عبدٍ [من عبادي] جعل همه همًا واحدًا، فضمنوا [رزقه] السماوات والأرض، وبني آدم، وأي عبدٍ وجدتموه طلب رزقه، فأعطوه رزقه من حيث أراد، فإن تحرى مكاسبه بالعدل، فطيبوا له رزقه بالعدل، وإن تعدى إلى الحرام، [فليأخذه من هواه إلى غاية درجته التي ليس له فوقها ثم حولوا بينه وبين سائر الدنيا فلا يأخذ من حلالها\n_________\n(^١) زيادة من المعجم الكبير.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٣/ ٨٤ (٢٧٣٧). قال الهيثمى في مجمع الزوائد (٤/ ٧١ - ٧٢): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الْحَاطِبِيُّ؛ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ.","vol":"8","page":17},{"text":"ولا من حرامها فوق الدرجة التي كتبت له] (^١).\nقال الإمام القرطبي: للعبد [أحوال أرفعها أن يعتمل] على الله تعالى وهذا هو الذي جعل همه واحدا فإن وجد من يستعمله وبه قوة [فهو أعلى] والله أعلم (^٢).\n\n٢٦٣٤ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ جعل رَسُول الله - ﷺ - يَتْلُو هَذِه الآيَة وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لا يحْتَسب الطَّلاق فَجعل يُرَدِّدهَا حَتَّى نَعَست فَقَالَ يَا أَبَا ذَر لَو أَن النَّاس أخذُوا بهَا لكفتهم رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٥٠٢) من طريق مسلم بن جبير، عن أبي هريرة. وفيه الحسن بن ذكوان ضعفه يحيى بن مَعين وأبو حاتم والنسائي وقال أحمد: أحاديثه بواطيل.\nوعبد الواحد بن قيس مختلف فيه وثقه يحيى والعجلي والباقي على ضعفه حتى قال ابن حبان: لا يعتبر بمقاطيعه، ولا بمراسيله، ولا برواية الضعفاء عنه، وهو الذي يروى عن أبي هريرة، ولم يره. ومسلم بن جبير مجهول. وأخرجه ابن حبان في روضة العقلاء (ص ١٥٤) عن رياح القيسي قوله.\n(^٢) قمع الحرص بالزهد والقناعة للقرطبي (ص ٧٨).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٩٢) من طريق كهمس بن الحسن التميمي عن أبي السليل ضريب بن نقير عن أبي ذر. وقال الحاكم: هَذَا حَدِيث صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وقال الذهبي: صحيح.\nوأصل الحديث أخرجه أحمد ٥/ ١٨٧ (٢١٩٥٢)، والدارمى (٢٩٣١)، وابن ماجة (٤٢٢٥) والنسائي (١١٥٣٩)، وابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٩) والقناعة والتعفف (١١٧)، وابن حبان (٦٦٦٩)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٥٩ رقم ٢٤٧٤)، =","vol":"8","page":18},{"text":"قوله: وعن أبي ذر تقدم الكلام عليه.\n[قوله: جعل] رسول الله - ﷺ -[يَتْلُو هَذِه الْآيَة وَمن] يتق الله يجعل له مخرجا الآية إلى قوله ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^١) [فَجعل يُرَدِّدهَا] حتى نعست فقال يا أبا ذر لو أن الناس أخذوا بها لكفتهم يعني أنهم لو حققوا [التَّقْوَى وَالتَّوَكُّلَ] لاكتفوا بذلك في مصالح دِينِهِمْ [وَدُنْيَاهُمْ] وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد الْقَلْبِ عَلَى اللهِ ﷿ في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها [وَكِلَةُ الْأُمُورِ كُلِّهَا] إليه وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه قاله [ابن\n_________\n= وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٥) و(١/ ١٦٦) ومعرفة الصحابة (١٥٦٣) والبيهقى في الزهد (١/ ٣٢٨ رقم ٨٨١) والشب (٢/ ٤٧٦ رقم ١٢٦٩) من طرق عن كَهْمَسٍ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَن أَبِي ذَرٍّ.\nوقال الهيثمى في مجمع الزوائد (٥/ ٢٢٦): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّ أَبَا سَلِيلِ ضُرَيْبَ بْنَ نُفيْرٍ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا ذَرٍّ.\nوقال البوصيرى في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٤١ رقم ٦٠٥١): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع أبو السليل لم يدرك أبا ذر قاله في التهذيب ورواه النسائي في التفسي عن محمد بن عبد الأعلى عن المعتمر بن سليمان به ورواه أحمد بن منيع في مسنده بزيادة طويلة كما أفردته في زوائد المسانيد العشرة فقال ثنا يزيد بن هارون ثنا كهمس بن الحسن فذكره وقال الألبانى في ضعيف ابن ماجة ومشكاة المصابيح (٥٣٠٦): ضعيف.\nوقال في ضعيف الترغيب (١٠٥٦): كذا قال، وهو منقطع بين (ضُريب بن نقَير القيسي) وو(أبي ذر)، فإنه لم يدركه كما في التهذيب وكذلك رواه أحمد (٥/ ١٧٨).\n(^١) سورة الطلاق، الآية: ٣.","vol":"8","page":19},{"text":"رجب] (^١) [وقال] المراد بقوله: \"لكفتهم\" الكفاية الظاهرة والباطنة وتكفيهم المخوفات [والمكروهات وتوجب] لهم طمأنيته القلب بما وعدوا به من الحسنات ودفع السيئات.\nتتمة: [وأفاد] الخطيب البغدادي في تاريخ [بغداد] عن ابن عباس أنه قال: من قرأ هذه الآية [وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ] مخرجا إلى قوله: قدرا عند سلطان يخافه أو عند موج يخاف منه الغرق أو [أَوْ عِنْدَ سَبُعٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ] في ذلك (^٢) ا. هـ، قاله في الصفوة (^٣) وفي الحديث \"لو توكلتم على اللّه حق توكله [لرزقكم كما يرزق] الطير تغدو خماصا وتروح بطانا\" (^٤) أي تغدوا بكرة\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٩٧).\n(^٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٨٥) ومن طريقه ابن الجوزى في الموضوعات ٢/ ٢٣٠، من طريق أبي عثمان سعيد بن القاسم البغدادي، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. قال ابن الجوزى: هَذَا حَدِيث مَوْضُوع.\n(^٣) لم أعثر عليه في صفة الصفوة.\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد (٩٧) والمسند ١/ ٣٠ (٢١٠)، وعبد بن حميد (١٠)، والبزار (٣٤٠)، وأبو يعلى (٢٤٧)، وابن حبان (٧٣٠)، والحاكم ٤/ ٣١٨، وأبو نعيم في الحلية ١٠/ ٦٩. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٥٩) ومن طريق ابن المبارك ومن طريقه الطيالسي (٥١) و(١٣٩)، والترمذي (٢٣٤٤)، وأبو نعيم ١٠/ ٦٩، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٤٤)، والبغوي في شرح السنة والضياء في المختارة ١/ ٣٣٣ (٢٢٧) و١/ ٣٣٤ (٢٢٨) عن عمر بن الخطاب.\nقال البزار: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَحْسَبُ أَنَّ بَكْرَ بْنَ عَمْرٍو لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي في تلخيص المستدرك. =","vol":"8","page":20},{"text":"وهي جياع وتروح عشاء [بطانًا أي ممتلئة] الأجواف ومنه الحديث الآخر خماص البطون خفافا الظهور (^١) أي أنهم أعفة (عن أموال الناس فهم ضامروا البطون من أكلها خفاف الظهور من ثقل وزرها قاله في النهاية (^٢).\n\n٢٦٣٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لَو فر أحدكُم من رزقه أدْركهُ كمَا يُدْرِكهُ الْمَوْت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير بِإِسْنَاد حسن (^٣).\n_________\n= وأخرجه أحمد ١/ ٥٢ (٣٧٦) و(٣٧٩)، وابن ماجة (٤١٦٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٤٥).\nوقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَأَبُو تَمِيمٍ الجَيْشَانِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَالِكٍ. وقال الضياء: إسناده صحيح. وقال الألباني: صحيح صحيح ابن ماجة وصحيح الترمذي، والصحيحة (٣١٠).\n(^١) أخرجه نعيم بن حمَّاد في الفتن (٣٧٩)، وابن المُظَفَّر البزاز في حديث شعبة (١١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٧٠ - ٤٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٢)، والبيهقى في الكبرى (٨/ ٣٣٤ رقم ١٦٨١٠)، من طرق عن أبي برزة. وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم. وأصله في صحيح البخاري (٧١١٢) و(٧٢٧١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٨٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة والتعفف (٩٣)، وابن الأعرابى في المعجم (٢/ ٧٣٠ رقم ١٤٧٩) والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٦٣ رقم ٤٤٤٤) والصغير (١/ ٣٦٥ رقم ٦١١)، وابن عدى في الكامل (٧/ ١٢٨ - ١٢٩). قال ابن عدى: ولفضيل أحاديث حسان وأرجو أن لا بأس به. وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (٤/ ٧٢): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ، وَفِيهِ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ وُثِّقَ. وقال الألبانى في الصحيحة (٩٥٢): قلت: وهذا إسناد =","vol":"8","page":21},{"text":"٢٦٣٦ - وَرُوِيَ عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لَا تعجلن إِلى شَيْء تظن أَنَّك إِن استعجلت إِليْهِ أَنَّك مدركه إِن كَانَ لم يقدر لَك ذَلِك وَلَا تستأخرن عَن شَيء تظن أَنَّك إِن استأخرت عَنهُ أَنه مَدْفُوع عَنْك إِن كانَ اللّه قدره عَلَيْك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).\n[قوله: وروي عن معاوية بن أبي سفيان تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى شَيْءٍ تَظُنُّ أَنَّكَ إِنِ اسْتَعْجَلْتَ إِلَيْهِ أَنَّكَ مُدْرِكُهُ\" تقدم معناه.\n\n٢٦٣٧ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - رأى تَمْرَة عائرة فَأَخذهَا فناولها سَائِلًا فَقَالَ أما إِنَّك لَو لم تأتها لأتتك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بإسْنَاد جيد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n= ضعيف مسلسل بالضعفاء، عطية العوفي فمن دونه ثم قال: وقد صححه ابن حبان، فالحديث حسن على أقل المراتب. وقال في صحيح الترغيب والترهيب (١٧٠٤): حسن لغيره.\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٥٥ رقم ٣٣٩١)، والكبير (١٩/ ٣٤٧ رقم ٨٠٧)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٥١٣)، وابن سمعون في الأمالى (١٧٨)، وابن بطة في الإبانة (١٩٠٧)، والبيهقى في القضاء والقدر (ص ٢٠٩ رقم ٢٣٨). قال البيهقى: عبد الوهَّاب بن مجاهد ليس بالقوي وفيما قبله كفاية. وقال ابن عدى: ولعبد الوهَّاب أحاديث وليس بالكثيرة وعامة ما يرويه، لا يتابع عليه.\nوقال الهيثمى في مجمع الزوائد (٧/ ١٩٩): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَفِيهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وضعفه الألبانى في الضعيفة (٥٣١٦) وقال في ضعيف الترغيب والترهيب (١٠٥٧): ضعيف جدًّا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢٦٥) والطبراني في الكبير (١٣/ ٩٥ رقم ١٣٧٣٨)، وابن حبان (٣٢٤٠) عن الحسن بن سفيان، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٤٦)، =","vol":"8","page":22},{"text":"قوله وعن ابن عمر تقدم الكلام عليه:\nقوله: أَن النَّبِيّ - ﷺ - رأى تَمْرَة عائرة فَأَخذهَا فناولها سَائِلًا فَقَالَ: أما إِنَّك لَو لم تأتها لأتتك الحديث، [التمرة العائرة هي الساقطة لا يعرف لها مالك.\nمن عَار الْفرس يعنى إِذا انْطلق من مربطه مارا على وَجهه لا يدرى صاحبه أي لا يعلم. ومنه الحديث \"مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين غنمين\" أي المترددة بين قطيعين، لا تدري أيهما تتبع (^١). ومنه الحديث \"أن رجلًا أصابه سهم عائر فقتله\" (^٢) هو الذي لا يدرى من رماه]. ا. هـ.\nوهذا أصل في الورع وفى أن كلّ ما لا يستبينه الإنسان مباحا فإنه يجتنبه.\nوفيه دليل على أن التمرة ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة أن له أخذها وأكلها إن شاء وليس لها حكم اللقطة ذكره المنذري في حواشيه على مختصر سنن أبي داود (^٣).\n\n٢٦٤٠ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا طلعت شمس قطّ إِلَّا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الْأَرْض إِلَّا الثقلَيْن يَا أَيُّهَا الناس هلموا إِلَى ربكُم فَإِن مَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى وَلَا آبت شمس قطّ إِلَّا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرْض إِلَّا الثقلَيْن اللَّهُمَّ\n_________\n= ومسعود بن الحسن الثقفي في عروس الأجزاء (٩٢) عن ابن عمر. ورواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٥٩ - ١٦٠) عن عبد اللّه بن مسعود. قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٧٠٥): صحيح.\n(^١) أخرجه مسلم في الصحيح (١٧ - ٢٧٨٤) عن ابن عمر.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٠٧) عن أبي هريرة.\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٧٢) ومختصر سنن أبي داود (٢/ ٢٤٦).","vol":"8","page":23},{"text":"أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكا تلفا رَوَاهُ أَحْمد بإسْنَاد صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^١).\nقوله عن أبي الدرداء تقدم الكلام عليه وعلى الحديث في الإنفاق في وجوه الخير.\n\n٢٦٣٨ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا خلق اللّه من صباح يعلم ملك من السَّمَاء وَلَا فِي الأرْض مَا يصنع اللّه فِي ذَلِك الْيَوْم وَإِن العَبْد لَهُ رزقه فَلَو اجْتمع عَلَيْهِ الثَّقَلَان الْجِنّ وَالإِنْس أَن يصدوا عَنهُ شَيْئا من ذَلِك مَا اسْتَطَاعُوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لين وَيُشبه أَن يكون مَوْقُوفا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٦) وأحمد في الزهد (١٠٢) والمسند ٥/ ١٩٧ (٢٢١٣٥)، والطيالسي (٩٧٩)، وعبد بن حميد (٢٠٧)، والطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار ١/ ٢٦٦ و٢٦٧ و٢٦٩، وابن حبان (٦٨٦) و(٣٣٢٩)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٥٩ رقم ٢٨٩١)، وابن السني في القناعة (٢٢) و(٢٣) و(٢٤)، والحاكم ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٢٦، والقضاعي في مسند الشهاب (٨١٠)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٩٠ رقم ٣١٣٩) و(١٣/ ١٧ رقم ٩٨٨٨)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٤٥).\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٥): وَرِجَالُ أَحْمَدَ، وَبَعْضُ رِجَالِ أَسَانِيدِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ رِجَالُ الصَّحِيحِ.\nوقال ابن حجر في الأمالى المطلقة (١/ ١٥٥): هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وقال الألباني: صحيح - \"الصحيحة\" (٩٢٠)، \"تخريج فقه السيرة\" (٤٤٣) وصحيح الترغيب (١٧٠٦) و(٣١٦٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٦ رقم ٣٤٩٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧٢): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ بَقِيَّةُ، وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ. وقال الألباني: ضعيف (١٠٥٨) ضعيف الترغيب والترهيب والضعيفة (٥٣٠٩).","vol":"8","page":24},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله: مَا خلق اللّه من صباح يعلم ملك من السَّمَاء وَلا فِي الأرْض مَا يصنع اللّه فِي ذَلِك الْيَوْم وَإِن العَبْد لَهُ رزقه، الحديث ومعناه لا يدرى ما فعل اللّه فيه هل جعله ذخيرة للمؤمن بسبب فعله فيه من الأعمال الصالحة أو جعله وبالا عليه بسبب تضييعه إياه في البطالة أو في الأعمال الصالحة قاله أبو القاسم الأصبهانى في شرح الأربعين الودعانية (^١).\n\n٢٦٣٩ - وَعَن حَبَّة وَسَوَاء ابْني خَالِد - ﵄ - أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُول اللّه وَهُوَ يعْمل عملا يَبْنِي بِنَاء فَلَمَّا فرغ دَعَانَا فَقَالَ لا تنافسا فِي الرزق مَا تهزهزت رؤوسكما فَإِن الْإِنْسَان تلده أمه أَحْمَر لَيْسَ عَلَيْهِ قشر ثمَّ يُعْطِيهِ اللّه وَيَرْزقهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢٠٧).\n(^٢) أخرجه وكيع في الزهد (٤٨٧)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٣٣)، وأحمد ٣/ ٤٦٩ (١٦٠٩٦) و(١٦٠٩٧) و(١٦٠٩٨)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٩٢، وفي الأدب المفرد (٤٥٣)، وابن أبي الدنيا في القناعة والتعفف (١٣٢)، وابن ماجة (٤١٦٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٤٦٦)، والبغوى في معجم الصحابة (٢/ ١٩١ رقم ٥٤٤ و٥٤٥) و(٣/ ٢٨٠ رقم ١٢١٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣٢٣)، وابن حبان (٣٢٤٢)، والطبراني في الكبير (٤/ ٧ رقم ٣٤٧٩) و(٤/ ٧ رقم ٣٤٨٠) و(٧/ ١٣٧ رقم ٦٦١٠ و٦٦١١) و(٧/ ١٣٨ رقم ٦٦١٢)، والبيهقى في الآداب (١/ ٣١٤ رقم ٧٧٦) والشعب (٢/ ٤٨٦ رقم ١٢٨٧).\nقال البوصيرى في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٢٩ رقم ١٤٩٤): قلت ليس لحبة وسواء ابني خالد عند ابن ماجة سوى هذا الحديث وليس لهما رواية في شيء من الكتب الخمسة =","vol":"8","page":25},{"text":"قوله: عن حبة وسواء ابنى خالد (^١) الحديث، حبة وسواء ليس لهما في الكتب [الخمسة] إلا هذا الحديث، وفى الخبر لكل عبد رزق فهو آتيه لا محالة فمن قنع [به] ورضى بورك له فيه ووسعه ومن لم يقنع به ولم يرض لم يبارك له فيه ولم يوسع عليه ويقال لو هرب العبد من رزقه لأدركه في وقته كما لو هرب من الموت لأدركه (^٢). أ. هـ.\nوفي وصية النبي - صلى الله عليه ويلم - لابن عباس إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الخلائق لو اجتهدوا على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ كتبه الله لك فذكر الحديث إلى أن قال طويت الصحف وجفت الأقلام (^٣).\nفمن كانت هذه مشاهدته في القسم المعلوم سقط عنه جملة من الهموم\n_________\n= وإسناد حديثهما صحيح رجاله ثقات رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده بهذا الإسناد.\nوعلق الحافظ الناجي في الإملاء على تخريج المنذري (٤/ ٦٤٦) فقال: هذا عجيب، فالحديث رواه (بنحوه) أحمد وابن ماجه، لكن لفظهما (وهو الصواب): لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما. (وتنافسا: تصحيف). وقال ابن حجر في الأمالى المطلقة (١/ ٢٦): هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.\nقال الألباني: ضعيف ضعيف ابن ماجه \"الضعيفة\" (٤٧٩٨) وقال في ضَعيفُ التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب (١٠٥٩): منكر.\n(^١) الاستيعاب (١/ ٣١٨) و(٢/ ٦٨٩)، وأسد الغابة (١/ ٦٧٠) و(٢/ ٥٨٨).\n(^٢) قوت القلوب (٢/ ١٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وابن السنى في اليوم والليلة (٤٢٥)، والحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (٥٣٠٢).","vol":"8","page":26},{"text":"[واستراح من النظر إلى الخلق] واستراح الخلق من أذاه واشتغل عنهم بخدمة مولاه.\nوروى أن رجلا لزم باب عمر كل غداة فشهد عمر منه مجيئه لأجل الطلب فقال له: يا هذا أهاجرت إلى عمر، أو إلى الله ﷿، إذهب فتعلّم القرآن، فإنه سيغنيك عن باب عمر، فذهب الرجل فغاب زمانًا حتى افتقده عمر، فسأل عنه فدلّ عليه فأتاه، فإذا هو قد اعتزل الناس وأقبل على العبادة فقال له عمر - ﵁ -: إني قد اشتقت إليك، فما الذي شغلك عنا؟ فقال: إني قد قرأت القرآن فأغناني عن عمر وعن آل عمر، فقال له عمر: رحمك الله فما الذي وجدت فيه؟ فقال: وفي السماء رزقكم وما توعدون فقلت: رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، فبكى عمر، وكانت موعظة له منه (^١).\nوفى الأثر: من رضى من الله بالقليل من الرزق رضى الله منه بالقليل من العمل (^٢).\n\n٢٦٤١ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول خير الذّكر الْخَفي وَخير الرزق مَا يَكْفِي رَوَاهُ أَبُو عوَانَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٣).\n_________\n(^١) قوت القلوب (٢/ ١٢).\n(^٢) أخرجه أبو بكر الأزدى في حديثه (٣٣) والآبنوسي (١٦٩) عن علي بن أبي طالب. وقال الألباني في الضعيفة (١٩٢٥): ضعيف جدا.\n(^٣) أخرجه أبو عوانة كما في إتحاف المهرة الرقاق (٥٠٣٨)، وابن حبان (٨٠٩). وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٦٠) و(١٨٧٣) وضعيف الجامع (٢٨٨٧): ضعيف.","vol":"8","page":27},{"text":"[واستراح من النظر إلى الخلق] واستراح الخلق من أذاه واشتغل عنهم بخدمة مولاه.\nوروى أن رجلا لزم باب عمر كل غداة فشهد عمر منه مجيئه لأجل الطلب فقال له: يا هذا أهاجرت إلى عمر، أو إلى الله ﷿، إذهب فتعلّم القرآن، فإنه سيغنيك عن باب عمر، فذهب الرجل فغاب زمانًا حتى افتقده عمر، فسأل عنه فدلّ عليه فأتاه، فإذا هو قد اعتزل الناس وأقبل على العبادة فقال له عمر - ﵁ -: إني قد اشتقت إليك، فما الذي شغلك عنا؟ فقال: إني قد قرأت القرآن فأغناني عن عمر وعن آل عمر، فقال له عمر: رحمك الله فما الذي وجدت فيه؟ فقال: وفي السَّماء رزقكم وما توعدون فقلت: رزقي في السَّماء وأنا أطلبه في الأرض، فبكى عمر، وكانت موعظة له منه (^١).\nوفى الأثر: من رضى من الله بالقليل من الرزق رضى الله منه بالقليل من العمل (^٢).\n\n٢٦٤١ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول خير الذّكر الْخَفي وَخير الرزق مَا يَكْفِي رَوَاهُ أَبُو عوَانَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٣).\n_________\n(^١) قوت القلوب (٢/ ١٢).\n(^٢) أخرجه أبو بكر الأزدى في حديثه (٣٣) والآبنوسي (١٦٩) عن علي بن أبي طالب. وقال الألباني في الضعيفة (١٩٢٥): ضعيف جدا.\n(^٣) أخرجه أبو عوانة كما في إتحاف المهرة الرقاق (٥٠٣٨)، وابن حبان (٨٠٩). وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٦٠) و(١٨٧٣) وضعيف الجامع (٢٨٨٧): ضعيف. =","vol":"8","page":28},{"text":"قوله: عن سعد بن أبي وقاص (^١) له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وأحد وسبعون حديثا (^٢) [أخرج له منها في الصحيحين ثمانية وثلاثون].\nقوله: \"خير الذكر الخفي\" الحديث قال صاحب المغيث (^٣): ذهب قوم إلى أن الذكر هاهنا ذكر الله ﵎ والدعاء وأن خيره ما أخفاه الداعي والذاكر وستره عن الناس وقال الحربي (^٤): والذي عندي أنه الشهرة وانتشار\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨١): رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان، وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص، قلت: وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح.\nوقال الناجى في عجالة الإملاء (٤/ ٦٤٧ - ٦٤٩): عزوه حديث سعد: خير الذكر الخفي ... إلى أبي عوانة وابن حبان. عجيب، فقد رواه أحمد والبيهقي وغيرهما، وفي إسناده أسامة بن زيد الليثي، وهو صدوق يهم. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، وهو ضعيف كثير الإرسال.\n(^١) طبقات ابن سعد: ٣/ ١/ ٩٧ - ١٠٥، الاستيعاب: ٤/ ١٧٠ - ١٧٧، أسد الغابة: ٢/ ٣٦٦ - ٣٧٠، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ٢١٣ - ٢١٤، تهذيب الكمال: ٤٧٨، الإصابة: ٤/ ١٦٠ - ١٦٤.\n(^٢) كذا هو والذى عند ابن الجوزى في مشكل الصحيحين (١/ ٢٣١): وروى عَنهُ مِائَتي حَدِيث وَسبعين حَدِيثا، وقال الكرمانى في الكواكب الدرارى (١/ ١٢٩): نقل عنه عن رسول الله - ﷺ - مائتا حديث وسبعون حديثًا ذكر البخاري عشرين منها توفي بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم ودفن بالبقيع سنة إحدى أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان وخمسين وهو آخر العشرة موتًا.\n(^٣) المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث (١/ ٩٠١) لأبى موسى المديني.\n(^٤) غريب الحديث (٢/ ٨٤٥).","vol":"8","page":29},{"text":"خبر الرجل، [لأن سَعدًا، - ﵁ -، أَجابَ ابنَه على ما أَرادَه عليه، ودَعَاه إليه من الظُّهور وطَلَب الخِلافَةِ بهذا الحَدِيث] وفي الحديث أيضا \"اذكروا الله ذكرا خاملا\" أي منخفضا توقيرا لجلاله يقال خفض (^١) صوته إذا وضعه وأخفاه ولم يرفعه قاله: في النهاية (^٢)، وقال القاضي عياض (^٣) ﵀: الذكر الخفي هو الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه قال: القاضي عياض ﵀ واختلفوا هل تكتبه الملائكة فقيل تكتبه ويجعل الله لهم علامة يعرفونه بها، وقيل لا يكتبونه فإنه لا يطلع عليه غير الله تعالى، قال النَّووي (^٤) قلت: الصحيح أنهم يكتبونه أن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده، وقد ذكر ذلك مبسوطا في كتاب الذكر والله أعلم.\nفائدة: وقد اعترض بعض الفضلاء على الذكر جهرا مستدلا بقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (^٥) وبقوله - ﷺ -: \"خير الذكر الخفي\" الجواب أن الله تعالى خاطب عامة عباده بمثل قوله ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (^٦) وخاطب الخاص بمثل قوله: ﴿أَفَلَا\n_________\n(^١) كذا في الأصل وفى النهاية خمل صوته.\n(^٢) النهاية (٢/ ٨١).\n(^٣) إكمال المعلم (٨/ ١٨٩).\n(^٤) شرح النووى (١٧/ ١٦).\n(^٥) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.\n(^٦) سورة الغاشية، الآية: ١٧.","vol":"8","page":30},{"text":"٢٦٤٢ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من انْقَطع إِلَى الله ﷿ كفاهُ الله كل مؤونة ورزقه من حَيْثُ لا يحْتَسب وَمن انْقَطع إِلَى الدُّنْيَا وَكله الله إِلَيْهَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا من رِوَايَة الْحسن عَن عمرَان وَفِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن الأشْعَث خَادِم الْفضل وَفِيه كَلَام قريب (^١).\n_________\n= يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال النووى كما في خلاصة الأحكام (٢/ ٩٧٠): رواه أبو داود بإسناد على شرط الصحيحين. وقال الألباني في ضعيف أبي داود: ضعيف، وضعيف الأحكام (١٤٢).\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٢/ ٣٥١ رقم ١٠٤٤) و(٢/ ٤٨٧ رقم ١٢٨٩) و(٢/ ٤٨٨ رقم ١٢٩٠).\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة والتعفف (٥٥) والفرج بعد الشدة (٢٦)، والطبرانى في الأوسط (٣/ ٣٤٦ رقم ٣٣٥٩) والصغير (١/ ٢٠١ رقم ٣٢١)، وابن منده في مجالس من أماليه (١٧)، وأبو العباس العصمى في جزئه (٢٤)، والسلمى في الأربعون في التصوف (١١)، والقضاعى في مسند الشهاب (٤٩٣) و(٤٩٤) و(٤٩٥) و(٤٩٦) و(٤٩٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٩٦)، والشجرى في الأمالى (٢٢٠٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٦٦١)، وابن عساكر في المعجم (١٣٧٠)، والمقدسى في التوكل (١٥ و١٦) من طرق عن فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن عن عمران. قال العصمى: غريب من حديث الحسن عن عمران غريب من حديث الفضيل عن هشام بن حسان عن الحسن لم يروه عنه إلا إبراهيم خادم الفضيل.\nقال العراقى في تخريج الإحياء (١/ ١٦٠٢): رواه الحسن عن عمران بن حصين ولم يسمع منه، وفيه إبراهيم بن الأشعث تكلم فيه أبو حاتم.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٣ - ٣٠٤): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ صَاحِبُ الْفُضَيْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَات، =","vol":"8","page":31},{"text":"قوله: وعن عمران بن حصين تقدم.\nقوله: - ﷺ - \"من انقطع إلى الله\" الحديث معناه اختاره على كل ما سواه كما يقال: انقطع فلان عن المدينة إلى مكة أي ترك المدينة وفارقها واختار مكة عليها وحقيقته أن الله تعالى قطعه عما كان موصولا به من العلائق فانقطع [هو].\nقوله: - ﷺ - \"كفاه الله كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب\" أي قضى حوائجه وسد [مفاقره] أي وجوه فقره (^١) وأصل المؤونة ما لابد منه عن القوت والمسكن ومنه قولهم مؤونة [المرأة] على الزوج ومؤونة الولد على الوالد.\nقوله: - ﷺ - \"ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها\" الحديث وكله بالتخفيف أي تركه معها ولم ينعم عليه بالمعونة وكفاية المؤونة فيكون معذبا بالحرص والهوان ومعاقبا بالخيبة والحرمان ا. هـ.\n\n٢٦٤٣ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من كَانَت الدُّنْيَا همته وسدمه وَلها شخص وَإِيَّاهَا يَنْوِي جعل الله الْفقر بَين عَيْنيهِ وشتت عَلَيْهِ ضيعته وَلم يَأْته مِنْهَا إِلَا مَا كتب لَهُ مِنْهَا وَمن كَانَت الْآخِرَة همته وسدمه وَلها شخص وَإِيَّاهَا يَنْوِي جعل الله ﷿ الْغنى فِي قلبه وَجمع عَلَيْهِ ضيعته وأتته الدُّنْيَا وَهِي صاغرة. رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ\n_________\n= وَقَالَ: يُغَرِّبُ وَيُخْطِئُ وَيُخَالِفُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ.\nوقال الألباني في الضعيفة (٦٨٥٤) وضعيف الترغيب (١٠٦١) و(١٦٣٨) و(١٨٤٣) و(١٨٨٥): ضعيف.\n(^١) أساس البلاغة (٢/ ٣٠).","vol":"8","page":32},{"text":"التِّرْمِذِيّ أخصر من هَذَا وَيَأْتِي لَفظه فِي الْفَرَاغ لِلْعِبَادَةِ إِن شَاءَ الله (^١).\nسدمه بِفَتْح السِّين وَالدَّال الْمُهْمَلتَيْنِ أَي همه وَمَا يحرص عَلَيْهِ ويلهج بِهِ وَقَوله شتت عَلَيْهِ ضيعته بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي فرق عَلَيْهِ حَاله وصناعته وَمَا هُوَ مهتم بِهِ وشعبه عَلَيْهِ.\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من كانت الدنيا همته وسدمه\" الحديث أي همه وما يحرص عليه ويلهج به قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"وشتت عليه ضيعته\" الحديث أي فرق عليه حاله وصناعته وما هو مهتم به وشعبه عليه قاله الحافظ المنذري ا. هـ ومعنى الحديث أن من كان همه الدنيا وسع عليه أسباب معاشه، وشعبها عليه وأكثر تعبه وكده وسعيه مع أنه لا يأتيه منها إلا ما قدر له، ومن كانت الآخرة همه كان بعكس ذلك ا. هـ.\n\n٢٦٤٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عباس - ﵄ - قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله - ﷺ - فِي مَسْجِد الْخيف فَحَمدَ الله وَذكره بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ قَالَ من كَانَت الدُّنْيَا همه فرق الله\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٧٠٤)، والطبرانى في الأوسط (١/ ١٥٠ رقم ٥٩٩٠) و(٨/ ٣٦٣ رقم ٨٨٨٢) وابنُ حبان في المجروحين (١/ ٢٩١). وأصله عند الترمذي (٢٤٦٥).\nوالحديث صححه الألباني في الصحيحة (٩٤٩) وقال في صحيح الترغيب والتَّرهيب (١٧٠٧): صحيح لغيره. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٧): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، وَفِي الْآخَرِ أَيُّوبُ بْنُ حَوْطٍ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ جِدًّا. وقال أيضا: رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.","vol":"8","page":33},{"text":"شَمله وَجعل فقره بَين عَيْنَيْهِ وَلم يؤته من الدُّنْيَا إِلَّا مَا كتب لَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وروى ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله: خطبنا رسول الله - ﷺ - في مسجد الخيف الحديث تقدم الكلام على مسجد الخيف من منى مبسوطا وما قاله الأزرقي في ذلك.\nقوله: - ﷺ - \"من كانت الدنيا همه فرق الله شمله\" الحديث تقدم.\n\n٢٦٤٥ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أصبح وهمه الدُّنْيَا فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء وَمن لم يهتم بِالْمُسْلِمين فَلَيْسَ مِنْهُم وَمن أعْطى الذلة من نَفسه طَائِعا غير مكره فَلَيْسَ منا. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: وروى عن أبي ذر تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ -: \"ومن أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا\" أي ليس على سيرتنا ومذهبنا والتمسك بسنتنا كما [يقول الرجل لصاحبه أنا منك\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الكبير (١١/ ٢٦٦ رقم ١١٦٩٠) ومن طريقه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٦/ ٢٥٠)، والشجرى في الأمالى (٢٢٧٠) من طريق أبى حمزة الثمالى، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٨): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وقال الألباني: صحيح لغيره صحيح الترغيب (١٧٠٨).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الأوسط (١/ ١٥١ رقم ٤٧١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٨): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الرَّحَبِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وقال الألباني في الضعيفة (٣١٠) وضعيف الترغيب والتَّرهيب (١٠٦٢) و(١٨٨٦): ضعيف جدا.","vol":"8","page":34},{"text":"وإليك] يريد المتابعة والموافقة وذهب بعضهم إلى أنه أراد به النفي عن يدن الإسلام ولا يصح والله أعلم.\n\n٢٦٤٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - إِذْ قضي الأمر وهم فِي غَفلَة قَالَ فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِمَعْنَاهُ فِي آخر حَدِيث يَأْتِي فِي آخر صفة الْجنَّة إِن شَاءَ الله (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه (^٢).\n\n٢٦٤٧ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَرْبَعَة من الشَّقَاء جمود الْعين وقسوة الْقلب وَطول الأمل والحرص على الدُّنْيَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَغَيره (^٣).\nقوله: - ﷺ - \"أربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الأمل\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٥٢). قال الألباني في صحيح الترغيب (١٧٠٩) و(٣٢٤٩): صحيح.\n(^٢) لم يذكر المصنف تحته شرحًا.\n(^٣) أخرجه البزار (٦٤٤٢) وابن عدى في الكامل (٢/ ١٦٣) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٧٥).\nقال أبو نعيم: تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ مُتَّصِلًا عَنْ صَالِحٍ، حَجَّاجٌ. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٦٤١): وهو حديث يرويه هانئ بن المتوكل، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس. وعبد الله بن سليمان قد حدث عن المقرئ وغيره أحاديث لم يتابع عليها. قاله البزار.\nوهانئ بن المتوكل، إسكندراني، لا تعرف حاله. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٦): رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ هَانِئُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وقال الألباني: ضعيف ضعيف الجامع (٧٥٨) والضعيفة (١٥٢٢) وضعيف الترغيب (١٠٦٣) و(١٩٥٢).","vol":"8","page":35},{"text":"والحرص على الدنيا\" (^١).\n\n٢٦٤٨ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"لا ترْضينَ أحدا بسخط الله وَلَا تحمدن أحدا على فضل الله وَلَا تذمن أحدا على مَا لم يؤتك الله فَإِن رزق الله لا يَسُوقهُ إِلَيْك حرص حَرِيص وَلا يردهُ عَنْك كرَاهِيَة كَارِه وَإِن الله بِقسْطِهِ وعدله جعل الرّوح والفرج فِي الرِّضَا وَالْيَقِين وَجعل الْهم والحزن فِي السخط\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله: وروي عن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا ترضين أحدا بسخط الله ولا تحمدن أحدا على فضل الله ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله\" الحديث \"فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرج في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في السخط\" وفي الحديث آخر\n_________\n(^١) لم يذكر المصنف تحته شرحًا.\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الكبير (١٠/ ٢١٥ رقم ١٠٥١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢١) و(٧/ ١٣٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (٩٤٧)، والبيهقى في الأربعون (ص ٩٩ - ١٠٠) والشعب (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤ رقم ٢٠٤) من طريق خالد بن يزيد العمري، قال: ثنا سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله، وسفيان بن عيينة، عن سليمان، عن خيثمة، عن ابن مسعود. قال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري ومن حديث الأعمش، تفرد به خالد بن يزيد العمري. وقال البيهقى: هكذا رواه خالد العمري عنهم. وإنما رواه الثقات عن سفيان بن عيينة، عن أبي هارون المدني قال: قال ابن مسعود (يعنى قوله).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧١): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْعُمَرِيُّ، وَاتُّهِمَ بِالْوَضْعِ. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٦٤): موضوع.","vol":"8","page":36},{"text":"عن أبي سعيد الخدري قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره إليك حرص حريص، ولا يرده كره كاره، إن الله جعل الروح والفرج في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط\" (^١) قال السادة الصوفية: فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ به نورا وإشراقا وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهم وغم وامتلأ محبة لله تعالى وخوفا منه ورضى به شكرا له وتوكلا عليه وإنابة إليه فهو مادة جميع المقامات والحامل لها واختلف فيه: هل هو كسبي أو موهبي؟ فقيل هو العلم المستودع في القلوب يشير إلى أنه غير كسبي، وقال سهل ﵀: اليقين من زيادة الإيمان ولا ريب أن الإيمان كسبي، والتحقيق أنه كسبي باعتبار أسبابه موهبي باعتبار نفسه وذاته وعند القوم اليقين لا يساكن قلبا فيه سكون إلى غير الله وقال الجنيد ﵀: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير في القلب ولهم ثلاث مقامات يعبرون عنها علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وقد مثلت المراتب الثلاث بمن أخبرك أن عنده عسلا وأنت لا تشك في صدقة ثم أراك إياه فازددت يقينا ثم ذقت منه فالأول\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٠٦) و(١٠/ ٤١)، والبيهقى في شعب الإيمان (١/ ٢٢١، رقم ٢٠٧) وقال: محمد بن مروان ضعيف. وقال الألباني في الضعيفة (١٤٨٢): موضوع وأورده في ضعيف الجامع (٢٠٠٩).","vol":"8","page":37},{"text":"علم اليقين، والثاني عين اليقين، والثالث حق اليقين فعلمنا الآن بالجنة والنار علم اليقين فإذا أزلفت الجنة في الموقف وشاهدها الخلائق وبرزت الجحيم وعاينها الخلائق فذلك عين اليقين فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حينئذ حق اليقين انتهى (^١) فأمر الله إبراهيم - ﵇ - أن يأخذ أربعة من الطير الآية ليحصل له علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين فعلم اليقين هو المستفاد من الأخبار وعين اليقين مستفاد من المشاهدة وحق اليقين يكون بالمعاينة والمباشرة والله أعلم.\n\n٢٦٤٩ - وَعَن كعْب بن مَالك - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: \"مَا ذئبان جائعان أرسلا فِي غنم بأفسد لهَا من حرص الْمَرْء على المَال والشرف لدينِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^٢).\nقَالَ المملي ﵁: وَسَيَأْتِي غير مَا حَدِيث من هَذَا النَّوْع فِي الزّهْد إِن شَاءَ الله.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٩) بتصرف.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٥٦ (١٦٠٢٥) و٣/ ٤٦٠ (١٦٠٣٦)، والدارمى (٢٧٣٠)، والترمذى (٢٣٧٦)، والنسائى في الكبرى (١١٧٩٦)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (١٣) والقناعة والتعفف (١٣٩)، وابن حبان (٣٢٢٨). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. وصححه الألباني في \"الروض النضير\" (رقم ٥ - ٧)، وصحيح الترغيب (١٧١٠) و(٣٢٥٠) وصحيح الجامع (٥٦٢٠).","vol":"8","page":38},{"text":"قوله: وعن كعب بن مالك (^١) كنيته: أبو عبد الله ويقال: أبو محمد ويقال: أبو بشير كعب بن مالك بن عمرو بن القين بن سواد بن غنم بن كعب بن مسلمة بكسر اللام بن سعد بن علي الأنصاري الخزرجي السلمي بفتح السين واللام شهد العقبة وأحدا وسائر المشاهد كلها إلا بدرا وتبوكا وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (^٢) الآية والثلاثة كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، روى كعب بن مالك عن رسول الله - ﷺ - ثمانون حديثا اتفقا على ثلاثة وللبخاري حديث ولمسلم حديثا فخرج كعب يوم أحد احد عشر جرحًا وهو أحد شعراء رسول الله - ﷺ - وكانوا ثلاثة حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك توفي بالمدينة قبل الأربعين، وقيل سنة خمسين، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى مبسوطا في باب الصدق في التخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك.\nقوله - ﷺ -: \"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف\" الحديث ولفظ حديث جابر \"ما ذئبان ضاريان باتا في عنم\" (^٣)، وفي حديث ابن عباس \"حب المال والشرف بذل الحرص\" (^٤) فهذا\n_________\n(^١) انظر ترجمته: الاستيعاب: ٣/ ١٣٢٣، أسد الغابة: ٤/ ٤٨٧، تهذيب الكمال: ١١٤٧، تهذيب التهذيب: ٨/ ٤٤٠ - ٤٤١، الإصابة: ٨/ ٣٠٤.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ١١٨.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٦٧)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٤٩٠ رقم ٩٧٨٧ و٩٧٨٨) من طريق موسى بن يعقوب الزمعي، عن معان بن رفاعة الأنصاري ثم الزرقي، عن جابر بن عبد الله. ولفظه: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ ضَارِيَانِ فِي غَنَمٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا بِأَفْسَدَ فِيهَا مِنَ الْتِمَاسِ الشَّرَفِ وَالْمَالِ لِدَيْنٍ الْمُؤْمِنِ موسى بن يعقوب الزمعى المطلبي، قال ابن حجر في التقريب: صدوق سيء الحفظ.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣١٩ رقم ١٠٧٧٨)، وفي الأوسط (١/ ٢٦٠ رقم ٨٥١)، وعنه أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١٩) من طريق عيسى بن ميمون، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس بلفظ \"مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ بَاتَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حُبِّ ابْنِ آدَمَ الشَّرَفِ وَالْمَالِ\".\nقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٠): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن ميمون، وهو ضعيف، وقد وثق.","vol":"8","page":39},{"text":"مثل عظيم جدا ضربه النبي - ﷺ - لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف وإن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين باتا في الغنم وقد غاب عنها رعاتها ليلا فهما يأكلان في الغنم ويفرسان فيها ومعلوم أنه لا ينجوا من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا القليل فأخبر النبي - ﷺ -: \"أن حرص المرء على المال والشرف ليس إفساده لدينه بأقل من إفساد هذين الذئبيين لهذا الغنم\" بل إما أن يكون مساويا وإما أن يكون أكثر يشير إلى أنه لا يسلم من دين المرء المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل كما أنه لا يسلم من الغنم مع إفسادا الذئبين المذكورين فيهما إلا القليل فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا فأما الحرص على المال فهو نوعان أحدهما شدة محبة المال مع شدة طلبه من وجهه المباحة والمبالغة في طلبه والجد في تحصيله واكتسابه من وجوهه مع","vol":"8","page":40},{"text":"الجهد والمشقة ولو لم يكن في الحرص على المال إلا تضييع العمر الشريف الذي لا قيمة له وقد كان يمكن صاحبه فيه اكتساب الدرجات ولو فعل فاز بالعلى والنعيم المقيم فضيعه الحريص في طلب رزق مضمون مقسوم لا يأتي منه إلا ما قدر وقسم ثم لا ينتفع به بل يتركه لغيره ويرتحل عنه فيبقى حسابه عليه ونفعه لغيره فيجمع لمن لا يحمده ويقدم على من لا يعذره لكفى بذلك ذمًا للحريص فالحريص يضيع زمانه الشريف ويخاطر بنفسه التي لا قيمة لها في الأسفار وركوب الأخطار لجمع مال ينتفع به غيره كما قيل:\nومن ينفق الأعمار في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر\nولا تحسبن الفقر فقرا من الغنا ... ولكن فقر الدين من أعظم الفقر\nوفي بعضِ الآثارِ الإسرائيلية: الرزق مقسوم والحريص محروم. ابن آدم إذا أفنيت عمرك في طلب الدنيا فمتى تطلب الآخرة.\nشعر:\nيا جامعًا مانعًا والدهرُ يرمقُه ... مفكرًا أيُّ بابٍ منه يغلقُه\nجمعتَ مالًا ففكرْ هل جمعتَ له ... يا جامعَ المالِ أياما تفرقُه\nالمالُ عندَك مخزونٌ لوارثهِ ... ما المالُ مالك إلا يومَ تنفقُه\nإِنَّ القناعةَ من يَحللْ بساحتِها ... لم يلق في ظلِّها همًّا يؤرقُه\nكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعدى أعدائك.\nوأما الحرص على الشرف فهو أشد هلاكا من الحرص على المال فإن طلب الشرف الدنيا والرفعة فيها والرياسة على الناس والعلو في الأرض أضر","vol":"8","page":41},{"text":"على العبد من طلب المال وضرره أعظم والزهد فيه أصعب فإن المال يبذل في طلب الرياسة والشرف.\nوالحرص قسمان:\nأحدهما: طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال وهذا خطر جدا وهو الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها وعزها.\nوقل من يحرص على رياسة الدنيا فطلب الولايات فوفق بل يوكل إلى نفسه كما قال النبي - ﷺ - لعبد الرحمن بن سمرة يا عبد الرحمن \"لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها\" (^١) الحديث.\nالقسم الثاني: طلب الشرف والعلو على الناس بالأمور الدينية كالعلم والعمل والزهد فهذا أفحش من الأول وأفتح وأشد فسادا وخطرا فإن العمل والعلم والزهد إنما يطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم ويطلب بها ما عند الله والقرب منه والزلفى لديه قال الثوري رحمت الله عليه: إنما فضل العلم لأنه يتقى به الله وإلا كان كسائر الأشياء فإذا طلب بشيء من هذا عرض الدنيا الفاني فهو - أيضا - نوعان.\nأحدهما: أن يطلب به المال فهذا من أنواع الحرص وطلبه بالأشياء المحرمة.\nالثاني: من يطلب بالعمل والعلم والزهد والرياسة على الخلق فهذا وعيده النار واعلم أن حب الشرف بالحرص على نفوذ الأمر والنهي وتدبير أمر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢).","vol":"8","page":42},{"text":"الناس إذا كان القصد بذلك مجرد علو المنزلة على الخلق والتعاظم عليهم وإظهار صاحب الشرف حاجة الناس إليه وافتقارهم إليه وذلهم له في طلب حوائجهم منه فهذا نفسه مزاحمة لربوبية الله تعالى وإلاهيته وربما تسبب بعض هؤلاء إلى إيقاع الناس في أمر يحتاجون إليه ويتعاظم بذلك ويتكبر به وهذا لا يصلح إلا لله تعالى وحده لا شريك له فالكلام على هذا الحديث من أوله إلى آخره من كلام الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي ﵀ (^١).\n\n٢٦٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ قلب الشَّيْخ شَاب على حب اثْنَتَيْنِ حب الْعَيْش أَو قَالَ طول الْحَيَاة وَحب المَال رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ إِلَا أَنه قَالَ طول الْحَيَاة وَكثْرَة المَال (^٢).\n\n٢٦٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - كانَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لا ينفع وَمن قلب لا يخشع وَمن نفس لا تشبع وَمن دُعَاء لا يسمع\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من حَدِيث زيد بن أَرقم وَتقدم فِي الْعلم (^٣).\n_________\n(^١) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٦٣ - ٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٢٠) ومسلم واللفظ له (١١٣ و١١٤ - ١٠٤٦)، والترمذى (٢٣٣٨). ولم يدرج المصنف تحته شرحًا.\n(^٣) أخرجه الطيالسى في المسند (٢٤٤٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٧ رقم ٢٩١٢٦)، وإسحاق (٤٢٦)، وأحمد ٢/ ٣٤٠ (٨٦٠٤) و٢/ ٣٦٥ (٨٩٠١) و٢/ ٤٥١ (٩٩٦٤)، وابن ماجه (٢٥٠) و(٣٨٣٧)، وأبو داود (١٥٤٨)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٣٥١ (٥٥١١) و٨/ ٣٩٠ (٥٥٨٠) و٨/ ٣٩١ (٥٥٨١) عن أبي هريرة. =","vol":"8","page":43},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"قلب الشيخ شاب على حب اثنتين حب العيش أو قال طول الحياة وحب المال\" الحديث رواه البخاري ومسلم ورواه الترمذي إلا أنه قال: \"طول الحياة وكثرة المال\".\nقوله: \"طول الحياة وكثرة المال\" يجوز فيهما الرفع على أنهما خبران لمبتدأ محذوف ويجوز فيهما النصب على أنهما بدل من قوله اثنتين.\nقال النووي (^١): وهذا مجاز واستعارة، ومعنى الحديث أن قلب الشيخ كامل الحب للمال محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشباب في شبابه، قال النووي: هذا أصوابه ا. هـ، وقيل وصفه بكونه شابا لوجود هذين الأمرين فيه اللذين هما في الشباب أكثر ولهم أليق للرجاء في طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا وحب الدنيا هو كثرة المال وطول الأمل هو طول الحياة والمذكوران في الرواية الأخرى وكذا حب العيش المذكور في\n_________\n= وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه وصحيح أبي داود وصحيح النسائي وصحيح الترغيب (١٧١٢). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٧ رقم ٢٩١٢٤)، وأحمد ٤/ ٣٧١ (١٩٦١٦)، وعبد بن حميد (٢٦٧)، ومسلم (٧٣ - ٢٧٢٢)، والترمذي (٣٥٧٢)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٣٤٦ (٥٥٠٢) و٨/ ٣٩١ (٥٥٨٢) من حديث زيد ابن أرقم. وأخرجه أحمد ٢/ ١٦٧ (٦٥٥٧)، والترمذى (٣٤٨٢)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٣٣٥ (٥٤٨٦) من حديث عبد الله بن عمرو. وصححه الألباني في صحيح الترمذي.\nولم يدرج المصنف تحت هذا الحديث شرحًا.\n(^١) شرح النووى على مسلم (٧/ ١٣٨).","vol":"8","page":44},{"text":"رواية مسلم هو طول الحياة، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الحِرْصُ عَلى المَالِ، وَالحِرْصُ عَلى العُمُرِ\" رواه مسلم في الزكاة.\nقال النَّووي (^١): فيه ذم الحرص على الدنيا وحب المكارم بها والرغبة فيها.\nقوله - ﷺ -: \"وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ\" بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ وهو بمعنى قلب الشيخ شاب على حب اثنتين ا. هـ.\n\n٢٦٥٢ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَو كَانَ لابْنِ آدم واديان من مَال لابتغى إِلَيْهِمَا ثَالِثا وَلا يمْلأ جَوف ابْن آدم إِلَا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثا\" الحديث آدم غير منصرف للعلمية والعجمة وأقرب أمره أن يكون على فاعل كان قاله جار الله العلامة والابتغاء الطلب وتعديته بالي لتضمينه معنى ضم أي لضم إليهما.\nثالثا: فأخبر عن حرص العباد على الزيادة في المال أنه لا غاية له يقنع بها ويقتصر عليها ثم اتبع ذلك بقوله - ﷺ -: \"لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب\" الحديث يعني إذا مات وصار في قبره ملأ جوفه التراب لأنه لا يزال حريصا\n_________\n(^١) المصدر السابق (٧/ ١٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٣٩، ٦٤٤٠) ومسلم (١١٦ و١١٧ - ١٠٤٨).","vol":"8","page":45},{"text":"على الدنيا حتى يموت ويمتليء جوفه من تراب قبره وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا ويؤيده.\nقوله - ﷺ -: \"ويتوب الله على من تاب\" وهو متفق مع ما قبله ومعناه أن يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات ففي هذا الحديث ذم الحرص على الدنيا وحب المكاثرة بها والرغبة فيها وطول الأمل والله أعلم، ولهذا الحديث آثر كثير من السلف التقلل من الدنيا والقناعة والكفاف فرارا من التعرض لما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته واستعاذ النبي من شدة فتنة الغنى وقد علم كل مؤمن أن الله تعالى قد أعاذه من شر كل فتنة وإنما دعاؤه بذلك تواضعا لله وتعليما لأمته وحضا لهم على إيثار الزهد في الدنيا ا. هـ، قاله في الديباجة.\n\n٢٦٥٣ - وَعَن ابْن عباس - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لَو أَن لابْنِ آدم وَاديا من ذهب لأحب أَن يكون إِلَيْهِ مثله وَلا يمْلأ عين ابْن آدم إِلَا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وروى عن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لو أن لابن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون إليه مثله ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب\" الحديث تقدم الكلام عليه وفي حديث أنس ولا يملأ فاه إلا التراب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٣٦) و(٦٤٣٧) ومسلم (١١٨ - ١٥٤٩).","vol":"8","page":46},{"text":"٢٦٥٤ - وَعَن [ابْن] (^١) عباس بن سهل بن سعد - ﵃ - قَالَ سَمِعت ابْن الزبير على مِنْبَر مَكَّة فِي خطبَته يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِن النَّبِي - ﷺ - كَانَ يَقُول لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا من ذهب أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَو أعطي ثَانِيًا أحب إِلَيْهِ ثَالِثا وَلا يسد جَوف ابْن آدم إِلَا التُّرَاب وَيتُوب الله على من تَابَ رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).\nقوله: وعن عباس بن سهل بن سعد (بسكون العين والهاء وعباس بالموحدة المشددة آخره مهملة والد أبى بن عباس، وعبد المهيمن بن عباس. أدرك زمان عثمان بن عفان، وهو ابن خمس عشرة سنة) (^٣).\nقوله: سمعت ابن الزبير على منبر مكة في خطبته يقول يا أيها الناس إن النبي - ﷺ -: كان يقول: \"لو أن ابن آدم أعطي واديا من ذهب أحب إليها ثانيا ولو أعطي ثالثا ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب\" (الحديث) (^٤).\n\n٢٦٥٥ - وَعَن بُرَيْدَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت النَّبِي - ﷺ - يقْرَأ فِي الصَّلَاة لَو أَن لابْنِ آدم وَاديا من ذهب لابتغى إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَو أعطي ثَانِيًا لابتغى إِلَيْهِ ثَالِثا وَلا يمْلأ جَوف ابْن آدم إِلَا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^٥).\n_________\n(^١) كذا هو في نسخ الترغيب وهي مقحمة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٣٨).\n(^٣) طبقات ابن سعد ٥/ ٢٧١، تهذيب الكمال: ٦٥٧، تاريخ الإِسلام ٤/ ١٧، و٢٦٢، ٢٦٣ تهذيب التهذيب ٥/ ١١٨.\n(^٤) لم يدرج المصنف تحته شرحًا.\n(^٥) أخرجه البزار (٤٤٣٣). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩١١) وقال في صحيح الترغيب (١٧١٦): حسن صحيح.","vol":"8","page":47},{"text":"وعن بريدة (^١) (بن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، أبو عبد الله، وقيل: أبو سهل، وقيل: أبو ساسان بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وهو من المهاجرين. نزل البصرة ثم مرو وقبره بها وشهد خيبر والفتح وكان أميرًا على ربع أسلم، روى عنه ابناه عبد الله وسلمان، والشعبي وجماعة. وكان فارسًا شجاعًا مات سنة ثلاث وستين وقال المقدسي: ابن اثنين أو ثلاث وستين. وهو آخر من مات من الصحابة بخراسان، روي له عن النبي - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفقا على حديث واحد. وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر).\nقوله: سمعت رسول الله يقرأ في الصلاة \"لو أن لابن آدم واديا من ذهب لابتغى ثالثا\" الحديث تقدم معناه.\nتنبيه: وقد ثبت في السنة من رواية الإمام أحمد وغيره أن هذا كان قرءانا فنسخ خطه، وفي رواية عن أنس وابن عباس قال فلا ندري أشيء أنزل أم شيء كان يقوله؟ (^٢)، وروى عن أبي قال: كنا نرى هذا من القرءان حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (^٣) رواه البخاري (^٤) ١. هـ.\n_________\n(^١) ترجمته في طبقات ابن سعد ٤/ ٢٤١ - ٢٤٣، التاريخ الكبير ٢/ ترجمة رقم ١٩٧٧، الجرح والتعديل ٢/ ترجمة ١٩٨٤، أسد الغابة ١/ ٢٠٩، الإصابة ١/ ترجمة رقم ٦٣٢.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٤٨) م من حديث أنس.\nوأخرجه البخاري (٦٤٣٧) ومسلم (١١٨ - ١٠٤٩) عن ابن عباس.\n(^٣) سورة التكاثر، الآية: ١.\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٤٤٠).","vol":"8","page":48},{"text":"٢٦٥٦ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ يجاء بِابْن آدم كَأَنَّهُ بذج فَيُوقف بَين يَدي الله ﷿ فَيَقُول الله لَهُ أَعطيتك وخولتك وأنعمت عَلَيْك فَمَا صنعت فَيَقُول يَا رب جمعته وثمرته فتركته أَكثر مَا كَانَ فارجعني آتِك بِهِ فَيَقُول الله لَهُ أَرِنِي مَا قدمت فَيَقُول يَا رب جمعته وثمرته فتركته أَكثر مَا كَانَ فارجعني آتِك بِهِ فَإِذا عبد لم يقدم خيرا فيمضى بِهِ إِلَى النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ وَهُوَ واه عَن الْحسن وَقَتَادَة عَنهُ وَقَالَ رَوَاهُ غير وَاحِد عَن الْحسن وَلم يُسْنِدُوهُ (^١).\nقَوْله البذج بباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ ذال مُعْجمَة سَاكِنة ثمَّ جِيم هُوَ ولد الضَّأْن شبه بِهِ لما يَأْتِي فِيهِ من الصغار والذل والحقارة.\nقَالَ الْحَافِظ: وَتَأْتِي أَحَادِيث كَثِيرَة فِي ذمّ الْحِرْص وَحب المَال فِي الزّهْد وَغَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يجاء بابن آدم كأنه بذج فيوقف بين يدي الله تعالى\" الحديث قد ضبطه الحافظ وفسره هو ولد الضأن شبه به لما يأتي فيه من الصغار والذل والحقارة وقال في حياة الحيوان البذج من أولاد الضأن بمنزلة العتود من\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في المسند (٩٨)، ومن طريقه الترمذي (٢٤٢٧) والبغوى في شرح السنة (٤٠٥٨)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٥) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أنس. وقال الألباني: ضعيف ضعيف الترمذي وضعيف الجامع (٦٤١٣) وضعيف الترغيب (١٨٨٩).","vol":"8","page":49},{"text":"أولاد المعز وجمعه بذجان قال: الراجر:\nقد هلكت جارتنا من الهمج ... وإن تجمع تأكل عتودا أبو بذج\nقال الجوهري (^١): ومراده بالهمج سوء التدبير في المعاش، وفي الحديث يخرج رجل من الناس كأنه بذج ترْعد أوصاله وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن أنس بن مالك قال: قال: رسول الله - ﷺ -: \"يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج من الذل فيقول الله تعالى أنا خير قسيم يا ابن آدم انظر إلى عملك الذي عملت لي فأنا أجزيك به وانظر إلى عملك الذي عملته لغيرى فإن جزاءه على الذي عملت له\" (^٢) والبذج كلمة فارسية تكلمت بها العرب، وعن بعض الأعراب أنه وجد متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم أمتني ميتة أبي خارجة فقيل وكيف مات أبو خارجة قال أكل بذجا وشرب مشعلا ونام شامسا فلقي الله شبعان ريان دفئان.\nالمشعل إناء ينبذ فيه انتهى.\n_________\n(^١) الصحاح للجوهرى (١/ ٣٥١).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٤١٢١). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ مُدَلِّسُونَ.","vol":"8","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>[التَّرْغِيب فِي طلب الْحَلَال وَالْأكل مِنْهُ والتَّرهيب ما اكْتِسَاب الْحَرَام وَأكله ولبسه وَنَحْو ذَلِك]</span>\n٢٦٥٧ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله طيب لا يقبل إِلَا طيبا وَإِن الله أَمر الْمُؤمنِينَ بمَا أَمر بهِ الْمُرْسلين فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ (^١) وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (^٢)، ثمَّ ذكر الرجل يُطِيل السّفر أَشْعَث أغبر يمد يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء يَا رب يَا رب ومطعمه حرَام ومشربه حرَام وملبسه حرَام وغذي بالحرام فَأنى يُسْتَجَاب لذَلِك رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^٣).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا\" الحديث هذا توطئة لباقي الحديث وهو طيب المطعم لإجابة الدعاء واعلم أن الطيب يطلق بمعان (^٤):\nأحدها المستلذ طبعا نحو هذا طعام طيب: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٥)، والثاني: بمعنى الحلال وهو المتناول بحكم الشرع ويقابله\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ٥١.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٥ - ١٠١٥) والترمذى (٢٩٨٩). وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٧١٧) وغاية المرام (١٧): حسن.\n(^٤) التعيين في شرح الأربعين (ص ١١٤ - ١١٥) للطوفى.\n(^٥) سورة النساء، الآية: ٣.","vol":"8","page":51},{"text":"الخبيث: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (^١).\nوالثالث: الطيب بمعنى الطاهر قال القاضي عياض (^٢): الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنزه عن النقائص والخبائث والعيوب وهو بمعنى القدوس وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث وهذا قد جاء أيضا في حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي - ﷺ -: \"إن الله طيب يحب الطيب نظيف جواد يحب الجود\" أخرجه الترمذي (^٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (^٤) أي الطاهرون للطاهرات والله ﷿ طيب بهذا المعنى أي هو طاهر منزه عن جميع النقائص [ولا يقبل] من الأعمال إلا طاهرا من المفسدات كالزنى والعجب ونحوه ولا من الأموال إلا طاهرا من الحرام.\nقوله: \"لا يقبل إلا طيبا\" قد ورد معناه في حديث الصدقة ولفظه \"لا\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ١٠٠.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٣٥).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٧٩٩)، والبرجلانى في الكرم والجود (١٢)، والدورقى في مسند سعد (٣١)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (٣/ ٤٠٨)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٨)، والبزار (١١١٤)، وأبو يعلى (٧٩٠ و٧٩١)، والدولابى في الكنى (١٢٠٣). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيث غَرِيبٌ وَخَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ يُضَعَّفُ.\nقال البوصيرى في إتحاف الخيرة (٢/ ٢٧٦) و(٤/ ٥٣٧): رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف خالد بن إياس العدوي. وقال الألباني في ضعيف الترمذي، وحجاب المرأة (١٠١)، والصحيحة (٢٣٦ و١٦٢٧)، وغاية المرام ١١٣: ضعيف، وقال في مشكاة المصابيح (٤٤٨٧ حديث ٦٩): حسن.\n(^٤) سورة النور، الآية: ٢٦.","vol":"8","page":52},{"text":"يتصدق من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب\" (^١) والمعنى أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا ولا يحل أن يتقرب بغير ذلك إليه إذا ليس من صفته تعالى قبول الشيء الخبيث والرضي بالمنكر، وإنما لا يقبل الله تعالى الصدقة من المال الحرام لأنه غير مملوك للمتصدق وهو ممنوع من التصرف فيه والتصدق به تصرف فيه فلو قبلت منه لزم أن يكون مأمورا به منهيا عنه من وجه واحد وهو محال لأن أكل الحرام يفسد القلوب فيحرم الرقة والإخلاص فلا تقبل الأعمال قال ابن رجب (^٢): وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث فقال: تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (^٣) الآية وقال: الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (^٤) ووصف الرسول - ﷺ - بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث وقد قيل إنه يدخل في ذلك الأعمال والأقوال والاعتقادات أيضا ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب في قوله تعالى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (^٥) وأن الملائكة تقول عند الموت: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخول الجنة ويقول لهم طبتم وقد ورد في حديث \"إن المؤمن إذا زار أخاه في الله تقول لهم الملائكة طبت وطاب ممشاك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤١٠) و(٧٤٣٠)، ومسلم (٦٣ و٦٤ - ١٠١٤) من حديث أبى هريرة.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(^٣) سورة إبراهيم، الآية: ٢٤.\n(^٤) سورة فاطر، الآية: ١٠.\n(^٥) سورة النحل، الآية: ٣٢.","vol":"8","page":53},{"text":"وتبوأت من الجنة منزلا\" (^١) فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده بما سكن في قلبه من الإيمان وظهر على لسانه من الذكر وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه فهذه الطيبات كلها يقبلها الله ﷿ ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال [للمؤمن] طيب مطعمه وأن يكون من حلال فبذلك يزكو عمله وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكوا إلا بأكل الحلال فإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله فإنه قال: بعد تقريره إن الله لا يقبل إلا طيبا ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (^٣) \" الحديث ففيه دليل على أن الرسل وأممهم سواء في عبادة الله تعالى والدخول تحت خطابه إلا ما قام عليه الدليل من اختصاصهم على الأمم ببعض الأحكام لأن الجميع عبيد\n_________\n(^١) أخرجه: ابن المبارك في المسند (٣)، وفي الزهد، له (٧٠٨)، وأحمد ٢/ ٣٢٦ و٣٤٤ و٣٥٤، وعبد بن حميد (١٤٥١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٤٥)، وابن ماجه (١٤٤٣)، والترمذي (٢٠٠٨)، وابن حبان (٢٩٦١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١/ ٣٣٠ رقم ٨٦١٠) وفي الآداب، له (ص ٧٣ - ٧٤ رقم ١٨١)، والبغوي (٣٤٧٢) و(٣٤٧٣) عن أبي هريرة. وقال الألباني: صحيح لغيره صحيح الترغيب (٢٥٧٨) ورياض الصالحين (٣٦٦) وصحيح الترغيب (٣٤٧٤) المشكاة (١٥٧٥ و٥٠١٥/ التحقيق الثانى) وقال حسن لغيره.\n(^٢) سورة المؤمنون، الآية: ٥١.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.","vol":"8","page":54},{"text":"إليه مأمورون بعبادة الله ﷿، والظاهر أن المراد بالطيبات في الآيتين الحلال بدليل ما سبق قبله وما بعده من ذم المطعم الحرام ا. هـ، والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال وبالعمل الصالح فما دام الأكل حلالا فالعمل الصالح مقبول فإذا كان الأكل غير حلال فكيف يكون العمل مقبولا؟!.\nقوله: \"ثم ذكر الرجل يطيل السفر\" هذا من كلام أبي هريرة يعني أن النبي - ﷺ - بعد ما سبق ذكره استطرد الكلام حتى \"ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر\" الحديث معناه والله أعلم يطيل السفر في وجوه الطاعات كالحج والجهاد وزيارة مستحبة وصلة رحم وما أشبه ذلك من أسفار الطاعات إلا أن أشعث يدل على المحرم والشعث في الشعر والغبرة في سائر الجسد.\nقوله: \"يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب\" هذا الكلام أشار فيه بإلى آداب الدعاء وإلى الأسماء التي تقتضي إجابته وإلى ما يمنع من إجابته فذكر أن الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة أحدها إطالة السفر والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - \"ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده\" رواه أبو داود والترمذي (^١) وعنده دعوة الوالد على ولده\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٥٣٦) والترمذى (١٩٠٥) و(٣٤٤٨). وقال الألباني: حسن صحيح أبي داود وصحيح الترمذي والصحيحة (٥٩٦، ١٧٩٧)، وصحيح الأدب المفرد (٣٢ و٤٨١) وصحيح الترغيب (١٦٥٥) و(٢٢٢٦) و(٣١٣٢).","vol":"8","page":55},{"text":"ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل المشاق والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء.\nوالثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة، والشعث والإغبرار وهو أيضا من المقتضيات لإجابة الدعاء كما في حديث عن النبي - ﷺ - \"رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره\" (^١)، ولما خرج النبي - ﷺ - للاستسقاء خرج متبذلا متواضعا متضرعا (^٢).\nالثالث: مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى فسببها إجابته وفي حديث سلمان عن النبي - ﷺ - \"إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين\" رواه الإمام أحمد وابن ماجه (^٣) وكان النبي - ﷺ - يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٨ - ٢٦٢٢) و(٤٨ - ٢٨٥٤) وابن حبان (٦٤٨٣) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١١٦٥)، والترمذى (٥٥٨ و٥٥٩) وابن ماجه (١٢٦٦)، والنسائى في المجتبى ٣/ ٢٧٧ (١٥٢٢) و٣/ ٢٧٩ (١٥٢٤) و٣/ ٢٩٠ (١٥٣٧) من حديث ابن عباس. وقال الألباني: حسن المشكاة (١٥٠٥) وإرواء الغليل (٦٦٥ و٦٦٩).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٨ (٢٤٢١١)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وأبو داود (١٤٨٨)، والترمذى (٣٥٥٦). وقال الألباني: حديث صحيح، المشكاة ٢٢٤٤ وصحيح أبي داود (١٣٣٧) والترغيب (١٦٣٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٠٣١) و(٣٥٦٥)، ومسلم (٨٩٥) م وأبو داود (١١٧٠)، وابن ماجه (١١٨٠) عن أنس.","vol":"8","page":56},{"text":"ورفع يديه يوم بدر يستنصر على المشركين حتى سقط رداءه عن منكبيه (^١).\nالرابع: تناول الحلال في المطعم والمشرب والملبس ونشوء الجسد على الغذاء الحلال، وبالجملة اجتناب الحرام من كل شيء شرط إجابته وأن تناول الحرام مانع منه ووجه ذلك أن مبتدأ إرادة الدعاء القلب ثم تفيض تلك الإرادة على اللسان فينطق به، والقلب يفسد بتناول الحرام وإذا فسد القلب فسد الجسد وجوارحه والفاسد ليس بطيب والله ﷿ لا يقبل إلا الطيب فالله ﷿ لا يقبل دعاء من أكل الحرام وغذي به.\nقوله: \"وغذي بالحرام\" بغين معجمة مضمومة وذال معجمة مكسورة مخففة أي كان غذاؤه الحرام.\nقوله - ﷺ -: \"فأنى يستجاب لذلك\" أي من أين يستجاب لمن هذا صفته وكيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحا في استحالة الإجابة ومنعها بالكلية وقال بعضهم: إن قوله - ﵇ -: \"فأنى يستجاب لذلك\" استبعاد للإجابة مع أكل الحرام ومعناه أنه ليس أهلًا لإجابة في عائه لكن يجوز أن يستجيب الله تفضلًا ولطفًا وكرما قاله القرطبي (^٢) والطوفي (^٣) واعلم أن هذا الحديث كثير النفع لأنه تضمن بيان حكم الدعاء\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٨ - ١٧٦٣) وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١) عن عمر بن الخطاب.\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٩/ ٢٩).\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ١١٦) للطوفى.","vol":"8","page":57},{"text":"وشرطه ومانعه وهو أحد الأحاديث التي هي قواعد الإِسلام ومباني الأحكام وفيه الحث على الإنفاق من الحلال والنهي عن الإنفاق من غيره وفيه أن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن يكون حلالا خالصا لا شبهة فيه وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره وتقدم قريبا آداب الدعاء وشروطه مبسوطًا.\nفوائد: قد روي عن النبي - ﷺ - في صفة رفع الإنسان يديه في الدعاء أنواع متعددة منها أنه كان يشير بإصبعيه السبابة فقط، ومنها أنه رفع يديه وجعل ظهورها إلى جهة القبلة وهو مستقبلهما وجعل بطونهما مما يلي وجهه وقد وردت هذه الصفة عن النبي - ﷺ - في دعاء الاستسقاء واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجورجاني، وقال بعض السلف: الرفع على الوجه تضرع، ومنها عكس ذلك وقد روى النبي - ﷺ - في الاستسقاء أيضا وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك وروي عن النبي - ﷺ - أنه إذا كان استعاذ رفع يديه على هذا الوجه، ومنها رفه يديه وجعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله ﷿، ومنها عكس ذلك وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وظهورهما مما يلي الأرض ا. هـ ذكره الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي (^١).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٨٨ - ٢٩٠).","vol":"8","page":58},{"text":"٢٦٥٨ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ طب الْحَلَال وَاجِب على كل مُسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله (^١).\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"طلب الحلال واجب على كل مسلم\" الواجب هو الذي يثاب فاعله أكثر من ثواب السنة بأضعاف كثيرة ويعاقب تاركه كالوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وطلب العلم وغير ذلك.\n\n٢٦٥٩ - وروي عن عبد الله بن مسعودٍ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: طلب الحلال فريضةٌ بعد الفريضة. رواه الطبراني والبيهقي (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٨/ ٢٧٢ رقم ٨٦١٠). وأخرجه ابن شاذان في الثامن من أجزائه (١٠٩)، وابن البخترى في مجموعه (١١٨) والضياء في المنتقى من مسموعات مرو (٢٣٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩١): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٣٨٢٦)، وضعفه في الترغيب (١٠٦٦).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الكبير (١٠/ ٧٤ رقم ٩٩٩٣) وعنه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٣١٦) ومعرفة الصحابة (٤٥٠٧) والحلية (٧/ ١٢٦)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٣/ ٣٢٠)، وابن الأعرابى في المعجم (١١٦٧)، وابن المقرئ في المعجم (٢٧٤) وعنه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٣١٦)، وابن جميع في المعجم (١/ ١٠٦) ومن طريقه الذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ٧٨ - ٧٩) وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٥)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٢١) و(١٢٢)، والبيهقى في شعب الإيمان (١١/ ١٧٥ رقم ٨٣٦٧) والكبرى (٦/ ٢١١ رقم ١١٦٩٥). قال الذهبي: عباد واه.\nوقال الألباني في الضعيفة (٦٦٤٥): منكر، وقال في ضعيف الترغيب (١٠٦٧): ضعيف.","vol":"8","page":59},{"text":"قوله - ﷺ -: \"طلب الحلال فريضة بعد الفرائض\" الحديث أعلم أن الفرض ينقسم على قسمين فرض عين وفرض كفاية ففرض الكفاية كل علم يفتقر إليه في صالح العباد كعلم الطب والحساب لقسمة المواريث وعلم الحياكة والخياطة وغير ذلك إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين وأما فرض العين فهو واجب على كل مكلف في خاصة نفسه كصلاة الفرض والجمعة وغير ذلك والله أعلم.\n\n٢٦٦٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من أكل طيبا وَعمل فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الْجنَّة، قَالُوا يَا رَسُول الله إِن هَذَا فِي أمتك الْيَوْم كثير قَالَ وسيكون فِي قُرُون بعدِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٥٤٨)، والفسوى في مشيخته (١١٧) ومن طريقه البيهقى في الشعب (٧/ ٥٠١ رقم ٥٣٦٨)، والترمذى (٢٥٢٠) وفى العلل (٦١٩)، والطبرانى في الأوسط (٤/ ٢٥ رقم ٣٥٢٠)، والحاكم (٤/ ١٠٤)، واللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٩) من طريق إسرائيل عن هلال بن مقلاص الصيرفي عن أبي بشر عن أبي وائل عن أبي سعيد الخدري.\nقال أحمد بن حنبل كما في العلل المتناهية (٢/ ٢٦٣): ما سمعت بأنكر من هَذَا الحديث لا أعرف هلال بْن مقلاص ولا أَبَا بشر وأنكر الحديث إنكارًا شديدًا.\nقال الترمذي في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعرف أبا بشر هذا، ولا أدري ما هذا الحديث وعرف هذا الحديث من هذا الوجه وضعفه.\nوقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني: ضعيف ما عدا الجزء الأخير ضعيف الترمذي وضعيف الترغيب (٢٩) و(١٠٦٨)، وقال في الضعيفة (٦٨٥٥): منكر.","vol":"8","page":60},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أكل طيبا وعمل في سنة وأمن الناس بوائقه\" الحديث تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق.\n\n٢٦٦١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ أَربع إِذا كن فِيك عَلَيْك مَا فاتك من الدُّنْيَا حفظ أَمَانَة وَصدق حَدِيث وَحسن خَلِيقَة وعفة فِي طعمة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وإسنادهما حسن (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا فذكره\" إلى أن قال \"وعفة في طعمة\" الطعمة بالضم والكسر وجه المكسب يقال: هو طيب الطعمة وخبيب الطعمة وهي بالكسر خاصة حالة الأكل قاله في الديباجة (^٢).\n\n٢٦٦٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ أَيّمَا رجل اكْتسب مَالا من حَلَال فأطعم نَفسه أَو كساها فَمن دونه من خلق الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٥٤٦)، وأحمد ٢/ ١٧٧ (٦٧٦٣)، والطبرانى في الكبير (١٣/ ٣٢٢ رقم ١٤١٢٠) و(١٤/ ١٠٧ رقم ١٤٧٢٥)، والحاكم ٤/ ٣١٤، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٧/ ٢٠١ رقم ٤٨٧٨)، والبيهقى في الشعب (٦/ ٤٤٩ رقم ٤٤٦٣) و(٧/ ٢٠٢ رقم ٤٨٧٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٥): رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُمَا حَسَنٌ.\nوقال الألباني في الصحيحة (٧٣٣): وهذا سند حسن، بل صحيح وصححه في صحيح الترغيب (١٧١٨).\n(^٢) ذكره ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٢٦).","vol":"8","page":61},{"text":"كَانَ لَهُ بِهِ زَكاة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أيما رجل كسب مالا من حلال فأطعم نفسه أو كساها فمن دونه من خلق الله كان له به زكاة\" (أي أنفق وكسا أولاده أو غيرهم من عباد الله من كسبه. فإنها أي هذه الخلة وفي الإنفاق على النفس أو على الغير أو عليهما، له زكاة أي نمو في ماله وأعماله وبركة وطهرة).\nقوله: من طريق دراج عن أبي الهيثم (ضعفه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما وصحح حديثه عن الهيثم الترمذي، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وغيرهم).\n\n٢٦٦٣ - وَعَن نصيح الْعَنسِي عَن ركب الْمصْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - طُوبَى لمن طَابَ كَسبه وصلحت سَرِيرَته وكرمت عَلَانِيَته وعزل عَن النَّاس شَره طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي التَّوَاضُع إِن شَاءَ الله (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤٢٣٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣٠). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الألباني في التعليق على الترغيب (١٠٦٩): ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٣٨)، والبغوى في معجم الصحابة (٢/ ٤١٧)، والطبرانى في الكبير (٥/ ٧١ رقم ٤٦٤١) ومسند الشاميين (٢/ ٥٦ رقم ٩١٢)، وابن منده =","vol":"8","page":62},{"text":"قوله: وعن نصيح العنسي عن ركب المصري (^١) ويقال: أنه ليس بمشهور في الصحابة وقد أجمعوا على ذكره فيهم روى عنه نصيح، قال أبو عُمر في كتاب الصحابة: ركب المصري له حديث واحد عن النبي - ﷺ - (^٢).\nقوله: - ﷺ - في الحديث \"طوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته\" الحديث.\n[قوله: \"طوبى\" تقدم الكلام عليها مرارا.\nوقوله: \"طَابَ كَسبه\" المراد بطيب الكسب الحلال، وفى هذا الحديث أدب وحض على خصال من الخير والحكمة والعلم.\nقال الإمام القرطبي: الشاهد فيه قوله: \"طوبى لمن عمل بعلمه\" ولم يقل طوبى لمن قال بعلمه وسيأتى الحديث بتمامه].\n_________\n= في معرفة الصحابة (ص ٦٥٨ - ٦٥٩)، والسلمى في طبقات الصوفية (ص ٢٩٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٨٣٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٧٥٤ - ١٧٥٥). قال ابن حبان في الثقات (٣/ ١٣٠): ركب الْمصْرِيّ يُقَال إِن لَهُ صُحْبَة إِلَّا أَن إِسْنَاده لَيْسَ مِمَّا يعْتَمد عَلَيْهِ وَهُوَ من حَدِيث أهل الشَّام. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٩: رواه الطبراني من طريق نصيح العنسي عن ركب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٧٠) و(١٧٣٢): ضعيف.\n(^١) التاريخ الكبير للبخارى (٣/ ٣٣٨)، ومعجم الصحابة للبغوى (٢/ ٤١٧)، الجرح والتعديل (٣/ ٥٢٠)، وذكر اسم كل صحابي (ص ١٢٠ رقم ٢٠١) للأزدى، معرفة الصحابة (ص ٦٥٨ - ٦٥٩) لابن منده، ومعرفة الصحابة (٢/ ١١٢٩) لأبى نعيم، الاستيعاب (٢/ ٥٠٨) لابن عبد البر، والمتفق والمفترق (٣/ ١٧٥٤ - ١٧٥٥) للخطيب، وأسد الغابة (٢/ ٢٩٤)، والإصابة (٢/ ٤١٤).\n(^٢) الاستيعاب (٢/ ٥٠٨) لابن عبد البر.","vol":"8","page":63},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من اشترى ثوبا وفيه درهم من حرام لم تقبل له صلاة ما دام عليه\" تقدم الكلام على القبول.\n\n٢٦٦٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عباس - ﵄ - قَالَ تليت هَذِه الآيَة عِنْد رَسُول الله - ﷺ - يَا أَيهَا النَّاس كلوا مِمَّا فِي الأرْض حَلالًا طيبا الْبَقَرَة فَقَامَ سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - فَقَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مستجاب الدعْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي - ﷺ - يَا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعْوَة وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدهِ إِن العَبْد ليقذف اللُّقْمَة الْحَرَام فِي جَوْفه مَا يتَقَبَّل مِنْهُ عمل أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَيّمَا عبد نبت لَحْمه من سحت فَالنَّار أولى بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير (^١).\n[قوله: وروى عن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله: لسعد \"يَا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعْوَة\" الحديث، فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لإجابة الدعاء، وروى عكرمة بن عمار: حدثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت، وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحا أجيبت دعوته (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٦/ ٣١٠ - ٣١١ رقم ٦٤٩٥) عن ابن عباس. وقال الطبرانى: لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ الاحْتِيَاطِيُّ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩١): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ، وَفِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُمْ. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٨١٢) وضعيف الترغيب (١٠٧١) وقال: ضعيف جدا.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٧٥).","vol":"8","page":64},{"text":"وقال بعض السلف: ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلي من خمسمائة حجه (^١).\nقوله: \"وَأَيّمَا عبد نبت لَحْمه من سحت فَالنَّار أولى بِهِ\" الحديث السحت بضم السين والحاء المهملة وبإسكان الحاء وبضمهما قراءتان قرئ بهما في السبع، والسحت كل حرام يلحق آكله منه عار (^٢)، ولذلك غلب في الرشا، سمى سحتا لأنه يسحت البركة ويذهب بها، أو لأنه يكون فيه هلكة من قولهم أسحت الله الظالم وسحته أي أهلكه (^٣). أ. هـ.\n\n٢٦٦٥ - وَرُوِيَ عَن عَليّ - ﵁ - قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فطلع علينا رجل من أهل الْعَالِيَة فَقَالَ يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بأشد شَيْء فِي هَذَا الدّين وألينه فَقَالَ ألينه شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وأشده يَا أَخا الْعَالِيَة الأمَانَة إِنَّه لا دين لمن لا أَمَانَة لَهُ وَلا صَلأة لَهُ وَلا زَكَاة لَهُ يَا أَخا الْعَالِيَة إِنَّه من أصَاب مَالا من حرَام فَلبس مِنْهُ جلبابا يَعْني قَمِيصًا لم تقبل صلَاته حَتَّى ينحى ذَلِك الجلباب عَنهُ إِن الله ﷿ أكْرم وَأجل يَا أَخا الْعَالِيَة من أَن يقبل عمل رجل أَو صلَاته وَعَلِيهِ جِلْبَاب من حرَام رَوَاهُ الْبَزَّار وَفِيه نَكَارَة (^٤).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٣).\n(^٢) مجمل اللغة (ص ٤٨٩)، وتحفة الأبرار (١/ ٤٨١).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٤٨١).\n(^٤) أخرجه البزار (٨١٩) ومن طريقه الشجرى في الأمالى (١٧٥). قال البزار: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا إِلَّا هَذَا الْإِسْنَادَ، وَأَبُو الْجَنُوبِ، فَلَا نَعْلَمُ أَسْنَدَ عَنْهُ إِلَّا النَّضْرُ بْنُ مَنْصُور. =","vol":"8","page":65},{"text":"قوله: وروى عن على تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فطلع علينا رجل من أهل الْعَالِيَة\" العالية تجمع على عوالى تكرر ذكرها في الحديث في غير ما موضع وهي أماكن بأعلى أرض المدينة والنسب إليها علوى على غير قياس، وعوالى المدينة عبارة عن مواضع وقرى بِقرب المدينة من فوقها من جِهَة الشرق، وَأقرب العوالي إِلَى الْمَدِينَة على ميلين أَو ثَلَاثَة أَمْيَال أو أَرْبَعَة، وأبعدها من جهة نجد ثَمَانِيَة أميال والميل معروف ذكره النووى: أربعة آلاف خطوة بخطو البعير (^١)، وحده ابن حبيب المالكى بألفى ذراع، وحده غيره بثلاثة آلاف وخمسمائة وصححه ابن عبد البر قال ابن الفاكهانى (^٢): وهو أصح ما قيل فيه، وقال النووى في شرح مسلم في آخر كتاب الاستئذان: والميل ستة آلاف (^٣)، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"من أصَاب مَالا من حرَام فَلبس مِنْهُ جلبابا يَعْني قَمِيصًا لم تقبل [لم يقبل الله] صلَاته حَتَّى ينحى ذَلِك [القميص] الجلباب عَنهُ\".\nالجلباب هو القميص كما فسر في الحديث وقيل ثوب واسع فوق الرداء تغطى به المرأة ظهرها وصدرها، وقال في النهاية: الجلباب الإزار والرداء\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٢): رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ أَبُو الْجَنُوبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.\nوقال الألباني في الضعيفة (٦٦٧١): منكر جدًّا، وقال في ضعيف الترغيب (١٠٧٢) و(١٧٧٢): ضعيف جدا.\n(^١) روضة الطالبين (١/ ٣٨٥).\n(^٢) رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (٥/ ٥٩٦)\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٥/ ١٩٥) و(١٤/ ١٦٥).","vol":"8","page":66},{"text":"(^١)، وقال العلماء الجلباب بكسر الجيم هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها وقيل هو الخمار، وقال ابن الأعرابي: هو الإزار وقال النضر بن شميل: هو ثوب أقصر من الخمار وأعرض من المقنعة تغطى به المرأة رأسها أ. هـ. قاله في مختصر الكفاية (^٢).\nقوله: \"لم يقبل الله صلاته حتى ينحى ذلك الجلباب عنه\" الحديث، قال العلماء: انتفاء القبول قرروه في مواضع مع ثبوت الصحة كالعبد إذا أبق لا تقبل له صلاة وما أشبه ذلك والقواعد الشرعية تقتضى أن العبادة إذا أتى بها مطابقة للأمر كانت مسببا للثواب والدرجات والأجر (^٣) أ. هـ.\n\n٢٦٦٦ - وَروِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ من اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم وَفِيه دِرْهَم من حرَام لم يقبل الله ﷿ لَهُ صَلَاة مَا دَامَ عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ أَدخل أصبعيه فِي أُذُنَيْهِ ثمَّ قَالَ صمتا إِن لم يكن النَّبِي - ﷺ - سمعته يَقُوله رَوَاهُ أَحْمد (^٤).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٣).\n(^٢) مختصر الكفاية في اختلاف الفقهاء لعلي بن سعيد العبدرى. وقد نقل هذه الأقوال الرافعى في شرح مسند الشافعي (٢/ ٢٧٦) وابن قرقول في مطالع الأنوار (٢/ ١٢٥)، والنووى في المجموع شرح المهذب (٣/ ١٧٢).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٦٤).\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٩٨ (٥٨٣٦)، وعبد بن حميد في المنتخب (٨٤٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٢: رواه أحمد من طريق هاشم، عن ابن عمر، وهاشم لم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا على أن بقية مدلس. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٢/ ٢٥١: هذا إسناد ضعيف، لتدليس بقية بن الوليد، وجهالة التابعي. وقال الألباني في الضعيفة (٨٤٤): ضعيف جدا، وضعفه في ضعيف الترغيب (١٠٧٣).","vol":"8","page":67},{"text":"قوله وعن ابن عُمر تقدم الكلام عليه.\nقوله: من اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم وَفِيه دِرْهَم من حرَام لم يقبل الله ﷿ لَهُ صَلَاة مَا دَامَ عَلَيْهِ تقدم الكلام عليه.\n\n٢٦٦٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من اشْترى سَرقَة وَهُوَ يعلم أَنَّهَا سَرقَة فقد اشْترك فِي عارها وإثمها رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده احْتِمَال للتحسين وَيُشبه أَن يكون مَوْقُوفا (^١).\nقوله: وروى عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في عارها وإثمها\" الحديث (وفي رواية للطبراني من أكلها وهو يعلم أنها سرقة فقد\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق في المسند (٤١٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥)، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٥٤٨ - ٥٤٧ رقم ١٠٨٢٦) والشعب (٧/ ٣٥١ - ٣٥٢ رقم ٥١١٢).\nوقال الدارقطني في العلل (٢١٠٤): يَرْوِيهِ مُصْعَبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَأَسْنَدَهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَرْسَلَهُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَالْمُرْسَلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ.\nوقال في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ٢٠٦): غريب من حديثه عن أبي هريرة، تفرد به مصعب بن سعد بن شرحبيل عنه، وتفرد به مسلم بن خالد الزنجي عنه مرفوعًا.\nوقال الحاكم: شُرَحْبِيلُ هَذَا هُوَ ابْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ سَيِّئَ الرَّأْيِ فِيهِ وَالْحَدِيثُ صَحِيح وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وتعقبه الذهبي فقال: قلت: فيه الزنجي، وشرحبيل مولى الأنصار وهما ضعيفان. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٧٤) وغاية المرام (٣٤٣): ضعيف.","vol":"8","page":68},{"text":"أشرك في إثم سرقتها) (^١).\n\n٢٦٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لِأَن يَأْخُذ أحدكُم حبله فَيذْهب بهِ إِلَى الْجَبَل فيحتطب ثمَّ يَأْتِي بِهِ فيحمله على ظَهره فيأكل خير لَهُ من أَن يسْأَل النَّاس وَلِأن يَأْخُذ تُرَابا فَيَجْعَلهُ فِي فِيهِ خير لَهُ من أَن يَجْعَل فِي فِيهِ مَا حرم الله عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب به إلى الجبل فيستحطب\" الحديث تقدم الكلام عليه قريبا.\nقوله - ﷺ -: \"ولأن يأخذ ترابا فيجعله في فيه خيرا له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه\" المراد بذلك أكل الحرام.\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الكبير (٢٥/ ٣٥ رقم ٦١) من حديث آمِنَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٣: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُمْ.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٥٧ (٧٦٠٧٠) عن يزيد بن هارون، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٢٧٦٠) من طريق حفص بن عبد الرحمن. كلاهما (يزيد بن هارون وحفص بن عبد الرحمن) عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبى الدنيا في الورع (١١٧) ومن طريقه البيهقى في الشعب (٧/ ٥٠٧ - ٥٠٨ رقم ٥٣٧٩).\nووقع عند ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن سعيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن موسى بن بسار، عن أبي هريرة. ورجح الثانى البيهقى.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٣: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ وُثَقَ. وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٧/ ٣٨٥: سنده صحيح. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٧٥) والضعيفة (٥١٧٢): ضعيف.","vol":"8","page":69},{"text":"٢٦٦٩ - وَعنهُ - ﵁ -: أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا أدّيت زَكاة مَالك فقد قضيت مَا عَلَيْك وَمن جمع مَالا حَرَامًا ثمَّ تصدق بِهِ لم يكن لَهُ فِيهِ أجر وَكانَ إصره عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم كلهم من رِوَايَة دراج عَن ابْن حجيرة عَنهُ (^١).\nوَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي الطُّفَيْل وَلَفظه قَالَ من كسب مَالا من حرَام فَأعتق مِنْهُ وَوصل مِنْهُ رَحمَه كانَ ذَلِك إصرا عَلَيْهِ (^٢).\n\n٢٦٧٠ - وروى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل عَن الْقَاسِم بن مخيمرة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من اكتسب مَالا من مأثم فوصل بِهِ رَحمَه أَو تصدق بِهِ أَو\n_________\n(^١) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (١٣٨٣ و١٣٨٤)، وابن ماجه (١٧٨٨)، والترمذى (٦١٨)، والبزار (٩٤٠٦)، وابن خزيمة (٢٤٧١) وابن حبان (٣٢١٦) والحاكم (١/ ٣٩٠) وعنه البيهقى في الشعب (٥/ ١٣٩ رقم ٣٢٠٢). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقال الألباني في صحيح الترغيب (٧٥٢) و(١٧١٩): حسن، وضعفه في ضعيف سنن ابن ماجه وضعيف الترمذي، ضعيف الجامع الصغير (٣١٢) وقال في الضعيفة (٢٢١٩): ثم وجدت للحديث شاهدا من رواية أبي هريرة بسند حسن، ومن أجله كنت أوردته في صحيح الترغيب (٨ - صدقات)، فهو به قوي، وينقل إلى الصحيحة.\n(^٢) أخرجه الطبرانى كما في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٣. والحديث أخرجه قاضى المارستان في مشيخته (٤٤٥) من طريق عمر بن محمد الأسدي قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن أبان عن الحسن بن الحر عن أبي الطفيل. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ١١١ - ١١٢): تفرد به محمد بن أبان عن الحسن بن الحر عنه، وتفرد به محمد بن الحسن الأسدي عنه. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٩٣: وفيه محمد بن أبان الجعفي، وهو ضعيف. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٧٢٠): حسن لغيره.","vol":"8","page":70},{"text":"أنفقهُ فِي سَبِيل الله جمع ذَلِك كُله جَمِيعًا فقذف بِهِ فِي جَهَنَّم (^١).\nقوله: وعنه أيضا تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ومن جمع مالا حراما ثم تصدق به ولم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه الإصر الإثم\" وأصله من الضيق والحبس يقال أصره يأصره إذا حبسه وضيق عليه والله أعلم، وفي رواية الطبراني \"من كسب مالا حراما\" وفي مراسيل أبي داود \"من اكتسب مالا من مأثم فوصل به رحمه\" الحديث.\nأعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:\nأحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوها عن نفسه فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه بمعنى أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصدقه في مال غيره بغير إذنه ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم القصد ونيته كذا قال جماعة من العلماء منهم ابن عقيل من الحنابلة، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال: وجدت لقطة آفأتصدق بها قال: لا تؤجر أنت ولا صاحبها ولعل مراده إذا تصدق بها قبل أن يعرفها (التعريف الواجب).\nالوجه الثاني: من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء منهم الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وإن لم يعرف صاحبها وجعلوه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في المراسيل (١٣١).","vol":"8","page":71},{"text":"إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان وكذلك الغصوب وروى عن مالك بن دينار قال: سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه قال: يتصدق به ولا أقول أن ذلك يجزي عنه.\nقال مالك: كان هذا القول من عطاء أحب إلى من وزنه ذهبا والمشهور عن الشافعي رحمه الله تعالى في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يتلفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب والصحيح الصدقة لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه وإرصاده أبدا يعرض له الإتلاف واستيلاء الظلمة عليه والصدقة ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا منه بالخبيث وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث تعذر الانتفاع به في الدنيا قاله: ابن رجب في شرح الأربعين النووية (^١).\nفائدة: قال الغزالي في الإحياء (^٢): لعلك تقول الأموال المحرمة من المكوس وغيرها إذا كثرت وانتشرت في أيد الناس بحيث لا يخلو أحد منها أن من أخذ منها شيئا لا يملكه ومن وضع يده على شيء من هذه الأموال المأخوذة بالظلم والبيع الفاسد يجوز غصبها وأخذها منه لكونها غير مملوكة وهذا باطل لأن كل ما جاوز حده انعكس إلى ضده وكل من وضع\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٦٤ - ٢٦٩) بتصرف.\n(^٢) الإحياء (٢/ ١٠٧ - ١٠٨) بتصرف.","vol":"8","page":72},{"text":"يده على شيء من هذه الأموال بطريق المعاملة أو غيرها من الطرق المأذون فيها شرعا ملكه ولم يحل انتزاعه منه وعاد الحلال إلى الحل للضرورة. والله أعلم.\n\n٢٦٧١ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله قسم بَيْنكُم أخلاقكم كمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم وَإِن الله يُعْطي الدُّنْيَا من يحب وَمن لا يحب وَلا يُعْطي الدّين إِلَّا من يحب فَمن أعطَاهُ الله الدّين فقد أحبه وَلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسلم أَو لَا يسلم عبد حَتَّى يسلم أَو يسلم قلبه وَلسَانه وَلَا يُؤمن حَتَّى يُؤمن جَاره بوائقه قَالُوا وَمَا بوائقه قَالَ غشمه وظلمه وَلَا يكْسب عبد مَالا حَرَامًا فَيتَصَدَّق بِهِ فَيقبل مِنْهُ وَلا ينْفق مِنْهُ فيبارك لَهُ فِيهِ وَلَا يتْركهُ خلف ظَهره إِلَا كَانَ زَاده إِلَى النَّار إِن الله تَعَالَى لَا يمحو السئ بالسيئ وَلَكِن يمحو السيئ بالْحسنِ إِن الْخَبيث لَا يمحو الْخَبيث رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد وَقد حسنها بَعضهم وَالله أعلم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٤٤)، وأحمد في المسند ١/ ٣٨٧ (٣٧٤٦)، والعدنى في الإيمان (٦٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٣١٣، وابن أبي عاصم في الزهد (٢٠٩)، والدولابى في الكنى (١/ ٤٣٥)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٧٩)، والشاشي (٨٧٧)، والحاكم في المستدرك (١/) و(٢/ ٤٤٧)، وابن مردويه في ثلاثة مجالس (٥ و٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٦٦)، وابن بشران في الأمالى (٣٥٨)، والبيهقي في الشعب (٢/ ١١٩ رقم ٥٩٩) و(٧/ ٣٦٦ رقم ٥١٣٦) والقضاء والقدر (ص ٢٦٤ رقم ٣٦٥ و٣٦٦ و٣٦٧)، والبغوي (٢٠٣٠). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. =","vol":"8","page":73},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ -: \"ولا يكسب عبدا مالا حراما فيتصدق منه فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك فيه\" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\nفائدة: في كتاب الأبرار للزمخشري (^١) وأنشد المبرد:\nما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا عصاه الحياء والكرم\nفلا إلى حرمة مددت يدي ... ولا مشيت بي إلى ريبة قدم\nفائدة: في كتاب الأبرار للزمخشري (^٢) وفي رحلة ابن الصلاح التي بخطه قال الحسن البصري: لو وجدت رغيفًا من حلال لأحرقته ثم دققته وداويت به المرضى ثم قال: اختلطت غنم البادية بغنم أهل الكوفة فسأل أبو حنيفة كم تعيش الشاة فقالوا سبع سنين فترك أكل لحم الغنم سبع سنين ا. هـ، وحكى\n_________\n= وقال الدارقطني في العلل (٨٧٢): يَرْوِيهِ زُبَيْدٌ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَرَفَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ، عَنْ عيسى بن يونس، عن الثوري، عن زبيد. وَتَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَوَقَفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زُبَيْدٍ. وَكَذَلِكَ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَرُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ زُبَيْدٍ، مَرْفُوعًا أَيْضًا.\nوَرَوَاهُ الصَّبَّاحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ وَهُوَ كُوفِيٌّ أَحْمَسِيٌّ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، مَرْفُوعًا أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٣): رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ بَعْضُهُمْ مَسْتُورٌ، وَأَكْثَرُهُمْ ثِقَاتٌ. وضغفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٧٦) و(١٥١٩) وضعيف الجامع (١٦٢٥).\n(^١) ربيع الأبرار ونصوص الأخيار (٣/ ٤١٩).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٤١٦) و(٣/ ٤١٣)","vol":"8","page":74},{"text":"عن وهب بن منبه قال: بلغني أن موسى ﵊ مر برجل قائم يدعوا ويتضرع طويلا وهو ينظر إليه فقال موسى يا رب أما تستجب لعبدك فأوحى الله تعالى إليه يا موسى إنه لو بكى حتى تلفت نفسه ورفع يديه حتى بلغت عنان السماء ما استجبت له قال يا رب ولم ذلك قال: لأن في بطنه الحرام وعلى ظهره الحرام وفي بيته الحرام، وقال مالك بن دينار ﵀: أصاب الناس قحط فخرجوا مرارا يستسقون فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلي بأبدان نجسة وترفعون إلي أيدي قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن يزدادوا مني إلا بعدا ا. هـ.\nفائدة: وَهْب بن مُنَبِه بفتح الواو وسكون الهاء ومنبه بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشددة ابن كامل الصغاني الجليل المشهور بمعرفة الكتب الماضية قال: قرأت من كتب الله اثنين وتسعين كتابا وهو من أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، وقيل أصله من هراة مات سنة أربع عشرة ومائة وله أخ اسمه همام بفتح الهاء وتشديد الميم بن منبه وهو أيضا تابعي وكان أكبر من وهب توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة والله أعلم.\nفائدة: وفي حديث ابن مسعود (^١) \"ما اجتمع حلال وحرام إلا غلب\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٢٧٧٢). قال البيهقي في الكبرى (٧/ ٢٧٥): رواه جابر الجعفي عن ابن مسعود، وجابر ضعيف، والشعبي عن ابن مسعود منقطع. وقال الألباني في الضعيفة (٣٨٧): لا أصل له.","vol":"8","page":75},{"text":"الحلال أي إذا امتزج الحرام بالحلال وتعذر تميزهما كالماء والخمر ونحو ذلك صار الجميع حراما قاله في النهاية (^١).\n\n٢٦٧٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يُبَالِي الْمَرْء مَا أَخذ أَمن الْحَلَال أم من الْحَرَام رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَزَاد رزين فِيهِ فَإذْ ذَلِك لَا تجاب لَهُم دَعْوَة (^٢).\n\n٢٦٧٣ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ سُئِلَ رَسُول الله - ﷺ - عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس النَّار قَالَ الْفَم والفرج وَسُئِلَ عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة قَالَ تقوى الله وَحسن الْخلق رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح غَرِيب (^٣).\nقوله: وعنه تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٧٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٤٣٥ (٩٧٥١) و٢/ ٤٥٢ (٩٩٧٣) و٢/ ٥٠٥ (١٠٧١٢)، والدارمى (٢٧٣٢)، والبخارى في الصحيح (٢٠٥٩) و(٢٠٨٣)، والمروزى في السنة (٢٠٣)، والنسائى في المجتبى ٧/ ١٨١ (٤٤٩٥)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٢٨)، والبغوى في الجعديات (٢٨٤١)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٧٨)، وابن حبان (٦٧٢٦)، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٤٢٤ رقم ١٠٤٠٢) ودلائل النبوة (٦/ ٥٣٥) والشعب (٧/ ٣٩٠ رقم ٥١٧٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٢٢) وقال: وزاد رزين: (فإن ذلك لا تجاب لهم دعوة). ولم أوردها هنا لضعفها.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٩١ (٨٠٢٢) و٢/ ٣٩٢ (٩٢١٩) و٢/ ٤٤٢ (٩٨٢٧)، والبخارى في الأدب المفرد (٢٩٤)، وابن ماجه (٤٢٤٦)، والترمذى (٢٠٠٤). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَوْدِيُّ. وقال الألباني في صحيح الترمذي والصحيحة (٩٧٧) وصحيح الترغيب (١٧٢٣) و(٢٦٤٢): حسن الإسناد.","vol":"8","page":76},{"text":"قوله: سئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: \"الفم والفرج\" الحديث المراد بذلك الحرام والزنا.\n\n٢٦٧٤ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء قَالَ قُلْنَا يَا نَبِي الله إِنَّا لنستحيي وَالْحَمْد لله قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِن الاستحياء من الله حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا وعى وَتحفظ الْبَطن وَمَا حوى ولتذكر الْمَوْت والبلى وَمن أَرَادَ الْآخِرَة ترك زِينَة الدُّنْيَا فَمن فعل ذَلِك فقد استحيا من الله حق الْحيَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد قَالَ الْحَافِظ أبان والصباح مُخْتَلف فيهمَا وَقد ضعف الصَّباح بِرَفْعِهِ هَذَا الحَدِيث وَصَوَابه عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا (^١).\nقَوْله تحفظ الْبَطن وَمَا حوى يَعْنِي مَا وضع فِيهِ من طَعَام وشراب حَتَّى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٤٣) والمصنف (٧/ ٧٧ رقم ٣٤٣٢٠)، وأحمد ١/ ٣٨٧ (٣٧٤٥)، والترمذى (٢٤٥٨)، وابن أبي الدنيا في الورع (٥٩) ومكارم الأخلاق (٩٠)، والبزار (٢٠٢٥)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٤٥٠)، وأبو يعلى (٥٠٤٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٣)، والبيهقى في الآداب (ص ٣٣٧ رقم ٨٣٦) والأربعون (ص ٦٤ - ٦٦ رقم ٢٧) والشعب (١٠/ ١٦٨ رقم ٧٣٣٤) و(١٣/ ١٤٠ رقم ١٠٠٧٧).\nوحسنه الألباني في صحيح الترمذي وقال في صحيح الترغيب (١٧٢٤) و(٢٦٣٨) و(٣٣٣٧): حسن لغيره.\nوأما حديث عائشة: أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٢٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٤): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وقال الهيثمي في الضعيفة (٥٢٦٤) وضعيف الترغيب (١٩٤٩): موضوع.","vol":"8","page":77},{"text":"يَكُونَا من حلهما.\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"استحيوا من الله حق الحياء ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى البطن وما حوى\".\nقوله: \"استحيوا من الله حق الحياء\" إلى قوله: \"ولكن الاستحياء\" ليس حق الحياء أن تقولوا باللسان إنا نستحي أو يكون في قلوبكم الاستحياء من الله ولم تتركوا المناهي بل حقيقة الاستحياء الإتيان بأوامر الله وترك المناهي.\nقوله: \"فليحفظ الرأس وما وعى\" يريد والله أعلم ما يحفظه الرأس من السمع والبصر واللسان حتى لا يستعملها إلا فيما يحل.\nقوله: \"والبطن وما حوى\" أي ما وضع فيه من طعام وشراب حتى يكونا من حلهما كذا قاله المنذري.\n\n٢٦٧٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا تغبطن جَامع المَال من غير حلّه أَو قَالَ من غير حَقه فَإِنَّهُ إِن تصدق بِهِ لم يقبل مِنْهُ وَمَا بَقِي كَانَ زَاده إِلَى النَّار رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق حَنش واسْمه حُسَيْن بن قيس وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ المملي كيفَ وحنش مَتْرُوك وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يعجبنك رحب الذراعين بِالدَّمِ وَلا جَامع المَال من غير حلّه فَإِنَّهُ إِن تصدق لم يقبل مِنْهُ وَمَا بَقِي كَانَ زَاده إِلَى النَّار وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود بِنَحْوِهِ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢/ ٤ - ٥) وعنه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٦٨). وقال: هَذَا حَدِيثٌ =","vol":"8","page":78},{"text":"قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا تغبطن جامع المال من غير حله\" الغبطة التمني، أي من الحرام ورواه البيهقي ولفظه: لا يعجبنك رحب الذراعين بالدم، رحب الذراعين: أي واسع القوة والقدرة والبطش والذرع الوسع والطاقة والذرع بسط اليد ومدها وأصله من الذراع وهو الساعد، ومنه حديث إبراهيم - ﵇ - \"أوحى الله إليه أن ابن لي بيتا فضاق بذاك ذرعا\" (^١) معنى ضيق الذرع والذراع قصرهما كما أن معنى سعتها وبسطها طولها ووجه التمثيل أن القصير الذراع لا ينال ما يناله الطويل الذراع ولا يطيق طاقته فضرب مثلا للذي سقطت قوته دون بلوغ الأمر والاقتدار عليه قاله: في النهاية (^٢).\n\n٢٦٧٦ - وَعَن معَاذ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا تزَال قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن شبابه فيمَ أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن علمه مَاذَا عمل فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ\n_________\n= صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وقال الذهبي: قلت: فيه حنش الرحبي ضعفوه. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٧٧): ضعيف جدًّا.\n(^١) أخرجه الأزرقى في أخبار مكة (١/ ٦١)، وإسحاق كما في إتحاف الخيرة (٢/ ٥ - ٦) والمطالب العالية (٤٢١٩/ ١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٢) عن خالد بن عرعرة عن على. وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وقال الذهبي: على شرط مسلم. وقال البوصيرى: وقال: ومدار أسانيد هذا الحديث على خالد بن عرعرة وهو مجهول.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٥٨).","vol":"8","page":79},{"text":"من حَدِيث أبي بَرزَة وَصَححهُ وَتقدم هُوَ وَغَيره فِي الْعلم (^١).\n\n٢٦٧٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الدُّنْيَا خضرَة حلوة من اكْتسب فِيهَا مَالا من حلّه وأنفقه فِي حَقه أثابه الله عَلَيْهِ وَأوردهُ جنته وَمن اكْتسب فِيهَا مَالا من غير حلّه وأنفقه فِي غير حَقه أحله الله دَار الهوان وَرب متخوض فِي مَال الله وَرَسُوله لَهُ النَّار يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الله كلما خبت زدناهم سعيرا الْإِسْرَاء ٧٩ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢).\n\n٢٦٧٨ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ يَا كَعْب بن عجْرَة إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة لحم نبت من سحت رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في المدخل (١/ ٣١٧) والشعب (٣/ ٢٧٨). وأخرجه ابن أبي شيبة في (٧/ ١٢٥ رقم ٣٤٦٩٤)، والدارمى (٥٧٨)، والبزار (٢٦٤٠) و(٢٦٤١)، والطبرانى في الكبير (٢٠/ ٦٠ رقم ١١١). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٦): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَزَّارُ بِنَحْوِهِ، وَرِجَالُ الطَّبَرَانِيُّ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ صَامِتِ بْنِ مُعَاذٍ، وَعَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، وَهُمَا ثِقَتَانِ. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٢٧) و(١٧٢٦): حسن لغيره.\nوقال في صحيح الترغيب (٣٥٩٣): صحيح لغيره.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٦٨ رقم ٥١٣٩). وقال الألباني في الضعيفة (٢٥٣٤) و(٥٣٣٣) وضعيف الترغيب (١٠٧٩): ضعيف. لم يدرج المصنف تحته شرحًا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٧١٩) ومن طريقه أحمد في المسند ٣/ ٣٢١ (١٤٦٦٥) وعبد بن حميد (١١٣٨)، والبغوى في معجم الصحابة (٥/ ١٠١ رقم ٢٠٠٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٢). قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد ٣/ ٣٩٩ (١٥٥١٧)، والدارمى (٢٩٨٣)، والبزار (١٦٠٩ - كشف)، وابن حبان (١٧٢٣) والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٥٠٦ - =","vol":"8","page":80},{"text":"قوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه.\n\n٢٦٧٩ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - يَا كَعْب بن عجْرَة إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة لحم وَدم نبتا على سحت النَّار أولى بِهِ يَا كَعْب بن عجْرَة النَّاس غاديان فغاد فِي فكاك نَفسه فمعتقها وغاد موبقها رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث وَلَفظ التِّرْمِذِيّ يَا كَعْب بن عجْرَة إِنَّه لا يَرْبُو لحم نبت من سحت إِلَّا كانَت النَّار أولى بِهِ السُّحت بِضَم السِّين وَإِسْكَان الْحَاء وبضمهما أَيْضا هُوَ الْحَرَام وَقيل هُوَ الْخَبيث من المكاسب (^١).\nقوله: - ﷺ - لكعب بن عجرة: \"أنه لا يدخل الجنة لحم بنت من سحت\" الحديث السحت هو الحرام، وقيل الخبيث من المكاسب كذا قاله المنذري وقال غيره: هو الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها وتقدم الكلام عليه أبسط من هذا (فيما سبق).\nقوله - ﷺ -: \"غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد فموبقها\" أي مهلكها\n_________\n= ٥٠٧ رقم ٥٣٧٧) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٦٦) و(١٧٢٨)، \"الظلال\" (٧٥٦). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^١) أخرجه الترمذي (٦١٤) وابن حبان (٥٥٦٧). وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى\"، وأيوب بن عائذ يضعف ويقال: كان يرى رأي الإرجاء\"،\" وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى واستغربه جدا. وقال الألباني: صحيح صحيح الترمذي وصحيح الترغيب والترهيب (٨٦٧) و(١٧٢٩). وقد رواه ابن حبان بزيادة فيه وقال الألباني: ضعيف بهذا اللفظ - الضعيفة (٥٧٩٧).","vol":"8","page":81},{"text":"تقدم الكلام على ذلك (...) (^١).\n\n٢٦٨٠ - وَعَن أبي بكر الصّديق - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة جَسَد غذي بِحرَام رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ وَبَعض أسانيدهم حسن (^٢).\nوعن أبي بكر الصديق تقدم الكلام عليه.\n(قوله): \"لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام\" غذي بضم الغين المعجمة وكسر الذال المعجمة وفتح الياء وتقدم تفسيره في أوائل هذا الباب.\n_________\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) أخرجه البزار (٤٣) وأبو يعلى (٨٣) و(٨٤)، والطبرانى في الأوسط (٦/ ١١٢)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٥٠٤ - ٥٠٥). وقال الإشبيلى في الأحكام الوسطى (٣/ ٣٥٣): هذا الإسناد وإسناد أبي بكر الذي قبله إسناد متقارب، في إسناد أبي بكر أسلم الكوفي.\nوتعقبه ابن القطان فقال في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٠٤): ولم يعتمد الآن في انقطاع حديث الترمذي زيادة البزار بينهما واحدا، فإن هذا القسم لم نذكره بعد، وإنما نذكر ما نص المحدثون على انقطاعه. والبزار قد قال: إن مرة لم يدرك أبا بكر، وما من الجميع شيء يصح، فإن فرقدا السبخي - وهو ابن يعقوب، وإن كان رجلا صالحا - حديثه منكر جدا. قاله البخاري. وقد كان ابن معين يوثقه.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٣): رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُ أَبِي يُعْلَى ثِقَاتٌ، وَفِي بَعْضِهِمْ خِلَافٌ. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٧٣٠): صحيح لغيره.","vol":"8","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>[الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور]</span>\n٢٦٨١ - عَن النُّعْمَان بن بشير - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا مُشْتَبهَات لا يعلمهُنَّ كثير من النَّاس فَمن اتَّقى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه وَمن وَقع فِي الشُّبُهَات وَقع فِي الْحَرَام كَالرَّاعِي يرْعَى حول الْحمى يُوشك أَن يرتع فِيهِ أَلا وَإِن لكل ملك حمى أَلا وَإِن حمى الله مَحَارمه أَلا وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقلب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١) وَالتِّرْمِذِيّ (^٢) وَلَفظه الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَين ذَلِك أُمُور مُشْتَبهَات لَا يدْرِي كثير من النَّاس أَمن الْحَلَال هِيَ أم من الْحَرَام فَمن تَركهَا اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه وقد سلم وَمن وَاقع شَيْئا مِنْهَا يُوشك أَن يواقع الْحَرَام كَمَا أَنه من يرْعَى حول الْحمى أوشك أَن يواقعه أَلا وَإِن لكل ملك حمى أَلا وَإِن حمى الله مَحَارمه وَأَبُو دَاوُد بِاخْتِصَار (^٣) وَابْن مَاجَه وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٤) أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا أُمُور مُشْتَبهَات وسأضرب لكم فِي ذَلِك مثلا إِن الله حمى حمى وَإِن حمى الله مَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٠٧ و١٠٨ - ١٥٩٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٢٠٥). وقال الألباني: صحيح.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٣٣٠) وابن ماجه (٣٩٨٤). وصححه الألباني.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٣٢٩) والنسائى في المجتبى ٧/ ١٨٠ (٤٤٩٤) و٨/ ٤٩٠ (٥٧٥٦). وصححه الألباني.","vol":"8","page":83},{"text":"حرم وَإنَّهُ من يرتع حول الْحمى يُوشك أَن يخالطه وَإِن من يخالط الرِّيبَة يُوشك أَن يخسر وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١) الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا أُمُور مشتبهة فَمن ترك مَا شبه عَلَيْهِ من الْإِثْم كَانَ لما استبان أترك وَمن اجترأ على مَا يشك فِيهِ من الْإِثْم أوشك أَن يواقع مَا استبان والمعاصي حمى الله وَمن يرتع حول الْحمى يُوشك أَن يواقعه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس (^٢) وَلَفظه الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَين ذَلِك شُبُهَات فَمن أوقع بِهن فَهُوَ قمن أَن يَأْثَم وَمن اجتنبهن فَهُوَ أوفر لدينِهِ كمرتع إِلَى جنب حمى وَحمى الله الْحَرَام.\nرتع الْحمى إِذا رعى من حوله وَطَاف بِهِ. أوشك بِفَتْح الْألف والشين أَي كَاد وأسرع. واجترأ مَهْمُوز أَي أقدم. وقمن فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هُوَ بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْمِيم أَي جدير وحقيق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٥١). قال الألباني: أما النسائي فلم يخرجها، كما جزم بذلك الحافظ الناجي (١٦٢/ ٢). قلت كلام الناجى في عجالة الإملاء (٥/ ٦٦٣): وليس للنسائي غير الرواية التي قبلها، لا الأخيرة التي عزاها تَوَهُّمًا إليه وإلى البخاري، وإنما هي للبخاري فقط، ولكن في آخرها: من يرتع بلا واو.\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الكبير (١٠/ ٣٣٣ رقم ١٠٨٢٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٣): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ سَابِقٌ الْجَزَرِيُّ وَلَمْ أَعْرِفْهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٣٢) وقال في الصحيحة (٣٣٦١): وهذا إسناد عزيز صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، غير سابق الجزري - وهو ابن عبد الله الرقي -، وثقه ابن حبان (٦/ ٤٣٣)، وقال: روى عنه الأوزاعي وأهل الجزيرة.","vol":"8","page":84},{"text":"قوله: عن النعمان بن بشير (^١) كنيته: أبو عبد الله النعمان بن بشير الصحابي ابن الصحابي والصحابية، ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الكوفي هذا هو الذي نسبت إليه معرة النعمان لأنه كان مقيما بها أو والياء عليها وأمه عمره بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة وهو أول مولود في الأنصار بعد قدوم النبي - ﷺ - المدينة وهو أحد الأمراء الذين قتلوا بمؤتة، روي له عن النبي - ﷺ - مائة حديث وأربعة عشر حديثا ذكر البخاري منها ستة وهو ممن تحمل عن رسول الله - ﷺ - صبيا وأدى بالغا استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة ثم استعمله يزيد فلما مات يزيد صار زبيريا فخالفه أهل حمص فأخرجوه منها واتبعوه فقتلوه بقرية من قرى حمص غلية وذلك أربع وستين قاله الكرماني (^٢) وأبوه بشير بفتح الباء الموحدة وشين معجمه مكسورة ابن سعد الذي قال: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم فكيف نصلي عليك شهد بشير العقبة الثانية وبدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وهو أول أنصاري بايع أبا بكر واستشهد مع خالد بن الوليد بعين التمر سنة اثنتي عشرة من الهجرة بعد انصرافه من اليمامة.\n_________\n(^١) ترجمته في طبقات ابن سعد ٦/ ٥٣، التاريخ الكبير ٨/ ترجمة ٢٢٢٣، الجرح والتعديل ٨/ ترجمة ٢٠٣٣، الاستيعاب ٤/ ١٤٩٦، أسد الغابة ٥/ ٣٢٦، الكاشف ٣/ ترجمة ٥٩٤٧، تجريد أسماء الصحابة ٢/ ترجمة ١٢١٦، تهذيب التهذيب ١٠/ ترجمة ٨١٦، الإصابة ٣/ ترجمة ٨٧٢٨، خلاصة الخزرجي ٣/ ترجمة ٨٧٢٥.\n(^٢) الكواكب الدرارى (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣).","vol":"8","page":85},{"text":"قوله - ﷺ -: \"الحلال بين والحرام بين\" الحديث قال النووي (^١): أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقال جماعة: هو ثلث الإسلام وأن الإسلام يدور عليه وعلى حديث \"الأعمال بالنية\" وحديث \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\" وقال أبو داود السجستاني: يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" قال أبو داود: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث الثابت منها أربعة ألف حديث وهي ترجع إلى هذه الأحاديث وحديث \"ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس\" وقد جمعها أبو منصور فقال:\nعمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية\nاتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعمل بنية\nقال في المفهم (^٢): بل في هذا الحديث علوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها فبين ذلك مجملا وفيه تأليف كامل قال العلماء - ﵃ -: وسبب عظم موقعه أنه - ﷺ - نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها وأنه ينبغي أن يكون حلالا وأرشد إلى معرفة الحلال وأنه ينبغي ترك الشبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه وحذر من مواقعه الشبهات وأوضح ذلك فضرب المثل بالحمى ثم يراهم الأمور وهو مراعاة القلب - ﷺ - إلا أن في الجسد مضغة إلى\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١١/ ٢٧).\n(^٢) المفهم لما أشكل من كتاب مسلم للقرطبى (١٤/ ١١٩).","vol":"8","page":86},{"text":"آخر فبين - ﷺ - أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد بفساده يفسد باقية ا. هـ، فمعنى قوله: \"الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات\" أن الأشياء ثلاثة أقسام.\nالقسم الأول: حلال بين واضح لا يخفى حله كأكل الطيبات من الزرع كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن وبهيمة الأنعام ولبن مأكول اللحم وبيضة وشرب الماء شربه لطيبة وغير ذلك من المطعومات ولباس ما يحتاج إليه من القطن أو الكتان أو العوف أو الشعور أو كالنكاح والتسري وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع أو بميراث أو هبة أو غنيمة فهذا حلال بين واضح لا شك في حلة القسم الثاني الحرام المحض البين مثل أكل الميتة، والدم المسفوح ولحم الخنزير والبول وشرب الخمر والزنى ونكاح المحارم، والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية ولباس الحرير للرجال ومثل الاكتساب المحرم كالربى والميسر وثمن ما لا يحل بيعه وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب وإشهاده ذلك فهذا حرام بين واضح لا يخفي تحريمه.\nالقسم الثالث: المشتبهات فمثل أكل ما اختلف في حله وتحريمه أما من الأعيان كالخيل والبغال والحمير والضب وشرب ما أختلف في تحريمه من الأنبذة التي تسكر فكثيرها ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها وأما من المكاسب المختلف فيها كسائل العينة ونحو ذلك وبنحو هذا المعنى فسر الشبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة","vol":"8","page":87},{"text":"وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه - ﷺ - الكتاب وفيه للأمة ما تحتاج إليه من حلال وحرام كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^١) أمروا به ونهوا عنه قاله ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النواوية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس\" والمشتبهات ما تردد بينهما فقامت فيه شبهة الحل وشبهة الحرمة (^٣) ومعناه أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها وأما العلماء الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك فيعرفون حكمهما بنص أو قياس أو استصحاب وغير ذلك فإن تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه بأحدهما صار حلالا وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين فيكون الورع تركه ويكون داخلا في قوله - ﷺ -: \"فمن توقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\" فيه شيء وهو مشتبه فهل يؤخذ بحله أم بحرمته أم يتوقف فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض وغيره والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة مذاهب الأصح أنه لا يحكم\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٨٩.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(^٣) التعيين (ص ٩٧).","vol":"8","page":88},{"text":"فيها بحل ولا بحرمة ولا إباحة ولا غيرها لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، والثاني أن حكمها التحريم والثالث: الإباحة، والرابع: التوقف (^١).\nتنبيه: قوله - ﷺ -: \"وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس\" أي ليست أحكام تلك المشتبهات مفصلة لا تعلم بل يعلمها بعض الناس وهم أولوا العلم والنظر في أحكام الشرع كما تقدم ذكره وفيه إشارة إلى تفضيل العلماء لعلمهم بما لم يعلم غيرهم وحلهم ما أشكل على غيرهم ا. هـ قاله الطوفى (^٢).\nفائدة: وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر (^٣) وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري هو له أو لغيره فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه والورع اجتنابه ا. هـ قاله ابن رجب (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"فمن اتقى الشبهات\" أي اجتنب الشبهات جمع شبهة وهو ما\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١١/ ٢٧ - ٢٨).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (١/ ٩٨) للطوفى.\n(^٣) تتمة كلامه كما في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٥): وهو أنَّ مِن الأشياء ما يعلم سببُ حِلِّه وهو الملك المتيقن. ومنها ما يُعلم سببُ تحريمه وهو ثبوتُ ملك الغير عليه، فالأوَّل لا تزولُ إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهمَّ إلا في الأبضاع عندَ من يُوقعُ الطلاقَ بالشك فيه كمالكٍ، أو إذا غلب على الظن وقوعُه كإسحاق بن راهويه. والثاني: لا يزول تحريمُه إلا بيقينِ العلم بانتقال الملك فيه.\n(^٤) المصدر السابق (١/ ٢٠٥).","vol":"8","page":89},{"text":"يخيل للناظر أنه حجة وليس هو كذلك (^١).\nقوله - ﷺ -: \"استبرأ لدينه وعرضه\" استبرأ مهموز وقد يخفف ومعناه احتاط لنفسه وطلب البراءة لدينه من الذم الشرعي وصان عرضه عن كلام الناس فيه أن يتهم بعدم المبالاة، والعرض بكسر العين فسره في النهاية (^٢) بأنه موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحل في عنه أن ينقص ويثلب وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير قاله في التنقيح (^٣) ومما يستحب التورع عنه أخذ الأجرة على قراءة القرءان واقرائه وعلى تعليم العلم ومن الشبهة الطعام الذي يغلب على الظن نجاسته كالأطعمة التي تعمل في الأسواق ولعلها لا يتحرزون وعن النجاسة فتركها أفضل كما ذكره بعضهم وكذلك تتعدى الشبهات إلى أبواب الأنكحة حتى لو أخبرته امرأة أنها أرضعته مع زوجته استحب له مفارقة الزوجة وكذلك في الثياب وغيرها والضابط كل موضع قامت فيه علامة ظاهرة فهو موضع الورع وما لم تقم فيه علامة ظاهرة فهو وسواس وتنطع (^٤) ا. هـ\nفالمتدين المتورع إذا أكل على سماط الظلمة نسب إلى قلة تحفظ ووقع\n_________\n(^١) التعيين (ص ٩٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٠٩).\n(^٣) كشف المناهج والتناقيح (٢/ ٤١٢) للمناوى.\n(^٤) إحياء علوم الدين (٢/ ٩٨ - ١١٢) باختصار.","vol":"8","page":90},{"text":"الناس في عرضه وكذلك إذ يخالط شربه الخمر أو أهل الكتاب ويعاملهم ينسب إلى قلة التحفظ لأن معاملة الذمي تكره لعدم تحرزه عن الربا ومخالطة السكران مكروه ولعدم تحرزه عن النجاسة.\nقوله - ﷺ -: \"ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام\" الحديث أي من هون على نفسه الوقوع في الشبهات أي السقوط فيها حتى تعود ذلك أي عود نفسه عدم التحرز مما يشتبه فإنه يقع في الحرام لأن الشيطان يستدرج الإنسان ولأنه حام حول حريم الحرام فيقرب أن يواقعه وإنما قال وقع في الحرام تحقيقا لمد أنا ته الوقوع كما يقال من اتبع نفسه هواها فقد هلك، ويحتمل أيضا وجهين.\nأحدهما: أن من كثرة تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده وقد يأثم به بذلك إذ أنسب إلى تقصير.\nوالثاني: أن يعتاد التساهل ويتمرن عليه ويحسد على شبهة ثم شبهة أغلظ منها ثم أخرى أغلظ وهكذا حتى يقع في الحرام عمدا، وهذا نحو قول السلف المعاصي بريد الكفر أي تسوق إليه عافانا الله من الشر وأهله ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"كالراعي يرعى حول الحمى\" الحديث وهو المرعى الذي حماه السلطان فمنع منه وهذا مثل ضربه النبي - ﷺ - لمحارم الله تعالى وأصله أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بها وهكذا محارم الله تعالى لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها، وفي بعض الروايات أن النبي - ﷺ - قال: \"وسأضرب لكم مثلا\" ثم ذكر هذا الكرم فجعل النبي - ﷺ - مثل","vol":"8","page":91},{"text":"المحرمات كالحمى الذي تحمي الملوك ويمنعون غيرهم من إتيانه قربان وقد جعل النبي - ﷺ - حول المدينة اثنتي عشر ميلا حمى محرما لا يقطع شجرة ولا يصاد صيده (^١) وحمى عمر وعثمان - ﵄ - أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل رعي إبل الصدقة والله ﷿ حمى هذه المحرمات منع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (^٢) وجعل من يرعى حول الحمى أو قريبا منه جديرا بأن يدخل الحمى ويرتع فيه فكذلك من تعدى الحلال ووقع في الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلفه بأن يخالط الحرام المحض ويقع فيه ا. هـ قاله ابن رجب (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٧٠) وأبو داود (٣٠٨٣)، والنسائي في الكبرى (٨٦٢٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -، أنَّ الصعب بن جثامة، قال: إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا حمى إلا لله ورسوله\". وقال بلغنا أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - حمى النقيع، وأنَّ عمر حمى السرف والربذة.\nوأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٣١٩٣) من حديث ابن عمر: أنَّ عمر حمى الربذة لنعم الصدقة.\nوأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٧٦٩٠)، والبيهقي ٦/ ١٤٧ من حديث أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري، قال: سمع عثمان بن عفان - ﵁ - أنَّ وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم فلما سمعوا به أقبلوا نحوه، قال: وكره أنْ يقدموا عليه بالمدينة فأتوه فقالوا له: ادع المصحف وافتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها حتّى أتى على هذه الآية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾، وقالوا له: قف. أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفترون؟ فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى، فإنَّ عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة. بلفظ البيهقي.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٢١٩ - ٢١٧).","vol":"8","page":92},{"text":"قوله: \"يوشك أن يقع فيه\" بضم الياء وكسر الشين المعجمه مضارع أوشك بفتحها وهو من أفعال المقاربة والملابسة أي يسرع ويقرب كذا فسره المنذري ومعناها هنا يقع في الحرام بسرعة.\nقوله - ﷺ -: \"أن يرتع فيه\" ويرتع مضارع رتع ومعناها أكل الماشية من الرعي وأصله إقامتها وتبسطها في الأكل ومنه قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إلا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله محارمه\" الحديث والحمى الشيء الممنوع وحمى الملك ما يحجزه لخيله ونحوها من آلات مصالحه ومنع منه غيره ومنه حمى كليب (^٢) قال الشاعر:\nأبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح (^٣)\nذكره الطوفي (^٤) معناه أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخل أوقع به العقوبة ومن\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ١٢.\n(^٢) هو كُليب بن ربيعة بن الحارث، وكان سيِّد ربيعةَ في زمانه، وقد بلغَ مِن عِزِّه أنه كان يحمي الكلأ فلا يُقرَبُ حِماه، ويُجير الصَّيد فلا يُهاج! وكان إذا مرَّ بروضةٍ أعجبتهُ أو غديرٍ ارتَضَاهُ أَخَذَ كُليبًا ورَمَى به هناك فحيثُ بلغَ عواؤهُ كان حِمى لا يُرْعَى، وكان اسم كليب بن ربيعة وائِلًا؛ فلَمَّا حَمَى كُلَيْبَهُ المَرْمِيُّ الكلأَ قيل: أعزُّ مِن كُلَيْبِ وائلٍ، ثم غلب هذا الاسم عليه حتى ظنُّوه اسمه، ويقال: حمى كليب. انظر: مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٣٨٨).\n(^٣) نسبه السرقسطى في الدلائل في غريب الحديث (٢/ ٥٠٣) وابن فارس في حلية الفقهاء (١/ ٢٧) لجرير.\n(^٤) التعيين في شرح الأربعين (١/ ٩٧).","vol":"8","page":93},{"text":"احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه ولله تعالى أيضا حمى وهو محارمه أي المعاصي التي حرمها كالقتل والزنى والسرقة والقذف والخمر والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك فكل هذه حمى الله تعالى من دخله بإرتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة قاربه يوشك أن يقع فيه فمن احتاط لنفسه لم يقاربه فلا يتعلق بشيء بقربه من المعصية ولا يدخل في شيء من الشبهات.\nقوله - ﷺ -: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله\" الحديث قال أهل اللغة: يقال: صلح الشيء وفسد بفتح اللام والسين وضمهما والفتح أفصح وأشهر والمضغة القطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغوها يعني بذلك صغر جرمها وعظم قدرها هذا تعظيم الشارع لأمر القلب لصدور الأفعال الاختيارية عنه وعما يقوم به من الاعتقادات والعلوم ورتب الأمر فيه على المضغة والمراد التعلق بها ولا شك أن صلاح الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب وفيه الحث الأكيد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد واحتج جماعة بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس وفيه خلاف مشهور للسلف ومذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنه في القلب، وقال أبو حنيفة: هو في الدماغ وقد حكي لأول أيضًا عن الفلاسفة، والثاني: عن الأطباء، واحتج القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٤٦.","vol":"8","page":94},{"text":"لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (^١) وبهذا الحديث فإنه - ﷺ - جعل صلاح الجسد وفساده تابعًا للقلب مع أن الدماغ من جملة الجسد فيكون صلاحه وفساده تابعا للقلب فعلم أنه ليس محلًا للعقل، واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، قال النووي (^٢): ولا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ مع أن العقل ليس فيه ولا امتناع في ذلك، وفي الحديث تنبيه على أن طيب المكاسب مصلح للقلب وخبيث المكاسب مفسد له والمراد بإفساده عدم حفظة من الآفات لتجرده عن لباس التقوى الذي هو حمى له من آفات الدنيا وعذاب الآخرة.\nفائدة: قوله - ﷺ -: \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله\" الحديث، فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقائه للشهوات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها وتوقى الشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات وإن كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها وتوقي\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٣٧.\n(^٢) شرح النووى على مسلم (١١/ ٢٩).","vol":"8","page":95},{"text":"الشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات وان كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها وانبعث إلى كل المعاصي والشبهات بحسب اتباع هوى القلب ولهذا يقال القلب ملك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره ولا يخالفونه في شيء من ذلك فإن كان الملك صالحا كانت هذه الجنود صالحة وإن كان فاسدا كانت جنوده بهذا المثابة فاسدة ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه محبة الله تعالى وما يحبه الله وخشية الله وخشية ما يباعد منه ا. هـ قاله ابن رجب الحنبلي (^١).\nفائدة: صلاح القلب يكون بغلبة التقوى عليه وفساده بغلبة المعاصي، واعلم أن ما يرد على القلب من الخاطر الداعي إلى فعل المعصية يسمى وسواسا وهو من جهة الشيطان كما قال الله أنه يوسوس في صدور الناس [والتى يقع في القلب من دواعى طلب الشهوات المؤذية وعلى الوقوع في الشبهات يسمى] هواجس وهي من جهة النفس والفرق بين الهواجس والوساوس هو أن الشيطان إذا وسوس بمعصية ولم يطاوع عليها وسوس بأخرى غيرها لأن قصده حصول المخالفة بأي معصية كانت والهاجس إذا وقع ولم تطاوع النفس إليه نازعت وطلبت ذلك بعينه والنفس إذا اشتهت شيئا ولم تحصل عليه طلبته طول دهرها حتى يحصل ولما كان الشيطان\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢١٨ - ٢١٩).","vol":"8","page":96},{"text":"والنفس يأمران بالشر والقلب يأمر بالخير فإن صلح القلب - وصلاحه بغلبة التقوى ومخالفة النفس والشيطان - صلح الجسد كله واشتغلت أعضاء الإنسان كلها بالطاعة وصلاحه إنما يكون بتوفيق الله تعالى وإن لم يصلح القلب وعدم صلاحه بحرمان التوفيق والخذلان استولى الشيطان والنفس على القلب وفسد الجسد كله فصارت الأعضاء كلها عاملة بالمعصية والمخالفة وكان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وكان يقول يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ا. هـ قاله ابن العماد، وعن أبي موسى الأشعري قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"مثل القلب مثل الريشة تقلبها الرياح بفلاة\" انفرد به ابن ماجه (^١) وفي رواية آخرى \"مثل القلب مثل ريشة ملقاه بفلاة من الأرض يقلبها الريح ظهرا لبطن\" (^٢) وفي الترمذي مرفوعا أن النبي - ﷺ - إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٨٨). وصححه الألباني في صحيح الظلال (٢٢٧ - ٢٢٨)، المشكاة (١٠٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٤١٩ (١٩٩٧٢) وابن أبي عاصم في السنة (٢٢٧) و(٢٢٨). وقال الألباني في ظلال الجنة: إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم.\n(^٣) سورة المطففين، الآية: ١٤.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٣٣٤). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الألباني: حسن صحيح الترمذي وصحيح الترغيب (١٦٢٠) و(٢٤٦٩).","vol":"8","page":97},{"text":"وقال مجاهد (^١): القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع ثم يطبع وإلى هذا المعنى للإشارة بقوله - ﷺ - \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله\" الحديث فيه أشعار بأن أكل الحلال ينوره ويصلحه وأكل الحرام والشبهة يفسده ويقسيه ويظلمه وقد وجد ذلك اهل الورع حتى قال بعضهم: استسقيت جنديا فسقاني شربه ماء فعاد قسوتها على قلبي أربعين صباحا (^٢).\nفرع: من حلف لا يأكل لحما فأكل قلبا حنث ولأصحابنا فيه وجهان قالوا لا يحنث لأنه لا يسمى في العرف لحما وكذلك لا يحنث من حلف لا يأكل لحما فأكل لحم حوت وإن كان الله تعالى سماه لحمًا في قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (^٣) ولا يحنث من حلف لا يجلس على بساطا وكذلك من حلف لا يجلس في سراج فجلس في الشمس لا يحنث وإن كان الله تعالى سماها سراج بقوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (^٤) وكذلك لو حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا لم يحنث وإن كان الله تعالى سماها بيوتا بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) أسنده الطبرى في التفسير (٢٤/ ٢٠١) و(٢٤/ ٢٠٢).\n(^٢) ذكره القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٤/ ١١٧).\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ١٢.\n(^٤) سورة نوح، الآية: ١٦.\n(^٥) سورة النور، الآية: ٣٦.","vol":"8","page":98},{"text":"تنبيه: القلب عضو باطن في الجسد عليه مدار حال الإنسان قيل سمي قلبا لتقلبه كما قال الشاعر:\nوما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ ... ولا القلب إلا لأنه يتقلب\nوهو عضو صغير الجرم ولذلك سماه مضغة، ولكونه عظيم الجرم قاله الطوفي.\nفائدة: قال بعضهم: القلب كالملك والجسد وأعضاؤه كالرعية ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده، وتقدم ذلك، وأيضا القلب كالعين والجسد كالمزرعة إن عذب ماء العين عذب الزرع وإن ملح ملح، وأيضا القلب كالأرض وحركات الجسد كالنبات: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (^١) وشاهد ما ذكرناه من أمر القلب والجسد وأن النبي - ﷺ - شق عن قلبه مرتين واستخرج منه غفلة سوداء، قيل: هذه حظ الشيطان منك (^٢)، ثم غسل بالماء المبارك الطهور فلما طاب قلبه طاب جسده ثم صار إماما للمتقين ورحمة للعالمين وخاتما للنبيين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين قاله الطوفي (^٣).\nتنبيه: قوله: \"ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة\" هو افتتاح كلام يقصد به تنبيه السامعين لفهم الكلام وشاهده في القرآن في قوله تعالى:\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٥٨.\n(^٢) أخرجه مسلم في الصحيح (٢٦١ - ١٦٢) عن أنس.\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٠٢).","vol":"8","page":99},{"text":"﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ (^١)، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (^٢) قاله الطوفي (^٣).\nقوله - ﷺ - في رواية للبخاري والنسائي \"كان لما استبان أترك\" بمعنى أن من يترك الإثم مع اشتباهه عليه وعدم تحققه فهو أولى بتركه إذا استبان أنه إثم، وهذا إذا كان تركه تحرزا من الإثم، فأما من يقصد التصنع للناس فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم والله أعلم.\nوقوله: \"من يخالط الريبة يوشك أن يجسر\" أي قرب أن يقدم على الحرام المحض والجسور المقدام الذي لا يهاب شيئا ولا يراقب أحدًا، ورواه بعضهم بالشين المعجمة أي يرتع والجَشْر: الرعي، وجشرتُ الدابة: إذا رعيتها، قاله ابن رجب في شرح النواوية (^٤).\nوقوله: \"ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم\" الحديث، اجترأ مهموز أي أقدم قاله المنذري.\nوقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس: \"فهو قمن أن يأثم\" الحديث، قمن هو بفتح القاف وكسر الميم أي جدير وخليق قاله المنذري، وقال غيره: هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ٨.\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ٥٤.\n(^٣) التعيين (ص ١٠٢).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٢١٤).","vol":"8","page":100},{"text":"يثنى ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع وفيه لغة ثالثة، قمين بزيادة ياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه حقيق وجدير، أ. هـ، وهذا الحديث أصل في الورع وهو ترك المشتبه من الأفعال إلى غيره، وإن شئت قل هو الأخذ في الأفعال بيقين الإباحة وبراءة الذمة، وقد نقل عن الحسن البصري أنه قال: أدركنا قوما كانوا يتركون سبعين بابا من الحلال خشية الوقوع في باب من الحرام، وقد ثبت عن أبي بكر الصديق سأله أكل شبهة غير عالم بها فلما علم أدخل يده في فمه فقاءها (^١)، أ. هـ.\n\n٢٦٨٢ - وَعَن النواس بن سمْعَان - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: الْبر حسن الْخلق وَالْإِثْم مَا حاك فِي صدرك وكرهت أَن يطلع عَلَيْهِ النَّاس رَوَاهُ مُسلم. (^٢)\nحاك بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف أَي جال وَتردد.\nقوله: وعن النَوّاس بن سمعان (^٣) - ﵁ -، النواس بفتح النون وتشديد الواو، وسمعان بكسر السين وفتحها والكسر أشهر، الأنصاري هكذا وقع في نسخ صحيح مسلم: الأنصاري، قال أبو علي الجيانى: هذا وهم وقد وفد أبوه على النبي - ﷺ - فدعا له وأعطاه نعليه فقبلها رسول الله - ﷺ - وزوجه [أخته]\nوهي الكلابية التي تعوذت من النبي - ﷺ - فتركها وهو معدود في أهل الشام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤ و١٥ - ٢٥٥٣).\n(^٣) طبقات ابن سعد: ٧/ ٤٣٠، ٥٣٥، وأسد الغابة: ٥/ ٤٤، وتهذيب التهذيب: ١٠/ ٤٨٠ - ٤٨١، والإصابة: ٣/ الترجمة ٨٨٢٢.","vol":"8","page":101},{"text":"وصوابه الكلابي فإن النواس كلابي مشهور، قال الإمام المازري والقاضي عياض رحمهما الله (^١): المشهور أنه كلابي وهو النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب كذا نسبه الغلابى (^٢) عن يحيى بن معين ولم يخرج البخاري في صحيحه شيئا عن النواس بن سمعان وإنما خرج له مسلم في صحيحه ثلاثة أحاديث هذا أحدها وأطولها وهو قوله ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال فقال: \"وإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم\" (^٣) الحديث، والثاني: قوله - ﷺ -: \"البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك\"، والثالث: في فضائل البقرة وآل عمران (^٤) وتقدم ذلك في كتاب قراءة القرآن والله أعلم. ذكره صاحب التنقيح (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس\" الحديث، البر ضد الفجور والإثم، ولذلك قابله به فالبر تارة يقابل الفجور والإثم فيكون عما اقتضاه الشرع وجوبا أو ندبا كما أن الإثم عبارة عنا نهى الشرع عنه، أ. هـ، وحسن الخلق بذل الندي وكف الأذى وأن يحب للناس ما يحب لنفسه.\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ١٧) للقاضي عياض، والمعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٨٦) للمازرى.\n(^٢) المفضل بن غسان الغلابى.\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٠ - ٢٩٣٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٥٣ - ٨٠٥).\n(^٥) كَشْفُ المنَاهِجِ وَالتَّنَاقِيحِ في تَخْرِيجِ أحَادِيثِ المَصَابِيحِ للمناوى (٤/ ٥١٠).","vol":"8","page":102},{"text":"قوله - ﷺ -: \"والإثم ما حاك في النفس\" حاك بالحاء المهملة والكاف، أي: أثر فيها ورسخ ولم ينشرح له الصدر وحصل في القلب منه الشك وخوف كونه ذنبا (^١) يقال ما يحيك كلامك في فلان أي يؤثر ومنه أيضا قولهم: ضربته فما حاك فيه السيف أي ما أثر فيه (^٢)، أ. هـ.\nقوله: \"وكرهت أن يطلع عليه الناس\" اعلم أن النفس لها شعور من أصل الفطرة ما تحمد عاقبته وما لا تحمد عاقبته ولكن الشهوة غلابة عليها بحيث توجب لها الإقدام على ما يضرها كاللص تغلبه الشهوة على السرقة وهو خائف من الوالي أن يقطعه والزاني ونحو ذلك فكراهية إطلاع الناس على الشيء يدل على أنه إثم لأن النفس بطبعها تحب إطلاع الناس على خيرها وبرها ومن ثم هلك كثير من الناس بالرياء فإذا كرهت إطلاع الناس على بعض أفعالها علمنا أنه ليس خيرا وبرا فهو شر وإثم والله أعلم قاله الطوفي (^٣).\n\n٢٦٨٣ - وَعَن وابصة بن معبد - ﵁ - قَالَ رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - وَأَنا أُرِيد أَن لَا أدع شَيْئا من الْبر وَالْإِثْم إِلَّا سَأَلت عَنهُ فَقَالَ لي ادن يَا وابصة فدنوت مِنْهُ حَتَّى مست ركبتي ركبته فَقَالَ لي يَا وابصة أخْبرك عَمَّا جِئْت تسْأَل عَنهُ قلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي قَالَ جِئْت تسْأَل عَن الْبر وَالْإِثْم قلت نعم فَجمع أَصَابِعه\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١٦/ ١١١).\n(^٢) التعيين (ص ٢٠٣).\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤).","vol":"8","page":103},{"text":"الثَّلَاث فَجعل ينكت بهَا فِي صَدْرِي وَيَقُول يَا وابصة استفت قَلْبك وَالْبر مَا اطمأنت إِلَيْهِ النَّفس وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقلب وَالْإِثْم مَا حاك فِي الْقلب وَتردد فِي الصَّدْر وَإِن أَفْتَاك النَّاس وأفتوك رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن وابصة بن معبد (^٢) - ﵁ -، ووابصة بباء موحدة مكسورة ثم صاد مهملة [بن معبد أبو سالم الأَسَدِي، وَفَدَ سنةَ تسعٍ في عشرةٍ مع قومِهِ].\nقوله: أتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٢٧ (١٨٢٨٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٥): رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ، وَفِيهِ أَبُو عَبْدِ اللّهِ السُّلَمِيُّ، وَقَالَ فِي الْبَزَّارِ: الْأَسَدِيُّ عَنْ وَابِصَةَ، وَعَنْهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَلَمْ أَجِدْ مَنْ تَرْجَمَهُ. وقال في (١٠/ ٢٩٤): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بِاخْتِصَارٍ عَنْهُ، وَرِجَالُ أَحَدِ إِسْنَادَيِ الطَّبَرَانِيِّ ثِقَاتٌ. وقال النووي: حديث حسن الأربعون (حديث رقم ٢٧) - رياض الصالحين ص ٢٢٠ - المجموع ٩/ ١٣٨. وقال ابن رجب: ففي إسناد هذا الحديث أمران يُوجب كلٌّ منهما ضعفه:\nأحدهما: انقطاعه بين الزبير وأيوب؛ فإنَّه رواه عن قوم لم يسمعهم.\nوالثاني: ضعف الزبير هذا، قال الدارقطني: روى أحاديث مناكير، وضعفه ابن حبان أيضًا جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٣٠).\nوقال البوصيري ت مدار إسناد الحديث على أيوب بن عبد الله بن مكرز وهو ضعيف مختصر الإتحاف ١/ ١٧٠. وقال في الإتحاف (١/ ٣٠٩): وهو مجهول.\n(^٢) طبقات ابن سعد: ٧/ ٤٧٦، وطبقات خليفة: ٣٥، ١٢٨ و٣١٨، وتاريخ البخاري الكبير: ٨/ الترجمة ٢٦٤٧، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي: ٦٨٦ و٦٨٧، والجرح والتعديل: ٩/ الترجمة ٢٠٣، وثقات ابن حبان: ٣/ ٤٣١، والمعجم الكبير: ٢٢/ ١٤٠، وحلية الأولياء: ٢/ ٣٢، والاستيعاب: ٤/ ١٥٢٣، وأسد الغابة: ٥/ ٧٦، والكاشف: ٣/ الترجمة ٦١٢٥، والتجريد: ٢/ الترجمة ١٤٢٤، وتهذيب التهذيب: ١١/ ١٠٠، والإصابة: ٣/ الترجمة ٩٠٨٥، والتقريب، الترجمة ٧٣٧٨.","vol":"8","page":104},{"text":"سألت عنه، فذكره إلى أن قال: \"يا وابصة استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر\" الحديث، اطمأن سكن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ (^١) الآية أي سكنتم من انزعاج الحرب وحركته، فقوله - ﷺ -: \"استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب\" وهو كقوله أولا: \"البر حسن الخلق\" لأن حسن الخلق تطمئن إليه النفس والقلب.\nاعلم أنه جاء في حديث وابصة: \"البر ما اطمأنت إله النفس واطمأن إليه القلب\" وهو في معنى قوله: \"البر حسن الخلق\" لأن النفس والقلب يطمئنان إليه، وفي حديث آخر: \"إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، والكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار\" (^٢) ويمكن حمله على معنى هذا ويكون أراد الصدق صدق في الأقوال والأفعال وهو الإخلاص وعكسه في الكذب.\nفإن قيل: بين هذا الحديث وبين حديث الحلال بين تعارض من جهة أن المتردد في الصدر المشتبه سماه إثما وهناك قال: \"فمن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه\" فدل على أنه من الورع ولا إثم فيه؟ فالجواب: من وجهين، أحدهما: إنا نسلم أن قوله \"استبرأ\" يدل على عدم الإثم فإنه واجب واتقاء الشبهات طريق إليه والطريق إلى الواجب واجب وتركه إثم، الثاني: سلمنا\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (١٠٢ - ٢٦٠٦) عن ابن مسعود.","vol":"8","page":105},{"text":"عدم الإثم لكن إذا ضعفت الشبهة فينبني على [أن] الأصل الحل فيكون تركه ورعا، وحديث وابصة محمول على ما قويت الشبهة فيه وتمكنت من النفس فيكون إثما ويكون من باب ترك الأصل للظاهر وهو على الخلاف وقد عمل به في مواضع والله أعلم.\nقوله: \"والإثم ما حاك في صدرك\" قال في المفهم (^١): وإنما أحاله - ﵇ - على هذا الإدراك القلبي لما علم من جودة فهمه وحسن قريحته وتنوير قلبه وأنه يدرك ذلك من نفسه وهذا كما قال في حديث آخر: \"الإثم حواز القلوب\" (^٢) أي القلوب المنشرحة للإسلام المنورة بالعلم بخلاف الغليظ الطبع الكليل الفهم فإنه بحال على الأوامر والنواهي الشرعية.\nوقوله - ﷺ -: \"والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر\" وهو شبيه بقوله: \"الإثم ما كرهت أن يطلع عليه الناس\" لأن ما تردد في الصدر هو إثم أو محل شبهة ولا بدو ذلك مما يكره إطلاع الناس عليه.\nوقوله - ﷺ -: \"يا وابصة، أخبرك بما جئت تسأل عنه\" قلت: يا رسول الله أخبرني، الحديث، هو من باب الكشف لذلك، وجاء في بعض الروايات أن وابصة جاء يتخطى الناس حتى جلس إلى النبي - ﷺ - فقال: يا وابصة تحدثني\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢١/ ٦٩).\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٤٦٥)، وأبو داود في الزهد (١٢٥)، والطبرانى في الكبير (٩/ ١٤٩ رقم ٨٧٤٨ و٨٧٤٩) موقوفًا عن ابن مسعود. وأخرجه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٠٧) عن ابن مسعود مرفوعًا. وصحح الألباني وقفه في الصحيحة (٢٦١٣).","vol":"8","page":106},{"text":"بما جئت فيه أو أحدثك فقال: بل أنت حدثني يا رسول الله فهو أحب إليّ، قال: \"جئت تسأل عن البر والإثم\" قال نعم انتهى، قاله الطوفي (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وإن أفتاك الناس وأفتوك\" أي قد أعطيتك علامة الإثم فاعتبرها في اجتنابه ولا تقلد من أفتاك في مقاربته (^٢)، أ. هـ، فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه فما سكن إليه القلب وانشرح له الصدر فهو البر والحلال وما كان بخلاف ذلك فهو الإثم والحرام (^٣)، أ. هـ.\n\n٢٦٨٤ - وَعَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي مَا يحل لي وَيحرم عَليّ قَالَ الْبر مَا سكنت إِلَيْهِ النَّفس وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقلب وَالْإِثْم مَا لم تسكن إِلَيْهِ النَّفس وَلم يطمئن إِلَيْهِ الْقلب وَإِن أَفْتَاك الْمفْتُون رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٤).\nقوله: وعن أبي ثعلبة الخشني (^٥) - ﵁ -، جرثوم بن ناشر [بضَمِّ الجيم ثم\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (١/ ٢٠٨).\n(^٢) التعيين (ص ٢٠٩).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٠١).\n(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٤ (١٨٠١٩). قال ابن رجب: هذا إسناد جيد، وعبد الله بن العلاء بن زبر ومسلم بن مشكم ثقتان مشهوران جامع العلوم ٢/ ٧٣٢. وقال الهيثمي: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَفِي الصَّحِيحِ طَرَفٌ مِنْ أَوَّلِهِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ المجمع ١/ ١٧٦. وصححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع: ٢٨٨١ صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ١٧٣٥.\n(^٥) طبقات ابن سعد: ٧/ ٤١٦، الاستيعاب: ٤/ ١٦١٨، أسد الغابة: ٦/ ٤٤، تهذيب الكمال: ١٥٨٩، الإصابة: ١١/ ٥٤.\nوقال ابن الملقن في المعين على تفهم الأربعين (ص ٣٥٧ - ٣٥٨): وقد اختُلِفَ في اسمه =","vol":"8","page":107},{"text":"راءٌ مهمَلَةٌ ثم تاءٌ مثلَّثة له صحبةٌ وروايةٌ، بايع تحتَ الشَّجرةِ، وضُرِبَ له سهمهُ في حُنَيْن، ماتَ سنةَ خمس وسبعين بالشَّام و\"الخُشَني\" - بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة أيضًا ثم نون - نسبة إلى خُشَيْنَةَ - قبيلة معروفة].\nقوله - ﷺ -: \"البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون\" أي: جعلوا لك رخصة وتقدم الكلام على معنى هذا الحديث.\n\n٢٦٨٥ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - وجد تَمْرَة فِي الطَّرِيق فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَن تكون من الصَّدَقَة لأكلتها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن النبي - ﷺ - وجد تمرة في الطريق فقال \"لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها\" الحديث، هذا منه - ﷺ - ورع وتنزه وإلا فالغالب أنها تمر غير الصدقة لأنه الأصل وتمر الصدقة قليل، والحكم للغالب في القواعد الشرعية، ففيه: التحرز من الشبهة فإن الأصل عدم كونها من الصدقة فتركها\n_________\n= واسم أَبيه اختلافًا كثيرًا نحو أربعين قولًا؛ منها ما ذَكَرَهُ المُصَنِّف (يعنى جرثوم بن ناشر)، وهو: بضَمِّ الجيم ثم راءٌ مهمَلَةٌ ثم تاءٌ مثلَّثة، وقد أوضحتُها في الكنى من كتابي رجال الكتب الستة فراجِعهَا منهُ؛ فإنها تُسَاوي رحلةً، له صحبةٌ وروايةٌ، بايع تحتَ الشَّجرةِ، وضُرِبَ له سهمهُ في حُنَيْن، ماتَ سنةَ خمس وسبعين بالشَّام، وهو من الأفراد، والخُشَني - بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة أيضًا ثم نون - نسبة إلى خُشَيْنَةَ - قبيلة معروفة.\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٣١) و(٢٤٣٢)، ومسلم (١٦٤ و١٦٥ و١٦٦ - ١٠٧١).","vol":"8","page":108},{"text":"ورعا، وقيل: إن القليل مما لا بال له كالتمرة والجوزة والعنابة والحبة من [الفضة] لا تُعَرَّف ولأنه مما يسامح فيه، ولأنه - ﵇ - جوز أكلها أولا خشية أن تكون من الصدقة، وفيه: تحريم الصدقة عليه - ﷺ - وقد تقدم سواء كان زكاة أو تطوعا، وقد جاء أن الحسن التقط تمرة فوضعها في فيه فقال - ﵇ -: \"كخ\" فنزعها (^١)، والظاهر أنه لم يتركها ساقطة لأنها نهى عن ذلك فقال: \"إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما عليها من الأذى ولا يدعها للشيطان\" (^٢) فلعله أمر بها لم تحل له والله أعلم، وفيه: أن التمرة ونحوها من محقرات الأموال لا يجب تعريفها بل يباح أكلها والتصرف فيها في الحال لأن النبي - ﷺ - خشي أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة والصدقة أوساخ الناس فصان الله نبيه - ﷺ - عنها فحرمها عليه.\nوفيه: دليل على أن اللقطة اليسيرة التي لا يتعلق بها نفس فاقدها إنها لا تحتاج إلى تعريف وأنها تستباح من غير ذلك لأنه - ﷺ - علل امتناعه من أكلها بخوفه أن يكون من الصدقة، وظاهر دليل خطابه أنها لو سلمت من ذلك المانع لأكلها، وها الحكم متفق عليه، وعلله أصحابنا وغيرهم بأن صاحبها في العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع هذا حكم اليسير من اللقطة ذكره النووي (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٩١) و(٣٠٧٢)، ومسلم (١٦١ - ١٠٦٩) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٤ و١٣٥ - ٢٠٣٣) عن جابر.\n(^٣) شرح مسلم للنووى (٧/ ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"8","page":109},{"text":"فائدة: وأما الكثير من اللقطة إذا لم يجد ربها بعد تعريفها سنة على أبواب المساجد وفي الأسواق كما هو معروف في كتب الفقه ولم يرد أن يتملكها تصدق بها عنها فإن ظهر مالكها خيره بين الأجر والضمان قالوا: وهذا لأن المجهول في الشرع كالمعدوم فإذا جهل المالك صار بمنزلة المعدوم وهذا مال لم يعلم له مالك معين ولا سبيل إلى تعطيل الانتفاع لما فيه من المفسدة والضرر بمالكه والفقراء ومن هو في يده أما المالك فلعدم وصول نفقة إليه وكذا الفقراء وأما من هو في يده فلعده تمكنه من الخلاص من إثمه فيقدمه يوم القيامة منم غير انتفاع به ومثل هذا لا تبيحه شريعة فضلا عن أن تأمر به أو توجبه (^١)، أ. هـ.\nفائدة: إذا اجتمع في شخص أربع خصال: الإسلام، والحرية، والأمانة، والتكليف، فله أن يلتقط ويعرف ويتملك لأنه أهل لأمانة والولاية والاكتساب (^٢)، وقد أمر الله تعالى بالمعاونة على البر والتقوى والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، والله أعلم.\nوللقطة أمور معروفة في كتب الفقه فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من مظانه والله الموفق لا رب غيره.\n\n٢٦٨٦ - وَعَن الْحسن بن عَليّ - ﵄ - قَالَ حفظت من رَسُول الله - ﷺ - دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٩٢).\n(^٢) روضة الطالبين (٥/ ٣٩٢).","vol":"8","page":110},{"text":"التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع (^٢) وَزَاد فِيهِ قيل فَمن الْوَرع قَالَ الَّذِي يقف عِنْد الشُّبْهَة.\nقوله: وعن الحسن بن علي (^٣) - ﵄ -، وكنيته: أبو محمد علي بن أبي طالب سبط رسول الله - ﷺ - وريحانته، فسبط الرجل ابن ابنته، وريحانته إشارة إلى قوله ﵊ في الحسن والحسين: \"هما ريحانتاي من الدنيا\" أي يسر بهما ويتروح، وقال النبي - ﷺ - فيه: \"إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" فأصلح الله به بين أهل العراق والشام، وسلم الأمر لمعاوية صلحا، وكان الحسن ﵁ من الحكماء الكرماء الأسخياء، وكان مطلاقا، يقال إنه أحصن مائة امرأة أو أكثر، وكنية الحسين: أبو عبد الله، وكنية علي: أبو الحسن كنى بالحسن أكبر أولاده، وأبو تراب كناه به النبي - ﷺ - إذ وجده نائما في المسجد على التراب.\nقوله: حفظت من رسول الله - ﷺ - \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" الحديث، يريبك: بفتح الياء وضمها لغتان، والفتح أفصح يقال راب يريب ثلاثيا وأراب يريب رباعيا من الريبة وهي الشك والتردد، وأما معناه فاترك ما فيه شك من الأفعال والأقوال إلى ما شك فيه منهما، أي: دع ما شك فيه واعدل\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥١٨). وقال الترمذي: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وصححه الألباني في صحيح الترمذي و\"الإرواء\" (٢٠٧٤)، \"المشكاة\" (٢٧٧٣) وغاية المرام (١٧٩).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الكبير (٢٢/ ٩١ رقم ١٩٧). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٨٩٠).\n(^٣) ترجمته والاستيعاب ١/ ٣٨٣، تاريخ بغداد ١/ ١٣٨، وأسد الغابة ٢/ ٩، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٥٨ - ١٦٠، الإصابة ١/ ترجمة ١٧١٩.","vol":"8","page":111},{"text":"إلا ما لا تشك فيه، وهذا أصل في الورع وهو موافق لقوله - ﷺ -: \"الحلال بين والحرام بين\" إلى قوله \"فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه\"، ويروي عن زيد بن ثابت (^١) أنه قال: ما من شيء أسهل من الورع، إذا رابك شيء فدعه، قلت: هذا سهل على من سهله الله عليه وهو على كثير من الناس أصعب من ثقل الجبال، وإنما هذا شبيه بقول بعض سليمي الصدور لا شيء أسهل من صيد الأسد، قيل: وكيف ذلك، قال: واحد يفتح رأس الجوالق وآخر يكشكش، واعلم أن الأشياء إما واضح الحل وإما واضح الحرمة أو مرتاب فيه، والريبة قد تقع في العبادات والمعاملات والمنكاحات وسائر أبواب الأحكام فترك الريبة في ذلك كله إلى غيرها أمر عميم النفع كثير الفائدة وتفاصيل ذلك تكثر وهذه قاعدته قاله الطوفي (^٢).\n\n٢٦٨٧ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت كَانَ لأبي بكر الصّديق - ﵁ - غُلَام يخرج لَهُ الْخراج وَكَانَ أَبُو بكر يَأْكُل من خراجه فجَاء يَوْمًا بِشَيْء فَأكل مِنْهُ أَبُو بكر فَقَالَ لَهُ الْغُلَام أَتَدْرِي مَا هَذَا فَقَالَ أَبُو بكر وَمَا هُوَ قَالَ كنت تكهنت لإِنْسَان فِي الْجَاهِلِيَّة وَمَا أحسن الكهانة إِلَّا أَنِّي خدعته فلقيني فَأَعْطَانِي لذَلِك هَذَا الَّذِي أكلت مِنْهُ فَأدْخل أَبُو بكر يَده فقاء كل شَيْء فِي بَطْنه رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٣).\n_________\n(^١) لم أجده من قول زيد بن ثابت وإنما هو معروف من قول حسان بن أبي سنان أخرجه ابن أبى الدنيا في الورع (٤٦) و(٤٧).\n(^٢) التعيين (ص ١٢٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٨٤٢).","vol":"8","page":112},{"text":"الْخراج شَيْء يفرضه الْمَالِك على عَبده يُؤَدِّيه إِلَيْهِ كل يَوْم مِمَّا يكتسبه وَبَاقِي كسبه يَأْخُذهُ لنَفسِهِ.\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقولها: كان لأبي بكر الصديق - ﵁ - غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه، الحديث، الخراج: شيء يفرضه السيد على عبده في كل يوم من كسبه وباقي كسبه يأخذه لنفسه.\nقوله: فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه، الحديث، وإنما قاء أبو بكر لأن حلوان الكاهن منهي عنه والمحصل من المال بطريق الخديعة حرام (^١) وحلوان الكاهن هو ما يعطاه على كهانته وهو حرام لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معنى ذلك كل ما يمنع الشرع منه من الرجم بالغيب كالقيامة والزجر وغير ذلك وحلوان الكاهن، قال الهروي وغيره: أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا في مقابلة مشقة يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو كما يقال عسلته إذا أطعمته العسل، قال الخطابي: وحلوان العراف أيضا حرام، قال والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن إنما يتعاطي الإخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١٥/ ٧٠).","vol":"8","page":113},{"text":"الأسرار والعراف هو الذي يدعي معرفة الشيء ومكان الضلالة ومكان الضالة ونحوهما من الأمور وكان في العرب كهنة منهم من يزعم أن له رئيبا من الجن وتابعا يلقى إليه الأخبار ومنهم من يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه وكان فيهم عرافون يزعمون معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على التهمة والسرقة ومنهم من يسمي المنجم كاهنا وحديث النهي عن إتيان الكهان يشمل الجميع من أتاهم وصدقهم دخل في الوعيد (^١)، وأما أولياء الله ومكاشفاتهم فذلك مما يجب الإيمان به (^٢)، وأما الفراسة فنوع آخر ليس من\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ١٠٤ - ١٠٥)، وشرح النووى على مسلم (١٠/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(^٢) الإيمان بكرامات الصالحين من الدين ولكن ما يسمى بالكشف هو باب من التلبيس كما عده ابن الجوزى فقال في تلبيس إبليس (ص ٣٣٤): إبليس إنما يتمكن من الإنسان عَلَى قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس مِنْهُ وكلما كثر العلم قل تمكنه مِنْهُ ومن العباد من يرى ضوءا أَوْ نورا فِي السماء فَإِن كان رمضان قَالَ رأيت ليلة القدر وإن كان فِي غيره قَالَ قد فتحت لي أبواب السماء وَقَدْ يتفق لَهُ الشيء الذي يطلبه فيظن ذلك كرامة وربما كان اتفاقا وربما كان اختبارا وربما كان من خدع إبليس والعاقل لا يساكن شيئًا من هَذَا ولو كان كرامة.\nوقال (ص ٣٣٨): وقد لبس إبليس عَلَى قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات فِي كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم والحق لا يحتاج إِلَى تشييد بباطل فكشف الله تعالى أمرهم بعلماء النقل.\nوقال ابن تيمية في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٤٨ - ٤٩): وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى، ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، وامتنع أن يكون وليا لله، فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله، لا سيما أن تكون حجته على ذلك، إما مكاشفة سمعها منه، أو نوع من تصرف، مثل أن يراه قد أشار إلى أحد، فمات أو =","vol":"8","page":114},{"text":"المنهي عنه أيضًا.\nواعلم أن الأخذ كما يحرم على الكاهن كذلك يحرم إعطاؤه على المعطي ويمنع المحتسب من ذلك ويؤدب عليه الآخذ والمعطي، قاله الماوردي (^١). وسيأتي الكلام على هذه الأشياء في باب الطيرة مبسوطا إن شاء الله تعالى وهذا الحديث أصل في الورع.\n\n٢٦٨٨ - وَعَن عَطِيَّة بن عُرْوَة السَّعْدِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يبلغ العَبْد أَن يكون من الْمُتَّقِينَ حَتَّى يدع مَا لَا بَأْس بِهِ حذرا لما بِهِ بَأْس\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n= صرع، فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب، لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية، كالكهان والسحرة وعباد المشركين، وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله، وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله، مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي - ﷺ - باطنًا وظاهرًا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أن لأولياء الله طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو يقول: إن الأنبياء ضيقوا الطريق، أو هم قدوة على العامة، أنه ولي لله، ولكن إن كان له حالة في إفاقته، كان فيها مؤمنا بالله متقيا، كان له من ولاية الله بحسب ذلك، وإن كان له حال إفاقته فيه كفر أو نفاق، أو كان كافرًا أو منافقا، ثم طرأ عليه الجنون، فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه، وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق.\n(^١) الأحكام السلطانية (ص ٣٧٣)، وشرح النووى على مسلم (١٠/ ٢٣٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٤٥١) وابن ماجه (٤٢١٥)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٦٨ رقم ٤٤٦)، والحاكم (٤/ ٣١٩).\nوقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.","vol":"8","page":115},{"text":"قوله: وعن عطية بن عروة (^١) [بضم المهملة وسكون الراء السعدي ويُقال: ابن سعد، ويُقال: ابن عَمْرو بن عروة بن القين، ويُقال: ابن قيس بن عامر بن عميرة بن ملان بن ناصرة بن قصبة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن السعدي، جد عروة بن محمد السعدي، لهُ صُحبَةٌ، نزل الشام وكان ولده بالبلقاء].\nقوله - ﷺ -: \"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس\" الحديث، تقدم معناه، وقال بعض الصحابة: كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن يقع في باب من الحرام، وقال الحسين ب: مثقال ذرة عن الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة، وقال أبو هريرة: جلساء الله غدا أهل الورع والزهد (^٢).\n\n٢٦٨٩ - وَعَن أبي أُمَامة - ﵁ - قَالَ سَأَلَ رجل النَّبِي - ﷺ - مَا الْإثْم قَالَ إِذا حاك فِي نَفسك شَيْء فَدَعْهُ قَالَ فَمَا الْإِيمَان قَالَ إِذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فَأَنت مُؤمن رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح (^٣).\n_________\n= وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ووافقه الذهبي.\nوضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه والترمذى، ورياض الصالحين (ص ٢٦٩) وغاية المرام (١٧٨). وحسنه في مشكاة المصابيح (٢٧٧٥).\n(^١) ترجمته في الاستيعاب: ٣/ الترجمة ١٠٧٠، وأسد الغابة: ٣/ ٤١٢، وتهذيب التهذيب: ٧/ ٢٢٧ - ٢٢٨، والإصابة: ٢/ الترجمة ٥٥٧٣.\n(^٢) الرسالة القشيرية (١/ ٢٣٦) عن الحسن البصرى.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٥٢ (٢٢٥٩٦)، والحاكم ١/ ١٤ و٢/ ١٣ و٤/ ٩٩. وقال =","vol":"8","page":116},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: سأل رجل النبي - ﷺ - ما الإثم؟ قال: \"إذا حاك في نفسك شيء فدعه\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٢٦٩٠ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاث من كن فِيهِ اسْتوْجبَ الثَّوَاب واستكمل الْإِيمَان خلق يعِيش بِهِ فِي النَّاس وورع يحجزه عَن محارم الله وحلم يرد بِهِ جهل الْجَاهِل رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث من كن فيه\" فذكره إلى أن قال \"وورع يحجزه عن محارم الله\" الحديث، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ (^٢) قال مجاهد وقتادة (^٣): نفسك فطهر عن دنس الذنب والورع يطهر دنس القلب ونجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته، وقد جمع النبي - ﷺ - الورع كله في كلمة واحدة فقال: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\" (^٤) فهذا يعم الترك لما لا يعني\n_________\n= الحاكم: صحيح متصل على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٥٠) والسراج المنير (١٥) وصحيح الجامع (٦٠٠).\n(^١) أخرجه البزار (٦٤٤٣). قال الهيثمي في \"المجمع\" ١/ ٧٥: رواه البزار، وفيه: عبد الله بن سليمان، قال البزار: حدث بأحاديث لم يتابع عليها. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٥٤٧) وضعيف الترغيب (١٠٨٢).\n(^٢) سورة المدثر، الآية: ٤.\n(^٣) تفسير الطبرى (٢٣/ ٤٠٧).\n(^٤) أخرجه أحمد ١/ ٢٠١ (١٧٦١) من حديث الحسين بن علي. وأخرجه ابن ماجه في السنن (٣٩٧٦) والترمذى (٢٣١٧) من حديث أبى هريرة. وصححه الألباني في صحيح ابن =","vol":"8","page":117},{"text":"من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الباطنة والظاهرة فهذه الكلمة شافية في الورع فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم وخص بنفائس الحكم، قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة وترك ما لا يعنيه هو ترك الفضلات (^١).\nتنبيه: الورع على أربع درجات ورع العدول وهو العمل بما يفتي المفتي في ظاهر الشرع وورع الصالحين وهو الورع من الشبهات مثل معاملة من أكثر ماله حرام وورع المتقين وهو ترك ما لا بأس به حذارا مما به بأس كما روي عمر - ﵁ - كان له زوجة يحبها فلما ولي الخلافة طلقها خوفا من أن تحمله على ما لا يجوز فيميل إلى ذلك لحبه إياها وورع الصديقين وهو الإعراض عما سوى الله تعالى وإليه الإشارة بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ (^٢) (^٣) وقال قائلهم: الله ونس والباقي هوس، وجد من خط جد الحافظ محب الدين الطبري ودخل الحسن مكة فرأى غلاما من أولاد علي بن أبي طالب وقد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس فوقف عليه الحسن البصري، قال له ما ملاك الدين، قال الورع قال: فما آفته قال الطمع، فتعجب منه الحسن\n_________\n= ماجه وصحيح الترمذي والإيمان لابن تيمية (ث ٤٩) ومشكاة المصابيح (٤٨٣٩) السراج المنير (٦١٨٧) وقال في صحيح الترغيب (٢٨٨١). حسن لغيره.\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٩١.\n(^٣) إحياء علوم الدين (٢/ ٩٤ - ٩٨) باختصار.","vol":"8","page":118},{"text":"وأوحي الله إلى موسى - ﵇ - ما تقرب إلي المتقربون بمثل الورع وسئل أبو عثمان الحيري عن الورع، فقال: كان أبو صالح حمدون عند صديق له وهو في النزع فلما مات أطفأ أبو صالح السراج قيل له في ذلك فقال كان الدهن له في الحياة فلما مات صار للورثة وكان رجل يكتب كتابا وهو في بيت مستأجر فأترب الكتاب من تراب ذلك البيت سمع هاتفا يقول: سيعلم المستخف بالتراب ما يلقي غدًا من طول الحساب، ورهن الإمام أحمد بن حنبل سطلا له عند بقال فلما أراد فكاكه أخرج البقال سطلين [فقال خذ] أيهما لك، فقال أحمد أشكل علي سطلي فهو لك والدراهم لك فقال البقال سطلك هذا وإنما أردت أن أختبرك فقال: لا آخذه ومضى وترك السطل عنده واستأجر النخعي دابة فوقع سوطه من يده فنزل وربط الدابة ورجع وأخذ اتلسوط فقيل له لو حولت الدابة إلى الموضع الذي سقط فه السوط فأخذته فقال: إنما استأجرتها لا مضي هكذا لا هكذا (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nلطيفة: قال إبراهيم بن أدهم: بت ليلة تحت الصخرة ببيت المقدس فلما كان بعض الليل نزل ما كان فقال أحدهما لصاحبه من ههنا فقال إبراهيم بن أدهم فقال: الذي حط الله درجة من درجاته، قال: ولم قال لأنه اشترى بالبصرة تمرًا فوقع من الدكان على تمرة تمرة من تمر البقال قال إبراهيم: فلما أصبح سافرت إلى البصرة فاشتريت التمر من ذلك الرجل وألقيت على تمرة تمرة\n_________\n(^١) الرسالة (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"8","page":119},{"text":"واحدة ورجعت إلى بيت المقدس وبت تحت الصخرة فلما كان بعض الليل إذا أنا بملكين نزلا فقال أحدهما من ها هنا فقال إبراهيم: الذي ردت درجته إلى ما كان عليه، وفي بعض النسخ الذي رد إلى مكانه ورفعت درجته (^١)، أ. هـ.\n\n٢٦٩١ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أفضل الْعِبَادَة الْفِقْه وَأفضل الدّين الْوَرع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن أبي ليلى (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أفضل الدين الورع\" تقدم الكلام على الورع.\n\n٢٦٩٢ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فضل الْعلم خير من فضل الْعِبَادَة وَخير دينكُمْ الْوَرع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^٣).\n_________\n(^١) الرسالة للقشيرى (١/ ٢٣٠).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الصغير (٢/ ٢٥١ رقم ١١١٤) والأوسط (٩/ ١٠٧ رقم ٩٢٦٤) والكبير (١٣/ ٧٣ رقم ١٣٧٠٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٢٠: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى، ضَعَّفُوهُ لِسُوءِ حِفْظِهِ. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٨٣)، وضعيف الجامع (١٠٢٤).\n(^٣) أخرجه البزار (٢٩٦٩)، والطبرانى في الأوسط (٤/ ١٩٦ - ١٩٧ رقم ٣٩٦٠). وقال البزار: وَهَذَا الْكَلَامُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ كَلَامِ مُطَرِّفٍ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ، عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ إِلَّا مِنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٠: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَزَّارُ، وَفِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ، وَثَّقَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ =","vol":"8","page":120},{"text":"قوله: وعن حذيفة هو ابن اليمان - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nوقوله - ﷺ -: \"وخير [دينكم] دنياكم الورع\" الورع في الأصل الكف عن المحارم والتحرج منه يقال ورع الرجل يرع بالكسر فيهما ورعا ورعة فهو ورع وتورع من كذا ثم استعير للكف عن المباح والحلال، قال البخاري في البيوع (^١): قال حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئا أهون من الورع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، قال القشيري (^٢): وكان حسان بن أبي سنان: لا ينام مضطجعا ولا يأكل سمينا ولا يشرب باردا ستين سنة فرئي في المنام بعد ما مات فقيل له ما فعل الله بك، فقال خيرا غير أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردها كان حسان بن أبي سنان البصري معدودا من العباد الروعين روى عنه الحسن البصري وكان يقول: لولا المساكين ما اتجرت، قال جعفر بن سليمان: سمعت جليسا لوهب بن منبه يقول: رأيت النبي - ﷺ - في المنام فقلت يا رسول الله أين الأبدال من أمتك فأومأ بيده قلب الشام قلت يا نبي الله أما بالعراق منهم أحد قال: بلى محمد بن واسع وحسان بن أبي سنان ومالك بن دينار، وقال: إن حسان مر يوما بغرفة فقال مذ كم بنيت هذه ثم رجع إلى نفسه فقال: يا نفس تسألي عما لا يعنيك فعاقبها بصوم\n_________\n= مَعِينٍ وَجَمَاعَةٌ. وصححه الألباني في السراج المنير (٢٤٥) وصحيح الترغيب (١٧٤٠)، والروض النضير ١/ ٤٤٠، العلم لأبي خيثمة ١٣.\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ٥٣).\n(^٢) الرسالة (١/ ٢٣٨).","vol":"8","page":121},{"text":"سنة وافتتح القشيري في رسالته في باب الورع بحديث أبي ذر أن النبي - ﷺ - قال: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\" ثم قال: أما الورع فإنه ترك الشبهات، قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضلات، وقال أبو بكر الصديق: كنا عند سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام، وقيل: إن مالك بن دينار مكث أربعين لم يأكل من تمر البصرة ولا من رطبها حتى مات ولم يذقه وكان إذا انقضى وقت الرطب قال: يا أهل البصرة هذا بطني ما نقص منه شيء ولا زاد فيكم وفعل السلف وورعهم أجل من أن يذكر (^١) أ. هـ.\n\n٢٦٩٣ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة عَن أبي هُرَيْرَة - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - كن ورعا تكن أعبد النَّاس وَكن قنعا تكن أشكر النَّاس وَأحب للنَّاس مَا تحب لنَفسك تكن مُؤمنا وَأحسن مجاورة من جاورك تكن مُسلما وَأَقل الضحك فَإِن كَثْرَة الضحك تميت الْقلب رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد الْكَبِير وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يسمع مِنْهُ (^٢).\nوروي عن واثلة عن أبي هريرة تقدم الكلام عليهما.\n_________\n(^١) الرسالة للقشيرى (١/ ٢٣٥ - ٢٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢١٧) والبيهقى في الآداب (ص ١٣٤ رقم ٣٢٣) و(ص ٣٣٥ رقم ٨٣١) والزهد (١/ ٣٠٩ رقم ٨٢٢) والشعب (٧/ ٤٩٩ رقم ٥٣٦٦)، والترمذى (٢٤٥٨). قال البوصيرى في مصباج الزجاجة (٤/ ٤٢٠): هذا إسناد حسن وأبو رجاء اسمه محرز بن عبد الله رواه الترمذي في الجامع بغير هذا اللفظ. وقال الألباني: صحيح لغيره صحيح الترغيب (١٧٤١) وصحيح الجامع (٤٥٨٠) والصحيحة (٩٣٠).","vol":"8","page":122},{"text":"قوله لأبي هريرة: \"كن ورعا تكن أعبد الناس\" الحديث، قال الشبلي: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله، وقال يحيى بن معاذ: الورع على وجهين ورع في الظاهر وهو أن لا يتحرك إلا لله، وورع في الباطن وهو أن لا يدخل قلبك سواه، وقال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع ما حاك في صدرك تركته (^١). أ. هـ\n\n٢٦٩٤ - وَرُوِيَ عَن نعيم بن همار الْغَطَفَانِي - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ بئس العَبْد عبد تجبر واختال وَنسي الْكَبِير المتعال، بئس العَبْد عبد يخْتل الدُّنْيَا بِالدّينِ بئس العَبْد عبد يسْتَحل الْمَحَارِم بِالشُّبُهَاتِ بئس العَبْد عبد هوى يضله بئس العَبْد عبد رغبته تذله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^٣) من حَدِيث\n_________\n(^١) الرسالة (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٩)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١١٠)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ٧٩٢ - ٧٩٣). ومن طريق ابن عدي أخرجه البيهقي في الشعب (١٠/ ٤٨٠ رقم ٧٨٣٣). قال أبو حاتم في العلل (١٨٣٨) هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ، وطَلْحَةُ ضعيفُ الْحَدِيث، ويزيدُ لم يُدْرِكْ نُعَيْمَ بنَ هَمَّار. وقال ابن عديّ: وهذا الحديث يعرف بأسماء بنت عميس عن النّبيّ - ﷺ - ومن هذا الطّريق لم يروه إلّا طلحة بن زيد اهـ. وضعّفه البيهقيّ في: الشّعب، والألبانيّ في: تخريجه للسنّة لابن أبي عاصم. وقال الذهبي: غريب جدًّا، وطلحة ضعيف ويزيد لم يدرك نعيمًا. وضعفه الألبانيّ في السنة (٩) وضعيف الترغيب (١٠٨٤) وقال ضعيف جدًّا.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٤٨). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِيِّ. وضعف الألباني في ضعيف الترمذي وضعيف الترغيب (١٧٤٢)، وتخريج المشكاة (٥١١٥ - التحقيق الثاني)، والضعيفة (٢٠٢٦).","vol":"8","page":123},{"text":"أَسمَاء بنت عُمَيْس أطول مِنْهُ وَيَأْتِي لَفظه فِي التَّوَاضُع إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nوروي عن نعيم بن همار الغطفاني سيأتي الكلام عليه وعلى الحديث إن شاء الله تعالى.","vol":"8","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>[الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء]</span>\n٢٦٩٥ - عَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ رحم الله عبدا سَمحا إِذا بَاعَ سَمحا إِذا اشْترى سَمحا إِذا اقْتضى رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - غفر الله لرجل كَانَ قبلكُمْ كَانَ سهلا إِذا بَاعَ سهلا إِذا اشْترى سهلا إِذا اقْتضى (^١).\nقوله: عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"رحم الله عبدًا\" الحديث، وتقديره: يرحم الله رجلا يكون سمحا ورحم كلمة دعاء فيا سعادة من دخل في عونه الجامعة.\nقوله - ﷺ -: \"سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى\" الحديث، سمحا بسكون الميم أي سهلا والمسامحة المساهلة وتسامحوا تساهلوا وقد تكرر في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٧٦)، وابن ماجه (٢٢٠٣)، وابن حبان (٤٩٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٥٨٥ رقم ١٠٩٧٨)، وفي الشعب (١٠/ ٤٣٦ رقم ٧٧٥٨)، والبغوي (٢٠٤٤) من طريق أبي غسان محمد بن مُطَرَف، عن محمد بن المنكدر، عن جابر.\nأخرجه الترمذي (١٣٢٠)، والبيهقي في الصغير (٢/ ٢٧٥ رقم ١٩٨١) وفي الكبرى (٥/ ٥٨٥ رقم ١٠٩٧٩) وفي الشعب (١٠/ ٤٣٦ رقم ٧٧٥٩) و(١٣/ ٥٣٥ رقم ١٠٧٤٢) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن إسرائيل عن زيد بن عطاء عن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الألباني: حس صحيح الترغيب (١٧٤٢) والصحيحة (١١٨١)، وصحيح الجامع (٤١٦٣).","vol":"8","page":125},{"text":"الحديث ذكر السهل وهو ضد الصعب وضد الحزن.\nوقوله - ﷺ -: \"سمحا إذا اقتضى\" وتقاضى أي تقاضى الحق وهو طلب قضاء الحق.\n\n٢٦٩٦ - وَعَن عُثْمَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَدخل الله ﷿ رجلا كَانَ سهلا مُشْتَريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا الْجنَّة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه لم يذكر قَاضِيا ومقتضيا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٥٨ (٤١٧) و١/ ٧٠ (٥١٥)، وابن ماجه (٢٢٠٢)، والبزار (٣٩٢)، والنسائي ٧/ ٣١٧ (٤٧٣٩) من طريق إسماعيل بن علية، وأحمد ١/ ٦٧ (٤٩٢)، وعبد بن حميد (٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٨١٨٤)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٥٦٢) من طرق عن حماد بن سلمة، كلاهما (ابن علية وحماد بن سلمة) عن يونس، عن عطاء بن فروخ، عن عثمان بن عفان.\nقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٩): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع، عطاء بن فروخ لم يلق عثمان بن عفان، قاله علي بن المديني في العلل. وأخرجه الطيالسى (٧٨)، وأحمد ١/ ٥٨ (٤٢١)، والبغوى في الجعديات (١٦٣١) من طرق عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن رجل، عن عثمان بن عفان. وأخرجه إسحاق كما في المطالب العالية (١٣٣٥) وإتحاف الخيرة (٣/ ٢٨٤) والبيهقى في الشعب (١٣/ ٥٣٦ - ٥٣٧ رقم ١٠٧٤٣) من طريق شبابة بن سوار المدائني ثنا هشام وهو ابن الغاز عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن عثمان به. قال ابن حجر: هذا مرسل حسن، يؤيده الذي بعده. يعنى ما أخرجه من طريق إسحاق في المطالب العالية (١٣٣٦) والبوصيرى في إتحاف الخيرة (٣/ ٢٨٥) عن محمد بن بكر البرساني، أنا هشام بن حسان عن مطر الوراق، عن عثمان. وأخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٣/ ٢٨٥) والمطالب العالية (١٣٣٧) ثنا أبو خيثمة، ثنا الضحاك بن مخلد، ثنا سالم الخياط، حدثني عثمان بن عفان. وصححه=","vol":"8","page":126},{"text":"قوله: وعن عثمان - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أدخل الله ﷿ رجلا كان سهلا مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا الجنة\" تقدم معناه.\n\n٢٦٩٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أخْبركُم بِمن يحرم على النَّار وَمن تحرم عَلَيْهِ النَّار على كل قريب هَين سهل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَزَاد لين وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لابْنِ حبَان إِنَّمَا تحرم النَّار على كل هَين لين قريب سهل (^١).\n_________\n= الألباني في الصحيحة (١١٨١) وحسنه في السراج المنير (٢٥١٥) وصحيح الترغيب (١٧٤٣).\n(^١) لم يدرج المصنف تحته شرحًا. والحديت أخرجه يحيى بن معين في الثانى من حديثه (٣٠)، وابن أبي شيبة في المسند (٤٠٩)، وأحمد ١/ ٤١٥ (٤٠١٧)، والترمذى (٢٤٨٨).\nوأبو يعلى (٥٠٥٣)، وابن حبان (٤٦٩ و٤٧٠)، والطبرانى في الكبير (١٠/ ٢٣١ رقم ١٠٥٦٢)، والبيهقى في الأربعون (ص ١٧٢ رقم ١٢٠) والشعب (١٣/ ٥٣٣ رقم ١٠٧٣٨). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.\nوقال الدارقطني في العلل (٨١٨): يَرْوِيهِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَرَوَاهُ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَلَوْذَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو الْأَوْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بْنِ رَجُلٍ مِنْ أَوْدٍ، وَلَمْ يَثْبُتِ اسْمُهُ. وَرَوَاهُ سَعِيدٌ الْجُمَحِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَهَ، عَنِ الْأَوْدِيِّ وَلَمْ يُسَمِّهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَرَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ. وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَرَاءُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَلَا يَصِحُّ، وَالْمَحْفُوظُ حَدِيثُ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَاللَّيْثِ عَنْ هِشَامٍ=","vol":"8","page":127},{"text":"٢٦٩٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من كَانَ هينا لينًا قَرِيبا حرمه الله على النَّار رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث أنس وَلَفظه قيل يَا رَسُول الله من يحرم على النَّار قَالَ الهين اللين السهل الْقَرِيب، وَرَوَاهُ فِي الْأَوْسَط أَيْضا وَالْكَبِير عَن معيقب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - حرمت النَّار على الهين اللين السهل الْقَرِيب (^١).\n_________\n= وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة (٣/ ٢٨٦): ورواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد.\nوصححه الألباني في صحيح الترمذي وصحيح الترغيب (١٧٤٤) والصحيحة (٩٣٨).\n(^١) لم يدرج المصنف تحته شرحا:\nوأما حديث أبى هريرة: أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٢٦) وعنه البيهقى في السنن الكبرى (١٠/ ٣٢٧ رقم ٢٠٨٠٦)، وفى الشعب (١٠/ ٤٤٣ رقم ٧٧٧٠) والآداب (ص ٦٦) من طريق سهل بن عمار، ثنا محاضر بن المورع، ثنا سعد بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقال ابن حجر في إتحاف المهرة (١٥/ ٦٠٣ - ٦٠٤): قلت: وسهل بن عمار ذكره الحاكم في تاريخ نيسابور ونقل عن إبراهيم بن عبد الله السعدي أنه كذبه، فهذا عجب منه، كيف خفي عليه حاله هنا؟ حتى أخرج حديثه في المستدرك؟! وفي الباب حديث عن ابن مسعود لا بأس بسنده، رواه الترمذي وابن حبان. وله طريق آخر يرويه محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أخرجه أبو حاتم في العلل (٥/ ١١٥) عن محمد بن أمية الساوى، وابن شاهين في جزء من حديث عن شيوخه (٤٠) من طريق بحير بن النضر، كلاهما عن عيسى بن موسى التيمى، عن عبد الله بن كيسان. وأخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٦٤)، وتمَّام في الفوائد (١١٠٢/ الروض البسام) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٦) من طريق حماد الأبح، ثلاثتهم (عبد الله بن كيسان ومحمد بن الفضل وبجير=","vol":"8","page":128},{"text":"٢٦٩٩ - وَعنهُ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله يحب سمح البيع سمح الشِّرَاء سمح الْقَضَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ غَرِيب وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (١).\n_________\n= بن النضر) عن محمد بن واسع، به. وقال أبو حاتم في العلل (١٨٥١): هو حديثٌ غريبٌ مُنكَرٌ. وأخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٣٢٣)، والطبراني في الأوسط (٥٧٢٥) من طريق وَهْب بن حكيم الأزدي، وابن عدي أيضًا (٣/ ٣٠٠) من طريق زيد العَمِّي، ثلاثتهم عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. ورواه جويبر عن محمد بن واسع عن أبي صالح عن أبى هريرة: أخرجه البيهقي في الشعب (١٠/ ٤٤٤ رقم ٧٧٧١) من طريق جويبر بن سعيد، عن محمد بن واسع، عن أبي صالح الحنفي، عن أبي هريرة.\nوأما حديث أنس: أخرجه الطبرانى في الأوسط (٨/ ١٥٦ رقم ٨٢٥٦)، وابن مردويه في ثلاثة مجالس من أماليه (٢٣)، من طريق الحارث بن عبيدة عن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك. قال أبو حاتم في العلل (٢٤٤١): هذا حديث باطل، والحارث ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٧٥): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحارث بن عبيدة، وهو ضعيف.\nوأما حديث معيقيب: أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣٠٩)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (١٤٣) وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٢٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٥٢ رقم ٨٣٢) والأوسط (٨/ ٢١٩ رقم ٨٤٥٢)، والبيهقي في الشعب (١٥/ ٤٤٤ رقم ٧٧٧٢) واللفظ له من طريق شيبان بن فروخ، نا أبو أمية بن يعلى، نا محمد بن معيقيب عن أبيه - وعند الخرائطي: عن أمه -. وأخرجه الدولابي في الكنى (٤٧٤) من طريق الأصمعي عبد الملك بن قريب، عن أبي أمية به. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٧٥): رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه أبو أمية بن يعلى، وهو ضعيف.\nأخرجه الترمذي (١٣١٩) والعلل الكبير (٣٤٩)، وأبو يعلى (٦٢٣٨) والدارقطنى في العلل (١٠/ ٣٥٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٦)، وأبو نعيم في المنتخب من حديث=","vol":"8","page":129},{"text":"قوله: وعنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله يحب سمح البيع سمح الشراء سمح القضاء\" تقدم أن المسامحة المساهلة والسماحة والسموحة والسمح بفتح الميم يقال سمح واسمح ورجل سمح والسمح الجواد والمساهل والموافق على ما طلب قاله الكرماني (^١).\n\n٢٧٠٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اسمح يسمح لَك رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا مهْدي بن جَعْفَر (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\n_________\n= يونس بن عبيد (٢٠). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\nوصححه الألباني في صحيح الترمذي والسراج المنير (٢٥٢٢) والصحيحة (٨٩٩) وصحيح الترغيب (١٧٤٨)، وصحيح الجامع (١٨٨٨).\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٩/ ٢٠٠) للكرمانى.\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٤٨ (٢٢٦٩)، والحارث كما في الزوائد (١٠٨١)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٨١ رقم ١١٦٩) والأوسط (٥/ ٢١١ رقم ٥١١٢)، وأبو الفضل الزهرى في حديثه (٣٧١)، والحربى في الفوائد المنتقاة (٣٢)، وتمام في الفوائد (٧١٨) و(٧١٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٤٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٣/ ٥٣٧ رقم ١٠٧٤٥) من طرق عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.\nقال الترمذي في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث خطأ، روى هذا الحديث إسماعيل ابن علية، عن يونس عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. قال محمد: وكنت أفرح بهذا الحديث حتى روى بعضهم هذا الحديث عن يونس عمن حدث، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وصححه الألباني في السراج المنير (٢٥٢١) والصحيحة (١٤٥٦) وصحيح الترغيب (١٧٤٩).","vol":"8","page":130},{"text":"قوله - ﷺ -: \"اسمح يسمح لك\" أي سهل يسهل عليك ومنه الحديث المشهور السماح رباح أي المساهلة في الأشياء بربح صاحبها (^١).\n\n٢٧٠١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أفضل الْمُؤمنِينَ رجل سمح البيع سمح الشِّرَاء سمح الْقَضَاء سمح الاقْتِضَاء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٩٨). والحديث أخرجه القضاعى في مسند الشهاب (٢٣) من طريق حاتم بن بكر بن غيلان، ثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"السماح رباح، والعسر شؤم\".\nقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: حَدِيث مُنكر. وقال الألباني في الضعيفة (١٥٥٧): منكر. وأخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٨٦٤) من طريق ابن لال قال: حدثنا الزعفراني، حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الحجاج بن الفرافصة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وفيه حجاج بن فرافصة، قال أبو زرعة: ليس بقوى، ونسبه ابن حبان إلى الوضع. وضعفه الألباني كما في ضعيف الجامع (٣٣٥٤).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٢٩٧ رقم ٧٥٤٤) ومن طريقه ابن حجر في الأمالى المطلقة (ص ١٩٠). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن أبي العلاء هو يزيد بن عبد الله بن الشخير إلا عبد الله بن عبد الله الهدادي، تفرد به: الشاذكوني. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٥: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\nقال ابن حجر: وَاسْمُ الشَّاذَكُونِيِّ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَيُكَنَّى أَبَا دَاوُدَ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْحُفَاظِ لكِنهمْ ضَعَّفُوهُ جذا وَتَجَنَّبَ حَدِيثَهُ أَصْحَابُ الْأُصُولِ السِّتَة وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَأَبُو يَعْلَى إِذَا حَدَّثَا عَنْهُ قَالَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو أَيُّوبَ لَا يَزِيدَانِ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ وَشَيْخُهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالتَّخْفِيفِ مَا عَرِفْتُ حَالَهُ لَكِنَّ الْمَتْنُ قَوِيٌّ بِشَوَاهِدِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ.\nوقال الألباني في الضعيفة (٢٨٥٣) وضعيف الترغيب (١٠٨٥) وضعيف الجامع (١٠٣٧): موضوع. ولم يدرج المصنف تحته شرحا.","vol":"8","page":131},{"text":"٢٧٠٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - دخل رجل الْجنَّة بسماحته قَاضِيا ومقتضيا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"دخل رجل الجنة بسماحته قاضيا ومقتضيا\" تقدم.\n\n٢٧٠٣ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - قَالَ أَتَى الله بِعَبْد من عباده آتَاهُ الله مَالا فَقَالَ لَهُ مَاذَا عملت فِي الدُّنْيَا قَالَ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٢) قَالَ يَا رب آتيتني مَالا فكنت أبايع النَّاس وَكَانَ من خلقي الْجَوَاز فَكنت أيسر على الْمُوسر وَأنْظر الْمُعسر فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا أَحَق بذلك مِنْك تجاوزوا عَن عَبدِي فَقَالَ عقبَة بن عَامر أبو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ هَكَذَا سمعناه من فِي رَسُول الله - ﷺ - رَوَاهُ مُسلم هَكَذَا مَوْقُوفا على حُذَيْفَة وَمَرْفُوعًا عَن عقبَة أبي مَسْعُود وَتَقَدَّمت بَقِيَّة أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فِي إنظار الْمُعسر (^٣).\nقوله: وعن حذيفة بن اليمان (^٤) - ﵄ -، كنيته: أبو عبد الله حذيفة بن اليمان،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢١٠ (٧٠٨٢)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٠٤). وأورده الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٤، وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٧٤٨): صحيح لغيره.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٢.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩ - ١٥٦٠) عن حذيفة. وأخرجه البخاري (٢٠٧٧) و(٢٣٩١) و(٣٤٥١) ومسلم (٢٦ و٢٧ و٢٨ - ١٥٦٠) بنحوه عن حذيفة مرفوعا. وأخرجه مسلم (٣٠ - ١٥٦٠)، والترمذى (١٣٠٧)، وابن حبان (٥٠٤٧) عن أبي مسعود.\n(^٤) ترجمته في طبقات ابن سعد ٧/ ٣١٧، التاريخ الكبير ٣/ ترجمة ٣٣٢، الجرح والتعديل=","vol":"8","page":132},{"text":"واسم اليمان: حِسْل بكسر الحاء وإسكان السين ويقال حُسيل بالتصغير بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بكسر الجيم العنسي حليف بني عبد الأشهل من الأنصار ولقب باليمان لأنه أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار فسماه قومه اليمان لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن.\nأسلم حذيفة وأبوه وهاجرا إلى رسول الله - ﷺ - وشهدا جميعا أحدا وقتل أبوه يومئذ قتله المسلمون خطئا فوهب لهم دمه وأسلمت وهاجرت وكان سكثير السؤال لرسول الله - ﷺ - عن أحاديث الفتن والشر ليجتنبها وسأله رجل أي الفتن أشد؟ قال: أن تعرض الخير والشر فلا تدري أيهما تترك (^١)، وفي صحيح مسلم عنه قال: أخبرني رسول الله - ﷺ - بما كان إلى أن تقوم الساعة (^٢)، وفي صحيح مسلم عنه أيضا قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة (^٣)، ومناقبه وأحواله كثيرة مشهورة، توفي - ﵁ - بالمدائن\n_________\n= ٣/ ترجمة ١١٤٠، أسد الغابة ١/ ٤٦٨، الإصابة ١/ ترجمة ١٦٤٧، تهذيب الكمال ٥/ ترجمة ١١٤٧، تهذيب التهذيب ٢/ ترجمة ٤٠٥، خلاصة الخزرجي ١/ ترجمة ١٢٦٧.\n(^١) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١١٩). وفيه جابر الجعفى متروك.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٤ - ٢٨٩١) ولفظه: \"أخبرني رسول الله - ﷺ - بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة\" فما منه شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢ - ٢٨٩١) ولفظه: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة، فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله - ﷺ - أسر إلي في ذلك شيئا، لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله - ﷺ -، قال: وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله - ﷺ -: وهو يعد الفتن: \"منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار\" قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.","vol":"8","page":133},{"text":"سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بن عفان بأربعين ليلة، وقتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة وكان لحذيفة أخ اسمه صفوان وأختان أم سلمة وفاطمة بنو اليمان، أ. هـ ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله - ﷺ -: \"أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالا فقال له ماذا عملت في الدنيا قال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٢) \" فذكره إلى أن قال: وكان من خلقي الجواز، أي: التساهل والتسامح في البيع والاقتضاء.\nقوله - ﷺ -: \"وأنظر المعسر\" الإنظار التأخير والإمهال يقال أنظرته أنظره واستنظرته إذا طلبت منه أن ينظرك، أ. هـ قاله في النهاية (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"تجاوزوا عن عبدي\" وفي رواية \"اسمحوا لعبدي\" الإسماح لغة في السماح ويقال سمح واسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء، وقيل: إنما يقال في السخاء سمح وأما سمح فإنما يقال في المتابعة والانقياد يقال: أسمحت نفسه إذا انقادت والصحيح الأول.\nقوله: قال أبو مسعود، أبو مسعود هذا هو عقبة بن عمرو الأنصاري (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٣ - ١٥٤).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٢.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٧٨).\n(^٤) ترجمته في طبقات ابن سعد ٦/ ١٦، أسد الغابة ٤/ ٥٧ و٦/ ٢٨٦.\nلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا عَلَى الصَّحِيْحِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ مَاءً بِبَدْرٍ، فَشُهْرَ بِذَلِكَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَيْعَةَ العَقَبَةِ، وَكَانَ شَابًّا مِنْ أَقْرَانِ جَابِرٍ فِي السِّنِّ، رَوَى أَحَادِيْثَ كَثِيْرَةً، وَهُوَ مَعْدُوْدٌ فِي عُلَمَاءِ=","vol":"8","page":134},{"text":"٢٧٠٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رجلا أَتَى النَّبِي - ﷺ - يتقاضاه فَأَغْلَظ لَهُ فهم بِهِ أَصْحَابه فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"دَعوه فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا ثمَّ قَالَ أَعْطوهُ سنا مثل سنه، قَالُوا يَا رَسُول الله لَا نجد إِلَّا أمثل من سنه، قَالَ أَعْطوهُ فَإِن خَيركُمْ أحسنكم قَضَاء\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا وَمُطَولًا وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -.\nقوله: أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فأغلظ له فهمَّ به أصحابه فقال رسول الله - ﷺ - \"دعوه فإن لصاحب الحق مقالا\" الحديث في هذا الحديث أنه يحتمل من صاحب الدين الكلام المعتاد في المطالبة، قال النووي (^٢): وهذا الإغلاظ المذكور محمول على تشدد في المطالبة ونحو ذلك من غير كلام فيه قدح أو غيره مما يقتضي الكفر، ويحتمل أن القائل الذي له الدين كان كافرا من اليهود أو غيرهم والله تعالى أعلم.\n_________\n= الصَّحَابَةِ، نَزَلَ الكُوْفَةَ، وَاسْمُهُ: عُقْبَةُ بن عَمْرِو بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ أُسَيْرَةَ بنِ عُسَيْرَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَقِيْلَ: يُسَيْرَةُ بن عُسَيْرَةَ - بِضَمِّهِمَا - بنِ عَطِيَّةَ بنِ خُدَارَةَ بنِ عَوْفٍ بنِ الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ. قَالَ خَلِيْفَةُ: اسْتَعْمَلَ عَلِيٌّ - لَمَّا حَارَبَ مُعَاوِيَةَ - عَلَى الكُوْفَةِ أَبَا مَسْعُوْدٍ.\nوقَالَ خَلِيْفَةُ: مَاتَ أَبُو مَسْعُوْدٍ قَبْلَ الأَرْبَعِيْنَ، وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ: سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ، وَقَالَ المَدَائِنِيُّ وَغَيْرُهُ: سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ.\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٠٥) و(٢٣٠٦) و(٢٣٩٠) و(٢٣٩٢) و(٢٤٠١) و(٢٦٠٦) و(٢٦٠٩)، ومسلم (١٢٠ و١٢١ و١٢٢ - ١٦٠١)، والترمذى (١٣١٦) و(١٣١٧)، وابن ماجه (٢٤٢٣)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٢٦٦ (٤٦٦١).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (١١/ ٣٨).","vol":"8","page":135},{"text":"قال في المفهم (^١): هذا الرجل كان من اليهود فإنهم كانوا أكثر من يعامل بالدين، وحكي أن القول الذي قاله إنكم يا بني عبد المطلب مطل، وكذب اليهودي لم هذا معروفا من أجداد النبي - ﷺ - ولا أعمامه بل المعروف منهم الكرم والوفاء والسخاء، ويبعد أن يكون هذا القائل مسلما إذ مقابلة النبي - ﷺ - بذلك أذى له، وأذاه كفر، وقد هم أصحاب النبي - ﷺ - بأخذه ليقام عليه الحكم، فقال: \"دعوه\" فيه حسن خلقه وقوة صبره على الجفا مع القدرة على الانتقام.\nقوله: \"فإن لصاحب الحق مقالا\" يعني صولة الطلب وقوة الحجة لكن على من يمطل أو يسيء المعاملة وأما من أنصف من نفسه ببذل ما عنده واعتذر عما ليس عنده فيقبل عذره ولا تجوز الاستطالة عليه ولا كهره ويجاب عن قوله حينئذ أن له مقالا بأن ذلك فيمن ظن أن عنده وفاء في أول الأمر فإذا تبين الحال زال.\nقوله: \"ثم أعطوه سنا مثل سنه\" قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سنه قال: أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء، أي لتدين بأن لا يوجد منه مطل وغيره.\n\n٢٧٠٥ - وَعَن أبي رَافع مولى رَسُول الله - ﷺ - قَالَ استسلف رَسُول الله - ﷺ - بكرا فَجَاءَتْهُ إبل من الصَّدَقَة قَالَ أَبُو رَافع فَأمرنِي رَسُول الله - ﷺ - أَن أَقْضِي الرجل بكره فَقلت لَا أجد فِي الْإِبِل إِلَّا جملا خيارا رباعيا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٤/ ١٢٦).","vol":"8","page":136},{"text":"أعْطه إِيَّاه فَإِن خِيَار النَّاس أحْسنهم قَضَاء رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن أبي رافع (^٢) مولى رسول الله - ﷺ -، اختلفوا في اسمه فقيل: إبراهيم وقيل: أسلم وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، وكان للعباس عم رسول الله - ﷺ - فوهبه للنبي - ﷺ - فلما بشره بإسلام العباس أعتقه، شهد أحدًا والخندق وما بعدهما ولم يشهد بدرا وكان إسلامه قبلها، روى له الجماعة، والمولى ينقسم على قسمين: مولى عتاقة وهو الأكثر ومولى حلف ومناصرة ومولى إسلام بأن أسلم على يد واحد من القبيلة.\nقوله: استسلف رسول الله - ﷺ - بكرًا، الحديث، قال أهل اللغة: يقال استسلف وسلفت وأسلفت تسليفا وإسلافا، والاسم السلف وهو في المعاملات على وجهين أحدهما: العوض الذي لا منفعة فيه للمقترض غير الأجر والشكر وعلى المقترض رده كما أخذه والعرب تسمي القرض سلفا، والثاني: أن تعطي مالًا في سلعة إلى أجل معلوم بزيادة في السعر الموجود عند السلف وذلك منفعة للمسلف ويقال له سلم دون الأول، قال أصحابنا: ويشترك السلم والقرض في أن كلا منهما إثبات مال في الذمة مبذول في الحال\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١٩٨٦)، ومسلم (١١٨ و١١٩ - ١٦٠٠)، وابن ماجه (٢٢٨٥)، وأبو داود (٣٣٤٦)، والترمذى (١٣١٨)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٢٦٦ (٤٦٦٠). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.\n(^٢) ترجمته: طبقات ابن سعد: ٤/ ٧٣ - ٧٥، الاستيعاب: ٤/ ١٦٥٦، أسد الغابة ١/ ٥٢، تهذيب الكمال: ١٦٠٣ الإصابة: ١١/ ١٢٨، ١٢٩.","vol":"8","page":137},{"text":"وذكروا في حد السلم عبارات أحسنها أنه عقد على موصوف في الذمة ببذل يعطى عاجلا يسمى سلما لتسليم رأس المال في المجلس ويسمي التقديم رأس المال وأجمع المسلمون على جواز السلم والله أعلم.\nقوله: استسلف بكرا فجاءته إبل من إبل الصدقة، قال أبو رافع فأمرني رسول الله - ﷺ - أن أقضي الرجل بكره\" الحديث، قال النووي (^١): البكر بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف، قال الخطابي (^٢) ﵀ البكر في الإبل وهو الصغير بمنزلة الغلام من الناس والأنثى بكرة والجمع بكار مثل فرخ فراخ، وقد يجمع في القلة على أبكر، قال أبو عبيدة (^٣): والبكرة بمنزلة الفتاة، والقلوص من النوق الشابة وهي بمنزلة الجارية من النساء وجمعها قلص وقلائص مثل قدوم وقدم وقدائم، قال الراجز (^٤):\nمتى تقول القلوص الرواسما ... يحملن أم قاسم وقاسما\nوقال العدوي (^٥): القلوص أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثنى فإذا\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١١/ ٣٧) وتمام كلامه: البكر من الإبل فبفتح الباء وهو الصغير كالغلام من الآدميين والأنثى بكرة وقلوص وهي الصغيرة كالجارية فإذا استكمل ست سنين ودخل في السابعة وألقى رباعية بتخفيف الياء فهو رباع والأنثى رباعية بتخفيف الياء وأعطاه رباعيا بتخفيفها.\n(^٢) معالم السنن (٣/ ٦٧) للخطابي.\n(^٣) الصحاح للجوهرى (٣/ ١٠٥٤) وأبو عبيدة هو معمر بن المثنى.\n(^٤) هو هدبة بن خشرم وروايته: مَتَّى تَقُولُ القُلُصَ الرَّواسِما ... يُدْنِين أُمَّ قاسِمٍ وقاسِما؟ [لسان العرب ١١/ ٥٧٥].\n(^٥) أبو الحسن العدوي الأعرابيّ، وهو العدبَّس الكناني. وكلامه في الصحاح (٣/ ١٠٥٤).","vol":"8","page":138},{"text":"أثنت فهي ناقة، أ. هـ، والبعير بمنزلة الإنسان والجمال بمنزلة الرجل والناقة بمنزلة المرأة.\nقوله: قلت لا أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا، الخيار بكسر الخاء وتخفيف الياء، أي: جيدا مختارا يقال: جمل خيار أي مختار وإبل خيار وناقة خيار بلفظ واحد أي مختارة ذكره صاحب المطالع (^١).\nوقوله: \"رباعيا\" بفتح الراء وتخفيف الياء، يقال للذكر من الإبل إذا طلعت رباعية رباع والأنثى رباعية بالتخفيف والرباع من الإبل، قال ابن الأثير (^٢): هو الذي أتت عليه ست سنين ودخل في السابعة، قيل: وإنما سميت الرباعيتان رباعيتين لأنهما مع الثنتين أربع وأربع الفرس ألقى رباعيته فهو رباع، والجمع ربع.\nقوله - ﷺ -: \"فإن خير الناس أحسنهم قضاء\" وفي رواية \"محاسنكم قضاء\" قالوا: معناه ذو المحاسن سماهم بالصفة، قال القاضي (^٣): وفي هذا الحديث جواز الاقتراض والاستدانة وجواز اقتراض الحيوان، وفيه ثلاثة مذاهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف أنه يجوز قرض جميع الحيوان إلا الجارية لمن يملك وطأها فإنه لا يجوز ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطأها كمحارمها والمرأة والخنثى، والمذهب الثاني: مذهب\n_________\n(^١) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٤٨٩) لابن قرقول.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٨٨).\n(^٣) إكمال المعلم (٥/ ٣٠٠) للقاضي عياض وذكره النووى في شرحه على مسلم (١١/ ٣٧).","vol":"8","page":139},{"text":"المزني وابن جرير وداود أنه يجوز قرض الجارية وسائر الحيوان لكل واحد، والثالث: مذهب أبي حنيفة والكوفيين أنه لا يجوز قرض شيء من الحيوان وهذه الأحاديث تردُّ عليهم ولا تقبل دعواهم النسخ بغير دليل، وفي هذه الأحاديث جواز السلم في الحيوان، وحكمه حكم القرض، وفيها: أنه يستحب لمن عليه دين من قرض؛ قال ابن بطال: اختلفوا في استقراض الحيوان؛ فمنعه الكوفيون، لأن وجود مثله متعذر غير موقوف عليه، ويحتمل أن يكون حديث أبى هريرة قبل تحريم الربا، وأجازه الجمهور كما تقدم قالوا: محال أن يستقرض رسول الله - ﷺ - شيئًا لا يقدر على رد مثله، لأنه أبعد الخلائق من الظلم على أحد.\nوفي هذه الأحاديث جواز السلم في الحيوان وحكمه حكم القرض وفيها أنه يستحب لمن عليه دين من قرض وغيره أن يرد أجود من الذي عليه وهذا من السنة ومكارم الأخلاق وليس هو من قرض جر منفعة فإنه منهي عنه لأن المنهي عنه ما كان مشروطا في عقد القرض، ومذهبنا أنه يستحب الزيادة في الأداء عما عليه ويجوز للمقرض أخذها سواء زاد في الصفة أو في العدد بأن أقرضه عشرة فأعطاه أحد عشر ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها، والحديث بعمومه حجة عليه.\nتنبيه: قوله: \"فجاءته إبل من الصدقة\" قال أبو رافع: فأمرني رسول الله - ﷺ - أن أقضي الرجل بكره، الحديث، هذا مما يشكل فيقال كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم مع أن الناظر في الصدقة لا يجوز","vol":"8","page":140},{"text":"بترعه عنها. فالجواب: أنه - ﷺ - اقترض لنفسه فلما جاءت إبل الصدقة اشترى منها بعيرا رباعيا فمن استحقه فمله النبي - ﷺ - بثمنه ووافاه متبرعا بالزيادة من ماله، ويدل لهذا ما في الفتح من رواية أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"اشتروا به سنا أمثل من سنه\" فهذا هو الجواب المعتمد، وقد قل فيه أجوبة غيه، منها: أن المقترض كان بعض المحتاجين اقترض لنفسه فأعطاه من الصدقة حين جاءت وأمره بالقضاء.\nقوله - ﷺ -: \"فإن خير الناس أحسنهم قضاء\" وفي رواية\"محاسنكم قضاء\" قالوا معناه: ذو المحاسن سماهم بالصفة، قال القاضي عياض: هو جمع محسن بفتح الميم وأكثر ما يجيء أحاسنكم جمع أحسن في قوله: \"اشتروا له بعيرا أحسن منه، فإن خياركم أحسنكم قضاء\" دليل على أن هذا الحديث في غير قضية أبي رافع فإن ذلك فيه أنه أعطاه من إبل الصدقة وهذا اشترى له (^١) وفي كلام النووي: [ما] تعسف أنه هو (^٢)، فأجاب: أنه اشتراه من إبل الصدقة فوفاه عما اقترضه لنفسه متبرعا بالزيادة من ماله، قال: ويدل عليه قوله: \"اشتروا له سنًا\" قال: وهذا الجواب المعتمد يعني عن كونه قضى من إبل الصدقة أجود منه والناظر لا يجوز له ذلك، وفي الحديث صحة الوكالة\n_________\n(^١) هذا كلام القرطبي في المفهم (١٤/ ١٢٦).\n(^٢) ذلك أن النووى قال في شرحه على مسلم (١١/ ٣٧): هذا مما يستشكل فيقال فكيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم مع أن الناظر في الصدقات لا يجوز تبرعه منها.","vol":"8","page":141},{"text":"وفيه: ذب الأصحاب عن عرض أخيهم، فإن قيل: كيف شغل النبي - ﷺ - ذمته بدين وكان يتعوذ منه كثيرا فقيل كان يستسلف لغيره وقيل لنفسه بيانا للجواز والمستفاد ما كان منه لغير حاجة وقيل أخذه على ذمته فدفعه لمستحق ثم أداه عنه.\n\n٢٧٠٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله - ﷺ - صَلَاة الْعَصْر ثمَّ قَامَ خَطِيبًا فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ أَلا وَإِن مِنْهُم حسن الْقَضَاء حسن الطّلب وَمِنْهُم سيئ الْقَضَاء حسن الطّلب فَتلك بِتِلْكَ أَلا وَإِن مِنْهُم السيئ الْقَضَاء السيئ الطّلب أَلا وَخَيرهمْ الْحسن الْقَضَاء الْحسن الطّلب أَلا وشرهم سيئ الْقَضَاء سيئ الطّلب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي فِي الْغَضَب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى في المسند (٢٢٧٠)، وأحمد ٣/ ١٩ (١١٣١٢) و٣/ ٦١ (١١٧٦٥)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٨٦٤)، والترمذى في السنن (٢١٩١)، وأبو يعلى (١١٠١)، والحاكم (٤/ ٥٠٥)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٥٢٨ رقم ٧٩٣٦). وقال الترمذي: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال الحاكم: هذا حديث تفرد بهذه السياقة علي بن زيد بن جدعان القرشي، عن أبي نضرة. والشيخان - ﵄ - لم يحتجا بعلي بن زيد. وقال الذهبي: ابن جدعان صالح الحديث. وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة (٨/ ٦٦): رواه أبو داود الطيالسي والحميدي وأبو يعلى، ومدار أسانيدهم على علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.\nوقال ابن حجر في الأمالى المطلقة (ص ١٧٠): وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لاخْتِلَاطِهِ لَكِنَّ سِيَاقُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ يَدُّلُ عَلَى أَنَّهُ ضَبَطَهُ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُه مُفَرِّقًا وَسَأَذْكُرُ شَوَاهِدَهُ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى.=","vol":"8","page":142},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الغضب إن شاء الله تعالى.\n\n٢٧٠٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قالَ: استسلف النَّبِي - ﷺ - من رجل من الْأَنْصَار أَرْبَعِينَ صَاعا فَاحْتَاجَ الْأنْصَارِيّ فَأَتَاهُ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا جَاءَنَا شَيْء فَقَالَ الرجل وَأَرَادَ أَن يتَكَلَّم فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"لَا تقل إِلَّا خيرا فَأَنَا خير من تسلف فَأعْطَاهُ أَرْبَعِينَ فضلا وَأَرْبَعين لسلفه فَأعْطَاهُ ثَمَانِينَ\" رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^١).\nوروى ابْن مَاجَه عَنهُ قَالَ جَاءَ رجل يطْلب النَّبِي - ﷺ - بدين فَتكلم بعض الْكَلَام فهم بِهِ بعض أَصْحَابه فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَه إِن صَاحب الدّين لَهُ سُلْطَان على صَاحبه حَتَّى يَقْضِيه (^٢).\n_________\n= وقال الألباني في ضعيف الترمذي: ضعيف لكن بعض فقراته صحيح، وضعفه في ضعيف الترغيب (١٠٨٦) و(١٦٤١).\n(^١) أخرجه البزار في المسند (٥١٧٨). وقال: وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَن النَّبِيّ - ﷺ - بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ إلَّا مِن هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ نَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا مِن أَحْمَدَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَكان ثِقَةً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٤١: رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ خَلَا شَيْخَ الْبَزَّارِ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٥٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٤٢٥). قال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٣/ ٦٧ رقم ٨٥١): هذا إسناد ضعيف؛ حنش اسمه حسين بن قيس أبو علي الرحبي، ضعفه الإمام أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري والنسائي والعقميلي وابن عدي والجوزجاني والبزار والدارقطني وغيرهم. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف ابن ماجه والسلسلة الضعيفة (٣١٨٠) وضعيف الترغيب (١٠٨٧) وضعيف الجامع (١٨٦٩).","vol":"8","page":143},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: استسلف النبي - ﷺ - من رجل من الأنصار أربعين.\nقوله: استسلف النبي - ﷺ - من رجل من الأنصار أربعين صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد [وهو] رطل وثلث بالبغدادي عند الشافعي وأهل الحجاز وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق، وقيل: إن أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعاما (^١) وهو بالدمشقي ثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية والصاع رطل وأوقية وثلاثة أسباع أوقية (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إن صاحب الدين له سلطان على صاحبه حتى يقضيه\" الحديث، مه: كلمة زجر معناها اسكت.\n\n٢٧٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ أَتَى النَّبِي - ﷺ - رجل يتقاضاه قد استلف مِنْهُ شطر وسق فَأعْطَاهُ وسْقا فَقَالَ نصف وسق لَك وَنصف وسق من عِنْدِي ثمَّ جَاءَ صَاحب الوسق يتقاضاه فَأعْطَاهُ وسقين فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - وسق لَك ووسق من عِنْدِي رَوَاهُ الْبَزَّار وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٠٨).\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٠).\n(^٣) أخرجه البزار (٨٩٢٢)، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٥٧٥ رقم ١٠٩٤٠) والشعب (١٣/ ٥٢٥ رقم ١٠٧٢٤). وقال: وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَن حَبيب، عَن أبي صالح، عَن أبي هُرَيرة إلَّا حمزة الزيات، ولَا عَن حمزة إلَّا ابن المبارك. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٤١: رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ أَبُو صَالِحٍ الْفَرَّاءُ لَمْ أَعْرِفْهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٤١٣) وصحيح الترغيب (٣٤١٣).","vol":"8","page":144},{"text":"شطر وسق أَي نصف وسق والوسق بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة سِتُّونَ صَاعا وَقيل حمل بعير.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أتى النبي - ﷺ - رجل يتقاضاه قد استلف منه شطر وسق\" الحديث، والشطر النصف والوسق ستون صاعا وقيل حمل بعير قاله المنذري وأصل الوسق في اللغة الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته والوسق أيضا ضم الشيء إلى الشيء، وفيه لغتان: فتح الواو وهو المشهور وكسرها والمراد بالوسق ستون صاعا كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي وفي رطل بغدادي أقوال أظهرها عند النووي أنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وهو تسعون مثقالا، وقيل: مائة وثمانية وعشرون درهما بلا أسباع، وقيل: مائة وثلاثة وأربعون وثلاثون ورجحه الرافعي، وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد، فيه وجهان لأصحابنا أصحهما تقريب فإذا نقص عن ذلك يسيرا لم يضر، والثاني: تحديد فمتى نقص شيئا وإن قل ضر (^١) انتهى، قاله في الديباجة.\nوالوسق ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد.\n_________\n(^١) انظر النهاية (٥/ ١٨٥)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٠)، وشرح النووى على مسلم (٧/ ٤٩)، والعدة (٢/ ٨٠٥ - ٨٠٦).","vol":"8","page":145},{"text":"٢٧٠٩ - وَعَن ابْن عمر وَعَائِشَة - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من طلب حَقًا فليطلبه فِي عفاف واف أَو غير واف رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن ابن عُمر وعائشة - ﵄ -، تقدم الكلام عليهما.\nقوله - ﷺ -: \"من طلب حقا فليطلبه في عفاف واف أو غير واف أو غير واف\" الحديث وعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال لصاحب الحق: \"خذ حقك في عفاف واف أو غير واف\" إسناده حسن (^٢)، وفي بعض طرقه: \"يحاسبك الله حسابا يسيرا\" العفة الكف عما لا يحل قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (^٣) كذا فسره ثعلب فقال: ليضبط\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٤٢١) والبزار (٥٩٩٤) وابن حبان (٥٠٨٠) والحاكم (٢/ ٣٢)، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٥٨٦ رقم ١٠٩٨٠). قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي. وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح على شرط البخاري مصباح الزجاجة ٣/ ٦٦. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه وصحيح الترغيب (١٧٥٦) وحسنه في \"المشكاة\" (٢٩١٩)، \"الإرواء\" (١٤٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٣٤)، وابن ماجه (٢٤٢٢) والبزار (٩٤٢١) والحاكم (٢/ ٣٢ - ٣٣) والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٣٩٤) من طرق عن أبي همام محمد بن مُحَبَّب القرشي ثنا سعيد بن السائب الطائفي عن عبد الله بن يامين عن أبي هريرة به. قال العراقي والسخاوي: إسناده حسن تخريج الإحياء للحداد ٢/ ١٠٣٩ - المقاصد ص ٣١٩. وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم مصباح الزجاجة ٣/ ٦٦ - ٦٧. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح ابن ماجه.\n(^٣) سورة النور، الآية: ٣٣.","vol":"8","page":146},{"text":"نفسه بمثل الصوم، ويقال عف زيد عن كذا واستعف قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ (^١) يعني قوله - ﷺ -: \"خذ حقك في عفاف\" أي كف عن أخذه عن الحرام بسوء المطالبة أو القول اليسير.\nقوله: \"واف أو غير واف\" أي سواء وفى لك حقك أو أعطاك بعضه لا تفحش عليه في القول، روى الشيخان (^٢) من حديث الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن خباب قال: كنت قَيْنًا في الجاهلية وكان لي على العاصي بن وائل دراهم فأتيته أتقاضاه فقال: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقال: لا أكفر حتى يميتك الله ثم يبعثك، قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فأوتى مالا وولدا فأقضيك فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ الآية، قاله في الديباجة.\n\n٢٧١٠ - وروى ابْن مَاجَه عَن عبد الله بن أبي ربيعَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - استسلف مِنْهُ حِين غزا حنينا ثَلَاِثينَ أَو أَرْبَعِينَ ألفا قَضَاهَا إِيَّاه ثمَّ قَالَ لَهُ النَّبِي - ﷺ - بَارك الله لَك فِي أهلك وَمَالك إِنَّمَا جَزَاء السّلف الْوَفَاء وَالْحَمْد (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٩١) و(٢٢٧٥) و(٢٤٢٥) و(٤٧٣٢) و(٤٧٣٣) و(٤٧٣٤) و(٤٧٣٥)، ومسلم (٣٥ و٣٦ - ٢٧٩٥)، والترمذى (٣١٦٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٦١٣)، وأحمد ٤/ ٣٦ (١٦٦٧٢)، وابن ماجه (٢٤٢٤)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٣٠٨ (٤٧٢٦). وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٧٥٧): صحيح، وقال في الإرواء (١٣٨٨) حسن.","vol":"8","page":147},{"text":"قوله: عبد الله بن أبي ربيعة (^١)، واسمه: عمرو بن المغيرة بن عبد الله المخزومي أبو عبد الرحمن القرشي أخو عياش بن أبي ربيعة، ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث وكان يقال له في الجاهلية: العدل لأنه كان يكسو الكعبة سنة وجميع أهل مكة يكسوها سنة وكان يعاد لهم في ذلك فسمى عدلا.\nقوله: في رواية ابن ماجه أن النبي - ﷺ - استسلف من عبد الله بن ربيعة حين غزى حنينا ثلاثين أو أربعين ألفا\" حنين كانت في السنة [الثامنة من الهجرة] فلما قدم قضاها إياه ثم قال له النبي - ﷺ - \"بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الوفاء والحمد\".\nفائدة: جملة ما استسلفه النبي - ﷺ - عام الفتح مائة وثمانون ألفا استسلف من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم ومن عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألفا ومن حويطب عبد العزى أربعين ألفا، قسم النبي - ﷺ - جميع ذلك بين أصحابه من أهل الضعف فكان يصيب الرجل الخمسين الدرهم أو أقل من ذلك ثم قضاها - ﷺ - داعيا لهم وقال جزاء المقرض الحمد والثناء وكان حويطب بن عبد العزى من مسلمة الفتح أدركه الإسلام، أ. هـ.\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد: ٥/ ٤٤٤، والاستيعاب: ٣/ ٨٩٦، وأسد الغابة: ٣/ ١٥٥، والإصابة: ٢/ الترجمة ٤٦٧١.","vol":"8","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>[الترغيب في إقالة النادم]</span>\n٢٧١١ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أقَال مُسلما بيعَته أقاله الله عثرته يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١). وَفِي رِوَايَة لابْنِ حبَان من أقَال مُسلما عثرته أقاله الله عثرته يَوْم الْقِيَامَة (^٢). وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد فِي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٢/ ٢٥٢ (٧٥٤٩)، وأبو داود (٣٤٦٠)، وابن حبان (٥٠٣٠)، وأبو يعلى في المعجم (٣٢٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥)، والبيهقى في الكبرى (٦/ ٤٤ رقم ١١١٢٨)، والشعب (١٠/ ٥٤١ رقم ٧٩٥٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ١٩٢) من طريق يحيى بن معين ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أقال مسلما عثرته أقاله الله عثرته يوم القيامة\". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الألباني: صحيح - المشكاة (٢٨٨١)، الإرواء (١٣٥٣)، الصحيحة (٢٦١٤). أخرجه ابن ماجه (٢١٩٩)، وابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (١٥٦) وقضاء الحوائج (٩٧)، والبزار (٩١٣٠)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٩٩٠) من طريق مالك بن سعير عن الأعمش به. وصححه الألباني كما سبق.\nوقال الدارقطني في العلل (١٠/ ١٨٥): وَهَذَا اللَّفْظُ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حَتَّى وُجِدَ مَالِكُ بْنُ سعير يرويه عن الأعمش، وَاللهُ أَعْلَمُ.\n(^٢) أخرجه البزار (٨٩٦٧)، وابن حبان (٥٠٢٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٢٩١)، والطبرانى في مكارم الأخلاق (٦٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٥٣) و(٤٥٤)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٤٤ رقم ١١١٢٩ و١١١٣٠) من طريق إسحاق بن محمد=","vol":"8","page":149},{"text":"الْمَرَاسِيل من أقَال نَادِما أقاله الله نَفسه يَوْم الْقِيَامَة.\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أقال مسلما بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة\" قال في النهاية: يقال أقاله يقيله إقالة وتقايلا إذا فسخا البيع وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما وتكون الإقالة في البيعة والعهد أيضا، أ. هـ فإذا باع الرجل أو اشترى فندم صاحبه وطلب الإقالة فينبغي أن يحببه لأن النبي - ﷺ - قال: \"من أقال نادما أقال الله عثرته\".\n\n٢٧١٢ - وَعَن أبي شُرَيْح - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أقَال أَخَاهُ بيعا أقاله الله عثرته يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن أبي شريح (^٢) - ﵁ -[الخزاعي، ويقال فيه: العدوي ويقال: الكعبي، اسمه: خويلد بن عمرو - وقيل: عمرو بن خويلد وقيل عبد الرحمن بن عمرو. وقيل هانئ بن عمرو - أسلم قبل فتح مكَّة، وكان يحمل أحد ألوية\n_________\n= الفروي، ثنا مالك بن أنس، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٥٨).\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ رقم ٨٨٩). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا شريك. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١١٠: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦١٤) وصحيح الترغيب (١٧٥٩).\n(^٢) الإصابة (٤/ ١٠١، ١٠٢)، والاستيعاب (٤/ ١٠١ - ١٠٣)، وأسد الغابة (٥/ ٢٢٥، ٢٢٦)، وتهذيب التهذيب (١٢/ ١٢٥، ١٢٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٣).","vol":"8","page":150},{"text":"بني كعب من خزاعة الثلاثة يوم فتح مكَّة، روي له عن رسول الله - ﷺ - عشرون حديثًا، اتَّفق له البخاريُّ ومسلم على حديثين، وانفرد البخاريُّ بحديثٍ، روى عنه: نافع بن جبير بن مطعم، وسعيد بن أبي سعيدٍ المقبري، وروى له أصحاب السُّنن والمساند، مات بالمدينة سنة ثمانٍ وستِّين].\nقوله: \"أقاله الله عثرته\" العثرة [المرة من العثار في المشي] روى عن أبي حنيفة أن رجلا اشترى منه خزا ثم ندم الرجل على ذلك فجاء إليه يطلب منه الإقالة فأقاله أبو حنيفة البيع ثم قال أبو حنيفة لخادم قم فارفع الثياب حتى نذهب إلى المنزل فإنما كان حاجتي إلى البيع والشراء أن أدخل تحت خبر النبي - ﷺ -: \"من أقال نادما أقاله الله عثرته يوم القيامة\" وقد دخلت الآن، أ. هـ قاله السمرقندي (^١).\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٥٠).","vol":"8","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>[الترهيب من بخس الكيل والوزن]</span>\n٢٧١٣ - عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ لما قدم النَّبِي - ﷺ - الْمَدِينَة كَانُوا من أَخبث النَّاس كَيْلا فَأنْزل الله ﷿ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ (^١) فَأحْسنُوا الْكَيْل بعد ذَلِك رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\nقوله: عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: لما قدم النبي - ﷺ - المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله ﷿: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾، الحديث، والمطفف هو الذي لا يوفي في الكيل والوزن وروى الحاكم عن أبي هريرة قال: خرجنا مع النبي - ﷺ - إلى خيبر، وقد استخلف سباع بن عرفطة الغفاري فقدمنا فشهدنا معه صلاة\n_________\n(^١) سورة المطففين، الآية: ١.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٢٣)، والنسائى في الكبرى (١١٥٩٠)، وابن حبان (٤٩١٩)، والطبرانى في الكبير (١١/ ٣٧١ رقم ١٢٠٤١)، والحاكم (٢/ ٣٣)، والبيهقى في الكبرى (٦/ ٥٣ رقم ١١١٦٥) والشعب (٧/ ٢٢٠ رقم ٤٩٠٣) والواحدي في الوسيط (٤/ ٤٤٠) وفي أسباب النزول (ص ٢٥٣) والبغوي في معالم التنزيل (٧/ ٢١٨).\nقال البوصيرى في مصباح الزجاجة ٣/ ٢٣: هذا إسناد حسن علي بن الحسين بن واقد مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات رواه النسائي في التفسير عن محمد بن عقيل به، قال المزي حديث النسائي ليس في الرواية ولم يذكره أبو القسم ورواه البيهقي في سننه الكبرى من طريق عبد الرحمن بن بشران بالإسناد والمتن ورواه ابن حبان في صحيحه.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٦٠) وصحيح ابن ماجه صحيح موارد الظمآن (٢/ ١٨٧ - / ١٨٨ رقم: ١٤٨٢).","vol":"8","page":152},{"text":"الصبح، فقرأ في أول ركعة: ﴿كهيعص (١)﴾ (^١) وفي الثانية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ فقلت في نفسي: ويل لأبي فلان له مكيلان يستوفي بواحد، ويبخس بآخر، فأتينا سباع بن عرفطة فجهزنا \"فأتينا رسول الله - ﷺ - قبل الفتح بيوم أو بعده بيوم؟ \" (^٢)].\n\n٢٧١٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لأصحاب الْكَيْل وَالْوَزْن إِنَّكُم قد وليتم أمرا فِيهِ هَلَكت الْأُمَم السالفة قبلكُمْ\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا من طَرِيق حُسَيْن بن قيس عَن عِكْرِمَة عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ كَيفَ وحسين بن قيس مَتْرُوك وَالصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوف كَذَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وَغَيره (^٣).\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ١.\n(^٢) أخرجه الشافعي في السنن المأثورة (٨٣)، وأحمد ٢/ ٣٤٥، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٢٨ - ٣٢٧)، والبخاري في التاريخ الأوسط ١/ ٤٣، وابن خزيمة (١٠٣٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٦١٤)، والحاكم ٢/ ٣٣ و(٣/ ٣٦ - ٣٧)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٣/ ١٦٠، والبزار (٨١٤٠)، والبيهقى في الكبرى (٢/ ٥٤٥ رقم ٤٠٢٠) و(٦/ ٥٤٣ - ٥٤٤ رقم ١٢٩٢٣ و١٢٩٢٤) و(٩/ ٦٨ - ٦٩ رقم ١٧٨٩٤) عن أبي هريرة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٣٥: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن مسعود الجحدري وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٦٥).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٢١٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١)، والطبرانى في الكبير (١١/ ٢١٤ رقم ١١٥٣٥) وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٥٣)، والبيهقى في الكبرى (٦/ ٥٣ رقم ١١١٦٦) والشعب (٧/ ٢٢١ رقم ٤٩٠٥). قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث حسين بن قيس، وحسين يضعف في الحديث وقد روي هذا بإسناد=","vol":"8","page":153},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ - تقدم الكلام عليه أيضًا.\nقوله - ﷺ - لأصحاب الكيل والوزن \"إنكم قد وليتم أمرا فيه هلكت الأمم السالفة قبلكم\" وليتم من الولاية يعني الكيل والوزن.\n\n٢٧١٥ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ أقبل علينا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا معشر الْمُهَاجِرين خمس خِصَال إِذا ابتليتم بِهن وَأَعُوذ بِالله أَن تدركوهن لم تظهر الْفَاحِشَة فِي قوم قطّ حَتَّى يعلنوا بهَا إِلَّا فَشَا فيهم الطَّاعُون والأوجاع الَّتِي لم تكن مَضَت فِي أسلافهم الَّذين مضوا وَلم ينقصوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا أخذُوا بِالسِّنِينَ وَشدَّة الْمُؤْنَة وجور السُّلْطَان عَلَيْهِم وَلم يمنعوا زَكَاة أَمْوَالهم إِلَّا منعُوا الْقطر من السَّمَاء وَلَوْلَا الْبَهَائِم لم يمطروا وَلم ينقضوا عهد الله وعهد رَسُوله إِلّا سلط الله عَلَيْهِم عدوا من غَيرهم فَأخذُوا بعض مَا فِي أَيْديهم وَمَا لم تحكم أئمتهم بِكِتَاب الله تَعَالَى ويتخيروا فِيمَا أنزل الله إِلَّا جعل الله بأسهم بَينهم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِنَحْوِهِ من حَدِيث بُرَيْدَة وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ مَالك بِنَحْوِهِ مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس وَلَفظه قَالَ مَا ظهر الْغلُول فِي قوم إِلَّا ألْقى الله فِي قُلُوبهم الرعب وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قوم إِلَّا كثر فيهم الْمَوْت وَلَا نقص قوم الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا\n_________\n= صحيح عن ابن عباس موقوفا. وقال الحاكم: صحيح. وتعقبه الذهبي في التلخيص: فيه حسين بن قيس ضعفوه. وقال الألباني: ضعيف - والصحيح موقوف - المشكاة ٢٨٩٠/ التحقيق الثاني، أحاديث البيوع (ضعيف الجامع الصغير ٢٠٤٠) وضعيف الترغيب (١٠٨٩).","vol":"8","page":154},{"text":"قطع الله عَنْهُم الرزق وَلَا حكم قوم بِغَيْر حق إِلَّا فَشَا فيهم الدَّم وَلَا ختر قوم بالعهد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم الْعَدو وَرَفعه الطَّبَرَانِيّ وَغَيره إِلَى النَّبِي - ﷺ - الختر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة فَوق هُوَ الْغدر وَنقض الْعَهْد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٢٠ و٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤) والداني في الفتن (٣٢٧) من طريق خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر. وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث عطاء عن ابن عمر لم نكتبه إلا من حديث سليمان عن خالد عن أبيه. وأخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٦٧) وابن عدي (٣/ ١٢٤٧) والدارقطني في الغرائب (اللسان ٤/ ١٠٤) والبيهقي في الشعب (١٣/ ١٣١ - ١٣٢ رقم ١٠٠٦٦) وفي الزهد (٤٥٣) من طريق عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير ثني أبي ثني مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به مرفوعًا.\nأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٥٨) والحاكم (٤/ ٥٤٠ - ٥٤١) والبيهقى في الشعب (٥/ ٢٢ - ٢٣ رقم ٣٠٤٢) من طريق الهيثم بن حُميد أني أبو معيد حفص بن غيلان الدمشقي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به مرفوعًا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١١) من طريق نافع بن عبد الله عن فروة بن قيس المكي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به مرفوعًا. أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٢٣ رقم ٣٠٤٣) من طريق يعقوب بن عبد الله القُمِّي ثنا ليث عن أبي محمد الواسطي عن ابن عمر. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٦) في صحيح الترغيب (٢١٨٧) و(٢٤١٩) وصحيح الجامع (٣٠٧٢).\nوأما حديث ابن عباس: أخرجه مالك في الموطأ (١٣٢٣) عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنّه بلغه عن ابن عباس.\nوأما حديث بريدة: وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (إتحاف الخيرة ٦٠٢٧) والبزار (كشف ٣٢٩٩) وأبو يعلى كما في بذل الماعون (ص ٢١٢) والمطالب (٩٧٣/ ٣) والروياني (إتحاف الخيرة ٦/ ٣٤٦) وابن المنذر في الأوسط (١١/ ٣٢٦) والحاكم (٢/ ١٢٦) والبيهقي (٣/ ٣٤٦ و٩/ ٢٣١) وفي الشعب (٣٠٤٠) وابن عبد البر في التمهيد =","vol":"8","page":155},{"text":"والسنين جمع سنة وَهِي الْعَام المقحط الَّذِي لم تنْبت الأَرْض فِيهِ شَيْئا سَوَاء وَقع قطر أَو لم يَقع.\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم.\nقوله: أقبل علينا رسول الله - ﷺ - فقال: \"يا معشر المهاجرين\" المهاجرون: هم الذين هاجروا إلى المدينة لإظهار الدين.\nقوله - ﷺ -: \"خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع\" الحديث، وهو صريح في أن المراد بالفاحشة الزنا وقال الأئمة: الفحش والفاحشة والفواحش كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال (^١) والإعلان بالفاحشة إظهارها وعدم النهي عنها كما قال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (^٣) قاله في الديباجة، وتقدم الكلام على الطاعون في الجهاد.\n_________\n= (٢١/ ١٩١) والحافظ في بذل الماعون (ص ٢١١ - ٢١٢). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال البوصيري: إسناده حسن إتحاف الخيرة ٦/ ٣٤٦.\nوقال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٠١): سنده جيد. وقال في المطالب: إسناده حسن.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤١٨) و(٣٠٠٥).\n(^١) النهاية (٣/ ٤١٥).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٧٩.\n(^٣) سورة العنكبوت، الآية: ٢٩.","vol":"8","page":156},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان\" الحديث، والسنين جمع سنة وهو العام المقحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئًا سواء نزل غيث أو لم ينزل كذا ذكره المنذري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ (^١) أي: بالقحط.\nقوله - ﷺ -: \"وما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب\" مبسوطا في الجهاد.\nقوله - ﷺ -: \"ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو\" الحديث، الختر بفتح الحاء والتاء المثناة فوق والراء هو الغدر ونقض العهد قاله المنذري، يقال: ختر يختر فهو خاتر وختار للمبالغة قاله في النهاية (^٢) وقال غيره: هو من الختر بإسكان التاء وهو الغدر ونقض العهد، قال الأزهري (^٣): الختر أقبح الغدر.\nقوله - ﷺ -: \"إلا جعل الله بأسهم بينهم\" البأس هنا الحرب.\n\n٢٧١٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ الْقَتْل فِي سَبِيل الله يكفر الذُّنُوب كلهَا إِلَّا الْأَمَانَة ثمَّ قَالَ يُؤْتى بِالْعَبدِ يَوْم الْقِيَامَة وَإِن قتل فِي سَبِيل الله فَيُقَال أد أمانتك فَيَقُول أَي رب كَيفَ وَقد ذهبت الدُّنْيَا قَالَ فَيُقَال انْطَلقُوا بِهِ إِلَى الهاوية فَينْطَلق بِهِ إِلَى الهاوية وتمثل لَهُ أَمَانَته كهيئتها يَوْم دفعت إِلَيْهِ فيراها فيعرفها\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٣٠.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٩).\n(^٣) تهذيب اللغة (٧/ ١٣٠).","vol":"8","page":157},{"text":"فَيهْوِي فِي أَثَرهَا حَتَّى يُدْرِكهَا فيحملها على مَنْكِبَيْه حَتَّى إِذا نظر ظن أَنه خَارج زلت عَن مَنْكِبَيْه فَهُوَ يهوي فِي أَثَرهَا أَبَد الآبدين ثمَّ قَالَ الصَّلَاة أَمَانَة وَالْوُضُوء أَمَانَة وَالْوَزْن أَمَانَة والكيل أَمَانَة وَأَشْيَاء عدهَا وَأَشد ذَلِك الودائع قَالَ يَعْنِي زَاذَان فَأتيت الْبَراء بن عَازِب فَقلت أَلا ترى إِلَى مَا قَالَ ابْن مَسْعُود قَالَ كَذَا قَالَ كَذَا قَالَ صدق أما سَمِعت الله يَقُول إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا وَرَوَاهُ بِمَعْنَاهُ هُوَ وَغَيره مَرْفُوعا وَالْمَوْقُوف أشبه (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة\" الحديث، ففيه تنبيه على عظم قدر الأمانة، وفي الحديث أنها أول ما ترفع ويكفي في ذلك\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في إتحاف الخيرة (٥/ ٨٤) والمطالب العالية (٣٥٧٤)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (١٥٩)، والدينورى في المجالسة (١٧٠١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠١) و(٩/ ٣٠ - ٣١)، والبيهقى في الصغير (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥ رقم ٢٣٣٨) والكبرى (٦/ ٤٧١ رقم ١٢٦٩٢) والشعب (٧/ ٢٠٧ - ٢٠٨ رقم ٤٨٨٥) موقوفا.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال (٣/ ٩٩/ ٢)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (١٦٠ و١٦١)، وابن جرير في التفسير (٢٢/ ٥٦)، والطبرانى في الكبير (١٠/ ٢١٩ رقم ١٠٥٢٧)، وأبو الشيخ في العوالي (١/ ٦٢/ ١ - ٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٤٥) مرفوعا.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٢٩٢: رواه الطبراني ورجاله ثقات. قال الدارقطني في العلل (٥/ ٧٨): والموقوف هو الصواب. وضعف الألباني المرفوع في الضعيفة (٤٠٧١). وحسن الموقوف في صحيح الترغيب (١٧٦٣) و(٢٩٩٥).","vol":"8","page":158},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١) الآية، وفي حديث آخر: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\" وإن كان المراد نفي الكمال ولفظ الأمانة يقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منهما حديث الأمانة غنى أي سبب الغنى ومعناه أن الرجل إذا عرف بها كثر معاملوه فصار ذلك سببا لغناه فأما الأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ فاختلف الناس فيها فقال ابن مسعود هي في أمانات الأموال كالودائع ونحوها وروي عنه أنها في كل الفرائض وأشدها أمانة المال، وقال الجمهور: هي في كل شيء يؤتمن عليه الإنسان من أمر أو نهي ودين ودنيا [فالشرع] كله أمانة.\nقوله: \"فيقال انطلقوا به إلى الهاوية\" [العميقة تهوي أهل النار فيها مهوى بعيدًا].\nقوله: \"فيهوي في أثرها\" الهوى هو السقوط.\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.","vol":"8","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>[الترهيب من الغش والترغيب في النصيحة في البيع وغيره]</span>\n٢٧١٧ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من حمل علينا السِّلَاح فَلَيْسَ منا وَمن غَشنَا فَلَيْسَ منا رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - قال \"من حمل علينا السلاح فليس منا\" الحديث، السلاح ما أعددته للحرب من آلة الحرب والسيف وحده يسمى سلاحا وعن أبي عبيدة السلاح ما قوتل به كذا في الفائق (^٢)، وحمل السلاح له ثلاثة أحوال، الأول: أن يكون بتأويل وهو حمل البغاة السلاح على الطاعة العادلة، وقد سمى الله تعالى البغاة مؤمنين فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (^٣) الآية، ولهذا لا يسمون فسقة لشبهة التأويل الذي عندهم فتزال شبهتهم فإن لم يرجعوا قوتلوا والذي يظهر أن هذه الفرقة غير مرادة لأنهم من المؤمنين، والحديث دل على أن حامل السلاح ليس منا.\nالحال الثاني: أن يحمل السلاح لقطع طريق المارة.\nالحال الثالث: أن تحمل طائفة السلاح على الإمام وتروم خلعه من غير تأويل بل بمجرد طلب الملك أو العصبية فهذان داخلان في النهي وليس في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٤ - ١٠١).\n(^٢) الفائق (٢/ ١٩٣).\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ٩.","vol":"8","page":160},{"text":"الحديث ما يدل صريحا على أن حمل السلاح كبيرة ولكن ورد في مسند الإمام أحمد مرفوعا: \"من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة\" واللعن على الذنب يدل على أنه كبيرة ثم المراد بالسلاح ما يدفع به من بعد كالسيف والسكين والسهم والرمح خلا الخوذة والدرع (^١)، قاله ابن العماد في شرح العمدة.\nوأما معنى الحديث فقاعدة أهل السنة والجماعة أن من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل، فقيل: هو محمول على المستحل بغير تأويل فيكفر ولم يستحله فهو عاص ولا يكفر بذلك فإن أستحله كفر، وأما تأويل الحديث فقيل هو محمول على المستحل بغير تأويل فيكفر عن الملة، وقيل: معناه ليس على سيرته الكاملة وهدينا وكان سفيان بن عيينة يكره قول من يفسره بليس على هدينا ويقول: بئس هذا القول يعني بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر (^٢).\nوفي حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من شهر علينا السلاح فليس منا\" (^٣) رواه البخاري ومسلم والترمذي، الشهرة ظهور الشيء في شنعة حتى يشهره الناس ومنه الحديث: \"من لبس ثوب شهرة\" (^٤) كما\n_________\n(^١) انظر العدة (٣/ ١٧١٥ - ١٧١٧).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٢/ ١٠٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٠٧١)، ومسلم (١٦٣ - ١٥٠)، والترمذى (١٤٥٩)، وابن ماجه (٢٥٧٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٠٢٩) و(٤٠٣٠)، وابن ماجه (٣٦٠٦ و٣٦٠٧)، والنسائى في الكبرى =","vol":"8","page":161},{"text":"سيأتي وشهر السلاح إظهاره من غمده ومما يستره ومقابلة من يقصده به، ومنه سمي الشهر شهرا لشهرته، أ. هـ قاله في الديباجة.\nوقال الطحاوي (^١): كان الله اختار لنبيه - ﷺ - الأمور المحمودة ونفي عنه المذمومة فمن عمل المحمودة فهو منه ومن عمل المذمومة ليس منه كما قال الله تعالى كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض حاله لست مني.\nوقوله - ﷺ -: \"ومن غشنا فليس منا\" الغش ضد النصح من الغشش وهو المشرب الكدر، قاله في النهاية، فالغش بكسر الغين يقال غشه يغشه غشا، وأصله من اللبن المغشوش وهو المخلوط بالماء يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه ترك اتباعي والتمسك بسنتي، وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نفيه عن دين الإسلام، وليس هذا التأويل بصحيح وإنما وجهه ما ذكرت لك وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك يريد بذلك المتابعة والموافقة.\n\n٢٧١٨ - وَعنهُ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - مر على صبرَة طَعَام فَأدْخل يَده فِيهَا فنالت أَصَابِعه بللا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحب الطَّعَام قَالَ أَصَابَته السَّمَاء يَا رَسُول الله قَالَ أَفلا جعلته فَوق الطَّعَام حَتَّى يرَاهُ النَّاس من غَشنَا فَلَيْسَ منا، رَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ (^٢) وَعِنْده من غش فَلَيْسَ منا وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه أَن\n_________\n= (٩٤٨٧) عن ابن عمر ولفظه: \"مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ\".\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨٩) وصحيح الجامع (٦٥٢٦).\n(^١) مشكل الآثار (٣/ ٣٧٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٢) م، والترمذى (١٣١٥)، وأبو داود (٣٤٥٢)، وابن ماجه مختصرا=","vol":"8","page":162},{"text":"رَسُول الله - ﷺ - مر بِرَجُل يَبِيع طَعَاما فَسَأَلَهُ كَيفَ تبيع فَأخْبرهُ فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن أَدخل يدك فِيهِ فَإِذا هُوَ مبلول فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَيْسَ منا من غش.\nقوله: وعنه - ﵁ -، تقدم.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، الحديث، الصبرة بضم الصاد وإسكان الباء الموحدة، قال الأزهري (^١): الصبرة الكومة المجموعة من الطعام سميت صبرة لإفراغ بعضها على بعض، ومنه قيل للسحاب فوق الصحاب صُبَر وجمعا صبر، وقد تكررت في الحديث مفردة ومجموعة ومنه حديث عمر (^٢) دخل على النبي - ﷺ - وإن عند رجليه قرطا مصبورا أي مجموعا قد جعل صبرة كصبرة الطعام.\nوفي حديث ابن مسعود (^٣): ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (^٤) صبر الجنة، أي أعلى نواحيها وصبر كل شيء أعلاه أ. هـ، قاله في النهاية (^٥).\n_________\n= (٢٢٢٤)، وابن حبان (٤٩٠٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٦٥) والإرواء (١٣١٩).\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (١/ ١٧٦) للنووى.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩١٣) ومسلم (٣١ - ١٤٧٩). قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٦٥٨ - ٦٥٩): وَقَوْلُهُ فِيهِ قَرَظًا مَصْبُورًا أَيْ مَجْمُوعًا مِثْلَ الصُّبْرَةِ وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مَصْبُوبًا بموحدتين.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٢٩ (٣٣٩٦٢)، و٧/ ٣٣٦ (٣٦٥٨٠)، وهناد في الزهد (١/ ٦٧) والطبرانى في الكبير (٩/ ٢١٧ رقم ٩٠٥٦).\n(^٤) سورة النجم، الآية: ١٤.\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٩).","vol":"8","page":163},{"text":"قوله: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر [وسمي المطر سماء لأنه ينزل من السماء يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم أي المطر ومنهم من يؤنثه وإن كان بمعنى المطر كما تذكر السماء وإن كان مؤنثًا كقوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (^١) قاله في النهاية (^٢) والله تعالى أعلم].\n\n٢٧١٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ مر رَسُول الله - ﷺ - بِطَعَام وَقد حسنه صَاحبه فَأدْخل يَده فِيهِ فَإِذا طَعَام رَدِيء فَقَالَ بِعْ هَذَا على حِدة وَهَذَا على حِدة فَمن غَشنَا فَلَيْسَ منا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ عَن مَكْحُول مُرْسلًا (^٣).\nقوله: وروي عن ابن عمر - ﵄ -، تقدم.\nقوله: مر رسول الله - ﷺ - بطعام وقد حسنه صاحبه، الطعام هو الحنظة والشعير وما يعد قوتًا.\n\n٢٧٢٠ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - إِلَى السُّوق فَرَأى طَعَاما مصبرا فَأدْخل يَده فَأخْرج طَعَاما رطبا قد أَصَابَته السَّمَاء فَقَالَ لصَاحِبهَا مَا حملك على هَذَا قَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِنَّه لطعام وَاحِد قَالَ أَفلا عزلت الرطب على حِدته واليابس على حِدته فتتبايعون مَا تعرفُون\n_________\n(^١) سورة المزمل، الآية: ١٨.\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٠٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٥٠ (٥٢٠٨)، والبزار (٥٩٧١)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٦٣ رقم ٢٤٩٠). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٦٦).","vol":"8","page":164},{"text":"من غَشنَا فَلَيْسَ منا. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد.\nقوله: وروى عن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: خرج علينا رسول الله - ﷺ - إلى السوق فرأى طعاما مصبرًا، تقدم تفسيره.\n\n٢٧٢١ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"من غَشنَا فَلَيْسَ منا وَالْمَكْر وَالْخداع فِي النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير بِإِسْنَاد جيد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن الْحسن مُرْسلا مُخْتَصرا قَالَ الْمَكْر والخديعة والخيانة فِي النَّار (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار\" الحديث، تقدم الكلام على الغش، والمكر والخداع هما من خصال أهل النفاق وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه وهم الكفار المخادعون كما قال النبي - ﷺ -: \"الحرب خدعة\" (^٢)، وإنما يراد بالمكر والمخادعة أيضا الأذى إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٥٦٧) و(٥٥٥٩)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٣٨ رقم ١٠٢٣٤) وفي الصغير له (٢/ ٣٧ رقم ٧٣٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٤/ ١٨٩، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٥٣) و(٢٥٤) و(٣٥٤). وأخرجه أبو داود في المراسيل (١٦٥).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٩: رواه الطبراني في الكبير، والصغير، ورجاله ثقات، وفي عاصم بن بهدلة نزاع كلام لسوء حفظه. وصححه الألباني في السراج المنير (٦٠٣٤) والصحيحة (١٠٥٨) وصحيح الترغيب (١٧٦٨).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٦٩٨)، والحميدي (١٢٣٧)، وأحمد ٣/ ٣٠٨، والبخاري ٤/ ٧٧=","vol":"8","page":165},{"text":"المسلم إما بطريق الأصالة وإما اجتلاب بغضه لذلك ويلزم منه وصول الضرر إليه ودخوله عيه وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (^١) أ. هـ.\nقوله: ورواه أبو داود في مراسيله عن الحسن مرسلًا مختصرًا قال: \"المكر والخديعة والخيانة في النار\" وتقدم معنى الحديث المرسل.\n\n٢٧٢٢ - وَعَن قيس بن أبي غرزة - ﵁ - قَالَ مر النَّبِي - ﷺ - بِرَجُل يَبِيع طَعَاما فَقَالَ يَا صَاحب الطَّعَام أَسْفَل هَذَا مثل أَعْلَاهُ فَقَالَ نعم يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من غش الْمُسلمين فَلَيْسَ مِنْهُم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nقوله: وعن قيس بن أبي غرزة (^٣) - ﵁ -[قَيْس بْن أَبي غَرَزَةَ بْن عُمَير بْن\n_________\n= (٣٠٢٩)، ومسلم ٥/ ١٤٣ (١٧٣٩) (١٧) و٥/ ١٤٣ (١٧٤٠) (١٨)، وأبو داود (٢٦٣٦)، والترمذي (١٦٧٥)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٥١)، وأبو يعلى (١٨٢٦) و(١٩٦٨) و(٢١٢١).\n(^١) سورة فاطر، الآية: ٤٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبي غرزة في مسند عابس (٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٠١٦)، وأبو يعلى (٩٣٣)، والطبرانى في الكبير (١٨/ ٣٥٩ رقم ٩٢١).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٩: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، ورجاله ثقات.\nوقال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٣/ ٢٩٥: رواه الطبراني في الكبير، ورواته ثقات. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٩١): منكر.\n(^٣) طبقات ابن سعد: ٦/ ٥٥، وطبقات خليفة: ٣٣، وتاريخ البخاري الكبير: ٧/ الترجمة ٦٤٣، والجرح والتعديل: ٧/ الترجمة ٥٨١، وثقات ابن حبان: ٣/ ٣٤، ومعجم=","vol":"8","page":166},{"text":"وهْب بْن حراق بْن جارية بْن غفار، نزل الكوفة ومات بها، رَوَى عَن: النَّبِيّ - ﷺ - حديثا واحدًا].\nقوله: مر النبي - ﷺ - برجل يبيع طعامًا، الحديث، تقدم تفسير الطعام، وروي البيهقي في الشعب عن عبد الحميد بن محمود قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال: أقبلنا حجاجًا حتى إذا كنا في الصفاح توفي صاحب لنا فحفرنا له فإذا أسود قد دخل اللحد قال: فحفرنا له قبرًا آخر فإذا أسود قد دخل اللحد كلها، قال: فحفرنا له ثالثا فإذا أسود قد دخل اللحد كله، قال: فتركناه وأتينا نسألك ما تأمرنا به قال: ذلك عمله الذي كان يعمل اذهبوا به فادفنوه في بعضها فوالله لو حفرتم الأرض كلها لوجدتم ذلك، قال: فألقيناه في قبر منها، فلما قضينا سفرنا أتينا امرأته فسألناها فقالت: كان يبيع الطعام فيأخذ قوت أهله كل يوم ثم يخلط فيه مثله من قصب الشعير ثم يبيعه فعذب بذلك (^١)، قاله في حياة الحيوان.\n_________\n= الطبراني الكبير: ١٨/ ٣٥٤، والاستيعاب: ٣/ ١٢٩٧، وأنساب السمعاني: ٩/ ١٣٤، وأسد الغابة: ٤/ ٢٢٣، والكاشف: ٢/ الترجمة ٤٦٧٨، وتجريد أسماء الصحابة: ٢/ ٢٥١، وتهذيب التهذيب: ٨/ ٤٠١ - ٤٠٢، والإصابة: ٣/ الترجمة ٧٢١٧، والتقريب: ٢/ ١٢٩، وخلاصة الخزرجي: ٢/ الترجمة ٥٨٨٩.\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في القبور (١٢٨) والعقوبات (٣٣٨)، واللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢١٥١)، وابن بشران في الأمالى (١٣٩٨)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٢٣٢ رقم ٤٩٢٨) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن هشام بن حسان، عن واصل مولى أبي عيينة عن عمرو بن هرم عن عبد الحميد بن محمود المعولى. وإسناده جيد.","vol":"8","page":167},{"text":"٢٧٢٣ - وَعَن صَفْوَان بن سليم أَن أَبَا هُرَيْرَة - ﵁ - مر بِنَاحِيَة الْحرَّة فَإِذا إِنْسَان يحمل لَبَنًا يَبِيعهُ فَنظر إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَة فَإِذا هُوَ قد خلطه بالْمَاءِ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَة كَيفَ بك إِذْ قيل لَك يَوْم الْقِيَامَة خلص المَاء من اللَّبن رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني مَوْقُوفا بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١).\nقوله: وعن صفوان بن سليم [أبو الحارث، ويقال: أبو عبد الله، مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، مات سنة أربع وعشرين ومائة، وكان ثقة مفتيا عابدا].\nقوله: أن أبا هريرة - ﵁ - مر بناحية الحرة، الحديث، الحرة: أرض تركبها حجارة سود.\nقوله: فإذا إنسان يحمل لبنا يبيعه فنظر إليه أبو هريرة فإذا هو قد خلطه بالماء، الحديث، حكي في الإحياء أن شخصًا كانت له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيع فجاء سيل فغرَّق البقرة فقال بعض أولاده إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة.\nقوله: رواه البيهقي والأصبهاني موقوفا، الحديث الموقوف هو الذي قاله الصحابى ولم يرفعه إلى النبي - ﷺ -، وتقدم الكلام عليه مبسوطا.\n\n٢٧٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَن رجلا كَانَ يَبِيع الْخمر فِي سفينة لَهُ وَمَعَهُ قرد فِي السَّفِينَة وَكَانَ يشوب الْخمر بِالْمَاءِ فَأخذ القرد الْكيس\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٧/ ٢٣١ - ٢٣٢ رقم ٤٩٢٧) والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٥٢) و(٢٢٧٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٩٢).","vol":"8","page":168},{"text":"فَصَعدَ الذرْوَة وَفتح الْكيس فَجعل يَأْخُذ دِينَارا فيلقيه فِي السَّفِينَة ودينارا فِي الْبَحْر حَتَّى جعله نِصْفَيْنِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَلَا أعلم فِي رُوَاته مجروحا وَرُوِيَ عَن الْحسن مُرْسلا.\nوَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا تشوبوا اللَّبن للْبيع ثمَّ ذكر حَدِيث المحفلة ثمَّ قَالَ مَوْصُولا بِالْحَدِيثِ أَلا وَإِن رجلا مِمَّن كَانَ قبلكُمْ جلب خمرًا إِلَى قَرْيَة فشابها بِالْمَاءِ فأضعف أضعافا فَاشْترى قردا فَركب الْبَحْر حَتَّى إِذا لجج فِيهِ ألهم الله القرد صرة الدَّنَانِير فَأَخذهَا فَصَعدَ الدقل فَفتح الصرة وصاحبها ينظر إِلَيْهِ فَأخذ دِينَارا فَرمى بِهِ فِي الْبَحْر ودينارا فِي السَّفِينَة حَتَّى قسمهَا نِصْفَيْنِ وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضا - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن رجلا كاَنَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ حمل خمرًا ثمَّ جعل فِي كل زق نصفا مَاء ثمَّ بَاعه فَلَمَّا جمع الثّمن جَاءَ ثَعْلَب فَأخذ الْكيس وَصعد الدقل فَجعل يَأْخُذ دِينَارا فَيَرْمِي بهِ فِي السَّفِينَة وَيَأْخُذ دِينَارا فَيَرْمِي بِهِ فِي المَاء حَتَّى فرغ مَا فِي الْكيس (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أن رجلا كان يبيع الخمر في سفينة له ومعه قرد في السفينة وكان يشوب الخمر بالماء\" الحديث، معنى يشوب أي يخلط والشوب الخلط\n_________\n(^١) أخرجه أبو إسحاق العسكرى في مسند أبى هريرة (٦٧)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٢٣٠ رقم ٤٩٢٤)، و(٧/ ٢٣٠ - ٢٣١ رقم ٤٩٢٥) و(٧/ ٢٣١ رقم ٤٩٢٦). وأخرجه البيهقى في الشعب (٧/ ٢٣٠ رقم ٤٩٢٤) عن الحسن مرسلا. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (١٠٩٣).","vol":"8","page":169},{"text":"وإنما يمتنع شوبه بالماء فيما إذا أراد بيعه لأنه غش وهذا قبل أن ينزل تحريم الخمر والله أعلم.\nلطيفة: القرد (^١): كنيته أبو خالد وأبو حبيب وأبو خلف، وهو حيوان سريع الفهم يتعلم الصنعة، أهدى ملك النوبة إلى المتوكل قردا خياطا، وآخر صائغا. وأهل اليمن يعلمون القردة القيام بحوائجهم حتى إن القصاب والبقال يعلم القرد حفظ الدكان حتى يعود صاحبه، ويعلم السرقة فيسرق، ونقل الشيخان عن القاضي حسين أنه قال: لو علم القرد النزول إلى الدار وإخراج المتاع، فنقب وأرسل القرد فأخرج المتاع، ينبغي أن لا يقطع لأن للحيوان اختيارا، ونقل البغوي في باب حد الزنا أن المرأة لو مكنت من نفسها قردا فوطئها، فعليها ما على واطئ البهيمة فتعزر في الأصح، وتحد في قول، وتقتل في قول، والقردة تلد في البطن الواحد العشرة، والذكر ذو غيرة شديدة على الإناث، وهذا الحيوان شبيه بالإنسان في غالب حالته، فإنه يضحك ويطرب ويقعى ويحكي، ويتناول الشيء بيده، وله أصابع مفصلة إلى أنامل وأظافر، ويقبل التلقين والتعليم، ويأنس بالناس، ويمشي على أربع، وروى ابن عدي (^٢)، في كامله، عن أحمد بن طاهر بن حرملة بن أخي حرملة بن يحيى، أنه قال: رأيت بالرملة قردا يصوغ، فإذا أراد أن ينفخ، أشار إلى رجل حتى ينفخ له. قاله في حياة الحيوان.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٣٠) للدميرى.\n(^٢) الكامل (١/ ٤٤٩) لابن عدى.","vol":"8","page":170},{"text":"قوله: وفي رواية البيهقي قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تشوبوا اللبن للبيع\" الحديث، فيه جواز شوب اللبن أي خلطه بالماء إذا كان القصد استعماله لنفسه أو لأهل بيته أو لأضيافه، وإنما يمتنع شوبه بالماء فيما إذا أراد بيعه لأنه غش كما تقدم في الحديث قبله.\nقال النووي (^١): قال العلماء: والحكمة في شوبه أن يبرد أو يكثر أو للمجموع، قلت: وقد يكون له سبب آخر وهو إزالة حمضه أو تخفيفه والله أعلم، ثم ذكر حديث المحفلة والتحفيل مثل التصرية وهو أن لا تحلب الشاة أياما ليجتمع اللبن في ضرعها للبيع، والمحفلة الشاة أو البقرة أو الناقة لا يحلبها صاحبها أياما حتى يجتمع لبنها في ضرعها فإذا احتلبها المشتري حسبها غزيرة فزاد في ثمنها ثم يظهر له بعد نقص لبنها عن أيام تحفيلها سميت محفلة لأن اللبن حفل في ضرعها أي جمع ومنه حديث ابن مسعود: \"من اشترى محفلة فردها فليرد معها صاعا\" (^٢) قاله في النهاية (^٣)، ورواه البرقاني وزاد \"من بر\" (^٤)، والتحفيل مثل التصرية وهو أن لا تحلب الشاة أياما ليجتمع اللبن في ضرعها للبيع والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١٣/ ٢٠١).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨٦٦)، وأحمد ١/ ٤٣٠ (٤١٧٧)، والبخارى (٢١٤٩) و(٢١٦٤)، وأبو يعلى (٥٢٥٤)، عن ابن مسعود.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٠٨).\n(^٤) أخرجه البيهقى في الصغير (٢/ ٢٦٠ رقم ١٩٢٧) والكبرى (٥/ ٥٢٢ رقم ١٠٧٢٨) بلفظ: من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا من تمر.","vol":"8","page":171},{"text":"واعلم أن التصرية حرام سواء تصرية الناقة والبقرة والشاة والجارية والأتان والفرس وغيرها، لأنه غش وخداع وبيعها صحيح مع أنه حرام، وللمشتري الخيار في إمساكها وردها إذا علم التصرية وفيه حرمة التدليس في كل شيء بالفعل والقول ويصح البيع ويثبت الخيار كما لو سود شعر الجارية الشابة أو جعده، واختلف أصحابنا في خيار المصراة هل هو على الفور بعد العلم أو يمتد ثلاثة أيام؟ قيل: يمتد ثلاثة أيام لظاهر الأحاديث، والأصح عندهم أنه على الفور ثم إن اختار ردها بعد أن حلبها ردها وصاعا من تمر سواء كان اللبن قليلا أو كثيرا، هذا مذهبنا وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف وأبو ثور وفقهاء المحدثين وهو الصحيح الموافق للسنة، وقال بعض أصحابنا: يرد صاعا من قوت البلد ولا يختص بالتمر، وقال أبو حنيفة وطائفة من أهل العراق وبعض المالكية وهي رواية غريبة عن مالك يردها ولا يرد صاعا من بر لأن الأصل أنه إذا أتلف شيئا لغيره رد مثله إن كان مثليا وإلا فقيمته، وإما في نسيء آخر من العروض بخلاف الأصول.\nوفي المفهم (^١) عن أبي ليلى أنه يخرج القيمة بالغة ما بلغت وعن مالك رواية شاذة أنه يخرج فيها مكيلة ما حلب من اللبن تمرا أو قيمته.\nوأجاب الجمهور: بأن السنة إذا وردت لا يعترض عليها بالمعقول وأما الحكمة في تقييده بصاع التمر فلأنهم كان غلاب قوتهم في ذلك الوقت فاستمر حكم الشرع على ذلك وإنما لم يجب مثله ولا قيمته، بل وجب صاع\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (١٤/ ٢٦).","vol":"8","page":172},{"text":"في القليل والكثير ليكون ذلك حدًا يرجع إليه ويزول به التخاصم وكان - ﷺ - حريصا على دفع الخصام والمنع من كل ما هو سبب له وقد يقع بيع المصراة في البوادي والقرى وفي مواضع لا يوجد فيها من يعرف القيمة ويعتمد قوله فيها وقد يتلف اللبن ويتنازعون في قلته وكثرته وفي [عينه] فجعل الشارع - ﷺ - لهم ضابطا لا نزاع معه وهو صاع من تمر والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"ألهم الله القرد صرة الدنانير فأخذها فصعد الدقل ففتح الصرة وصاحبها ينظر إليه\" الحديث، الدقل خشبة يمد عليها شراع السفينة ويقال لها منارة السفينة ذكره صاحب المغيث، وقال في النهاية الدقل خشبة يمد عليها شراع السفينة وتسميتها البحرية الصاري.\nقوله: في رواية البيهقي: فجاء ثعلب فأخذ الكيس، الحديث، كنية الثعلب أبو الحصين وأبو النجم وأبو نوفل وأبو الوثاب والثعلب سبع جبان مستضعف ذو مكر وخديعة ولكنه لفرط الخبث والحيلة يجري مع كبار السباع ومن حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه حتى يظن أنه قد مات فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده وحيلته هذه لا تتم على كلب الصيد قيل للثعلب مالك تعدوا أكثر من الكلب فقال: لأني عدوا لنفسي والكلب يعدوا لغيرة ا. هـ قاله في حياة الحيوان (^١) وتقدم الكلام في كتاب الصلاة على حله وتحريمه.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣).","vol":"8","page":173},{"text":"٢٧٢٥ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من غَشنَا فَلَيْسَ منا رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^١)، قَالَ المملي عبد الْعَظِيم قد رُوِيَ هَذَا الْمَتْن عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عبد الله بن عَبَّاس (^٢) وَأنس بن مَالك (^٣) والبراء بن عَازِب (^٤) وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان (^٥) وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ (^٦) وَأَبُو بردة بن نيار (^٧) وَغَيرهم وَتقدم من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَقيس بن أبي غرزة.\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٢٥٦) من طريق هارون الشامي، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. وقال البزار: لا نعلمه عن عائشة إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٨: رواه البزار، ورجاله ثقات. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٧٧٣): صحيح لغيره.\n(^٢) أخرجه الحربى في غريب الحديث (٢/ ٦٥٦)، وابن المنذر في الأوسط (٧٨٨٩) والطبرانى في الكبير (١١/ ٢٢١ رقم ١١٥٥٣) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٩: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٤/ ١٢٣ - ١٢٤ رقم ٣٧٧٣) من طريق إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني سليمان بن بلال، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، عن أنس بن مالك. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.\n(^٤) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٤/ ٢٨١ رقم ٤٢٠٣) من طريق سوار بن مصعب، عن مطرف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب. وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن مطرف إلا سوار بن مصعب، ولا يروى عن البراء إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سوار بن مصعب، وهو متروك.\n(^٥) أخرجه الطبرانى في الأوسط (١/ ٢٩٨ رقم) من طريق الهيثم بن جميل عن قيس بن الربيع عن فضيل بن جرير عن مسلم بن مخراق عن حذيفة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد = ٤/ ٧٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، وفي قيس بن الربيع كلام، وقد وثقه شعبة والثوري.\n(^٦) أخرجه الطبرانى في الأوسط (١/ ٢٩٨ رقم ٤٢٣٨) من طريق يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن مجمع بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى.\n= وقال: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عيسى، عن مجمع، عن أبي بردة، عن أبي موسى إلا يحيى بن عقبة، تفرد به: الربيع بن ثعلب ورواه شريك، وقيس بن الربيع، عن عبد الله بن عيسى، عن جميع بن عمير، عن أبي بردة بن نيار، وهو الصواب. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٨: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه يحيى بن عقبة بن أبي الغيراز، وقد قيل: إنه يفتعل الحديث.\nوأخرجه الطبرانى كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعى (٢/ ٢٠١) حدثنا أبو حسين القاضي حدثنا يحيى الحماني حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٨: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه يحيى الحماني، وهو ضعيف.\n(^٧) أحمد ٣/ ٤٦٦ (١٦٠٧٥) و٤/ ٤٥ (١٦٧٥٢)، والبزار (٣٧٩٧)، وابن أبي شيبة ٤/ ٥٦٣ (٢٣١٤٩)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ١٩٨ (٥٢١)، والبخاري في التاريخ ٨/ ٢٢٧ والحاكم في المستدرك ٢/ ٩، من طريق شريك وعمار بن رزيق وقيس بن الربيع عن عبد الله بن عيسى عن جميع بن عمير عن عمه يعنى أبا بردة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٨: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، والأوسط، والبزار باختصار، وفيه جميع بن عمير؛ وثقه أبو حاتم، وضعفه البخاري، وغيره.","vol":"8","page":174},{"text":"قوله: وعن عائشة تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا\" الحديث أي ليس متخلفا بأخلاقنا ولا عاملا بسنتنا وتقدم الكلام على ذلك.","vol":"8","page":175},{"text":"٢٧٢٦ - وَعَن أبي سِبَاع - ﵁ - قَالَ اشْتريت نَاقَة من دَار وَاثِلَة بن الأَسْقَع فَلَمَّا خرجت بهَا أدركني يجر إزَاره فَقَالَ اشْتريت قلت نعم قَالَ أبين لَك مَا فِيهَا، قلت وَمَا فِيهَا قَالَ إِنَّهَا لسمينة ظَاهِرَة الصِّحَّة، قَالَ أردْت بهَا سفرا أَو أردْت بهَا لَحْمًا قلت أردْت بهَا الْحَج، قَالَ فارتجعها فَقَالَ صَاحبهَا مَا أردْت إِلَى هَذَا أصلحك الله تفْسد عَليّ قَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لَا يحل لأحد يَبِيع شَيْئا إِلَّا بَين مَا فِيهِ وَلَا يحل لمن علم ذَلِك إِلَّا بَينه رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد وَرَاوَهُ ابْن مَاجَه بِاخْتِصَار الْقِصَّة إِلَّا أَنه قَالَ عَن وَاثِلَة بن الأسْقَع قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من بَاعَ عَيْبا لم يُبينهُ لم يزل فِي مقت الله وَلم تزل الْمَلائِكَة تلعنه وَرُوِيَ هَذَا الْمَتْن أَيْضا من حَدِيث أبي مُوسَى (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٩١ (١٦٢٦٠)، وابن المنذر في الأوسط (٨٠٧٧)، وأبو أحمد في الكنى (٥/ ١٣٨)، والطبراني في الكبير ٢٢/ (٢٢/ ٩١ رقم ٢١٧) مختصرا، والحاكم ٢/ ٩ - ١٠، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٥٢٣ (١٠٧٣٥) والشعب ٧/ ٢٢٥ (٤٩١٢)، والخطيب في تاريخه، ١١/ ١٤٤ من طريق أبى جعفر الرازى، عن يزيد بن أبي مالك، أنا أبو سباع فذكره.\nوأخرجه ابن ماجه (٢٢٤٧) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٤ رقم ١٢٩) ومسند الشاميين (٢/ ٣٦٩ رقم ١٥١١) و(٤/ ٣١٣ - ٣١٤ رقم ٣٤٠٦) من طريق بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن مكحول وسليمان بن موسى، عن واثلة بن الأسقع.\nوضعف الألباني في ضعيف ابن ماجه وضعيف الجامع (٥٥٠١)، المشكاة (٢٨٧٤) وضعيف الترغيب (١٠٩٤). قال أبو حاتم في العلل (١١٧٣): هذا حديث منكر، ومعاوية بن يحيى: هو الصدفي. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه =","vol":"8","page":176},{"text":"قوله: وعن أبي سباع قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع تقدم الكلام على واثلة بن الأسقع.\nقوله - ﷺ -: \"لا يحل لأحد أن يبيع شيئا إلا بين ما فيه ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه\" الحديث ورواه ابن ماجه عن واثلة بن الأسقع باختصار القصة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"من باع عيبا ولم يبينه لم يزل في مقت الله\" الحديث معناه من باع معيبا كما يقال هذا ضرب الأمير معناه مضروب الأمير ويحتمل أن يكون شيئا فتصحف على الكاتب.\nتنبيه: من الصغائر بيع المعيب من غير بيانه وذلك حرام وما أرى في تحريمه خلافا ومنها من رءا شخصا يبيع بيعا لشخص فإن عليه أن يبين للمشتري عيبه فإن لم يفعل كان شريكه في إثم وكان راضيا بضياع مال أخيه المسلم وهو حرام والله أعلم قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n\n٢٧٢٧ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم وَلا يحل لمُسلم إِذا بَاعَ من أَخِيه بيعا فِيهِ عيب أَن لا يُبينهُ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ مَوْقُوف على عقبَة لم يرفعهُ (^٢).\n_________\n= الذهبي. قال البوصيري في الزوائد ٣/ ٣٠: هذا إسناد ضعيف لتدليس بقية بن الوليد، وضعف شيخه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٧٤).\n(^١) تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين (ص ٣٢٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٨ (١٧٧٢٣)، وابن ماجه (٢٢٤٦)، والرويانى (١٨٣)، وابن المنذر في الأوسط (٨٠٧٦)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣١٧ (٨٧٧)، والحاكم في المستدرك =","vol":"8","page":177},{"text":"قوله: وعن عقبة بن عامر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم إذا باع أخيه بيعا فيه عيب ألا يبينه\".\n\n٢٧٢٨ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْمُؤْمِنُونَ بَعضهم لبَعض نصحة وادون وَإِن بَعدت مَنَازِلهمْ وأبدانهم والفجرة بَعضهم لبَعض غششة متخاونون وَإِن اقْتربت مَنَازِلهمْ وأبدانهم رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيَّان فِي كتاب التوبيخ (^١).\nقوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"المؤمنون بعضهم لبعض نصحة وادون وإن بعدت منازلهم وأبدانهم والفجرة بعضهم لبعض غششة متخاونون وإن اقتربت منازلهم وأبدانهم\" تقدم الكلام على الغش وسيأتي الكلام على النصيحة اتفق العلماء أعلى أن من باع شيئا يعلم به عيبا أنه يجب عليه بيانه المشترى ويجب أيضا على غير البائع لمن علمه] إعلام المشتري بذلك وشذ المحاملي والجرجاني\n_________\n= (٢/ ٨). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وعلقه البخاري (٣/ ٥٨) موقوفا. ووصله ابن حجر في تغليق التعليق (٣/ ٢٢٢) مرفوعا. وصححه الألباني في الإرواء (١٣٢١) والسراج المنير (٢٤٢٨) وصحيح الترغيب (١٧٧٥) وصحيح الجامع (٦٧٠٥).\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (ص ٢١)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١٠٨ رقم ٧٢٤٢)، والكيلانى في الأربعون (ص ١٩)، وأبو بكر المعدل في اثنا عشر مجلسًا من الأمالي (٥). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥١٧٥) وضعيف الترغيب (١٥٩٦).","vol":"8","page":178},{"text":"من الأصحاب فقالا إن ذلك مستحب قال: الشيخ تقي الدين وهذا لا أعلم أحدا ممن له علم قال به والأحاديث الصحيحة والصريحة وكلام جميع الأصحاب مصرح بخلافه سواء كان المشتري مسلما أو ذميا وضابط ما يحرم كتمانه ما يثبت فيه الخيار ومالا فلا لذكر القيمة قاله الإمام وإن باع ولم يبين ذلك صح البيع وكذلك الحكم فيمن استشهد في خاطب أو مخطوبة يذكر مساوئ كل منهما بصدق وفي الوجوب في ذلك صرح القفال في الفتاوى وابن عبد السلام وابن الصلاح وغيرهم، وفي الإحياء والرياض ما ظاهره الوجوب أيضا وهو المختار المعتمد وظاهر إطلاقهم أنه يذكر جميع مساويه والظاهر أنه يذكر من ذلك ما يحصل به المقصود من النفرة عنه فإن لم يحصل المقصود إلا بذكر الجميع ذكرها وبهذا صرح في الأذكار تبعا للأحياء ولذلك صرح ابن عبد السلام في قواعده ومقتضى إطلاق الجمهور أن من لم يستشر لا يذكر شيئا من ذلك ومقتضى كلام ابن الصلاح الذكر ابتداء من غير استشارة وهو قياس من علم بالبيعة عيبا فإنه يجب عليه ذكره وإن لم يسأل عنه كما تقرر ا. هـ.\nقاعدة: العيب سبعة أنواع عيب المبيع ما نقص العين أو القيمة نقصا يفوت به غرض صحيح الغالب في جنس المبيع عدمه سواء قارن العقد أو حدث قبل القبض وعيب الكفارة ما أضر با (لعمل إضرارا) بينا وعيب الأضحية والهدي والعقيقة ما نقص اللحم وعيب النكاح ما نفر من الوطء وهو سبعة أشياء الجنون والجذام والبرص والجب والعنة والرتق والقرن وعيب الإجارة ما أثر","vol":"8","page":179},{"text":"في المنفعة تأثيرا يظهر به تفاوت في الأجرة وعيب الغرة [في الجنين] كالمبيع وعيب الزكاة الأصح أنه كالمبيع والموهوب بعوض كالبيع وينبغي أن يزداد نوع ثامن وهو المرهون والظاهر أن عيبه ما نقص القيمة فقط ا. هـ.\n\n٢٧٢٩ - وَعَن تَمِيم الدَّارِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الدّين النَّصِيحَة قُلْنَا لمن يَا رَسُول اللّه قَالَ لله ولكتابه وَلِرَسُولهِ ولائمة الْمُسلمين وعامتهم.\nرَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَعِنْده إِنَّمَا الدّين النَّصِيحَة وَأَبُو دَاوُد وَعِنْده قَالَ إِن الدّين النَّصِيحَة إِن الدّين النَّصِيحَة إِن الدّين النَّصِيحَة الحَدِيث (^١) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بالتكرار أَيْضا وَحسنه (^٢)، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط من حَدِيث ثَوْبَان (^٣) إِلَا أَنه قَالَ رَأس الدّين النَّصِيحَة فَقَالُوا لمن يَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٥ - ٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٦٢٨ (٤٢٣٥) و(٤٢٣٦) والكبرى (٧٧٧٢ و٧٧٧٣ و٨٧٠٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٩٢٦)، والبزار (٨٩٠١) و(٨٩٣٥)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٧٤٨) و(٧٥٤)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٦٢٨ (٤٢٣٧) و٦/ ٦٢٩ (٤٢٣٨) والكبرى (٧٧٧٤ و٧٧٧٥ و٨٧٠١). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وصححه الألباني في السراج المنير (٥٧٢٣)، الإرواء (٢٦)، غاية المرام (٣٣٢).\n(^٣) أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (٧٦٠)، والطبرانى في الأوسط (٢/ ٤٢ رقم ١١٨٤) ومسند الشاميين (٤/ ١٣٣ رقم ٢٩٢٣)، وابن منده في مجلس من أماليه (١٠).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أيوب بن سويد، وهو ضعيف لا يحتج به.\nوصححه الألباني في السراج المنير (٥٧٢٦)، وضعفه في الضعيفة (٢١٧٥)، وضعيف الترعيب (٢١٧٥) وقال: منكر.","vol":"8","page":180},{"text":"رَسُول الله قَالَ لله ﷿ ولدينه ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم.\nقوله: وعن تميم الدراي (^١) - ﵁ - اختلف العلماء أنه إلى من نسب فقال الجمهور إلى جد من أجداده وهو الدارين هاني فهو تميم بن أوس بن خارجة بن أسود بضم السين وقيل سواد بن جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة ابن ذراع بن عدي بن الدار بن هانيء بن حبيب بن نمارة، وقيل إنما بن مخمر وهو مالك بن عدي فذكره إلى أن قال: ابن سباء الدراي فهي نسبة إلى جد له اسمه الدار، وقيل على موضع يقال له دارين وأما من قال: الديري فهو نسبة إلى دير كان تميم يتعبد فيه قبل الإسلام وكان نصرانيا هكذا رواه أبو الحسين الرازي في كتابه مناقب الشافعي بإسناده الصحيح عن الشافعي أنه قال: في النسبتين ما ذكرناه وعلى هذا أكثر العلماء ومنهم من قال الداري بالألف نسبة إلى دارين وهو مكان عند البحرين وهو محط الشفق كان يحلب إليه العطر من الهند ولذلك قيل للعطار داري وكنيته أبو رقية كنى ببنته رقية لم يولد له غيرها وغنما العقب لأخيه لأمه أبي هند واسمه بن عبد الله ورقية بضم الراء وفتح القاف وتشديد الياء أسلم سنة تسع من الهجرة روى له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر حديثا روى له مسلم منها حديث \"الدين النصيحة\" ولم يخرجه البخاري ولا أخرج في كتابه عن تميم الداري شيئا، وفي صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - رُوي عن تميم الدراي قصة\n_________\n(^١) ترجمته في طبقات ابن سعد ٧/ ٤٠٨، وأسد الغابة ١/ ٢٥٦، والإصابة ١/ ترجمة ٨٣٧، وتهذيب الكمال ١/ ترجمة ٩٥١.","vol":"8","page":181},{"text":"الجساسة وهذه منقبة شريفة فلا يشاركه فيها غيره والجساسة بفتح الجيم وتشديد السين الأولى إنما سميت بذلك لأنها تتجسس الأخبار للرجال قال ابن سيده: هي دابة في حرام البحر تتجسس الأخبار وتأتي بها الدجال وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه دابة الأرض المذكورة في القرآن بني عزيرة ببحر القلزوم روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن فاطمة بنت قيس قالت خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقام خطيبا فقال إني لم أجمعهم لرغبة ولا لرهبة ولكن حديث حدثني عنه تميم الدراي (^١) أنه ركب سفينة بحرية في ثلاثين رجلا من لخم وجذام فألجأهم ريح عاصف إلى جزيرة فإذا هم بدابة قالوا لها ما أنت قالت: أنا الجساسة، انطلقوا إلى هذا الرجل في هذا الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: فأتيناه\" فذكر الحديث روى عنه جماعة من الصحابة ابن عباس وأنس بن مالك وأبو هريرة وجماعات من التابعين وكان بالمدينة ثم انتقل إلى بيت المقدس بعد قتل عثمان وكان - ﵁ - كثير التهجد قام ليلة حتى أصبح بآية القرءان أن يركع ويسجد ويبكي وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (^٢) الآية وهو أول من قص على الناس استأذن عمر بن الخطاب في ذلك فأذن له وهو أول من أسرج في المسجد وكان ذا هيئة ولباس قاله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٩ - ٢٩٤٢).\n(^٢) سورة الجاثية، الآية: ٢١.","vol":"8","page":182},{"text":"تنبيه: تميم الداري روى عن النبي - ﷺ - أحاديث وروى عنه النبي - ﷺ - حديث الدجال إذ وجده تميم وأصحابه في البحر وهذه من غرائب مسائل علم الحديث يقال أي الصحابة روى عنه النبي - ﷺ -؟ فيقال تميم الداري روى عنه النبي - ﷺ - الحديث المذكور أعلاه والله أعلم ذكره الطوفي (^١).\nقوله - ﷺ -: \"الدين النصيحة\" الحديث هذا الحديث حديث عظيم الشأن عليه مدار الإسلام قال النووي (^٢) وأما ما قاله جماعة من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام أي أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوه بل المراد على هذا وحده ومعنى الحديث أنه قوام الدين وقوامه وعماده النصيحة كقوله \"الحج عرفة\" أي عماده ومعظمه قال ابن بطال (^٣) ﵀: في هذا الحديث أن النصيحة تسمى دينا وإسلاما وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول قال: والنصيحة فرض كفاية يجزي فيها من قام به وتسقط عن الباقين قال: والنصيحة ولازمة على قدر الطاعة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه فإن خشي أذى فهو في سعة منها ا. هـ.\nقوله: قلنا لمن يا رسول الله قال: \"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم\" الحديث والنصيحة إخلاص القول والعمل وهي مأخوذة من\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٠٥).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٢/ ٣٧).\n(^٣) شرح الصحيح (١/ ١٢٩).","vol":"8","page":183},{"text":"نصح الرجل ثوبه إذا خاطه فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما سده من خلل الثوب وقيل أنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع شبهوا تخلص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط (^١) والنصيحة تختلف باختلاف المنصوح فنصيحة الله ﷿ الإيمان به وطاعته بالقول توحيدا وبالبدن عبادة وفي التنزيل إذا نصحوا الله ورسوله وهذه الأوصاف في الحقيقة راجعة إلى العبد لأن الله تعالى غني عن العبد وعن نصحه والنصيحة لكتاب الله هو الإيمان وتحسين تلاوته وتفهم معانيه وتدبر آياته وتوقيره وتعظيمه والدعاء إليه (^٢) والذب عنه وأنه غير مخلوق وإحلال حلاله وتحريم حرامه والإيمان بناسخه ومنسوخه والعمل بمحكمه والتصديق بمتشابهه (^٣) وأن لا تقول فيه برأيك ولا بهواك وتعظيم حملته وأن لا تمنع من يطلب تعليمه وأن يستاك ويتخلل فيطيب فاه وأن يلبس كما يلبس للدخول على الأمير لأنه مناجي ومن حرمته أن لا يخلى يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة وأن يعطي عينه حظها منه فقد روى أبو سعيد الخدري قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"أعطوا أعينكم حظها من العبادة\" (^٤) قالوا يا رسول الله وما حظها من العبادة قال: \"النظرة في المصحف\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٢/ ٣٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٣٨).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٣٨).\n(^٤) أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر (١٣٣٧)، وأبو الشيخ في العظمة (١٢)، والبيهقى في الشعب (٣/ ٥٠٩ رقم ٢٠٢٩). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٥٨٦).","vol":"8","page":184},{"text":"والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه\" (^١) هكذا ذكره القرطبي (^٢) ولا أرى حال هذا الحديث ما ما هو النصيحة لرسول - ﷺ - هو التصديق بنبوته وإعانته على إقامة ما أمر وبه بالقول والعمل والاعتقاد كما فعل الصحابة - ﵃ - والتزام طاعته فيما أمر به ونهى عنه وتصديقه في ذلك من غير شك ولا ريب وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه تعزيره وتوقيره وإخلاص محبته وتعظيم سنته وأحبابها بعد موته بروايتها وتصحيحها والبحث عنها والتفقه فيها والدب عنها ونشرها والدعاء إليها والتخلق بأخلاقه الكريمة وحب أصحابه وأهل بيته وجميع أزواجه وقرابته وعترته وحسن القول فيهم والكف عن ذكر ما شجر ومهاجرة من يذمهم والاستغفار لهم كما وصف الله تعالى التابعين لهم بإحسان فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ (^٣) الآية والنصيحة لأئمة المسلمين هو الوفاء لهم بعهدهم والتنبيه لهم على مصالحهم ورشدهم والدعاء لهم والصلاة خلفهم والصلاة معهم والنصيحة لعامة المسلمين بالتعليم لهم مما علمه الله والحث لهم على طاعته وزجرهم عن معصيته والتخويف لهم من عذابه ونقمته من غير تقنيط\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٣٣٧)، وأبو الشيخ في العظمة (١٢)، والبيهقى في الشعب (٣/ ٥٠٩ رقم ٢٠٢٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٦٧٥).\nوضعفه العراقى في تخريج إحياء (١٨٠٠). وقال الألباني في الضعيفة (١٥٨٦): موضوع.\n(^٢) التذكار (ص ١٤٠)، والتفسير (١/ ٢٨)\n(^٣) سورة الحشر، الآية: ١٠.","vol":"8","page":185},{"text":"لهم من رحمته وترجيهم لعفوه ومغفرته من غير إغراء لهم بمعصيته كما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"والذي نفسي بيده إن أحب عباد الله إلى الله تعالى الذين يحببون الله إلى عباده ويحبون عبادة إليه ويمشون في الأرض بالنصيحة\" (^١) ثم المناصحة لهم ببذل إحسانه إليهم وتحمل أذاهم والدعاء ولا يبخس أحدا منهم في بيع ولا شراء ولا في وزن ولا كيل ويحب لهم من الخير ما يحب لنفسه لقوله - ﷺ -: \"لا يكمل للمؤمن من إيمانه حتى يحب لأخيه المسلم من الخير ما يحب لنفسه\" (^٢) والله أعلم. إن هذا الحديث وإن أوجز في العبارة فلقد أعرض في الفائدة وهذه الأحاديث الأربعون وسائر السنن داخلة تحته، بل تحت كلمة منه وهي قوله: \"لكتابه\" ولأن كتابه الكتاب المشتمل على أمور الدين جميعا أصلا وفرعا وعملا واعتقادا فإذا آمن به وعمل بما تضمنه على ما ينبغي فقد جمع الكل (^٣) ا. هـ.\nتنبيه: إن قيل هل الدين محصور في النصيحة على قاعدة حصر المبتدأ في الخبر أو وراء النصيحة من الدين شيء ويكون قوله: \"الدين النصيحة\" من\n_________\n(^١) أخرجه الختلى في المحبة (١٠٢)، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ١٥٦)، وابن عدى في الكامل (٨/ ٣٨١)، والبيهقى في الشعب (٢/ ١٢ - ١٣ رقم ٤٠٥). وهو ضعيف جدًّا ضعفه البخاري والعقيلى وابن عدى.\n(^٢) أخرجه البغوى في جزئه (٢٩) من طريق هشيم، عن كوثر، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه. وإسناده ضعيف.\n(^٣) شرح النووى على مسلم (٢/ ٣٨ - ٣٩)، وشرح الأربعين للنووى (ص ٣٧ - ٣٩)، وجمل الغرائب (ص ٢٢).","vol":"8","page":186},{"text":"باب قاعدة \"الحج عرفة\" أي معظم الدين النصيحة قلنا بل الدين محصور في النصيحة حصرا إجماليا لأن من جملة النصيحة طاعة الله ورسوله والإيمان والعمل بما قالاه من كتاب الله وليس وراء ذلك من الدين شيء إذا قد سبق في حديث جبريل ﵇ أن الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان وجميع ذلك مندرج تحت ما ذكرناه في النصيحة والله تعالى أعلم ذكره النووي في شرح النواوية (^١).\n\n٢٧٣٠ - وَعَن زِيَاد بن علاقَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت جرير بن عبد الله يَقُول يَوْم مَاتَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة أما بعد فَإِنِّي أتيت رَسُول الله - ﷺ - فَقلت أُبايِعك على الْإِسْلَام فَشرط عَليّ والنصح لكل مُسلم فَبَايَعته على هَذَا وَرب هَذَا الْمَسْجِد إِنِّي لكم لناصح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nقوله: وعن زياد بن علاقة (زياد بالزاي المكسورة وبالمثناة التحتانية ابن علاقة بكسر العين المهملة وبالقاف ابن مالك الثعلبي بالمثلثة الكوفي وكنيته أبو مالك مات سنة خمس وعشرين ومائة).\nقوله: سمعت جرير بن عبد الله يقول يوم مات المغيرة بن شعبة فذكره إلى أن قال: فشرط على والنصح لكل مسلم فبايعته على هذا ورب هذا المسجد أني لكم لناصح. المبايعة أخذ العهد مأخوذة من البيع والنصح تقدم الكلام عليه في حديث تميم الداري في الحديث قبله.\n_________\n(^١) شرح الأربعين (ص ٢٤ و٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧١٤)، ومسلم (٩٨ - ٥٦).","vol":"8","page":187},{"text":"٢٧٣١ - وَعَن جرير أَيْضا - ﵁ - قَالَ بَايَعت رَسُول الله - ﷺ - على إقَام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة والنصح لكل مُسلم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفْظهمَا بَايَعت رَسُول الله - ﷺ - على السّمع وَالطَّاعَة وَأَن أنصح لكل مُسلم وَكانَ إِذا بَاعَ الشَّيء أَو اشْترى قَالَ أما إِن الَّذِي أَخذنَا مِنْك أحب إِلَيْنَا مِمَّا أعطيناك فاختر (^٢).\nقوله: وعن جرير (^٣) أيضا هو جرير بن عبد الله وكنيته أبو عمرو البجلي الأحمسي الكوفي روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث اتفقا منها على ثمانية وانفرد البخاري بحديث مسلم بسنته قال ابن قتيبة: قدم جرير على النبي - ﷺ - سنة عشر من الهجرة في شهر رمضان فبايعه وأسلم وكان عمر بن الخطاب يقول جرير يوسف هذه الأمة لحسنه قال: وكان طويلا يصل إلى سنام البعير وكانت نعله ذراعا ويخصب لحيته بالزعفران بالليل ويغسلها بالنهار إذا أصبح وأعتزل عليا ومعاوية وأقام بالجزيرة ونواحيها حتى توفي سنة أربع وخمسين ومناقبه - ﷺ - كثيرة مشهورة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧) و(٥٢٤) و(١٤٠١) و(٢١٥٧) و(٢٧١٥)، ومسلم (٩٧ - ٥٦)، والترمذى (١٩٢٥)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٦١٣ (٤٢١٣) و٦/ ٦١٤ (٤٢١٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٦٤ (١٩٥٣٧)، وأبو داود (٤٩٤٥)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٦٠٠ (٤١٩٥) والكبرى (٧٧٣٠)، وأبو يعلى (٧٥٠٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٧٩).\n(^٣) ترجمته: طبقات ابن سعد: ٦/ ٢٢، الاستيعاب: ١/ ٣٣٧، أسد الغابة: ١/ ٣٣٣، تهذيب الكمال: ١٩١، الإصابة: ٢/ ٧٦.","vol":"8","page":188},{"text":"قوله - ﵁ -: بايعت رسول الله - ﷺ - على إقام وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم تقدم معنى المبايعة وفي رواية أبي داود والنسائي بايعت رسول الله - ﷺ - على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل [مسلم] تقدم معنى المبايعة وفي السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم.\nالمراد بالسمع الطاعة أي لأحكام الله ورسوله والنصح لكل مسلم المراد بالنصح إخلاص العمل عن شوائب الفساد ومعناه حيازة الحظ للمنصوح له (^١) ا. هـ وفي رواية فلقنني فيما استطعت وإنما اقتصر على الصلاة والزكاة لكونها قريبتين وهما أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين وأظهرها ولم يذكر الصوم وغيره لدخولها في السمع والطاعة، وقوله: فيما استطعت موافق لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (^٢) والرواية استطعت بفتح التاء وتلقينه من كمال شفقته - ﷺ - إذ قد يعجز في بعض الأحوال فلو لم يقيده بما استطاع لأخل بما التزم في بعض الأحوال والله أعلم.\nلطيفة: ومما يتعلق بحديث جرير منقبة ومكرمة لجرير رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني بإسناده اختصرناها: أن جريرا أمر مولاه أن يشتري له فرسا فأشتري له فرسا بثلاثمائة درهم وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم أتبيعنيه بخمسمائة فلم يزل يزيده مائة فمائة وصاحبه يرضي وجرير يقول فرسك خير إلى أن بلغ ثمان\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (٢/ ٣٧).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.","vol":"8","page":189},{"text":"مائة درهم فاشتراه بها فقيل له في ذلك فقال: إني بايعت رسول الله - ﷺ - على النصح لكل مسلم وكان إذا قوم السلعة بصر المشتري عيوبها ثم خيره فقيل له إذا فعلت ذلك لم ينفذ لك بيع فقال إنا بايعنا رسول الله - ﷺ - على النصح لكل مسلم (^١) ا. هـ.\n\n٢٧٣٢ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ قَالَ الله ﷿ أحب مَا تعبد لي بِهِ عَبدِي النصح لي رَوَاهُ أَحْمد (^٢).\nقوله وروي عن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله: قَالَ الله ﷿: أحب مَا تعبد لي بِهِ عَبدِي النصح لي تقدم الكلام على النصح في حديث تميم الداري.\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الكبير (٢/ ٣٣٤ و٣٣٥ رقم ٢٣٩٥) من طريق الأسود بن شيبان، ثنا زياد بن أبي سفيان، ثنا إبراهيم بن جرير البجلي، عن أبيه. إبراهيم لا سماع له من أبيه في قول ابن معين وأبي حاتم وغيرهما.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٠٤)، ومن طريقه أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٤ (٢٢٦٢١)، والرويانى (١١٩٣)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٦٠٥)، والطبرانى في الكبير (٨/ ٢٠٣ رقم ٧٨٣٣) وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٧٥، والبغوي في شرح السنة (٣٥١٥) من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة. وأخرجه ضمن حديث مطول الطبراني في الكبير (٨/ ٢٢١ رقم ٧٨٨٠) من طريق عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد الألهاني، به. ولفظه: وأحب عبادة عبدي إلي النصيحة.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٧: رواه أحمد، وفيه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٩٨)، وضعيف الجامع (٤٠٤٢): ضعيف.","vol":"8","page":190},{"text":"٢٧٣٣ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان - ﷺ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لَا يهتم بِأَمْر الْمُسلمين فَلَيْسَ مِنْهُم وَمن لم يصبح ويمس ناصحا لله وَلرَسُولهِ ولكتابه ولإمامه ولعامة الْمُسلمين فَلَيْسَ مِنْهُم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عبد الله بن جَعْفَر (^١).\nقوله: وعن حذيفة بن اليمان تقدم الكلام على حذيفة.\nقوله - ﷺ -: \"ومن لم يصبح ويمسي ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامة ولعامة المسلمين فليس منهم\" تقدم الكلام على ذلك أيضا في حديث تميم الداري.\n\n٢٧٣٤ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لأخيه مَا يحب لنَفسِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٢) وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه لَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يحب للنَّاس مَا يحب لنَفسِهِ.\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٢٧٠ رقم ٧٤٧٣) والصغير (٣/ ١٣١ رقم ٩٠٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٧: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، ضعفه محمد بن حميد، ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٩٩) وفي الضعيفة (٣١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣)، ومسلم (٧١ و٧٢ - ٤٥)، وابن ماجه (٦٦)، والترمذي (٢٦٨٤)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٥٤٥ (٥٠٦٠) و٧/ ٥٤٦ (٥٠٦١) و٧/ ٥٦٤ (٥٠٨٣).\nوأخرجه أحمد ٣/ ٢٧٢ (١٤٠٨٣)، وأبو يعلى (٣٠٨١)، وابن حبان (٢٣٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٨٠) والصحيحة (٧٣).","vol":"8","page":191},{"text":"قوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" هذا أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام وقد ذكر ذلك في حديث \"الحلال بين والحرام بين\".","vol":"8","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>[الترهيب من الاحتكار]</span>\n٢٧٣٥ - عَن معمر بن أبي معمر وَقيل ابْن عبد الله بن نَضْلَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من احتكر طَعَاما فَهُوَ خاطئ رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن مَاجَه وَلَفْظهمَا قَالَ لا يحتكر إِلَّا خاطئ (^١).\nقوله عن معمر بن أبي معمر (^٢)، وقيل: ابن عبد الله بن نضلة بن عوف بن عبد بن عويج ومعمر هذا هو معمر بن عبد الله القرشي العدوي الذي حلق شعر النبي - ﷺ - في حجة الوداع وأما الذي حلق رأس النبي - ﷺ - في الحديبية فهو حراش بن الخزاعي هذا هو الصواب ومعمر بن أبي معمر هذا أسلم قديما ولكن تأخرت هجرته إلى المدينة لأنه كان هاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة وعاش عمرا طويلا وعداده في أهل المدينة روى عن النبي - ﷺ - وعن عمر بن الخطاب وعنه بشر بن سعيد وسعيد بن المسيب له في الكتب الفتنة حديثان ووقع في المهذب (^٣) في آخر باب النجش في تحريم الاحتكار\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٩ و١٣٠ - ١٦٠٥)، وأبو داود (٣٤٤٧)، وابن ماجه (٢١٥٤)، والترمذى (١٢٦٧). وقال الترمذي: وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٧٨١)، وغاية المرام (٣٢١)، والسراج المنير (٢٧٤٣).\n(^٢) ترجمته: طبقات ابن سعد: ٤/ ١٣٩، والاستيعاب: ٣/ ١٤٣٤، وأسد الغابة: ٤/ ٤٠٠، والإصابة: ٣/ الترجمة ٨١٥١.\n(^٣) المهذب (٢/ ٦٤) للشيرازى.","vol":"8","page":193},{"text":"وروى العذري قال: قال: رسول الله - ﷺ - \"لا يحتكر إلا خاطيء\" قال النووي (^١): هكذا وجد في أصل المصنف وهكذا هو في النسخ معمر العذري بعين مضمومة ثم ذال معجمة ساكنة ثم راء وهو غلط وتصحيف وهو ابن عدي بفتح العين والدال المهملتين وبالواو ومنسوب إلى عدي بن كعب بن لؤي ا. هـ.\nقال ابن عبد الله (^٢): وكان معمر وسعيد بن المسيب يحتكران الزيت قال: فدل على أنه أراد بالحكرة الحنطة وما يكون قوتا في الأغلب والله أعلم ولم يخرج البخاري في صحيحه عن معمر هذا شيئا.\nقوله - ﷺ -: \"من احتكر طعاما فهو خاطئ\" وفي رواية \"لا يحتكر إلا خاطيء\" قال أهل اللغة: الخاطئ بالهمز هو العاصي الآثم قال الله تعالى: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (^٣) وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار قال النووي (^٤) قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه فأما إذا جاءه من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله أو ابتاعه ليبيعه في وقته فليس\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٨) للنووى.\n(^٢) يعنى ابن عبد البر وكلامه في الاستيعاب (٣/ ١٤٣٤).\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٣١.\n(^٤) شرح النووى على مسلم (١١/ ٤٣).","vol":"8","page":194},{"text":"باحتكار ولا تحريم فيه وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بحال هذا تفصيل مذهبنا قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعا للضرر عن الناس والمحتكر خاطيء حيث قصد الإضرار بخلق الله تعالى ويقع التفاوت في المأثم بين بأن يتربص قلة الصنف، وبين أن يتربص القحط والعياذ بالله تعالى ثم إن المدة إذا قصرت لا يكون احتكارا لعدم الضرر، وإذا طالت كان احتكارا مكروها لتحقق الضرر، ثم قيل هي مقدرة بأربعين يومًا، وقيل بشهر وقال الحسن والأوزاعي: المحتكر من اعترض ومنع سوق المسلمين وروى عن عبد الله بن عمر قال: من كانت تجارته في الطعام ليس له تجارة غيرها كان طاغيا أو خاطيا أو باغيا وكره مالك والثوري الاحتكار في جميع الأشياء قال مالك: يمنع من حتكار الكتان والصوف والزيت وكل شيء اضرب بالشوق، وقال ابن المبارك وأحمد: الاحتكار في الطعام خاصة وقال أحمد: إنما يكون الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور دون البصرة وبغداد لآن السفن تبرح منها (^١) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\nفائدة: ويحرم التسعير في الأطعمة وعلف الدواب فقال: لما روي أبو داود عن أنس - ﵁ - أن الناس قالوا لرسول الله - ﷺ - يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ١١٦ - ١١٧)، وشرح السنة (٨/ ١٧٩).","vol":"8","page":195},{"text":"فقال: \"إن الله هو الذي يرخص الأشياء ويغليها فلا اعتراض لأحد عليه\" (^١) ولذلك لا يجوز التسعير وفي الحديث تحريم التسعير لتسميته مظلمة وقد اختلف فيه فكان مالك يقول يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس بع كما يبيع الناس مثل سلعتك وإلا فاخرج وكان الشافعي لا يرى التسعير على أهل الأسواق فإن ذلك ظلم قال الشافعي: والناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها ولا شيئا منها بغير طيب نفس إلا في المواضع التي أوجب الله تعالى عليهم فيها الحقوق وليس هذا منها قال: فحينئذ لا ينبغي لأحد أن يخرج ذهبه وورقه فيزاحم الناس على شراء الطعام ليحتكر ويغلي على الناس أسعارهم ويمنع من ذلك ويؤدب عليها وقول أبي حنيفة وأصحابه نحو ذلك وقالوا لا يجوز التسعير على الناس ولا يصح لأن الله تعالى يقول: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (^٢) الآية وقال الليث بن سعد وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد: لا بأس بالتسعير على\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٨٦ (١٢٧٨٦)، والدارمي (٢٥٤٥)، وأبو داود (٣٤٥١)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، والترمذي (١٣١٤)، وأبو يعلى (٢٨٦١)، وابن حبان (٤٩٣٥) من طرق عن حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت، وحميد، عن أنس ونصه: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: \"إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ الْبَاسِط الرَّازِقُ، إِنِّي لأرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ\".\nوصححه الألباني في صحيح أبي داود وابن ماجه والترمذى، وغاية المرام (٣٢٣)، الروض النضير (٤٠٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٨.","vol":"8","page":196},{"text":"البائعين للطعام إذا خيف منهم أن يفسدوا أسواق المسلمين ويغلو أسعارهم وحق على الوالي أن ينظر للمسلمين فيما يصلحهم ويعمهم نفعه قال: وقال ربيعة: والقيمة حسنة ولا بد منها عند الحاجة إليها مما لا يكون فسادا ينفر به الجالب ويمتنع به التاجر من البيع لأن ذلك أيضا باب فساد يدخل على الناس (^١).\nقوله: القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله ولا أرى أحدا يطلبني بالمظلمة في مال ولا دم ولأن فيه حجرا على الناس في أموالهم وذلك لا يجوز وليس المشتري بأولى من البائع بالنظر في مصلحته هذا هو الأصح وسواء وقت الغلاء والرخص وفي وجه يجوز في وقت الغلاء رفقا بالضعفاء وإذا سعر الإمام فخالف استحق التعزير وفى صحة البيع وجهان ا. هـ ذكره في النبيه على التنبيه (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إن الله تعالى هو المسعر\" يقال: سعر الناس وأسعروا إذا فرضوا أو قدروا سعرا وأسْعَروا أيضا: اتَّفقوا على سِعْر (^٣) واللّه تعالى أعلم.\nشرح الحديث قوله: غلا السعر يا رسول الله سعر لنا الحديث ولم يرد في القرءان أن من أسمائه تعالى المسعر اسما ولا فعلا وإنما ورد في هذا الحديث والرخص انحطاط السعر والغلاء ارتفاع السعر (وهو بتقدير) الله\n_________\n(^١) انظر: الإشراف (٦/ ٥٥) والاستذكار (٦/ ٤١٢ - ٤١٣).\n(^٢) النبيه على التنبيه (مخ ٢١٢٤/ لوحة ٩٥ - ٩٦) للزنكلونى.\n(^٣) المجموع المغيث (٢/ ٨٩).","vol":"8","page":197},{"text":"تعالى وتدبيره وهو مغليه ورافعه وذلك من أعظم البلاء ومن أعظم البلاء اجتياح الزرع بالجوائح وتعطل الزراعة بالفتن وقحوط الأمطار وذلك بتقدير العزيز العليم وتسميته الله تعالى الباسط لم يأت في القرآن اسما وإنما ورد فعلا والله يقبض ويبسط وقال: تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (^١) وقال: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ) (^٢) (^٣).\n\n٢٧٣٦ - وَعَن ابْن عمر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من احتكر طَعَاما أَرْبَعِينَ لَيْلَة فقد برئ من الله وبرئ مِنْهُ وَأَيّمَا أهل عَرصَة أصبح فيهم امْرُؤ جائعا فقد بَرِئت مِنْهُم ذمَّة الله ﵎ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَفِي هَذَا الْمَتْن غرابة وَبَعض أسانيده جيد وَقد ذكر رزين شطره الأول وَلم أره فِي شَيْء من الأصُول الَّتِي جمعهَا (^٤).\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٦٤.\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ٢٧.\n(^٣) عارضة الأحوذى (٦/ ٥٤). والأسنى (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩) و(١/ ٥٠٣ - ٥٠٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٠٤ (٢٠٣٩٦)، وأحمد ٢/ ٣٣ (٤٩٧٤)، والفاكهى في أخبار مكة (١٧٧٢)، والبزار (٥٣٧٨)، والحارث كما في الزوائد (٤٢٦)، وأبو يعلى (٥٧٤٦)، وابن الأعرابى في المعجم (٤٦١)، وخيثمة الإطرابلسى في جزئه (١٧)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامى والكنى (٢/ ٢١٠)، وابن عدى في الكامل (١/ ٤٠٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢١٠ رقم ٨٤٢٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١١ - ١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠٠)، والخطيب في أربع مجالس من أماليه (١٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٣١٣).\nوقال الذهبي في التلخيص: عمرو بن الحصين العقيلي تركوه وأصبع بن زيد الجهني فيه =","vol":"8","page":198},{"text":"قوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ منه\" أي اشتراه وحبسه ليقل فيغلوا والحكر والحكرة والحكرة الاسم منه والحكرة بضم الحاء المهملة وسكون الكاف حبس الطعام إلى آخره ومنه الحديث أنه نهى عن الحكرة قاله في النهاية وتقدم الكلام على الاحتكار مبسوطا.\nقوله - ﷺ -: \"وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله ﵎\" الحديث المراد بذمة الله (الذمة: الضمان، وقيل: الأمان، وقيل: العهد).\n\n٢٧٣٧ - وَعَن عمر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الجالب مَرْزُوق والمحتكر مَلْعُون رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم كِلأهُمَا عَن عَليّ بن سَالم بن ثَوْبَان عَن عَليّ بن زِيد بن جدعَان وَقَالَ البُخَارِيّ والأزدي لا يُتَابع عَليّ بن سَالم على حَدِيثه هَذَا.\nقَالَ الْحَافِظ زكي الدّين لا أعلم لعَلي بن سَالم غير هَذَا الحَدِيث وَهُوَ فِي عداد المجهولين وَالله أعلم (^١).\n_________\n= لين. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٠٠: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط، وفيه أبو بشر الأملوكي؛ ضعفه ابن معين. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٠٠): منكر.\n(^١) أخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (٣٣)، والدارمى (٢٧٤٠)، والفاكهى في أخبار مكة (١٧٧٤)، وابن ماجه (٢١٥٣)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ٢٣١)، والحاكم (٢/ ١١)، والبيهقى في الصغير (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨ رقم ٢٠٢٦) والكبرى (٦/ ٥٠ رقم =","vol":"8","page":199},{"text":"قوله: وعن عمر تقدم الكلام عليه مبسوطا في أوائل هذا التعليق.\nقوله - ﷺ -: \"الجالب مرزوق والمحتكر ملعون\" الحديث وجاء في الحديث أن رسول الله - ﷺ - \"من جلب طعاما إلى مصر من أمصار المسلمين فباعه بسعر يومه كان له عند الله أجر شهيد في سبيل الله ﷿\" (^١).\n\n٢٧٣٨ - وَعَن الْهَيْثَم بن رَافع عَن أبي يحيى الْمَكِّيّ عَن فروخ مولى عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - أَن طَعَاما ألقِي على بَاب الْمَسْجِد فَخرج عمر بن الْخطاب - ﵁ - وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يَوْمئِذٍ فَقَالَ مَا هَذَا الطَّعَام فَقَالُوا طَعَام جلب إِلَيْنَا أَو علينا فَقَالَ بَارك الله فِيهِ وفيمن جلبه إِلَيْنَا أَو علينا فَقَالَ لَهُ بعض الَّذين مَعَه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد احتكر.\nقَالَ وَمن احتكره قَالُوا احتكره فروخ وَفُلَان مولى عمر بن الْخطاب فَأرْسل إِلَيْهِمَا فَأتيَاهُ فَقَالَ مَا حملكما على احتكاركما طَعَام الْمُسلمين قَالُوا يَا أَمِير\n_________\n= ١١١٥١) والشعب (١٣/ ٥٠٩ - ٥١٠ رقم ١٠٧٠٠). قال الذهبي في التلخيص: قلت: فيه علي بن سالم بن ثوبان وهو ضعيف. وقال البوصيرى في مصباح الزجاجة (٣/ ١٠): هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.\nوضعفه ابن حجر في التمييز (٤/ ١٧٥٥) والتلخيص الحبير (٣/ ٣٥). وضعفه الألباني في المشكاة (٢٨٩٣)، وغاية المرام (٣٢٧)، وضعيف الجامع (٢٦٤٥)، وضعيف الترغيب (١١٠١).\n(^١) أخرجه ابن منده في التاسع من حديثه (١٢)، والإسماعيلى في المعجم (١٧١)، وتمام في الفوائد (١٣٢)، والسهمى في تاريخ جرجان (ص ٨٤ - ٨٥) و(ص ٣٩٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٥/ ٦١٤)، من حديث ابن مسعود. قال العراقي في تخريج الإحياء (ص ٥١٦): سنده ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٤١٦).","vol":"8","page":200},{"text":"الْمُؤمنِينَ نشتري بِأَمْوَالِنَا ونبيع فَقَالَ عمر - ﵁ - سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من احتكر على الْمُسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس فَقَالَ عِنْد ذَلِك فروخ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أعَاهد الله وأعاهدك أَن لا أَعُود فِي احتكار طَعَام أبدا فتحول إِلَى مصر وَأما مولى عمر فَقَالَ نشتري بِأَمْوَالِنَا ونبيع فَزعم أَبُو يحيى أَنه رأى مولى عمر مجذوما مشدوخا. رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ هَكَذَا وروى ابْن مَاجَه الْمَرْفُوع مِنْهُ فَقَط عَن يحيى بن حَكِيم حَدثنَا أَبُو بكر الْحَنَفِيّ حَدثنَا الْهَيْثَم بن رَافع حَدثنِي أَبُو يحيى الْمَكِّيّ وَهَذَا إِسْنَاد جيد مُتَّصِل وَرُوَاته ثِقَات وَقد أنكر على الْهَيْثَم رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث مَعَ كَونه ثِقَة وَالله أعلم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢١ (١٣٧) ومن طريقه المزى في تهذيب الكمال (٢٣/ ١٧١ - ١٧٢)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٢٦٥)، وابن المنذر في الأوسط (٧٩٨٤)، والبيهقى في دلائل النبوة (٦/ ٢٤٦) والشعب (١٣/ ٥١٣ - ٥١٤ رقم ١٠٧٠٥) والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٣٠٩) وقاضى المارستان في مشيخته (٧١٥) بتمامه، والطيالسى (٥٥)، والبخارى في التاريخ الكبير (٨/ ٢١٧)، وابن ماجه (٢١٥٥) مختصرًا.\nقال البوصيرى في مصباح الزجاجة (٣/ ١١): هذا إسناد صحيح رجاله موثقون أبو يحيى المكي وشيخه فروخ ذكرهما ابن حبان في الثقات والهيثم بن رافع وثقه ابن معين وأبو داود وأبو بكر الحنفي واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد احتج به الشيخان وشيخ ابن ماجه يحيى بن حكيم وثقه أبو داود والنسائي وغيرهما وهذا الحديث والذي قبله رواهما رزين في مسنده من حديث ابن عمر فجعلهما حديثا واحدا وكذلك رواه ابن الجوزي في المتناهية من طريق ابن يحيى وضعفه لجهالة أبي يحيى وفيه نظر فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما تقدم.\nوقال الحافظ في فتح البارى (٥/ ٢٥١): رواه ابن ماجه وإسناده حسن. وقال الذهبي في =","vol":"8","page":201},{"text":"قوله: وعن الهيثم بن رافع، الهيثم بن رافع الحنفي بصري ثقة ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث الواحد عند ابن ماجه.\nقوله: عن أبي يحيى المكي وأبو يحيى المذكور رجل من أهل مكة روى عن فروخ مولي عثمان بن عفان فروخ بفتح الفاء وبالخاء المعجمة وهو غير مصروف لكونه عجميًا علما والله أعلم وليس لفروخ بن عثمان في الكتب الستة سوى هذا الحديث ذكره ابن حبان في الثقات وتقدم الكلام على عثمان بن عفان - ﵁ -. (لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) (^١) وورد القابض في حديث أبي هريرة وأجمعت الأمة واتفق أهل الحق على إجرائها على العبد باعتبار بسطه وقبضه فهو مقبوض تارة ومبسوط آخرى ويقال فلان مبسوط اليد فالله يقبض ويبسط أي يعطي ويمنع وقال الحليمي (^٢): معنى الباسط الناشر فضله على عباده، والقابض يطوي بره ومعروفه عمن يريد وقيل القابض للأرواح بالموت الذي كتبه على العباد وقيل يقبض الصدقات ويبسط الجزاء عليها قال الحليمي والخطابي (^٣): ولا ينبغي أن يدعى ربنا ﷾ بالقابض حتى يقال معه الباسط وقيل معنى الباسط شرح القلوب للإيمان\n_________\n= ميزان الاعتدال (٤/ ٥٨٧): لا يعرف، والخبر منكر. وقال الألباني: ضعيف تخريج المختارة (٢٥١)، ضعيف الترغيب (١١٠٢) وقال: منكر، المشكاة (٢٨٩٥)، وضعيف الجامع (٥٣٥١).\n(^١) سورة الشورى، الآية: ٢٧.\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٠٣).\n(^٣) المنهاج (١/ ٢٠٣)، وشأن الدعاء (ص ٥٧ - ٥٨)، وسلاح المؤمن (ص ٢٦٠).","vol":"8","page":202},{"text":"(والهداية أو الرجاء والأنس والرزاق) هو الذي خلق الأرزاق ويعطي الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم والأرزاق نوعان ظاهرة للأبدان كالأقوات وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم (^١).\nقوله: أن طعاما ألقي على باب المسجد المراد بالطعام ما يقتات به قوله: يا أمير المؤمنين قد احتكر تقدم الكلام على الاحتكار مبسوطا في أول الباب في حديث معمر.\n\n٢٧٣٩ - وَعَن معَاذ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول بئس العَبْد المحتكر إِن أرخص الله الأسعار حزن وَإِن أغلاها فَرح وَفِي رِوَايَة إِن سمع برخص سَاءَهُ وَإِن سمع بغلاء فَرح ذكره رزين فِي جَامعه وَلم أره فِي شَيْء من الْأُصُول الَّتِي جمعهَا إِنَّمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيره بِإِسْنَاد واه (^٢).\nقوله: وعن معاذ تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"بئس العبد المحتكر إن أرخص الله الأسعار حزن وإن غلاها فرح\" الحديث بئس للذم ونعم للمدح وقد ذكر أبو الحسن علي بن مهدي الطبراني في كتاب المجالس أن النبي - ﷺ - قال: \"من تمنى الغلاء أمتي ليلة\n_________\n(^١) الأسنى (١/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الكبير ٢٠/ ٩٥ (١٨٦) ومسند الشاميين (١/ ٢٣٢ رقم ٤١٢)، وابن عدى في الكامل (٢/ ٣١٢)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٥١١ - ٤١٢ رقم ١٠٧٠٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٠١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه سليمان بن سلمة الخبائري، وهو متروك. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٥٦٧) وضعيف الترغيب (١١٠٣) وضعيف الجامع (٢٣٥١) وغاية المرام (٣٢٦).","vol":"8","page":203},{"text":"واحدة أحبط الله عمله أربعين سنة وفيه أن محتكر الطعام يحشر مع قتلة الأنبياء ﵈\" وقال الحسن: المحتكر ملعون ينقص من عقله ويزاد في وسوسته في صلاته فاحذروه ا. هـ.\n\n٢٧٤٠ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ أهل الْمَدَائِن هم الحبساء فِي سَبِيل الله فَلَا تحتكروا عَلَيْهِم الأقوات وَلَا تغلوا عَلَيْهِم الأسعار فَإِن من احتكر عَلَيْهِم طَعَاما أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ تصدق بِهِ لم تكن كَفَّارَة لَهُ ذكره رزين أَيْضا وَلم أَجِد (^١).\nقوله: وعن أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أهل المدائن هم الحبساء في سبيل الله فلا تحتكروا عليهم الأقوات ولا تغلوا عليهم الأسعار\" الحديث تقدم معنى الاحتكار وغلو الأسعار.\n\n٢٧٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَمَعْقِل بن يسَار - ﵄ - أَن رَسول الله - ﷺ - قَالَ يحْشر الحاكرون وقتلة الأنفس فِي دَرَجَة وَمن دخل فِي شَيْء من سعر الْمُسلمين يغليه عَلَيْهِم كَانَ حَقًا على الله أَن يعذبه فِي مُعظم النَّار يَوْم الْقِيَامَة ذكره رزين أَيْضا وَهُوَ مِمَّا انفرد بِهِ مهنأ بن يحيى عَن بَقِيَّة بن الْوَليد عَن سعيد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (٣٢١)، والطبرانى في الكبير (٨/ ٩٨ رقم ٧٤٨٧) ومسند الشاميين (٢/ ٤١١ رقم ١٦٠٣)، وابن بشران في الأمالى (٩٤٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٨/ ٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٨١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه حماد بن عبد الرحمن، وهو منكر الحديث مجهول. وضعفه في الضعيفة (٥٣٣٥)، وضعيف الترغيب (١١٠٤) وقال: منكر.","vol":"8","page":204},{"text":"بن عبد الْعَزِيز عَن مَكْحُول عَن أبي هُرَيْرَة وَفِي هَذَا الحَدِيث والحديثين قبله نَكَارَة ظَاهِرَة وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة ومعقل بن يسار تقدم الكلام على أبي هريرة والكلام الآن على معقل وهو معقل بن يسار (بن عبد الله بن صعير، وقيل: مغيرة بن حراق بن لؤي بن كعب بن عبد ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة، واسم طابخة: عمرو بن إلياس بن مضر المزني - يكنى أبا علي - ومزنية هي بنت كلب بن وبرة بن ثعلبة بن إلحاف من قضاعة، نسبوا إلى أمهم، بايع النبي ﵇ تحت الشجرة. روي له عن رسول الله ﵇ أربعة وثلاثون حديثا اتفقا على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، نزل البصرة، وله بها دار).\nقوله - ﷺ -: \"يحشر الحاكرون وقتلة الأنفس في درجة\" جمع حاكر والحاكر هو الذي يحتكر الأقوات.\nقوله: وهو مما انفرد به مهنأ بن يحيى عن بقية بن الوليد عن سعيد بن عبد\n_________\n(^١) أخرجه الطوسى في مختصر الأحكام (١١٧٠)، وابن عدى في الكامل (٢/ ٢٧١) عن أحمد بن محمد بن عبد الخالق، وابن عساكر من طريق المحاملى ثلاثتهم عن مهنأ بن يحيى، والنسفى في القند (١/ ٣٦٨) من رواية عبد الرزاق، كلاهما (مهنأ وعبد الرزاق) عن بقية، به. قال ابن عدى: وهذا لا أعلم رواه عن سعيد بن عَبد العزيز غير بقية، ولا عن بَقِيَة غير مهنى بن يَحيى. وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (٦/ ٢١٧): هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّ مَكْحُولا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٠٥): منكر، وقال في الضعيفة (٥٣٣٦): ضعيف.","vol":"8","page":205},{"text":"العزيز عن مكحول، مهنأ بن يحيى (الشامي السلمي أبو عبد الله، حدث عن بقية بن الوليد وسمرة بن ربيعة والإمام أحمد، روى عن ابن حمدان الوراق وإبراهيم النيسابوري وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وهو من كبار أصحاب أحمد وروى عنه من المسائل ما فخر به، وكتب عنه عبد الله مسائل كثيرة).\n\n٢٧٤٢ - وَعَن الْحسن قَالَ ثقل معقل بن يسَار فَأَتَاهُ عبد الله بن زِيَاد - ﵁ - يعودهُ فَقَالَ هَل تعلم يَا معقل أنِّي سفكت دَمًا حَرَامًا، قَالَ لا أعلم، قَالَ هَل علمت أنِّي دخلت فِي شَيْء من أسعار الْمُسلمين؟ قَالَ مَا علمت قَالَ أجلسوني ثمَّ قَالَ اسْمَع يَا عبد الله حَتَّى أحَدثك شَيْئا مَا سمعته من رَسُول الله - ﷺ - مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من دخل فِي شَيْء من أسعار الْمُسلمين ليغليه عَلَيْهِم كَانَ حَقًا على الله ﵎ أَن يقعده بِعظم من النَّار يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أَنْت سمعته من رَسُول الله - ﷺ - قَالَ نعم غير مرّة وَلا مرَّتَيْنِ.\nرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط إِلَّا أَنه قَالَ كَانَ حَقًا على الله ﵎ أَن يقذفه فِي مُعظم النَّار، وَالْحَاكم مُخْتَصرا وَلَفظه قَالَ من دخل فِي شَيْء من أسعار الْمُسلمين يغلي عَلَيْهِم كَانَ حَقًا على الله أَن يقذفه فِي جَهَنَّم رَأسه أَسْفَله، رَوَوْهُ كلهم عَن زيد بن مرّة عَن الْحسن وَقَالَ الْحَاكِم سَمعه مُعْتَمر بن سُلَيْمَان وَغَيره من زيد، قَالَ المملي الْحَافِظ وَمن زيد بن مرّة فرواته كلهم ثِقَات معروفون غَيره فَإِنِّي لَا أعرفهُ وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة وَالله أعلم بِحَالهِ (^١).\n_________\n(^١) لم يذكر المصنف تحته شرحًا. والحديث أخرجه الطيالسى (٩٧٠)، وأحمد ٥/ ٢٧ (٢٠٦٣٩)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٢١٨)، والرويانى (١٢٩٥) و(١٣٠٠)، =","vol":"8","page":206},{"text":"قوله: وعن الحسن قال: ثقل معقل بن يسار فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده (فَقَالَ هَل تعلم يَا معقل أَنِّي سفكت دَمًا حَرَامًا، قَالَ لَا أعلم، قَالَ هَل علمت أنَّي دخلت فِي شَيء من أسعار الْمُسلمين) الحديث.\n\n٢٧٤٣ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ احتكار الطَّعَام بمَكَّة إلحاد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة عبد الله بن المؤمل (^١).\nقوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"احتكار الطعام بمكة إلحاد\" الحديث الإلحاد الميل عن الصواب مشتق من اللحد وهو الحفرة المائلة عن الوسط والإلحاد ضربان إلى الشرك بالله تعالى والإلحاد إلى الشرك بالأسباب.\n_________\n= والدولابي في الكنى (١٨٣٤)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٢١٠ (٤٧٩) و(٤٨٠) و(٤٨١)، وفي الأوسط (٨/ ٢٨٥ رقم ٨٦٥١)، والحاكم ٢/ ١٢ - ١٣، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٤٩ - ٥٠ رقم ١١١٥٠) والشعب (١٣/ ٥١٠ - ٥١١ رقم ١٠٧٠١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٣١٢).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٠١: وفيه زيد بن مرة أبو المعلى، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٦٤٦) وضعيف الترغيب (١١٠٦) وغاية المرام (٣٢٨).\n(^١) أخرجه الفاكهى في أخبار مكة (١٧٧٣)، وابن المنذر في الأوسط (٧٩٨٦)، والطبرانى في الأوسط (٢/ ١٣٢ رقم ١٤٨٥)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٥١٤ - ٥١٥ ر قم ١٠٧٠٨).\nقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا ابن محيصن، تفرد به: عبد الله بن المؤمل. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٠١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن المؤمل؛ وثقه ابن حبان، وغيره، وضعفه جماعة. وقال الألباني في ضعيف الجامع (١١٠٧): منكر، وضعفه في ضعيف الجامع (١٨٣).","vol":"8","page":207},{"text":"فالأول: ينافي الإيمان ويبطله.\nوالثاني: يوهنه ولا يبطله (^١).\nتنبيه: أن من أقبح الاحتكار الاحتكار بمكة لشرف المكان وغلظ المعصية فيه لقوله: - ﷺ - \"احتكار الطعام بمكة إلحاد\" (^٢).\nقوله: من رواية عبد الله بن المؤمل.\n\n٢٧٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من احتكر حكرة يُرِيد أَن يغالي بهَا على الْمُسلمين فَهُوَ خاطئ وَقد بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله\" رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْغَسِيلِيِّ وَفِيه مقَال وَالله أعلم (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من احتكر حكرة يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطيء\" تقدم. أي عاص آثم وتقدم الكلام على الحكرة.\nقوله: من رواية إبراهيم بن إسحاق الغسيلي.\n_________\n(^١) الميسر (١/ ٧٧).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٣٢٧).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٢)، وعنه البيهقي في الكبرى (٦/ ٤٩ رقم ١١١٤٩).\nوقال الذهبي: فيه إبراهيم بن إسحاق كان يسرق الحديث. وضعفه في ضعيف الترغيب (١١٠٨) وضعيف الجامع (٥٣٤٩) وغاية المرام (٣٢٤). وأخرج أحمد الشطر الأول ٢/ ٣٥١ (٨٧٣٧)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٥٤) من طريق شريح. حدثنا أبو معشر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة عن أبي هريرة به مرفوعًا.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٠١: رواه أحمد، وفيه أبو معشر، وهو ضعيف، وقد وثق. وحسنه اللباني في الصحيحة (٣٣٦٢).","vol":"8","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>[ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب ومن الحلف وإن كانوا صادقين]</span>\n٢٧٤٥ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ التَّاجِر الصدوق الْأمين مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\nوَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن ابْن عمر وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - التَّاجِر الْأمين الصدوق الْمُسلم مَعَ الشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد تقدم الكلام عليه التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ومنه الأجر الذي يعيطه الله تعالى للعبد (عِوَضًا عَنِ) الأعمال الصالحة قال: الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٣) الآية وقال: تعالى: (تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (^٤) وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (٩٦٦)، والدارمى (٢٧٣٥)، والترمذي (١٢٠٩)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٥١)، والدارقطنى في السنن (٢٨١٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٣٧). وصححه الألباني في الترغيب (١٧٨٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في السنن (٢١٣٩)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٢١٥)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٣٠)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٤٣ رقم ٧٣٩٤)، والدارقطني في السنن (٢٨١٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٣٧ رقم ١٠٤١٦) والآداب (١/ ٣١٧ رقم ٧٨٥) والشعب (٢/ ٤٣٧ رقم ١١٧٥) و(٦/ ٤٨٩ رقم ٤٥١٤). وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (٣٤٥٣) وصحيح الترغيب (١٧٨٣).\n(^٣) سورة الصف، الآية: ١٠.\n(^٤) سورة فاطر، الآية: ٢٩.","vol":"8","page":209},{"text":"اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^١) الآية فسمى ذلك كله بيعا وشراء على جهة المجاز تشبيها بعقود الأثرية والبياعات التي تحصل بها الأعواض قال الغزالي في أول كتاب أحكام الكسب من الإحياء (^٢): الدنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها والناس ثلاثة رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين ورجل شغله معداه عن معاشه فهو من الفائزين والأقرب إلى الإعتدال هم الثالث الذي شغله معاشه لمعاده فهو من المقتصدين ولن ينال رتبة (الاقتصاد من لم يلازم في طلب المعيشة منهج السداد).\nفرع: يستحب للتاجر أن لا تشغله تجارته عن أداء الفرائض فإذا جاء وقت الصلاة ينبغي له أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٣) قيل هم الذين تركوا التجارة واشتغلوا بالعبادة مثل أصحاب الصفة من كان مثل حالهم، وقال بعضهم: هم الذين يتجرون ولا تشغلهم تجارتهم عن الصلاة لميقاتها وروي عن الحسن البصري أنه قال: كانوا يتجرون ولا تلهيهم تجارتهم عن ذكر الله (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وروي عن ابن مسعود: \"أنه رأى قوما من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا بياعاتهم، وقاموا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء من الذين\" لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قاله أبو الليث السمرقندى) دخل\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١١.\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٦٠ - ٦١).\n(^٣) سورة النور، الآية: ٣٧.","vol":"8","page":210},{"text":"في كلامه كلا الفريقين وهي محتملة (وروي عن الحسن البصري أنه قال: كانوا يتجرون ولا تلهيهم تجارة عن ذكر الله وعن الصلاة فقد دخل في الآية كلا الفريقين، والله أعلم (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء\".\nقال في لطائف المنن لابن عطاء الله: بأي طريق يحشر مع النبيين وبأي طريق يحشر مع الصديقين وبأي طريق يحشر مع الشهداء الحديث يحشر مع النبيين فإن الأنبياء شأنهم أداء الأمانة وبذل النصيحة فيحشر مع الأنبياء بهذا الوصف وهذا التاجر أدى الأمانة وبذل النصيحة ويحشر مع الصديقين، لأن الصديق شأنه الصفاء في الظاهر والباطن قد استوى ظاهره وباطنه والتاجر الصدوق وكذلك فيحشر مع الصديقين بهذا الوصف ويحشر مع الشهداء فإن الشهيد مع الصالحين فإن الصالح شأنه أخذ الحلال وترك الحرام فيحشر مع الصالحين بهذا الوصف (^٢) أ. هـ.\nوفي الحديث: أن الله يحب التاجر النجيب أي الفاضل الكريم السخي والنجيب جمعه النجباء وأنجاب، وقال ابن مسعود: سورة الأنعام من نجائب القرآن أي من أفاضل سورة (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٥٠ - ٣٥١).\n(^٢) لطائف المنن (ص ١٤٩).\n(^٣) النهاية (٥/ ١٧).","vol":"8","page":211},{"text":"٢٧٤٦ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - التَّاجِر الصدوق تَحت ظلّ الْعَرْش يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيره (^١).\nقوله: وروى عن أنس تقدم الكلام عليه قوله - ﷺ -: \"التاجر الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة\" تقدم الكلام عليه.\n\n٢٧٤٧ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن التَّاجِر إِذا كَانَ فِيهِ أَربع خِصَال طَابَ كَسبه إِذا اشْترى لم يذم وَإِذا بَاعَ لم يمدح وَلم يُدَلس فِي البيع وَلم يحلف فِيمَا بَين ذَلِك رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا وَهُوَ غَرِيب جدا (^٢).\nوَرَوَاهُ أَيْضا هُوَ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث معَاذ بن جبل وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن أطيب الْكسْب كسب التُّجَّار الَّذين إِذا حدثوا لم يكذبوا وَإِذا ائتمنوا لم يخونوا وَإِذا وعدوا لم يخلفوا وَإِذا اشْتَروا لم يذموا وَإِذا باعوا لم يمدحوا وَإِذا كَانَ عَلَيْهِم لم يمطلوا وَإِذا كَانَ لَهُم لم يعسروا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٧٩٤) والديلمى في الغرائب الملتقطة (١٢٨٥) وابن حجر في الأمالى المطلقة (ص ١٠٩) من طريق محمد بن عمر أبى حفص الضرير، ثنا يحيى بن شبيب، ثنا حميد، عن أنس. وقال ابن حجر: هذا حديث غريب، تفرد به يحيى بن شبيب، وهو منكر الحديث، متهم عند الأئمة. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب والترهيب (١١٠٩) والضعيفة (٢٤٠٥) وضعيف الجامع (٢٥٠٢).\n(^٢) أخرجه ابن منده في مجلس من أماليه (٢٤٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٧٩٧) من طريق أبي رجاء الهروي واسمه عبد الله بن واقد، عن خصيف الجزري، عن أبي غالب، عن أبي أمامة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١١٠) والضعيفة (٦٨٥٩).\n(^٣) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٦٨٩)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٠٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٧٩٦)، والبيهقى في الآداب (ص ٣١٨ رقم ٧٨٧) =","vol":"8","page":212},{"text":"قوله: وروي عن أبي أمامة تقدم الكلام عليه قوله - ﷺ -: \"أن أطيب المكسب كسب التجار\" التجار بكسر التاء وتخفيف الجيم ويجوز بضم التاء وتشديد الجيم لغتان جمع تاجر ويقال أيضا تجر كصاحبه وصحب وورد في الحديث \"عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق\" (^١) رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث بإسناد جيد وفي آثر آخر الأسواق موائد الله فمن أتاها أصاب منها رواه صاحب الطيوريات من قول الحسن البصري (^٢) وسأل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أو المتفرغ للعبادة فقال: التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق\n_________\n= والشعب (٦/ ٤٨٨ - ٤٨٩ رقم ٤٥١٣). وقال أبو حاتم في العلل (١١٥١): هذا حديث باطل، ولم يضبط أبو تقي، عن بقية، وكان بقية لا يذكر الخبر في مثل هذا.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٢٤٠٤) وضعيف الترغيب (١١١١) وضعيف الجامع (٩١٧ و١٣٩٠).\n(^١) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (٢/ ٥٢)، ومسدد كما في إتحاف الخيرة (٣/ ٢٧٥) والمطالب العالية (١٤٣٤)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٢١٣) عن نعيم بن عبد الرحمن مرسلا.\nقال العراقى في تخريج الإحياء (١/ ٥٠٤): رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث من حديث نعيم بن عبد الرحمن \"تسعة أعشار الرزق في التجارة\" ورجاله ثقات، ونعيم هذا قال فيه ابن منده: ذكر في الصحابة ولا يصح. وقال أبو حاتم الرازي وابن حبان: إنه تابعي فالحديث مرسل. قال البوصيرى: هذا إسناد ضعيف، لجهالة نعيم بن عبد الرحمن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٤٠٢) وضعيف الجامع (٢٤٣٤).\n(^٢) الطيوريات (٨٢٥).","vol":"8","page":213},{"text":"المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده ويخالفه وكان الحسن البصري يرى أن العابد أفضل قال: وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم (^١).\nقال: فإن قيل ورد أن النبي - ﷺ - قال: \"ما أوحي إلي أن اجمع المال وكن من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين\" (^٢) رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن مسعود بإسناد فيه لين وقيل لسليمان الفارسي أوصنا قال: من استطاع منكم [أن يموت] حاجا أو غازيا أو عامرا لمسجد ربه فليفعل ولا تموتن تاجرا ولا جابيا (^٣).\n_________\n(^١) قوت القلوب (٢/ ٤٣١) والإحياء (٢/ ٦٢ - ٦٣).\n(^٢) أخرجه السهمى في تاريخ جرجان (ص ٣٤٣) أخبرنا أبو أحمد الحافظ الجرجاني حدثنا أحمد بن حفص السعدي حدثنا محمد بن سليمان بن وردان الجرجاني حدثنا سعد بن سعيد الجرجاني عن أبي طيبة عن كرز بن وبرة الحارثي عن الربيع بن خثيم عن عبد الله بن مسعود. قال العراقى في تخريج الإحياء (١/ ٥٠٥): رواه ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعود بسند فيه لين. وأخرجه أحمد في الزهد (٢٣٦١) حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن عياش، حدثني شرحبيل بن مسلم، عن جبير بن نفير، عن أبي مسلم الخولاني مرسلا.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢١٥) عن حماد بن سلمة، عن جبلة بن عطية، عن رجاء بن حيوة، أن سلمان، قال له أصحابه: أوصنا. قال: \"من استطاع منكم أن يموت حاجا، أو معتمرا، أو غازيا، أو في نقل الغزاة فليفعل، ولا يموتن تاجرا، ولا جابيا\". قلت هو مرسل يروي عن معاذ وأبي الدرداء وهو مرسل.","vol":"8","page":214},{"text":"فالجواب: أن وجه الجمع بين هذه الأخبار تفضيل الأحوال فلسنا نقول التجارة أفضل مطلقا ولا التخلي عن العبادة أفضل مطلقا ولكن التجارة إما أن يطلب بها الكفاية أو الثروة والزيادة على الكفاية فإن طلب منها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال وإدخاره لا للصرف إلى الخيرات والصدقات فهي مذمة لأنه إقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة فإن كان مع ذلك جابيا فهو ظلم وفسق وهذا ما أراده سلمان الفارسي - ﵁ - لا تمت تاجرا ولا جابيا فأراد بالتاجر طلب الزيادة فأما إذا طلب بالتجارة الكفاية لنفسه وأولاده وكان يقدر على كفايتهم بالسؤال أو غير فالتجارة تعففا عن السؤال وغيره أفضل وعلى التحقيق الكسب أفضل إلا لأربعة عابد مشتغل بالعبادة البدنية وصاحب سر له (سير بالباطن وعمل) بالقلب في علوم الأحوال والمكاشفات وعالم مشتغل بتربية على الظاهر ينتفع الناس به في دينهم كالمفسر والمفتي والمحدث وأمثالهم وهو مشتغل بمصالح المسلمين وسياستيهم كالسلطان والقاضي والشاهد وغيرهم فهؤلاء يكفون مؤنتهم من الأموال المرصدة للمصالح ومن الأوقاف المسبلة على الفقراء والعلماء باقيا لهم على ما هم فيه أفضل من الكسب وبهذا أوحى الله إلى رسوله - ﷺ - \"سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين\" ولم يوح إليه أن يكون من التاجرين وكان - ﷺ - جامعا لهذه المعاني كلها إلى زيادات عليها لا يحيط بها الوصف ولا يدركها سواة ولهذا أشار الصحابة على أبي بكر بترك المعيشة والتجارة لما ولي الخلافة إذا كان ذلك يشغله","vol":"8","page":215},{"text":"عن المصالح فكان يأخذ كفايته من مال المال الصالح ورءا ذلك أولى ثم لما توفي أوصى برده إلى بيت المال ولكنه رءاه في الإبتداء أولى ولهؤلاء الأربعة حالتان أخريان أحدهما أن تكون كفايتهم عند ترك الكسب من الناس وما يتصدق به وعليهم من زكاة أو صدقة من غي حاجة إلى سؤال فترك الكسب والاشتغال بما هم فيه أولى إذا فيه إعانة على الخيرات وقبول منهم لما هو حق عليهم أو فضل لهم (^١) انتهى قاله في الديباجة.\n\n٢٧٤٨ - وَعَن حَكِيم بن حزَام - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: \"البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم تتَفَرَّقَا فَإِن صدق البيعان وَبينا بورك لَهما فِي بيعهمَا وَإِن كتما وكلذبا فَعَسَى أَن يربحا ربحا ويمحقا بركَة بيعهمَا الْيَمين الْفَاجِرَة منفقة للسلعة ممحقة للكسب\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: عن حكيم (^٣) بن حزام تقدم الكلام على على مناقبه.\n_________\n(^١) الإحياء (٢/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٠٢ (١٥٥٤٧) و٣/ ٤٣٤ (١٥٥٥٦)، والدارمى في السنن (٢٧٤٣ و٢٧٤٤)، والبخارى (٢٠٧٩) و(٢٠٨٢) و(٢١٠٨) و(٢١١٠) و(٢١١٤)، ومسلم (٤٧ - ١٥٣٢)، وأبو داود (٣٤٥٩)، والترمذى (١٢٤٦)، والنسائى في المجتبى ٧/ ١٨٤ (٤٤٩٨) و٧/ ١٨٨ (٤٥٠٥)، والكبرى (٦٠٠٦) و(٦٠١٣) و(١١٦٦٦) - وصححه الألباني في الإرواء (١٢٨١) والسراج المنير (٢٥٢٩) وصحيح الترغيب (١٧٨٤).\n(^٣) في الأصل حبيب بن حرام وهو خطأ من الناسخ.","vol":"8","page":216},{"text":"قوله - ﷺ -: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدق البيعان بورك لهما في بيعهما\" البيعان بتشديد الياء كذا في بعض الروايات وفي أكثر الروايات المتبايعان بالخيار كلاهما في الصحيحين ولم [يرد] في شيء من طرقه البائعان وإن كان استعمال لفظ البائع أغلب وقد استعمل في اللغة الأمران، وفي الحديث الآخر \"إذا تبايع الرجلان فكل منهما بالخيار\" قال النووي ﵀: هذه الأحاديث تدل على ثبوت خيار المجلس لكل المتبايعين بعد انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما فإذا تفرقا بأبدانهما انقطع هذا الخيار ولزم البيع وبهذا قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وممن قال: به من الصحابة علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو هريرة ومن التابعين الزهري والأوزاعي والشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق والبخاري وسائر المحدثين وآخرون، وقال مالك وأصحابهما: لا يثبت خيار المجلس وقالوا: أنه يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول وهذه الأحاديث الصحيحة ترد على هؤلاء وليس لهم عنها جواب صحيح فالصواب ثبوته كما قال الجمهور (^١).\nتنبيه: الخيار اسم من الاختيار وهو طلب خير الأمرين إما إمضاء البيع أو فسخه وهو على ثلاثة أضرب خيار المجلس وخيار الشرط وخيار النقيصة أما خيار المجلس فالأصل فيه قوله \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\" إلا بيع الخيار أي إلا بيعا شرط فيه الخيار فلا يلزم بالتفرق وقيل معناه إلا بيعا\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١٠/ ١٧٣).","vol":"8","page":217},{"text":"شرط فيه خيار المجلس فيلزم بنفسه عند وقوع وأما خيار الشرط فلا تزيد مدته على ثلاثة أيام عند الشافعي أولها من حال العقد أو من حال التفرق وأما خيار النقيصة فإن يظهر بالمبيع عيب يوجب الرد أو يلتزم البائع فيه شرطا لم يكن فيه ونحو ذلك ا. هـ قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"ما لم يتفرقا\" كذا أكثر الروايات وفي بعضها \"ما لم يفترقا\" بتقديم الفاء على التاء وبالتخفيف وهو عند النسائي من غير وجه وكذا هو عند مسلم من حديث حكيم بن حزام اختلف الناس في التفرق والذي يصح ويلزم البيع بوجوبه فقيل هو التفرق وبالأبدان وذهب معظم الأئمة الفقهاء من الصحابة والتابعين وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وقال أبو حنيفة ومالك وغيرهما: إذا تعاقد قد أصح البيع وإن لم يتفرقا وظاهر الحديث يشهد للأول فإن رواية ابن عمر وفي تمامه أنه كان إذا بايع رجلا فأراد أن يتم البيع مشى خطوات حتى يفارقه وإذا لم يجعل التفرق شرطا في الانعقاد لك يكن لذكره فائدة فإن يعلم أن المشترى ما لم يوجد منه قبول البيع فهو بالخيار (^٢) ا. هـ.\nتنبيه: وإذا ثبت الخيار امتد إلى إحدى ثلاث غايات الأولى أن يتفرقا بأنفسهما مختارين (فإذَا أُكْرِهَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ فَحُمِلَ) كرها أو أحدهما لم يبطل خياره ويعتبر في التفرق العرف فلو تبايعا في (دَارٍ صَغِيرَةٍ فَالتَّفَرُّقُ أَنْ يَخْرُجَ) أحدهما أو يرقى على السطح أو يفارق صاحبه\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٩١ - ٩٢).\n(^٢) طرح التثريب (٦/ ١٤٨).","vol":"8","page":218},{"text":"بحيث لا يعد مجتمعا معه وكذلك لو كان في سفينة صغيرة فإن كانت الدار كبيرة حصل التفرق بأن يخرج أحدهما من البيت إلى الصحن ومن الصحن إلى البيت أو صفة وإن كانا في في صحراء أو سوق فإذا ولى أحدهما ظهره ومشى قليلا حصل التفرق وعلى الصحيح وقال الأصطخري: يشترط أن يبعد عن صاحبه بحيث لو كلمه (عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ) الصوت لم يسمع كلامه ولا يحصل التفرق بأن يرخي ستر بينهما أو يشق نهر ولو بنى بينهما جدار لم يحصل التفرق على الأصح وصحن الدار والبيت إذا (تفاحش اتساعهما كالصحراء فيحصل التفرق فيه بما ذكرناه والله أعلم) لو ماتا في المجلس أو أحدهما لم ينقطع الخيار بل ينتقل للوارث.\nالغاية الثانية: التخاير بأن يقولا اخترنا امضاء البيع أو أمضينا أو أجزناه أو ألزمنا فلو (فلو قال أحدهما: اخترت إمضاءه) انقطع خياره وبقي خيار الآخر كما لو اسقط أحدهما خيار الشرط يسقط خياره فلو قال أحدهما لصاحبه: اختر فقال اخترت انقطع خيارهما وإن (سكت لم) ينقطع خياره وينقطع خيار الآخر على الأصح لأنه دليل على الرضى لو أجاز واحد وفسخ آخر قدم الفسخ (^١) ا. هـ.\nفرع: ألحق الأصحاب بالبيع ما في معناه كالصرف وبيع الطعام والسلم والتولية والتشريك وصلح المعاوضة فيثبت في ذلك كله خيار المجلس (^٢) ا. هـ.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٦/ ١٥٥ - ١٥٧).\n(^٢) روضة الطالبين (٣/ ٤٣٥).","vol":"8","page":219},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فإن صدق البيعان وبينا بورك لهام في بيعهما\" أي بين كل واحد منهما لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن وصدق في ذلك وفي الأخبار بالثمن وما يتعلق بالعوضين (^١).\nقوله - ﷺ - \"وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعهما\" الحديث والمحق النقصان ومعنى محقت بركة بيعهما أي ذهبت بركته وهي زيادته ونماؤه (^٢) والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب\" المنفقة الممحقة بفتح أولهما وثالثهما وإسكان ثانيهما على وزن مفعلة وهذا البناء موضوع المبالغة كما يقال للولد مجبنة مبخلة والمحدثون يقولون منفقة ممحقة بالتشديد فيهما والوجه الأول ذكره صاحب المفهم (^٣) ومعناه أنه مظنة لنفاقها وموضوع له من قولهم نفق المبيع بالفتح المبيع بالضم إذا أكثر المشترون له والرغبات فيه والنفاق وضده الكساه وفيه النهي عن كثرة الحلف من غير حاجة مكروه وينضم الله ترويج السلعة وربما اغتر المشترى ا. هـ.\n\n٢٧٤٩ - وَعَن إِسْمَاعِيل بن عبيد بن رِفَاعَة عَن أَبِيه عَن جده - ﵁ - أَنه خرج\nمَعَ رَسُول الله - ﷺ - إِلَى الْمصلى فَرَأى النَّاس يتبايعون فَقَالَ يَا معشر التُّجَّار\nفاستجابوا لرَسُول الله - ﷺ - وَرفعُوا أَعْنَاقهم وأبصارهم إِلَيْهِ فَقَالَ إِن التُّجَّار\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٧٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٧٦).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٤/ ١٣٧).","vol":"8","page":220},{"text":"يبعثون يَوْم الْقِيَامَة فجارا إِلَّا من اتَّقى الله وبر وَصدق رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده [إسماعيل بن عبيد بن رفاعة العجلاني، تفرد بالرواية عنه ابن خثيم، لكن صحح حديثه الترمذي، وابن حبان، والحاكم].\nقوله - ﷺ -: \"إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا\" والفجار جمع فاجر وهو المنبعث في المعاصي والمحارم سماهم فجارا لما في البيع والشراء من الأيمان الكاذبة والعبر والتدليس والربا الذي لا يتحاشاه أحدهم أو لا يفطنون له ولهذا قال في تمام الحديث إلا من اتقى الله وبر وصدق وجمع التاجر تجار بالضم والتشديد وتجار بالكسر والتخفيف ومنه حديث أبي ذر كنا نتحدث أن التاجر فاجر قاله في النهاية.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٩٩٩) ومن طريقه الطبرانى في الكبير (٥/ ٤٧ رقم ٤٥٣٩)، وابن ماجه (٢١٤٦)، والترمذي (١٢٥٣)، وابن حبان (٤٩١٠)، والطبرانى في الكبير (٥/ ٤٤ رقم ٤٥٤٢ و٤٥٤٣)، والحاكم (٢/ ٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٤)، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٤٣٦ رقم ١٠٤١٤) والشعب (٦/ ٤٨٥ رقم ٤٥٠٨). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح.\nوصححه الألباني في الصحيحة (٩٩٤)، وصحيح الترغيب (١٧٨٥)، وقال في طريق ابن ماجه ضعيف، المشكاة (٢٧٩٩)، غاية المرام (١٣٨)، ضعيف الجامع الصغير (٦٤٠٥).","vol":"8","page":221},{"text":"٢٧٥٠ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن التُّجَّار هم الْفجار قَالُوا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ قد أحل الله البيع قَالَ بلَى وَلَكنهُمْ يحلفُونَ فيأثمون ويحدثون فيكذبون رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن عبد الرحمن بن شبل (^٢) (بكسر الشين المعجمة وسكون\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٤٤٤) وعنه أحمد في المسند ٦/ ٤٤٤ (١٥٧٧٠) وعبد بن حميد (٣١٤)، وأحمد في المسند ٣/ ٤٢٨ (١٥٧٧٠)، والطبرى في تهذيب الآثار (٩٧) و(٩٨)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٠٧٧)، والحاكم (٢/ ٦ - ٧)، والبيهقى في الشعب (٦/ ٤٨٣ رقم ٤٥٠٥)، من طرق، عن هشام، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد الحبرانى، عن عبد الرحمن بن شبل.\nوالطبرى في تهذيب الآثار (مسند علي) برقم (١٠٠)، والبيهقي في السنن (٥/ ٤٣٧ رقم ١٠٤١٥)، وفي الشعب (٦/ ٤٨٢ رقم ٤٥٠٣) من طريق علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده به. وعفان في أحاديثه (١٧١)، وعنه أحمد في المسند ٣/ ٤٤٤ (١٥٩٠٩) من طريق أبان، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٣٣٢)، من طريق علي بن المبارك، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل.\nقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقد ذكر هشام بن أبي عبد الله سماع يحيى بن أبي كثير من أبي راشد. وهشام ثقةٌ مأمون، وأدخل أبان بن يزيد العطار بينهما زيد بن سلّام، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٦٦) والسراج المنير (٢٤١٩) وصحيح الترغيب (١٧٨٦)، وصحيح الجامع (١٥٩٤).\n(^٢) طبقات ابن سعد: ٤/ ٣٧٤ و٧/ ٤٠٢، وطبقات خليفة: ٨٦، ٣٠٤، وتاريخ البخاري الكبير: ٥/ الترجمة ٨٠١، والمعرفة والتاريخ: ١/ ٢٩١ و٢/ ٣١٨، ٤٤٧، والجرح والتعديل: ٥/ الترجمة ١١٥٥، وثقات ابن حبان: ٣/ ٢٥١، والاستيعاب: ٢/ ٨٣٦، وأسد الغابة: ٣/ ٣٠٠، والكاشف: ٢/ الترجمة ٣٢٥٥، وتجريد أسماء الصحابة: ١/ =","vol":"8","page":222},{"text":"الموحدة، ابن عمرو بن زيد الأنصاري، الأوسي، المدني، أحد النقباء، نزيل حمص، مات أيام معاوية).\nقوله - ﷺ -: \"إن التجار هم الفجار\" تقدم.\n\n٢٧٥١ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِنَّمَا الْحلف حنث أَو نَدم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن ابن عمر تقدم. قوله: \"إنما الحلف حنث أو ندم\" يقال: الحلف بكسر اللام وإسكانها وممن ذكر الإسكان ابن السكيت (^٢) في أول إصلاح المنطق الحلف هو اليمين حلف يحلف حلفا (وأصلها) العقد بالعزم والنية قال (الميدانى) في الأمثال (^٣): اليمين حنث أو ندم أي إن كانت صادقة ندم وإن كانت كاذبة حنث يضرب للمكروه من وجهين.\n_________\n= الترجمة ٣٧٠١، وتهذيب التهذيب: ٦/ ١٩٣، والإصابة: ٢/ الترجمة ٥١٣١، والتقريب: ١/ ٤٨٣، وخلاصة الخزرجي: ٢/ الترجمة ٤١٢١.\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ١١٥ (١٢٦١٥) و٤/ ٤٦٨ (٢٢٢٠٠)، وابن ماجه (٢١٠٣)، وأبو يعلى (٥٥٨٧) و(٥٦٩٧)، وابن حبان (٤٣٥٦)، والطبرانى في الأوسط (٨/ ٢١٠ رقم ٨٤٢٥) والصغير (٢/ ٢٣٢ رقم ١٠٨٣) والحاكم ٤/ ٣٠٣، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٥٤ رقم ١٩٨٣٩). قال الدارقطني في العلل (٣١٠٣): يرويه بشار بن كدام السلمي، عن محمد بن زيد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ - ﷺ -. حدث به عنه: أبو معاوية، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه، مرفوعا. ورواه عاصم بن محمد العمري، عن أبيه، عن ابن عمر، من قوله. وقيل: عن عاصم، عن أبيه، عن عمر، قوله. والموقوف أصح. وضعفه الألباني في الروض (٥٠٥) وضعيف الترغيب (١١٥٥) وضعيف الجامع (٢٧٨٨).\n(^٢) إصلاح المنطق (ص ١٧ - ١٨) وفيه قال: والحَلْفُ: مصدر حَلَفْتُ أحلِفُ حَلْفًا.\n(^٣) مجمع الأمثال (٢/ ٤٢١) للميداني.","vol":"8","page":223},{"text":"٢٧٥٢ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ ثَلَاثة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم قَالَ فقرأها رَسُول الله - ﷺ - ثَلاث مَرَّات فَقلت خابوا وخسروا وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ المسبل والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ المسبل إزَاره والمنان عطاءه والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب (^١).\nقوله: وعن أبي ذر تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم\" الحديث قال النووي (^٢): هو على لفظ الآية الكريمة ومعنى لا ينظر إليهم أي يعرض عنهم ونظره سبحانه تعالى لعبادة رحمته لطفه بهم قوله: ولا يزكيهم أي لا يطهر لهم من دنس ذنوبهم أي لا يغفرها لهم وقال الزجاج وغيره: معناه لا يثني عليهم ومن لا يثني عليه عذبه وقال ابن عباس: لا يزكي أعمالهم الخبيثة قوله: \"ولهم عذاب أليم\" أي مولم موجع قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه قال: والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه واصل العذاب في كلام العرب من العذب وهو المنع يقال: عذبته عذبا إذا منعته وسمي الماء عذبا لأنه يمنع العطش وسمي العذاب عذابا لأنه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧١ - ١٠٦)، وابن ماجه (٢٢٠٨)، وأبو داود (٤٠٨٧)، والترمذى (١٢١١)، والنسائى في المجتبى ٤/ ٥٦٣ (٢٥٨٢) و٧/ ١٨٤ (٤٤٩٩). وصححه الألباني في غاية المرام (١٧٠) صحيح، ابن ماجه (٢٢٠٨)، صحيح الترغيب والترهيب (٢٠٣٤)، والإرواء (٩٠٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"8","page":224},{"text":"يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه ويمنع غيره من مثل فعله.\nتنبيه: ﵀ وقع في معظم الأصول في الرواية عن أبي ذر وهو صحيح على معنى ثلاث لا يكلمهم الله بحذف الهاء وكذلك وقع في بعض الأصول في الرواية عن أبي ذر وهو صحيح على معنى ثلاث أنفس وجاء الضمير في يكلمهم مذكرا على المعنى (^١).\nقوله: فقلت \"خابوا وخسروا\" ومن هم يا رسول قال: \"المسبل إزاره والمنان عطاءه\" ومعنى المسبل إزاره المرخى له الجار طرفه خيلا والخيلاء الكبر يعني هو الذي يرسل ثوبه إذا مشى كبرا واختيالا والمنان عطاءه هو الذي لا يعطي شيئا إلا من به على المعطي ولا شك أن الاعتداء بالعطاء مبطل لأجر الصدقة ويؤذي المعطي قال الله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (^٢) وإنما كان المن كذلك لأنه لا يكون غالبا إلا عن البخل والعجب ا. هـ، وقيل من المن الذي هو النقص من الحق والبخس قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (^٣) أي منقوص (^٤) في جمل الغرائب (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"والمنفق سلعته بالحلف\" تقدم الكلام على الحلف أنه بكسر اللام وسكونها.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.\n(^٣) سورة القلم، الآية: ٣.\n(^٤) انظر شرح السنة (٨/ ٢٨) وشرح المشكاة (٥/ ١٥٢٩ و٧/ ٢١١٧).\n(^٥) لم أجده في المطبوع.","vol":"8","page":225},{"text":"قوله: \"والمنفق سلعته\" بفتح النون وكسر الفاء المشددة وكذلك قاله في النهاية (^١) فإنه بالتشديد من النفاق وهو ضد الكساد وهو في حال التشديد يتعدى للمفعول ومفعوله هو سلعته وقد وصف الحلف وهي مؤنثة بالكاذب وهو وصف (مذكر) وكأنه ذهب بالحلف مذهب القول ومذهب المصدر وهو مثل قولهم أتاني (كتابى فمزقتها) ذهب بالكتاب مذهب الصحيفة (^٢) انتهى والسلعة المتاع وأما معنى المنفق سلعته فالمنفق المروج.\n\n٢٧٥٣ - وَعَن سلمَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة لا ينظر اللّه إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة أشيمط زَان وعائل مستكبر وَرجل جعل اللّه بضاعته لا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلا يَبِيع إِلَا بِيَمِينِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي الصَّغِير والأوسط إِلَا أَنه قَالَ فيهمَا ثَلَاثَة لا يكلمهم اللّه وَلا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم فَذكره وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٢) المفهم (٢/ ٧٢).\n(^٣) أخرجه البزار (٢٥٢٩)، والطبرانى في الصغير (٢/ ٨٢ رقم ٨٢١) والكبير (٦/ ٢٤٦ رقم ٦١١١)، والأوسط (٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨ رقم ٥٥٧٧)، وأبو علي الصواف في الثالث من فوائده (١١٣)، والبيهقى في الشعب (٦/ ٤٨٧ رقم ٤٥١١). ولفظه عند البزار: ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْإِمَامُ الْكَذَّابُ، وَالْعَائِلُ الْمَزْهُوُّ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٨: رواه الطبراني في الثلاثة إلا أنه قال في الصغير والأوسط: \"ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم\". فذكره، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٦١) وصحيح الترغيب (١٧٨٨).","vol":"8","page":226},{"text":"أشيمط مصغر أشمط وَهُوَ من ابيض بعض شعر رَأسه كبرا وَاخْتَلَطَ بأسوده. والعائل الْفَقِير.\nقوله: وعن سلمان تقدم الكلام على سلمان الفارسي.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ينظر اللّه إليه يوم القيامة\" لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم وتقدم معنى نظرة ﷾.\nقوله: \"أشيمط زان\" مصغر شمط وهو من أبيض بعض شعر رأسه كبرا واختلط بأسوده ذكره المنذري.\nقوله: \"وعائل\" والعائل الفقير.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل جعل اللّه بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه\" (جعل كثرة الحلف باللّه بضاعته يبيع فيها ويشتري لملازمته له وغلبته عليه).\nقوله: في رواية الطبراني في الأوسط \"ثلاثة لا يكلمهم اللّه ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم\" قيل معنى لا يكلمهم تكليم أهل الخير وبإظهار الرضى بل بكلام أهل السخط والغضب أي بالتقريع والتوبيخ وبمثل.\nقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (^١) وقيل عبر بترك الكلام عن الغضب لأن الغضب يلازمه ترك الكلام ا. هـ، وقيل المراد الإعراض عنهم وقال: جمهور المفسرين: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، وقيل لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية، وقيل لا يحيهم كما يحي الصالحين.\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨.","vol":"8","page":227},{"text":"قوله: \"ولا يزكيهم\" تقدم معناه قريبًا.\nقوله: \"ولهم عذاب أليم\" أي مؤلم وتقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\n\n٢٧٥٤ - وَرُوِيَ عَن عصمَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثَة لا ينظر اللّه إِلَيْهِم غَدا شيخ زَان وَرجل اتخذ الأَيْمَان بضاعته يحلف فِي كل حق وباطل وفقير مختال مزهو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nمزهو أَي متكبر معجب فخور.\nقوله: وروي عن عصمة (^٢) ﵀ (عصمة بن مالك الأنصاري الخطمي قاله أبو نعيم وأبو عُمر، إلا أن أبا عمر لم ينسبه، ونسبه أبو نعيم، فقال عصمة بن مالك بن أمية بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، ونسبه ابن منده مثله، إلا أنه قال الخثعمي: روى عنه عبد اللّه بن موهب، قول ابن منده إنه خثعمي، وهم منه).\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم غدا\" تقدم معنى لا ينظر اللّه إليهم قريبا في الباب.\nقوله: شيخ زان ورجل اتخذ الأيمان بضاعته وفقير مختال مزهو الحديث المختال بضم الميم والخاء المعجمة والتاء المثناة فوق يقال ختله وخاتله\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الكبير (١٧/ ١٨٤ رقم ٤٩٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٨: رواه الطبراني في الكبير بإسناد ضعيف. وحسنه الألباني في (٣٤٢) وصحيح الجامع (٣٠٧٠)، وقال في ضعيف الترغيب (١١١٣): ضعيف جدا.\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ١٠٦٩، أسد الغابة ٤/ ٣٧، الإصابة ٤/ ٤١٦.","vol":"8","page":228},{"text":"أي خدعة والتخاتل التخادع والمزهو هو المتكبر المعجب الفخور كذا قاله المنذري، وفي الرواية الآخرى الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المستكبر، الشيخ الزاني والملك الكذاب ما ذكره من الوعيد والملك الكذاب فالصدق ويجب أن يكون شعار جميع الناس والملك مطلوب من جميع الناس ومن العائل أكثر من العائل عال عليه إذا افتقر.\n\n٢٧٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة لا يكلمهم اللّه يَوْم الْقِيَامَة وَلا ينظر إِلَيْهِم وَلا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم رجل على فضل مَاء بفلاة يمنعهُ ابْن السَّبِيل وَرجل بَايع رجلا بسلعته بعد الْعَصْر فَحلف بِاللّه لأخذها بِكَذَا وَكذَا فَصدقهُ فَأَخذهَا وَهُوَ على غير ذَلِك وَرجل بَايع إِمَامًا لا يبايعه إِلّا للدنيا فَإِن أعطَاهُ مِنْهَا مَا يُرِيد وفى لَهُ وَإِن لم يُعْطه لم يَفِ وَفِي رِوَايَة نَحوه وَقَالَ وَرجل حلف على سلْعَته لقد أعطي بهَا أَكثر مِمَّا أعطي وَهُوَ كَاذِب وَرجل حلف على يَمِين كَاذِبَة بعد الْعَصْر ليقتطع بهَا مَال امرئ مُسلم وَرجل منع فضل مَاء فَيَقُول اللّه ﷿ لَهُ الْيَوْم أمنعك فضلي كمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٥٨) و(٢٣٦٩) و(٢٣٥٨) و(٢٣٦٩) و(٢٦٧٢) و(٧٢١٢) و(٧٤٤٦)، ومسلم (١٧٣ و١٧٤ - ١٠٨)، وأبو داود (٣٤٧٤) و(٣٤٧٥)، والترمذي (١٥٩٥)، وابن ماجه (٢٢٠٧) و(٢٨٧٠)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٨٦ (٤٥٠٣) والكبرى (٥٩٧٥) و(٦٠١١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٦٥) و(١٧٨٩)، وصحيح الجامع (٣٠٦٨).","vol":"8","page":229},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة\" فذكره إلى أن قال: ورجل على فضل ماء في فلاة يمنعه ابن السبيل الحديث والفلاة بفتح الصحراء وقيل المفازة القفر التي لا أنيس بها.\nقوله: ورجل على فضل ماء يمنع منه ابن السبيل أي يزيد على حاجته وحاجة من يمونه (ولا يملك) ذلك ويمنع منه ابن السبيل المسافر وفيه دليل على أن الماء لا يملك بل يكون على سبيل (الارتفاق) أي يقدم به من سبق إليه ولقائل يقول بل يملك وهو الأصح وليس له منعه من المحتاج إليه إذا لم يكن هناك إلا ماؤه قال النووي (^١): ويجب بذلها بلا عوض لأنه إذا منع بذله تضرر ابن السبيل وربما أدى إلى هلاكه وقد جاء في حديث يقول اللّه تعالى \"اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك\" ا. هـ.\nوإذا (قيل): إن الماء يملك فله منعه بثمن مثله فإن لم يكن مع ابن السبيل وخشي الهلاك وجب بذله له مجانا حفظا لمهجته واللّه أعلم.\nقوله: \"اليوم أمنعك فضلي\" قال الخطابي (^٢): ومعنى اليوم أمنعك فضلي الحديث أنك إذا كنت تمنع الماء الذي ليس بعملك وإنما هو رزق ساقه اللّه إليك (فما الذي) تسمح به لأخيك ا. هـ.\nوإنما أعد لهذا من العذاب لأن الماء يشترك فيه جميع الناس فمن منعه\n_________\n(^١) انظر روضة الطالبين (٥/ ٣٠٩).\n(^٢) أعلام الحديث (٢/ ١١٧٨ - ١١٧٩).","vol":"8","page":230},{"text":"فكأنما ضيق على اللّه تعالى ما جعل فيه سعة ولا شك في غلظ (تحريم) ما فعل وشدة قبحه وإنما كان من يمنع فضل الماء للماشية عاصيا فكيف من يمنعه الأدمي المحترم فإن الكلام فيه فلو كان ابن السبيل غير محترم كالحربي والمرتد لم يجب بذل الماء له (^١) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف باللّه لأخذها بكذا وكذا فصدقه فأخذها وهو على غير ذلك\" وفي رواية \"ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر\" الحديث وأما الحالف ففيه دليل على تعظيم حرمة مال المسلم والكذب وإن ذلك من الكبائر لهذا الوعيد العظيم وإن أستحل ذلك كان على ظاهره وإلا كان عاصيا ويؤول كما سبق في نظائره في العفو عن ذلك أو إن جازاه كان كذلك واللّه أعلم، وأما الحالف (بيمين كاذبة على محلوف عليه غير واقع وهو عالم به) بعد العصر فمستحق هذا الوعيد وخص المبايعة بعد العصر لأن اللّه تعالى عظم شأن هذا الوقت فقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٢) وهي صلاة العصر روى ذلك عن جماعة من الصحابة، وقيل خص ما بعد العصر لشرف بسبب اجتماع ملائكة الليل وكملائكة النهار وغير ذلك قال الخطابي (^٣): خص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة كل وقت لأن اللّه تعالى (عظم شأن هذا الوقت وقد روي أن) الملائكة تجتمع فيه وهو ختام\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٧)، وتسهيل الاقتصاد (لوحة ٢١١).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(^٣) أعلام الحديث (٢/ ١١٧٥).","vol":"8","page":231},{"text":"الأعمال والأمور بخواتيمها فغلظت العقوبة فيه ليلا (يقدم عليها) تجرؤا فإن من تجرأ عليها (فيه) اعتادها في غير (هذا) الوقت وقيل كان (السلف) يحلفون بعد العصر قال الخطابي رحمه اللّه تعالى: ويحتمل أن يقال: (إنما خصّ ما بعد العصر بهذا الحُكم، لأنه آخر النهار) ومن حال التاجر أنه ينفق من ربح [وفضل] في بياض نهاره وقد يتفق أن لا يربح بعد العصر وقت انصرافه فإذا اتفقت له نفقة بعد العصر حرص على إمضائها باليمين الكاذبة لينفق من الربح ولا ينصرف من غير زيادة وقيل غير ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل بايع إماما\" أي سلطانا لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ما يريد وفي له وإن لم يعطه لم يف وأما مبايع الإمام على الوجه المذكور فمستحق هذا الوعيد لغشه المسلمين وإمامهم وتسببه إلى الفتن بينهم بنكثه بيعته لا سيما إن كان ممن يقتدى به (^١) واللّه أعلم.\n\n٢٧٥٦ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَرْبَعَة يبغضهم اللّه البياع الحلاف وَالْفَقِير المختال وَالشَّيْخ الزَّانِي وَالإِمَام الجائر رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهُوَ فِي مُسلم بِنَحْوِهِ دون ذكر البياع وَيَأْتِي لَفظه فِي التَّرْهِيب من الزِّنَا إِن شَاءَ اللّه (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٨).\n(^٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ٥٧٤ (٢٥٩٥)، وفي الكبرى (٢٣٦٨ و٧١٠١)، وأبو يعلى (٦٥٩٧)، وابن حبان (٥٥٥٨) و(٧٣٣٧)، من طرق عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح النسائي، والصحيحة (٣٦٣)، وصحيح الترغيب (٢٣٩٧) و(٢٩٠٦)، وصحيح الجامع (٨٨٠).","vol":"8","page":232},{"text":"قوله: وعنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: قال: رسول اللّه - ﷺ - \"أربعة يبغضهم اللّه البياع الحلاف وَالْفَقِير المختال وَالشَّيْخ الزَّانِي وَالإِمَام الجائر\" تقدم الكلام على الأربعة.\nفرع: إذا اشترى شيئًا من السوق فقال صاحبك (قبل الشراء) ذقه وأنت في حل فلا يأكل منه لأنه إنما أذن في الأكل لأجل الشراء فربما لا يقع البيع فيكون ذلك الأكل شبهة ولكن لو صفه بصفة فاشتريته فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيار قاله السمرقندي في البستان (^١).\nفرع آخر: جرت عادة الناس أن يأخذ من البياع ثم يحاسبه بعد مدة ويعطيه كما يفعله كثير من الناس قال (النووي) في شرح المهذب (^٢): أنه باطل بالإجماع وسامح فيه في الأحياء وجوزه ابن الصلاح بشرط أن يقدر ما يأخذه كل يوم ولا يؤخذ تقديره إلى يوم الحساب ا. هـ واللّه أعلم، \"والفقير المختال والشيخ الزاني\".\n\n٢٧٥٧ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - رَفعه إِلَى النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن اللّه يحب ثَلَاثَة وَيبغض ثَلَاثَة فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ قلت فَمن الثَّلَاثة الَّذين يبغضهم اللّه قَالَ المختال الفخور وَأَنْتُم تجدونه فِي كتاب اللّه الْمنزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (^٣) والبخيل المنان والتاجر أَو البَائِع الحلاف رَوَاهُ الْحَاكِم\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٥٠).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (٩/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(^٣) سورة لقمان، الآية: ١٨.","vol":"8","page":233},{"text":"وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ وَتقدم لَفظهمْ فِي صَدَقَة السِّرّ (^١).\n\n٢٧٥٨ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -: قَالَ مر أَعْرَابِي بِشَاة فَقلت تبيعها بِثَلَاثَة دَرَاهِم فَقَالَ لا وَاللّه ثمَّ بَاعهَا فَذكرت ذَلِك لرَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ بَاعَ آخرته بدنياه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى (٤٧٠) ومن طريقه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٢٨) والبيهقى في الكبرى (٩/ ٢٦٩ رقم ١٨٥٠١) وابن منده في التوحيد (٦٨٤)، وأحمد ٥/ ١٧٦ (٢١٩٣١)، والبزار (٣٩٠٨)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٧٨٤)، والطبرانى في الكبير (٢/ ١٥٢ رقم ١٦٣٧)، وابن منده في التوحيد (٦٨٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٨٨ - ٨٩)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ٩٧ - ٩٨ رقم ٩١٠٢)، والخطيب في البخلاء (٤١) من طريق يزيد أبي العلاء عن مطرف بن عبد اللّه بن الشخير. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٧٩١) و(٢٥٦٩). وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٨٩ (١٩٣١١)، وأحمد ٥/ ١٥٣ (٢١٧٥١)، والترمذي (٢٥٦٨)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٧٦ (١٦٣١) و٤/ ٥٧٠ (٢٥٨٩) وفي الكبرى (١٣١٦ و٢٣٦٢ و٧٠٩٩)، وابن خزيمة (٢٤٥٦ و٢٥٦٤)، وابن حبان (٣٣٤٩) و(٣٣٥٠) و(٤٧٧١) من طريق منصور، قال: سمعت ربعي بن حراش، يحدث عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر.\nوأخرجه أحمد ٥/ ١٥٣ (٢١٧٥٢)، والنسائي في الكبرى (١٣١٧) من طريق سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي ذر. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث صحيح. وضعفه الألباني في المشكاة (١٩٢٢)، ضعيف الجامع الصغير (٢٦١٠). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الورع (١٦٢)، وابن حبان (٤٩٠٩). وقال الألباني: حسن - \"الصحيحة\" (٣٦٤)، \"التعليق الرغيب\" (١٧٩٢) وغاية المرام (١٧١).","vol":"8","page":234},{"text":"قوله: \"مر أعرابي بشاة فقلت تبيعها بثلاثة دراهم فقال لا واللّه ثم باعها فذكرت ذلك لرسول - ﷺ - فقال باع آخرته بدنياه\" وفى حديث آخر أنه \"مر برجلين يتبايعان شاة، ويتحالفان، فقال أحدهما: لا أنقصك من كذا وكذا. وقال الآخر: واللّه لا أزيدك على كذا وكذا. فمر بالشاة، وقد اشتراها أحدهما، فقال: \"أوجب أحدهما أي حَنِثَ وأَوْجَبَ الإثمَ والكَفَّارةَ على نَفْسِهِ\" (^١) ذكره صاحب المغيث (^٢) واللّه أعلم.\n\n٢٧٥٩ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع - ﵁ - قَالَ كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - يخرج إِلَيْنَا وَكُنَّا تجارًا وَكَانَ يَقُول يَا معشر التُّجَّار إيَّاكمْ وَالْكذب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ إِن شَاءَ اللّه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى (٢/ ٦١١)، وابن سمعون في \"أماليه\" (١٤٧)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (١١٢)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٣٥٩)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٦١ - ٦٢ رقم ١٩٨٦٦) من طريق حريز بن عثمان، عن شرحبيل بن شفعة قال: سمعت أبا ناسخ عبد اللّه بن ناسخ الحضرمي، فذكره.\nوعند ابن سمعون والمخلص ناسج بن الحضرمى. وعند ابن أبي خيثمة بن ناشج الحضرمى، وقال ابن أبي حاتم كان البخاري أخرج هذا الاسم في باب النون ناسج الحضرمي يعني بالجيم فغيره أبي بخطه وقال إنما هو عبد اللّه بن ناسج الحضرمي يعني بالحاء المهملة وكذلك أخرج أبو زرعة فيما أخرج من خطأ البخاري هذا الاسم وقال كما قال أبي. وقال ابن حجر في تعجيل المنفعة (١/ ٧٧٤): وَهَذَا إِسْنَاد حسن.\n(^٢) المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث لأبى موسى المديني (٣/ ٣٨٤).\n(^٣) أخرجه الطبرانى في الكبير (٢٢/ ٥٦ رقم ١٣٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٣: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن إسحاق الغنوي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله =","vol":"8","page":235},{"text":"قوله: عن وائلة (^١) هو وثلة بن الأسقع بن عبد العزى الكناني (الليثى من بني كنَانَة، نزل الشَّام) كنيته أبو شداد أسلم والنبي - ﷺ - (يتجهز) إلى تبوك وقيل أنه خدم النبي - ﷺ - ثلاث سنين وكان من أصحاب الصفة توفي سنة ثلاث وثمانين وهو مائة وخمسين سنة وهو آخر الصحابة موتا بدمشق.\nقوله: كان رسول اللّه - ﷺ -: \"يخرج إلينا وكنا تجارا\" نقدم الكلام على ذلك قريبًا.\n\n٢٧٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت النَّبِي - ﷺ - يَقُول الْحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد إِلَا أَنه قَالَ ممحقة للبركة (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يقول الحلف منفقة للسلعة\" أي سبب لسرعة بيعها وكثرة الرغبة والحرص عليها \"ممحقة للكسب\" (وجاء في) الرواية الأخرى \"ممحقة للبركة\" منفقة بفتح الميم كذا قيده القاضي أي سبب لنفاق السلعة\n_________\n= ثقات. وقال في صحيح الترغيب (١٧٩٣): صحيح لغيره، وضعفه في ضعيف الجامع (٦٤٠٦).\n(^١) طبقات ابن سعد: ٧/ ٤٠٧، والاستيعاب: ٤/ ١٥٦٣، وأسد الغابة: ٥/ ٧٧، وتهذيب التهذيب: ١١/ ١٠١، والإصابة: ٣/ الترجمة ٩٠٨٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في الصحيح (٢٠٨٧)، ومسلم (١٣١ - ١٦٠٦)، وأبو داود (٣٣٣٥)، والنسائى في المجتبى ٧/ ١٨٦ (٤٥٠٢) والكبرى (٦٠٠٩).","vol":"8","page":236},{"text":"وهي المتاع ومظنة لها من نفق البيع نفاقًا إذا كثر المشترون وممحقة بفتح الأولى وكسر الحاء ويصح فتحها أي سبب لمحق البركة، ومن الناس من يضم الميم منهما مع سكون الثاني والصحيح هو الأول ومنهم من يفتح الثاني منهما ويشدد الثالث وهو غير سديد رواية ولفظا كذا في الميسر (^١) ذكره في شرح مشارق الأنوار للشيخ وجيه الدين، وفي حديث آخر إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق الحديث معناه أن الحلف الفاجر ينفق السلعة ويمحق البركة فهي ذات نفاق وذات محق ومعنى محق البركة أي يذهبها وقد يذهب رأس المال والربح كما قال اللّه تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٢) وقد يتعدى (المحق إلى الحالف) فيعاقب (بإهلاكه) وبتوالى المصائب عليه وقد (يتعدى ذلك إلى خراب) بيته وبلده كما روى أن النبي - ﷺ - قال: \"اليمين الفاجرة\" (تذر الديار بلاقع (^٣) أي خالية من سكانها\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٦٦٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(^٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٤٩ - ١٥٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (٢٥٥)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٦٢ رقم ١٩٨٧٠) والشعب (٦/ ٤٨١ رقم ٤٥٠١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٤١١) عن أبي هريرة. قال الدارقطني في العلل (١٥٤٠): يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ نَاصِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ قَائِلٌ: عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ نَاصِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ عِكْرِمَةَ. وقال البيهقى: والحديث مشهور بالإرسال. وأخرجه خيثمة الأطرابلسي في الفوائد (ص ٧٠)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٤٠٠)، والدولابى في =","vol":"8","page":237},{"text":"إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة، وأما (محق) الحسنات في الآخرة فلا بد منه لمن لم يتب وسبب هذا كله أن اليمين الكاذبة يمين غموس يؤكل بها مال المسلم بالباطل (^١).\n(وقوله) وإياكم والحلف في البيع معناه الزجر والتحذير والحلف منصوب على [الإغراء] كما تقول إياك والأسد أي (احذره واتقه وإنما) حذر عن كثرة الحلف لأن الغالب على من كثرت إيمانه وقوعه في الكذب (والفجور وإن) سلم من (من ذلك على بعده لم يسلم من) الحنث أو الندم لأن اليمين حنث أو ندم كما ورد في (الحديث) وإن سلم من ذلك لم يسلم\n_________\n= الكنى (٢٠٧٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٣٩٧ رقم ٢٥٤٣)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣) من حديث واثلة بن الأسقع.\nوقال أبو حاتم في العلل (١٣٢٩): هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ. وأخرجه ابن منده في مجلس من أماليه (٩٢) والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٢٩٩) والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١١٥٠) من حديث أبى الدرداء. وأخرجه البيهقى في الشعب (١٠/ ٣٤٥ رقم ٤٥٠١) عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه.\nوقال البيهقي: اختلفوا فيه على يحيى، فقيل: هكذا، وقيل: عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقيل: عنه منقطعا وهو أصح. وأخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٢٣١) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير مرسلا. ووكيع في الزهد (٤٠٦) وإسحاق في المسند (٢٤٢٥) وهناد في الزهد (٢/ ٤٩٤) والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٦٢ رقم ١٩٨٧٢) عن مكحول مرسلا. قال البيهقى في الصغير (٤/ ٩٨): لَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادُهُ مَوْصُولًا، وَقَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا. والحديث صححه الألباني في الصحيحة (٩٧٨) وصحيح الترغيب (١٨٣٦) وصحيح الجامع (٥٣٩١).\n(^١) المفهم (١٤/ ١٣٦ - ١٣٧).","vol":"8","page":238},{"text":"من مدح السلعة (المحلوف عليها) والإفراط (في تزيينها ليروجها على المشتري، مع ما في ذلك من ذكر اللّه تعالى) لا على جهة التعظيم بل على جهة مدح السلعة فاليمين على (ذلك تعظيم للسلع) لا تعظيم (للّه تعالى) وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد قاله في الديباجة.\n\n٢٧٦١ - وَعَن أبى قَتَادَة - ﵁ - أَنه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْحلف فِي البيع فَإِنَّهُ ينْفق ثمَّ يمحق رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: ينفق بضم حرف المضارعة وسكون النون أي يروج المتاع ويكثر الرغبات ويمحق بضم حرف المضارعة أيضا أي يذهب بالبركة وذلك هو الرواية المعتد بها فيهما ومنهم من يرويه يمحق بالضم على وفاق وهي غير صواب فإن أمحقه لغة ردية في محقة ومنهم من يشدد الكلمتين وليس ذلك بشيء وتقدم ذلك في الحديث قبله. واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٢ - ١٦٠٧)، وابن ماجه (٢٢٠٩)، والنسائى في المجتبى ٧/ ١٨٦ (٤٥٠١) والكبرى (٦٠١٠).","vol":"8","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>[الترهيب من خيانة أحد الشريكين الآخرة]</span>\n٢٧٦٢ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"يَقُول الله ﷿ أَنا ثَالِث الشَّرِيكَيْنِ مَا لم يخن أَحدهمَا صَاحبه فَإِذا خَان خرجت من بَينهمَا. زَاد رزين فِيهِ وَجَاء الشَّيْطَان رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - يَد اللّه على الشَّرِيكَيْنِ مَا لم يخن أَحدهمَا صَاحبه فَإِذا خَان أَحدهمَا صَاحبه رَفعهَا عَنْهُمَا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٣٨٣) والدارقطني (٢٩٣٣)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٥٦٦)، والحاكم ٢/ ٥٢، والبيهقي في الصغير (٢/ ٣٠٧ رقم ٢١٠٤) والكبرى (٦/ ١٣٠ رقم ١١٤٢٤ و١١٤٢٥) ومعرفة السنن (٨/ ٢٨٩ رقم ١١٩٣٧ و١١٩٣٨)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٥/ ٥١٨، والمزي في تهذيب الكمال في ترجمة سعيد بن حيان ١٠/ ٤٠٠ - ٤٠١. وقال الحاكم: وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الدارقطني في العلل (٢٠٨٤): يَرْوِيهِ ابْنُ حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَوَصَلَهُ أَبُو هَمَّامٍ الْأَهْوَازِيُّ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَخَالَفَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَغَيْرُهِ، رَوَوْهُ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا، وَهُوَ الصَّوَابُ. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٤٩٠ - ٤٩١): وأبو حيان، وهو يحيى بن سعيد بن حيان أحد الثقات، ولكن أبوه لا تعرف له حال، ولا يعرف من روى عنه غير ابنه. ويروي عن أبي حيان أبو همام محمد بن الزبرقان. وحكى الدارقطني عن لوين أنه قال: لم يسنده غير أبي همام. ثم ساقه من رواية أبي ميسرة النهاوندي، قال: حدثنا جرير، عن أبي حيان، عن أبيه، أن رسول اللّه - ﷺ - مرسلا. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود وضعيف الترغيب (١١١٤) وضعيف الجامع (١٧٤٨) وغاية المرام (٣٥٧) وإرواء الغليل (١٤٦٨). وأما اللفظ الآخر فأخرجه الدارقطني (٢٩٣٤) من =","vol":"8","page":240},{"text":"قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه\" الشركة أفصح لغاتها كسر الشين وإسكان الراء، والثانية: فتح الشين وكسر الراء، والثالثة: بفتح الشين وسكون الراء وجمع الشركة شرك بكسر الشين وفتح الراء وهي في اللغة الاختلاط والامتزاج وفي الشرع ثبوت الحق في الشيء الواحد لاثنين فصاعدا على جهة الشيوع وليست عقدا مستقلا بل هي في (بل هي في الحقيقة) وكالة وتوكيل والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^١) الآية (^٢).\nقوله: (مَا لم يخن أَحدهمَا صَاحبه) أي الشركاء قاله في البيان والسنة الشهيرة (...) (^٣) فيصح عقد الشركة التي ستذكر من كل جائز التصرف بالاجماع نعم تكره مشاركة الكافر والفاسق ولا يصح عقد الشركة إلا على الأثمان على ظاهر النص لأنها قيم (الأموال ومعايير الأثمان) وقيل تصح على كل ماله مثل أي حقيقي كالحبوب والأدهان وهو الأظهر لأنهما إذا خلطا لم يتميز فصحت الشركة كالأثمان وأن يكون مال أحدهما من جنس مال الآخر وعلى صفته فإن كان من مال أحدهما دراهم ومن الآخر\n_________\n= طريق جرير بن عبد الحميد، عن أبي حيان، عن أبيه مرسلا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١١٤) وإرواء الغليل (١٤٦٨) وغاية المرام (٣٥٦).\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٤١.\n(^٢) النجم الوهاج (٥/ ٧).\n(^٣) بياض بالأصل.","vol":"8","page":241},{"text":"دنانير أو من أحدهما صحاح ومن الآخر (قراضة لم تصح الشركة قبل) الاختلاط مع وجود التمييز وأن يخلط المالان ليتحقق معنى الشركة وهذا شرط في صحة العقد والأصل في الشركة الأمانة فلا يقبل دعوى (أنها وكالة) وهو عقد جائز من الطرفين لكل منهما فسخة متى شاء والشركة (بالعقد) أربعة أنواع الأول شركة الأبدان كشركة الحمال وسائر المحترفة سواء (اتفقا في) الصناعات أو اختلفت فيعملا أو يعمل كل واحد منهما منفردا (ليكون بينهما كسبهما) متساويا أو متفاوتا وهي باطلة لأنها نوع من (القمار ولأن) كل واحد منهما لا يدري أيكسب صاحبه أو لا وقد (يختلفا) ويأخذ كل واحد منهما (أجرة عمله؛ لأنه لم يبذله) مجانا فاختص (بمقابله) عند (فساد ال) شرط وجوز ها (أبو حنيفة مطلقًا فقال إن شركة) الأبدان صحيحة، (وقال مالك: تجوز بشرط اتحاد) الصنعة وعن الإمام أحمد روايتان كالمذهبين الثاني شركة المفاوضة وهي أن يشتركا على ما يكسبان بأموالهما وأبدانهما (وأن يضمن) كل واحد منهما ما يعرض من غرم وهي باطلة عند جمهور العلماء خلافا لأبي حنيفة احتج الجمهور بأنها مشتملة على أنواع من الغرور ولهذا قال الشافعي: لا أعرف شيئا في الدنيا يكون باطل إن لم تكن شركة المفاوضة باطلا ولا أعلم القمار إلا هذا قال الشيخ تقي الدين: قوله: باطلا صحيح لأن الباطل مصدر وما رأيت الشافعي يستعمل إلا هكذا وسميت مفاوضة من قولهم تفاوضا في الحديث إذا (شرعا) فيه جميعا وقيل من قولهم قوم فوضى أي (متساوون لا رئيس لهم)، والثالث: شركة الوحوه","vol":"8","page":242},{"text":"أن يشترط الوجيهان في ربح ما يشتريان بوجوههما أي بجاههما ليبتاع كل منهما بمؤجل لهما فإذا باعا كان الفاضل عن الأثمان بينهما وهي باطلة لأنها شركة في غير مال فبطلت كالشركة في الاحتطاب والاصطياد ولأن ما اشتراه كل منهما ملك له وخسرانه عليه ا. هـ فأما شركة الأبدان وشركة المفاوضة وشركة الوجوه فلم يصححوها وصحح مالك رحمه اللّه تعالى شركة الأبدان والمفاوضة بشرط التساوي في العمل (والمال) (^١).\nالرابع: شركة العنان بكسر العين سمين بذلك لظهورها من عن (الشيء إذا ظهر) وغير ذلك وهي صحيحة بالإجماع قال الفقهاء: ولا يصح من الشركة (إلا شركة العنان) وهي أيضا مأخوذة من عنان فرسي الرهان سميت بذلك (لأن الفارسين إذا استبقا تساوى عنان فرسيهما، فاستواؤهما كاستواء الشريكين) في (ولاية) الفسخ والتصرف واستحقاق والربح على قدر رأس (المالين و) شروطه مبسوطة في كتب الفقه فمن أراد (الزيادة فعليه بكتب الفقه) مظانها (^٢) واللّه أعلم.\nقوله: قال اللّه تعالى \"أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان خرجت من بينهما\" ومعناه أن اللّه تعالى مطلع عليهما إلا يخفى عليه شئ من أمرهما كما قال) تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٣) (أي\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٥/ ٨ - ١٠)\n(^٢) النجم الوهاج (٥/ ١٠).\n(^٣) سورة الحديد، الآية: ٤.","vol":"8","page":243},{"text":"معهم بالإعانة والبركة) والحفظ ما دامت الأمانة بينهما فإذا خانا ذهب ذلك كله ومن تخلى اللّه عنه كيف يكون حاله.\nقوله: \"فإذا خان خرجت من بينهما\" أي خرجت البركة من مالهما قال في الإحياء في آداب الكسب (^١): بعد أن ذكر هذا الحديث فإذًا لا يزيد مال من خيانة كما لا ينقص من صدقة ومن لا يعرف الزيادة والنقصان إلا بالميزان لم يصدق لهذا الحديث ومن عرف أن الدار الآخرة موضع مشاهدة ذلك التحقيق عرف أن الدرهم الواحد قد يبارك فيه حتى يكون سببا لسعادة الإنسان في الدين والدنيا والألاف المؤلفة قد ينزع اللّه البركة منها بحيث يكون سببا لهلاك ماله ونفسه بحيث يتمنى الإفلاس منها ويرى أن بذلها أصلح في بعض أحواله فيعرف معنى أن الخيانة لا تزيد في المال والصدقة لا تنقص منه، والثاني: الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح [ويتيسر عليه] وهو أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا ولا يليق بالعاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، والخير كله في سلامة الدين، وقال - ﷺ -: \"لا تزال (لا إله إلا اللّه تدفع) عن الخلق سخط اللّه ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم\" (^٢) (وفي لفظ آخر ما لم يبالوا ما نقص من\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٦)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢٨٨)، وأبو يعلى في المسند (٤٠٣٤)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٠)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٠٩٠)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ١٠٠ - ١٠١ رقم ١٠٠١٥ و١٠٠١٦) من حديث أنس بن مالك. =","vol":"8","page":244},{"text":"دنياهم بسلامة دينهم فإذا فعلوا ذلك) وقالوا لا إله إلا اللّه قال اللّه كذبتم لستم بها صادقين (^١) (وفي حديث آخر من قال لا إله إلا اللّه مخلصًا دخل الجنة قيل وما إخلاصه قال أن يحرزه عما حرم اللّه) (^٢) الحديث رواه الحافظ أبو يعلى من حديث أنس والطبراني من حديث عائشة وكلاهما ضعيف ا. هـ.\n_________\n= قال أبو حاتم في العلل (١٨٥٧): هَذَا خطأٌ؛ إنما هو: أَبُو سُهَيل عمُّ مَالِك بْن أَنَس، عَنِ النبيِّ، مُرسَل. قال ابن عدى: ولعمر بن حمزة غير ما ذكرت من الحديث، ولا أعلم يروي عنه غير مروان وأَبي أسامة، وهو ممن يكتب حديثه. قال الدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦): \"غريب من حديث أنس، تفرَّد به عمر بن حمزة العمري، عنه، ولا نعلم رواه غير أبي أسامة\". وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١٤٨٥/ تخريج أحاديث إحياء علوم الدين): \"رواه أبو يعلى والبيهقي في الشعب من حديث أنس بسند ضعيف\". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٧٧: رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.\n(^١) أخرجه البزار في المسند (٨٣٧٦) والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٩٦) من حديث أبى هريرة. قال العقيلى: لَا أَصْلَ لَهُ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٧٧: رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٥٤٠٨) من حديث عائشة. قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عمرو بن عبد الغفار. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٣) من حديث ابن عمر. قال أبو نعيم: كذا رواه زبيد عن ابن عمر، وأراه منقطعا. وأخرجه الشجري في الأمالي (١/ ١٢) من طريق نفيع بن الحارث عن زيد بن أرقم به. وسنده ضعيف جدا، نفيع هذا متروك، وقد كذبه ابن معين. (التقريب ص ٥٦٥).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الدعاء (١/ ٤٣٤ رقم ١٤٧٥) والكبير (٥/ ١٩٧ رقم ٥٠٧٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، وابن فاخر في موجبات الجنة (١٥ و١٦ و١٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٨: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، إلا أنه قال في الكبير: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"إخلاصه أن تحجزه عما حرم الله عليه\". وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، وهو وضاع. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (٩٢٢): موضوع.","vol":"8","page":245},{"text":"ففيه تحريم الخيانة قليلها وكثيرها ودلائل (تحريمها في) الكتاب والسنة أكثر من أن يذكر وهذا من الأحاديث الإلهية التي يرويها النبي - ﷺ - عن اللّه تعالى وقد جمعها (بعض) المحدثين في تأليف واحد وليس حكمها حكم المتلو لأنها لم تنزل على أنها قرءان وإنما (نزلت على) أنها من (...) (^١) إلى أنها (...) (^٢) تتمة تتعلق بالشركة (مسألة: لو) خلط رجلان مقدارا من البذر بينهما واستويا وبذرا فالزرع مقسوم بينهما قال العجلي: وفيه إشكال فإن حبات البذر تختلف فلا ينبت بعضها وقد (يبذر) في موضعها فلا ينبت ومن نظر في تراخ وشاهد تفاوت أصول الزرع فيه لم يخف عليه ما ذكرناه من الإشكال فالوجه إشاعة الملك في الجميع ولا يخفى تصويره ثم إذا جرى الشيوع عم الجميع على وجه واحد والله أعلم قاله في هادي النبيه على التنبيه (^٣).\n\n٢٧٦٣ - وعن أبي هريرة (^٤) - ﵁ - قال: قال رسولُ اللّه - ﷺ -: \"مَنْ خَانَ منِ ائْتَمَنَه فَأَنا خَصْمُهُ\" (^٥).\n_________\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) لم أهتد إليه.\n(^٤) كذا الأصل بدون تخريج، وكذا الذي بعده، وهما واللذان بعدهما لم يردوا في نسخة (عمارة) وغيرها. واللّه أعلم. (من نسخة الترعيب والترهيب للألبانى) وصنيع الشارح يثبت وجودهم في نسخ الترغيب.\n(^٥) لم أعثر عليه. وذكره الألباني في حاشية ضعيف الترغيب (١/ ٥٤٩) فقال: والأول لم أقف عليه، والثاني معروف من حديث ابن عمرو.","vol":"8","page":246},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام.\nقوله - ﷺ -: \"من خان من ائتمنه فأنا خصمه\" (الخصم) هو المحاجج.\n\n٢٧٦٤ - وعن قَتادَةَ قال: سمِعْتُ رسولَ اللّه - ﷺ - يقول: \"علامةُ المُنافِقِ ثَلَاثةٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا ائتُمِنَ خانَ\" (^١).\nقوله: وعن قتادة هو قتادة (...) (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"علامة المنافق ثلاثة إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا أئتمن خان\" الحديث وفي الصحيح أيضا أربع فزادوا \"إذا خاصم فجر\" ويجتمع من الروايات خمس الكذب والغدر والإخلاف والخيانة والفجور في الخصومة فالغدر المذكور في الحديث (ضد الوفاء) هو الخيانة وقيل غيرها وظاهر الحديث يقتضي خروج من اتصف قال مالك: النفاق الذي كان على عهده - ﵇ - هو الزندقة (عندنا اليوم) لا سيما في رواية مسلم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ومن كانت فيه (خصلة منهن) ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها قال النووي (^٣): أجمع العلماء (على أن من) كان (مصدقا) بقلبه ولسانه وحكم عليه بهذه الخصال لا يحكم عليه (بكفر ولا هو منافق يخلد في) في النار ولهذا قال في المفهم (^٤): ليس الأمر على هذا (على\n_________\n(^١) لم أعثر عليه.\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤٦).\n(^٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ١٥).","vol":"8","page":247},{"text":"ظاهره على مذهب) أهل السنة فقيل أراد نفاق العمل وهذا الذي سأل عنه عمر (حذيفة) لما قال له هل تعلم في شيئا من النفاق.\nقلت: وفي البخاري عن ابن أبي مليكة (قال): أدركت ثلاثين من (من أصحاب النبي - ﷺ -) كلهم يخاف على نفسه النفاق (ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل) (^١).\n_________\n(^١) علقه البخاري في الصحيح باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر من كتاب الإيمان، ووصله ابن أبي خيثمة في تاريخه لكن أبهم العدد، وكذا أخرجه محمد بن نصر المروزي مطولًا في كتاب الإيمان له، وعينه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه من وجه آخر مختصرًا كما هنا ذكره ابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"8","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>[الترهيب من التفريق بين الوالدة وولدها بالبيع ونحوه]</span>\n٢٧٦٤ - عَن أبي أَيُّوب - ﵁ -. قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من فرق بَين وَالِدَة وَوَلدهَا فرق اللّه بَينه وَبَين أحبته يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن أبي أيوب تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"من فرق بين والدة وولدها فرق اللّه بينه وبين أحبته يوم القيامة\"، وفي حديث آخر \"من فرق بين جارية وولدها\" ورى الحاكم من حديث عبادة بن الصامت.\nقال نهى رسول اللّه - ﷺ -: \"أن يفرق بين الأم وولدها\" فقيل يا رسول اللّه إلى متى قال: \"حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية\" قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه واعلم: أن لفظ الترمذي والحاكم ضعفه الدراقطني وفي الأول من فرق بين والدة وولدها ليس فيهما ذكر الجارية (ولا فرق بين أن يفرق ببيع أو هبة أو قسمة) فقد يكون التفريق بغير البيع في الأحرار وهو حرام فهذا الحديث جاء في الأمة إذا كان ولدها صغير فلا يحل له أن يفرق بينه وبين أمه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٢ (٢٣٩٨٢) و٥/ ٤١٤ (٢٣٩٩٦)، والدارمي (٢٤٧٩)، والترمذي (١٢٨٣) و(١٥٦٦)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٢ رقم ٤٠٨٠) والدارقطني (٣٠٤٧)، والحاكم ٢/ ٥٥، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢١٢ رقم ١٨٣٠٩) و(٩/ ٢١٢ - ٢١٣ رقم ١٨٣١٠)، وفي شعب الإيمان (١٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣ رقم ١٠٥٦٩). حسنه الترمذي، وصححه الحاكم والذهبي. وصححه الألباني في المشكاة (٣٣٦١) وصحيح الجامع (٦٤١٢)، وحسنه في صحيح الترغيب (١٧٩٦).","vol":"8","page":249},{"text":"بالبيع قبل سبع سنين المراد قبل التميز وإنما ذكر السبع سنين لأنه (سن التمييز) ويدخل في هذا أيضا قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (^١) ومن أنواع في البيوع التفريق بين الوالد وولدها قال العلماء في كتب الفقه: وإن فرق بين الجارية وولدها المملوك له بالبيع بطل لأن (عليا رضي) اللّه عنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي - ﷺ - (عن ذلك فرد البيع (^٢) وروى الترمذي عن أبي أيوب قال: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"من فرق بين والدة\" وولدها فرق اللّه بينه وبين أحبته يوم القيامة وبالتسليم [يحصل التفريق المحرم] الممنوع شرعا وهذا هو القول هو الجديد وسواء رضيت (الأم بالتفرقة أم لا) على الصحيح وفي وجه إن رضيت الأم جاز.\nقوله - ﷺ -: \"فرق اللّه بينه وبين أحبته يوم القيامة\" الظاهر أنه خبر لا دعاء والمراد (يوم) القيامة لا في الجنة وليس المراد بهذا التفريق أن يكون (هؤلاء في الجنة) وهؤلاء (في النّار) لأنه لا يخرج بذلك من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة ويحتمل أن يكون في الجنة دون درجتهم بحيث يحصل أصل التفريق (...) (^٣) كانوا (...) (^٤) وغير ذلك ولكن بحيث يرضى كل منهما (بما) أعطى\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.\n(^٢) أخرج أبو داود (٢٦٩٦)، والدارقطني (٣٠٤٢) و(٤٢٥٥)، والحاكم ٢/ ٥٥ و٢/ ١٢٥، والبيهقى في الصغير (٣/ ٤٠٩ - ٤١٠ رقم ٢٩٠١) والكبرى (٩/ ٢١١ - ٢١٢ رقم ١٨٣٠٥ و١٨٣٠٦). قال أبو داود: وميمون لم يدرك عليا قتل بالجماجم، والجماجم سنة ثلاث وثمانين. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٣) بياض بالأصل.\n(^٤) بياض بالأصل.","vol":"8","page":250},{"text":"ولا يتمنى درجة (الآخر) قال البغوى (^١): (وإذا اجتمع نساء القرابة، فأولاهن الأم، ثم أم الأم، وإن علت، ثم أم الأب وإن علت، ثم أم الجد، ثم الأخت للأب والأم، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة، ثم العمة على هذا الترتيب، ولا حق لرجال العصبة مع واحدة من هؤلاء، هذا إذا كان المولود دون سبع سنين،) فإن بلغ سبع سنين وعقل عقل مثله فيخير بين الأبوين سواء كان المولود ذكرا أو أنثى فأيهما اختاره فيكون عنده وهو قول كثير من الصحابة وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وذهب الثوري وأصحاب الرأي إلى أن الأم أحق بالغلام حتى يأكل ويلبس وحده وبالجارية حتى تحيض ثم بعده الأب أحق بهما وقال مالك: الأم أحق بالجارية وإن حاضت ما لم تنكح وبالغلام ما لم يحتلم وإذا بلغ الصبي سبع سنين فأكثر فلم يعقل عقل مثله أو بلغ مجنونا فالأم أولى به كالطفل قال: وإنما يخير إذا كان أبواه حرين مسلمين مأمونين فإن كان أحدهما كافرا أو رقيقا أو فاسقا يكون (الآخر أولى به، وإذا نكحت) الأم فلا يخير وكان عند الأب وإذا ثبت الحق للأم بالحضانة أو اختارها فأراد الأب سفرا لم يكن له نزعة منها وإن أراد النقلة إلى بلد آخر وبينهما مسافة القصر فله نزعة وكذلك رجال العصبة لهم نقله كذلك ليلا يضيع نسبه إلا أن تخرج الأم معه تلك البلد وإذا كان الولد رقيقا لرق الأم فالسيد أحق به من أبويه (فإن اجتمع في ملك رجل أم وولدها الصغير، ففرق بينهما في العتق، فجائز، لأن العتق لا يمنع الحضانة، أما إذا باع أحدهما دون الآخر، فإن كان بعد البلوغ المولود سبع سنين، فجائز، لأن الولد يستغني عن الأم في هذا السن،\n_________\n(^١) شرح السنة (٩/ ٣٣٣ - ٣٣٤).","vol":"8","page":251},{"text":"والأولى أن لا يفعل، وإن كان دون سبع سنين، فلا يجوز، والبيع مردود عند بعض أهل العلم، وبه قال الشافعي، لما روي عن أبي أيوب، قال: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"من فرق بين والدة وولدها، فرق اللّه بينه وبين أحبته يوم القيامة\" وكذلك حكم الجدة، وحكم الأب والجد، وأجاز بعضهم البيع مع الكراهية، وإليه ذهب أصحاب الرأي).\nفرع: الأول والمذهب (أن) الوالد كالوالدة فيحرم التفريق بينهما خلافا لابن سريج ولقوله (ملعون) من فرق بين الوالدة وولدها وبين الأخ وأخيه فعلى هذا (فالتفريق بينه وبين سائر المحارم) كالأخ والعم قولان أصحهما جواز التفريق.\nالفرع الثاني: أن (أم) الأم (عند عدم الأم كالأم) فيحرم التفريق بينهما في الأصح قاله: الماوردي هذا إذا (كان لها) حق (الحضانة).\nالفرع الثالث: إذا بيع الولد مع الجدة عند (وجود الأم لا يجوز) التفريق أيضا في أصح القولين.\nالفرع الرابع: وفيما بعد السبع سنين إلى بلوغ هل يحرم والتفريق أولا فيه قولان أحدهما (لا يجوز) لأن التفريق (مقيد بما) ما قبل السبع لأنه - ﷺ - (نهى أن يفرق بين الأم وولدها، فقيل: يا رسول اللّه، إلى متى؟ قال: \"حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية\" (^١) وقال أحمد لا يفرق بينهما بوجه وإن كبر الولد)\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٣٠٤٩)، والحاكم ٢/ ٥٥، والبيهقى في الكبرى (٩/ ٢١٦ رقم ١٨٣٢٩) من حديث عبادة بن الصامت. وصححه الحاكم وقال الدارقطني: عبد الله هذا =","vol":"8","page":252},{"text":"واحتلم ويشبه أن يكون المعنى (في التفريق عند أحمد) فيه قطعية الرحم وصلة الرحم (واجبة في) الصغر والكبر ووجه الصحة وهو الأصح (لأنه) حينئذ مستغن عن التعهد والحضانة فأشبه البالغ والأولى أن لا يفعل.\nالفرع الخامس: بين الأم وولدها بالهبة والقسمة كالتفريق بالعتق والوصية.\nالفرع السادس: يجوز التفريق بين الجارية وولدها بعد استغنائه عن اللبن على الصحيح (^١).\nفائدة: يجوز التفريق في بهيمة وولدها بعد استغنائه عن اللبن علي الصحيح (^٢).\nفائدة: من الصغائر التفريق بين الجارية وولدها الصغير بالبيع ونحوه وهو حرام ويحتمل أنه من الكبائر لقوله - ﷺ -: \"ملعون من فرق بين الوالدة وولدها\" (^٣) فإن صح هذا السند كان هذا الفعل من الكبائر قطعا (^٤) واللّه أعلم.\n_________\n= هو الواقعي وهو ضعيف الحديث، رماه علي بن المديني بالكذب، ولم يروه عن سعيد غيره. وقال الذهبي: موضوع وعبد اللّه بن عمرو بن حسان كذاب.\n(^١) انظر النجم الوهاج (٤/ ٩٧ - ٩٩).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٣٤٢).\n(^٣) أخرجه الطبرانى في الدعاء (١/ ٥٨٢ رقم)، والدارقطنى في السنن (٣٠٤٤)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٥، وتمام في الفوائد (١٠٨٧)، والبيهقى في الكبرى (٩/ ٢١٥ رقم ١٨٣٢١) من حديث عمران بن حصين. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣١١١) وضعيف الترغيب (١١١٩). وأخرجه ابن ماجه (٢٢٥٠) وأبو يعلى (٧٢٥٠)، والدارقطني (٣٠٤٦)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢١٥ رقم ١٨٣٢٢) من حديث أبى موسى. قال البوصيرى في مصباح الزجاجة (٣/ ٣٢): هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه والمشكاة (٣٣٧٢) وضعيف الترغيب (١١٢٠).\n(^٤) تنبيه الغافلين (ص ٣٤٢).","vol":"8","page":253},{"text":"٢٧٦٥ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَلْعُون من فرق بَين وَالِدَة وَوَلدهَا قَالَ أَبُو بكر يَعْنِي ابْن عَيَّاش هَذَا مُبْهَم وَهُوَ عندنَا فِي السَّبي وَالْولد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق طليق بن مُحَمَّد عَنهُ وطليق مَعَ مَا قبل فِيهِ لم يسمع من عمرَان وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن مجمع وَقد ضعف عَن طليق بن عمرَان عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى قَالَ لعن رَسُول اللّه - ﷺ - من فرق بَين الوالدة وَوَلدهَا وَبَين الأَخ وأخيه قوله: عن عمران بن حصين تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"ملعون من فرق بين والدة وولدها\".\nقال أبو بكر يعني ابن عياش هذا مبهم وهو عندنا في السبي والوالد: رواه الدارقطني وعن ابن مسعود قال: كان النبي - ﷺ - أعطى أهل البيت جميعا كراهية أن يفرق بينهم (^١)، انفرد به (ابن ماجه) وإنما كان - ﷺ - يفعل ذلك لأن اللّه تعالى جبله على الرأفة والرحمة ومكارم الأخلاق ومحاسن الشيم لذلك\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى (٢٨٦) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠٤) والبيهقى في الكبرى (٩/ ٢١٥ رقم ١٨٣٢٣)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٥٢٦ (٢٢٨١٤)، وابن ماجه (٢٢٤٨)، والشاشى (٢٢٩)، والطبرانى في الكبير (١٠/ ١٧٢ رقم ١٠٣٥٩) عن ابن مسعود.\nقال البوصيرى في مصباح الزجاجة ٣/ ٣١: هذا إسناد فيه جابر الجعفي وهو ضعيف رواه البيهقي في سننه الكبرى من طريق شيبان عن جابر الجعفي فذكره ورواه أبو داود الطيالسي عن شيبان عن جابر بإسناده. وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه وضعيف الجامع (٤٣٢١).","vol":"8","page":254},{"text":"يستحب للإمام ولكل من ولي أمر السبي (...) (^١) أن يجمع شملهم ولا يفرقهم فإن ذلك ادعى إلى (أن يكون مردوده) الإسلام (وأقرب إلى) الرأفة بهم والإحسان إليهم والتوطئة بينهم بعد الإسلام (عن) عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال: قدم على النبي - ﷺ - فأمر ببيع (أخوين، فبعتهما، وفرقت) بينهما ثم أتيت النبي - ﷺ - (فأخبرته) فقال: أدركهما (فارتجعهما وبعهما جميعا ولا تفرق بينهما) (^٢) الحاكم وقال: صحيح (غريب على شرط الشيخين ولم يخرجاه).\nقوله: في حديث عمران بن حصين في آخره رواه الدارقطني من طريق طليق ورواه ابن ماجه والدارقطني من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وقد ضعف عن طليق.\nقوله: عن عمران عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: لعن رسول اللّه - ﷺ - \"من فرق بين الوالدة وولدها وبين الأخ وأخيه\" ا. هـ.\n_________\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٨٥)، وأحمد ١/ ٩٧ (٧٧١) و١/ ١٢٦ (١٠٦٠)، وابن ماجه (٢٢٤٩)، والترمذي (١٣٣٠)، والدارقطني (٣٠٤٠) و(٣٠٤١)، والحاكم ٢/ ٥٤. قال الحاكم: هذا حديث غريب صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٥/ ٣٩٦: رواية شعبة صحيحة لا عيب لها، وهي أولى ما اعتمد في هذا الباب. قال الحافظ في بلوغ المرام ١/ ٣١١: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ الْقَطَّانِ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٠٧: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"8","page":255},{"text":"أبو بردة بن أبي موسى الأشعري اسمه الحارث ويقال: عمار (^١) بن عبد اللّه الكوفي ولي القضاء بالكوفة فعزله الحجاج وولي مكانه أخاه أبو بكر روي عن جماعة من الصحابة كأبي هريرة وعائشة ذكره ابن سعد (^٢) في الطبقة الثانية من أهل الكوفة وكان (علامة) كثير الحديث روى أن يزيد بن المهلب لما (ولي إمرة خراسان فقال: دلونى على رجل كامل) خصال الخير فدل على أبي بردة بن أبي موسى وأبو موسى الأشعري (^٣) اسمه عبد اللّه بن قيس بن سليم الكوفي قدم على النبي - ﷺ - مكة قبل هجرته - ﷺ - إلى المدينة فأسلم ثم هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى رسول اللّه - ﷺ - مع أصحاب السفينتين بعد فتح خيبر فأسهم له منها ولم يسهم منها لأحد غاب عنها سواه ولأبي موسى مع (حسن) صوته بالقرءان فضيلة ليست لأحد من الصحابة وهي أنه هاجر ثلاث هجرات (هجرة) إلى مكة وهجرة من الحبشة وهجرة إلى المدينة واستعمله رسول اللّه - ﷺ - على زبيد وعدن وساحل اليمن واستعمله عمر على الكوفة (والبصرة) وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن وخطبة عمر بالجابية وقدم دمشق على معاوية روى له عن النبي - ﷺ - ثلاثمائة (وستين حديثا) وتوفي\n_________\n(^١) كذا هو في الأصل والصواب أنه الحارث ويقال عامر بن عبد اللّه بن قيس ترجمته: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٦٨، تهذيب الكمال (٣٣/ ٦٦ - ٧١ ترجمة ٧٢٢٠)، تاريخ الإسلام ٤/ ٢١٦، تذكرة الحفاظ ١/ ٨٩.\n(^٢) طبقات ابن سعد (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٣) ترجمته في طبقات ابن سعد ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥ و٤/ ١٠٥ و٦/ ١٦، أسد الغابة ٣/ ٣٦٧، تهذيب الكمال ١٥/ ترجمة ٣٤٩١، الإصابة ٢/ ترجمة ٤٨٩٨.","vol":"8","page":256},{"text":"بالكوفة سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وقيل سنة أربع وخمسين وقيل سنة أربع وأربعين قال قتادة: بلغ أبا موسى أن قومًا يتأخرون من الجمعة لعدم وجود ثياب حسنة، فخرج إلى الناس في عباءة، وكان أبو موسى قدم البصرة واليًا من جهة عمر بن الخطاب سنة سبع عشرة بعد عزل المغيرة، ثم كتب إليه عمر أن يسير إلى الأهواز، فأتاها ففتحها عنوة، وقيل: صلحًا، وافتتح أصبهان سنة ثلاث وعشرين.","vol":"8","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>[الترهيب من الدين وترغيب المستدين والمتزوج أن ينوبا الوفاء والمبادرة إلى قضاء دين الميت]</span>\n٢٧٦٥ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول أعوذ بِاللّه من الْكفْر وَالدّين فَقَالَ رجل يَا رَسُول اللّه أتعدل الْكفْر بِالدّينِ قَالَ نعم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيثَم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أعوذ باللّه من الكفر والدين\" فقال رجل يا رسول اللّه أتعدل الكفر بالدين قال: \"نعم\" الحديث إنما [استعاذ النبي - ﷺ - من الدين لأنه ذريعة إلى الكذب والخلف في الوعد مع ما فيه من الذلة وما لصاحب الدين عليه من المقال].\n\n٢٧٦٦ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الدّين راية اللّه فِي الأرْض فَإِذا أَرَادَ اللّه أَن يذل عبدا وَضعه فِي عُنُقه رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم قَالَ الْحَافِظ بل فِيهِ بشر بن عبيد الدَّارِسِيُّ واه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٨ (١١٥٠٨)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٩٣١)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٣٥٥ (٥٥١٧) و٨/ ٣٥٦ (٥٥١٨) والكبرى (٧٨٥٥) و(٧٨٥٦)، وأبو يعلى (١٣٣٠)، وابن حبان (١٠٢٥)، والحاكم ١/ ٥٣٢. وقال الألباني: ضعيف غاية المرام (٣٤٨)، ضعيف الترغيب (١١٢١)، الإرواء (٣/ ٣٥٨).\n(^٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٤، وأبو بكر الشافعي في الثالث عشر من الفوائد (٢٠٩). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال الذهبي فيه بشر بن عبيد =","vol":"8","page":258},{"text":"قوله: وعن ابن عمر - ﵄ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"الدين راية اللّه في الأرض\" الحديث الراية: حديدة مستديرة تجعل في العنق (على قدره ومنه) حديث قتادة (^١) في (العبد الآبق) كره له الراية ورخص في (القيد) قاله في النهاية (^٢)، يقال: ربيت الراية أي ركزتها، وقيل الراية العلم ذكره صاحب المغيث (^٣).\nقوله: فيه بشر بن عبيد الدارمي (بشر بن عبيد كذبه الأزدي وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الأئمة، بين الضعف جدًّا).\n\n٢٧٦٧ - وَرُوِيَ عَنهُ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ يُوصي رجلا وَهُوَ يَقُول أقل من الذُّنُوب يهن عَلَيْك الْمَوْت وَأَقل من الدّين تعش حرا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٤).\n_________\n= الدارسي وهو واه. وقال الألباني في الضعيفة (٤٧٣) وضعيف الترغيب (١١٢٢) وضعيف الجامع (٣٠٣١): موضوع.\n(^١) أخرجه الحربي في غريب الحديث (٢/ ٧٧٦) \"سئل عن العبد، يأبق، فكره الراية ورخص في القيد\".\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٩١).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٨٣٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (١٩)، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٨٥ رقم ٥١٦٨)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٣٨٥)، وابن الجوزى في العلل المتناهية (١٠٠٧).\nقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد ٣/ ٣٩٧: غريب تفرد به عبيد اللّه بن العباس بن الربيع البحراني عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه. وقال الألباني في الضعيفة (٥٣٣٧) وضعيف الترغيب (١١٢٣)، وضعيف الجامع (١٠٧٩): ضعيف جدا.","vol":"8","page":259},{"text":"قوله: وعنه تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أقل من الدين تعش حرا\" (فإن الدّين مذلة ويجعل صاحب الحق أميرًا على الغريم كأنه قد خرج عن الحرية وصار رقًا لغريمه).\n\n٢٧٦٨ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يَقُول لا تخيفوا أَنفسكُم بعد أمنها قَالُوا وَمَا ذَاك يَا رَسُول اللّه قَالَ الدّين رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَأحد إسناديه ثِقَات وَأَبُو يعلى وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن عقبة بن عامر تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها\" قالوا وما ذاك يا رسول اللّه قال الدين.\n\n٢٧٦٩ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من فَارق الرُّوحُ الْجَسَدَ وَهُوَ بَرِيء من ثَلَاث دخل الْجنَّة الْغلُول وَالدّين وَالْكبر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَتقدم لَفظه وَالْحَاكِم وَهَذَا لَفظه وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا، قَالَ التِّرْمِذِيّ قَالَ سعيد بن أبي عرُوبَة الْكَنْز يَعْنِي بالزاي وَقَالَ أَبَو عوَانَة فِي حَدِيثه الْكبر يَعْنِي بالراء، قَالَ وَرِوَايَة سعيد أصح وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٦ (١٧٥٩٣) و٤/ ١٥٤ (١٧٦٧٩)، وعباس الترقفى (٦١)، وأبو يعلى (١٧٣٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٢٨١) و(٤٢٨٢) و(٤٢٨٣) و(٤٢٨٤)، والطبرانى في الكبير (١٧/ ٣٢٨ رقم ٩٥٦)، والحاكم ٢/ ٢٦، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٥٨٢ رقم ١٠٩٦٥ و١٠٩٦٦ و١٠٩٦٧). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٤٢٠)، وصحيح الترغيب (١٧٩٧)، وصحيح الجامع (٧٢٥٩). لم يذكر المصنف تحته شرحا.","vol":"8","page":260},{"text":"فِي كتَابه عَن أبي عبد الله يَعْنِي الْحَاكِم الْكَنْز مُقَيّد بالزاي وَالصَّحِيح فِي حَدِيث أبي عوَانَة بالراء (^١).\nقوله: وعن ثوبان هو مولى رسول الله - ﷺ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الغلول والدين والكبر\" تقدم الكلام على الغلول في الجهاد والكبر روي بالراء في حديث أبي عوانة رواه الترمذي والنسائي في السير الكبير بالياء المثناة والراء وقال الترمذي: قال سعيد بن أبي عروبة: الكنز بالزاي وقال ابن الجوزي (^٢) أيضا في جامع المسانيد: عن الدارقطني قال: إنما هو الكنز بالنون\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٦ (٢٢٨٠٢) و٥/ ٢٧٧ (٢٢٨٢٥) و٥/ ٢٨١ (٢٢٨٦٢) و(٢٢٨٦٣) و٥/ ٢٨٢ (٢٢٨٧٠)، الدارمي (٢٥٩٢)، وابن ماجه (٢٤١٢)، والترمذي (١٥٧٣)، والنسائي في الكبرى (٨٧١١)، وابن حبان (١٩٨)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٦٩ رقم ٧٧٥١)، والحاكم ٢/ ٢٦، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٥٨١ رقم ١٠٩٦٤) و(٩/ ١٧٣ رقم ١٨٢٠٨)، وفي الشعب (٧/ ٣٧٥ رقم ٥١٥١) من طرق عن قتادة، عن سالم، عن معدان، عن ثوبان.\nوأخرجه الترمذي (١٥٧٢) عن قتيبة عن أبي عوانة عن قتادة عن سالم عن ثوبان. وقال الترمذي: وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي حَدِيثِهِ: الكِبْرُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ مَعْدَانَ وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ أَصَحُّ. وعند الترمذي: الكنز. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على شرطهما. وصححه الألباني المشكاة (٢٩٢١/ التحقيق الثاني)، الصحيحة (٢٧٨٥)، وصحيح الترغيب (١٧٩٨)، والسراج المنير (٦٥٧٤). وشذذ الألباني لفظ الكنز كما في ضعيف الترمذي.\n(^٢) نقله العراقى في تخريج الإحياء (١/ ١٢٥٢) والسيوطى في الدر المنثور (٥/ ١٢٣) وشرح ابن ماجه (١/ ١٧٤) ولم أجده في جامع المسانيد لابن الجوزى (٢/ ١٩٧ - ١٩٨).","vol":"8","page":261},{"text":"والزاي كذا قاله ابن مردويه في تفسيره في قول اللّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (^١) فهو بالوجهين كما ذكره الحافظ.\n\n٢٧٧٠ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ -: مَرْفُوعا من تداين بدين وَفِي نَفسه وفاؤه ثمَّ مَاتَ تجَاوز اللّه عَنهُ وأرضى غَرِيمه بِمَا شَاءَ وَمن تداين بدين وَلَيْسَ فِي نَفسه وفاؤه ثمَّ مَاتَ اقْتصّ اللّه ﷿ لغريمه يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْحَاكِم عَن بشر بن نمير وَهُوَ مَتْرُوك عَن الْقَاسِم عَنهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير أطول مِنْهُ وَلَفظه قَالَ من ادان دينا وَهُوَ يَنْوِي أَن يُؤَدِّيه وَمَات أَدَّاهُ اللّه عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة وَمن اسْتَدَانَ دينا وَهُوَ لا يَنْوِي أَن يُؤَدِّيه فَمَاتَ قَالَ اللّه ﷿ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة ظَنَنْت أَنِّي لا آخذ لعبدي بِحقِّهِ فيُؤخذ من حَسَنَاته فيجْعَل فِي حَسَنَات الآخر فإِن لم يكن لَهُ حَسَنَات أَخذ من سيئات الآخر فَيجْعَل عَلَيْهِ (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام.\nقوله - ﷺ -: \"من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز اللّه عنه وأرضى غريمه بما شاء\" الحديث يقال: دان واستدان وادّان مشدادا إذا أخذ الدين\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٣٤.\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الكبير (٨/ ٢٤٠ رقم ٧٩٣٩)، والحاكم (١/ ٢٣). وقال الذهبي: فيه بشر بن نمير وهو متروك. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٢٤): ضعيف جدا.\nوأخرجه الطبرانى في الكبير (٨/ ٢٤٣ رقم ٧٩٥٠) من طريق إبراهيم بن طهمان، و(٨/ ٢٤٣ رقم ٧٩٤٩) من طريق حماد بن سلمة، كلاهما عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٣٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه جعفر بن الزبير، وهو كذاب. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٢٤): ضعيف جدا.","vol":"8","page":262},{"text":"واستقرض (ادان: افتعل) فيه بشر بن نمير (^١) (القشيرى بصري يروي عن القاسم أبي عبد الرحمن روى عن حماد بن زيد، قال يحيى بن سعيد كان ركنا من أركان الكذب وقال أحمد ترك الناس حديثه وتركه علي وفي رواية عن أحمد قال: يحيى بن العلاء كذاب يضع الحديث وبشر بن نمير أسوأ حالا منه وقال يحيى: ليس بثقة وقال البخاري: منكر الحديث وقال أبو حاتم الرازي وعلي بن الجنيد: متروك).\n\n٢٧٧١ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أدّى اللّه عَنهُ وَمن أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد إتلافها أتْلفه اللّه، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى اللّه عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه اللّه\" الحديث قال ابن بطال (^٣): هذا الحديث شريف ومعناه: الحض على ترك استئكال أموال الناس والتنزه عنها وحسن التأدية\n_________\n(^١) تاريخ يحيى برواية الدوري: ٢/ ٥٩، والجرح والتعديل لابن أَبي حاتم: ١/ ١/ ٣٦٨، والمجروحين لابن حبان: ١/ ١٨٧ - ١٨٨، والكامل لابن عدي، (٢/ ١٥٥ - ١٥٧)، والضعفاء للدارقطني: ١/ ٢٥٩، وتهذيب ابن حجر: ١/ ٤٦٠ - ٤٦١.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦١ (٨٨٥٤) و٢/ ٤١٧ (٩٥٣٢)، والبخارى (٢٣٨٧)، وابن ماجه (٢٤١١)، والبزار (٨١٥٨)، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٥٧٩ رقم ١٠٩٥٥) من حديث أبى هريرة.\n(^٣) شرح صحيح البخاري (٦/ ٥١٣) لابن بطال.","vol":"8","page":263},{"text":"(إليهم) عند المداينة وقد حرم اللّه تعالى في كتابه العزيز أكل أموال الناس بالباطل وخطب - ﵇ - بذلك في حجة الوداع (فقال) \"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام\" (^١) (يعنى: من بعضكم) على بعض وفيه أن الثواب (قد يكون) من جنس الحسنة وإن العقوبة قد تكون في جنس الذنوب لأنه جعل مكان أداء (الإنسان) أداء اللّه عنه ومكان إتلافه إتلاف اللّه له وفيه جواز المداينة للحاجة وقد كانت عائشة تستدين رجاء دخولها في حديث \"إن اللّه مع المدين حتى يقضي دينه\".\nوقد استدان النبي - ﷺ - عام الفتح من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم ومن عبد اللّه بن أبي ربيعة أربعين ألف ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألفا فكانت (هذه الأموال جميعها يقسمها النبي) - ﷺ - (بين أصحابه من أهل) الضعف ثم قضاها (- ﷺ - داعيا لهم) وقال: جزاء المقرض الحمد والوفاء وتقدم ذلك قريبا ويجوز للمقرض قبول الهدية من المقترض وغيره من المديونين من غير كراهة هذا مذهبنا ومذهب (ابن عباس) لكن الأولى أن يتنزه عنه وكرهها ابن مسعود.\nوفي رسالة القشيري (^٢) في باب التقوى عن أبي حنيفة أنه كان لا يجلس في ظل شجرة غريمه (ويقول في الخبر كل) قرض جر منفعة (فهو ربا).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٧ - ١٢١٨) وأبو داود (١٩٠٥) وابن ماجه (٣٠٧٤) من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - ﷺ -.\n(^٢) الرسالة للقشيرى (١/ ٢٣٠).","vol":"8","page":264},{"text":"٢٧٧٢ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من حمل من أمتِي دينا ثمَّ جهد فِي قَضَائِهِ ثمَّ مَاتَ قبل أَن يَقْضِيه فَأَنا وليه رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (^١).\n\n٢٧٧٣ - وعنها - ﵂ - أنَّهَا كانَت تداين فَقيل لَهَا مَا لَك وللدين وَلَك عَنهُ مندوحة قَالَت سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول مَا من عبد كانَت لَهُ نِيَّة فِي أَدَاء دينه إِلَّا كانَ لَهُ من اللّه عون فَأَنا ألتمس ذَلِك العون (^٢) وَفِي رِوَايَة من كانَ عَلَيْهِ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٧٤ (٢٥٠٩٣) و٦/ ١٥٤ (٢٥٨٥٠)، وإسحاق (١٠٦٣) وعبد بن حميد في المنتخب (١٥٢٢)، وأبو يعلى (٤٨٣٨)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٣٤ - ١٣٥ رقم ٩٣٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٥ رقم ١٣١٩٧)، وفي الشعب (٧/ ٣٨٢ رقم ٥١٦٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٣٢: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٠١٧) وصحيح الترغيب (١٨٠٠).\n(^٢) أخرجه الطيالسى (١٦٢٨)، وإسحاق (١١١١) و(١١١٢)، وأحمد ٦/ ٧٢ (٢٥٠٧٧) و٦/ ٩٩ (٢٥٣١٨) و٦/ ١٣١ (٢٥٦٣٣) و٦/ ٢٣٤ (٢٦٦١٧) و٦/ ٢٥٠ (٢٦٧٦٨)، والحارث كما في الزوائد (٤٤٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٢٨٨)، والحاكم ٢/ ٢٢ والبيهقى في الكبرى (٥/ ٥٨٠ رقم ١٠٩٥٩) من طريق القاسم بن الفضل الحداني، سمعت محمد بن علي يقول: كانت عائشة تدان، به. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٣٢: ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن محمد بن علي بن الحسين لم يسمع من عائشة.\nوأخرجه الحاكم ٢/ ٢٢ والبيهقى في الكبرى (٥/ ٥٨٠ رقم ١٠٩٥٨) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة.\nوقال الذهبي: ابن مجبر وهاه أبو زرعة وقال النسائي متروك لكن وثقه أحمد. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٨٠١): صحيح لغيره.","vol":"8","page":265},{"text":"دين همه قَضَاؤُهُ أَو هم بِقَضَائِهِ لم يزل مَعَه من اللّه حارس رَوَاهُ أَحْمد (^١) وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَا أَن فِيهِ انْقِطَاعًا وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢) بِإِسْنَاد مُتَّصِل فِيهِ نظر وَقَالَ فِيهِ كَانَ لَهُ من اللّه عون وَسبب لَهُ رزقا.\nوعن عائشة تقدم الكلام عليها.\n(قوله): أنها كانت تداين فقيل لها ما لك وللدين ولك عنه مندوحة الحديث، مندوحة أي سعة والمندوحة بفتح الميم وسكون النون وضم الدال (والمتسع وقيل) وقيل غنية (وكفاية) قاله الكرماني (^٣) والندح الأرض الواسعة (قاله الجوهرى) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٥٥ (٢٦٨٢٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٢٨٩)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١١٨ رقم ٣٧٥٩) من طريق مسلم بن إبراهيم الأزدي، عن طلحة، عن ورقاء بنت هراب عن عائشة.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٣٢: رواه كله أحمد، والطبراني في الأوسط، وقالت: فأنا أحب أن لا يزال معي من اللّه حارس. وفيه قصة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٦٣٨) وضعيف الترغيب (١١٢٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣١٦ رقم ٧٦٠٨) حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم، ثنا أبي، نا سعد بن الصلت، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا سعد بن الصلت، ولا رواه عن سعد إلا شاذان.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٣٢ - ١٣٣: وإسناد الطبراني متصل إلا أن فيه سعيد بن الصلت، عن هشام بن عروة، ولم أجد إلا واحدا يروي عن الصحابة فليس به، واللّه أعلم.\nوصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٢٢) وصحيح الترغيب (١٨٠١).\n(^٣) الكواكب الدرارى للكرمانى (٢٢/ ٥٨).\n(^٤) الصحاح (١/ ٤٠٩) للجوهرى.","vol":"8","page":266},{"text":"٢٧٧٤ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵄ - قَالَ كَانَت مَيْمُونَة تدان فتكثر فَقَالَ لَهَا أَهلهَا فِي ذَلِك ولاموها ووجدوا عَلَيْهَا فَقَالَت لا أترك الدّين وَقد سَمِعت خليلي وصفيي - ﷺ - يَقُول مَا من أحد يدان دينا يعلم اللّه أَنه يُرِيد قَضَاءَهُ إِلَا أَدَّاهُ اللّه عَنهُ فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nوعن عمران بن حصين تقدم الكلام عليه.\n(قوله:) كانت ميمونة - ﵂ - تدان فتكثر، الحديث.\nوهي ميمونة أم المؤمنين (^٢) إحدى زوجات النبي - ﷺ - وهي ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها زوجها رسول اللّه - ﷺ - سنة ست من الهجرة وقيل سنة سبع وكان اسمه برة سماها رسول اللّه - ﷺ - ميمونة قاله كريب عن ابن عباس وهي لها عن رسول اللّه - ﷺ - ستة وأربعون حديثا ماتت بعد فتح بسرف بفتح السين وكسر الراء وبالفاء وهو مكان بغرب مكة بينه وبينها عشرة أميال قاله ابن قتيبة وغيره وقيل غير ذلك ودفنت هناك وبنى بها النبي - ﷺ - أيضا هناك توفيت سنة إحدى وخمسين وقيل سنة ثلات وستين وقيل وسنة ست\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد في المنتخب (١٥٤٩)، وابن ماجه (٤٢٨٨)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٣١١ (٤٧٢٩) والكبرى (٦٢٣٩)، وأبو يعلى (٧٠٨٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٢٨٧)، وابن حبان (٥٠٤١)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ٢٤ (٦١ و٦٢)، والحاكم (٢/ ٢٢ - ٢٣). وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٢٩) دون قوله في الدنيا.\n(^٢) ترجمتها: تهذيب الكمال ٣٥/ ترجمة ٧٩٣٦، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦ ترجمة ١١٨٩، الاستيعاب ٤/ ١٩١٤، وأسد الغابة ٧/ ترجمة ٧٣٠٥، والإصابة ٨/ ترجمة ١١٧٨٣.","vol":"8","page":267},{"text":"وستين وفي الحديث الصحيح ما يبطلها فإن في الصحيح أنها توفيت قبل عائشة وصلى عليها عبد اللّه بن عباس ودخل قبرها (هو) ويزيد (بن الأصم) وعبد اللّه بن شداد بن الهاد وهم أبناء أخوها وعبيد اللّه الخولاني وكان يتيما في حجرها قيل كانت ميمونة - ﵂ - قبل أن يتزوجها الرسول - ﷺ - عند أبي (رهم بن عبد العزى وقيل بل عند أبي سبرة بن أبي رهم حكاهما أبو عبيدة وقيل كانت تحت حويطب بن عبد العزى) وقيل عند فروة بن عبد العزى وميمونة مشتقة من اليمن والبركة والميمون هو المبارك.\nقوله: وكانت تدان فتكثر، تدان بتشديد الدال تفتعل من دان يدين إذا استقرض وصار عليه دين وهو دائن واللّه أعلم.\nقوله: فقال لها أهلها في ذلك ولاموها ووجدوا عليها أي غضبوا عليها يقال: وجد عليه يجد وجدا وموجدة قاله في النهاية (^١).\n\n٢٧٧٥ - وَعَن صُهَيْب الْخَيْر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: أَيّمَا رجل تدين دينا وَهُوَ مجمع أَن لا يُوفيه إِيَّاه لَقِي اللّه سَارِقا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَإِسْنَاده مُتَّصِل لا بَأْس بِهِ إِلَّا أَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن صَيْفِي بن صُهَيْب قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ نظر (^٢).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٥٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ ٨/ ٣٧٩، وابن ماجه (٢٤١٠) و(٢٤١١)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٥٢)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٥١، والشاشى (٩٩٤)، وابن عدي في الكامل ١٠/ ٤٦٣، والطبرانى في الكبير (٨/ ٣٤ رقم ٧٣٠١)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٨١ رقم ٥١٦٠)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥٢٨). قال البوصيرى في =","vol":"8","page":268},{"text":"وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَلَفظه (^١) قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول أَيّمَا رجل تزوج امْرَأَة يَنْوِي أَن لا يُعْطِيهَا من صَدَاقهَا شَيْئا مَاتَ يَوْم يَمُوت وَهُوَ زَان وَأَيّمَا رجل اشْترى من رجل بيعا يَنْوِي أَن لا يُعْطِيهِ من ثمنه شَيْئا مَاتَ يَوْم يَمُوت وَهُوَ خائن والخائن فِي النَّار وَفِي إِسْنَاده عَمْرو بن دِينَار مَتْرُوك.\nقوله: وعن صهيب (^٢) الخير (هو ابن سنان بن قارط الرومي الصحابي).\nقوله - ﷺ -: \"أيما رجل تدين دينا وهو مجمع أن لا يوفيه إياه [أي في نيته أن لا يؤديه إلى صاحبه] لقي اللّه سارقا\" وفيه يوسف بن محمد بن صيفي بن صهيب (قال البخاري: فيه نظر، قاله في المغني)\nوقوله: في إسناده عمرو بن دينار (قهرمان آل الزبير قال في الخلاصة: أنه ليس بثقة).\n\n٢٧٧٦ - وَعَن الْقَاسِم مولى مُعَاوِيَة - ﵁ - أَنه بلغه أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من تدين بدين وَهُوَ يُرِيد أَن يَقْضِيه حَرِيص على أَن يُؤَدِّيه فَمَاتَ وَلم يقْض دينه\n_________\n= مصباح الزجاجة ٣/ ٦٤: هذا إسناد حسن يوسف بن محمد مختلف فيه رواه البيهقي من هذا الوجه. وحسنه الألباني صحيح الجامع (٢٦١٨) وصحيح الترغيب (١٨٠٢)، الروض النضير (١٠٤٣).\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٥٢)، والطبرانى في الكبير (٨/ ٣٥ رقم ٧٣٠٢) من طريق عمرو بن دينار وكيل الزبير بن شعيب البصري أن بني صهيب قالوا لصهيب فذكره. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٣٣٦: رواه الطبراني في الكبير. وعمرو بن دينار هذا متروك. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٢٧): ضعيف جدا.\n(^٢) ابن سعد: ٣/ ٢٢٦، والاستيعاب: ٢/ ٧٢٦، وأسد الغابة ٣/ ترجمة ٢٥٣٨، وتهذيب الكمال ١٣/ ترجمة ٢٩٠٤، والإصابة: ٢/ الترجمة ٤١٠٤.","vol":"8","page":269},{"text":"فَإِن اللّه قَادر على أَن يُرْضِي غَرِيمه بِمَا شَاءَ من عِنْده وَيغْفر للمتوفى وَمن تدين بدين وَهُوَ يُرِيد أَن لا يَقْضِيه فَمَاتَ على ذَلِك وَلم يقْض دينه فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ أظننت أَنا لن نوفي فلَانا حَقه مِنْك فَيُؤْخَذ من حَسَنَاته فَيجْعَل زِيَادَة فِي حَسَنَات رب الدّين فَإِن لم يكن لَهُ حَسَنَات أَخذ من سيئات رب الدّين فَجعلت فِي سيئات الْمَطْلُوب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: هَكَذَا جَاءَ مُرْسلا (^١).\nقوله: وعن القاسم مولى معاوية (والقاسم هو: أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن القرشي وثَّقَه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه غير واحد).\nقوله: رب الدين (الرب يطلق على اللّه ﵎ معرفا بالألف واللام ومضافا ويطلق على مالك الشيء الذي لا يعقل مضافا إليه فيقال رب الدين ورب المال).\nقوله: وقال هكذا جاء مرسلا تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n٢٧٧٧ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالا قَالَ رَسُول اللّه من مَاتَ وَعَلِيهِ دِينَار أَو دِرْهَم قضي من حَسَنَاته لَيْسَ ثمَّ دِينَار وَلا دِرْهَم رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الدّين دينان فَمن مَاتَ وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنا وليه وَمن مَاتَ وَهُوَ لا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَاك الَّذِي يُؤْخَذ من حَسَنَاته لَيْسَ يَوْمئِذٍ دِينَار وَلا دِرْهَم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٨٧ رقم ٥١٧٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٢٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٤١٤)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٥٤) و(٢٥٥)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ رقم ٢٩٢١) و(٣/ ٢١٦ رقم ٢٩٥٩) والكبير (١٢/ ٤٠٨ رقم =","vol":"8","page":270},{"text":"قوله: عن ابن عمر قال: قال: رسول اللّه - ﷺ -: \"من مات وعليه درهم أو دينار\" (وفي البخاري عنه - ﷺ - قال: \"من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها) فإنه ليس ثم دينار ولا درهم الحديث (^١) ومثله الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال \"أتدرون من المفلس\" قالوا: (المفلس فينا) \"من لا درهم له ولا متاع\" الحديث (^٢) وقال: (سفيان بن) عيينة حدثني\n_________\n= ١٣٥٠٤) ومسند الشاميين (٣/ ٣٥٨ رقم ٢٤٦١)، وابن عدي في الكامل ٣/ ١٢٤٩، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٤٨١)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٠٣، والبيهقى في الشعب (٩/ ٩٦ - ٩٧ رقم ٦٣١٠) من طرق عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر.\nوقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٤١١): تفرد به مبارك عن أخيه عن مطر الوراق عن عطاء الخراساني. وقال البوصيرى في مصباح الزجاجة ٣/ ٦٥: هذا إسناد فيه مقال مطر الوراق مختلف فيه ومحمد بن ثعلبة بن سواء قال فيه أبو حاتم أدركته ولم أكتب عنهو لم أر لغيره من الأئمة فيه كلاما، وباقي رجال الإسناد ثقات على شرط مسلم، رواه الطبراني في معجمه الكبير من هذا الوجه.\nوصححه الألباني كما في السراج المنير (٢٦٣٩) وأحكام الجنائز (٥) وصحيح الترغيب (١٨٠٣).\nوأما اللفظ الثاني: أخرجه الطبراني (١٣/ ٣٣٦ رقم ١٤١٤٦) من طريق جعفر بن العباس، عن ابن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٢): \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني؛ وهو ضعيف\". وصححه الألباني في الجنائز (٥) وصحيح الترغيب (١٨٠٣) وصحيح الجامع (٣٤١٨).\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٩) و(٦٥٣٤) والترمذى (٢٤١٩) وابن حبان (٧٣٦١) و(٧٣٦٢) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٩ - ٢٥٨١)، والترمذى (٢٤١٨)، وابن حبان (٤٤١١) و(٧٣٥٩) عن أبى هريرة.","vol":"8","page":271},{"text":"مسعر عن عمرو بن مرة قال: سمعت الشعبي يقول: حدثنا الربيع بن خيثم وكان من معادن الصدق قال: (إن أهل الدين في الآخرة أشد تقاضيًا) له منكم في الدنيا (يحبس لهم) فيأخذونه فيقول يا رب ألست تراني حافيا فيقول خذوا من حسناته بقدر (بقدر الذي لهم فإن لم يكن له) حسنات يقول زيدوا على سيئاته من سيئاتكم (^١) وذكر أبو عمر بن عبد البر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"صاحب الدين مأسور (يوم القيامة بالدين) (^٢) \".\n\n٢٧٧٨ - وَعَن مُحَمَّد بن عبد اللّه بن جحش - ﵁ -: قَالَ كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - قَاعِدا حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز فَرفع رَأسه قبل السَّمَاء ثمَّ خفض بَصَره فَوضع يَده على جَبهته فَقَالَ سُبْحَانَ اللّه سُبْحَانَ اللّه مَا أنزل من التَّشْدِيد قَالَ ففرقنا وسكتنا حَتَّى إِذا كَانَ الْغَد سَأَلت رَسُول اللّه - ﷺ - فقلت مَا التَّشْدِيد الَّذِي نزل؟ قَالَ: فِي الدّين وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو قتل رجل فِي سَبِيل اللّه ثمَّ عَاشَ ثمَّ قتل ثمَّ عَاشَ ثمَّ قتل وَعَلِيهِ دين مَا دخل الْجنَّة حَتَّى يقْضى دينه رَوَاهُ النَّسَائِيّ\n_________\n(^١) أورده ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ١٠٢). وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٥٦)، وأحمد في العلل (٣/ ٧٤ رقم ٤٢٤١) مختصرا.\n(^٢) أخرجه الروياني (٤٢٩)، والدينورى في المجالسة (٢١٣)، والرافقي في جزئه (٢٢٢)، والطبرانى في الأوسط (١/ ٢٧٤ رقم ٨٩٣) وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ١٠٢)، والبغوى في شرح السنة (٢١٤٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٣٣٢) من طريق مبارك بن فضالة، عن كثير أبي محمد، عن البراء بن عازب. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٢٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مبارك بن فضالة؛ وثقه عفان، وابن حبان، وضعفه جماعة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٧٦)، وضعيف الترغيب (١١٣١).","vol":"8","page":272},{"text":"وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن محمد بن عبد اللّه بن جحش (^٢) (بفتح جيم فسكون مهملة فمعجمه، القرشي الأسدي، ولد قبل الهجرة بخمس سنين، وهاجر مع أبيه إلى أرض الحبشة، ثم هاجر من مكة إلى المدينة، روى عنه أبو كثير مولاه وغيره).\nقوله: فرفع رأسه قبل السماء ثم خفض رأسه فوضع يده على (جَبهته) فقال: سبحان اللّه سبحان اللّه ما أنزل من التشديد\" الحديث (فيه جواز استعمال هذا اللفظ عند استعظام الأمر وتهويله).\nقوله: \"ففرقنا وسكتنا\" الحديث الفرق الخوف.\nقوله: فقلنا ما التشديد الذي نزل؟ قال: \"في الدين والذي نفسي بيده لو قتل رجل في سبيل اللّه ثم عاش ثم قتل ثم عاش ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضي دينه\" الحديث فهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٨٩ (٢٢٩٢٩)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٣٦٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٩٢٨)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٣٠٨ (٤٧٢٧) والكبرى (٦٢٣٧)، وابن خزيمة في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٢٩٨)، والطوسى في مختصر الأحكام (٤٦٨٤)، والطبرانى في الكبير (١٩/ ٢٤٨ رقم ٥٥٩ و٥٦٠) والأوسط (١/ ٩٠ رقم ٢٧٠)، والحاكم ٢/ ٢٥. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح النسائي والجنائز (٧) وصحيح الترغيب (١٨٠٤).\n(^٢) ترجمته: طبقات ابن سعد ٢/ ٢١٠، الاستيعاب ٣/ ١٣٧٣، أسد الغابة ٥/ ترجمة ٤٧٤٨، تهذيب الكمال ٢٥/ ترجمة ٥٣٣٤، الإصابة ٦/ ترجمة ٧٨٠١.","vol":"8","page":273},{"text":"من (حين) القتل ولا يكون أرواحهم في جوف طير ثم أجاب (أن ابن وهب) روى بإسناده عن ابن عباس مرفوعا الشهداء على بارق نهر بباب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا (^١) فلعلهم هؤلاء أو من منعه من دخول الجنة حقوق الآدميين والحق أن طبقات الشهداء مختلفة ومنازلهم متباينة واللّه أعلم قاله: في الديباجة.\n\n٢٧٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - ذكر رجلا من بني إِسْرَائِيل سَأل بعض بني إِسْرَائِيل أَن يسلفه ألف دِينَار فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أشهدهم فَقَالَ كفى بِاللّه شَهِيدا قَالَ فائتني بالكفيل قَالَ كفى بِاللّه كَفِيلا قَالَ صدقت فَدَفعهَا إِلَيْهِ إِلَى أجل مُسَمّى فَخرج فِي الْبَحْر فَقضى حَاجته ثمَّ التمس مركبا يركبه وَيقدم عَلَيْهِ للأجل الَّذِي أَجله فَلم يجد مركبا فَأخذ خَشَبَة فنقرها فَأدْخل فِيهَا ألف دِينَار وصحيفة مِنْهُ إِلَى صَاحبهَا ثمَّ زجج موضعهَا ثمَّ أَتَى بهَا البَحْر فقال اللهُمَّ إِنك تعلم أَنِّي تسلفت فلَانا ألف دِينَار فسَأَلِنِي كفِيلا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٣ (١٩٣٢١)، وأحمد ١/ ٢٦٦ (٢٤٢٧)، وهناد في الزهد (١٦٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٩)، وعبد بن حميد (٧٢١)، وابن جرير الطبري ٢/ ٤٠ و٤/ ١٧١ و١٧١ - ١٧٢ و١٧٢، وابن حبان (٤٦٥٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٣٣ رقم ١٠٨٢٥)، وفي الأوسط (١/ ٤٥ رقم ١٢٣)، والحاكم ٢/ ٧٤، والبيهقي في الشعب (٦/ ١٠٤ - ١٠٥ رقم ٣٩٣٦)، وفي إثبات عذاب القبر (٧٨) من طرق عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٩٤: رواه أحمد ورجاله ثقات، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٧٨) وصحيح الجامع (٣٧٤٣).","vol":"8","page":274},{"text":"فَقلت كفى بِاللّه كفِيلا فَرضِي بك فَسَألَنِي شَهِيدا فَقلت كفى بِاللّه شَهِيدا فَرضِي بك وَإِنِّي جهدت أَن أجد مركبا أبْعث إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلم أقدر وَإِنِّي أستودعكها فَرمى بهَا فِي الْبَحْر حَتَّى ولجت فِيهِ ثمَّ انْصَرف وَهُوَ فِي ذَلِك يلْتَمس مركبا يخرج إِلَى بَلَده فَخرج الرجل الَّذِي كَانَ أسلفه ينظر لَعَلَّ مركبا قد جَاءَ بِمَالِه فَإِذا الْخَشَبَة الَّتِي فِيهَا المَال فَأَخذهَا لأهله حطبا فَلَمَّا نشرها وجد المَال والصحيفة ثمَّ قدم الَّذِي كَانَ أسلفه وأتى بِالألف دِينَار فَقَالَ وَاللّه مَا زلت جاهدا فِي طلب مركب لآتيك بِمَالك فَمَا وجدت مركبا قبل الَّذِي جِئْت فِيهِ قَالَ هَل كنت بعثت إِلَيّ بِشَيْء قَالَ أخْبرك أنَي لم أجد مركبا قبل الَّذِي جِئْت فِيهِ قَالَ فَإِن اللّه قد أدّى عَنْك الَّذِي بعثته فِي الْخَشَبَة فَانْصَرف بِالألف الدِّينَار راشدا رَوَاهُ البُخَارِيّ مُعَلّقا مَجْزُومًا وَالنَّسَائِيّ وَغَيره مُسْندًا (^١)، قَوْله زجج بزاي وجيمين أَي طلى نقر الْخَشَبَة بِمَا يمْنَع سُقُوط شَيْء مِنْهُ.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم قوله أن رسول اللّه - ﷺ - ذكر رجلا من بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار الحديث بنو إسرائيل أولاد يعقوب - ﵇ - ويعقوب هو إسرائيل الذي نسبت إليه اليهود لفضله وعلمه وشرفه قال اللّه العظيم يا بني إسرائيل وهو جدهم الأعلى لأنه أبو الأسباط الإثنى عشر\n_________\n(^١) أخرجه أحمد موصولا ٢/ ٣٤٨ (٨٧٠٦)، البخاري تعليقا مختصرا وتاما (١٤٩٨) و(٢٠٦٣) و(٢٢٩١) و(٢٤٠٤) و(٢٤٣٠) و(٢٧٣٤) و(٦٢٦١) والأدب المفرد موصولا (١١٢٨)، والنسائى في الكبرى (٥٨٠٠)، والطبرانى في الدعاء (١/ ٢٦٠ رقم ٨٢٥ و٨٢٦)، والبيهقى في الكبرى (٦/ ١٢٦ رقم ١١٤١٣). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٤٥) وصحيح الترغيب (١٨٠٥).","vol":"8","page":275},{"text":"سموا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة وقيل هم وادي إسحاق كالقبيلة في ولد إسماعيل وهم في بني إسرائيل كالقبائل من العرب (والشعوب) من العجم (والسبط جماعة) لا يقال للواحد ولا يصح على هذا قول من يقول في الحسن والحسين سبطا رسول اللّه - ﷺ - وقيل معنى سبطا رسول اللّه - ﷺ - طائفتان منه (وقطعتان) قاله (ثعلب كأنه يشير إلى) إلى نسلهما وعقبهما وكان في (الأسباط أنبياء) ولذلك قال: وما أنزل إليهم وهم من بني إسماعيل أو هم من بني يعقوب بني صلبه صاروا كلهم أنبياء ا. هـ، وفيه من الفقه نسبة الرجل إلى جده دون أبيه وقد اختلف الناس لم سمى إسرائيل ففي التوراة أنه مشتق من الرياسة لأنه لما صارع ملك اللّه وقواه اللّه عليه أسماه إِسْرَائِيل لأنه ترأس على الملائكة وعلى الناس هذا هو الذي تضمنته التوراة وقال: المفسرون معناه عبد اللّه لأن إيل هو اللّه ﷿ بلسانهم وكذلك جيرائيل وميكائيل واللّه أعلم.\nقوله: أن يسلفه ألف دينار وأسلاف المال إعطاؤه مؤجلًا.\nقوله: فقال: إيتني بالكفيل، فقال: كفى باللّه كفيلا الكفالة هي الضمان.\nوقوله: \"ائتني بالشهداء\" فقال: كفى باللّه شهيدًا والشهيد بمعنى الشاهد (قَالَ صدقت) فدفعها إليه إلى أجل قال الخطابي (^١): لفظ إلى أجل مسمى فيه دليل على (دخول الآجال في القرض، وذهب كثير إلى وجوب الوفاء بها).\n_________\n(^١) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (٢/ ١١٣٣).","vol":"8","page":276},{"text":"وصحيفه منه إلى صاحبها والصحيفة القرطاس المكتوب. قوله: إني جهدت إن أجد مركبا أي مبالغا في طلبه وكل هذا راجع إلى معنى الشدة في الحال والمبالغة في تكلف المشقة وبلوغ غاية الجد ا. هـ قاله عياض (^١).\nقوله: ثم رجح موضعها أي طلا نقرا الخشبة بما يمنع سقوط شيء منه ا. هـ، قاله المنذري وقال عياض (^٢): لعل معناه سمرها بمسامير كالزج أو حشا شقوق (لصاقها بِشَيء وَدفعه) معه بالزج كالجلفظة ا. هـ، وقال الكرماني (^٣) وصاحب المغيث (^٤) أي أصلح موضع النقرة وسواه ولعله من تزجيج الحواجب وهو التقاط زوائد الشعر الخارج على الخدين ويحتمل أن يكون مأخوذا من الزج وهو الرمح فيكون النقر قد وقع في الطرف من الخشبة فسد عليه زجا ليمسكه ويحفظ ما في باطنه ويحتمل أن يكون من قولهم ازدج النبت انسد خصاصه أو من قولهم زججت بالشيء رميت به والزج الدفع بالجوز في الحفرة أي رمى في موضع النقر شيئا سده ا. هـ.\nقوله: حتى إذا ولجت فيه أي دخلت فيه وغابت عن عينه والولوج هو الدخول ا. هـ.\nقوله: فلما نشرها ونشر الخشبة قطعها بالمنشار وفيه فوائد كثيرة أن جميع\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١٦١) و(٢/ ١٦٩).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٠٩).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٤) المجموع المغيث (٢/ ٨).","vol":"8","page":277},{"text":"ما يؤخذ في البحر هو لواجده ما لم يعلمه ملكا لأحد وفيه قال ابن بطال (^١): أن من توكل على الله فإنه ينصره فالذي نقرا الخشبة وتوكل حفظ اللّه ما له والذي أسلفه وقنع باللّه كفيلا وصل اللّه ماله غليه قاله: الكرماني (^٢) وفيه فوائد كثيرة نقتصد منها على فائدة وهي هل يجوز في هذه المسألة أن ينقر خشبة ويجعل فيها المال ويلقيها في البحر رجاء أن تصل إلى صاحبها فالفقهاء لا يبيحون ذلك وأما أرباب الأحوال والكرامات (فلهم شأن) آخر واللّه أعلم قوله: رواه البخاري معلقا مجزوما والنسائي وغيره مسندا علقه البخاري في مواضع ووصله في باب التجارة في البحر قال ابن كثير: ذكره في صحيحه في سبعة مواضع واللّه أعلم.\nقوله: ورواه النسائي وغيره مسندا والمسند قال المحدثون: هو (ما أضافه مَن سمع النبيَّ - ﷺ - إليه بسند ظاهره الاتصال) ومما يناسب هذا حكاية زوجتي رجل تزوج أحدهما بدون علم الأخرى وقد علمت مآلهما من غير إخبار زوجها ثم مات زوجها فورثت ألف دينار ثمن التركة فادت إلى الأخرى نصفها فقالت مالي في تركته حق لأنه كان طلقني قبل موته ولم تأخذ شيئا من ذلك فانظر إلى أهل القرون الماضية رجالهم ونساؤهم مع اللّه تعالى وإلى معاملة أهل زماننا الذي نحن فيه واسألوا منه عز وعلا التوفيق لإصلاح الحال والتأهيل للفوز في المآل ذكره في شرح مشارق الأنوار.\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري (٦/ ٤٢٣).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"8","page":278},{"text":"٢٧٨٠ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من تزوج امْرَأَة على صدَاق وَهُوَ يَنْوِي أَن لا يُؤَدِّيه إِلَيْهَا فَهُوَ زَان وَمن ادان دينا وَهُوَ يَنْوِي أَن لا يُؤَدِّيه إِلَى صَاحبه أَحْسبهُ قَالَ فَهُوَ سَارِق رَوَاهُ الْبَزَّار وَغَيره (^١).\nقوله: وروى عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي أن لا يؤديها زان\" تقدم معناه.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٨٧٢١)، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ٢١) ومن طريقه ابن الجوزى في العلل المتناهية (١٠٢٩)، من طريق محمد بن أبان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة.\nقال البزار: وهذ الحديث لا نعلمه يروى من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة إلا من حديث محمد بن أبان، ومحمد بن أبان رجل من أهل الكوفة، وهو ابن أبان بن صالح لم يكن بالحافظ وقد حدث عنه جماعة من الأجلة منهم أبو الوليد، وأبو داود وغيرهما. وقال العقيلى: هذا الكلام يروى عن صهيب بإسناد مرسل ليس بثابت. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٣١: رواه البزار من طريقين: إحداهما هذه، وفيها [محمد بن أبان الكوفي، وهو ضعيف، والأخرى فيها منع الصداق خاليا عن الدين، وفيها [محمد بن الحصين الجزري شيخ البزار، ولم أجد من ذكره، وبقية رجالها ثقات. وأخرجه البزار (٩٩٩٦) حدثنا محمد بن الحصين الجزري، حدثنا السكن بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن ذكوان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وقال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن محمد بن سيرين إلا الحسن بن ذكوان، ولا نعلم رواه عن الحسن إلا السكن ولم نسمعه إلا من محمد بن حصين وقد كان عند غيره.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٨٤: رواه البزار عن محمد بن الحصين الجزري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٠٦).","vol":"8","page":279},{"text":"٢٧٨١ - وَعَن مَيْمُون الْكرْدِي عَن أَبِيه - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول أَيّمَا رجل تزوج امْرَأَة على مَا قل من الْمهْر أَو كثر لَيْسَ فِي نَفسه أَن يُؤَدِّي إِلَيْهَا حَقّهَا خدعها فَمَاتَ وَلم يؤد إِلَيْهَا حَقّهَا لَقِي اللّه يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ زَان وَأَيّمَا رجل اسْتَدَانَ دينا لا يُرِيد أَن يُؤَدِّي إِلَى صَاحبه حَقه خدعه حَتَّى أَخذ مَاله فَمَاتَ وَلم يؤد دينه لَقِي اللّه وَهُوَ سَارِق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَرُوَاته ثِقَات (^١) وَتقدم حَدِيث صُهَيْب بِنَحْوِهِ.\nقوله: وعن ميمون الكردي عن أبيه (قيل: اسمه جابان) وتقدم معنى الحديث.\n\n٢٧٨٢ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر - ﵄ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ يَدْعُو اللّه بِصَاحِب الدّين يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُوقف بَين يَدَيْهِ فَيُقَال يَا ابْن آدم فيمَ أخذت هَذَا الدّين وفيم ضيعت حُقُوق النَّاس فَيَقُول يَا رب إِنَّك تعلم أَنِّي أَخَذته فَلم آكل وَلم أشْرب وَلم ألبس وَلم أضيع وَلَكِن أَتَى عَليّ إِمَّا حرق وَإِمَّا سرق وَإِمَّا وضيعة فَيَقُول اللّه صدق عَبدِي أَنا أَحَق من قضى عَنْك فيدعو اللّه بِشَيء فيضعه فِي كفة مِيزَانه فترجح حَسَنَاته على سيئاته فَيدْخل الْجنَّة\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط ٢/ ٢٣٧ رقم ١٨٥١) و(٦/ ٢١٠ - ٢١١ رقم ٦٢١٣) والصغير (١/ ٨٤ رقم ١١١).\nوقال: لم يرو أبو ميمون عن النبي - ﷺ - حديثا غير هذا، ولا يروى عنه إلا بهذا الإسناد تفرد به أبو سعيد مولى بني هاشم، وهو ثقة، وأسمه عبد الرحمن بن عبيد الله روى عنه أحمد بن حنبل، وأثنى عليه - ﵁ -.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٣٢ و٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥: رواه الطبراني في الأوسط، والصغير، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٠٧).","vol":"8","page":280},{"text":"بِفضل رَحمته رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم أحد أسانيدهم حسن الوضيعة هِيَ البيع بِأَقَلّ عَمَّا اشْترى بِهِ (^١).\nقوله: وعن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (^٢) هو أبو محمد التيمي بن أبي بكر الصديق شهد بدرا مع المشركين أسلم وهاجر إل المدينة قبل الفتح مع معاوية فيما قيل وكان من أشجع قريش وإن ما هم بسهم قتل يوم اليماني سبعة ورمى محكم اليمامة بسهم فقتله ولم يجرب على عبد الرحمن كذبة قط روى له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية أحاديث مات قرب مكة وحمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وخمسين قيل أربع وقيل غير ذلك. واللّه أعلم.\nقوله: \"ولكن أتى إما حرق وإما سرق وإما وضيعة\" الوضيعة هي البيع بأقل مما اشترى به ا. هـ، قاله المنذري.\n\n٢٧٨٣ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن الدّين يقْتَصّ من صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة إِذا مَاتَ إِلَا من تدين فِي ثَلاث خلال\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي في مسنده (١٣٢٦)، وعنه ابن عساكر (٨/ ٣٦)، وأحمد ١/ ١٩٧ (١٧٢٩) و(١٧٣٠)، والبزار (٢٢٧٢)، والمحاملى في الأمالى (٣٣٩)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٤١. وقال البزار: لا نعلمه عن عبد الرحمن مرفوعًا إلا بهذا الإسناد.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث شريح، تفرد به صدقة عن أبي عمران. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٣٣: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، وفيه صدقة الدقيقي؛ وثقه مسلم بن إبراهيم، وضعفه جماعة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٣٨) وضعيف الترغيب (١١٢٩).\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٢/ ترجمة ١٣٩٤، وأسد الغابة ٣/ ترجمة ٣٣٤٤، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٣٤٤، وتهذيب الكمال ١٦/ ترجمة ٣٧٦٩، والإصابة ٢/ ترجمة ٥١٦٧.","vol":"8","page":281},{"text":"الرجل تضعف قوته فِي سَبِيل الله فيستدين يتقوى بِهِ على عَدو اللّه وعدوه وَرجل يَمُوت عِنْده مُسلم لا يجد بِمَا يُكَفِّنهُ ويواريه إِلَا بدين وَرجل خَافَ على نَفسه الْعزبَة فينكح خشيَة على دينه فَإِن الله يقْضِي عَن هَؤُلاءِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه هَكَذَا وَالْبَزَّار وَلَفظه ثَلَاث من تدين فِيهِنَّ ثمَّ مَاتَ وَلم يقْض فَإِن اللّه يقْضِي عَنهُ رجل يكون فِي سَبِيل اللّه فيخلق ثَوْبه فيخاف أَن تبدو عَوْرَته أَو كلمة نَحْوهَا فَيَمُوت وَلم يقْض دينه وَرجل مَاتَ عِنْده رجل مُسلم فَلم يجد مَا يُكَفِّنهُ بِهِ وَلا مَا يواريه فَمَاتَ وَلم يقْض دينه وَرجل خَافَ على نَفسه الْعَنَت فتعفف بِنِكَاح امْرَأَة فَمَاتَ وَلم يقْض فَإِن اللّه يقْضِي عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة الْعَنَت بِفَتْح الْعين وَالنُّون جَمِيعًا هُوَ الإِثْم وَالْفساد (^١).\nقوله: وروى عن عبد الله بن عمرو (^٢) كنيته: أبو محمد عبد اللّه بن عمرو بن العاص الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي كان بينه وبين أبيه في السن اثنا عشر\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة كما في إتحاف الخيرة (٣/ ٣٦٨)، وإسحاق (١٠٦٤)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٣٤٩)، وابن ماجه (٢٤٣٥)، والبزار كما في كشف الأستار (١٣٤٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٣/ ٣٦٨)، والدينورى في المجالسة (٢٦١١)، والطبرانى في الكبير ١٣/ ٧٠ (١٧٤) و(١٧٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٣٤٢)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٨٧ - ٣٨٦ رقم ٥١٧٠ و٥١٧١)، والخطيب في المتفق والمفترق (٩٠٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٤٨٣) وضعيف الترغيب (١١٣٠) وضعيف الجامع (١٤٤٢).\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ترجمة ١٦١٨، وأسد الغابة ٣/ ترجمة ٣٠٩٣، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٣٢٣، وتهذيب الكمال ١٥/ ترجمة ٣٤٥٠، والإصابة ٤/ ترجمة ٤٨٦٥.","vol":"8","page":282},{"text":"سنة وأسلمت (أمه ريطة بنت منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم) وكان النبي - ﷺ - يقول (...) (^١) نعم البيت عبد اللّه وأبو عبد اللّه (وأم عبد اللّه) أسلم عبد اللّه قبل أبيه وكان - ﵁ - أكثر الناس أخذا للعلم والحديث والعلم عن رسول اللّه - ﷺ - وكان استأذن النبي - ﷺ - في كتابة ما يسمع منه فأذن توفي وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وكان يكثر من البكاء قيل كان يغلق عليه بابه ويبكي (ورسعت عيناه) كذلك حتى أصيبت عيناه ومناقبه كثيرة مشهورة تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن الدين يقتص من صاحبه يوم القيامة (إذا) \"مات إلا من تدين في ثلاث (خلال) الرجل (تضعف) قوته (قال النووي (^٢) في كتاب) الروض في كتابه الشهادات تباح الاستدانة لحاجة في غير معصية ولا سرف إذا كان يرجوا الوفاء ا. هـ، وهؤلاء الثلاثة الذين يقضي اللّه عنهم خصوا بذلك لصدق نيتهم وحرصهم على القيام بحقوق اللّه تعالى وحقوق العباد ولأن (الخصلة الواحدة) من هذه الخصال الثلاث إما فرض عين وإما فرض كفاية وفيها معاونة على البر والتقوى واللّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ا. هـ قاله في الديباجة.\nقوله - ﷺ -: \"ورجل خاف على نفسه العنت فتعفف بنكاح امرأة\" الحديث العنت هو الإثم والفساد قاله المنذري وقال: غيره العنت الفجور والزنا والإثم والوقوع في الأمر الشاق في الدين (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) روضة الطالبين للنووى (١١/ ٢٤٦).\n(^٣) الصحاح (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"8","page":283},{"text":"٢٧٨٤ - وَعَن عبد الله بن جَعْفَر - ﵄ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن الله مَعَ الدَّائِن حَتَّى يقْضِي دينه مَا لم يكن فِيمَا يكرههُ اللّه قَالَ وَكَانَ عبد اللّه بن جَعْفَر يَقُول لخازنه اذْهَبْ فَخذ لي بدين فَإِنِّي أكره أَن أَبيت لَيْلَة إِلَّا وَاللّه معي بعد إِذْ سمعته من رَسُول اللّه - ﷺ - رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الإسْنَاد وَله شَوَاهِد (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن جعفر (^٢) كنيته: أبو جعفر ويقال: أبو محمد عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي الصحابي بن الصحابي والصحابية والجواد بن الجواد وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة باتفاق العلماء وقدم مع أبيه من\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (٢٥٩٥)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٤٧٦ تعليقا، وابن ماجه (٢٤٠٩)، وحنبل في جزئه (٥٩)، والبزار (٢٢٤٣)، والطبرانى في الأوسط (١/ ١٤٥ رقم ٤٥٧) والكبير ١٢/ ٧٤ (١٨٤)، والحاكم ٢/ ٢٣، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٠٤، وفي معرفة الصحابة (٤٠٤٣)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٢٠٦)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٥٨٠ رقم ١٠٩٦٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال البوصيرى في مصباح الزجاجة ٣/ ٦٣: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه أبو نعيم عن أبي بكر أحمد بن السندي عن موسى بن هارون الحافط عن إبراهيم بن المنذر الحذامي به وقال هذا حديث غريب من حديث جعفر عن أبيه عن عبد الله بن جعفر لم يرو عنه إلا سعيد ولا عنه إلا ابن أبي فديك. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٠٠) وصحيح الترغيب (١٨٠٨) وصحيح الجامع (١٨٢٥) وصحيح ابن ماجه.\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب: ٣/ ترجمة ١٤٨٨، أسد الغابة: ٣/ ترجمة ٢٨٦٤، تهذيب الأسماء واللغات: ١/ ترجمة ٢٩٢، تهذيب الكمال: ١٤/ ترجمة ٣٢٠٣، الإصابة: ٢/ الترجمة ٤٥٩١.","vol":"8","page":284},{"text":"الحبشة مهاجرين إلى المدينة وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق ويحيى بن علي بن أبي طالب لأن أمهما أسماء تزوجها جعفر ثم أبو بكر الصديق ثم على بن أبي طالب ﵃ أجمعين روى لعبد الله عن رسول اللّه - ﷺ - خمسة وعشرون حديثا اتفق البخاري ومسلم ومنها على حديثين وتوفي رسول اللّه - ﷺ - ولعبد اللّه بن جعفر عشر سنين وكان كريما جوادا حليما وكان - ﵁ - يسمى بحر الجود قال الحافظ عبد الغني (^١) يقال: لم يكن في الإسلام أسخى منه وذلك أنه أسلف الزبير ألف ألف درهم فلما قتل الزبير قال: ابنه عبد اللّه إني وجدت في كتب أبي إن له عليك ألف ألف درهم فقال: هو صادق (فاقبضها إذا شئت ثم لقيه) بعد ذلك فقال: له يا أبا جعفر وجدت المال لك عليه فقال: هو له قال: لا أريد ذلك. توفي عبد اللّه بالمدينة سنة ثمانين من الهجرة وهو ابن ثمانين سنة هذا هو الصحيح قول الجمهور وقال: جماعة توفي سنة تسعين وصلى عليه (أبان بن) عثمان وهو والي المدينة وحضر غسله ودفنه وازدحم الناس على حمل سريره وحمل أبان معهم بين العمودين فما فارقه حتى وضعه بالبقيع ودفوعه تسيل على خديه ويقول كنت واللّه خير الناس لا شر فيك وكنت واللّه شريفا واصلا برا ومناقبه كثيرة مشهورة رضي اللّه تعالى عنه قال (الذهبي) (^٢): قوله لا أريد ذلك هذا من أبلغ ما نقل في السؤدد والجود وأردفه - ﵇ - خلفه وأسر إليه حديثا ولما وفد على يزيد أمر له بألفي ألف وكان\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٣) للنووى.\n(^٢) هذه الكلمة ليست بالأصل ووجودها ضرورى لأن هذا كلام الذهبي تعليقا على الخبر كما في تذهيب تهذيب الكمال (٥/ ١١٠) وتاريخ الإسلام (٢/ ٨٢٥).","vol":"8","page":285},{"text":"معاوية يعطيه كل سنة (ألف ألف) درهم وكان ابن عمر (كان إذا سلم على ابن جعفر قال: السلام عليك يا) ابن ذي الجناحين وشبهه - ﵇ - بخلقه وخلقه ودعا له بالبركة في صفقة يمينه وهو آخر من رأى النبي - ﷺ - من بني هاشم عوتب في كثرة جوده فقال: إن اللّه عودني عادة وأنا أخاف إن قطعتها قطعت عني و(أبوه) هو أحد السابقين الأولين الشهداء المرزوقين وقدم من الحبشة يوم فتح خيبر فقبل رسول اللّه - ﷺ - بين عينيه وقال: ما أدري (بأيهما أنا) بقدوم جعفر أسر أم بفتح خيبر وقال: دخلت البارحة الجنة فنظرت فإذا جعفر يطير الملائكة (وإذا) حمزة متكيء على سريره.\n(قوله) - ﷺ -: \"إن اللّه مع المدين حتى يقضي دينه ما لم (يكن) فيما يكرهه اللّه الحديث قال ابن بطال (^١): إن قيل هذا الحديث يعارضه الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان يدعوا في الصلاة يقول \"اللهم إن أعوذ بك من المأثم والمغرم\" فقال له قائل: ما أكثر ما يستعيذ من المغرم فقال: \"إن الرجل إذا غرم وحدث فكذب ووعد فأخلف\" قال (الطبرى): كلا الخبرين صحيح وليس في أحدهما دفع لمعنى الآخر فأما قوله \"إن اللّه تعالى مع المدين حتى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكرهه اللّه فهو المستدين فيما لا يكرهه اللّه وهو يريد قضاءه وعنده في الأغلب ما يؤديه منه فاللّه تعالى في عونه على قضائه\" وأما المغرم الذي استعاذ منه - ﷺ - فإنه الدين الذي استدين على أوجه ثلاثة إما فيما يكرهه اللّه ثم لا يجد له سبيلا إلى قضاء أو مستدين فيما لا\n_________\n(^١) شرح البخاري لابن بطال (٦/ ٥٢٠ - ٥٢١).","vol":"8","page":286},{"text":"يكرهه اللّه ولكن (لا وجه) لقضائه عنده فهو متعرض لهلاك مال أخيه ومتلف له أو مستدين وله إلى القضاء سبيل غير أنه نوى ترك القضاء وعزم على جحده فهر عاص لربه ظالم لنفسه فكل هؤلاء إن وعدوا من استدانوا منه القضاء (يخلفون) وفي حديثهم كاذبون لوعدهم وقد صحت الأخبار عنه - ﵇ - أنه استدان في بعض الأحوال فكان معلوما بذلك الحال التي كره ذلك - ﵇ - فيها غير الحال التي ترخص لغيره فيها وقد استدان السلف الصالح واستدان عمر وهو خليفة وقال: لما طعن كم على من الدين فحسبوه فوجوده ثمانين ألفا وأكثر وكان على الزبير دين عظيم ذكره البخاري ففيما ثبت عن النبي - ﷺ - وعن السلف من استدانتهم الدين مع كراهتهم حاله دليل واضح على اختلاف الأثر في ذلك على قدر اختلاف حال المستدين. واللّه أعلم.\n\n٢٧٨٥ - وَعَن عبد الله بن عُمَرَ - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود اللّه فقد ضاد اللّه فِي أمره وَمن مَاتَ وَعَلِيهِ دين فَلَيْسَ ثمَّ دِينَار وَلا دِرْهَم وَلكنهَا الْحَسَنَات والسيئات وَمن خَاصم فِي بَاطِل وَهُوَ يعلم لم يزل فِي سخط اللّه حَتَّى ينْزع وَمن قَالَ فِي مُؤمن مَا لَيْسَ فِيهِ حبس فِي ردغة الخبال حَتَّى يَأْتِي بالمخرج مِمَّا قَالَ رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ بِنَحْوِهِ وَيَأْتِي لَفْظهمَا إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٧٠ (٥٤٨٥)، وأبو داود (٣٥٩٧)، والطبرانى في الكبير (١٢/ ٣٨٨ رقم ١٣٤٣٥)، والحاكم ٢/ ٢٧، والبيهقي في الكبرى ٦/ ١٣٥ (١١٤٤١ و١١٤٤٢) و٨/ ٣٣٢ (١٧٦١٧)، وفي الشعب (٩/ ٩٥ - ٩٦ رقم ٦٣٠٩) و(١٠/ ١٢٤ - ١٢٥ رقم =","vol":"8","page":287},{"text":"قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ومن مات وعليه دين فليس ثم دينار ولا درهم ولكنها الحسنات والسيئات\" الحديث ثم كلمة يشار بها إلى مكان البعيد.\n\n٢٧٨٦ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - قَالَ خَطَبنَا رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ هَاهُنَا أحد من بني فلَان فَلم يجبهُ أحد ثمَّ قَالَ هَاهُنَا أحد من بني فلَان فَلم يجبهُ أحد ثمَّ قَالَ هَاهُنَا أحد من بني فلَان فَقَامَ رجل فَقَالَ أَنا يَا رَسُول اللّه فَقَالَ من مَنعك أَن تُجِيبنِي فِي الْمَرَّتَيْنِ الأوليين قَالَ إِنِّي لم أنوه بكم إِلَّا خيرا إِن صَاحبكُم مأسور بِدِينِهِ فَلَقَد رَأَيْته أُدي عَنهُ حَتَّى مَا أحد يَطْلُبهُ بِشَيْء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ إِن صَاحبكُم حبس على بَاب الْجنَّة بدين كانَ عَلَيْهِ زَاد فِي رِوَايَة فَإِن شِئْتُم فافدوه وَإِن شِئْتُم فأسلموه إِلَى عَذَاب اللّه فَقَالَ رجل عَليّ دينه فقضاه قَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^١) قَالَ\n_________\n= ٧٢٦٧) من طريق يحيى بن راشد عن ابن عمر. وأخرجه الطبرانى في الكبير (١٢/ ٢٧٠ رقم ١٣٠٨٤)، والحاكم ٤/ ٣٨٣ من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ابن عمر.\nوصحح الأول الحاكم ووافقه الذهبي وسكتا عن الثانى. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٣٧)، وصحيح الترغيب (١٨٠٩) و(٢٢٤٨).\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٢٦٣) وعنه أحمد ٥/ ٢٠ (٢٠٥٥٤) ومن طريق عبد الرزاق النسائي في المجتبى ٧/ ٣١٠ (٤٧٢٨) والكبرى (٦٢٣٨) والبيهقى في الكبرى (٦/ ٨٢ رقم ١١٢٦٨)، وأحمد ٢/ ٢٠ (٢٠٥٥٦)، وعبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند ٢/ ٢٠ (٢٠٥٥٧)، وأبو داود (٣٣٤١)، وابن المنذر في الأوسط (٨١٩٧)، والحاكم ٢/ ٢٦، والطبرانى في الكبير (٧/ ١٧٩ رقم ٦٧٥٥ و٦٧٥٦) من طرق عن سعيد بن مسروق عن الشعبى عن سمعان بن مشنج عن سمرة. =","vol":"8","page":288},{"text":"الْحَافِظ عبد الْعَظِيم رَوَوْهُ كلهم عَن الشّعبِيّ عَن سمْعَان وَهُوَ ابْن مشنج عَن سَمُرَة وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير لا نعلم لسمعان سَمَاعا من سَمُرَة وَلا لِلشَّعْبِيِّ سَمَاعا من سمْعَان.\nقوله: وعن سمرة بن جندب تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن صاحبكم مأسور بدينه\" المأسور هو المحبوس.\n\n٢٧٨٧ - وعَن الْبَراء بن عَازِب - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ صَاحب الدّين مأسور بِدِينِهِ يشكو إِلَى اللّه الْوحدَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط وَفِيه الْمُبَارك بن فضَالة (^١).\n_________\n= وأخرجه الطيالسي (٨٩١ و٨٩٢)، وأحمد في المسند ٥/ ٢٠ (٢٠٥٥٥)، والطبرانى (١٧/ ١٧٨ رقم ٦٧٥٠ و٦٧٥١ و٦٧٥٢) و(٧/ ١٧٩ رقم ٦٧٥٣)، والحاكم ٢/ ٢٥، والبيهقى في إثبات عذاب القبر (ص ٩٣) والشعب (٧/ ٣٧٨ رقم ٥١٥٦) من طرق عن فراس، والطبرانى في الكبير (٧/ ١٧٩ رقم ٦٧٥٤) من طريق إسماعيل بن أبي خالد كلاهما عن الشعبى عن سمرة.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف فيه من سعيد بن مسروق. وصححه الألباني في الجنائز (١٥)، وصحيح الترغيب (١٨١٠).\n(^١) أخرجه الروياني (٤٢٩)، والدينورى في المجالسة (٢١٣)، والرافقى في جزئه (٢٢٢)، والطبرانى في الأوسط (١/ ٢٧٤ رقم ٨٩٣) وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ١٠٢)، والبغوى في شرح السنة (٢١٤٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٣٣٢) من طريق مبارك بن فضالة، عن كثير أبي محمد، عن البراء بن عازب.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٢٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مبارك بن فضالة، وثقه عفان، وابن حبان، وضعفه جماعة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٧٦)، وضعيف الترغيب (١١٣١).","vol":"8","page":289},{"text":"قوله: وعن البراء بن عازب تقدم الكلام.\nقوله - ﷺ -: \"صاحب الدين مأسور بدينه يشكو إلى اللّه الوحدة\".\n\n٢٧٨٨ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِن أعظم الذُّنُوب عِنْد اللّه أَن يلقاه بهَا عبد بعد الْكَبَائِر الَّتِي نهى الله عَنْهَا أَن يَمُوت رجل وَعَلِيهِ دين لا يدع لَهُ قَضَاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي موسى تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه عبد بها بعد الكبائر التي نهى اللّه عنها أن يموت عليه دين لا يدع له قضاء\" الحديث.\n\n٢٧٨٩ - وَعَن شفي بن ماتع الأصبحي - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أَرْبَعَة يُؤْذونَ أهل النَّار على مَا بهم من الأذَى يسعون مَا بَين الْحَمِيم والجحيم يدعونَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور يَقُول بعض أهل النَّار لبَعض مَا بَال هَؤُلاءِ قد آذونا على مَا بِنَا من الأذَى، قَالَ فَرجل مُعَلّق عَلَيْهِ تَابُوت من جمر وَرجل يجر أمعاءه وَرجل يسيل فوه قَيْحا ودما وَرجل يَأكل لَحْمه فَيُقَال لصَاحب التابوت مَا بَال الأبْعَد قد آذَانا على مَا بنَا من الأذَى فَيَقُول إِن الأبْعَد مَاتَ وَفِي عُنُقه أَمْوَال النَّاس لا\nيجد لَهَا قَضَاء أَو وَفَاء الحَدِيث رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لين\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٢ (١٩٨٠٤)، وأبو داود (٣٣٤٢)، والرويانى (٤٩٦)، وأبو بكر الزبيرى في الفوائد (١٣)، وأبو الفضل الزهرى في الفوائد (١٦١)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٧٦ رقم ٥١٥٢) و(٧/ ٣٧٦ - ٣٧٧ رقم ٥١٥٣). وضعفه الألباني في المشكاة (٢٩٢٢/ التحقيق الثاني)، وضعيف الجامع (١٣٩٢)، وضعيف الترغيب (١١٣٢). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.","vol":"8","page":290},{"text":"وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الْغَيْبَة إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^١).\nقوله: وعن شفى بن ماتع الأصبحي مختلف فيه والأصح أنه تابعي.\nقوله: \"أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى\" فذكرهم إلى أن قال: \"رجل يجر أمعاءه\" والأمعاء المصارين وقيل غير ذلك.\n\n٢٧٩٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ نفس الْمُؤمن معلقَة بِدِينِهِ حَتَّى يقْضى عَنهُ رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ نفس الْمُؤمن معلقَة مَا كانَ عَلَيْهِ دين وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٩٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٨٦) و(٣٢٣) وذم الغيبة (٤٩) وصفة النار (٢٢٩)، والطبرى في صريح السنة (٣٦)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (١٨٦)، والطبرانى في الكبير (٧/ ٣١٠ رقم ٧٢٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٦٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٢) و(١١٣٣) و(١٦٨٤).\n(^٢) أخرجه الطيالسى (٢٥١٢)، والشافعى المسند - ترتيب سنجر (٦٠٦)، وأحمد ٢/ ٤٤٠ (٩٨١٠) و٢/ ٤٧٥ (١٠٢٩٧) و(١٠٢٩٨)، والدارمى (٢٧٩٢)، وابن ماجه (٢٤١٣)، والترمذى (١٠٧٨ و١٠٧٩)، والبزار (٨٦٦٣) و(٨٦٦٤)، والعسكرى في مسند أبى هريرة (٥٥) و(٥٧)، وأبو يعلى (٦٠٢٦)، وابن حبان (٣٠٦١)، والحسن بن رشيق في نسخة إبراهيم بن سعد (١٠)، والطبرانى في الصغير (٢/ ٢٦٧ رقم ١١٤٤)، والحاكم ٢/ ٢٦ و٢٧، والبيهقى في إثبات عذاب القبر (ص ٩٣ رقم ١٣٥ و١٣٦) والصغير (٢/ ٢٩٥ رقم ٢٠٦٢) و(٢/ ٣٧٠ رقم ٢٣٢٥) والكبرى (٤/ ١٠١ رقم ٧٠٩٩ و٧١٠٠) و(٦/ ٨١ - ٨٢ رقم ١١٢٦٧) و(٦/ ١٢٥ رقم ١١٤١١) و(٦/ ١٢٦ رقم ١١٤١٢) والشعب (٧/ ٣٧٧ - ٣٧٨ رقم ٥١٥٤ و٥١٥٥).\nوقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وهو أصح من الأول. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٢٩١٥) وصحيح الترغيب (١٨١١) وصحيح الجامع (٦٧٧٩) والأحكام (١٥).","vol":"8","page":291},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي دينه\" الحديث قال النووي في شرح المهذب (^١): قال الأزهري: نفس الإنسان لها ثلاث أمعان.\nأحدها: بدنه قال: اللّه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٢)، والثاني: الدم الذي في جسد الإنسان، والثالث: الروح التي إذا فارقت البدن لم يكن بعده حياة قال: وهو المراد بالنفس في هذا الحديث قال: فكأن نفس المؤمن تعذب بما عليه من الدين حتى يؤدي عنه هكذا قاله الأزهري، قال النووي: والمختار أن معناه أن نفسه مطالبة (بما عليه ومحبوسة) عن مقامها (الكريم) حتى يقضى دينه لا أنه يعذب لاسيما أن كان قد خلف وفاء وأوصى به وقد نص الشافعي والأصحاب على المسارعة إلى قضاء الدين عن الميت والتوصل (إلى إبرائه) منه قال الشيخ أبو حامد: إن كان للميت دراهم أو دنانير قضي الدين منها وإن كان عقارا أو غيره مما يباع سأل غرماءه إن (يحتالوا) عليه (ليصير) الدين (في ذمة وليه) وتبرأ ذمة الميت هذا لفظ الشيخ أبي حامد ونحوه في المجموع والتجريد للمحاملي (والعدة) للطبري (وقال) الشافعي في الأم (^٣): (في آخر باب القول عند الدفن إن كان) الدين ليستأخر (سأل غرماءه) أن يحللوه ويحتالوا به عليه وإرضاءهم منه بأي وجه كان هذا نصه وهو نحو ما تقدم، وفيه إشكال لأن ظاهره أنه بمجرد تراضيهم يصير في\n_________\n(^١) المجموع (٥/ ١٢١ - ١٢٤).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٤٥.\n(^٣) الأم (١/ ٣١٨).","vol":"8","page":292},{"text":"ذمة الولي وتبرأ ذمة الميت ومعلوم أن الحوالة لا تصح إلا برضى المحيل والمحتال وإن كان ضمانا فكيف يبرأ المضمون عنه ثم مطالب الضامن وفي حديث (أبي قتادة لما ضمن الدين عن الميت إن النبي - ﷺ - قال \"الآن بردت جلدته\" حين وفاه لا حين ضمنه ويحتمل أن) الشافعي والأصحاب (رأوا هذه) الحوالة مبرئة للميت للحاجة والمصلحة (^١) ا. هـ.\nقوله: \"نفس المؤمن\" قال في شرح الإلمام: لا يحترز به عن الكافر فإنه بطريق الأولى ولكنه خرج مخرج الغالب ولأن المؤمن هو الذي يخاف ويحترز وتنفعه الموعظة والنفس والروح (شئ) واحد خلافا لبعض أهل التصوف والحكماء وهذا الحديث يرد عليهم.\nوقوله: معلقة أي محبوسة (عن دخول الجنة أو في زمرة الصالحين ويؤيد ال) معنى (الثانى ما مر) في الحديث (يشكو إلي اللّه الوحدة يوم القيامة) وفيه دليل على أن (الميت) المضمون (ذمته) لا تبرأ بمجرد (الضمان) بل بالقضاء ويقويه قوله في الحديث الآخر بعد قضاء ما في ذمة الميت الآن بردت عليه جلدته ولكن يعكر على هذا الحديث أبي قتادة لما قال: في ميت مديون صل عليه (يَا رَسُول) اللّه وعلى دينه قال: بالوفاء قال: بالوفاء (فصلى عليه) يدل على براءته من حينئذ لكونه صلى عليه وهو (لم يوف على) الصحيح لأنه في معنى القضاء (بخلاف) الحوالة فإنه يبرأ برضا المحيل والمحتال عليه ولا يفتقر إلى رضا المحال وأنه لا يبرأ منها إلا أربابها كما جاء يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين وهذا كله محمول على من قدر على\n_________\n(^١) المجموع (٥/ ١٢٤)، والنجم الوهاج (٣/ ٩١ - ٩٢).","vol":"8","page":293},{"text":"وفائه ثم قصر أو كان استدان في معصية وأما من كانت نيته الوفاء فلم يقدر ومات معسرا ودينه في غير معصية فإن الله يؤدي عنه كما جاء من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله ومن أخذها يريد أداءها أدى الله عنه واعلم أن في قضاء دين الميت تخليص مهجته من ارتهانها وتعلقها فينبغى المبادرة إلى قضاء ديونه مقدما على وصاياه ثم يقسم ميراثه وميراثه ثم تنفذ وصاياه ثم يقسم ميراثه وهذا مجمع عليه ولنا قول أن ميراثه لا ينتقل إلى الورثة إلا بعد ذلك والأصح أنه ينتقل بمجرد موته كالديون على الأصح (^١) ا. هـ.\n\n٢٧٩١ - وَعَن جَابر - ﵁ -: قَالَ توفّي رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ثمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُول اللّه - ﷺ - ليُصَلّي عَلَيْهِ فَقُلْنَا تصلي عَلَيْهِ فخطا خطْوَة ثمَّ قَالَ أعليه دين قُلْنَا دِينَارَانِ فَانْصَرف فتحملهما أَبُو قَتَادَة فأتيناه فَقَالَ أَبُو قَتَادَة الديناران عَليّ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - قد أوفى اللّه حق الْغَرِيم وبرئ مِنْهُمَا الْمَيِّت قَالَ نعم فصلى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك بيومين مَا فعل الديناران قلت إِنَّمَا مَاتَ أمس قَالَ فَعَاد إِلَيْهِ من الْغَد فَقَالَ قد قضيتهما فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الآن بردت جلدته رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِاخْتِصَار (^٢).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ٩١ - ٩٢).\n(^٢) أخرجه الطيالسى (١٧٧٨)، وأحمد ٣/ ٣٣٠ (١٤٧٦٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤١٤٥)، وابن الغطريف في جزئه (٢٦)، والدارقطني (٣٠٨٤)، والحاكم ٢/ ٥٨، والبيهقى في إثبات عذاب القبر (ص ٩٣ - ٩٤ رقم ١٣٨) والصغير (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ٢٠٩٨) والكبرى (٦/ ١٢٢ رقم ١١٤٠١) و(٦/ ١٢٤ رقم ١١٤٠٥). وصححه الحاكم =","vol":"8","page":294},{"text":"قوله: وعن جابر هو جابر بن عبد اللّه تقدم.\nقوله: توفي رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه فذكر الحديث إلى أن قال: أعليه دين قلنا دينار أن فانصرف فتحملها أبو قتادة الحديث وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقط عن ذمة الميت التبعة وينفعه ذلك حتى ولو كان من أجنبي أو من غير تركته وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة في قضية ضمانه الدينارين عن الميت فلما قضاها قال له النبي - ﷺ -: الآن بردت جلده وفي بعض النسخ جلدته وأجمعوا على أن الحي إذا كان له قبل الميت حق من الحقوق فأحله الله منه أنه ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحي فإذا سقط من ذمة الحي بالنص والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه ولو لم يرض به بل رده فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء ولا فرق بينهما وصرح ابن حمدان الحنبلي في كتاب الرعاية بوصول جميع القرب إلى الميت سواء كان بدنيا أو ماليا كالصدقة والعتق والصلاة والصيام والحج والقراءة ثم قال: وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل وإلا فلا ورجح الشرط جماعة من المحققين من الحنابلة واللّه أعلم ذكره ابن الجوزية (^١).\n_________\n= ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٩ و٤/ ١٢٧: رواه أحمد، والبزار، وإسناده حسن. وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٤١٦) وحسنه في صحيح الترغيب (١٨١٢).\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"8","page":295},{"text":"قوله: في حديث جابر الآن بردت عليه جلده بتشديد الراء وقد يخفف قال البغوي (^١): في الحديث دليل على أن الضمان عن الميت (جائز سواء ترك وفاء أو لم يترك، وهو قول أكثر) أهل العلم (وبه قال الحسن) وابن ليلى والشافعي وقال أبو حنيفة: لا يصح الضمان عن ميت لم يخلف وفاء وبالاتفاق لو ضمن عن حي معسر دينا ثم مات من عليه الدين كان الضمان بحاله كما لم يناف موت المعسر (دوام) الضمان لا ينافي (ابتداءه قول جابر: كان ذلك) في أول الإسلام (وفى المال قلة) فلما فتح اللّه الفتوح قال: \"أنا أولى بالمؤمنين\" إلى آخره (وفيه أن هذا الحديث ناسخ لحديث) نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه وفيه أيضا أنه (من مات وعليه دين تبقى ذمته) مرتهنة (به) حتى يقضى أو يرضيه صاحب الحق بالضمان (لأنه في معنى القضاء) وعليه يحمل كونه - ﵇ - صلى عليه قبل الوفاء.\nوقال مالك (^٢): (إذا تكفل) عن ميت فله أن يرجع في ماله كذلك فإن (قال: إنما) أديت لأرجع في (ماله) وإن لم يكن للميت مال وعلم الضامن بذلك فلا رجوع له إن (بان) للميت مال قال ابن القاسم: لأنه بمعنى الهبة ورجحة مالك لأن أبا قتادة علم أنه لا وفاء للميت (حين) ضمن ذمته ولو علم أن له مالا (^٣).\n_________\n(^١) شرح السنة (٨/ ٢١٢) للبغوي.\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦/ ٤٢٦).\n(^٣) تمام العبارة وتكفل بدينه على أن يرجع به في ماله، لم يمنعه من ذلك كتاب ولا سنة.","vol":"8","page":296},{"text":"٢٧٩٢ - وَرُوِيَ عَن عَليّ - ﵁ - قَالَ كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا أُتِي بالجنازة لم يسْأَل عَن شَيْء من عمل الرجل وَيسْأل عَن دينه فَإِن قيل عَلَيْهِ دين كف عَن الصَّلَاة عَلَيْهِ وَإِن قيل لَيْسَ عَلَيْهِ دين صلى عَلَيْهِ فَأتي بِجنَازَة فَلَمَّا قَامَ ليكبر سَأل رَسُول اللّه - ﷺ - هَل على صَاحبكُم دين قَالُوا دِينَارَانِ فَعدل عَنهُ رَسُول اللّه - ﷺ - وَقَالَ صلوا على صَاحبكُم فَقَالَ عَليّ - ﵁ -: هما عَليّ يَا رَسُول اللّه برئ مِنْهُمَا فَتقدم رَسُول اللّه - ﷺ - فصلى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لعَلي بن أبي طَالب جَزَاك اللّه خيرا فك اللّه رهانك كمَا فَككت رهان أَخِيك إِنَّه لَيْسَ من ميت يَمُوت وَعَلِيهِ دين إِلَّا وَهُوَ مُرْتَهن بِدِينِهِ وَمن فك رهان ميت فك اللّه رهانه يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ بَعضهم هَذَا لعَلي خَاصَّة أم للْمُسلمين عَامَّة قَالَ بل للْمُسلمين عَامَّة رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَاهُ أَيْضا بِنَحْوِهِ عَن طَرِيق عبيد اللّه الْوَصَّافِي عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد (^١).\nقوله: وعن علي تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"صلوا على صاحبكم\" فيه الأمر بصلاة الجنازة وهي فرض كفاية إذا فعلها البعض سقطت عن الباقين.\nقوله: فقال: علي هما علي يا رسول اللّه برئي منهما الميت.\n_________\n(^١) أما حديث علي: أخرجه الدارقطني (٢٩٨٤) ومن طريقه ابن الجوزى في التحقيق (١٥٣٦)، والبيهقى في الكبرى (٦/ ١٢١ رقم ١١٣٩٩). وأما حديث أبى سعيد:\nأخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (٨٩٣)، والدارقطنى (٣٠٨٢) والبغوى في شرح السنة (٢١٥٥). قال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٢/ ٤٧٣: رواه عبد بن حميد بسند ضعيف لضعف عطية العوفي. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٣٤): ضعيف جدا.","vol":"8","page":297},{"text":"فتقدم رسول اللّه - ﷺ - فصلى عليه ثم قال: لعلي \"جزاك اللّه خيرا فك اللّه رهانك\" الحديث والرهان جمع رهن وفك الرهن تخليصه والمراد بقوله - ﷺ - \"فك اللّه رهانك\" خلص اللّه رقبتك بالعفو عنها والتجاوز عن سيئاتها التي تحبس بها وتعذ يوم القيامة.\nقوله: \"كما فككت رهان أخيك\" أي خلصته من تعلق الدين فإن نفس المؤمن مرهونة بدينه بعد الموت كما هي محبوسة مطالبة في الدنيا ذكره صاحب التنقيح (^١) قال النووي (^٢): قال أصحابنا كان النبي - ﷺ - في أول الأمر لا يصلي على من مات وعليه دين لم يخلف له وفاء إنما كان يترك الصلاة عليه ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصل إلى البراءة منها ليلا تفوتهم صلاة النبي - ﷺ - فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم فلما فتح اللّه عليه - ﷺ - عاد يصلي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء.\nقوله: - ﷺ - من طريق عبيد الله الوصافي عن عطية (^٣).\n\n٢٧٩٣ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ -: أَن النَّبِي - ﷺ - أُتِي بِجنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا قَالَ هَل عَلَيْهِ دين قَالُوا نعم فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - إِن جِبْرِيل نهاني أَن أُصَلِّي على من عَلَيْهِ دين فَقَالَ إِن صَاحب الدّين مُرْتَهن فِي قَبره حَتَّى يقْضى عَنهُ دينه.\nرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه قَالَ كنَّا عِنْد النَّبِي - ﷺ - فَأتي بِرَجُل يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَالَ هَل على صَاحبكُم دين قَالُوا نعم قَالَ فَمَا ينفعكم أَن أُصَلِّي على\n_________\n(^١) كشف المناهج والتناقيح (٢/ ٥٢٠).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ٦٠).\n(^٣) وكلاهما ضعيف.","vol":"8","page":298},{"text":"رجل روحه مُرْتَهن فِي قَبره لا تصعد روحه إِلَى السَّمَاء فَلَو ضمن رجل دينه قُمْت فَصليت عَلَيْهِ فَإِن صَلاتي تَنْفَعهُ (^١) قَالَ الْحَافِظ قد صَحَّ عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه كانَ لا يُصَلِّي على الْمَدِين ثمَّ نسخ ذَلِك فروى مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره أَن رَسُول اللّه - ﷺ - كَانَ يُؤْتى بِالرجلِ الْمَيِّت عَلَيْهِ الدّين فَيسْأَل هَل ترك لدينِهِ قَضَاء فَإِن حدث أَنه ترك وَفَاء صلى عَلَيْهِ وَإِلَّا قَالَ صلوا على صَاحبكُم فَلَمَّا فتح اللّه عَلَيْهِ الْفتُوح قَالَ أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم فَمن توفّي وَعَلِيهِ دين فعلي قَضَاؤُهُ وَمن ترك مَالا فلورثته (^٢).\nقوله: وروى عن أنس تقدم وتقدم أيضا معنى هذا الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته\" الحديث قال النووي (^٣): واختلف أصحابنا هل كان النبي - ﷺ - يجب عليه قضاء هذا الدين أم كان يقضيه تكرما؟ والأصح عندهم أنه كان واجبا عليه - ﷺ - وقيل تبرع منه واختلف أصحابنا أيضا هل هو من الخصائص أم لا؟ فقال: بعضهم هو من خصائص رسول اللّه - ﷺ - ولا\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٣٤٧٧)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٩٣)، والطبرانى في الأوسط (٥/ ٢٥٨ رقم ٥٢٥٣)، وابن الغطريف في جزئه (٢٧)، والبيهقى في الكبرى (٦/ ١٢٤ رقم ١١٤٠٦) و(٦/ ١٢٤ - ١٢٥ رقم ١١٤٠٧). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٤٠: رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه، ورواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الحميد بن أمية، وهو ضعيف. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٨٨٤) و(٦٨٦٠) وضعيف الترغيب (١١٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٩٨) و(٥٣٧١) و(٦٧٣١)، ومسلم (١٤ و١٥ و١٦ - ١٦١٩) عن أبى هريرة.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٥).","vol":"8","page":299},{"text":"يلزم الإمام أن يقضي من بيت المال وقال بعضهم: ليس هو من الخصائص بل يلزم الإمام أن يقضي من بيت المال سعة ولم يكن هناك أهم منه ومعنى الحديث أن النبي - ﷺ - قال (^١): أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته وأنا وليه في الحالين فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئا وإن خلف عيالا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلي (نفقتهم ومؤنتهم).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١١/ ٦٠).","vol":"8","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>[الترهيب من مطل الغني والترغيب في إرضاء صاحب الدين]</span>\n٢٧٩٤ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ مطل الْغَنِيّ ظلم وَإِذا أتبع أحدكُم على مَلِيء فَليتبعْ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١) أتبع بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء أَي أُحِيل قَالَ الْخطابِيّ وَأهل الحَدِيث يَقُول اتبع بتَشْديد التَّاء وَهُوَ خطأ.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ومطل الغني ظلم\" قال القاضي عياض (^٢): وغيره والمطل معناه هنا منع قضاء ما استحق أداؤه فمطل الغني ظلم وحرام والظلم مجاوزة الحد وقيل (التصرف) في غير ملك وكل منهما مستحيل في حق اللّه تعالى ومطل غير الغني ليس بظلم ولا حرام لمفهوم هذا الحديث ولأنه معذور ولو كان غنيا ولكنه ليس متمكنا من الأداء لغيبة المال أو لغير ذلك جاز له التأخير إلى الإمكان وهذا مخصوص بمطل الغنى أو يقال: المراد بالغنى المتمكن من الأداء فلا يدخل هذا فيه قال البغوي (^٣): وإن أخفى ماله حبس وعزر حتى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٨٧) و(٢٢٨٨) و(٢٤٠٠)، ومسلم (٣٣ - ١٥٦٤)، وأبو داود (٣٣٤٥)، والترمذى (١٣٠٨)، وابن ماجه (٢٤٠٣)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٣١٣ (٤٧٣١) و٧/ ٣١٥ (٤٧٣٤) عن أبي هريرة.\n(^٢) إكمال المعلم (٥/ ٢٣٣).\n(^٣) شرح السنة (٨/ ١٩٥).","vol":"8","page":301},{"text":"يظهره وإن أدعى هلاك ماله لم يقبل إلا ببينة ولا غاية لحبسه أكثر من الكشف فمتى ظهر للحاكم عدمه خلى سبيله (وروي عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، \"أن النبي - ﷺ - حبس رجلا في تهمة\" وروي \"أنه حبسه ساعة من نهار، ثم خلى سبيله\" (^١) وذهب شريح إلى أن المعسر يحبس، وهو قول أصحاب الرأي) قال بعضهم: وفيه دليل لمذهب الشافعي ومالك والجمهور أن المعسر لا يحل حبسه ولا ملازمته ولا مطالبته حتى يوسر قال النووي (^٢): وقد اختلف أصحاب مالك وغيرهم في أن المماطل هل يفسق وترد شهادته بمطله مرة واحدة أم لا ترد شهادته حتى يتكرر ذلك منه ويصير عادة ومقتضى مذهبنا اشتراط التكرار ومقتضى هذا أن تكون كثيرة عند من فسقه بمطله مرة واحدة واللّه أعلم.\nتنبيه: المطل اشتقاقه من مطلت الحديدة إذا ضربتها لتطول والمطل في اللغة مصدر مطل يمطل مطلا كضرب يضرب ضربا ومطل الغني من باب إضافة المصدر تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول والإضافة في الحديث\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢ (٢٠٣٣٨)، وأبو داود (٣٦٣٠)، والترمذي (١٤٧٦)، والنسائي ٧/ ٤٥٠ (٤٩١٩) و٧/ ٤٥١ (٤٩٢٠)، والحاكم (٤/ ١٠٢) والبيهقى في الصغير (٢/ ٢٩٥ رقم ٢٠٥٩) والكبرى (٦/ ٨٨ رقم ١١٢٩١) من طرق عن بهز بن حكيم، به.\nجميعهم باللفظ الأول إلا البيهقى فإنه أخرجه باللفظ الثانى.\nوقال الترمذي: حديث بهز عن أبيه عن جده حديث حسن. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في إرواء الغليل (٢٣٩٧) والمشكاة (٣٧٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٢٧).","vol":"8","page":302},{"text":"محتملة لهما والمماطلة أي مطل المديون الغني دين الدائن واختلفوا فيمن عليه الدين هل يجب عليه الكسب لوفائه أم لا فقال الإمام أحمد يجب كما يجب التكسب لنفقة القريب وعند الشافعي لا يجب لقوله: - ﷺ - للغرماء \"ليس لكم إلا ما وجدتم\" (^١) وهذا ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع\" أتبع بضم الهمزة وسكون التاء أي أحيل قال الخطابي: وأهل الحديث يقولون اتبع بتشديد التاء وهو خطأ هكذا نقله المنذري عنه وقال غيره: وإذا أتبع بإسكان (التاء) مثل اعلم فليتبع مثل اعلم فليعلم ومثل أخرج فليخرج هذا هو الصواب المشهور في الروايات والمعروف في كتب اللغة وكتب غريب الحديث والمراد هنا التبعية في طلب الحق بالحوالة يقال: تبعت الرجل بحقي أتبعه تباعه فأنا (تبيعه) إذا طلبته قال: اللّه تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ (^٣) ومعناه إذا أحيل بالدين الذي له على موسر فليحتل والملئ بالهمز (الثقة) الغنى والملاءة بالمد وقد أولع الناس فيه بترك الهمز وتشديد الياء قاله في النهاية\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٦ (١١٤٩٢) و٣/ ٥٨ (١١٧٢٩)، ومسلم (١٨ - ١٥٥٦)، وأبو داود (٣٤٦٩)، وابن ماجه (٢٣٥٦)، والترمذي (٦٦١)، والنسائي ٧/ ٢٢٣ (٤٥٧٢) و٧/ ٣٠٣ (٤٧٢١) عن أبي سعيد.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٠.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٦٩.","vol":"8","page":303},{"text":"وفيه الأمر بقبول الحوالة على الملى واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب.\nأحدها أنه محمول على الندب والاستحباب دون الوجوب لما فيه من الرفق والإعانة على براءة ذمة (المحيل) لاحتمال عدم تمكنه من الوفاء من غير هذا (السبيل) أو سفره بغتة ولا يجد وفاء وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة والجمهور: والثاني أنه واجب كما هو ظاهر الحديث وهو مذهب داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر وقال به أبو ثور ومحمد بن جرير الطبري وقال: بالوجوب أيضا الحنابلة واللّه أعلم.\nالثالث: أن ذلك على طريق الإباحة دون الوجوب والاستحباب ولا يخلو إما أن يحيله على من له عليه دين قدر المحال به فأكثر أم لا فإن كان فيصح ولا يشترط رضى المحال عليه بل رضى المحيل والمحتال لا غير وقيل يشترط وبه قال أبو حنيفة وخالفه (صاحب الهداية من الحنفية أن الحوالة تصح بدون رضا المحيل) وفي الحديث (مطل الغنى ظلم) ما فهم أن المعسر (الذي لا يجد ليس) بظالم (لا يحل حبسه ولا) ملازمته (ولا مطالبته في الحال) حتى يوسر وينبغي لمن عليه دين أن لا يضار صاحب الدين بتعاطى أسباب الإعسار ولا يؤلمه بكلام ولا أذى للحديث الآتى ومنها تحريم ذلك حتى بين الزوجين فيما يجب لكل واحد منهما على الآخر من الحقوق مع القدرة فإنه يجب بذله من غير مطل ولا إظهار (كراهة، وكذلك الأولاد والوالدون، وكذلك السادات والعبيد، وكذلك الرعاة والرعايا، وكذلك","vol":"8","page":304},{"text":"الحكام والمتحاكمون، وكذلك النظار والمنظور) عليهم والمقدمون والمقدم عليهم ومنها جواز الحوالة وهو مجمع عليه رفقا كالقروض وكذا كل ما فيه (تنفيس وعدم شغب) بل يستحب ومنها (ترك أسباب) القطيعة (وتعاطي أسباب) الوصلة ومنها اختيار الأسهل إذا حصل به المقصود واعلم أن الأمر بأداء حقوق الآدميين واجب على الفور واختلف في حقوق اللّه تعالى فإن قلنا بفوريتها فتأخيرها معصية وينجر إلى معاص كثيرة إذا اشتغل بالصلاة عن أداء الدين فأبطلها أحمد وصححها الجمهور والحوالة فيها القضاء كما لو دفع المال بيده ت. هـ قاله في شرح الإلمام.\n\n٢٧٩٥ - وَعَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لي الْوَاجِد يحل عرضه وماله وَعُقُوبَتَهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١) لي الْوَاجِد بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء أَي مطل الْوَاجِد الَّذِي هُوَ قَادر على وَفَاء دينه يحل عرضه أَي يُبِيح أَن يذكر بِسوء الْمُعَامَلَة وعقوبته حَبسه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٩١٢) والمصنف ٤/ ٤٨٩ (٢٤٤٤)، وأحمد ٤/ ٢٢٢ (١٨٢٢٩) و٤/ ٣٨٨ (١٩٧٦٥) و٤/ ٣٨٩ (١٩٧٧٢)، وأبو داود (٣٦٢٨)، وابن ماجه (٢٤٢٧)، والنسائي ٧/ ٣١٤ (٤٧٣٢)، وابن حبان (٥٠٨٩) والحاكم ٤/ ١٠٢. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه ابن حجر في الفتح (٥/ ٦٢) وموافقة الخبر (٢/ ٢١٧). وحسنه الألباني في الإرواء (١٤٣٤) وصححه في صحيح الترغيب (١٨١٥) والمشكاة (٢٩١٩).","vol":"8","page":305},{"text":"قوله: وعن عمرو بن الشريد (^١) عن أبيه وهو تابعي وأبوه صحابي وهو أبو الوليد عمرو بن الشريد بن سويد الثقفي الطائفي روى عن أبيه (وابن عباس) وأبي رافع روى عنه الزهري وإبراهيم بن ميسرة وآخرون وهو ثقة روى عنه البخاري ومسلم.\nقوله: - ﷺ - \"لي الواجد\" بفتح اللام وتشديد الياء أي مطل الواجد الذي هو قادر على وفاء دينه ا. هـ قاله المنذري قال الخطابي (^٢): اللى المطل يقال: لوي غريمه بدينه يلويه ليا وليَّانا إذا مطله قال الشاعر (^٣):\nقَدْ كنْتُ دَايَنْتُ بِهَا حَسَّانًا ... مخافة الإفلاس والليانا\nتريدين ليلني وأنت ملية ... وَأحسن يَا ذَات الوشاح التقاضيا\nالواجد بالجيم الغني الموسر.\nقوله: يحل عرضه أي يبيح بأن يذكر بسوء المعاملة قاله المنذري أي لصاحب الدين أن يذمه ويصفه بسوء القضاء وقال بعضهم: يحل عرضه بأن يقول ظلمني ومطلني.\nقوله: وعقوبته حبسه قاله المنذري وقال بعضهم: وعقوبته الحبس والملازمة والتعزيز وفي هذا الحديث دليل على أن المعسر لا يحبس لأن المعسر غير واجد لأنه إنما أبيح حبسه إذا كان واجدا والمعدم غير واجد فلا\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد: ٥/ ٥١٨، وتهذيب الكمال ٢٢/ ترجمة ٤٣٨٤، وتهذيب التهذيب: ٨/ ٤٧ - ٤٨، والتقريب: ٢/ ٧٢.\n(^٢) أعلام الحديث (٢/ ١١٩٥).\n(^٣) هي لزيادة العنبري، ورويت لرؤبة. [إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ١٧٣)].","vol":"8","page":306},{"text":"حبس عليه وقد اختلف الناس في هذا فكان شريح يرى حبس الملئ والمعدم وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي وقال مالك: لا حبس على معسر إنما حظه الإنظار ومذهب الشافعي أن من كان ظاهر حاله العسر لم يحبس ومن كان ظاهر حاله اليسار حبس إذا امتنع من أداء الحق ومن أصحابه من يدعي فيه زيادة شرط وقد ذكر في غير هذا الموضع وهذا الحديث بوب عليه أبو داود باب الحبس في الدين ثم عقبة بحديث رواه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - حبس رجلا في تهمة قال الخطابي (^١): في هذا دليل على أن الحبس على ضربين حبس عقوبة وحبس استظهار بالعقوبة لا يكون إلا في واجب وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به عما وراءه وقد روي أنه حبس رجلا في تهمة ساعة في نهار ثم خلى عنه.\nتتمة: قال الفقهاء: يستحب للقاضي أن يتخذ سجنا لأداء الحقوق والتعزير لأن عمر اشترى دارا بأربعة ألاف وجعلها سجنا، رواه عبد الرزاق (^٢) وفي البخاري: بأربعمائة وحبس الحطيئة الشاعر لما هجى الزبرقان بن بدر بقوله:\nدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد إنك أنت الطاعم الكاسي (^٣)\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ١٧٩).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٢١٣) عن عمرو بن دينار. وعلقه البخاري في الصحيح (٣/ ١٢٣) كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس - باب الربط والحبس في الحرم، ووصله ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٥ (٢٣٢٠١) والفاكهى في أخبار مكة (٢٠٧٦) عن عبد الرحمن بن فروخ.\n(^٣) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ٧٨٦) عن الشعبى.","vol":"8","page":307},{"text":"فسأل حسان ولبيدا عن ذلك، فقالا: إنه هجاه فأمر به عمر فحبس فلبث أياما تم إن عبد الرحمن بن عوف كلم عمر بن الخطاب في الحطيئة حتى أخرجه وهدده بقطع لسانه إن عاد يهجو أحدهم ثم إنه اشترى منه أعراض المسلمين بأربعة ألاف درهم وحبس عمر صبيغا اليمنى حين سأله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وضربه ونفاه إلى العراق وقيل إلى البصرة وروى أن عليا - ﵁ - بنى سجنا بالكوفة سماه مخيسا وكان له فيحن آخر قبله سماه نافعا وقال بعض العلماء: أن النبي - ﷺ - وأبا بكر ما حبسا أحدا ولم يكن لهما سجن والجواب أن النبي - ﷺ - سجن بالمدينة في تهمة كما تقدم ذكره وروى ابن شعبان في كتابه أن النبي - ﷺ - حكم به وروى ابن القاص أن النبي - ﷺ - قال: (من) بات في سجن ليلة مظلوما خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (^١) واستدل القرطبي (^٢) للحبس بقوله: تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (^٣) وقال ابن عطية (^٤): في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (^٥) انتزعوا من هذه الآية جواز الحبس لأن الذي يقوم عليه غريمه فهو يمنعه من تصرفاته في غير القضاء ولا فرق بين المنع من التصرفات وبين السجن ثم ذكر السبب في نزول الآية واللّه أعلم، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) ذكره ابن القاص في أدب القاضي (١/ ١٢٤) من طريق الشاذكونى عن خويلد بن عبد الرحمن عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس. والشاذكونى حافظ لكنه متهم.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣٥٢).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٦.\n(^٤) تفسير ابن عطية (١/ ٤٥٨).\n(^٥) سورة المائدة، الآية: ٧٥.","vol":"8","page":308},{"text":"٢٧٩٦ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول لا يحب اللّه الْغَنِيّ الظلوم وَلا الشَّيْخ الجهول وَلا الْفَقِير المختال وَفِي رِوَايَة إِن اللّه يبغض الْغَنِيّ الظلوم وَالشَّيْخ الجهول والعائل المختال رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة الْحَارِث الأعْوَر عَن عَليّ والْحَارث وثق وَلا بَأْس بِهِ فِي المتابعات (^١).\nقوله: عن علي تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"إن اللّه لا يحب الغنى الظلوم\" الشيخ الجهول ولا الفقير المختال وفي رواية الآخرى العائل المختال العائل هو الفقير قال اللّه تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (^٢) أي فقير فأغناك بمال خديجة على أحد التفاسير والمختال هو (المتكبر: أَي: يتخيل فِي صُورَة من هُوَ أعظم مِنْهُ كبرا).\n\n٢٧٩٧ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ ثَلاثَة يُحِبهُمْ اللّه وَثَلاثَة يبغضهم اللّه فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ وَالثَّلَاثة الَّذين يبغضهم اللّه الشَّيْخ الزَّانِي وَالْفَقِير المختال والغني الظلوم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٨٠)، والطبرانى في الأوسط (٥/ ٣٣٠ رقم ٥٤٥٨)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٠٦)، وابن امهندس في حديث عافية (١٢٣). قال البزار: لا نعلمه مرفوعا إلا من حديث علي، وشعيب فليس بالمعروف. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٣١: وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف، وقد وثق. وقال في ٨/ ٧٥: رواه البزار، وفيه الحارث وهو ضعيف جدا. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (١٨٠٥) وضعيف الترغيب (١١٣٧) وضعيف الجامع (١٦٩٠).\n(^٢) سورة الضحى، الآية: ٨.","vol":"8","page":309},{"text":"وَاللَّفْظ لَهما وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكم وصححاه (^١).\n\n٢٧٩٨ - وَرُوِيَ عَن خَوْلَة بنت قيس امْرَأَة حَمْزَة بن عبد الْمطلب - ﵄ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا قدس الله أمة لا يَأْخُذ ضعيفها الْحق من قويها غير متعتع ثمَّ قَالَ من انْصَرف غَرِيمه عَنهُ وَهُوَ رَاض صلت عَلَيْهِ دَوَاب الأرْض وَنون المَاء وَمن انْصَرف كَرِيمه وَهُوَ ساخط كتب عَلَيْهِ فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وجمعة وَشهر ظلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله: وروى عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب هكذا ذكره المنذري وقال في شرح الإلمام: ظنه وهم في ذلك إنما هي خولة بنت عمرو وهي التي لها ذكر في حديث (عائشة بعث إليها النبي - ﷺ -، استسلف منها) روى هشام بن عروة عن أبيه (عن عائشة) أن النبي - ﷺ - ابتاع جزورا فبعث\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٥٣ (٢١٧٥١)، والترمذي (٢٥٦٨)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٢٩)، والنسائي ٣/ ٣٧٦ (١٦٣١) و٤/ ٥٧٠ (٢٥٨٩)، وابن خزيمة (٢٤٥٦) و(٢٥٦٤)، وابن حبان (٣٣٥٠) و(٤٧٧١)، والحاكم ١/ ٤١٦ - ٤١٧. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال الألباني: ضعيف، المشكاة (١٩٢٢)، ضعيف الجامع الصغير (٢٦١٠)، وضعيف الترغيب (٥٣٢) و(١١٣٨). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣٢٧٤)، والطبرانى في الكبير (٢٤/ ٢٤٨ رقم ٦٣٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٦١١). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٣١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو سعد البقال، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٣٩) وضعيف الجامع (٤٩٣١).","vol":"8","page":310},{"text":"إلى خولة بنت عمرو يستلفها كذا أخرجه بن منده وأبو نعيم قوله: - ﷺ - \"ما قدس اللّه أمة لا يأخذ ضعيفها الحق من قويها\" الحديث التقديس التطهير أي طهر من الذنوب ومن أسمائه تعالى القدوس وهو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص وفعول بالضم من أبنية المبالغة وقد تفتح القاف وليس بالكثير ولم يجيء منه إلا قدوس وسبوح وذروح وسمى بيت المقدس لأنه الموضع الذي يتقدس فيه من الذنوب وروح القدس لأنه خلق من طهارة.\nقوله: \"غير متعتع\" تعتع بتائين مثناتين فوق وعينين مهملتين أي أقلقه وأتعبه لكثرة ترداده إليه ومطله إياه ا. هـ، قاله المنذري وقال غيره: تعتعه بفتح التاءين يعني من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه يقال: لكل من أكره في شيء حتى يقلق تعتعه فتتعتع ويتعتع الرجل تبلد في كلامه، وقوله: غير متعتع منصوب لأنه حال للضعيف وصفة له ومنه الحديث الآخر الذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه أي يتردد في قوله ويتبلد فيها لسانه له أجران قاله ابن الأثير وغيره (^١).\nقوله: - ﷺ - \"من انصرف غريمه عنه وهو راض\" والغريم وهو الدائم ومنه قوله: تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (^٢) فأطلقوه هنا لدوام الطلب قال الجوهري (^٣): الغريم الذي عليه الدين وقد يكون الذي له الدين قال كثير\n_________\n(^١) المجموع المغيث (١/ ٢٣٠) والنهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٩٠).\n(^٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٥.\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٩٩٦) للجوهرى.","vol":"8","page":311},{"text":"عزة (فيما أنشد له):\nقضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها\nقوله - ﷺ -: \"صلت عليه دواب الأرض ونون الماء\" تقدم معنى الصلاة في أماكن كثيرة من هذا التعليق ونون البحار هو حوتها قاله المنذري وفي الحديث أيضا في شعب البيهقي عن خولة \"صلت عليه دواب الأرض ونون الماء\" وغرس اللّه بكل (خطوة) شجرة في الجنة وفي مسند البزار ونسب له بكل خطوة شجرة في الجنة (^١).\n\n٢٧٩٩ - وعنها - ﵂ - قَالَت كَانَ على رَسُول اللّه - ﷺ - وسق من تمر لرجل من بني سَاعِدَة فَأتَاهُ يَقْتَضِيهِ فَأمر رَسُول اللّه - ﷺ - رجلا من الأَنْصَار أَن يَقْضِيه فقضاه تَمرا دون تمره فَأبى أَن يقبله فَقَالَ أترد على رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ نعم وَمن أَحَق بِالْعَدْلِ من رَسُول اللّه - ﷺ - فاكتحلت عينا رَسُول اللّه - ﷺ - بدموعه ثمَّ قَالَ صدق وَمن أَحَق بِالْعَدْلِ مني لا قدس اللّه أمة لا يَأْخُذ ضعيفها حَقه من شديدها وَلا يتعتعه ثمَّ قَالَ يَا خَوْلَة عديه واقضيه فَإِنَّهُ لَيْسَ من غَرِيم يخرج من عِنْد غَرِيمه رَاضِيا إِلَّا صلت عَلَيْهِ دَوَاب الأرْض وَنون الْبحار وَلَيْسَ من عبد يلوي غَرِيمه وَهُوَ يجد إِلَّا كتب اللّه عَلَيْهِ فِي كل يَوْم وَلَيْلَة إِثْمًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٦٩٦)، والبغوى في حديث عيسى بن سالم الشاشى (١١٩)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤ رقم ١٠٧٢٠ و١٠٧٢)، وأبو الحسين الطيورى في الطيوريات (٤١٢) عن ابن عباس مرفوعا. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٥ (٢٣١٨٠)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٥٢٥ رقم ١٠٧٢٣) موقوفا. قال البيهقى: والمحفوظ عن سعيد، عن ابن عباس من قوله موقوفا وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٤٦٦) وقال منكر.","vol":"8","page":312},{"text":"فِي الأوْسَط وَالْكَبِير من رِوَايَة حبَان بن عَليّ وَاخْتلف فِي توثيقه (^١) وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ الإمَام أَحْمد من حَدِيث عَائِشَة بِإِسْنَاد جيد قوي (^٢) تعتعه بتاءين مثناتين فَوق وعينين مهملتين أَي أقلقه وأتعبه بِكَثْرَة ترداده إِلَيْهِ ومطله إِيَّاه وَنون الْبحار حوتها، وَقَوله يلوي غَرِيمه أَي يمطله ويسوفه.\nقوله: وعنها يعني خولة التي تقدم ذكرها قولها - ﵂ - كان على رسول اللّه - ﷺ - وسق من تمر لرجل من بني ساعدة.\nالوسق: بفتح الواو وسكون السين المهملة ستون صاعا وقيل حمل بعير وتقدم الكلام عليه قريبا في السماحة في البيع وبنو ساعدة قبيلة من قبائل العرب.\nقوله: فأتاه يقتضيه فقضاه تمرا دون تمره فأبى أن يقبله الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوى في مشكل الآثار (٤٣٢٩)، والطبرانى في الأوسط (٥/ ١٨٧ رقم ٥٠٢٩) والكبير (٢٤/ ٢٣٣ رقم ٥٩٢)، والسلمى في آداب الصحبة (١٠٩)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣ رقم ١٠٧١٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١١٦).\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٤٠: رواه الطبراني في الأوسط، والكبير، وفيه حبان بن علي، وقد وثقه جماعة، وضعفه آخرون. وضعفه الألباني في الترغيب (١١٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢٦٨ (٢٦٩٥٣)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (١٤٩٩)، والبزار ١٨/ (٨٨)، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢، وعنه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٥/ ١٨٨ - ١٨٩ رقم ١١٥٩٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (٩٨٣)، والبيهقى في الكبرى (٦/ ٣٤ رقم ١١٠٩٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٧٧).","vol":"8","page":313},{"text":"تنبيه: هذا عقد إرفاق جوز للحاجة قال في المفهم (^١): (فإن قيل: كيف شغل) النبي - ﷺ - (ذمته) بالدين وقد قال: - ﷺ - (إياكم والدين، فإنه شين، الدين هم بالليل، ومذلة بالنهار) (^٢) والدين قد كان كثيرا ما يتعوذ منه ولا حاجة له في ذلك لأن اللّه تعالى خيره بين أن يجعل له بطحاء مكة كما رواه الترمذي وحسنه (^٣) وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (^٤) فلما ابتدأ الأخذ بالدين عند الحاجة وقصد الأداء عند الوجدان فلا يختلف في جوازه وقد يحب عند الضرورة وأما النهي عن أخذه فإنما ذلك لمن لم تدعه إليه حاجة لما فيه من الإذلال والمطالبة وما يخاف\n_________\n(^١) المفهم (١٤/ ١٢٥).\n(^٢) أخرجه الحربى في الفوائد (١٢٤)، والبحيرى في السابع من الفوائد (٧٣)، والقضاعى في مسند الشهاب (٩٥٨)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٨٤ رقم ٥١٦٦) عن أنس. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٢٢٦٥) وضعيف الجامع (٢١٩٩).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد - زوائد نعيم بإثر الحديث (١٩٦)، ومن طريقه أخرجه ابن سعد ١/ ٣٨١، وأحمد ٥/ ٢٥٤ (٢٢٦٢٠)، والترمذي بإثر الحديث (٢٣٤٧)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ - (٨٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٦٠ - ٦١ رقم ١٣٩٤)، والبغوي في شرح السنة بإثر الحديث (٤٠٤٤)، وأخرجه الروياني (١٢٢٢)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٧ رقم ٧٨٣٥)، ومن طريقه أبو نعيم في الدلائل (٥٤٠)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٣٣، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٨٤٣)، والشجري في أماليه ٢/ ٢٠٨، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٤٣ رقم ٩٩٢٥) عن أبي أمامة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٨٦٥) و(١٩٠٢).\n(^٤) سورة الضحى، الآية: ٧ - ٨.","vol":"8","page":314},{"text":"من الكذب والإخلاف في الوعد ونبينا ﵊ معصوم من ذلك وأما التخيير فلا يلزم منه عدم الحاجة بل سلك به أعلى السبل ليصبر على المشقات كما صبر أولوا العزم من الرسل فلما ألحق عزمه للّه أغناه وكان دينه ليقتدي به فيه انتهى قاله في شرح الإلمام.\n\n٢٨٠٠ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا قدست أمة لا يعْطى الضَّعِيف فِيهَا حَقه غير متعتع رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِقصَّة وَلَفظه قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي - ﷺ - يتقاضاه دينا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ أحرج عَلَيْك إِلَا قضيتني فانتهره أَصْحَابه فَقَالُوا وَيحك تَدْرِي من تكلم فَقَالَ إِنِّي أطلب حَقي فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - هلا مَعَ صَاحب الْحق كُنْتُم ثمَّ أرسل إِلَى خَوْلَة بنت قيس فَقَالَ لهَا إِن كَانَ عنْدك تمر فأقرضينا حَتَّى يأتينا تمر فنقضيك فَقَالَت نعم بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول اللّه فاقترضه فَقضى الأعرَابِي وأطعمه فَقَالَ أوفيت أوفى اللّه لَك فَقَالَ أُولَئِكَ خِيَار النَّاس إِنَّه لا قدست أمة لا يَأْخُذ الضَّعِيف فِيهَا حَقه غير متعتع (^١) رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٨ (٢٢١٠٥)، وابن ماجه (٢٤٢٦)، وأبو يعلى (١٠٩١)، وابن بشران في الأمالى (٧٣١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٨٢١) و(١٣٤٠) عن أبي سعيد. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٧: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح.\nوقال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٥/ ٣٧٧: هذا إسناد رواته ثقات. وقال في الزجاجة ٣/ ٦٨: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه أبو يعلى ورواته رواة الصحيح لأن إبراهيم بن عبد اللّه قال أبو حاتم صدوق. وصححه الألباني في المشكاة (٣٠٠٤) وصحيح الترغيب (١٨١٨).","vol":"8","page":315},{"text":"عَائِشَة مُخْتَصرا (^١) وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري تقدم.\nقوله: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - يتقاضاه دينا كان عليه فأشتد عليه حتى قال أحرج عليك ألا تقضيني فانتهره أصحابه الحديث أحرج عليك أي أضيق وتحرج فلان إذا فعل فعلا يخرج به عن الحرج ومنه حديث ابن عباس في صلاة الجمعة كره أن يحرجهم أي يوقعهم في الحرج وأحاديث الحرج كثيرة وكلها راجعة إلى هذا المعنى وفي حديث آخر فهم به بعض\n_________\n(^١) أخرجه البزار ١٨/ (٢٢٣)، والطبرانى في الأوسط (٧/ ١٧٨ رقم ٧٢٠٨) عن عائشة. قال البزار: لا نعلمه عن عائشة إلا من هذا الوجه. وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن عائشة إلا المثنى بن الصباح، تفرد به: حكام بن سلم ورواه عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٧: رواه البزار، وفيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف ووثقه ابن معين في رواية، وقال في رواية: ضعيف يكتب حديثه، ولا يترك. وقد تركه غيره. وقال في ٥/ ٢٠٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه المثنى بن الصباح، وهو متروك ووثقه ابن معين في رواية. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨١٧).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٥/ ١٦٢ - ١٦٣ رقم ٤٩٤٩) والكبير (١٠/ ٢٢٢ رقم ١٠٥٣٤) وعنه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٥) عن ابن مسعود. قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن سفيان بن عيينة مجودا إلا عبد الرحمن بن سلام. قال أبو نعيم: غريب من حديث ابن عيينة، ما رواه عنه متصلا إلا الجمحي. وأخرجه الشافعي في المسند - ترتيب سنجر (١٥٠٢) والسنن المأثورة (٤٣٤) ومن طريقه البيهقى في (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨ رقم ٢١٩١) والكبرى (٦/ ٢٤١ رقم ١١٨٠١) مرسلا. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٧: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات. وقال ابن حجر في التمييز (٤/ ١٩٥٧): وإسناده قوي. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٨٥٨) والمشكاة (٣٠٠٤).","vol":"8","page":316},{"text":"أصحابه أي قصدوه ليؤذوه باللسان أو باليد وغير ذلك.\nقوله - ﷺ -: (هلا مَعَ) صاحب الحق كنتم ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها إن كان عندك تمرا فأقرضينا فذكره إلى أن قال: فقضى الأعرابي وأطعمه أي زاده على حقه والطعمة بالضم شبه الرزق ومنه حديث أبي بكر أن اللّه تعالى إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم (من بعده).\nقوله: فأولئك خيار الناس فإن خيار الناس أحسنهم قضاء فإن قلت: أهو خير الأمة مطلقا قلت المراد خيرهم في المعاملات وخيرهم (عند التساوي في) في سائر الفضائل أو من (مقدرة أي من خيار الناس وفي بعضهم أن من) \"خيركم أحسنكم قضاء\" الحديث.\nخاتمة في (كتاب المجالسة) للدينوري في أول الجزء (العشرين): عن زيد بن أسلم (^١) قال: (جلس إلي رجل قد ذهبت يمينه من عضده) فجعل يبكي ويقول من رءاني فلا يظلمن أحدا فقلت ما حالك قال: بينا أنا أسير على شط البحر مررت بنبطي بأسبعة أنوان فقلت (أعطنى) نونا فأخذت منه نونا وهو كاره فانقلبت إلى النون (وهو) حي فعض إبهامي عضة يسيرة لم أجد لها ألما فانطلقت إلى (أهلى) فصنعوه وأكلنا فوقعت الأكلة في إبهامي فاتفق الأطباء على أن أقطعها فقطعتها ثم عالجتها حتى إذا قلت قد برئت فوقعت في كفي ثم في ساعدي ثم (في عضدى) فمن رءاني فلا يظلمن أحدا ا. هـ قاله الكمال (^٢) في منافع الحيوان.\n_________\n(^١) المجالسة وجواهر العلم (٢٧٨٢) للدينورى.\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧).","vol":"8","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>[الترغيب في كلمات يقولهن المديون والمهموم والمكروب والمأسور]</span>\n٢٨٠١ - عَن عَليّ - ﵁ -: أَن مكَاتبا جَاءَهُ فَقَالَ إِنِّي عجزت عَن مكاتبتي فأعني فَقَالَ أَلا أعلمك كَلِمَات علمنيهن رَسُول اللّه - ﷺ - لَو كَانَ عَلَيْك مثل جبل صير دينا أَدَّاهُ اللّه عَنْك قل اللَّهُمَّ اكْفِنِي بحلالك عَن حرامك وأغنني بِفَضْلِك عَمَّن سواك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن علي - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن مكاتبا جاءه فقال إني عجزت عن مكاتبتي فأعني\" المكاتب هو العبد الذي يشتري نفسه من سيده.\nقوله: فقال ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول اللّه - ﷺ - \"لو كان عليك مثل جبل صير دينا أداه اللّه عنك\" الحديث صير جبل معروف (^٢).\nقوله: \"قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك\" الحديث.\n\n٢٨٠٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ -: قَالَ دخل رَسُول اللّه - ﷺ - ذَات يَوْم الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بِرَجُل من الأَنصَار يُقَال لَهُ أَبُو أُمَامَة جَالِسا فِيهِ فَقَالَ يَا أَبَا\n_________\n(^١) أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند ١/ ١٥٣ (١٣٣٥) وفضائل الصحابة (١٢٠٨)، والترمذى (٣٥٦٣)، والبزار (٥٦٣)، والحاكم ١/ ٥٣٨. قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٦)، وصحيح الترغيب (١٨٢٠)، والكلم الطيب (١٤٣/ ٩٩).\n(^٢) قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٩): هو جبل لطيئ.","vol":"8","page":318},{"text":"أُمَامَة مَا لي أَرَاك جَالِسا فِي الْمَسْجِد فِي غير وَقت صَلَاة قَالَ هموم لزمتني وديون يَا رَسُول اللّه قَالَ أَفلا أعلمك كلَاما إِذا قلته أذهب اللّه ﷿ همك وَقضى عَنْك دينك فَقَالَ بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ قل إِذا أَصبَحت وَإِذا أمسيت اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم والحزن وَأَعُوذ بك من الْعَجز والكسل وَأَعُوذ بك من الْبُخْل والجبن وَأَعُوذ بك من غَلَبَة الدّين وقهر الرِّجَال قَالَ فَقلت ذَلِك فَأذْهب اللّه ﷿ همي وَقضى عني ديني رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: تقدم.\nقوله: \"فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة\" تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي اسمه صدى بن عجلان والمكاتب لفظه مأخوذ من الكتابة والأشهر في كافها الكسر وهو (تعليق عتق) لصفة تضمنت (معاوضة) منجمة ولفظها (إسلامى) لا يعرف في الجاهلية وهي (معدولة عن القياس) لأنها بيع ماله بماله سميت كتابة في العرف الجاري بكتابة ذلك في كتاب (توثقة) وقيل مشتقة من الكتب وهو الضم إذ فيها ضم نجم إلى نجم ولأن العرب ما كانت تعرف الحساب ولا الكتابة وإنما كانت تعرف الأوقات (بالنجوم) وهي ثمانية وعشرون نجما منازل القمر فسميت باسمها مجازا والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٥٥٥)، والبيهقى في الدعوات الكبير (١/ ٤١٤ رقم ٣٠٥) عن أبي سعيد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٤١)، وضعيف الجامع (٢١٦٩) وغاية المرام (٣٤٧).","vol":"8","page":319},{"text":"فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (^١) نزلت في صبيح بضم (الصاد مولى) حويطب بن عبد العزى (جد محمد بن) إسحاق من قبل (أمه) ا. هـ (قوله): هموم ولزمتني وديون الحديث والهموم جمع هم وهو الحزن الذي يذيب الإنسان يقال همني الشيء إذا أذابني وسنام همومى أي مذاب همومي والحزن خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم والدنيا دار غم ودار هم قوله: - ﷺ - \"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن\" وما أحسن جمع النبي - ﷺ - في تعوذه بين الهم والحزن لأن الهم عبارة عن خوف ما يتوقع من الحالات والحزن في الغالب عبارة عن الأسف على ما فات وليس هذا بعجيب ممن أوتى جوامع الكلم - ﷺ - وقد ظن بعضهم أن الهم والحزن يتحدان في المعنى وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين وليس الأمر كذلك فإن الهم إنما يكون في الأمر المتوقع والحزن فيما قد وقع كما ذكر أولا وقيل هما بمعنى واحد وهو تحسر القلب وشغله بالفكر والتأسف على ما فات من الدنيا، وقيل هو شغل القلب وفكرته بما يخاف ويرجى في المستقبل من غنى أو فقر وغير ذلك من الحوادث (الطارئة) المتوقعة وقيل الحزن على ما فات والهم بما هو آت واستعاذ من ذلك كله - ﷺ - ومقاطعة أسنى ومنزلته في التوكل أعلى من أن يحزنه أو يهمه شيء من أمور الدنيا يقال: حزنني وأحزننني لغتان وحزن وحزن ا. هـ قاله عياض (^٢).\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣٣.\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٩١) لعياض ومطالع الأنوار (٢/ ٢٦٨) لابن قرقول.","vol":"8","page":320},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وأعوذ بك من العجز والكسل\" لأن العجز ضعف النفس عن شهود قدرتها على ما يراد والكسل وضعف البدن عن أداء ما وجب على العباد وليس هذا بعجب ممن أوتي جوامع الكلم - ﷺ - فالعجز أصله التأخر عن الشيء وصار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشيء وهو ضد القدرة وقيل هو ترك ما يجب فعله والتسويف به والكسل هو التشاغل عن الأمر مع وجود القدرة عليه وقال ﵀: بعضهم هو عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه مع القدرة (عليه).\nقوله: \"وأعوذ بك من البخل والجبن\" والجبن هو بضم الباء وسكونها مصدر الحيار وما أحسن جمع النبي - ﷺ - في تعوذه بين البخل والجبن لأن البخل عبارة عن عدم الجود بالمال والجبن عدم السماحة بالنفس في القتال وليس هذا بعجب ممن أوتي جوامع الكلم - ﷺ - فأما استعاذته - ﷺ - من البخل والجبن فلما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات والقيام بحقوق اللّه تعالى وإزالة المنكر والإغلاظ عن العصاة ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات وتقوم بنصر المظلوم والجهاد وبالسلامة من البخل تقوم بحقوق المال وسعة الإنفاق والجود ومكارم الأخلاق وتمنع من الطمع فيما ليس له قال العلماء - ﵃ - واستعاذته - ﷺ - من هذه الأشياء لتكمل صفاته في كل أحواله وشرعه أيضًا تعليما لأمته، وفي هذا الحديث دليل لاستحباب الدعاء والاستعاذة من هذه وأهل الفتاوي في الأمصار في كل الأعصار وذهبت طائفة من الزهاد وأهل المعارف إلى أن ترك الدعاء أفضل استسلاما","vol":"8","page":321},{"text":"للقضاء، وقيل غير ذلك واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال\" وما أحسن جمع النبي - ﷺ - في تعوذه به ضلع الدين وقهر الرجال وضلع الدين بفتح الضاد المعجمة واللام جميعا هو ثقله وشدة حمله شدته وثقل حمله لأن غلبة الدين هو غلبة على الباطن بشدة الاهتمام، وقهر الرجال هو استيلاؤهم على الظاهر بقهر الاحتكام وليس هذا بعجب ممن أوتي جوامع الكلم - ﷺ - وقهر الرجال يريد بذلك قهر السلطان وجوره وقد روي وغلبة الرجال واللّه أعلم ذكر هذا التفسير غالبه ابن النحاس.\n\n٢٨٠٣ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لِمعَاذ أَلا أعلمك دُعَاء تَدْعُو بِهِ لَو كَانَ عَلَيْك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عَنْك قل يَا معَاذ اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء وتعز من تشَاء وتذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك على كل شَيْء قدير رَحْمَن الدُّنْيَا وَالآخِرَة ورحيمهما تعطيهما من تشَاء وتمنع مِنْهُمَا من تشَاء ارْحَمْنِي رَحْمَة تغنيني بهَا عَن رَحْمَة من سواك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: عن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٣٣٦ رقم ٥٨٨) من طريق وهب الله بن راشد، حدثنا يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن أنس بن مالك. وقال: لم يروه عن الزهري إلا يونس، ولا عنه إلا وهب الله. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٦: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٢١).","vol":"8","page":322},{"text":"قوله: قال رسول اللّه - ﷺ - لمعاذ \"ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه اللّه عنك\" الحديث وجبل أحد معروف وقد ذكر جبل ثبير وأحد وغيرهما من الجبال التي بنيت الكعبة منها في كتاب الحج مبسوطا فمن أراد ذلك فعليه بكتاب الحج من هذا التعليق واللّه أعلم.\n\n٢٨٠٤ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - افتقده يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا صلى رَسُول اللّه - ﷺ - أَتَى معَاذًا فَقَالَ يَا معَاذ مَا لي لم أرك فَقَالَ يَا رَسُول اللّه ليهودي عَليّ أُوقِيَّة من تبر فَخرجت إِلَيْك فحبسني عَنْك فَقَالَ لَهُ رَسُول اللّه - ﷺ - يَا معَاذ ألا أعلمك دُعَاء تَدْعُو بِهِ فَلَو كَانَ عَلَيْك من الدّين مثل صبير أَدَّاهُ اللّه عَنْك وصبير جبل بِالْيمن فَادع اللّه يَا معَاذ قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء وتعز من تشَاء وتذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك على كل شَيء قدير تولج اللَّيْل فِي النَّهَار وتولج النَّهَار فِي اللَّيْل وَتخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَتخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وترزق من تشَاء بِغَيْر حِسَاب رَحْمَن الدّنْيَا وَالآخِرَة ورحيمهما تُعْطِي من تشَاء مِنْهُمَا وتمنع من تشَاء ارْحَمْنِي رَحْمَة تغنيني بهَا عَن رَحْمَة من سواك وَفِي رِوَايَة قَالَ معَاذ كَانَ لرجل عَليّ بعض الْحق فخشيته فَلَبثت يَوْمَيْنِ لا أخرج ثمَّ خرجت فَجئْت رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ يَا معَاذ مَا خَلفك قلت كَانَ لرجل عَليّ بعض الْحق فخشيته حَتَّى استحييت وكرهت أَن يلقاني قَالَ أَلا آمُرك بِكَلِمَات تقولهن لَو كانَ عَلَيْك أَمْثَال الْجبَال قَضَاهُ اللّه قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك فَذكر نَحوه بِاخْتِصَار وَزَاد فِي آخِره اللَّهُمَّ أغنني من الْفقر واقض عني","vol":"8","page":323},{"text":"الدّين وتوفني فِي عبادتك وَجِهَاد فِي سَبِيلك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وروي عن معاذ بن جبل تقدم.\nقوله - ﷺ -: قل يا معاذ \"ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل صبير دينا لأداه اللّه عنك\" وصبير جبل باليمن الحديث قال الشيخ الإمام ولي الدين الملوي في كتابه الأدعية الشافية: صبر قيل هو علي فعل اسم جبل باليمن في جانبه حصي تسمى تعز مشرف على الحصن وفيه مزارع وثمار وسكان وفي الحديث من فعل كذا وكذا كان له خيرا من صبير ذهبا وهذه الكلمة وقعت في حديثي على ومعاذ أما علي فهو صير وأما معاذ صبير كذا فرق بينهما بعضهم قاله في النهاية (^٢) وكذا حرره شيخنا النواحي بخطه على نسختين بالحاشية كذلك قال: ولا يبعد أن يكون فيهما صبر واتسع في إحدى الرواتين فقال صبير والياء تنشئ عن الكسرة كما تنشأ الألف عن الفتحة والواو عن الضمة واللّه أعلم ا. هـ، وقال صاحب سلاح المؤمن (^٣) صبير بصاد مهملة ثم باء موحدة ثم ياء مثناة وهكذا وجدته في غير ما نسخة من الترمذي\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الكبير (٢٠/ ١٥٤ رقم ٣٢٣) و(٢٠/ ١٥٩ رقم ٣٣٢)، ومسند الشاميين (٣/ ٢١٩ - ٣٢٠ رقم ٢٣٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٠٤) قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٦: رواه كله الطبراني، وفي الرواية الأولى نصر بن مرزوق ولم أعرفه، وبقية رجالها ثقات، إلا أن سعيد بن المسيب لم يسمع من معاذ، وفي الرواية الثانية من لم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٤٢).\n(^٢) النهاية (٣/ ٩).\n(^٣) سلاح المؤمن في الدعاء والذكر (ص ٤٨٦) لابن الإمام.","vol":"8","page":324},{"text":"وقد قال الصاغاني: في العباب في صبير بالصاد والياء المثناة والصبر جبل على الساحل بين سيراف وعمان وصبره أيضا جبل بساحل عدن ا. هـ.\nفائدة: قال كاتبة عفا اللّه عنه: ولقد أخبرني بعض الفقراء الصالحين اليمنين أن حص تعز مدينة كبيرة باليمن وفيه قلعة بها يكون سلطان اليمن وجبل صبرا المذكور في الحديث مطل على تعز وفيه مزارع وثمار وسكان وهو جبل كبير يسير الراكب في طوله نحو نصف يوم أو أكثر وفيه مغار يقال: أن فيه أصحاب الكهف وقد بنى على باب المغار مرار لهم والناس تزورهم الآن ويتبركون بذلك المكان ا. هـ قوله: فلبثت يومين لا أخرج الحديث لبثت بإدغام الثاء المثلثة في التاء المثناة وبالإظهار وهما قراءتان قرئي بهما في السبع أي مكثت يومين لا أخرج.\n\n٢٨٠٥ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت دخل عَليّ أَبُو بكر فَقَالَ سَمِعت من رَسُول اللّه - ﷺ - دُعَاء علمنيه قلت مَا هُوَ قَالَ كَانَ عِيسَى ابْن مَرْيَم يعلم أَصْحَابه قَالَ لَو كانَ على أحدكم جبل ذهب دينا فَدَعَا اللّه بذلك لقضاه اللّه عَنهُ اللَّهُمَّ فارج الْهم وَكَاشف الْغم ومجيب دَعْوَة الْمُضْطَرين رَحْمَن الدُّنْيَا وَالآخِرَة ورحيمهما أَنْت ترحمني فارحمني برحمة تغنيني بهَا عَن رَحْمَة من سواك، قَالَ أَبُو بكر الصّديق - ﵁ -: وَكَانَت عَليّ بَقِيَّة من الدّين وَكنت للدّين كَارِهًا فَكنت أَدْعُو اللّه بذلك فَأَتَانِي اللّه بفائدة فَقضى عني ديني قَالَت عَائِشَة كَانَ لأسماء بنت عُمَيْس - ﵂ - عَليّ دِينَار وَثَلَاثة دَرَاهِم وَكَانَت تدخل عَليّ فأستحيي أَن أنظر فِي وَجههَا لا أجد مَا أقضيها فَكنت أَدْعُو بذلك الدُّعَاء فَمَا","vol":"8","page":325},{"text":"لَبِثت إِلَا يَسِيرا حَتَّى رَزَقَنِي الله رزقا مَا هُوَ بِصَدقَة تصدق بهَا عَليّ وَلا مِيرَاث ورثته فقضاه الله عني وَقسمت فِي أَهلِي قسما حسنا وحليت ابْنة عبد الرَّحْمَن بِثَلاث أَوَاقٍ من ورق وَفضل لنا فضل حسن رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْحَاكِم والأصبهاني كلهم عَن الحكم بن عبد الله الأيْلِي عَن الْقَاسِم عَنْهَا وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم كَيفَ وَالْحكم مَتْرُوك مُتَّهم وَالقَاسِم مَعَ مَا قيل فِيهِ لم يسمع من عَائِشَة (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ - \"اللهم فارج الهم وكاشف الغم\" تقدم الكلام على الهم وأما الغم فقال الجوهري (^٢): الغم الذي يأخذها بالنفس.\nقوله: قالت عائشة كان لأسماء بنت عميس على دينار وثلاثة دراهم وكانت تدخل على فأستحي أن أنظر في وجهها لأني ما أجد ما أقضيها الحديث أسماء بنت عميس (^٣) خثعيمة من بنى خثعم بن أنمار بن معد بن عدنان كانت تحت جعفر بن أبي طالب - ﵁ - وهاجرت معه إلى أرض\n_________\n(^١) أخرجه المروزى في مسند أبى بكر (٤٠)، والبزار (٦٢)، وابن عدى في الكامل (٢/ ٤٨١)، والحاكم ١/ ٥١٥، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٢٨١). وقال الحاكم صحيح. وقال الذهبي: الحكم ليس بثقة. قال جامعه: وكذا رأيته في نسخة شيخنا صلاح الدين العلائي وصوابه الحكم بن عبد الله الأيلي فإنه المذكور في إسناده. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٦: رواه البزار، وفيه الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو متروك. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٤٣): موضوع.\n(^٢) الصحاح (١/ ٢١١) مادة كرب. قلت فسر به معنى الكرب.\n(^٣) ترجمتها: الاستيعاب ٤/ ترجمة ١٧٨٤، وأسد الغابة: ٧/ ترجمة ٦٧١٣، تهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ترجمة ١١٤١، والإصابة: ٨/ ترجمة ١٠٨٠٩.","vol":"8","page":326},{"text":"الحبشة قتل عنها يوم مؤتة فتزوجها أبو بكر الصديق - ﵁ - فمات عنها ثم تزوجها علي بن أبي طالب، وولدت لجعفر عبد الله ومحمدا وعونا، وولدت لأبي بكر محمدا وولدت لعلي يحي وأسماء أخت ميمونة زوج النبي - ﷺ - وأخت أم الفضل أم العباس وأم أسماء بنت عميس هذه هند بنت عون بن (زهير بن الحارث بن كنانة) وكانت - ﵂ - أكرم الناس أصهارا فمن أصهارها رسول الله - ﷺ - وحمزة والعباس وغيرهم أسلمت قديما قال ابن سعد: أسلمت قبل دخول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم بمكة وبايعت - ﵂ - ومناقبها كثيرة مشهورة قولها - ﵂ - فكنت أدعو الله بذلك الدعاء فما لبثت إلا يسيرا وتقدم الكلام عليه في الحديث قولها وفضل لنا فضل حس يقال فضل بفتح الضاد المعجمة وكسرها لغتان مشهورتان والله أعلم.\n\n٢٨٠٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا أصَاب أحدا قطّ هم وَلا حزن فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبدك وَابْن عَبدك وَابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك مَاض فِي حكمك عدل قضاؤك أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وجلاء حزني وَذَهَاب همي إِلَّا أذهب الله ﷿ همه وأبدله مَكَان حزنه فَرحا قَالُوا يَا رَسُول الله يَنْبَغِي لنا أَن نتعلم هَؤُلاءِ الْكَلِمَات قَالَ أجل يَنْبَغِي لمن سمعهن أَن يتعلمهن رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم كلهم عَن أبي سَلمَة الْجُهَنِيّ عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح على","vol":"8","page":327},{"text":"شَرط مُسلم إِن سلم من إرْسَال عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه قَالَ الْحَافِظ لم يسلم وَأَبُو سَلمَة الْجُهَنِيّ يَأْتِي ذكره (^١) وروى هَذَا الحَدِيث الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ بِنَحْوِهِ وَقَالَ فِي آخِره قَالَ قَائِل يَا رَسُول الله إِن المغبون لمن غبن هَؤُلاءِ الْكَلِمَات قَالَ أجل فقولوهن وعلموهن فَإِنَّهُ من قالهن وعلمهن التمَاس مَا فِيهِنَّ أذهب الله كربه وَأطَال فرحه (^٢).\nقوله: وعن ابن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما أصاب أحد قط هم ولا حزن\" تقدم الكلام على الهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٢٩) والمصنف ٦/ ٤٠ (٢٩٣١٨)، وأحمد ١/ ٣٩١ (٣٧٨٨)، والبزار (١٩٩٤)، وابن أبي الدنيا في الفرج (٤٩)، والحارث كما في الزوائد (١٠٥٧)، وأبو يعلى (٥٢٩٧)، والشاشي (٢٨٢)، وابن حبان (٩٧٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٦٩ رقم ١٠٣٥٢)، وفي الدعاء (١٠٣٥)، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٠٩ - ٥١٠.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه من أبيه، وتعقبه الذهبي: أبو سلمة لا يدرى من هو، ولا رواية له في الكتب الستة. وصححه الألباني في الصحيحة (١٩٨) وصحيح الترغيب (١٨٢٢) والكلم الطيب (١٢٤).\n(^٢) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٣٩) وابن حجر في نتائج الأفكار (٤/ ٩٧) من طريق الطبرانى، من طريق جعفر بن برقان، عن فياض الكوفي. عن عبيد الله بن زبيد، عن أبي موسى الأشعري. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٣٧: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار ٤/ ٩٨: هذا حديث غريب. أخرجه ابن السني من رواية مخلد بن يزيد الحراني، عن جعفر بن برقان - وهو بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف - وشيخه مجهول، وكذا شيخ شيخه.","vol":"8","page":328},{"text":"والحزن في الأحاديث قبله وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الأمراض والأسقام.\nقوله: \"ناصيتي بيدك\" والناصية عبارة (مقدمة الرأس).\nقوله: بيدك المراد بيد الله تعالى (كناية عن الحفظ والدفاع).\nقوله: - ﷺ - \"ماض في حكمك\" الحديث حكم الرب ﵎ ماض في عبده وقضاؤه عدل فيه كما في الحديث ومن لم يرض بالعدل فهو من أهل الظلم والجور والله تعالى أعلم.\nقوله: \"أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك\" فهذا يدل على أن لله ﷿ أسماء لم ينزلها في كتابه حجبها عن خلقه.\nقوله: \"إن لله تسعة وتسعين اسما\" دليل على أن الأسماء واأعلاها في الذكر الله فلذلك (أضيفت سائر الأسماء) إليه ا. هـ.\nفائدة: في كتاب الدعاء للشيخ الإمام العلامة أبي بكر محمد بن الوليد (الفهرى) الطرطوشى (^١) عن مطرف بن عبد الله أبي مصعب المدني أنه قال دخلت على المنصور فرأيته مغموما حزينا وقد امتنع من الكلام لفقد بعض أحبته فقال لي يا مطرف طرقني من الهم ما لا يكشفه إلا الله فهل من دعاء أدعوا به عسى يكشفه الله عني قلت يا أمير المؤمنين حدثني محمد بن ثابت عن عمرو بن ثابت البصري قال: دخلت في أذن رجل من أهل البصرة بعوضة حتى وصلت إلى صماخة فأنصبته وأسهرته ليلة ونهاره فقال رجل من\n_________\n(^١) الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشى (ص ٤١ - ٤٢).","vol":"8","page":329},{"text":"أصحاب الحسن ادع بدعاء العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله الذي دعابه في (المفازة وفي البحر فخلصه الله تعالى. فقال له الرجل: وما هو رحمك الله؟ فقال قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: بعث) العلاء بن الحضرمي إلى البحرين فسلكوا مفازة وعطشوا عطشا حتى خافوا الهلاك فنزل فصلى ركعتين يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم اسقنا فجاءت سحابه كأنها جناح طائر فتقعق عليهم وأمطرتهم حتى ملؤا الأنية وسقوا الركاب قال: ثم انطلقنا حتى أتينا على خليج من البحر (ما) خيض قبل ذلك (اليوم) ولا خيض بعده فلم يجد سفنا فصلى ركعتين ثم قال: يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم أجرنا ثم أخذ بعنان فرسه ثم قال: جوزوا باسم الله.\nقال أبو هريرة: فمشينا على الماء فوالله ما ابتل لنا قدم ولا خف ولا حافر وكان الجيش أربعة الآف قال: فدعا الرجل بها فواللّه ما خرجنا حتى خرجت من أذنه لها طنين حتى صكت الحائط وبرا قال: فاستقبل المنصور القبلة ودعا بهذا الدعاء ساعة ثم انصرف بوجهه إلى وقال يا مطرف قد كشف الله عني ما كنت أجده من الهم ودعا بالطعام فأجلسني وأكلت معه ا. هـ.\nمطرف بن عبد الله بن مطرف المدني مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - وكان ابن أخت مالك بن أنس توفي سنة وعشرين ومائتين وثقه بعضهم (وضعفه ابن عدى) وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث صدوق ا. هـ قاله في حياة الحيوان (^١).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ١٨٨).","vol":"8","page":330},{"text":"قوله: \"استأثرت به في علم الغيب عندك\" استأثرت معناه (انفردت، محمول علي أنه انفرد به بنفسه، ولا ألهم أحدًا ولا أنزل في كتاب).\nقوله: \"أن تجعل القرآن ربيع قلبي\" جعله ربيعا لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان ويميل إليه قاله في النهاية.\nقوله: أجل ينبغي لمن سمعه أن يتعلمهن أجل معناه نعم.\nقوله: عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن (بن عبد الله بن مسعود الهذلى أبو عبد الرحمن الكوفى، قاضيها، وكان لا يأخذ على القضاء والفتيا أجرًا، واتفقوا على توثيقه).\n\n٢٨٠٧ - وَعَن أبي بكرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ كلِمَات المكروب اللَّهُمَّ رحمتك أَرْجُو فَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين وَأصْلح لي شأني كله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَزَاد فِي آخِره لا إِلَه إِلَا أَنْت (^١).\nقوله: وعن أبي بكرة (^٢) اسمه نفيع بن مسروح الحبشي ويقال: نفيع بن\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى (٩١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ (٢٩١٥٤)، وأحمد ٥/ ٤٢ (٢٠٧٥٩)، والبخارى في الأدب المفرد بإثر (٧٠١)، وأبو داود (٥٠٩٠)، والنسائى في الكبرى (١٠٤١٢) واليوم والليلة (٦٥١)، وابن حبان (٩٧٠)، والطبرانى في الدعاء (١/ ٣١٤ رقم ١٠٣٢)، والبيهقى في الدعوات الكبير (١/ ٢٦٨ رقم ١٨٣). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٣٧: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الأدب المفرد وتمام المنة (٢٣٢)، وتخريج الكلم (١٢١)، وصحيح الترغيب (١٨٢٣).\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٤/ ترجمة ١٥٣٠، وأسد الغابة ٥/ ترجمة ٥٢٨٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ترجمة ٧٤٣، وتهذيب الكمال ٣٠/ ترجمة ٦٤٦٥، والإصابة ٧/ ترجمة ٩٦٣٨.","vol":"8","page":331},{"text":"الحارث بن كلدة بكاف ثم لام مفتوحتين بن عمر والثقفي البصري وكان من عبيدة فأستخلفه غلبت عليه كنيته وأمه سمية أمة للحارث بن كلدة وهي أيضا أم زياد بن أمية بن الحارث وكان أبو بكرة - ﵁ - كثيرا ما يقول أنا من إخوانكم في الدين وأنا مولى رسول الله - ﷺ - فإن أبى الناس ألا ينسبوني فأنا نفيع بن مسروح وذكره ابن أبي خيثمة في تاريخه في موالي رسول الله - ﷺ - وقال: خرج غلامان يوم الطائف إلى رسول الله - ﷺ - فاعتقتهما أحدهما أبو بكرة فكانا مولييه ويقال: أن أبا بكرة نزل من حصن الطائف إلى رسول الله - ﷺ - ببكرة وكان أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلا هكذا فكناه أبا بكرة روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث واثنان وثلاثون حديتا اتفق البخاري ومسلم منها على ثمانية أحاديث وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث نزل أبو بكرة البصرة وأوطنها وكان أبو بكرة من الفضلاء الصالحين ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفي وكانت أولاده بها أشرافا في كثرة العلم والمال والكرم والولايات وله بها عقب كثير. قال الحسن: لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة وتوفي أبو بكرة بالبصرة سنة إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين.\nقوله: كلمات المكروب \"اللهم رحمتك أرجو\" والكرب الغم والهم والدنيا دار غم ودار هم كما تقدم.\n\n٢٨٠٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لزم الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل ضيق مخرجا وَمن كل هم فرجا ورزقه من حَيْثُ لا","vol":"8","page":332},{"text":"يحْتَسب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة الحكم بن مُصعب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا\" تقدم تفسير الهم.\nقوله: من رواية الحكم بن مصعب (قال أَبُو حاتم: هو شيخ للوليد بن مسلم، لا أعلم روى عنه أحد غيره، وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب \"الثقات\"، وَقَال: يخطئ).\n\n٢٨٠٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ لا إِلَه إِلَا الله قبل كل شَيْء وَلا إِلَه إِلَا الله يبْقى رَبنَا ويفنى كل شَيء عوفي من الْهم والحزن رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٤٨ (٢٢٧٠)، وابن ماجه (٣٨١٩)، وأبو داود (١٥١٨)، وابن أبي الدنيا في التوبة (١٧٤) والفرج بعد الشدة (٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٢١٧) واليوم والليلة (٤٥٦)، ومحمد بن نصر في قيام الليل (ص ٤٢)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٤٠ رقم ٦٢٩١) والكبير (١٠/ ٢٨١ رقم ١٠٦٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١١)، والحاكم ٤/ ٢٦٢، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٤٦٠ رقم ٦٤٢١) والشعب (٢/ ١٥٠ رقم ٦٣٦) والدعوات الكبير (١/ ٢٣٦ رقم ١٦٢). وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي، فقال: الحكم فيه جهالة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٧٠٥) ضعيف الجامع الصغير (٥٨٢٩)، ضعيف ابن ماجه (٨٣٤)، المشكاة (٢٣٣٩)، وضعيف الترغيب (١٠٠٢) و(١١٤٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٩٠ رقم ١٠٦٩١) ومن طريقه الشجرى في الأمالى (١/ ٣٨).\nوقال الألباني في الضعيفة (٤٢٧) و(٥١٧٦) وضعيف الترغيب (١١٤٦): موضوع.","vol":"8","page":333},{"text":"قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من قال لا إله إلا الله قبل كل شيء\" الحديث \"عوفي من الهم والحزن\" تقدم الكلام على الهم والحزن.\n\n٢٨١٠ - عَن أبي هرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من قَالَ لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله كانَ دَوَاء من تِسْعَة وَتِسْعين دَاء أيسرها الْهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْحَاكِم كِلاهُمَا من رِوَايَة بشر بن رَافع أبي الأسباط وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -. تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"من قال لا حول ولا قوة إلا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم\" الحديث الحول الحركة والقوة الاستطاعة أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى وإقداره.\nقوله: رواه الطبراني والحاكم من رواية بشر بن رافع أبي الأسباط.\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (٥٤١)، وابن أبي الدنيا في الفرج (١١) ومن طريقه البيهقى في الدعوات الكبير (١/ ٢٧٥ رقم ١٩١)، والطبرانى في الأوسط (٥/ ١٨٧ رقم ٥٠٢٨)، والحاكم ١/ ٥٤٢، وأبو نعيم في الطب (٢٣١). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه بشر بن رافع وهو واه. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٩٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بشر بن رافع الحارثي، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح إلا أن النسخة من الطبراني الأوسط سقط منها عجلان والد محمد الذي بينه وبين أبي هريرة، والله أعلم.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٩٧٠) وضعيف الجامع (٦٢٨٦).","vol":"8","page":334},{"text":"٢٨١١ - وَعَن أَسمَاء بنت عُمَيْس - ﵂ - قَالَت قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - أَلا أعلمك كَلِمَات تقوليهن عِنْد الكرب أَو فِي الكرب الله رَبِّي لا أشرك بِهِ شَيْئا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الدُّعَاء وَعِنْده فَلْيقل الله رَبِّي لا أشرك بهِ شَيْئا ثَلَاث مَرَّات وَزَاد وَكَانَ ذَلِك آخر كَلام عمر بن عبد الْعَزِيز عِنْد الْمَوْت (^١).\nقوله: وعن أسماء بنت عميس - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب أو في الكرب الله ربي لا أشرك به شيئا\" الكرب هو الغم أو الهم أو السوء.\nقال الجوهري (^٢): الكرب الغم الذي يأخذ بالنفس وكربه الغم إذا اشتد عليه.\nقوله: \"وكان ذلك آخر كلام عمر بن عبد العزيز عند الموت\".\nهو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان (^٣) وهو أشج بني أمية وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب بويع له بدابق في شهر صفر سنة تسع وتسعين وله ست وثلاثون سنة وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٢٠ (٢٩١٥٦)، وإسحاق (٢١٣٥)، وأحمد ٦/ ٣٦٩ (٢٧٧٢٤)، وابن ماجه (٣٨٨٢)، وأبو داود (١٥٢٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٤٠٨) و(١٠٤١٠) واليوم والليلة (٦٥٠)، والطبر انى في الدعاء (ص ٣١٢ و٣١٣ ورقم ١٠٢٥ و١٠٢٧ و١٠٢٨) والأوسط (٦/ ١٧٧ رقم ٦١١٩) والكبير ٢٤/ ١٣٥ (٣٦٣). وقال ابن حجر في نتاج الأفكار ٤/ ٩٠: هذا حديث حسن. وقال الألباني: حسن أو صحيح الصحيحة (٢٧٥٥) وصححه في صحيح الترغيب (١٨٢٤).\n(^٢) الصحاح (١/ ٢١١) مادة كرب.\n(^٣) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي، تهذيب الكمال ١٠١٧، سيرة عمر بن عبد العزيز للآجري، كنز الدرر (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٤).","vol":"8","page":335},{"text":"عشر يوما ولي الأمر بعهد من سليمان بن عبد الملك له وذلك لما توفي سليمان وصاح عليه النساء عليه تحير الناس فخرج إليهم رجاء بن حيوة ومعه ابن معبد فقال رجاء: إن سليمان قد مات (وقد أعلمتكم في حياته أنه) قد عهد عهدا وها هو ففض فإذا بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله سليمان أمير المؤمنين إلى أمة محمد - ﷺ - فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على محمد - ﷺ - وقد استخلف عليكم عمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك من بعده فاسمعوا لهما وأطيعوا والسلام توفي بدير عبد العزيز سمعان من أرض حمص لست بقين من رجب سنة إحدى ومائة وله تسع وثلاثون سنة وستة أشهر وصلى عليه يزيد بن عبد الملك وكان أسمر نحيفا حسن الوجه غائر العينين حسن اللحية بجبهته أثر شجة من دابة فلذلك قيل أشج بني أمية وقد وخطه الشيب ا. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر والله أعلم (^١).\n\n٢٨١٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - كانَ يَقُول عِنْد الكرب لا إِلَه إِلَا الله الْحَلِيم الْعَظِيم لا إِلَه إِلَا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم لا إِلَه إِلَا الله رب السَّمَوَات وَالأرْض وَرب الْعَرْش الْكَرِيم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتّرْمِذِيّ إِلَّا أَنه قَالَ فِي الأولى لا إِلَه إِلَا الله الْعلي الْحَلِيم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ لا إِلَه إِلَا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب الْعَرْش الْعَظِيم سُبْحَانَ الله رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْكَرِيم (^٢).\n_________\n(^١) كنز الدرر (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٤) للداودارى.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٤٦) و(٧٤٢٦) و(٧٤٣١)، ومسلم (٨٣ - ٢٧٣٠)، والترمذى (٣٤٣٥)، وابن ماجه (٣٨٨٣)، والنسائى في الكبرى (١٠٤١٣) واليوم والليلة (٦٥٢). =","vol":"8","page":336},{"text":"قوله: عن ابن عباس - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - كان رسول الله - ﷺ - يقول عند الكرب، الكرب على زمة الضرب هو الغم الذي يأخذ النفس كما تقدم تفسيره عن الجوهري.\nقوله: \"لا إله إلا الله الحليم\" وفي رواية أخرى الكريم، الحليم الذي لا يستفزه غضب ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة في الانتقام وحط العبد منه أن يتخلي به ويحمل نفسه على كظم الغيظ والله أعلم.\nقوله: \"العظيم\" العظيم الذي (لا يمكن الامتناع عليه بالإطلاق، والله جل ثناؤه قادر لا يعجزه شيء، ولا يمكن أن يعصى كرها، أو يخالف أمره قهرا، فهو العظيم إذا حقا وصدقا) والكريم اختلفوا في معنى الكريم على أقوال أحسنها ما قاله الإمام الغزالي في المقصد الأسنى (^١): أن الكريم هو الذي إذا قدر عفى وإذا وعد وفى وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء ولا بيالي كم أعطى ولا لمن أعطى وإذا رفعت حاجتك إلى غيره لا يرضى وإذا خاف عاتب واستقضى ولا يضيع من ذبة والتجا ويغنيه عن الوسائل والشفعاء فمن اجتمع له ذلك لا بالتكليف فهو الكريم المطلق وقال أبو جعفر: الكريم الصفوح عن الذنوب وقيل: المرتفع يقال: فلان أركم قومه أي أرفعهم منزلة وأعظمهم قدرا.\n_________\n= وقال الألباني: صحيح، الروض النضير (٦٧٩)، وصحيح الترغيب (١٨٢٥)، والصحيحة (٢٠٤٥).\n(^١) المقصد الأسنى (ص ١١٧).","vol":"8","page":337},{"text":"قوله: \"العليم\" (معناه المدرك لما يدركه المخلوقين بعقولهم وحواسهم وما لا يستطيعون إدراكه من غير أن يكون موصوفا بعقل أو حس. وذلك راجع إلى أنه لا يغرب عنه شيء ولا يعجزه إدراك شيء كما يعجز \"عن ذلك\" من لا عقل له ولا حسن، من المخلوقين) وهو حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة قال الطبري: كان السلف - ﵃ - يدعون به ويسمونه دعاء الكرب فإن قيل هذا ذكر وليس فيه دعاء قلنا قال بعضهم: هذا ذكر يستفتح به الدعاء ثم يدعوا بما شاء وقد يجاب بما أجاب به سفيان بن عيينة حيث قال: أما علمت قوله: \"من شغله ذكري من مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\" وقال الشاعر:\nإذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء\nذكره النووي في أذكاره (^١).\n\n٢٨١٣ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - دَعْوَة ذِي النُّون إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بطن الْحُوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢) فَإِنَّهُ لم يدع رجل مُسلم فِي شَيْء قطّ إِلَا اسْتَجَابَ الله لَهُ رَوَاهُ التّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَزَاد الْحَاكِم فِي رِوَايَة لَهُ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله هَل كَانَت ليونس خَاصَّة أم للْمُؤْمِنين عَامَّة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٧ - ٤٨) ولم أجده في الأذكار.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.","vol":"8","page":338},{"text":"فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا تسمع إِلَى قَول الله ﷿: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) (^٢).\nقوله: وعن سعد بن أبي وقاص تقدم.\nقوله: - ﷺ - \"دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له \"الحديث وذو النون يونس بن متى - ﵇ - ومتى بفتح الميم وتشديد الفوقانية وبالألف اسم لأبيه وقال في جامع الأصول: قيل هو اسم أمه وهو ذو النون أرسله الله إلى أهل الموصل وذهب قوم إلى أن نبوته كانت بعد خروجه من بطن الحوت قاله الكرماني (^٣).\nتنبيه: قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٤): وفي خبر هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجبه كم أجابه وينجيه كما أنجاه وهو قوله: تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٨٨.\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ١٧٠ (١٤٨٠)، والترمذى (٣٥٠٥)، وابن أبي الدنيا في الفرج (٣٣)، والبزار (١١٦٣) و(٤/ ١٤)، والنسائي في اليوم والليلة (٦٥٦) والكبرى (١٠٤١٦) و(١٠٤١٧)، وأبو يعلى (٧٠٧) و(٧٧٢)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (١٠٤٨)، والطبراني في الدعاء (ص ٥٦ رقم ١٢٤)، والحاكم ٥/ ٥٠١ و٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣ و٢/ ٥٨٤، والبيهقى في الشعب (٢/ ١٣٤ - ١٣٥ رقم ٦١١) و(١٢/ ٤٥٩ رقم ٩٧٤٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٤٤) و(١٨٢٦).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١٤/ ٤٧).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٣٣٤) و(١٥/ ١٢٣).","vol":"8","page":339},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) وليس هنا دعاء صريح وإنما هو مضمون قوله: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٢) فأعترف بالظلم فكان تلويحا بالدعاء والله أعلم ا. هـ وروى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص المجاب الدعوة رض الله تعالى عنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول \"إني لأعلم كلمة ما قالها مكروب إلا فرج الله كربه ولا دعاء بها عبد مسلم إلا استجيب له دعوة أخي يونس ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وروى البزار بإسناد جيد عن أبي هريرة (^٣) - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: لما أراد الله ﷾ حبس يونس في بطن الحوت - ﵇ - أوحى الله تعالى إلى الحوت ألا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما فأخذه تم أهوى به مالي سكنه في البحر فلما انتهى إلى أسفل البحر سمع يونس جشا فقال: في نفسه ما هذا فأوحى الله ﵎ إليه وهو في بطن الحوت أن هذا تسبيه دواب الأرض فسبح هو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبحه فقالوا يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غربة فقال: تبارك تعالى ذاك عبدي يونس حبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٨٨.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.\n(^٣) أخرجه البزار (٨٢٢٧)، والطبرى في التفسير (١٦/ ٣٨٤ - ٣٨٥). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.\nوقال الهيثمي ٧/ ٩٨: رواه البزار عن بعض أصحابه ولم يسمه وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"8","page":340},{"text":"صالح قال: نعم فاستغفروا له عند ذلك فأمر الحوت فقدمه في الساحل كما قال: الله ﷾: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)﴾ (^١) الحديث.\nتنبيه: وكان يوذس بن متى - ﵇ - في بطن الحوت في غاية الهوى والانخفاض وجمعت الظلمات لشدة تكأفها ظلمه بكن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر وقيل وظلمة حوت التقم الحوت الأول فسار به أربعين يوما مسيرة أربعة الآف سنة حتى طاف به السبعة الأبحر والدجلة والفرات ونيل مصر إلى أن انتهى به إلى اللجة الخضراء فلم يكن أحدهما أقرب من صاحبه بالمسافة وروى أن الحوت مشى به البحار كلها حتى لقاه في نصيبين من ناحية الموصل فنبذه الله في العراء وهي الأرض الفيحاء التي لا شجر فيها ولا معلم وهو سقيم كالطفل المنعوس بضعة لحم إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء فأنعشه الله في ظل اليقطينة وقيل بل كان يتغذى من اليقطينة ويجد منها ألوان الطعام وألوان شهواته وروى أنه كان يوما نائما تحت شجرة من يقطين فأيبس الله تعالى تلك اليقطينة وقيل أرسل الله تعالى عليها الأرضة فأكلت عروقها فانتبه يونس فوجد حر الشمس فعز عليه شأنها وجزع فأوحى الله تعالى إليه يا يوذس جزعت ليبس يقطينة ولم تجزع لهلاك مائة ألف أو يزيدون تابوا فتبت عليهم ا. هـ، وفي تفسير ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه قال طرح يونس بن متى - ﷺ - بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة وهيأ له أروية وحشية ترعى من البرية وتأتيه فتفسح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآية: ١٤٥.","vol":"8","page":341},{"text":"لحمه وقال: به ونعمته عليه وإحسانه إليه، الأروية بضم الهمزة وكسر الواو وتشديد الياء الأنثى من الوعول وقيل الآروى غنم الجبل والأروى وتسكن شغف الجبال ا. هـ قاله في الكمال في كتابه (^١).\nلطيفة: ويقال: ثمانية حيتان من العجائب حوت موسى - ﵇ - تحت الأرضين والحوت الذي وقع سفينة نوح - ﵇ - والحوت الذي نزل على مائدة عيسى - ﵇ - وحوت داود - ﵇ - وحوت يونس - ﵇ - ا. هـ.\nفائدة واختلف العلماء في مدة مكثه في بطن الحوت فقيل سبع ساعات وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام وقيل أربعة عشر يوما وقال السهيلي: أقام في بطنه أربعين يوما يتردد به في ماء الدجلة وقال بعضهم: وإنما حبس بونس أربعين يوما في بطن الحوت فلأن قومه تضرعوا أربعين يوما فبعد أربعين رفع الله عنهم العذاب ويقال: لأنه كان بين قومه أربعين ولم يحمل إذا هم فحبسه أربعين يوما.\nلطيفة: ونقل أحمد الإمام أحمد في كتاب الزهد رجلان قال للشعبي مكث يونس في بطن الحوت أربعين يوما فقال: الشعبي ما مكث غلآ أقل من يوم القمه ضحى فلما كان بعد العصر وقربت الشمس الغروب تثاوب الحوت فرأ يونس - ﵇ - ضوء الشمس فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال: فنبذه وصار كأنه فرخ فقال الرجل للشعبي أتنكر قدرة الله عز\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤١).","vol":"8","page":342},{"text":"وجل ولو أراد الله ﵎ أن يجعل في بطنها سوقا لفعل ا. هـ.\nفائدة: فإن قيل لم أنبت عليه شجرة اليقطين دون غيره قيل لأن فيه شفاء للمعلولين وأيضا فإنه لا يقع عليه الذباب وظلها أبرد الظل وأيضا هي الطف الأشجار وأسرعها نباتا فأنبت ذلك عليه وقيل بل كان يتغذى من اليقطينة ويجد فيها ألوان الطعام وأنواع شهواته ولأن اليقطين لا يقربه الذباب أيضا فأقام تحتها إلى أن صح جسده لأن ورق الفرع أنفع شيء لم ينسلخ جلده كيونس - ﵇ -.\nتنبيه: يونس يجوز فيه ضم النون وفتحها وكسرها.\n\n٤١ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أعلمك الْكَلِمَات الَّتِي تكلم بهَا مُوسَى - ﵇ - حِين جَاوز الْبَحْر ببني إِسْرَائِيل فَقُلْنَا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ لَك الْحَمد وَإِلَيْك المشتكى وَأَنت الْمُسْتَعَان وَلا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله الْعلي الْعَظِيم قَالَ عبد الله فَمَا تركتهن مُنْذُ سَمِعتهنَّ من رَسُول الله - ﷺ - رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود إسلامه كان قبل عمر كان سادسا في الإسلام ثم ضمه إليه رسول الله - ﷺ - فكان من خواصه وصاحب سره فيدخل لا يحجب وقال:\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطى في فضيلة الشكر (١١)، والطبرانى في الأوسط (٣/ ٣٥٦ رقم ٣٣٩٤) والصغير (١/ ٢١١ رقم ٣٣٩)، والبيهقى في الدعوات الكبير (١/ ٣٥٤ رقم ٢٦٤).\nقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٣: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٥٠).","vol":"8","page":343},{"text":"فيه \"إن الله يرضى كل ما رضيه ابن أم عبد الله\" قال البيهقي في المدخل (^١): وهذا في قضية خاصة وذلك أنه تكلم بحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم صلى على النبي - ﷺ - ثم قال: رضيت لكم الله ربا والإسلام دينا ومحمد - ﷺ - رسول فحينئذ قال: ذلك أيضا فإنه قال: رضي بلفظ الماضي وقال: - ﵇ - كنيف مليء علما وإنما سماه كنيفا لأن قامته كانت بطول الجالين وكان في ساقيه دقة وخموشة وصعد يوما نخلة فضحك القوم من دقة ساقيه فقال: عليه الصلاة السلام لرجله في الميزان أثقل من أحد وشهد له بالجنة وكان من قراء الختمة بكمالها وقال - ﷺ -: \"من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد الله\" ولي قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر وعثمان ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وله بضع وستون سنة ا. هـ وتقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أعلمك الكلمات التي تكلم بها موسى - ﵇ - حين جاوز البحر ببني إسرائيل\" تقدم الكلام علي بنى إسرائيل وتقدم الكلام علي بني إسرائيل وتقدم الكلام أيضا على قوله \"لا حول ولا قوة إلا بالله\".\n\n٢٨١٤ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا نَادَى الْمُنَادَي فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء واستجيب الدُّعَاء فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي فَإِذا كبر كبر وَإِذا تشهد تشهد وَإِذا قَالَ حَيّ على الصَّلاة قَالَ حَيّ على الصَّلاة وَإِذا قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ حَيّ على الْفَلاح ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ رب هَذه الدعْوَة\n_________\n(^١) المدخل إلى السنن الكبرى (ص ١٣٨ - ١٤٠).","vol":"8","page":344},{"text":"التَّامَّة الصادقة المستجابة المستجاب لَهَا دَعْوَة الْحق وَكلمَة التَّقْوَى أحينا عَلَيْهَا وأمتنا عَلَيْهَا وابعثنا عَلَيْهَا واجعلنا من خِيَار أَهلهَا أَحيَاء وأمواتا ثمَّ يسْأَل الله حَاجته رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عفير بن معدان وَهُوَ واه وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إذا نادى المنادي فتحت له أبواب السماء واستجيب الدعاء فمن نزل به كرب أو شدة\" تقدم الكلام على الكرب وتقدم الكلام أيضا على قوله: \"فليتحين المنادي\" أي: ينتظر بدعوته إذا أذن المؤذن في الأذان وتقدم الكلام على قوله: \"حي على الصلاة\" وإذا قال حي على الفلاح\" وعلى الإجابة في الأذان.\nقوله: رواه الحاكم من رواية عفير بن معدان.\n\n٢٨١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا كربني أَمر إِلَا تمثل لي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد قل توكلت على الْحَيّ الَّذِي لا يَمُوت وَالْحَمْد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَلم يكن لَهُ ولي من الذل\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (١/ ٤٨٦) والمطالب العالية (١/ ٢٤٢) وعنه ابن السني في اليوم والليلة (٩٨)، والطبراني في الدعاء (ص ١٥٩ رقم ٤٥٨)، والحاكم ١/ ٥٤٧ - ٥٤٦، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١٢). وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: فيه عفير بن معدان وهو واه جدا. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٧٧) و(١١٥١): ضعيف جدا.","vol":"8","page":345},{"text":"وَكبره تَكْبِيرا. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nوروى الْأَصْبَهَانِيّ عَن إِبْرَاهِيم يَعْنِي ابْن الأشْعَث قَالَ سَمِعت الفضيل يَقُول إِن رجلا على عهد رَسُول الله - ﷺ - أسره الْعَدو فَأَرَادَ أَبوهُ أَن يفْدِيه فَأبَوا عَلَيْهِ إِلَا بِشَيْء كثير لم يطقه فَشَكا ذَلِك إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ اكتُبْ إِلَيْهِ فليكثر من قَوْله توكلت على الْحَيّ الَّذِي لا يَمُوت وَالْحَمْد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا إِلَى آخرهَا قَالَ فَكتب بهَا الرجل إِلَى ابْنه فَجعل يَقُولهَا فَغَفَلَ الْعَدو عَنهُ فاستاق أَرْبَعِينَ بَعِيرًا فَقدم وَقدم بهَا إِلَى أَبِيه قَالَ الْحَافِظ وَهَذَا معضل وَتقدم فِي بَاب لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله الْعلي الْعَظِيم (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل فقال يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا\".\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٦٦٧١) عنه ابن السنى في اليوم والليلة (٥٤٦)، والطبرانى في الدعاء (ص ٣١٨ رقم ١٠٤٥)، والحاكم ١/ ٥٠٩، والبيهقى في الدعوات الكبير (١/ ٢٧٠ رقم ١٨٥). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٨: رواه أبو يعلى، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين، ولكن حرب بن ميمون، وبقية رجاله ثقات. وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٧/ ٤٤٨: رواه أبو يعلى الموصلي بسند ضعيف لضعف موسى بن عبيدة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٣١٧) وضعيف الترغيب (١١٥٢).\n(^٢) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٣١٩). وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٥٣): معضل.","vol":"8","page":346},{"text":"قوله: وروى الأصبهاني عن إبراهيم يعني ابن الأشعث قال سمعت الفضيل يقول إن رجلا على عهد رسول الله - ﷺ - أسره العدو فأراد أبوه أن يفديه فأبوا عليه إلا بشيء كثير لم يطقه فشكا ذلك إلى النبي - ﷺ - فقال اكتب إليه فليكثر من قوله توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا إلى آخرها قال فكتب بها الرجل إلى ابنه فجعل يقولها فغفل العدو عنه فاستاق أربعين بعيرا فقدم وقدم بها إلى أبيه.\nقوله: قال الحافظ: وهذا معضل وتقدم في باب لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n٢٨١٦ - وَعَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق - ﵁ -. قَالَ جَاءَ مَالك الأشْجَعِيّ إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ أسر ابْن عَوْف فَقَالَ لَهُ أرسل إِلَيْهِ أَن رَسُول الله - ﷺ - يَأْمُرك أَن تكْثر من قَول لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله فَذكر الحَدِيث (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٨/ ١٧٠) والدر المنثور (٨/ ١٩٧). وقال الألباني في ضعيف الترغيب (٩٧٢) و(١١٥٣): ضعيف. وأخرجه الطبرانى في الدعاء (ث ٤٧٧ رقم ١٦٧٢) من طريق مندل بن علي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وهذا إسناد واه جدا الكلبي متهم بالكذب ومندل بن علي ضعيف.","vol":"8","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>[الترهيب من اليمين الكاذبة الغموس]</span>\n٢٨١٧ - عَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من حلف على مَال امرء مُسلم بِغَيْر حَقه لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان قَالَ عبد الله ثمَّ قَرَأَ علينا رَسُول الله - ﷺ - مصداقه من كتاب الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^١) إِلَى آخر الآية زَاد فِي رِوَايَة بِمَعْنَاهُ قَالَ فَدخل الأشْعَث بن قيس الْكِنْدِيّ فَقَالَ مَا يُحَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن فَقُلْنَا كَذَا وَكَذَا قَالَ صدق أَبُو عبد الرَّحْمَن وَكَانَ بيني وَبَين رجل خُصُومَة فِي بِئْر فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - شَاهِدَاك أَو يَمِينه قلت إِذا يحلف وَلا يُبَالِي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من حلف على يَمِين صَبر يقتطع بهَا مَال امرئ مُسلم هُوَ فِيهَا فَاجر لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان وَنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخر الآيَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا (^٢).\nقوله: عن ابن مسعود - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٥٦ و٢٣٥٧) وفي (٢٤١٦ و٢٤١٧) و٣ (٢٦٦٦ و٢٦٦٧) وفي (٢٥١٥ و٢٥١٦) و(٢٦٦٩ و٢٦٧٠) و(٢٦٧٦ و٢٦٧٧) و(٤٥٤٩ و٤٥٥٠) و(٦٦٥٩ و٦٦٦٠) و(٦٦٧٦ و٦٦٧٧) و(٧١٨٣ و٧١٨٤) ومسلم (٢٢٠ و٢٢١ و٢٢٢ - ١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣) و(٣٦٢١)، وابن ماجه (٢٣٢٢)، والترمذي (١٢٦٩) و(٢٩٩٦)، والنسائي في الكبرى (٥٩٤٩) و(٥٩٥١) و(١٠٩٤٥).","vol":"8","page":348},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من حلف على مال امرء مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان\" الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام وهذا على الله تعالى محال وها هنا قاعدة كلية وهي أن الأغراض النفسانية نحو الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والغيرة والمكر والخداع والاستهزاء لها أوائل ولها غايات ومتاله الغضب أوله غليان دم القلب وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فلفظ الغضب لا يحمل على أولى في حق الباريء ﷾ بل على غايته فمعنى قوله \"لقى الله وهو عليه غضبا\" وهو يريد انتقامه وإيصال الضرر إليه.\nقوله: في حديث ابن مسعود في آخره فقال رسول الله - ﷺ - شاهد لك أو يمينه معناه لك ما يشهد به شاهداك أو يمينه.\nقوله: \"يحلف ولا يبالي\" يجوز في يحلف نصب الفاء ورفعها وذكر الإمام أبو الحسن بن خروف في شرح الجمل إن الرواية فيه برفع الفاء والله أعلم.\nقوله: أيضا في آخر الحديث ابن مسعود على يمين (صبر) هو فيها فاجر أي متعمد الكذب.\nقوله: زاد في رواية قال: فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن فقلنا وكذا وكذا قال صدق أبو عبد الرحمن الأشعث لقب الأشعث (^١) رأسه وكنيته: أبو محمد الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن الحارث بن معاوية بن\n_________\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ١/ ترجمة ١٣٥، وأسد الغابة ١/ ترجمة ١٨٥، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٦١.","vol":"8","page":349},{"text":"الحارث الأصغرن، معاوية بن الحارث الأكبر فذكره إلى أن قال ابن ثوري بن عفير هو كندة وإنما قيل له كندة لأنه كند أباه النعمة أي كبر ومنه قوله: تعالى إن الإنسان لربه لكنود وفد الأشعث إلى النبي - ﷺ - سنة عشرة من الهجرة في وفد كنده وكانوا ستين راكبا فأسلموا ورجع إلى اليمن وكان الأشعث ممن إرتد بعد النبي - ﷺ - فبعث أبو بكر الصديق - ﵁ -: الجنود إلى اليمن فأسروه وأحضر بين يديه فأسلم (وقال: استبقنى لحربك وزوجنى أختك، فأطلقه أبو بكر) وزوجه أخته وهي أم محمد بن الأشعث وشهد اليرموك بالشام ثم القادسية بالعراق والمدائن وغير ذلك وسكن الكوفة وشهد صفين مع علي وكان الحسن بن علي زوج ابنته روي له عن النبي - ﷺ - تسعة أحاديث ومناقبه كثيرة مشهورة وتقدم الكلام عليه أبسط من هذه والله أعلم.\n\n٢٨١٨ - وَعَن وَائِل بن حجر - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل من حَضرمَوْت وَرجل من كنْدَة إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ يَا رَسُول الله إِن هَذَا قد غلبني على أَرض كَانَت لأبي فَقَالَ الْكِنْدِيّ هِيَ أرضي فِي يَدي أزرعها لَيْسَ لَهُ فِيهَا حق فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - للحضرمي أَلك بَيِّنة قَالَ لا قَالَ فلك يَمِينه قَالَ يَا رَسُول الله إِن الرجل فَاجر لا يُبَالِي على مَا حلف عَلَيْهِ وَلَيْسَ يتورع عَن شَيء فَقَالَ لَيْسَ لَك مِنْهُ إِلَا يَمِينه فَانْطَلق ليحلف فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لما أدبر لَئِن حلف على مَال ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٣ و٢٢٤ - ١٣٩)، وأبو داود (٣٢٤٥) و(٣٦٢٣)، والترمذى (١٣٤٠)، وابن حبان (٥٠٧٤). وقال الترمذي: حديث وائل بن حجر حديث حسن صحيح.","vol":"8","page":350},{"text":"قوله: وعن وائل بن حُجر (^١) - ﵁ - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم ووائل بن حجر من ملوك حمير قدم على رسول الله - ﷺ - قال العلماء: بشر رسول الله أصحابه بقدومه ووصوله بأيام فقال: \"يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعا راغبا في الله ﷿ وفي رسوله \"فلما قدم رحب به وأدناه من نفسه وبسط له رداء وأجلسه مع نفسه وقال: \"اللهم بارك في وائل ووالده ثم استعمله على بلاده وأقطعه أرضا\" روي له عن رسول الله - ﷺ - إحدى وسبعون حديثا.\nقوله: \"جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي - ﷺ -\" الرجل الذي من حضرموت هو ربيعة بن عيدان (^٢) بفتح العين المهملة وبعدها ياء آخر الحروف ساطنة ويقال: عبدان بكسر العين المهلة وباء موحدة له صحبة وشهد الفتح بمصر وأغفله بأن عبد البر في كتابه وحضرموت اسم إقليم تقدم الكلام عليه في الحج والرجل الذي من كنده هو امرؤ القيس (^٣) بن عائس الكندي له صحبة وكان شاعر أو عابس بعين المهملة وبعد الألف باء موحدة\n_________\n(^١) ترجمته الاستيعاب ٤/ ترجمة ٢٧٣٨، وأسد الغابة ٥/ ترجمة ٥٤٤٣، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ترجمة ٦٦٤، وتهذيب الكمال ٣٠/ ترجمة ٦٦٧٤، والإصابة ٦/ ترجمة ٩١٢٠.\n(^٢) ترجمته في أسد الغابة ٢/ ترجمة ١٦٥٤، والإصابة ٢/ ٢٦٣٦، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣١٤.\n(^٣) الاستيعاب ١/ ترجمة ٧٢، وأسد الغابة ١/ ترجمة ٢٢٥، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٦٧، والإصابة ١/ ترجمة ٢٥٠.","vol":"8","page":351},{"text":"وسين مهملة وقال الخطيب البغدادي (^١): وليس في الصحابة من يسمى إمرؤ القيس غيره وما قاله خالفه فيه ابن عبد البر فإنه ذكر ابن عابس هذا وذكر بعده إمرء القيس بن الأصبغ الكلبي وقال: بعثه رسول الله - ﷺ - عاملا على كلب وذكر أنه خال أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - ذكره صاحب التنقيح (^٢).\nقوله: - ﷺ - \"للحضرمي ألك بينة قال لا قال فلك يمينه\" قال يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع عن شيء فقال ليس لك منه إلا ذلك منه إلا ذلك الحديث أما حديث الحضرمي في الكندي ففيه أنواع من العلوم ففيه أن صاحب اليد أولى من اجنبي يدعى عليه وفيه أن المدعى عليه يلزمه اليمين إذا لم يقر وفيه أن البينه تقدم على اليمين ويقضى لصاحبها بغير يمين وفيه أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل وتسقط عنه المطالبة بها وفيه أن أحد الخصمين إذا قال: لصاحبه أنه ظالم أو فاجر أو نحوه في خال المخاصمة يحتمل ذلك منه إذ لم ينكره وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم والجمهور ولا يحيزون شيئا من ذلك وينكرونه ويؤدبون عليه تمسكا بقاعدة تحريم السباب والأعراض واعتذروا عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون - ﵇ - علم أن المقول له ذلك كان كما\n_________\n(^١) كلام الحافظ الخطيب البغدادي في الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (ص ٤٢٧ - ٤٢٩)، وكلام ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ١٠٤ رقم ٧٢).\n(^٢) كشف المناهج والتناقيح (٣/ ٣١٢).","vol":"8","page":352},{"text":"قيل فيه وكان القائل صادقا ولم يقصد أذاه بذلك وإنما قصد أنه ينزجر بذلك (فيرجع) إلى الحق ويحتمل أنه إنما تركه ولم ينهه لأن المقول له لم يطلب حقه في ذلك والصواب الأول.\nقوله: فانطلق ليحلف أنه لم يحلف بحضرته - ﷺ - بل انطلق ليحلف وهذا دليل على أن اليمين لا تبذل أمام الحاكم بل لها موضوع مخصوص وهو أعظم مواضع البلد كالبيت بمكة والمنبر بالمدينة وبيت المقدس والجوامع في سائر الأمصار باليمين بتافه وخالف أبو حنيفة في ذلك فقال: لا تكون اليمن إلا حيث كان الحاكم وظاهر الحديثان أن المدعي عليه إذا حلف أقطعت حجة خصمه وبقي المدعى عليه في يده وملكه ا. هـ قاله في شرح الإلمام واختلف العلماء في هذه المسألة وهي ما إذا أدعى على غريمه شيئا فأكره وأحلفه ثم أراد إقامة البينة عليه بعد الإحلاف فله ذلك عند الشافعية وعند المالكية ليس له ذلك إلا أن يأتي بعذر في ترك إقامة البينة وربما يتمسكون بقوله - ﷺ - شاهد لك أو يمينه ووجه الدلالة منه أن أو تقتضي أحد الشيئين فلو أخرنا إقامة البينة بعد التحليف لكان له الأمران معا أعني اليمين وإقامة البينة، والجواب إن ذلك سبق لبيان حصر الحجة في السببين المذكورين إذا لم تقم للأصل وقد يستدل الحنفية.\nبقوله: - ﷺ - \"شاهد لك أو يمينه على ترك العمل بالشاهدين واليمين\" والله أعلم، وفيه أن الوارث إذا ادعى شيئا لموروثة وعلم الحاكم أن موروثة مات ولا وارث له سوى هذا المدعي جاز الحكم له به ولم يكلفه حال الدعوى","vol":"8","page":353},{"text":"بينه على ذلك وموضع الدلالة أنه قال: في الحديث غلبني على أرض كانت لأبي فقد أقر أنها كانت لأبيه فلو علم النبي - ﷺ - بأنه ورثها وحده لطالبه بينه على كونه وارثا ثم بينه آخرى على أنه كان محقا في دعواه على خصمه فإن قال: فائدة.\nقوله: - ﷺ - شاهد لك أو يمينه معناه شاهد لك على ما تستحق به انتزاعها وإنما يكون ذلك بأن يشهدا يكونه فيرثا وحده وأنه ورث للدار والأرض فالجواب أن هذا خلاف الظاهر ويجوز أن يكون مرادا قاله النووي والله أعلم قال في المفهم: قوله: هي أرض في في يدي زرعها ليس له فيها حق دليل على أن المدعي فيه لا ينزع من يد صاحب السيد بمجرد الدعوى وأنه لا يسأل عن سبب يده ولا سبب ملكه.\nقوله: للحضرمي أن بينه وفي رواية شاهد لك أو يمينه دليل على أن المدعي يلزمه لإقامة البينة فإن لم يقمها حلف المدعي عليه وهو أمر متفق عليه ولحديث البينة على المدعى واليمين على من أنكر.\nقوله: \"أن الرجل فاجر\" الحديث أي كاذب جرى على الكذب ليس يتورع من شيء، الورع الكف.\nقوله - ﷺ -: \"لئن حلف على مال ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض\" الرواية الآخرى وهو عليه غضبان فقال العلماء: الإعراض والغضب والسخط من الله تعالى هو إرادته إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته وتعذيبه وإنكار فعله وذمه والله أعلم.","vol":"8","page":354},{"text":"٢٨١٩ - وَعَن الأشْعَث بن قيس - ﵁ -: أَن رجلا من كنْدَة وَآخر من حَضرمَوْت اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فِي أَرض من الْيمن فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ يَا رَسُول الله إِن أرضي اغتصبنيها أَبُو هَذَا وَهِي فِي يَده قَالَ هَل لَك بَيِّنه قَالَ لا وَلَكِن أحلفه وَالله مَا يعلم أنَّهَا أرضي اغتصبنيها أَبوهُ فتهيأ الْكِنْدِيّ للْيَمِين فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يقتطع أحد مَالا بِيَمِين إِلَا لَقِي الله وَهُوَ أَجْذم فَقَالَ الْكِنْدِيّ هِيَ أرضه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا قَالَ من حلف على يَمِين ليقتطع بهَا مَال امرئ مُسلم هُوَ فِيهَا فَاجر لَقِي الله أَجْذم (^١).\nقوله: وعن الأشعث بن قيس - ﵁ - الكندي كان رئيس كنده مطاعا في قومه مات بالكوفة وصلى عليه الحسن بن علي - ﵄ - وتقدم الكلام عليه في أول الباب.\nقوله: \"أن رجلا من كندة وآخر من حضرموت اختصما إلى رسول الله - ﷺ - في أرض من اليمن\" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\nقوله: - ﷺ - \"من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم\" أي يأخذه لنفسه متملكا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٤) و(٣٦٢٢)، والنسائى في الكبرى (٥٩٥٩)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٠٥)، وابن المنذر في الأوسط (٦٥٨٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٤٧٩)، والبيهقى في الصغير (٤/ ١٦٧ رقم ٣٣٣٣) والكبرى (١٠/ ٣٠٤ رقم ٢٠٧٢٠). وصححه في صحيح أبي داود والإرواء (٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، وضعفه في ضعيف الترغيب (١١٥٤).","vol":"8","page":355},{"text":"هو قوله: هو فيها فاجر (فيه بيان غلظ تحريم حقوق المسلمين وأنه لا فرق بين قليل الحق وكثيره لقوله - ﷺ - في الحديث الآخر: وإن قضيب من سواك).\nوأما قوله - ﷺ -: من حلف على يمين هو فيها فاجر فالتعبير بكونه فاجرا لا بد منه ومعناه وهو آثم ولا يكون آثما إلا إذا كان متعمدا عالما بأنه غير محق وفيه لطيفة وهي أن قوله - ﷺ - \"حق امرئ مسلم يدخل فيه من حلف على غير مال كجار الميتة والسرجس\" وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحد القذف ونصب الزوجة في القسم وغير ذلك وأما تقييده - ﷺ - بالمسلم فليس يدل على عدم تحريم حق الذمي بل معناه أن هذا الوعيد الشديد وهو أن يلقي الله تعالى وهو عليه غضبان لمن اقتطع حق المسلم وأما الذمي فاقتطاع حقه حرام لكن ليس يلزم وأن يكون فيه هذه العقوبة العظيمة هذا كله على مذهب من يقول بالمفهوم وأما من لا يقول به فإنه فلا يحتاج إلى التأويل وقال القاضي عياض ﵀ (^١): تخصيص المسلم لكونه المخاطب وعامة المتعاملين في الشريعة لا أن غير المسلم بخلافه بل حكمه حكمه في ذلك والله أعلم ثم إن هذه العقوبة لمن اقتطع حق المسلم ومات قبل التوبة أما من تاب فندم على فعله ورد الحق إلى صاحبه وتحلل منه وعزم أن لايعود فقد سقط عنه الإثم والله أعلم، وفي هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجماهير أن حكم\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٤٣٤).","vol":"8","page":356},{"text":"الحاكم لا يبيح الإنسان ما لم يكن له خلافا لأبي حنيفة ﵀.\nقوله: \"لقي الله وهو أجذم\" أجذم بالذال المعجمة وتقدم تفسيره.\n\n٢٨٢٠ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ -: قَالَ اخْتصم رجلانِ إِلَى النَّبِي - ﷺ - فِي أَرض أَحدهمَا من حَضرمَوْت قَالَ فَجعل يَمِين أَحدهمَا فَضَجَّ الآخر قَالَ إِذا يذهب بأرضي فَقَالَ إِن هُوَ اقتطعها بِيَمِينِهِ ظلما كَانَ مِمَّن لا ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلا يُزَكِّيه وَله عَذَاب أَلِيم قَالَ وورع الآخر فَردهَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١) وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا بِنَحْوِهِ من حَدِيث عدي بن عميرَة إِلَّا أَنه قَالَ خَاصم رجل من كِنْدَة يُقَال لَهُ امرء الْقَيْس بن عَابس رجلا من حَضرمَوْت فَذكره وَرُوَاته ثِقَات (^٢) قَالَ الْحَافِظ عبد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٦٣ (٢٢١٤٥)، وأحمد ٤/ ٣٩٤ (١٩٨٢٣)، وعبد بن حميد (٥٣٨)، ومحمد بن عاصم في جزئه (١٣)، والرويانى (٤٨٤)، والبزار (٣١٦٣)، وأبو يعلى (٧٢٧٤)، وأبو الفضل الزهرى في حديثه (٢٨٨)، والطبرانى في الأوسط (٢/ ١٩ رقم ١٠٩٠). قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن أبي بردة إلا ثابت، تفرد به: جعفر. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٨: رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٢٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٩١ (١٧٩٩٣)، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٤٤) و(٢٤٤٥)، والنسائي في الكبرى (٥٩٥٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٤٧٨)، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٠٨ (٢٦٥)، والدارقطني (٤٣٤٢) و(٤٣٤٣) و(٤٥٠٠)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٣٠٠ (٢٠٧٠٨) و١٠/ ٤٣٠ (٢١٢١١ و٢١٢١٢)، وفي الشعب (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠ رقم ٤٤٩٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٣٠).","vol":"8","page":357},{"text":"الْعَظِيم وَقد وَردت هَذِه الْقِصَّة من كير مَا وَجه وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كفَايَة ورع بِكَسْر الرَّاء أَي تحرج من الإِثْم وكف عَمَّا هُوَ قَاصد وَيحْتَمل أَنه بِفَتْح الرَّاء أَي جبن وَهُوَ بِمَعْنى ضمهَا أَيْضا وَالأول أظهر.\nقوله: وعن أبي موسى الأشعري (^١) هو عبد الله بن قيس بن سليم الصحابي الكوفي قدم على رسول الله - ﷺ - مكة قبل هجرته إلى المدينة وأم أبي موسى اسمها طيبة بنت وهب أسلمت وتوفيت بالمدينة وأسلم أبو موسى ثم هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى رسول الله مع أصحاب السفينة بعد فتح خبير فأسهم له منها ولم يسهم لأحد غاب عن فتحها غيره قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود السجستاني (^٢) في كتاب شريعة القاري لأبي موسى الأشعري - ﵁ - مع حسن صوته بالقراءات فضيلة ليست لأحد من الصحابة هاجر ثلاث هجرات هجرة من اليمن إلى رسول الله وهجرة من مكة إلى الحبشة وهجرة من الحبشة إلى المدينة وقال غيره: استعمله النبي - ﷺ - على زبيد وعدن وساحل اليمن واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة وشهد وفاة عبيدة بالأردن وقدم دمشق على معاوية روي له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثمائة وستون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على خمسين وانفرد البخاري بخمسة عشرة توفي بمكة وقيا\n_________\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ١٦٣٩، وأسد الغابة ٣/ ٣١٣٧، وتهذيب الكمال ١٥/ ٣٤٩١، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٨٧١، والإصابة ٤/ ٤٩١٦.\n(^٢) نقله النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٦٨.","vol":"8","page":358},{"text":"بالكوفة سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين وقيل غير ذلك قال قتادة: قدم أبو موسى البصرة والياء من جهة عمر بن الخطاب سنة عشرة بعد عذل المغيرة ثم كتب إليه عمر أن يسير إلى الأهواز فأتاها فافتتحتها عنوة وقيل صلحا وافتتح أصبهان سنة ثلاث وعشرين والله أعلم.\nقوله: \"اختصم رجلان إلى النبي - ﷺ - في أرض أحدهما من حضرموت\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله: \"فقال إن هو اقتطعها بيمينه ظلما\" أي أخذها لنفسه متملكا.\nقوله - ﷺ -: \"كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة\" ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ (^١) الآية عهد الله تعالى ميثاقه وهو لإيجابه على المكلفين أنهم قومون بالحق ويعملون بالعدل والإيمان جمع يمين وهو إلى الحلف بالله تعالى ويشترون معناه يتعاطون فكأنهم يعطون ما أوجب الله عليهم من رعايته العهود والإيمان في شيء قليل حقير من عرض الدنيا والخلاق والحظ والنصيب ولا يكلمهم بما يسرهم ولا يكلمهم.\nإعراضا عنهم واحتقارا لهم ولا ينظر إليهم أي لا يثني عليهم كما يثني على من يزكي وقيل لا يطهرهم من الذنوب والأليم الموجع الشديد الألم والله أعلم قال العلماء: يستحب للحاكم أن يقرأ هذه الآية عند تحليف الخصوم وليرتدعوا عن الأيمان الفاجرة.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.","vol":"8","page":359},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وورع الآخر فردها\" ورع بكسر الراء أي تحرج من الإثم وكف عما هو قاصده ويحتمل أنه بفتح الراء أي جبن وهو معنى ضمها أيضا والأول أظهر قاله المنذري.\n\n٢٨٢١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْكَبَائِر الإشْرَاك بِالله وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس وَفِي رِوَايَة أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا الْكَبَائِر قَالَ الإِشْرَاك بِالله قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الْيَمين الْغمُوس قَالَ وَمَا الْيَمين الْغمُوس قَالَ الَّذِي يقتطع مَال امرئ مُسلم يَعْني بِيَمِين هُوَ فِيهَا كَاذب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ قَالَ الْحَافِظ سميت الْيَمين الكاذبة اَلَّتِي يحلفها الإِنْسَان مُتَعَمدا يقتطع بهَا مَال امرئ مُسلم عَالما أَن الأمر بِخِلاف مَا يحلف غموسا بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة لأنَّهَا تغمس الْحَالِف فِي الإِثْم فِي الدُّنْيَا وَفِي النَّار فِي الآخِرَة (^١).\n\n٢٨٢٢ - وَعَن عبد الله بن أنيس - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أكبر الْكَبَائِر الإِشْرَاك بِالله وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يحلف رجل على مثل جنَاح بعوضة إِلَا كَانَت كيا فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَا أَنه قَالَ فِيهِ وَمَا حلف حَالف بِالله يَمِين صَبر فَأدْخل فِيهَا مثل جنَاح بعوضة إِلَّا جعلت نُكْتَة فِي قلبه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيثه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٧٥) و(٦٨٧٠) و(٦٩٢٠)، والترمذى (٣٠٢١)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٤٩٠ (٤٠٤٦) و٧/ ٤٤٣ (٤٩١٢). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.","vol":"8","page":360},{"text":"وَمَا حلف حَالف بِالله يَمِين صَبر فَأدْخل فِيهَا مثل جنَاح بعوضة إِلَّا جعلت نُكْتَة فِي قلبه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن أنيس كنيته.\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت نكته في قلبه يوم القيامة\" النكته بالتاء المثناة فوق كالنقطة وقيل شبه الوسخ في المرءاة.\nقوله: قال الترمذي في حديثه: وما حلف حالف بالله يمين صبر هو بإضافة يمين إلى صبر ويمين الصبر هي التي يحبس الحالف نفسة عليها وتحبس صاحب الحق عن حقه والصبر والحبس ويقال: لهذه اليمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم وفي جهنم ومذهبنا وجوب الكفارة في اليمين الغموس.\n\n٢٨٢٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نعد من الذَّنب الَّذِي لَيْسَ لَهُ كفَّارَة الْيَمين الْغمُوس قيل وَمَا الْيَمين الْغمُوس قَالَ الرجل يقتطع بِيَمِينِهِ مَال\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٥ (١٦٢٨٩)، والترمذي (٣٠٢٠) والطحاوي في مشكل الآثار (٨٩٣) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥١٩٩) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١٢٤)، وابن حبان (٥٥٦٣)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٣٤٤)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٢٩٧ رقم ٣٤٩) والأوسط (٣/ ٣٠٥ رقم ٣٢٣٧) والحاكم (٤/ ٢٩٦) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٢٧) والبيهقي في الشعب (٦/ ٤٨٢ رقم ٤٥٠٢).\nوقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن صحيح - صحيح الترغيب (١٨٣٢)، المشكاة (٣٧٧٧/ التحقيق الثاني)، الصحيحة (٣٣٦٤).","vol":"8","page":361},{"text":"الرجل رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: \"عن ابن مسعود - ﵁ -\" تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﵁ -: \"كنا نعد من الذنب الذي ليس له كفارة اليمين الغموس قيل وما اليمين الغموس قال الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل\" وتقدم المعنى.\n\n٢٨٢٤ - وَعَن الْحَارِث بن البرصاء - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - فِي الْحَج بَين الْجَمْرَتَيْن وَهُوَ يَقُول من اقتطع مَال أَخِيه بِيَمِين فاجرة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ليبلغ شاهدكم غائبكم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أنَّهُمَا قَالا فَليتبَوَّأ بَيْتا فِي النَّار (^٢).\nقوله: \"وعن الحارث بن البرصاء - ﵁ - \" هو الحارث بن مالك بن البرصا الليثي (^٣) له صحبة سكن مكة شرفها الله تعالى والبرصا أمه وقيل جدته أم أبيه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (٥/ ٣٥٦) والمطالب العالية (١٧٨٠)، وابن المنذر في الأوسط (٨٩٢٦)، والبغوى في الجعديات (١٤٠٨)، والحاكم ٤/ ٢٩٦، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٦٧ رقم ١٩٨٨٣). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٥٨)، وحنبل في جزئه (٦٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٠٨)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٤٦) و(٥٩٣٢)، وابن حبان (٥١٦٥)، والطبرانى في الكبير (٣/ ٢٥٦ رقم ٣٣٣٠)، والحاكم ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وتمام في الفوائد (١٣٣٩)، وابن بشران في مجلسان من أماليه (٨). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٣٤).\n(^٣) ترجمته: الاستيعاب ١/ ترجمة ٤٠٦، وأسد الغابة ١/ ترجمة ٩٥٦، وتهذيب الكمال ٥/ ترجمة ١٠٤٠، والإصابة ١/ ترجمة ١٤٨٢.","vol":"8","page":362},{"text":"زوله رواية عن النبي - ﷺ -.\nقوله: سمعت رسول الله - ﷺ - \"في الحج بين الجمرتين وهو يقول من اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار\" تقدم تفسير هذه الألفاظ في أماكن متفرقة والله أعلم.\n\n٢٨٢٥ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْيَمين الْفَاجِرَة تذْهب المَال أَو تذْهب بِالْمَالِ رَوَاهُ الْبَزَّار وَإِسْنَاده صَحِيح لَو صَحَّ سَماع أبي سَلمَة من أَبِيه عبد الرَّحْمَن بن عَوْف (^١).\nقوله: وعن عبد الرحمن بن عوف (^٢) - ﵁ -. كنيته أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن أمه الشفاء بنت عوف هو أحد العشرة واحد الخمسة الذين أسلموا على يد الصديق ولد - ﵁ - بعد الفيل بعشر سنين أسلم عبد الرحمن قديما قبل دخول النبي - ﷺ - دار الأرقم وهذا أحد العشرة الذين\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٠٣٤). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن عوف، إلا من هذا الوجه ولا نعلم أسند هشام بن حسان، عن يحيى بن أبي كثير، غير هذا الحديث ولا نعلم رواه عن هشام إلا ابن علاثة، وابن علاثة هذا لين الحديث.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٩: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا سلمة لم يصح سماعه من أبيه، والله أعلم. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٣٥).\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٢/ ترجمة ١٤٤٧، وأسد الغابة ٣/ ترجمة ٣٣٧٠، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٣٥٧، وتهذيب الكمال ١٧/ ترجمة ٣٩٢٣، والإصابة ٤/ ترجمة ٥١٩٥.","vol":"8","page":363},{"text":"شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة وتوفي رسول الله وهو عنهم راض وكان من المهاجرين الأولين وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع وشهد مع رسول الله بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد كلها روى له عن رسول الله - ﷺ - خمسة وستون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بخمسة أعتق - ﵁ -: في يوم واحد أحدا وثلاثين عبدا وتصدق بشطر ماله وهو أربعة آلاف درهم ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله ﷿ ثم تصدق بخمسمائة راحلة كان له أربع نسوة صالحت إحداهن على نصيبها من ربع الثمن على ثمانين ألف درهم توفي سنة ثنيتن وثلاثين وقيل إحدى وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين سنة وقيل خمس وسبعين وقيل ثمان وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة والله أعلم.\nقوله: - ﷺ - \"اليمين الفاجرة\" أي (الكاذبة).\nقوله: - ﷺ - \"تذهب المال أو تذهب بالمال\" معناه (أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق).\n\n٢٨٢٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَيْسَ مِمَّا عصي الله بِهِ هُوَ أعجل عقَابا من الْبَغي وَمَا من شَيْء أطيع الله فِيهِ أسْرع ثَوابًا من الصِّلَة وَالْيَمِين الْفَاجِرَة تدع الديار بَلَاقِع رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٢/ ١٩ رقم ١٠٩٢)، وأبو نعيم في مسند أبى حنيفة (١/ ٢٤٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (٢٥٥)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٦٧ رقم ١٩٨٧٠) والشعب (٦/ ٤٨١ رقم ٤٥٥١)، وابن الجوزى في البر والصلة (٢٤٤). =","vol":"8","page":364},{"text":"قوله: وروي عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع\" الحديث بلاقع جمع بلقع وبلقعة وهي الأرض التي لا شيء بها يريد القفر أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق ومنه حديث عمر فأصبحت الأرض فهي بلاقع وصفها (بالجمع) مبالغة ومنه الحديث \"شر النساء البلقعة\" أي الخالية من كل خير ا. هـ هذا الحديث نهى عن الإقدام على احتجاب أموال الناس بالأيمان يقول فيمن حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مال امريء مسلم ويحوز بها ما ليس له أو يدفع بها حقًّا عليه عاجلته العقوبة فأجاحته فتركت داره بلاقع أي أفقرته حتى لا يبقى له شيء والبلقع القفر الذي لا شيء فيه وقد كانت العرب تحلف وتستحلف بالنار والملح وهو الذي كانوا يسمونه التهويل فيحلف الرجل على الكرب فيمحق ماله ويثكل ولده وبذلك سمي الحطيم لمكة لأنهم كانوا يحلفون عنده فيحطم المبطل ا. هـ وقال شمر: بلاقع معناه يفتقر الحالف ويذهب ما في يده من المال وقال غيره: هو أن يفرق الله شمله ويغير عليه ما أولاه الله عليه من نعمة والله أعلم.\n_________\n= قال الدارقطني في العلل (١٥٤٠): يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ نَاصِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ قَائِلٌ: عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ نَاصِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ عِكْرِمَةَ. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو الدهماء الأصعب وثقه النفيلي، وضعفه ابن حبان. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٧٨) وصحيح الترغيب (١٨٣٦).","vol":"8","page":365},{"text":"٢٨٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لَقِي الله لا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَأدّى زَكَاة مَاله طيبَة بهَا نَفسه محتسبا وَسمع وأطاع فَلهُ الْجنَّة أَو دخل الْجنَّة وَخمْس لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَة الشّرك بِالله وَقتل النَّفس بِغَيْر حق وبهت مُؤمن والفرار من الزَّحْف وَيَمِين صابرة يقتطع بهَا مَالا بِغَيْر حق رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه بَقِيَّة وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ (^١).\nقوله: عن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - تقدم\nقوله - ﷺ -: \"خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن\" سيأتي الكلام على بهت المؤمن في باب الغيبة.\nقوله: \"والفرار من الزحف\" تقدم الكلام على ذلك في الجهاد.\nقوله - ﷺ -: \"ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق\" تقدم الكلام على ذلك قوله: وفيه بقية (بن الوليد مشهور بالتدليس ولم يصرح بالسماع).\n\n٢٨٢٨ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من حلف على يَمِين مصبورة كَاذِبَة فَلَيتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق مختصرا (٣٣٦)، وأحمد ٢/ ٣٦٢ (٨٨٥٨)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٧٨) وفي الديات ص ١٨، وابن أبي حاتم في العلل (١٠٠٥)، والطبرانى في مسند الشاميين (٢/ ١٨٧ رقم ١١٦١) و(٢/ ٢٠٠ رقم ١١٨٣)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٢١١)، وابن شاهين في جزئه (١٧). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٢ و١٠/ ١٨٨ - ١٨٩: رواه أحمد، وفيه بقية، وهو مدلس وقد عنعنه. وضعفه الألباني في الإرواء (٢٥٦٨) وحسنه في صحيح الترغيب (١٣٣٩) و(١٨٣٦) و(٢٨٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٦٣ (٢٢١٥٠)، وأحمد ٤/ ٤٣٦ (٢٠٢٣١) و٤/ ٤٤١ =","vol":"8","page":366},{"text":"قَالَ الْخطابِيّ (^١): الْيَمين المصبورة هِيَ اللَّازِمَة لصَاحِبهَا من جِهَة الحكم فيصبر من أجلهَا إِلَى أَن يحبس وَهِي يَمِين الصَّبْر وأصل الصَّبْر الْحَبْس وَمِنْه قَوْلهم قتل فلان صبرا أَي حبسا على الْقَتْل وقهرا عَلَيْهِ.\nقوله: وعن عمران بن حصين - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: تقدم الكلام على ذلك - ﷺ - \"من حلف على يمين مصبورة كاذبة\" وفي حديث آخر \"من حلف على يمين صبر (أي ألزم بها) وحبس عليها وقيل (لها مصبورة) \" وان كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها أي حبس فوضعت بالصبر فأضيعت إليه مجازا قاله في النهاية (^٢) اليمين المصبورة هي اللازمة لصاحبها من جهة الحكم فيصبر من أجلها إلى أن يحبس وهي يمين الصبر وأصل الحبس ومنه قولهم قتل فلان صبرا أي حبسا على القتل وقهرا عليه ا. هـ قاله المنذري وقال غيره: الصبر الحبس ومنه قولهم قتل فلان صبرا أي حبسا على القتل وقهرا عليه ا. هـ وقال غيره: الصبر الحبس أي قتل وهو مأسور محبوس للقتل لا في معركة ا. هـ، وقال بعضهم:\n_________\n= (٢٠٢٨٦)، وأبو داود (٣٢٤٢)، والبزار (٣٦١١) والروياني في مسنده (١٣٩)، والسراج (٤٦٧)، والطبراني في الكبير ١٨/ ١٨٧ - ١٨٨ (٤٤٥) و(٤٤٦)، وأبو الطاهر المخلص (٢٨٦٨)، والحاكم ٤/ ٢٩٤، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٧٧، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم ١/ ١٧٢. وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٣٢) وصحيح الترغيب (١٨٣٧).\n(^١) معالم السنن (٤/ ٤٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٨).","vol":"8","page":367},{"text":"أيضا هي التي ألزم الحالف عند حاكم ونحوه وأصل الصبر الحبس والإمساك، أ. هـ.\n\n٢٨٢٩ - وَعَن عبد الله بن ثَعْلَبَة أَنه أَتَى عبد الرَّحْمَن بن كعْب بن مَالك - ﵁ -: وَهُوَ فِي إِزَار خَز ذِي طاق خلق قد التبب بِهِ وَهُوَ أعمى يُقَاد قَالَ فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ هَل سَمِعت أَبَاك يحدث بِحَدِيث قلت لا أَدْرِي قَالَ سَمِعت أَبَاك يَقُول سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اقتطع مَال امرئ مُسلم بِيَمِين كَاذِبَة كَانَت نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه لَا يغيرها شَيْء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن ثعلبة أنه أتى عبد الرحمن بن كعب بن (مالك أبو الخطاب الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى التابعى، سمع أباه، وجابرًا. روى عنه صالح بن رستم، والزهرى، وغيرهما، وهو ثقة. روى له البخاري، ومسلم. توفى في خلافة سليمان بن عبد الملك، وقيل: في خلافة هشام، ﵀).\nقوله: أنه أتى عبد الرحمن بن كعب بن مالك \"وَهُوَ فِي إِزَار خَز ذِي طاق خلق قد التبب بِهِ وَهُوَ أعمى يُقَاد قَالَ فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ هَل سَمِعت أَبَاك\n_________\n(^١) أخرجه الحارث كما في الزوائد (٤٥٧)، والطبرانى في الكبير (١/ ٢٧٥ رقم ٨٠١) ومن طريقه أبو موسى المديني في اللطائف (٥٦٦)، والحاكم ٤/ ٢٩٤. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٦٤) وصحيح الترغيب (١٨٣٨) وصحيح الجامع (١٧١٤).","vol":"8","page":368},{"text":"يحدث بِحَدِيث قلت لا أَدْرِي قَالَ سَمِعت أَبَاك\" هو ثعلبة بن عبد الله الأنصاري وقيل: البلوي، حليف الأنصاري، روى عنه: ابنه عبد الله، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك.\nقوله: \"وهو في إزار خز ذي طاق خلق قد التبب به\" الالتباب هو (جمع الثوب الذي هو لابسه) - ﷺ - من اقتطع مال إمرئ مسلم بيمين كاذبة كانت نكته سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة تقدم الكلام على تفسير النكتة.\n\n٢٨٣٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله جلّ ذكره أذن لي أَن أحدث عَن ديك قد فرقت رِجْلَاهُ الأرْض وعنقه مثنى تَحت الْعَرْش وَهُوَ يَقُول سُبْحَانَكَ مَا أعظمك رَبنَا فَيرد عَلَيْهِ مَا علم ذَلِك من حلف بِي كَاذِبًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\n\n٢٨٣١ - وَعَن جَابر بن عتِيك - ﵁ -: أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اقتطع مَال امرئ مُسلم بِيَمِينِهِ حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار قيل يَا رَسُول الله وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا قَالَ وَإِن كَانَ سواكا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٢٢٠ رقم ٧٣٢٤)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٢٤) و(١٢٤٨)، والحاكم ٤/ ٢٩٧. وصححه الحاكم.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨٠ - ١٨١: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وقال في ٨/ ١٣٤: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ الطبراني محمد بن العباس بن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٠) وصحيح الترغيب (١٨٣٩).","vol":"8","page":369},{"text":"وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن جابر بن عتيك - ﵁ -، تقدم ذكره في فضل الشهداء.\nقوله - ﷺ -: \"من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه\" ومعنى بيمينه: أي بحلفه.\nقوله - ﷺ -: \"حرَّم الله عليه الجنة وأوجب له النار\" فيه جوابان للعلماء مذكوران كما في نظائره، أحدهما: أنه محمول على المستحل لذلك إذا مات على ذلك فإنه كفر ويخلد في النار، والثاني: أن معناه أن هذا جزاؤه وما يستحقه ويجوز العفو عنه وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين، أ. هـ؛ وقال العلماء أيضًا ثم ما ورد من الوعيد على هذا المنوال لا يحكم به في حق المؤمن إلا أن يحمل على تحريمها في وقت دون التأبيد وإنما يخرجه الشرع هذا المخرج تعظيما للأمر ومبالغة في الزجر لأن مرتكب هذه الجريمة قد بلغ في الاعتداء الغاية القصوى حيث انتهك حرمة بعد حرمة، إحداهما: اقتطاع مال لم يكن له ذلك، الثانية: الاستخفاف بحرمة وجب عليه رعايتها وهو حرمة الإسلام وحق الآخرة، الثالثة: الإقدام على اليمين الفاجرة والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٨)، والطبرانى في الكبير (٢/ ١٩٢ رقم ١٧٨٢) و(٢/ ١٩٢ - ١٩٣ رقم ١٧٨٣ و١٧٨٤)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٩٥. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح خلا أبا سفيان بن جابر بن عتيك ذكره ابن أبي حاتم، وروى عنه غير واحد من أهل الصحيح، ولم يتكلم فيه أحد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٤٠).","vol":"8","page":370},{"text":"٢٨٣٢ - وَعَن أبي أُمَامَة إِيَاس بن ثَعْلَبَة الْحَارِثِيّ - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من اقتطع حق امرئ مُسلم بِيَمِينِهِ فقد أوجب لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة قَالُوا وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا يَا رَسُول الله فَقَالَ وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ مَالك إِلَا أَنه كرر وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك ثَلاثًا (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي (^٢) [من بنى الحارث بن الخزرج وقيل إنه بلوي وهو حليف بني حارثة وهو بن أخت أبي بردة بن نيار هذا هو المشهور في اسمه وقال أبو حاتم الرازي اسمه عبد الله بن ثعلبة ويقال ثعلبة بن عبد الله ثم اعلم أن هنا دقيقة لابد من التنبيه عليها وهي أن الذين صنفوا في أسماء الصحابة - ﵃ - ذكر كثير منهم أن أبا أمامة هذا الحارثي - ﵁ - توفي عند انصراف النبي - ﷺ - من أحد فصلى عليه ومقتضى هذا التاريخ أن يكون هذا الحديث الذي رواه مسلم منقطعا فإن عبد الله بن كعب تابعي فكيف يسمع من توفي عام أحدفي السنة الثالثة من الهجرة ولكن هذا النقل في وفاة أبي أمامة ليس بصحيح فإنه صح عن عبد الله بن كعب أنه قال حدثني\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢١٢٩)، وأحمد ٥/ ٢٦٠ (٢٢٦٦٩) و(٢٢٦٧٠) و٥/ ٤٦٣ (٢٤٤١٠) و(٢٤٤١١)، والدارمي (٢٨٠٥) و(٢٨٠٦)، ومسلم (٢١٨ و٢١٩ - ١٣٧)، وابن ماجه (٢٣٢٤)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٣١٦ (٥٤٦٣).\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ١/ ترجمة ١٣١ و٤/ ترجمة ١٦٠١، وأسد الغابة ١/ ترجمة ٣٣٥ و/ ترجمة ٥٦٩٦، وتهذيب الكمال ٣٣/ ترجمة ٧٢١٣، والإصابة ١/ ترجمة ٣٧٤ و٧/ ترجمة ٩٥٤٥.","vol":"8","page":371},{"text":"أبو أمامة كما ذكره مسلم في الرواية الثانية فهذا تصريح بسماع عبد الله بن كعب التابعي منه فبطل ما قيل في وفاته ولو كان ما قيل في وفاته صحيحا لم يخرج مسلم حديثه ولقد أحسن الإمام أبو البركات الجزري المعروف بابن الأثير حيث أنكر في كتابه معرفة الصحابة - ﵃ - هذا القول في وفاته].\nقوله - ﷺ -: \"وإن كان قضيبًا من أراك\" الحديث، قال النووي ﵀ (^١): وقع في بعض أصول مسلم أو في أكثرها \"وإن قضيب من أراك\" مرفوع وهو ظاهر وفي أكثرها \"وإن قضيبا\" نصب على أنه خبر كان المحذوفة أو أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: \"وإن اقتطع قضيبًا\".\n\n٢٨٣٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا يحلف عِنْد هَذَا الْمِنْبَر عبد وَلا أمة على يَمِين آثمة وَلَو على سواك رطب إِلَّا وَجَبت لَهُ النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة\" المنبر: بكسر الميم وهو مشتق من النبر وهو الارتفاع وهو بلفظ الآلة لأنه آلة الارتفاع وفي صحيح\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٦٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٩ (٨٤٧٧) و٢/ ٥١٨ (١٠٨٦٢)، وابن ماجه (٢٣٢٦)، والحاكم ٤/ ٢٩٧. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٩: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال البوصيري في الزجاجة ٣/ ٤٥: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وصححه الألباني في الإرواء (٢٧٦٤) وصحيح الترغيب (١٨٤٢).","vol":"8","page":372},{"text":"مسلم [أن رسول الله]- ﷺ - أرسل إلى امرأة أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها فعملت هذه الثلاث درجات، فكان يخطب عليها (^١) وكان منبره - ﷺ - ثلاث درج غير الدرجة التي تسمي مستراح، ويستحب أن يقف على التي تليها كما فعل النبي - ﷺ -.\nفإن قيل: روى أن أبا بكر نزل عن موقف النبي - ﷺ - وعمر درجة أخرى وعثمان أخرى تم وقف على موقف النبي - ﷺ -، قلنا كل واحد منهم له قصد صحيح وليس فعل بعضهم حجة على بعض، والمختار موافقة النبي - ﷺ - لعموم الأمر للاقتداء به، ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب وهو جهة يمين المصلي لأن منبره - ﷺ - كذلك [كان في تلك الجهة ومن] خطب على الأ [رض] فليقف هناك ويكره المنبر الكبير الذي يضيق على المصلين كمنبر مكة الآن وكان بعض العلماء يقول: [الخطابة بمكة] على منبر بدعة وإنما السنة أن يخطب على الباب كما فعل النبي - ﷺ - يوم الفتح، لا يقال: تلك أقضية، خاصة فعلت للضرورة. جوابه: أن الخلفاء الراشدين أقروا الأمر على ذلك وهم الذين يقتدي بهم [وإنما] أحدث ذلك بمكة معاوية بن أبي سفيان. أ. هـ.\nقوله: \"على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار\" قوله \"آثمة\" أي: كاذبة يعلم أنه فيها حانث سميت آثمة وفاجرة اتساعا وفي هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٧) و(٤٤٨) و(٩١٧) و(٢٠٩٤) و(٢٥٦٩)، ومسلم (٤٤ - ٥٤٤)، وابن ماجه (١٤١٦)، وأبو داود (١٠٨٠)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٢٠٦ (٧٥١) عن سهل بن سعد.","vol":"8","page":373},{"text":"الحديث دليل على أن اليمين يغلظ بالأمكنة [والأزمنة] تعظيم اليمين بالمكان كما جاء في تعظيمها بالزمان في حديث \"من حلف على سلعة بعد العصر\" قال البغوي (^١): إذا توجهت اليمين على رجل في أمر عظيم خطره من قصاص أو عقوبة أو نكاح أو طلاق أو مال بلغ نصابا، [فتغلظ] تلك اليمين بالمكان والزمان [فالمكان أن يحلف] بين الركن والمقام بمكة وتحت المنبر بغيرها و[في الزمان] بعد العصر ويخوفه بالله تعالى ويقرأ عليه قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٢) ليرتدع إن كان فيها مبطلا، قال الشافعي: وهذا قول [الحكام المكيين]، وكان أبو بكر الصديق يحلف عند منبر رسول الله - ﷺ -، وفيه دليل على تعظيم مواطن الذكر والوعظ ونحوها من إقراء العلم والحديث والتفسير وما شاكلها، أ. هـ. قاله في شرح الإلمام، فليحذر الإنسان من اليمين الفاجرة في هذه المساجد فإن عقوبتها عاجلة، روى أن عمر بن عبد العزيز أمر بحمل عمال سليمان بن عبد الملك إلى الصخرة ليحلفوا عندها فحلفوا عندها إلا واحدا فدى يمينه بألف دينار فما جاء الحول على واحد منهم بل ماتوا كلهم، أ. هـ، قاله الزركشي (^٣) في كتابه الذي ألفه فيما يتعلق بالمساجد، قال الحافظ ﵀: كانت اليمين على عهد رسول الله - ﷺ - عند المنبر ذكر ذلك أبو عبيد الخطابي، واستشهد بحديث أبي هريرة هذا والله أعلم، أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح السنة (١٠/ ١٤٣).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.\n(^٣) إعلام الساجد (ص ٢٩٥).","vol":"8","page":374},{"text":"٢٨٣٤ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من حلف على يَمِين آثمة عِنْد قَبْرِي هَذَا فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَلَو على سواك أَخْضَر رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه لم يذكر السِّوَاك قَالَ الْحَافِظ كَانَت الْيَمين على عهد رَسُول الله - ﷺ - عِنْد الْمِنْبَر ذكر ذَلِك أَبُو عبيد والخطابي وَاسْتشْهدَ بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من حلف على يمين آثمة عند قبري هذا فليتبوأ مقعده من النار\" تقدم تفسير اليمين الآثمة في الحديث قبله، وتقدم تفسير قوله: \"فليتبوأ مقعده من النار\" في أوائل هذا التعليق في الكذب على رسول الله - ﷺ -.\n\n٢٨٣٥ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِنَّمَا الْحلف حنث أَو نَدم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضًا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٦٢ (٢٢١٤٣)، وأحمد ٣/ ٣٤٤ (١٤٩٣٢) و٣/ ٣٧٥ (١٥٢٥٥)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، وأبو داود (٣٢٤٦)، والنسائي في الكبرى (٥٩٧٣)، وابن حبان (٤٣٦٨)، والحاكم ٤/ ٢٩٦، والبيهقي في الصغير (٤/ ١٦٣ رقم ٣٣١٩) والكبرى (٧/ ٦٥٣ رقم ١٥٣٠٩) و(١٠/ ٢٩٥ - ٢٩٦ رقم ٢٠٦٩٢). وصححه الألباني في الإرواء (٢٧٦٤) و(٢٦٩٧) وصحيح الترغيب (١٨٤٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ١١٥ (١٢٦١٥) و٤/ ٤٦٨ (٢٢٢٠٠)، البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٢٩، وابن ماجه (٢١٠٣)، وأبو يعلى (٥٥٨٧) و(٥٦٩٧)، وابن حبان (٤٣٥٦)، والطبر اني في الأوسط (٨/ ٢١٠ رقم ٨٤٢٥) الصغير (٢/ ٢٣٢ رقم ١٠٨٣)، والحاكم ٤/ ٣٠٣، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٥٤ رقم ١٩٨٣٩).\nوقال الدارقطني في العلل (٣١٠٣): يرويه بشار بن كدام السلمي، عن محمد بن زيد، عَنِ =","vol":"8","page":375},{"text":"قوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إنما الحلف حنث أو ندم\" تقدم الكلام أيضًا على الحلف أنه بكسر اللام وسكونها في بيع التجار.\n\n٢٨٣٦ - وَعَن جُبَير بن مطعم - ﵁ - أَنه افتدى يَمِينه بِعشْرَة آلَاف ثمَّ قَالَ وَرب الْكَعْبَة لَو حَلَفت حَلَفت صَادِقا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء افتديت بِهِ يَمِيني رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد جيد (^١). وروى فِيهِ أَيْضا عَن الأشْعَث بن قيس رَضِي الله قَالَ اشْتريت يَمِيني مرّة بسبعين ألفا (^٢).\nقوله: وعن جبير (^٣)، هو: أبو محمد، ويقال: أبو عدي، جبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي، أسلم عام خيبر وقيل أسلم يوم\n_________\n= ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - حدث به عنه: أبو معاوية، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه، مرفوعا.\nورواه عاصم بن محمد العمري، عن أبيه، عن ابن عمر، من قوله. وقيل: عن عاصم، عن أبيه، عن عمر، قوله. والموقوف أصح.\nوضعفه الألباني في الروض النضير (٥٠٥) وضعيف الترغيب (١١١٢) و(١١٥٥) والضعيفة (٦٨٥٩) وقال منكر.\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٧٠ رقم ٨٨١). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨١: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٥٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٥٥ رقم ١٥٥٩) والكبير (١/ ٢٣٤ رقم ٦٣٩).\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن المسيب البجلي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٥٧).\n(^٣) ترجمته: الاستيعاب ١/ ترجمة ٣١١، أسد الغابة ١/ ترجمة ٦٩٨، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ١٠٣، وتهذيب الكمال ٤/ ترجمة ٩٠٣، والإصابة ١/ ترجمة ١٠٩٦.","vol":"8","page":376},{"text":"فتح مكة، روي له عن رسول الله - ﷺ - ستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ستة، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقال ابن قتيبة سنة تسع وخمسين والله أعلم.\nقوله: وروى فيه أيضا عن الأشعث بن قيس، تقدم الكلام على الأشعث بن قيس الكندي في أول الباب والله أعلم.","vol":"8","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>[الترهيب من الربا]</span>\nلفظة الربا مقصور، وأصل الربا الزيادة، يقال: ربا الشيء يربوا إذا زاد وأربى الرجل إذا عامل بالربا، قال العلماء: وقد كتبوه في المصحف بالواو، وقال القراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، ولغتهم الربو فعلموهم صورة الخط على لغتهم وكذا قرأها أبو سليمان العدوي بالواو، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة لسبب كسرة الياء وقرأ الباقون بالتفخيم لفتحه، قال: ويجوز كتبه بالألف والواو والياء فأنت بالخيار في ذلك، قال أهل اللغة والرماء بالميم والمد هو الرمي، والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (^٢)، وقال عمر: لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا (^٣)، وقال علي - ﵁ -: من اتجر قبل أن يتفقه ارتطم في الربا ثم ارتطم، أي وقع فيه وارتبك، وقيل: إن الربا والزنا لم يحل في شريعة قط، وهو في الشرع الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع وله أحكام كثيرة في الفقه، أ. هـ وقال بعضهم [معنى] الربا في الشرع وجوب الحلول وتحريم النسا والتفاضل في الجنس الواحد، أ. هـ.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٨.\n(^٣) أخرجه الترمذي في السنن (٤٨٧) بلفظ: لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين. وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقال ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٢٤): وهو إسناد حسن صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.","vol":"8","page":378},{"text":"٢٨٣٧ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا هن قَالَ الشّرك بِالله وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ الموبقات المهلكات (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"اجتنبوا السبع الموبقات \"أي المهلكات (أجمل بها وسماها مهلكات، ثم فصلها ليكون أوقع في النفس، وليؤذن بأنها نفس المهلكات).\nقالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: \"الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا\" الحديث، تقدم الكلام على هذه الألفاظ، وأما أكل الربا فلما روي من عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ - \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد\" (^٢) وأجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة، وإنما اختلفوا في ضابطه وتفاريعه، ونص النبي - ﷺ - في الحديث على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦) و(٦٨٥٧)، ومسلم (١٤٥ - ٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٢٣٢ (٣٦٩٧) والكبرى (٦٤٦٥) و(١١٢٩٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٠ و٨١ - ١٥٨٧)، وابن ماجه (١٨)، وأبو داود (٣٣٥٠)، والترمذى (١٢٤٠)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٢٣٧ (٤٦٠٢) و٧/ ٢٣٨ (٤٦٠٣) و٧/ ٢٣٩ (٤٦٠٤) و٧/ ٢٤٠ (٤٦٠٥) و٧/ ٢٤٢ (٤٦٠٦).","vol":"8","page":379},{"text":"تحريم الربا في ستة أشياء الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وقال أهل الظاهر لا ربى في غير هذه الستة، وقال جميع العلماء سواهم لا يختص بالستة بل يتعدى إلى ما في معناها وهو ما يشاركها في العلة، قال النووي (^١): واختلف العلماء في العلة التي هي سبب تحريم الربا، فقال الشافعي: العلة في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان فلا يتعدي الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات وغيرهما لعدم المشاركة فهي علة قاصرة، قال: والعلة في الأربعة باقية، كونها مطعومة فيتعدي الربا منها إلى كل مطعوم، وقال مالك: في الذهب والفضة كقول الشافعي، وقال في الأربعة العلة فيها، كونها تدخر للقوت وتصلح له فعداه إلى الزبيب لأنه كالتمر وإلى القطنية لأنها في معنى البر والشعير، وقال أبو حنيفة: العلة في الذهب والفضة الوزن وفي الأربعة الكيل فيتعدى إلى كل موزون من نحاس وحديد وغيرها وإلى كل مكيل كالجص ولأشنان وغيرهما، وقال الإمام أحمد بن حنبل والشافعي في القديم وسعيد بن المسيب العلة في الأربعة كونه مطعومًا وموزونة أو مكيلة فشرطوا الأمرين فعلى هذا الربا في البطيخ والسفرجل ونحوهما مما لا يؤكل ولا يوزن، وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلًا من غير جنسه مؤجلا كبيع الذهب بالحنطة وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل، وأجمع العلماء أيضًا على أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٩/ ٣٩٣)، وشرح النووي على مسلم (١١/ ٩ - ١٠).","vol":"8","page":380},{"text":"والحنطة بالشعير وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدًا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا والله أعلم. قال العلماء: وإذا بيع الذهب بالذهب أو الفضة بفضة سميت مراطلة، وإذا بيعت الفضة بذهب سمي صرفا، وإنما سمي صرفا لصرفه عن مقتضى البياعات من جواز التفاضل، وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الذهب بالفضة أو الفضة مؤجلا، وكذلك الحنطة بالحنطة أو بالشعير.\n\n٢٨٣٨ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - رَأَيْت اللَّيْلَة رجلَيْنِ أتياني فأخرجاني إِلَى أَرض مُقَدَّسَة فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا على نهر من دم فِيهِ رجل قَائِم وعَلى شط النَّهر رجل بَين يَدَيْهِ حِجَارَة فَأقبل الرجل الَّذِي فِي النَّهر فَإِذا أَرَادَ أَن يخرج رمى الرجل بِحجر فِي فِيهِ فَرده حَيْثُ كَانَ فَجعل كلما جَاءَ ليخرج رمى فِي فِيهِ بِحجر فَيرجع كمَا كَانَ فَقلت مَا هَذَا الَّذِي رَأَيْته فِي النَّهر قَالَ آكل الرِّبَا رَوَاهُ البُخَارِيّ هَكَذَا فِي الْبيُوع مُخْتَصرا وَتقدم فِي ترك الصَّلاة مطولا (^١).\nقوله: وعن سمرة بن جندب (^٢) - ﵁ -، كنيته: أبو سعيد ويقال: أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله وأبو سليمان وأبو محمد سمرة بن جندب بن هلال بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٨٥) مختصرا. وأخرجه البخاري (١٣٨٦)، ومسلم (٢٣ - ٢٢٧٥) تامًّا.\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٢/ ترجمة ١٠٦٣، وأسد الغابة ٢/ ترجمة ٢٢٤٢، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٢٣٣، وتهذيب الكمال ١٢/ ترجمة ٢٥٨٥، والإصابة ٣/ ترجمة ٣٤٨٩.","vol":"8","page":381},{"text":"حديج، توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوجها أنصاري، وكان في حجره حتى كبر سكن البصرة، روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأربعة، توفي بالبصرة سنة تسع، وقيل: سنة ثمان وخمسين، قال البخاري: توفي سمرة بعد أبي هريرة، يقال: آخر سنة تسع وخمسين ويقال سنة ستين، والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة\" الحديث، الأرض المقدسة هي الأرض المطهرة يحتمل الإطلاق [والتقييد] بأن المراد منه أرض المسجد الأقصى.\nفإن قلت: فلم نُكر؟ قلت: [التنكير للتعظيم] قال الزمخشري (^١) في سورة النمل: فإن قلت [لم نكر الكتاب المبين؟ قلت: ليبهم بالتنكير] فيكون أفحم له قاله الكرماني (^٢).\nقوله - ﷺ -: فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، الحديث، النهر بفتح الهاء وسكونها لغتان مشهورتان وتقدم في سر الصلاة بطوله، وتقدم الكلام عليه مبسوطا، وفيه: فقلت ما هذا الذي رأيته النهر، قال: أكل الربا.\n\n٢٨٣٩ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ لعن رَسُول الله - ﷺ - آكل الرِّبَا ومؤكله رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن مَاجَه وَابْن\n_________\n(^١) تفسير الكشاف (٣/ ٣٤٦).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٩/ ٢٠٦).","vol":"8","page":382},{"text":"حبَان فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه وَلم يسمع مِنْهُ وَزَادُوا فِيهِ وشاهديه وكاتبه (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا ومؤكله\" الحديث، قال عياض (^٢): آكل الربا بمد الهمزة كذا رويناه اسم الفاعل، ويصح فيها \"أكل\" بسكون الكاف بمعنى اسم الفعل فأكل الربا أخذه وموكل الربا هو معصية يريد البائع والمشتري، ومنه الحديث أنه نهى عن مؤاكلة لأن كل واحد منهما يوكل صاحبه أي يطعمه قاله في النهاية فقد أغلظ الله تعالى في الوعيد فيه وإنما سوى في الإثم بين آكله وموكله وإن كان أحدهما وهو الرابح مغتبطا، والآخر مهتضمًا لأنهما في الفعل شريكان متعاونان قاله الكرماني (^٣).\n\n٢٨٤٠ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ لعن رَسُول الله - ﷺ - آكل الرِّبَا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وَقَالَ هم سَوَاء رَوَاه مسلم وَغَيره (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصحيح (١٠٥ - ١٥٩٧) والبزار (١٤٦٤) و(١٥٦١)، والنسائى في الكبرى (١٠٩٨٨)، وأبو يعلى (٥١٤٦) من طريق علقمة عن ابن مسعود مقتصرا على لعن آكل الربا ومؤكله. وأخرجه ابن ماجه (٢٢٧٧)، وأبو داود (٣٣٣٣)، والترمذى (١٢٠٦)، وابن حبان (٥٠٢٥) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه بتمامه.\nوقال الترمذي: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وصححه الألباني في الإرواء (١٣٣٦)، وغاية المرام (٣٤٦) وصحيح الترغيب (١٨٤٦).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٠).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٩/ ٢٠٨).\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠٤ (١٤٤٨٤)، ومسلم (١٠٦ - ١٥٩٨)، وأبو يعلى (١٨٤٩) =","vol":"8","page":383},{"text":"قوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء\" الحديث، هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المرابين والشهادة عليهما وفيه تحريم الإعانة على الباطل فأخبر النبي - ﷺ - إن هؤلاء الأربعة سواء في الإثم لأن الكاتب والشاهد اطلعا على هذا المنكر ولم ينكراه بل ساعدا فيه فكان إثمهم كإثم الآكل وفسقهم كفسقه فلا جرم أن يعمهم العذاب في الدارين ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [...] (^١) قال في الإحياء في الباب السادس من كتاب الحلال والحرام (^٢): مسألة معاملة [قضاة] السلاطين الظلمة وعمالهم وخدمهم حرام بل أشد، وأما القضاة فإنهم يأخذون من أموالهم الحرام الصريح، ويكثرون جمعهم ويغرون الخلق بهم وخدمهم وحشمهم وخدامهم أكثر أموالهم من الغصب الصريح، وقد صار في أيدي قضاتهم [وفى] أيدي حشمهم وخدامهم ولهذا قال بعضهم لا أشهد عندهم وإن تحققت الحق، وبالجملة فإنما فسدت الرعية بفساد الملوك وفسدت الملوك بفساد العلماء فلولا القضاة السوء وعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفا من إنكارهم، قال سفيان: لا تخالط السلطان ولا من يخالطهم السلطان، وقال صاحب القلم وصاحب القرطاس وصاحب الدواة واحد لقول ابن\n_________\n= و(١٩٦٠)، وابن الجارود في المنتقى (٦٤٦)، وأبو عوانة في المستخرج (٥٨٨٨ و٥٨٨٩ و٥٨٩٠ و٥٨٩١).\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ١٥٠ - ١٥١).","vol":"8","page":384},{"text":"مسعود آكل الربا وموكله وشاهداه ملعون على لسان محمد - ﷺ - أ. هـ.\n\n٢٨٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْكَبَائِر سبع أولهنَّ الإِشْرَاك بِالله وَقتل النَّفس بِغَيْر حَقّهَا وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم وفرار يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات والانتقال إِلَى الأعْرَاب بعد هجرته رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عَمْرو بن أبي شيبَة وَلا بَأْس بِهِ فِي المتابعات (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الكبائر سبع أولهن الإشراك بالله \"الحديث، تقدم الكلام عليه في الجهاد وغيره.\nقوله: رواه البزار من رواية عمر بن أبي شيبة [وثقه ابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهما وقال بعضهم: هو مجهول].\n\n٢٨٤٢ - وَعَن عون بن أبي جُحَيْفَة عَن أَبِيه - ﵁ -: قَالَ لعن رَسُول الله - ﷺ - الواشمة والمستوشمة وآكل الرِّبَا وموكله وَنهى عَن ثمن الْكَلْب وَكسب الْبَغي وَلعن المصورين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد (^٢) قَالَ الْحَافِظ وَاسم أبي\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٨٦٩٠)، وابن المنذر في الأوسط (٨٠١٤) و(٩٢٤٤)، واللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١٩١٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٣: رواه البزار، وفيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما.\nوقال الألباني في صحيح الترغيب (١٣٣٨) و(١٨٤٨) و(٣٥٤٠): حسن لغيره.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٨٦) و(٢٢٣٨) و(٥٣٤٧) و(٥٩٤٥)، وأبو داود (٣٤٨٣)، والحارث في مسنده (٤٣٨) (زوائد)، وأبو يعلى (٨٩٠)، والبغوي في الجعديات (٥١٨) و(٥١٩)، وابن حبان (٤٩٣٩) و(٥٨٥٢)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ١١٦ (٢٩٥) (٢٩٦).","vol":"8","page":385},{"text":"جُحَيْفَة وهب بن عبد الله السوَائِي.\nقوله: وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه - ﵁ -، واسم أبي جحيفة: وهب بن عبد الله السوائي (^١).\nقوله: \"لعن رسول الله - ﷺ - الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله ونهى عن ثمن الكلب وكسب البغي\" وفي رواية \"ومهر البغي ولعن المصورين\" الحديث، سيأتي الكلام على الواشمة والمستوشمة في بابه وآكل الربا وموكله وتقدم الكلام عليهما في هذا الباب.\nقوله: \"ونهى عن ثمن الكلب\" لفظة نهى لا تدل على التحريم على الراجح فيؤخذ التحريم من دليل آخر والأمر بقتله، فلو كان [له قيمة] مالية ما أمر\n_________\n(^١) ترجمته في: الاستيعاب ٤/ ٢٨٩١، وأسد الغابة ٥/ ٥٤٩٣، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٧٤٧، وتهذيب الكمال ٣١/ الترجمة ٦٧٦٠، والإصابة ٦/ ٩١٨٧.\nوقال النووي في تهذيب الأسماء: وهو بجيم مضمومة، ثم حاء مهملة مفتوحة، صحابى كوفى، واسمه وهب بن عبد الله، ويقال: وهب بن وهب السواى، بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالمد، منسوب إلى سواة بن عامر بن صعصعة. روى أبو جحيفة عن النبي - ﷺ - خمسة وأربعين حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.\nروى عنه ابنه عون، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السبيعى، وعلي بن الأقمر، والحكم بن عتيبة، بالمثناة فوق، وكان علي بن أبي طالب، ﵁، يكرم أبا جحيفة ويسميه وهب الخير، ووهب الله، وكان يحبه ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، ونزل الكوفة وابتنى بها دارًا. توفى سنة اثنين وسبعين، وتوفى النبي - ﷺ - وهو صبى لم يبلغ.","vol":"8","page":386},{"text":"بإضاعتها من ولما فيه من النجـ[ـاسة] وتحريم اقتنائه، وهذه أدلة يقوي بعضها بعضًا، وعلى هذا التحريم شامل للكلب المعلم وغيره والمقتني وغيره، أما النهي عن ثمن الكلب وكونه من شر الكمسب وكونه خبيثًا فيدل على تحريم بيعه وأنه لا يصح بيعه ولا يحل ثمنه ولا قيمة على متلفه سواء كان معلما أو لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا، وبهذا قال جماهير العلماء منهم أبو هريرة والحسن البصري وربيعة والأوزاعي والحكم وحماد والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل ودواد وابن المنذر وغيرهم، وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة وتجب القيمة على متلفها، وحكي ابن المنذر عن جابر وعطاء والنخعي جواز بيع كلب الصيد دون غيره، وعن مالك روايات، إحداها: لا يجوز بيعه ولكن تجب القيمة على متلفه، والثانية: يصح بيعه وتجب القيمة، والثالثة: لا يصح ولا تجب القيمة على متلفه والحديث دليل عليهم ودليل الجمهور هذه الأحاديث الواردة في ذلك.\nتنبيه: وأما الأحاديث الواردة في النهي عن ثمن الكلب إلا كلب صيد وأن عثمان غرم إنسانا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص بالتغريم فنقول: ذلك ضعيف باتفاق أئمة الحديث والله أعلم، وفي الحديث أيضًا \"إذ جاء من يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا\" (^١) قيل: أراد به الرد والخيبة كما يقال للطالب المردود والخائب لم يحصل في كفه غير\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٤٨٢)، وأبو يعلى (٢٦٠٠) عن ابن عباس. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٠٣).","vol":"8","page":387},{"text":"التراب، وقيل أراد به التراب خاصة، أ. هـ، قاله في النهاية (^١)، ودليل الجمهور هذه الأحاديث الواردة في ذلك، وأما النهي عن كسب البغي أو مهرها والبغي بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد الياء هي الزانية وكسبها أو مهرها وما تعطاه في مقابلة الزنا بها، وسميت الزانية بالبغي لتجاوزها إلى ما ليس لها وسميت الأجرة التي تأخذها على البغاء مهرًا لوقوعها موقع المهر وهو الصداق في مقابلة البضع وهو حرام بإجماع المسلمين.\nتنبيه: وقد ورد النهي أيضًا عن أشياء لم تذكر في هذا الحديث وهي مذكورة في غير منها كسب الحجام وقد عدّ في الحديث أنه خبيث فالمراد بالخبيث في ثمن الكلب ومهر البغي الحرام لأن الكلب نجس والزنا حرام وأخذ العوض وبذلة حرام وأما كسب الحجام وكونه خبيثًا ومن شر الكسب ففيه دليل لمن يقول بتحريمه، وقال الخطابي (^٢): المراد بالخبيث فيه الكراهة لأن الحجامة مباحة، وقد اختلف العلماء في كسب الحجام، فقال الأكثرون من السلف والخلف لا يحرم كسبه ولا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقال في رواية عنه: قال بها فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد، واعتمدوا في ذلك على أحاديث منها، واحتج الجمهور بحديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - احتجم وأعطى الحجام أجرة، قال: ولو كان حراما لم يعطه، رواه البخاري ومسلم (^٣)\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٤).\n(^٢) غريب الحديث (٢/ ٤٧٤) ومعالم السنن (٣/ ١٠٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١٠٣) و(٢٢٧٩) و(٢٢٧٨) و(٥٦٩١)، ومسلم (٦٥ و٦٦ و٧٦ - ١٢٠٢)، وأبو داود (٣٤٢٣)، وابن ماجه (٢١٦٢) عن ابن عباس.","vol":"8","page":388},{"text":"وحملوا هذه الأحاديث التي في النهي على كراهة التنزيه والارتفاع عن دني الاكتساب والحث على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حراما لم يفرق فيه بين الحر والعبد فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحل والله أعلم، وعلى هذا فإطلاق اسم الخبيث لا يقتضي التحريم بدليل هذا، وبدليل أنه - ﷺ - قال: من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا (^١)، سمي البصل والثوم خبيثا ولم يمنع من أكله دليل التحريم عموما قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ (^٢) وكل خبيث حرام إلا ما قام الدليل على حله فعلى هذا يحرم ثمن كل كلب ومهر كل بغي لأنه لم يقم دليل على الحل والله تعالى أعلم، ومنها: النهي عن ثمن السنور (^٣) فأما النهي عن ثمن السنور فإنه محمول على ما لا ينفع أو أنه نهى تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به كما هو الغالب، فإن كان مما ينفع وباعه صح البيع وكان ثمنه حلالًا، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة غلا ما حكي ابن المنذر عن أبي هريرة وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد أنه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٩ (١٦٥٠٥)، وأبو داود (٣٨٢٧)، والنسائى في الكبرى (٦٦٤٧)، والدولابى (٧٨٩)، والطحاوى في معاني الآثار (٦٦١٤) عن معاوية بن قرة عن أبيه.\nوصححه ابن حجر في الفتح (٣/ ١٢١) وجوده الألباني في الإرواء (٢٥١٢) وصححه في الصحيحة (٣١٠٦).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٧.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٣٣٩ (١٤٨٧٨)، وعنه أبو داود (٣٤٨٠) و(٣٨٠٧)، وابن ماجه (٣٢٥٠)، والترمذي (١٣٢٦) عن جابر. قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِه اضْطِرَابٌ وَلَا يَصِحُّ فِي ثَمَنِ السِّنَّوْرِ. وضعفه الألباني في الإرواء (٢٤٨٧)، وضعيف الجامع (٦٠٣٣).","vol":"8","page":389},{"text":"لا يجوز بيعه واحتجوا بالحديث، وأجاب الجمهور بأنه محمول على ما ذكرناه فهذا هو الجواب المعتمد وبالله التوفيق، ومنها حلوان الكاهن وهو المنجم على قول وأما حلوان الكاهن فهو ما يعطاه على كهانته يقال منه حلوت حلوانا إذا أعطيته، قال الهروي وغيره (^١): هو أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا في مقابلة مشقة يقال حلوته إذا أطعمته الحلو كما يقال عسلته إذا أطعمته العسل، قال أبو عبيد: ويطلق الحلوان أيضا على غير هذا وهو أن يأخذ الرجل مهر ابنته لنفسه وذلك عيب عند النساء، قالت امرأة تمدح زوجها: لا يأخذ الحلوان عن بناتنا؛ قال البغوي من أصحابنا والقاضي عياض (^٢): أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن لأنه عوض عن محرم فهو من أكل المال بالباطل، ولذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء والنائحة للنوح، وأما الذي جاء في صحيح مسلم من النهي عن كسب الإماء (^٣) فالمراد كسبهن من الزنا وشبهه، لا بالغزل والخياطة ونحوها ومن العلماء من يسمى العراف كاهنًا، ومنهم من يسمي المنجم كاهنا، قال: وحديث النهي عن إتيان الكهان (^٤) يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم، وعلى النهي عن تصديقهم\n_________\n(^١) غريب الحديث (١/ ٥١ - ٥٣).\n(^٢) نقل الإجماع عن البغوى وعياض النووي في شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٣١)، وابن العطار في العدة (٢/ ١١٢٠)، والفاكهانى في رياض الأفهام (٤/ ٢٧٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٢٨٣) و(٥٣٤٨)، وأبو داود (٣٤٢٥) عن أبي هريرة.\n(^٤) أخرجه إسحاق (٤٨٢)، وأحمد ٢/ ٤٢٩ (٩٦٦٧)، وأبو داود (٣٩٠٤)، والبزار (٩٥٠٢)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٧) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في الإرواء =","vol":"8","page":390},{"text":"والرجوع إلى قولهم، ومنهم من كان يدعوا الطبيب كاهنا وربما سموه عرافا فهذا غير داخل في النهي هذا آخر كلام الخطابي والله أعلم.\n\n٢٨٤٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ آكل الرِّبَا وموكله وشاهداه وكاتباه إِذا علمُوا بِهِ والواشمة والمستوشمة لِلْحسنِ ولاوي الصَّدَقَة وَالْمُرْتَدّ أَعْرَابِيًا بعد الْهِجْرَة ملعونون على لِسَان مُحَمَّد - ﷺ - رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَزَاد فِي آخِره يَوْم الْقِيَامَة (^١) قَالَ الْحَافِظ\n_________\n= (٢٠٦٦) والمشكاة (٥٥١). وأخرجه البزار كشف الأستار (٣٠٤٥) من حديث جابر.\nوصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٨٧)، وصحيح الترغيب (٣٠٤٤). وكلاهما بلفظ: مَنْ أتى كاهِنًا فصدَّقَهُ بما قالَ؛ فقد كفَر بما أُنْزِلَ على محمَّدٍ - ﷺ -.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥١٠٠) و(١٠٧٩٣) و(١٥٣٥٠) وعنه أحمد (٣٩٥٨)، وابن أبي شيبة ٤/ ٤٤٧ (٢١٩٩٨)، وأحمد ١/ ٤٣٠ (٤١٧١) و١/ ٤٦٤ (٤٥١٤)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٦٥ (٥١٤٦) والكبرى (٥٥١٢) و(٨٦٦٦)، وأبو يعلى (٥٢٤١)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٧٢٦ و١٧٢٧ و١٧٢٨ و١٧٢٩)، وابن حبان (٣٢٥٢).\nوأخرجه ابن خزيمة (٢٢٥٠)، والحاكم (١/ ٣٨٧)، والبيهقى في الكبرى (٩/ ٣٣ رقم ١٧٧٩١) من طريق مسروق عن ابن مسعود. وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٢٨٨)، وأحمد ١/ ٤٤٨ (٤٣٦٩) و(٤٣٧٠) و١/ ٤٦٢ (٤٤٨٩)، والدارمى (٢٤٣٧)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٢٨ (٣٤٤١) والكبرى (٥٥٧٩)، وأبو يعلى (٥٣٥٠)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٠١٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (١١٢٨)، والطبرانى في الكبير (١٠/ ٣٨ رقم ٩٨٧٨) والأوسط (٤/ ٢١١ رقم ٤٠٠١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٤٠٦) من طرق عن هزيل، عن عبد الله. وقال الطوسى: هذا حديث صحيح حسن. وصححه الألباني في الإرواء (١٣٣٥) وصحيح الترغيب (١٨٥٠).","vol":"8","page":391},{"text":"رَوَوْهُ كلهم عَن الْحَارِث وَهُوَ الأعْوَر عَن ابْن مَسْعُود إِلَا ابْن خُزَيْمَة فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن مَسْرُوق عَن عبد الله بن مَسْعُود.\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتباه إذا علموا به والواشمة والمستوشمة للحسن ولاوي الصدقة والمرتد أعرابيا بعد الهجرة ملعونون على لسان محمد - ﷺ -\" ولاوى الصدقة هو المماطل بها والممتنع من أدائها كما تقدم في باب الزكاة.\n\n٢٨٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أَربع حق على الله أَن لا يدخلهم الْجنَّة وَلا يذيقهم نعيمها مدمن الْخمر وآكل الرِّبَا وآكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق والعاق لوَالِديهِ رَوَاهُ الْحَاكم عَن إِبْرَاهِيم بن خثيم بن عرَاك وَهُوَ واه عَن أَبِيه عَن جده عَن أَبِيه وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها مدمن الخمر وآكل الربا واكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه\" الحديث، هذا الحديث لا يحمل على ظاهره بل يؤول بالتأويلات المذكورات في نظائره أحدها: أنه محمول على من استحل ذلك وسيأتي الكلام على تفسير كل واحدة في موضعها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٧. وصححه وتعقبه الذهبي فقال: إبراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك قال النسائي متروك. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٥٨): ضعيف جدا.","vol":"8","page":392},{"text":"قوله: رواه الحاكم عن إبراهيم بن خثيم بن عراك [وهو واه عن أبيه عن جده عن أبيه قال النسائي: متروك].\n\n٢٨٤٥ - وَعَن عبد الله يَعْني ابْن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الرِّبَا ثَلاث وَسَبْعُونَ بَابا أيسرها مثل أَن ينْكح الرجل أمه رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْحَاكم ثمَّ قَالَ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح والمتن مُنكر بِهَذَا الإِسْنَاد وَلا أعلمهُ إِلَا وهما وَكَأنَّهُ دخل لبَعض رُوَاته إِسْنَاد فِي إِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن عبد الله يعني ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الربا ثلاث وسبعون بابا\" والمراد بالأبواب الخصال.\nقوله: \"أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه\" الحديث، وهذه الأبواب عدد شعب الإيمان وعدد الآيات التي ذكر الله فيها الصبر في القرآن وهن ثلاثة وسبعون آية والله أعلم قاله في الديباجة.\n\n٢٨٤٦ - وَعنهُ - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الرِّبَا بضع وَسَبْعُونَ بَابا والشرك متل ذَلِك رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَهُوَ عِنْد ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧)، وعنه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٦٣ رقم ٥١٣١).\nقال البيهقى: هذا إسناد صحيح، والمتن منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلا وهما وكأنه دخل لبعض رواة الإسناد في إسناده. وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي.\nوصححه الألباني في الصحيحة (١٨٧١) وصحيح الترغيب (١٨٥١).\nوأخرجه ابن ماجه (٢٢٧٥)، والبزار (١٩٣٥)، وابن المنذر في الأوسط (٨٠١٣)، مقتصرون على الفقرة الأولى منه فقط.","vol":"8","page":393},{"text":"بِاخْتِصَار والشرك مثل ذَلِك (^١).\nقوله: وعنه - ﵁ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"الربا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك\" البضع من الواحد إلى التسع.\n\n٢٨٤٧ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الرِّبَا سَبْعُونَ بَابا أدناها كَالَّذي يَقع على أمه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ ثمَّ قَالَ غَرِيب بِهَذَا الإِسْنَاد وَإِنَّمَا يعرف بِعَبْد الله بن زِيَاد عَن عِكْرِمَة يَعْني ابْن عمار قَالَ وَعبد الله بن زِيَاد هَذَا مُنكر الحَدِيث (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم، وتقدم الكلام أيضا على الحديث.\nقوله: \"الربا بضع وسبعون بابا\" تقدم الكلام على البضع في الحديث قبله.\n\n٢٨٤٨ - وَعَن عبد الله بن سَلام - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الدِّرْهَم يُصِيبهُ الرجل من الرِّبَا أعظم عِنْد الله من ثَلأَثة وَثَلَاِثينَ زنية يزنيها فِي الإِسْلام. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عبد الله (^٣) وَلم يسمع مِنْهُ\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٥)، والبزار (١٩٣٥)، وابن المنذر في الأوسط (٨٠١٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٩٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٥٧)، وابن الجارود في المنتقى (٦٤٧)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٧٥)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٦٤ رقم ٥١٣٢ و٥١٣٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥٣).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٤/ ٣٦١ رقم ١٤٩٩٤). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٧: رواه الطبراني في الكبير. وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن سلام. وقال الألباني في الضعيفة (٦٧٥٨): منكر بهذا التمام، وضعفه في ضعيف الترغيب (١١٥٩).","vol":"8","page":394},{"text":"وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا مَوْقُوفا على عبد الله وَهُوَ الصَّحِيح وَلَفظ الْمَوْقُوف فِي أحد طرقه قَالَ عبد الله الرِّبَا اثْنَان وَسَبْعُونَ حوبا أصغرها حوبا كمن أتَى أمه فِي الإِسْلام وَدِرْهَم من الرِّبَا أَشد من بضع وَثَلاثِينَ زنية قَالَ وَيَأْذَن الله بِالْقيامِ للبر والفاجر يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا آكل الرِّبَا فَإنَّهُ لا يقوم إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن سلام (^٢) - ﵁ - بن الحارث الإسرائيلي الأنصاري الخزرجي الصحابي، كان حليفا لبني الخزرج، كنيته: أبو يوسف كنى بابنه يوسف وهو من بني قينقاع بضم النون وفتحها وكسرها وهو من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - ﵇ -، وكان اسمه في الجاهلية حصينا فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله أسلم أول قدوم رسول لله - ﷺ - المدينة، ونزل في فضله قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (^٤) روى له عن رسول الله - ﷺ - خمسة\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٧٠٦)، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٦٠ رقم ٥١٢٦)، والدينورى في المجالسة (٢٦٩٦)، والعقيليُّ في الضعفاء (٢/ ٢٥٨)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٦١ رقم ٥١٢٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٦٥).\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ترجمة ١٥٦١، وأسد الغابة ٣/ ترجمة ٢٩٨٦، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٣٥٤، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٣٥٤، وتهذيب الكمال ١٥/ ترجمة ٣٣٢٧، والإصابة ٤/ ترجمة ٤٧٤٣.\n(^٣) سورة الأحقاف، الآية: ١٠.\n(^٤) سورة الرعد، الآية: ٤٣.","vol":"8","page":395},{"text":"وعشرون حديثا، اتفقا على حديث وانفرد البخاري بآخر، شهد مع عمر بن الخطاب فتح بيت المقدس والجابية، توفي - ﵁ - سنة ثلاث وأربعين بالمدينة، قال النووي (^١): روينا في صحيح البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لحي يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، ومناقبه كثيرة مشهورة.\nقوله - ﷺ -: \"الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام\" الحديث.\nتنبيه: إذا بيع الطعام بالطعام إن كانا جنسا اشترط الحلول والمماثلة والتقابض قبل التفرق أو جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل، واشترط الحلول والتقابض والمماثلة تعتبر في المكيل كيلا والموزونين وزنا. أ. هـ.\nقوله: رواه الطبراني في الكبير من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله، والله أعلم، عطاء الخراساني [هو أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح عطاء بن أبي مسلم، واسم أبى مسلم: عبد الله، ويقال: ميسرة الأزدى الخراسانى البلخى. سكن عطاء الشام، وهو مولى للمهلب بن أبى صفرة، وعطاء من التابعين الكبار روى عن معاذ بن جبل، وكعب بن عجرة، وابن عباس، وأنس، وعبد الله بن السعدى مرسلًا].\nوقوله في الرواية الأخرى: \"الربا اثنان وسبعون حُوبا أصغرها حُوبا كمن أتى أمه في الإسلام\" والحوب: بضم الحاء الإثم أي اثنان وسبعون ضربا من\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧١).","vol":"8","page":396},{"text":"الإثم، ومنه الحديث: إذا دخل إلى أهله قال: \"توبا توبا لا يعاد علينا حوبا\" (^١).\nقوله: \"ويأذن الله بالقيام للبر والفاجر يوم القيامة إلا اكل الربا فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس\" قال أهل التأويل: المعنى لا يقومون من قبورهم، قال ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد وغيرهم: قال بعضهم قيل يجعل معه شيطان يحنقه، وقالوا: كلهم يبعث كالمجنون عقوبة ومقتا عند أهل المحشر فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا وذلك لأنه أربى فأربى الله بطونهم كلما قاموا سقطوا لعظم بطونهم وثقلها عليهم فإذا كان هذا حال من أكل مال الغير بإذنه ورضاه إلا أنه على وجه الربا فكيف حال من أكل مال الغير بغير رضاه وملأ بطنه من ذلك منه، قاله الشيخ تقي الدين الحصني.\n\n٢٨٤٩ - وروى أَحْمد بِإِسْنَاد جيد عَن كعْب الأحْبَار قَالَ لِأن أزني ثَلاثًا وَثَلَاِثينَ زنية أحب إِلَيّ من أَن آكل دِرْهَم رَبًّا يعلم الله أنِّي أَكلته حِين أَكلته رَبًّا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٧٩ (٢٩٦١٢) و٦/ ٥٣٥ (٣٣٦٢٧)، وأحمد ١/ ٢٥٦ (٢٣٤٨)، وأبو يعلى (٢٣٥٣)، وابن حبان (٢٧١٦)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٨٠ رقم ١١٧٣٥)، وفي الدعاء (١/ ٢٦٧ رقم ٨٥٢)، وفى الأوسط (٢/ ١٤٦ رقم ١٥٢٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٣١)، والحاكم ١/ ٤٨٨، عن ابن عباس. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني - \"صحيح أبي داود\" (٢٣٣٨).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٢٥ (٢٢٣٧٧)، وابن المنذر في الأوسط (٨٠١٢)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٦١)، والدارقطنى في السنن (٢٨٤٤)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٦١ =","vol":"8","page":397},{"text":"قوله: وروي أحمد بإسناد جيد عن كعب الأحبار قال: لأن أزني ثلاثا وثلاثين زنية أحب إلي من أن آكل درهم ربا\" الحديث، كعب الأحبار (^١) كنيته أبو إسحاق وقال أبو أحمد الحاكم: قدم في خلافة أبي بكر فأسلم على يده ويقال أسلم على يد عمر، قلت: والأصح أنه أسلم على عهد عمر وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين وهو من حمير وكان على دين يهود فأسلم وقدم المدينة ثم خرج إلى الشام فسكن حمص وكان ابن سيرين يكره أن يقال كعب الأحبار والأحبار العلماء وإنما يقول كعب المسلم واختلفوا في وفاته فقال ابن سعد: توفي بحمص في سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان، أسند كعب عن عمر وصهيب وعائشة وروي عنه ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن الزبير وقال ابن الزبير: حدثني كعب الأحبار: أنه لا يصعد طير في السماء أكثر منم اثني عشر ميلا وروي كعب عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن المسيب ومعظم رواياته عن التوراة والله أعلم.\n\n٢٨٥٠ - وَعَن عبد الله بن حَنْظَلَة غسيل الْمَلَائِكَة - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - دِرْهَم رَبًّا يَأْكُلهُ الرجل وَهُوَ يعلم أَشد من سِتَّة وَثَلَاثِينَ زنية رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَال أَحْمد رجال الصَّحِيح (^٢) قَالَ الْحَافِظ حَنْظَلَة\n_________\n= ٣٦٢ رقم ٥١٢٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥٤).\n(^١) ترجمته: أسد الغابة ٤/ ترجمة ٤٤٨٣، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ترجمة ٥٢٩، وتهذيب الكمال ٢٤/ ترجمة ٤٩٨٠، والإصابة ٥/ ترجمة ٧٥١١.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٥ (٢٢٣٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٧٥٩)، والبزار (٣٣٨١)، والبغوى في معجم الصحابة (١٦٢٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٩١)، =","vol":"8","page":398},{"text":"وَالِد عبد الله لقب بغسيل الْمَلَائِكَة لأنَّهُ كَانَ يَوْم أحد جنبا وَقد غسل أحد شقي رَأسه فَلَمَّا سمع الهيعة خرج فاستشهد فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لقد رَأَيْت الْمَلَائِكَة تغسله.\nقوله: وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة - ﵄ -، قال الحافظ ﵀: حنظلة والد عبد الله لقب بغسيل الملائكة لأنه كان يوم أحد جنبا وقد غسل أحد شقي رأسه فلما سمع الهيعة خرج فاستشهد فقال رسول الله - ﷺ -: \"رأيت الملائكة تغسله\" أ. هـ وهو من سادات الصحابة وهو معروف بغسيل الملائكة، قالوا: لما استشهد بأحد قال النبي - ﷺ -: \"مات حنظلة وأنه غسلته الملائكة\" فسألوا امرأته فقالت: سمع الهيعة وهو جنب فلم يتأخر للاغتسال وفي بعضها حنظلة بن الغسيل بزيادة لفظ الابن وهو صحيح لكن بشرط أن يرفع الابن علي أنه صفة لعبد الرحمن وهو مشهور بابن الغسيل وهو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية\" الحديث.\n\n٢٨٥١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ -. قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله - ﷺ - فَذكر\n_________\n= والطبراني في الأوسط (٣/ ١٢٤ - ١٢٥ رقم ٢٦٨٢)، والدارقطنى (٢٨٤٣) و(٢٨٤٥)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ٨٩٣).\nوقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا عن عبد الله بن حنظلة عنه، وقد رواه بعضهم، عن ابن أبي مليكة عن رجل، عن عبد الله بن حنظلة. وصححه الألباني في غاية المرام ١٧٢، الروض النضير ٤٥٩، الصحيحة ١٥٣٣، صحيح الترغيب ١٨٥٥.","vol":"8","page":399},{"text":"أَمر الرِّبَا وَعظم شَأْنه وَقَالَ إِن الدِّرْهَم يُصِيبهُ الرجل من الرِّبَا أعظم عِنْد الله فِي الْخَطِيئَة من سِتّ وَثَلاثِينَ زنية يزنيها الرجل وَإِن أربى الرِّبَا عرض الرجل الْمُسلم رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب ذمّ الْغَيْبَة وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وروي عن أنس بن مالك - ﵁ -.\nقوله: \"وإن أربى الربا الاستطالة في عرض الرجل المسلم\" أي: استحقارهم والترفع عليهم والوقيعة فيهم يقال طال عليه واستطال وتطاول إذا علاه وترفع عليه، أ. هـ.\n\n٢٨٥٢ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أعَان ظَالِما بباطل ليدحض بِهِ حَقًا فقد برئ من ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله وَمن أكل درهما من رَبًّا فَهُوَ مثل ثَلَاثة وَثَلاثينَ زنية وَمن نبت لَحْمه من سحت فَالنَّار أولى بِهِ.\nرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَالْبَيْهَقِيّ لم يذكر من أعَان ظَالِما وَقَالَ إِن الرِّبَا نَيف وَسَبْعُونَ بَابا أهونهن بَابا مثل من أَتَى أمه فِي الإِسْلام وَدِرْهَم من رَبًّا أَشد من خمس وَثَلاِثينَ زنية الحَدِيث (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (١٧٥) وذم الغيبة (٣٧)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٨٦)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٦٥ - ٣٦٦ رقم ٥١٣٥)، والسلفى في التاسع عشر من المشيخة (١٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥٦) و(٢٨٣١).\n(^٢) أخرجه السراج (٢٦١٠)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٤٢) و(١/ ٣٢٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢١١ رقم ٢٩٤٤)، وفي الصغير (١/ ١٤٧ رقم ٢٢٤) والكبير (١١/ ٢١٥ رقم ١١٥٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٤٨)، والحاكم (٤/ ١٥٥)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٦٣ رقم ٥١٣٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٧٦)، من =","vol":"8","page":400},{"text":"قوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله\" الدحض [الزلق، من معنى الزلل] والمراد بذمة الله وذمة رسوله [هي الأمان والضمان، ومنه سُمى أهل الذمة، لأنهم في أمان المسلمين وضمانهم].\nقوله: \"ومن أكل درهما من ربا فهو مثل ثلاثة وثلاثين زنية ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به\" السحت بضم الحاء وسكونها قراءتان قرئي بهما في السبع هو الحرام وقيل الخبيث من المكاسب وتقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إن الربا نيف وسبعون بابا أهونهن بابا وقال مثل من أتى أمه في الإسلام\" وكل مازاد على عقد فهو نيف والنيف بالتشديد لما زاد على العقد\n_________\n= طرق عن عكرمة عن ابن عباس. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه حنش الرحبي، وهو ضعيف.\nوقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١١٧): رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه سعيد بن رحمة، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٠٥): رواه الطبراني في الثلاثة، وفي إسناد الكبير: حنش، وهو متروك، وزعم أبو محصن أنه شيخ صدق، وفي إسناد الصغير والأوسط سعيد بن رحمة، وهو ضعيف.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١١٤ رقم ١١٢١٦)، ومن طريقه الشجري في أماليه (٢/ ٣١٧) من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس. قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢١٢): فيه أبو محمد الجزري حمزة ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في الشعب (٩/ ٨٢ رقم ٦٢٨٩) من طريق طاوس عن ابن عباس. وقال أبو زرعة في علل ابن أبي حاتم (١١٧٠): هَذَا حديثٌ مُنكرٌ. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٦١) و(١٣٦١) و(١٦٧٨) وضعيف الجامع (٢٩٧٠). وحسن الألباني جزء من أعان ظالما بباطل في الصحيحة (١٠٢٠).","vol":"8","page":401},{"text":"من الواحد إلى الثلاثة حتى يبلغ العقد الثاني وقد يخفف والله أعلم.\n\n٢٨٥٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الرِّبَا اثْنَان وَسَبْعُونَ بَابا أدناها مثل إتْيَان الرجل أمه وَإِن أربى الرِّبَا استطالة الرجل فِي عرض أَخِيه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة عمر بن رَاشد وَقد وثق (^١).\nقوله: وعن البراء بن عازب تقدم الكلام عليه وتقدم أيضا معنى الحديث.\nقوله: رواه الطبراني من رواية عمر بن راشد.\n\n٢٨٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الرِّبَا سَبْعُونَ حوبا أيسرها أَن ينْكح الرجل أمه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا عَن أبي معشر وَقد وثق عَن سعيد المَقْبُري عَنهُ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن عبد الله بن سعيد وَهُوَ واه عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَتقدم بِنَحْوِهِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة كما في الإتحاف (٦/ ٧١ - ٧٢) والمطالب (٢٧٢٦)، والطبرانى في الأوسط (٧/ ١٥٨ رقم ٧١٥١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا عمرو بن راشد، ولا رواه عن عمرو بن راشد إلا معاوية بن هشام، ولا يروى عن البراء إلا بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي حاتم في المراسيل (ص ٢٤٥ رقم ٩١٦) من طريق يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن البراء بن عازب. وقال أبو حاتم: هو مرسل لم يدرك يحيى ولا إسحاق البراء بن عازب. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١١٧): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن راشد، وثقه العجلي، وضعفه جمهور الأئمة.\nوصححه الألبانى في الصحيحة (١٨٧١)، وصحيح الترغيب (١٨٥٧) و(٢٨٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٤٨ (٢٢٥٠٥)، وابن ماجه (٢٢٧٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٣٧) وذم الغيبة (٣٥)، والبزار (٨٥٣٨)، وهناد في الزهد (٢/ ٥٦٤)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٦٥ رقم ٥١٣٤)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٥٩٠) =","vol":"8","page":402},{"text":"الْحُوب بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتحهَا هُوَ الإِثْم.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه\" الحديث أي سبعون ضربا من الإثم والحوب الإثم قاله المنذري وفي الحديث: تقبل توبتي واغسل حوبتي أي إثمي أو اغفر حوبنا أي إثمنا وتضم الحاء وتفتح وقيل الفتح لغة الحجاز والضم لغة تميم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (^١) وقال ابن عطية (^٢): روى عن مجاهد أن معنى الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ وهذا تقريب للمعنى لأنه أراد أن الحرف بمعنى الآخر وقال الحذاق: إلى هي على بابها وهي تتضمن الإضافة التقدير أموالهم إلى أموالكم في الأكل في أنه عائد على الأكل الذي تتضمنه الفعل الظاهر والحوب كما تقدم وقال ابن عباس والحسن: وكان يقرأ حوبا بفتح الحاء وهو لغة تميم كما تقدم.\n_________\n= و(١٤٠٩). قال البوصيرى في الزجاجة ٣/ ٣٤: هذا إسناد ضعيف أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن متفق على تضعيفه والمتن ذكره رواه ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي هريرة أيضا ورواه ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن سعيد وهو رواه عن أبيه عن أبي هريرة.\nوصححه الألباني في المشكاة (٢٨٢٦) وصحيح الجامع (٣٥٤١) وصحيح الترغيب (١٨٥٨).\n(^١) سورة النساء، الآية: ٢.\n(^٢) تفسير ابن عطية (٢/ ٥ - ٦).","vol":"8","page":403},{"text":"قوله: كبيرا نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر.\nقوله: رواه ابن ماجه والبيهقي عن سعيد المقبري (عَنهُ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن عبد الله بن سعيد وَهُوَ واه عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَتقدم بِنَحْوِهِ).\n\n٢٨٥٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ نهى رَسُول الله - ﷺ - أَن تشترى الثَّمَرَة حَتَّى تطعم وَقَالَ إِذا ظهر الزِّنَا والربا فِي قَرْيَة فقد أحلُّوا بِأَنفسِهِم عَذَاب الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله: نهى رسول الله - ﷺ - أن تشترى الثمرة حتى تطعم يقال أطعمت الشجرة إذا أثمرت وأطعمت الثمرة إذا ادركت أي صارت ذات طعم وشيئا يوكل منها وروى حتى تطعم أي تؤكل ولا تؤكل إلا أذا أدركت يقال أطعمت الثمرة إذا صار لها طعم والطعم بالفتح ما يؤديه ذوق الشيء من حلاوة ومرارة وغيرهما وله حاصل ومنفعه والطعم بالضم والأكل ويروي لا تطعم\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٧٨ رقم ٤٦٠)، وابن نجيح البزاز في حديثه (١٨٣ و١٨٤)، والحاكم ٢/ ٣٧، والبيهقى في الشعب (٧/ ٢٩٦ رقم ٥٠٣٣) و(٧/ ٣٧٠ رقم ٥١٤٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال أبو حاتم في العلل (٢٧٩٦): أما من قوله: إذا ظهر الزنا والربا فليس هو من حديث عكرمة، عن ابن عباس، إنما هو سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، منهم من يرفعه ومنهم من يوقفه. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه هاشم بن مرزوق، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥٩) و(٢٤٠١)، وصححه في غاية المرام ٣٤٤، وتخريج فقه السيرة ٣٧٠، وصحيح الجامع (٦٧٩).","vol":"8","page":404},{"text":"بالتشديد وهو تفعل من الطعم ا. هـ قاله في النهاية (^١) وفي حديث آخر نهى عن بيع الثمرة حتى يزهي (وفي رواية حتى يزهو) جاءا باللفظين في الحديث أي يصير زهوا وهو ابتداء أرطبها وطيبها قال ابن الأعرابي: زهت الثمرة إذا ظهرت وأزهت إذا أحمرت أو أصفرت وهو الزهو معا بالفتح والضم ا. هـ قاله عياض (^٢) والله أعلم وقوله: - ﷺ - \"إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله\" الحديث.\nفائدة: وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله \"إذا أراد الله بقرية هلاك أظهر فيهم الزنا\" (^٣).\n\n٢٨٥٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - ذكر حَدِيثا عَن النَّبِي - ﷺ - وَقَالَ فِيهِ مَا ظهر فِي قوم الزِّنَا والربا إِلَّا أحلُّوا بِانفسِهِم عَذَاب الله رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد (^٤).\nقوله: وعن ابن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه ذكر حديثا عن النبي - ﷺ - وقال فيه \"ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله\".\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٢٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣١٢).\n(^٣) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٣٠٧) من طريق حفص بن غياث، عن داود، عن الحسن، عن أبي هريرة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٢٢٨).\n(^٤) أخرجه أحمد ١/ ٤٠٢ (٣٨٨٦)، وأبو يعلى (٤٩٨١)، وابن حبان (٤٤١٠) مرفوعًا.\nوأخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٧٥)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٦٣ رقم ١٠٣٢٩) موقوفًا قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٨: رواه أبو يعلى، وإسناده جيد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦٠) و(٢٤٠٢).","vol":"8","page":405},{"text":"٢٨٥٧ - وَعَن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَما من قوم يظْهر فيهم الرِّبَا إِلَّا أخذُوا بِالسنةِ وَمَا من قوم يظْهر فيهم الرشا إِلَا أخذُوا بِالرُّعْبِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد فِيهِ نظر السّنة الْعَام المقحط سَوَاء نزل فِيهِ غيث أَو لم ينزل (^١).\nقوله: وعن عمرو بن العاص - ﵄ - (وعامة أصحاب الحديث يقولون: ابن العاص بغير ياء، وهو خطأ، والذي محفوظ عن أهل اللغة، منهم أبو محمد بن الخشاب إثبات الياء، أسلم قبيل الفتح، وجملة ما روى عن رسول الله - ﷺ - تسعة وثلاثون حديثا، أخرج له منها في الصحيحين ستة أحاديث).\nقوله - ﷺ -: \"ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة\" السنة العام المقحط الذي تنبت الأرض فيه شيئا سواء نزل غيث أم لم ينزل.\n\n٢٨٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي لما انتهينا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَنَظَرت فَوقِي فَإِذا أَنا برعد وبروق وصواعق قَالَ فَأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فِيهَا الْحَيَّات ترى من خَارج بطونهم قلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ أَكلَة الرِّبَا رَوَاهُ أَحْمد فِي حَدِيث طَوِيل وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا والأصبهاني كلهم من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن أبي الصَّلْت عَن أبي هُرَيْرَة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٥ (١٨١٠٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٣٦)، وضعيف الترغيب (١١٦٢) و(١٣٤٣) وضعيف الجامع (٥٢١١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٣٣٥ (٣٦٥٧٤)، وأحمد ٢/ ٣٥٣ (٨٧٦٥) و٢/ ٣٦٣ (٨٨٧٨)، وابن ماجه (٢٢٧٣)، والحارث بن أبي أسامة (٢٥ - زوائد الحارث)، =","vol":"8","page":406},{"text":"٢٨٥٩ - وروى الأصْبَهَانِيّ أَيْضا من طَرِيق أبي هَارُون الْعَبْدي واسْمه عمَارَة بن جُوين وَهُوَ واه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - لما عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء نظر فِي سَمَاء الدُّنْيَا فَإِذا رجال بطونهم كأمثال الْبيُوت الْعِظَام قد مَالَتْ بطونهم وهم منضدون على سابلة آل فِرْعَوْن يوقفون على النَّار كل غَدَاة وعشي يَقُولُونَ رَبنَا لا تقم السَّاعَة أبدا قلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ أَكلَة الرِّبَا من أمتك لا يقومُونَ إِلَا كمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس قَالَ الأصْبَهَانِيّ قَوْله منضدون أَي طرح بَعضهم على بعض والسابلة الْمَارَّة أَي يتوطؤهم آل فِرْعَوْن الَّذين يعرضون على النَّار كل غَدَاة وعشي (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة:\nقوله - ﷺ -: \"رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا أنما برعد وبروق وصواعق\" الحديث (وقد روي أن) الصواعق قطعة نار تطير (من في) الملك الذي يزجر السحاب عند اشتداد (غضبه) قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ (^٢) والإعصار الشديدة\n_________\n= والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٦٧٤) و(١٤٠٤). وقال الألباني: ضعيف أحاديث البيوع، المشكاة (٢٨٢٨/ التحقيق الثانى)، ضعيف الجامع (١٣٣)، وضعيف الترغيب (١١٦٣).\n(^١) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٤٠٠). وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (١١٦٤).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٦.","vol":"8","page":407},{"text":"العاصف الذي فيها نار والصر الريح الشديدة البرد ا. خـ وقيل الصاعقة النار التي أرسلها الله مع الرعد الشديد يقال: صعق الرجل وصعق وقد صعقته الصاعقة ا. هـ قاله في النهاية.\nقوله: في الحديث أيضًا \"فإذا رجال بطونهم كأمثال البيوت العظام قد مالت بطونهم وهم منضدون على سابلة آل فرعون\".\nقوله: \"منضدون\" أي مطرحون أي طرح بعضهم على بعض والسابلة المارة أي يطؤهم آل فرعون الذين يعرضون على النار كل غداة وعشي قال السهيلي (^١): رحمه الله تعالى رآهم - ﷺ - وإنما رآهم - ﷺ - منتفخة بطونهم لأن العقوبة من مشاكلة الذنوب فأكل الربا يربوا بطنه كما أراد أن يربو ماله بأكل ما حرم الله عليه فمحقت البركة من ماله وجعلت نسخا في بطنه حتى يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فينما جعلوا بطريق آل فرعون يمرون عليها غدوا وعشيا لأن آل فرعون هو أشد الناس عذابا يوم القيامة كما قال ﷾: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (^٢) فخصوا أكلة الربا بسببهم ليعلم أن الذين هم أشد الناس عذابا يوطئون فضلا عن غيرهم من الكفار وهم لا يستطيعون القيام ومعنى كونهم في طريق جهنم بحيث يمر بالكفار عليهم أن الله تعالى أوقف أمرهم بين أن ينتهوا فيكون خير الهم وبين أن يعودوا أو يصورتا فيدخلهم النار وهذه صفة من هو في طريق\n_________\n(^١) الروض الأنف (٣/ ٢٨٣).\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٤٦.","vol":"8","page":408},{"text":"النار قال ﷾: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (^١) الآية وفي بعض المسندات أنه - ﷺ - رأى بطونهم كالبيوت يعنى أكلة الربا وفيها الحيات ترى من خارج البطون.\nفإن قيل هذه الأحوال التي وصفها عن أكلة الربا إن كانت عبارة عن حالهم في الآخرة قال فرعون في الآخرة قد ادخلوا أشد العذاب وإنما يعرضون على النار غدوا وعشيا في البرزخ وإن كانت هذه الحال التي رآهم في البرزخ فأي بطون لهم وقد صاروا عظاما ورفاتا ومزقوا كل ممزق فالجواب أنه إنما راءاهم في البرزخ لأنه حدث عما راءا أي هذه الحال هي حال أرواحهم بعد الموت وفيها تصحيح لمن قال: الأرواح أجساد لطيفة قابلة للنعيم والعذاب في خلق الله في تلك الأرواح من الألام ما يجد من انتفخ بطنه حتى وطيء بالأقدام ولا يستطيع من قيام وليس في الحديث دليل على أنهم أشد عذابا ولكن فيه دليل على أنهم يطؤهم آل فرعون وغيرهم من الكفار الذين لم يأكلوا الربا ما كانوا في البرزخ إلى أن يوقموا يوم القيامة كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ثم ينادي منادي الله ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (^٢) وكذلك ما رأى من النساء المعلقات بثديهن يجوز أن تكون أرواحهن وقد خلق فيها من الألام ما يجده من هذه حاله ويحتمل أيضا أن يكون كشف له حالهن في الآخرة ا. هـ.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٤٦.","vol":"8","page":409},{"text":"تنبيه: روي عن شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن ميسرة يقول كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار وإذا أمسى يقول أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوذ من النار وقد قيل إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة على شفير جهنم في حواصل طير سود والغداة والعشي وإنما هو بالنسبة إلينا على ما أعتدناه إذ الآخرة ليس فيها مساء ولا صباح فإن قيل فقد قال: الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (^١) قلنا الجواب عنهما واحد قاله القرطبي في التذكرة (^٢).\n\n٢٨٦٠ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ -: عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ بَين يَدي السَّاعَة يظْهر الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْخمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٣).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"بين يدي الساعة يظهر الربا والزنا والخمر\" المراد بالساعة القيامة.\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٦٢.\n(^٢) التذكرة (١/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، وأهوال القبور لابن رجب (ص ٤٣). والأثر أخرجه اللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢١٤٢)، والبيهقى في إثبات عذاب القبر (ص ٥٥ رقم ٥١) والشعب (١/ ٦٢١ - ٦٢٢ رقم ٣٩٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠ رقم ٧٦٩٥)، والشجرى في الأمالى (٢/ ٣٧٨). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن بشير أبي إسماعيل إلا حاتم بن إسماعيل. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٨: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦١).","vol":"8","page":410},{"text":"٢٨٦١ - وَعَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد الوزان قَالَ رَأَيْت عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - فِي السُّوق فِي الصيارفة فَقَالَ يَا معشر الصيارفة أَبْشِرُوا قَالُوا بشرك الله بِالْجنَّةِ بِمَ تبشرنا يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَبْشِرُوا بالنَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^١).\nقوله: وعن القاسم بن عبد الواحد الوزان في بعض النسخ الوراق (تفرد عنه أبو كامل الفضيل الجحدري).\nقوله: قال رأيت عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ - في السوق في الصيارفة تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: للصيارفة \"أبشروا بالنار\"، الحديث وإنما قيل للصيارفة ذلك لوجود الربا عندهم.\n\n٢٨٦٢ - وَرُوِيَ عَن عَوْف بن مَالك - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"إياك والذنُوب الَّتِي لا تغْفر الْغلُول فَمن غل شَيْئا أُتِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وآكل الرِّبَا فَمن أكل الرِّبَا بعث يَوْم الْقِيَامَة مَجْنُونا يتخبط ثمَّ قَرَأَ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير كما عزاه الهيثمي في المجمع (٤/ ١١٩) وابن كثير في جامع المسانيد (٥/ ٤٧)، وأخرجه الضياء في المختارة ١٣/ ١٢٦ (٢٠٢) من طريق الطبراني وفيه قال الطبراني: ثَنَا دران الْقطَّان الْبَصْرِيّ ثَنَا أَبُو كَامِل الجحدري ثَنَا الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد الْوزان، فذكره. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٩: رواه الطبراني في الكبير.\nوالقاسم قال الذهبي: أظن تفرد عنه فضيل بن حسين الجحدري. قلت: ولم يضعفه أحد.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٦٥).","vol":"8","page":411},{"text":"يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (^١) \"رَوَاهُ والأصبهاني من حَدِيث أنس وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَأْتِي آكل الرِّبَا يَوْم الْقِيَامَة مخبلا يجر شقيه، ثمَّ قَرَأَ لا يقومُونَ إِلَّا كمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس قَالَ الأصْبَهَانيّ المخبل الْمَجْنُون (^٢).\nقوله: وروي عن عوف بن مالك - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"إياك والذنوب التي لا تغفر الغلول فمن غل شيئا أتي به يوم القيامة وآكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط ثم قرأ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (^٣) الآية قال الواحدي (^٤): يريد الذين يعاملون به منبه بالأكل على ما سواه كما قال: تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (^٥) وقال: والتخبط معناه الضرب على غير استواء وتخبطه الشيطان إذا مسه\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٨/ ٥٩ (١٠٩) و١٨/ ٦٠ (١١٠) والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٥٣) من حديث عوف بن مالك، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٤٠١) من حديث أنس. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٩: رواه الطبراني، وفيه الحسين بن عبد الأول، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣١٣) وصحيح الترغيب (١٨٦٢). وقال في حديث أنس: موضوع ضعيف الترغيب (١١٦٦).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.\n(^٤) التفسير الوسيط (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).\n(^٥) سورة النساء، الآية: ١٠.","vol":"8","page":412},{"text":"بخبل أو جنون فهذه صفتهم يوم القيامة قال قتادة: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا وذلك علم لأكلة الربى يعرفهم به أهل الموقف، وقيل معنى الآية لا يقومون من قبورهم يوم القيامة ا. هـ وتقدم الكلام على الغلو في الجهاد.\nقوله: \"يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلا يجر شقيه\" قال الأصبهاني: المخبل المجنون (قال الأصبهانى (الخبل): الجنون و(المخبل): المفلوج. وقوله: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: يستولي عليه الشيطان فيصرعه فيجن).\n\n٢٨٦٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا أحد أَكثر من الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَة أمره إِلَى قلَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَفِي لفظ لَهُ قَالَ الرِّبَا وَإِن كثر فَإِن عاقبته إِلَى قل وَقَالَ فِيهِ أَيْضا صَحِيح الإسْنَاد (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة\"\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٣٩٥ (٣٨٣١)، وابن ماجه (٢٢٧٩)، والبزار (٢٠٤٢)، وأبو يعلى (٥٠٤٢) و(٥٣٤٨) و(٥٣٤٩)، والشاشي في مسنده (٨٠٨) و(٨٠٩)، والطبراني (١٠/ ٢٢٣ رقم ١٠٥٣٨ و١٠٥٣٩) و(١٠٥٣٩)، والحاكم ٢/ ٣٧ و٤/ ٣١٧ - ٣١٨، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٥٩ رقم ٥١٢٣) و(٧/ ٣٥٩ - ٣٦٥ رقم ٥١٢٤).\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات مصباح الزجاجة ٣/ ٣٥. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦٣).","vol":"8","page":413},{"text":"الحديث وهو كقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^١) أي ينقص الله من ماله المرابي ويذهب بركته وإن كان كثيرا ويربي الصدقات أي يزيد فيها ويبارك عليها.\nقوله: في الرواية الأخرى \"قال الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قل\" القل بالضم القلة كالذل والذلة أي أنه وإن كان زيادة في المال غال فإنه يؤل إلى نقص لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال ابن عباس: يمحق الله الربا قال: بمعنى لا يقبل الله منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة والله أعلم قاله في النهاية.\n\n٢٨٦٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان لا يبْقى مِنْهُم أحد إِلَّا أكل الرِّبَا فَمن لم يَأْكُلهُ أَصَابَهُ من غباره رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كلاهُمَا من رِوَايَة الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة وَاخْتلف فِي سَمَاعه وَالْجُمْهُور على أَنه لم يسمع مِنْهُ (^٢).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤٩٤ (١٠٥٥٤)، وأبو داود (٣٣٣١)، وابن ماجه (٢٢٧٨)، والبزار (٩٥٦٢)، والمروزى في السنة (٢٠٢)، والنسائى في المجتبى ٧/ ١٨٢ (٤٤٩٦) والكبرى (٥٩٩٩)، وأبو يعلى (٦٢٣٣) و(٦٢٤١)، وابن المنذر في الأوسط (٨٠٢٠)، والحاكم ٢/ ١١، والبيهقى في الكبرى (٥/ ٤٥٢ رقم ١٠٤٧٢)، والبغوى في شرح السنة (٢٠٥٥).\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٦٧) المشكاة (٢٨١٨)، ضعيف الجامع الصغير (٤٨٦٤).","vol":"8","page":414},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: رسول الله - ﷺ - \"ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره\" الحديث رواه أبو داود والنسائي ورواه البيهقي من حديث الحسن مرسلا أن النبي - ﷺ - قال: \"ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم ياكله أصابه من غباره\" (^١) ومعنى الحديث أنه إليه يصل أثر الربا وإن لم يأكله بأن كان موكله أو متوسطا أو كاتبا أو شاهدا فيه أو كان عامل مع آكل الربا أو مع من عامله إلى غير ذلك من الملامسة والمراد أن الربا يكثر في ذلك الزمان والله أعلم قال في الإحياء في أداب الكسب (^٢): روى عن عمر أنه كان يطوف في السوق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول لا يبع في سوقنا إلا من تفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى وهذا رواه الترمذي من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده قال: قال: عمر بن الخطاب لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في الدين ثم قال حديث حسن غريب قال الترمذيُّ: والعلاء من التابعين سمع أنس بن مالك وغيره وعبد الرحمن والده من التابعين أدرك عمر بن الخطاب وروى عنه فهؤلاء ثلاثة تابعيون روى بعضهم عن بعض ثم قال الغزالي (^٣): وقد شدد الله في أمر الربا فيجب الإحتراز منه على الصيارفة المتعلمين على النقدين وعلى المتعاملين على\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٥/ ٤٥٢ رقم ١٠٤٧٣).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٦٤).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٢/ ٦٨).","vol":"8","page":415},{"text":"الأطعمة إذ لا ربا إلا في نقدا أو طعام فعلى الصيرفي أن يحترز من النسيئة والفضل ثم بسط القول في ذلك ا. هـ هذا بعد ذكر حديث القاسم.\nقوله: من رواية الحسن عن أبي هريرة واختلف في سماعه والجمهور على أنه لم يسمع منه (فهو منقطع).\n\n٢٨٦٥ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ليبيتن أنَاس من أمتِي على أشر وبطر وَلعب وَلَهو فيصبحوا قردة وَخَنَازِير باستحلالهم الْمَحَارِم واتخاذهم الْقَيْنَات وشربهم الْخمر وبأكلهم الرِّبَا ولبسهم الْحَرِير رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد فِي زوائده (^١).\nقوله: وروي عن عبادة بن الصامت - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"واتخاذهم القينات\" جمع قينة وهي الأمة المغنية.\n\n٢٨٦٦ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ يبيت قوم من هَذِه الأمة على طعم وَشرب وَلَهو وَلعب فيصبحوا قد مسخوا قردة وَخَنَازِير وليصيبنهم خسف وَقذف حَتَّى يصبح النَّاس فَيَقُولُونَ خسف اللَّيْلَة ببني فلان وَخسف اللَّيْلَة بدار فلان ولترسلن عَلَيْهِم حِجَارَة من السَّمَاء كمَا أرْسلت على قوم لوط على قبائل فِيهَا وعَلى دور ولترسلن عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم الَّتِي\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ٣٢٩ (٢٣٢٤٠)، وابن شاذان في الثامن من أجزائه (١٣٨). وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٠): رواه عبد الله، وروى الطبراني منه حديث أبي أمامة فقط، وفرقد ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦٤) و(٢٣٧٧).","vol":"8","page":416},{"text":"أهلكت عادا على قبائل فِيهَا وعَلى دور بشربهم الْخمر ولبسهم الْحَرِير واتخاذهم الْقَيْنَات وأكلهم الرِّبَا وَقَطِيعَة الرَّحِم وخصلة نَسِيَهَا جَعْفَر رَوَاهُ أَحْمد مُخْتَصرا (^١) وَاللَّفْظ لَهُ الْقَيْنَات جمع قينة وَهِي الْمُغنيَة.\nقوله: وروي عن أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير\" قال الجوهري (^٢): المسخ تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها يقال مسخه الله قردا ا. هـ.\nقوله: \"وليصيبنهم خسف وقذف\" الخسف هو عبارة (الإذهاب في الأرض، (خَسَفَ الله به الأرضَ)؛ أي: غابَ به فيها، قال الله سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (^٣) والقذف عبارة (الرمي بالحجارة من السماء).\nقوله - ﷺ -: \"ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا\" الريح العقيم (الَّتِي لَا يكون مَعهَا لَقْحٌ، أَي لَا تَأتي بمطَر، إنّما هِيَ ريحُ الإهلاك).\nقوله: \"وقطيعة الرحم\" الرحم هي القربة سواء كان وارثا أو غير وارث.\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى (١٢٣٣)، وأحمد ٥/ ٢٩٥ (٢٢٦٦١)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (٣) و(١٤)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٢٧١)، والطبرانى في الكبير (٨/ ٢٥٦ رقم ٧٩٩٧)، والحاكم (٤/ ٥١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٤٢٠ - ٤٢١ رقم ٥٢٢٦)، والشجرى في الأمالى (٢/ ٣٧١). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٦٨).\n(^٢) تهذيب اللغة (٧/ ٩١).\n(^٣) سورة القصص، الآية: ٨١.","vol":"8","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>[الترهيب من غصب الأرض وغيرها]</span>\n٢٨٦٧ - عَن عَائِشَة - ﵂ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: من ظلم قيد شبر من الأرْض طوقه من سبع أَرضين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: عن عائشة - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: قال \"من ظلم قيد شبر من الأرض\" الحديث الظلم وضع الشيء في غير موضعه والقيد هو بكسر القاف وإسكان الياء أي قدر شبر يقال: قيد وقاد وقيس وقاس بمعنى واحد والله أعلم.\n\n٢٨٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ من أَخذ من الأرْض شبْرًا بِغَيْر حَقه طوقه من سبع أَرضين رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح وَمُسلم إِلَّا أَنه قَالَ لا يَأْخُذ أحد شبْرًا من الأرْض بِغَيْر حَقه إِلَا طوقه الله إِلَى سبع أَرضين يَوْم الْقِيَامَة قَوْله طوقه من سبع أَرضين (^٢) قيل أَرَادَ طوق التَّكْلِيف لا طوق التَّقْلِيد وَهُوَ أَن يطوق حملهَا يَوْم الْقِيَامَة وَقيل إِنه أَرَادَ أَنه يخسف بِهِ الأرض فَتَصِير الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة فِي عُنُقه كالطوق قَالَ الْبَغَوِيّ وَهَذَا أصح ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٩٥) و(٢٤٥٣)، ومسلم (١٤٢ - ١٦١٢).\n(^٢) أخرجه الطيالسى (٢٥٣٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٤٩ (٢٢٠١٦)، وأحمد ٢/ ٣٨٧ (٩١٤١) و٢/ ٣٨٨ (٩١٦٦) و٢/ ٤٣٢ (٩٧١٢)، ومسلم (١٤١ - ١٦١١)، والبزار (٨٣٥٩ و٨٣٦٠)، والطبرى في تهذيب الآثار - مسند على (٢٨٢ و٢٨٣)، وأبو عوانة في المستخرج (٥٩٦٨ و٥٩٦٩)، وابن حبان (٥١٦١) و(٥١٦٢).","vol":"8","page":418},{"text":"عَن سَالم عَن أَبِيه - ﵄ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - من أَخذ من الأرْض شبْرًا بِغَيْر حَقه خسف بِهِ يَوْم الْقِيَامَة إِلَى سبع أَرضين. وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: قال \"من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه طوقه من سبع أرضين\" قال الحافظ المنذري: قيل أراد طوق التكليف لا طوق التقليد وهو أن يطوق حملها يوم القايمة وقيل أنه أراد أن تخسف به الأرض فتصير البقعة المغصوبة في عنقه كالطوق قاله البغوي (^٢) وهذا أصح ا. هـ وقال غيره: قوله: \"من سبع أرضين\" قال أهل اللغة: أرضون بفتح الراء وفيها لغة قليلة بإسكانها حكاها الجوهري (^٣) وغيره قال: العلماء هذا تصريح بأن الأرضين سبع طباق وهو موافق لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (^٤) وأما تأويل المماثلة على الهيئة والشكل فخلاف الظاهر قال الواحدي (^٥): في قوله\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٩٩ (٥٨٤٤)، والبخارى (٢٤٥٤) و(٣١٩٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (٦١٤٨).\n(^٢) شرح السنة (٨/ ٢٢٩).\n(^٣) الصحاح (٣/ ١٠٦٣) للجوهرى، ومختار الصحاح (١/ ١٧) للرازى، لسان العرب (٧/ ١١٢).\n(^٤) سورة الطلاق، الآية: ١٢.\n(^٥) التفسير الوسيط (٢١/ ٥٢٣). وقول قتادة أسنده عبد الرزاق في التفسير (٣٢٤٠)، والطبرى في جامع البيان (٢٣/ ٨٥).","vol":"8","page":419},{"text":"تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (^١) عن قتادة قال: في أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه وإنما جمعت السموات في القرآن وأفردت الأرض للخفة في اللفظ وقيل لأن الأرض من جنس واحد بخلاف السموات وهذا يحتاج إلى توقيف والمثلية هنا للعدد لا للصفة والكيفية والجرم وقد استدل به الداودي (^٢) على أن السبع لم يفتق بعضها من بعض بالاستيلاء عليها ومنع صاحبها من الانتفاع بها وقد جاء في غلظهن وما بينهن حديثان في الترمذي ولم يصحا أحدهما فيه سبعون أو اثنان وسبعون سنة والآخر خمسمائة عام (^٣) وجمع بينهما باختلاف السير فالأول للبطئ والآخر للسريع والله أعلم وفيه رد على من قال المراد بالحديث سبع أرضين من سبع أقاليم لا أن الأرضين سبع طبقات فهذا تأويل باطل أبطله العلماء فإنه لو كان كذلك لم يطوق الظالم بالشبر في الملك فمن ملك شيئا من هذه الأرض ملكه وما\n_________\n(^١) سورة الطلاق، الآية: ١٢.\n(^٢) إكمال المعلم (٥/ ٣٢٠).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٤٠) عن أبي سعيد بلفظ: ارْتفَاعُهَا لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. وقال هذا حديث غريب. وضعفه الألباني. وأخرجه (٣٢٩٨) عن أبي هريرة بلفظ: فَإِنَّ تَحْتَهَا أَرْضًا أُخْرَى، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ. وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وضعفه الألباني. وأخرجه أيضا (٣٣٢٠) عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بلفظ \"هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ؟ \" قَالُوا: لَا، وَاللهِ مَا نَدْرِي، قَالَ: \"فَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ، وَإِمَّا اثْنَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَالسَّمَاءُ الَّتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ، حَتَّى عَدَّدَهُنَّ سَبع سَمَوَاتٍ كَذَلِكَ\". وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وضعفه الألباني.","vol":"8","page":420},{"text":"تحته من الطباق وما فوقه من المعادن والكنوز والحديث يدل لذلك وقيل هو للمسلمين وله منع من حفر تحتها سربا أو بئرا سواء أضر به أولم يضر ا. هـ وأما التطويق المذكور في الحديث فقالوا يحتمل أن معناه أنه يحمل مثله من سبع أرضين ويكلف إطاقة ذلك ويحتمل أن يجعل له كالطوق في عنقه كما قال ﷾: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١) وقيل معناه أنه يطوق إثم ذلك ويلزمه كلزوم الطوق لعنقه وعلى تقرير التطويق في عنقه يطول الله عنقه كما جاء في غلط جلد الكافر أنه أربعون ذراعا وإن ضرسه كأحد وإن فخذه كورقان رواه أحمد في المسند (^٢) وفي هذا الحديث تحريم الظلم وتحريم الغضب وتغليظ عقوبته وفيه إمكان غصب الأرض وهو مذهبنا ومذهب الجمهور بالاستيلاء عليها ومنع صاحبها من الانتفاع بها وقال أبو حنيفة لا يتصور غصب الأرض قاله المنذري.\n\n٢٨٦٩ - وَعَن يعلى بن مرّة - ﵁ - قَالَ سَمِعت النَّبِي - ﷺ - يَقُول أَيّمَا رجل ظلم شبْرًا من الأرْض كلفه الله ﷿ أَن يحفره حَتَّى يبلغ بِهِ سبع أَرضين ثمَّ يطوقه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يقْضِي بَين النَّاس (^٣) رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٢٨ (٨٤٦٠) والحاكم (٤/ ٥٩٥) عن أبي هريرة و٩/ ٢٣ (١١٤٠٤) عن أبي سعيد. وصححه الألباني في الصحيحة (١١٠٥) وصحيح الجامع (٣٨٩٠) من طريق أبى هريرة.\n(^٣) أخرجه أحمد وابنه عبد الله في زوائده على المسند ٤/ ١٧٣ (١٧٨٤٥)، وعبد بن حميد (٤٠٧)، والطبرى في تهذيب الآثار - مسند علي (٢٨٩)، والخرائطى في مساوئ =","vol":"8","page":421},{"text":"حبان فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لِأحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من أَخذ أَرضًا بِغَيْر حَقّهَا كلف أَن يحمل ترابها إِلَى الْمَحْشَر (^١) وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي الْكَبِير من ظلم من الأرْض شبْرًا كلف أَن يحفره حَتَّى يبلغ المَاء ثمَّ يحملهُ إِلَى الْمَحْشَر (^٢).\nقوله: وعن يعلى بن مرة - ﵁ -: (هو أبو المَرَازِم يَعْلى بن مُرّة بن وهيب بن جَابر، من بني عَوف بن ثقيف الثَّقَفي، وأمه سَيَابة وبها يعرف. شهدَ الحُديبيةَ وخيبرَ، والفتح، وحنينًا، والطائف) روى يعلى بن مرة عن رسول الله - ﷺ - ستة وعشرين حديثا.\nقوله: - ﷺ - \"أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله ﷿ أن يحفره\n_________\n= الأخلاق (٦٣٣)، وابن حبان (٥١٦٤)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٧٠ (٦٩٢). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٥: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والصغير بنحوه بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح وقال: \"ثم يطوقه يوم القيامة\". وصححه الألباني في الصحيحة (٢٤٠) وصحيح الترغيب (١٨٦٨)، والمشكاة (٢٩٦٠).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٤٩ (٢٢٠١٣)، وأحمد ٤/ ١٧٢ (١٧٨٣٢) و٤/ ١٧٣ (١٧٨٤٣)، وعبد بن حميد (٤٠٦)، والدولابي في الكنى (٣١٨)، والطبرى في تهذيب الآثار - مسند علي (٢٨٤ و٢٨٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٦١٥٠ و٦١٥١)، والطبرانى في الكبير ٢٢/ ٢٦٩ (٦٩٠) و٢٢/ ٢٧٠ (٦٩١)، والخطيب في موضح أوهام الجمع (١/ ٢٧٢) و(٢/ ٢٤٥) و(٢/ ٢٤٦). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٤٢) وصحيح الترغيب (١٨٦٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٧١ (٦٩٥). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٥: وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وقد وثق. وقال الألباني في الضعيفة (٦٧٦٥): منكر جدا. وقال في ضعيف الترغيب (١١٦٩): ضعيف جدا.","vol":"8","page":422},{"text":"حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة\" تقدم تفسير.\n\n٢٨٧٠ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أَخذ شَيْئا من الأرْض بِغَيْر حلّه طوقه من سبع أَرضين لا يقبل مِنْهُ صرف وَلا عدل. رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حَمْزَة بن أبي مُحَمَّد (^١).\nقوله: وعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - تقدم.\nقوله: - ﷺ - \"من أخذ شيئا من الأرض بغير حله طوقه من سبع أرضين\" وفي الرواية الأخرى \"شبرا\" والمعنى مع الروايتين مستقيم إلا أن الشيء أعم والشبر وإن كان مقدرا لم يذكر لمقداره وإنما ذكر التقليل فيستوي فيه ما فوق الشبر وما دونه بما فهم من التعليل وقد تضمن هذا الحديث تشديد الوعيد في ظلم الأرض وبيان عقوبة الظالم لها وفيه دليل إن مالك وجه الأرض مالك لباطنها بدليل عقوبة الغاصب بتطويقها من سبع أرضين ولا يقدح جهالة باطنها في صحة ملك المبتاع لها كشراء الدار بجدرانها من غير\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١١٣٧)، وأبو يعلى (٧٤٤)، والطبرى في تهذيب الآثار - مسند على (٢٩٠)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤ رقم ٥١٤٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد بهذا اللفظ وبتمام هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن بجاد بن موسى إلا حمزة بن أبي محمد، تفرد به: حاتم بن إسماعيل. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٥: رواه أبو يعلى والبزار والطبرانى في الأوسط وفيه حمزة بن أبي محمد: ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة وحسن الترمذى حديثه.\nقال البوصيرى في الإتحاف ٣/ ٢٥٩: مدار حديث سعد على حمزة بن أبي محمد، وهو ضعيف. وقال الألباني في الضعيفة (٦٧٦١): منكر بزيادة: (جملة الصرف). وقال في ضعيف الترغيب (١١٧٠): ضعيف جدا.","vol":"8","page":423},{"text":"كشف عن مقادير الجدران للضرورة الداعية إلى ذلك وقد ورد في التحذير من ظلم الأرض والتشديد فيه كثير من الأخبار والآثار والسر هنا في أنها أشد من غيرها من المظالم إن ظلمها يدوم بدوامها ويبقى بقيامها لا يزول حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين بخلاف ظلم غيرها فإنه يفنى بفنائه ويستقر إلى حين انفصاله ا. هـ قاله في التاريخ.\nقوله: \"لا يقبل منه صرف ولا عدل\" أي فريضة ولا نافلة على أحد التفاسير وفي بعضها فيدفع إليه يهودي أو نصراني فيقال: هذا فكاكك من النار أي خلاصك منها أي فداؤك ومنه فكاك الزهر والرقبة وهو خلاصها من الرق وعهدة الارتهان وإطلاقه لربه ا. هـ تقدم الكلام على الصرف والعدل في سكنى المدينة مطولا.\nقوله: من رواية حمزة بن أبي محمد (قال أبو حاتم: منكر الحديث مجهول ولينه أبو زرعة وغيره وحسن له الترمذي).\n\n٢٨٧١ - وَعَن ابن (^١) مَسْعُود - ﵁ -. قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي الظُّلم أظلم فَقَالَ ذِرَاع من الأرْض ينتقصها الْمَرْء الْمُسلم من حق أَخِيه فَلَيْسَ حَصَاة من الأرْض يَأْخُذهَا إِلَّا طوقها يَوْم الْقِيَامَة إِلَى قَعْر الأرْض وَلا يعلم قعرها إِلَّا الله الَّذِي خلقهَا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإسْنَاد أَحْمد حسن (^٢).\n_________\n(^١) في الأصل أبي مسعود وإنما هو عندهما من رواية ابن مسعود كما هو في المسند ونص عليه غير واحد من الحفاظ وكما ذكره الهيثمي عازيا إياه لهما في مجمع الزوائد ٤/ ١٧٤ - ١٧٠.\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٣٩٦ (٣٨٤٤) و١/ ٣٩٧ (٣٨٤٩)، والطبرانى في الكبير (١٠/ رقم ١٠٥١٦) عن ابن مسعود. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٥: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وإسناد أحمد حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٨٢٩) و(٦٧٦٢) وضعيف الترغيب (١١٧١) وضعيف الجامع (٩٥٦).","vol":"8","page":424},{"text":"قوله: وعن أبي مسعود (...) (^١).\nقوله: قلت يا رسول الله أي الظلم أظلم فقال: \"ذراع من الأرض ينتقضها المرء المسلم من حق أخيه\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٢٨٧٢ - وَعَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أعظم الْغلُول عِنْد الله ﷿ ذِرَاع من الأرْض تَجِدُونَ الرجلَيْن جارين في الأرْض أَو فِي الدَّار فيقتطع أَحدهمَا من حَظّ صَاحبه ذِرَاعا إِذا اقتطعه طوقه من سبع أَرضين رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله: وعن أبي مالك الأشعري تقدم الكلام عليه وتقدم الكلام أيضا على التطويق.\n\n٢٨٧٣ - وَعَن وائل بن حجر - ﵁ - (^٣) قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من غصب رجلا أَرضًا ظلما لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي (^٤).\n_________\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٤٩ (٢٢٠١٨)، وأحمد ٥/ ٣٤١ (٢٣٣٦١) و٥/ ٣٤٤ (٢٣٣٨١)، الطبراني في الكبير (٣/ ٣٤٠ رقم ٣٤٦٣)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٦١) عن أبي مالك الأشعرى. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٥: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وحسنه ابن حجر في الفتح ٥/ ١٠٥).\nوقال الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦٩): حسن صحيح.\n(^٣) في الأصل: عبد الله، وهو خطأ، والصواب: وائل، وهو ابن حجر.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨ رقم ٢٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٦٥) وصحيح الترغيب (١٨٧٠).","vol":"8","page":425},{"text":"قوله: وعن عبد اللّه - ﵄ - المراد به عبد اللّه بن عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في أول هذا التعليق مبسوطا (^١).\nقوله: - ﷺ - \"من غصب رجلًا أرضا ظلما\" في هذا الحديث إمكان غصب الأرض وهو مذهبنا ومذهب الجمهور كما تقدم وقال أبو حنيفة: لا يتصور ذلك والغصب هو الاستيلاء على حق الغير عدوانا فلا تدخل السرقة ولأنها اختلاس ويدخل في الاستيلاء ما لو استعمل عبد غيره فإنه يضمن وكذا لو جلس على فراش الغير وقد اختار أبو الطيب نفي الضمان ويدخل في الحق المال والمنافع كمنفعة الكلب والسرجين وخرج بالعدوان المغانم وما انتزع من يد الغاصب للحفظ قال الشافعي: لو انتزع مال المسلم الحربي ليرده عليه لا ضمان فيه قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"لقي اللّه وهو عليه غضبان\" تقدم الكلام على معنى الغضب قريبا وفيه تهديد عظيم للغصاب.\nقوله: رواه الطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني: والحِماني: بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وفي آخره نون هذه النسبة إلى حمان بن عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وهي قبيلة من تميم نزلوا الكوفة والمشهور بهذه النسبة أبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) بل هو عن وائل ابن حجر كما في التعليق قبل الماضي، والمعروف أنه عند إطلاق عبد الله يراد به ابن مسعود قال الحافظ الناجي في عجالة الإملاء (٤/ ٧٥١): الظاهر أنه ابن مسعود، فإنه المعني عند الإطلاق.","vol":"8","page":426},{"text":"ميمون الحِمَّاني روى عن الأعمش والثوري وغيرهما روى عنه ابنه أبو زكريا يحيى ذكره صاحب الأنساب (^١).\n\n٢٨٧٤ - وَعَن الحكم بن الْحَارِث السّلمِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من أَخذ من طَرِيق الْمُسلمين شبْرًا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة يحملهُ من سبع أَرضين. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير من رِوَايَة مُحَمَّد بن عقبَة السدُوسِي (^٢).\nقوله: وعن الحكم بن الحارث السلمي (^٣) - ﵁ - (الحكم بن الحارث السلمي له صحبة، سكن البصرة، وغزا مع النبي - ﷺ - سبع غزوات، آخرهن حنين، وقيل: ثلاث غزوات، روى عنه عطية بن سعد الدعاء).\nقوله: - ﷺ - \"من أخذ من طريق المسلمين شبرا جاء به يوم القيامة يحمله من سبع أرضين\" في حديث الحكم من أخذ شيئًا من الأرض وفي لفظ طوقه بضم الطاء وكسر الواو المشددة وهذا وعيد شديد يفيد أن من أخذ من الأرض بغير حقه من أكبر الكبائر على أي وجه كان من غصب أو سرقة أو\n_________\n(^١) الأنساب (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦) للسمعاني.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٣/ ٣٥٩) والمطالب العالية (١٤٧٤)، والطبرانى في الصغير (٢/ ٢٩٧ رقم ١١٩٧) والكبير (٣/ ٢١٥ رقم ٣١٧٢) ومن طريقه الخطيب في التاريخ (١٤/ ٤٤٥)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٦: رواه الطبراني في الكبير والصغير، وفيه محمد بن عقبة السدوسي، وثقه ابن حبان، وضعفه أبو حاتم، وتركه أبو زرعة. وحسنه ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٩). وقال الألباني في الضعيفة (٦٦٤٨): منكر بذكر الطريق وضعفه في ضعيف الترغيب (١١٧٢).\n(^٣) ترجمته في أسد الغابة ٢/ ترجمة ١٢٠٨، والإصابة ٢/ ترجمة ١٧٧٤.","vol":"8","page":427},{"text":"خديعة قليلا كان أو كثيرًا يزيده قوله: وإن كان قيد شبر للمبالغة في القلة كما في قوله وإن كان قضيا من أراك.\nقوله: عن محمد بن عقبة السدوسي (محمد بن عُقبة بن هَرِم السدوسي: ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان).\n\n٢٨٧٥ - وَعَن أبي حميد السَّاعِدِيّ - ﵁ -: أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لا يحل لمُسلم أَن يَأْخُذ عَصا أخيه بغَيْر طيّب نفس مِنْهُ قَالَ ذَلِك لشدَّة مَا حرم اللّه من مَال الْمُسلم على الْمُسلم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه قَالَ الْحَافِظ وَسَيَأْتِي فِي بَاب الظُّلم إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^١).\nقوله: وعن أبي حميد الساعدي (^٢) - ﵁ -: (اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة، بالحاء المهملة، ابن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، ويُقال: ابن عمرو بن سعد بن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٥ (٢٤٠٩٣)، والبزار (٣٧١٧)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٣/ ٣٦٠)، والروياني (١٤٥٨)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٨٢٢) ومعانى الآثار (٦٦٣٢)، وابن حبان (٥٩٧٨)، والبيهقى في الصغير (٢/ ٣١٣ رقم ٢١٣٢) والكبرى (٦/ ١٦٥ رقم ١١٥٤) و(٩/ ٦٠١ رقم ١٩٦٤٥) والشعب (٧/ ٣٤٧ رقم ٥١٠٦)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١١١١). قال البزار: وهذا الحديث قد روي نحو كلامه، عن النبي - ﷺ - من وجوه بغير هذا اللفظ، ولا نعلم لأبي حميد طريقا غير هذا الطريق وإسناده حسن. وصححه الألباني في الإرواء (١٤٥٩)، وصحيح الترغيب (١٨٧١).\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٤/ ترجمة ٢٩٢١، وأسد الغابة ٦/ ترجمة ٥٨٢٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ترجمة ٧٧٠، وتهذيب الكمال ٣٣/ ترجمة ٧٣٢٩، والإصابة ٧/ ترجمة ٩٧٩٨.","vol":"8","page":428},{"text":"المنذر بن مالك الأنصارى الساعدى المدنى الجليل، رُوى له عن رسول اللّه - ﷺ - ستة وعشرون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وللبخارى حديث ولمسلم آخر).\nقوله - ﷺ -: \"لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا بغير طيّب نفس منه\" الحديث لما في ذلك من تحريم مال المسلم على المسلم.\nخاتمة: روى مسلمٌ (^١) أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة خاصمته أروى بنت أويس إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة في أرضه في الشجرة وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها وفي نسخة وقالت أنه قد أخذ حقي واقتطع قطعة من أرضي فقال سعيد كيف أظلمها وقد سمعت رسول اللّه يقول \"من اقتطع شبرا من أرض ظلما طوقه يوم القيامة من سبع أرضين\" ثم ترك الأرض فقال له مروان وقال: دعوها اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في بئرها وفي نسخة: واقتلها في أرضها فعميت أروى وجاء سيل فأظهر حدود أرضها ثم أعمى اللّه أروى فكانت تلتمس الجدران وتقول أصابتني دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في أرضها إذا وقعت في البئر فماتت وفي نسخة فبينما هي تمشي في أرضها إذا وقعت في حفرة فماتت وروى أنها سألت سعيدا أن يدعو لها فقال: لا أرد على اللّه شيئًا أعطانيه قال: وكان أهل المدينة إذا دعا بعضهم على بعض يقول أعماه اللّه كما أعمى أروى يريدونها ثم صار أهل الجهل يقولون أعماه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٨ و١٣٩ - ١٦١٠).","vol":"8","page":429},{"text":"اللّه كما أعمى أروى يريدون الأروى التي بالجبل يظنونها شديدة العمى والصواب الأول والأروية الأنثى من الوعول وبها سميت هذه المرأة في مسلم وفي هذا الحديث إشارة إلى جواز دعاء الإنسان على من ظلمه وافترى عليه بالباطل واللّه أعلم قاله في تاريخ كنز الدرر (^١) وهو تاريخ نفيس تسعة أجزاء ضخام في قطع المنصورى.\n_________\n(^١) لم أجده في كنز الدرر، وإنما هو في حياة الحيوان (١/ ٤١ - ٤٢).","vol":"8","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>[الترهيب من البناء فوق الحاجة تفاخرا وتكاثرا]</span>\n٢٨٧٦ - عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ -: قَالَ بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول اللّه - ﷺ - ذَات يَوْم إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فأسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول اللّه وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا، قَالَ صدقت فعجبنا لَهُ يسْأَله ويصدقه قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِاللّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وتؤمن بالْقدرِ خَيره وشره فَقَالَ صدقت قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الْإِحْسَان قَالَ أَن تعبد اللّه كأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ فَأَخْبرنِي عَن السَّاعَة قَالَ مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل قَالَ فَأَخْبرنِي عَن أماراتها قَالَ أَن تَلد الْأَمة ربتها وَأَن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشَّاء يتطاولون فِي الْبُنيان قَالَ ثمَّ انْطلق فَلَبثت مَلِيًّا ثمَّ قَالَ يَا عمر أَتَدْرِي من السَّائِل؟ قلت اللّه وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيل أَتَاكُم يعلمكم دينكُمْ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٨ (٣٧٣) و١/ ٥١ (٣٧٤) و١/ ٥٢ (٣٨٥)، والبخارى في خلق أفعال العباد (٢٦)، ومسلم (١ و٢ و٣ و٤ - ٨)، وأبو داود (٤٦٩٥) و(٤٦٩٧)، وابن ماجة (٦٣)، والترمذى (٢٦١٠)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥١٨ (٥٠٣٤)، وابن خزيمة (٢٥٠٤) و(٣٠٦٥)، وابن حبان (١٦٨) و(١٧٣).","vol":"8","page":431},{"text":"قوله: وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - كنيته: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي قتل سنة ثلاث وعشرين وتقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق مبسوطا.\nقوله: بينما نحن عند رسول اللّه - ﷺ - الحديث قال في هذا الحديث أصل عظيم في الدين يشتمل على أصول السنة كما اشتملت الفاتحة على أصول الكتاب واللّه أعلم قال في النهاية (^١): أصلها بين فأشبعت الفتحة فصار أي فتحة النون بينا يقال بينا وبينما وهي ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا وقد جاءا في الجواب كثيرًا تقول بينما زيد جالس دخل عليه وإذ دخل عليه عمرو وإذا دخل عليه وفي الحديث قد اقترن جوابها بالفاء والظاهر أنها زائدة على رأي من يرى زيادتها وهو الأخفش وأنكره سيبويه ا. هـ وقال في التنقيح (^٢): بين كلمة معناها التوسط تقول جلست بين القوم أي في وسطهم وزيدت ما فيها عوضا عما تستحقه من المضاف إليه ولذلك لا تضاف والمعنى بين أوقات أو حالات نحن جالسون فيها زمان طلوع هذا الرجل ا. هـ.\nقوله: \"ذات يوم\" ها هنا تأنيث ذو بمعنى صاحب أي بينا نحن في ساعة ذات مرة في يوم فحذفت هذه المضافات لوضوح الْأَمر قاله الطوفي (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٧٦).\n(^٢) كشف المناهج والتناقيح (١/ ٦٤).\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ٤٦).","vol":"8","page":432},{"text":"قوله: \"إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب\" الحديث هو إشارة إلى غرابة هذه القضية لأن الرجل هيئته هيئة حاضر لا يخفى عليه أمر الدين مع اشتهاره غالبا خصوصًا في المدينة وسؤاله سؤال أعرابي وارد غير عالم بالدين وهذا بخلاف حديث طلحة بن عبيد اللّه جاء أعرابي ثائر الرأس من أهل نجد يسمع دوي صوته الحديث إذا وصفه بصفة الأعراب الواردين فلم يكن في سؤاله غرابة ولا عجب.\nقوله: \"بياض الثياب شديد سواد الشعر\" مطابقة جيدة تامة وفيه استحباب التجمل وتحسين الهيئة للعالم والمتعلم لأن هذا الرجل هو جبريل - ﵇ - كما تبين في آخر الحديث وهو معلم من جهة لقوله - ﵇ - \"جاء يعلمكم دينكم\" ومتعلم من جهة أنه في صورة سائل ا. هـ قاله الطوفي (^١).\nتنبيه: ومن ذلك تحسين الهيئة والثياب إذا أراد الدخول في الصلاة لا سيما صلاة الجمعة والعيدين فقد ندب رسول اللّه - ﷺ - إلى التجمل ولبس الثياب الحسنة في الجمعة والعيدين بمقاله وفعاله قاله في تهذيب النفوس فيه دليل على أن السنة في الثياب النظافة ففي جامع الترمذي أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"إن اللّه طيّب يحب الطيب نظيف يحب النظافة\" (^٢) وفي شعب البيهقي: عن\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٤٨).\n(^٢) أخرجه البرجلاني في الكرم والجود (١٢)، والدورقى في مسند سعد (٣١)، والترمذى (٢٧٩٩)، والبزار (١١١٤)، وأبو يعلى (٧٩٠) و(٧٩١)، والدولابى في الكنى (١٢٠٣) عن سعد بن أبي وقَّاص. وقال الترمذي: هذا حديث غريب وخالد بن إلياس يضعف.\nوحسنه الألباني في المشكاة (٤٤٨٧). وضعفه إلا قوله: إن الله جواد ... الخ صحيح غاية =","vol":"8","page":433},{"text":"عائشة أم المؤمنين - ﵂ - قالت كان النبي - ﷺ - يحب الثوب النظيف ويكره الثوب الوسخ (^١) وإنما جاء جبريل - ﵇ - في الثياب البيض ولم يجئ في غيرها وان كان غيرها مما يتجمل به أيضًا لأن البياض أفضل الثياب لقوله - ﷺ -: \"إن من خير ثيابكم البياض فالبسوه وكفنوا فيه موتاكم\" (^٢).\nقوله: \"شديد سواد الشعر\" فيه دليل على الحث في طلب العلم في زمن الشباب لفراغ قلب الشاب من الشواغل غالبا وقد قيل العلم في الصغر كالنقش على الحجر واللّه أعلم.\nقوله: \"لا يرى عليه أثر السفر\" بضم الياء المثناة آخر الحروف من يرى على من لم يسم فاعله وضبطه بعضهم بالنون المفتوحة.\nقوله: \"ولا يعرفه منا أحد\" الحديث إشارة إلى غرابة القضية أيضًا لأن هيئته أيضًا أنه من أهل المدينة ولو كان منها لعرفناه أو بعضنا فقد حصل فيه أمارة معرفتنا له مع عدم معرفتنا له.\n_________\n= المرام (١١٣)، الصحيحة (٢٣٦ و١٦٢٧)، حجاب المرأة (١٠١) // ضعيف الجامع الصغير (١٦١٦).\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٨/ ٢٧٣ رقم ٥٨١٥)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٧٥٤) بلفظ: ما رأيتُ رسول اللّه - ﷺ - وسخا قط كان يحب الدهن غبا ويرجل رأسه وكان رسول اللّه - ﷺ - يقول: إن الله يبغض الوسخ والشعث. وقال الألباني في الضعيفة (٢٣٢٥): موضوع.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (١٤٧٢) و(٣٥٦٦)، وأبو داود (٣٨٧٨) و(٤٠٦١)، والترمذي (٩٩٤)، والبزار (٥٠٩٢)، وابن حبان (٥٤٢٣) عن ابن عباس. وقال الألباني: صحيح - \"أحكام الجنائز\" (٨٢)، \"المشكاة\" (١٦٣٨)، \"مختصر الشمائل\" (٤٣ و٤٤ و٥٤).","vol":"8","page":434},{"text":"قوله: \"حتى جلس إلى النبي - ﷺ - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه\" الحديث يقضي أنه جلس بين يدي النبي - ﷺ - وإلا لم يتصور إسناد ركبتيه إلى ركبتيه لأنه لو جلس جانبه لما أمكنه إلا إسناد ركبة واحدة منه إلى ركبة واحدة من النبي - ﷺ - ففيه تأديب للمتعلمين أنهم يجلسون بين يدي مشايخهم على ركبهم للتعلم.\nقوله: \"ووضع كفيه على فخذيه\" الضمير في كفيه للرجل وفي فخذيه يحتمل أنه له أيضًا ولأنه وضع كفيه على فخذي نفسه معتمدا عليهما وقت السؤال ويحتمل أنه للنبي - ﷺ - وأن الرجل وضح كفيه على فخذي النبي - ﷺ - استئناسا باعتبار ما بينهما من الأنس في الأصل حين يأتيه جبريل - ﵇ - لتبليغ الوحي وهذا الاحتمال أرجح لما رواه النسائي من حديث أبي ذر وأبي هريرة - ﵄ - قالا كان رسول اللّه - ﷺ - يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل فطلبنا إلى رسول اللّه - ﷺ - أن يجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه إنا لجلوس عنده إذا قبل الرجل أحسن الناس وجها وأطيب الناس ريحا كان ثيابه لا يمسها دنس حتى سلم من طرف السماط فردوا ﵇ وقال: ادنو يا محمد قال أدنه فما زال يقول ادنوا مرارا ويقول ادنه حتى وضع يديه على ركبتي النبي - ﷺ - (^١) وإنما\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (١٦٥) وعنه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (٣٧٨) والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٢٠ (٥٠٣٥)، وفي الكبرى (٥٨٤٣)،، والبخاري في خلق أفعال العباد (١٨٩)، وأبو داود (٤٦٩٨)، والبزار (٤٠٢٥)، وأبو عوانة (٩)، وابن منده في الإيمان =","vol":"8","page":435},{"text":"خرج احتمال في ضمير فخذيه خو ضمير ركبتيه لجواز نفسه واللّه أعلم.\nقوله: \"وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام\" نداؤه - ﷺ - باسم العلم منهي عنه شرعا شرفا له - ﷺ - قال اللّه تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (^١) فكيف ناداه جبريل - ﵇ - بذلك الجواب أن جبريل - ﵇ - لا حرج عليه في مخاطبته بذلك لأن ذلك إنما حظر على البشر وغالب خطاب جبريل - ﵇ - له إنما وقع هكذا فيكون فيه دلالة على أن الكبير له أن يخاطب الكبير بما ليس للصغير أن يخاطب به الكبير ويمكن أن يجاب بأنه قصد التعمية والتستر ذكره صاحب تهذيب النفوس قال العُلماء: ولعل هذا كان قبل النهي عن مخاطبته - ﷺ - باسمه قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ الآية على أحد التفسيرين أي لا تقولوا يا محمد بل يا رسول اللّه يا نبي اللّه ويحتمل بعد نزول الآية ولم تبلغ القائل فيه نظر (^٢) ا. هـ ففيه جواز تسمية المتعلم شيخة والمرءوس رئيسه باسمه لكن قد غلب في العرف تسمية المشايخ والرؤساء بالأسماء الشريفة المفخمة فينبغي اتباعه إلا أن يعلم أن الشيخ لا ينقبض من تسميته باسمه الأصلي ولا يكون ذلك على سبيل الوضع منه فيكون ذلك هو الأولى اتباعا لهذه\n_________\n= (١٦٠)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (١٣٩) ومن طريقه الشجرى في الأمالى (٢/ ٣٥٣) والبغوى في الأنوار (٣٩٣). وصححه الألباني في الإرواء (٣).\n(^١) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٢١٩) وشرح النووي على مسلم (١/ ١٧٠).","vol":"8","page":436},{"text":"السنة وغيرها ولأنه أقرب إلى التواضع وأولى بالصدق ذكره الطوفي (^١).\nقوله: \"أخبرني عن الإسلام فقال رسول اللّه - ﷺ - الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة\" الحديث الإسلام مصدر أسلم إسلاما وهو في اللغة الطاعة والانقياد يقال أسلم الرجل واستسلم انقاد فهذا الحديث بيان أصل الإسلام والإسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر وفي الشريعة ما فسر به النبي - ﷺ - الإسلام في هذا الحديث وهو الأعمال الظاهرة كالشهادتين وباقي العبادات والمراد هنا واللّه أعلم شرائع الإسلام (^٢) قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح (^٣): فهذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليها الصلاة والزكاة الصوم والحج لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده واحتلاله واللّه أعلم.\nلطيفة: إذا سئلت عن الإسلام ما هو فقل هو الانقياد والاستسلام بأفعال الجوارح الظاهرة وهي النطق بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٥٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٤٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ١٤٧ - ١٤٨).","vol":"8","page":437},{"text":"آخره وإذا سئلت عن الإيمان وماهو فقل الإيمان هو التصديق بالقلب باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خير وشره فهذه قواعد الإيمان وأصول التوحيد واللّه تعالى أعلم.\nتنبيه: قوله: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه أن تشهد منصوب بأن وباقي الأفعال عطف عليه وهي تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إلى آخره فأما تؤمن فمنصوب مباشرة مثل تشهد ونبهنا على هذا لأن بعض الناس يغلط فيه فيرفع بعض هذه الأفعال ظنا أنها مستأنفة واللّه أعلم ذكره الطوفي (^١).\nفائدة: واختلف العُلماء في الإيمان والإسلام هل هما واحد أو متغايران فذهب بعض العُلماء إلى أن الإيمان غير الإسلام وهذا الحديث يقتضى تغايرهما لأن جبريل سأل عنهما سؤالين وأجيب عنهما بجوابين وفسر له الإسلام بأعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والحج وفسر الإيمان بعمل القلب وهو التصديق ولو كانا واحد لكان السؤال والجواب على أحدهما كافيا عن السؤال عن الآخر ولكان تفسير أحدهما وهو عين تفسير الآخر قاله الطوفي (^٢) وذهب عامة أهل السنة إلى أنهما واحد واستدلوا يقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٣)، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٤) فأخبر أن\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٥٤).\n(^٢) المصدر السابق (ص ٥٥).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٩.\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٣.","vol":"8","page":438},{"text":"الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (^١) والإسلام هو دين اللّه تعالى في السماء وفي الأرض ليس له دين غيره وفي تفسير البغوي (^٢): عن النبي - ﷺ - قال: \"قال: اللّه تعالى هذا دين ارتضيته لنفسي فلن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه\" (^٣) وهو دين الملائكة ولم يبعث اللّه من آدم إلى\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.\n(^٢) تفسير البغوى (٢/ ١٣).\n(^٣) أخرجه الختلى في الديباج (٥٦)، وأبو حاتم كما في العلل (٢٥٥٤)، والعقيلى في الضعفاء (١/ ٤٦)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٣٩ و٤٠) و(٥٥٩ و٥٦٠)، ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٤)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٧٥ رقم ٨٩٢٠)، ابن عدي في الكامل (٤/ ١٨٩ - ١٩٠)، وابن المقرئ في المعجم (١٦١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٨٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٤٦٠)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٣٠١ - ٣٠٣ رقم ١٠٣٦٦ و١٠٣٦٧ و١٠٣٦٨)، والبغوى في التفسير (٢/ ١٣) عن جابر.\nقال أبو حاتم في العلل (٢٥٥٤): وهو حديث موضوع، وعبد الملك: هو مضطرب الحديث. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٧٣٦) وضعيف الترغيب (١٥٩٨). كما أنه قد روى عن عمران بن حصين وأبى سعيد وابن عباس وأنس:\nأما حديث عمران بن حصين: أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١٦٥ رقم ٨٢٨٦) والكبير ١٨/ ١٥٩ (٣٤٧) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٦٠)، والأصبهانى في الترغيب (١٢٠٩) و(١٥٤٥). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك. وقال في ٨/ ٢٠: رواه الطبراني، وفيه عمرو بن الحصين وهو متروك. وقال الألباني في الضعيفة (١٢٨٢) وضعيف الترغيب (١٥٦١): موضوع.\nوأما حديث أبي سعيد الخدرى: أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٤٨)، =","vol":"8","page":439},{"text":"محمد إلا بدين الإسلام واللّه أعلم.\nتنبيه: قال أبو سليمان الخطابي (^١): المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال وقد لا يكون مؤمنا في بعض الأحوال والمؤمن مسلم في جميع الأحوال لأن أصل الإسلام الاستسلام والانقياد وأصل الإيمان التصديق فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن ولا يكون صادقا الباطن منقاد في الظاهر فإذا كلّ مؤمن مسلم وليس كلّ مسلم مؤمنا قاله في شرح السنة للبغوي.\nفائدة: شروط الإسلام ستة العقل والبلوغ إلا في تبعية الصبي والمجنون لأبيه أو أمه والاختيار إلا في إسلام الحربي والتلفظ باللسان في حق الأخرس والترتيب فلو آمن بنبينا سيدنا محمد - ﷺ - قبل الإيمان باللّه تعالى لم يصح إيمانه.\nتنبيه: شروط التكليف ثلاثة العقل والبلوغ وبلوغ دعوة النبي - ﷺ - وأحكام التكليف خمسة الواجب والحرام والمندوب والمكروه المباح الأول:\n_________\n= والأصبهانى في الترغيب (٥٥٠). وقال الألباني في الضعيفة (٦٨٨٣): ضعيف جدًّا.\nوأما حديث ابن عباس: أخرجه تمام في الفوائد (١١٣٠) من طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد: نا مسعدة بن صدقة عن الأوزاعي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس. وفيه عمر بن إسماعيل متروك قال ابن معين عنه: كذاب خبيث. وشيخه تركه الدَّارقُطْنِي كما في اللسان (٦/ ٢٢).\nوأما حديث أنس بن مالك: أخرجه الرافعي في تاريخ قزوين (٤/ ١١٤). وقال الألباني في الضعيفة (٣٣١٧): باطل.\n(^١) شرح السنة (١/ ١١).","vol":"8","page":440},{"text":"الواجب: وهو الذي يثاب فاعله أكثر من ثواب السنة بأضعاف كثيرة ويعاقب تاركه كالوضوء الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك.\nالثاني: الحرام وهو الذي يثاب تاركه ويعاقب فاعله.\nالثالث: المندوب ويعبر عنه بالسنة والمستحب والتطوع فهو الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.\nالرابع: المكروه فهو الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.\nالخامس: المباح: فهو مستو في الطرفين ليس في فعله ثواب ولا في تركه عقاب وهو كثير لا يحتاج إلى أمثلة.\nفائدة قوله: - ﷺ - في حديث جبريل وتقيم الصلاة ظاهر الدلالة على أن الأعمال من الإسلام أي من شرائعه ومن مفهومه ففيه دليل بمن يقول أن تارك الصلاة عمدا كافر كما هو مذهب أصحاب رسول اللّه - ﷺ - ويؤيده قوله - ﷺ - \"بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة\"رواه مسلم (^١) وقوله ﵊\" من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك مسلم الذي له ذمة اللّه وذمة رسوله\" (^٢) وقوله ﵊ \"العهد الذي بينا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر\" (^٣) وكلها أحاديث صحيحة ثابتة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٤ - ٨٢)، وأبو داود (٤٦٧٨)، وابن ماجة (١٠٧٨)، والترمذى (٢٦١٨ و٢٦١٩ و٢٦٢٠)، والنسائي ١/ ٥٦٧ (٤٧١) عن جابر.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩١ و٣٩٢ و٣٩٣)، والترمذى (٢٦٠٨) عن أنس.\n(^٣) أخرجه ابن ماجة (١٠٧٩)، والترمذي (٢٦٢١)، والنسائي ١/ ٥٦٧ (٤٧٠) والكبرى (٣٢٦)، والبزار (٤٤١٣)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٩٥) =","vol":"8","page":441},{"text":"قوله: في حديث جبريل - ﵇ - وتؤتي الزكاة فيه دليل على أن الزكاة داخلة في الإسلام وقد قال الصديق الأكبر - ﵁ -: لما منع قوم زكاة أموالهم واللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة واللّه لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه - ﷺ - لقاتلتهم عليها (^١) وفي البيهقي عن ابن عباس - ﵄ - وما منع قوم الزكاة أموالهم إلا منعهم اللّه القطر من السماء (^٢) إلى غير ذلك من الأحاديث.\nقوله: - ﷺ - في حديث جبريل - ﵇ - عليه وتصوم رمضان هو داخل في مسمى الإسلام وفي شرائعه وهو فريضة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فمن أفطر منه يومًا متعمدا فقد ارتكب كبيرة عظمى وجريمة شنعاء.\nقوله - ﷺ -: في حديث جبريل - ﵇ - وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فسر النبي - ﷺ - الاستطاعة بالزاد والراحلة (^٣) وفي ذلك أحاديث كثيرة ا. هـ.\n_________\n= و(٨٩٦)، وابن حبان (١٤٥٤) عن بريدة بن الحصيب. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الألباني: صحيح - \"المشكاة\" (٥٧٤)، صحيح الترغيب (٥٦٤)، الإيمان لابن أبي شيبة ٤٦.\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٩ و١٤٠٠) و(١٤٥٦ و١٤٥٧) و(٦٩٢٤ و٦٩٢٥) و(٧٢٨٤)، ومسلم (٣٢ - ٢٠)، وأبو داود (١٥٥٦ و١٥٥٧)، والترمذى (٢٦٠٧)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٦١ (٢٤٦٢) و٥/ ٣٤١ - ٣٤٢ (٣١١٤ و٣١١٥ و٣١١٦) و٦/ ٤٦٥ (٤٠٠٥) و٦/ ٤٦٧ (٤٠٠٨) و٦/ ٤٦٨ (٤٠١٠) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه البيهقى في الكبرى (٩/ ٣٨٦ رقم ١٨٨٥٠) والشعب (٥/ ٢١ رقم ٣٠٣٩) عن ابن عباس موقوفًا. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٧) وقال: وإسناده صحيح وهو موقوف في حكم المرفوع، لأنه لا يقال من قبل الرأي.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجة (٢٨٩٦)، والدارقطني (٢٤٢١) و(٢٤٢٢) و(٢٤٢٣)، والبيهقى في الصغير (٢/ ١٣٣) والكبرى (٤/ ٥٣٥ - ٥٣٦) و(٤/ ٥٤٠) عن =","vol":"8","page":442},{"text":"تنبيه: في حديث جبريل - ﵇ - وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا لم قيد الحج بقوله ان استطعت إليه سبيلا ولم يقيد بذلك الصلاة والزكاة والصوم مع إنها تجب مع الاستطاعة لقوله ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^١) وهذه العبادات من التقوى وقوله: ﵊ \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" (^٢) فكان ينبغي أن يقيد الجميع بالاستطاعة ولا يقيد واحد منها بها والجواب: أن الخطب في هذا يسير أنه - ﵇ - تابع القرآن في قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٣) ولم يقل ذلك في خصوص غيره من العبادات فإن قيل ينتقل السؤال إلى القرآن لم قيد الحج بالاستطاعة دون غيره قلنا لأنه يتعلق بقطع\n_________\n= ابن عمر. وضعفه الألباني في الإرواء (٩٨٨).\nوأخرجه ابن ماجة (٢٨٩٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٣٥ رقم ١١٥٩٦)، والدارقطني (٢٤٢٤) و(٢٤٢٥) و(٢٤٢٧) عن ابن عباس. وقال الألباني: ضعيف جدًّا، الإرواء (٩٨٨). وفي الباب عن أنس وعائشة وجابر وعبد اللّه بن عمرو وابن مسعود وكلها ضعاف ضعفها الألباني في الإرواء (٩٨٨) وقال (٤/ ١٦٦): وخلاصة القول: إن طرق هذا الحديث كلها واهية، وبعضها أوهى من بعض، وأحسنها طريق الحسن البصرى المرسل، وليس في شئ من تلك الموصولات ما يمكن أن يجعل شاهدا له لوهائها، خلافا لقول البيهقى بعد أن ساق بعضها: وروى فيه أحاديث آخر، لا يصح شئ منها، وحديث إبراهيم بن يزيد أشهرها، وقد أكدناه بالذى رواه الحسن البصرى وإن كان منقطعا.\n(^١) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧) عن أبي هريرة.\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.","vol":"8","page":443},{"text":"مسافة وفيه من المشقة ما ليس في غيره فكان أحق بالتفسير بالاستطاعة من غيره واللّه أعلم.\nقوله: في حديث جبريل - ﵇ - وسبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل إنما هذا الكلام خبر بالمسئول عنه ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي - ﷺ - ذكره ابن رجب الحنبلي (^١) وقال الطوفي (^٢): لأن سؤاله يقضي عدم العلم بما سأل عنه وتصديقه للنبي - ﷺ - فيما أجابه به يقضي أنه عالم به فكان ظاهر حاله أنه عالم بذلك غير عالم وهو محل التعجب وإنما زال التعجب عنهم بقوله - ﷺ - \"إنه جبريل - ﵇ - أتاكم يعلمكم\" فتبينوا أنه كان عالما فصورة متعلم لقصد التعليم والتبين لهم وذلك لا عجب فيه ا. هـ.\nقوله: - ﷺ - في حديث جبريل - ﵇ - \"قال فأخبرني عن الإيمان\" الإيمان مصدر ءامن إيمانا وزن أكرم إكراما فالهمزة الثانية في ءامن نظير الكاف في أكرم فإذًا ءامن وزنه أفعل لا فاعل إذ لو كان فاعل لكان مصدره فعالا نحو قاتل قتالا وضارب ضرابا ونحوه قاله الطوفي (^٣) فالإيمان قد فسره النبي - ﷺ - في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة \"فقال أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره\" وقد ذكر اللّه في كتابه الإيمان بهذه الأصول الخمسة بعد في مواضع كقوله: تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ\n_________\n(^١) بل هو قول النووي كما في شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٧).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٥٤ - ٥٥).\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ٥٥).","vol":"8","page":444},{"text":"بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^١) الآية وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (^٢) الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (^٣) فالإيمان باللّه تعالى هو أن يصدق العبد بوجود ربه ووحدانيته وأنه لا يجوز عليه العدم وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر وأنه تعالى منزه عن صفات النقص وعن صفات الإجسام وأنه واحد أحد فرد صمد خالق لجميع المخلوقات متصرف فيها بما يشاء من التصديقات يحكم في ملكه بما يريد لا يسأل عما يفعل وهو يسألون ا. هـ.\nلطيفة: وقد ضرب العُلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب فاسم الشجرة يشمل ذلك كلّه ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنها اسم الشجرة وإنما يقال هي شجرة ناقصة أو غيرها أتم منها وقد ضرب اللّه تعالى مثل الإيمان بذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (^٤) الآية والمراد بالكلمة كلمة التوحيد وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب مأكلها هي الأعمال الصالحة الناشئة منه وضرب النبي - ﷺ - \"المؤمن أو المسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٣.\n(^٤) سورة إبراهيم، الآية: ٢٤.","vol":"8","page":445},{"text":"النخلة\" أو من ثمرها لم يزل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية وإن كانت ناقصة الفروع والثمرة ا. هـ قاله ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النواوية (^١) واللّه أعلم وأما الإيمان بالملائكة فهو التصديق بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهو بأمره يعلمون ولا يعصون اللّه ما أمرهم يفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وبوجودهم وإنزالهم منازلهم بأنهم عباد اللّه وخلقه كالإنس والجن مكلفون لا يقدرون إلا على ما يقدرهم ولا حول لهم ولا قوة إلا باللّه.\nلطيفة: وذكر الإقليسي عن رسول اللّه - ﷺ - قال: خلق اللّه حملة العرش قال: أتدرون لم خلقتكم قالوا خلقتنا ربنا لما تشاء قال: خلقتكم لتحملوا عرشي فسلوني من القوة ما شئتم أجعلها فيكم قال: أحدهم كان عرش ربنا على الماء فليجعل ربنا في من القوة قوة الماء قال: قد جعلت تلك فيك وقال: الآخر رب اجعل في قوة السموات قال: قد جعلت ذلك فيك وقال: الثالث رب اجعل في قوة الأرض والجبال قال: قد جعلت ذلك فيك وقال: الرابع رب اجعل في قوة الرياح قال: قد جعلت ذلك فيك قال: احملوا عرشي فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوه فقال لهم لا حول ولا قوة إلا باللّه فقالوها فجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغه علمهم فحملوه (^٢) وذكر عن كعب أن أقرب الملائكة إلى اللّه تعالى إسرافيل - ﵇ - وله أربعة\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ١٥٤).\n(^٢) ذكره الطبرى في التفسير (٢٣/ ٢٢٩) بلاغا عن ابن زيد.","vol":"8","page":446},{"text":"أجنحة جناح في المشرق وجناح في المغرب وقد تسربل بالثالث وبالرابع وبينه وبين اللوح حجاب فإذا أراد اللّه أمرا أن يوحيه جاء اللوح حتى يصفق جبهتة إسرافيل - ﵇ - فينظر فإذا الْأَمر مكتوب فينادي جبريل أمرت بكذا وكذا فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة حتى يقول جبريل - ﵇ - الحق من عند الحق فينزل إلى النبي - ﷺ - فيوحي إليه (^١).\nقوله: \"ورسله\" الإيمان بالرسل أن تؤمن أنهم كانوا مرسلين إلى من أرسلوا إليه صادقين فيما أخبروا به عن اللّه تعالى وأن اللّه تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم وأنهم بلغوا عن اللّه رسالاته وبينوا للمكلفين ما أمرهم اللّه ببيانه وأنه يجب احترامهم وأن لا يفرق بين أحد منهم والإيمان برسولنا - ﷺ - هو أن تؤمن أنه مرسل إلى الناس كافة وإلى الجن إلى قيام الساعة.\nقوله: - ﷺ - \"وباليوم الآخر بيوم القيامة\" وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت والنشر والحشر والحساب والدنيا منقضية وأن هذا العالم منقض منحل تركبيه وأن اللّه تعالى يعيد الرفات من أبدان الأموات ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى فيقوم الناس\n_________\n(^١) أخرجها الطبراني في الأوسط (٩/ ١١٤ رقم ٩٢٨٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٨٦) و(٢٩٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٤٧). قال أبو نعيم: \"غريب من حديث كعب، لم يروه عنه إلا عبد اللّه بن الحارث، ورواه خالد الحذاء، عن الوليد، عن أبي بشر، عن عبد اللّه بن رباح، عن كعب، نحوه\". وقال الألباني في الضعيفة (٦٨٩٥) وضعيف الترغيب (٢٠٨٢): موضوع.","vol":"8","page":447},{"text":"كلهم لأمر اللّه تعالى صغيرهم وكبيرهم حتى السقط التي تم خلقه ونفخ فيه الروح فأما الذي لم يتم خلقه ولم ينفخ فيه الروح أصلا فهو وسائر الأموات بمنزلة واحدة واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"وتؤمن بالقدر خير وشره\" الحديث: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^١) وإجماع السلف والخلف على صدق من قال: \"ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن\" فالقدر هو التقدير والقضاء الخلق وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن القدر بمنزلة الأساس والقضاء بمنزلة البناء وأما السنة فقال ابن الديلمي: أتيت أبي بن كعب فقلت وقع في نفسي شيء من القدر فحدّثني بشيء لعل اللّه أن يذهبه من قلبي فقال: لو أن اللّه عذب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل اللّه ما قبل اللّه منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على هذا دخلت النار قال: ثم أتيت ابن مسعود فقال: مثل ذلك ثم أتيت حذيفة فقال: مثل ذلك ثم أتيت زيد بن ثابت فحدّثني عن النبي - ﷺ - مثل ذلك (^٢) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) سورة الإنسان، الآية: ٣٠.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٨٢ (٢١٩٩٠) و٥/ ١٨٥ (٢٢٠١٢) و٥/ ١٨٩ (٢٢٠٥٥) والسنة (٨٤٣) و(٨٤٤)، وعبد بن حميد (٢٤٧)، وأبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجة (٧٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٤٥)، وابن حبان (٧٢٧). وقال الألباني: صحيح ظلال السنة (١٤٥)، المشكاة (١١٥)، شرح الطحاوية (٦٢٩).","vol":"8","page":448},{"text":"تنبيه: ثم يعتقد الإيمان بالقدر خيره وشره وأنه لا يكون في الملك والملكوت أعني الأرض والسموات فلتة خاطر ولا لفتة ناظر ولا تحرك متحرك في بر أو بحر بخير أو شر إلا بقضاء اللّه وقدره وإراداته ومشيئته فمنه الخير والشر والنفع والضر والإيمان والكفر وهو خالق كلّ شيء كلّ ذلك بحكمة وسر فسر القدر لا يظهر إلى يوم القيامة فينكشف عن أسرار عجيبة وأمور غريبة فسبحان المدبر الحكيم ا. هـ.\nقوله: - ﷺ - في حديث جبريل - ﵇ - \"فأخبرني عن الإحسان\" الحديث فالإحسان ها هنا بمعنى الإخلاص وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معا قال النووي (^١): هذا أصل عظيم من أصول الدين وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين وتلخيص معناه \"أن تعبد اللّه عبادة من يرى اللّه ويراه اللّه وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ونهاية المراقبة فيها وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها - ﷺ - لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه ﷾ لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به فقال - ﷺ - اعبد اللّه في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع اللّه ﷾ عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"8","page":449},{"text":"موجود مع عدم رؤية العبد فينبغي أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك وقد ندب أهل الحقائق على مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم فكيف بمن لا يزال اللّه ﷾ مطلعا علي في سره وعلانيته قال القاضي عياض (^١): وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه ا. هـ، والإحسان في لسان الشرع اتفاق العبادة ومراعاة حقوق اللّه تعالى فيها ومراقبته واستحضار عظمته وجلاله بالمراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق ﷾ على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة.\nلطيفة: وقال: ذو النون رحمت اللّه عليه عامة المراقبة إيثار ما آثر اللّه وتعظيم ما عظم اللّه وتصغير ما صغر اللّه وقيل الرجاء يحرك إلى الطاعة والخوف يبعدك عن المعاصي والمراقبة تؤدبك إلى طريق الحقائق وقيل المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كلّ خطرة وخطوة وقال: الجريرى أمرنا هذا مبني على فصلين أن تلزم نفسك المراقبة للّه ويكون العلم على ظاهرك فإنما وقال: إبراهيم الخواص رحمت اللّه عليه المراقبة تورث خلوص السر والعلانية للّه تعالى وقال: أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري إذا\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","vol":"8","page":450},{"text":"جلست للناس فكن واعظا لقلبك ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك واللّه يراقب باطنك (^١) ا. هـ.\nتنبيه: وهذه المنزلة يعني الإحسان هي لب الإيمان وروحه وكما له وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل قال: النبي - ﷺ - في تفسير الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك إشارة إلى كمال الحضور مع الله ومراقبته الجامع لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان وقد وعد اللّه على الإحسان بالإحسان فقال: تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ (^٢) قال: ابن عباس - ﵄ - هل جزاء من قال: لا إله إلا اللّه وعمل بما جاء به محمد - ﷺ - إلا الجنة وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قرأ لهاشم فقال: \"هل تدرون ما قال ربكم\" قالوا اللّه ورسوله أعلم قال: \"يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة\" (^٣).\nفائدة: وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه وآخر يغلب عليه أن الحق مطلع عليه ومشاهد له\n_________\n(^١) الرسالة القشيرية (١/ ٣٣١).\n(^٢) سورة الرحمن، الآية: ٦٠.\n(^٣) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٩٢٩)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٨٠)، والبغوى في التفسير (٤/ ٣٤٣)، والواحدى في الوسيط (٤/ ٢٢٧)، والثعلبي في التفسير (٩/ ١٩٢)، والديلمى في كما في الغرائب الملتقطة (٢٧٣٢) عن أنس بن مالك. وأخرجه البيهقى في الشعب (٢/ ٢٢ رقم ٤٢٥) عن ابن عمر. قال البيهقي: تفرد به إبراهيم بن محمد الكوفي هذا وهو منكر، والله أعلم. وقال الألباني في الضعيفة (٤٩٨٤): ضعيف.","vol":"8","page":451},{"text":"وإليه الإشارة بقوله - ﷺ - فإن لم تكن تراه فإنه يراك وبقوله: تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ (^١) الآية وبقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (^٢) وهاتان الحالتان ثمرة معرفة اللّه تعالى وخشيته وقد قال اللّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٣) فسر النبي - ﷺ - الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم وأحسنوا إن اللّه يحب المحسنين وإن اللّه لمع المحسنين فمن تحقق بمراقبة اللّه حتى كأنه يرى اللّه فذاك المحقق العظيم ومن تحقق بأن اللّه يراه في كلّ حال استحي منه أن يعصيه وقيل كان ابن عمر في سفر يرعى فرأى غلاما يرعى غنما فقال: تبيع من هذا الغنم واحدا فقال: إنها ليست لي فقال: قل لصاحبها إن الذئب قد أخذ منها واحدا وأراد أن يختبره بذلك فقال: العبد فأين اللّه فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدّة قال: ذلك فأين اللّه ا. هـ.\nقوله: \"قال فأخبرني عن الساعة\" يعني القيامة أي عن زمن وجودها سميت ساعة وإن طال زمنها اعتبارًا بأول زمنها فإنها تقوم بغتة في ساعة ومن الناس من يكون قد تناول لقمة فلا يمهل حتى يبتلعها فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها والساعة في القرآن على وجهين الساعة الأولى\n_________\n(^١) سورة الشعراء، الآية: ٢١٨.\n(^٢) سورة يونس، الآية: ٦١.\n(^٣) سورة يونس، الآية: ٢٦.","vol":"8","page":452},{"text":"وهي عبارة عن نفخ سيدنا إسرافيل في الصور لموت الناس والثانية: ساعة البعث وسؤال جبريل - ﵇ - عن الساعة الأولى لأن العلامات والأشراط إنما هي لها وفي الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: والذي نفسي بيده لتقوم الساعة وقد نشر الرجال ثوبهما بينهما يتبايعان فلا يطويانه الحديث (^١).\nقوله: - ﷺ - في حديث جبريل - ﵇ - \"ما المسئول عنها بأعلم من السائل\" الحديث أي كانا سواء في عدم العلم بزمن وقوعها يعني أن علم الخلائق كلهم في وقت الساعة سواء وهذا إشارة إلى أن اللّه تعالى استأثر بعلمها فهذا يدلّ على أن العالم والمفتي إذا سئل عما لا يعلمه يقول لا أعلم وأن ذلك لا ينقصه بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه ا. هـ واعلم أن جبريل - ﵇ - قد علم أن علم الساعة مما استأثر اللّه تعالى به لا يعرفه ملك مغرب ولا نبي مرسل ولذلك قال: - ﷺ - ما المسئول عنها بأعلم من السائل أي تساويا في عدم العلم بها وإنما سأله عنها ليسمع الأمة بما يجيب عنه فيعلموا أن العلوم المكنونة فيعلموا أن العلوم المكنونة مع معرفة أمارتها بمعزل عن درك العقول فيقفوا عن حد الأدب وينتهوا إلى معالم العبودية ولا يتطلعوا إلى البحث عنه والخوض فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (^٢)، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (^٣)، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (^٤)، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٦) عن أبي هريرة.\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ٣٤.\n(^٣) سورة طه، الآية: ١٥.\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.","vol":"8","page":453},{"text":"عِنْدَ رَبِّي﴾ (^١) الآيات وفي صحيح مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللّه وتلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (^٢) الآية (^٣).\nقوله: - ﷺ - قال \"فأخبرني عن أماراتها\" هو بفتح الهمزة أي شرطها وعلامتها التي تدل على اقترابها وربما روي أمارتها على الجمع يقال أمارة وأمارات وأمار بإثبات الهاء وحذفها نحو ضلالة وضلالات وضلال من باب ما بين الواحد وجمعه حذف الهاء نحو تمرة وتمر، وأما الأمارة بكسر الهمزة فهي الولاية، وقد ذكر النبي - ﷺ - للساعة علامتين في هذا الحديث الأولى قوله - ﷺ - \"أن تلد الأمة ربتها\" أي سيدتها ومالكتها تأنيث رب وفي رواية الأخرى ربها على التذكير أي سيدها وفي رواية الأخرى بعلمه والصحيح أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها قال أهل اللغة: بعل الشيء ربه ومالكه وقال ابن عباس: - ﵄ - والمفسرون في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ (^٤).\nأي ربا والمراد بالبعل في الحديث الزوج ومعناه أن يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري وهذا أيضًا معنى صحيح وفي تفسير أن تلد الأمة ربتها أو ربها أوجه أحدها أن يكثر بيع السراري حتى تلد الأمة\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ٣٤.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠) و(٤٧٧٧)، ومسلم (٥ و٦ و٧ - ١٠) عن أبي هريرة.\n(^٤) سورة الصافات، الآية: ١٢٥.","vol":"8","page":454},{"text":"السرية بنتا لسيدها وبنت السيد في معنى السيد. الثاني: أن يكثر بيع السراري حتى تشتري الأمة أمها وتستعبدها جاهلة بأنها أمها.\nالثالث: أن معناه أن الإماء يلدن الملوك فتكون أمة من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وهذا قول إبراهيم الحربي انتهى كلام الطوفي (^١) وقيل المراد بذلك الهجوم على بيع أمهات الأولاد حتى تنتقل الأمة بالبيع إلى ولدها وهو لا يشعر فيستولى عليها وقيل فيه إشارة على كثرة العقوق حتى أن الرجل يعامل والدته معاملة الإماء وقيل غير ذلك واللّه أعلم وهذا إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى يكثر السراري ويكثر أولادهن فتكون الأمة ورقيقة لسيدها وأولاده منها بمنزلة فإن ولد السيد بمنزلة السيد فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها أي سيدها وقال الأكثرون: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الإنسان صائر إلى ولده غالبا وقد يتصرف فيه حياته تصرف المالكين أما بتصريح أبيه له بالإذن وإما بعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال وفيه اختلاف كثير.\nالعلامة الثانية قوله - ﷺ -: \"وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان\" والحفاة بحاء مهملة جمع حاف وهو الذي لا نعل له والعراة جمع عار والعالة جمع عائل وهو الفقير والعيلة الفقر وعال الرجل\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٦٤).","vol":"8","page":455},{"text":"يعيل عيلة أي افتقر ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (^١) ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (^٢) ورعاء الشاة بكسر الراء وبالمد جمع راع كصاحب وصحاب ويقال فيهم رعاة بضم الراء وزيادة تاء بالمد كقاض وقضاة وغاز وغزاة ورام ورماة ومعناه رعاء الغنم ومنه قوله: تعالى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ هو (^٣) ومعنى هذا قال الشيخ محي الدين النووي: أن أسافل الناس يصيرون أصحاب ثروة (^٤) انتهى كلامه، وقال الطوفي في شرح الأربعين النووية قلت: ولعل هذا ينظر إلى قوله - ﷺ - \"وإذا وسد الْأَمر إلى غير أهله فانتظر الساعة\" لأن أسافل الناس وأراذلهم ليسوا من أهل الإمارة والولاية فإذا تأمروا آثروا (^٥) ا. هـ، وقال أبو سليمان الخطابي رحمة اللّه تعالى: يريد العرب الذين هم أرباب الإبل ورعاتها أي يتسع الإسلام ويفتتح هؤلاء البلاد ويسكتونها ويتطاولون في البنيان بعد أن كانوا أهل النجع لا تستقر بهم دار قاله البغوي (^٦) فيه دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان ولم يكن إطالة البنيان معروفا في زمن النبي - ﷺ - بل كان بنيانهم قصير بقدر الحاجة وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال: رسول اللّه - ﷺ - \"لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان\"\n_________\n(^١) سورة الضحى، الآية: ٨.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٣.\n(^٣) سورة القصص، الآية: ٢٣.\n(^٤) الأربعون النووية ملحق الإشارات إلى ضبط الألفاظ المشكلات (الحديث الثانى).\n(^٥) التعيين في شرح الأربعين (ص ٦٥).\n(^٦) شرح السنة (١/ ١١).","vol":"8","page":456},{"text":"أخرجه البخاري (^١) ا. هـ ذكره ابن رجب (^٢) وقيل: هذا كما في حديث أشراط الساعة، ويتكلم فيه الرويبضة وهو الرجل التافه يتكلم في أمور العامة قيل الرويبضة هو تصغير الرابضة وهو راعي التربيض والتربيض الغنم والهاء للمبالغة ذكره البغوي في شرح السنة (^٣) والمقصود من هذا الأخبار بتغير الأحوال وتبدلها وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يؤجر ابن آدم في كلّ شيء إلا فيما يضعه في هذا التراب\" (^٤) وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة واللّه أعلم.\nفائدة: ولعله - ﷺ - إنما اقتصر الحديث على هاتين الأمارتين تحذير الحاضرين وغيرهم منها أعنى كثرة اتخاذ السراري وبيعهن والتطاول في البنيان وتوسيد الْأَمر إلى غير أهله لاقتضاء الحال ذلك ولعلهم كانوا يتعاطون شيئًا من ذلك فزجرهم عنه ا. هـ قاله الطوفي (^٥).\nقوله - ﷺ -: قال \"ثم انطلق فلبثت مليًّا\" قال النووي في شرح مسلم (^٦): هكذا ضبطناه لبث آخره مثلثة من غير تاء وفي كثير من الأصول المحققة لبثت بزيادة تاء المتكلم وكلاهما صحيح وقوله: \"مليا\" بتشديد الياء أي قوتا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٢١) وفي الأدب المفرد (٤٤٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٤٤).\n(^٣) شرح السنة (١/ ١١ - ١٢).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٤٨٣)، وابن ماجة (٤١٦٣)، والبزار (٢١٢١) و(٢١٢٥)، وابن حبان (٣٢٤٣)، والطبراني (٤/ ٦٤ رقم ٣٦٤٥) و(٤/ ٧٢ رقم ٣٦٧٥) عن خباب. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٣١).\n(^٥) التعيين في شرح الأربعين (ص ٦٥).\n(^٦) (١/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"8","page":457},{"text":"طويلا وقال بعضهم: زمانا طويلا كثيرًا وكان ذلك ثلاثًا هكذا جاء مبنيا وفي رواية أبو داود والترمذي وغيرهما وظاهرها هذا أنه بعد ثلاث ليال وظاهر قال الطوفي (^١): قلت ملى غير مهموز ومنه قوله: تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (^٢) لأنه من الملو أن الليل والنهار وأمالهم أن اللّه ﷿ يملي للظالم ولا همز في شيء من ذلك انتهى.\nقوله - ﷺ -: قال: يا عمر أتدري من السائل قال اللّه ورسوله أعلم فيه دليل على استحباب تنبيه المعلم تلاميذه والرئيس من دونه على فوائد العلم وغرائب الوقائع طلبا لنفعهم فائدتهم ا. هـ ذكره الطوفي (^٣) قوله: \"فإنه جبريل\" جبريل اسم أعجمي سرياني قيل معناه عبد اللّه وتقدم الكلام عليه مبسوطا في كتاب الجمعة واللّه أعلم قيل أن النبي - ﷺ - لم يعرف جبريل حين سأله وإنما عرفه بعد ذلك بوحي أو نظر ويقال أنه - ﵇ - قال: ما جاءني في صورة لم أعرفها إلا هذه المرة وجبريل - ﵇ - لم يعلمهم شيئًا إنما الذي علمهم بالحقيقة هو النبي - ﷺ - لكن جبريل لما كان سؤاله سبب التعليم من النبي - ﷺ - نسب التعليم عليه مجازا من باب إطلاق اسم المسبب على السبب.\nقوله: \"أتاكم يعلمكم دينكم\" والدين الملة والشريعة ويستعمل أيضًا في الجزاء ومنه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (^٤) أي يوم الجزاء وبمعنى\n_________\n(^١) التعيين (ص ٤٧).\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٤٦.\n(^٣) المصدر السابق (ص ٦٧).\n(^٤) سورة الفاتحة، الآية: ٤.","vol":"8","page":458},{"text":"العبادة وفي هذا الحديث أن الإسلام والإيمان والإحسان تُسمّى كلها دينا واللّه أعلم واعلم أنه لو كان لم يكن في السنة جميعها غير هذا الحديث لكان وافيا بأحكام الشريعة لاشتماله على جملها مطابقة وعلى تفاصيلها ضمنا وجمعه بين الطاعات المتعلقة بالقلب والبدن أصولا وفروعها ا. هـ قاله الطوفي (^١) فاشتمل هذا الحديث على أنواع من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الإسلام قال القاضي عياض (^٢): فإنه قال: أن هذا الحديث اشتمل جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة قال أبو العبَّاس القرطبي (^٣): فيصلح في هذا الحديث أن يقال فيه أنه أم السنة لما تضمنه من علومها كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من معاني القرآن قلت: فلذلك افتتح به مسلم كتابه وفيه دليل على أن اللّه تعالى مكن الملائكة من أن يتمثلوا فيما شاءوا من صور بني آدم كما قد نص اللّه على ذلك في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (^٤) وقد كان جبريل - ﵇ - يتمثل للنبي - ﷺ - في صورة دحية وكان لجبريل صورة خاصة خلق عليها لم يره النبي - ﷺ - عليها غير مرتين وهذا يدلّ على أنه - ﷺ - عرف جبريل لكن في آخر الْأَمر كما جاء التصريح في رواية البخاري.\nوقوله: \"يعلمكم دينكم\" يعني قواعد الدين وكلياته ا. هـ.\n_________\n(^١) التعيين (ص ٧٦ - ٧٧).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٣) المفهم (١/ ٦٧).\n(^٤) سورة مريم، الآية: ١٧.","vol":"8","page":459},{"text":"٢٨٧٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - سلوني فهابوه أَن يسألوه فجَاء رجل فَجَلَسَ عِنْد رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه مَا الْإِسْلَام قَالَ لا تشرك بِاللّه شَيْئا وتقيم الصَّلاة وتؤتي الزَّكاة وتصوم رَمَضَان قَالَ صدقت قَالَ يَا رَسُول اللّه مَا الايمان قَالَ أَن تؤمن بِاللّه وَمَلَائِكَته وَكتابه وَرُسُله وتؤمن بِالْبَعْثِ الآخر وتؤمن بِالْقدرِ كلّه قَالَ صدقت قَالَ يَا رَسُول اللّه مَا الإِحْسَان قَالَ أَن تخشى اللّه كَأنَّك ترَاهُ فَإنَّك إِن لَا تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ صدقت قَالَ يَا رَسُول اللّه مَتى تقوم السَّاعَة قَالَ مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وسأحدّثك عَن أشراطها إِذا رَأَيْت الْمَرْأَة تَلد رَبهَا فَذَاك من أشراطها وَإِذا رَأَيْت الحفاة العراة الصم الْبكم مُلُوك الْأَرْض فَذَاك من أشراطها وَإِذا رَأَيْت رعاء البهم يتطاولون فِي الْبُنيان فَذَاك من أشراطها الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَهَذَا الحَدِيث لَهُ دلالات كثِيرَة وَلم نذكرهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَكَان حَسْبَمَا اتّفق فِي الْإِمْلَاء (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدمت ترجمته.\nقوله: \"فجاء رجل فجلس عند ركبتيه\" هذا الرجل هو جبريل - ﵇ - وجبريل ملك ملك يتوسط بين اللّه ورسله بالوحي.\nقوله: قال: يا رسول الله ما الإسلام قال \"لا تشرك باللّه شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان\" الحديث تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠) و(٤٧٧٧)، ومسلم (٥ و٦ - ٩ و٧ - ١٠)، وابن ماجة (٦٤).","vol":"8","page":460},{"text":"قوله: قال: يا رسول ما الإيمان قال \"أن تؤمن باللّه وملائكته وكتابه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر وتؤمن بالقدر كلّه\" قال: صدقت. الحديث.\nقوله: \"وتؤمن بالبعث الآخر\" بكسر الخاء واختلف في المراد بالجمع بين الإيمان بلقاء اللّه والبعث فقيل اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب وقيل ليس المراد باللقاء رؤية اللّه تعالى فإن أحدا لا يقطع لنفسه برؤية اللّه تعالى لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين ولا يدري الإنسان بماذا يختم له وأما وصف البعث بالآخر فقيل هو مبالغة في البيان والإيضاح وذلك لشدة الاهتمام به وقيل سببه أن خروج الإنسان على الدنيا بعث من الأرحام وخروجه من القبر إلى الحشر بعث فقيد البعث بالآخر ليتميز. وإليه الإشارة بقوله: وإن اللّه يبعث من في القبور ا. هـ قاله النووي في شرح مسلم (^١) وأما اليوم الآخر فأوله من ساعة الموت إلى الحشر إلى الأبد إما في نعيم مخلد وجعلنا اللّه إياكم من أهله أو في عذاب سرمد أعاذنا اللّه ﷿ وإياكم منه فيجب الإيمان بما بين الموت التي دخول إحدى الدارين.\nقوله: \"وتؤمن بالقدر كلّه\" وأما القدر فقد سبق معنى الإيمان به ذكره الطوفي (^٢).\nقوله: قال يا رسول اللّه ما الإحسان، تقدم الكلام.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٦٢).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٧٥).","vol":"8","page":461},{"text":"قال: \"أن تخشى اللّه كأنك تراه فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك\" قال: صدقت الحديث. هذا من جوامع الكلم الذي أوتيها - ﷺ - لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه ﷾ لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه، إلا التي به فقال - ﷺ -: \"اعبد اللّه في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان\" فإن التأميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع ربه ﷾ عليه فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومرأقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخضوع والخضوع غير ذلك وقد نبد أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء من النقائص احتراما لهم فيكون فكيف بمن لا يزال اللّه تعالى مطلعا عليه في سره وعلانيته واللّه أعلم.\nتنبيه: إذا سئلت عنه ما هو فقل الإحسان أن تأتي بقواعد الإيمان وخصال الإسلام كلها بشروطها وأدائها وحين إتيانك بها تستحضر عظمة الرب ﷿ وجلاله وكثرة نعمه عليك وكأنك بين يديه وثمرة ذلك ارتعاد قلبك من خشية اللّه وهيبته وحياؤك من كثرة أياديه عليك وإحسانه وتقصيرك في حقه وتفريطك فهذه مقامات الدين الثلاث، الإيمان ومتعلقه ستة أشياء اللّه ﷿ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر فالعلم بأحكام هذه الأشياء الستة هو أعلم المسمى بأصول الدين أما الإيمان فقد سبق القول في لفظه أنه التصديق المجرد وأنه مغاير للإسلام أما اللّه ﷿ فيتعلق الإيمان","vol":"8","page":462},{"text":"بذاته وصفاته وأفعاله وأم الملائكة فيجب الإيمان بأنهم عباد مكرمون وإنهم خلقوا من نور أنهم مطيعون معصومون لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وأما الكتب المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل والقرآن الزبور والفرقان فيجب الإيمان بإنزالها وبما تضمنه من حكم وخبر والعمل بما فيها ما لم يثبت نسخه وأما الرسل فهو جمع رسول وهو النبي الذي أنزل عليه الرسالة والنبي أعم من وقد ذكر الملائكة على الرسل إتباعا لترتيب الوجود فإن الملائكة مقدمون في الخلق وللترتيب الواقع في تحقيق معنى الرسالة فإنه يقال أرسل اللّه الملك إل الرسول لا تفضيلا للملائكة على الرسل كما هو زعم المعتزلة فيجب الإيمان بعد النظر في معجزاتهم بإرسالهم وبما أرسلوا به وأن إرسالهم واجب من اللّه ﷿ لا عليه وأما اليوم الآخر فأوله من الساعة الموت إل الحشر إل الأبد أما في نعيم مخلد جعلنا اللّه ﷿ وإياكم من أهله أو في عذاب سرمد أعاذانا اللّه إياكم منه فيجب الإيمان بما بين الموت إلى دخول إحدى الدارين.\nقوله: \"تؤمن بالقدر\" فقد سبق معنى الإيمان به ذكره الطوفي.\nقوله: الإحسان تقدم الكلام علي الإحسان وفيه أن تعبد اللّه كأنك تراه، العبادة هي الطاعة مع الخضوع فيحتمل أن يراد بها معرفة اللّه ويحتمل أن يراد بها الطاعة مطلقا فتدخل جميع وظائف الإسلام فيها ا. هـ قاله الكرماني (^١) قوله: قال يا رسول اللّه متى تقوم الساعة قال \"ما\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١/ ١٦٨).","vol":"8","page":463},{"text":"المسؤول عنها بأعلم من السائل\" تقدم أيضًا الكلام على قوله: \"ما المسؤل عنها بأعلم من السائل\" في الحديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"وسأحدّثك عن أشراطها\" هو بفتح الهمزة واحدها شرط بفتح الشين والراء والأشراط العلامات وقيل أوائلها وقيل مقدماتها وقيل صغار أمورها قبل تمامها وكله مقارب والمراد أشراطها السابقة لا أشراطها المتقاربة المضايقة كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ونحوهما ا. هـ.\nقوله: - ﷺ - \"إذا رأيت الأمة وفي بعض الروايات المرأة تلد ربها أي سيدها فذاك من أشراطها أي من علاماتها\" وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في الحديث قبله.\nقوله: وأن ترى الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها\" الصم جمع الأصم وهو الذي لا يسمع وأراد به الذي لا يهتدي ولا يقبل الحق من صمم العقل لا صمم الأذن قاله في النهاية (^١) والبكم جمع الأبكم وهو الذي خلق أخرس لا يتكلم وأرتاد بهم الرعاع الجهال لأنهم لا ينتفعون بالسمع ولا بالنطق كثير منفعة فكأنهم سلبوها كأنهم صم بكم كما قيل في قوله: تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ (^٢) قال الطحاوي (^٣): صم عن الهدى بكم\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٥٣).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٨.\n(^٣) عبارة الطحاوى: (ليس يعنى بذلك البكَمَ المتعارف، ولا الصمَّ المتعارف، ولكن يعنى بالبكَم: البكمَ عن القول المحمود، ويعنى بالصم: الصمَّ عن القول المحمود). مشكل ٤/ ١٢٢.","vol":"8","page":464},{"text":"عن الخير ويحتمل أن يريد الذين لا ينطقون في المشاهد والجماعات ولا يشيرون ولا يشارون لجهلهم وخمولهم وضعتهم في العرب وسوء حالهم وقيل صم بكم لشغلهم عن الآخرة باللذات ا. هـ قاله عياض (^١) وقيل المراد أنهم بكم عن معرض أحوال الظلمة ودفعهم المظالم كما هو الآن في أيامنا هذه وهذا بخلاف العرب فإنهم في الزمن الذي كانوا فيه ملوك الأرض كانت الأرض ممتلئة عدلا وأمنًا كما هو من المذكورين اليوم ظلما وجورا وقيل أراد بالصم البكم أهل البادية من العرب ا. هـ قاله في شرح المصابيح وهو إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة يرجع إلى أن الْأَمر توسد إلى غير أهلها كما قال النبي - ﷺ -: \"إذا وسد الْأَمر إلى غير أهله فانتظر الساعة\" فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والحفاة رؤس الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولون في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا فإنه إذا رأس الناس من كان فقيرا عائلا فصار ملكا على الناس سواء كان ملكه عاما أو خاصا في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال وإذا كان مع هذا جاهلا جافيا فسد بذلك الدين لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا معاملهم بل همته في حيازته المال والبنيان ولا يبالي بما فسد من دين الناس ولا بمن ضاع من أهل حاجتهم فإذا صار ملوك الناس رؤسهم على هذه الحال وانعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١٢٠٩).","vol":"8","page":465},{"text":"وكذب الصادق وإئتمن الخائن وخون الأمين وتكلم الجاهل وسكت العالم وعدم بالكلية وهذا كلّه من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور وفي صحيح الحاكم عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعًا أن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار ويرفع الأشرار (^١) ا. هـ ذكره ابن رجب الحنبلي (^٢).\nقوله: - ﷺ - \"وإذا رأيتُ رعاء البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها\" أي من علاماتها رعاء البهم بفتح الباء وإسكان الهاء وهي الصغار من أولاد الضأن الغنم والمعز جميعا وقيل أولاد الضان خاصة واقتصر عليه الجوهري في صحاحه والواحدة بهمة قال الجوهري (^٣): وهي تقع على المذكر والمؤنث والسخال أولاد المعزي قال فإذا أجمعت بينهما قلت بهام وبهم أيضًا وقيل أن البهم يختص بأولاد المعز وإليه أشار القاضي عياض واللّه أعلم.\nفائدة: وقد وردت أحاديث وآثار من علامات الساعة فمنها طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والدجال ويأجوج ومأجوج وكثرة الهرج وهو القتل وتضييع الأمانات وذهاب العلم وكثرة الجهل وتقارب الزمان وموت الفجأة وانتفاخ الأهلة ورفع الأشرار ووضع الأخيار وفيض المال حتى لا يقبله أحد\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٧٦ رقم ٤٨٢)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٥٥٤، وصححه. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٢١).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١٤٣ - ١٤٤)\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٨٧٥).","vol":"8","page":466},{"text":"وأن يحسر الفرات عن جبل ذهب وأشراط الساعة كثيرة معروفة وهي مستوفاة في كتب الحديث فمن أراد شيئًا من ذلك فليراجع مظانها واللّه أعلم.\n\n٢٨٧٨ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - خرج يَوْمًا وَنحن مَعَه فَرَأى قبَّة مشرفة فَقَالَ مَا هَذِه قَالَ أَصْحَابه هَذِه لفُلان رجل من الْأَنْصَار فَسكت وَحملهَا فِي نَفسه حَتَّى إِذا جَاءَ صَاحبهَا رَسُول اللّه - ﷺ - وَسلم عَلَيْهِ فِي النَّاس فَأَعْرض عَنهُ صنع ذَلِك مرَارًا حَتَّى عرف الرجل الْغَضَب فِيهِ والإعراض عَنهُ فَشَكا ذَلِك إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ وَاللّه إِنِّي لأنكر رَسُول اللّه - ﷺ - قَالُوا خرج فَرَأى قبتك فَرجع إِلَى قُبَّته فَهَدمهَا حَتَّى سواهَا بِالْأَرْضِ فَخرج رَسُول اللّه - ﷺ - ذَات يَوْم فَلم يرهَا قَالَ مَا فعلت الْقبَّة قَالُوا شكا إِلَيْنَا صَاحبهَا إعراضك عَنهُ فَأَخْبَرنَاهُ فَهَدمهَا فَقَالَ أما إِن كل بِنَاء وبال على صَاحبه إِلَّا مَا لا إِلَّا مَا لا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَة أخصر مِنْهُ وَلَفظه قَالَ مر رَسُول اللّه - ﷺ - بقبة على بَاب رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ مَا هَذِه قَالُوا قبَّة بناها فلَان فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - كلّ مَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ وبال على صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة فَبلغ الْأَنْصَارِيّ ذَلِك فوضعها فَمر النَّبِيّ - ﷺ - بعد فَلم يرهَا فَسَأل عَنْهَا فَأخْبر أَنه وَضعهَا لما بلغه فَقَالَ يرحمه اللّه يرحمه اللّه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد مُخْتَصرًا أَيْضًا أَن رَسُول اللّه - ﷺ - مر ببنية قبَّة لرجل من الْأَنْصَار فَقَالَ مَا هَذِه قَالُوا قبَّة فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - كلّ بِنَاء وَأَشَارَ بِيَدِهِ على رَأسه أَكثر من هَذَا فَهُوَ وبال على صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢٣٧)، وابن ماجة (١٣٩٣)، وابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٤٠) و(٢٤١)، وأبو يعلى (٤٣٤٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٩٥٦)، والطبراني في =","vol":"8","page":467},{"text":"قَوْله: \"إِلَّا مَا لا\" أَي إِلَّا مَا لَا بُد مِنْهُ مِمَّا يستره من الْحر وَالْبرد وَالسِّبَاع وَنَحْو ذَلِك.\nقوله: وعن أنس (^١) - ﵁ -: هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام كنيته أبو حمزة الأنصاري الخزرجي البخاري خادم النبي - ﷺ - أمه أم سليم امرأة طلحة خدم النبي - ﷺ - عشر سنين مدّة إقامته بالمدينة.\nقوله: أن رسول اللّه - ﷺ - خرج يومًا ونحن معه فرأى قبة مشرفة وفي لفظ فرأى قبة مضروبة في المسجد والقبة من الخيام بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب ا. هـ قاله في النهاية (^٢).\nقوله: - ﷺ - \"أما إن كلّ بناء وبال على صاحبه\" الحديث الوبال في الأصل الثقل والمكروه والمراد في الحديث العذاب في الآخرة.\nقوله: \"إلا مالا إلا مالا\" أي إلا ما لا بد للإنسان منه مما يستره من الحر والبرد والبياع ونحو ذلك ا. هـ قاله المنذري.\nقوله: \"يرحمه اللّه يرحمه اللّه\" كلمة دعاء فيا سعادة من دخل في دعوته الجامعة.\n_________\n= الأوسط (٣/ ٢٥٨ رقم ٣٠٨١) والبيهقي في الشعب (١٣/ ٢١٨ - ٢٢٠ رقم ١٠٢٢١ و١٠٢٢٢ و١٠٢٢٣). قال العراقي: إسناده جيد إتحاف السادة المتقين ٩/ ٣٦١ و٣٦٢ وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٣٠) وصحيح الترغيب (١٨٧٤) وقال حسن صحيح.\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ١/ ٨٤، وأسد الغابة ١/ ٢٥٨، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ٧١، وتهذيب الكمال ٣/ ٥٦٨، والإصابة ١/ ٢٧٧.\n(^٢) النهاية (٤/ ٣).","vol":"8","page":468},{"text":"٢٨٧٩ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - كُل بُنيان وبال على صَاحبه إِلَّا مَا كَانَ هَكَذَا وَأَشَارَ بكفه وكل علم وبال على صَاحبه إِلَّا من عمل بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَله شَوَاهِد (^١).\nقوله: وعن واثلة بن الأسقع - ﵁ -: (هو أبو شداد، ويقال: أبو الأسقع، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الخطاب، وقيل: أبو قرصافة، بكسر القاف، واثلة بن الأسقع بن عبد العزى أسلم والنبى - ﷺ - يتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي - ﷺ - ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة).\nقوله - ﷺ -: \"كلّ بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا وأشار بكفه\" الحديث تقدم تفسير الوبال.\nقوله: \"وأشار بكفه\" وإشارته بكفه كانت مختلفة بما كان منها في ذكر التوحيد والتشهد فإنه كان يشير بالمسبحة وحدها وما كان في غير ذلك فإنه كان يشير بكفه كلها ليكون بين الإشارتين فرق قاله في النهاية (^٢).\n\n٢٨٨٠ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا أَرَادَ اللّه بِعَبْد شرا خضر لَهُ فِي اللَّبن والطين حَتَّى يَبْنِي. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الثَّلَاثَة بِإِسْنَاد جيد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٥ رقم ١٣١) وفي مسند الشاميين (٤/ ٣٠٥ رقم ٣٣٨٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه هانئ بن المتوكل، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به بحال. وقال الألباني: ضعيف جدًّا الضعيفة (٢٦٠٨)، وضعيف الترغيب (١٠٥) و(١١٧٣)، وضعيف الجامع (٤٢٢١).\n(^٢) النهاية (٢/ ٥١٨).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٨٥ رقم ١٧٥٥) والأوسط (٩/ ١٤٥ رقم ٩٣٦٩) =","vol":"8","page":469},{"text":"قوله: وعن جابر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"إذا أراد اللّه بعبد شرا خضر له في اللبن والطين حتى يبني\" الحديث خضر معناه زين له وفي الحديث من خضر له في شيء فليرمه أي بورك له فيه ورزق منه وحقيقته أن تجعل حالته خضراء.\n\n٢٨٨١ - وروى فِي الْأَوْسَط من حَدِيث أبي بشير الْأَنْصَارِيّ أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِذا أَرَادَ اللّه بِعَبْد هوانا أنْفق مَاله فِي الْبُنيان (^١).\nقوله: وروى في الأوسط من حديث أبي بشير الأنصاري (^٢) ولفظه \"إذا أراد اللّه بعبد هوانا أنفق ماله في البنيان\" أبو بشير الأنصاري اسمه (محمد بن بشير بوزن عظيم، الأنصاري - ذكره البخاري في الصحابة).\n_________\n= والصغير (٢/ ٢٥٨ رقم ١١٢٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٨٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا المحاربي، ولا عن المحاربي إلا يوسف بن عدي، تفرد به أبو ذر. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٩٦: رواه الطبراني في الثلاثة، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني، ولم أجد من ضعفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٢٩٤) وضعيف الترغيب (١١٧٤).\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٣٣)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٨١ رقم ٨٩٣٩)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٣٨١ - ٣٨٢ رقم ١٠٢٣٥ و١٠٣٣٦)، والضياء في المنتقى من مسموعات مرو (٣٦).\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث، عن ابن بشر الأنصاري إلا بهذا الإسناد، تفرد به: ابن وهب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٢٩٥)، وضعيف الترغيب (١١٧٥).\n(^٢) ترجمته في: التاريخ الكبير ١/ ١٩، والاستيعاب ٣/ ٢٣١٨، والإصابة ٦/ ٧٧٧٦.","vol":"8","page":470},{"text":"٢٨٨٢ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من بنى فَوق مَا يَكْفِيهِ كلف أَن يحملهُ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة الْمسيب بن وَاضح وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا أنكر عَلَيْهِ وَفِي سَنَده انْقِطَاع (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: في الحديث \"من بنى فوق ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة\" الحديث وفي رواية \"جاء يوم القايمة حامله على عنقه\" قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: كره بعض الناس أن ينفق الرجل ماله في البناء واحتجوا بالحديث المذكور وروى عن الحسن البصري أن رجلًا قال له أني بنيت دارا فأدخلها وادع لي بالبركة فقام الحسن مع أصحابه ونظر في الدار وقال: خربت دار نفسك وعمرت دار غيرك غرك من الأرض ومقتك من في السماء وقال بعضهم: لا بأس به لأن اللّه تعالى قال: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٤٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٥١ - ١٥٢ رقم ١٠٢٨٧) ومن طريقه الشجرى في الأمالى (٢/ ٢٨٠)، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ (١/ ١١٤ - ١١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٦) و(٨/ ٢٥٢)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٢٢١ - ٢٢ رقم ١٠٢٢٧). قال أبو حاتم في العلل (١٨٤٠): هَذَا حديثٌ باطلٌ لا أَصْلَ له بهذا الإسناد. قال أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٦): \"غريب من حديث الثوري، تفرَّد به المسيب عن يوسف\".\nوقال الذهبي في الميزان (٤/ ١١٦): \"حديث منكر\". وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٣٦٤٩/ تخريج أحاديث إحياء علوم الدين): \"رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد فيه لين وانقطاع\". وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٧٠): رواه الطبراني في الكبير، وفيه المسيب بن واضح؛ وثقه النسائي، وضعفه جماعة. وقال الألباني في الضعيفة (١٧٥) وضعيف الجامع (٥٥٠٦): باطل، وقال في ضعيف الترغيب (١١٧٦): ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":471},{"text":"سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ (^١) فأخبر أن بناء القصور من نعماء اللّه تعالى وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^٢) وذكر أن ابنا لمحمد بن سيرين بني دارا وأنفق عليها مالا كثيرًا وذكر ذلك لأبيه فقال ما أرى بأسا أن يبني الرجل بماله ما ينفعه وروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: إذا أنعم اللّه على عبد نعمة أحب أن يرى أشر النعمة عليه الحديث ثم أن من أثر النعمة البناء الحسد والنعمة الحسنة ألا ترى أنه لو اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وأن كان دون ذلك وكذلك البناء أو في الثياب فهو غير حرام بعد أن يتجنب ثلاثة أشياء أولها أن يكتبها من حرام أو شبهة والثاني أن لا يظلم مسلما ولا معاهدا الثالث أن لا يضيع فريضة اللّه تعالى انتهى.\nقوله: رواه الطبراني من رواية المسيب بن واضح (ضعفه الدَّارقُطْنِي، وقال أبو حاتم: صدوق يخطئ كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل، ووثقه النسائي وابن حبان، وروى له غير ما حديث في صحيحه).\n\n٢٨٨٣ - وَعَن أبي الْعَالِيَة أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب - ﵁ -: بنى غرفَة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ - ﷺ - اهدمها فَقَالَ أهدمها أَو أَتصدق بِثَمَنِهَا فَقَالَ اهدمها. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ مُرْسل جيد الْإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٧٤.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٢.\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٠٢٠)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٧ - ٢٨)، والمروزي في البر والصلة (٢٦٨)، وأبو حاتم كما في علل ابنه (١٨٣٣)، وأبو داود في المراسيل (٤٩٥)، =","vol":"8","page":472},{"text":"قوله: وعن أبي العالية (بالعين المهملة والياء المثناة من تحت، الرياحي، بكسر الراء وبالياء المثناة من تحت، واسمه رفيع، بضم الراء، ابن مهران، بكسر الميم، البصرى التابعى).\nقوله: أن العبَّاس بن عبد المطلب بني غرفة فقال: له النبي - ﷺ - أهدمها الحديث العبَّاس بن عبد المطلب (^١) هو عم رسول اللّه - ﷺ - هو أبو الفضل الهاشمي كان أسن من رسول اللّه - ﷺ - بسنتين أو ثلاث وأمه نتيلة بضم النون وفتح التاء المثناة فوق وهو أول أعرابية كست الكعبة الحرير قالوا وسببه أن العبَّاس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسوها فوجدته ففعلت وكان العبَّاس رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام وكان أبيه عمارة المسجد الحرام والسقاية وحضر ليلة العقبة مع رسول اللّه - ﷺ - حين بايعت الأنصار قبل أن يسلم العبَّاس فشدد العقد مع الأنصار وأكدها وخرج مع المشركين إلى بدر مكرها وأسر وفدى نفسه وابن اخيه عقيلا ونوفل بن الحارث وأسلم عقب ذلك وقيل أسلم قبل الهجرة وكان يكتم إسلامه مقيما بمكة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللّه - ﷺ - وكان عونا للمسلمين المستضعفين بمكة قالوا وأراد القدوم إلى المدينة فقال له النبي - ﷺ - مقام بمكة خير وكان رسول اللّه\n_________\n= وابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٨١) و(٢٩١)، والطحاوى في معاني الآثار (٩٥٥).\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١١٧٧).\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٢/ ١٣٧٨، أسد الغابة ٣/ ٢٧٩٩، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٧٥، تهذيب الكمال ١٤/ ٣١٢٩، الإصابة ٣/ ٤٥٢٥.","vol":"8","page":473},{"text":"- ﷺ - يعظمه ويكرمه ويبجله وكان وصلا لأرحام قريش محسنا إليهم ذا رأي وكمال عقل جوادا أعتق سبعين عبدا وكانت الصحابة تعظمه وتكرمه وتبجله وتقدمه وتشاوره وتأخذ برأيه وكان للعباس عشر بنين وثلاث بنات الفضل وعبد اللّه وعبيد اللّه وقثم وعبد الرحمن وعبد والحارث وكثير وعون وتمام وءامنه وأم حبيب وصفية روي له عن النبي خمسة وثلاثون حديثًا اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاثة وفي كتاب الترمذي أن رسول اللّه - ﷺ - قال: للعباس \"والذي نفس محمد بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم وللّه ولرسوله\" ثم قلا: \"أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه\" (^١) وصنو بكسر الصاد أي مثل أبيه وثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون توفي العبَّاس بالمدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين وقيل أربع وثلاتين وهو ابن نحو ثمان وثمانين سنة وقبره مشهور بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة وتقدم الكلام عليه مبسوطا في صلاة التسبيح.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٦٥ (١٧٧٨٨)، والترمذى (٣٧٥٨)، والنسائي في الكبرى (٨١٢٠)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٠٩٧) من حديث عبد المطلب بن ربيعة. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الألباني: ضعيف إلا قوله: عم الرجل ... فصحيح، المشكاة (٦١٤٧)، الصحيحة (٨٠٦).","vol":"8","page":474},{"text":"قوله: رواه أبو داود في المراسيل وهو مرسل جيد الإسناد.\nفائدة حقيقة المرسل قول التابعي قال: رسول اللّه - ﷺ - أو فعل كذا وهو حجة هند أبي حنيفة والشافعي لا يحتج به إلا إذا اقترن بأحد أمور إما أن يسند من طريق أخرى إما أن يكون على وفق المراد القياس وإما أن يعمل به أكثر الصحابة أما مراسيل سعيد بن المسيب عندنا حسنة وهذا لا يفيدهم لجواز أن يريد بحسنها أنها تفيد الترجيح فإن قالوا قد قال في موضع آخر: ومراسيل سعيد بن المسيب عندنا حجة قلنا مراده بذلك بعض مراسيله لا كلها فإن البيهقي والخطيب البغدادي قالا ترك الشافعي جملة من مراسيل سعيد بن المسيب لم يعمل بها وعمل بعدة من مراسيل غيره فعلم بذلك الشافعي لم يعمل بمراسيل سعيد على الإطلاق ولم يرد مراسيل غيره على الإطلاق وأما مراسيل الصحابة فجماهير العُلماء على أنه حجة وخالف الإستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فقال: ليس بحجة لجواز أن يكون سمعه من تابعي آخر وأجيب عن ذلك بأن الصحابة بالاستقراء لم يرووا عن التابعين شيئًا مضافا إلى رسول اللّه - ﷺ - فإن قيل قد روت الصحابة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وليسا من الصحابة، قلنا الحكم للأعم الأغلب ولا نظر إلى فرد من الأفراد (^١) ذكره ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام له.\n\n٢٨٨٤ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"كُلّ مَعْرُوف صَدَقَة وَمَا أنْفق الرجل على أَهله كتب لَهُ صَدَقَة وَمَا وقى بِهِ الْمَرْء عرضه كتب لَهُ بِهِ\n_________\n(^١) انظر المجموع (١/ ٦١ - ٦٢) للنوووي.","vol":"8","page":475},{"text":"صَدَقَة وَمَا أنْفق الْمُؤمن من نَفَقَة فَإِن خلفهَا على اللّه وَاللّه ضَامِن إِلَّا مَا كَانَ في بُنيان أَو مَعْصِيّة\" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا عَن عبد الحميد بن الْحسن الْهِلالِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ وَيَأْتِي الْكَلام على عبد الْوَاحِد (^١).\nقوله: وعن جابر ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"كل معروف صدقة\" الحديث المعروف تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"وما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة\" قال: هو ما يعطي الشاعر وذو اللسان المتمنى وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب النكاح ومن قاله.\n\n٢٨٨٥ - وَعَن حَارِثَة بن مضرب قَالَ أَتَيْنَا خبابا نعوده وَقد اكتوى سبع كيات فَقَالَ لقد تطاول مرضِي وَلَوْلا أنِّي سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول لَا\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٨١٩)، وعبد بن حميد (١٠٨٣)، وابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (٩) وقضاء الحوائج (٩)، وأبو يعلى (٢٠٤٠)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٢٥٣)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٨٣)، والدارقطني (٢٨٩٥)، والحاكم ٢/ ٥٠، وتمام في الفوائد (١٧٢٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٤٠٩ رقم ٢١١٣٢ و٢١١٣٣) والشعب (٥/ ١٤٧ - ١٤٨ رقم ٣٢٢٠) و(١٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤ رقم ١٠٢٢٩)، والبغوي (١٦٤٦).\nوصححه الحاكم. وتعقبه الذهبي فقال: فيه عبد الحميد بن الحسن ضعفوه. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٦: رواه بطوله أبو يعلى، واختصره الإمام أحمد كما تقدم، وفي إسناد أحمد المنكدر بن محمد بن المنكدر، وثقه أحمد وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وفي إسناد أبي يعلى مسور بن الصَّلْت، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٨٩٨) وضعيف الترغيب (١١٧٨) و(١٢٢٢) وضعيف الجامع (٤٢٥٤).","vol":"8","page":476},{"text":"تَتَمَنَّوْا الْمَوْت لتمنيت وَقَالَ يُؤجر الرجل فِي نَفَقَته كلهَا إِلَّا فِي التُّرَاب أَو قَالَ فِي الْبناء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nقوله: وعن حارثة بن مضرب. مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء العبدي الكوفي التابعي (سمع عمر بن الخطاب، وعليًا، وابن مسعود، وأبا موسى الأشعري، وعمارًا، وغيرهم، ﵃. قال يحيى بن مَعين وغيره: هو ثقة).\nقوله: \"قال أتينا خبابا نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال لقد تطاول مرضي\" الحديث وخباب هو (خباب بن الأرت بن جندلة بن خزيمة، وهو عربي لحقه سباء في الجاهلية فبيع بمكة، وقيل: هو حليف بنى زهرة، وقيل: هو مولى أم أنمار بنت سباع الخزاعية، فهو تميمى النسب، خزاعى الولاء، زهرى الحلف، وكان خباب من السابقين إلى الإسلام، وممن تعذب في اللّه تعالي، وكان سادس ستة في الإسلام، وشهد مع رسول اللّه - ﷺ - بدرًا، وأُحُدًا، والمشاهد كلها مع رسول اللّه - ﷺ -. رُوى له عن رسول اللّه - ﷺ - اثنان وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديث).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٨٣)، وابن ماجة (٤١٦٣)، والبزار (٢١٢١) و(٢١٢٥)، وابن حبان (٣٢٤٣)، والطبراني (٤/ ٦٤ رقم ٣٦٤٥) و(٤/ ٧٢ رقم ٣٦٧٥) عن خباب. قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٣١)، والمشكاة (٥٦٨٢/ التحقيق الثاني)، وصحيح الترغيب (١٨٧٥).","vol":"8","page":477},{"text":"قوله: \"يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا في التراب أو قال في البناء\" وفي حديث أنس بعده إلا البناء فلا خير فيه.\n\n٢٨٨٦ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - النَّفَقَة كلهَا فِي سَبِيل اللّه إِلَّا الْبناء فَلا خير فِيهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^١).\n\n٢٨٨٧ - وَعَن عَطِيَّة بن قيس ﵁ قَالَ كَانَ حجر أَزوَاج النَّبِي - ﷺ - بجريد النّخل فَخرج النَّبِيّ - ﷺ - فِي مغزى لَهُ وَكَانَت أم سَلمَة موسرة فَجعلت مَكَان الجريد لَبَنًا فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - مَا هَذَا قَالَت أردْت أَن أكف عني أبصار النَّاس فَقَالَ يَا أم سَلمَة إِن شَرّ مَا ذهب فِيهِ مَال الْمَرْء الْمُسلم الْبُنيان رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل (^٢).\nقوله: وعن عطية بن قيس ﵁ (أبو يحيى الكلابي مولاهم الحمصي الدمشقي المقرئ، ويعرف بالمذبوح، أرسل عن أبي، وأبي الدرداء، وغزا مع أبي أيوب وسمع معاوية وقرأ القرآن على أم الدرداء وعنه سعيد بن عبد العزيز وطائفة وكانوا يصلحون مصاحفهم على قراءته قال ابن سعد: وكان معروفا، وله أحاديث، عمر دهرا وجاوز المائة مات ١٢١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٨٢)، وابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٣٠)، والبزار (٧٥٢٢)، والحسن بن عرفة في حديثه (٦٦)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٢٠٤). وضعفه اللبانى في الضعيفة (١٠٦١) وضعيف الترغيب (١١٧٩)، وضعيف الجامع (٥٩٩٤). ولم يدرج المُصَنِّف تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه أبو داود في المراسيل (٤٩٤). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٨٠).","vol":"8","page":478},{"text":"قوله: \"قال كان حجر أزواج النبي - ﷺ - بجريد النخل فخرج النبي - ﷺ - في مغزى له وكانت أم سلمة موسرة فجعلت مكان الجريد لبنا\" الحديث واللبس هو الطوب النبي.\nقوله: رواه أبو داود في المراسيل تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n٢٨٨٨ - وَعَن الْحسن ﵁ قَالَ لما بنى رَسُول اللّه - ﷺ - الْمَسْجِد. قَالَ ابنوه عَرِيشًا كعريش مُوسَى قيل لِلْحسنِ وَمَا عَرِيش مُوسَى قَالَ إِذا رفع يَده بلغ الْعَريش يَعْني السّقف رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مُرْسلا وَفِيه نظر (^١).\nقوله: وعن الحسن ﵁ تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"قال لما بنى رسول اللّه - ﷺ - المسجد\" قال ابنوه عريشا كعريش موسى الحديث العريش كلّ ما يستظل به من سعف وجريد ونخل ونحو ذلك قاله ابن النحاس وقال الحربي (^٢): أي مظللا بجريد ونحوه (العريش) يستظل به يريد أنه لم يكن له سقف يكن من (المطر) وهو كان (كالبيت) يصنع من سعف النخل ينزل فيه الناس أيام الثمار ليصيبوا منها حين تصرم حتى سمي بذلك (أهل) البيت عريشا والعريش أيضًا الخيام والبيوت ومنه عريش مكة وعريش البيت (سقفه) عريشه أيضًا.\nقوله: رواه ابن أبي الدنيا مرسلا تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٨٦). قال الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧٦): حسن لغيره وصححه لغيره في الصحيحة (٦١٦).\n(^٢) غريب الحديث (١/ ١٧٤) ونقله عياض في مشارق الأنوار (٢/ ٧٧) وابن قرقول في مطالع الأنوار (٤/ ٤١٥).","vol":"8","page":479},{"text":"٢٨٨٩ - وَعَن عمار بن أبي عمار ﵁ قَالَ إِذا رفع الرجل بِنَاء فَوق سبع أَذْرع نُودي يَا فاسق الْفَاسِقين إِلَى أَيْن رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَرَفعه بَعضهم وَلَا يَصح (^١).\nقوله: وعن عمار بن عامر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: \"قال إذا رفع الرجل بناء فوق سبع أذرع نودي يا أفسق الفاسقين إلى أين\".\nقوله: رواه ابن أبي الدنيا موقوفًا عليه. والموقوف ما قاله الصحابي ولم يضفه إلى النبي - ﷺ - قال ابن بطال (^٢): التطاول في البنيان من أشراط الساعة وذلك أن يبني ما يفضل عما يكنه من الحر والبرد ويستره عن الناس وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ (^٣) يعني قصورا وقد جاء النبي - ﷺ - في الأحاديث المتفرقة أنه قال: ما أنفق ابن آدم في التراب فلن يخلف له ولا يؤجر عليه وأما من بنى ما يحتاج إليه من الحر والبرد والمطر فمباح له ذلك وكذلك كان فعل السلف ألا ترى قول ابن عمر بنيته بيدي يكننى من المطر ويظلني من حر الشمس وقد روى مثل ذلك عن النبي - ﷺ - فأباح - ﷺ - من البناء ما يقيه من أذى الشمس والمطر اللذين لا طاقة لأحد باحتمال مكروهما ا. هـ واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٥٠). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٧٥) موصولا عن أنس. وقال الألباني في الضعيفة (١٧٤): موضوع. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٨١) وقال ضعيف موقوف.\n(^٢) شرح الصحيح (٩/ ٧٤ - ٧٥).\n(^٣) سورة الشعراء، الآيتان: ١٢٨ - ١٢٩.","vol":"8","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>[الترهيب من منع الأجير أجره والأمر بتعجيل إعطائه]</span>\n٢٨٩٠ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ قَالَ اللّه تَعَالَى ثَلَاثة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة وَمن كنت خَصمه خصمته رجل أعْطى بِي ثمَّ غدر وَرجل بَاعَ حرا فَأكل ثمنه وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى مِنْهُ وَلم يُعْطه أجره رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَة وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله: عن النبي - ﷺ - قال قال اللّه تعالى: \"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته\" الحديث أي الطالب لهم بما اكتسبوه قال الشيخ تقي الدين السبكي (^٢): الحكمة في كون اللّه تعالى خصمهم أنهم جنوا على حقه ﷾ فإن الذي أعطى به ثم غدر جنى على عهد الله تعالى بالخيانة والنقض وعدم الوفاء ومن حق اللّه تعالى أن يوفي بعهده والذي باع حرا وأكل ثمنه جنى على حق اللّه تعالى فإن حقه في الحر إقامته لعبادته التي خلق الأنس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٢٧) و(٢٢٧٠)، وابن ماجة واللفظ له (٢٤٤٢)، وأبو يعلى (٦٥٧١)، وابن الجارود في المنتقى (٥٧٦)، وابن المنذر في الأوسط (٧٧٩٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٨٧٨) و(٣٠١٥)، وابن حبان (٧٣٣٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٦٣)، وضعيف الترغيب (١١٨٢) و(١١٩٣) و(١٧٧٧)، والإرواء (١٤٨٩/ ١).\n(^٢) فتاوى السبكى (١/ ٤٤٥).","vol":"8","page":481},{"text":"والجن لها قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^١) فمن (استرق) حرا فقد عطل عليه العبادات المختصة بالأحرار كالجمعة والحج والجهاد والصدقة وغيرها وكثيرا من النوافل المعارضة لخدمة السيد فقد ناقض حكمة اللّه تعالى في الوجوه ومقصودة من عباده فلذلك عظمت هذه الجريمة قال: فإن قلت إن كثيرًا من الأحرار يختارون بيع أنفسهم وأولادهم لملك من الملوك أو ذي جاءه ليحصل له بذلك من المرتبة والمنزلة والمال ما لا يحصل لكثير من الأحرار فكيف يعظم الإثم على من فعل ذلك وكذلك كثير من الأرقاء لا يختارون العتق ويضر بهم العتق في تحصيل المعيشة لأنه يكون مكتفيا بنفقة سيده فيصير بعد العتق كلا على الناس.\nفالجواب أن هذا السائل ناظر إلى المصالح الدنيوية والشارع ناظر إلى المصالح الأخروية وكم بينهما والحر يتفرغ لعبادة اللّه تعالى فالذي يرغب في الرق لتحصل له الرفعة في الدنيا والجاه والمال رغب في شيء يسير فإن ترك العبادة والإزدياد منها التي كلّ واحدة أي منها خير من الدنيا وما عليها وكذلك الرقيق الكاره للعتق إنما كرهه لجهله فإن رقه يفوت عليه مصالح الآخرة الكثيرة الباقية فكيف يرغب عنه لمصلحة قليلة والعتق يحصل له السعادة الأبدية ويتوكل في الرزق على اللّه تعالى فإن رزقه رزقا\n_________\n(^١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.","vol":"8","page":482},{"text":"رغدا حصلت له الدنيا والآخرة وإلا حصلت له الآخرة فهو على كلّ حال (إذا نظر إلى) الآخرة وهو مقصود الشارع ولكن غالب الجهلة ينظرون إلى الحظوظ الدنيوية والمتقون لا ينظرون لذلك قال: والرجل الذي استأجر أجيرا بمنزلة من استعبد الحر وعطله عن كثير من (نوافل) العبادات فشابه الذي باع حرا فأكل ثمنه فلذلك عظم ذنبه قال ابن بطال (^١): أعطي بي ثم غدر يريد نقض العهد الذي عاهد عليه اللّه.\nقوله: \"استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره\" داخل في معنى من باع حرا فأكل ثمنه لأن المسلمين أكفاء في الخدمة والذمة للمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه وأن ينصحه ولا يسلمه وليس في الظلم أعظم من أن يستعبده أو يعرضه إلى ذلك ومن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح اللّه وألزمه (حال) الذل والصغار فهو ذنب عظيم ينازع (اللّه به) في عباده قال ابن المنذر (^٢): وكل من لقيت من أهل العلم على أنه من باع حرا لا قطع عليه ويعاقب ويروى عن ابن عباس أنه قال: يرد البيع ويعاقبان وروي عن علي أنه تقطع يد البائع والصواب قول جماعة أنه ليس بسارق ولا يجوز قطع غير السارق.\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\n(^٢) الأوسط لابن المنذر (١٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣) وأسند قول ابن عباس (٩٠٦٢) وقول على (٩٠٦٣).","vol":"8","page":483},{"text":"قوله: وأكل ثمنه معناه انتفع به على أي وجه كان وذكر الأكل لأنه أخص المنافع (^١) كقوله: تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (^٢) أموال الناس بالباطل وقوله ﷾: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (^٣)، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (^٤) ا. هـ قاله في الديباجة.\nقوله: \"رجل أعطي بي ثم غدر\" أعطي به علي بناء الفاعل ومعنى أعطي بي أي أعطي الأمان باسمى أو بذكرى أو بما شرعته من ديني وذلك بان يقول للمستجير لك ذمة اللّه أو عهد اللّه ثم يغدر به بعد ذلك (^٥) ورجل باع حرا فأكل ثمنه تقدم معناه في قول السبكي ورجل استأجرا أجير فاستوفى منه ولم يعطه أجره الحديث إذا كان هذا في رجل استأجره فكيف بمن يأخذ الناس قهرا قاله في قمع النفوس (^٦).\n\n٢٨٩١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"أعْطوا الْأَجِير أجره قبل أَن يجِف عرقه\" رَوَاهُ ابْن مَاجَة من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم وَقد وثق قَالَ ابْن عدي أَحَادِيثه حسان وَهُوَ مِمَّن احتمله النَّاس وَصدقه\n_________\n(^١) فيض القدير (٣/ ٣١٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٤.\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٠.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.\n(^٥) الميسر (٢/ ٧١٠).\n(^٦) قمع النفوس (لوحة ٦١/ ب) لتقى الدين الحصنى.","vol":"8","page":484},{"text":"بَعضهم وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه انْتهى وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات ووهب بن سعيد بن عَطِيَّة السّلمِيّ اسْمه عبد الْوَهَّاب وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَغَيره (^١).\nقوله: وعن ابن عمر ﵄ تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه\" أي قبل أن ينشف عرقه الاستدلال به على صحة الإجارة كالاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٢) وموضع الاستدلال أنه أوجب الأجرة فإن كانت باتفاق منهما على الإرضاع فهو الإجارة وإلا فهو دليل على أن تلك المنفعة مقابلة بعوض سمي أجرا هذا مع ما في الإرضاع من الغرر واستدل المالكية بالآية على أن الأجرة إنما تستحق بتمام العمل وأجاب أصحابنا بأجوبة منها إن أرضعن معناه يرضعن كقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة﴾ (^٣) والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (^٤) وذلك لا يكون إلا بعد تمام الرضاع (^٥) ا. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٤٤٣)، وابن بشران في الأمالى (١٤٠٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٤٤)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٥٣٢). وصححه الألباني في المشكاة (٢٩٨٧) وصحيح الترغيب (١٨٧٧) الإرواء (١٤٩٨)، الروض النضير (١٩٣).\n(^٢) سورة الطلاق، الآية: ٦.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٢٩.\n(^٤) سورة الطلاق، الآية: ٦.\n(^٥) انظر الحاوى (٧/ ٣٩٧).","vol":"8","page":485},{"text":"قوله: من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقد وثق إلى آخر ما ذكره المنذري وقال في الديباجة: انفرد به ابن ماجة بإسناد ضعيف بسبب عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n\n٢٨٩٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أعْطوا الْأَجِير أجره قبل أَن يجِف عرقه رَوَاهُ أَبُو يعلى وَغَيره (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث جَابر (^٢) وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْمَتْن مَعَ غرابته يكْتَسب بِكَثْرَة طرقه قُوَّة وَاللّه أعلم.\nقوله: وروي عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه\" عن أبيه فإنه ضعيف وله أحاديث مناكر هذا منها ورواه البيهقي بالإسنادين في أحدهما إبراهيم بن مهدي وفيه كلام وفي السند الآخر محمد بن عمار المؤدب ذكره ابن عدي في كامله وذكر أحاديث هذا منها وكذا السندين من حديث أبي هريرة\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٦٦٨٢)، وابن المنذر في الأوسط (٨٤٧٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٠١٤)، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٢٣٥، وتمام في الفوائد (٤٤) و(١٤١٢)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ١/ ٢٦٥ وحلية الأولياء ٧/ ١٤٢، والبيهقي في الصغير (٢/ ٣٢٠ رقم ٢١٥٨) والكبرى (٦/ ١٩٦ رقم ١١٦٥٤) و(٦/ ٢٠٠ رقم ١١٦٥٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٤٣ رقم ٣٤)، وابن مردويه فيما انتقاه على الطبراني (١٠٣) والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٧٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧٩).","vol":"8","page":486},{"text":"عن النبي - ﷺ - قال: وأرجو أن يكون هذا الحديث مقاربا لدرجة الحسن ولفظ البيهقي أعط الأجير ولفظ ابن عدي وابن ماجة نصه الجمع ولفظ ابن عدي من حديث أبي هريرة مرفوعًا أعط السائل وإن جاء على فرس وأعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه وأعلمه أجره وهو في عمله ذكره في ترجمة عاصم بن سليمان العبدي الرازي.\nقوله: وروى عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه\" تقدم الكلام عليه.","vol":"8","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>[ترغيب المملوك وأداء حق اللّه تعالى وحق مواليه]</span>\n٢٨٩٣ - عَن ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِن العَبْد إِذا نصح لسَيِّده وَأحسن عبَادَة اللّه فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: عن ابن عمر ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة اللّه فله أجره مرتين\" فيه فضيلة ظاهرة للمملوك المصلح وهو القائم بعبادة ربه المتوجهة عليه والناصح لسيده القائم له بما يجب له عليه من الخدمة ونحوهما وإن له أجر لقيامه بالحقين ولانكساره بالرق (^٢) قال بعضهم: وليمس الأجران متساوين لأن طاعة الله أوجب، قلت: طاعة المخلوق والمأمور بها هي من طاعة اللّه ذلك كطاعة أولي الْأَمر وطاعة الزوج والمالك والوالد قال ابن عبد البر (^٣): فيه أن العبد المؤدي لحق اللّه تعالى وحق سيده أفضل من الحر ويعضد هذا ما روي عن المسيح ﵇ أنه قال مر الدنيا حلو الآخرة وحلو الدنيا مر الآخرة وللعبودية مضاضة ومرارة لا تضيع عند اللّه تعالى (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٨٠٩)، والبخارى (٢٥٤٦) وفى الأدب المفرد (٢٠٢)، ومسلم (٤٣ - ١٦٦٤)، وأبو داود (٥١٦٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٣) التمهيد (١٥/ ٢٣٧).\n(^٤) طرح التثريب (٦/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"8","page":488},{"text":"٢٨٩٤ - وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْمَمْلُوك الَّذِي يحسن عبَادَة ربه وَيُؤَدِّي إِلَى سَيّده الَّذِي عَلَيْهِ من الْحق والنصيحة وَالطَّاعَة لَهُ أَجْرَانِ رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي موسى الأشعري ﵁. أبو موسى اسمه عبد اللّه بن قيس تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"المملوك الذي يحسن عبادة ربه\" هو بضم أوله ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران الحديث يحسن عبادة ربه هو بضم أول يحسن وعبادة منصوب.\nقوله: \"له أجران\" لكون كلّ خصلة منهما يستحق عليها أجر وتقدم الكلام على معنى هذا الحديث في الحديث قبله.\n\n٢٨٩٥ - وَعنهُ ﵁. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة لَهُم أَجْرَانِ رجل من أهل الْكتاب آمن بِنَبِيِّهِ وآمن بِمُحَمد - ﷺ - وَالْعَبْد الْمَمْلُوك إِذا أدّى حق اللّه وَحقّ موَالِيه وَرجل كَانَت لَهُ أمة فأدبها فَأحْسن تأديبها وَعلمهَا فَأحْسن تعليمها ثمَّ أعْتقهَا فَتَزَوجهَا فَلهُ أَجْرَانِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَلَفظه قَالَ ثَلَاثة يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ عبد أدّى حق اللّه وَحقّ موَالِيه فَذَاك يُؤْتى أجره مرَّتَيْنِ وَرجل كَانَت عِنْده جَارِيَة وضيئة فأدبها فَأحْسن تأديبها ثمَّ أعْتقهَا ثمَّ تزَوجهَا يَبْتَغِي بذلك وَجه اللّه فَذَلِك يُؤْتى أجره مرَّتَيْنِ وَرجل آمن بِالْكتاب الأول ثمَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصحيح (٢٥٥١) والأدب المفرد (٢٠٤) و(٢٠٥)، والرويانى (٤٧٥)، والدارقطنى أربعون حديثًا من مسند بريد (٤٧).","vol":"8","page":489},{"text":"جَاءَ الْكتاب الآخر فآَمن بِهِ فَذَلِك يُؤْتى أجره مرَّتَيْنِ (^١) الوضيئة بِفَتْح الْوَاو وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة ممدودا هِيَ الْحَسَنة الجميلة النظيفة.\nقوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"ثلاثة لهم أجران\". الحديث رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - ﷺ -. قد جاء في الصحيح بدلا من نبيه آمن بعيسى وبموسى (^٢)، وفي رواية الترمذي ورجل آمن بالكتاب الأول (^٣) وفي الجملة اللام في الكتاب للعهد عن التوارة والإنجيل وأما عن الإنجيل قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ (^٤) إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (^٥) (^٦).\nقوله: ثم جاء الكتاب الآخر فآمن به فذلك يؤتى أجره مرتين أهل الكتاب واللّه أعلم هم الذين بقوا على ما بعث به نبيهم ﵇ ممن لم يبدله ولم يدخل فيه ما ليس منه وبقي على ما تعبده اللّه تعالى عليه ثم أدرك زمن نبينا محمد - ﷺ - فآمن به عند بلوغ الدعوة إليه فيستحق أجرين كذا في الميسر وذكر في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٧) و(٣٠١١) و(٥٠٨٣)، ومسلم (٢٤١ - ١٥٤)، وابن ماجة (١٩٥٦)، والترمذى (١١١٦)، وابن حبان (٢٢٧) و(٤٠٥٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٤٤٦).\n(^٣) سنن الترمذي (١١١٦).\n(^٤) سورة القصص، الآية: ٥٢.\n(^٥) سورة القصص، الآية: ٥٤.\n(^٦) القصص: ٥٢ - ٥٤، وانظر الكواكب الدرارى (٢/ ٨٨).","vol":"8","page":490},{"text":"شرح البيضاوي على المصابيح (^١): المراد بالكتابى النصراني تنصر قبل المبعث أو بلوغ الدعوة إليه وظهور المعجزة إليه ويهودي تهود قبل ذلك إذا لا ثواب لغيره على دينه فيضاعف باستحقاقه ثواب الإيمان به ويحتمل إجراؤه على عمومه إذا لا يبعد أن يكون طريان الإيمان به سببا لقبول تلك الأعمال والأديان وإن كانت منسوخة كما ورد في الحديث أن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم ذكره في شرح مشارق الأنوار (^٢) والثاني مملوك أدى حق اللّه وحق مواليه النسخ عبارة عن رفع الشارع - ﷺ - حكما منه متقدما بحكم منه متأخر هذا هو المختار في حده وقد قيل فيه غير ذلك (^٣) واللّه أعلم، والثاني مملوك وصفه بالمملوك لأن جميع الناس عباد إليه فأراد تمييزه بكونه مملوكا للناس (^٤).\nقوله: أدى حق اللّه أي مثل الصلاة والصوم (^٥).\nقوله: \"وحق مواليه\". مثل خدمته والموالي جمع المولى وهو مشترك المعتق والعتيق وابن العم والجار والحليف وكل من ولي أمر أحد والمراد هنا الأخير أي السيد إذا هو المتولي لأمر العبد والقرينة المعينة له لفظ العبد (^٦).\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٤٥).\n(^٢) حدائق الأزهار (مخ ٨٧٧٨١ كتبخانة / لوحة ١٨٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٣٥).\n(^٤) الكواكب الدرارى (٢/ ٨٨).\n(^٥) المفاتيح (١/ ٧٥).\n(^٦) الكواكب الدرارى (٢/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"8","page":491},{"text":"قوله: \"له أجران\" تقدم الكلام عليه، والثالث \"ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها\" وفي رواية الترمذي \"ورجل كانت عنده جارية وضيئة فأدبها فأحسن تأديبها\" والوضيئة بالمد الحسنة الجميلة قاله المنذري.\nقوله: (فله أجران) الظاهر أن الضمير راجع على الرجل الثالث ويحتمل أن يرجع إلى كلّ من الثلاث قال ابن بطال (^١): المراد بالأجرين في (قوله فله أجران) أجر العتق والتزوج وأجر التأديب والتعليم قاله الكرماني (^٢) وفي هذا الحديث فضيلة لمن آمن من أهل الكتاب بنبينا - ﷺ - وفيه فضيلة العبد المملوك القائم بحقوق اللّه تعالى وحقوق سيده وفضيلة من أعتق مملوكته وتزوجها وليس هذا من الرجوع في الصدقة في شيء بل هذا إحسان إليها بعد إحسان وقال القرطبي (^٣): في هذا الحديث دليل على أن من لم تبلغه دعوة رسول اللّه - ﷺ - ولا أمره لا عقاب عليه ولا مؤاخذة وهذا كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٤) ومن لم تبلغه دعوة الرسول ولا معجزته فكأنه لم يبعث إليه رسول وهذا الكتاب الذي يضاعف أجره هو الذي كان على الحق في شرعه معدا وفعلا ثم لم يزل متمسكا بذلك إلى أن\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري (١/ ١٧٣).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ٨٩ - ٩٥).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٤) سورة الإسراء، الآية: ١٥.","vol":"8","page":492},{"text":"جاء نبينا - ﷺ - فآمن به واتبع شريعته فهذا هو الذي يؤجر على اتباع الحق الأول والحق الثاني وأما من اعتقد الآلهية لغير اللّه تعالى كما تعتقده النصارى اليوم ولم يكن على حق في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه فإذا أسلم جب الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط ولم يكن له حق يؤجر عليه إلا الإسلام خاصة واللّه أعلم.\nقوله: \"فأدبها\" والأدب هو حسن الأحوال والأخلاق \"فأحسن تأديبها\" أي أدبها من غير عنف وضرب بل باللطف والرفق \"وعلمها\" أي من أحكام الشريعة ما يجب عليها \"فأحسن تعليمها\" أي علمها بالرفق والخلق فإن قلت أليس التأديب داخلا تحت التعليم قلت لا إذا التأديب يتعلق بالمروءات والتعليم بالشرعيات أي الأول عرفي والثاني شرعي والأول دنيوي والثاني ديني (^١).\nفائدة: واختلف العُلماء فيمن أعتق أمته على أن تتزوج به ويكون عتقها صداقها فقال الجمهور لا يلزمها أن تتزوج به ولا يصح هذا الشرط وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن وزفر قال: الشافعي فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت ولا يلزمها أن تتزوج به بل له عليها قيمتها لأنه لم يرض بعتقها مجانا فإن تزوجها استحقت عليه المهر وإن تزوجها على قيمتها التي استحقها عليها فإن كانت معلومة صح الصداق وإن كانت مجهولة فلا في الأصح وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة وأبو يوسف\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢/ ٨٩).","vol":"8","page":493},{"text":"وجماعة: ويجوز عتقها على أن تتزوج به ويكون عتقها صداقها ويلزمها ذلك (^١) ا. هـ واللّه أعلم.\n\n٢٨٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - للْعَبد الْمَمْلُوك المصلح أَجْرَانِ وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ لَوْلا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه وَالْحج وبر أُمِّي لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم.\nقوله: - ﷺ - \"للعبد المملوك المصلح أجران\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله: \"والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل اللّه والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك\" الحديث في هذا الحديث أن المملوك لا جهاد عليه ولاحج لأنه غير مستطيع وأراد ببر أمه القيام بمصلحتها في النفقة والمؤن والخدمة ونحو ذلك مما لا يمكن فعله من الرقيق قال: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها المراد حج التطوع لأنه حج حجة الإسلام زمن النبي - ﷺ - قدم بر الأم على حج التطوع دون حج الفرض (^٣) وسيأتي ذلك في بر الوالدين واللّه أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٤٥٢ (٩٣٤٧)، والبخارى (٢٥٤٨)، ومسلم (٤٤ - ١٦٦٥)، والبزار (٧٧٤٩)، وأبو عوانة (٦٥٢١ و٦٥٢٢)، والبيهقى في الكبرى (٨/ ٢١ رقم ١٥٨٠٩) والشعب (١١/ ٩٦ رقم ٨٢٣٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٣٦).","vol":"8","page":494},{"text":"فائدة: لا يقل أحدكم لمملوك عبدي وأمتي وليقل فتاى وفتاتي هذا على نفي الإستكبار عليهم وأن ينسب عبوديتهم إليه فإن المستحق لذلك اللّه تعالى هو رب العباد كلهم والعبيد قاله في النهاية (^١).\n\n٢٨٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ عبد أطَاع اللّه وأطاع موَالِيه أدخلهُ اللّه الْجنَّة قبل موَالِيه بسبعين خَرِيفًا فَيَقُول السَّيِّد رب هَذَا كَانَ عَبدِي فِي الدُّنْيَا قَالَ جازيته بِعَمَلِهِ وجازيتك بعملك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَقَالَ تفرد بِهِ يحيى بن عبد اللّه بن عبدويه الصفار عَن أَبِيه قَالَ الْحَافِظ لا يحضرني فيهمَا جرح وَلَا عَدَالَة (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس ﵄. تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"عبد أطاع اللّه وأطاع مواليه أدخله اللّه الجنة قبل مواليه بسبعين خريفا\" الخريف السنة وتقدم الكلام على ذلك في الصوم في سبيل اللّه.\n(قوله وقال أي الطبراني) تفرد به يحيى بن عبد اللّه بن عبدويه الصفار (قال المنذري: لا يحضرني فيه جرح ولا عدالة).\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٧٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ٢٨٨ رقم ١١٧٩)، والكبير (١٢/ ١٧٦ رقم ١٢٨٠٤)، وعنه أبو نعيم في المنتخب من حديث يونس بن عبيد (٣٠)، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد (١٦/ ٣٣٩) وابن فاخر في موجبات الجنة (٣٣٩). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وقال: تفرد به يحيى بن عبد اللّه بن عبدويه الصفار، عن أبيه، قلت: ولم أجد من ذكر يحيى، وأبوه ذكره الخطيب، ولم يجرحه، ولم يوثقه، وبقية رجاله حديثهم حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٨٣) وضعيف الجامع (٣٦٧٤) الروض النضير برقم (٤٢٩).","vol":"8","page":495},{"text":"٢٨٩٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن عبدا دخل الْجنَّة فَرَأى عَبده فَوق دَرَجَته فَقَالَ يَا رب هَذَا عَبدِي فَوق درجتي قَالَ نعم جزيته بِعَمَلِهِ وجزيتك بعملك رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وروى عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن عبدا دخل الجنة فرأى عبده فوق درجته\" الحديث قال سفيان بن عيينة (^٢): ويقال أشد الناس حسرة يوم القيامة رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عملا منه ورجل له مال فلم يتصدق منه فمات فورثه غيره فتصدق منه ورجل عالم لم ينتفع بعلمه معلم غيره فانتفع به قاله في الديباجة وقال بعض السادة: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة رجل ملك عبدا فعلمه شرائع الإسلام فأطاع وأحسن وعصى السيد وأساء فإذا كان يوم القيامة أمر بالعبد إلى الجنة وأمر بالسيد إلى النار فيقول عند ذلك واحسرتاه واغيبتاه أما هذا عبدي ما\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٤٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٣١ رقم ٧٣٥٦)، وابن عدى في الكامل (٢/ ١٧٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٦٣٤). قال العقيلي: هذه الأحاديث غير محفوظة ولا يتابع بشير عليها. وقال ابن عدى: وأبو صيفي هذا قد روى عن سعيد المقبري أيضًا أحاديث غير محفوظة وعامة ما يرويه غير محفوظ.\nروى عن مجاهد وعكرمة وعطاء وغيرهم أحاديث يرويها عنهم لا يتابعه أحد عليه، وهو ضعيف كما ذكره أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بشير بن ميمون، وهو متروك. وضعفه جدًّا الألباني في الضعيفة (١٧٦٧)، وضعيف الجامع (١٨٥٨)، وضعيف الترغيب (١١٨٤).\n(^٢) أسنده ابن منده في مجالس من أماليه (ص ١٠٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٨٨) من طريق إبراهيم بن الأشعث عن سفيان بن عيينة.","vol":"8","page":496},{"text":"كنت مالك رقبته أما كنت متحكما في بدنه ومهجته قادرا على جميع أعماله فماله سعد وشقيت فناديه الملك الموكل به لأنه تأدب وما تأدبت وأحسن وأساأت ورجل كسب مالا فعصى اللّه تعالى في جمعه ومنعه ولم يقدمه بين يديه حتى إذا صار إلى وارثه فأحسن في انفاقه وأطاع اللّه تعالى في إخراجه وقدمه بين يديه حتى فإذا كان يوم القيامة أمر بالوراث إلى الجنة وأمر بصاحب المال إلى النار فيقول واحسرتاه واغبناه أم هذا مالي ما حسنت به أعمالي وأحوالي فيناديه الملك الموكل به لأنه أطاع اللّه ﷾ وما أطعت وأنفق لوجهه وما أنفقت فسعد وشقيت (^١) ا. هـ.\n\n٢٨٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَيْضًا أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ عرض عَليّ أول ثَلَاثة يدْخلُونَ الْجنَّة شَهِيد وعفيف متعفف وَعبد أحسن عبَادَة اللّه ونصح لمواليه رَوَاهُ الترمِذِيّ وَحسنه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) التذكرة للقرطبي (ص ٨٩٣) والمجالس الوعظية للسفيرى (٢/ ١٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٤٦)، والطيالسى (٢٦٩٠)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٥ (١٩٣٣٦) و٤/ ٢٣٠ (١٩٥٥٦)، وأحمد ٢/ ٤٢٥ (٩٦٢٣) و٢/ ٤٧٩ (١٠٣٤٦)، والترمذى (١٦٤٢)، وابن خزيمة (٢٢٤٩)، وابن حبان (٤٣١٢) و(٤٦٥٦) و(٧٢٤٨)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٥٨٠)، والدارقطنى في العلل (٩/ ٢٧١)، والحاكم ١/ ٣٨٧، وأبو نعيم في صفة الجنة (٨٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقال الحاكم: عامر بن شبيب العقيلي شيخ من أهل المدينة مستقيم الحديث، وهذا أصل في هذا الباب تفرد به عنه يحيى بن أبي كثير، ولم يخرجاه، وشاهده حديث الأعمش، عن عبد الله بن مرة. وقال الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع (٣٧٠٢)، المشكاة (٣٨٣٢)، ضعيف الترغيب (٤٦٤) و(١١٨٥) و(١٢٢١).","vol":"8","page":497},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة شهيد\".\nقوله: \"وعفيف متعفف\" (معناه عفيف عما لا يحل متعفف عن السؤال) الاستعفاف الصبر قيل ومن يستعف أي ومن طلب العفة من اللّه رزقه اللّه العفة (وهي) حفظ النفس عن المناهي أي من قنع بأدنى قوت وترك السؤال يسهل اللّه القناعة عليه (^١) ا. هـ.\nقوله: \"وعبد أحسن عبادة اللّه ونصح لمواليه\" ومعنى النصيحة للسيد إرادة الخير لسيده وامتثل أمره وأحسن طاعة ربه (^٢).\n\n٢٩٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَيْضًا أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ نعما لأحدكم أَن يُطِيع اللّه ﷿ وَيُؤَدِّي حق سَيّده يَعْني الْمَمْلُوك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"نعما لأحدكم أن يطيع اللّه ﷿ ويؤدي حق سيده يعني المملوك\" الحديث نعما أصله ما فأدغم وما بمعنى شيء كأنه قال نعم شيئًا ونعم كلمة مدح تجمع المحاسن كلها كما أن بئس ذم تجمع المساويء كلها (^٤).\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٥١٧).\n(^٢) المفاتيح (٤/ ١٤٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٤٩)، ومسلم (٤٦ - ١٦٦٧)، والترمذى (١٩٨٥).\n(^٤) أعلام الحديث (٢/ ٩٨٤).","vol":"8","page":498},{"text":"وقوله: لأحدهم أي لأحد المماليك ونعما فيها ثلاث لغات قرئ بهن في السبع إحداها كسر النون مع إسكان العين ويسمى عند القراء الاختلاس وهي قراءة أبي عمرو البصري ومن وافقه، والثانية فتح النون مع كسر العين والميم المشددة في جميع ذلك أي نعم شيء هو ومعناه نعم ما هو فأدغمت الميم في الميم (^١) قال القاضي عياض (^٢): ورواه العذري نعما بالنون منونا وهو صحيح أي له مسرة وقرة عين يقال نعما له ونعمة له.\nقوله: رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\nفائدة: الحديث الحسن قال الإمام أبو سليمان الخطابي (^٣): ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله العُلماء ويستعمله عامة الفقهاء وروينا عن أبي عيسى الترمذي في كتاب العلل أنه يريد بالحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون حديثًا شاذا ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حسن قال بعض المحدّثين: وهذا يشكل عليه بما يقال: فيه أنه حسن مع أنه ليس له مخرج إلا من وجه واحد والله أعلم.\n\n٢٩٠١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة على كثْبَان الْمسك أرَاهُ قَالَ يَوْم الْقِيَامَة عبد أدّى حق اللّه وَحقّ موَالِيه وَرجل أم قوما وهم\n_________\n(^١) طرح التثريب (٦/ ٢٢٥).\n(^٢) إكمال المعلم (٥/ ٤٣٨) وطرح التثريب (٦/ ٢٢٥).\n(^٣) معالم السنن (١/ ٦).","vol":"8","page":499},{"text":"بِهِ راضون وَرجل يُنَادي بالصلوات الْخمس فِي كلّ يَوْم وَلَيْلَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة لَا يهولهم الْفَزع الْأَكْبَر وَلَا ينالهم الْحساب هم على كثيب من مسك حَتَّى يفرغ من حِسَاب الْخَلائق رجل قَرَأَ الْقُرْآن ابْتِغَاء وَجه اللّه وَأم بِهِ قوما وهم بِهِ راضون وداع يَدْعُو إِلَى الصَّلاة ابْتِغَاء وَجه اللّه وَعبد أحسن فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَفِيمَا بَينه وَبَين موَالِيه وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره ومملوك لم يمنعهُ رق الدُّنْيَا من طَاعَة ربه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٦ (٤٨٩١) ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٣/ ٩٧/ رقم ١٣٧٤٠)، والترمذى (١٩٨٦) و(٢٥٦٦) والعلل الكبير (٥٨٦) و(١/ ٣٣٧) والفاكهي في أخبار مكة (١٣٢١) وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٠)، والبيهقى في الشعب (٤/ ٤٥١ - ٤٥٢ رقم ٢٧٩٩).\nقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٨): رواه الترمذي باختصار، وقد رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه عبد الصمد بن عبد العزيز المقرئ ذكره ابن حبان في الثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦١) و(٢٥٥) و(١١٨٦)، والمشكاة (٦٦٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١١٣ رقم ٩٢٨٠) والصغير (٢/ ٢٥٠ رقم ١١١٦) والكبير (١٢/ ٤٣٣ رقم ١٣٥٨٤)، وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣١١) ووقع عنده عن عبد اللّه بن مسعود، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١٨). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢٧): قلت: رواه الترمذي بغير سياقه. رواه الطبراني في الكبير، وفيه بحر بن كنيز السقاء وهو ضعيف. وقال في (١/ ٣٢٨): رواه الترمذي باختصار، وقد رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه عبد الصمد بن عبد العزيز المقرئ ذكره ابن حبان في الثقات.\nوضعفه اللبانى في الضعيفة (٦٨١٢) وضعيف الترغيب (١٦١) و(٢٥٥) و(٨٦٣) و(١١٨٦) وضعيف الجامع (٢٥٧٨).","vol":"8","page":500},{"text":"قوله: ابن عمر ﵄. تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"ثلاثة على كثبان المسك\" أراه قال: يوم القيامة أراه بضم الهمزة معناه أظنه وكثبان المسك جمع كثيب وهو ما اجتمع (من الرمل وارتفع).\nقوله: \"عبد أدى حق اللّه وحق مواليه\". تقدم الكلام عليه في الباب.\nقوله: \"ورجل أم قوما وهم به راضون\". تقدم أيضًا في الإمامة.\nقوله: \"ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كلّ يوم وليلة\" المؤذن وتقدم الكلام عليه في الأذان.\nقوله: رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب.\nفائدة: الحديث الغريب ما انفرد به أو ببعضه رجل عمن يجمع حديثه كالزهري وينقسم إلى غريب متنا أو إسنادا وإلى غريب إسنادا وإلى غريب متنا ذكره في التنقيح (^١).\nقوله: ورواه الطبراني في الأوسط وقال فيه والصغير ولفظه: قال رسول الله - ﷺ - ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب تقدم الكلام عليه.\n\n٢٩٠٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أول سَابق إِلَى الْجنَّة مَمْلُوك أطَاع اللّه وأطاع موَالِيه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n_________\n(^١) كشف المناهج والتناقيح (١/ ٥٨).\n(^٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٤٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٣١ رقم ٧٣٥٧)، وابن عدى: ٢/ ١٧٩). قال العقيلي: هذه الأحاديث غير محفوظة ولا يتابع بشير عليها. =","vol":"8","page":501},{"text":"قوله: - ﷺ - \"أول سابق إلى الجنة مملوك أطاع اللّه وأطاع مواليه\" جمع (مولى وجمَعه لأنَّ المراد بالعبد جنس العبد، حتى يُوزِّع لكلِّ عبدٍ مولي، وأيضًا فلدُخول ما لو كان العبد مُشتركًا بين موالي).\n\n٢٩٠٣ - وَعَن أبي بكر الصّديق ﵁ عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لا يدْخل الْجنَّة بخيل وَلَا خب وَلَا خائن سيئ الملكة وَأول من يقرع بَاب الْجنَّة المملوكون إِذا أَحْسنُوا فِيمَا بَينهم وَبَين اللّه ﷿ وَفِيمَا بَينهم وَبَين مواليهم رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن وَبَعضه عِنْد التِّرْمِذِيّ وَغَيره (^١).\nالخب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وتكسر وبتشديد الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ الخداع المكار الْخَبيث.\nقوله: وعن أبي بكر الصديق ﵁ تقدم الكلام عليه ﵁ قوله: - ﷺ - \"لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن سئ الملكة\" وفي رواية \"لا يدخل الجنة خب ولا منان\" المنّان هو الذي يعظمها ويبطلها بالمن والآذى وقيل المنّان المطفف من المن وهو النقص.\n_________\n= قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: بشير بن ميمون أبو صيفي، وهو متروك. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٨٧): ضعيف جدًّا.\n(^١) أخرجه الطيالسي (٨)، وأحمد ١/ ٤ (١٤) و١/ ٧ (٣٢) و(٣٣)، وابن ماجة (٣٦٩١)، والترمذى (١٩٤٦) و(١٩٦٣)، والمروزي (٩٨)، وأبو يعلى (٩٣) و(٩٥)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٣٤٧ و٣٤٨) و(٦٧٥ و٦٧٦)، وابن عدى في الكامل (٥/ ١٢٠) و(٧/ ١٤١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٥١) و(١١٨٨) وضعيف الجامع (٦٣٣٩).","vol":"8","page":502},{"text":"قوله: \"لا يدخل الجنة\" يؤول وفيه جوابان للعلماء كغيره كما تقدم في هذا التعليق والبخيل هو من بخل بحقوق اللّه تعالى في ماله والخب ضبطه الحافظ هو الخداع المكار الخبيث كذا قاله المنذري وسيء الملكة هو الذي يسيء إلى مماليكه وخدمه.","vol":"8","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>[ترهيب العبد من الإباق من سيده]</span>\n٢٩٠٤ - عَن جرير ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَيّمَا عبد أبق فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: عن جرير ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة\" الذمة قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى والذمة هنا يجوز أن تكون هي الذمة المفسرة بالذمام وهو الحرمة ويجوز أن تكون من قبيل ما جاء في قوله ذمة الله وذمة رسوله أي ضمانه وأمانته ورعايته ومن ذلك أن العبد الأبق كان مصونا عن عقوبة السيد له وحسه فزال ذلك بإباقه (^٢) والله أعلم.\n\n٢٩٠٥ - وَعنة ﵁ عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ إِذا أبق العَبْد لم تقبل لَهُ صَلاة وَفِي رِوَايَة فقد كفر حَتَّى يرجع إِلَيْهِم رَوَاهُ مُسلم (^٣).\nقوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي (٨٠٧)، وأحمد ٤/ ٣٥٧ (١٩٤٦٢) و٤/ ٣٦٢ (١٩٥٤٩)، ومسلم (١٢٣ - ٦٩)، وأبو عوانة (١٤٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٦٥ (١٩٥٥٠)، ومسلم (٦٨ - ١٥٢) و(١٢٤ - ٧٠)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٥١٨ (٤٠٨٥) و٦/ ٥٢٠ (٤٨٦٠) والكبرى (٣٤٠٧)، وابن خزيمة (٩٤١)، وأبو عوانة (١٣٨ و١٣٩)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٦٩٧) و(٦٩٩) وأبو نعيم في المستخرج (٢٢٧ و٢٢٨).","vol":"8","page":504},{"text":"قوله: - ﷺ - قال \"إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة\"، وفي رواية \"فقد كفر حتى يرجع إليهم\".\nأما قوله - ﷺ -: \"إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة\" فقد تأوله الإمام المازري وتابعه القاضي عياض ﵀ على أن ذلك محمول على المستحل للأباق فيكفر ولا تقبل له صلاة ولا غيرها ونبه بالصلاة على غيرها وأنكر ذلك الشيخ أبو عمرو هذا وقال: بل ذلك جار في غير المستحيل ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة فعدم قبوله لهذا الحديث وذلك لاقترانها بمعصية وأما صحتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحتها ولا تناقض في ذلك ويظهر أنها عدم القبول في سقوط الثواب وأثر الصحة في سقوط القضاء وفي أنه لا يعاقب عقوبة تارك الصلاة هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو وهو ظاهر لا شك في حسنه (^١) قال النووي (^٢): وقد قال جماهير أصحابنا: أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لا ثواب فيها قال النووي: وقد رأيتُ في فتاوى أبي نصر بن الصباغ من أصحابنا أن الصلاة في الدار المغصوبة يسقط بها الفرض ولا ثواب فيها قال: فذكر شيخنا الكامل أنه ينبغي أن تصح ويحصل الثواب على الفعل فيكون مثابا على فعله عاصيا في المقام بالمغصوب فإذا لم نمنع من صحتها لم نمنع من حصول الثواب قال أبو منصور: هذا هو القياس على طريق من\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"8","page":505},{"text":"صححهما واللّه أعلم ذكره العراقي في شرح الأحكام (^١) وأما تسميته كافرا فإن كان العبد الآبق مستحلا للإباق فقد كفر حقيقة وإلا فقد كفر نعمة المولى وقيل أبق على ديار الكفر وارتد فقد برئت منه الذمة أي عهد الإسلام فيجوز قتله وإن أبق إلى بلاد الإسلام لا على نية الارتداد لا يجوز قتله بل قوله برئت منه الذمة معناه التهديد والمبالغة في جواز ضربه (^٢) وقال بعضهم أيضًا: فقد كفر حتى يرجع إليهم أراد بذلك إذا لحق بأرض العدو و(صار محاربا) للإسلام زالت عنه الذمة واستحق القتل وفيه وجه آخر وهو أن طاعة السيد فرض على العبد فإذا استحل معصيته وعاند حكم اللّه تعالى واستجاز (خلاف حكمه) برئت منه الذمة وكان عناده لحكم اللّه تعالى الثابت فيه كفر أو الحكم في الجميع فيه الاستحلال فأما مجرد الذنب فلا يكفر به العبد.\nقوله: \"فقد كفر\" أي ستر نعمة السيد حتى يرجع إلى السيد (^٣) وفيه الأوجه المذكورة في ترك الصلاة.\n\n٢٩٠٦ - وَعَن جَابر بن عبد اللّه ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة لَا يقبل اللّه لَهُم صَلَاة وَلَا تصعد لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنه السَّكْرَان حَتَّى يصحو وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا وَالْعَبْد الآبِق حَتَّى يرجع فَيَضَع يَده فِي يَد موَالِيه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن\n_________\n(^١) لم أجده في طرح التثريب وانظر المصدر السابق.\n(^٢) المفاتيح (٤/ ١٤١)، وشرح المشكاة (٧/ ٢٣٨٠).\n(^٣) المفاتيح (٤/ ١٤١).","vol":"8","page":506},{"text":"خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا من رِوَايَة زُهَيْر بن مُحَمَّد (^١).\nقوله: وعن جابر بن عبد اللّه ﵄ تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ثلاثة لا يقبل اللّه لهم صلاة\" فذكرهم إلى أن قال: \"والعبد الآبق حتى يرجع\" الحديث انتفاء القبول ورد في أحاديث كثيرة مع ثبوت الصحة كالعبد الآبق وأنه لا يقبل اللّه له صلاة وكشارب الخمر وكما ورد فيمن أتى عرافا لا تقبل لهم صلاة أربعين يومًا وشبه ذلك والذي ينبغي أن يقال أنه لا (يلزم من) نفى القبول نفى الصحة فهؤلاء إنما لم تقبل صلاتهم للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم لاجتماع الشروط والأركان فيها فقوله لم تقبل له صلاة محمول على المستحل للإباق وقال القاضي عياض (^٢): فيه معنى خفي وهو أنه ذكر الصلاة لأنه منهي عن البقاء في المكان الذي صلى فيه لكونه مأمور بالرجوع إلى سيده فصارت في بقعة منهى عن المقام بها تضارع الصلاة في الدار المغصوبة ا. هـ واللّه أعلم.\nقوله: من رواية عبد اللّه بن محمد بن عقيل واللفظ له وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من رواية زهير بن محمد (التميمي المروزى ثقة يغرب\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (٩٤٠)، وابن حبان (٥٣٥٥)، والطبراني في الأوسط (٩/ ٩٥ - ٩٦ رقم ٩٢٣١)، وابن عدى في الكامل (٤/ ١٨٠)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٥٧٣ رقم ١٨٣٠) والشعب (٧/ ٤٠٩ - ٤١٠ رقم ٥٢٠٢) و(١١/ ٩٤ - ٩٥ رقم ٨٢٣٧) و(١١/ ١٦٩ رقم ٨٣٥٣). قَالَ أبو حاتم في العلل (٤٩٦): هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ. وقال البيهقى: تفرد به زهير. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٧٥) وشعيف الترغيب (١١٨٩) و(١٤٢٠).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٣٢٨).","vol":"8","page":507},{"text":"وثقه أحمد وابن مَعين واحتج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وقال النسائي: ليس بالقوي وضعفه ابن مَعين في رواية، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سوء وحديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق).\n\n٢٩٠٧ - وَعَن فضَالة بن عبيد ﵁ عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ثَلَاثة لا تسْأَل عَنْهُم رجال فَارق الْجَمَاعَة وَعصى إِمَامه وَعبد أبق من سَيّده فَمَاتَ مَاتَ عَاصِيا وَامْرَأَة غَابَ عَنْهَا زَوجهَا وَقد كفاها مؤونة الدُّنْيَا فخانته بعده وَثَلَاثة لا تسْأَل عَنْهُم رجل نَازع اللّه ﷿ رِدَاءَهُ فَإِن رِدَاءَهُ الْكبر وَإِزَاره الْعِزّ وَرجل فِي شكّ من أَمر اللّه والقانط من رَحْمَة اللّه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وروى الطَّبَرَانيّ وَالْحَاكِم شطره الأول وَعند الْحَاكِم فتبرجت بعده بدل فخانته وَقَالَ في حَدِيثه وَأمة أَو عبد أبق من سَيّده وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلَا أعلم لَهُ عِلّة (^١).\nقوله: وعن فضالة بن عبيد (^٢) ﵁ (هو أبو محمد فضالة بن عبيد بن نافذ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ١٩ (٢٤٥٧٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٩٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٩) و(٩٠٠) و(١٠٦٠)، والبزار في مسنده (٣٧٤٩)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٨٥)، وابن حبان (٤٥٥٩)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٣٠٦ - ٣٠٧ (٧٨٨) و(٧٨٩) و(٧٩٠)، والحاكم ١/ ١١٩. وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي.\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٥: رواه البزار والطبراني في الكبير، فجعلهما حديثين، ورجاله ثقات. وقال في ٥/ ٢٢١: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٤٢) وجلباب المرأة (ص ١١٩)، وصحيح الترغيب (١٨٨٧)، وصحيح الجامع (٣٠٥٨).\n(^٢) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ٢٠٨٠، وأسد الغابة ٤/ ٢٩٢٨، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٤٩٠، وتهذيب الكمال ٢٣/ ٤٧٢٦، والإصابة ٥/ ٧٠٠٧.","vol":"8","page":508},{"text":"بالمعجمة، ابن قيس بن صهيب بن الأحرم بن جحجبا، بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء موحّدة، ابن لفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى العمرى. أول مشاهده أُحُد، شهدها وما بعدها من المشاهد، ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر. وسكن دمشق، وولى قضاءها لمعاوية، وأمره على غزو الروم في البحر، رُوى له عن رسول الله - ﷺ - خمسون حديثًا، روى مسلم منها حديثين، روى عنه ثمامة بن سعد، وعلي بن رباح، بضم العين، وقيل: بفتحها، وحنش الصنعاني، وسلمة بن صالح، وعمرو بن مالك، وعبد الله بن محيرز، وآخرون. توفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة تسع وستين، والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه: أَعِنِّي يا بني، فإنك لا تحمل بعده مثله. وتوفى معاوية سنة ستين، وكان لفضالة عقب بدمشق).\nقوله: - ﷺ - قال \"ثلاثة لا تسأل عنهم رجل فارق الجماعة\". المراد بالجماعة (هو) ما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - بعدهم وما أجمع عليه العُلماء فمن فارقهم فقد فارق الجماعة.\n\n٢٩٠٨ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"اثْنَان لا تجَاوز صلاتهما رؤوسهما عبد أبق من موَالِيه حَتَّى يرجع وَامْرَأَة عَصَتْ زَوجهَا حَتَّى ترجع. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير بِإِسْنَاد جيد وَالْحَاكِم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٦٧ رقم ٣٦٢٨) والصغير (١/ ٢٨٩ رقم ٤٧٨)، والحاكم ٤/ ١٧٣. قال الطبراني: لم يروه، عن إبراهيم بن مهاجر، إلا عمر بن عبيد، ولا =","vol":"8","page":509},{"text":"قوله: وعن ابن عمر ﵄ تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما عبد أبق من مواليه حتى يرجع وامرأة عصت زوجها حتى ترجع\".\n\n٢٩٠٩ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة لا تجَاوز صلاتهم آذانهم العَبْد الآبِق حَتَّى يرجع وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَإِمَام قوم وهم لَهُ كَارِهُون رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة ﵁ تقدمت ترجمته.\nقوله: \"ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم\" تقدم الكلام عليه في الإمامة.\n_________\n= رواه، عن عمر بن عبيد، إلا إبراهيم بن أبي الوزير، تفرد به: ابن أبي صفوان. قال الدَّارقُطْنِي في العلل (٢٩٢١): يَرْوِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فرواه عمر بن عبيد الطنافسي، واختلف عنه؛ فرواه إبراهيم بن أبي الوزير، عن عمر بن عبيد، عن إبراهيم بن مهاجر، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَخَالَفَهُ خَلَّادُ بْنُ أسلم، رواه عن عمر بن عبيد بهذا الإسناد، موقوفًا.\nوكذلك رواه شريك بن عبد الله، وعمار بن رزيق، عن إبراهيم بن مهاجر، مَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّوَابُ. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٣: رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، ورجاله ثقات. وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٨) وصحيح الترغيب (١٨٨٨) و(١٩٤٨).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٥٨ (٤١١٣) و٣/ ٥٥٨ (١٧١٣٨)، والترمذى (٣٦٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٤ رقم ٨٠٩٠) و(٨/ ٢٨٦ رقم ٨٠٩٨)، والبيهقى في معرفة السنن (٤/ ٣٢٧ رقم ٥٩٦٣). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.\nوحسنه الألباني في المشكاة (١١٢٢)، وصحيح الترغيب (٤٨٧) و(١٨٨٩) وصحيح الجامع (٣٠٥٧).","vol":"8","page":510},{"text":"٢٩١٠ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَيّمَا عبد مَاتَ فِي إباقه دخل النَّار وَإِن قتل فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة عبد اللّه بن مُحَمَّد بن عقيل وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن جابر ﵁ هو ابن عبد اللّه تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - أيما عبد مات في إباقته دخل النار وإن قتل في سبيل اللّه\" الأبق هو الذي هرب من مواليه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٩٦ رقم ٩٢٣٢)، والبيهقى في الشعب (١١/ ٩٤ رقم ٨٢٣٦). قال الطبراني: لم يرو هذين الحديثين عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل إلا زهير بن محمد، تفرد بهما الوليد، ولا يرويان عن جابر إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٤٢٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد اللّه بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٩٠).","vol":"8","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>[الترغيب في العتق والترهيب من اعتباد الحر أو بيعه]</span>\n٢٩١١ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَيّمَا رجل أعتق امْرأ مُسلما استنقذ اللّه بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار قَالَ سعيد بن مرْجَانَة فَانْطَلَقت بِهِ إِلَى عَليّ بن الْحُسَيْن فَعمد عَليّ بن الْحُسَيْن إِلَى عبد لَهُ قد أعطَاهُ عبد اللّه بن جَعْفَر فِيهِ عشرَة آلاف دِرْهَم أَو ألف دِينَار فَأعْتقهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا، وَفِي رِوَايَة لَهما وللترمذي قَالَ النَّبِيّ - ﷺ - من أعتق رَقَبَة مسلمة أعتق اللّه بِكُل عُضْو مِنهُ عضوا مِنْهُ من النَّار حَتّى درجه بفرجه (^١).\nعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"أيما رجل أعتق امرأ مسلما استنقذ اللّه بكل عضو منه عضوا منه من النار\" الحديث والعتق بكسر العين وفتحها حكاه في المحكم (^٢) قال أهل اللغة: العتق الحرية قال الأزهري: هو مشتق من قولهم عتق الفرس إذا سبق ونجى وعتق الفرخ طار واستقل لأن العبد يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء (^٣) وفي هذا الحديث بيان فضل العتق وأنه من أفضل الأعمال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥١٧) و(٦٧١٥)، ومسلم (٢٣ و٢٤ - ١٥٠٩)، والترمذى (١٥٤١)، والنسائي في الكبرى (٤٨٥٤) و(٤٨٥٥) و(٤٨٥٦)، وأبو عوانة في المستخرج (٥٢٦٢) و(٥٢٦٣)، والطحاوى في مشكل الآثار (٧٢٠)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٤٥٩ رقم ٢١٣٠٦ و٢١٣١٠) والشعب (٦/ ١٨٠ - ١٨١ رقم ٤٠٢٩) عن أبي هريرة.\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٢٤٣) للنووى.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٣٥).","vol":"8","page":512},{"text":"وأنه سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومما يحصل به العتق من النار ودخول الجنة وفيه استحباب عتق كامل الأعضاء ولا يكون خصيا ولا فاقد غيره من الأعضاء وفي الخصي وغيره أيضًا الفضل العظيم إلا أن الكامل أولى وأفضله أعلاه ثمنا وأنفسه (^١) روى أغلاه بالغين المعجمة والعين المهملة والمعنى متقارب (^٢).\nقوله: وزاد فيه \"وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة\". الحديث يستحب للمعتق أن لا يعتق خصيا لينال الموعود في الحديث (^٣) ولهذا استحبوا أن يعتق الرجل العبد والمرأة الأمة تحقيقا للمقابلة وفي رواية \"من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل أرب منها أربا منه من النار\" (^٤) وفيه ما يدلّ على أن هذا الفضل العظيم إنما هو في عتق المؤمن ولا خلاف في جواز عتق الكافر تطوعا فلو كان الكافر أغلى ثمنا روى عن مالك أنه أفضل من المؤمن قليل الثمن تمسكا بحديث أبي ذر وخالفه في ذلك أهل العلم وهو الأصح قاله في الإكمال والمفهم (^٥) الإرب بكسر الهمزة وإسكان الراء هو العضو\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥١).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١١/ ٧٦).\n(^٣) قاله الخطابى في معالم السنن (٤/ ٨١).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٤٢٢ (٩٤٥٥) و٢/ ٤٢٩ (٩٥٣٦) و٢/ ٤٣١ (٩٥٥٨) و٢/ ٤٤٧ (٩٧٧٢) و٢/ ٥٢٥ (١٠٨١٤)، ومسلم (٢١ - ١٥٠٩)، والنسائي في الكبرى (٤٨٥٥)، وابن الجارود في المنتقى (٩٦٨)، وأبو عوانة (٥٢٦٥) و(٥٢٦٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (٧١٩).\n(^٥) إكمال المعلم (٢/ ٤٦٦) و(٥/ ١٢٣) والمفهم (١٤/ ٥).","vol":"8","page":513},{"text":"بضم العين وكسرها.\nتنبيه: قوله: - ﷺ - في رواية الترمذي وغيره \"من أعتق رقبة مسلمة\" الحديث قال الأزهري (^١): وإنما قيل أعتق نسمة أنه أعتق رقبة وفك رقبة فخصت الرقبة دون سائر الأعضاء مع العتق يتناول الجميع لأن حكم السيد عليه وملكه كحبل في رقبة العبد وكالغل المانع له من الخروج فإذا أعتق فكأنه أطلقت رقبته من ذلك واللّه أعلم.\n\n٢٩١٢ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁: وَغَيره من أَصْحَاب النَّبِيّ - ﷺ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أَيّمَا امرئ مُسلم أعتق امْرأ مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار يَجْزِي كلّ عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ وَأَيّمَا امرئ مُسلم أعتق امْرَأتينِ مسلمتين كَانَتَا فكاكه من النَّار يَجْزِي كلّ عُضْو مِنْهُمَا عضوا مِنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَة من حَدِيث كعْب بن مرّة أَو مرّة بن كعْب وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ من حَدِيث كعْب بن مرّة السّلمِيّ وَزَاد فِيهِ وَأَيّمَا امْرَأَة مسلمة أعتقت امْرَأَة مسلمة كَانَت فكاكها من النَّار يَجْزِي كلّ عُضْو من أعضائها عضوا من أعضائها (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٣٥) ونقله عن الأزهري، وهو قول ابن قتيبة كما في غريب الحديث (١/ ٢٢٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٥٤٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨ رقم ٢٤٨٢).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٩١) والصحيحة (٢٦١١).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٢٩٤)، وابن أبي شيبة في المسند (٦١٤) والمصنف ٣/ ١١٨ (١٢٦٣٢)، وأحمد ٤/ ٢٣٥ (١٨٣٤٤) و(١٨٣٤٦) و(١٨٣٤٩)، وابن ماجة (٢٥٢٢)، =","vol":"8","page":514},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة ﵁ تقدمت ترجمته.\nقوله: - ﷺ - عن النبي - ﷺ - قال \"أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار\" الحديث هذا الحديث دليل على أن عتق العبد أفضل من عتق الأمة ومقتضاه أن الذكر أفضل وأن الأنثى بنصف أجره وفي الرِّواية الأخرى حتى الفرج بالفرج أن الذكر ينبغي أن يعتق الذكر والأنثى تعتق الأنثى لتأنيث الفرجين وليس بشيء لأن الفرج يطلق على الذكر كما يطلق على الآخر ففيه إشارة إلى غفران الكبائر المتعلقة (بأعضائها) كلها لأن الفرج يتعلق بالزنى ونحوه قال القاضي عياض: واختلف العُلماء على أنهما أفضل عتق الإناث أم الذكور فقال: بعضهم الإناث أفضل لأنها إذا أعتقت كان ولدها حرا سواء تزوجها حر أو عبد وقال آخرون: عتق الذكور أفضل لهذا الحديث ولما في الذكور من المعاني العامة المنفعة التي لا توجد في الإناث من الشهادة والقضاء والجهاد وغير ذلك مما يختص بالرجال أم شرعا وإما عادة ولأن من الإماء من لا ترغب في العتق وتضييع به بخلاف\n_________\n= وأبو داود (٣٩٦٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٤٠٨)، والنسائي في الكبرى (٤٨٥٦ و٤٨٦٠ و٤٨٦١ و٤٨٦٣)، والطحاوى في مشكل الآثار (٧٢٥ و٧٢٦)، والمحاملى في الأمالى (٣٤١)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٣١٨ - ٣١٩ (٧٥٥) و(٧٥٦)، والحاكم (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\nوعند أحمد وأبي داود على الشك في اسمه كعب بن مرة أو مرة بن كعب وعند ابن ماجة وابن أبي عاصم كعب ابن مرة. وقال الألباني: صحيح الروض النضير (٣٥٣)، الصحيحة (٢٦١١)، صحيح الترغيب (١٨٩٢).","vol":"8","page":515},{"text":"العبيد وهذا القول هو الصحيح وأما التقييد في الرقبة بكونها مؤمنة فيدل على أن هذا الفضل الخاص إنما هو في عتق المؤمنة وأما غير المؤمنة ففيه أيضًا فضل بلا خلاف لكن دون فضل المؤمن، ولهذا أجمعوا على أنه يشترط في عتق كفارة القتل كونها مؤمنة وحكى عن مالك ﵀ أن الأغلى ثمنا أفضل وإن كان كافرا قال: خالفه غير واحد من أصحابه وغيرهم وتقدم قال: وهذا أصح والله أعلم.\nقوله: ورواه ابن ماجة من حديث كعب بن مرة أو مرة بن كعب ورواه أحمد وأبو داود بمعناه من حديث كعب بن مرة السلمي (^١) كعب بن مرة وقيل بن كعب البهزي من بهز بن الحارث له صحبة سكن البصرة ثم سكن الأردن من الشام روى عن النبي - ﷺ - قال ابن عبد البر: الأكثر يقولون كعب بن مرة له أحاديث مخرجها عند أهل الكوفة عن شرحبيل بن (السمط عن كعب بن مرة السلمي البهزي وأهل الشام يروون تلك) الأحاديث عن عمرو بن عبسة والله أعلم وقال الترمذي: المعروف مرة بن كعب مات سنة تسع وخمسين روى له الأربعة والذي له في الكتب الستة ثلاث أحاديث أحدها هذا الحديث.\n\n٢٩١٣ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ وَسُول اللّه - ﷺ - من أعتق رَقَبَة مُؤمنة فَهِيَ فكاكه من النَّار رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ وأَبُو دَاوُد\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد: ٧/ ٤١٤، والاستيعاب: ٣/ ١٣٢٦، وأسد الغابة ٤/ الترجمة ٤٤٨٥، وتهذيب الكمال ٢٤/ الترجمة ٤٩٨٢، والإصابة: ٣/ الترجمة ٧٤٣٤.","vol":"8","page":516},{"text":"وَالنَّسَائِيّ فِي حَدِيث مر فِي الرَّمْي وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَلَفظه قَالَ من أعتق رَقَبَة فك اللّه بِكُل عُضْو من أَعْضَائِهِ عضوا من أَعْضَائِهِ من النَّار (^١).\nقوله: وعن عقبة بن عامر ﵁ وعقبة بن عامر هذا غير عبد اللّه بن عامر صحب عقبة بن عامر رسول اللّه - ﷺ - وقال خليفة: شهد عقبة بن عامر صفين وتقدمت ترجمته أبسط من هذا.\nقوله - ﷺ -: \"من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار\" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله.\n\n٢٩١٤ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع ﵁ قَالَ كنت مَعَ رَسُول اللّه - ﷺ - فِي غَزْوَة تَبُوك فَإِذا نفر من بني سليم فَقَالُوا إِن صاحبنا قد أوجب فَقَالَ أعتقوا عَنهُ رَقَبَة يعْتق اللّه بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا مِنْهُ من النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا أوجب أَي أتَى بِمَا يُوجب لَهُ النَّار (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١١٠٢)، وأحمد ٤/ ١٤٧ (١٧٣٢٦) و٤/ ١٥٠ (١٧٣٥٧)، وأبو يعلى (١٧٦٠)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٣٢ - ٣٣٣ (٩١٨ و٩١٩ و٩٢٠)، والحاكم ٢/ ٢١١.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٢: رواه أحمد، وأبو يعلى والطبراني، ورجاله رجال الصحيح خلا قيسا الجذامي، ولم يضعفه أحد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٩٣).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في المسند (٢١٤)، وأحمد (١٦٠١٠) و(١٦٠١٢)، وأبو داود (٣٩٦٤)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧٢)، وابن حبان (٤٣٠٧)، والطحاوى في مشكل الآثار (٧٣٤ و٧٣٧ و٧٣٨)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٩١ - ٩٢ (٢١٨) و(٢١٩) =","vol":"8","page":517},{"text":"قوله: وعن واثلة بن الأسقع ﵁ تقدم.\nقوله: كنت مع رسول اللّه - ﷺ - في غزوة تبوك. تقدم الكلام على غزوة تبوك في الجهاد.\nقوله: فإذا نفر من بني سليم تقدم الكلام. على النفر في أوائل هذا التعليق مرارا وبنو سليم اسم قبيلة من العرب (قوله:) قالوا: \"إن صاحبنا قد أوجب\" أي أتى بما أوجب النار الحديث كذا قاله المنذري وقال غيره: ومعنى أوجب عمل عملا يجب به النار فقال: إنه قتل قتيلا وقال بعضهم: أي ركب خطيئة استوجب بها النار يقال أوجب إذا فعل فعلا وجبت له به الجنة أو النار وقال بعضهم أيضًا: أي كسب خطيئة يستوجب بها عقوبة النار قال: إنه قتل قتيلا وقال بعضهم: أي ركب خطيئة استوجب بها النار يقال أوجب إذا فعل فعلا وجبت له به الجنة أو النار قال بعضهم أيضًا: أي كسب خطيئة يستوجب بها عقوبة النار قال أبو عبيد (^١): هذا من أعجب ما يجيء من الكلام يقال للرجل قد أوجب وللحسنة والسيئة قد أوجب.\nقوله: فقال \"أعتقوا عنه رقبة يعتق اللّه بكل عضو منها عضوا منه من النار\" الحديث.\n_________\n= و(٢٢٠) و(٢٢١) و(٢٢٢)، وفي مسند الشاميين ١/ ٤٥ - ٤٩ (٣٧ و٣٨ و٣٩ و٤٠ و٤١ و٤٢ و٤٣)، والحاكم ٢/ ٢١٢.\nقال الألباني: ضعيف، الضعيفة (٩٠٧)، الإرواء (٢٣٠٩)، ضعيف الجامع (٩٢٩)، المشكاة (٣٣٨٦)، ضعيف الترغيب (١١٩١).\n(^١) غريب الحديث (٢/ ٢١١).","vol":"8","page":518},{"text":"تنبيه: ولا تجب الكفارة في قتل العمد عند جمهور العُلماء ولا في اليمين الغموس أيضًا عند أكثرهم وإنما يؤمر القاتل بعتق رقبة استحبابا لما في حديث وائلة بن الأسقع هذا أنهم جاء ولكن النبي - ﷺ - في صاحب لهم قد أوجب فقال: لهم اعتقوا عنه رقبة يعتقه اللّه بها من النار (^١).\n\n٢٩١٥ - وَعَن شُعْبَة الْكُوفِي قَالَ كُنَّا عِنْد أبي بردة بن أبي مُوسَى فَقَالَ أَي بني أَلا أحدّثكُم حَدِيثا حَدثنِي أبي عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من أعتق رَقَبَة أعتق اللّه بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا مِنْهُ من النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nقوله: وعن شعبة الكوفي (هو شعبة بن دينار الكوفي روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، روى عنه: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة ثقة).\nقوله: \"من أعتق رقبة أعتق اللّه بكل عضو منها عضوا منه من النار\" وتقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله وقد تكررت الأحاديث في ذكر الرقبة وعتقها وتحريرها وفكها وهي في الأصل العنق فجعلت كناية عن جميع ذات\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٣).\n(^٢) أخرجه الشافعي في سننه (٦٠١)، والحميدي (٧٦٧)، وأحمد (١٩٦٢٣)، والنسائي في الكبرى (٤٨٥٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٧١٨)، والحاكم في مستدركه ٢/ ٢١١ - ٢١٢، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٦٠، والبيهقي في السنن ١٠/ ٤٦٠ - ٤٦١ (٢١٣١٢)، وفي معرفة السنن ١٤/ ٣٨٥ (٢٠٣٨٣).\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٣: رواه أحمد والطبراني، وقال: لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٩٤).","vol":"8","page":519},{"text":"الإنسان تسمية للشيء ببعضه فإذا قال أعتق رقبة فكأنما قال: أعتق عبدا أو أمة ومنه قولهم دينه في رقبته ومنه (حديث قسم) الصدقات وفي الرقاب (يريد) المكاتبين من العبيد يعطون نصيبا من الزكاة يفكون به رقابهم ويدفعون إلى أموالهم (^١).\nفائدة فإن قلت: إعتاق رقبة واحدة نفيسة خير من إعتاق رقبتين غير نفيستين، قلت: الرقبتان فإن قلت: ما الفرق بينهما وبين الأضحية أن التضحية (بشاة) سمينة أفضل من التضحية بشاتين.\nقلت: المقصود من الأضحية اللحم ولحم السمين أطيب ومن العتق تخليص الشخص من الرق والتخليص أفضل قاله الكرماني (^٢) وقال بعض العُلماء: أن تحرير رقبتين أولى من تحرير (رقبة) بثمنها نظرا (لأن العتق يطلب فيه التقرب إلى اللّه بفك الرقبة فيكون عتق الاثنين أولى من عتق الواحدة) ولا شك أن هذا فيمن جهلت صفاته إذا استوت أما من علم خيره ودينه أو كسبه وعدم ضياعه ونحو ذلك فهو مقدم قطعا على من ليس كذلك ولو بعدد فإن عتق العبد الصالح لا يعدله عتق مساو أو كفارة (^٣) قاله في شرح الإلمام.\n\n٢٩١٦ - وَعَن مَالك بن الْحَارِث ﵁ أَنه سمع النَّبِيّ - ﷺ - يَقُول من ضم يَتِيما من أبوين مُسلمين إِلَى طَعَامه وَشَرَابه حَتَّى يَسْتَغْنِي عَنهُ وَجَبت لَهُ الْجنَّة\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٤٩).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١١/ ٧٦).\n(^٣) انظر المفهم (١٤/ ٥).","vol":"8","page":520},{"text":"أَلْبَتَّة وَمن أعتق امْرأ مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار يَجْزِي بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَليّ بن زيد عَن زُرَارَة بن أبي أوفى عَنهُ (^١).\nقوله: وعن مالك بن الحارث ﵁ (الخزاعى ويقال مالك بن عمرو العقيلي، ويقال الكلابي ويقال مالك بن عمرو القشيري، ويقال الأنصاري وقال الثوري: مالك بن عمرو، أو عمرو بن مالك - على الشك. وقال فيه هشيم مالك بن الحارث. والاختلاف في حديثه على علي بن زيد، هو انفرد به عن زرارة بن أبي أوفى، عن مالك).\nقوله: - ﷺ - يقول \"من ضم يتيما من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة ألبتة\" سيأتي الكلام على ذلك في كفالة اليتيم.\nقوله: رواه أحمد من طريق علي بن زيد عن زرارة بن أبي أوفى عنه.\n\n٢٩١٧ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ قَالَ سُئِلَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَي اللَّيْل أسمع قَالَ جَوف اللَّيْل الآخر ثمَّ الصَّلَاة مَقْبُولَة حَتَّى تطلع الشَّمْس ثمَّ لَا صَلاة حَتَّى تكون الشَّمْس قيد رمح أَو رُمْحَيْنِ ثمَّ الصَّلاة مَقْبُولَة حَتَّى يقوم الظل قيام الرمْح ثمَّ لا صَلاة حَتَّى تَزُول الشَّمْس قيد رمح أَو رُمْحَيْنِ ثمَّ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٤٤ (١٩٠٢٥) و(١٩٠٢٦) و(١٩٠٣٠) و٥/ ٢٩ (٢٠٣٣٠) و(٢٠٣٣١)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٦٠٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٤٧٨ و١٤٧٩)، وأبو يعلى (٩٢٦)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٥١٩) والطبراني في الكبير ١٩/ ٣٠٠ (٦٦٨ و٦٦٩ و٦٧٠) ومكارم الأخلاق (١٠٨). قال الطوسي: هذا حديث حسن.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٣: رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن زيد، وحديثه حسن، وقد ضعف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٩٥) و(٢٥٤٣).","vol":"8","page":521},{"text":"الصَّلاة مَقْبُولَة ثمَّ لَا صَلَاة حَتَّى تغيب الشَّمْس قَالَ ثمَّ أَيّمَا امرئ مُسلم أعتق امْرأ مُسلما فَهُوَ فكاكه من النَّار يَجْزِي بِكُل عظم مِنْهُ عظما مِنْهُ وَأَيّمَا امْرَأَة مسلمة أعتقت امْرَأَة مسلمة فَهِيَ فكاكها من النَّار يَجْزِي بِكُل عظم مِنْهَا عظما مِنْهَا وَأَيّمَا امرئ مُسلم أعتق امْرَأتَيْنِ مسلمتين فهما فكاكه من النَّار يَجْزِي بِكُل عظمين من عظامهما عظما مِنْهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَا بَأْس برواته إِلَّا أَن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن لم يسمع من أَبيه (^١).\nقوله: وعن عبد الرحمن (...) (^٢).\nقوله: وعن عبد الرحمن بن عوف تقدم.\nقوله: سُئل رسول اللّه - ﷺ - أي الليل أسمع قال: \"جوف الليل الآخر\".\nالحديث أي ثلثه الآخر وهو الجزء الخامس من أسداس الليل قاله ابن الأثير (^٣) يعني أي الليل اسمع أي أوفق لاستماع الدعاء فيه وأولى بالاستجابة (وهو من باب) نهاره صائم وليله قائم وجوف الليل وسطه أو آخره وجوف الليل منصوب على الظرف أي الدعاء في جوف الليل والآخر منصوب صفته للجوف والرفع محتمل على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي دعاء جوف الليل الآخر.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٣٣ رقم ٢٧٩) ومن طريقه الضياء في المختارة ٣/ ١٣٣ - ١٣٤ (٩٣٥). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٣: رواه الطبراني. وأبو سلمة لم يسمع من أبيه، وبقية رجاله حديثهم حسن. وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (١٨٩٦).\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) النهاية (١/ ٣١٦).","vol":"8","page":522},{"text":"قوله: \"الصلاة مقبولة حتى تطلع الشمس ثم لا صلاة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين ثم لا صلاة حتى تغيب الشمس\" الحديث يقال بيني وبينه قيد رمح وقاد رمح أي قدر رمح ا. هـ هذا الحديث يتعلق بمسائل ذكرها العُلماء ﵃ قال العُلماء نهى عن الصلاة في خمسة أوقات منها ثلاثة تتعلق بالوقت واثنان بالفعل فأما الثلاثة التي تتعلق بالوقت عند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح أي قدر رمح وعند الاستواء وهو وقوف الظل قبل الإنقلاب إلى المشرق حتى تزول والزوال عبارة عن انحطاط الشمس بعد منتهى ارتفاعها وعند الإصفرار حتى تغرب الشمس لما روى عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول اللّه - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيق الشمس للغروب رواه مسلم (^١) ومعنى الساعات بمكة لما روى جبير بن مطعم أنه - ﷺ - قال: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحد يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة (^٢) والمراد بمكة البلد وجميع الحرم والذي حواليه وهو الأصح وأغرب الجيلي فحكى اختصاصه بالأفاقي دون القاطن قال: العُلماء ولا عند\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٣ - ٨٣١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (١٢٥٤)، وأبو داود (١٨٩٤)، والترمذى (٨٦٨)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٧٩ (٥٩٥) و٥/ ٢١٩ (٢٩٤٦).\nقال الترمذي: حديث جبير حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح، الإرواء (٤٨١)، الروض النضير (٤٧٢)","vol":"8","page":523},{"text":"الاستواء يوم الجمعة لأنه - ﷺ - استحب التكبير عليها ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء ولما روى أبو سعيد الخدري أنه - ﷺ - نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة رواه أبو داود والنسائي (^١) ذكره في مختصر الكفاية لابن النقيب (^٢).\nقوله: \"وأيما امرءا مسلما أعتق امرءا مسلما فهو فكاكه من النار\" تقدم الكلام على ذلك في الباب قبله. وتضيق أي تميل والمراد بالنهي عن الدفن توخيه في هذه الأوقات.\nفائدة: والكراهة في هذه الأوقات الثلاثة متعلقة بالوقت من أجل ما اشتمل عليه قال: - ﷺ - \"أن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها\" رواه الشافعي بإسناده (^٣) وأما الاثنان اللذان يتعلقان بالفعل فبعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر لقوله: - ﷺ - \"لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس\" رواه البخاري ومسلم (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٠٨٣) عن أبي قتادة. وضعفه الألباني في المشكاة (١٠٤٧) وضعيف أبي داود (٢٠٠).\n(^٢) مختصر الكفاية (مخ ٢١٧٥ ظاهرية/ لوحة ٢٧٠).\n(^٣) أخرجه الشافعي في المسند (١٥٦)، وابن ماجة (١٢٥٣)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٦١ (٥٦٩) عن الصنابحى. قال الألباني: صحيح، إلا قوله: فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها، الإرواء (٢/ ٤٣٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٨٦) و(١٩٩٢)، ومسلم (٢٨٨ - ٨٢٧) عن أبي سعيد.","vol":"8","page":524},{"text":"زاد الدَّارقُطْنِي إلا بمكة (^١) والكراهة في هذين الوقتين متعلقة بفعل الصبح والعصر أن قدمهما اتسع وقت الكراهة وإن أخرهما تضيق ولا تكره قبل فعلهما على الصحيح وقيل يكره التنفل بعد الفجر وقيل صلاة الصبح بما عدا ركعتي الفجر وجزم به المتولي (^٢) وقال الترمذي: أنه مما أجمع عليه أهل العلم لقوله - ﷺ - \"لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين\" قال: وهو غريب (^٣) وفي وجه ثالث أنه يكره بعد ركعتي الفجر لا قبلهما.\nفروع: الأول: النهي عن الصلاة في هذه الأوقات هل هو نهي تحريم أو كراهة فيه وجهان صحح النووي في الروضة الأول وصحح في التحقيق الثاني وادعى الروياني الإجماع عليه (^٤) الثاني لو تحرم بالصلاة فيها لم ينعقد في أصح الوجهين كصوم يوم العيد (^٥) الثالث: يعزر فاعله كما نقله أبو (الوليد) النيسابوري في شرح الرسالة عن الأصحاب قال العُلماء: ولا يكره في هذه الأوقات ماله سبب متقدم أو متأخر من الصلوات كصلاة الجنازة لقوله: - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٦٥ (٢١٤٦٢)، وابن خزيمة (٢٧٤٨)، والدارقطني (١٥٧١) و(٢٦٣٦) عن أبي ذر. وأخرجه الدارقطني (١٥٧٥) عن ابن عباس. وضعفه الألباني في المشكاة (١٠٥١)، وعاد وحسنه في الصحيحة (٣٤١٢).\n(^٢) كفاية النبيه (٣/ ٥٠٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٣١ - ٣٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٢٧٨)، والترمذى (٤١٩) عن ابن عمر. قال الترمذي: حديث ابن عمر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى. وصححه الألباني في الإرواء (٤٧٨)، صحيح أبي داود (١١٥٩).\n(^٤) كفاية النبيه (٣/ ٥٠٩ - ٥١٠).\n(^٥) الوسيط (٢/ ٤٠)، وكفاية النبيه (٣/ ٥١٠).","vol":"8","page":525},{"text":"\"يا علي ثلاثة لا تؤخروها وعد منها الجنازة إذا حضرت\" (^١) قال ابن المنذر: والإجماع منعقد على جوازها بعد الصبح وبعد العصر فنقيس الباقي عليهما قال العُلماء: وسجود التلاوة وكذا الشكر لفواتها بالتأخير فهما أولى من صلاة الجنازة وكذا صلاة الاستسقاء على الأصح وقال العُلماء: وقضاء الفائتة لأنه - ﷺ - رأى قيس بن قهد يصلي ركعتين بعد صلاة الصبح فقال ما هاتان الركعتان يا قيس فقال ركعتي الفجر لم أكن صليتهما فسكت ولم ينكر (^٢) عليه (^٣) قال النووي: وهو ضعيف (^٤).\nوقوله: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\" يدلّ عليه وقضى رسول اللّه - ﷺ - سنة العصر العصر بعدها لما شغل عنها كما ثبت في الصحيحين ولما قضاها بعد العصر داوم عليها (^٥) وهل يجوز لنا إذا قضينا فائتة في الوقت المكروه أن نصلي مثلها في هذا الوقت من غير سبب اقتداء به أم لا فيها وجهان أصحهما الثاني أنه - ﷺ - كان التزم أنه فعل شيئًا عليه وغيره ما التزم ذلك (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (١٤٨٦)، والترمذى (١٧١) و(١٠٧٥) والحاكم ٢/ ١٦٢ - ١٦٣.\nوحسنه الألباني في المشكاة (٦٠٥)، وضعفه في الضعيفة (٥٧٥١).\n(^٢) أخرجه الشافعي في المسند (١٦٩)، والحميدى (٨٦٢)، أبو داود (١٢٦٧)، والترمذي (٤٢٢)، وابن ماجة (١١٥٤). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١١٥١).\n(^٣) كفاية النبيه (٣/ ٥١٠ - ٥١١).\n(^٤) المجموع (٤/ ١٦٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢٣٣) و(٤٣٧٠) ومسلم (٢٩٧ - ٨٣٤) عن عائشة وأم سلمة.\n(^٦) كفاية النبيه (٣/ ٥١١ - ٥١٢).","vol":"8","page":526},{"text":"فرع: ومما له سبب الصلاة المنذورة وتحية المسجد وكذا سنة الوضوء نعم إن دخل المسجد لأجل التحية فوجهان قال الرافعي: أقيسهما الكراهة وصححه النووي في التحقيق (^١) ا. هـ\nقال العُلماء: ولا يكره شيء من هذه الصلوات في هذه الساعات بمكة لما روى جبير بن مطعم أنه - ﷺ - \"يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحد يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار\" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة (^٢) والمراد بمكة البلدة وجميع الحرم الذي حواليه وهو الأصح وأغرب الجيلى فحكى اختصاصه بالآفاقي دون القاطن (^٣).\nقال العُلماء: ولا عند الاستواء يوم الجمعة لأنه - ﷺ - استحب التبكير إليها ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء ولما روى أبو سعيد الخدرى أنه - ﷺ - نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة رواه أبو داود ذكره في مختصر الكفاية لابن النقيب (^٤). ولنرجع إلى حديث الباب وهو حديث الباب وهو حديث عبد الرحمن بن عوف.\nقوله: - ﷺ - \"وأيما امرءا مسلما أعتق امرأتين مسلما فهو فكاكه من النار\" تقدم الكلام على ذلك في الباب قبله.\n_________\n(^١) المجموع (٤/ ١٦٨ - ١٧٠) والتحقيق (ص ٢٥٥).\n(^٢) مر تخريجه وانظر كفاية النبيه (٣/ ٥١٢).\n(^٣) كفاية النبيه (٣/ ٥١٣).\n(^٤) مختصر الكفاية (مخ ٢١٧٥ ظاهرية/ لوحة ٢٧٠).","vol":"8","page":527},{"text":"٢٩١٨ - وَعَن أبي نجيح السّلمِيّ - ﵁ - قَالَ حاصرنا مَعَ رَسُول اللّه - ﷺ - الطائِف وَسمعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول أَيّمَا رجل مُسلم أعتق رجلًا مُسلما فَإِن اللّه ﷿ جَاعل وقاء كلّ عظم من عِظَامه عظما من عِظَام محرره وَأَيّمَا امْرَأَة مسلمة أعتقت امْرَأَة مسلمة فَإِن اللّه ﷿ جَاعل وقاء كلّ عظم من عظامها عظما من عِظَام محررتها من النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nوَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة كَانَت فداءه من النَّار (^٢) قَالَ الْحَافِظ أَبُو نجيح هُوَ عَمْرو بن عبسة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٢١)، وأحمد ٤/ ١١٣ (١٧٢٩٦) و٤/ ٣٨٤ (١٩٧٣٨)، وأبو داود (٣٩٦٥)، والنسائي في الكبرى (٤٨٥٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (٧٢٧)، وابن حبان (٤٣٥٩)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٤٦٠ رقم ٢١٣١١) والشعب (٦/ ١٨٢ - ١٨٣ رقم ٤٠٣٢)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٣١٦ - ٣١٧)، والشجرى في الأمالى (٢/ ٣٤٥) والبغوى في شرح السنة (٢٦٤٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٢٢١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٩٧) والصحيحة (١٧٥٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٨٦ (١٩٧٤٧)، وأبو داود (٣٩٦٦)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٣٧٣ (٣١٦٥) والكبرى (٤٣٣٥) و(٤٨٦٥ و٤٨٦٦)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٣٨٧)، والطبراني في فضل الرمى (١٥) ومسند الشاميين (٢/ ٨٢ رقم ٩٥٧) و(٢/ ٢٣٨ رقم ١٢٥٨) و(٣/ ١٥٥ رقم ١٩٨٠) و(٤/ ٣٤٠ رقم ٣٤٩٧)، وأبو أحمد الحاكم في الفوائد (٥)، والبيهقى في الكبرى (١٥/ ٤٦٠ رقم ٢١٣١٠)، والشجرى في الأمالى (٢/ ٣٣٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٨١) وصحيح الترغيب (١٢٨٦) و(١٨٩٧)، وصحيح الجامع (٦٠٥٠).","vol":"8","page":528},{"text":"قوله: وعن أبي نجيح السلمي - ﵁ - عمرو بن عبسة قال حاصرنا مع رسول اللّه - ﷺ - الطائف وسمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول أيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلما فإن اللّه ﷿ جاعل وقاء كلّ عظم من عظامه عظما من عظام محرره وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن اللّه ﷿ جاعل وقاء كلّ عظم من عظامها عظما من عظام محررتها من النار.\nرواه أبو داود وابن حبان في صحيحه.\nوفي رواية لأبي داود والنسائي: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول من أعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار.\nوالمراد بمكة البلد وجميع الحرم والذي حواليه وهو الأصح وأغرب الجيلي فحكى اختصاصه بالأفاقي دون القاطن قال العُلماء: ولا عند الاستواء يوم الجمعة لأنه - ﷺ - استحب التكبير غليها ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء ولما روى أبو سعيد الخدري أنه - ﷺ - نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم السمعة رواه أبو داود والنسائي ذكره مختصر الكفاية لابن النقيب.\nقوله - ﷺ -: \"وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين فهما فكاكه من النار يجزي بكل عظمين من عظامهما عظما منه\".\nتقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله.\nقوله: وعن أبي نجيح السلمي - ﵁ - واسمه عمرو بن عبسة، كذا قاله المنذري.","vol":"8","page":529},{"text":"قوله: حاصرنا مع رسول اللّه - ﷺ - الطائف تقدم الكلام على غزوة الطائف في الجهاد وغيره مبسوطا.\nقوله: وسمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول \"أيما رجل مسلما أعتق رجلًا مسلما فإن اللّه ﷿ جاعل وقاء كل عظم من عظامه عظماء من عظام محرره وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة\" الحديث ولهذا استحبوا أن يعتق الرجل العبد والمرأة الأمة تحقيقا.\n(هنا انقطع الكلام لانقطاع ما اتصل به).\n\n٢٩١٩ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب - ﵁ - قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه عَلمنِي عملا يدخلني الْجنَّة قَالَ إِن كنت أقصرت الْخطْبَة لقد أَعرَضت الْمَسْأَلَة أعتق النَّسمَة وَفك الرَّقَبَة قَالَ أليستا وَاحِدَة قَالَ لَا عتق النَّسمَة أَن تنفرد بِعتْقِهَا وَفك الرَّقَبَة أَن تُعْطِي فِي ثمنهَا والمنحة الوكوف والفيء على ذِي الرَّحِم الْقَاطِع فَإِن لم تطق ذَلِك فأطعم الجائع واسق الظمآن وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر فَإِن لم تطق ذَلِك فَكف لسَانك إِلَّا عَن خير رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيره (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٧٧٥)، وأبو عبيد في الخطب والمواعظ (٩)، وأحمد ()، والحسين المروزى في البر والصلة (٢٧٦)، والبخارى في الأدب المفرد (٦٩)، والرويانى (٣٥٤) و(٣٥٥)، وابن المنذر في الأوسط (٨٧١٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٧٤٣) و(٢٧٤٤) وابن حبان (٣٧٤)، والدارقطنى (٢٠٥٥ و٢٠٥٦ و٢٠٥٧)، والبيهقى في الآداب (ص ٣٢ رقم ٧٧) والصغير (٤/ ٢٠٠ رقم ٣٤١٥) والكبرى (١٠/ ٤٦١ رقم ٢١٣١٣) والشعب (٦/ ١٧٨ - ١٧٩ رقم ٤٠٢٦). =","vol":"8","page":530},{"text":"٢٩٢٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - أَنه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه اللّه من أهل الْجنَّة من عَاد مَرِيضا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاح إِلَى الْجُمُعَة وَأعْتق رَقَبَة رَوَاهُ ابْن حبَان في صَحِيحه (^١).\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٢٤٠: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٥١) و(١٨٩٨) و(٢٨٥٣). وقد مر في باب الترغيب في إطعام الطعام.\n(^١) أخرجه ابن حبان (٢٧٧١)، وابن فاخر في موجبات الجنة (١٣٥). وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٢٣)، وصحيح الترغيب (٦٨٦) و(١٨٩٩) و(٣٤٧٠) و(٣٤٩٦). وقد مر في باب الترغيب في صلاة الجمعة وسيأتى في عيادة المرضى وتشييع الميت.","vol":"8","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>(فصل)</span>\n٢٩٢١ - عَن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة لَا تقبل مِنْهُم صَلَاة من تقدم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَرجل أَتَى الصَّلَاة دبارا.\nوالدبار أَن يَأْتِيهَا بعد أَن تفوته وَرجل اعتبد محرره رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم عَن عمرَان الْمعَافِرِي عَنهُ قَالَ الْخطابِيّ واعتباد الْمُحَرر يكون من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يعتقهُ ثمَّ يكتم عتقه أَو يُنكره وَهَذَا أشر الْأَمريْنِ وَالثَّانِي أَن يعتقله بعد الْعتْق فيستخدمه كرها (^١).\n\n٢٩٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ اللّه تَعَالَى ثَلَاثَة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة وَمن كنت خَصمه خصمته رجل أعْطى بِي ثمَّ غدر وَرجل بَاعَ حرا وَأكل ثمنه وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى وَلم يوفه أجره رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَة وَغَيرهمَا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٩٧٠)، وأبو داود (٥٩٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦)، والبيهقى في الكبرى (٣/ ١٨٢ - ١٨٣ رقم ٥٣٣٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٩٨٩). وضعفه الألباني في المشكاة ١١٢٣ وضعيف أبي داود ٩٢ وضعيف الجامع (٢٦٠٣)، وضعيف الترغيب (٢٥٦) و(١١٩١). وقد مر في باب (الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون) ولم يدرج المُصَنِّف له شرحا في هذا الموضع.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٢٧) و(٢٢٧٠)، وابن ماجة واللفظ له (٢٤٤٢)، وأبو يعلى (٦٥٧١)، وابن الجارود في المنتقى (٥٧٦)، وابن المنذر في الأوسط (٧٧٩٠)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٨٧٨) و(٣٠١٥)، وابن حبان (٧٣٣٩). وقد مر شرحه في باب سابق.","vol":"8","page":532},{"text":"بسم اللّه الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>كتاب النكاح</span>\nالحمد للّه رب العالمين.\nتقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه والنكاح في اللغة الضم والجمع ودخول الشيء في الشيء ومنه تناكحت الأشجار إذا تمايلت وتعانقت ويطلق على العقد نكاح لأنه سبب الوطء يقال: نكح المطرة الأرض ونكح النعاس عينه أي أصابها وأطلق على الوطء لإفضائه إلى الضم والعرب تستعمله بمعنى الوطء والعقد جميعا وقال أبو القاسم الزجاجي: النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعا وقال أبو علي الفارسي فرقت العرب بينهما فرقا لطيفا يعرف به موضع العقد من الوطيء فإذا قالوا نكح فلان فلانة أو بنت فلان أو أخته أرادوا تزوجها وعقد عليها وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته أو أمته لم يريدوا إلا الوطء لأن بذكر امرأته أو زوجته أو أمته يستغني عن ذكر العقد موضوع (ن ك ح) هذا الترتيب في كلامهم لزوم الشيء للشيء راكبا عليه قال (الفراء): النكح بضم النون البضع كنى به عن الفرج فإذا قالوا نكحها فمعناه أصاب نكحها وهو فرجها (قال الثعالبي: وللنكاح مائة اسم، وقد جاء في القرآن بمعنى العقد إلا في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^١)\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٠.","vol":"8","page":533},{"text":"وفى قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (^١) على خلاف فيه فإن المراد الوطء، والأصل في مشروعيته قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (^٤) الآيات. وقد جاء في القرآن بمعنى العقد إلا في قوله) وأما حقيقة النكاح عند الفقهاء ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا حكاها القاضي حسين من أصحابنا في تعليق أصحها أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطيء وهذا هو الذي صححه القاضي أبو الطيب وأطنب في الاستدلال له وبه قطع المتولي وغيره وبه جاء القرآن العزيز والأحاديث وبهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: وهو أقرب إلى الشرع والثاني: أنه في الوطيء مجاز في العقد وبه قال الإمام أبو حنيفة: وهو أقرب إلى اللغة والثالث أنه حقيقة فيهما بالاشتراك بالعين وإنما ينصرف لأحدهما بقرينة وفائدة الخلاف تظهر بيننا وبين الإمام أبي حنيفة في أن الوطء بالزنى هل يحرم ما حرمه النكاح أولا؟ فعندنا لا يحرمه وعنده نعم يحرمه (^٥).\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٣.\n(^٣) سورة النور، الآية: ٣٢.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٢٥.\n(^٥) انظر: كفاية النبيه (١٣/ ٣ - ٤)، والنجم الوهاج (٧/ ٧ - ٨).","vol":"8","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>الترغيب في غض البصر والترهيب من إطلاقه ومن الخلوة</span>\n٢٩٢٣ - عَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - يَعْنِي عَن ربه ﷿ النظرة سهم مَسْمُوم من سِهَام إِبْلِيس من تَركهَا من مخافتي أبدلته إِيمَانًا يجد حلاوته فِي قلبه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث حُذَيْفَة وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ خرجاه من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق الوَاسِطِيّ وَهُوَ واه (^١).\nقوله: عن عبد اللّه بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: يعني عن ربه ﷿ \"النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها من مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه\" الحديث يعني أنه يرح نفسه عن هواها ويغض البصر عما حرم اللّه تعالى عليه قال اللّه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (^٢) الآية قال الشافعي:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٣ رقم ١٠٣٦٢) عن ابن مسعود. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٦٣: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٣ - ٣١٤)، والقضاعى في مسند الشهاب (٢٩٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٣٨) وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ١٣٩) عن حذيفة. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه إسحاق بن عبد الواحد القرشي، وهو واه، وعبد الرحمن الواسطي، وقد ضعفوه. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (١٠٦٥) وضعيف الترغيب (١١٩٤).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٣٠.","vol":"8","page":535},{"text":"كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ\nكَمْ نَظْرَةٌ بَلَغَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا ... كَمَبْلَغِ السَّهْمِ بَيْنَ الْقَوْسِ وَالْوَتَرِ\nوَالْعَبْدُ مَا دَامَ ذَا طَرْفٍ يُقَلِّبُهُ ... فِي أَعْيُنِ الْعِينِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْخَطَرِ\nيَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ ... لَا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَر (^١)\nقوله: خرجاه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي (ضعيف، قال البخاري: فيه نظر وروى عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أحمد عن أبيه له مناكير وليس هو في الحديث بذاك وحسن له الترمذي).\n\n٢٩٢٤ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ مَا من مُسلم ينظر إِلَى محَاسِن امْرَأَة ثمَّ يغض بَصَره إِلَّا أحدّث اللّه لَهُ عبَادَة يجد حلاوتها فِي قلبه\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ إِلَّا أَنه قَالَ ينظر إِلَى امْرَأَة أول رمقة وَالْبَيْهَقِيّ (^٢)\n_________\n(^١) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص ٢٦٨.\n(^٢) أخرجه أبو الهيثم السراج في حديث خالد بن مرداس (٢٣)، وأحمد ٥/ ٢٦٤ (٢٢٧٠٩)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٢١١) و(١٢٧٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٨ رقم ٧٨٤٢)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٢٦٠)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٢٠٥ رقم ٥٠٤٨)، والقشيرى في الرسالة (١/ ٢٣١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٢٥٩)، وعبد الخالق بن أسد في المعجم (٤١٩)، وابن الجوزى في ذم الهوى (١/ ١٣٩).\nقال ابن عدى: وهذا بهذا الإسناد غير محفوظ، ولعمرو بن زياد غير هذا من الحديث منها سرقة يسرقها من الثقات ومنها موضوعات وكان هو يتهم بوضعها. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٣: رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: ينظر إلى امرأة أول رمقة. وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٩٥): ضعيف جدًّا، وضعفه في المشكاة (٣١٢٤).","vol":"8","page":536},{"text":"وَقَالَ إِنَّمَا أَرَادَ إِن صَحَّ وَاللّه أعلم أَن يَقع بَصَره عَلَيْهَا من غير قصد فَيصْرف بَصَره عَنْهَا تورعًا.\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - اسمه صدي بن عجلان الباهلي تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: قال \"ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أحدّث اللّه له عبادة يجد حلاوتها في قلبه\" الحديث قال العُلماء: ونظر الرجل للمرأة على سبعة أضرب أحدها نظره إلى الأجنبية بغير حاجة فغير جائز والثاني: نظره إلى زوجته أو أمته فيجوز أن ينظر إلى ما عد الفرج منهما.\nوالثالث: نظره إلى ذوات محارمه أو أمته المزوجة فيجوز فيما عدا ما بين السرة والركبة. والرابع: النظر لأجل النكاح فيجوز إلى الوجه والكفين.\nوالخامس النظر للمرأة فيجوز إلى المواضع التي يحتاج إليها.\nالسادس: من النظر للشهادة أو للمعاملة فيجوز إلى الوجه خاصة.\nوالسابع: النظر إلى الأمة عند ابتياعها فيجوز إلى المواضع التي يحتاج إلى تقلبيها ا. هـ ذكره الشيخ تقي الدين الحصني في شرح أبي شجاع (^١).\nتنبيه: من الصغائر النظر إلى الأجنبية بشهوة وبغيرها وسواء في ذلك وجهها أو كفاها وسائر بدنها وإن أمن الفتنة على الصحيح ذكره ابن النحاس في تنبيهه (^٢) واعلم أنه كما يحرم نظر الرجل إلى كلّ شيء من بدن الأجنبية\n_________\n(^١) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (ص ٣٤٩ - ٣٥٥) باختصار.\n(^٢) تنبيه الجاهلين عن أعمال الغافلين (ص ٣١١ - ٣١٢).","vol":"8","page":537},{"text":"كذلك يحرم عليها النظر إلى كلّ شيء من بدنه قال النووي في شرح مسلم (^١): سواء كان نظره ونظرها بشهوة وليس هذا القول بشيء ا. هـ.\nفرع: والأصح أن المراهق كالبالغ فيجب على المرأة الاحتجاب منه كما يجب عليها الاحتجاب من المجنون ويلزم ولي الصبي منعه من (نظرها) كما يلزمه منعه من الزنى (^٢). واللّه أعلم.\nفرع آخر: أطلق الرافعي وغيره من أصحاب الشافعي تحريم مضاجعة الرجل الرجل ولا المرأة المرأة وإن كان كلّ واحد منهما في جانب من الفراش (^٣) قال الشيخ تقي الدين السبكي: يجب حمله على تجردهما في ثوب واحد كما في الحديث (^٤) وصرح به الخوارزمي في الكافي حيث قال: ولا تجوز مضاجعة الرجلين العاريين، وإن كان أحدهما من جانب، والآخر من جانب، وكذا في حق المرأتين (^٥) ا. هـ قاله في شرح الإلمام (قال) القاضي حسين الرافعي والنووي: (إذا بلغ) صبي عشر سنين وجب التفريق بينه وبين\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٣١).\n(^٢) روضة الطالبين (٧/ ٢٢)، والنجم الوهاج (٧/ ٢٥ - ٢٦)، وتنبيه الغافلين (ص ٣١٢).\n(^٣) روضة الطالبين (٧/ ٢٨) وقضاء الأرب (ص ٢٣٦)، والنجم الوهاج (٧/ ٣٢ - ٣٣)، وتنبيه الغافلين (ص ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٤) قضاء الأرب (ص ٢٣٧) والنجم الوهاج (٧/ ٣٢ - ٣٣)، وتنبيه الغافلين (ص ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٥) قضاء الأرب (ص ٢٤٢)، والنجم الوهاج (٧/ ٣٢ - ٣٣)، وتنبيه الغافلين (ص ٣١٤ - ٣١٥).","vol":"8","page":538},{"text":"أمه وأبيه وأخته وأخيه في المضجع قال ﵊: \"وفرقوا بينهم في المضاجع\" قال السبكي: هذا في التفريق بين الصبيان لا بينهم وبين ءابائهم وأمهاتهم (^١) ا. هـ قاله في شرح الإلمام.\nفائدة: يحرم النظر إلى الأمرد بشهوة وبغير شهوة كما قاله النووي في منهاجه كما يحرم النظر إلى المرأة قال أبو الفرج الجوزي (^٢): قال ابن المبارك: دخل سفيان الثوري الحمام فدخل عليه غلام صبيح الوجه فقال: أخرجوه أخرجوه فإني أرى مع كلّ امرأة شيطانا ومع كلّ غلام بضعة عشر شيطانا وعن أنس قال قال: رسول اللّه - ﷺ - \"لا تجالسوا أبناء الملوك فإن النفس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق\" (^٣) وروي أنه - ﷺ - قال \"لا تجالسوا أولاد (الأغنياء) فإن فتنتهم أشد من فتنة العذارى\"\n_________\n(^١) قضاء الأرب (ص ٢٤٤ - ٢٤٦)، والنجم الوهاج (٧/ ٣٢ - ٣٣)، وتنبيه الغافلين (ص ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٢) تلبيس إبليس (ص ٢٤٥).\n(^٣) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٤٣٧)، وابن الجوزى في ذم الهوى (ص ١٠٥) والعلل المتناهية (١٢٨٥) عن أنس. وقال ابن الجوزى: لا يصح هذا الحديث عن رسول الله - ﷺ - وإنما هذا الكلام بعض السلف.\nوقال: وأما حديث أنس فقال أحمد: أحاديث أبان مناكير وقال ابن حبان: لا يحتج به وفيه عمرو بن الأزهر. قال أحمد: كان يضع الحديث وقال النسائي متروك وقال الدَّارقُطْنِي كذاب وفيه عبد الرحمن بن واقد. قال ابن عدي: حدّث بالمناكير عن الثقات وكان يسرق الحديث. وقال الفتنى في تذكرة الموضوعات (ص ١٨١): فيه عمرو بن الأزهر كذاب وهذا الحديث من مناكيره.","vol":"8","page":539},{"text":"رواه الطبراني (...) (^١) من حديث أبي هريرة (^٢) وعن أبي هريرة عن رسول اللّه - ﷺ - \"لا تملأوا أعينكم من أبناء الملوك فإن لهم فتنة أشد من فتنتة العذراء\" (^٣) وقال عمر بن الخطاب: ما أنا على عالم من سبع ضار بأخوف عليه من غلام أمرد وقال الحسن بن ذكوان: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى (^٤) وقد كان السلف بيالغون في الإعراض عن المرد وقد روي عن مجالد عن الشعبي قال: قدم وفد عبد القيس على النبي - ﷺ - وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي - ﷺ - وراء ظهره (^٥)، إذا كان سيد البشر يحذر من النظر إلى الأمرد كما في هذا\n_________\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (٧/ ٤٣١)، والديلمى في الغرائب الملتقطة (٢٨٩٦) وقال ابن عدى: وهذا باطل موضوع.\n(^٣) أخرجه ابن عدى في الكامل (٦/ ١٢٩) ومن طريقه ابن الجوزى في العلل المتناهية (١٢٨٤)، وابن لال كما في الغرائب الملتقطة (٢٨٩٦)، وتمام في الفوائد (٢٨٢)، والضياء في المنتقى من مسموعات مرو (٥٤٣) عن أبي هريرة. قال ابن عدى: وهذا باطل موضوع على سفيان الثوري بهذا الإسناد لم يروه غير عمر بن عمرو هذا.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهى (١٣٩).\n(^٥) أخرجه ابن الجوزى في ذم الهوى (ص ١٠٦) من طريق ابن شاهين عن الشعبى مرسلا. ووصله الديلمى كما في الزيادات على الموضوعات (٢/ ٥٢٢) عن الشعبي عن الحسن عن سمرة. قال ابن القطَّان في كتابه \"أحكام النظر\" (ص ٣٣٤ - ٣٣٥): هذا حديث ضعيف؛ فإن من دون أبي أسامة لا يعرف، ومجالد ضعيف، وهو مع ذلك مرسل. قال ابن الصلاح في (مشكل الوسيط) (٥/ ٣٠): لا أصل لهذا الحديث. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا حديث منكر) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٧٧). وقال الألباني في الضعيفة (٣١٣): موضوع.","vol":"8","page":540},{"text":"الحديث فما ظنك بأهل هذا الزمن في الخطر نسأل اللّه العافية من ذلك بمنه وكرمه ا. هـ.\n\n٢٩٢٥ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - كلّ عين باكية يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا عين غضت عَن محارم اللّه وَعين سهرت فِي سَبِيل اللّه وَعين خرج مِنْهَا مثل رَأس الذُّبَاب من خشيَة اللّه رَوَاهُ الأَصْبَهَانِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"كلّ عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم اللّه\" تقدم في الجهاد في الحراسة.\n\n٢٩٢٦ - وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثَة لَا ترى أَعينهم النَّار عين حرست فِي سَبِيل اللّه وَعين بَكت من خشيَة اللّه وَعين كلفت عَن محارم اللّه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات معروفون إِلَّا أَن أَبَا حبيب العنقري وَيُقَال لَهُ القنوي لم أَقف على حَاله (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٤٨)، والبزار (٨٥٧٠)، وأبو بكر الأنبارى في حديثه (٧٦)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٨١٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٦٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ١٠٨١)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٩/ ١٦٠)، وأبو القاسم الأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" (٤٩٧)، وابن عساكر في \"الأربعين في الحث على الجهاد\" (٣٦). قال الدارقطني في أطراف الغرائب (٥/ ٢١٣): تفرد به عمر عن صفوان عنه. قال أبو نعيم: غريب من حديث صفوان وأبي سلمة، تفرد به عمر بن صهبان. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٥٦٢) و(٥١٤٤)، وضعيف الترغيب (٧٩٠) و(١١٩٦) و(١٩٣٥).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في المعجم (٢١٥) والطبراني في الكبير ١٩/ ٤١٦ (١٠٠٣)، والبغوى في =","vol":"8","page":541},{"text":"قوله: وعن معاوية بن حيدة (^١) - ﵁ - (بفتح الحاء المهملة وإسكان المثناة تحت - ابن معاوية بن قيس بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيرى البصرى الصحابى وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية الراوى عن أبيه، عن جدّه، وغزا خراسان ومات بها، سُئل يحيى بن مَعين، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، فقال: إسناد صحيح إذا كان من دونهم ثقة).\nقوله: - ﷺ - \"ثلاثة لا ترى أعينهم النار يوم القيامة\" فذكره إلى أن قال \"كفت عن محارم اللّه\" ومعناهما واحد.\nقوله: ورواته ثقات معروفون إلا أن أبا حبيب العنقري ويقال له القنوي لم أقف على حاله ا. هـ قال ابن عساكر أبو حبيب اسمه مبارك بن عبد الله.\n\n٢٩٢٧ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ اضمنوا لي سِتا من أَنفسكُم أضمن لكم الْجنَّة اصدقوا إِذا حدّثتم وأوفوا إِذا وعدتم وأدوا الأَمَانَة إِذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وَكفوا أَيْدِيكُم رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم كلهم من رِوَايَة الْمطلب بن عبد اللّه بن حنْطَب عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\n_________\n= شرح السنة (٤١٦٩)، والخلعى في الخلعيات (٤٤٧). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٨٨: رواه الطبراني وفيه أبو حبيب العنقزي ويقال: القنوي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٣١) و(١٩٠٠) و(٣٣٢٦) والصحيحة (٢٦٧٣).\n(^١) ترجمته: طبقات ابن سعد: ٧/ ٣٥، والاستيعاب: ٣/ ١٤١٥، وأسد الغابة: ٤/ ٣٨٥، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٥٨٧، وتهذيب الكمال ٢٨/ ٦٠٥١، والإصابة: ٣/ الترجمة ٨٠٦٥.\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الخطب والمواعظ، وأحمد ٥/ ٣٢٣ (٢٣٢٠٠)، وابن أبي الدنيا في =","vol":"8","page":542},{"text":"قَالَ الْحَافِظ بل الْمطلب لم يسمع من عبَادَة وَاللّه أعلم.\nقوله: وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: قال \"اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة\" الحديث الضمان يعني الكفاية.\nقوله: رووه كلهم من رواية المطلب بن عبد اللّه بن حنطب عنه (والمطلب لم يسمع من عبادة، قال أبو حاتم: المطلب بن حنطب عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدا من أصحاب النبي - ﷺ - إلا سهل بن سعد، وأنسا، وسلمة بن الأكوع أو من كان قريبا منهم).\n\n٢٩٢٨ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ -: أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لَهُ يَا عَليّ إِن لَك كنزا فِي الْجنَّة وَإنَّك ذُو قرنيها فَلَا تتبع النظرة النظرة فَإِنَّمَا لَك الأولى وَلَيْسَت لَك الْآخِرَة رَوَاهُ أَحْمد (^١) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ قَالَ\n_________\n= الصمت (٤٤٤) ومكارم الأخلاق (١١٦)، وابن خزيمة في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٣٥٩)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٢٨٨) ومكارم الأخلاق (١٩١)، والشاشى (١٢٦٤)، وابن حبان (٢٧١)، والحاكم ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والبيهقى في الكبرى (٦/ ٤٧١ رقم ١٢٦٩١) والشعب (٦/ ٤٥٠ - ٤٥١ رقم ٤٤٦٤) و(٧/ ٢٠١ رقم ٤٨٧٧). وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: فيه إرسال. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٤٥: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات إلا أن المطلب لم يسمع من عبادة. وقال في ٤/ ٢١٨: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات إلا أن المطلب لم يسمع من عبادة. وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٧٠) وصحيح الترغيب (١٩٠١) و(٢٤١٦) و(٢٩٢٥) و(٢٩٩٣).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٧ (١٧٢٢٧) و٦/ ٣٦٧ (٣٢٠٨٣)، وأحمد في فضائل الصحابة =","vol":"8","page":543},{"text":"رَسُول اللّه - ﷺ - لعَلي يَا عَليّ لَا تتبع النظرة النظرة فَإِنَّمَا لَك الأولى وَلَيْسَت لَك الْآخِرَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث شريك (^١).\nقَوله - ﷺ -: لعَلي وَإنَّك ذُو قرنيها أَي ذُو قَرْني هَذِه الْأمة وَذَاكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ شجتان فِي قَرْني رَأسه إِحْدَاهمَا من ابْن ملجم لَعنه اللّه وَالْأُخْرَى من عَمْرو بن ود وَقيل مَعْنَاهُ إِنَّك ذُو قَرْني الْجنَّة أَي ذُو طرفيها ومليكها الْمُمكن فِيهَا الَّذِي يسْلك جَمِيع نَوَاحِيهَا كَمَا سلك الْإِسْكَنْدَر جَمِيع نواحي الأَرْض شرقا وغربا\n_________\n= (١٠٢٨) و(١١٠١) والمسند ١/ ١٥٩ (١٣٨٦) و(١٣٩٠)، والدارمي (٢٧٠٩)، والبزار (٧٠٤) و(٩٠٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٨٦٥) ومعانى الآثار (٤٢٨٤)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٢٨٣)، وابن حبان (٥٥٧٠)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٠٩ رقم ٦٧٤)، والحاكم ٣/ ١٢٣. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم روى سلمة عن علي إلا هذا الحديث، ولا رواه عنه إلا محمد بن إبراهيم، ولا نعلم له إسنادا إلا هذا الإسناد. وقال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به حمَّاد.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٧٧: رواه البزار، والطبراني في الأوسط وزاد: \"وليست لك الآخرة\". ورجال الطبراني ثقات. وقال في ٨/ ٦٣: رواه أحمد، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٩٠٢): حسن لغيره.\n(^١) أخرجه وكيع في الزهد (٤٨٦)، وأحمد ٥/ ٣٥١ (٢٣٤٤٠) و٥/ ٣٥٣ (٢٣٤٥٧) و٥/ ٣٥٧ (٢٣٤٨٨)، وهناد في الزهد (١٤١٥)، وأبو داود (٢١٤٩)، والترمذى (٢٩٨٢) وابن أبي الدنيا في الورع (٦٩) والبزار (٤٣٩٥) والطحاوي في مشكل الآثار (١٨٦٧) وفي معاني الآثار (٤٢٨٨)، والحاكم (٢/ ١٩٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني: حسن الحجاب (٣٤)، صحيح أبي داود (١٨٦٥)، صحيح الترغيب (١٩٠٣).","vol":"8","page":544},{"text":"فَسُمي ذَا القرنين على أحد الْأَقْوَال وَهَذَا قريب وَقيل غير ذَلِك وَاللّه أعلم.\nقوله: وعن علي بن أبي طالب (^١) - ﵁ - بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المكي المدني الكوفي المدني أمير المؤمنين ابن عم رسول اللّه - ﷺ - واسم أبي طالب عبد مناف هذا هو المشهور وقيل اسمه كنيته وأم علي - ﵁ - فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية وهي أول هاشمية ولدت هاشميا أسلمت وهاجرت إلى المدينة وتوفيت في حياة رسول اللّه - ﷺ - وصلى عليها رسول اللّه - ﷺ - فأغضبته في شيء فخرج من المسجد فنام على التراب فخلص إلى ظهره فجاء رسول اللّه - ﷺ - فمسح التراب عن ظهره وقال: له إجلس أبا تراب قالها مرتين فكانت أحب ما ينادي إليه متفق عليه وهو أخو رسول اللّه - ﷺ - بالمواخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وأول هاشمي ولدين هاشمين وأول خليفة من بني هاشم وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه - ﷺ - بالجنة وهاجر علي - ﵁ - إلى المدينة واستخلفه النبي - ﷺ - حين هاجر من مكة إلى المدينة أن يقيم بمكة أياما حتى يؤدي عن أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي - ﷺ - ثم يلحقه بأهله ففعل ذلك قال الواقدي: لما وضعته أمه سمته أسد باسم أبيه وكان أبوه غائبا فلما قدم سمه عليا وقال ابن الكلبي لما\n_________\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٣/ الترجمة ١٨٥٥، وأسد الغابة ٣/ الترجمة ٣٧٨٣، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ الترجمة ٤٢٩، تهذيب الكمال ٢٠/ الترجمة ٤٠٨٩، والإصابة ٤/ الترجمة ٥٧٠٤.","vol":"8","page":545},{"text":"وضعته أمه سمته حيدرة وهو من أسامي الأسد لغلظ عنقه وذراعيه وهذا من أوصاف علي - ﵁ - روي له عن رسول اللّه - ﷺ - خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على عشرين حديثًا وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر حديثًا.\nفصل: في سبب قتل أمير المؤمنين علي - ﵁ - فقد نقل أنه - ﵁ - لما فرغ من قتل الخوارج والخوراج هم طائفة أنكروا على علي - ﵁ - التحكيم وتبرأوا منه ومن عثمان وذويهم وقاتلوهم وأخذ في الرجوع إلى الكوفة سبقه عبد الرحمن بن ملجم الأزدي يبشر أهلها بهلاك السراة الخوارج فمر بدار من دور الكوفة فيها جمع فخرج منها نسوة فرأى فيهن امرأة يقال لها قطام بنت الإصبغ التميمي بها مسحة حسن فنظر إليها فوقعت من قلبه فقال لها يا جارية أيم أنت أم ذات بعل فقالت أيم قال: لها فهل لك من زوج لا يذم خلائقه فقالت نعم ولكن لي أولياء أشاورهم فتبعها فلما عاودها قالت إن أوليائي أبوا أن ينكحوني إلا على ثلاثة ألف درهم وعبد وقينة قال: لك ذلك قالت وشرط آخر قال: وما هذا الشرط قالت قتل علي بن أبي طالب فاسترجع وقال: ويحك ومن يقدر على قتله وهو فارس الفرسان فقالت لا تكثر علينا أما المال فلا حاجة لنا فيه ولكن قتل علي فهو الذي قتل أبي وهو كافر فقال لها أي يوم الأحزاب كذا بخط المصري رحمه اللّه تعالى فقال لها أما قتل علي فلا ولكن إن رضيت أن أضرب عليا بسيفي ضربة فعلت فقالت قد رضيت فاترك سيفك عندي رهينة فدفع إليها سيفه وانصرف فلما قدم علي س الكوفة واستقبله الناس يهنئونه بالظفر بالخوارج ودخل المسجد فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر وخطب","vol":"8","page":546},{"text":"الناس وذكر شيئًا مما أكرمه اللّه تعالى به ثم دخل منزله فلما كانت ليلة الجمعة التي قتل فيها لكن قيل لتسع عشر خلت من رمضان وقيل ليلة الحادي والعشرين وقيل ليلة الثالث والعشرين منه مات ليلة الأحد ثالث ليلة ضربه من سنة أربعين من الهجرة النبوية فيكون عمره خمسا وستين سنة على الأصح من الأقوال فلما خرج من منزله لأجل صلاة الصبح وكان في داره شيء من الإوز فلما صار في صحن الدار فصاحت في وجهه فطردن عنه فقال دعوهن فإنهن نوائح وفي رواية صوائح يتبعها صوارخ وقصته مشهورة فقال له ابنه الحسن: با أبت ما هذه الطيرة فقال: يا بني لم أتطير ولكن قلبي يشهد أني مقتول وقد قيل أنه قال: وهو خارج من منزله:\nاشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا ... ولا تجزع من الموت إذا حل بناديكا (^١)\nوقوله: قلبي يشهد أني مقتول فراسة قلبية منه فلما وقف في وضع الأذان أذن ودخل المسجد وقد كان عبد الرحمن بن ملجم تلك الليلة في بيت قطام فلما سمعتُ صوت علي - ﵁ - قامت إلى عبد الرحمن وقالت يا أخا مراد هذا أمير المؤمنين علي فقم واقض حاجتنا وارجع قرير العين ثم ناولته سيفه وأخذ السيف وجاء فدخل المسجد ورمى بنفسه بين النيام وأذن علي ودخل فجعل ينبه من بالمسجد من النيام ثم صار على محرابه فوقف فيه واستفتح وقرأ فلما ركع وسجد سجدة ضربه على رأسه فوقعت على ضربة عمرو بن عبد ود يوم الخندق بين يدي رسول اللّه - ﷺ - ولما ضربه قال:\n_________\n(^١) فضائل الصحابة (٩٠٨) و(٩٠٩)، ومرآة الزمان (٦/ ٤٥٧ - ٤٦٥).","vol":"8","page":547},{"text":"فزت ورب الكعبة ثم بادر وخرج هاربا من المسجد وسقط علي - ﵁ - كما به وتسامع الناس بذلك وقالوا قتل أمير المؤمنين فأقام الحسن - ﵁ - وصلى بالناس ركعتين خفيفتين وأمسك عبد الرحمن فلما حضر بين يدي علي وجعل الناس يلطمون خده من كلّ ناحية فقال له علي - ﵁ - ويحك يا أخا مراد بئس الأمير كنت لك قال لا يا أمير المؤمنين قال: ويحك ما حملك على أن فعلت ما فعلت فسكت فقال: علي - ﵁ - وكان أمر الله قدرا مقدورا ثم أمر بحبسه وقال: إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وحثهم على إطعامه فلما أحس من نفسه الموت جمع بنيه ووصى وصيته المعروفة فلما فرغ من الوصية قال: السَّلام عليكم ورحمت اللّه وبركاته ثم لم يتكلم إلا لا إله إلا الله حتى توفي فلما مات غسله الحسن والحسين وولده محمد بن الحنفية أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية من سبي اليمامة يصب الماء ثم كفن وحنط وحمل وصلى عليه ابنه الحسن وكان عنده فضل من حنوط رسول اللّه - ﷺ - أوصى أن يحنط به ودفن في جوف الليل بالغربي وقيل بين منزله وبين المسجد الأعظم واللّه أعلم أي ذلك كان ولعل الحكمة في دفنه ليلا خشية عليه من الخوارج أن يفعلوا به شيئًا يكاد به.\nتنبيه: وأبهم قبر علي - ﵁ - وفي ذلك إشارة إلهية أعني إبهام قبره حماية له من ضلال المتولين له واتخاذ قبره وثنا يعبد من دون الله ففي إخفائه رحمة لهم والله أعلم وكان عند علي - ﵁ - يوم قتل أربع نسوة حرائر في نكاحه وهن أمامة بنت العاص بن الربيع بن عبد شمس بنت زينب بنت رسول اللّه - ﷺ - تزوجها بعد خالتها البتول فاطمة - ﵂ - وليلى بنت مسعود التميمة وأسماء بنت","vol":"8","page":548},{"text":"عميس الخثعيمة وأم البنين الكلابية وأمهات أولاد ثمانية عشر أم ولد فلما كان بعد ذلك أتى بابن ملجم فضربه الحسن ضربة على رأسه وتبادر الناس فقتل وقد نظم بعضهم أبياتا يذكر فيها شيئًا من ذلك فقال:\nفلم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم\nثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم\nفلا مهر أغلى من علي وإن علا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم ا. هـ\nولعل تطير أمير المؤمنين علي - ﵁ - بصياح الإوز أن من شأنها إذا دخل عليها غريب أو شيء من غير جنسها صاحت عليه صياح المصاب وسعت خلفه ومدت رقابها كالمقاتلة لتنال منه ولعل الغريب الذي رأته في تلك الحالة وصاحت عليه هو ملك الموت الذي أحاط بنفس أمير المؤمنين عند دنو أجله وقتله وفيه إشارة من قوله - ﷺ - أنه برأ من الصالقة وفسرت بالتي ترفع صوتها عند المصيبة وفيه حكمة لطيفة أيضًا وهو أن الإوز من شأنها إذا دخل عليها من جنسها شيء ألفته واجتمعت عليه وظهر منها البشر ومدت رقابها إليه كالمسلمة عليه والمستأنسة به وهي من الطيور التي إذا طارت أخذت نحو السماء فالمؤمن إذا قبض صعد بروحه إلى السماء حتى يقف بين يدي الله ﷿ وينال من الله الكرامة والرحمة والبشرى ثم ترجع إلى محل كرامته فيجتمع عليه أرواح المؤمنين من إخوانه ومعارفه فيسألونه عمن خلفوا بعدهم أنهم يقولون ما فعلت فلانة وما فعل فلانه هل تزوجت أم لا؟ فناسب ذلك ما توهمه أمير المؤمنين على بن أبي طالب - ﵁ -.","vol":"8","page":549},{"text":"قوله - ﵁ -: لولده الحسن - ﵁ -: إن قلبي يشهد أني مقتول لأنه إذا قتل رفعت روحه إلى السماء كغيره من المؤمنين (^١).\nخاتمة: أفرس الناس أربعة كما قاله الحافظ إسماعيل الهروي في كتابه ذم الكلام فمنها قول العزيز لنبي اللّه يوسف - ﷺ -: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (^٢).\nالثاني: قول آسية بنت مزاحم زوج فرعون لما التقط آل فرعون نبي اللّه موسى - ﵇ - من البحر وهموا بقتله قالت له: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (^٣).\nالثالثة: ابنة شعيب نبي الله حين أحضرته لأبيها قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (^٤).\nالرابعة خديجة الكبرى ﵂ للنبي - ﷺ - حين أخبرها بخبر جبريل - ﵇ - ونزوله بالوحي عليه وقله لها - ﷺ - \"لقد خشيت على نفسي وأخبرها\" فقالت لا يخزيك اللّه أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقر الضيف وتعين على نوائب الحق، وفي رواية وتصدق الحديث (^٥).\n_________\n(^١) مرآة الزمان (٦/ ٤٥٧ - ٤٦٥).\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ٥٤.\n(^٣) سورة القصص، الآية: ٩.\n(^٤) سورة القصص، الآية: ٢٦.\n(^٥) لم أجده في ذم الكلام للهروي، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ١٢٠.","vol":"8","page":550},{"text":"خاتمة، ثانية إنما جمع بين قتل الإمامين عمر في أوائل هذا التعليق في حديث إنما الأعمال بالنيات وقتل علي - ﵁ - لما فيه من المناسبة بينهما فمنها كونها خليفتين قتلا في صلاة الصبح في صلب الصلاة فعمر طعن ثلاث طعنات وعلى ضرب بالسيف على رأسه ومنها أنهما قتلهما من رعيتهما فعمر قتله أبو لؤلؤة فيروز المجوسي وعلي قتله عبد الرحمن بن ملجم لأجل إمرأة اسمها قطام ومنها أنهما شهيدان في الآخرة ومنها أن كلا منهما قال: في حال طعنه وضربه وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ومنها أن كلا منهما عاتب قاتله فعمر قال: قاتله اللّه لقد أمرت به معروفا وعلى قال: يا أخا مراد بئس الأمير كنت لك قال: لا ومنها أن كلا منهما أحس بقتل نفسه فعمر رأى الرؤياء التي تقدم ذكرها في اول حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" وعلي - ﵁ - تفاءل بصياح الإوز في وجهه حين خرج إلى صلاة الصبح التي قتل فيها ومنها أن كلا منهما استخلف في صلاته من يتممها فعمر استخلف عبد الرحمن بن عوف ليتم الصلاة اللوحة وعلي - ﵁ - قدم ولده الحسن فصلى بالناس صلاة خفيفة ومنها أن كلا منهما دفن في البلد التي قتل فيها فعمر - ﵁ - دفن بالمدينة المشرفة في الروضة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام نهارا وعلي - ﵁ - دفن بالكوفة ليلا رحمهما اللّه ورضي عنهما كما تقدم ومنها قول سيد البشر - ﷺ - \"لو كان بعدى نبي يأتيه الخبر من السماء لكان عمر\" وقال لعلي: \"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي\" ومنها أن كلا منهما وصى قبل موته فعلي - ﵁ - وصى وصيته المعروفة","vol":"8","page":551},{"text":"وعمر - ﵁ - بجعل الخلافة بعده في الستة المتقدم ذكرهم في قتل عمر وأوصى بأهل الأمصار وذمة اللّه رضي اللّه تعالى عنه وقال في وصيته: من استخلفوا بعدي فهو الخليفة واسمعوا له وأطيعوا ا. هـ ما ذكره الشيخ الإمام العلامة الشريف النسابة في كتابه المذكور فيه قتل الإمامين الجليلين الكبيرين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب - ﵄ -.\nتنبيه: واتفق علماء السير على أنه ولي الخلافة في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين في الأصح وفيها قتل عثمان - ﵁ - ولي الخلافة خمس سنين وقيل خمس سنين إلا أشهر وبويع له بالخلافة في مسجد رسول اللّه - ﷺ - بعد قتل عثمان لكونه أفضل الصحابة حينئذ وأخبره النبي - ﷺ - بأنه سيقتل ونقلوا آثارا كثيرة تدل على أنه علم السنة والشهر والليلة التي يقتل فيها وصفته - ﵁ - قال ابن سعد بإسناده عن الشعبي قال: رأيتُ عليا وكان عريض اللحية أخذت ما بين منكبيه وكان لحيته كثة قال: قال: أبو إسحاق رأيتُ عليا أبيض الراس واللحية أصلع أجلح وكان آدم اللون شديد الآدمة ربعة حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر ضحوك ألين عظيم العينين ليس بالطويل ولا بالقصير وقال ابن سعد قال: سوادة بن حنظلة القشيري رأيتُ عليا أصفر اللحية وروى ابن سعد أيضًا عن محمد بن الحنفية قال: خضب علي - ﵁ - بالحناء مرة ثم ترك (^١) ا. هـ ومناقبه كثيرة مشهورة دفن بالكوفة كما تقدم والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) مرآة الزمان (٦/ ٤٩).","vol":"8","page":552},{"text":"تتمة: الشجاج في الرأس الحارصة والدامية والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة والدامغة (فالحارصة ما تشق الجلد قليلًا، ولا تدمي والدامية ما تشق) الجلد وتدمي من (غير) سيلان والباضعة ما تقطع اللحم لأن البضع الشق والمتلاحمة ما تنزل في اللحم أي تغوص فيه والسمحاق ما يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة سميت بذلك لأن الجلدة تُسمّى سمحاق الرأس وتسميها أهل المدينة الملطاة ويجب في هذه الخمسة الحكومة والموضحة ما توضح العظم أي تكشفه في الرأس والوجه وفيها خمس من الإبل أي في الحر المسلم الذكر وهي نصف عشر ديته لحديث عمرو بن حزم في ذلك والهاشمة وما تهشم العظم أي تكسره بعد الإيضاح فيجب فيها عشر من الإبل للاجماع والمنقلة ما لا تبرأ إلا بنقل العظم ويجب فيها خمسة عشر من الإبل بالإجماع والمأمومة ما تصل إلى الجلدة التي تلي الدماغ ويجب فيها ثلث الدية لحديث عمرو بن حزم والدامغة ما وصل إلى الدماغ ويجب فيها ما يجب في المأمومة وهو ثلث الدية لأنها واصلة إلى جوف فأشبهت الجائفة وفي الجائفة ثلث الدية بالإجماع قاله في هادي النبيه (^١).\nقوله - ﷺ - لعلي - ﵁ -: \"إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو قرنيها\" أي ذو قرني هذه الأمة وذاك لأنه كان شجتان في قرني رأسه إحدهما من عمرو بن عبد ود والأخرى من ابن ملجم واسمه عبد الرحمن بن ملجم كما تقدم فضربه بسيف مسموم في جبهته فأوصله دماغه ليلة الجمعة.\n_________\n(^١) هادى النبيه (مخ ٢٣٥٧ ظاهرية/ لوحة ٣٥ و٣٦).","vol":"8","page":553},{"text":"عجيبة: لها تعلق بعبد الرحمن بن ملجم قال صاحب غريب الحديث: أن الرشيد بعث رسولا إلى ملك الروم فنزل على بطريق كبير من بطارقة الروم وأقام عنده إلى حيث يستأذن له بالحضور فمكث أيّاما، واستأنس به البطريق، فخرجا ذات يوم إلى ظاهر تلك الناحية يتسايران قال: فنظرت إلى سواد عن بعد على ساحل البحر فسألت ذلك البطريق عنه فقال: هو دير قديم لا يعلم بانيه وفيه راهب تعظمه أهل النصرانيه كلها لعلمه ودينه وكبر بيته ولي به أنسة لقدم المجاورة وكثرة تكراري إليه ألتمس بركته فلمّا علم وتحقّق حسن نيّتى وظنّى به، قال لي يومًا ونحن في خلوة من الناس إنى مسر إليك بشيء وناصحك في أمر آخرتك لثقتي بعقلك وحلمك وحسن فهمك اعلم أني منذ أعوام كنت جالسا بأعلى هذا الدير وأنا انظر إلى البحر وهوله متفكرا في عظيم قدرة اللّه وخطر ببالي أمر المسلمين واستيلائهم على الدنيا وانتصارهم على دين المسيح فبيناما أنا في هذه الفكرة لم أشعر إلا بطائر خرج من البحر كالبختي العظيم فرفرف على هذا الدير حتى خشيت أن يقتلعه ثم رمى من منقاره رأس لآدمي ثم أتبعه بيده ثم بيده الأخرى ثم بحشو بطنه ثم بفخذيه ورجليه فلما تكاملت الأعضاء كلها التصقوا بقدرة اللّه تعالى وعاد آدميا قائما ثم إن الطائر قطعه كما كان ثم ابتلعه قطعة قطعة وحلق نحو البحر فلما عاينت ذلك غبت عن الدنيا ساعة لهول ما عاينت ولم أزل في فكرة ذلك إلى ثاني يوم مثل ذلك الوقت الذي ظهر فيه ذلك الطائر ثم لم أشعر إلا بذلك الطائر وقد فعل بذلك الآدمي كفعلته بالأمس ثم كان كذلك","vol":"8","page":554},{"text":"في اليوم الثالث وقد أنست بفعله فصبرت عليه حتى تكامل ذلك الآدمي واستوى إنسيا قائما فقلت له بحق من بلاك بهذا البلاء إلا أخبرتني من أنت فقال أن عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب - ﵁ - قد وكل اللّه به هذا الطائر أو قال: هذا الملك فهو يفعل به ما تراه في كلّ يوم إلى يوم القيامة فمنذ ذلك اليوم أقررت بالإسلام وقد نصحتك الآن فكن كيف شيئت قال: البطريق وإني أيضًا مسلم منذ ذلك اليوم وأنا أخفي إسلامى خوفا على نفسي وأهلي وولايتي واشهد علي أنى أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه قال في تاريخ كنز الدرر وهو تاريخ نفيس تسعة أجزاء (^١).\nقوله: كان له شجتان، الشجتان مثنى شجة والشجة بالشين المعجمة والجيم الجراحة في الرأس والوجه دون غيرهما من البدن كذا ذكره صاحب المحكم من أهل اللغة وقاله الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ذكره في شرح الأحكام وجمع شجة شجاج وقيل الشجة الضربة التي تبلغ أم الرأس وهي خريطة الدماغ المحيط به وتسمى المأمومة لأنها بلغت أم الراس (وفي أسماء الشجاج \"السمحاق\" وهي التي) بينها وبين العظم قشرة رقيقة وقيل تلك القشرة هي السمحاق وهي فوق قحف الرأس (فإذا انتهت الشجة إليها سميت سمحاقا) قاله في النهاية (^٢).\nقوله: \"إن لك كنزا في الجنة ورأيت في بعض المواضع أن لك بيتا\".\n_________\n(^١) كنز الدرر (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ٣٩٨).","vol":"8","page":555},{"text":"قوله: \"وإنك ذو قرنيها\" أي ذو قرني هذه الأمة وذاك لأنه كان له شجتان في قرني رأسه إحدهما من ابن ملجم والأخرى من عمرو بن عبد ود وقيل معناه أنك ذو قرني الجنة أي ذو طرفيها وملكها الممكن فيها الذي يسلك جميع نواحيها كما يسلك ذو القرنين جميع نواحي الأرض شرقا وغربا وبذلك سمي ذي القرنين على أحد الأحوال الأقوال ا. هـ ما ذكره المنذري.\nقوله: \"وإنك ذو قرنيها\" أي صاحب قرنيها يريد قرني الجنة أي طرفيها وجانبيها فالهاء عائدة عليها وقيل ذو قرنى هذه الأمة أي أنك فيها كذى القرنين في أمته ودعائه لهم وقيل بل الهاء على الأمة.\nوقوله: \"كلما سلك الإسكندر جميع نواحي الأرض شرقا وغربا فسمي ذا القرنين\" الإسكندر الذي ملك الدنيا وسمي بذلك لأنه طاف الدنيا يعني شرقها وغربها أو لأن له ضفيرتين أو لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وقيل كانت صفحتا رأسه من نحاس وقيل لأنه كان على رأسه شبه القرنين قاله الكرماني (^١) وقيل معناه فارسها وكبشها وقيل معناه أنك مضروب (على) هذه الأمة بقرني رأسك وقيل رأى في النوم أنه أخذ بقرني الشمس قاله في النهاية (^٢) وقيل أراد الحسن والحسين وقيل غير ذلك.\nقوله: - ﷺ - لعلي \"يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما الأولى لك وليست لك الآخرة\" الحديث.\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١٤/ ٧).\n(^٢) النهاية (٤/ ٥٢).","vol":"8","page":556},{"text":"تنبيه: ومن الفرائض غض البصر عن المحارم وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج واللّه أعلم.\n\n٢٩٢٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ كتب على ابْن آدم نصِيبه من الزِّنَا فَهُوَ مدرك ذَلِك لَا محَالة العينان زناهما النّظر والأذنان زناهما الاسْتِمَاع وَاللِّسَان زِنَاهُ الْكَلَام وَالْيَد زنَاهَا الْبَطْش وَالرجل زنَاهَا الخطى وَالْقلب يهوى ويتمنى وَيصدق ذَلِك الْفرج أَو يكذبهُ رَوَاهُ مُسلم وَالْبُخَارِيّ بِاخْتِصَار وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١) وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَأبي دَاوُد وَالْيَدَانِ تزنيان فزناهما الْبَطْش وَالرجلَانِ تزنيان فزناهما الْمَشْي والفم يَزْنِي فزناه الْقبل (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة\" الحديث معنى الحديث أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا فهو مدرك ذلك النصيب ومرتكبه له بلا شك الأمور المقدرة لا بد من وقوعها فمنهم من يكون زناه حقيقيا بإدخال الفرج في الفرج الحرام ومنهم من يكون زناه مجازيا بالنظر الحرام إلى من يحرم عليه النظر إليه أما بمحادثة الأجنبية في ذلك المعنى وإما بالاستماع إلى حديثها بشهوة وإما بلمسها بشهوة وإما بالمشي إلى الفاحشة وأما بالتقبيل المحرم وأما بالتمنى بالقلب والتصمم على فعل الفاحشة فكل هذه الأمور مقدمات للزنى ويطلق عليها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٤٣) و(٦٦١٢)، ومسلم (٢٥ - ٢٦٥٧)، وأبو داود (٢١٥٢) والنسائي في الكبرى (١١٤٨٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢١ - ٢٦٥٧)، وأبو داود (٢١٥٣ و٢١٥٤)، وابن حبان (٤٤٢٣).","vol":"8","page":557},{"text":"اسم الزنى مجازا وعلامة المجاز فيها لزوم التقييد فإنه لا يصح أن يقال في صاحب النظر المحرم أنه زان مطلقا بلا قيد (^١).\nقوله - ﷺ -: \"مدرك ذلك\" أي إدراك الذي كتب عليه وواقعه (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"لا محالة\" بفتح الميم المهلة وبالحاء المهملة يعني لابد (^٣) قال في النهاية (^٤): أي لا حيلة له في التخلص من إدراك ما كتب له وأكثر ما يستعمل لا محالة بمعنى اليقين والحقيقة أو بمعنى لا بد وقال صاحب الصحاح (^٥): المحالة الحيلة ثم قال: وقولهم لا محالة أي لابد يقال الموت آت لا محالة وقال ابن الأنباري المحالة والحول الحيلة.\nقوله - ﷺ -: \"العينان زناهما النظر\" أي هيئة زناهما ليست كهيئة الزنى الحقيقي الذي هو لإيلاج الفرج في الفرج المحرم وإنما هيئة النظر (^٦).\nقوله - ﷺ -: \"والأذنان زناهما الاستماع\" قد يستدل بقوله والأذنان زناهما الاستماع إلى حديث الأجنبية بشهوة حرام والأصح عند أصحابنا أن صوتها ليس بعورة (^٧).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٨/ ١٩).\n(^٢) طرح التثريب (٨/ ١٩).\n(^٣) طرح التثريب (٨/ ١٩).\n(^٤) النهاية (٤/ ٣٠٤).\n(^٥) الصحاح (٤/ ١٦٨١).\n(^٦) طرح التثريب (٨/ ٢٠).\n(^٧) طرح التثريب (٨/ ٢١).","vol":"8","page":558},{"text":"قوله - ﷺ -: \"واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش\" ليس معناه أن كلّ بطش محرم يطلق عليه زني إنما ذلك فيما هو من مقدمات الزنى وتفسيره (^١).\nقوله: في رواية ابن حبان من حديث ابن عباس واليد زناهما اللمس فالمراد بطش مخصوص (^٢).\nقوله: - ﷺ - \"والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه\" معناه أنه قد يتحقق الزنى بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك أي إن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقاب في الآخرة هو الفرج فأخبر - ﷺ - أن العين نظرها زنى إذا نظرت إلى من لا يحل لها النظر إليه من النساء وأنها توصل ذلك على النفس فتتمنى النفس وتشتهي ما رأت العين وكذلك اللسان ينطق مع من رأت العين فيكون داعيا إلى الفرج الذي هو يكذب الفعل أو يصدقه اعلم أن النفس تلتذ بواسطة الجوارح فلذلك أضاف رسول اللّه الزنى إلى الجوارح.\n\n٢٩٣٠ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ العينان تزنيان وَالرجلَانِ تزنيان والفرج يَزْنِي رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى (^٣).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٨/ ٢١).\n(^٢) طرح التثريب (٨/ ٢١).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٤١٢ (٣٩٨٩)، والبخاري في الأدب المفرد (١٥٧)، والبزار (١٩٥٦)، وأبو يعلى (٥٣٦٤)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٧١١)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٤ رقم ٨٦٦١) و(١٠/ ١٥٥ رقم ١٠٣٠٣). =","vol":"8","page":559},{"text":"٢٩٣١ - وَعَن جرير - ﵁ - قَالَ سَأَلت رَسُول اللّه - ﷺ - عَن نظر الْفُجَاءَة فَقَالَ اصرف بَصرك رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: \"وعن جرير\" كنيته: أبو عمرو جرير بن عبد اللّه بن جابر بن مالك البجلي الأحمسي بالمهملتين الكوفي نزل الكوفة ثم تحول منها إلى قرقيسا وتوفي بها سنة إحدى وخمسين قال جرير: ما حجبني رسول اللّه - ﷺ - منذ أسلمت ولا رأني إلا تبسم في وجهي ولقد شكوت إليه أن لا أثبت على الخيل فضرب بيده على صدر وقال: \"اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا\" رواه الجماعة إلا أبا داود\" (^٢).\nقوله: ما حجبني رسول اللّه - ﷺ - منذ أسلمت لا يفهم من هذا أن جريرا كان يدخل على النبي - ﷺ - بيته من غير إذن فإن ذلك لا يصح لحرمة بيت النبي - ﷺ - ولما ولما يفضي ذلك على الاطلاع على ما لا يجوز من عورات النساء وإنما أراد المبالغة في الكرامة.\nقوله: ولا رآني إلا ضحك في وجهي هذا منه - ﷺ - فرح به وبشاشة للقائه وإعجاب برؤيته فإنه كان من كملة الرجال خلقا وخلقا ففيه استحباب\n_________\n= قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٦: رواه أحمد، وأبو يعلى وزاد: \"واليدان تزنيان\". والبزار والطبراني، وإسنادهما جيد. وصححه الألباني في الإرواء (٤٢٨)، وصحيح الترغيب (١٩٠٥).\n(^١) أخرجه مسلم (٤٥ - ٢١٥٩)، وأبو داود (٢١٤٨)، والترمذى (٢٧٧٦)، والنسائي في الكبرى (٩١٨٩)، وابن حبان (٥٥٧١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٣٦) و(٣٨٢٢) و(٦٠٨٩، ٦٠٩٠)، ومسلم (١٣٤ و١٣٥ - ٢٤٧٥)، والترمذى (٣٨٢٠ و٣٨٢١)، وابن ماجة (١٥٩).","vol":"8","page":560},{"text":"هذا اللطف للوارد وفيه فضيلة ظاهرة لجرير - ﵁ - وقول جرير (ولقد شكوت إليه أن) لا أثبت على الخيل يعني أنه كان يسقط أو يخاف السقوط عن ظهورها حالة إجرائها فدعا له النبي - ﷺ -.\nقوله: سألت رسول اللّه - ﷺ - \"عن نظر الفجاءة فقال: اصرف بصرك\" الحديث الفجأة بضم الفاء وفتح الجيم وبالمد ويقال أيضًا بفتح الفاء وإسكان الجيم والقصر لغتان هي البغتة يقال بغته ببغته بغتا أي فجأة ونظر الفجأة أن يقع بصره على أجنبية من غير قصد فهي معفو عنها ولا إثم عليه في ذلك قال اللّه تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال فإن صرف في الحال فلا إثم عليه وإن استدام النظر إثم لهذا الحديث فإنه - ﷺ - أمره أن يصرف بصره مع قوله: تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (^١) فالمحرم من ذلك النظر وتأمل المحاسن ولهذا قال في حديث على المتقدم: لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليس لك الآخرة قال القاضي عياض (^٢): قال العُلماء في هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لعذر شرعي وهو حالة الشهادة أو المداواة وإرادة خطبتها أو شراء الجارية أو المعاملة كما تقدم في اول هذا الباب وأنه يباح في جميع هذا قدر الحاجة دون ما زاد\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣٠.\n(^٢) إكمال المعلم (٧/ ٣٧).","vol":"8","page":561},{"text":"على ذلك واللّه أعلم وقيد صاحب المفهم مقالة القاضي عياض بما إذا لم يخش الإفتتان (^١).\n\n٢٩٣٢ - وَعَن عبد اللّه يَعْنِي ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْإِثْم حواز الْقُلُوب وَمَا من نظرة إِلَّا وللشيطان فِيهَا مطمع رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره (^٢) وَرُوَاته لا أعلم فيهم مجروحا لَكِن قيل صَوَابه الْوُقُوف حواز الْقُلُوب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو وَهُوَ مَا يحوزها ويغلب عَلَيْهَا حَتَّى ترتكب مَا لا يحسن وَقيل بتَخْفِيف الْوَاو وَتَشْديد الزَّاي جمع حازة وَهِي الأُمُور الَّتِي تحز فِي الْقُلُوب وتحك وتؤثر وتتخالج فِي الْقُلُوب أَن تكون معاصي وَهَذَا أشهر.\nقوله: وعن عبد اللّه يعني ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"الإثم حواز القلوب\" قد فسر الحافظ ﵀ فقال وحواز يفتح الحاء المهملة وتشديد الواو وهو ما يجوزها ويغلب عليها حتى ترتكب ما لا يحس ا. هـ وهكذا قال شمر: بتشديد الواو من حاز يجوز أي لجميع\n_________\n(^١) المفهم (١٨/ ٦).\n(^٢) أخرجه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٠٧ رقم ٥٠٥١) عن ابن مسعود مرفوعًا. قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (١/ ٣٢): بعد ما عزاه للبيهقي من حديث ابن مسعود: ورواه العدني في مسنده موقوفًا عليه. وأخرجه ابن أبي عمر كما في المطالب العالية (١٥٩٠)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٦٥)، وأبو داود في الزهد (١٢٥)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٤٩ رقم ٧٨٤٨ و٧٨٤٩)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (٢٢١٢).\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٧٦: رواه الطبراني كلّه بأسانيد رجالها ثقات. وصحح الألباني وقفه كما في الصحيحة (٢٦١٣) وصحيح الترغيب (١٩٠٧).","vol":"8","page":562},{"text":"القلوب ويغلب عليها ا. هـ، وقيل بتخفيف الواو تشديد الزاي جمع حازة وهي الأمور التي تحز في القلوب وتحك وتؤثر وتتخالع في القلوب أن تكون معاصي وهذا أشهر قاله المنذري وكذلك قال: شمر المشهور تشديد الزاي (^١) ١. هـ.\nقوله: - ﷺ - \"وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع\" تقدم الكلام على النظرة.\n\n٢٩٣٣ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم أَو ليكسفن اللّه وُجُوهكُم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: عن أبي أمامة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم أو ليكسفن اللّه وجوهكم\" غض البصر هو عبارة عن انكفافه عما لا يجوز النظر إليه وحفظ الفرج هو عبارة عن الوقوع في الزنى.\nقوله: \"ليكسفن اللّه وجوهكم\" كسف الوجوه هو عبارة (عن التغير إلى السواد).\n\n٢٩٣٤ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من صباح إِلَّا وملكان يناديان ويل للرِّجَال من النِّسَاء وويل للنِّسَاء من الرِّجَال رَوَاهُ ابْن\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٣٧٨ و١/ ١١٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٨ رقم ٧٨٤٠). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٣: رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١١٩٧): ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":563},{"text":"مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد - ﵁ - هو الخدري واسمه: سعد بن مالك الخدري وخدرة اسم قبيلة من الأنصار تقدم الكلام عليه مبسوطًا.\nقوله: - ﷺ - ما من صباح إلا وملكان يناديان \"ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجال\" ويل قيل اسم واد في جهنم وقيل اسم حجر فيها وتقدم الكلام على ذلك في إسباغ الوضوء وفي الزكاة في ذكر العرفاء.\nفائدة في الحديث النساء حبائل الشيطان أي مصائدة الحبائل بالحاء المهملة والباء الموحّدة جمع حبالة بالكسر وحبالة جمع حبل على غير قياس وهي المصائد ومنه حديث ابن ذي يزن وينصبون له الحبائل والحبالة المصيدة من أي شيء كاشف وحبائل الموت أسبابه (^٢) ا. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٩٦٣)، وابن ماجة (٣٩٩٩)، وابن أبي الدنيا في الإشراف (٣٢)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٤٢٤)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٢٢)، والحاكم ٢/ ١٥٩ و٤/ ٥٥٩. قال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا خارجة، وهو صالح. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي في الموضع الأول فقال: خارجة واه وقال في الثانى: خارجة ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع: رواه البزار، وفيه خارجة بن مصعب الخراساني، وهو ضعيف جدًّا. وقال يحيى بن يحيى: مستقيم الحديث، وبقية رجاله ثقات.\nوقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٨١: هذا إسناد فيه خارجة وهو ضعيف ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن وكيع هكذا ورواه عبد بن حميد في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة به ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد. وقال الألباني في الضعيفة (٢٠١٨) وضعيف الترغيب (١١٩٨): ضعيف جدًّا.\n(^٢) النهاية (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤).","vol":"8","page":564},{"text":"٢٩٣٥ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت بَيْنَمَا رَسُول اللّه - ﷺ - جَالس فِي الْمَسْجِد إِذْ دخلت امْرَأَة من مزينة ترفل فِي زِينَة لَهَا فِي الْمَسْجِد فَقَالَ النَّبِيّ يَا أَيهَا النَّاس انهوا نساءكم عَن لبس الزِّينَة والتبختر فِي الْمَسْجِد فَإِن بني إِسْرَائِيل لم يلعنوا حَتَّى لبس نِسَاؤُهُم الزِّينَة وتبختروا في الْمَسَاجِد رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وروي عن عائشة - ﵂ - هي أم المؤمنين أم عبد اللّه - ﵂ - ففي موضعين أحدهما أن عائشة وغيرها من أزواج النبي - ﷺ - يقال: لها أمهات المؤمنين لقوله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (^٢) ولهذا حرم نكاحهن على غيره بدليل: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (^٣) ولأنه كان النبي - ﷺ - للناس كالأب لرأفته ورحمته بهم ولذلك قال: - ﷺ - \"إنما أنا لكم كالوالد أعلمكم كن أزواجه مالإمهات لهم\" فأما قوله ﷿: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^٤) فالمراد هي أبوة النسب ولذلك لم يعيش له ابن حتى\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (٨٥٥)، وابن ماجة (١٩٠٨)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٤٠٣). قال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٨١: هذا إسناد ضعيف داود بن مدرك لا يعرف وموسى بن عبيدة ضعيف رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر في مسنده ثنا مروان ثنا موسى بن عبيدة حدّث داود بن مدرك فذكره بالإسناد والمتن ورواه أبو بكر بن أبي شيبة هكذا ورواه أحمد بن منيع في مسنده عن مروان بن معاوية عن موسى بن عبيدة به.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٢١)، وضعيف الجامع (٦٣٨٥)، وضعيف الترغيب (١١٩٩) و(١٢٣٩).\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٦.\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٣.\n(^٤) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.","vol":"8","page":565},{"text":"يصير من الرجال الموضع الثاني إنما كنيت عائشة - ﵂ - أم عبد اللّه بابن أختها أسماء عبد اللّه بن الزبير روى أنهتا قالت يا رسول اللّه كلّ نسألك لهن كنوز إلا أنا فقال - ﷺ - اكتنى بابن أختك عبد اللّه بن الزبير فقيل لها أم عبد اللّه وإلا فالأصح أنها لم تلد من النبي - ﷺ - شيئًا وقيل ألقت منه سقطا ذكره السهيلي في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (^١) وليس ذلك بثابت واللّه أعلم.\nقوله: بينما رسول اللّه - ﷺ - جالس في المسجد إذ دخلت امرأة من مزينة ترفل في زينة لها في المسجد. تقدم الكلام على بينما في حديث جبريل - ﵇ - المطول وغيره ومزينة بضم الميم وفتح الزاي اسم قبيلة من مضر وترفل في زينة الرافلة هي التي ترفل في ثوبها أي تبتخر والرفل الذيل يقال رفل إزاره إذا أسبله وتبختر فيه (^٢) واللّه أعلم.\n\n٢٩٣٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إيَّاكُمْ وَالدُّخُول على النِّسَاء فَقَالَ رجل من الأَنْصَار أَفرَأَيْت الحم قَالَ الحم الْمَوْت\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ ثمَّ قَالَ وَمعنى كَرَاهِيَة الدُّخُول على النِّسَاء على نَحْو مَا رُوِيَ عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لَا يخلون رجل بِامْرَأَة إِلَّا كَانَ ثالثهما الشَّيْطَان. (^٣)\n_________\n(^١) الروض الأنف (٧/ ٥٦٨).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٤٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢٠ - ٢١٧٢)، والترمذى (١١٧١).\nوأما الحديث الثانى: أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وابن حبان (٤٥٧٦) و(٥٥٨٦) و(٦٧٢٨) و(٧٢٥٤). وصححه الألباني في الصحيحة (٤٣٠) و(١١١٦) وصحيح الترغيب (١٩٠٨).","vol":"8","page":566},{"text":"الحم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم وبإثبات الْوَاو أَيْضًا وبالهمز أَيْضًا هُوَ أَبُو الزَّوْج وَمن أدلى بِهِ كالأخ وَالْعم وَابْن الْعم وَنَحْوهم وَهُوَ المُرَاد هُنَا كذَا فسره اللَّيْث بن سعد وَغَيره وَأَبُو الْمَرْأَة أَيْضًا وَمن أدلى بِهِ وَقيل بل هُوَ قريب الزَّوْج فَقَط وَقيل قريب الزَّوْجَة فَقَط قَالَ أَبُو عبيد فِي مَعْنَاهُ يَعْنِي فليمت وَلَا يفعلن ذَلِك فَإِذا كَانَ هَذَا رِوَايَة فِي أَب الزَّوْج وَهُوَ محرم فَكيف بالغريب انْتهى.\nقوله: وعن عقبة بن عامر - ﵁ - هو الجهني تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"إياكم والدخول على النساء\" أي احذروا والدخول على النساء.\nقوله: فقال \"رجل من الأنصار أفرأيت الحم قال الحم الموت\" أي خلوته معها أشد من خلوة غيره قال الحافظ ﵀: الحمو هو أبو الزوج ومن أدلى به كالأخ والعم وابن العم ونحوهم وهو المراد هنا كذا فسره الليث بن سعد وغيره أبو المرأة أيضًا ومن أدلى له وقيل هو قريب الزوج فقط وقيل قريب الزوجه فقط وقال أبو عبيد (^١): في معناه يعني فلتمت ولا يفعل ذلك أي لا يمكن الحمو من الدخول عليها فغذا كان رأيه في أبي الزوج وهو محرم فكيف بالغريب ا. هـ وقال غيره: في الحمو أربع لغات إحداها هذا حموك بضم الميم ورأيت حماك ومررت بحميك والثانية هذا حمئك بإسكان الميم وهمزة مرفوعة ورأيت حمأك ومررت بحمئك والثالثة حما وهذا حماك ورأيت حماك ومررت بحماك كقفي وقفاك والرابعة حم كأب وأصل وحمو\n_________\n(^١) نقله الهروى في تهذيب اللغة (٥/ ١٧٦) والمازرى في المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٥٣).","vol":"8","page":567},{"text":"بفتح الحاء والميم وحماة المرأة أم زوجها ولا يقال فيها غير هذا والحمو واحد الأحماء وهم أقارب الزوج فالأحماء من جهة الرجال والأصهار من جهة النساء والأختان تجمعهما كذا في المطالع (^١) وقال غيره الصهر أعم، وأصل المصاهرة المقاربة (^٢) يقال صهره وأصهره إذا قربه وأدناه (^٣) والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير ءابائه وأبنائه فأما الأباء والأبناء فمحارم لزوجته فيجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفوا بالموت وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم ومعنى الحمو الموت (^٤) قال ابن الأعرابي وابن الأثير في النهاية (^٥) هذه كلمة تقولها العرب كما تقول الأسد الموت والسلطان نار أي لقاؤهما مثل الموت والنار يعني بهذا الكلام أن خلوة الحمو معها أشد من خلوة غيره من البعداء الغرباء لأن الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه أحد بخلاف الأجنبي وعادة الناس المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه ولأنه ربما حسن لها أشياء وحملها على أمور تثقل على الزوج من التماس ما ليس في وسعه أو سوء عشرة أو غير ذلك فهذا هو الموت فهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه فهذا الذي\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٢/ ٢٩٨)، وفتح البارى (١/ ١٤٦).\n(^٢) فتح البارى (١/ ١٤٦).\n(^٣) غريب الحديث (١/ ٦٦٣) للخطابي، والمشارق (٢/ ٥١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٤)، وشرح المشكاة (٧/ ٢٢٦٩).\n(^٥) النهاية (١/ ٤٤٨).","vol":"8","page":568},{"text":"ذكرته هو صواب معنى الحديث (^١) واللّه أعلم وهذا كلّه إذا أدى الحال إلى خلوة محرمة فإن كان عند الزوجة من يستحيي منه كامرأة أو عبد أو صبي مميز جاز الدخول للحاجة واللّه أعلم.\n\n٢٩٣٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵂ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لَا يخلون أحدكُم بِامْرَأَة إِلَّا مَعَ ذِي محرم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَتقدم فِي أَحَادِيث الْحمام حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِيّ - ﷺ - وَفِيه وَمن كَانَ يُؤمن باللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يخلون بِامْرَأَة لَيْسَ بَينهَا وَبَينه محرم رَوَاهُ الطَّبرانيّ (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵂ - تقدم الكلام.\nقوله: - ﷺ - قال \"لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم\" معنى الحديث كراهية الدخول على النساء على نحو ما روى عن النبي - ﷺ - قال: لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان (^٣) لا يخلون أكده بالنون اهتماما\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٢٢ (١٩٣٤)، والبخارى (١٨٦٢) و(٣٠٠٦) و(٥٢٣٣)، ومسلم (٤٢٤ - ١٣٤١) وابن خزيمة (٢٥٢٩) وابن حبان (٢٧٣١) و(٣٧٥٧). والطبراني في الكبير (١١/ ٤٢٥ رقم ١٢٢٠٢ و١٢٢٠٣) عن ابن عباس باللفظ الأول. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩١ رقم ١١٤٦٢) باللفظ الثانى.\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٩: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن أبي سليمان المدني، ضعفه البخاري وأبو حاتم، ووثقه ابن حبان. وصححه الألباني في الإرواء (٩٧٧)، وصحيح الترغيب (١٧٢) و(١٩٠٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وابن حبان (٤٥٧٦). وصححه الألباني في الصحيحة (٤٣٠ و١١١٦) المشكاة (٦٠٠٣).","vol":"8","page":569},{"text":"وتشديد التحريم والرحم القرابة وفي هذا الحديث لا يخلو أحدكم بامرأة وفي حديث آخر لا يخلو أحد بامرأة فيشمل الرجل والمراهق الذي تخشى منه المفسدة والحر والعبد والمرأة التي يتأتي منها القبيح.\nقوله: \"إلا مع ذي رحم محرم\" وفي حديث آخر إلا ومعها ذو محرم وجاء في مسلم إلا ومعها رجل أو اثنان أي من المحارم وإنما نهى عن ذلك سدا لذريعة الخلوة ودفعا لما يؤدي إلى النميمة لعموم المفاسد وخبث المقاصد ولقد بالغ مالك ﵀ حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها والسفر معه وإن كانت محرمة عليه لأنه ليس كلّ أحد يمتنع بالمانع الشرعي إذا لم يقارنه مانع ديني أو عادي فإن نفرته من حماته ليست كنفرته من أمه وأخته وحمل في المفهم الرجل أو الرجلين على الأجانب فجوز الخلوة للرجلين فأكثر إذا كانوا صالحين وحمل الحديث على زمن السلف دون زماننا (^١) وكذلك تأول الحديث النووي على من يمنعه صلاحه ودينه أو مروءته وتقدم عن الشافعية أنهم لا يجيزون خلوة رجلين بامرأة مطلقا ويجيزون خلوة امرأتين برجل والفرق بينهما أن استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجل من الرجل قال النووي (^٢): في هذا الحديث تحريم الخلوة بالأجنبية وإباحة الخلوة لمحارمها وهذا مجمع عليه والمحرم كلّ من حرم نكاحها على التأييد بسبب مباح لحرمتها ا. هـ وفي حديث الحمام من كان يؤمن باللّه واليوم\n_________\n(^١) المفهم (١٨/ ٩ - ١٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٣).","vol":"8","page":570},{"text":"فلا يخلو بامرأة ليس بينه وبينها محرم ومن يحرم عليه نكاحها.\nتنبيه: الخلوة بالأجنبية من الصغائر وفي الصحيحين وغيرهما النهي عن ذلك وقد صرح الإمام أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره (^١) في سورة الممتحنة: بأن الخلوة بغير مرحم من الكبائر (^٢) واللّه أعلم.\n\n٢٩٣٨ - وَعَن معقل بن يسَار - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لِأَن يطعن فِي رَأس أحدكُم بمخيط من حَدِيد خير لَهُ من أَن يمس امْرَأَة لا تحل لَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَرِجَال الطَّبَرَانِيّ ثِقَات رجال الصَّحِيح (^٣).\nالْمخيط بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْيَاء هُوَ مَا يخاط بِهِ كالإبرة والمسلة وَنَحْوهمَا.\nقوله: وعن معقل بن يسار (^٤) - ﵁ - (هو أبو عبد اللّه، ويقال: أبو يسار، وأبو على معقل بن يسار بن معبر بن حراق ومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٧٤).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٣٢٥).\n(^٣) أخرجه الروياني (١٢٨٣)، والطبرانى (٢٠/ ٢١١ رقم ٤٨٦ و٤٨٧). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٦: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٦) وصحيح الترغيب (١٩١٠) وغاية المرام (١٩٦ و٤٠٣).\n(^٤) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ٢٤٦٤، وأسد الغابة ٤/ ٥٠٣١، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٥٩٣، وتهذيب الكمال ٢٨/ ٦٠٩٥، والإصابة ٦/ ٨١٦٠.","vol":"8","page":571},{"text":"توفى في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. رُوى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدي، والحسن البصرى).\nقوله: - ﷺ - \"لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له\" المخيط هو ما يحاط به الإبرة والمسلة ونحوهما كذا فسره الحافظ.\n\n٢٩٣٩ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إياك وَالْخلْوَة بِالنسَاء وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا خلا رجل بِامْرَأَة إِلَّا وَدخل الشَّيْطَان بَينهمَا وَلِأَن يزحم رجل خنزيرا متلطخا بطين أَو حمأة خير لَهُ من أَن يزحم مَنْكِبه منْكب امْرَأَة لا تحل لَهُ حَدِيث غَرِيب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١) الحمأة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم بعْدهَا همزَة وتاء تَأْنِيث هُوَ الطين الأسود المنتن.\nقوله: وروي عن أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال \"إياك والخلوة بالنساء\" تقدم الكلام على الخلوة بالأجنبية.\nقوله: - ﷺ - \"والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا ودخل الشيطان بينهما\" تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الروياني (١٢١٣)، والطبرانى في الكبير (٨/ ٢٠٥ رقم ٧٨٣٠). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٦: رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف جدًّا، وفيه توثيق. وقال الألباني في الضعيفة (٦٠٥٦): منكر جدًّا، وقال في ضعيف الترغيب (١٢٠٠): ضعيف جدًّا.","vol":"8","page":572},{"text":"قوله: - ﷺ - \"ولأن يزحم رجل خنزيرا متلطخا بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكبه منكب امرأة لا تحل له\" الحمأة هو الطين الأسود المنتن كذا فسره الحافظ.","vol":"8","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>[الترغيب في النكاح سيما بذات الدين الولود]</span>\n٢٩٤٠ - عَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - يَا معشر الشَّبَاب من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج فَإِنَّهُ أَغضّ لِلْبَصَرِ وَأحْصن لِلْفَرجِ وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإنَّهُ لَهُ وَجَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهما وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: عن عبد اللّه بن مسعود - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"يا معشر الشباب\" قال أهل اللغة: المعشر هم الطائفة الذين يشملهم وصف فالشباب معشر والشيوخ معشر والأنبياء معشر والنساء معشر والإنس معشر والجن معشر وكذا ما أشبهه وجمعه معاشر.\nقوله: الشباب جمع شاب ويجمع أيضًا على شبان وآخره نون وشببة والشاب عند أصحابنا الشافعية من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة وقد يقال له حدّث إلى عشرين سنة ثم شاب إلى اثنين وثلاثين ثم كهل في ثلاثة وثلاثين وشيخ في أربعين حكاه القرطبي (^٢) ا. هـ والكهل من الرجال من زاد على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٦٥) و(٥٠٦٦)، ومسلم (١ و٢ و٣ و٤ - ١٤٠٠)، وأبو داود (٢٠٤٦)، وابن ماجة (١٨٤٥)، والترمذى (١٠٨١)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٣٠٥ (٢٢٥٧) و٤/ ٣٠٦ (٢٢٥٨) و٤/ ٣٠٧ (٢٢٥٩) و(٢٢٦٠) و٥/ ٤٢٢ (٣٢٣١) و٥/ ٤٢٣ (٣٢٣٢) و٥/ ٤٢٣ (٣٢٣٣) و(٣٢٣٤) و٥/ ٤٣٤ (٣٢٣٥). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.\n(^٢) لم أعثر عليه في المفهم وعزاه له فيه أيضًا ابن حجر في الفتح (٩/ ١٠٨).","vol":"8","page":574},{"text":"ثلاثين سنة إلى أربعين وقيل من ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين وقد اكتهل الرجل وكاهل إذا بلغ الكهولة فصار كهلا وإنما خص الشباب بالمخاطبة لأن الغالب قوة الشهوة فيهم بخلاف الشيوخ والكهول لأن المعنى معتبر إذا وجد في حق هؤلاء أيضا أيضا.\nقوله: - ﷺ - \"من استطاع منكم الباءة فليتزوج\" الحديث أما الباءة ففيها أربع لغات حكاها القاضي عياض (^١) الفصيحة المشهورة الباءة بالمد والهاء والثانية الباه بلا مد والثالثة الباء بالمد بلا هاء الرابعة الباهة بهاءين بلا مد وأصلها في اللغة الجماع مشتقة من المباءة وهي المنزل ومنه مباءة الإبل وهو مواطنها ثم قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان على معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع وتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبا والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فليصم ليدفع شهوته (^٢).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٤/ ٥٢٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٣).","vol":"8","page":575},{"text":"قوله: \"فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج\" ويحتمل أن تكون أفعل هنا استعملت لغير المبالغة ويحتمل أن تكون على بابها فإن التقوى سبب الغض والإحصان فإذا لم يوجد فإن وقوع الفعل مع الضعف الداعي إلى وقوعه أندر من وقوعه مع وجود الداعي (^١) ا. هـ وقال الكرماني في قوله فإنه أغض للبصر الحديث (^٢): أغض أي أدعى إلى غض البصر وأحصن للفرج أي أدعى إلى إحصان الفرج ا. هـ\nقوله: - ﷺ - \"ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\" الحديث فالصوم عون عظيم على الطاعات واجتناب المعاصي كما قال - ﵇ - فعليه بالصوم فإنه وجاء والوجاء بكسر الواو وبالمد ونقل فيه الواو والقصر والأول أصح وأشهر وهو رض الخصيتين وقيل رض العروق والخصيتان بحالهما والمعنى هنا أن الصوم يقطع الشهوة ويقطع شر المني كما يقطعه الوجاء (^٣) وفي هذا الحديث الْأَمر بالنكاح لمن استطاعه وتاقت إليه نفسه والترغيب فيه للشباب ومن في معناهم من الشيوخ وغيرهم وهذا مجمع عليه لكنه عندنا وعند العُلماء كافة أمر ندب لا إيجاب ولا يلزمه التزوج ولا التسري سواء خاف العنت أو لا خلافا للظاهرية والمالكية ورواية عن أحمد فإنهم أوجبوا أحدهما عند خوف العنت ومنهم من لم يشترط الخوف قالوا ويسقط بمرة\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ١٦٩).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٩/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٩/ ٨٩).","vol":"8","page":576},{"text":"واحدة في العمر ولم يوجبوا الوطء واستدل القائلون بالوجوب بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^١) وقد تعلق بهذا الحديث من يرى أن النكاح أفضل من التخلى للعبادة كما يقوله الحنفية وأكدوا ذلك بالنفع المتعدي من النفقة والنسل وتكثير الأمة لمن يعبد اللّه وغير ذلك من الأصناف والصبر على السعي على المؤن ونحوها (^٢) ا. هـ قال القرافي في قوله (^٣): - ﷺ - \"ومن لم يستطع فعليه بالصوم\" أن التشريك في العبادة لا يقدح بخلاف الرياء لأن الصوم قربة قصد بها الشخص عن الوقوع في المحرم ا. هـ قلنا بل هذه عبادة أخرى كمن عمل عملا ونوى به نيات متعددة وإنما ذلك سره للغرض النبوي كما لو قصد بالجهاد إعلاء كلمة اللّه تعالى والغنيمة أو التبرد بالوضوء أو الحج والجهاد أو الصوم للمرارة ودفع التخمة أو الإعتكاف والسبب والتغيب عن الغريم ونحو ذلك فإن قيل في الحديث تحريم الإستمناء إذا لو جاز لذكره له قلنا قد نقل إباحته عند خوف العنت عن أحمد ولم يرد فيه نص صحيح كالتحريم قال الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام: والعجب من أحمد مع جلالته وورعه كيف أباح ذلك (^٤) ا. هـ\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٣.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٣) الفروق (٣/ ٢٢ - ٢٣).\n(^٤) انظر الأعلام (٨/ ١٢٠)، وفتح البارى (٩/ ١١٢).","vol":"8","page":577},{"text":"وقد اختلف في المسألة فنقل عن مالك أنه سئل عن ذلك للمرأة أو الرجل فتلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ (^١) وكرهه الشافعي من غير تحريم والمشهور من مذهبه التحريم وفيه التعزير وأما سحاق النساء فحرام اتفاقا نقل ذلك كلّه ابن حزم في مراتب الإجماع (^٢) ا. هـ قاله في شرح الإلمام مسألة اختلف العُلماء هل يجب على الزوج مجامعة أهله فقالت طائفة لا يجب عليه ذلك لأنه حقه إن شاء فعله وإن شاء تركه كمن استأجر دارا إن شاء سكنها وإن شاء تركها وهذا أضعف الأقوال لأن القرآن والسنة والعرف والقياس يرده قال اللّه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٤) ومن ضد المعروف أن تكون عنده شابة ولا يذيقها لذة الوطأ وقالت طائفة يجب عليه أن يطأها في كلّ أربعة أشهر فإن اللّه تعالى أباح للمؤلى تربص أربعة أشهر والمرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم معه وإن شاءت فارقته وقالت طائفة يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها ويكسوها بالمعروف ويعاشرها بالمعروف وعليه\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآيات: ٥ - ٧.\n(^٢) المحلى (١٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، ومراتب الإجماع (ص ١٣١)، وأحكام القرآن (٣/ ٣٩٦) والمسالك (٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ٥٧٣)، الإعلام (٨/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٩.","vol":"8","page":578},{"text":"أن يشبعها وطئا كما أن عليه أن يشبعها قوتا وكان محمد بن المنكدر (^١) يدعو في صلاته اللهم قو لي ذكري فإن فيه صلاحا لأهلي (^٢) قال ابن أبي حجلة في كتابه ديوان الصبابة (^٣): (قال علي بن عاصم:) حدّثنا خالد الحذاء قال خلق اللّه تعالى آدم وحواء ﵉ وقال: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فقالت حواء ما أطيب هذا زدنا منه وقال بعض الحكماء ينبغي للعاقل أن ينظر كلّ يوم في المرآة فإن رأى وجهه حسنا لم يشنه بقبيح قوله وإن كان قبيحا لا يجمع بين قبيحين وقال بعضهم في المعنى:\nيا حسن الوجه توق الخنا ... ولا تبدلن الزين بالشين\nيا قبيح الوجه كن محسنا ... لا تجمع بين قبحين ا. هـ\nقال النووي (^٤): قال أصحابنا الناس فيه أربعة أقسام قسم تتوق إليه نفسه ويجد المؤن فيستحب له النكاح وقسم لا تتوق ولا يجد المؤن فيكره له وقسم تتوق ولا يجد المؤن فيكره له وهذا مأمور بالصوم لدفع التوقان وقسم يجد المؤن ولا تتوق فمذهب الشافعي وجمهور أصحابنا أن ترك النكاح لهذا والتخلي للعبادة أفضل ولا يقال النكاح مكروه بل تركه أفضل ومذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وبعض أصحاب مالك أن النكاح له أفضل واللّه أعلم.\n_________\n(^١) اعتلال القلوب (٢٠٨).\n(^٢) روضة المحبين (ص ٢١٤ - ٢١٧).\n(^٣) ديوان الصبابة (ص ٦٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٤).","vol":"8","page":579},{"text":"لطيفة: في قوله - ﷺ - \"ومن لم يستطع فعليه بالصوم\" فإنه وجاء عن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ - قال: جاء رجل إلى رسول اللّه فقال يا رسول اللّه ائذن لي أن أختصي فقال رسول اللّه - ﷺ - \"خصاء أمتى الصيام والقيام\" رواه الإمام أحمد وإسناده حسن (^١).\n\n٢٩٤١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَنه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من أَرَادَ أَن يلقى اللّه طَاهِرا مطهرا فليتزوج الْحَرَائِر رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٢).\nقوله: وروي عن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم.\nقوله: - ﷺ - يقول \"من أراد أن يلقى اللّه طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر\" الحرائر جمع حرة وهي (ما لم يجر عليها حكم السبي خص الحرائر لأن الإماء مبتذلة غير مؤدبة).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٣ (٦٧٢٢)، والطبرانى في الكبير (١٤/ ٨٢ - ٨٣ رقم ١٤٦٩٢)، وابن عدى (٣/ ٣٨٨)، والبغوى في شرح السنة (٢٢٣٨). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٨١: رواه أحمد، وإسناده حسن. وقال في ٤/ ٢٥٣: رواه أحمد والطبراني، ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام. وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (١٨٦٢)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٣٢٥). قال البوصيرى في الزجاجة ٢/ ٩٨ - ٩٩: هذا إسناد فيه كثير بن سليم وهو ضعيف وسلام هو ابن سليمان بن سوار المدائني ابن أخي شبابة بن سوار قال ابن عدي عنده مناكير وقال العقيلي في حديثه مناكير ورواه أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات من طريق هشام بن عمار به وأعله بكثير بن سليمان فقال قال ابن حبان يروى عن أنس بن مالك ما ليس من حديثه ويضع عليه. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٤١٧) وضعيف الجامع (٥٣٨٨)، وضعيف الترغيب (١٢٠١).","vol":"8","page":580},{"text":"٢٩٤٢ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَربع من سنَن الْمُرْسلين الْحِنَّاء والتعطر والسواك وَالنِّكاح وَقَالَ بعض الروَاة الْحيَاء بِالْيَاءِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أبي أيوب - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أربع من سنن المرسلين الحناء والتعطر والسواك والنكاح\" وقال بعض الرواة الحياء بالياء المثناة تحت أي أربع خصال من هدي المرسلين وطريقتهم الحياء وفيه ثلاث روايات إحدها الحياء بالياء المثناة من تحت ويعني به ما يقتضيه الحياء ويوجبه كترك الفواحش والتجنب عن الرذائل قولا وفعلا والتنزه عما يذمه الشرع وتأباه المروءة وإلا فالحياء نفسه أمر جبلي غير مكتسب حتى يعد من الشين بل جميع الناس في الحياء الجبلي مشترك (^٢) والثانية الختان بالخاء المعجمة وبالتاء والنون وهو سنن الأنبياء ﵈ من زمن إبراهيم إلى زماننا قال في شرح السنة (^٣): وأما الختان،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٥٦ (١٨٠٢)، وأحمد ٥/ ٤٢١ (٢٤٠٦٥)، وعبد بن حميد (٢٢٠)، والترمذى (١٠٨٠) و(١٠٨٠) م، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٩١٤)، والمحاملى في الأمالى (٤٤٤)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٣ رقم ٤٠٨٥) ومسند الشاميين (٤/ ٣٧٤ رقم ٣٥٩٠)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١٦٠ رقم ٧٣٢٢). وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nوقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٣٨٢)، الإرواء (٧٥)، الرد على الكتاني ص (١٢)، ضعيف الجامع (٧٦٠)، ضعيف الترغيب (١٤٢) و(١٢٠٢).\n(^٢) الميسر (١/ ١٤٢).\n(^٣) شرح السنة (١/ ٣٩٩) و(١٢/ ١١٠).","vol":"8","page":581},{"text":"وإن كان مذكورا في جملة السنن فإنه واجب عند كثير من العُلماء، وذلك أنه من شعار الدين، وبه يعرف المسلم من الكافر وستر العورة واجب وكشفها جائز للضرورة لحاجة الختان فلو لم يكن الختان واجبا لم يلزم ترك الواجب لتحصيل المندوب وفي بعض كتب العُلماء أن أربعة عشر من الأنبياء ﵈ ولدوا مختونين وهو آدم وشيت ونوح وهود وصالح وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس ونبينا محمد - ﷺ - (^١) والرواية الثالثة الحناء بالحاء المهملة والنون المشددة وبالمد والمراد بالحناء خضب اللحية به وسيأتي الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق.\nقوله: والتعطر وهو معروف والسواك تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"والنكاح\" فالنكاح من سنن المرسلين وكل من ذكر اللّه تعالى في كتابه العزيز من الأنبياء قد تزوج ذكر أبو طالب المكي في قوت القلوب (^٢): وذكر أن يحيى بن زكرياء - ﵇ - تزوج ولم يكن يقربها، قيل: لغض البصر وقيل: للفضل في ذلك، كأنه أراد أن يجمع الفضائل كلها، وقيل: للسنّة وذكر البغوي في تفسيره (^٣): في سورة آل عمران أن يحيى - ﵇ - تزوج وكان لا يأتى يالنساء طلبا للفضيلة وذكر القرطبي في التذكرة (^٤): أن عيسى بن مريم\n_________\n(^١) الميسر (١/ ١٤٢).\n(^٢) قوت القلوب (٢/ ٤٠١).\n(^٣) تفسير البغوى (١/ ٤٣٧).\n(^٤) التذكرة (ص ١٣٠١).","vol":"8","page":582},{"text":"- ﷺ - بعد نزوله من السماء إلى الأرض يتزوج ويرزق أولاد وفيه رد على من يدعي أنه إله إذا لا إله يلد ولا يولد لإستغنائه عن ذلك قال أبو طالب المكي (^١): وجملة من ذكره اللّه تعالى في القرآن العظيم من الأنبياء خمسة وثلاثون نبيا وما أدري أعد أخوة يوسف من الخمسة والثلاثون أما لا؟ والنكاح مستحب وإن كان فيه نوع شهوة فهى شهوة محبوبة أحبها الأنبياء فإنها ترقق القلب بخلاف تعاطي سائر الشهوات فإنها تقسي القلب والنكاح من مطلوبات ومرغوبات الآخرة فإنه (وجاء) أي قاطع (للنفس) عن الزنى وجنة من عذاب جهنم (^٢).\n\n٢٩٤٣ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵂ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ الدُّنْيَا مَتَاع وَخير متاعها الْمَرْأَة الصَّالِحَة رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاع وَلَيْسَ من مَتَاع الدُّنْيَا شَيْء أفضل من الْمَرْأَة الصَّالِحَة (^٣).\n\n٢٩٤٤ - وَعنهُ - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ الدُّنْيَا مَتَاع وَمن خير متاعها امْرَأَة تعين زَوجهَا على الْآخِرَة مِسْكين مِسْكين رجل لا امْرَأَة لَهُ مسكينة\n_________\n(^١) قوت القلوب (٢/ ٤٠٣).\n(^٢) شرح منظومة النكاح للشريف النسابة (لوحة ٢٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٤ - ١٤٦٧)، وابن ماجة (١٨٥٥)، والبزار (٢٤٤١)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٤٨) والنسائي في المجتبى ٥/ ٤٤٠ (٣٢٥٦) والكبرى (٥٣٢٥)، وأبو عوانة (٤٩٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٧١١٨) أبو نعيم في المستخرج (٣٤٤٢) و(٣٤٤٣)، والبغوي في شرح السنة (٢٢٤١).","vol":"8","page":583},{"text":"مسكينة امْرَأَة لا زوج لَهَا ذكره رزين وَلم أره فِي شَيْء من أُصُوله وشطره الأَخير مُنكر (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - ﵂ - تَقدم.\nقوله: - ﷺ - قال \"الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة\" الحديث المتاع كلّ ما ينتفع به من عرض الدنيا وعرض الدنيا بفتح العين والراء وهو ما يقتني من مال وغيره من حطام الدنيا.\n\n٢٩٤٥ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - أَنه كَانَ يَقُول مَا اسْتَفَادَ الْمُؤمن بعد تقوى اللّه ﷿ خيرا لَهُ من زَوْجَة صَالِحَة إِن أمرهَا أَطَاعَته وَإِن\n_________\n(^١) شطره الثاني روى من حديث أبي نجيح السلمى وعائشة: أخرجه سعيد بن منصور (٤٨٨)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (١٢٨)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٤٨ رقم ٦٥٨٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٠٤٠)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٣٨ - ٣٣٩ رقم ٥٠٩٧)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٤٥٨) عن أبي نجيح.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هارون بن رئاب إلا محمد بن ثابت. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ١٥١): غريب من حديث هارون بن رئاب عنه، تفرد به محمد بن ثابت العبدي عنه وكذلك رواه وكيع عن محمد بن ثابت. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٢: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات إلا إن أبا نجيح لا صحبة له.\nوأما حديث عائشة: أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٦٣١)، وأبو الحُسين الطيورى في الطيوريات (٤٧٠).\nقال ابن الجوزي: وذكر حديثًا طويلًا لم أذكره؛ لكونه ليس بمرفوع، وهو حديث لا أصل له، وفيه مجاهيل. والحديث ضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٧٧) وقال: منكر، وضعيف الترغيب (١٢٠٤).","vol":"8","page":584},{"text":"نظر إِلَيْهَا سرته وَإِن أقسم عَلَيْهَا أَبرته وَإِن غَابَ عَنْهَا نَصَحته فِي نَفسهَا وَمَاله رَوَاهُ ابْن مَاجَة عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَنهُ (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدم.\nقوله: - ﷺ - أنه كان يقول \"ما استفاد المؤمن بعد تقوى اللّه ﷿ خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته\" الحديث القسم الحلف وإبرار القسم هو الخلاص من وقوع الحنث على الحالف فإبرار القسم سنة مستحبة متأكدة وإنما يندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة أو لحوق ضرر أو نحو ذلك فإن كان شيء من هذا لم تبر قسمه كما ثبت أن أبا بكر لما عبر الرؤيا بحضرة النبي (^٢) - ﷺ - فقال له النبي - ﷺ - \"أصبت بعضا وأخطأت بعضا فقال أقسمت عليك يا رسول اللّه لتخبرني فقال \"لا تقسم ولم يخبره\" (^٣) \" ا. هـ\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (١٨٥٧)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٢٢ رقم ٧٨٨١) والضياء في موافقات هشام بن عمار (٥٦ - ٥٧). وقال البوصيرى في الزجاجة ٢/ ٩٧: هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف قال البخاري منكر الحديث وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٢١)، والمشكاة (٣٠٩٥/ التحقيق الثانى)، وضعيف الترغيب (١٢٠٥)، وضعيف الجامع (٤٩٩٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (١٧ - ٢٢٦٩)، وابن ماجه (٣٩١٨)، وأبو داود (٣٢٦٨) و(٤٦٣٢)، والترمذى (٢٢٩٣)، والنسائي في الكبرى (٧٥٩٣) و(٧٥٩٤) عن ابن عباس.","vol":"8","page":585},{"text":"٢٩٤٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵂ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أَربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدُّنْيَا وَالآخِرَة قلبا شاكرا وَلسَانًا ذَاكِرًا وبدنا على الْبلاء صَابِرًا وَزَوْجَة لا تبغيه حوبا فِي نَفسهَا وَمَاله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَإسْنَاد أَحدهمَا جيد الْحُوب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وتضم هُوَ الإِثْم (^١).\n\n٢٩٤٧ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ -: قَالَ لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (^٢) قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول اللّه - ﷺ - فِي بعض أَسْفَاره فَقَالَ بعض أَصْحَابه أنزلت فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة لَو علمنَا أَي المَال خير فَنَتَّخِذهُ فَقَالَ أفضله لِسَان ذَاكر وقلب شَاكر وَزَوْجَة مُؤمنَة تعينه على إيمَانه رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَعْنِي البُخَارِيّ فَقلت لَهُ سَالم بن أبي الْجَعْد سمع من ثَوْبَان فَقَالَ لا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٧٩ رقم ٧٢١٢)، والكبير (١١/ ١٣٤ رقم ١١٢٧٥)، والسلمى في الأربعون في التصوف (ص ٦)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٥) والأربعون (٤٢)، والشجرى في الأمالى (١/ ٣٣٩)، والضياء في المختارة ١١/ ٧٠ (٦٣) و١١/ ٧١ (٦٤).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن طلق بن حبيب إلا حميد الطويل، ولا رواه عن حميد إلا حمَّاد بن سلمة، ولا رواه عن حمَّاد إلا موسى، تفرد به: محمود بن غيلان. وقال أبو نعيم: غريب من حديث طلق لم يروه متصلا مرفوعًا إلا مؤمل، عن حمَّاد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٧٣: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، ورجال الأوسط رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٩٩). وقد حدّث تقديم وتأخير في شرح الحديثين هذا والذى يليه.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٣٤.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٨ (٢٢٨٢٧) و٥/ ٢٨٢ (٢٢٨٧٣) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٨٢)، وابن ماجه (١٨٥٦)، والترمذى (٣٠٩٤)، والرويانى (٦٢٠) و(٦٢١)، =","vol":"8","page":586},{"text":"قوله: وعن ثوبان - ﵁ - تقدم.\nقوله: قال لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^١) قال كنا مع رسول اللّه - ﷺ - في بعض أسفاره\" الحديث وفي بعض طرق هذا الحديث هذه الآية نزلت قال: رسول الله - ﷺ - تبا للذهب تبا للفضة ثلاثًا قالوا يا رسول اللّه فما نتخذ قال: لسانا ذاكرا الحديث فورد في الأثر إذا كان يوم القيامة جمع اللّه ﷿ الذهب والفضة كالجبلين العظميين ثم يقال هذا مالنا عاد إلينا سعد به قوم وشقي به آخرون قاله الطوفي في شرح (الأربعين) (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵂ - تقدم.\nقوله: - ﷺ - قال \"أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها وماله\" الحديث الحوب بفتح الحاء المهملة وتضم هو الإثم (^٣).\n_________\n= والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٧٦ رقم ٢٢٧٤) و(٧/ ١٠ رقم ٦٧٠٠) والصغير (٢/ ١٢١ رقم ٨٩٠)، وابن منده في مجلس من أماليه (٧٠)، وأبو سعد النيسابورى في الأربعون (٣٨).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني: صحيح لغيره صحيح الترغيب (١٤٩٩) و(١٩١٣) والصحيحة (٢١٧٦) وصحيح الجامع (٥٣٥٥).\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٣٤.\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٣٢).\n(^٣) المفاتيح (٣/ ٢٤٦).","vol":"8","page":587},{"text":"٢٩٤٨ - وَعَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه عَن جدّه - ﵂ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من سَعَادَة ابْن آدم ثَلاثَة وَمن شقاوة ابْن آدم ثَلَاثَة من سَعَادَة ابْن آدم الْمَرْأَة الصَّالِحَة والمسكن الصَّالح والمركب الصَّالح وَمن شقاوة ابْن آدم الْمَرْأَة السوء والمسكن السوء والمركب السوء رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَصَححهُ إِلَّا أَنه قَالَ والمسكن الضّيق وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ أَربع من السَّعَادَة الْمَرْأَة الصَّالِحَة والمسكن الْوَاسِع وَالْجَار الصَّالح والمركب الهنيء وَأَرْبع من الشَّقَاء الْجَار السوء وَالْمَرْأَة السوء والمركب السوء والمسكن الضّيق (^١).\nقوله: وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه، عن جدّه - ﵄ - (القرشي الزُّهْرِيّ، أَبُو مُحَمَّد المدني روى عَن أَبِيه وعميه عَامر وَمصْعَب وَأنس بن مَالك وروى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة قَالَ ابْن معِين: ثِقَة حجَّة توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة).\nقوله: - ﷺ - \"من سعادة ابن آدم ثلاثة ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة من سعادة ابن\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٠٧)، وأحمد ١/ ١٦٨ (١٤٦٢)، والبزار (١١٨٠)، وابن حبان (٤٠٣٢)، والحاكم (٢/ ١٤٤) والأزدى في أحاديث منتقاة (٢)، والكلاباذي في معاني الأخبار (ص ٤٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٥٨١).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن رسول اللّه - ﷺ - إلا من هذا الوجه عن سعد، ومحمد بن أبي حميد هذا فليس بالقوي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٧٢: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩١٤).","vol":"8","page":588},{"text":"آدم المرأة الصالحة\" الحديث قال - ﷺ - \"مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعظم في مائة غراب\" رواه الطبراني من حديث أمامة وفي رواية قيل يا رسول اللّه - ﷺ - وما الغراب الأعظم قال: \"الذي إحدى رجليه بيضاء\" رواه ابن أبي شيبة (^١) وروى الإمام أحمد والحاكم في آخر مستدركه عن عمرو بن العاص قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - حر الظهران فإذا غربان كثيرة فيها غراب أعصم أحمر الرجلين والمنقار فقال رسول اللّه - ﷺ - \"لا يدخل الجنة من النساء إلا مثل هذا الغراب من هذه الغربان\" إسناده صحيح (^٢) وهو في السنن الكبرى للنسائي قال في الإحياء (^٣): الأعصم الأبيض البطن وقال غيره الأعصم الأبيض الجناحين وقيل أبيض الرجلين أراد قلة الصالحة في\n_________\n(^١) أخرجه بن أبي شيبة كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٢٥) والمطالب العالية (١٦٨٦)، والطبرانى في الكبير (٨/ ٢٠١ رقم ٧٥١٧) من حديث أبي أمامة.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٧٣: رواه الطبراني، وفيه مطرح بن يزيد، وهو مجمع على ضعفه. وقال البوصيرى: هذا إسناد ضعيف، لضعف مطرح بن يزيد أبو المهلب، ولجهالة شيخ ابن أبي شيبة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٨٠٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٠٥، ١٩٧) برقم (١٧٧٧٠ و١٧٨٢٦)، وعبد بن حميد (٢٩٤)، والنسائي في الكبرى (٩٢٢٣)، وأبو يعلى (٧٣٤٣)، والحاكم (٤/ ٦٠٢) بلفظ بينما نحن مع رسول اللّه - ﷺ - في هذا الشعب إذ قال: انظروا، هل ترون شيئًا؟ فقلنا: نرى غربانا فيها غراب أعصم أحمر المنقار، والرجلين. فقال رسول اللّه - ﷺ -: لا يدخل الجنة من النساء، إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٩٩): رواه أحمد ورجاله ثقات. وصحح إسناده الألباني في الصحيحة (١٨٥٠).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٢/ ٤٥).","vol":"8","page":589},{"text":"النساء وقلة من يدخل الجنة منهن لأن هذا الوصف في الغربان عزيز قليل قال: وفي وصية لقمان لابنه يا بني: اتق المرأة الشريرة فإنها تشيبك قبل المشيب واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير وكن من شرارهن على حذر وقال الحسن: واللّه ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا أكبه اللّه في النار وقال عمر بن الخطاب ﵁: \"خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة\"، وقد قيل شاورهن وخالفوهن ا. هـ واللّه أعلم.\nوفي حديث آخر عن عائشة (مثل المرأة المؤمنة) في النساء كالغراب الأعصم في الغربان) (^١) العصمة (البياض) تكون في يدي الفرس والطير والوعل وفي الحديث أيضًا مثل المرأة الصالحة مثل التاج المخوص بالذهب (^٢) أي عليها صفائح الذهب مثل النخل أي المنسوج بالذهب كخوص النخل قاله في النهاية (^٣) وفي الحديث خير النساء المواتية لزوجها (^٤) المواتاة حسن المطاوعة والموافقة قاله ابن الأثير (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١٥٢٦). وقال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٨/ ٢٢١: رواه عبد بن حميد عن إبراهيم بن الأشعث وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن بشران في الأمالى (٥٠٨)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٣٩٣ رقم ١٠٥٢٨ و١٠٥٢٩) عن عبد الرحمن بن أبزى موقوفًا. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٧٤: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وقال في ١٠/ ٢٣٤: رواه الطبراني من طريق المسعودي، وقد اختلط، وبقية رجاله وثقوا.\n(^٣) النهاية (٢/ ٨٧).\n(^٤) أخرجه البيهقى في الكبرى (٧/ ١٣١ رقم ١٣٤٧٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٢٧) عن أبي أذينة. وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٤٩).\n(^٥) النهاية (١/ ٢٢).","vol":"8","page":590},{"text":"قوله: \"والمسكن الصالح\" المسكن بفتح الكاف وكسرها ذكره النووي في تحريره (^١).\n\n٢٩٤٩ - وَعَن مُحَمَّد بن سعد يَعْني ابْن أبي وَقاص عَن أَبِيه أَيْضًا - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة من السَّعَادَة الْمَرْأَة الصَّالِحَة ترَاهَا تعجبك وتغيب فتأمنها على نَفسهَا وَمَالك وَالدَّابَّة تكون وطيئة فتلحقك بِأَصْحَابِك وَالدَّار تكون وَاسِعَة كثِيرَة الْمرَافِق وَثَلَاث من الشَّقَاء الْمَرْأَة ترَاهَا فتسوؤك وَتحمل لسانها عَلَيْك وَإِن غبت عَنْهَا لم تأمنها على نَفسهَا وَمَالك وَالدَّابَّة تكون قطوفا فَإِن ضربتها أتعبتك وَإِن تركتهَا لم تلحقك بِأَصْحَابِك وَالدَّار تكون ضيقَة قَليلَة الْمرَافِق رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ تفرد بِهِ مُحَمَّد يَعْني ابْن بكير الْحَضْرَمِيّ فَإِن كَانَ حفظه بِإِسْنَادِهِ على شَرطهمَا قَالَ الْحَافِظ مُحَمَّد هَذَا صَدُوق وَثَّقَهُ غير وَاحِد (^٢).\nقوله: سعد يعني ابن أبي وقَّاص.\nقوله: \"والدابة تكون قطوفا\" يقال: قطفت الدابة قطفا والقطوف من الدواب البطيء السير (^٣).\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٣٦).\n(^٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٧١٢٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٢). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد من خالد بن عبد اللّه الواسطي إلى رسول اللّه - ﷺ - تفرد به محمد بن بكير، عن خالد إن كان حفظه فإنه صحيح على شرط الشيخين.\nوتعقبه الذهبي فقال: محمد قال أبو حاتم: صدوق يغلط، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة.\nوصححه الألباني في الصحيحة (١٠٤٧) وصحيح الترغيب (١٩١٤).\n(^٣) النظم المستعذب (٢/ ٤٠)، ولسان العرب (٥/ ١٩١).","vol":"8","page":591},{"text":"٢٩٥٠ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من رزقه اللّه امْرَأَة صَالِحَة فقد أَعَانَهُ على شطر دينه فليتق اللّه فِي الشّطْر الْبَاقِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَمن طَرِيقه للبيهقي وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا تزوج العَبْد فقد اسْتكْمل نصف الدّين فليتق اللّه فِي النّصْف الْبَاقِي (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم.\nقوله: - ﷺ - قال \"من رزقه اللّه امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق اللّه في الشطر الباقي\" الحديث والمراد بالأول الفرج وبالثاني اللسان ذكره صاحب تهذيب النفوس (^٢) وفي حديث آخر أن رسول اللّه - ﷺ - قال \"من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه فليتق اللّه في الثلث الباقي\" كذا في الوسيط (^٣) وفي الإحياء\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٤ رقم ٩٧٢)، والحاكم (٢/ ١٦١)، وعنه البيهقى في الشعب (٧/ ٣٤١ رقم ٥١٠١). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وعبد الرحمن هذا هو ابن زيد بن عقبة الأزرق مدني ثقة مأمون ووافقه الذهبي. وقال المناوي في فيض القدير (٦/ ١٣٧): قال الحاكم: صحيح. فتعفبه الذهبي بأن زهيرا وثق لكن له مناكير.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٧٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن عن أنس، وعنه زهير بن محمد، ولم أعرفه إلا أن يكون عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيكون إسناده منقطعا، وإن كان غيره فلم أعرفه والله أعلم. وضعفه الحافظ في الفتح (١١/ ١٢).\nوحسنه الألباني في الصحيحة (٦٢٥) وصحيح الترغيب (١٩١٦). وضعفه في ضعيف الجامع (٥٥٩٩).\n(^٢) ذكره في الإحياء (٢/ ٢٢)، والنجم الوهاج (٧/ ٨).\n(^٣) الوسيط (٥/ ٢٤).","vol":"8","page":592},{"text":"فقد أحرز شطر دينه فليتق اللّه في الشطر الثاني وكلا اللفظين ليس ثابت لكن صحح الحاكم من رزقه اللّه إمراة صالحة فقد أعانه على شطر دينه (^١) وهو حديث الكتاب.\nفالفرج واللسان لما استويا في إفساد الدين جعل كلا شطرا ومن روى للفرج الثلثين فلان مفسدته أعظم لأنها تسرى إلى غيره إذ لا يمكن الطاعة به والمعصية إلا بإجتماع فرج آخر بخلاف اللسان فلذلك قوبل بالثلثين لاحتياجه إلى غيره بخلاف اللسان ا. هـ قاله الكمال الدميري (^٢).\n\n٢٩٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة حق على اللّه عونهم الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه وَالْمكَاتب الَّذِي يُرِيد الأَدَاء والناكح الَّذِي يُرِيد العفاف رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن حبَان لَهُ فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٧/ ٨).\n(^٢) النجم الوهاج (٧/ ٨ - ٩).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في المسند (٢٢٥) ومن طريقه النسائي في المجتبى ٥/ ٣٥٩ (٣١٤٣) والكبرى (٨٣)، وعبد الرزاق في المُصَنف (٩٥٤٢)، والترمذى (١٦٥٥)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٨٣)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٤٢٨ (٣٢٤٢) والكبرى (٤٩٩٥) و(٥٣٠٧)، وابن حبان (٤٥٣٥)، والدارقطنى في العلل (١٠/ ٣٥١)، والحاكم (٢/ ١٦٠). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الدارقطني في العلل (٢٠٤٦): يرويه ابن عجلان، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي رَفْعِهِ، فَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، وليث بن سعد، ومعمر، ويحيى القطَّان، والدراوردي، وابن المبارك، عن ابن عجلان مرفوعًا. ووقفه خالد بن الحارث، عن ابن عجلان، ورفعه صحيح. =","vol":"8","page":593},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة حق على اللّه عونهم المجاهد في سبيل اللّه والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف\" تقدم الكلام على المجاهد والمكاتب الذي يريد الأداء والكتابة مشتقة من الكتب وهو الجمع وسمي هذا العقد كتابة لأنه ينضم بعض النجوم إلى بعض والنجوم هنا الأوقات المختلفة سميت بذلك لأن العرب كانت لا تعرف الحساب وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم لأن القمر كلّ ليلة يطلع في منزلة من المنازل الثمانية والعشرين المعروفة (^١) والكتابة أن يقول موجب كاتبتك على كذا في نجمين فأكثر فإذا أديت فأنت حر (^٢) وقال شيخنا علاء الدين التركماني أن في نوادر الفقهاء لابن بنت نعيم أجمعوا على جواز الكتابة وإن لم يعتق فيها بالأداء إلا الشافعي قال يعتق حتى يقول فإذا أديت فأنت حر أو يقول بعد العقد إنها كانت كذلك في نيته حينئذ (^٣) فهي جائزة باتفاق ويصير العبد بها\n_________\n= ورواه يزيد بن عياض عن المقبري، واختلف عنه، فوقفه علي بن أشكاب عن يزيد بن هارون عنه، ورفعه غيره، ويزيد بن عياض بن جعدبة ضعيف الحديث. وصححه الحاكم على شرط مسلم. وحسنه الألباني في المشكاة (٣٠٨٩)، وصحيح الترغيب (١٣٠٨) و(١٩١٧).\n(^١) كفاية النبيه (١٢/ ٣٦٢) والنجم الوهاج (١٠/ ٥٣١).\n(^٢) النجم الوهاج (١٠/ ٥٣٢).\n(^٣) الجوهر النقي (١٠/ ٣٢٢).","vol":"8","page":594},{"text":"أحق بمكاسبه فإذا أدى عتق (^١) وهي عندنا جائزة من جهته لازمة من جهة السيد فإن عجز كان للسيد الفسخ (^٢) وقال الأئمة الثلاثة: إنها لازمة من الطرفين ولا تجوز عند الشافعي على أقل من نجمين وجوزها أبو حنيفة على نجم واحد وحالَّة فإن مات قبل الأداء فالأكثر على أنه مات رقيقا سواء ترك وفاء أم لا وبه قال عمر وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة والشافعي وأحمد وذهب قوم إلى أنه إن ترك وفاء مات حرا وما زاد فلأولاده الأحرار وبه قال علي وابن مسعود وعطاء وطاووس والنخعي والحسن وشريح ومالك والثوري وأصحاب الرأي (^٣) ويجب على السيد الإيتاء لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (^٤) ويكفي أقل ما يتمول عند الشافعي ويكفي الحط والمستحب أن لا ينقص عن الربع لحديث صححه الحاكم في ذلك (^٥) وقيل لا ينقص عن السبع لأثر في ذلك عن عمر ا. هـ.\n_________\n(^١) تفسير البغوى (٣/ ٤١١)، وشرح السنة (٩/ ٣٧٤).\n(^٢) شرح السنة (٩/ ٣٧٤).\n(^٣) شرح السنة (٩/ ٣٧٤).\n(^٤) سورة النور، الآية: ٣٣.\n(^٥) تفسير البغوى (٣/ ٤١٣) والتهذيب (٨/ ٤٣١)، والنجم الوهاج (١٠/ ٥٤٥ - ٥٤٨).\nوأما الحديث: أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٨٩) و(١٥٥٩٠) و(١٥٥٩١) وابن أبي شيبة ٤/ ٣٨٧ (٢١٣٤١)، والنسائي في الكبرى (٥٠١٧) و(٥٠١٩) موقوفًا على علي.\nوأخرجه النسائي (٥٠١٨)، وابن المنذر في الأوسط (٨٧١٤) والحاكم (٢/ ٣٩٧).\nوصححه الحاكم وقال الذهبي صحيح الإسناد وروى موقوفًا.","vol":"8","page":595},{"text":"قوله: \"والناكح الذي يريد العفاف\" والعفاف جمع عفة والعفة تقع على أمور منها العفة عن السؤال ومنها العفة في المطعم والمشرب حتى يكونا من حلهما فهؤلاء الثلاثة اللّه عونهم ومن كان اللّه عونه فجدير أن تحصل الإعانة من ربه ﷾ فوق ما يجبه ويرتجيه واللّه تعالى أعلم.\n\n٢٩٥٢ - وَعَن أبي نجيح - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من كَانَ مُوسِرًا لأن ينْكح ثمَّ لم ينْكح فَلَيْسَ مني رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ وَهُوَ مُرْسل وَاسم أبي نجيح يسَار بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت وَهُوَ وَالِد عبد اللّه بن أبي نجيح الْمَكِّيّ (^١).\nقوله: وعن أبي نجيح - ﵁ -: واسم أبي نجيح: يسار بالياء المثناة تحت وهو والد عبد اللّه بن أبي نجيح المكي ا. هـ ذكره المنذري مولى الأخنس بن سويق الثقفي أرسل عن عمرو سعد بن أبي وقَّاص وجماعة وروى ابن عباس وابن عمر وعبيد بن عمير وجماعة وثقه وكيع وابن مَعين قال أحمد: كان من خيار عباد اللّه قال القلاسي: توفي سنة تسع ومائة واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المُصَنف (١٠٣٧٦)، وابن أبي شيبة في المُصَنف ٣/ ٤٥٣ (١٥٩٠٤)، وأبو داود في المراسيل (٢٠٢)، والدولابى في الكنى (٣٦٦) و(٤٩١)، والخلال في السنة (١٤٤٧) و(١٤٥٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٧ رقم ٩٨٩) والكبير ٢٢/ ٣٦٦ (٩٢٠) وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٠٣٩)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ١٢٥ رقم ١٣٤٥٥) والشعب (٧/ ٣٣٨ رقم ٥٠٩٥ و٥٠٩٦).\nوقال البيهقى: هو مرسل. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وإسناده مرسل حسن؛ كما قال ابن مَعين. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩٣٤) وضعيف الترغيب (١٢٠٧).","vol":"8","page":596},{"text":"قوله - ﷺ -: قال\"من كان موسرا لأن ينكح ثم لم ينكح فليس مني\" الحديث أي من ترك ما أمرت به من أحكام الدين فرضا أو سنة عن الاستخفاف بي وعدم الالتفات إليّ فليس مني لأنه كافر ومن ترك لا عن الاستخفاف بل عن الكسل لم يكن كافرا وعلى هذا فيكون قوله ليس مني للزجر والوعيد ويكون معنى فليس من المقتدين بأثري والعاملين بسنتي (^١) وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة وابن عبد البر عن عكاف بن وداعة ورأيت في بعض النسخ عكاف بن بشر التميمي أنه أتى النبي - ﷺ - فقال له \"ألك زوجة يا عكاف\" قال: لا قال: \"ولا جارية\" قال: لا قال: \"وأنت صحيح موسر\" قال: نعم والحمد للّه قال: \"فأنت إذن من إخوان الشياطين فإن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم وإن كنت منا فأصنع كما نصنع فإن من سنتنا النكاح شراركم عزابكم ويحك يا عكاف تزوج\" فقال: عكاف: يا سول اللّه لا أتزوج حتى تزوجني ممن شئت فقال - ﷺ -: \"زوجتك على اسم اللّه والبركة كريمة بنت كلثوم الحميرى\" (^٢) انتهى.\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المُصَنف (١٠٣٨٧)، وعنه أحمد ٥/ ١٦٣ (٢١٨٥٠) من طريق مكحول عن رجل، عن أبي ذر. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٠: رواه أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. قال ابن حجر في إتحاف المهرة (١٤/ ٢٣٢): الرجل المبهم هو غضيف بن الحارث سماه محمد بن أبي السري، عن عبد الرزاق، وذكره ابن منده في المعرفة عنه، وللحديث طرق عزيزة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥١١).\nوقد روى من حديث عكاف: أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد (١٤١٠)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ٢١٣)، وأبو يعلى (٦٨٥٦)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ٣٥٦)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٨٣)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٣ - ٤)، والطبراني في =","vol":"8","page":597},{"text":"وقال أبو بكر المروزي: سمعتُ أبا عبد اللّه أحمد بن حنبل (^١): ليست العزوبة من أمر الإسلام (في شيء) النبي تزوج أربع عشر ومات عن تسع ثم قال: لو كان بشر بن الحارث تزوج قد تم أمره كلّه لو ترك الناس النكاح نغز ولم نجح ولمن نكن كذا ولم نكن كذا وقد كان النبي - ﷺ - يصبح وما عنده شيء وكان يختار النكاح ويحث عليه ونهى عن التبتل فمن رغب عن فعل النبي - ﷺ - فهو على غير الحق (ويعقوب في) حزنه قد تزوج وولد له وفي سنن النسائي والبيهقي والمستدرك قال: - ﷺ - (حبب إلي من) دنياكم الطيب والنساء (^٢) وفي كتاب الزهد لأحمد: إني (أصبر عن الطعام) والشراب\n_________\n= الكبير ١٨/ ٨٥ (١٥٨) و٢٥/ ١٦ (١٠) ومسند الشاميين (١/ ٢١٣ رقم ٣٨١) و(٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤ رقم ٣٥٦٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٥٣٩) و(٥٥٨١) و(٥٥٨٢) و(٧٨٢٣)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٣٣٦ - ٣٣٧ رقم ٥٠٩٤) من طرق عن مكحول، عن عضيف بن الحارث، عن عطية بن بسر المازني. قال البخاري: عطية بن بسر، عن عكاف بن وداعة، لم يقم حديثه.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥١: رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٠٥٣) وقال: منكر.\n(^١) تلبيس إبليس (ص ٢٦١)، وروضة المحبين (ص ٢١٤ - ٢١٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٢٨ (١٢٣١٨) و٣/ ١٩٩ (١٣٠٨٨) و٣/ ١٢٨ (١٢٣١٩) و٣/ ٢٨٥ (١٤٠٨٣)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٤٣٩ (٣٩٧٤) و٦/ ٤٤٠ (٣٩٧٥)، والحاكم ٢/ ١٦٠، والبيهقى في الكبرى (٧/ ١٢٤ رقم ١٣٤٥٤) عن أنس.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي. وقال الحافظ في التلخيص (٣/ ١١٦): رواه النسائي وإسناده حسن. وصححه الألباني في الروض النضير ٥٣، المشكاة ٥٢٦١.","vol":"8","page":598},{"text":"ولا أصبر عنهن (^١) ا. هـ.\nفائدة: عن عبيد بن سعد أن النبي - ﷺ - قال: من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح رواه البيهقي بإسناد رواته ثقات إلا أنه مرسل قال: وروى عن أبي خيرة عن الحسن عن أبي هريرة (^٢).\n\n٢٩٥٣ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ جَاءَ رَهْط إِلَى بيُوت أَزوَاج النَّبِيّ - ﷺ - يسْأَلُون عَن عبَادَة النَّبِيّ - ﷺ - فَلَمَّا أخبروا كَأَنَّهُمْ تقالوها فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحن من النَّبِيّ - ﷺ - قد غفر اللّه مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر.\n_________\n(^١) ذكره ابن القيم في الداء والدواء (١/ ٤٨٣) فقال: كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصفَّار، عن ثابت عن أنس، عن النبي - ﷺ -: حُبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن.\nوقال في روضة المحبين (ص ٢٠٤): وقال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدّثنا أبو معمر حدّثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس بن مالك - ﷺ - قال قال رسول اللّه - ﷺ -: جعلت قرة عيني في الصلاة وحبب إليّ النساء والطيب الجائع يشبع والظمآن يروى وأنا لا أشبع من حب الصلاة والنساء.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٣٧٨)، وسعيد بن منصور (٤٨٧)، وأبو يعلى (٢٧٤٨)، وابن بطة في الإبانة (٢٦٠)، والبيهقى في الصغير (٣/ ٨ رقم ٢٣٤٦) والكبرى (٧/ ١٢٤ رقم ١٣٤٥١) ومعرفة السنن (١٠/ ١٩ رقم ١٣٤٥٥) عن عبيد بن سعد.\nوأخرجه ابن عدى في الكامل (٨/ ٣٧٤) عن أبي هريرة. وقال ابن عدى: ولأبي حرة من الحديث غير ما ذكرت ولم أجد في حديثه حديثًا منكرا فأذكره. قالا ابن مَعين في أبي حرة: صالح إلا أن في حديثه عن الحسن ضعفا يقولون لم يسمعه من الحسن.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٢: رواه أبو يعلي، ورجاله ثقات، إن كان عبيد بن سعد صحابي وإلا فهو مرسل. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥٠٩).","vol":"8","page":599},{"text":"قَالَ أحدهم أما أَنا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْل أبدًا وَقَالَ آخر أَنا أَصوم الدَّهْر وَلَا أفطر أبدًا وَقَالَ آخر وَأَنا أعتزل النِّسَاء فَلَا أَتزوّج أبدًا فجَاء رَسُول اللّه - ﷺ - إِلَيْهِم فَقَالَ أَنْتُم الْقَوْم الَّذين قُلْتُمْ كَذَا كَذَا أما وَاللّه إِنِّي لأخشاكم للّه وأتقاكم لَهُ لكني أَصوم وَأفْطر وأصلي وأرقد وأتزوج النِّسَاء فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"جاء رهط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - \" الرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم إمرأة قاله في الصحاح قال اللّه تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ (^٢) وقال صاحب المحكم الرهط عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة وقيل من سبعة إلى عشرة لا واحد له من لفظه (^٣) وقال في المشارق قال أبو عبيدة (^٤): هو ما دون العشرة وقيل من ثلاثة إلى عشرة وقال في النهاية: الرهط من الرجال ما دون العشرة وقيل إلى الأربعين ولا واحد له من لفظه ويجمع علر أرهط وأرهاط وأراهط جمع الجمع قاله في النهاية (^٥) فحصل من ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٦٣)، ومسلم (٥ - ١٤٠١)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٤٢٧ (٣٢٤١)، وابن حبان (١٤) و(٣١٧).\n(^٢) سورة النمل، الآية: ٤٨.\n(^٣) المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٢٤٧).\n(^٤) مشارق الأنوار (١/ ٣٠٠).\n(^٥) النهاية (٢/ ٢٨٣).","vol":"8","page":600},{"text":"أربعة أقوال أشهرها الأول واللّه أعلم.\nقوله: \"فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي - ﷺ -\" الحديث تقالوها أي رأوها قليلة والتقالل وجدان الشيء قليلا أي وجدوا تلك العبادة قليلة وقد ظنوا أن وظائف رسول اللّه - ﷺ - من العبادات كثيرة (^١).\nقوله: \"فقال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر أبدًا وقال آخر وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا فجاءهم النبي - ﷺ - إليهم فقال: أنتم القوم الذين قلتم كذا كذا أما واللّه إني لأخشاكم للّه وأتقاكم\" الحديث.\nفائدة: كان رسول اللّه - ﷺ - إذا بلغه عن أحد من الصحابة شيء يقول ما بال أقوام يقولون كذا كذا وما بال رجال يفعلون كذا وكذا ولا يعينهم خشية أن يحصل لهم خجل واستحياء بالتعيين بين الناس ويكفيهم ذلك في النهي وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (^٢) وقال: تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ (^٣) (^٤) ا. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني\" الحديث رغب عنه بمعنى أعرض عنه يقال رغبت عن\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٤٤).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.\n(^٣) سورة طه، الآية: ٤٤.\n(^٤) تنبيه الغافلين (ص ٤٨ - ٤٩).","vol":"8","page":601},{"text":"الشيء تركته وكرهته ورغبت فيه اخترته وطلبته (^١) والسنة هي الطريقة والسيرة والمراد منها ها هنا ما أمر به النبي - ﷺ - ونهى عنه وندب إليه قولا وفعلا ومعنى فليس مني ليس على سيرتي ومذهبي وليس المراد خروجه عن الملة وإنما للتحذير (^٢) وقال البيضاوي في شرح المصابيح (^٣) في قوله: فمن رغب عن سنتي أي مال عنها استهانة وزهدا فيها لا كسلا وتهاونا فليس مني أي من أشياعي وأهل ديني وقال غيره فمن رغب عنها إعراضا عنها غير معتقد لها على ما هي عليه أما من ترك النكاح على الصفة التي يستحب له تركه كما سبق بيانه أو ترك النوم على الفراش لعجزه عنه أو لاشتعاله بعبادة مأذون فيها أو نحو ذلك فلا يتناوله الذم والنهى واللّه أعلم قال الشيخ تقي الدين (^٤): ظاهر هذا الحديث قد يستدل به من يرجح النكاح على التخلي للعبادة فإنه - ﵇ - رد عليهم ما قصدوه من تكثير العبادة وترك الشهوات المذكورة وأكد ذلك بأن خلافه رغبة عن السنة ولهذا قال أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء ويحتمل أن تكون هذه الكراهة للتنطع والغلو في الدين وقد يختلف ذلك باختلاف المقاصد فمن فعله لذلك فهو ممنوع ومن خاف من الشبهة أو الوقوع في محرم أو العجز عن القيام بالواجب فلا.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٢).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٠٩).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ١٢٣).\n(^٤) إحكام الأحكام (٢/ ١٧٠).","vol":"8","page":602},{"text":"قال: ولا شك أن الترجيح يتبع المصالح ومقاديرها مختلفة وصاحب الشرع أعلم بتلك المقادير فمن عجز عن معرفتها فالأولى له اتباع الفظ الوارد في الشرع (^١).\nوقوله: \"سألو أزواج النبي - ﷺ -\" فيه البحث عن أمور الدين وما يقرب إلى رب العالمين وفيه الأخذ بالاجتهاد ولكن لما علم النبي - ﷺ - أن ذلك يضعفهم ويشق عليهم اختار لهم الحالة الوسطى الدائمة كما قال والقصد القصد تبلغوا (^٢) وإنما كان أحب إليه ما دام عليه صاحبه وفيه مكالمة النساء للحاجة ولكنهن أمهاتهم وعلى حال فهو جائز وفيه التنافس في الأعمال وفيه التجسس في الخير وفيه إظهار الأعمال للإخوان تقوية لقلوب بعضهم بعضا كما فعل أصحاب الكهف.\nقوله: \"فحمد اللّه وأثنى عليه\" إلى آخره هذا من عظيم خلقه ﵊ فإن من كريم عاداته أنه إذا كره شيئًا من أحد لا يواجهه بل يعرض ويخطب ويذكر وظاهر الحديث أن النكاح من مطلوبات الآخرة مطلقا وأنه عبادة ذكره النووي في فتاويه أنه إن قصد به غض البصر وتحصين الفرج وحصول ولد ونحوه فهو من مطلوبات الآخرة وإلا فمن مطلوبات الدنيا (^٣) انتهى.\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ١٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٦٣).\n(^٣) فتاوى النووي (ص ١٧٩).","vol":"8","page":603},{"text":"فائدة: ورد في الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: \"لو أن أحدكم أراد أن يأتي أهله قال باسم اللّه اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهم ولد في ذلك لا يضره الشيطان أبدًا\" (^١) ومقصود الحديث واللّه أعلم أن الولد الذي يقال له ذلك يحفظ من إضلال الشيطان وإغوائه ولا يكون للشيطان عليه سلطان لأنه يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (^٢) وذلك ببركة الأبوين الصالحين وبركة اسم اللّه تعالى والتعوذ والالتجاء إليه ولا يفهم من هذا نفي وسوسته وتشعيثه وصرعه فقد يكون كلّ ذلك ويحفظ اللّه الولد من ضرره في قلبه ودينه وعاقبة أمره (^٣).\nقال القاضي عياض (^٤): قيل المراد بقوله لا يضره الشيطان أي لا يصرعه شيطان وقيل لا يطعن عند ولادته بخلاف غيره كما في الصحيح أن الشيطان يطعن في خاصرة كلّ مولود حين يولد إلا مريم وابنها جاء يطعن فطعن الحجاب (^٥) ويحتمل قوله لا يضره الشيطان أن الولد يكون إيمانه محفوظا وأن الشيطان لا يتخبطه عند الموت بل يموت مسلما وإذا ختم للعبد بخير لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤١) و(٣٢٧١) و(٦٣٨٨) و(٧٣٩٦)، ومسلم (١١٦ - ١٤٣٤) عن ابن عباس.\n(^٢) سورة الحجر، الآية: ٤٢.\n(^٣) المفهم (١٣/ ٢٣).\n(^٤) إكمال المعلم (٤/ ٦١٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٢٨٦) عن أبي هريرة.","vol":"8","page":604},{"text":"تضره ذنوبه وفي الحديث استحباب التسمية والدعاء للمولود ليسلم من مشاركة الشيطان في جماعه كما في الأكل فإن نسي في أول الجماع فلينزع ثم يسمي ثم يجامع وفي الحديث دليل على استحباب استعمال الأدب والتكني عما يستحى من ذكره فإن التعبير بالإتيان عباره عن الجماع الذي هو عبارة عن النيك فهو كناية ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) وقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٢) وفيه دليل على أن أهل الرجل زوجته والأصحاب فسروا الأهل في كتاب الحج بمن تلزمه نفقته وذكروا في كتاب الوقف والوصية وجهين أحدهما الحمل على الزوجة فقط وأصحهما الحمل على كلّ من تلزمه نفقته واللّه أعلم قاله في شرح الإلمام.","vol":"8","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>فصل</span>\nقال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي: بان لك يا أخي هذا الباب ليس من الزهد ترك المباحات ولا تحريم الطيبات قال اللّه: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (^١) الآية وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (^٢) والآي في هذا كثيرة.\nفإن قيل: فقد روي عن جابر أنه قال اشتهى أهلي لحما فاشتريته لهم فمررت بعمر بن الخطاب فقال ما هذا يا جابر فأخبرته فقال أكلما اشتهى أحدكم شيئًا جعله في بطنه أين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (^٣) الآية.\nقيل: هذا عتاب من عمر له على التوسع في الدنيا بابتياع اللحم والخروج عن جلف الخبز والماء كما رواه الترمذي عن عثمان فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشرى بها الطباع وتستمر بها العادة فإذا فقدتها استسلمت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراء النفس الأمارة بالسوء فأخذ عمر الْأَمر من أوله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله وقد قال علي: حين أتى بالفالوذج ولكني أكره أن أعود نفسي ما لم تعتد\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ٥١.\n(^٢) سورة الرعد، الآية: ٣٨.\n(^٣) سورة الأحقاف، الآية: ٢٠.","vol":"8","page":606},{"text":"قال القاضي أبو بكر بن العربي: والذي يضبط لك هذا الباب ويحفظ قانونه على المرء أن يأكل ما وجد طيبا كان أو قفارا ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة وكان النبي - ﷺ - يشبع إذا وجد ويصبر إذا عدم ويأكل الحلواء إذا قدر عليها ويشرب العسل إذا اتفق له ويأكل اللحم إذا تيسر ولا يعتمده أصلا ولا يجعله ديدنا ومعيشة النبي - ﷺ - معلومة وطريقة الصحابة منقولة فأما اليوم عند استيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير واللّه يهب الإخلاص ويعين على الخلاص برحمته وكان سفيان الثوري مع ورعه وفضله يقول جوائز السلطان أحب إلى من صدقة الإخوان لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن ومثل هذا عن العُلماء والفضلاء كثير وقد جمع فيه الناس أبوابا (^١) ا. هـ واللّه أعلم.\n\n٢٩٥٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - تنْكح الْمَرْأَة على إِحْدَى خِصَال لجمالها وَمَالهَا وخلقها ودينها فَعَلَيْك بِذَات الدّين والخلق تربت يَمِينك رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) قمع الحرص (ص ٢٠٣ - ٢٠٥)، وأحكام القرآن (٤/ ١٢٧) لابن العربي ونقله القرطبي في التفسير (١٦/ ٢٠٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٨٠ (١١٩٤٤)، وعبد بن حميد في المنتخب (٩٨٨)، والبزار (١٤٠٣) (زوائد)، وأبو يعلى (١٠١٢)، وابن حبان (٤٠٣٧)، والدارقطني في السنن (٣٨٠٣)، والحاكم ٢/ ١٦١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال البزار: قال البزار: لا نعلم روى أحد في الخلق شيئًا إلا أبو سعيد بهذا الإسناد. وقال =","vol":"8","page":607},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"تنكح المرأة على إحدى خصال لجمالها ومالها وخلقها ودينها فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك\" الحديث سيأتي الكلام على هذا الحديث وفي هذا الحديث رد على من (منع) من استعمال الحلال (والمباحات من) الطيبات وآثر عليها غليظ المأكل والملبس وإن كان فيه خير وتواضع ولكن يخشى أن يترك المداومة عليه والرياء والتشبه بالرهبان فالذي كان عليه - ﷺ - أنه يلبس ما وجد ويأكل ما وجد وكان يحب الحلواء والعسل وأكل لحم الدجاج والإبل والبقر والغنم والقثاء بالرطب وأكل الحواري ومختلف الطعام ولبس الشملة والبردة والرداء الحضرمي والحلة الحمراء وحبب إليه من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة وقال: لا رهبانة في الإسلام وقال: رهبانية أمتي السياحة والصيام ومرة آثر الخشن وقال مرة: من ترك اللباس يعني الناعم تواضعا للّه وهو يقدر عليه خيره اللّه تعالى يوم القيامة من أي حلل الإيمان أيها شاء وكان حشو وسادته ليفا وأثر رمال الحصير في جنبه فذكر له حال كسرى وقيصر وما هما فيه فقلا أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ثم قال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة وترك الخميصة وقال: ألهتني ءانفا عن صلاتي ولبس الجبة الشامية المكفوفة بالحرير فمن ارتاد الاقتداء به فلينظر سيرته وليتبعها\n_________\n= الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٤: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٠٧) وصحيح الترغيب (١٩١٩).","vol":"8","page":608},{"text":"فهي الطريقة الموصلة إلى اللّه تعالى سلك اللّه بنا سبلها وشرها لنا آمين (^١).\nوفي الحديث ابتداء الكلام المهم والخطب بالحمد للّه والثناء عليه والنصح للأمة وطلب الخير لها في الدارين قاله في شرح الإلمام.\nفائدة: عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه عن رسول اللّه - ﷺ - قال: أعلنوا النكاح رواه الحاكم من حديث عبد اللّه القرشي وقال: صحيح الإسناد ورواه أحمد والطبراني (^٢).\nأما الإعلان بالدف فمستحب قال البغوي: وروى عن عائشة مرفوعًا بإسناد غريب \"أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف\" (^٣) والضرب بالدف فيه\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٤/ ٥٢٨ - ٥٢٩)، ورياض الأفهام (٤/ ٥٧٨ - ٥٧٩).\n(^٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (٢٤٥)، ومن طريقه أحمد (٤/ ٥ رقم ١٦١٣٠)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند في الموضع نفسه، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٤٣)، والبزار (٢٢١٤)، وابن حبان (٤٠٦٦)، والطبراني في الأوسط ٥/ ٢٢٢ (٥١٤٥) والكبير ١٤/ ١٩٦ (١٤٨١٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٢٨) عن عبد اللّه بن الزبير. وزاد البزار: واضربوا عليه بالغربال - يعني الدف -. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٨٩: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط، ورجال أحمد ثقات. وقال الألباني: حسن صحيح - \"الآداب\" (١٩٣)، \"المشكاة\" (٣١٥٢)، \"الإرواء\" (١٩٩٣).\n(^٣) قول البغوى هو في شرح السنة (٩/ ٤٧).\nوأما حديث عائشة: أخرجه سعيد بن منصور (٦٣٥)، وإسحاق في مسند عائشة (٤٠٢)، والترمذي (١١١٤)، وابن ماجة (١٨٩٥)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٧٨٦)، وابن =","vol":"8","page":609},{"text":"وفي الختان رخصة وعن عمر أنه كان إذا سمع صوتا أو دوفا قال: ما هذا فإن قالوا عرس أو ختان صمت وفي حديث مرسل فصل ما بين الحرام والحلال الصوت والدف في النكاح (^١) وليس الصوت هنا السماع وإنما هو اضطراب الأصوات به والذكر في الناس ا. هـ قاله أيضًا في شرح الإلمام وفي الحديث تخيروا لنطفكم أي طلبوا ما هو خير المناكح وأزكاها وأبعد من الخبث والفجور قاله في النهاية (^٢).\n\n٢٩٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ تنْكح الْمَرْأَة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بِذَات الدّين تربت يداك رَوَاهُ\n_________\n= عدي في الكامل (٣/ ٤١٦) و(٦/ ٤١٨)، والإسماعيلي في المعجم (٢٧١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢١٤) والحلية (٣/ ٢٦٥). قال الترمذي: هَذَا حَدِيث غَرِيبٌ حَسَنٌ. وضعفه الألباني في الإرواء (١٩٩٣) وآداب الزفاف (٩٧).\n(^١) أخرجه ابن ماجة (١٨٩٦)، والترمذي (١١١٣)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٥٣٤ (٣٣٩٤)، والحاكم (٢/ ١٨٤) عن محمد بن حاطب. وقال الترمذي: حديث حسن.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الإرواء (١٩٩٤).\n(^٢) النهاية (٢/ ٩١). والحديث يروى عن عائشة بلفظ \"تخيروا لنطفكم، وانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم\": أخرجه ابن ماجة (١٩٦٨)، وابن أبي حاتم في العلل (١٢٠٨)، وابن حبان في المجروحين ١/ ٢٢٥، وابن عدي في ترجمة الحارث بن عمران من الكامل ٢/ ٦١٤، والدارقطني (٣٧٨٨) والعلل (١٥/ ٦١)، والحاكم ٢/ ١٦٣، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٦٧) والخطيب في تاريخ بغداد (١/ ٢٦٤) وابن الجوزي في العلل (١٠٠٩).\nوقال أبو حاتم: لا أصل له. وقال ابن حبان: أصل الحديث مرسل، ورفعه باطل. وقال الخطيب: هذا حديث غريب. وقال الذهبي: الحارث متهم وعكرمة ضعفوه. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٠٦٧).","vol":"8","page":610},{"text":"البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١) تربت يداك كلمة مَعْنَاهَا الْحَث والتحريض وَقيل هِيَ هُنَا دُعَاء عَلَيْهِ بالفقر وَقيل بِكَثْرَة المَال وَاللَّفْظ مُشْتَرك بَينهمَا قَابل لكل مِنْهُمَا وَالآخر هُنَا أظهر وَمَعْنَاهُ اظفر بِذَات الدّين وَلَا تلْتَفت إِلَى المَال أَكثر اللّه مَالك وَرُوِيَ الأول عَن الزُّهْرِيّ وَأَن النَّبِيّ - ﷺ - إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِك لِأنَّهُ رأى الْفقر خيرا لَهُ من الْغنى وَاللّه أعلم بِمُرَاد نبيه - ﷺ -.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله: - ﷺ - \"تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها\" الحديث وفي الحديث تخيروا لنطفكم أي اطلبوا ما هو خير المناكح وأزكاها وأبعد من الخبث والفجور قاله في النهاية (^٢) قال: شمر الحسب الفعل الحسن الجميل من الشخص ومن آبائه وحسبهما فالحسب بالفتح المعدود وبالسكون العد (^٣) والصحيح في معنى هذا الحديث أن النبي - ﷺ - أخبر بما يفعل الناس في العادة فإنهم يقصدون من المرأة هذه الخصال الأربع وأخرها عندهم ذات الدين فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين تربت يداك احرص على صحبتها لا أنه أمر بذلك وفي هذا الحديث الحث على مصاحبة أهل الدين في كلّ شيء لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وحسن طرائقهم ويأمن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٤٢٨ (٩٦٥٢)، والبخارى (٥٠٩٠)، ومسلم (٥٣ - ١٤٦٦)، وأبو داود (٢٠٤٧)، وابن ماجة (١٨٥٨)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٤٣٨ (٣٢٥٤)، وابن حبان (٤٠٣٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ٩١).\n(^٣) إكمال المعلم (٤/ ٦٧٤).","vol":"8","page":611},{"text":"المفسدة من جهتهم (^١) ولهذا أكره تزويج الدنية قال البغوي (^٢): وفيه من الفقه مراعاة الكفاءة في المناكح وأن الدين أولى ما اعتبر منها واختلف العُلماء في تحديد الكفاءة مذهب أكثرهم إلى أخها بأربعة أشياء الدين والحرية والنسب والصناعة والمراد بالإسلام الدين والعدالة بالدين الإسلام والعدالة فلا يكون الفاسق كفوؤا للعفيفة كما لا يكون الكافر كفؤا للمسلمة ولا العبد للحرة ولا المعتق للحرة الأصلية ولا دني الحرفة لمن فوقه ومنهم من اعتبر فيها السلامة من العيوب وهي الجنون والجذام والبرص والحث فإن كان في الرجل أحد هذه العيوب فلا يكون كفؤا للمرأة البرية منها ومنهم من يعتبر اليسار أيضًا فيكون جماعها ست خصال إذا زوجت امرأة دون رضاها بمن لا يكون كفؤا لها لا يصح النكاح سواء كان المزوج أبا أو غيره وسواء كانت المرأة بالغة أو صغيرة وإن زوجها وليها برضاها صح النكاح أما الرجل إذا نكح امرأة دونه في الكفاءة فيصح النكاح وذهب مالك إلى أن الكفاءة في الدين وحده وأهل الإسلام كلهم بعضهم أكفاء لبعض انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"واظفر بذات الدين تربت يداك\" هذه كلمة معناها الحث والتحريض وقيل كلمة دعاء عليه بالفقر وقيل بكثرة المال واللفظ مشترك بينهما قابل لكل منهما والثاني هنا أظهر ومعناه اظفر بذات الدين ولا تلتفت إلى المال أكثر الله مالك ا. هـ قاله المنذري وقال غيره: ترب الرجل إذا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٥١ - ٥٢).\n(^٢) شرح السنة (٩/ ٩).","vol":"8","page":612},{"text":"افتقر أي لصق بالتراب وأترب إذا يسر قيل لم يتعمد النبي - ﷺ - الدعاء عليهما بالفقر ولكنها كلمة جارية على ألسنة العرب يقولونها ولا يريدون وقوع الْأَمر وقيل تربت يداك إن لم تفعل ما أمرتك به (وانتفعت) بعظتي والأصح والأقوى الذي عليه المحققون أنها كلمة أصلها افتقرت ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدين حقيقة معناها الأصلي فيذكرون تربت يمينك أو يداك وقاتله اللّه مكا أشجعه وثكلته أمه وويل أمه وما أشبه هذا من ألفاظهم يقولونها عند إنكار الشيء أو الزجر عنه أو الذم عليه واستعظامه أو الحث عليه أو الإعجاب به واللّه أعلم وذكر أبو عبيدة في ذلك ثلاثة أقوال أحدها أن تربت بمعنى افتقرت وأنها كلمة تقولها العرب ولا يقصدون الدعاء على الشخص كقولهم عقرى خلقى والثاني: المعنى نزل بك الفقر عقوبة أن تعديت ذات الدين إلى ذات الجمال والمال والثالث: أن تربت بمعنى استغنيت من الغنا واختار القول الأول وخطأ الأخير والذي اختاره أبو عبيدة هو الصحيح والذي خطأه كما قال فإنه لا يعرف تربت بمعنى استغنى (^١) ا. هـ قاله في الحواشي عقري حلقي لم يرد وقوع العقر ولا وجع الحلق ولكنها كلمة تقولها العرب عند انكار الشيء أو الزجر عنه أو الذم عليه والحث عليه أو الإعجاب.\n\n٢٩٥٦ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - من تزوج امْرَأَة لعزها لم يزده اللّه إِلَّا ذلا وَمن تزَوجهَا لمالها لم يزده اللّه إِلَّا فقرا وَمن تزَوجهَا لحسبها لم\n_________\n(^١) الغريبين (١/ ٢٥١)، وبحر المذهب (٩/ ٩٩)، وكشف المشكل (٣/ ٢٥) والنهاية (١/ ١٨٤).","vol":"8","page":613},{"text":"يزده اللّه إِلَّا دناءة وَمن تزوج امْرَأَة لم يرد بهَا إِلَّا أَن يغض بَصَره ويحصن فرجه أَو يصل رَحمَه بَارك اللّه لَهُ فِيهَا وَبَارك لهَا فِيهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"من تزوج امرأة لعزها لم يزده اللّه إلا ذلا ومن تزوجها لمالها لم يزده اللّه إلا فقرا\" الحديث فذكره إلى أن قال: \"من تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك اللّه له فيها\" والمراد بالرحم القرابة سواء كان وارثا أو غير وارث.\nقوله: وفي حديث أنس \"من تزوج امرأة لعزها لم يزده اللّه إلا ذلا ومن تزوجها لمالها لم يزده اللّه إلا فقرا\" قال يحيى بن يحيى النيسابوري: كنت عند سفيان بن عيينة إذا جاءه رجل فقال: يا أبا محمد أشكوا إليك من فلانة يعني امرأته أنا أذل الأشياء عندها وأحقرها فأطرق سفيان مليا ثم رفع رأسه فقال لعلك رغبت إليها لتزداد (بذلك) عزا فقال (نعم) يا أبا محمد فقال: من ذهب إلى العز ابتلى بالذل ومن ذهب إلى المال ابتلي بالفقر ومن ذهب إلى\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٥١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢١ - ٢٢ رقم ٢٣٤٢) ومسند الشاميين (١/ ٢٩ رقم ١١)، والمخلص في المخلصيات (٣٠٨٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢٤٥).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم إلا عبد السَّلام. وقال أبو نعيم: غريب من حديث إبراهيم، تفرد به ابن عبد القدوس. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد السَّلام بن عبد القدوس بن حبيب، وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيف جدًّا الضعيفة (١٠٥٥)، وضعيف الترغيب (١٢٠٨) وحكم عليه بالوضع.","vol":"8","page":614},{"text":"الدين يجمع (اللّه له العز والمال مع الدين، ثم أنشأ يحدّثه، فقال: كنا إخوة أربعة، محمد وعمران وإبراهيم وأنا فمحمد أكبرنا وعمران أصغرنا، وكنت) أوسطهم فلما أراد محمد أن يتزوج رغب في الحسب فتزوج من هي أكثر من حسبا فابتلاه اللّه بالذل وعمران رغب في المال فتزوج من هي أكثر منه مالا فابتلاه اللّه بالفقر أخذوا ما في يديه ولم يعطوه شيئًا فتعبت في أمرهما فقدم علينا معمر بن راشد فشاورته وقصصت عليه قصة إخوتي فذكرني حديث يحيى بن أبي جعدة قال النبي - ﷺ -: \"تنكح المرأة على أربع دينها وحسبها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين\" الحديث وحديث عائشة أن النبي - ﷺ - قال: \"أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة\" فاخترت لنفسي الدين وتخفيف الظهر اقتداء بسنة رسول اللّه - ﷺ - فجمع اللّه لي العز والمال مع الدين (^١) ا. هـ.\n\n٢٩٥٧ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"لَا تزوجوا النِّسَاء لحسنهن فَعَسَى حسنهنَّ أَن يرديهن وَلَا تزوجوهن لأموالهن فَعَسَى أموالهن أَن تطغيهن وَلَكِن تزوجوهن على الدّين وَلأمة خرماء سَوْدَاء ذَات دين أفضل\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم (^٢).\nقوله: - ﷺ - \"لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن\" الطغيان تجاوز.\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٧/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(^٢) أخرجه عبد بن حميد (٣٢٨)، وابن ماجة (١٨٥٩)، والبزار (٢٤٣٨)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٥٤ رقم ١٤٦٤٧)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ١٢٨ - ١٢٩ رقم ١٣٤٦٩).\nوضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٦٠) وضعيف الترغيب (١٢٠٩).","vol":"8","page":615},{"text":"الحد قال اللّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ (^١) يقال: طغى البحر إذا هاج موجه وطغى الدم تبيغ.\nقوله: \"ولكن تزوجوهن على الدين\" أي على ابتغاء الدين أو للدين وهذه الحروف يقوم بعضها مقام بعض وإذا (كان) أقوم الدواعي الدين كان العقد أدوم وعاقبته أحمد.\nقوله: \"ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل\" يقال: خرمته أخرمه إذا قطعته ونقصته وما خرم على الطريق أي ما عدل ورجل أخرم إذا قطع طرف أنفه والمرأة خرماء (^٢) فالأمة الخرماء أفضل من حمراء سليمة ليست ذات دين فحذف لفهم المقصود ثم يجوز أن يريد أن الأمة على نقصانها رقا وخلقة إذا كانت ذات دين أفضل من الحرة السليمة إذا لم تكن ذات دين (^٣) الحديث (رواه ابن ماجة من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف).\nقال الرافعي في أماليه (^٤): الدين هنا يمكن حمله على الملة والتوحيد أي ارغبوا عن تزويج الكتابيات فهو مكروه والأظهر حمله على الطاعات والأعمال الصالحة والعفة وهذا هو الذي يعنيه الفقهاء بقولهم أن الدين من خصال الكفاءة وقيل المراد بالدين هنا الطاعة والخضوع ومنه قوله تعالى:\n_________\n(^١) سورة العلق، الآيتان: ٦ - ٧.\n(^٢) الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة (ص ٢١٤) للرافعي.\n(^٣) الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة (ص ٢١٦) للرافعي.\n(^٤) الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة (ص ٢١٥) للرافعي.","vol":"8","page":616},{"text":"﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^١) ويقال: دان أن له أي إطاعة ولفظ الدين مشترك بين معان كثيرة يطول ذكرها واللّه أعلم.\n\n٢٩٥٨ - وَعَن معقل بن يسَار - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه إِنِّي أصبت امْرَأَة ذَات حسب ومنصب وَمَال إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلد أفأتزوجها فَنَهَاهُ ثمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ أتاهُ الثَّالِثَة فَقَالَ لَهُ تزوجوا الْوَدُود الْوَلُود فَإِنِّي مُكَاثِر بكم الأُمَم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن معقل بن يسار - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"قال جاء رجل إلى رسول اللّه - ﷺ - فقال يا رسول اللّه إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها فنهاه\" الأعرابي تقدم الكلام عليه وهو الذي سكن البادية وتقدم الكلام على الحسب في أحاديث الباب والحسب هنا الفعل الحسن من الشخص ومن آبائه مأخوذ من\n_________\n(^١) سورة البينة، الآية: ٥.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٠٥٠)، النسائي في المجتبى ٥/ ٤٣٤ (٣٢٥١) والكبرى (٥٣٢٣)، وأبو عوانة في المستخرج (٤٤٥٥)، والمحاملى (٣٩٣)، وابن حبان (٤٠٥٦) و(٤٠٥٧)، والطبراني ٢٠/ ٢١٩ (٥٠٨)، والحاكم (٢/ ١٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦١)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ١٣١ رقم ١٣٤٧٥) ومعرفة السنن (١٠/ ١٩ رقم ١٣٤٥٨).\nقال أبو عوانة: في هذا الحديث نظر. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال أبو نعيم: غريب من حديث منصور، تفرد به المستلم. وقال الألباني: حسن صحيح، الإرواء (١٧٨٤)، آداب الزفاف (١٦)، صحيح أبي داود (١٧٨٩)، وصحيح الترغيب (١٩٢١).","vol":"8","page":617},{"text":"الحساب وذلك أنهم إذا تفاخروا عد كلّ واحد منهم مناقبه ومآثر آبائه وحسبها والمراد بالمنصب (الأصل أو الشرف، يقال لفلان منصب وزان مسجد أي علو ورفعة وفلان له منصب صدق يراد به المنبت والمحتد).\nقوله: \"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم\" رواه أبو داود والنسائي ا. هـ وفي حديث آخر قال: - ﷺ - \"والمولود من أمتي خير من الدنيا وما فيها\" (^١) وقال: \"إني مكاثر بكم الأمم\" وفي الحديث \"لا تزوجن عاقرا فإني مكاثر بكم\" (^٢) العاقر المرأة التي لا تحمل والودود هي التي لم تخالط بردها غيرك وهي البكر التي لم تعرف غيرك من الود والمحبة يقال: وددت الرجل أوده إذا أحببته فعول بمعنى مفعول أو التي يكثر منها الود وكذلك الولود في الولادة وهو إشارة إلى التسبب بذلك في كثرة النسل ولهذا قال: - ﷺ - \"فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة فإن بعض الأنبياء يأتي ومعه الرجل والرجلان وبعضهم أكثر تابعا وأكثرهم موسى - ﵇ - إلا ما كان من نبينا فإنه أكثرهم تابعا حتى إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا هذه الأمة منها ثمانون كما رواه ابن حبان في صحيحه.\nقال أبو الفرج بن الجوزي: النكاح مع خوف العنت واجب ومن غير\n_________\n(^١) ذكره في تنبيه الغافلين (ص ١٩٢) بلا إسناد عن الشعبى مرسلا.\n(^٢) أخرجه ابن قانه (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨) والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٦٨ رقم ١٠٠٨)، والحاكم (٣/ ٢٩٠ - ٢٩١). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: معاوية بن يحيى ضعيف. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٥٨): فيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف. وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤/ ٦٣٠): سنده ضعيف من أجل عمرو. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٧٧٥).","vol":"8","page":618},{"text":"خوف العنت سنة مؤكدة عند جمهور العُلماء ومذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أنه حينئذ أفضل من جميع النوافل لأنه سبب في وجود الولد وقال: - ﵇ - \"تناكحوا تناسلوا\" وفي حديث آخر \"تناكحوا تكثروا\" رواه الشافعي بلاغا وفي الحديث أيضًا \"تناكحوا تناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط\" وقد طلب الأنبياء الأولاد وتسبب الصالحون إلى وجودهم ورب جماع حدّث منه ولو كالشافعي وأحمد كان خيرا من عبادة ألف سنة وقد جاء الخبر بإثابة المباضع والمنفق على الأولاد ومن يموت له ولد ومن يخلف ولدا (بعده) فمن أعرض عن طلب الولد خالف المسنون والأفضل (وحرم أجرا جسيما ومن فعل ذلك) فإنما يطلب طريق الراحة قال الجنيد رحمة اللّه عليه: الأولاد عقوبة شهوة الحلال فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام قال ابن الجوزي وهذا غلط فإن تسمية بالمباح عقوبه لا يحسن لأنه لا يباح شيء ثم يكون ما يتجدد منه عقوبة ولا يندب إلى شيء إلا وحاصله مثوبة ا. هـ (ذكره في تلبيس إبليس) (^١).\n\"فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة\" ليس المراد بالمكاثرة هنا (المفاخرة) المنهي عنها وإنما يفعله تنويها بقدرهم وتبشيرا لهم ليجتهدوا في نيل ما أخر لهم من المراتب والتشريف ببركة نبيهم وشرفه وعظيم قدره - ﷺ - لهذا قال: - ﷺ - \"إني مكاثر بكم الأمم\" ولم يقل الأنبياء واللّه أعلم قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (ص ٢٦٠ - ٢٦٤) بتصرف.","vol":"8","page":619},{"text":"تنبيه: في تزويج البكر روى مسلم في صحيحه من حديث جابر قال: تزوجت امرأة في عهد النبي - ﷺ - فقال: يا جابر تزوجت قلت نعم فقال: بكرا أو ثيبا قلت ثيبا قال: \"فهلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك\" وجاء \"تداعبها وتداعبك\" وجاء \"تضحكها وتضحاكك\" وجاء \"فأين أنت من العذراء ولعابها\" بكسر اللام من الملاعبة وفي رواية عند البخاري بضمها (^١) إشارة إلى طلب النكهة وما يتعلق بذلك القتل ومص طيّب اللعاب.\nقال النووي (^٢): وقد حمل الجمهور قوله تلاعبها وتلاعبك على اللعب المعروف وبعضهم على الريق وروى ابن ماجة أن النبي - ﷺ - قال: \"عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير\" (^٣).\nقال الجوهري (^٤): نتقت المرأة إذا كثر ولدها فهي ناتق ومنتاق وفي هذه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٩٧) و(٢٣٠٩) و(٢٩٦٧) و(٤٠٥٢) و(٥٠٧٩) و(٥٠٨٠) و(٥٢٤٥) و(٥٢٤٧) و(٥٣٦٧) و(٦٣٨٧)، ومسلم (٥٤ و٥٥ و٥٦ و٥٧ و٥٨ - ٧١٥) و(١١٠ - ٧١٥) عن جابر.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٦١)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ٢/ ٦٩٧ (٢٨٨٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٤٧)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٢٨٨، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٤٠ (٣٥٠)، وفي الأوسط (١/ ١٤٤ رقم ٤٥٥)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٣٠ رقم ١٣٤٧٣ و١٣٤٧٤) عن عويم بن ساعدة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٦٢٣).\n(^٤) الصحاح (٤/ ١٥٥٨).","vol":"8","page":620},{"text":"الأحاديث الحث على تزويج الإبكار لما في ذلك من الفوائد المذكورة في الملاعبة وحسن التبعل وطيب الأفواه وكثرة النسل وعدم الالتفات إلى الغير فقد يتعلق قلبها بمن فارقها أو بأولادها ولهذا جاء في حديث ضعيف \"النهي عن اللبوت\" وفي الخبر أن رجلًا جاء إلى النبي داود - ﵇ - وقال: إني أريد أن أتزوج فكيف أتزوج فقال: اذهب إلى سليمان فسله وكان سليمان ابن سبع سنين فخرج الرجل إلى سليمان فوجده يلعب مع الصبيان وهو راكب على قصبة فأتاه وقال: إني أريد أن أتزوج فكيف أتزوج قال: عليك بالذهب الأحمر والفضة البيضاء واحذر الفرس كي لا يضربك فلم يفهم الرجل جوابه وقد كان داود أمره أن يرجع إليه فرجع إليه وأخبره بمقالته فقال: له داود ما الذهب الأحمر قال: المرأة البكر والثيب هي الفضة البيضاء وقوله: احذر من الفرس كي لا يضربك أي إياك والعجوزات الأولاد وفي الخبر أيضًا أن رجلًا من بني إسرائيل قال: لا أتزوج حتى أشاور مائة إنسان فشاور تسعة وتسعين وبقي واحد فعاهد نفسه على أن أول من لقيه غدا أشاوره وأفعل برأيه فلما أصبح وخرج من منزله لقي مجنون راكبا على قصبة فاغتم لذلك ولم يجد بدا من الخروج من عهده فتقدم إليه فقال له المجنون احذر الفرس أن يضربك فقال له الرجل احبس فرسك حتى أسألك عن شيء فوقف فقال له إني كنت عاهدت أن أستشير أول من يستقبلني وأنت أول من استقبلني وأنا أريد أن أتزوج فكيف أتزوج فقال النساء ثلاث واحدة لك وواحدة عليك وواحدة لك وعليك ثم قال: احذر الفرس كي لا يضربك","vol":"8","page":621},{"text":"ومضى فقال الرجل: آه لم أسأله عن تفسيره فلحقه فقال يا هذا احبس فرسك فحبسه (فدنا منه) وقال: فسره لي فإني لا أفهم مقالتك قال: التي هي لك فهي البكر فقلبها لك وحبها لك ولا تعرف أحدا غيرك وأما التي عليك فالمتزوجة ذات الولد تأكل مالك وتبكي على الزوج الأول وأما التي لك وعليك فالمتزوجة وليس لها ولد فإن كنت خيرا لها من الأول فهي لك وإلا فهي عليك ثم مضى فلحقه وقال: ويحك تكلمت بكلام الحكماء وأنت عملك عمل المجانين قال: يا هذا إن بني إسرائيل أرادوا أن يجعلوني قاضيا فأبيت فلحوا علي فجعلت نفسي مجنون حتى نجوت منهم قاله أبو الليث السمرقندي والحديث الذي قبله في كتاب البستان (^١).\nخاتمة: فيها بشرى قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إني لأنكح النساء وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة قيل ولم ذاك يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج اللّه من ظهري من يكاثر به محمد الأمم يوم القيامة فهذا أعظم ملذوذات الدنيا رجع مجردا للآخرة يتقربون به إلى ربهم فسبحان من منَّ عليهم وسقاهم من كأس نبيهم - ﷺ - (^٢) انتهى.\n[ترغيب الزوج في الوفاء بحق زوجته وحسن عشرتها والمرأة بحق زوجها وطاعته وترهيبها من إسقاطه ومخالفته].\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٤١٩).\n(^٢) المدخل لابن الحاج (١/ ١٤).","vol":"8","page":622},{"text":"٢٩٥٩ - قَالَ الْحَافِظ قد تقدم فِي بَاب التَّرْهِيب من الدّين حَدِيث مَيْمُون عَن أَبِيه - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - أَيّمَا رجل تزوج امْرَأَة على مَا قل من الْمهْر أَو كثر لَيْسَ فِي نَفسه أَن يُؤَدِّي إِلَيْهَا حَقّهَا خدعها فَمَاتَ وَلم يؤد إِلَيْهَا حَقّهَا لَقِي اللّه يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ زَان الحَدِيث وَتقدم فِي مَعْنَاهُ أَيْضًا حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحَدِيث صُهَيْب الْخَيْر.\n\n٢٩٦٠ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول كلكُمْ رَاع ومسؤول عَن رَعيته الإِمَام رَاع ومسؤول عَن رَعيته وَالرجل رَاع فِي أَهله ومسؤول عَن رَعيته وَالْمَرْأَة راعية فِي بَيت زَوجهَا ومسؤولة عَن رعيتها وَالْخَادِم رَاع فِي مَال سَيّده ومسؤول عَن رَعيته وكلكم رَاع ومسؤول عَن رَعيته رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: يقول \"كلكم راع ومسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها\" الحديث قال العُلماء - ﵃ -: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره والرعية هو كلّ ما شمله حفظ الراعي ونظره والمراعاة الملاحظة ففيه أن كلّ من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته وفيه بيان ولاة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٩٣) و(٢٤٠٩) و(٢٥٥٤) و(٢٥٥٨) و(٢٧٥١) و(٥١٨٨) و(٥٢٠٠) و(٧١٣٨)، ومسلم (٢٠ - ١٨٢٩)، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذى (١٧٠٥) عن ابن عمر.","vol":"8","page":623},{"text":"الْأَمر من هم وبدأ بأعمهم ولاية وهو الإمام الأعظم وأوسطهم هو الرجل في أهله وأخصهم المرأة في بيت زوجها والخادم في مال سيده (^١).\nقوله: \"وكلكم راع ومسؤول عن رعيته\" شمامل لما فصل قبل ذلك ا. هـ ذكره في الحدائق (^٢) فمن علم أن الله سائله يوم القيامة عن رعيته وأهله وخدمه كيف تقر عينه بإهمالهم وتركهم كالبهائم المرسلة لا يزمهم بزمام الشرع يقيدهم بقيد السنة ولا يعلمهم ولا يأمرهم بالتعليم بل لو اشتغل أحدهم بأداء صلاة وفوته درهمًا أو آخر حاجته قليلا لاشتغاله بأداء الواجب لقامت قيامته وقابله بما أمكنه وليس هذا من الدين شيء فلينظر كلّ امرئ لنفسه فرب هالك بإهماله ذنوب غيره ولا يشعر فينبغي للإنسان أن يأمر زوجته وولده وخادمه بأداء الواجبات وترك المحرمات بالرفق فإن أبوا ضربهم فإن لم ينتهوا فارق زوجته وباع الخادم وهجر الولد حيث يجوز الهجر وقد ورد في حديث أن ابن عمر - ﵄ - هجر ابنا له إلى أن مات فإن فعل ذلك فقد خلص نفسه وقام بما يجب عليه من الإنكار وخرج من العهدة فيهم فقد برئي من الإثم واللّه الموفق فرحم اللّه امرءا رأى عيبا فستره أو زللا فغفره أو وهما فحلم على صاحبه وعذره (^٣).\n_________\n(^١) انظر: أعلام الحديث (١/ ٥٧٩ - ٥٨٥) ومعالم السنن (٣/ ٢)، وشرح المشكاة (٨/ ٢٥٦٨).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٨٤).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٥٣٥ - ٥٣٦).","vol":"8","page":624},{"text":"تنبيه: قال الخطابي (^١): أصل الرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد له وجرى اسمها على هؤلاء المذكورين على سبيل التسوية لكن المعاني فيهم مختلفة فأما رعاية الإمام فهي ولاية أمور الرعية والحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم وأما رعاية الرجل أهله فالقيام عليهم والسياسة لأمرهم وتوفية حقوقهم في النفقة والعشرة وأما رعاية المرأة فحسن التدبير في أمر بيت زوجها والتعهد لمن تحت يده من عياله وأضيافه وأما رعاية الخادم فهو حفظ ما في يده من مال سيده والنصيحة له فيه والقيام بما استكفاه من الشغل والخدمة واستدل الزهري به على أن للسيد إقامة الحد على مماليكه قاله الكرماني (^٢).\n\n٢٩٦١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا وخيركم خيركم لنسائهم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٣).\n_________\n(^١) أعلام الحديث (١/ ٥٧٩ - ٥٨٠).\n(^٢) الكواكب الدراري (٦/ ١٦ - ١٧).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٥٠ (٧٥٢٠) و٢/ ٤٧٢ (١٢٤٧٠) ومن طريقه الخلال في السنة (١١١٣)، والطوسي في الأربعون (٣٥)، وأبو داود (٤٦٨٢)، والترمذى (١١٦٢)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٤٧١) و(٤٧٩)، والحارث في المسند (٨٤٨)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٤٥٢)، وابن المنذر في الأوسط (٧٥١٧)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٤٣١)، وابن حبان (٤١٧٦)، والحاكم ١/ ٣. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٤)، وصحيح الترغيب (١٩٢٣) و(٢٦٦٠).","vol":"8","page":625},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخيركم خيركم لنسائهم\" ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقا ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص بل في حال دون حال ونحوه (أو) أن المراد من أفضل كذا أو من خيرها (أو من خيركم فحذفت من وهي مرادة) كما يقال فلان أعقل الناس أي من أعقلهم وهي جملتهم ا. هـ قاله الكرماني (^١).\n\n٢٩٦٢ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن من أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا وألطفهم بأَهْله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا كَذَا قَالَ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَلَا نَعْرِف لأبي قَلَابَة سَمَاعا من عَائِشَة (^٢).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٤٧ (٢٤٨٤١) و٦/ ٩٩ (٢٥٣١٦) ومن طريقه الخلال في السنة (١١١٤)، والترمذى (٢٦١٢)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٤٧٣)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٨٠)، والنسائي في الكبرى (٩١٠٩)، وابن السنى في اليوم والليلة (٦١٠)، والحاكم ١/ ٥٣.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن ولا نعرف لأبي قلابة سماعا من عائشة. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه انقطاع. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٢٦٣)، وضعيف الترغيب (١٢١٥) و(١٥٩٠).","vol":"8","page":626},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله\" والمراد بأهله هنا الزوجة.\n\n٢٩٦٣ - وَعَن عَائِشَة أَيْضًا - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - خَيركُمْ خَيركُمْ لأهله وَأَنا خَيركُمْ لأهلي رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن عائشة أيضًا - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\nقوله: - ﷺ - \"خياركم خياركم لأهله\" تقدم أن المراد بالأهل الزوجة وتقدم الخلاف فيه وهو إشارة إلى صلة الرحم والحث عليها.\n\n٢٩٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ خَيركُمْ خَيركُمْ لأهله وَأَنا خَيركُمْ لأهلي رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ خَيركُمْ خَيركُمْ للنِّسَاء وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (٢٤٣٩)، والترمذى (٣٨٩٥)، وابن أبي الدنيا في مداراة الناس (١٥٤)، وابن المنذر في الأوسط (٧٥١٨)، وابن حبان (٤١٧٧)، والطبرانى في الأوسط (٦/ ١٨٧ رقم ٦١٤٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٨)، والبيهقى في الآداب (ص ٢١) والكبرى (٧/ ٧٧٠ رقم ١٥٦٩٩) والشعب (١١/ ١٦٤ رقم ٨٣٤٤) و(١٣/ ٣٧٧).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري. وصححه الألباني في المشكاة (٣٢٥٢) والصحيحة (٢٨٥) و(١١٧٤) وصحيح الترغيب (١٩٢٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (١٩٧٧)، والبزار (٥١٩٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٥٢٣)، وابن حبان (٤١٨٦)، والحاكم ٤/ ١٧٣. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال البزار: وهذه الأحاديث لا نعلمها تروي، عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد وجعفر بن يحيى وعمه من أهل مكة مستورون. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٣: رواه البزار، وفيه =","vol":"8","page":627},{"text":"٢٩٦٥ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع فَإِن أقمتها كسرتها فدارها تعش بهَا رَوَاهُ ابْن حبَان في صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن سمرة بن جندب - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن المرأة خلقت من ضلع فإن أقمتها كسرتها\" الحديث الضلع بكسر الضاد وفتح اللم وبسكونها أيضًا والفتح أفصح قاله المنذري والضلع واحدة الأضلاع وقد ثبت أن حواء ﵍ استخرجت من ضلع آدم\n_________\n= جعفر بن يحيى بن ثوبان، وهو مستور، وبقية رجاله ثقات، وقد روى أبو داود لجعفر هذا وسكت عنه فحديثه حسن.\nوقال البوصيرى في الزجاجة ٢/ ١١٧ - ١١٨: هذا إسناد ضعيف عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات وقال عبد الحق ليس بالقوي فرد ذلك عليه ابن القطَّان وقال ابن حبان ليس بالقوي وقال إنما هو مجهول الحال وجعفر بن يحيى قال ابن المديني شيخ مجهول وقال ابن القطَّان الفاسي مجهول الحال وذكره ابن حبان في الثقات ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق أبي عاصم به ورواه الحاكم في المستدرك من طريق أبي عاصم به وقال صحيح الإسناد ورواه البزار في مسنده عن عمرو بن علي الغلاس عن أبي عاصم فذكره وإسناده ومتنه.\nوصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٥)، وصحيح الترغيب (١٩٢٥). ولم يدرج المُصَنِّف تحته شرحا.\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنِّف ٤/ ١٩٧ (١٩٢٧٥)، وأحمد ٥/ ٨ (٢٠٤١٠)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٤٧٠) ومداراة الناس (١٦٥)، والبزار (٤٥١٧ و٤٥١٨)، والرويانى (٨٥١)، وابن حبان (٤١٧٨)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٤٤ رقم ٦٩٩٢)، والحاكم ٤/ ١٧٤.\nقال البزار: وهذا الحديث قد رواه عن عوف جماعة، عن أبي رجاء، وقال بعضهم عن رجل، وهو شعبة، ورواه شعبة والثوري، عن عوف عن رجل عن سمرة. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الترغيب (١٩٢٦).","vol":"8","page":628},{"text":"- ﵇ - فأشار - ﵇ - بذلك إلى المرأة خلقت خلقًا فيه إعوجاج لا يستطيع أحد من خلق اللّه تعالى أن يقيمه ويغيره عما جبل عليه فلا يتهيأ الانتفاع بها إلا بمدارتها والصبر على إعوجاجها ا. هـ. ذكره في شرح مشارق الأنوار (^١).\n\n٢٩٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - اسْتَوْصُوا بِالنسَاء فَإِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع وَإِن أَعْوَج مَا فِي الضلع أَعْلَاهُ فَإِن ذهبت تُقِيمهُ كسرته وَإِن تركته لم يزل أَعْوَج فَاسْتَوْصُوا بِالنسَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيره وَفِي رِوَايَة لمُسلم إِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع لن تستقيم لَك على طَريقَة فَإِن استمتعت بهَا استمتعت بهَا وفيهَا عوج وَإِن ذهبت تقيمها كسرتها وَكسرهَا طَلاقهَا (^٢).\nالضلع بِكَسْر الضَّاد وَفتح اللَّام وبسكونها أَيْضًا وَالْفَتْح أفْصح. والعوج بِكَسْر الْعين وَفتح الْوَاو وَقيل إِذا كَانَ فِيمَا هُوَ منتصب كالحائط والعصا قيل فِيهِ عوج بِفَتْح الْعين وَالْوَاو وَفِي غير المنتصب كَالدّين والخلق وَالْأَرْض وَنَحْو ذَلِك يُقَال فِيهِ عوج بِكَسْر الْعين وَفتح الْوَاو قَالَه ابْن السّكيت.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"استوصوا بالنساء خيرا\" أي أوصيكم بهن خيرًا فاقبلوا وصيتي فيهن وفيه الحث على الرفق بالنساء واحتمالهن قوله - ﷺ -.\n_________\n(^١) ذكره في شرح المصابيح (٤/ ٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٣١) و(٥١٨٤ و٥١٨٦)، ومسلم (٥٩ و٦٠ و٦٥ - ١٤٦٨)، والترمذى (١١٨٨)، وابن حبان (٤١٧٠) و(٤١٧٩) و(٤١٨٠).","vol":"8","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>فصل يذكر فيه خلق آدم وتزويجه بحواء وخروجهما من الجنة وتوبة اللّه عليهما وغير ذلك مما يتعلق بالحديث</span>\nقال الإمام أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: \"خلق اللّه آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر ذلك فمنهم الأبيض ومنهم الأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك\" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^١) ولهذا اختلفت ألوان بنيه وروى عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - قال: خلق اللّه الصالحين من عذبها والكافرين من ملحها وروى عنه أنه قال: الروم والعرب من الأبيض والترك من الأحمر والحبش من الأسود (^٢) واختلفوا فيمن جاء بالطين الذي خلق اللّه منه آدم على قولين أحدهما إبليس قاله ابن مسعود (^٣) وابن عباس (^٤) قال: ولذلك قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (^٥) ومعناه أنا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٤٠ (١٩٨٩١) و(١٩٨٩٢) و٤/ ٤٠٦ (١٩٩٥٢)، وعبد بن حميد (٥٤٩)، وأبو داود (٤٦٩٣)، والترمذى (٢٩٥٥)، وابن حبان (٦١٦٠) و(٦١٨١) والحاكم ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢، عن أبي موسى. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم وواففه الذهبي. وقال الألباني: صحيح المشكاة ١٠٠، الصحيحة ١٦٣٠.\n(^٢) مرآة الزمان (١/ ٢٣٨).\n(^٣) المنتظم ١/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(^٤) الطبري في تاريخه ١/ ٩٠ - ٩١، وانظر المنتظم ١/ ١٩٨.\n(^٥) سورة الإسراء، الآية: ٦١.","vol":"8","page":630},{"text":"جئت به فكيف أسجد له؟ (^١).\nوالثاني: ملك الموت فروي السدي عن أشياخه قال لما أراد اللّه تعالى أن يخلق آدم بعث جبريل - ﵇ - إلى الأرض ليأتيه بطين منها ليخلق منه آدم فجاء إليها فناشدته اللّه وقالت أعوذ باللّه منك أن تنقصنى وتشيننى وتكون سببا لإدخال جزء مني إلى النار فرق لها جبرائيل - ﵇ - واستحي ورجع إلى اللّه تعالى وقال: إنها قالت كذا وكذا واستعاذت بك فأعذتها فبعث إليها إسرافيل - ﵇ - فاستعاذت منه فأعاذها فبعث إليها ميكائيل ففعلت مثل ذلك فبعث إليها ملك الموت فقالت له مثل ذلك كذلك واستعاذت باللّه منه فقال وأنا أعوذ باللّه أن أرجع ولا أنفذ أوامر ربي فأخذ من وجهها تربة بيضاء وحمراء وسوداء ولم يأخذ من مكان واحد بل من عذبها وملحها وكل شيء أخذه من عذبها صار في الجنة وإن كان ابن كافر وكل شيء أخذه من ملحها صار إلى النار وإن كان ابن مؤمن فلما جاء ملك الموت بالطين إلى بين يدي اللّه ﷿ وأخبره بما قالت وما قال وهو أعلم قال اللّه تعالى: [وعزتي وجلالي لأسلطنك عليها إذ أطعتني وخالفتها] (^٢) ولا يختلفون أنه خلقه يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات النهار (^٣) واختلفوا كم أقام مصورا على أقوال أحدها هل بعد أربعين سنة قاله ابن عباس والثاني: أربعين ليلة قاله\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١/ ٢٣٨).\n(^٢) أخرجه مختصرا الطبري في تاريخه ١/ ٩٥ - ٩٦، وفي التفسير ١/ ٢٠٣، وهو متلقى عن الإسرائيليات. وانظر عرائس المجالس ٢٧ - ٢٨ والمنتظم ١/ ١٩٨.\n(^٣) مرآة الزمان (١/ ٢٣٨).","vol":"8","page":631},{"text":"الضحاك والثالث: لم يقدر شيء قاله مقاتل والأول أظهر لوجهين أحدها لأنها تمام الخلق ومنتهى الأشد ولهذا لم يبعث اللّه نبيا إلا بعد أربعين سنة قاله السدي والثاني لتدور الأفلاك بالنجوم السبعة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (^١) فتستحكم أجزاؤه ويكمل خلقه وقال بعضهم: أمطر عليه الحزن أربعين سنة والسرور يومًا واحد وقد نص ابن عباس على أربعين سنة فقال خمر اللّه تعالى طينة آدم قبل التصوير أربعين سنة واختلفوا أين صوره؟ قال ابن عباس: في السماء على باب الجنة المدة (التي ذكرها) وقال السدي: ألقاه بين مكة والطائف وكان إبليس إذا مر به فزع وضرب برجله فيظهر له صوت وصلصلة فيزداد فزعه قال مقاتل: كان يدخل في فيه ويخرج من دبره ويقول لأمر ما خلقت ولئن فضلت على لأهلكنك ا. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢) وسأل عبد اللّه بن سلام رسول اللّه - ﷺ - كيف خلق اللّه تعالى آدم - ﵇ - قال: خلق آدم وجبهته من تربة الكعبة وصدره وظهره من بيت المقدس وفخذيه من أرض اليمن وساقيه من أرض مصر وقدميه من أرض الحجاز ويده اليمنى من أرض المشرق ويده اليسرى من أرض المغرب ثم ألقاه على باب الجنة كلما مر عليه ملك من الملائكة عجب من حسن صورته وطول قامته ولم يكونوا قبل ذلك رأوا أشياء يشبهه من الصور (^٣) ا. هـ.\n_________\n(^١) سورة النازعات، الآية: ٥.\n(^٢) كنز الدرر (٢/ ٢٧ - ٣٥).\n(^٣) عرائس المجالس (ص ٢٩).","vol":"8","page":632},{"text":"سؤال: لم خلق آدم من التراب دون غيره ولم خلقت حواء من الضلع دون غيره ولم سميت حواء قيل لأنه لم يكن قبل آدم شيء إلا التراب دون غيره فخلقه منه ثم خلق حواء من آدم لأنه أراد أن يكونا من جنس واحد (وأراد أن يكون آدم أصل الجنس وأيضًا أراد أن يخلقها مختلفة ليدل على قدرته فخلق واحدا) من التراب وواحدا من العظم وواحدا من الريح وواحدا من الماء وواحدا من النار فبين عجائب لطفه أن خلق واحدا من أب دون أم وآخر من أم دون أب وآخر من أب وأم وأخر من غير أب وأم وخلق حواء من الضلع ليعلم أنهن خلقن من العوج فلا يطمع في تقويمهن.\nواختلفوا لم سمي آدم على قولين أحدهما أنه خلق من أديم الأرض وهو وجهها قاله ابن مسعود وزيد بن ثابت ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.\nقال الواحدي (^١): قال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وهو وجهها وقال: هكذا قال أهل اللغة آدم مشتق من أديم الأرض لأنه خلق من تراب وأديم الأرض وجهها كما تقدم وقال النضر بن شميل: سمي آدم لبياضه.\nوالثاني: أنه مشتق من الأدمة وهي سمرة اللون رواه مجاهد عن ابن عباس والتراب بلسان العبرية يقال له آدم والمشهور كنية آدم أنه أبو البشر وهذا كلّه تصريح منهم بإن آدم اسم عربي مشتق وإلا فالعجمي لا اشتقاق له ا. هـ، وروى الوائلي عن ابن عباس أنه قال كنية آدم أبو محمد وقال قتادة: ولا\n_________\n(^١) التفسير البسيط (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣).","vol":"8","page":633},{"text":"يكنى في الجنة إلا آدم يقال: له يا أبا محمد لشرف نبينا - ﷺ - وقال سهل التستري: ألفه من الألفة ودالة من الدوام ميمه من الموت وقيل إن اللّه تعالى ذكره في القرآن في سبعة عشرين موضعًا (^١) واللّه أعلم.\nواختلفوا متى خلقت حواء ﵍ من ضلع آدم - ﵇ - فقيل قبل دخوله الجنة فدخلاها وقيل في الجنة قال النووي (^٢): وفي الحديث دليل لما يقوله الفقهاء أو بعضهم أن حواء ﵍ خلقت من ضلع آدم الأيسر في المشهور وقيل سميت حواء لأنها خلقت من حي وسميت امرأة لأنها خلقت من المرء قال النووي (^٣): روينا عن ابن عباس قال: سميت حواء لأنها أم كلّ حي فإن قيل لأنها ولدت لآدم - ﵇ - أربعين ولدا في عشرين بطنا في كلّ بطن ذكر وأنثى قال القاضي عياض: ومعنى هذا الحديث انها أم بنات آدم فأشبهنها وروى عطاء عن ابن عباس قال: لما سكن اللّه آدم الجنة أقام مدّة فاستوحش فشكى إلى اللّه الوحدة فنام فرأى في منامه امرأة حسناء ثم انتبه فوجدها جالسة عنده فقال: من أنت؟ فقالت: حواء خلقني اللّه لتسكن إليّ وأسكن إليك قال: وخلقت من ضلع آدم ويقال لها القصيراء قال الجوهري: القصيراء في أسفل الأضلاع وقال علماء التفسير: من آخر أضلاعه وهي\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١/ ٢٣٢)، وكنز الدرر (٢/ ٢٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٥٧). وليس فيه لفظة الأيسر وإنما ذكرها ابن حجر في الفتح (٦/ ٣٦٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٥٩).","vol":"8","page":634},{"text":"القصيراء ومعنى خلقت أي خرجت كما تخرج (النخلة) من النواة وقال مقاتل بن سليمان: نام آدم نومة في الجنة فخلقت حواء من قصيراه من شقه الأيمن ولو تألم لم يعطف الرجل على امرأة أبدًا (^١) ولما رآها آدم قال: أثا بثاء منقوطة بثلاث من فوق وتفسيره بالسريانية امرأة وأخرجه ابن سعد عن مجاهد ولما خلقت قالت له الملائكة أتحبها قال: نعم قالوا لها فتحبيه قالت لا وفي قلبها أضعاف ما في قلبه منها فلو صدقت امرأة في حب زوجها لصدقت حواء وفي التوراة فقال آدم: هذه عظام من عظامي ولحم من لحمي ودم من دمي قال كعب: ومن أجل ذلك يترك الرجل أباه وأماه ويتبع امرأة انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢) وقال الفراء: خلقت حواء من الطينة التي خلق منها آدم (^٣) فهي أخت أبينا في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (^٤) أي خلق من جنسها (فمن) عنده للجنس لا للتبعيض وفي الحديث \"أكرموا عماتكم النخيل أو النخل\" قيل لم يرد مناسبة القرابة وإنما أراد المشاكلة في أنها إذا قطع رأسها يبس أسفلها ولم تحمل شيئًا فالإنسان إذا قطع رأسه مات وقيل سماها النبي - ﷺ - عمة لأنها خلقت من فضل الطينة التي خلقت منها آدم - ﵇ - فهي أخت أبينا (^٥) وقال السمرقندي قص آدم - ﵇ - أظفاره\n_________\n(^١) عرائس المجالس (ص ٣٣).\n(^٢) كنز الدرر (١/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٣) قاله الربيع بن أنس كما في مرآة الزمان (١/ ٢٤٨) وكنز الدرر (٢/ ٤٢).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١.\n(^٥) المجموع المغيث (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، والنهاية (٣/ ٣٠٣).","vol":"8","page":635},{"text":"وحلق شعره وأزال وسخ بدنه من ذلك في الأرض فخلق اللّه تعالى من ذلك النخلة الجريد من أظفاره والليف من الشعر والخشب من الطين الذي خرج من جسده والتفث الشعث من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (^١) أي ليزيلوا شعثهم بعد التحلل من الحج والعمرة فعلى هذا القول تكون النخلة خالة وعمة أيضًا (^٢).\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٢٩.\n(^٢) نزهة القصاد (مخ ٢٣٠٥ ظاهرية (لوحة ٢٤ - ٢٥).","vol":"8","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>فصل في تزويج آدم بحواء ﵍</span>\nذكر مقاتل في كتاب المبتدأ قال: لما أراد اللّه تعالى أن يزوج حواء من آدم قال: يا آدم لابد من المهر فقال: يا رب وما مهرها قال: أن تصلي على ولدك محمد عشر مرات فقال مقاتل فذلك قوله - ﷺ - \"من صلى علي مرة صلى اللّه به عليه عشرة مرات\" (^١) وعن ابن عباس قال: \"لما زوج اللّه ﷿ حواء من آدم ﵉ قال: الحمد للّه ردائي والخلق عبيدي ومحمد حبيبي وإنما زوجت الأشياء نيستدل على وحدانيتي وأنا اللّه ولا معقب لحكمي ولا دافع لفضلي (اشهدوا يا ملائكتى وسكان سمواتى وحملة عرشى أنى قد زوجت أمتي حواء وبديع فطرتي وصنع قدرتي آدم) على مهر تمجيدي وتقديسي وهو آية الكرسي فلا تنسيا عهدي واذكرا وصيتي وادخلا جنتي وكلا رغدا من نعمتي والسلام عليكما من رحمتي ثم أمر جبرائيل - ﵇ أن يأتي بطبقين من النثار فأتى جبريل بطبقين أحدهما من نور العرش والآخر من نور الكرسي\" (^٢).\nتنبيه: يستحب عقد النكاح يوم الجمعة بحضرة الجماعة من أهل الخير والصلاح وأن يكون في المسجد قاله ابن الصلاح ويشهده قوله - ﷺ - \"أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف وافعلوه في المساجد\"رواه الترمذي (^٣) وأراد - ﷺ -\n_________\n(^١) عرائس المجالس (ص ٣٢)، ومرآة الزمان (١/ ٢٤٨).\n(^٢) نزهة القصاد (مخ ٢٣٠٥ ظاهرية (لوحة ٢٢ - ٢٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجة (١٨٩٥)، والترمذى (١٠٨٩) عن عائشة. وقال الترمذي: هذا حديث =","vol":"8","page":637},{"text":"بجعله في المساجد زيادة الشهرة والتماس البركة وندب إلى (الضرب) عليه بالدف ليشهد ويخرج عن صورة الزنا فالزاني يسر الزنا بخلاف النكاح فإنه يفعل جهرة ويدل على هذا التأويل الحديث الآخر لا تقوم الساعة إلا على أولاد الزنا (^١) ويؤيده قوله: - ﷺ - \"لا تقوم الساعة حتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد\" (^٢) ذكره ابن العماد في بعض مصنفاته (^٣).\n_________\n= غريب حسن في هذا الباب. وضعفه الألباني في الإرواء (١٩٩٣)، آداب الزفاف (ص ١١١).\n(^١) أخرجه الحاكم بنحوه (٤/ ٥٢١) عن ابن مسعود. قال الحاكم: أخرجته تعجبا، وفيه عبد الوهَّاب بن حسين، وهو مجهول - قال الذهبي: ذا موضوع والسلام.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٤) و(٥٢٣١) و(٥٥٧٧) و(٦٨٠٨)، ومسلم (٩ - ٢٦٧١) عن أنس.\n(^٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٢).","vol":"8","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>فصل في خروج آدم وحواء من الجنة وبكائها وتوبة اللّه عليهما</span>\nقال ابن عباس: - ﵁ - بكى آدم وحواء ﵉ على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يومًا ولم يقرب آدم حواء مائة سنة (^١) وبقيت حواء شاخصة ببصرها إلى السماء دهرا وقد وضعت يدها على رأسها فأورثت ذلك بناتها عند المصائب إلى آخر الدهر (^٢) وروى هشام عن الحسن البصري قال: اهبط آدم من الجنة فبكى ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء ولا يلتفت إلى المرأة ولا يضع يده عليها (^٣) وعن وهب بن منبه قال: بقي من دموع آدم في الأرض إلى أن كف عن البكاء مائة سنة يشرب منها الطير والسباع والوحوش وله رائحة كالمسك يقال لو وضع بكاء يعقوب على يوسف مع بكاء داود - ﵇ - وبكاء جميع الخلق له حج بكاءآدم - ﵇ - وبكت لآدم الأنعام والسباع في الآكام وصارت الأرض كدرة لشدة حزن آدم حتى بكى الملائكة المكرمين فقالوا أقل عثرته فإنه قد احترق قلبه لطول بكائه وحزنه فرحم اللّه ﷿ آدم لطول بكائه وحزنه ونادى جبريل وقال له: هذا آدم بديع فطرتي قد أبكي أهل سمواتى وأرضي ولا يذكر غيرى ولا يخاف سواى وهو أول من دعاني بأسمائي الحسنى وأنا\n_________\n(^١) الطبقات لابن سعد (١/ ٣٦)، تاريخ الطبرى (١/ ١٣٣).\n(^٢) سمط النجوم العوالى (١/ ١٠٣).\n(^٣) مرآة الزمان (١/ ٢٦١) وكنز الدرر (٢/ ٥٨).","vol":"8","page":639},{"text":"الرحمن الذي سبقت رحمتي غضبي وقد قضيت أن من دعاني بها متضرعا أن تدركه رحمتي وهذه كلمات قد خصصته بها فأنزل إليه فأخذ جبريل - ﵇ - الكلمات من ربه ولها نور وهو ضاحك مستبشر وهبط إلى الأرض وقال لآدم: السَّلام عليك يا طويل البكاء يا كثير الأسى فلم يسمعه آدم لغليان صدره فنادى بصوت رفيع السَّلام عليك يا آدم قد آن لك أن تقبل توبتك ثم نشر جناحه فأمره على وجهه وصدره حتى كف عن بكائه وسمع الصوت فقال لبيك يا خليلي أبنداء السخط تنادي أم بنداء الغفران قال: بل بنداء الرحمة والغفران فقد بكيت الملائكة المقربين وشمت فيك إبليس اللعين دونك هذه الكلمات فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (^١) وبعث اللّه تعالى ميكائيل إلى حواء فبشرها بتوبتها وتوبة آدم فانطلقت إلى ساحل البحر تغتسل وتقول أليس اللّه قد قبل توبتك يا آدم فمتى الملتقى وتبكي فكل قطرة من دموعها في البحر انقلبت لؤلؤا ومرجانا فلما اغتسلت انصرفت إلى موضعها تنتظر أن ترى آدم وسأل آدم جبريل - ﵇ - عليها فأخبره بأن الله ﷿ قد قبل توبتها وبشره بأن اللّه ﷿ يبني له بيتا يطوف به ويسعى وتؤدي صلاته فيه كما رأى الملائكة تفعله حول البيت المعمور وأنه سيعرض عليه اللعين إبليس هناك فيرجمه كما رجمته الملائكة حين امتنع من السجود فأصل رمى الجمار من هناك وأنه يجتمع هناك بحواء ﵍ فضحك آدم ووثب قائما وأمر اللّه\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٧.","vol":"8","page":640},{"text":"تعالى الملائكة وجميع الحيوانات أن يقربوا من آدم ويهنؤه فاتته جميع الأشياء زمرة بعد زمرة حتى الذرة والبعوضة فذلك قوله ﷿ فتاب عليه وأنه التواب الرحيم (^١).\nفإن قيل لم قال اللّه تعالى فتاب عليه ولم يقل فتاب عليهما.\nفجواب: أن هذا مخرجه مخرج الإيجاز وإن كان المراد به الاثنين كما قال اللّه تعالى واللّه ورسوله أحق أن يرضوه وكذا وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها (^٢) واللّه أعلم ا. هـ قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله - ﷺ -: \"استوصوا بالنساء\" وفي الحديث الآخر الذي سيأتي استوصوا بالنساء خيرا الاستيصاء قبول الوصية أي أوصيكم أيها الرجال بهن خيرا فاقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها فاصبروا عليهن وارفقوا بهن وأحسنوا إليهن فإنهن خلقن من ضلع والضلع استعير للمعوج أي خلقهن خلقا فيه إعوجاج فكأنهن خلقن من أصل معوج فلا يتهيأ والانتفاع بهن إلا بمداراتهن والصبر على إعوجاجهن وقيل أراد به أن أول النساء وهي حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم (^٣).\n_________\n(^١) نهاية الأرب (١٣/ ٢٢ - ٢٥).\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٢٥).\n(^٣) المفاتيح (٢/ ٣٧٢).","vol":"8","page":641},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته\" وهو من التقويم أصله تقومه.\nقوله: \"وإن تركته لم يزل أعوج\" أي معوجا وفي رواية مسلم أن المرأة خلقت من ضلع لن يستقيم لك على طريقه وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها (^١) الحديث الضلع بكسر الضاد وفتح اللام وسكونها أيضًا والفتح أفصح ا. هـ قاله المنذري والضلع مفرد الضلوع وفائدة هذه المقدمة بيان أنها خلقت من الضلع الأعوج وهو الذي في أعلى الضلوع أو بيان أنها لا تقبل الإقامة لأن الأصل في التقويم هو أعلى الضلع لا أسفله وهو في غاية الإعوجاج (^٢).\nقوله: \"فإن استمعت بها وفيه عوج\" العوج بكسر العين وفتح الواو وقيل إذا كان فيما هو منتصب كالحائط والعصى قيل فيه عوج بكسر العين وفتح الواو قاله ابن السكيت ا. هـ نقله المنذري وضبطه بعضهم هنا بفتح العين وضبطه بعضهم بكسرها ولعل الفتح أكثر وضبطه الحافظ أبو القاسم بن عساكر وآخرون بالكسر وهو الأرجح وقال أهل اللغة العوج بالفتح في كلّ منتصب كالحائط والعود وشبهه وبالكسر ما كان في بساط أو أرض أو معاش أو دين ويقال فلان في دينه عوج بالكسر هذا كلام أهل اللغة وقال صاحب المطالع (^٣)\n_________\n(^١) اللوحة ٨٤ تكرار للوحة ٨٣.\n(^٢) الكواكب الدرارى (١٣/ ٢٢٨).\n(^٣) مطالع الأنوار (٥/ ٥٢).","vol":"8","page":642},{"text":"قال أهل اللغة: العوج بالفتح في كلّ شخص وبالكسر فيما ليس بمرئى كالرأي والكلام قال: وانفرد عنهم أبو عمرو الشيباني فقال كلاهما بالكسر ومصدرهما بالفتح معا حكاه عنه ثعلب ومنه الحديث حتى يقيم به الملة العوجاء يعني ملة إبراهيم التي غيرتها العرب عن استقامتها فالمرأة كالضلع إن رمت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ومما أنشدوا في المعنى:\nهي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها\nأيجمعن ضعفا واقتدارا على الفتى ... أليس عجيبا ضعفها واقتداراها (^١)\nفيستحب ملاطفة النساء والإحسان إليهن وملاعبتهن والصبر عليهن وسعة خلقه عليهن وتحمل إسائتهن والصبر على عوج خلقهن واحتمال ضعف عقلهن وكراهة طلاقهن بلا سبب ففيه الحث على الرفق بهن وأنه لا مطمع في استقامتهن لهذا الحديث (^٢) ويستحب أن لا يزيد على امرأة واحدة لأنه ربما لا يتسع خلقه على الصبر على أكثر من واحدة قال اللّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (^٣) (^٤).\nفإن قيل: فالنبي - ﷺ - نكح زيادة على الواحدة فهلا استحب لغيره الزيادة إلى أربع فعنه ثلاثة أجوبة:\n_________\n(^١) أنشده ابن الأعرابى كما في ذم الهوى (ص ١٧٣) وهو لحاجب بن ذبيان كما في تاج العروس (٢١/ ٤١٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٥٧).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٣.\n(^٤) الحاوى (١١/ ٤١٧)، البيان (٩/ ١١٨) و(١١/ ١٨٩ - ١٩٠).","vol":"8","page":643},{"text":"أحدهما: أنه - ﷺ - واسع الخلق كثير الحلم يسع خلقه كلّ أحد بخلاف غيره.\nوالثاني: أنه - ﷺ - إنما كان يزيد على الواحدة لتنقل عنه الشريعة قال اللّه تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (^١).\nوالثالث: قيل إنما كان يزيد على الواحدة براءة له - ﷺ - مما نسب إليه من تعلم السحر وغيره لأن النساء تتوفر دواعيهن على نقل ما يجدنه في بيوتهن وعلى الإخبار بحال الزوج فلما لم تقل واحدة منهم أنه يفعل السحر في الخلوة ولا يعلمه بشر دل على ذلك على صدقة وكذب ما نسب إليه - ﷺ - ا. هـ.\n\n٢٩٦٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا يفرك مُؤمن مُؤمنَة إِن كره مِنْهَا خلقا رَضِي مِنْهَا آخر وَقَالَ غَيره رَوَاهُ مسلم (^٢).\nيفرك بِسُكُون الْفَاء وَفتح الْيَاء وَالرَّاء أَيْضًا وَضمّهَا شَاذ أَي يبغض.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يفرك مؤمن مؤمنة\" الحديث يفرك بسكون الفاء وفتح الياء والراء أيضًا وضمها شاذ أي يبغض ا. هـ قاله المنذري وضبطه بعضهم فقال بفتح الأول والثالث وقد يضم ثالثه أصله في النساء فركت المرأة زوجها (إذا أبغضته) قال أهل اللغة: فركه بكسر الراء يفركه بفتحها والفرك بفتح الفاء وإسكان الراء البغض يستعمل في الرجل أيضًا ولكن قليلا وقد\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٣٤.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٩ (٨٤٧٨)، ومسلم (٦١ - ١٤٦٩)، وأبو يعلى (٦٤١٨) و(٦٤١٩)، وأبو عوانة (٤٩٢٨) و(٤٩٢٩)، وأبو نعيم في المستخرج (٣٤٤٨)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٤٨٢ رقم ١٤٧٢٧).","vol":"8","page":644},{"text":"حكى (عاما) ومنه قيل إنها حسناء لا تفرك (^١) وكذلك فركها زوجها ولم يسمع هذا الحديث في غير الزوجة يقال رجل مفرك بالتشديد للذي يبغضه النساء حكاه الجوهري (^٢) كأنه حث على حسن العشرة منه حديث ابن مسعود أتاه رجل فقال تزوجت امرأة شابة وإني أخاف أن تفركني فقال: إن الحب من اللّه تعالى والفرك من الشيطان ا. هـ قاله في النهاية (^٣) قال القاضي عياض ﵀ (^٤): هذا ليس على النهي بل هو على الخبر أي لا يقع منه بغض تام لها أي أن بغض الرجال للنساء خلاف بغضهن لهم ولهذا قال: إن كره منها خلقا رضي منها آخر قال النووي (^٥): وما قاله ضعيف أو غلط بل الصَّواب أنه نهى ألا لا ينبغي أن يبغضها لأنه إن وجد فيها خلقا يكره وجد فيها خلقا مرضيا بأن تكون شرسة الخلق لكنها دينه أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك وهذا الذي ذكرته من أنه نهى يتعين لوجهين أحدهما أن المعروف في الروايات لا يفركها بإسكان الكاف لا برفعها وهذا يتعين فيه النهي ولو روى مرفوعًا لكان نهيا بلفظ الخبر والثاني: أنه وقع خلافه فبعض الناس يبغض زوجته ولو كان خبرا لم يقع خلافه وهذا واقع وما أدري ما حمل القاضي على هذا التفسير (^٦) ا. هـ والله أعلم.\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٥/ ٢١٤).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٦٠٣)، والميسر (٣/ ٧٦٧).\n(^٣) النهاية (٢/ ٤٤١).\n(^٤) إكمال المعلم (٤/ ٦٨٠ - ٦٨١).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٥٨).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"8","page":645},{"text":"٢٩٦٨ - وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة - ﵁ - قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه مَا حق زَوْجَة أَحَدنَا عَلَيْهِ قَالَ أَن تطعمها إِذا طعمت وتكسوها إِذا اكتسيت وَلَا تضرب الْوَجْه وَلَا تقبح وَلَا تهجر إِلَّا فِي الْبَيْت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ إِن رجلًا سَأل رَسُول اللّه - ﷺ - مَا حق الْمَرْأَة على الزَّوْج فَذكره لا تقبح بتَشْديد الْبَاء أَي لا تسمعها الْمَكْرُوه وَلَا تشتمها وَلَا تقل قبحك اللّه وَنَحْو ذَلِك (^١).\nقوله: وعن معاوية بن حيدة - ﵁ - تقدم.\nقوله: قال قلت يا رسول اللّه ما حق زوجة أحدنا عليه قال \"أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت\" ففيه وجوب النفقة والكسوة للزوجة هو على قدر وسع الرجل وذلك بحسب الحاجة وعلى قدر الحال قال اللّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (^٢) الآية وفي صحيح مسلم ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف قال الخطابي (^٣): وإذا جعل النبي - ﷺ - حقا فهو ألزم حضر أو غاب وإذا لم يجده في وقته كان دينا عليه كسائر الحقوق الواجبة سواء فرض لها القاضي عليه أيام غيبته أو لم يفرض ا. هـ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٤٤٦ (٢٥٣٣٠) و٤/ ٤٤٧) (٢٠٣٣٢) و٥/ ٣ (٢٠٣٤١) و(٢٠٣٤٧) و٥/ ٥ (٢٠٣٦٢)، وأبو داود (٢١٤٢) و(٢١٤٣)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٤٨٧)، والنسائي في الكبرى (٩١٢٦) و(٩١٣٦) و(١١٠٣٨)، وابن حبان (٤١٧٥).\nوصححه الألباني في الصحيحة (٦٨٧)، وصحيح الترغيب (١٩٢٩).\n(^٢) سورة الطلاق، الآية: ٧.\n(^٣) معالم السنن (٣/ ٢٢١).","vol":"8","page":646},{"text":"قال الشافعي ﵀: والنفقة نفقة المقتر ونفقة المعسر فأما ما يلزم المقتر (لامرأته) إن كان الأغلب ببلدها أنها لا تكون إلا مخدومة (عالها وخادما واحدا بما لا يقوم بدن على أقل منه وذلك) مد بمد النبي - ﷺ - في كلّ يوم من طعام البلد الأغلب من قوت مثلها ولخادمها مثله ومكيلة من أدم بلادها زيتا كان أو سمنا ويفرض لها دهن ومشط أقل ما يكفيها ولا يكون ذلك لخادمها وفي كلّ جمعة رطل لحم وفرض لها من الكسوة ما يكسي مثلها ببلدها عند المقتر وإن كان زوجها موسعا فرض لها مدان ومن الادام واللحم ضعف ما لامرأة المقتر وكذلك في الدهن والمشط وجعل لخادمها مدا وثلثا وإنما جعلت أقل الفرض مدا بالدلالة عن رسول اللّه - ﷺ - في دفعه إلى الذي أصاب أهله في شهر رمضان عرقا فيه خمسة عشر صاعا لستين مسكينا وإنما جعلت أكثر ما افترض مدين لأن أكثر ما أمر به النبي - ﷺ - في فدية الأذى مد (ان) لكل مسكين والفرض على (الوسط) الذي ليس بالموسع والمقتر مد ونصف ولخادمها مد (هذا كلام الشافعي ومذهبه) (^١).\nقوله: \"ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت\" الحديث فيه إيجاب النفقة والكسوة لها وفيه دلالة على جواز ضربها في غير الوجه وقد نهى النبي - ﷺ - عن ضرب الوجه نهيا عاما فلا يضرب آدمي ولا بهيمة على الوجه (^٢) جاء التصريح بالأذن قرآنا (قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي\n_________\n(^١) شرح السنة (٩/ ٣٢٥).\n(^٢) معالم السنن (٣/ ٢٢١).","vol":"8","page":647},{"text":"ضربًا غير مبرح أي لا يظهر له أثر على البدن يعني) بجرح أو كسر وقد قال - ﷺ - فيمن ضرب زوجته لا تجدون أولئك خياركم وقد نهى في حديث آخر فيحتمل أن يكون النهي قبل نزول الآية (بضرب) النساء (ثم لما ذئرت النساء أذن) في ضربهن أنزل القرآن (مؤيدا) له في ذلك ثم لما بالغوا (في الضرب أخبر النبي - ﷺ -) أن الصبر عليهن وترك الضرب أفضل (^١) وهذا كلّه إذا (منعت) المرأة حق زوجها وليس له ضربها على ترك الصلاة (ولا) غيره من الآداب بل يأمرها (باللين) ويعلمها من غير ضرب (فإن) ذلك للحكام وقد قال العُلماء في قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ (^٢) أي أول النشوز فإن لم ينتهوا فاهجروهن في المضاجع فإن لم ينتهوا فاضربوهن قال البغوي (^٣): في هذا الحديث دليل على جواز ضرب النساء على ما أتين به من الفواحش وعلى ما تركن من الفرائض وكذلك إذا خرجت (بغير إذنه) من بيته أو أدخلت بيته (غير ذي) محرم لها أو خانته خيانة ظاهره فله تأديبها لأنه قيم عليها ومسئول عنها وروى أن معاذا رءا امرأته تنظر من كسوة في خباء فضربها.\nقوله: \"ولا تقبح\" معناه ولا تسمعها المكروه ولا تشتمها أي كأن يقول لها قبحك اللّه أو يذكر معايبها وما أشبه ذلك من الكلام (^٤) قال في النهاية يقال قبحت فلانًا إذا قلت له قبحك اللّه من القبح وهو الإبعاد ومنه ولا تقبحوا\n_________\n(^١) شرح السنة (٩/ ١٨٧).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٣٤.\n(^٣) شرح السنة (٩/ ١٨٧).\n(^٤) تحفة الأبرار (٢/ ٣٧٨).","vol":"8","page":648},{"text":"الوجه وقيل لا تنسبوه إلى القبيح ضد الحسن لأن اللّه تعالى صوره وقد أحسن كلّ شيء خلقه (^١).\nقوله: \"ولا تهجر إلا في البيت\" أي لا تهجرها إلا في المضجع ولا تتحول عنها أو تحولها إلى دار أخرى (^٢) قال اللّه تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (^٣) ولما في وحدتها من الوحشة ومنهم من حمل الآية على ترك النكاح والله أعلم.\n\n٢٩٦٨ - م - وَعَن عَمْرو بن الْأَحْوَص الجشمي - ﵁ -: أَنَّه سمع رَسُول اللّه - ﷺ - فِي حجَّة الْوَدَاع يَقُول بعد أَن حمد اللّه وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر وَوعظ ثمَّ قَالَ أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فَإِنَّمَا هن عوان عنْدكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئا غير ذَلِك إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينه فَإِن فعلن فاهجروهن فِي الْمضَاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فَإِن أطعنكم فَلا تَبْغُوا عَلَيهِنَّ سَبِيلا أَلا إِن لكم على نِسَائِكُم حَقًا ولنسائكم عَلَيْكُم حَقًا فحقكم عَلَيْهِنَّ أَن لا يوطئن فرشكم من تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَن فِي بُيُوتكُمْ لمن تَكْرَهُونَ أَلا وحقهن عَلَيْكُم أَن تحسنوا إلَيْهِنَّ فِي كسوتهن وطعامهن رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣).\n(^٢) شرح السنة (٩/ ١٦٠).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٣٤.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٥٦٢)، وابن ماجة (١٨٥١)، والترمذي (١١٩٧) و(٣٣٤١)، والنسائي في الكبرى (٩١٢٤) والطحاوى في مشكل الآثار (٢٥٢٤) =","vol":"8","page":649},{"text":"عوان بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو أَي أسيرات.\nقوله: وعن عمرو بن الأحوص الحشمي - ﵁ - الجشمي منسوب إلى جشم جد قبيلة وهو بضم الجيم وفتح الشين.\nقوله: أنه سمع رسول اللّه - ﷺ - في حجة الوداع يقول بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه وذكر ووعظ\" أي ذكرههم بما يخاف ويحذر منه من القبر والحشر وعذاب جهنم والوعظ هو الخوف وأصل الوعظ التخويف وتقدم الكلام على حجة الوداع.\nقوله: \"ثم قال ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم\" الحديث عوان جمع عانية وهي الأسيرة فالمرأة عند الرجل بمثابة الأسير والعاني الأسير من العنوة وهي النهر والذل ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (^١) أي خشعت وذلت (^٢) وذلك أنها محبوسة لحق الزوج وله التصرف فيها والسلطنة عليها شبه رسول اللّه - ﷺ - المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير (^٣) ومعنى الحديث افعلوا بهن خيرا في أسرهن عندكم وملازمتهن الحجال إذا هن أسيرات في ملازمة بيوتكم.\n_________\n= و(٤٨٦٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٣٠) والمشكاة ٢٦٧٠، والإرواء ٢٠٣٠.\n(^١) سورة طه، الآية: ١١١.\n(^٢) غريب الحديث (٢/ ١٨٦)، وشرح السنة (٥/ ٢١٤ - ٢١٥).\n(^٣) رياض الصالحين (ص ١٢٠)، المفهم (١٠/ ٨٢).","vol":"8","page":650},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح\" وقد تقدم وأما المبرح الضرب فهو الشديد الشاق ومعناه اضربوهن ضربا ليس بشديد ولا شاق وإنما هو للتأديب والبرح المشقة الشديدة والمبرح بضم الميم وفتح الباء الموحّدة وكسر الراء المشددة ومعناه واضربوهن ضربا با لا يظهر تأثيره وفي هذا الحديث إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب على وجه الرفق فإن ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه وجبت ديتها على عاقلة الضارب ووجبت الكفارة من ماله (^١).\nفائدة: عن عبد اللّه بن زمعة (^٢) عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يجلد أحدكم أمته جلد البعير ثم يجامعها في آخر اليوم\" أخرجاه بلفظ \"لا يجلد أحدكم أهله جلد العبد\" (^٣) وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة قال شارح الإلمام: (وهو غريب) جدًّا اللفظ الذي ذكره الشيخ وهو هذا الحديث والمراد بالشيخ الشيخ تقي الدين صاحب الإلمام في شيء من الكتب ولا مناسبة هنا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٨/ ١٨٤).\n(^٢) في الأصل عبد الله بن ربيعة.\n(^٣) أخرجه أبو الحسن السكرى في حديثه (٢) من طريق سويد بن سعيد، حدّثني حفص بن ميسرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة بلفظ: وعظهم في شأن النساء، فقال: علام يجلد أحدكم امرأته أو أمته؟ ثم يضاحكها من آخر النهار.\nوأخرجه البخاري (٤٩٤٢) و(٥٢٠٤) و(٦٠٤٢)، ومسلم (٤٩ - ٢٨٥٥)، وابن ماجة (١٩٨٣)، والترمذي (٣٣٤٣)، والنسائي في الكبرى (٩١٢١) بلفظ: \"لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ اليَوْمِ\". وعند البخاري: \"بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأتَهُ ضَرْبَ الفَحْلِ، أَوِ العَبْدِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا\".","vol":"8","page":651},{"text":"ولعله سبق قلم.\nقوله: \"لا يجلد\" بضم اللام وكسرها وهو نهي تحريم وقيل تنزيه ويدل عليه قوله يجامعها والمعنى النهي عن الضرب الشديد الموجب للنفرة لأنه ربما أدى ذلك إلى الفراق بل يتذكر ما بينهما من المودة ويبقى للصلح موضعا فإن للعشرة حقا (يمنع) الأذى وفيه جواز ضرب العبد أشد من ضرب الزوجة ولكن للتأديب لا لحظ النفس وأما إن وجد ما ذكره الشيخ ففيه النهي عن جلد الأمة كما يجلد البعير فإن البعير يضربه ليروضه وليس له رقة البشرية (^١) واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي لا تطلبوا طريقا تحتجون به عليهن وتؤذهن به (^٢) واللّه أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون\" الحديث معناه أن لا تأذن لأحد من الرجال الأجانب أن يدخل فيتحدّث إليهن على عادة العرب (^٣) وقال بعضهم: معنى هذا لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه وقال بعضهم أيضًا: لا يبحن الإضطجاع فيها والتحدّث مع الرجال ولم يرد زناها ولو كان المراد بوطيء الفرش الزنى لما قيد بالكراهة (^٤) وقال\n_________\n(^١) انظر: فتح البارى (٩/ ٣٠٣).\n(^٢) جامع الأصول (٦/ ٥٠٤)، ورياض الصالحين (ص ١٢٠).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٠١)، والنهاية (٥/ ٢٠١).\n(^٤) جامع الأصول (٣/ ٤٥٩).","vol":"8","page":652},{"text":"القاضي عياض (^١): كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء ولم يكن ذلك عيبا ولا ريبة عندهم فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك هذا كلام القاضي والمختار أن معناه لا يأذن لأحد تكرهونه في دخوله بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له من الرجال أو من النساء الأقرباء والجانب فالنهي يتناول جميع ذلك وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة لا محرم ولا غيرها في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه (^٢).\nقوله: \"ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن\" الحديث في هذا الحديث وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع (^٣) ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف أي يعرف من حاله وحالها وهو حجة الإمام مالك حيث يقول إن النفقات على الزوجات غير مقدرات وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن والله أعلم قاله الإمام القرطبي (^٤) وفي صحيح مسلم من طريق جعفر بن محمد الصادق وعن أبيه عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه - ﷺ - خطب يوم حجة الوداع فذكر حديثًا طويلا وفيه فاتقوا اللّه في النساء فإنكم أخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه ولكم عليهن أن لا يوطيئن فرشكم احدا تكرهونه فإن فعلن ذلك\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٤/ ٢٧٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٨/ ١٨٤).\n(^٤) المفهم (١٠/ ٨٣).","vol":"8","page":653},{"text":"فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف قد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللّه وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت (^١).\nقوله: \"يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه\" أي لا يبحن الاضطجاع فيها والتحدّث مع الرجال على عادة أهل الجاهلية مع الأجانب وتقدم (ذلك).\n\n٢٩٦٩ - وَعَن أم سَلمَة - ﵁ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَيّمَا امْرَأَة مَاتَت وَزوجهَا عَنْهَا رَاض دخلت الْجنَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالْحَاكِم كلهم عَن مساور الْحِمْيَرِي عَن أمه عَنْهَا وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن أم سلمة - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة\" (فيه بيان ثواب طاعة الزوجة زوجها).\nقوله: كلهم عن مساور الحميري عن أمه عنها (وهما مجهولان).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٧ - ١٢١٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنِّف ٢/ ٥٥٧ (١٧١٢٣)، وعبد بن حميد (١٥٤١)، وابن ماجة (١٨٥٤)، والترمذى (١١٦١)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٥٣٢)، وأبو يعلى (٦٩٠٣)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٣٧٤ (٨٨٤)، والحاكم ٤/ ١٧٣، والبيهقى في الشعب ١١/ ١٧٨ - ١٧٩ رقم ٨٣٧٠) وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١٠٣٩).\nوقال الترمذي: حسن غريب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال ابن الجوزي: مساور مجهول، وأمه مجهولة. وقال الألباني في \"الضعيفة\" (١٤٢٦) وضعيف الترغيب (١٢١١): منكر.","vol":"8","page":654},{"text":"٢٩٧٠ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا صلت الْمَرْأَة خمسها وحصنت فرجهَا وأطاعت بَعْلهَا دخلت من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَت رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إذا صلت المرأة خمسها\" أي الحمس الصلوات المفروضات.\n\"وحصنت فرجها\" المراد بتحصين الفرج حفظه من الزنى \"وأطاعت بعلها\" الرماد بالبعل الزوج وطعته أن لا تعصيه في شيء الحديث يريده منها.\n\n٢٩٧١ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا صلت الْمَرْأَة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجهَا وأطاعت زَوجهَا قيل لهَا ادخلي الْجنَّة من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شِئْت رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَرَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح خلا ابْن لَهِيعَة وَحَدِيثه حسن فِي المتابعات (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤١٦٣)، والطبرانى في الأوسط (٥/ ٣٤ رقم ٤٥٩٨)، وابن فاخر في موجبات الجنة (٧٠). قال ابن حبان: تفرد بهذا الحديث عبد الملك بن عمير من حديث أبي سلمة وما رواه عن عبد الملك إلا هدبة بن المنهال وهو شيخ أهوازي. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا هدبة بن المنهال، ولا عن هدبة إلا أبو همام، تفرد به: داهر بن نوح. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٩٣١) و(٢٤١١): حسن لغيره.\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ١٩١ (١٦٨٣)، والخرائطى في اعتلال القلوب (١٤٦)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣٩ - ٣٤٠ رقم ٨٨٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٦: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال السخاوي في البلدانيات (ص ١٦٢): هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٣٢).","vol":"8","page":655},{"text":"قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف (^١) - ﵁ - هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب كنيته أبو محمد وأمه صفية وهي زهرية أيضًا وهو بدري ذي الهجرتين وشهد المشاهد كلها صلى خلف النبي - ﷺ - في غزوة تبوك قال الزهري: وتصدق بأربعين ألف دينار وأوصى بحديقة بيعة بأربعمائة ألف وحمل على خمسين فرس في سبيل اللّه وعلى خمسمائة راحلة في عامة ماله من التجارة ومرض عثمان - ﵁ - فكتب بلا خلافة له بعده فدعا له أن يميته قبل عثمان فمات بعد ستة أشهر عن خمسة وسبعين سنة في سنة اثنتين وثلاثين من خلافة عثمان وسيأتي الكلام عليه مبسوطا في كتاب الزهد في الدنيا.\n\n٢٩٧٢ - وَعَن حُصَيْن بن مُحصن - ﵁ - أَن عمَّة لَهُ أَتَت النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ لهَا أذات زوج أَنْت قَالَت نعم قَالَ فَأَيْنَ أَنْت مِنْهُ قَالَت مَا آلوه إِلَّا مَا عجزت عَنهُ قَالَ فَكيف أَنْت لَهُ فَإِنَّهُ جنتك ونارك رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدين وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٢/ ١٣٨٩، وأسد الغابة ٣/ ٣٣٧٠، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٥٧، وتهذيب الكمال ١٧/ ٣٩٢٣، والإصابة ٢/ ٥١٧٩.\n(^٢) أخرجه مالك في موطأ الشيبانى (٩٥٢)، ومسدد كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٧٧)، والحميدى (٣٥٨)، وابن أبي شيبة ٣/ ٥٥٧ (١٧١٢٥)، وإسحاق (٢١٨٢) و(٢١٨٣) و(٢١٨٤)، وأحمد ٤/ ٣٤١ (١٩٣٥٨) و٦/ ٤١٩ (٢٧٩٩٥)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٥٢٩) ومداراة الناس (١٧٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣٣٥٧)، والنسائي في الكبرى (٨٩١٣ و٨٩١٤ و٨٩١٥ و٨٩١٦ و٨٩١٧ و٨٩١٨ =","vol":"8","page":656},{"text":"قوله: وعن حصين بن محصن (^١)، - ﵁ - (الخطمي اختلف في صحبته، ذكره عبدان وابن شاهين العسكري والطبراني في الصحابة وقال ابن السكن: يقال إن له صحبة، غير أن روايتُه عن عمته، وليس له رواية عن النبي - ﷺ -).\nقوله: قالت ما آلوه إلا ما عجزت عنه، ألوه غير ممدود الهمزة ومعناه ما أقصر ولا أترك شيئًا من حقه إلا ما لا أقدر عليه.\n\n٢٩٧٣ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت سَأَلت رَسُول اللّه - ﷺ - أَي النَّاس أعظم حَقًا على الْمَرْأَة قَالَ زَوجهَا قلت فَأَي النَّاس أعظم حَقًا على الرجل قَالَ أمه رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْحَاكِم وَإسْنَاد الْبَزَّار حسن (^٢).\n_________\n= و٨٩١٩ و٨٩٢٠)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ١٨٣ (٤٤٨) و(٤٤٩) و(٤٥٠)، وفي الأوسط (٥٣٢)، والحاكم ٢/ ١٨٩، والبيهقي في الشعب (١١/ ١٧٠ - ١٧١ رقم ٨٣٥٥ و٨٣٥٦ و٨٣٥٧). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٦: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، والأوسط إلا أنه قال: فانظري كيف أنت له. ورجاله رجال الصحيح خلا حصين، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦١٢) وصحيح الترغيب (١٩٣٣).\n(^١) ترجمته: أسد الغابة ٢/ ١١٩٠، وتهذيب الكمال ٦/ ١٣٧٠، والإصابة ٢/ ١٧٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن منيع كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٨٢)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٥٢٥)، والبزار كما في كشف الأستار (١٤٦٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٠٣)، وأبو الشيخ في الفوائد (٢١)، والحاكم ٤/ ١٥٠ و١٧٥. وقال البزار: لا نعلمه مرفوعًا إلا بهذا الإسناد، وأبو عتبة لا نعلم حدّث عنه إلا مسعر. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. قال المزى في تحفة الأشراف (١١/ ٨١٥): رواه معاوية بن هشام، عن مسعر، عن أبي عتبة، عن رجل، عن عائشة.\nوقال ابن حجر في النكت الظراف: قلتُ: أورد هذا أبو أحمد الحاكم في \"الكنى وقال: أبو =","vol":"8","page":657},{"text":"قوله: وعن عائشة - ﵂ - قال الواقدي: توفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة مضت من رمضان سنة ثمان وخمسين وهي بنت ست وستين سنة وأوصت أن تدفن مع صويحباتها بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة وتقدم الكلام على مناقبها مبسوطا في مواضع من هذا التعليق.\nقولها - ﵂ - \"سألت رسول اللّه - ﷺ - أي الناس أعظم حقا على المرأة قال زوجها\" فذكره إلى أن قال: \"قلت فأي الناس أعظم حقا على الرجل قال أمه\" الحديث وورد الحديث بأن امرأة استأذنت رسول اللّه - ﷺ - في عيادة أبيه كان زوجها غائبا فقال: - ﷺ - \"اتقي اللّه وأطيعي زوجك \"فمات أبوها فاستأذنت رسول اللّه - ﷺ - في أن تخرج فقال رسول اللّه \"اتقي اللّه وأطيعي زوجك\" فلم تخرج وجاء جبريل فأخبر النبي - ﷺ - بأن اللّه تعالى غفر لأبيه بطاعتها لزوجها (^١) وفي كلام بعض العُلماء أن (النساء) لا يشرع لهن عيادة المرضى\n_________\n= عتبة لا يعرف اسمه. وقال البوصيري في الإتحاف: هذا إسناد حسن. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٩: وفيه أبو عتبة، ولم يحدّث عنه غير مسعر، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢١٢).\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١٣٦٩)، والحارث بن أبي أسامة (٤٩٩)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٧٩١)، والطبرانى في الأوسط (٧/ ٣٣٢ رقم ٧٦٤٨)، وابن عدى في الكامل (٨/ ٤٨١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٢٢) عن أنس.\nقال ابن عدي: وهذه الأحاديث عن ثابت، وله غير هذا عن ثابت، وكلها غير محفوظة. قال العراقي في تخريج الإحياء (١٠٠٧): رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بسند ضعيف إلا أنه قال غفر لأبيها. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عصمة بن المتوكل، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الإرواء (٢٠١٥).","vol":"8","page":658},{"text":"ولا فرق بين الخروج لعيادة أبيها أو غيره وليس لها الخروج لموته ولا لشهود جنازته لهذا الحديث قاله الحموي في شرح السنة وروي عن أنس بن مالك قال: أتى رجل رسول اللّه - ﷺ - فقال: يا رسول الله \"إن لي أما سيئة الخلق فانتهره النبي - ﷺ - وقال: \"أما كانت سيئة الخلق حين حملتك في بطنها تسعة أشهر أما كانت سيئة الخلق حين أرضعتك حولين كاملين أما كانت سيئة الخلق حين أسهرت ليلها وأظمأت نهارها\" فقال: رسول اللّه إني حملتا على عاتقي إلى بيت اللّه الحرام حججت بها فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"اللهم يا من ستر الزلات وغفر السيئات وأبدلها حسنات أجرنا من مكرك وزينا بذكرك واستعملنا بأمرك ووفقنا لشكرك واغفر لنا وللمسلمين أفضل الناس من عفا عن قدرة وتواضع عن رفعة وأنصف عن قوة\" (^١).\n_________\n(^١) لم أجده بهذا السياق وإنما روى بعضه عن ابن عمر. أخرجه المروزى في البر والصلة (٣٧)، والبخارى في الأدب المفرد (١١)، والفاكهى في أخبار مكة (٦٤٢) وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٣٥) من طرق عن شعبة، قال: حدّثنا سعيد بن أبي بردة، قال: سمعتُ أبي يحدّث؛ أنه شهد ابن عمر ورجل يماني يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره، يقول: إني لها بعيرها المذلل ... إن أذعرت ركابها لم أذعر. ثم قال: يا ابن عمر؛ أتراني جزيتها؟ قال: لا؛ ولا بزفرة واحدة.\nثم طاف ابن عمر، فأتى المقام، فصلى ركعتين، ثم قال: يا ابن أبي موسى! إن كلّ ركعتين تكفران ما أمامهما. وصححه الألباني في الأدب المفرد.\nوأخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٨٧٢) من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن ليث، يعني: ابن أبي سليم، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا. قال البزار: لا نعلمه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وإسناده ضعيف.","vol":"8","page":659},{"text":"٢٩٧٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَت يَا رَسُول اللّه أَنا وافدة النِّسَاء إِلَيْك هَذَا الْجِهَاد كتبه اللّه على الرِّجَال فَإن يُصِيبُوا أجروا وَإِن قتلوا كَانُوا أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ وَنحن معشر النِّسَاء نقوم عَلَيْهِم فَمَا لنا من ذَلِك قَالَ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أبلغي من لقِيت من النِّسَاء أَن طَاعَة الزَّوْج واعترافا بِحقِّهِ يعدل ذَلِك وَقَلِيل مِنْكُن من يَفْعَله رَوَاهُ الْبَزَّار هَكَذَا مُخْتَصرا وَالطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث قَالَ في آخِره ثمَّ جَاءَتْهُ يَعْنِي النَّبِيّ - ﷺ - امْرَأَة فَقَالَت إِنِّي رَسُول النِّسَاء إِلَيْك وَمَا مِنْهُنَّ امْرَأَة علمت أَو لم تعلم إِلَّا وَهِي تهوى مخرجي إِلَيْك اللّه رب الرِّجَال وَالنِّسَاء وإلههن وَأَنت رَسُول اللّه إِلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء كتب اللّه الْجِهَاد على الرِّجَال فَإن أَصَابُوا أجروا وَإِن اسْتشْهدُوا كانُوا أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فَمَا يعدل ذَلِك من أَعْمَالهم من الطَّاعَة قَالَ طَاعَة أَزوَاجهنَّ والمعرفة بحقوقهن وَقَلِيل مِنْكُن من يَفْعَله (^١).\nقوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -. تقدم.\nقوله: قال \"جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت يا رسول اللّه أنا وافدة النساء إليك\" الوافدة مأخوذة من الوفد والوفد جمع وافد والوافد هو الذي يرسله\n_________\n(^١) أخرجه لوين في جزئه (١١٢)، والبزار (٥٢٠٩)، وابن الجوزى في العلل المتناهية (١٠٣٨) عن ابن عباس. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ورشدين بن كريب قد حدّث عنه جماعة ثقات من أهل العلم واحتملوا حديثه. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٥: رواه البزار، وفيه رشدين بن كريب، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٤٠) وضعيف الترغيب (١٢١٣).","vol":"8","page":660},{"text":"كبير إلى كبيرًا أو سلطان في رسالة ونحوها ويكون من خيار القوم وورد في الحديث \"نعم النساء نساء الأنصار لا يمنعهن الحياء من التفقه في الدين\" (^١).\n\n٢٩٧٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ أَتَى رجل بابنته إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ إِن ابْنَتي هَذِه أَبَت أَن تتَزَوَّج فَقَالَ لهَا رَسُول اللّه - ﷺ - أطيعي أَبَاك فَقَالَت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لا أَتزوّج حَتَّى تُخبرنِي مَا حق الزَّوْج على زَوجته قَالَ حق الزَّوْج على زَوجته لَو كَانَت بِهِ قرحَة فلحستها أَو انتثر منخراه صديدا أَو دَمًا ثمَّ ابتلعته مَا أدَّت حَقه قَالَت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لا أَتزوّج أبدًا فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - لَا تنكحوهن إِلَّا بإذنهن رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد رُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: قال\"ومن حق الزوج على الزوجة لو كانت به قرحة فلحستها\" الحديث القرحة واحدة القروح وهي حيات تخرج في بدن الإنسان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦١ - ٣٣٢) وأبو داود (٣١٦) وابن ماجة (٦٤٢) من قول عائشة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنّف ٣/ ٥٥٦ - ٥٥٧ (١٧١٢٢)، والبزار في الزوائد (١٤٦٥)، والنسائي في الكبرى (٥٣٦٥)، وابن حبان (٤١٦٤) والدارقطني (٣٥٧١)، والحاكم ٢/ ١٨٨ - ١٨٩، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٤٧٦ رقم ١٤٧٠٧). قال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، ولا رواه عن ربيعة إلا جعفر. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: بل منكر، قال أبو حاتم: ربيعة بن عثمان يعني المذكور في إسناده منكر الحديث. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٧: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا نهار العبدي، وهو ثقة. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٩٣٤): حسن صحيح.","vol":"8","page":661},{"text":"قوله: \"أو انتثر منخراه صديدا أو دما ثم ابتلعته ما أدت حقه\" الصديد والقيح هما دمان مستحيلا إلى نتن وفساد قال الجوهري: الصديد ماء رقيق مختلط بدم وقال ابن فارس: دم مختلط بقيح قاله النووي في تحريره (^١).\nقوله: منخراه المنخران مثنى منخر بفتح الميم وكسر الخاء وقد تكسر الميم اتباعا لكسرة الخاء كما قالوا منتن وهو ثقب الأنف.\n\n٢٩٧٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَت أَنا فُلَانَة بت فلَان قَالَ قد عرفتك فَمَا حَاجَتك قَالَت حَاجَتي إِلَى ابْن عمي فلان العابد قَالَ قد عَرفته قَالَت يخطبني فَأَخْبرنِي مَا حق الزَّوْج على الزَّوْجَة فَإِن كَانَ شَيْئا أُطِيقهُ تزوجته قَالَ من حَقه أَن لَو سَالَ منخراه دَمًا وقيحا فلحسته بلسانها مَا أدَّت حَقه لَو كَانَ يَنبغِي لبشر أَن يسْجد لبشر لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا إِذا دخل عَلَيْهَا لما فَضله اللّه عَلَيْهَا قَالَت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لا أَتزوّج مَا بقيت الدُّنْيَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْحَاكِم كِلاهُمَا عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد اليمامي عَن الْقَاسِم بن الحكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٢٨).\n(^٢) أخرجه البزار (٨٦٣٤)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٢٧٣)، والحاكم ٢/ ١٨٩ و٤/ ١٧١ - ١٧٢ والبيهقى في الكبرى (٧/ ١٣٤ - ١٣٥ رقم ١٣٤٨٥). قال البزار: سليمان بن داود لين، ولم يتابع على هذا. قال ابن عدى: ولسليمان بن داود غير ما ذكرت، عن يحيى بهذا الإسناد وعامة ما يروي، عن يحيى بن أبي كثير يعرف وعامة ما يرويه بهذا الإسناد لا يتابعه أحد عليه. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: بل منكر سليمان بن داود اليمامي فيه وهو واه، والقاسم بن الحكم صدوق تكلم فيه. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٧: رواه =","vol":"8","page":662},{"text":"قَالَ الْحَافِظ سُلَيْمَان واه وَالقَاسِم تَأتي تَرْجَمته.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"من حقه لو سال منخراه دما أو قيحا فلحسته بلسانها\" تقدم في الحديث قبله.\nقوله: رواه البزار والحاكم كلاهما عن سليمان بن داود اليمامي عن القاسم بن الحكم سليمان بن داود (وهو واه، والقاسم بن الحكم صدوق، وثقه الناس، وقال أبو حاتم: وحده لا يحتج به).\n\n٢٩٧٧ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ كانَ أهل بَيت من الْأَنْصَار لَهُم جمل يسنون عَلَيْهِ وَإنَّهُ استصعب عَلَيْهِم فَمَنعهُمْ ظَهره وَإِن الْأَنْصَار جاؤوا إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالُوا إِنَّه كانَ لنا جمل نسني عَلَيْهِ وَإنَّهُ استصعب علينا ومنعنا ظَهره وَقد عَطش الزَّرْع وَالنَّخْل فَقَالَ - ﷺ - لأصحابه قومُوا فَقَامُوا فَدخل الْحَائِط والجمل فِي ناحيته فَمشى النَّبِيّ - ﷺ - نَحوه فَقَالَت الْأَنْصَار يَا رَسُول اللّه قد صَار مثل الْكَلْب نَخَاف عَلَيْك صولته قَالَ لَيْسَ عَليّ مِنْهُ بَأْس فَلَمَّا نظر الْجمل إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - أقبل نَحوه حَتَّى خر سَاجِدا بَين يَدَيْهِ فَأخذ رَسُول اللّه - ﷺ - بناصيته أذلّ مَا كانَت قطّ حَتَّى أدخلهُ فِي الْعَمَل فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه يَا رَسُول اللّه هَذَا بَهِيمَة لَا يعقل يسْجد لَك وَنحن نعقل فَنحْن أَحَق أَن نسجد لَك قَالَ لَا يصلح لبشر أَن يسْجد لبشر وَلَو صلح لبشر أَن يسْجد\n_________\n= البزار، وفيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. وقال الألباني: صحيح لغيره صحيح الترغيب (١٩٣٥).","vol":"8","page":663},{"text":"لبشر لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا لعظم حَقه عَلَيْهَا لَو كَانَ من قدمه إِلَى مفرق رَأسه قرحَة تنبجس بالقيح والصديد ثمَّ استقبلته فلحسته مَا أدَّت حَقه رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد رُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ وَالْبَزَّار بِنَحْوِهِ (^١) وَرَوَاهُ مُخْتَصرا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ بِاخْتِصَار وَلم يذكر قَوْله لَو كَانَ إِلَى آخِره (^٢) وَرُوِيَ معنى ذَلِك فِي حَدِيث أبي سعيد الْمُتَقَدّم قَوْله يسنون عَلَيْهِ بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة أَي يستقون عَلَيْهِ المَاء من الْبِئْر والحائط هُوَ الْبُسْتَان تنبجس أَي تتفجر وتنبع.\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"قال كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه\" أي يستقون عليه الماء من البئر والسانية هي الناقة التي يسقى عليها الأرضون.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٨ (١٢٨٠٩)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٥٢٧)، والبزار (٦٤٥٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٠٢)، والآجرى في الشريعة (١٠٧٢)، وأبو نعيم في الدلائل (٢٨٧)، واصبهانى في منهى رغبات السامعين (٨٨)، والضياء في المختارة ٦/ ١٣٠ - ١٣١ (٢١٢٩ و٢١٣٠). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ، عن أنس إلا بهذا الإسناد وحفص ابن أخي أنس فلا نعلم حدّث عنه إلا خلف بن خليفة.\nوحسنه الضياء. وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٤: رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح غير حفص ابن أخي أنس وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٣٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٥٩) والبزار (كشف ٢٤٥١) وابن حبان (٤١٦٢)، وابن أبي الدنيا في العيال (٥٣٤). قال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٧: وإسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (١٩٣٧) و(١٩٤٠) والإرواء (١٩٩٨).","vol":"8","page":664},{"text":"قوله: \"فدخلوا الحائط\" والحائط البستان قاله الحافظ.\nقوله: - ﷺ - \"لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه\" المفرق بفتح الميم والراء وكسرها.\nقوله: \"قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه\" والقرحة واحدة القروح تقدم ذكرها.\nقوله: \"تنبجس\" أي تتفجر وتنبع ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (^١) أي انفجرت واندفعت.\nقوله: \"بالقيح والصديد ثم استقبلتها فلحسته\" (القيح) المدة وقد قاحت القرحة وتقيحت تقدم الكلام على القيح والدم في الحديث قاله في النهاية (^٢).\n\n٢٩٧٨ - وَعَن قيس بن سعد - ﵁ - قَالَ أتيت الْحيرَة فرأيتهم يَسْجُدُونَ لمرزبان لَهُم فَقلت رَسُول اللّه - ﷺ - أَحَق أَن يسْجد لَهُ فَأتيت رَسُول اللّه - ﷺ - فَقلت إِنِّي أتيت الْحيرَة فرأيتهم يَسْجُدُونَ لمرزبان لَهُم فَأَنت أَحَق أَن يسْجد لَك فَقَالَ لي أَرَأَيْت لَو مَرَرْت بقبري أَكنت تسْجد لَهُ فَقلت لَا فَقَالَ لَا تَفعلُوا لَو كنت آمُر أحدا أَن يسْجد لأحَد لأمرت النِّسَاء أَن يسجدوا لأزواجهن لما جعل اللّه لَهُم عَلَيْهِنَّ من الْحق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي إِسْنَاده شريك وَقد أخرج لَهُ مُسلم فِي المتابعات ووثق (^٣).\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٦٠.\n(^٢) النهاية (٤/ ١٣٠).\n(^٣) أخرجه الدارمي (١٦٠٧)، وأبو داود (٢١٤٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٤٨٧)، =","vol":"8","page":665},{"text":"قوله: وعن قيس بن سعد - ﵁ - مات قيس بن ساعدة سنة ستين.\nقوله: قال \"أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم\" الحديث والحيرة بكسر الحاء المهملة سكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث مدينة معروفة عند الكوفة كانت للنعمان بن المنذر سكنها ملوك قحطان وغيرهم وقد جاء ذكرها في غير ما حديث والحيرة أيضًا محلة نيسابور وقيل محتمل أن يكون بعض أهل الحيرة الكوفة سكنوا هذه المحلة التي بنيسابور فنسبي إليها كما جرى مثل هذا في غير موضع لا سيما وقد ذكر بعض من ينسب إلى حيرة بنيسابور أن أجداده كانوا من حيرة الكوفة جاء إلى نيسابور فاستوطنوها والحيرة أيضًا قرية بأرض فارس والحيرة أيضًا بلدة قريبة من عامة قاله المنذري في حواشي. مختصر أبي داود واللّه أعلم.\nتنبيه: الحيرة تشبه الجيزة التي ببساط مصر بالجيم والزاي ومخيرة بفتح الخاء المعجمة والموحدة والراء من قرى شيراز وكان مكان الحيرة من أطيب البلاد وأرقه هواء وأخفه ماء (وأغذاه) تربة وأصفاه جوا ا. هـ.\nقوله: \"فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم\" والمرزبان بفتح الميم وسكون الراء المهملة وضم الزاي الرئين من الفرس والجمع المرازبة وهو فارس\n_________\n= وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٠٢٣)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٣٥١ (٨٩٥)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٨٧، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٤٧٥ - ٤٧٦ رقم ١٤٧٠٥).\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٢٦٦) وضعيف الترغيب (١٢١٤)، وصححه في تخريج أبي داود الأم (٦/ ٣٥٧) دون قوله لو مررت بقبرى.","vol":"8","page":666},{"text":"معرب واللّه أعلم.\nقوله: - ﷺ -: \"لو كنت آمر أحدا أن يسجد لاحد لأمرت النساء أن يسجدوا لأزواجهن\" الحديث قال الغزالي (^١): حقوق الزوجة على الزوج كثيرة وأهمها أمران أحمدهما: الصيانة والستر والآخر ترك المطالبة بما وراء الحاجة وينبغي أن تتعفف عن كسبه إذا كان حراما وهذه عادة النساء فيما سلف كان الرجل إذا خرج من منزله تقول له امرأته وابنته إياك وكسب الحرام فإنا نصبر على الجوع والضراء ولانصبر على النار قال: ومن الواجبات عليها أن لا تفرط في ماله بل تحفظه عليه فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل أجره وإن أطعمت بغير إذنه كان له الأجر وعليها الوزر ومن حقها على الوالدين تعلميهما حسن المعيشة وآداب العشرة مع الزوج قال الغزالي والقول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل أن تكون قاعدة في قعر بيتها لازمة لمغزلها لا تكثر صعودها واطلاعها قليلة الكلام لجيرانها لا تدخل عليهم إلى في حالة توجب الدخول تحفظ زوجها في حضرته وفي غيبته وتطلب مسرته في جميع أموره ولا تخونه في نفسها وفي ماله ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه وإذا خرجت تكون مختفية في هيئة رثة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق ومحترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها ولا تتعرض إلى صديق بعلها في حاجاتها بل تتنكر على من يظن أنه يعرفها وتكون همتها في صلاح شأنها وتزيين بيتها مقبلة على صلاتها وصيامها وإذا\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٥٨ - ٦٠).","vol":"8","page":667},{"text":"استأذن صديق لبعلها على الباب وليس البعل حاضرا لم تستقبله ولم تعادوه في الكلام غيره على نفسها وعلى زوجها وتكون قانعة من زوجها بما رزقه اللّه ومقدمة حقه على حق نفسها وحق أقاربها كلهم متنظفة في نفسها مستعدة في الأحوال ليستمتع بها إن شاء مشفقة على أولادها حافظة للسر عليهم قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة الزوج أ. هـ هذا الحديث وعيد شديد لهن في تعظيم حق الزواج ولزوم طاعتهم على النساء.\n\n٢٩٧٩ - وَعَن ابْن أبي أوفى - ﵁ - قَالَ لما قدم معَاذ بن جبل من الشَّام سجد للنَّبِي - ﷺ - فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا هَذَا قَالَ يَا رَسُول اللّه قدمت الشَّام فوجدتهم يَسْجُدُونَ لبطارقتهم وأساقفهم فَأَرَدْت أَن أفعل ذَلِك بك قَالَ فَلَا تفعل فَإِنِّي لَو أمرت شَيْئا أَن يسْجد لشَيء لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لا تُؤدِّي الْمَرْأَة حق رَبهَا حَتَّى تُؤدِّي حق زَوجهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَلَفظ ابْن مَاجَة فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا تَفعلُوا فَإِنِّي لَو كنت آمرا أحدا أَن يسْجد لغير اللّه لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا تُؤدِّي الْمَرْأَة حق رَبهَا حَتَّى تُؤدّي حق زَوجهَا وَلَو سَأَلَهَا نَفسهَا وَهِي على ظهر قتب لم تَمنعهُ (^١) وروى الْحَاكِم الْمَرْفُوع مِنْهُ من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٨١ (١٩٧١٣)، وابن ماجة (١٨٥٣)، وابن أبي الدنيا في العيال (٥٤١) وابن حبان (٤١٧١) وابن صاعد في مسند ابن أبي أوفى (٤ و٥ و٦)، وأبو نعيم في الدلائل (٢٨٦)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٩)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٥٢٨).\nوقال الألباني في صحيح الترغيب (١٩٣٨): حسن صحيح.","vol":"8","page":668},{"text":"حَدِيث معَاذ وَلَفظه قَالَ لَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأَحَد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا من عظم حَقه عَلَيْهَا وَلَا تَجِد امْرَأَة حلاوة الإِيمَان حَتَّى تُؤدّي حق زَوجهَا وَلَو سَأَلَهَا نَفسهَا وَهِي على ظهر قتب.\nقوله: وعن ابن أبي أوفى - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"قدمت الشام فوجدتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفهم\" البطارقة جمع بطريق وهو الحادق بالحرب وأمورها قاله ابن الأثير (^١) وقال عياض (^٢): البطريق قواد ملوك الروم وخواص دولتهم وأهل الرأي والمشورة يقال البطريق العظيم من الروم قال الحربي: هو المختال المتعاظم المزهو ولايقال ذلك للنساء. ا. هـ.\nقوله: \"وأساقفتهم\" الأسقف هو عالم رأى من علماء النصارى ورؤسائهم وهو اسم سرياني ويحتمل أن يكون سمي به لخضوعه وانحنائه في عبادته والسقف في اللغة طول في انحناء وبه سمي السقف لعلوه وطول جداره (^٣) ا. هـ.\n\n٢٩٨٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لَو كنت آمرا أحدا أَن يسْجد لأَحَد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١٣٥).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٨٧).\n(^٣) النهاية (٢/ ٣٧٩).\n(^٤) أخرجه الترمذي (١١٥٩) والبزار (كشف ٢٤٥١) وابن حبان (٤١٦٢)، وابن أبي الدنيا في العيال (٥٣٤). قال الترمذي حديث حسن غريب. وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٧: =","vol":"8","page":669},{"text":"٢٩٨١ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: لَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأَحَد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا وَلَو أَن رجلًا أَمر امْرَأَته أَن تنْتَقل من جبل أَحْمَر إِلَى جبل أسود أَو من جبل أسود إِلَى جبل أَحْمَر لَكَانَ نولها أَن تفعل\" رَوَاهُ ابْن مَاجَة من رِوَايَة عَليّ بن زيد بن جدعَان وَبَقِيَّة رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵁ - تقدم الكلام عليها.\nقوله: \"ولو أن رجلًا أمر امرأته أن تنتقل من جبل أحمر إلى جبل أسود\" وأراد بالجبل الأحمر والجبل الأسود الشيء الصعب المشى الشديد الامتناع وهو ضرب مثل ويتصل بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (^٢) والجدد جمع جدة وهو الطريقة من الجبل وغرابيب سود لفظتان بمعنى واحد.\nقوله: \"لكان نولها أن تفعل\" أي لكان حقها أن تفعل وينبغي لها أن تفعل\n_________\n= وإسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (١٩٣٧) و(١٩٤٠) والإرواء (١٩٩٨).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٥٥٨ (١٧١٣٤)، وأحمد ٦/ ٧٦ (٢٥١٠٩)، وابن ماجة (١٨٥٢)، والآجرى في الشريعة (١٠٧٣)، وابن بشران في الثانى من أماليه (١٣٧٨).\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٠: رواه أحمد، وفيه علي بن زيد، حديثه حسن، وقد ضعف. وقال في المجمع ٩/ ٩: رواه أحمد وإسناده جيد.\nقال البوصيرى في الزجاجة ٢/ ٩٥: هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان في إسناده علي بن زيد وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢١٥).\n(^٢) سورة فاطر، الآية: ٢٧.","vol":"8","page":670},{"text":"قال الجوهري (^١): وقولهم نولك أن تفعل (كذا أي) حقك وينبغي لك وأصله من التناول كأنك قلت تناولك لك كذا وكذآ وإذا قلت ما نولك أن تفعل كذا أي ما ينبغي لك ومنه حديث موسى والخضر (حملوهما في السفينة) بغير نول أي بغير حق لهم علينا ا. هـ.\nقوله: رواه ابن ماجة من رواية علي بن زيد بن جدعان وبقية رواته محتج بهم في الصحيح.\n\n٢٩٨٢ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أَلا أخْبركُم برجالكم فِي الْجنَّة قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ النَّبِيّ فِي الْجنَّة وَالصديق فِي الْجنَّة وَالرجل يزور أَخَاهُ فِي نَاحيَة الْمصر لَا يزوره إِلَّا للّه فِي الْجنَّة أَلا أخْبركُم بنسائكم فِي الْجنَّة قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ: كلّ ودود ولود إِذا غضِبت أَو أُسِيء إِلَيْهَا أَو غضب زَوجهَا قَالَت هَذِه يَدي فِي يدك لَا أكتحل بغمض حَتَّى ترْضى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا إِبْرَاهِيم بن زِيَاد الْقرشِي فإنني لم أَقف فِيهِ على جرح وَلَا تَعْدِيل وَقد رُوِيَ هَذَا الْمَتْن من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَكعب بن عجْرَة وَغَيرهمَا (^٢).\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٨٣٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني الأوسط (٢/ ٢٠٦ رقم ١٧٤٣) والصغير (١/ ٨٩ رقم ١١٨) ومن طريقه ابن فاخر في موجبات الجنة (٣٧٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٢٥).\nوقال الطبراني: لم يروه عن أبي حازم سلمة بن دينار الزاهد إلا إبراهيم بن زياد تفرد به ابن بكار وهو ممن يكنى أبا حازم ممن روى عن أبي هريرة أبو حازم هذا وقد روى عن سهل بن سعد، وأبو حازم التمار المدني، وأبو حازم الأشجعي الكوفي يروي عنه منصور، والأعمش =","vol":"8","page":671},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..\n_________\n= يسمى ميسرة، وقد اختلف في اسمه وأبو حازم الذي روى عنه إسماعيل بن أبي خالد اسمه نبتل وهو كوفي. وقال الإمام الدمياطي في المتجر الرابح (٦٤٩): رواه الطبراني، وإسناده جيد إن شاء اللّه، وله شواهد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٢: رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه إبراهيم بن زياد القرشي قال البخاري: لا يصح حديثه، فإن أراد تضعيفه فلا كلام، وإن أراد حديثًا مخصوصا فلم يذكره، وأما بقية رجاله فهم رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٨٠) وقال في صحيح الترغيب (١٩٤١): حسن لغيره.\nوأما حديث ابن عباس: أخرجه ابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٥٣٠)، ومداراة الناس (١٧٦)، والبزار (كشف ٢١٦٨)، والنسائي في الكبرى (٩٠٩٤)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١٠٩٨)، وأبو بكر الأنبارى (٩١)، وابن البخترى في مصنفاته (٣٥٤)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٥٩ رقم ١٢٤٦٧ و١٢٤٦٨) ومن طريقه الضياء في المختارة ١٠/ ٤٠٢ (٤٢٤) و١٠/ ٤٠٣ (٤٢٥) و(٤٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٣)، وابن حيويه في الثالث من مشيخته (١٧)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٧١٧)، وتمام في الفوائد (١٣١١)، والبيهقى في الشعب (١١/ ١٧١ - ١٧٢ رقم ٨٣٥٨ و٨٣٥٩) و(١١/ ٣٣٢ - ٣٣٣ رقم ٨٦١٢).\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٣: رواه الطبراني، وفيه عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب. وقال في ٧/ ٢١٩: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن معاوية بن مالج وهو ثقة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٨٧).\nوأما حديث كعب بن عجرة: أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (٢٦١٨)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١٠٩٩)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١١ - ١٢ رقم ٥٦٤٨) والكبير (١٩/ ١٤٠ رقم ٣٠٧)، ومن طريقه ابن فاخر في موجبات الجنة (٣٨١)، وابن عدي (٤/ ٣٦٨).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا السري بن إسماعيل، ولا عن سري إلا محمد بن خالد الضبي، تفرد به سعيد بن خثيم، ولا يروى عن كعب بن عجرة إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٢: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه السري بن إسماعيل، وهو متروك. وحسنه الألباني في (الروض النضير ٤٦).","vol":"8","page":672},{"text":"قوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا للّه\" الحديث المصر البلد الكبير الذي يكون فيه نائب السلطان.\nقوله: - ﷺ - \"ألا أخبركم بنسائكم في الجنة قلنا بلى يا رسول اللّه قال ودود ولود\" تقدم الكلام على الودود الولود قريبا.\nقوله: \"لا أكتحل بغمض حتى ترضى\" الغمض النوم.\nقوله: إلا إبراهيم بن زياد القرشي.\n\n٢٩٨٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لا يحل لامْرَأَة أَن تَصُوم وَزوجهَا شَاهد إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأذن فِي بَيته إِلَّا بِإِذْنِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله: - ﷺ - قال \"لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه\" أي وزوجها حاضر معها في البلد وهذا في صوم النافلة التطوع وتقدم الكلام على ذلك في الصوم.\nقوله: - ﷺ - \"ولا تأذن في بيته إلا بإذنه\" تقدم الكلام على ذلك أيضًا قريبا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٩٢) و(٥١٩٥)، ومسلم (٨٤ - ١٠٢٦)، وأبو داود (٢٤٥٨)، وابن ماجة (١٧٦١)، والترمذى (٧٨٢)، وابن خزيمة (٢١٦٨)، وابن حبان (٣٥٧٢) و(٣٥٧٣) و(٤١٦٨) و(٤١٧٠).","vol":"8","page":673},{"text":"٢٩٨٤ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللّه أَن تَأذن فِي بَيت زَوجهَا وَهُوَ كَارِه وَلَا تخرج وَهُوَ كَارِه وَلَا تطيع فِيهِ أحدا وَلَا تعزل فرَاشه وَلَا تضربه فَإِن كَانَ هُوَ أظلم فلتأته حَتَّى ترضيه فَإِن قبل مِنْهَا فبها ونعمت وَقبل اللّه عذرها وأفلج حجتها وَلَا إِثْم عَلَيْهَا وَإِن هُوَ لم يرض فقد أبلغت عِنْد اللّه عذرها رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد كَذَا قَالَ أفلج بِالْجِيم حجتها أَي أظهر حجتها وقواها (^١).\nقوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا يحل لامرأة تؤمن باللّه أن تأذن في بيت زوجها وهو كاره\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فإن قبل منها فبها ونعمت\" الحديث يعني ونعمت الخصلة قاله في الصحاح (^٢).\nقوله: \"وأفلج حجتها\" أي أظهر حجتها وقواها قاله المنذري.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (١٦٧٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٢ رقم ١١٤) و(٢٠/ ١٠٧ رقم ٢١٠ و٢١١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٨٩ - ١٩٠)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٤٧٨ رقم ١٤٧١٥)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١١٠). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: بل منكر وإسناده منقطع. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٣: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.\nوقال ابن حجر في المطالب ٨/ ٣٥٢: هذا حديث رجاله ثقات أثبات، إلا شيخ أبي يعلى، فهو من منكراته، وكان صدوقا في نفسه، إلا أن وراقه أدخل عليه ما ليس من حديثه، وكانوا يحذرونه من ذلك فلا يرضى. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٢١٦): منكر.\n(^٢) الصحاح (٥/ ٢٠٤١).","vol":"8","page":674},{"text":"٢٩٨٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -، أَن امْرَأَة من خثعم أَتَت رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَت يَا رَسُول اللّه أَخْبرنِي مَا حق الزَّوْج على الزَّوْجَة فَإِنِّي امْرَأَة أيم فَإِن اسْتَطَعْت وَإِلَا جَلَست أَيّمَا قَالَ فَإِن حق الزَّوْج على زَوجته إِن سَأَلَهَا نَفسهَا وَهِي على ظهر قتب أَن لَا تَمنعهُ نَفسهَا وَمن حق الزَّوْج على الزَّوْجَة أَن لا تَصُوم تَطَوّعا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِن فعلت جاعت وعطشت وَلَا يقبل مِنْهَا وَلَا تخرج من بَيتهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِن فعلت لعنتها مَلائِكَة السَّمَاء وملائكة الرَّحْمَة وملائكة الْعَذَاب حَتَّى ترجع قَالَت لا جرم وَلَا أَتزوّج أبدًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن امرأة من خثعم أتت رسول اللّه - ﷺ -\" الحديث خثعم اسم قبيلة من قبائل العرب.\nقوله: \"فإني امرأة أيم\" قال العُلماء المرأة الأيم هي التي لا زوج لها وهي عزباء قال القاضي (^٢): اختلف الفقهاء بالمراد بالأيم هنا مع أهل اللغة على أنها تطلق على امرأة لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة بكرا أو ثيبا قاله\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٧٦) والمطالب العالية (١٦٦٥)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٥٢٣) ومداراة الناس (١٧٥)، والبزار كما في كشف الأستار (١٤٦٤)، وأبو يعلى (٢٤٥٥)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٤٧٨ رقم ١٤٧١٤)، والواحدى في التفسير الوسيط (١/ ٣٣٤). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٧: رواه البزار، وفيه حسين بن قيس المعروف بحنش، وهو ضعيف، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله ثقات.\nوقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٢١٧): ضعيف جدًّا.\n(^٢) إكمال المعلم (٤/ ٥٦٤ - ٥٦٥).","vol":"8","page":675},{"text":"إبراهيم الحربي وإسماعيل القاضي وغيرهما ورجل أيم وامرأة (أيم) قال القاضي: ثم اختلف العُلماء في المراد بها هنا فقال علماء الحجاز (والفقهاء) كافة المراد الثيب واستدلوا بأنه جاء في الرِّواية الأخرى (مفسرا) بالثيب وبأنها تجعل مقابلة للبكر وبأن (أكثر) استعمالها في اللغة للثيب وقال الكوفيون وزفر: الأيم هنا كلّ امرأة لا زوج لها بكر كانت أو ثيبا كما هو مقتضاه في اللغة فالأيم في (الأصل) التي لا زوج لها مطلقة كانت أو متوفي عنها ويراد بالأيم في هذا الحديث الثيب خاصة يقال تأيمت المرأة وأيمت إذا (أقامت) لا تتزوج والاسم من هذه اللفظة الأيمة وهي طول العزبة وقد تطلق على المرأة البالغة وإن كانت بكرا مجازا (واتساعا).\nقوله: قالت \"لا جرم ولا أتزوج أبدًا\" الحديث نقل الجوهري عن الفراء أنها كلمة كانت في الأصل بمعنى لابد ولا محالة فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقا فلذلك يجاب عنه باللام كما يجاب بها عن القسم والله أعلم.\nوقال غير الجوهري (^١): هذه كلمة ترد بمعنى تحقيق الشيء وقد اختلف العُلماء في (أصلها) قيل أصلها لا التبرئة بمعنى لا بد ثم استعملت في معنى حقا وقيل بمعنى كسب وقيل بمعنى وجب وحق ولا رد لها قبلها من الكلَام\n_________\n(^١) قاله الفراء كما في مطالع الأنوار (٢/ ١٠٩) ونسبه ابن سيده إلى الفراء وثعلب والكسائى المحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٤١٦).","vol":"8","page":676},{"text":"ثم يبتدأ بها كقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ (^١) أي ليس الْأَمر كما قالوا ثم ابتدأ فقال وجب بهم النار وقيل في قوله تعالى: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ (^٢) أي لا يحملنكم ويجدوكم وقد تكررت في الحديث.\n\n٢٩٨٦ - وَعَن زيد بن أَرقم - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْمَرْأَة لا تُؤدِّي حق اللّه عَلَيْهَا حَتَّى تُؤدِّي حق زَوجهَا كُله وَلَو سَأَلَها وَهِي على ظهر قتب لم تَمنعهُ نَفسهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد (^٣).\nقوله: وعن زيد بن أرقم - ﵁ - (^٤): هو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٦٢.\n(^٢) سورة هود، الآية: ٨٩.\n(^٣) أخرجه البزار (٤٣١٧)، والطبرانى في الكبير (٥/ ٢٠٠ رقم ٥٠٨٤) والأوسط (٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦ رقم ٧٤٣٣). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا زيد بن أرقم، ولا نعلم أحدا حدّث به، عن سعيد، عن قتادة إلا محمد بن سواء. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد بن أبي عروبة، ولا عن سعيد إلا محمد بن سواء، تفرد به: الأسفاطي، عن بشر بن عبد الملك. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٢: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا محمد بن ثعلبة بن سواء، وقد روى عنه جماعة، ولم يضعفه أحد، وقد رواه الطبراني في الكبير بنحوه، ورجاله رجال الصحيح خلا المغيرة بن مسلم، وهو ثقة، وقد تقدم.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٨: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط بنحوه، ورجاله رجال الصحيح خلا المغيرة بن مسلم، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٤٣) والصحيحة (١٢٠٣).\n(^٤) ترجمته: الاستيعاب ٢/ ٨٣٧، وأسد الغابة ٢/ ١٨١٩، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٨٤، وتهذيب الكمال ١٠/ ٢٠٨٧، والإصابة ٢/ ٢٨٨٠.","vol":"8","page":677},{"text":"النعمان الأنصاري الخزرجي في كنيته أقوال نزل الكوفة وغزى مع النبي - ﷺ - سبع عشرة غزوة والله أعلم.\nقوله: \"ولو سألها وهي على ظهر قتب لم تمنعه نفسها\" القتب للجمل كالأكاف لغيره ومعناه الحث لهن على مطاوعة أزواجهن وأنه لا يسعهن الامتناع في هذه الحال فكيف في غيرها وقيل إن نساء العرب كن إذا أردن الولادة جلسن قتب ويقلن إنه أسلس لخروج الولد (فأرادت) تلك الحالة قال أبو عبيد: كنا نرى أن المعنى وهي تسير على ظهر البعير فجاء التفسير بغير ذلك ا. هـ قاله في النهاية (^١).\n\n٢٩٨٧ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لا ينظر اللّه ﵎ إِلَى امْرَأَة لا تشكر لزَوجهَا وَهِي لا تَسْتَغْنِي عَنهُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَزَّار بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا رُوَاة الصَّحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٥٣٣)، والبزار (٢٣٤٨) و(٢٣٤٩)، والنسائي في الكبرى (٩٠٨٦) و(٩٠٨٧)، والسراج (٥٩٣)، والطبرانى في الكبير (١٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩ رقم ١٤١٨٤) و(١٣/ ٣٦٩ رقم ١٤١٨٥)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٣٣)، ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٢٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٥) و(٤/ ١٧٤)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٤٨٥ رقم ١٤٧٢٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٤٨).\nقال البزار: لا نعلم أحدا رواه إلا عبد اللّه بن عمرو، ولم يسنده عن سعيد إلا ابن المبارك.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال البيهقى: هكذا أتي به مرفوعًا والصحيح أنه من قول عبد اللّه غير مرفوع. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٩: رواه البزار بإسنادين، =","vol":"8","page":678},{"text":"قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: قال\"لا ينظر اللّه ﵎ إلى امرأة لا تشكر لزوجها\" الحديث نظر اللّه ﷾ هو رحمته لعباده.\n\n٢٩٨٨ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لا تؤذي امْرَأَة زَوجهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَت زَوجته من الْحور الْعين لا تؤذيه قَاتلك اللّه فَإِنَّمَا هُوَ عنْدك دخيل يُوشك أَن يفارقك إِلَيْنَا رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن يُوشك أَي يقرب ويسرع ويكاد (^١).\nقوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين\" فذكره إلى أن قال \"فإنما هو عندك دخيل\" الدخيل هو الضيف والنزيل ومنه\n_________\n= والطبراني وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٩) وصحيح الترغيب (١٩٤٤).\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٤٢ (٢٢٥٢٨)، وابن ماجة (٢٠١٤)، والترمذي (١١٧٤)، والشاشي (١٣٧٤)، وابن أبي داود في البعث (٧٧)، وأبو العبَّاس الأصم في مجموعه (٢٠)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١١٣ (٢٢٤)، وفي الشاميين ٢/ ١٩٠ (١١٦٦)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٢٢٠، وفي صفة الجنة (٨٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال أبو زرعة الرازى في العلل (١٢٦٤): ما أدري من أين جاء به نعيم أراه شبه على نعيم، لم يرو هذا الحديث عن بحير غير إسماعيل بن عيَّاش، إلا أن يكون بقية، عن إسماعيل بن عيَّاش. وذكر أبو زرعة: أن هذا الحديث ليس عندهم بحمص في كتب بقية. وقال الألباني: صحيح، الصحيحة (١٧٣)، آداب الزفاف (١٧٨)، صحيح الترغيب (١٩٤٥).","vol":"8","page":679},{"text":"حديث عدي وكان لنا جارا أو دخيلًا.\nقوله: \"يوشك أن يفارقك إلينا\" يوشك أي يقرب ويسرع ويكاد قاله المنذري ومن آداب الزوجة ألا تفاخر على الزوج بجمالها ومالها ولا تزدري زوجها لقبحه أو لفقره وقد روى الأصمعي قال: دخلت البادية فإذا بامرأة حسناء من أحسن الناس وجها تحت أقبح الناس وجها فقلت يا هذه أترضين لنفسك أن تكوني تحت مثله فقالت يا هذا اسكت أسأت فيما بيني وبين خالقي فجعله عقوبتي أفلا أرضى فيما رضي اللّه لي فأسكتتني قال الأصمعي: رأيتُ في البادية امرأة عليها قميص أحمر وهي مختضبة وبيدها سبحة فقلت ما أبعد هذا من هذا فقالت:\nوللّه مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والبطالة جانب\nقال: ومن آداب المرأة ملازمة الصلاح والانقباض في غيبة زوجها وتنبسط في حضوره وتذب عنه ولا ينبغي أن تؤذي زوجها بحال قاله الغزالي (^١).\n\n٢٩٨٩ - وَعَن طلق بن عَليّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا دَعَا الرجل زَوجته لِحَاجَتِهِ فلتأته وَإِن كَانَت على التَّنور رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٥٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٥٥٨ (١٧١٣٥)، وأحمد ٤/ ٢٢ - ٢٣ (١٦٥٤٥)، والترمذى (١١٦٠)، والنسائي في الكبرى (٨٩٢٢)، وابن حبان (٤١٦٥)، والطبراني في الكبير =","vol":"8","page":680},{"text":"قوله: وعن طلق بن علي (^١) - ﵁ -: (هو طلق بن قيس بن عمرو بن عبد اللّه بن عمرو بن العزى بن سحيم بن مرة بن الدؤل بن حنيفة الربعي الحنفي السحيمي وهو والد قيس بن طلق كنيته أبو علي، وكان من الوفد الذين قدموا على رسول اللّه - ﷺ - من اليمامة فأسلموا، مخرج حديثه عن أهل اليمامة).\nقوله: \"إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور.\n\n٢٩٩٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِذا دَعَا الرجل امْرَأَته إِلَى فرَاشه فَلم تأته فَبَاتَ غَضْبَان عَلَيْهَا لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح.\nرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا من رجل يَدْعُو امْرَأَته إِلَى فرَاشه فتأبى عَلَيْهِ إِلَّا كانَ الَّذِي فِي السَّمَاء ساخطا عَلَيْهَا حَتَّى يرضى عَنْهَا (^٣) وَفِي رِوَايَة لَهما وَالنَّسَائِيّ إِذا باتت الْمَرْأَة هاجرة فرَاش زَوجهَا لعنتها الْمَلائِكَة حَتَّى تصبح (^٤) وَتقدم فِي الصَّلاة حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِيِّ - ﷺ - ثَلَاثة لا ترْتَفع\n_________\n= (٨/ ٣٣١ رقم ٨٢٤٠)، والمخلص في المخلصيات (٢٢١٦)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٤٧٧ رقم ١٤٧١٠). وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٠٢)، وصحيح الترغيب (١٩٤٦).\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٢/ ١٣٠٠، وأسد الغابة ٣/ ٢٦٣٦، وتهذيب الكمال ١٣/ ٢٩٩٠، والإصابة ٢/ ٤٢٨٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٣٧) و(٥١٩٣)، ومسلم (١٢٢ - ١٤٣٦)، وأبو داود (٢١٤١)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٥٢٤) و(٥٤٤)، والنسائي في الكبرى (١١٩٣٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢١ - ١٤٣٦) بهذا اللفظ.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٠ - ١٤٣٦)، والبزار (٩٥٤٥)، والنسائي في الكبرى (٨٩٢١).","vol":"8","page":681},{"text":"صلَاتهم فَوق رؤوسهم شبْرًا رجل أم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَأَخَوَانِ متصارمان رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَابْن حبَان في صَحِيحه وَاللَّفْظ لابْنِ مَاجَة وروى التِّرْمِذِيّ نَحوه من حَدِيث أبي أُمَامَة وَحسنه وَتقدم فِي إباق العَبْد.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه. وهذا الحديث إلى آخره متأخر عن القولة المتأخرة آخر الباب وهي قوله فبات غضبان.\nقوله: - ﷺ - \"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح\" الحديث وفي الحديث لعن الله المسوفة (^١) والمسوفة هي التي أراد زوجها أن يأتيها لم تطاوعه وقالت سوف أفعل والتسويف المطل والتأخير (^٢).\nهذا الحديث دليل على تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعي وليس الحيض بعذر في الامتناع لأنه له حقا في الاستمتاع بها فوق الإزار وسبب اللعن هو أن على الزوجة طاعة زوجها فيما لا معصية فيه ويجب عليها تمكينه من نفسها إذا أراد ذلك فإذا أبت من ذلك وعصته استحقت اللعن ومعنى الحديث أن اللعنة تستمر عليها حتى تزول المعصية بطلوع\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (٥٥٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٤٦ رقم ٤٣٩٣) والكبير (١٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦ رقم ١٣٩٥٤) عن ابن عمر. وأخرجه أبو يعلى (٦٤٦٧)، والعقيلى (٤/ ٢٢٩)، وابن عدى (٩/ ٢٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٦٥).\nقال أبو حاتم: باطل. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٣١٢).\n(^٢) المجموع المغيث (٢/ ١٥٠)، والنهاية (٢/ ٤٢٢).","vol":"8","page":682},{"text":"الفجر والاستغناء عنها أو بتوبتها ورجوعها إلى الفراش (^١) والمرأة في ذلك بخلاف الرجل فلو دعته إلى ذلك لم يجب عليه إلا أن يقصد الامتناع مضارتها فيحرم عليه ذلك والفرق بينهما أن الرجل هو الذي ابتغى بماله فهو المالك لمنفعة البضع وللرجال عليهن درجة وهي السلطة بذلك الملك وأيضًا فقد لا ينشط الرجل وقت طلبها ولا يتهيأ له ذلك بخلافها قاله في المفهم (^٢) وكنى هنا بالفراش عن الجماع بدليل الرِّواية الثانية إذا دعاها إلى فراشه أي إلى الجماع حتى لو لم يكن ثم فراش كان كذلك وليس المراد ترك النوم معه على فراش فإنه قد جاء في السنن فراش لك وفراش لزوجتك وفراش للضيف والرابع للشيطان (^٣) وربما خشيت من نومها معه أن يظهر منها ما يوجب النفرة متعذر في ذلك وقد تدعو حاجتها إلى نومها معه فيستحب أو يتعين وتقييد الرِّواية الثانية (بدعوته امرأته) بما يدلّ على أنها لو هجرت من غير طلب منه ولا قرينة تدل على الطلب لا يحرم وهو كذلك فتعين حمل الأول على الثانية وكذلك تقييدها بغضبه حتى لو لم يؤثر ذلك عنده وأسقط حقه زال ذلك قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"فبات غضبان عليها\" وفي بعض النسخ \"فبات غضبانا عليها\" والأول أصح قوله وفي رواية البخاري ومسلم إلا كان الذي في السماء\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٧ - ٨).\n(^٢) المفهم (٢٤/ ١٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤١ - ٢٠٨٤) عن جابر.","vol":"8","page":683},{"text":"ساخطا عليها حتى يرضى عليها\" الحديث أي اللّه تعالى وذلك على معنى أن أمره ونهيه جاء من السماء فوقعت الإشارة إلى مثل في ذلك أنه يريد به نفسه تعالى كذا ذكره في الميسر (^١) وتقدم الكلام على ما جاء في أحاديث هذا الباب واللّه أعلم.\n\n٢٩٩١ - وَعَن جَابر بن عبد اللّه - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة لَا تقبل لَهُم صَلَاة وَلَا تصعد لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنَة العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع إِلَى موَالِيه فَيَضَع يَده فِي أَيْديهم وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى والسكران حَتَّى يصحو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة عبد اللّه بن مُحَمَّد بن عقيل وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا من رِوَايَة زُهَيْر بن مُحَمَّد وَاللَّفْظ لابْنِ حبَان (^٢).\n\n٢٩٩٢ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - اثْنَان لا تجَاوز صلاتهما رؤوسهما عبد أبق من موَالِيه حَتَّى يرجع وَامْرَأَة عَصَتْ زَوجهَا حَتَّى\n_________\n(^١) الميسر (٣/ ٧٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٩٤٠)، وابن حبان (٥٣٥٥)، والطبراني في الأوسط (٩/ ٩٥)، والبيهقى في الكبرى (١/ ٥٧٣ رقم ١٨٣٠) والشعب (٧/ ٤٠٩ - ٤١٠ رقم ٥٢٠٢) و(١١/ ٩٤ - ٩٥ رقم ٨٢٣٧) و(١١/ ١٦٩ رقم ٨٣٥٣).\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد اللّه بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٧٥) وضعيف الترغيب (١١٨٩) و(١٢١٨) و(١٤٢٠).\nوهذا الحديث مر في باب ترهيب العبد من الإباق.","vol":"8","page":684},{"text":"ترجع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَالْحَاكِم (^١).\n\n٢٩٩٣ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن الْمَرْأَة إِذا خرجت من بَيتهَا وَزوجهَا كَارِه لذلك لعنها كلّ ملك فِي السَّمَاء وكل شَيْء مرت عَلَيْهِ غير الْجِنّ وَالإنْس حَتَّى ترجع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا سُويد بن عبد الْعَزِيز (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٦٧ رقم ٣٦٢٨) والصغير (١/ ٢٨٩ رقم ٤٧٨)، والحاكم (٤/ ١٧٣). قال الطبراني: لم يروه، عن إبراهيم بن مهاجر، إلا عمر بن عبيد، ولا رواه، عن عمر بن عبيد، إلا إبراهيم بن أبي الوزير، تفرد به: ابن أبي صفوان. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٣: رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٨) وصحيح الترغيب (١٨٨٨) و(١٩٤٨). وهذا الحديث مر في باب ترهيب العبد من الإباق.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٦٤ رقم ٥١٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا محمد بن زيد، تفرد به: سويد بن عبد العزيز. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سويد بن عبد العزيز، وهو متروك، وقد وثقه دحيم، وغيره، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في الضعيفة (١١٠٢) و(٥٣٤١) وضعيف الترغيب (١٢١٩): ضعيف جدًّا. ولم يدرج المُصَنِّف تحته شرحا.","vol":"8","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>[الترهيب من ترجيح إحدى الزوجات وترك العدل بينهم]</span>\n٢٩٩٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِط رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَتكلم فِيهِ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفظه من كَانَت لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَال إِلَى إحدهما جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَشقه مائل وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه من كَانَت لَهُ امْرَأَتَانِ يمِيل لإحداهما على الْأُخرَى جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أحد شقيه مائل وَرَوَاهُ ابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِ رِوَايَة النَّسَائِيّ هَذِه إِلَّا أَنَّهُمَا قَالا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَأحد شقيه سَاقِط (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٥٧٦)، وإسحاق (١٠٠)، وأحمد ٢/ ٢٩٥ (٨٠٥١) و٢/ ٣٤٨ (٨٦٨٧) و٢/ ٤٧١ (١٠٢٢٩)، والدارمى (٢٣٧٩)، والترمذى (١١٤١) والعلل الكبير (٢٨٧)، وأبو داود (٢١٣٣)، وابن ماجة (١٩٦٩)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٤١ (٣٩٧٧) والكبرى (٨٨٣٩)، وابن أبي الدنيا في العيال (٥١٣)، والبزار (٩٥٥١)، وابن الجارود (٧٢٢)، وابن حبان (٤٢٠٧)، والحاكم (٢/ ١٨٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الترمذي في العلل: حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا عبد الأعلى عن سعيد، عن قتادة قال: كان يقال: إذا كان عند الرجل امرأتان. فذكر نحو حديث همام، إلا أنه قال: شقه مائل وحديث همام أشبه وهو ثقة حافظ. وقال في السنن: وإنما أسند هذا الحديث همام بن يحيى، عن قتادة، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة قال: كان يقال: ولا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام، وهمام ثقة حافظ.\nوقال البزار: وهذا الكلام لا نعلم رواه عن النبي - ﷺ - إلا أبو هريرة - ﵁ -، ولا نعلم له طريقا عن أبي هريرة - ﵁ -، إلا من هذا الطريق. وصححه الألباني في الإرواء (٢٠١٧)، المشكاة (٣٢٣٦)، وغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (٢٢٩)، وصحيح الترغيب (١٩٤٩).","vol":"8","page":686},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ - قال: \"من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط\" وفي رواية أبي داود\" من كانت له امرأتان جاء يوم القيامة وشقه مائل\" وفي رواية النسائي \"جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل\" وفي رواية ابن ماجة \"وأحد شقيه ساقط\" الحديث ففي هذه الروايات تأكيد وجوب القسم بين الضرائر والمكروه من الميل ما كان من ميل العشرة وبخس الحق وذلك أن يخص إحداهما بحسن العشرة وتوفية الحق ولا يفعل مع الأخرى مثل ذلك (^١) والمراد بالميل الميل بالفعل فأما ميل القلوب فلا يؤاخذ به كما جاء عنه - ﷺ - (^٢) وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (^٣) قال الإمام الشافعي ﵀ فإذا مال بالقول والفعل فذلك كلّ الميل قال اللّه تعالى:\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ٢١٨).\n(^٢) المراد به حديث عائشة ولفظه: كان رسول اللّه - ﷺ - يقسم فيعدل، ويقول: \"اللهم هذا قسمي، فيما أملك فلا تلمني، فيما تملك، ولا أملك\". أخرجه الدارمي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (١٩٧١) أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٧٢)، والنسائي ٦/ ٤٤١ (٣٩٧٨) والكبرى (٨٨٤٠)، والحاكم ٢/ ١٨٦. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال البخاري كما في العلل الكبير للترمذى (١/ ١٦٥): رواه حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلا. وكذلك قال أبو زرعة في علل ابن أبي حاتم (١٢٧٩) والنسائي في السنن. وقال الدارقطني في العلل (٣١٧٦): والمرسل أقرب إلى الصَّواب. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٢٣٥)، ضعيف الترغيب (١٢٢٠)، الإرواء (٢٠١٨).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ١٢٩.","vol":"8","page":687},{"text":"﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (^١) أي لا تتبعوا أهوائكم أفعالكم (^٢) فإذا كان عند الرجل أكثر من امرأة واحدة يجب التسوية بينهن في فعل القسم إن كن حرائر سواء كن مسلمات أو كتابيات فإن كان تحته حرة وأمة فيقسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة واحدة وعن سليمان بن يسار أنه من السنة ورواه الدَّارقُطْنِي عن علي من قوله (^٣): فإن ترك القسم بينهن أو التسوية فقد عصى اللّه ﷾ وعليه القضاء للمظلومة (^٤) فإن وهبت إحدى الضرائر نوبتها لمعينة جاز أو لغير معينة فإن اسقطت حقها منه كذلك وأصله أن سودة وهبت نوبتها لعائشة وكذلك أزواجه في مرضه (^٥) وفي حديث الثاني دليل على أن القسم كان فرضا عليه - ﷺ - كما هو على غيره حتى كان يراعي ذلك في\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٢٩.\n(^٢) الأم (٥/ ٢٠٣).\n(^٣) أسنده عن علي عبد الرزاق (١٣٠٩٠)، وسعيد بن منصور (٧٢٥)، وابن أبي شيبة ٣/ ٤٦٩ (١٦٠٩٠)، وابن المنذر في الأوسط (٧٥٠١) و(٧٥٠٢) والدارقطنى (٣٧٣٧) و(٣٧٣٨). وقال: وهذا قول الحسن، وسعيد بن المسيب، ومسروق، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وذكر أبو عبيد أن هذا قول سفيان الثوري، والأوزاعي، وأهل الرأي.\nوأما قول سليمان بن يسار: أخرجه سعيد بن منصور في السنن (٧٤٣) قال: \"من السنة أن المرأة الحرة إذا كان الرجل ينكح عليها الأمة فهي بالخيار إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت، وإن أقامت على ضرار فلها يومان، وللأمة يوم\".\n(^٤) نهاية المطلب (١٣/ ٢٤٧).\n(^٥) الوسيط (٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"8","page":688},{"text":"مرضه حتى أذن له أزواجه أن يكون حيث شاء فكان في بيت عائشة حتى مات عندها وممن نص على الوجوب الشافعي وجماعة من أصحابه (^١) وقال بعضهم: لم يكن واجبا عليه وإنما فعله تكرما وليقتدى به (^٢) فيه دليل أنه طاف على نسائه في ليلة واحدة وتأولوا قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (^٣) وقال بعضهم: كان هذا قبل أن يسن القسم وأما بعده فليس عليه غير التسوية بينهن ويحتمل أنهن أذن له وإلا فليس للزوج أن يبيت في نوبة واحدة عند الأخرى من غير ضرورة ولا أن يجمع بين اثنين في ليلة واحدة من غير إذنهن (^٤) قاله في شرح الإلمام.\nتنبيه: من الصغائر ترجيح إحدى الزوجين على الآخرى وهو حرام لقوله - ﷺ -: \"فلم يعدل بينهما\" الحديث ذكره ابن النحاس في تنبيهه (^٥).\n\n٢٩٩٥ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - يقسم فيعدل وَيَقُول اللَّهُمَّ هَذَا قسمي فِيمَا أملك فَلَا تلمني فِيمَا تملك وَلَا أملك يَعْنِي الْقلب، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ رُوِيَ مُرْسلا وَهُوَ أصح (^٦).\n_________\n(^١) شرح السنة (٩/ ١٥١)، شرح المشكاة (٧/ ٢٣٢٤)\n(^٢) وهو اختيار الغزالي كما في المفاتيح (٤/ ٧٥) شرح المشكاة (٧/ ٢٣٢٤).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥١.\n(^٤) شرح المشكاة (٧/ ٢٣٢٤).\n(^٥) تنبيه الغافلين (ص ٣٥٨).\n(^٦) أخرجه الدارمي (٢٣٨٥)، وابن ماجة (١٩٧١) أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٧٢)، =","vol":"8","page":689},{"text":"قوله: وعن عائشة - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\nقوله: قالت كان رسول اللّه - ﷺ - يقسم فيعدل ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب\" وأراد به - ﷺ - ميل القلب وهو لا يملك ابن آدم دفعه وهذا منه - ﷺ - تعليم لنا والله أعلم.\nفصل: فيما يتعلق بالقسم بين الزوجات قالت عائشة - ﵂ - كان النبي - ﷺ - \"يقسم فيعدل\" قال العُلماء في كتب الفقه ولا يجب عليه أن يقسم لنسائه ابتداء لأن الحق له فله تركه نعم يستحب له بل له اجتنابهن كلهن لكن يكره تعطيلهن مخافة من الفتنة عليهن والإضرار بهن (^١).\nفرع: ومن السنة أن لا يطأ إحدى زوجتيه بحضرة الأخرى فإن فعله كره ولو طلب لم يلزمها إجابة ولا تصير بالامتناع ناشزة (^٢). والله أعلم.\nأما إذا أراد أن يبيت عند واحدة فإنه يجب عليه القسم فإن أراد القسم لم يبدأ بواحدة إلا بقرعة وجوبا أو بإذن الباقيات لأنه أعدل وأسلم من الميل المنهي عنه\n_________\n= (١١٧٢)، والنسائي ٦/ ٤٤١ (٣٩٧٨) والكبرى (٨٨٤٠)، والحاكم ٢/ ١٨٦. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال البخاري كما في العلل الكبير للترمذى (١/ ١٦٥): رواه حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلا. وكذلك قال أبو زرعة في علل ابن أبي حاتم (١٢٧٩) والنسائي في السنن. وقال الدارقطني في العلل (٣١٧٦): والمرسل أقرب إلى الصَّواب. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٢٣٥)، ضعيف الترغيب (١٢٢٥)، الإرواء (٢٠١٨).\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٤٦).\n(^٢) روضة الطالبين (٧/ ٣٤٨)، والنجم الوهاج (٧/ ٤٠٢).","vol":"8","page":690},{"text":"ويجوز أن يقسم ليلة وليلة وليلتين ليلتين وثلاثا ثلاثًا ولا يجوز أقل من ليلة ولا تجوز الزيادة على الثلاث إلا برضاهن هذا هو الصحيح من مذهبنا واتفقوا على أنه يجوز أن يطوف عليهن كلهن ويطأهن في الساعة الواحدة برضاهن ولا يجوز ذلك بغير رضاهن وإذا قسم كان لها اليوم الذي بعد ليلتها (^١).\nفرع: لا فرق في وجوب القسم بين المسلمة والذمية ذكره في البيان (^٢) وتقدم ويقسم للحائض والنفساء والمريضة والرتقاء والمجنونة التي لا يخاف منها لحاجتهن إلى الأنس به ولأنه يستمتع بهن بغير الوطيء من قبلة ولمس ونظر وغير ذلك ويقسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة واحدة لحديث فيه مرسلًا (^٣) كما تقدم.\nفرع: لا اعتراض لسيد الأمة عليها في إسقاط حقها في القسم ولا التفات إلى قوله: ولا يجب على الزوج إذا قسم أن يطأ لأنه يتعلق بالنشاط والشهوة وهو لا يتأتي في كلّ وقت غير أن المستحب أن يسوي بينهن في ذلك إذا أمكنه ذلك وكذا في سائر الاستمتعات لأنه أكمل في العدل بل له أن يبيت عندهن ولا يطأ واحدة منهن وله أن يطأ بعضهن في نوبتها دون بعض لكن يستحب أن لا يعطلهن وأن يسوي بينهن في ذلك (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٤٦).\n(^٢) البيان في مذهب الإمام الشافعي (٩/ ٥١١) للعمراني.\nونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك الأوسط (٩/ ٣٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٤٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٤٦).","vol":"8","page":691},{"text":"فائدة: فإن تزوج امرأة وعنده امرأتان قد قسم لهما قطع حق الدور للجديدة فإن كانت بكرا أقام عندها سبعا ولا يقضي وإن كانت ثيبا فهو بالخبار بين أن يقيم عندها سبعا ويقضي وبين أن يقيم ثلاثًا ولا يقضي لقوله - ﷺ - \"سبع للبكر وثلاث للثيب\" رواه ابن حبان في صحيحه (^١) وروى الإمام أحمد وأبو داود أنه - ﷺ - لما دخل بصفية أقام عندها ثلاثًا وكانت ثيبًا (^٢) وقال لأم سلمة - ﵂ - \"إنه ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي\" رواه مسلم (^٣). قال الحليمي (^٤): والحكمة في السبع أنها تستوعب أيام الأسبوع فتزول الوحشة ويحصل الأنس بينهما بإقامته عندها جميع أيام الأسبوع وخصت البكر بزيادة لأن حياءها أكثر ويقضي في الثيب السبع إن كان يطلبها وإلا قضى الزائد (^٥) وإن وهب بعض الزوجات حقها للزوج جعله لمن شاء منهن لأنه حقه إلا إن رجعت في الهبة عادت إلى الدور من يوم الرجوع لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض والمستقبل لم يقبض وهذا إذا علم الزوج برجوعها أما إذا لم يعلم به ومضت نوبتها فلا تستحق قضاء ما فات قبل العلم على الأصح (^٦) وإن سافرت المرأة بغير إذن\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤٢٠٨ و٤٢٠٩) عن أنس [قال الألباني]: صحيح - الإرواء (٧/ ٨٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٩٩ (١١٩٥٢)، والبخارى (٤٢١٢)، وأبو داود (٢١٢٣) عن أنس.\n(^٣) مسلم (٤١ و٤٢ - ١٤٦٠).\n(^٤) انظر شرح النووي على مسلم (١٠/ ٤٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٤٤).\n(^٦) نهاية المطلب (١٣/ ٢٣٧)، والعزيز شرح الوجيز (٨/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، وشرح النووي على مسلم (١٠/ ٤٨).","vol":"8","page":692},{"text":"زوجها في حاجتها أو حاجته سقط حقها من القسم لنشوزها (^١) فإن أراد الزوج أن يسافر بامرأة لم يختر إلا بالقرعة اقتداء برسول اللّه - ﷺ - فإن سافر بواحدة بغير قرعة قضى كالحاضر وإن أراد الزوج الانتقال من بلد إلى بلد فسافر بواحدة وبعث البواقي مع غيره فقد قيل يقضي لهن للتخصيص وهو الأصح (^٢) ومن وهبت حقها من القسم لبعض ضرائرها برضى الزوج جاز اقتداءً بسودة - ﵂ - فإنها وهبت يومها وليلتها لعائشة تبتغي بذلك رضى رسول اللّه - ﷺ - متفق عليه (^٣) وفي البيهقي عن عروة بن الزبير أن قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (^٤) الآية نزلت في سودة وأشباهها (^٥) وعن علي - ﵁ - أنها نزلت في الرجل تكون عنده المرأتان فتكون فتكون إحدهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليلتين فما طابت به نفسها فلا بأس به فإن رجعت سوى بينهما (^٦).\nواعلم أنه لا يشترط في ذلك رضى الموهوبة على الأصح بل يكفي قبول الزوج وإنما شرط رضى الزوج لأنه صاحب الحق ثم إن هذه ليست هبة\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١٣/ ٣٣٥).\n(^٢) كفاية النبيه (١٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦).\n(^٣) البخاري (٥٢١٢) ومسلم (٤٧ و٤٨ - ١٤٦٣) عن عائشة.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٢٨.\n(^٥) السنن الكبرى (٧/ ٤٨٤ - ٤٨٥ رقم ١٤٧٣٦).\n(^٦) السنن الكبرى (٧/ ٤٨٥ رقم ١٤٧٣٧).","vol":"8","page":693},{"text":"محققه بل إسقاط حق ثابت واللّه أعلم نقل من هادى النبيه على التنبيه (^١).\n\n٢٩٩٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن المقسطين عِنْد اللّه على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين الَّذِي يعدلُونَ فِي حكمهم وأهليهم وَمَا ولوا رَوَاه مسلم وَغَيره (^٢).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن المقسطين عند اللّه على منابر من نور\" الحديث والمقسطون هم الأئمة العادلون في حكمهم وقد فسر في آخر الحديث بذلك، الإقساط والقسط بكسر القاف العدل يقال أقسط إقساطا وهو يقسط إذا عدل قال اللّه تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (^٣) (^٤) ا. هـ\nوالمنابر جمع منبر سمي به لارتفاعه قال القاضي عياض ﵀ (^٥): يحتمل أن يكونوا على منابر حقيقة على ظاهر الحديث ويحتمل أن يكون كناية عن المنازل الرفيعة قلت: الظاهر الأول ويكون متضمنا للمنازل الرفيعة فهم على منابر حقيقة ولهم منازل رفيعة.\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١٣/ ٣٣٢ - ٣٣٧) بتصرف.\n(^٢) أخرجه الحميدى (٥٨٨)، وأحمد ٢/ ١٦٠ (٦٦٠٣)، ومسلم (١٨ - ١٨٢٧)، والبزار (٢٣٤٠)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٧٥ (٥٤٢٣) والكبرى (٥٨٨٥) و(٥٨٨٦)، وأبو عوانة (٧٤٦٣)، وابن حبان (٤٤٨٤)، والآجرى في الشريعة (٧٤٧).\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ٩.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١١).\n(^٥) إكمال المعلم (٦/ ٢٢٧)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١١).","vol":"8","page":694},{"text":"قوله - ﷺ -: \"عن يمين الرحمن\" والمراد بقوله عن يمين الرحمن كرامتهم على اللّه تعالى وقرب محلهم وذلك لأن من شأن من عظم قدره في الناس أن يبوأ عن يمين الملك ثم إنه - ﷺ - نزه ربه سبحانه وتعالى عما يسبق إلى فهم من لم يقدر اللّه حق قدره من مقابلة اليمين باليسار وكشف حقيقة المراد بقوله \"وكلتا يديه يمين\" لأن الشمال تدل على النقص والضعف (^١) قال الخطابي (^٢): ليس فيما يضاف إلى اللّه تعالى من صفة اليدين شمال لاشتماله على النقص والضعف بكلتا يديه عن يمين هي صفة جاء بها التوقيف فنطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهى إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة أ. هـ.\nوقال القاضي عياض (^٣): المراد بكونهم عن اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة قال ابن عرفة يقال أتاه عن يمينه إذا أتاه من الجهة المحمودة والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين وضده إلى اليسار قالوا واليمين مأخوذ من اليمن وهو البركة وأنه ليس المراد جارحة تعالى اللّه عن ذلك فإنها مستحيلة في حقه ﷾ وأنه أراد بذلك التمام والكمال أو كانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر لما في التياسر من النقصان وفي التيامن من التمام فهذا من أحاديث الصفات وقد ذهب جمهور\n_________\n(^١) الميسر (٣/ ٨٥٦).\n(^٢) أعلام الحديث (٤/ ٢٣٤٧).\n(^٣) إكمال المعلم (٦/ ٢٢٧ - ٢٢٨).","vol":"8","page":695},{"text":"السلف إلى الإيمان بها وعدم الكلام في تأويلها مع عدم اعتقاد أن ظاهرها غير مراد وذهب أكثر المتكلمين إلى التأويل على ما يليق به وهذا قول أكثر المتكلمين (^١).\nقوله - ﷺ -: \"الذي يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا\" فمعناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل في تقلده من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة أو نظر على يتيم أو صدقة أو وقف وفيما يلزمه من حقوق أهله وعياله ونحو ذلك (^٢) واللّه أعلم.\nتنبيه: قوله: \"وما ولوا\" بفتح الواو وضم اللام المخففة أي كانت لهم عليه ولاية (^٣) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) والمذهب المعروف للسلف إثبات الصفة مع كمال التنزيه عن المشابهة والمثلية وعدم التعرض لها بتأويل أو تحريف.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣١٢).\n(^٣) شرح المصابيح (٤/ ٢٥٨)، وحاشية السيوطي على النسائي (٨/ ٢٢٢).","vol":"8","page":696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>[الترغيب في النفقة على الزوجة والعيال والترهيب من إضاعتهم وما جاء في النفقة على البنات وتأديبهن</span>\nقال الحافظ: وقد تقدم في كتاب الصدقة باب في الترغيب في الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم].\n\n٢٩٩٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - دينَار أنفقته فِي سَبِيل اللّه ودينار أنفقته فِي رَقَبَة ودينار تَصَدَّقت بِهِ على مِسْكينَ ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الَّذِي أنفقته على أهلك رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام عليه - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"دينار أنفقته في سبيل اللّه ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك\" الحديث إنما قضى بتفضيل الدينار المنفق على الأهل على غيره مما أنفق في سبيل اللّه ﷿ لأن النفقة على الأهل واجبة وجوبا متعينا بخلاف الإنفاق في سبيل اللّه ﷿ فقد لا يتعين وأيضًا فإن النفقة على الأهل مصلحة محققة بخلاف النفقة في سبيل اللّه ﷿ فقد تكون المصلحة المترتبة عليها غير محققة إذ من المحتمل أن ينفق في سبيل اللّه وينكسر المسلمين فلا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٤٧٦ (١٠٣١٥)، والبخارى في الأدب المفرد (٧٥١)، ومسلم (٣٩ - ٩٩٦)، والطبرانى في الأوسط (٩/ ٣٩ رقم ٩٠٧٩)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٧٧٠ رقم ١٥٦٩٧)، والبغوى في شرح السنة (١٦٧٨).","vol":"8","page":697},{"text":"تتحقق المصلحة وأيضًا فإن النفقة على العيال في حكم الديون وقضاء الدين متعين على أن النفقة على العيال وإن كانت واجبة إذا احتسبها كانت صدقة فالاحتساب طلب الثواب من اللّه تعالى يعني إذا أنفق الرجل على عياله للّه ويطلب منه الثواب يحصل له الثواب والمعنى باحتسابها أن يقصد بالإنفاق على أهله أداء ما أوجبه الشرع عليه فيكون في هذا التقدير تحصيلا لأجر الصدقة ثبت عن رسول اللّه - ﷺ - أنه قال: \"وإن نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة\" (^١) فالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى: يعني إذا انفق الرجل على عياله وطلب منه الثواب يحصل له الثواب وثبت عن رسول اللّه - ﷺ - أنه قال: \"كفي بالمرء إثما أن يضيع من يعول\" (^٢).\n\n٢٩٩٨ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ -: مولى رَسُول اللّه - ﷺ - أفضل دِينَار يُنْفِقهُ الرجل دِينَار يُنْفِقهُ على عِيَاله ودينار يُنْفِقهُ على فرسه فِي سَبِيل اللّه ودينار يُنْفِقهُ على أَصْحَابه فِي سَبِيل اللّه قَالَ أَبُو قلابَة بَدَأَ بالعيال ثمَّ قَالَ أَبُو قلابَة أَي رجل أعظم أجرا من رجل ينْفق على عِيَال صغَار يعفهم اللّه بِهِ أَو يَنْفَعهُمْ اللّه بِهِ ويغنيهم رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥) و(٤٠٠٦) و(٥٣٥١)، ومسلم (٤٨ - ١٠٠٢)، والترمذى (١٩٦٥)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٤٨ (٢٥٦٤) عن أبي مسعود.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٠ - ٩٩٦)، وأبو داود (١٦٩٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٣٢) و(٩١٣٣) واللفظ للنسائي. عن عبد اللّه بن عمرو.\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٨ - ٩٩٤)، وابن ماجة (٢٧٦٠)، والترمذى (١٩٦٦)، والنسائي في الكبرى (٩١٣٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"8","page":698},{"text":"قوله: وعن ثوبان - ﵁ - كنيته: أبو عبد اللّه القرشي الهاشمي مولى رسول اللّه - ﷺ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله\" الحديث وإنما قدم ذكر العيال لوجوب نفقتهم ثم ذكر نفقة الدابة لأنها بمنزلة المملوك وخصها في سبيل اللّه ﷿ لأن خير الدواب ما اتخذ لذلك والنفقة على الأصحاب من باب التبرع يعني الإنفاق على هؤلاء الثلاثة خير من الإنفاق على غيرهم.\nقوله: قال أبو قلابة بدأ بالعيال ثم قال أبو قلابة أي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم اللّه به أو ينفعهم اللّه به ويغنيهم قال أبو قلابة: هذا هو الجرمى عبد اللّه بن زيد مات سنة ست أو سبع ومائة وقال أبو عبيد وخليفة وجماعة سنة أربع ومائة قاله الذهبي (^١).\n\n٢٩٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - عرض عَليّ أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ الْجنَّة وَأول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار فَأَما أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ الْجنَّة فالشهيد وَعبد مَمْلُوك أحسن عبَادَة ربه ونصح لسَيِّده وعفيف متعفف ذُو عِيَال وَأما أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار فأمير مسلط وَذُو أثر من مَال لا يُؤَدِّي حق اللّه فِي مَاله وفقير فخور رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان بِنَحْوِهِ (^٢).\n_________\n(^١) تذهيب تهذيب الكمال (٥/ ١٥٦ ترجمة ٣٣٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٤٦)، وأحمد ٢/ ٤٢٥ (٩٦٢٣)، والترمذى (١٦٤٢)، وابن خزيمة (٢٢٤٩)، وابن حبان (٤٣١٢) و(٧٢٤٨) والحاكم ١/ ٣٨٧، وأبو نعيم في =","vol":"8","page":699},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله: - ﷺ - \"عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة\" تقدم الكلام على الثلاثة، \"وأما الثلاثة الذين يدخلون النار فأمير مسلط\" أي ظالم \"وذو أثر من مال لا يؤدي حق اللّه في ماله\" وذو بمعنى صاحب المراد بذلك الذي لا يؤدي زكاة ماله المفروضة \"وفقير فخور\" الفخور المراد به المعجب المتكبر.\n\n٣٠٠٠ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - أَن رَسُول اللّه قَالَ لَهُ وَأنك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه اللّه إِلَّا أجرت عَلَيْهَا حَتَّى مَا تجْعَل فِي فِي امْرَأَتك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث طَوِيل (^١).\nقوله: وعن سعد بن أبي وقَّاص - ﵁ - تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: أن رسول اللّه قال له \"وإنك لن تنفق نفقة\" عام في القليل والكثير لأنها نكرة في سياق النفى والكاف في إنك للخطاب العام.\nقوله: \"تبتغي بها وجه اللّه\" أي تطلب بها وجه اللّه والوجه الجهة بمعنى ويقال هذا وجه الرأي أي هو الرأي نفسه والحديث من المتشابهات.\nقوله: \"إلا أجرت عليها\" أجرت بضم الهمزة وفي بعض النسخ \"بها\" بدل عليها.\n_________\n= صفة الجنة (٨٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني: ضعيف ضعيف الجامع (٣٧٠٢)، المشكاة (٣٨٣٢)، ضعيف الترغيب (٤٦٤) و(٤٩٥) و(١١٨٥) و(١٢٢١).\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦) و(١٢٩٥) و(٢٧٤٢) و(٢٧٤٤) و(٣٩٣٦) و(٤٤٠٩) و(٥٣٥٤) و(٥٦٥٩) و(٥٦٦٨) و(٦٧٣٣)، ومسلم (٥ و٨ - ١٦٢٨).","vol":"8","page":700},{"text":"قوله: \"حتى ما تجعل في في امرأتك\" الحديث وروى في فم امرأتك وفيه ست لغات فم وفم فم بالتشديد وهل المراد الوضع في فم المرأة على ظاهره أو يعم كلّ ما يمكن منه وتأكله وتلبسه الظاهر الأول وفائدتها أن المبالغة وهو دال على قلب العادة عبادة بالنية والمباح قربة وناهيك بهذا الإكسير ا. هـ ذكره في حدائق الأولياء (^١) وفي هذا الحديث استحباب الإنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد بذلك وجه اللّه تعالى وفيه المباح إذا قصد به وجه اللّه تعالى صار طاعة ويثاب عليه وقد نبه - ﷺ - على هذا بقوله - ﷺ - \"حتى اللقمة تضعها في في امرأتك\" لأن زوجة الإنسان هي أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة إذا وضع اللقمة في فيها فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة مع هذا فأخبر - ﷺ - أنه إذا قصد بهذا اللقمة وجه اللّه تعالى حصل له الأجر بذلك فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه اللّه تعالى ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه اللّه تعالى يثاب عليه وذلك كالأكل بنية التقوية على الطاعة اللّه تعالى كالنوم للاستراحة لقيام الليل وللعلم فإذا كان الذي هو من حظوظ النفس بالمحل المذكور من ثبوت الأجر فيه وكونه طاعة وعملا أخرويا إذا أريد به وجه اللّه تعالى فكيف الظن بغيره مما يراد به وجه اللّه تعالى وهو مباعد للحظوظ النفسانية وتمثيله - ﷺ - باللقمة مبالغة في تحقيق هذه الطاعة التي\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٤١).","vol":"8","page":701},{"text":"ذكرتها لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة لزوجة غير مضطرة فكيف الظن بمن أطعم اللقمة لمحتاج أو أطعمه كسرة أو رغيفا أو فعل من أفعال البر ما هو في معنى هذا أو عمل مع نفسه من العبادات البدنية ما مشقته فوق مشقة اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأعلى (^١) ا. هـ\nويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه اللّه تعالى يثاب عليه وذلك كالأكل بنية التقوية على الطاعة اللّه تعالى وكالنوم والاستراحة ليقام الليل وللعلم وليقوم إلى العبادة نشيطا وكالاستمتاع بزوجته أو جاريته ليكف نفسه وبصره ونحوهما عن المحرمات وليقضي حقها وليحصل له ولد صالح وهذا معنى قوله - ﷺ -: \"وفي بضع أحدكم صدقة\" (^٢) واللّه أعلم.\n\n٣٠٠١ - وَعَن أبي مَسْعُود البدري - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ إِذا أنْفق الرجل على أَهله نَفَقَة وَهُوَ يحتسبها كَانَت لَهُ صَدَقَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٣).\nقوله: وعن أبي مسعود البدري - ﵁ - أبو مسعود هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٧٧ - ٧٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٥) و(٤٠٠٦) و(٥٣٥١)، ومسلم (٤٨ - ١٠٠٢)، والترمذى (١٩٦٥)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٤٨ (٢٥٦٤) عن أبي مسعود.\n(^٤) ترجمته: الاستيعاب ٣/ الترجمة ١٨٢٧، وأسد الغابة ٤/ الترجمة ٣٧١٧، والإصابة ٤/ الترجمة ٥٦٢٣.","vol":"8","page":702},{"text":"قال الطوفي (^١): أبو مسعود البدري لم يشهد بدرا وإنما سكنها أو نزلها مرة فنسب إليها وشبيه بهذا أبو سعيد المقبري كان ينزل المقابر أو يكثر غشيانها فنسب إليها ويزيد الفقير من رجال الصحيح لم يكن فقيرا من المال وإنما انكسر فقاره فقال له الفقير وفلان الضال لم يضل في دينه بل في الطريق مكة ونظائره كثيرة واللّه أعلم.\nقوله: - ﷺ - قال \"إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة\" الحديث تقدم الكلام على المراد بالأهل واختلاف العُلماء في ذلك فقيل الزوجة وقيل المراد من تلزمه نفقته فيه بيان أن المراد بالصدقة والنفقة المطلقة في باقي الأحاديث إذا احتسبها ومعناه أراد بها اللّه تعالى فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلا وإنما يدخل المحتسب وطريقه في إلاحتساب أنه يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة وأطفال أولاده والمملوك وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم واختلاف العُلماء فيهم وأن من غيرهم ممن ينفق عليه مندوب إلى الإنفاق عليهم فينفق بنية أداء ما أمر به وقد أمر بالإحسان إليهم (^٢).\nفإن قيل: كيف يكون إطعام الرجل زوجته الطعام صدقة وذلك فرض عليه فالجواب أن اللّه تعالى جعل من الصدقة فرضا وتطوعا ولا شك أن\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٦٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"8","page":703},{"text":"الفرض أفضل من التطوع (^١). واللّه أعلم\n\n٣٠٠٢ - وَعَن الْمِقْدَام بن معديكرب - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا أطعمت نَفسك فَهُوَ لَك صَدَقَة وَمَا أطعمت ولدك فَهُوَ لَك صَدَقَة وَمَا أطعمت زَوجتك فَهُوَ لَك صَدَقَة وَمَا أطعمت خادمك فَهُوَ لَك صَدَقَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: وعن المقدام بن معديكرب (^٣) - ﵁ - (وكَرِب: بفتح الكاف وكسر الراء، أما الباء فيجوز كسرها مع التنوين على الإضافة، ويجوز فتحها على البناء، وهما وجهان مشهوران في العربية، وهو أبو كريمة، وقيل: أبو صالح، وأبو يحيي، وأبو بشر، والأول أشهر، المقدام بن معدى كرب بن عمرو بن يزيد بن معدى كرب الكندى. وفد على رسول اللّه - ﷺ - في وفد كندة، عداده في أهل الشام، سكن حمص. رُوى له عن رسول اللّه - ﷺ - سبعة وأربعون حديثًا)\n_________\n(^١) شرح الصحيح لابن بطال (٧/ ٥٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٣١ (١٧٤٥٢) و٤/ ١٣٢ (١٧٤٦٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٢) و(١٩٥)، وابن ماجة (٢١٣٨)، وابن أبي الدنيا في العيال (١٥) و(٣١)، والنسائي في الكبرى (٩١٤١) و(٩١٦٠)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٦٨ (٦٣٤)، وفي مسند الشاميين (٢/ ١٦٩ رقم ١١٢٤)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٣٠٩، وفي تاريخ أصبهان ٢/ ٧٦، والبيهقى في الكبرى (٤/ ٣٠١ رقم ٧٧٦٦). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٩: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٥٢) وصحيح الترغيب (١٩٥٥).\n(^٣) ترجمته: الاستيعاب ٤/ ٢٥٦٢، وأسد الغابة ٦/ ٦١٩٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٦٥٥، وتهذيب الكمال ٢٨/ ٦١٦٤، والإصابة ٦/ ٨٢٠٢.","vol":"8","page":704},{"text":"قوله: - ﷺ - \"ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة\" الحديث أي يكتب لك مثل ثواب أجر الصدقة على الأجانب أو محارمه الذين لا تلزمه نفقتهم.\n\n٣٠٠٣ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^١) وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِ من حَدِيث حَكِيم بن حزَام وَتقدم.\nقوله: وعن عبد اللّه بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"اليد العليا خير من اليد السفلى\" تقدم الكلام على ذلك في الصدقات.\nقوله: \"وابدأ بمن تعول\" أي بمن تعوله وتلزمك نفقته فتصدق عليه فإن فضل شيء فليكن للأجانب يقال عال الرجل عياله يعولهم إذا قام بما\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٧٢٧) و(١٩٤٤)، والشاشى (٥٩٤) و(٧٣٧)، والطبرانى في الكبير (١٠/ ١٨٦ رقم ١٠٤٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٥). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللّه إلا زياد هذا. وقال في الموضع الثانى: وهذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث الشعبي، عن مسروق إلا من حديث ابن أبي ليلي، والسري بن إسماعيل.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش لم نكتبه إلا من حديث وكيع. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٢٠: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وقال الألباني في صحيح الترغيب (١٩٥٦): حسن صحيح.","vol":"8","page":705},{"text":"يحتاجون إليه وقد يدخل في قوله وابدأ بمن تعول كلّ من يمونه الإنسان وإن لم تكن نفقته واجبة عليه ويوافقه تفسير صاحب المحكم العيال (^١) ويوافقه كلام الشيخ الإمام تقي الدين السبكي في قسم الصدقات فإنه قال: الظاهر أن المراد بالعيال من تلزمه نفقته ومن لا تلزمه نفقته ممن تقضي المروءة والعادة بقيامه بنفقتهم ممن يمكن صرف الزكاة إليه من قريب حر وغيره وكذا الزوجة لأن نفقتها آكد وإن كانت دينا فإنما تجب يومًا بيوم (^٢).\nويستدل به على تحريم الإيثار بقوته أو قوت عياله لما في ذلك من مخالفة أمره ﵊ بالبداءة بمن تعول وأقوى في الدلالة على هذا قوله ﵊ \"كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول\" وهو الذي صححه النووي في شرح المهذب لكنه صحح في الروضة جواز الإيثار بقوته لا بقوت عياله قاله في شرح المهذب ولا يشترط في جواز الضيافة الفضل عن نفقته ونفقة عياله لتأكدها وكثرة الحث عليها قال: وليست الضيافة صدقة واستدل على ذلك بحديث الأنصاري الذي نزل به الضيف فأطعمه قوت صيانه لكنه خالف ذلك في شرح المهذب فقال: لا يجوز لأنها غير واجبة وأجاب عن الحديث المذكور بحمله على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين للأكل وإنما طلبوه على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة واللّه تعالى\n_________\n(^١) عبارة المحكم (٢/ ٢٤٥): وعيال الرجل وعيله: الذين يتكفل بهم. وانظر طرح التثريب (٧/ ١٧٨ - ١٧٦).\n(^٢) طرح التثريب (٧/ ١٧٨).","vol":"8","page":706},{"text":"أعلم (^١) وفي حديث آخر ابدأ بمن تعول ولا تلام على كفاف\" أي إذا لم يكن عندك كفاف لم تلم على أن لا تعطي أحدا قاله في النهاية (^٢).\n\n٣٠٠٤ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من أنْفق على نَفسه نَفَقَة يستعف بهَا فَهِيَ صَدَقَة وَمن أنْفق على امْرَأَته وَولده وَأهل بَيته فَهِيَ صَدَقَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا حسن (^٣).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"من أنفق على نفسه نفقة يستعف بها فهي صدقة\" الحديث يعني يستعف بها عن سؤال الناس.\n\n٣٠٠٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ يَوْمًا لأصحابه تصدقوا فَقَالَ رجل يَا رَسُول اللّه عِنْدِي دِينَار قَالَ أنفقهُ على نَفسك قَالَ إِن عِنْدِي آخر قَالَ أنفقهُ على زَوجتك قَالَ إِن عِنْدِي آخر قَالَ أنفقهُ على ولدك قَالَ إِن عِنْدِي آخر قَالَ أنفقهُ على خادمك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ أَنْت أبْصر بِهِ\n_________\n(^١) طرح التثريب (٧/ ١٧٨).\n(^٢) النهاية (٤/ ١٩١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٧٣ رقم ٣٨٩٧) والشاميين (٣/ ١١٦ رقم ١٩٠١)، وابن منده في مجالس من إملائه (٣٨). قال ابن منده: غريب من حديث داود بن أبي هند، والزبيدي، وعدي هذا هو والد الهيثم بن عدي، روى عنه إبراهيم بن طهمان. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٢٠: رواه الطبراني في الأوسط، والكبير بإسنادين أحدهما حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٥٧).","vol":"8","page":707},{"text":"رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لَهُ تصدق بدل أنْفق فِي الْكل (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله: فقال \"رجل يا رسول اللّه عندي دينار قال أنفقه على نفسك قال إن عندي آخر قال أنفقه على زوجتك\" إلى أن قال: \"أنت أبصر به\" الحديبث قال: أبو سليمان الخطابي ﵀ في الكلام على هذا الحديث (^٢): هذا الترتيب إذا تأمله علمت أنه - ﷺ - قدم الأولى فالأولى والأقرب فالأقرب وهو أنه أمره أن يبدأ بنفسه ثم بولده لأن الولد كبضعة فإذا ضيعه هلك ولم يجد من ينوب في الإنفاق عليه ثم ثلث بالزوجة وأخرها عن درجة الولد لأنها إذا لم تجد ما ينفقه عليها فسخت نكاحها منه وفرق بينهما وكان لها زوج آخر\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في المسند (١٢١١) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٧٥٢٤) والطحاوى في مشكل الآثار (٥٤٨٥)، والحميدى (١٢١٠)، والقاسم بن سلام في الأموال (١٥٣٨)، وأحمد ٢/ ٢٥١ (٧٥٣٧) و٢/ ٤٧١ (١٠٢٢٥)، والبخارى في الأدب المفرد (١٩٧)، وأبو داود (١٦٩١)، وابن أبي الدنيا في العيال (٨)، والبزار (٨٤٩٠)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٤٠ (٢٥٥٤) والكبرى (٢٣٢٧) و(٩١٣٧)، وأبو يعلى (٦٦١٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (٥٤٨٣) و(٥٤٨٤)، وابن حبان (٣٣٣٧) و(٤٢٣٣) و(٤٢٣٥)، والطبرانى في الأوسط (٨/ ٢٣٧ رقم ٨٥٠٨). والحاكم ١/ ٤١٥، والبيهقي في الصغير (٣/ ١٨٧ رقم ٢٨٨٨) والكبرى (٧/ ٧٦٨ رقم ١٥٦٩١) و(٧/ ٧٨٤ - ٧٨٥ رقم ١٥٧٣٤)، والبغوي (١٦٨٥) و(١٦٨٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الإرواء (٨٩٥) وصححه في صحيح الترغيب (١٩٥٨).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٨١ - ٨٢).","vol":"8","page":708},{"text":"يمونها أو قريب يجب نفقتها عليها ثم ذكر الخادم لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته ثم قال أنت أعلم إن شئت تصدقت وإن شئت أمسكت رواه ابن حبان وأبو داود والحاكم في مستدركه بتقديم الولد على الزوجة والذي أطبق عليه أصحابنا الشافعية كما قاله الرافعي والنووي تقديم نفقة الزوجة على الولد لأن نفقتها آكد فإنها لا تسقط بمضي الزمان ولا بالإعسار ولأنها وجبت عوضا لكن اعترضه إمام الحرمين بأن نفقتها إذا كانت كذلك كانت كالديون ونفقة الغريب في مال المفلس يقدم على الديون وهو وجه حكاه المتولي والخطابي مشى على هذا في شرح الحديث المتقدم (^١) واللّه أعلم.\n\n٣٠٠٦ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة - ﵁ - قَالَ مر على النَّبِيّ - ﷺ - رجل فَرَأى أَصْحَاب رَسُول اللّه - ﷺ - من جلده ونشاطه فَقَالُوا يَا رَسُول اللّه لَو كَانَ هَذَا في سَبِيل اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن كَانَ خرج يسْعَى على وَلَده صغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيل اللّه وَإِن كَانَ خرج يسْعَى على أبوين شيخين كبيرين فَهُوَ في سَبِيل اللّه وَإِن كَانَ خرج يسْعَى على نَفسه يعفها فَهُوَ في سَبِيل اللّه وَإِن كَانَ خرج يسْعَى رِيَاء ومفاخرة فَهُوَ فِي سَبِيل الشَّيْطَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٧/ ١٧٧ - ١٧٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٤٨ رقم ٩٤٠) والأوسط (٧/ ٥٦ رقم ٦٨٣٥) والكبير ١٩/ ١٢٩ (٢٨٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الحكم إلا إسماعيل بن مسلم، ولا رواه عن إسماعيل إلا همام، تفرد به: محمد بن كثير، ولا يروى عن كعب بن عجرة إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٥: رواه الطبراني في الثلاثة، ورجال الكبير رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٩٢) و(١٩٥٩).","vol":"8","page":709},{"text":"قوله: وعن كعب بن عجرة - ﵁ - تقدم الكلام على كعب بن عجرة.\nقوله: مر على النبي - ﷺ - رجل فرأى أصحاب رسول اللّه - ﷺ - من جلده ونشاطه فقالوا يا رسول الله لو كان هذا في سبيل اللّه فقال رسول اللّه - ﷺ - إن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل اللّه\" الحديث وتقدم الكلام على هذا الحديث أيضًا في البيوع.\n\n٣٠٠٧ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا أنْفق الْمَرْء على نَفسه وَولده وَأَهله وَذي رَحمَه وقرابته فَهُوَ لَهُ صَدَقَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وشواهده كَثِيرَة (^١).\nقوله: وروي عن جابر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"كلّ معروف صدقة\" تقدم الكلام على ذلك في الصدقات.\nقوله: \"ما أنفق المرء على نفسه وولده وأهله وذي رحمه وقرابته فهو له صدقة\" تقدم الكلام على الأهل في الأحاديث قبله.\n\n٣٠٠٨ - وَعَن جَابر - ﵁ - أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - كلّ مَعْرُوف صَدَقَة وَمَا أنْفق الرجل على أَهله كتب لَهُ صَدَقَة وَمَا وقى بِهِ الْمَرْء عرضه كتب لَهُ بِهِ صَدَقَة وَمَا أنْفق الْمُؤمن من نَفَقَة فَإِن خلفهَا على اللّه وَاللّه ضَامِن إِلَّا مَا كَانَ فِي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٧٤ - ٧٥ رقم ٦٨٩٦). وقال: لم يرو هذا الحديث، بهذا التمام، عن محمد بن المنكدر إلا مسور بن الصَّلْت، ولا عن مسور إلا عمر بن إبراهيم، تفرد به: صالح بن بشر. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٩ - ١٢٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مسور بن الصَّلْت، وهو متروك. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٦٠).","vol":"8","page":710},{"text":"بُنيان أَو مَعْصِيّة قَالَ عبد الحميد يَعْنِي ابْن الْحسن الْهِلَالِي فَقلت لابْنِ الْمُنكدر وَمَا مَا وقى بِهِ الْمَرْء عرضه قَالَ مَا يُعْطي الشَّاعِر وَذَا اللِّسَان المتقى رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده قَالَ الْحَافِظ وَعبد الحميد الْمَذْكور يَأْتِي الْكَلام عَلَيْهِ (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وما وقى به المرء عرضه كتتب له به صدقة\" قال الحافظ المنذري قال: عبد الحميد يعني ابن الحسن الهلالي فقلت لابن المنكدر وما وقى به عرضه قال: ما يعطي الشاعر وذا اللسان المتقي ا. هـ\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١٠٨٣)، وابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (٩) وقضاء الحوائج (٩)، وأبو يعلى (٢٠٤٠)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٨٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٢٤)، والدارقطني (٢٨٩٥)، والحاكم ٢/ ٥٠، وتمام في الفوائد (١٧٢٤)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٤٠٩ رقم ٢١١٣٢ و٢١١٣٣) والشعب (٥/ ١٤٨ - ١٤٧ رقم ٣٢٢٠) و(١٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤ رقم ١٠٢٢٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٨)، والبغوي (١٦٤٦). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: عبد الحميد ضعفوه. وقال ابن عدى: ولعبد الحميد عن ابن المنكدر، عن جابر أحاديث بعضها مشاهير، وبعضها لا يُتَابَعُ عَليه، وقد روى عن غير ابن المنكدر من أهل المدينة مثل أبي حازم وغيره، وروى عنه ما لا يُتَابَعُ عَليه.\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٦: رواه بطوله أبو يعلى، واختصره الإمام أحمد كما تقدم، وفي إسناد أحمد المنكدر بن محمد بن المنكدر، وثقه أحمد وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وفي إسناد أبي يعلى مسور بن الصَّلْت، وهو ضعيف. وقال الذهبي في الميزان (٢/ ٢٥٠)، والسير (١١/ ٤١٩): غريب جدًّا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٥٤)، والسلسلة الضعيفة (٨٩٨) وضعيف الترغيب (١١٧٨) و(١٢٢٢).","vol":"8","page":711},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على اللّه واللّه ضامن إلا ما كان في بنيان أو معصية\" أما نفقة الإنسان في المعصية فلا خلاف أنه غير مثاب عليه ولا مخلوف له وأما البنيان فما كان منه ضروريا يكن الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور في بنيانه وذلك كحفظ بيت يسكنه قال - ﷺ - ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه والذي رأيته في الحديث بيت يكنه وهو بمعنى يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء (^١) ا. هـ. ذكره\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٦٢ (٤٤٧) والزهد (١١٤) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل (٢/ ٣١٣)، وعبد بن حميد (٤٦) والترمذي (٢٣٤١)، وابن أبي الدنيا في الجوع (١٧١) والزهد (٨٥)، والطبرانى في الكبير (١/ ٩١ رقم ١٤٧)، وابن السنى في القناعة (٦٨ و٦٩ و٧٠)، والحاكم (٤/ ٣١٢) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٦١)، وفي أخبار أصبهان (١/ ٢٥٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٨٣). وعند ابن السنى بيت يكنه وعند الباقي يسكنه. قال الخلال في المنتخب من العلل (ص ٤٢) بعد ذكره للحديث: ما كان به بأس؛ إلا أنه روى حديثًا منكرا، عن عثمان عن النبي (- ﷺ -)؛ وليس هو عن النبي (- ﷺ -) - يعني هذا الحديث.\nقال الترمذي: هذا حديث صحيح وهو حديث الحريث بن السائب وسمعت أبا داود سليمان بن سلم البلخي، يقول: قال النضر بن شميل: جلف الخبز يعني ليس معه إدام.\nوقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الدارقطني في العلل (٢٦٥): كذا رواه حريث بن السائب، عن الحسن، عن حمران، عن عثمان، عن النبي - ﷺ -، ووهم فيه. والصواب: عن الحسن، عن حمران، عن بعض أهل الكتاب - وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وحريث قد ضعفه الساجي، وقال الدارقطني: وهم حريث في هذا، والصواب عن الحسن، عن حمران، عن بعض أهل الكتاب. وضعفه الألباني في المشكاة (٥١٨٦) والضعيفة (١٠٦٣) وقال منكر، وضعيف الجامع (٤٩١٤).","vol":"8","page":712},{"text":"القرطبي (^١). واللّه أعلم.\n\n٣٠٠٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن المعونة تَأتي من اللّه على قدر المؤونة وَإِن الصَّبْر يَأْتِي من اللّه على قدر الْبلاء رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا طَارق بن عمار فَفِيهِ كَلَام قريب وَلم يتْرك والْحَدِيث غَرِيب (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"إن المعونة تأتي من اللّه على قدر المؤونة وإن الصبر يأتي من اللّه على قدر البلاء\" الحديث المعونة شيء من الإعانة من الله تعالى للعبد على القيام بما يكفيه ويكفي عياله من المؤنة وأن الصبر يأتي من اللّه تعالى\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٠٨).\n(^٢) أخرجه البزار (٨٨٧٨)، ابن أبي الدنيا في الصبر (١١١)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧) و(٤/ ١١٥) و(٦/ ٤٠١) وابن فيل في جزئه (٤٥)، والحكيم الترمذي (٤٣٩)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى (٢/ ٢٦٤)، والفاكهي في فوائده (١١١) وابن شاهين في فضائل الأعمال (٢٧٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨ رقم ٩٤٨٣).\nقال البزار: لا نعلمه عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد. وقال أبو حاتم في العلل (١٨٧٠)، وأبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر. قال أبو زرعة: الصحيح ما رواه الدراوردي عن عباد بن كثير عن أبي الزناد فبين معاوية بن يحيى وأبي الزناد عباد بن كثير، وعباد ليس بالقوي. وقال البيهقي: \"تفرَّد به طارق بن عمار وعباد، وقد قيل: عن عباد، عن طارق، و[هو] الأصح، وطارق يُعرَف بهذا الحديث\".\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٤: رواه البزار، وفيه طارق بن عمار قال البخاري: لا يتابع على حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٦١) والصحيحة (١٦٦٤).","vol":"8","page":713},{"text":"على قدر ما يصيبه المؤمن من الأمراض والأسقام إذا كان راضيا بذلك.\n\n٣٠١٠ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أول مَا يوضع فِي ميزَان العَبْد نَفَقَته على أَهله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وروي عن جابر - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: قال \"أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله\" وتقدم أن المراد بالأهل الزوجة وهذا الحديث ظاهر في ثبوت الميزان في المعاد حقيقة خلافا للمعتزلة أن بعضهم إذا قالوا الميزان الوارد ذكره في الكتاب والسنة كناية عن إقامة العدل فالحساب لأنه ميزان حقيقة ذو كفتين ولسان كما يقال يد فلان ميزان والظواهر في إثبات كونه حقيقة مع أهل السنة وقد قيل للنبي - ﷺ - أين نجدك يا رسول الله في القيامة قال: عند الحوض والصراط أو الميزان لا أخطأ هذه الثلاث مواطن الحديث (^٢) وهو كما تراه ظاهر فيما ذكرناه ا. هـ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٧٤ رقم ٦١٣٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا عبد الحميد بن الحسن. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٧٩) وضعيف الترغيب (١٢٢٣) وقال منكر.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٧٨ (١٣٠٢٢)، والترمذى (٢٤٣٣)، والدينورى في المجالسة (٣٠)، وابن مكرم البزاز في فوائده (٢٢٥)، واللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢٢٢٠) والكلاباذى في بحر الفوائد (ص ٣٠٤)، وابن ناصر الدين في منهاج السلامة (ص ٨٢ - ٨٣)، والضياء في المختارة ٧/ ٢٤٦ (٢٦٩١) و٧/ ٢٤٧ (٢٦٩٢) و(٢٦٩٣) و٧/ ٢٤٨ (٢٦٩٤) عن أنس. وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوصحح إسناده الضياء. وقال الذهبي في إثبات الشفاعة (ص ٢٧): والحديث إسناده جيد. =","vol":"8","page":714},{"text":"ذكره الطوفي في شرح الأربعين (^١).\n\n٣٠١١ - وَعَن عَمْرو بن أُميَّة - ﵁ -: قَالَ مر عُثْمَان بن عَفَّان أَو عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بمرط واستغلاه قَالَ فَمر بِهِ على عَمْرو بن أُميَّة فَاشْتراهُ فَكَسَاهُ امْرَأَته سخيلة بنت عُبَيْدَة بن الْحَارِت بن الْمطلب فَمر بِهِ عُثْمَان أَو عبد الرَّحْمَن فَقَالَ مَا فعل المرط الَّذِي ابتعت قَالَ عَمْرو تَصَدَّقت بِهِ على سخيلة بنت عُبَيْدَة فَقَالَ إِن كلّ مَا صنعت إِلَى أهلك صَدَقَة فَقَالَ عَمْرو سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول ذَاك فَذكر مَا قَالَ عَمْرو لرَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ صدق عَمْرو كلّ مَا صنعت إِلَى أهلك فَهُوَ صَدَقَة عَلَيْهِم رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات وروى أَحْمد الْمَرْفُوع مِنْهُ قَالَ مَا أعْطى الرجل أَهله فَهُوَ صَدَقَة المرط بِكَسْر الْمِيم كسَاء من صوف أَو خَز يؤتزر بِهِ (^٢).\nقوله: عن عمرو بن أمية (^٣) هو أبو أمية عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد اللّه بن إياس بن عبد اللّه بن ناشرة بن كعب بن جدي بضم الجيم وفتح الدال\n_________\n= وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٢٥) والمشكاة (٥٥٩٥) والصحيحة (٢٦٣٠).\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٧٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٧٩ (١٧٨٩٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٤٠)، وأبو يعلى (٦٨٧٧)، وابن حبان (٤٢٣٧)، وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥: رواه أبو يعلى، والطبراني، ورجال الطبراني ثقات كلهم. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٦٢) والصحيحة (١٠٢٤) وصححه من رواية أحمد كما في صحيح الترغيب (١٩٦٢).\n(^٣) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ١٨٩٢، وأسد الغابة ٤/ ٣٨٦٢، وتهذيب الأسماء ٢/ ٤٤٣، وتهذيب الكمال ٢١/ ٤٣٢٨، والإصابة ٤/ ٥٧٨٤. ونص ترجمته هنا من تهذيب الأسماء واللغات.","vol":"8","page":715},{"text":"المهملة المخففة بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة الكناني الضم الصحابي الحجازي أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وأول مشاهده بئر معونة بالنون وكان رسول اللّه - ﷺ - يبعثه في أموره وبعثه عينا إلى قريش وحده فحمل خبيب بضم الخاء بن عدي من الخشبة التي صلبوه عليها وأرسله رسول اللّه - ﷺ - إلى النجاشي وكيلا فتزوج له أم حبيبة بنت أبي سفيان وكان من أنجاد العرب ورجالها وقال ابن عبد البر: إنما أسلم بعد غزوة أحد والمشهور الأول قالوا وأسرته بنو عامر يوم بئر معونة فأعتقوه عن رقبة كانت عليهم روي له عن رسول اللّه ﷺ عشرون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على حديث والبخاري آخر روي عنه بنوه ثلاثة جعفر والفضل وعبد اللّه وأخرون توفي بالمدينة قبيل وفاة معاوية ﵀.\nقوله: \"مر عثمان بن عفان أو عبد الرحمن بن عوف بمرط واستغلاه\" الحديث تقدم الكلام على عثمان وعبد الرحمن بن عوف في عدة مواضع من هذا التعليق والمرط كساء من صوف أو خز يؤتزر به ا. هـ ذكره المنذري.\nقوله: قال: \"فمر به على عمرو بن أمية فاشتراه فكساه امرأته سخيلة بنت عبيدة بن الحارث بن المطلب فمر به عثمان يعني بعمرو بن أمية فقال ما فعل المرط الذي ابتعت قال عمرو تصدقت به على سخيلة بنت عبيدة يعني امرأته فقال إن كلّ ما صنعت إلى أهلك صدقة فقال عمرو سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول ذاك\" الحديث.","vol":"8","page":716},{"text":"٣٠١٢ - وَرُوِيَ عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن الرجل إِذا سقى امْرَأَته من المَاء أجر قَالَ فأتيتها فسقيتها وحدّثتها بِمَا سَمِعت من رَسُول اللّه - ﷺ - رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).\nقوله: وعن العرباض بن سارية - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - \"إن الرجل إذا سقى امرأته من الماء أجر، قال: فأتيتها فسقيتها وحدّثتها بما سمعتُ من رسول اللّه - ﷺ -.\n\n٣٠١٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ مَا من يَوْم يصبح الْعباد فِيهِ إِلَّا ملكان ينزلان فَيَقُول أَحدهمَا اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَيَقُول الآخر اللَّهُمَّ أعْط ممسكا تلفا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٨٩١)، وأحمد ٤/ ١٢٨ (١٧٤٢٩)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ١٧٨، وابن أبي الدنيا في العيال (٥٠٣)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٦، والطبراني في الكبير ١٨/ ٢٥٨ (٦٤٦)، وفي الأوسط (١/ ٢٦١ رقم ٨٥٨)، والشاميين (١٦٤٦). وقال العقيلي: خالد بن شريك عن عرباض بن سارية ولا يثبت سماعه منه، لا يتابع عليه، وليس يحفظ له غيره. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١١٩: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سفيان بن حسين، وفي حديثه عن الزهري ضعف، وهذا منها.\nوأعاده في ٤/ ٣٢٥: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه سفيان بن حسين، وفي حديثه عن الزهري ضعف، وهذا منه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٦٣) والصحيحة (٢٧٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (٥٧ - ١٠١٠)، والنسائي في الكبرى (٩١٣٤) و(١١٩٢٨) و(١١٩٢٩)، وأبو عوانة (٣٥٠٤)، وابن حبان (٣٣٣٣)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٠٣ رقم ٥٠٨٣)، وأبو نعيم في المستخرج (٢٢٦١)، والبيهقى في الآداب (ص ٣٥ رقم ٨٤) والكبرى (٤/ ٣١٤ رقم ٧٨١٦) والشعب (١٣/ ٢٣٢ رقم ١٠٢٤٥) =","vol":"8","page":717},{"text":"قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث وَغَيره فِي بَاب الْإِنْفَاق والإمساك.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: - ﷺ - قال: \"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا\" الحديث تقدم الكلام عليه في الإنفاق في وجوه الخير.\n_________\n= (١٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠ رقم ١٠٣٣٤).","vol":"8","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>فصل</span>\n٣٠١٤ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يضيع من يقوت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ من يعول وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nفصل: قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت\" أي أراد من تلزمه نفقته من أهله وعياله وعبيده ويروي من يقيت على اللغة الأخرى قاله في النهاية (^٢) وتقدم الكلام على قوله: من يعول\" مبسوطا.\n\n٣٠١٥ - وَعَن الْحسن - ﵁ -: عَن نَبِي اللّه - ﷺ - قَالَ إِن اللّه سَائل كلّ رَاع عَمَّا استرعاه حفظ أم ضيع حَتَّى يسْأَل الرجل عَن أهل بَيته رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٠ (٦٦٠٦) و٢/ ١٩٣ (٦٩٣٧) و٢/ ١٩٤ (٦٩٤٦) و٢/ ١٩٥ (٦٩٦١)، وأبو داود (١٦٩٢)، والبزار (٢٤١٥) و(٢٤١٦)، والنسائي في الكبرى (٩١٣١) و(٩١٣٢) و(٩١٣٣)، والخرائطي في مكارم والأخلاق (٥٧٩)، وابن حبان (٤٢٤٠)، والطبرانى في الكبير ١٣/ ٥٣٦ - ٥٣٧ (١٤٤٢٦) و١٣/ ٥٥٨ - ٥٥٩ (١٤٤٥٣) و١٣/ ٥٦٠ (١٤٤٥٤) و(١٤٤٥٥)، والحاكم ١/ ٤١٥ و٤/ ٥٠٠، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ١٣٥. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الإرواء (٨٩٤) و(٩٨٩) وصحيح الترغيب (١٩٦٥).\n(^٢) النهاية (٤/ ١١٩).\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٩١٣٠)، وأبو عوانة (٧٤٧٧) م، وابن حبان (٤٤٩٣) عن الحسن مرسلا. وأخرجه النسائي في الكبرى (٩١٢٩)، وأبو عوانة (٧٤٧٧) وابن حبان =","vol":"8","page":719},{"text":"٣٠١٦ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن اللّه سَائل كلّ رَاع عَمَّا استرعاه حفظ أم ضيع زَاد فِي رِوَايَة حَتَّى يسْأَل الرجل عَن أهل بَيته رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضًا (^١).\nقوله: وعن الحسن - ﵁ - تقدم الكلام على الحسن البصري قال كان الحسن البصري بالحديث مرسل، وإن كان الحسن بن علي فالحديث متصل وهذا ينظر في طرق الحديث وروى ذلك عن أنس أيضًا وهو بلفظ حديث الحسن.\nقوله: - ﷺ - قال \"إن اللّه سائل كلّ راع عما استرعاه حفظ أم ضيع\" قال العُلماء الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره فإن قلت إن لم تكن له رعية فعلى من يكون راعيا قلت على أعضائه وجوارحه وقواه وحواسه وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا قريبا وسيأتي الكلام على ذلك أيضًا مبسوطا في كتاب القضاء إن شاء الله تعالى.\n_________\n= (٤٤٩٢) عن أنس. وقال الترمذي في السنن ٣/ ٢٦٠ عقب حديث (١٧٠٥): قال محمد: وروى إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ -: إن الله سائل كلّ راع عما استرعاه سمعتُ محمدا يقول: هذا غير محفوظ، وإنما الصحيح عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي - ﷺ - مرسلا.\nوقال الدارقطني في العلل (٢٥٤٦): يرويه إسحاق بن راهويه، وزكريا بن الحارث، شريك البسري، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس. والصحيح: عن هشام، عن قتادة، عن الحسن مرسلا. وقال الألباني: حسن صحيح - \"تخريج فقه السيرة\" (٤٣٤)، \"الصحيحة\" (١٦٣٦) وصحيح الترغيب (١٩٦٦) و(١٩٦٧) و(٢١٧٠).\n(^١) تقدم تخريجه في الحديث السابق.","vol":"8","page":720},{"text":"٣٠١٧ - قَالَ الْحَافِظ وَتقدم حَدِيث ابْن عمر سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول كلكُمْ رَاع ومسؤول عَن رَعيته الإِمَام رَاع ومسؤول عَن رَعيته وَالرجل رَاع فِي أَهله ومسؤول عَن رَعيته وَالْمَرْأَة راعية فِي بَيت زَوجهَا ومسؤولة عَن رعيتها وَالْخَادِم رَاع فِي مَال سَيّده ومسؤول عَن رَعيته وكلكم رَاع ومسؤول عَن رَعيته رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٩٣) و(٢٤٠٩) و(٢٥٥٤) و(٢٥٥٨) و(٢٧٥١) و(٥١٨٨) و(٥٢٠٠) و(٧١٣٨)، ومسلم (٢٠ - ١٨٢٩)، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذى (١٧٠٥).","vol":"8","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>فصل</span>\n٣٠١٨ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت دخلت عَليّ امْرَأَة وَمَعَهَا ابنتان لهَا تسْأَل فَلم تَجِد عِنْدِي شَيْئا غير تَمْرَة وَاحِدَة فأعطيتها إِيَّاهَا فقسمتها بَين ابنتيها وَلم تَأْكُل مِنْهَا شَيْئا ثمَّ قَامَت فَخرجت فَدخل النَّبِي - ﷺ - علينا فَأَخْبَرته فَقَالَ من ابْتُلِيَ من هَذِه الْبَنَات بِشَيْء فَأحْسن إلَيْهِنَّ كن لَهُ سترا من النَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتّرْمِذِيّ وَفِي لفظ لَهُ من ابْتُلِيَ بِشَيْء من الْبَنَات فَصَبر عَلَيْهِنَّ كن لَهُ حِجَابا من النَّار (^١).\n\n٣٠١٩ - وعنها - ﵂ - قَالَت جَاءَتْنِي مسكينة تحمل ابْنَتَيْن لهَا فأطعمتها ثَلَاث تمرات فأعطت كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تَمْرَة وَرفعت إِلَى فِيهَا تَمْرَة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة الَّتِي كَانَت تُرِيدُ أَن تأكلها بَينهمَا فَأَعْجَبَنِي شَأْنهَا فَذكرت الَّذِي صنعت لرَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ إِن اللّه قد أوجب لهَا بهما الْجنَّة أَو أعْتقهَا بهما من النَّار رَوَاهُ مُسلم (^٢).\nفصل: قوله: عن عائشة - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤١٨) و(٥٩٩٥)، ومسلم (١٤٧ - ٢٦٢٩)، والترمذى (١٩١٣) و(١٩١٦)، وابن حبان (٢٩٢٨)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٦٤٨)، والبيهقى في الكبرى (٧/ ٧٨٥ رقم ١٥٧٣٥) والشعب (١١/ ١٤٢ رقم ٨٣٠٨)، والبغوى (١٦٨١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٩٢ (٢٥٢٥٠)، ومسلم (١٤٨ - ٢٦٣٠)، وابن ماجة (٣٦٦٨)، وابن حبان (٤٤٨).","vol":"8","page":722},{"text":"قوله: \"من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار\" الحديث وفي لفظ الترمذي \"كن له حجابا من النار\" وروي \"من بلي من هذه البنات بشيء\" كذا هو بضم الباء وهو الصَّواب ابتلى على البناء للمفعول أي امتحن واختبر فالابتلاء هو الامتحان وقد يكون في الخير والشر معا وقال القتيبي: يقال في الخير ابتليته وفي الشر بلوته وإنما ذكرهن (بالابتلاء) لموضع الكراهة لهن والثواب إنما يعظم بحمل المكروه (^١) قاله في الحواشي وقال النووي (^٢): وإنما سماه ابتلاء لأن الناس يكرهونه في العادة قال اللّه تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (^٣) ومقتضاه أنه من البلاء والأولى أنه من الاختبار أولى واللّه أعلم ودخل في الحديث إذا كان المبتلى بذلك رجلًا وما إذا كان امرأة وسواء كانت بنت المربى لها أم لا وسواء كانت يتيمة أم لا والظاهر أن الإشارة في قوله: من هذه البنات للتنفير وهو بحسب اعتقاد المخاطب لا في نفس الْأَمر وهو أيضًا إشارة إلى جنسهن وإنما خص البنات بذلك لضعف قوتهن وقلة حيلتهن وعدم استقلالهن واحتياجهن إلى التحضير وزيادة كلفتهن والاستثقال بهن وكراهتهن من كثير من الناس فإنهم يخالفونهم في جميع ذلك.\nقوله: بشيء يصدق بالقليل والكثير فيتناول الواحدة فالإحسان إليهن ستر\n_________\n(^١) كشف المشكل (٤/ ٣٩٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٧٩).\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٥٨.","vol":"8","page":723},{"text":"من النار فإن زاد على ذلك حصل له مع ذلك السبق مع رسول اللّه - ﷺ - إلى الجنة (^١) كما جاء في الحديث الآخر \"من عال جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا هو وضم إصبعيه\" (^٢).\nقوله: فأحسن إليهن زوجهن بالأكفاء وقال النووي (^٣): المراد بالإحسان إليهن صيانتهن والقيام بما يصلحهن من نفقة وكسوة وغيرهما والنظر في أصلح الأحوال لهن وتعليمهن ما يجب تعليمه وتأديبهن وزجرهن عما لا يليق بهن فكل ذلك من الإحسان وإن كان بنهر أو ضرب عند الاحتياج لذلك وينبغي للإنسان أن يخلص نيته في ذلك ويقصد بذلك وجه اللّه تعالى فالأعمال بالنيات ومن تمام الإحسان أن لا يظهر بهن ضجرا ولا قلقا ولا كراهة ولا استثقالا فإن ذلك يكدر الإحسان.\nقوله: \"كن له سترا من النار\" أي كن سببا في أن يباعده اللّه من النار ويجيره من دخولها ولا شك في أن من لم يدخل النار دخل الجنة فلا منزل سواهما ويدل لذلك الرِّواية الآخرى التي ستأتي بعد عند مسلم أن اللّه قد أوجب لها به الجنة (^٤).\nوقال القرطبي (^٥): في قوله: \"من ابتلى من هذه البنات بشيء\" يفيد بعمومه أن الستر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة من البنات فأما إذا عال زيادة\n_________\n(^١) طرح التثريب (٧/ ٦٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٩ - ٢٦٣١)، والترمذى (١٩١٤) عن أنس.\n(^٣) هذا كلام العراقى كما في طرح التثريب (٧/ ٦٧ - ٦٨).\n(^٤) طرح التثريب (٧/ ٦٨).\n(^٥) المفهم (٢٢/ ٦).","vol":"8","page":724},{"text":"على الواحدة فيحصل له الزيادة في الستر من النار وهو السبق مع النبي - ﷺ - إلى الجنة كما جاء في الحديث آخر وهو قوله \"من عال جارتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنه وهو كهاتين وضم أصابعه\".\nقوله: \"ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها \"أي إلى فمها تقدم أن في الفم ست لغات.\n\n٣٠٢٠ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ من عَال جاريتين حَتَّى تبلغا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنا وَهُوَ وَضم أَصَابِعه رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه من عَال جاريتين دخلت أَنا وَهُوَ الْجنَّة كهاتين وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السبابَة وَالَّتِي تَلِيهَا. وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من عَال ابْنَتَيْن أَو ثَلَاثًا أَو أُخْتَيْنِ أَو ثَلَاثًا حَتَّى يبن أَو يَمُوت عَنْهُن كنت أَنا وَهُوَ فِي الْجنَّة كهاتين وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السبابَة وَالَّتِي تَلِيهَا (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: تقدم الكلام.\nقوله: - ﷺ - قال \"من عال جاريتين حتى تبلغا\" قال النووي وغيره (^٢): معنى عالهما قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما مأخوذ من العول وهو القوت ومنه ابدأ بمن تعول أي بمن تقوت ومنه ولى عيال وأطعمه عيالك هم من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٩ - ٢٦٣١)، والترمذى (١٩١٤)، وابن حبان (٤٤٧) عن أنس.\nوصححه الألباني في \"الصحيحة\" (٢٩٦) وصحيح الترغيب (١٩٧٠).\n(^٢) إكمال المعلم (٨/ ١١١)، ومشارق الأنوار (٢/ ١٠٥)، ومطالع الأنوار (٥/ ٥٦)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ١٨٠).","vol":"8","page":725},{"text":"يقوته الإنسان من زوجة وولد وروى أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعا ما عال من اقتصد (^١).\nقوله: \"حتى يبلغا\" يعني ببلوغهما وصولهما إلى حال يستقلان بأنفسهما وذلك إنما يكون في النساء على أن يدخل بهن أزاوجهن ولا يعني به البلوغ إلى أن تحيض وهي غير مستقلة بشيء من مصالحها لأنها لو تركت لضاعت مصالحها وفسدت أحوالها بل هي في هذه الحالة أحق بالصيانة والحفظ والقيام عليها لتكمل صيانتها فيرغب فى تزويجها لهذا المعنى قال العلماء: ولا تسقط النفقة عن والد الصبية بنفس بلوغها بل بدخول الزوج بها (^٢) والله أعلم قاله في الديباجة.\nقوله: \"جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه\" يعني قرنهما كما قال في الحديث الآخر أنا وهو كهاتين وقرن السبابة والإبهام قاله عياض (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة فى المسند (٣٩٠) والمصنف ٥/ ٣٣١ (٢٦٦٠٤)، وأحمد ١/ ٤٤٧ (٤٣٥٥)، وابن أبي الدنيا فى إصلاح المال (٣٤٨)، وابن المنذر فى الأوسط (٧٥٢١)، والشاشى (٧١٤)، والطبراني فى الأوسط (٥/ ٢٠٦ رقم ٥٠٩٤) والكبير (١٠/ ١٠٨ رقم ١٠١١٨)، وابن عدى (٤/ ٥٤٤)، والبيهقي فى الشعب (٨/ ٥٠٤ - ٥٠٥ رقم ٦١٤٩).\nقال ابن القطان فى بيان الوهم والإيهام (٤/ ٥٩٧): وينبغي أن يقال فيه: ضعيف. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٥٢: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، وفي أسانيدهم إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف. وضعفه الألباني فى الضعيفة (٤٤٥٩).\n(^٢) المفهم (٢٢/ ٦).\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ٤٠٥٨).","vol":"8","page":726},{"text":"٣٠٢١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلم لَهُ ابنتان فَيحسن إِلَيْهِمَا مَا صحبتاه أَو صحبهما إِلَّا أدخلتاه الْجنَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة شُرَحْبِيل عَنهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-. تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- \"ما من مسلم له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة\" الإحسان إلى البنات النفقة عليهن والصبر عليهن وعلى مؤتهن وسائر أمورهن.\nقوله: من رواية شرحبيل عنه والحاكم وقال: صحيح الإسناد.\n\n٣٠٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من كفل يَتِيما لَهُ ذَا قرَابَة أَو لَا قرَابَة لَهُ فَأَنا وَهُوَ فِي الْجنَّة كهاتين وَضم أصبعيه وَمن سعى على ثَلَاث بَنَات فَهُوَ فِي الْجنَّة وَكَانَ لَهُ كَأَجر مُجَاهِد فِي سَبِيل الله صَائِما قَائِما رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة لَيْث بن أبي سليم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٣٥ (٢١٣٥) و١/ ٣٦٣ (٣٤٩١)، والبخاري فى الأدب المفرد (٧٧)، وابن ماجه (٣٦٧٠) وأبو يعلى (٢٥٧١) و(٢٧٤٢)، وابن حبان (٢٩٤٥)، والطبراني في الكبير ١٠/ ٣٣٧ (١٠٨٣٦)، والحاكم ٤/ ١٧٨، والبيهقي في شعب الأيمان (٨٦٨٣).\nوصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: شرحبيل بن سعد واه. وحسنه الألباني فى \"الصحيحة\" (٢٧٧٦)، \"صحيح الترغيب\" (١٩٧١).\n(^٢) أخرجه البزار (٩٦٨٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة -﵁-، إلا بهذا الإسناد والمفضل بن فضالة بصري مشهور وهم أخوة مبارك بن فضالة والمفضل بن =","vol":"8","page":727},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- \"من كفل يتيما له ذا قرابة أو لا قرابة له\" الحديث سيأتي الكلام على هذا اللفظ في كفالة اليتيم إن شاء الله تعالى.\nقوله: من رواية ليث بن أبي سليم.\n\n٣٠٢٣ - وروى الطبراني عن عوف بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"ما من مسلم يكون له ثلاث بناتٍ فينفقُ عليهن حتى يَبِنَّ أو يَمُتْنَ إلا كُنَّ له حجابًا من النار، فقالت له امرأةٌ: أو بنتان؟ قال: وبنتان. وشواهده كثيرة\".\nلا يكون لأحدكم ثلاث بنات أوثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا دخل الجنة (^١).\nقوله: -ﷺ- في رواية الطبراني \"ما من مسلم كان له ثلاث بنات فينفق عليهن حتى يبن أو يمتن\" الحديث يبين بفتح الباء أي يتزوجن يقال أبان فلان بنته وبينها إذا زوجها وبانت هي أي تزوجت كأنه من البين وهو والبعد أي بعدت\n_________\n= فضالة وعبيد الرحمن بن فضالة.\nوقال الهيثمى في المجمع ٨/ ١٥٧: رواه البزار، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس. وضعفه الألباني فى الضعيفة (٥٣٤٢)، وضعيف الترغيب (١٢٢٤) و(١٥٠٤).\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٧ (٢٤٦٢٤) و٦/ ٢٩ (٢٤٦٤١)، وابن أبي الدنيا فى العيال (٨٥)، والحارث فى المسند (٩٠٢)، والطبراني فى الكبير ١٨/ ٥٦ (١٠٢)، والبيهقي فى الشعب (١١/ ١٤٥ - ١٤٦ رقم ٨٣١٢) و(٨٣١٣). وقال الهيثمى في المجمع ٨/ ١٥٧: رواه الطبراني، وفيه النهاس بن قهم، وهو ضعيف. وحسنه الألباني فى صحيح الترغيب (١٩٧٢).","vol":"8","page":728},{"text":"عن بيت أبيها كأنه أبعدها عن منزله ومنه الحديث الأخر حتى بانوا أو ماتوا أو منه بانت المرأة من زوجها أي انفصلت عنه ووقع عليها طلاقه والطلاق البائن هو الذي لا يملك الزوج فيه استرجاع المرأة غلا بعقد جديد والله أعلم قاله ابن الأثير (^١).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من كان له ثلاث بناتٍ، أو ثلاثُ أخواتٍ، أو بنتان أو أختان فأحسنَ صُحْبَتَهُنَّ واتقى الله فيهنَّ فله الجنة\" رواه الترمذي واللفظ له، وأبو داود إلا أنه قال: \"فأدبهن وأحسن إليهن، وزوجهن: فله الجنة\" وابن حبان في صحيحه، وفي رواية للترمذي: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يكون لأحدكم ثلاثُ بناتٍ أو ثلاثُ أخوات فيحسن إليهن إلا دخل الجنة\" [قال الحافظ]: وفي أسانيدهم اختلاف ذكرته في غير هذا الكتاب (^٢).\n\n٣٠٢٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من كَانَت لَهُ أُنْثَى فَلم يئدها وَلم يهنها وَلم يُؤثر وَلَده يَعْني الذُّكُور عَلَيْهَا أدخلهُ الله الْجنَّة\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا عَن ابْن حدير وَهُوَ غير مَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد قَوْله لم يئدها أَي لم يدفنها حَيَّة وَكَانُوا يدفنون الْبَنَات\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١٧٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢ (١١٥٦٠) و٣/ ٩٧ (١٢١٠٥)، والبخاري فى الأدب المفرد (٧٩)، وأبو داود (٥١٤٧) و(٥١٤٨)، والترمذي (١٩١٢) و(١٩١٦)، وابن أبي الدنيا فى العيال (١٠٧)، وابن حبان (٤٤٦). وصححه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (١٩٧٣).","vol":"8","page":729},{"text":"أَحيَاء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ (^١) (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄- تقدم.\nقوله: -ﷺ- \"من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده يعني الذكور عليها\" الحديث قال الحافظ لم يئدها أي لم يدفنها حية وكانوا يدفنون البنات أحياء ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ ا. هـ كانت العرب تفعل ببناتها ذلك خشية الفقر أو العار ومنهم من كان يئد البنين أيضا عند المجاعة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (^٣) الآية وقيل سميت موؤدة لثقل ما يلقى عليها من التراب ا. هـ فدل على أن الموؤدة تحشر وتسأل ومن قبرها تخرج وتبعث قاله القرطبي في التذكرة (^٤) فكانوا يدفنون في الجاهلية بناتهن أحياء لخصلتين إحدهما كانوا يقولون أن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به الثانية مخافة الحاجة والإملاق وسؤال الموؤدة على وجه التوبيخ لقاتلها كما يقال للطفل إذا\n_________\n(^١) سورة التكوير، الآية: ٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٢١ (٢٥٤٣٥)، وأحمد ١/ ٢٢٣ (١٩٨٢)، وابن منيع كما فى المطالب (٢٥٥٤)، وأبو داود (٥١٤٦)، وابن أبي الدنيا فى العيال (٨٨)، وابن نصر فى الفوائد (٤٢)، والحاكم ٤/ ١٧٧، والبيهقي في الآداب (ص ١٤ رقم ٢٤) والشعب (١١/ ١٥٣ - ١٥٤ رقم ٨٣٢٦). وصحح الحاكم إسناده ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني فى المشكاة (٤٩٧٩) وضعيف الترغيب (١٢٢٥).\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٣١.\n(^٤) التذكرة (ص ٤٨٠).","vol":"8","page":730},{"text":"ضرب لم ضربت وما ذنبك قال الحسن: أراد الله تعالى أن يوبخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب وبعضهم يقرأها وإذا الموؤدة سألت تعلق الجارية بأبيها فتقول بأي ذنب قتلتني وقيل معنى سألت يسأل عنها كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (^١) ومنها ما روي أنه يخرج عنق من النار فتلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم وهو صحيح أيضًا.\nقوله: ولم يؤثر ولده يعنى من الذكور عليها\" أي لم يخير ابنه عليها ولهذا قال الفقهاء: إن وهب أولاده شيئا يستحب أن يسوي بينهم ولا يفضل الذكور على الإناث لأن الأولاد عطاء الله تعالى ولا يجوز تحقير عطائه قال الله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ (^٢) الآية وفي الحديث \"اتقوا الله واعدلوا في أولادكم\" (^٣) وهل ذلك على الإيجاب أو الندب خلاف والمعتمد من مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة كراهة التفضيل لا تحريمه فإن وقع مضى ولم يرد وقال طاووس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق وداود: هو حرام ويرد واحتجوا برواية لا أشهد على جور ولا أشهد إلا على حق دليل المجيزين ظاهر الإذن قالوا والجور هو الميل ولا يلزم منه التحريم بل يطلق على الكراهة (^٤) أيضا قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٣٤.\n(^٢) سورة الشوري، الآيتان: ٤٩ - ٥٠.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣ - ١٦٢٣).\n(^٤) شرح النووى على مسلم (١١/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"8","page":731},{"text":"٣٠٢٥ - وَعَن الْمطلب بن عبد الله المَخْزُومِي -﵁- قَالَ دخلت على أم سَلمَة زوج النَّبِي -ﷺ- فَقَالَت يَا بني أَلا أحَدثك بِمَا سَمِعت من رَسُول الله -ﷺ- قلت بلَى يَا أمه قَالَت سَمِعت رَسُول الله يَقُول من أنْفق على ابْنَتَيْن أَو أُخْتَيْنِ أَو ذواتي قرَابَة يحْتَسب النَّفَقَة عَلَيْهِمَا حَتَّى يغنيهما من فضل الله أَو يكفيهما كَانَتَا لَهُ سترا من النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي حميد الْمدنِي وَلم يتْرك وَمَشاهُ بَعضهم وَلَا يضر فِي المتابعات (^١).\nقوله: وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي (وحنطب بفتح الخاء المهملة، وإسكان النون، وفتح الطاء المهملة. هو أبو الحكم المطلب بن عبد الله بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمرو بن مخزوم القريشي المخزومي المدني. قال ابن سعد: روى عن أبيه، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبى موسى الأشعري، وأبى هريرة، وأبى رافع، وعائشة، وأم سلمة. روى عنه ابنه عبد العزيز، ومحمد بن عباد بن جعفر، وابن جريج، والأوزاعي، قال ابن سعد: كان كثير الحديث، لا يُحتج به، فإنه يرسل عن النبي -ﷺ- كثيرًا، وليس له لقي، وعامة أصحابه يدلسون. وقال ابن أبي حاتم: روى عن هؤلاء مرسلًا، وعن جابر يشبه أن يكون أدركه، وعامة\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٦١٤)، وأحمد ٦/ ٢٩٣ (٢٧١٥٩)، والحسين المروزي في البر والصلة (١٩٥) وابن أبي الدنيا في العيال (١١٤)، والطبرانى فى الكبير ٢٣/ ٣٩٢ (٩٣٨). قال الهيثمى فى المجمع ٨/ ١٥٦ - ١٥٧: رواه أحمد والطبراني، وفيه محمد بن أبي حميد المدني، وهو ضعيف. وحسنه الألباني فى صحيح الترغيب (١٩٧٤) و(٢٥٤٧).","vol":"8","page":732},{"text":"أحاديثه مرسلة. وقال يعقوب بن سفيان والدارقطنى: هو ثقة. وسُئل أبو زرعة عنه، فقال: ثقة، قيل: أسمع عائشة؟ فقال: أرجو أن يكون سمعها).\nقوله: \"دخلت على أم سلمة زوج النبي -ﷺ- فقالت يا بني ألا أحدثكم بما سمعت من رسول الله -ﷺ- قلت بلى يا أمه\" الحديث قوله \"يحتسب النفقة عليهما\" تقدم معنى الاحتساب في مواضع من هذا التعليق.\nقوله: من رواية محمد بن أبي حميد المدني.\n\n٣٠٢٦ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من كن لَهُ ثَلَاث بَنَات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وَجَبت لَهُ الْجنَّة أَلْبَتَّة قيل يَا رَسُول الله فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ قَالَ وَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ قَالَ فَرَأى بعض الْقَوْم أَن لَو قَالَ وَاحِدَة لقَالَ وَاحِدَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَزَاد ويزوجهن (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٢١ (٢٥٤٣٤)، وأحمد ٣/ ٣٠٣ (١٤٤٦٨)، والحسين المروزي فى البر والصلة (١٩٠)، والبخاري فى الأدب المفرد (٧٨)، وابن أبي الدنيا فى العيال (٨٤) و(٩٢)، والبزار كما فى كشف الأستار (١٩٠٨)، وبحشل فى تاريخ واسط (ص ٨٣ - ٨٤)، وأبو يعلى فى المعجم (٣٠)، وأبو بكر الأنبارى فى حديثه (٥٣)، والطبراني فى الأوسط (٥/ ٩٠ رقم ٤٧٦٠) و(٥/ ٢٢٦ رقم ٥١٥٧)، وابن عدى فى الكامل (٦/ ٤٠٥)، وأبو نعيم فى الحلية ٣/ ١٤، والخلال فى جزء من لم يكن عنده إلا حديث (٦)، والبيهقي فى الشعب (١١/ ١٤٧ - ١٤٨ رقم ٨٣١٦) و(١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥ رقم ١٠٥١٣)، والخطيب فى تاريخ بغداد (١٦/ ٥١٣)، والأصبهاني فى الترغيب والترهيب (٦٢٢)، وابن فاخر في موجبات الجنة (٢٤٠).\nقال البزار: لا نعلم رواه هكذا إلا سليمان وعلي بن زيد، ولم نسمعه إلا من محمد عن سرور. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي حرة إلا حفص بن عمر، ولم نسمعه =","vol":"8","page":733},{"text":"قوله: وعن جابر تقدم الكلام عليه.\nقوله: من كن له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة البتة تقدم معنى الكفالة والبت القطع ومنه الحديث بت طلاقي أي قطع قطعا كليا يعني حصل البينونة الكبرى (^١) ا. هـ.\n\n٣٠٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من كن لَهُ ثَلَاث بَنَات فَصَبر على لأوائهن وضرائهن وسرائهن أدخلهُ الله الْجنَّة برحمته إياهن فَقَالَ رجل وَاثْنَتَانِ يَا رَسُول الله قَالَ وَاثْنَتَانِ قَالَ رجل يَا رَسُول الله وَوَاحِدَة قَالَ وَوَاحِدَة. رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَيَأْتِي بَاب فِي كَفَالَة الْيَتِيم وَالنَّفقَة على الْمِسْكِين والأرملة إِن شَاءَ الله (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\n_________\n= إلا من الصابوني. وقال في الموضع الثاني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عاصم بن هلال. وقال الهيثمي فى المجمع ٨/ ١٥٧: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وزاد: ويزوجهن. من طرق، وإسناد أحمد جيد. وصححه الألباني فى الصحيحة (١٠٢٧) وصحيح الترغيب (١٩٧٥).\n(^١) انظر النهاية (١/ ٩٢ - ٩٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٢٢ (٢٥٤٤٠)، وأحمد ٢/ ٣٣٥ (٨٥٤١)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٦٥٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٠٥ رقم ٦١٩٩)، والحاكم ٤/ ١٧٦، والبيهقي فى الشعب (١١/ ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٨٣١١) ن والخطيب فى المتفق والمفترق (٣/ ١٦٠٧). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمى فى المجمع ٨/ ١٥٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفهم. وقال الألباني منكر جدا الضعيفة (٦٨٦١) وضعيف الترغيب (١٢٢٦).","vol":"8","page":734},{"text":"قوله: -ﷺ- \"من كن له ثلاث بنات فصب على لأوائهن وضرائهن وسرائهن\" الحديث اللأواء الشدة وضيق المعيشة ومنه الحديث قاله له ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء (^١) سيأتي هذا الحديث بطوله في الأمراض والأسقام خاتمة روى أنه -ﷺ- قال: \"لا تكرهوا البنات فإني أبو البنات وإنهن الغاليات المؤنسات المجهزات\" رواه الإمام أحمد بن حنبل والطبراني من طريق ابن لهيعة عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر وهو حديث غريب ذكره ابن النحاس (^٢).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٢٢١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٥١ (١٧٦٤٧)، وابن أبي الدنيا فى العيال (٩٨)، والروياني (٢٣٤)، والطبراني فى الكبير (١٧/ ٣١٠ رقم ٨٥٦)، وتمام فى الفوائد (١٣٠١)، وأبو نعيم فى معرفة الصحابة (٥٣٩٢). وليس فى لفظه عندهم قوله فإنى أبو البنات. وقال الهيثمي فى المجمع ٨/ ١٥٦: رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. وذكره ابن النحاس فى تنبيه الغافلين (ص ٤١٧) وقال: غريب. وصححه الألباني فى الصحيحة (٣٢٠٦).","vol":"8","page":735},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>[الترغيب في الأسماء الحسنة وما جاء في النهي عن الأسماء القبيحة وتغييرها]</span>\n٣٠٢٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِنَّكُم تدعون يَوْم الْقِيَامَة بأسمائكم وَأَسْمَاء آبائكم فحسنوا أسماءكم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا عَن عبد الله بن أبي زَكَرِيَّا عَنهُ وَعبد الله بن أبي زَكَرِيَّا ثِقَة عَابِد قَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ يعدل بعمر بن عبد الْعَزِيز لكنه لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء وَاسم أبي زَكَرِيَّا إِيَاس بن يزِيد (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٤ (٢٢١٠٤)، وعبد بن حميد (٢١٣)، والدارمى (٢٨٩٥)، وأبو داود (٤٩٤٨)، والبغوي في الجعديات (٢٤٩٢)، وابن حبان (٣٣٧٨)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٥٣) و(٩/ ٥٨ - ٥٩)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٥١٥ رقم ١٩٣٠٨) والشعب (١١/ ١١٦ رقم ٨٢٦٥)، والبغوي في شرح السنة (٣٣٦٠).\nوقال الدارقطني في العلل (١٠٨٨): يرويه هشيم، عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي. ورواه سريج بن يونس، عن هشيم، عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء. وخالفه أصحاب هشيم، فلم يذكروا فيه أم الدرداء وهو الصحيح.\nوسئل عن داود بن عمرو هذا، فقال: شيخ لأهل الشام، وقدم واسط، حدث عنه غير هشيم. وقال البيهقي: هذا مرسل، ابن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء. وضعفه الألباني في الكلم الطيب (٢١٦)، والمشكاة (٤٧٦٨)، والضعيفة (٥٤٦٠)، وضعيف الترغيب (١٢٢٧).","vol":"8","page":736},{"text":"قوله: -ﷺ- \"إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم الحديث فيه إشارة إلى استحباب تحسين الاسم والله اعلم.\n\n٣٠٢٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أحب الْأَسْمَاء إِلَى الله تَعَالَى عبد الله وَعبد الرَّحْمَن رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- \"أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن\" الحديث قال النووي: وفي هذا الحديث استحباب التسمية بهذين الاسمين وتفضيلهما على سائر ما سمي به. ا. هـ ولعل هذا محمول على من أراد أن يسمي نفسه بالعبودية فتقديره أحب أسمائكم إلى الله تعالى إذا تسميتم بالعبودية عبد الله وعبد الرحمن لأنهم كانوا في الجاهلية يسمون بعبد الدار وعبد الشمس أو يكون محمولا على غير اسم محمد وإلا فمحمد وأحمد وجميع أسماء النبي -ﷺ- أحب إلى الله من جميع الأسماء غيرها فإن الله تعالى لم يختر لنبيه -ﷺ- إلا ما هو أحب إليه هذا هو الصواب ولا يجوز حمله على الإطلاق والله أعلم.\nوقال القرطبي (^٢): إنما كانت هذه الأسماء أحب إلى الله تعالى لأنها تضمنت ما هو وصف واجب للحق تعالى وهو الإلاهية والرحمانية وما هو\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي (٢٩٠٠)، ومسلم (٢ - ٢١٣٢)، وابن ماجه (٣٧٢٨)، وأبو داود (٤٩٤٩)، والترمذي (٢٨٣٣) و(٢٨٣٤).\n(^٢) المفهم (١٧/ ١٢٥).","vol":"8","page":737},{"text":"وصف الإنسان وواجب له وهو العبودية والافتقار ثم قد أضيف العبد الفقير إلى الإله الغني إضافة حقيقية فصدقت أفراد هذه الأسماء الأصلية وشرفت بهذا الإضافة التركيبية فحصلت لهما هذه الفضيلة الأفضلية الأحبية ويلتحق بهذين الاسمين ما كان مثلهما مثل عبد الملك وعبد الصمد وعبد الغني ا. هـ قاله صاحب الديباجة وهو الشيخ الإمام الكمال الدميري وخطر لي حال كتابة هذا أن هذين الاسمين إنما خصا بالذكر دون غيرهما لقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (^١) ولأنه لم يذكر في القرآن أن إضافة عبد إلى اسم من أسماء الله تعالى غيرهما قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ (^٢): ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (^٣) فلذلك خصا بالذكر وإن شاركهما في ذلك غيرهما ا. هـ.\n\n٣٠٣٠ - وَعَن أبي وهب الْجُشَمِي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- تسموا بأسماء الْأَنبِيَاء وَأحب الْأَسْمَاء إِلَى الله عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَأصْدقهَا حَارِث وَهَمَّام وأقبحها حَرْب وَمرَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَإِنَّمَا كَانَ حَارِث وَهَمَّام أصدق الْأَسْمَاء لَأَن الْحَارِث هُوَ الكاسب والهمام هُوَ الَّذِي يهم مرّة بعد أُخْرَى وكل إِنْسَان لَا يَنْفَكّ عَن هذَيْن (^٤).\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.\n(^٢) سورة الجن، الآية: ١٩.\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٢.\n(^٤) أخرجه أحمد ٤/ ٣٤٥ (١٩٣٣٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٧٨) والأدب المفرد (٨١٤)، وأبو داود (٤٩٥٠)، والنسائي في المجتبى ٦/ ١٥١ (٣٥٩١) والكبرى (٤٣٩١)، وأبو يعلى (٧١٦٩). =","vol":"8","page":738},{"text":"قوله: وعن أبي وهب الجشمي وكانت له صحبة -﵁- واسم أبي وهب (لم يعرف وقيل: اسمه كنيته) الجشمي منسوب إلى جشم جد قبيلة وهو بضم الجيم وفتح الشين وتقدم.\nقوله: -ﷺ- \"تسموا بأسماء الأنبياء\" الحديث قال العلماء لنبينا محمد -ﷺ- أسماء كثيرة نحو ألف اسم منها محمد وأحمد وذكر منها أسماء كثيرة مذكورة في الخطبة قال النووي (^١): ومذهبنا ومذهب الجمهور جواز التسمية بأسماء الأنبياء والملائكة ولم ينقل فيه خلاف إلا عن عمر فإنه نهى عن التسمية بأسماء الأنبياء وعن الحارث بن مسكين أنه كره التسمية بأسماء الملائكة وعن مالك كراهة التسمية بجبريل وطه ويس.\nتنبيه: في تكنيته -ﷺ- ويجوز أن يكنى -ﷺ- بأبي القاسم وكناه جبريل -﵇- أبا إبراهيم ويكنى أبا الأرامل ونهى عن التكني بأبي القاسم.\n_________\n= قال ابن القطان في بيان الوهم ٤/ ٣٧٩: ولا تعلم لأبي وهب الصحبة إلا بزعم عقيل بن شبيب هذا، ولا يعرف روى عنه غيره. وعقيل المذكور، يحتاج في تعديل نفسه إلى كفيل، فهو غير معروف الحال، ولا مذكور بأكثر من رواية محمد بن مهاجر عنه.\nوكل من رأيته ذكر أبا وهب في الصحابة، فإنما ذكره بهذا الذي قال فيه عقيل هذا. وضعفه الألباني ثم عاد فحسنه كما في الصحيحة (٩٠٤) و(١٠٤٠) وصحيح الترغيب (١٩٧٧) دون قوله: تسموا بأسماء الأنبياء. ومثلهما قاله ابن حجر في الإصابة ٧/ الترجمة ١٠٧١٤. بينما قال الأزدى أن اسمه مالك وأنه صحابى سكن الشام ومثله قال أبو أحمد الحاكم في الكنى وقال حديثه في أهل اليمامة، والبغوي في معجم الصحابة وابن السكن.\n(^١) المجموع شرح المهذب (٨/ ٤٣٦).","vol":"8","page":739},{"text":"قال النووي (^١): روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن جماعات من الصحابة منهم جابر وأبو هريرة -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي\" قلت اختلف العلماء -﵃- في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب فمذهب الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه إلى أنه لا يحل لأحد أن يكنى أبا القاسم سواء كان اسمه محمد ولا غيره وقال به أبو بكر البيهقي وأبو محمد البغوي وأبو القاسم ابن عساكر والمذهب الثاني مالك أنه يجوز التكني بأبي القاسم لمن اسمه محمد ولغيره ويجعل النهي خاصا بحياة رسول الله -ﷺ- لئلا يقع الاشتباه حال النداء ونحوه والمذهب الثالث لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره قال الإمام أبو القاسم الرافعي من أصحابنا يشبه أن يكون هذا الثالث أصح لأن الناس لم يزالوا يكتنون به جميع الأعصار من غير إنكار وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب فيه مخالفة ظاهرة للحديث (^٢) والله أعلم.\nفائدة: له -ﷺ- ثلاثة بنين القاسم وبه كان يكنى ولد له قبل النبوة وتوفي وهو ابن سنتين وعبد الله ويسمى الطيب والظاهر لأنه ولد بعد النبوة وقيل الطيب والظاهر غير عبد الله والصحيح الأول والثالث إبراهيم ولد بالمدينة ومات بها سنة عشر وهو ابن ستة أشهر أو ثمانية عشر شهرا وكان له -ﷺ- أربع بنات زينب فاطمة ورقية وأم كلثوم فأما زينب فتزوجها أبو العاص بن الربيع بن\n_________\n(^١) المصدر السابق (٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠).\n(^٢) روضة الطالبين (٧/ ١٥).","vol":"8","page":740},{"text":"عبد العزى بن عبد شمس وهو ابن خالتها وأمه هالة بنت خويلد وفاطمة تزوجها علي بن أبي طالب ورقية تزوجها عثمان بن عفان تزوج رقية ثم أم كلثوم وتوفيا عنده ولهذا سمي ذو النورين توفيت رقية يوم بدر في رمضان سنة اثنتين من الهجرة وتوفيت أم كلثوم في شعبان سنة تسع من الهجرة فالبنات أربع بلا خلاف والبنون ثلاثة على الصحيح أول من ولد له القاسم ثم زينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم في الإسلام عبد الله بمكة ثم إبراهيم بالمدينة وكلهم من خديجة -﵂- إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية وكلهم توفوا قبله إلا فاطمة فإنها عاشت بعده ستة أشهر على الأصح وهو الأشهر (^١).\nفائدة: أيضا في قدر عمره وإقامته بمكة والمدينة ذكر في ذلك ثلاث روايات أحدها أنه -ﷺ- توفي وهو ابن ستين سنة والثاني خمس وستون سنة والثالثة ثلاث وستون سنة وهي أصحها وأشهرها رواها مسلم هنا من رواية أنس وعائشة وابن عباس ومعاوية واتفق العلماء أن أصحها ثلاث وستون سنة وتأولوا الباقي عليه فرواية ستين اقتصر فيها على العقود وترك الكسر رواية الخمس متأولة أيضا أو حصل فيها اشتباه وقد أنكر عروة على ابن عباس قوله خمس وستون سنة ونسبه إلى الغلط وهو أنه لم يدرك أول النبوة ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين واتفقوا على أنه -ﷺ- أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين بمكة قبل النبوة أربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة والصحيح أنه ثلاث عشر فيكون عمره ثلاثا\n_________\n(^١) عيون الأثر (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧).","vol":"8","page":741},{"text":"وستين سنة وهذا الذي ذكرناه أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة والصواب أربعون وكذلك أبو بكر وعمر توفيا ابنتي ثلاث وستين وولد -ﷺ- عام الفيل وقيل بعده بثلاثين سنة وقيل بأربعين سنة واتفقوا على ولادته يوم الاثنين في ربيع الأول وبعث -ﷺ- رسولا إلى الناس كافة وهو بمكة ابن أربعين سنة وقيل أربعين ويوم ثم أقام بها بعد النبوة ثلاث عشرة سنة وقيل عشر وقيل خمس عشرة ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشرا بالاتفاق وقدم المدينة يوم الأثنين ضحى لثنتي عشر خلت من ربيع الأول وتوفي يوم الاثنين ليلتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشر من الهجرة وابتدأ التاريخ من الهجرة قال الحاكم أبو أحمد: يقال: نبيء يوم الاثنين وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وفيه ولد وتوفي (^١) والله أعلم.\nفرع: يستحب تكنية أهل الفضل من الرجال والنساء سواء كان له ولد أو لا سواء كني بولد أو بغيره وسواء كنى الرجل بأبي فلان أو بأبي فلانة وسواء كنيت المرأة بأم فلان أو بأم فلانة ويجوز التكني بغير أسماء الآدميين كأبي هريرة وأبي المكارم وأبي الفضل وأبي المحاسن وغير ذلك ويجوز تكنية الصغير وإذا كني من له أولاد كنى بأكبرهم ولا بأس بمخاطبة الكافر والفاسق والمبتدع بكنيته إذا لم يعرف بغيرها أو خيف من ذكره باسمه مفسدة وإلا فينبغي أن لا يزيد على الاسم (^٢) ا. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) مرآة الزمان (٤/ ٢٥٧)، والإشارة إلى سيرة المصطفى (ص ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٢) روضة الطالبين (٣/ ٢٣٥).","vol":"8","page":742},{"text":"فائدة: قال النووي: ومن البدع ما عمت به البلوى في الدين من الكذب الجاري على ألسنة كثير من المسلمين وهو ما اعتمدوه من الألقاب كمحيى الدين ونور الدين ومعين الدين وناصر الدين ونحو ذلك من الكذب الذي يتكرر الألسن حال القول وحال التعريف والحكاية وغير ذلك فكل هذا بدعة في الدين ومنكر يخالف الشرع سيما وأكثر من سمي بهذا إما فاسق أو ظالم أو جاهل لا يعرف الدين بل لو كان على حقيقة لكره لما فيه من التزكية فكيف وهو بعيد من المجاز فضلا عن الحقيقة قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه شرح الأسماء الحسنى (^١): قد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه ثم قال علماؤنا ويجري هذا المجرى ما قد كثر في الديار المصرية وغيرها من بلاد العراق والعجم من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية كزكي الدين ومحي الدين وعلم الدين وناصر الدين وشبه ذلك ا. هـ وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٢) فإذا قال محي الدين أو ناصر الدين أو نحو ذلك فلا بد وأن يسأل يوم القيامة هل هو صادق في وصفه أو كاذب ولو كان ذلك جائزا لسب إليه المتقدمون فلقد كان في الصحابة من نصر الله به الدين حقا وأعز الله به الدين يقينا وأيد الله به معالي الدين بشهادة الله وشهادة رسوله -ﷺ- وما لقبوا بهذا الألقاب ولا عدل بهم عن الأسماء والكنى فكيف يلقب بها من هو متصف\n_________\n(^١) الأسنى في أسماء الله الحسنى (ص ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) سورة ق، الآية: ١٨.","vol":"8","page":743},{"text":"بأضداد ذلك وقد حكى الإمام أبو عبد الله بن الجامع في كتابه المدخل عن النووي رحمه الله تعالى أنه كان يكره أن يلقب بمحي الدين كراهية شديدة قال: وقد وقع في بعض كتب المنسوبة إليه أنه قال إني لا أجعل أحدا في حل ممن سميني بمحي الدين قال: ورأيت بعض الفضلاء من الشافعية من أهل الخير والصلاح يقول إذا حكى شيئا عن النووي قال يحيى النووي: فسألته عن ذلك أنا نكره أن نسميه باسم كان يكرهه في حياته ومن البدع ما ابتدعوه من تسمية البنت بست الناس وست العلماء وست النساء وست القضاة وست الفقهاء وست الكل وست العرب وما أشبه ذلك وهذا أيضا بدع شنيعة قبيحة شديدة الكراهة ثم إن هذه اللفظة باطلة عدها أهل اللغة من ظن العوام أنهم يريدون بست الناس سيدتهم ولا يعرف أهل اللغة لفظ ست إلا في العدد إذ يدخل تحت عموم اللفظ الأنبياء والعلماء والصالحون وإن كان المسمى بذلك لا يعتقد دخول من ذكر فهو كذب محض من غير ضرورة والكذب حرام مع ما في ذلك من الكبر والتفاخر والتزكية وغير ذلك لما في الصحيحين أن زينب كان اسمها برة فقيل تزكي نفسها فسماها رسول الله -ﷺ- زينب فقد غير رسول الله -ﷺ- هذا الاسم مع صدقه في حقها ذكره ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين (^١).\nقوله: -ﷺ- في حديث أبو وهب وأصدقها أي الأسماء حارث وأقبحها حرب ومرة قال المنذري: وإنما كان حارث وهمام أصدق الأسماء\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٥٠٩ - ٥١٠).","vol":"8","page":744},{"text":"لأن الحارث هو الكاسب والهمام هم الذي يهم مرة بعد أخرى وكل إنسان لا ينفك عن هذين وقال الخطابي (^١): وإنما صارت من أصدق الأسماء من أجل مطابقة الاسم معناه الذي اشتق منه وذلك أن معنى الحارث الكاسب يقال حرث الرجل إذا كسب واحتراث المال كسبته والإنسان لا يخلو من الكسب طبعا واختيارا ومنه حديث بدر \"اخرجوا إلى معايشكم وحراثكم أي مكاسبكم\"، واحدها حرثة ومنه قوله امريء القيس ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل وقال الله ﷾: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ (^٢) وأما همام فهو من هممت بالشيء إذا أردته وليس من أحد إلا وهو يهم بشيء وهو معنى الصدق الذي وصف به هذان الاسمان.\nقوله: وأقبحهما أي الأسماء حرب ومرة القبح ضد الحسن وقد قبح يقبح فهو قبيح وإنما كانا أقبح الأسماء لما في الحرب من المكاره من القتل وأكثر الأذى وأما مرة فلأنه من المرارة والبشاعة وهو كريه بغيض على الطباع ولأنه كنية إبليس فإن كنيته أبو مرة (^٣) والأسماء القبيحة كلب وحري وعاصية وشيطان وظالم وحمار وأشباهها وكل هذه تسمى بها ناس فالسنة تغير هذه الاسم القبيح وكان -ﷺ- يحب الفأل الحسن والاسم الحسن (^٤) ا. هـ.\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٢) سورة الشوري، الآية: ٢٠.\n(^٣) جامع الأصول (١/ ٣٥٨).\n(^٤) المجموع (٨/ ٤٣٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢).","vol":"8","page":745},{"text":"٣٠٣١ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أحب الْكَلَام إِلَى الله أَربع سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لَا يَضرك بأيهن بدأت لَا تسمين غلامك يسارا وَلَا رباحا وَلَا نجيحا وَلَا أَفْلح فَإنَّك تَقول أَثم هُوَ فَلَا يكون فَيَقُول لَا إِنَّمَا هن أَربع فَلَا تزيدن عَليّ رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا وَلَفظه قَالَ نَهَانَا رَسُول الله -ﷺ- أَن نسمي رقيقنا أَرْبَعَة أَسمَاء أَفْلح وَنَافِع ورباح ويسار (^١).\nقوله: وعن سمرة بن جندب -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- \"أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت\" تقدم الكلام على هذه الألفاظ في كتاب الذكر.\nقوله: \"لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح\" الحديث وروى أبو داود في سننه عن أبي سفيان عن جابر -﵁-: قال: قال: رسول الله -ﷺ- \"إن عشت عن شاء الله أنهي أمتي أن يسموا نافعا وأفلح وبركة\" (^٢) والمراد من الغلام الرقيق على ما بينه الصحابي في غير هذه الرواية وإنما خص العبد بذلك وإن كان الأحرار يسمون بتلك الأسماء لأن الأرقاء هم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٠ (٢٠٤٢٤) و٥/ ١١ (٢٠٤٤٣) و٥/ ٢١ (٢٠٥٦٧)، مسلم (١٢ - ٢١٣٧)، وابن ماجه (٣٧٣٠)، وأبو داود (٤٩٥٨) و(٤٩٥٩)، والترمذي (٣٠٤٨)، والبزار (٤٥٣٤)، وابن حبان (٥٨٣٦) و(٥٨٣٧) و(٥٨٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٦٢ (٢٥٩٠٧)، وعبد بن حميد (١٠١٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٣٣)، ومسلم (١٣ - ٢١٣٨)، وأبو داود (٤٩٦٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٧٣٩) عن جابر.","vol":"8","page":746},{"text":"الأكثر في تسميتهم بتلك الأسماء ويحتمل أن يراد بالغلام الصبي حرا كان أو عبدا قال الله تعالى حكاية عن زكريا -﵇-: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ﴾ (^١) وتفسيره بالرقيق من كلام الصحابي فالأشبه أنه سمعه ثم فسره كذا في الميسر قال أبو سليمان: قد بين النبي -ﷺ- المعنى في ذلك وذكر العلة التي من أجلها وقع النهي عن التسمية بهذا الأسماء وذاك أن الناس إنما كانوا يقصدون بهذه الأسماء وبما في معناه إما التبرك بها وإما التفاؤل بحسن ألفاظها ومعانيها فحذرهم أن يفعلوه لئلا ينقلب عليهم ما قصدوه في هذه التسميات إلى الضد وذلك أنهم سألوا فقالوا لا أثم يسارا أثم رباح فإذا قالوا لا تطيروا بذلك وتشاءموا به وأصروا على الإياس من اليسر والرباح والنجاح فنهاهم عن السبب الذي يجلب لهم سوء الظن بالله تعالى ويورثهم اليأس من الخير (^٢) ا. هـ.\nقال النووي (^٣): قال أصحابنا نكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة فى الحديث وما فى معناها ولا تختص الكراهة بها وحدها وهى كراهة تنزيه لا تحريم ففي هذه الأحاديث إحسان صحبة المماليك بتسميتهم بالأسامي الحسنة وتعليمهم الآدب في مخاطبة ساداتهم بما يليق شرعا وتجنب الألفاظ الموهمة لا سيما وغالب العلوج والغلمان أعاجم لا يفقهون لغة العرب فربما اعتقدوا من لفظ السيد والرب معنى الألوهية\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٤٠.\n(^٢) معالم السنن (٤/ ١٢٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١١٩).","vol":"8","page":747},{"text":"والربوبية فيضلون وأمر السادات أيضا أن يخاطبوهم بألفاظ لا تُفهم العبودية كالفتي ونحوه للعبيد والمولى ونحوه للسادات وفي الحديث عن أبي هريرة قال: \"لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي\" (^١) وفي طريق أخرى \"ولا يقال العبد لسيده مولاي فإن مولاكم الله\" (^٢) وكذلك فى الحديث الآخر \"أن رجلا قال للنبي -ﷺ- يا سيدنا فقال إنما السيد الله\" (^٣).\nقال البغوي (^٤): وإنما منع الغلام أن يقول ربي لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد فكره المضاهاة بالاسم ليلا يدخل في معنى الشرك والعبد والحر منه بمنزلة واحدة.\nتنبيه: قال حميد بن زنجويه (^٥): إذا ابتلي رجل فى نفسه أو أهله ببعض هذه الأسماء فليحوله إلى غيره فإن لم يفعل فإذا قيل أثم يسارا أثم بركة فإن من الأدب أن يقال كل ما ههنا يسر وبركة والحمد لله ويوشك أن يأتى الذى تريد ولا يقال ليس هنا ولا خرج.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (١٣ و١٤ و١٥ - ٢٢٤٩) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤ - ٢٢٤٩).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٢٤ (١٦٥٦٥) و٤/ ٢٥ (١٦٥٧٤)، وأبو داود (٤٨٠٦) عن عبد الله بن الشخير. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٩٠١)، إصلاح المساجد رقم (١٠٣)، صحيح الجامع (٣٧٠٠).\n(^٤) شرح السنة (١٢/ ٣٥٠).\n(^٥) شرح السنة (١٢/ ٣٣٨).","vol":"8","page":748},{"text":"قوله: \"فإنك تقول أثم هو\" أي يسارا أو رباح أو نحوه \"فلا يكون فيقول لا\" والعلة في الكراهة ما بينه النبي -ﷺ- في قوله \"فإنك تقول أثم هو فيقول\" لا فكره بشاعة الجواب وربما وقع بعض الناس في شيء من الطيرة كما تقدم والله أعلم.\nقوله: \"إنما هن أربع فلا تزيدن علي\" هو بضم الدال ومعناه الذي سمعته أربع كلمات وكذا رويتهن لكم فلا تزيدوا على في الرواية ولا تنقلوا عني غير الأربع وليس فيه منع القياس على الأربع وأن يلحق بها ما في معناها كما تقدم.\n\n٣٠٣٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن أخنع اسْم عِنْد الله ﷿ رجل تسمى ملك الْأَمْلَاك زَاد فِي رِوَايَة لَا ملك إِلَّا الله.\nقَالَ سُفْيَان مثل شاهنشاه وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل سَأَلت أَبَا عَمْرو يَعْنِي الشَّيْبَانِيّ عَن أخنع فَقَالَ أوضع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَلمُسلم أَغيظ رجل على الله يَوْم الْقِيَامَة وأخبثه رجل كَانَ تسمى ملك الْأَمْلأك لَا ملك إِلَّا الله (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- قال \"إن أخنع اسم عند الله ﷿ رجل تسمى ملك الأملاك\" زاد في رواية \"لا ملك إلا الله\" الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٠٥) و(٦٢٠٦)، ومسلم (٢٠ و٢١ - ٢١٤٣)، وأبو داود (٤٩٦١)، والترمذي (٢٨٣٧)، وابن حبان (٥٨٣٥).","vol":"8","page":749},{"text":"قال الإمام أحمد بن حنبل سألت أبا عمرو عن أخنع فقال أوضع (^١) ا. هـ.\nوقال العلماء: معنى أخنع وأخنى أوضع وأذل وأرذل (^٢) وقال بعضهم: معناه أشد ذلا وصغارا يوم القيامة ومعناه أن أصحاب هذه الأسماء عند الله أشدها ذلا وأشدها صغارا من تسمى بملك الأملاك والخانع الذليل الخاضع فالمراد صاحب الاسم وقيل أخنع بمعنى أقبح وأفجر يقال خنع الرجل إلى المرأة والمرأة إليه أي دعاها إلى الفجور وهو بمعنى أخبث أى أكذب الأسماء وقيل أقبح وفي رواية للبخارى أخنى وهو بدل أخنع (^٣).\nقال الخطابي (^٤): أخنى الأسماء إن كان محفوظا فمعناه أقبح الأسماء وأفحشها من الخنا والخنا الفحش وقد يكون بمعنى أهلك لصاحبه المسمى والإخناء الهلاك يقال أخنى عليه الدهر أي أهلك قال أبو عبيد (^٥): وروى أنخع أي أقتل والنخع القتل الشديد.\nوفي رواية مسلم: أغيظ رجل عند الله يوم القيامة وأخبثه الحديث هذا من مجاز الكلام معدول عن ظاهره فإن الغيظ صفة تعتبر فى المخلوق عن احتداد مزاجه وامتلائه غيظا يتحرك لها والله ﷿ منزه عن ذلك لا يوصف بالغيظ فيتأول هنا بالغيظ على الغضب فهو كناية عن عقوبة\n_________\n(^١) مسائل عبد الله (١٦٠١).\n(^٢) الأذكار (ص ٢٨٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢١).\n(^٤) أعلام الحديث (٣/ ٢٢١٥).\n(^٥) غريب الحديث (٢/ ١٧ - ١٨).","vol":"8","page":750},{"text":"للمتسمي بهذا الاسم أي أنه أشد أصحاب هذه الأسماء عقوبة عند الله تعالى هكذا جاءت هذه الألفاظ هنا أخنع وأغيظ وأخبث وأخنى وهذا التفسير الذي فسره أبو عمرو مشهور عنه وعن غيره (^١).\nتنبيه: وأبو عمرو هذا هو إسحاق بن مرار بكسر الميم على وزن قتال وقيل: مرار بفتحها وتشديد الراء كعمار وقيل: بفتحها وبتخفيف الراء كغزال (^٢). قال النووي: وهو أبو عمرو اللغوي النحوي المشهور وليس بأبي عمرو الشيباني ذاك تابعي توفي قبل ولادة الإمام أحمد بن حنبل قلت هذه عبارة موهمة توهم أنه أبو عمرو بن العلاء شيخه وتوهم أن هذا اللغوي ليس شيبانيا وليس كذلك بل هو مشهور بأبي عمرو الشيباني أيضا إلا أن بعضهم قال: لم يكن شيبانيا ولكنه كان مؤدبا لأولاد ناس من بني شيبان فنسب إليهم (^٣)، والله أعلم.\nقوله: -ﷺ- \"رجل سمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله\" واعلم أنه يحرم تحريما غليظا واختلف في معنى قوله سمي بملك الأملاك قيل هو أن يسمى بأسماء الله تعالى الذي هو ملك الأملاك كالجبار والقاهر والقادر ونحو ذلك.\nقوله: قال سفيان: مثل شاهنشاه فكذلك هو في جميع النسخ واعلم أنه يحرم تحريما غليظا أن يقال للسلطان وغيره من الخلق شاهان شاه لأنه معناه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢٢).","vol":"8","page":751},{"text":"ملك الملوك ولا يوصف بذلك غير الله تعالى قال القاضي: ووقع في رواية شاه شاه قال: وزعم بعضهم أن الأصوب شاه شاهان وكذا جاء في بعض الأخبار في كسرى قالوا وشاه ملك وشاهان الملوك واعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به كالرحمن والقدوس والمهيمن وخالق الخلق ونحوها (^١).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢٢).","vol":"8","page":752},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>[فصل]</span>\n٣٠٣٣ - عَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يُغير الِاسْم الْقَبِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ قَالَ أَبُو بكر بن نَافِع وَرُبمَا قَالَ عمر بن عَليّ فِي هَذَا الحَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي -ﷺ- مُرْسل وَلم يذكر فِيهِ عَائِشَة (^١).\n[فصل] قوله: عن عائشة -﵂- تقدم الكلام عليها.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- \"كان يغير الاسم القبيح\" الأمر بتغير الاسم القبيح لم يكن على وجه الوجوب لأن الأسماء لم يسم بها لوجود معانيها في\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في العلل الكبير (٦٤٢) والسنن (٢٨٣٩)، وأبو على الصفار في مجموعه (٥٢٦)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٥٣ رقم ٢٧٦٦) والصغير (١/ ٢١٨ رقم ٣٤٩)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٩١)، والدارقطني في العلل (١٤/ ١٩٣ - ١٩٤).\nقال الترمذي في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: إنما يروى هذا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي -ﷺ- مرسلا. قال ابن عدى: وهذا قد اختلفوا على هشام بن عروة فمنهم من أرسله ومنهم من أوقفه ومنهم من قال عن عائشة ومنهم من قال، عن أبي هريرة وعمر بن علي هذا يروي حديث موسى بن عقبة الذي ذكرت يرويه عنه عمر بن علي ولعمر بن علي أحاديث حسان وأرجو أنه لا بأس به.\nقال الدارقطني في العلل (٣٥٤٢): يرويه محمد بن الحسن الهمداني، وشريك، وعمر بن علي المقدمي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وقال المقدمي في حديثه، وقال هشام مرة: عن أبيه، ولم يذكر عائشة. ورواه عبدة بن سليمان، وحماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، مرسلا، وهو الصحيح. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٥١: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٧) و(٢٠٨)، وصحيح الترغيب (١٩٨٠).","vol":"8","page":753},{"text":"المسمى وإنما هي للتمييز ولو كان للوجوب لم يسع له أن يثبت عليه وأن لا يغيره نعم الأولى التسمية بالاسم الحسن وتغيبر القبيح إليه وكذلك الأولى أن لا يسمي بما معناه التزكية والمذمة بل يسمي بما كان صدقا وحقا كعبد الله ونحوه ا. هـ وسيأتي الكلام على تغير الاسم القبيح بعد.\n\n٣٠٣٤ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن ابْنة لعمر كَانَ يُقَال لهَا عاصية فسماها رَسُول الله -ﷺ- جميلَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن.\nوَرَوَاهُ مُسلم بِاخْتِصَار قَالَ إِن رَسُول الله -ﷺ- غير اسْم عاصية قَالَ أَنْت جميلَة (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٦١ (٢٥٨٩٤)، وأحمد ٢/ ١٨ (٤٧٧٣)، والدارمى (٢٩٠٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٢٠)، ومسلم (١٤ و١٥ - ٢١٣٩)، وابن ماجه (٣٧٣٣)، وحنبل في جزئه (٥)، وأبو داود (٤٩٥٢)، والترمذي في العلل الكبير (٦٤١) والسنن (٢٨٣٨)، والبزار (٥٥٥٤).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وإنما أسنده يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر وروى بعضهم هذا عن عبيد الله، عن نافع، أن عمر، مرسلا. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر إلا يحيى بن سعيد وحماد بن سلمة.\nوقال الدارقطني في العلل (٢٧٥٠): يرويه عبيد الله بن عمر، واختلف عنه؛ فرواه حماد بن سلمة، ويحيى القطان، وعلي بن عاصم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وكذلك رواه يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبيد الله. والصحيح عن عبيد الله المرسل. وصححه الألباني في المشكاة (٤٧٥٨) والصحيحة (٢١٣)، وصحيح الترغيب (١٩٨١).","vol":"8","page":754},{"text":"قوله: \"أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية فسماها رسول الله -ﷺ- جميلة\" الحديث وهي جميلة بنت ثابت بن الأفلح الأوسي والأنصارية أخت عاصم بن ثابت وهي امرأة عمر بن الخطاب وأم عاصم بن عمر تكنى أم عاصم بابنها عاصم بن عمر بن الخطاب كان اسمها عاصية فلما أسلمت سماها رسول الله جميلة تزوجها عمر بن الخطاب سنة سبع من الهجرة ذكر هذا كله ابن الأثير (^١) ثم قال: جميلة بنت عمر بن الخطاب (^٢) ا. هـ ومعنى هذا الحديث استحباب تغيير الاسم القبيح المكروه إلى حسن وقد ثبتت الأحاديث بتغييره -ﷺ- أسماء جماعة كثير من الصحابة وقد بين -ﷺ- العلة في النوعين وما في معناهما وهي التبرئة أو خوف التطير وفي سنن أبي داود من حديث أسامة أن رجلًا كان يقال له أصرم وكان في النفر الذين أتوا رسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ- \"ما اسمك قال: أنا أصرم قال بل أنت زرعة\" (^٣).\nقال الخطابي (^٤): إنما غير اسم أصرم لما فيه من معنى الصرم وهو القطيعة يقال صرمت الحبل إذا قطعته وصرمت النخلة إذا أجددت\n_________\n(^١) أسد الغابة (٧/ ٥٣).\n(^٢) أسد الغابة (٧/ ٥٦) وقال: هكذا أخرجه الغساني مستدركا على أبي عمر، وليس بشيء، فإن جميلة امرأة عمر، وهي بنت ثابت، كان اسمها عاصية فسماها رسول الله -ﷺ- جميلة، وقد تقدم ذلك من رواية حماد بن سلمة، بإسناده.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٩٥٤) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٢٢٠)، والطبراني في الكبير ١/ ١٩٦ (٥٢٣) و١/ ٢٩٨ (٨٧٤)، والحاكم ٤/ ٣٧٦ عن أسامة بن أخدرى. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: صحيح الكلم الطيب (٢١٨)، المشكاة (٤٧٧٥).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ١٢٧).","vol":"8","page":755},{"text":"ثمرتها وسماه زرعة لأنه من الزروع النبات وقد بين الخطابي (^١) معنى هذه الأسماء التي غيرها النبي -ﷺ- فيها وأجاد ا. هـ.\nقوله: قال أبو داود: وغير رسول الله -ﷺ- اسم العاصي وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب فسماه رسول الله -ﷺ- هشاما وسمي حربا سلما وسمى (المضطجع) المنبعث وأرضا تسمى عفرة سماها\n_________\n(^١) قال الخطابي في معالم السنن ٤/ ١٢٧ - ١٢٨: أما العاص: فإنما غيَّرَه كراهة لمعنى العصيان، وإنما سمة المؤمن الطاعة والاستسلام. وعزيز: إنما غيره لأن العزة لله سبحانه، وشعار العبد: الذَّلةَّ والاستكانة، وقد قال سبحانه عندما يقرع بعض أعدائه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]. وعتلة: معناها الشدّة والغلظة، ومنه قولهم: رجل عتل، أي: شديد غليظ. ومن صفة المؤمن: اللين والسُّهولة. وقال -ﷺ-: المؤمنون هينون. وشيطان: اشتقاقه من الشَّطن: وهو البعد من الخير، وهو اسم المارد الخبيث من الجن والإنس. والحكم: هو الحاكم الذي إذا حكم لم يُرَدُّ حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله سبحانه، ومن أسمائه الحكم.\nوغراب: مأخوذ من الغَرْب، وهو البعد، ثم هو حيوان خبيث الفعل، خبيث الطعم، وقد أباح رسول -ﷺ- قتله في الحل والحرم. وحباب: نوع من الحيات، وقد رُوى أن الحباب اسم الشيطان. فقيل: إنه أراد به المارد الخبيث من شياطين الجن، وقيل: إن نوعًا من الحيات يقال لها الشياطين، ومن ذلك قوله ﵎: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. والشهاب: شعلة من النار، والنار عقوبة الله سبحانه، وهي محرقة مهلكة.\nوأما عَفِرة: فهي نعت للأرض التي لا تنبت شيئًا، أخذت من العُفْرة، وهي: لون الأرض القحلة، فسماها خضرة على معنى التفاؤل لتخضر وتُمرع. انتهى. وقوله: عفرة: المحفوظ عقرة، بالقاف، كأنه كره اسم العَقرِ؛ لأن العاقِرَ هي المرأة التي لا تحمل، وشجرة عاقر: لا تحمل.","vol":"8","page":756},{"text":"رسول الله -ﷺ- خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى وبنى الزنية سماهم بنى الرشدة وسمى بني مغوية بني رشدة فهذا آخر ما ذكرناه أبو داود وفي الحديث أنه وفد عليه بنو مالك بن ثعلبة فقال: من أنتم قالوا نحن بنو الزنية قال: بل أنتم بنو الرشدة الزنية بالفتح والكسر آخر ولد الرجل والمرأة كالعجزة وبنو مالك يسمون بني الزنية كذلك وإنما قال لهم النبي -ﷺ- بل أنتم بنو الرشدة نفيا لهم عما يوهمه لفظ الزنية من الزنى وهو نقيض الرشدة وجعل الأزهري الفتح في الزنية والرشدة أفصح اللغتين يقال للولد إذا كان من زنى هو لزنية وهو في الحديث أيضا ويقال لولد الزنى ولد الغية ولغيره ولد الرشدة يقال: هذا ولد رشدة إذا كان لنكاح صحيح كما يقال في ضده ولد زنية بالكسر فيهما وقال الأزهري في فصل فقال (^١): كلام العرب المعروف فلان ابن زنية وابن رشوة وقد قيل زنية ورشوة القبح أفصح اللغتين والله أعلم قاله الكرماني (^٢).\n\n٣٠٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة كَانَ اسْمهَا برة فَقيل تزكي نَفسهَا فسماها رَسُول الله -ﷺ- زَيْنَب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهم (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام.\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٨/ ١٨٢).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٢٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١٩٢)، ومسلم (١٧ - ٢١٤١)، وابن ماجه (٣٧٣٢).","vol":"8","page":757},{"text":"قوله: \"أن زينب بنت أبي سلمة كان اسمها برة فقيل تزكي نفسها فسماها رسول الله -ﷺ- زينب\" سيأتي الكلام على ذلك في الحديث بعده.\n\n٣٠٣٦ - وَعَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء -﵁- قَالَ سميت ابْنَتي برة فَقَالَت زَيْنَب بنت أبي سَلمَة إِن رَسُول الله -ﷺ- نهى عَن هَذَا الِاسْم وَسميت برة فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تزكوا أَنفسكُم الله أعلم بِأَهْل الْبر مِنْكُم فَقَالُوا بِمَ نسميها فَقَالَ سَموهَا زَيْنَب رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد (^١) قَالَ أَبُو دَاوُد وَغير رَسُول الله -ﷺ- اسْم العَاصِي وعزيز وعتلة وَشَيْطَان وَالْحكم وغراب وحباب وشهاب فَسَماهُ هشاما وسمى حَربًا سلما وسمى المضطجع المنبعث وأرضا تسمى عفرَة سَمَّاهَا خضرَة وَشعب الضَّلَالَة سَمَّاهُ شعب الْهدى وَبني الزنية سماهم بني الرشدة وسمى بني مغوية بني رشدة قَالَ أَبُو دَاوُد تركت أسانيدها اختصارا قَالَ الْخطابِيّ أما العَاصِي فَإِنَّمَا غَيره كَرَاهِيَة لِمَعْنى الْعِصْيَان وَإِنَّمَا سمة الْمُؤمن الطَّاعَة والاستسلام والعزيز إِنَّمَا غَيره لِأَن الْعِزَّة لله وشعار العَبْد الذلة والاستكانة وعتلة مَعْنَاهَا الشدَّة والغلظ وَمِنْه قَوْلهم رجل عتل أَي شَدِيد غليظ وَمن صفة الْمُؤمن اللين والسهولة وَشَيْطَان اشتقاقه من الشطن وَهُوَ الْبعد من الْخَيْر وَهُوَ اسْم المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْحكم هُوَ الْحَاكِم الَّذِي لَا يرد حكمه وَهَذِه الصّفة لَا تلِيق إِلَّا بِالله تَعَالَى وَمن أَسْمَائِهِ الحكم وغراب مَأْخُوذ من الغرب وَهُوَ الْبعد ثمَّ هُوَ حَيَوَان خَبِيث الْمطعم أَبَاحَ رَسُول الله -ﷺ- قَتله فِي الْحل وَالْحرم وحباب يَعْنِي بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨ و١٩ - ٢١٤٢)، وأبو داود (٤٩٥٣).","vol":"8","page":758},{"text":"وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة نوع من الْحَيَّات وَرُوِيَ أَنه اسْم شَيْطَان والشهاب الشعلة من النَّار وَالنَّار عُقُوبَة الله وَأما عفرَة يَعْنِي بِفَتْح الْعين وَكسر الْفَاء فَهِيَ نعت الأَرْض الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا فسماها خضرَة على معنى التفاؤل حَتَّى تخضر انْتهى.\nقوله: وعن محمد بن عمرو بن عطاء (هو محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش بن علقمة القرشي العامرى أبو عبد الله المدنى عن عن أبي حميد الساعدى وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير وزينب بنت أبي سلمة وجماعة وعنه يزيد بن أبي حبيب ومحمد بن عمرو بن حلحلة وطائفة وثقه أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وقال ابن سعد: كانت له هيئة ومروءة، وكانوا يتحدثون بالمدينة في حياته أن الخلافة تفضي إليه لهيئته ومروءته وعقله وكماله، ولقي ابن عباس وغيره من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وتوفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان ثقة، وله أحاديث).\nقوله: \"قال سميت ابنتي برة فقالت زينب بنت أبي سلمة إن رسول الله -ﷺ- نهى عن هذا الاسم وسميت برة فقال رسول الله -ﷺ- لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم\" هي زينب بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال القرشية المخزومية (^١) أمها أم سلمة زوج النبي -ﷺ- ولدت بأرض الحبشة كان اسمها برة فسماها رسول الله -ﷺ- زينب ويروى أنها دخلت على\n_________\n(^١) ترجمتها: الاستيعاب ٤/ الترجمة ٣٣٦١، وأسد الغابة ٦/ ترجمة ٦٩٥٨، وتهذيب الكمال ٣٥/ الترجمة ٧٨٤٧، والإصابة ٨/ الترجمة ١١٢٤١.","vol":"8","page":759},{"text":"رسول الله -ﷺ- وهو يغتسل فنضح في وجهها الماء قالوا فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وعجزت وكانت تزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود فولدت له وكانت من أفقه نساء زمانها روى لها البخاري حديثا واحد وكذاك مسلم واحد أيضا وقد رويا لها عن أمها وغيرها وروى لها أبو داود والترمذي والنسائي ا. هـ.\nقوله: \"لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم\" الحديث تزكية الإنسان نفسه ثناؤه عليها إذا وصفها قوله: والله أعلم بأهل البر منكم اسم للخير لكل فعل مرضى وزينب المذكورة في الحديث هي زينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي -ﷺ- تقدم الكلام عليها في الحديث قبله وإنما غير النبي -ﷺ- اسم برة لوجهين أحدهما أنه كان يكره أن يقال خرج من عند برة إذا كانت المسماء بهذا الاسم زوجته هي التي سماها جويرية والثاني التزكية قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١) قال في المفهم (^٢): ويجري هذا المجرى في المنبع ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك من الأسماء الحادثة في هذه الأزمان التي يقصد بها المدح والتزكية لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذا الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئا من أصل موضوعاتها وتقدم ذلك مبسوطا في كتاب المدخل لابن الحاج (^٣).\n_________\n(^١) سورة النجم، الآية: ٣٢.\n(^٢) المفهم (١٧/ ١٣٤).\n(^٣) المدخل لابن الحاج (١/ ١٢٢ - ١٣٠).","vol":"8","page":760},{"text":"فرع: في اللقب قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (^١) واتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره واللقب ما أشعر بمدح أو ذم سواء كان صفة كالأعمش والأعرج والأعمى والأحول والأصلع والأصم والأبرص والأحدب والأزرق والأفطس والأثرم والأقطع والمقعد سواء كان ذلك صفة له ولأبيه أو لأمه واتفقوا على جواز ذكره بذلك على جهة التعريف لمن لا يعرفه إلا بذلك واتفقوا على استحباب اللقب الذي يحبه صاحبه فمن ذلك أبو بكر الصديق اسمه عبد الله ولقبه عتيق واتفقوا على أنه لقب خير ومن ذلك أبو تراب فإن النبي -ﷺ- كنى بذلك علي بن أبي طالب وكنيته أبو الحسن ومن ذلك اللقب الحسن بعد أبي الحسن (^٢) ا. هـ قاله في الديباجة.\nفائدة: قال النووي (^٣): روينا في الصحيح من طريق كثيرة عن النبي -ﷺ- رخم أسماء جماعة من أصحابه -﵃- فمن ذلك قوله: -ﷺ- \"لأبي هريرة يا أبا هر\" (^٤) قوله: -ﷺ- لعائشة -﵂- يا عائش (^٥) وفي كتاب ابن السني أن النبي -ﷺ- قال لأسامة: يا أسيم وللمقدام يا قديم (^٦) ونحو ذلك كثير والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١١.\n(^٢) الأذكار (ص ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(^٣) الأذكار بابُ جَوازِ ترخيمِ الاسمِ إذَا لم يَتَأذّ بذلك صاحبُه (ص ٢٩٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٨٣) و(٢٨٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٧٦٨) و(٦٢٠١)، ومسلم (٩١ - ٢٤٤٧).\n(^٦) أخرجه أبو يعلى في مسنده؛ كما في المطالب العالية (٣٨٠٨)، وإتحاف الخيرة المهرة (٩/ ١٤١ - ١٤٣)، وعنه ابن السنى في اليوم والليلة (٤١١) عن أسامة بن زيد. قال ابن =","vol":"8","page":761},{"text":"قوله: قال أبو داود وغير رسول الله -ﷺ- الاسم القبيح اسم العاصي وقال الخطابي (^١): أما العاصي فغنما غيره رسول الله -ﷺ- كراهية لمعنى العصيان وإنما يتممه المؤمن الطاعة والاستسلام ا. هـ.\nقوله: \"وعزيز\" إنما غيره رسول الله -ﷺ- لأن العزة لله ﷾ وشعار العبد الذلة والاستكانة ا. هـ وقد قال الله ﷾ عندما تقرع بعض أعدائه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ (^٢).\nقوله: \"وعتلة\" ومعناه الشدة والغلظ ومنه قولهم رجل عتل أي شديد غليظ ومن صفة المؤمن اللين والسهولة وقيل حديدة كبيرة يقلع بها الأشجار والحجر ومنه حديث هدم الكعبة فأخذ ابن مطيع العتلة ومنه اشتق العتل وهو الشديد الجافي والفظ الغليظ من الناس ا. هـ قاله في النهاية (^٣) قال -ﷺ- \"المؤمنون هينون لينون\".\nقلت: وعتلة بفتح العين المهملة وسكون التاء المثناة فوق قاله ابن\n_________\n= حجر: هذا إسناد حسن، ومعاوية بن يحيى الصدفي ضعيف. ولكن لحديثه شاهد من طريق يعلى بن مرة، أخرجه أحمد وغيره.\nوأخرجه أحمد ٤/ ١٣٣ (١٧٤٧٨)، وأبو داود (٢٩٣٣)، والطبراني في الشاميين (١٣٧٧) و(١٣٨٢) وابن السنى (٣٩٣) عن المقدام بن معدى كرب. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٣٣) وضعيف الترغيب (٤٨٥) و(١٣١٤).\n(^١) معالم السنن ٤/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(^٢) سورة الدخان، الآية: ٤٩.\n(^٣) النهاية (٣/ ١٨٠).","vol":"8","page":762},{"text":"ماكولا (^١) قال: وقال عبد الغني: عتلة يعنى بفتح العين والتاء أيضا قال: وسماه النبي -ﷺ- عتبة بن عبد السلمي.\nقوله: \"وشيطان\" شيطانا يتمرد وعتوة وكل مارد عات شيطان والأظهر أنه مشتق من شطن إذا بعد لبعده من الخير والرحمة وقيل مشتق من شاط إذا هلك واحترق.\nوقوله: \"وغراب\" إنما غيره لأنه مأخوذ من الغرب وهو البعيد ثم هو حيوان خبيث العظم أباح رسول الله -ﷺ- قتله في الحل والحرم ا. هـ روى البخاري في الأدب والحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب وابن عبد البر وغيرهم عن عبد الله بن الحارث بن أبزى عن أمه رابطة بنت مسلم عن أبيها أنه قال شهدت مع رسول الله -ﷺ- حنينا فقال ما اسمك قلت غراب قال \"أنت مسلم\" (^٢) وإنما غيره النبي -ﷺ- لأنه حيوان خبيث الفعل خبيث الطعم ولذلك\n_________\n(^١) الإكمال (٦/ ٣٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٢٤) والتاريخ ٧/ ٢٥٢، وابن سعد في الطبقات ٥/ ٤٦٢، والبزار كما في إتحاف الخيرة (٦/ ١٣٣) وكشف الأستار (١٩٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٧٦٦)، وأبو يعلى (٦٨٤٠)، والروياني (١٤٩٣)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٤٣٣ (١٤٩٣)، والحاكم (٤/)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٠٤٤)، والكلاباذي في بحر الفوائد (٢/ ٧١٥)، والبيهقي في الشعب (٧/ ١٨٦ رقم ٤٨٥٩).\nوقال البزار: لا نعلم روى مسلم أبو ريطة إلا هذا. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٥٢: رواه الطبراني وأبو يعلى والبزار بنحوه، ورائطة لم يضعفها أحد ولم يوثقها، وبقية رجال أبي يعلى ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الأدب المفرد.","vol":"8","page":763},{"text":"أمر النبي -ﷺ- بقتله في الحل والحرم ا. هـ قوله: \"وحباب\" بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة نوع من الحيات وروي انه اسم شيطان ا. هـ الحباب الحية قال الجوهري: وإنما قيل لها ذلك لأن الحباب اسم شيطان والحية يقال لها شيطان (^١) روى سعيد بن المسيب قال: بلغني أن النبي -ﷺ- غير اسم حباب رجل من الأنصار وقال: الحباب شيطان وقال أبو داود في باب تغير الاسم القبيح: والرجل الذي عبر النبي -ﷺ- اسمه هو عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول كان اسمه الحباب فسماه النبي -ﷺ- عبد الله وكان أبوه يكنى أبا الحباب.\nقوله: \"وشهاب\" الشعلة من النار والنار عقوبة الله تعالى وهي محرمة مهلكة وقال ابن الأثير (^٢) الشهاب الذي ينقض في الليل شبه الكوكب وهو في الأصل الشعلة من النار.\nوأما عفرة يعني بفتح العين وكسر الفاء فهي نعت الأرض التي لا تنبت شيئا فسماها خضرة على معنى التفاؤل حتى تخضر انتهى قال: كذا رواه الخطابي عفرة في شرح السنن (^٣) وقال: هو من العفرة لون الأرض ويروى عقرة ففي الحديث أنه مر بأرض تسمى عقرة فسماها خضرة تفاؤلا بها ويجوز أن يكون من قولهم نخلة عقرة إذا قطع رأسها فيبست قاله في\n_________\n(^١) الصحاح (١/ ١٠٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ٥١٢).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ١٢٨).","vol":"8","page":764},{"text":"النهاية (^١) وفي الحديث أنه مر بأرض تسمى عفرة فسماها خضرة العفرة من العفير وهو الغبار والياء زائدة والمراد بها الصعيد الذي لا نبات فيه ومنه الحديث هي أرض عفيرة. قاله في النهاية أيضا.\n* * *\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٢٧٣).","vol":"8","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>[الترغيب في تأديب الأولاد]</span>\nعَن جَابر بن سَمُرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لِأَن يُؤَدب الرجل وَلَده خير لَهُ من أَن يتَصَدَّق بِصَاع رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة نَاصح عَن سماك عَنهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب قَالَ الْحَافِظ نَاصح هَذَا هُوَ ابْن عبد الله المحلمي واه وَهَذَا مِمَّا أنكرهُ عَلَيْهِ الْحفاظ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٩٥١)، وابن أبي الدنيا في العيال (٣٢٨)، وعبد الله في زيادات المسند ٥/ ٩٦ (٢١٢٨٣)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٣١١)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٤٥)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٤٦ رقم ٢٠٣٢)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٤٦)، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ (ص ٢٨٥)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ٣٩٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٦٣)، والبيهقي في الشعب (٨٢٨٨ - ٨٢٩٠).\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب وناصح هو ابن العلاء كوفي ليس عند أهل الحديث بالقوي ولا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه وناصح شيخ آخر بصري، يروي عن عمار بن أبي عمار وغيره وهو أثبت من هذا. وتعقبه المزي في تهذيب الكمال (٢٩/ ٢٦٤) بقوله: \"وقد وهم في قوله: هو ابن العلاء؛ إنما ابن العلاء: البصري لا الكوفي\".\nوقال عبد الله بن أحمد: \"وهذا الحديث لم يخرجه أبي في مسنده من أجل ناصح؛ لأنه ضعيف في الحديث، وأملاه علي في النوادر\". وقال أبو حاتم في العلل (٢٢١٣): هذا حديث بهذا الإسناد منكر، وناصح ضعيف الحديث. وقال العقيلي: \"لا يعرف إلا به\". وقال ابن عدي بعد أن ذكر أحاديث لناصح عن سماك: \"وهذه الأحاديث عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، غير محفوظات\". وضعفه الألباني في الضعيفة (١٨٨٧) وضعيف الترغيب (١٢٢٩).","vol":"9","page":5},{"text":"قوله: عن جابر بن سمرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع\" الحديث ووجهه أنه إذا أدبه صارت أفعاله من حسناته الجارية وصدقة الصاع ثوابها ينقطع ولا يدوم دوام الولد والله أعلم قال: الجوهري الأدب أدب النفس والدرس تقول منه أدب الرجل بالضم فهو أدب وأدبته فتأدب وقال ابن سيده (^١): الأدب الظرف وحسن التناول وقد أدب الرجل أدبا فهو أدبها من قوم أدبا وأدبته علمته ا. هـ.\nوقال القشيري في رسالته (^٢): وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: إن الله ﷿ أدبني فأحسن أدبي وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير فالأديب الذي اجتمع فيه خصال الخير ومنه المأدبة اسم للمجمع.\nوسئل الشيخ ابن تيمية عن هذا الحديث (^٣) فقال: معنى صحيح لكن لا يعرف له إسناد صحيح ثابت ا. هـ.\nوالحديث المذكور رواه العسكري في الأمثال (^٤).\n_________\n(^١) المحكم والمحيط الأعظم (٩/ ٣٨٥).\n(^٢) الرسالة (٢/ ٤٤٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٧٥).\n(^٤) قال السخاوي في الأجوبة المرضية (١/ ٢٤٥): رواه من طريق البلوي عن عمارة بن زيد عن زياد بن خيثمة عن السدي عن أبي عمارة عن علي. وهذا السند ضعيف جدًا، والحديث بطوله قد ذكره ابن الجوزي في الأحاديث الواهية له وقال: إنه لا يصح، في إسناده ضعفاء ومجاهيل. وأخرج السمعاني في أول أدب الإملاء (ص ١) من طريق =","vol":"9","page":6},{"text":"قال القشيري (^١): سمعت الأستاذ أبا على يقول في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ (^٢) لم يقل ارحمني لأنه حفظ آداب الخطاب وكذلك عيسى -﵇- حيث قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك وقال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ (^٣) ولم يقل أقله رعاية لآداب الحضرة.\nوقيل للحسن البصري: قد أكثر الناس في علم الأدب فما أنفعها عاجلًا وأوصلها آجلا فقال: الفقه في الدين والزهد في الدنيا والقيام بماله عليك ويشهد لهذا قوله -ﷺ-: \"إذا أراد الله بعبد خير فقهه في الدين\" وزهده في الدنيا وبصره بعيوب نفسه وقال ابن المبارك نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم سمعت أبا حاتم السجستاني يقول أبا نصر السراج يقول الناس في الأدب على ثلاث طبقات أما أهل الدين فأكثر آدابهم في رياضة\n_________\n= صفوان بن مغلس الحني ثنا محمد بن عبد الله عن سفيان الثوري عن الأعمش قال قال عبد الله رضه قال قال رسول الله -ﷺ- إن الله أدبني وأحسن أدبي ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال خذ العفو وأمر بالعرف الآية.\nوأخرجه السهمي في تاريخ جرجان (ص ١٨٨) من طريق محمد بن يعقوب بن عبد الوهاب الزبيري حدثنا محمد بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن جده بلفظ أدبنى ربى ونشأت في بنى سعد. وضعفه الألباني في الضعيفة (٧٢) و(٢١٨٥) وضعيف الجامع (٢٤٩ و٢٥٠).\n(^١) الرسالة (٢/ ٤٤٩).\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ١٤٦.","vol":"9","page":7},{"text":"القلوب وتأديب الجوارح حفظ الحدود وترك الشهوات وأما أهل الخصوصية فأكثر آدابهم في طهارة القلوب ا. هـ ولهذا والله أعلم سمي أبو طالب المكي كتابه طهارة القلوب وكذلك عبد العزيز الديرينى لأنها أدب أهل الخصوصية وسمعت عن بعض الملوك أنه قال: لولده أيما أحب إليك أنا أو مؤدبك فقال: مؤد بي فأظهر والده الغضب ثم سأله عن ذلك فقال: أنت سبب حياتي الفانية ومؤدبي سبب حياتي الباقية ا. هـ قاله: في الديباجة.\n\n٣٠٣٧ - وَعَن أَيُّوب بن مُوسَى عَن أَبِيه عَن جده -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا نحل وَالِد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَهَذَا عِنْدِي مُرْسل نحل بِفَتْح النُّون والحاء الْمُهْملَة أَي أعْطى ووهب (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤١٢ (١٥٦٤٠) وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٤/ ٧٧ (١٦٩٨١) و٤/ ٧٨ (١٦٩٨٨)، وعبد بن حميد (٣٦٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٢٢)، وابن أبي خيثمة في التاريخ (٢/ ٦٨٧ رقم ٢٨٥٩)، والترمذي (١٩٥٢)، وابن أبي الدنيا في العيال (٣٢٦)، والبغوي في معجم الصحابة (٩٧١)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٠٨) و(٤/ ٢٢٧)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٦١)، وابن عدى في الكامل (٦/ ١٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٨) و(٣/ ٨٤).\nقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عامر بن أبي عامر الخزاز وهو عامر بن صالح بن رستم الخزاز وأيوب بن موسى هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص وهذا عندي حديث مرسل.\nقال البيهقي: أيوب بن موسى هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص. وكذلك رواه جماعة عن عامر وهو مرسل قال البخاري لم يصح سماع جده عن النبي -ﷺ-. =","vol":"9","page":8},{"text":"٣٠٣٨ - وروى ابْن مَاجَه عَن أنس عَن النَّبِي -ﷺ- أكْرمُوا أَوْلَادكُم وأحسنوا أدبهم (^١).\nقوله: وعن أبي أيوب بن أبي موسى عن أبيه عن جده اسم والد موسى: عمرو بن سعيد بن القاصي المعروف بالأشرف ا. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"ما نحل والد ولا أفضل من آدب حسن\" نحل بفتح النون والحاء المهملة أي أعطى ووهب هكذا ذكره الحافظ.\nفائدة: جاء في الحديث وإن لولدك عليك حقا الحديث فيه أن على الأب تأديب ولده وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين وهذا التعليم واجب على الأب وعلى سائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى وأصحابه وعلى أدب الأمهات أيضا هذا التعليم إذا لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقة لأنه يحتاج إليه والله أعلم والنحل بالضم العطية\n_________\n= وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٢١)، ونقد الكتاني ص (٢٠)، وضعيف الجامع (٥٢٢٧)، وضعيف الترغيب (١٢٣٠).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٦٧١)، والعقيلي في الضعفاء ١/ ٢١٤، والمخلص في المخلصيات (١٧٢٧)، والخطيب في تاريخ بغداد ٨/ ٢٨٨، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٥٩٣).\nقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ١٠٢: هذا إسناد ضعيف الحارث وإن ذكره ابن حبان في الثقات فقد لينه أبو حاتم وقال البخاري منكر الحديث وقال العقيلي أحاديثه مناكير قال المزي ورواه أبو الجماهر محمد بن عبد الرحمن الحمصي عن علي بن عياش فزاد في إسناده سعيد بن جبير بين الحارث وبين أنس. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٤٩)، وضعيف الجامع (١١٣٣)، وضعيف الترغيب (١٢٣١).","vol":"9","page":9},{"text":"والهبة ابتداء من غير عرض واستحقاق والنحل بالكسر العطية أيضا يقال: نحله ينحله نحلا بالضم ومنه حديث النعمان بن بشير أن أباه نحله نحله نحلا أصله كله العطية بغير عوض ينبغي للرجل أن يتعلم شيئًا من العلم كان له فضل على من لم يعلم شيئا وروى عن الشعبي أنه قال: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن وتعلم كلمة من العلم والأدب ولم يضع سفره.\nوقال: بعض العلماء أن العلم النافع والآدب الصالح هما جمالك وزينتك وقوام دينك وآخرتك فاجتهد في تعليمها ا. هـ قاله أبو الليث السمرقندي (^١).\nفائدة: وفي الحديث عن عائشة أن النبي -ﷺ- \"أتى بصبي فقبله\" فقال: \"أما إنهم مبخلة مجبنة وإنهم لمن ريحان الله\" (^٢) ا. هـ.\nمبخلة أي الأولاد سبب ومحل البخل.\nومجبنة أي سبب ومحل للجبن وهو ضد الشجاعة أي يجعل الولد إياه\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٧٧).\n(^٢) أخرجه البغوي في الأنوار (٢٦٤) وشرح السنة (٣٤٤٨) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن الأسود، عن عروة، عن عائشة. وهو ضعيف كما روى من حديث خولة بنت حكيم: أخرجه الحميدي (٣٣٤)، وأحمد ٦/ ٤٠٩ (٢٧٩٥٥)، والترمذي (١٩١٠)، والباغندي في مسند عمر ابن عبد العزيز (١٨) و(١٩)، والطبراني في الكبير ٢٤/ (٦٠٩) و(٦١٤)، عن عمر بن عبد العزيز عن خولة قالت خرج رسول الله -ﷺ- ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله. وقال الترمذي: لا نعرف لعمر سماعا من خولة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٢١٤)، وضعيف الجامع الصغير (٢٠٤١).","vol":"9","page":10},{"text":"بخيلا يحفظ المال وجبانا لا يدخل الحرب كي لا يقتل ويصير ولده يتيمًا (^١).\nقوله: وإنهم ريحان الله الريحان الرزق وأيضًا طيب الريح يعني الأولاد من رزق الله ومن الطيب الذي طيب الله به قلوب الأباء (^٢) وقيل أي لمن عطاء الله أو لمن رزق كقولهم خرجت لطالب ريحان الله وورد في الحديث أيضا أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وولده من كسبه إنما جعل الولد كسب لأن الوالد طلبه وسعى في تحصيله والكسب الطلب والسعى في طلب الرزق والمعيشة وأراد بالطيب هنا وأراد الحلال ونفقة الوالدين على الولد واجبة إذا كانا محتاجين عاجزين عن السعي عند الشافعي وغيره لا يشترط ذلك أ. هـ قاله في النهاية (^٣).\n_________\n(^١) المفاتيح (٥/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ١٣٧).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٧١).","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>[الترهيب أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه أو يتولى غير مواليه]</span>\n٣٠٣٩ - عَن سعد بن أبي وَقاص -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من ادّعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يعلم أَنه غير أَبِيه فالجنة عَلَيْهِ حرَام رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن سعد وَأبي بكرَة جَمِيعًا (^١).\nقوله: عن سعد بن أبي وقاص -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- قال \"من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه\" الحديث الإدعاء على غير الأب هو الانتساب إلى غيره واتخاذه أبا وقد كانوا يفعلونه في الجاهلية فنهى النبي -ﷺ- عنه وجعل الولد للفراش ثم أذن في الإدعاء إلى غير الأب مع العلم بأنه حرام وهذا تقييد لا بد منه فإن الإثم إنما يكون في حق العالم بالشيء فمن اعتقد إباحة ذلك كفر وحرم عليه الجنة ومن لم يعتقد إباحته ففي كفره وجهان أحدهما أن فعله هذا قد أشبه فعل الكفار والثاني أنه كافر نعمة الله والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام وهذا كما قال النبي -ﷺ- يكفرن (^٢) ثم فسره بكفرانهن الإحسان وكفران العشير أي الزوج فعلى هذا الوجه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٢٦ و٤٣٢٧) و(٦٧٦٦ و٦٧٦٧)، ومسلم (١١٤ و١١٥ - ٦٣)، وابن ماجه (٢٦١٠)، وأبو داود (٥١١٣)، والبزار (١٢٢١)، وأبو يعلى (٧٠٠) و(٧٠٦)، وابن خزيمة في التوحيد (ص ٨٣٧ - ٨٤٠) و(ص ٨٤٣) عن سعد وأبي بكرة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩) و(١٠٥٢) و(٥١٩٧)، ومسلم (١٧ - ٩٠٧) عن ابن عباس.","vol":"9","page":12},{"text":"قوله -ﷺ-: \"فالجنة عليه حرام\" للزجر والتغليظ أو أنها حرام قبل العقوبة لا بعدها ومعنى حرام ممنوعة ثم إنه قد يجازي فيمنعها أولا عند دخول الفائزين وأهل السلامة ثم يدخلها وقد لا يجازي بل يعفو الله عنه.\n\n٣٠٤٠ - وَعَن أبي ذَر -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَيْسَ من رجل ادّعى بِغَيْر أَبِيه وَهُوَ يعلم إِلَّا كفر وَمن ادّعى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ منا وليتبوأ مَقْعَده من النَّار وَمن دَعَا رجلا بالْكفْر أَو قَالَ عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم حَار بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي رَجَعَ عَلَيْهِ مَا قَالَ (^١).\nقوله: وعن أبي ذر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- يقول: \"ليس من رجل ادعى بغير أبيه وهو يعلم إلا كفر\" الإدعاء إلى غير الأب مع العلم به حرام كما تقدم فمن اعتقد إباحة ذلك كفر ومن لم يعتقد إباحته فمعنى كفر أنه كافر نعمة الله تعالى لا كفران الملة وإنما عبر بالكفر لأنه نقيض الشكر كما أن نقيض الحمد الذم فإن الله تعالى قد أوجب على العبد الشكر للأب كما أوجبه لنفسه قال: الله تعالى أن أشكر لي ولوالديك فمن انتفى من أبيه فقد جحد النعمة وترك الشكر ومن ترك الشكر اتصف بنقيضه وهو الكفر أي كفر النعمة وكما أن الإيمان ينقسم على بضع وسبعين شعبة كذلك الكفر ينقسم إلى أقسام كثيرة قاله ابن حبان في صحيحه (^٢) ا. هـ قاله في شرح الإلمام ففي الحديث دليل على تحريم الانتفاء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (١١٢ - ٦١).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٤/ ٣٢٣) و(٤/ ٣٢٨) و(١٣/ ٢٦٨).","vol":"9","page":13},{"text":"من النسب المعروف والاعتزاء إلى نسب غيره وكذلك يدل على تحريم الانتفاء وإن لم ينتسب إلى غيره الأب ولا شك في كونه من الكبائر لما يتعلق به من المفاسد العظيمة من تغير أحكام المواريث والأنكحة وغيرها وشرط الرسول -ﷺ- لذلك أن يكون عالما بذلك فإن غلب على ظن الولد أنه ليس من الأب بأن أخبرته أمه بأنها كانت زنت وأن أباه لم يطأها وعلم الولد الصدق جاز له أن يبتدأ من أمه على ما فيه من النظر لأن اعتراف الأم بذلك لا يقطع حق الأب والأب لو كان حيا وادعت الأم ذلك لم يسمع منها بل لو اتفق الأب والأم على أن الولد ليس منهما لم يقبل ذلك منهما مراعاة لحق الولد لكن الولد ها هنا قد بلغ واعترف بإسقاط حقه فلينظر في ذلك.\nقوله: وهو يعلمه محمول على العلم الأعم ليدخل فيه من انتفى من أبيه الذي قد عرف نسبه منه فيدخل فيه الولد المشتبه (فإذا بلغ) ومال طبعه إلى أحدهما فإنه يجب عليه أن ينتسب إلى من يميل طبعه إليه منهما ومفهوم الخبر أنه إذا كان لا يعلم له أبا فيجوز أن ينتسب إلى غيره ولكن مشروط بمن يميل طبعه إليه أو كان قافة أو أخبره قافة فإذا صدق من انتسب إليه ثبت النسب والله أعلم.\nقوله: \"ومن ادعى ما ليس له فليس منا\" قال: العلماء معناه ليس على هدينا وجميل طريقتنا كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست مني.\nقوله -ﷺ-: \"وليتبوأ مقعده من النار\" ومعنى يتبوأ مقعده من النار لينزل منزلة منها أو فليتخذ منزلا لها ظاهره أمرًا ومعناه خبر في أظهر القولين أي أن","vol":"9","page":14},{"text":"الله يبوأه منها يقال تبوأ الدار اتخذها مسكنا ومعنى الحديث هذا جزاؤه إن جوزي وقد يعفى عنه بتوفيقه للتوبة فيسقط عنه ذلك وفي هذا الحديث يحرم دعوى ما ليس له في كل شيء سواء كان فيه حق لغيره أم لا وفيه أنه لا يحل له أن يأخذ ما يحكم به الحاكم إذا كان لا يستحقه ا. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه\" الحديث حار عليه أي رجع عليه ما قال هكذا ذكره الحافظ وفي رواية أخرى إذا أكفر الرجل أخاه فقد باء به أحدهما وفي رواية أخر \"أيما رجل قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما\" هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنى وكذا قوله: لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر فعلى هذا معنى باء بها أي بكلمة الكفر وكذا حار عليه وهو بمعنى رجعت عليه أي رجع عليه الكفر فباء وحار ورجع بمعنى واحد.\nوالوجه الثاني: بمعناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.\nوالثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذ الوجه نقله القاضي عياض (^١) عن الإمام مالك بن أنس وهو ضعيف لأن المذهب\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٣١٨). ومراد مالك إثم تكفيرهم لا كفرهم قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٨/ ٣٤١ - ٣٤٢): قال أي مالك: أرى ذلك في الحرورية. فقلت له: أتراهم =","vol":"9","page":15},{"text":"الصحيح المختار الذي قاله المحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.\nوالوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول إلى الكفر وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر. والوجه الخامس: معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا فكأنه نفسه إما لأنه كفر بين هو مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام والله أعلم ذكره في شرح الأحكام (^١).\nقوله: \"إلا حار عليه\" الحديث (فهذا) الاستثناء قيل أنه واقع على المعنى وتقديره ما يدعوه أحد إلا حار عليه ويحتمل أن يكون معطوفا على الأول وهو قوله -ﷺ-: \"ليس من رجل\" فيكون الاستثناء جاريا على اللفظ.\nوقوله: \"عدو الله\" وجهان النصب والرفع والنصب أرجح على النداء أي يا عدو الله وأحسن من تكلم على هذا ابن الأثير.\n_________\n= بذلك كفارا؟ قال لا أدري ما هذا. قال ابن رشد: وقول مالك أرى ذلك في الحرورية يحتمل أن يريد بذلك أن الحرورية التي تكفر المسلمين بالذنوب من القول تبوء بذلك إما بالكفر على التأويل الأول إن كانت تعتقد أن الإيمان الذي عليه المسلمون كفر؛ وإما بالإثم على التأويل الثاني إن كانت لا تعتقد إيمان المسلمين كفرا، وهذا هو الأظهر؛ ويحتمل أن يريد أن من يكفر الحرورية من المسلمين يبوء بإثم ذلك إن لم يكونوا كفارا بما يعتقدونه. وقد قال مالك في هذه الرواية لما قيل له أتراهم بذلك كفارا؟ قال لا أدري ما هذا. وبالله التوفيق.\n(^١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٨/ ٥٠٤ - ٥٠٥) لابن الملقن، وقد سبقه إلى ذلك النووي في شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٠).","vol":"9","page":16},{"text":"يقال: قوله -ﷺ-: \"لا ترجعوا بعدي كفار يضرب بعضكم رقاب بعض\" قيل أراد لابسي السلاح يقال كفر فوق درعه فهو كافر إذا لبس فوقها ثوبا كأنه أراد بذلك النهي عن الحرب وقيل معناه لا تعتقدوا تكفير الناس كما تعتقده الخوارج (^١).\nقوله: \"من قال: لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما\" لأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب فإن صدق فهو كافر وإن كذب عاد الكفر إليه بتكفيره أخاه المسلم والكفر صنفان أحدهما الكفر بأصل الإيمان والأخر الكفر بفرع من فروع الإسلام (^٢).\n\n٣٠٤١ - وَعَن يزِيد بن شريك بن طَارق التَّمِيمِي قَالَ رَأَيْت عليا -﵁- على الْمِنْبَر يخْطب فَسَمعته يَقُول لَا وَالله مَا عندنَا من كتاب نقرؤه إِلَّا كتاب الله وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة فنشرها فَإِذا فِيهَا أَسْنَان الْإِبِل وَأَشْيَاء من الْجِرَاحَات وفيهَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْمَدِينَة حرَام مَا بَين عير إِلَى ثَوْر فَمن أحدث فِيهَا حَدثا أَو آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة عدلا وَلَا صرفا وَذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة يسْعَى بهَا أَدْنَاهُم فَمن أَخْفَر مُسلما فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة عدلا وَلَا صرفا وَمن ادّعى إِلَى غير أَبِيه أَو انْتَمَى إِلَى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة عدلا وَلَا صرفا رَوَاهُ\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٨٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٨٥ - ١٨٦).","vol":"9","page":17},{"text":"البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\nقوله: وعن يزيد بن شريك بن طارق التيمي (تيم الرباب الكوفي، والد إبراهيم التيم يسكن الكوفة، روى عن عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وحذيفة، وغيرهم وعنه ابنه إبراهيم وإبراهيم النخعي وجواب التيمي والحكم بن عتيبة وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. قلت: وقال ابن سعد: كان ثقة وكان عريف قومه وله أحاديث وقال أبو موسى المديني في الذيل: يقال أنه أدرك الجاهلية).\nقوله: رأيت عليا بن أبي طالب -﵁- على المنبر يخطب\" تقدم الكلام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في مواضع من هذا التعليق.\nقول: أمير المؤمنين \"لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة\" أي الكتاب وكانت معلقة (بقبضة) سيفه أما احتياطا واستظهارا وإما لكونه منفردا بسماع ذلك والظاهر أنه سبب اقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده ولكن بالقتل تارة وبالدية تارة وبالعفو أخرى فلا يوضع السيف في موضع الندى بل يوضع كل في موضعه واستثنائه ما في الصحيفة احتياط لاحتمال أن يكون فيها ما لا يكون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٧٠) و(٣١٧٢) و(٣١٧٩) و(٦٧٥٥) و(٧٣٠٠)، ومسلم (٤٦٧ - ١٣٧٠) و(٢٠ - ١٣٧٠)، وأبو داود (٢٠٣٤)، والترمذي (٢١٢٧)، والنسائي في الكبرى (٤٢٦٤)، وابن حبان (٣٧١٦) و(٣٧١٧).","vol":"9","page":18},{"text":"عند غيره فيكون منفردا بالعلم بها أ. هـ قاله الكرماني (^١) مثله حديث أبي هريرة في الصحيحين لما فتح الله على رسوله مكة قتلت هذيلا رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية وفي آخر الحديث اكتبوا لأبى شاه (^٢) فهذا تصريح بجواز كتابة العلم غير القرآن وجاءت أحاديث بالنهي عن كتابة غير القرآن فمن السلف من منع كتابة العلم وقال: جمهور السلف بجوازه ثم أجمعت الأمة بعدهم على استحبابه وأجابوا عن أحاديث النهي بجوابين أحدهما أنها منسوخة وكان النهي في أول الأمر قبل اشتهار القرآن لكل أحد فنهي عن كتابته خوفا من اختلاطه واشتباهه فلما اشتهر وأمنت تلك المفسدة أذن فيه.\nوالثاني أن النهي نهي تنزيه لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة والإذن لمن لم يوثق بحفظه قاله النووي نقله ابن العماد عنه في شرحه لعمدة الأحكام (^٣) ا. هـ.\nقوله: \"فنشرها\" الحديث هذا تصريح من علي س بإبطال ما يزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم أن عليًّا س أوصى إليه النبي -ﷺ- بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وأنه -ﷺ- خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم وهذه دعاوي باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي س هذا وفيه دليل\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢/ ١١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٣٤) و(٦٨٨٠)، ومسلم (٤٤٧ و٤٤٨ - ١٣٥٥) عن أبي هريرة.\n(^٣) العدة شرح العمدة (٣/ ١٤٢٧).","vol":"9","page":19},{"text":"على جواز كتابة العلم والله أعلم.\nقوله: \"فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات\" أي سن الإبل التي تجب الزكاة فيها وما يجب في الجراحات من الديات.\nقوله: \"وفيها\" أي في الصحيفة قال رسول الله -ﷺ-: \"المدينة حرام ما بين عير إلى ثور\" وهما جبلان قال القاضي عياض (^١): قال مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ولا ثور وفي هذا اختلاف كثير قال الإمام المازري (^٢): قال بعض العلماء: ثور هنا وهم من الراوي وإنما ثور بمكة قال: والصحيح ما بين عير إلى أحد هذا ما حكاه القاضي (^٣) قال النووي (^٤): قلت ويحتمل أن ثور كان اسما لجبل هناك إما أحد وإما غيره فخفي اسمه واعلم أنه جاء في هذه الرواية ما بين عير إلى ثور أو إلى أحد وفي رواية أنس اللهم إني أحرم ما بين جبليها وفي رواية ما بين لابتيها والمراد باللابتين الحرتان والأحاديث كلها متفقة بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهة المشرق والمغرب (^٥) وتقدم شيء من ذلك في سكنى المدينة والمراد أنه -ﷺ- حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور بمكة وتقدم الكلام على هذا الجبال في كتاب الحج في بناء الكعبة.\nقوله -ﷺ-: \"فمن أحدث فيها حدثًا\".\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١٣٦).\n(^٢) المعلم (٢/ ١١٧).\n(^٣) إكمال المعلم (٤/ ٤٨٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٣).\n(^٥) وزاد النووي: وما بين جبليها بيان لحده من جهة الجنوب والشمال والله أعلم.","vol":"9","page":20},{"text":"قوله: \"فيها\" أي في المدينة والحدث الأمر الحادث (المنكر) الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة يعني أحدث فيها ما يخالف الشرع من معصية أو ظلم أو بدعة والبدعة في اصطلاح العلماء ما خالف الكتاب والسنة كما قال -ﷺ-: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^١) أي مردود على فاعله.\nقوله: \"أو آوى\" قال القاضي عياض (^٢): يقال آوى بالمد والقصر في الفعل اللازم والمتعدي جميعا لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح والمد في المتعدي أشهر وأفصح والله أعلم.\nقوله: \"محدثا\" والمحدث المبتدع أي ضمه إليه منعه فمن له عليه حق وإيوائه نصرته وأن يجار من خصمه أو يحتال بينه وبينه أن يقتص منه قال القاضي عياض (^٣): لم يرو هذا الحرف وهو محدثا بكسر الدال ثم قال: وقال: الإمام المازري يروي بوجهين كسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول قال: فمن فعل فعليه لعنة الله\" فتح الدال أراد الإحداث نفسه أي أراد الأمر المبتدع نفسه ومن كسر أراد فاعل الحدث فمعنى الكسر من نصر خائنا وأواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه فإنه إذا رضي بالبدعة وأقره عليها ولم ينكرها عليه فقد أواه وهذا وعيد شديد لمن ارتكب في المدينة إثما.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧ و١٨ - ١٧١٨) عن عائشة.\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٥٢) وإكمال المعلم (٤/ ٤٨٦).\n(^٣) إكمال المعلم (٤/ ٤٨٦)، وشرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٠)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٥١).","vol":"9","page":21},{"text":"قوله: \"فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" لعنة الله طرده للملعون وإبعاده عن رحمته ولعنة الملائكة والناس الإبعاد والدعاء بالإبعاد وهؤلاء هم اللاعنون كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (^١) ومعناه أن الله تعالى يلعنه وكذلك تلعنه الملائكة والناس أجمعون وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله تعالى فإن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد قالوا والمراد باللعن هو العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة أول الأمر وليس هي كلعنة الكفار الذين يبعدون عن رحمة الله تعالى كل الإبعاد وجاء في الدارقطني فعليه لعنة الله المتتابعة ومعناه المتوالية أي التي لا تفارقه حتى يتصل بعذاب الأخرة إلا أن يتوب أو يعفو الله عنه نعم إن استحل ذلك كفر وخلد في العذاب أبدا قال القاضي رحمة الله (^٢): واستدلوا بهذا على أن ذلك من الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة ذكره في مشارق الأنوار.\nقوله: \"لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلا ولا صرفا\" فيه أقوال كثيرة تقدم ذكرها في سكنى المدينة من جملتها أنه فقال الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة وقال: يونس الصرف الاكتساب والعدل الفدية ومعنى الفدية ها هنا أن لا يجد في القيامة فداء يفتدى به بخلاف غيره من المؤمنين الذين جاء من تفضل الله ﵎ عليهم بأن يفديهم من النار باليهود والنصارى ومن شاء الكفار.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.\n(^٢) إكمال المعلم (٤/ ٤٨٦) وعزوه للمشارق وهم والله أعلم.","vol":"9","page":22},{"text":"وقيل هو من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ (^١) أي وإن تفد كل فداء وقيل توبة وأما التوبة فإنه إن فعل ذلك مستحلا أحبط الكفر أعماله ولا تصح توبته إلا برجوعه إلى الإسلام لا بإقلاعه عن ذلك الذنب وحده وقيل المراد ها هنا لا تقبل توبته في الأخرة وهو مفسر في الحديث لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا أي لا يعفى عن ذنبه هذا في الآخرة وأما توبة الدنيا فمقبولة إن شاء الله تعالى من كل ذنب وقيل لا يقبل منه قبول رضي وإن قبلت قبول جزاء وقد يكون القبول هنا قبول عبارة عن تكفير السيئات والذنب بها ذكره المنذري في الحواشي على مختصر السنن (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"وذمة المسلمين واحدة\" الحديث المراد بالذمة هنا العهد والأمان سمي بها لأنه يذم متعاطيها عن إضاعتها ومعناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح فإذا أمن أحدهم حربيا فهو آمن لا يجوز لأحدهم أن ينقض ذمته أي عقد من المسلمين أمانا أو عهد لأحد من الدعم وحرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم.\nتنبيه: وللأمان شروط قال النووي في الروضة تبعا للرافعي (^٣): ينعقد الأمان بكل لفظ يعيد الغرض صريح كناية فالصريح أجرتك أو أنت مجارا\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٧٠.\n(^٢) مختصر السنن (٨/ ١٣).\n(^٣) روضة الطالبين (١٠/ ٢٧٩).","vol":"9","page":23},{"text":"أو أمنتك أو أنت آمن أو في آماني أو لا بأس عليك أو لا خوف عليك أو لا تخف أو لا تفزع أو قال بالعجمية مترس وكناية أنت على ما تحب أو كن كيف شئت وينعقد بالكتاب والرسالة سواء كان الرسول مسلما أو كافرا أو بالإشارة المفهمة من قادر على العبارة.\nفصل الإشارة بأمان إلى مشرك أمان عند مالك والشافعي -﵄- ذكره ابن النحاس في كتاب الجهاد (^١).\nقوله: \"يسعى بها أدناهم\" أي أقلهم منزلة في الدنيا وأضعفهم والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة أي إذا أعطى واحدا لجيش العدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين وليس لهم أن يخفروه ولا أن ينقضوا عليه عهده وقد أجاز عمر أمان عبد على جميع الجيش سواء صدرت من واحد أو كثير شريف أو وضيع وقد أجاز عمر أمان عبد وهو حجة لمذهب الشافعي وموافقيه أن أمان المرأة والعبد صحيح لأنهما أدنى من الذكور الأحرار.\nقوله -ﷺ-: \"فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله\" الحديث معناه من نقض أمان مسلم فتعرض لكافر أمنه مسلم قال: أهل اللغة يقال أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته بغير ألف فالهمزة للإزالة فليحذر أمير الجيش وغيره من الغدر ونقض العهد فإنه من أقبح ما اتصف به الرجال وهو مع ما فيه من الإثم العظيم سريع الوبال فظيع النكال وليس من صفات المؤمنين وقال: أنس س \"ما خطبنا رسول الله -ﷺ- إلا قال: لا إيمان لمن له لا أمانة له ولا دين\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ١٠٦١).","vol":"9","page":24},{"text":"لمن لا عهد له\" رواه أحمد والبزار والطبراني وابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله -ﷺ-: \"ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه\" الحديث هذا صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه أو انتماء العتيق إلى ولاء غير مواليه لما في ذلك من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث والولاء والعقل وغير ذلك وهذا حرام لتفويته حق المنعم ولأن الولاء كالنسب يحرم تضييعه كما يحرم الانتساب إلى غير أبيه وهذا من الكبائر العظيمة ويترتب عليه مفاسد كثيرة من الأنكحة الفاسدة وأخذ الأموال الباطلة واختلاط الأنساب وغير ذلك مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق.\nقوله: \"فعليه لعنة الله\" لعنة الله يحتمل أن يراد بها العذاب الذي يستوجبه على ذنبه والطرد من الجنان أولا ودخول النار حتى يخرجه الله تعالى ولا يكون هذا كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى رأسًا ولعنة الملائكة والناس هنا ترك الدعاء لهم والاستغفار وإبعادهم عنه ذكره المنذري في الحواشي وتقدم الكلام على ذلك قبله أبسط من هذا وتقدم الكلام أيضا على الصرف والعدول.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٣٥ (١٢٣٨٣) و٣/ ١٥٤ (١٢٥٦٧) و٣/ ٢١٠ (١٣١٩٩) و٣/ ٢٥١ (١٣٦٣٧)، والبزار (٧١٩٦)، وابن حبان (١٩٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٩٨ رقم ٢٦٠٦ و٦/ ١٠٠ رقم ٥٩٢٦). وصححه الألباني في \"تخريج الإيمان\" رقم (٧)، \"المشكاة\" (٣٥)، \"الروض\" (٥٦٩).","vol":"9","page":25},{"text":"٣٠٤٢ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كفى بامرئ تبرؤ من نسب وَإِن دق وادعاء نسب لَا يعرف رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَعَمْرو يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ (^١).\nقوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"كفى بامرئ تبرؤ من نسب وإن دق وادعاء نسب لا يعرف\" الحديث الإدعاء على غير الأب مع العلم به حرام كما تقدم فمن اعتقد إباحة ذلك كفر لمخالفته الإجماع ومن لم يعتقد إباحته ففي معنى كفره وجهان أحدهما أنه قد أشبه فعله فعل الكفار والثاني أنه كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام.\n\n٣٠٤٣ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ادّعى إِلَى غير أَبِيه لم يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن رِيحهَا ليوجد من قدر سبعين عَاما أَو مسيرَة سبعين عَاما رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ وَإِن رِيحهَا ليوجد من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢١٥ (٧١٤٠)، وابن ماجه (٢٧٤٤)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٢٦ رقم ١٠٧٢)، ومن طريقه أبو نعيم في تاريخ أصبهان ٢/ ٣١٦، والطبراني في الأوسط (٨/ ٤٧ - ٤٨ رقم ٧٩١٩)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٥٤٢)، وابن المقرئ في المعجم (١١٠٢).\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ٩٧: رواه أحمد والطبراني في الصغير والأوسط إلا أنه قال: كفر بامرئ، وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده. قال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١٥٠: هذا إسناد صحيح وهو في بعض النسخ دون بعض ولم يذكره المزي في الأطراف وأظنه من زيادات أبي الحسن علي بن إبراهيم القطان. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧٠) وصحيح الترغيب (١٩٨٧).","vol":"9","page":26},{"text":"مسيرَة خَمْسمِائَة عَام ورجالهما رجال الصَّحِيح وَعبد الْكَرِيم هُوَ الْجَزرِي ثِقَة احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا قيل فِيهِ (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من ادعى إلى غير أبيه\" تقدم الحديث الإدعاء الانتساب.\nقوله -ﷺ-: \"لم يرح رائحة الجنة\" يرح بفتح الياء والراء لم يشم ريحا وسيأتي الكلام على ذلك في ذكر الجنة.\n\n٣٠٤٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ادّعى إِلَى غير أَبِيه أَو تولى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ\" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٢٧٤)، وأحمد ٢/ ١٧١ (٦٧٠٣) و٢/ ١٩٤ (٦٩٥٣)، وابن ماجه (٢٦١١)، والبزار (٢٣٧٣) و(٢٣٨٣)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٤٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٧٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٩٦) والخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ٣٤٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٩٨: رواه ابن ماجه إلا أنه قال: \"من مسيرة خمسمائة عام\". رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\nوقال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١١٧ - ١١٨: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات لأن محمد بن الصباح هو أبو جعفر الجرجاني التاجر قال ابن معين لا بأس به وقال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد لا يسأل عن حالهم لشهرتهم. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٠٧) وصحيح الترغيب (١٩٨٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٨٣ (٢٦١١١)، وأحمد ١/ ٣٢٨ (٣٠٩٥)، وابن ماجه (٢٦٠٩)، وأبو يعلى (٢٥٤٠)، وابن حبان (٤١٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٦٢ رقم ١٢٤٧٥) والأوسط (١/ ١٧٧ رقم ٥٦١).\nقال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١١٧: هذا إسناد فيه مقال ابن أبي الضيف اسمه محمد بن =","vol":"9","page":27},{"text":"٣٠٤٥ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من تولى إِلَى غير موَالِيه فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n٣٠٤٦ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من ادّعى إِلَى غير أَبِيه أَو انْتَمَى إِلَى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله المتتابعة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\n_________\n= أبي الضيف لم أر من جرحه ولا من وثقه وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم. وصححه الألباني صحيح الترغيب (١٩٨٩).\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤٣٢٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٣٢). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥١١٥)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند على (٣٣٤)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٣٦٠ رقم ٦٢١)، والدارقطني (٤٠٦٦) و(٤٠٦٧). لم يدرج المصنف تحته شرحا.\nقال الدارقطني في العلل (٢٤٥٣): يرويه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، واختلف عنه؛ فرواه عمر بن عبد الواحد، عن ابن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أنس. وخالفه الوليد بن مزيد، فرواه عن ابن جابر، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، شيخ بالساحل، قال: حدثني رجل من أهل المدينة، عن رسول الله -ﷺ-، وفيه: لا وصية لوارث، ومن تولى غير مواليه ... الحديث، وفيه: لا تنفق المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه ...، وفيه طول. وقال ابن المبارك: عن ابن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، قال: حدثني من شهد خطبة النبي -ﷺ-.\nوقال الوليد بن مسلم: عن ابن جابر، عن جدته، عن بعض أصحاب النبي -ﷺ-. وقول ابن المبارك والوليد بن مزيد هو الصواب. قال ابن عبد الهادى في التنقيح (٤/ ٢٥٢) وحاشية الأطراف (١/ ٢٢٥): سعيد بن أبي سعيد راوي هذه الأحاديث عن أنس ليس هو المقبري أحد الثقات، وإنما هو الساحلي وهو غير محتج به كذلك جاء مصرحًا به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والظاهر أنه سعيد بن خالد الذي روى عنه محمد بن شعيب. =","vol":"9","page":28},{"text":"قوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- يقول: \"من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه\" أي اتخذهم أولياء الحديث ومعنى انتمى إلى غير مواليه انتسب إلى غيرهم وصار معروف بهم يقال نميت الرجل إلى أبيه نميا نسبته إليه وانتمى هو أ. هـ قاله في النهاية (^١).\n\n٣٠٤٧ - وَعَن أبي بكر الصّديق -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ادّعى نسبا لَا يعرف كفر بِالله أَو انْتَفَى من نسب وَإِن دق كفر بِالله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَأَة وَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب يعضده (^٢).\n_________\n= وقال ابن حجر في النكت الظراف (١/ ٢٢٥): قلت: هو سعيد بن أبي سعيد الساحلي شامي، وأما المقبري فهو مدني وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٩٠) غاية المرام (٢٦٦)، صحيح الجامع (٥٩٨٧).\n(^١) النهاية (٥/ ١٢١).\n(^٢) أخرجه الدارمي (٣٠٧٣)، والحارث (٣٠)، والمروزي في مسند أبى بكر (٩٠)، والبزار (٧٠)، والطبراني في الدعاء (١/ ٥٨٧ رقم ٢١٤٣) والأوسط (٣/ ١٦٧ رقم ٢٨١٨) و(٨/ ٢٦٠ رقم ٨٥٧٥) وابن عدي في الكامل (٥/ ٥٤).\nقال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي -ﷺ- إلا عن أبي بكر عنه، ورواه عن أبي بكر قيس بن أبي حازم بهذا الإسناد، ورواه أبو معمر، عن أبي بكر، واختلفوا في رفع حديث أبي معمر فرواه جماعة عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن أبي معمر، عن أبي بكر، موقوفا وأسنده بعضهم، والذي أسنده فليس بالحجة في الحديث، والسري بن إسماعيل ليس بالقوي، وقد حدث عنه الزهري، وجماعة كثيرة واحتملوا حديثه.\nقال الدارقطني في العلل (٤٨): والموقوف أشبه بالصواب، والله أعلم. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ٩٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ورواه =","vol":"9","page":29},{"text":"قوله: من رواية الحجاج بن أرطاة (^١) هو أبو أرطاة الحجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي الكوفي أحد أئمة الحديث والفقه وهو من تابعي التابعين توفي بالري [ترغيب من مات له ثلاثة من الأولاد أو اثنان أو واحد فيما يذكر من جزيل الثواب].\n\n٣٠٤٨ - عَن أنس -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلم يَمُوت لَهُ ثَلَاثة لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢) وَفِي رِوَايَة للنسائي أَن رَسُول الله صلى الله\n_________\n= البزار، وفيه السري بن إسماعيل، وهو متروك. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧٠) وصحيح الترغيب (١٩٩١).\n(^١) ترجمته: طبقات ابن سعد: ٦/ ٣٥٩، وتاريخ البخاري الكبير: ٢/ الترجمة ٢٨٣٥، وتاريخه الصغير: ٢/ ١١٠، والضعفاء الصغير، له، الترجمة ٧٥، وتهذيب الكمال ٥/ الترجمة ١١١٢، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ الترجمة ١١٢. وقال النووي في تهذيب الأسماء: واتفقوا على أنه مدلس، وضعفه الجمهور، فلم يحتجوا به، ووثقه شعبة وقليلون، وكان بارعًا في الحفظ والعلم. روينا عن سفيان الثوري أنه قال لطلبة العلم: عليكم بالحجاج، فما بقى أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. قال: وما رأيت أحفظ منه. وعن حماد بن زيد، قال: الحجاج عندنا أقهر للحديث من الثوري، وكان قاضى البصرة. وقال هشيم: سمعت الحجاج يقول: استفتيت وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال الحجاج: ما خاصمت قط أحدًا ولا جلست إلى قوم يختصمون، توفى بالري.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٢ (١٢٧٣٠)، والبخاري (١٢٤٨) و(١٣٨١) والتاريخ الكبير (٦/ ٤٢١)، وابن ماجه (١٦٠٥)، والبزار (٦٤٧٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٣ (١٨٨٨) و٤/ ٤٤ (١٨٨٩) والكبرى (٢٠١١) و(٢٠١٣)، وابن حبان (٢٩٤٣).\nوصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٠٢) وصحيح الترغيب (١٩٩٢) وقال في رواية النسائي الثانية صحيح لغيره وقال في رواية ابن حبان حسن صحيح.","vol":"9","page":30},{"text":"عليه وسلم قَالَ من احتسب ثَلَاثَة من صلبه دخل الْجنَّة فَقَامَتْ امْرَأَة فَقَالَت أَو اثْنَان فَقَالَ أَو اثْنَان قَالَت الْمَرْأَة يَا لَيْتَني قلت وَاحِدَة وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مُخْتَصرا من احتسب ثَلَاثَة من صلبه دخل الْجنَّة الْحِنْث بكَسْر الْحَاء وَسُكُون النُّون هُوَ الْإِثْم والذنب وَالْمعْنَى أَنهم لم يبلغُوا السن الَّذِي تكْتب عَلَيْهِم فِيهِ الذُّنُوب.\nقوله: عن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم\" الحديث.\nقال الإمام أبو العباس القرطبي (^١): إنما خص الولد بثلاثة لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة فتعظم المصائب فتكثر الأجور فأما إذا زاد على الثلاثة فقد يخف أمر المصيبة الزائدة لأنها كأنها صارت عادة وديدنا.\nقوله -ﷺ-: \"لم يبلغوا الحنث\" الحنث هو الإثم والذنب والمعنى أنهم لم يبلغوا السن الذي يكتب عليهم فيه الذنوب ا. هـ قاله المنذري وقال في النهاية (^٢): لم يبلغوا الحنث مبلغ الرجال فيكتب عليهم الحنث وهو الإثم ويجرى عليهم الحكم.\nقوله -ﷺ-: \"إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم\" الضمير في رحمته يعود إلى المسلم الموصوف وهو الوالد ا. هـ.\n_________\n(^١) المفهم (٢٢/ ٧).\n(^٢) النهاية (١/ ٤٤٩) وعنده: ويجري عليهم القلم.","vol":"9","page":31},{"text":"قال ابن بطال (^١): وفى الحديث دلالة أن أولاد المسلمين في الجنة بخلاف من قال الأطفال في المشيئة.\nفائدة: فعلى هذا لو مات ثلاثة أولاد بالغين معتوهين عرض لهم العته والجنون قبل البلوغ بحيث لم يجر عليهم تكليف ولم يكتب عليهم إثم فهل يكونون كغير البالغين هذا محتمل والأرجح إلحاقهم فهو وقد يدعى دخولهم قوله -﵇- لم يبلغوا الحنث وينبغي أن بيني ذلك على المعنين المتقدم ذكرهما فإن عللنا بما في الحديث كان حكم المجانين كذلك لأن الرحمة لهم واسعة كثيرة لعدم حصول الإثم منهم فساووا في ذلك الأطفال ا. هـ ذكره العراقي في شرح الأحكام (^٢) قوله: -ﷺ- في رواية النسائي أن رسول الله -ﷺ- قال \"من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة\" قال في النهاية (^٣): الاحتساب في الأعمال الصالحات وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٣/ ٢٤٦) ونقل إجماع أهل السنة على ذلك ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٤٨) فقال: وقد أجمع العلماء على ما قلنا من أن أطفال المسلمين في الجنة فأغنى ذلك عن كثير من الاستدلال ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافا إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة وهو قول شاذ (مهجور) مردود بإجماع الجماعة وهم الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم.\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦) وتمام عبارته: وإن عللنا بما ذكره القرطبي لم يطرد ذلك في المجانين البالغين لأن محبتهم تخفف أو تزول، ويتمنى الأب موتهم لما بهم من العاهة والضرر فلا يحصل له بموتهم تفجع، ولا مشقة، والله أعلم.\n(^٣) النهاية (١/ ٣٨٢).","vol":"9","page":32},{"text":"الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العدو وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه لأن له حينئذ أن يعتد بعمله فيجعل في حال مباشرته الفعل كأنه معتد به.\nقوله: \"فقامت امرأة فقالت أو اثنان فقال أو اثنان\" قال ابن بطال (^١): ويحتمل أنه لما قالت المرأة أو اثنان نزل عليه الوحي أن يحسبها بقوله واثنان ولا يمتنع في أسرع من طرفة العين ا. هـ.\nفائدة: في معجم الطبراني أن من دفن ثلاثة من الولد فصبر عليهم واحتسبهم وورد من مات له ولد فصبر واحتسب قيل له ادخل الجنة (^٢) فمن\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٣/ ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٦٣ رقم ٢٤٨٨) والكبير (٢/ ٢٤٥ رقم ٢٠٣٠) والقطيعي في جزء الألف دينار (١٧٥) عن جابر بن سمرة بلفظ: من دفن ثلاثة من الولد فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ قال ومن دفن اثنين فصبر عليهما واحتسبهما وجبت له الجنة فقالت أم أيمن: وواحدا؟، فسكت أو أمسك، ثم قال يا أم أيمن من دفن واحدا فصبر عليه واحتسب وجبت له الجنة.\nوقال الهيثمي المجمع ٣/ ١٠: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه ناصح بن عبد الله أبو عبد الله، وهو ضعيف متروك. وقال الحافظ في الفتح (١٤/ ١٨): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفي سندهما ناصح بن عبد الله وهو ضعيف جدًا.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٨٦١٠٠٣٤ و١٠٠٣٥) والأوسط (٦/ ٤٦ رقم ٥٧٥٣) وابن عدى في الكامل (٦/ ٢٢٥) عن ابن مسعود بلفظ: \"من مات له ولد، ذكر أو أنثى، سلم أو لم يسلم، رضي أو لم يرضى، صبر أو لم يصبر لم يكن له ثواب إلا الجنة\". قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو الأودي. =","vol":"9","page":33},{"text":"يحمل المطلق على المقيد يخص ذلك بالصابر دون الجازع وقد مشى على ذلك أبو العباس القرطبي (^١) والله أعلم.\n\n٣٠٤٩ - وَعَن عتبَة بن عبد السّلمِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من مُسلم يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا تلقوهُ من أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية من أَيهَا شَاءَ دخل رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن عتبة بن عبد السلمي (^٣) -﵁- (كنيته: أبو الوليد، له صحبة، عداده في أهل حمص، يقال: كان اسمه عتلة، ويقال: نشبة، فسماه النبي -ﷺ-\n_________\n= قال ابن عدى: وأبو حفص الأعشى له غير ما ذكرت ورواياته بالأسانيد التي يرويها غير محفوظة. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمرو بن خالد الأعشى، وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في الضعيفة (٦٠٠١): منكر.\n(^١) المفهم (٢٢/ ٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٣ (١٧٩١٤) و٤/ ١٨٤ (١٧٩١٩)، وابن ماجه (١٦٠٤)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٤٣)، ابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٢٦٦، والطبراني في الكبير ١٧/ ١١٩ (٢٩٤) و١٧/ ١٢٥ (٣٠٩) ومسند الشاميين (١٠٧٠) و(١٦٣١)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٧٠)، والبيهقي في البعث والنشور (ص / ١٦٨ رقم ٢٣٦)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٢٩١).\nقال البوصيري في الزجاجة ٢/ ٥١: هذا إسناد فيه شرحبيل بن شفعة ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود وشيوخ جرير كلهم ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٩٣).\n(^٣) ترجمته في: الاستيعاب ٣/ الترجمة ١٧٦٨، وأسد الغابة ٣/ الترجمة ٣٥٥٢، وتهذيب الكمال ١٩/ الترجمة ٣٧٨٠، والإصابة ٤/ الترجمة ٥٤٢٣.","vol":"9","page":34},{"text":"عتبة، حديثه عند شريح بن عبيد، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة الحضرمي، وخالد بن معدان، وعبد الله بن ناصح، وعقيل بن مدرك، وحبيب بن عبيد الرحبي، وراشد بن سعد، وغيرهم).\nقوله -ﷺ-: يقول \"ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل\" تقدم الكلام على قوله لم يبلغوا الحنث الحديث قبله.\n\n٣٠٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يَمُوت لأحد من الْمُسلمين ثَلَاثَة من الْوَلَد فَتَمَسهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١) وَلمُسلم أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لنسوة من الْأَنْصَار لَا يَمُوت لاحداكن ثَلَاثَة من الْوَلَد فتحتسبه إِلَّا دخلت الْجنَّة فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ أَو اثْنَان يَا رَسُول الله قَالَ أَو اثْنَان وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضا قَالَ أَتَت امْرَأَة بصبي لهَا فَقَالَت يَا نَبِي الله ادْع الله لي فَلَقَد دفنت ثَلَاَثة فَقَالَ أدفنت ثَلَاثَة قَالَت نعم، قَالَ لقد احتظرت بحظار شَدِيد من النَّار (^٢) الحظار بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالظاء الْمُعْجَمَة هُوَ الْحَائِط يَجْعَل حول الشَّيء كالسور الْمَانِع وَمَعْنَاهُ لقد احتميت وتحصنت من النَّار بحمى عَظِيم وحصن حُصَيْن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٥١) و(٦٦٥٦)، ومسلم (١٥٠ - ٢٦٣٢)، وابن ماجه (١٦٠٣)، والترمذى (١٠٦٠)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٥ (١٨٩١) والكبرى (٢٠١٥) و(١١٢٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٤٤) و(١٤٧)، ومسلم (١٥١ - ٢٦٣٢) و(١٥٥ و١٥٦ - ٢٦٣٦)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٦ (١٨٩٣) والكبرى (٢٠١٢)، وأبو يعلى (٦٠٩١).","vol":"9","page":35},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم\" الحديث الولد يطلق على الذكر والأنثى وعلى المفرد والجمع وفيه إن المسلم إذا مات له ثلاثة من الولد لم يدخل النار إلا تحلة القسم الحديث ومن ضرورة ذلك دخول الجنة إذ لا منزلة بينهما.\nوتحلة القسم بفتح التاء وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام قال: العلماء تحلة القسم ما ينحل به القسم وهو اليمين وجاء مفسرا في الحديث أن المراد به قوله الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١) واختلف العلماء في معنى إلا تحلة القسم فقال الجمهور المراد قسم الله تعالى ورود جميع الخلق على النار فيردها بقدر ما يبر الله قسمه ثم ينجو أي لا يدخل النار ليعاقب بها ولكنه يجوز عليها قال: فإذا مر بها وجاوزها فقد أبر الله قسمه اختلف هؤلاء في هذا القسم فقال أبو عبيد والبخاري والجمهور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ والقسم مقدر أي والله إن منكم إلا واردها.\nوقال الخطابي (^٢): القسم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ (^٣) وقال: الحسن وقتادة حتما مقضيا قسما واجبا وحكى عن ابن مسعود فهذه ثلاثة أقوال في\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧١.\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٦٦٩).\n(^٣) سورة مريم، الآية: ٦٨.","vol":"9","page":36},{"text":"موضع القسم من الآية وقال ابن قتيبة: ليس المراد بذلك قسما حقيقا ولكن هذا اللفظ يعبر به عن تقليل المدة فتقول العرب ما يقيم فلان عنه إلا تحلة القسم أي مدة يسيرة وكما يحلف الحالف على الشيء أن يفعله فيفعل المقدار الذي يبر قسمه مثل أن يحلف على النزول بمكان فلو وقع به وقعه حقيقة أجزأته فتلك تحلة قسمه فالمعنى لا تمسه النار إلا مسة يسيرة مثل تحلة قسم الحالف وشبهوه تلك المدة اليسيرة بمدة قول القائل إن شاء الله لأنه تحلل بها القسم فيقول القائل والله لا أكلم زيدا إن شاء الله فلا ينعقد يمينه فالمراد أنه إن دخل النار يكون مكثه فيها قليلا كمدة تحليل اليمين ثم ينجيه الله تعالى وقيل لا تمسه النار أصلا ولا قدرا يسيرا كتحلة القسم ومنه الحديث الآخر \"من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوعا لم يأخذه سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم\" (^١) واختلف العلماء في الورود المذكور في الآية على أقوال أحدها أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٧ (١٥٨٥٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٤٤٣)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٦، وأبو يعلى (١٤٩٠) والمفاريد (ص ٢٧)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٨٥ (٤٠٢ و٤٠٣)، وابن عدى (٤/ ٧٤).\nقال ابن عدى: ورشدين بن سعد له أحاديث كثيرة غير ما ذكرت وعامة أحاديثه عمن يرويه عنه ما أقل فيها ممن يتابعه أحد عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وفي أحد إسنادي أحمد ابن لهيعة وهو أحسن حالا من رشدين. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧٨٦).\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٧١.","vol":"9","page":37},{"text":"المرور على الصراط على الصحيح وهو جسر منصوب على ظهر جهنم عافانا الله الكريم منها حكى عن ابن مسعود وكعب الأحبار وهو رواية عن ابن مسعود ويدل لهذا القول ما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري قال قال رسول الله -ﷺ-: \"من مات له ثلاثة من الولد\" (^١) فذكر الحديث إلى أن قال لم يرد النار إلا عابر سبيل يعني الجواز على الصراط.\nالثاني: أنه الوقوف عندها حكاه النووي في شرح مسلم (^٢).\nالثالث: أنهم يدخلونها حقيقة ولكن تكون عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم الخليل -﵇- حين ألقي في نار النمرود وحكى عن ابن عباس وجابر بن عبد الله (^٣).\nالرابع: أن المراد بورودها ما يصيبهم في الدنيا من الحمى لقوله -ﷺ-: \"إن الحمى من فيح جهنم\" حكاه ابن بطال (^٤) عن مجاهد س واستشهد بحديث\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الصحابة (٤٦٤٧) عن الطبراني. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٦ - ٧: ورجاله موثقون خلا شيخ الطبراني أحمد بن مسعود المقدسي؛ ولم أجد من ترجمه. أحمد بن مسعود أبو الحسن وقيل: أبو عبد الله الخياط المقدسي ترجمه غير واحد قال الذهبي في السير (١٣/ ٢٤٤): المحدث الإمام آخر من حدث عنه الطبراني. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٨١).\n(^٣) شرح الصحيح لابن بطال (٣/ ٢٤٨).\n(^٤) شرح الصحيح (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩).","vol":"9","page":38},{"text":"أبي هريرة قال: عاد رسول الله وأنا معه مريضا كان يتوعك فقال: أبشر فإن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الأخرة ا. هـ ذكره العراقي (^١).\nقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال القاضي عياض: وهو الجواز على الصراط وعليها وهي جامدة كالإهالة وقيل المراد سرعة الجواز عليه (^٢) ا. هـ.\nقوله: وفي رواية مسلم أن رسول الله -ﷺ- قال \"لنسوة من الأنصار لا يموت لأحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة\" الحديث أما التقييد بقوله فتحتسبه فلعله إنما ذكر ذلك للنساء لقلة الصبر عندهن وكثرة الجزع فيهن مع إظهار التفجع بفعل ما لا يجوز من كثير منهن فردعهن عن ذلك بهذا الكلام ليحصل إنكفافهن عما يتعاطينه من الأمور المحرمة فكان فائدة هذا التقييد ارتداعهن عن ذلك لا تخصيص الحكم به وقد فهمت في الأصول أن شرط العمل بالمفهوم أن يظهر له فائدة سوى تخصيص الحكم ا. هـ ذكره العراقي أيضا (^٣).\nقوله -ﷺ-: في رواية الأخرى قال: \"أتت امرأة بصبي لها فقالت يا نبي الله ادع الله لي فلقد دفنت ثلاثة فقال أدفنت ثلاثة قالت نعم قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار\" الحظار هو الحائط يجعل حول الشيء\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٢٥٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٩٦).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩).","vol":"9","page":39},{"text":"كالسور المانع ومعنى الحديث لقد احتميت وتحصنت من النار بحمى عظيم وحصن حصين قاله المنذري وقال: بعضهم معناه لقد احتميت بحمى عظيم من النار يقيك حرها ويؤمنك دخولها، الحظار المنع والحظار بكسر الحاء وفتحها ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها ا. هـ قال العلماء وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة وقد نقل جماعة وفيه إجماع المسلمين وقال المازري (^١): أما أولاد الأنبياء صلوت الله عليهم وسلامه عليهم فالإجماع مختفي على أنهم في الجنة وأما أطفال من سواهم من المؤمنين فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^٢) الآية وتوقف بعض المتكلمين فيها وأشار أنه لا يقطع لهم كالمكلفين وأما أولاد المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب قال: الأكثرون هم في النار تبعا لأبائهم وتوقف طائفة فيهم والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة واستدل بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل حين رآه النبي -ﷺ- في الجنة وحوله أولاد الناس قالوا يا رسول الله وأولاد المشركين قال أولاد المشركين ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٣) ولا يتوجه على المولود التكليف ولا يلزمه\n_________\n(^١) المعلم (٣/ ٣٠٧).\n(^٢) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٧٥.","vol":"9","page":40},{"text":"قول الرسول حتى يبلغ وهذا متفق عليه وتقدم الكلام على شيء من ذلك في ترك الصلاة في حديث الخليل المطول والله أعلم.\n\n٣٠٥١ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من مُسلمين يَمُوت بَينهمَا ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَهُوَ فِي الْمسند من حَدِيث أم أنس بن مَالك وَفِي النَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزَاد فِيهِ قَالَ يُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة فَيَقُولُونَ حَتَّى تدخل آبَاؤُنَا فَيُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وآباؤكم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٥١ (٢١٧٣٦) و٥/ ١٥٣ (٢١٧٥٥) و٥/ ١٥٩ (٢١٨١٢) و٥/ ١٦٤ (٢١٨٥٣)، والبخاري في الأدب المفرد (١٥٠)، والبزار (٣٩٠٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٤ (١٨٩٠) والكبرى (٢٠١٤)، وأبو عوانة (٧٩٢٦) و(٧٩٢٧) و(٧٩٢٨)، وابن حبان (٢٩٤٠) و(٤٦٤٣)، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٨٦. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٩٥)، الصحيحة (٢٢٦٠)، صحيح الجامع (٥٧٧٦).\n(^٢) أما حديث أم أنس: أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٣٦ (١١٨٨٢)، وإسحاق (٢١٦٢)، وأحمد ٦/ ٣٧٦ (٢٧٧٥٧) و٦/ ٤٣١ (٢٨٠٧٢)، والبخاري في الأدب المفرد (١٤٩)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ١٢٦ (٣٠٥) و(٣٠٦). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٦ و٣/ ٨: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وفيه عمر بن عاصم الأنصاري، ولم أجد من وثقه ولا ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٩٦).\nوأما حديث أبى هريرة: أخرجه أحمد ٢/ ٥١٠ (١٠٧٧٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٥ (١٨٩٢) والكبرى (٢٠١٦)، وأبو يعلى (٦٠٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ١١٣ رقم ٧١٤٤)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٢٩٢). وصححه الألباني في أحكام الجنائز ٢٣، صحيح الترغيب (١٩٩٧)، صحيح الجامع (٥٧٨٠).","vol":"9","page":41},{"text":"٣٠٥٢ - وَعَن أبي حسان -﵁- قَالَ قلت لأبي هُرَيْرَة إِنَّه قد مَاتَ لي ابْنَانِ فَمَا أَنْت محدثي عَن رَسُول الله -ﷺ- بِحَدِيث يطيب أَنْفُسنَا عَن مَوتَانا قَالَ نعم صغارهم دعاميص الْجنَّة يتلَقَّى أحدهم أَبَاهُ أَو قَالَ أَبَوَيْهِ فَيَأْخُذ بِثَوْبِهِ أَو قَالَ بِيَدِهِ كَمَا آخذ أَنا بصنفة ثَوْبك هَذَا فَلَا يتناهى أَو قَالَ يَنْتَهِي حَتَّى يدْخلهُ الله وأباه الْجنَّة رَوَاهُ مُسلم (^١) الدعاميص بِفَتْح الدَّال جمع دعموص بضَمهَا وَهِي دويبة صَغِيرَة يضْرب لَوْنهَا إِلَى السوَاد تكون فِي الغدران إِذا نشفت شبه الطِّفْل بهَا فِي الْجنَّة لصغره وَسُرْعَة حركته وَقيل هُوَ اسْم للرجل الزوار للملوك الْكثير الدُّخُول عَلَيْهِم وَالْخُرُوج لَا يتَوَقَّف على إِذن مِنْهُم وَلَا يخَاف أَيْن ذهب من دِيَارهمْ شبه طِفْل الْجنَّة بِهِ لِكَثْرَة ذَهَابه فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَ لَا يمْتَنع من بَيت فِيهَا وَلَا مَوضِع وَهَذَا قَول ظَاهر وَالله أعلم وصنفة الثَّوْب بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون بعدهمَا فَاء وتاء تَأْنِيث هِيَ حَاشِيَته وطرفه الَّذِي لَا هدب لَهُ وَقيل بل هِيَ النَّاحِيَة ذَات الهدب.\nقوله: وعن أبي حسان -﵁- (هو خالد بن غلاق القيسي، ويقال: العيشي أبو حسان البصري قال ابن سعد: وكان ثقة قليل الحديث ووثقه ابن حبان).\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (١٤٤)، وأحمد ٢/ ٤٤٨ (١٠٤٦٩) و(١٠٤٧٥) و٢/ ٥١٠ (١٠٧٧٠)، والبخاري في الأدب المفرد (١٤٥)، ومسلم (١٥٤ - ٢٦٣٥)، والبزار (٩٥٤٨)، وأبو عوانة (١١٥٠٣) و(١١٥٠٤) والبيهقي في الكبرى (٤/ ١١٢ - ١١٣ رقم ٧١٤٢ و٧١٤٣) والشعب (١٢/ ٢١٤ رقم ٩٢٩٦) والقضاء والقدر (٦٣٣). وصححه الألباني في الصحيحة (٤٣٢) وصحيح الترغيب (١٩٩٨).","vol":"9","page":42},{"text":"قوله: \"قلت لأبي هريرة إنه قد مات لي ابنان فما أنت محدثي عن رسول الله -ﷺ- بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا قال نعم صغارهم دعاميص الجنة\" الحديث هذا الحديث يدل أيضا على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة وهو قول أكثر العلم وهو مقتضى ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ (^١) وقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم وهذا فيما عدا أولاد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فإنه قد تقرر الإجماع على أنهم في الجنة حكاه أبو عبد الله المازري وتقدم الكلام على ذلك في الحديث قبل قبله قوله: -ﷺ- \"صغارهم دعاميص الجنة\" أي صغار أهلها وأصل الدعموص دوييه تكون في الماء لا تفارقه أبدا أي أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها أبدا والدعاميص أيضا جمع دعموص دويبة صغيرة يضرب لونها إلى السواد تكون بالغدران إذا نشفت ا. هـ قاله المنذري وقال غيره الدعموص بضم الدال دويبة تغوص في الماء والجمع الدعاميص كبرغوث براغيث وقال: السهيلي (^٢) دعموص سمكة صغيره كحية الماء كذا جاء مستعارا في هذا الحديث وكذا استعارت عائشة -﵂- العصفور حين نظر على طفل صغير قد مات فقالت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سواء فقال لها النبي -ﷺ- وما يدريك إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا وفي حديث آخر خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب\n_________\n(^١) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(^٢) الروض الأنف (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢).","vol":"9","page":43},{"text":"آبائهم\" (^١) الأصلاب جمع صلب وهو الظهر وفي الحديث أن رجلا زنى فمسخه الله تعالى دعموصا.\nوقال الجاحظ: إذا كبر الناموس صار دعاميص وهو يتولد من الماء الراكد وإذا كبد صار فراشا ولعل هذا هو عمدة جعل الجراد بحريا قال: الحافظ المنذري شبه الطفل بها في الجنة لصغره وسرعة حركته إلى آخره ودعميص اسم رجل كان كاهنا يقال هذا دعميص هذا الأمر أي عالم به (^٢) ا. هـ.\nمسألة فقهية: في فتاوى القاضي حسين أن دود الماء لو انشق أو ذاب فخرج منه ماء كان ذلك الماء طهورا يجوز منه التوضؤ وعلله بأن هذا الدود ليس بحيوان بل هو ينعقد من دخان يصعد من الماء فيشبه الدود وهذا صريح في جواز شرب الدعميص في الماء لأنها ماء منعقد والظاهر أن هذا لا يوافق عليه والمشهور خلاف ما قاله تفسيرا وحكما أنه محرم الأكل لاستقذاره لأنه من الحشرات والله أعلم قاله الكمال الدميري في حياة الحيوان (^٣).\nمسألة أيضا يحرم أكل الدود بجميع أنواعه لأنه مستخبث إلا ما تولد من مأكول ففيه عندنا ثلاثة أوجه أصحها جواز أكله معه لا منفردا والثاني يجب تمييزه ولا يؤكل أصلا والثالث يؤكل معه ومنفردا وعلى الأصح إطلاقهم أنه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠ و٣١ - ٢٦٦٢)، وأبو داود (٤٧١٣)، وابن ماجه (٨٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٩٣ (١٩٦٣)، وابن حبان (١٣٨) و(٦١٧٣) عن عائشة.\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٤٦٨).\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).","vol":"9","page":44},{"text":"لا فرق بين أن يسهل تمييزه أو يشق ولا يجوز بيع الدود إلا القرمذ الذي يصبغ به وهو دود أحمر يوجد في شجر البلوط في بعض البلاد صدفي شبيه بالحلزون تجمعه نساء تلك البلاد بأفواههن وكذلك دود القز ويجب إطعامه ورق الفرصاد ويجوز تشميسه وإن هلك لتحصيل فائدته ويجوز بيع الفيلج وفي باطنه الدود الميت لأن بقاءه فيه من مصلحته فيباع وزنا وجزافا كما صرح به القاضي حسين وقال الإمام: إن باعه وزنا لم يجز وإن باعه جزافا جاز وهذا هو الصحيح المعتمد لأن الدود الذي فيه يمنع معرفة مقدارا ما فيه من المقصود وهو القز والله أعلم قاله الكمال أيضا في كتابه المذكور في المسألة (^١).\nقوله: في الحديث \"يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه\" هذا شك من الراوي فيأخذ بثوبه أو قال بيده شك أيضا من الراوي \"كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا\" وصنفة الثوب هي حاشيته وطرفه الذي لا هدب له وقيل بل هي الناحية ذات الهدب قاله الحافظ وقيل الدعموص للرجل الزوار للملوك الكثير الدخول عليهم والخروج لا يتوقف على إذن منهم ولا يخاف أين ذهب من ديارهم شبه به لكثرة ذهابه في الجنة حيث شاء لا يمتنع من بيت فيها ولا موضع وهذا قول ظاهر والله أعلم انتهى.\nوقال في النهاية (^٢): الدعموص أيضا الدخال في الأمور أي أنهم سياحون\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٢٠).","vol":"9","page":45},{"text":"في الجنة دخالون في مناد لا يمنعون من موضع كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول على الحرم ولا يحتجب منهم أحد ا. هـ.\nوقال القرطبي (^١): وقد سمعت من بعض من لقيه أن الدعموص يراد به الآذن على الملك المتصرف بين يديه وأنشأ لأميه بن أبي الصلت:\nدعموص أبواب الملوك وجابر للخرق فاتح.\nقوله: في الحديث يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه شك الراوي فيأخذ بثوبه أو قال: بيده شك أيضا من الراوي كما \"كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا\" وصنف الثوب هي حاشيته وطرفه الذي لا هدب له وقيل بل هي الناحية ذات الهدب قاله الحافظ\nقوله: \"فلا يتناهى أو قال ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة\" يتناهي وينتهى بمعنى واحد أي لا يتركه ويكون التناهي أيضا من النهي.\n\n٣٠٥٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَت يَا رَسُول الله ذهب الرِّجَال بحديثك فَاجْعَلْ لنا من نَفسك يَوْمًا نأتك فِيهِ تعلمنا مِمَّا علمك الله قَالَ اجْتَمعْنَ يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا فاجتمعن فأتاهن النَّبِي -ﷺ- فعلمهن مِمَّا علمه الله ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُن من امْرَأَة تقدم ثَلَاثَة من الْوَلَد إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابا من النَّار فَقَالَت امْرَأَة واثنين فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- واثنين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (٢٢/ ٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠١ و١٠٢) و(١٢٤٩) و(٧٣١٠)، ومسلم (١٥٢ و١٥٣ - ٢٦٣٣)، =","vol":"9","page":46},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- \"ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار\" قال القاضي عياض (^١): أي ما يترك أخذه بأبيه وتعلقه به وروى ابن حبان في كتاب الضعفاء من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا بأن \"المولود يقال له ادخل الجنة فيقف على باب الجنة أى ممتلئا غيظا وغضبا ويقول لا أدخل الجنة إلا وأبوي معي فيقال ادخلوا بأبويه معه\" (^٢) ا. هـ.\nقوله: قوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- \"ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٣٠٥٤ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ: \"من أثكل ثَلَاثَة من صلبه فاحتسبهم على الله فِي سَبِيل الله ﷿ وَجَبت لَهُ الْجنَّة\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (^٣).\n_________\n= وابن حبان (٢٩٤٤)، وأبو عوانة (١١٤٨٤)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩ رقم ٩٢٨٧).\n(^١) إكمال المعلم (٨/ ١١٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ ٤١٦ (١٠٠٤). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٨: رواه الطبراني، وفيه علي بن الربيع، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٩١).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٤ (١٧٥٧١)، والروياني (٢٣٠)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٠٠ (٨٢٩)، والدمياطي في الاغتباط والتسلى (٦٠). وقال الدمياطي: إنه على رسم أبى داود والنسائي. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٥ - ٦: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٩٦) وصحيح الترغيب (٢٠٠٠).","vol":"9","page":47},{"text":"قوله: وعن عقبة بن عامر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ- أنه قال \"من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله\" الحديث الثكل فقدان المرأة ولدها كذلك الثكل بالتحريك وامرأة ثاكل وثكلى وثكلته أمه ثكلا وأثكله الله أمه قاله الجوهري في صحاحه (^١).\nقوله: \"فاحتسبهم في سبيل الله\" تقدم الكلام على الاحتساب أن الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعماله أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها وتقدم.\n\n٣٠٥٥ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشير الْأنْصَارِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث لم يرد النَّار إِلَّا عَابِر سَبيل يَعْنِي الْجَوَاز على الصِّرَاط رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَله شَوَاهِد كَثِيرَة (^٢).\nقوله وعن عبد الرحمن بشير الأنصاري (^٣) (هو عبد الرحمن بن بشير\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٦٤٧).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الصحابة (٤٦٤٧). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٦ - ٧: ورجاله موثقون خلا شيخ الطبراني أحمد بن مسعود المقدسي؛ ولم أجد من ترجمه. أحمد بن مسعود أبو الحسن وقيل: أبو عبد الله الخياط المقدسي ترجمه غير واحد قال الذهبي في السير (١٣/ ٢٤٤ ترجمة ١٢٦): المحدث الإمام آخر من حدث عنه الطبراني. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠١).\n(^٣) ترجمته: الاستيعاب ٢/ الترجمة ١٣٩٣، وأسد الغابة ٣/ الترجمة ٣٢٧٧، والإصابة ٤/ الترجمة ٥١٠٢.","vol":"9","page":48},{"text":"وقيل بشر، روى عن النبي -ﷺ- في فضل علي، روى عنه: الشعبي، وابن سيرين، وعبد الملك بن عمير).\nقوله: -ﷺ- \"من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل يعني الجواز على الصراط\" تقدم الكلام على ذلك مبسوطا.\n\n٣٠٥٦ - وَعَن أبي أُمَامَة عَن عَمْرو بن عبسة -﵁- قَالَ قلت لَهُ حَدثنَا حَدِيثا سمعته من رَسُول الله -ﷺ- لَيْسَ فِيهِ انتقاص وَلَا وهم قَالَ سمعته يَقُول من ولد لَهُ ثَلَاَثة أَوْلاد فِي الْإِسْلَام فماتوا قبل أَن يبلغُوا الْحِنْث أدخلهُ الله الْجنَّة برحمته إيَّاهُم وَمن أنْفق زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل الله فَإِن للجنة ثَمَانِيَة أَبْوَاب يدْخلهُ الله من أَي بَاب شَاءَ من الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة -﵁- تقدم الكلام عليهما ﵄.\nقوله: \"قلت له حدثنى حديثا سمعته من رسول الله -ﷺ- ليس فيه انتقاص ولا وهم\" الحديث يقال وهم الرجل إذا غلط في الشيء ووهم مفتوحة الهاء إذا ذهب وهمه إلى الشيء وأوهم بالألف إذا سقط من قراءته وكلامه شيئا ا. هـ ورأيت بعضهم ذكره بسكون الهاء والله أعلم.\nقوله: -ﷺ- \"من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة برحمته إياهم\" تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (٢٤١٩)، وأحمد ٤/ ٣٨٦ (١٩٧٤٧)، وعبد بن حميد (٢٩٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠٢).","vol":"9","page":49},{"text":"قوله: -ﷺ- \"ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء من الجنة\" الحديث قال الهروي صاحب الغريبين في تفسير هذا الحديث (^١): قيل وما زوجان قال فرسان أو عبدان أو بعيران قال أئمة اللغة الزوج ينطلق على المفرد ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^٢) وينطلق على المثنى وقد بين في الحديث على ما ذكر الهروي أن المراد من الزوجين اثنان متجانسان كفرسين أو عبدين أو بعيرين ويقاس بهما الدرهمان والديناران.\nوقال: بعضهم وكل شيء يقرن بصاحبه فهو زوج يقال زوجت بين الإبل إذا قرنت بعيرا ببعير وقيل درهم ودينار أو درهم وثوب.\nوقال القاضي أبو الوليد الباجي (^٣): يحتمل أن يريد عملا من الأعمال كصلاتين وصيام يومين وقال الحسن البصري: يعني اثنين من كل شيء درهمين دينارين ثوبين وقال: غيره يريد شيئين درهما ودينارا درهما وثوبا خفا ولجاما ونحو هذا ا. هـ.\nوقال بعضهم: ويحتمل أن يراد به تكرار الإنفاق ومرة بعد مرة لأنه إذا أنفق بعد الإنفاق أي يتعود ذلك ويتخذه دأبا وعادة كذا ذكره في كتاب الميسر (^٤).\n_________\n(^١) المعلم (٢/ ٢٦).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٤٠.\n(^٣) المنتقى (٣/ ٢١٨) والمسالك (٥/ ١٢٤).\n(^٤) الميسر (٢/ ٤٤٢) للتوربشتي.","vol":"9","page":50},{"text":"قوله: \"في سبيل الله\" المراد به الجهاد وقيل هو وعلى العموم في جميع وجوه الخير فيتناول جميع وجوه البر وهذا هو الأصح والأظهر وهو الذي رجحه القاضي عياض (^١) والله أعلم.\n\n٣٠٥٧ - وَعَن حَبِيبَة أَنَّهَا كَانَت عِنْد عَائِشَة -﵂- فجَاء النَّبِي -ﷺ- حَتَّى دخل عَلَيْهَا فَقَالَ مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا جِيءَ بهم يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يوقفوا على بَاب الْجنَّة فَيُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة فَيَقُولُونَ حَتَّى تدخل آبَاؤُنَا فَيُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وآباؤكم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن جيد (^٢).\nقوله (وَعَن حَبِيبَة هى حبيبة بنت أبي سفيان، قاله أبان بن صمعة لم يرو عنها غير ابن سيرين، ولا تعرف لأبي سفيان بنت اسمها حبيبة، قال أبو عمر: والذي أظنه \"حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان\").\nقوله: -ﷺ- \"ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث\"\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٥٥٥).\n(^٢) أخرجه إسحاق (٢٠٧٤)، وابن سعد في الطبقات ٨/ ٤٤٦، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٥٢)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٣٣٠٤)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ٢٢٤ (٥٧٠ و٥٧١) ومن طريقه الدمياطي في التسلي والاغتباط (٨٧ و٨٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٥٧٣).\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح خلا يزيد بن أبي بكرة؛ وقد وثقه ابن حبان، وأعاده بإسناد آخر، ورجاله ثقات، وليس فيه يزيد بن أبي بكرة، والله أعلم. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤١٦) وصحيح الترغيب (٢٠٠٣).","vol":"9","page":51},{"text":"فائدة: فيها بشرى وفي خبر أخر أن الأطفال يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة اذهبوا بهؤلاء إلى الجنة فيقفون على بابها فيقال لهم مرحبا بذراري المسلمين ادخلوا لا حساب عليكم فيقولوا وأين آباؤنا وأمهاتنا فتقول الخزنة إن أبائكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم إنهم كانت لهم ذنوب وسيئات فهم يحاسبون عليها ويطالبون فيضجون ويتضاغون على باب الجنة ضجة واحدة فيقول الله تعالى وهو أعلم بهم ما هذه الضجة فيقولون يا ربنا أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة إلا مع أبائنا فيقول الله ﵎ تخللوا الجمع فخذوا بأيدي أبائكم وأمهاتكم فأدخلوهم الجنة (^١) ا. هـ قاله في شرح الإلمام.\n\n٣٠٥٨ - وَعَن زُهَيْر بن عَلْقَمَة -﵁- قَالَ جَاءَت امْرَأَة من الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فِي ابْن لهَا مَاتَ فَكَأَن الْقَوْم عنفوها فَقَالَت يَا رَسُول الله قد مَاتَ لي ابْنَانِ مُنْذُ دخلت فِي الْإِسْلَام سوى هَذَا فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- وَالله لقد احتظرت من النَّار بحظار شَدِيد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد صَحِيح وَتقدم معنى الحظار (^٢).\n_________\n(^١) قال العراقي في تخريج الإحياء (٤٦٢): لم أجد له أصلا.\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٤٢٦)، وابن أبى خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى (١/ ٢٣٩ رقم ٨٢٤)، والبغوي في معجم الصحابة (٨٩٦)، وابن قانع (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٧٣ رقم ٥٣٠٧)، وأبو نعيم في معجم الصحابة (٣٠٧١ و٣٠٧٢ و٣٠٧٣). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٨٥٨) وقال في اسم راويه زهير بن أبي =","vol":"9","page":52},{"text":"قوله: عن زهير بن علقمة (^١) -﵁-: (زهير بن علقمة البجلي وقيل: النخعي، وقيل: زهير بن أبي علقمة، سكن الكوفة، روى إياد بن لقيط قال البخاري ليست له صحبة وقال البغوي: لا أعرف له صحبة، إلا أنهم أدخلوه في المسند، وقال ابن عبد البر وقد ذكره غيره في الصحابة).\nقوله: فقال النبي -ﷺ- \"لقد احتظرت من النار بحظار شديد\" تقدم معنى الحظار.\n\n٣٠٥٩ - وَعَن الْحَارِث بن أقيش -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما أَرْبَعَة أَوْلَاد إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته قَالَ رجل يَا رَسُول الله وَثَلَاثَة قَالَ وَثَلَاثَة قَالَ وَاثْنَانِ رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد فِي زوائده وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلمين يقدمان ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم قَالُوا يَا رَسُول الله وذوا الْإِثْنَيْنِ قَالَ وذوا الْإِثْنَيْنِ إِن من أمتِي من يدْخل الْجنَّة بشفتاعته أَكثر من مُضر وَإِن من أمتِي من يستعظم للنار حَتَّى يكون إِحْدَى زواياها (^٢).\n_________\n= علقمة. قال البزار: لا نعلم أسند زهير إلا هذا. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٨: رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠٤).\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٢/ الترجمة ٨٢٣، وأسد الغابة ٢/ الترجمة ١٧٧٥ و١٧٧٦، والإصابة ٢/ الترجمة ٢٨٤٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٣٦ (١١٨٧٩)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند ٥/ ٣١٢ =","vol":"9","page":53},{"text":"قوله: وعن الحارث بن أقيش (^١) -﵁- أقيش بضم الهمزة وفتح القاف وبعدها شين معجمة ذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وقال وقيش بالواو وفي أوله وبعدها قاف وشين والله أعلم.\nقوله: \"من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر\" اسم قبيلة من قبائل العرب.\n\n٣٠٦٠ - وَعَن أبي برزة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما أَرْبَعَة أفراط إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته قَالُوا يَا رَسُول الله وَثَلَاثَة قَالَ وَثَلَاثَة قَالُوا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ قَالَ وَإِن من أتِي لمن يعظم للنار حَتَّى يكون أحد زواياها وَإِن من أمتِي من يدْخل الْجنَّة بِشَفَاعَتِهِ مثل مُضر رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^٢) وَأرَاهُ حَدِيث الْحَارِث بن أقيش الَّذِي قبله وَيَأْتِي\n_________\n= (٢٣١٠٥)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (١٠٥٥)، وأبو يعلى (١٥٨١)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٧٤٢ و٧٤٣)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٦٤ رقم ٣٣٥٩) و(٣/ ٣٦٥ رقم ٣٣٦٠ و٣٣٦١ و٣٣٦٢)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٣٥٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٨: رواه عبد الله بن أحمد، والطبراني في الكبير، وأبو يعلى، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠٥) من طريق وبلفظ الحاكم وضعفه من الرواية الأولى في الضعيفة (٢١٢١) وضعيف الترغيب (١٢٣٣).\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ١/ ٣٨٩، وأسد الغابة ١/ ٨٤٤، وتهذيب الكمال ٥/ ١٠٠٩، والإصابة ١/ ١٣٦٧.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢١٢ (١٨١٣٩). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٨: رواه أحمد من حديث أبي برزة، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٢٣) وضعيف الترغيب (١٢٣٤).","vol":"9","page":54},{"text":"بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله.\nقوله: وعن أبي برزة -﵁- (اسم أبى برزة الصحابي: نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وقال: نيار شيطان، وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديمًا، وشهد مع رسول الله -ﷺ- فتح مكة. رُوي له عن رسول الله -ﷺ- ستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدى، والأزرق بن قيس، وغيرهم، نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفي بها، وقيل: توفي بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفي سنة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة، ﵁).\nقوله: -ﷺ- قال \"ما من مسلمين يموت لهما أربعة أفراط إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته\" جمع فرط وهو الذي يدرك من الأولاد والذكور والإناث وسيأتي الكلام عليه مبسوطا.","vol":"9","page":55},{"text":"٣٠٦١ - وَعَن أبي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِيّ -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَاتَ لي ولدان فِي الْإِسْلام فَقَالَ من مَاتَ لَهُ ولدان فِي الْإِسْلَام أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُمَا قَالَ فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك لَقِيَنِي أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ لي أَنْت الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- فِي الزائدين مَا قَالَ قلت نعم قَالَ لِأَن يكون قَالَه لي أحب إِلَيّ مِمَّا غلقت عَلَيْهِ حمص وفلسطين رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرانِيّ ورواة أَحْمد ثِقَات فلسطين بِكَسْر الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة كورة بِالشَّام وَقد تفتح الْفَاء (^١).\nقوله: وعن أبي ثعلبة الأشجعي -﵁-: (أبو ثعلبة الأشجعي له صحبة، قاله البخاري، يعد في أهل الحجاز وقال البغوي: سكن المدينة).\nقوله: قال \"لأن يكون قاله لي أحب إلي مما غلقت عليه حمص وفلسطين\" تقدم الكلام على حمص في باب الحمام وفلسطين\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢١٣)، وأحمد ٦/ ٣٩٦ (٢٧٨٦٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٠١)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثاني (١٣١١ و١٣١٢)، والدولابي في الكنى (١٣٨)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٨٣ (٩٥٦) و٢٢/ ٣٨٤ (٩٥٧). قال الدارقطني في العلل (١١٦٦): يرويه ابن جريج، واختلف عنه؛ فرواه حماد بن مسعدة، وغيره، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن عمر بن نبهان، عن أبي ثعلبة. ورواه غيره، عن ابن جريج بهذا الإسناد، عن أبي هريرة. والقول قول حماد بن مسعدة، ومن تابعه، لأنه ذكر فيه أبا ثعلبة، وذكر أبا هريرة في آخره، ويقال: إن هذا أبو ثعلبة الأشجعي، وليس بالخشني. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٣٥).","vol":"9","page":56},{"text":"كورة بالشام قاله المنذري وقال في التنقيح (^١): فلسطين كورة كبيرة من كور الشام فيها عدة مدن فيها البيت المقدس والرملة وعسقلان وغير ذلك ومن العرب من يقول فلسطون في الرفع وبالياء في غيره ومنهم من يجريها بالياء في كل حال ويعرب النون وفلسطين أيضا قرية بالعراق ا. هـ.\nوقال في النهاية (^٢): فلسطين هي بكسر الفاء وفتح اللام الكورة المعروفة فيما بين الأردن وديار مصر وأم بلادها القدس ا. هـ.\n\n٣٠٦٢ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد فاحتبسهم دخل الْجنَّة قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ قَالَ مَحْمُود يَعْنِي ابْن لبيد فَقلت لجَابِر أَرَاكُم لَو قُلْتُمْ وَاحِدًا لقَالَ وَاحِدًا قَالَ وَأَنا أَظن ذَلِك رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\nقوله: وعن جابر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: يقول \"من مات له ثلاثة من الولد فاحتبسهم دخل الجنة\" أي احتسب الأجر بصبره على مصيبة به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها قاله في النهاية والاسم منه الحسبان بكسر الحاء والاحتساب.\n_________\n(^١) كشف المناهج والتناقيح (٣/ ٣٨٥).\n(^٢) النهاية (٣/ ٤٧١).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠٦ (١٤٥٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد (١٤٦)، وابن حبان (٢٩٤٦)، والبيهقي في الآداب (ص ٣٠٣ رقم ٧٥٠) والشعب (١٢/ ٢١٠ رقم ٩٢٨٩). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧: رجاله ثقات. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٠٠٦).","vol":"9","page":57},{"text":"قوله: قال: محمود يعني ابن لبيد فقلت لجابر أراكم لو قلتم واحدا لقال واحدا\" أراكم بضم الهمزة معناها أظنكم.\n\n٣٠٦٣ - وَعَن قُرَّة بن إِيَاس -﵁- أَن رجلا كانَ يَأْتِي النَّبِي -ﷺ- وَمَعَهُ ابْن لَهُ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- تحبه قَالَ نعم يَا رَسُول الله أحبك الله كَمَا أحبه فَفَقدهُ النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ مَا فعل فلَان بن فلَان قَالُوا يَا رَسُول الله مَاتَ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- لأبيه أَلا تحب أَن لَا تَأتي بَابا من أَبْوَاب الْجنَّة إِلَّا وجدته ينتظرك فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَله خَاصَّة أم لكلنا قَالَ بل لكلكم رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِاخْتِصَار قَول الرجل أَله خَاصَّة إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَ كانَ نَبِي الله -ﷺ- إِذا جلس جلس إِلَيْهِ نفر من أَصْحَابه فيهم رجل لَهُ ابْن صَغِير يَأْتِيهِ من خلف ظَهره فيقعده بَين يَدَيْهِ فَهَلَك فَامْتنعَ الرجل أَن يحضر الْحلقَة لذكر ابْنه فَفَقدهُ النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ مَا لي لَا أرى فلانا قَالُوا يَا رَسُول الله بنيه الَّذِي رَأَيْته هلك فَلَقِيَهُ النَّبِي -ﷺ- فَسَأَلَهُ عَن بنيه فَأخْبرهُ أَنه هلك فَعَزاهُ عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا فلَان أَيّمَا كَانَ أحب إِلَيْك أَن تتمتع بِهِ عمرك أَو لَا تَأتي إِلَى بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة إِلَّا وجدته قد سَبَقَك إِلَيْهِ يَفْتَحهُ لَك، قَالَ يَا نَبِي الله بل يسبقني إِلَى بَاب الْجنَّة فيفتحها لَهو أحب إِلَيّ قَالَ فَذَاك لَك (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١١٧١)، وابن أبى شيبة ٣/ ٣٦ (١١٨٨٦)، وأحمد ٣/ ٤٣٦ (١٥٨٣٥) و٥/ ٣٥ (٢٠٦٩٢)، والبزار (٣٣٠٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤١ (١٨٨٦) و٤/ ١٨٥ (٢١٠٦) والكبرى (٢٠٠٩)، والروياني (٩٣٨)، والدولابي في الكنى (٦٢٨)، والبغوي في الجغديات (١٠٧٥) ومعجم الصحابة (١٩٩٥)، وابن حبان (٢٩٤٧)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٢٦ (٥٤) و١٩/ ٣١ (٦٦)، والحاكم ١/ ٣٨٤، =","vol":"9","page":58},{"text":"قوله: وعن قرة بن إياس -﵁- (^١) (هو قرة بن إياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليمان بن أوس بن عمرو المزني الصحابي هو جد إياس بن معاوية بن قرة، قاضى البصرة الموصوف بالذكاء، وكان قرة يسكن البصرة. روى عن النبي -ﷺ- أحاديث. روى عنه ابنه معاوية، وبه كان يكني).\nقوله: أن رجلا كان يأتي النبي -ﷺ- ومعه ابن له فقال النبي -ﷺ- تحبه قال نعم يا رسول الله أحبك الله كما أحبه\" الحديث.\nفائدة: وعن أنس قال: \"مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة بموت ابنه حتى أكون أنا أحدثه قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم\n_________\n= والبيهقي في الآداب (٩٢٤) والكبرى (٤/ ٩٨ - ٩٩ رقم ٧٠٨٩) والشعب (١٢/ ٢١٥ - ٢١٦ رقم ٩٢٩٧ و٩٢٩٨). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٩ - ١٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠٧)، وأحكام الجنائز (ص ٢٠٥)، والمشكاة (١٧٥٦).\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ٢١١٠، وأسد الغابة ٤/ ٤٢٩٢، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٥٠٩، وتهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٦٧، والإصابة: ٣/ الترجمة ٧١٠١.","vol":"9","page":59},{"text":"أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله -ﷺ-، فأخبره بما كان، فقال رسول الله -ﷺ-: \"بارك الله لكما في غابر ليلتكما\" قال: فحملت (^١)، وعن أنس أيضا توفي ابن لعثمان بن مظعون فأشتد حزنه عليه حتى اتخذ في داره مسجدا يتعبد فيه فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال: \"يا عثمان إن الله ﷿ لم يكتب علينا الرهبانية وإنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله يا عثمان للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة (أبواب) فما يسرك أن تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك آخذا بحجزتك يشفع لك إلى ربك ﷿ قال: بلى قيل يا رسول الله ولنا في فرطنا ما لعثمان؟ قال: نعم لمن صبر واحتسب (^٢).\nفرع: في الحديث \"الغلام مرتهن بعقيقته\" (^٣) قيل معناه أن أباه يحرم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٠١) و(٥٤٧٠)، ومسلم (٢٣ - ٢١٤٤) و(١٠٧ - ٢١٤٤) واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٩٢٣) مختصرا، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٢٠ - ٢٢١ رقم ٩٣٠٤ و٩٣٠٥) واللفظ له من طريقين. الأول من رواية بن وهب، عن ثوابة بن مسعود، عمن حدثه، عن أنس بن مالك. وهو إسناد ضعيف لانقطاعه وثوابه قال ابن يونس: شيخ لابن وهب. أقرأ بمصر، وكان منكر الحديث. وأما الثانى فمن رواية عبد الله بن الجراح القهستاني، نا عبد الخالق بن إبراهيم بن طهمان، عن أبيه، عن بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك. وهو أشد ضعفا من سابقه فعبد الخالق مجهول، وقال ابن عدى: وضرار بن عمرو هذا منكر الحديث، وقال الدارقطني متروك.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣١٦٥)، وأبو داود (٢٨٣٧) و(٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٧ (٤٢٥٨) والكبرى (٤٥٣٢) و(٤٥٣٣) عن سمرة بن =","vol":"9","page":60},{"text":"شفاعته ولده إذا لم يعق عنه ا. هـ قاله في النهاية (^١).\n\n٣٠٦٤ - وَعَن معَاذ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلمين يتوفى لَهما ثَلَاثَة من الْوَلَد إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم قَالُوا يَا رَسُول الله أَو اثْنَان قَالَ أَو اثْنَان قَالُوا أَو وَاحِد ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن السقط ليجر أمه بسرره إِلَى الْجنَّة إِذا احتسبته رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن أَو قريب من الْحسن السرر بسين مُهْملَة وَرَاء مكررة محركا هُوَ مَا تقطعه الْقَابِلَة وَمَا بَقِي بعد الْقطع فَهُوَ السُّرَّة (^٢).\n_________\n= جندب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الإرواء (١١٦٥) و(١١٦٩)، المشكاة (٤١٥٣)، صحيح أبي داود (٢٥٢٧ - ٢٥٢٨).\n(^١) النهاية (٣/ ٢٧٧).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٥٦٣)، وأحمد ٥/ ٢٣٠ (٢٢٤٣١) وه/ ٢٣٧ (٢٢٤٩٤) وه/ ٢٤١ (٢٢٥١٧)، وعبد بن حميد (١٢٣)، وابن ماجه مختصرا (١٦٠٩)، والحارث (٢٦٣)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٣٧٣)، والشاشي (١٣٨٩ و١٣٩٠) و(١٣٩١ و١٣٩٢)، وأبو أحمد في الأسامى والكنى (٥/ ٢٠)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٤٥ - ١٤٧ (٢٩٩ و٣٠٠ و٣٠١ و٣٠٢ و٣٠٣)، وابن عدى في الكامل (٩/ ٣٠).\nقال البوصيري في الزجاجة ٢/ ٥٢: هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب قال المزي في الأطراف تابعه عبيد الله بن عمر الرقي عن زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن عبيد الله التيمي عن عبد الله بن مسلم قال وقال إسرائيل بن يونس وخالد بن عبد الله الواسطي وغير واحد عن يحيى بن عبد الله الجابر عن عبيد الله بن مسلم وهو المحفوظ، رواه مسدد في مسنده عن خليد بن عبد الله حدثنا يحيى الجابر فذكره وسياقه أتم وكذا رواه عبد بن حميد في مسنده من طريق يحيى به.\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٩: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن عبيد الله =","vol":"9","page":61},{"text":"قوله: وعن معاذ -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده\" كانت يمين النبي -ﷺ- والذي نفس محمد بيده\".\nقوله: \"إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته\" السرر هو ما تقطعه القابلة وما بقي بعد القطع هو السرة قاله المنذري.\nفائدة: يقال عرفت هذا الأمر قبل أن يقطع سرك ولا يقال سرتك لأن السرة تقطع تقطع وجمع السرة سرور وسرات قاله الدميري (^١).\nفائدة: خرج ابن ماجه بإسناده عن علي س قال: قال: رسول الله -ﷺ- \"إن السقط ليراغم ربه إذا أدخل أبويه النار فيقال أيها السقط الراغم ربه أدخل أبويك الجنة فيجرهما بسرة حتى يدخلهما الجنة\" (^٢) ا. هـ ورأيت في بعض النسخ عن أسماء بنت عابس بن ربيعة عن أبيها عن علي انفرد به ابن ماجه وأسماء بنت عابس لا يعرف لها إلا هذا الحديث الذي خرجه ابن ماجه وأبو عابس ربيعة روى عن النبي -ﷺ- وعن جماعة من الصحابة روى له الجماعة.\nقوله: \"إن السقط ليراغم ربه\" أي يغاضبه قال البيهقي (^٣): وفي معناه ما رواه\n_________\n= التيمي، ولم أجد من وثقه ولا جرحه. وضعفه الألباني في المشكاة (١٧٤٥) وصححه في صحيح الترغيب (٢٠٠٨).\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ١٩١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٠٦)، وأبو يعلى (٤٦٨). وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (١٧٥٧).\n(^٣) شعب الإيمان (١٢/ ٢٢٢).","vol":"9","page":62},{"text":"أبو عبيد مرسلا \"يظل محتبطئا على باب الجنة يقيرهم يعني متغضبا مستبطئا\" وقيل: المحتبطئ: هو كالغلام المدل على أبويه وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ \"لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي\" (^١) انفرد به ابن ماجه وفي الحديث أيضًا \"لأن أقدم سقطا أحب إلي من مائة مستلئم\" (^٢) السقط بالكسر والفتح والضم والكسر أكثرها الولد الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه والمستلئم لابس عدة الحرب يعني أن ثواب السقط أكثر من ثواب كبار الأولاد لأن فعل الكبير يخصه أجره وثوابه وإن شارك الأب في بعضه وثواب السقط موفر على الأب ومنه الحديث \"يحشر ما بين السقط إلى الشيخ الفاني يوم القيامة مردا جردا مكحلين\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٦٠٧)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٣٨٤، وابن حبان في المجروحين ٣/ ١٠٣. قال الألباني: ضعيف، الضعيفة (٤٣٠٧)، ضعيف الجامع (٤٦٧٧).\n(^٢) أخرجه أبو الحسن المدائني في التعازى (٢) من طريق أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك. وأبان متروك. وأخرجه البيهقي في الشعب (١٢/ ٢١٩) من طريق أبى عبيد نا ابن علية، عن ليث بن أبي سليم، عن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قوله.\n(^٣) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٦٠ - ١٦١) ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٤٢١)، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (٤٦٢٦) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠ - ١٨٤ - ١٨٥)، والبغوي في معجم الصحابة (٢١٢٦) وعنه أبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٩٤٨) ومن طريقه ابن عساكر (٦٠/ ١٩٣)، وأبو عروبة في المنتقى من الطبقات (ص ٥٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٥٦ رقم ٦٠٤) و(٢٠/ ٢٨٠ رقم ٦٦٣) و(٢٠/ ٢٨٠ رقم ٦٦٤) ومسند الشاميين (١٨٣٩)، وابن بشران (١٤٣١)، =","vol":"9","page":63},{"text":"فرع: قال البغوى (^١) وغيره: يستحب تسمية السقط لحديث ورد فيه أن النبى ﷺ قال: \"سَمُّوا السَّقْطَ فقيل يا رسول الله ما ندرى أذكر هو أم أنثى؟ فقال سموه خارجة أو حى\" (^٢) ونحو هذا باسم غلام وجارية قاله في الديباجة.\n_________\n= والحرفى (١٠)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٩٢ - ٩٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٤٢٢) عن المقدام بن معدى كرب.\nقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٣٣ - ٣٣٤: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما حسن.\nوقال في موضع آخر ١٠/ ٣٣٤: رواه الطبراني، وفيه يزيد بن سنان: أبو فروة الرهاوي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين. وحسنه البوصيري في إتحاف الخيرة (٨/ ٢٦٨). وحسنه اللبانى في صحيح الترغيب (٣٧٠١). وعزاه الألباني إلى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عكيم ولم أهتد إليه في المطبوع. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥١٢).\n(^١) شرح السنة (١١/ ٢٧١).\n(^٢) لم أجده بهذا السياق ولكن جاء نحوه بلاغا كما عند البغوي في شرح السنة (١١/ ٢٧١) قال: روي أن عبد الرحمن بن زيد بن معاوية، قال عند عمر بن عبد العزيز: بلغني أن السقط يسعى يوم القيامة وراء أبيه، يقول: أنت ضيعتني، تركتني بلا اسم لي، فقال عمر بن عبد العزيز، كيف وقد يكون شيئا لا يدرى أغلاما يكون أم جارية، فقال عبد الرحمن: إن من ذلك أسماء تجمع الغلام والجارية: حمزة، وعمارة، وطلحة، وعنبسة.\nوروى بلفظ: سموا السقط يثقل الله به ميزانكم؛ فإنه يأتي يوم القيامة ويقول: أي رب! أضاعوني فلم يسموني.\nأخرجه الرافعي في التدوين (٤/ ١٤٤ - ١٤٥) من طريق ميسرة بن علي في مشيخته ثنا أبو سعيد معن بن عيسى هذا في الجامع حدثني أحمد بن العباس أبو عبد الله الزهري حدثني أبو هدبة قال سمعت أنسا فذكره. قال الألباني في الضعيفة (٣٣٢٢): قلت: وهذا موضوع؛ آفته أبو هدبة؛ فقد كان كذابًا دجالًا من الدجاجلة.","vol":"9","page":64},{"text":"٣٠٦٥ - وَعَن أبي سلمى -﵁- راعي رَسُول الله -ﷺ- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول بخ بخ وَأَشَارَ بِيَدِهِ لخمس مَا أثقلهن فِي الْمِيزَان سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَالْولد الصَّالح يتوفى للمرء الْمُسلم فيحتسبه رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم (^١) وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث ثَوْبَان (^٢) وَحسن إِسْنَاده وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سفينة وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَتقدم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٦/ ١٢٦) و(٧/ ٣٠١)، وأحمد ٣/ ٤٤٣ (١٥٩٠٢) و٤/ ٢٣٧ (١٨٣٦١) و٥/ ٣٦٥ (٢٣٥٧٠)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٤٧٠) والسنة (٧٨١)، والنسائي في الكبرى (٩٩٢٣) واليوم والليلة (١٦٧)، والدولابى في الكنى (٢١٨)، والبغوي في معجم الصحابة (٥٥٨ و٥٥٩)، وابن حبان (٨٣٣)، والطبراني في الدعاء (١٦٨٠) والكبير ٢٢/ ٣٤٨ (٨٧٣) والشاميين (٦١٥) و(٨٠٤)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٧٠٧)، والحاكم ١/ ٥١١.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٤٩: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال في ١٠/ ٨٨: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، قلت: والصحابي الذي لم يسم هو ثوبان إن شاء الله. وقال في ١٠/ ٨٨: رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٠٤) وصحيح الترغيب (١٥٥٦) و(٢٠٠٩).\n(^٢) أخرجه البزار (٤١٨٦)، والطبراني في الدعاء (١٦٧٩) والشاميين (٨٠١) وتمام في الفوائد (١٥٨١). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله -ﷺ- بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه عن ثوبان وإسناده حسن زيد بن يحيى معروف ليس به بأس، وعبد الله بن العلاء بن زبر وأبوه مشهوران، وأبو سلام مشهور قد ذكرناه.\nوقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٨٨: رواه البزار، وحسن إسناده، إلا أن شيخه: العباس بن\nعبد العظيم الباشاني، لم أعرفه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠١٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٢٥ رقم ٥١٥٢). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن سفينة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: النضر بن محمد. وقال الهيثمي في المجمع =","vol":"9","page":65},{"text":"قوله: وعن أبي سلمى -﵁- راعي رسول الله -ﷺ- تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الذكر والله أعلم.\nقوله: -ﷺ- \"بخ بخ وأشار بيده لخمس ما أثقلهن في الميزان\" تقدم الكلام أيضا على الميزان قريبا.\nقوله: رواه والطبراني من حديث سفينة (ورجاله رجال الصحيح).\n\n٣٠٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من كَانَ لَهُ فرطان من أمتِي أدخلهُ الله بهما الْجنَّة فَقَالَت لَهُ عَائِشَة فَمن كَانَ لَهُ فرط فَقَالَ وَمن كَانَ لَهُ فرط يَا موفقة قَالَت فَمن لم يكن لَهُ فرط من أمتك قَالَ فَأَنا فرط أمتِي لن يصابوا بمثلي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب الفرط بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء هُوَ الَّذِي يدْرك من الْأَوْلَاد الذُّكُور وَالْإِنَاث وَجمعه أفراط (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة\" فذكر الحديث\n_________\n= ١٠/ ٨٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠١١).\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٣٣٤ (٣١٥٧)، والترمذي (١٠٦٢) والشمائل (٣٩٨)، وأبو يعلى (٢٧٥٢)، والحكيم الترمذي (٣٧٥)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٩٧ رقم ١٢٨٨٠)، وابن عدى (٥/ ٢٨٧) والبيهقي في الكبرى (٤/ ١١٤ رقم ٧١٤٧ و٧١٤٨) والشعب (١٢/ ٢١٣ رقم ٩٢٩٥).\nقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة. وقال الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب (١٢٣٧)، المشكاة (١٧٣٥)، ضعيف الجامع (٥٨٠١).","vol":"9","page":66},{"text":"إلى أن قال فقالت \"له عائشة فمن كان له فرط فقال ومن كان له فرط يا موفقة\" يعني الحريصة على معرفة الشرع، والشفقة على الخلق بسؤال قدر ثوابهم، وذكاء القلب على السؤال = توفيق من الله الكريم، وأنت موفقة بهذه الأشياء (^١) ا. هـ.\nقوله: \"فأنا فرط أمتي لن يصابوا بمثلي\" الفرط هو الذي لم يدرك من الأولاد الذكر والإناث وجمعه أفراط قاله المنذري وقال: أهل اللغة والغريب الفرط بالتحريك هو الذي يتقدم القوم ليرتاد لهم الماء ويهييء لهم الدلاء والأرشية جمع رشاء كسقاء وأسقية والرشاء بكسر الراء وبالمد هو الحبل والمراد به هنا الولد دون البلوغ يغذيه المرء بين يديه ذكرا كان أو أنثى.\nقوله: \"وأنا فرط أمتي\" الحديث أي أنا متقدمهم إلى الحوض قبل ورودهم أهييء مصالحهم في دار القرار وفرط القافلة هو الذي يتقدمهم فيعد لهم ما يفتقرون إليه من الأسباب ويعين لهم المنازل والحياض يوم القيامة للرسل عليهم الصلاة والسلام لكل على قدره وقدر تبعه وقد هيأ مشربا يروي منه فلا يظمأ بعده أبدا انتهى.\nفمعنى الحديث أنا فرطكم أي سابقكم إلى الحوض كالمهييء له والمراد هنا الطفل الذي مات سمي فرطا لأنه قد تقدم أبويه في الذهاب إلى الآخرة.\n\n٣٠٦٧ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قدم ثَلاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث كَانُوا لَهُ حصنا حصينا من النَّار فَقَالَ أَبُو\n_________\n(^١) المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ٤٦٤).","vol":"9","page":67},{"text":"ذَر قدمت اثْنَيْنِ قَالَ واثنين قَالَ أبي بن كَعْب سيد الْقُرَّاء قدمت وَاحِدًا قَالَ وواحدا\". رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).\nقوله: قال أبي بن كعب سيد القراء: قدمت واحدا قال وواحدا\" الحديث تقدم الكلام على مناقب أبي بن كعب مرارا مبسوطا وروي ذكر الواحد من حديث جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهو محمول عند العلماء على أنه ﵊ أوحي إليه ذلك عند سؤالهم عن الاثنين وعن الواحد إن صح ولا يمتنع نزول الوحي عليه في أسرع من طرفة العين كما في نول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) لما قام ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله -ﷺ- إني رجل ضرير البصر فنزلت هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٣) (^٤) وفي هذا الحديث\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٣٧٥ (٣٦٢٤) و١/ ٤٢٩ (٤١٥٨) و(٤١٥٩) و(٤١٦٠) و١/ ٤٥١ (٤٤٠٠)، وابن ماجه (١٦٠٦)، والترمذي (١٠٨٣)، وأبو يعلى (٥١١٦) و(٥٣٥٢)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٠ رقم ٧٨٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٩)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢١٢ - ٢١٣ رقم ٩٢٩٣ و٩٢٩٤). قال الترمذي: هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وضعفه الألباني في المشكاة (١٧٥٥)، ضعيف الجامع الصغير (٥٧٥٤).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٨٣٢) و(٤٥٩٢) من حديث سهل بن سعد. وأخرجه البخاري (٢٨٣١) و(٤٥٩٤) و(٤٩٩٠)، ومسلم (١٤١ و١٤٢ - ١٨٩٨) عن البراء. وأخرجه أبو داود (٢٥٠٧) وابن حبان (٤٦٩٣) عن زيد بن ثابت وصححه الألباني.","vol":"9","page":68},{"text":"وغيره دليل على أطفال المسلمين في الجنة لأن الرحمة إذا نزلت بأبائهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم قال أبو عمر بن عبد البر وهذا إجماع من العلماء أن أطفال المسلمين في الجنة ولم يخالف في ذلك غير فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم الغلط (^١) ا. هـ.\n\n٣٠٦٨ - وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا مَاتَ ولد لعبد قَالَ الله ﷿ لملائكته قبضتم ولد عَبدِي فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول قبضتم ثَمَرَة فُؤَاده فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول مَاذَا قَالَ عَبدِي فَيَقُولُونَ حمدك واسترجع فَيَقُول ابْنُوا لعبدي بَيْتا فِي الْجنَّة وسموه بَيت الْحَمد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nقوله: وعن أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام عليه في مواضع من هذا التعليق.\nقوله -ﷺ-: قال \"إذا مات ولد لعبد قال الله ﷿ لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم\" الحديث قيل\n_________\n(^١) التمهيد (٦/ ٣٤٨).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٥١٠)، وأحمد ٤/ ٤١٥ (٢٠٠٣٩)، وعبد بن حميد (٥٥١)، والترمذي (١٠٢١)، وابن حبان (٢٩٤٨)، وابن السنى (٥٨١)، والبيهقي في الآداب (٧٥٦) والكبرى (٤/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٧١٤٦) والشعب (١٢/ ١٨٣ - ١٨٤ رقم ٩٢٤٩) و(١٢/ ١٨٤ رقم ٩٢٥٠). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، واسم أبي سنان عيسى بن سنان. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٤٠٨) وصحيح الترغيب (٢٠١٢) و(٣٤٩١).","vol":"9","page":69},{"text":"للولد ثمرة لأن ثمرة ما ينتجه الشجر والولد نتيجة الأب وفي حديث عمرو بن مسعود (قال لمعاوية) ما تسأل عمن ذبلت بشرته وقطعت ثمرته يعني نسله وقيل انقطاع شهوته للنكاح (^١).\nقوله: \"فيقول ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع\" يعني أنه قال: الحمد لله وإنا لله وإنا إليه راجعون.\nقوله: \"فيقول الله ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد\" يعني اجعلوا اسم البيت بيت الحمد إضافة إلى الحمد الذي قاله العبد عن المصيبة لأنه جزاء الحمد والله أعلم وفي حديث أخر \"أن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فيصبر ويحتسب بثواب دون الجنة\" (^٢) صفي الرجل الذي يصافيه الود ويخلصه له وقيل صفيه أي ولده وحبيبه ومن يصافيه الود.\nقوله: \"ثم احتسبه\" الاحتساب الصبر على لطلب الثواب والاحتساب يستلزم الكف عن كلمات السخط والتكلم بما يرضي الله تعالى ا. هـ والله أعلم.\n_________\n(^١) أسنده الخطابي في غريب الحديث (٢/ ٥٢٢) من طريق ابن أبى الدنيا وهو عنده في العمر والشيب (٥٥) ومكارم الأخلاق (٤٧١).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٢٧) ومن طريقه النسائي في المجتبى ٤/ ٤٢ (١٨٨٧) والكبرى (٢٠١٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وحسنه الألباني في الجنائز (٢٣)، صحيح الجامع (١٨٥١).","vol":"9","page":70},{"text":"خاتمة: فيها بشرى قال الغزالي (^١) وحكى أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهة من دهره قال فانتبه من نومه ذات يوم فقال زوجوني زوجوني فزوجوه ثم سألوه عن ذلك فقال لعل الله أن يرزقني ولدا ويقضيه فيكون لي مقدمة الأخرة ثم قال: رأيت في المنام كأن القيامه قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف وبى من العطش ما كاد أن يقطع عنقي وكذا الخلائق كلهم من شدة العطش والكرب فنحن كذلك إذا ولدان يتخللون الجمع عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب يسقون الواحد بعد الواحد يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس فمددت يدي إليهم وقلت لأحدهم اسقني فقد أجهدني العطش فقال ليس لك فينا ولد إنما نسقى ءابائنا قلت ومن أنتم قالوا نحن من مات من أولاد المسلمين قال: وهذا أحد المعاني المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (^٢) أي تقديم الأطفال إلى أخر الآية ا. هـ.\nقوله: \"من حلف بالأمانة ليس داخله في أسماء الله تعالى وصفاته\" وقيل المراد بالأمانة الفرائض أي لا تحلفوا بالصلاة والحج وغيرهما ولا كفارة فيه ا. هـ ولفظ الأمانة يقع على الطاعة والعبادة والوديعة والأمان وقد جاء في كل منها حديث وحديث من حلف على الأمانة فليس منا يشبه أن تكون الكراهة فيه من أجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله تعالى وصفاته من أموره\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٧).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٣.","vol":"9","page":71},{"text":"فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين أسماء الله تعالى كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم وإذا قال الحالف والأمانة كانت يمينا عند أبي حنيفة والشافعي لا يعدها يمينا والله تعالى أعلم.","vol":"9","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>[الترهيب من إفساد المرأة على زوجها والعبد علي سيده]</span>\n٣٠٦٩ - عَن بُرَيْدَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَيْسَ منا من حلف بالأمانة وَمن خبب على امرئ زَوجته أَو مَمْلُوكه فَلَيْسَ منا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه خبب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى مَعْنَاهُ خدع وأفسد (^١).\nقوله: عن بريدة -﵁- (هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمي. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. رُوى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٥٢ (٢٣٤٤٦)، والبزار (٤٤٢٥)، والدولابي في الكنى (١٣٠٩)، وابن المنذر في الأوسط (٨٩٤١)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٣٤٢)، وابن حبان (٤٣٦٣)، والحاكم ٤/ ٢٩٨، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٥٣ رقم ١٩٨٣٦) والشعب (١٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩ رقم ١٠٦٠٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمى في مجمع الزوائد ٤/ ٣٣٢: رواه أحمد، والبزار، ورجاله رجال الصحيح خلا الوليد بن ثعلبة، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٤ و٣٢٥)، وصحيح الترغيب (٢٠١٣).","vol":"9","page":73},{"text":"أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان).\nقوله -ﷺ-: قال \"ليس منا من حلف بالأمانة\" الحديث أي ليس على سنتنا وطريقتنا في منا صحة الإخوان هذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك يريد به الموافقة والمتابعة قال الله تعالى إخبارا عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (^١) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في مواضع من هذا التعليق\nقوله: \"من حلف بالأمانة\" لأن الأمانة ليست داخلة في أسماء الله تعالى وصفاته وقيل المراد بالأمانة الفرائض أي لا تحلفوا بالصلاة والحج وغيرهما ولا كفارة فيه ا. هـ.\nولفظ الأمانة يقع على الطاعة والعبادة والوديعة والأمان وقد جاء في كل منها حديث وحديث \"من حلف على الأمانة فليس منا\" يشبه أن تكون الكراهة فيه من أجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله تعالى وصفاته والأمانة من أموره فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين أسماء الله تعالى كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم وإذا قال الحالف والأمانة كانت يمينا عند أبي حنيفة والشافعي لا يعدها يمينا والله تعالى أعلم.\nقوله: \"من خبب امرأة على زوجها أو عبدا فليس منا\" خبب معناه خدع وأفسد قاله المنذري.\n\n٣٠٧٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ منا من خبب امْرَأَة على زَوجهَا أَو عبدا على سَيّده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا أحد أَلْفَاظه وَالنَّسَائِيّ وَابْن\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦.","vol":"9","page":74},{"text":"حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه من خبب عبدا على أَهله فَلَيْسَ منا وَمن أفسد امْرَأَة على زَوجهَا فَلَيْسَ منا (^١).\nرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط بِنَحْوِهِ من حَدِيث ابْن عمر (^٢) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ابْن عَبَّاس ورواة أبي يعلى كلهم ثِقَات (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٩٧ (٩٢٨٠)، وأبو داود (٢١٧٥) و(٥١٧٠)، والبزار (٧٨٢٧) و(٩٥٦٤)، والنسائي في الكبرى (٩١٧٠)، وابن حبان (٥٥٦٠) والحاكم ٢/ ١٩٦، وابن عدى في الكامل (٨/ ٤٤١)، والبيهقي في الآداب (ص ٢٧ رقم ٦٣) والكبرى (٨/ ٢٢ - ٢٣ رقم ١٥٨١٣) والشعب (٧/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ٥٠٤٩ و٥٠٥٠) و(١٣/ ٤٤٨ رقم ١٠٦٠٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني: صحيح، الصحيحة (٣٢٤)، وصحيح أَبي داود (١٨٩٠)، وصحيح الترغيب (٢٠١٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٧ رقم ٦٩٨) والأوسط (٥/ ١١٥ رقم ٤٨٣٧) و(٨/ ٧٩ رقم ٨٠٢٢) والكبير (١٣/ ٢٢٨ رقم ١٣٩٥٩)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١١٤) ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٥٤ - ٥٥). قال الطبراني: لا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو تميلة. وقال الهيثمي ٤/ ٣٣٢: رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه محمد بن عبد الله الرزي، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا. وقال في ٥/ ٧٧: رواه الطبراني في الكبير والصغير، وفيه أبو طيبة عبد الله بن مسلم، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠١٥).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٢٤١٣)، وابن المنذر في الأوسط (٦٤٢٣)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٢٣ رقم ١٨٠٣). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٣٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عثمان بن مطرف، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠١٦).","vol":"9","page":75},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة س تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده\" الحديث اعلم أنه يحرم على المكلف أن يحدث عبدا لإنسان أو زوجته أو ابنة أو غلامه ونحوهم بما يفسدهم عليه إذا لم يكن ما يحدثهم به أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (^١) ولقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٢).\n\n٣٠٧١ - وَعَن جَابر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن إِبْلِيس يضع عَرْشه على المَاء ثمَّ يبْعَث سراياه فأدناهم مِنْهُ منزلَة أعظمهم فتْنَة يَجِيء أحدهم فَيَقُول فعلت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول مَا صنعت شَيْئا ثمَّ يَجِيء أحدهم فَيَقُول مَا تركته حَتَّى فرقت بَينه وَبَين امْرَأَته فيدنيه مِنْهُ وَيَقُول نعم أَنْت فيلتزمه رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٣).\nقوله: وعن جابر -﵁- هو ابن عبد الله تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن إبليس يضع عرشه على الماء\" الحديث، قال الجوهري\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(^٢) سورة ق، الآية: ١٨.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٣٣٢ (١٤٦٠١) و٣/ ٣٦٦ (١٤٧٧٨) و٣/ ٣٨٤ (١٥١٦٩)، ومسلم (٦٦ و٦٧ و٦٨ - ٢٨١٣)، وابن حبان (٦١٨٧)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٥٥ رقم ٤١٢٧). وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٨٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا وفيهم ضعف. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٢٦١)، وصحيح الترغيب (٢٠١٧).","vol":"9","page":76},{"text":"وغيره: إبليس كنيته أبو مرة، واختلف العلماء رضي الله تعالى عنهم في أنه من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن أو ليس من الملائكة، وفي أنه اسم عربي أم أعجمي، والصحيح أنه من الملائكة وأنه أعجمي.\nقال الإمام الواحدي (^١): قال أكثر أهل اللغة والتفسير سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي آيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس واختلفوا في أنه من الملائكة فروي عن طاووس ومجاهد عن ابن عباس أنه كان من الملائكة وكان اسمه عزازيل، فلما عصى الله تعالى لعنه الله وجعله شيطانا مريدا وسماه إبليس وبهذا قال ابن مسعود وغيره، قالوا وقول الله تعالى كان من الجنة أي طائفة من الملائكة يقال لهم الجنة، وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة في عقوبته وتكثير معاصيه وغوايته، أ. هـ.\nقوله: \"يضع عرشه على الماء\" العرش سرير الملك وشبهه.\nقيل يحمل على الحقيقة بأن يقدره الله تعالى عليه استدراجا [ليغترب] أن له عرشا على هيئة عرش الرحمن لأنه كان على الماء أولا يؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول الله -ﷺ- أرى عرشا على الماء، فقال ﵇: \"ترى عرش إبليس\" وقيل هو من باب التمثيل كفلان ينثر الجوز على القبة مثل ما هو عليه من الباطل الذي لا ثبات له لكونه زاهقا بالحق بحال من يضع عرشه على الماء.\nقوله: \"ثم يبعث سراياه\" والسرايا جمع سرية فهي القطيعة من الجيش.\n_________\n(^١) التفسير الوسيط (١/ ١٢٠).","vol":"9","page":77},{"text":"قوله: \"فأدناهم منه منزلة\" أي: أقربهم.\nقوله: \"ويقول نعم أنت\" نعم بكسر النون وإسكان العين وهي نعم الموضوعة للمدح فيمدحه لإعجابه، ومعنى: \"نعم أنت\" الذي جئت بالطامة والأمر العظيم وقد يكون معناه: نعم أنت الذي أغنيت عني وفعلت رغبتي وأنت الحظي عندي [المقدم من رسلى] وخلائفي والمحمود أو أنت الشهم [والجذل]، وشبه هذا وقيل: نعم أنت تقدير أنت العون والصانع أو المفتن أو الشخص ونحو ذلك أنت فاضمر الفاعل من غير إتيان بنكرة منصوبة.\nقوله: \"فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه منه\" أي: يقربه إلى نفسه.\nقوله: \"فيلتزمه\" أي يضمه إلى نفسه، التزمت فلانا مثل عانقته، وقيل: يلتزمه أي فيلتزم إبليس ذلك الآخذ من أعوانه المفرق بين الزوجين أي فيعانقه لفرط الرضى لأن التزام الأعناق: الاعتناق، والسبب في بعث إبليس سراياه واستبشاره بالتفريق بين الزوجين ما فيه من انقطاع النسل وما يتوقع من الوقوع في الزنا الذي هو أفحش الكبائر وأكثرها فسادًا بعد الإشراك بالله والله أعلم.","vol":"9","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>[ترهيب المرأة أن تسأل زوجها الطلاق من غير بأس]</span>\n٣٠٧٢ - عَن ثَوْبَان -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَيّمَا امْرَأَة سَأَلت زَوجهَا طَلاقهَا من غير مَا بَأْس فَحَرَام عَلَيْهَا رَائِحَة الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث قَالَ وَإِن المختلعات هن المنافقات وَمَا من امْرَأَة تسْأَل زَوجهَا الطَّلَاق من غير بَأْس فتجد ريح الْجنَّة أَو قَالَ رَائِحَة الْجنَّة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٧ (٢٢٨١٣) و٥/ ٢٨٣ (٢٢٨٧٦)، والدارمى (٢٤٥٠)، وأبو داود (٢٢٢٦)، والترمذي (١١٨٧)، وابن ماجه (٢٠٥٥)، وابن حبان (٤١٨٤)، والحاكم (٢/ ٢٠٠)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٥١٨ رقم ١٤٨٦٠ و١٤٨٦١) والشعب (٧/ ٣٥٤ - ٣٥٥ رقم ٥١١٥).\nوقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، مع أن أبا أسماء لم يخرج له البخاري. وصححه الألباني في الإرواء (٢٠٣٥)، وصحيح الترغيب (٢٠١٨). وأما لفظ إن المختلعات .... إلى آخره.\nأخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ١٩٥ (١٩٢٥٧)، وأحمد ٢/ ٤١٤ (٩٤٨٢)، والبزار (٩٥٦١)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٥ (٣٤٨٧) والكبرى (٥٦٢٦)، وأبو يعلى (٦٢٣٧)، والدارقطني في العلل (١٠/ ٣٦٧)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٥١٧ رقم ١٤٨٦٢) عن أبى هريرة.\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة -﵁-، إلا من هذا الوجه، وقد روي عن ثوبان، عن النبي -ﷺ-. وصوب الدارقطني في العلل (٢٠٠٢): عن الحسن مرسلا. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٣٢).\nوأما حديث ثوبان: أخرجه الترمذي في العلل الكبير (٣٠٤) والسنن (١١٨٦)، والبزار =","vol":"9","page":79},{"text":"قوله: عن ثوبان -﵁- مولى رسول الله -ﷺ- تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة\" ورواه البيهقي في حديث \"وأن المختلعات هن المنافقات\" يعني: اللاتي يطلبن الخلع والطلاق من أزواجهن بغير عذر يقال: خلع امرأته خلعا وخالعها مخالعة واختلعت هي منه فهي خالع، وعن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما\" (^١) وسيأتي أحاديث فيها ذكر ريح\n_________\n= (٤١٦١) والروياني (٦٣٨)، وابن عدى (٤/ ٢٤)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٥٤ - ٣٥٥ رقم ٥١١٥). قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.\nوقال في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه فقلت له: أبو الخطاب من هو؟ قال: لعله الهجري، وأبو زرعة لعله يحيى بن أبي عمر السيباني، وقال: كنيته أبو زرعة.\nوقال البزار وهذا الحديث قد روي عن أبي هريرة رواه الحسن عنه ولم يسمع الحسن من أبي هريرة، ورواه ثوبان من هذا الطريق، وقد بينا علة ليث، وأبي الخطاب واقتصرنا على حديث ثوبان في هذا دون غيره. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٣٣).\nوعند البيهقي في الشعب بتمامه قال: عن ثوبان قال: لعن رسول الله -ﷺ- الراشي والمرتشي والرائش، قال: الذي يعمل بينهما، وإن هذا الفيء لا يحل منه خيط ولا مخيط، لا آخذ ولا معطي، وإن المختلعات هن المنافقات، وما من امرأة تسأل زوجها الطلاق من غير بأس فتجد ريح -أو قال: رائحة- الجنة.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٥٤)، والثقفي في الأربعين (ص ٢٥٥)، والضياء في المختارة (١١/ ٢٠٣ رقم ١٩٣). وقال البوصيري في الزجاجة ٢/ ١٢٧: هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٧٧٧).","vol":"9","page":80},{"text":"الجنة في أواخر الكتاب.\nقوله: \"في غير كنهه\" أي من غير أن تبلغ من الأذى إلى الغاية التي تعذر في سؤال الطلاق معها.\nتنبيه: واشتقاق الخلع من الخلع وهو نزع الثوب لأن كل واحد من الزوجين لباس الآخر قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (^١) والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^٢) ولذلك سمي الخلع افتداء، واختلف الناس في عدة المختلعة، فقال الإمام أحمد بن حنبل وابن اللبان الفرضي من أصحابنا: إن عدتها حيضة لظاهر حديث زوجة ثابت بن قيس والذي ذهب إليه الشافعي ومالك وأبو حنيفة وغيرهم أن عدتها كعدة المطلقة والأصح أن الخلع مكروه لأن فيه قطع النكاح الذي مطلب الشرع دوامه إلا في حالين، أحدهما: أن يخافا أو أحدهما ألا يقيما حدود الله، الثاني: أن يحلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء لا بد له منه فيخالع ثم يفعل المحلوف عليه لأنه وسيلة إلى التخلص من وقع الثلاث والخلع أن يطلق زوجته على عوض تبذله له وفائدته إبطال الرجعة إلا بعقد جديد وفيه عند الشافعي خلاف هل هو فسخ أو طلاق وقد يسمى الخلع طلاقا ومنه حديث عمران امرأة نشزت على زوجها فقال له: اخلعها أي طلقها واتركها.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٩.","vol":"9","page":81},{"text":"٣٠٧٣ - وَعَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أبْغض الْحَلَال إِلَى الله الطَّلَاق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره (^١) قَالَ الْخطابِيّ وَالْمَشْهُور فِيهِ عَن محَارب بن دثار عَن النَّبِي -ﷺ- مُرْسل لم يذكر فِيهِ ابْن عمر وَالله أعلم.\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\" قال الخطابى (^٢): معنى الكراهة ينصرف إلى السبب الجالب للطلاق وهو سوء المعاشرة وقلة الموافقة لا إلى نفس الطلاق فقد أباح الله تعالى الطلاق وثبت عن رسول الله -ﷺ- أنه طلق بعض نسائه ثم راجعها، وكان لابن عمر امرأة يحبها وكان عمر يكره صحبته إياها فشكاه إلى رسول الله -ﷺ- فدعا به فقال: \"يا عبد الله، طلق امرأتك\" فطلقها، وهو لا يأمر -ﷺ- بأمر يكرهه الله تعالى ذكره المنذري على\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٠١٨)، وأبو داود (٢١٧٨) والطرسوسي في مسند ابن عمر (١٤ و١٥)، والطبراني في الكبير ١٣/ ١٢٩ رقم ١٣٨١٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال أبو حاتم في العلل (١٢٩٧): إنما هو محارب، عن النبي -ﷺ- مرسل. وقال الدارقطني في العلل (٣١٢٣): يرويه عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن محارب كذلك. ورواه معرف بن واصل، واختلف عنه.\nفرواه محمد بن خالد الوهبي، عن معرف، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-. ورواه أبو نعيم، عن معرف، عن محارب مرسلا، عن النبي -ﷺ-. والمرسل أشبه.\nوكذلك قال الخطابى في معالم السنن (٣/ ٢٣١). وقال الألباني: ضعيف، الإرواء (٢٠٤٠)، وضعيف الترغيب (١٢٣٨).\n(^٢) معالم السنن (٣/ ٢٣١).","vol":"9","page":82},{"text":"حواشي مختصر أبي داود (^١)، وفي الحديث دليل على أنه لا إثم في الطلاق بغير سبب لكن يكره وسبب هذا كله معصية الله ورسوله وطاعة الشيطان في إيقاع الطلاق على غير الوجه الذي شرعه الله والله ﷾ يبغض الطلاق في الأصل، وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي موسى قال رسول الله -ﷺ-: \"ما بال قوم يلعبون بحدود الله تعالى يقول: قد طلقتك، قد راجعتك، قد طلقتك\" (^٢) وروي الطبراني من حديث أبي موسى عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"لا تطلقوا النساء\" (^٣) إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات، يعني السريعي النكاح والطلاق، وفي الدارقطني عن معاذ قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: \"يا معاذ ما خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أحب إلى من العتاق ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق\" (^٤) فإذا قال الرجل للملوكه أنت حر إن شاء الله تعالى فهو حر ولا\n_________\n(^١) مختصر سنن أبى داود (٣/ ٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠١٧)، والبزار (٣١١٧)، والروياني (٤٥٢)، وابن حبان (٤٢٦٥). قال البوصيري في الزجاجة ٢/ ١٢٣ - ١٢٤: هذا إسناد حسن من أجل مؤمل بن إسماعيل أبو عبد الرحمن رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن زهير عن أبي إسحاق فذكره بإسناده ومتنه إسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٣١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٢٤ رقم ٧٨٤٨) ومسند الشاميين (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨ رقم ٢٢٣٠). قال أبو حاتم في العلل (١٢٨٤): عبادة عن أبي موسى لا يجيء. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٢٤٤).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (١٦٩١)، وابن عدى في الكامل (٢/ ٦٩٤ و٦٩٥) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٧/ ٥٩٢ رقم ١٥١٢٠)، والكلاباذي =","vol":"9","page":83},{"text":"استثناء له، فإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى فله استثناؤه ولا طلاق عليه.\nقوله: قال الخطابي: والمشهور فيه عن محارب بن دثار عن النبي -ﷺ- مرسل لم يذكر فيه ابن عمر، أ. هـ، وفي لفظ لأبي داود: \"ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق\" وأما حديث محارب بن دثار الذي ذكره الخطابي ففيه قصة ذكرها البيهقي في سننه، قال محارب: تزوج رجل على عهد رسول الله -ﷺ- امرأة فطلقها فقال له النبي -ﷺ-: \"أتزوجت\" قال: نعم، قال: \"ثم ماذا؟ \" قال: ثم طلقت، قال: \"أمن ريبة؟ \" قال: لا، قال: \"قد يفعل ذلك الرجل\" قال: ثم تزوج امرأة أخرى فطلقها، فقال له النبي -ﷺ- مثل ذلك، ثم تزوج امرأة أخرى، فقال له النبي -ﷺ-: \"إنه ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق\" (^١) وفي الحديث أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك لرسول الله -ﷺ- فتغيظ فيه رسول الله -ﷺ- ثم أمره فليراجعها ثم يمسكها حتى\n_________\n= في بحر الفوائد (ص ٣٤١)، والدارقطني في السنن (٣٩٨٤ و٣٩٨٥) عن معاذ. قال الذهبي في تنقيح التحقيق (٢/ ٢١٠): هذا لم يثبت مع نكارته وانقطاعه، وضعف حميد. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٦١): وقد قيل عن حميد، عن مكحول، عن خالد بن معدان، عن معاذ، وقيل عنه، عن مكحول، عن مالك بن يخامر، عن معاذ، وليس بمحفوظ. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٢٩٤).\n(^١) أخرجه البيهقي في الصغير (٣/ ١١١ - ١١٢ رقم ٢٦٥٣) والكبرى (٧/ ٥٢٧ - ٥٢٨ رقم ١٤٨٩٦) عن محارب بن دثار مرسلا. قال البيهقي: ورواه عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب عن ابن عمر موصولا مختصرا.","vol":"9","page":84},{"text":"تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، قال الخطابي: وفي قوله \"فليراجعها\" دليل على أن الرجعة لا تفتقر إلى رضى المرأة ولا وليها ولا تجديد عقد، أ. هـ وقد أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها فلو طلقها أثم ووقع طلاقه.\nفقوله: \"إن شاء طلق وإن شاء أمسك\" فيه دليل على أنه لا إثم في الطلاق بغير سبب لكن يكره كما تقدم فيكون حديث ابن عمر لبيان أنه ليس بحرام وهذا البيان كراهة التنزيه.\nفائدة: قال أصحاب الشافعي: الطلاق على أربعة أقسام حرام ومكروه وواجب ومندوب، ولا يكون مباحا مستوى الطرفين، فأما الحرام ففي ثلاث صور، إحداها: في الحيض بلا عوض منها ولا سؤالها، والثاني: في طهر جامعها قبل بيان الحمل، والثالث: إذا كان عنده زوجات فقسم لهن فطلق واحدة قبل أن يوفيها قسمها، وأما المكروه فهو أن يكون الحال بينهما مستقيما فيطلق بلا سبب وعليه يحمل حديث: \"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\" وفي بعض الطرق \"المباح إلى الله تعالى\"؛ وأما الواجب، ففي صورتين: في الحكمين إذا بعثهما القاضي عند الشقاق بين الزوجين ورأيا المصلحة في الطلاق ووجب عليهما الطلاق، وفي المولى إذا مضت عليه أربعة أشهر وطالبت المرأة بحقها فامتنع من الفيئة والطلاق فالأصح عندنا أنه يجب على القاضي أن يطلق عليه طلقة رجعية؛ وأما المندوب، هو أن لا تكون المرأة عفيفة أو يخافا أو أحدهما أن لا يقيما حدود الله أو نحو ذلك،","vol":"9","page":85},{"text":"وصور ابن الرفعة وغيره المباح إذا عجز عن القيام بمؤنة النكاح مع استغنائه عن النكاح.\nتنبيه: جمع الطلقات الثلاث دفعة واحدة، فليس بحرام عندنا لكن الأولى تفريقها لاحتمال ندمه أو ندمها فيمكن الرجعة وبه قال الإمام أحمد وأبو ثور، وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة والليث: هو بدعة.","vol":"9","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>[ترهيب المرأة أن تخرج من بيتها متعطرة متزينة]</span>\n٣٠٧٤ - عَن أبي مُوسَى -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ كل عين زَانِيَة وَالْمَرْأَة إِذا استعطرت فمرت بِالْمَجْلِسِ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي زَانِيَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ النَّسَائِيِّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صحيحيهم وَلَفْظهمْ قَالَ النَّبِي -ﷺ- أَيّمَا امْرَأَة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا رِيحهَا فَهِيَ زَانِيَة وكل عين زَانِيَة رَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن أبي موسى -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس كذا وكذا يعني زانية\"، استعطرت أي استعملت العطر وهو الطيب. اللوحة (^٢).\nيعني إذا استعطرت المرأة فمرت بمجلس أو مسجد فقد هيجت الشهوة بعطرها وحملت الرجال على النظر إليها فكل من نظر إليها فقد زنا بعينه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٤٠٠ (١٩٨٨٧) و٤/ ٤١٣ (٢٠٠٢٥) و٤/ ٤١٨ (٢٠٠٦١)، وعبد بن حميد (٥٥٧)، وأبو داود (٤١٧٣)، والترمذي (٢٧٨٦)، والبزار (٣٠٣٣)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٨٤) (٥١٧٠) والكبرى (٩٣٦١)، وابن خزيمة (١٦٨١)، وابن حبان (٤٤٢٤)، والحاكم (١/ ٥٠). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في المشكاة (١٠٦٥) وصحيح الترغيب (٢٠١٩).\n(^٢) اللوحة ١١١ تكرار للوحة ١١٠.","vol":"9","page":87},{"text":"والمراد بالزنا هنا الزنا المجازي لا الحقيقي، وأما قوله \"فهي كذا وكذا، يعني: زانية\" ومعناه: أنها بمنزلة الزانية في الإثم وأما إذا لم تقصد ذلك فلا تسلم من الإثم كيف لا وقد قال النبي -ﷺ- \"ليخرجن وهن تفلات\" أي: غير متطيبات وكل ذلك في شرعنا وهل كان كذلك في شرع بني إسرائيل أولا؟ كل ذلك محتمل والله تعالى أعلم.\n\n٣٠٧٥ - وَعَن مُوسَى بن يسَار -﵁- قَالَ مرت بِأبي هُرَيْرَة امْرَأَة وريحها تعصف فَقَالَ لَهَا أَيْن تريدين يَا أمة الْجَبَّار قَالَت إِلَى الْمَسْجِد قَالَ وتطيبت قَالَت نعم قَالَ فارجعي فاغتسلي فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَا يقبل الله من امْرَأَة صَلَاة خرجت إِلَى الْمَسْجِد وريحها تعصف حَتَّى ترجع فتغتسل رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقَالَ بَاب إِيجَاب الْغسْل على المطيبة لِلْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِد وَنفى قبُول صلَاتهَا إِن صلت قبل أَن تَغْتَسِل إِن صَحَّ الْخَبَر قَالَ الْحَافِظ إِسْنَاده مُتَّصِل وَرُوَاته ثِقَات وَعَمْرو بن هَاشم الْبَيْرُوتِي ثِقَة وَفِيه كَلَام لَا يضر وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد\n_________\n(^١) أخرجه أبو شعيب الحرابي في فوائده (٢٦)، وأبو يعلى (٦٣٨٥)، وابن خزيمة (١٦٨٢)، والسراج (٨١٧)، والبيهقي في الكبرى ٣/ ١٩١ رقم (٥٣٧٥) و(٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩ رقم ٥٩٧٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٢٠).\nوأخرجه الحميدي (١٠٠١)، وأحمد ٢/ ٢٤٦ (٧٤٧٣) و٢/ ٤٦١ (١٠٠٧٥)، وعبد بن حميد (١٤٦١)، وابن ماجه (٤٠٠٢)، وأبو داود (٤١٧٤)، وأبو يعلى (٦٤٧٩)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٢٨) من طريق عاصم بن عبيد الله عن عبيد يعني مولى أبي رهم عن أبى هريرة. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٣١).","vol":"9","page":88},{"text":"وَابْن مَاجَه من طَرِيق عَاصِم بن عبيد الله الْعمريّ وَقد مَشاهُ بَعضهم وَلَا يحْتَج بِهِ وَإِنَّمَا أمرت بِالْغسْلِ لذهاب رائحتها وَالله أعلم.\nقوله: وعن موسى بن يسار -﵁-. [المدني مولى قيس بن مخرمة، سمع: أبا هريرة.\nوعنه: ابن أخيه محمد بن إسحاق، وداود بن قيس، وعبد الرحمن ابن الغسيل، وثقه ابن معين].\nقوله: مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار، قالت إلى المسجد، قال: وتطيبت، قالت: نعم، قال ابن الأثير في النهاية (^١): اسم الله تعالى الجبار معناه الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، وقيل هو العالي فوق خلقه، وفعال من أبنية المبالغة، ومنه قولهم: نخلة جبارة، وهي العظيمة التي تفوت يد المتناول، وأما قوله: \"يا أمة الجبار\" إنما أضافها إلى الجبار دون باقي أسماء الله تعالى؛ لاختصاص الحال التي كانت عليها من إظهار العطر، والبخور، والتباهي به، والتبختر في المشي. أ. هـ\nروى أن النبي -ﷺ- وعظ امرأة فلم ترعو إلى عظته، فقال: \"دعوها فإنها جبارة\" (^٢) أراد أنها تتكبر عن قبول الحق، وكذلك كل عات من الملوك لا\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في التواضع (١٩٧) والبزار (٦٨٨١) وأبو يعلى (٣٢٧٦) والطبراني في الأوسط (٨/ ١٢٢ رقم ٨١٦٠) عن أنس. قال البزار: سهيل بن أبي حزم لا يتابع حديثه. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٩٩: رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى، وفيه يحيى الحماني، ضعفه أحمد ورماه بالكذب. ورواه البزار وضعفه براو آخر. =","vol":"9","page":89},{"text":"يتواضع للحق جبار، يروى أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ (^١) فمزق المصحف وأنشأ يقول:\nأتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبارعنيد\nإذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد\nفلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره وبقيته على سور بلده وكان قتله يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة ست وعشرين ومائة وكانت ولايته سنة وشهرين وقيل: وثلاثة أشهر وكان شرابا للخمر ماجنا فاسقًا لا [يطأ] زعم أخوه سليمان أنه راوده عن نفسه فقاموا عليه بذلك مع ابن عمه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص لكونه نقص الجند عطياتهم وبويع بعده يزيد الناقص فمات في ذي الحجة من هذه السنة أيضا عن ست وثلاثين سنة، ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس قدمه وذكر إلحاده\n_________\n= وأخرجه النسائي في الكبرى (١٠٣١٥) واليوم والليلة (٥٥٧) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٥٠٩) من طريق الطبراني عن أبى موسى. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٩٩: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بلال بن أبي بردة. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١١٩ رقم ٥٩٧٨) عن أبى حرب أو أبي الطفيل. وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي الطفيل إلا بهذا الإسناد، تفرد به ديلم بن غزوان. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٩٩: قلت: ذكر هذا في ترجمة أبي الطفيل، والذي قبله في ترجمة أبي موسى، فلا أدري أحاله على أي شيء. والله أعلم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦١٠١).\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ١٥.","vol":"9","page":90},{"text":"وأنه قتله لفعله الخبيث، أ. هـ. قاله قي الديباجة، وسيأتي ذكره أيضا في الطيرة.\nقوله: \"فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول \"لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل\" قال المحدثون: وفي بعض طرق الحديث كاغتسالها من الجنابة فارجعي فرأيتها مولية وقال ابن خزيمة في صحيحه: باب إيجاب الغسل على الطيبة للخروج إلى المسجد ونفي قبول صلاتها إن صلت قبل أن تغتسل إن صح الخبر، قال الحافظ وإنما أمرت بالغسل لذهاب رائحتها فصلاة المرأة مع تطييبها مكروهة [وتقييده تطيبها بالمسجد] مبالغة في المنع عن ذهابهن إلى المساجد [مظنة أن ذلك] يهيج الرغبات [ويفتح باب عيون] الناس [وإلا] فبعض العيون قد عصمها الله تعالى وقد فهم ابن خزيمة من هذا الحديث وجوب الغسل عليها ونفي قبول صلاتها إن لم تفعل وفي هذا نظر لأنه إن أراد بنفي القبول عدم الرضى بصلاتها، وهي في هذا الحال فهو متجه كما في قوله -ﷺ-: \"من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما ومن أتى كاهنا فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما\" وإن أراد عدم سقوط الصلاة من ذمتها فذلك بعيد أ. هـ والله أعلم.\nتنبيه: قال الحافظ: إسناده متصل فالسند المتصل هو الذي لم يحذف من إسناده شيء وهو الذي اتصل إسناده فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه حتى انتهى إلى منتهاه ويقع على المرفوع والموقوف مثال المتصل المرفوع مالك ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي -ﷺ- ومثال","vol":"9","page":91},{"text":"المتصل الموقوف مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر، قوله انتهى ذكره في التنقيح (^١).\nقوله: عمرو بن هاشم البيروتي ثقة وفيه كلام لا يضر [صاحب الأوزاعي، قال ابن واره: ليس بذاك، كتب عن الأوزاعي صغيرا وقال ابن عدي: ليس به بأس].\nقوله: ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق عاصم بن عبيد الله العمري [مشاه بعضهم، وصحح له الترمذي والحاكم، ولا يضر في المتابعات].\n\n٣٠٧٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَيّمَا امْرَأَة أَصَابَت بخورا فَلَا تشهدن مَعنا الْعشَاء قَالَ ابن نفيل الْآخِرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ لَا أعلم أحدا تَابع يزِيد بن خصيفَة عَن بسر بن سعيد على قَوْله عَن أبي هُرَيْرَة وَقد خَالفه يَعْقُوب بن عبد الله بن الْأَشَج رَوَاهُ عَن زَيْنَب الثقفية ثمَّ سَاق حَدِيث بشر عَن زَيْنَب من طرق بِهِ (^٢).\n_________\n(^١) كشف المناهج والتناقيح (١/ ٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٣ - ٤٤٤)، وأبو داود (٤١٧٥)، والنسائي ٨/ ٨٦ (٥١٧٢) و٨/ ١٨٨ (٥٣٠٧). قال النسائي: لا أعلم أحدا تابع يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد على قوله، عن أبي هريرة، وقد خالفه يعقوب بن عبد الله بن الأشج، رواه عن زينب الثقفية.\nوقَالَ ابن عَبْد البَرِّ في التمهيد (٢٤/ ١٧٢): \"وهو عندي خطأ، وليس في الإسناد من يتهم بالخطأ فيه إلا أبو عَلْقَمَة الفروي؛ فإنه كَثِير الخطأ جدًا، والحديث إنما هو لبُسْر بن سَعِيد عن زَيْنَب الثَّقَفِيّة\". وقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ في العلل (١٦٥٣): \"والقول قول من أسنده عن زَيْنَب\". وصححه الألباني في الصحيحة (٣٦٠٥) وصحيح الترغيب (٢٠٢١).","vol":"9","page":92},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن معنا العشاء\" قال ابن نفيل: الآخرة قاله النووي (^١): البخور بفتح الباء الموحدة وفتح الخاء وهو ما يتبخر به من عود أو لبان أو غيرهما، قال الجوهري: البخور كالعطور والسحور والوضوء قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (^٢): يلتحق بالطيب ما في معناه فإن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم قال: وقد ألحق به حسن الملابس ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة وحمل عليه بعضهم قول عائشة في الصحيحين لو أدرك رسول الله -ﷺ- ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل يعني من الزينة والتطيب وحسن الثياب وتجملها وبخور ونحو ذلك، وفي هذا الحديث حجة على أنه يحرم على المرأة التطيب للخروج إلى المسجد والله أعلم، وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز قول الإنسان العشاء الآخرة، وأما ما نقل عن الأصمعي أنه قال من المحال قول العامة العشاء الآخرة لأنه ليس لنا إلا عشاء واحدة فلا توصف بالآخرة فهذا القول غلط لهذا الحديث وقد ثبت في صحيح مسلم عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء الآخرة وألفاظهم بها مشهورة في هذه الأبواب والله أعلم.\nوإنما خصها بالذكر لأن وقتها أشد خوفا على النساء بخلاف الصبح فإنها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٦٢).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ١٩٧).","vol":"9","page":93},{"text":"إقبال النهار وقيل: لأنها وقت الوطئ [وخلو الطريق]، والعطر يهيج الشهوة.\n\n٣٠٧٧ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة -﵂- قَالَت بَيْنَمَا رَسُول الله -ﷺ- جَالس فِي الْمَسْجِد دخلت امْرَأَة من مزينة ترفل فِي زِينَة لهَا فِي الْمَسْجِد فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- يَا أَيهَا النَّاس انهوا نساءكم عَن لبس الزِّينَة والتبختر فِي الْمَسْجِد فَإِن بني إِسْرَائِيل لم يلعنوا حَتَّى لبس نِسَاؤُهُم الزِّينَة وتبختروا فِي الْمَسْجِد رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١) قَالَ الْحَافِظ وَتقدم فِي كتاب الصَّلَاة جملَة أَحَادِيث فِي صلاتهن فِي بُيُوتهنَّ.\nقوله: عن عائشة -﵂- قالت بينما رسول الله -ﷺ- جالس في المسجد إذ دخلت امرأة من مزينة ترفل في زينة لها في المسجد، تقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل النكاح والله أعلم.\nخاتمة: الباب وفي الحديث: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" (^٢) فهذا الحديث صريح في النهي عن المنع للنساء من المساجد عند الاستئذان ولكن الفقهاء خصوه بشروط وحالات منها أن لا يتطيبن، ففي بعض الروايات:\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٠١). قال في الزجاجة ٤/ ١٨١: هذا إسناد ضعيف داود بن مدرك لا يعرف وموسى بن عبيدة ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٢١) وضعيف الترغيب (١١٩٩) و(١٢٣٩).\n(^٢) أخرجه الشافعي (١٢٠٧)، والحميدي (١٠٠٨)، وابن أبى شيبة في المصنف ٢/ ١٥٦ (٧٦٠٩) وأبو داود (٥٦٥) وابن خزيمة (١٦٧٩) وابن حبان (٢٢١٤) عن أبي هريرة. وفيه ولكن ليخرجن تفلات وصححه الألباني في الإرواء (٥١٥)، صحيح أبي داود (٥٧٤). وأخرجه البخاري (٩٠٠)، ومسلم (١٣٤ و١٣٥ و١٣٦ - ٤٤٢) عن ابن عمر.","vol":"9","page":94},{"text":"وليخرجن تفلات، وفي بعضها: \"إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا\" (^١) ويلحق بالطيب ما في معناه كما تقدم لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم وربما يكون سببا في تحريك شهوة المرأة وما كان موجبا لهذا المعنى التحق به، قاله في الديباجة، وتقدم شيء من ذلك في صلاة النساء في بيوتهن.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤١ و١٤٢ - ٤٤٣)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٨٨ (٥١٧٣) و٨/ ٨٩ (٥١٧٤) و٨/ ٩٠ (٥١٧٥) و(٥١٧٦) و٨/ ٩٢ (٥١٧٧) و(٥١٧٨)، وابن خزيمة (١٦٨٠)، وابن حبان (٢٢١٢) و(٢٢١٥) عن زينب امرأة ابن مسعود.","vol":"9","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>[الترهيب من إفشاء السر سيما ما كان بين الزوجين]</span>\n٣٠٧٨ - عَن أبي سعيد -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن من شَرّ النَّاس عِنْد الله منزلَة يَوْم الْقِيَامَة الرجل يُفْضِي إِلَى امْرَأَته وتفضي إِلَيْهِ ثمَّ ينشر أَحدهمَا سر صَاحبه وَفِي رِوَايَة إِن من أعظم الْأَمَانَة عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة الرجل يُفْضِي إِلَى امْرَأَته وتفضي إِلَيْهِ ثمَّ ينشر سرها رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: عن أبي سعيد -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه\" الحديث، قال القاضى عياض (^٢): هكذا وقعت الرواية: \"إن من أشر الناس\" بالألف، اعلم أن أهل النحو يأبون أن يقال فلان أشر أو أخير من فلان، قالوا: وإنما يقال شر وخير،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٦٩ (١١٨٣٤)، ومسلم (١٢٣ و١٢٤ - ١٤٣٧)، وأبو داود (٤٨٧٠)، وأبو عوانة (٤٧٣٧) و(٤٧٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٧٥٥٦).\nوقال ابن القطان في بيان الوهم (٤/ ٤٥١): وهو حديث إنما يرويه عند مسلم عمر بن حمزة العمري، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي سعيد، وعمر بن حمزة ضعفه ابن معين، وقال: إنه أضعف من عمر بن محمد ابن زيد، وهذا تفضيل لعمر بن محمد بن زيد عليه؛ فإنه ثقة -أعني عمر بن محمد- فهو الحقيقة تفضيل أحد ثقتين على الآخر، وأما ابن حنبل فقال: أحاديثه مناكير فالحديث به حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٨٢٥)، وآداب الزفاف (٦٥)، وضعيف الترغيب (١٢٤٠).\n(^٢) إكمال المعلم (٤/ ٦١٤).","vol":"9","page":96},{"text":"وهو [مشهور] كلام العرب عندهم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ (^١) وقال: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ (^٢) قال: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة باللغتين جميعا وهي حجة في جوازهما جميعا وأنهما لغتان، فقوله: \"من أشر الناس\" إلى آخره أي ممن تتعاطي المكروهات وأطلق على المكروه شرا وإن كان لا إثم فيه، وقد صرح النووي بالكراهة هنا (^٣)، وقال في التبويب باب تحريم إفشاء سر المرأة، وقال القاضي: جاء في النهي عن هذا أحاديث كثيرة ووعيد شديد وذلك في وصف ما يفعله من ذلك وكشف حالهما فإنه من كشف العورة بالنظر أو بالوصف كما جاء في الحديث.\nقوله: \"الرجل يفضي إلى امرأته\" الحديث [فيكره للإنسان أن يحدث بكل ما جرى بينه وبين زوجته، وصحح النووي التحريم قال: وهذا إذا لم تتعلق بذكره مصلحة فإن تعلقت بذلك مصلحة جاز] ومعنى إفضائه إليها مباشرته إليها فيكنى عن جماع المرأة بالإفضاء والدخول والمعاشرة والوقاع ونحوها ولا يصرح بالنيك والجماع ونحوها وكذلك يكنى عن البول والتغوط بقضاء الحاجة والذهاب إلى الخلاء ولا يصرح بالخلاء والبول ونحوهما والله أعلم.\nقوله: \"ثم ينشر أحدهما سر صاحبه\" الحديث، أي: يقول جامعتها الليلة كذا كذا مرة والسر هو الجماع وإنما قيل للجماع سر لأنه يكون في خفاء من\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧٥.\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ٤٦.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٨ - ٩).","vol":"9","page":97},{"text":"الناس، قال النووي: وفي هذا الحديث تحريم إفشاء السر فيما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه، فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة [وقد عده ابن ابن القيم من الكبائر فذكر ذلك لغير فائدة ليس من مكارم الأخلاق ولا من حديث أهل المروءات]، وقد قال -ﷺ-: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت\" وإن كان إليه حاجة أو تترتب عليه فائدة كأن تنكر عليه إعراضه عنها أو تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره كما قال النبي -ﷺ-: \"إني لأفعله أنا وهذه\" وقال -ﷺ- لأبي طلحة: \"أعرستم الليلة\" وقال لجابر -﵁-: \"الكيس الكيس\" قال ابن الأعرابي: الكيس الجماع والكيس العقل والمراد حثه على ابتغاء الولد.\nقوله: وفي رواية \"إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته\" الحديث، قال في المفهم (^١): إن من أعظم الأمانة أي أوكد وأكبر في مقصود الشرع والأمانة للجنس أي الأمانات والأمانة ما يوكل إلى حفظ الإنسان وقيامه وقد سقطت من في رواية والصواب إثباتها فإنها تفيد أن هذه الأمانة من جنس الأمانات العظيمة وهو صحيح وإسقاطها يشعر بأن هذه الأمانة أعظم الأمانات كلها وليس بصحيح فإن الأمانة على صحيح الإيمان أعظم وكذلك على الطهارة وغيرها مما يؤتمن الإنسان عليه من خفي\n_________\n(^١) المفهم (١٣/ ٢٥).","vol":"9","page":98},{"text":"الأعمال قال ابن كثير: ويؤخذ منه كراهة وطئ إحدى المرأتين بحضرة الأخرى بطريق الأولى.\n\n٣٠٧٩ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد -﵂- أنَّهَا كانَت عِنْد رَسُول الله -ﷺ- وَالرِّجَال وَالنِّسَاء قعُود عِنْده فَقَالَ لَعَلَّ رجلا يَقُول مَا فعل بأَهْله وَلَعَلَّ امْرَأَة تخبر بِمَا فعلت مَعَ زَوجهَا فأرم الْقَوْم فَقلت إِي وَالله يَا رَسُول الله إِنَّهُم ليفعلون وإنهن ليفعلن قَالَ فَلَا تَفعلُوا فَإِنَّمَا مثل ذَلِك مثل شَيْطَان لَقِي شَيْطَانَة فغشيها وَالنَّاس ينظرُونَ. رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب أرم الْقَوْم بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم أَي سكتوا وَقيل سكتوا من خوف وَنَحْوه (^١).\nقوله: وعن أسماء بنت يزيد (^٢) -﵂-[هى أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، أحد نساء بني عبد الأشهل، هي من المبايعات. وهي ابنه عمة معاذ بن جبل، تكنى أم سلمة، وقيل أم عامر، مدنية. كانت من ذوات العقل والدين، وكان يقال لها خطيبة النساء].\nقوله: [أنها كانت عند رسول الله -ﷺ- والرجال والنساء قعود عنده فقال] لعل رجلا يقول ما فعل بأهله ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها فأرم القوم، أي: سكتوا، وقيل: سكتوا من خوف أو نحوه قاله الحافظ، وقال\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٥٦ (٢٨٢٣١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٦٢ رقم ٤١٤)، والخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ٧٩٨). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٩٤: رواه أحمد، والطبراني، وفيه شهر بن حوشب، وحديثه حسن، وفيه ضعف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٢٢).\n(^٢) ترجمتها: الاستيعاب ٤/ ٣٢٣٣، وأسد الغابة ٧/ ٦٧١٧، والإصابة ٨/ ١٠٨١٦.","vol":"9","page":99},{"text":"غيره: أرم القوم يروى بالراء المهملة فيحتمل أن يكون من رم الحائط وهو سده فعبر عن سكوت القوم وصمتهم بهذه العبارة كأنهم لشدة صمتهم سدوا أفواههم، ويروي بالزاي المعجمة مشتق من أزم القوم وهو المنع ومنه زمام الجمل لأنه يمنعه من الحركة والله أعلم قاله ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام.\nتنبيه: من الكبائر إفشاء أحد الزوجين سر الآخر للحديث وكذا عده ابن قيم الجوزية وغيره من الكبائر والله أعلم.\n\n٣٠٨٠ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَلا عَسى أحدكُم أَن يَخْلُو بأَهْله يغلق بَابا ثمَّ يُرْخِي سترا ثمَّ يقْضِي حَاجته ثمَّ إِذا خرج حدث أَصْحَابه بذلك أَلا عَسى إحداكن أَن تغلق بَابهَا وترخي سترهَا فَإِذا قَضَت حَاجَتهَا حدثت صواحبها فَقَالَت امْرَأَة سفعاء الْخَدين وَالله يَا رَسُول الله إنَّهُنَّ ليفعلن وَإِنَّهُم ليفعلون قَالَ فَلَا تَفعلُوا فَإِنَّمَا مثل ذَلِك مثل شَيْطَان لَقِي شَيْطَانَة على قَارِعَة الطَّرِيق فَقضى حَاجته مِنْهَا ثمَّ انْصَرف وَتركهَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَله شَوَاهِد تقويه وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد مطولا بِنَحْوِهِ من حَدِيث شيخ من طفاوة وَلم يسمه عَن أبي هُرَيْرَة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٤٥٠). قال البزار: لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وأبو مسلمة ثقة، ومهدي واسطي لا بأس به. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥: رواه البزار عن روح بن حاتم، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣١٥٣) وصحيح الترغيب (٢٠٢٣).\nوأما حديث أبي هريرة: أخرجه أحمد ٢/ ٥٤٠ - ٥٤١ (١١١٣٣)، وأبو داود (٢١٧٤)، =","vol":"9","page":100},{"text":"قوله: وروي عن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم.\nقوله: \"ألا عسى أحدكم أن يخلو بأهله يغلق بابا ثم يرخي سترا ثم يقضي حاجته\" الحديث، المراد بالأهل الزوجة والمراد أيضا بقوله ثم يقضي حاجته الجماع.\nقوله: فقالت امرأة سفعاء الخدين، الحديث، سفعاء الخدين، السفعة بالضم سواء مشرب بحمرة وهي في الوجه سواء في خدي المرأة ويقال للحمامة سفعاء لما في عنقها من السفعة، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (^١).\nقوله: وهو عند أبي داود من حديث شيخ من طفاوة ولم يسمه، طفاوة بضم الطاء المهملة وبالفاء وواو مفتوحة بعد الألف حتى من قيس غيلان بفتح المهملة.\n\n٣٠٨١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَيْضا -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ السبَاع حرَام قَالَ ابْن لَهِيعَة يَعْنِي بِهِ الَّذِي يفتخر بِالْجِمَاعِ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من طرق دراج عَن أبي الْهَيْثَم وَقد صححها غير وَاحِد السبَاع بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة هُوَ الْمَشْهُور وَقيل بالشين الْمُعْجَمَة (^٢).\n_________\n= والبزار (٩٥٨٣) والخرائطي في المساوئ (٤١٣)، وابن السنى في اليوم والليلة (٦١٥). وضعفه الألباني في الإرواء (٢٠١١)، وحسنه لغيره في صحيح الترغيب (٢٠٢٤).\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٢٩ (١١٤٠٧)، وأبو يعلى (١٣٩٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٤٣)، والدولابي في الكنى (٢٠٢٠) والخرائطي في المساوئ (٤١٢) وابن عدى في الكامل (٤/ ١٢) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣١٤ رقم ١٤٠٩٩) والشعب (٧/ ١٨٧ - ١٨٨ رقم ٤٨٦١). =","vol":"9","page":101},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري أيضا -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"السباع حرام\" قال المنذري: السباع بكسر السين المهملة بعدها باء موحدة هو المشهور وقيل بالشين المعجمة، أ. هـ كذا رووه بعضهم وقال أبو عمر: إنه تصحيف وإن كان محفوظا لعله من تسمية الزوجة شاعة، أ. هـ.\nوقيل: هو أن يساب الرجلان فيرمي كل واحد منهما صاحبه بما يسوءه يقال سبع فلان فلانا إذا انتقصه أ. هـ.\nقوله: قال ابن لهيعة يعني به الذي يفتخر بالجماع، وابن لهيعة اسمه عبد الله، وعبد الله بن لهيعة هو الإمام البارع أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بضم الفاء وإسكان الراء وبالعين المهملة الحضرمي ويقال الغافقي المصري قاضي مصر وقال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنتين وسبعين تابعيا، قال يحيى بن بكير: احترق منزل ابن لهيعة وكتبه سنة سبعين ومائة، توفي\n_________\n= وعندهم إلا الدولابي وابن عدى والبيهقي في الشعب بلفظ الشياع حرام .. وقال ابن عدى: وعامة هذه الأحاديث التي أمليتها مما لا يتابع دراج عليه، وفيها ما قد روى عن غيره، ومن غير هذا الطريق، ولدراج، عن ابن جزء، وأبي الهيثم وابن حجيرة غير ما ذكرت من الحديث، ويروي عن دراج عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وحيوة بن شريح وغيرهم.\nوقال البيهقي: قال حنبل قال أبو عبد الله يعنى أحمد بن حنبل: ابن لهيعة يقول الشياع يعنى المفاخرة بالجماع قال وقال ابن وهب السباع يريد جلود السباع. ومما ينكر من أحاديثه بعض ما ذكرت، وهو قوله: \"أصدق الرؤيا بالأسحار\" و\"الشتاء ربيع المؤمن\"، و\"السباع حرام\"، و\"أكثروا من ذكر الله حتى يقال مجنون\". وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٧٣٠) وقال منكر وضعيف الترغيب (١٢٤١).","vol":"9","page":102},{"text":"ابن لهيعة بمصر سنة أربع وسبعين ومائة وكان مولده سنة سبع وتسعين، ولهيعة بفتح اللام وكسر الهاء قال الأزهري في تهذيب اللغة (^١): قال ابن الأعرابي: في فلان لهيعة، إذا كان فيه فترة وكسل، قال: وقال غيره: رجل فيه لهيعة ولهاعة، أي غفلة. وقيل: هو: التواني في الشراء والبيع حتى يغبن. والله أعلم.\n\n٣٠٨٢ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الْمجْالس بالأمانة إِلَّا ثَلَاث مجَالِس سفك دم حرَام أَو فرج حرَام أَو اقتطاع مَال بِغَيْر حق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة ابْن أخي جَابر بن عبد الله وَهُوَ مَجْهُول وَفِيه أَيْضا عبد الله بن نَافِع الصَّائِغ روى لَهُ مُسلم وَغَيره وَفِيه كَلَام (^٢).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"المجلس بالأمانة\" هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل فكأن ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منهما حديث، وورد في حديث \"الأمانة غني\" أي سبب الغناء ومعناه أن الرجل إذا عرف بها كثر معاملوه فصاء ذلك سببا لغناه قاله في النهاية.\nقوله: \"إلا ثلاث مجالس سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق\" المجالس بالأمانة فلا يجوز هتك سرهم إلا ثلاث مجالس. اللوحة\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (١/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٤٢ (١٤٩١٩)، وأبو داود (٤٨٦٩)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٦٩٣) ومكارم الأخلاق (٧٠٨)، والبيهقي في الآداب (ص ٤٤ رقم ١٠٧) والكبرى (١٠/ ٤١٧ رقم ٢١١٦٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩٠٩)، وضعيف الترغيب (١٢٤٢).","vol":"9","page":103},{"text":"فإنه يجوز هتك سرهم فإن في سترها فسادا كبيرا كما إذا سمع من قال في مجلس أنا أريد قتل فلان أو زنى بفلانة أو أخذ مال فلان فإنه لا يجوز ستر ذاك حتى يكون هؤلاء على حذر منه.\n\n٣٠٨٣ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا حدث رجل رجلا بِحَدِيث ثمَّ الْتفت فَهُوَ أَمَانَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب قَالَ الْحَافِظ ابْن عَطاء الْمدنِي وَلَا يمْنَع من تَحْسِين الْإِسْنَاد وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا حدث رجل رجلا بحديث ثم التفت فهو أمانة\" الحديث، قال ﵇: لا يجوز إفشاء الحديث أما إذا كان في إخفائه إثم فلا يجوز كتمانه كما لو أقر على نفسه بما يوجب عقوبة أو حقا للغير كالقتل والزنا وغيرهما.\nقوله: وفيه عبد الله بن نافع الصائغ، روى له مسلم وغيره.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٨٧٠)، وابن أبى شيبة ٥/ ٢٣٥ (٢٥٥٩٨)، وأحمد ٣/ ٣٢٤ (١٤٦٩٨)، ٣/ ٣٥٢ (١٥٠٢٠) و٣/ ٣٧٩ (١٥٢٩٤) و٣/ ٣٩٤ (١٥٤٧٥)، وأبو داود (٤٨٦٨)، والترمذي (١٩٥٩)، وابن أبى الدنيا في الصمت (٤٠٢)، وأبو يعلى (٢٢١٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٣٨٦) و(٣٣٨٧) و(٣٣٨٨). وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٨٩)، وصحيح الجامع (٤٨٦)، وصحيح الترغيب (٢٠٢٥).","vol":"9","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>كتاب اللباس والزينة</span>\nقوله: كتاب، تقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في مواضع متعددة.\nقوله: اللباس، قال الجوهري (^١): اللباس: ما يلبس. وكذلك الملبس. واللبس بالكسر مثله. ولبس الكعبة والهودج: ما عليهما من لباس، ولباس الرجل: امرأته. وزوجها: لباسها. قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (^٢)، ولباس التقوى: الحياء، هكذا جاء في التفسير، واللبوس: ما يلبس. وأنشد ابن السكيت لبيهس الفزاري:\nالبس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (^٣) يعني الدروع. أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ٩٧٣ - ٩٧٤).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٨٠.","vol":"9","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>[الترغيب في لبس الأبيض من الثياب]</span>\nعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ البسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهَا من خير ثيابكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم\" الحديث، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"خير ثيابكم البيض فكفنوا فيها موتاكم والبسوها\" حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وصححه وزاد الترمذي من روايته بعد وكفنوا فيها موتاكم: \"من خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر\" ففي هذين الحديثين دليل لاستحباب التكفين في الأبيض وهو مجمع عليه، وتكره المصبغات وغيرها من ثياب الزينة، وأما الحرير فقال أصحابنا الشافعي: يحرم تكفين الرجل فيه ويجوز تكفين المرأة فيه مع الكراهة وكره الإمام مالك وعامة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٧٨) و(٥٠٦١)، والترمذي (٩٩٤) والشمائل (٦٥)، والبزار (٥٠٩٢)، وأبو يعلى (٢٤١٠) و(٢٧٢٧)، وابن حبان (٥٤٢٣). وقال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وهو الذي يستحبه أهل العلم. وقال الألباني: صحيح - \"أحكام الجنائز\" (٨٢)، \"المشكاة\" (١٦٣٨)، \"مختصر الشمائل\" (٤٣ و٤٤ و٥٤)، صحيح الترغيب (٢٠٢٦).","vol":"9","page":106},{"text":"العلماء التكفين في الحرير مطلقا قال ابن المنذر ولا أحفظ خلافه (^١).\nفرع: قال الصيمري (^٢): لا يستحب أن يعد لنفسه كفنا كيلا يحاسب عليه، قال النووي: وهو صحيح إلا أن يقطع بحله أو يكون من أثر أهل الخير كالعلماء والعباد ونحو ذلك فإن إدخاره حسن وقد صح عن بعض الصحابة فعله، قال ابن الرفعة: وفي كلام الصيمري نظر إذا كان الواجب تكفينه وجهان حكاهما القاضي حسين وبناهما على ما لو قال: اقض ديني من هذا المال ففي تعيينه وجهان يبنيان على ما لو أوصي بقضاء دينه هل يحاص أهل الوصايا؟ أ. هـ قاله في مختصر الكفاية (^٣).\n_________\n(^١) الأوسط (٥/ ٣٨٧) والإقناع (١/ ١٨٦).\n(^٢) اسمه عبد الواحد بن الحسين أبو القاسم الصيمرى قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٦٥ الترجمة ٨٤٧): قال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: سكن الصيمرى البصرة، وحضر مجلس القاضى أبي حامد المروروذي، وتفقه بصاحبه أبى الفياض البصرى، وارتحل إليه الناس من البلاد، وكان حافظًا للمذهب، حسن التصانيف.\nوترجمه الذهبي في تاريخ الإسلام (٨/ ٦٧٨): عبد الواحد بن حسين، القاضي أبو القاسم الصيمري الشافعي، [الوفاة: ٣٨١ - ٣٩٠ هـ] أحد الأعلام، ومن أصحاب الوجوه في المذهب. تفقه بأبي حامد المروروذي، وبأبي الفياض، وارتحل الفقهاء إليه إلى البصرة، وكان من أوعية العلم. تفقه عليه أقضى القضاة الماوردي، وغيره.\nوله كتاب الإيضاح في المذهب في سبع مجلدات، وكتاب القياس والعلل، وغير ذلك. سمعوا منه في سنة سبع وثمانين بعض كتبه. وأما قوله المنسوب فقد ذكره النووي في المجموع (٥/ ٢١١) والروضة (٢/ ١١٤) وابن الرفعة في كفاية النبيه (٥/ ٤٠).\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ٤٠).","vol":"9","page":107},{"text":"فرع: يستحب أن يبخر الكفن إلا في حق المحرم والمحرمة وصفة ذلك أن يجعل الكفن على أعواد ونحوهما ثم يبخر كما تبخر الثياب للحي حتى تعبق بها رائحة الطيب ويستحب كون البخور عودا وقال الغزالي (^١): إن البخور أولى من تطيبها بالمسك وخالفه ابن الصلاح: لأن المسك أطيب الطيب رواه مسلم في صحيحه (^٢)، وأوصى على أن يحنط بمسك كان عنده من فضل حنوط رسول الله (^٣) -ﷺ-.\nفائدة: في تحسين الكفن عن أبي قتادة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه\" رواه مسلم (^٤)، وكفنه هو بفتح الفاء كذا ضبطه الجمهور، وحكي القاضي (^٥) عن بعض الرواة إسكان الفاء أي فعل التكفين من الإسباغ والعموم الأول هو الصحيح أي يكون الكفن حسنا، والمراد بتحسينه بياضه ونظافته وإسباغه لا يكون ثمينا لما روي عن النبي -ﷺ- قال: \"لا تغالوا في\n_________\n(^١) الوسيط (٢/ ٢٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨ و١٩ - ٢٢٥٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٦٥ (١٩٢١) و٨/ ٧٩ (٥١٦٣) عن أبى سعيد الخدرى.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف (٢/ ٤٦١ رقم ١١٠٣٦)، والحاكم (١/ ٣٦١)، والبيهقي في الصغير (٢/ ١٤ رقم ١٠٤٤) والكبرى (٣/ ٥٦٩ رقم ٦٧٠٧). وحسنه النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٩٥٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٩ - ٩٤٣)، وأبو داود (٣١٤٨)، وابن ماجه (١٥٢١)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٨ (١٩١١) عن جابر. وأخرجه الترمذي (٩٩٥)، وابن ماجه (١٤٧٤) عن أبى قتادة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في الجنائز (٥٨).\n(^٥) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٦).","vol":"9","page":108},{"text":"الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا\" رواه أبو داود بإسناد حسن (^١)، وقال القاضي حسين والبغوي: الثوب المغسول أولى من الجديد لحديث عائشة قالت: نظر أبو بكر إلى ثوب كان يمرض فيه، وقال: خذوا الثوب فاغسلوه وكفنوني فيه وفي ثوبين آخرين فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وقال عبد الله بن المبارك: الأحب إلي أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها (^٢)، أ. هـ.\n\n٣٠٨٥ - وَعَن سَمُرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"البسوا الْبيَاض فَإِنَّهَا أطهر وَأطيب وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).\nقوله: وعن سمرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم\" تقدم الكلام على البياض في الحديث قبله.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣١٥٤)، وابن أبى الدنيا في مقتل على (٧٧)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٥٦٦ رقم ٦٦٩٥) عن على بن أبى طالب. وضعفه الألباني في المشكاة (١٦٣٩)، وضعيف الجامع (٦٢٤٧).\n(^٢) شرح السنة (٥/ ٣١٦) والمنهاج (١/ ٦٢).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٥٦٧)، والترمذي (٢٨١٠) والشمائل (٦٦)، والبزار (٤٥١٩) و(٤٥٢٠) و(٤٥٢١)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٩ (١٩١٢) و٨/ ٢٢٧ (٥٣٦٦) و٨/ ٢٢٨ (٥٣٦٧) والكبرى (٩٥٦٤) و(٩٥٦٥) و(٩٥٦٦) و(٩٥٦٧)، والحاكم ١/ ٣٥٤ - ٣٥٥ و٤/ ١٨٥. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٣٣٧)، الأحكام (٦٣)، صحيح الترغيب (٢٠٢٧).","vol":"9","page":109},{"text":"قوله: \"فإنه أطيب\" أي: وأحسن لأن الأبيض بقى باللون الذي خلقه الله عليه وترك تغيير خلق الله أحسن وأحب إلا إذا نص باستحباب التغيير وإنما قال أطهر لأنه لم يصل إليه يد الصباغ ولا أثر الصبغ فإن الصبغ قد يكون نجسا بتلطخه وتلاقيه بثياب أخرى.\n\n٣٠٨٦ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"أحسن مَا زرتم الله ﷿ بِهِ فِي قبوركم ومساجدكم الْبيَاض\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أحسن ما زرتم الله ﷿ به في قبوركم ومساجدكم البياض\" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٥٦٨)، والمحاملي في أماليه (٣٣٥). قال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٨٤: هذا إسناد ضعيف شريح بن عبيد لم يسمع من أبي الدرداء. وقال الألباني: موضوع المشكاة (٤٣٨٢/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (١٢٤٣).","vol":"9","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>[الترغيب في القميص والترهيب من طوله وطول غيره مما يلبس وجره خيلاء وإسباله في الصلاة وغيرها]</span>\n٣٠٨٧ - عَن أم سَلمَة -﵂- قَالَت كَانَ أحب الثِّيَاب إِلَى رَسُول الله -ﷺ- الْقَمِيص رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالْحَاكم وَصَححهُ وَابْن مَاجَه وَلَفظه وَهُوَ رِوَايَة لأبي دَاوُد لم يكن ثوب أحب إِلَى رَسُول الله -ﷺ- من الْقَمِيص (^١).\nقوله: عن أم سلمة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله: قالت كان أحب الثياب إلى رسول الله -ﷺ- القميص، وفي رواية ابن ماجه \"لم يكن ثوب أحب إلى رسول الله -ﷺ- من القميص\" والثياب جمع ثوب والثوب كل ما يستر الإنسان نفسه فيكون عاما، وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا لبس قميصا بدأ بميامنه (^٢)، أي أخرج اليد اليمنى قبل اليسرى، وكذلك السراويل، قال العلماء (^٣): كان أحب الثياب إلى رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (١٨٧٨)، وعبد بن حميد (١٥٤٠)، وابن ماجه (٣٥٧٥)، وأبو داود (٤٠٢٥) و(٤٠٢٦)، والترمذي (١٧٦٢) و(١٧٦٣) و(١٧٦٤)، والنسائي في الكبرى (٩٥٨٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٢٨)، والمشكاة (٤٣٢٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٧٦٦)، والبزار (٩٢٥٠)، والنسائي في الكبرى (٩٥٩٠)، وابن حبان (٥٤٢٢)، والبغوي (٣١٥٦). وصححه الألباني \"المشكاة\" (٤٣٣٠/ التحقيق الثاني).\n(^٣) المختصر الكبير في سيرة الرسول (١/ ١٣١) للكناني، الفصول في السيرة (١/ ٢٦٣) لابن كثير.","vol":"9","page":111},{"text":"-ﷺ- القميص والبياض والحبرة، وهي ضرب من البرود فيه حمرة، أ. هـ وكان كم قميص رسول الله -ﷺ- إلى الرسغ كذا رواه الترمذي، وحسنه عن أسماء بنت يزيد (^١) والرسغ بالسين وهو بالصاد أيضا المفصل من الكف والساعد فالقصد في الفقر والغنى مطلوب لا في الفقر وحده، كان كمه إلى رسغه اقتصادا لا عجزا ذكره في الحدائق (^٢) ولبس رسول الله -ﷺ- في وقت حلة حمراء وإزارًا ورداء وفي وقت ثوبين أخضرين، وفي وقت جبة ضيقة الكمين وفي وقت قباء وفي وقت عمامة سوداء وأرخى طرفيها بين كتفيه وفي وقت: مرطا أسود من شعر أو كسا ولبس الخاتم والخف والنعل (^٣)، أ. هـ.\n\n٣٠٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَفِي النَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ إزرة الْمُؤمن إِلَى عضلة سَاقه ثمَّ إِلَى نصف سَاقه ثمَّ إِلَى كَعبه وَمَا تَحت الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَفِي النَّار (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٠٢٧)، والترمذي في الشمائل (٥٨) والسنن (١٧٦٥)، وأبو الشيخ في أخلاق النبى (٢٤٧)، والبيهقي في الآداب (٤٩٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في المشكاة (٤٣٣٠).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٤١ - ٥٤٢).\n(^٣) الفصول في السيرة (١/ ٢٦٣) لابن كثير.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٧٨٧)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٣٥ (٥٣٧٥) والكبرى (٩٦٢٥) و(٩٦٣٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٢٩).","vol":"9","page":112},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار\" والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم من الجانبين، وذهب قوم إلى أنهما العظمان اللذان في ظهر القدم وهو مذهب الشيعة ومنه قول يحيى بن الحارث:\nرأيت القتلى يوم زيد بن على ... فرأيت الكعاب في وسط القدم\nانتهى، قاله في النهاية (^١).\nفقوله: \"ما أسفل\" ما موصولة، وبعض صلته محذوفة وهو \"كان\" و\"أسفل\" خبره ويجوز أن يرفع أسفل أي ما هو أسفل، قال الخطابي (^٢): يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين من رجله في النار، وقد أولوه أيضا على وجهين أحدهما: أن ما دون الكعبين من قدم صاحب الإزار المسبل في النار عقوبة لها على فعله، والثاني: قيل: أن معناه أن صنيعه ذلك وفعله في النار أي أنه معدود ومحسوب في جملة أفعال أهل النار يعني يجوز تطويل الذيل إلى الكعبين فما أسفل من الكعبين فهو موجب لإدخال صاحبه النار (^٣).\nوالإزار ما ائتزر به الرجل من أسفله فالإزار معروف يذكر ويؤنث بمعنى المئزر.\nقوله -ﷺ-: في رواية النسائي قال \"إزرة المؤمن إلى عضلة ساقه ثم إلى نصف ساقه ثم إلى كعبه وما تحت الكعبين من الإزار ففي النار\" الحديث،\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٢) أعلام الحديث (٢/ ٢١٤٤).\n(^٣) قاله ابن هبيرة عازيا إياه إلى الخطابي الإفصاح عن معانى الصحاح (٧/ ٣٣٢).","vol":"9","page":113},{"text":"الإزرة بالكسر الحالة وهيئة الإتزار يعني الحالة التي ترتضى في الإتزار هي أن يكون على هذه الصفة يقال: اتزر إزرة حسنة، قال المنذري: وضبطها بعضهم بالضم والصواب الكسر لأن المراد هنا الهيئة كالقعدة والجلسة والركبة لا المرة الواحدة ذكره صاحب التنقيح (^١) ويجوز أن يكون أراد أن عضلة ساقيه كبيرة ومنه حديث حذيفة: أخذ النبي -ﷺ- بأسفل من عضلة ساقي فقال: هذا موضع الإزار (^٢) وجمع العضلة عضلات والعضلة بفتحتين في البدن كل لحمة صلبة مكتنزة، قال العلماء: فالمستحب نصف الساقين والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين وما نزل عن الكعبين فهو ممنوع فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم وإلا فمنع تنزيه، وأما الأحاديث المطلقة بأن ما تحت الكعبين في النار، فالمراد بها ما كان للخيلاء فهذا الحديث نص صريح منه ﵊ أنه لا يجوز للإنسان أن يزيد في ثوبه ما ليس به حاجة فمنعه من ذلك وأباح لأنه مطلق، فوجب حمله على المقيد، أ. هـ\n_________\n(^١) كشف المناهج والتناقيح (٤/ ١٤).\n(^٢) أخرجه الحميدي (٤٤٥)، وأحمد ٥/ ٣٨٢ (٢٣٧١٥) و٥/ ٤٠٠ (٢٣٨٨٤)، وابن ماجه (٣٥٧٢)، والترمذي في السنن (١٧٨٣)، وفي الشمائل (١١٥)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٣٢ (٥٣٧٣)، وفي الكبرى (٩٦٨٧) و(٩٦٨٨) و(٩٦٨٩) و(٩٦٩٠)، والبزار في مسنده (٢٩٧٣)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٦٥٢)، وابن حبان (٥٤٤٥) و(٥٤٤٨) و(٥٤٤٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢١٧ رقم ١٧٧٩) و(٢/ ٢١٣ رقم ٢٠٧٩)، وفي الصغير (١/ ١٧١ رقم ٢٧٠).\nوصححه الألباني في الروض النضير (٢٨٦)، مختصر الشمائل المحمدية (٩٩)، والصحيحة (١٧٦٥) و(٢٠٣٧) و(٢٣٦٦) و(٢٦٨٣).","vol":"9","page":114},{"text":"قاله في شرح الأحكام (^١)، فينبغي للإنسان أن يتحرز عما يفعله كثير ممن ينسب إلى العلم في تفصيل ثيابهم من طول هذا الكم والاتساع والكثير الخارج عن العادة لأن النبي -ﷺ- نهى عن إضاعة المال ولا يخفي على ذي بصيرة أن كم من ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة مال لأنه قد يفصل من ذلك الكم ثوب لغيره، وقد روى مالك في الموطأ أن النبي -ﷺ- قال: \"إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه (فيما بينه وبين الكعبين ما أسفل من ذلك فهو في النار) \" (^٢).\nفرع: ومن البدع الحادثة في هذه الأيام إسبال أطراف أقبية الترك على أذناب الخيل وهذا من المحرمات لأنهم لا يفعلون ذلك إلا للخيلاء فعلى من فعل ذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ففي معنى الذيل كل ما يخالف العادة في اللباس من طول الكم ووسعه والعذبة ونحو ذلك وهذا في حق الرجل، أما النساء فأرخص لهن في ذلك مبالغة في الستر لأنهن لم يكن يلبسن السراويلات والخفاف على عادة العرب فلذلك أباحه لهن ولأن المبالغة في الطول لهذا المعنى ينفى إرادة الخيلاء وفيه ارتكاب أحد الأمرين لصلاح الآخر فإن تكشف سوقهن مفسدة وطول ذيلهن بلا خيلاء فإنه يكره\n_________\n(^١) قاله النووي في شرح مسلم (١٤/ ٦٢ - ٦٣) ونقله عنه العراقي في طرح الثريب في شرح التقريب (٨/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٥٧)، ومن طريقه ابن حبان (٥٤٤٧). وصححه الألباني كما سيأتى.","vol":"9","page":115},{"text":"فقط، فارتكاب المكروه لدفع الحرام قاعدة من قواعد الشرع قاله في الإلمام.\nفهذا الحديث نص صريح منه ﵊ أنه لا يجوز للإنسان أن يزيد في ثوبه ما ليس به حاجة فمنعه من ذلك إذ أن ما تحت الكعبين ليس للإنسان به حاجة فمنعه من ذلك وأباح ذلك للنساء فللمرأة أن تجر مرطها خلفها شبرا أو ذراعا للحاجة الداعية إلى ذلك، وهي التستر والإبلاع فيه إذا أن المرأة كلها عورة إلا ما استثنى وذلك فيها بخلاف الرجال، وكره مالك ﵀ للرجل سعة الثوب وطوله عليه ذكره ابن يونس قال: وما يفعلونه من صفة الاتساع والكبر في الثياب فليس بمشروع إذ أن ذلك ليس به حاجة فيمنع ألا ترى إلى ما ورد عن عمر بن الخطاب -﵁- حين لبس ثوبا فوجد كمه يزيد على أطراف أصابعه فطلب شيئا يقطعه به فلم يجد فأخذ حجرا وألقى كمه عليه ثم أخذ حجرا آخر فجعل يرضه به حتى قطع ما فضل عن أصابعه ثم تركه كذلك حتى خرجت الخيوط منه ونزلت فقيل له في خياطته فقال: رأيت رسول الله -ﷺ- فعل بثوب كذلك ولم يخطه بعد حتى تقطع الثوب، قال ابن القاسم: بلغني أن عمر -﵁- قطع كم رجل إلى قدر أصابع كفيه، ثم أعطاه فضل ذلك، وقال له خذ هذا واجعله في حاجتك، قال ابن رشد: إنما فعل عمر ذلك لأنه رأى أن الزيادة في طول الكمين على قدر الإصابه مما لا يحتاج الله فرآه من الشرف وخشي عليه أن يدخله مهنة عجب فأين الحال من الحال فإنا لله وإنا إليه راجعون (^١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) المدخل (١/ ١٣٠ - ١٣٢) لابن الحاج بتصرف يسير.","vol":"9","page":116},{"text":"٣٠٨٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ مَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- فِي الْإِزَار فَهُوَ فِي الْقَمِيص رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: وعن ابن عُمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: ما قال رسول الله -ﷺ- في الإزار فهو في القميص، أي: من القصر والطول وتقدم الكلام عليه في الأحاديث قبله.\n\n٣٠٩٠ - وَعَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن -﵁- عَن أَبِيه قَالَ سَأَلت أَبَا سعيد عَن الْإِزَار فَقَالَ على الْخَبِير بهَا سَقَطت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أزرة الْمُؤمن إِلَى نصف السَّاق وَلَا حرج أَو قَالَ لَا جنَاح عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الْكَعْبَيْنِ وَمَا كَانَ أَسْفَل من ذَلِك فَهُوَ فِي النَّار وَمن جر إزَاره بطرا لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن العلاء بن عبد الرحمن -﵁- عن أبيه [العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أبو شبل المدني روى له الجماعة والبخاري في غير\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١١٠ (٥٩٩٧) و٢/ ١٣٧ (٦٣٢٩)، وهناد (٨٤٨)، وأبو داود (٤٠٩٥)، وابن حبان في الثقات ٦/ ٤٣١، وأبو أحمد في الأسامى والكنى (٥/ ١٨٤)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٣٥ رقم ٤٢٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٤٦ رقم ٣٣١٩، وفي الشعب (٨/ ٢٢٠ رقم ٥٧٢٤). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٣٠).\n(^٢) أخرجه مالك (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٣٥٧٣)، وأبو داود (٤٠٩٣)، والنسائى في الكبرى (٩٦٣١ و٩٦٣٢ و٩٦٣٣ و٩٦٣٤)، وأبو يعلى (٩٨٠)، وأبو عوانة (٩٠٥٣) و(٩٠٥٦)، وابن حبان (٥٤٤٦) و(٥٤٤٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٣١).","vol":"9","page":117},{"text":"\"الصحيح\"، عن أبيه عبد الرحمن الجهني المدني، مولى الحرقة، روى له الجماعة والبخاري في غير \"الصحيح\"].\nقوله: سألت أبا سعيد عن الإزار فقال على الخبير بها سقطت، أي على العارف به وهو مثل سائر للعرب، كذا قال بعضهم، وقال في الديباجة: معنى على الخبير بها سقطت أي صادفت خبيرا بحقيقة ما سألت عنه عارفا بخفيه وجليه حاذقا والخبير العالم والخبر العلم وسقطت أي عثرت عبر عن العثور بالسقوط لأن عادة العاثر أن يسقط على ما يعثر عليه يقال: إن المثل لمالك بن جبير العامري وكان حكما للعرب ويمثل به الفرزدق للحسين بن علي حين أقبل يريد العراق فلقيه وهو يريد الحجاز فقال له الحسين: ما وراءك قال: على الخبير سقطت قلوب النالس معك وسيوفهم مع بني أمية والأمر ينزل من السماء فقال الحسين -ﷺ-: صدقتني، أ. هـ.\nقوله: قال رسول الله -ﷺ-: \"أزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج أو قال لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين\" ما نزل أسفل من [الكعبين] فهو في النار وتقدم أن الإزرة بالكسر الحالة وهيئة الاتزار مثل الركبة واللبسة.\nقوله -ﷺ-: \"ومن جر إزاره بطرًا\" الإزار ما يكسو الأسفل والرداء ما يكسو النصف الأعلى والإزار الملاءة بضم الميم وخفة اللام وبالمد أي الملحفة.\nقوله: \"بطرا\" بفتح الطاء، ويجوز كسرها على المصدر وعلى الحال أصل البطر الطغيان عند النعمة والعافية، [فيسوء] احتماله لها فيكون منه الكبر والأشر والبذخ [ومنه: \"لولا أن تبطروا\" أي: تطغوا].","vol":"9","page":118},{"text":"قوله: \"لم ينظر الله إليه يوم القيامة\" ومعنى: لا ينظر الله تعالى إليه أي لا يرحمه ولا ينظر إليه نظر رحمة، فإن قلت: فما معنى التقييد بيوم القيامة. قلت: لأنه محل الرحمة العظيمة المستمرة التي لا تنقطع بخلاف رحمة الدنيا فإنها تنقطع عن المرحوم ويأتي له ما يخالفها.\n\n٣٠٩١ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ حميد كَأَنَّهُ يَعْنِي النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْإِزَار إِلَى نصف السَّاق فشق عَلَيْهِم فَقَالَ أَو إِلَى الْكَعْبَيْنِ لَا خير فِيمَا فِي أَسْفَل من ذَلِك. رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: قال حميد كأنه يعني النبي -ﷺ- قال: \"الإزار إلى نصف الساق فشق عليهم فقال أو إلى الكعبين لا خير فيما في أسفل من ذلك\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٣٠٩٢ - وَعَن زيد بن أسلم عَن ابْن عمر -﵄- قالَ دخلت على النَّبِي -ﷺ- وَعلي إِزَار يتقعقع فَقَالَ من هَذَا فَقلت عبد الله بن عمر قَالَ إِن كنت عبد الله فارفع إزارك فَرفعت إزَارِي إِلَى نصف السَّاقَيْن فَلم تزل أزرته حَتَّى مَاتَ رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٤٠ (١٢٦١٩) و٣/ ٢٤٩ (١٣٨١٢) و٣/ ٢٥٩ (١٣٨٩٩)، والطبراني كما في مجمع البحرين (٤٢٤٧)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٢٤ رقم ٥٧٢٩). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٢: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٦٥)، وصحيح الترغيب (٢٠٣٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٤١ (٦٣٧٢) و٢/ ١٤٧ (٦٤٥١)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٢٨ رقم ٤٣٤٠)، وابن عدى في الكامل (٧/ ١٠٧)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢١٢ - ٢١٣ =","vol":"9","page":119},{"text":"قوله: وعن زيد بن أسلم (^١)، هو: أبو أمامة زيد بن أسلم القرشي العدوي المدني مولى عمر بن الخطاب التابعي الصالح الفقيه روى عن ابن عمر وأنس وجابر وربيعة بن عباد بكسر العين وسلمة بن الأكوع الصحابيين، قال محمد بن سعد: كان لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله -ﷺ- وكان ثقة كثير الحديث، توفي -﵁- بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة وقيل سنة ثلاث وثلاثين وقيل ثلاث وأربعين.\nوقوله: عن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: دخلت على النبي -ﷺ- وعلي إزار يتقعقع فقال: من هذا، فقلت عبد الله بن عمر قال إن كنت عبد الله فارفع إزارك فرفعت إزاري إلى نصف الساقين فلم تزل أزرته حتى مات، تقدم الكلام على الإزرة.\n_________\n= رقم ٥٧١١). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي. وقال ابن عدى: ولا أعلم رواه عن زيد بن أسلم غير أيوب، ولا عن أيوب غير الطفاوي.\nوقال: وللطفاوي غير ما ذكرت من الحديث ورواياته عامتها عمن روى إفرادات وغرائب كلها مما يحتمل ويكتب حديثه ولم أر للمتقدمين فيه كلاما وأخرجته أنا في جملة من سمى محمد بن عبد الرحمن لأجل أحاديث أيوب التي ذكرتها التي ينفرد بها وكل ذلك فمحتمل لا بأس به.\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٢: رواه كله أحمد بإسنادين، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٦٨) وصحيح الترغيب (٢٠٣٣).\n(^١) ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات ١/ الترجمة ١٨٥، وتهذيب الكمال ١٠/ الترجمة ٢٠٨٨.","vol":"9","page":120},{"text":"٣٠٩٣ - وَعَن أبي ذَر الْغِفَارِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم قَالَ فقرأها رَسُول الله -ﷺ- ثَلاث مَرَّات قَالَ أَبُو ذَر خابوا وخسروا من هم يَا رَسُول الله قَالَ المسبل والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب وَفِي رِوَايَة المسبل إزَاره رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه (^١).\nالمسبل هُوَ الَّذِي يطول ثَوْبه ويرسله إِلَى الأَرْض كَأَنَّهُ يفعل ذَلِك تجبرا واختيالًا.\nقوله: وعن أبي ذر الغفاري -﵁- روى له عن رسول الله -ﷺ- مائتا حديث وواحد وثمانون حديثًا (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم\" أي: لا يكلمهم كلاما يسرهم أو بكلام أهل الخير بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: المراد الإعراض عنهم وقال الجمهور لا ينفعهم ويسوءهم ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية ويعرض عنهم بوجهه الكريم يوم القيامة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧١ - ١٠٦)، وابن ماجه (٢٢٠٨)، وأبو داود (٤٠٨٧)، والترمذي (١٢٥٤)، والبزار (٤٠٢٤)، والنسائي في الكبرى (٢٣٥٥) و(٦٠٠٧) و(٩٦٢١) و(١٠٩٤٦) والمجتبى ٤/ ٥٦٣ (٢٥٨٢) و٧/ ١٨٤ (٤٤٩٩)، وابن حبان (٤٩٠٧). وصححه الألباني في صحيح غاية المرام (١٧٠)، الإرواء (٩٠٠)، صحيح الترغيب (١٧٨٧) و(٢٠٣٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٩ الترجمة ٧٨١).","vol":"9","page":121},{"text":"قوله: \"ولا ينظر إليهم\" فإن قلت: لا ينظر إليهم حقيقة أولا؟ قلت: النظر تقليب الحدقة والله تعالى منزه عن ذلك فهو مجاز عن اللطف والرحمة أي لا يلطف بهم وأما بالنسبة إلى من يمكن له النظر كما تقول السلطان لا ينظر إلى الوزير فهو كناية عنهما، قال في الكشاف (^١) في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (^٢) أنه مجاز عن السخط عليهم.\nقوله: \"ولا يزكيهم\" أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم.\nقوله: \"ولهم عذاب إليم\" أي مؤلم.\nقوله: \"المسبل إزاره والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر\" الحديث، إنما نهى عن إسبال الإزار لما فيه من الكبر والنخوة هذا لمن جر ذيله وأسبل إزاره خيلاء أي كبرًا وعجبًا.\nقوله: \"والمنان\" يتأول على وجهين أحدهما: من المنة وهي إن وقعت في الصدقة أبطلت الأجر وإن كانت في المعروف كدرت الصنيعة وأفسدتها.\nوالوجه الآخر أن يراد بالمن النقص يريد النقص من الحق والخيانة فيه في الكيل والوزن ونحوهما ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ (^٣) أي غير منقوص، قال: ومن ذلك يسمى الموت منونا لأنه ينقص الأعداد ويقطع الأعمال وتقدم شيء من ذلك في المنفق سلعته بالحلف الكاذب.\n_________\n(^١) الكشاف (١/ ٣٧٦).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.\n(^٣) سورة القلم، الآية: ٣.","vol":"9","page":122},{"text":"٣٠٩٤ - وَعَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الإسبال فِي الْإِزَار والقميص والعمامة من جر شَيْئا خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن أبي رواد وَالْجُمْهُور على توثيقه (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة\" قال أبو بكر (^٢): ما أغربه رواه أبو داود، والمسبل إزاره معناه: المرخي له الجار طرفه خيلاء كما جاء مفسرا في الحديث الآخر عن النبي -ﷺ- قال: \"لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء\" ذكر في الحديث الصحيح أن الإسبال يكون في الإزار والقميص والعمامة ويكون أيضا في الطيلسان، فإن قلت: ما المراد بإسبال العمامة هل هو جرها على الأرض كالثوب أو المراد المبالغة في تطويل عذبتها بحيث تخرج عن المعتاد، قال شيخ الإسلام العراقي في كتاب الأحكام (^٣): هو محل نظر والظاهر أنه إذا لم يكن جرها على الأرض معهودا مستعملا فالمراد الثاني\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ١٦٨ (٢٤٨٤٠)، وعنه ابن ماجه (٣٥٧٦)، وأبو داود (٤٠٩٤)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٣٧ (٥٣٧٨) والكبرى (٩٦٣٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣١١ رقم ١٣٢٠٩).\nقال أبو حاتم في العلل (١٤٥٤): هذا حديث منكر بهذا الإسناد: نافع عن سالم. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٣٥)، المشكاة (٤٣٣٢).\n(^٢) يعنى ابن أبي شيبة وكلامه نقله ابن ماجه.\n(^٣) طرح التثريب (٨/ ١٧٢).","vol":"9","page":123},{"text":"وإن كان الإسبال في كل شيء بحسبه وهل يختص ذلك بجر الذيول إلى غيرها كالأكمام إذا خرجت عن المعتاد، قال: والدي في شرح الترمذي: لا شك في تناول التحريم لما مس الأرض فيها للخيلاء ولو قيل: بتحريم ما زاد على المنع لم يكن بعيدا وهذا الوعيد يقتضي أن ذلك كبيرة.\nوقد قال أبو العباس القرطبي (^١): أن العجب كبيرة والكبر عجب وزيادة والله أعلم، أ. هـ فيدخل في قوله ثوبه خيلاء الإزار والرداء والقميص السراويل والجبة والقباء وغير ذلك مما يسمي ثوبا والإسبال في هذه المذكورات من الكبائر كذا عده الذهبي وغيره (^٢) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة\" الخيلاء بضم الخاء المعجمة وكسرها أيضا هو الكبر والعجب يقال اختال فهو مختال وفيه خيلاء ومخيلة أي كبر ومنه الحديث: \"بئس العبد عبد تخيل واختال\" (^٣) هو تفعل وافتعل منه.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) الكبائر للذهبي (ص ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٤٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٥٦ - ١٥٧ رقم ٤٠١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٦). وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: إسناده مظلم. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٥١١٥/ التحقيق الثاني)، الضعيفة (٢٠٢٦)، الظلال (٩ و١٠)، ضعيف الجامع (٢٣٥٠).","vol":"9","page":124},{"text":"وقال النووي (^١): قال العلماء الخيلاء والمخيلة والبطر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد وهو حرام.\nقوله -ﷺ-: \"لم ينظر الله إليه يوم القيامة\" أي: لا يرحمه ولا ينظر إليه نظر رحمة، ونظره ﷾ لعباده رحمته لهم ولطفه بهم، قال العراقي (^٢): فعبر عن المعني الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه ومن نظر إلى متكبر متجبر مقته فالنظر إليه اقتضى الرحمة أو المقت والله أعلم.\n\n٣٠٩٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَيْضا أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا ينظر الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَى من جر ثَوْبه خُيَلَاء رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِ وَابْن مَاجَه (^٣).\n\n٣٠٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا ينظر الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَى من جر إزَاره بطرا رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ من جر ثَوْبه من الْخُيَلاء (^٤).\n\n٣٠٩٧ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق -﵁- يَا رَسُول الله إِن إزَارِي\n_________\n(^١) طرح التثريب (٨/ ١٧١).\n(^٢) المصدر السابق (٨/ ١٧١).\n(^٣) أخرجه مالك (٢٦٥٤)، والبخاري (٥٧٨٣) و(٥٧٩١)، ومسلم (٤٢ و٤٣ و٤٤ و٤٦ - ٢٠٨٥)، والترمذي (١٧٣٠)، وابن ماجه (٣٥٦٩)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٢٣٠ (٥٣٧١). لم يذكر المصنف تحته شرحًا.\n(^٤) أخرجه مالك (٢٦٥٥)، والبخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (٤٨ - ٢٠٨٧)، وابن ماجه (٣٥٧١). لم يذكر المصنف تحته شرحا.","vol":"9","page":125},{"text":"يسترخي إِلَّا أَن أتعاهده فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- إِنَّك لست مِمَّن يَفْعَله خُيَلَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ وَلَفظ مُسلم قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- بأذني هَاتين يَقُول من جر إزَاره لَا يُرِيد بذلك إِلَّا المخيلة فَإِن الله ﷿ لَا ينظر إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة (^١). الْخُيَلَاء بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسرهَا أَيْضا وبفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت ممدودا هُوَ الْكبر وَالْعجب والمخيلة بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة من الاختيال وَهُوَ الْكبر واستحقار النَّاس.\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة\" تقدم الكلام علي ذلك.\nقوله: فقال أبو بكر: إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له رسول الله -ﷺ-: \"إنك لست ممن يفعله خيلاء\" قال: وكان السبب في ذلك ما علمه من أنه لا يقصد بذاك الخيلاء والكبر وكان رجلا نحيفا قليل اللحم فكان لا يستعمل إزاره إذا شده على حقوه فإذا سقط الإزار جره فرخص رسول الله -ﷺ- في ذلك وعذره والخيلاء تقدم أنه الكبر والعجب وهذا التقييد بالجر الخيلاء يخرج ما إذا جره بغير هذا القصد، ويقتضي أنه لا تحريم فيه وقد رخص النبي -ﷺ- في ذلك لأبي بكر الصديق وقال: إنك لست منهم إذا كان\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٦٧ (٥٤٤٩) و٢/ ١٠٤ (٥٩٢٠) و٢/ ١٣٦ (٦٣١٢) و(٦٣١٣)، والبخا ري (٣٦٦٥) و(٥٧٨٤) و(٦٠٦٢)، ومسلم (٤٣ - ٢٠٨٥)، وأبو داود (٤٠٨٥)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٣٨ (٥٣٧٩) والكبرى (٩٦٣٨)، وابن خزيمة في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٤٥٢)، وابن حبان (٥٤٤٤).","vol":"9","page":126},{"text":"جره لغير الخيلاء، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره وذكر فيه إسبال الإزار وحده لأنه كان عامة لباسهم وحكم غيره من القميص وغيره حكمه، قال النووي (^١): وقد جاء ذلك مبينا منصوصا عليه في الحديث الذي رواه ابن خزيمة وحكم المسألة أنه لا يجوز الإسبال إلى تحت الكعبين إن كان الخيلاء.\n\n٣٠٩٨ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة -﵁- قَالَ رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- أَخذ بحجزة سُفْيَان بن أبي سهل فَقَالَ يَا سُفْيَان لَا تسبل إزارك فَإِن الله لَا يحب المسبلين\" رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢) وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ الْحَافِظ وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي طلاقة الْوَجْه حَدِيث أبي جري الهُجَيْمِي وَفِيه وَإِيَّاك وإسبال الْإِزَار فَإِنَّهُ من المخيلة وَلَا يُحِبهَا الله.\nقوله: وعن المغيرة بن شعبة (^٣)، والمغيرة بضم الميم وكسرها والضم أشهر ذكره ابن السكيت، وكنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو عيسى المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي الكوفي الصحابي،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٤٦ (١٨٤٣٨) و٤/ ٢٥٣ (١٨٥٠٢)، وابن ماجه (٣٥٧٤)، والنسائي في الكبرى (٩٦٢٤)، والبغوي في الجعديات (٢٣٢٦) ومعجم الصحابة (١١٢٩) و(١١٣٠)، وابن حبان (٥٤٤٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٢٣ رقم ١٠٢٣ و١٠٢٤)، وأبو نعيم في الصحابة (٣٥٠٨). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٢٣)، وصححه في الصحيحة (٤٠٠٤).\n(^٣) ترجمته الاستيعاب ٤/ ترجمة ٢٤٨٣، وأسد الغابة ٥/ ترجمة ٥٠٧١، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ترجمة ٥٩٩، وتهذيب الكمال ٢٨/ ترجمة ٦١٣٢.","vol":"9","page":127},{"text":"أسلم عام الخندق وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وعمه عروة بن مسعود الثقفي أسلم على يد رسول الله -ﷺ- وقتله أهل الطائف وأمه أسماء بنت الأفقم روي له عن رسول الله -ﷺ- مائة وستة وثلاثون حديثا اتفقا على تسعة وللبخاري حديث ولمسلم حديثان، قيل: إن المغيرة أحصن ثلاثمائة امرأة في الإسلام، وقيل: ألفا واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان.\nذكر صفته -﵁-: قال علماء السير: كان طوالا أقلص أصهب يفرق رأسه فروقا أربعة، عبل الذراعين بعيد ما بين المنكبين، عالي الشفتين ضخم الهامة أهيم أعور، ذهبت إحدى عينيه يوم اليرموك قال أبو سيف: وهو أول من خضب بالسواد في الإسلام وشهد الحديبية مع رسول الله -ﷺ-، قال الواقدي: وشهد المغيرة بعد ذلك المشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ- واختلفوا في وفاته، قال ابن سعد بإسناده: مات المغيرة بالكوفة في شعبان سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة والله أعلم.\nفائدة: الكوفة هى البلدة المعروفة ودار الفضل ومحل الفضلاء بناها عمر بن الخطاب يعني أمر نوابه ببنيانها هي والبصرة، قيل: سميت الكوفة بذلك لاستدارتها تقول العرب تكوف الرمل إذا استدار وركب بعضه بعضا وقيل لأن ترابها خالصة جص، وكل ما كان كذلك سمي كوفة.\nقوله: رأيت رسول الله -ﷺ- آخذ بحجزه سفيان بن سهل، الحجزة هي مقعد الإزار وموضع التكة من السراويل وسفيان بن سهل هو الثقفي [ويقال ابن أبى سهل].","vol":"9","page":128},{"text":"قوله: فقال: يا سفيان: لا تسبل إزارك فإن الله لا يحب المسلمين المسبل إزاره هو الذي يطول ثوبه ويرسله إلى الأرض إذا مشى وإنما يفعل لك كبرا واختيالا، أ. هـ وتقدم معنى إسبال الإزار مطولًا.\n\n٣٠٩٩ - وَعَن هبيب بن مُغفل بِضَم الْمِيم وسكون المعجمة وَكسر الْفَاء -﵁- أَنه رأى مُحَمَّدًا الْقرشِي قَامَ فجر إزَاره فَقَالَ هبيب سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من وَطئه خُيَلَاء وَطئه فِي النَّار رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وعن هبيب بن مغفل، قال الحافظ: مغفل: بضم الميم وسكون الغين المعجمة وكسر الفاء [بعدها لام، ويقال إن مغفلا جد أبيه نسب إليه، قاله أبو نعيم. وقال: هو ابن عمر بن مغفل بن الواقعة بن حرام بن غفار الغفاري، نسبه ابن يونس، وقال: شهد فتح مصر، وله حديث صحيح السند في الإزار، وذكر ابن يونس أنه اعتزل في الفتنة بعد قتل عثمان في واد بين مريوط والفيوم، فصار ذلك يعرف به، ويقال له وادي هبيب].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٧ (١٥٨٤٥) و(١٥٨٤٦) و(١٥٨٤٧) و٤/ ٢٣٧ (١٨٣٦٢) و(١٨٣٦٣) و(١٨٣٦٤)، وابن أبى خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني ١/ ٥٩٧ (٢٤٩٣)، والفسوى في التاريخ ٢/ ٤٩٤، وابن عبد الحكم في تاريخ مصر ص ٩٤ و٢٨٦، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (١٠٢٢)، وأبو يعلى في المفاريد (ص ٥٦) والمسند (١٥٤٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٢١٢)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٠٦ (٥٤٣) و(٥٤٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٥٢) و(٦٥٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٤٠).","vol":"9","page":129},{"text":"قوله: أنه رأى محمدا القرشي قام فجر إزاره، الحديث، تقدم الكلام على جر الإزار خيلاء، فقال هبيب سمعت رسول الله -ﷺ- يقول \"من وطئه خيلاء وطئه في النار\" الخيلاء بضم الخاء المعجمة وفتح الياء ممدودة ويقال بكسر الخاء وهو الكبر والعجب بالنفس ومحاسنها ولباسها والاستخفاف بالغير وهي حرام من الكبائر الموبقة وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في الأحاديث قبله.\n\n٣١٠٠ - وَرُوِيَ عَن بُرَيْدَة -﵁- قَالَ كُنَّا عِنْد النَّبِي -ﷺ- فَأقبل رجل من قُرَيْش يخْطر فِي حلَّة لَهُ فَلَمَّا قَامَ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يَا بُرَيْدَة هَذَا لَا يُقيم الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة وزنا رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: وروي عن بريدة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: كنا عند النبي ﷺ فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له، الحلة عند العرب ثوبان لا يكون ثوبا واحدا، ويكونان غير لفقين رداء وإزارا سميا بذلك لأن كلا منهما يحل على الآخر، قال أبو عبيدة: الحلل برود اليمن، قال بعضهم: لا يقال لها حلة حتى تكون جديدة يحلها عن طيها (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٤٤٩). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة إلا واصل هو واصل مولى أبي عيينة رجل من أهل البصرة مشهور وعون بن عمارة لم يكن بالحافظ، ولم يتابع على هذا الحديث.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٥: رواه البزار، وفيه عون بن عمارة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٤٤).\n(^٢) العدة شرح العمدة (١/ ٣٧٨) لابن العطار.","vol":"9","page":130},{"text":"٣١٠١ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله -﵄- قالَ خرج علينا رَسُول الله -ﷺ- وَنحن مجتمعون فَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين اتَّقوا الله وصلوا أَرْحَامكُم فَإِنَّهُ لَيْسَ من ثَوَاب أسْرع من صلَة الرَّحِم وَإِيَّاكُم وَالْبَغي فَإِنَّهُ لَيْسَ من عُقُوبَة أسْرع من عُقُوبَة بغي وَإِيَّاكُم وعقوق الْوَالِدين فَإِن ريح الْجنَّة يُوجد من مسيرَة ألف عَام وَالله لَا يجدهَا عَاق وَلَا قَاطع رحم وَلَا شيخ زَان وَلَا جَار إزَاره خُيَلَاء إِنَّمَا الْكِبْرِيَاء لله رب الْعَالمين الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وروي عن جابر بن عبد الله -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"اتقوا الله\" أصل التقوى الاجتناب والمراد هنا اجتناب المعاصي وكأن المتقي يتخذ له وقاية من عذاب الله بترك المخالفة.\nقوله: \"وصلوا أرحامكم\" المراد بذلك الأقارب والصلة تحصل إما بكلمة طيبة أو جاه أو إعطاء وسواء كان القريب وارثا أو غير وارث، وسيأتي الكلام على العقوق في بابه إن شاء الله تعالى، وتقدم الكلام على إرخاء الإزار بقصد الخيلاء.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٨ رقم ٥٦٦٤). وقال: لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن محمد بن طريف. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن كثير الكوفي، وهو ضعيف جدا. وقال في ٨/ ١٤٨ - ١٤٩: رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن كثير، عن جابر الجعفي، وكلاهما ضعيف جدا. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٥٣٦٩) وضعيف الترغيب (١٤٨٥) و(١٥٠١).","vol":"9","page":131},{"text":"٣١٠٢ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَإِن كَانَ على الله كَرِيمًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عَليّ بن يزِيد الْأَلْهَانِى (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة\" وتقدم الكلام أيضا على إرخاء الإزار بقصد الخيلاء فإن كان لغيرها فهو مكروه هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب وأما القدر المستحب للرجال أن ينزل إليه طرف القميص والإزار فنصف الساقين كما في حديث ابن عمر: \"إزرة المؤمن\" الحديث، وأجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء وقد صح عن النبي -ﷺ- الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعا والله أعلم.\nقوله: من رواية علي بن يزيد الألهاني، تقدم الكلام عليه.\n\n٣١٠٣ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة -﵂- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ لي هَذِه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَللَّهِ فِيهَا عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ بِعَدَدِ شُعُورِ غَنَمِ كَلْبٍ، لَا يَنْظرُ اللهُ فِيهَا إِلَى مُشْرِكٍ، وَلَا إِلَى مُشَاحِنٍ، وَلَا إِلَى قَاطِعِ رَحِمٍ، وَلَا إِلَى مُسْبِلٍ، وَلَا إِلَى عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ، وَلَا إِلَى مُدْمِنِ خَمْرٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١١ رقم ٩٧٧٨). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢٢: رواه الطبراني في الكبير وفيه عبيد الله بن زحر وهو ضعيف جدا. وقال ٥/ ١٢٦: رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٨٤) و(١٢٤٦).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٣٦٢ - ٣٦٤ رقم ٣٥٥٦). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٦٢٠) و(١٢٤٧) و(١٥٠١) و(١٦٥١).","vol":"9","page":132},{"text":"قوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"أتاني جبريل ﵇ فقال لي هذه ليلة النصف من شعبان \" الحديث تقدم الكلام على فضائل شعبان.\n\n٣١٠٤ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من أسبل إزَاره فِي صلَاته خُيَلَاء فَلَيْسَ من الله فِي حل وَلَا حرَام رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ وَرَوَاهُ جمَاعَة مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: -ﷺ-: \"من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام\" تقدم معنى الإسبال بقصد الخيلاء.\n\n٣١٠٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ بَيْنَمَا رجل يُصَلِّي مسبلا إزَاره فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- اذْهَبْ فَتَوَضَّأ فَذهب فَتَوَضَّأ ثمَّ جَاءَ ثمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَتَوَضَّأ\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٣٤٩)، وأبو داود (٦٣٧)، والبزار (١٨٨٤)، والنسائى في الكبرى (٩٦٠٠). قال الطيالسي: رَفَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ثَابِتٌ. وقال أبو داود: روى هذا جماعة عن عاصم موقوفا على ابن مسعود، منهم حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبو الأحوص، وأبو معاوية. وقال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله، وقد رواه غير واحد، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن عبد الله موقوفا، وأسنده أبو عوانة. وأخرجه الطيالسي (٣٤٩) وهناد (٢/ ٤٣٢)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٤ رقم ٩٣٦٧ و٩٣٦٨) موقوفا. قال الحافظ في الفتح ١٠/ ٢٥٧: مثل هذا لا يقُال بالرأي، يعني أن له حكمَ المرفوع. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٤: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٤١) وصحيح الجامع (٦٠١٢).","vol":"9","page":133},{"text":"فَقَالَ لَهُ رجل آخر يَا رَسُول الله مَا لَك أَمرته أَن يتَوَضَّأ ثمَّ سكت عَنهُ قَالَ إِنَّه كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسبل إزَاره وَإِن الله لَا يقبل صَلاة رجل مُسبل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَبُو جَعْفَر الْمدنِي إِن كَانَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن فروايته عَن أبي هُرَيْرَة مُرْسلَة وَإِن كَانَ غَيره فَلَا أعرفهُ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: بينما رجل يصلي مسبلا إزاره فقال له رسول الله -ﷺ-: \"اذهب فتوضأ\" فذهب فتوضأ ثم جاء ثم قال له: \"اذهب فتوضأ\" فقال له رجل آخر: يا رسول الله ما لك أمرته أن يتوضأ، ثم سكت عنه، قال: \"إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل\" هذا الحديث لا يحمل على ظاهره في أمره ﵇ بإعادة الوضوء وأنه لا يلزم من عدم قبول الصلاة عدم الصحة كما في صلاة الآبق وشارب الخمر وإتيان الكهان ومن صلى في أرض مغصوبة وغير ذلك لأنه أخص، وحينئذ فالمنفي الثواب للدليل على الصحة واستكمال الشروط، وقد يتلازمان لهذا الحديث وهو الغالب قاله في شرح مشارق الأنوار، وتقدم أيضا الكلام على إسبال الإزار والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٦٣٨) و(٤٠٨٦)، والبزار (٨٧٦٢)، والنسائي في الكبرى (٩٧٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٤٢ رقم ٣٣٠٥). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه فأسنده إلا أبان بن يزيد، ولا عن أبان إلا موسى بن إسماعيل. وقد رواه غير من سمينا موقوفا، ولا نعلم روى أبو جعفر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، إلا هذا الحديث، وإنما يحدث أبو جعفر عن أبي هريرة. وضعفه الألباني في المشكاة (٧٦١)، وضعيف الترغيب (١٢٤٨).","vol":"9","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>[الترغيب في كلمات يقولهن من لبس ثوبا جديدا]</span>\n٣١٠٦ - عَن معَاذ بن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أكل طَعَاما فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي هَذَا ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمن لبس ثوبا جَدِيدا فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي كساني هَذَا ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَلم يقل وَمَا تَأَخّر وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه شطره الأول وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم رَوَاهُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة من طَرِيق عبد الرَّحِيم أبي مَرْحُوم عَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه وَعبد الرَّحِيم وَسَهل يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا (^١).\nقوله: عن معاذ بن أنس (^٢) -﵁-[معاذ بن أنس الجهني صحابي نزل مصر له ثلاثون حديثا وعنه ابنه سهل فقط].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٣ (١٥٨٧٢)، والدارمى (٢٧٣٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٦٠)، وابن ماجه (٣٢٨٥)، وأبو داود (٤٠٢٣)، والترمذي (٣٤٥٨)، وأبو يعلى في المفاريد (ص ٢٦) والمسند (١٤٨٨) و(١٤٩٨)، والطبراني في الدعاء (٣٩٦) و(٩٠٠) والكبير ٢٠/ ١٨١ رقم ٩٠٠) والشاميين (٢٤١) و(٢٤٢)، والحاكم ١/ ٥٠٧ و٤/ ١٩٢، والبيهقي في الآداب (٥٢٢) والدعوات الكبير (٤٨٤) و(٥٠٧) والشعب (٨/ ٣٠٩ رقم ٥٨٧٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وأبو مرحوم اسمه: عبد الرحيم بن ميمون. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: أبو مرحوم ضعيف. وحسنه الألباني دون زيادة وما تأخر في المشكاة (٤٣٤٣)، الكلم الطيب ١٨٧، الإرواء ١٩٨٩، وصحيح الترغيب (٢٠٤٢) و(٢١٦٤).\n(^٢) الاستيعاب ٣/ الترجمة ٢٤١٥، وأسد الغابة ٥/ الترجمة ٤٩٥٧، تهذيب الكمال ٢٨/ الترجمة ٦٠١٩، والإصابة ٦/ ٨٠٥٤.","vol":"9","page":135},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ومن لبس ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر\" المراد بغفران ما تقدم من الذنب وما تأخر الصغائر دون الكبائر فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله تعالى عن العبد.\n\n٣١٠٧ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ لبس عمر بن الْخطاب -﵁- ثوبا جَدِيدا فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي كساني مَا أواري بِهِ عورتي وأتجمل بِهِ فِي حَياتِي ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من لبس ثوبا جَدِيدا فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي كساني مَا أواري بِهِ عورتي وأتجمل بِهِ فِي حَياتِي ثمَّ عمد إِلَى الثَّوْب الَّذِي أخلق فَتصدق بِهِ كَانَ فِي كنف الله وَفِي حفظ الله وَفِي ستر الله حَيا وَمَيتًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم كلهم من رِوَايَة أصبغ بن زيد عَن أبي الْعَلَاء عَنهُ وَأَبُو الْعَلَاء مَجْهُول وَأصبغ يَأْتِي ذكره وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَنهُ فَذكره وَقَالَ فِيهِ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من لبس ثوبا أَحْسبهُ قَالَ جَدِيدا فَقَالَ حِين يبلغ ترقوته مثل ذَلِك ثمَّ عمد إِلَى ثَوْبه الْخلق فَكَسَاهُ مِسْكينا لم يزل فِي جوَار الله وَفِي ذمَّة الله وَفِي كنف الله حَيا وَمَيتًا مَا بَقِي من الثَّوْب سلك زَاد فِي بعض رواياته قَالَ يس: فَقلت لِعبيد الله من أَي الثَّوْبَيْنِ قَالَ لَا أَدْرِي (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٤٩) والمسند (٢٢) ومن طريقه هناد (١/ ٣٥٠ - ٣٥١) والحاكم ٤/ ١٩٣، وابن أبى شيبة ٥/ ١٨٩ (٢٥٠٨٩) و٦/ ٩٥ (٢٩٧٥٣)، وأحمد ١/ ٤٤ (٣١١)، وعبد بن حميد (١٨)، وابن ماجه (٣٥٥٧)، والترمذي (٣٥٦٠)، وابن أبى الدنيا في الشكر (٧٥) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨/ ٣١١ رقم ٥٨٧٤)، والطبراني في الدعاء (٣٩٣)، وابن السني في اليوم والليلة (٢٧٢). =","vol":"9","page":136},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: لبس عمر بن الخطاب -﵁- ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، الحديث.\nقوله -ﷺ-: \"ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به\" الحديث.\n\"كان في كنف الله وفي حفظ الله وفي ستر الله حيا وميتا\" عمد بفتح الميم في الماضي أي قصد.\nقوله: رواه الحاكم من رواية أصبغ بن زيد [هو أصبغ بن زيد الجهني مولاهم الواسطي: صدوق ضعفه ابن سعد وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به وقال النسائي: لا بأس به ووثقه ابن معين والدارقطني].\nقوله في الرواية الأخرى: \"فقال حين يبلغ ترقوته مثل ذلك\" الترقوة هي النقرة المنخفضة عند غضروف الكتف.\n_________\n= قال الحاكم: هذا الحديث لم يحتج الشيخان -﵄- بإسناده، ولم أذكر أيضا في هذا الكتاب مثل هذا، على أنه حديث تفرد به إمام خراسان عبد الله بن المبارك عن أئمة أهل الشام ﵃ أجمعين، فآثرت إخراجه ليرغب المسلمون في استعماله. وقال الدارقطني في العلل (١٦٠): والحديث غير ثابت. وقال في (٢٦٩٧): يرويه وكيع بن الجراح، واختلف عنه؛ فرواه سلم بن جنادة، أبو السائب، عن وكيع، عن مسعر، عن عبيد الله بن زحر، عن القاسم، عن أبي أمامة. وغيره يرويه عن وكيع، عن خلاد الصفار، عن عبيد الله بن زحر. وعبيد الله بن زحر لم يسمعه من القاسم، وإنما يرويه، عن علي بن يزيد، عن القاسم، وهذا الإسناد غير ثابت. قال الشيخ: عبيد الله بن زحر ضعيف، والقاسم لا بأس به إذا حدث عنه الثقات، فهي مستقيمة.\nوحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٢٦ - ١٢٨). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٤٢) و(٤٦٤٩)، المشكاة (٤٣٧٤)، ضعيف الجامع (٥٨٢٧)، وضعيف الترغيب (١٢٤٩).","vol":"9","page":137},{"text":"قوله: \"لم يزل في جوار الله وفي ذمة الله وفي كنف الله حيا وميتا ما بقي من الثوب سلك\" والسلك بكسر السين المهملة وسكون اللام الخيط.\nفائدة: في كتاب ابن ماجه وابن السني عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- رأى على عمر -﵁- فميصا أبيض فقال: \"ثوبك هذا غسيل أم جديد\" فقال: \"لا بل غسيل\" فقال: \"لبس جديدا وعش حميدا ومت شهيدا\" (^١).\nفائدة أخرى: يقال إذا خلع الإنسان ثوبه لغسل أو نوم أو نحوهما روينا في كتاب ابن السني عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ستر ما بين عين الجن وعورات بني آدم أن يقول الرجل المسلم إذا أراد أن يطرح ثيابه باسم الله الذي لا إله إلا هو\" (^٢)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٨٢)، ومن طريقه أخرجه أحمد ٢/ ٨٩ (٥٧٢٤)، وعبد بن حميد (٧٢٣)، وابن ماجه (٣٥٥٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣١١) والكبرى (١٠٢٥١)، والبزار (٦٠٠٥)، وأبو يعلى (٥٥٤٥)، وابن حبان (٦٨٩٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٨٣ رقم ١٣١٢٧)، وفي الدعاء (٣٩٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٦٩) وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ١٣٩، والبغوي (٣١١٢). قال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا عبد الرزاق، ولم يتابع عليه. وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٨٢: هذا إسناد صحيح. وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٧٣ - ٧٤: رواه أحمد وابن ماجه والطبراني، ورجالهما (يعنى أحمد والطبراني) رجال الصحيح.\nوقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٣٧): هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني: صحيح، الصحيحة (٣٥٢).\n(^٢) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٤٦٦)، وابن السنى (٢٧٣)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٦٧ - ٦٨ رقم ٢٥٠٤)، وابن عدى في الكامل (٤/ ١٤٨ و٤/ ٤٢٧)، وتمام (١٧٠٩ و١٧١٠)، والإسماعيلى في المعجم (١٦٥). وقال الهيثمي في المجمع =","vol":"9","page":138},{"text":"٣١٠٨ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا أنعم الله على عبد نعْمَة فَعلم أَنَّهَا من الله إِلَّا كتب الله لَهُ شكرها قبل أَن يحمده عَلَيْهَا وَمَا أذْنب عبد ذَنبا فندم عَلَيْهِ إِلَّا كتب الله لَهُ مغْفرَة قبل أَن يَسْتَغْفِرهُ وَمَا اشْترى عبد ثوبا بِدِينَار أَو نصف دِينَار فلبسه فَحَمدَ الله ﷿ إِلَّا لم يبلغ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يغْفر الله لَهُ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم رُوَاته لَا أعلم فيهم مجروحا كَذَا قَالَ (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام على عائشة.\nقوله: فذكره إلى أن قال -ﷺ-: \"وما اشترى عبد ثوبا بدينار أو نصف دينار فلبسه فحمد الله ﷿ إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له\" الحديث [رواه\n_________\n= ١/ ٢٠٥: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما فيه سعيد بن مسلمة الأموي، ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن حبان وابن عدي، وبقية رجاله موثقون. وصححه الألباني في المشكاة (٣٥٨)، الإرواء (٥٠).\n(^١) أخرجه الفسوى في مشيخته (٢٠)، وأبن أبى الدنيا في الشكر (٨٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٢٣ رقم ٢٦٧٦) و(٤/ ٣٨٥ رقم ٤٥٠٢)، والحاكم ١/ ٥١٤، وشهدة في مشيختها (٨٤). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا بزيع.\nوقال في الموضع الثانى: لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن محمد إلا الوليد بن أبي هشام، ولا عن الوليد إلا السكن البرجمي، تفرد به: سليمان بن داود. قال الحاكم: لا أعلم به مجروحا. فتعقبه الذهبي فقال: قلت: بلى. قال ابن عدي: محمد بن جامع العطار -يعني المذكور في إسناده- لا يتابع على أحاديثه. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٩٩: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين: في أحدهما بزيع بن حسان أبو الخليل، وفي الآخر سليمان بن داود المنقري، وكلاهما ضعيف. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٥٣٤٧) وضعيف الترغيب (١٢٥٠).","vol":"9","page":139},{"text":"ابن أبي الدنيا، والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: رواته لا أعلم فيهم مجروحًا؛ كذا قال].\nورواه أحمد في مسنده ولفظه: البس جديدا وعش حميدا ومت شهيدا ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة، وعن أبي سعيد أن النبي -ﷺ- كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول: اللهم لك الحمد أسألك خيره وخير ما صنع به وأعوذ بك من شره وشر ما صنعة له، حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم، قال الترمذي: حديث حسن (^١) عن أبي سعيد الخدري أيضا، أن النبي -ﷺ- كان إذا لبس ثوبا أو قميصا أو رداء أو عمامة يقول: اللهم إني أسألك من خيره وخير ما هو له وأعوذ بك من شره وشر ما هو له، رواه ابن السني (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠ (١١٤٢٠) و٣/ ٥٠ (١١٦٤٥)، عبد بن حميد في المنتخب (٨٨٢)، وأبو داود (٤٠٢٠) و(٤٠٢١)، والترمذي (١٧٦٧)، وفي الشمائل (٥٩)، وابن حبان (٥٤٢٠) و(٥٤٢١)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي -ﷺ- ص ١٠٤، والبغوي في شرح السنة (٣١١١). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٣٤٢)، مختصر الشَّمائل (٤٧/ ٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن السنى (١٤).","vol":"9","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>[الترهيب من لبس النساء الرقيق من الثياب التي تصف البشرة]</span>\n٣١٠٩ - عَن عبد الله بن عمرو -﵄- قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول يكون فِي آخر أمتِي رجال يركبون (نساءهم) (^١) على سرج كأشباه الرّحال ينزلون على أَبْوَاب الْمَسَاجِد نِسَاؤُهُم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت الْعِجَاف العنوهن فَإِنَّهُنَّ ملعونات لَو كَانَ وراءكم أمة من الْأُمَم خدمتهن نِسَاؤُكُمْ كَمَا خدمكم نسَاء الْأُمَم قبلكُمْ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: عن عبد الله بن عمر تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يكون في آخر أمتي نساء يركبون على سرج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد\" الحديث يركبون وينزلون جمعهن جمع مذكر\n_________\n(^١) هذه زيادة من الطبراني.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٢٣ (٧٢٠٤)، وابن حبان (٥٧٥٣)، والطبراني في الصغير (٢/ ١٢٧ - ١٢٨ رقم ١١٢٥) والأوسط (٩/ ١٣١ رقم ٩٣٣١) والكبير (١٤/ ١١٨ رقم ١٤٧٣٩)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٠١٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٣٦).\nوصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: عبد الله بن عياش القتباني المذكور في إسناده، وأن كان احتج به مسلم، فقد ضعفه أبو داود، والنسائي، وقال أبو حاتم هو قريب من ابن لهيعة. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٣٧: رواه أحمد، والطبراني في الثلاثة، ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن الطبراني قال: \"سيكون في أمتي رجال يركبون نساءهم على سروج كأشباه الرحال\". وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٨٣) وصحيح الترغيب (٢٠٤٣).","vol":"9","page":141},{"text":"لشبههن بالرجال قاله الحافظ العسقلاني المشهور بابن حجر.\nقوله -ﷺ-: \"نساؤهم كاسيات عاريات\" يقال: كسى يكسى فهو كاس إذا صار ذا كسوة ومنه قوله: واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي.\nويجوز أن يكون بمعنى مفعول من كسى يكسو كماء دافق، قاله في النهاية (^١)، قال الإمام أبو العباس القرطبي (^٢) معناه: كاسيات من الثياب عاريات من الدين لانكشافهن وإبداء بعض محاسنهن وقيل كاسيات ثيابا رقاقا تظهر ما تحتها وما خلفها فهن كاسيات في الظاهر عاريات في الحقيقة، وقيل: كاسيات في الدنيا بأنواع الزينة من الحرام وبما لا يجوز لبسه عاريات يوم القيامة، قال القرطبي: كله يحتمل اللفظ وأحسنها كاسيات عاريات من الدين، وأنشدوا:\nإذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ... تقلب عريانا وإن كان كاسيا\nوخير لباس المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا\nوقوله -ﷺ-: \"على رؤوسهن كأسنمة البخت\" والبخت الإبل الواحد بختي والأنثى بختية، والبخاتي جمال طوال الأعناق، وقيل: بل غلاظ ذوات سنامين وجمعها بخاتي غير منصرف ولك أن تخفف الياء فتقول البخاتي وكذا كل ما أشبهها مما واحده مشدد يجوز في جمحه التشديد والتخفيف كالسواري والعواري والعلالي والأواني والأماني والكراسي\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١٧٥).\n(^٢) المفهم (١٧/ ١٢٢).","vol":"9","page":142},{"text":"والتهادي وممن ذكر هذه القاعدة ابن السكيت في إصلاحه والجوهري (^١)، شبه رؤوسهن بأسنمة البخت لكثرة ما وصلن به شعورهن حتى صار عليها من ذلك ما يفيئها أي يحركها خيلاء وعجبا، قاله في النهاية (^٢)، ومعنى الحديث يعظمن رؤوسهن بالخمر والمقانع ويجعلن على رؤوسهن شيئا يسمي عندهن التازة وهذا مشاهد مرأى إذ أن في عمامة كل واحدة منهن سنمين وأقل ما فيه من الضرر أن رؤوسها تعتل بسبب هذه العمائم لأنهن اتخذنها عادة من فوق الحاجبين وفي ذلك مفاسد.\nأحدها: أن المرأة محل استمتاع الرجل وأعظم جمال فيها وجهها وهي تغطي أكثره فتقع بذلك في الإثم لأنها تمنع زوجها حقه ولو رضي زوجها بذلك فإنها تمنع لمخالفتها للسنة. والثاني: أنه إذا كانت هذه المواضع مستورة فإذا احتاجت إلى الوضوء تحتاج إلى كشفها لتغسل ما يجب عليها وإذا غسلته قد تستهوي لأن الموضع قد اعتاد التغطية فإذا كشفته عند الغسل قد تتضرر فيكون ذلك سببا لترك فرضين أحدهما غسل الوجه والثاني: مسح الرأس. والثالث: الزينة التي جملها الله تعالى بها في وجهها سترتها عن وجهها وقد يفضي ذلك للفراق لأنها تبقى في تلك الحال شنيعة المنظر، فإن قيل: إن فيه بعض جمال لها فهذا نادر والنادر لا حكم له فإن فرضنا الغالب فيه جمال لها فلتمنع من ذلك كما تقدم من مخالفتها للسنة والخير كله في الاتباع والله أعلم.\n_________\n(^١) إصلاح المنطق (ص ١٣٤)، الصحاح (١/ ٢٤٣).\n(^٢) النهاية (٣/ ٤٨٣).","vol":"9","page":143},{"text":"قوله -ﷺ-: \"العنوهن فإنهن ملعونات\" هذا اللفظ يقتضي أن ذلك من الكبائر فإن اللعن لا يكون إلا في كبيرة قد ارتكبها الإنسان كما تقدم.\n\n٣١١٠ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- صنفان من أهل النَّار لم أرهما قوم مَعَهم سياط كأذناب الْبَقر يضْربُونَ بهَا النَّاس وَنسَاء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لَا يدخلن الْجنَّة وَلَا يجدن رِيحهَا وَإِن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة كَذَا وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"صنفان من أهل النار لم أرهما\" الحديث، هذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان فقد وقع ما أخبر به -ﷺ- وفيه ذم هذين الصنفين، قال أبو العباس القرطبي (^٢): قال الحافظ ابن دحيه (^٣): الصنف فيما ذكر عن الخليل الطائفة من كل شيء.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٥٦ (٨٧٨٦) و٢/ ٤٤٠ (٩٨١١)، ومسلم (١٢٥ - ٢١٢٨) و(٥٢ - ٢١٢٨)، وأبو عوانة (٩٢٨٨)، وابن حبان (٧٤٦١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥ رقم ١٨١١) و(٦/ ٨٠ رقم ٥٨٥٤)، والشجري في الأمالي (٢/ ٣٦٩)، والبغوي في شرح السنة (٢٥٧٨).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى (ص ٨١٧).\n(^٣) عمرُ بْن حسن بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد الْجُمَيِّل بْن فَرْحِ بْن خَلَف بْن قُومِس بْن مَزْلال بْن مَلَّال بْن أَحْمَد بْن بدر بْن دِحْيَة بْن خليفة؛ كذا نسب نفسه، العلامة أبو الخطاب ابن دِحْيَةَ، الكَلْبيُّ الدّانيّ الأصلٍ، السَبْتي. [المتوفى: ٦٣٣ هـ] كان بصيرًا بالحديثِ مُعتنيًا بتقييدِه، مُكِبًّا عَلَى سماعه، حسن الحظ معروفًا بالضبطِ، لَهُ حظٌ وافرٌ من اللغّةِ، ومشاركةٌ فِي العربية وغيرها. تاريخ الإسلام (١٤/ ١١٣ - ١١٦)، حسن المحاضرة ١/ ٣٥٥، ذيل التقييد ٢/ ٢٣٦.","vol":"9","page":144},{"text":"قوله -ﷺ-: \"قوم معهم سياط\" أي أولهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرطة، وورد في الحديث أول من يدخل النار السواطون قيل هم الشرط الذين تكون معهم الأسواط يضربون بها الناس والسياط جمع سوط وهو الذي يجلد به والأصل سواط بالواو فقلبت ياء للكسرة قبلها، ويجمع على الأصل أسواطا، والسوط في اللغة اسم للعذاب وإن لم يكن ثم ضرب قاله الفراء وقال ابن فارس (^١) في المجمل: السوط من العذاب النصيب والسوط خلط الشيء بعضه ببعض وإنما سمى سوطا لمخالفته وإنما أراد -ﷺ- عظم السياط وخروجها عن حد ما يجوز به الضرب في التأديب وهذه الصفة للسياط مشاهدة تعرف إلى الآن.\nقوله -ﷺ-: \"ونساء كاسيات عاريات\" الحديث، قيل: معناه كاسيات أي من نعم الله عاريات من شكرها وقيل معناه: تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها ونحوه وقيل: تلبس رقيقا، يصف لون بدنها.\nوأما قوله -ﷺ-: \"مميلات\" قيل معناه: زائغات عن طاعة الله وطاعة الأزواج وما يلزمهن من صيانة الفروج والتستر عن الأجانب ومميلات لقلوب الرجال بما يبدين من زينتهن وطيب رائحتهن، وقيل: مائلات يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن يملن رؤوسهن وأعطافهن للخيلاء والتبختر [وقيل: مميلات معناه يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن المذموم وقيل المميلات اللواتي يتمشطن الميلاء وهي مشطة البغايا، والمميلات: اللواتي\n_________\n(^١) مجمل اللغة (١/ ٤٧٨).","vol":"9","page":145},{"text":"يمشطن غيرهن المشية الميلاء].\nقوله -ﷺ-: \"مميلات\" فقيل: مائلات، يمشين متبخترات وقيل مائلات معناه عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه، وقيل: مائلات يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا.\nقوله -ﷺ-: \"رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة\" فمعناه يعظمن رؤوسهن بالخمر والعمائم وغيرها مما يلف على الرأس حتى يشبه أسنمة البخت هذا هو المشهور في تفسيره فهن اللواتي يتعممن بالمقانع على رؤوسهن يكثرنها بها وهو من شعار المغنيات وقيل غير ذلك فينبغي للعالم أن ينهاهن عن هذه العمائم التي يعملنها على رؤوسهن كما ورد في الحديث: \"لا تقوم الساعة حتى تكون نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت\" بالخاء المعجمة من فوق وهي إبل غلاظ ذوات سنامين وتقدم ذلك في الحديث قبله.\nتنبيه: البخت عربية وهو جمع بختي وهو الذي يولد من العربي والعجمي منسوب إلى بخت نصر لأنه جمع بينهما فتولد منهما ذلك وهو سريع السير طويل العنق قال الأصمعي: يقال بخت نصر الذي خرب بيت المقدس ولا يقال بالتخفيف وقيل بوخت نصر وبوخت ابن ونصر صنم كذا في كتاب [المعرب] (^١).\nقوله: \"كأسنمة البخت المائلة\" كذا الرواية بالياء بغير خلاف، قال القاضي الكناني: صوابه الماثلة بالثاء المعجمة بالثلاث أي القائمة المنتصبة، قال\n_________\n(^١) في التعريب والمعرب (١/ ٤٩) لابن برى المعروف بابن أبى الوحش.","vol":"9","page":146},{"text":"القاضي (^١): الصواب ما جاءت به الرواية ويعضده صحيح اللغة وتفسير من فسره مميلات في الحديث: أنهن يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا كما قال امرؤا القيس: غدائره مستشزرات إلى العلا .... (^٢)\nوإذا جمعتها هناك وكثرتها قد تميل كما تميل أسنمة البخت إلى الجهات عند كبرها وسمنها، وقد قالوا ناقة ميلاء إذا كان سنامها يميل إلى أحد شقيها هذا معنى الأسنمة المائلة على ما جاءت به الرواية إن شاء الله قاله القاضي (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها\" الحديا، فيتأول بتأويلين كما في نظائره أحدهما: أنه محمول على من استحلت حراما من ذلك مع\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٦٥٩). والكنانى هو: هشام بن أحمد بن خالد بن سعيد، أبو الوليد الكِنانيّ الطُّلَيْطُلِيّ، ويُعرف بالوَقَّشِيّ، [المتوفى: ٤٨٩ هـ] ووقَّش قرية على اثني عشر ميلًا من طليطلة، قال أبو القاسم صاعد: أبو الوليد الوقَّشيّ أحد رجال الكمال في وقته، باحتوائه على فنون المعارف، وجَمْعه لكليّات العلوم، هو من أعلم النّاس بالنَّحْو، واللُّغة، ومعاني الشِّعْر، وعلم العَرَوض، وصناعة البلاغة، بليغ، شاعر، حافظ للسُّنَن وأسماء الرّجال، بصير بالاعتقادات وأُصُول الفِقْه، واقف على كثير من فتاوى فقهاء الأمصار، نافذ في علوم الشُّرُوط والفرائض، متحقّق بعلم الحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء، حَسَن النَّقْد للمذاهب، ثاقب الذّهن، يجمع إلى ذلك آداب الأخلاق، مع حُسْن المعاشرة، ولين الكَنَف، وصدْق اللّهجة. تاريخ الإسلام ١٠/ ٦٤٤ - ٦٤٥، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ١٣٤ - ١٣٦، والصلة: ٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤، ومعجم البلدان: ٥/ ٢٢٣.\n(^٢) صدر بيت من معلقة امرئ القيس عجزه: تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنًّى وَمُرْسَلِ.\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٩٢).","vol":"9","page":147},{"text":"علمها بالتحريم فتكون كافرة مخلدة في النار لا تدخل الجنة أبدًا، والثاني: يحمل على أنها لا تدخلها أول الأمر مع الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، والله أعلم ذكره النووي في شرح مسلم (^١).\n\n٣١١١ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن أَسمَاء بنت أبي بكر دخلت على رَسُول الله -ﷺ- وَعَلَيْهَا ثِيَاب رقاق فَأَعْرض عَنْهَا رَسُول الله -ﷺ- وَقَالَ يَا أَسمَاء إِن الْمَرْأَة إِذا بلغت الْمَحِيض لم يصلح أَن يرى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجهه وكفيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ هَذَا مُرْسل وخَالِد بن دريك لم يدْرك عَائِشَة (^٢).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله -ﷺ- وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله -ﷺ- وقال يا أسماء: إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه، الحديث.\nفائدة: ومن البدع ما أحدثته النساء من لبس القمصان الواسعة الطويلة جدا حتى أن بعضهن تخيط القميص من أربعين ذراعا وطوله سبعه أذرع\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٩١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٠٤) والمراسيل (٤٣٧)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٤١٧)، والبيهقي في الآداب (٥٨٩) والكبرى (٢/ ٣١٩ رقم ٣٢١٨) و(٧/ ١٣٨ رقم ١٣٤٩٦) والشعب (١٠/ ٢١٩ - ٢٢٠ رقم ٧٤٠٩). وقال أبو داود: هو مرسلٌ، خالدُ بن دُرَيكِ لم يُدرك عائشةَ، وسعيد ابن بشير ليس بالقوي. وحسنه الألباني في المشكاة (٤٣٧٢)، وحجاب المرأة المسلمة (٢٤)، وصحيح الترغيب (٢٠٤٥).","vol":"9","page":148},{"text":"وهذا كله حرام عليها وعلى من أعانها على ذلك من زوج أو ولي ونحوه لما فيه من الإسراف والخيلاء والتكبر على الضعفاء، وقد يعجز الزوج عن ذلك فيكون سببا للفراق أو لفساد دينها إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تخفي، وأما إذا كان رقيقا يصف البشرة وهو الغالب كالشاشي اليمني والبندقي والشعر ونحو ذلك فهو حرام لأن لبس ذلك حرام وإن كان على الهيئة التي أباحها الشرع لكونه يجلو البشرة فإن لبست فوقه ما يسترك كالقباء ونحوه جاز وإن لم تلبس فوقه شيئا، وكان يجلوا شيئا من عورتها حرم، وإن كانت وحدها في بيتها لأن كشفها العورة في الخلوة من غير صورة حرام والله أعلم ذكره ابن النحاس في تنبيهه (^١).\nقوله في الحديث: \"إن المرأة إذا بلغت المحيض\" الحديث.\nفروع تتعلق بهذا الحديث من كتب الفقه:\nالفرع الأول: وأصل الحيض السيلان تقول العرب حاضت الشجرة إذا سال صمغها وحاض الوادي إذا سال وله ستة أسماء الحيض والعراك والضحك والإكبار والإعصار والطمث وهو دم يخرج في قعر الرحم وترخيه في سن البلوغ يدفع على سبيل الصحة من غير سبب ولادة وتعتاده في أوقات معلومة.\nالفرع الثاني: أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين قمرية، قال الإمام الشافعي ﵀: أعجل من سمعت من النساء يحيض نساء تهامة يحضن\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٥٠٧).","vol":"9","page":149},{"text":"لتسع سنين ولا فرق في ذلك بين البلاد الحارة كتهامة والبلاد الباردة كالصين على المذهب وعن الجوني في البلاد الباردة التي لم يعهد ذلك فيها وجهان: ثم الأصح أن المراد استكمال التسع سنين وقيل المراد الطعن فيها فإذا رأت الدم في شيء من التاسعة عُدَّ حيضا، وقيل المراد مضي ستة أشهر منها ثم التسع تقريب أو تحديد فيه وجهان أصحهما تقريب فعلى هذا قال المتولى وجزم به الرافعي والنووي إذا رأت الدم قبله بزمن لا يسع طهرا وحيضا يكون حيضا دون ما إذا وسعهما وقال الماوردي: إن تقدم عنها بيوم أو يومين كان حيضا وإذن قلنا تحديد ففي الحاوي يتغير الحكم بنقص يوم وللحيض أقل وأكثر وغالب، فمن أراد شيئا من ذلك فليراجع كتب الفقه والله أعلم.\nالفرع الثالث: قال الجاحظ: الذي يحيض أربعة المرأة والضبع والأرنب والخفاش، أ. هـ.\nالفرع الرابع: الاستحاضة سيلان الدم في غير أوقاته عن مرض وفساد من عرف فمه في أدنى الحلق يسمى العاذل بكسر الذال المعجمة والنفاس معروف.\nوما عدا هذه الدماء إذا خرج من الفرج فهو دم فساد كالخارج قبل سن البلوغ انتهى (^١).\nقوله في الحديث: \"لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه\".\nالفرع الخامس: وعورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تعالى:\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"9","page":150},{"text":"﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (^١) قال المفسرون: ما ظهر منها هو الوجه والكفان وخرج بقوله بدنها صوتها فإنه ليس بعورة، والمراد بالكفين من رؤوس الأصابع إلى الكوعين ظهرا وبطنا وقيل: ظهورهما عورة، وقال المزني: ظهر القدمين ليس بعورة كظهر الكفين لأنه مكشوف في العادة فأشبه الوجه، وقيل: أخمص القدمين أيضًا ليس بعورة كبطن الكفين وحكاه بعضهم قولا والمذهب الأول أن أم سلمة ﵂ قالت يا رسول الله: أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار فقال: نعم إذا كان سابغا يغطي ظهور قدميها رواه أبو داود قال: وقد روى موقوفا والله أعلم (^٢).\nالفرع السادس: يجب ستر العورة عن العيون بالإجماع والمراد بالعيون أعين الإنس والجن والملائكة ويؤخذ منه ستر العورة في الخلوة على الأصح\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣١.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٦٤٠)، والدارقطني (١٧٨٥)، والحاكم (١/ ٢٥٠)، والبيهقي في الصغير (١/ ١٣٢ - ١٣٣ رقم ٣٣٠ و٣٣١) والكبرى (٢/ ٣٢٩ رقم ٣٢٥١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال أبو داود: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَبَكْرُ بْنُ مُضَرَ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ -ﷺ- قَصَرُوا بِهِ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ -﵂-. وقال الدارقطني في العلل (٣٧٨٧): والمحفوظ الموقوف.\nوقال (٤٠٠٠): وكذلك قال الحسن، وابن أبي ذئب، وابن لهيعة، وأبو غسان محمد بن مطرف، وإسماعيل بن جعفر، والدراوردي، عن محمد بن زيد، عن أمه، عن أم سلمة، موقوفا، وهو الصواب. وضعفه الألباني في المشكاة (٧٦٣).","vol":"9","page":151},{"text":"ولا يجب ستر عورته نفسه بل نظره إليها مكروه وإن كان لفظ العيون يشتمله.\nالفرع السابع: والبلوغ في الجارية بالحيض بالإجماع أو الحبل أو إنزال المني في نوم أو جماع أو غيرهما كما قاله الماوردي، والأصح إمكانه باستكمال تسع سنين أو استكمال خمس عشرة سنة والله أعلم.\nالفرع الثامن: بلوغ الخنثى قد يفهم أنه مساو لما ذكر لأنه إما ذكر أو أنثى لكن إن حاض أو أمنى حكم ببلوغه على الأصح، وإن وجد إحداهما فلا، لكن إن حاض أو أمنى حكم ببلوغه على الأصح، وإن وجد إحداهما فلا، وقال الإمام: ينبغي الحكم ببلوغه ثم إن ظهر خلافه غيرنا الحكم، قال الرافعي: هو الحق واستحسن في الروضة ما قاله المتولي أنه يحكم به إن تكرر والله أعلم ذكرت هذه الفروع في مختصر الكفاية. والله أعلم.","vol":"9","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>[ترهيب الرجال من لبسهم الحرير وجلوسهم عليه والتحلي بالذهب وترغيب النساء في تركهما]</span>\n٣١١٢ - عَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تلبسوا الْحَرِير فَإِنَّهُ من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَزَاد وَقَالَ ابْن الزبير من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يدْخل الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (^١) (^٢).\nقوله: عن عمر بن الخطاب ﵁، هو أول من سمي أمير المؤمنين من الخلفاء لا مطلقا بل أول من سمي أمير المؤمنين من المسلمين عبد الله بن جحش (^٣) حين بعثه النبي -ﷺ- في سرية في أول مقدمه المدينة فقال له أصحابه: ما ندعوك فقال أنتم المؤمنون وأنا أميركم قالوا فأنت إذن أمير المؤمنين وفي سريتهم أنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (^٤) الآيتين فهو أبو محمد عبد الله بن جحش بن رباب بكسر الراء بن يعمر بن صرة بن مرة بن كثير بن غنم بن داود بن أسد بن خزيمة الأسدي واسم أمه\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٢٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٣٠) و(٥٨٣٤) و(٥٨٣٥)، ومسلم (١١ - ٢٠٦٩)، والترمذي (٢٨١٧)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢١٥ (٥٣٤٩) والكبرى (٩٥١٢) و(٩٥١٥ و٩٥١٦) و(١١٢٨٠).\n(^٣) ترجمته في: أسد الغابة ٣/ الترجمة ٢٨٥٨، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ الترجمة ٢٩١.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢١٧.","vol":"9","page":153},{"text":"أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ- قديما قبل دخول رسول الله -ﷺ- دار الأرقم وهاجر الهجرتين إلى أرض الحبشة هو وأخوه أبو أحمد وعبيد الله وأختهم زينب بنت جحش أم المؤمنين وأم حبيبة وحمنة بنات جحش، هاجر عبد الله وأخوه أبو أحمد وأهله إلى المدينة وأمره رسول الله -ﷺ- على سرية وهو أول أمير أمره وأول غنيمة في الإسلام ثم شهد بدرا واستشهد يوم أحد وكان دعا يوم أحد أن يقاتل ويستشهد ويقطع أنفه وأذنه ويمثل به في الله تعالى ورسوله فاستجاب الله دعاءه فاستشهد وعمل به الكفار ذلك وكان يقال لهن المجدع في الله تعالى وكان عمره حين استشهد نيفا وأربعين سنة ودفن هو وخاله حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد، أ. هـ (^١).\nقوله -ﷺ-: \"لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" الحديث، اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث فقالت طائفة من السلف والخلف: إنه لا يلبس الحرير في الجنة ويلبس غيره من الملابس، قالوا: وأما قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (^٢) فمن العام المخصوص، وقال الجمهور: هذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أن هذا الفعل مقتضي لهذا الحكم، وقد يتخلف عنه لمانع، وقد دل النص والإجماع على أن التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣).\n(^٢) سورة الحج، الآية: ٢٣.","vol":"9","page":154},{"text":"يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه وهذا الحديث نظير الحديث الآخر: \"من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة\" (^١) وقال الله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ (^٢) ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ (^٣) وتأمل ما دلت عليه لفظ: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ من كون ذلك اللباس ظاهرا بارزا يجمل ظاهرهم ليس بمنزلة الشعار الباطن بل الذي يلبس فوق الثياب للزينة والجمال (^٤) والله أعلم، وفي البخاري قال: نهانا رسول الله -ﷺ- أن نلبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه (^٥)، لبس الحرير بأنواعه كالاستبرق والديباج والقسى كله حرام على الرجال ثم انعقد الإجماع على تحريمه على الرجال وعلى إباحته للنساء (^٦) ثم هذا محمول عند الجمهور على الخالص منه في حق الرجال وأما الممتزج من الحرير والكتان فإن كان الكتان أكثر جاز وإن استويا فوجهان أصحهما الجواز (^٧)، ومنهم من لم يعتبر الوزن واعتبر الظهور فإن كان الظاهر الحرير\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٣ و٧٤ - ٢٠٠٣) عن ابن عمر.\n(^٢) سورة الإنسان، الآية: ١٢.\n(^٣) سورة الإنسان، الآية: ٢١.\n(^٤) حادى الأرواح (ص ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٨٣٧) عن حذيفة.\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢ - ٣٣) ورياض الأفهام (٥/ ٥٢٩).\n(^٧) نهاية المطلب (٢/ ٦٠٤)، وروضة الطالبين (٢/ ٦٦) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٨)، وطرح التثريب (٣/ ٢٢١).","vol":"9","page":155},{"text":"حرم وإن كان الأكثر كتانا وإن كان بالعكس لم يحرم والصحيح الأول (^١) فيحرم على الرجال استعمال ثياب الإبريسم (^٢)، والإبريسم هو بفتح الهمزة وكسرها والراء مفتوحة فيهما وذكر الجوهري وغيره بكسر الهمزة والراء (^٣) أي لبسه ظهارة وبطانة والجلوس عليه والاستناد إليه والتدثر به واتخاذه سترا ونحوه (^٤) لأن عمر -﵁- رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه لتلبسها يوم الجمعة للوفود، فقال -ﷺ-: \"إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخر\" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (^٥)، أما اللبس فإجماع وقيس على ذلك باقي الاستعمالات لأن المعنى في التحريم ما فيه من خنوثة لا يليق بشهامة الرجال (^٦)، قال الإمام (^٧): وهذا هو العلة وإن كان\n_________\n(^١) نهاية المطلب (٢/ ٦٠٤)، وروضة الطالبين (٢/ ٦٦)، وطرح التثريب (٣/ ٢٢١).\n(^٢) التنبيه (ص ٤٣)، كفاية النبيه (٤/ ٢٤٣).\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٨٧١)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٥١).\n(^٤) روضة الطالبين (٢/ ٦٧)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٤٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (٨٨٦) و(٩٤٨) و(٢١٠٤) و(٢٦١٢) و(٢٦١٩) و(٣٠٥٤) و(٥٨٣٥) و(٥٨٤١) و(٥٩٨١) و(٦٠٨١)، ومسلم (٦ و٧ و٨ و٩ - ٢٠٦٨) و(١٠ - ٢٠٦٩)، وابن ماجه (٣٥٩١)، وأبو داود (١٠٧٦) و(٤٠٤٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٩ (١٣٩٨) و٣/ ٣٢٨ (١٥٧٦) و٨/ ٢٠٥ (٥٣٣٩) و٨/ ٢٠٩ (٥٣٤٣) و٨/ ٢١٥ (٥٣٥٠) والكبرى (١٦٩٨ و١٦٩٩) و(١٧٧٢) و(٩٤٩٦ و٩٤٩٧ و٩٤٩٨ و٩٤٩٩ و٩٥٠٠ و٩٥٠١ و٩٥٠٢) و(٩٥١٧) و(٩٥٤٣).\n(^٦) كفاية النبيه (٤/ ٢٤٤).\n(^٧) الوسيط (٢/ ٣٢١).","vol":"9","page":156},{"text":"كان الفخر والخيلاء مرعيا فيه ولكن ليس علة ولذلك حرمتا البطانة، قال الرافعي: وهذا أحسن لأن هذا القدر لا يقتضي التحريم عند الشافعي فإنه قال في الأم (^١): وإلا كره لباس اللؤلؤ إلا للأدب فإنه من زي النساء وفي وجه ضعيف أنه لا يحرم الجلوس عليه، وعن الشيخ نصر المقدسي أن تنجيد البيوت بالثياب المصورة وغيرها من الحرير وغير حرام، قال في الروضة: والصواب في غير الحرير والمصور الكراهة لا التحريم (^٢).\nفرع: وكذلك يحرم على الرجل ما أكثره إبريسم لأن الحكم للغالب خصوصا إذا اجتمع حلال وحرام والحرام غالب فإن كان أقل أو مساويا فلا والاعتبار في الكثرة بالوزن لا بالظهور ولا فرق بين أن يكون الحرير أظهر والمخالط هذا هو الصحيح (^٣).\nفرع: احترزنا بثياب الإبريسم عن غيرها حتى لو اتخذ جبة من صوف وحشاها بحرير حل لبسها نص عليه الشافعي لأنه لا يعد لابس حرير بخلاف البطانة (^٤).\nفرع: القز يحرم لبسه على الرجال على المذهب وبه جزم الجمهور وفيه وجه لأنه ليس من ثياب الزينة والقز هو ما قطعته الدودة وخرجت منه حية\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٥٤).\n(^٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥).\n(^٣) التنبيه (ص ٤٣)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٤٥ و٢٤٨ - ٢٤٩).\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٢٤٨).","vol":"9","page":157},{"text":"فلا يمكن حله وغزله كالكتان وهو كبد اللون والحرير هو ما حل من على الدودة بعد موتها داخله وقد يطلق الإبريسم عليها (^١).\nفرع: الخز لا يحرم لبسه إن لحمته صوف وسداه إبريسم والسدا غالبا أقل فلا يحرم لبسه اتفاق (^٢) لما روى أبو داود عن سعد قال: رأيت رجلا ببخارى عليه عمامة من خز سوداء فقال: كسانيها رسول الله -ﷺ- (^٣).\nفرع: يجوز لبس الحرير للحكة وقيده ابن يونس بما إذا كان يتأذى بلبس غيره لأنه -ﷺ- رخص للزبير بن العوام ولعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما أخرجه البخاري ومسلم وهذا هو المذهب وقيل لا يجوز لعموم الأخبار الواردة بذلك ويجوز أن تكون الرخصة خاصة بهما، وهذا بعيد في وجه يجوز ذلك في السفر دون الحضر لأن الرخصة وردت فيه والمقيم يمكنه المداواة (^٤).\nفرع: يجوز لبس الحرير أيضا لدفع القمل لورود الرخصة فيه ولا يختص ذلك بالسفر على الأصح (^٥) والله أعلم.\nفرع: لا يحرم على الرجال لبس اللآلي، قال الإمام الشافعي لا كراهة لهم إلا من طريق الأدب وأنه زي النساء وقد نهى الرجال عن التشبه بهن، وعبارة\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).\n(^٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٤٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٠٣٨) والترمذي (٣٣٢١)، والنسائي في الكبرى (٩٦٣٨). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.\n(^٤) كفاية النبيه (٤/ ٢٥٨).\n(^٥) كفاية النبيه (٤/ ٢٥٩).","vol":"9","page":158},{"text":"نص آخر: ولا أكره لباس الياقوت والزبرجد إلا من جهة السرف والخيلاء (^١)، قال في التتمة: وهو ظاهر إن جوزنا استعمال الأواني منها وإلا فحيث قلنا يجوز حلي الفضة جاز أيضا وإلا فلا (^٢) والله أعلم.\nتتمة: سُئل قاضي القضاة ابن رزين عمن يفصل الكلوتات والأقناع الحرير ويشتري الحرير مفصلا ويبيعه للرجال فقال: يأثم بتفصيله لهم وبخياطته وبيعه وشرائه كما يأثم بصوغ الذهب للبسهم، قال: ولذلك خلع الحرير يحرم بيعها والتجارة فيها وأما الكتابة في الحرير فإن كان مما ينتفع به الرجال كالمكاتبات والمراسلات وإن كان للنساء كصدقاتهن فهو كافتراشهن الحرير بل هو أبلغ في الإسراف، وأفتى النووي: بتحريم ذلك، وقال الشيخ شرف الدين البارزي كتابه الكاتب والشاهد والقاضي على الصداق الحرير جائزة وبه أفتى شيخه ابن عساكر مفتى الشام وعليه عمل القضاة في الأمصار وفي سائر الأمصار (^٣)، أ. هـ.\n\n٣١١٣ - وَعنهُ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِنَّمَا يلبس الْحَرِير من لَا خلاق لَهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ فِي رِوَايَة من لَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَة (^٤).\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٢١)، وبحر المذهب (٢/ ٤٥١)، شرح الإلمام (٢/ ٣٣١)، والنجم الوهاج (٣/ ٢٠٢).\n(^٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٦٦).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٥٢٤ - ٥٣١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٨٨٦) و(٩٤٨) و(٢١٠٤) و(٢٦١٢) و(٢٦١٩) و(٣٠٥٤) و(٥٨٣٥) و(٥٨٤١) و(٥٩٨١) و(٦٠٨١)، ومسلم (٦ و٧ و٨ و٩ - ٢٠٦٨) و(١٠ - =","vol":"9","page":159},{"text":"قوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إنما يلبس الحرير من لا خلاق له\" وزاد البخاري وغيره: \"من لا خلاق له في الآخرة\" الحديث من لا خلاق له، بفتح الخاء المعجمة قيل معناه من لا نصيب له في الآخرة، وقيل: من لا حرمة له، وقيل: من لا دين له، قال النووي (^١): فعلى الأول يكون محمولا على الكفار وعلى القولين الأخيرين يتناول المسلم والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فيحرم عليهم الحرير كما يحرم على المسلمين والله أعلم.\n\n٣١١٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن نَبِي الله -ﷺ- قَالَ من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَإِن دخل الْجنَّة لبسه أهل الْجنَّة وَلم يلْبسهُ\nرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه\" الحديث، وهذا نص صريح وإسناده صحيح.\n_________\n= ٢٠٦٩)، وابن ماجه (٣٥٩١)، وأبو داود (١٠٧٦) و(٤٠٤٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٩ (١٣٩٨) و٣/ ٣٢٨ (١٥٧٦) و٨/ ٢٠٥ (٥٣٣٩) و٨/ ٢٠٩ (٥٣٤٣) و٨/ ٢١٥ (٥٣٥٠) والكبرى (١٦٩٨ و١٦٩٩) و(١٧٧٢) و(٩٤٩٦ و٩٤٩٧ و٩٤٩٨ و٩٤٩٩ و٩٥٠٠ و٩٥٠١ و٩٥٠٢) و(٩٥١٧) و(٩٥٤٣).\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٥٣٨)، وابن حبان (٥٤٣٧). وقال الألباني: ضعيف - \"غاية المرام\" (٣٨) وقال في ضعيف الترغيب (١٢٥١): منكر.","vol":"9","page":160},{"text":"٣١١٥ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن أنس ﵁، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" تقدم الكلام عليه.\n\n٣١١٦ - وَعَن عَليّ -﵁- قَالَ رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- أَخذ حَرِيرًا فَجعله فِي يَمِينه وذهبا فَجعله فِي شِمَاله ثمَّ قَالَ إِن هذَيْن حرَام على ذُكور أمتِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن علي -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: رأيت رسول الله -ﷺ- أخذ حريرا فجعله في يمينه وذهبا فجعله في شماله ثم قال: \"إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم\" نعم في حل افتراشه لها وجهان صحح الرافعي التحريم وصحح النووي الإباحة (^٣) لهن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٣٢)، ومسلم (٢١ - ٢٠٧٣)، وابن ماجه (٣٥٨٨)، وابن حبان (٥٤٢٩) و(٥٤٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٥٢ (٢٤٦٥٩)، وأحمد ١/ ٩٦ (٧٦١) و١/ ١١٥ (٩٥٠)، وعبد بن حميد (٨٠)، وابن ماجه (٣٥٩٥)، وأبو داود (٤٠٥٧)، والبزار (٨٨٦ و٨٨٧)، والنسائي في المجتبى ٨/ ١٠٣ (٥١٨٨) و٨/ ١٠٤ (٥١٨٩) و٨/ ١٠٥ (٥١٩٠) و٨/ ١٠٦ (٥١٩١) والكبرى (٩٣٨٢ و٩٣٨٣ و٩٣٨٤ و٩٣٨٥)، وابن حبان (٥٤٣٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٤٩)، الإرواء (٢٧٧)، آداب الزفاف (١٥٠)، غاية المرام (٧٧).\n(^٣) كذا هو بالأصل وصوابه العكس فقد قال النووي في المجموع (٤/ ٤٣٥): أما حكم المسألة فيحرم علي الرجل استعمال الدبياج والحرير في اللبس والجلوس عليه والاستناد =","vol":"9","page":161},{"text":"لأنه لهن كالقطن للرجال، ويشبه أن يكون أصل الخلاف أن إباحة لبسه لها لأن خنوثتها لا تأباه أو الزينة فعلى الأول استعماله لها كيف كان وعلى الثاني لم يبح لها منه إلا ما كان زينة والخنثى المشكل في تحريمه كالرجل وفيه احتمال للرافعي وكذلك يحرم على الرجل المنسوج بالذهب وما في معناه وكذلك المموه به أي المطلي بها لما فيه من الخيلاء وهذا إذا كان يحصل منه بالعرض على النار شيء وإلا فلا، قال النووي في شرح مسلم (^١): انعقد الإجماع على إباحة لبس الحرير للنساء وتحريمه على الرجال وأما الصبيان فقال أصحابنا: يجوز لباسهم الحرير والحلي في يوم العيد لأنه لا تكليف عليهم في جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه أصحها في المحرر والمنهاج الإباحة، والثاني: تحريمه، والثالث: يحرم بعد سن التمييز لا قبله وهو منافي الشرحين.\n\n٣١١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة وَمن\n_________\n= إليه والتغطي به واتخاذه سترا وسائر وجوه استعماله ولا خلاف في شئ من هذا إلا وجها منكرا حكاه الرافعي أنه يجوز للرجال الجلوس عليه وهذا الوجه باطل وغلط صريح منابذ لهذا الحديث الصحيح هذا مذهبنا فأما اللبس فمجمع عليه وأما ما سواه فجوزه أبو حنيفة ووافقنا على تحريمه مالك وأحمد ومحمد وداود وغيرهم دليلنا حديث حذيفة ولأن سبب تحريم اللبس موجود في الباقي ولأنه إذا حرم اللبس مع الحاجة فغيره أولى هذا حكم الذكور البالغين.\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٣٩).","vol":"9","page":162},{"text":"شرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة لم يشرب بهَا فِي الْآخِرَة ثمَّ قَالَ لِبَاس أهل الْجنَّة وشراب أهل الْجنَّة وآنية أهل الْجنَّة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة\" الحديث، قلت: إن قال قائل: قد سوى النبي -ﷺ- بين الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة فهل يحرمها إذا دخل الجنة قلنا نعم إذا لم يتب منها لقوله -ﷺ-: \"من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة\" وكذلك لبس الحرير ومن أكل في آنية الذهب والفضة أو شرب فيها لاستعجاله ما أخر الله له في الآخرة وارتكاب ما حرم الله عليه في الدنيا، وقد روى عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو\" من قول النبي -ﷺ- فهو الغاية في البيان وإن كان من قول الراوي على ما ذكر أنه موقوف فهو أعلم (بالمقال) (^٢) وأقعد بالحال ومثله لا يقال من جهة الراوي والاجتهاد، وقد قيل: إن حرمانه للخمر ولباسه الحرير وشربه في إناء الذهب\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسى (٢٣٣١)، والطحاوي في معانى الآثار (٦٦٧٨)، والبغوي في الجعديات (٩٧٥)، والحاكم ٤/ ١٤١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٠) والصحيحة (٣٨٤).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ٩٤٣).","vol":"9","page":163},{"text":"والفضة إنما هو في الوقت الذي يعذب في النار ويسقي من طينة الخبال فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة المعبر عنها في الحديث بالقبضة أدخل الجنة ولم يحرم شيئا منها لا خمرا ولا حريرا ولا غيره لأن حرمانه شيء من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة والجنة ليست بدار عقوبة ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه وحديث أبي سعيد الخدري وأبي موسى، يرد هذا القول وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك بعقوبة كما لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة والله أعلم.\nفمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار وحرمها هناك كما نعي الله ﷾ على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها ولهذا كانت الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك أشد الخوف والله أعلم ذكره في التذكرة في باب نبذ من أقوال العلماء، وردت في ذكر الجنة وأهلها والله أعلم (^١).\n\n٣١١٨ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- قَالَ أهدي لرَسُول الله -ﷺ- فروج حَرِير فلبسه ثمَّ صلى فِيهِ ثمَّ انْصَرف فَنَزَعَهُ نزعا شَدِيدا كالكاره لَهُ ثمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتقين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم والفروج بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء وَضمّهَا وبالجيم هُوَ القباء الَّذِي شقّ من خَلفه (^٢).\n_________\n(^١) التذكرة (ص ١٠٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٥) و(٥٨٠١)، ومسلم (٢٣ - ٢٠٧٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٣١ (٧٨٢) والكبرى (٨٤٨)، وابن خزيمة (٧٧٣ و٧٧٤)، وابن حبان (٥٤٣٣).","vol":"9","page":164},{"text":"قوله: وعن عقبة بن عامر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: أهدي لرسول الله -ﷺ- فروج حرير، الفروج بفتح الفاء وضم الراء وتشديدها وآخره جيم هذا هو الصحيح المشهور في ضبطه ولم يذكر الجمهور غيره وحكى القاضي (^١) في الشرح وفي المشارق تخفيف الراء وتشديدها والتخفيف غريب ضعيف (^٢) قالوا: وهو قباء مشقوق من خلفه وهو من لباس الأعاجم قاله ابن بطال (^٣)، وكذا ضبطه الحافظ وفسره كما نقل عن الجمهور، واعتبر فيه أبو العباس القرطبي كونه ضيق الكمين ضيق الوسط (^٤).\nوأما الصغير من ذكور أولاد الدجاج، فقال القاضي عياض (^٥): هو بضم الفاء لا غير واعلم أن الرواية فروج حرير بالإضافة ونقل البخاري عن غير الليث أنه قال فروج حرير أي برفعهما على ترك الإضافة وأن الثاني تابع الأول على أنه بدل أو عطف بيان وفي هذا الحديث قبوله ﵇ للهدية وذلك معروف (^٦) من عادته -ﷺ- أما العمال بعده فيحرم عليهم قبول\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٥٨٤) ومشارق الأنوار (٢/ ١٥٠).\n(^٢) قوله والتخفيف غريب ضعيف هو من تعليق النووي على قول القاضى كما في شرح النووي على مسلم (١٤/ ٥٢).\n(^٣) شرح الصحيح (٢/ ٣٨) وعزا التفسير لأبى عبيد.\n(^٤) المفهم (١٧/ ٩٠).\n(^٥) إكمال المعلم (٦/ ٥٨٤) ومشارق الأنوار (٢/ ١٥٠).\n(^٦) اللوحة ١٢٢ تكرار للوحة ١٢١.","vol":"9","page":165},{"text":"الهدايا إلا ما يستثنى من ذلك كما هو معروف في موضعه.\nقوله: \"فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له\" وهذا اللبس المذكور في هذا الحديث كان قبل تحريم الحرير على الرجال كما صرح به القاضي عياض والنووي وغيرهما (^١) وهو واضح لا بد من القول به ونزعه كالكاره له الظاهر أنه لورود تحريمه، قال النووي (^٢): ولعل أول النهي والتحريم كان حين نزعه ولهذا قال -ﷺ- في حديث جابر الذي ذكره: نهاني عنه جبريل ﵇ فيكون هذا أول التحريم.\nوقوله: ثم نزعه نزعا شديدا، أي بشدة وقوة ومبادرة لذلك لا برفق وتأن على عادته في الأمور وذلك يدل على أنه طرأ تحريمه وأكد ذلك بقوله كالكاره له (^٣)، أ. هـ.\nوقال ابن بطال (^٤): اختلف العلماء فيمن صلى بثوب حرير، فقال الشافعي وأبو ثور: يجزئه ونكرهه، وقال مالك: يعيد في الوقت إن وجد ثوبا غيره واستحب ابن الماجشون (^٥) لبسه في الصلاة للمباهاة به واحتج بأنه لم يرد عن\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٥٨٣)، وشرح النووي (١٤/ ٥٢) والمفاتيح (٢/ ٩٢) للشيرازي المظهرى.\n(^٢) شرح النووي (١٤/ ٥٢).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٢٢٠).\n(^٤) شرح الصحيح (٢/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٥) عبارته في الشرح: واستحب ابن الماجشون لباس الحرير في الحرب والصلاة به للترهيب على العدو والمباهاة.","vol":"9","page":166},{"text":"النبي -ﷺ- أنه أعاد الصلاة التي صلى فيه ومن لم يجوز الصلاة فيه أخذ بعموم تحريمه ﵇ لبسه على الرجال والله أعلم قاله الكرماني (^١)، وفيه اختلاف كثير بين العلماء، فالحاصل أن صلاته ﵇ في الثوب الحرير دال على جوازه ونزعه محتمل للتحريم وغير التحريم، وقيل: إنما لبسه استمالة لقلب المهدي وهو المقوقس صاحب الإسكندرية أو أكيدر دومة وهذا القائل يزعم أنه كان بعد التحريم وغير أولى بأهل العلم وأنى يلبس رسول الله -ﷺ- لباسا حرمه الله تعالى على ذكور أمته من غير استثناء أو ذكر خصوصية له ثم إنه لم يرد فيما ادعاه نقل والوجه فيه أن يحمل على أنه كان قبل التحريم وإنما نزعه نزع الكاره لما رأى فيه من الرعونة قاله شهاب الدين التوربشتي (^٢).\nوقال البيضاوي في شرح المصابيح: الظاهر أنه كان قبل بعثه (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ثم قال لا ينبغي هذا للمتقين\" أي للمؤمنين فإنهم هم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له، أ. هـ قاله العراقي (^٤) وقال غيره (^٥): المتقي اسم فاعل من الوقاية وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعالى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك.\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٤/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٢) الميسر في شرح المصابيح (١/ ٢٢٢).\n(^٣) كذا هو بالأصل والذي في تحفة الأبرار (١/ ٢٦٧) للبيضاوي: والظاهر: أنه كان قبل التحريم، وقيل: بعده. وإنما قال هذا ابن ملك في شرح المصابيح (١/ ٤٥٣).\n(^٤) طرح التثريب (٣/ ٢٢٠) وعزاه للقرطبى وهو في المفهم (١٧/ ٩٠).\n(^٥) الكشاف للزمخشري (١/ ٣٦).","vol":"9","page":167},{"text":"واختلف في الصغائر، وقيل: الصحيح أن المتقى لا يتناول الصغائر لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر كذا في الكشاف (^١)، وقد يخرج بقوله للمتقين الصبيان فإنهم ليسوا أهل تكليف وغير مأمورين بالتقوى انتهى، قاله العراقي (^٢).\nوقوله: \"لا ينبغي هذا للمتقين\" في معنى النهي في الدلالة على التحريم فأقيم مقام النهي في إطلاق اسمه عليه والله أعلم (^٣).\nقال أبو العباس القرطبي (^٤): وهذا دال على تحريم لبس الحرير على الرجال وأما النساء فلا يدخلن في هذا لأن اللفظ غير متناول لهن على الراجح في الأصول، قال النووي: وقد انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال وتقدم ذلك عن النووي.\nوالمهدي للفروج، والحرير هو صاحب الإسكندرية، وقيل: صاحب دومة وهو أكيدر أو غيره على اختلاف فيه قاله في شرح مشارق الأنوار (^٥) وأكيدر بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها دال مهملة مكسورة ودومة هي بضم الدال وفتحها لغتان مشهورتان وزعم ابن دريد أنه لا يجوز إلا الضم وأن المحدثين يفتحونها وأنهم غالطون في ذلك وليس كما قال بل هما لغتان مشهورتان، وقال\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ٢٢٠).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) لم أجده للقرطبى وإنما هو من شرح العراقي في طرح التثريب في الموضع السابق.\n(^٥) لم أجده في شرحه للمشارق وإنما هو في شرح المصابيح (١/ ٤٥٣).","vol":"9","page":168},{"text":"الجوهري (^١): أهل الحديث يقولونها بالفتح وأهل اللغة يفتحونها ويقال فيها أيضا دوماء وهي مدينة بها حصن عادي وهي في بربه في أرض نخل وزرع يسقون بالنواضخ وحولها عيون قليلة وغالب زرعهم الشعير وهي عن المدينة على نحو ثلاث عشرة مرحلة وعن دمشق على نحو عشر مراحل وعن الكوفة على نحو عشر مراحل أيضا والله أعلم.\nوقال بعضهم: هي من بلاد الشام بقرب تبرك بينها وبين دمشق خمسة ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة وبالعراق أيضا بقرب عين التمر موضع يقال له دومة، وأما أكيدر فقد تقدم ضبطه وهو أكيدر بن عبد الملك والكندي وذكر في شرح السنة (^٢): أكيدر دومة رجل من العرب يقال له غسان، وقال الشافعي في المختصر (^٣): يقال إنه من غسان أو كندة، قال الخطيب البغدادي في كتابه الأسماء المبهمة (^٤) كان نصرانيا ثم أسلم قال: وقيل مات نصرانيا، وقال أبو عبد الله بن مندة وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما في معرفة الصحابة (^٥) أن أن أكيدر هذا أسلم وأهدي إلى النبي -ﷺ- حلة سيراء فوهبها لعمر بن الخطاب (^٦) -﵁-، السيراء بكسر السين وفتح الياء والمد فهو فعلاء من السير\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ١٩٢٣).\n(^٢) شرح السنة (١١/ ١٧٠).\n(^٣) مختصر المزنى (٨/ ٣٨٤).\n(^٤) الأسماء المبهمة (١/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٥) معرفة الصحابة لابن منده (ص ٢٩٣) ومعرفة الصحابة لأبى نعيم (١/ ٣٦٣).\n(^٦) معرفة الصحابة (١١١٠) لأبي نعيم.","vol":"9","page":169},{"text":"السير القد، هكذا يروي على الصفة وقال بعض المتأخرين إنما هو حلة سيراء على الإضافة واحتج بأن سيبويه قال (^١): لم يأت فعلاء صفة ولكن اسما والحلة السيراء الحرير الصلب (^٢)، وقيل: المضلع بالقز (^٣) وشرح السيراء بالحرير الصافي ومعناه حلة حرير (^٤)، وقيل: غير ذلك وقد رواه بعضهم حلة سيراء بالتنوين على الصفة وبعضهم بالإضافة (^٥) ذكره في مختصر الكفاية في باب ذكر الإبريسم (^٦)، قال ابن الأثير في كتابه في معرفة الصحابة: وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: أهدى أكيدر دومة إلى النبي -ﷺ- جبة من سندس فتعجب الناس من حسنها فقال رسول الله -ﷺ-: \"لمناديل سعد في الجنة ألين من هذا\" (^٧) وفي الصحيحين أيضا من حديث\n_________\n(^١) الكتاب ١/ ٣٩٦.\n(^٢) قال الإسنوى في الهداية إلى أوهام الكفاية (٢٠/ ١٧٢): وتعبيره بـ \"الصلب\" تحريف، إنما هو: الصافي، أي: الخالص. كذا نقله ابن الأثير، وتعبير المصنف عقبه بقوله: فمعناه: حلة حرير، يدل عليه: فإن معناه: جميعها لا بعضها. وفسر بعضهم \"السيراء\" بالمصمت، وهو الخالص -أيضًا- فيجوز أن يكون أيضًا قد تحرف على المصنف منه.\n(^٣) قاله ابن شهاب الزهري كما عند أبي داود (٤٠٥٨) والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٠٧ (٥٣٤١).\n(^٤) النهاية (٢/ ٤٢٣).\n(^٥) كذلك قال ابن قرقول في مطالع الأنوار (٢/ ٢٨٦).\n(^٦) هو مخطوط تسهيل الهداية في تحصيل الكفاية لابن النقيب الشافعي.\n(^٧) أخرجه البخاري (٢٦١٥ و٢٦١٦) و(٣٢٤٨)، ومسلم (١٢٦ - ٢٤٦٨) م، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٤٦١).","vol":"9","page":170},{"text":"البراء قال: اهدى لرسول الله -ﷺ- ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول الله -ﷺ-: \"تعجبون من هذه المناديل، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا\" ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ [بخصوصه] ها هنا فإنه كان في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين واهتز لموته العرش وكان لا تأخذه في الله لومة لائم وختم الله له بالشهادة، وآثر رضى الله ورسوله على رضى قومه وعشيرته وحلفائه ووافق حكمه الذي حكم به حكم الله فوق سبع سماوات ونعاه جبريل إلى النبي -ﷺ- يوم موته فحق له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنة أحسن من حلل الملوك (^١)، أ. هـ.\nقال ابن الأثير في كتابه معرفة الصحابة (^٢): أما الهدية والمصالحة فصحيحان أما الإسلام فغلط قاله إنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير ومن قال أسلم فقد أخطأ خطئا فاحشا، قال: ووكان أكيدر نصرانيا فلما صالحه النبي -ﷺ- عاد إلى حضنه وبقي فيه ثم حاصره خالد بن الوليد في زمن أبي بكر الصديق فقتله مشركا نصرانيا يعني لنقضه العهد وقد ذكر البلادي أن أكيدر لما قدم على النبي -ﷺ- وعاد إلى دومة فلما توفي رسول الله -ﷺ-.\nارتد أكيدر ومنع ما قبله فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله وعلى هذا القول لا ينبغي أيضا أن يثبت في الصحابة هذا كلام ابن الأثير.\n_________\n(^١) حادى الأرواح (ص ٢٠٤) لابن القيم.\n(^٢) أسد الغابة (١/ ٢٧٣) وكلامه عن أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل.","vol":"9","page":171},{"text":"لطيفة: لما أرسل رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله -ﷺ- لخالد: إنك تجده يصيد بقر الوحش فلما وصل إليها كان في ليلة مقمرة فأذن الله للبقرة الوحشية أن تأتيه من كل جانب تحك قصره بقرونها فأشرف عليها فقال: ما رأيت أكثر منها الليلة ولقد كنت أكم لها اليومين والثلاثة ولا أجدها ولكن قدر الله وما شاء فعل فأمر بفرسه فأسرج وركب هو وأخوه حسان وعليه قباء من الديباج المخوص بالذهب فلما نزل وافته خيل رسول الله فأخذته أسيرا وأرسلوا قباءه إلى رسول الله -ﷺ- فتعجب بعض أصحابه منه فقال ﵇: \"لمناديل سعد في الجنة خير من هذا\" ثم إن النبي عرض عليه الإسلام فأبى فأقره بالجزية في أرضه في شهر رجب سنة تسع من الهجرة والله أعلم ذكره الدميري في كتابه حياة الحيوان (^١).\n\n٣١١٩ - وَعَن أبي رقية -﵁- قَالَ سَمِعت مسلمة بن مخلد وَهُوَ على الْمِنْبَر يخْطب النَّاس يَقُول يَا أَيهَا النَّاس أما لكم فِي العصب والكتان مَا يغنيكم عَن الْحَرِير وَهَذَا رجل يخبر عَن رَسُول الله -ﷺ- قُم يَا عقبَة فَقَامَ عقبَة بن عَامر وَأَنا أسمع فَقَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَأشْهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا حرمه أَن يلْبسهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه العصب بِفَتْح الْعين وَسُكُون الصَّاد مهملتين هُوَ ضرب من البرود (^٢).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٦ (١٧٧٠٣)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٠٦، وأبو =","vol":"9","page":172},{"text":"قوله: وعن أبي رقية -﵁-[هو هشام بن أبي رقية اللخمى المصري روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر ومسلم بن مخلد وعنه الحسن بن ثوبان وعمرو بن الحارث وغيرهما ذكره بن حبان في الثقات قال العجلي: \"مصري، تابعي، ثقة\"، وذكره يعقوب بن سفيان في \"ثقات تابعي مصر\"، وقال ابن يونس: عمر دهرا طويلا توفي سنة [١١٥ هـ] (^١)].\nقوله: قال سمعت مسلمة بن مخلد وهو على المنبر يخطب الناس يقول: يا أيها الناس، أما لكم في العصب والكتان ما يغنيكم عن الحرير، الحديث، العصب ضرب من البرود، قاله المنذري، وقال بعضهم: العصب ضرب من ثياب اليمن مخططة بحمرة وقيل العصب برود اليمن يعصب غزلها ثم يصبغ ثم ينسج وقال في النهاية (^٢): العصب: برود يمنية يعصب غزلها: أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ.\n_________\n= يعلى (١٧٥١)، والروياني (٢٤٢) و(٢٦٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٨٢١) و(٤٨٢٢)، وفي معاني الآثار (٦٦٧٦)، وابن حبان (٥٤٣٦)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٢٧ (٩٠٤ و٩٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٤٤: رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى، ورجالهم ثقات. وقال في ٥/ ١٤٢: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهم ثقات. وقال الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٢).\n(^١) تاريخ ابن يونس (١/ ٤٤٩)، الثقات لابن حبان (٥/ ٥٠١ رقم ٥٩٣٦)، المؤتلف والمختلف (٢/ ١٠٥٩)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، ثقات العجلي (رقم ١٧٣٣)، تاريخ الإسلام (٣/ ٣٣٢).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٤٥).","vol":"9","page":173},{"text":"يقال: برد عصب، وبرود عصب بالتنوين والإضافة. وقيل: هي برود مخططة. والعصب: الفتل، والعصاب: الغزال، أ. هـ.\nقوله: وهذا رجل يخبر عن رسول الله -ﷺ- قم يا عقبة فقام عقبة بن عامر وأنا أسمع فقال إني سمعت رسول الله -ﷺ-: \"يقول من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\" وأشهد أني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من لبس الحرير في الدنيا حرمه أن يلبسه في الآخرة\" الحديث، وقد اختلف في معنى الكذب على رسول الله -ﷺ- السلف والخلف فذهب بعضهم إلى أنه عام في كل شيء كان في الدين أو غيره وذهب آخرون إلى أن ذلك خاص في الكذب عليه في الدين وتعمده الخبر عنه بتحليل حرام أو تحريم حلال أو إثبات شريعته أو نفيها بالكذب وإذا كان الكذب ممنوعا في الشرع جملة فهو على النبي -ﷺ- أشد لأنه حقه أعظم وحق الشريعة آكد وإباحة الكذب عليه ذريعة إلى إبطال شرعه وتحريف دينه والله أعلم ذكره القاضي عياض في شرح مسلم (^١) وتقدم الكلام على معنى الحديث مبسوطا في أوائل هذا التعليق.\n\n٣١٢٠ - وَعَن حُذَيْفَة -﵁- قَالَ نهى رَسُول الله -ﷺ- أَن نشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَن نَأْكُل فِيهَا وَعَن لبس الْحَرِير والديباج وَأَن نجلس عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).\nقوله: وعن حذيفة -﵁- تقدم الكلام على حذيفة.\nقوله: نهى رسول الله -ﷺ- أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها\"\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ١١١ - ١١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٣٧).","vol":"9","page":174},{"text":"الحديث، قال النووي (^١): وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة على الرجل وعلى المرأة ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء إلا ما حكاه أصحابنا العراقيون أن للشافعي قولا قديما أنه يكره ولا يحرم والإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الأكل والشرب والطهارة والأكل بملعقة من أحدهما والتجمر بمجمرة منهما والبول في الإناء منهما وجميع وجوه الاستعمالات ومنها المكحلة والميل وطرف العالية وغير ذلك سواء الإناء الكبير والصغير ويستوي في التحريم الرجل و[المرأة] بلا خلاف وإنما فرق بين الرجل والمرأة في التحلي لما يقصد منها من التزين للزوج والسيد، قال الشافعي والأصحاب: لو توضأ أو اغتسل من إناء ذهب أو فضة عصى بالفعل وصح وضوءه وغسله هذا مذهبنا وبه قال مالك وأبو حنيفة والعلماء كافة إلا داود الظاهري فقال: لا يصح والصواب الصحة وكذلك لو أكل منه أو شرب عصى بالفعل ولا يكون المأكول ولا المشروب حراما، هذا كله في حال الاختيار أما إذا اضطر إلى استعمال إناء فلم يجد إلا ذهبا أو فضة فله استعماله في حال الضرورة بلا خلاف وصرح به أصحابنا قالوا: كما تباح الميتة في حال الضرورة وأما اتخاذ هذه الأواني من غير استعمال فللشافعي والأصحاب فيه خلاف، الأصح تحريمه، والثاني: كراهيته، فإن كرهناه استحق صانعه الأجرة ووجب على كاسره إرش النقص وإلا فلا، وأما إناء\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٩ - ٣٠).","vol":"9","page":175},{"text":"الزجاج النفيس فلا يحرم بالإجماع، وأما إناء الياقوت والزمرد والفيروزج ونحوها فالأصح عند أصحابنا جواز استعمالها ومنهم من حرمها والله أعلم.\nفرع: يجوز الاستنجاء بالحرير وكذا بالذهب في الأصح وحرمه الماوردي بالمطبوع (^١) ويحرم البول في إناء الذهب كما جزم به النووي في باب الأواني في شرح المهذب (^٢) ويحرم أيضا على الرجل لبس الديباج والجلوس عليه والديباج بفتح الدال وكسرها وجمعه دبابيج وديابيج وهو عجمي معرب وهذا النهي يتوجه إلى الرجال وأما الصبيان فقال أصحابنا يجوز إلباسهم الحلي والحرير في يوم العيد لأنه لا تكليف عليهم وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه أصحها جوازه، والثاني: تحريمه، والثالث: يحرم بعد التمييز وكذلك الاستبرق وحرام أيضا لأنه من الحرير والاستبرق غليظ الديباج والله أعلم.\nتنبيه: فإن قلت ما الفرق بينهما؟ قلت: الديباج الرقيق من الحرير والاستبرق الغليظ منه، فإن قلت: هما نوعان من جنس الحرير فما الفائدة في ذكرهما بعد ذكره؟ قلت: كأنهما صارا من جنسين آخرين مستقلين فخصصهما بالذكر والله تعالى أعلم، وأما كسوة الكعبة بالحرير فجائز وفي معنى ذلك اتخاذ خريطة من الحرير للمصحف وفي المساجد وجهان أصحهما يحرم ولا يجوز ذلك في البيوت ويجوز اتخاذ العلم من الحرير في الحرب كما قال الفوراني في العمدة وكذلك يجوز اتخاذ خيط للسبحة كما قال\n_________\n(^١) الحاوى الكبير (١/ ١٦٧)، المجموع (٢/ ١٢٠).\n(^٢) المجموع (١/ ٢٥٠).","vol":"9","page":176},{"text":"الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكذلك يجوز اتخاذ التطريف والتطريز على ما جرت به العادة ولو اتخذ ثوبا بعضه حرير وبعضه كتان فإن كان الحرير أكثر حرم وإن استويا جاز في الأصح والله أعلم (^١) قاله في ابن العماد في شرح العمدة.\n\n٣١٢١ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يسْتَمْتع بالحرير من يَرْجُو أَيَّام الله رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه قصَّة (^٢).\nقوله: عن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله تعالى\" أي: يخاف وقائع الله، قاله الثعلبي في تفسيره (^٣).\n\n٣١٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِنَّمَا يلبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا من لَا يَرْجُو أَن يلْبسهُ فِي الْآخِرَة قَالَ الْحسن فَمَا بَال أَقوام يبلغهم هَذَا عَن نَبِيّهم فيجعلون حَرِيرًا فِي ثِيَابهمْ وَبُيُوتهمْ رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق مبارك بن فضَالة عَن الْحسن عَنهُ (^٤).\n_________\n(^١) انظر فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٦٢٦)، وروضة الطالبين (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، والنجم الوهاج (٢/ ٥٣٠ - ٥٣١)، وأسنى المطالب (١/ ٢٧٧) وتحفة المحتاج (١/ ١٢١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٧ (٢٢٧٣٣)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٦ رقم ٧٥١٠ و٧٥١١)، وفي الشاميين (١٤٦٠) و(٢٠٣٦)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٩٠.\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٠ - ١٤٢: رواه أحمد، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٢).\n(^٣) تفسير الثعلبي (٨/ ٣٥٩).\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٢٤٦٤)، وأحمد ٢/ ٣٢٩ (٨٤٧٠)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ٢/ ٣١٨. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٠: رواه أحمد، والبزار باختصار، وفيه مبارك بن =","vol":"9","page":177},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إنما يلبس. اللوحة الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة\" تقدم الكلام على معنى ذلك.\nقوله: رواه أحمد من طريق مبارك بن فضالة [ضعفه النسائي وغيره، وقال أبو داود: شديد التدليس فإذا قال حدثنا فهو ثبت وكذا قال أبو زرعة، وقال أبو زرعة ما روي عن الحسن فيحتج به وروى عنه عفان وكان يرفعه ويوثقه قاله أبو حاتم، وكان يحيى القطان يحسن الثناء عليه، وقال ابن معين: صالح وقال ابن عدي: عامة أحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة، ووثقه ابن خزيمة وابن حبان وأخرجا له في صحيحيهما غير ما حديث].\n\n٣١٢٣ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا استحلت أمتِي خمْسا فَعَلَيْهِم الدمار إِذا ظهر التلاعن وَشَرِبُوا الْخُمُور ولبسوا الْحَرِير وَاتَّخذُوا الْقَيْنَات وَاكْتفى الرِّجَال بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاء بِالنسَاء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عقيب حَدِيث ثمَّ قَالَ إِسْنَاده وَإسْنَاد مَا قبله غير قوي غير أَنه إِذا ضم بعضه إِلَى بعض أَخذ قُوَّة (^١).\n_________\n= فضالة، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٣).\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٧ - ١٨ رقم ١٠٨٦) والشاميين (٥١٩)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٣٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٢٨ - ٣٢٩ رقم ٥٠٨٤ و٥٠٨٥ و٥٠٨٦). وقال ابن عدى في إسناده: وهذا بهذا الإسناد منكر موضوع على حماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي. =","vol":"9","page":178},{"text":"قوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا استحلت أمتي خمسا فعليهم الدمار\" والدمار هو [الهلاك].\nقوله: \"إذا ظهر التلاعن\" الأولى: إذا ظهر التلاعن، اللعن: إذا لعن بعضهم بعضا، الثانية: \"إذا شربوا الخمر\" معروف، الثالثة: \"لبس الحرير\" أي على الرجال، الرابعة: \"اتخاذ القينات\" والقينات جمع قينة وهي الأمة المغنية.\nالخامسة: \"اكتفاء الرجال بالرجال\" المراد بذلك اللواط، \"واكتفى والنساء بالنساء\" المراد بذلك ساحقة المرأة بالمرأة والله أعلم.\n\n٣١٢٤ - وَعَن صَفْوَان بن عبد الله بن صَفْوَان قَالَ اسْتَأْذن سعد -﵁- على ابْن عَامر وَتَحْته مرافق من حَرِير فَأمر بهَا فَرفعت فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ على مطرف من خَز فَقَالَ لَهُ اسْتَأْذَنت وتحتي مرافق من حَرِير فَأمرت بهَا فَرفعت فَقَالَ لَهُ نعم الرجل أَنْت يَا ابْن عَامر إِن لم تكن مِمَّن قَالَ الله أَذهَبْتُم طَيَّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا الْأَحْقَاف. وَالله لِأَن أضطجع على جمر الغضا أحب إِلَيّ أَن أضطجع عَلَيْهَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا الْمرَافِق بِفَتْح الْمِيم جمع مرفقة بِكَسْرِهَا وَفتح الْفَاء وَهِي شَيْء يتكأ عَلَيْهِ شَبيه بالمخدة (^١).\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٣١ - ٣٣٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير الرملي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٤) و(٢٣٨٦).\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ١٥٠ (٢٤٦٣٩)، ومسدد كما في المطالب العالية (٢٢٤٢)، والطحاوي في معانى الآثار (٦٦٨٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٤)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٣٧٩ رقم ٦٠٧٠ و٦٠٧١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. =","vol":"9","page":179},{"text":"قوله: وعن صفوان بن عبد الله بن صفوان [هو صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي المكي القرشي كان زوج الدرداء بنت أبي الدرداء روى عنها وعن جده وعن أبي الدرداء وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وحفصة بنت عمر روى عنه الزهري وأبو الزبير ويوسف بن مالك وعمرو بن دينار قال ابن سعد كان قليل الحديث وقال العجلي مدني تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي ثقة].\nقوله: استأذن سعد -﵁- على ابن عامر وتحته مرافق من حرير فأمر بها فرفعت، المرافق جمع مرفقة وهي شيء يتكأ عليه شبيه بالمخدة قاله النووي. قوله: فدخل عليه وهو على مطرف من خز\" الحديث، والمطرف بكسر الميم وفتحها وضمها وإسكان الطاء وفتح الراء واحد المطارف وهي أردية من خز مربعة لها أعلام قال الفراء وأصله: الضم لأنه في المعنى مأخوذ من أطرف إذا جعل في طرفيه العلماء ولكنهم استثقلوا الضمة فكسروه ذكره في الصحاح وقيل المطرف الثوب الذي في طرفه علمان والميم مزيدة والخز هو الحرير الذي نسج قبل الصبغ وقيل الخز ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون ما ورد من النهي لأجل\n_________\n= ذكره البوصيري في مختصر الإتحاف (٢/ ٧٢/ ١) وقال: رواه مسدد بإسناد حسن. وصححه الألباني في الصحيحة تحت حديث (٣٨٤) وصححه في صحيح الترغيب (٢٠٥٥).","vol":"9","page":180},{"text":"التشبه بالعجم وزي المترفين (^١)، أما ما يعمل كله من الحرير فحرام وليس مرادا هنا قاله في شرح الإلمام.\nقوله: والله لأن أضطجع على جمر الغضا أحب إلي أن أضطجع عليها\" والغضا شجر والغضاة كل شجرة لها شوك ومنه قولهم ذبب غضى قاله الجوهري في صحاحه (^٢).\n\n٣١٢٥ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ رأى رَسُول الله -ﷺ- جُبَّة مجيبة بحرير فَقَالَ طوق من نَار يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات مجيبة بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم بعدهمَا يَاء مثناة تَحت مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة أَي لهَا جيب بِفَتْح الْجِيم من حَرِير وَهُوَ الطوق (^٣).\nقوله: وعن معاذ بن جبل -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: رأى رسول الله -ﷺ- جبة مجيبة بحرير فقال: \"طوق من نار\".\nقوله: مجيبة، أي لها جيب من حرير وهو الطوق قاله المنذري، وروي مسلم أن جبة رسول الله -ﷺ- كانت مكفوفة الجيب والكمين والفرجين\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٨).\n(^٢) الصحاح (٦/ ٢٤٤٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٥٦)، والبزار (٢٦٥٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٧٣ رقم ٨٠٠٠) والكبير ٢٠/ ٧٣ (٢٣٦). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٢: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، والبزار، ورجال البزار ثقات. وقال ابن حجر في التمييز (٢١٤٥): وإسناده ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٨٤) وصحيح الترغيب (٢٠٥٦).","vol":"9","page":181},{"text":"بالديباج (^١) وتقدم الكلام على الديباج وروي أبو داود أنه -ﷺ- نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة وفي الصحيحين نحوه (^٢)، وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، قال النووي (^٣): وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وعن مالك رواية يمنعه وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز وإن عظم وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصحيح والله أعلم والمراد الأصابع المعتادة ولا التفات إلى قياس بعض الحنفية على ذلك الذهب فجوزوا منه أربع أصابع وليس هذا موضع قياس بل التحريم أصل في الجميع فيقتصر على مورد النص والله أعلم قاله في شرح الإلمام وضبطه في الكافي بأربع أصابع مضمومة للخبر وضبطه بعضهم بالعادة فإن زاد حرم وعبارة الروضة يجوز المطرف والمطرز بشرط الاقتصار على عادة التطريف ويشترط أن لا يجاوز الطراز أربع أصابع فإن زاد فيهما حرم (^٤)، أ. هـ.\nفرع: يجوز ما طرز أو طرف بحرير قدر العادة ذكره في هادي النبيه على التنبيه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠ - ٢٠٦٩) بمعناه، وأبو داود (٤٠٥٤)، وابن ماجه (٣٥٩٤) بلفظه عن أسماء بنت أبى بكر. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه وأبى داود.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٢٨) و(٥٨٢٩)، ومسلم (١٢ و١٣ و١٤ و١٥ - ٢٠٦٩)، وابن ماجه (٣٥٩٣)، وأبو داود (٤٠٤٢)، والترمذي (١٧٢١)، والنسائي في الكبرى (٩٥٤٨ - ٩٥٥١) والمجتبى ٨/ ٢٢١ (٥٣٥٦) و(٥٣٥٧) عن عمر بن الخطاب ولفظه لأبى داود.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٨ - ٤٩).\n(^٤) روضة الطالبين (٢/ ٦٦).","vol":"9","page":182},{"text":"٣١٢٦ - وَعَن جوَيْرِية -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لبس ثوب حَرِير فِي الدُّنْيَا ألبسهُ الله ﷿ يَوْمًا أَو ثوبا من النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَفِي رِوَايَة من لبس ثوب حَرِير فِي الدُّنْيَا ألبسهُ الله يَوْم الْقِيَامَة ثوب مذلة من النَّار أَو ثوبا من النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسْنَاده جَابر الْجعْفِيّ وَرَوَاهُ الْبَزَّار عَن حُذَيْفَة مَوْقُوفا من لبس ثوب حَرِير ألبسهُ الله يَوْمًا من نَار لَيْسَ من أيامكم وَلَكِن من أَيَّام الله الطوَال (^١).\nقوله: وعن جويريه (^٢) -﵂-، جويريه مصغر الجارية بالجيم الخزاعية، كان اسمها برة فسماها النبي -ﷺ- بذلك وكانت امرأة حلوة مليحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قال ابن هشام: لما انصرف رسول الله -ﷺ- من\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (٢٠٧٣)، وأحمد ٦/ ٣٢٤ (٢٧٣٩٩) و٦/ ٤٣٠ (٢٨٠٦٦)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٥٥٨)، والبغوي في الجعديات (٢٣٦٠)، وابن الأعرابى في المعجم (٢١٨٣)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ٦٥ (١٧٠) و(١٧١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٤٤٢).\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤١: رواه أحمد، والطبراني، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف وقد وثق. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٤). وأخرجه البزار (٢٨٤٦) عن حذيفة موقوفا. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤١ - ١٤٢: رواه البزار عن شيخه رجاء بن الجارود ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٧).\n(^٢) ترجمتها: الاستيعاب ٤/ الترجمة ٣٢٨٢، وأسد الغابة ٧/ الترجمة ٦٨٢٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ الترجمة ١١٥٣، وتهذيب الكمال ٣٥/ الترجمة ٧٨٠٧، والإصابة ٨/ الترجمة ١١٠٠٨.","vol":"9","page":183},{"text":"غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث دفعها إلى رجل من الأنصار وديعة وقدم رسول الله -ﷺ- المدينة فأقبل أبوها الحارث ابن أبي ضرار بفداء ابنته بالعقيق فلما نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء أخذ بعيرين منهما فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، فأتى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد أصبت ابنتي وهذا فداؤها وأنت أكرم الناس وأوصل الناس فقال رسول الله -ﷺ-: \"فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا\"، فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله ﷿ فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان له فدفعها إلى أبيها ثم خطبها رسول الله -ﷺ- إلى أبيها فزوجه إياها وقيل إنها وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسها على تسع أواق فذكر الحديث إلى أن قالت لرسول الله -ﷺ- فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسى على تسع أواق فأعني على كتابتي فقال لها رسول الله -ﷺ- فهل لك خير من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أأؤدي عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: نعم يا رسول الله، فقال: قد فعلت، قال: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله -ﷺ- تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله -ﷺ- فأعتقوا ما في أيديهم من نساء بني المصطلق فبلغ عتقهم مائة أهل بيت بتزويجه إياها فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، قاله في مجمع الأحباب وكانت جويرية تحت مسافع بن صفوان فلما غزى رسول الله -ﷺ- غزاة المريسيع في سنة خمس من الهجرة قصد النبي -ﷺ- بني المصطلق بن خزاعة على مائهم","vol":"9","page":184},{"text":"فقتل زوجها وسبيت جويرية فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها على تسع أواق فذكر ذلك كما تقدم في مجمع الأحباب وتزوجها رسول الله -ﷺ- سنة ست من الهجرة وهي ابن عشرين سنة وقيل تزوجها رسول الله -ﷺ- وجعل صداقها أربعين أسيرا من قومها، وفي هذه الغزوة سقط عقد عائشة فأقام رسول الله -ﷺ- بالناس على التماسه وليسوا على ماء فنزلت آية التيمم في شعبان من سنة خمس، وقال الشعبي: كانت جويرية من ملك اليمن فأعتقها رسول الله -ﷺ- وتزوجها وتوفيت سنة ست وخمسين ودفنت بالبقيع.\nقوله -ﷺ-: \"من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله تعالى ثوب مذلة من النار\" ثوب المذلة هو [كناية عن شُمول الذُّلّ به شُمولَ الثوب البدَن؛ أي: يصغّرُه في العيون ويحقّره في القلوب].\n\n٣١٢٧ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يلبس حَرِيرًا وَلَا ذَهَبا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦١ (٢٢٦٧٨) و(٢٢٦٧٩) و(٢٢٦٨٠)، والحارث في المسند (٥٨٤)، والروياني (١٢١٠)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٨٦ رقم ٣٢٦٨) والكبير (٨/ ١٨٦ رقم ٧٧٦٩) و(٨/ ١٩٠ رقم ٧٧٨٢ و٧٧٨٣ و٧٧٨٤) والشاميين (٥٣٠)، والحاكم ٤/ ١٩١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٥/ ١٤٧: رواه أحمد ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧) وصحيح الجامع (٦٥٠٩) وصحيح الترغيب (٢٠٥٨).","vol":"9","page":185},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرا ولا ذهبا\" اليوم. الآخر هو يوم القيامة وتقدم الكلام على لبس الحرير والذهب.\n\n٣١٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يشرب الْخمر حرم الله عَلَيْهِ شربهَا فِي الْجنَّة وَمن مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يتحلى بِالذَّهَب حرم الله عَلَيْهِ لِبَاسه فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة ومن مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة\" المراد بذلك إذا لم يتب من ذلك قبل مماته.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٦ (٦٦٦٧) و٢/ ٢٠٨ (٧٠٦٦) و٢/ ٢٠٩ (٧٠٦٧)، ومسدد وابن أبى شيبة كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٤٩٧)، والبزار كشف الأستار (٢٩٣٥)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٨٢) و(٤/ ٤٩٧)، وابن شاهين في الناسخ (٥٨٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٩٩ رقم ١٤٥١٦) و(١٣/ ٦٠٠ رقم ١٤٥١٧).\nقال عبد الله بن أحمد: ضرب أبي على هذا الحديث، فظننت أنه ضرب عليه لأنه خطأ، وإنما هو ميمون بن أستاذ، عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه: عن الصدفي، ويقال: إن ميمون هذا هو الصدفي لأن سماع يزيد بن هارون من الجريري آخر عمره والله أعلم.\nوقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٧٤): رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجاله ثقات. قال الحافظ في الفتح (١٢/ ١٢٩): أخرجه أحمد بسند حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٠٥٩) و(٢٣٨٠).","vol":"9","page":186},{"text":"٣١٢٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- رأى خَاتمًا من ذهب فِي يَد رجل فَنَزَعَهُ وَطَرحه وَقَالَ يعمد أحدكُم إِلَى جَمْرَة من نَار فيطرحها فِي يَده فَقيل للرجل بَعْدَمَا ذهب رَسُول الله -ﷺ- خُذ خاتمك انْتفع بِهِ فَقَالَ لَا وَالله لَا آخذه وَقد طَرحه رَسُول الله -ﷺ- رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيطرحها في يده، الحديث يعمد بكسر الميم في المضارع وبفتحها في الماضي ومعناه يقصد، أجمع المسلمون على تحريم خاتم الذهب على الرجال وأجمعوا على إباحته للنساء وكذا لو كان بعضه ذهبا وبعضه فضة حتى لو كان سر الخاتم ذهبا أو كان مموها بذهب يسير فهو حرام على الرجال لعموم الحديث الآخر في الذهب والحرير \"إن هذين حرام على ذكور أمتي حل إناثها\" وخواتيم الذهب وسائر أنواع الحلي منه ومن الفضة حل لها سواء المتزوجة والشابة والعجوز والغنية والفقيرة هذا مذهب جمهور العلماء، وحكي القاضي (^٢) عن قوم إباحته للرجال والنساء (^٣) وعن ابن الزبير\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٢ - ٢٠٩٠)، والبزار (٥٢٢٨)، وأبو عوانة (٩٠٦١)، وابن حبان (١٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤١٤ رقم ١٢١٧٥)، والبيهقي في الآداب (٥٣٥) والكبرى (٢/ ٥٩٥ رقم ٤٢١٤) والشعب (٨/ ٣٤٦ رقم ٥٩٢١ و٥٩٢٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦٠) وغاية المرام (٨٠) والمشكاة (٤٣٨٥).\n(^٢) إكمال المعلم للقاضي عياض (٦/ ٥٧١).\n(^٣) منهم معاوية بن قرة فيما سأله شعبة عن الشرب في قدح من فضة، فقال له: لا بأس. رواه عنه أبو بكر ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ١٠٤ (٢٤١٥٠).","vol":"9","page":187},{"text":"تحريمه عليهما، ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال (^١)، أ. هـ، وفي هذا الحديث إزالة المنكر باليد لمن قدر عليها وفيه تصريح بأن النهي عن خاتم الذهب للتحريم كما سبق وفيه المبالغة من الصحابة -﵃- إلى امتثال أمر رسول الله -ﷺ- واجتناب نهيه وعدم الترخص فيه بالتأويلات الضعيفة ثم إن هذا الرجل إنما ترك الخاتم على سبيل الإباحة لمن أراد أخذه من الفقراء وغيرهم وحينئذ يجوز أخذه لمن شاء فإذا أخذه جاز تصرفه فيه ولو كان صاحبه أخذه لم يحرم عليه الآخذ والتصرف فيه بالبيع وغيره ولكن تورع عن أخذه وأراد الصدقة به على من يحتاج إليه لأن النبي -ﷺ- لم ينهى عن التصرف فيه بكل وجه إنما نهاه عن لبسه وبقى ما سواه من تصرفه على الإباحة، والله أعلم.\n\n٣١٣٠ - وَعَن أبي سعيد -﵁- أَن رجلا قدم من نَجْرَان إِلَى رَسُول الله -ﷺ- وَعَلِيهِ خَاتم من ذهب فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله -ﷺ- وَقَالَ إِنَّك جئتني وَفِي يدك جَمْرَة من نَار رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (٥٩٣)، وأحمد ٣/ ١٤ (١١٢٧٨)، والنسائي في المجتبى ٨/ ١٣١ (٥٢٣٢) و٨/ ١٤٥ (٥٢٥٠) والكبرى (٩٤٣٥) و(٩٤٦١)، وابن حبان (٥٤٨٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٨٩ - ٢٩٠ رقم ٨٦٦٤)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف (١/ ٢٤٣).\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٥٤: قلت: روى النسائي طرفا من أوله يسيرا. رواه الطبراني في الأوسط. وأبو النجيب وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦١).","vol":"9","page":188},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله -ﷺ- وعليه خاتم من ذهب فأعرض عنه رسول الله -ﷺ-، الحديث، ونجران بلدة معروفة بين الحجاز والشام واليمن كذا قاله ابن الأثير (^١) وهو على سبع مراحل من مكة كانت منزلا للنصارى، وأما نجران فليست من الحجاز ولكن صالحهم رسول الله -ﷺ- على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه ونقضوا العهد فأمر بإخراجهم فأجلاهم عمر -﵁- قاله في المهذب (^٢) وهو الصواب ففيه النهي عن خاتم الذهب على الرجال وهو إجماع من المسلمين كما تقدم في الحديث قبله وقد أجمع المسلمون أيضا على جواز خاتم الفضة للرجال فإن النبي -ﷺ- اتخذ خاتما من ورق والورق الفضة وكره بعض علماء الشام المتقدمين لبسه لغير ذلك سلطان ورووا فيه أثرا وهو شاذ مردود قال الخطابي رحمه الله تعالى (^٣): ويكره للنساء خاتم الفضة لأنه من شعار الرجال فإن لم تجد خاتم ذهب فلتصفره بزعفران وشبهه وهذا الذي قاله ضعيف أو باطل لا أصل له والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة والله أعلم.\nتتمة: بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه عمر بلغني إنك اشتريت فصا بألف درهم فإذا أتاك كتابي هذا فبع الخاتم\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٢١).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١٩/ ٤٢٩).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٦٤) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٦٧).","vol":"9","page":189},{"text":"وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتما بدرهمين واجعل فصه حديدا طسا واكتب عليه رحم الله من عرف قدر نفسه وما يؤل إليه والله أعلم (^١).\n\n٣١٣١ - وَعَن خَليفَة بن كَعْب -﵁- قَالَ سَمِعت ابْن الزبير يخْطب وَيَقُول لَا تلبسوا نساءكم الْحَرِير فَإِنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب -﵁- يَقُول قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تلبسوا الْحَرِير فَإِنَّهُ من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة.\nرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَزَاد فِي رِوَايَة وَمن لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة لم يدْخل الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (^٢) (^٣).\nقوله: وعن خليفة بن كعب (^٤) -﵁-[هو خليفة بن كعب التميمي أبو ذبيان البصري روى عن أبي الزبير والأحنف بن قيس وعنه حفصة بنت سيرين وشعبة وجعفر بن ميمون الأنماطي. قال النسائي ثقة له عندهم حديث واحد في لباس الحرير، وذكره ابن حبان في الثقات].\nقوله: سمعت ابن الزبير يخطب ويقول: لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت عمر بن الخطاب -﵁-.تقول: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تلبسوا الحرير\n_________\n(^١) الرسالة (١/ ٢٨١) للقشيري، ومدارج السالكين (٢/ ٣١٦) لابن القيم.\n(^٢) سورة الحج، الآية: ٢٣.\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٣٧ (٢٥٧)، والبخاري (٥٨٣٤)، ومسلم (١١ - ٢٠٦٩)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢١٥ (٥٣٤٩) والكبرى (٩٥١٢) و(١١٢٨٠).\n(^٤) ترجمته: طبقات ابن سعد: ٧/ ٢٥٩، وتاريخ البخاري الكبير: ٣/ الترجمة ٦٤١، وتاريخه الصغير: ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وتهذيب الكمال ٨/ الترجمة ١٧٢٢، وتهذيب ابن حجر:٣/ ١٦٢.","vol":"9","page":190},{"text":"فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" الحديث، هذا مذهب عبد الله بن الزبير -﵁- وأجمعوا بعده على إباحة الحرير للنساء وهذا الحديث الذي احتج به إنما ورد في لبس الرجال لوجهين، أحدهما: أنه خطاب للذكور ومذهبنا ومذهب محققي الأصوليين أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال عند الإطلاق، والوجه الثاني: أن الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم بعد هذا وقبله صريحة في إباحته للنساء وأمره -ﷺ- عليا وأسامة أن يكسوه نساءه مع الحديث المشهور أنه -ﷺ- قال في الحرير والذهب: \"إن هذين حرام على ذكور أمتي حل إناثها\" وتقدم، فيباح لهن الحرير وجميع أنواعه وخواتيم الذهب وسائر الحلي منه ومن الفضة وسواء المزوجة والشابة والعجوز والغنية والفقيرة وهذا الذي ذكرناه من تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكي القاضي عياض عن قوم إباحته للرجال والنساء، وعن ابن الزبير تحريمه على الرجال والنساء كما تقدم ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال ويدل عليه الأحاديث المصرحة بالتحريم.\n\n٣١٣٢ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يمْنَع أهله الْحِلْية وَالْحَرِير وَيَقُول إِن كُنْتُم تحبون حلية الْجنَّة وحريرها فَلَا تلبسوها فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٥ (١٧٥٨٣)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٩٤ (٥١٨٠) والكبرى (٩٣٧٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٨٣٧) ومعاني الآثار (٦٧١١)، وابن حبان =","vol":"9","page":191},{"text":"قوله: وعن عقبة بن عامر -﵁- تقدم.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: \"إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوها في الدنيا\" الحديث، والمراد بأهله -ﷺ- زوجاته وإنما كان -ﷺ- يمنع أهله ذلك تورعا لا أنه حرام عليهن الحرير والحلية كما تقدم في الأحاديث الصحيحة بإباحة ذلك للنساء والله أعلم.\nفائدة: في الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى النبي -ﷺ- في غزاة لهما فرخص لهما في قميص الحرير ورآه عليهما (^١) وشرط الجواز أن لا يمكن دفع القمل بتنظيف الثياب والجسد ونحو ذلك، قال الجاحظ (^٢): من الناس من يكون قمل الطباع فلا يزول القمل عن جسده إلا بلبس الحرير، كما اتفق للزبير وعبد الرحمن بن عوف، فإن الجسد [إذا] كان بطبعه يربي القمل، عم الحكم بعموم العلة سفرا وحضرا، وذكر الزمخشري في كتابه الفائق (^٣) أن لبس الحرير لمنع البراغيث أيضا فعلى هذا إذا كثرت البراغيث جاز لبسها ليلا للنوم فيها لأن ضرر\n_________\n= (٥٤٨٦)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٢ رقم ٨٣٥)، والحاكم (٤/ ١٩١). وصححه الحاكم على شرطهما وتعقبه الذهبي فقال لم يخرجا لأبى عشانة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٨)، وصحيح الترغيب (٢٠٦٣)، المشكاة (٤٤٠٤/ التحقيق الثاني).\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩١٩) و(٢٩٢٠) و(٢٩٢٢) و(٥٨٣٩)، ومسلم (٢٤ و٢٥ و٢٦ - ٢٠٧٦) عن أنس.\n(^٢) الحيوان (٥/ ١٩٩) للجاحظ.\n(^٣) لم أجده في الفائق.","vol":"9","page":192},{"text":"البراغيث أشد من ضرر القمل فيجوز النوم ليلا في ثياب الحرير قياسا على لبسها لدفع القمل والأصحاب في مواضع كثيرة قاسوا عليها خص، وهذا قياس في معنى الأصل والأصل المراد به حديث عبد الرحمن والزبير، أ. هـ قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (^١).\n\n٣١٣٣ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ قَالَ الله ﷿ من ترك الْخمر وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأسقينه مِنْهُ فِي حَظِيرَة الْقُدس وَمن ترك الْحَرِير وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأكسونه إِيَّاه فِي حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَيَأْتِي فِي بَاب شرب الْخمر أَحَادِيث نَحْو هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٢).\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: قال الله ﷿: \"ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لاكسونه إياه في حظيرة القدس\" وحظيرة القدس بالظاء المشالة الجنة لأنها محل الطهارة من أجناس الدنيا.\n\n٣١٣٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من سره أَن يسْقِيه الله الْخمر فِي الْآخِرَة فليتركها فِي الدُّنْيَا وَمن سره أَن يكسوه الله الْحَرِير فِي\n_________\n(^١) شرح الإلمام (٢/ ٣٣٩).\n(^٢) أخرجه البزار (٧٣٨١). قال الهيثمي في كشف الأستار ٣/ ٣٥٩ و٣/ ٣٨١: قلت: علته شعيب بن بيان. وقال في المجمع ٥/ ٧٦: رواه البزار، وفيه شعيب بن بيان قال الذهبي: صدوق، وضعفه الجوزجاني، والعقيلي، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦٤) و(٢٣٧٥).","vol":"9","page":193},{"text":"الْآخِرَة فليتركه فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا شَيْخه الْمِقْدَام بن دَاوُد وَقد وثق وَله شَوَاهِد (^١).\n\n٣١٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ ويل للنِّسَاء من الأحمرين الذَّهَب والمعصفر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ويل للنساء من الأحمرين الذهب والمعصفر\" ويل اسم واد في جهنم وقيل اسم حجر فيها، وقيل غير ذلك، وتقدم الكلام على الذهب، وأما المعصفر فعن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله -ﷺعليَّ ثوبين معصفرين، فقال: \"إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما\" رواه مسلم وفي رواية: رأني رسول الله -ﷺ- وعلي ثوبان معصفران، فقال: \" [أأمك] أمرتك بهذا\" قلت: أغسلهما؟ قال: \"بل احرقهما\" وفي راوية علي أن رسول الله -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٦٣ رقم ٨٨٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٤١٣). وقال الطبراني: لم يرو هذين الحديثين عن ابن ثوبان إلا أسد بن موسى. قال العراقي في تخريج الإحياء (١٩٢٧): أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٦: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧٦). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٥٩٦٨)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٥٦ رقم ٥٧٨٠) و(١٢/ ٥١٧ رقم ٩٨١٩). وقال الألباني: حسن صحيح \"الصحيحة\" (٣٣٩)، \"صحيح الترغيب\" (٢٠٦٦).","vol":"9","page":194},{"text":"نهى عن لبس القسي و[والمعصفر].\nواختلف العلماء -﵃- في الثياب المعصفرة وهي المصبوغة بالعصفر فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك لكنه قال غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه أنه أجاز لباسها في البيوت وأفنية الدور وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها وقال أحمد وجماعة من العلماء: هو مكروه كراهية تنزويه وحملوا النهي الي ورد على هذا لأنه ثبت أن النبي -ﷺ- لبس حلة حمراه ففيه دليل على استحباب لبس الأحمر وقد اختار البيهقي تحريم المعصفر قال: وقد صحت الأحاديث فيه وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث ودعوا قولي، وفي رواية فهو مذهبي وقد صح الحدي وقال الخطابي (^١): النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسخ فأما ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي والله أعلم، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة ليكون موافقا لحديث ابن عمر نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران وقد أتقن البيهقي [المسألة في] كتابه معرفة السنن نهي الشافعي الرجل عن المزعفر وأباح له المعصفر قال الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر لأني لم أجد أحدا يحكي عن النبي -ﷺ- النهي عنه إلا ما قال علي -﵁-: نهاني ولا أقول نهاكم، قال البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدل على\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ١٩٣).","vol":"9","page":195},{"text":"النهي على العموم ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي هذا الذي ذكره مسلم ثم أحاديث ثم قال: فلو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها إن شاء الله (^١)، قال البيهقي: قال الشافعي: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر قال: وأمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقي: فتبع السنة في المزعفر فمتابعتها في المعصفر أولى به، قال: وقد كره المعصفر بعض السلف، وبه قال أبو عبد الله الحليمي من أصحابنا ورخص فيه جماعة والسنة أولى بالاتباع والله أعلم (^٢).\nقال ابن عبد البر (^٣): كان النبي -ﷺ- يحب من الألوان الخضرة ويكره الحمرة ويقول هي زينة الشيطان وقال مالك الأشتر لعلي: أي الألوان أحسن؟ قال: الخضرة لأنها (لون) (^٤) ثياب أهل الجنة وروي البيهقي في الشعب وابن عدي في الكامل عن عبد الله بن محمد بن مسلم فذكره إلى أن قال عن رافع بن زيد الثقفي عن النبي -ﷺ- أنه قال: الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ثوب ذو شهرة وبهذا السند إلى أنس قال: كنا نتحدث أن أحب الألوان إلى (رسول) (^٥) الله -ﷺ- الخضرة (١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) معرفة السنن (٢/ ٤٥١ - ٤٥٤).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٤٥٥).\n(^٣) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٨٥٦) ونقله في الآداب الشرعية (٣/ ٥٢٨) لابن مفلح.\n(^٤) سقطت من الأصل ومثبتة في الآداب الشرعية لابن مفلح في الموضع السابق.\n(^٥) كذا هو وفي الكامل أحب الألوان إلى الله.","vol":"9","page":196},{"text":"فروع: ذكرها في مختصر الكفاية: يباح لبس الكتان والصوف والوبر والشعر ونحوها وإن كثرت قيمتها لأن نفاستها بالصنعة وكان لا يبعد تخريج وجه في تحريم ما نفاسته بصنعته كما قيل بمثله في الأواني ولكن المذاهب نقل ولا يكره لبس الناعم منه بل في التتمة والبحر أن لبس الخشن مكروه لا لغرض شرعي مع الاستغناء عنه لأنه تعذيب النفس وسواء غير المطبوع والمصبوغ وسواء الأحمر والأخضر والأسود وسواء نسج قبل الصبغ أو بعده هذا ظاهر كلام الأصحاب، وفي تعليق القاضي حسين: إن صبغ بعده لمنع الوسخ جاز أو للزينة لم يجز للرجل لأنه لباس النساء وفي\n_________\n= (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥٣ رقم ٧٧٠٨)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٣٤٦) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨/ ٣٤٠ - ٣٤٣ رقم ٥٩١٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٦٧٠) عن رافع بن يزيد. وقال ابن عدى: ولأبي بكر غير ما ذكرت حديث صالح، وعامة ما يرويه عَمَّن يرويه لا يتابَع عليه، على أنه قد حدث عنه الثقات من الناس، وعامة ما يحدث به قد شورك فيه، ويحتمل ما يرويه، وفي حديثه ما لا يحتمل ولا يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٣٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٧١٨).\nوأما حديث أنس: أخرجه ابن عدى في الكامل (٤/ ٣٤٦) بلفظ أحب الألوان إلى الله.\nوأخرجه البزار (٧٢٣٤)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٩ - ٤٠ رقم ٥٧٣١) و(٨/ ٨١ رقم ٨٠٢٧) والشاميين (٢٥٩٩)، وابن عدى (٤/ ٤٢٠)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٣٤٢ رقم ٥٩١٦). قال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن قتادة عن أنس إلا سويد أبو حاتم. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٩: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، ورجال الطبراني ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٠٥٤).","vol":"9","page":197},{"text":"الصحيحين أنه -ﷺ- لبس حلة حمراء (^١)، وفي الصحيحين أيضا: \"إن أعجب اللباس إليه -ﷺ- الحبرة\" (^٢) قيل: وهي شملة فيها بياض وحمرة وروي الترمذي وأبو داود أنه -ﷺ- لبس بردين أخضرين (^٣)، وروي مسلم أنه -ﷺ- دخل مكة عام الفتح وعليه عمامة سوداء ولبسها على المنبر أيضا (^٤)، ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة لبس الأسود، وأما الأصفر فقد نهى رسول الله -ﷺ- أن يتزعفر الرجل (^٥)، هذا دليل لمذهب الشافعي وموافقيه في تحريم لبس الثوب المزعفر على الرجل، أ. هـ وأما ما ورد عن ابن عمر أنه كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلء ثيابه من الصفرة ويقول: رأيته -ﷺ- يصبغ بها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته، ورواه أبو داود والنسائي (^٦)، وفي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٦) و(٣٥٥١) و(٥٨٤٨) و(٥٩٠١)، ومسلم (٩١ و٩٢ - ٢٣٣٧) عن البراء.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨١٢) و(٥٨١٣)، ومسلم (٣٢ و٣٣ - ٢٠٧٩) عن أنس.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٠٦٥) و(٤٢٠٦)، والترمذي (٢٨١٢)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٣٧ (١٥٨٨) و٨/ ٢٢٥ (٥٣٦٣) عن أبى رمثة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن إياد، وأبو رمثة التيمي اسمه: حبيب بن حيان، ويقال اسمه: رفاعة بن يثربي. وقال الألباني: صحيح مختصر الشمائل (٣٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٥١ - ١٣٥٨) عن جابر بلفظ \"أن النبي -ﷺ- دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء\". ومسلم (٤٥٢ و٤٥٣ - ١٣٥٩) عن عمرو بن حريث بلفظ: \"أن رسول الله -ﷺ- خطب الناس وعليه عمامة سوداء\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٧٧ - ٢١٠١) عن أنس.\n(^٦) أخرجه أبو داود (٤٠٦٤)، والنسائي في الكبرى (٩٣٠٥) والمجتبى ٨/ ٤٨ (٥١٢٩) عن ابن عمر. وقال الألباني صحيح الإسناد.","vol":"9","page":198},{"text":"الصحيحين عن ابن عمر قال: وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله -ﷺ- يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها (^١) فقيل: أراد خضاب لحيته بالصفرة وقيل أراد لبس ثياب صفرة. وبالجملة فالمزعفر حرام على الرجال صرح به في النساء ونقل البيهقي وغيره عن الشافعي أنه نهى الرجل عن الزعفران وأباح له المعصفر وتقدم ذلك في غير كلام مختصر الكفاية، قال البيهقي: والصواب منع المعفر وبه قال الحليمي للأحاديث الصحيحة ولو بلغت الشافعي لقال بها ومذهبه اتباع الحديث أ. هـ.\n\n٣١٣٦ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أريت أَنِّي دخلت الْجنَّة فَإِذا أعالي أهل الْجنَّة فُقَرَاء الْمُهَاجِرين وذراري الْمُؤمنِينَ وَإِذا لَيْسَ فِيهَا أحد أقل من الْأَغْنِيَاء وَالنِّسَاء فَقيل لي أما الْأَغْنِيَاء فَإِنَّهُم على الْبَاب يحاسبون ويمحصون وَأما النِّسَاء فألهاهن الأحمران الذَّهَب وَالْحَرِير الحَدِيت رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَغَيره من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن زيد عَن الْقَاسِم عَنهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٦) و(٥٨٥١)، ومسلم (٢٥ - ١١٨٧) عن ابن عمر.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٩ (٢٢٦٦٢)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (٦/ ٣٥٥)، وهناد في الزهد (١/ ٢٣٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٣٦ رقم ٧٩٢٣)، والبيهقي في الزهد الكبير (٤٤٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٦/ ١٢٠)، والديلمي من طريق أبى الشيخ كما في الغرائب الملتقطة (١٦٦٨). قال الهيثمي في المجمع ٩/ ٥٩ و١٠/ ٣٦٢: رواه أحمد والطبراني بنحوه باختصار، وفيهما مطرح بن زياد وعلي بن يزيد الألهاني، وكلاهما مجمع على ضعفه، ومما يدلك على ضعف هذا: أن عبد الرحمن بن عوف أحد =","vol":"9","page":199},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أريت أني دخلت الجنة فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المؤمنين وإذا ليس فيها أحد أقل من الأغنياء والنساء فقيل لي أما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون\" أي: يخلص بعضهم من بعض ومنه تمحيص الذنوب وهو إزالتها قاله في النهاية (^١) وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الزهد إن شاء الله تعالى.\nقوله: من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد [قال الدارقطني: عبيد الله بن زحر، عن علي بن زيد نسخة باطلة].\n\n٣١٣٧ - وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يبيت قوم من هَذِه الْأمة على طعم وَشرب وَلَهو وَلعب فيصبحون وَقد مسخوا قردة وَخَنَازِير وليصيبنهم خسف وَقذف حَتَّى يصبح النَّاس فَيَقُولُونَ خسف اللَّيْلَة ببني فلَان وَخسف اللَّيْلَة بدار فلَان وليرسلن عَلَيْهِم حِجَارَة من السَّمَاء كَمَا أرْسلت على قوم لوط على قبائل فِيهَا وعَلى دور ولترسلن عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم الَّتِي أهلكت عادا على قبائل فِيهَا وعَلى دور بشربهم الْخمر ولبسهم الْحَرِير واتخاذهم الْقَيْنَات وأكلهم الرِّبَا وَقَطِيعَة الرَّحِم وخصلة نَسِيَهَا\n_________\n= أصحاب بدر والحديبية، وأحد العشرة، وهم أفضل الصحابة. والحمد لله. وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؟ لضعف مطرح بن يزيد، ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني وغيرهم. وضعفه جدا في الضعيفة (٥٣٤٦) وضعيف الترغيب (١٢٥٥) و(١٨٥٤).\n(^١) النهاية (٤/ ٣٠٢).","vol":"9","page":200},{"text":"جَعْفَر رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله -ﷺ- في حديث أبي أمامة -﵁-: \"يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير\" الحديث، وعن مجاهد أنه قال: المسخ بمعنى الختم والطبع على القلب لا مسخ الصور والله أعلم.\nواختلف في القردة والخنازير، قال أبو الليث السمرقندي (^٢): اختلف الناس في الخلق الذين مسخهم الله تعالى (قال بعضهم: إن القردة والخنازير من نسل قوم قد مسخهم الله، وكذلك الفأرة والدعموص وغيرهما من الأشياء التي جاءت فيها الآثار أنهم مسخوا، وقال عامة) (^٣) أهل العلم هذا لا يصح بل كانت القردة وغيرها قد خلقوا قبل ذلك والذي مسخهم الله تعالى ليس لهم فرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام، روى المسور بن الأحنف قال: قيل\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٢٢٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦، وأحمد في المسند ٥/ ٢٥٩ (٢٢٦٦١) وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ٣٢٩ (٢٣٢٣٧ و٢٣٢٣٨ و٢٣٢٣٩ و٢٣٢٤٠)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٧١)، والحاكم ٤/ ٥١٥، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٦ رقم ٧٩٩٧)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٢٠ - ٤٢١ رقم ٥٢٢٦)، والشجري في الأمالى (٢/ ٣٧١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٨/ ٩١: رواه أبو داود الطيالسي واللفظ له وأبو يعلى الموصلي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند ومدار أسانيدهم على عاصم بن عمرو البجلي، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٠: رواه عبد الله، وروى الطبراني منه حديث أبي أمامة فقط، وفرقد ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٦).\n(^٢) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.\n(^٣) بستان العارفين (ص ٣٩٦).","vol":"9","page":201},{"text":"لعبد الله بن مسعود: أرأيت (القردة والخنازير من نسل القردة والخنازير التي كانت قبلها؟ قال عبد الله:) (^١) لم يمسخ الله أمة فيجعل الله لها نسلا ولكنها من نسل قردة وخنازير قد كانت قبل ذلك. انتهى.\nقوله -ﷺ-: \"وليصيبنهم خسف\" قال في التنقيح على المصابيح (^٢): والخسف يكون في الأرض انتهى.\nتتمة: قد كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله تعالى يقول: كان الخسف لمن قبلنا بالإعدام ولكرامة هذه الأمة على الله تعالى ولشفاعة نبينا محمدﷺ- فينا رفع الله عنا خسف الظاهر لأنه ﵊ طلب من الله تعالى أن لا يخسف بأمته كما فعل بمن مضى فأسعفه الله تعالى فيما طلب في الظاهر أتبع ذلك الستر، وأما خسف الباطن فلم يرفعه على ما ورد وذلك موجود ظاهر لا يرتاب أحد فيه ولا يشك ألا ترى إلى الخنزير وحالته وما هو فيه من التنجيس والتقذير فتنظر إلى شراب الخمر هل تجد بينهما فرقا إلا في الصورة الظاهرة والمعاني قد جمعت بينهما وكذلك أيضا إذا نظرت إلى الثعبان تجده ناعما أملس مليح المنظر فإذ قربته قتلك بسمه وأنت ترى كثيرا من أهل الوقت كذلك فتنظر في أحدهم ترى العبارة العذبة والكلام الطيب وكأنه أعظم الناس في المحبة فإذا اطمأننت إليه أو ركنت إلى جانبه أو رغبت عنه أهلكك بحسب حاله وحالك إما في مالك أو في عرضك أو دينك، وذلك سمه فأنى فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى\n_________\n(^١) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.\n(^٢) كشف المناهج والتناقيح (٢/ ٣١١).","vol":"9","page":202},{"text":"إلى السبع وحالته وإيذائه ورعبه للناس وخوفهم منه إذا سمعوا بحسه فضلا عن رؤيته بل من الناس من لا يستطيع رؤيته إلا ويهلك وهو مطبوع على الضرر الكلي ألا ترى إلى حاله إذ قد يكون شبعانا ريانا ومع ذلك إذا رأى آدميا أو ماشيته لم يملك نفسه إلا أن ينقض عليه يعبث به ويقتله ثم يمضي ويتركه على ذلك الحال لا حاجة له به لشبعه فتنظر إلى هؤلاء الظلمة وما وسع عليهم في دنياهم لم تبق له أمنية إلا وهي حاصلة فضلا عن الضرورات ثم فضلت الأموال عندهم ليس لهم حاجة يربرون على بعضها بالربا وعلى بعضها في المحرمات وفي البنيان والإسراف ثم مع ما بأيديهم من كثرة الأموال لا يقدر أحد منهم في الغالب أن يترك للضعيف المسكين درهما يكتسب فيه لنفسه وعياله بل يضربون على الشيء اليسير الضرب المؤلم ويؤذون على ذلك بالحبس والغرامة وغير ذلك مما عندهم من أنواع العذاب والرعب للمساكين وكثير من الضعفاء المساكين لا يستطيعون رؤيتهم لشدة سطوتهم فأي فرق بينهم وبين السبع إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى إلى الكلاب وحالتها وإيذائها وتسليطها على رعب المساكين مرة برؤيتها ومرة بصوتها ومرة بتقطيعها الثياب وإيذائها في البدن وقد يؤول من قامت عليه من الآدميين صبيا صغيرا أو كبيرا أو ضعيفا إلى الإعدام البتة، وقد يكون فيها من هو كلب فيهلك من قرب منه مرة واحدة وقد وقع [...] (^١) مشهور متعارف فانظر إلى هؤلاء الحرس الجبابرة في إرعابهم المسلمين وتسلطهم عليه بالأذية العظيمة في الدين والبدن والمال\n_________\n(^١) بياض في الأصل.","vol":"9","page":203},{"text":"والروح والرعب الحاصل عند رويتهم للصبيان الصغار والكبار الضعفاء المساكين فأي فرق بينهم وبين الكلاب إلا في الصورة الظاهرة والمعاني الجامعة بينهما ألا ترى إلى العقرب وحالتها وإيذائها وكثرة تعقدها وسمها وأنها ليس لها صدر فانظر إلى بعضهم تجده كذلك ضيق الصدر منعقد الوجه لا يستطيع [...]، (^١) وجهه وضيق صدره فإن قربته وأنت لا تتحفظ على نفسك منه حصل لك منه الأذية العظمى أو في مالك أو بدنك أو عرضك وذلك سمه فأي فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما أ. هـ كلامه وهذا كثير لا يمكن حصره ولا عده وإنما ذكر ﵀ هذا تمثيلا لمن له لب فينظر إلى كيفية الخسف الواقع لكل إنسان بحسب حاله وحال ذنبه فإنا لله وإنا إليه راجعون على خسف القلوب وترك الاستحياء من عمل الذنوب قاله صاحب تهذيب النفوس في كتابه.\nقوله -ﷺ-: \"وخسف وقذف\" تقدم الكلام على الخسف، والكلام الآن على القذف، قال في التنقيح: والقذف يريد به الريح الشديدة الباردة أو قذف الأرض الموتى بعد الدفن أو رمي أهلها بالحجارة (^٢).\nقوله: \"ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا على قبائل فيها وعلى دور\" الريح العقيم ما ليس فيه نفع وخير [وهي: التي لا تلقح شجرا ولا تنشر سحابا ولا رحمة فيها ولا بركة أ. هـ قاله الثعلبي في تفسيره (^٣)] يعني: كل ما جاء\n_________\n(^١) بياض في الأصل.\n(^٢) كشف المناهج والتناقيح (٤/ ٤٨٦).\n(^٣) تفسير الثعلبي (٩/ ١١٨).","vol":"9","page":204},{"text":"في القرآن من الريح بلفظ المفرد فهو عذاب وكل ما كان بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ (^١) فهو رحمة، وروي [ابن عباس عن] رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"ما أرسل الله ريحا إلا بمكيال ولا قطرة من المطر إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ: بريح صرصر عاتية\" وقال الله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (^٢) أي: بطغيانهم يعني الفاعلة (^٣)، وعاد: قبيلة وهم قوم هود ﵇ وقصة عاد مشهورة مذكورة في التفاسير وفيه الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها والله أعلم.\nقوله: \"بشربهم الخمر ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وأكلهم الربا وقطيعة الرحم\" سيأتي الكلام على شرب الخمر في بابه وكذلك قطيعة الرحم والربا.\n\n٣١٣٨ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن غنم الْأَشْعَرِيّ قَالَ حَدثنِي أَبُو عَامر وَأَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ وَالله يَمِين أُخْرَى مَا كَذبَنِي أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَيَكُونن من أمتِي أَقوام يسْتَحلُّونَ الْخمر وَالْحَرِير وَذكر كلَاما قَالَ يمسخ مِنْهُم قردة وَخَنَازِير إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٥٧.\n(^٢) سورة الحاقة، الآية: ٥.\n(^٣) قال الثعلبى: هى نعت مجازه بفعلتهم الطاغية (المصدر السابق).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٥٩٠)، وأبو داود (٣٦٨٨) و(٤٠٣٩)، وابن ماجه (٤٠٢٠)، وابن حبان (٦٧٥٤) و(٦٧٥٨)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٢ رقم ٣٤١٧) والشاميين (٥٨٨)، والبيهقي في الصغير (٤/ ١٧٦ رقم ٣٣٥٣) والكبرى (٣/ ٣٨٦ رقم ٦١٠٠) =","vol":"9","page":205},{"text":"قوله: وعن عبد الرحمن بن غنم (^١)، وهو: عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هانئ بن ربيعة بن عامر بن عدي بن وائل بن ناجية، فذكره إلى أن قال: ابن الأشعري، الشامي، ذكره ابن يونس وابن مندة وآخرون في الصحابة وأنكر ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا: تابعي مخضرم وكان مسلما في عهد رسول الله -ﷺ- ولم يره وقالوا: الأولون قدم على رسول الله -ﷺ- في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصحابه، كان يسقط فلسطين وقدم دمشق ودقم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين روى عن النبي -ﷺ- مرسلا وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا ذر وأبا مالك الأشعري وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له وكان عبد الرحمن أفقه أهل الشام، [بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس وأبوه [غنم بن سعد ممن قدم مع أبي موسى الأشعري من الأشعريين على رسول الله (-ﷺ-)] وصحب رسول الله (-ﷺ-) وقتل في بعض المغازي بعد رسول الله (-ﷺ-)] وعليه تفقه عامة التابعين بالشام وكان له جلالة وقدر، قال ابن سعد: طعن هو ومعاذ بن جبل وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة في يوم واحد، توفي -﵁- سمة ثمان وسبعين ومناقبه كثيرة مشهورة.\n_________\n= و(١٠/ ٣٧٣ رقم ٢٠٩٨٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦٧) والصحيحة (٩٠ و٩١).\n(^١) ترجمته: الطبقات الكبرى ٧/ ٤٤١، تاريخ ابن يونس ١/ ٣١١، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٠٢، تهذيب الكمال ١٧/ ترجمة ٣٩٢٨. وما نقله الشارح هو من تهذيب الأسماء واللغات للنووى.","vol":"9","page":206},{"text":"قوله: حدثني أبو عامر وأبو مالك الأشعري، وفي رواية: حدثني أبو مالك الأشعري ولم يشك أبو مالك ويكنى أبا مالك الأشعري وروي عنه جابر بن عبد الله وعبد الرحمن بن غنم، واختلف في اسم أبي عامر فقيل الحارث وقيل عبيد وقيل عمرو وقيل كعب بن عاصم، روى عن رسول الله قال الحافظ عبد الحق: ولم يخرج البخاري عن أبي مالك الأشعري شيئا في صحيحه فإن أراد بذلك أن البخاري ما خرج له بالجزم فنعم وإلا فقد خرج له على الشك وفي هذا من الفوائد أن البخاري رواه عن شيخه هشام بن عمار فقال فيه قال هشام ولم يقل حدثنا فزعم أبو محمد بن حزم أنه منقطع لم يسمعه منه.\nقوله: فإنه سمعه منه إلا أنه أخذه عنه حال المذاكرة لا حال التحديث وهذه عادة البخاري مبالغة في الاحتياط وقد وصله الإسماعيلي في صحيحه وأبو نعيم في المستخرج وأبو داود في [سننه بأسانيد] صحيحة لا مطعن فيها.\nقوله: والله يمين أخرى ما كذبني أنه سمع رسول الله يقول: \"ليكونن من أمتي أقوام\" فقوله: والله يمين أخرى أيضا تأكيد لحلف على صحة الخبر وفي هذا الحديث من أعلام النبوة الإخبار بهذه الأمور التي وقعت كما قال -ﷺ-، وفيه: أنهم داخلون مع ذلك في مسمى الأمة لكن قوله: \"يستحلون \"يخرجهم فإن من استحل ما حرمه الله مما أجمعوا عليه وعلم من الدين بالضرورة كفر اللهم إلا أن يكون معناه يستحلونه بالتأويل الباطل كما قال في الخمر يسمونها بغير اسمها فإن من يجعل النبيذ خمر أيطلق عليه الخمرية فيحمل","vol":"9","page":207},{"text":"على الشبهة وفيه التصريح بتحريم الحرير ردا على من خالف وحمله على الكراهة وهو قول نقله ابن العربي في أحكامه وغيرها من جملة تسعة أقوال ثم انعقد الإجماع على خلافه.\nوأما قوله: \"الحر والحرير\" بالكسر وبالمهملتين وبتخفيف الراء فرج المرأة أي الزنا وأصل حرح بكسر الحاء وسكون الراء وجمع أحراح ومنهم من شدد الراء وليس بجيد فعلى التخفيف يكون في حرح لا في حرر وذكره أبو موسى في حرف الحاء والراء والصواب الحر بالحاء والراء والتخفيف قال الحربي: التخفيف [...] (^١).\nوالمشهور الخز بالخاء والزاي المعجمتين، وكذا قال ابن الجوزي وهو ضرب من ثياب الإبريسم معروف.\nقوله: وكذا (جاء في كتابي البخاري وأبي داود ولعله حديث آخر كما ذكره أبو موسى وهو حافظ عارف بما روى وشرح فلا يتهم) في النهاية عن المديني (^٢) قال ابن بطال (^٣): وأما الحر فهو الفرج وليس كما تأوله من صحفه فقال: الخز من أجل مقارنته للحرير فاستحل التصحيف بالمقارنة مع أنه ليس في الخز تحريم فإن لحمته صوف ففيه خلاف والأصح جوازه لحديث أبي داود في ذلك ما لم يزد الحرير عليه وزنا وقد جاء في الحر\n_________\n(^١) بياض في الأصل.\n(^٢) النهاية (١/ ٣٦٦).\n(^٣) شرح الصحيح (٦/ ٥١).","vol":"9","page":208},{"text":"التحريم ومعنى يستحلون الحر أي يستحلون المنهي عنه.\nخاتمة: قال الحسن في الثياب ينسجها المجوس لم ير بها بأسا وقال ابن بطال (^١): اختلف العلماء في الصلاة في ثياب الكفار فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالصلاة فيما نسجوه وكره مالك الصلاة فيما لبسوه، وقال: إن صلى فيه يعيد في القوت وأجاز ذلك الكوفيون والثوري والشافعي وقالوا: لا بأس بلبساها وإن لم تغستل حتى يتبين فيها النجاسة إلا أن أبا حنيفة قال: أما السروايل والإزار فأكره أن يلبسها المسلم إلا بعد الغسيل، أ. هـ.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٢٥ - ٢٦).","vol":"9","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>[الترهيب من تشبه الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في لباس أو كلام أو حركة أو نحو ذلك]</span>\n٣١٣٩ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ لعن رَسُول الله -ﷺ- المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١) وَالطَّبَرَانِيّ (^٢) وَعِنْده أَن امْرَأَة مرت على رَسُول الله -ﷺ- متقلدة قوسا فَقَالَ لعن الله المتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ والمتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ (^٣) لعن رَسُول الله -ﷺ- المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء المخنث بِفَتْح النُّون وَكسرهَا من فِيهِ انخناث وَهُوَ التكسر والتثني كَمَا يَفْعَله النِّسَاء لَا الَّذِي يَأْتِي الْفَاحِشَة الْكُبْرَى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٨٥)، وابن ماجه (١٩٠٤)، وأبو داود (٤٠٩٧)، والترمذي (٢٧٨٤)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١١٧ رقم ١٤٣٥) والكبير (١١/ ٢٥٢ رقم ١١٦٤٧) و(١١/ ٣٠٧ رقم ١١٨٢٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢١٢ رقم ٤٠٠٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٥٥). وقال: لم يرو هذا الحديث، عن عمرو بن دينار إلا محمد بن مسلم، ولا عن محمد بن مسلم إلا عبد الرحمن بن زياد. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٠٣: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه علي بن سعيد الرازي وهو لين، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٦) وقال: منكر.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٨٨٦) و(٦٨٣٤)، وأبو داود (٤٩٣٠)، والترمذي (٢٧٨٥)، والنسائي في الكبرى (٩٢٠٧) و(٩٢١٠).","vol":"9","page":210},{"text":"قوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لعن رسول الله -ﷺ- المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال\" وفي رواية البخاري: \"لعن رسول الله -ﷺ- المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء\" الحديث، المخنث من الرجال بفتح النون وكسرها من فيه الخناث وهو التكسر والتثني كما يفعله النساء لا الذي يأتي الفاحشة الكبرى، قاله المنذري، وقال النووي رحمه الله تعالى (^١): قال أهل اللغة المخنث بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفتح أشهر وهو الذي خلقه خلق النساء في حركاته وهيئاته وكلامه ونحو ذلك وهو ضربان أحدهما: من يكون ذلك خلقة له لا يتكلفه لا صنع له فيه فهذا لا إثم عليه ولا ذم ولا عيب إذ لا فعل له فيه ولا كسب والثاني: من يتكلف ذلك فليس هو بخلقة فيه فهذا هو المذموم الآثم الذي جاءت الأحاديث الصحيحة بلعنه لعن الله المخنثين، سمي مخنثا لانكسار كلامه ولينه، فقد تخانث وتشبه بالنساء فقد أتى كبيرة من أفحش الكبائر لعنة الله عليه ورسوله فلا يقر عليها بل يؤدب بالضرب الوجيع والسجن الطويل والنفي حتى يرتدع عن ذلك ويكفي دليلا على ذلك ما خرجه البخاري عن ابن عباس قال: لعن رسول الله -ﷺ- المتشبهات من الرجال بالنساء، الحديث وقال: \"أخرجوهم من بيوتكم\" وأخرج فلانا وفلانا غير أنه لا يقتل (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٦٢).\n(^٢) المفهم (١٨/ ١٨) وزاد: غير أنه لا يقتل لما رواه أبو هريرة: أن النبي أتي برجل قد خضب =","vol":"9","page":211},{"text":"٣١٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ لعن رَسُول الله -ﷺ- الرجل يلبس لبسة الْمَرْأَة وَالْمَرْأَة تلبس لبسة الرجل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لعن رسول الله -ﷺ- الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل\" الحديث، وهو بدعة محرمة فلم يفعلها من له خلاق فيجب إنكارها والتحير منها والمعصوم من عصمه الله تعالى قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٢).\n\n٣١٤١ - وَعَن رجل من هُذَيْل قَالَ رَأَيْت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- ومنزله فِي الْحل ومسجده فِي الْحرم قَالَ فَبينا أَنا عِنْده رأى أم سعيد بنت أبي جهل متقلدة قوسا وَهِي تمشي مشْيَة الرجل فَقَالَ عبد الله من هَذِه فَقلت هَذِه أم سعيد بنت أبي جهل فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَيْسَ منا من تشبه بِالرِّجَالِ من النِّسَاء وَلَا من تشبه بِالنسَاء من الرِّجَال رَوَاهُ أَحْمد\n_________\n= يديه ورجليه، فقال: \"ما بال هذا؟! \" فقيل: يتشبه بالنساء، فأمر به، فنفي إلى النقيع -بالنون-، فقيل: يا رسول الله -ﷺ- ألا نقتله؟ قال: \"إني نهيت عن قتل المصلين\".\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٥ (٨٤٢٥)، وأبو داود (٤٠٩٨) والنسائي في الكبرى (٩٢٠٩)، وابن حبان (٥٧٥١) و(٥٧٥٢)، والبزار (٩٠٨٩)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٦ رقم ٩٨٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٩٤) والبيهقي في الشعب (١٠/ ٢٢٤ رقم ٧٤١٦).\nوصححه الحاكم على شرط مسلم. وصححه الألباني في جلباب المرأة (٦٦) وصحيح الترغيب (٢٠٦٩).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٩١ - ٢٩٢).","vol":"9","page":212},{"text":"وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا الرجل الْمُبْهم وَلم يسم وَالطَّبَرَانِيّ مُخْتَصرا وَأسْقط الْمُبْهم فَلم يذكرهُ (^١).\nقوله: وعن رجل من هذيل قال رأيت عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- ومنزله في الحل ومسجده في الحرم قال: فبينا أنا عنده رأى أم سعيد بنت أبي جهل متقلدة قوسا وهي تمشي مشية الرجال، الحديث، تقدم في الحديث قبله أن هذا فعل من البدع المحرمة والله أعلم.\n\n٣١٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ لعن رَسُول الله -ﷺ- مخنثي الرِّجَال الَّذين يتشبهون بِالنسَاء والمترجلات من النِّسَاء المتشبهات بِالرِّجَالِ وراكب الفلاة وَحده رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا طيب بن مُحَمَّد وَفِيه مقَال والْحَدِيث حسن (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠ (٦٩٩٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٢)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٣٢)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٦٧ رقم ١٤٣٣٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٢١). قال البخاري: وهذا مرسل. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٠٢ - ١٠٣: رواه أحمد. والهذلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني باختصار، وأسقط الهذلي المبهم، فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٨٧ (٧٩٧٠) و٢/ ٢٨٩ (٨٠٠٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٢)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٣٢)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٤٠٠ رقم ٤٤٠٠). قال البيهقي: تفرد به أيوب بن النجار، عن طبيب بن محمد. وقد روي عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن رجل، من هذيل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -ﷺ- في تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥١ =","vol":"9","page":213},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: لعن رسول الله -ﷺ- مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء والمترجلات من النساء\" يعني اللاتي يتشبهن بالرجال في زيهم وهيئتهم فأما في العلم والرأي فمحمود ويقال امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال في الرأي والمعرفة ومنه أن عائشة كانت رجلة الرأي.\nلطيفة: من كتاب الأغاني (^١) عن ابن مسكين الدارمي قال: كان بالمدينة مخنث يقال له النغاشي، فقيل لمروان بن الحكم وهو يوم ذاك أمير المدينة إنه لا يقرأ القرآن ولا يحفظ شيئا منه فبعث إليه فأحضره، وقال: اقرأ أم الكتاب فقال: فوالله ما معي بناتها فكيف بالأم أو قال: ما اقرأ البنات فكيف أقرأ الأم، فقال: أتهزأ لا أم لك وأمر به فقتل في موضع يقال له كبا في بطحان ثم قال: من جاءني بمخنث فله عشرة دراهم فأتي من الجملة بطويس وهي في بني الحارث بن الخزرج من الجملة فنفاه من المدينة فنزل السويداء وهي على ليلتين من المدينة في طريق الشام فلم يزل بها عمره وعمر حتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك [وقيل: إنه نزل أيضا] بالعقيق وكان طويس طويلا أحول لا يضرب بالعود وإنما ينفر بالدف وكان ظريفا عالما بأمر\n_________\n= و٨/ ١٠٣: رواه أحمد، وفيه الطيب بن محمد؛ وثقه ابن حبان، وضعفه العقيلي، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١١٤) و(٥٢٥١) وضعيف الترغيب (١٢٥٨) و(١٨١٣).\n(^١) الأغانى (٣/ ٣٠ - ٣١).","vol":"9","page":214},{"text":"المدينة وأنساب أهلها وكان يتقى لسانه وسئل عن مولده فذكر أنه ولد يوم، قبض رسول الله -ﷺ- وفطم يوم مات أبو بكر الصديق وختن يوم مات عمر بن الخطاب وزوج يوم قتل عثمان وولد له يوم قتل علي -﵁- حتى ضرب بشؤمه المثل فقلي أشأم من طويس وهو الذي عناه الحريري في مقاماته وطويس لقب له غلب على اسمه، وإنما اسمه عيسى بن عبد الله، وكنيته أبو عبد المنعم وهو ملى بني مخزوم، أ. هـ، قاله في تاريخ كنز الدرر والله أعلم (^١).\nقوله: \"وراكب الفلاة وحده\" لأنه شيطان ورد الحديث بذلك (^٢) ولأنه قد يموت فلا يجد من يكفنه ولا من يغسله ولا من يصلي عليه ولا من يواريه التراب ولا من يوصي إليه (^٣) وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"إلا طيب بن محمد\" (يمامي، لا يكاد يعرف، وله ما ينكر قال أبو حاتم لا يعرف).\n\n٣١٤٣ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَرْبَعَة لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأمنت الْمَلَائِكَة رجل جعله الله ذكرا فأنث نَفسه وتشبه بِالنسَاء\n_________\n(^١) كنز الدرر (٤/ ٤٠٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٦٠٧)، والترمذي (١٦٧٤) والنسائي في الكبرى (٨٧٩٨) بلفظ: \"الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب\" عن عبد الله بن عمرو. وحسنه الألباني في الصحيحة (٦٢) صحيح أبي داود (رقم ١٢٤).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٦٠).","vol":"9","page":215},{"text":"وَامْرَأَة جعلهَا الله أُنْثَى فتذكرت وتشبهت بِالرِّجَالِ وَالَّذِي يضل الْأَعْمَى وَرجل حصور وَلم يَجْعَل الله حصورا إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عَليّ بن يزِيد الْأَلْهَانِي وَفِي الحَدِيث غرابة (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة رجل جعله الله ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال\" تقدم الكلام على ذلك في أحاديث الباب.\nقوله: \"والذي يضل الأعمى\" يعني عن الطريق.\nقوله: \"ورجل حصور\" الحديث، الحصور أصله من الحصر وهو الحبس سمي بذلك لأنه حبس عن الجماع ومنع وهو فعول بمعنى مفعول والحصور في قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن هو الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن وكذا كره الجوهري في صحاحه (^٢)، وقال سعيد بن المسيب الحصور هو العنين الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور كأنه ممنوع من النساء، وفيه قول آخر: أن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة واختار قوم هذا القول لوجهين أحدهما أن الكلام خرج\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٤ رقم ٧٨٢٧). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٠٣: رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٩) وغاية المرام (٨٨).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٦٣١)، والنهاية (١/ ٣٩٥)، ونقل هذه الأقوال عن البغوى في التفسير (١/ ٤٣٧).","vol":"9","page":216},{"text":"مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق والثناء، والثاني: أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام (^١)، أ. هـ قال بعض العلماء: وينبغي أن يحمل الحديث على من يترك ذلك رغبة عن الزواج وعن فعل السنة.\nقوله -ﷺ-: \"ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن زكريا ﵇\".\nسؤال: فإن قيل فما معنى الحصور الذي سمى الله يحيى به؟ فالجواب عنه: أن يقال الحصور هو المنزه عن الشهوات وقيل الحصور الذي لا يأتي النساء وقيل الحصور المعصوم بالعصمة لا بالمعجزة.\nسؤال: فإن قيل ما الحكمة في أن الله ﷿ سماه يحيى؟ فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه لما أحيى له رحم أمه بعد ما أيست من الولد فسمي بذلك يحيى، والثاني: أنه لما أراد أن تنقطع النبوءة من بيته فأحيا الله ﷿ بيته بإبدائه النبوة منه فلذلك سمى يحيى، والثالث: سمي يحيى لأن له حياتين حياة في حال حياته وحياة في حال مماته فحياته الأولى حياة الطاعة وحياته الثانية حياة الشهادة لأنه قتل شهيدا والشهيد حي في الحقيقة قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (^٢) الآية، وحياة الطاعة هي حياة الحقيقة قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (^٣) الآية، يعني وقفناه للطاعة وقيل سمي يحيى لأنه\n_________\n(^١) تفسير البغوي (١/ ٤٣٧).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.","vol":"9","page":217},{"text":"يحيى إذا كتب مقلوبا فيكون يحيى يعني إن كان أول عمره إلى آخره وآخر عمره إلى أوله على نسق واحد في العبارة (^١).\nسؤال آخر: فإن قيل: ما الحكمة في أن الله ﷿ ابتلاهما بالقتل فزكرياء قطع بالمنشار وابنه يحيى قطع رأسه؟ فالجواب عنه: أن الله ﷿ لما رضي عنها أراد أن يكرمهما بأرفع الدرجات بعد النبوة وهي الشهادة فأكرمهما بذلك ويقال ليرى الخلائق أنه ليس للدنيا عند الله خطر كما قال الحسن البصري: من هوان الدنيا أن يحيى بن زكريا الذي لم يعص ربه طرفة عين قتلته امرأة مفسدة ليعلم الخلائق أن لا خطر للدنيا وأحسن ما قيل في هذا: إن زكرياء ﵇ لما فر من قومه التجأ إلى الشجرة واختفى في وسطها فلما قطع بالمنشار دعا ربه فنودي لو التجأت إلينا دون الشجرة لم يسلط عليك من يقتلك فغذا التجأت للشجرة فكف عن صوتك (^٢)، أ. هـ ذكره هذه الأسئلة النعيمي.\nتنبيه: قال في مرآة الزمان (^٣): ذكر صاحب المنتظم (^٤) عن ابن عباس قال: أوحى الله تعالى إلى محمد -ﷺ- أني قتلت بيحيى بن زكرياء سبعين ألفا وإني قاتل بابن فاطمة سبعين ألفا وسبعين ألفا (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمرقندي (١/ ٢١٠)، وتفسير الخازن (١/ ٢٤٢)، واللباب (١٣/ ١٧).\n(^٢) مرآة الزمان (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩) و(٢/ ٣٠٤)، وكشف الأسرار (لوحة ٣٣).\n(^٣) مرآة الزمان (٨/ ٣٩٩).\n(^٤) المنتظم (٥/ ٣٤٦).\n(^٥) أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٣٨٧)، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد =","vol":"9","page":218},{"text":"تنبيه: زكرياء ﵇ فيه خمس لغات أشهرها زكرياء ﵇، الثانية: بالقصر وقرئ بهما في السبع، الثالثة والرابعة: زكرى وزكري بتشديد الياء وتخفيفها حكاهما ابن دريد وآخرون وحكاهما من المتأخرين ابن الجواليقي، والخامسة زكر كقلم حكاها أبو البقاء، قاله الجواليقي فمن مد قال في التثنية زكرياءان وفي الجمع زكرياءون، ومن قصر قال: زكريان وزكريون، ومن قال زكريان كمدنيان وزكريون كمدنيون، ومن خفف قال: زكران وزكرون، وأنه اسم أعجمي (^١).\nفائدة: ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله -ﷺ- قال: كان زكرياء نجارا (^٢).\nوهذه من الفضائل لقوله -ﷺ- في صحيح البخاري: \"أفضل ما أكل الرجل من عمل يده\" (^٣) قال أهل التاريخ: كان زكرياء من ذرية سليمان بن داود وقتل زكريا بعد قتل يحيى ابنه صلوات الله وسلامه عليهما.\n_________\n= (١/ ٤٧٢)، والحاكم (٣/ ١٧٨). وذكره الحافظ ابن كثير في البداية (٨/ ٢١٠)، وقال: هذا حديث غريب جدا. الحديث صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: على شرط مسلم. وقال في السير (٥/ ١٩٨): هَذَا حَدِيْثٌ نَظِيْفُ الإِسْنَادِ، مُنْكَرُ اللَّفْظِ. وَعَبْدُ الله: وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِيْنٍ، وَخَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ. وأعله ابن الشهيد بالتفرد علل مسلم (ص ١٤٤).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩ - ٢٣٧٩)، وابن ماجه (٢١٥٠) عن أبى هريرة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٧٢)، وابن ماجه (٢١٣٨) عن المقدام.","vol":"9","page":219},{"text":"٣١٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ أُتِي رَسُول الله -ﷺ- بمخنث قد خضب يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا بَال هَذَا قَالُوا يتشبه بِالنسَاء فَأمر بِهِ فنفي إِلَى النقيع فَقيل يَا رَسُول الله أَلا تقتله فَقَالَ إِنِّي نهيت عَن قتل الْمُصَلِّين رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ وَقَالَ أَبُو أُسَامَة والنقيع نَاحيَة من الْمَدِينَة وَلَيْسَ بِالبَقِيعِ يَعْنِي أَنه بالنُّون لَا بِالْبَاء قَالَ الْحَافِظ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي يسَار الْقرشِي عَن أبي هَاشم عَن أبي هُرَيْرَة (^١) وَفِي مَتنه نَكَارَة وَأَبُو يسَار هَذَا لَا أعرف اسْمه وَقد قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ لما سُئِلَ عَنهُ مَجْهُول وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ قد روى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث فَكيف يكون مَجْهُولا وَالله أعلم.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: أتي رسول الله -ﷺ- بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، الحديث، الحناء بكسر الحاء المهملة وتشديد النون وبالمد معروف، قيل: هو جمع معناه قال بعضهم: خضاب اليدين بالحناء مندوب إليه للنساء ليكون فرقا بين ألفهن وألف الرجال وهو حرام على الرجال من غير عذر ومن فعل ذلك كان متشبها بالنساء فهو داخل في الوعيد الوارد في المتشبهين بالنساء.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨) ومن طريقه البيهقي في الصغير (١/ ٢١٧ - ٢١٨ رقم ٥٥٩) والكبرى (٨/ ٣٩١ رقم ١٦٩٨٧)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٦٣)، وأبو يعلى الموصلي في (٦١٢٦)، والدارقطني (١٧٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٩١ رقم ١٦٩٨٧). قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٤٦١): وأبو هاشم هذا، هو ابن عم أبي هريرة، ولا تعرف حاله. وأبو يسار القرشي، زعم ابن أبي حاتم أنه روى عنه الأوزاعي، والليث، وسأل أباه عنه فقال: مجهول. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٤٨١/ التحقيق الثاني)، وقال في ضعيف الترغيب (١٢٦٠): منكر.","vol":"9","page":220},{"text":"قوله: فنفي إلى النقيع، الحديث، رواه أبو داود، قال: وقال أبو أسامة: والنقيع ناحية من المدينة وليس بالبقيع يعني أنه بالنون لا بالباء، فالنقيع في هذا الحديث بالنون وهو في صدر وادي العقيق على نحو عشرين ميلا من المدينة قاله الكمال الدميري (^١).\nتنبيه: من الصغائر خضاب الرجل يديه ورجليه بالحناء من غير ضرورة وهو حرام صرح بتحريمه النووي في شرح المهذب ولم يحك فيه خلافا واستدل على تحريمه بأن النبي -ﷺ- لعن المتشبهين من الرجال بالنساء (^٢).\nفرع: في حد الكبيرة، قال النووي في الروضة (^٣): في حد الكبيرة أوجه، أحدها: أنه المعصية الموجبة للحد، والثاني: أنه ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما وجد لهم، وهم إلى الترجيح الأول أميل لكن الثاني أوثق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، الثالث: كل فعل نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد من قتل أو غيره وترك فريضة تجب على الفور والكذب في الشهادة والرواية على ما ذكروا، أ. هـ.\nوروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب (^٤)، وقيل: هو كل ذنب أوعد الله عليه بالنار، قاله الحسن\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٥٩١).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وتنبيه الغافلين (ص ٣٤٩).\n(^٣) روضة الطالبين (١١/ ٢٢٢).\n(^٤) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٦٥٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤٦٠ - ٤٦١ رقم ٢٨٦).","vol":"9","page":221},{"text":"وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك في روايته (^١)، قال النووي في الروضة (^٢): وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن.\nوقال القرطبي في تفسيره (^٣): كل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة، وأما الكبائر فالخلاف في حصرها منتشر جدا وهي مشتملة على كبيرة وأكبر منها، ومن ارتكب كبيرة واحدة فسق وردت شهادته ولا تقبل إلا بعد التوبة ومضي سنة والله أعلم.\nتنبيه: في ذكر الصغائر: واعلم أن الذنوب صغائر وكبائر وأنه كما يجب اجتناب الكبائر والموبقات كذلك يجب اجتناب الصغائر والمحقرات فالصغائر تكفر باجتناب الكبائر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^٤) الآية، والصغائر تكون محرمة وتكون مكروهة وكل فعل نهى عنه رسول الله -ﷺ- فهو دائر بين الكراهة والتحريم وهو الأغلب وقد خص قوم الصغائر بالمحرمات وهو الأكثر والذي يسكن إلى القلب أن كل من أتى فعلا نهى عنه رسول الله -ﷺ- فقد أتى معصية فإن اقترن بنهيه لعن أو وعيد شديد فهو كبير وتقدم وإلا فهو صغير.\n_________\n(^١) أسندها الطبري في التفسير (٦/ ٦٥٣).\n(^٢) هذا كلام النووي في شرحه على مسلم (٢/ ٨٦).\n(^٣) تفسير القرطبي (٥/ ١٦٠ - ١٦١).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٣١.","vol":"9","page":222},{"text":"واعلم أن الصغائر لا مطمع في حصرها فمنها العبث في الصلاة، وقيل: أنه حرام وصوب النووي أنه من المكروهات.\nومنها الضحك في الصلاة ومذهب أبي حنيفة أن القهقهة في الصلاة تبطل الوضوء ومنها النظر إلى الأجنبية بشهوة وبغيرها وسواء في ذلك وجهها وكفاها وسائر بدنها وإن أمن الفتنة على الصحيح.\nومنها: الإشراف على بيوت الناس من غير إذن، ومنها: استماع الغيبة والسكون عن إنكارها مع الاستطاعة وذلك حرام، وقد عده بعضهم من الكبائر وليس ببعيد لأنه ترك النهي عن المنكر مع القدرة، وقد جاء في الحديث أن المغتاب والمستمع شريكان. ومنها البيع يوم الجمعة بعد الآذان الثاني إذا تأخر بسببه لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (^١) الآية، قال النووي (^٢) وغيره: البيع من الصنائع والعقود في معنى البيع.\nومنها عدم إتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب منهما ويترجح أن يكون ذلك من الكبائر لأن الوعيد فيه شديد جدا.\nومنها: من رأى مسيئا في صلاته وسكت عنه فهو شريكه.\nومنها: التغوط والبول مستقبل القبلة ومستدبرها في الصحراء وذلك حرام عند الشافعي رحمه الله تعالى.\nومنها: بيع العبد المسلم لكافر.\n_________\n(^١) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(^٢) المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٠٠).","vol":"9","page":223},{"text":"ومنها: بيع المصحف له وكذا سائر كتب العلم الشرعي.\nومنها: النظر بالعين إلى ما لا يجوز.\nومنها الضحك عند خروج الريح من الإنسان.\nومنها: كثرة الخصومة بغير حق.\nومنها: الجلوس مع الفساق.\nومنها: معاشرة الأجنبية من غير جماع.\nومنها: مسافرة المرأة بغير زوج أو محرم.\nومنها: الكذب لا حد فيه ولا ضرر.\nومنها: حلوان الكاهن وهو ما يعطاه على كهانته وقد نقل البغوي (^١) والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريمه لنهيه -ﷺ-.\nقال النووي (^٢): وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء والنائحة للنوح.\nومنها: خضاب الرجل والمرأة شعرهما بالسواد وهو حرام على الأصح المختار، قلت: وممن صرح بتحريمه أقضى القضاة الماوردي في الحاوي في باب النجاسة، قال (^٣): إلا أن يكون في الجهاد قال: وقد ورد فيه وعيد شديد\n_________\n(^١) شرح السنة (٨/ ٢٣) وشرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٣١) ونقله أيضا ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٣٩٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٣١).\n(^٣) الحاوى (٢/ ٢٥٧).","vol":"9","page":224},{"text":"يقتضي أن يكون من الكبائر للأحاديث الواردة، وخرج الطبراني والحاكم من حديث ابن عمر أن النبي -ﷺ- نهى عن الخضاب بالسواد، وفي رواية لهما: الخضاب بالسواد خضاب الكفار (^١).\nومنها: خضاب الرجل يديه بالحناء من غير ضرورة وهو حرام صرح بتحريمه النووي (^٢) في شرح المهذب، ولم يحك فيه خلافا وتقدم واستدل على تحريمه بأن النبي -ﷺ- لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وهذا يقتضي أن يكون من الكبائر لتشبهه بالنساء.\nوتصير الصغيرة كبيرة بأمور أربعة، منها: الإصرار على الذنب ويتحقق الإصرار بالإدمان وضابط الإدمان أن يأتي عليه وقت صلاة وهو مصر عليه، ومنها: استصغار العبد للمعصية لأن الذنب كلما استعظمه العبد صغره عفو الله تعالى وكلما استصغره العبد عظمه جلال الله تعالى لأن استعظام المعصية يشعر فشهود القلب شيئا من عظمة الله وجلاله وكبريائه ويدل على شؤم وكراهة في القلب واستصغار المعصية يدل على قلة المبالات بمن عصاه وعدم الاكتراث بشهوده ومخالفته، وقال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر قول العبد ليت كل شيء عملته مثل هذا وقيل أوحى الله تعالى إلى بعض\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٣٢٢ رقم ١٤١١٩)، والحاكم (٣/ ٥٢٦) بلفظ: \"الصفرة خضاب المؤمن، والحمرة خضاب المسلم، والسواد خضاب الكافر\". وقال الذهبي منكر. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٧٩٩).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"9","page":225},{"text":"أوليائه: لا تنظر إلى قلة الهدية (وانظر لعظم مهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة، وانظر إلى كبرياء من واجهته بها).\nومنها السرور بالمعصية والفرح بارتكابها مثل أن يقول ظفرت بفلانة البارحة بعد طول امتناعها وتعززها فعانقتها وقبلتها على رغم أنف الحسود وخاصمني فلان فأظهرت مساوئه وفضحته على رءوس الأشهاد وجلس فلان في صدر الحلقة فأقمته منها وجلست مكانه وأغضبتني فلانة فطلقتها ثلاثا ولم التفت إلى حيضها وكان فلان يخطب فلانة وأجابوه فلما خطبتها أعرضوا عنه ورغبوا إلي وخزنت في سنة كذا وكذا غلة وكان بالغلاء فكسبت فيها كذا ولاقيت الركب إلى المكان الفلاني فاشتريت منه بكذا وبعته بكذا ونحو هذا الكلام فبمثل هذا تصير الصغيرة كبيرة ومثل هذا جدير أن يكون من الأخسرين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.\nومنه أن يستر الله عليه ذنبا فيصبح يذكره عند غيره وذلك جناية على ستر الله الذي أسدله عليه وتحريكا لرغبة الشر بمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله فهما جنايتان انضمتا إلى جناية تغلظت بهما فإن إنضاف إلى ذلك ترغيب السامع في تلك المعصية وتحسينها له ومدحها عنده صارت جناية رابعة وتفاحش الذنب أ. هـ.\nومنها: أن يكون المذنب عالما يقتدي به من نظره فإن عليه إثمه وإثم من اقتدي به إلى يمم القيامة لقوله -ﷺ-: \"من سن في الإسلام سنة سيئة\" الحديث (^١).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (٣١٠ - ٣٦٥) باختصار.","vol":"9","page":226},{"text":"فائدة: المكفرات للذنوب خمسة الاستغفار والحسنات والمصائب وعفو الله ومغفرته والنار.\n\n٣١٤٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة الْعَاق لوَالِديهِ والديوث ورجلة النِّسَاء رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَزَّار فِي حَدِيث يَأْتِي فِي العقوق إِن شَاءَ الله وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد الديوث بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت هُوَ الَّذِي يعلم الْفَاحِشَة فِي أَهله ويقرهم عَلَيْهَا (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والديوث ورجلة النساء\" هذا الحديث فيه تأويلان كما سبق في نظائره والعقوق وسيأتي الكلام عليه في بابه، والديوث قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: بفتح الدال وتشديد الياء المثناة تحت، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البزار زوائده (٦٠٥٠ و٦٠٥١)، والنسائي في الكبرى (٢٣٥٤)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٥٩) و(٥/ ٨٦١ - ٨٦٢)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٥٠٥)، والخرائطى في المساوئ (٤١١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧٢)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٣٨١ - ٣٨٢ رقم ٢١٠٢٥)، والضياء في المختارة ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨ (١٩٨). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ١٨٥): هذا حديث حسن. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٤٨: رواه البزار بإسنادين ورجالهما ثقات. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٠٧٠)، والصحيحة (١٣٩٧)، وحجاب المرأة المسلمة (٦٧).","vol":"9","page":227},{"text":"ولم يتعرض للتاء هل هي بالمثناة أو بالثاء المثلثة فسألت شيخي الشيخ الإمام المحرر شيخ شمس الدين النواجي (^١) عن ذلك فكشف [عليها] من كتبه فقال: بالثاء المثلثة واكتب فوقها صح فهو كذلك في نسخته التي قرأتها عليه ﵀ وسامحه فلم أر أحدا يحرر الألفاظ كتحريره والديوث هو الذي يعلم الفاحشة في أهله ويفرقهم عليها، أ. هـ.\nوقال في النهاية (^٢): الديوث هو الذي لا يغار على أهله. وقيل هو سرياني معرب، ويقال أيضا القنذع بضم القاف والذال المعجمة هو الذي لا غيرة له قاله في الصحاح (^٣)، ورجلة النساء هي المترجلة يقال امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال في زيهم وهيأتهم، فأما في العلم والرأي فمحمود ومنه أن عائشة -﵂- كانت رجلة الرأي وتقدم.\n_________\n(^١) محمد بن حسن بن علي بن عثمان النواجي، شمس الدين: عالم بالأدب، نقاد، له شعر. من أهل مصر. مولده ووفاته في القاهرة. نسبته إلى نواج (من غربية مصر) رحل إلى الحجاز حاجا، وطاف بعض البلدان. وهو صاحب (حلبة الكميت - ط) في الخمر والندماء وما يتعلق بهما. وله كتب كثيرة، منها (مراتع الغزلان في الحسان من الغلمان - خ) و(خلع العذار في وصف العذار- خ) و(التذكرة - خ) و(نزهة الألباب -خ) و(تحفة الأديب -خ) و(الشفاء في بديع الاكتفاء - ط) و(الصبوح والغبوق - خ) و(روضة المجالسة - خ) و(الحجة في سرقات ابن حجة - خ) و(ديوان شعر - خ) و(المطالع الشمسية في المدائح النبويّة - خ) في دمشق، و(تأهيل الغريب - ط) رأيت نسخة منه في مكتبة الليثي بمركز الصف بمصر، كتبت سنة ٨٩٢ هـ. (٧٨٨ - ٨٥٩ هـ).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٤٧).\n(^٣) الصحاح (١/ ٢٨٢).","vol":"9","page":228},{"text":"٣١٤٦ - وَعَن عمار بن يَاسر -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة أبدا الديوث والرجلة من النِّسَاء ومدمن الْخمر قَالُوا يَا رَسُول الله أما مدمن الْخمر فقد عَرفْنَاهُ فَمَا الديوث قَالَ الَّذِي لَا يُبَالِي من دخل على أَهله قُلْنَا فَمَا الرجلة من النِّسَاء قَالَ الَّتِي تشبه بِالرِّجَالِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته لَيْسَ فيهم مَجْرُوح (^١).\nقوله: وعن عمار بن ياسر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا\" الحديث، تقدم الكلام على الديوث وعلى رجلة النساء، وأما مدمن الخمر فيسأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه السرقسطي في الدلائل (١/ ٢٣٨)، والطبراني كما في جامع المسانيد (٦/ ٣٤٢ رقم ٧٨٥١) وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٢٠٩)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٢٦١ - ٢٦٢ رقم ١٠٣١٠) من طريق عمرو بن جارية، عن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه، عن جده. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٧: رواه الطبراني، وفيه مساتير وليس فيهم من قيل إنه ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٧١) و(٢٣٦٧).","vol":"9","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>[الترغيب في ترك الترفع في اللباس تواضعا واقتداء بأشرف الخلق محمد -ﷺ- وأصحابه والترهيب من لباس الشهرة والفخر والمباهاة]</span>\n٣١٤٧ - عَن معَاذ بن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من ترك اللبَاس تواضعا لله وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ دَعَاهُ الله يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الْخَلائق حَتَّى يخيره من أَي حلل الْإِيمَان شَاءَ يلبسهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالْحَاكِم فِي موضِعين من الْمُسْتَدْرك وَقَالَ فِي أَحدهمَا صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ روياه من طَرِيق أبي مَرْحُوم وَهُوَ عبد الرَّحِيم بن مَيْمُون عَن سهل بن معَاذ وَيَأْتِي الْكَلام عَلَيْهِمَا (^١).\nقوله: عن معاذ بن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها [ومعنى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٩ (١٥٨٧١) والزهد (٢٠٩)، والترمذي (٢٤٨١)، والحارث (٥٦٧) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٧ - ٤٨)، وأبو يعلى (١٤٨٤) و(١٤٩٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٨٠ رقم ٣٨٦ و٣٨٧ و٣٨٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦١) و(٤/ ١٨٣ - ١٨٤)، والبيهقي في الآداب (٤٩٠) والكبرى (٣/ ٣٨٦ رقم ٦١٠١) والشعب (٨/ ٢٣٠ رقم ٥٧٤٠) و(٨/ ٢٣٠ - ٢٣١ رقم ٥٧٤١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الحاكم في الموضعين ووافقه الذهبي في الموضع الثاني. وحسنه الألباني في الصحيحة (٧١٨) وصحيح الترغيب (٢٠٧٢).","vol":"9","page":230},{"text":"قوله حلل الإيمان: يعني ما يُعطى أهل الإيمان من حلل الجنة].\nقوله: [قال الحافظ: روياه من طريق أبي مرحوم وهو عبد الرحيم بن ميمون عن سهل].\n\n٣١٤٨ - وَعَن رجل من أَبنَاء رَسُول الله -ﷺ- عَن أَبِيه -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ترك لبس ثوب جمال وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ قَالَ بشر أَحْسبهُ قَالَ تواضعا كَسَاه الله حلل الْكَرَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث وَلم يسم ابْن الصَّحَابِيّ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق زبان بن فائد عَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه بِزِيَادَة (^١).\nقوله: وعن رجل من أبناء أصحاب رسول الله -ﷺ- عن أبيه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه\" قال بشر: أحسبه قال: تواضعا: \"كساه الله حلل الكرامة\" الحديث، يعني يوم القيامة، روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لبس قميصا اشتراه بثلاثة دراهم ثم قطع كمه من رؤوس أصابعه (^٢) وحكي عن الجريري (^٣) قال: كان في جامع بغداد\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٧٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٣٧)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٥٣٧ رقم ٧٩٥١). وأخرجه الخرائطي في المساوئ (٣٢٦) من طريق داود بن قيس، عن عبد الجليل الفلسطيني، عن عمه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٧٣).\n(^٢) أخرجه الدينورى في المجالسة (٢٦٨) عن ابن عباس.\n(^٣) أحمد بن محمد الحسين الجريري -يضم الجيم- نسبة إلى جرير بن عباد، أخي الحارث بن عباد، من بنى بكر بن وائل؛ يكنى أبا محمد. من كبار أصحاب الجنيد، وخلفه في مكانه؛ وصحب سهل بن عبد الله التستري.","vol":"9","page":231},{"text":"رجل لا يكاد تجده إلا في ثوب واحد في الشتاء والصيق فسئل عن ذلك فقال: قد كنت ولعت بكثرة لبس الثياب فرأيت ليلة فيما يرى النائم كأني دخلت الجنة فرأيت جماعة من أصحابنا من الفقراء على مائدة فأردت أن أجلس معهم فإذا جماعة من الملائكة أخذوا بيدي وأقاموني وقالوا لي هؤلاء ثوب واحد وأنت لك قميصان فلا تجلس فانتبهت ونذرت أن لا ألبس إلا ثوبا واحدا إلى أن ألقى الله تعالى (^١).\nقوله: ورواه البيهقي من طريق زبان بن فائد.\n\n٣١٤٩ - وَعَن أبي أُمَامَة بن ثَعْلَبَة الْأنْصَارِيّ واسْمه إِيَاس -﵁- قَالَ ذكر أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- يَوْمًا عِنْده الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا تَسْمَعُونَ أَلا تَسْمَعُونَ إِن البذاذة من الْإِيمَان إِن البذاذة من الْإِيمَان يَعْني التقحل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَقد تكلم أَبُو عمر النمري فِي هَذَا الحَدِيث البذاذة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وذالين معجمتين هِيَ التَّوَاضُع فِي اللبَاس برثاثة الْهَيْئَة وَترك الزِّينَة وَالرِّضَا بالدون من الثِّيَاب (^٢).\n_________\n(^١) طبقات الأولياء (ص ٧٣ - ٧٤) لابن الملقن.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٤٦٣ (٢٤٤١٢) والزهد (٢٩)، وابن ماجه (٤١١٨)، وأبو داود (٤١٦١)، وابن أبى الدنيا في التواضع (١٢٨)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٢٠٠٢)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٤٨٤) و(٤٨٦) و(٤٨٧) و(٤٨٨)، والروياني (١٢٧٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٥٣١) و(٣٠٣٦)، والطبراني (١/ ٢٧١ رقم ٧٨٨) و(١/ ٢٧٢ رقم ٧٨٩ و٧٩٠ و٧٩١) والحاكم في المستدرك (١/ ٩)، والبيهقي في الآداب (٢٠٠) والشعب (٨/ ٢٤٤ رقم ٥٧٦٢) و(٨/ ٤٣١ - ٤٣٢ =","vol":"9","page":232},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري واسمه إياس -﵁- وقيل: عبد الله بن ثعلبة ويقال ثعلبة بن عبد الله البلوي الأنصاري له صحبة وهو ابن أخت أبي بردة روى له الجماعة سوى البخاري له في الكتب الستة عند أبي داود والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"ألا تسمعون ألا تسمعون إن البذاذة من الإيمان\" يعني التقحل، أ. هـ.\nقوله: \"إن البذاذة من الإيمان\" قال الحافظ: البذاذة وفسرها فقال: هو التواضع في اللباس برثاثة الهيئة وترك الزينة والرضة بالدون من الثياب، أ. هـ.\nفقوله: \"البذاذة من الإيمان\" أي: خلوقة الثوب يعني ترك الزينة واختيار الفقر بلبس الخلق من الثياب من كمال الإيمان والإيمان هو الباعث عليه (^١)، أ. هـ أراد التواضع في اللباس وترك التبجح به من الإيمان، قال أهل اللغة المتقحل هو الرجل اللابس الجلد من خشونة العيش وترك الترفه فالمراد بالتفحل الفحولة وهي ضد الأنوثة وهو ترك التزين لأن التزين والتصنع في الزي من شأن الإناث (^٢)، وقال ابن الأثير (^٣): البذاذة هي رثاثة الهيئة وترك فاخر الثياب أراد -ﷺ-: التواضع في اللباس وترك التبجح والتفحل.\n_________\n= رقم ٦٠٥١) و(١٠/ ٤٥١ - ٤٥٢ رقم ٧٧٨٤) و(١٠/ ٤٥٢ رقم ٧٧٨٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٤١) وصحيح الترغيب (٢٠٧٤)، وتخريج الإيمان لابن سلام (٢٥).\n(^١) المفاتيح في شرح المصابيح (٥/ ١٨).\n(^٢) تاج العروس (٣٠/ ١٥٣).\n(^٣) النهاية (١/ ١١٠).","vol":"9","page":233},{"text":"وذكر أبو داود في حديث عبد الله بن بريدة عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- أن النبي -ﷺ- كان ينهي عن كثير من الإرفاه (^١).\nقال الخطابي (^٢): معنى الإرفاة الاستكثار من الزينة وأن لا يزال يهييء نفسه وأصله من الرفة وهو أن ترد الإبل الماء كل يوم فإذا وردت يوما ولم ترد يوما فذلك الغب وقد أغبت فهي مغبة، كره رسول الله -ﷺ- الإفراط في التنعم والتدلك والدهن والترجيل في نحو ذلك من أمر الرأس وأمر بالقصد في ذلك وليس معناه ترك الطهارة والتنظف فإن الطهارة والنظافة من الدين أ. هـ.\nففيه مدح البذاذة والتعريض بأن الترفه مجانبة للإيمان وهو كذلك فطوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد يوم لم يره (^٣).\nفائدة: فأما البذاذة في اللباس ولبس الدون فهو سيما الزاهدين، فإن قال قائل: هذا لباس الزاهدين ولسنا منهم فنقول له إن لم تكن زاهدا فكن متبعا إن كنت مؤمنا قال تعالى إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله الآية وقال -ﷺ- لا يؤمن أحدكم حتى يكن هواه تبعا لما جئت به (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٦٠) والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٢ (٥١٠٢) و٨/ ١٧٤ (٥٢٨٣) والكبرى (٩٢٦٧) و(٩٢٦٨)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٤٣٠ - ٤٣١، ٦٠٤٩) و(٨/ ٤٣١ رقم ٦٠٥٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٥٠٢).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٢٠٨).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٣٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (١٥)، والنسوى في الأربعون (٨) ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٠٤)، وأبو الطاهر السلفى في معجم السفر (١٢٦٥) والأربعون البلدانية (٤٠/ ص ١٧٧)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٥٣٠)، والبيهقي في المدخل =","vol":"9","page":234},{"text":"فإن كنت متبعا للنبي -ﷺ- الذي أوجب الله علينا اتباعه فالبس ما وجدت كما كان النبي -ﷺ- يلبس ما وجد فقد كان -ﷺ- يلبس الغالي مرة والدون مرة والواسع مرة والضيق مرة والصوت مرة والشعر مرة ولا يتوقف في شيء.\n\n٣١٥٠ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله ﷿ يحب المتبذل الَّذِي لَا يُبَالِي مَا لبس رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\nوروي البيهقي عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إن الله يحب المبتذل الذي لا يبالي ما لبس\" فهكذا فكن وإن كان علمك لم يهدك إلى هذا القدر فنعوذ بالله من علم لا ينفع.\n_________\n= (٢٠٩)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٩٨٩) من طرق عن نعيم بن حماد، عن عبد الوهاب، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه ابن أبى عاصم في السنة (١٥)، وابن بطة في الإبانة (٢٧٩) من طريق محمد بن مسلم بن وارة، عن نعيم بن حماد، عن عبد الوهاب الثقفي، قال: ثنا بعض مشيختنا، هشام أو غيره، عن محمد بن سيرين. وقد صحح الحديث النووي في الأربعون النووية (ص ١٠٧) وعلق عليه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٣/ ١١٤٥) قال: تصحيحُ هذا الحديث بعيدٌ جدًا من وجوه، ذكرها فأجاد ﵀. وضعفه الألباني في المشكاة (١٦٧).\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٦ رقم ٥٧٦٤ و٥٧٦٥). وقال الدارقطني في العلل (١٦٠٧): حدث به ابن أخي ابن وهب، عن عمه، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن يعقوب بن عتبة، ولا يصح فيه الزهري. وغيره يرويه من حديث عقيل، عن يعقوب، ولا يذكر فيه الزهري. والصحيح أنه موقوف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٣٢٤)، وضعيف الترغيب (١٢٦١).","vol":"9","page":235},{"text":"لطيفة: قد حكى عن شيخ الإسلام قاضي القضاة عز الدين بن عبد السلام ﵀ أنه كان يلبس ما وجد حتى ربما خرج وعلى رأسه كلوثة الجند وحضر الدرس وهي عليه وربما لبس قباء ونحوه مع أن هيبته في قلوب الأمراء والسلاطين مشهورة وسطوته عليهم بالحق مشهودة وخضوعهم لكلمته وانقيادهم لأمره لا ينكر ولقد سأله سائل وهو في الطريق فقطع نصف عمامته ودفعها له ثم مر فسأله آخر فأعطاه النصف الآخر، فقال له بعض من معه خذ عمامتي فأبى عليه فقال له يا سيدى تمشي هكذا بين الناس مكشوف الرأس فلم يرد عليه جوابا ومشى لسبيله وشق الطريق من باب زويلة إلى بين القصرين والناس يتزاحمون عليه ويتبركون به ويستفتونه والله أعلم (^١).\n\n٣١٥١ - وَعَن أبي بردة -﵁- قَالَ دخلت على عَاثِشَة -﵂- فأخرجت إِلَيْنَا كسَاء ملبدا من الَّتِي تسمونها الملبدة إزارا عَظِيما مِمَّا يصنع بِالْيمن وَأَقْسَمت بِاللّه لقد قبض رَسُول الله -ﷺ- فِي هذَيْن الثَّوْبَيْنِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أخصر مِنْهُ الملبد المرقع وَقيل غير ذَلِك (^٢).\nقوله: وعن أبي بردة -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٥٠٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٣٢ (٢٤٦٧١) و٦/ ١٣١ (٢٥٦٣٧)، والبخاري (٣١٠٨)، ومسلم (٣٤ و٣٥ - ٢٠٨٠)، وأبو داود (٤٠٣٦)، والترمذي (١٧٣٣) والشمائل (١١٢)، وابن ماجه (٣٥٥١)، وابن حبان (٦٦٢٣) و(٦٦٢٤).","vol":"9","page":236},{"text":"قوله: \"قال دخلت على عائشة -﵂- فأخرجت إلينا كساء ملبدا من التي تسمونها الملبدة إزارا عظيما مما يصنع باليمن\" الحديث الملبد المرقع وقيل غير ذلك قاله المنذري وقال بعض العلماء: الملبد بفتح الباء هو المرقع ومنه قيل للرقعة التي يرقع بها قب القميص اللبدة وقيل خطب عمر وهو خليفة وعليه إزار وعليه اثنا عشر رقعة وقيل لما مات أبو الدرداء وجدوا في ثوبه أربعين رقعة يقال لبدت القميص ألبده بالتخفيف ولبدته ألبده بالتشديد وقيل هو الذي (ثخن) وسطه حتى صار كاللبد والله أعلم (^١).\nقولها -﵂-: \"وأقسمت بالله لقد قبض رسول الله -ﷺ- في هذين الثوبين\" القسم هو الحلف بالله تعالى.\n\n٣١٥٢ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر -﵄- قَالَ توفّي رَسُول الله -ﷺ- وَإِن نمرة من صوف تنسج لَهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٢).\nقوله: وروي عن عبد الله بن عمر -﵄- تقدم.\nقوله: \"توفي رسول الله -ﷺ- وإن نمرة من صوف تنسج له\" الحديث، قال العلماء النمرة شملة من صوف تلبسها الأعراب (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٢٤)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٥٧)، وشرح المشكاة (٩/ ٢٨٩٠ - ٢٨٩١) للطيبي.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٨/ ٢٣٩ رقم ٥٧٥٤). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٨٧) وصحيح الترغيب (٢٠٧٦).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٧/ ١٢٤) و(١٥/ ١٢٩).","vol":"9","page":237},{"text":"٣١٥٣ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- أكل خشنا وَلبس خشنا لبس الصُّوف واحتذى المخصوف قيل لِلْحسنِ مَا الخشن قَالَ غليظ الشّعير مَا كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يسيغه إِلَّا بجرعة من مَاء رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ كِلَاهُمَا من رِوَايَة يُوسُف بن أبي كثير عَن نوح بن ذكْوَان وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ يُوسُف لَا يعرف ونوح بن ذكْوَان قَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِشَيْء (^١).\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- أكل خشنا ولبس خشنا\" قيل للحسن ما الخشن قال: غليظ الشعير إلى أخره.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٤٨) و(٣٥٥٦)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٤٧)، وابن عدى في الكامل (٨/ ٢٩٩)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٣٢٤)، والدارقطني في الأفراد (٣٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٦). قال ابن عدى: ونوح بن ذكوان يروي عنه يوسف بن أبي كثير، وعن يوسف يرويه بقية، وهذه الأحاديث عن الحسن عن أَنَس ليست بمحفوظة.\nوقال الدارقطني: هذا حديث غريب من حديث الحسن البصري، عن أنس بن مالك، تفرد به نوح بن ذكوان، ولم يروه عنه غير يوسف بن أبي كثير، تفرد به بقية بن الوليد عنه. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: لم يصح، فيه نوح بن ذكوان، واه، ويوسف بن أبي كثير مجهول.\nوقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٢٩ - ٣٠: هذا إسناد ضعيف نوح بن ذكوان متفق على ضعفه الحاكم أبو عبد الله يروي عن الحسن كل معضلة رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٦٢) و(١٩١٤).","vol":"9","page":238},{"text":"قوله: \"لبس الصوف\" وقال ابن الجوزي (^١): من الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي -ﷺ- لبس الصوف (وبما روى) في فضيلة لبس الصوف فأما (لبس) رسول الله -ﷺ- الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات ولم يكن لبسه شهوة عند العرب ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين إما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك لأنه لا يشتهر به وإما أن يكون مترفا لم يتعوده فلا ينبغي له لبسه لوجهين أحدهما: أنه يحمل بذلك نفسه على ما لا تطيق ولا يجوز له ذلك والثاني أنه يجمع لبسه بين الشهرة وإظهار الزهد وقد جاء في حديث عن عباد بن كثير عن أنس قال: قال رسول الله \"من لبس الصوف لتعرفه الناس كان حقا على الله تعالى أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه\" (^٢) وفي الحديث أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال قال: رسول الله -ﷺ-: \"إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف (رياء) \" (^٣) وأخبرنا عن عبد الوهاب بن المبارك الحافظ فذكره إلى أن قال: حدثنا أحمد بن سعيد قال: سمعت\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (ص ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٢) أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص ١٧٤) من طريق عباد بن العوام عن عباد بن كثير عن أنس. وقال الألباني في الضعيفة (٦٩٢١): موضوع.\n(^٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٦)، والشجري في الأمالى (٢/ ٣٠٩)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٨١٨)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص ١٧٤ - ١٧٥).\nوقال ابن حبان: أبو حكيم الأزدي شيخ يروي المناكير عن أقوام ضعاف ويأتي عن الثقات بما لا يتابع عليه وعباد قد تبرأنا من عهدته. وقال الألباني في الضعيفة (٢٢٥٩): باطل.","vol":"9","page":239},{"text":"النضر بن شميل يقول قلت لبعض الصوفية تبيع جبتك الصوف فقال إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد (^١).\nقال (أبو) جعفر بن جرير الطبري (^٢): ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والطتان مع وجود السبيل إليه من جله ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء.\nقال أبو الفرج بن الجوزي (^٣): وكان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد ولقاء الإخوان ولم يكن يتخير الأجود عندهم قبيحا ا. هـ قاله في تلبيس إبليس.\nقوله: \"واحتذى المخصوف\" الحديث أما احتذاء المخصوف وهو النعل الذي يجعل بعض جلوده فوق بعض ويخصف فإنه لباس أهل التواضع روى الزمخشري في الفائق وغيره (^٤) عن زياد بن علاقة قال: كان بين رجل منا ورجل من الأنصار شيء فشجه فأتى النبي -ﷺ- فقال:\n_________\n(^١) المجالسة (١٨٥٦) للدينوري وعنه الضراب في ذم الرياء (٦٥).\n(^٢) ذكره ابن بطال في شرح الصحيح (٧/ ١٦٩) ولم ينسبه لابن جرير ونسبه ابن الجوزى في تلبيس إبليس (ص ١٧٨) له.\n(^٣) تلبيس إبليس (ص ١٧٨).\n(^٤) الفائق (٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، والمجموع المغيث (٣/ ٣١٩) وغريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ١٨٣)، والنهاية (٣/ ٤٢٦ و٥/ ٨٣ و٥/ ١٣٥) لابن الأثير.","vol":"9","page":240},{"text":"يا خير من يمشي بنعل فرد ... أوهبه لنهدة ونهد\nلا يسبين سلبي وجلدي\nفقال: رسول الله -ﷺ-: \"لا\" (^١) أراد الفرد السمط وهي التي لم تخصف والعرب تتمدح برقة النعال وإنما ينتعل السبتية الرقاق (الأسماط) ملوكهم وسادتهم فكأنه قال: يا خير الأكابر وإنما لم يقل فردة لأنه أراد بالنعل السبت كما تقول فلان يلبس الحضرمي الملسن فتذكر.\nوقوله: أوهبه إما أن يكون بدلا من المنادى أو منادي ثانيا وحذف حرفه.\nوالنهد في نعت الخيل الجسيم المشرف والنهدة الأنثى وهو نهد إذا نهض (^٢) ا. هـ.\nوقال بعضهم أيضا: المخصوف بالخاء والصاد المهملة والمخصوف المنسوج من الخوص والخصف ضم الشيء إلى الشيء ويخصف نعله أي يطبق طاقة على طاقة وأصل الخصف الضم والجمع كما تقدم ومنه قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (^٣) أي يطبقان ورقة ورقة على بدنهما وقيل يخصفان أي يلزفان بعضه على بعض لستر عورتهما قاله الكرماني (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الخطابي في غريب الحديث (١/ ٦٦٩) حدثناه جعفر بن نصير الخلدي نا الحضرمي نا ابن نمير نا ابن إدريس سمعت مسعرا يذكره عن زياد بن علاقة. قلت هو مرسل حسن.\n(^٢) الفائق في غريب اللغة (٣/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٢.\n(^٤) الكواكب الدرارى (١٣/ ٢٢٤) و(١٧/ ١١٣).","vol":"9","page":241},{"text":"قوله: في الحديث الأخر أن رسول الله -ﷺ- كان يخصف نعله أي يحرزهما طاقة على أخرى من الخصف وهو الضم والجمع.\nقوله: ما كان (النبي -ﷺ- يسيغه إلا بجرعة من ماء) (يسيغه أى يجيزه ويبتلعه).\n\n٣١٥٤ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ كَانَ على مُوسَى يَوْم كلمه ربه كسَاء صوف وجبة صوف وكمة صوف وَسَرَاويل صوف وَكانَت نعلاه من جلد حمَار ميت رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا عَن حميد الْأَعْرَج عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن ابْن مَسْعُود وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ قَالَ الْحَافِظ توهم الْحَاكِم أَن حميدا الْأَعْرَج هَذَا هُوَ حميد بن قيس الْمَكِّيّ وَإِنَّمَا هُوَ حميد بن عَليّ وَقيل ابْن عمار أحد المتروكين وَالله أعلم الكمة بِضَم الْكَاف وَتَشْديد الْمِيم القلنسوة الصَّغِيرَة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٩٦٠)، والترمذي (١٧٣٤)، وابن عرفة في جزئه (٣٩)، والبزار (٢٠٣١)، وأبو يعلى (٤٩٨٣)، والآجرى (٦٨٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٦٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٦٢) وابن عدى في الكامل (٣/ ٧٤)، والحاكم (١/ ٢٨) و(٢/ ٣٧٩).\nقال الترمذي بعد أن أخرجه: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج، وحميد هو ابن علي الكوفي، قال: سمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: حميد بن علي الأعرج منكر الحديث، وحميد بن قيس الأعرج المكي صاحب مجاهد ثقة\".\nوقال البزار: \"وهذا الحديث لا نعلمه يروى عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إلا بهذا الإسناد، ولا =","vol":"9","page":242},{"text":"٣١٥٥ - وعن أبي الأَحْوَصِ عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ -﵁- قال: كانتِ الأنبياءُ يسْتَحِبُّونَ أنْ يلبَسوا الصوفَ، ويَحْتَلِبوا الغَنَم، ويَرْكبوا الحُمُرَرواه الحاكم موقوفًا، وقال: صحيح على شرطهما (^١).\nوعن ابن مسعود -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: وعن أبي الأحوص عن عبد الله أبو الأحوص بالحاء وبالصاد المهملتين واسمه عوف بن مالك (^٢). قوله كانت الأنبياء يستحبون أن يلبسوا الصوف ويحتلبوا الغنم ويركبون الحمر وكان للنبي -ﷺ- حمارًا اسمه عفير يعني بضم العين المهملة وضبطه القاضي عياض بالمعجمة (^٣) واتفقوا على\n_________\n= نعلم رواه إلا خلف بن خليفة\". وقال الحاكم في الموضع الأول: قد اتفقا جميعا على الاحتجاج بحديث سعيد بن منصور، وحميد هذا ليس بابن قيس الأعرج، قال البخاري في التاريخ: حميد بن علي الأعرج الكوفي منكر الحديث، وعبد الله بن الحارث النجراني محتج به، واحتج مسلم وحده بخلف بن خليفة، وهذا حديث كبير في التصوف والتكلم، ولم يخرجاه، وله شاهد من حديث إسماعيل بن عياش. وصححه في الموضع الثاني وتعقبه الذهبي فقال: بل ليس على شرط البخاري. وقال الألباني في الضعيفة (٤٠٨٢) وضعيف الترغيب (١٢٦٣): ضعيف جدا.\n(^١) أخرجه وكيع في الزهد (١٢٩)، والحاكم (٤/ ١٨٧)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥ رقم ٥٧٤٦). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٦٤).\n(^٢) هو: عوف بن مالك بن نضلة الأشجعي، أبو الأحوص الكوفي، من بنى جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن وثقه يحيى والنسائي وابن سعد وقال: وكان ثقة، له أحاديث. تهذيب الكمال ٢٢/ الترجمة ٤٥٤٨، وتهذيب التهذيب: ٨/ ١٦٩، والتقريب: ٢/ ٩٠.\n(^٣) المشارق (٢/ ١١١)، وتعقبه النووي كما في شرحه على مسلم فقال (١/ ٢٣٢): بعين =","vol":"9","page":243},{"text":"تغليطه أهداه له المقوقس وكان (فروة بن) عمرو الجذامي أهدى له حمار يقال له يعفور مأخوذ من العفرة وهو لون التراب (^١) ا. هـ.\n\n٣١٥٦ - وفي رواية ابن ماجه خرج علينا رسول الله -ﷺ- ذات يوم يوم عليه جبة صوف (ضيقة) الكمين (^٢) وفي بعض النسخ جبة من صوف رومية ضيقة الكمين فصلى بنا فيها ليس عليه شيء غيرها وروى الحاكم من حديث أبي أمامة الباهلي أن النبي -ﷺ- قال: \"عليكم بلباس الصوف تجدون حلاوة الإيمان في قلوبكم\" (^٣).\nقوله: رواه الحاكم موقوفا الحديث الموقوف ما أضيف إلى صحابي من قوله.\n\n٣١٥٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- بَرَاءَة من الْكبر لبوس الصُّوف ومجالسة فُقَرَاء الْمُسلمين وركوب الْحمار واعتقال\n_________\n= مهملة مضمومة ثم فاء مفتوحة هذا هو الصواب في الرواية وفي الأصول المعتمدة وفي كتب أهل المعرفة بذلك قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ وقول القاضي عياض ﵀ إنه بغين معجمة متروك قال الشيخ وهو الحمار الذي كان له -ﷺ- قيل إنه مات في حجة الوداع.\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٥٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٥٦٣)، والشاشي في مسنده (١٢٩٤) و(١٢٩٥)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٣٢١) عن عبادة بن الصامت. وقال الألباني: ضعيف، التعليق الرغيب (٣/ ١٠٨).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٨)، وابن بشران في الأمالى (٥٢)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٣١ - ٢٣٣ رقم ٥٧٤٢) والخطيب في الزهد (٥). وقال الذهبي: ساقه من طريق ضعيف. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٩٠).","vol":"9","page":244},{"text":"العنز أَو الْبَعِير رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"براءة من الكبر لبوس الصوف\" الحديث وفي بعض النسخ لبوس الصوف ولبوس بالفتح اللام وضم الباء أي ما يلبس منه.\nقوله: \"ومجالسة فقراء المسلمين وركوب الحمار واعتقال العنز أو البعير وأكل أحدكم مع عياله\" وقال: ابن الأثير في النهاية من حديث عمر \"من اعتقل الشاة وحلبها وأكل مع أهله فقد بئي من الكبر\" (^٢) قال الجوهري: واعتقلت الشاة إذا وضعت رجلها بين فخذيك أو ساقيك لتحلبها (^٣).\nوروى البيهقي عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"من لبس الصوف وحلب الشاة وركب الأتن فليس في نفسه من الكبر شيء\" (^٤) والأتن جمع أتان والأتان بالتاء المثناة الحمارة والكثرة أتن واتن وفي الحديث\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٢٩)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٣٧ - ٢٣٨ رقم ٥٧٥١) و(١٠/ ٤٨٣ - ٤٨٤ رقم ٧٨٤٠). وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب لم نسمعه مرفوعا إلا من حديث القاسم عن زيد ورواه وكيع بن الجراح عن خارجة بن مصعب، عن زيد مرسلا. وقال البيهقي: كذا رواه القاسم بن عبد الله من هذا الوجه عنه مرفوعا عن أخيه عاصم بن زيد كذلك مرفوعا وقد قيل عن زيد عن جابر مرفوعا. قوله مرفوعا كذا هو في النسخة وصوابه موقوفا فقد أردفه بعده بسنده (٥٧٥٢) عن جابر موقوفا. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (١٦٧١) وضعيف الترغيب (١٢٦٦).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٨١).\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٧٧٢).\n(^٤) أخرجه ابن عدى (٧/ ٢١٤)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٣٩ رقم ٥٧٥٣).","vol":"9","page":245},{"text":"(والإبل) عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة (^١) قال عبد اللطيف البغدادي أن الغنم فيها البركة سبب ذلك أنها تنتج في السنة مرتين وربما وضعت سخلة أو سخلتين ففيها بركة لسرعة نتاجها وكثرة أولادها والبركة النماء والزيادة ولهذا قال: -ﷺ- \"ما من نبي إلا رعى الغنم\" (^٢) والحكمة في رعاية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الغنم أن يأخذوا أنفسهم بالتواضع وتصفي قلوبهم بالخلوة ويترقوا من سياستها بالنصيحة إلى سليمة أممهم بالشفقة عليهم وهدايتهم إلى الصلاح (^٣) والله أعلم.\n\n٣١٥٨ - وَعَن الْحسن -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي فِي مروط نِسَائِهِ وَكَانَت أكسية من صوف مِمَّا يشترى بالستة والسبعة وَكن نساؤه يتزرن بهَا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ مُرْسل وَفِي سَنَده لين (^٤).\nقوله: وعن الحسن -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي في مروط نسائه\" المروط جمع مرط وسيأتي الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٣٠٥). وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٦٢) وابن ماجه (٢١٤٩) عن أبى هريرة.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٦) والكواكب الدرارى (٢٠/ ٦٣).\n(^٤) أخرجه إسحاق في المسند (٥٧١) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨/ ٢٣٤ رقم ٥٧٤٥)، وأحمد في الزهد (٧٣) من رواية عبد الله و(٣١) من رواية صالح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٦٧).","vol":"9","page":246},{"text":"٣١ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت خرج رَسُول الله -ﷺ- وَعَلِيهِ مرط مرحل من شعر أسود رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١) المرط بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء كسَاء يؤتزر بِهِ قَالَ أَبُو عبيد وَقد تكون من صوف وَمن خَز ومرحل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وتشديدها أَي فِيهِ صور رحال الْجمال.\nقوله: وعن عائشة -﵂- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"قالت خرج رسول الله -ﷺ- وعليه مرط مرحل من شعر أسود\" والمرط بكسر الميم سكون الراء كساء يؤتزر به قال أبو عبيد: وقد يكون من صوف ومن خز ا. هـ قاله المنذري.\nوقال غيره (^٢): والمرط كساء يكون تارة من صوف وتارة من شعر أو كتان أو خز.\nوقال الخطابي (^٣): هو كساء يؤتزر به وقال الخطابي (^٤): لا يكون المرط إلا درعا ولا يلبسه إلا النساء ولا يكون إلا من خز أخضر ولا يسمى المرط إلا الأخضر.\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (١٢٧١)، ومسلم (٣٦ - ٢٠٨١) و(٦١ - ٢٤٢٤)، وأبو داود (٤٠٣٢)، والترمذي (٢٨١٣) والشمائل (٦٨). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.\n(^٢) نسبه للخليل القاضى عياض إكمال المعلم (٦/ ٥٩٤).\n(^٣) معالم السنن (١/ ١١٤).\n(^٤) كذا هو وإنما هو النضر بن شميل وقوله هذا في إكمال المعلم (٦/ ٥٩٤) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٥٧) ومطالع الأنوار (٤/ ٣٠) وقال النووي: وهذا الحديث يرد عليه يعنى قوله لا يكون إلا أخضر.","vol":"9","page":247},{"text":"قوله: \"ومرحل بفتح الحاء المهملة\" هذا هو الصواب الذي رواه الجمهور وضبطه المتقتون وحكاه القاضي عياض أن بعضهم رواه بالجيم أي عليه صور الرجال (^١) والصواب الأولى أي فيه أو فيها صور رحال الجمال أي قد نشر فيه صور تصاوير الرحال ولا بأس بهذه الصورة وإنما المحرم تصوير الحيوان، وقال الخطابي المرحل الذي فيه خطوط (^٢).\nوأما قولها من شعر أسود فقيدته بالأسود لأن الشعر قد يكون أبيض ففي هذا جواز لبس ثوب الشعر وما كان نحو ذلك.\nوفيه بيان ما كان النبي -ﷺ- عليه من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها وشهواتها وفاخر لباسها ونحوه واجتزائه بما يحصل به أدنى التجزية في ذلك كله (^٣).\nوفيه الندب للإقتداء به في لبس ما وجد وفي عدم التوقف على زي واحد وترك التكلف ويأكل ما وجد ويجلس حيث انتهى به المجلس -ﷺ-.\nوفيه دليل على التواضع في اللباس والاقتصار على الغليظ ومنه في اللباس والفراش وغيرهما (^٤).\nوجواز لبس ثوب الشعر وما فيه أعلام.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٥٩٣) وقال هو عند الهوزني بالجيم وقال (٧/ ٤٣٥): بالحاء، كذا عند الخشنى والصدفي من شيوخنا، وعند الأسدى بالجيم.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٥٧ - ٥٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٠) و(١٤/ ٥٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٥٦).","vol":"9","page":248},{"text":"٣١٥٩ - وَعَن عَائِشَة أَيْضا -﵂- قَالَت كَانَ وساد رَسُول الله -ﷺ- الَّذِي يتكئ عَلَيْهِ من أَدَم حشوه لِيف.\n\n١٥ - وعنها -﵂- قَالَت إِنَّمَا كَانَ فرَاش رَسُول الله -ﷺ- الَّذِي ينَام عَلَيْهِ أدما حشوها لِيف. رَوَاهُمَا مُسلم وَغَيره (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂- أيضا تقدم الكلام عليها.\nقوله: \"قالت كان وساد رسول الله -ﷺ- الذي يتكئ عليه من أدم\" أي من جلد ففيه جواز اتخاذ الفرس والوسائد والنوم عليها والإرتفاق بها وجواز المحشو وجواز إتخاذ ذلك من الجلود وهي الأدم قاله النووي في شرح مسلم (^٢).\n\n٣١٦٠ - وَعَن عتبَة بن عبد السّلمِيّ -﵁- قَالَ استكسيت رَسُول الله -ﷺ- فكساني خيشتين فَلَقَد رَأَيْتنِي وَأَنا أكسى أَصْحَابِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (^٣) الخيشة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت بعدهمَا شين مُعْجمَة هُوَ ثوب يتَّخذ من مشاقة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٥٦)، ومسلم (٣٧ و٣٨ - ٢٠٨٢)، وأبو داود (٤١٤٧)، والترمذي (١٧٦١) و(٢٤٦٩)، وابن ماجه (٤١٥١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٥ (١٧٩٣١)، وأبو داود (٤٠٣٢)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (١٣٦٢)، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٢٤ (٣٠٧) والشاميين (١٦١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥)، والبيهقي في الآداب (٤٩٦) والشعب (٨/ ٢٥١ رقم ٥٧٧١).\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨٠) وصححه فيه أيضا برقم (٣٣١٦).","vol":"9","page":249},{"text":"الْكَتَّان يغزل غزلا غليظا وينسج نسجا رَقِيقا وَقَوله وَأَنا أكسى أَصْحَابِي يَعْنِي أعظمهم وَأَعْلَاهُمْ كسْوَة.\nقوله: وعن عتبة بن عبد السلمي (^١) -﵁- (هو عتبة بن عبد السلمي يكنى أبا الوليد كان اسمه عتلة فسماه النبي -ﷺ- عتبة، سكن حمص، حديثه عند شريح بن عبيد، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة الحضرمي، وخالد بن معدان، وعبد الله بن ناسح، وعقيل بن مدرك، وحبيب بن عبيد الرحبي، وراشد بن سعد، وغيرهم).\nقوله: \"قال استكسيت رسول الله -ﷺ- فكساني خيشتين فلقد رأيتني وأنا أكسى أصحابي\" الحديث الخيشة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال: هي ثوب يتخذ من مشاقة الكتان تغزل غزلا غليظا وينسج نسجا رقيقا انتهى.\nقوله: \"وأنا أكسي أصحابي\" يعني أعظمهم وأعلاهم كسوة ا. هـ.\n\n٣١٦١ - وَعَن أبى بُردَة قَالَ قَالَ لي أبي لَو رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ نَبينَا وَقد أصابتنا السَّمَاء حسبت أَن ريحنا ريح الضَّأْن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ١٧٦٨، وأسد الغابة ٣/ ٣٥٥٢، وتهذيب الكمال ١٩/ ٣٧٨٠، والإصابة ٢/ ٥٤٠٧.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٥٢٧)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٧٤ (٢٤٩٠٦) وعنه ابن ماجه (٣٥٦٢)، وأحمد ٤/ ٤١٩ (٢٠٠٧٢)، وأبو داود (٤٠٣٣)، والترمذي (٢٤٧٩)، وابن نعيم في الحلية (١/ ٢٥٩)، والبيهقي في الآداب (٤٩٣) والكبرى (٢/ ٥٨٨ رقم ٤١٨٥) والشعب (٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧ رقم ٥٧٤٩). =","vol":"9","page":250},{"text":"وَمعنى الحَدِيث أَنه كَانَ ثِيَابهمْ الصُّوف وَكَانَ إِذا أَصَابَهُم الْمَطَر يَجِيء من ثِيَابهمْ ريح الصُّوف انْتهى وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح أَيْضا نَحوه وَزَاد فِي آخِره إِنَّمَا لباسنا الصُّوف وطعامنا الأسودان التَّمْر وَالْمَاء (^١).\nقوله: وعن أبى بردة (^٢) (هو أبو بردة التابعي بن أبى موسى الأشعرى قال يحيى بن معين: اسمه الحارث. وفى رواية عنه: عامر، كقول الجمهور، وهو تابعى كوفى، ولى قضاء الكوفة فعزله الحجاج، وجعل أخاه أبا بكر مكانه روى عن الزبير بن العوام، وعوف بن مالك، وسمع أباه، وعلى بن أبي طالب، وابن عمر، والأغر المزنى، وعبد الله بن سلام، وعائشة، ﵃، وسمع خلائق من التابعين روى عنه جماعات من التابعين وغيرهم، منهم الشعبى، وأبو إسحاق السبيعى، وعبد الملك بن عمير، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، ومحمد بن المنكدر، وقتادة، والقاسم بن مخيمرة،\n_________\n= وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، ومعنى هذا الحديث أنه كان ثيابهم الصوف، فإذا أصابهم المطر يجيء من ثيابهم ريح الضأن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨١).\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٤١٩ (٢٠٠٧٢)، والمحاملى في الأمالى (٥٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٦٨ رقم ١٩٤٦) وابن عدى في الكامل (٧/ ٥٠٩)، والحاكم (٤/ ١٨٧)، أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٦٢).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٢٥: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (١٢٦٨) و(١٩٢٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٨ - ١٧٩ ترجمة ٧٢٤).","vol":"9","page":251},{"text":"وأبو حصين، بفتح الحاء، عثمان بن عاصم، وسالم أبو النضر، وعاصم بن بهدلة، وأبو إسحاق الشيباني، ومحمد بن واسع، وطلحة بن مصرف، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ومكحول الدمشقى، وأخوه إسحاق بن أبى موسى، وبنوه أبو بكر، وعبد الله، وسعيد، وبلال بنو أبى بردة، وابن ابنه يزيد بن عبد الله بن أبى بردة، وخلائق آخرون. واتفقوا على توثيقه وجلالته قال أحمد بن عبد الله العجلي: وأبو بردة وأخوه أبو بكر تابعيان كوفيان ثقتان. وقال محمد بن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وهو جد أبى الحسن الأشعرى الإمام في علم الكلام. توفى أبو بردة بالكوفة سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة، ﵀).\nقوله: \"قال قال لي أبي لو رأيتنا ونحن مع نبينا وقد أصابتنا السماء\" يعني المطر.\nقوله: \"حسبت أن ريحنا ريح الضأن\" الصنان والصنة رائحة معاطف الجسم إذا تغيرت وهي من أصن اللحم إذا أنتن (^١) ومعنى الحديث أنه كان ثيابهم الصوف وكان إذا أصابهم المطر يجيء من ثيابهم ريح الصوف ا. هـ قاله المنذ ري.\n\n٣١٦٢ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ خرجت فِي غَدَاة شَاتِيَة جائعا وَقد أوبقني الْبرد فَأخذث ثوبا من صوف قد كَانَ عندنَا ثمَّ أدخلته فِي عنقِي وحزمته على صَدْرِي أستدفئ بِهِ وَالله مَا كَانَ فِي بَيْتِي شَيْء آكل مِنْهُ وَلَو كَانَ\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٥٧).","vol":"9","page":252},{"text":"فِي بَيت النَّبِي -ﷺ- شَيْء لبلغني فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ ثمَّ جِئْت إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَجَلَست إِلَيْهِ فِي الْمَسْجِد وَهُوَ مَعَ عِصَابَة من أَصْحَابه فطلع علينا مُصعب بن عُمَيْر فِي بردة مَرْقُوعَة بفروة وَكَانَ أنعم غُلَام بِمَكَّة وأرفهه عَيْشًا فَلَمَّا رَآهُ النَّبِي -ﷺ- ذكر مَا كَانَ فِيهِ من النَّعيم وَرَأى حَاله الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فذرفت عَيناهُ فَبكى ثمَّ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَنْتُم الْيَوْم خير أم إِذا غدي على أحدكُم بِجَفْنَة من خبز وَلحم وريح عَلَيْهِ بِأُخْرَى وَغدا فِي حلَّة وَرَاح فِي أُخْرَى وسترتم بُيُوتكُمْ كَمَا تستر الْكَعْبَة قُلْنَا بل نَحن يَوْمئِذٍ خير نتفرغ لِلْعِبَادَةِ قَالَ بل أَنْتُم الْيَوْم خير رَوَاهُ أَبُو يعلى وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ إِلَّا أَنه قَالَ خرجت فِي يَوْم شات من بَيت رَسُول الله -ﷺ- وَقد أخذت إهابا معطونا فجوبت وَسطه فأدخلته فِي عنقِي وشددت وسطي فحزمته بخوص النّخل وَإِنِّي لشديد الْجُوع فَذكر الحَدِيث وَلم يذكر فِيهِ مُصعب بن عُمَيْر وَذكر قصَّته فِي مَوَاضِع أخر مُفْردَة وَقَالَ فِي كل مِنْهُمَا حَدِيث حسن غَرِيب (^١) قَالَ الْحَافِظ وَفِي إسناديه وَإسْنَاد أبي يعلى رجل لم يسم جوبت وَسطه بتَشْديد الْوَاو أَي خرقت فِي وَسطه خرقا كالجيب وَهُوَ الطوق الَّذِي يخرج الْإِنْسَان مِنْهُ رَأسه والإهاب بِكَسْر الْهمزَة هُوَ الْجلد وَقيل مَا لم يدبغ.\nقوله: وعن علي بن أبي طالب -﵁- تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق كما في المطالب العالية (٣١٥٧/ ١)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٨٥)، والترمذي (٢٤٧٣) و(٢٤٧٦)، وأبو يعلى (٥٠٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٦٩).","vol":"9","page":253},{"text":"قوله: \"قال خرجت في غداة شاتية جائعا وقد أوبقني البرد\" أي أهلكني البرد.\nقوله: \"ثم جئت إلى رسول الله -ﷺ- فجلست إليه في المسجد وهو مع عصابة من أصحابه\" العصابة تقدم الكلام عليها في الالتفات في الصلاة. قوله: \"فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة مرقوعة بفروة وكان أنعم غلام بمكة وأرفهه عيشا\" البردة شملة تلبسها الأعراب.\nومصعب بن عمير (^١) كنيته أبو عبد الله وهو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار كان من فضلاء الصحابة هاجر إلى الحبشة في أول من هاجر إليها ثم شهد بدرا وكان النبي -ﷺ- بعثه إلى المدينة قبل الهجرة يقئيهم القرآن ويفقههم في الدين وكان يسمى القارئي والمقرئي ويقال أنه أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة وكان فتى مكة شبابا وجمالا وكان أبواه يحبانه وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وكان أعطر أهل مكة وكان رسول الله -ﷺ- يذكره فيقول \"ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير\" فبلغه أن رسول الله -ﷺ- يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم بن الأرقم فدخل عليه وأسلم وكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه وكان يختلف إلى رسول الله -ﷺ- ولما أسلم أصابه من الشدة ما غير لونه وأذهب لحمه ونهكت جسمه حتى كان رسول الله -ﷺ- ينظر إليه وعليه فروة وقد رفعها فبكى لما كان يعرف من نعمته وحلفت أمه حين أسلم وهاجر أن لا تأكل ولا تشرب ولا تستظل بظل حتى يرجع إليها فكانت تقف\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٦ - ٩٧ الترجمة ٥٧٨).","vol":"9","page":254},{"text":"في الشمس حتى تسقط مغشيا عليها وكان بنوها يحشون فاها بشجار فيصبون فيه الحساء لئلا تموت ذكره الواقدي (^١).\nالحساء قريب من العصيدة الرخوة والسخينة دون ذلك.\nقوله: \"فلما رآه النبي -ﷺ- ذكر ما كان فيه من النعيم ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه فبكى\" الحديث ذرفت بفتح الذال المعجمة والراء المهملة وبفتح الفاء أي سالت منها الدمع.\nقوله: وفي رواية الترمذي \"أخذت إهابا معطونا فجوبته\" الإهاب بكسر الهمزة هو الجلد وقيل ما لم يدبغ وقال النضر بن شميل (^٢): ولا يقال إهاب إلا الجليد ما يؤكل لحمه وقال: غيره قيل الإهاب الجلد قيل أن يدبغ وقيل يعم الحالين ويجمع على أهب يفتح الهمزة والهاء كأديم وأدم على غير قياس ومنهم من يجمعه على أهب بالضم وهو قياس وفي الحديث دلالة على طهارة جلد المأكول بالدباغ وبه قال أبو ثور وقال أهل الظاهر يطهر به كل جلد وقال: أبو حنيفة بطهارة الجلود كلها به إلا جلد الخنزير كلها من غير دباغ ومشهور مذهب الإمام أحمد أنه لا يطهر شيء منها لحديث عبد الله بن عكيم (^٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) الروض الأنف (٤/ ٥٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٥٠).\n(^٣) حديثه عبد الله بن عكيم؛ أن رسول الله -ﷺ- كتب إلى جهينة قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. أخرجه أبو داود (٤١٢٧)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي ٧/ ٣٨ (٤٢٨٧) و٧/ ٣٩ (٤٢٨٨) و٧/ ٤٠ (٤٢٨٩)، وابن ماجه (٣٦١٣)، وابن حبان =","vol":"9","page":255},{"text":"وقوله: \"معطونا\" المعطون المنمرق الشعر يقال عطن الجلد فهو عطن ومعطن إذا أمرق شعره وأنتن في الدباغ ومنه حديث عمر س وفي البيت أهب عطنة (^١) انتهى.\nقوله: \"فوجبت وسطه فأدخلته في عنقي\" الحديث أي خرقت في وسطه خرقا كالجيب وهو الطوق الذي يخرج الإنيان منه رأسه قاله الحافظ المنذري.\n\n٣١٦٣ - وَعَن عمر -﵁- قَالَ نظر رَسُول الله -ﷺ- إِلَى مُصعب بن عُمَيْر مُقبلا عَلَيْهِ إهَاب كَبْش قد تنطق بِهِ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- انْظروا إِلَى هَذَا الَّذِي نور الله قلبه لقد رَأَيْته بَين أبوين يغذوانه بأطيب الطَّعَام وَالشرَاب وَلَقَد رَأَيْت عَلَيْهِ حلَّة شراها أَو شريت بِمِائَتي دِرْهَم فَدَعَاهُ حب الله وَحب رَسُوله إِلَى مَا ترَوْنَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n= (١٢٧٧، ١٢٧٨). قال الترمذي: حسن، ونقل عن أحمد أنه كان يذهب إلى هذا الحديث، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده.\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٥٢ رقم ١٢٧) وقد سأل أبا حاتم عنه: قال أبي: لم يسمع عبد الله بن عكيم من النبي -ﷺ-. وأعله ابن دقيق العيد في شرح الإلمام (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤) فقال: وفي ألفاظه اختلاف، ويعارضه هذا الحديثُ وغيرُه، مثل حديث شاة ميمونة في الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ. وكذلك تكلم عليه في الإمام (١/ ٣١٦ - ٣٢٢). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨١٢).\n(^١) النهاية (٣/ ٢٥٩).\n(^٢) أخرجه الحسن بن سفيان كما في مسند الفاروق (٩٨٤) ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٠٨) والأربعون في التصوف (٤٥) والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨/ ٢٥٥ رقم =","vol":"9","page":256},{"text":"قوله: وعن عمر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"قال نظر رسول الله -ﷺ- إلى مصعب بن عمير مقبلا عليه إهاب كبش قد تنطق به\" الحديث تقدم الكلام على مصعب بن عمير وعلى الإهاب.\nقوله: \"لقد رأيت عليه حلة شراها أو شريت بمائتي درهم\" الحديث تقدم الكلام على الحلة في مواضع.\n\n٣١٦٤ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ رَأَيْت عمر -﵁- وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقد رقع بَين كَتفيهِ برقاع ثَلَاث لبد بَعْضهَا على بعض رَوَاهُ مَالك (^١).\nقوله: وعن أنس -﵁- أيضا قال ابن سعد بسنده إلى سنان بن ربيعة قال: سمعت أنس بن مالك يقول ذهبت بي أمي إلى رسول الله -ﷺ- فقالت يا رسول الله خويدمك ادع الله له قال: \"اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه\" قال: أنس فلقد (دفنت من صلبي) مائة غير ابنين أو قال مائة وابنين (وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأنا أرجو الرابعة) (^٢) والله أعلم تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"قال رأيت عمر -﵁- وهو يومئذ أمير المؤمنين\" تقدم الكلام على\n_________\n= ٥٧٧٩). وقال ابن كثير: فيه غرابة وانقطاع. وحسنه العراقى في تخريج الإحياء (ص ١٦٥٧). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٩٥) وضعيف الترغيب (١٢٧٠).\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٦٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨٢) و(٣٢٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٥٣)، وأبو يعلى في المسند (٤٢٣٦) من طريق سنان. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٤١).","vol":"9","page":257},{"text":"قوله له أمير المؤمنين أول من سمي بذلك عبد الله بن جحش الصحابي أمره رسول الله -ﷺ- على سرية وهو أول أمير أمره رسول الله -ﷺ- على سرية أمره وغنيمة أول غنيمة في الإسلام وتقدم ذلك قريبا.\nقوله: \"وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبد بعضها على بعض\" الملبد المرقع تقدم.\n\n٣١٦٥ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كم من أَشْعَث أغبر ذِي طمرين لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على الله لَأَبَره مِنْهُم الْبَراء بن مَالك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١) قَالَ الْحَافِظ وَيَأْتِي فِي بَاب الْفقر أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع وَغَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى.\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله:-ﷺ- \"كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره\" الحديث الأشعث البعيد العهد بتسريح شعره ودهنه (^٢) والطمر الثوب الخلق (^٣) والقسم الحلف يعني لو حلف على وقوع شيء أوقعه الله إكراما له ولمنزلته عنده (^٤) وسيأتي الكلام على هذا الحديث في باب الفقر إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد (١٣٤)، والترمذي (٣٨٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٠٨٣).\n(^٢) قاله المنذري في التواضع في الحج والتبذل ولبس الدون من الثياب.\n(^٣) النهاية (٣/ ١٣٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٧٥).","vol":"9","page":258},{"text":"٣١٦٦ - وَرُوِيَ عَن الشِّفَاء بنت عبد الله -﵂- قَالَت أتيت رَسُول الله -ﷺ- أسأله فَجعل يعْتَذر إِلَيّ وَأَنا ألومه فَحَضَرت الصَّلَاة فَخرجت فَدخلت على ابْنَتي وَهِي تَحت شُرَحْبِيل بن حَسَنَة فَوجدت شُرَحْبِيل فِي الْبَيْت فَقلت قد حضرت الصَّلَاة وَأَنت فِي الْبَيْت وَجعلت ألومه فَقَالَ يَا خَالَة لَا تلوميني فَإِنَّهُ كَانَ لي ثوب فاستعاره النَّبِي -ﷺ- فَقلت بِأبي وَأمي كلنت ألومه مُنْذُ الْيَوْم وَهَذِه حَاله وَلَا أشعر فَقَالَ شُرَحْبِيل مَا كَانَ إِلَّا درع رقعناه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وروي عن الشفاء بنت عبد الله -﵂- (^٢) (هي الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس ابن خلف بن صداد -ويقال ضرار- بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشية العدوية من المبايعات قال أحمد بن صالح المصري: اسمها ليلى، وغلب عليها الشفاء. أمها فاطمة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمر بن مخزوم، أسلمت الشفاء قبل الهجرة فهي من المهاجرات الأول، وبايعت النبي -ﷺ-، كانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان رسول الله -ﷺ- يأتيها ويقيل عندها في بيتها، وكانت قد اتخذت له فراشا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٣١٧٦) ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٧٠٧)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣١٥ رقم ٧٩٥). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٢٤: رواه الطبراني، وفيه عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٢٧١).\n(^٢) ترجمتها: الاستيعاب ٤/ الترجمة ٣٣٩٨، وأسد الغابة ٦/ ٧٠٣٧، وتهذيب الكمال ٣٥/ الترجمة ٧٨٦٩، والإصابة ٨/ ١١٣٧٩.","vol":"9","page":259},{"text":"وإزارا ينام فيه، فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منهم مروان، وقال لها رسول الله -ﷺ-: علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتاب وأقطعها رسول الله -ﷺ- دارا عند الحكاكين فنزلتها مع ابنها سليمان، وكان عمر يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضلها، وربما ولاها شيئا من أمر السوق. وروى عنها أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وعثمان بن سليمان بن أبي حثمة).\nقوله: \"قالت أتيت رسول الله -ﷺ- أسأله فجعل يعتذر إلي وأنا ألومه فحضرت الصلاة فخرجت فدخلت على ابنتي وهي تحت شرحبيل بن حسنة فوجدت شرحبيل في البيت\" الحديث هو شرحبيل بن حسنة (^١) الصحابي وحسنة أمه واسم أبيه عبد الله بن المطاع بن عبد الله بن الغطريف بن عبد العزى السهمي وقيل الكندي كنيته أبو عبد الله أسلم شرحبيل قديما وأخواه لأمه جنادة وجابر هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثم استعمله أبو بكر ثم عمر على جيوش الشام وفتوحه ولم يزل واليا لعمر على بعض نواحي الشام إلى أن توفي في طاعون عمواس سنة ثمان وعشرة وله سبع وستون سنة طعن هو وأبو عبيدة في يوم واحد وتقدم ذكره في الصلاة.\n\n٣١٦٧ - وَعَن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد قَالَ رَأَيْت عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر عَلَيْهِ إِزَار عدني غليظ ثمنه أَرْبَعَة دَرَاهِم أَو خَمْسَة وريطة كوفية ممشقة ضرب اللَّحْم طَوِيل اللِّحْيَة حسن الْوَجْه رَوَاهُ الطَّبَرِانِيّ\n_________\n(^١) ترجمته: الاستيعاب ٢/ الترجمة ١١٦٧، وأسد الغابة ٢/ ٢٤١٠، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٤٨، وتهذيب الكمال ١٢/ ٧٢١٩، والإصابة ٣/ ٣٨٨٨.","vol":"9","page":260},{"text":"بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nعدني بِفَتْح الْعين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ مَنْسُوب إِلَى عدن والريطة بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت كل ملاءة تكون قِطْعَة وَاحِدَة ونسجا وَاحِدًا لَيْسَ لَهَا لفقان وَضرب اللَّحْم بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء خفيفه وممشقة أَي مصبوغة بالمشق بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الْمغرَة.\nقوله: وعن عبد الله بن شداد بن الهاد (^٢) وعبد الله هذا كنيته أبو الوليد كناني تابعي مدني وقيل كوفي ولد على عهد رسول الله -ﷺ- وهو عبد الله بن شداد بن أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر ويقال عبد الله بن شداد بن الهاد والهاد لقب لأسامة وقيل لعمرو ولقب به لأنه كان يوقد نارا ليهتدي إليه الأضياف وغيرهم وأمه سلمى بنت عميس الخثعية أخت أسماء بنت عميس كانت حمزة بن عبد المطلب فاستشهد عنها يوم أحد وولدت منه بنته عمارة وقيل فاطمة ثم تزوجها شداد فولدت له عبد الله وهي أخت أم الفضل زوجة العباس لأمها وكن عشر أخوات روى عن النبي -ﷺ- مرسلا وسمع جماعة من الصحابة -﵃- منهم عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وابن\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٥٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٧٥ رقم ٩٢)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٦٠) ومعرفة الصحابة (٢٢٣) و(٢٢٤)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٥٤ - ٢٥٥ رقم ٥٧٧٨). وعند البيهقي وأبى نعيم وابن المبارك عن أبى عبد الله مولى شداد بن الهاد. وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٨٠: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨٤) و(٣٣٠٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٢ ترجمة ٣٠٩).","vol":"9","page":261},{"text":"عباس ومعاذ وآخرون وروى عنه جماعات من كبار التابعين منهم طاووس والشعبي وغيرهما واتفقوا على توثيقه وكثرة حديثه قد فسر الحافظ غريب هذا الحديث.\n\n٣١٦٨ - وَرُوِيَ عَن جَابر -﵁- قَالَ حَضَرنَا عرس عَليّ وَفَاطِمَة -﵄- فَمَا رَأينَا عرسا كَانَ أحسن مِنْهُ حشونا الْفراش يَعْنِي الليف وأتينا بِتَمْر وزبيب فأكلنا وَكَانَ فراشها لَيْلَة عرسها إهَاب كَبْش رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: وروي عن جابر -﵁- تقدم الكلام على جابر.\nقوله: \"قال حضرنا عرس علي وفاطمة -﵄-\" فذكره إلى أن قال: \"وكان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش\" تقدم الكلام على الإهاب.\n\n٣١٦٩ - وَعَن مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ كُنَّا عِنْد أبي هُرَيْرَة -﵁- وَعَلِيهِ ثَوْبَان ممشقان من كتَّان فمخط فِي أَحدهمَا ثمَّ قَالَ بخ بخ يمتخط أَبُو هُرَيْرَة فِي\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٤٠٨)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٩٠ رقم ٦٤٤١)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٣١١)، وابن القيسرانى في صقوة التصوف (٦٦٣). قال البزار: لا نعلم رواه هكذا إلا عمر، ولم يكن بالحافظ، ولم يتابع عليه، وعنده أحاديث يتفرد بها. كذا هو في كشف الأستار ولعله يريد عبد الله بن ميمون القداح. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن جعفر بن محمد إلا مسلم بن خالد الزنجي، وعبد الله بن ميمون القداح، تفرد به عن مسلم بن خالد ميمون بن كليب.\nقال ابن عدى: هذه الأحاديث عن جعفر تعرف بابن ميمون عنه. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٥٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف، وقد وثق. وقال في ٩/ ٢٠٩: رواه البزار، وفيه عبد الله بن ميمون القداح، وهو ضعيف. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٧٢) و(١٩٢٣): ضعيف جدا.","vol":"9","page":262},{"text":"الْكَتَّان لقد رَأَيْتنِي وَإِنِّي لأجر فِيمَا بَين مِنْبَر رَسُول الله -ﷺ- وحجرة عَائِشَة -﵂- من الْجُوع مغشيا عَليّ فَيَجِيء الجائي فَيَضَع رجله على عنقِي يرى أَن بِي الْجُنُون وَمَا هُوَ إِلَّا الْجُوع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ (^١).\nقوله: \"وعن محمد بن سيرين قال كنا عند أبي هريرة -﵁- وعليه ثوبان ممشقان من كتان فمخط في أحدهما ثم قال بخ بخ يمتخط أبو هريرة في الكتان\" تقدم الكلام على أبي هريرة ومحمد بن سيرين. وبقية الألفاظ.\n\n٣١٧٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ لقد رَأَيْت سبعين من أهل الصّفة مَا مِنْهُم رجل عَلَيْهِ رِدَاء إِمَّا إِزَار وَإِمَّا كسَاء قد ربطوا فِي أَعْنَاقهم فَمِنْهَا مَا يبلغ نصف السَّاقَيْن وَمِنْهَا مَا يبلغ الْكَعْبَيْنِ فيجمعه بيَدِهِ كَرَاهِيَة أَن نرى عَوْرَته رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"قال لقد رأيت سبعين من أهل الصفة\" تقدم الكلام على أهل الصفة وعلى أهلها في الجهاد.\n\n٣١٧١ - وَرُوِيَ عَن ثَوْبَان -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا يَكْفِينِي من الدُّنْيَا قَالَ مَا سد جوعتك ووارى عورتك وَإِن كانَ لَك بَيت يظلك فَذَاك وَإِن كانَ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٤٩٤١)، وابن أبى شيبة ٥/ ١٧٥ (٢٤٩١٧)، وأحمد في الزهد (١٧١)، والبخاري (٧٣٢٤) والأدب المفرد (١٢٨٣)، والترمذي (٢٣٦٧) والشمائل (٣٤٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨٥) و(٣٣٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٤٢)، وابن خزيمة (٧٦٤)، وابن حبان (٦٨٢).","vol":"9","page":263},{"text":"لَك دَابَّة فبخ بخ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وعن ثوبان -﵁- تقدم الكلام على ثوبان هو أحد موالي رسول الله -ﷺ-.\nقوله: \"قال قلت يا رسول الله ما يكفيني من الدنيا قال ما سد جوعتك ووارى عورتك\" الحديث وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الزهد.\n\n٣١٧٢ - وَعَن أبي يَعْفُور قَالَ سَمِعت ابْن عمر -﵄- يسْأَله رجل مَا ألبس من الثِّيَاب قَالَ مَا لَا يزدريك فِيهِ السُّفَهَاء وَلَا يعيبك بِهِ الْحُكَمَاء قَالَ مَا هُوَ قَالَ مَا بَين الْخَمْسَة دَرَاهِم إِلَى الْعشْرين درهما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢).\nقوله: وعن أبي يعفور (وقدان بسكون القاف أبو يعفور بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم الفاء العبدي الكوفي مشهور بكنيته وهو الكبير ويقال اسمه واقد ثقة).\nقوله: \"قال سمعت ابن عمر -﵄- يسأله رجل ما ألبس من الثياب قال ما لا يزدريك فيه السفهاء ولا يعيبك به الحكماء\" الحديث وقال: الشعبي ألبس\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤١٨٦)، والطبراني في الدعاء (١٦٧٩) والشاميين (٨٠١) وتمام في الفوائد (١٥٨١). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله -ﷺ- بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه عن ثوبان وإسناده حسن زيد بن يحيى معروف ليس به بأس، وعبد الله بن العلاء بن زبر وأبوه مشهوران، وأبو سلام مشهور قد ذكرناه. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٨٨: رواه البزار، وحسن إسناده، إلا أن شيخه: العباس بن عبد العظيم الباشاني، لم أعرفه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠١٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٦٢ رقم ١٣٠٥١) وعنه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٢). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٣٥: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٧٤)، وحسنه في غاية المرام (٩٢).","vol":"9","page":264},{"text":"الثياب ما لا يؤذيك به السفهاء ولا يعيبك الفقهاء وقال: محمد بن سيرين كانت الشهرة في تطويل الثياب صارت الشهرة في توخيرها واختار بعض الناس الاقتصاد في اللباس قاله أبو الليث السمرقندي (^١).\n\n٣١٧٣ - وَرُوِيَ عَن أم سَلمَة -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من أحد يلبس ثوبا ليباهي بِهِ وَينظر النَّاس إِلَيْهِ لم ينظر الله إِلَيْهِ حَتَّى يَنْزعهُ مَتى نَزعه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: وروي عن أم سلمة -﵂- تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"قال ما من أحد يلبس ثوبا ليباهي به وينظر الناس إليه لم ينظر الله\" الحديث ونظر الله ﷾ عبارة عن رحمته.\n\n٣١٧٤ - وَعَن ضَمرَة بن ثَعْلَبَة -﵁- أَنه أَتَى النَّبِي -ﷺ- وَعَلِيهِ حلتان من حلل الْيمن فَقَالَ يَا ضَمرَة أَتَرَى ثوبيك هذَيْن مدخليك الْجنَّة فَقَالَ يَا رَسُول الله لَئِن استغفرت لي لأقعد حَتَّى أنزعهما عني فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- اللَّهُمَّ اغْفِر لضمرة فَانْطَلق سَرِيعا حَتَّى نزعهما عَنهُ رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا بَقِيَّة (^٣).\n_________\n(^١) بستان العارفين (١/ ٣٣٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨٣ رقم ٦١٨) والشاميين (١٢١٥)، وتمام في الفوائد (٨١٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٤٧٠)، والسلفى في معجم السفر (٧٤٥).\nوقال الهيثمى في المجمع ٥/ ١٣٥: رواه الطبراني، وفيه عبد الخالق بن زيد بن واقد، وهو ضعيف. وضعفه جدا في الضعيفة (١٧٠٤) و(٥٣٥٢) وضعيف الترغيب (١٢٧٥).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (١٩٢٨٣)، والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٣٣٦، والبزار، (٢٤٧٠) (زوائد)، والبغوي في معجم الصحابة (١٣٣٨)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣١)، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٠٩ رقم ٨١٥٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة =","vol":"9","page":265},{"text":"قوله: وعن ضمرة بن ثعلبة -﵁- (البهزي وهو السلمي، قال أبو حاتم: له صحبة، وقال ابن السكن: يقال له صحبة، وقال البغوي: سكن الشام، وقال ابن حبان: حديثه عند أهل الشام (^١).\nقوله: \"أنه أتى النبي -ﷺ- وعليه حلتان من حلل اليمن فقال يا ضمرة أترى ثوبيك هذين مدخليك الجنة\" الحديث تقدم الكلام على الحلة ومعنى أترى أتظن.\n\n٣١٧٥ - وَرُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله -ﷺ- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- شرار أمتِي الَّذين غذوا بالنعيم الَّذين يَأْكُلُون ألوان الطَّعَام وَيلبسُونَ ألوان الثِّيَاب ويتشدقون فِي الْكَلَام رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب ذمّ الْغَيْبَة وَغَيره (^٢).\n_________\n= (٣٩١٣ و٣٩١٤). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٣٦: رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن بقية مدلس. وقال في ٩/ ٣٧٩: رواه أحمد والطبراني. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٠١٨) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٢٧٦).\n(^١) الإصابة (٣/ ٣٩٦).\n(^٢) أخرجه أبن أبى الدنيا في الجوع (١٧٣) والصمت (١٥٠) وذم الغيبة (١٢)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٤)، والآبنوسى في مشيخته (٨٦)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٥٩ - ٤٦٠ رقم ٥٢٨١)، والهروى في ذم الكلام (١٠٥). قال الدارقطني في العلل (٣٩٣٦): يرويه عبد الحميد بن جعفر، واختلف عنه؛ فرواه علي بن ثابت الجزري، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ-. وخالفه أبو بكر الحنفي؛ فرواه عن عبد الحميد بن جعفر، عن الحسن بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن رسول الله -ﷺ-، مرسلا، وهو أشبه.\nوقال ابن عدى: ولا أعلم يرويه عن عبد الحميد غير علي بن ثابت ولعبد الحميد غير ما =","vol":"9","page":266},{"text":"٣١٧٦ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- سَيكون رجال من أمتِي يَأْكُلُون ألوان الطَّعَام وَيَشْرَبُونَ ألوان الشَّرَاب وَيلبسُونَ ألوان الثِّيَاب ويتشدقون فِي الْكَلَام وَأُولَئِكَ شرار أمتِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).\nقوله: وروي عن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- تقدم الكلام على مناقبها -﵂-.\nقوله: -ﷺ- \"شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الذين يأكلون ألوان الطعام\" فذكره إلى قوله.\nقوله: \"ويتشدقون في الكلام\" سيأتي الكلام على ذلك وحديث (أبى أمامة) بعده في معناه.\n\n٣١٧٧ - وَعَن ابْن عمر -﵄- يرفعهُ قَالَ من لبس ثوب شهرة ألبسهُ الله إِيَّاه يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ ألهب فِيهِ النَّار وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم ذكره رزين فِي جَامعه وَلم أره فِي شَيْء من الْأُصُول الَّتِي جمعهَا إِنَّمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَلَفظه قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لبس ثوب شهرة فِي الدُّنْيَا ألبسهُ الله ثوب\n_________\n= ذكرت روايات وأرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يكتب حديثه. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٨٩١) وصحيح الترغيب (٢٠٨٧).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٠٧ رقم ٧٥١٢) و(٧٥١٣) والشاميين (١٤٥٨) والأوسط (٣/ ٢٤ رقم ٢٣٥١)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٠)، والشجرى في الأمالى (٢/ ٢٣٤ رقم ٢٢٥٧ و٢٢٥٨). قال العراقى في تخريج الإحياء (١٥٩١): رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريقين في أحدهما جميع بن أيوب وهو متروك وفي الأخرى أبو بكر بن أبي مريم وهو مختلط. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨٨) و(٢١٤٨).","vol":"9","page":267},{"text":"مذلة يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ ألهب فِيهِ نَارا وَرَوَاهُ أَيْضا أخصر مِنْهُ (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"يرفعه إلى النبي -ﷺ-\".\nفائدة: الحديث المرفوع ما أضيف إلى رسول الله خاصة من قولا أو فعلا أو تقريرا ويدخل فيه المتصل المنقطع والمرسل ونحوه والله أعلم ذكره صاحب التنقيح (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"قال من لبس ثوب شهرة ألبسه الله إياه يوم القيامة ثم ألهب فيه النار\" الحديث قال ابن الأثير (^٣): والشهرة ظهور الشيء في شنعه حتى يشهره الناس ويشتهر هو وقيل هو أن يلبس ثوبا أحمر أو أصفر ليشتهر بذلك وفي رواية ابن ماجه قتال: رسول الله -ﷺ- \"من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة\" أي يشمله بالذل كما يشمل الثوب البدن بأن يصغره في العيوب ويحقره في القلوب (^٤) وروى عن رسول الله -ﷺ- \"نهى عن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٩٢ (٥٧٦٨) و٢/ ١٣٩ (٦٣٥٤)، وابن ماجه (٣٦٠٦) و(٣٦٠٧)، وأبو داود (٤٠٢٩)، والنسائي في الكبرى (٩٤٨٧)، وأبو يعلى (٥٦٩٨)، والبغوى في الجعديات (٢١٤٣)، والضراب في ذم الرياء (٤٨)، والبيهقي في الآداب (٤٨٤) والشعب (٨/ ٢٧٤ - ٢٧٥ رقم ٥٨١٧). وعند أبى داود: ألبسه الله يوم القيامة ثوبا مثله زاد عن أبى عوانة \"ثم تلهب فيه النار\". قال أبو حاتم في العلل (١٤٧١): هذا الحديث موقوفا أصح. وحسنه الألباني في حجاب المرأة (١١٠)، وصحيح الترغيب (٢٠٨٩)، المشكاة (٤٣٤٦).\n(^٢) كشف المناهج والتناقيح (١/ ٥٦).\n(^٣) النهاية (٢/ ٥١٥).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ٢٢٨).","vol":"9","page":268},{"text":"الشهرتين (^١) في اللباس\" (^٢) المرتفعة جدا والمنخفضة جدًا (^٣).\nخاتمة الباب عن عائشة -﵂- قالت \"ما رأيت رسول الله -ﷺ- يسب أحدا ولا يطوي له ثوب\" (^٤) انفرد به ابن ماجه كان رسول الله -ﷺ- من أكمل الناس خلقا وأظهرها أدبا لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سبابا ما سب أحدا آدميا أو غيره والسب الشتم يقال سبه يسبه سبا وسبابا وقولها ولا يطوي له ثوب أشارت بذلك إلى تقلله -ﷺ- من الدنيا فلم يكن (له من الثياب) سوى التي يلبسها إذ لم يكن ثوب يحتاج إلى طي (قال الزركشي وينبغي طي الثياب) وورد في طي الثوب في معجم الطبراني الأوسط عن جابر مرفوعا (اطووا) ثيابكم ترجع إليها أرواحها فإن الشيطان إذا وجد الثوب (مطويا لم يلبسه، وإذا وجده منشورا لبسه) (^٥) وعن عبد الله بن مسعود عن النبي -ﷺ- قال: \"إذا\n_________\n(^١) في الأصل المشتهرين.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٨/ ٢٧٥ رقم ٥٨١٨ و٥٨١٩) والكبرى (٣/ ٣٨٧ رقم ٦١٠٢) عن عمرو بن الحارث عن سعيد عن هارون بن كنانة من كتابه بلاغا. وقال: هذا منقطع. وضعفه الألباني في الضعيفة (٧٠٥٦). وأخرجه البيهقي في الشعب (٨/ ٢٧٦ رقم ٥٨٢١) عن أبي هريرة، وزيد بن ثابت. وقال البيهقي: أبو نعيم هذا لا نعرفه. وقال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ١٨٣): غريب من حديثه عن سعيد عن أبي هريرة وزيد بن ثابت تفرد به أبو نعيم عمر بن الصبيح عنه. وقال الألباني في الضعيفة (٢٣٢٦): موضوع.\n(^٣) بستان العارفين (١/ ٣٣٢).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٣٥٥٤). وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٨١: هذا إسناد ضعيف لضعف عاصم بن عمر وابن لهيعة. وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣١ رقم ٥٧٠٢). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث =","vol":"9","page":269},{"text":"طويتم ثيابكم فاذكروا اسم الله لا يلبسها الجن بالليل (وأنتم) بالنهار (فتبلى) سريعا\" (^١) ا. هـ.\n\n٣١٧٨ - وَرُوِيَ أَيْضا عَن عُثْمَان بن جهم عَن زر بن حُبَيْش عَن أبي ذَر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من لبس ثوب شهرة أعرض الله عَنهُ حَتَّى يَضَعهُ مَتى وَضعه (^٢).\nقوله: وعن عثمان بن جهم (الهجري بفتح الهاء والجيم عن زر بن حبيش وعنه وكيع وثقه ابن حبان وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به، وقال البخاري: عنده عجائب)\nعن زر بن حبيش أما زر فيكسر الزاي وحبيش بضم الحاء وفتح الموحدة وآخره شين معجمة وهو من المعمرين زاد على مائة وعشرين سنة وهو من\n_________\n= عن أبي الزبير إلا عمر بن موسى بن وجيه، ولا يروى عن رسول الله -ﷺ-، إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٣١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن موسى بن وجيه، وهو وضاع. وقال الألباني في الضعيفة (٢٨٠١) و(٥٩٠٤): موضوع.\n(^١) لم أجده وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٤٤٥): وكذا مما اشتهر على بعض الألسنة: اطووا ثيابكم بالليل لا يلبسها الجن فتوسخ، لم أره. وذكر هذه الآثار زكريا الأنصارى في أسنى المطالب (١/ ٢٧٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٠٨)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٣٢٨، وابن حبان في الثقات ٩/ ٢٣٠، والضراب في ذم الرياء (٥٠ و٥١)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (١٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦ رقم ٥٨٢٠).\nقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٩٠: هذا إسناد حسن العباس بن يزيد مختلف فيه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٦٥٠)، وضعيف الجامع (٥٨٢٨)، وضعيف الترغيب (١٢٧٧).","vol":"9","page":270},{"text":"كبار التابعين (واتفقوا على توتيقه وجلالته) \"من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه\" وروى البيهقي في شعبه من طريق شيخه الحاكم عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وزيد بن ثابت أن النبي -ﷺ- \"نهى عن الشهرتين قيل يا رسول الله وما الشهرتان قال رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتهما وطولها وقصرها\" (^١) وقال: البيهقي يكره لبس ثوب الشهرة من الثياب في النفاسة أو في الخساسة قال: عمر بلغني أن النبي -ﷺ- \"نهى أن تلبس الثياب الخسيسة التي ينظر فيها والحسنة التي ينظر إليها فيها\" (^٢) وقال: -ﷺ- \"خير الأمور أوساطها\" (^٣) ويدخل في الثياب الشهيرة من لبس ثوبا مقلوبا أو محولا كجبة أو قباء كما يفعل بعض أهل الجفاء والسخافة (^٤).\nقال ابن عبد البر (^٥): كان يقال كل من الطعام ما اشتهيت والبس من الثياب ما اشتهى الناس وقيل ثوب الشهرة ما خالف زي بلده وأزري به ونقص\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٨/ ٢٧٦ رقم ٥٨٢١). وقال البيهقي: أبو نعيم هذا لا نعرفه. وقال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ١٨٣): غريب من حديثه عن سعيد عن أبي هريرة وزيد بن ثابت تفرد به أبو نعيم عمر بن الصبيح عنه. وقال الألباني في الضعيفة (٢٣٢٦): موضوع.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٨/ ٢٧٥ رقم ٥٨١٨ و٥٨١٩) والكبرى (٣/ ٣٨٧ رقم ٦١٠٢) عن عمرو بن الحارث عن سعيد عن هارون بن كنانة من كتابه بلاغا. وقال: هذا منقطع. وضعفه الألباني في الضعيفة (٧٠٥٦).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الصحابة (٧٢٩٦) عن بعض أصحاب النبى.\n(^٤) الآداب الشرعية (٣/ ٤٩٨).\n(^٥) بهجة المجالس (ص ١٨٥) لابن عبد البر.","vol":"9","page":271},{"text":"مروءته وفي المستوعب للحنابلة (^١) ما يشتهر به عند الناس ويزري بصاحبه وينقص مروءته تقدم أن النبي -ﷺ- قال: \"إن الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة\" ا. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) المستوعب (١/ ٢٦٥) للسامرى، والآداب الشرعية (٣/ ٥٢٦) لابن مفلح.","vol":"9","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>[الترغيب في الصدقة على الفقير بما يلبسه كالثوب ونحوه]</span>\n٣١٧٩ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من مُسلم كسا مُسلما ثوبا إِلَّا كَانَ فِي حفظ من الله مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خرقَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا من رِوَايَة خَالِد بن طهْمَان وَلَفظ الْحَاكِم سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من كسا مُسلما ثوبا لم يزل فِي ستر الله مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خيط أَو سلك قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ما من مسلم كسا مسلما ثوبا إلا كان في حفظ (من) الله ما دام عليه منه خرقة\" [وإنما لم يقل: في حفظ الله؛ ليدل التنكير على نوع تفخيم وشيوع، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فلا حصرَ ولا عدَّ لثوابه].\nقوله: رواه الترمذي من رواية خالد بن طهمان [ضعفه ابن معين، وقال: خلط قبل موته بعشر سنين، وكان قبل ذلك ثقة وكان في تخليطه كلما جاءوه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٨٤)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٦٠٣)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٧٦ رقم ١٢٥٩١ و١٢٥٩٢)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٣٦٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٩٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: خالد بن طهمان ضعيف. وضعفه الألباني في المشكاة (١٩٢٠) وضعيف الترغيب (١٢٧٨).","vol":"9","page":273},{"text":"به قرأه، وقال أبو حاتم: من عتق الشيعة، محله الصدق، وحسن له الترمذي].\nوقوله: -ﷺ- في رواية الحاكم: \"لم يزل في ستر الله ما دام عليه منه خيط أو سلك\" فهذا يدل على أن الخيط غير السلك.\n\n٣١٨٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَيّمَا مُسلم كسا مُسلما ثوبا على عري كسَاه الله من خضر الْجنَّة وَأَيّمَا مُسلم أطْعم مُسلما على جوع أطْعمهُ الله من ثمار الْجنَّة وَأَيّمَا مُسلم سقى مُسلما على ظمأ سقَاهُ الله ﷿ من الرَّحِيق الْمَخْتُوم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أبي خَالِد يزِيد بن عبد الرَّحْمَن الدالاني وَحَدِيثه حسن وَالتِّرْمِذِيّ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وَتقدم لَفظه فِي إطْعَام الطَّعَام وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا على أبي سعيد وَهُوَ أصح وأشبه (^١) قَالَ الْحَافِظ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب اصطناع الْمَعْرُوف عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ قَالَ يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة أعرى مَا كَانُوا قطّ وأجوع مَا كَانُوا قطّ وأظمأ مَا كَانُوا قطّ وأنصب مَا كَانُوا قطّ فَمن كسا لله ﷿ كسَاه الله ﷿ وَمن أطْعم لله ﷿ أطْعمهُ الله ﷿ وَمن سقى لله ﷿ سقَاهُ الله ﷿ وَمن عمل لله أغناه الله وَمن عَفا لله عز\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٣ (١١٢٧٠)، وأبو داود (١٦٨٢)، والترمذي (٢٤٤٩)، وأبو يعلى (١١١١)، والطبراني في مكارم الأخلاق (١٩٢)، وابن مردويه في ثلاثة مجالس من أماليه (٣٧)، والبيهقي في الآداب (٧٦) والكبرى (٤/ ٣١١ رقم ٧٨٠٥) والشعب (٥/ ٦١ - ٦٢ رقم ٣٠٩٨). قال الترمذي: هذا حديث غريب وقد روي هذا عن عطية، عن أبي سعيد موقوفا، وهو أصح عندنا وأشبه. وقال أبو حاتم في العلل (٢٠٠٧): الصحيح موقوف؛ الحفاظ لا يرفعونه. وضعفه الألباني في المشكاة (١٩١٣) وضعيف الترغيب (٥٥٥) و(١٢٧٩).","vol":"9","page":274},{"text":"وَجل أَعْفَاهُ الله ﷿ أنصب أَي أتعب (^١) قَالَ الْحَافِظ وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة فِي بَاب مَا يَقُول إِذا لبس ثوبا جَدِيدا وَفِيه قَالَ عمر سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من لبس ثوبا أَحْسبهُ قَالَ جَدِيدا فَقَالَ حِين يبلغ ترقوته مثل ذَلِك ثمَّ عمد إِلَى ثَوْبه الْخلق فَكَسَاهُ مِسْكينا لم يزل فِي جوَار الله وَفِي ذمَّة الله وَفِي كنف الله حَيا وَمَيتًا مَا بَقِي من الثَّوْب سلك.\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة\" الحديث، خضر الجنة [أي: من ثيابها الخضر، أقام الصفة مقام الموصوف، وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ (^٢).\nخرج صفوان بن سليم في ليلة باردة بالمدينة من المسجد فرأى رجلا عاريا فنزع ثوبه وكساه إياه، فرأى بعض أهل الشام في منامه أن صفوان بن سليم دخل الجنة بقميص كساه فقدم المدينة فقال: دلوني على صفوان فأتاه فقص عليه ما رأى (^٣).\nرأى (مسعر) (^٤) أعرابيا يتشرق في الشمس وهو يقول:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في اصطناع المعروف (٣٨) وقضاء الحوائج (٣٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٥٦) و(١٢٨٠).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ٣١.\n(^٣) صفة الصفوة (١/ ٣٨٥).\n(^٤) في الأصل سعيد والتصويب من لطائف المعارف (ص ٣٣٢).","vol":"9","page":275},{"text":"جاء الشتاء وليس عندي درهم ... ولقد يخص بمثل ذاك المسلم\nقد قطع الناس الجباب وغيرها ... وكأنني بفناء مكة محرم\n[فنزع مسعر جبته فألبسه إياها] (^١)\nرفع إلى بعض الوزراء أن امرأة معها أربعة أطفال أيتام وهم عراة جياع فأمر رجلًا أن يمضي عليهم ويحمل معه ما يصلحهم من كسوة وطعام ثم نزع ثيابه وحلف لا لبستها ولا دفيت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم فمضى وعاد فأخبره ثم اكتسوا وشبعوا وهو يرعد من البرد فلبس حينئذ ثيابه، قاله ابن رجب في اللطائف (^٢).\n\n٣١٨١ - وَرُوِى عَن عمر -﵁- مَرْفُوعا أفضل الْأَعْمَال إِدْخَال السرُور على الْمُؤمن كسوت عَوْرَته أو أشبعت جوعته أَو قضيت لَهُ حَاجَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣).\nوتقدم معنى باقي الأحاديث فيمن لبس ثوبا جديدا والله أعلم.\n_________\n(^١) سقط من الأصل وتمامه من لطائف المعارف (ص ٣٣٢).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٣٣٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٠٢ رقم ٥٠٨١). وقال: لم يرو هذا الحديث عن كثير النواء إلا علي بن هاشم، تفرد به: محمد بن بشير، ولا يروى عن عمر إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن بشير الكندي، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٩٥٤) و(٢٠٩٠) و(٢٦٢١).","vol":"9","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>[الترغيب في إبقاء الشيب وكراهة تتفه]</span>\n٣١٨٢ - عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تنتفوا الشيب فَإِنَّهُ مَا من مُسلم يشيب شيبَة فِي الْإِسْلَام إِلَّا كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة وَفِي رِوَايَة كتب الله لَهُ بهَا حَسَنَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَلَفظه أَن النَّبِي -ﷺ- نهى عَن نتف الشيب وَقَالَ إِنَّه نور الْمُسلم وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن عمرو بن شعيب، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تنتفوا الشيب فإنه ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة\" قال أصحاب الشافعي وأصحاب مالك: يكره نتف الشعر الأبيض من رأس رجل ولحيته، وقال مالك: لا يحرم (^٢).\nوقال النووي (^٣): لو قيل بتحريمه للنهي الصريح لم يبعد، قال الأصحاب:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٩ (٦٧٨٣) و(٦٧٨٦) و٢/ ٢٠٦ (٧٠٤٣) و٢/ ٢٠٧ (٧٠٥٦) و٢/ ٢١٠ (٧٠٨١) و١٢/ ٢١٣ (٧١٠٩)، وابن عرفة في جزئه (٤٣)، وابن ماجه (٣٧٢١)، وأبو داود (٤٢٠٢)، والترمذي (٢٨٢١)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٣٣ (٥١١٢) والكبرى (٩٢٨٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٩١)، المشكاة (٤٤٥٨)، الصحيحة (١٢٤٣).\n(^٢) إكمال المعلم (٧/ ٣١٢)، والمسالك (٧/ ٤٨٩) والمنتقى (٧/ ٢٧٠)، والمجموع (١/ ٢٩٢).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).","vol":"9","page":277},{"text":"ومن صرح به [الصميري] والبغوي وآخرون للأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما فإبراهيم ﵊ أول من شاب (^١) وذلك أنه كان إسحاق على شبهه لا يفرق بينهما المتأمل الحاذق فوسمه الله تعالى بالشيب حتى تميز به عنه وروي أنه لما رأى الشيب راعه قال: يا رب، ما هذا؟ فأوحى الله ﷿ إليه أن هذا وقاري فقال اللهم زدني وقارا فأصبح أبيض اللحية والرأس (^٢)، ولهذا قال النبي -ﷺ-: \"من عمره الله في الإسلام أربعين سنة رفع الله ﷿ عنه الجنون والجذام والبرص فإذا بلغ الخمسين رزقه الله الإنابة إليه وإذ بلغ الستين خفف الله عنه الحساب وإذا بلغ السبعين أحبه الله تعالى وحببه لأهل السماء والأرض وإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته ومحى عنه سيئاته فإذا بلغ التسعين رفع الله عنه القلم وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمي أسير الله في أرضه وشفع في أهل بيته\" (^٣) وقال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد عقب (١٢٥٠) عن سعيد بن المسيب.\n(^٢) كنز الدرر (٢/ ٢١٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٢١٧ (١٣٤٨٣)، والبزار (٦١٨٢) و(٦١٨٣)، وأبو يعلى (٤٢٤٦ و٤٢٤٧ و٤٢٤٨ و٤٢٤٩ و٤٢٥٠)، وابن فيل في جزئه (٤)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٢ - ١٣٢)، والبيهقي في الزهد (٦٤٢) عن أنس بن مالك. وقال البزار: ولا نعلم أسند جعفر بن عمرو بن أمية، عن أنس، إلا هذا الحديث.\nوقال الهيثمي في المجمع، ١٠/ ٢٠٤ - ٢٠٥: رواها كلها أبو يعلى بأسانيد، ورواه أحمد موقوفا باختصار -قلنا: يعني هذه الرواية-، وفي أحد أسانيد أبي يعلى ياسين الزيات، وفي الآخر يوسف بن أبي ذرة، وهما ضعيفان جدا، وفي الآخر أبو عبيدة بن الفضيل بن عياض، وهو لين، وبقية رجال هذه الطريق ثقات، وفي إسناد أنس الموقوف من لم أعرفه. =","vol":"9","page":278},{"text":"-ﷺ-: \"إن الله يحب ابن الثمانين\" (^١) قال مطرف ﵀: كان مالك ﵀ إذا سمع هذا الحديث أعجبه وكان من أبناء الثمانين، قال عبد الملك: كل ما جاء من هذا التسهيل فإنما هو لأهل [التجرد] منهم للخير ومن كان منهم في شيخوخته وسنه على طاعة الله ﷿ وأما من كان على معصية الله ﷿ وما لا يحسن للشباب أن يكون عليه فلم [يعن] أولئك بهذا الحديث، وفي الحديث أيضا: \"أن الله تعالى يقول للحفظة ارفقوا بالعبد ما دامت حداثته فإذا بلغ الأربعين يعني سنة حققا وتحفظا\" فكان بعض رواته يبكي عند روايته ويقول: حين كبرت السن ورق العظم وقع التحفظ (^٢) وقال بعضهم في الشيب (^٣):\nلما تدنست بالتفريط في كبري ... وصرت مغري يشرب الراح واللعن\nرأيت أن بياض الشيب أستر لي ... إن البياض قليل الحمل للدنس\nمن نزل به الشيب فهو بمنزلة الحامل التي تمت شهور حملها فلا تنتظر إلا الولادة، كذلك صاحب الشيب لا ينتظر إلا الموت فقبيح منه الإصرار\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠٥: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. وأخرجه أحمد ٢/ ٨٩ (٥٧٣٠) موقوفا على أنس. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٧٩ - ١٨١).\n(^١) أخرجه ابن عساكر (٧/ ٢١ - ٢٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا. وقال الألباني في الضعيفة (١٩٢٠): ضعيف جدا.\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٣٠٣).\n(^٣) هو من أشعار علي بن مؤمن بن محمد بن علي أبو الحسن بن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي. (تاريخ الإسلام ١٥/ ١٧٢، والوافى ٢٢/ ١٦٦، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة ١/ ٢١٩، وبغية الوعاة ٢/ ٢١٠).","vol":"9","page":279},{"text":"على الذنب، شعر:\nأي شيء تريد مني الذنوب ... شغفعت بي فليس عني تغيب\nما يضر الذنوب لو أعتقتني ... رحمة ربي فقد علاني المشيب\nالشيخ قد تركته الذنوب فلا ... حمد له على تركها كما قيل\nتاركك الذنب فتاركه ... بالفعل والشهوة في القلب\nفالحمد للذنب على تركه ... لا لك في تركك للذنب (^١)\nفالشيب يكون شافعا لصاحبه من العقوبات، مات شيخ كان مفرطا فرئ في المنام فقيل له ما فعل الله بك، قال: قال لي لولا أنك شيخ لعذبتك، وقف شيخ بعرفة والناس يضجون بالدعاء وهو ساكت ثم قبض على لحيته وقال يا رب شيخ يا رب شيخ، شعر:\nإن الملوك إذا شابت عبيدهم ... في رقهم عتقوهم عتق أبرار\nوأنت يا خالقي أولى بذا كرمًا ... قد شبت في الرق فأعتقني من النار (^٢)\nفرع: روى أنه -ﷺ- قال: \"لا تنتفوا الشعر الذي يكون في الأنف فإنه يورث الأكلة ولكن قصوه قصا\" (^٣) أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عبد الله بن بسر.\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٣٤٦).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٣٤٧).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي (٣٠٩) والديلمي كما في الزيادات على الموضوعات (٧١٦) من طريق الحسين بن علوان الكلبي، عَن حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَن عَبد الله بن بسر المازني. وقال السيوطى في الزيادات: ابن علوان يضع الحديث.","vol":"9","page":280},{"text":"٣١٨٣ - وَعَن فضَالة بن عبيد -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ لَهُ رجل عِنْد ذَلِك فَإِن رجَالًا ينتفون الشيب فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شَاءَ فلينتف نوره رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات (^١).\nقوله: عن فضالة بن عبيد -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة\" تقدم أيضا معناه وكذلك بقية أحاديث تفسيره في الحديث قبله.\n\n٣١٨٤ - وَعَن عَمْرو بن عبسة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي حَدِيث وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٠ (٢٤٥٨٥)، والبزار (٣٧٥٥)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٤١ رقم ٥٤٩٣)، والكبير ١٨/ ٣٠٤ (٧٨٢) و(٧٨٣)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٣٨٥ رقم ٥٩٧١)، والشجرى في الأمالى (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦). قال الطبراني في الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن فضالة بن عبيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: وهب بن جرير.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٥٨: رواه البزار، والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢٢٠)، والطيالسي (١٢٤٨) و(١٢٥٠)، وعبد الرزاق (١٥٤) و(٩٥٤٤)، وسعيد بن منصور (٢٤٢٠) و(٢٤١٩)، وأحمد ٤/ ١١٣ (١٧٢٩٤) و(١٧٢٩٦) و(١٧٢٩٨)، وعبد بن حميد (٢٩٨) و(٣٠٢)، والترمذي (١٦٣٥)، والنسائى في المجتبى ٥/ ٣٧٢ (٣١٦٥) والكبرى (٤٣٣٥)، وابن أبى عاصم في الجهاد =","vol":"9","page":281},{"text":"٣١٨٥ - وَعَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شَاب شيبَة فِي سَبِيل الله كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n٣١٨٦ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ كانَ يكره أَن ينتف الرجل الشعرة الْبَيْضَاء من رَأسه ولحيته رَوَاهُ مُسلم (^٢).\n_________\n= (١٦٧) والآحاد والمثانى (١٣٢٨)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٣٨٢)، وابن حبان (٢٩٨٤)، والطبراني في الشاميين (٩٥٧) و(٩٥٨) و(١١٦٢) و(١٢٥٨) و(٢٧٥١) و(٣٤٩٧) والأوسط (٣/ ٢٨٥ رقم ٣١٦٥)، والحاكم (٣/ ٤٩ - ٥٠)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٧٢ رقم ١٨٥٠٩) و(١٠/ ٤٦٠ رقم ٢١٣١٠ و٢١٣١١) والشعب (٦/ ١٨٧ رقم ٤٠٣٢) و(٨/ ٣٨٦ رقم ٥٩٧٢). وصححه الألباني في المشكاة (٤٤٥٩) والصحيحة (١٢٤٤) وصحيح الترغيب (١٢٨٦) و(٢٠٩٣).\n(^١) أخرجه ابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٨٠)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٦٩٢)، وابن حبان (٢٩٨٣)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩ رقم ١٨٢٥) والكبير (١/ ٦٧ رقم ٥٨) والشاميين (٢٢٥٩) و(٢٢٩٠)، والضياء في المختارة ١/ ٢٣٤ (١٢٩) و١/ ٢٣٥ (١٣٠). وقال الضياء: إسناده صحيح.\nوقال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ١٥١ - ١٥٢): فهو محفوظ من حديث محمد بن حمير الحمصي أحد الثقات الذين احتج بهم البخاري في \"صحيحه\" وكذا شيخة ثابت بن عجلان ثقة. وقال عن إسناد الطبراني: إسناده فيه ضعف وهو شاهد للذى قبله لكن قد يقال قد اختلف فيه على ثابت بن عجلان وقد قال فيه أبو أحمد بن عدى له ثلاثة أحاديث غرائب والجواب أنه قد روى له البخاري وإن صح هذا السند الثانى فلعله عنده من وجهين عن عمر -﵁- وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٥٩: رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، وفيه سويد بن عبد العزيز، وهو متروك. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٩٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٤ - ٢٣٤١).","vol":"9","page":282},{"text":"٣١٨٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَا تنتفوا الشيب فَإِنَّهُ نور يَوْم الْقِيَامَة من شَاب شيبَة فِي الْإِسْلَام كتب الله لَهُ بهَا حَسَنَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: عن عمرو بن عبسة (^٢) -﵁-[هو أبو نجيح، وقيل: أبو شعيب عمرو بن عبسة، بعين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين، ثم سين مهملة على وزن عدسة، وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابي الصالح أسلم قديمًا، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، رُوى له عن رسول الله -ﷺ- ثمانية وثلاثون حديثًا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفى بها].\nقوله -ﷺ-: \"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة\" تقدم أيضا معناه وكذلك بقية أحاديث الباب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٢٩٨٥). وقال الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٩٦): حسن صحيح.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣١ - ٣٢ رقم ٤٥٤).","vol":"9","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>[الترهيب من خضب اللحية بالسواد]</span>\n٣١٨٨ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يكون قوم يخضبون فِي آخر الزَّمَان بِالسَّوَادِ كحواصل الْحمام لَا يريحون رَائِحَة الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان في صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم من رِوَايَة عبيد الله بن عَمْرو الرقي عَن عبد الْكَرِيم فَذهب بَعضهم إِلَى أَن عبد الْكَرِيم هَذَا هُوَ ابْن أبي الْمخَارِق وَضعف الحَدِيث بِسَبَبِهِ وَالصَّوَاب أَنه عبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي وَهُوَ ثِقَة احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَالله أعلم (^١).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد\" الحديث، وفي\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في النكت الظراف ٤/ ٤٢٤، وأحمد ١/ ٢٧٣ (٢٥٠٩)، وأبو داود (٤٢١٢)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤١ (٥١١٩) والكبرى (٩٢٩٣)، وأبو يعلى (٢٦٠٣)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٦٩٩)، وابن حبان كما في اتحاف الخيرة ٧/ ٩٧ (٧٤١٢)، والطبراني (١١/ ٤٤٢ رقم ١٢٢٥٤) في الأوسط (٤/ ١٣٦ رقم ٣٨٠٣)، والحاكم كما في إتحاف الخيرة ٧/ ٩٧ (٧٤١٢)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٤٠٢ رقم ٥٩٩٧) والآداب (٥٥٠) والكبرى (٧/ ٥٠٨ رقم ١٤٨٢٤)، والبغوي (٣١٨٠). وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٦١): إسناده جيد. وقال ابن حجر في الفتح ٦/ ٤٩٩: إسناده قوي. وصححه الألباني في المشكاة (٤٤٥٢) وصحيح الترغيب (٢٠٩٧)، غاية المرام (١٠٧).","vol":"9","page":284},{"text":"حديث آخر: \"إن الله يبغض الشيخ الغريب\" (^١) أي الذي يخضب بالسواد يعني لحيته وإسناده جيد يعني الحديث الأول وهذا يدل على التحريم، وفيه خلاف الأصح عندنا التحريم واختاره النووي ولقوله -ﷺ- في الحديث الآخر: \"واجتنبوا السواد\" (^٢).\nقال النووي (^٣): هذا مذهبنا وممن صرح بتحريمه أقضى القضاة الماوردي صاحب الحاوي في كتاب الصلاة في باب النجاسة قال: إلا أن يكون في الجهاد، وذكر في آخر كتابه الأحكام السلطانية (^٤) يمنع المحتسب الناس من خضاب الشيب بالسواد إلا المجاهد، وقد علل أيضا بأنه من باب التدليس على النساء وبأنه سواد في الوجه فيشبه سيما أهل النار ولا فرق في المنع من الخضاب بالسواد بين الرجل والمرأة هذا مذهبنا وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه رخص فيه للمرأة تتزين به لزوجها وقيل يكره الصبغ بالسواد ولا يحرم وبه قال الغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب وآخرون من الأصحاب وظاهر عبارتهم أنه مكروه كراهة تنزيه بل قد روي عن جماعة كثيرة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يصبغون بالسواد منهم عمر وعثمان\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٤/ ٨٤ - ٨٥) من طريق رشدين عن أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن قسيط، عن أبي هريرة. وقال: وهذا الحديث بهذا اللفظ يرويه رشدين.\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٩ - ٢١٠٢)، وأبو داود (٤٢٠٤)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٢ (٥١٢٠) والكبرى (٩٢٩٤) عن جابر.\n(^٣) المجموع شرح المهذب (١/ ٢٩٤).\n(^٤) الأحكام السلطانية (ص ٣٧٣).","vol":"9","page":285},{"text":"والحسن والحسين ابنا علي وعقبة بن عامر ومحمد بن علي وعلي بن عبد الله ابن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو بردة وآخرون وعن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد ويقول هو أسكن للزوجة وأهيب للعدو وأما الصباغ بالحناء أو الكتم فلا ينبغي أن يختلف فيه لصحة الأحاديث بذلك وقد اختلف السلف قبلنا في تغيير الشيب فرأى بعضهم أن أمر النبي -ﷺ- بصبغه ندب وأن تغييره أولى من تركه أبيض روي ذلك عن قيس بن أبي حازم وغيره عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يخضبان بالحناء والكتم وكان الشعبي وابن أبي مليكة يخضبان بالحناء وممن كان يخضب بالصفرة علي بن أبي طالب وابن عمر والمغيرة بن شعبة وجرير البجلي وأبو هريرة وأنس بن مالك وروي ذلك عن جماعة من التابعين ورأى آخرون أن ترك الشعر أبيض أولى من تغييره لما صح عنه -ﷺ- نهى عن تغيير ترك الشيب وقالوا توفي النبي -ﷺ- وقد بدا في عنفقته الشيب ولم يغيره بشيء ولو كان تغييره أولى لكان -ﷺ- آثر الأفضل وكذلك كان علي بن أبي طالب أبيض الرأس واللحية وكذلك أبي بن كعب وكذلك أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع لا يغيران الشيب وكذلك جماعة من التابعين (^١).\nوقوله -ﷺ- في الحديث \"خالفوا اليهود والنصارى وغيروا الشيب\" (^٢) به الخصوص ومعناه غيروا الشيب الذي هو نظير شيب أبي قحافة والد أبي\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٦٢٤ - ٦٢٦) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٧٥٢)، وابن حبان (٥٤٧٣) عن أبى هريرة. وقال الألباني: حسن صحيح الصحيحة (٨٣٦).","vol":"9","page":286},{"text":"بكر الصديق وأما من كان أسخط فهو الذي أمره النبي -ﷺ- أن لا يغيره وقال من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ولذلك لم يغير النبي -ﷺ- شيبه لقلته مع أن تغيير الشيب ندب لا فرض ولو لم يكن كذلك لكان تارك الشيب قد أنكروا على المغيرين وأنكر المغيرون على تاركي التغيير وقد قال بعض العلماء إن الأمر في ذلك محمول على حالين أحدهما عادة البلد ممن كانت عادة موضعه ترك الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة تقبح وتكره وثانيهما اختلاف حال الناس في شيبهم فرب شيبة نقية بيضاء هي أجمل منها مصبوغة وبالعكس فمن قبحه الخضاب اجتنبه ومن حسنه استعمله فاختلاف السلف بحسب اختلاف أحوالهم مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب والتحريم بالإجماع ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه فيه ولا يجوز أن يقال فيهما ناسخ ومنسوخ وللخضاب فائدتان إحداهما تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار والدخان والأخرى مخالفة أهل الكتاب لقوله -ﷺ- \"خالفوا اليهود والنصارى فإنهم لا يصبغون\" ولكن هذا الصباغ يغير السواد تمسكا لقوله -ﷺ- \"واجتنبوا السواد\" الحديث (^١) اهـ.\nفائدة: قال القاضي (^٢): اختلف العلماء هل خضب النبي -ﷺ- أو لا فمنعه الأكثرون لحديث أنس وهو قول مالك وقال بعض المحدثين خضب لحديث أم سلمة ولحديث أم عمر أنه رأى النبي -ﷺ- يصبغ بالصفرة وقال بعضهم جمع بين الأحاديث بما أشار إليه في حديث أم سلمة من كلام أنس\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٦٢٤ - ٦٢٦) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٠).\n(^٢) إكمال المعلم (٧/ ٣٠٩).","vol":"9","page":287},{"text":"في قوله: ما أدري ما هذا الذي يحدثون إلا أن يكون من الطيب الذي كان يطيب به شعره لأنه كان -ﷺ- كان يستعمل الطيب كثيرا وهو يزيل سواد الشعر فأشار أنس إلى أن تغيير ذلك ليس بصبغ وإنما أضعف لون سواده بسبب الطيب قال: ويحتمل أن تلك الشعرات تغيرت بعده -ﷺ- بكثرة تطييب أم سلمة لها إكراما لها هذا آخر كلام القاضي (^١) والمختار أنه صبغ في وقت وتركه في معظم الأوقات فأخبر كل بما رأى وهو صادق وهذا التأويل كالمتعين لحديث ابن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه إلى تأويله والله أعلم، وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه فالجمع بينهما أنه رأى شيبا يسيرا فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير ومن نفاه أراد لم يكثر كما قال في الرواية الأخرى لم ير من الشيب إلا قليلا (^٢).\nوقوله في الرواية أنه -ﷺ- كان قد شمط مقدم رأسه ولحيته اتفق العلماء على أن المراد بالشمط هنا ابتداء الشيب اهـ قاله في الديباجة.\nتتمة في خضاب اليدين والرجلين بالحناء: وهو مستحب للمرأة المتزوجة للأحاديث المشهورة فيه وحرام على الرجال إلا لحاجة التداوي وغيره (^٣) وفي سنن أبي داود والنسائي من حديث كريمة بنت همام أن امرأة أتت عائشة فسألتها عن خضاب الحناء فقالت لا بأس به ولكني أكرهه لأن [النبي -ﷺ-]\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٥).\n(^٣) المجموع (١/ ٢٩٤).","vol":"9","page":288},{"text":"كان يكره ريحه (^١) وفيهما أيضا عن هند بنت عتبة أنها قالت يا رسول الله [بايعني] قال لا أبايعك حتى تغيري كفيك كأنهما كفا سبع (^٢)، وفي سنن أبي داود من حديث صفية بنت عصمة عن عائشة قالت: أو [مت] امرأة من وراء ستر بيدها كتابا إلى رسول الله -ﷺ- فقبض النبي -ﷺ- يده وقال ما أدري أيد رجل أم يد امرأة قالت بل امرأة قال لو كنت امرأة لغيرت أظفارك بالحناء (^٣) والله أعلم.\nثم اختلف هؤلاء فكان أكثرهم يخضب بالصفرة منهم ابن عمر وأبو هريرة وآخرون وروي ذلك عن علي، وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران، وخضب جماعة بالسواد، وروي ذلك عن عثمان والحسن والحسين ابني علي وعقبة بن عامر وابن سيرين وأبي بردة وآخرين،\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٦٧٢)، وأحمد ٦/ ١١٧ (٢٥٥٠١) و٦/ ٢١٠ (٢٦٣٩٩)، وأبو داود (٤١٦٤)، والنسائي في المجتبى (٥١٣٤) والكبرى (٩٣١٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٢٩٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٦٥)، وأبو يعلى (٤٧٥٤)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم ١٣٤٩٨) عن عائشة. وقال ابن حجر في التمييز (٤/ ١٥٥٢): وفي إسناده مجهولات ثلاث. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع وزيادته برقم (٦١٦٩)، ومشكاة المصابيح برقم (٤٤٦٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٦٢ (٢٦٨٩٩)، وأخرجه أبو داود (٤١٦٦) -ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨/ ٤٠٥ رقم ٦٠٠٢) -، والنسائي في المجتبى ٨/ ٥٢ (٥١٣٣)، وفي الكبرى (٩٣١١)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٢٠ رقم ٣٧٦٥) و(٧/ ١١ رقم ٦٧٠٦)، وابن عدي (٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٤٤٢ رقم ١٩٠٢٨ و١٩٠٢٩). قال ابن عدى: ولمطيع بن ميمون بهذا الإسناد حديث آخر وجميعا غير محفوظين. وحسنه الألباني في حجاب المرأة المسلمة (٣٢).","vol":"9","page":289},{"text":"قال القاضي عياض (^١): قال الطبري (^٢): والصواب أن الآثار المروية عن النبي -ﷺ- بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة واسمه عثمان وهو والد أبي بكر الصديق، أسلم يوم فتح مكة وقحافة بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة والنهي لمن شمط فقط قال: واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع ولهذا لم ينكره بعضهم على بعض خلافه في ذلك، قال: ولا يجوز أن يقال فيهما ناسخ ومنسوخ، قال القاضي: وقال غيره: هو على حالين فمن كان في موضع عادة أهله الصبغ أو تركه فخروجه عن العادة شهرة ومكروه، والثاني: أن يختلف نظافة الشيب فمن كانت شيبته تكون نقية أحسن منها مصبوغة فالترك أولى ومن كانت شيبته تستشنع فالصبغ أولى هذا ما نقله القاضي والأصح الأوفق للسنة ما قدمناه عن مذهبنا (^٣) والله أعلم.\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى [كلام القاضي هذا تكرر مع ما تقدم قريبًا]: واختلف العلماء هل خضب النبي -ﷺ- أم لا فمنعه الأكثرون لحديث أنس وهو مذهب مالك قال: سألت أنس بن مالك -ﷺ- هل كان النبي -ﷺ- خضب؟ قال: لم يبلغ الخضاب كان في لحيته شعرات بيض وفي رواية لم ير الشيب إلا قليلا، وقال بعض المحدثين: خضب لحديث أم سلمة أخرجت\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٦٢٥ - ٦٢٦).\n(^٢) تهذيب الآثار- الجزء المفقود (ص ٥١٨)، وشرح النووي (١٤/ ٨٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٠).","vol":"9","page":290},{"text":"لهم شعرات من شعر رسول لله -ﷺ- حمر مخضوبة بالحناء والكتم ولحديث ابن عمر أنه رأى النبي -ﷺ- يصبع بالصفوة، قال: وجمع بعضهم بين الأحاديث بما أشار إليه في حديث أم سلمة من كلام أنس في قوله والله ما أدري ما هذا الذي يحدثون إلا أن يكون ذلك من الطيب الذي يطيب به شعره لأنه -ﷺ- كان يستعمل الطيب كثيرا وهو يزيل سواد الشعر فأشار أنس إلى أن تغيير ذلك ليس بصبغ وإنما هو لضعف لون سواده بسبب الطيب، قال: ويحتمل أن تكون الشعرات تغيرت بعده -ﷺ- ولكثرة تطييب أم سلمة لها إكراما هذا آخر كلام القاضي عياض، والمختار أنه صبغ في وقت وتركه في معظم الأوقات فأخبر كل بما رأى وهو صادق وهذا التأويل كالمتعين لحديث ابن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه إلى تأويله والله أعلم، وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه فالجمع بينهما أنه رأى شيبا يسيرا فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير ومن نفاه أراد لم يكثر كما قال في الرواية الأخرى لم نرى من الشيب إلا يسيرًا.\nتنبيه: ولعل حديث الصبغ بالحناء أو الكتم على التخيير ولكن الروايات على اختلافهما بالحناء والكتم، والكتم بفتح الكاف والتاء المثناة فوق المخففة هذا هو المشهور، وقال أبو عبيدة هو بتشديد التاء والمشهور التخفيف وحكاه غيره وهو نبات يصبغ به الشعر يكثر بياضه أو حمرته إلى الدهمة (^١) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"9","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>[ترهيب الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجة]</span>\n٣١٨٩ - عَن أَسمَاء -﵂- أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي -ﷺ- فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن ابْنَتي أصابتها الحصبة فتمرق شعرهَا وَإِنِّي زوجتها أفأصل فِيهِ فَقَالَ لعن الله الْوَاصِلَة والموصولة وَفِي رِوَايَة قَالَت أَسمَاء -﵂- لعن النَّبِي -ﷺ- الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: أن امرأة سألت النبي -ﷺ- فقالت يا رسول الله إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمرق شعرها، وفي رواية: \"شعر رأسها\" \"وإني زوجتها\" وفي حديث آخر \"مرضت\" \"أفأصل فيه\" الحديث، الحصبة: بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين ويقال أيضا بفتح الصاد وكسرها ثلاث لغات حكاهن جماعة والإسكان أشهر وهي بثرات تخرج في الجلد حمر متفرقة كحب الجاروس، وقال بعضهم: داء معروف تقول منه حصب جلده بكسر الصاد فيحصب، وفي النهاية: الحص إذهاب الشعر عن الرأس بحلق أو مرض (^٢).\nوقوله: \"فتمرق شعرها\" بالراء المهملة وهي بمعنى تساقط وتمرط كما ذكر في باقي الروايات، تمرط أي تنتف وسقط وتقطع، ومثله تمرق يقال مرق شعره\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٣٥) و(٥٩٣٦) و(٥٩٤١)، ومسلم (١١٥ و١١٦ - ٢١٢٢)، وابن ماجه (١٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (٩٣٢٠) و(٩٣٢١) والمجتبى ٨/ ٥٩ (٥١٣٨) و٨/ ١٨٢ (٥٢٩٤).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٩٦).","vol":"9","page":292},{"text":"وتمرق وانمرق إذا انتشر وتساقط من [مرض أو غيره]، ولم يذكر القاضي عياض في الشرح سوى الراء المهملة كما ذكرنا وحكاه في المشارق عن جمهور الرواة من المروق وهو خروج الشعر عن موضعه أو من المرق وهو نتف [الصُّوف] (^١)، وحكي عن جماعة من رواة صحيح مسلم أنه بالزاي المعجمة وهذا وإن كان قريبا من معنى الأول ولكنه لا يستعمل في الشعر في حال المرض ولذلك أصحاب الغريب لم يذكروا سوى \"تمرق\" بالراء المهملة (^٢) والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"لعن الله الواصلة والموصولة\" وفي رواية \"الواصلة والمستوصلة\" الحديث، أما الواصلة فهي التي تصل الشعر بشعر النساء، والمستوصلة المعمول بها ذلك، قاله المنذري، وهذه الأحاديث التي وردت صريحة في تحريم الوصل ولعن الواصلة والمستوصلة مطلقا، وهذا هو الظاهر المختار قال النووي (^٣)، وقد فصله أصحابنا أي الشافعية فقالوا: عن وصلت شعرها بشعر آدمى فهو حرام بلا خلاف سواء كان شعر رجل أو امرأة وسواء شعر المحرم والزوج وغيرهما بلا خلاف لعموم الأحاديث ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه وإن وصلت بشعر (غير) (^٤) الآدمي فإن كان شعرا نجسا وهو شعر الميتة وشعرها لا يؤكل إذا انفصل في حياته فهو حرام أيضا للحديث ولأنه حمل نجاسة في صلاته وغيرها عمدًا وسواء في هذين\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢١/ ١٢٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٤) سقط من الأصل ومثبتة في شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٣ - ١٠٦).","vol":"9","page":293},{"text":"النوعين المزوجة وغيرها من النساء والرجال وأما الشعر الظاهر من غير الآدمي فإن لم يكن لها زوج ولا سيد فهو حرام أيضا وإن كان فثلاثة أوجه، أحدهما: الجواز لظاهر الأحاديث الواردة، والثاني: يحرم وأصحها عندهم إن فعلته بإذن الزوج أو السيد جاز وإلا فهو حرام والله أعلم.\nقالوا: وأما تحمير الوجه والخضاب بالسواد وتطريف الأصابع فإن لم يكن لها زوج ولا سيد أو فعلته بغير إذنه فحرام وإن أذن جاز على الصحيح، هذا ملخص كلام أصحابنا في المسألتين (^١)، قال القاضي عياض: اختلف العلماء في المسألة فقال مالك والطبري وكثيرون أو الأكثرون: الوصل ممنوع بكل شيء سواء وصلته بشعر أو صوف أو خزق واحتجوا بحديث جابر الذي ذكره مسلم وهو أن النبي -ﷺ- زجر أن تصل المرأة برأسها شيئا، وقال الليث بن سعد: النهي مختص بالوصل بالشعر ولا بأس بوصله بصوف وخرق وغيرها، قال القاضي: فأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه لأنه ليس بوصل ولا هو في معنى مقصود الوصل وإنما هو للتجمل والتحسن قال: وفي الحديث إن وصل الشعر من المعاصي الكبائر للعن فاعله وفيه إن المعين على الحرام يشارك فاعله في الإثم كما أن المعاون على الطاعة يشارك في ثوابها (^٢) والله أعلم. وفي الحديث: إن الوصل حرام سواء كانت لمعذورة أو عروس أو غيرها (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٣) المصدر السابق (١٤/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"9","page":294},{"text":"لطيفة عجيبة: وروي عن عائشة أنها قالت ليست الواصلة بالتي تعنون ولا بأس أن تعري المرأة عن الشعر فتصل قرنا من قرونها بصوف أسود وإنما الواصلة التي تكون بغيا في شبيبتها فإذا أسنت وصلتها بالقيادة، وقال أحمد بن حنبل: لما ذكر له ذلك ما سمعت بأعجب من ذلك (^١) انتهى.\n\n٣١٩٠ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- لعن الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة والواشمة والمستوشمة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة\" الحديث، تقدم الكلام على الواصلة المستوصلة والكلام الآن على الواشمة والمستوشمة، أما الواشمة فقال المنذري هي التي تغرز اليد أو الوجه بالإبر ثم تحشو ذلك المكان كحلا أو مدادا، والمستوشمة: المعمول بها ذلك، أ. هـ، وقال غيره: الواشمة بالشين المعجمة فاعلة الوشم وهو أن تغرز إبرة أو مسلة أو نحوهما\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٤١٨) وأبو يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١٣٧).\nقلت: وفي إسناده أبو حتروش. سلمة بن هزال. بصري ليس بشيء قاله يحيى بن معين، وسعد الإسكافي شر من أبى سعد البقال (وهو متروك عند يحيى) قاله يحيى بن معين وذكره ومقالة أحمد ابن الأثير في النهاية (٥/ ١٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٣٧) و(٥٩٤٠) و(٥٩٤٧)، ومسلم (١١٩ - ٢١٢٤)، وأبو داود (٤١٦٨)، والترمذي (١٧٥٩) و(٢٧٨٣)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٦٠ (٥١٣٩)، وابن ماجه (١٩٨٧).","vol":"9","page":295},{"text":"في ظهر الكتف أو المعصم أو الشفة أو غير ذلك من بدن المرأة حتى يسيل الدم ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل أو النورة فيخضر وقد يفعل ذلك بدارات ونقوش وقد تكثره وقد تقلله فاعلة هذا واشمة، والمفعول بها موشومة فإن طلبت فعل ذلك بها فهي مستوشمة وهو من عمل الجاهلية وهو تغيير الخلقة وهو حرام على الفاعل والمفعول بها باختيارها والطالبة له وقد يفعل ذلك بالبنت وهي طفلة فتأثم الفاعلة ولا تأثم البنت لعدم تكليفها حينئذ، قال أصحابنا: هذا الموضع الذي وشم يصير نجسا ولا تصح الصلاة معه فإن أمكن أزالته بالعلاج وجبت إزالته وإن لم يمكن إلا بالجراح فإن خاف منه التلف أو زوال عضو أو منفعة عضو أو شيئا فاحشا في عضو ظاهر لم تجب إزالته وإذ تاب لم يبق عليه إثم وإن لم يخف شيئا ونحوه لزمه إزالته ويعصي بتأخيره وسواء في هذا كله الرجل والمرأة (^١).\nفإن قيل: مجرد النهي عنه لا يدل على تحريمه؟ قلت: هو متحمل لذلك وقد دل على تحريمه بل على أنه كبيرة لعن فاعله كما ثبت في الصحيحين والله أعلم.\nفرع: لو جبر عظمه بنجس مع وجود طاهر، قال الأصفوني في مختصر الروضة وجب نزعه إن لم يخف ضررا ظاهرا، وقيل: وإن خاف فإن أبى أجبره السلطان ولا تصح الصلاة معه ولا أثر لمجرد الألم وكذا اكتسابه خلافا للإمام (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٦).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٩٩).","vol":"9","page":296},{"text":"فرع: ولو داوي جرحه بدواء نجس أو خاطه بخيط نجس أو شف موضعها من بدنه وجعل فيه دما فحكمه حكم الوصل بالعظم النجس (^١).\nومسألة الوصل بالعظم النجس، قال العلماء: ولو وصل أي عند الاحتياج إليه ككسر ونحوه بنجس لفقد الطاهر فمعذور للضرورة فلا يعصي ولا يلزمه نزعه، قال الشيخ هكذا أطلقه الرافعي والنووي وهو محمول على ما إذا كان يخاف من نزعه أما عند عدم الشيخ (^٢) هكذا أطلقه الرافعي والنووي وهو محمول على ما إذا كان يخاف من نزعه أما عند عدم الخوف فالمفهوم من إطلاق غيرهما كصاحب التنبيه وغيره وجوب النزع وبه قال الإمام والمتولي وابن الرفعة (^٣) أ. هـ.\nفائدة: ومن البدع النقش والخضاب بالسواد وهو حرام بالإجماع لما يلزم من تفويت الصلاة بعد غسله منه عادة وتلطيخ العضو بالنشادر وهو نجس وفي صحة الصلاة بعد غسله منه خلاف فيجب على الزوج والولي أن يمنع المرأة من ذلك فإن سكت مع قدرته فهو شريك فيما يترتب على ذلك من الإثم، وأما الخضاب بالسواد من غير تلطيخ العضو بالنشادر ولا تفويت صلاة وهو نادر فيجوز بإذن الزوج على المذهب وإن لم تكن ذا زوج أو سيد أو فعلته بغير إذنهما فحرام وكذلك تحمير الوجه إن كان بإذنهما جاز وإن كان بغير إذنهما أو كانت خلية عنهما حرم ووجب إنكار\n_________\n(^١) المصدر السابق ذات الموضع.\n(^٢) هو الدميري شارح المنهاج المسمى بالنجم الوهاج.\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٠٦).","vol":"9","page":297},{"text":"ذلك على كل قادر والله أعلم ذكره ابن النحاس في تنبيهه (^١).\nتنبيه: وأما النهي عن الوشم فإنما جاء فيما يغير الخلقة بالغرز ونحوه فيبقى على الدوام فأما ما يمحي عن قرب كالحناء ونحوه فلا يكره لهن والله أعلم.\n\n٣١٩١ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- أَنه قَالَ لعن رَسُول الله الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحسنِ الْمُغيرَات خلق الله فَقَالَت لَهُ امْرَأَة فِي ذَلِك فَقَالَ وَمَا لي لَا ألعن من لَعنه رَسُول الله -ﷺ- وَفِي كتاب الله قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٢) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه المتفلجة هِيَ الَّتِي تفلج أسنانها بالمبرد وَنَحْوه للتحسين (^٣).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لعن [رسول] الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن\" الحديث، تقدم الكلام على الوشم، وأما النامصة فهي التي تنقش الحاجب حتى ترقه، كذا قال أبو داود، وقال الخطابي: هو من النمص وهو نتف الشعر عن الوجه والمتنمصة المعمول بها ذلك، وقال غيره: أما النامصة\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٥٠٦ - ٥٠٧).\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٨٨٦) و(٤٨٨٧) و(٤٨٨٧) و(٥٩٣١) و(٥٩٣٩) و(٥٩٤٣) و(٥٩٤٨)، ومسلم (١٢٠ - ٢١٢٥)، وأبو داود (٤١٦٩)، والترمذي (٢٧٨٢)، وابن ماجه (١٩٨٩)، والنسائي ٨/ ٦٣ (٥١٤٣) ٨/ ٦٤ (٥١٤٤) و٨/ ١٨٣ (٥٢٩٦ و٥٢٩٧) و٨/ ١٨٤ (٥٢٩٨ و٥٢٩٩).","vol":"9","page":298},{"text":"فبالصاد المهملة وهي التي تزيل الشعر من الوجه والمتنمصة التي تطلب فعل ذلك بها، وهذا الفعل حرام إلا أن تنبت للمرأة لحية أو [شوارب] فلا تحرم إزالتها بل يستحب عندنا وأجاز ذلك ابن جرير (^١) وعندنا أن النهي إنما هو في الحواجب وباقي أطراف الوجه، ورواه بعضهم المنتمصة بتقديم النون والمشهور تأخيرها ويقال للمنقاش منماص بكسر الميم.\nقوله: \"والمتفلجات للحسن\" أي اللاتي يفعلن (ذلك) بأسنانهن رغبة في التحسين (^٢) أ. هـ (والمتفلجات) جمع متفلجة والمتفلجة قال الحافظ هي التي تفلج أسنانها بالمبرد ونحوه للتحسين أ. هـ، وقال غيره: وأما المتفلجات فبالفاء والجيم والمراد مفلجات الأسنان بأن تبرد ما بين أسنانها الثنايا والرباعيات، والرباعيات بالتخفيف، والفلج بضم الفاء واللام هي فرجة بين الثنايا والرباعيات تفعل ذلك العجوز ومن قاربتها في السن إظهارا للصغر وحسن الأسنان لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغار، فإذا عجزت المرأة وكبرت سنها وتوحشت فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة حسنة المنظر ولوهم كونها صغير ويقال له الوشر ومنه الحديث: \"لعن الله الواشرة والمستوشرة\" وقال الواشرة: المرأة التي تحدد أسنانها وترقق أطرافها تفعله المرأة الكبيرة تتشبه بالشواب، والمستوشرة التي تأمر من يفعل بها ذلك، وفي حديث آخر: \"لعن الله القاشرة\n_________\n(^١) كذا هو في الأصل وإنما الصواب لم يجز ذلك ابن جرير كما نقله النووي في شرحه على مسلم (١٤/ ١٠٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٦).","vol":"9","page":299},{"text":"والمقشورة\" القاشر التي تعالج وجهها أو وجه غيرها بالـ[غمرة] ليصفو لونها والمقشورة التي يفعل بها ذلك كأنها تقشر أعلى الجلد قاله في النهاية (^١) وهذا الفعل حرام على الفاعلة والمفعول بها لهذه الأحاديث ولأنه تغيير لخلق الله وتزوير وتدليس لطلب الحسن والله أعلم (^٢).\nوأما قوله \"والمفلجات للحسن\" فمعناه يفعلن ذلك طلبا للحسن وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس به والله أعلم (^٣).\nقوله: فقالت امرأة في ذلك، فقال وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله -ﷺ- وفي كتاب الله قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (^٤) الآية، فيه دليل على جواز الاقتداء به في إطلاق اللعن على من لعنه -﵇- معينا كان أو غيره لأن الأصل أنه لا يلعن إلا من يستحب اللعن غير أن هذا يعارضه قوله -﵇-: \"اللهم ما من مسلم سببته أو لعنته وليس لذلك بأهل فاجعل ذلك كفارة وطهورًا\" وهذا يقتضي أنه -﵇- قد يلعن من ليس بأهل اللعنة وقد أشكل ذلك.\nوالجواب: أن قوله ليس لذلك بأهل أي في علم الله وأما في الظاهر فله سبب صدر منه يقتضي إباحة لعنه ثم قد يعلم الله تعالى أنه يتوب بحيث لا\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٦٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٣) المصدر السابق (١٤/ ١٠٧).\n(^٤) سورة الحشر، الآية: ٧.","vol":"9","page":300},{"text":"يضره فلذلك اشترطه واستثناه -﵇- ودعا له بالرحمة والطهور والكفارة، وأما من لم يعلم الله ذلك منه فدعاؤه عليه زيادة في شقوته ولعنته، قال في المفهم: وهذا أحسن أجوبة القاضي في كتاب الشفا (^١)، أ. هـ.\nقال الخطابي (^٢): إنما نهى عن ذلك لما فيه من الغش والخداع، ولو رخص في ذلك لاتخذه الناس وسيلة إلى أنواع الفساد.\nفإن قلت: أين في كتاب الله؟ قلت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ فيه: أن من لعنه رسول الله -ﷺ- فالعنوه وما نهاكم عنه فانتهوا أنه نهى عنه ففاعله ظالم وقال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^٣) ومن البدع: تفليج الأسنان للتزين هو حرام، قال النووي في الروضة: هو كالوصل بشعر ظاهر يعني أنه يجوز بإذن الزوج على الأصح، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (^٤) بعد أن ذكر الوشم والوشر والنمص، قال: وكل هذه الأمور تؤذن الأحاديث فلعن فاعلها وبانها من الكبائر، واختلف في المعنى الذي نهى لأجله، فقيل: لنه من باب التدليس، وقيل: من باب تغيير خلق الله كما قال ابن مسعود، وهذا أصح، وقال أبو جعفر الطبري في حديث ابن مسعود دليل أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه\n_________\n(^١) المفهم (١٧/ ١١٩).\n(^٢) أعلام الحديث (٣/ ٢١٦٢).\n(^٣) سورة هود، الآية: ١٨.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١١٩.","vol":"9","page":301},{"text":"بزيادة أو نقص التماس الحسن لزوج أو غيره سواء فلجت أسنانها أو وشرتها أو كان لها سن زائد فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها وكذلك لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها لأن ذلك تغيير خلق الله، قال القاضي عياض: ويأتي على ما ذكره أن من خلق بأصبع زائد أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه لأن من تغيير خلق الله إلا أن تكون هذه الزوائد مؤلمة فلا بأس بنزعها عند أبي جعفر وغيره، وقد عد ابن القيم مع ما ذكرناه القشر وهو جرد الوجه بغمرة ونحوها واستدل عليه بقول عائشة كان رسول الله -ﷺ- يلعن القاشرة والمقشورة (^١)، أ. هـ.\n\n٣١٩٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ لعنت الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير دَاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره (^٢) الْوَاصِلَة الَّتِي تصل الشّعْر بِشعر النِّسَاء وَالْمسْتَوْصِلَة الْمَعْمُول بهَا ذَلِك والنامصة الَّتِي تنقش الْحَاجِب حَتَّى ترقه كَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الْخطابِيّ هُوَ من النمص وَهُوَ نتف الشّعْر عَن الْوَجْه والمتنمصة الْمَعْمُول بهَا ذَلِك\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣٠٠ - ٣٠١).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٥١ (٢٢٩٩) و١/ ٣٣٠ (٣١١٧)، وأبو داود (٤١٧٠)، والطبراني في الكبير (١١٥٠٢) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، وابن أبي شيبة، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٠٤) و(١١/ ٢٦١ رقم ١١٦٧٨).\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٦٩ - ١٧٠: رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في غاية المرام (٩٥)، وصحيح الترغيب (٢١٠١).","vol":"9","page":302},{"text":"والواشمة الَّتِي تغرز الْيَد أَو الْوَجْه بالإبر ثمَّ تحشي ذَلِك الْمَكَان بكحل أَو مداد والمستوشمة الْمَعْمُول بهَا ذَلِك.\n\n٣١٩٣ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن جَارِيَة من الْأَنْصَار تزوجت وَأَنَّهَا مَرضت فتمعط شعرهَا فأرادوا أَن يصلوها فسألوا النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ لعن الله الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة وَفِي رِوَايَة أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار زوجت ابْنَتهَا فتمعط شعر رَأسهَا فَجَاءَت إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَذكرت ذَلِك لَهُ وَقَالَت إِن زَوجهَا أَمرنِي أَن أصل فِي شعرهَا فَقَالَ لَا إِنَّه قد لعن الموصولات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام على عائشة.\nقوله: أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط شعرها، الحديث، تساقط شعرها من داء ونحوه، تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث.\n\n٣١٩٤ - وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَنه سمع مُعَاوِيَة عَام حج على الْمِنْبَر وَتَنَاول قصَّة من شعر كَانَت فِي يَد حرسي فَقَالَ يَا أهل الْمَدِينَة أَيْن عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعت رَسول الله -ﷺ- ينْهَى عَن مثل هَذَا وَيَقُول إِنَّمَا هَلَكت بَنو إِسْرَائِيل حِين اتخذها نِسَاؤُهُم رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن الْمسيب قَالَ قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة فَخَطَبنَا وَأخرج كبة من شعر فَقَالَ مَا كنت أرى أَن أحدا يَفْعَله إِلَّا الْيَهُود إِن رَسُول الله -ﷺ- بلغه فَسَماهُ الزُّور وَفِي أُخْرَى للْبُخَارِيّ وَمُسلم أَن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٠٥) و(٥٩٣٤)، ومسلم (١١٧ و١١٨ - ٢١٢٣)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٦١ (٥١٤١)، وابن حبان (٥٥١٤) و(٥٥١٦).","vol":"9","page":303},{"text":"مُعَاوِيَة قَالَ ذَات يَوْم إِنَّكُم قد أحدثتم زِيّ سوء وَإِن نَبِي الله -ﷺ- نهى عَن الزُّور قَالَ قَتَادَة يَعْنِي مَا يكثر بِهِ النِّسَاء أشعارهن من الْخرق قَالَ وَجَاء رجل بعصا على رَأسهَا خرقَة فَقَالَ مُعَاوِيَة أَلا هَذَا الزُّور (^١).\nقوله: وعن حميد بن عبد الرحمن بن عوف [حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إبراهيم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عثمان المدني روى عن أبيه وأمه أم كلثوم وعمر وعثمان وسعيد بن زيد وأبي هريرة وابن عباس وابن عمرو بن عمرو والنعمان بن بشير ومعاوية وأم سلمة وغيرهم وعنه ابن أخيه سعد بن إبراهيم وابنه عبد الرحمن وابن أبي مليكة والزهري وقتادة وصفوان بن سليم وغيرهم قال العجلي وأبو زرعة وأبو خراش ثقة].\nقوله: أن معاوية تناول وهو على المنبر قُصة من شعر، الحديث. معاوية: هو ابن أبي سفيان، والقصة بضم القاف وشدة المهملة قال الأصمعي وغيره: القصة هي شعر مقدم الرأس المقبل على الجبهة من شعر الرأس يسمى بذلك لأنه يقص، وقال ابن دريد: كل خصلة من الشعر قصة (^٢)، وقيل (^٣): شعر الناصية، وها هنا المراد منه قطعة من قصصت الشعر أي قطعته.\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٢٧٢٦)، والبخاري (٣٤٦٨) و(٣٤٨٨) و(٥٩٣٢) و(٥٩٣٨)، ومسلم (١٢٢ و١٢٣ و١٢٤ - ٢١٢٧)، وأبو داود (٤١٦٧)، والترمذي (٢٧٨١)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٥٧ (٥١٣٦) و٨/ ٥٨ (٥١٣٧) و٨/ ١٧٩ (٥٢٨٩) و(٥٢٩٠) و٨/ ١٨٠ (٥٢٩١) و٨/ ١٨١ (٥٢٩٢)، وابن حبان (٥٥٠٩) و(٥٥١٠) و(٥٥١١) و(٥٥١٢).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ١٨٨).\n(^٣) كشف المشكل (٤/ ٩٤).","vol":"9","page":304},{"text":"قوله: \"كانت في يد حرسي\" بفتح المهملة والراء وبالمهملة، والحرسى كالشرطي وهو غلام الأمير، قال في النهاية (^١): والحرسى أحد الحراس وهم خدمة السلطان المرتبون لحفظه وحراسته والحرسى واحد الحرس كأنه منسوب إليه حيث قد صار اسم جنس، ويجوز أن يكون منسوبا إلى الجمع شاذا، وقال الجوهري (^٢): الحرس هم الذين يحرسون السلطان والواحد حرسى لأنه قد صار اسم جنس فنسب إليه، ولا تقل حارس إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس، ويطلق الحرسى ويراد به الجندي، أ. هـ.\nقوله: يا أهل المدينة أين علماؤكم، الحديث، هذا السؤال للإنكار عليهم بإهمالهم إنكار هذا المنكر وغفلتهم عن تغييره، وفي حديث معاوية هذا اعتناء الولاة الخلفاء وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر وإشاعة إزالته وتوبيخ من أهمل إنكاره ممن يتوجه ذلك عليه والله أعلم (^٣).\nقوله: سمعت رسول الله -ﷺ- ينهى عن مثل هذا، وفي بعض النسخ \"هذه\" أي القصة، والغرض النهي عن تزيين الشعر بمثلها ولف البعض على البعض والوصل به.\nقوله -ﷺ-: \"إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم\" قال القاضي عياض (^٤): قيل يحتمل أنه كان محرما على بني إسرائيل فعوقبوا باستعماله\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٣٦٧).\n(^٢) الصحاح (٣/ ٩١٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠٨).\n(^٤) إكمال المعلم (٦/ ٦٥٨).","vol":"9","page":305},{"text":"وهلكوا بسببه، وقيل: يحتمل أن الهلاك كان به وبغيره مما ارتكبوه من المعاصي فعند ظهور ذلك في نسائهم هلكوا وفيه معاقبة العامة بظهور المنكر.\nقوله: وفي رواية للبخاري ومسلم والنسائي عن ابن المسيب قال قدم معاوية المدينة فخطبنا، الحديث.\nسعيد بن المسيب (^١): هو الإمام الجليل أبو محمد بن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بالذال المعجمة بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزومي التابعي إمام التابعين وأبو المسيب وجده حزن صحابيان أسلما يوم فتح مكة ويقال المسيب بفتح الياء وكسرها والفتح هو المشهور وحكي عنه أنه كان يكرهه ومذهب أهل المدينة الكسر، ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب وقيل لأربع سنين ورأى عمر وسمع منه ومن عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة وروى عنه جماعات من أهل التابعين واتفق العلماء على إمامته وجلالته وتقدمه على أهل عصره في العلم والفضيلة ووجوه الخير توفي سنة ثلاث وتسعين وقيل سنة أربع.\nوأما معاوية فهو ابن أبي سفيان [هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى القرشى الأموى، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، يجتمع أبوه وأمه في عبد\n_________\n(^١) ترجمته في طبقات ابن سعد ٢/ ٣٧٩ و٥/ ١١٩، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٢١٢، تهذيب الكمال ١١/ الترجمة ٢٣٥٨.","vol":"9","page":306},{"text":"شمس، أسلم هو وأبوه أبو سفيان وأخوه يزيد بن أبى سفيان، وأمه هند في فتح مكة، وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية وكتم إسلامه من أبيه وأمه، وشهد مع رسول الله -ﷺ- حنينًا، فأعطاه من غنائم هوازن مائة بعير وأربعين أوقية، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامهما.\nوكان أحد الكُتاب لرسول الله -ﷺ-، ولما بعث أبو بكر، رضى الله تعالى عنه، الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد، فلما مات يزيد استخلفه على عمله بالشام، وهو دمشق، فأقره عمر، ﵁، مكانه. رُوى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وثلاثة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة.\nروى عنه من الصحابة ابن عباس، وأبو الدرداء، وجرير بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري، والسائب بن يزيد، وأبو أمامة بن سهل. ومن التابعين ابن المسيب، وحميد بن عبد الرحمن، وغيرهما. ولما ولاه عمر بن الخطاب، ﵁، الشام مكان أخيه يزيد بقى أميرًا خلافة عمر، ثم أقره عثمان، وولى الخلافة بعد ذلك عشرين سنة.\nقال محمد بن سعد: بقى معاوية أميرًا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. وقال الوليد بن مسلم: كان خلافته تسع عشرة سنة ونصفًا، وقيل: تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وعشرين يومًا. وولى دمشق أربع سنين من خلافة عمر، واثنتى عشرة من خلافة عثمان، مع ما أضاف إليه من باقى الشام، وأربع سنين تقريبًا أيام خلافة على، وستة أشهر خلافة الحسن، وسلم إليه الخلافة","vol":"9","page":307},{"text":"سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربعين، والأول أصح.\nواتفقوا على أنه توفى بدمشق، ثم المشهور أنه توفى يوم الخميس لثمان بقين من رجب، وقيل: لنصف رجب سنة ستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وخمسين وهو ابن اثنين وثمانين سنة، وقيل: ثمان وسبعين سنة، وقيل: ست وثمانين، وهو من الموصوفين بالدهاء والحلم، وذكروا أن عمر بن الخطاب لما دخل الشام فرأى معاوية قال: هذا كسرى العرب. ولما حضرته الوفاة أوصى أن يكفن في قميص كان رسول الله -ﷺ- كساه إياه، وأن يجعل مما يلى جسده، وكان عنده قلامة أظفار رسول الله -ﷺ-، فأوصى أن تسحق وتجعل في عينيه وفمه، وقال: افعلوا ذلك بى، وخلوا بينى وبين أرحم الراحمين. ولما نزل به الموت قال: يا ليتنى كنت رجلًا من قريش بذى طوى، وإنى لم أل من هذا الأمر شيئًا. وكان ابنه يزيد غائبًا بحوران وقت وفاة معاوية، فأرسل إليه البريد، فلم يدركه وكان معاوية أبيض جميلًا يخضب، وروى عنه قال: ما زلت أطمع بالخلافة منذ قال لى رسول الله -ﷺ-: \"إن وليت فأحسن\". قال ابن قتيبة في المعارف: لم يولد لمعاوية في زمن خلافته ولد؛ لأنه ضرب على إليته فانقطع عنه الولد، ولد له قبلها عبد الرحمن لأم ولد، ويزيد أمه ميسورة بنت مجدل الكلبية، وعبد الله، وهند، ورملة، وصفية].\nقوله: وأخرج كبة من شعر فقال كما كنت أرى أحدا يفعله إلا اليهود الحديث الكبة بضم الكاف وتشديد الباء وهو شعر مكفوف بعضه على بعض.\nوقوله ما كنت أرى أحدا يفعله بضم الهمزة ومعناها أظن وتقدم معناه.","vol":"9","page":308},{"text":"[وجاء رجل بعصى على رأسها خرقة، فقال معاوية: ألا وهذا الزور أي الكذب [والباطل من كل قول أو فعل].\n\n٣١٩٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- خرج بِقصَّة فَقَالَ إِن نسَاء بني إِسْرَائِيل كن يجعلن هَذَا فِي رؤوسهن فلعن وَحرم عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِد، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات (^١).\nقوله عن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله أَن النَّبِي -ﷺ- خرج بِقصَّة فَقَالَ إِن نسَاء بني إِسْرَائِيل كن يجعلن هَذَا فِي رؤوسهن فلعن وَحرم عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِد الحديث تقدم الكلام على القصة وأن بنى إسرائيل هم أولاد يعقوب -﵇- وتقدم الكلام على ذلك في عدة مواضع من هذا التعليق. ودل قوله فلعن على ذلك أنه من الكبائر لأن فاعلة ذلك ملعونة واللعن لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر والله أعلم وتقدم أيضا معنى الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٩٧ رقم ١٠٧١٨) والأوسط (١/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٣٥٤). وقال: لم يرو هذا الحديث عن عروة، عن ابن عباس، إلا أبو الأسود، تفرد به: ابن لهيعة. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٦٩: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٦٥).","vol":"9","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>[الترغيب في الكحل بالإثمد للرجال والنساء]</span>\n٣١٩٦ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ اكتحلوا بالإثمد فَإِنَّهُ يجلو الْبَصَر وينبت الشّعْر وَزعم أَن النَّبِي -ﷺ- كَانَت لَهُ مكحلة يكتحل مِنْهَا كل لَيْلَة ثَلَاثة فِي هَذِه وَثَلَاَثة فِي هَذِه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث وَلَفْظهمَا قَالَ إِن من خير أكحالكم الإثمد إِنَّه يجلو الْبَصَر وينبت الشّعْر (^١).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٦٢٠٠) و(٦٢٠١)، والحميدي (٥٢٠)، وأحمد ١/ ٢٣١ (٢٠٧٥) و١/ ٢٤٧ (٢٢٥٤) و١/ ٣٢٨ (٣٠٩٣)، وعبد بن حميد (٥٧٣)، وابن ماجه (٣٤٩٧) أبو داود (٣٨٧٨) و(٤٠٦١)، والترمذي في الشمائل (٥٠) و(٥٣) والعلل الكبير (٥٢٨) والسنن (١٧٥٧) و(٢٠٤٨)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٧١ (٥١٥٧) والكبرى (٩٣٤٤)، والبزار (٥٠٩٣)، وأبو يعلى (٢٤١٠)، والطبري في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس ٢/ ٤٧١ و٤٧٢)، وابن حبان (٥٤٢٣) و(٦٠٧٣)، والحاكم ٤/ ١٨٥ و٤٠٨.\nقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث محفوظ، وعباد بن منصور صدوق. وقال في السنن: حديث ابن عباس حديث حسن، لا نعرفه على هذا اللفظ، إلا من حديث عباد بن منصور. وقال في موضعه الثانى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عباد بن منصور. وقال النسائى: عبد الله بن عثمان بن خثيم لين الحديث. قال أبو حاتم في العلل (٢٤٦٣): عباد ليس بقوي الحديث، ويروي عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود ابن حصين، عن عكرمة، فأنا أخشى أن يكون ما لم يسم: إبراهيم، فإنما هو عنه مدلسة.\nوأخرج العقيلي في الضعفاء (٣/ ١٣٦)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٦٦) من طريق أحمد بن داود قال: سمعت علي بن المديني يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: قلت لعباد بن منصور الناجي: عمن سمعت: \"ما مررت بملإ من الملائكة\"، \"وأن النبي =","vol":"9","page":310},{"text":"٣١٩٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خير أكحالكم الإثمد ينْبت الشّعْر ويجلو الْبَصَر. رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^١).\n\n٣١٩٨ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ عَلَيْكُم بالإثمد فَإِنَّهُ منبتة للشعر مذهبَة للقذى مصفاة لِلْبَصَرِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n_________\n= ﵊ كان يكتحل بالليل ثلاثا\"؟ فقال: حدثني ابن أبي يحيي، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال البزار: وهذا الحديث قد روي عن النبي -ﷺ- من غير وجه وهذا الإسناد من أحسن إسناد يروى في ذلك عن النبي -ﷺ-. وقال الطبري: هذا خبر عندنا صحيح سنده.\nوصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي في الموضع الأول. وتعقبه الذهبي في الثاني: قلت: ولا هو حجة (يعنى عباد بن منصور). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٠٤) والمشكاة (١٦٣٨).\n(^١) أخرجه البزار (٨٨١١)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢١٨)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٠٩). وقال البزار: وهذا الحديث رواه زياد بن الربيع عن هشام بن حسان عن محمد بن المنكدر عن جابر وأحسب أنه أخطأ فيه لأنه لو كان عن هشام، عن ابن المنكدر عن جابر محفوظا كان هشام، عن ابن المنكدر عن جابر أقرب عليه من هشام عن عمر بن محمد، عن أبيه، عن أبي هريرة وقد ذكرنا أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة فأمسكنا أن تذكر عنه إلا هذه الأحاديث لتبين أنه لم يسمع منه. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٩٦: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤١٢)، والطبري في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس ٧٦٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١١ رقم ١٠٦٤) و(٣/ ٣٣٩ رقم ٣٣٣٤) والكبير (١/ ١٠٩ رقم ١٨٣) وأبو نعيم في الطب (٢٠٨) و(٢٦٠) والحلية (٢/ ١٧٨) ومعرفة الصحابة (٤٩٤٨)، والضياء في المختارة ٢/ ٣٤٧ (٧٢٦) من طريق يونس بن راشد قال: نا عون بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب. وقال لا يروى هذا =","vol":"9","page":311},{"text":"قوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر\" الحديث، الإثمد بكسر الهمزة والميم وبينهما ثاء مثلثة بآخره دال مهملة هو حجر يصنع منه الكحل.\nوقوله: \"وينبت الشعر\" والمراد بالشعر شعر الأهداب، قال عبد اللطيف: الإثمد يحفظ صحة العين ولا سيما أعين المشايخ والصبيان لكنه لا يوافق [الرمد] الحار. وهو [بالنقولة] ممن منه بالجلا (^١) وينبت الهدب ويحسن العيون ويحبب إلى القلوب وهو بارد في الأولى يابس في الثانية ينقى أوساخ العين وخاصيته النفع للجنون ذوات الفضول الغليظة، أ. هـ.\nتنبيه في الاكتحال: قال العلماء: يستحب أن يكون الاكحتال وترا بثلاث في كل عين لما روى الترمذي عن ابن عباس أنه -ﷺ- كانت له مكلحة يكتحل منها ثلاثا في كل عين، وفي رواية \"كان يفعل ذلك قبل أن ينام ثلاثا في هذه وثلاثا في هذه\"، وروى أبو داود وأحمد عن أبي هريرة أنه -ﷺ- قال: \"من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه\" (^٢) يستحب\n_________\n= الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به: النفيلي. وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث ابن الحنفية، لم يروه عنه إلا ابنه عون، ولا عنه إلا يونس. وقال الضياء: إِسْنَاده حسن. وقال العراقي في شرح الترمذي: إسناده جيد الفيض ٤/ ٣٣٧. وقال الهيثمي: وفيه عون بن محمد بن الحنفية ذكره ابن أبي حاتم وروى عنه جماعة ولم يجرحه أحد، وبقية رجاله ثقات المجمع ٥/ ٩٦. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٦٥) وصحيح الترغيب (٢١٠٦).\n(^١) كذا بالأصل ولعله: وقوله فإنه يجلو البصر.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٧١ (٨٩٦٠)، والدارمي (٧٢٣)، وابن ماجه (٣٤٩٨)، وأبو داود =","vol":"9","page":312},{"text":"الاكتحال كل عين ثلاثا وقيل في اليمين ثلاثا في اليسرى مرتين ليكون المجموع وترا والأول أصح لهذا الحديث فلو اكتحل سبعا حصل بعض السنة لحديث أبي هريرة الذي تقدم فيه فمن فعل فقد أحسن، أ. هـ، قاله في الديباجة، وتفسير هذا الوجه بأن يكتحل في اليمنى أربعة أطراف وفي اليسرى ثلاثة، وهذا تقييد غريب ذكره الشيخ جمال الدين الأصبحي في الإيضاح على التنبيه، وفي أحكام المحب الطبري عن أنس أنه -﵇- كان يكتحل وترا زاد ابن وضاح اثنين في كل عين ويقسم بينهما واحدة وكان ابن سيرين يكتحل مثله، وعزاهما إلى رواية أبي نعيم (^١) والله أعلم.\n_________\n= (٣٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٣٨) ومعانى الآثار (٧٤٢ و٧٤٣)، والطبراني في الشاميين (١/ ٢٧٥ رقم ٤٨١)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٨٤ - ٨٥)، والبغوي (٣٢٠٤). وحسنه النووي في خلاصة الأحكام (٣١٢). وضعفه الألباني في المشكاة (٣٥٢)، وضعيف الجامع (٥٤٦٨).\n(^١) أخرجه البزار (٦٤٧٥)، والطبري في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) (برقم ٧٥٥).\nقال الدارقطني في العلل (٢٦٨٧): يرويه عاصم الأحول، واختلف عنه؛ فرواه أبو الأحوص، عن عاصم، عن حفصة، عن أنس، عن النبي -ﷺ-. قاله وضاح بن حسان، عن أبي الأحوص. ورواه الثوري، عن عاصم، واختلف عنه؛ فرواه أسود بن عامر، عن الثوري، عن عاصم، عن أم الهذيل، وهي حفصة بنت سيرين، عن أنس، موقوفا عليه.\nوخالفه الفريابي، فرواه عن الثوري، عن عاصم، عن أم العالية، عن أنس، ورفعه. وقوله: أم العالية، وهم؛ وإنما هي أم الهذيل، وهي حفصة. ورواه علي بن مسهر، عن عاصم، عن حفصة، عن أنس، موقوفا، وهو الصحيح. وقال الهيثمي في مجمع ٥/ ٩٦: رواه البزار، وفيه الوضاح بن يحيي، وهو ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٧٤٦). وأخرجه ابن عدى في الكامل (٦/ ٧٦) من طريق عمر بن حبيب، حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنس عن كحل النبي -ﷺ-، قال: كان يكتحل في اليمنى اثنتين وفي =","vol":"9","page":313},{"text":"خاتمة: روى أبو داود عن عبد الرحمن بن النعمان بن هوذة عن أبيه عن جدّه قال: أمر رسول الله -ﷺ- بالإثمد المروح عند النوم (^١).\nوعن جابر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر\" (^٢) الحديث، ولم يذكر المروح.\n* * *\n_________\n= اليسرى اثنتين وواحدة بينهما.\nقال ابن سيرين هكذا الحديث وأنا أحب أن يكون في هذه ثلاث وفي هذه ثلاث وواحدة بينهما. قال ابن عدى: وهذا لا أعلم يرويه بهذا الإسناد، عن ابن عون غير عمر بن حبيب ولعمر بن حبيب غير ما ذكرت، وهو حسن الحديث ومع ذلك يكتب حديثه مع ضعفه. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٧٦) عن عمران بن أبي أنس مرسلا بلفظ كان النبي -ﷺ- يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات واليسرى مرتين. وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٥٢٦)، والبغوي في الأنوار (١٠٩٥) وشرح السنة (٣٢٠٥) عن عمران بن أبي أنس، عن أنس، أن رسول الله -ﷺ- كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا، وفي اليسرى ثلاثا. وحسن الألباني اللفظ الأول في الصحيحة (٦٣٣).\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٧٦ (١٦١٥١)، والدارمي (١٨٨٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٩٨)، وأبو داود (٢٣٧٧)، والطبري في تهذيب الآثار قسم مسند ابن عباس (٧٤٩ - ٧٥١)، وابن قانع (٣/ ٩٤) و(٣/ ٢٠٦)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٣٤١ (٨٠٢). قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٣٦٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٩٦) وعبد بن حميد (١٠٨٥) والترمذي في الشمائل (٥٠) وفي العلل (٢/ ٧٣٤) وأبو يعلى (٢٠٥٨) والطبري في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس ٧٤٨) والبغوي في شرح السنة (٣٢٠٢)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٧٢٩). وصححه الألباني في الصحيحة (٧٢٤).","vol":"9","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>[كتاب الطعام وغيره]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>[الترغيب في التسمية على الطعام والترهيب من تركها]</span>\n٣١٩٩ - عَن عَائِشَة -﵂- قَالَت كَانَ النَّبِي -ﷺ- يَأْكُل طَعَامه فِي سِتَّة من أَصْحَابه فجَاء أَعْرَابِي فَأَكله بلقمتين فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أما إِنَّه لَو سمى كفاكم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَزَاد فَإِذا أكل أحدكُم طَعَامه فليذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَإِن نسي فِي أَوله فَلْيقل بِسم الله أَوله وَآخره وَهَذِهِ الزِّيَادَة عِنْد أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه مُفْردَة (^١).\nقوله: عن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقولها: قالت كان رسول الله -ﷺ- يأكل طعامه في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله -ﷺ-: \"أما إنه لو سمى لكفاكم\" الحديث.\nاعلم أن العلماء أجمعوا على استحباب التسمية (على) (^٢) الطعام في أوله،\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٦٧١)، وإسحاق (١٢٨٨)، وأحمد ٦/ ١٤٣ (٢٥٧٤٦) و٦/ ٢٠٧ (٢٦٣٧٢) و٦/ ٢٤٦ (٢٦٧٢٩) و٦/ ٢٦٥ (٢٦٩٣٣)، والدارمي (٢١٨٢)، وابن ماجه (٣٢٦٤)، أبو داود (٣٧٦٧)، والترمذي (١٨٥٨) والشمائل (١٥٠) و(١٩٤)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٤٠)، وابن حبان (٥٤١٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٠٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٩: هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم إلا أنه منقطع قال ابن حزم في المحلى عبد الله بن عبيد لم يسمع من عائشة. قال الألباني: صحيح، الإرواء (١٩٦٥)، صحيح الترغيب (٢١٠٧)، تخريج الكلم الطيب (١١٢).\n(^٢) سقطت من الأصل وأثبتناها من الأذكار (ص ٣٧٢) للنووى.","vol":"9","page":315},{"text":"ويستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره وينبهه عليها، ولو ترك التسمية في أول الطعام عامدا أو ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو عاجزا لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكله منها استحب أن يسمي ويقول باسم الله أوله وآخره كما جاء في الحديث، والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام في كل ما ذكرناه، وتحصل التسمية بقوله باسم الله ويكفيه ذلك، وتحصل به السنة فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم كان حسنا وهو الأفضل وسواء في استحباب التسمية الجنب والحائض وغيرهما، وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فإن سمي واحد منهم حصل أضل التسمية وأجزأ عن الباقين نص عليه الشافعي وهو شبيه برد السلام وتشميت العاطس فإنه يجزئ فيه قول أحد الجماعة (^١).\nويستدل له بأن النبي -ﷺ- أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه وهذا قد ذكر اسم الله عليه، ولأن المقصود يحصل بواحد كما ذكر والله أعلم (^٢).\n\n٣٢٠٠ - وَرُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من سره أَن لَا يجد الشَّيْطَان عِنْده طَعَاما وَلَا مقيلا وَلَا مبيتا فليسلم إِذا دخل بَيته وليسم على طَعَامه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣).\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٣٧٢)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٤٠ رقم ٦١٠٢). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٨: رواه =","vol":"9","page":316},{"text":"قوله: وروي عن سلمان الفارسي -﵁- وسلمان الفارسي من قرية من قرى أصبهان، يقال لها جي بجيم مفتوحة ثم ياء مفتوحة، توفي بالمدائن سنة ست وثلاثين وهو ابن مائتين وخمسين سنة، وقيل: أدرك وصي عيسى -﵇- وتقدم الكلام عليه مبسوطًا.\nقوله: \"من سره أن لا يجد الشيطان عنده طعاما ولا مقيلا ولا مبيتا فليسلم إذا دخل بيته وليسم على طعامه\" الحديث، ففي هذا الحديث أيضا تنبيه على فضيلة التسمية، وفي بستان العارفين للفقيه أبي الليث السمرقندي (^١): إذا بدأت فقل باسم الله وليكن طعامك من حلال لأنه يقال: من كان طعامه حراما فإذا قال باسم الله يقول الشيطان كل إني كنت معك حين اكتسبته وأنا شريكك فيه فلا أفارقك الآن، وإذا كان الطعام حلالا وذكرت فيه باسم الله يهرب الشيطان منك هربا شديدًا، وإذا لم تسم الله تعالى شاركك الشيطان فيه وذلك لقول الله لإبليس: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ (^٢) أي إذا لم يذكروا اسمي: ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ (^٣) إذا لم يذكرن النساء اسمي في الولادة، وإذا قلت باسم الله فارفع صوتك حتى تلقن من معك، أ. هـ والله أعلم.\n_________\n= الطبراني، وفيه أبو الصباح عبد الغفور وهو متروك. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار ١/ ١٧٧: سنده ضعيف. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٣٥٨)، وضعيف الترغيب (٩٩٨) و(١٢٨٢).\n(^١) بستان العارفين (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٦٤.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٦٤.","vol":"9","page":317},{"text":"٣٢٠١ - وَعَن جَابر -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول إِذا دخل الرجل بَيته فَذكر الله تَعَالَى عِنْد دُخُوله وَعند طَعَامه قَالَ الشَّيْطَان لَا مبيت لكم وَلَا عشَاء وَإِذا دخل فَلم يذكر الله عِنْد دُخُوله قَالَ الشَّيْطَان أدركتم الْمبيت وَإِذا لم يذكر الله عِنْد طَعَامه قَالَ الشَّيْطَان أدركتم الْمبيت وَالْعشَاء رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن جابر -﵁- هو: ابن عبد الله تقدم.\nقوله: \"إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء\" الحديث، معناه: قال الشيطان لإخوانه وأعوانه ورفقته لا سلطان لنا على المبيت عند هؤلاء، المبيت: مصدر بات والعشاء بفتح العين الطعام الذي يؤكل وقت العشاء ويستعمل فيما يؤكل في غير العشاء أيضًا يعني يقول الشيطان على سبيل الدعاء على أهل البيت: جعلكم الله محرومين كما جعلتموني محروما من الطعام والمبيت بأن ذكرتم الله (^٢).\nوفيه: تنبيه على أن الشيطان (لا يستطيع أن) (^٣) يأوي إلى بيت ذكر صاحبه اسم الله عند دخوله لا ينتفع من طعامه، وذلك أن انتهازه الفرصة من الإنسان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٩٦)، ومسلم (١٠٣ - ٢٠١٨)، وابن ماجه (٣٨٨٧)، وأبو داود (٣٧٦٥)، والنسائي في اليوم والليلة (١٧٨) والكبرى (٦٧٢٤) و(٩٩٣٥)، وابن حبان (٨١٩).\n(^٢) المفاتيح في شرح المصابيح (٤/ ٥٠٠).\n(^٣) الميسر في شرح المصابيح (٣/ ٩٥١) للتوربشتى وحدث خلل في عبارة الأصل صوبناه من المصدر.","vol":"9","page":318},{"text":"[دون] الغفلة ونسيان الذكر يقع منه موقع الغذاء من الإنسان لتلذذه به و(تقويه) أو إصابته من الطعام التقوي برائحته والذكر هو المانع له عن حضور الطعام.\nقوله -ﷺ-: \"إذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان أدركتم المبيت والعشاء\" الحديث، وسبب إدراكهم العشاء استحلالهم ما لم يذكر الله عليه والموجب لذلك الغفلة عن التسمية ففي هذا الحديث استحباب ذكر الله تعالى عند دخول البيت وعند الطعام والله أعلم.\n\n٣٢٠٢ - وَعَن أُميَّة بن مخشي -﵁- وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- أَن رجلا كَانَ يَأْكُل وَالنَّبِيّ -ﷺ- ينظر فَلم يسم الله حَتَّى كَانَ فِي آخر طَعَامه فَقَالَ بِسم الله أَوله وَآخره فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه حَتَّى سمى فَمَا بَقِي فِي بَطْنه شَيْء إِلَّا قاءه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد مخشي بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بعدهمَا شين مُعْجمَة مَكْسُورَة وياء (^١). قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لم يسند أُميَّة عَن النَّبِي -ﷺ- غير هَذَا الحَدِيث\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٢)، وأحمد ٤/ ٣٣٦ (١٩٢٦٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٦ - ٧)، وأبو داود (٣٧٦٨)، والنسائي في الكبرى (٦٧٢٥) و(١٠٠٤١) - وهو في عمل اليوم والليلة (٢٨٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٠٨٥ و١٠٨٦)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٩١ رقم ٨٥٤ و٨٥٥)، والحاكم ٤/ ١٠٨ - ١٠٩. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب (١٢٨٣)، المشكاة (٤٢٠٣).","vol":"9","page":319},{"text":"وَكَذَا قَالَ أَبُو عمر النمري وَغَيره.\nقوله: وعن أمية بن مخشي -﵁- ومخشي بفتح الميم، قال الدارقطني (^١): لم يسند أمية عن النبي -ﷺ- غير هذا الحديث وكذا قال أبو عمر النمري (^٢) وغيره قاله المنذري.\nقوله: أن رجلا كان يأكل والنبي -ﷺ- ينظر فلم يسم الله حتى كان في آخره فقال بسم الله أوله وآخره فقال النبي -ﷺ- \"ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى فما بقي في بطنه شيء إلا قاءه\" الحديث، قال النووي في الأذكار (^٣): وهذا الحديث محمول على أن النبي -ﷺ- لم يعلم تركه التسمية إلا في آخره إذ لو علم ذلك لم يسكت عن أمره بالتسمية.\nقوله -ﷺ-: \"ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى\" الحديث، والصواب الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن هذا الحديث وشبهه من الأحاديث الواردة من أكل الشيطان محمولة على ظواهرها وأن الشيطان يأكل حقيقة إذ العقل لا يحيله والشرع لم ينكره بل أثبته فوجب قبوله واعتقاده والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٤٠١).\n(^٢) الاستيعاب (١/ ١٠٧) لابن عبد البر، والبغوي في معجم الصحابة (١/ ١٤٠ - ١٤١)، وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٢٨٤).\n(^٣) الأذكار (ص ٢٣٠).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩٠)، وشرح المشكاة (٩/ ٢٨٣٨) للطيبي.","vol":"9","page":320},{"text":"تتمة: وروى الطبراني موقوفا ورجال رجال الصحيح عن ابن مسعود قال: \"إن شيطان المسلم يلقى شيطان الكافر فيولي شيطان المؤمن شاحبا أغبر فيقول له شيطان الكافر: ويحك ما لك قد هلكت؟ فيقول شيطان المؤمن: لا والله ما أصل معه إلى شيء، إذا طعم ذكر الله وإذا شرب ذكر اسم الله وإذ دخل بيته ذكر الله فيقول الآخر: لكني آكل من طعامه وأشرب من شرابه وأنام على فراشه\" (^١) فهذا شاحب وهذا مهزول، أ. هـ قاله في الديباجة.\nفرع: قال النووي (^٢): روينا عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: \"من نسي أن يسمي على طعامه فليقرأ قل هو الله أحد\" وفي حديث: \"من نسي أن يذكر الله في أول طعامه فليذكر اسم الله في آخره وليقرأ قل هو الله أحد إذا فرغ\" رواه الطبراني بإسناد في ضعف كذا رأيته (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٥٦٠)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ١٥٦ رقم ٨٧٨٢) والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٥ رقم ٥٤٤٧)، وابن شاذان في الأول من حديثه (١٦) من طريق أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٢: رواه الطبراني موقوفا ورجاله رجال الصحيح. قلت: إسناده جيد.\n(^٢) الأذكار (ص ٢٣٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٦٦ - ٦٧ رقم ٦٨٦٧) باللفظ الثاني، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٧٠)، والطبراني في الدعاء (٨٩٠) وابن السنى في اليوم والليلة (٤٦٠) وابن عدى (٣/ ٢٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١١٤) باللفظ الأول من طريق حمزة النصيبي، عن أبي الزبير، عن جابر. وقال: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا حمزة النصيبي. قال ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٣٤): هذا حديث موضوع، والمتهم به حمزة، وهو حمزة بن أبي حمزة الجعفي النصيبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٢٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حمزة بن أبي حمزة النصيبي، وهو متروك.","vol":"9","page":321},{"text":"فرع آخر (^١): روينا في كتاب ابن السني: عن عبد الله بن عمرو بن العاصي عن النبي -ﷺ- أنه كان يقول في الطعام إذا قرب إليه:\nاللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار باسم الله (^٢).\n\n٣٢٠٣ - وَعَن حُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَانِيّ -﵁- قَالَ كُنَّا إِذا حَضَرنَا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- طَعَاما لم يضع أَحَدنَا يَده حَتَّى يبْدَأ رَسُول الله -ﷺ- وَإِنَّا حَضَرنَا مَعَه طَعَاما فجَاء أَعْرَابِي كَأنَّمَا يدْفع فَذهب ليضع يَده فِي الطَّعَام فَأخذ رَسُول الله -ﷺ- بِيَدِهِ ثمَّ جَاءَت جَارِيَة كَأنَّمَا تدفع فَذَهَبت لتَضَع يَدهَا فِي الطَّعَام فَأخذ رَسُول الله -ﷺ- بِيَدِهَا وَقَالَ إِن الشَّيْطَان يسْتَحل الطَّعَام الَّذِي لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَإنَّهُ جَاءَ بِهَذَا الْأَعرَابِي يسْتَحل بِهِ فَأخذت بِيَدِهِ وَجَاء بِهَذِهِ الْجَارِيَة يسْتَحل بهَا فَأخذت بِيَدِهَا فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِن يَده لفي يَدي مَعَ أَيْدِيهِمَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد قَالَ الْحَافِظ وَيَأْتِي ذكر التَّسْمِيَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس -﵄- فِي الْحَمد بعد الْأكل (^٣).\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٢٣٧).\n(^٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٤٢٨)، والطبراني في الدعاء (٨٨٨ و٨٩٥)، وابن السنى (٤٥٧). قال أبو حاتم في العلل (١٥١٦): هذا حديث ليس بشيء، وابن أبي الزعيزعة لا يشتغل به؛ منكر الحديث.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٥٦٣)، وأحمد ٥/ ٣٨٢ (٢٣٧٢١) و٥/ ٣٩٧ (٢٣٨٥٣)، ومسلم (١٠٢ - ٢٠١٧)، وأبو داود (٣٧٦٦)، والنسائي في الكبرى (٦٧٢١) و(١٠٠٣١) وفي عمل اليوم والليلة (٢٧٣)، وأبو عوانة (٨٦٨٠) و(٨٦٨١) و(٨٦٨٢) و(٨٦٨٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٠٧٧ و١٠٧٨)، والحاكم ٤/ ١٠٨.","vol":"9","page":322},{"text":"قوله: وعن حذيفة هو ابن اليماني -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: كنا إذا حضرنا مع رسول الله -ﷺ- طعاما لم يضع أحدنا يده حتى يبدأ رسول الله -ﷺ-، الحديث، وفي هذا الحديث تنبيه على أدب الأكل وهو أنه يبدأ الكبير والفاضل في غسل اليد للطعام وفي الأكل والله أعلم.\nقوله: وإنا حضرنا معه طعاما فجاء أعرابي كأنما يدفع فذهب ليضع يده في الطعام فأخذ رسول الله -ﷺ- بيده.\nقوله: ثم جاءت جارية كأنما تدفع، وفي رواية أخرى: \"كأنما تطرد\" يعني لشدة سعيها، قال النووي (^١): في هذا الحديث فوائد منها: جواز الحلف من غير استحلاف، وتقدم بيانه مرات وتفصيل الحلال في استحبابه وكراهته ومنها: استحباب التسمية في ابتداء الطعام وهذا مجمع عليه وكذا يستحب حمد الله تعالى في آخره وكذا التسمية في أول الشرب بل في أول كل أمر ذي بال كما ذكر في أول الخطبة، والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"إن الشيطان يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه\" الحديث، ومعنى يستحل الطعام أنه يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى ويجعله حلالا بسبب ترك اسم الله تعالى عليه وأما إذا لم يشرع فيه أحد لم يتمكن منه وإذا كانوا جماعة فسمي بعضهم دون بعض لم يتمكن منه والجمهور على أن هذا حقيقة وتقدم ذلك (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١١٨).\n(^٢) المصدر السابق (١٣/ ١٨٩ - ١٩٠).","vol":"9","page":323},{"text":"قوله -ﷺ-: \"فوالذي نفسي بيده إن يده -يعني الشيطان- لفي يدي مع أيديهما\" هكذا في الترغيب، وقال النووي في شرح مسلم: عن يده لفي يدي مع يدها هكذا هو في معظم الأصول في جميع نسخ مسلم \"يدها\"، وفي بعضها \"يدهما\" فهذا ظاهر والتثنية تعود إلى الجارية والأعرابي، ومعناه: أن يدي في يد الشيطان مع يد الجارية والأعرابي وأما على رواية يدها بالإفراد فيعود الضمير على الجارية، وقد حكى القاضي عياض: أن الوجه التثنية والظاهر أن رواية الإفراد أيضًا مستقيمة فإن إثبات يدها لا ينفي يد الأعرابي وإذا صحت الرواية بالإفراد وجب قبولها وتأويلها على ما ذكرناه والله أعلم (^١).\nخاتمة: قال في الإحياء (^٢): من الآداب حالة الأكل أن يبدأ باسم الله في أوله، وبالحمد في آخره، ولو قال مع كل لقمة باسم الله فهو أحسن حتى لا يشغله الشره عن ذكر الله ويقول مع اللقمة الأول باسم الله ومع الثانية باسم الله الرحمن ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم، ويجهر ليذكر غيره ويأكل باليمين ويبدأ (^٣) بالملح ويختم به ويصغر اللقمة ويجود مضغها وما لم يبتلعها فلا يمد اليد الأخرى فإن ذلك عجلة في الأكل ولا يذم مأكولا وأن يأكل مما يليه إلا الفاكهة فإن له أن يجيل يده، قال -ﷺ-: \"كل مما يليك\" ثم قدمت الفاكهة فأجال يده فيها فقيل له في ذلك فقال هو ليس نوعا واحدا، ولا يقطع بالسكين خبزا ولا لحما فقد نهى عنه، رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٨٩).\n(^٢) الإحياء (٢/ ٥ - ٩).\n(^٣) في الأصل يبدأ والتصويب من الإحياء.","vol":"9","page":324},{"text":"أبي [هريرة] ولا ينفخ في الطعام الحار ويصبر إلى أن يستحق أكله ويأكل من التمر وترا (سبعا) (^١) أو إحدى عشرة أو إحدى وعشرين أو ما اتفق ولا يجمع بين التمر والنواة في طبق وأن لا يكثر الشرب في أثناء الطعام، وأما الشرب فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول باسم الله ويشربه مصا لا غبا قال -﵇-: \"مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا فإن الكباد من العب\" (^٢) ولا يشرب قائما ولا مضطجعا وأن يقول بعد الشرب الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجله ملحا أجاجا بذنوبنا رواه الطبراني في كتاب الدعوات مرسلا من رواية أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (^٣)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) سقطت من الأصل.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٥٩٤) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٧/ ٤٦٤ رقم ١٤٦٥٩)، وأبو نعيم في الطب (٣٧٣) عن ابن أبي حسين مرسلا. ووصله الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (١٨٨) من طريق موسى بن إبراهيم المروزي، حدثنا موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي. وأخرجه ابن عدى في الكامل (٣/ ٤٤٨)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٣٩ - ١٤٠ رقم ٥٦٠٨) من طريق من طريق عبد الوارث عن أبي عصام عن أنس. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٤٢٨) و(٢٣٢٣) و(٢٥٧١).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (٧٠) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣ رقم ٤١٦٢)، والطبراني في الدعاء (٨٩٩) وعنه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٧)، عن جعفر عن أبي جعفر مرسلا. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الفضيل وجابر وهو يزيد الجعفي الكوفي وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كذا رواه مرسلا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٢٠٢).","vol":"9","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>[الترهيب من استعمال أواني الذهب أو الفضة وتحريمه على الرجال والنساء]</span>\n٣٢٠٤ - عن أم سلمة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم رواه البخاري ومسلم (^١).\nوفي رواية لمسلم إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم وفي أخرى له من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم (^٢).\nقوله: عن أم سلمة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"إن الذي يشرب في آنية الفضة\" وفي رواية مسلم: \"إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم\" وفي رواية أخرى \"من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه من نار جهنم\" الحديث.\nقوله \"يجرجر\" بضم الياء المثناة من تحت، قال النووي (^٣): اتفق العلماء من أهل الحديث واللغة والغريب وغيرهم على كسر الجيم الثانية من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (١ - ٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤١٣)، والنسائي في الكبرى (٦٨٤٣ - ٦٧٤٧)، وابن حبان (٥٣٤١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٦٥) م و(٢ - ٢٠٦٥)، والنسائي في الكبرى (٦٨٤٨)، وابن حبان (٥٣٤٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"9","page":326},{"text":"يجرجر، واختلف في الراء في \"نار جهنم\" في هذا الحديث فنقلوا فيها النصب والرفع وهما مشهوران في الرواية وفي كتب الشارحين وأهل الغريب واللغة والنصب هو الصحيح المشهور والذي جزم به الأزهري وآخرون من المحققين ورجحه الزجاج والخطابي والأكثرون، ويؤيده الرواية الثالثة \"يجرجر في بطنه نارا من جهنم\"، وفي صحيح مسلم هكذا هو في الأصل نارا.\nوأما معناه فعلى رواية النصب الفاعل هو الشارب مضمر في يجرجر والنار مفعول أي يلقيها في بطنه بجرع متتابع يسمع له جرجرة وهو الصوت لتردده في حلقه، أ. هـ.\nيقال: جرجر فلان الماء إذا جرعه متواترا له صوت والمعنى: كأنما يجرع نار جهنم، كذا في النهاية (^١) وعلى رواية الرفع تكون النار فاعلة معناه تصوت النار في بطنه والجرجرة هي التصويت أي يحذر فيه نار جهنم فيجعل الشرب والجرع جرجرة وهي صوت وقوع الماء في الجوف، قال الزمخشري (^٢): \"فيجرجر\" مجاز لأن نار جهنم على الحقيقة لا تجرجر في جوفه والجرجرة: صوت البعير عند الضجر ولكنه جعل صوت جرع الإنسان للماء في هذه الأواني المخصوصة لوقوع النهي عنها واستحقاق الذهاب على استعمالها كجرجرة نار جهنم في بطنه من طريق المجاز، هذا وجه الرفع والله أعلم، ويكون قد ذكر \"يجرجر\" بالياء للفصل بينه وبين النار.\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٥٥).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٥٥).","vol":"9","page":327},{"text":"أقول: ويحتمل أن يكون على الحقيقة فإن الله على كل شيء قدير، وسمي المأكول والمشروب نارا لأنه يؤول إليها كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (^١) فهذا نص في تحريم الأكل والشرب وقيس عليه في الباقي (^٢).\nتنبيه: ظاهر النهي التحريم ثم التحريم هل هو تعبد أم لمعنى منهم من رآه مختصا بعينهما كما في الفرائض وغيره ومنهم من قال: إنما حرم للخيلاء والتشبه بالأعاجم وقال الإمام والعراقيون: معنى الخيلاء لا بد من اعتباره والله أعلم.\nقال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^٣): واختلفوا في المراد بالحديث فقيل: هو إخبار عن الكفار من ملوك العجم وغيرهم الذين عادتهم فعل ذلك كما في الحديث الآخر فهي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة أي هم المستعملون لها في الدنيا وكما قال -ﷺ- في ثوب الحرير إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة، أي لا نصيب له قال: وقيل المراد نهي المسلمين عن ذلك وأن من ارتكب هذا النهي استوجب هذا الوعيد وقد يعفوا الله عنه وهذا كلام القاضي، قال النووي: والصواب أن النهي يتناول جميع من يستعمل إناء الذهب أو الفضة من المسلمين والكفار لأن الصحيح أن الكفار مخاطبون\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٠.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٨).\n(^٣) إكمال المعلم (٦/ ٥٦٤)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٨ - ٢٩).","vol":"9","page":328},{"text":"بفروع الشرع والله أعلم، وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب وإناء الفضة على الرجل وعلى المرأة والصغير والكبير حتى يحرم على الولي أن يسقي الصبي بإناء منهما ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء إلا ما حكاه أصحابنا العراقيون أن للشافعي قولا قديما أنه يكره ولا يحرم، وهذا قول باطل مردود بالنصوص والإجماع، وحكي المرعشي قولا أن الأكل والشرب يحرمان دون غيرهما.\nوقال النووي في شرح مسلم (^١): قال أصحابنا: ويحرم استعمال ماء الورد والادهان من قارورة الذهب والفضة وإن ابتلي بالدهن في قارورة فضة أو ذهب فليصبه في يده اليسرى ثم يصبه من اليسرى في اليمنى ويستعمله، قال أصحابنا: ويحرم تزيين الحوانيت والبيوت والمجالس بأواني الذهب والفضة هذا هو الصواب قال الشافعي والأصحاب: لو توضأ أو اغتسل من إناء ذهب أو فضة عصى بالفعل وصح وضوءه وغسله هذا مذهبنا وبه قال مالك وأبو حنيفة والعلماء كافة إلا داود فقال: لا يصح والصواب الصحة وكذا لو أكل منه أو شرب عصى بالفعل ويكون المأكول والمشروب حلالا هذا كله في حال الاختيار، وأما إذا اضطر إلى استعمال إناء، ولم يجد إلا ذهبا أو فضة فله استعماله في حال الضرورة بلا خلاف.\nومن استعمال المحرم الأكل بمعلقة منهما ويجوز تخليل الأسنان بخلالهما والاكتحال بميلهما واستعمال الإبرة والمرآة منهما والحيلة في\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٠) والمجموع (١/ ٢٤٦ - ٢٥١) باختصار.","vol":"9","page":329},{"text":"الاستعمال أن يخرج الطعام من الإناء على شيء بين يديه ثم يأكل، قال أصحابنا: ولو باع هذا الإناء صح بيعه لأنه عين طاهرة يمكن الانتفاع بأن تسبك، وأما اتخاذ هذه الأواني من غير استعمال فللشافعي والأصحاب فيه خلاف والأصح تحريمه، والثاني: كراهته فإن كرهناه استحق صانعه الأجرة ووجب على كاسره إرش النقص وإلا فلا، وأما إناء الياقوت والزمرد والفيروزج ونحوها فالأصح عند أصحابنا جواز استعمالها ومنهم من حرمها والله أعلم (^١).\nتتمة: استعمال الذهب والفضة على أربعة أقسام قسم يحرم على الرجال والنساء وهو أواني الذهب والفضة حتى المكحلة وظرف القالب والميل والذي يكتحل به إلا أن تحتاج إليه لجلاء العين فيجوز كما قال الماوردي ومن ذلك تحلية سكين المهنة والدواة والمقلمة والمقراض والمرآة و[المصحف] ونحوها مما لا يلبس بل يلابس المشط والملعقة والخلال والمغزل.\nوقسم يحرم على الرجال دون النساء [يجوز لها] التحلي بأنواع حلي الذهب والفضة وخاتم الذهب والخاتم المطلي بالذهب والخاتم الذي [فصه] من ذهب وكذا المموه بالذهب على الأصح إلا أن يكون قد صدى فيجوز كالمنسوج بالذهب وتحلية المصحف بالذهب وكذا سائر كتب العلم.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٢٤٦ - ٢٥١) باختصار.","vol":"9","page":330},{"text":"القسم الثالث: يباح لهما جميعا وهو التختم بخاتم الفضة لكن قال الخطابي في معالم السنن (^١): يكره للمرأة لبس خاتم الفضة لما فيه من التشبه بالرجال قال: فإن لبسته فلتصفره بزعفران ونحوه وكل موضع كره فيه استعمال الذهب والفضة أو حرم وجبت فيه الزكاة كالصبية الصغيرة للزينة والكبيرة للحاجة فعلى هذا يجب على المرأة أن تخرج الزكاة عن خواتيم الذهب والفضة وتحلية المصحف بالفضة جائز للرجال والنساء وينبغي إلحاق اللوح المعد لقراءة القراءة بالمصحف واستعمال أواني الذهب والفضة لحاجة الدواء جائز للرجال والنساء، وقد ذكر الحليمي أنه لو كان بشخص مرض لا يزول إلا بسماع الأوتار جاز له استماعها بخلاف شرب الخمر للدواء فإنه حرام؛ القسم الرابع: يحرم على النساء دون الرجال وهو تحلية آلة الحرب بفضة، أ. هـ، قاله ابن العماد.\n\n٣٢٠٥ - وعن حذيفة -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة رواه البخاري ومسلم (^٢).\n_________\n(^١) نسبه النووي في المجموع (٤/ ٤٦٤) وشرح مسلم (١٤/ ٦٧) للخطابي ولم أعثر عليه في معالم السنن.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٢٦) و(٥٦٣٢ و٥٦٣٣) و(٥٨٣١) و(٥٨٣٧)، ومسلم (٤ و٥ - ٢٠٦٧)، وابن ماجه (٣٤١٤) و(٣٥٩٠)، وأبو داود (٣٧٢٣)، والترمذي (١٨٧٨)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢١٠ (٥٣٤٥)، وابن حبان (٥٣٣٩).","vol":"9","page":331},{"text":"قوله: وعن حذيفة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله -ﷺ-: \"ولا تأكلوا في صحافها\" الحديث، الصحاف جمع صحفة وهي دون القصعة، قال الجوهري في صحاحه (^١): قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم [المكئلة] تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل. أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\" الحديث، أي: أن الكفار إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا، وأما في الآخرة فما لهم فيها من نصيب، وأما المسلمون فلهم في الجنة الحرير والذهب وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وليس في الحديث حجة لمن يقول: الكفار غير مخاطبين بالفروع لأنه لم يصرح فيه بإباحته لهم وإنما خطر عن الواقع في العادة أنهم هم الذين يستعملونه في الدنيا وإن كان حراما عليهم كما هو حرام على المسلمين.\nقوله: \"وهو لكم في الآخرة يوم القيامة\" إنما جمع بينهما لأنه قد يظن أنه بمجرد موته صار في حكم الآخرة في هذا الإكرام فبين أنه إنما هو في يوم القيامة وبعده في الجنة أبدا، ويحتمل أن المراد أنه لكم في الآخرة من حين\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٣٨٤)، وشرح مسلم للنووي (١٤/ ٣٧)، ولسان العرب لابن منظور (٩/ ١٨٧).","vol":"9","page":332},{"text":"الموقف ويستمر في الجنة أبدًا، (^١) أ. هـ.\nقوله: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" الحديث يحمل على من لبسه مستحلا أو يحمل على العموم ويخص منه من تاب كما ورد في الخمر من شربها ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة، ذكره النووي في شرح مسلم (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة\" وفيه دليل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة كما تقدم وعلى تحريم سائر وجوه الاستعمالات من الغسل والطبخ فيهما ويقاس بأواني الذهب والفضة ما كان في معناهما كا [وانى الياقوت والزبرجد] وأواني الطيب، قاله النووي (^٣)، وقال: إن الصحيح أنه لا فرق في التحريم بين المسلم والكافر، وذكر في الروضة في كتاب الجزية أن الكافر لا يمنع من لبس الحرير في بلاد الإسلام [...] (^٤) أن لا يمنع من استعمال أواني الذهب [...] (^٥) وعدم المنع لا يقتضي الإباحة لأن عدم المنع أعم من الإذن ولهذا لا نمنعهم من إعادة ما استهدم من كنائسهم ولا نفتيهم بالجواز بل نفتيهم بأنا لا نمنعهم ولا نقول يجوز لهم ذلك.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٢) عزاه المصنف للنووى وإنما هذا نص كلام المظهري في المفاتيح شرح المصابيح (٥/ ١٠).\n(^٣) المجموع (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٤) بياض في الأصل.\n(^٥) بياض في الأصل.","vol":"9","page":333},{"text":"٣٢٠٦ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة ثم قال لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث.\n\n٣٢٠٧ - وعن ابن عمر -﵄- قال قال رسول الله -ﷺ- من لبس الحرير وشرب من الفضة فليس منا ومن خبب امرأة على زوجها أو عبدا على مواليه فليس منا رواه الطبراني ورواته ثقات إلا عبد الله بن مسلم أبا طيبة (^٢).\nقوله: وعن ابن عُمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من لبس الحرير وشرب من الفضة فليس منا\"، تقدم الكلام على قوله ليس منا.\nتتمة: أواني المشركين وثيابهم إن كانوا لا يتعبدون باستعمال النجاسة كأهل الكتاب فهي كآنية المسلمين وثيابهم لأن النبي -ﷺ- توضأ من مزادة مشركة\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٣٣١)، والطحاوي في معانى الآثار (٦٦٧٨)، والبغوى في الجعديات (٩٧٥)، والحاكم ٤/ ١٤١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٠) والصحيحة (٣٨٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٧ رقم ٦٩٨) والأوسط (٥/ ١١٥ رقم ٤٨٣٧) و(٨/ ٧٩ رقم ٨٠٢٢)، والكبير (١٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩ رقم ١٣٩٥٩) وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١١٤). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٣٢: رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه محمد بن عبد الله الرزي، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا. وقال في ٥/ ٧٧: رواه الطبراني في الكبير والصغير، وفيه أبو طيبة عبد الله بن مسلم، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠١٥).","vol":"9","page":334},{"text":"وتوضأ عمر من جر نصرانية، والجر والجرار جمع جرة و[كره] استعمالهما لعموم تحرزهم، قال الشافعي: [وأنا لما يلي أسافلهم من] الثياب أشد كراهة، وخص البنديجي الكراهة بما عدا آنية الماء واستدل بفعله [-ﷺ-] وإن كانوا لا يتدينون باستعمال النجاسة كطائفة من المجوس يغتسلون ببول البقر [...] (^١) ففي جواز استعمالها وجهان أخذا من القولين في تعارض الأصل والغالب ويجري الوجهان في أواني قدمني الخمر وثيابهم وثياب القصابين الذين لا يحترزون من النجاسة والأصح الجواز، أ. هـ. قاله الكمال الدميري (^٢).\nفروع: شرب بكفه وفي إصبعه خاتم فضة أو في الإناء الذي يشرب منها دراهم جاز ولو أثبتت الدراهم في الإناء بالمسامير فهو كالضبة وقطع القاضي حسين بجوازه، ولو اتخذ الإناء رأسا أو حلقة أو سلسلة من فضة صرح جماعة بالجواز وعللوا الرأس بأنه منفصل عن الإناء لا يستعمل معه، أ. هـ، قاله الكمال الدميري (^٣). قوله -ﷺ-: \"ومن خبب امرأة على زوجها أو عبدا على مواليه فليس منا\" خبب: معناه أفسد، تقدم الكلام عليه في كتاب النكاح.\nفروع يختم بها الباب:\nفرع: ورد النهي عن الشرب في آنية النحاس رواه أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث أنس بن مالك: \"فإنه يورث السهك\" (^٤) فقال بعض العلماء: يعني فإن فيه ريح السهك، والسهك صداء الحديد.\n_________\n(^١) بياض في الأصل.\n(^٢) النجم الوهاج (١/ ٢٦٢).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٤) لم أعثر عليه.","vol":"9","page":335},{"text":"فرع آخر: كما يحرم استعمال أواني الذهب والفضة يحرم اتخاذها لغير الاستعمال على الرجال والنساء ويحرم على الصانع عملها.\nفرع آخر: من قدم إليه طعام في آنية ذهب أو فضة ولم يستطع الإنكار فطريقه أن يأخذ الطعام من الآنية ويضعه في إناء آخر أو على الخبز أو في يده الشمال ثم يأكل منه لأنه إذ ذاك ليس بآكل فيها، وكذلك إذا أراد الاكتحال من كحل مكحلة فضة أو ذهب أفرغ منه في شيء ثم اكتحل منه والله أعلم.\nفائدة: من الكبائر استعمال أواني الذهب والفضة كذا عده ابن قيم الجوزية وغيره ولا فرق بين أن تكون الآنية كبيرة كالصحن والزبدية ونحوهما أو صغيرة كالمكحلة والميل والإبرة ونحوها.\nخاتمة: يحل استعمال كل إناء طاهر إلا ذهبا أو فضة نعم المتخذ من عظام [الميتة] وجلدها [قبل] الدباغ يكره استعماله فقط كما في [زوائد] الروضة، وفي الصحيح أن النبي -ﷺ- توضأ من إناء من صفر وكره في الإحياء الوضوء منه ورواه عن ابن عمر عن أبي هريرة وهو محجوج بالحديث الصحيح، أما الأكل والشرب فيه فيكره، قال القزويني: واعتياد ذلك يتولد منه أمراض لا دواء لها والإناء جمع آنية وجمع الآنية أواني روى الطبراني عن أبي عتبة الخولاني أن النبي -ﷺ- قال: \"إن لله آنية في أرضه وآنيته في أرضه [قلوب عباده الصالحين، فأحبها] إليه ألينها [وأرحمها] وأصفاها وأرقها\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٨٤٠) والكبير كما في الصحيحة للألبانى (١٦٩١). وصححه الألباني في الموضع السابق.","vol":"9","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>[الترهيب من الأكل والشرب بالشمال وما جاء في النهي عن النفخ في الإناء والشرب من في السقاء ومن ثلمة القدح]</span>\n٣٢٠٨ - عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال لا يأكلن أحدكم بشمال ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها قال وكان نافع يزيد فيها ولا يأخذ بها ولا يعط بها رواه مسلم والترمذي بدون الزيادة رواه مالك وأبو داود بنحوه (^١).\nقوله: عن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يأكلن أحدكم بشمال ولا يشربن بها\" الحديث، وروى أحمد والطبراني بإسناد حسن عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: \"من أكل بشماله أكل معه الشيطان ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٧١)، والحميدى (٦٤٨ و٦٤٩)، والدارمي (٢١٩٢)، وإسحاق (٤٧٧)، وأحمد ٢/ ٨ (٤٦٢٥) و٢/ ٣٣ (٤٩٨٠) و٤/ ١٠٦ (٥٦١٥) و٢/ ١٢٨ (٥٩٥٢) و٢/ ١٣٤ (٦٢٩٣) و٢/ ١٤٦ (٦٤٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٨٩)، ومسلم (١٠٥ و١٠٦ - ٢٠٢٠)، والترمذي (١٧٩٩ و١٨٠٠)، وأبو داود (٣٧٧٦)، والنسائي في الكبرى (٦٧١٣ - ٦٧١٨) و(٦٨٦٢ - ٦٨٦٥)، والبزار (٥٧٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٧٧ (٢٥١١٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ٩٦ رقم ٢٩٢) و(٨/ ٣٨٣ رقم ٨٩٤٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث، عن إسماعيل بن أبي حكيم إلا موسى بن سرجس، ولا رواه عن موسى إلا ابن الهاد، تفرد به: ابن لهيعة.\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٥: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، وفي إسناد أحمد =","vol":"9","page":337},{"text":"قال النووي (^١): في هذه الأحاديث استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهتهما بالشمال وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء كما هو مذكور في الرواية، قال النووي: وهذا إذا لم يكن عذر فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال وفي هذا الحديث أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين وإن للشيطان يدين.\nقوله: \"فإن الشيطان يأكل بشماله\" أي يحمل أولياءه من الإنس على ذلك الصنع [ليضاد] به عباد الله الصالحين ثم إن من حق نعمة الله والقيام بشكره أن تكرم ولا يستهان بها ومن حق الكرامة أن تتناول باليمين والله أعلم (^٢).\nتتمة: وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع، أن أباه، حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله -ﷺ- بشماله، فقال: \"كل بيمينك\"، قال: لا أستطيع، قال: \"لا استطعت\"، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه (^٣).\nهذا الرجل هو بسر بضم الباء وبالسين المهملة ابن راعي العير بفتح العين وبالمثناة من تحت الأشجعي كما ذكر ابن مندة وأبو نعيم الأصبهاني وابن ماكولا وآخرون وهو صحابي مشهور عده هؤلاء وغيرهم من الصحابة وأما قول القاضي عياض إنه كان منافقا لأنه قال ما منعه إلا\n_________\n= رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وقد وثق، وفي الآخر ابن لهيعة، وحديثه حسن. حسن الحافظ إسناده في الفتح ٩/ ٥٢٢.\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٢) شرح المشكاة (٩/ ٢٨٣٩) للطيبي.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٠٧ - ٢٠٢١)، وابن حبان (٦٥١٢ و٦٥١٣).","vol":"9","page":338},{"text":"الكبر فليس بصحيح فإن [مجرد] الكبر والمخالفة لا تقتضي النفاق لكنه معصية إن كان الأمر أمر إيجاب وفي هذا الحديث جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا عذر (^١).\nوقد أجاب الله تعالى دعوة نبيه -ﷺ- في هذا [الرجل] حتى شلت فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم (^٢).\nكما دعا على الرجل الذي مر بين يدي المصلين فأقعد إلى أن مات لم يقم وحديثه في أبي داود وقال ابن حبان وهذا [المقعد] اسمه يزيد بن بهرام (^٣) ا هـ.\nتنبيه: النهي عن الأكل والشرب بالشمال قال الشيخ شمس الدين ابن القيم والصحيح تحريم ذلك (^٤) اهـ.\nفرع: قال النووي (^٥): روينا في مسند أبي داود وسنن البيهقي عن حفصة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٩٢).\n(^٢) المفهم (١٧/ ٢٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٧١٧) والمصنف ١/ ٢٥٤ (٢٩٢٠)، والبخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٣٦٦، وأبو داود (٧٠٥ و٧٠٦)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ٢/ ٦١٥ (٢٥٤٩)، وأبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة (١٨٩)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٩٠ رقم ٣٤٨٩ و٣٤٩٠) والدلائل (٥/ ٣٤٢). وقول ابن حبان في الثقات (٣/ ٤٤٦). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١١١).\n(^٤) زاد المعاد (٢/ ٣٦٩).\n(^٥) الأذكار (ص ٢٢).\nوأما حديث حفصة: أخرجه أحمد ٦/ ٢٨٧ (٢٧١٠٤) و(٢٧١٠٧) و٦/ ٢٨٨ (٢٧١٠٨)، وعبد بن حميد (١٥٤٥)، وأبو داود (٣٢)، وأبو يعلى (٧٠٤٢) و(٧٠٦٠)، وابن حبان (٥٢٢٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٢ رقم ٣٤٦ و٣٤٧)، والحاكم في =","vol":"9","page":339},{"text":"رضي الله تعالى عنها أن رسول الله -ﷺ- كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه ويجعل يساره لما سوى ذلك وروينا عن أبي هريرة عن رسول الله -ﷺ- قال \"إذا لبستم وإذا توضئتم فابدؤا بأيامنكم\" حديث حسن رواه أبو داود والترمذي.\n\n٣٢٠٩ - وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال ليأكل أحدكم بيمينه ويشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (^١).\n_________\n= المستدرك (٤/ ١٠٩)، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٨١ - ١٨٢ رقم ٥٤٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال في سنده مجهول. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ٣٧٢): تفرد به أبو أيوب الفريقي عبد الله بن علي بن مهران عن عاصم عن المسيب بن رافع ومعبد كليهما عن جارية بن وهب عنها. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار ١/ ١٤٧ - ١٤٨: وفي تصحيحه نظر، لأن في أبي أيوب الإفريقي -واسمه عبد الله بن علي- مقالًا مع الاضطراب من عاصم في سنده، وقد تكلموا في حفظه، وإنما قلت: حسن، لاعتضاده بما قبله. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٥).\nوأما حديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود (٤١٤١)، وابن ماجه (٤٠٢)، والترمذي (١٧٦٦)، وابن خزيمة (١٧٨)، وابن حبان (١٠٩٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٠ - ٢١ رقم ١٠٩٧)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٦)، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٣٩ رقم ٤٠٥) والشعب (٨/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ٥٨٦٨)، والبغوي (٣١٥٦). وصححه الألباني في المشكاة (٤٠١).\n(^١) أخرجه إسحاق (٤٧٦)، وأحمد ٢/ ٣٢٥ (٨٤٢٢) و٢/ ٣٤٩ (٨٧٠٩)، وابن ماجه (٣٢٦٦)، والبزار (٧٧٨٣)، والنسائي في الكبرى (٦٧١٢)، وأبو يعلى (٥٨٩٩)، وأبو محمد الفاكهي في الفوائد (٢٣٦)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥ - ٣٦ رقم ٦٧٧٥). =","vol":"9","page":340},{"text":"قوله: تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ليأكل أحدكم بيمينه ويشرب بيمينه\" الحديث تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\nروى الإمام أحمد والطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد عن امرأة منهم قالت دخل علي رسول الله -ﷺ- وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسراء، فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال: \"لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا\"، أو قال: \"قد أطلق الله ﷿ لك يمينك\"، قال: فتحولت شمالي يمينا فما أكلت بها بعد\" (^١).\nوعن جرهد، أنه أتى النبي -ﷺ- وبين يديه طعام، فأدنى جرهد يده الشمال ليأكل، وكانت اليمنى مصابة، فقال: \"كل باليمين\"، فقال: يا رسول الله إنها مصابة، فنفث عليها رسول الله -ﷺ-، فما شكى حتى مات. إسناده حسن (^٢).\n_________\n= وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ١٠: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٣٦) وصحيح الترغيب (٢١١٤).\n(^١) أخرجه مسدد في مسنده كما في إتحاف الخيرة ٤/ ٢٨٦ (٣٥٨٢)، وأحمد ٤/ ٦٩ (١٦٩٠٧) و٥/ ٣٨٠ (٢٣٦٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٠٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٠٩٩). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٦: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات. وحسنه الألباني في جلباب المرأة (ص ٧١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٣ رقم ٢١٥١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٦٨٢)، والأصبهاني في الدلائل (٢١٩). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٦: رواه الطبراني من طريق سفيان بن فروة عن بعض ابني جرهد، وكلاهما لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.","vol":"9","page":341},{"text":"قال الشيخ أبو العباس القرطبي (^١): عن الأمر على جهة الندب لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال وذلك لأنها أقوى في الغالب وأسبق بالأعمال وأمكن في الأشغال ثم هي مشتقة من اليمن والبركة وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها كما ذم أهل النار حين نسبهم إلى الشمال فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)﴾ (^٢): ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ (^٣) وقال عكس هذا في أصحاب الشمال، وعلى الجملة فاليمين ومن نسب إليها وما اشتق منها محمود لسانا وشرعا ودنيا وآخرة والشمال على النقيض من ذلك وإذا كان هذا فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق [والسيرة الحسنة] عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة اهـ قاله في الديباجة.\n\n٣٢١٠ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل القذاة أراها في الإناء فقال أهرقها قال فإني لا أروى من نفس واحد قال فأبن القدح إذا عن فيك [ثم تَنَفَّسْ] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (١٧/ ٢٤).\n(^٢) سورة الواقعة، الآية: ٨.\n(^٣) سورة الواقعة، الآية: ٩٠ - ٩١.\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٧٧)، وأحمد ٣/ ٢٦ (١١٣٧٣) و٣/ ٣٢ (١١٤٥١) و٣/ ٥٧ (١١٧١٩)، وعبد بن حميد (٩٨٠)، والدارمي (٢٢٩٢) و(٢٣٠٤)، والترمذي (١٨٨٧)، وأبو يعلى (١٣٠١)، وابن حبان (٥٣٢٧)، والطوسي في مختصر الأحكام =","vol":"9","page":342},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن النبي -ﷺ- نهى عن النفخ في الشراب\" قال الحليمي (^١): ذكر [كليب الجرمي] أنه شهد عليا -﵁- ينهى القصابين عن النفخ في السلخ أي في سلخ جلد الذبيحة وهو نظير النفخ في الطعام والشراب [الذى جاء] النهي عنه لأن [النكهة ربما] كانت [كريهة فكرهت] اللحم وغيرت رائحته (^٢) وقد عرف بالتجارب ا هـ.\nلأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة الطعام أو الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبعه أو بخلال أو نحوه (^٣).\nوكما يكره النفخ في الطعام يكره أن يشمه كما يشم السباع، فقد روى البيهقي عن أم سلمة أن النبي -ﷺ- قال -ﷺ-: \"لا تشموا الطعام كما تشمه السباع ولا تقطعوا الخبز بالسكين كما تقطعه الأعاجم\" (^٤) أ. هـ، قاله في الديباجة.\n_________\n= (١٤٩١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٨٥) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢١١٥).\n(^١) شعب الإيمان (٨/ ١٣٦).\n(^٢) اللوحة (١٤٥) تكرار للوحة (١٤٤).\n(^٣) شرح السنة (١١/ ٣٧٣) ومعالم السنن (٤/ ٢٧٥).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨٥ رقم ٦٢٥)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٣٧ رقم ٥٦٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠: رواه الطبراني، وفيه عباد بن كثير الثقفي، وكان كذابا متعبدا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٢٣٦).","vol":"9","page":343},{"text":"قوله: [فقال رجل] القذاة أراها في الإناء فقال: \"أهرقها\" القذاة هو ما يقع في العين من الأذى وفي الشراب والطعام من تراب أو تبن أو غير ذلك.\nقوله: فإني لا أروى من نفس واحد قال: \"فأبن القدح إذا عن فيك\" الحديث، أي: أبعده من بان عنه إذا فارقه أو بعد عنه والبين الوصل ومنه قوله تعالى: \"لقد تقطع بينكم\" قاله عياض (^١)، وقال غيره: فأبن القدح، الحديث، أي: افصله عنه عند النفس لئلا يسقط فيه شيء من الريق وهو من البين البعد والفراق قاله ابن الأثير (^٢).\nتنبيه: قال النووي (^٣): روينا من حديث أنس -﵁-: \"أن رسول الله -ﷺ- كان يتنفس في الشرب ثلاثا\"، يعني: يتنفس خارج الإناء، وروينا من حديث ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم\" رواه الترمذي وحسنه والطبراني من حديث عطاء بن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس يرفعه وقال: غريب، أ. هـ، وابن عطاء لم يسم وفي الحديث \"مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا\" العب: الشرب بلا تنفس.\nفائدة: أما التنفس خارج الإناء فسنة معروفة كما هو مذكور في الأحاديث الواردة بذلك، قال العلماء -﵃-: والنهي عن التنفس في الإناء هو على طريق\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١٠٦).\n(^٢) النهاية (١/ ١٧٥).\n(^٣) رياض الصالحين (٢٤١).","vol":"9","page":344},{"text":"الأدب والحكمة في منع التنفس في الإناء مخافة من تقذيره ونتنه ومخافة أن يبرز من رطوبة فمه ما يقع في الإناء أو تكون نكهته مغيرة فتعافه النفس فيتأذى بذلك من شرب بعده للرائحة المتعلقة بالماء لرقته ولطفه فإنه تسرع إليه الروائح فحسن أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه وأن لا يتنفس فيه والله أعلم (^١).\nوقال الحليمي (^٢): إنما نُهي عن التنفس في الإناء لأن البخار الذي يرتفع من المعدة أن ينزل من الرأس كل منهما كريه، فإما أن يعلقا بالماء، وإما أن يفسد السؤر على [سير] الشارب لاستقذاره، أ. هـ.\nتنبيه: النفس ثلاثة أنفاس في الشرب يحصل له فيها [عشر] حسنات تسمية في الابتداء ثلاثا وحمد الله في الآخر ثلاثا وإبانة القدح عن فيه مرتين وتنفيسه مرتين امتثالا للأمر [قال] في الإحياء يقول في أول نفس الحمد لله ويزيد في الثاني رب العالمين ويزيد في الثالث الرحمن الرحيم.\nواختلف العلماء في هذه الثلاثة [أنفاس] أيها تكون أطول، قيل: الأولى ليتمحص، الثاني والثالث: للسنة لأنه إذا أطال (المرة الأولى) قد يحصل له الري منها فيبقى [ما عداها] اتباعا للسنة، وقد تكون الشربة الأولى أقصر والثانية أزيد منها والثالثة أزيد منها ليجمع بين السنة والطب لأنه إذا شرب قليلا وصل [إلى جوفه] من غير إزعاج (^٣). ومن حديث الليث بن سعد عن\n_________\n(^١) أعلام الحديث (١/ ٢٤٤) ومعالم السنن (٤/ ٢٧٥).\n(^٢) شعب الإيمان (٨/ ١٣٦).\n(^٣) الأعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٥٠٢) والتوضيح (٤/ ١٤٤) لابن الملقن.","vol":"9","page":345},{"text":"عقيل عن ابن شهاب \"أن النبي -ﷺ- كان إذا شرب تنفس ثلاثة أنفاس\" \"وكان ينهي عن العب نفسا واحدا\"، ويقول: \"ذلك شرب الشيطان\" قال البيهقي: هذا مرسل وفي حديث آخر \"ولا تعب عبا [فإن الكباد من العب\" رواه معمر عن ابن أبي حسين مرسلا] وروى الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أبي هريرة بإسناد رجاله ثقات أن النبي -ﷺ- كان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسبيحات وفي آخرها ثلاث [تحميدات] (^١) فأما استحباب التثليث [...] (^٢) لأن يمص الماء مصا ولا يعبه عبا كما في حديث آخر وهو [أنه كان إذا شرب تنفس ثلاثا ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ لأن إبانة الإناء أهنأ في الشرب، وأحسن] في الأدب وأبعد عن الشره، وأخف للمعدة، وإذا تنفس في الإناء، واستوفى ريه، حمله ذلك على فوات حكمة النهي، وَتَكَاثرَ الماءُ في حلقِه، وأثقلَ معدتَه، وربما] شرق به.\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطي في فضيلة الشكر (٢٤)، والطبراني في الأوسط (٨٤٠)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٧٠٣) من طريق عتيق بن يعقوب قال: نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- كان \"يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله، فإذا أخره حمد الله، يفعل به ثلاث مرات\". قال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن ابن عجلان إلا الدراوردي تفرد به عتيق بن يعقوب\".\nوقال أبو حاتم في العلل (٢٨٣٩): هذا حديث منكر. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٨١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عتيق بن يعقوب وهو أحد رجال الموطأ عن مالك، رواه عنه جماعة منهم أبو زرعة وقال: بلغني أنه حفظ الموطأ في حياة الإمام مالك، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٧٧).\n(^٢) بياض في الأصل.","vol":"9","page":346},{"text":"٣٢١١ - وعنه -﵁- قال نهى رسول الله -ﷺ- عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه كلاهما من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المصري المعافري (^١).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه.\nقوله: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب\" الحديث، ثلمة القدح موضع الكسر أي من حاشيته وهو بالثاء المثلثة وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب، وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء وقد جاء في لفظ الحديث أنه مقعد الشيطان ولعله أراد به موضع عدم النظافة لأن الثلمة مركب الشيطان كما يكون عليها من الأوساخ.\nتنبيه: والمضبب الذي فيه ضبة وهي صفيحة يسمر فيها موضع الشق من الإناء ونحوه، روى البخاري عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح رسول الله -ﷺ-[عند أنس بن مالك -﵁-: وكان قد انصدع، فسلسله بفضة. قال أنس -﵁-]: لقد سقيت رسول الله -ﷺ- من هذا القدح أكثر من كذا وكذا\" (^٢)، والصدع الشق، والفاعل له أنس كما قاله ابن الصلاح (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٨٠ (١١٩٣٩)، وأبو داود (٣٧٢٢)، وابن حبان (٥٣١٥)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٤٥ رقم ٥٦١٨). وقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ٧٥): تفرد به قرة بن عبد الرحمن عن الزهري وتفرد به ابن وهب عنه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٨٨)، وقال في صحيح الترغيب (٢١١٦): صحيح لغيره.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٣٨).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ٢٦٠).","vol":"9","page":347},{"text":"قوله: من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المصري المعافري، وأن ينفخ في الشراب، سيأتي الكلام على النفخ في الشراب والطعام من حديث ابن عباس الذي بعده والله أعلم.\nقوله: من رواية [قرة] بن عبد الرحمن بن حيويل المصري [المعافري] (^١) [أبو محمد المصري ويقال أنه مدني الأصل روى عن الزهري وأبي الزبير وربيعة وعامر بن يحيى المعافري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم وعنه الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والليث وابن لهيعة وحيوة بن شريح ومحمد بن شريح ومحمد بن شعيب بن شابور وغيرهم قال أبو مسهر عن يزيد بن السمط كان الأوزاعي يقول ما أحدًا أعلم الزهري من قرة بن عبد الرحمن وقال الجوزجاني عن أحمد منكر الحديث جدًّا وقال بن أبي خيثمة عن بن معين ضعيف الحديث وقال أبو زرعة الأحاديث التي يرويها مناكير وقال أبو حاتم والنسائي ليس بقوي وقال الآجري عن أبي داود في حديثه نكارة يقال له بن كاسر المد وقال أيضا سألت أبا داود عن عقيل وقرة فقال عقيل أحلى منه وقال بن عدي لم أر له حديثا منكرًا جدًّا وأرجو أنه لا بأس به روى له مسلم مقرونا بغيره].\n\n٣٢١٢ - وعن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن حبان في صحيحه ولفظه إن رسول الله -ﷺ- نهى أن يشرب الرجل من في السقاء وأن\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب (٨/ ٣٧٢ - ٣٧٤ الترجمة ٦٦٣).","vol":"9","page":348},{"text":"يتنفس في الإناء قال الحافظ وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي النهي عن التنفس في الإناء من حديث أبي قتادة (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن النبي -ﷺ- نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه\" والتنفس: خروج النفس من الفم وكل ذي رئة متنفس ودواب الماء لا رئة لها، والحكمة في النهي أنه أبعد عن تقذير الإناء وعن خروج شيء تعافه النفس من الفم [لأن الماء للطافته ورقته تسرع إليه الاستحالة بالروائح الكريهة [فإذا تنفس فيه] أثر فيه النكهة فيتأذى الشارب بعده] فإذا أبانه عند إرادة التنفس أمن من ذلك كما جاء في الترمذي والنهي محمول على الكراهة وحديث الترمذي في النفس الواحد دليل الجواز وعدم التحريم وتقدم الكلام على النفخ في الإناء فمن آداب الأكل أن لا ينفخ في الطعام الحار ولا في الشرب بل يصبر حتى يستحق أكله فيأكله لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة\n_________\n(^١) أما حديث ابن عباس: أخرجه أحمد ١/ ٢٢٠ (١٩٣٢)، وابن ماجه (٣٢٨٨)، وأبو داود (٣٧٢٨)، والترمذي (١٩٩٧)، وأبو يعلى (٢٤٠٢)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٤٩ رقم ١١٩٧٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣٨)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٣٥ - ١٣٦ رقم ٥٦٠٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الإرواء (١٩٧٧) و(٢٠٣٧) والصحيحة (٣٩٩) وصحيح الترغيب (٢١١٧).\nوأما حديث أبي قتادة: أخرجه البخاري (١٥٣ و١٥٤) و(٥٦٣٠ و٥٦٣١)، ومسلم (٦٣ و٦٥ - ٢٦٧) و(١٢١ و١٢٢ - ٢٦٧)، والترمذي (١٨٨٩)، والنسائي في الكبرى (٦٨٥٦) والمجتبى ١/ ٢٥٠ (٤٧)، وابن خزيمة (٧٨ و٧٩)، وابن حبان (٥٣٢٨).","vol":"9","page":349},{"text":"الشراب فليصبر حتى يبرد وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبع أو بخلاف ونحوه ولا حاجة به إلى النفخ فيه بحال.\nقلت: يستثنى من النهي عن النفخ في الطعام النفخ في الشعير رواه البخاري وغيره عن [أبي حازم] أنه سأل سهلا هل رأيتم في زمن النبي -ﷺ- النقي؟ قال: لا ولكنا كنا ننفخه [وفيه ما كان عليه السلف من التخشن في مأكلهم وترك الترقيق لها والتباين فيها]، وكانوا في سعة من [تنخيله] لأن ذلك مباح لهم فآثروا التخشن وتركوا التنعيم ليقتدي بهم من يأتي بعدهم (^١) أ. هـ، قاله في الديباجة.\n\n٣٢١٣ - وعن أنس بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يتنفس في الإناء ثلاثا ويقول هو أمرأ وأروى رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (^٢).\n\n٣٢١٤ - وروي أيضا عن ثمامة عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- كان يتنفس ثلاثا وقال هذا صحيح (^٣) قال الحافظ عبد العظيم وهذا محمول على أنه كان\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٩/ ٤٧٩) لابن بطال، والتوضيح (٢٦/ ١٦٤) لابن الملقن. والحديث أخرجه البخاري (٥٤١٠) و(٥٤١٣)، والترمذي (٢٣٦٤)، وابن ماجه (٣٣٣٥) عن سهل بن سعد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ١٠٧ (٢٤١٧٦)، وأحمد ٣/ ١١٨ (١٢٣٦٩) و٣/ ٢١١ (١٣٤٠٩) و٣/ ٢٥١ (١٣٨٤٢)، ومسلم (١٢٣ - ٢٠٢٨)، وأبو داود (٣٧٢٧)، والترمذي في السنن (١٨٨٤) والشمائل (٢١١)، والبزار (٧٣٩٢)، والنسائي في الكبرى (٦٨٦١)، وابن حبان (٥٣٣٠) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٦٣ رقم ١٤٦٥٨). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١١٩).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٤)، وأحمد ٣/ ١١٩ (١٢٣٧٦) و٣/ ١٨٥ (١٣١٢٣)، والدارمى (٢٢٩١)، والبخارى (٥٦٣١)، ومسلم (١٢٢ - ٢٠٢٨)، وابن =","vol":"9","page":350},{"text":"يبين القدح عن فيه كل مرة ثم يتنفس كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم لا أنه كان يتنفس في الإناء.\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن النبي -ﷺ- كان يتنفس في الإناء ثلاثا\" الحديث، قال الحافظ: وهذا محمول على أنه كان يبين القدح عن فيه كل مرة ثم يتنفس كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم لا أنه كان يتنفس في الإناء، انتهى.\nوهذه الثلاثة أمور إنما تحصل إذا شرب من ثلاثة أنفاس [خارج] القدح فأما إذا تنفس في الماء وهو [يشرب] وحكمة التثليث أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثرا في برد المعدة [وضعف الأعصاب وحاصله] أنه أهنأ وأمرأ وأروى وأبرأ.\nقوله -ﷺ-: \"ويقول هو أمرأ وأروى\" الحديث، وأروى من الري أي أكثر ريا وأمرأ وأبرأ مهموزان ومعنى أبرأ أي أبرأ من ألم العطش، وقيل: أي أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، ومعنى \"أمرأ\" أي أكمل إنسياغا، وقيل: هما بمعنى واحدا أي أحسن شربا والباء تبدل من الميم في مواضع وأمرأ من قولهم هنيئا مريئا [يقال: استمرأت الطعام:] إذا استحسنته واستطبته، وعلى هذا المعنى سار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى الشراب مصدرا لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب فتأمله [فإنه\n_________\n= ماجه (٣٤١٦)، والترمذي في السنن عقب (١٨٨٤) والشمائل (٢١٤)، والنسائي في الكبرى (٦٨٥٧)، وابن حبان (٥٣٢٩)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٦٣ رقم ١٤٦٥٦ و١٤٦٥٧). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.","vol":"9","page":351},{"text":"حسن معني، وفصيح لغة]، فإنه يقال شرب [شربا و] شرابا بمعنى واحد، قال النووي (^١): قوله \"أروى\" أكثر ريا وأمرأ وأبرأ [مهموزان ومعنى أبرأ أي أبرأ من ألم العطش وقيل أبرأ أى أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد ومعنى أمرأ أى أجمل انسياغا والله أعلم].\n\n٣٢١٥ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال نهى رسول الله -ﷺ- عن اختناث الأسقية يعني أن تكسر أفواهها فيشرب منها رواه البخاري ومسلم وغيرهما (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن اختناث الأسقية\" يعني: أن تكسر أفواهها فيشرب منها، وفي رواية أخرى \"اختناثها\" أن يقلب رأسها ثم يشرب منها، الحديث.\n\n٣٢١٦ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يشرب من في السقاء فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت عليه حية رواه البخاري مختصرا دون قوله فأنبئت إلى آخره ورواه الحاكم بتمامه وقال صحيح على شرط البخاري (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٢٥) و(٥٦٢٦)، ومسلم (١١٠ و١١١ - ٢٠٢٣)، والترمذي (١٨٩٠)، وأبو داود (٣٧٢٠)، وابن ماجه (٣٤١٨)، وابن حبان (٥٣١٧).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٠ (٧٢٧٤) و٢/ ٤٨٧ (١٠٤٦٤)، والبخاري (٥٦٢٧) و(٥٦٢٨)، وابن ماجه (٣٤٢٠)، والحاكم ٤/ ١٤٠، والبيهقي في الآداب (٤٤٩) والكبرى =","vol":"9","page":352},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يشرب من في السقاء فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت عليه حية\" الحديث، إنما نهى عن ذلك لخمسة معان، أحدها: أنه ربما كانت في السقاء هامة أو قذاة فانسربت في الحلق، والثاني: أنه ربما وقع الشرق باندفاق الماء، الثالث: أنه لا يمكن مص الماء [من فم السقاء وإنما نهى عن ذلك] للعب الذي يؤدي إلى الكبد، والرابع: أنه يغير ريح السقاء، والخامس: أنه يتحامل الثاني رجوع شيء من فم الأول [فيتقذره غيره] أ. هـ.\n\n٣٢١٧ - وعن ابن عباس -﵄- قال نهى رسول الله -ﷺ- عن اختناث الأسقية فإن رجلا بعدما نهى رسول الله -ﷺ- عن ذلك قام من الليل إلى السقاء فاختنثه فخرجت عليه منه حية رواه ابن ماجه من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام وبقية إسناده ثقات خنث السقاء واختنثه إذا كسر فمه إلى خارج فشرب منه (^١).\n_________\n= (٧/ ٤٦٤ - ٤٦٥ رقم ١٤٦٦٥) و(٨/ ٥٤١ رقم ١٧٤٩٢) والشعب (٨/ ١٤٥ - ١٤٦ رقم ٥٦١٩). وصححه الحاكم على شرط البخاري، فتعقبه الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/ ٩١، فقال: وهم الحاكم، فأخرج الحديث في المستدرك بزيادته، والزيادة المذكورة (يعني قول أيوب: أنبئت ...) ليست على شرط الصحيح، لأن راويها لم يسم، وليست موصولة. وضعف الألباني الزيادة كما ضعفها ابن حجر. كما في صحيح الترغيب (٢١٢١) والصحيحة (٣٩٩).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٤١٩)، والحاكم ٤/ ١٤٠. وصححه الحاكم على شرط البخاري. =","vol":"9","page":353},{"text":"٣٢١٨ - وعن عيسى بن عبد الله بن أنيس عن أبيه أن النبي -ﷺ- دعا بإداوة يوم أحد فقال اخنث الإداوة ثم اشرب من فيها رواه أبو داود عن عبيد الله بن عمر عنه ومن طريقه البيهقي وقال الظاهر أن خبر النهي كان بعد هذا قال الحافظ ورواه الترمذي أيضا وقال ليس إسناده بصحيح (^١).\nعبيد الله بن عُمر يضعف في الحديث ولا أدري سمع من عيسى أم لا والله أعلم. قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن [اختناث الأسقية] \" الحديث، قال ابن بطال (^٢): هذا النهي نهي أدب لا نهي تحريم. [روي] عن أبي سعيد الخدري [أن رجلا شرب] من فم السقاء فانسابت حية في بطنه فنهى رسول الله -ﷺ- عن ذلك، وهذا [يدل] على أن [من فعل ذلك أنه] ليس بحرام، وأجاز مالك الشرب من أفواه الأسقية تقول العرب خنثت السقاء واخنثته إذا [...] (^٣)، وقد خرج الزبيري\n_________\n= وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال!. وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٤٥: هذا إسناد فيه مقال. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٨٥).\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٤٢١)، والترمذي (١٨٩١)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١٠٦)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٢٨٥ رقم ١٤٩٢٠) والأوسط (٣/ ٨ رقم ٢٣٠٦)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٢٩٩)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٤٧ رقم ٥٦٢١) ومعرفة السنن (١٠/ ٣٦٧ رقم ١٤٤٧٠)، وأبو الفرج الثقفي في فوائده (٥٨). وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بصحيح وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه ولا أدري سمع من عيسى أم لا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٨٦).\n(^٢) شرح الصحيح (٦/ ٧٨).\n(^٣) بياض في الأصل.","vol":"9","page":354},{"text":"وغيره أنه -﵇- قام إلى قربة فخنثها وشرب من فيها وهذا إن صح [محمله] أنه -﵇- علم انه لم يكن هناك شيء يستقذر بل ما يستقذر من غيره فإنه يستطاب منه وتطيب به الأشياء وحديث ابن عباس الذي بعده بمعناه.\nخنث السقاء وأخنثته: إذا كسر فمه إلى خارج فشرب منه، قاله الحافظ، والاختناث بالخاء المعجمة ثم مثناة فوق ثم نون ثم ألف مثلثة، وقد فسر في الحديث، وأصل هذه الكلمة التكسر والإنطواء ومنه سمى الرجل المتشبه بالنساء في طبعه وكلامه وحركاته مخنثا (^١).\nواتفقوا على أن النهي عن اختناثها نهي تنزيه لا تحريم، ثم قيل سببه إنه لا يؤمن أن كون في السقاء ما يؤذيه فيدخل في جوفه ولا يدري، وقيل: لأنه يقذره على غيره وقيل: لأنه ينتنه أو لأنه مستقذر، وقد روى الترمذي وغيره عن كبشة بنت ثابت وهي أخت حسان بن ثابت قالت: دخل عليَّ رسول الله -ﷺ- فشرب من قربة معلقة قائما فقمت إلي فيها فقطعته، قال الترمذي: هذا حديث صحيح (^٢) وفعلته لوجهين، أحدهما: تصون موضعها أصابه فم رسول الله -ﷺ- عن أن يتبدل أو يمسه كل أحد، والثاني: أن تحفظه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٢٣)، والترمذي (١٨٩٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣٣٦٥)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ١٥ (٨) والشاميين (٦٣٩)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٤٨ - ١٤٩ رقم ٥٦٢٤) ومعرفة السنن (١٠/ ٢٦٦ رقم ١٤٤٦٨ و١٤٤٦٩)، والبغوي (٣٠٤٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، ويزيد بن يزيد بن جابر هو أخو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو أقدم منه موتا. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٢٨١)، مختصر الشمائل (١٨٢).","vol":"9","page":355},{"text":"للتبرك به والاستشفاء والله أعلم، فهذا الحديث يدل على أن النهي ليس للتحريم ذكره النووي في شرح مسلم (^١) وورد في حديث أن النبي -ﷺ- قال \"لا يشربن أحدكم قائما\" (^٢) وفي الرواية الأخرى أن رسول الله -ﷺ- شرب من زمزم وهو قائم، وفي صحيح البخاري أن عليا شرب قائما وقال: \"رأيت رسول الله -ﷺ- فعل كما رأيتموني فعلت\" (^٣) وروي عن عمرو بن شعيب عن أبي عن جده قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يشرب قائما وقاعدا رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (^٤).\nاعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالا باطلة والصواب فيها أن النهي محمول على التنزيه لا التحريم كما قاله النووي في حديث كبشة وأما شربه -ﷺ- قائما فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض وهذا الذي ذكرته يتعين المصير إليه وأما من زعم نسخا أو غيره فقد غلط غلطا فاحشا (^٥).\nفإن قيل: كيف يكون الشرب قائما مكروها وقد فعله النبي -ﷺ-؟ فالجواب: أن فعله -ﷺ- إذا كان بيانا للجواز لا يكون مكروها بل البيان واجب\n_________\n(^١) المصدر السابق في نفس الموضع.\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٦ - ٢٠٢٦) عن أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٦١٥) و(٥٦١٦)، وأبو داود (٣٧١٨).\n(^٤) أخرجه الترمذي (١٨٨٣)، وابن ماجه (٩٣١) و(١٠٣٨). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني: حسن، المشكاة (٤٢٧٦)، مختصر الشمائل (١٧٧).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩٥).","vol":"9","page":356},{"text":"عليه -ﷺ- فكيف يكون مكروها وقد ثبت عنه -ﷺ- أنه توضأ مرة مرة وطاف على بعيره مع الإجماع على أن الوضوء ثلاثا ثلاثا والطواف ماشيا أكمل ونظائر هذا غير منحصرة فكأنه -ﷺ- ينبه على جواز [الشئ مرة أو مرات] ويواظب على الأفضل منه وهكذا كان أكثر وضوئه -ﷺ- ثلاثا وأكثر طوافه ماشيا وأكثر شربه جالسا وهذا واضح [لا يتشكك] فيه من [له أدني] نسبة إلى علم فيجوز الشرب قائما والأفضل والأكمل الشرب قاعدا والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق في نفس الموضع.","vol":"9","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>[الترغيب في الأكل من جوانب القصعة دون وسطها]</span>\n٣٢١٩ - عن عبد الله بن بسر -﵁- قال كان للنبي -ﷺ- قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة يعني وقد أثرد فيها فالتفوا عليها فلما كثروا جثا رسول الله -ﷺ- فقال أعرابي ما هذه الجلسة قال رسول الله -ﷺ- إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا ثم قال رسول الله -ﷺ- كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها رواه أبو داود وابن ماجه ذروتها بكسر الذال المعجمة هي أعلاها (^١).\nقوله: عن عبد الله بن بسر -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"كان للنبي -ﷺ- قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة يعني وقد أثرد فيها فالتفوا عليها\" الحديث، القصعة بفتح القاف مفرد القصاع هي تسع ما يشبع عشرة كذا قاله الكسائي فيما حكاه الجوهري وغيره عنه (^٢)، وقيل: الصحفة كالقصعة وجمعها صحاف فالجفنة بفتح الجيم أعظم القصاع، كانت العرب تدعوا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٨ (١٧٩٥٤)، وأبو داود (٣٧٧٣)، وابن ماجه (٣٢٦٣ و٣٢٧٥) والنسائي في الكبرى (٦٧٣٠)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٩٤٢)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٦٢ رقم ١٤٦٥٣) ودلائل النبوة (٦/ ٣٣٤) والشعب (٨/ ٣٦ رقم ٥٤٦١). وصححه الألباني في الإرواء (١٩٨١)، والصحيحة (٣٩٣)، وصحيح الترغيب (٢١٢٢).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٣٨٤).","vol":"9","page":358},{"text":"السيد المطعام جفنة لأنه يضعها ويطعم الناس فيها فسمي باسمها ثم بعدها القصعة تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة ثم المئكلة تشبع الرجلين ثم الصحيفة تشبع الرجل.\nقوله: \"أتي بتلك القصعة يعني وقد أثرد فيها\" وإنما ذكر الثريد على عادة العرب فإن أفضل الطعام عندهم الثريد وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري عن النبي -ﷺ- قال: \"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^١) رواه الجماعة إلا أبا داود [ووجه التفضيل أنه قال في] حديث آخر \"سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٤ (١٩٨٣٢) و٤/ ٤٠٩ (١٩٩٨١)، والبخاري (٣٤١١) و(٣٤٣٣) و(٣٧٦٩) و(٥٤١٨)، ومسلم (٧٠ - ٢٤٣١)، والترمذي (١٨٣٤)، وابن ماجه (٣٢٨٠)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٤٦ (٣٩٨٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٥)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (١٨٥) وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣٢) وابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢) من طريق سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن أبي مشجعة، عن أبي الدرداء. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: سليمان بن عطاء يروي عن مسلمة أشياء موضوعة فلا أدري التخليط منه أو من مسلمة.\nوقال العراقي والسخاوي: إسناده ضعيف تخريج أحاديث الإحياء للحداد ٣/ ١٤٢٨ - المقاصد ص ٢٤٤. وقال الحافظ: لم يتبين لي الحكم على هذا المتن بالوضع فإنّ مسلمة غير مجروح، وسليمان بن عطاء ضعيف المقاصد ص ٢٤٥ - اللآلئ ٢/ ٢٢٤. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٧١ - ٢٧٢ رقم ٧٤٧٧)، وأبو نعيم في الطب (٨٤٧)، =","vol":"9","page":359},{"text":"..........................................................\n_________\n= والبيهقي في الشعب (٨/ ٦٨ - ٦٩ رقم ٥٥١٠) و(٨/ ١٨٦ رقم ٥٦٧٥) من طريق أبي هلال عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣٥ - ٣٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعيد بن عنبسة القطَّان ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٣٥٧٩).\nوأخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٥٨) -ومن طريقه ابن الجوزي (٢/ ٣٠٢) - وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٦٢) من طريق إبراهيم بن عمرو بن بكر السكسكي عن أبيه عن أبي سنان الشيباني عن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة عن ربيعة بن كعب.\nقال العقيلي: عمرو بن بكر حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به، ولا يثبت في هذا المتن عن النبي -ﷺ- شيء. وقال أبو نعيم: غريب من حديث ربيعة وعمر، تفرد به محمد بن داود الرملي.\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: عمرو بن بكر يروي عن الثقات الطامات لا يحل الإحتجاج به. وأخرجه ابن عدي في الكامل (٨/ ٤٠٨ - ٤٠٩) والبيهقي في الشعب (٥/ ٩٢) من طريق هشام بن سلمان المجاشعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك مرفوعا: خير الإدام: اللحم، وهو سيد الإدام.\nوهو واه قال ابن عدى: وهشام بن سلمان له من الحديث عن يزيد الرقاشي، عن أنس، ولا أعلم يروى عن غير يزيد الرقاشي وله غير ما ذكرت وأحاديثه عن يزيد غير محفوظة. وأخرجه أبو نعيم في الطب -كما في اللآلئ المصنوعة (٢/ ٢٢٥) - من طريق عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي: ثنا أبي: ثنا علي بن موسى عن آبائه عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: سيد طعام الدنيا والآخرة: اللحم.\nقال الذهبي في الميزان (٢/ ٣٩٠): عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن علي الرضا عن آبائه بتلك المسخة الموضوعة الباطلة، ما تنفك عن وضعه أو وضع أبيه. قال الحسن بن علي الزهري: كان أميا، لم يكن بالمرضي.\nوأما حديث صهيب فأخرجه الديلمي في مسند الفردوس كما في المقاصد (ص ٢٤٤) من =","vol":"9","page":360},{"text":"أنشد سيبويه:\n[إذا ما الخبز تأدمه بلحم] ... فذاك [أمانة الله الثريد]\nقال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه والمراد بالفضيلة نفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ وتيسر تناوله وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعه وغيره ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة (^١)، أ. هـ.\nوإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسار مؤنته وسهولة إساغته وعظم بركته ولأنه جل أطعمتهم وأكثرها بالنسبة لهم ولعوائدهم وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل وذلك بحسب العوائد في الأطعمة، [قاله] أبو العباس القرطبي (^٢).\nوقال ابن بطال (^٣): الثريد أزكى الطعام وأكثره بركة وهو طعام العرب وقد شهد له النبي -ﷺ- بالفضل على سائر الطعام وكفى بذلك تفضيلا له وشرفا انتهى.\n_________\n= طريق هُشيم عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب عن أبيه عن جده مرفوعًا سيد الطعام في الدنيا والآخرة اللحم ثم الأرز، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء.\n(^١) شرح النووى على مسلم (١٥/ ١٩٩).\n(^٢) المفهم (٢٠/ ٧٣).\n(^٣) شرح الصحيح (٩/ ٤٨٤) لابن بطال.","vol":"9","page":361},{"text":"فالثريد أبلغ أنواع الأطعمة في الإشباع فكان أبلغ لهذا المعنى [وهو] أزكى الأطعمة لأنه إذا فت القرص أكل منه جماعة وإذا كان وحده ربما أكله واحد ولا يشبع منه.\nقوله: \"فلما كثروا جثا رسول الله -ﷺ- فقال أعرابي: ما هذه الجلسة، فقال رسول الله -ﷺ-: \"إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا\" العنيد: [الجائر عن] القصد [الباغي] الذي يرد الحق [مع العلم به، وفى] خطبة أبي بكر وسترون بعدي ملكا عضوضا وملكا عنودا، العنود والعنيد بمعنى واحد، وهما فعول وفعيل بمعنى فاعل أو مفاعل، قاله في النهاية (^١)، وفي الحديث أيضا عن عبد الله بن بسر قال: أهديت للنبي -ﷺ- شاة فجثى على ركبتيه فأكل فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: \"إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني عبدا جبارا عنيدا\" انفرد به ابن ماجه، وعن أبي جحيفة أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا آكل متكئا\" رواه الجماعة سوى مسلم (^٢) قال علماء الدين: يكره الأكل متكئا وهو الأكل قاعدا على قاعدته مطمئنا فعل أهل الكبر بأن يكون مستوفزا وتفسير هذا مأخوذ من حديث ابن عباس إن الله ﷿ أرسل إلى نبيه -ﷺ- ملكا ومعه جبريل فقال الملك: عن الله ﷿ يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا أو ملكا فالتفت رسول الله -ﷺ- إلى جبريل كالمستشير له فأشار جبريل بيده أن تواضع فقال النبي -ﷺ-: \"بل أكون عبدا نبيا\" وما أكل\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٩٨) و(٥٣٩٩)، وأبو داود (٣٧٦٩)، والترمذي (١٨٣٠)، وابن ماجه (٣٢٦٢).","vol":"9","page":362},{"text":"بعد هذه الكلمة طعاما متكئا، وقال ابن بطال بعد قوله -ﷺ-: \"لا آكل متكئا\" إنما فعل ذلك -ﷺ- تواضعا لله تعالى وتذللا، وقد بين هذا أيوب في حديثه عن الزهري أن النبي -ﷺ- أتاه ملك قبل تلك الساعة ولا بعدها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وملكا نبيا فنظر إلى جبريل ﵇ كالمستشير له [فأومأ إليه أن تواضع، فقال: \"بل عبدا نبيا\" فما أكل متكئا]، وقال مجاهد: لم يأكل النبي -ﷺ- متكئا قط إلا مرة ففزع فجلس، وقال: \"اللهم أنا عبدك ورسولك\" ثم قال: ومن أكل متكئا لم يأت حراما وإنما يكره ذلك لأنه خلاف التواضع الذي اختاره الله لأنبيائه [وصفوته] من خلقه وقد أجاز ابن سيرين والزهري الأكل متكئا (^١).\nوقد فسر الخطابي (^٢) الاتكاء بالتمكن في الجلوس من التربع وشبهه المتكئ المعتمد [على] الوطاء تحته قال: كل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ قال ومعناه لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام ويقعد متكئا بل أقعد مستوفزا [وأقوم عنه مستعجلًا]، وروى البيهقي من حديث يحيى بن بكير أن النبي -ﷺ- قال: \"آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد\" (^٣) قال: وقد عد أبو العباس القرطبي ترك الأكل متكئا من خصائصه -ﷺ-، ويحتمل أن يكون المختار لغيره أيضا أن يتركه لأنه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ من الأعاجم قال: فإن كانت برجل علة في شيء من يديه وكان\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٩/ ٤٧٤ - ٤٧٥) لابن بطال، والتوضيح (٢٦/ ١٤٨) لابن الملقن.\n(^٢) أعلام الحديث (٣/ ٢٠٤٨) ومعالم السنن (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٣) شعب الإيمان (٨/ ٧١ رقم ٥٥٧٢) وما بعده كلامه في نفس الموضع.","vol":"9","page":363},{"text":"لا يتمكن من الأكل إلا متكئأ لم يكن في ذلك كراهة، ثم روي بإسناده عن ابن عباس أنه كان يأكل متكئا أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ-: \"كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها\" قال المنذري: ذروتها بكسر الذال المعجمة هي أعلاها، قال العلماء: والذروة أعلا سنام البعير وذروة كل شيء أعلاه ومنه قوله -ﷺ- لمعاذ بن جبل: \"ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ \" [وفي] حديث أبي موسى أتى النبي -ﷺ- بإبل غر الذرى أي بيض الأسنمة سمانها (^١).\nقال الخطابي ﵀ (^٢): نهى النبي -ﷺ- عن الأكل من أعلى الصحفة ومن ذروة الثريد سببه ما علله به من أن البركة تنزل في أعلاه، قال: وقد يحتمل ذلك وجها آخر وهو أن يكون النهي وقع فيما إذا أكل مع غيره وذلك [أن] وجه الطعام هو أفضله وأطيبه وإذا قصده بالأكل كل كان مستأثرا [به على أصحابه]، وفيه: من ترك الأدب وسوء العشرة ما لا خفاء به فأما إذا أكل وحده فلا تأثيره له أ. هـ.\nوما قاله فيه نظر فإن الظاهر العموم. ففي الإحياء في القسم الثاني من آداب الأكل: أن لا يأكل من ذروة القصعة ولا من وسط الطعام بل يأكل من استدارة الرغيف إلا إذا قل [الخبز] فيكسر الخبز (^٣)، أ. هـ، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٥٩).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٢٤٣).\n(^٣) إحياء علوم الدين ٢/ ٥ - ٧ بتصرف.","vol":"9","page":364},{"text":"٣٢٢٠ - وعن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه كلهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن صحيح ولفظ أبي داود وغيره قال رسول الله -ﷺ- إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها (^١).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من جانبيه\" وفي بعض النسخ [حافتيه] \"ولا تأكلوا من وسطه\" وفي رواية أبي داود \"إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها\" وفي بعض النسخ \"أعلاه\" تقدم الكلام على ذلك في الحديث\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي (٥٣٩)، وأحمد ١/ ٢٧٠ (٢٤٧٨) و١/ ٣٠٠ (٢٧٧٤) و١/ ٣٤٣ (٣٢٥١) و١/ ٣٤٥ (٣٢٧٥) و١/ ٣٦٤ (٣٥٠٦)، والدارمي (٢٢١٠)، وابن ماجه (٣٢٧٧)، وأبو داود (٣٧٧٢)، والترمذي (١٨٠٥)، والبزار (٥٠٦٣ و٥٠٦٤)، والنسائي في الكبرى (٦٧٢٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٦١)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٩٤٦ - ٩٤٩)، وابن حبان (٥٢٤٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٥٥ رقم ١٢٢٩٠)، والحاكم (٤/ ١١٦)، والبيهقي في الآداب (٤٠٢)، والكبرى (٧/ ٤٥٣ رقم ١٤٦١٣) والشعب (٨/ ٧٨ - ٧٩ رقم ٥٥٢١).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح إنما يعرف من حديث عطاء بن السائب، وقد رواه شعبة والثوري عن عطاء بن السائب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٢٣)، والمشكاة (٤٢١١)، والصحيحة (٢٠٣٠).","vol":"9","page":365},{"text":"قبله، قال النووي (^١): سنن الأكل ثلاثة التسمية والأكل باليمين وتقدم الكلام على ذلك، والثالثة: الأكل مما يليه أي مما يقربه لا من كل جانب لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة فقد يتقذره صاحبه لا سيما في الإمراق وشبهها وهذا في الثريد، والإمراق وشبهها فإن كان تمرا أو أجناسا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه، والذي ينبغي تعميم النهي على عمومه حتى يثبت دليل مخصص والله تعالى أعلم.\nقوله: رووه كلهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، أ. هـ، أما عطاء بن السائب فهو (^٢) [عطاء بن السائب بن مالك، ويقال: ابن زيد، ويقال: يزيد الثقفي أبو زيد، وقيل: أبو يزيد، ويقال: أبو محمد الكوفي، روى عن: أبيه، وعبد الله بن أبي أوفى، وذر الهمداني، وأبي وائل، وسعيد بن جبير، وأبي عبد الرحمن السلمي، وطائفة سواهم، وعنه: سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة، وهؤلاء حديثهم عنه صحيح على ما ذكر بعض الحفاظ، وحماد بن زيد، وزائدة، وأبو إسحاق الفزاري، وابن عيينة، وابن علية، وزياد البكائي، وعلي بن عاصم، ويحيى القطان، وهو أقدم شيخ للقطان، وروى عنه خلق سواهم، قال أحمد بن حنبل: عطاء بن السائب ثقة ثقة، رجل صالح، من سمع منه قديما كان صحيحا، وكان يختم كل ليلة، وقال أبو حاتم: محله الصدق قبل أن يختلط، وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم، لكنه تغير،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٩٣).\n(^٢) ترجمته: تهذيب الكمال ٢٠/ الترجمة ٣٩٣٤، تذهيب التهذيب: ٦/ الترجمة ٤٦٢٥، وتهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٨، والتقريب: ٢/ ٢٢.","vol":"9","page":366},{"text":"ورواية شعبة، والثوري، وحماد بن زيد عنه جيدة، وقال أبو بكر بن عياش: كنت إذا رأيت عطاء بن السائب وضرار بن مرة، رأيت أثر البكاء على خدودهما، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان عطاء بن السائب من خيار عباد الله، كان يختم القرآن كل ليلة، قرأ القرآن عطاء بن السائب على أبي عبد الرحمن السلمي، وكان من المهرة به، وصح أنه رأى عليا -﵁- قال أبو خيثمة زهير، عن أبي بكر بن أبي عياش عنه قال: مسح على رأسي ودعا لي بالبركة، قال ابن المديني: قلت ليحيى القطان: ما حدث سفيان وشعبة عن عطاء بن السائب صحيح هو؟ قال: نعم إلا حديثين كان شعبة يقول: سمعتهما بأخرة عن زاذان، قال القطان: وما سمعت أحدا يقول في عطاء شيئا قط في حديثه القديم وقد شهد الجماجم، وقال ابن معين: كل حديثه ضعيف إلا ما كان من حديث شعبة، وسفيان، وحماد بن سلمة، وروى ابن عيينة عن رجل قال: كان أبو إسحاق سألنا عن عطاء بن السائب ويقول: إنه من البقايا، قال ابن عيينة: وكان عطاء بن السائب أكبر من عمرو بن مرة، وقال عبد الله بن الأجلح: رأيت عطاء بن السائب أبيض الرأس واللحية، وروى قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب قال: شهدت الجماجم، فرأيت رجلا في السلاح ما يظهر منه إلا عينه، فجاء سهم فأصاب عينه فقتله، ورأيت رجلا حاسرا في وسطه منطقة، فرمى فأصابه سهم في منطقته ثم نبا عنها قال أبو بكر بن الأسود، وغيره: توفي عطاء سنة ست وثلاثين ومائة].","vol":"9","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>[الترغيب في أكل الخل والزيت ونهس اللحم دون تقطيعه بالسكين إن صح الخبر]</span>\n٣٢٢١ - عن جابر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- سأل أهله الأدم فقالوا ما عندنا إلا الخل فدعا به فجعل يأكل به ويقول نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل قال جابر فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله -ﷺ- قال طلحة بن نافع وما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر رواه مسلم وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه منه نعم الإدام الخل (^١).\nقوله: عن جابر هو ابن عبد الله -﵁- تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- سأل [أهله] الأدم فقالوا: ما عندنا إلا الخل فدعا به فجعل يأكل به ويقول: \"نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل\" قال النووي ﵀ (^٢): في هذا الحديث فضيلة الخل [وأنه يسمى أدما] وأنه أدم فاضل جيد، قال أهل اللغة: الإدام بكسر الهمزة ما يؤتدم به وجمع الإدام أدم بضم الهمزة والدال كإهاب وأهب وكتاب وكتب، ويقال للواحد أيضًا أدم والأدم بإسكان الدال مفرد كالإدام ومنه في [الحديث] الآخر: \"نعم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٦ و١٦٧ و١٦٨ و١٦٩ - ٢٠٥٢)، وأبو داود (٣٨٢٠ و٣٨٢١)، وابن ماجه (٣٣١٧)، والترمذي (١٨٣٩)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٣٢٦ (٣٨٢٩) والكبرى (٦٦٥٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩ - ٧).","vol":"9","page":368},{"text":"الأدم\" والإدام بالكسر والأدم بالضم ما يؤكل مع الخبز، وفي الحديث استحباب الحديث على الأكل تأنيسا للآكلين وأما معنى الحديث فقال الخطابي والقاضي عياض رحمهما الله تعالى معناه: مدح الاقتصاد في المأكل ومنع النفس من ملاذ الأطعمة وأنه إذا كان شاكرا لربه مادحا له لما رزقه من الخل فهو على الملاذ من الأطعمة أشكر، وتقديره: ايتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته ولا يعز وجوده ولا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين مشقة للبدن هذا كلام القاضي ومن تابعه الصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح للخل نفسه وأما الاقتصاد في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد آخر والله أعلم.\nقوله: قال جابر فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من رسول الله -ﷺ-، فهو كقول أنس: فما زلت أحب الدباء، وقد ذكر العلماء أن تأويل الراوي إذا لم يخالف الظاهر يتعين المصير إليه والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين، وهذا كذلك بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ [فيتعين] اعتماده.\n\n٣٢٢٢ - وعن أم هانئ بنت أبي طالب -﵂- قالت دخل علي رسول الله -ﷺ- فقال هل عندكم من شيء فقلت لا إلا كسرة يابسة وخل فقال النبي -ﷺ- قربيه فما افتقر بيت من إدام فيه خل رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وروى ابن ماجه عن محمد بن زاذان قال حدثتني أم سعد -﵂- قالت دخل رسول الله -ﷺ- على عائشة وأنا عندها فقال هل من غداء قالت عندنا خبز","vol":"9","page":369},{"text":"وتمر وخل فقال رسول الله -ﷺ- نعم الإدام الخل اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يقفر بيت فيه خل (^١).\nقوله: عن أم هانئ بنت أبي طالب (^٢) -﵂-، أم هانئ هذه [هة بنت] طالب، شقيقة علي بن أبي طالب، وهانئ بمهزة في آخره لا خلاف فيه بين [أهل اللغة] والأسماء وكلهم مصرحون به وكل ما في أوله أب أو أم كأبي الفضل وأبي المكارم و[أم] الفضل وأم الخير وما أشبه ذلك فهو كنية، وأم هانئ اسمها فاختة على المشهور، وقيل: اسمها هند، قاله الإمامان الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما، وقيل: فاطمة حكاه ابن الأثير، أسلمت\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٨٤١)، وفي الشمائل (١٧٣) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٣٧ رقم ١٠٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٢ - ٣١٣).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث أم هانئ إلا من هذا الوجه. وأبو حمزة الثمالي اسمه ثابت بن أبي صفية، وأم هانئ ماتت بعد علي بن أبي طالب بزمان، وسألت محمدا عن هذا الحديث قال: لا أعرف للشعبي سماعا من أم هانئ، فقلت: أبو حمزة كيف هو عندك؟ فقال: أحمد بن حنبل تكلم فيه، وهو عندي مقارب الحديث. وقال أبو نعيم: غريب من حديث أبي بكر عن أبي حمزة واسمه ثابت بن أبي صفية. وقال الألباني: حسن، الصحيحة (٢٢٢٠) وصحيح الترغيب (٢١٢٥).\nوأما حديث أم سعد عن عائشة: أخرجه ابن ماجه (٣٣١٨). وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٢٢: ليس لأم سعد عن ابن ماجه سوى هذا الحديث وليس لها رواية في شيء من الخمسة الأصول ورجال إسناد حديثها فيه محمد بن زاذان وعنبسة بن عبد الرحمن وهما ضعيفان. وقال الألباني: موضوع ضعيف الجامع (٥٩٦١)، وضعيف الترغيب (١٢٨٧).\n(^٢) تهذيب اللغة والأسماء (٢/ ٢٦٦ ترجمة ١٢٠٩).","vol":"9","page":370},{"text":"عام الفتح وكانت تحت هبيرة بن عمرو، فولدت له عمرا، وهانئا، ويوسف وجعدة روى لها عن النبي ستة وأربعون حديثا، قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ-: \"ما أقفر بيت فيه أدم من خل\" رواه الترمذي يعني: ما أقفر بيت أي ما خلا من الأدم [ولا] عدم أهله الأدم والقفار: الطعام بلا أدم، وأقفر الرجل إذا أكل الخبز وحده من القفر، والقفار هي الأرض الخالية التي لا ماء بها وقد تكرر [ذكر القفر] في الحديث، وجمعه [قفار] وأقفر فلان من أهله إذا انفرد والمكان من سكانه إذا خلا، قاله في النهاية (^١).\nوامرأة قفرة قليلة اللحم وأقفر أكل خبزا قفارا قاله صاحب المغيث في تفسير غريب القرآن والحديث (^٢).\nوفي رواية ابن ماجه: \"نعم الأدم الخل، اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه خل\" وروي أنه -ﷺ- قال: \"خير خلكم [خل خمركم] \" (^٣) ولا بأس أن يشتري من أهل الذمة خلا لم يتعمدوا إفساده لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (^٤) أ. هـ قاله [في شرح المنهاج (^٥)].\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٨٩).\n(^٢) المجموع المغيث (٢/ ٧٣٥).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (٦/ ٦٣ رقم ١١٢٠٣) والمعرفة (٨/ ٢٢٦ رقم ١١٧٢٣). وقال البيهقي: قال أبو عبد الله: هذا حديث واه والمغيرة بن زياد صاحب مناكير. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٩٩) وقال: منكر.\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٥.\n(^٥) المهذب (١/ ٩٤) والمجموع شرح المهذب (٢/ ٥٧٤)، والنجم الوهاج (١/ ٤١٨).","vol":"9","page":371},{"text":"تنبيه: ليس لنا خل متفق على طهارته إلا إذا أصفى من عناقيده قبل التخمر بحيث يبقى ما [ئعا خالصا] أو حيث طهرت الخمر طهر ظرفها [حتى] ما أصابه الخمر من أعاليه حال الغليان، (^١) أ. هـ.\nقال أبو العباس القرطبي في قوله -ﷺ-: \"نعم الإدام الخل\" الإدام ما يؤتدم به أي يؤكل به الخبز مما يطيبه سواء كان مما يصنع به كالإمراق والمائعات أو لا يصطبغ كالجامدات كاللحم والجبن والبيض والزيتون وغير ذلك هذا معنى الإدام عند الجمهور من الفقهاء والعلماء سلفا وخلفا، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في البيض واللحم المشوي وشبه ذلك مما لا يصطبغ به ليس شيء من ذلك بإدام وينبيء على هذا من حلف لا يأكل إداما فأكل شيئا من هذه الجامدات يحنث عند الجمهور ولا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف والصحيح ما صار إليه الجمهور بدليل قوله -ﷺ- وقد وضع تمرة على كسرة \"هذه إدام هذه\" وبدليل قوله -ﷺ- لما سئل عن إدام أهل الجنة أول ما يدخلونها فقال: \"زيادة كبد الحوت\"، وكذلك قوله -ﷺ-: \"سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم\" والله أعلم.\nتنبيه: فالخل من الأدم التي يعم نفعها، وقيل: في تفسير قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (^٢) أنه الخل [وفيه منافع الدين] مع الدنيا [وذلك] لأنه [بارد يطفئ حرارة] الشهوة ويقطعها، وعن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كان عامة أدم أزواج رسول الله -ﷺ- بعده الخل [ليقطع]\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١/ ٤١٨).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٦٧.","vol":"9","page":372},{"text":"عنهن ذكر الرجال وخلق ابن آدم مجبولا على الشهوات الرجال منهم والنساء، فكلما وجدوا عونا على ما [يطفئ] ذلك منهم كان عونا لهم وكل شيء [هو عون للدين فالبركة حالة به وإذا بورك في الشيء] سعد به أهله، قاله في نوادر الأصول (^١).\nتتمة: قال في الإحياء (^٢): وأعلى الأدم اللحم والحلاوة والمراد با [...] (^٣) وأدناه -يعني الإدام- الملح و[الخل] وأوسطه المزورات بالأدهان [من غير لحم] وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع [من] الإدام على الدوام بل الامتناع عن [الشهوات] فإن كل لذيذ يشتهيه الإنسان وأكله [اقتضى] ذلك بطرًا في نفسه وقسوة في قلبه وأنسًا له بلذات الدنيا حتى يألفها ويكره الموت ولقاء الله تعالى وتصير الدنيا جنة في حقه ويكون الموت سجنًا عليه، وإليه أشار يحيى بن معاذ بقوله: يا معاشر الصديقين جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس فإن شهوة الطعام على قدر تجويع النفس، وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة لا سيما إذا حصل اتفاقا، أ. هـ.\nفائدة: وعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله -ﷺ- يحب الحلواء والعسل\" (^٤).\n_________\n(^١) نوادر الأصول (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ٩١).\n(^٣) بياض في الأصل.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٤٣١) و(٥٥٩٩) و(٥٦١٤) و(٥٦٨٢)، ومسلم (٢١ - ١٤٧٤)، وابن ماجه (٣٣٢٣)، وأبو داود (٣٧١٥)، والترمذي في السنن (١٨٣١) والشمائل (١٦٤).","vol":"9","page":373},{"text":"قال النووي (^١): كان النبي -ﷺ- يحب الحلواء والعسل، قال العلماء: الحلواء بالمد هي هنا كل شئ حلو وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومزيته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام، وفي تاريخ أصبهان للحافظ أبي نعيم في ترجمة أحمد بن الحسن من حديث ابن عمر أن النبي -ﷺ- \"أول نعمة ترفع من الأرض العسل\" (^٢).\nقال أبو سليمان (^٣): عجبه -ﷺ- الحلواء ليس على معنى كثرة التشهي لها وشدة نزاع النفس إليها وتأنق الصنعة في اتخاذها كفعل أهل الشره والنهم، [وإنما هو أنه] كان -ﷺ- إذا قدمت إليه الحلواء نال منها نيلا صالحًا فيعلم بذلك أنه أعجبه طعمها، وفيه دليل على اتخاذ الحلاوات والأطعمة من أخلاط شتى، أ. هـ.\n\n٣٢٢٣ - وعن أبي أسيد -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة رواه الترمذي وقال حديث غريب والحاكم وقال صحيح الإسناد (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٧٧).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٥٢) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن علي بن عروة الدمشقي، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عمر. وفيه على بن عروة القرشى متروك.\n(^٣) أعلام الحديث (٣/ ٢٠٥٢).\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٧ (١٦٣٠٠) و(١٦٣٠١)، والدارمي (٢٢١٦)، والترمذي (١٨٥٢)، والنسائي في الكبرى (٦٦٦٩)، والدولابي في الكنى (١٠٥ و١٠٦)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٢٦٩ (٥٩٦ و٥٩٧)، والدارقطني في العلل (٧/ ٣٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٩٠ - ٩١ رقم ٥٥٣٨)، والبغوي في شرح السنة =","vol":"9","page":374},{"text":"قوله: وعن أبي أسيد -﵁- أبو أسيد، قال الدارقطني وابن عبد البر: هو بفتح الهمزة، وقيل: بالضم ولا يصح وقال غيره: اسمه عبد الله بن ثابت الأنصاري (^١).\nقوله -ﷺ-: \"كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة\" شجرة الزيتون شجرة مباركة لا تكاد تنبت إلا في البقاع الشريفة المباركة [وهي الشجرة التي سمع موسى منها]، وقيل: إنها تعمر ثلاثة آلاف سنة، وعن حذيفة بن اليمان -﵁- عن النبي -ﷺ- أن آدم -﵇- وجد ضربانا في جسده فاشتكي إلى الله ﷿ فنزل جبريل -﵇- بشجرة الزيتون وأمره [أن يغرسها] ويأخذ ثمرتها فيعصرها وقال له إن في دهنها شفاء من كل داء إلا السام، والسام هو الموت وزيتها دهن مبارك، قال -ﷺ-: \"عليكم بالزيت فإنه يكشف المرة ويذهب بالبلغم ويشد العصب ويذهب بالإعياء و[يحسن] الخلق ويطيب النفس ويذهب [الهم] \" وقال: \"كلوا الزيت [وادهنوا به فإنه يخرج] من شجرة مباركة\" وهو حار رطب موافق وجع المفاصل، أ. هـ قاله في عجائب المخلوقات والله أعلم (^٢).\n_________\n= (٢٨٧٠ و٢٨٧١). وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن عيسى. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٧٩) بمجموعه وحسنه لغيره في صحيح الترغيب (٢١٢٦).\n(^١) الاستيعاب (٣/ ٨٧٥ الترجمة ١٤٧٦)، وأسد الغابة ٣/ الترجمة ٢٨٤٦، والعلل (٧/ ٣٢) للدارقطنى.\n(^٢) عجائب المخلوقات (ص ٢١٣ - ٢١٤) للقزويني.","vol":"9","page":375},{"text":"٣٢٢٤ - وروي عن أبي هريرة -﵁- مرفوعا قال كلوا الزيت وادهنوا به فإنه طيب مبارك رواه الحاكم شاهدا (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- مرفوعا قال: \"كلوا الزيت وادهنوا به فإنه طيب مبارك\" تقدم الكلام على مناقب أبي هريرة، وأما الحديث المرفوع فهو ما أضيف إلى رسول الله -ﷺ- خاصة قولا أو فعلا أو تقديرًا، ويدخل فيه المتصل والمنقطع والمرسل ونحوه، قاله في التنقيح على المصابيح (^٢)، وأما قوله \"كلوا الزيت وادهنوا به\" فتقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\n\n٣٢٢٥ - وعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة رواه ابن ماجه والترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق وكان عبد الرزاق يضطرب في رواية هذا الحديث ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وهو كما قال (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٢٠)، والحاكم (٢/ ٣٩٨). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه عبد الله بن سعيد المقبري وهو واه. وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٢٣: هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن سعيد المقبري. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٨٨): ضعيف جدا.\n(^٢) كشف المناهج والتناقيح (١/ ٥٦).\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد (١٣)، وابن ماجه (٣٣١٩)، والترمذي (١٨٥١) وفى الشمائل (١٥٨) وفي العلل الكبير (٥٧٠)، والبزار (٢٧٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٤٥٠)، والطبراني في الأوسط (٩/ ٨٤ رقم ٩١٩٦) والحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٢)، والبيهقي في الآداب (٤٢٥) والشعب (٨/ ٩٢ - ٩٣ رقم ٥٥٣٩). وصححه الألباني بمجموعه في الصحيحة (٣٧٩) وحسنه وحده عن عمر في صحيح الترغيب (٢١٢٧).","vol":"9","page":376},{"text":"٣٢٢٦ - وعن صفوان بن أمية -﵁- قال إن رسول الله -ﷺ- قال انهسوا اللحم نهسا فإنه أهنأ وأمرأ رواه أبو داود والترمذي واللفظ له والحاكم وقال صحيح الإسناد ولفظه قال رآني رسول الله -ﷺ- وأنا آخذ اللحم عن العظم بيدي فقال يا صفوان قلت لبيك قال قرب اللحم من فيك فإنه أهنأ وأمرأ قال الحافظ عبد العظيم رواه الترمذي عن عبد الكريم بن أبي أمية المعلم عن عبد الله بن الحارث عنه قال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم قال الحافظ عبد الكريم هذا روى له البخاري تعليقا ومسلم متابعة وقد روى من غير حديثه فروى أبو داود والحاكم من حديث عبد الرحمن بن معاوية عن عثمان بن أبي سليمان عنه وعثمان لم يسمع من صفوان والله أعلم (^١).\nقوله: عن صفوان بن [أبي] (^٢) أمية -﵁-[هو أبو وهب، وقيل: أبو أمية\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي (٥٦٤)، وأحمد ٣/ ٤٠٠ (١٥٥٣٣) و٣/ ٤٠١ (١٥٥٤٢) و٦/ ٤٦٤ (٢٨٢٨٢) و٦/ ٤٦٦ (٢٨٢٩١)، وابن سعد في الطبقات ٥/ ٢٥، والدارمي (٢٢٣٥)، وأبو داود (٣٧٧٩) والترمذي (١٨٣٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ٤٨ - ٤٩ رقم ٧٣٣١ - ٧٣٣٤)، والحاكم (٤/ ١١٢ - ١١٣)، والبيهقي في الآداب (٤١٢ و٤١٣)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٥٦ رقم ١٤٦٢٥) والشعب (٨/ ٦٦ - ٦٧ رقم ٥٥٠٧) وقال أبو داود: عثمان لم يسمع من صفوان، وهو مرسل.\nوقال الترمذي: وهذا حديث، لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الكريم المعلم، منهم أيوب السختياني من قبل حفظه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢١٩٤) وضعيف الترغيب (١٢٨٩).\n(^٢) كذا هو في الأصل وإنما هو صفوان بن أمية وترجمته: الاستيعاب ٢/ الترجمة ١٢١٤، وأسد الغابة ٣/ ٢٥١٠، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٦٣، وتهذيب الكمال ١٣/ ٢٨٨١، والإصابة ٢/ الترجمة ٤٠٧٣.","vol":"9","page":377},{"text":"صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح القريشى الجمحى المكى، أسلم بعد أن شهد حنينًا مع النبى -ﷺ- كافرًا، وكان من المؤلفة، وشهد اليرموك، توفى بمكة سنة اثنتين وأربعين، وقيل: توفى في خلافة عثمان، وقيل: عام الجمل سنة ست وثلاثين. روى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن الحارث، وابن المسيب، وطاوس، وعطاء، وقُتل أبوه يوم بدر كافرًا].\nقوله -ﷺ-: \"انهسوا اللحم نهسا فإنه أهنأ وأمرأ\" وفي رواية الحاكم قال: رآني رسول الله -ﷺ- وأنا آخذ اللحم عن العظم بيدي فقال: \"يا صفوان\" قلت: لبيك، قال: \"قرب اللحم من فيك فإنه أهنأ وأمرأ\" هما فعلا تفضيل من هنأ الطعام ومرأ إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل (^١): الهنئ ما يلذ للأكل والمرئ ما تحمد عاقبته والله أعلم.\n\n٣٢٢٧ - وعن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه صنيع الأعاجم وانهشوه نهشا فإنه أهنأ وأمرأ رواه أبو داود وغيره عن أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عنها وأبو معشر هذا اسمه نجيح لم يترك ولكن هذا الحديث مما أنكر عليه وقد صح أن النبي -ﷺ- احتز من كتف شاة فأكل ثم صلى والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) شرح المصابيح (٤/ ٥٦٢) لابن ملك.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٧٧٨)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٥٦ رقم ١٤٦٢٦ و١٤٦٢٧) والشعب (٨/ ٦٥ رقم ٥٥٠٦). وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٤٢١٥/ التحقيق الثاني)، وضعيف الجامع (٦٢٥٦)، وضعيف الترغيب (١٢٩٠). =","vol":"9","page":378},{"text":"قوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله -ﷺ-: \"لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه صنيع الأعاجم وانهشوه نهشا فإنه أهنأ وأمرأ\" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\nقوله في آخر الحديث: عن أبي معشر، وأبو معشر هذا اسمه نجيح [لم يترك]، قال الحافظ: وقد صح أن النبي -ﷺ- احتز من كتف شاة فأكل ثم صلى، فيه جواز قطع اللحم بالسكين وذلك تدعوا إليه الحاجة كصلابة اللحم أو كبر [القطعة] ويكره من غير حاجة (^١).\n_________\n= وأما حديث احتزاز الشاة: أخرجه البخاري (٢٠٨) و(٦٧٥) و(٢٩٢٣) و(٥٤٠٨) و(٥٤٢٢) و(٥٤٦٢)، ومسلم (٩٢ و٩٣ - ٣٥٥) عن عمرو بن أمية الضمرى.\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٤٥).","vol":"9","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>[الترغيب في الاجتماع على الطعام]</span>\n٣٢٢٨ - عن وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده -﵁- قال قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال تجتمعون على طعامكم أو تتفرقون قالوا نتفرق قال اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وروى ابن ماجه أيضا عن عمر بن الخطاب -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- كلوا جميعا ولا تتفرقوا فإن البركة مع الجماعة.\nوفيه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير واهي الحديث (^١).\nقوله: عن وحشي عن أبيه عن جده -﵁- هو: وحشي بن حرب بن وحشي ابن حرب [جده وحشى بن حرب الحبشى] مولي جبير بن معطم (^٢)، وقيل:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٥٠١ (١٦٣٢٦)، وابن ماجه (٣٢٨٦)، وأبو داود (٣٧٦٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤٨٢)، وابن قانع (٣/ ١٨٥)، وابن حبان (٥٢٢٤)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ١٣٩ (٣٦٨)، والحاكم ٢/ ١٠٣، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/ ٣٥٠، والبيهقي في السنن ٥/ ٤٢٣ - ٤٢٤ رقم ١٠٣٥٩، وفي الآداب (٤٦٥)، وفي الشعب (٨/ ٢٧ رقم ٥٤٤٩). وحسنه الألباني في الصحيحة (٦٦٤) وصحيح الترغيب (٢١٢٨). وأما حديث عمر بن الخطاب: أخرجه ابن ماجه (٣٢٨٧)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٥). وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ١٢: هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٢٩١) وصححه بمجموعه في الصحيحة (١٦٨٦).\n(^٢) تذهيب تهذيب الكمال (٩/ ٣٤٣ الترجمة ٧٤٤٣).","vol":"9","page":380},{"text":"مولي طعيمة بن عدي، وكان عبدا أسود، روي عن أبيه عن جده هذا الحديث الواحد، وكذلك والده حرب ليس له غيره وجده وحشي بن حرب [الحبشي] أبو دسمة مولي جبير بن مطعم، وقيل: مولي طعيمة بن عدي كان عبدا أسود من سودان مكة، روى عن النبي -ﷺ- وعن أبي بكر وهو قاتل حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله -ﷺ- وكان ممن خرج مع خالد بن الوليد إلى اليمامة شهد معه الشام وشهد معه اليرموك كان يسكن حمص وهو أول من لبس الثياب المدلوكة وأول من جلد [في الخمر بحمص] قتل خير الناس وشر الناس، وكان يقول: هذه بهذه، روى له البخاري والترمذي والبيهقي قاله في الديباجة.\nوذكر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: وحشي [ابن حرب] شامي [تابعى لا بأس به] وذكر عن صدقة بن خالد أنه قال [لا تشتغل به ولا بأبيه] (^١).\nقوله: قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع، فذكره إلى أن قال: \"اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه\" تقدم الكلام على التسمية.\n\n٣٢٢٩ - وعن أبي هريرة -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة رواه البخاري ومسلم (^٢).\n_________\n(^١) مختصر السنن (٥/ ٢٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٩٢)، ومسلم (١٧٨ - ٢٠٥٨)، والترمذي (١٨٢٠)، والنسائي في الكبرى (٦٧٤٢).","vol":"9","page":381},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: وفي رواية ابن ماجه قال رسول الله -ﷺ-: \"كلوا جميعا ولا تتفرقوا فإن البركة مع الجماعة\" (^١) فمن آداب الأكل: أن يجتهد في كثرة الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده لتحصل البركة باجتماعهم، وقال أنس: كان النبي -ﷺ- لا يأكل وحده، رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق [بإسناد] ضعيف والله أعلم (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة\" وفي حديث جابر الذي بعده: \"وطعام الأربعة يكفي الثمانية\" ورواه البزار من حديث سمرة دون قوله \"وطعام الأربعة يكفي الثمانية\" وزاد في آخره \"ويد الله على الجماعة\" كل هذه الأحاديث فيها الحث على المواساة في الطعام وأنه وإن كان قليلا حصلت فيه الكفاية المقصودة ووقعت فيه بركة تعم الحاضرين عليه، أ. هـ (^٣).\nوهكذا رتب مسلم ﵀ أحاديث هذا الباب ذكر أحاديث [المواساة بثلث القوت ثم ذكر حديث جابر وهو على المواساة بنصف القوت] [قال\n_________\n(^١) مر في الذي قبله عن عمر.\n(^٢) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (٣٤٢)، وأبو بكر الذكواني في اثنى عشر مجلسًا من أمالي أبي بكر الذكواني - مخطوط (١٦٥) من طريق إبراهيم بن جعفر، عن سعد بن سعيد، عن أنس بن مالك. وقال العراقي في تخريج الإحياء (٤٣٥): رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٣).","vol":"9","page":382},{"text":"ابن بطال: وهذا الحديث يدل على أن الكفاية ليست بالشبع] الاستبطان كما أنها ليست بالغني والإكثار ألا ترى قول أبي [حازم] إذا كان يكفيك ما يغنيك فليس شيء يغنيك والمراد بهذه الأحاديث الحض على [على المكارمة في الأكل والموساة والإيثار على النفس الذى مدح الله به أصحاب نبيه] فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١) وقال إسحاق بن راهويه عن جرير في تفسير هذه الأحاديث، قال: تأويله شبع الواحد قوت الاثنين وشبع الاثنين قوت أربع، وقال عبد الله بن عروة: تفسير هذا ما قال عمر عام الرمادة لقد همت أن أنزل على أهل كل بيت مثل عددهم فإن الرجل لا يهلك على نصف بطنه، أ. هـ، قاله في النهاية (^٢) فندب -ﷺ- مع التقلل من الاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، فقال: \"طعام الواحد يكفي الاثنين يكفي الثلاثة يكفي الأربعة\" (^٣).\n\n٣٢٣٠ - وعن جابر -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية رواه مسلم والترمذي وابن ماجه ورواه البزار من حديث سمرة دون قوله وطعام الأربعة يكفي الثمانية وزاد في آخره ويد الله على الجماعة (^٤).\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٩.\n(^٢) النهاية (٣/ ١٢٥).\n(^٣) شرح المشكاة (٩/ ٢٨٤٣ - ٢٨٤٤)، وفتح الباري (٩/ ٥٣٥).\n(^٤) أما حديث جابر: أخرجه مسلم (١٧٩ و١٨٠ و١٨١ - ٢٠٥٩)، والترمذي (١٨٢٠)، =","vol":"9","page":383},{"text":"٣٢٣١ - وروي عن ابن عمر -﵄- قال قال رسول الله -ﷺ- كلوا جميعا ولا تتفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثمانية رواه الطبراني في الأوسط (^١).\n\n٣٢٣٢ - وعن جابر -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- إن أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي رواه أبو يعلى والطبراني وأبو الشيخ في كتاب الثواب\n_________\n= وابن ماجه (٣٢٥٤)، وابن حبان (٥٢٣٧).\nوأما حديث سمرة بن جندب: أخرجه البزار (٤٥٩٠)، والروياني في مسنده (٨٦٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٠ رقم ٢٣٣٦) والكبير (٧/ ٢٢٩ رقم ٦٩٥٨)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٣٤٣). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه، عن ابن جريج إلا صفوان بن هبيرة. قال أبو حاتم في العلل (١٤٨٥): هذا حديث باطل يعني بهذا الإسناد، والوليد مجهول. وقال في (١٥١٩): هذا حديث منكر بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١: رواه البزار وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف جدا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٣١).\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٥٥٧)، وعبد بن حميد (٧٨٨)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٥)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٦٠ رقم ٥٧٩٢) و(٧/ ٢٥٩ رقم ٧٤٤٤) والكبير (١٢/ ٣٢٠ رقم ١٣٢٣٦)، وتمام (٧٦١)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٣٩ رقم ٥٢٤٧).\nوقال في الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير إلا عمر بن فرقد، تفرد به عبد الصمد بن سليمان، وعبد الصمد بن نصر، وعمر بن فرقد بصري. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١: رواه الطبراني في الأوسط، والكبير بنحوه، وفي إسناد الأوسط بحر السقاء، وفي الآخر أبو الربيع السمان، وكلاهما ضعيف.\nوقال البوصيري في الإتحاف ٤/ ٢٨٠: هذا إسناد رجاله رجال الصحيح، رواه الطبراني، والنسائي في الكبرى. وصححه الألباني بمجموعه في الصحيحة (١٦٨٦) و(٢٦٩١) وحسنه في صحيح الترغيب (٢١٣٢).","vol":"9","page":384},{"text":"كلهم من رواية عبد المجيد بن أبي داود وقد وثق ولكن في هذا الحديث نكارة (^١).\nقوله: وعن جابر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن أحب الطعام [إلى الله] ما كثرت عليه الأيدي\" يعني الجماعة، تقدم معناه.\nفي [...] (^٢) من رواية عبد المجيد بن أبي داود.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٠٤٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢١٧ - ٢١٨ رقم ٧٣١٧) وفى مكارم الأخلاق (١٦١)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٤٩)، والحربي في الفوائد (٣٨)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ١٣٨ رقم ٩١٧٤ و٩١٧٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا عبد المجيد. وقال ابن عدى: وحديث أحب الطعام إلى الله لم يروه، عن ابن جريج غير عبد المجيد وكل هذه الأحاديث غير محفوظة على أنه يتثبت في حديث بن جريج وله، عن ابن جريج أحاديث غير محفوظة وعامة ما أنكر عليه الإرجاء. وأنكره الدارقطني في تعليقه على المجروحين (ص ١٩٦). وقال الهيثمي ٥/ ٢١: رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط، وفيه عبد المجيد بن أبي رواد، وهو ثقة وفيه ضعف. وحسنه الألباني في الصحيحة (٨٩٥) وصحيح الترغيب (٢١٣٣).\n(^٢) بياض في الأصل.","vol":"9","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>[الترهيب من الإمعان في الشبع والتوسع في المآكل والمشارب شرها وبطرا]</span>\n٣٢٣٣ - عن أبي هريرة -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- المسلم يأكل في معى واحد والكافر في سبعة أمعاء رواه مالك والبخاري ومسلم وابن ماجه وغيرهم وفي رواية للبخاري أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا فذكر ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال إن المؤمن يأكل في معى واحد وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء وفي رواية لمسلم قال أضاف رسول الله -ﷺ- ضيفا كافرا فأمر له رسول الله -ﷺ- بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فشرب حلابها ثم أخرى فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله -ﷺ- بشاة فشرب حلابها ثم أخرى فلم يستتمه فقال رسول الله -ﷺ- إن المؤمن ليشرب في معى واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء رواه مالك والترمذي بنحو هذه (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٢٦٧٤) و(٢٦٧٥)، والبخاري (٥٣٩٦) و(٥٣٩٧)، ومسلم (٢٠٦٢) م و(١٨٦ - ٢٠٦٣)، وابن ماجه (٣٢٥٦)، والترمذي (١٨١٩)، والبزار (٩٧٣٨)، والنسائي في الكبرى (٦٧٤١) و(٦٨٦٦)، وأبو عوانة (٨٨٦٢) و(٨٨٧١) و(٨٨٧٥) و(٨٨٧٧) و(٨٨٧٨) و(٨٨٧٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٠١٩) و(٢٠٢٠)، وابن حبان (١٦١) و(١٦٢) و(٥٢٣٥).","vol":"9","page":386},{"text":"قوله -ﷺ-: \"المؤمن يأكل في معى واحد والكافر في سبعة أمعاء\" الحديث.\nقال الخطابي (^١): معي مكسور الميم وبالعين المهملة مقصور لا يمد.\nوفيه: لغة أخرى معي بكسر الميم وإسكان العين بعدها ياء حكاه صاحب المحكم (^٢) والجمع أمعاء بالمد والتنوين، قال الواحدي (^٣): مثل ضلع وأضلاع، قال: وهو جميع ما في البطن من الحوايا وقال غيره (^٤): الأمعاء المصارين وهو قريب منه، قال الجوهري (^٥): والمعي واحدة الأمعاء.\nقال القاضي عياض (^٦): قيل إن هذا في رجل بعينه فقيل له على جهة الشمال.\nوقال (^٧): هو مثل لأن المؤمن لا يأكل إلا من الحلال ويتوقي الحرام والشبه والكافر لا يبالي ما أكل ولا من أين يأكل وكيف أكل، وقيل (^٨): أراد أن المؤمن يأكل بأدب الشرع فيأكل في معي واحد والكافر يأكل ويقضي الشهوة والشره والنهم فيأكل في سبعة أمعاء.\n_________\n(^١) غريب الحديث (٣/ ٢٤٤).\n(^٢) المحكم (٣/ ٤٢٣).\n(^٣) التفسير البسيط (٢٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٤) النهاية (٤/ ٣٤٤).\n(^٥) الصحاح (٦/ ٢٤٩٥).\n(^٦) إكمال المعلم (٦/ ٥٥٥) وعزاه للمازري.\n(^٧) قوله وقال مشعر أن الكلام للقاضى عياض وإنما هو كلام الجوهري في الصحاح (٦/ ٢٤٩٥).\n(^٨) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥).","vol":"9","page":387},{"text":"وقيل (^١): المراد أن المؤمن يقتصد في أكله.\nوقال أبو عبيد (^٢): كان هذا خاص بهذا الرجل لأنك ترى من المسلمين من من يكثر أكله ومن الكفار من يقل ذلك منه.\nوقيل (^٣): المراد أن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه فلا يشركه فيه الشيطان والكافر لا يسمي الله تعالى فيشركه فيه الشيطان.\nوقيل (^٤): أراد بالمؤمن هنا تام الإيمان المعرض عن الشهوات المقتصر على سد خلته، قال النووي: والمختار أن معناه بعض المؤمن من يأكل في معي واحدة أي وأكثر الكفار يأكل في سبعة أمعاء ولا يلزم أن كل واحد من السعة مثل معاء المؤمن والله أعلم، قال العلماء: مقصود الحديث التقلل من الدنيا والحث على الزهد فيها والقناعة مع أن قلة الأكل [من محاسن أخلاق] الرجل وكثرة الأكل [بضده] وقيل [معناه] أنه يتناول دون شبعه ويؤثر على نفسه ويبقي من [زاده] لغيره (^٥)، وقال أبو عبيد: نرى والله أعلم أن تسمية المؤمن عند طعامه فتكون فيه البركة وأن الكافر لا يفعل ذلك والله أعلم، وقيل: هذا مثل ضربه للمؤمن وهذا في الدنيا للكافر وحرصه على\n_________\n(^١) ذكره المازري في المعلم (٣/ ١٢٠)، والنووي في شرح مسلم (١٤/ ٢٤).\n(^٢) غريب الحديث (٣/ ٢٢ - ٢٣).\n(^٣) ذكره المازري في المعلم (٣/ ١٢٠)، وإكمال المعلم (٦/ ٥٥٦)، وشرح النووي (١٤/ ٢٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤ - ٢٥).\n(^٥) إصلاح غلط المحدثين (ص ٤٩) وغريب الحديث (٣/ ٢٤٤) وكلاهما للخطابي.","vol":"9","page":388},{"text":"الدنيا فالمؤمن [يأكل بلغة و] قوتا عند الحاجة والكافر يأكل شهوة وطلبا للذة فهذا يشبعه [القليل] وذاك لا يشبعه إلا الكثير حتى تقع النسبة بينه وبين الكافر كنسبته [بين من يأكل] في معي واحد مع من يأكل في سبعة أمعاء، وقيل: هو تخصيص للمؤمن مما يجره الشبع إلى القسوة وطاعة الشهوة كذا في شرح السنة والنهاية (^١).\nوقال أهل الطب (^٢): لكل إنسان سبعة أمعاء المعدة ثلاثة متصلة بها رقاق ثم ثلاثة غلاظ فالكافر بشرهه وعدم التسمية لا يكفيه ملؤها كلها والمؤمن يشبعه ملأ أحدها [لاقتصاده وتسميته، وقيل: المراد بالسبعة [سبع] صفات الحرص والشره وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد والسمن].\nقال الإمام أبو عبد الله الحكيم الترمذي (^٣): الإنسان مبني على سبعة على الشرك والشك والغفلة والرغبة والرهبة والشهوة والغضب، فهذه أخلاقه وأي خلق من هذه الأخلاق استولى على قلبه نسب إليه دون الآخر ومما يحقق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ (^٤) فأهل النار مقسومون على هذه الأبواب السبعة فكل جزء منهم صار جزءا بخلق من هذه الأخلاق المستولية عليه والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح السنة (١١/ ٣٢٤)، وأعلام الحديث (٣/ ٢٠٤٧)، والمفاتيح (٤/ ٥٠٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤).\n(^٣) نوادر الأصول (٢/ ١٧٦).\n(^٤) سورة الحجر، الآيتان: ٤٢ - ٤٣.","vol":"9","page":389},{"text":"قوله: \"أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا\" الحديث، وفي رواية: أضاف رسول الله -ﷺ- ضيفًا كافرًا فأمر له رسول الله -ﷺ- بشاة فحلبت فشرب حلابها إلى قوله \"حتى شرب حلاب سبه شياة ثم أصبح فأسلم فأمر له رسول الله بشاة فرشب حلابها ثم أخرى فلم يستتمها\".\nواختلف في تعيين الكافر الذى أسلم فكان سبب ورود الحديث على أقوال:\nأحدها: أنه جهجاه الغفاري رواه أبو يعلى والبزاز والطبراني واللفظ له عنه.\n\"الثاني: أنه أبو بصرة الغفاري رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح وجزم به الخطيب في مبهماته.\nالثالث: أنه أبو غزوان رواه الطبراني بإسناد صحيح.\nالرابع: أنه نضلة بن عمر قال الشيخ زين الدين العراقى: لا يصح؛ وساق حديثا وقال في آخره فلا يكون هو المبهم في حديث أبي هريرة. أ. هـ.\nالخامس: أنه ثمامة بن أثال بضم المثلثة وفتح الميم وأثال بضم الهمزة وتخفيف المثلثة.\nالسادس: أنه بصرة بن أبي بصرة الغفاري حكاهما القاضي عياض والنووي وغيرهما وحكى ابن بشكوال كونه ثمامة بن أثال عن ابن إسحاق وصدر به المازري كلامه، وقال الشيخ زين الدين العراقي: لم أجد في طريق الحديث ما يدل على هذين القولين والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٦/ ١٧ - ١٨).","vol":"9","page":390},{"text":"٣٢٣٤ - وعن المقدام بن معد يكرب -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه إلا أن ابن ماجه قال فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام الحديث (^١).\nقوله عن المقدام بن معدى كرب تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله: \"ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن\" الحديث. وأكلات هو بضم الهمزة جمع أكلة وهى اللقمة من المأكول وأكلات أى لقم. و\"يقمن صلبه\" أى قواما له.\nقوله \"فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلت لنفسه\" لا محالة بفتح الميم أى لا بد.\nوفى هذا الحديث ذم الشبع بأبلغ زاجر وأشد محذر، وأكثر ما ينبغى الشر له ما قسمه أثلاثا، وفيه من الإيضاح والحكم ما هو ظاهر عند الفطن أ. هـ. قاله في حدائق الأولياء (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٣٢ (١٧٤٥٩)، وابن ماجه (٣٣٤٩)، والترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في الكبرى (٦٧٣٧) و(٦٧٣٨) و(٦٧٣٩)، وابن حبان (٦٧٤) و(٥٢٣٦)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣ (٦٤٤ و٦٤٥ و٦٤٦) والشاميين (١٣٧٥ و١٣٧٦) و(١٩٤٦)، والحاكم ٤/ ١٢١ و٤/ ٣٣١. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٦٥) وصحيح الترغيب (٢١٣٥) والإرواء (١٩٨٣).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٤٠).","vol":"9","page":391},{"text":"وقال الغزالى في باب كسر الشهوتين (^١): ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة من الأطباء فعجب منه وقال ما سمعت كلامًا في قلة الاكل أحكم من هذا والله إنه لكلام حكيم. وقال أبو عبد الله القرطبي في شرح الأسماء الحسنى بعد أن ذكر هذا الحديث: قال علماؤنا لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة وقال ليس لبطنة أنفع من جوعة تتبعها (^٢).\nوقال ابن بطال (^٣): وروى إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، عن محمد بن على، عن أبيه، عن النبى (-ﷺ-) قال: (من سره أن يكون حكيما فليقل طعمه، فإنه يغشى جوفه نور الحكمة). وقال مالك ابن دينار: سمعت عبد الله الرازي يقول: كان أهل العلم بالله والقبول عنه يقولون: إن الشبع يقسى القلب، ويفتر البدن.\nوقال لقمان لابنه (^٤): إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة.\nوفى العوارف للسهروردي (^٥) قال يحيى بن معاذ: إذا ابتلى المريد بكثرة الاكل بكت عليه الملائكة رحمة له إلى أن قال: والشبع نهر في النفس ترده الشياطين، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة، وينهزم الشيطان من جائع\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٨٧).\n(^٢) المدخل لابن الحاج (٤/ ١١٩).\n(^٣) شرح الصحيح (١٠/ ١٧٧ - ١٧٨) لابن بطال.\n(^٤) إحياء علوم الدين (٣/ ٨٢) و(٣/ ٨٤).\n(^٥) عوارف المعارف (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨) باختصار.","vol":"9","page":392},{"text":"نائم، فكيف إذا كان قائما ويعانق الشيطان شبعانا قائما، فكيف إذا كان نائما، ويحكى أن إبليس عرض ليحيى بن زكريا ﵉ وعليه معاليق، فقال ما هذه؟ قال: الشهوات التى أصيب بها ابن آدم. قال هل تجد لى فيها شهوة؟ قال: لا غير أنك شبعت ليلة فثقلناك عن الصلاة والذكر فقال: لا جرم أنى لا أشبع أبدا. قال إبليس: لا جرم أنى لا أنصح أحدا أبدا.\nوقال [على بن أبى] الحسن (^١): شبع يحيى بن زكرياء ﵉ شبعة من خبز الشعير فنام عن ورده تلك الليلة فأوحى الله ﷿: [يا] يحيى هل وجدت دارا خيرا من داري ووجدت جوارا خيرا من جواري [يا] يحيى وعزتي وجلالي لو نظرت إلى الفردوس نظرة لزهقت روحك اشتياقا إليها ولو نظرت إلى النار نظرة لزهقت روحك خوفا منها، قال: فعاد إلى ما كان عليه من الجهد والجوع.\nوقال النبي -ﷺ-: \"ما من وعاء ملئ أبغض إلى الله ﷿ من بطن ملئ ولو من حلال\"، وقال [...]، (^٢) قرأت في بعض الكتب أن الجوع والعطش ينبتان حب الآخرة في قلوب الأبرار ويوقظان القلب من نومته وال [شبع] والري ينبتان حب الدنيا في قلوب الفجار حتى لا يغفل المرء عن نفسه، وقال الداراني إن الجوع عند الله لفي خزائن مذخورة لا يعطيه إلا لمن أحبه وأن مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع، أ. هـ، قاله في تهذيب النفوس.\n_________\n(^١) المجالسة (٣٠٧٥)\n(^٢) بياض في الأصل.","vol":"9","page":393},{"text":"وروى يحيى بن منده في كتاب مناقب الإمام أحمد بن حنبل بإسناد له عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن قول النبي -ﷺ- ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس، فقال: ثلث للطعام وهو القوت وثلث للشراب وهو القوي وثلث للنفس وهو الروح (^١).\nوروي أبو نعيم في الحلية وذكر السند فقال: حدثنا عمرو بن أسلم الطرسوسي قال: سمعت سلم الخواص يقول: الناس ثلاثة أصناف صنف شبه الملائكة وصنف شبه البهائم وصنف شبه الشياطين فأما الذين شبه الملائكة فالمؤمنون في ليلهم ونهارهم طائعين يحبون أهل الطاعة، وأما الذين شبه البهائم فالذين ليست لهم هم إلا الأكل والشرب والنكاح والنوم فهم كالبهائم وأما الذين شبه الشياطين فالذين في معاصي الله تعالى مساءا وصباحا ويعطون كل الأجر (^٢)، أ. هـ.\nوقال أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان بعد ذكر الحديث وهو قوله -ﷺ-: \"ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن\" الحديث وقال في كثرة الأكل خمس خصال مذمومة، الأولى: أن يذهب خوف الله من قلبه، الثانية: إذا سمع كلام الحكمة لا يجد له رقة (^٣)، الثالثة: أن يكسل عن الطاعة، الرابعة: [إذا تكلم بالحكمة\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٧٩).\n(^٢) حلية الأولياء (٨/ ٢٧٨).\n(^٣) بستان العارفين (ص ٤١٨) وبالأصل: (الثانية: أن يذهب [شفقة] الخلق من قلبه لأنه نظر إليهم كلهم شباعا). وهذا من كلام الدارانى حيث قال: من شبع، دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة المناجاة، وتعذَّر عليه حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلق؛ لأنه إذا شبع ظن الخلقَ كلهم شباعًا، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد والشباع يدورون حول المزابل (الإحياء (٣/ ٨٧).","vol":"9","page":394},{"text":"والموعظة لا يقع كلامه في] قلوب الناس، الخامسة: [ي] هيج منه الأمراض.\n\n٣٢٣٥ - وعن أبي جحيفة -﵁- قال أكلت ثريدة من خبز ولحم ثم أتيت النبي -ﷺ- فجعلت أتجشأ فقال يا هذا كف عنا من جشائك فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم القيامة رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد قال الحافظ بل واه جدا فيه فهد بن عوف وعمر بن موسى لكن رواه البزار بإسنادين رواة أحدهما ثقات ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي وزادوا فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا كان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى وفي رواية لابن أبي الدنيا قال أبو جحيفة فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في الجوع (٤) و(١٩)، والبزار (٤٢٣٦) و(٤٢٣٧)، وابن جرير فيتهذيب الآثار/ مسند علي (٢/ ٧١٦ - ٧١٧ رقم ١٠٣٥/ مسند عمر بن الخطاب)، وخيثمة في جزئه (٤٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٧٨ رقم ٨٩٢٩) والكبير (٢٢/ ١٣٢ رقم ٣٥١)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٧٥)، والحاكم (٤/ ١٢١) و(٤/ ٣١١)، وتمام في الفوائد (٦٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٥٦)، والبيهقي في الآداب (٤٦٢) والشعب (٧/ ٤٤٢ - ٤٤٣ رقم ٥٢٥٥) و(٧/ ٤٤٣ - ٤٤٤ رقم ٥٢٥٦). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه فهد بن عوف، قال ابن المديني: كذاب، وعمر بن موسى وهو هالك.\nوقال مهنا سألت أحمد ويحيى (يعنى عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، قلت لأحمد: يروى من غير هذا الوجه؟ قال: كان عمرو بن مرزوق يحدث به، عن مالك بن مغول، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، ثم تركه بعد، ثم سألته عنه بعد؟ فقال: ليس بصحيح. (المنتخب من العلل ص ٤٧). وقال أبو حاتم في العلل (١٨٦١): هذا حديث باطل، ولم يبلغني أن عمرو بن مرزوق حدث به قط. =","vol":"9","page":395},{"text":"قوله: وعن أبي حجيفة، أبو حجيفة (^١) اسمه وهب بن عبد الله ويقال: وهب بن وهب السوائي بسين مهملة مضمومة وألف ممدودة منسوب إلى سواءة بالمد أيضا منة بني عامر بن صعصعة، قال ابن عبد البر: كان من صغار الصحابة وذكروا أن رسول الله -ﷺ- توفي وأبو حجيفة يبلغ الحلم لكنه سمع من رسول الله -ﷺ- وروي عنه، كان علي -﵁- يحبه ويثق به جعله على بيت المال بالكوفة، شهد معه وقعة صفين، توفي سنة اثنين وسبعين [وتوفى النبى -ﷺ- وهو صبى لم يبلغ].\n[قوله] أكلت [ثريدة] من خبز ولحم ثم أتيت النبي -ﷺ- فجعلت أتجشأ [الحديث] التجشأ: ريح [يخرج من] الصدر عند الشبع والامتلاء.\n\n٣٢٣٦ - وعن ابن عمر -﵄- قال تجشأ رجل عند رسول الله -ﷺ- فقال كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي كلهم من رواية يحيى البكاء عنه وقال الترمذي حديث حسن (^٢).\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣١: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بأسانيد، وفي أحد أسانيد الكبير محمد بن خالد الكوفي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال في ١٠/ ٣٢٣: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٣) بمجموعه وصحيح الترغيب (٢١٣٦).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ ترجمة ٧٤٧)، والاستيعاب (٤/ الترجمة ٢٧٣٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥٠)، والترمذي (٢٤٧٨)، وابن أبى الدنيا في إصلاح المال (٣٥١)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٤٩ رقم ٤١٠٩) والكبير (١٣/ ٢٦٩ رقم ١٤٠٢٥)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٤٥ - ٤٤٦ رقم ٥٤٥٩). وقال الترمذي: هذا =","vol":"9","page":396},{"text":"قوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام عليه.\nقوله: تجشئ عند رسول الله -ﷺ- فقال: \"كف عنا جشأك\" هذا الرجل هو وهب بن عبد الله السواءي الذي تقدم ذكره في الحديث قبله.\n\n٣٢٣٧ - وعن ابن عباس -﵄- قال قال رسول الله -ﷺ- إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة رواه الطبراني بإسناد حسن (^١).\nقوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة\" قال [الغزالى] في الإحياء (^٢): للجوع عشر فوائد، الأولى: صفاء القلب وانقياد القريحة ونفاذ البصيرة [فإن الشبع يورث البلادة ويعمى القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه\n_________\n= حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال أبو حاتم (١٩١٠): هذا حديث منكر. وقال الطبراني: \"لا يروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد؛ تفرد به عبد العزيز النرمقي\". وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٣) وصحيح الترغيب (٢١٣٧).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٦٧ رقم ١١٦٩٣)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٤٥ - ٣٤٦). وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث فضيل ومنصور وعكرمة، لم يروه عن فضيل إلا يحيى بن سليمان، وفيه مقال.\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٠ - ٢٥١: رواه الطبراني، وفيه يحيى بن سليمان الجفري، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٣٨) والصحيحة (٣٤٣).\n(^٢) الإحياء (٣/ ٨٤).","vol":"9","page":397},{"text":"وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك وقال أبو سليمان الداراني عليك بالجوع فإنه مذلة للنفس ورقة للقلب وهو] يورث العلم السماوي، قال ابن عباس: من شبع [ونام قسا] قلبه وإن لكل (شئ) زكاة وزكاة الجسد الجوع، الثانية: رقة القلب، قال أبو سليمان: القلب إذا شبع عمي و[القلب] إذا جاع صفا ورق، الثالثة: الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي [هو مبدأ] الطغيان والغفلة عن الله تعالى [ولا] ينكسر القلب ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع ومن لم يشاهد ذل [نفسه و] عجزه لم ير عز مولاه وقهره ولذلك لما عرضت على النبي -ﷺ- الدنيا وخزائنها قال: \"لا أجوع يوما وأشبع يوما، إذا جفت صبرت وتضرعت، وإذا شبعت شكرت\".\nالرابعة: أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء لأن الشبعان ينسى الجائعين ولذلك قيل ليوسف ﵊ لم تجزع وفي يدك خزائن الأرض، قال: أخاف أن أشبع فأنسي الجائع فذكر الجائعين وذكر المحتاجين أحد فوائد الجوع فإن ذلك يدعوا إلى الرحمة والشفقة على خلق الله تعالى، والشبعان في غفلة عن الجائع، الخامسة: كسر شهوات المعاصي لها، قال ذو النون: ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بمعصية، وقالت عائشة: أول بدعة حدثت بعد رسول الله -ﷺ- الشبع إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا، وأقل ما يندفع بالجوع شهوة الفرج وشهوة الكلام فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان ولا يكب النار في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم،","vol":"9","page":398},{"text":"وأما شهوة الفرج فلا تخفى غوائلها والجوع يكفي شرها، السادسة: دفع النوم فإن من شبع شرب كثيرا ومن شرب كثيرا كثر نومه ويفوته بالنوم من أنواع القربات والطاعات ما لا [يخفى] وقد يحتلم فيمنعه ذلك مما ينفعه في الدار الآخرة، وقد قال أبو سليمان: الاحتلام عقوبة وإنما قال ذلك لأنه يمنع من عبادات كثيرة، السابعة: تكثير العبادة فإن الأكل يمنع من كثير من العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما احتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال ثم يكثر تردده إلى الخلاء لكثرة شربه والأوقات المصروفة في هذه الأشياء لو صرفها إلى الذكر والمباحات وسائر العبادات لكثر ربحه [الثامنة] في قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق ثم المرض يمنع العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر وينقص العيش ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطيب وكل ذلك يحتاج إلى مؤن وتعب وتبعات لا يخلوا الإنسان فيها من أنواع المعاصي واقتحام الشهوات وفي الجوع ما يدفع عنه ذلك، التاسعة: خفة المؤنة فإن من تعود خفة الأكل كفاء من المال قدر يسير والذي تعود الشبع صار بطنه غريما ملازما له فيحتاج أن يدخل المداخل السوء فيكتسب من الحرام فيعصي أن من الحلال فيذل ويتعب وربما يحتاج إلى أن يمد عين الطمع إلى الخلف وهو غاية الذل والمؤمن خفيف المؤنة، العاشرة: أن يتمكن بذلك من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على الفقراء والمساكين فيكون يوم القيامة","vol":"9","page":399},{"text":"في ظل صدقته، والذي يأكل خزانته الكنيف والذي يتصدق خزانته فضل الله تعالى وليس للعبد من مالك إلا ما تصدق فأمضى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلي والله أعلم (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة، شرح سنن ابن ماجه.\n\n٣٢٣٨ - وروي عن عطية بن عامر الجهني قال سمعت سلمان -﵁- وأكره على طعام يأكله فقال حسبي أني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة رواه ابن ماجه والبيهقي وزاد في آخره وقال يا سلمان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (^٢).\nقوله: وعن عقبة بن عامر الجهني، هكذا وقع [في الأصل] والصواب: عطية بن عامر الجهني، روى عن سلمان هذا الحديث، ذكره ابن حبان في الثقات.\nقوله: سمعت سلمان -﵁- وأكره على طعام يأكله فقال: حسبي -أي: يكفيني-، وسلمان هذا هو سلمان الفارسي تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) الإحياء (٣/ ٨٤ - ٨٨) باختصار، واختصرها أيضا الطيبي في شرح المشكاة (١٠/ ٣٢٩٣ - ٣٢٩٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥١)، والبزار (٢٤٩٨)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٦٠، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٣٦ رقم ٦٠٨٧) و(٦/ ٢٦٨ رقم ٦١٨٣)، والحاكم ٣/ ٦٠٤، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٩٨ - ١٩٩، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٤٤ - ٤٤٥ رقم ٥٢٥٧ و٥٢٥٨). وصححه الحاكم. وتعقبه الذهبي: فيه سعيد بن محمد الوراق تركه الدارقطني وغيره.\nوقال الهيثمي الحديث في المجمع (١٠/ ٢٨٩): فيه سعيد بن محمد الوراق، وهو متروك. وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٣٠: هذا إسناد فيه مقال سعيد بن محمد الوراق ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد وأبو داود والنسائي وابن عدي والدارقطني ووثقه ابن حبان والحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٣٩).","vol":"9","page":400},{"text":"٣٢٣٩ - وروي عن عائشة -﵂- قالت أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم. رواه البخاري في كتاب الضعفاء وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقولها -﵂-: أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع، تقدم الكلام على الشبع [فيما سبق].\n\n٣٢٤٠ - وعن جعدة -﵁- أن النبي -ﷺ- رأى رجلا عظيم البطن فقال بأصبعه لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك رواه ابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد جيد والحاكم والبيهقي (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في الجوع (٢٢)، والبخاري في الضعفاء الكبير كما في ميزان الاعتدال (٣/ ٣٣٥)، وابن شاذان في الثاني من الفوائد المنتقاة (٨٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٩٣).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٢٣٥) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٧/ ٤٥٩ رقم ٥٢٧٩)، وابن أبى شيبة في المسند (٧٦٢)، وأحمد ٣/ ٤٧١ (١٦١١١) و(١٦١١٣) و٤/ ٣٣٩ (١٩٢٨٨)، والدورى في تاريخ ابن معين (٣/ ٤٦)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩، وابن أبى خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني ١/ ١٤٨ (٤٦٩)، والمحاملى في الأمالى (٣١)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٤ رقم ٢١٨٤ و٢١٨٥)، والحاكم ٤/ ١٢١ - ١٢٢ و٣١٧، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٥٨ رقم ٥٢٧٨). وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣١: رواه [كله] الطبراني، ورواه أحمد إلا أنه جعل: أن النبي -ﷺ- هو الذي رأى الرؤيا للرجل. ورجال =","vol":"9","page":401},{"text":"قوله: وعن جعدة -﵁- (^١) [هو جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن].\nقوله: أن النبي -ﷺ- رأى رجلا عظيم البطن فقال بأصبعه: \"لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك\" الحديث، قال محمد بن مقاتل: البطنة بطنتان إحداهما أن يتعمد الرجل السمن وعظم البطن فإن هذا مكروه لأن ذلك يكسله ويثقله عن الصلاة وسائر الطاعات، فأما من رزق بطنا عظيما وكان ذلك خلقه من غير أن يتعمد السمن فلا شيء عليه، فقد روي في الخبر عن رسول الله -ﷺ-: \"إن الله يبغض الحبر السمين\" (^٢) ومعناه: تعمد ليسمن نفسه، وأما إذا كان خلقه الله تعالى سمينا فإنه غير داخل في هذا الخبر والله أعلم (^٣).\nفائدة: من البدع ما يفعله بعض النسوة من ابتلاع لباب الخبز بالماء عند النوم بعد الشبع لأجل السمن وهذه بدعة شنيعة والأكل بعد الشبع حرام عند جماعة من العلماء مكروهة كراهة شديدة عند آخرين وقد قال النبي -ﷺ-: \"أصل كل داء البردة\" يعني التخمة، ولا فرق بين أن يكون ذلك برضى\n_________\n= الجميع رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجشمي وهو ثقة.\nوقال في ٧/ ١٨٠: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وضعفه في الضعيفة (٤٨٦١)، وضعيف الترغيب (١٢٩٤).\n(^١) ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر: ١/ ترجمة ٣٢٦، وأسد الغابة لابن الأثير: ١/ ترجمة ٧٥٠، وتهذيب الكمال ٤/ ترجمة ٩٢٨، والإصابة ١/ ترجمة ١١٦٣.\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في الجوع (٨١) وإصلاح المال (٣٣٩) عن عمر موقوفا.\n(^٣) البحر الرائق (٨/ ٢١٠) لابن نجيم.","vol":"9","page":402},{"text":"زوجها أو بغير رضاه فإن ذلك لا يجوز بل يجب على الزوج أن يمنعها من ذلك فإن سكت عن الإنكار كان شريكها في الإثم وقد يبلغ بها السمن إلى يصل إلى قلبها فيطعنها فتموت أو يشوش على دماغها فيذهب عقلها أو يصل إلى عينيها فتعمى وتكون هي السبب في جميع ذلك بل كثير منهن تسمن حتى تعجز عن الصلاة قائمة وعن كثير من الطاعات وتقصد يدها عن الاستنجاء حتى تحتاج إلى من يفعل بها ذلك وكل هذه الأحوال إذا تعاطت المرأة أسبابها كانت آثمة بها غير مأجورة على ما نالها من الألم بسببها والله أعلم قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\nفرع: ومن البدع المحرمة أكلهن الطفل والطين وذلك حرام على المشهور من مذهب مالك بن أنس والأصح من مذهب الشافعي وفيه من الضرر ما هو مذكور عند الأطباء كتصفير الوجه ونفخ البطن وغير ذلك فيجب على الزوج والولي وكل من اطلع على ذلك أن يمنع المرأة من أكله [ولا يجوز للبائع] أن يبيعه [لمن يعلم أنها] تأكله والله أعلم. [وفى فتاوى] القاضي حسين [إذا أكثر] أكل التراب والطين حتى أضر به واصفر لونه، يعصي الله تعالى وترد شهادته] (^٢).\n\n٣٢٤١ - وعن أبي هريرة -﵁- قال ليؤتين يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة واقرؤوا إن شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (٥٠٥ - ٥٠٦).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٥٠٦).","vol":"9","page":403},{"text":"لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^١) رواه البيهقي واللفظ له ورواه البخاري ومسلم باختصار قال إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه وعلى معنى هذا الحديث.\n\n٣٢٤٢ - وعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال نظر رسول الله -ﷺ- إلى الجوع في وجوه أصحابه فقال أبشروا فإنه سيأتي عليكم زمان يغدى على أحدكم بالقصعة من الثريد ويراح عليه بمثلها قالوا يا رسول الله نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ رواه البزار بإسناد جيد (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود -﵁- تقدم.\nقوله: نظر رسول الله -ﷺ- إلى الجوع في وجوه أصحابه فقال: \"أبشروا فإنه سيأتي عليكم زمان يغدى على أحدكم بالقصعة من الثريد ويراح عليه بمثلها\" الحديث، تقدم الكلام على الغدو والرواح في المشي إلى المساجد.\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ١٠٥.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (١٨ - ٢٧٨٥)، وابن عدى (٧/ ٤٦٦)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٦١ رقم ٥٢٨٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢١٦). قال ابن عدي: وهذه الأحاديث يرويها محمد بن عمار المؤذن عن صالح [و] عن المقبري، وتعرف بمحمد هذا. وضعفه الألباني من طريق البيهقي في ضعيف الترغيب (١٢٩٥).\n(^٣) أخرجه البزار (١٩٤١). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن مجالد إلا محمد بن فضيل، ولا عن ابن فضيل إلا محمد بن جعفر هذا ولم يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٢٣: رواه البزار، وإسناده جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٤١) و(٣٣٠٨).","vol":"9","page":404},{"text":"٣٢٤٣ - وعن علي -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم وريح عليه بأخرى وغدا في حلة وراح في أخرى وسترتم بيوتكم كما الكعبة قلنا بل نحن يومئذ خير نتفرغ للعبادة فقال بل أنتم اليوم خير رواه الترمذي في حديث تقدم في اللباس وحسنه (^١).\nقوله: وعن علي -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم وريح عليه بأخرى\" الحديث، تقدم الكلام على الغدو والرواح، وأما الجفنة فقال الجوهري: قال الكسائي أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة وتقدم الكلام على ذلك قريبا أطول من هذا.\n\n٣٢٤٤ - وروي عن ابن بجير -﵁- وكان من أصحاب النبي -ﷺ- قال أصاب النبي -ﷺ- جوع يوما فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم رواه ابن أبي الدنيا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق كما في إتحاف الخيرة (٧/ ٤٥٩)، وهناد في الزهد ٢/ ٣٨٥ و٣٨٩، والترمذي (٢٤٧٦)، وأبو يعلى (٥٠٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ويزيد بن زياد هو: ابن ميسرة وهو مديني، وقد روى عنه مالك بن أنس، وغير واحد من أهل العلم ويزيد بن زياد الدمشقي الذي روى عن الزهري روى عنه وكيع ومروان بن معاوية ويزيد بن أبي زياد كوفي، روى عنه سفيان وشعبة وابن عيينة، وغير واحد من الأئمة. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٤: رواه أبو يعلى، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٤٢) وضعفه في المشكاة (٥٣٦٦/ التحقيق الثاني).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٧/ ٤٢٣، وابن أبى خيثمة في التاريخ الكبير- السفر الثانى =","vol":"9","page":405},{"text":"قوله: وعن ابن بجير (^١) وكان من أصحاب النبي -ﷺ-، واسمه [عفان بن البجير السلمي وقيل عفان بن عتر السلمي مذكور فيمن نزل حمص من أصحاب رسول الله -ﷺ- روى عنه: جبير بن نفير، وخالد بن معدان].\nقوله: أصاب النبي -ﷺ- جوع يوما فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه، عمد بفتح الميم في الماضي وبكسرها في المضارع أي قصد وتقدم الكلام على ذلك مرات.\nقوله -ﷺ-: \"ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة\" الحديث [...] (^٢).\n\n٣٢٤٥ - وعن اللجلاج -﵁- قال ما ملأت بطني طعاما منذ أسلمت مع رسول الله -ﷺ- آكل حسبي وأشرب حسبي يعني قوتي رواه الطبراني بإسناد لا بأس به والبيهقي وزاد وكان قد عاش مائة وعشرين سنة خمسين في الجاهلية وسبعين في الإسلام (^٣).\n_________\n= ٢/ ٦١١ - ٦١٢ (٢٥٤٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد (٢٧٠٣)، والأصم في مجموعه (٢٠٧)، والآجرى في أدب النفوس (١٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٠٦٩)، وابن بشران في الأمالى (١٥٣) و(١٢٤٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٢٣)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٥٧ رقم ١٣٨٨). وقال ابن أبى عاصم: إسناده ثقات حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١١٥) و(٢٣٦٨) وضعيف الترغيب (١٢٩٦).\n(^١) ترجمته: أسد الغابة ٤/ ترجمة ٣٦٩٨، والإصابة ٤/ ٥٥٩٨.\n(^٢) بياض في الأصل.\n(^٣) أخرجه ابن أبى خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ١/ ٥٣٤ (٢١٦٦)، والبغوي في =","vol":"9","page":406},{"text":"قوله: وعن اللجلاج -﵁-، هو: أبو العلاء العامري من بني عامر بن صعصعة، له صحبة سكن دمشق روى عنه ابناه العلاء وخالد، روى محمد بن إسحاق السراج عن أبي همام عن [مبشر بن إسماعيل الحلبي] عن [عبد الرحمن بن العلاء بن] اللجلاج عن أبيه عن جده قال: أسلمت مع رسول الله -ﷺ- وأنا ابن سبعين سنة، ومات اللجلاج وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقال: \"ما ملأت بطني منذ أسلمت\" قاله في الأنساب لابن الأثير وفي بعض النسخ الجلاح بضم الجيم وتخفيف اللام [والد أحيحة] قال: \"ما ملأت بطني طعامًا منذ أسلمت مع رسول الله -ﷺ- آكل حسبي وأشرب حسبي\" أي: قوتي، قال البيهقي: وكان عاش مائة وعشرين سنة خمسين في الجاهلية وسبعين في الإسلام، أ. هـ.\nتنبيه: قوله في الجاهلية، والجاهلية ما كان قبل نبوة رسول الله -ﷺ- لما كانوا عليه من فاحش الجهالات قاله النووي (^١).\nقلت: ظاهر كلامهم فيمن عاش من الصحابة -﵃- ستين سنة وستين في\n_________\n= معجم الصحابة (٥/ ١٧٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢١٨ رقم ٤٨٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٩٢٨)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٦٨ - ٤٦٩ رقم ٥٢٩٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٨١٦) وتاريخ بغداد (٢/ ٥٦)، وابن منده في من عاش مائة وعشرين سنة من الصحابة (ص ٥٧ - ٥٨).\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣١: رواه الطبراني، وفيه المعلى بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٩٧).\n(^١) طرح التثريب (٤/ ١٩٣) ونسبه للنووي.","vol":"9","page":407},{"text":"الجاهلية كحكيم بن حزام وغيره أن مرادهم بالجاهلية ما قبل فشو الإسلام فإن هؤلاء المذكورين بهذه الصفة ماتوا سنة أربع وخمسين من الهجرة فسموا الزائد على سنين مما قبل الهجرة جاهلية لانتشار الجاهلية وفشوا أمرها قبل فشوا أمر الإسلام والله أعلم قاله العراقي في شرح الأحكام (^١).\nتنبيه أيضا: قال أبو اليقظان: عاش حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام شاعر رسول الله -ﷺ- مائة وعشرن سنة ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، وقد مات لهذا السن جماعة موسى -ﷺ- وهارون ويوسف الصديق وعدي بن حاتم والنابغة [الجعدى] والحطيئة الشاعر وأبو عمرو الشيباني واسمه سعد بن إياس والمعرور بن سويد وآخرون، وقال المدائني: عاش حسان مائة وأربع سنين وعاش أبوه ثابت مائة وأربعين سنة وعاش المنذر جده كذلك وعاش حرام جد أبيه مائة وأربعى سنين ولا يعرف أربعة من صلب واحد تسوت أعمارهم سواهم، أ. هـ، قاله في مرآة الزمان.\nتنبيه: الحطيئة الشاعر المذكور في التنبيه قلب هذا اسمه جرول بن مالك العبسي وكنيته أبو مليكة وقيل أبو أمية، وقال الجاحظ: كان الحطيئة من المخضرمين أدرك الجاهلية والإسلام وقال الواقدي: أسلم بعد وفاة رسول الله -ﷺ-، وقال الأصمعي: كان خبيث اللسان أسود الوجه قبيح المنظر وكان لسانه وباطن شفتيه وفمه أسود، قال: والذي يكون لسانه لونه أسود يكون أحمر اللسان وداخل الفم، والحطيئة كان أسود الظاهر والباطن وقال: وكان\n_________\n(^١) المصدر السابق في نفس الموضع.","vol":"9","page":408},{"text":"أربعة على هذا الوصف الحطيئة وأبو الأسود الدئلي وحميد الأرقط وخالد بن صفوان، وقال الأصمعي: إنما أسلم بعد وفاة رسول الله -ﷺ- بمدة ولا ذكر له في الصحابة وكان هجاءً هجى نفسه وأباه وأمه وعمه وخاله ذكر في كل واحد أبياتا مذكورة لم أذكرها لطولها قاله في مرآة الزمان.\n\n٣٢٤٦ - وعن عائشة -﵂- قالت رآني رسول الله -ﷺ- وقد أكلت في اليوم مرتين فقال يا عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا جوفك الأكل في اليوم مرتين من الإسراف والله لا يحب المسرفين رواه البيهقي وفيه ابن لهيعة وفي رواية فقال يا عائشة اتخذت الدنيا بطنك أكثر من أكلة كل يوم سرف والله لا يحب المسرفين (^١).\nقوله: عن عائشة تقدم الكلام.\nقوله: \"قالت رآني رسول الله -ﷺ- وقد أكلت في اليوم مرتين إلى أن قال الأكل في اليوم مرتين من الإسراف والله لا يحب المسرفين\".\nقال الغزالى (^٢): فإذن أكلتان في يوم من السرف وأكلة واحدة في كل يومين إقتار وأكلة في كل يوم قوام بين ذلك وهو المحمود في كتاب الله ﷿ ومن اقتصر في اليوم على أكلة واحدة فيستحب له أن يأكلها سحرًا قبل طلوع الفجر فيكون أكله بعد التهجد وقبل الصبح فيحصل له جوع النهار للصيام\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٤٥٧ - ٤٥٨ رقم ٥٢٧٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٩٨)، وحكم عليه بالوضع في الضعيفة (٢٥٧ و٥٣٦٢).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ٩١).","vol":"9","page":409},{"text":"وجوع الليل للقيام وخلو القلب لفراغ المعدة ورقة الفكر واجتماع الهم وسكون النفس.\nقال الغزالي (^١): وقد اشتد خوف السلف من تناول لذيذ الأطعمة وتمرين النفس عليها ورأوا أن ذلك علامة الشقاوة ورأوا منع الله تعالى منه غاية السعادة حتى روى أن وهب بن منبه قال التقى ملكان في السماء الرابعة فقال أحدهما للآخر من أين قال أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي لعنه الله وقال الآخر أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد فهذا تنبيه على أن تيسير أسباب الشهوات ليس من علامات الخير ولهذا امتنع عمر -﵁- عن شربة ماء بارد بعسل وقال اعزلوا عني حسابها فلا عبادة لله تعالى أعظم من مخالفة النفس في الشهوات بالشهوات وترك اللذات كما أوردناه في كتاب رياضة النفس وقد روى نافع أن ابن عمر -﵄- كان مريضًا فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة فلم توجد ثم وجدت بعد كذا وكذا فاشتريت له بدرهم ونصف فشويت وحملت إليه على رغيف فقام سائل على الباب فقال للغلام لفها برغيفها وادفعها إليه فقال له الغلام [أصلحك الله قد] اشتهيتها منذ كذا وكذا فلم نجدها فلما وجدتها اشتريتها بدرهم ونصف فنحن نعطيه ثمنها فقال لفها وادفعها إليه ثم قال الغلام للسائل هل لك أن تأخذ درهمًا وتتركها قال نعم فأعطاه درهمًا وأخذها وأتى بها فوضعها بين يديه وقال قد أعطيته درهمًا وأخذتها منه فقال لفها\n_________\n(^١) الإحياء (٣/ ٩٢).","vol":"9","page":410},{"text":"وادفعها إليه ولا تأخذ منه الدرهم فإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ -ﷺ- يقول أيما امريء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر الله لَهُ رواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب بإسناد [ضعيف جدا] ورواه ابن الجوزي في [الموضوعات].\n\n٣٢٤٧ - وروي عن أنس بن مالك -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع والبيهقي وقد صحح الحاكم إسناده لمتن غير هذا وحسنه غيره (^١).\nوحديث أنس الذى بعده بمعناه.\n\n٣٢٤٨ - وعن أبي برزة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى رواه أحمد والطبراني والبزار وبعض أسانيدهم رجاله ثقات (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥٢)، وابن أبي الدنيا في الجوع (١٨١)، وأبو يعلى في مسنده (٢٧٦٥)، وابن حبان في المجروحين ٣/ ٤٧، وابن عدي في الكامل ٨/ ٢٩٩، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٤٦٧)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٨٣ - ٤٨٤ رقم ٥٣٣٤ و٥٣٣٥ و٥٣٣٦)، وابن الجوزي في الموضوعات ٣/ ٣٠. قال ابن عدى: ونوح بن ذكوان يروى عنه يوسف بن أبي كثير وعن يوسف يرويه بقية وهذه الأحاديث عن الحسن، عن أنس ليست بمحفوظة. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله -ﷺ-. قال ابن حبان: يحيى بن عثمان منكر الحديث لا يجوز الاحتجاج به. قال: ويجب التنكب على حديث نوح. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٤١) وضعيف الترغيب (١٢٩٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٤٢٠ (٢٠٠٨٦) و٤/ ٤٢٠ (٢٠٠٨٧) و٤/ ٤٢٣ (٢٠١٠٢)، والفسوى =","vol":"9","page":411},{"text":"قوله عن أبي برزة (^١) [هو بفتح الباء الموحدة، وإسكان الراء وبعدها زاي، وهى كنية مفردة لا يُعرف في الصحابة أحد يكنى أبو برزة غيره، واسم أبي برزة: نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وقال: نيار شيطان، وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديمًا، وشهد مع رسول الله -ﷺ- فتح مكة. رُوى له عن رسول الله -ﷺ- ستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدي، والأزرق بن قيس، وغيرهم، نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفى بها، وقيل: توفى بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد،\n_________\n= في مشيخته (٢٣)، والبزار (٣٨٤٤) و(٤٥٠٣)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٨٨)، والطبراني في الصغير (١/ ٢٠٩ رقم ٥١١)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٢)، وابن بشران في الأمالى (١٣٥٤)، والهروى في ذم الكلام (٨٥).\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٨: رواه أحمد والبزار والطبراني في الثلاثة، ورجاله رجال الصحيح؛ لأن أبا الحكم البناني الراوي عن أبي برزة بينه الطبراني فقال: عن أبي الحكم، هو علي بن الحكم. وقد روى له البخاري وأصحاب السنن. وقال في ٧/ ٣٠٦: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢) و(٢١٤٣).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٨٠ - ١٨١ ترجمة ٧٢٥).","vol":"9","page":412},{"text":"وقيل: توفى سثة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة، ﵁].\nقوله: \"إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى\". الهوى هو ميل النفس إليه.\n\n٣٢٤٩ - وعن جابر بن عبد الله -﵄- قال لقيني عمر بن الخطاب -﵁- وقد ابتعت لحما بدرهم فقال ما هذا يا جابر قلت قرم أهلي فابتعت لهم لحما بدرهم فجعل عمر يردد قرم أهلي حتى تمنيت أن الدرهم سقط مني ولم ألق عمر (^١).\nقوله وعن جابر تقدم الكلام على جابر.\nقوله: \"قال لقيني عمر بن الخطاب -﵁- وقد ابتعت لحما بدرهم\" الحديث. أى اشتريت لحما بدرهم. قوله: \"فقال ما هذا يا جابر قلت قرم أهلي إليه\" أي اشتدت شهوتهم للحم قاله المنذري.\n\n٣٢٥٠ - وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب -﵁- أدرك جابر بن عبد الله ومعه حامل لحم فقال عمر أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه فأين تذهب عنكم هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. قال البيهقي وروي عن عبد الله بن دينار مرسلا\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٤٦٢ رقم ٥٢٨٥). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٤٤).","vol":"9","page":413},{"text":"وموصولا قوله قرم أهلي أي اشتدت شهوتهم للحم قال الحليمي ﵀ وهذا الوعيد من الله تعالى وإن كان للكفار الذين يقدمون على الطيبات المحظورة ولذلك قال ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] فقد يخشى مثله على المنهمكين في الطيبات المباحة لأن من يعودها مالت نفسه إلى الدنيا فلم يؤمن أن يرتبك في الشهوات والملاذ كلما أجاب نفسه إلى واحد منها دعته إلى غيرها فيصير إلى أن لا يمكنه عصيان نفسه في هوى قط وينسد باب العبادة دونه فإذا آل به الأمر إلى هذا لم يبعد أن يقال أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون فلا ينبغي أن تعود النفس ربما تميل به إلى الشره ثم يصعب تداركها ولترض من أول الأمر على السداد فإن ذلك أهون من أن تدرب على الفساد ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح والله أعلم قال البيهقي وروينا عن ابن عمر -﵄- أنه اشترى من اللحم المهزول وجعل عليه سمنا فرفع عمر يده وقال والله ما اجتمعا عند رسول الله -ﷺ- قط إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر فقال ابن عمر اطعم يا أمير المؤمنين فوالله لا يجتمعان عندي أبدا إلا فعلت ذلك (^١).\nقوله: \"وروى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب -﵁- أدرك جابر بن عبد الله ومعه حامل لحم فقال أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه\".\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٤٦١ - ٤٦٢ رقم ٥٢٨٤). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٠٠).","vol":"9","page":414},{"text":"قوله قرم أهلي أي اشتدت شهوتهم للحم.\nقوله: \"وأين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^١) \" قال الحليمي: وهذا الوعيد من الله تعالى وإن كان للكفار إلى آخر ما ذكره الحافظ.\nقوله: وروي عن عبد الله بن دينار مرسلا وموقوفا.\nتنبيه: الحديث المرسل قول التابعي مثلا قال النبي -ﷺ- كذا، وعبارة بعضهم ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين وأي راوٍ كان عند الأصوليين، وإذا جاء الحديث مرسلا من وجه ومسندا من آخر فمذهب أهل الحديث ترجيح المرسل بمعنى أن المسند غير معمول به، ومذهب الأصوليين والفقهاء ترجيح المسند، واعتبر بعض أهل الحديث في ذلك بكثرة الرواة ورجح بها والله أعلم، ذكره ابن عقيل.\n\n٣٢٥١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله -ﷺ- كلوا واشربوا وتصدقوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة رواه النسائي وابن ماجه ورواته إلى عمر ثقات يحتج بهم في الصحيح (^٢).\n_________\n(^١) سورة الأحقاف، الآية: ٢٠.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٨١ (٦٨٠٩) و٢/ ١٨٢ (٦٨٢٣)، وابن ماجه (٣٦٠٥)، والترمذي (٢٨١٩)، وابن أبي الدنيا في التواضع (١٥٧)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٥٩ (٢٥٧٨) والكبرى (٢٣٥١) والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في المشكاة (٤٣٨١)، وصحيح الترغيب (٢١٤٥).","vol":"9","page":415},{"text":"قوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"كلوا واشربوا وتصدقوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة\" السرف التبذير في النفقة لغير حاجة أو في غير طاعة الله وهو ضد التقتير، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ \" (^١) والمخيلة الكبر والعجب، يقال اختال فهو مختال ومنه الخيلاء قال عبد اللطيف البغدادي (^٢): هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه وفيه تدبير مصالح النفس والجسد والدنيا والآخرة فإن الإسراف في كل شيء يضر بالجسد ويضر بالمعيشة إذ فيه الإتلاف ويضر بالنفس حيث كانت النفس تابعة للجسد في كثير من الأحوال ولها أمراض تخصها، فالمخيلة من الخيلاء وهي تضر بالنفس حيث تكسبها العجب وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم وتضر بالدنيا حيث تكسب المقت من الناس، فمن برئ من الإسراف والخيلاء في تصرفاته وتدبيره وسياسته فقد برئ من العيوب كلها أو جلها والله أعلم، وتقدم الكلام على المخيلة أيضا في كتاب اللباس.\n\n٣٢٥٢ - وعن معاذ بن جبل -﵁- أن رسول الله -ﷺ- لما بعث به إلى اليمن قال له إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين رواه أحمد والبيهقي ورواة أحمد ثقات (^٣).\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٦٧.\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٢٥٣)، وعمدة القارى (٢١/ ٢٩٤)، وإرشاد السارى (٨/ ٤١٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٤٣ (٢٢٥٣٢) والزهد (٢٣)، والطبراني في الشاميين (١٣٩٥)، وابن =","vol":"9","page":416},{"text":"قوله: وعن معاذ بن جبل -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- لما بعث به إلى اليمن قال له \"إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين\"، بعث النبي -ﷺ- معاذا إلى اليمن معلما وقاضيا، واليمن: إقليم معروف.\n\n٣٢٥٣ - وعن أبي هريرة -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- إن أشرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم رواه البزار ورواته ثقات إلا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن أشرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم\".\nقوله: ورواته ثقات إلا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم [قال أحمد: ليس\n_________\n= أخى ميمون في فوائده (٤٥٠)، والسلمى في الأربعون (٣٤)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ١٥٥، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧ رقم ٥٧٦٦ و٥٧٦٧). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٠: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة ٣٥٣، المشكاة ٥٢٦٢، صحيح الترغيب (٢١٤٦).\n(^١) أخرجه ابن أبي عمر كما في المطالب العالية (٣١٦٦/ ١)، البزار (٩٤١٥)، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (٣١٦٦/ ٢)، والشجري في الأمالى (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٣١١)، قال البزار: عمارة بن راشد لا نعلم عنه إلا عبد الرحمن بن زياد، وعبد الرحمن كان حسن العقل، ولكنه وقع على شيوخ مجاهيل، فحدث عنهم بأحاديث مناكير، فضعف حديثه، وهذا مما أنكر عليه، ولم يشاركه فيه أحد. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٠: رواه البزار، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وقد وثق، والجمهور على تضعيفه، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٤٧).","vol":"9","page":417},{"text":"بشيء نحن لا نروي عنه شيئًا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات ويدلس عن محمد بن سعيد المصلوب، وفيما قاله نظر ولم يذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وكان يقوي أمره ويقول هو مقارب الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن سعيد، وروى عباس عن يحيى بن معين ليس به بأس وقد ضعف، هو أحب إلي من أبي بكر بن أبي مريم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح أتحتج به يعني بعبد الرحمن بن زياد قال: نعم].\n\n٣٢٥٤ - وروي عن أبي أمامة -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام فأولئك شرار أمتي رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط (^١).\nقوله: وروي عن أبي أمامة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام\" الحديث، سيأتي الكلام\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٠٧ - رقم ٧٥١٢ و٧٥١٣) والأوسط (٣/ ١٨١ - ١٨٢) ومسند الشاميين (١٤٥٨) - وعنه: أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٠) ومن طريقه الشجرى في الأمالى (٢/ ٢٣٤)، وتمام في الفوائد (١٦٨٣). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريقين في أحدهما جميع بن أيوب وهو متروك وفي الأخرى أبو بكر بن أبي مريم وهو مختلط. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨٨) و(٢١٤٨).","vol":"9","page":418},{"text":"على المتشدق في الكلام في باب [الترغيب في الخلق الحسن وفضله، والترهيب من الخلق السيئ وذمه].\n\n٣٢٥٥ - وروي عن عبد الله بن جعفر -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به يأكلون من الطعام ألوانا ويتشدقون في الكلام رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في حديث (^١).\nقوله: وروي عن عبد الله بن جعفر -﵁- تقدم الكلام عليه في الدين، وتقدم أيضا الكلام على ألفاظ هذا الحديث.\n\n٣٢٥٦ - وعن أبي بن كعب -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد جيد قوي وابن حبان في صحيحه والبيهقي وزاد في بعض طرقه ثم يقول الحسن أو ما رأيتهم يطبخونه بالأفواه والطيب ثم يرمون كما رأيتم قوله قزحه بتشديد الزاي أي وضع فيه القزح وهو التابل وملحه بتخفيف اللام معروف (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٧٢ رقم ٧٧٦١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٦٨). وقال الذهبي: أظنه موضوعا؛ ففيه إسحاق بن واصل وهو متروك، وأصرم بن حوشب وهو متهم بالكذب. وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ١٧٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أصرم بن حوشب، وهو متروك. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٤٩).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٤٦)، وابن حيويه في الزيادات على الزهد (٤٩٣ و٤٩٥)، وعبد الله بن أحمد في الزيادات ٥/ ١٣٦ (٢١٦٣٠)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢٠٥)، وابن أبي الدنيا في الجوع (١٦٥)، والشاشي (١٥٠١ و١٥٠٢)، وابن حبان (٧٠٢)، والطبراني في الكبير =","vol":"9","page":419},{"text":"قوله: وعن أبي بن كعب -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير\" الحديث، قزحه وملحه، قد ضبطه الحافظ وفسره وبعده حديث الضحاك بمعناه.\n\n٣٢٥٧ - وعن الضحاك بن سفيان -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال لى يا ضحاك ما طعامك قال يا رسول الله اللحم واللبن قال ثم يصير إلى ماذا قال إلى ما قد علمت قال فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا رواه أحمد ورواته رواة الصحيح إلا علي بن زيد بن جدعان قال الحافظ ويأتي في الزهد ذكر عيش النبي -ﷺ- وأصحابه إن شاء الله تعالى (^١).\n_________\n= (١/ ١٩٨ رقم ٥٣١)، وأبو الشيخ في الأمثال (٢٦٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٢٥٤، وفي معرفة الصحابة (٧٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٤٨ - ٤٤٩ رقم ٥٢٦٤ و٥٢٦٥) و(١٠/ ٨٣ رقم ٩٩٩٠)، وفي الزهد (٤١٤). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٨٨: رواه عبد الله، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح غير عتي، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٨٢)، وصحيح الترغيب (٢١٥٠) و(٣٢٤٣).\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٥٢ (١٥٩٨٨)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني ١/ ٣١١ (١١٥٩)، وابن أبي الدنيا في التواضع (٢١٠) والجوع (١٦٤)، والبغوى في معجم الصحابة (١٣٢٤)، وابن قانع (٢/ ٢٩)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٩٩ رقم ٨١٣٨)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٥٠ رقم ٥٢٦٦) و(١٣/ ٨٣ رقم ٩٩٨٩).\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٨٨: رواه أحمد والطبراني ورجال الطبراني رجال الصحيح. غير على بن زيد بن جدعان، وقد وثق. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٥١) و(٣٢٤٢).","vol":"9","page":420},{"text":"هو: الضحاك بن سفيان (^١)، وسيأتي الكلام على بعض هذه الأحاديث في الزهد إن شاء الله تعالى.\nخاتمة: عن أبي هريرة قال: ما عاب رسول الله -ﷺ- طعاما قط إن رضيه أكله وإلا تركه، رواه الجماعة إلا النسائي (^٢).\nقال النووي (^٣): من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب الطعام كقوله مالح أو قليل حامض رقيق غليظ غير ناضج ونحو ذلك، قال: وأما حديث ترك النبي -ﷺ- أكل الضب فليس هو من عيب الطعام إنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا يشتهيه.\nوأفاد الحليمي (^٤) أن عيب الطعام إن كان لصناعة فلا كراهة فيه لأن صنعة\n_________\n(^١) هو أبو سعيد الضحاك بن سفيان بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن عبيد بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامرى الكلابي، كان يقوم على رأس رسول الله -ﷺ- متوشحًا بسيفه، وكان من الشجعان الأبطال، يُعد بمائة فارس، ولما سار رسول الله -ﷺ- إلى فتح مكة أمَّره على بنى سليم؛ لأنهم كانوا تسعمائة، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: هل لكم في رجل يعدل مائة يوفيكم ألفًا، فوفاهم به، وكان رئيسهم، وإنما جعله عليهم؛ لأنهم جميعًا من قيس عيلان، واستعمله رسول الله -ﷺ- على سرية إلى بنى كلاب. روى عنه سعيد بن المسيب، والحسن البصرى. تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٠ ترجمة ٢٦٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٤٧٤ (١٠٢٨٤) و٢/ ٤٨١ (١٠٣٨٥)، والبخاري (٣٥٦٣) و(٥٤٠٩)، ومسلم (١٨٧ - ٢٠٦٤)، وأبو داود (٣٧٦٣)، وابن ماجه (٣٢٥٩)، والترمذي (٢٠٣١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٦).\n(^٤) المنهاج (٣/ ٦٠).","vol":"9","page":421},{"text":"الآدمي تعاب وتمدح وإن كان لغير صناعته كقوله هذا الرمان حامض وهذا البطيخ مدود ونحو ذلك فهذا هو الذي يكره عليه لأن صنعة رب العالمين لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب.\nوقال مجاهد (^١): كان النبي -ﷺ- يكره من الشاة سبعا الدم والمرارة والذكر والأنثيين [والحيا] والمعدة والمثانة، وكان أعجب الشاة إليه مقدمها رواه البيهقي هكذا مرسلا وهو ضعيف، قال: وروى موصولا بذكر ابن عباس قال: وهو حديث لا يصح وصله، قال الخطابي (^٢): الدم حرام بالإجماع وعامة المذكورات معه مكروهة غير محرمة، أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨٧٧١)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٢ رقم ١٩٧٠٠) عن مجاهد مرسلا. ووصله ابن عدى في الكامل (٦/ ٢١) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٣ رقم ١٩٧٠٤) عمر بن موسى الوجيهي؛ عن واصل بن أبي جميل عن مجاهد، عن ابن عباس. قال ابن عدى: ولعمر بن موسى غير ما ذكرت من الحديث كثير وكل ما أمليت لا يتابعه الثقات عليه وما لم أذكره كذلك، وهو بين الأمر في الضعفاء، وهو في عداد من يضع الحديث متنا وإسنادًا. ووصله الطبراني في الأوسط (٩/ ١٨١ رقم ٩٤٨٠) من طريق يحيى الحمانى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر.\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣٦: رواه الطبراني في الأوسط وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٢٩٢).\n(^٢) المجموع (٩/ ٧٠).","vol":"9","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>[الترهيب من أن يدعى الإنسان إلى الطعام فيمتنع من غير عذر والأمر بإجابة الداعي وما جاء في طعام المتباريين]</span>\n٣٢٥٨ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَنه كَانَ يَقُول شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَليمَة يدعى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاء وتترك الْمَسَاكين وَمن لم يَأْتِ الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة وَرَوَا مُسلم أَيْضًا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي -ﷺ- شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَليمَة يمْنَعهَا من يَأْتِيهَا ويدعى إِلَيْهَا من يأباها وَمن لم يجب الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك المساكين ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله\" وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا (^٢)، قال أهل اللغة والفقهاء وغيرهم -﵃-: الوليمة عبارة عن كل\n_________\n(^١) أما الموقوف: أخرجه البخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٠٨ و١٠٨ و١٠٩ - ١٤٣٢)، وابن ماجه (١٩١٣)، وأبو داود (٣٧٤٢)، والبزار (٧١٩٤)، والنسائي في الكبرى (٦٥٧٨). وأما المرفوع: أخرجه الحميدى (١٢٠٤)، ومسلم (١١٠ - ١٤٣٢)، والبزار (١٠٠٧٦)، وأبو عوانة (٤٦٤٣) و(٤٦٤٤)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٠١٦)، وأبو نعيم في المستخرج (٣٣٥٢). وقال البزار: ولا نعلم روى هذه الأحاديث، عن هشام بن حسان إلا مخلد بن حسين. قال الدارقطني في العلل (١٦٦٩): والصحيح عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، والأعرج عن أبي هريرة موقوفا. وصححه الألباني في الإرواء (١٩٤٧) والصحيحة (١٠٨٥) وصحيح الترغيب (٢١٥٢).\n(^٢) هذه العبارة متكررة وصوابها أسفل من ذلك كما سيأتى.","vol":"9","page":423},{"text":"طعام اتخذ عند حادث سرور إلا أن استعمالها في طعام العرس أظهر وهي مشتقة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان قاله الأزهري وغيره، وقيل: يقع على الإملاك والعرس خاصة، وقيل: على كل دعوة إملاك أو ختان أو حادث سرور يدعى إليه الناس، قال ابن الأعرابي: أصلها تمام الشيء واجتماعه والفعل منها أولم (^١).\nقال أصحابنا: والضيافات ثمانية أنواع:\nالوليمة للعرس، والخُرس بضم الخاء المعجمة، ويقال الخرص أيضا بالصاد المهملة للولادة، والإعذار بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة للختان، والوتيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر مأخوذ من النقع وهو الغبار ثم قيل إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره له، والعقيقة يوم سابع الولادة، والوضيمة لفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الطعام المتخذ لمصيبة، والمأدبة بضم الدال وفتحها الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب (^٢). أ. هـ.\nوفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: \"طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث رياء وسمعة، ومن سمَّع سمَّع الله به\" وإسناده حسن (^٣)، هذا إذا كانت الدعوى ثلاثة أيام [فالأول تجب الإجابة فيه والثاني\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١٣/ ٣١٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢١٧).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٠٩٧). وقال الترمذي: حديث ابن مسعود، لا نعرفه مرفوعا إلا من =","vol":"9","page":424},{"text":"تستحب والثالث تكره].\nوقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الإجابة إلى وليمة العرس فذهب بعضهم إلى أنها واجبة يأثم النكاح.\nإذا تخلف عنها لغير عذر وهو قول الظاهرية وهو أحد قولي الشافعية وخالف الجمهور فقالوا باستحبابها والأصح عندهم أنها مستحبة وبه قال مالك وغيره، والخبر محمول على تأكد الاستحباب وكراهة الترك.\nواعلم أن الرافعي والنووي مالا إلى ترجيح وجوب الإجابة إلى وليمة العرس، واختلف العلماء في وقت فعلها فحكي القاضي أن الأصح عند مالك وغيره أنه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول وفي سنن البيهقي ما يقتضي أنها [بعد الدخول]، وفي دلائل النبوة له أن النجاشي لما زوج [أم حبيبة من] رسول الله -ﷺ-[قال: اجلسوا، فإن من\n_________\n= حديث زياد بن عبد الله، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير. وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر، عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شرفه يكذب في الحديث. قال مغلطاي في إكمال التهذيب ٥/ ١١٥: كذا ألفيته في نسخة جيدة -أي: لا يكذب- والذي في تاريخ البخاري عن محمد -أي: ابن عقبة- قال وكيع: هو أشرف من أن يكذب. وقال العراقى في طرح التثريب (٧/ ٧٢): رواه الترمذي، وقال لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وهو كثير الغرائب والمناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال قال وكيع. زياد بن عبد الله مع شرفه لا يكذب في الحديث. وضعفه الألباني.","vol":"9","page":425},{"text":"سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام، فأكلوا، ثم تفرقوا] ونقل [الغافقي] الإجماع على أنه لا حد لقدرها بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة لكن يستحب أن تكون على قدر حال الزوج، أ. هـ قاله في الديباجة.\nوقال القاضي عياض (^١): لم يختلف العلماء في وجوب الإجابة إلى وليمة العرس واختلفوا فيما عداها، ثم إنها تجب أو تسن بشروط، أولها: أن يعينه بالدعوة، ثانيها: أن لا يخص الأغنياء، ثالثها: أن تكون لمسلم، رابعها: أن لا يكون هناك عذر مرخص في ترك الجماعة، خامسها: أن لا يكون دعا معه السفلة والأراذل، سادسها: أن يكون جميع ماله حلالا فإجابة من أكثر ماله حرام مكروهة كمعاملته، سابعها: أن لا يكون مدعو إلى بيت أجنبية، ثامنها: أن لا يكون هناك منكر، تاسعها: أن لا يكون ذلك الطعام لمباهاة أو رياء، عاشرها: أن لا يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه أو لتعاونه على باطل، فهذه المسائل أعذار في ترك الإجابة والحضور، وأما الأكل فغير واجب بل مستحب إن لم يكن صائما، وأما الصائم فسيأتي الكلام عليه، قال الإمام محيى السنة: قوله: \"شر الطعام طعام الوليمة\" فسماه شر الطعام على الغالب من أحوال الناس فيها فإنهم يدعون الأغنياء ويدعون الفقراء ولا جائز أن يقال إنه شر الطعام على الإطلاق فإن نبي الله -ﷺ- أمر بالوليمة وأمر بإجابة\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٤/ ٥٨٩).","vol":"9","page":426},{"text":"من يدعى إليها ومعاذ الله أن يأمر بما فيه شر أو دعو إلى ما يقرب من شر فكيف بما هو الشر المحض كذا في الميسر (^١) انتهى.\nقال النووي (^٢): فمعنى الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده -ﷺ- من مراعاة الأغنياء في الولائم ونحوها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم بطيب الطعام ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم، وكان بعض العلماء -﵃- لا يجيب في الوليمة أيضًا فقيل له: كان السلف يدعون فيجيبون فقال: كانوا يدعون للمواخاة والمواساة وأنتم اليوم تدعون للمباهاة والمكافأة.\nتنبيه: المقصود من الدعوة ابتغاء الألفة والمودة والنفوس جبلت على حب من أكرمها وقد حثهم النبي -ﷺ- على الإجابة لتتأكد الألفة وتصفو المودة فالإطعام بر للنفس يطفئ حرارة الحقد وينفى مكامن الغل، فالألفة إذا صلحت من ثلاثة وجوه تأكدت فالقلب يألف بالإيمان والروح تألف بطاعته والنفس من شأنها الشهوة واللذة فإذا برها صفت وصارت طوعا فندبه -ﷺ- إلى أن يقبل ذلك من أخيه كيلا يضيع كرامته ولا يجد الشيطان سبيلا إلى وسوسته بالشر وترك الإجابة مما يدل على الجفاء والاستهانة فهناك يجد العدو سبيلا (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) الميسر (٣/ ٧٦٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٣٧).\n(^٣) نوادر الأصول (٢/ ٤٧٢).","vol":"9","page":427},{"text":"٣٢٥٩ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من دعِي فَلم يجب فقد عصى الله وَرَسُوله وَمن دخل على غير دَعْوَة دخل سَارِقا وَخرج مغيرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم يُضعفهُ عَن درست بن زِيَاد وَالْجُمْهُور على تَضْعِيفه ووهاه أَبُو زرْعَة عَن أبان بن طَارق وَهُوَ مَجْهُول قَالَه أَبُو زرْعَة وَغَيره (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمر -﵄-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا\" الحديث، المغير اسم فاعل من غار يغير إذا نهب، شبه دخولهم عليهم بدخول السارق وخروجه بمن أغار على قوم ونهبهم (^٢)، قاله في النهاية.\n[ذكر] الحافظ المزي عن الحافظ أبي [بكر بن ثابت] بإسناده إلى نصر بن علي الجهضمي قال: كان جار طفيلي وكان من أحسن الناس منظرًا وأهذبهم منطقًا وأطيبهم رائحةً وأجملهم لباسًا فكان من شأنه أني إذا دعيت إلى مدعاة تبعني فيكرمه الناس من أجلي ويظنون أنه صاحب، فاتفق يوما أن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٧٤١)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٣٥٣)، ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، وابن عدي في الكامل ٢/ ٧٠، القضاعي في مسند الشهاب (٥٢٧ و٥٢٨ و٥٢٩)، والبيهقي في الآداب (٤٦٧) والكبرى (٧/ ١٠٨ رقم ١٣٤١٢) والشعب (١٢/ ١٥٢ - ١٥٣ رقم ٩٢٠٠ و٩٢٠١).\nقال ابن عدى: وأبان بن طارق هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث وهذا الحديث معروف به وله غير هذا الحديث لعله حديثين أو ثلاث وليس له أنكر من هذا الحديث. وقال الألباني: ضعيف، في الإرواء (١٩٥٤)، ضعيف الجامع (٥٥٧٩)، المشكاة (٣٢٢٢)، ضعيف الترغيب (١٣٠٢).\n(^٢) النهاية (٣/ ٣٩٤).","vol":"9","page":428},{"text":"جعفر بن القاسم الهاشمي أمير البصرة أراد أن يختن بعض أولاده فقلت في نفسي كأبي برسول الأمير قد جاء وكأني بهذا الرجل قد تبعني، ووالله لئن تبعني لأفضحنه فأنا على ذلك إذا جاء رسوله يدعوني فما زدت على أن لبست ثيابي وخرجت فإذا أنا بالطفيلي واقف على باب داره قد سبقني بالتأهب فتقدمت وتبعني فلما دخلنا دار الأمير جلسنا ساعة ودعي بالطعام وحضرت الموائد وكان كل جماعة على مائدة لكثرة الناس فقدمت إلى مائدة والطفيلي معي فلما مد يده ليتناول الطعام قلت: حدثني درست بن زياد عن إبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من دخل دار قوم بغير إذنهم دخل سارقًا وخرج مغيرًا\" فلما سمع ذلك الطفيلي قال: أنفت لك والله يا أبا عمرو من هذا الكلام فإنه ما من أحد من الجماعة إلا وهو يظن أنك تعرض به دون صاحبه أو تستحي أن تتكلم بهذا الكلام على مائدة سيد من أطعم الطعام وتبخل بطعام غيرك على سواك ثم لا تستحي أن تحدث عن درست وهو ضعيف عن إبان بن طارق وهو متروك الحديث تحكم برفعه إلى النبي -ﷺ- والمسلمون على خلافه لأن حكم السارق القطع وحكم المغير أن يعذب على ما يراه الإمام وأين أنت من حديث حدثناه أبو عاصم النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية\" وهو إسناد صحيح، قال نصر بن علي: فأفحمني فلم يحضرني جواب فما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي وراءي وسمعته يقول:","vol":"9","page":429},{"text":"ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن ... لا يصاب فقد ظن عجزا (^١)\nفائدة فقهية: التطفل حرام وهو الحضور من غير دعوة إلا إذا كان المتطفل بينه وبين صاحب الدار انبساط، والتطفل نسبة إلى طفيل رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يأتي الولائم من غير أن يدعا إليها فكان يقال له طفيل الأعراس، ويسمي عند العرب الوارش بالشين المعجمة، ذكره في هادي التنبيه.\n\n٣٢٦٠ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا دعِي أحدكُم إِلَى الْوَلِيمَة فليأتها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن عمر -﵄-، أيضًا اللوحة تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها\".\nتنبيه: سئل الفقيه أبو جعفر عن معنى قول النبي -ﷺ- \"من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم\" قال: قد فسره سفيان بن عيينة قال: كان بين القوم عداوة في الجاهلية في أول الإسلام يعني بين الأوس والخزرج فإذا لم يجب أحدهما الدعوة كان ذلك زيادة عداوة وفي الإجابة دفع العداوة وأما اليوم فإذا لم يكن هذا المعنى فإن أجاب فحسن وإن لم يجب فلا شيء عليه (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٨/ ٤٨٣ - ٤٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥١٧٣)، ومسلم (٩٦ و٩٧ - ١٤٢٩)، وأبو داود (٣٧٣٦)، والنسائي في الكبرى (٦٥٧٣)، وابن حبان (٥٢٩٤)، والبيهقي في الصغير (٣/ ٨٦ رقم ٢٥٨٠) والكبرى (٧/ ٤٢٦ رقم ١٤٥١٧)، والبغوي (٢٣١٣).\n(^٣) ذكره أبو الليث السمرقندي في بستان العارفين (ص ٣٤٥).","vol":"9","page":430},{"text":"٣٢٦١ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا دَعَا أحدكُم أَخَاهُ فليجب عرسا كَانَ أَو نَحوه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَة لمُسلم إِذا دعيتم إِلَى كرَاع فأجيبوه (^١).\nقوله: وعنه -﵁- تقدم.\nقوله ﷺ: \"إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه\" فإن دعي إلى وليمة عرس وجبت الإجابة وإن دعي إلى غيرها استحبت الإجابة.\nقوله -ﷺ- في رواية مسلم: \"إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوه\" وفي رواية: \"لو دعيت إلى كراع لأجبت\" أي: لأجبت الدعوة، والمراد بالكراع عند جماهير العلماء كراع الشاة والكراع ما دون الركبة من الشاة، وغلطوا من حمله على كراع الغميم بفتح الغين المعجمة وهو موضع بين مكة والمدينة على مراحل من المدينة من جهة مكة (^٢). وتقدم الكلام في الصيام فدل الحديث على حسن خلقه -ﷺ- وعلى تواضعه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٨ - ١٤٢٩) و(١٠٠ و١٠١ - ١٤٢٩)، وأبو داود (٣٧٣٨)، وأبو عوانة (٤٦٢٨) و(٤٦٣٣) و(٤٦٣٤).\nوأما حديث: \"إذا دعيتم إلى كراع\" أخرجه مسلم (١٠٤ - ١٤٢٩)، وأبو عوانة (٤٦٤٦ و٤٦٤٧)، وابن حبان (٥٢٩٠)، وأبو نعيم في المستخرج (٣٣٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٢٨ رقم ١٤٥٢٨) عن ابن عمر.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٣٥).","vol":"9","page":431},{"text":"٣٢٦٢ - وَعَن جَابر هُوَ ابْن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا دعِي أحدكُم إِلَى طَعَام فليجب فَإِن شَاءَ طعم وَإِن شَاءَ ترك رَوَا مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن جابر -﵁-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك\" وفي الرواية الأخرى \"فليجب، فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم\" (^٢) الحديث، فليطعم بفتح الياء آخر الحروف وسكون الطاء المهملة وفتح الغين المهملة، يقال طعم يطعم طعاما فهو طاعم إذا أكل أو ذاق، ومثال غنم يغنم فهو غانم، تقدم الكلام على الإجابة وعلى الأكل في أول الباب.\nواختلفوا في معنى \"فليصل\"، فقال الجمهور معنا: فليدع لأهل الطعام أو لأهل المنزل بالمغفرة والبركة والخير ونحو ذلك، ومنه الحديث: \"الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة\" (^٣) الحديث، وأصل الصلاة في اللغة الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ﴾ (^٤) أي: ادع لهم، وقيل:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٥ - ١٤٣٠)، وأبو داود (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٧٥١)، والنسائي في الكبرى (٦٥٧٥)، وابن حبان (٥٣٠٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٦ - ١٤٣١)، وأبو داود (٢٤٦٠)، والترمذي (٧٨٠)، وابن حبان (٥٣٠٦) عن أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه أحمد ٦/ ٣٦٥ (٢٧٧٠١)، والترمذي (٧٨٤)، وابن خزيمة (٢١٤٠)، عن أم عمارة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٣٢).\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.","vol":"9","page":432},{"text":"المراد الصلاة الشرعية بالركوع والسجود أي يشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها، وأما المفطر ففي الرواية الثانية الأمر بالأكل فهو مخير، واختلف العلماء في ذلك والأصح من مذهبنا أنه لا يجب الأكل لا في وليمة العرس ولا في غيرها، فمن أوجبه اعتمد على قوله في الرواية: \"فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم\" ومن لم يوجبه اعتمد التصريح بالتخيير في الراوية الأولى وحمل الأمر على الندب، وفي راوية: \"إذا دعي أحدكم إلى وليمة وهو صائم فليقل إني صائم\" (^١).\nففيه (^٢): أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادات من الصلاة والصوم وغيرهما إذا دعت الحاجة إليه، ولا يستحب إخفاؤها، وفيه إشارة إلى حسن المعاشرة وتقديم حق الإخوة وحسن الاعتذار وقبول العذر، أ. هـ، قاله في شرح الإلمام.\nوإذا قيل بوجوب الأكل في الوليمة فأقله لقمة ولا يلزمه الزيادة لأنه يسمي أكلا ولهذا لو حلق لا يأكل نحث بلقمة ولأنه قد يتخيل صاحب الطعام أن امتناعه لشبهة يعتقدها في الطعام فإذا أكل لقمة زال ذلك التخيل هكذا صرح باللقمة جماعة من أصحابنا، وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل لكن إن كان صومه فرضا لم يجز له الأكل لأن الفرض لا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٩ - ١١٥٠)، وأبو داود (٢٤٦١)، والترمذي (٧٨١)، وابن ماجه (١٧٥٠)، عن أبي هريرة. وما سبق من كلام النووي في شرحه على مسلم (٩/ ٢٣٦).\n(^٢) هذا كلام النووي كما في شرح مسلم (٨/ ٢٨).","vol":"9","page":433},{"text":"يجوز الخروج منه وإن كان نفلا جاز الفطر وتركه وغن كان يشق عليه على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم والله أعلم (^١).\nوفي هذا الحديث أن الصوم ليس بعذر في حال الإجابة، وفي الحديث أيضًا عن سعيد مولي أبي هند أن مطرفا من بني عامر بن صعصعة حدثه أن عثمان بن أبي العاص الثقفي دعا له بلبن يسقيه فقال مطرف: إني صائم، الحديث رواه النسائي (^٢)، كذلك يسن للإنسان إذا كان صائما أن يقول ذلك ففي صحيح مسلم وغيره أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم\" فيقول ذلك اعتذارا للداعي وإعلاما بحاله، فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور (^٣).\nوليس الصوم عذرا في إجابة الدعوة لكن إذا حضر لم يلزمه الأكل ويكون الصوم عذرا في ترك الأكل بخلاف المفطر فإن يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا، قال الأصحاب: والأفضل إن كان يشق على صاحب الطعام\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢ (١٦٥٣٦) و٤/ ٢١٧ (١٨١٨٦) و٤/ ٢١٨ (١٨١٩٢)، وابن ماجه (١٦٣٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٢٩٩ (٢٢٤٨) و٤/ ٣٠٠ (٢٢٤٩) و٤/ ٣٠١ (٢٢٥٠) والكبرى (٢٥٥١) و(٢٥٥٢) و(٢٥٥٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد (١٥٤٣)، والروياني (١٥٢٢)، وابن خزيمة (٢١٢٥)، وابن حبان (٣٦٤٩)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٩٤ - ١٩٥ رقم ٣٢٩٥). وصححه الألباني.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٨).","vol":"9","page":434},{"text":"صومه يستحب الفطر وإلا فلا هذا إذا كان صوما تطوعا فإن كان صوما واجبا حرم الفطر (^١)، أ. هـ.\nفإن قيل: ما فائدة حضور الصائم؟ قلت: قد يريد صاحب الوليمة حضوره وإن لم يأكل فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجملون به وينتفعون بدعائه أو بإشارته أو ينصانون عما لا ينصانون عنه في غيبته والله أعلم ذكره النووي (^٢).\n\n٣٢٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس رد السَّلَام وعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَإجَابَة الدعْوَة وتشميت الْعَاطِس رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض وإتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس\"، أما رد السلام فهو فرض بالإجماع، فإن كان السلام على واحد كان الرد فرض عين عليه، وإن كان على جماعة كان فرض كفاية في حقهم إذا رد أحدهم سقط الحرج عن الباقين، وأما إفشاء السلام فهو سنة، وإفشاؤه: هو إشاعته وإكثاره وأن يبذله\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٣٦ - ٢٣٧).\n(^٢) المصدر السابق (٩/ ٢٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٤ و٥ - ٢١٦٢)، وأبو داود (٥٠٣٠)، والترمذي (٢٧٣٧)، وابن ماجه (١٤٣٥)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٨٦ (١٩٥٤) والكبرى (٢٠٧٦).","vol":"9","page":435},{"text":"لكل مسلم كما قال النبي -ﷺ- في الحديث الآخر: \"وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" (^١)، وأما عيادة المريض فسيأتي ذلك في بابه، وأما إتباع الجنائز فسيأتي ذلك في كتاب الجنائز، وأما إجابة الدعوة فهو المذكور في هذا الباب، والمراد به: الداعي إلى وليمة ونحوها من الطعام وتقدم التفصيل في ذلك في الأحاديث المتقدمة في الباب، وأما تشميت العاطس فعن أنس بن مالك قال: عطس رجلان عن النبي -ﷺ- فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال: \"إن هذا حمد الله تعالى وإن هذا لم يحمد الله تعالى\" رواه الجماعة إلا النسائي (^٢)، وأجمعت الأمة على أن التشميت وهو قوله للعاطس يرحمك الله مشروع، ثم اختلفوا في إيجابه فأوجبه أهل الظاهر وابن مريم من المالكية على كل من سمعه لظاهر قوله في الحديث الآخر: \"فحق على من سمعه أن يشمته\" (^٣) قال القاضي عياض: والمشهور من مذهبه أنه فرض كفاية وبه قال جماعة من العلماء كرد السلام، ومذهب الشافعي وآخرين وأصحابه أنه سنة وأدب وليس بواجب، وحملوا الحديث على الندب والأدب كقوله ﵇: \"حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام\" (^٤)، واختلفوا في رد العاطس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢) و(٢٨) و(٦٢٣٦)، ومسلم (٦٣ - ٣٩)، وأبو داود (٥١٩٤)، وابن ماجه (٣٢٥٣)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٣١ (٥٠٤٤) عن عبد الله بن عمرو.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٢١) و(٦٢٢٥)، ومسلم (٥٣ - ٢٩٩١)، وأبو داود (٥٠٣٩)، والترمذي (٢٧٤٢)، وابن ماجه (٣٧١٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٢٢٣) و(٦٢٢٦)، والترمذي (٢٧٤٧) عن أبي هريرة.\n(^٤) أخرجه البخاري (٨٩٧ و٨٩٨) و(٣٤٨٧)، ومسلم (٩ - ٨٤٩) عن أبي هريرة.","vol":"9","page":436},{"text":"فقيل يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيلَ: يقول يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يخير بين هذين هذا هو الصواب فقد صحت الأحاديث بهما، قال: ولو تكرر العطاس فقال مالك يشمته ثلاثا ثم يسكت (^١) وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه، والله تعالى أعلم.\n\n٣٢٦٤ - وَعَن عِكْرِمَة -﵁- قَالَ كانَ ابْن عَبَّاس -﵄- يَقُول إِن النَّبِي -ﷺ- نهى عَن طَعَام المتباريين أَن يُؤْكَل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَكثر من رَوَاهُ عَن جرير لَا يذكر فِيهِ وَابْن عَبَّاس يُرِيد أَن أَكثر الروَاة أَرْسلُوهُ قَالَ الْحَافِظ الصَّحِيح أَنه عَن عِكْرِمَة عَن النَّبِي -ﷺ- مُرْسل المتباريان هما المتماريان المتباهيان (^٢).\nقوله: وعن عكرمة -﵁- عكرمة (^٣): هو مولى ابن عباس، هو: أبو عبد الله فكرمة مولى ابن عباس الهاشمي المدني، أصله بربري من بلاد المغرب وهو من كبار التابعين، سمع الحسن بن علي وأبا قتادة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، قال ابن معين: فكرمة ثقة، قال: وإذا رأيت من يتكلم في عكرمة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٧)، وأبو داود (٣٧٥٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٤٠ رقم ١١٩٤٢)، وابن عدى (٢/ ٢٧٠)، والحاكم (٤/ ١٢٨ - ١٢٩)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٨١ رقم ٥٦٦٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٢٢٢، الخطيب في تاريخ بغداد ٤/ ٣٩٢. قال أبو داود: \"أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس\"، وهارون النحوي، ذكر فيه ابن عباس، أيضا وحماد بن زيد، لم يذكر ابن عباس. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٥٨)، والصحيحة (٦٢٧).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤١ ترجمة ٤٢١).","vol":"9","page":437},{"text":"فاتهمه على الإسلام، وقال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بكلمة فيفتح لي خمسون بابا من العلم، وقال أبو حاتم: أعلا موالى ابن عباس عكرمة، وأدخله أصحاب الصحاح صحاحهم، وقال البيهقي: روى له البخاري ومسلم، توفي سنة أربع ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في صلاة التسبيح.\nقوله: كان ابن عباس -﵄- يقول إن النبي -ﷺ- نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل، الحديث، المتباريان هما المتماريان المتباهيان قاله الحافظ، وقال أبو سليمان الخطابي ﵀: المتباريان هما المتعارضان بفعليهما يقال تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل فهل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، قال ابن مسعود: نهينا أن نجي دعوة من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة، قاله في الديباجة، وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهى عنه من أكل المال بالباطل، أ. هـ، ذكره صاحب المغيث، وفي حديث ابن عباس: \"لا تأكلوا من معاقر الأعراب فإني لا آمن أن يكون مما أهل به لغير الله\" هو عقرهم الإبل كان يتباري الرجلان في الجود والسخاء فيعقر هذا إبلا ويعقر هذا إبلا حتى يعجز أحدهما الآخر، وكانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرا ولا يقصدون به وجه الله تعالى فشبهه بما ذبح لغير الله تعالى.\nفائدة: الفرزدق الشاعر اسمه همام بن غالب، كان أبو غالب رئيس قومه فأصاب أهل الكوفة مجاعة فعقر غالب لأهل ناقة وصنع منها طعاما وأهدى","vol":"9","page":438},{"text":"قومه من بني تميم جفانا من ثريد ووجه جفنة منها إلى سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه فكفأها سحيم وضرب الذي أتى بها، فقال: أنا مفتقر إلى طعام غالب إذ نحر ناقة نحرت أنا أخرى فوقعت [المعاقرة] بينهما وعقر سحيم لأهله ناقتلة فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين فعقر سحيم أهله ناقتين فلما كان اليوم الثالث عقر غالب ثلاثا فعقر سحيم لأهله ثلاثا فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة فلم يكن عند سحيم هذا القدر فلم يعقر شيئا وأسرها في نفسه فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر هل نحرت مثل ما نحر وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين فاعتذر بأن إبله كانت غائبة وعقر ثلاثمائة ناقة، وقال للناس: شأنكم والأكل وكان ذلك في خلافة علي بن أبي طالب فاستفتى في حل الأكل منها فقضي بحرمتها وقال: هذه ذبحت لغير مأكلة ولم يكن المقصود منها إلا المفاخرة والمباهاة فألقيت لحومها على كناسة الكوفة فأكلتها الكلاب والعقبان والرخم، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (^١).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"9","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>[الترغيب في لعق الأصابع قبل مسحها لإحراز البركة]</span>\n٣٢٦٥ - عَن جَابر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- أَمر بلعق الْأَصَابعِ والصحفة وَقَالَ إِنَّكُم لَا تَدْرُونَ فِي أَي طَعَامكُمْ الْبركَة رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: عن جابر -﵁- تقدم.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- أمر بلعق الأصابع والصحفة، تقدم أن الصحفة دون القصعة وهي ما تسع ما يشبع الخمسة ونحوهم، وقيل: الصحفة كالقصعة، وجمعها صحاف.\nقوله: وقال \"إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة\" الحديث معناه والله أعلم أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة ولا يدري أن تلك البركة فيما أكل أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل له البركة، وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به، والمراد هنا والله أعلم ما تحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى ويقوي على طاعة الله تعالى وغير ذلك (^٢).\nفائدة: وقد عابه قوم أفسد عقولهم الترفه وغير طباعهم الشبع والتخمة وزعموا أن لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠١ (١٤٤٤١) و٣/ ٣٩٣ (١٥٤٥٧)، ومسلم (١٣٣ - ٢٠٢٣)، وابن ماجه (٣٢٧٠)، والنسائي في الكبرى (٦٧٣٦)، وأبو عوانة (٨٧١١)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٩٦٤)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٤٢ رقم ٥٤٧١) و(٨/ ٤٠ رقم ٥٤٧٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٠٦).","vol":"9","page":440},{"text":"علق بالأصابع أو بالصحفة جزء من أجزاء الطعام الذي قد أكلوه وازدردوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه المأكولة مستقذرة لم يكن هذا الجزء اليسير منه الباقي في الصحفة واللاصق بالأصابع مستقذرا لذلك، وإذا ثبت هذا فليس [بعده شئ] أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه وهو مما لا يعلم عاقل فيه بأسًا إذا كان الماس والممسوس جميعا طاهرين نظيفين، وقد يتمضمض الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه فلم ير أحد ممن يعقل أنه قذارة أو سوء أدب فكذلك هذا لا فرق بينهما في منظر [حس] أو مخبر عقل (^١) انتهي، قاله في الديباجة.\n\n٣٢٦٦ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا وَقعت لقْمَة أحدكُم فليأخذها فليمط مَا كَانَ بهَا من أَذَى وليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَان وَلَا يمسح يَده بالمنديل حَتَّى يلعق أَصَابعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أَي طَعَامه الْبركة رَوَاهُ مُسلم (^٢).\nقوله: وعنه -﵁- تقدم.\nقوله: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا وقعت لقمة أحدكم\" الحديث، أما \"يميط\" فبضم الياء وكسر الميم ومعناه: يزيل وينحي، فيستحب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها، والمراد بالأذى هنا المستقذر من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك، هذا إذا لم تقع على موضع نجس فإن وقعت على\n_________\n(^١) قاله الخطابي معالم السنن (٤/ ٢٦٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٦٥ (١٥١٦٨)، وعبد بن حميد (١٠٦٧)، ومسلم (١٣٤ - ٢٠٣٣)، والنسائي في الكبرى (٦٧٤٦)، وأبو يعلى (٢٢٤٦)، وأبو عوانة (٨٧١٨).","vol":"9","page":441},{"text":"موضع نجس تنجست ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر تطهيرها أطعمها حيوانا أي هرة أو كلبا، ولا يدعها للشيطان والله أعلم (^١).\nتنبيه: وإنما قال: \"ولا يدعها للشيطان\" لأن فيه إضاعة نعمة الله والاستحقار بها من غير ما بأس ثم إنه من خلاق المتكبرين وذلك من عمل الشيطان (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه\" سيأتي الكلام على لعق الأصابع، وأما المنديل فمعروف وهو بكسر الميم.\nقوله: \"فإنه لا يدري في أي طعامه البركة\" وتقدم الكلام على معنى البركة في الحديث قبله والله أعلم.\nتنبيه: روى عنه -ﷺ- أنه قال: \"لا تجعلوا المنديل الذي تمسحون به أيديكم من الغمر في بيوتكم الذي تبيتون فيه ولا القمامة التي تقم من النهار فإنهما مقعد الشيطان\" (^٣) ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده، والمراد بالغمر ما يكون في اليد من ريح الطعام والزفر، والمراد بالقمامة الكناسة.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٠٤).\n(^٢) الميسر في شرح المصابيح (٢/ ٩٥٢) للتوربشتي.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٨٢٥)، وعبد بن حميد (١١٠٨)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، وابن عدى في الكامل (٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥) من طريق حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما.\nقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح والمتهم به حرام قال مالك والنسائي ليس بثفة وقال الفلاس متروك الحديث وقال الشافعي ويحيى والسعدي الحديث عن حرام حرام. وقال الألباني في الضعيفة (١٨٤١): ضعيف جدا.","vol":"9","page":442},{"text":"٣٢٦٧ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الشَّيْطَان ليحضر أحدكُم عِنْد كل شَيْء من شَأْنه حَتَّى يحضرهُ عِنْد طَعَامه فَإِذا سَقَطت لقْمَة أحدكُم فليأخذها فليمط مَا كانَ بهَا من أَذَى ثمَّ ليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَان فَإِذا فرغ فليلعق أَصَابِعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أَي طَعَامه الْبركَة رَوَاهُ مسلم وَابْن حبَان في صَحِيحه وَقَالَ فَإِن الشَّيْطَان يرصد النَّاس أَو الْإِنْسَان على كل شَيْء حَتَّى عِنْد مطعمه أَو طَعَامه وَلَا يرفع الصحفة حَتَّى يلعقها أَو يلعقها فَإِن آخر الطَّعَام الْبركَة (^١).\nقوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الشيطان ليحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه\" الحديث، فيه: التحذر منه والتنبيه على ملازمته للإنسان في تصرفاته فينبغي أن يتأهب ويتحرز منه ولا يغتر بما يزينه له، ففي هذه الأحاديث أنواع من سنن الأكل منها: استحباب لعق اليد محافظة على البركة وتنظيفها لها، واستحباب الأكل بثلاث أصابع ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر بأن يكون مرقا وغيره مما لا يمكن بثلاث وغير ذلك من الأعذار (^٢).\nومما يدل على ذلك قال النووي: روينا من حديث كعب بن مالك قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها، رواه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٥ - ٢٠٣٣)، وابن حبان (٥٢٥٣)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٤٠ رقم ٥٤٦٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٠٣ - ٢٠٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣١ - ٢٠٢٣).","vol":"9","page":443},{"text":"واستحباب لعق القصعة وغيرها، واستحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح أذى يصيبها وتقدم الكلام على ذلك، ومنها: إثبات الشياطين وأنهم يأكلون حقيقة وتقدم الكلام على ذلك أيضًا، ومنها: جواز مسح اليد بالمنديل لكن السنة أن يكون بعد لعقها (^١).\nقوله: في رواية ابن حبان \"ولا يرفع الصحفة حتى يلعقها\" الحديث.\nفائدة: وعن أم [عاصم] قالت: [دخل علينا] نبيشة مولى رسول الله -ﷺ- ونحن نأكل في قصعة فقال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصعة\" رواه الترمذي (^٢).\nوفي مسند البزار في هذا الحديث زيادة حسنة وهي \"استغفرت له القصعة فيقول: اللهم أجره من النار كما أجارني من لعق الشيطان\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٠٣ - ٢٠٦).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٧/ ٥٠ - ٥١ و٥١، وابن أبي شيبة في المسند (٧٦١)، وأحمد ٥/ ٧٦ (٢١٠٥٥)، والدارمي (٢٠٢٧)، والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ١٢٧ - ١٢٨، وابن ماجه (٣٢٧١) و(٣٢٧٢)، والترمذي (١٨٠٤)، وابن أبي حيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ١/ ٥٧٨ (٢٤٠٤)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ٤٧)، والدولابي في الكنى (٢١٠٤)، والبيهقي في الآداب (٤٠٦) والشعب (٨/ ٤٣ رقم ٥٤٧٣)، والبغوى (٢٨٧٧). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث المعلى بن راشد، وقد روى يزيد بن هارون، وغير واحد من الأئمة، عن المعلى بن راشد هذا الحديث. وضعفه الألباني: المشكاة (٤٢١٨/ التحقيق الثاني)، ضعيف الجامع (٥٤٧٨).\n(^٣) أخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٥٤٦) من طريق محمد بن مقاتل الرازي، عن أبي العباس جعفر بن هارون الواسطي، عن سمعان بن المهدي، عن أنس بن مالك، عن النبي -ﷺ- قال: إذا لعق الرجل القصعة استغفرت له القصعة فتقول: اللهم أعتقه =","vol":"9","page":444},{"text":"ونبيشة هذا يقال له نبيشة الخير (^١) وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث وأن له أربعة أحاديث هذا أحدها والله أعلم.\n\n٣٢٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا أكل أحدكُم فليلعق أَصَابِعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أيتهن الْبركَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\nقوله: وعن [أبي هريرة] أنس -﵁- تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيتهن البركة\" هكذا هو في معظم الأصول وفي بعضها: \"فإنه لا يدري أيتهما البركة\" وكلاهما صحيح، أما رواية: \"في أيتهما\" فظاهر وأما رواية \"لا يدري أيتهن البركة\" فمعناه أيتهن صاحبة البركة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والله أعلم (^٣).\n_________\n= من النار كما أعتقني من يد الشيطان.\nوسمعان بن مهدي قال الذهبي فيه: لا يكاد يعرف، ألصقت به نسخة مكذوبة رأيتها، قبّح الله من وضعها، وقال ابن حجر: وهي من رواية محمد بن مقاتل عن جعفر بن هارون الواسطي، عن سمعان فذكر النسخة وهي أكثر من ثلاثمائة حديث أكثر متونها موضوعة. ميزان الاعتدال: ٢/ ٢٣٤، لسان الميزان: ٣/ ١١٤.\n(^١) ترجمته: الاستيعاب: ٤/ ٢٦٥٢، وأسد الغابة ٥/ ٥١٩٨، وتهذيب الكمال ٢٩/ ٦٣٨٠، والإصابة ٣/ ٨٦٨٠.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٤١ (٨٦١٥) و٢/ ٤١٥ (٩٤٩٣)، ومسلم (١٣٧ - ٢٠٣٥)، والترمذي (١٨٠١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سهيل. وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث عبد العزيز من المختلف لا يعرف إلا من حديثه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٦٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢٠٧).","vol":"9","page":445},{"text":"٣٢٦٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا أكل أحدكُم طَعَاما فَلَا يمسح أَصَابِعه حَتَّى يلعقها أَو يلعقها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها\" يلعقها: بفتح حرف المضارعة أي يلحسها، ففيه استحباب لعق اليد محافظة على ترك الطعام وتنظيفا واستنبط من استحباب لحس الإناء ولقط اللباب الذي يتساقط حول المائدة، وقد ورد في استحباب ذلك أحاديث والله أعلم (^٢).\nوقوله: \"أو يلعقها\" بضم حرف المضارعة ومعنى الحديث والله أعلم: لا يمسح يده حتى يلعقها يعني الأكل فإن لم يفعل فحتى يلعقها غيره مما لا يتقذر ذلك كزوجة وجارية وولد وخادم يحبونه ويلتذون بذلك ولا يتقذرونه وكذا من في معناهم كتلميذ يعتقد بركة شيخه ويود التبرك بلعقها وكذا لو ألعقها شاة ونحوها والله أعلم، والحديث تعليم لأمته أدب الأكل وأخلاقه الشريفة، فإن من فعل ذلك برئ من الكبر والله أعلم.\nتتمة: قال في الإحياء في القسم الثالث (^٣): يستحب أن يلتقط فتات الطعام قال ﵇ \"من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده\" رواه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٥٦)، ومسلم (١٢٩ و١٣٠ - ٢٠٣١)، وأبو داود (٣٨٤٧)، وابن ماجه (٣٢٦٩).\n(^٢) آداب الأكل (ص ٣٨ - ٣٩) للأقفهسى.\n(^٣) إحياء علوم الدين (٢/ ٣٧٢).","vol":"9","page":446},{"text":"أبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث جابر بلفظ: \"أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف عن ولده الحمق\" وله من حديث الحجاج بن علاط: \"اعطي سعة ورقي الحمق في ولده وولد ولده\"، والتقاط الفتات مهر الحور العين، وليشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ (^١) ومهما أكل حلالا قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات اللهم أطعمنا طيبا واستعملنا صالحا، وإن أكل شبهة فليقل: الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك، ويقرأ بعد الطعام: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، ولا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولًا، فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل: اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته وشر له أن يفعل فيه خيرا وقنعه بما أعطيته واجعلنا وإياه من الشاكرين، وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة، وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفيء [بدموعه] ندمه وحزنه حر النار التي تعرض لها لقوله -ﷺ-: \"كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به\" رواه البيهقي في الشعب من حديث كعب بن عجرة بلفظ: \"سحت\" وهو عند الترمذي وحسنه قاله في الديباجة.\nخاتمة: قال أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (^٢): أربع خصال في الطعام فريضة وأربع سنة وأربع أدب واثنان دواء واثنان مكروه، فأما الأربع\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.\n(^٢) بستان العارفين (١/ ٤١٨).","vol":"9","page":447},{"text":"التي هي فريضة، فالأولى: أن لا يأكل إلا من الحلال، الثانية: أن يعلم أنه من الله، الثالثة: أن يكون راضيا به، الرابعة: أن لا يعصي الله تعالى ما دام قوة الطعام فيه، وأما الأربع التي هي سنة، الأولى: أن يسمي الله تعالى في الابتداء، الثانية: أن يحمده في الانتهاء، الثالثة: أن يغسل يده قبل الأكل وبعده، والرابع يثني رجله اليسرى وينصب اليمنى عند الجلوس للأكل، وأما الأربعة التي هي أدب أولها أن يأكل مما يليه، الثاني: أن يصغر اللقمة، الثالث: أن يمضغ مضغا ناعما، الرابع: أن لا ينظر إلى لقمة غيره، وأما اللذان فيهما دواء أحدهما أن يأكل ما يسقط من المائدة، الثاني أن يلعق القصعة، وأما اللذان هما مكروه ونهي عنهما أن لا يشم الطعام ولا ينفخ فيه فيتركه حتى يبرد، أهـ.","vol":"9","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>[الترغيب في حمد الله تعالى بعد الأكل]</span>\n٣٢٧٠ - عَن معَاذ بن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من أكل طَعَاما ثمَّ قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي هَذَا الطَّعَام ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم من طَرِيق عبد الرَّحِيم أبي مَرْحُوم عَن سهل بن معَاذ وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا (^١).\nقوله: عن معاذ بن أنس -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه\" المراد بذلك دون الكبائر، فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله سبحانه وتعالي، وتقدم له نظائر في الصلاة، وفي الوضوء والله أعلم.\nوتقدم في باب من لبس ثوبا جديدا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٩ (١٥٨٧٢)، ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٧، والبخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٣٦٠ - ٣٦١، وابن ماجه (٣٢٨٥)، وأبو داود (٤٠٢٣)، والترمذي (٣٤٥٨)، وأبو يعلى (١٤٨٨) و(١٤٩٨)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٨١ (٣٨٩)، وابن السنى في اليوم والليلة (٤٦٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٧) و(٤/ ١٩٢ - ١٩٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وأبو مرحوم اسمه: عبد الرحيم بن ميمون. وصححه الحاكم وقال الذهبي: أبو مرحوم ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٤٢) و(٢١٤٦).","vol":"9","page":449},{"text":"من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو كذلك في كتاب سلاح المؤمن (^١) أيضًا أتى في لفظ: \"وما تأخر\" في اللبس، ولم يأت في الأكل، وكأنه والله أعلم لدوام نفع اللبس بخلاف الطعام فإنه سريع الاستخلاف لكن ظاهر هذا الحديث أنه كلما لبس ثوبا قاله سواء كان الثوب جديدا أو معتاد اللبس، وهذا فيه بشرى عظيمة لقائل ذلك، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٢٧١ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله ليرضى عَن العَبْد أَن يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه الْأكلَة بِفَتْح الْهمزَة الْمرة الْوَاحِدَة من الْأكل وَقيل بِضَم الْهمزَة وَهِي اللُّقْمَة (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها\" قال الحافظ: الأكلة بفتح الهمزة المرة الواحدة من الأكل، وقيل: بضم الهمزة وهي اللقمة، أ. هـ، وقال غيره هي الغدوة أو العشي، ويحتمل هنا الوجهان الفتح الضم ورجح بعضهم هنا الفتح وقال\n_________\n(^١) سلاح المؤمن (ص ٣٩٧ رقم ٧٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٩ - ٢٧٣٤)، والترمذي (١٨١٦) والنسائي في الكبرى (٦٨٧٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد رواه غير واحد عن زكريا بن أبي زائدة نحوه، ولا نعرفه إلا من حديث زكريا بن أبي زائدة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٦٥)، الصحيحة (١٦٥١).","vol":"9","page":450},{"text":"عياض (^١): بعد حكاية الوجهين الضم اللقمة وبالفتح الأكل [والأوجه] هنا الضم، قال أبو عبيد: والأكلة بال [ضم] وبالكسر [الغيبة] والأكلة بالهمز وبالكسر الهيئة، أ. هـ، يقال: إنه [أكل] أكلة وإكلة، قال العلماء: من السنة أن يحمد الله تعالى إذا فرغ من الطعام ولا يرفع صوته بالجهر إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل فيشرع ذكر الله تعالى على الأكل والشرب في الطعام فإن المشروع في الأكمل والشرب أن يسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره لهذا الحديث المذكور وهو حديث أنس، وقد روى أن من سمى الله على أول طعامه وحمد الله على آخره فقد أدى ثمنه ولم يسأل بعد عن شكره ذكره ابن رجب (^٢).\nتنبيه: فإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابا على ذلك، كما إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوي على العمل كان نومه عبادة، قال أبو العالية: الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدا وإن كان نائما على فراشه، قال: فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي ذكره ابن رجب أيضًا (^٣).\n\n٣٢٧٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ خرج أَبُو بكر بالهاجرة إِلَى الْمَسْجِد فَسمع عمر فَقَالَ يَا أَبَا بكر مَا أخرجك هَذِه السَّاعَة قَالَ مَا أخرجني إِلَّا مَا أجد من\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٣٠).\n(^٢) لطائف المعارف (ص ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ١٥٧).","vol":"9","page":451},{"text":"حاق الْجُوع قَالَ وَأَنا وَالله مَا أخرجني غَيره فَبَيْنَمَا هما كَذَلِك إِذْ خرج عَلَيْهِمَا رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ مَا أخرجكما هَذِهِ السَّاعَة قَالَا وَالله مَا أخرجنَا إِلَّا مَا نجده فِي بطوننا من حاق الْجُوع قَالَ وَأَنا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أخرجني غَيره فقوما فَانْطَلقُوا حَتَّى أَتَوا بَاب أبي أَيُّوب الْأَنصَارِيّ وَكَانَ أَبُو أَيُّوب يدّخر لرَسُول الله -ﷺ- طَعَاما كَانَ أَو لَبَنًا فَأَبْطأَ عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ فَلم يَأتِ لحينه فأطعمه لأَهله وَانْطَلق إِلَى نخله يعْمل فِيهِ فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى الْبَاب خرجت امْرَأَته فَقَالَت مرْحَبًا بِنَبِي الله -ﷺ- وبمن مَعَه قَالَ لهَا نَبِي الله -ﷺ- أَيْن أَبُو أَيُّوب فَسَمعهُ وَهُوَ يعْمل فِي نخل لَهُ فجَاء يشْتَد فَقَالَ مرْحَبًا بِنَبِي الله -ﷺ- وبمن مَعَه يَا نَبِي الله لَيْسَ بالحين الَّذِي كنت تَجِيء فِيهِ فَقَالَ -ﷺ- صدقت قَالَ فَانْطَلق فَقطع عذقا من النّخل فِيهِ من كل من التَّمْر وَالرّطب والبسر فَقَالَ -ﷺ- مَا أردْت إِلَى هَذَا أَلا جنيت لنا من تمره قَالَ يَا رَسُول الله أَحْبَبْت أَن تَأْكُل من تمره ورطبه وبسره ولأذبحن لَك مَعَ هَذَا قَالَ إِن ذبحت فَلَا تذبحن ذَات در فَأخذ عنَاقًا أَو جديا فذبحه وَقَالَ لامْرَأَته اخبزي واعجني لنا وَأَنت أعلم بالخبز فَأخذ نصف الجدي فطبخه وشوى نصفه فَلَمَّا أدْرك الطَّعَام وَوضع بَين يَدي النَّبِي -ﷺ- وَأَصْحَابه أَخذ من الجدي فَجعله فِي رغيف وَقَالَ يَا أَبَا أَيُّوب أبلغ بِهَذَا فَاطِمَة فَإِنَّهَا لم تصب مثل هَذَا مُنْذُ أَيَّام فَذهب أَبُو أَيُّوب إِلَى فَاطِمَة فَلَمَّا أكلُوا وشبعوا قَالَ النَّبِي -ﷺ- خبز وَلحم وتمر وَبسر وَرطب ودمعت عَيناهُ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن هَذَا هُوَ النَّعيم الَّذِي تسْأَلُون عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة فَكبر ذَلِك على أَصْحَابه فَقَالَ بل إِذا أصبْتُم مثل هَذَا فضربتم بِأَيْدِيكُمْ فَقولُوا بِسم الله فَإِذا شبعتم فَقولُوا الْحَمد لله الَّذِي أشبعنا وأنعم علينا فأفضل فَإِن هَذَا كفاف بِهَذَا فَلَمَّا نَهَضَ قَالَ لأبي أَيُّوب ائتنا غَدا وَكَانَ لَا يَأْتِي أحد إِلَيْهِ مَعْرُوفا إِلَّا أحب أَن","vol":"9","page":452},{"text":"يجازيه قَالَ وَإِن أَبَا أَيُّوب لم يسمع ذَلِك فَقَالَ عمر -﵁- إِن النَّبِي -ﷺ- يَأْمُرك أَن تَأتيه غَدا فَأَتَاهُ من الْغَد فَأعْطَاهُ وليدته فَقَالَ يَا أَبَا أَيُّوب اسْتَوْصِ بهَا خيرا فَإنَّا لم نر إِلَّا خيرا مَا دَامَت عندنَا فَلَمَّا جَاءَ بهَا أَبُو أَيُّوب من عِنْد رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا أجد لوَصِيَّة رَسُول الله -ﷺ- خيرا لَهُ من أَن أعْتقهَا فَأعْتقهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة عبد الله بن كيسَان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس (^١).\nحاق الْجُوع بحاء مُهْملَة وقاف مُشَدّدَة هُوَ شدته وكلبه.\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله: خرج أبو بكر بالهاجرة إلى المسجد، الحديث، الهاجرة هي شدة الحر نصف النهار عقب الزوال، قيل: سميت هاجرة من الهجر وهو الترك لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون فيه وهو استحباب المبادرة بالصلاة أول الوقت قاله النووي في شرح مسلم (^٢).\nقوله: فسمع بذلك عمر -﵁-، فقال: يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: ما أخرجني إلا ما أجد من حاق الجوع، قال: وأنا والله ما أخرجني\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٥٢١٦)، والطبراني في الصغير (١/ ١٢٤ - ١٢٥ رقم ١٨٥) والأوسط (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦ رقم ٢٢٤٧) ومن طريقه الضياء في المختارة ١٢/ ١٢١ - ١٢٤ (١٤٧ و١٤٨ و١٤٩)، والحاكم مختصرا (٤/ ١٠٧). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٨: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه عبد الله بن كيسان المروزي، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٠٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٤٥).","vol":"9","page":453},{"text":"غيره، حاق الجوع: هو شدته وكلبه، قاله الحافظ، وقال في النهاية (^١): حاق الجوع أي صادقه وشدته ويروي بالتخفيف من حاق يحيق حيقا وحاقا إذا أحدق يريد من اشتمال الجوع عليه فهو مصدر أقامه مقام الاسم وهو مع التشديد اسم فاعل من حق يحق، أ. هـ.\nقوله: فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله -ﷺ- فقال: \"ما أخرجكما هذه الساعة؟ \" قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من حاق الجوع، معناه: أنهما -﵄- لما كانا عليه من مراقبة الله ولزوم طاعته والاشتغال به فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ويقلقهما ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة وتمام التلذذ بها سعيا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح يدفعانه به وهذا من أكمل الطاعالت وأكمل أنواع المراقبات، وقد نهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين وبحضرة الطعام تشوق النفس إليه وغير ذلك مما يشغل القلب، ونهي القاضي عن القضاء في حال غضبه وجوعه وهمه وغير ذلك مما يشغل قلبه ويمنعه كمال الفكر، وهذا يدلّ على شدة حالهم في أول أمرهم وسبب ذلك أن أهل المدينة كانوا في [شظف] من العيش عندما قدم عليهم النبي -ﷺ- مع المهاجرين وكان المهاجرون فروا بأنفسهم وتركوا أموالهم وديارهم وقدموا فقراء على أهل شدة وحاجة مع أن الأنصار واسوهم ومنحوهم غير أن ذلك ما كان يسد خلاتهم ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم، ومع ذلك فلم يزل\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤١٥).","vol":"9","page":454},{"text":"عيشهم شديدا وجهدهم جهيدا حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم صابرين على شدة عيشهم معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها مقبلين على الآخرة ونعيمها، أ. هـ قاله أبو العباس القرطبي (^١).\nقوله -ﷺ-: \"وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره\" الحديث فيه جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه لا على سبيل التشكي وعدم الرضى بل التسلية والتصبر كفعله -ﷺ- ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض فهذا كله ليس بمذموم إنما يذم ما كان تشكيا وتسخطا وجزعا.\nقوله: \"قوموا\" فقاموا، هكذا هو في الأصول بضمير الجمع وهو جائز بلا خلاف لكن الجمهور يقولون إطلاق على الاثنين مجاز، وآخرون يقولون حقيقة، أمر بالقيام لطلب العيش عند الحاجة.\nقوله: حتى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري، فذكره إلى أن قال: فلما انتهوا إلى الباب خرجت امرأته فقالت مرحبا بنبي الله -ﷺ- معه، مرحبا: كلمة منونة تقال عند المسرة للقادم والوافد ولمن يجتمع به بعد مغيب، ومعناها: صادفت رحبا أي سعة ومنصوب بفعل لا يظهر وقيل هو منصوب بفعل على المصدر، وقال الفراء معناه (^٢): رحب الله بك مرحبا كأنه وضع موضع الترحيب، وقال الجوهري (^٣): وقولهم مرحبا وأهلا أي أتيت سعة وأتيت\n_________\n(^١) المفهم (١٧/ ٣٠).\n(^٢) الزاهر في معانى كلمات الناس (١/ ٢٣٤).\n(^٣) الصحاح (١/ ١٣٤).","vol":"9","page":455},{"text":"أهلا فاستأنس ولا تستوحش، قرئ على الحافظ المنذري من الحواشي.\nقوله: فقال لها رسول الله -ﷺ-: \"أين أبو أيوب؟ \" فسمعه وهو يعمل في نخل له فجاء يشتد، أي: يسعي ويعدو عدوا شديدا والشدة العدو.\nقوله: فانطلق فقطع عذقا من النخل فيه من كل من التمر والرطب والبسر، الحديث، العذق: هنا بكسر العين وهو الكباسة وهو الغصن من النخل يعني العرجون بما فيه من الشماريخ، وإنما أتى بهذا العذق الملون ليكون أظرف وليجمعوا بين أكل هذه الأنواع، فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم هذا، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر وإكرامه بعده بطعام يصنعه له لا سيما إن غلب ظنه حاجته في الحال إلى الطعام وقد يكون شديدا لحاجة إلى التعجيل، وقد يشق عليه انتظار ما ينعه له لاستعجال الانصراف وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف وهذا محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئا يعرف الضيف من حاله أنه يشق عليه وأنه تكلفه فيتأذي الضيف لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله -ﷺ-: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\" (^١) لأن آكد الكرامة إراحة خاطره وإظهار السرور، وفي هذا الحديث دليل على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٨) و(٦١٣٦) و(٦١٣٨) و(٦٤٧٥)، ومسلم (٧٤ و٧٥ و٧٦ - ٤٧) عن أبي هريرة.","vol":"9","page":456},{"text":"تتمة: قال في الإحياء في آداب الضيافة (^١)، من آدابها: ترتيب الأطعمة، فتقدم الفاكهة أولا إن كانت، فذلك أوفق في الطب فإنها أسرع استحالة، فينبغي أن تقع في أسفل المعدة، وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾ (^٢) ثم قال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ (^٣)، ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فقد قال -ﷺ- \"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^٤)، فإن جمع إليه شيء من الحلواء بعده فقد جُمعت إليه سائر الطيبات، قال أبو سليمان الداراني -﵁-: أكل الطيبات يورث الرضا عن الله، وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل، قال المأمون: شرب الماء بالثلج يخلص الشكر لله تعالي، قاله في الديباجة.\nقوله: ولأذبحن لك مع هذا قال: \"إن ذبحت فلا تذبحن ذات در\" أي: ذات لبن وهي الحلوب، والحلوب: الشاة ذات اللبن التي تحلب لبنا كثيرًا، وإنما نهاه عن ذبحها لأن في ذبحها تضييعا للبنها مع أن غير ذات الذر تنزل منزلتها عند الضيف، ويحصل بها المقصود والله أعلم، يقال: ناقة وشاة حلوب فإذا\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ١٦).\n(^٢) سورة الواقعة، الآية: ٢٠.\n(^٣) سورة الواقعة، الآية: ٢١.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٤١١) و(٣٤٣٣) و(٣٧٦٩) و(٥٤١٨)، ومسلم (٧٠ - ٢٤٣١) عن أبي موسى. والبخاري (٣٧٧٠) و(٥٤١٩) و(٥٤٢٨)، ومسلم (٨٩ - ٢٤٤٦) عن أنس.","vol":"9","page":457},{"text":"أفردته عن الموصوف قلت حلوبة، وقد أضمر الموصوف في الحديث وهو قوله \"إياك والحلوب\" (^١) في الحديث الآخر فلهذا حذف الهاء، وقيل: الحلوب الاسم والحلوبة الصفة، وقيل: إن الحلوب الواحدة والحلوبة الجماعة يقال جاءوا بحلوبتهم وركوبتهم، أ. هـ قاله صاحب المغيث (^٢).\nقوله: فأخذ عناقا أو جذعا فذبحه، العناق: بفتح العين وهي الأنثى من أولاد المعز إذا قويت ما لم تستكمل سنة وجمعها أعنق وعنوق.\nقوله: فلما أكلوا وشبعوا، قال النبي -ﷺ-: \"خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه\" الحديث، ففي هذا الحديث دليل على جواز الشبع من الحلال، وما جاء من النهي عن الشبع عن النبي -ﷺ- وعن السلف إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة المبطئ بصاحبه عن الصلوات والأذكار والمضر بالإنسان بالتخم وغيرها الذي يفضي بصاحبه إلى البطر والأشر والنوم والكسل فهذا هو المكروه، وقد يلحق بالمحرم إذا كثرت آفاته وعمت بلياته، والقسطاس المستقيم ما قاله ﵊ \"وإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس\" (^٣) والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٠ - ٢٠٣٨)، وابن ماجه (٣١٨٠) و(٣١٨١)، والترمذي (٢٣٦٩ و٢٣٧٠) عن أبي هريرة.\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٤٨٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٤٩)، والنسائي في الكبرى (٦٧٣٩)، وابن حبان (٦٧٤) و(٥٢٣٦) عن المقدام بن معدى كرب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح لغيره - \"الإرواء\" (١٩٨٣)، \"الصحيحة\" (٢٢٦٥).","vol":"9","page":458},{"text":"قوله: \"والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة\" أي تحاسبون يوم القيامة على ما أكلتم وشربتم فالنعيم هو المعبر بقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ (^١) فأخبر الله تعالى أن الناس مسئولون عن نعيمهم في الدنيا فالنعيم كل ما يتنعم به أي يستطاب ويستلذ، وقال الزمخشري (^٢): فإن قيل ما النعيم الذي يسأل عنه الإنسان ويعاقب عليه فما من أحد إلا وله نعيم، قلت: هو نعيم من عاب نفسه على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو والطرب لا يغنم بالعلم والعمل ولا يحمل نفسه مشاقها وأما من يمتع بنعيم الله تعالى وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده ويقوي بها على دراية العلم والقيام بالعمل وكان ناهضا بالشكر فهو من ذلك بمعزل وإليه أشار رسول الله -ﷺ- بقوله فيما يروي أنه أكل وأصحابه تمرا وشربوا عليه ماء فقال: \"الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين\" فسؤالهم عن نعيم هذا اليوم، أي: سؤال (عرض لا سؤال) مناقشة وسؤال [إظهار] الفضل والمنن لا سؤالهم سؤالا يقتضي المعاتبة والمحن وإنما قال -ﷺ- هذا استخراجا للشكر على النعيم وتعليما لذلك (^٣)، أ. هـ.\nقال القاضي عياض: المراد السؤال عن القيام بحق شكره، قال النووي:\n_________\n(^١) سورة التكاثر، الآية: ٨.\n(^٢) تفسير الزمخشري (٤/ ٧٩٣).\n(^٣) المفهم (١٧/ ٢١).","vol":"9","page":459},{"text":"والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة بإسباغها لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة، ذكره في شرح مسلم (^١).\nقوله: فكبر ذلك على أصحابه، أي: عظم عندهم موقعه.\nقوله: فأتاه من الغد فأعطاه وليدته، فالأنثى وليدة، والجمع ولائد، وقد تطلق الوليد على الجارية والأمة وإن كانت كبيرة، ومنه الحديث: \"تصدقت على أمي بوليدة\" (^٢) يعني جارية [صغيرة، والولائد: الوصائف وفيه فوائد] جمة، تقدم ذكرها، وفيه بيان ما كان عليه -ﷺ- هو وأصحابه من التقلل من الدنيا وإيثار ضيق العيش، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الزهد في الدنيا إن شاء الله تعالى.\n\n٣٢٧٣ - وَرُوِيَ عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان قَالَ تعشيت مَعَ أبي بردة -﵁- فَقَالَ أَلا أحَدثك مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو عبد الله بن قيس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أكل فشبع وَشرب فَروِيَ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي وأشبعني وسقاني وأرواني خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ أَبُو يعلى قَالَ الْحَافِظ وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة من قَول النَّبِي -ﷺ- لَيست من شَرط كتَابنَا لم نذكرها (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٥٨ و١٥٩ - ١١٤٩)، وأبو داود (١٦٥٦) و(٢٨٧٧) و(٣٣٠٩) واللفظ له، وابن ماجه (١٧٥٩) و(٢٣٩٤)، والترمذي (٦٦٧) و(٩٢٩) عن بريدة.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٧٢٤٦)، ومن طريقه أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٧٣). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٦: رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١١٤١) وضعيف الترغيب (١٣٠٤).","vol":"9","page":460},{"text":"قوله: وروي عن حماد بن أبي سليمان [الكوفى أستاذ أبى حنيفة].\nقوله: تعشيت مع أبي بردة - ﵁ - فقال: ألا أحدثك ما حدثني به أبى عبد الله بن قيس - ﵁ -[هو اسم أبى موسى الأشعري قدم على رسول الله - ﷺ - مكة قبل هجرته إلى المدينة فأسلم، ثم هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى رسول الله - ﷺ - مع أصحاب السفينتين بعد فتح خيبر، فأسهم لهم منها، ولم يسهم منها لأحد غاب عن فتحها غيرهم].\nقوله - ﷺ -: \"من أكل فشبع وشرب فروي، فقال: الحمد لله الذي أطعمني وأشبعني وسقاني وأرواني خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" الحديث، المراد بذلك الصغائر كما تقدم في نظائره.\nفرع: إذا قرب إليه الأكل قال: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار باسم الله، فإن نسي فليقل باسم الله أوله وآخره، فإن أكل مع صاحب عاهة قال: باسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه، وإذا فرغ قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، رواه أبو داود من حديث أبي سعيد (^١) الخدري: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا (^٢)، الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة (^٣) اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأفنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ما\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٥٠). وضعفه الألباني في المشكاة (٤٢٠٤)، الكلم الطيب (١٨٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٨٥١)، والنسائي في الكبرى (٦٨٦٧ و١٠٠٤٤) عن أبي أيوب. وصححه الألباني في \"المشكاة\" (٤٢٠٧)، \"الصحيحة\" (٧٠٩ و٢٠٦١).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٢٨٥)، وأبو داود (٤٠٢٣)، والترمذي (٣٤٥٨) عن معاذ بن أنس. حسنه الألباني في المشكاة (٤٣٤٣).","vol":"9","page":461},{"text":"أعطيت (^١)، الحمد لله الذي منَّ علينا وهدانا والحمد لله الذي أشبعنا وأروانا وكل الإحسان قد آتانا (^٢).\nفائدة: يقال أيضًا إذا فرغ من الأكل قال النووي (^٣): روينا في صحيح البخاري (^٤) عن أبي أمامة أن النبي - ﷺ - \"كان إذا رفع طعامه أو ما بين مائدته قال: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا\" وفي رواية: \"كان يقول إذا فرغ من طعامه\"، وقال مرة: \"إذا رفع مائدته قال: الحمد لله الذي.\nالوجه اليمين ممسوح كاملا الوجه اليسار\nكفانا وأوانا غير مكفي ولا مكفور\" (^٥) قلت: مكفي بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، قال الحربي: فالمكفي الإناء المقلوب للاستغناء عنه كما قال غير مستغني عنه أو لعدمه، ورواه أكثر الرواة بالهمز وهو فاسد من حيث العربية سواء كان من الكفاية أو من كفايات الإناء.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٦٨٧١)، وابن السنى (٤٦٧) عن عبد الرحمن بن جبير. وصححه الألباني في الكلم الطيب (١٩٠).\n(^٢) أخرجه ابن السنى (٤٦٨).\n(^٣) الأذكار (ص ٢٣٥).\n(^٤) البخاري (٥٤٥٨).\n(^٥) البخاري (٥٤٥٩).","vol":"9","page":462},{"text":"قوله: \"ولا مكفور\" أي: غير مجحود نعم الله ﷾ فيه بل مشكورة غير مستور الاعتراف بها والحمد لله، وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا الدعاء كله الباري ﷾ وأن الضمير يعود إليه، وأن معنى قوله \"غير مكفي\" أنه يطعم ولا يطعم كأنه على هذا من الكفاية [] (^١)، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث أن الله تعالى مستغن عن معين وظهير، قال: وقوله \"ولا مودع\" أي غير متروك الطلب منه والرغبة إليه وهو بمعنى المستغني عنه وينتصب ربنا على هذا بالاختصاص والمدح أو النداء كأنه قال: يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا ومن رفعه قطعه وجعله خبرًا (^٢)، أ. هـ.\nخاتمة: قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ (^٣): ومن آداب الطعام أن يتحدثوا في حال أكله بالمعروف ويتحدثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها والله أعلم.\n_________\n(^١) وهنا في هذا الموضع زيادة من النهاية نصها: ومنه الحديث \"توضأوا مما غيرت النار\" أراد به غسل الأيدي والأفواه من الزهومة، وقيل: أراد به وضوء الصلاة. وذهب إليه قوم من الفقهاء، ومنه حديث الحسن \"الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم\"، ومنه حديث قتادة \"من غسل يده فقد توضأ\" قاله في النهاية. (٥/ ١٩٥) ولا محل لها في هذا الموضع وإنما موضعها في الحديث التالى من الباب التالى.\n(^٢) الأذكار للنووى (ص ٣٧٨ - ٣٧٩)، ومطالع الأنوار (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٣) الإحياء (٢/ ٧).","vol":"9","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>[الترغيب في غسل اليد قبل الطعام إن صح الخبر وبعده والترهيب أن ينام وفي يده ريح الطعام لا يغسلها]</span>\n٣٢٧٤ - عن سلمان - ﵁ - قال قرأت في التوراة إن بركة الطعام الوضوء بعده فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - وأخبرته بما قرأت في التوراة فقال رسول الله - ﷺ - بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده رواه أبو داود والترمذي وقال لا يعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع وقيس يضعف في الحديث انتهى (^١).\nقال الحافظ قيس بن الربيع صدوق وفيه كلام لسوء حفظه لا يخرج الإسناد عن حد الحسن وقد كان سفيان يكره الوضوء قبل الطعام قال البيهقي وكذلك مالك بن أنس كرهه وكذلك صاحبنا الشافعي استحب تركه واحتج\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٦٩٠)، وابن أبي شيبة في المسند (٤٦١)، وأحمد ٥/ ٤٤١ (٢٤٢٢٩)، وأبو داود (٣٧٦١)، والترمذي في السنن (١٨٤٦)، وفي الشمائل (١٧٨)، والبزار (٢٥١٩) و(٢٥٢٠)، والطبراني (٦/ ٢٣٨ رقم ٦٠٩٦)، وابن عدي (٧/ ١٦٨) و(٧/ ١٧٠)، والحاكم ٣/ ١٠٦، و٤/ ١٠٦ - ١٠٧، وتمام الرازي في فوائده (٩٦٣) و(٩٦٤)، والبيهقي في السنن (٧/ ٤٥٠ رقم ١٤٦٠٤)، وفي الشعب (٨/ ٥ - ٦ رقم ٥٤٢١)، وفي الآداب (٤٨٦)، والبغوي في شرح السنة (٢٨٣٣) و(٢٨٣٤).\nوقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع يضعف في الحديث، وأبو هاشم الرماني اسمه يحيى بن دينار. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٨) وضعيف الترغيب (١٣٠٥).","vol":"9","page":464},{"text":"بالحديث يعني حديث ابن عباس قال كنا عند النبي - ﷺ - فأتى الخلاء ثم إنه رجع فأتي بالطعام فقيل ألا تتوضأ قال لم أصل فأتوضأ رواه مسلم وأبو داود والترمذي بنحوه إلا أنهما قالا فقال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة (^١).\n\n٣٢٧٥ - وروي عن أنس بن مالك - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من أحب أن يكثر الله خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع رواه ابن ماجه والبيهقي والمراد بالوضوء غسل اليدين (^٢).\nقوله: عن سلمان - ﵁ - تقدم الكلام على سلمان الفارسي.\nقوله - ﷺ -: \"بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده\" ومعنى البركة في الوضوء عظم فائدة الطعام باستعمال النظافة فيستحب مسح اليد من الطعام وغسل اليد أولى لزوال الزهومة لقوله: \"بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده\"، وفي حديث أنس الذي بعده: \"من أحب أن يكثر الله تعالى خير بيته فليتوضأ إذا حضر غداءه وإذا رفع\" قال الحافظ ﵀: المراد بالوضوء\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٨٢ (٢٥٩٠) و١/ ٣٥٩ (٣٤٤٦)، ومسلم (١١٨ و١١٩ و١٢٠ - ٣٧٤)، والترمذي (١٨٤٧)، وأبو داود (٣٧٦٠)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٢٥ (١٣٧) والكبرى (١٦٩)، وابن خزيمة (٣٥)، وابن حبان (٥٢٠٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٢٦٠)، وابن عدى في الكامل (٧/ ١٩٨)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٦٨٦)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٨ رقم ٥٤٢٤)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٨/ ٣٢). وقال الألباني في الضعيفة (١١٧) وضعيف الترغيب (١٣٠٦): منكر.","vol":"9","page":465},{"text":"هنا غسل اليدين [وقول بعض الشافعية: المراد به هنا الوضوء الشرعي، ليس في محله لتصريح أصحابنا بأن الوضوء الشرعي ليس صفة عند الأكل]، وحمله القاضي عياض (^١) على اللغوي وجعل المراد غسل الكفين أيضًا، وحكي اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه، وحكي الحافظ المنذري الكراهة أيضًا فقال: وقد كان سفيان يعني الثوري يكره الوضوء قبل الطعام، قال المنذري: قال البيهقي: وكذلك مالك بن أنس كرهه وكذلك أصحابنا الشافعي استحب تركه واحتج بالحديث يعين حديث ابن عباس قال: كنا عند النبي - ﷺ - ذات يوم فأتى الخلاء ثم أنه رجع فأتى بالطعام فقيل له ألا تتوضأ، قال: \"لم أصلي فأتوضأ\"\nرواه مسلم أبو داود والترمذي بنحوه إلا أنهما قالا: فقال \"إنما أمرت بالوضوء إذا أقيمت الصلاة\" أ. هـ، قال النووي في شرح مسلم (^٢): أما لم أصلي (أما لم) فبكسر اللام وفتح الميم، وأصلي بإثبات الياء في آخره وهو استفهام إنكار ومعناه الوضوء يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الآن، والظاهر أن المراد الوضوء الشرعي، أ. هـ.\nففيه: عدم إيجاب الوضوء قبل الأكل وهو مجمع عليه، واختلف في استحبابه أيضًا فنفته المالكية وغيرهم كما تقدم وأثبته غيرهم فقال القرطبي (^٣):\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٥٠٢ - ٥٠٣)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ٧٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٦٩ - ٧٠).\n(^٣) المفهم (١٧/ ٢٧).","vol":"9","page":466},{"text":"وقد ذهب قوم إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما روى الترمذي من حديث سلمان أنه - ﵇ - قال: \"بركة الطعام الوضوء قبله\" الحديث، وروى أنه - ﵇ - قال: \"الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم\" واشتهر في الإحياء وغيره أن النبي - ﷺ - قال: \"الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم\" (^١) كذا رواه القضاعي في مسند الشهاب من رواية موسى الرضى عن آبائه متصلا، وكلها ضعيفة ولا يصح شيء منها وكرهه قبله كثير من أهل العلم منهم سفيان الثوري ومالك والليث، وقال مالك: هو من فعل الأعاجم واستحسنوه بعده والله أعلم قاله في الديباجة، وقال غيره: قال علي بن المديني قال يحيى بن سفيان: كان سفيان الثوري يكره غسل اليد قبل الطعام\n_________\n(^١) أخرجه القضاعى في مسند الشهاب (٣١٠) من طريق سهل بن إبراهيم المروزي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده، متصلا قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم، ويصح البصر\". وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٦٤ رقم ٧١٦٦) عن ابن عباس بلفظ: \"الوضوء قبل الطعام وبعده مما ينفي الفقر، وهو من سنن المرسلين\". وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣ - ٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نهشل بن سعيد، وهو متروك.\nقال العراقى في تخريج الإحياء (٤٣٣): أخرجه القضاعي في مسند الشهاب من رواية موسى الرضا عن آبائه متصلا، وللطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس \"الوضوء قبل الطعام وبعده مما ينفي الفقر\" ولأبي داود والترمذي من حديث سلمان \"بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده\" وكلها ضعيفة. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ٢٠٢): وفي مسند الشهاب بإسناد مظلم إلى سهل بن إبراهيم، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده - متصلا - قال: قال رسول الله - ﷺ -: الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر، وبعده ينفى الهم ويصح البصر. وقال الألباني موضوع الضعيفة (٤٧٦٣) وضعيف الجامع (٦١٦٠).","vol":"9","page":467},{"text":"وكان يكره أن يوضع الرغيف تحت القصعة، أ. هـ، قال العلماء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^١) اللمم: ما دون الشرك، وقيل: النظرة من غير عمد وهو مغفور فإذا عاد فهو ذنب.\n\n٣٢٧٦ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه (^٢).\nورواه ابن ماجه أيضًا عن فاطمة - ﵂ - بنحوه الغمر بفتح الغين المعجمة والميم بعدهما راء هو ريح اللحم وزهومته (^٣).\n_________\n(^١) سورة النجم، الآية: ٣٢.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٩٣ (٢٦٢١٨) والأدب (١٧)، وأحمد ٢/ ٢٦٣ (٧٦٨٤) و٢/ ٣٤٤ (٨٦٤٩) و٢/ ٥٣٧ (٨٦٤٩)، والدارمى (٢٢٢٧)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٢٠)، وأبو داود (٣٨٥٢)، وابن ماجه (٣٢٩٧)، والترمذي (١٨٦٠)، والنسائي في الكبرى (٦٨٧٨) و(٦٨٧٩)، والبزار (٧٧٧٩) و(٩٢٢٦ و٩٢٢٧)، وابن حبان (٥٥٢١)، والبغوى في الجعديات (٢٦٧٤)، وأبو إسحاق البغدادي في الأول من أماليه (٨١ و٨٢)، وابن الأعرابى (٢٢١) و(٢٣٣) و(٢٧٣)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٩٥)، والحاكم ٤/ ١٣٧، والبيهقي في الشعب (٥٤٢٩ - ٥٤٣١) والكبرى (٧/ ٤٥٠ رقم ١٤٦٠٥) و(٧/ ٤٥٠ - ٤٥١ رقم ١٤٦٠٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث الأعمش إلا من هذا الوجه. وصححه الحاكم. وصحح الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٥٧٩) سنده على شرط مسلم. وجوده الألباني في المشكاة (٤٢١٩)، وصححه في الروض النضير (٨٢٣)، وصحيح الترغيب (٢١٦٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٢٩٦) وأبو يعلى (٦٧٤٨) ومن طريقه المزى في تهذيب الكمال (١٩/ ٢٤٨). قال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٤: هذا إسناد فيه جبارة وهو ضعيف. =","vol":"9","page":468},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء\" الحديث، الغمر: هو ريح اللحم وزهومته، قاله الحافظ، وقال غيره: الغمر بالتحريك أي وسخ ودسم وزهومة من اللحم كالوضر من السمن، وقد غمرت يداه غمرا، قاله صاحب المغيث (^١)، وقال في الغريب (^٢): الغمر بالتحريك الدسم والزهومة من اللحم والوضر من السمن واللبن والزبد والسهك من السمك وصدأ الحديد، تقول: يدي غمرها اللحم ووضرها السمن وضمرها سهكها السمك فظهر والله أعلم أنه - ﷺ - إنما خص الغمر بالذكر لأن السهك عندهم قليل، لأن بلادهم بلاد بر فلذلك لم يذكر السهوكة، وأما الوضر وهو من اللبن والسمن فلم يذكره لأنه دون الغمر في تغير الرائحة ولأن الغالب عليهم ألبان الإبل والفأرة لا تقرب ألبان الإبل ويظهر أنه - ﵇ - إنما أمرهم بذلك في الغمر لأن أكل اللبن والسمن عليهم غالب بخلاف اللحم ونحوه مما له غمر، روى الحافظ أبو يعلى والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - \"من أكل من هذا اللحم شيئا فليغسل يده من ريح وضره لا يؤذي من حذاءه\" (^٣)، أ. هـ\n_________\n= وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٦٧)، وحسنه في الروض النضير (٨٢٣).\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ٥٧٦).\n(^٢) غريب الحديث للحربى (١/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠) والنهاية (٣/ ٣٨٥) ولسان العرب (٥/ ٣٢).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٥٥٦٧)، ومن طريقه أخرجه ابن عدي في المجروحين (٣/ ٨٤)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٨٤)، والطبراني كما في مجمع البحرين (٤٠٥٠). وقال =","vol":"9","page":469},{"text":"قال ابن بطال (^١): قال ابن وهب: سئل مالك عن الحديث الذي جاء من بات وفي يده غمر فلا يلومن إلا نفسه، فقال: لا أعرف هذا الحديث، وقد سمعت أنه كان يقول: \"منديل عمر بطن قدميه\" وما كان إلا هذا شيء حدث والحديث الذي لم يعرفه مالك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زهير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"من نام وفي يده غمر لم يغسله\" الحديث، وقد تكلم الحافظ على سهيل، وقيل لمالك: أيغسل يده بالدقيق قال غيره أعجب إلي منه ولو فعل لم أر به بأسًا، قد تمندل عمر بباطن قدميه، وروى ابن وهب في الجلبان وشبهه أنه لا بأس أن يتوضأ به ويتدلك به في الحمام وقد يدهن جسده بالزيت والسمن، وسئل أشهب عن الوضوء بالدقيق والنخالة فقال: لا علم لي به (^٢) والله أعلم. قاله في الديباجة.\n\n٣٢٧٧ - وعنه - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه رواه الترمذي والحاكم كلاهما عن يعقوب بن الوليد المدني عن ابن أبي ذئب عن المقبري عنه وقال الترمذي حديث غريب من هذا الوجه وقد روي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة انتهى وقال\n_________\n= الهيثمي في المجمع ٥/ ٣٠: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط وفيه الوازع بن نافع وهو متروك. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٤٥٦١).\n(^١) شرح الصحيح لابن بطال (٩/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(^٢) وزاد ابن بطال: ولم يتوضأ به إن أعياه شيء فليتوضأ بالتراب (٩/ ٥٠٦)، والتوضيح (٢٦/ ٢٤٠، ٢٤١) لابن الملقن.","vol":"9","page":470},{"text":"الحاكم صحيح الإسناد قال الحافظ يعقوب بن الوليد الأزدي هذا كذاب واتهم لا يحتج به لكن رواه البيهقي والبغوي وغيرهما من حديث زهير بن معاوية عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشار إليه الترمذي وقال البغوي في شرح السنة حديث حسن وهو كما قال ﵀ فإن سهيل بن أبي صالح وإن كان تكلم فيه فقد روى له مسلم في الصحيح احتجاجا واستشهادا وروى له البخاري مقرونا وقال السلمي سألت الدارقطني لم ترك البخاري سهيلا في الصحيح فقال لا أعرف له فيه عذرا وبالجملة فالكلام فيه طويل وقد روى عنه شعبة ومالك ووثقه الجمهور وهو حديث حسن والله أعلم (^١).\nقوله: وعنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم\" قوله: \"إن الشيطان حساس لحاس\" أي كثير اللحس لما يصل إليه تقول لحست الشيء ألحسه إذا أخذته بلسانك ولحاس للمبالغة والحساس الشديد الحس والإدراك قاله في النهاية (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٨٥٩)، والحاكم ٤/ ١١٩ و١٣٧، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٨٣٧)، وابن عدى في الكامل (٨/ ٤٧٢). وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: بل موضوع، فإن فيه يعقوب بن الوليد كذبه أحمد، والناس. وقال ابن عدى: وهذه الأحاديث، عن ابن أبي ذئب لا يرويها، عن ابن أبي ذئب غير يعقوب بن الوليد، عن أبي هريرة كلها غير محفوظة. قال الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٠٧) والضعيفة (٥٥٣٣) وضعيف الجامع (١٤٧٦): موضوع.\n(^٢) النهاية (٤/ ٢٣٧).","vol":"9","page":471},{"text":"٣٢٧٨ - وعن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه رواه البزار والطبراني بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح إلا الزبير بن بكار وقد تفرد به كما قال الطبراني ولا يضر تفرده فإنه ثقة إمام (^١).\n\n٣٢٧٩ - وعن أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال من بات وفي يده ريح غمر فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه رواه الطبراني بإسناد حسن الوضح بفتح الواو والضاد المعجمة جميعا بعدهما حاء مهملة والمراد به هنا البرص (^٢).\nوفي الباب أحاديث بمعناه.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢١٩)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٨٨٦)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٥٩) و(٣/ ٣١٤)، وابن عدى في الكامل (٢/ ١٠٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٢٧). قال البزار: قد اختلف فيه عن الزهري، فقال ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله مرسلا، وقال عقيل: عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وقال سفيان بن حسين: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣٠: رواه البزار والطبراني في الأوسط بأسانيد ورجال أحدهما رجال الصحيح خلا الزبير بن بكار وهو ثقة وقد تفرد به كما قال الطبراني. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٥٦) وصحيح الترغيب (٢١٦٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٣٥ رقم ٥٤٣٥)، وأبو نعيم في الطب (١٢٩) و(١٥٤)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٠ رقم ٥٤٢٨). وقال البيهقي: هكذا رواه عقيل بهذا الإسناد عنه موصولا وخالفه معمر، فرواه فيما (يعني عن أبي هريرة). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣٠: رواه الطبراني وإسناده حسن. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٠٨): منكر.","vol":"9","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>[كتاب القضاء وغيره]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>[الترهيب من تولي السلطنة والقضاء والإمارة لا سيما لمن لا يثق بنفسه وترهيب من وثق بنفسه أن يسأل شيئا من ذلك]</span>\n٣٢٨٠ - عن ابن عمر - ﵄ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كلكم راع ومسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته رواه البخاري ومسلم (^١).\nقوله: عن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"كلكم راع ومسؤول عن رعيته\" تقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه، والقضاء بالمد الولاية المعروفة وجمعه أقضية كغطاء وأغطية وأردية وكساء وأكسية، وقضى السلطان فلانا أي ولاه كما يقال أمر أميرًا.\nقوله: \"كلكم راع ومسؤول عن رعيته\" الحديث، تقدم الكلام عليه في باب النكاح، الراعي هنا الحافظ المؤتمن على ما يليه، وأصل الرعي الحفظ، ومنه رعيت النجوم، أمرهم النبي - ﷺ - بالنصيحة فيما يلونه وحذرهم من الخيانة فيه بإخباره أنهم مسؤولون عنه فالرعاية حفظ الشيء وحسن العهد به\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٩٣) و(٢٤٠٩) و(٢٥٥٤) و(٢٥٥٨) و(٢٧٥١) و(٥١٨٨) و(٥٢٠٠) و(٧١٣٨)، ومسلم (٢٠ - ١٨٢٩)، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذي (١٧٠٥).","vol":"9","page":473},{"text":"فقد استولى هؤلاء في الاسم، واختلفوا في المعنى أما رعاية الإمام فولاية أمور الرعية والحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم، وأما رعاية الرجل أهل فالقيام عليهم بالحق في التفقه وحسن العشرة، وأما رعاية المرأة في بيت زوجها فحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمته وأضيافه، وأما رعاية العبد فحفظ ما في يده من مال سيده والقيام بشغله والله أعلم (^١) وتقدم الكلام على ذلك في النكاح أبسط من هذا.\n\n٣٢٨١ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع\".\n\n٣٢٨٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين رواه أبو داود والترمذي واللفظ له\n_________\n(^١) شرح السنة (١٠/ ٦٢).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٩١٢٩)، وأبو عوانة في المستخرج (٧٤٧٧)، وابن حبان (٤٤٩٢)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٩٧ رقم ١٧٠٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٨١) و(٩/ ٢٣٤). وقال الترمذي عقيب حديث (١٧٠٥): قال محمد: وروى إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ -: إن الله سائل كل راع عما استرعاه سمعت محمدا يقول: هذا غير محفوظ، وإنما الصحيح عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي - ﷺ - مرسلا.\nوقال الألباني: حسن صحيح - \"تخريج فقه السيرة\" (٤٣٤)، \"الصحيحة\" (١٦٣٦)، وصحيح الترغيب (١٩٦٧) و(٢١٧٠).","vol":"9","page":474},{"text":"وقال حديث حسن غريب وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد قال الحافظ ومعنى قوله ذبح بغير سكين أن الذبح بالسكين يحصل به إراحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها فإذا ذبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها وقيل إن الذبح لما كان في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين عدل - ﷺ - عن ظاهر العرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أن مراده - ﷺ - بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه ذكره الخطابي ويحتمل غير ذلك (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - قال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسميت في الإسلام عبد الرحمن، وإنما كناني أبي أبا هريرة لأني كنت أرعى غنما فوجدت هرة فحملتها في كمي فقال أبي: أنت أبو هريرة، وروي ابن سعد (^٢):\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٥٤٢ (٢٢٩٨٠) و٤/ ٥٤٣ (٢٢٩٨٧)، وأحمد ٢/ ٣٢٣٠ (٧٢٦٦) و٢/ ٣٦٥ (٨٨٩٨)، وابن ماجه (٢٣٠٨)، وأبو داود (٣٥٧١) و(٣٥٧٢)، والترمذي (١٣٢٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٩٢ - ٥٨٩٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني: حسن صحيح الروض النضير ١١٣٦، المشكاة ٣٧٣٣، صحيح الترغيب ٢١٧١.\n(^٢) في الأصل أبو كبير العبدى وإنما هو أبو كثير الغبرى كما في الطبقات (٤/ ٣٢٨). وهو السحيمي الغبري اليمامي الأعمى قيل اسمه يزيد بن عبد الرحمن الضرير وقيل يزيد بن عبد الله بن اذينه وقيل بن غفيلة قال أبو عوانة الإسفرائيني أنه أصح من أذينة روى عن أبيه وأبي هريرة وعنه ابنه زفر ويحيى بن أبي كثير وعكرمة بن عمار وعبد الله بن بدر السحيمي وموسى بن نجدة وعقبة بن التوأم والأوزاعي وغيرهم قال أبو حاتم وأبو داود والنسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب (١٢/ ٢١١ ترجمة ٩٧٥).","vol":"9","page":475},{"text":"حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي: حدثنا\nعكرمة بن عمار حدثنا أبو كثير الغبرى عن أبي هريرة قال: والله لا يسمع بي مؤمن ولا مؤمنة إلا أحبني، قال: قلت له وما يعلمك ذاك؟ قال: فقال: إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها ذات يوم فأسمعتني في رسول الله - ﷺ - ما أكره، فأتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم اهد أم أبي هريرة\" فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله - ﷺ -، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا، قال قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين\" فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني، وفي رواية: \"فما خلق الله من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلا وهو يحبني\" ولم يرو عن رسول الله - ﷺ - أحد من الرجال أكثر ما روي عنه أبو","vol":"9","page":476},{"text":"هريرة فإنه روي عنه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا وإنما صحبه أربع سنين، قاله في مرآة الزمان (^١).\nقوله: \"من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين الناس فقد\" فالقاضى اسم لكل من قضى بين اثنين أو حكم بينهما سواء إن سمى خليفة أو سلطانا أو نائبا أو واليا أو كان منصوبا ليقضى بالشرع أو بأمثاله حتى من يحكم في الصبيان في الخطوط إذا تخايروا وهكذا ذكر أصحاب رسول الله - ﷺ - وهو ظاهر (^٢). أ. هـ.\nومعنى \"ذبح بغير سكين\" أن الذبح بالسكين يحصل به راحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها وإذا ذبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها، وقيل: إن الذبح لما كان في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين عدل - ﷺ - عن ظاهر العرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أن مراده - ﷺ - بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه، وقيل: غير ذلك ذكره الخطابي (^٣)، أ. هـ.\nوقال بعضهم: إذا ذبح بغير سكين كان ذبحه خنقا وتعذيبا فضرب المثل بذلك ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه (^٤).\nوفي البيان للعمراني (^٥) قيل لابن عباس: ما هو الذبح بغير سكين؟ قال: \"نار جهنم\".\n_________\n(^١) مرآة الزمان (٧/ ٤٢٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٥٤).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) البيان (١٣/ ٩).","vol":"9","page":477},{"text":"وقال الشيخ أبو الربيع المالقي حضرت رجلا في النزع فسألته عن حاله فقال: ها أنا أذبح، فعلمت تصديق الخبر لأن الرجل كان قد ولي القضاء مدة جبره عليه بعض الولاة هذا وهو مجبور فكيف إذا كان جبارا، وروي البيهقي أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولي عمر بن الخطاب القضاء، وولي أبا عبيدة بيت المال وقال أعينوني فمكث عمر سنة لا يأتيه اثنان ولا يقضي بين اثنين وهو أول قاض ولي القضاء بالمدينة ﵁، أ. هـ.\nففي الحديث التحذير من طلب القضاء والحرص عليه لأن معناه أن من تصدى للقضاء وتولاه فقد تعرض للذبح فليحذره والذبح هنا مجاز عن الهلاك فإنه من أسرع أسبابه (^١). وأغرب من جعل ذلك مدحًا وأنه لشدة ما يلاقيه والصبر على الحق فيه لعظم أجره والظاهر الأول وهذا فيمن لم يتعين عليه فإن تعين عليه لزمه ذلك وله البذل فيه أيضًا وإن كان يحرم الأخذ كما قرره الفقهاء.\nقال ابن الصباغ في شامله (^٢): الأحاديث المحذرة دالة على عظم قدره وصعوبة أمره حتى لا يقدم عليه من لا يجد في نفسه قوة في دينه وبصيرة باقية في علمه ويقينه، وليجتهد في طلب الحق عادلا عن الهوى والميل، وقال بعض أصحابنا: من استشعر في نفسه ميل لم يجز له الدخول ولا يحل له القبول، وحكي القاضي بن كج (^٣) أنه يكره الدخول فيه مطلقا، ولا يجوز له أن يطرق فيه بابا مغلقا.\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ١٥٩)، والنهاية (٢/ ١٥٣).\n(^٢) نقله ابن الرفعة عنه في كفاية النبيه (١٨/ ٤٤).\n(^٣) كفاية النبيه (١٨/ ٤٥)، والنجم الوهاج (١٠/ ١٣٨).","vol":"9","page":478},{"text":"وقال الرافعي (^١): وحيث أبحنا التقليد فذاك عند الوقوف وغلبة الظن بقوة النفس وأمن الاشتباه واللبس وأما عند الاشتباه فينبغي أن يحذر من الدخول فيه وأن يشتغل بما يعنيه فإن أهم المغانم حفظ السلامة، وحكى القاضي أبو الطيب (^٢) أن المأمون كتب إلى الشافعي - ﵁ - يستدعيه ليوليه القضاء في الشرق والغرب فأبى ودعا المزني في مرض موته ونهاه عن تولية القضاء وأظهر له كتاب المأمون وقال: إني لم أظهره لأحد غيرك، وحكي أيضًا هو وغيره (^٣) أن المنصور استدعى سفيان الثوري وأبا حنيفة وشريك بن عبد الله لتولية القضاء فهرب سفيان من الطريق وعرض على أبي حنيفة فامتنع وقال: لا أصلح فعرض علي شريك فاعتذر بعلل فأزاحها وولاه، وروي الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن المنصور طلب أبا حنيفة للقضاء فأبى فحلف ليفعلن وحلف أبو حنيفة أنه ما يفعل فقال له الربيع يحلف أمير المؤمنين وتحلف فقال الإمام أبو حنيفة أمير المؤمنين أقدر على كفارة يمينه مني فحبسه المنصور أياما ثم دعاه فعرض عليه فقال: إني لا أصلح فإن كنت صادقا فلا أصلح وإن كنت كاذبا فلأجل الكذب ورده إلى الحبس وضربه بالسياط فلم يل وقيل إنه مات في الحبس (^٤).\nوقال الزبير بن بكار في كتابه المسمى بالموفقيات: لما تولى شريك\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١٨/ ٤٧)، والنجم الوهاج (١٠/ ١٤١).\n(^٢) كفاية النبيه (١٨/ ٤٨).\n(^٣) المصدر السابق في نفس الموضع.\n(^٤) تاريخ بغداد (١٥/ ٤٤٤)، وكفاية النبيه (١٨/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"9","page":479},{"text":"القضاء هجره سفيان الثوري فوجده شريك فقال سبحان الله يا أبا عبد الله أو ليس للناس من قاض فقال سفيان أوليس للناس من [شرطى]، وكان سفيان إذا ذكر عنده شريك يقول نعم الرجل لو لم يفسدوه بالقضاء (^١).\nوروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في حليته بسنده أنه طلب أبو قلابة بالقضاء ففر إلى الشام (^٢).\nوحكاه ابن عبد ربه وقال: إن تلامذته قالوا له يا أستاذ ما يمنعك من ذلك وعندك من العلم ما يمنعك من الجور ومن الورع ما يمنعك من الرشا فأطرق زمانا ثم رفع رأسه وقال لهم: كم يريد السابح الغارق يسح في البحر الطريق لا بد أن يغرق (^٣).\nوحكي اللوحة القاضي أبو الطيب عن بعض الفقهاء أنه مشى مع صاحب له فأراه دكاكين مختمة فقال انظر هذا حتى تحكيه هذا عقار لي علي بن حيران استدعاه ابن الفرات للقضاء فهرب فختم عقاره حتى يظهره، وحكي غيره أنها أقامت شهرا مختومة ومنزله وكان أبو علي هذا من تلامذة ابن شريح وكان يعاتب ابن شريح على القضاء ويقول هذا الأمر لم يكن في أصحابنا وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة (^٤).\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٧/ ٤٧)، وبحر المذهب (١١/ ٤٣).\n(^٢) حلية الأولياء (٢/ ٢٨٥).\n(^٣) العقد الفريد (١/ ٢٠) و(٣/ ١٥٢) وذكره أيضًا ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٨٣)، والضبى في أخبار القضاة (١/ ٢٣) وعبد الجبار في تاريخ داريا (ص ٦١)، وبحر المذهب (١١/ ٤٤).\n(^٤) كفاية النبيه (١٨/ ٤٨).","vol":"9","page":480},{"text":"وأنشد بعض قضاة العدل (^١):\nوليت القضاء وليت القضاء ... لم يك شيئا توليته\nوواقعني القضاء في القضاء ... وما كانت قدما تمنيته\nقال: وسمعت سيدنا شيخ الإسلام متع الله بحياته الأنام قاضي القضاة بدر الدين بقية العلماء العاملين غير مرة يقول لولا الحياء من السلطان لإحسانه وخشية تغير خاطره لم أقم في الحكم إلى الظهر ويحلف على ذلك ولقد قلت له بقاء سيدنا للمسلمين ينفع ويحصل له به أجر كثير فقال لو خرجت منه بإثم يسير فهو خير فانظر أرشدك الله كيف السلف والخلف ففروا منه وأبعدوا كل البعد عنه مع كمال الحلال وسماع المقال.\nقال الشيخ الإمام زين الدين بن رجب الحنبلي (^٢): وقد صنف أبو بكر الآجري وكان من العلماء الربانيين مصنفا في أخلاق العلماء وآدابهم وهو من أجل ما صنف في ذلك ومن تأمله علم منه طريقة السلف من العلماء والطريق التي أحدثت بعدهم المخالفة لطرائفهم فوصف فيه عالم السوء بأوصاف طويلة منها أنه قال قد فتنه حب التنافس في الشرف والمنزلة عند أهل الدنيا يتجمل بالعلم كما يتجمل بالحلة الحسناء للدنيا ولا يحمل علمه بالعمل به وذكر كلاما مطولا إلى أن قال: فهذه الأخلاق وما يشبهها تغلب على قلب من لم ينتفع بالعلم فبينما هو مقارب لهذه الأخلاق إذ رغب نفسه في حب\n_________\n(^١) مغنى المحتاج (٦/ ٢٦٠) والنجم الوهاج (١٠/ ١٣٦) والقائف هو شرف الدين بن عين الدولة.\n(^٢) شرح حديث ما ذئبان جائعان من مجموع رسائل ابن رجب (ص ٧٢ - ٧٣).","vol":"9","page":481},{"text":"الشرف والمنزلة فأحب مجالسة الملوك وأبناء الدنيا فأحب أن يشاركهم فيما هم من رخاء عيشهم من منزل بهي ومركب هني وخادم سري ولباس لين وفراش ناعم وطعام شهي وأحب أن يغشي بابه وأن يُسمع قوله ويُطاع أمره فلم يقدر عليه إلا من جهة القضاء فطلبه فلم يمكنه إلا ببذل دينه فتذلل للملوك وأتباعهم فخدمهم بنفسه وأكرمهم بماله وسكت عن قبيح ما ظهر من مناكرهم على أبوابهم وقولهم وفعلهم ثم زين لهم كثيرا من قبيح فعالهم بتأوله الخطأ ليحسن موقعه عندهم فلما فعل هذا مدة طويلة، واستحكم فيه الفساد ولوه القضاء فذبح بغير سكين فصارت له عليه منة عظيمة ووجب عليه شكرهم فألزم نفسه ذلك لئلا يغضبهم عليه فيعزلوه عن القضاء ولم يلتفت إلى غضب مولاه فقطع أموال اليتامي والأرامل والفقراء والمساكين وأمال الوقت والمجاهدين وأهل الشرف بالحرمين وأموالا يعود نفعها على جميع المسلمين فأرضى به الكاتب والحاجب والخادم فأكل الحرام وكثر الداعي عليه بالويل لمن أورثه علمه هذه الأخلاق هذا العلم الذي استعاذ منه النبي - ﷺ - وأمر أن يستعاذ منه، وهذا العلم الذي قال فيه - ﵇ -: \"إن أشد الناس عذابا يوم القيامة لم ينفعه الله بعلمه\" وكان - ﷺ - يقول: \"اللهم أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع\" وكان - ﵇ - يقول: \"اللهم إني أسألك علما نافعا وأعوذ بك من علم لا ينفع\" هذا كله من كلام الإمام أبي بكر الآجري ﵀ وكان في أوائل الثلاثمائة ولم يزل الفساد يتزايد على ما ذكره أضعافًا مضاعفة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن دقيق آفات حب الشرف بطلب","vol":"9","page":482},{"text":"الولايات والحرص عليها وهو باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله تعالى العارفون به المحبون له الذين يعادون له من جهال حلقه المزاحمين لربوبيته وإلاهيته مع حقارتهم وسقوط منزلتهم، العرافين كما كان الحسن ﵀ يقول فيهم: وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه، أ. هـ.\nوكان بعض المتقدمين قاضيا فرأى في منامه كأن قائلا يقول أنت قاض والله قاض فاستيقظ منزعجا وخرج عن القضاء، وكان طائفة من القضاة الورعين يمنعون الناس أن يدعوهم بقاضي القضاة فإن هذا الاسم يشبه ملك الملوك الذي ذم النبي - ﷺ - التسمية به، وقال لا مالك إلا الله وحاكم الحكام مثله أو أشد ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوى إلى الله وحده، وكان بعض الصالحين يتولى القضاء ويقول: انا أتولاه لأستعين به على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا كانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوى إلى الله تعالى ويتحملون في تنفيذ أوامر الله تعالى من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك فإن المحب ربنا يتلذذ بما يصيبه من الأذى في رضى محبوبه، أ. هـ قاله ابن رجب الحنبلي أيضًا (^١).\nفائدة في شروط القضاء: ومن شرط القاضي أن يكون مجتهدا فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية، وقال أبو حنيفة يجوز تولية العامي ثم يسأل أهل العلم، وشرط القاضي أن يكون مسلما فلا يجوز تولية الكافر لا على\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٧٥ - ٧٧) باختصار.","vol":"9","page":483},{"text":"المسلمين ولا على الكافرين وأن يكون مكلفا فلا يولى الصبي ولا المجنون لنقصهما وأن يكون حرا فلا يصح ولاية العبد ولا من فيه رق، وأن يكون ذكرا فلا تصح ولاية المرأة وجوزه أبو حنيفة فقال الاصطخري ينقض قضاؤها وخالفه غيره وأن يكون عدلا فلا يولى فاسق بما لا شبهة له فيه، وأن. اللوحة [١٦٦/ أ] يكون سميعًا بصيرًا فلا يولى ضدها وصحح مالك وابن أبي عصرون ولاية الأعمى لأن النبي - ﷺ - استخلف ابن أم مكتوم على المدينة، والجواب: أنه كان في إمامة الصلاة دون الحكم لكن روى الطبراني في معجمه الكبير أن النبي - ﷺ - استخلفه على الصلاة وغيرها من أمور المدينة، وقال مالك: خصال القضاء لا تجتمع في أحد فإذا اجتمع في شخص خصلتان رأيت أن يولى العقل والورع فمن شأن ابن آدم أن لا يعلم كل شيء، ومن شأنه أن يعلم ثم يزيده الله علما (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٢٨٣ - وعن بريدة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (^٢).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١٠/ ١٤٣ - ١٤٧) باختصار.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣١٥)، وأبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢ م)، والبزار (٤٤٦٧ و٤٤٦٨)، والنسائي في الكبرى (٥٨٩١). وقال أبو داود: وهذا أصحُّ شيء فيه، يعني حديث ابن بُريدة: القضاة ثلاثة. وقال الألباني: صحيح، الإرواء (٢٦١٤)، المشكاة (٣٧٣٥)، صحيح الترغيب (٢١٧٢) و(٢١٩٥).","vol":"9","page":484},{"text":"قوله: وعن بريدة - ﵁ -[هو بريدة بن الحصيب ﵁ تقدم الكلام عليه].\nقوله - ﷺ -: \"القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار\" تحذير من القضاء، والقضاء من المناصب والولايات الدينية وهو فرض كفاية على الناس كالإمامة الكبرى حفظا لحقوقهم وحراسة لأمورهم من الانحلال، وكل ذم أو وعيد ورد فيهما فهو راجع إلى من فرط أو أساء في تصرفاتهما والله أعلم، قاله في شرح الإلمام (^١)، فانظر كيف جعل في الجنة من الثلاثة واحد، وإذا صفا لك من زمانك واحد فهو المراد، فأين ذلك الواحد، أما اللذان هما من أهل النار أحدهما ينصب نفسه للقضاء وليس بأهل له لجهله بالعلم فيخلط ويشوب الحلال بالحرام ويبدل فهو في النار لأنه أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله من الفروج والدماء والأموال، أ. هـ.\nقال العلماء (^٢): كل من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم وإن حكم فهو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك والله أعلم ذكره الشيخ تقي الدين الحصني والقاضي.\n_________\n(^١) الإلمام (٢/ ١٥٨).\n(^٢) كفاية الأخيار (١/ ٥٤٩) وقمع النفوس - خ (لوحة ٥٦) للحصنى، وإكمال المعلم (٥/ ٥٧٢) للقاضى عياض، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ١٤).","vol":"9","page":485},{"text":"الثاني: هو أهل للقضاء متضلع به لفضله وعلمه ولكنه يحيف ويسقط ولا يبالي في ذات الله فالنار أولى به، والثالث: هو أهل للقضاء والفضل لمكان علمه وفضله وديانته ويعدل في قضاياه وينصف في أحكامه فهو من أهل الجنة انتهى.\nلطيفة: روينا عن عبد الله بن المبارك أنه كان يتجر ويقول: لولا خمسة ما اتجرت السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية ليصلهم فقدم سنة فقيل له: ولي ابن علية القضاء فلم يأته ولم يصله بشيء فأتى إليه ابن علية فلم يرفع رأسه إليه ثم كتب إليه ابن المبارك:\nيا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين\nاختلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين\nفصرت مجنونا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين\nأين رواياتك في سردها ... لترك أبواب السلاطين\nأين رواياتك فيما مضى ... عن ابن فرعون وابن سيرين\nإن قلت أكرهت فهذا باطل ... ذل حمار العلم في الطين (^١)\nفلما وقف إسماعيل بن علية على الأبيات ذهب إلى الرشيد ولم يزل به إلى أن استعفاه من القضاء فأعفاه، قاله في حياة الحيوان (^٢).\n\n٣٢٨٤ - وعن عبد الله بن موهب أن عثمان بن عفان - ﵁ - قال لابن عمر اذهب فكن قاضيا قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين قال اذهب فاقض بين الناس\n_________\n(^١) تاريخ بغداد (٧/ ١٩٦ - ١٩٧)، طبقات الحنابلة (١/ ١٠٠).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ١٥٧).","vol":"9","page":486},{"text":"قال تعفيني يا أمير المؤمنين قال عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت قال لا تعجل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ قال نعم قال فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيا قال وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي قال لأني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من كان قاضيا فقضى بالجهل كان من أهل النار ومن كان قاضيا فقضى بالجور كان من أهل النار ومن كان قاضيا فقضى بحق أو بعدل سأل التفلت كفافا فما أرجو منه بعد ذلك رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه والترمذي باختصار عنهما وقال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحري أن ينفلت منه كفافا فما أرجو بعد ذلك ولم يذكر الآخرين وقال حديث غريب وليس إسناده عندي بمتصل وهو كما قال فإن عبد الله بن موهب لم يسمع من عثمان - ﵁ - (^١).\n_________\n(^١) أخرجها الترمذي في السنن (١٣٢٢)، وفي العلل الكبير (٣٥١)، وأبو يعلى (٥٧٢٧)، وابن حبان (٥٠٥٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٥١ رقم ١٣٣١٩)، والأوسط (٣/ ١٣٩ رقم ٢٧٢٩)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ١٧ - ١٨). قال الترمذي في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث وقلت له: من عبد الملك هذا؟ فقال: هو عبد الملك بن أبي جميلة، وعبد الله بن موهب، عن عثمان مرسل. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به معتمر. قال أبو حاتم في العلل (١٤٠٦): عبد الملك بن أبي جميلة مجهول، وعبد الله هو ابن موهب الرملي على ما أرى، وهو عن عثمان مرسل. وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٩٣): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار، وأحمد كلاهما باختصار، ورجاله ثقات، وزاد أحمد: فأعفاه وقال: لا تجبرن أحدا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٦٤)، والمشكاة (٣٧٤٣/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (١٣٠٩).","vol":"9","page":487},{"text":"قوله: وعن عبد الله.\nقوله: وعن عبد الله بن موهب (^١) [هو الهمداني ويقال الحولانى الشامى ولى قضاء فلسطين لعمر بن عبد العزيز روى عن تميم ولم يدركه وعن معاوية وابن عباس وابن عمر وقبيصة بن ذؤيب وغيرهم وعنه ابنه يزيد والزهرى وأبو إسحاق السبيعى، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وجماعة وثقه الفسوى وقال لم يلحق تميم وقال يحيى بن حمزة عن ابن أبي غيلان الفلسطيني، قال ابن موهب: ثلاث إذا لم يكن في قاض، فليس بقاض، يسأل وإن كان عالما، ولا يسمع من أحد شكية ليس معه خصمة، ولا يقضي إلا بعد أن يفهما].\nقوله: أن عثمان بن عفان - ﵁ - قال لابن عمر اذهب فكن قاضيا، قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين، قال: عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت، ومعنى عزمت عليك: أي أمرتك أمرا جازما عزيمة محتمة وأمر ولاة الأمور تجب طاعته في غير معصية (^٢)، أ. هـ.\nوقيل: معنى أعزم عليك أي أقسم عليك (^٣).\nقوله: لا تعجل، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ\" قال: نعم، قال: فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيًا، يقال: عذت أعوذ عوذًا\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٦/ الترجمة ٣٦٠٠)، وتذهيب تهذيب الكمال (٥/ الترجمة ٣٦٦١)، وتهذيب التهذيب (٦/ الترجمة ٨٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢٢٢).\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٩٨٥)، ومجمل اللغة (١/ ٦٦٦)، والكواكب الدرارى (١٢/ ٢٠١).","vol":"9","page":488},{"text":"وعياذًا ومعاذًا أي لجأت إليه والمعاذ المصدر والمكان والزمان أي لقد لجأت إلى ملجأ ولذت بملاذ وقد تكرر ذكر التعوذ والاستعاذة وما تصرف منهما والكل بمعنى وبه سميت قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس المعوذتين ومنه الحديث، \"إنما قالها تعوذًا\" أي إنما أقر بالشهادة لاجئا إليها ومعتصما بها ليدفع عنه القتل وليس بمخلص في إسلامه ومنه الحديث أيضًا عائذ بالله من النار أي أنا عائذ ومتعوذ كما يقال مستجير بالله فجعل الفاعل موضع المفعول كقوله: سر كاتم وماء دافق ومن رواه عائذا بالنصب جعل الفاعل موضع المصدر وهو العياذ قاله في النهاية (^١) ومعنى الحديث لقد عذت بمكان العياذ وبمن للعائذين أن يعوذوا به وهو الله ﷿، وحقيقة عذت بمعاذ أي لمعاذ وبمعاذ من عاذ به لم يكن لأحد أن يتعرض له كذا في الفائق (^٢) قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقوله: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي، ومن كان قاضيا فقضى بحق يقضي، قال: لأني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من كان قاضيا فقضى بالجهل كان من أهل النار\" يعني ليس له علم فهو آثم أي اتفق قضاؤه صوابا أو خطئا إذ لا يجوز له أن يقبل ومن كان قاضيا فقضى بالجور كان من أهل النار ومن كان قاضيا فقضى بحق أو بعدل سأل التفلت كفافا فما أرجو منه بعد إذ ومعنى كفافًا أي لا له ولا عليه.\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣١٨).\n(^٢) الفائق (٣/ ٣٦).","vol":"9","page":489},{"text":"وقوله في الرواية الأخرى: \"ومن كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحري أن ينفلت منه كفافا فما أرجو بعد ذلك\" ومعنى فبالحري [أي جدير وخليق].\nوروي الدينوري في المجالسة عن محمد بن واسع أنه قال: بلغني أن أول من يدعي للحساب يوم القيامة القضاة (^١)، وقال عبد الله بن وهب بلغني أن القضاة يحشرون مع السلاطين وأن العلماء يحشرون مع الأنبياء (^٢).\n\n٣٢٨٥ - وعن عائشة - ﵂ - قالت سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط رواه أحمد وابن حبان في صحيحه ولفظه قالت سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يدعى القاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره قط قال الحافظ كذا في أصل من المسند والصحيح تمرة وعمره وهما متقاربان ولعل أحدهما تصحيف والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) المجالسة (٣٢٧) و(٣٤٠١).\n(^٢) المدونة (١/ ٥٢).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (١٦٥٠)، وأحمد ٦/ ٧٥ (٢٥١٠٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٨٢)، والمروزى في أخبار الشيوخ (١٣٥)، وابن أبي الدنيا في الإشراف (٩١)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٢٠ - ٢١)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٠٤)، وابن حبان (٥٠٥٥)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف (٢/ ٧٢٢)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٠٢ رقم ٢٦١٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٦٥ رقم ٢٠٢٢١ و٢٠٢٢٢).\nوقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو بن العلاء. قال العقيلي: عمران بن حطّان الراوي عن عائشة لا يتابع عليه، ولا يتبين لي سماعه منها. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٢: رواه أحمد وإسناده حسن، ورواه الطبراني =","vol":"9","page":490},{"text":"قوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله: \"ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط\" [المقصود من التحذير بيان خطره، وأن من استقضي، فقد حمل على أمر تام الوقع، فإن جار فيه هلك، وإن عدل فاز بخير كثير، وهكذا يكون تبيان الأمور الخطيرة، وأيضا، فإن من الناس من يكره له القضاء، أو يحرم، فليحمل التحذيرات عليها].\n\n٣٢٨٦ - وعن عوف بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي فناديت بأعلى صوتي وما هي يا رسول الله قال أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل وكيف يعدل مع قريبه رواه البزار والطبراني في الكبير ورواته رواة الصحيح (^١).\nقوله: وعن عوف بن مالك - ﵁ -[هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفانى. أول مشاهده مع النبي - ﷺ - خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه\n_________\n= في الأوسط. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٤٢) وضعيف الترغيب (١٣١٠).\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٥١٠٢)، والبزار (٢٧٥٦)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٦ رقم ٦٧٤٧) والكبير ١٨/ ٧١ (١٣٢) والشاميين (١١٩٥) و(٢٠٠٦). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عوف بن مالك إلا بهذا الإسناد، تفرد به: زيد بن واقد. وقال الهيثمي ٥/ ٢٠٠: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط باختصار: ورجال الكبير رجال الصحيح. وصححه ابن حجر في الفتح (١٣/ ١٢٥). وحسنه الألباني في الصحيحة (١٥٦٢) وصحيح الترغيب (٢١٧٣).","vol":"9","page":491},{"text":"راية أشجع، نزل الشام، وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق. روى له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وستون حديثا، روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة.\nروى عنه أبو أيوب الأنصاري، والمقدام بن معدى كرب، وأبو هريرة. وروى عنه من التابعين جماعات منهم أبو مسلم، وأبو إدريس الخولانيان، وجبير بن نفير، ومسلم ابن قرضة، وشداد أبو عمار، وراشد بن سعد، ويزيد بن الأصم، وسليم بن عامر، وسالم أبو النضر، وأبو بردة بن أبي موسى، وشرح بن عبيدة، وضمرة بن حبيب، وكثير ابن مرة، وخلق سواهم، واتفقوا على أنه توفى بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان].\nقوله - ﷺ -: \"إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة\"، وما هي؟ الحديث، الإمارة معناها الولاية والسلطنة.\nقوله: \"وكيف يعدل مع قريبه\".\n\n٣٢٨٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال شريك لا أدري رفعه أم لا قال الإمارة أولها ندامة وأوسطها غرامة وآخرها عذاب يوم القيامة رواه الطبراني بإسناد حسن (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٧٩ رقم ٥٦١٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عيسى إلا شريك، تفرد به: محمد بن أبان. وقال الهيثمي ٥/ ٢٠١: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٧٤).","vol":"9","page":492},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"الإمارة أولها ندامة\" تقدم معنى الإمارة في الحديث قبله.\n\n٣٢٨٨ - وعن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوثقه إثمه أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة رواه أحمد ورواته ثقات إلا يزيد بن أبي مالك (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة\" سيأتي الكلام على هذه الألفاظ في حديث أبي ذر قريبا.\n\n٣٢٨٩ - وروي عن أبي وائل شقيق ابن سامة أن عمر بن الخطاب - ﵁ - استعمل بشر بن عاصم - ﵁ - على صدقات هوازن فتخلف بشر فلقيه عمر فقال ما خلفك أما لنا سمعا وطاعة قال بلى ولكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من ولي شيئا من أمر المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا قال فخرج عمر - ﵁ - كئيبا محزونا فلقيه أبو ذر فقال ما لي أراك كئيبا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٧ (٢٢٧٣١)، والحارث بن أبي أسامة (٥٩٩)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٧٢ رقم ٧٧٢٠) و(٨/ ١٧٣ رقم ٧٧٢٤) والشاميين (١٥٨٠) و(١٦١٧). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٥: رواه أحمد، والطبراني، وفيه يزيد بن أبي مالك، وثقه ابن حبان وغيره، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٤٩) وقال حسن صحيح في صحيح الترغيب (٢١٧٥).","vol":"9","page":493},{"text":"حزينا فقال ما لي لا أكون كئيبا حزينا وقد سمعت بشر بن عاصم يقول سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من ولي شيئا من أمر المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا فقال أبو ذر أو ما سمعته من رسول الله - ﷺ - قال لا قال أشهد أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من ولي أحدا من المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا وهي سوداء مظلمة فأي الحديثين أوجع لقلبك قال كلاهما قد أوجع قلبي فمن يأخذها بما فيها فقال أبو ذر من سلت الله أنفه وألصق خده بالأرض أما إنا لا نعلم إلا خيرا وعسى أن وليتها من لا يعدل فيها أن لا تنجو من إثمها رواه الطبراني ويأتي أحاديث نحو هذه في الباب بعده إن شاء الله تعالى سلت أنفه بفتح السين المهملة واللام بعدهما تاء مثناة فوق أي جدعه (^١).\nقوله: وروي عن أبي وائل شقيق ابن سلمة [هو أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدى، أسد خزيمة الكوفى التابعى المخضرم، أدرك زمن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في أخبار الشيوخ (١٢٣ و١٢٤)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٤٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٥٩١)، والبغوى في معجم الصحابة (٢٠٢)، وابن قانع مختصرا (١/ ٨٢)، وابن منده في معرفة الصحابة (١/ ٢٢٥ - ٢٢٧)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣٩ رقم ١٢١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٣٨) ومعرفة الصحابة (١١٧٥). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦: رواه الطبراني، وفيه سويد بن عبد العزيز، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٦٨٦٥) وضعيف الترغيب (١٣١١).","vol":"9","page":494},{"text":"ولم يره. وروى عن أبي بكر، وسمع عمر، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، وعمارا، وحبابا، وحذيفة، وأبا موسى، وأسامة، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا الدرداء، وأبا مسعود البدرى، والبراء، والمغيرة، وجريرا البجلى، وكعب بن عجرة، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة، ﵃ أجمعين.\nوسمع خلائق من كبار التابعين. روى عنه الشعبي، وعاصم الأحول، والحكم، والسبيعى، والأعمش، وخلائق غيرهم من التابعين، حكوا عنه أنه قال: بعث النبي - ﷺ - وأنا ابن عشر سنين أرعى إبلا لأهلى، وقال: أتانا مصدق رسول الله - ﷺ -. وروى عنه أنه قال: أدركت سبع سنين من سنى الجاهلية. قالوا: وتوفى سنة تسع وتسعين. واتفقوا على توثيقه وجلالته].\nقوله: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - استعمل بشر بن عاصم - ﵁ - على صدقات هوازن، هوازن اسم قبيلة أبو هوازن ابن منصور بن عكرمة بن قيس بن غيلان.\nقوله: \"فهوى فيه سبعين خريفا\" الحديث، الهوى وتكرر في الحديث ذكر الخريف والخريف الزمان المعروف في فصول السنة ما بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفًا فقد مضت أربعون سنة والله أعلم.\nقوله: \"فمن يأخذها بما فيها\" يعني بذلك الخلافة.\nقوله: فقال أبو ذر من سلت الله أنفه، بفتح السين واللام بعدهما تاء مثناة فوق أي جدعه، أ. هـ، الجدع بالدال المهملة مقطوع الأنف، وقال الزمخشري: من سلت الله أنفه أي مسح وأصل السلت القطع والقشر فسلت","vol":"9","page":495},{"text":"القصعة لحسها، وسلتت المرأة خضابها أي أزالته، أ. هـ، ويروي أن عمر بن الخطاب بعث إلى عاصم ليستعمله على الصدقة فأبى، وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقف على جسر جهنم فيأمر الله تعالى الجسر فينتفض به انتفاضة فيزول كل عظم منه عن مكانه ثم يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى مكانها ثم يسله فإن كان مطيعا لله تعالى أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته وغن كان عاصيا خرق به الجسر فهوى به في جهنم مقدار خمس وسبعين خريفا\" فقال عمر - ﵁ -: سمعت من رسول الله - ﷺ - ما لم أسمع، فقال نعم وكان سلمان وأبو ذر حاضرين فقال سلمان: إني الله يا عمر ومع السبعين سبعون خريفا في واد يلتهب التهابا، فقال عمر - ﵁ - بيده على جبهته إنا لله وإنا إليه راجعون من يأخذها بما فيها فقال سلمان: من سلت الله أنفه وألصق بالأرض، وروي الحافظ أبو القاسم البغوي في معجمه الصغير بإسناده عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"ما من أمير إلا يؤتى به يوم القيامة فيوقف على الجسر يعني الصراط فيضطرب الصراط حتى تنخلع أوصاله ثم ترد إلى أماكنها فإن كان عادلا أطلق وإن كان جائرا هوى في جهنم\".\n\n٣٢٩٠ - وعن عبد الله يعني ابن مسعود - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه إلى السماء فإن قال ألقه ألقاه فهو في مهواة أربعين خريفا رواه ابن ماجه واللفظ له والبزار ويأتي لفظه في الباب بعده إن شاء الله وفي إسنادهما مجالد بن سعيد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٤٣٠ (٤١٧٨)، ابن ماجه (٢٣١١)، والبزار (١٩٣٩)، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ١٩، وابن المنذر في الأوسط (٦٤٤٢)، والدينورى في المجالسة (٣٢٥)، =","vol":"9","page":496},{"text":"قوله عن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه إلى السماء فإن قال ألقه ألقاه فهو في مهواة أربعين خريفا\" المهواة بفتح وسكون الهاء ما بين الجبلين قاله في الصحاح وقال بعضهم: المهواة الحفرة وتقدم معنى الهوى والخريف في الحديث قبله.\nقوله \"وفى إسناده مجالد بن سعيد\" [وهو ضعيف].\n\n٣٢٩١ - وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال جاء حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله اجعلني على شيء أعيش به فقال رسول الله - ﷺ - يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها قال نفس أحييها قال عليك نفسك رواه أحمد ورواته ثقات إلا ابن لهيعة (^١).\nوعن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"قال جاء حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - فقال يا رسول الله اجعلني على شيء أعيش به\".\n_________\n= والطبراني في الأوسط (٤/ ١٢٨ - ١٢٩ رقم ٣٧٨٥) والكبير (١٠/ ١٥٩ رقم ١٠٣١٣)، والدارقطني (٤٤٦٥)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٢ رقم ٢٠١٧٢) والشعب (١٠/ ٣٦ - ٣٧ رقم ٧١٢٧). وقال الألباني: ضعيف، الترغيب (١٣١٢)، المشكاة (٣٧٣٩/ التحقيق الثاني)، ضعيف الجامع (٥١٦٦).\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٥ (٦٧٤٩). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٩: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣١٣).","vol":"9","page":497},{"text":"حمزة بن عبد المطلب (^١) عم رسول الله - ﷺ - وأخوه من الرضاعة، ويقال له أسد الرحمن وأسد رسول الله - ﷺ - وكنيته أبو عمارة، كنى بابن له يقال له: عمارة من امرأة من بنى النجار، وقيل: كنيته أبو يعلى، كنى بابنه يعلى، ولم يعقب حمزة، وأمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهى بنت عم آمنة بنت وهب أم رسول الله - ﷺ -، وهو شقيق صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام، ﵃. وكان حمزة أسن من رسول الله - ﷺ - بسنتين، وقيل: بأربع، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين زيد بن حارثة، أسلم حمزة في السنة الثانية من مبعث رسول الله - ﷺ -، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وبارز، وأبلى فيها بلاء عظيما، وقاتل بسيفين.\nقال أبو الحسن المدائنى: أول لواء عقده رسول الله - ﷺ - لحمزة بن عبد المطلب حين بعثه في سرية إلى سيف البحر، بكسر السين، من أرض جهينة، وخالفه ابن إسحاق، فقال: أول لواء عقده لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. استشهد يوم أحد في نصف شوال من السنة الثالثة من الهجرة بعد أن قتل أحدا وثلاثين من الكفار، ودفن عند أحد في موضعه، وقبره مشهور يزار ويتبرك به، وحزن عليه رسول الله - ﷺ - والصحابة، ﵃ والله تعالى أعلم.\nقول حمزة لرسول الله - ﷺ - اجعلنى على شيء أعيش به فقال له رسول الله - ﷺ - نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها وآخر الحديث قال عليك نفسك، وطلب حمزة من رسول الله - ﷺ - أن يوليه على عمل [أي إمارة فقال: نفس\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦٨ - ١٦٩ ترجمة ١٢١).","vol":"9","page":498},{"text":"تحييها خير من إمارة لا تحصيها، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل].\n\n٣٢٩٢ - وعن المقدام بن معديكرب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - ضرب على منكبيه ثم قال أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا. رواه أبو داود وفي صالح بن يحيى بن المقدام كلام قريب لا يقدح (^١).\nعن المقدام بن معدى كرب بن عمرو بن زيد الكلبى أبو كريمة وقيل أبو يحيى نزل حمص له صحبة ورواية مات سنة سبع وثمانين قال وله أحد وأربعون سنة قاله في شرح الإلمام وتقدم ذكره.\nقوله: \"أن رسول الله - ﷺ - ضرب على منكبيه ثم قال أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا\" الحديثي قديم تصغير المقدام وتقدم الكلام عليه في الزكاة.\n\n٣٢٩٣ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها رواه مسلم المنكب مجتمع رأس الكتف والعضد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٣٣ (١٧٤٧٨)، وأبو داود (٢٩٣٣)، والبغوى في معجم الصحابة (٢١٢٩)، والطبراني في الشاميين (٢/ ٢٩٧) و(١٣٨٢)، وابن السنى في اليوم والليلة (٣٩٣)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٥٨٦ رقم ١٣٠٤٧ و١٣٠٤٨). وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٣٣)، وضعيف الجامع (١٠٥٥)، والمشكاة (٣٧٠٢)، وضعيف الترغيب (٤٨٥) و(١٣١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦ - ١٨٢٥).","vol":"9","page":499},{"text":"قوله عن أبي ذر تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فضرب بيده على منكبي\" المنكب مجتمع [رأس الكتف والعضد قاله المنذري].\nقوله: \"ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة\" يعني الولاية وليس المراد ضعيف البدن إذ لا مدخل له في الإمارة ولا ضعيف العلم فإنه حفظ علما جما كما قال عمر - ﵁ - ولا ضعيف الهمة والتصميم على الحق وإنما المراد الضعيف عن احتمال لجاج الخصومة ولددهم وكان خلقه لا يحتمل ذلك أو عن شديد أهوالها وحربها ونكالها فيما يظهر، وقوله: \"إنها أمانة\" أي من التي أمنت السموات والأرض عليها ما بين أن يحملنها وأشفقن منها، قوله: \"وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة\" فشهوده عيانى لكل موفق قوله: \"إلا من أخذها بحقها\" أشد مستوقف عنها لمن فهم.\nقوله: \"إلا من أخذها بحقها\" فيها أبلغ مانع وأكف منفر. قاله في \"حدائق الأولياء\" (^١).\nهذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلا لها أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرط وأما من كان أهلا للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث سبعة يظلهم الله وحديث عبد الله بن عمرو\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥٩٢).","vol":"9","page":500},{"text":"بن العاصى أن المقسطين على منابر من نور وغير ذلك وإجماع المسلمين منعقد عليه ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذره - ﷺ - منها وكذا حذر العلماء وامتنع منها خلائق من السلف وصبروا على الأذى حين امتنعوا (^١).\nقال في المفهم (^٢): ووجه ضعف أبي ذر عن ذلك: أن الغالب عليه كان واحتقار الدنيا، وترك الاحتفال بها. ومن كان هذا حاله لم يغتر بمصالح الدنيا، ولا بأموالها الذين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين، ويتم أمره. وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يفتي بتحريم الجمع للمال وإن أخرجت زكاته، وكان يرى: أنه الكنز الذي توعد الله عليه بكي الوجوه والجنوب والظهور. فلذلك نصحه - ﵇ -، ونهاه عن الإمارة، وعن ولاية مال الأيتام، وأكد النصيحة بقوله: \"وإني أحب لك ما أحب لنفسي\"، وغلظ الوعيد لمن لم يقم بحقها بأن قال: \"وإنها خزي وندامة\".\n\n٣٢٩٤ - وعنه أن النبي - ﷺ - قال له يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تؤمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم رواه مسلم وأبو داود والحاكم وقال صحيح على شرطهما (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٠ - ٢١١).\n(^٢) المفهم (١٢/ ٧٧).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٣١)، وأحمد ٥/ ١٨٠ (٢١٩٦٤)، ومسلم (١٧ - ١٨٢٥)، وأبو داود (٢٨٦٨)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٢٢٩ (٣٦٩٣) والكبرى (٦٤٦١)، والبزار (٤٠٤٥)، وابن حبان (٥٥٦٤)، والحاكم (٤/ ٩١).","vol":"9","page":501},{"text":"قوله: وعنه تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تؤمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم\" ولا أبلغ في النهى عن الولاية من ذلك وذمها. أ. هـ. ذكره في الحدائق.\nوإنما نهاه عن ذلك لما رآه من ضعفه وهو - ﷺ - يحب هذا لكل ضعيف، وإنما كان يتولى أمور الناس، لأن الله قواه على ذلك، وأمره بدعاء الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم. ذكره ابن رجب الحنبلى (^١).\n\n٣٢٩٥ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة\nرواه البخاري والنسائي (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إنكم ستحرصون على الإمارة\" تقدم الكلام على الإمارة وأنها الولاية.\nقوله: \"وستكون ندامة يوم القيامة\" أي في حق من لم يكن لها أهلا أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله ويندم على ما فرط كما تقدم.\nقوله: \"فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة\" الفطم قطع الصبى عن الرضاع\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٤٨)، والنسائي ٦/ ٦٣٩ (٤٢٤٩) و٨/ ٢٨٠ (٥٤٢٩) والكبرى (٥٨٩٦) و(٧٧٨٨) و(٨٦٩٤)، وابن حبان (٤٤٨٢).","vol":"9","page":502},{"text":"وأمه فاطمة له ومنه اشتقت فاطمة وبئست الفاطمة استعارة للعزل؛ لأنه قطع لاستدرار فوائد الإمارة ولذتها (^١).\nوضرب النبي - ﷺ - المرضعة مثلا لإمارة وما يصل إلى الرجل فيها من المنافع واللذات، وضرب النبي - ﷺ - الفاطمة مثلا للموت الذي يهدم عليه تلك اللذات ويقطع منافعها عنه وتبقي الحسرة والتبعة والله أعلم (^٢).\nفنعمت المرضعة يعني أول الإمارة.\n\n٣٢٩٦ - وعن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء والأرض وإنهم لم يلوا عملا رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم واللفظ له وقال صحيح الإسناد (^٣).\n\n٣٢٩٧ - وفي رواية له وصحح إسنادها أيضًا قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ليوشكن رجل أن يتمنى أنه خر من الثريا ولم يل من أمر الناس شيئا (^٤).\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٥/ ٢٣٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٣٠)، وتحفة الأبرار (٢/ ٤٥٩).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٢٦٤٦)، وأحمد ٢/ ٣٥٢ (٨٧٤٧) و٢/ ٥٢١ (١٠٩١٠)، وأبو يعلى (٦٢١٧)، والأصم في مجموعه (٣٠٠)، وابن حبان (٤٤٨٣)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامى والكنى (٤/ ١١)، والبغوى في شرح السنة (٢٤٦٨). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٠: رواه أحمد، ورجاله ثقات في طريقين من أربعة، ورواه أبو يعلى والبزار. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٧٨٨) و(٧٨٩) و(٢١٧٩).\n(^٤) أخرجه إسحاق (٣٦٣)، وأحمد ٢/ ٣٧٧ (٩٠٢٣) و٢/ ٥٢٠ (١٠٨٨٨)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني ١/ ٤٦٧ (١٧٩٣)، والبزار (٩٦٢٩)، وابن المنذر =","vol":"9","page":503},{"text":"قال الحافظ وقد وقع في الإملاء المتقدم باب فيما يتعلق بالعمال والعرفاء والمكاسين والعشارين في كتاب الزكاة أغنى عن إعادته هنا.\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء\" الحديث ويل اسم واد في جهنم وقيل اسم حجر فيها، والعرفاء جمع عريف والعريف هو القيم بأمر القبيلة والمحلة يعرف أمرهم وتقدم الكلام على ذلك في كتاب الزكاة.\nقوله: \"ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء والأرض وإنهم لم يلوا عملا\" الحديث يدلون أي يحركون.\n\n٣٢٩٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ - قال قال لي رسول الله - ﷺ - يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها الحديث رواه البخاري ومسلم (^١).\nقوله: وعن عبد الرحمن بن سمرة الصحابى (^٢) كنيته: أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، هكذا نسبه ابن الكلبى، وأبو عبيد، وابن معين، والبخاري، وهو قرشى عبشمى، المكي ثم البصري.\n_________\n= في الأوسط (٦٤٣٨)، وأبو عبد الله الحاكم (٤/ ٩١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٦١) و(٢٦٢٠) وصحيح الترغيب (٢١٨٠).\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٢٢) و(٦٧٢٢) و(٧١٤٦) و(٧١٤٧)، ومسلم (١٣ و١٩ - ١٦٥٢)، وأبو داود (٢٩٢٩)، والترمذي (١٥٢٩)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٧٩ (٥٤٢٨) والكبرى (٥٩٠٢) و(٨٦٩٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧ ترجمة ٣٥٠).","vol":"9","page":504},{"text":"أسلم يوم الفتح، وصحب النبي - ﷺ -، كان اسمه عبد الكعبة، وقيل: عبد كلال، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن، سكن البصرة، وغزا خراسان في زمن عثمان، وفتح سجستان، وكابل، وفتح سجستان سنة ثلاث وثلاثين. روى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة عشر حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد مسلم بحديثين. وليس لعبد الرحمن بن سمرة سوى حديث واحد في أبواب الكفارات في باب الحلف بغير الله. توفى سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين بالبصرة، وقيل: بمرو، وأنه أول من دفن بمرو من أصحاب رسول الله - ﷺ -، والصحيح الأول، وكان ﵁ متواضعا، فإذا وقع المطر لبس برنسا، وأخذ المسحاة، وكنس الطريق، ومناقبه كثيرة مشهورة.\nقوله: \"قال لي رسول الله - ﷺ - يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة\" الإمارة بكسر الهمزة وبفتحها العلامة وقيل إمرة بكسر الهمزة وسكون الميم وأما الأمرة بالفتح فهى المرة الواحدة من الأمر وأمر فلان بكسر الميم وضمها صار أميرا (^١). قال النووي: قال الزجاج في تفسيره (^٢): كل ما اشتمل عليك أو اشتملت عليه فإنه يكون بالكسر مثل ما اشتمل عليك كالعمامة والعصابة واللفافة ومثال الثاني الولاية والإمارة والسعاية وكذلك الإمرة.\nوالمسئلة السؤال ونهى أن يسأل الإنسان الإمارة وما في معناها.\nقوله: \"فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها\" هكذا هو في أكثر النسخ وكلت إليها وفي بعضها أكلت إليها\n_________\n(^١) الصحاح للجوهري (٢/ ٥٨٠) ورياض الأفهام (٥/ ٢٧٢).\n(^٢) معاني القرآن (١/ ٨٣ - ٨٤)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"9","page":505},{"text":"بالهمزة ومعنى وكلت إليها تركت إلى الإمارة غير معان عليها أي لا يكون قبله كفاية يقال وكله إلى نفسه وكلا ووكولا (^١)، وقال بعضهم (^٢): أي أسلمت إليها ولم يكن معك إعانة بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة.\nوالمسئلة السؤال ونهى أن يسأل الإنسان الإمارة وما في معناها.\nوفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: دخلت على النبي - ﷺ - أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله، ﷿، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: \"إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله، أو أحدا حرص عليه\" (^٣).\nقال العلماء: والحكمة في أنه لا يولى من سأل الولاية أنه يوكل إليها ولا تكون معه من الله إعانة كما صرح به في حديث عبد الرحمن بن سمرة السابق وإذا لم تكن معه إعانة لم يكن كفئا ولا يولى غير الكفء ولأن فيه تهمة للطالب والحريص أ. هـ (^٤).\nوفي هذا الحديث فوائد منها: كراهة سؤال الولاية سواء ولاية الإمارة والقضاء والحسبة وغير ذلك من المناصب (^٥).\n_________\n(^١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ٢٤٢).\n(^٢) قاله النووي في شرحه على مسلم (١٢/ ٢٠٧).\n(^٣) أخرجه: البخاري (٧١٤٩)، ومسلم (١٤ - ١٧٣٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١١/ ١١٦).","vol":"9","page":506},{"text":"قال القرطبي (^١): بين الحديث التحذير من الدخول في الولايات، ومنها: بيان أن من سأل الولاية لا يكون معه إعانة من الله تعالى فلا يكون فيه كفاية لذلك العمل فينبغي أن لا يولى، ولهذا قال - ﷺ -: \"لا نولى على عملنا من طلبه أو حرص عليه\" كما تقدم.\nوحكى النووي عن بعض العلماء أنه لا تصح توليته إذا سأل الولاية (^٢)، قال بعض السلف: ما حرص أحد على ولاية فعدل فيها، وكان يزيد بن عبد الله بن موهب من قضاة العدل والصالحين، وكان يقول: من أحب المال والشرف وخاف الدوائر لم يعدل، واعلم أن الحرص على الشرف بطلب الولايات يستلزم ضررًا عظيما قبل وقوعه في السعي في أسبابه وبعد وقوعه بالخطر العظيم الذي يقع فيه صاحب الولاية من الظلم والتكبر وغير ذلك من المفاسد، أ. هـ، قاله ابن رجب (^٣).\nواعلم أن ظاهر الحديث كراهة سؤال الولاية وينبغي أن يستثني من ذلك من استحب له الطلب إما لنشر العلم أو لاحتياجه إلى الرزق أو لتعين الطلب عليه بأن كان لا يصلح للقضاء غيره، وقد قسم الفقهاء السؤال إلى خمسة أقسام فقالوا: من اجتمعت فيه شروط الولاية تعين عليه قبولها إن عرضت عليه وطلبها إن لم تعرض عليه لأنه فرض كفاية لا يتأدى إلا به وكذا إن كان\n_________\n(^١) هذا من العزو الخطأ فالكلام للنووى كما في شرحه (١١/ ١١٦).\n(^٢) حسن السلوك (ص ٧٧).\n(^٣) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٧١ - ٧٢).","vol":"9","page":507},{"text":"أفضل من غيره ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل فإن كان غيره أفضل منه ولم يمنع تولية المفضول مع وجود الأفضل فها هنا يكره له، وقال بعضهم: يحرم ويكره للإمام أن يوليه وقال: إن ولاه انعقدت ولايته، قال ابن الفاكهاني: وقد استخطئ فيما قال ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهة القضاء لأحاديث وردت والله أعلم، قاله في شرح الإلمام (^١).\nتتمة: قال في الإحياء (^٢): الإمارة والخلافة من أعظم العبادات ولم يزل المتقون يحترزون منها ويتركونها ويهربون من تقلدها وذلك لما فيها من عظيم الخطر إذ بسببها يغلب على النفس حب الجاه ولذة الاستيلاء ونفاد الأمر وهو من أعظم ملاذ الدنيا وإذا صارت الولاية محبوبة صار الوالي ساعيا في حظ نفسه ويوشك أن يتبع هواه وعند ذلك يهلك، أ. هـ.\nوقال أبو بكر بن أبي داود (^٣): كان المستعين بالله بعث إلى نصر بن علي يشخصه للقضاء فدعاه عبد الملك أمير البصرة وأمره بذلك فقال ارجع فاستخير الله فرجع إلى بيته فصلى ركعتين وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليه ونام فنبهوه فإذا هو ميت ﵀، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين، أ. هـ.\n_________\n(^١) هذا كلام ابن الفاكهانى في رياض الأفهام (٥/ ٢٧٥)، وابن العطار في العدة شرح العمدة (٣/ ١٥٠١ - ١٥٠٢)، وكذلك قاله ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (٢/ ٢٥٣).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ٣٢٤).\n(^٣) تاريخ بغداد (١٥/ ٣٨٩).","vol":"9","page":508},{"text":"٣٢٩٩ - وعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده رواه أبو داود والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن غريب وابن ماجه ولفظه وهو رواية الترمذي قال رسول الله - ﷺ - من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه ينزل عليه ملك فيسدده ترغيب من ولي شيئا من أمور المسلمين في العدل إماما كان أو غيره وترهيبه أن يشق على رعيته أو يجور أو يغشهم أو يحتجب عنهم أو يغلق بابه دون حوائجهم (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه\" تقدم معنى ذلك، [في حديث] عبد الرحمن: وكلت إليها الصواب بالواو أي أسلمت\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١١٨ (١٢٣٦٧) و٣/ ٢٢٠ (١٣٥٠٦)، وأبو داود (٣٥٧٨)، والترمذي (١٣٢٣) و(١٣٢٤)، وابن ماجه (٢٣٠٩)، والبزار (٧٤٨٣)، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ٦٢ و٦٣ و٢/ ٢٤ و٢٥، وابن المنذر في الأوسط (٦٤٥٤)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١١١ رقم ٥٩٥٨)، والحاكم ٤/ ٩٢، والبيهقي في الصغير (٤/ ١٣٥ رقم ٣٢٣٢) والكبرى (١٠/ ١٧٢ رقم ٢٠٢٤٩ و٢٠٢٥٠) والخطيب في الموضح (٢/ ٧ - ٨).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو أصح من حديث إسرائيل، عن عبد الأعلى.\nوقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا عن غير أنس يحفظه عن رسول الله - ﷺ - بهذا اللفظ وقد روى هذا الحديث إسرائيل، عن عبد الأعلى عن بلال بن مرداس، عن أنس ولم يقل عن خيثمة. وقال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الأعلى الثعلبي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٥٣٢٠)، الضعيفة (١١٥٤)، ضعيف الترغيب (١٣١٥).","vol":"9","page":509},{"text":"إليها ولم يكن معك إعانة بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة [فإنه لا يعان بسبب طلبه].\nقوله - ﷺ -: \"ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده\" معناه: يوفقه لذلك وروى الحديث عنه - ﷺ - أنه قال إذا جلس القاضي للحكم بعث الله ملكان يسددانه فإن عدل أقاما وإن جار عرجا وتركاه (^١). والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ٢٦، وابن سمعون (٢٤٢)، وتمام (١٣٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥١ رقم ٢٠١٦٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٩) و(١٦/ ١٨١) ومن طريقه أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٥٧: ١٢٦٣)، من طريق العلاء بن عمر الحنفي؛ قال: حدثنا أبو عمران الأشعري، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.\nقال ابن الجوزى: قال: هذا حديث لا يصح، ويحيى بن يزيد، قد ضعفه أحمد ويحيى، وقال ابن المديني: روى أحاديث منكرة. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/ ٣٦٦: هذا منكر. وقال ابن الملقن في البدر المنير ٩/ ٥٢٨: وفي إسناده: يحيى بن (يزيد) بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، يكنى أبا بردة، وهو ضعيف. قال أحمد ويحيى: وهو ضعيف الحديث. وقال ابن المديني: روى أحاديث منكرة. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبو علي صالح بن محمد الحافظ: هو ضعيف الحديث. قال: وهذا الحديث ليس له أصل.\nوقال ابن حجر في التلخيص ٤/ ٤٤٣: وإسناده ضعيف؛ قال صالح جزرة: هذا الحديث ليس له أصل. وقال الألباني في الضعيفة (٢٥٣٩): موضوع.","vol":"9","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>[ترغيب من ولي شيئا من أمور المسلمين في العدل إماما كان أو غيره وترهيبه أن يشق على رعيته أو يجور أو يغشهم أو يحتجب عنهم أو يغلق بابه دون حوائجهم]</span>\n٣٣٠٠ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه رواه البخاري ومسلم (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" إلى آخره، المراد بظل الله تعالى ظل العرش كما جاء مبينا في حديث آخر (^٢)، وفى الحديث في أهوال القيامة فلا يبقى إلى ظل العرش ثم إن الظاهر حقيقة الظل، وذهب ابن دينار إلى حمل الظل ها هنا على الظل المجازى (^٣)، والمراد به أن هؤلاء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٠) و(١٤٢٣) و(٦٤٧٩) و(٦٨٠٦)، ومسلم (٩١ - ١٠٣١)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٧٦ (٥٤٢٤) والكبرى (٥٨٩٠) و(١١٧٩٨)، وابن خزيمة (٣٥٨) وابن حبان (٤٤٨٦).\n(^٢) وهو حديث أبى قتادة، قال: سمعت رسول الله يقول: من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة. أخرجه أحمد ٥/ ٣٠٠ (٢٢٩٩٧) و٥/ ٣٠٨ (٢٣٠٦٤)، وعبد بن حميد (١٩٥)، والدارمى (٢٧٩٠)، والبغوى (٢١٤٣). وقال البغوي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩١١).\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٥٦٢)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢١).","vol":"9","page":511},{"text":"السبعة في كنف الله تعالى وحفظه ورعايته كما يقال فلان في ظل فلان أي في كنفه وحمايته فإن الشمس وغيرها يوم القيامة تحت ظل العرش فلا خصوصية لهؤلاء السبعة بالظل الحقيقي (^١).\nقوله: \"إمام عادل\" المراد بالإمام العادل السلطان، ويلتحق به نوابه من الحكام ومن في معناهم، أ. هـ. قال في حدائق الأولياء (^٢): وإذا أظل الله تعالى الإمام العادل في ظله فأي مضرة أو ذلة تناله.\nقوله - ﷺ -: \"وشاب نشأ في عبادة الله تعالى\" [نشأ بمعنى نبت وابتدأ أي لم تكن له صبوة وهذا الذي قال فيه في الحديث الآخر \"يعجب ربك من صبي ليست له صبوة\" وإنما كان كذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة].\nقوله - ﷺ -: \"ورجل قلبه معلق بالمساجد\" [أي محب المكوث فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن وهذا إنما يكون ممن استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغف بها وقال النووي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود فيها.\nقلت: فكيف من أحب المسجد الحرام وتعلق قلبه به؟].\nقوله: \"ورجلان تحابا في الله\" فيه الحث على التحاب في الله تعالى، قال بعض السلف: أوثق عرى الإيمان الحب في الله ﷿ والبغض في الله ﷿، ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵊: زهدت في الدنيا فاسترحت وانقطعت إليَّ فتعززت فهل واليت لي واليا أو حاربت لي عدوا.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢١).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٨٦).","vol":"9","page":512},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله تعالى\" المنصب والنصاب لغة الأصل، قال السموأل بن عادياء اليهودي:\nونحن كماء المزن في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل\nأراد بقوله \"ما في نصابنا\" أي: ما في أصلنا، والظاهر أن المراد بهذه المرأة الطالبة للزنى بها، وقال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بها الطالبة للتزويج ويكون قوله إني أخاف الله راجعًا إلى الخوف من عدم القيام بالواجب من مؤن النكاح والله أعلم (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها\" هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس وأكثر العلماء وهو حض على الإخلاص في الأعمال والتستر بها ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية فأما الفرائض فالأولى إشاعتها وإظهارها لتتحفظ قواعد الدين ويجتمع الناس على العمل بها فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام وتعلم حدوده وأحكامه والإخلاص واجب في جميع القرب، والرياء مفسد لها.\nقوله: \"حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" هذا مبالغة في إخفاء الصدقة، وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له جرهما مثلا في شيء يساوي نصف درهم فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة وهو اعتبار حسن (^٢) وتقدم ذكر هذا الكلام في صدقة السر.\n_________\n(^١) قاله القاضي عياض في إكمال المعلم (٣/ ٥٦٣).\n(^٢) قاله القرطبي في المفهم (٩/ ٤٥).","vol":"9","page":513},{"text":"قوله: \"ورجل ذكر الله خاليًا\" فيه الحث على البكاء من خشية الله، وقد جاء في الحديث أن الله حرم على عينين على النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله، وفي الأثر: لو أن رجلا بكى في أمة من الأمم لرحم الله ببكائه تلك الأمة، وقد اشتهر أن آدم - ﷺ - بكى بعد نزوله يعني من الجنة ثلاثمائة عام وأن داود - ﷺ - بكى حتى نبت المرعى من دموعه وأن يحيى - ﷺ - بكى حتى أخدَّ الدمع في وجهه أخدودًا، ذكر جميع تفسير هذا الحديث ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام.\n\n٣٣٠١ - وعنه - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين رواه أحمد في حديث والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ٢٨٠)، والطيالسى (٢٧٠٧)، والضبى في الدعاء (١٢٨)، والحميدي (١١٥٠)، وإسحاق (٣٠٠)، وأحمد ٢/ ٣٠٥ (٨١٥٨) و٢/ ٤٤٥ (٩٨٧٤)، وابن ماجه (١٧٥٢)، والترمذي (٢٥٢٦) و(٣٥٩٨)، وابن خزيمة (١٩٠١)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٥٨٧)، وابن حبان (٣٤٢٨) و(٧٣٨٧) والطبراني في الدعاء (١٣١٥) والأوسط (٧/ ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٧١١١)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢ رقم ٦٣٩٣) و(٨/ ٢٨٠ رقم ١٦٦٤٨) و(١٠/ ١٥٠ رقم ٢٠١٦٣) والشعب (٩/ ٣١١ رقم ٦٦٩٩)، والبغوى (١٣٩٥). قال الترمذي: هذا حديث حسن وسعدان القبي هو: سعدان بن بشر. وقد روى عنه عيسى بن يونس، وأبو =","vol":"9","page":514},{"text":"قوله: وعنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم\" تقدم الكلام على ذلك في الصوم.\n\n٣٣٠٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا رواه مسلم والنسائي (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن المقسطين عند الله على منابر من نور\" الحديث.\nقوله: \"على منابر من نور\" [المنابر جمع منبر سمي به لارتفاعه قال القاضي يحتمل أن يكونوا على منابر حقيقة على ظاهر الحديث ويحتمل أن يكون كناية عن المنازل الرفيعة قلت الظاهر الأول ويكون متضمنا للمنازل الرفيعة فهم على منابر حقيقة ومنازلهم رفيعة (^٢)]، وتقدم الكلام عليه في كتاب النكاح في العدل بين الزوجات.\n_________\n= عاصم، وغير واحد من كبار أهل الحديث، وأبو مجاهد هو: سعد الطائي، وأبو مدلة هو: مولى أم المؤمنين عائشة، وإنما نعرفه بهذا الحديث، ويروى عنه هذا الحديث أطول من هذا وأتم. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٥٨) وضعيف الترغيب (٥٨٣) و(٥٩٧) و(١٣١٦) و(١٣٤٩).\n(^١) أخرجه الحميدي (٥٩٩)، وأحمد ٢/ ١٥٩ (٦٥٩٦) و٢/ ١٦٠ (٦٦٠٣) و٢/ ٢٠٣ (٧٠١٦)، وابن زنجويه في الأموال (١١)، ومسلم (١٨ - ١٨٢٧)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٧٥ (٥٤٢٣)، وابن حبان (٤٤٨٤ و٤٤٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١١).","vol":"9","page":515},{"text":"٣٣٠٣ - وعن عياض بن حمار - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى مسلم وعفيف متعفف ذو عيال رواه مسلم المقسط العادل (^١).\nقوله: وعن عياض بن حِمار - ﵁ -، بكسر الحاء المهملة وبالراء المجاشعي التميمي الدارمي، عداده في أهل البصرة، وأسلم روى عنه الحسن البصري ومطرف بن الشخير، وكان حليفا لأبي سفيان بن حرب وأهدى للنبي - ﷺ - فردها عليه ثم أسلم قاله في شرح الإلمام.\nقوله - ﷺ -: \"أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط موفق\" الحديث، مقسط وما بعده مرفوع على أنه صفات لذو، وهي بمعنى صاحبن قال الحافظ: المقسط العادل (^٢)، أ. هـ، وقال ابن الأثير (^٣): المقسط من أسماء الله تعالى وهو العادل يقال: أقسط يقسط فهو مقسط إذا عدل وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار فكأن الهمزة في أقسط للسلب كما يقال شكي إليه فأشكاه.\nقوله: \"موفق\" الموفق: المسدد لفعل الخيرات (^٤).\nوقال ابن الأثير (^٥): موفق أي هيئ له أسباب الخير وفتح له أبواب البر، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٣ و٦٤ - ٢٨٦٥)، وابن حبان (٦٥٣).\n(^٢) التذكرة (ص ٨٠٦).\n(^٣) النهاية (٤/ ٦٠).\n(^٤) التذكرة (ص ٨٠٧).\n(^٥) قوله ابن الأثير ليس صوابا إنما قاله البيضاوي في تحفة الأبرار (٣/ ٢٥٤).","vol":"9","page":516},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى مسلم\" الحديث، ورقيق القلب أي في قلبه رقة وشفقة لينه عند التذكرة والموعظة، ويصح أن يكون بمعنى الشقيق (^١) انتهى.\nقوله - ﷺ -: \"وعفيف متعفف ذو عيال\" ذو بمعنى صاحب أي عفيف عما لا يحل له متعفف عن السؤال أي كاف عن الحرام مجتنب عن السؤال من الناس متحاش عنه متوكل على الله تعالى في أموره ويجوز أن يشير بالأول إلى ما في نفسه من القوة المانعة من الفواحش وبالثاني إلى إبراز ذلك بالفعل ذكره ابن الأثير (^٢).\n\n٣٣٠٤ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين صباحا رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناد الكبير حسن (^٣).\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٨٠٧) وشرح المصابيح (٥/ ٢٩٥) لابن ملك.\n(^٢) قاله التوربشتى في الميسر (٣/ ١٠٧٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٩٢ رقم ٤٧٦٥) والكبير (١١/ ٣٣٧ رقم ١١٩٣٢)، وسمويه في فوائده (٣٣)، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (١٦)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٨٠ - ٢٨١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٨٠)، وابن عساكر في المعجم (١١٩٢). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا عفان بن جبير، تفرد به: جعفر بن عون، ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. قال ابن عساكر: هذا حديث غريب. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٧: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سعد أبو غيلان الشيباني ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٦/ ٢٦٣: رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، وفيه زريق بن السخت ولم أعرفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٩٨٩) و(١٥٩٥)، وضعيف الترغيب (١٤٠٣).","vol":"9","page":517},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"حد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين صباحا\" الحديث.\nفائدة: في قوله \"أربعين صباحا\" والحكمة فيه والله أعلم أن مطر أربعين صباحا يروي الأرض فتنبت ما به تقوم أبدان أهل الأرض ويدوم غناهم عن أن يمطروا إلى العام الآخر فكذا إذا أقيم الحد ارتدع به من كان يرتكب المعاصي وامتنع عنها فتمطر أرض قلبه حتى تروى فتنبت الطاعة التي هي قوت القلوب وتحيى بها قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^١) أ. هـ.\n\n٣٣٠٥ - وروي عن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - يا أبا هريرة عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها ويا أبا هريرة جور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله ﷿ من معاصي ستين سنة وفي رواية عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة رواه الأصبهاني (^٢).\nقوله: وروي عن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها\" الحديث، وروى الإمام أحمد في الزهد عن مالك بن دينار قال: لما\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٧٩.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في فضيلة العادلين (١٥)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٧٨). قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٦٧): قلت: غريب بهذا اللفظ. وضعفه البوصرى في الإتحاف (٥/ ٤٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣١٨).","vol":"9","page":518},{"text":"استعمل عمر بن عبد العزيز على الناس يعني ولي الخلافة قال رعاء الشاء من هذا العبد الصالح الذي حام على الناس قيل لهم وما أعلمكم بذلك قالوا إذا ولي على الناس خليفة عدل كفت الذئاب والأسد عن شياهنا قاله في حياة الحيوان (^١).\nوسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال أما علمت أن لكل قوم نجيبا وأن نجيب بني أمية عمر بن عبد العزيز وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده (^٢).\nوأنه من حين ولي الخلافة ما اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استخلفه الله ﷿، ولما أفضت إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاء عاليا فسألوا عن البكاء فقالوا إن عمر خير جواريه فقال قد نزل بي أمر قد شغلني عنكن فمن أحب أن أعتقه عتقته ومن أحب أن لا يكون مني إليها شيء فبكين أناسا منهن وخير امرأته بين أن تقيم في منزلها وأعلمه أنه قد شغل عن النساء بما في عنقه (يعني من الخلافة) وبين أن تلحق بمنزل أبيها فبكت وبكى الجوار لبكائها وكانت امرأته [فاطمة بنت عبد الملك] تقول قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصياما من عمر ولكن لم أر أحدا من الناس كان أشد خوفا من الله ﷿ من عمر (^٣).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٥٠٣)، والخبر أسنده ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، والآجرى في أخبار أبى حفص عمر بن عبد العزيز (ص ٥٠)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٥٥).\n(^٢) حلية الأولياء (٥/ ٢٥٤).\n(^٣) جميع ذلك ذكره أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠).","vol":"9","page":519},{"text":"ولما ولي عمر بن الخطاب الخلافة [خرج يعس] بالمدينة [إذ أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل فإذا امرأة] تقول لابنتها قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فقال ابنتها: إن عمر أمر مناديا فندى لا يشاب لبن بماء فقالت لها أمها فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر فقالت الجارية لأمها يا أماه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء وعمر يسمع ذلك جميعه فقال عمر: يا أسلم يعني الذي كان معه حين مر على الباب علِّم الباب، واعرف الموضع فلما أصبح قال لأسلم امض إلى الموضع وانظر من القائلة ومن المقول لها وهل لها من بعل قال أسلم فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا بعل لها وإذا القائلة لها أمها وإذا [ليس] لها رجل فأتيت عمر فأعلمته فدعا عمر ولده فجمعهم ثم قال أفيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه ولو كان بابيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية فقال عبد الله بن عمر لي زوجة وقال عبيد الله أخوه لي زوجة وقال عاصم أخوهما يا أبت لا زوجة لي فزوجني فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت بنتا فولدت الابنة عمر بن عبد العزيز (^١) قاله في مجمع الأحباب، مختصر.\nفائدة: ما الحكمة في قوله: \"ستين سنة\" والحكمة فيه والله أعلم في التحديد بستين سنة أن غالب عيش الأمة ما بين الستين والسبعين ويؤيد ذلك قوله - ﷺ -: \"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز\n_________\n(^١) أخبار أبى حفص عمر بن عبد العزيز (ص ٤٨ - ٤٩).","vol":"9","page":520},{"text":"ذلك\" رواه البخاري (^١)، فكأنه قال: عدل ساعة يعدل عبادة العمر والله أعلم.\n\n٣٣٠٦ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل وأبغض الناس إلى الله تعالى وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر رواه الترمذي والطبراني في الأوسط مختصرا إلا أنه قال أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر وقال الترمذي حديث حسن غريب (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٣١) و(٣٥٥٠)، وابن ماجه (٤٢٣٦)، وابن حبان (٢٩٨٠)، والحاكم (٢/ ٤٢٧)، وابن منده في التوحيد (١٠٧). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. وقال ابن منده: وهذا إسناد حسن مشهور عن المحاربي. وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن صحيح - \"الصحيحة\" (٧٥٧)، المشكاة (٥٢٨٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٢٢ (١١٣٤٤) و٣/ ٥٥ (١١٧٠٢)، والترمذي (١٣٢٩)، والبغوى في الجعديات (٢٠٠٤) و(٢٠٣٥ و٢٠٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (٦٤٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٦٦ رقم ١٥٩٥) و(٥/ ٤٦ رقم ٤٦٣٣) و(٥/ ٢٣٩ رقم ٥١٩٦) والصغير (١/ ٣٩٧ رقم ٦٦٣)، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (١٩)، والبيهقي في الشعب (٩/ ٤٧٣ - ٤٧٤ رقم ٦٩٨١) والكبرى (١٠/ ١٥١ - ١٥٢ رقم ٢٠١٦٩).\nقال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال ابن القطان الفاسي: يرويه عطية العوفي، وهو يضعف، وقال فيه ابن معين: صالح. فالحديث به حسن الوهم والإيهام ٤/ ٣٦٣. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٧: رواه الطبراني، وفيه عطية، وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيف، الروض النضير (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧)، الضعيفة (١١٥٦)، المشكاة (٣٧٠٤/ التحقيق الثاني)، ضعيف الجامع (١٣٦٣)، ضعيف الترغيب (١٣١٩).","vol":"9","page":521},{"text":"قوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل\" أي: أقربهم والدنو القرب والمراد بالإمام العادل السلطان.\n\n٣٣٠٧ - وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال أفضل الناس عند الله منزلة يوم القيامة إمام عادل رفيق وشر عباد الله عند الله منزلة يوم القيامة جائر خرق رواه الطبراني في الأوسط من رواية ابن لهيعة وحديثه حسن في المتابعات (^١).\nقوله: وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"وشر عباد الله عند الله منزلة يوم القيامة جائر خرق\" والخرق هو الذي [فيه خرق وهو الجهل والحمق].\nقوله: رواه الطبراني في الأوسط من رواية ابن لهيعة، وتقدم الكلام على عبد الله بن لهيعة.\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في المطالب العالية (٢١٥٠)، وابن المنذر في الأوسط (٦٤٣٦)، وابن الأعرابى في المعجم (٦٩٣) و(٦٩٤)، والطبراني في الأوسط (١/ ١١٢ رقم ٣٤٨)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٧٧ رقم ٦٩٨٦). وقال أبو حاتم في العلل (٢٠١٦): هذا حديث منكر، وابن أبي حميد ضعيف الحديث. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف. ذكره البوصيري في مختصر الإتحاف (٢/ ٨٠/ ٢) وقال: رواه إسحاق بن راهويه بسند فيه محمد بن أبي حميد، والطبراني في الأوسط من طريق ابن لهيعة، قال المنذري: حديثه حسن في المتابعات. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (١٣٢٠).","vol":"9","page":522},{"text":"٣٣٠٨ - وروي عن أنس - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - يجاء بالإمام الجائر يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلجوا عليه فيقال له سد ركنا من أركان جهنم رواه البزار وهذا الحديث مما أنكر على أغلب بن تميم فيفلجوا عليه بالجيم أي يظهروا عليه بالحجة والبرهان ويقهروه حال المخاصمة (^١).\nقوله: وروي عن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يجاء بالإمام الجائر يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلجوا عليه\" الحديث أي يظهروا عليه بالحجة والبرهان ويقهروه حال المخاصمة.\n\n٣٣٠٩ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - إن أشد أهل النار عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي وإمام جائر رواه الطبراني ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم وفي الصحيح بعضه ورواه البزار بإسناد جيد إلا أنه قال وإمام ضلالة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٧٠٠٤)، وابن عدى في الكامل (٢/ ١٢٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٧٦ - ١٧٧). قال البزار: وحديث أغلب بن تميم لا نعلم رواه عنه إلا ابنه، ولا نعلمهما يروى، عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وأغلب ليس بالحافظ. وقال ابن عدى: وهذه الأحاديث التي أمليتها مع أحاديث له سواها عامتها غير محفوظة إلا أنه من جملة من يكتب حديثه وله أحاديث غير ما ذكرته ولم أجد له فيما يرويه أنكر من هذه الأحاديث التي أمليتها. وقال الهيثمي ٥/ ٢٠٥: رواه البزار، وفيه أغلب بن تميم، وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر الضعيفة (١١٥٨)، وضعيف الترغيب (١٣٢١).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٤٠٧ (٣٩٤٥)، والبزار (١٧٢٨)، والطحاوى في مشكل الآثار (٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٦ رقم ١٠٥١٥) وعنه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢١ - ١٢٢)، =","vol":"9","page":523},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم. قوله - ﷺ -: \"إن أشد أهل النار عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي وإمام جائر\" الجائر هو ضد العادل.\nقوله: ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم [فيه خلاف، وقد حدث عنه الناس وضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، وقال مؤمل بن الفضل: سألت عيسى بن يونس عن ليث فقال: قد رأيته، وكان قد اختلط وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار، وهو على المنارة يؤذن، وقال الدارقطني: كان صاحب سنة إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، ووثقه ابن معين في رواية].\n\n٣٣١٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف والفتى المختال والشيخ الزاني والإمام الجائر رواه النسائي وابن حبان في صحيحه وهو في مسلم بنحوه إلا أنه قال وملك كذاب وعائل مستكبر (^١).\n_________\n= والدارقطني في العلل (٥/ ٣٠٥). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا أسنده، عن عاصم، عن أبي وائل إلا أبان. وقال أبو نعيم: غريب من حديث طلحة وخيثمة يقال إنه من مفاريد أبي نباتة. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣٦: رواه الطبراني وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. ورواه البزار إلا أنه قال: وإمام ضلالة. (ورجاله ثقات. وكذلك رواه أحمد). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨١) وصحيح الترغيب (٢١٨٥).\n(^١) أخرجه البزار (٨٤٥٣)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٧٤ (٢٥٩٥) والكبرى (٢٣٦٨) و(٧١٠١) وابن حبان (٥٥٥٨)، والقضاعى في مسند الشهاب (٣٢٤)، والبيهقي في =","vol":"9","page":524},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أربعة يبغضهم الله الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المستكبر\" والعائل هو الفقير، قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (^١) وفي رواية: \"لا يكلمهم الله يوم القامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم\" فذكرهم، قال القاضي عياض (^٢): سبب هذا الوعيد الشديد أن كل واحد التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه وعدم ضرورته إليها وضعف دواعيها عنده وإن كان لا يعذر أحد بذنب لكن لما يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة ولا دواعي معتادة أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى وقصد معصيته لا لحاجة غيرها لأن الشيخ لكمال عقله وتمام معرفته بطول ما مر عليه من الزمان وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء وغير ذلك [أي في مندوحة عن الزنا]، وإنما دواعي الشباب والحرارة الغريزية وقلة المعرفة وغلبة الشهوة لضعف العقل وصغر السن وكذلك الإمام لا يخشى من أحد ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته فإن الإنسان إنما يداهن ويصانع\n_________\n= الشعب (٦/ ٤٨٨) و(٩/ ٤٧٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٤٩١). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٦٣)، صحيح الترغيب (١٧٩٠) و(١٢٨٦) و(٢٣٩٧) و(٢٩٠٧)، صحيح الجامع (٨٨٠). وأخرجه مسلم (١٧٢ - ١٠٧) بلفظ: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم - قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم - ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر.\n(^١) سورة الضحى، الآية: ٨.\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٣٨٣) وشرح النووي على مسلم (٢/ ١١٥).","vol":"9","page":525},{"text":"بالكذب وشبهه من يحذره ويخشى أذاه ومعاتبته أو يطلب بذلك عنده منزلة أو منفعة وهو غني عن الكذب مطلقا وكذلك العائل الفقير قد عدم المال وإنما سبب الفخر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء الثروة في الدنيا لكونه ظاهرًا فيها وحاجات إليها إليه فإذا لم يكن عنده أسبابها فبماذا يستكبر ويحتقر غيره فلم يبق فعله وفعل الشيخ الزاني والإمام الكذاب إلا لضرب من الاستخفاف بحق الله تعالى وعاندته وقصد معصيته والله أعلم.\n\n٣٣١١ - وعن طلحة بن عبيد الله - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول ألا أيها الناس لا يقبل الله صلاة إمام جائر رواه الحاكم من رواية عبد الله بن محمد العدوي وقال صحيح الإسناد قال الحافظ وعبد الله هذا واه متهم وهذا الحديث مما أنكر عليه (^١).\nقوله: وعن طلحة بن عبيد الله - ﵁ - تقدم الكلام على مناقب طلحة بن عبيد الله في مواضع من هذا التعليق والله تعالى أعلم.\nقوله: \"ألا أيها الناس لا يقبل الله صلاة إمام جائر\"، قال العلماء: لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة كالصلاة في الدار المغصوبة والعبد الآبق ومن\n_________\n(^١) أخرجه الباغندى في مسند عمر بن عبد العزيز (٨٧)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٩٧)، والحاكم (٤/ ٨٩) ولفظهم جميعا: \"ألا أيها الناس لا يقبل الله صلاة إمام حكم بغير ما أنزل الله\". قال العقيلى: والخبر معروف من حديث الناس بغير هذا الإسناد، آخر الحديث يعرف بغير هذا الإسناد، وأوله غير محفوظ. وصححه الحاكم وقال الذهبي: سنده مظلم، وفيه عبد الله بن محمد العدوي متهم. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٣٢٢) والضعيفة (١١٦٠).","vol":"9","page":526},{"text":"أتى كاهنا فصده بما يقول ومن شرب الخمر وغير ذلك من الأحاديث وتقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق.\nقوله: رواه الحاكم من رواية عبد الله بن محمد العدوي.\n\n٣٣١٢ - وروي عن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - ثلاثة لا يقبل الله لهم شهادة أن لا إله إلا الله فذكر منهم الإمام الجائر رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يقبل الله لهم شهادة أن لا إله إلا الله فذكر منهم الإمام الجائر\" تقدم الكلام على القبول وفي الحديث أيضًا لا تبلغ شفاعتي إماما عسوفا (^٢) أي جائر ظلوما والعسف في الأصل أن يأخذ المسافر على غير\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٩٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٦٦ رقم ٣١٠٤)، والشجرى في الأمالى (١/ ٢٤). قال ابن حبان: عمر بن راشد الجاري القرشي مولى عبد الرحمن بن أبان بن عثمان كان ينزل الجار وهو الذي يقال له الساحلي يضع الحديث. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن حرملة إلا عمر بن راشد، ولا عن عمر إلا صالح بن أبي صالح، تفرد به أبو عطاء. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٧٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن راشد المدني الحارثي وهو كذاب. وقال الألباني: موضوع في الضعيفة (٥٣٦٣) وضعيف الترغيب (١٤٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٤١) و(٤٢٣)، وأبو يعلى كما في المطالب (٢١٥٨)، والرويانى (١٣٠٣)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢١٣ رقم ٤٩٥) و(٢٠/ ٢١٤ رقم ٤٩٦)، وابن سمعون في الأمالى (٢٤٠)، والبيهقي في البعث والنشور (١٨)، والهروى في ذك الكلام (٤٦٣) عن معقل بن يسار. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣٦: رواه الطبراني =","vol":"9","page":527},{"text":"طريق ولا جادة ولا علم وقيل هو ركوب الأمر من غير روية فنقل إلى الجور والله أعلم قاله في النهاية (^١).\n\n٣٣١٣ - وروي عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده فإن عدل كان له الأجر وكان يعني على الرعية الشكر وإن جار أو حاف أو ظلم كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر وإذا جارت الولاة قحطت السماء وإذا منعت الزكاة هلكت المواشي وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر والمسكنة وإذا أخفرت الذمة أديل الكفار أو كلمة نحوها رواه ابن ماجه وتقدم لفظه والبزار واللفظ له والبيهقي ولفظه عن ابن عمر قال كنا عند رسول الله - ﷺ - فقال كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا وما بخس قوم\n_________\n= بإسنادين في أحدهما منيع قال ابن عدي: له أفراد، وأرجو أنه لا بأس به، وبقية رجال الأول ثقات.\nوأخرجه مسدد كما في الاتحاف (٥/ ٣٦) والمطالب (٢١٥٧)، والرويانى (٢/ ٢٧٤)، والمؤمل في جزئه (٦)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٦١٢)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨١ رقم ٨٠٧٩) ومجمع البحرين (٤/ ٢٣٥ رقم ٢٥٧٧) عن أبي أمامة. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣٥: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجال الكبير ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٤٧٠) وصحيح الترغيب (٢٢١٨) بمجموعهما.\n(^١) النهاية (٣/ ٢٣٧).","vol":"9","page":528},{"text":"المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولا حكم أمراؤهم بغير ما أنزل الله إلا سلط عليهم عدوهم فاستنقذوا بعض ما في أيديهم وما عطلوا كتاب الله وسنة نبيه إلا جعل الله بأسهم بينهم رواه الحاكم بنحوه من حديث بريدة وقال صحيح على شرط مسلم (^١).\nقوله: وروي عن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده\" الحديث لأنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس وقد يكنى بالظل عن الكنف والناحية ومنه الحديث: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام\" أي: في ذراها وناحيتها وقد تكرر ذكر الظل في\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩)، والبزار كما في كشف الأستار (١٥٩٠) و(١٦٧٦) وهو في المسند (٥٣٨٣)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٥١٤)، والطبراني في مسند الشاميين (١٥٥٨)، وفي الأوسط (٥/ ٦١ - ٦٢ رقم ٤٦٧١)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٤٠٢)، والحاكم (٤/ ٥٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وتمام (٥٠٢)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٢٢ رقم ٣٠٤٢) و(٥/ ٢٣ رقم ٣٠٤٣) و(٩/ ٤٧٥ - ٤٧٦ رقم ٦٩٨٤). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٦: رواه البزار، وفيه سعيد بن سنان أبو مهدي، وهو متروك. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣١٧ - ٣١٨: رواه البزار ورجاله ثقات.\nوقال الألباني: موضوع باللفظ الأول للبزار الضعيفة (٦٠٤) وضعيف الترغيب (١٣٢٤). وأما طريق ابن ماجه وليس فيه السلطان ظل الله: صححه الحاكم وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٨٦: هذا حديث صالح للعمل به وقد اختلف في ابن أبي مالك وأبيه. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٦) وصحيح الترغيب (٧٦٤) و(١٧٦١) و(٢١٨٧).","vol":"9","page":529},{"text":"الحديث ولا يخرج عن هذه المعاني ومنه شعر العباس يمدح النبي - ﷺ -:\nمن قبلها طبت في الظلال ... وفي مستودع حيث يخصف الورق\nأراد ظلال الجنة أي كنت طيبا في صلب آدم حيث كان في الجنة\nوقوله: \"من قبلها\" أي من قبل نزولك إلى الأرض فكنى عنها ولم يتقدم لها ذكر بيان المعنى (^١).\nوقال في لطائف المنن في قوله - ﷺ -: \"السلطان ظل الله في الأرض\" هذا إذا كان عادلًا، وأما إذا كان جائرا فهو ظل النفس والهوى (^٢).\nسئل أبو نصر عن تفسير الظل، فقال: الظل على وجوه: الظل النعمة، يقال: فلان يعيش في ظل فلان أي في نعمته.\nويكون الظل الحفظ يقال فلان في ظل فلان أي في حفظه، والظل الهيئة يقال فلان يخاف من ظل فلان، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"فإن عدل كان له الأجر وكان يعني على الرعية الشكر\" فالسلطان ظل الله ورمحه، استوعب بهاتين الكلمتين نوعي ما على الوالي للرعية أحدهما الانتصار من الظالم والإعانة لأن الظل يلجأ إليه من الحرارة والشدة ولهذا قال في تمام الحديث: يأوي إليه كل مظلوم والآخر إرهاب العدو ليرتدع عن قصد الرعية وأذاهم فيأمنوا بمكانه من الشر والعرب تجعل الرمح كناية عن الدفع والمنع (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٦٠).\n(^٢) لطائف المنن (ص ١٤٩) والقائل هو أبو العباس المرسى.\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٨٠٠ - ٨٠١) والنهاية (٢/ ٢٦٢).","vol":"9","page":530},{"text":"قوله - ﷺ -: \"فإن عدل كان له الأجر وكان يعني على الرعية الشكر\" تقدم أحاديث كثيرة في فضل العدل منها حديث أبي هريرة \"عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها\".\nقوله - ﷺ -: \"وإذا جار أو حاف أو ظلم كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر\" الوزر هو الإثم، الحيف: الميل في الحكم والجور والظلم يقال حاف عليه يحيف إذا جار في [حكمه]، وروي عن ابن عمر أنه لما بلغه أنه ولي يزيد بن معاوية فقال: إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا (^١)، وقال بعض الصحابة: إذا عدلت الأئمة على الرعية كان الشكر على الرعية والأجر للأئمة وإذا جارت الأئمة على الرعية كان الصبر على الرعية والوزر على الأئمة (^٢)، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"وإذا أخفرت الذمة أديل الكفار\" يقال: أخفرت فلانا إذا نقضت عهده (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"أديل الكفار\" أي صارت الدولة لهم.\nقوله - ﷺ - في رواية البيهقي: \"كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٥٧٥)، وابن سعد في الطبقات: ٤/ ١٨٢، وابن أبي زمنين في أصول السنة (٢٠٦)، والداني في السنن الواردة في الفتن (١٤٥).\n(^٢) بستان العارفين (١/ ٣٥١).\n(^٣) غريب الحديث (١/ ٥٧١) لابن قتيبة، ومجمل اللغة ١/ ٢٩٧، وتفسير غريب ما في الصحيحين ص ٣٥٧ و٥٥٠، وغريب الحديث لابن الجوزى (١/ ٢٩٠).","vol":"9","page":531},{"text":"علانية\" الرماد بالفاحشة الزنا.\nقوله - ﷺ -: \"وما بخس قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان\" الحديث، البخس النقص والسنين جمع سنة وهو العام المقحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئا سواء نزل غيث أم لم ينزل وتقدم ذلك من كلام المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"وما عطلوا كتاب الله وسنة نبيه إلا جعل الله بأسهم بينهم\" التعطيل لكتاب الله وسنة نبيه ترك العمل بما فيهما.\n\n٣٣١٤ - وعن بكير بن وهب - ﵁ - قال قال لي أنس أحدثك حديثا ما أحدثه كل أحد إن رسول الله - ﷺ - قام على باب البيت ونحن فيه فقال الأئمة من قريش إن لي عليكم حقا ولهم عليكم حقا مثل ذلك ما إن استرحموا رحموا وإن عاهدوا وفوا وإن حكموا عدلوا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه أحمد بإسناد جيد واللفظ له وأبو يعلى والطبراني (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٤٠٢ (٣٢٣٨٨)، وأحمد ٣/ ١٢٩ (١٢٥٠١) و٣/ ١٨٣ (١٣٠٩٨)، والنسائي في الكبرى (٥٩٠٩)، وأبو يعلى (٤٠٣٣)، والدولابى في الكنى (٥٧٦)، والطبراني في الدعاء (٢١٢٠ و٢١٢١) والأوسط (٦/ ٣٥٧ رقم ٦٦١٠)، والدانى في الفتن (٢٠١).\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٢: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط أتم منهما والبزار إلا أنه قال: \"الملك في قريش\". ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٨٨) و(٢٢٥٩).","vol":"9","page":532},{"text":"قوله: وعن بكير بن وهب - ﵁ -.\nفوائد تتعلق بسب الملوك: فقد روي فيما أنزل الله على بعض أنبيائه يقول الله تعالى: \"أنا ملك الملوك وقلوب الملوك نواصيهم بيدي، فلا تشغلوا أنفسكم بلعن الملوك، توبوا إليَّ أرفقهم عليكم\" (^١) وفي حديث ابن عمر: \"ولا تسبوا السلطان فإن كان لا بد فقولوا اللهم دنهم كما يدينوننا\" أي اجزهم بما يعاملونا به قاله في النهاية (^٢)، وفي رواية: \"ما عمل قوم بمعصيتي ومخالفتي إلا جعلت قلوب الملوك عليهم سخطة وما عمل قوم بطاعتي إلا جعلت قلوب الملوك عليهم رحمة\" وقد روى أبو نعيم من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله ﷿ يقول أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك وملك الملوك قلوب الملوك بيدي وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخطة والنقمة فساموهم سوء العذاب فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع إلى أكفكم ملوككم\" (^٣).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٩١).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٤٩).\n(^٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ٧٦)، والطبراني في الأوسط (٩/ ٩ رقم ٨٩٦٢) وعنه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٨٨)، وتمام في الفوائد (٦٥٧). نقل ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٢٨٢) عن الدارقطني أنه قال: وهب بن راشد ضعيف جدا متروك الحديث، ولا يصح هذا الحديث مرفوعا. وقال: رواه جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قرأ في الكتب هذا الكلام، وهو أشبه بالصواب. =","vol":"9","page":533},{"text":"قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أعمالكم عمالكم كما تكونون يولى عليكم إذا أحسن قويكم إلى ضعيفكم ووقر صغيركم كبيركم ورحم كبيركم صغيركم وتواصيتم فيما بينكم بطاعة الله ﷿ جعل الله تعالى قلوب الولاة عليكم رحمة وإذا صلتم على ضعيفكم وأهنتم كبيركم ولم ترحموا صغيركم وركب كل منكم هواه فلا آمر بمعروف ولا ناه عن منكر جعل الله تعالى قلوب الولاة عليكم سخطة وسلط عليكم من لا يرحمكم\" (^١)، أ. هـ.\nقال الغزالي: السلاطين في زماننا ظلمة قلما يأخذون شيئا على وجهه بحقه فلا تحل معاملتهم ولا معاملة من يتعلق بهم حتى القضاة والتجارة في الأسواق بنوها بغير حق واستبراء الدين والورع اجتناب الربط والمدارس والقناطر التي أنشأوها بالأموال المغصوبة التي لا يعلم لها مالكا عافانا الله من ذلك بمنه وكرمه [وروى ابن الأثير في كتاب المناقب عن أبي شهاب قال: كنت ليلة مع سفيان الثوري، فرأى نارًا من بعيد، فقال: ما هذا؟ فقلت: نار صاحب الشرطة، فقال: اذهب بنا في طريق آخر لا نستضئ بنارهم] (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"الأئمة من قريش\" فذكره إلى أن قال \"وإن حكموا عدلوا فمن\n_________\n= قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٩٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه وهب بن راشد، وهو متروك. وقال الألباني في الضعيفة (١٤٦٦): ضعيف جدا.\n(^١) لم أعثر عليه.\nولكن روى ابن أبي الدنيا في العقوبات (٣٤) عن ابن عمر نحوه.\n(^٢) شرح المشكاة (٧/ ٢١٠٠) للطيبى.","vol":"9","page":534},{"text":"لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" تقدم معنى اللعنة وأنها البعد، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في فضل قريش وانعقد الإجماع على تفضيلهم على جميع قبائل العرب وغيرهم، وفي الصحيحين عن رسول الله - ﷺ - قال: \"الأئمة من قريش\" (^١) الحديث، وفي صحيح مسلم عن جابر عن رسول الله - ﷺ - قال: \"الناس تبع لقريش في الخير والشر\" (^٢) قال الخطابي: يريد بقوله: \"تبع لقريش\" (^٣) تفضيلهم على سائر العرب وتقديمها في الإمارة والإمامة، وفي الترمذي أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"الملك في قريش والقضاء في الأنصار والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد\" يعني اليمن، قال الترمذي: وروي مرفوعا وموقوفا على أبي هريرة وهو أصح (^٤)، وقال رسول الله - ﷺ -: \"قدموا قريشا وتعلموا من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٠١) و(٧١٤٠)، ومسلم (٤ - ١٨٢٠) عن ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان\". وأخرجه البخاري (٣٥٠٠) و(٧١٣٩) عن ابن عمرو بلفظ: \"إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين\". وأخرجه البخاري (٣٤٩٥) ومسلم (١ و٢ - ١٨١٨) عن أبي هريرة بلفظ: \"الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣ - ١٨١٩).\n(^٣) أعلام الحديث (٣/ ١٥٧٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٧٢، وأحمد ٢/ ٣٦٤ (٨٨٨٢)، والترمذي (٣٩٣٦)، والطبراني في الشاميين (١٩١٩). قال الترمذي عقب إسناده موقوفا من طريق ابن مهدى: وهذا أصح من حديث زيد بن حباب. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٨٤).","vol":"9","page":535},{"text":"قريش\" (^١) يريد بذلك الشافعي.\n\n٣٣١٥ - وعن سيار بن سلامة أبي المنهال - ﵁ - قال دخلت مع أبي على أبي برزة وإن في أذني لقرطين وأنا غلام قال قال - ﷺ - الأمراء من قريش ثلاثا ما فعلوا ثلاثا ما حكموا فعدلوا واسترحموا فرحموا وعاهدوا فوفوا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه أحمد ورواته ثقات والبزار وأبو يعلى بنصه (^٢).\nقوله: وعن سيار بن سلامة أبي المنهال - ﵁ - (^٣) [روى عن أبي برزة الأسلمي والبراء السليطي وأبيه سلامة وأبي العالية الرياحي البصري وأبي مسلم الجرمي وغيرهم وعنه سليمان التميمي وخالد الحذاء وعوف الأعرابي ويونس بن عبيد وسوار بن عبد الله العنبري الكبير وشعبة وحماد بن سلمة وغيرهم قال ابن معين والنسائي ثقة وقال أبو حاتم صدوق صالح\n_________\n(^١) روى من مرسل الزهري وحديث على وأنس وجبير بن مطعم وعتبة بن غزوان ومن حديث عبد الله بن السائب ومن حديث أبي هريرة. انظر الصَّحِيحَة: ١٦٩٧، والإرواء: ٥١٩.\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٤٢١ (٢٠٠٩١) و(٢٠٠٩٦) و٤/ ٤٢٤ (٢٠١١٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٦٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١١٢٥)، والبزار (٣٨٥٧)، وأبو يعلى (٣٦٤٥) والروياني (٧٦٤) و(١٣٢٣). قال البزار: لا نعلمه عن أبي برزة إلا بهذا الإسناد، وسكين بصري مشهور.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٣: رجاله رجال الصحيح خلا سكين بن عبد العزيز وهو ثقة. وقال الحافظ: إسناده حسن التلخيص ٤/ ٤٢ - تخريج أحاديث المختصر ١/ ٤٧٨ - موافقة الخبر الخبر ١/ ٤٧٨. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٨٩).\n(^٣) تهذيب الكمال ١٢/ الترجمة ٢٦٦٧، وتهذيب التهذيب ٤/ الترجمة ٥٠٩.","vol":"9","page":536},{"text":"الحديث قلت وقال العجلي بصري ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان ثقة].\nقوله: دخلت مع أبي على أبي برزة الأسلمي، أبو برزة الأسلمي اسمه [نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الله، وقال: نيار شيطان، وتقدم].\nقوله: وإن في أذني لقرطين وأنا غلام، الحديث، القرط قال ابن دريد: كل ما علق من شحمة الأذن فهو قرط سواء كان من ذهب أو خرز والله أعلم (^١).\n\n٣٣١٦ - وعن أبي موسى - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - على باب بيت فيه نفر من قريش وأخذ بعضادتي الباب فقال هل في البيت إلا قرشي قال فقيل يا رسول الله غير فلان ابن أختنا فقال ابن أخت القوم منهم ثم قال إن هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا قسموا أقسطوا فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل رواه أحمد ورواته ثقات والبزار والطبراني (^٢).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٢٩٢) وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٥٢٦ (٣٧٧١٩) وفي الأدب (٢٠١)، وأحمد ٤/ ٣٩٦ (١٩٨٥٠)، وأبو داود (٥١٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١١٢١)، والبزار =","vol":"9","page":537},{"text":"قوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: قام رسول الله - ﷺ - على باب بيت فيه نفر من قريش، النفر من ثلاثة إلى تسعة لا يكون فيهم امرأة، وتقدم الكلام على ذلك في عدة مواضع من هذا التعليق.\nقوله: وأخذ بعضادتي الباب، عضادتي الباب هما خشبتاه من جانبيه وأعضاد كل شيء ما يشد حواليه قاله الكرماني (^١).\nقوله: فقال \"هل في البيت إلا قرشي\" قال فقيل يا رسول الله غير فلان ابن أختنا فقال \"ابن أخت القوم منهم\" الحديث، سبب ذكر هذا الكلام هو أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين يقسم النبي - ﷺ - ما أفاء الله عليه من أموال هوازن يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل يغفر الله لرسوله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فجمع النبي - ﷺ - الأنصار فقال: أفيكم أحد من غيركم فقالوا: إلا ابن أخت لنا فقال - ﵇ - الحديث، ثم قال: إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أتألفهم الحديث.\n_________\n= (٣٠٦٩)، والرويانى (٥٥٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن أبي موسى بهذا الإسناد وأبو كنانة روى عنه زياد بن مخراق، حديثين هذا أحدهما والآخر رفعه عبد الله بن حمران وغير عبد الله لا يرفعه.\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٣: روى أبو داود منه: ابن أخت القوم منهم فقط، رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٥٨) وصحيح الترغيب (٢١٩٠).\n(^١) الكواكب الدرارى (٤/ ٩٠).","vol":"9","page":538},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ثم قال إن هذا الأمر في قريش\" أي: أمر الخلافة والولاية وسميت قريش قريشا باسم دابة تسكن البحر تأكل دوابه وقيل لاجتماعها بمكة بعد تفرقها في البلاد يقال فلان يتقرش المال أي يجمعه (^١)، قال النووي (^٢): وفي الحديث دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة ومن بعدهم ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف فهو محجوج بالإجماع وبالأحاديث الصحيحة وقد اتفق جمهور العلماء على أن القرشي متعين للخلافة ولا يختص بطن من قريش دون بطن، وكون الإمام هاشميا ليس بشرط وزعم الكعبي أن القرشي أولى بها فإن خافوا الفتنة جاز عقدها لغير القرشي وهو باطل بالحديث المذكور وبقوله - ﷺ -: \"الأئمة من قريش\" ذكره في شرح مشارق الأنوار والله أعلم.\nفإن قلت: فما قولك في زماننا حيث ليس الحكومة لقريش؟ قلت: في بلاد المغرب الخلافة فيهم وكذا في مصر انتهى قاله الكرماني (^٣).\nقوله: \"وإذا حكموا عدلوا وإذا قسموا أقسطوا\" أي: عدلوا.\nقوله - ﷺ -: \"فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدلا\" تقدم معنى ذلك في إخافة أهل المدينة وإرادتهم بسوء مبسوطًا.\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٤٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٠٠).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١٤/ ١١٦).","vol":"9","page":539},{"text":"٣٣١٧ - وعن معاوية - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع رواه الطبراني ورواته ثقات ورواه البزار بنحوه من حديث عائشة مختصرا والطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد جيد ورواه ابن ماجه مطولا من حديث أبي سعيد (^١).\n_________\n(^١) أما حديث معاوية: أخرجه وكيع في أخبار القضاة (١/ ٣٧)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٨٥ رقم ٩٠٣)، والشاميين (٣١٥) و(٣٣٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٨). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٩: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٩١).\nوأما حديث عائشة: أخرجه البزار مسند عائشة (٢٢٣)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٧٨ رقم ٧٢٠٨). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عائشة - ﵂ - إلا من هذا الوجه. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن عائشة إلا المثنى بن الصباح، تفرد به: حكام بن سلم ورواه عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٧: رواه البزار، وفيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف ووثقه ابن معين في رواية، وقال في رواية: ضعيف يكتب حديثه، ولا يترك. وقد تركه غيره. وقال عن رواية الطبراني ٥/ ٢٠٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه المثنى بن الصباح، وهو متروك ووثقه ابن معين في رواية.\nوأما حديث ابن مسعود: أخرجه الشافعي في المسند - ترتيب سنجر (١٥٠٢) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٦/ ٢٤١ رقم ١١٨٠١) ومعرفة السنن (٩/ ١١ رقم ١٢١٨٥) و(٩/ ١٨ - ١٩ رقم ١٢٢١٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١١٢)، وابن شبة في تاريخ المدينة (١/ ٢٤٢)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٦٢ - ١٦٣ رقم ٤٩٤٩) والكبير (١٠/ ٢٢٢ رقم ١٠٥٣٤) وعنه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سفيان بن عيينة مجودا إلا عبد الرحمن بن سلام. وقال أبو نعيم: غريب من حديث ابن عيينة، ما رواه عنه متصلا إلا الجمحي فيما أعلم. =","vol":"9","page":540},{"text":"٣٣١٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله النار رواه أبو داود (^١).\n\n٣٣١٩ - وعن ابن بريدة عن أبيه - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل قضى بغير حق يعلم بذلك فذلك في النار وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة. رواه أبو داود وتقدم لفظه وابن ماجه والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن غريب (^٢).\n\n٣٣٢٠ - وعن ابن أبي أوفى - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان رواه الترمذي وابن ماجه وابن\n_________\n= وقال الهيثمي ٤/ ١٩٧: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات. قال الحافظ في التلخيص ٣/ ١٥١: إسناده قوي. وصححه الألباني في المشكاة (٣٠٠٤).\nوأما حديث أبى سعيد الخدري: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٥٨ (٢٢١٠٥) مختصرا، وابن ماجه (٢٤٢٦)، وأبو يعلى (١٠٩١)، وابن بشران في الأمالى (٧٣١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٨٢١) و(١٣٤٠) قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٧: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٤٦): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه أبو يعلى، ورواته ثقات، رواة الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨١٨).\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٥٧٥) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥١ رقم ٢٠١٦٥). وضعفه الألباني في المشكاة (٣٧٣٦) والضعيفة (١١٨٦) وضعيف الترغيب (١٣٢٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥) وقد مر تخريجه في أول الكتاب.","vol":"9","page":541},{"text":"حبان في صحيحه والحاكم إلا أنه قال فإذا جار تبرأ الله منه رووه كلهم من حديث عمران القطان وقال الحاكم صحيح الإسناد قال الحافظ وعمران يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى (^١).\n\n٣٣٢١ - وعن سعيد بن المسيب - ﵁ - أن مسلما ويهوديا اختصما إلى عمر - ﵁ - فرأى الحق لليهودي فقضى له عمر به فقال له اليهودي والله لقد قضيت بالحق فضربه عمر بالدرة وقال وما يدريك فقال اليهودي والله إنا نجد في التوراة ليس قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يسددانه ويوفقانه للحق ما دام مع الحق فإذا ترك الحق عرجا وتركاه رواه مالك (^٢).\nقوله: وعن سعيد بن المسيب - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن مسلمًا ويهوديًا اختصما إلى عمر - ﵁ - فرأى الحق لليهودي فقضى له عمر به فقال له اليهودي والله لقد قضيت بالحق فضربه عمر بالدرة وقال وما\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٣٣٠)، وابن ماجه (٢٣١٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٣٦٥)، والبزار (٣٣٣٥ و٣٣٣٦ و٣٣٣٧)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٣٤ و٣٥) وابن المنذر في الأوسط (٦٤٦٣)، والدينوري في المجالسة (٣٤٩٣)، وابن حبان (٥٠٦٢)، والحاكم (٤/ ٩٣)، والبيهقي في الصغير (٤/ ١٢٥) والكبرى (١٠/ ١٥١ رقم ٢٠١٦٧ و٢٠١٦٨) و(١٠/ ٢٢٧ رقم ٢٠٤٥١).\nقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمران القطان. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في المشكاة (٣٧٤١)، وصحيح الترغيب (٢١٩٦).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (١٤٦١).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٩٧).","vol":"9","page":542},{"text":"يدريك، الحديث، الدرة هي بكسر الدال وتشديد الراء وهي معروفة ويقال لها العرفة بفتح العين والراء وبالقاف ذكره صاحب المحكم قاله النووي (^١).\n\n٣٣٢٢ - وعن عبد الله يعني ابن مسعود - ﵁ - يرفعه قال يؤتى بالقاضي يوم القيامة فيوقف على شفير جهنم فإن أمر به دفع فهوى فيها سبعين خريفا رواه ابن ماجه والبزار واللفظ له كلاهما من رواية مجالد عن عامر عن مسروق عنه وتقدم لفظ ابن ماجه في الباب قبله (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"يؤتى بالقاضي يوم القيامة فيوقف على شفير جهنم فإن أمر به دفع فهوى فيها سبعين خريفًا\" فإن أمر به دفع فهوى فيها سبعين خريفا، شفير جهنم، أي: جانبها وحرفها وشفير كل شيء حرفه وتقدم معنى الهوى والسبعين خريفًا.\nقوله: من رواية مجالد [بن سعيد وهو ضعيف].\n\n٣٣٢٣ - وروي عن أبي هريرة - ﵁ - أن بشر بن عاصم الجشمي - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول لا يلي أحد من أمر الناس شيئا إلا وقفه الله على\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٠٤).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣١١)، والبزار (١٩٣٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أسنده، عن مجالد إلا يحيى بن سعيد، قال: وسمعت عمرو بن علي يذكر هذا الحديث، عن يحيى بن سعيد، ومحمد بن فضيل، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، وأظن أن عمرو بن علي حمل حديث ابن فضيل على حديث يحيى في الرفع، لأني لم أسمع أحدا رفعه عن ابن فضيل إلا عمرو بن علي، فجمع فيه يحيى وابن فضيل. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٢٦).","vol":"9","page":543},{"text":"جسر جهنم فزلزل به الجسر زلزلة فناج أو غير ناج فلا يبقى منه عظم إلا فارق صاحبه فإن هو لم ينج ذهب به في جب مظلم كالقبر في جهنم لا يبلغ قعره سبعين خريفا وإن عمر - ﵁ - سأل سلمان وأبا ذر هل سمعتما ذلك من رسول الله - ﷺ - قالا نعم رواه ابن أبي الدنيا وغيره (^١).\n\n٣٣٢٤ - وعن معقل بن يسار - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال من ولي أمة من أمتي قلت أو كثرت فلم يعدل فيهم كبه الله على وجهه في النار رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبد العزيز بن الحصين وهو واه والحاكم وقال صحيح الإسناد ولفظه قال ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبه الله في النار وهو في الصحيحين بغير هذا اللفظ وسيأتي لفظه إن شاء الله (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٤٧). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٦٥)، وضعيف الترغيب (١٣٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٤٢٠ (٣٢٥٥٥)، وأحمد ٥/ ٢٥ (٢٠٦١٦)، وابن المنذر في الأوسط (٦٤٦٤)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٦٥ رقم ٦٦٢٩) والصغير (١/ ٢٨٢ رقم ٤٦٥) والكبير (٢٠/ ٢٢١ - ٢٢٢ رقم ٥١٤ و٥١٥ و٥١٦ و٥١٧ و٥١٨) و(٢٠/ ٢٢٣ رقم ٥١٩) ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٩٣)، والحاكم (٤/ ٩٠ - ٩١). وقال الطبراني في الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن عمار الدهني إلا عبد العزيز بن الحصين، تفرد به هشام. وقال في الصغير: لم يروه عن عبد الرحمن بن معقل إلا السري تفرد به أبو نوح.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١٣: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد العزيز بن الحصين وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٣٣) =","vol":"9","page":544},{"text":"قوله: وعن معقل بن يسار - ﵁ - (^١) [هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو على معقل بن يسار بن معبر بن حراق بن لأى بن كعب بن عبيد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزني البصري، ومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها توفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصري].\nقوله - ﷺ -: \"من ولي أمة من أمتي قلت أو كثرت فلم يعدل فيهم [إلا] كبه الله على وجهه في النار\" تقدم معناه في صلاة الصبح في النار، الأمة: تقدم الكلام عليها في الوضوء وغيره.\nقوله: \"فلم يعدل فيهم\" تقدم أحاديث كثيرة في فضل العدل، ومعنى كبه\n_________\n= و(٥٣٦٤) وضعيف الترغيب (١٣٢٨).\nوأخرجه البخاري (٧١٥٠ و٧١٥١)، ومسلم (٢٢٧ و٢٢٨ و٢٢٩ - ١٤٢) و(٢١ و٢٢ - ١٤٢) بلفظ: \"ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة\".\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٦ ترجمة ٥٩٣).","vol":"9","page":545},{"text":"الله على وجهه في النار تقدم في صلاة الصبح.\nقوله: رواه الطبراني في من رواية عبد العزيز بن الحصين [وهو واهٍ].\n\n٣٣٢٥ - وعن أبي موسى - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال إن في جهنم واديا وفي الوادي بئر يقال له هبهب حق على الله أن يسكنه كل جبار عنيد رواه الطبراني بإسناد حسن وأبو يعلى والحاكم وقال صحيح الإسناد (^١).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٥٣ (٣٤١٥٩)، والدارمى (٣٠٢٣)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (٢٢٥) وصفة النار (٣٥)، ووكيع في أخبار القضاة (٢/ ٢٥)، وأبو يعلى (٧٢٤٩) والعقيلى في الضعفاء (١/ ١٣٤)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٧٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٧ رقم ٣٥٤٨)، وابن عدى في الكامل (٢/ ١٤١)، والإسماعيلى في المعجم (٢٦١) والحاكم (٤/ ٣٣٢) و(٤/ ٥٩٦ - ٥٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\nوقال الحاكم: هذا حديث تفرد به أزهر بن سنان، عن محمد بن واسع لم يكتبه عاليا إلا من هذا الوجه. وقال أبو نعيم: هذا حديث تفرد به أزهر عن محمد وحدث به أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة عن يزيد بن هارون مثله ورواه سعيد بن سليمان الواسطي، عن أزهر مثله. قال العراقى تخريج الاحياء (١٢٥٢): فيه أزهر بن سنان، ضعفه ابن معين، وابن حبان، وأورد له في الضعفاء هذا الحديث.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٧: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وقال في ١٠/ ٢٢٦: رواه أبو يعلى، وفيه أزهر بن سنان، وقد وثق على ضعفه. وقال البوصيرى في الاتحاف ٧/ ٣٧٤: رواه أبو يعلى واللفظ له والطبراني والحاكم وصححه كلهم من طريق أزهر بن سنان وهو ضعيف. وقال في ٨/ ٢١٥: رواه أبو يعلى الموصلي والحاكم، ومدار إسناديهما على أزهر بن لشان، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٨١) و(٥١٩٦) وضعيف الترغيب (١٣٢٩) و(١٧٤٣).","vol":"9","page":546},{"text":"قوله: \"إن في جهنم واديا وفي الوادي بئر يقال له هبهب حق على الله أن يسكنه كل جبار عنيد\" تقدم معنى الجبار العنيد.\n\n٣٣٢٦ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل رواه أحمد بإسناد جيد رجاله رجال الصحيح (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل\" أي: جعل في يده وعنقه الغل وهو القيد المختص بهما (^٢).\n\n٣٣٢٧ - وعن رجل عن سعد بن عبادة - ﵁ - قال سمعته غير مرة ولا مرتين يقول قال رسول الله - ﷺ - ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح إلا الرجل المبهم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٤٢١ (٣٢٥٥٦) وأحمد ٢/ ٤٣١ (٩٧٠٣)، ومسدد كما في الاتحاف (٥/ ٣٤)، والدارمى (٢٧١٠)، وإسماعيل القاضي في مسند حديث مالك (٨٠)، والبزار (٧٨٢٥) و(٧٨٢٦)، والطبراني في الأوسط (١/ ٩٠ رقم ٢٧٢)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٦٣ رقم ٢٠٢١٤).\nوقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يحيى بن سعيد إلا عبيد، والثقات يروونه، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، وهو الصواب. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٢١) وصحيح الترغيب (٢١٩٨).\n(^٢) النهاية (٣/ ٣٨١).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (١٨)، وابن أبي شيبة في المسند (٨٢٣) والمصنف =","vol":"9","page":547},{"text":"قوله: وعن رجل عن سعد بن عبادة - ﵁ -[(^١) هو أبو ثابت، وقيل: أبو قيس سعد بن عبادة بن دليم، بضم الدال المهملة، وفتح اللام، ابن حارثة بن حرام بن حزيمة، بفتح الحاء المهملة وكسر الزاى، ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجى الساعدى المدنى. اتفقوا على أنه كان نقيب بنى ساعدة، وكان صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها، وكان سيدا، جوادا، وجيها في الأنصار، ذا رياسة وسيادة وكرم، وكان مشهورا بالكرم، وكان يحمل كل يوم إلى النبي - ﷺ - جفنة مملوءة ثريدا ولحما، ونقلوا أنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متوالدون متوالون إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، وآباؤه هؤلاء. وله ولأهله في الجود والكرم أشياء كثيرة مشهورة.\nوفي حديث طويل أن رسول الله - ﷺ - قال في قيس بن سعد بن عبادة أنه من\n_________\n= ٦/ ٤٢٠ (٣٢٥٥٣)، وأحمد ٥/ ٢٨٤ (٢٢٨٩٢) و٥/ ٢٨٥ (٢٢٨٩٩)، ومسدد كما في الاتحاف (٥/ ٣٥)، وعبد بن حميد (٣٠٦)، والحارث في مسنده (٦٠٠)، والبزار (٣٧٣٩ و٣٧٤٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٣ - ٢٤ رقم ٥٣٨٨ و٥٣٨٩)، وأبو نعيم في المعرفة (٣١٢٢)، والحاكم (٤/ ٨٩)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧ رقم ١٨١٧ و١٨١٨).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله - ﷺ - إلا من هذا الطريق.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٥: رواه أحمد، والبزار، والطبراني، وفيه رجل لم يسم، وبقية أحد إسنادي أحمد رجالها رجال الصحيح.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٩٩).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٢ ترجمة ٢٠٤).","vol":"9","page":548},{"text":"بيت جود، وشهد رسول الله - ﷺ - لسعد بأنه غيور، وكان شديد الغيرة، شهد سعد العقبة، وبدرا، وقيل: لم يشهد بدرا، وشهد باقي المشاهد. روى عنه بنوه قيس، وسعيد، وإسحاق، وعبد الله بن عباس، وأبو أمامة، وسهل بن سهل. وروى سعيد بن المسيب، والحسن البصري عنه، وروايتهما عنه مرسلة لم يدركاه. توفى سنة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: إحدى عشرة، وهو شاذ، بل غلط، واتفقوا على أنه كان بأرض حوران من الشام، وأجمعوا على أنه توفى بحوران].\nقوله - ﷺ -: \"ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل [أو يوبقه الجور] \" معنى يوبقه أي يهلكه والإباق الهلاك (^١).\n\n٣٣٢٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال ما من أمير عشرة إلا يؤتى به مغلولا يوم القيامة حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح وزاد في رواية وإن كان مسيئا زيد غلا إلى غله ورواه الطبراني في الأوسط بهذه الزيادة أيضًا من حديث بريدة (^٢).\n_________\n(^١) شرح مشكل الوسيط لابن الصلاح (٤/ ٣٦٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٤٣١ (٩٧٠٣)، ومسدد كما في الاتحاف (٥/ ٣٣)، وأبو إسحاق العسكرى في مسند أبي هريرة (٢٠)، والبزار (٨٤٩٢)، وأبو يعلى (٦٦١٤) و(٦٦٢٩)، والسراج كما فِي اللالئ (ج ١ ص ٤٨٠)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١١٢٠)، وأبو بكر الأنبارى (٤٢)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢١٦ رقم ٦٢٢٥)، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٦٤ رقم ٢٠٢١٥) والشعب (٩/ ٤٨٤ - ٤٨٦ =","vol":"9","page":549},{"text":"٣٣٢٩ - وعن ابن عباس - ﵄ - يرفعه قال ما من رجل ولي عشرة إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يقضى بينه وبينهم رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات (^١).\n\n٣٣٣٠ - وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه فكه عدله أو غله جوره رواه ابن حبان في\n_________\n= رقم ٦٩٩٧) والبغوى (٢٤٦٧). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا جمع ابن عجلان، عن سعيد، وابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة إلا يحيى بن سعيد. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٢١) وصحيح الترغيب (٢٢٠٠)\nوأما حديث بريدة: أخرجه البزار (٤٤٦٩)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٩١ رقم ٤٧٦٣) و(٦/ ٤٨ - ٤٩ رقم ٥٧٥٧). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عيسى بن المسيب إلا بكر بن خداش. وقال في الموضع الثاني: لم يرو هذا الحديث عن عطية إلا ابنه عمرو، وعيسى بن المسيب. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين وكلاهما فيه ضعف ولم يوثق. وقال الألباني: منكر بزيادة: (الزيادة)، الضعيفة (٦٨٦٦) وضعيف الترغيب (١٣٣٠ و١٣٣١).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٥ رقم ١٢٦٨٩) وفي الأوسط (١/ ٩٤ رقم ٢٨٦) و(٧/ ٨٦ رقم ٦٩٣٣) و(٩/ ١٤٤ رقم ٩٣٦٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٠٣).\nوقال الطبراني في الموضع الأول: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا المحاربي، تفرد به: الجعفي. وقال في الثالث: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا المحاربي، تفرد به يحيى بن سليمان الجعفي. وقال الحاكم: سعدان بن الوليد البجلي كوفي قليل الحديث، ولم يخرجا عنه. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٦: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله ثقات. وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعدان بن الوليد، ولم أعرفه. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٨٧٠) وضعيف الترغيب (١٣٤٦) من طريق الحاكم. وقال في صحيح الترغيب من طريق الأوسط: حسن صحيح (٢٢٠١).","vol":"9","page":550},{"text":"صحيحه من رواية إبراهيم بن هشام الغساني (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه فكه عدله أو غله جوره\" تقدم معناه.\nقوله: رواه ابن حبان من رواية إبراهيم بن هشام الغساني [وثقه الطبراني وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له في صحيحه غير ما حديث وكذبه أبو زرعة وغيره قاله المنذري].\n\n٣٣٣١/ -ب - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - عرض علي أول ثلاثة يدخلون النار أمير مسلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله فيه وفقير فخور رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤٥٢٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦ رقم ٦٥٩) و(٧/ ١١٠ رقم ٧٠٠٣). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن عبد العزيز إلا إبراهيم بن هشام. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٠٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، وثقه ابن حبان وغيره، وكذبه أبو حاتم، وأبو زرعة، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (١٣٣٢).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٤٦)، والطيالسى (٢٦٩٠)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٢٠٥ (١٩٣٣٥) و٧/ ٢٦٨ (٣٥٩٦٩)، وأحمد ٢/ ٤٢٥ (٩٦٢٣) و٢/ ٤٧٩ (١٠٣٤٦)، وابن خزيمة (٢٢٤٩)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٥٨٠)، وابن حبان (٤٦٥٦) و(٧٤٨١)، والحاكم ١/ ٣٨٧، أبو نعيم في صفة الجنة (٨٠)، والدارقطني في العلل (٩/ ٢٧١)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٨ - ٣٩ رقم ٣٠٦٣) و(١١/ ١٠٠ - ١٠١ رقم ٨٢٤٦) والكبرى (٤/ ١٣٨ رقم ٧٢٢٧)، وتمام في الفوائد =","vol":"9","page":551},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"عرض علي أول ثلاثة يدخلون النار أمير مسلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله فيه وفقير فخور\" الحديث، الأمير المسلط الظاهر والله أعلم أنه الظالم، وذو بمعنى صاحب والثروة المال الكثير والمراد بقوله: \"لا يؤدي حق الله في ماله\" المراد بحق الله تعالى الزكاة، والفقير الفخور المعجب المتكبر.\n\n٣٣٣٢ - وعن عوف بن مالك - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول إني أخاف على أمتي من أعمال ثلاثة قالوا وما هي يا رسول الله فقال زلة عالم وحكم جائر وهوى متبع رواه البزار والطبراني من طريق كثير بن عبد الله المزني وهو واه وقد احتج به الترمذي وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه وبقية إسناده ثقات (^١).\nقوله: وعن [عمرو بن] عوف [بن مالك]- ﵁ -.\n_________\n= (٤٤٩) و(١٣٨٥)، وابن بشران (٨٤٢). وضعفه الألباني في المشكاة - التحقيق الثاني (٣٨٣٢) وضعيف الترغيب (٤٦٤) و(١٢٢١) و(١٣٣١) و(١٧٣٨).\n(^١) أخرجه البزار (٣٣٨٤)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٨٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٧ رقم ١٤)، وابن عدى في الكامل (٧/ ١٨٨ - ١٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (١١٢٧)، والبيهقي في المدخل (١/ ٤٤٢ رقم ٨٣٠)، والهروى في ذم الكلام (٨٣).\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣٩: رواه الطبراني، وفيه كثير بن عبد الله المزني، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (٣٦) و(١٣٣٤).","vol":"9","page":552},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إني أخاف على أمتي من أعمال ثلاثة: زلة عالم، وحكم جائر\" أي حاكم جائر \"وهوى متبع\" تقدم ذلك والهوى الميل.\n\n٣٣٣٣ - وعن عائشة - ﵂ - قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به رواه مسلم والنسائي ورواه أبو عوانة في صحيحه وقال فيه من ولي منهم شيئا فشق عليهم فعليه بهلة الله قالوا يا رسول الله وما بهلة الله قال لعنة الله قال الحافظ ويأتي في باب الشفقة إن شاء الله (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه\" أي عسر عليهم وأوصل المشقة إليهم، هذا الحديث من أبلغ الزواجر المشقة على الناس وأعظ الحث على الرفق بهم، وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى (^٢)، أ. هـ، ذكره المنذري في الحواشي، ففيه الدعاء على من شق عليهم بتشديد أو غيره، والدعاء لمن رفق بهم فليحترز ولي الأمر والله\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٩٣ (٢٦٨٤٠) و٦/ ٢٥٨ (٢٦٨٥٣)، ومسلم (١٩ - ١٨٢٨)،، والنسائي في الكبرى (٨٨٢٢)، وأبو عوانة (٧٤٦٤)، وابن حبان (٥٥٣)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٧٢ - ١٧٣ رقم ٩٤٤٩) والشاميين (١١٠٨)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٧٤ رقم ١٧٩١٣) و(١٠/ ٢٣١ رقم ٢٠٤٦٦). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به حرملة بن عمران.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٣).","vol":"9","page":553},{"text":"المستعان. أ. هـ، قاله في حدائق الأولياء (^١)، ورواه أبو عوانة في صحيحه وقال فيه: \"من ولي منهم شيئا فشق عليهم فعليه بهلة الله\" قالوا: وما بهلة الله؟ قال: \"لعنة الله\"، البهلة: بضم الباء وفتحها، والمباهلة الملاعنة وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا لعنة الله على الظالم منا، قاله ابن الأثير ومنه حديث ابن الصبغاء قال: الذي بهله بريق أي الذي لعنه ودعا عليه وبريق اسم رجل (^٢).\n\n٣٣٣٤ - وعن أبي عثمان قال كتب إلينا عمر - ﵁ - ونحن بأذربيجان يا عتبة بن فرقد إنه ليس من كدك ولا كد أبيك ولا كد أمك فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير رواه مسلم (^٣).\nقوله: وعن أبي عثمان، أبو عثمان اسمه (^٤) [عبد الرحمن بن مل بضم أوله وكسر اللام ابن عمرو بن عدي النهدي أبو عثمان الكوفي، نزيل البصرة، أسلم على عهد النبي - ﷺ - وصدق إليه ولم يره، يروى عن عمر وعلي وأبي ذر وعنه قتادة وأيوب وأبو التياح والجريري وخلق وثقه ابن المديني وأبو حاتم والنسائي وصحب سلمان الفارسي اثنتي عشرة سنة، وكان يقول أتت علي\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥٨٥).\n(^٢) النهاية (١/ ١٦٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢ و١٣ - ٢٠٦٩).\n(^٤) تهذيب الكمال (١٧/ الترجمة ٣٩٦٨، وتذهيب تهذيب الكمال ٦/ الترجمة ٤٠٤١، وتهذيب التهذيب ٦/ الترجمة ٥٤٩.","vol":"9","page":554},{"text":"مائة وثلاثون سنة وما مني شيء إلا وقد أنكرته خلا أملي، وقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه إني لأحسب أبا عثمان كان لا يصيب ذنبا كان ليله قائما ونهاره صائما وقيل إنه حج واعتمر ستين مرة قال عمرو بن علي مات سنة خمس وتسعين وقال ابن معين سنة مائة عن أكثر من مائة وثلاثين سنة].\nقوله: كتب إلينا عمر - ﵁ - ونحن بأذربيجان إلى آخره، أذربيجان: هي إقليم معروف وراء العراق وهي أرض عظيمة واسعة ذات أقاليم ومدن وقرى وضياع ومزارع، وفي ضبطها وجهان مشهوران أشهرهما وأفصحهما وقول الأكثرين أذربيجان بفتح الهمزة بغير مد وإسكان الدال وفتح الراء وكسر الباء، قال صاحب المطالع وآخرون: هذا هو المشهور، والثاني: مد الهمزة وفتح الدال وفتح الراء وكسر الباء، وحكي صاحب المشارق والمطالع أن جماعة فتحوا الباء على هذا الثاني والمشهور كسرها (^١).\nقوله: كتب إلينا، فمعناه كتب إلى أمير الجيش وهو عتبة بن فرقد ليقرأه على الجيش فقرأه علينا وأما قوله: \"ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا كد أمك\" أي ليس من جدك في الطلب وتعبك فيه ومنه قولهم اسع بجد لا بكد أي [ببخت] لا باجتهاد وشدة سعي [قاله صاحب المشارق (^٢)] فالكد التعب والمشقة والشدة والمراد هنا أن هذا المال الذي عندك ليس من كسبك ومما\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٤٨) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٥ - ٤٦)، ومشارق الأنوار (١/ ٥٨)، ومطالع الأنوار (١/ ٣٦٩) لابن قرقول.\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٣٧).","vol":"9","page":555},{"text":"تعبت فيه ولحقتك الشدة والمشقة في كسبه وتحصيله ولا هو من كد أبيك وأمك فورثته منهما بل هو مال المسلمين فشاركهم فيه ولا تختص عنهم بشيء بل أشبعهم منه وهم في رحالهم أي منازلهم كما تشبع منه في الجنس والقدر والصفة ولا تؤخر أرزاقهم عنهم ولا تحوجهم يطلبونها منك بل أوصلها وهم في منازلهم بلا طلب وأما قوله \"وإياك والتنعم وزي أهل الشرك\" فهو بكسر الزاي، وأما قوله: \"ولبوس الحرير\" فهو بفتح اللام وضم الباء أي ما يلبس منه (^١).\n\n٣٣٣٥ - وروي عن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال ما من أمتي أحد ولي من أمر الناس شيئا لم يحفظهم بما يحفظ به نفسه إلا لم يجد رائحة الجنة رواه الطبراني في الصغير والأوسط (^٢).\nوروي عن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من أمتي أحد ولي من أمر الناس شيئا لم يحفظهم بما يحفظ به نفسه إلا لم يجد رائحة الجنة\" تقدم الكلام على قوله ﷺ \"أمتي\".\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٣٧ رقم ٩١٩) والأوسط (٧/ ٣١٢ رقم ٧٥٩٤) وعنه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢١٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا إسماعيل بن شيبة، تفرد به: قدامة بن محمد. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١١: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه إسماعيل بن شيبة الطائفي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٣٦).","vol":"9","page":556},{"text":"٣٣٣٦ - وعن ابن عباس (^١) أيضًا - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال من ولي شيئا من أمور المسلمين لم ينظر الله في حاجته حتى ينظر في حوائجهم رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا حسين بن قيس المعروف بحنش وقد وثقه ابن نمير وحسن له والترمذي غير ما حديث وصحح له الحاكم ولا يضر في المتابعات (^٢).\n_________\n(^١) كذا هو في الأصل وإنما هو بهذا اللفظ عن ابن عمر.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٤٠ رقم ١٣٦٠٣)، وابن عدى في الكامل (٣/ ٢١٩) عن ابن عمر. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١١: رواه الطبراني، وفيه حسين بن قيس، وهو متروك، وزعم أبو محصن أنه شيخ صدق، وبقية رجاله رجال الصحيح. وجرى الهيثمي على ما في الترغيب فنسبه لابن عباس. قلت: وإنما حديث ابن عباس مثله من غير طريق حنش:\nأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١١٤ رقم ١١٢١٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٧٦)، وابن الجوزى في العلل (١٢٧٢)، من طريق أبي محمد الجزري وهو حمزة النصيبي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس بلفظ: \"من أعان بباطل ليدحض بباطله حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله، ومن مشى إلى سلطان الله ليذله أذله الله مع ما يدخر له من الخزي يوم القيامة، سلطان الله كتاب الله وسنة نبيه، ومن تولى من أمراء المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين، ومن ترك حوائج الناس لم ينظر الله في حاجته حتى يقضي حوائجهم ويؤدي إليهم بحقهم، ومن أكل درهم ربا فهو ثلاث وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به\".\nقال الخطيب: إبراهيم بن زياد في حديثه نكرة وقال يحيى بن معين لا أعرفه. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١١ - ٢١٢: رواه الطبراني، وفيه أبو محمد الجزري حمزة ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"9","page":557},{"text":"قوله: وعن ابن عباس أيضًا - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من ولي شيئا من أمور المسلمين لم ينظر الله في حاجته حتى ينظر في حاجتهم\" الحديث [المراد باحتجاب الوالي: أن يمنع أرباب الحوائج والمهمات أن يلجوا عليه فيعرضوها، ويعسر عليهم إنهائها، واحتجاب الله تعالى: أن لا يجيب دعوته، ويخيب آماله.\nوالفرق بين الحاجة والخلة والفقر: أن الحاجة: ما يهتم به الإنسان، وأن يبلغ حد الضرورة، بحيث لو لم يحصل لاختل به أمره.\nو(الخلة): ما كان كذلك، مأخوذة من الخلل، ولكن ربما لم يبلغ حد الاضطرار، بحيث لو لم يوجد لامتنع التعيش.\nو(الفقر): وهو الاضطرار إلى ما لا يمكن التعيش دونه، مأخوذ من الفقار، كأنه كسر فقاره، ولذلك فسر الفقير بالذي لا شيء له أصلا، واستعاذ رسول الله - ﷺ - من الفقر (^١)].\n\n٣٣٣٧ - وعن معقل بن يسار - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما من عبد يسترعيه الله ﷿ رعية يموت يوم يموت وهو غاش رعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة وفي رواية فلم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنة رواه البخاري ومسلم (^٢).\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (٢/ ٥٥٨ - ٥٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٥٠ و٧١٥١) ومسلم (٢٢٧ و٢٢٨ و٢٢٩ - ١٤٢) و(٢١ - ١٤٢)، وابن حبان (٤٤٩٥).","vol":"9","page":558},{"text":"قوله: وعن معقل بن يسار (^١) - ﵁ -[هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو على معقل بن يسار بن معبر بن حراق بن لأى بن كعب بن عبيد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزني البصري، ومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها توفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصري].\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد يسترعيه الله ﷿ رعية\" يسترعيه: أي يطلب منه رعاية جماعة (^٢).\nقوله: \"يموت يوم يموت وهو غاش رعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة\" الحديث، فالغاش اسم فاعل من الغش أي لا يمحض النصيحة (^٣) والغش ضد النصح من الغشش وهو المشرب الكدر (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٦ ترجمة ٥٩٣).\n(^٢) المفاتيح شرح المصابيح (٤/ ٢٩٩).\n(^٣) كشف المشكل (٢/ ٤٠) لابن الجوزى.\n(^٤) النهاية (٣/ ٣٦٩).","vol":"9","page":559},{"text":"وقوله: \"حرم الله عليه الجنة\" معنى التحريم هنا المنع، قال القاضي عياض (^١): معناه بينٌ في التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئا من أمورهم واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم ودنياهم فإذا خان فيما ائتمن عليه فلم ينصح فيما قلده إما بتضيعه تعريفهم ما يلزم من دينهم وأخذهم به وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها لكل متصل أو تضييع حقوقهم أو ترك مجاهدة عدوهم أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشهم.\nقال القاضي عياض (^٢): وقد نبه - ﷺ - على أن ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة عن الجنة، فهذا الحديث حاصله أنه يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون مستحلا لغشهم فتحرم عليه الجنة ويخلد في النار، والثاني: أن لا يستحل فيمنع من دخول الجنة أو وهلة مع الفائز.\nوفي قوله - ﷺ -: \"يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته\" الحديث، فهو محمول على أحد أمرين إما على جنة مخصوصة من أشرف الجنان وإما على الدخول معهم عند ابتداء دخولهم فكأنه يؤخر للحساب والعذاب انتهى قاله المنذري في الحواشي (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"يموت يوم يموت وهو غاش رعيته\" الحديث، الغاش الظالم الخائن ففيه دليل على أن التوبة قبل حالة الموت نافعة (^٤).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٤٤٦).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٦٦).\n(^٣) كشف المشكل (٢/ ٤٠).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢١٥).","vol":"9","page":560},{"text":"٣٣٣٨ - وعنه أيضًا - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة رواه مسلم والطبراني وزاد كنصحه وجهده لنفسه (^١).\nقوله: وعنه أيضًا - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم\" أي: لا يشق على نفسه في حفظهم ولا ينصح لهم.\nقوله - ﷺ -: \"إلا لم يدخل معهم الجنة\" أي وقت دخولهم بل يدخر عنهم عقوبة له إما في النار وإما في الحساب وإما غير ذلك فهو محمول على أحد أمرين إما على جنة مخصوصة من أشرف الجنان وإما على الدخول معهم عند ابتداء دخولهم فكأنه يؤخر للحساب والعذاب (^٢)، أ. هـ قاله المنذري في الحواشي ففي هذه الأحاديث وجوب النصيحة على الوالي لرعيته والاجتهاد في مصالحهم والنصيحة لهم في دينهم ودنياهم، ودل الحديث أيضًا على وعيد شديد من غش الرعية من الرعية ففيه تحذير كل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢ - ١٤٢)، وأبو عوانة (١٥٨) و(٧٤٨٣)، والطبراني في الصغير (١/ ٢٨٢ رقم ٤٦٥)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٤٠) والصغير (٣/ ٣٦٦ رقم ٢٧٧٢) والكبرى (٩/ ٧٠ - ٧١ رقم ١٧٩٠١) والشعب (٩/ ٤٧٢ رقم ٦٩٧٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٤٩٣).\nوقال الطبراني: لم يروه عن عبد الرحمن بن معقل إلا السري تفرد به أبو نوح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٠٥).\n(^٢) كشف المشكل (٢/ ٤٠).","vol":"9","page":561},{"text":"راع من الغش وعدم النصيحة والجهد لهم وما أبلغه من تهديد والله أعلم (^١).\n\n٣٣٣٩ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - من ولي من أمر المسلمين شيئا فغشهم فهو في النار رواه الطبراني في الأوسط والصغير ورواته ثقات إلا عبد الله بن ميسرة أبا ليلى (^٢).\n\n٣٣٤٠ - وعن عبد الله بن مغفل المزني - ﵁ - قال أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما من إمام ولا وال بات ليلة سوداء غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة رواه الطبراني بإسناد حسن وفي رواية له ما من إمام يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة وعرفها يوجد يوم القيامة مسيرة سبعين عاما (^٣).\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥٨٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٢٤٠ رقم ٣٩٢) والأوسط (٤/ ١١ رقم ٣٤٨١)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٨٣). وقال الطبراني: لم يروه عن بكر بن عبيد الله إلا أبو ليلى عبد الله بن ميسرة الواسطي تفرد به أحمد بن عبد الله بن يونس. وقال ابن عدى: وعبد الله بن ميسرة عامة ما يرويه، لا يتابع عليه وله غير ما ذكرت من الروايات.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١٣: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه عبد الله بن ميسرة أبو ليلى، وهو ضعيف عند الجمهور، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٠٦). ولم يذكر المصنف تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه الرويانى (٨٨٣)، والطبراني كما في تاريخ دمشق (٣٧/ ٤٤٦ - ٤٤٧) بطوله وجامع المسانيد والسنن (٦٧٧٨) مختصرا، والقضاعى في مسند الشهاب (٨٠٦). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١٢ - ٢١٣: رواه كله الطبراني عن شيخه ثابت بن نعيم الهوجي، ولم أعرفهن، وبقية رجال الطريق الأولى ثقات، وفي الثانية محمد بن عبد الله بن مغفل ولم أعرفه. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٢٠٧).","vol":"9","page":562},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن مغفل المزني (^١) - ﵁ -[بضم الميم، وفتح الغين المعجمة، والفاء المشددة، الصحابى، هو أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وأبو زياد عبد الله بن مغفل بن عبد غنم، وقيل: ابن عبد نهيم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة بن عدا، وقيل: عدى بن ثعلبة ابن ذؤيب، وقيل: ذؤيد بن سعد بن عدا بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار المزني المدنى البصري. ومزينة امرأة عثمان بن عمرو، نسبوا إليها، وهى مزينة بنت كلب بن وبرة، فولد عثمان يقال لهم: مزنيون، وكان عبد الله من أهل بيعة الرضوان، وقال: إني لممن رفع أغصان الشجرة عن رسول الله - ﷺ -. سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وابتنى بها دارا قرب الجامع، وكان أحد البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ (^٢). وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب، ﵁، إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أول من دخل مدينة تستر حين فتحها المسلمون، روى له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثة وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. روى عنه جماعات من التابعين، منهم الحسن البصري، وأبو العالية، ومطرف، ويزيد ابنا عبد الله، وآخرون. وتوفى بالبصرة سنة ستين، وقيل: سنة\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩٠ - ٢٩١ الترجمة ٣٣٤).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٩٢.","vol":"9","page":563},{"text":"تسع وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته بذلك].\nقوله - ﷺ -: \"ما من إمام ولا وال بات ليلة سوداء غاشا لرعيته\" ففي هذا الحديث تحريم غش الأمراء لرعاياهم والتخويف العظيم بسبب ذلك وأنه لا يكون منهم ولا يدخل الجنة معهم وهذا الحديث مأول كما تقدم في نظائره إما على المستحل أو على التأخير عنه في الدخول لاسيما قوله معهم فإنه يحمل ذلك وإن كان الظاهر نفي الدخول مطلقا ووجوب النصح عليهم [. . .] (^١) والاجتهاد فيما يصلحهم ويحوطهم وذلك أمر عظيم لا يقوم به إلا الأقوياء في الدين ولهذا جاء التغليظ في الإمارة وإنها خزي وندامة على من لم يقم بحقها وأما من عدل فيها وقام بواجبها فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم في الآية ومن السبعة الذين يظلهم الله ظله يوم القيامة، فيجب عليه أن يجتهد في ذلك وينصح ولا يفرط في شيء وإلا طلبه كل واحد من رعيته بحقه وكثر مطالبه وناقشه محاسبوه ولذلك قال ﵊: \"ما من أمير عشرة فما فوقهم إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا فإما أن يفكه العدل أو يوبقه الجور\" والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.\nقوله: وعن عبد الله بن مغفل المزني - ﵁ -[. . .] (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ما من إمام ولا وال بات ليلة سوداء غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة\" تأويلان كما سبق، وفي الرواية الأخرى: \"إلا حرم الله عليه الجنة وعرفها\n_________\n(^١) بياض في الأصل.\n(^٢) بياض في الأصل.","vol":"9","page":564},{"text":"يوجد يوم القيامة مسيرة سبعين عاما\" عرف الجنة بفتح العين هو ريحها.\nقوله: \"سبعين\" والسبعين الظاهر حملها على الكثرة دون الحصر في العدد المذكور وذلك لأن السبعين تتركب من السبعة والسبعمائة تتركب من السبعين والعرب تعبر بهذه الأعداد الثلاث عن الكثرة تقول سبع الله لك الأجر وكذلك تستعمل السبعين والسبعمائة للمبالغة والله أعلم.\n\n٣٣٤١ - وعن أبي مريم عمرو بن مرة الجهني - ﵁ - أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة فجعل معاوية رجلا على حوائج المسلمين رواه أبو داود واللفظ له والترمذي ولفظه قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته ورواه الحاكم بنحو لفظ أبي داود وقال صحيح الإسناد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣١ (٢٤٤٧٧)، وابن زنجويه في الأموال (٧)، وأبو داود (٢٩٤٨)، والترمذي (١٣٣٢ و١٣٣٣) والعلل الكبير (٣٥٣)، وابن سعد ٧/ ٤٣٧، والحارث (٦٠٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد (٢٣١٧)، والدولابى في الكنى (٣١٧)، وابن المنذر في الأوسط (٦٤٦٥)، والطبرانى في الكبير (٢٢/ ٣٣١ رقم ٨٣٢) والشاميين (٦٤٦٥)، والحاكم ٤/ ٩٣ - ٩٤، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٧٤ رقم ٢٠٢٥٨) والصغير (٤/ ١٢٥ رقم ٣٢٣٤) والشعب (٩/ ٤٨٨ - ٤٨٩ رقم ٧٠٠٠). قال الترمذي: قال محمد: أبو مريم هذا هو عمرو بن مرة الجهني وحديثه في الشاميين. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٢٩) وصحيح الترغيب (٢٢٠٨)","vol":"9","page":565},{"text":"قوله: وعن أبي مريم عمرو بن مرة الجهني - ﵁ - تقدم.\nقوله: أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم\" الحديث، الخلة: بالفتح الحاجة والفقر وكرر لاختلاف اللفظ، وقيل: الحاجة تستعمل في الإضرار العام، والخلة في الإضرار الخاص والفقر فيما كان كاسرا للظهر مأخوذ من الفقار كأنه كسر فقاره (^١).\nففيه تهديد من أهمل مصالح المسلمين وتغافل عنهم وعن حوائجهم واحتجب دونهم بما لا طاقة لأحد به (^٢).\n\n٣٣٤٢ - وعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - من ولي من أمر الناس شيئا فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني وغيره (^٣).\n_________\n(^١) الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة والأمراء (ص ١٠٦).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٨٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٨ (٢٢٥٠١)، والبغوى في الجعديات (٢٣٠٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٥٢ رقم ٣١٦). قال أبو حاتم في العلل (٢٧٤٣): هذا حديث منكر. وقال الدارقطني في العلل (٩٩٥): يرويه شريك، عن أبي حصين، واختلف عنه في رفعه، فرواه حنيفة بن مرزوق، وعاصم بن علي، عن شريك، مرفوعا إلى النبي - ﷺ -، ووقفه علي بن الجعد، عن شريك. ورواه علي بن حفص المدائني، عن شريك، فقال فيه: رفعه مرة، ومرة لم يرفعه، فصح القولان جميعا عن شريك.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١٠: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٠٩).","vol":"9","page":566},{"text":"قوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من ولي من أمر الناس شيئا فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة\" تقدم.\n\n٣٣٤٣ - وعن أبي الشماخ (^١) الأزدي عن ابن عم له من أصحاب النبي - ﷺ - أنه أتى معاوية فدخل عليه فقال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من ولي من أمر المسلمين ثم أغلق بابه دون المسكين والمظلوم وذوي الحاجة أغلق الله ﵎ أبواب رحمته دون حاجته وفقره أفقر ما يكون إليها رواه أحمد وأبو يعلى وإسناد أحمد حسن (^٢).\nقوله: وعن أبي الشماخ الأزدي، اسمه.\nقوله: \"فاحتجب\" أي: أقام على بابه حاجبا أو شرطيًا فيمنعوا المسلمين عن الدخول ليقضي حوائج الناس فعل الله به يوم القيامة ما فعل بالناس.\nقوله: وعن أبي الشماخ الأزدي، اسمه [. . .] (^٣).\nقوله: أنه أتى معاوية فدخل عليه فقال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من ولي من أمر المسلمين ثم أغلق بابه دون المسكين والمظلوم وذوي الحاجة\n_________\n(^١) وقع في الأصل أبو السماح بمهملتين والتصويب من المسند.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٤١ (١٥٨٩١) و٣/ ٤٨٠ (١٦١٨٧) ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٧١٢٨)، وأبو يعلى (٧٣٧٨)، والبيهقي في الشعب (٧٣٨٤)\nوقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢١٠): رواه أحمد، وأبو يعلى، وأبو الشماخ لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢١٠).\n(^٣) بياض في الأصل.","vol":"9","page":567},{"text":"أغلق الله ﵎ أبواب رحمته دون حاجته وفقره أفقر ما يكون إليها\".\n\n٣٣٤٤ - وعن أبي جحيفة أن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - ضرب على الناس بعثا فخرجوا فرجع أبو الدحداح فقال له معاوية ألم تكن خرجت قال بلى ولكن سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثا أحببت أن أضعه عندك مخافة أن لا تلقاني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يا أيها الناس من ولي عليكم عملا فحجب بابه عن ذي حاجة المسلمين حجبه الله أن يلج باب الجنة ومن كانت همته الدنيا حرم الله عليه جواري فإني بعثت بخراب الدنيا ولم أبعث بعمارتها رواه الطبراني ورواته ثقات إلا شيخه جبرون بن عيسى فإني لم أقف فيه على جرح ولا تعديل والله أعلم به (^١).\nقوله: وعن أبي جحيفة، أبو جحيفة: اسمه وهب بن عبد الله السواءي، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: أن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - (^٢) [هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٠١ رقم ٧٦٥)، وابن مردويه في جزء منتقاه على الطبراني (٨٣) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٠)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١١٧٨).\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١١ - ٢١٢: رواه الطبراني عن شيخه جبرون بن عيسى، عن يحيى بن سليمان الجفري ولم أعرفهما، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٦٣) و(٦٦٥١) وضعيف الترغيب (١٣٣٨).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ الترجمة ٥٨٨).","vol":"9","page":568},{"text":"القرشي الأموى، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، يجتمع أبوه وأمه في عبد شمس، أسلم هو وأبوه أبو سفيان وأخوه يزيد بن أبي سفيان، وأمه هند في فتح مكة، وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية وكتم إسلامه من أبيه وأمه، وشهد مع رسول الله - ﷺ - حنينا، فأعطاه من غنائم هوازن مائة بعير وأربعين أوقية، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامهما، وكان أحد الكتاب لرسول الله - ﷺ -، ولما بعث أبو بكر، رضى الله تعالى عنه، الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد، فلما مات يزيد استخلفه على عمله بالشام، وهو دمشق، فأقره عمر، ﵁، مكانه. روى له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثلاثة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة قال محمد بن سعد: بقى معاوية أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. وقال الوليد بن مسلم: كان خلافته تسع عشرة سنة ونصفا، وقيل: تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وعشرين يوما. وولى دمشق أربع سنين من خلافة عمر، واثنتى عشرة من خلافة عثمان، مع ما أضاف إليه من باقي الشام، وأربع سنين تقريبا أيام خلافة على، وستة أشهر خلافة الحسن، وسلم إليه الخلافة سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربعين، والأول أصح، واتفقوا على أنه توفى بدمشق، ثم المشهور أنه توفى يوم الخميس لثمان بقين من رجب، وقيل: لنصف رجب سنة ستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وخمسين وهو ابن اثنين وثمانين سنة، وقيل: ثمان وسبعين سنة، وقيل: ست وثمانين، وهو من الموصوفين","vol":"9","page":569},{"text":"بالدهاء والحلم، وذكروا أن عمر بن الخطاب لما دخل الشام فرأى معاوية قال: هذا كسرى العرب. ولما حضرته الوفاة أوصى أن يكفن في قميص كان رسول الله - ﷺ - كساه إياه، وأن يجعل مما يلى جسده، وكان عنده قلامة أظفار رسول الله - ﷺ -، فأوصى أن تسحق وتجعل في عينيه وفمه، وقال: افعلوا ذلك بى، وخلوا بينى وبين أرحم الراحمين. ولما نزل به الموت قال: يا ليتنى كنت رجلا من قريش بذى طوى، وإنى لم أل من هذا الأمر شيئا. وكان ابنه يزيد غائبا بحوران وقت وفاة معاوية، فأرسل إليه البريد، فلم يدركه.\nوكان معاوية أبيض جميلا يخضب، وروى عنه قال: مازلت أطمع بالخلافة منذ قال لي رسول الله - ﷺ -: \"إن وليت فأحسن\". قال ابن قتيبة في المعارف: لم يولد لمعاوية في زمن خلافته ولد؛ لأنه ضرب على إليته فانقطع عنه الولد، ولد له قبلها عبد الرحمن لأم ولد، ويزيد أمه ميسورة بنت مجدل الكلبية، وعبد الله، وهند، ورملة، وصفية].\nقوله: ضرب على الناس بعثا فخرجوا فرجع أبو الدحداح فقال له معاوية: ألم تكن خرجت؟ قال: بلى، ولكن سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثا أحببت أن أضعه عندك مخافة أن لا تلقاني، الحديث، أبو الدحداح اسمه (^١) [ثابت بن الدحداح وقيل: الدحداحة بن نعيم بن غنم بن إياس، يكنى: أبا الدحداح، ويقال: أبو الدحداحة الأنصاري الصحابي، بفتح الدالين وبحائين مهملتين.\n_________\n(^١) الاستيعاب ١/ الترجمة ٢٥١ و٤/ ٢٩٣٩، وأسد الغابة ١/ ٥٤٥ و٦/ ٥٨٦٤، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٧٧٩.","vol":"9","page":570},{"text":"قال ابن عبد البر: لا أقف على اسمه، ولا على نسبه، غير أنه من الأنصار حليف لهم. وفى صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - قال: \"كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح\"، أو قال: \"لأبي الدحداح\". العذق بكسر العين، الغصن من النخل عليه رطب].\nقوله: حجبه الله أن يلج باب الجنة، الحجب المنع والولوج هو الدخول.\nقوله: إلا جبرون بن عيسى [فإني لم أقف فيه على جرح ولا تعديل (^١)].\n_________\n(^١) هو جبرون بن عيسى بن يزيد البلوي، أبو محمَّد المغربي المصري، حَدَّث عنه يحيى بن سليمان الحفري، وسحنون بن سعيد، وغيرهما وثقه ابن حبان [المجروحين (١/ ٣٢٢)].","vol":"9","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>[ترهيب من ولي شيئا من أمور المسلمين أن يولي عليهم رجلا وفي رعيته خير فيه]</span>\n٣٣٤٥ - عن ابن عباس - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - من استعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين رواه الحاكم من طريق حسين بن قيس عن عكرمة عنه وقال صحيح الإسناد قال الحافظ حسين هذا هو حنش واه وتقدم في الباب قبله (^١).\nقوله: عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من استعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين\" وتقدم تفسير العصابة في الالتفات في الصلاة، ورواه الحاكم أيضًا في صحيحه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من ولي من أمر المسلمين شيئا فولي رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله\" ولم يذكر في هذه الرواية المؤمنين.\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في المطالب (٢١٥٦) والاتحاف (٥/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤٦٢)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٦٨)، والعقيلى في الضعفاء (١/ ٢٤٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢١٩)، والحاكم (٤/ ٩٢ - ٩٣)، وابن بشران (١١٦٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٥٦). وقال العقيلي: لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به، ويروى من كلام عمر بن الخطاب. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه حسين بن قيس، وهو ضعيف. وأخرجه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٠١ رقم ٢٠٣٦٤) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٤٥) وضعيف الترغيب (١٣٣٩).","vol":"9","page":572},{"text":"٣٣٤٦ - وعن يزيد بن أبي سفيان قال قال لي أبو بكر الصديق - ﵁ - حين بعثني إلى الشام يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة وذلك أكثر ما أخاف عليك بعدما قال رسول اللهﷺ - من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد قال الحافظ فيه بكر بن خنيس يأتي الكلام عليه ورواه أحمد باختصار وفي إسناده رجل لم يسم (^١).\nقوله: وعن يزيد بن أبي سفيان (^٢)، واسمه: صخر بن حرب بن أمية القرشي أبو خالد الأموي اخو معاوية بن أبي سفيان له صحبة، وكان أفضل\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٦ (٢٢)، والمروزي (١٣٣)، والبزار (١٠١) تعليقا، والطبراني في الشاميين (٣٥٧٢)، والحاكم (٤/ ٩٣)، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٢٤٦).\nوقال البزار: وهذا الحديث أمسكنا عن إسناده لأن في إسناده رجالا ضعافا، والكلام عن النبي - ﷺ - ولا يعرف فأمسكنا عن ذكره لأنه يروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين\". ولو ذهبنا أن نتتبع الأحاديث التي كلامها عن غير أبي بكر عن النبي - ﷺ - وإنما لأبي بكر فيه كلمة يذكرها عن النبي - ﷺ - تأولها متأول بذكر أبي بكر لكثر ذلك، أو لو ذكرنا كل ما روي عن أبي بكر مرسل ومنكر وضعيف الإسناد إلى أبي بكر لكثر ذلك وقبح المسند، فذكرنا من ذلك ما لا يعيبه الحليم من أصحاب الحديث ولا يتعجب منه الجاهل.\nوصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه بكر بن خنيس قال الدارقطني: متروك. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣٢: رواه أحمد وفيه رجل لم يسم. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٦٦٥٢) وضعيف الترغيب (١٣٤٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٦٢ الترجمة ٦٩٧).","vol":"9","page":573},{"text":"بني أبي سفيان وكان يقال له يزيد الخير، أسلم يوم الفتح وشهد حنينا وأعطاه رسول الله - ﷺ - يومئذ مائة بعير وأربعين أوقية وكان أحد أمراء الأجناد مذكور مع الجماعة في حديث شرحبيل بن حسنة وكان أبو بكر الصديق قد استعمله وأوصاه وخرج معه بسبعمائة راجلا فلما استخلف عمر ولاه فلسطين وناحيتها فلما مات أبو عبيدة استخلف معاذا فلما مات معاذا استخلف يزيد ومات يزيد فاستخلف أخاه معاوية وكان موتهم في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة والله أعلم، أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله: قال لي أبو بكر الصديق - ﵁ - حين بعثني إلى الشام يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة، والإيثار الاختصاص، والإمارة الولاية كما تقدم.\nقوله: \"من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة\" والمحاباة هي [الاختصاص بالعطاء من غير جزاء].\nقوله - ﷺ -: \"فعليه لعنة الله حتى يدخله جهنم\" تقدم معنى اللعنة.\nقوله: \"لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا\" قيل: لا يقبل منه فرائض ولا نوافل، وتقدم الكلام على ذلك مطولا فيمن أخاف أهل المدينة.","vol":"9","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>[ترهيب الراشي والمرتشي والساعي بينهما]</span>\n٣٣٤٧ - عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه ولفظه قال رسول الله - ﷺ - لعنة الله على الراشي والمرتشي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد (^١).\n\n٣٣٤٨ - وعنه - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال الراشي والمرتشي في النار رواه الطبراني ورواته ثقات معروفون ورواه البزار بلفظه من حديث عبد الرحمن بن عوف (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٤ (٦٦٤٣) و٢/ ١٩٠ (٦٨٩٦) و(٦٨٩٧) و٢/ ١٩٤ (٦٩٤٩) و٢/ ٢١٢ (٧١٠٤)، وابن ماجه (٢٣١٣)، وأبو داود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٤٦)، وابن الجارود (٥٨٦)، وابن المنذر في الأوسط (٦٥٤١)، والطحاوى في مشكل الآثار (٥٦٥٧ و٥٦٥٨)، والبغوي في الجعديات ٢٨٦٤، وابن حبان (٥٠٧٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣٨٣ رقم ١٤٢٠١ و١٤٢٠٢) والدعاء (٢٠٩٣)، والحاكم ٤/ ١٠٢ - ١٠٣، والبيهقي في الصغير (٤/ ١٣٥ رقم ٣٢٦٧) والكبرى (١٠/ ٢٣٤ رقم ٢٠٤٧٨) والشعب (٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤ رقم ٥١١٤).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح، الإرواء (٢٦٢٠)،\nالمشكاة (٣٧٥٣)، الروض النضير (٥٨٣)، وصحيح الترغيب (٢٢١١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦ رقم ٢٠٢٦) والصغير (١/ ٥٧ رقم ٥٨) والدعاء (٢٠٩٤). وقال الطبراني: لم يروه من حديث ابن جريج إلا علي بن بحر، عن هشام. =","vol":"9","page":575},{"text":"قوله: عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي\" الحديث، واللعن هو الطرد والإبعاد، وتقدم تفسيره، والرشوة حرام على القاضي وغيره من الولاة مطلقا وهي بضم الراء وكسرها لغتان فصيحتان مشهورتان ويقال بالفتح أيضًا فهي مثلثة الراء وجمعها رشاء بضم الراء وكسرها (^١).\nوهي: ما يعطي لإبطال حق أو تحقيق باطل فأما إذا أعطي ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلما فلا بأس به (^٢).\nروى عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظالم وكذلك الأخذ إذا أخذ ليسعى في إعانة الحق فلا بأس (^٣).\nقال بعض العلماء: الرشوة من الرشا لأنه يتوصل بها إلى مطلوبه كالحبل\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٩: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات. وأخرجه البزار (١٠٣٧)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٤٧)، والطبراني في الدعاء (٢٠٩٨). وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن عوف، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وقد قال فيه عمر بن أبي سلمة عن أبيه، عن أبي هريرة وقال ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٩: رواه البزار، وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني في الضعيفة (٦٨٦٩) وضعيف الترغيب (١٣٤١): منكر.\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٣٣)، وكفاية النبيه (١٨/ ١٠٤).\n(^٢) التعريفات (ص ١١١) للجرجانى، وشرح المصابيح (٤/ ٢٨٣) لابن ملك.\n(^٣) الإشراف (٤/ ٢٠٩) لابن المنذر، ومعالم السنن (٤/ ١٦١) للخطابى.","vol":"9","page":576},{"text":"وقال الزمخشري (^١): الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة وأصله من الرشا الذي يتوصل به إلى الماء فالراشي هو الذي يعينه على الباطل والمرتشي الآخذ والرائش هو الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا أو ينقص لهذا فأما ما يعطي توصلا إلى أخذ حق ودفع ظلم فغير داخل فيه [وقد رشا رشوا فارتشى كما يقال كساه فاكتسى، وقيل: هو من قولهم رشى الفرخ إذا مد عنقه على أمه لتزقه (^٢)].\nتتمة: أول من ارتشى يرفأ مولى عمر بن الخطاب وحاجبه وهو مذكور في المهذب في هذه وهو بفتح الياء وإسكان الراء ومنهم من همزه على الصحيح المشهور أنه غير مهموز، وفي سنن البيهقي في قسمة الفيء أنه يسمى اليرفأ بالألف واللام (^٣).\nارتشى في قصة مشهورة بثلاثمائة درهم فلما علم ذلك عمر أخذ ذلك منه وطرده عن بابه [. . .] (^٤).\nقال القاضي السبكي رحمه الله تعالى: لا يلتحق بالقاضي في تحريم الهدية المفتي والواعظ ومعلم القرآن والعلم لأنهم ليس لهم أهلية الإلزام والأولى في حقهم إن كانت الهدية لأجل ما [يحصل منهم] في الفتوى والوعظ\n_________\n(^١) الفائق (٢/ ٦٠)، والنهاية (٢/ ٢٢٦).\n(^٢) شرح المشكاة (٨/ ٢٦٠٦) للطيبى.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٦٠).\n(^٤) بياض في الأصل.","vol":"9","page":577},{"text":"والتعليم عدم القبول ليكون [عملهم] خالصا لله تعالى وإن أهدى إليهم تحنتا وتوددا لعلمهم وصلاحهم فالأولى القبول وهذه هدية السلف، وأما إذا أخذ المفتي الهدية ليرخص في الفتيا فإن كان بوجه باطل فهذا رجل فاجر يبدل أحكام الله تعالى ويشتري بها ثمنا قليلا وإن كان بوجه صحيح فهذا مكروه كراهة شديدة ويحتمل التحريم وأما إذا قصد المهدي بالهدية استمالة قلب المهدي إليه ليوله شيئا مما بيده من الأحكام فذلك حرام عليهما، ومن فعل ذلك فقد خان الله ورسوله والمؤمنين (^١)، أ. هـ والله أعلم.\nوإنما يدخل الراشي تحت اللعن إذا لم يستدفع بما دفعه مضرة فإن كان الراشي قصده التوصل إلى إبطال حق أو تحقيق باطل فهذا الراشي الملعون على لسان رسول الله - ﷺ -، فإن توصل بها إلى تحصيل حق أو دفع ظلم عن نفسه فليس بحرام واختص المرتشي وحده باللعنة (^٢).\nوأما المتوسط بينهما فهو تابع لموكله منهما له حكمه في التحليل والتحريم فإن توكل لهما جميعا حرم عليه لأنه وكيل الآخذ وهو حرام عليه (^٣)، أ. هـ\nويختلف الحال في جوازه واستحبابه ووجوبه باختلاف المواضع، أ. هـ.\nقال الإمام أبو عبد الله الشافعي - ﵁ -: وأخذ القاضي رشوة\n_________\n(^١) النجم الوهاج (١٠/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n(^٢) الروح (ص ٢٤٠) لابن القيم.\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٣٣).","vol":"9","page":578},{"text":"على قضائه فقضاؤه مردود وإن قضى بحق والرشوة مردودة، قال: وإذا أعطى القاضي على الرشوة فولايته باطلة وقضاؤه مردود والله أعلم ذكره ابن النحاس (^١)، وحديث عمرو بن العاصي بعده وكذلك حديث أبي هريرة وكذلك حديث ثوبان وكذلك حديث أم سلمة وتقدم الكلام على معناها.\n\n٣٣٤٩ - وعن عمرو بن العاص - ﵄ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب رواه أحمد بإسناد فيه نظر (^٢).\n\n٣٣٥١ - وعن ثوبان - ﵁ - قال لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني وفيه أبو الخطاب لا يعرف الرائش بالشين المعجمة هو السفير بين الرائش والمرتشي (^٣).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١٦٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٥ (١٨١٠٢). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٨: رواه أحمد، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٦٢) و(١٣٤٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٤٤ (٢١٩٦٥) و٤/ ٤٥٧ (٢٢٠٩١)، وأحمد ٥/ ٢٧٩ (٢٢٨٣٤)، والبزار (٤١٦٠)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٤٩)، وأبو يعلى كما في الاتحاف (٥/ ٣٩٢)، والرويانى (٦٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٦٥٤٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٦٥٥ و٥٦٥٦)، وأبو أحمد في الأسامى والكنى (٤/ ٣٠٧)، والطبراني في الدعاء (٢١٠١) والكبير (٢/ ٩٣ رقم ١٤١٥)، والحاكم (٤/ ١٠٣)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٥٤ رقم ٥١١٥).\nقال البزار: وهذا الحديث قوله والرائش لا نعلمه يروى عن رسول الله - ﷺ - من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه فلذلك كتبناه وبينا أن هذا الحديث إنما هو عن ليث بن أبي =","vol":"9","page":579},{"text":"٣٣٥٢ - وعن أم سلمة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم رواه الطبراني بإسناد جيد (^١).\n\n٣٣٥٣ - وعن ابن عباس - ﵄ - مرفوعا أن النبي - ﷺ - قال من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو بما كرهوا جيء به مغلولة يده فإن عدل ولم يرتش ولم يحف فك الله عنه وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي به في جهنم فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام رواه الحاكم عن سعدان بن الوليد عن عطاء عنه وقال سمعه الحسن بن بشير البجلي منه وسعدان بن الوليد البجلي الكوفي قليل الحديث لم يخرجا عنه (^٢).\n_________\n= سليم، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، وقد أدخل ذاود بن علبة عن ليث بين أبي زرعة وبينه رجلا فذكره، عن أبي الخطاب، وأبو الخطاب فليس بالمعروف إلا أنه قد روى عنه ليث غير حديث، وإنما يكتب حديثه إذا لم يحفظ ما يروى إلا عنه.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٨ - ١٩٩: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، وفيه أبو الخطاب، وهو مجهول. وقال الألباني: منكر الضعيفة (١٢٣٥) وضعيف الترغيب (١٣٤٤).\n(^١) أخرجه وكيع في أخبار القضاة (١/ ٤٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٥٦٥٩)، والطبراني في الدعاء (٢٠٩٩) والكبير (٢٣/ ٣٩٨ رقم ٩٥١)، وأبو نعيم في أحاديث القضاء - خ (ص ١٠)، والذهبى في موضوعات المستدرك (٣٩).\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٩٩: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٤٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٨٦ - ٨٧ رقم ٦٩٣٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٠٣). قال: \"سعدان بن الوليد البجلي كوفي قليل الحديث، ولم يخرجا عنه\". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٠٦): \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعدان بن الوليد، ولم أعرفه\". وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٧٠) وضعيف الترغيب (١٣٤٦).","vol":"9","page":580},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم.\nقوله: \"وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي به في جهنم\" وتقدم معنى الرشوة والمحابات.\n\n٣٣٥٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ -: قال لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي في الحكم رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه والحاكم وزادوا والرائش يعني الذي يسعى بينهما (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي في الحكم\" وزاد الحاكم: \"والرائش يعني الذي يسعى بينهما\" وفي حديث ثوبان: \"الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما\" رواه أحمد، قال الحافظ: الرائش بالشين المعجمة هو السفير بين الرائش والمرتشي.\n\n٣٣٥٤ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال الرشوة في الحكم كفر وهي بين الناس سحت رواه الطبراني موقوفا بإسناد صحيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٧ (٩١٤٥) و٢/ ٣٨٨ (٩١٥٣)، والترمذي (١٣٣٦)، والبزار (٨٦٧٣)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٤٧)، وابن الجارود (٥٨٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٦٦١) و(٥٦٦٢)، وابن حبان (٥٠٧٦)، والطبراني في الدعاء (٢٠٩٥)، وابن عدى في الكامل (٩/ ٧٨)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٣٩٦)، والحاكم ٤/ ١٠٣، والخطيب في تاريخ بغداد ١٠/ ٢٥٤.\nوقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن وقد روي هذا الحديث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ -. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢١٢).\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٧٤٠)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٥١ - ٥٣)، =","vol":"9","page":581},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"الرشوة في الحكم كفر\" يؤول ذلك على المستحل لذلك لأنه أحل ما حرم الله.\nقوله: \"وهي بين الناس سحت\" بضم الحاء وسكونها الحرام، وقيل: الخبيث من المكاسب، قال ابن سيرين: يقال السحت الرشوة في الحكم وكانوا يعطون على الخرص (^١).\nوهذا مجمع عليه وهو من الكبائر في حق الآخذ والمعطي والمتوسط للعن فاعله ويجب رده إلى صاحبه أو ورثته وإلا فيتصدق به عنهم بإذن الحاكم أو يصدقه في مصالح المسلمين، وفي الحديث جواز لعن العاصي على الجملة من غير تعيين وتقييد الرواية بالحكم ليس له مفهوم وإنما خرج مخرج الغالب ويفهم ذلك من حد الرشوة حتى لو أوقع ذلك من غير حكم أو غير حاكم فكذلك، أ. هـ.\n_________\n= والطبري في تفسيره (٤/ ٥٧٩: ١١٩٥٣)، والطبراني في الدعاء (٢١٠٥) والكبير (٩/ ٢٢٦ رقم ٩١٠٠)، وابن بطة في الإبانة (١٠٠٣).\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وثال الألباني: صحيح موقوف صحيح الترغيب (٢٢١٣).\n(^١) أخرجه عبد بن حميد كما في تغليق التعليق (٣/ ٢٨٣) من طريق حماد بن زيد عن ابن عتيق عن محمد.","vol":"9","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>[الترهيب من الظلم ودعاء المظلوم وخذله والترغيب في نصرته]</span>\n٣٣٥٥ - عن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن ربه ﷿ أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا الحديث رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وتقدم بتمامه في الدعاء وغيره (^١).\nقوله: عن أبي ذر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"فيما يروي عن ربه ﷿ أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا\" تقدم الكلام على تفسير هذا الحديث في الدعاء وغيره مبسوطًا.\n\n٣٣٥٦ - وعن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم رواه مسلم وغيره (^٢).\nقوله: وعن جابر - ﵁ - هو ابن عبد الله.\nقوله - ﷺ -: \"اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\" في التحذير العظيم من الظلم وهو في اللغة وضع الشيء في غير موضعه وفي الشرع يزاد فيه على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤٩٠)، ومسلم (٥٥ - ٢٥٧٧)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، وابن حبان (٦١٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٢٣ (١٤٦٨٥)، وعبد بن حميد (١١٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٨٣ و٤٨٨)، ومسلم (٥٦ - ٢٥٧٨)، وأبو عوانة (١١٢٦٠).","vol":"9","page":583},{"text":"وجه التعدي في نفس أو عرض أو مال قال المهلب: هذه الظلمات لا تعرف كيف هي إن كانت من عمى القلب أو هي ظلمات على البصر وعليه يدل القرآن (^١).\nوقال في المفهم أيضًا (^٢): ظاهره أن الظالم يعاقب يوم القيامة بأن يكون في ظلمات متوالية يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم حتى يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم فيقلا لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا.\nقال القاضي عياض (^٣): قيل هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلًا حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، ويحتمل أن الظلمات هنا الشدائد والأهوال التي تكون فيها وبه فسر قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (^٤) أي: شدائدهما وآفاتهما ويحتمل أنها عبارة عن الإنكال والعقوبات، والله أعلم.\nقال بعض العارفين لرجل تعدى عليه وظلمه: إن كنت ظالما فالذي سلطك علي ليس بظالم (^٥).\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٦/ ٥٧٦) لابن بطال.\n(^٢) المفهم (٢١/ ٩٧).\n(^٣) إكمال المعلم (٨/ ٤٨).\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ٦٣.\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٣٠٣).","vol":"9","page":584},{"text":"قوله - ﷺ -: \"واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم\" الحديث، قال القاضي عياض (^١): يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة، أ. هـ.\nوالشح في اللغة هو البخل وشدة الحرص يقال رجل شحيح وشحاح والاسم الشح [بالضم]، وقيل: الشح عام كالجنس والبخل خاص في أفراد الأمور كالنوع له (^٢).\nوالشح هو الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم من سفك الدماء وأكل الربا وأخذ الحرام وإتيان الفواحش (^٣)، أ. هـ.\nوقال الشيخ زين الدين بن رجب (^٤): الشح هو إمساك الإنسان ما في يده والشح تناول ما ليس له ظلما وعدوانا من مال وغيره حتى قيل إن المعاصي كلها من الشح وبهذا فسر ابن مسعود وغيره من السلف اشخ والبخل ومن ها هنا تعلم معنى حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يجتمع الشح والإيمان في قلب مؤمن\" والحديث الآخر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أفضل الإيمان الصبر والسماحة\" وفسر الصبر بالصبر على المحارم والسماحة بأداء الواجبات، وقد يستعمل الشح بمعنى البخل وبالعكس لكن الأصل هو\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٨/ ٤٨).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٣٤٥) ومطالع الأنوار (٦/ ١٩).\n(^٣) شرح المصابيح (٥/ ٣٥٧).\n(^٤) مجموع رسائل ابن رجب (ص ٧٠).","vol":"9","page":585},{"text":"التفريق بينهما على ما ذكرنا، ومتى وصل الحرص على المال إلى هذه الدرجة نقص بذلك الدين والإيمان نقصا بينا فإن منع الواجبات وتناول المحرمات ينقص بها الدين والإيمان بلا ريب حتى لا يبقى منه إلا القليل جدا، أ. هـ.\nوقال جماعة: الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل وقيل هو البخل مع الحرص وقيل البخل بالمال خاصة والشح بالمال والمعروف، وقيل: الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده والله أعلم (^١).\nوقد عزل النبي - ﷺ - رجلا لبخله وهو الجد بن قيس وأعطي في يوم واحد وهو يوم حنين قيمة خمس مائة ألف ألف، ذكره اللغوي الزاهد أبو الحسن بن فارس في كتاب المبني في أسماء النبي - ﷺ - من تأليفه وحمل إليه تسعون ألف درهم وضعت على حصير ثم قام إليها فقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها قاله في العلم المشهور (^٢).\n\n٣٣٥٧ - وعن ابن عمر - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - الظلم ظلمات يوم القيامة رواه البخاري ومسلم والترمذي (^٣).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٤٨).\n(^٢) أسماء النبي ومعانيها (اسم القثم) [طبع ضمن مجلد ٨/ ع ٣ ص ٣٤٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤٤٧)، ومسلم (٥٧ - ٢٥٧٩)، والترمذي (٢٠٣٠)، وأبو عوانة (١١٢٦١).","vol":"9","page":586},{"text":"قوله - ﷺ -: \"الظلم ظلمات يوم القيامة\" تقدم معنى الظلم في الحديث قبله، وقال معقل: سمعت وهب بن منبه يقول: لقد قرأت اثنين وسبعين كتابا مما أنزل الله تعالى من السماء ما سمعت فيها من تكرير الظلم والظالمين ما سمعت في قرآننا هذا وذلك أن الله تعالى علم أن فتنة هذه الأمة إنما تكون في الظلم ولم أر أن الله ﵎ عاب على أكثر الأمم الماضية إلا بالشرك وعبادة الأوثان وأكثر ما عيبت هذه الأمة بالظلم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ (^٢) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^٤) (^٥).\nومن أجل هذا كان سحنون بن سعيد الفقيه المالكي يحلف بالله ﷿ أن الذي يمسك أذاه عن الناس ولا يظلمهم خير [من الذي] يعطيهم الدراهم والدنانير، أ. هـ.\n\n٣٣٥٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - يبلغ به النبي - ﷺ - قال إياكم والظلم فإن الظلم هو ظلمات يوم القيامة وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفاحش\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٩.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٣٠.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ١٠.\n(^٤) سورة هود، الآية: ١٨.\n(^٥) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٨/ ٢٦٧٤ رقم ١٥٠٤٤).","vol":"9","page":587},{"text":"والمتفحش وإياكم والشح فإن الشح دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ - \"إياكم والظلم فإن الظلم هو ظلمات يوم القيامة\".\nقوله: \"وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفاحش والمتفحش\" والفحش هو رديء الكلام.\nقوله: \"وإياكم والشح\" الشح: البخل مع الحرص الذي يحمله على أخذ الحرام، وقيل: البخل أن يبخل بمال نفسه والشح أن يبخل بمال غيره.\n\n٣٣٥٩ - وروي عن الهرماس بن زياد - ﵁ - قال رأيت رسول الله - ﷺ - يخطب على ناقته فقال إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة وإياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح حتى سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم رواه الطبراني في الكبير والأوسط وله شواهد كثيرة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤٨٧)، والبزار (٨٤٨٦)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٣٤٢)، وابن حبان (٥١٧٧) و(٦٢٤٨) والحاكم ١/ ١٢. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن صحيح - صحيح الترغيب (٢٢١٧) و(٢٦٠٣)، الصحيحة (٨٥٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٩٧ - ١٦٨ رقم ٦٢٩) والكبير (٢٢/ ٢٠٤ رقم ٥٣٨). وقال الطبراني: لا يروى عن الهرماس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: أحمد بن نصر. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣٥: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عبد الله بن =","vol":"9","page":588},{"text":"قوله: وروي عن الهرماس بن زياد الباهلي من الصحابة سكن البصرة وطال عمره وهو بكسر الهاء وسكون الراء المهملة وبعدها ميم مفتوحة وبعد الألف سين مهملة روى عن رسول الله - ﷺ - حديثين إحداهما عند أبي داود والآخر رواه النسائي (^١)، أ. هـ.\nوقال المنذري في الترغيب عن الهرماس: قال رأيت رسول الله - ﷺ - يخطب على ناقته فقال: \"إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة\" فقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط.\nقوله: \"إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة\" الخيانة ضد الأمانة.\nقوله - ﷺ -: \"وإياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة\" الظلم في اللغة النقصان قال الله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (^٢) أي [معناه] ولى تنقص منه شيئا، وفي الاصطلاح: وضع الشيء في غير موضعه إما بنقصان أو زيادة أو بتجاوز عن وقته أو مكانه بتقديم أو تأخير (^٣).\nقوله: \"الظلم ظلمات يوم القيامة\" أي على الظالم حين يسعى نور المؤمنين بين أيديهم فيسعى الظالم في ظلمة متحيرًا هائما كما جعل في الدنيا على المظلوم مظلمة وكان بسبب ظلم الظالم في الدنيا متحيرا هائما، روى\n_________\n= عبد الرحمن بن مليحة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٦٥٣) وضعيف الترغيب (١٣٤٧).\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٣١).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ٣٣.\n(^٣) المفردات في غريب القرآن (ص ٥٣٧).","vol":"9","page":589},{"text":"عن الله تعالى أنه قال: \"أنما ظالم إن لم أنتقم من الظالم\"، أ. هـ.\nومر سفيان الثوري ومعه بعض أصحابه على ظالم نائم فأراد صاحبه أن يوقظه فقال: دعه فقال: أوقظه للصلاة فقال مه ما استراح الناس حين نام، أورده أبو نعيم في الحلية (^١) فالظالم لا يوقظ للصلاة ولا غيرها إذا كان في إيقاظه ظلم الناس والله أعلم.\nقوله: \"وإياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم الشح حملوا على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم\" تقدم الكلام على معنى الشح في الأحاديث قبله.\n\n٣٣٦٠ - وروي عن ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم وتستسقوا فلا تسقوا وتستنصروا فلا تنصروا رواه الطبراني (^٢).\nقوله: وروي عن ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم\" الحديث، أصله: لا تتظالموا أي لا يظلم بعضكم بعضا، الظلم ظلمات يوم القيامة على أهله\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٧/ ٤١) عن داود، عن أبيه، قال: كنت مع سفيان الثوري فمررنا بشرطي نائم وقد حان وقت الصلاة، فذهبت أحركه، فصاح سفيان: \"مه\"، فقلت: يا أبا عبد الله، يصلي فقال: \"دعه لا صلى الله عليه، فما استراح الناس حتى نام هذا\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (٢٠٩٣)، والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٢٥٦٢). قال: \"لا يروى عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد، تفرد به معاذ\". وقال أبو حاتم: أخاف أن يكون أراد إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، بدل زهير بن محمد. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٤٨).","vol":"9","page":590},{"text":"حين يسعى نور الدين بأيديهم وبأيمانهم أو يكون المعنى شدائد على أهلها، ومنه يوم مظلم أي ذو شدة قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (^١) أي أهوالها وشدائدها، أ. هـ.\nتنبيه: [فائدة في دعاء] الإنسان على من ظلمه اللهم أنت الحاضر المحيط بمكنونات الضمائر اللهم عز الظالم وقل الناصر وأنت المطلع العالم اللهم إنك أعلم بمن ظلمني وآذاني ويسميه باسمه ولا يشهد بذلك غيره اللهم إنك مالكه فأهلكه اللهم سربله سربال الهوان وقمصه قميص الردى، اللهم اقصفه يقول ذلك سبع مرات اللهم اخصفه اللهم اخصفه: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (^٢) (^٣)، أ. هـ.\nتنبيه أيضًا في الدعاء على من ظلمه: قال العلماء وإذا دعا على من ظلمه فليقل اللهم كافه اللهم عليك به اللهم قاتله ونحو ذلك، قال الغزالي: ولا يجوز الدعاء عليه بمصيبة تزيد على قدر الظلامة كما إذا غصب له درهما فقال: اللهم أهلكه اللهم خرب دياره فلا يجوز ذلك فهذا كله قد فسر به الاعتداء في الدعاء، وقيل: غير ذلك والله أعلم قاله ابن العماد (^٤) وتقدم الكلام على ذلك في كتاب الدعاء في بابه.\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٦٣.\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٢١.\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣١٧).\n(^٤) آداب الأكل (ص ٧٢) لابن العماد.","vol":"9","page":591},{"text":"٣٣٦١ - وعن أبي أمامة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي إمام ظلوم غشوم وكل غال مارق رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات (^١).\nقوله: عن أبي أمامة - ﵁ - هو الباهلي واسمه صدي بن عجلان تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي\" وتقدم الكلام على قوله: أمتي في أوائل هذا التعليق في الوضوء: \"إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين\" (^٢) وفي أحاديث أخر وسيأتي الكلام على الشفاعة وتعدده في بابه مبسوطًا.\nقوله: \"إمام ظلوم غشوم وكل غال مارق\" المراد بالإمام الظلوم الغشوم هو السلطان ومن تولى أمور المسلمين والغال المارق هو [المارق من الدين: أي الخارج منه، ولا شفاعة له، ولا عفو عنه. وغيره إن لم يخرج من\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في الاتحاف (٥/ ٣٦) والمطالب (٢١٥٧)، أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٢/ ٦٦٥)، والرويانى (٢/ ٢٧٤)، والجرجانى في عدة مجالس - خ (٤٤)، والمؤمل بن إهاب في جزئه (٦)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٦١٢)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨١ رقم ٨٠٧٩) والأوسط كما في مجمع البحرين (٢٥٧٧)، والكلاباذى في بحر الفوائد (١١٥٣).\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٣٥: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجال الكبير ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٤٧٠) وصحيح الترغيب (٢٢١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٣٤ و٣٥ - ٢٤٦) عن أبي هريرة.","vol":"9","page":592},{"text":"النار بالشفاعة، فقد يخرج منها يوما ما برحمة الله. وقد ورد خبر الصادق بأنه لا يضيع إيمان من مات عليه. فيكون ما أوعده بأن شفاعته لا تناله، تلحقه بأن يطول بقاؤه في النار، ولا يخرج منها مع من يخرج منها بالشفاعة (^١)].\n\n٣٣٦٢ - وعن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - كان يقول المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ويقول والذي نفسي بيده ما تواد اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما رواه أحمد بإسناد حسن (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله\" سيأتي الكلام على هذه الألفاظ في بابه.\n\n٣٣٦٣ - وعن أبي موسى - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد هود ٢٠١ رواه البخاري ومسلم والترمذي (^٣).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته\" الحديث، ومعنى يملي يمهل ويؤخر ويطيل له في المدة، والإملاء هو الإمهال والتأخير وإطالة العمر\n_________\n(^١) البعث والنشور (ص ٦٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٦٨ (٥٤٥٥ و٥٤٥٦). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣١٦: رواه أحمد وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢١٩) و(٣٤٩٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٦١ - ٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجه (٤٠١٨)، وابن حبان (٥١٧٥).","vol":"9","page":593},{"text":"وهو مشتق من الملوة وهي المدة والزمان والملوة بضم الميم وكسرها وفتحها وخفيفة الإملاء الإبقاء والإطالة والترفيه في العمر (^١).\nقوله - ﷺ -: \"فإذا أخذه لم يفلته\" أي: لم يطلقه ولم ينفلت منه أي لم يقدر على الخلاص والفرار قال الشافعي: ويجوز أن يكون بمعنى لم يفلته منه أحد أي لم يخلصه كذا في النهاية والأوجه الثاني: قال أهل اللغة يقال أفلته أطلقه وأفلته تخلص منه والله أعلم ومنه الحديث أن رجلا شرب خمرًا فسكر فانطلق به إلى النبي - ﷺ - فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل عليه فذكر له ذلك فضحك و[قال: أفعلها؟ ولم يأمر] فيه بشيء (^٢)، أ. هـ.\nسؤال: ما الحكمة في إمهال الله تعالى العصاة؟ قيل: ليرى العباد أن العفو والإحسان أحب إليه من الأخذ والانتقام وليعلموا غاية شفقته وبره وكرمه، أ. هـ، قاله ابن العماد في كتاب كشف الأسرار (^٣).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٨/ ٥٢) وشرح النووي على مسلم (١٣/ ١٣٧)، والنهاية (٤/ ٣٦٣).\n(^٢) النهاية (٣/ ٤٦٦) وشرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٧). والحديث أخرجه أبو داود (٤٤٧٦) والنسائي في الكبرى (٥٢٧١) و(٥٢٧٢)، والطبراني (١١/ ٢٣٥ رقم ١١٥٩٧)، والحاكم (٤/ ٣٧٥)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٤٦ رقم ١٧٥٠٩ و١٧٥١٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (جـ ١٢ ص ٧٢): خرجه أبو داود، والنسائي بسند قوي. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٦٢٢). قال أبو داود: هذا الحديث مما تفرد به أهل المدينة.\n(^٣) كشف الأسرار عما خفى عن الأفكار (لوحة ١٣).","vol":"9","page":594},{"text":"٣٣٦٤ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات يوم القيامة اتقوا الظلم ما استطعتم فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة يرى أنها ستنجيه فما زال عبد يقول يا رب ظلمني عبدك مظلمة فيقول امحوا من حسناته وما يزال كذلك حتى ما يبقى له حسنة من الذنوب وإن مثل ذلك كسفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب فتفرق القوم ليحتطبوا فلم يلبثوا أن حطبوا فأعظموا النار وطبخوا ما أرادوا وكذلك الذنوب رواه أبو يعلى من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ورواه أحمد والطبراني بإسناد حسن نحوه باختصار (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي (٩٨)، وأبو يعلى (٥١٢٢)، والحاكم (٢/ ٢٧)، والبيهقي في الآداب (٨٤٠) والشعب (٩/ ٤٠٤ رقم ٦٨٧٧) و(٩/ ٥٣٨ - ٥٣٩ رقم ٧٠٦٧)، وابن القيسرانى في صفوة التصوف (٥٧٧). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٨٩): رواه أبو يعلى، وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٢١) و(٢٤٧٠).\nوأخرجه الطيالسي (٤٠٠)، ومن طريقه أخرجه أبو الشيخ في الأمثال (٣١٩)، والبيهقي في الشعب (٢٨٥)، وأحمد ١/ ٤٠٢ (٣٨٩٥) والزهد (٣٤) و(٧٩)، الطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٢ رقم ١٠٥٠٠) وفي الأوسط (٣/ ٧٤ رقم ٢٥٢٩). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٩: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داود القطان، وقد وثق. وصححه الألباني في الموضعين السابقين.","vol":"9","page":595},{"text":"قوله - ﷺ -: \"إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب\" الحديث، أرض العرب الحجاز، قال الشافعي: الحجاز مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها أي قراها (^١) قال الأصمعي: سمي حجازًا لأنه حجز بين نجد وتهامة وهما منه حكاه الروياني في البحر (^٢) وقال الراغب (^٣): سمي حجازا لكونه حاجزا بين الشام وبين البادية والحجاز حبل شديد من حفر البئر إلى رفعه، وحكى الرافعي: عن الكلبي أن حدود الحجاز ما بين جبل طيء من أطراف العراق، وعن الحربي: أن تبوك وفلسطين من الحجاز قاله الزركشي (^٤) ومعنى \"إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب\" المراد بعبادة الشيطان عبادة الصنم لأنه الداعي إليه بدليل قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ (^٥) وكان يعبد الأصنام ومعنى يئس أي يئس من عبادة غير الله من صنم وغيره في أرض الحرم إلى يوم القيامة.\nقوله - ﷺ -: \"ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات يوم القيامة\" الحديث، الموبقات المهلكات أي رضى منكم بما سوى الكفر من الذنوب التي تحقرونها وترتكبونها فإن المعاصي الصغائر تجر إلى الكبائر ولهذا قيل إن المعاصي بريد الكفر وإلى ذلك أشار بقوله تعالى:\n_________\n(^١) الأم (٤/ ١٨٧)، والأوسط (١١/ ٢٧) والتهذيب (٧/ ٥١٣) وبحر المذهب (٢/ ٣٢٣).\n(^٢) بحر المذهب (١٣/ ٣٨٥).\n(^٣) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٢١).\n(^٤) الحاوي (١٤/ ٣٣٨)، وكفاية النبيه (١٧/ ٧١).\n(^٥) سورة مريم، الآية: ٤٤.","vol":"9","page":596},{"text":"﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (^١)، ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ (^٢) أي حصل لهم قتل الأنبياء بغير حق بما عصوا أي حصل لهم قتل الأنبياء بسبب معاصيهم السابقة عليهم وعليه أول قوله - ﷺ -: \"لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده\" أي لأنه يتدرج فيسرق ما فوقها فتقطع يده (^٣) قال الشاعر:\nخل الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى\nواصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى\nقاله ابن العماد في شرح العمدة.\nقوله - ﷺ -: \"اتقوا الظلم ما استطعتم\" الحديث، تقدم الكلام على الظلم في الأحاديث قبله.\nقوله: \"فما زال عبد يقول يا رب ظلمني عبدك مظلمة فيقول امحوا من حسناته\" المظلمة بكسر اللام مفعلة من الظلم.\nقوله: \"وإن مثل ذلك كسفر نزلوا بفلاة من الأرض\" السفر الجماعة المسافرون والفلاة الأرض القفر.\nقوله - ﷺ -: \"وكذلك الذنوب\".\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٨١.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٧٨.\n(^٣) المفهم (٥/ ٧٣)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ١٩٦)، والعدة شرح العمدة (٣/ ١٥٨٤)، ورياض الأفهام (٣/ ١٧٧ و٥/ ٨٤)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١٠/ ٦٤).","vol":"9","page":597},{"text":"واعلم أن الذنوب صغائر وكبائر، واختلف العلماء في الكبائر فقيل: الكبائر سبع وقيل: تسع وقال رجل لابن عباس: الكبائر سبع فقيل هي سبعمائة أقرب لأنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وأنه كما يجب اجتناب الكبائر والموبقات كذلك يجب اجتناب الصغائر والمحقرات لأن الصغيرة الواحدة متى أصر عليها العبد صارت من الكبائر وقد تقدم شيء في ذكر الصغائر وسيأتي الكلام على تعداد الكبائر، وقد ألف الذهبي (^١) في ذلك كتابًا وعد فيه كل ما ورد فيه وعيدا ولعن ونحوه فجاءت شيئا كثيرًا، وقال ابن عباس وغيره: كل شيء نهى الله عنه فهي كبيرة (^٢) لأن كل مخالفة بالنسبة إلى جلال الله كبيرة (^٣) وأما الجمهور فعندهم أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر وإلى ما تكفرها العبادات وإلى ما لا تكفرها فما تكفرها صغائر وما لا تكفره كبائر وهذا يعضده القرآن والسنة قال ابن العربي (^٤): وكما أن من الكبائر أكبر وكذلك من الصغائر أصغر وهو النظرة المحرمة وكذلك الكذبة الخفيفة التي لا تؤثر ضررا ونحوها، أ. هـ.\nقوله: رواه أبو يعلى من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص [وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف].\n_________\n(^١) كتابه اسمه الكبائر.\n(^٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٤٠)، والبيهقي في السنن ١/ ٢٧٣ وشعب الإيمان (٢٩٢).\n(^٣) في الأصل صغيرة ولا يستقيم المعنى.\n(^٤) أحكام القرآن (٤/ ٥١).","vol":"9","page":598},{"text":"٣٣٦٥ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلله منه اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه رواه البخاري والترمذي وقال في أوله رحم الله عبدا كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال الحديث (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم\" الحديث، تقدم ذكر المظلمة قال ابن مالك: يقال مظلمة بفتح اللام وكسرها والكسر أشهر وقد روى بالضم أيضًا وهي اسم ما أخذ منك بغير حقه، قاله الكرماني (^٢).\nوالعرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره كذا في النهاية (^٣) وذكر في الفائق (^٤) عرض الرجل جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عليه أن ينتقص (ويثلب عليه) وعرض الوادي جانبه.\nوقوله: \"فليتحلله منه اليوم\" الحديث، ومعنى فليتحلله: أي ليسأله أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٩) و(٦٥٣٤)، والترمذي (٢٤١٩)، وابن حبان (٧٣٦١ و٧٣٦٢).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١١/ ٢١).\n(^٣) النهاية (٣/ ٢٠٩).\n(^٤) الفائق (٢/ ٤١٢).","vol":"9","page":599},{"text":"يجعله في حل من قبله يقال تحللته واستحللته إذا سألته أن يجعلك في حل (^١).\nقال في شرح السنة (^٢): ومعناه أن يقطع دعواه ويترك مظلمته فإن ما حرمه الله تعالى من الغيبة لا يمكن تحليله، وإذا تحلل من المال فإنما يصح إذا كان معلوما وكان دينا أو منفعة عين استوفاها غصبا فإن كانت العين التي غصبها قائمة فلا يصح التحلل منها إلا بهبة وقبول مع قبض وقال بعض أهل العلم ثم إن الرجل إذا اغتاب غيره فإن بلغه ذلك فلا بد من أن يستحله وإن لم يفعله فإنه يستغفر الله تعالى ولا يخبره من ذلك شيئا والله أعلم.\n\n٣٣٦٦ - وعن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال أتدرون ما المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار، رواه مسلم والترمذي (^٣).\n_________\n(^١) شرح السنة (١٤/ ٣٥٩) وكشف المناهج والتناقيح (٤/ ٣٥٤).\n(^٢) شرح السنة (١٤/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٩ -)، والترمذي (٢٤١٨)، وابن حبان (٤٤١١) و(٧٣٥٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"9","page":600},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أتدرون ما المفلس؟ \" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، الحديث، ومعناه: أن هذا حقيقة المفلس فيعلم من هذا أن الغنى غنى الآخرة لا غنى الدنيا، وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال: اجعلني في حل فقد اغتبتك فقال لا أحل ما حرمه الله تعالى ولكن ما من قبلك أنت في حل (^١).\nقوله: \"إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه\" ومعنى أخذ الحسنات والسيئات أن يجعل ثوابها لصاحب المظلمة ويجعل على الظالم عقوبة سيئاته بدل حقه.\nقوله: وعن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أتدرون ما المفلس؟ \" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، الحديث، ومعناه: إن هذا حقيقة المفلس فيعلم من هذا أن الغنى غنى الآخرة لا غنى الدنيا، وأما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه مفلسا، وليس حقيقة المفلس لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته وربما انقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، وأما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث فهو الهلاك التام والمعدوم الإعدام المنقطع فتؤخذ حسناته لغرمائه فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فتوضع عليه ثم ألقي في النار فنمت خسارته وهلاكه وإفلاسه وهذا كله مذهب أهل السنة (^٢)، أ. هـ.\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١٦٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٥ - ١٣٦).","vol":"9","page":601},{"text":"قوله: \"وشتم هذا وقذف هذا وسفك دم هذا\" والشتم السب والقذف معروف وسفك الدم إراقته.\n\n٣٣٦٧ - وعن أبي عثمان عن سلمان الفارسي وسعد بن مالك وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود حتى عد ستة أو سبعة من أصحاب النبي - ﷺ - قالوا إن الرجل لترفع له يوم القيامة صحيفته حتى يرى أنه ناج فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حتى ما يبقى له حسنة ويحمل عليه من سيئاتهم رواه البيهقي في البعث بإسناد جيد (^١).\nقوله: وعن أبي عثمان [هو عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدى بن وهب بن ربيعة بن سعد بن جذيمة، ويقال: خزيمة، ابن كعب بن رفاعة بن مالك بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، أبو عثمان النهدى الكوفى، سكن البصرة، أدرك الجاهلية وأسلم على عهد النبي - ﷺ - وصدق إليه، ولم يلقه].\nقوله: عن سلمان الفارسي وسعد بن مالك وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على سلمان الفارسي وحذيفة وعبد الله بن مسعود، وأما سعد بن مالك (^٢) فهو [أبو إسحاق سعد بن مالك ابن وهب، ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى القريشى\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٩) و(٤/ ٥٧٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧٣) وصحيح الترغيب (٢٢٢٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٣ ترجمة ٢٠٥).","vol":"9","page":602},{"text":"الزهري المكي المدني. أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، وتوفى وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب، ﵁، أمر الخلافة إليهم، وأسلم قديما بعد أربعة، وقيل: بعد ستة، وهو ابن سبع عشرة سنة، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، وأول من أراق دما في سبيل الله تعالى، وهو من المهاجرين الأولين، هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله - ﷺ - إليها، شهد مع رسول الله - ﷺ - بدرا، وأحدا، والخندق، وسائر المشاهد كلها، وكان يقال له: فارس الإسلام، وأبلى يوم أحد بلاء شديدا، وكان مجاب الدعوة، وحديثه في دعائه على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة وهو أبو سعدة، وأجيبت دعوته في ثلاثة أشياء مشهور في الصحيحين، روى له عن رسول الله - ﷺ - مائتان وسبعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر].\nقوله: \"إن الرجل لترفع له يوم القيامة صحيفته حتى يرى أنه ناج\" الحديث، الصحيفة: العهدة التي تكتب فيها الحقوق.\n\n٣٣٦٨ - وعن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - بعث معاذا إلى اليمن فقال اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي في حديث والترمذي مختصرا هكذا واللفظ له ومطولا كالجماعة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٩٦) و(٢٤٤٨) و(٤٣٤٧)، ومسلم (٢٩ - ١٩)، وأبو داود =","vol":"9","page":603},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن، يعني لأخذ الزكوات، قال ابن الأثير في التاريخ: كان بعث معاذ في السنة العاشرة وأن الزكاة وجبت في السنة العاشرة وأنه - ﷺ - إنما بعث السعاة لأخذ الصدقة في العاشرة ذكره ابن العماد في شرح العمدة.\nقوله: فقال: \"اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\" أي: بسبب الظلم، وفيه دليل على تعظيم أمر الظلم والتحذير من سائر أنواعه، وقوله - ﷺ -: \"فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\" فيه دليل على أنها دعوة مستجابة وأنها تقبل من كل واحد، وفي حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم - ﵇ - قال: \"كانت أمثالا كلها وفيها: أيها الملك المسلط المغرور المبتلى إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر\" وسيأتي الحديث قريبا.\nقوله - ﷺ -: \"ليس بينها وبين الله حجاب\" فيه دليل على أن دعوة غير المظلوم قد تحجب عن الله تعالى فلا ترفع إليه ولا يستجاب لصاحبها إما لمعاصيه أو لأكله الحرام أو لتعديه في الدعاء ونحو ذلك، وذكر القشيري في\n_________\n= (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥) و(٢٠١٤)، وابن ماجه (١٧٨٣)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٥١ (٢٤٥٤) و٤/ ٥٢٩ (٢٥٤١)، وابن خزيمة (٢٢٧٥) و(٢٣٤٦)، وابن حبان (٥٠٨١).","vol":"9","page":604},{"text":"الرسالة أن دعوة اليتيم كدعوة المظلوم فليس بينهما وبين الله حجاب، وفي الحديث أن دعوة الوالد والعالم وحامل القرآن كدعاء اليتيم والمظلوم ذكره ابن العماد.\n\n٣٣٦٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين رواه أحمد في حديث والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والبزار مختصرا ثلاث حق على الله أن لا يرد لهم دعوة الصائم حتى يفطر والمظلوم حتى ينتصر والمسافر حتى يرجع وفي رواية للترمذي حسنة ثلاث دعوات لا شك في إجابتهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على الولد وروى أبو داود هذه بتقديم وتأخير (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٧٠٧)، وإسحاق (٣٠٠)، وأحمد ٢/ ٣٠٥ (٨١٥٨) و(٨١٥٩) و٢/ ٤٤٥ (٩٨٧٤)، وابن ماجه (١٧٥٢)، والترمذي (٢٥٢٦) و(٣٥٩٨)، وابن خزيمة (١٩٠١)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٥٨٧)، وابن حبان (٣٤٢٨) و(٧٣٨٧)، والطبراني في الدعاء (١٣١٥) والأوسط (٧/ ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٧١١١)، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (٢٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٦٤) والدعوات الكبير (٦٥٠) والكبرى (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢ رقم ٦٣٩٣) و(٨/ ٢٨٠ رقم ١٦٦٤٨)\nوقال الترمذي في الموضع الأول: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي وليس هو عندي بمتصل وقد روي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مدلة، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -. وقال في الموضع الثاني: هذا حديث حسن وسعدان القبي هو: سعدان بن بشر. وقد روى عنه عيسى بن يونس، وأبو عاصم، وغير واحد من كبار أهل الحديث، وأبو مجاهد هو: =","vol":"9","page":605},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم\" وفي رواية البزار \"والصائم حتى يفطر والمظلوم حتى ينتصر والمسافر حتى يرجع\" فإذا كان الله تعالى يستجيب دعاء المسافر من حيث هو، فلم لا يستجيب دعاء المجاهد وهو أكرم الناس سفرا وأعظمهم في سفره أجرا، ولهذا جاء في الحديث: \"إن الله تعالى يستجيب لهم كما يستجيب للرسل\" وما ذاك إلا لكرامتهم عليه ورفع منزلتهم لديه، وروي ابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اتقوا أذى المجاهدين في سبيل الله فإن الله يغضب لهم كما يغضب للرسل\" (^١) وعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"خمس دعوات تستجاب دعوة المظلوم حتى ينتصر ودعوة الحاج حتى يصدر ودعوة المجاهد حتى يقفل ودعوة المريض حتى يبرأ\n_________\n= سعد الطائي، وأبو مدلة هو: مولى أم المؤمنين عائشة، وإنما نعرفه بهذا الحديث، ويروى عنه هذا الحديث أطول من هذا وأتم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٨٣) و(٥٩٧) و(١٣١٦) و(١٣٤٩).\nوأما اللفظ الثاني: أخرجه أبو داود (١٥٣٦)، والترمذي (١٩٠٥) و(٣٤٤٨)، وابن ماجه (٣٨٦٢)، والبزار (٨١٤٨)، وابن حبان (٢٦٩٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٨٣) (٥٩٧) و(١٣٤٩) و(١٨٢٤) وقال عن طريق البزار: ضعيف جدا.\n(^١) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (١٣٣) من طريق الدارقطني. وقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٢١٣ - ٢١٤): غريب من حديث ابن المسيب عن علي تفرد به عمار بن مطر عن عصام بن طيلق عن مسلم بن أبي جعفر عن سعيد.","vol":"9","page":606},{"text":"ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب\" (^١) خرجه ابن عساكر من طريق عمرو بن أبي سلمة، ومنه أن الله تعالى يستجيب دعاءهم بخوارق العادات لكرامتهم عليه ودخولهم في ضمانه لقوله ضامن، ذكره ابن النحاس في كتاب الجهاد الذي ألفه (^٢).\n\n٣٣٧٠ - وعن عقبة بن عامر الجهني - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال ثلاثة تستجاب دعوتهم الوالد والمسافر والمظلوم رواه الطبراني في حديث بإسناد صحيح (^٣).\n\n٣٣٧١ - وعن ابن عمر - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة رواه الحاكم وقال رواته متفق على الاحتجاج بهم إلا عاصم بن كليب فاحتج به مسلم وحده (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الفاكهى في أخبار مكة (٩٠٨)، والمخلدى في أماليه (٢١)، والبيهقي في الدعوات (٦٧١) والشعب (٢/ ٣٧٦ رقم ١٠٨٧)، وابن عساكر في المعجم (١٤٧٥)، والضياء في المنتقى من مسموعات مرو (٢٨٢). وقال الألباني في الضعيفة (١٣٦٤): موضوع.\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ١٨٤ - ١٨٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٤ (١٧٦٧٢)، وابن خزيمة (٢٤٧٨)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٤٠، ٣٤١ رقم ٩٣٩ و٩٤٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٥٧). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥١: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن زيد الأزرق، وهو ثقة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٥٩٦)، وصحيح الترغيب (٢٢٢٧) و(٣١٣٣).\n(^٤) أخرجه الحاكم (١/ ٢٩)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٢٨). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٧٢) وصحيح الترغيب (٢٢٢٨).","vol":"9","page":607},{"text":"٣٣٧٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه رواه أحمد بإسناد حسن (^١).\n\n٣٣٧٣ - وروي عن ابن عباس - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - دعوتان ليس بينهما وبين الله حجاب دعوة المظلوم ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب رواه الطبراني وله شواهد كثيرة (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه\" تقدم الكلام على ذلك وكذلك حديث ابن عباس.\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٤٥٠)، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٤٨ (٢٩٣٧٤)، وأحمد ٢/ ٣٦٧ (٨٩١٧)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٥٨٨)، والطبراني في الدعاء (١٣١٨)، وابن عدى في الكامل (٨/ ٣١٤ - ٣١٥)، والدارقطني في العلل (١٠/ ٣٩٦)، والقضاعى في مسند الشهاب (٣١٥). قال الدارقطني في العلل (٢٠٨٠): يرويه أبو معشر، واختلف عنه؛ فرواه الثوري عن أبي معشر، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. وتابعه سعيد بن منصور، عن أبي معشر إلا أنه وقفه، ورفعه غيره، عن أبي معشر.\nوقيل: عن الثوري، عن بعض المدينين، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥٢: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٢٩).\n(^٢) أخرجه إسحاق في المسند - مسند ابن عباس (٨٤٢)، والطبراني في الدعاء (١٣١٩) و(١٣٣٠) والكبير (١١/ ١١٩ رقم ١١٢٣٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٠٩٢) و(٢٠٩٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٠٢) وضعيف الترغيب (١٣٥٠) و(١٨٢٢).","vol":"9","page":608},{"text":"٣٣٧٤ - وعن خزيمة بن ثابت - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين رواه الطبراني ولا بأس بإسناده في المتابعات (^١).\nقوله: وعن خزيمة بن ثابت - ﵁ -[هو أبو عمارة خزيمة بن ثابت بن عمارة بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عنان بن عامر بن خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسى الخطمى المدنى، وسمى خطمة لأنه ضرب رجلا على خطمه. شهد خزيمة مع رسول الله - ﷺ - بدرا وما بعدها من المشاهد، وكان خزيمة وعمير بن عدى يكسران أصنام بنى خطمة، وكانت راية بنى خطمة بيده يوم فتح مكة، وشهد مع على، ﵁، الجمل وصفين، ولم يقاتل فيهما، فلما قتل ابن ياسر بصفين، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"تقتل عمارا الفئة الباغية\"، فسل سيفه، وقاتل حتى قتل، وكانت صفين سنة سبع وثلاثين، روى له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية وثلاثون حديثا. روى عنه ابنه عمارة وآخرون، ومن أجل مناقبه أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٨٦)، والدولابى في الكنى (١٨٢٩)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٥٩٨)، والدينورى في المجالسة (٣١٧٣)، والطبراني في الدعاء (١٣١٧) والكبير (٤/ ٨٤ رقم ٣٧١٨) ومكارم الأخلاق (١٢٦)، والقضاعى في مسند الشهاب (٧٣٣).\nقال البخاري: محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت، الأنصاري، مديني، سمع منه ابن جريج، مرسل. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥٢: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٨٧٠) وصحيح الترغيب (٢٢٣٠).","vol":"9","page":609},{"text":"جعل شهادته كشهادة رجلين، فكان يسمى ذا الشهادتين، وفى صحيح البخاري، عن زيد بن ثابت، أن رسول الله - ﷺ - جعل شهادة خزيمة بن ثابت شهادة رجلين].\nقوله: \"اتقوا دعوة المظلوم\" تقدم الكلام عليه. وفي الحديث الآخر: \"اتق دعوة المظلوم\" أي لا تظلم أحدا بأن تأخذ منه ما ليس بواجب عليه أو تؤذيه بلسانك فإنك لو ظلمت أحدا ودعا المظلوم عليك بسوء قبل الله دعاءه فإن الله تعالى لا يرد دعاء المظلوم ولو كان كافرًا كما ورد الحديث بذلك في السنن والله أعلم (^١).\n\n٣٣٧٥ - وعن أبي عبد الله الأسدي قال سمعت أنس بن مالك - ﵁ - يقول قال رسول الله - ﷺ - دعوة المظلوم وإن كان كافرا ليس دونها حجاب وقال رسول الله - ﷺ - دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه أحمد ورواته إلى عبد الله محتج بهم في الصحيح وأبو عبد الله لم أقف فيه على جرح ولا تعديل (^٢).\n_________\n(^١) المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٣ (١٢٧٤٤ و١٢٧٤٥) ومن طريقه الضياء في المختارة ٧/ ٢٩٣ (٢٧٤٨)، وابن معين في تاريخه ٢/ ٣٥٥، ومن طريقه الدولابي في الكنى (١٥٣٦)، والطبراني في الدعاء (١٣٢١)، والقضاعى في مسند الشهاب (٩٦٠)، والضياء في المختارة ٧/ ٢٩٣ - ٢٩٤ (٢٧٤٩).\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥٢: رواه أحمد، وأبو عبد الله الأسدي لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٧٦٧)، وصحيح الترغيب (٢٢٣١).","vol":"9","page":610},{"text":"قوله: وعن أبي عبد الله الأسدي [اسمه عبد الرحمن بن عيسى].\nقوله: قال المنذري: وأبو عبد الله لم أقف فيه على جرح ولا تعديل.\nقوله - ﷺ -: \"دعوة المظلوم وإن كان كافرا ليس دونها حجاب\".\nقوله: وقال رسول الله - ﷺ - \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" معناه والله أعلم دع ما فيه شبهة من الدين عندك وخذ ما لا شبهة فيه.\n\n٣٣٧٦ - وروي عن علي - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - يقول الله اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري رواه الطبراني في الصغير والأوسط (^١).\nقوله: وعن علي - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري\" تقدم الكلام على الظلم.\n\n٣٣٧٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ههنا التقوى ههنا التقوى ههنا ويشير\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٦١ رقم ٧١) والأوسط (٢/ ٢٥٢ رقم ٢٢٠٧) ومن طريقه القضاعى في مسند الشهاب (١٤٥٢). قال الطبراني: لم يروه عن أبي إسحاق إلا شريك، تفرد به: مسعر بن الحجاج.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٦: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه مسعر بن الحجاج النهدي كذا هو في الطبراني، ولم أجد إلا مسعر بن يحيى النهدي، ضعفه الذهبي بخبر ذكره له، والله أعلم. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٢٣٩٢) وضعيف الترغيب (١٣٥١).","vol":"9","page":611},{"text":"إلى صدره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله رواه مسلم (^١).\n\n٣٣٧٨ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم قال كانت أمثالا كلها أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها وإن كانت من كافر وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات فساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله ﷿ وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه قلت يا رسول الله فما كانت صحف موسى - ﵇ - قال كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها عجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل قلت يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى الله فإنها رأس الأمر كله قلت يا رسول الله زدني قال عليك بتلاوة القرآن وذكر الله ﷿ فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء قلت يا رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٢ - ٢٥٦٤)، وأبو داود (٤٨٨٢)، والترمذي (١٩٢٧)، وابن ماجه (٤٢١٣).","vol":"9","page":612},{"text":"زدني قال إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه قلت يا رسول الله زدني قال عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي قلت يا رسول الله زدني قال أحب المساكين وجالسهم قلت يا رسول الله زدني قال انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى ما هو فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك قلت يا رسول الله زدني قال قل الحق وإن كان مرا قلت يا رسول الله زدني قال ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك ولا تجد عليهم فيما تأتي وكفى بك عيبا أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك وتجد عليهم فيما تأتي ثم ضرب بيده على صدري فقال يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق رواه ابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال صحيح الإسناد قال الحافظ انفرد به إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه وهو حديث طويل في أوله ذكر الأنبياء ﵈ ذكرت منه هذه القطعة لما فيها من الحكم العظيمة والمواعظ الجسيمة ورواه الحاكم أيضًا ومن طريقه البيهقي كلاهما عن يحيى بن سعيد السعدي البصري حدثنا عبد الملك بن جريج عن عطاء بن عبيد بن عمر عن أبي ذر بنحوه ويحيى بن سعيد فيه كلام والحديث منكر من هذه الطريق وحديث إبراهيم بن هشام هو المشهور والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٣٦١)، والآجرى في الأربعون (٤٤)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٦٦ - ١٦٨ بتمامه. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٥٧ رقم ١٦٥١) ومكارم الأخلاق (١)، ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٦٩٩)، والحاكم (٢/ ٥٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٨) =","vol":"9","page":613},{"text":"قوله: وعن أبي ذر - ﵁ - قال الحافظ أبو نعيم (^١): كان أبو ذر ملازما لرسول الله - ﷺ -، سأله عن الفروع والأصول وسأله عن الإيمان والإحسان وسأله عن رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، وسأله عن أحب الكلام إلى الله تعالى، وسأله عن ليلة القدر أترفع مع الأنبياء ﵈ أم تبقى وسأله عن كل شيء، ومناقبه كثيرة مشهورة، والله أعلم.\nقوله: قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم قال كانت أمثالا كلها، وفي بعض طرق الحديث، كانت عبرًا كلها، والعبر جمع عبرة وهي كالموعظة مما يتعظ الإنسان به ويعمل به ويعتبر ليستدل به على غيره قاله في النهاية (^٢).\nاعلم أن في خبر أبي ذر هذا أنواعًا من الحكم وفوائد العلم والأنباء عن الأمور الخالية وإخبار عن الأمم الماضية وفيه اعتبار لأولى البصائر والعقول، وتنبيه لذوي التمييز والتحصيل وفيه ما دل على أن من الأنبياء من\n_________\n= مختصرا. قال ابن عدي: هذا حديث منكر عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر: وهذا الحديث ليس له من الطرق إلا من رواية أبي إدريس الخولاني، والقاسم بن محمد، عن أبي ذر، والثالث حديث ابن جريج هذا، وهذا أنكر الروايات.\nقال الذهبي: فيه يحيى بن سعيد السعدي البصري وليس بثقة. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢١٦: رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني وثقه ابن حبان، وضعفه أبو حاتم، وأبو زرعة. وقال الألباني: ضعيف جدًا - \"الضعيفة\" (١٩١٠ و٦٠٩٠)، وضعيف الترغيب (١٣٥٢).\n(^١) حلية الأولياء (١/ ١٦٩).\n(^٢) النهاية (٣/ ١٧١).","vol":"9","page":614},{"text":"أوتى النبوة وأرسل إلى طائفة ومنهم من كان نبيا غير مرسل إلى أحد، وقال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (^١) قال ابن عباس: لم يكن من الفرس نبي، قال العلماء: فعدة الكتب التي أنزلها الله تعالى من السماء مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله تعالى على شيث بن آدم خمسين صحيفة وأنزل على إدريس ثلاثين صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحف وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحف وأنزل الله التوراة على موسى والزبور على داود والإنجيل على عيسى والفرقان على نبينا محمد - ﷺ -، قال أبو ذر: قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة وعشرون ألفا، قلت: يا رسول الله الرسل؟ قال: \"ثلثمائة وثلاثة عشر\" قلت: يا رسول الله: من أولهم، قال \"آدم نبي مرسل خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه\" قال: \"يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث وخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم ونوح، وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك\" عدة ما كان بين التوراة والزبور وبين الزبور والإنجيل وبين الإنجيل والفرقان من السنين، قال عبد الملك: كان بين نزول التوراة إلى نزول الزبور خمس مائة سنة، ومن الزبور إلى الإنجيل خمسمائة سنة ومن الإنجيل إلى الفرقان خمسمائة سنة، وقيل: غير ذلك، وأجمع أهل الحديث أن الدنيا كلها من خلق آدم إلى انقراض الخلق وانقضائها سبعة آلاف سنة لا محالة.\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ٥٢.","vol":"9","page":615},{"text":"قال أبو ذر: قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم، قال في تاريخ كنز الدرر (^١): هو إبراهيم خليل الله بن آزر وهو تارح بن ماحور، ونسبه موصل بآدم - ﵇ -، ولد إبراهيم ببابل وكان مولده في زمن نمرود بن كنعان وكان لنمرود ملك المشارق ولما بلغ إبراهيم ثلاثين سنة ألقاه نمرود في النار فنجاه الله منها وجعلها الله عليه بردا وسلاما بعد أن احتبسه ثلات عشرة سنة ولما كان لإبراهيم سبعون سنة خرج ومعه ابن أخيه لوط وابنة عمه سارة وهي زوجته إلى الشام فوجدوا بها الجوع فساروا إلى مصر وبها فرعون يقال له سنان هذا عن أهل الأثر أن فرعون إبراهيم كان اسمه سنان أقاموا بمصر ثلاثة أشهر ورجعوا إلى الشام وقد أهدى فرعون بمصر لسارة هاجر فنزلوا إلى السبع من أرض فلسطين، وفارقه لوط وسكن سدوم، ثم تحول إبراهيم - ﵇ - فنزل الرملة وارتحل فنزل إيليا فلما بلغ إبراهيم خمسا وثمانين سنة وعبت سارة له جاريتها هاجر فولدت له إسماعيل ولإبراهيم من العمر حين ولد له إسماعيل ست وثمانون سنة واختتن وله تسع وتسعون سنة وقيل اختتن بالقدوم وهي قرية من قرى كنعان لا ما يذهب إليه الناس أنها الآلة التي كالفأس وختن أيضًا إسماعيل ثم ولدت له سارة إسحاق وله مائة سنة وأنزل الله عليه عشر صحائف وولد إسحاق يعقوب والعيص توءما بعد مضي مائة وستين سنة إبراهيم ومات صلوات الله وسلامه عليه وله من العمر مائة وخمس وسبعون سنة وماتت سارة ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة\n_________\n(^١) كنز الدرر (٢/ ٢١٠ - ٢١٢).","vol":"9","page":616},{"text":"وكان وفاتها قبل وفاة إبراهيم بعد مضي سبع وثلاثين سنة من عمر ولدها إسحاق ودفنها في مزرعة جيرون من الشام، أ. هـ.\nفهذا الحديث يشتمل على أعمال الدين ومكارم الأخلاق التي يستعملها أهل التقوى والورع ولو أن امرءًا حفظه واشتغل باستعماله لكفاه عمره.\nقوله: \"وعلى العاقل أن يكون له ساعات، فساعة يناجي فيها ربه\" أي يخاطبه \"وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله ﷿ وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب\" وفي هذا الحديث بعد ذلك \"أو لذة في غير محرم\" وقال ابن رجب (^١): \"وساعة يخلو بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل\" فإن في هذه الساعة عونا له على تلك الساعات وفضل بلغة واستجماما للقلوب يعني ترويحا لها ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوى على الطاعة كانت شهواته له طاعة يثاب عليها كما قال معاذ بن جبل - ﵁ -: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، يعني أنه ينوي بنومته التقوى على القيام آخر الليل فيحتسب ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه، أ. هـ.\nقوله: \"وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد\" الظاعن من الظعن السفر، وفي بعض الآثار السفر بعيد التزود يريد يبعد السفر كون منزل الإقامة الذي إليه السفر وهو الجنة لا يبلغه المسافر إلا بزاد وافر من التقوى والعمل الصالح قاله شارح الأربعين الودعانية.\nقوله: \"ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه\" والذي يعنيه هو [ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"9","page":617},{"text":"بالنِّسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصرَ الإنسانُ على مَا يَعْنِيهِ مِنَ الأُمُورِ سَلِمَ مِنْ شَرٍّ عظيم، والسَّلامةُ خَيرٌ كثيرٌ، فالسَّلامَةُ مِن الشَّرِّ مِن حُسْنِ الإسلامِ] (^١).\nقوله: \"عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب\" النصب هو التعب.\nقوله: قلت يا رسول الله: أوصني قال: \"أوصيك بتقوى الله فإنها رأس الأمر كله\" تقدم الكلام على التقوى ولبعضهم (^٢):\nألا إنما التقوى هي العز والكرم ... وحبك الدنيا هو الذل والسقم\nوليس على عبد تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم\nقوله: \"إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب\" كان رسول الله - ﷺ - في أكثر أحواله يتبسم وكان يضحك في بعض الأحوال أعلا من التبسم وأقل من القهقهة، وكان أصحابه أيضًا يضحكون والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال وأما المكروه منه فهو الإكثار من الضحك فإنه يميت القلب وذلك هو المذموم (^٣).\nقوله: قلت يا رسول الله: زدني، قال \"عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي\" قال الإمام أبو عبد الله الحليمي معناه أن النصارى كانت تترهب بالتخلي من\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٢١) للطوفى وعنه نقله ابن الملقن في المعين على تفهم الأربعين (ص ١٩٧).\n(^٢) تاريخ ابن معين للدورى ٤/ ٣٩١ (٤٩٣٤). ونسبه ابن الملقن في التوضيح (١٤/ ١٩٣)، والبدر العينى عمدة القارى (١١/ ٢١٠) وابن رجب في الحكم الجديرة (ص ٣٢) لأبي العتاهية، وابن حبان في روضة العقلاء (ص ٣٠) قال: سمعت أحمد بن موسى بواسط يقول وجدت على خف عطاء السلمي مكتوبا وكان حائكا فذكره.\n(^٣) الكواكب الدرارى (٢١/ ٢١٩).","vol":"9","page":618},{"text":"أشغال الدنيا ولا تخلي أكبر من بذل النفس في سبيل الله ليقتل وأيضا فإن أولئك المترهبة كانوا يزعمون أنهم إنما يتخلون في الصوامع والديورات من الناس لئلا يؤذوا أحدا ولا أذى أشد من ترك المبطل على باطله لأن ذلك يعرضه للنار فإن تكن الرهبانية دفع الأذى عن الناس فالجهاد دافع عن المجاهدين أعظم الأذى فهو الرهبانية إذن لا ما تتوهمه النصارى (^١)، أ. هـ.\nقال الإمام أبو موسى ﵀ (^٢): وعندي وجه آخر أوجه مما ذكره الحليمي وهو أن يكون معناه كما أن عند النصارى لا عمل أفضل من الترهب ففي الإسلام لا عمل أفضل من الجهاد ولا درج أرفع من درجته ولهذا قال - ﷺ -: \"ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله\" والله ﵎ أعلم.\nوالترهب التعبد بخشية وهو من باب التكلف كأنه يتكلف الرهبة والخوف من الله ويقصده ويتخلق به، قال ابن قتيبة: الرهبانية لزوم الصوامع وترك أكل اللحم والتفرد من الناس بحيث لا يحضر جمعة ولا جماعة وهو المنهي عنه (^٣).\nوأيضا أن المترهبة يجري على أيديهم مما هو احتساب عندهم وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ما لا يقدر على الاتساع منه آمر ولا مأمور فقيل الجهاد رهبانية هذه الأمة لأنه رأس الأمر والنهي ولا يحابى فيه من\n_________\n(^١) المنهاج (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٨٢٣ - ٨٢٤).\n(^٣) المصدر السابق في نفس الموضع.","vol":"9","page":619},{"text":"المشركين رئيس ولا مرءوس، أ. هـ، ذكره صاحب المغيث في حل مشكل القرآن والحديث (^١).\nقال ابن النحاس في كتاب الجهاد الذي ألفه (^٢): إطلاق الراهب على من رهب أن يؤذي غيره قليل والقاصد منهم لذلك على الحقيقة قليل أيضًا إذ لا يتهيأ هذا الشهود إلا للكُمّل منهم الذي صفت بواطنهم بدوام العزلة والرياضة فكشف لهم حقائق نفوسهم الأمارة وشهدوا ما يتعدى من شرها وأذاها للخلق حال الخلطة والاجتماع فحبسوا نفوسهم في الصوامع حبس الكلب ولو كان لا يسمى راهبا إلا مثل هؤلاء لما كان يخلص من كل ألف راهب (راهب) وأكثر ما يطلق الراهب على من رهب غيره أي خافه والذي يظهر أن الراهب لما رهب الله تعالى فاجتهد في عبادته ورهب الخلق أن يشغلوه عنها وأن يكونوا سببا في سخط الله تعالى عليه وطرده عن بابه سمى فعله هذا رهبانية كذلك المجاهد لما خاف الله تعالى فامتثل أكره وخاف الكفار أن يستولوا عليه وعلى غيره من المسلمين لو ترك جهادهم فبادروا إلى قتالهم ودفعهم، سمى فعله هذا رهبانية، أ. هـ. قال: ويحتمل أن الرهبانية لما كانت عبارة عن اعتزال الخلق والفرار منهم والإقامة في قلل الجبال وفي الصوامع بمهامه القفار مجاهدة للنفس في ترك شهواتها وبعدها عن مواطن ما لو فاتها وتحميلها ما يشق من الأفعال رهبة من\n_________\n(^١) المنهاج (٢/ ٤٧٤) والمجموع المغيث (١/ ٨٢٣).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ١٦٦ - ١٦٧).","vol":"9","page":620},{"text":"الله وخوفا من عقابه كان الجهاد أيضًا رهبانية لأنه عبارة عن تعريض النفس لأنواع المكاره وبذلها في سبيل المتألف وتسليمها لمشتريها من غير مماطلة وهبة من الله تعالى وخوفا منه وأقرب مما تقدم أن يقال لما كانت الرهبانية عبارة عن تحمل أشق ما يكون على النفس سمى الجهاد أيضًا رهبانية لأنه بذل النفس والمال وهو أشق ما يكون، وشتان بين من يجاهد نفسه مع حياتها وتناول بعض ملذوذاتها وبين من عرضها لأعظم مكروهات وحرض على فنائها وإن كان سبب بقائها وحياتها اللهم ارزقنا ذلك بمنك وفضلك يا أرحم الراحمين.\nقوله: \"فإنه رهبانية أمتي\" يريد أن الرهبان وإن تركوا وزهدوا فيها وتخلوا عنها فلا ترك ولا زهد ولا تخلى أكثر من بذل النفس في سبيل الله وكما أنه ليس عند النصارى عمل أفضل من الترهيب ففي الإسلام لا عمل أفضل من الجهاد ولهذا قال ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله، وفي الحديث \"لا رهبانية في الإسلام\" هي من رهبنة النصارى وأصلها من الرهبة الخوف كانوا يرهبون بالتخلي من أشغال وترك ملاذها والزهد فيه والعزلة عن أهلها، وتعمد مشاقها حتى إن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب فنفاها النبي - ﷺ - عن الإسلام ونهي المسلمين عنها والرهبان جمع راهب وقد يقع على الواحد ويجمع على رهابين ورهابنة، والرهبانية منسوبة إلى الرهبنة بزيادة الألف والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١).","vol":"9","page":621},{"text":"قوله - ﷺ -: \"انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى ما هو فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك\" وأجدر بمعنى أحق أن لا تعيبوا وتحتقروا والازدراء افتعال من زري عليه زراية إذا عابه والازدراء الاحتقار والانتقاص والعيب وأصل ازدريت إزتريت وهو افتعلت منه فقلبت التاء دالا لأجل الزاي (^١).\nوالمعنى انظروا إلى من فضلكم الله عليه في ذات أيديكم فوسع عليكم وضيق عليهم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم في الغنى فإنكم إذا نظرتم إليهم احتقرتم نعمة الله تعالى عليكم وليست هي أهلا للاحتقار فإنه لعل الله تعالى يعلم في ذلك من المصالح ما لا تعلمونه ففي الحديث تنبيه على القناعة والشكر على ما رُزق وكف النفس الإمارة عن طلب الفضول والله أعلم.\nوقال بعضهم أيضًا: اعتبروا بمن فضلتم عليه في المال والخلق والعافية فيظهر لكم ما أنعم الله به عليكم فتشكرونه على ذلك فتقومون بحق النعمة وذلك بخلاف إذا نظر ما فضل عليه به غيره من ذلك فإنه يضحك عنده ما أنعم الله عليه من النعم ويحقرها فلا يسحبها نعما فينسى حق الله فيها وربما حمله ذلك النظر إلى أن تمتد عيناه إلى الدنيا فينافس أهلها وينقطع تحسره فوتها ويحسد أهلها وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٣٠٢).","vol":"9","page":622},{"text":"وقوله: \"فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم\" هو عائد على مصدر انظروا (^١)، أ. هـ.\nقوله: \"ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك ولا تجد عليهم فيما تأتي\" تجد معناه [في قوله وكفى بك عيبا أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك وتجد عليهم فيما تأتي].\n\n٣٣٧٩ - وعن جابر وأبي طلحة - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال ما من مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته رواه أبو داود (^٢).\nقوله: وعن جابر وأبي طلحة - ﵄ -، تقدم الكلام على جابر وابن أبي\n_________\n(^١) المفهم (٢٢/ ١٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٩٦)، وأحمد ٤/ ٣٠ (١٦٦٣٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٤٧)، وأبو داود (٤٨٨٤)، ويعقوب بن سفيان في تاريخه ١/ ٣٠٠، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٤٣) وذم الغيبة (١٠٥)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٨٩١)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٠٥ رقم ٤٧٣٥) والأوسط (٨/ ٢٨٢ رقم ٨٦٤٢)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٨٩، والبيهقي في السنن (٨/ ٢٩٠ رقم ١٦٦٨٢ و١٦٦٨٣) والشعب (١٠/ ٩٩ - ١٠٠ رقم ٧٢٢٦) والآداب (١١١)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٣٢).\nوقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٣٧: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في المشكاة (٤٩٨٣) وضعفه في الضعيفة (٦٨٧١)، والمشكاة (٤٩٨٣/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (١٣٥٣) و(١٧٠٠).","vol":"9","page":623},{"text":"طلحة، اسمه عبد الله وأبو طلحة الأنصاري الصحابي المشهور الأنصاري النجاري المدني التابعي الكبير أخو أنس بن مالك لأمه، أمها: أم سليم بنت ملحان الصحابية الفاضلة، شهد مع علي صفين وقتل بفارس شهيدا، وقيل: توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقال محمد بن سعد: كانت أم عبد الله حاملا به يوم حنين سنة ثمان من الهجرة ولم يزل ساكنا بالمدينة، وكان ثقة قليل الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"ما من مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته\" يخذل معناه [يترك نصره ولا يمنع من اغتيابه.\n\"في موضع يُنتهك فيه حرمته\" وانتهاكُها تناولُها بما لا يَحلُّ] (^١).\n\n٣٣٨٠ - وروي عن عبد الله يعني ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال أمر بعبد من عباد الله يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة فامتلأ قبره عليه نارا فلما ارتفع عنه وأفاق قال علام جلدتموني قال إنك صليت صلاة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره رواه أبو الشيخ ابن حيّان في كتاب التوبيخ (^٢).\nقوله: وروي عن عبد الله يعني ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فلما ارتفع عنه وأفاق\" أي تنحى وانكشف.\n_________\n(^١) شرح المصابيح لابن ملك (٦/ ٣٠٦).\n(^٢) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣١٨٥)، وابن سمعون في الأمالى (٢١٢). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٧٧٤) وصحيح الترغيب (٢٢٣٤).","vol":"9","page":624},{"text":"٣٣٨١ - وعن محمد بن يحيى بن حمزة قال كتب إلي المهدي أمير المؤمنين وأمرني أن أصلب في الحكم وقال في كتابه حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - قال الله ﵎ وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر أن ينصره فلم يفعل رواه أبو الشيخ أيضًا فيه من رواية أحمد بن محمد بن يحيى وفيه نظر عن أبيه وجد المهدي هو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وروايته عن ابن عباس مرسلة والله أعلم (^١).\nقوله: وعن محمد بن يحيى بن حمزة [قال ابن حبان: هو ثقة في نفسه يتقى من حديثه ما رواه أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة وأخوه عبيد، فإنهما كانا يدخلان عليه كل شيء].\nقوله: كتب إليَّ المهدي أمير المؤمنين وأمرني أن أصلب في الحكم، التصليب في الحكم هو التشديد، [قوله: ولأنتقمن] وجد المهدي: هو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وروايته عن ابن عباس مرسلة قاله المنذري.\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق (٦٢٣)، وأبو أحمد في الأسامى والكنى (٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٥ - ١٦ رقم ٣٦) والكبير (١٠/ ٢٧٨ رقم ١٠٦٢٥) ومكارم الأخلاق (١٢٩)، وابن منده في الأمالى (١٠)، وتمام (٩٩٢ و٩٩٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٥).\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن المهدي إلا بهذا الإسناد. تفرد بهما: يحيى بن حمزة. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٧: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٤٢٢) وضعيف الترغيب (١٣٥٤).","vol":"9","page":625},{"text":"قوله: \"ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر أن ينصره فلم يفعل\" أما نصر المظلوم فمن فروض الكفايات، ومن جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما يتوجه الأمر به على من قدر.\n\n٣٣٨٢ - وعن أنس - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره قال تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره رواه البخاري (^١) ورواه مسلم في حديث عن جابر عن النبي - ﷺ - قال ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصرة وإن كان مظلوما فلينصره (^٢).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"انصر أخاك ظالما أو مظلوما\" فسره في الحديث بقوله: \"كيف أنصره؟ \" إذا كان ظالما، قال: \"تأخذ فوق يده\" معناه تنهاه وتفكه حتى كأنه بحبس يده وكذا جاء مبنيا في رواية مسلم.\nقوله - ﷺ -: \"أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه عن الظلم\" وتحجزه بمعنى تمنعه، و(أو) شك من الراوي وذلك في أي في قوله ذلك إشارة إلى ما دل عليه تحجزه أو تمنعه فإن الحجز أو المنع أي منعك أخاك من الظلم نصره، الحديث، والمعنى أنه إذا نهاه ووعظه فقد نصره على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٣) و(٢٤٤٤) و(٦٩٥٢)، والترمذي (٢٢٥٥)، وابن حبان (٥١٦٧ و٥١٦٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٢٣ (١٤٦٩١)، ومسلم (٦٢ - ٢٥٨٤).","vol":"9","page":626},{"text":"شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء حتى غلبه على ذلك قاله عياض (^١).\n\n٣٣٨٣ - وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال من حمى مؤمنا من منافق أراه قال بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم الحديث رواه أبو داود ويأتي بتمامه في الغيبة إن شاء الله تعالى (^٢).\nقوله: وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني [ضعف وحسن له الترمذي وصحح له أيضًا واحتج به ابن خزيمة والحاكم وغيرهما، وذكره ابن حبان في الثقات قاله المنذري].\nقوله - ﷺ -: \"من حمى مؤمنا من منافق\" معنى حماه منعه، \"أراه قال بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم\"، معنى حماه منعه وأراه بضم الهمزة معناها أظنه.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٩).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٨٦)، وأحمد ٣/ ٤٤١ (١٥٨٨٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٧٧)، وأبو داود (٤٨٨٣)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٤٨) وذم الغيبة (١١٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٩٤ رقم ٤٣٣) ومكارم الأخلاق (١٣٨)، وأبو نعيم في صفة النفاق (١٢٥)، وابن بشران في الأمالى (٣) و(٦٦٩)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٩٨ - ٩٩ رقم ٧٢٢٥)، والبغوى (٣٥٢٧). وحسنه الألباني في المشكاة (٤٩٨٦/ التحقيق الثاني)، وضعفه في ضعيف الترغيب (١٦٩٧).","vol":"9","page":627},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>[الترغيب في كلمات يقولهن من خاف ظالما]</span>\n٣٣٨٤ - عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال إذا تخوف أحدكم السلطان فليقل اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم كن لي جارا من شر فلان بن فلان يعني الذي يريده وشر الجن والإنس وأتباعهم أن يفرط علي أحد منهم عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا جناد بن سلم وقد وثق ورواه الأصبهاني وغيره موقوفا على عبد الله لم يرفعوه (^١).\nقوله: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إذا تخوف أحدكم السلطان فليقل اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم\" الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (١٠٤٧)، والطبراني في الدعاء (١٠٥٦ و١٠٥٧) والكبير (١٠/ ١٥ رقم ٩٧٩٥)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٤٧٢)، والشجرى في الأمالى (٢/ ٣١٧).\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٣٧: رواه الطبراني، وفيه جنادة بن سلم، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٤٠٠) وضعيف الترغيب (١٣٥٦).\nوأخرجه الضبى في الدعاء (٤٢) و(٤٣) وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٢٢ (٢٩١٧٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٠٧)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٣١٨) عن ابن مسعود موقوفا. وقال صحيح موقوف في صحيح الترغيب (٢٢٣٧).","vol":"9","page":628},{"text":"٣٣٨٥ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال إذا أتيت سلطانا مهيبا تخاف أن يسطو بك فقل الله أكبر الله أعز من خلقه جميعا الله أعز مما أخاف وأحذر أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السموات أن يقعن على الأرض إلا بإذنه من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس اللهم كن لي جارا من شرهم جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك ولا إله غيرك ثلاث مرات رواه ابن أبي شيبة موقوفا وهذا لفظه وهو أتم ورواه الطبراني وليس عنده ثلاث مرات ورجاله محتج بهم في الصحيح (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إذا أتيت سلطانا مهيبا تخاف أن يسطو بك فقل الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعا\"، الحديث، رواه ابن أبي شيبة كذا في الترغيب، ورواه ابن مردوية في كتاب الأدعية له، وزاد بعد قوله \"من الجن والإنس\" اللهم إنا نعوذ بك أن يفرط علينا أحد منهم أو يطغى، اللهم إن كان لي جارا إلى آخره، وليقل دعاء الكرب: \"لا إله إلا الله الحليم الكريم\" الخ، وتقدم في دعاء الحاجة، وينبغي أن يضيف إلى هذا الحديث ما روى عن أبي موسى الأشعري أن النبي - ﷺ - كان إذا خاف قوما قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٣ (٢٩١٧٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٠٨)، والطبراني في الدعاء (١٠٦٠) والكبير (١٠/ ٢٥٨ رقم ١٠٥٩٩)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٤٧٣)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٢٧٢). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٣٧ و١٠/ ١٨٧: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٣٨).","vol":"9","page":629},{"text":"ونعوذ بك من شرورهم رواه أبو داود والنسائي (^١).\nفائدة: وخرج ابن أبي شيبة أيضًا عن علقمة بن مرثد قال: كان الرجل إذا كان من خاصة الشعبي أخبره بهذا الدعاء اللهم إله جبريل وميكائيل وإسرافيل وإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عافني ولا تسلط أحدا علي بشيء لا طاقة لي به، وذكر ان رجلا أتى أميرا فقالها فأرسله (^٢)، وروى أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي موسى أن النبي - ﷺ - كان إذا خاف قوما قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم.\n\n٣٣٨٦ - وعن أبي مجلز واسمه لاحق بن حميد - ﵁ - قال من خاف من أمير ظلما فقال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - نبيا وبالقرآن حكما وإماما نجاه الله منه رواه ابن أبي شيبة موقوفا عليه وهو تابعي ثقة (^٣).\nقوله: وعن أبي مجلز واسمه لاحق بن حميد - ﵁ - وهو تابعي ثقة كذا قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"من خاف من أمير ظلما فقال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٥٣٧)، والنسائي في الكبرى (٨٥٧٧) و(١٠٣٦٢)، وأبو عوانة (٧٠١٤)، وابن حبان (٤٧٦٥)، والحاكم ٢/ ١٤٢. وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه ابن حجر في نتائج الأفكار (٤/ ١٠٢). وقال الألباني: صحيح الروض النضير ١٠٢٦، الكلم ١٢٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٢٣ (٢٩١٨٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٢٣ (٢٩١٨١). وقال الألباني: صحيح موقوف صحيح الترغيب (٢٢٣٩).","vol":"9","page":630},{"text":"وبمحمد - ﷺ - نبيا وبالقرآن حكما وإماما نجاه الله منه\" رواه ابن أبي شيبة موقوفا عليه.\nفائدة: قال البوني في اللمعة النورانية من السر البديع: إذا كان الإنسان يخاف على نفسه من قتل أو عذاب أو غيره فليذبح كبشا سمينا سليما من العيوب كما في الأضاحي في موضع خال ذبحا سريعا موجها إلى القبلة ويقال عند الذبح: اللهم هذا لك اللهم إنه فدائي فتقبله مني ويحفر لدمه حفرة ويردمها بالتراب حتى لا يطأ أحد على دمه [ويبضعه] ستين جزءًا والجلد جزء والرأس جزء والبطن جزء إلى أن يأتي على الستين جزءا ولا يأكل منه شيئا لا هو ولا من تحت عليه نفقته ويفرقه على الفقراء والمساكين فإنه يكون فداء له ولا يناله مكروه من الأمر الذي يخشاه وهو متفق عليه مجرب معمول به، وإن كان يخاف من أمر دون ذلك فليطعم ستين مسكينا من أفضل الطعام ويشبعهم ويقول اللهم إني أستكفي هذا الأمر الذي أخافه بهمم هؤلاء وأسألك بأنفسهم وأرواحهم وعزائمهم أن تخلصني مما أخاف وأحذر فإنه يفرج عنه وهذا أيضًا متفق عليه معمول به مستفيض عند أهل الطريقة (^١) أ، هـ.\nفائدة أخرى: إذا دخل إنسان على من يخاف شره فليقرأ كهيعص حم عسق وعدد حروف الكلمتين عشرة يعقد لكل حرف أصبعًا من أصابعه يبدأ بإبهام يده اليمنى ويختم بإبهام اليسرى فإذا فرغ عقد جميع الأصابع وقرأ في نفسه سورة\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٦٨).","vol":"9","page":631},{"text":"الفيل فإذا وصل إلى قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ (^١) عشر مرات يفتح كل مرة إصبعا من الأصابع المعقودة فإذا فعل ذلك أمن شره وجو جبر مجرب (^٢).\nفائدة أخرى: وأفادني بعض أهل الخير أن من قرأ سورة الفيل ألف مرة في كل يوم عشرة أيام متوالية ويقصد من يريده بالضمائر وفي اليوم العاشر يجلس على ماء حار ويقول اللهم أنت الحاضر المحيط بمكنونات الضمائر اللهم عز الظالم وقل الناصر وأنت المطلع العالم اللهم فلان ظلمني وآذاني ولا يشهد بذلك غيرك اللهم إنك مالكه فأهلكه اللهم سربله سربال الهوان وقمصه قميص الردى اللهم اقصفه ثمان مرات اللهم اخصفه اللهم اخصفه ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (^٣)، أ. هـ قاله في حياة الحيوان للدميري (^٤).\nتتمة: قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: مما حفظت من دعاء والدتي أم محمد آمنة ووفاتها في صفر سنة ست وخمسين وستمائة اللهم بتلألؤ نور بهاء جسم عرشك [من] أعدائي [احتجبت وبسطوة] الجبروت [ممن] يكيدني استترت وبطول حول شديد قوتك من كل سلطان تحصنت وبديموم قيوم دوامك أبديتك من كل شيطان استعذت وبمكنون السر من سر سرك من كل هم وغم تخلصت يا حامل العرلش عن حملة العرش يا شديد البطش يا\n_________\n(^١) سورة الفيل، الآية: ٤.\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٣١٦).\n(^٣) سورة غافر، الآية: ٢١.\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٣١٧).","vol":"9","page":632},{"text":"حابس الوحش احبس عني من ظلمني أغلب من غلبني كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (^١)، أ. هـ.\nفكرت في معنى قولها يا حابس الوحش فظهر لي فيه أنها أرادت قوله - ﷺ - في قصة الحديبية: \"حبسها حابس الفيل\" والقصة في ذلك معروفة، قال الشيخ قطب الدين المذكور: ومما حفظته من دعاء والدتي من الأدعية التي تنفع في الحجب من الأعداء اللهم إني أسألك بسر الذات بذات السر هو أنت أنت هو لا إله إلا أنت احتجبت بنور الله وبنور عرش الله وبكل اسم هو لله من عدوي وعدو الله ومن شر كل خلق الله بمائة ألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله ختمت على نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وجميع ما أعطاني ربي بخاتم الله القدوس المنيع الذي ختم به أقطار السموات والأرض حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (^٢).\nخاتمة: في دعاء يقوله شيطانا أو خاف سلطانا أو أميرا أو غيرهم، روى ابن السني عن أبان بن أبي عياش والمستغفري أيضًا عن أنس بن مالك قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف أن انظر أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ - فادن مجلسه وأحسن جائزته وأكرمه قال: فأتيته فقال لي يوما يا أبا حمزة إني أريد أن أعرض عليك خيلي فتعلمني أين هي من الخيل التي كانت\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٥٣٦ - ٥٣٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٥٣٧).","vol":"9","page":633},{"text":"مع رسول الله - ﷺ - فعرضها فقلت شتان ما بينهما فذكر الحديث إلى أن قال الحجاج: لولا كتاب أمير المؤمنين لضربت الذي فيه عيناك\nفقلت: ما تقدر على ذلك، فقال: ولم، قلت: لأن رسول الله - ﷺ - علمني دعاء أقوله لا أخاف معه شيطان ولا سلطان ولا سبع، قال: يا أبا حمزة علمه ابن أخيك محمد بن الحجاج فأبيت عليه إلى أن قال: قال أبان فلما حضرته الوفاة يعني أنسا دعاني فقال يا أبا أحمد إن لك إلي انقطاعا وقد وجبت حرمتك وإني معلمك الدعاء الذي علمني رسول الله - ﷺ - فلا تعلمه من لا يخاف الله أو نحو ذلك، قال: تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر باسم الله على نفسي وديني باسم الله على كل شيء أعطاني ربي باسم الله خير الأسماء باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء باسم الله افتتحت وعلى الله توكلت الله ربي لا أشرك به شيئا أسألك اللهم بخيرك من خيرك الذي لا يعطيه أحد غيرك عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك اجعلني في عياذتك من شر جميع كل ذي شر خلقته ومن الشيطان الرجيم اللهم إني أحترس بك من شر جميع كل ذي شر خلقته وأحترز بك منهم وأحترز بك منهم وأقدم بين يدي باسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ومن خلفي مثل ذلك وعن يميني مثل ذلك وعن يساري مثل ذلك ومن فوقي مثل ذلك، أ. هـ قاله الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان (^١).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧).","vol":"9","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>[الترغيب في الامتناع عن الدخول على الظلمة والترهيب من الدخول عليهم وتصديقهم وإعانتهم]</span>\n٣٣٨٧ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - من بدا جفا ومن تبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلطان افتتن وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا رواه أحمد بإسنادين رواة أحدهما رواة الصحيح (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (٤٢٩ و٤٣٠)، وأحمد ٢/ ٣٧١ (٨٩٥٨) و٢/ ٤٤٠ (٩٨١٤)، وأبو داود (٢٨٦٠)، والبزار (٩٧٤٣)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٣٣)، وابن عدى في الكامل (١/ ٥١٨)، والقضاعى في مسند الشهاب (٣٣٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٧٣ رقم ٢٠٢٥٥) والشعب (١٢/ ٢٧ - ٢٨ رقم ٨٩٥٦).\nقال البزار: وهذا الحديث رواه شريك، عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت، عن البراء وقال إسماعيل، عن الحسن، عن عدي، عن أبي حازم والحسن فليس بالحافظ. قال أبو حاتم في العلل (٢٢٣٠): كذا رواه، ورواه غيره عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، وهو أشبه. قال الدارقطني في العلل (١٥٤٨): يرويه الحسن به الحكم النخعي، واختلف عنه؛ فرواه إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن الحكم النخعي، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.\nورواه حاتم بن إسماعيل، ويعلى بن عبيد، ويحيى بن عيسى. . . الرملي، عن الحسن بن الحكم، عن عدي بن ثابت، عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -. وقال ابن حبان - بعد أن ذكر معه حديثا آخر -: هذان الخبران بهاتين اللفظتين باطلان. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٤٦: رواه أحمد، والبزار، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح خلا الحسن بن الحكم النخعي وهو ثقة. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٢٧٢) وصحيح الترغيب (٢٢٤٠).","vol":"9","page":635},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من بدا جفا ومن تبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلطان افتتن\" الحديث، بدا بالدال المهملة يعني من سكن البادية جفا، والجفاء غلظ القلب، وأهل البادية هم الأعراب ويغلب فيهم الجهل والجفاء، والبادية والبدو بمعنى وهم ما عدا الحاضرة والعمران، والنسبة إليها بدوى والبداوة الإقامة بالبادية وهي بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة وقال أبو زيد هي بفتح الباء، قال ثعلب: لا أعرف البداوة بالفتح إلا عن أبي زيد وقال أبو عمرو غلام ثعلب معناه من سكن البادية غلظ طبعة لقلة مخالطة الناس وصار جافيا بعيدا عن الطباع ومكارم الأخلاق وتقول منه: بدوت أبدو إذا أتيت البادية فاعتزلت عن الناس وحضرت إذا أتيت الحاضرة ويروي الحضارة وهي الأمصار (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ومن تبع الصيد غفل\" يعني أنه يشغله عن الجماعة وحضور مجالس الذكر للاشتغال بالصيد ومعناه أنه يغفل قلبه ويستولي عليه محبته حتى يصده عن الخيرات فكأن قلبه غفل لا سمة عليه ولا أثر من عمل صالح ومنه يقال بعير غفل أي لا سمة عليه ولا أثر.\nقوله - ﷺ -: \"ومن أتى أبواب السلطان افتتن\" وأما الفتنة بالقرب من السلطان فلأنه أن وافقه فيما يأتيه خاطر بدينه وإن لم يوافقه خاطر بدنياه، أ. هـ، ذكره صاحب التنقيح (^٢)، وعن قتادة أن ابن مسعود قال: إن على\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٢٧٨)، والفائق (١/ ٨٧)، وشرح النووي على مسلم (١/ ١٦٩)، والنهاية (١/ ١٠٨) و(١/ ٢٨١).\n(^٢) كشف المناهج والتناقيح (٣/ ٢٨٦).","vol":"9","page":636},{"text":"أبواب السلاطين فتنا كمبارك الإبل والذي نفسي بيده لا تصيبون من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينكم مثله (^١).\nوقال وهب بن منبه: إن جمع المال وغشيان السلطان لا يبقيان من حسنات المرء إلا كما يبقيان ذئبان جائعان ضاريان سقطا في حظار فيه غنم يجوسان حتى أصبحا (^٢).\nوقال الفضيل: ما عمل عندي أرجي من بغض هؤلاء يعني السلاطين الظلمة.\nوقال أبو حازم: إن العلماء كانوا يفرون من السلطان ويطلبهم وأنهم اليوم يأتون أبواب السلطان والسلطان يفر منهم (^٣).\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٤): قال علماؤنا معنى هذا كله في السلطان الجائر الفاسق فأما العدل منهم الفاضل فمداخلته ورؤيته وعونه على الصلاح من أفضل أعمال البر، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز إنما كان يصحبه جلة العلماء مثل عروة بن الزبير وطبقته وابن شهاب وطبقته وقد كان ابن شهاب يدخل إلى عبد الملك وبنيه من بعده وكان ممن يدخل على السلطان الشعبي وقبيصة بن ذؤيب والحسن وأبو زياد ومالك بن أنس\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٦٤٤).\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٣٩).\n(^٣) تاريخ ابن أبي خيثمة (٢٧١٢ و٢٧١٣)، وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٣٥).\n(^٤) هذا كلام ابن عبد البر كما في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٤٤).","vol":"9","page":637},{"text":"والأوزاعي والشافعي وغيرهم من العلماء الفضلاء، وإذا حضر العلماء عند السلطان فيما فيه الحاجة إليه قال خيرا ونطق بعلم كان حسنا وكان ذلك في رضوان الله إلى يوم يلقاه ولكنها مجالس الفتنة فيها أغلب والسلامة منها ترك ما فيها.\n\n٣٣٨٨ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nفائدة: واختلف الناس في سن ابن عباس عند وفاة رسول الله - ﷺ - فقيل عشر سنين وقيل ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة وهو رواية سعيد بن جبير عنه قال الإمام أحمد بن حنبل وهو الصواب، قاله في مرآة الزمان.\nقوله: \"من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل\" تقدم الكلام على هذا الحديث في حديث أبي هريرة أول الباب.\nقوله: \"من بدا جفا\" أي من نزل البادية صار فيه جفاء الأعراب أي غلظ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٤٦٥ (٣٢٩٥٧)، وأحمد ١/ ٣٥٧ (٣٤٢٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٧٠)، وأبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٤٠٦)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٧٨ (٤٣٤٩) والكبرى (٤٨٠٢)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٧٥ - ١٧٦ رقم ٥٥٦) والكبير (١١/ ٥٦ رقم ١١٠٣٠) وعنه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٧٢).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرفه إلا من حديث الثوري. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٤١)، والصحيحة (١٢٧٢).","vol":"9","page":638},{"text":"طبعه ويغلب فيه الجهل والجفاء والبادية والبدو بمعنى وهو ما عدا الحاضرة والعمران والنسبة إليها بدوي، والبداوة الإقامة بالبادية وهي بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة أي من سكن البادية فلا يرق قلبه لبر أو صلة وظلم على نفسه بترك الجمعة والجماعات ومجالس العلم (^١).\nقوله: \"ومن اتبع الصيد غفل\" أي يشتغل به قلبه ويستولي عليه حتى تصير فيه غفلة أي من واظب على الاصطياد واتخذه حرفة للهو والطرب فقد غفل عن الصلاة والعبادة ومن عملها للأضرار أو ليبيع ما يصطاده ليجعله قوتا جاز (^٢).\n\n٣٣٨٩ - وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء قال وما إمارة السفهاء قال أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون على حوضي ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي يا كعب بن عجرة الصيام جنة والصدقة تطفئ الخطيئة والصلاة قربان أو قال برهان يا كعب بن عجرة الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها رواه أحمد واللفظ له والبزار ورواتهما محتج بهم في الصحيح ورواه ابن حبان في صحيحه إلا أنه قال ستكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه ولن يرد\n_________\n(^١) المفاتيح (٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، وشرح المشكاة (٨/ ٢٥٨٠) للطيبى.\n(^٢) المصدرين السابقين.","vol":"9","page":639},{"text":"على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض الحديث ورواه الترمذي والنسائي من حديث كعب بن عجرة قال قال رسول الله - ﷺ - أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض ومن غشي أبوابهم أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض الحديث واللفظ للترمذي (^١).\n\n٣٣٩٠ - وفي رواية له أيضًا عن كعب بن عجرة قال خرج إلينا رسول الله - ﷺ - ونحن تسعة خمسة وأربعة أحد العددين من العرب والآخر من العجم\n_________\n(^١) أما حديث جابر: أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٧١٩) وعنه إسحاق في مسنده كما في (الأمالي المطلقة ٢/ ٢١٤) وأحمد ٣/ ٣٢١ (١٤٦٦٥)، وعبد بن حميد (١١٣٨) ومن طريقه وابن حبان (٤٥١٤)، والحاكم (١/ ٧٩) و(٤/ ١٢٧) و(٤/ ٤٢٢)، وأحمد ٣/ ٣٩٩ (١٥٥١٧)، والدارمي (٢٩٨٣) مختصرا، والبزار (١٦٠٩ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (١٩٩٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٣٤٥)، وابن حبان (١٧٢٣)، والحاكم ٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٤٧)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٥ - ٢٦ رقم ٨٩٥٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٠٦). قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ عن جابر إلا بهذا الإسناد. وقال أبو نعيم: لم يسقه هذا السياق من حديث جابر إلا ابن خثيم، تفرد به، رواه عنه الأعلام. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوقال الحافظ: هذا حديث صحيح، وابن خثيم حسن الحديث، وأصل هذا الحديث قد وقع لنا في رواية كعب بن عجرة نفسه، وهو شاهد قوي بهذا الطريق، وباقيه وقع مفرقًا في عدة أحاديث من غير هذا الوجه. وصححه الألباني في الظلال (٧٥٧) وصحيح الترغيب (٢٢٤٢).","vol":"9","page":640},{"text":"فقال اسمعوا هل سمعتم إنه سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وهو وارد على الحوض قال الترمذي حديث غريب صحيح (^١).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة: أعاذك الله من إمارة السفهاء\" قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: \"أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي\" الحديث.\n_________\n(^١) أما حديث كعب بن عجرة: أخرجه الترمذي (٦١٤) و(٦١٥) و(٢٢٥٩)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٣٥ (٤٢٤٥) و٦/ ٦٣٧ (٤٢٤٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٥٦ و٧٥٩) والآحاد والمثانى (٢٠٦٤ و٢٠٦٥ و٢٠٦٦)، وابن حبان (٢٧٩) و(٢٨٢ و٢٨٣) و(٢٨٥)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١٠٥ (٢١٢) و١٩/ ١٣٤ (٢٩٤ و٢٩٥) و١٩/ ١٣٥ (٢٩٦ و٢٩٧ و٢٩٨) و١٩/ ١٤٠ و١٤١ (٣٠٨ و٣٠٩ و٣١٠) و١٩/ ١٤٥ (٣١٨) و١٩/ ١٥٩ و١٦٠ (٣٥٤ و٣٥٦) و١٩/ ١٦٢ (٣٦١) والأوسط (١/ ٢٣٣ - ١٣٤ رقم ٧٦٤) و(٣/ ١٣٩ - ١٤٠ رقم ٢٧٣٠) و(٤/ ٣٧٧ - ٣٧٨ رقم ٤٤٨٠) و(٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦ رقم ٥٠٩٣)، والحاكم (١/ ٧٨ - ٧٩).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وقال في الموضع الأخير: هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه من حديث مسعر إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في \"الظلال\" (٧٥٦) وصحيح الترغيب (٢٢٤٣).","vol":"9","page":641},{"text":"عجرة (^١): بضم العين وإسكان الجيم الأنصاري المدني كنيته أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: إسحاق من بني سالك بن عوف، وقيل: من غيرهم، وقيل: من حلفاء الأنصار شهد الحديبية\nوفيه نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (^٢) الآية، روي عن النبي وعن عُمر وبلال، توفي سنة إحدى أو اثنين وخمسين، أ. هـ\nوقال الشيخ تقي الدين الحصني (^٣): فيه إشارة إلى الموت على غير التوحيد لأنه ﵊ تبرأ منه وأخبر أنه لا يرد عليه الحوض وهذا شأن الكفار والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"يا كعب بن عجرة الصيام جنة والصدقة تطفئ الخطيئة والصلاة قربان\" إلى آخره تقدم تفسير بعض هذه الألفاظ، وسيأتي الكلام على باقي ألفاظ هذا الحديث إن شاء الله تعالى.\nوقوله - ﷺ - في رواية الترمذي: \"أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء تكون من بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم\" الحديث، ومن أعظم ما يخشى على من دخل على الملوك الظلمة أن يصدقهم بكذبهم ويعينهم على ظلمهم ولو بالسكوت عن الإنكار عليهم فإن من يريد بدخوله\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٨ ترجمة ٥٢٧). وزاد: روى له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(^٣) قمع النفوس (لوحة ٣٩).","vol":"9","page":642},{"text":"عليهم الشرف والرياسة وهو حريص عليهما لا يقدم على الإنكار بل ربما حسن لهم بعض أفعالهم القبيحة تقربا إليهم ليحسن موقعه عندهم ويساعدوه على غرضه، وقد كان كثير من السلف ينهون عن الدخول على الملوك لمن أراد أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر أيضًا وممن نهي عن ذلك عمر بن عبد العزيز وابن المبارك والثوري وغيرهم من الأئمة، وقال ابن المبارك: ليس الآمر الناهي عندنا من دخل عليهم فأمرهم ونهاهم إنما الآمر الناهي من اعتزلهم وسبب هذا ما يخشى من فتنة الدخول عليهم فإن النفس قد تخيل للإنسان إذا كان بعيدا عنهم أنه يأمرهم وينهاهم ويغلظ عليهم فإذا شاهدهم فربما مالت النفس إليهم لأن محبة الشرف كامن في النفس محسنت له بذلك مداهنتهم وملاطفتهم وربما مال إليهم وأحبهم ولا سيما إن لاطفوه وأكرموه وقبل ذلك منهم وقد جرى ذلك لابن طاووس مع بعض الأمراء بحضرة أبيه طاووس فوبخه طاووس على فعله ذلك، أ. هـ ذكره ابن رجب الحنبلي (^١).\nوقال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء فلما رأى ذلك قوم من رذالة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به أبواب السفهاء فاستغنت بهم عن العلماء واجتمع الناس على المعصية فسقطوا وانتكسوا ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم (^٢).\n_________\n(^١) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨٥ - ٨٦).\n(^٢) أخرجه الدينورى في المجالسة (٣٤٥٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٤٠).","vol":"9","page":643},{"text":"وقال وهب: لما بعث الله ﷿ موسى وهارون قال: لا يرو عنكما لباسه الذي يلبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي لا ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني (^١).\nوتكلم شقيق ببلخ في الأمراء والعلماء حتى رفع الخبر إلى الأمير فدعاه والعلماء مجتمعون حوله فقال له الأمير: ما حرفتك؟ قال: خادم، قال: خادم من أنت؟ قال: خادم مقلب القلوب، قال: وما لك والوقيعة في الأمراء والعلماء؟ قال لأن النبي - ﷺ - قال: \"العلماء ورثة الأنبياء والسلطان ظل الله ﷿\" فالوارث بالاقتداء يكون والظل ما يسكن القلب إذا أويت إليه فلو دخل علينا رسول الله - ﷺ - أينا كان يستحي أنا أم أنت أم هؤلاء، قال: اذهب فإني أشهدك أنك خادم مقلب القلوب (^٢)، ذكره صاحب تهذيب النفوس.\n\n٣٣٩١ - وعن النعمان بن بشير - ﵄ - قال خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه حدث في السماء أمر فقال ألا إنها ستكون بعدي أمراء يظلمون ويكذبون فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه حديث رواه أحمد وفي إسناده راو لم يسم وبقيته ثقات محتج بهم في الصحيح (^٣).\n_________\n(^١) الزهد لابن أبي الدنيا (٦٢).\n(^٢) روضة الأمراء ودوحة الوزراء (ص ٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٢٦٧ (١٨٦٤٤) ومن طريقه ابن حجر في الأمالى المطلقة (ص ٢٢٢). =","vol":"9","page":644},{"text":"قوله: وعن النعمان بن بشير - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم\" الحديث، مالأهم بالهمز أي ساعدهم عليه، قال أبو زيد: مالأت فلانا على الأمر ممالأة ساعدته عليه وشايعته، وقال ابن السكيت: تمالئوا على الأمر اجتمعوا عليه قاله الجوهري في صحاحه (^١).\nوعن ابن عباس - ﵄ - في قوله ﷿: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (^٢) [ولا تركنوا يقول: لا تدهنوا].\nقال النبي - ﷺ -: \"ويل لأمتي من علماء السوء يتخذون هذا العلم تجارتهم يبيعونه من أمراء زمانهم ربحا لأنفسهم لا أربح الله تجارتهم\" (^٣).\nوقال الحسن: لا تأتوا أهل البدع فتمرض قلوبكم ولا تأتوا الملوك فتسلبوا دينكم. وقيل لرجاء بن حيوة: إنك كنت تأتي الأمراء فتركتهم قال:\n_________\n= قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٤٧): رواه أحمد وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح. قال ابن حجر: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٤٤).\n(^١) الصحاح (١/ ٧٣).\n(^٢) سورة هود، الآية: ١١٣.\n(^٣) أخرجه الديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٧٩٠) من طريق الحاكم قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد العدل، حدثنا أبو الفضل صالح بن نوح، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثنا الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن أنس.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٣٥).","vol":"9","page":645},{"text":"يكفيني الذي تركتهم له. وقال الثوري: إياكم والظلم وأبواب من يأتي الظلمة فإن معهم فتنا مثل فتن الدجال لا يخالطهم أحد إلا دنسوه.\nوقال الفضيل: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وحبوا على دينهم وأعزوا هذا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله لخضعت لهم الجبابرة وإنفاذ الناس لهم وكانوا لهم تبعا وأعزوا الإسلام وأهله ولكن استذلوا أنفسهم ولم يبالوا ما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا مما في أيديهم فذلوا وضيعوا وهانوا على الناس وقد قال بعضهم في معنى ذلك:\nإِنَّ الْمُلُوكَ بَلَاءٌ حَيْثُ مَا حَلُّوا ... فَلَا يَكُنْ لَكَ فِي أَكْنَافِهِمْ ظِلُّ\nمَاذَا تُؤَمِّلُ مِنْ قَوْمِ إِذَا غَضِبُوا ... جَارُوا عَلَيْكَ وَإِنْ رَضِيتَهُمْ مَلُّوا\nوَإِنْ نَصَحْتَهُمْ ظَنُّوكَ تَخْدَعُهُمْ ... وَاسْتَثْقَلُوكَ كَمَا يُسْتَثْقَلُ الْكَلُّ\nفَاسْتَغْنِ بِاللهِ عَنْ أَبْوَابِهِمْ كَرَمًا ... إِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى أَبْوَابِهِمْ ذُلُّ (^١)\n\n٣٣٩٢ - وعن عبد الله بن خباب عن أبيه - ﵄ - قال كنا قعودا على باب النبي - ﷺ - فخرج علينا فقال اسمعوا قلنا قد سمعنا قال اسمعوا قلنا قد سمعنا قال إنه سيكون بعدي أمراء فلا تصدقوهم بكذبهم ولا تعينوهم على ظلمهم فإن من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم لم يرد على الحوض رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه واللفظ له (^٢).\n_________\n(^١) العزلة (ص ٩٣ - ٩٥) للحطابى.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١١١ (٢١٤٦٠) و٦/ ٣٩٥ (٢٧٨٦١)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٥٧)، وأبو يعلى كما في الأمالى المطلقة (٢١٩)، والشاشي في المسند (٩٢٧)، وأبو =","vol":"9","page":646},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن خباب عن أبيه - ﵄ -.\nقوله - ﷺ -: \"ستكون بعدي أمراء فلا تصدقوهم بكذبهم ولا تعينوهم على ظلمهم\" الحديث، الدخول على الظلمة بغير قصد صحيح بل إعانة لهم وتوقير ومحبة، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^١) الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (^٢) الآية، قد يقول من اعتاد الدخول على الملوك والظلمة والقضاة الجورة إنما قصدي في ذلك نصر مظلوم أو مساعدة ضعيف أو دفع مظلمة أو التسبب في معروف ونحو ذلك، وهذا لا يخلوا إما أن يكون يتناول من مأكلهم مشاربهم ويشاركهم في مقاصدهم ومآربهم ويقبل من أموالهم التي اكتسبوها من [الجهات] المحرمات ووجوه المظالم والمكوس والمصادرات ويداهنهم فيما يراه عندهم من المنكرات فهذا لا يحتاج النظر في سوء حاله إلى دليل إذ شهد كل ذي بصيرة أنه ضال عن سواء السبيل وأنه من الأخسرين أعمالا الذي ضل سعيهم في الجب وهم يحسبون\n_________\n= أحمد الحاكم في الأسامى والكنى (٥/ ٢٢٨)، وابن حبان (٢٨٤)، والطبراني في الكبير (٤/ ٥٩ رقم ٣٦٢٧ و٣٦٢٨) والشاميين (١٩٠٢)، والحاكم ١/ ٧٨، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٣ رقم ٨٩٥٠).\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٤٨: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا عبد الله بن خباب وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٤٥).\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(^٢) سورة هود، الآية: ١١٣.","vol":"9","page":647},{"text":"أنهم يحسنون صنعا ويزعمون أنهم مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ليت شعري كيف يمكن من يأكل من أموالهم أن ينكر قبيح [أفعا] لهم وأنى يرجع الظلم منهم إليه وهو يرى فاقته في الصحبة واللقمة عليه وهو يقبل منه الكلام وباطنه قد امتلأ من ماله الحرام واختصار الكلام في مثل هذا ألين والسلام قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n\n٣٣٩٣ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال يكون أمراء تغشاهم غواش أو حواش من الناس يكذبون ويظلمون فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه رواه أحمد واللفظ له وأبو يعلى ومن طريق ابن حبان في صحيحه إلا أنهما قالا فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأنا منه بريء (^٢).\n_________\n(^١) تنبيه الجاهلين (ص ٢٤٣).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٣٣٧)، وأحمد ٣/ ٢٤ (١١٣٦٢) و٣/ ٩٢ (١٢٠٥٣)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ٤٥ - ٤٦)، وأبو يعلى (١١٨٧) و(١٢٨٦)، وأبو محمد الفاكهى في الفوائد (١٩٧)، وابن حبان (٢٨٦)، والطبراني كما في الأمالى المطلقة (٢٢٢ - ٢٢٣)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٣ رقم ٨٩٥٠)، والخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ١٠٢٦ - ١٠٢٧) وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧: رواه أحمد، وأبو يعلى بنحوه وزاد: \"فأنا منه بريء وهو مني بريء\". وفيه سليمان بن أبي سليمان القرشي ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٤٦). ولم يذكر المصنف تحته شرحا.","vol":"9","page":648},{"text":"٣٣٩٤ - وعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال إن ناسا من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرؤون القرآن يقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا قال ابن الصباح كأنه يعني الخطايا رواه ابن ماجه ورواته ثقات (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن ناسا من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرؤون القرآن يقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم\" الحديث، تقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.\n\n٣٣٩٥ - وعن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - دعا لأهله فذكر عليا وفاطمة وغيرهما فقلت يا رسول الله أنا من أهل البيت قال نعم ما لم تقم على باب سدة أو تأتي أميرا تسأله رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات والمراد بالسدة هنا باب السلطان ونحوه ويأتي في باب الفقر ما يدل له (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٥)، والمروزى في أخبار الشيوخ (٢١٣)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٥٠ رقم ٨٢٣٦) والشاميين (٢٥٥٦)، وابن أخى ميمون الدقاق في الفوائد (٣٦١)، وابن عساكر في تاريح دمشق (١٤/ ٣١٤)، والضياء في المختارة ١١/ ١٦٧ (١٥٤). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٣٨: هذا إسناد ضعيف عبيد الله بن أبي بردة لا يعرف. وضعفه الألباني في المشكاة (٢٦٢) والضعيفة (١٢٥٠) و(٢٦٢٥)، وضعيف الترغيب (٨٦) و(١٣٥٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٩٨ رقم ٢٦٠٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٨٠ - ١٨١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/ ١٧٢ - ١٧٣). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن طريف إلا خالد. وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ١٧٣: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٦٦) وضعيف الترغيب (١٣٥٨).","vol":"9","page":649},{"text":"قوله: وعن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، كان شديد الحب لرسول الله - ﷺ - قليل الصبر عنه، كنيته: أبو عبد الرحمن بن بجدد الهاشمي من أهل الشراة موضع بين مكة واليمن، وقيل: إنه من حمير أصابه سبي فاشتراه رسول الله - ﷺ - فأعتقه فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وابتنى بها دارا وتوفي بها سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة أربع وخمسين وكان شديد الحب لرسول الله - ﷺ - قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه فعرف الخوف في وجهه فقال له رسول الله - ﷺ - ما غير لونك؟ فال: يا رسول ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ثم إني ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع من النبيين وإني إن دخلت الجنة دخلت في منزلة أدنى من منزلتك وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (^١) الآية، ذكره ابن العماد في شرح العمدة، روى ثوبان عن رسول الله مائة حديث وسبعة وعشرين حديثا روى له مسلم عشرة أحاديث (^٢).\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - دعا لأهله فذكر عليا وفاطمة وغيرهما فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البيت قال \"نعم ما لم تقم على باب سدة أو تأتي أميرا تسأله\" والمراد بالسدة هنا باب السلطان ونحوه هكذا ذكره الحافظ.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٠ - ١٤٣ ترجمة ٩٦).","vol":"9","page":650},{"text":"٣٣٩٦ - وعن علقمة بن أبي (^١) وقاص الليثي - ﵁ - أنه مر برجل من أهل المدينة له شرف وهو جالس بسوق المدينة فقال علقمة يا فلان إن لك حرمة وإن لك حقا وإني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء فتتكلم عندهم وإني سمعت بلال بن الحارث - ﵁ - صاحب رسول الله - ﷺ - يقول قال رسول الله - ﷺ - إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة قال علقمة انظر ويحك ماذا تقول وما تكلم به فرب كلام قد منعنيه ما سمعت من بلال بن الحارث رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه وروى الترمذي والحاكم المرفوع منه وصححاه (^٢).\n_________\n(^١) كذا هو في الأصل وإنما هو علقمة بن وقاص الليثي.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢٨١٨)، والحميدى (٩٣٥)، وسعيد بن منصور في التفسير (٦٠٧)، وابن أبي شيبة في المسند (٥٥٢)، وأحمد ٣/ ٤٦٩ (١٦٠٩٤) والزهد (٨١)، وعبد بن حميد (٣٥٨)، وهناد في الزهد (١١٤١)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٠٦ - ١٠٧، وفي الصغير ١/ ٩٤ - ٩٥، وابن ماجه (٣٩٦٩)، والترمذي (٢٣١٩)، والنسائي في الكبرى (١١٧٦٩ - ١١٧٧١)، وابن حبان (٢٨٠) و(٢٨١) و(٢٨٧)، والحاكم ١/ ٤٥ - ٤٦، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٨٥ رقم ١٦٦٦٦) والشعب (٧/ ٣٢ رقم ٤٦٠٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٨٥).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٨٨) وصحيح الترغيب (٢٢٤٧) و(٢٨٧٨).","vol":"9","page":651},{"text":"قوله: وعن علقمة بن وقاص الليثي (^١) - ﵁ -[علقمة بن وقاص الليثي ولد على عهد رسول الله - ﷺ - فيما ذكر الواقدي، قاله أبو عمر، وقال ابن منده: روى عنه ابنه عمرو، أنه قال: شهدت الخندق، وكنت في الوفد الذين قدموا على النبي - ﷺ - الثلاثة، وقال أبو نعيم: ذكره بعض المتأخرين، يعني ابن منده، في الصحابة، وذكره الحاكم أبو أحمد، والناس في التابعين، وتوفي أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة].\nقوله: وإني سمعت بلال بن الحارث - ﵁ - صاحب رسول الله - ﷺ - يقول، الحديث، هو: بلال بن الحارث المزني (^٢) أبو عبد الرحمن المزني صاحب رسول الله - ﷺ -، روى عن النبي - ﷺ - وعن ابن مسعود وعمر بن الخطاب روى عن بلال بن الحارث ولده وعلقمة بن وقاص وغيرهما ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين وهو أول من قدم من مزينة على رسول الله - ﷺ - في رجال من مزينة في شهر رجب سنة خمس من الهجرة، جاء عنه ثمانية أحاديث، مات سنة ستين وله ثمانون سنة روى له الأر [بعة].\nقوله: انظر ويحك ماذا تقول وما تكلم به، ويحك كلمة تقال [لمن وقع في هلكة لا يستحقها ترحما وتوجعا].\nقوله فرب كلام قد منعنيه ما سمحت من بلال بن الحارث رب كلمة تقال [للتكثير والتقليل].\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب (٧/ ترجمة ٤٨٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٥ - ١٣٦ ترجمة ٨٧).","vol":"9","page":652},{"text":"ورواه الأصفهاني إلا أنه قال عن بلال بن الحارث أنه قال لبنيه إذا حضرتم عند ذي سلطان فأحسنوا المحضر فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول فذكره.\nقال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء في أول كتاب آفات اللسان (^١): أما بعد، فإن اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة فإنه صغير جرمه عظيم طاعته وجرمه إذا لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان وهما غاية الطاعة والعصيان ثم إنه ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق متخيل أو معلوم مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي فإن كل ما يتناوله العلم يعرب عنه اللسان إما بحق أو باطل ولا شيء إلا والعلم متناول له وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور والآذان لا تصل إلى غير الأصوات واليد لا تصل إلى غير الأجسام وكذا سائر الأعضاء واللسان رحب الميدان ليس له مرد ولا لمجاله منتهى وحد له في الخير مجال رحب وله في الشر ذيل سحب فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار.\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ١٠٨).","vol":"9","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>[الترهيب من إعانة المبطل ومساعدته والشفاعة المانعة من حد من حدود الله وغير ذلك]</span>\n٣٣٩٧ - عن ابن عمر - ﵄ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من حالت شفاعته دون حد من حدود الله ﷿ فقد ضاد الله ﷿ ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال رواه أبو داود واللفظ له والطبراني بإسناد جيد نحوه وزاد في آخره وليس بخارج ورواه الحاكم مطولا ومختصرا وقال في كل منها صحيح الإسناد ولفظ المختصر قال من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع وفي رواية لأبي داود ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله الردغة بفتح الراء وسكون الدال المهملة وتحريكها أيضًا وبالغين المعجمة هي الوحل وردغة الخبال بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة هي عصارة أهل النار أو عرقهم كما جاء مفسرا في صحيح مسلم وغيره (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٧٠ (٥٤٨٥) و٢/ ٨٢ (٥٦٤٤)، وأبو داود (٣٥٩٧) و(٣٥٩٨)، وابن ماجه (٢٣٢٠)، وابن الأعرابى في المعجم (٢٩٢) و(٦٤٠)، وخيثمة في جزئه (٣٢)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٠٩ رقم ٦٤٩١) والكبير (١٢/ ٣٨٨ رقم ١٣٤٣٥) والشاميين (٢٤٦٠)، وابن عدى في الكامل (٣/ ٢٨٥)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٢٢٦ و٢٢٧ و٢٢٨) والميانجى في جزئه (٦٢)، والمخلص في المخلصيات (١٤٨١)، والحاكم ٢/ ٢٧ و٤/ ٣٨٣، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١٩)، والبيهقي في الكبرى =","vol":"9","page":654},{"text":"قوله: عن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله - ﷺ -: \"من حالت شفاعته دون حد من حدود الله ﷿ فقد ضاد الله ﷿\" الحديث، وأجمع العلماء - ﵃ - على تحريم الشافعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام [لهذه الأحاديث] وعلى أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء، فالشفاعة فيه جائزة حفظا للستر فإن الستر على المذنبين مندوب إليه هذا إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس فإن كان لم يشفع فيه وأما المعاصي التي لا حد فيها وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة فيها والتشفيع فيها سواء بلغت الإمام أو لا لأنها أهون ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع صاحب أذى (^١) ونحوه وسيأتي الكلام على ذلك أبسط من هذا قريبًا.\nقوله - ﷺ -: \"ومن خاصم [في باطل] وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع\" [يرجع] وفي رواية أبي داود \"ومن أعان على خصومة بغير حق بظلم فقد باء بغض من الله\" الحديث.\n_________\n= (٦/ ١٣٥ - ١٣٦ رقم ١١٤٤١ و١١٤٤٢ و١١٤٤٣) و(٨/ ٥٧٦ - ٥٧٧ رقم ١٧٦١٧ و١٧٦١٨).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عطاء الخراساني، عن حمران إلا القاسم بن أبي بزة، ولا رواه عن القاسم بن أبي بزة إلا فطر، ولا رواه عن فطر إلا عمار بن رزيق، تفرد به أبو الجواب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٣٧) والإرواء (٢٣١٨) وصحيح الترغيب (١٨٠٩) و(٢٢٤٨).\n(^١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٢٤٧) وشرح المشكاة للطيبى (٨/ ٢٥٣٧) و(١٠/ ٣١٧٧) وطرح التثريب (٨/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"9","page":655},{"text":"فائدة: ومن الكبائر الخصومة في الباطل والإعانة عليه ومنه قوله في الحديث: \"ومن أعان على خصومة لا يعلك أحق هي أم باطل فهو في سخط الله تعالى\" قال ابن النحاس: قلت وأكثر وكلاء القاضي يخاصمون قبل معرفة الحق في أي جانب كان فهو داخلون فيمن أعان على خصومة لا يعلم أحق هي أم باطل وأكثرهم لا يرجع عن الخصومة وإن علم أن الحق في جانب خصمه وهم ممن لم يزل في سخط الله حتى يرجع، أ. هـ والله أعلم قاله ابن النحاس (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال\" ردغة الخبال بفتح الراء وسكون الدال المهملة وتحريكها أيضًا وبالغين المعجمة. والخبال: بفتح الخاء المعجمة وبالباء الموحدة عصارة أهل النار أو عرقهم كما جاء مفسرا في صحيح مسلم (^٢) وغيره قاله المنذري، وقال بعض العلماء: ردغة الخبال: موضع في جهنم هكذا قال في الصحاح (^٣): والردغة بالتحريك الماء والطين والوحل الشديد وكذا الردغة بالتسكين وأهل الحديث يروونه بالتسكين لا غير، وردغة الخبال أي طينة الخبال أي عصارة أهل النار، وقيل: هي حياض تجمع صديد الموتى وعصارتهم.\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣٠١ و٣٠٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٢ - ٢٠٠٢)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٩٠ (٥٧٥٥) عن جابر.\n(^٣) الصحاح (٤/ ١٣١٨) و(٤/ ١٦٨٢)، والميسر (٣/ ٨٤٣)، وشرح المصابيح لابن ملك (٤/ ٢١٦).","vol":"9","page":656},{"text":"وقال الخطابي (^١): الردغة الوحل الشديد وجاء في تفسيرها أنها صديد أهل النار، وفي النهاية (^٢): قريب من ذلك، والخبال في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، أ. هـ.\n\n٣٣٩٨ - وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - قال مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر فهو ينزع منها بذنبه رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه وعبد الرحمن لم يسمع من أبيه قال الحافظ ومعنى الحديث أنه قد وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار ينزع بذنبه ولا يقدر على الخلاص (^٣).\nقوله: وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه - ﵄ -[عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي روى عن أبيه وعلي بن أبي طالب والأشعث بن قيس وأبي بردة بن نيار إن كان محفوظا ومسروق بن الأجدع\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ١٦٨).\n(^٢) النهاية (٢/ ٨) و(٢/ ٢١٥).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٣٤٢)، وابن أبي شيبة في المسند (٣١٦)، وأحمد ١/ ٣٩٣ (٣٨٠٣) و١/ ٤٠١ (٣٨٧٧)، وأبو داود (٥١١٧) و(٥١١٨)، والبزار (٢٠١٣)، وأبو يعلى (٥٣٠٤)، وابن حبان (٥٩٤٢)، والرامهرمزى في أمثال الحديث (ص ١٠٥ - ١٠٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٠١ - ١٠٢)، والحاكم (٤/ ١٥٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٣٩٥ - ٣٩٦ رقم ٢١٠٧٨ و٢١٠٧٩ و٢١٠٨٠). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري، لم نكتبه إلا من حديث عبد الله بن الوليد.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في المشكاة (٤٩٠٤) والصحيحة (١٣٨٣) وصحيح الترغيب (٢٢٤٩).","vol":"9","page":657},{"text":"وعنه أبناه القاسم ومعن وسماك بن حرب والحسن بن سعد وعبد الملك بن عمير وأبو إسحاق السبيعي وأبو بكر بن عمرو بن عتبة الكوفي ومحمد بن ذكوان قال يعقوب بن شيبة كان ثقة قليل الحديث وقد تكلموا في روايته عن أبيه وكان صغيرا فأما علي بن المديني فقال قد لقي أباه وقال في العلل سمع من أبيه حديثين حديث الضب وحديث تأخير الوليد للصلاة وقال ابن معين عبد الرحمن وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد مات عبد الله وعبد الرحمن بن ست سنين أو نحوها وقال أحمد أما سفيان الثوري وشريك فإنهما يقول لان سمع وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب سمعت (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير تردى في بئر\" أي سقط، يقال: ردى وتردى لغتان.\nقوله: \"فهو ينزع منها بذنبه\" أي ينزع الناس ذنبه ليخرجوه من البئر ولا يقدر على الخلاص (^٢)، أ. هـ.\nوالمعنى: أنه أوقع نفسه في الهلكة بتلك النصرة الباطلة (^٣)، المعنى أيضًا: من أراد أن يرفع نفسه بنصرة قومه على الباطل فهو كالبعير الذي سقط في بئر (^٤).\nفائدة فقهية تتعلق بذبح البعير المتردي: قال الفقهاء لو تردي بعير أو غيره في بئر\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب (٦/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ١٤٨)، والمجموع المغيث (١/ ٧٥٣)، والنهاية (٢/ ٢١٦).\n(^٣) المفاتيح (٣/ ٢٤٨).\n(^٤) الميسر (٣/ ١٠٦٣).","vol":"9","page":658},{"text":"ولم يمكن قطع حلقومه ومريئه فهو كالبعير الناد الشارد الذي يند ويعجز عن ذبحه ونحره وإن جميع أجزائه وأعضائه مذبح كالصيد ما دام متوحشا فإذا رماه إنسان بسهم أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا منها ومات به حل بالإجماع فالمتردي كالبعير الناد في حله بالرمي بلا خلاف عندنا، وفي حله بإرسال الكلب وجهان أصحهما لا يحل (^١)، أ. هـ قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\n\n٣٣٩٩ - وعن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله لم يزل في غضب الله حتى ينزع وأيما رجل شد غضبا على مسلم في خصومة لا علم له بها فقد عاند الله حقه وحرص على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة وأيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء سبه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال رواه الطبراني ولا يحضرني الآن حال إسناده وروى بعضه بإسناد جيد قال من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه (^٢).\n_________\n(^١) روضة الطالبين (٣/ ٢٤٠)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ١٢٦)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١٠/ ١٧٢).\n(^٢) أخرجه الطبري في صريح السنة (٣٨)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٨٠ رقم ٨٩٣٦) والكبير كما في جامع المسانيد (٩/ ٢٩١ رقم ١١٨٧١). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠١: رواه كله الطبراني في الكبير، وإسناد الأول فيه من لم أعرفه، ورجال الثاني ثقات. وقال في ٦/ ٢٥٩: رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" وفيه من لم أعرفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٥٩) وغاية المرام (٤٣٧).","vol":"9","page":659},{"text":"قوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله\" الحديث، حالت تقدم معناه.\nقوله - ﷺ -: \"حتى ينزع\" معناه [ينتهي عن مخاصمته، يقال: نزع عن الأمر نزوعا إذا انتهى عنه].\n\n٣٤٠٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في ملكه ومن أعان على خصومة لا يعلم أحق أو باطل فهو في سخط الله حتى ينزع ومن مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو كشاهد زور ومن تحلم كاذبا كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة وسباب المسلم فسوق وقتاله كفر رواه الطبراني من رواية رجاء بن صبيح السقطي (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله\" الحديث، حالت تقدم معناه.\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٦٠)، والخرائطي في مساوى الأخلاق (٦٨٢)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٥٢ رقم ٨٥٥٢). قال العقيلى: قال: يروى بأسانيد مختلفة صالحة، من غير هذا الطريق. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة إلا رجاء أبو يحيى. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠١ و٢٠٥ و٦/ ٢٥٩ رواه الطبراني في الأوسط، وفيه رجاء السقطي ضعفه ابن معين ووثقه ابن حبان. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٦٠).","vol":"9","page":660},{"text":"قوله - ﷺ -: \"حتى ينزع\" معناه [ينتهي عن مخاصمته، يقال: نزع عن الأمر نزوعا إذا انتهى عنه].\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من حالت شفاعته دون حد من حدود الله\" تقدم معناه.\nقوله - ﷺ -: \"ومن مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو كشاهد زور ومن تحلم كاذبا كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة وليس بعاقد\" تحلم أي قال أنه رأى في منامه كذا وكذا ولم يكن رأى شيئًا لأنه كذب على الله تعالى فإنه هو الذي يرسل ملك الرؤيا ليريه المنام.\nقوله: \"وسباب المسلم فسوق\" ومنه حديث عائشة (^١) فقد أعظم الفرية على الله تعالى أي الكذب والفرية هي الكذبة.\nقال العلماء: لأن الرؤيا جزء من النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيا والكاذب في الرؤيا يدعى أن الله أراه ما لم يره وأعطاه جزءا من النبوة لم يعطه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على غيره والله أعلم (^٢).\nقوله: \"وسباب المسلم فسوق وقتاله كفر\"، أي: ساب المسلم فاسق، وفي الحديث أيضًا: \"ولا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٠٦٨) و(٣٢٧٨) عن عائشة وأصله في الصحيح من روايتها وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ومسروق بن الأجدع يكنى أبا عائشة وهو: مسروق بن عبد الرحمن، وكذا كان اسمه في الديوان.\n(^٢) الكواكب الدرارى (١٤/ ١٢٠).","vol":"9","page":661},{"text":"عليه إن لم يكن صاحبه كذلك\" (^١) أي: ارتدت تلك الكلمة إلى قائلها أي إن كانت تلك الكلمة فسقا صار قائلها فاسقا وإن كانت كفرا صار قائلها كافرًا وإن لم يكن المقول [له فاسقا وكافرا] (^٢).\nقوله: رواه الطبراني من رواية رجاء بن صبيح السقطي.\n\n٣٤٠١ - وروي عن ابن عباس - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا برئ من ذمة الله وذمة رسوله رواه الطبراني والأصبهاني (^٣).\nقوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقًا\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٤٥)، ومسلم (١١٢ - ٦١) عن أبي ذر.\n(^٢) المفاتيح (٥/ ١٧٢).\n(^٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٢٨)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢١١ رقم ٢٩٤٤) والصغير (١/ ١٤٧ رقم ٢٢٤)، والشاميين (٦٣) والكبير (١١/ ٢١٥ رقم ١١٥٣٩)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٥/ ٢٤٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١١٣). قال ابن حبان: سعيد بن رحمة بن نعيم من أهل المصيصة يروي عن محمد بن حمير ما لم يتابع عليه روى عنه أهل الشام لا يجوز الاحتجاج به لمخالفته الأثبات في الروايات. وقال الطبراني: لم يروه عن إبراهيم بن أبي عبلة واسم أبي عبلة شمر، وقد قيل: طرخان، والصواب شمر، إلا محمد بن حمير، تفرد به سعيد بن رحمة. وقال أبو نعيم: غريب من حديث إبراهيم، تفرد به محمد بن حمير\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٧: رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه سعيد بن رحمة، وهو ضعيف. وقال في ٤/ ٢٠٥: رواه الطبراني في الثلاثة، وفي إسناد الكبير: حنش، وهو متروك، وزعم أبو محصن أنه شيخ صدق، وفي إسناد الصغير والأوسط سعيد بن رحمة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٦١) و(١٣٦١).","vol":"9","page":662},{"text":"وقوله: \"فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله\" وفي الحديث الآخر: \"فقد برئت منهم الذمة\" أي: بانت وتخلصت منه البراءة في الطلاق، وأنت بريئة أي منفصلة عني، قاله عياض (^١)، والذمة هنا المراد بها [العهد، أي عهد الإيمان].\n\n٣٤٠٢ - وروي عن أوس بن شرحبيل أحد بني أشجع - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام رواه الطبراني في الكبير وهو حديث غريب (^٢).\nقوله: وعن أوس بن شرحبيل أحد بني المجمع - ﵁ -[له صحبة، حديثه عند أهل الشام، ويقال شرحبيل بن أوس (^٣)].\nقوله - ﷺ -: \"من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام\" أي: من دين الإسلام حتى يتوب ويرجع.\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (١/ ٤٦٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٥٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٢٥٢)، والطبري في المنتخب (ص ٨٥)، والبغوى في معجم الصحابة (٥٧)، وابن قانع (١/ ٣٣ - ٣٤)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٢٧ رقم ٦١٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٩٩٣). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عياش بن مؤنس، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله وثقوا، وفي بعضهم كلام. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٧٥٨) و(٥٣٦٧)، وضعيف الترغيب (١٣٦٢).\n(^٣) ترجمته في التاريخ الكبير (٤/ ٢٥٠)، والاستيعاب (١/ ١١٩ ترجمة ١١١)، وأسد الغابة (١/ ٣٢٢ ترجمة ٣٠٧).","vol":"9","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>[ترهيب الحاكم وغيره من إرضاء الناس بما يسخط الله ﷿]</span>\n٣٤٠٣ - عن رجل من أهل المدينة قال كتب معاوية إلى عائشة - ﵂ - أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري علي فكتبت عائشة إلى معاوية سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس والسلام عليك رواه الترمذي ولم يسم الرجل ثم روى بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية قال فذكر الحديث بمعناه ولم يرفعوه وروى ابن حبان في صحيحه المرفوع منه فقط ولفظه قالت قال رسول الله - ﷺ - من التمس رضا الله بسخط الناس - ﵁ - وأرضى عنه الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٩٩) ومن طريقه إسحاق (١١٧٥) والترمذي (٢٤١٤) واللالكائى في أصول السنة (٢٧٨٨)، والبغوى (٤٢١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٨٨) مرفوعا. وأخرجه عبد بن حميد (١٥٢٤)، والجوزجانى في أحوال الرجال (ص ٨ - ٩)، والترمذي في العلل (٦١٦)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٣٨)، وابن حبان (٢٧٦ و٢٧٧)، والقضاعى في مسند الشهاب (٤٩٩ و٥٠٠ و٥٠١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٥٩) والزهد (٨٩٠ و٨٩٢) والبغوى (٤٢١٤) مرفوعا من طريق آخر.\nوأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٠٠)، والحميدي (٢٦٦)، وأحمد في الزهد (٩١٦)، وأبو داود في الزهد (٣١٥)، والترمذي بإثر (٢٤١٤)، والبغوى في الجعديات (١٥٩٣)، والبيهقي في الزهد (٨٩١) موقوفا.\nوقال البخاري كما في علل الترمذي: أخطأ النضر، إنما روى هذا شعبة عن واقد بن =","vol":"9","page":664},{"text":"قوله: كتب معاوية إلى عائشة - ﵂ - أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري عليّ، الحديث، معاوية (^١): هو معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي رئيس قريش (^٢)، أسلم يوم الفتح روى عنه ابنه معاوية وابن عباس وغيرهما، توفي سنة اثنين وثلاثين أو إحدى وثلاثين وله ثمان وثمانون سنة، وأما عائشة فهي أم المؤمنين زوج النبي - ﷺ -، تقدم ذكر فضائلها، ومن فضائلها أيضًا ما قيل في الحديث \"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^٣) وهذا الحديث متفق عليه، وإنما ضرب المثل لوجوه، أحدها: لأنه أفخر طعام العرب، والثاني: لأنه يأخذ جوهر الطعام كله بالمرق، والثالث: لأنه أسهل تناولا من غيره (^٤).\n_________\n= محمد، عن رجل، عن ابن أبي مليكة [وروى عثمان بن واقد، عن أبيه، عن ابن المنكدر، عن عروة، عن عائشة، وهذا أصح. وروى سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية بهذا الحديث.\nوقال أبو حاتم وأبو زرعة في العلل (١٨٠٠): هذا خطأ، رواه شعبة، عن واقد بن محمد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة موقوفا وهو الصحيح. وزاد أبو حاتم: الخطأ إما من المحاربي، وإما من عثمان. وقال الدارقطني في العلل (٣٥٢٤): ورفعه لا يثبت. وصحح المرفوع الألباني في الصحيحة (٢٣١١) وصحيح الترغيب (٢٢٥٠).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠١ - ١٠٤ ترجمة ٥٨٨).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٣٩ ترجمة ٧٩٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤١١) و(٣٤٣٣) و(٣٧٦٩) و(٥٤١٨)، ومسلم (٧٠ - ٢٤٣١) عن أبى موسى.\n(^٤) الميسر للتوربشتى (٤/ ١٣٤١)، وشرح المشكاة (١١/ ٣٦٢١) للطيبى، وشرح المصابيح (٦/ ٤٧٧) لابن ملك.","vol":"9","page":665},{"text":"وروى ابن سعد عن مسروق عن عائشة - ﵂ - قالت: لقد رأيت جبريل - ﵇ - واقفا في حجرتي هذه على فرس ورسول الله - ﷺ - يناجيه فلما دخلت، قلت: من هذا الذي رأيتك تناجيه، قال: \"وهل رأيتيه؟ \" قلت: نعم، قال: \"فمن شبهتيه\" قلت: بدحية، قال: ذاك جبريل - ﵇ - (^١).\nوقال ابن سعد بإسناده عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: فضلت على نساء النبي - ﷺ - بعشرة؟ قيل: وما هن يا أم المؤمنين، قالت: لم ينكح بكرا قط غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء وجاءه جبريل بصورتي من السماء في حريرة، وقال: تزوجها فإنها امرأتك وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد، وكان يصلي وانما معترضة بين يديه كالجنازة ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري وكان ينزل عليه الوحي وهو معي في فراشي ولم ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري ومات في الليلة التي كان يدور علي فيها، ودفن في بيتي. وفي رواية ابن سعد: وبني بي لتسع سنين ورأيت جبريل ولم تره امرأة غيري وكنت أحب نسائه (^٢) إليه، وكان أبي أحب أصحابه إليه ذكره في مرآة الزمان.\nقوله: \"من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس\" الحديث، الالتماس الطلب، والسخط: بفتحتين وضم الطاء ضد الرضى، والمراد\n_________\n(^١) الطبقات (٨/ ٦٧ - ٦٨).\n(^٢) الطبقات (٨/ ٦٣ - ٦٤).","vol":"9","page":666},{"text":"بإرضاء الناس بسخط الله أن يتقرب إليهم بما يكون معصية عند الله تعالى كالظلم والكذب والغيبة والنميمة والنفاق ومدحهم بما ليس فيهم ومعاونتهم على الإثم والعدوان قاله شارح الأربعين الودعانية للأصبهاني (^١).\nقوله: \"ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس\" ومعنى \"وكله الله إلى الناس\" يقال: وكلت أمري إلى فلان أي ألجأته إليه واعتمدت عليه، وقال بعضهم: وكله الله إلى الناس أي فوض أمره إليهم وسلطهم عليه فيؤذوه.\n\n٣٤٠٤ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطة ومن أرضى الله في سخط الناس - ﵁ - وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ويزين قوله عمله في عينه رواه الطبراني بإسناد جيد قوي (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه\" الحديث، أيها المريد ائتزر رضا الله على غيره وإن كانت فيه المعاطب والمهالك ولو أغضبت الخلق فلا تبالي بما هنالك وهذه درجة\n_________\n(^١) شرح الأربعين (ص ٢٧٨ الحديث الثلاثون).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٦٨ رقم ١١٦٩٦). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير يحيى بن سليمان الجفري، وقد وثقه الذهبي في آخر ترجمة يحيى بن سليمان الجعفي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٦٣).","vol":"9","page":667},{"text":"الأنبياء وأعلاها للرسل قال العلماء: الرضا والسخط من الله تعالى، المراد بها أمره ونهيه أو ثوابه وعقابه أو إرادة الثواب لبعض العبادات أو العقاب لبعضهم - والله أعلم - الأصفياء وأعلاها لأولي العزم الأغلياء وأعلاها لنبينا سيد الأحباء الأخفياء فمن آثر رضا الله على رضا الخلق كفاه الله، ومن آثر رضاهم على رضاه خذله مولاه، قال بعض السلف: لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة إنك إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها، وقال الإمام الشافعي - ﵁ -: رضا الناس غاية لا تدرك فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه، ومعلوم أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا بارئها ومولاها على غيره كما قال أبو فراس ﵀ ولقد أحسن فيما قال:\nفليتك تحلو والأيام مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب\nوليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب\nإذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب\nومعلوم أن المؤثر لرضى ذي الجلال والإكرام متعرض لسخط الأنام هذه سنة الله في عباده وإلا فما ذنب الرسل والأنبياء والعباد والذين يأمرون بالقسط من الناس الدابين على كتاب الله وسنة رسوله والإجماع والقياس فمن آثر رضى الله تعالى فلا بد أن تعاديه رذالة العالم وسفلة بني آدم وأهل البدع منهم والفجور وأهل الرياسات الباطلة فمن ليس عندهم نور (^١)، أ. هـ. قاله صاحب تهذيب النفوس.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٨٥ - ٢٨٧) باختصار.","vol":"9","page":668},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ومن أرضى الله في سخط الناس - ﵁ - وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ويزين قوله عمله في عينه\" الحديث، وفي هذا المعنى جملة من الأحاديث وهي تدل على أن من خلصت نيته وصفت من شوائب الرياء طويته يقلب الله له قلوب الخلق بالمودة ويزينه في أعينهم ليحبوه وإن كان قد أتى بما يكرهونه ولقد شاهدنا من عادى في الله وأبغض في الله فأعقبت المعاداة موالاة وانقلب البغض محبة ومصافاة ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين خلقه، ولله عاقبة الأمور (^١). أ. هـ.\n\n٣٤٠٥ - وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال قال رسول الله - ﷺ - من أرضى سلطانا بما يسخط ربه خرج من دين الله رواه الحاكم وقال تفرد به علاق بن أبي مسلم عن جابر والرواة إليه كلهم ثقات (^٢).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من أرضى سلطانا بما يسخط ربه خرج من دين الله\" الحديث، ودين الله هو الإسلام، وفي الحديث أن هذا دين ارتضيته لنفسي يعني وتقدم معنى الرضى والسخط في الأحاديث قبله.\n\n٣٤٠٦ - وعن عائشة - ﵂ - قالت قال رسول الله - ﷺ - من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده له ذاما رواه البزار وابن حبان في صحيحه\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١١٧).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٠٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٢٦). وقال الحاكم: تفرد به علاق والرواة إليه ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٩٧)، وضعيف الترغيب (١٣٦٤) وحكم عليه بالوضع.","vol":"9","page":669},{"text":"ولفظه قال رسول الله - ﷺ - من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله ومن أسخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس ورواه البيهقي بنحوه في كتاب الزهد الكبير وفي رواية له قال رسول الله - ﷺ - من أراد سخط الله ورضا الناس عاد حامده من الناس ذاما (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده له ذاما\" الحديث، المحامد جمع محمدة وهي الحمد.\nوقوله: \"عاد حامده من الناس ذاما\" عاد بمعنى صار، فلذلك احتاج إلى خبر وهو ذاما، فإن كان بمعنى رجع تم بفاعله ولم يحتج إلى خبر، مثال\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في الكشف (٣٥٦٨)، والباغندى في الأمالى (٢٠) ومن طريقه ابن بشران في أماليه (٧٢٢) والخطيب في المهروانيات (١٢٩)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ٣٤٣)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٢٢١)، وابن الأعرابى في المعجم (٨٣٣)، وابن عدى في الكامل (٧/ ١٨٢)، والبيهقي في الزهد (٨٨٧) و(٨٨٨). قال البزار: لا نعلم أحدا أسنده إلا قطبة عن أبيه، ورواه غيره عن هشام، عن أبيه موقوفا. وقال العقيلى: ولا يصح في الباب مسندا، وهو موقوف من قول عائشة. وقال ابن عدى: وإنما البخاري أشار إلى هذا وأنكرها عليه ولقطبة عن الثوري وعن غيره أحاديث مقاربة وأرجو أنه لا بأس به. وقال الدارقطني في العلل (٣٥٢٤): يرويه قطبة بن العلاء، عن أبيه العلاء بن المنهال، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ورفعه لا يثبت.\nقال أبو بكر الخطيب ﵀: هذا حديث غريب من حديث عروة عن عائشة أم المؤمنين. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٥: رواه البزار من طريق قطبة بن العلاء، عن أبيه، وكلاهما ضعيف. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (١٣٦٥).","vol":"9","page":670},{"text":"الأول: عاد الماء ملحا والرطب تمرا، أي صار، ومثال الثاني: عاد زيد من سفره، أي رجع والله أعلم، قاله الأصبهاني في شرح الودعانية (^١).\n\n٣٤٠٧ - وروي عن عبد الله بن عصمة بن مالك قال قال رسول الله - ﷺ - من تحبب إلى الناس بما يحبونه وبارز الله تعالى لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان رواه الطبراني (^٢).\nقوله: وروي عن عبد الله بن عصمة بن [فاتك] مالك.\nقوله: \"من تحبب إلى الناس بما يحبونه وبارز الله تعالى [بما يكرهون] لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان\" المبارزة المحاربة والغضب في حق الله تعالى هو انتقامه ممن عصى وهو ضد الرضى والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢٢٢/ الحديث السابع).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٨٦ رقم ٤٩٩). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الفضل بن المختار، وهو ضعيف. وقال الألباني في الضعيفة (٣٩٨٧) و(٦٦٥٤) وضعيف الترغيب (١٣٦٦): موضوع.","vol":"9","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>[الترغيب في الشفقة على خلق الله تعالى من الرعية والأولاد والعبيد وغيرهم ورحمتهم والرفق بهم والترهيب من ضد ذلك ومن تعذيب العبد والدابة وغيرهما بغير سبب شرعي وما جاء في النهي عن وسم الدواب في وجوهها]</span>\n٣٤٠٨ - عن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - من لا يرحم الناس لا يرحمه الله رواه البخاري ومسلم والترمذي ورواه أحمد وزاد ومن لا يغفر لا يغفر له وهو في المسند أيضًا من حديث أبي سعيد بإسناد صحيح (^١).\nقوله: عن جرير بن عبد الله - ﵁ - تقدم الكلام على جرير.\nقوله: \"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله\" وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد وزاد فيه: \"ومن لا يغفر لا يغفر\" قال العلماء: هذا عام يتناول رحمة الأطفال وغيرهم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٤٦٨) و(١٩٤٧١) و(١٩٤٧٣) و(١٩٤٧٦) و(١٩٤٧٧) و(١٩٤٧٨) و(١٩٤٧٩) و(١٩٤٩٦) و(١٩٥٠١) و(١٩٥١٠) و(١٩٥٤٨) و(١٩٥٥١) و(١٩٥٥٤) و(١٩٥٦٨) و(١٩٥٦٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٦) و(٩٧) و(٣٧٠) و(٣٧٥) والصحيح (٦٠١٣) و(٧٣٧٦)، ومسلم (٦٦ - ٢٣١٩)، والترمذي (١٩٢٢)، وابن حبان (٤٦٥) و(٤٦٧) عن جرير.\nوأخرجه أحمد ٣/ ٤٠ (١١٥٣٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٥)، والترمذي (٢٣٨١) عن أبي سعيد الخدري. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٥٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٧).","vol":"9","page":672},{"text":"فالرحمة في اللغة رقة قلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان على من رق فمبدؤها الرقة التي هي انفعال ومنتهاها العطف والتفضل الذي هو فعل فالإنسان إذا وصف بالرحمة فتارة يراد بذلك المبدأ الذي هو الرقة وتارة يراد به المنتهى الذي هو التفضل والعطف وتارة يرادان معا وإذا وصف بها الباري ﷾ فليس يراد بذلك إلا المنتهى الذي هو الفعل دون المبدأ الذي هو الانفعال إذ هو ﷾ منزه عن الانفعالات وعن كل نقص تعالى الله عن ذلك وهذا ما روي عن التابعين حيث قالوا: الرحمة من الله تعالى إنعام وإفضال ومن الآدميين رقة وتعطف (^١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) تفسير الراغب الأصفهانى (١/ ٥٠)، وتحفة الأبرار (٢/ ٢٥ - ٢٦). قال ابن تيمية (٦/ ١١٧ - ١١٨): وأما قول القائل: الرحمة ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم فهذا باطل. أما أولا: فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين والرحمة ممدوحة؛ وقد قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ وقد نهى الله عباده عن الوهن والحزن؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وندبهم إلى الرحمة. وقال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"لا تنزع الرحمة إلا من شقي\" وقال: \"من لا يرحم لا يرحم\" وقال: \"الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء\". ومحال أن يقول: لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي؛ ولكن لما كانت الرحمة تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور - كما في رحمة النساء ونحو ذلك - ظن الغالط أنها كذلك مطلقا.\nوقال: فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا وما اتصفنا به من الكمال من العلم والقدرة وغير ذلك هو مقرون بالحاجة والحدوث والإمكان: لم يجب أن يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال ولا يقدر ولا يعلم؛ لكون ذلك ملازما للحاجة فينا. فكذلك الرحمة وغيرها إذا قدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة والضعف؛ لم يجب أن تكون في حق الله ملازمة لذلك.","vol":"9","page":673},{"text":"فائدة فيها بشرى: روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولدها وحتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه\" (^١) وإنما خص الوحش بالذكر لنفورها وعدم استيناسها (^٢).\nفهذا الحديث من أحاديث الرضى والبشارة للمسلمين، قال العلماء: لأنه إذا حصل للإنسان من رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار الإسلام والقرآن والصلاة والرحمة في قلبه وغير ذلك مما أنعم الله تعالى به فكيف الظن بمائة رحمة في الدار الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء (^٣).\nقال السختياني: إن رحمة قسمها في دار الدنيا وأصابني منها الإسلام إني لأرجوا من تسعة وتسعين رحمة ما هو أكثر من ذلك (^٤).\nقال العلماء: وأما تخصيص رحمته ﷾ بالمائة فالظاهر كون ذلك للتكثير كما ثبت في غيرها من الأعداد فإن أقسام رحمة الله تعالى على عباده خارجة عن الحصر والله أعلم، وقال بعضهم أيضًا: فإن قلت رحمة الله غير متناهية لا مائة ولا مائتان؟ قلت: الرحمة عبارة عن القدرة المتعلقة [بإرسال] الخير والقدر صفة واحدة، والتعلق هو غير متناه فحصره على مائة\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٦١٤)، ومسلم (١٩ - ٢٧٥٢) عن أبي هريرة.\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٥٣٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٦٨ - ٦٩).\n(^٤) شعب الإيمان (٢/ ٣٣٤).","vol":"9","page":674},{"text":"على سبيل التمثيل تسهيلا للفهم وتقليلا لما عندنا وتكثيرا لما عنده فالرحمة من العباد الرقة والتعطف ومن الله تعالى إيصال الخير (^١). انتهى.\n\n٣٤٠٩ - وعن أبي موسى - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول لن تؤمنوا حتى تراحموا قالوا يا رسول الله كلنا رحيم قال إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح (^٢).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لن تؤمنوا حتى تراحموا\" قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: \"إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة\" الحديث، تقدم أن العلماء قالوا: هذا عام يتناول رحمة الأطفال وغيرهم.\n\n٣٤١٠ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من لم يرحم الناس لم يرحمه الله رواه الطبراني بإسناد حسن (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٦٥)، وفتح الباري (١٠/ ٤٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عمر كما في اتحاف الخيرة (٥/ ٥١٥)، والنسائي في الكبرى (٥٩٢٨)، وابن خلاد في حديثه (١٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٦٧ - ١٦٨).\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٠: رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن صالح وفد وثق وضعفه جماعة. ولهذا الحديث طريق في كتاب التوبة. وقال في ٨/ ١٨٦ - ١٨٧: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٥٣).\n(^٣) أخرجه مسدد كما في اتحاف الخيرة (٥/ ٥١٤)، والدارمى في الرد على الجهمية (٧٤)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٠٥ رقم ٣٧٢١). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أبي أنيسة، إلا أبو شيبة، تفرد به: إسماعيل بن عياش. قلت إسناد مسدد والدارمى =","vol":"9","page":675},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من لم يرحم الناس لم يرحمه الله\" اعلم أن المقصود من هذا الحديث الحث على الرحمة لعباد الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى وأنها من أسباب رحمة الله تعالى وأفضل القربات إلى الله تعالى وبيان أن العقوبة لمن لم تكن الرحمة في طباعه وامتناعها لسبب امتناعها، وأي وعيد أبلغ في التشديد وأعظم في النقمة من فوات الرحمة من الله ﷿ وفقنا الله لطاعته وأعاننا وأعاذنا من مخالفته، أ. هـ\nقال الشيخ زين الدين العراقي في بعض أماليه في هذا المعنى (^١):\nإنْ كنتَ لا ترحم المسكين إن عَدِما ... ولا الفقير إذا يشكو لك العَدما\nفكيف ترجو من الرحمن رحمته ... وإنَّما يرحم الرحمنُ من رَحِما\n\n٣٤١١ - وعن جرير - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء رواه الطبراني بإسناد جيد قوي (^٢).\nقوله: وعن جرير - ﵁ - تقدم الكلام على جرير.\nقوله: \"من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء\" الحديث، الذي في السماء هو الله تعالى وذلك على معنى أن أمره ونهيه جاء من السماء\n_________\n= من طريق أبى الأحوص عن أبي إسحاق. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٨: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٥٤).\n(^١) الازدهار في ما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار (ص ١٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٣٥٥ رقم ٢٤٩٧)، وفي مكارم الأخلاق (٤٥). قال الذهبي في مختصر العلو (رقم ٥ ص ٨٤): رواته ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٥٥).","vol":"9","page":676},{"text":"فوقعت الإشارة إلى مثل ما نطق به التنزيل، قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (^١) ولا شك في ذلك أنه يريد به نفسه تعالى كذا في الميسر (^٢) وتقدم في النكاح.\n\n٣٤١٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء رواه أبو داود والترمذي بزيادة وقال حديث حسن صحيح (^٣).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء\" تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\n\n٣٤١٣ - وعنه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون رواه أحمد بإسناد جيد (^٤).\n_________\n(^١) سورة الملك، الآية: ١٦.\n(^٢) الميسر (٣/ ٧٧٨).\n(^٣) أخرجه الحميدي (٦٠٢) وعنه البخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٦٤)، وأحمد ٢/ ١٦٠ (٦٦٠٥)، وأبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٥٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٢٥) وصحيح الترغيب (٢٢٥٦).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٥ (٦٦٥٢) و٢/ ٢١٩ (٧١٦٢)، وعبد بن حميد (٣٢٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٢٢، والطبراني في الكبير (١٣/ ٦٥١ رقم ١٤٥٧٩) وفي مسند الشاميين (١٠٥٥) ومكارم الأخلاق (٤٧)، =","vol":"9","page":677},{"text":"قوله: وعنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم\" تقدم معنى ذلك في الأحاديث قبله.\nقوله - ﷺ -: \"ويل لأقماع القول\" ويل: اسم واد في جهنم، وقيل: اسم حجر فيها، وتقدم الكلام على تفسيرها مبسوطا في تخليل الأصابع في الوضوء، وأقماع القول فسر بمن كانت أذناه كالقمع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة فإذا دخل شي من ذلك في أذنه خرج من الأخرى ولم ينتفع بشيء مما سمع (^١)، أ. هـ.\nوقال العراقي في بعض أماليه: أقماع القول: هو بفتح الهمزة وسكون القاف وآخره عين مهملة واحدها قمع بكسر القاف وفتح الميم وسكونها لغتان كنِطَع ونِطْع، وحكي الجوهري عن يعقوب: فتح القاف وإسكان الميم وهو الذي يجعل في رؤوس الظروف ويصب فيه المائعات شبه سماع الذين يسمعون القول ولا يعونه ولا يحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها فكأنه يمر عليها مجازا كما يمر الشراب في أقماع اجتيازا،\n_________\n= والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٣٨٩ رقم ٦٨٤٤) و(١٣/ ٤٠٣ رقم ١٠٥٤١)، والخطيب في تاريخ بغداد ٩/ ١٨٣.\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٩١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير حبان بن يزيد الشرعي، ووثقه ابن حبان، ورواه الطبراني كذلك. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٨٢) وصحيح الترغيب (٢٢٥٧) و(٢٤٦٥).\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٨٧).","vol":"9","page":678},{"text":"وذكره الهروي بلفظ ويل لأقماع الأذان، قال الهروي: وقيل الأقماع الآذان والأسماع (^١)، أ. هـ.\n\n٣٤١٤ - وعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه (^٢) وقد روي هذا اللفظ من حديث جماعة من الصحابة وتقدم بعض ذلك في إكرام العلماء.\n[قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -].\nقوله - ﷺ - \"ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير\" ليس منا: تقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق.\n_________\n(^١) غريب الحديث (٢/ ٢٦٥) لابن الجوزى، والنهاية (٤/ ١٠٩) ولسان العرب (٨/ ٢٩٥)، وابن مفلح في الآداب الشرعية (١/ ١٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٧ (٢٣٦٦)، وعبد بن حميد (٥٨٦)، وأبو زرعة الدمشقى كما في الفوائد المعللة (١٣٨)، والترمذي كما في تحفة الأشراف (٥/ ١٦٥ رقم ٦٢٠٧)، والبزار كما في الكشف (١٩٥٥ و١٩٥٦)، وابن حبان (٤٥٨) و(٤٦٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٧٢ رقم ١١٠٨٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٠٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٥٥)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥ رقم ١٠٤٧٤)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٥٢).\nوقال الترمذي: غريب. وقال البزار: وهذا بلفظ هذا لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس بهذا الإسناد وإسناد آخر. وقال في الآخر: ولا نعلم أسند نسير عن عكرمة غير هذا. وقال البغوي: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٠) و(١٣٦٧) و(١٣٩٣).","vol":"9","page":679},{"text":"٣٤١٥ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال قام رسول الله - ﷺ - على بيت فيه نفر من قريش فأخذ بعضادتي الباب فقال هل في البيت إلا قرشي فقالوا لا إلا ابن أخت لنا قال ابن أخت القوم منهم ثم قال إن هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا أقسموا أقسطوا ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورواته ثقات (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: قام رسول الله - ﷺ - على بيت فيه نفر من قريش، تقدم الكلام على النفر في عدة مواضع من هذا التعليق أيضًا.\nقوله: فأخذ بعضادتي الباب، عضادتا الباب هما خشبتاه.\nقوله: فقال: \"هل في البيت إلا قرشي\" فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا، فقال: \" ابن أخت القوم منهم\" الحديث، استدل به من يورث ذوي الأرحام وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وآخرين، ومذهب مالك والشافعي وآخرين أنهم لا يورثون وأجابوا بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه بينهم\n_________\n(^١) أخرجه الدولابى في الكنى مختصرا (١٣٨٧)، وابن الأعرابى في المعجم (١٩٨٠)، والطبراني في الصغير (١/ ١٤٢ رقم ٢١٦) والأوسط (٣/ ٨٣ رقم ٢٥٦٣) والدعاء (٢١٢٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عوف إلا معاذ بن عوذ الله، ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٤: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٥٨).","vol":"9","page":680},{"text":"وبينه ارتباط وقرابة ولم يتعرض للإرث وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرهم بحضرته ونحو ذلك والله أعلم (^١)، وتقدم الكلام على ذلك في كتاب القضاء.\n\n٣٤١٦ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال كنا في بيت فيه نفر من المهاجرين والأنصار فأقبل علينا رسول الله - ﷺ - فجعل كل رجل يوسع رجاء أن يجلس إلى جنبه ثم قام إلى الباب فأخذ بعضادتيه فقال الأئمة من قريش ولي عليكم حق عظيم ولهم ذلك ما فعلوا ثلاثا إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا عاهدوا وفوا فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن واللفظ له وأحمد بإسناد جيد وتقدم بلفظه وأبو يعلى ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرا من حديث أبي هريرة وتقدم حديث بنحوه لأبي برزة وحديث لأبي موسى في العدل والجور (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٥٢).\n(^٢) أما حديث أنس: أخرجه الطيالسي مختصرا (٢٢٤٧)، وأحمد ٣/ ١٢٩ (١٢٥٠١) و٣/ ١٨٣ (١٣٠٩٨)، والبزار مختصرا (٦١٨٤) و(٧٢٧٤)، والنسائي في الكبرى (٥٩٠٩)، وأبو يعلى (٣٦٤٤) و(٤٠٣٢) و(٤٠٣٣) والمعجم (١٥٨)، والدولابى في الكنى (٥٧٦)، والطبراني في الدعاء (٢١١٨ و٢١١٩ و٢١٢٠ و٢١٢١ و٢١٢٢) والأوسط (٢/ ٣٤٢ رقم ٢١٧١) و(٦/ ٣٥٧ رقم ٦٦١٠) و(٧/ ٤١ رقم ٦٧٨٩) والكبير (١/ ٢٥٢ رقم ٧٢٥) والشاميين (٢٥٧٢)، والحاكم (٤/ ٥٠١)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٤٧ رقم ١٦٥٤١) و(٨/ ٢٤٨ رقم ١٦٥٤٢ و١٦٥٤٣ و١٦٥٤٤ و١٦٥٤٥).\nقال البزار: لا نعلم أسند سعد، عن أنس إلا هذا. وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: وكذلك رواه جماعة عن الأعمش، عن سهل، يكنى أبا أسد، =","vol":"9","page":681},{"text":"قوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: كنا في بيت فيه نفر من المهاجرين والأنصار، المهاجرون: هم الذين هاجروا مع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، والأنصار: هم أهل المدينة الذين نصروا رسول الله - ﷺ - وأووه.\nقوله: ثم قام إلى الباب فأخذ بعضادتيه فقال: \"الأئمة من قريش ولي عليكم حق عظيم\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n= وكذلك رواه مسعر بن كدام عن سهل، ورواه شعبة عن علي بن أبي الأسد، وقيل عنه عن علي أبي الأسد، وهو واهم فيه، والصحيح ما رواه الأعمش ومسعر، وهو سهل القراري من بني قرار يكنى أبا أسد.\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٢: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط أتم منهما والبزار إلا أنه قال: \"الملك في قريش\". ورجال أحمد ثقات. وقال في ٥/ ١٩٤ - ١٩٥: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عبد الله بن فروخ، وثقه ابن حبان وقال: ربما خالف وفيه كلام، وبقية رجال الكبير ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٥٩).\nوأما حديث أبي هريرة:\nأخرجه عبد الرزاق (١٩٩٠٢) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٢٧٠ (٧٧٦٨)، وابن حبان (٤٥٨١ و٤٥٨٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٢٥ رقم ٢٩٨٨) والدعاء (٢١٢٣). قال أبو حاتم في العلل (٢٧٧٤): يروونه عن سعيد أن النبي - ﷺ -، مرسلا. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٢: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٦٠)، و\"الإرواء\" (٢/ ٢٩٨/ التحقيق الثاني).","vol":"9","page":682},{"text":"٣٤١٧ - وعن نصيح العنسي عن ركب المصري - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - طوبى لمن تواضع في غير منقصة وذل في نفسه من غير مسألة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ورحم أهل الذلة والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة الحديث رواه الطبراني ورواته إلى نصيح ثقات (^١).\nقوله: وعن نصيح العنسي عن ركب المصري - ﵁ - تقدم الكلام على ركب المصري.\n\n٣٤١٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم - ﷺ - يقول لا تنزع الرحمة إلا من شقي رواه أبو داود واللفظ له والترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن وفي بعض النسخ حسن صحيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٣٨)، وابن أبي الدنيا في التواضع (٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٧٨٢)، وابن الأعرابى في المعجم (٢٣٠٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ٧١ رقم ٤٦١٥ و٤٦١٦) والشاميين (٩١٢)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص ٦٥٨)، وتمام في الفوائد (١٦٠٢) وأبو نعيم في المعرفة (٢٨٣٣)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٣٠٦ رقم ٧٧٨٣ و٧٧٨٤) والشعب (٥/ ٧٥ - ٧٦ رقم ٣١١٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٦٢٣).\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٩: رواه الطبراني من طريق نصيح العنسي عن ركب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٨٣٥) وضعيف الترغيب (١٣٦٨) و(١٧٣٢).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٦٥٢)، وإسحاق (٢٨٣)، وأحمد ٢/ ٣٠١ (٨١١٦) و٢/ ٤٤٢ (٩٨٣٣) و٢/ ٤٦١ (٩٩١٦) و(١٠٠٧٨) و٢/ ٥٣٩ (١٠٠٨٣) و(١١١٠٧)، =","vol":"9","page":683},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: سمعت الصادق المصدوق، وفي حديث آخر: حدثنا الصادق المصدوق وهو أصل فيما يستعمله المحدثون من قولهم حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، ومعنى حدثنا أنشأ لنا خبرا حادثا والصادق المصدوق معناه: الصادق في قوله المصدوق فغيما يأتيه من الوحي الكريم، فالصادق: الآتي بالصدق وهو الخبر المطابق والمصدوق الذي يأتيه غيره بالصدق وعلى هذا القياس الكاذب والمكذوب، ومنه قول علي - ﵁ - يوم النهر: وإن والله ما كذبت، أي ما كذب من أخبرني والنبي صادق فيما أخبر مصدوق فيما أخبر لأن مخبره جبريل - ﵇ - وعكسه ابن صياد قال: يأتيني صادق وكاذب وأرى عرشا على الماء فقال: خلط عليه الأمر فهو إذا كاذب مكذوب، أ. هـ، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^١).\nقوله: صاحب هذه الحجرة أبا القاسم - ﷺ -، تقدم الكلام على التكني بأبي القاسم في مواضع.\n\n٣٤١٩ - وعنه - ﵁ - قال قبل رسول الله - ﷺ - الحسن أو الحسين بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت\n_________\n= والبخاري في الأدب المفرد (٣٧٤)، وأبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣)، وابن حبان (٤٦٢) و(٤٦٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٦١)، المشكاة (٤٩٦٨)، صحيح الجامع (٧٤٦٧).\n(^١) التعيين (ص ٨٣ - ٨٤).","vol":"9","page":684},{"text":"منهم أحدا قط فنظر إليه رسول الله - ﷺ - ثم قال من لا يرحم لا يرحم رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي (^١).\nقوله: وعنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: قبَّل رسول الله - ﷺ - الحسن أو الحسين ابني علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي، الحديث، كان النبي - ﷺ - يحب الحسن والحسين، في سنن أبي داود عن علي - ﵁ - قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيد حسن وحسين وقال: \"من أحبني وأحب هذين وأمهما وأباهما كان معي في الجنة اللهم اشهد عليَّ أني أحبهما\" (^٢).\nوعن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - كان حاملا الحسن بن علي على عاتقه فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام فقال رسول الله - ﷺ -: \"ونعم الراكب هو\" (^٣) وسيأتي الكلام عليهما في مناقبهما، قال ابن العماد في شرح العمدة: وروينا في صحيح البخاري وغيره عن أنس - ﵁ - قال: أخذ رسول الله - ﷺ - ابنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٦٥ - ٢٣١٨)، والترمذي (١٩١١).\n(^٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١١٨٥) والمسند ()، والترمذي (٢٧٣٣)، والآجرى في الشريعة (١٦٣٨). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث جعفر بن محمد إلا من هذا الوجه. وقال الألباني: ضعيف الضعيفة (٣١٢٢)، تخريج المختارة (٣٩٢ - ٣٩٧)، ضعيف الجامع (٥٣٤٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٧٨٤)، والآجرى في الشريعة (١٦٤٨)، والحاكم (٣/ ١٧٠). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وزمعة بن صالح قد ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه. وصححه الحاكم ورده الذهبي فقال: لا. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٦١٦٣).","vol":"9","page":685},{"text":"إبراهيم فقبله وشمه (^١)، وروينا في سنن أبي داود عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: دخلت على أبي بكر الصديق أول ما قدم المدينة فإذا عائشة ابنته - ﵂ - مضطجعة قد أصابتها حمى فاتاها فقال أبو بكر كيف أنت يا بنية وقبل خدها (^٢)، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن إياس بن دغفل قال: رأيت أبا نضرة قبل خد الحسين بن علي (^٣)، أبو نضرة بالضاد المعجمة اسمه المنذر بن مالك بن قطعة تابعي ثقة، قال النووي وكان عبد الله بن عمر يقبل [وأبوه] سالما ويقول: اعجبوا من شيخ يقبل شيخا، وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل أحد أفراد زهاد هذه الأمة وعبادها أنه كان يأتي أبا داود السجستاني ويقول: اخرج لسانك الذي تحدث به حديث رسول الله لأقبله فيقبله وأفعال السلف في هذا الباب أكثر من أن تحصى (^٤)، أ. هـ قال العلماء: ويستحب حمل الصغير وتقبيله، وقد ورد في الحديث أن من قبل صغيرا فله عشر حسنات وإنما استحب تقبيل الصغير للرحمة والشفقة ولأنه هبة من الله تعالى والإنسان إذا وهبه غيره شيئا قبله لاسيما الهبة من الملك فأما تقبيل الرجل خد ولده الصغير وأخيه وقبلة غير خده من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة فسنة والأحاديث في ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٣٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٩١٧، ٣٩١٨)، وأبو داود (٥٢٢٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥٢٢١)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٦٣ رقم ١٣٥٨٣).\n(^٤) الأذكار (ص ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"9","page":686},{"text":"كثيرة صحيحة مشهورة وسواء الولد الذكر والأنثى وكذلك قبلته ولد صديقه وغيره من صغار الأطفال على هذا الوجه، وأما التقبيل بشهوة فحرام بالاتفاق وسواء في ذلك الوالد وغيره بل النظر إليه بالشهوة حرام بالاتفاق على القريب والأجنبي (^١)، أ. هـ، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عمر قال: قبلنا يد النبي - ﷺ -، رواه أبو داود بإسناد حسن (^٢).\nقال النووي في الأذكار: إذا أراد أن يقبل يد غيره إذا كان ذلك لزهده وصلاحه أو لعلمه وشرفه وصيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لم يكره بل يستحب وإن كان لغناه وتروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا أو نحو ذلك فهو مكروه شديد الكراهة (^٣)، أ. هـ قال أبو الليث السمرقندي: ويقال القبلة على خمسة أوجه قبلة المودة وقبلة الرحمة وقبلة الشفقة وقبلة الشهوة وقبلة التحية، فأما قبلة المودة فهي قبلة الوالدين للولد على الخد وأما قبلة الرحمة فهي قبلة الولد للوالدين على رأسهما وأما قبلة التحية فهي قبلة المؤمنين فيما بينهم على اليد وعلى الوجه، وأما قبلة الشهوة فهي قبلة الزوج لزوجته على الفم (^٤)، أ. هـ.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٢٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٧٢)، وأبو داود (٢٦٤٧) و(٥٢٢٣)، وابن ماجه (٣٧٠٤)، والطحاوى في مشكل الآثار (٩٠٠ - ٩٠٢). والحديث حسنه العراقى في تخريج الإحياء (٦٦٥). وضعفه الألباني في الإرواء (١٢٠٣).\n(^٣) الأذكار (ص ٢٦٢).\n(^٤) بستان العارفين (ص ٣٦٤).","vol":"9","page":687},{"text":"فائدة: يستحب حمل الصغار إلى العلماء والصالحين ليقع بصرهم عليهم وتحصل بركة الدعاء والتبرك بهم والله أعلم.\nفائدة أيضًا: لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك ولا بتقبيل الرجل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه، روينا في صحيح البخاري عن عائشة في الحديث الطويل في وفاة رسول الله قالت: دخل أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله - ﷺ - ثم أكب عليه فقبله وبكى (^١)، قاله ابن العماد في شرح العمدة.\nقوله: عن الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا قط فنظر إليه رسول الله - ﷺ - ثم قال \"من لا يرحم لا يرحم\" بالرفع والجزم من اللفظين، وروي عن عمر أنه استعمل رجلا على بعض الأعمال فدخل الرجل على عمر فرآه قد أخذ ولدا له وهو يقبله فقال إن لي أولادا فما قبلت منهم أحدا قاله له عمر لا رحمة لك على الصغار فرحمتك على الكبار أقل رد علينا عهدنا فعزله (^٢).\n\n٣٤٢٠ - وعن عائشة - ﵂ - قالت جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال إنكم تقبلون الصبيان وما نقبلهم فقال رسول الله - ﷺ - أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك رواه البخاري ومسلم (^٣).\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٢٦٤).\nوالحديث أخرجه البخاري (٤٤٥٢) و(٤٤٥٣).\n(^٢) بستان العارفين (ص ٢٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٩٨)، ومسلم (٦٤ - ٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٦٦٥)، وابن حبان (٥٥٩٥).","vol":"9","page":688},{"text":"وفي حديث عائشة بعده: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: \"إنكم تقبلون الصبيان ولا نقبلهم\" فقال رسول الله - ﷺ -: \"أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك\" الحديث، أي لا أملك لك رد الرحمة التي نزعها الله من قلبك (^١)، أ. هـ، والرحمة في حقنا رقة وحنو يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى أو صغير تحمله على الإحسان إليه واللطف به والرفق والسعي في كشف ما به، وقد جعل الله تعالى هذه الرحمة في الحيوان كله عاقله وغير عاقله فيها تعطف الحيوانات على نوعها وأولادها فتحنوا عليها وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها، وحكمة هذه الرحمة تسخير القوى للضعيف والكبير للصغير حتى ينحفظ وتتم مصلحته وذلك بتدبير اللطيف الخبير وهذه الرحمة التي جعلها في القلوب في هذه الدار وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادخرها الله تعالى ليوم القيامة فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها حتى يخلصهم منها ويدخلهم في جنته وكرامته ولا يفهم من هذا أن الرحمة التي وصف ألحق بها نفسه هي رقة وحنو كما هي في حقنا لأن ذلك تغير يوجب للمتصف به الحدوث والله تعالى منزه ومقدس عن ذلك وعن نقيضه وهو القسوة والغلظ وإنما ذلك راجع في حقه إلى ثمرة تلك الرقة وفائدتها وهو اللطف بالمبتلي والضعيف والإحسان إليه وكشف ما هو فيه من البلاء فأذن هي في حقه ﷾ من صفات الفعل لا من صفات الذات وهذا كما تقرر في غضبه\n_________\n(^١) فتح الباري (١٠/ ٤٣٠).","vol":"9","page":689},{"text":"تعالى ورضاه وإذا تقرر هذا فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق وكشف ضر المبتلى فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المنال ومن سلب الله تعالى ذلك المعنى عنه وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ فلم يلطف بضعيف ولا أشفق على مبتلى في الحال وجعل ذلك علما على شقوته في المثال نعوذ بالله من ذلك، ولذلك قال - ﵇ -: \"الراحمون يرحمهم الرحمن\" وقال: \"لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء\" وقال: \"لا ينزع الرحمة إلا من شقي\" وقال: \"لا يرحم من لا يرحم\" وفي هذه الأحاديث ما يدل على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة والشفقة وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة وهذه القبلة على الفم ويكره مثل ذلك في الكبار إذ لم يكن معروفا في الصدر الأول ولا يدل على شفقته فأما تقبيل الرأس فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم، وأما تقبيل اليد فكرهه مالك ورآه من باب الكبر، وإذا كان مكروها في اليد كان أحرى وأولى في الرجل وقد أجاز تقبيل اليد والرجل بعض الناس مستدلا بأن اليهود قبلوا يد رسول الله ورجله حين سألوه عن مسائل فأخبرهم بها ولا حجة في ذلك لأنه - ﷺ - قد نزهه الله تعالى عن الكبر وليس كذلك غيره ولأن ذلك أظهره من اليهود اعتقادهم صدقه فأقرهم على ذلك ليتبين للحاضرين باذلا لهم أنفسهم له ما عندهم من معرفتهم بصدقه وأن كفرهم بذلك عناد وجحد ولو فهمت الصحابة جواز تقبيل يده ورجله لكانوا أول سابق إلى ذلك فيفعلون ذلك به دائما في كل وقت كما كانوا يتبركون ببزاقه","vol":"9","page":690},{"text":"ونخامته ويدلكون بذلك وجوههم ويتطيبون بعرقه ويقتتلون على وضوئه ولم يرو قط عنه واحد منهم بطريق صحيح أنه قبل له يدا ولا رجلا فصح ما قلناه والله ولي التوفيق، أ. هـ قاله القرطبي (^١).\nقوله: \"إن نزع\" قال العراقي في أماليه: يجوز في أن فتح الهمزة على أنها مصدرية أي لا أملك لك نزع الله من قلبك الرحمة، وفيه: حذف مضاف أي لا أملك لك دفع نزع الله من قلبك الرحمة لا أملك لك دفعه ومعنى الكلام منع قدرته - ﵇ - عن الإتيان بما نزع الله من قلبه من الرحمة وقد روى الحديث بهما والله أعلم (^٢).\n\n٣٤٢١ - وعن معاوية بن قرة عن أبيه - ﵁ -: أن رجلا قال يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها فقال إن رحمتها رحمك الله رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد والأصبهاني ولفظه قال يا رسول الله إني آخذ شاة وأريد أن أذبحها فأرحمها قال والشاة إن رحمتها رحمك الله (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (١٩/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٢) شرح المشكاة (١٠/ ٣١٧٤) للطيبى، والكواكب الدرارى (٢١/ ١٦٤)، وكشف المناهج (٤/ ٢٨٨).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢١٤ (٢٥٣٦١)، وأحمد ٣/ ٤٣٦ (١٥٨٣٢) و٥/ ٣٤ (٢٠٦٩٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٧٣) وبر الوالدين (٥٠)، وابن أبي الدنيا في النفقة (٢٦٠)، والبزار (٣٣١٩) و(٣٣٢٢)، والرويانى (٩٤٢)، وابن الأعرابى (١٣١٣)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٤٢ رقم ٢٤٣٦) و(٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥ رقم ٣٠٧٠) والكبير ١٩/ ٢٢ - ٢٤ (٤٤ - ٤٧) ومكارم الأخلاق (٤٩)، وابن عدى في الكامل =","vol":"9","page":691},{"text":"قوله: وعن معاوية بن قرة [هو معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني، أبو إياس البصري، والد إياس بن معاوية قاضى البصرة الموصوف بالذكاء، وكان قرة يسكن البصرة. روى عن النبي - ﷺ - أحاديث. روى عنه ابنه معاوية، وبه كان يكنى، ومعاوية وثقه يحيى بن معين وكذا العجلي والنسائي وأبو حاتم وقال بن سعد كان ثقة وله أحاديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال مطر الأعنق عن معاوية بن قرة: لقيت من الصحابة كثيرا منهم خمسة وعشرون من مزينة قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث عشرة ومائة وقال يحيى بن معين مات وهو بن ست وسبعين سنة (^١)].\nقوله: أن رجلا قال يا رسول الله إني لأرحم الشاة أن أذبحها، تقدم الكلام على معنى الرحمة وأنها على العموم تتناول رحمة الأطفال وغيرهم.\n_________\n= (٧/ ٩٣)، والحاكم (٣/ ٥٨٦ - ٥٨٧) و(٤/ ٢٣١)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٤١٣ - ٤١٥ رقم ١٠٥٥٦ و١٠٥٥٧ و١٠٥٥٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٨٠). وقال ابن عدى: وهذا الحديث لا يرويه عن يونس بن عبيد غير عدي بن الفضل ولم أكتبه إلا عن هذا الشيخ بعلو وهذا الحديث يعرف بزياد بن مخراق عن معاوية بن قرة ورواه عن زياد بن مخراق إسماعيل بن علية قد روى هذا الحديث لونا آخر عن يونس بن عبيد عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار ورواه سويد الأنباري عن عثمان بن عبد الرحمن عن يونس بن عبيد. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٣: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير والصغير كلهم من غير شك قالوا: قال: يا رسول الله، إني لأذبح الشاة فأرحمها. وله ألفاظ كثيرة، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٦٤).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٠)، وتهذيب الكمال (٢٨/ ٢١٠ - ٢١٧ ترجمة رقم ٦٠٦٥)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢١٦ - ٢١٧ ترجمة رقم ٤٠٠).","vol":"9","page":692},{"text":"٣٤٢٢ - وعن ابن عباس - ﵄ - أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال النبي - ﷺ - أتريد أن تميتها موتتين هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها رواه الطبراني في الكبير والأوسط والحاكم واللفظ له وقال صحيح على شرط البخاري (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته، الحديث، الشفرة هي السكين.\n\n٣٤٢٣ - وعن عبد الله بن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا يسأل الله عنها يوم القيامة قيل يا رسول الله وما حقها قال حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي به رواه النسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٥٣ - ٥٤ رقم ٣٥٩٠) والكبير (١١/ ٣٣٢ رقم ١١٩١٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣١) و(٤/ ٢٣٣)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٤٧١ رقم ١٩١٤١). وصححه الحاكم في الموضعين ووافقه الذهبي في الأولى.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٣: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٤) وصحيح الترغيب (١٠٩٠) و(٢٢٦٥).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٣٩٣)، والشافعي في المسند (١٦١٥) ومن طريقه البيهقي في الصغير (٣/ ٣٨٥) والكبرى (٩/ ١٤٦ - ١٤٧ رقم ١٨١٢٨) ومعرفة السنن (١٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣ رقم ١٨٠٥٠) والبغوى (٢٧٨٧)، وعبد الرزاق (٨٤١٤)، والحميدي (٥٩٨) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥/ ٣٢٥ رقم ٩٩٦٨) و(٩/ ٤٦٨ رقم ١٩١٣١) والشعب (١٣/ ٤١٩ - ٤٢٠ رقم ١٠٥٦٤)، وأحمد ٢/ ١٦٥ (٦٦٦١) و٢/ ١٦٦ (٦٦٦١) و٢/ ١٩٧ (٦٩٨٠) و٢/ ٢١٠ (٧٠٧٩)، والدارمى (٢١٤٢)، والفسوى في المعرفة ٢/ ٢٠٨ و٢/ ٧٠٣، والبزار (٢٤٦٣)، والنسائي في الكبرى (٤٥١٩) و(٤٨٤١) =","vol":"9","page":693},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن عمر [و]- ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها\" العصفور بفتح العين [وهو شاذ حكاه ابن رشيق في الغرائب والشذوذ والمعروف بضم العين وكنيته أبو الصعو وأبو محرز وأبو مزاحم وأبو يعقوب. قال حمزة: سمي عصفورا لأنه عصى وفر. وهو أنواع: منها ما يطرب بصوته ويعجب بصوته وحسنه (^١)].\n\n٣٤٢٤ - وعن الشريد - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة يقول يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة. رواه النسائي وابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: وعن الشريد - ﵁ - هو: الشريد بن سويد الثقفي، بفتح الشين المعجمة وكسر الراء كان اسمه مالكا فقتل رجلا من قومه ثم لحق بمكة فسماه رسول الله - ﷺ - الشريد.\n_________\n= والمجتبى ٧/ ١٠١ (٤٣٨٩) و٧/ ١٦٩ (٤٤٨٦)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٧٦ - ٤٧٧ رقم ١٤٣٤٤) و(١٣/ ٤٧٧ رقم ١٤٣٤٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٩٢) و(٢٢٦٦).\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ١٦٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٨٩ (١٩٧٧٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٧٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٥٧٢)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٧٠ (٤٤٨٧) والكبرى (٤٥٢٠)، وابن حبان (٥٨٩٤)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٤٢٠ - ٤٢١ رقم ١٠٥٦٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٦٨٠) و(١٣٦٩).","vol":"9","page":694},{"text":"قوله: \"من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة\" الحديث، وفي حديث آخر عن النبي - ﷺ - قال: \"من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة وله صراخ عند العرش يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني\"، وفي تاريخ ابن خلكان أن الزمخشري كان مقطوع الرجل فسئل عن ذلك فقال: دعاه الوالدة وذلك أنه في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله فأفلت من يدي وأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط فتألمت والدتي لذلك وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي وعملت عملا أوجب قطعها (^١).\nوروى الحاكم عن خالد بن معدان عن أبي عبيدة أن النبي - ﷺ - قال: \"قلب ابن آدم مثل العصفور يقلب في اليوم سبع مرات\" (^٢).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ١٦٣).\n(^٢) أخرجه إسحاق كما في اتحاف الخيرة (٦/ ١٥١ رقم ٥٥٤٠) والمطالب (٢٨٤٢)، والطبراني في الشاميين (١١٤٢) والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٠٧) و(٤/ ٣٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢١٦)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٠٨ رقم ٧٤٠). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه انقطاع. وقال أبو نعيم: قال موسى بن هارون: حدثناه إسحاق في مسنده، عن أبي عبيدة بن الجراح، وخالد لم يلق أبا عبيدة. وقال ابن حجر: إسناده حسن لكنه منقطع. قال ابن أبي حاتم في المراسيل (ص ٥٣): قال أبو زرعة: خالد بن معدان عن أبي عبيدة بن الجراح مرسل.\nوفي جامع التحصيل (ص ٢٠٦) قال العلائي: خالد بن معدان الحمصي يروي عن أبي عبيدة بن الجراح، ولم يدركه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣١٨٦) و(٤٠٦٤).","vol":"9","page":695},{"text":"٣٤٢٥ - وعن الوضين بن عطاء قال إن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها فانفلتت منه حتى جاءت إلى النبي - ﷺ - فأتبعها فأخذ يسحبها برجلها فقال لها النبي - ﷺ - اصبري لأمر الله وأنت يا جزار فسقها سوقا رفيقا رواه عبد الرزاق في كتابه عن محمد بن راشد عنه وهو معضل (^١).\nقوله: وعن الوضين بن عطاء [الخزاعي الدمشقي عن خالد بن معدان ومحفوظ بن علقمة وعنه الحمادان وثقه أحمد وابن معين ودحيم وقال مات سنة تسع وأربعين ومائة وقال ابن عدي لم أر بحديثه بأسا وضعفه ابن سعد والجوزجاني].\nقوله: \"وأنت يا جزار فسقها سوقا رفيقا\" السوق الرفيق هو [ضد العنف ويعرض عليها الماء قبل الذبح خوفًا من عطشها المعين على تلفها، وليكون ذلك أسهل عند سلخها وتقطيعها، ولا يعرض عليها العلف؛ لأنها لا تستمرئه إلى حين الذبح فيكثر به الفرث، وألا يحد [الشفرة] في وجهها، وإلا يذبح بعضها في وجه [بعض؛] لورود الأثر فيه (^٢)].\n\n٣٤٢٦ - وعن ابن سيرين أن عمر - ﵁ - رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا رواه عبد الرزاق أيضًا موقوفًا (^٣).\nقوله: وعن ابن سيرين، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٠٩).\n(^٢) كفاية النبيه (٨/ ١٦٤).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٠٥).","vol":"9","page":696},{"text":"قوله: أن عمر - ﵁ - رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له: \"ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا\"، هذه الكلمة \"ويلك\" أصلها لمن وقع في هلكة فقيل له ويلك، وقيل: هي كلمة تجري على اللسان وتستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولا بل تدعم به العرب كلامها كقولهم: لا أم له، لا أب له، تربت يداه، قاتله الله، ما أشجعه، عقرى حلقى، وما أشبه ذلك (^١).\nوقال بعضهم: إن العرب إذا أعجبهم شيء دعوا عليه خوفا عليه من العين فيقولون قاتله الله وليس قصدهم حقيقة ذلك والله أعلم قاله ابن العماد.\n\n٣٤٢٧ - وعن ابن عمر - ﵄ - أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا أو دجاجة يترامونها وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر من فعل هذا لعن الله من فعل هذا إن رسول الله - ﷺ - لعن من اتخد شيئا فيه الروح غرضا رواه البخاري ومسلم الغرض بفتح الغين المعجمة والراء هو ما ينصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس وغيره (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا أو دجاجة يترامونها وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، الحديث، هكذا هو في النسخ طيرا والمراد به واحدٌ، والمشهور في اللغة أن الواحد يقال له طائر والجمع طير وفي لغة قليلة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥١٥)، ومسلم (٥٩ - ١٩٥٩)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٦٧ (٤٤٨٢) والكبرى (٤٥١٥).","vol":"9","page":697},{"text":"إطلاق الطير على الواحد وهذا الحديث جار على تلك اللغة (^١).\nقوله: وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، أي: كل واحدة لا تصيب، والخاطئة ها هنا بمعنى المخطئة وهو بهمز أي لم تصب المرمى، وخاطئة لغة والأفصح مخطئة يقال لمن قصد شيئا فأصاب غيره غلطا أخطأ فهو مخطئ وفي لغة قليلة خطأ فهو خاطئ، وهذا الحديث جار على اللغة الثانية حكاها أبو عبيد والجوهري وغيرهما (^٢).\nقوله: \"إن رسول الله - ﷺ - لعن من اتخد شيئا فيه الروح غرضا\" وفي رواية: \"لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضًا\" أي لا تنصبوا ما فيه الروح لترموه والغرض هو ما تنصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس وغيره، قاله الحافظ المنذري، قال العلماء: معنى الحديث \"لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا\" أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها وهذا النهي للتحريم ولهذا قال النبي - ﷺ - في رواية ابن عمر: \"لعن الله من فعل هذا\" ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه وتضييع لماليته وتفويت لذكاته إن كان مذكى ولمنفعته إن لم يكن مذكى (^٣) وقد عده العلماء من الكبائر لأن النبي - ﷺ - لعن فاعله (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٠٨).\n(^٢) المصدر السابق (١٣/ ١٠٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٠٨).\n(^٤) عده الذهبي في الكبائر (ص ٢٠٥)، وابن النحاس في تنبيه الغافلين (ص ١٩٥).","vol":"9","page":698},{"text":"فائدة: خرج الإمام أحمد في مسنده من حديث رجل من الصحابة عن النبي - ﷺ - قال: \"من مثل بذي روح ثم لم يتب مثل الله به يوم القيامة\" (^١).\n\n٣٤٢٨ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فجاء النبي - ﷺ - فقال من فجع هذه بولديها ردوا ولديها إليها ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال من حرق هذه قلنا نحن قال إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار رواه أبو داود قرية النمل هي موضع النمل مع النمل (^٢).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٩٢ (٥٧٦٥) و٢/ ١١٥ (٦٠٦٤)، والبغوى في الجعديات (٢٢٦٤)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢١١ رقم ٧٢٩٧) عن ابن عمر. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن إسحاق إلا قيس، تفرد به: إسحاق بن منصور. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٤٩: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، عن ابن عمر من غير شك. ورجال أحمد ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٨٩) وضعيف الترغيب (٦٨٣).\n(^٢) أخرجه الفزارى في السيرة (١١٠)، والطيالسى (٣٣٤)، وابن أبي شيبة في المسند (١٩٦)، وأحمد ١/ ٣٩٦ (٣٨٤٠) و١/ ٤٠٤ (٣٩١٢) و(٣٩١٣) و١/ ٤٢٣ (٤٠٩٩)، وهناد في الزهد (٢/ ٦٢٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٢)، وأبو داود (٢٦٧٥) و(٥٢٦٨)، والبزار (٢٠١٠)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٦١ رقم ٤١٤٣) والكبير (١٠/ ١٧٧ رقم ١٠٣٧٥ و١٠٣٧٦)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف (٢/ ٦٠٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٩)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٢ - ٣٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه النووي في رياض الصالحين (١٦١٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥) و(٤٨٧) وصحيح الترغيب (٢٢٦٨).","vol":"9","page":699},{"text":"قوله: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، الحديث، الحمرة بضم الحاء وتشديد الميم ضرب من الطير كالعصفور الواحدة حمرة يكون كدرا وقد تخفف الميم فيقال حمر وحمرات (^١)، وحكم هذا الطائر الحل بالإجماع لأنها من نوع العصفور (^٢).\nوقوله: فجاءت تعرش، بضم المثناة من فوق وفتح العين المهملة وكسر الراء المشددة وبالشين المعجمة أي ترتفع وتظلل قاله في الصحاح، وقيل: تعرش أي ترفرف بالفاء مأخوذ من فرش الجناح وبسطه أي ترتفع فوقهما وتظلل عليهما ومنه أخذ العريش (^٣).\nقوله: فقال: \"من فجع هذه بولديها ردوا ولديها إليها\" والحكمة في الأمر برد الفرخ أنه يحتمل أنهم كانوا محرمين أو لأنها لما استجارت به أجارها وكان الإرسال في هذه الحالة واجبا (^٤)، وروي أبو داود الطيالسي والحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن مسعود قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - في سفر فدخل رجل غيضة فأخرج منها بيض حمرة فجاءت الحمرة ترف على رسول الله - ﷺ - فقال - ﷺ -: \"أيكم فجع هذه\" فقال رجل: أنا يا رسول الله أخذت بيضها، وفي رواية الحاكم: \"فرخها\" فقال - ﷺ -: \"ردوه رحمة لها\".\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (٢/ ٤٩٨).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٣٧٤).\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٨٣)، والنهاية (٣/ ٤٣٠).\n(^٤) حياة الحيوان (١/ ٣٧٤).","vol":"9","page":700},{"text":"وروي أن جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - دخلوا غيضة فأخذوا فراخ طائر فجاء الطائر إلى رسول الله - ﷺ - قال - ﵇ -: \"من أخذ فراخ هذه؟ \" فقال رجل: أنا، فأمره أن يرده فرده (^١).\nوروي البزار عن عمر بن الخطاب أن النبي - ﷺ - كان في بعض مغازيه فبينما هم يسيرون إذ أخذوا فرخ طير فأقبل أحد أبويه حتى سقط على أيدي الذين أخذوا الفرخ فقال رسول الله - ﷺ -: \"ألا تعجبون لهذا الطائر أخذ فرخه فأقبل حتى سقط على أيديهم والله لله أرحم بعباده من هذا الطير بفرخه\" (^٢).\nوفي سنن أبي داود من حديث عامر [أخي] الخضر قال: بينما نحن عند رسول الله إذ أقبل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه، فقال: يا رسول الله إنما لما رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كساءي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن معهن فلففتهن بكساءي فهو أولاي معي، فقال: \"ضعهن عنك فوضعهن وأبت أمهن إلا لزومهن\" فقال\n_________\n(^١) أخرجه بنحوه الحارث كما في المطالب العالية (٢٨٢٦) واتحاف الخيرة (٦/ ٦١٨ رقم ٥١٦٠) من طريق حسان بن إبراهيم الكرماني، حدثنا سعيد بن مسروق عن أبي عمرو الشيباني، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -. وقال البوصيرى: هذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الرحيم بن واقد.\n(^٢) أخرجه البزار (٢٨٧). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي - ﷺ - إلا عمر، ولا نعلم له طريقا عن عمر إلا هذا الطريق ولا رواه عن زيد إلا محمد بن مطرف. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٨٣: رواه البزار من طريقين، ورجال إحداهما رجال الصحيح.","vol":"9","page":701},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"أتعجبون لرحم أم الفراخ\" قالوا: نعم يا رسول الله، قال: \"فوالذي بعثني بالحق لله أرحم من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن فرجع بهن\" (^١).\nروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"إن لله مائة رحمة قسم منها رحمة في دار الدنيا فمن ثم يعطف الوحش على ولده والطير على فراخه، فإذا كان يوم القيامة صيرها مائة رحمة فعاد بها على الخلق\" (^٢).\nوحكي قال: كان في بني إسرائيل رجل شاب وكان لأمه غنم فجاء إليه ضيفان فذبح شاة من غنم أمه ولم يستأذنها فدعت عليه فشلت يمينه ثم إنه مر ذات يوم بشجرة فرأى فرخا صغيرا قد سقط من عشه فجاءت أمه فصارت تبصبص والفرخ يبصبص إليها فرحمه الشاب فرد الفرخ إليها في العش فرد الله عليه يده في ساعتها ثم سمع هاتفا يقول: \"ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء\" وفي كتاب التحفة المكية للقاضي نصر الغماري عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: بلغني أنه كان رجل من بني إسرائيل ذبح عجلا بين يدي أمه فأيبس الله يده فبينما هو ذات يوم جالس وإذا بفرخ سقط من وكره وهو يتبصبص إلى أبويه وأبواه يبصبصان إليه فأخذه ورده إلى وكره رحمة لها فرد\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٠٨٩)، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (٢٠)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٣٣٣ - ٣٣٥ رقم ٦٧٢٨)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٥٨، والبغوي في شرح السنة (١٤٤٠). وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (١٥٧١).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩ - ٢٧٥٢).","vol":"9","page":702},{"text":"الله عليه يده بما صنع، أ. هـ، قاله الكمال الدميري في منافع الحيوان (^١).\nقوله في حديث الحمرة: ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: \"من حرق هذه؟ \" قلنا: نحن، قال: \"إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار\" قال المهلب: ليس نهيه - ﵇ - عن التحريق بالنار على معنى التحريم وإنما هو على سبيل التواضع لله وأن لا يتشبه بغضبه في تعذيب الخلق إذ القتل يأتي على ما يأتي عليه الإحراق والدليل على أنه ليس بحرام [سمل] النبي - ﷺ - أعين العرنين بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة وتحريق علي بن أبي طالب الخوارج بالنار وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار وممن كره رمي أهل الشرك بالنار عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وهو قول مالك وأجازه علي بن أبي طالب، وحرق خالد بن الوليد ناسا من أهل الردة وأجاز الثوري رمي الحصون بالنار، وقال الأوزاعي: لا بأس أن يدخل عليهم في المطمورة إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة، ولو لقيناهم في البحر رميناهم بالنفط والقطران وأجاز ابن القاسم تحريق الحصون والمراكب إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فقط (^٢)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٤٢٩ - وعن عبد الله بن جعفر - ﵄ -. قال: \"أرْدَفَنِي رسول الله - ﷺ - خلفه ذات يومٍ، فَأسَرَّ إليَّ حديثًا لا أُحَدِّثُ به أحدًا من الناس، وكان أحبُّ ما اسْتَتَرَ به النبي - ﷺ - لحاجته هدفًا أو حَايِشَ نَخْلٍ، فدخل حائطًا لرجلٍ من الأنصار\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(^٢) شرح الصحيح (٥/ ١٧٢) لابن بطال.","vol":"9","page":703},{"text":"فإذا فيه جَمَلٌ فلما رأى النبي - ﷺ - حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله - ﷺ -، فمسح ذِفْرَاهُ فسكت، فقال: من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتىً من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إياها؛ فإنه شكا إليَّ أنك تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ\" رواه أحمد وأبو داود (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن جعفر، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"وكان أحب ما استتر به رسول الله - ﷺ - لحاجته هدفا أو حائش نخل\" والهدف: ما ارتفع على وجه الأرض من بناء ونحوه كذا فسره الحافظ، وقيل: الهدف كل بناء مرتفع مشرف وسمي قرطاس الرمي هدفا لانتصابه وارتفاعه (^٢).\nوالحائش هو جماعة النخل ولا واحد له من لفظه، وقيل: الحائش النخل كذا قاله المنذري.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٢٠٤ (١٧٧٠) و١/ ٢٠٥ (١٧٧٩)، وأبو داود (٢٥٤٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤٣٧)، وأبو يعلى (٦٧٨٧) و(٦٧٨٨)، وأبو عوانة (٥٦٩) و(١٠٧٠٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٣٨٣) و(٥٨٤٢)، والطبراني في الكبير (١٤/ ١٤٨ - ١٥٠ رقم ١٤٧٧٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٩٩ - ١٠٠)، أبو نعيم في المستخرج (٧٧٠)، والبيهقي في الصغير (٣/ ١٩٨ رقم ٢٩١٨) والكبرى (٨/ ٢٣ رقم ١٥٨١٤) والدلائل ٦/ ٢٦ - ٢٧، وابن منده في معرفة أرداف النبي (ص ٢٧ - ٢٨). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠)، وصحيح الترغيب (٢٢٦٩).\n(^٢) معالم السنن (٢/ ٢٤٨)، ومطالع الأنوار (٦/ ١١٦ - ١١٧)، والمفهم (٤/ ٧٣).","vol":"9","page":704},{"text":"وقال غيره (^١): والحائش جماعة النخل الصغار لا واحد له من لفظه، وقيل (^٢): الحائش النخل الملتف المجتمع كأنه لالتفافه يحوش بعضه بعضا وقيل (^٣): أصل الحائش المجتمع من الشجر نخلا كان أو غيره، أ. هـ.\nوالستر المأمور به في قضاء الحاجة ما يعد ساترا فلو جلس في وهدة أو نهر أو أناخ راحلته وتستر بها أو أرخى ذيله حصل الغرض (^٤)، وفي الوسيط وجه (^٥): أنه لا يكفي إرخاء الذيل، وفي البيان (^٦): في الوهدة والشجرة وجهان، قال الرافعي (^٧): وليكن الساتر قريبا من مؤخرة الرحل هذا إذا كان في الصحراء أو ما في معناها كالبستان والدار الفيحاء وجلس بعيدا فأما إذا جلس في بناء مسقف أو محوط يمكن تسقيفه فهو كاف في الستر المأمور به والله أعلم، وفي الحديث عن يعلي بن مرة عن أبيه قال: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر فأراد أن يقضي حاجته قال لي: إيت تلك الأشائتين، قال وكيع: يعني النخل الصغار، فقال لهما: إن رسول الله يأمركما أن تجتمعا فاجتمعا فاستتر بهما فقضى حاجته قال لي أيتهما فقيل لهما لترجه كل واحدة منكما إلى مكانها\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) النهاية (١/ ٤٦٨).\n(^٣) الصحاح (٣/ ١٠٠٣).\n(^٤) النجم الوهاج (١/ ٢٨٩).\n(^٥) الوسيط (١/ ٢٩٧).\n(^٦) البيان (١/ ٢٠٨).\n(^٧) المجموع شرح المهذب (٢/ ٧٧ - ٧٨).","vol":"9","page":705},{"text":"فقلت لهما فرجعتا، رواه ابن ماجه ورواه ابن أبي [شيبة عن] وكيع ولم يقل عن أبيه وهو الصحيح (^١).\nقوله: فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي - ﷺ - حنَّ وذرفت عيناه فأتاها النبي - ﷺ - فسكت، الحديث، الحائط: قد فسره الحافظ فقال هو البستان، وذرفت عيناه: بفتح الذال المعجمة أي سال دمعهما، وذفرا البعير: قد فسره الحافظ فقال ذفرا البعير هو الموضع الذي يعرق في [قفا] البعير عند أذنه وهما ذفرتان، والذفري مؤنثه وألفها للتأنيث أو للإلحاق، قاله في النهاية (^٢).\nوقوله: \"من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ \" رب بمعنى صاحب.\nوقوله: \"فإنه شكى أنك تجيعه وتدئبه\" أي تتعبه بكثرة العمل، كذا فسره الحافظ.\n\n٣٤٣٠ - وروى أَحْمد أَيْضا فِي حَدِيث طَوِيل عَن يعلى (^٣) بن مرّة قَالَ فِيهِ وَكنت مَعَه يَعْنِي مَعَ النَّبِي - ﷺ - جَالِسا ذَات يَوْم إِذْ جَاءَ جمل يخب حَتَّى ضرب بجرانه بَين يَدَيْهِ ثمَّ ذرفت عَيناهُ فَقَالَ وَيحك انْظُر لمن هَذَا الْجمل إِن لَهُ لشأنا قَالَ فَخرجت ألتمس صَاحبه فَوَجَدته لرجل من الْأَنْصَار فدعوته إِلَيْهِ فَقَالَ مَا\n_________\n(^١) قاله المزى في تحفة الأشراف (٨/ ٣٧١) وزاد: قال البخاري: قال وكيع، عن يعلى، عن أبيه، وهو وهم. وذكر إسناد ابن أبي شيبة البوصيرى في اتحاف الخيرة (٧/ ١٠١ - ١٠٢ رقم ٦٤٧١/ ١) وزاد في آخره: وذكره وكيع مرة أخرى فقال: ثنا الأعمش عن المنهال عن يعلى بن مرة عن أبيه عن النبي.\n(^٢) النهاية (٢/ ١٦١).\n(^٣) في الأصل يحيى بن مرة والتصويب من المسند.","vol":"9","page":706},{"text":"شَأْن جملك هَذَا فَقَالَ وَمَا شَأْنه لا أَدْرِي وَالله مَا شَأْنه عَملنَا عَلَيْهِ ونضحنا عَلَيْهِ حَتَّى عجز عَن السِّقَايَة فائتمرنا البارحة أَن ننحره ونقسم لَحْمه قَالَ فَلَا تفعل هبه لي أَو بعنيه قَالَ بل هُوَ لَك يَا رَسُول الله قَالَ فَوَسمه بميسم الصَّدَقَة ثمَّ بعث بِهِ وَإِسْنَاده جيد وَفِي رِوَايَة لَهُ نَحوه إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ إِنَّه قَالَ لصَاحب الْبَعِير مَا لبعيرك يشكوك زعم أَنَّك سنأته حَتَّى كبر تُرِيدُ أَن تنحره قَالَ صدقت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لا أفعل وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضا قَالَ يعلى بن مرّة بَينا نَحن نسير مَعَه يَعْنِي مَعَ النَّبِي - ﷺ - إِذْ مَرَرْنَا بِبَعِير يسنى عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِير جرجر وَوضع جرانه فَوقف عَلَيْهِ النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ أَيْن صَاحب هَذَا الْبَعِير فجَاء فَقَالَ بعنيه قَالَ لَا بل أهبه لَك وَإنَّهُ لأهل بَيت مَا لَهُم معيشة غَيره فَقَالَ أما إِذْ ذكرت هَذَا من أمره فَإِنَّهُ شكا كَثْرَة الْعَمَل وَقلة الْعلف فَأحْسنُوا إِلَيْهِ الحَدِيث (^١).\nقوله: في رواية الإمام أحمد \"إذ جاء جمل يخب حتى ضرب بجرانه بين يديه\" الخبب هو [ضرب من العدو وهو أول الإسراع مثل الرمل]، وجران\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٢٠ (٣١٧٥٣) ومن طريقه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٦١٢ و١٦١٣) والأصبهانى في دلائل النبوة (١٨٤)، وأحمد ٤/ ١٧٠ (١٥٠٩٣) و٤/ ١٧٣ (١٧٨٣٩) و(١٧٨٤١) ومن طريقه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢٩٢)، وعبد بن حميد (٤٠٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٦١١ و١٦١٤)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥ (٦٧٩ و٦٨٠) و٢٢/ ٢٧١ (٦٩٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٢٣ - ٢٤)، والبغوى في الأنوار (١٤٦) وشرح السنة (٣٧١٨).\nوقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٦: رواه أحمد بإسنادين، والطبراني بنحوه، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٧٠).","vol":"9","page":707},{"text":"البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره قاله ابن فارس كذا نقله عنه الحافظ المنذري (^١)، وأصله في البعير إذا مد عنقه على وجه الأرض فيقال: ألقى جرانه وإنما يفعل ذلك إذا طال مقامه في مناخه واستراح، ذكره النووي (^٢)، والجمع: جرن.\nقوله: قال بل هو لك يا رسول الله، فوسمه بميسم الصدقة، الميسم الشيء الذي يوسم به، وهو بكسر الميم وفتح السين وجمعه مياسم ومواسم وأصله كله من السمة وهي العلامة ومنه موسم الحج أي معلم لجمع الناس وفلان موسوم بالخير وعليه سمة الخير أي علامته وتوسمت فيه كذا إذا رأيت فيه علامته، قاله المنذري في شرح مسلم (^٣).\nوقوله: في الرواية الأخرى: بينا نحن نسير معه يعني مع النبي - ﷺ - إذ مررنا ببعير يسنى عليه، أي: يسعى عليه، قاله المنذري، وقال غيره: السانية الناقة التي يسقى عليها الأرضون أو البعير الذي يستقى به الماء من البئر يقال منه سنا يسنو وأسنوا إذا استنوا به، ويقال له الناضح سمي بذلك لأنه ينضح الماء أي يصبه والأنثى ناضحة وسانية والجمع نواضح، وفي الحديث ما يسقى بالسواني ففيه نصف العشر (^٤).\n_________\n(^١) مجمل اللغة (١/ ١٨٥).\n(^٢) قال الخطابى في معالم السنن (٤/ ٣٤٤) ولم أهتد لمظانه عند النووي.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩٧) وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٩٢) والمجموع (٦/ ١٧٦).\n(^٤) المجموع المغيث (٢/ ١٤٢)، والنهاية (٢/ ٤١٥).","vol":"9","page":708},{"text":"وقوله: فلما رآه البعير جرجر ووضع جرانه، بجيمين وراءين مهملتين، أي: صوت والجرجرة صوت يردده البعير في حنجرته (^١) والله أعلم، وروي أبو نعيم من طريق غيلان بن سلمه قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره فرأينا منه فجبا جاء رجل فقال يا رسول الله كان لي حائط فيه عيشي وعيش عيالي ولي فيه ناضحان فمنعاني أنفسهما وحائطي وما فيه فلا نقدر أن ندنو منهما فنهض نبي الله - ﷺ - وأصحابه حتى أتى الحائط فقال لصاحبه افتح فقال أمرهما عظيم قال: افتح فلما حرك الباب أقبلا لهما جلبة فلما انفرج الباب نظر إلى رسول الله - ﷺ - فبركا ثم سجدا فأخذ رسول الله - ﷺ - برءوسهما ثم دفعهما إلى صاحبهما وقال استعملهما وأحسن علفهما، فقال القوم: سجدت لك البهائم أفلا تأذن لنا في السجود لك، فقال إن السجود ليس إلا للحي القيوم الذي لا يموت، ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها (^٢).\n\n٣٤٣١ - وروى ابن مَاجَه عَن تَمِيم الدَّارِيّ - ﵁ - قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - إِذْ أقبل بعير يعدو حَتَّى وقف على هَامة رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ - ﷺ - أَيهَا الْبَعِير اسكن فَإِن تَكُ صَادِقا فلك صدقك وَإِن تَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْك كَذبك مَعَ\n_________\n(^١) المفاتيح (٦/ ٢٦٠).\n(^٢) أخرجه ابن قانع (٢/ ٣٢٠)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢٨٥).\nوفيه شبيب بن شيبة قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٣١١): والأكثرون على تضعيفه، وقد وثقه صالح جزرة، وغيره.","vol":"9","page":709},{"text":"أَن الله تَعَالَى قد أَمن عائذنا وَلَيْسَ بخائب لائذنا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله مَا يَقُول هَذَا الْبَعِير فَقَالَ هَذَا بعير قد هم أَهله بنحره وَأكل لَحْمه فهرب مِنْهُم واستغاث بنبيكم - ﷺ - فَبينا نَحن كَذَلِك إِذْ أقبل أَصْحَابه يتعادون فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم الْبَعِير عَاد إِلَى هَامة رَسُول الله - ﷺ - فلاذ بهَا فَقَالُوا يَا رَسُول الله هَذَا بعيرنا هرب مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام فَلم نلقه إِلَّا بَين يَديك فَقَالَ - ﷺ - أما إِنَّه يشكو إِلَيّ فبئست الشكاية فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا يَقُول قَالَ يَقُول إِنَّه رَبِّي فِي أمنكم أحوالا وكنتم تحملون عَلَيْهِ فِي الصَّيف إِلَى مَوضِع الكلإ فَإِذا كَانَ الشتَاء رحلتم إِلَى مَوضِع الدفاء فَلَمَّا كبر استفحلتموه فرزقكم الله مِنْهُ إبِلا سَائِمَة فَلَمَّا أَدْرَكته هَذِه السّنة الخصبة هممتم بنحره وَأكل لَحْمه فَقَالُوا قد وَالله كَانَ ذَلِك يَا رَسُول الله فَقَالَ ﵊ مَا هَذَا جَزَاء الْمَمْلُوك الصَّالح من موَالِيه فَقَالُوا يَا رَسُول الله فَإنَّا لا نبيعه وَلَا ننحره فَقَالَ ﵊ كَذبْتُمْ قد اسْتَغَاثَ بكم فَلم تغيثوه وَأَنا أولى بِالرَّحْمَةِ مِنْكُم فَإن الله نزع الرَّحْمَة من قُلُوب الْمُنَافِقين وأسكنها فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ فَاشْتراهُ ﵊ مِنْهُم بِمِائَة دِرْهَم وَقَالَ يَا أَيهَا الْبَعِير انْطلق فَأَنت حر لوجه الله تَعَالَى فرغى على هَامة رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ ﵊ آمين ثم دَعَا فَقَالَ آمين ثم دَعَا فَقَالَ آمين ثم دَعَا الرَّابِعَة فَبكى ﵊ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله مَا يَقُول هَذَا الْبَعِير قَالَ قَالَ جَزَاك الله أَيهَا النَّبِي عَن الْإِسْلَام وَالْقُرْآن خيرا فَقلت آمين ثمَّ قَالَ سكن الله رعب أمتك يَوْم الْقِيَامَة كمَا سكنت رعبي فَقلت آمين ثمَّ قَالَ حقن الله دِمَاء أمتك من أعدائها كمَا حقنت دمي فَقلت آمين ثمَّ قَالَ لَا جعل الله","vol":"9","page":710},{"text":"بأسها بَينهَا فَبَكَيْت فَإِن هَذِه الْخِصَال سَأَلت رَبِّي فَأَعْطَانِيهَا وَمَنَعَنِي هَذِه وَأَخْبرنِي جِبْرِيل عَن الله تَعَالَى أَن فنَاء أمتِي بِالسَّيْفِ جرى الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن الهدف بِفَتْح الْهَاء وَالدَّال الْمُهْملَة بعدهمَا فَاء هُوَ مَا ارْتَفع على وَجه الأَرْض من بِنَاء وَنَحْوه والحائش بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة ممدودا هُوَ جمَاعَة النّخل وَلا وَاحِد لَهُ من لَفظه والحائط هُوَ الْبُسْتَان وذفرا الْبَعِير بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة مَقْصُور هِيَ الْموضع الَّذِي يعرق فِي قفا الْبَعِير عِنْد أُذُنه وهما ذفريان وَقَوله تدئبه بِضَم التَّاء ودال مُهْملَة سَاكِنة بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة وباء مُوَحدَة أَي تتعبه بِكَثْرَة الْعَمَل وجران الْبَعِير بِكَسْر الْجِيم مقدم عُنُقه من مذبحه إِلَى نَحره قَالَه ابْن فَارس يسنى عَلَيْهِ بِالسِّين الْمُهْملَة وَالنُّون أَي يسقى عَلَيْهِ (^١).\n_________\n(^١) في هذا الحديث خطأ للمنذرى في العزو فهو ليس في سنن ابن ماجه ولم يخرجه أحد من الأئمة أصحاب الكتب الستة والمسانيد بل ولا يوجد في مظانه من كتب الدلائل.\nإنما أخرجه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في دلائل النبوة كما في البداية والنهاية (٩/ ٢٠ - ٢٢) من طريق أبى على الفارسى قال: حدثنا أبو سعيد عن عبد العزيز بن شهلان القواس، حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن خالد الراسبي، حدثنا عبد الرحمن بن علي البصري، حدثنا سلامة بن سعيد بن زياد بن أبي هند الرازي، حدثني أبي عن أبيه عن جده، حدثنا تميم بن أوس - يعني الدارى - فذكره بتمامه.\nوأخرجه محمد بن موسى بن النعمان المزالى في مصباح الظلام (ص ١٨٨ - ١٩١) قال: أخبرنا أبو الفضل أحمد بن محمد قال أنبأنا أحمد بن محمد الحافظ (يعني السلفى) قال أخبرني أبو الحسن على بن الحسين بن عمر الموصلى بمصر من أصول كتبه، أخبرنا أبو زكريا عبد الرحمن بن أحمد بن نصر الحافظ البخاري، قال ثنا على يعني بن محمد بن =","vol":"9","page":711},{"text":"قوله: وروى ابن ماجه عن تميم الداري - ﵁ - تقدم الكلام على مناقب تميم الداري.\nقوله: إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول الله - ﷺ -، العدو: الإسراع في المشي.\nوقوله: على هامة رسول الله - ﷺ -، الهامة: الرأس.\nقوله: فبينما نحن كذلك إذ أقبل أصحابه أو قال أصحابه يتعادون، تقدم معنى العدو.\nقوله: وكنتم تحملون عليه في الصف إلى موضع الكلأ، والكلأ العشب رطبة يابسة قاله النووي في ترك الجمعة.\nقوله: \"فرزقكم الله منهن إبلا ساعة\" الحديث السائمة الواعية وأسمتها أخرجتها للرعي وسامت تسوم سوما وجمع السائمة وسوائم ذكره النووي في التحرير وتقدم في ترك الجمعة (^١).\nقوله: فلما أدركته الخصبة هممتم بذبحه وأكل لحمه، وفي رواية أنه قال:\n_________\n= الفتح السامرى، ثنا عمر يعني بن محمد بن عثمان البغراسى، حدثنا أبو عمرو يعني سلامة بن سعيد بن زياد ثنا أبى سعيد قال حدثني أبى زياد عن أبيه فائد عن جده زياد بن أبي هند حدثني تميم بن أوس الدارى فذكره.\nقال ابن كثير: هذا الحديث غريب جدا لم أر أحدا من هؤلاء المصنفين في الدلائل أورده سوى هذا المصنف، وفيه غرابة ونكارة في إسناده ومتنه أيضًا والله أعلم. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٧٢): منكر جدا.\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٠٢).","vol":"9","page":712},{"text":"تدرون ما يقول زعم أنه خدم مواليه أربعين سنة، وفي رواية عشرين سنة حتى كبر نقصوا علفه وزادوا في عمله حتى إذا كان لهم غرض أرادوا أن ينحروه غدا، وفي رواية أنه قال لأصحابه لا تنحروه وأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله، الخصب ضد الجدب.\nقوله: \"لا جعل الله بأس أمتك بينها، فبكيت\" فإن هذه الخصال سألت ربي فأعطانيها ومعني هذه\" الحديث، البأس الحروب والفتن.\nقال الإمام السهيلي (^١): أما دعاء النبي - ﷺ - لأمته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها فقد أعطى عوضا له من ذلك الشفاعة لهم في الآخرة، وقد قال النبي - ﷺ -: \"أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذابٌ عذابها في الدنيا الزلزال والفتن\" خرجه أبو داود، فإذا كانت الفتن سببا لصرف عذاب الآخرة عن الأمة فما خاب دعاؤه - ﷺ - لهم على أنني تأملت هذا الحديث وتأملت حديثه الآخر حين نزلت: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (^٢) فقال: \"أعوذ بوجهك\" فلما سمع: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ (^٣) قال: أعوذها بوجهك فلما سمع: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (^٤) قال: هذه أهون فمن ها هنا والله أعلم، أعيذت أمته من الأولى والثانية ومنع الثالثة حين سألها بعد، وقد عرضت هذا الكلام\n_________\n(^١) الروض الأنف (١/ ٢٠٩ - ٢١١).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٦٥.\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ٦٥.\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ٦٥.","vol":"9","page":713},{"text":"على رجل من فقهاء زماننا فقال: هذا حسن جدًا غير أن لا ندري أكانت مسألة بعد نزول الآية أم لا فإن كانت بعد نزول الآية فاخلق بهذا النظر أن يكون صحيحا قلت له أليس في الموطأ أنه دعا بها في مسجد بني معاوية وهو في المدينة ولا خلاف أن سورة الأنعام مكية فقال نعم وسلم وأذعن للحق وأقر به والله أعلم، أ. هـ.\nقوله: وأخبرني جبريل عن الله تعالى أن فناء أمتي بالسيف\".\nقوله: \"جرى القلم بما هو كائن\" وفي الرواية الأخرى: \"جف القلم\" يعني انقطعت كتابته يريد ما كتب في اللوح المحفوظ من المقادير والكائنات والفراغ منها تمثيلا بفراغ الكاتب من كتابته ويبس قلمه قاله في النهاية (^١) والمراد به إما القلم الذي كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله تعالى كل كائن من أول وجود العالم إلى قيام الساعة أو القلم الذي يكتب له الملكان الحافظان أعمال العبد فإنه يجب بموت العبد أي تنقطع كتابته عن إيقاع الكتابة لأنه من لوازمها والله أعلم، قاله شارح الأربعين الودعانية وهو أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الأصفهاني (^٢).\n\n٣٤٣٢ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - دخلت امْرَأَة النَّار فِي هرة ربطتها فَلم تطعمها وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض وَفِي رِوَايَة عذبت امْرَأَة فِي هرة سجنتها حَتَّى مَاتَت لَا هِيَ أطعمتها وسقتها إِذْ هِيَ حبستها وَلَا هِيَ\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٢) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢٣٤/ حديث ١٣).","vol":"9","page":714},{"text":"تركتهَا تَأْكُل من خشَاش الأَرْض رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث جَابر فَزَاد فِي آخِره فَوَجَبت لَهَا النَّار بذلك خشَاش الأَرْض مُثَلّثَة الْخَاء الْمُعْجَمَة وبشينين معجمتين هُوَ حشرات الأَرْض والعصافير وَنَحْوهَا (^١).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض\"، وفي رواية الإمام أحمد فزاد في آخره \"فوجبت لها النار بذلك\" خشاش الأرض مثلثة الخاء المعجمة قاله الحافظ المنذري وحكاه القاضي عياض في المشارق كذلك (^٢)، وقال في الفتح هو المشهور: وروي بالحاء المهملة وهو يابس النبات وهو وهم والصواب المعجمة وخشاش الأرض هو حشراتها والعصافير ونحوها، أ. هـ قاله المنذري.\nوقيل: المراد به نبات الأرض قال النووي وهو ضعيف أو غلط (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"دخلت امرأة النار في هرة\" وفي الرواية الأخرى: \"عذبت امرأة في هرة سجنتها\" الحديث معناه: عذبت بسبب هرة، دل الحديث على أنها لو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٧٩) والصحيح (٢٣٦٥) و(٣٣١٨) و(٣٤٨٢)، ومسلم (١٥١ - ٢٢٤٢) و(١٣٣ و١٣٤ - ٢٢٤٢) عن ابن عمر. وأخرجه أحمد ٣/ ٣٣٥ (١٤٨٢٦) عن جابر. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٩١: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٧٢).\n(^٢) مشارق الأرض (١/ ٢١٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤٠).","vol":"9","page":715},{"text":"حبستها وأطعمتها لم تدخل النار فهذا الحديث صحيح في أن هذه المرأة إنما عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس وترك الطعام أو الشراب وقال القاضي عياض (^١): يحتمل أن يكون هذا العذاب بالنار أو يكون بالحساب على ذلك فمن نوقش الحساب عذب أو تكون هذه المرأة كافرة عذبت بكفرها وزيدت عذابا بسيئ أعمالها وكان منها هذا إذ لم تكن مؤمنة فتغفر صغائرها باجتناب الكبائر، أ. هـ.\nويؤيد هذا القول ما رواه البزار في مسنده والحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان ورواه البيهقي في البعث والنشور عن عائشة - ﵂ - أن المرأة المعذبة كانت كافرة فاستحقت التعذيب بكفرها وظلمها، وفي مسند أبي داود الطيالسي من حديث الشعبي عن علقمة قال: كنا عند عائشة - ﵂ - ومعنا أبو هريرة فقالت: يا أبا هريرة أنت الذي تحدث عن رسول الله - ﷺ - أن امرأة عذبت بالنار من أجل هرة قال أبو هريرة: نعم سمعته من رسول الله - ﷺ -، فقالت عائشة - ﵂ -: المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه من أجل هرة إنما كانت المرأة مع ذلك كافرة يا أبا هريرة إذا حدثت عن رسول الله - ﷺ - فانظر كيف تحدث (^٢).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٧/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٥٠٣)، وأحمد ٢/ ٥١٩ (١٠٨٧٨)، والبزار كما في الكشف (٣٥٠٦)، والسرقسطى في الدلائل (٣/ ١١٣٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٥٤)، والبيهقي في البعث والنشور (٤٨). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١١٦ و١٠/ ١٩١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال الزركشى في الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على =","vol":"9","page":716},{"text":"ونفي النووي هذا الاحتمال وكأنه لم يطلع على نقل ذلك، وقال الصواب أنها كانت مسلمة وأنها دخلت النار بسبب الهرة كما هو ظاهر الحديث وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة من الكبائر كما هو مقرر في كتب الفقه وغيره وليس في هذا الحديث أنها تخلد في النار (^١).\nوفي هذا الحديث من الفقه أن الهر لا يتملك وأنه لا يحب إطعامه إلا على من حبسه (^٢).\nفرع: حبس الهرة عمدًا حتى تموت جوعًا أو عطشًا وما في معناها من الطير وغيره من الحيوان، وقد عد جماعة من الكبائر تعذيب الحيوان بغير موجب ولم يقيدوه بموت وهو ظاهر والله أعلم (^٣).\nفوائد تتعلق بحكم الهرة: يحرم أكل الهرة على الصحيح والثاني وبه قال الليث بن سعد: يحل أكله وهو حيوان طاهر لما روى الإمام أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - دعي إلى\n_________\n= الصحابة (ص ١٠٧ - ١٠٨): ولا نعلم روى علقمة عن أبي هريرة إلا هذا الحديث وأبو عامر الجزار صالح بن رستم قال فيه أحمد بن حنبل صالح الحديث.\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤٠).\n(^٢) المفهم (١٨/ ٣٩) وتعقبه العراقى في طرح التثريب (٨/ ٢٤٣) فقال: ليس فيه دليل على أنه لا يتملك فإنه إنما حكى فيه واقعة خاصة وهي تعذيبها على حبسه حتى أفضى إلى تلفه ولا دلالة فيه على حكم غير حالة الحبس هل فيها إثم بسبب ترك الإنفاق لكونه مملوكا أم لا وقال النووي فيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه.\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٢٩٥).","vol":"9","page":717},{"text":"دار قوم فأجاب ودعي إلى دار آخر فلم يجب فقيل له في ذلك فقال: إن في دار فلان كلبا فقيل له وإن في دار فلان هرة فقال: \"الهرة من الطوافين عليكم والطوافات\" قال في شرح المهذب (^١): وبيع الهرة الأهلية عندنا جائز بلا خلاف إلا ما حكاه البغوي في كتاب شرح مختصر المزني عن ابن القاضي أنه قال: لا يجوز وهذا شاذ باطل مردود والمشهور جوازه وبه قال جماهير العلماء، وقال ابن المنذر: أجمعت الأمة على جواز اتخاذها ورخص في بيعها ابن عباس وعطاء في راوية والسحن وابن سيرين والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة وسائر أصحاب الرأي وأحمد في المشهور عنه، وعن الحسن أنه كره بيعها ورخص شرائها للانتفاع بها وكرهت بيعها منهم طائفة أبو هريرة وطاووس وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد والأوزاعي وأحمد في رواية عنه وقال هو أهون من جلود السباع وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا ومنهم من قال: إنما نهى عن بيعها لأنها دناءه وقلة مروءة لأنها متيسرة الوجود والحاجة إليها داعية فالشح بذلك من أقبح الأخلاق الذميمة فلذلك زجر عن أخذ ثمنها قاله ابن رجب الحنبلي (^٢).\nقال ابن المنذر: إن ثبت عن النبي النهي عن بيعه فبيعه باطل وإلا فجائز واحتج من منعه بحديث ابن الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٩/ ٢٢٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢١٩ - ١٢٢٠).","vol":"9","page":718},{"text":"الكلب والسنور فقال: زجر النبي - ﷺ - عن ذلك، رواه مسلم وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث جابر أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الهرة واحتج أصحابنا بأنه طاهر منتفع به وجد فيه جميع شروط المبيع فجاز بيعه كالبغل والحمار، والجواب: عن حديث مسلم وحديث آخر من وجهين، أحدهما: جواب أبي العباس بن العاصي والخطابي والقفال وغيرهم أن المراد الهرة الوحشية فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها، والثاني: أن المراد نهي تنزيه فهذا أن الجوابان هما المعتمدان (^١).\nوفي حديث في السنن الأربعة من حديث حبشة بنت كعب بن مالك فذكره إلى أن قال: إن النبي - ﷺ - قال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات، والطوافون الخدم والطوافات الخادمات، جعلها بمنزلة المماليك في قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (^٢) ومنه قول إبراهيم النخعي: إنما الهرة كبعض أهل البيت كذا نقله الزمخشري (^٣).\nفائدة: وإذا كان للإنسان هرة تأخذ الطيور وتقلب القدور فأتلفت فهل على صاحبها ضمان ما أتلفت، وجهان أصحهما نعم سواء انفلتت ليلا أو نهارا لأن مثل هذه الهرة ينبغي أن تربط ويكف شرها، وكذا الحكم في كل\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٩/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٢) سورة الإنسان، الآية: ١٩.\n(^٣) قاله البغوي كما في شرح السنة (٢/ ٧٠)، وذكره الزمخشرى في الفائق (٢/ ٣٦٩).","vol":"9","page":719},{"text":"حيوان يولع بالتعدي أما إذا لم يعهد منها ذلك فالأصح لا ضمان لأن العادة حفظ الطعام عنها لا بطها وأطلق إمام الحرمين في ضمان ما تتلفه الهرة أربعة أوجه، أحدها: يضمن، والثاني: لا، والثالث: يضمن ليلا ونهارا، والرابع: عكسه، لأن الأشياء تحفظ عنها ليلا، وإذا أخذت الهرة حمامة وهي حية جاز فتل أذنها وضرب فمها لترسلها وإذا قصدت الحمام فأهلكت في الدفع فلا ضمان وإذا كانت الهرة ضارية بالفساد فقتلها إنسان في حال إفسادها دفعا جاز ولا ضمان عليه كقتل الصائد دفعا، وينبغي تقييد ذلك بما إذا لم تكن حاملا لأن في قتل الحامل قتل أولادها ولم تتحقق منهم جناية، وأما قتلها في غير حال الإفساد ففيه وجهان أصحهما عدم الجواز ويضمنها، قال القاضي حسين: يجوز قتلها ولا ضمان عليه فيها، وتلحق بالفواسق الخمس فيجوز قتلها ولا يختص بحال ظهور الشر (^١).\nفرع: وسؤرها طاهر لطهارة عينها ولا يكره فلو تنجس فمها ثم ولغت في ماء قليل فثلاثة أوجه الأصح أنها إن غابت واحتمل ولوغها في ماء يطهر فمها ثم ولغت لم تنجسه، الثاني: تنجسه مطلقا، والثالث: عكسه وغير الماء من المائعات كالماء والله أعلم (^٢).\nحكاية في بشرى تتعلق بالهرة: روى ابن عساكر في تاريخه عن بعض أصحاب الشبلي قال: رأيت الشبلي في النوم بعد موته فقلت له ما فعل الله\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٥٢٥).\n(^٢) المصدر السابق في نفس الموضع.","vol":"9","page":720},{"text":"بك، فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا أبا بكر أتدري بماذا غفرت له، فقلت: بصالح أعمالي، قال: لا، فقلت: بإخلاصي في عبوديتي، قال: لا فقلت: بحجي وصومي وصلاتي، قال: لم أغفر لك بذلك فقلت: بهجرتي إلى الصالحين بإدامة أسفاري في طلب العلم، فقال: لا فقلت يا هذه المنجيات التي أعتمد عليها حسن ظني إنك بها تعفو عني، فقال: كل هذه لم أغفر لك بها، فقلت: إلا هي فبماذا؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي في دروب بغداد فوجدت هرة صغيرة قد أضعفها البرد وهي تتواري إلى جدار من شدة الثلج والبرد فأخذتها رحمة بها فأدخلتها في فرو كان عليك وقاية لها من أليم البرد، فقلت: نعم، قال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك (^١)، أ. هـ.\nوحكي ابن خلكان وغيره في ترجمة الإمام أبي الحسن طاهر بن أحمد بن بَاب شَاذ النحوي أنه كان يوما في سطح جامع مصر يأكل شيئا وعنده بعض أصحابه فحضره قط فرموا له قطعة قط فأخذها في فيه وغاب عنهم ثم عاد إليهم فرموا له شيئا فأخذه وذهب ثم عاد ففعل ذلك مرارا كثيرة وهم يرمون به وهو يأخذ ويغيب ثم يعود من فوره حتى تعجبوا منه فتبعوه فإذا هو يأخذ ذلك الطعام ويدخل به إلى حزبه فيها شبه البيت الخراب في سطح ذلك البيت قط أعجمي فإذا هو يضع الطعام بين يديه فتعجبوا من ذلك فقال الشيخ ابن بابشاذ إذا كان حيوان أخرس قد سخر له هذا القط وهو يقوم بكفايته ولم يحرم الرزق فكيف يضيع مثلي ثم قطع الشيخ علائقه وترك\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٥٢٢).","vol":"9","page":721},{"text":"خدمة السلطان ولزوم بيته واشتغاله توكلا على الله إلى أن مات في شهر رجب سنة تسع وستين وأربعمائة وبابشاذ كلمة أعجمية يتضمن معناها الفرح والسرور والله أعلم (^١).\n\n٣٤٣٣ - وَعَن سهل بن الحنظلية - ﵁ - قَالَ مر رَسُول الله - ﷺ - بِبَعِير قد لصق ظَهره ببطنه فَقَالَ اتَّقوا الله فِي هَذِه الْبَهَائِم الْمُعْجَمَة فاركبوها صَالِحَة وكلوها صَالِحَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ قد لحق ظَهره (^٢).\nقوله: وعن سهل بن الحنظلية - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة\" الحديث، المعجمة بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الجيم خصها بهذه الصفة لأنها لا تتكلم فتشكوا ذكره المنذري في حواشي مختصر السنن لأبي داود (^٣).\n\n٣٤٣٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْفُقَرَاء واطلعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء وَرَأَيْت فِيهَا ثَلَاثَة يُعَذبُونَ امْرَأَة من حمير طوالة ربطت هرة لَهَا لم تطعمها وَلم تسقها وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض فَهِيَ تنهش قبلهَا ودبرها وَرَأَيْت فِيهَا أَخا\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٤٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٥٤٨)، وابن خزيمة (٢٥٤٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣) وصحيح الترغيب (٢٢٧٣).\n(^٣) كشف المناهج والتناقيح (٣/ ١٣٢).","vol":"9","page":722},{"text":"بني دعدع الَّذِي كَانَ يسرق الْحَاج بِمِحْجَنِهِ فَإِذا فطن لَهُ قَالَ إِنَّمَا تعلق بمحجني وَالَّذِي سرق بدنتي رَسُول الله - ﷺ - رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لَهُ ذكر فِيهَا الْكُسُوف قَالَ وَعرضت عَليّ النَّار فلولا أَنِّي دفعتها عَنْكُم لغشيتكم وَرَأَيْت فِيهَا ثَلَاثَة يُعَذبُونَ امْرَأَة حميرية سَوْدَاء طَوِيلَة تعذب فِي هرة لَهَا أوثقتها فَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض وَلم تطعمها حَتَّى مَاتَت فَهِيَ إِذا أَقبلت تنهشها وَإِذا أَدْبَرت تنهشها الحَدِيث المحجن بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة بعدهمَا جِيم مَفْتُوحَة هِيَ عَصا محنية الرَّأْس (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء\".\nقوله: \"واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء\" لما كان الفقير فاقدا للمال الذي يتسبب به المعاصي ويحصل به البطر والشبع بهد عما يقرب إلى النار، ولما كان الأغلب على النساء الشبع والبطر والجهل واللهو لازمهن ما يحمل إلى النار، فإن قيل: إذا كان هذا فضل الفقير فلم استعاذ منه رسول الله - ﷺ -؟ فالجواب: إن قوما يقولون إنما استعاذ من فقر النفس والصواب أن يقال إن الفقر مصيبة من مصائب الدنيا والغنى نعمى من نعمها فوازنهما\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٥٩ (٦٥٩٤) و٢/ ١٨٨ (٦٨٧٨)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١١٨٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤ (١٤٩٨) و٣/ ٢٦٥ (١٥١٢) والكبرى (١٨٨٠) و(١٨٩٦)، وابن خزيمة (١٣٩٢)، وابن حبان (٢٨٣٨) و(٥٦٢٢) و(٧٤٨٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٧٤).","vol":"9","page":723},{"text":"المرض والعافية فيكون المرض فيه ثواب لا يمنع سؤال الله العافية (^١)، أ. هـ.\nقوله: \"ورأيت فيها ثلاثة يعذبون امرأة من حمير طوالة ربطت هرة لها لم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض\" ففيه دليل على أن بعض الناس يعذب فيها الآن \"ورأيت فيها أخا بني دعدع الذي كان يسرق الحاج بمحجنه، والذي سرق بدنتي رسول الله - ﷺ -\" الحديث، أخا بني دعدع: قال في النهاية: اسمه عمرو بن لحي الذي يجر قصبه في النار أي أمعاءه وهو أبو رغال الذي كان يسرق الحاج (^٢) بمحجنه، والمحجن عصا معوجة الرأس، أ. هـ قاله المنذري، وقال غيره: عصى معوجة الرأس يتناول بها الراكب ما سقط له ويحرك بطرفيها بعيره للمشي (^٣)، أ. هـ.\nوقوله: \"امرأة من حمير طوالة\" وفي الرواية: \"رأيت امرأة حميرية سوداء طويلة تعذب\" حمير قبيلة من العرب معروفة في هذا الحديث إظهار تمكينه وشرفه - ﷺ - بإطلاعه على الجنة والنار وفي ذلك من الحكمة إعلام الأمة بما أعد لهم من النعيم وما توعدوا به من الجحيم عن مشاهدة فإنه ليس الخبر كالعيان وهذا الذي اتفق لرسول الله - ﷺ - كان أمرا محسوسا له على سبيل الحقيقة ومن ادعى أن ذلك على وجه التمثيل له فقد خرج عن ظاهر اللفظ وأي مانع من حمل ذلك على حقيقته فقد اتفق مثل ذلك للخليل صلوات الله\n_________\n(^١) كشف المشكل (١/ ٤٨٧) لابن الجوزى.\n(^٢) تحفة الأبرار (٢/ ٢٧٥)، والنهاية (٤/ ٦٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٨)، والعدة (٢/ ١٠٠٧).","vol":"9","page":724},{"text":"عله وسلامه لما قام على صخرة بيت المقدس فكشف له إلى العرش وكشف له ما بين المشرق والمغرب حتى رأى رجلا على معصية فدعا عليه فهلك في الوقت ثم رأى آخر على معصية فدعا عليه فعلك أيضًا ثم رأى آخر على معصية فأراد أن يدعو عليه فقال الله له: \"مهلا يا إبراهيم فإني مع عبدي إذا عصاني على أحد خصلتين إما أن يتوب إلي فأتوب عليه وإما أن أخرج من صلبه من يوحدني فأغفر له بذلك\" ذكره العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١) (^٢).\nفائدة: قوله: \"اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء\" إن قيل كيف الجمع بينه وبين الحديث الآخر: \"إن لكل مؤمن زوجة في الجنة\" قال العلماء: والجمع بينهما أن من النساء المؤمنات من يعذب بذنوبها ثم تخرج إلى الجنة (^٣)، أ. هـ ذكره والذي قبله ابن عقيل الحنبلي.\n\n٣٤٣٥ - وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر - ﵄ - أَن النَّبِي - ﷺ - صلى صَلَاة الْكُسُوف فَقَالَ دنت مني النَّار حَتَّى قلت أَي رب وَأَنا مَعَهم فَإِذا امْرَأَة حسبت أَنه قَالَ تخدشها هرة قَالَ مَا شَأْن هَذِه قَالُوا حبستها حَتَّى مَاتَت جوعا رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٧٥.\n(^٢) ذكره ابن أبي حاتم في التفسير (٧٤٩٧)، والسمعانى في التفسير (٢/ ١١٨).\n(^٣) انظر: التخويف من النار (ص ٢٦٨ - ٢٦٩) قال ابن رجب: والصحيح أن أبا هريرة إنما أراد أن جنس النساء في الجنة أكثر من جنس الرجال، لأن كل رجل منهم له زوجتان، ولم يرد أن النساء من ولد آدم أكثر من الرجال.\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٤٥) و(٢٣٦٤)، وابن ماجه (١٢٦٥).","vol":"9","page":725},{"text":"قوله: وعن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله: أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الكسوف فقال \"دنت مني النار\" حتى قلت \"أي رب وأنا معهم\" يقال: كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف، وكسفا بضم الكاف على البناء للمفعول وانكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا بمعنى، وقيل: كسفت الشمس بالكاف وخسف القمر بالخاء وقال جمهور أهل اللغة وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون لذهاب ضوئهما كله ويكون لذهاب بعضه، وقال جماعة منهم الليث بن سعد: الخسوف في الجميع والكسوف في البعض، وقيل: ذهاب لونهما والكسوف تغيره (^١).\nواعلم أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة وأجمع العلماء على أنها سنة مؤكدة بالإجماع لمشروعية الجماعة فيها ومن ادعى أنها فرض كفاية فقد شذ ووقت صلاتها من حين الكسوف إلى حين التجلى لقوله - ﷺ -: \"فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي\" فإن فاتت أي بالانجلاء لم تقض لأن المعنى الذي شرعت له الصلاة لأجله قد زال وزالت يعني الصلاة بزوال سببها والسنة أن يغتسل لها كالجمعة وأن تصلى في جماعة حيث تصلى الجمعة وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وقال العراقيون: تصلي فرادي والمشهور من مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان وسجودان وسواء تمادى الكسوف أم لا وبهذا قال مالك والليث وأحمد وأبو ثور وجمهور علماء الحجاز وغيرهم، وقال\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٩٨).","vol":"9","page":726},{"text":"الكوفيون: صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل عملا بظاهر حديث جابر بن سمرة وأبي بكرة (^١).\nولها قراءة وأدعية مذكورة في كتب الفقه فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من مواضعه وأصل الباب قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (^٢) أي عند كسوفهما لأنه أرجح احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما لأنهم كانوا يعبدون غيرهما أيضًا فلا معنى لتخصيصهما بالنهي (^٣).\nوروي مسلم عن جابر - ﵁ - قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - يوم مات إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -، فقال الناس: إنما انكسف لموت إبراهيم فقام النبي - ﷺ - فصلى بالناس فساق الحديث إلى أن قال: \"إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته من الناس فإذا رأيتم شيئا فصلوا حتى تنجلي\" (^٤) وقد جاء أيضًا في حديث مشتمل على سبب الكسوف، روى النسائي عن النعمان بن بشير - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إن ناسا يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله، والله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له فإذا رأيتم ذلك فصلوا كاحدى صلاة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٩٨).\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ٣٧.\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٥٥٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٩ و١٠ - ٩٠٤).","vol":"9","page":727},{"text":"صليتموها من المكتوبة\" (^١) قال عبد الحق: لكن اختلف في إسناده فهذه الأحاديث وردت على سبب وهو أن الشمس خسفت يوم مات إبراهيم ولد النبي - ﷺ - كما تقدم فقال قائلون: كسفت الشمس لموته فقال النبي - ﷺ - هذا الكلام ردا عليهم، قال العلماء: والحكم في هذا الكلام أن بعض الجاهلية الضلال كانوا يعظمون الشمس والقمر فقال النبي - ﷺ - إنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى لا صنع لهما بل هما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرها وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقول: لا ينكسفان إلا لموت عظيم أو نحو ذلك فبين النبي - ﷺ - أن هذا باطل لئلا يفتر بأقوالهم لاسيما فقد صادف موت إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - (^٢).\nوفي رواية ذكرت في أحاديث الكسوف أن النبي - ﷺ - قال: \"ما من أحد أغير من الله أن يرى عبده أو يرى أمته\" الحديث قال العلماء: معناه ليس أحد أمنع من المعاصي من الله ولا أشد كراهية لها منه ﷾ (^٣).\nوقيل: إشارة إلى أن الزنا والإصرار عليه يكون سببا لتعجيل العقوبة كما أن الغيور من الرجال يعجل بالعقوبة على من يجده يزني بامرأته أو أمته (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٢٦٢)، والنسائي في الكبرى (٢٠٦٣) والمجتبى ٣/ ٢٥٨ (١٥٠١)، وابن خزيمة (١٤٠٣ و١٤٠٤).\nوضعفه الألباني في المشكاة (١٤٩٣)، الإرواء (٣/ ١٣١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٠١)، والعدة (٢/ ٧٢٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٠١).\n(^٤) شرح المشكاة للطيبى (٤/ ١٣١٢).","vol":"9","page":728},{"text":"وفيه إشارة إلى أن التوبة من الزنا تكون سببًا لزوال الكسوف كما أن فعله والإصرار عليه يكون سببا لحدوث النقمة وحبس النعمة وزوالها فإن الشمس نعمة عامة على الخلق فإن بها يحصل نماء الزرع ونضج الثمار فكل زرع أو شجر لا تصيبه الشمس لا يثمر وفيه إشارة إلى أن وبال الزاني يعود على غيره بسبب حبس هذه النعمة وقدم هنا ذكر العبد على الأمة وإن كان الله تعالى قد بدأ بالزانية قبل الزاني لأجل الخطاب فإنه كان يخاطب الرجال فبدأ بذكر العبيد قبل الإماء والعبد ها هنا يشمل الحر والعبد وكذلك الأمة والله أعلم ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\nقال ابن بطال (^١): اختلف العلماء في الكسوف هل فيه خطبة أم لا، فقال الشافعي: يخطب بعد الصلاة في الكسوف كالعيدين والاستسقاء، وقال مالك والكوفيون: لا خطبة في كسوف الشمس، واحتجوا في ذلك بأن رسول الله - ﷺ - إنما خطب الناس؛ لأنهم قالوا: إن الشمس والقمر كسفت لموت أحدهم، وهو ابن النبي - ﷺ - فعرفهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وأمرهم بالصلاة ونحوه، وسبب الانكساف قدرة الله تعالى فقط فقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يعني علامتان لقرب القيامة أو العذاب أو لكونهما مسخرين لقدرة الله تعالى وتحت حكمه.\nقال الخطابي (^٢): كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغيير في العالم من موت وضرر ونحوه على ما يذهب إليه المنجم من إعطائه\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٣/ ٣٥).\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٦١١ - ٦١٢).","vol":"9","page":729},{"text":"الأحكام وزعمه أن السفليات مربوطة بالنجوم وأن لها تأثيرا فيها فأعلم النبي - ﷺ - أنه باطل وأنهما آيتان من آيات الله تعالى يريهما خلقه ليعلموا أنهما خلقان مسخران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما وأنهما لا يستحقان أن يعبدوا قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ (^١) فلهذا أمر عند كسوفهما أن يفزع إلى الصلاة والسجود لله تعالى دونهما إبطالا لقول الجهال الذين يعبدونهما، ويحتمل أن يكون الأمر بالصلاة عنده التضرع إلى الله في دفع الآفات التي يتوهمها الأنفس تحقيقا لإضافة الحوادث كلها إلى الله تعالى ونفيا لها عن الشمس والقمر وإبطالا لأحكامهما وفيه وجه ثالث: وهو أنهما من آيات الله الدالة على قرب القيامة وأمارتان من أماراتها وقد يكون لك أيضًا أنه يخوف بهما الناس ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (^٢) أ. هـ قاله الكرماني (^٣).\nتنبيه: إبراهيم ابن النبي - ﷺ - من مارية القبطية سريته، ولد بالمدينة في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة ومات في ذي الحجة سنة عشر ودفن بالبقيع ويقال: عن وفاته كانت يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأولط سنة عشر قاله الكرماني (^٤).\n_________\n(^١) سورة فصلت، الآية: ٣٧.\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٩.\n(^٣) الكواكب الدرارى (٦/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٤) المصدر السابق (٦/ ١٢٩).","vol":"9","page":730},{"text":"٣٤٣٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ دنا رجل إِلَى بِئْر فَنزل فَشرب مِنْهَا وعَلى الْبِئْر كلب يَلْهَث فرحمه فَنزع أحد خفيه فَسَقَاهُ فَشكر الله لَهُ فَأدْخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد أطول من هَذَا وَتقدم فِي إطْعَام الطَّعَام (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"دنا رجل إلى بئر فنزل فشرب منها وعلى البئر كلب يلهث فرحمه فنزع أحد خفيه فسقاه فشكر الله له فأدخله الجنة\" الحديث، وفي رواية: \"فإذا كلب يأكل الثرى من العطش\" أما الثرى فهو التراب الندي (^٢).\nقوله: يلهث ويقال لهث بفتح الهاء وكسرها يلهث بفتحها لا غير لهثا بإسكانها والاسم اللهث بفتحها واللهاث بضم اللام ورجل لهثان وامرأة لهثى كعطشان وهو الذي أخرج لسانه من شدة العطش والحر (^٣).\nقوله: فسقاه فشكر الله له فأدخله الله الجنة، وفي الرواية الأخرى فغفر له معناه قبل عمله وأثابه وغفر له، وروى أن رجلا من بني إسرائيل كان فاجرا مسرفا على نفسه لما ارتكب من الفواحش أتى في مسير له على بئر فإذا كلب يلهث من العطش فرق له ورثى له فنزل في البئر ونزع خفه وسقى الكلب وأرواه فشكر الله ﷿ له وغفر له، وروي أن رجلا من بني إسرائيل كان بذلك وأوحى الله\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٨٨)، والبخاري (١٧٣) و(٢٣٦٣) و(٢٤٦٦) و(٦٠٠٩)، ومسلم (١٥٣ - ٢٢٤٤)، وأبو داود (٢٥٥٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٢٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"9","page":731},{"text":"تعالى إلى نبي ذلك الزمان أن قل لذلك المسرف بأني قد غفرت لك جميع ما اقترفت برحمتك على خلقي فسئل النبي عن ذلك فقيل يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجرا، فقال: \"في كل كبد رطبة أجر\" ومعنى رطبة حية لأن الميت إذا مات جفت جوارحه والحي يحتاج إلى ترطيب كبده من العطش إذ فيها الحرارة الموجبة له (^١). وقيل كنى بالرطبة عن الحياة فإن الميت يابس الكبد (^٢).\nومعنى في كل كبد رطبة أجر معناه في الإحسان إلى كل حيوان حتى سقيه ونحوه أجر وسمي الحي ذا كبد رطبة لأن الميت يجف جسمه وكبده كما تقدم، ففي هذا الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم وهو مما لا يؤمر بقتله فأما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله والمأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضًا وسواء كان مملوكًا أو مباحًا وسواء كان مملوكا له أو لغيره والله أعلم (^٣).\n\n٣٤٣٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ نهى رَسُول الله - ﷺ - عَن التحريش بَين الْبَهَائِم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مُتَّصِلا ومرسلا عَن مُجَاهِد وَقَالَ فِي الْمُرْسل هُوَ أصح (^٤).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٨٨)، ومطالع الأنوار (٣/ ١٤٥).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٦٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤١).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٥٦٢)، وأبو حاتم في العلل (٢٢١٧) مرسلا ومتصلا والمتصل عن ابن عمر أو غيره، والترمذي في العلل (٥١١) و(٥١٢) والسنن (١٧٠٨) و(١٧٠٩)، =","vol":"9","page":732},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه وعلى أبيه العباس - ﵄ -.\nقوله: نهى رسول الله - ﷺ - عن التحريش بين البهائم، الحديث، وروى أبو يعلى من حديث ابن عباس أيضًا إلا أنه قال: \"لا تحرشوا بين البهائم\" الحديث، وروى أبو يعلى من حديث ابن عباس أيضًا إلا أنه قال: \"لا تحرشوا بين البهائم فإن أمة من الأمم هلكت في ذلك\" (^١) وفي الكامل في ترجمته غالب بن عبد الله الجزي من حديث ابن عمر أن النبي قال: \"إن الله لعن من يحرش بين البهائم\" (^٢) ومنه الحديث: \"إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم\" (^٣) أي في حملهم على الفتن والحروب المراد بعبادة الشيطان عبادة الصنم لأنه الداعي إليها والمراد بالمصلين المؤمنين المؤمنون كما قاله - ﵇ - نهيتكم عن قتل المصلين، سمي المؤمن بالمصلي لأن الصلاة أظهر أعمال\n_________\n= والبزار (٤٩٠٣)، وأبو يعلى (٢٥٠٩) و(٢٥١٠)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٣٣١ رقم ٢١٣٦) والكبير (١١/ ٨٥ رقم ١١١٢٣)، وابن عدى في الكامل (٤/ ١٣٧) و(٤/ ٢١١)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٣٨ رقم ١٩٧٨٢ و١٩٧٨٣).\nقال الترمذي: فسألت محمدا فقال: الصحيح إنما هو عن مجاهد، عن النبي - ﷺ - مرسل.\nوقال البيهقي: والمرسل هو المحفوظ. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٧٣) وغاية المرام (٣٨٣).\n(^١) أخرجه أبو العباس الأصم في مصنفات الأصم (١٩٥) من طريق بقية: حدثنا عبد العزيز بن زياد القرشي، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن حذيفة.\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (٧/ ١١٠). وقال ابن عدى: ولغالب غير ما ذكرت وله أحاديث منكرة المتن مما لم أذكره.\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٥ - ٢٨١٢)، والترمذي (١٩٣٧) عن جابر.","vol":"9","page":733},{"text":"الإيمان وأشرفها ومشتملة على الشهادتين (^١).\nوجزيرة العرب اسم لبلاد العرب سميت بذلك لإحاطة البحار والأنهار بها بحر فارس وبحر الحبشة والروم ودجلة والفرات، وقيل: لانقطاعها عن معظم البر وقد اكتنفها البحار والأنهار من أكثر الجهات كبحر البصرة وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله تعالى فرعون بها وبحر الاشم والنيل وما اتصل بالبر منقطع بالقفار والرمال عن العمرانات، وقال مالك: جزيرة العرب هي الحجاز واليمن واليمامة وما لم يبلغه مالك فارس والروم، ومعنى الحديث: أن الشيطان قد يئس من عبادة المؤمنين في جزيرة العرب الصنم أي من ارتدادهم وقد أيس من جمعهم فيها بين الصلاة وعبادة الصنم كما فعلت اليهود والنصارى ولا يرد على هذا ارتداد من ارتد بعده - ﵇ - من أصحاب مسيلمة وغيره لأنهم ليسوا جميع المصلين في جزيرة العرب واللام في المصلين للاستغراق وخصت جزيرة العرب بالذكر لأنها معدن العبادة ومهبط الوحي ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بها (^٢).\nوالتحريش الخديعة وفيه النهي عن التحريش بين البهائم وهو الإغراء بين القوم والبهائم وتهيج بعضهم على بعض، قلت: وما يفعله السفهاء من منافرة الديوك ومناطحة الكباش والبقر ونحو ذلك كذلك، قال الحليمي (^٣): وهو حرام ممنوع لا يؤذن لأحد فيه لأن كل واحد من المتحارشين يؤلم صاحبه\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ١٦٣).\n(^٢) شرح المصابيح (١/ ٨٩) لابن ملك، ومرقاة المفاتيح (١/ ١٤٢).\n(^٣) شعب الإيمان (٨/ ٤٨٣).","vol":"9","page":734},{"text":"ويجرحه ولو أراد المحرش أن يفعل ذلك بيده ما حل له، وعن الإمام أحمد في ذلك روايتان التحريم والكراهة ومما قيل في ليالي صفين:\nالليل داج الكباش تنتطح ... نطاح أسد ما أراها تصطلح\nفمن يقاتل في وغاها ما نجا ... ومن نجا برأسه فقد ربح أ. هـ\nقاله في منافع حياة الحيوان (^١).\n\n٣٤٣٨ - وَعَن أبي مَسْعُود البدري - ﵁ - قَالَ كنت أضْرب غُلَاما لي بِالسَّوْطِ فَسمِعت صَوتا من خَلْفي اعْلَم أَبَا مَسْعُود فَلم أفهم الصَّوْت من الْغَضَب فَلَمَّا دنا مني إِذا هُوَ رَسُول الله - ﷺ - فَإِذا هُوَ يَقُول اعْلَم أَبَا مَسْعُود أَن الله ﷿ أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا الْغُلَام فَقلت لَا أضْرب مَمْلُوكا بعده أبدا وَفِي رِوَايَة فَقلت يَا رَسُول الله هُوَ حر لوجه الله تَعَالَى فَقَالَ أما لَو لم تفعل لَلَفَحَتْك النَّار أَو لمستك النَّار رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي مسعود البدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: كنت أضرب غلاما لي بالسوط، الحديث، فيه الحث على الرفق بالمملوك والوعظ والتثنية على استعمال العفو وكظم الغيظ والحلم كما يحلم الله على عباده (^٣).\nوقوله: عن أبي مسعود أنه كان يضرب غلامه فجعل يقول: أعوذ بالله\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٧١)، ومسلم (٣٤ و٣٥ و٣٦ - ١٦٥٩)، وأبو داود (٥١٥٩ و٥١٦٠)، والترمذي (١٩٤٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٣٠).","vol":"9","page":735},{"text":"فجعل يضربه فقال أعوذ يا رسول الله فتركه، قال العلماء: لعله لم يسمع استعاذته الأولى لشدة غضبه كما لم يسمع نداء النبي - ﷺ - أو يكون لما استعاذ برسول الله تنبه لمكانه (^١).\nوقوله في الرواية الأخرى: \"أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار\" لفح النار حرها ووهجها يقال لفحتك السموم بحرها وكذلك النار أي ضربتك بلهبها وأحرقتك قاله عياض (^٢).\nوقوله: فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدًا، وفي رواية: فسقط السوط من يدي من هيبة رسول الله - ﷺ - فقلت هو حر لوجه الله تعالى.\n\n٣٤٣٩ - وَعَن زَاذَان وَهُوَ الْكِنْدِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي قَالَ أتيت ابْن عمر وَقد أعتق مَمْلُوكا لَهُ فَأخذ من الأرْض عودا أَو شَيْئا فَقَالَ مَا لي فِيهِ من الْأجر مَا يُسَاوِي هَذَا سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من لطم مَمْلُوكا لَهُ أَو ضربه فكفارته أَن يعتقهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ مسلم وَلَفظه قَالَ من ضرب غُلاما لَهُ حدا لم يَأْته أَو لطمه فَإِن كَفَّارَته أَن يعتقهُ (^٣).\nقوله: وعن زاذان وهو الكندي مولاهم الكوفي (^٤) [أبو عمر ويقال: أبو عبد الله البزاز الضرير، يقال: أنه شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية وروى\n_________\n(^١) المصدر السابق (١١/ ١٣١).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٧٧) و(١٨٠)، ومسلم (٢٩ و٣٠ - ١٦٥٧)، وأبو داود (٥١٦٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٧٨).\n(^٤) تذهيب تهذيب الكمال (٣/ ٢٦٢ ترجمة ١٩٧٢).","vol":"9","page":736},{"text":"عنه وعن علي وابن مسعود وسلمان وحذيفة وعائشة وابن عمر والبراء وجماعة. وعنه أبو صالح السمان وعمرو بن مرة وأبو اليقظان عثمان بن عمير والمنهال بن عمرو وأبو هاشم الرمانى ومحمد بن جحادة وطائفة، عن شعبة: سألت الحكم وسلمة بن كهيل، عن زاذان فقال الحكم: أكثر، يعني: من الرواية. وقال سلمة: أبو البختري أحب إلي منه. وفي رواية قال: قلت للحكم: مالك لم تحمل عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام، قال يحيى: ثقة وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة، وكان يبيع الكرابيس، وإنما رماه من رماه لكثرة كلامه، مات سنة اثنتين وثمانين].\nقوله: أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكا له فأخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال ما لي فيه من الأجر ما يساوي هذا سمعت رسول الله يقول \"من لطم مملوكا له أو ضربه فكفارته أن يعتقه\" الحديث، هكذا وقع في معظم النسخ ما يسوي هذا، وفي بعضها ما يساوي هذا بالألف، وهذه هي اللغة الفصيحة المعروفة والأولى عدها أهل اللغة في لحن العوام، وأجاب بعض العلماء عن هذه اللفظة بأنها تغيير من بعض الرواة لا أن ابن عمر نطق بها ومعنى كلام ابن عمر أنه ليس لي في إعتاقه أجر المعتق تبرعا، وإنما أعتقه كفارة لضربه (^١).\nقال العلماء: في هذا الحديث الرفق بالمماليك وحسن صحبتهم وكف الأذى عنهم وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجبا وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه فيه وإزالة إثم لطمه ومما استدلوا به لعدم وجوب\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٢٨).","vol":"9","page":737},{"text":"إعتاقه حديث سويد بن مقرن الذي يأتي بعده أن النبي - ﷺ - أمرهم حين يلطم أحدهم خادمهم بعتقها، قالوا: ليس لنا خادم غيرها قال: \"فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها\" قال القاضي عياض ﵀: وأجمع العلماء على أنه لا يجب إعتاق العبد بشيء مما يفعله به مولاه من مثل هذا من الأمر الخفيف، قال: واختلفوا فيما كثر من ذلك وشنع من ضرب مبرح من غير موجب لذلك أو حره بنار أو قطع عضو له أو أفسده أو نحو ذلك مما فيه مثلة فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على سيده بذلك ويكون ولاءه له ويعاقبه السلطان على فعله، وقال سائر العلماء: لا يعتق عليه، واختلف أصحاب مالك فيما لو حلق رأسه أو لحية العبد واحتج مالك بحديث عمرو بن العاص الذي جب عبده فأعتقه النبي (^١).\nوقوله في رواية مسلم: \"من ضرب غلاما له حدا لم يأته\" هذه الرواية مبينة على أن المراد بالأولى من ضربه بلا ذنب ولا على سبيل التعليم والأدب.\n\n٣٤٤٠ - وَعَن مُعَاوِيَة بن سُوَيْد بن مقرن قَالَ لطمت مولى لنا فَدَعَاهُ أبي وَدَعَانِي فَقَالَ اقْتصّ مِنْهُ فَإنَّا معشر بني مقرن كُنَّا سَبْعَة على عهد النَّبِي - ﷺ - وَلَيْسَ لنا إِلَّا خَادِم فلطمها رجل منا فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أعتقوها قَالُوا إِنَّه لَيْسَ لنا خَادِم غَيرهَا قَالَ فلتخدمهم حَتَّى يستغنوا فَإِذا استغنوا فليعتقوها رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٧٦) و(١٧٨) و(١٧٩)، ومسلم (٣١ و٣٢ و٣٣ - =","vol":"9","page":738},{"text":"قوله: وعن معاوية بن سويد بن مقرن (^١) [المزني أبو سويد الكوفي، ابن أخي النعمان بن مقرن روى عن أبيه والبراء وعنه الشعبي وسلمة بن كهيل وأشعث بن أبي الشعثاء وغيرهم، له في الكتب حديثان، ذكره بن حبان في الثقات وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، لم يصب من زعم أن له صحبة].\nقوله: لطمت مولى لنا فدعاه أبي ودعاني، فذكره إلى أن قال: وليس لنا إلا خادم فلطمها رجل منا، الحديث، هكذا هو في جميع النسخ خادم والخادم بلا هاء يطلق على الجارية كما يطلق على الرجل، ولا يقال خادمة بالهاء إلا في لغة شاذة قليلة أوضحتها في تهذيب الأسماء واللغات (^٢).\nقال في النهاية: وفي حديث ابن مقرن أما علمت أن الصورة محرمة أراد بالصورة الوجه وتحريمها المنع من الضرب واللطم على الوجه (^٣). أ. هـ.\nقوله: فقال رسول الله - ﷺ - \"أعتقوها\"، وهذا محمول على تطييب نفس المولى المضروب وإلا فلا يجب القصاص في اللطمة ونحوها وإنما واجبه\n_________\n= ١٦٥٨)، وأبو داود (٥١٦٦ و٥١٦٧)، والترمذي (١٥٤٢)، والنسائي في الكبرى (٤٩٩٠ - ٤٩٩٤).\n(^١) تذهيب تهذيب الكمال (٩/ ٣٤ - ٣٥ ترجمة ٦٨٠٦)، وتهذيب التهذيب (١٠/ ٢٠٨ ترجمة ٣٨٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٢٨ - ١٢٩) وقال في تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٨٩): خدم: وروينا في صحيح البخاري في كتاب النكاح في باب النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس. عن سهل بن سعد: أن امرأة أبي سعد كانت خادمتهم في عرسهم هكذا هو في معظم الأصول خادمتهم بالتاء.\n(^٣) النهاية (٣/ ٦٠).","vol":"9","page":739},{"text":"التعزير لكنه تبرع فأمكنه من القصاص فيها، وفي هذا الحديث الرفق بالموالي واستعمال التواضع والله أعلم، وهذا أيضًا محمول على أنهم كلهم رضوا بعتقها وتبرعوا به وإلا فاللطمة إنما كانت من واحد منهم فسمحوا له بعتقها تكفيرا لذنبه (^١).\n\n٣٤٤١ - وَعَن عمار بن يَاسر - ﵁ - قَالَ قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - من ضرب مَمْلُوكه ظلما أقيد مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nقوله: وعن عمار بن ياسر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من ضرب مملوكه ظلمًا أقيد منه يوم القيامة\" معناه: اقتص منه يوم القيامة.\n\n٣٤٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِم - ﷺ - نَبِي التَّوْبَة من قذف مَمْلُوكه بَرِيئًا مِمَّا قَالَ أقيم عَلَيْهِ الْحَد يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا أَن يكون كَمَا قَالَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حسن صَحِيح (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٧٨) عن الطبراني به. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٨١) موقوفًا. وقال غريب من حديث الثوري وحبيب، لم يروه عنه مجردا إلا الأشجعي. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٨: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٥٢) وصحيح الترغيب (٢٢٨٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (٣٧ - ١٦٦٠)، وأبو داود (٥١٦٥)، والترمذي (١٩٤٧).","vol":"9","page":740},{"text":"قوله: قال أبو القاسم نبي التوبة، قال القاضي عياض (^١) رحمه الله تعالى سمى بنبي التوبة لأنه بعث - ﷺ - بقبول التوبة بالقول والاعتقاد وكان توبة من قبلنا بقتل أنفسهم، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالتوبة الإيمان والرجوع من الكفر إلى الإسلام وأصل التوبة الرجوع.\nقوله: \"من قذف مملوكه بريئا مما قال أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال\" الحديث، وروي في مسند أبي داود الطيالسي أنه - ﵇ - قال: \"من قذف عبده وكان بريئا جلده الله يوم القيامة بسوط من نار\" (^٢) الحديث، القذف الرمي بالزنا.\nوقوله: \"إلا أن يكون\" أي المملوك، \"كما قال\" أي القاذف فيجلد حينئذ، فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وهذا مجمع عليه لكن يعزر قاذفه لأن العبد ليس بمحصن وسواء في هذا كله من هو كامل الرق وليس فيه سبب حرية والمدبر والمكاتب وأم الولد ومن بعضه حر هذا في حكم الدنيا، وأما في الآخرة فيستوفي له الحد من قاذفه لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة (^٣).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٥/ ٤٣٢).\n(^٢) لم أعثر في مظنته على الحديث بهذا اللفظ وإنما عند أحمد ٥/ ١٥٥ (٢١٧٧١) والبخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٤٥) بسند ضعيف عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من زنى أمة لم يرها تزني جلده الله يوم القيامة بسوط من نار. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٩٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٣٢).","vol":"9","page":741},{"text":"٣٤٤٣ - وَعَن رَافع بن مكيث وَكَانَ مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ حسن الملكة نَمَاء وَسُوء الْخلق شُؤْم رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَن بعض بني رَافع بن مكيث وَلم يسمعهُ عَنهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن الْحَارِث بن رَافع بن مكيث عَن رَسُول الله - ﷺ - مُرْسلا (^١).\nقوله: وعن رافع بن مكيث - ﵁ -.\nقوله: وكان ممن شهد الحديبية، الحديبية فيها لغتان تخفيف الياء وتشديدها والتخفيف هو الصحيح المختار وهو قول الشافعي وأهل اللغة وبعض المحدثين والتشديد قول الكسائي وابن وهب وجماهير المحدثين واختلافهم في الجعرانة كذلك في تشديد الراء وتخفيفها والمختار فيها أيضًا التخفيف والله أعلم (^٢).\nقوله: \"حسن الملكة نماء\" أي: الإحسان مع العبيد والإماء إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه نما ماله وكثر خير بيته والنماء الزيادة يقال فلان حسن الملكة إذا كان حسن الصنعة إلى مماليكه، ويقال: ما لفلان مليكة وملكة دون الله ﷿ أي لم يملكه إلا هو كان الملكة بمعنى الملك والتمليك قاله صاحب المغيث في حل مشكل القرآن والحديث (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠١١٨)، وعنه أحمد ٣/ ٥٠٢ (١٦٣٢٧)، ومن طريقه أبو داود (٥١٦٢ و٥١٦٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٦٢)، وأبو يعلى (١٥٤٤) والمفاريد (٥٦)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٧ رقم ٤٤٥١)، والقضاعي (٢٤٥). وقال الألباني: ضعيف، الضعيفة (٧٩٦) وضعيف الترغيب (٥٢٥) و(١٣٧٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٦٠).\n(^٣) المجموع المغيث (٣/ ٢٢٨).","vol":"9","page":742},{"text":"قوله: \"وسوء الخلق شؤم\" فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى فجعل سوء الملكة شؤمًا (^١)، أ. هـ.\n\n٣٤٤٤ - وَعَن أبي بكر الصّديق - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يدْخل الْجنَّة سيئ الملكة قَالُوا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ أخبرتنا أَن هَذِه الْأمة أَكثر الْأُمَم مملوكين ويتامى قَالَ نعم فأكرموهم ككرامة أَوْلَادكُم وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ قَالُوا فَمَا ينفعنا من الدُّنْيَا قَالَ فرس تربطه تقَاتل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله مملوكك يَكْفِيك فَإِذا صلى فَهُوَ أَحَق رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ مُقْتَصرا على قَوْله لَا يدْخل الْجنَّة سيئ الملكة وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَقد تكلم أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي فرقد السبخي من قبل حفظه وَرَوَاهُ أَبُو يعلى والأصبهاني أَيْضا مُخْتَصرا وَقَالَ قَالَ أهل اللُّغَة سيئ الملكة إِذا كانَ سيئ الصنيعة إِلَى مماليكه (^٢).\nقوله: وعن أبي بكر الصديق - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا يدخل الجنة سيئ الملكة\" فيه التأويلان السابقان في نظائره لا يدخل الجنة وهو تهديد وتخويف وسيء الملكة هو الذي يسيء إلى مماليكه\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ١٥٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٤ (١٤) و١/ ٧ (٣٢) و(٣٣) و١/ ١٢ (٧٦)، وابن ماجه (٣٦٩١)، والترمذي (١٩٤٦)، وأبو يعلى (٩٣ و٩٤ و٩٥)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٦٢) و(٢٤١٨). وقال الترمذي: هذا حديث غريب وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٨٨) و(١٣٧٥)، وضعيف الجامع (٦٣٤٠).","vol":"9","page":743},{"text":"الذين أمره الله بالإحسان إليهم ويظلمهم ويؤذيهم، أ. هـ، أي سيء الصنعة إلى من يملكه من الرقيق والبهائم وكذا فسره الحافظ المنذري أيضًا نقلا عن أهل اللغة.\nقوله: وقد تكلم أيوب السختياني في فرقد السبخي من قبل حفظه، أيوب السختياني (^١) هو الإمام التابعي أبو بكر أيوب بن أبي تميمة واسم أبي تميمة كيسان العنزي ويقال الجهني السختياني بكسر التاء، قال ابن عبد البر وغيره: كان يبيع السختيان بالبصرة، فقيل له السختياني، رأى أنس بن مالك وسمع عمرو بن سليمة بكسر اللام الجرمي وأبا رجاء العطاردي وأبا عثمان النهدي وأبا الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وابن يرين وسالم بن عبد الله ونافعا وابن أبي اليكة وغيره واتفقوا على جلالته وإمامته وحفظه وتوثيقه ووفور علمه وفقهه وسيادته، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، ومناقبه كثيرة مشهورة، وفرقد السبخي بفتح الفاء وإسكان الراء وفتح القاف وهو فرقد بن يعقوب السبخي بفتح السين والموحدة وبالخاء المعجمة منسوب إلى سبخة البصرة.\n\n٣٤٤٥ - وَعَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد - ﵁ - قَالَ: رَأَيْت أَبَا ذَر بالربذة وَعَلِيهِ برد غليظ وعَلى غُلَامه مثله قَالَ فَقَالَ الْقَوْم يَا أَبَا ذَر لَو كنت أخذت الَّذِي على غلامك فَجَعَلته مَعَ هَذَا فَكَانَت حلَّة وكسوت غلامك ثوبا غَيره قَالَ فَقَالَ أَبُو ذَر إِنِّي كنت ساببت رجلا وَكَانَت أمه أَعْجَمِيَّة فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ فَشَكَانِي إِلَى رَسُول\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣١ ترجمة ٧٩)، وتهذيب التهذيب (١/ ٣٩٧).","vol":"9","page":744},{"text":"الله - ﷺ - فَقَالَ يَا أَبَا ذَر إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة فَقَالَ إِنَّهُم إخْوَانكُمْ فَضلكُمْ الله عَلَيْهِم فَمن لم يلائمكم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ فِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنهم قَالُوا فِيهِ هم إخْوَانكُمْ جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم فَمن جعل الله أَخَاهُ تَحت يَده فليطعمه مِمَّا يَأْكُل وليلبسه مِمَّا يلبس وَلَا يكلفه من الْعَمَل مَا يغلبه فَإِن كلفه مَا يغلبه فليعنه عَلَيْهِ وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ (^١).\n\n٣٤٤٦ - وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي قَالَ إخْوَانكُمْ جعلهم الله فتية تَحت أَيْدِيكُم فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه من طَعَامه وليلبسه من لِبَاسه وَلا يكلفه مَا يغلبه فَإِن كلفه مَا يغلبه فليعنه عَلَيْهِ (^٢).\n\n٣٤٤٧ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَنهُ قَالَ دَخَلنَا على أبي ذَر بالربذة فَإِذا عَلَيْهِ برد وعَلى غُلَامه مثله فَقُلْنَا يَا أَبَا ذَر لَو أخذت برد غلامك إِلَى بردك فَكَانَت حلَّة وَكسوته ثوبا غَيره قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إخْوَانكُمْ جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه مِمَّا يَأْكُل وليكسه مِمَّا يكتسي وَلَا يكلفه مَا يغلبه فَإِن كلفه مَا يغلبه فليعنه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠) و(٢٥٤٥) و(٦٠٥٠)، ومسلم (٣٨ و٣٩ و٤٠ - ١٦٦١)، وأبو داود (٥١٥٧)، وابن ماجه (٣٦٩٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٩٤٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٨٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥١٥٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٨٢).","vol":"9","page":745},{"text":"٣٤٤٨ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لاءمكم من مملوكيكم فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ وَمن لم يلائمكم مِنْهُم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله قَالَ الْحَافِظ الرجل الَّذِي عيره أَبُو ذَر هُوَ بِلَال بن رَبَاح مُؤذن رَسُول الله - ﷺ - (^١).\nقوله: وعن المعرور بن سويد - ﵁ - المعرور هو بالعين المهملة ثم راءين مهملتين بينهما واو، وهو ابن سويد أسدي عاش مائة وعشرين سنة، قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقوله: رأيت أبا ذر بالربذة وعليه برد غليظ وعلى غلامه مثله، الحديث، تقدم الكلام على أبي ذر - ﵁ -، والربذة هي براء ثم باء موحدة ثم ذال معجمة مفتوحتان ثم هاء وهي موضع قريب من المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وهي منزل من منازل حاج العراق وبها قبر، وأبي ذر الغفاري صاحب رسول الله - ﷺ -، وقال صاحب مطالع الأنوار على ثلاث مراحل من المدينة (^٢) وقال غيره منها إلى المدينة مسيرة ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق (^٣).\nقوله: فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبا غيره، الحديث، الحلة بضم الحاء المهملة وتشديد اللام اسم لثوبين أحدهما إزار والآخر رداء، وقال في المشارق ثوبان\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥١٦١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٨٢).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٠٥)، ومطالع الأنوار (٣/ ٣٠٨).\n(^٣) معجم البلدان (٣/ ٢٤) للحموى.","vol":"9","page":746},{"text":"غير لفيقين رداء وإزار وقال أهل اللغة: الحلة لا تكون إلا لثوبين سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر وقال في النهاية تبعا للهروي: الحلة واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين ومن جنس واحد (^١)، أ. هـ.\nفقيدها بقيدين أن تكون من برود اليمن وأن يكون الثوبان من جنس واحد، وقال في الصحاح: قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن والحلة إزار ورداء من أي جنس كانا، وحكى المنذري في حواشي السنن قولا أن أصل تسميتها بذلك إذا كان الثوبان جديد كما حل طييهما فقيل لهما حلة لهذا ثم استقر عليها الاسم والله أعلم (^٢).\nقوله: فقال أبو ذر: إني كنت ساببت رجلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء\" فألقى أبو ذر نفسه بالأرض ثم وضع خده على التراب وقال: والله لا أرفع خدي على التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه فوطئ بلال خده بقدمه، قال ابن بطال (^٣): وفيه النهي عن سب العبيد وتعييرهم بأبائهم، والحض على الإحسان إليه وإلى كل من يوافقهم في المعنى ممن جعله الله تحت يدي ابن آدم وأجرى عليه حكمه فلا يجوز لأحد أن يغير عبده بشيء من المكروه يعرفه في آبائه وخاصة\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٢٢٣).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٣) شرح الصحيح (١/ ٨٧).","vol":"9","page":747},{"text":"نفسه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (^١) فلا فضل لأحد على غيره من جهة الأبوة وإنما الفضل بالإسلام والتقوى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٢) الآية أ. هـ.\nوذلك إشارة إلى تساويهما في لبس الحلة وإنما سأله لأن عادة العرب وغيرهم أن تكون ثياب المملوك دون ثياب سيده والله أعلم (^٣).\nقوله: فقال أبو ذر: إني كنت سببت رجلًا وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى رسول الله - ﷺ - فقال \"يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية\".\nالحديث، هذا الرجل الذي عيره أبو ذر، قال النووي: وقد قيل إن هذا الرجل المنسوب هو بلال ابن رباح مؤذن رسول الله - ﷺ - قاله المنذري.\nقوله: وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه، كان بين بلال وبين أبي ذر - ﵄ - محاورة فعيره بسواد أمه واسمها حمامة ذكرها ابن عبد البر كانت ممن تعذب في الله تعالى فاشتراها الصديق - ﵁ - فأعتقها (^٤).\nقوله: \"فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية\" أي: هذا التعبير من أخلاق الجاهلية فقيل ما خلق أخلاقهم، قال ابن بطال: يريد أنه في تعييره بأمر على خلق من أخلاق الجاهلية لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(^٣) اللامع الصبيح (١/ ٢٠٧) للبرماوى.\n(^٤) الاستيعاب (٤/ ١٨١٣).","vol":"9","page":748},{"text":"فكأنه قال له جهلت وعصيت الله تعالى بذلك ولم يستحق بهذا أن تكون كأهل الجاهلية في كفرهم بالله تعالى (^١)، أ. هـ.\nوقال الكرماني (^٢): معناه أنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية أي أهلها ولست جاهلا محضا والجاهلية هي زمان الفترة التي قبل الإسلام وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك، ويحتمل أن يراد بالجاهلية الجهل أي أن فيك جهلا، قال ابن بطال: وقد روي أن بلالا كان الذي عيره أبو ذر بسواد أمه، فانطلق بلال إلى رسول الله - ﷺ - فشكى إليه تعييره بذلك فأمره رسول الله - ﷺ -، فلما جاء أبو ذر قال له رسول الله - ﷺ -: \"شتمت بلالا وعيرته بسواد أمه\" قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء\" فألقى أبو ذر نفسه بالأرض ثم وضع خده على التراب وقال: والله لا أرفع خدي على التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه فوطيء بلال خده بقدمه، قال ابن بطال: وفيه النهي عن سب العبيد وتعييرهم بآبائهم والحض على الإحسان إليهم وإلى كل من يوافقهم في المعنى ممن جعله الله تحت يد ابن آدم وأجرى عليه حكمه، فلا يجوز لأحد أن يعير عبده بشيء من المكروه يعرفه في آبائه وخاصة نفسه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (^٣) فلا فضل\n_________\n(^١) شرح الصحيح (١/ ٨٥).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ١٣.","vol":"9","page":749},{"text":"لأحد على غيره من جهة الأبوة وإنما الفضل بالإسلام والتقوى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية، وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم، ففيه النهي عن التعيير وتنقص الآباء والأمهات ولأنه من أخلاق الجاهلية وفخرهم بالأنساب (^١) وقد ورد في ذلك أحاديث فمنها لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، ومنها: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فمن لم يلائمكم فبيعوه\" أي: يوافقكم هكذا يروي بالياء منقلبة عن الهمزة والأصل لاءمكم.\nقوله في رواية البخاري والترمذي: \"إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم\" الحديث، وفي رواية: \"هم إخوانكم وخولكم\" بفتح الواو وخول الرجل حشمه وأتباعه واحدهم خائل وقد يكون الخول واحدا وهو اسم يقع على العبد والأمة، قال الفراء: هو جمع خائل وهو الراعى وقال غيره: مأخوذ من التخويل وهو التمليك وقيل الخول [الخدم] وسموا [به] لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها ومنه حديث أبي هريرة: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كانوا عباد الله خولا أي خدما وعبيدا يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥ و٣٩٥٦). وصححه ابن تيمية في الايمان (ص ٣٥، ٦٩) وحسنه الألباني في غاية المرام (٣١٢) وصحيح الترغيب (٢٩٦٥).\n(^٣) النهاية (٢/ ٨٨)، والكواكب الدرارى (١/ ١٣٩).","vol":"9","page":750},{"text":"وقيل: إخوانكم خولكم أي خدمكم وعبيدكم الذين يتخولون أمركم أي يصلحونها والضمير في هم إخوانكم يعود إلى المماليك أو الخدم أعم من أن يكون مملوكا أو أجيرا (^١).\nقوله: \"جعلهم الله تحت أيديكم\" مجاز عن القدرة وعن الملك والإخوة ها هنا مجاز عن القدرة أو عن الملك ومجاز عن مطلق القرابة لأن الكل أولاد آدم وعن إخوة الإسلام والمماليك الكفرة أما أن في هذا الحكم تابعين للمماليك المؤمنة أو يخصص هذا الحكم بالمؤمنة قاله الكرماني (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق\" الحديث، والأمر بإطعامهم مما يأكل السيد وإلباسهم مما يلبس هذا محمول على الاستحباب لا على الإيجاب وهذا بإجماع المسلمين وأما فعل أبي ذر في كسوة غلامه مثل كسوته فعمل بالمستحب وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه حتى لو فتر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله إما زهدا وإما شحا لا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه فإن كلفه لزمه إعانته بنفسه أو بغيره (^٣).\n_________\n(^١) عمدة القارى (٢٢/ ١٢٦).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٣٣).","vol":"9","page":751},{"text":"وقوله: \"فإن كلفه مما يغلبه فليبعه\" وفي هذه الرواية فليلعنه عليه، وهذه الرواية هي الصواب الموافقة لباقي الروايات (^١).\nقوله: \"وليكسه\" في رواية أبي دواد الكسوة بكسر الكاف وضمها لغتان والكسر أفصح وبه جاء القرآن ونبه بالإطعام والكسوة على سائر المؤن التي تحتاج إليها العبد (^٢).\nقوله: \"فليطعمه من طعامه\" بضم الياء وكذا وليلبسه من لباسه وأما يلبس فهو بالفتح، قال النووي: وفيه أن الدواب ينبغي أن يحسن إليها ولا تكلف من العمل ما لا تطيق وفيه النهي عن الترفع على المسلم وإن كان عبدا وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك والله أعلم (^٣).\n\n٣٤٤٩ - وَعَن زيد بن حَارِثَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع أَرِقَّاءَكُم أَرِقَّاءَكُم أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ فَإِن جاؤوا بذنب لَا تُرِيدُونَ أَن تغفروه فبيعوا عباد الله وَلَا تعذبوهم رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عَاصِم بن عبيد الله وَقد مَشاهُ بَعضهم وَصحح لَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَلَا يضر فِي المتابعات (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١١/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ١٣٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٤١).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (١٧٩٣٥)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٨٥) و(٣/ ٣٧٧)، وأحمد ٤/ ٣٥ - ٣٦ (١٦٦٧١)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني ١/ ٥٩٩ (٢٥٠٠)، والحارث (٤٧٢)، والرويانى (١٤٩٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٤٣ رقم =","vol":"9","page":752},{"text":"قوله: وعن زيد بن حارثة - ﵁ -[هو أبو أسامة زيد بن حارثة، بالحاء، ابن شراحيل، بفتح الشين، ابن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر ابن عبد الله بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة بن الحاف بن قضاعة الكلبى نسبا، القريشى الهاشمى بالولاء، الحجازى، ﵁، ويقع في نسبه اختلاف وتغيير وزيادة ونقص، وهو مولى رسول الله - ﷺ - أشهر مواليه، ويقال له: حب رسول الله - ﷺ - وأبو حبه.\nكان أصابه سباء في الجاهلية؛ لأن أمه خرجت به تزور قومها، فأغارت عليهم بنو القين بن جسر، فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، ﵂، فوهبته للنبي - ﷺ - قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، وقيل: رآه النبي - ﷺ - ينادى عليه بالبطحاء،\n_________\n= ٦٣٦)، وأبو نعيم في المعرفة (٦٦٠٨). قلت: عند ابن سعد عن زيد بن الخطاب وعند البقية عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه.\nوقال أبو حاتم في المراسيل ص ٢٣٥: منهم من يقول هو يزيد بن مجمع بن جارية ومنهم من يقول أخو مجمع بن جارية فإن كان أخو مجمع فله صحبة وإن كان ابنه فليس له صحبة. وقال ابن حجر في الإصابة ٦/ ٥١٠: وقال ابن السكن: حدثنا هارون بن عيسى، حدثنا أبو داود، قلت لأحمد: يزيد له صحبة؟ قال: لا أدري، وهو أخو مجمع.\nوقال البوصيرى في اتحاف الخيرة (٣/ ٤١٩ - ٤٢٠): هذا إسناد ضعيف، لضعف عاصم بن عبيد الله. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٣٦): رواه أحمد والطبراني عن يزيد بن جارية، وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٧٤٠)، وضعفه في ضعيف الترغيب (١٣٧٦).","vol":"9","page":753},{"text":"فذكره لخديجة، فقالت له يشتريه، فاشتراه من مالها لها، ثم وهبته للنبي - ﷺ - فأعتقه وتبناه. قال ابن عمر، ﵄: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾ (^١) الآية.\nوآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين جعفر بن أبي طالب، ﵄، وكان من أول من أسلم، حتى أن الزهري قال في رواية عنه: أنه أول من أسلم، وقال غيره: أولهم إسلاما خديجة، ثم أبو بكر، ثم على، ثم زيد، ﵃، وفى المسألة خلاف مشهور، ولكن تقديم زيد على الجميع ضعيف.\nوهاجر مع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المؤمنين يوم بدر، وكان من الرماة المذكورين، وزوجه رسول الله - ﷺ - مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، وتزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين، ﵂، ثم طلقها، ثم تزوجها رسول الله - ﷺ -، وقصته في القرآن العزيز.\nقال العلماء: ولم يذكر الله ﷿ في القرآن باسم العلم من أصحاب نبينا وغيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، إلا زيدا في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (^٢)، ولا يرد على هذا قول من قال السجيل في قول الله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ (^٣) اسم كاتب، فإنه\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٥.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤.","vol":"9","page":754},{"text":"ضعيف أو غلط. ولما جهز رسول الله - ﷺ - الجيش إلى غزوة مؤتة، جعل أميرهم زيد بن حارثة، وقال: \"فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة\"، فاستشهدوا ثلاثتهم بها، ﵃، في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وحزن النبي - ﷺ - والمسلمون عليهم.\nروى لزيد عن النبي - ﷺ - حديثان، روى عنه ابنه أسامة، ﵄.\nومناقبه كثيرة، ﵁، وذكرنا تمام كلام الراوى في فوائده أن حارثة والد زيد أسلم حين جاء في طلب زيد، ثم ذهب إلى قومه مسلما].\nقوله: أن النبي - ﷺ - قال في حجة الوداع أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، أي من جنس ذلك ولا يشترط التساوي في النفاسة، وقال البغوي (^١): هذا خطاب مع العرب الذين لبوس عامتهم وأطعمتهم متقاربة يأكلون الجشب، ويلبسون الخش فأما من خالف معاش السلف والعرب فأكل رقيق الطعام ولبس جديد الثياب فلو واسى رقيقه كان أحسن فإن لم يفعل فليس عليه لرقيقه إلا ما يشبعه من الطعام وأن يستره بما يقيه الحر في الصيف والبرد في الشتاء.\nفائدة: روى عنه - ﷺ - أنه قال: \"لا تستخدموا أرقاءكم بالليل فإن الليل لهم والنهار لكم\" (^٢) خرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وروي أنه\n_________\n(^١) في الأصل الأعمش وإنما قاله البغوي كما في شرح السنة (٩/ ٣٤٠).\n(^٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٢٥ - ١٢٦)، والضياء في المنتقى من مسموعات مرو (٢٩٧)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٢٨٦٦). وفيه يحيى بن هاشم السمسار، أَبو زكريا الغساني الكوفي كذبه صالح جزرة وابن معين.","vol":"9","page":755},{"text":"- ﷺ - قال: \"لا تضربوا إماءكم على كسر إناءكم فإن لها أجلا كآجالكم\" (^١) خرجه أبو منصور الديلمي أيضًا في مسند الفردوس.\n\n٣٤٥٠ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فِي العبيد إِن أَحْسنُوا فاقبلوا وَإِن أساؤوا فاعفوا وَإِن غلبوكم فبيعوا رَوَاهُ الْبَزَّار وَفِيه عَاصِم أَيْضا (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: \"في العبيد إن أحسنوا فاقبلوا وإن أساؤوا فاعفوا وإن غلبوكم فبيعوا\" الحديث.\n\n٣٤٥١ - وَرُوِيَ عَن حُذَيْفَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْغنم بركَة على أَهلهَا وَالْإِبِل عز لأَهْلهَا وَالْخَيْل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر وَالْعَبْد أَخُوك فَأحْسن إِلَيْهِ وَإِن رَأَيْته مَغْلُوبًا فأعنه رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٢٧)، وابن الجوزى في العلل المتناهية (١٢٥٦) من طريق سعيد بن هبيرة العامري عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح. قال ابن حبان: سعيد بن هبيرة يحدث بالموضوعات عن الثقات لا يحل الاحتجاج به بحال. وقال الألباني في الضعيفة (٦٨٤٠): منكر. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٦)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٥٣٢ - ٥٣٣)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٢٨٨١). وقال الألباني في الضعيفة (٩٣٨): كذب.\n(^٢) أخرجه البزار (٥٤٠٤). قال البزار: محمد بن البيلماني ضعيف عند أهل العلم. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٣٦: رواه البزار، وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٨٣).\n(^٣) أخرجه البزار (٢٩٤٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٧١)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٠)، والسمعانى في المنتخب (ص ٥٤٣ - ٥٤٥). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن حذيفة إلا بهذا الإسناد وأحسب الحسن بن أبي الحسن البجلي هو =","vol":"9","page":756},{"text":"قوله: وعن حذيفة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"والعبد أخوك فأحسن إليه وإن رأيته مغلوبا فأعنه\" المراد بذلك إخوة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (^١) الآية، وتقدم الكلام على قوله \"مغلوبا فأعنه\".\n\n٣٤٥٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ للمملوك طَعَامه وَشَرَابه وَكسوته وَلَا يُكَلف إِلَّا مَا يُطيق فَإِن كلفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ وَلَا تعذبوا عباد الله خلقا أمثالكم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهُوَ فِي مُسلم بِاخْتِصَار (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"والعبد أخوك فأحسن إليه، وإن رأيته مغلوبا فأعنه\" المراد بذلك إخوة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (^٣) الآية، للمملوك طعامه وشرابه وكسوته ولا يكلف إلا ما يطيق، الحديث، يعني والله أعلم إلا ما يطيق الدوام عليه لا ما يطيق يوما أو يومين أو ثلاثة ونحو ذلك، ثم يعجز وجملة ذلك\n_________\n= الحسن بن عمارة. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٥٩: رواه البزار وفيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (١٣٧٧).\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٠.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٤٣١٣) بتمامه. وأخرجه الشافعي (١١٠٠)، وعبد الرزاق (١٧٩٦٧)، والحميدى (١١٨٩)، وأحمد ٢/ ٢٤٧ (٧٤٨١) و(٧٤٨٢) و٢/ ٣٤٢ (٨٦٢٧)، والبخاري في الأدب المفرد (١٩٢) و(١٩٣)، ومسلم (٤١ - ١٦٦٢)، والبزار (٨٣٤١). وحسنه الألباني في الإرواء ٢١٧٢، وصححه في صحيح الترغيب (٢٢٨٤).\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ١٠.","vol":"9","page":757},{"text":"ما لا يضر الضرر والبين فإن عمى أو زمن أنفق عليه مولاه (^١).\nهذا الحديث موافق لحديث أبي ذر [وقد تقدم الكلام عليه، ونبه بالطعام والكسوة على سائر المؤن التي يحتاج العبد إليها والله أعلم]، وفي حديث أبي ذر الذي تقدم الحض على كسوة المملوك وإطعامه بالسواء مثل طعام المالك وكسوته وليس ذلك على الإيجاب عند العلماء وإنما على المالك أن يكسوها ما يستر العورة ويدفع الحر والبرد ويطعم ما يسد الجوعة ما لم يكن فيه ضرر على المملوك فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلا متطوعا، وقال ربيعة شيخ مالك: لو أن رجلا عمل لنفسه خبيصا فأكله ما كان بذلك بأس (^٢).\nقوله: \"ولا يكلف إلا ما يطيق\" هو كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٣) فلما لم يكلفنا فوق طاقتنا ونحن عبيده واجب علينا أن نمتثل حكمه وطريقه في عبيدنا.\nقوله: \"فإن كلفتموهم فأعينوهم\" فيه: جواز تكليف ما فيه المشقة فإن كانت غالبة وجب العون عليها روى عشام بن عروة عن أبي عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تستخدموا رقيقكم بالليل فإن النهار لكم والليل لهم\" (^٤) أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح السنة (٩/ ٣٤١) للبغوى.\n(^٢) شرح الصحيح (٧/ ٦٤) لابن بطال.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(^٤) مر تخريجه وفيه متهم بالكذب.","vol":"9","page":758},{"text":"قوله: عهدي بنبيكم - ﷺ - قبل وفاته بخمس ليال في حديث كعب بن مالك، العهد الوصية ومنه عهد إلى أخيه و﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ (^١) وماذا عهد إليك ربك، وقوله: على عهد رسول الله - ﷺ - أي على زمانه ومدته.\n\n٣٤٥٣ - وَعَن عَمْرو بن حُرَيْث - ﵄ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا خففت على خادمك من عمله كانَ لَك أجرا فِي موازينك رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه قَالَ الْحَافِظ وَعَمْرو بن حُرَيْث قَالَ ابْن معِين لم ير النَّبِي - ﷺ - وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن لَهُ صُحْبَة وَقيل قبض النَّبِي - ﷺ - وَهُوَ ابْن اثْنَتَي عشرَة سنة وروى عَن أبي بكر وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم من الصَّحَابَة (^٢).\nقوله: وعن عمرو بن حريث - ﵄ -، قال الحافظ: عمرو بن حريث قال ابن معين لم ير النبي والذي عليه الجمهور أن له صحبة وقيل قبض النبي - ﷺ - وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وروي عن أبي بكر وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، أ. هـ قاله المنذري [وقال في شرح الإلمام: عمرو بن حريث هو ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو سعيد الكوفي له صحبة\n_________\n(^١) سورة يس، الآية: ٦٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عمر في كما في اتحاف الخيرة (٥/ ٤٥٧ رقم ٤٩٩٥/ ١) عبد بن حميد (٢٨٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني ١/ ٣٦٤ (١٢٩٢)، وأبو يعلى (١٤٧٢)، وابن حبان (٤٣١٤)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٨٨ - ٨٩ رقم ٨٢٢٦). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٣٩: رواه أبو يعلى. وعمرو هذا قال ابن معين: لم ير النبي - ﷺ -. فإن كان كذلك فالحديث مرسل، ورجاله رجال الصحيح إلا عمرو. وضعفه الألبانى في الضعيفة (٤٤٣٧) وضعيف الترغيب (١٣٧٨).","vol":"9","page":759},{"text":"ورواية توفي النبي وله اثنا عشرة سنة، وعن ابن سيرين أن عمرو تزوج بنت عدي بن حاتم على حكم عدي فندمه الناس وقالوا: [لعله يحكم فيكثر،] فحكم عدي باثنى عشر أوقية فأرسل إليه عمرو ببدرة فيها عشرة آلاف درهم (^١)، قال البخاري (^٢): توفي سنة خمس وثمانين أ. هـ].\nقوله - ﷺ -: \"ما خففت عن خادمك من عمله كان لك أجرا في موازينك\" ففي هذا الحديث الرفق بالخادم وتخفيف العمل عنه ونحوه كتخفيف الخراج ويقاس عليه طيب الكلام وحسن الصحبة والاقتصار على دون الحق وأن ذلك يؤجر عليه بالنية كما جاء في الحديث \"اسمح يسمح لك\" (^٣)، وفيه: أن الأعمال من المماليك راجعة إلى السادات ما لم تخرج عن العادات فقد جاءت الأحاديث بالنهي عن أن يكلفوا من العمل فوق الطاقات، والمراد\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الجود والسخاء (٦٣).\n(^٢) التاريخ الكبير (٦/ ٣٠٥).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٤٨ (٢٢٦٩)، والحارث (١٠٨١)، وابن البخترى (٦٤٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢١١ رقم ٥١١٢) والصغير (٢/ ٢٨١ رقم ١١٦٩)، وتمام (٧١٨) و(٧١٩)، والقضاعى في مسند الشهاب (٦٤٨)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٥٣٧ - ٥٣٨ رقم ١٠٧٤٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا الوليد بن مسلم. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٤: رواه أحمد، وفيه مهدي بن جعفر وثقه ابن معين، وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال في ١٠/ ١٩٣: رواه البزار عن شيخه مهدي بن جعفر الرملي، وقد وثقه غير واحد، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٥٦) وصحيح الترغيب (١٧٤٩).","vol":"9","page":760},{"text":"ما يطيق الدوام عليه ليس ما يطيقه في يومين أو ثلاثة ثم يعجز فيما بقي قاله الشافعي (^١) ومما أمر به السادات عدم تعييرهم بأصولهم وإطعامهم مما يأكلون إلباس ما يلبسون أي من جنسه [ولزومهم] اللقمة لهم مما تعبوا فيه وغير ذلك.\nفإن قيل: لم جمع الموازين؟ قلنا: تعظيما لقدر الأجر والله أعلم.\n\n٣٤٥٤ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ كَانَ آخر كَلَام النَّبِي - ﷺ - الصَّلَاة الصَّلَاة اتَّقوا الله فِيمَا ملكت أَيْمَانكُم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم (^٢).\n\n٣٤٥٥ - وروى ابْن مَاجَه وَغَيره عَن أم سَلمَة - ﵂ - قَالَت إِن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يَقُول فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم فَمَا زَالَ يَقُولهَا حَتَّى مَا يفِيض لِسَانه (^٣).\n_________\n(^١) الأم (٥/ ١١٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٧٨ (٥٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١٥٨)، وأبو داود (٥١٥٦)، وابن ماجه (٢٦٩٧)، وابن حبان (٦٦٠٥). وصححه الألباني: تخريج فقه السيرة (٤٦٨)، المشكاة (٣٣٥٦/ التحقيق الثاني)، الإرواء (٢١٧٨)، وصحيح الترغيب (٢٢٨٥).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٥٣٦)، وأحمد ٦/ ٢٩٠ (٢٧١٢٦) و٦/ ٣١١ (٢٧٢٩٩) و٦/ ٣١٥ (٢٧٣٢٦) و٦/ ٣٢١ (٢٧٣٦٩)، وعبد بن حميد (١٥٤٢)، وابن ماجه (١٦٢٥)، والنسائي في الكبرى (٧٠٦٠ - ٧٠٦٢)، وأبو يعلى (٦٩٣٦) و(٦٩٧٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٨٦) والصحيحة (٨٦٨).","vol":"9","page":761},{"text":"قوله: وعن علي بن أبي طالب، أبو طالب اسمه عبد مناف، مات على أربعة أولاد علي وجعفر وعقيل وطالب، فلم يرثه علي وجعفر لأنهما كانا مسلمين، والمسلم لا يرث الكافر، وورثه عقيل وطالب لأنهما كانا كافرين والكافر يرث الكافر.\nقوله: أن النبي كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: \"الصلاة الصلاة اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم\" يريد الإحسان إلى الرقيق والتخفيف عنهم وقيل أراد حقوق الزكاة وإخراجها من الأموال التي تملكها الأيدي كأنه علم بما يكون من أهل الردة وإنكارهم وجوب الزكاة وامتناعهم من أدائها إلى القائم بعده [فقطع] حجتهم بأن جعل آخر كلامه الوصية بالصلاة والزكاة فعقل أبو بكر هذا المعنى حتى قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، أ. هـ قاله في النهاية (^١).\nوقال الخطابي: في قوله - ﷺ -: \"وما ملكت أيمانكم\" قولان، قيل: المراد الرفق بالمماليك، والثاني: قيل: المراد الزكاة لأنها في القرآن العظيم مقرونة بالصلاة وهي من ملك اليمين وقد أوصى عند الموت بأمور منها الصلاة وما ملكت أيمانكم وأوصى بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وقال: \"أجيزوا الوفد بما ما كنت أجيزهم\" قال: وقول عائشة ما ترك رسول الله دينارا ولا درهما إلى أن قالت: ولا أوصي ما تريد وصية المال خاصة لأن الإنسان إنما يوصي في مال سبيله أن يكون موروثا وهو لم يترك شيئا يورث فيوصي به، أ. هـ.\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٣٥٨).","vol":"9","page":762},{"text":"فائدة: والسبب في مرض رسول الله أنه لما قفل من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وابتدأ - ﷺ - بشكواه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر وكان أول ما ابتدئ به أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لهم ثم رجع إلى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك (^١)، قال الحافظ عبد الغني وغيره: كانت مدة مرضه - ﷺ - اثنى عشر يوما، وقيل: أربعة عشر (^٢)، وقال أبو عمر بن عبد البر: كان ابتداء مرضه - ﷺ - الذي مات فيه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونة ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى بيت عائشة (^٣). وقال الواقدي: حدثني أبو معشر عن محمد بن قيس أن رسول الله - ﷺ - اشتكى يوم الأربعاء لإحدى ليلة من صفر فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، وتوفي لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول (^٤).\nوقيل: كان مرضه ثلاث عشر يوما وذكر الحاكم في الإكليل بسنده أن النبي - ﷺ - مرض لاثنين وعشرين ليلة من صفر وكان ابتداء وجعه عند وليدة يقال لها ريحانة كانت من سبي اليهود وكانت وفاته في يوم العاشر يوم الاثنين لليلتين خلت منه شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة (^٥).\n_________\n(^١) الاكتفاء (٢/ ٣٦) للكلاعى.\n(^٢) جوامع السيرة (ص ٢١١) لابن حزم، والروض الأنف (٧/ ٥٠٦).\n(^٣) الاستيعاب (١/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٤) الطبقات (٢/ ٢٧٢).\n(^٥) دلائل النبوة (٧/ ٢٣٤) للبيهقي.","vol":"9","page":763},{"text":"قال السهيلي في مراسيل الحسن البصري أن النبي - ﷺ - مرض عشرة أيام صلى أبو بكر بالناس تسعة أيام ثم خرج النبي - ﷺ - في اليوم العاشر وقد رواه الدارقطني ثم قال: وفي هذا الحديث أنه مرض عشرة أيام وهو غريب (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله: فما زال يقولها حتى ما يفيض لسانه، الحديث، أي: ما يبين وفلان ذو إفاضة إذا تكلم [أي: ذو بيان] (^٢)، وقال في النهاية (^٣): وما يفيض بها لسانه أي ما يقدر على الإفصاح بها وفلان ذو إفاضة إذا تكلم أي ذو بيان، قاله في باب الفاء مع الياء.\n\n٣٤٥٦ - وَعَن عبد الله بن عمرو - ﵄ - وجاءه قهرمان لَهُ فَقَالَ لَهُ أَعْطَيْت الرَّقِيق قوتهم قَالَ لَا قَالَ فَانْطَلق فأعطهم قَالَ رَسُول الله - ﷺ - كَفَى بالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ، عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ رَوَاهُ مُسلم (^٤).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: وجاءه قهرمان له فقال له أعطيت الرقيق قوتهم قال لا، الحديث.\nقوله: \"كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت\" يقال قاته يقوته إذا أعطاه قوته يريد من يلزمه قوته (^٥)، وفيه: بيان أن ليس للرجل أن يتصدق بمالا يفضل عن\n_________\n(^١) الروض الأنف (٧/ ٥٧٣).\n(^٢) تهذيب اللغة (١٢/ ١٧٥).\n(^٣) النهاية (٣/ ٤٨٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤٠ - ٩٩٦)، وأبو داود (١٦٩٢)، وابن حبان (٤٢٤٠ و٤٢٤١).\n(^٥) معالم السنن (٢/ ٨٢)، والنهاية (٤/ ١١٨ - ١١٩).","vol":"9","page":764},{"text":"عن أهله يلتمس الثواب فإنه ينقلب إثما عليه (^١)، أ. هـ.\nالقهرمان: بفتح القاف وإسكان الهاء وفتح الراء هو خادم الشخص القائم بقضاء حوائجه وهو بمعنى الخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده وهو بلسان الفرس يسمي قهرمان (^٢).\n\n٣٤٥٧ - وَعَن كَعْب بن مَالك - ﵁ - قَالَ عهدي بنبيكم - ﷺ - قبل وَفَاته بِخمْس لَيَال فَسَمعته يَقُول لم يكن نَبِي إِلَّا وَله خَلِيل من أمته وَإِن خليلي أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة وَإِن الله اتخذ صَاحبكُم خَلِيلًا أَلا وَإِن اْلأُمَم من قبلكُمْ كَانُوا يتخذون قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد وَإِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك اللَّهُمَّ هَل بلغت ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاث مَرَّات وأغمي عَلَيْهِ هنيهة ثمَّ قَالَ الله الله فِيمَا ملكت أَيْمَانكُم أشبعوا بطونهم واكسوا ظُهُورهمْ وألينوا القَوْل لَهُم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الله بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد وَقد وثقا وَلَا بَأْس بهما فِي المتابعات (^٣).\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٨٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٢)، والكواكب الدرارى (١٠/ ١٣٤)، وشرح المشكاة (٧/ ٢٣٧٩)، وكشف المناهج (٣/ ١٢٣) والنهاية (٤/ ١٢٩).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٥٤)، والطبري في تهذيب الآثار (٣/ ١٦٧ رقم ٢٦٤ - مسند علي)، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (٢٨٣١)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٤١ رقم ٨٩)، وابن السنى في اليوم والليلة (٣٢١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٨١٠ و٥٨١١) كلهم باختصار إلا الطبراني وأبو نعيم. قال الهيثمي، ٤/ ٢٣٧: فيه عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد وهما ضعيفان، وقد وثقا. وصححه الألباني في صحيح =","vol":"9","page":765},{"text":"قوله: وعن كعب بن مالك - ﵁ - تقدم قريبا كم روى عن النبي - ﷺ - حديث.\nقوله: عهد إلي نبيكم - ﷺ - قبل وفاته بخمس ليال، في حديث كعب العهد الوصية، ومنه عهد إلى أخيه وألم أعهد إليكم وماذا عهد إليك ربك، وقوله: \"على عهد رسول الله - ﷺ -\" أي على زمانه ومدته.\nقوله: \"إنه لم يكن نبي إلا وله خليل من أمته وإن خليلي أبو بكر بن أبي قحافة وإن الله اتخذ صاحبكم خليلا\" الحديث، والخلة هي المودة سميت بذلك مشتقة من التخلل فكأنها تخللت الباطن وولجت القلب حتى وصلت إلى أقصاه قاله ابن عسكر.\nفالخليل هو الحبيب الخاص الذي كأنه يتخلل قلب صاحبه لشدة محبته له، والنبي - ﷺ - خليل الله باعتبار المحبة الخاصة، وقد قال النبي - ﷺ -: \"لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله\" (^١).\nواعلم أن الخلة لما كانت أخص من المحبة وأعلا رتبه، فالخلة المودة والصداقة على الاختصاص دون مشاركة، ومعنى هذا لو كنت متخذا من الخلق خليلا انقطع إلى محبته وصداقته على التعيين والخصوص لكان أبا بكر ولكن له خلة الإسلام وأخوته السابقة في أهله بحق شمول الدين ومن جعل الخليل مشتقا من الخلة وهي الفاقة والفقر فيكون المعنى [لو كنت\n_________\n= الترغيب (٢٢٨٨) دون ما ذكر في تفسير الوصية بالأرقاء.\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٠).","vol":"9","page":766},{"text":"متخذا] الخلق خليلا أفتقر إليه وأعتمده في أموري لكان أبا بكر لكن الذي ألجأ إليه وأعتمد عليه في جميع أموري هو الله ﷾ وسمي إبراهيم خليلا لأنه [تخلق بخلال حسنة] اختص بها (^١).\nواعلم أن الخلة لما كانت أخص من المحبة وأعلا رتبه كان أحباء الله ﷿ كثيرا، ولم تحصل الخلة إلا لاثنين لإبراهيم ومحمد - ﷺ - ومذهب أهل الحق أن الصديق - ﵁ - أفضل الخلق كافة إلا النبيين والمرسلين، وقد روى الترمذي بإسناده أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما طلعت الشمس ولا غريب على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر\" وثبت عن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - وقد أقبل أبو بكر وعمر - ﵄ -: \"هذان سيدا كهول أهل الجنة لا تخبرهما\" (^٢) ولعله - ﷺ - أراد بعد إخبارهما بقاء قوتهما لصلاح الأمة فإنه لو أخبرهما بذلك بالغا في العبادة المضعفة للبدن الموجبة لفوات صلاح الأمة.\nقوله - ﷺ -: \"وإن الأمم من قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد وإني أنهاكم عن ذلك اللهم هل بلغت ثلاث مرات\" الحديث، ونهيه - ﷺ - عن اتخاذ القبر مسجدا إنما كان خوفا من أن يعبد وإليه الإشارة بقوله - ﷺ -: \"لا تتخذوا قبري وثنا يعبد\" قاله ابن عقيل في شرح الأحكام.\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٢/ ٤٣٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٨٠ (٦٠٢)، والترمذي (٣٦٦٥) وقال: حسن غريب. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٢٤).","vol":"9","page":767},{"text":"قوله: \"وأغمي عليه هنيهة ثم قال الله الله فيما ملكت أيمانكم\" الحديث، هنيهة بضم الهاء وفتح النون وإسكاء الياء المثناة من تحت وبعدها هاء وروي هنية بتشديد الياء وإسقاط الهاء الثانية أي شيئا يسيرا وهو تصغير هنه والهن والهنة كناية عن الشيء لا يذكره باسمه قاله العراقي في شرح الأحكام (^١).\n\n٣٤٥٨ - وَعَن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله كم أعفو عَن الْخَادِم قَالَ كل يَوْم سبعين مرّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَفِي بعض النّسخ حسن صَحِيح وروى أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد عَنهُ وَهُوَ رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي أَن رجلا أَتَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ إِن خادمي يسيء وَيظْلم أَفَأَضْرِبهُ قَالَ تَعْفُو عَنهُ كل يَوْم سبعين مرّة قَالَ الْحَافِظ كَذَا وَقع فِي سَمَاعنَا عبد الله بن عمر وَفِي بعض نسخ أبي دَاوُد عبد الله بن عَمْرو وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي تَارِيخه من حَدِيث عَبَّاس بن جليد عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَمن حَدِيثه أَيْضا عَن عبد الله بن عمر وَقَالَ التِّرْمِذِيّ روى بَعضهم هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَالَ عَن عبد الله بن عَمْرو وَذكر الْأَمِير أَبُو نصر أَن عَبَّاس بن جليد يروي عَنْهُمَا كَمَا ذكره البُخَارِيّ وَلم يذكر ابْن يُونُس فِي تَارِيخ مصر وَلَا ابْن أبي حَاتِم رِوَايَته عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَالله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) طرح التثريب (٦/ ١٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣)، وأبو داود في السنن (٥١٦٤) كما في وجه ذكره المزى تحفة الأشراف (٦/ ٣٤٦ رقم ٨٨٣٦) والمنذرى هنا، والطبراني في الشاميين (٢٤٧) والأوسط (٢/ ٢١٢ رقم ١٧٦٥) عن عبد الله بن عمرو. وأخرجه أحمد ٢/ ٩٠ (٥٧٣٩) و٢/ ١١١ (٦٠٠٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣)، وأبو داود في =","vol":"9","page":768},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن عمر [و]- ﵄ -، تقدم.\nقوله: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله كم أعفو عن الخادم قال كل يوم سبعين مرة\" الحديث، العفو هو سؤال محو الذنب وإنما ذكر السبعين للتكثير كما تقدم في ذلك عن العرب.\n\n٣٤٥٩ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت جَاءَ رجل فَقعدَ بَين يَدي رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ إِن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فَكيف أَنا مِنْهُم فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يحْسب مَا خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إيَّاهُم بِقدر ذنوبهم كَانَ كفافا لَا لَك وَلَا عَلَيْك وَإِن كَانَ عقابك إيَّاهُم فَوق ذنوبهم اقْتصّ لَهُم مِنْك الْفضل فَتنحّى الرجل وَجعل يَهْتِف ويبكي فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - ﷺ - أما تقْرَأ قَول الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] فَقَالَ الرجل يَا رَسُول الله مَا أجد لي ولهؤلاء خيرا من مفارقتهم أشهدك أَنهم كلهم أَحْرَار رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن غَزوَان وَقد روى أَحْمد بن حَنْبَل عَن عبد\n_________\n= السنن (٥١٦٤)، والترمذي (١٩٤٩)، وأبو يعلى (٥٧٦٠)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣٢٥ رقم ١٤١٢٦) و(١٣/ ٣٢٦ رقم ١٤١٢٧) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه عبد الله بن وهب عن أبي هانئ الخولانى نحوا من هذا. والعباس هو ابن جليد الحجرى المصرى. وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد، وقال: عن عبد الله بن عمرو. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٨٩) والصحيحة (٤٨٨).","vol":"9","page":769},{"text":"الرَّحْمَن بن غَزوَان هَذَا الحَدِيث قَالَ الْحَافِظ عبد الرَّحْمَن هَذَا ثِقَة احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَبَقِيَّة رجال أَحْمد وثقهم البُخَارِيّ وَمُسلم وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها وعلى مناقبها وفضائلها، ومن مناقبها أيضًا ما حكى ابن سعد عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة - ﵂ - يا أماه فقالت لست بأمك أنا أم رجالكم (^٢).\nوذكر ابن الجوزي في الصفوة عن عطاء قال: بعث معاوية إلى عائشة - ﵂ - بطوق من ذهب فيه جوهر قوم بمائة ألف فقسمته بين أزواج رسول الله - ﷺ - (^٣).\nوروى ابن سعد عن أم درة قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين تكون مائة ألف فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فجعلت تقسمه في الناس فلما أمست قالت يا جارية هات فطري فجاءت بخبز وزيت فقالت أم ذرة يا أم المؤمنين أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٨٠ (٢٧٠٤٢ و٢٧٠٤٣)، والترمذي (٣١٦٥)، وابن الأعرابى في المعجم (١٨٢٦)، والدارقطني في غرائب مالك كما في تهذيب التهذيب (٦/ ٢٢٤)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٨٦ - ٨٧ رقم ٨٢٢٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٨٧). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان وقد روى أحمد بن حنبل، عن عبد الرحمن بن غزوان، هذا الحديث. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٢: رواه أحمد، وفي إسناد الصحابي الذي لم يسم راو لم يسم أيضًا، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٩٠) و(٣٦٠٦).\n(^٢) الطبقات (٨/ ٦٤).\n(^٣) صفة الصفوة (١/ ٣١٨).","vol":"9","page":770},{"text":"عليه فقالت لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلت (^١) ذكره صاحب مرآة الزمان.\nقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ (^٢) الآية، القسط العدل وتقدم الكلام على ذلك.\n\n٣٤٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من ضرب سَوْطًا ظلما اقْتصّ مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من ضرب سوطا ظلما اقتص منه يوم القيامة\" تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) الطبقات (٨/ ٦٧).\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.\n(^٣) أخرجه البزار (٩٤٤٦) و(٩٥٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٢٠ رقم ١٤٤٥)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٧٨) و(٦/ ١٦٤)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٠٢). قال البزار: وهذا الحديث رواه ابن رجاء عن عمران عن قتادة عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة - ﵁ -. وقال في الموضع الثاني: وهذا الكلام لا نعلم رواه عن النبي - ﷺ - إلا أبو هريرة - ﵁ -، واختلف على عمران فقال ابن رجاء، عن عمران، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة - ﵁ -، وقال محمد بن بلال، عن عمران، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة - ﵁ -، وابن رجاء أشهر من محمد بن بلال.\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة، عن زرارة إلا عمران، تفرد به: محمد بن بلال ورواه عبد الله بن رجاء، عن عمران، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن أبي هريرة. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٥٣: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، وإسنادهما حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٢٩١).","vol":"9","page":771},{"text":"٣٤٦١ - وَعَن أم سَلمَة - ﵂ - قَالَت كَانَ رَسُول الله - ﷺ - فِي بَيْتِي وَكَانَ بِيَدِهِ سواك فَدَعَا وصيفة لَهُ أَو لَهَا حَتَّى استبان الْغَضَب فِي وَجهه وَخرجت أم سَلمَة إِلَى الحجرات فَوجدت الوصيفة وَهِي تلعب ببهمة فَقَالَت أَلا أَرَاك تلعبين بِهَذِهِ البهمة وَرَسُول الله - ﷺ - يَدْعُوك فَقَالَت لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا سَمِعتك فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَوْلَا خشيَة الْقود لأوجعتك بِهَذَا السِّوَاك رَوَاهُ أبو يعلى بأسانيد أَحدهَا جيد وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِنَحْوِهِ (^١).\nقوله: وعن أم سلمة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقولها - ﵂ -: كان رسول الله - ﷺ - في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أو لها حتى استبان الغضب في وجهه، الحديث، الوصيفة الجارية الصغير وكذلك الوليدة الجارية الصغيرة والولائد الوصائف قاله صاحب المغيث (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٢)، وابن أبي شيبة كما في اتحاف الخيرة (٤/ ٢٠٠ و٦/ ١٣٥) والمطالب العالية (١٨٨٤) و(٣٣٢٠) وعنه أبو يعلى (٦٩٠١)، والبخاري في الأدب المفرد (١٨٤)، وابن أبى الدنيا في الأهوال (٢٥٢)، وأبو يعلى (٦٩٤٤)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٣٧٦ (٨٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٨). وقال البوصيرى: هذا إسناد ضعيف، لجهالة التابعي وضعف ابن جدعان.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٥٣): روى هذا كله أبو يعلى، والطبراني بنحوه .. وإسناده جيد. وقال العراقي: أخرجه أبو يعلى من حديث أم سلمة بسند ضعيف. (المغني مع الإحياء ٣/ ١٧٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٣٦٣) وضعيف الترغيب (١٣٧٩) و(٢١٠٠).\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٤٥١).","vol":"9","page":772},{"text":"قوله: وخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة، البهيمة بضم الباء تصغير بهمة وهي الصغير من أولاد الضأن والبقر وجمعه بهام ومنه وإذا تطاول رعاء البهم أي رعاء الشاء كما فسر في الحديث الآخر بلفظ الشاء وأصله كل ما استبهم عن الكلام وباب مبهم مسدود والبهم هنا جمع بهمة ومنه ولو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لموت قاله عياض (^١). قال الجوهري (^٢): ويطلق على الذكر والأنثى كالشاة والسخلة الصغيرة من أولاد المعز.\nقوله - ﷺ -: \"لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك\" القود هو القصاص.\n\n٣٤٦٢ - وَعَن هِشَام بن حَكِيم بن حزَام - ﵁ - أَنه مر بِالشَّام على أنَاس من الأنباط وَقد أقِيمُوا فِي الشَّمْس وصب على رؤوسهم الزَّيْت فَقَالَ مَا هَذَا قيل يُعَذبُونَ فِي الْخراج وَفِي رِوَايَة حبسوا فِي الْجِزْيَة فَقَالَ هِشَام أشهد لسمعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن الله يعذب الَّذين يُعَذبُونَ النَّاس فِي الدُّنْيَا فَدخل على الْأَمِير فحدثه فَأمر بهم فَخلوا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ الأنباط فلاحون من الْعَجم ينزلون بالبطائح بَين العراقين (^٣).\nقوله: وعن هشام بن حكيم بن حزام - ﵁ -[هو هشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى: الصحابى ابن الصحابى، رضى الله\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١٠٢).\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٨٧٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٧ و١١٨ و١١٩ - ٢٦١٣)، وأبو داود (٣٠٤٥)، والنسائي في الكبرى (٨٧١٨)، وابن حبان (٥٦١٢ و٥٦١٣).","vol":"9","page":773},{"text":"عنهما، القريشى الأسدى، أمه زينب بنت العوام ابن خويلد بن أسد أخت الزبير، فالزبير خاله، وخديجة أم المؤمنين ﵂، عمة أبيه، أسلم يوم الفتح، وتوفى قبل أبيه حكيم، قاله ابن عبد البر وغيره. وقيل: استشهد بأجنادين، روى له عن رسول الله - ﷺ - ستة أحاديث، روى له مسلم حديثا واحدا. روى عنه جماعة من التابعين. قال محمد بن سعد: كان هشام بن حكيم رجلا جليلا مهيبا. قال الزهري وغيره: كان هشام يأمر بالمعروف في رجال معه، وكان عمر بن الخطاب - ﵁ -، يقول إذا بلغه أمر ينكره: أما ما بقيت أنا وهشام فلا يكون هذا، وهذا الذي سبق من أنه قيل: استشهد بأجنادين، قاله أبو نعيم الأصبهانى وغيره، وغلطهم فيه ابن الأثير، وقال: هذا وهم، والذي قتل بأجنادين هشام بن العاص سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وقصة هشام بن حكيم مع عياض بن غنم تدل على أنه عاش بعد أجنادين (^١)].\nقوله: أنه مر على أناس من الأنباط وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم الزيت فقال: \"ما هذا؟ \" قيل: يعذبون في الخراج، وفي رواية: \"حبسوا في الجزية\" هذا محمول على التعذيب بغير حق فلا يدخل التعذيب فيه بحق كالقصاص والحدود والتعزير ونحو ذلك.\nقوله: الأنباط. قال المنذري: الأنباط فلاحون من العجم ينزلون بالبطائح بين العراقين. أ. هـ.\nوقال الكرماني (^٢): الأنباط الزراعون والنبيط بفتح النون أهل الزراعة.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٣٦ ترجمة ٦٤٨).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١٠/ ٩١).","vol":"9","page":774},{"text":"وقيل: هم قوم ينزلون بالبطائح وسموا به لاهتدائهم إلى استخراج المياه من الينابيع ونحوها (^١). أ. هـ.\nقوله: فدخل على الأمير فحدثه فأمر بهم فخلوا، وأميرهم يومئذ عمير بن سعد هكذا هو في معظم النسخ عمير بالتصغير ابن سعد بإسكان العين من غير ياء، وفي بعضها عمير بن سعيد بكسر العين وزيادة ياء، قال القاضي عياض: الأول هو الموجود لأكثر شيوخنا وفي أكثر النسخ وأكثر الروايات وهو الصواب وهو عمير بن سعد بن عمير الأنصاري الأوس من بني عمرو بن عوف ولاه عمر بن الخطاب حمص (^٢).\n\n٣٤٦٣ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاث من كن فِيهِ نشر الله عَلَيْهِ كنفه وَأدْخلهُ جنته رفق بالضعيف وشفقة على الْوَالِدين وإحسان إِلَى الْمَمْلُوك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٣).\nقوله: وروي عن جابر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كنفه\" الحديث، الكنف قال العلماء [الجانب والناحية ومعناه ستره وعفوه].\n_________\n(^١) عمدة القارى (١٢/ ٦٦).\n(^٢) إكمال المعلم (٨/ ٩٢ - ٩٣) وشرح النووي على مسلم (١٦/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٩٤)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٤٩). قال الترمذي: هذا حديث غريب، وأبو بكر بن المنكدر هو أخو محمد بن المنكدر. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٩٢) وضعيف الترغيب (٥٥٩) و(١٣٨٠) و(١٦١٥).","vol":"9","page":775},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>فصل</span>\n٣٤٦٤ - عَن جابر (^١) - ﵄ - أَن النَّبِي - ﷺ - مر على حمَار قد وسم فِي وَجهه فَقَالَ لعن الله الَّذِي وسمه رَوَاهُ مُسلم وَفِي رِوَايَة لَهُ نهى رَسُول الله - ﷺ - عَن الضَّرْب فِي الْوَجْه وَعَن الوسم فِي الْوَجْه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ [عن ابن عباس] بِإِسْنَاد جيد مُخْتَصرا أَن رَسُول الله - ﷺ - لعن من يسم فِي الْوَجْه (^٢).\nفصل قوله: عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله: أن النبي - ﷺ - مر على حمار قد وسم في وجهه فقال: لعن الله الذي وسمه\" أما الوسم بالسين المهملة هذا هو الصحيح المعروف في الروايات وكتب الحديث (^٣)، قال القاضي عياض (^٤): ضبطناه بالمهملة وقال بعضهم يقول بالمهملة وبالمعجمة وبعضهم فرق فقال بالمهملة في الوجه وبالمعجمة في سائر الجسد، وأما الوسم في الوجه فمنهي عنه بالإجماع للحديث ولما ذكرنا، فأما الآدمي فوسمه حرام لكرامته، ولأنه لا حاجة إليه فيه فلا يجوز تعذيبه، وأما غير الآدمي فقال جماعة من أصحابنا يكره، وقال البغوي من أصحابنا: لا يجوز فأشار إلى تحريمه وهو الأظهر لأن النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) في الأصل عن ابن عباس.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٦ و١٠٧ - ٢١١٦)، وأبو داود (٢٥٦٤)، والترمذي (١٧١٠)، وابن خزيمة (٢٥٥١)، وابن حبان (٥٦٢٧ و٥٦٢٨) عن جابر. وأما حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٣٥ رقم ١١٩٢٦). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١١٠: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢١٤٩) وصحيح الترغيب (٢٢٩٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩٧).\n(^٤) إكمال المعلم (٦/ ٦٤٥).","vol":"9","page":776},{"text":"لعن فعاله واللعن يقتضي التحريم وأما وسم غير الوجه من غير الآدمي فجائز بلا خلاف عندنا لكن يستحب في نعم الزكاة والجزية، ولا يستحب في غيرها ولا ينهى عنه وفائدته تمييز بعض الحيوان عن بعض، فقد نقل ابن [الصباغ وغيره] إجماع الصحابة على استحبابه في نعم الزكاة والجزية، وقال أبو حنيفة هو مكروه لأنه تعذيب ومثلة وقد نهى عن المثلة (^١).\nقلنا: حديث الوسم خاص فوجب تقديمه على النهي عن المثلة (^٢).\nوقد ذكر في المفهم سر تخصيص الوجه بالنهي عن ضربه واحترامه وتشريفه على سائر الأعضاء الظاهرة قال (^٣): لأنه الأصل في خلقة الإنسان وغيره من الأعضاء خادم له لأنه الجامع للحواس التي تحصل بها الإدراكات المشتركة بين الأنواع المختلفة ولأنه أول الأعضاء في الشخوص والمقابلة والتحدث والقصد ولأنه مدخل الروح ومخرجه ولأنه مقر الجمال والحس ولأن به قوام الحيوان كله ناطقة وغير ناطقة قال: وقد مر - ﵇ - برجل يضرب عبده فقال: \"اتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته\" أي صورة المضروب، قال: ومعنى ذلك والله أعلم أن المضروب من ولد آدم ووجهه كوجهه في أصل الخلقة ووجه آدم مكرم مشرف لأن الله خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأقبل عليه بكلامه وأسجد له ملائكته وإذا كان ذلك الوجه يشبه ذلك الوجه فينبغى أن يحترم كاحترامه والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٢) المصدر السابق (١٤/ ١٠٠).\n(^٣) المفهم (١٧/ ١١٣).","vol":"9","page":777},{"text":"قال أهل اللغة: يقال بعير موسوم إذا أثر فيه بكي يقال: وسمه يسمه وسما وسمة دل الحديث على حرمة وسم الدواب بالنار في الوجه، فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا وبين ما ورد من الأحاديث في النهي عن لعن المسلم مع أن الواسم لم يرتكب في صنيعه ذلك كبيرة؟ قلنا: يحتمل أن الواسم لم يكن مسلما أو كان من أهل النفاق أعلمه بذلك ربه ﷾ فلم يصرح به ليكون أدعى إلى الانزجار عما زجر عنه، ويحتمل أن ذلك لم يكن على وجه الدعاء عليه بل على سبيل الإخبار عن الغيب واستحق ذلك لأنه علم بالشيء فأقدم عليه مستهينا به كذا في الميسر (^١) ذكره في شارح مشارق الأنوار.\nقوله: وفي رواية له \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه\" تقدم الكلام على الوسم في الوجه، وأما الضرب في الوجه، قال النووي (^٢): الضرب في الوجه منهي عنه في كل الحيوان المحترم من الآدمي والحمير والخيل والإبل والبغال والغنم وغيرها ولكن في الآدمي أشد لأنه مجمع المحاسن مع أنه لطيف يظهر فيه أثر الضرب وربما شانه وربما أذى بعض الحواس.\nتنبيه: يحرم ضرب الحمار وضرب غيره من الحيوان المحترم بالإجماع، وفي رسالة القشيري في باب كرامات الأولياء، سمعت أبا سليمان الخواص يقول: كنت راكب حمار يوما وكان الذباب يؤذيه فيطأطي رأسه فكنت أضرب رأسه بخشبة في يدي فرفع الحمار إليّ رأسه وقال: \"اضرب فإنك\n_________\n(^١) الميسر (٣/ ٩٣٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩٧).","vol":"9","page":778},{"text":"هكذا على رأسك تضرب\" قال الحسين: فقلت لأبي سليمان: لك وقع هذا؟ قال: نعم كما [تسمعنى] (^١) أ. هـ.\n\n٣٤٦٥ - وَعَن جُنَادَة بن جَرَادَة أحد بني غيلَان بن جُنَادَة - ﵁ - قَالَ أتيت النَّبِي - ﷺ - بِإِبِل قد وسمتها فِي أنفها فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا جُنَادَة فَمَا وجدت عضوا تسمه إِلَّا فِي الْوَجْه أما إِن أمامك الْقصاص فَقَالَ أمرهَا إِلَيْك يَا رَسُول الله الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: وعن جنادة بن جرادة أحد بني غيلان بن جنادة - ﵁ -[سكن البصرة، روى عنه زياد بن قريع أحد بني غيلان بن جآوة، كذا نسبه أبو عمر، فقال: العيلاني الأسدي، ولا أعرف هذا النسب، إنما عيلان بن جآوة بن معن، وولد معن من باهلة، فهو عيلاني باهلي، وأما أسدي، فلعله له فيهم حلف، وإلا فليس منهم، وقد ذكره أبو أحمد العسكري في باهلة، والله أعلم].\nقوله: أتيت النبي - ﷺ - بإبل قد وسمتها في أنفها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا جنادة فما وجدت عضوا تسمه إلا في الوجه، أما إن أمامك القصاص\" أي: قدامك، تقدم الكلام على الوسم في الوجه في الحديث قبله.\n_________\n(^١) الرسالة (٢/ ٥٣٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٢٥٦)، وابن قانع (١/ ١٥٥)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٣ رقم ٢١٧٩)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف (٤/ ١٨٧٤)، وأبو نعيم في المعرفة (١٦٦٦ و١٦٦٧)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٥٦ - ٥٧ رقم ١٣٢٦٣).\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١١٠: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٨١).","vol":"9","page":779},{"text":"٣٤٦٦ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ مر حمَار برَسُول الله - ﷺ - قد كوي فِي وَجهه يفور منخراه من دم فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لعن الله من فعل هَذَا ثمَّ نهى عَن الكي فِي الْوَجْه وَالضَّرْب فِي الْوَجْه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا وَصَححهُ وَالْأَحَادِيث فِي النَّهْي عَن الكي فِي الْوَجْه كَثِيرَة (^١).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم.\nقوله: مر حمار برسول الله - ﷺ - قد كوي في وجهه يفور منخراه من دم، الحديث، المنخر: بفتح الميم وكسرها والخاء مكسورة في الحالين.\nقوله: فقال رسول الله - ﷺ -: \"لعن الله من فعل هذا ثم نهى عن الكي في الوجه والضرب في الوجه\" ونهي عن الكي، وصح عنه أنه كوى سعد بن معاذ وغيره، فقيل: النهي على الكراهة، وقيل: إنما نهى عن كي الصحيح خوف نزول الداء، وأما ما فعله بعد وجود الداء فتركه أفضل لمن قوي توكله وفعله جائز والله أعلم، وأما الضرب في الوجه، فتقدم الكلام عليه.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٧٥)، ومسلم (١٠٦ - ٢١١٦)، وأبو داود (٢٥٦٤)، والترمذي (١٧١٠)، وأبو يعلى (٢٠٩٩) و(٢١٤٨)، وابن حبان (٥٦٢٠) و(٥٦٢٦) و(٥٦٢٧) و(٥٦٢٨). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح - \"الإرواء\" (٢١٨٥)، \"الصحيحة\" (٢١٤٩) \"صحيح الترغيب\" (٢٢٩٥).","vol":"9","page":780},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>[ترغيب الإمام وغيره من ولاة الأمور في اتخاذ وزير صالح وبطانة حسنة]</span>\n٣٤٦٧ - عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا أَرَادَ الله بالأمير خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ وَإِذا أَرَادَ الله بِهِ غير ذَلِك جعل لَهُ وَزِير سوء إِن نسي لم يذكرهُ وَإِن ذكر لم يعنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه قَالَت: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من ولي مِنْكُم عملا فَأَرَادَ الله بِهِ خيرا جعل لَهُ وزيرا صَالحا إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ (^١).\nقوله: عن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره\" الحديث، صرح الكتاب والسنة باتخاذ الوزير والاستظهار به في التنزيل فقال ﷾ في قصة موسى - ﵇ -: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)﴾ (^٢) وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (٩٧٢)، وأحمد ٦/ ٧٠ (٢٥٠٥٢)، وأبو داود (٢٩٣٢)، والبزار (١٨/ ٢٣٨ رقم ٢٦١)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٦٣ (٤٢٤٢) والكبرى (٧٧٧٩) و(٨٦٩٩)، وأبو يعلى (٤٤٣٩)، وابن حبان (٤٤٩٤)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٩٤ رقم ٤٢٤٠)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٩١ رقم ٢٠٣١٩) و(١٠/ ١٩١ رقم ٢٠٢٢٠) والشعب (٩/ ٤٩٩ - ٥٠٠ رقم ٧٠١٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٣٧٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٤٨٩) وصحيح الترغيب (٢٢٩٦).\n(^٢) سورة طه، الآية: ٢٩.","vol":"10","page":5},{"text":"وَزِيرًا (٣٥)﴾ (^١) ومن السنة الحديث المذكور، واختلف الناس في اشتقاق هذا الاسم على ثلاثة أوجه أحدها: أنه مأخوذ من الوزر وهو الملجأ ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ (^٢) أي لا ملجأ فالملك يلجأ على رأي الوزير ومعرفته وتدبيره، وثالثها: انه مأخوذ من الأزر وهو الظهر ومنه قوله تعالى في قصة موسى - ﵇ -: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ (^٣) أي: قوي ظهري فالملك يقوي بالوزير كقوة البدن بالظهر والله أعلم (^٤).\n[وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل الأرض)] فالوزير هو الذي يؤازره فيحمل عنه ما حمله من الأثقال والذي يلتجيء الأمير إلى رأيه وتدبيره فهو ملجأ له ومفزع الأمير أو السلطان (^٥)، أ. هـ.\n\n٣٤٦٨ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا بعث الله من نَبِي وَلَا اسْتخْلف من خَليفَة إِلَّا كَانَت لَهُ بطانتان بطانة تَأمره بِالْمَعْرُوفِ وتحضه عَلَيْهِ وبطانة تَأمره بِالشَّرِّ وتحضه عَلَيْهِ والمعصوم من عصم الله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَحده وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من وَال إِلَّا وَله بطانتان بطانة تَأمره بِالْمَعْرُوفِ وتنهاه عَن\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٣٥.\n(^٢) سورة القيامة، الآية: ١١.\n(^٣) سورة طه، الآية: ٣١.\n(^٤) الأحكام السلطانية (ص ٥٣) للماوردي.\n(^٥) النهاية (٥/ ١٨٠).","vol":"10","page":6},{"text":"الْمُنكر وبطانة لَا تألوه خبالا فَمن وقِي شَرها فقد وقِي وَهُوَ إِلَى من يغلب عَلَيْهِ مِنْهُمَا (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري [وأبي هريرة - ﵄ -] تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه\" الحديث، بطانة الرجل صاحب سره وداخلة أمره الذي شاوره في جميع أحواله (^٢).\nفبطانة الأنبياء هم الأولياء والأصفياء، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (^٣) أي: أصفياء من غير أهل دينكم وهي مصدر وضع موضع الاسم، يسمى بها الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث (^٤).\nقوله: \"وتحضه عليه\" والحض الحث على الشيء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦١١) و(٧١٩٨)، والنسائي في المجتبى (٤٢٤٠) والكبرى (٧٧٧٧) و(٨٧٠٢)، وأبو يعلى (١٢٢٨) وابن حبان (٦١٩٢)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٨٩ - ١٩٠ رقم ٢٠٣١٤ و٢٠٣١٥ و٢٠٣١٦) عن أبي سعيد. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٥٦) والصحيح (٧١٩٨)، والترمذي (٢٣٦٩)، البزار (٧٩٠٤)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٣٠ (٤٢٣٩) والكبرى (٦٥٨٣) و(٧٧٧٦) و(٨٧٠٣)، وأبو يعلى (٥٩٠١) و(٦٠٢٣)، وابن حبان (٦١٩١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣١)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٩٠ رقم ٢٠٣١٧) عن أبي هريرة.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٩٧) والصحيحة (١٦٤١) و(٢٢٧٠).\n(^٢) النهاية (١/ ١٣٦).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٢١٨.\n(^٤) شرح السنة (١٠/ ٧٤)، وفتح الباري (١٣/ ١٩١).","vol":"10","page":7},{"text":"٣٤٦٩ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا بعث الله من نَبِي وَلَا كَانَ بعده من خَليفَة إِلَّا لَهُ بطانتان بطانة تَأمره بِالْمَعْرُوفِ وتنهاه عَن الْمُنكر وبطانة لَا تألوه خبالا فَمن وقِي شَرها فقد وقِي. رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي أيوب - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما بعث الله من نبي ولا كان بعده من خليفة\" الخليفة، قال علماء اللغة الخليفة هو القائم مقام غيره فهو خلف عمن يقدمه، وقال الجوهري: يقال خلف فلان فلانا إذا كان خليفته يقال خلفه في قومه خلافة، أ. هـ.\nقوله: \"إلا له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا\" قال بعضهم: المراد بأحدهما الملك والآخر الشيطان [وبطانة الرجل: صاحب سره الذي يشاوره في جميع أحواله، وقيل: البطانة] أي الخليل الخالص صاحب السر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٩٨)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٣٢ (٤٢٤١) والكبرى (٧٧٧٨) و(٨٧٠٤)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢١١٢)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٠٩ رقم ٨٧٢٠) والكبير (٤/ ١٣١ رقم ٣٨٩٥)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٩٠ رقم ٢٠٣١٨). قال الدارقطني في العلل (١٠١٦): يرويه صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب. واختلف عن أبي سلمة فيه، فرواه الزهري، عن أبي سلمة، فخالف صفوان. ورواه عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري. وقيل: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقيل: عن أبي سلمة، مرسلا، عن النبي - ﷺ -. ولا يدفع حديث صفوان، لجواز أن يكون أبو سلمة حفظه عن أبي أيوب، وعن أبي سعيد، وعن أبي هريرة، والله أعلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٩٨)، والصحيحة (١٦٤١).\n(^٢) شرح المشكاة (٨/ ٢٥٧٣) وشرح المصابيح (٤/ ٢٥٩).","vol":"10","page":8},{"text":"قال الجوهري (^١): وناموس الرجل صاحب سره الذي يطلعه على باطن أمره ويخصه بما يستره عن غيره، يقال: نمس الرجل ينمس نمسا، وأهل الكتاب يسمون جبريل بالناموس، وفي الحديث أن ورقة بن نوفل قال لخديجة وهو ابن عمها وكان نصرانيا: كان ما تقولين حقا إنه ليأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى - ﵇ -، فالناموس صاحب سر الخير والجاسوس صاحب سر الشر (^٢)، أ. هـ.\nقوله: \"وبطانة لا تألوه خبالا\" أي: لا يقصر في إفساد حاله.\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ٩٨٦).\n(^٢) النهاية (٥/ ١١٩).","vol":"10","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>[الترهيب من شهادة الزور]</span>\n٣٤٧٠ - عَن أبي بكرَة - ﵁ - قَالَ: كُنَّا عِنْد رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر ثَلَاثًا الْإِشْرَاك بِالله وعقوق الْوَالِدين وَشَهَادَة الزُّور أَلا وَشَهَادَة الزُّور وَقَول الزُّور وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا ليته سكت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: عن أبي بكرة (^٢) - ﵁ - أبو بكرة: اسمه نفيع، وقيل: نويفع بن الحارث بن كلدة بفتح الكاف واللام، وأمه وأم أخيه زياد سمية أمة الحارث بن كلدة، وقيل: له أبو بكرة لأنه تدلى إلى رسول الله من حصره الطائف بكرة، مات بالبصرة - ﵁ - سنة إحدى وخمسين وقيل اثنين وخمسين.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا\" الحديث، فيه: دليل على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر وعليه يدل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (^٣) الآية (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصحيح (٢٦٥٤) و(٥٩٧٦) و(٦٢٧٣ و٦٢٧٤) و(٦٨٧١) و(٦٩١٩) والأدب المفرد (١٥) وبر الوالدين (٢٠)، ومسلم (١٤٣ - ٨٧)، والترمذي (١٩٠١) و(٢٣٠١) و(٣٠١٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وأبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث. وقال في الرواية الأخيرة: هذا حديث حسن غريب صحيح.\n(^٢) الاستيعاب (٤/ ترجمة ٢٦٦٠ و٥/ ترجمة ٢٨٧٧، وأسد الغابة (٥/ ترجمة ٤٨٦٩ و٥/ ترجمة ٥٢٨٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ترجمة ٧٤٣)، والإصابة ٦/ ترجمة ٨٨١٨.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٣١.\n(^٤) إحكام الأحكام (٢/ ٢٧٣)، والعدة في شرح العمدة (٣/ ١٥٦٨).","vol":"10","page":10},{"text":"وقال الأستاذ أبو إسحاق (^١): ليس في الذنوب صغائر بل الجميع كبائر نظرًا إلى عظمة من يعصي فكل ما نهي الله تعالى عنه فهو كبيرة.\nوعلى الأول فاختلفوا في الكبائر فمنهم من حصرها بالعد فعدها سبعا وزاد بعض السلف فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع ومنهم من سلك طريق الحصر بالضوابط فقال بعضهم: كل ذنب قرب به لعن أو وعيد أو حد فهو كبيرة فتغيير منار الأرض كبيرة لقوله - ﷺ -: \"لعن الله من غير منار الأرض\" (^٢) والمراد طرفها وحدودها وقتل المؤمن كبيرة لاقتران الوعيد به والمحاربة والزنى والقذف والسرقة كبائر لاقتران الحدود بها، قال في الروضة (^٣): وعد من الكبائر القتل والزنا واللواط وشرب قليل الخمر والسرقة والقذف وشهادة الزور وغصب المال والفرار من الزحف وأكل\n_________\n(^١) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الاسفراييني. الأصوليّ، الشافعيّ، الملقب: ركن الدين. من مصنفاته: جامع الخلي في أصول الدين، والرد على الملحدين في خمس مجلدات. توفي سنة ٤١٨ بنيسابور. انظر: الأنساب للسمعاني ١/ ٢٣٧، واللباب لابن الأثير ١/ ٥٥، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٥٣، وشذرات الذهب ٣/ ٢٠٩، وطبقات الشافعيّة ٤/ ٢٥٦. وقوله هذا نقله القرطبي في التفسير (٥/ ١٥٩)، وابن العطار في العدة شرح العمدة (٣/ ١٥٦٨ - ١٥٦٩)، والنووى في شرحه على مسلم (٢/ ٨٤)، وابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٠٩)، وابن النحاس في تنبيه الجاهلين (ص ١٣١) ونسب هذا القول إلى المحققين القاضي عياض كما في إكمال المعلم (١/ ٣٥٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٣ و٤٤ و٤٥ - ١٩٧٨)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٥٤ (٤٤٦٣) والكبرى (٤٤٩٦) عن على بن أبي طالب.\n(^٣) روضة الطالبين (١١/ ٢٢٢ - ٢٢٤).","vol":"10","page":11},{"text":"الربا ومال اليتيم وعقوق الوالدين والكذب على رسول الله - ﷺ - عمدا وكتمان الشهادة بلا عذر والإفطار في رمضان بلا عذر واليمين الفاجرة وقطع الرحم والخيانة في كيل أو وزن وتقديم الصلاة على وقتها أو تأخيرها عنه بلا عذر وضرب مسلم بلا حق وسب الصحابة وأخذ الرشوة والدياثة والقيادة من الرجل والمرأة والسعاية عند السلطان ومنع الزكاة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن واحراق الحيوان وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب واليأس من رحمة الله والأمر من مكر الله تعالى والوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن ومما عد من الكبائر الظهار وأكل لحم الخنزير والميتة بلا عذر ومن الكبائر السحر، ونقل المحاملي عن الشافعي أنه قال: الوطء في الحيض كبيرة والنميمة، وقد عد بعضهم الغيبة من الصغائر وهو صاحب العمدة وفي عد الغيبة من الصغائر نظر (^١)، فقد نقل الكرابيسي (^٢) عن الشافعي في أدب القضاء إن الغيبة كبيرة مستدلا بقوله - ﷺ - في حجة الوداع \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام\" الحديث (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"وشهادة الزور وقول الزور\" الحديث، الظاهر الذي يقتضيه عموم الحديث وإطلاقه والقواعد أنه لا فرق في كون شهادة الزور بالحقوق\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ٢٧٦)، والعدة (٣/ ١٥٧٧).\n(^٢) خادم الرافعى (مخ ٢٣٥٠ ظاهرية/ لوحة ٥/ أ).\n(^٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/ ٢٠). والحديث أخرجه البخاري (٦٧) و(١٠٥) و(٤٤٠٦) و(٥٥٥٠) و(٧٠٧٨) و(٧٤٤٧)، ومسلم (٣٠ - ١٦٧٩)، وابن حبان (٣٨٤٨) و(٥٩٧٣) عن أبي بكرة.","vol":"10","page":12},{"text":"كبيرة بين أن تكون بحق عظيم أو حقير (^١).\nقوله: وكان متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، فجلوسه للاهتمام بهذا الأمر وهو يعيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه فدل الحديث على تعظيم إثم شهادة الزور وكثرة التساهل فيها فأكد ذلك فإن التكرار يفيد التأكيد لا سيما وكان متكئا فجلس تعظيما لشأنها ومبالغة في التحذير منها واهتماما بتبليغها (^٢).\nوأما قولهم: \"ليته سكت\" إنما قالوه وتمنوه شفقة على رسول الله وكراهة لما يزعجه ويغضبه من شدة المبالغة في ذلك (^٣). وفيه ما كانوا عليه من تعظيمه - ﵇ - ومحبته والشفقة عليه حتى يودوا لو فدوه بأنفسهم (^٤).\nففيه الدليل على عظيم أمرها وإنما كررها لعظم مفسدتها وعظم المفسدة من وجهين، أحدهما: ذكر بعضهم أن شاهد الزور يهلك ثلاثة نفسه والمشهود له والمشهود عليه، الثاني: أن شاهد الزور لما كان متمكنا من الشهادة على الدماء وإهلاك الأنفس والأموال وغيرها وقد تحمله العداوة والحسد على ذلك أغلظ - ﷺ - في الزجر عنها لعظم مفسدتها وتعدي ضررها (^٥)، أ. هـ قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٢) العدة (٣/ ١٥٧٦ - ١٥٧٧) وشرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٣) العدة (٣/ ١٥٧٧) وشرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٥) رياض الأفهام (٥/ ٣٧٨).","vol":"10","page":13},{"text":"٣٤٧١ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ ذكر رَسُول الله - ﷺ - الْكَبَائِر فَقَالَ الشّرك بِالله وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس وَقَالَ أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر قَول الزُّور أَو قَالَ شَهَادَة الزُّور رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم.\nقوله: ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر فقال \"الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس\" الحديث، فإن قلت: لا شك أن الشرك أكبر الكبائر فما وجه الآخرين؟ قلت: لأنهما أيضًا يشابهانه من حيث أن الأب سبب وجوده ظاهر أو هو يرثه ومن حيث أن المزور يثبت الحق لغير مستحقه [وكذلك] ذكرهما الله تعالى في سلكه قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^٢) وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (^٣) (^٤).\nقوله في آخر الحديث: \"قول الزور أو قال شهادة الزور\" الزور الكذب والباطل، سمي زورًا لأنه ميل عن الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ (^٥) ومدينة ومدينة زوراء أي مائلة وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور (^٦)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥٣) و(٥٩٧٧)، ومسلم (١٤٤ - ٨٨)، والترمذي (١٢٠٧) و(٣٠١٨)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٩٠ (٤٠٤٥) و٧/ ٤٤٣ (٤٩١١).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(^٣) سورة الحج، الآية: ٣٠.\n(^٤) الكواكب الدرارى (١١/ ١٧٥).\n(^٥) سورة الكهف، الآية: ١٧.\n(^٦) تفسير القرطبي (١٢/ ٥٥).","vol":"10","page":14},{"text":"٣٤٧٢ - وَعَن خريم بن فاتك - ﵁ - قَالَ صلى رَسُول الله - ﷺ -: صَلَاة الصُّبْح فَلَمَّا انْصَرف قَامَ قَائِما فَقَالَ عدلت شَهَادَة الزُّور بالإشراك بِالله ثَلَاث مَرَّات ثم قَرَأَ ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (^١) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن خريم بن فاتك (^٣) - ﵁ - هو: أبو يحيى، وقيل: أبو أيمن، خريم بضم الخاء وفتح الراء بن فاتك بن القليب بضم القاف بن عمرو بن أسد بن\n_________\n(^١) سورة الحج، الآيتان: ٣٠ - ٣١.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٧٤٤ و٧٤٥) والمصنف ٤/ ٥٤٩ (٢٣٠٣٩)، وأحمد ٤/ ٣٢١ (١٩٢٠٠)، وأبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٣٠٠)، وابن ماجه (٢٣٧٢)، والبرديجى في من روى في الكبائر (٨)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٠٩ رقم ٤١٦٢)، والبيهقي في الآداب (٣٠٣) والكبرى (١٠/ ٢٠٧ رقم ٢٠٣٨٣) والشعب (٦/ ٤٩٣ - ٤٩٤ رقم ٤٥٢٠). وقال الترمذي: هذا عندي أصح، وخريم بن فاتك له صحبة، وقد روى عن النبي - ﷺ - أحاديث وهو مشهور. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١١٠) والمشكاة (٣٧٧٩) وضعيف الترغيب (١٣٨٢).\nوأما موقوف ابن مسعود: وأخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٥)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٥٤٩ (٢٣٠٣٨)، والخلال في السنة (١٣٢٤)، وابن المنذر في الأوسط (٦٦٨٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٠٩ رقم ٨٥٦٩)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥ رقم ٤٥٢١). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٠١).\n(^٣) ترجمته: الاستيعاب ٢/ الترجمة ٦٤٣، وأسد الغابة ٢/ الترجمة ١٤٤٠، والإصابة ٢/ الترجمة ٢٢٥١.","vol":"10","page":15},{"text":"خزيمة الأسدي، شهد هو وأخوه سبرة بدرا، وقيل: لم يشهدها والصحيح الأول وبه قال البخاري والأكثرون، وهو معدود في الشاميين وقبل في الكوفيين نزل الرمية.\nقوله: \"صلاة الصبح فلما انصرف قام قائما فقال عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات\" وإنما عادلته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (^١) ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (^٢) فهذا الحديث ليس على ظاهره وذلك أن الشرك أكبر من شهادة الزور بلا شك وكذلك قتل النفس فلا بد من تأويله (^٣)، وقال النووي (^٤): ليس على ظاهره المتبادر إلى الأفهام منه وذلك أن الشرك أكبر منه بلا شك وكذلك القتل فلا بد من تأويله، وفي تأويله أوجه، أحدها: أنه محمول على الكفر فإن الكافر شاهد بالزور وقائل به والثاني أنه محمول على المستحيل فيصير بذلك كافرا، والثالث: أن المراد من أكبر الكبائر [كما قدمناه] في نظائره وهذا الثالث هو الظاهر والصواب فأما حمله على الكفر [فضعيف لأن] هذا [خرج مخرج] الزجر عن شهادة الزور في الحقوق وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فكان معروفا عندهم ولا يتشكك أحد من أهل القبلة في ذلك فحمله عليه يخرجه عن الفائدة.\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.\n(^٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٢.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٧ - ٨٨).","vol":"10","page":16},{"text":"٣٤٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من شهد على مُسلم شَهَادَة لَيْسَ لَهَا بِأَهْل فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن ثَانِيه لم يسم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار\" تقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق.\n\n٣٤٧٤ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لن تَزُول قدم شَاهد الزُّور حَتَّى يُوجب الله لَهُ النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَفظه عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الطير لتضرب بمناقيرها وتحرك أذنابها من هول يَوْم الْقِيَامَة وَمَا يتَكَلَّم بِهِ شَاهد الزُّور وَلَا تفارق قدماه على الأَرْض حَتَّى يقذف بِهِ فِي النَّار (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٧١٧)، وأحمد ٢/ ٥٠٩ (١٠٧٦٧)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٥٨) وذم الغيبة (١٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٢٣٠). قال العراقى في تخريج الإحياء (١٠٤٨): أخرجه أحمد وابن أبي الدنيا وفي رواية أحمد رجل لم يسم أسقطه ابن أبي الدنيا في الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: رواه أحمد. وتابعيه لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وقال البوصيرى في الاتحاف ٥/ ٤٢٦: هذا حديث ضعيف، لجهالة بعض رواته. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٦٥٥) وضعيف الترغيب (١٣٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٠٨)، وابن ماجه (٢٣٧٣)، وحنبل في جزئه (١٢)، والحارث في المسند (٤٦٥)، ووكيع في أخبار القضاة (٣/ ٣٤)، وأبو يعلى (٥٦٧٢)، وابن المنذر في الأوسط (٦٦٩٣)، والعقيلي ٤/ ١٢٣ و٤/ ٣٦٣، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣١٩ - ٣٢٠ رقم ٧٦١٦) و(٨/ ١٩١ رقم ٨٣٦٧) والكبير (١٣/ ١٣١ رقم =","vol":"10","page":17},{"text":"قوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار\" الحديث، ففي رجاله محارب بن دثار استدل به الشيخ لتفريق الشهود إذا ارتاب الحاكم فيهم، وله قصة وهي أن أبا حنيفة قال: كنت عند محارب بن دثار وهو قاض بالكوفة فجاءه رجل ادعى على رجل حقا فأنكره فأحضر المدعي\n_________\n= ١٣٨٠٢)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٣١٦)، والحاكم ٤/ ٩٨، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٦٤)، والخطيب في تاريخ بغداد ٣/ ٧٠٥ و١٢/ ٣٣٨، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٠٨ رقم ٢٠٣٨٤)، وابن الجوزى في العلل (١٢٦٨ - ١٢٧٠). قال أبو حاتم في العلل (١٤٢٦): هذا حديث منكر، ومحمد بن الفرات ضعيف الحديث. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا أبو الجهم، ولا عن أبي الجهم إلا سعد بن الصلت، تفرد به: شاذان. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد ٣/ ٤٢٨: تفرد به محمد بن خليد عن خلف بن خلاف عن مسعر عنه. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يثبت أما الطريق الأول والثاني فقال يحيى محمد ابن الفرات ليس بشيء وقال أبو بكر بن أبي شيبة هو كذاب وقال أبو داؤد روى عن محارب بن دثار أحاديث موضوعة وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به وأما الطريق الثالث ففيه محمد بن خليد. قال ابن حبان: يقلب الأخبار ويسند الموقوف لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لا أعرفه. وقال في ١٠/ ٣٣٦: رواه أبو يعلى، والطبراني باختصار عنه إلا أنه قال: \"وتطرح ما في بطونها، وليست عليها مظلمة، فاتقه\". وفي إسناده محمد بن الفرات، وهو كذاب. وقال البوصيرى في الزجاجة ٣/ ٥٥: هذا إسناد ضعيف محمد بن الفرات أبو علي الكوفي متفق على ضعفه وكذبه الإمام أحمد. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٥٩) و(١٢٦٠) و(٢٥١٠) وضعيف الترغيب (١٣٨٤).","vol":"10","page":18},{"text":"شاهدين فشهدا له، فقال المشهود عليه: والذي بأمره تقوم السماء والأرض لقد كذبا على في الشهادة، وكان محارب متكئا فاستوى جالسا وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول القيامة وإن شاهد الزور لا تزول قدمها حتى يتبوأ مقعده من النار\" فإن صدقتما فاثبتا وإن كبتما فغطيا رءوسكما وانصرفا (^١)، أ. هـ، وهذا رواه الحسن بن زياد اللؤلؤي عن أبي حنيفة بنحوه وأبسط من هذا.\nتتمة: محارب بن دثار السدوسي قاضي الكوفة توفي سنة عشرين ومائة، روى البيهقي عن أبي الصهباء التيمي أنه قال: جئت محارب بن دثار فإذا هو قائم يصلي فلما رأني أخف الصلاة ثم جلس في مجلس القضاء ثم بعث إلي مخاصم أو مسلم أو ذو حاجة قال: فقلت بل مسلم فذهب الرسول فأخبره ثم أتاني فقال لي نم فقمت فسلمت عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجلس هذا المجلس الذي ابتليتني به وقدرته علي إلا وأنا أكرهه وأبغضه فاكفني شر ثم أخرج خرقة نظيفة فوضعها على وجهه ولم يزل يبكي حتى قمت قال: فمكث ما شاء الله ثم ولي بعده ابن شبرمة قال: فجئت إليه فإذا هو قائم يصلي فلما رآني خفف الصلاة ثم بعث إلي أمخاصم أو مسلم أو حاجة فقلت: لا بل مسلم، فذهب الرسول فأخبره ثم أتاني فقال: قم فقمت فسلمت عليه وجلست إلى جانبه فقال: حدثني حديث [أخي]\n_________\n(^١) الشرح الكبير على المقنع (٢٨/ ٤٩٠)، والقناع (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠).","vol":"10","page":19},{"text":"محارب بن دثار فحدثته الحديث، فقال: اللهم (إنك) تعلم أني لم أجلس هذا المجلس الذي ابتليتني به إلا وأنا أحبه وأشتهيه فاكفني شر عواقبه ثم أخرج خرقة فوضعها على وجهه فما زال يبكي حتى قمت (^١).\n[وقال أبو جعفر محمد بن العباس:] ولما ولي محارب بن دثار القضاء قيل للحكم بن عيينة ألا تأتيته، قال: والله ما نال عندي غنيمة فأهنيه عليها ولا أصيب عند نفسه بمصيبة فأعزيه وما كنت زوارا له قبل اليوم فأزوره اليوم (^٢).\nوروي البيهقي (^٣) عن محارب بن دثار أنه كان يرفع صوته بالليل يقول: إلهي أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد وأنا الأعزب الذي زوجته فلك الحمد وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد وانا العاري الذي كسوته فلك الحمد وأنا الغريب الذي آويته فلك الحمد وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد ربنا ولك الحمد ربنا حمدا كثيرا على كل حال، أ. هـ.\nخاتمة الباب: اختلف العلماء في عقوبة شاهد الزور فذكر عبد الرزاق عن مكحول عن الوليد بن أبي الوليد أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله بالشام\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (١٠/ ١٦٧ رقم ٢٠٢٣٢).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٦٧ - ١٦٨ رقم ٢٠٢٣٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (١٩٩) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦ رقم ٤٢٧٦).","vol":"10","page":20},{"text":"في شاهد الزور أن يجلد أربعين ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال حبسه (^١).\nوفي رواية أخرى عن [ابن] (^٢) عمر أنه أمر أن يسخم وجهه وتلقى عمامته في عنقه ويطاف به في القبائل ويقال هذا شاهد زور ولا تقبل شهادته أبدًا (^٣).\nوروي ابن وهب عن مالك أنه يجلد ويطاف به ويشنع به، وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وحسنت توبته اتباعا لقول عمر بن الخطاب، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد: يعزر، وقال الشافعي: يعزره ويشهر به، وقال [أحمد وإسحاق و] أبو ثور كذلك وقال شريح: يشهر ولا يعزر وهو قول أبي حنيفة، وقال الطحاوي (^٤): شهادة الزور فسق ومن فسق (رجلا عزر بوجود الفسق فيه أولى أن يستحق به التعزير، ولا يختلفون أن من فسق بغير شهادة الزور؛ أن توبته مقبولة) وشهادته بعد التوبة مقبولة (^٥) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.\n\n٣٤٧٥ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من كتم شَهَادَة إِذا دعِي إِلَيْهَا كَانَ كمن شهد بالزور حَدِيث غَرِيب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٢ و١٥٣٩٣) وابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٥٣٢ (٢٨٧١٣) من طريقين عن مكحول عن الوليد بن أبي مالك.\n(^٢) كذا هو في الأصل وإنما هو عن عمر وابن عمر لم يل من الأمر شيئًا.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٤) من طريق الأحوص بن حكيم، عن أبيه.\n(^٤) شرح الصحيح (٨/ ٣٢) لابن بطال.\n(^٥) شرح صحيح البخاري (٨/ ٣٢) لابن بطال.","vol":"10","page":21},{"text":"من رِوَايَة عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدم الكلام عليه. قوله - ﷺ -: \"من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور\" الحديث، وأما كتمان الشهادة بلا عذر فالذي يظهر أن مفسدته لا تنتهي إلى مفسدة شهادة الزور ولتمكن المدعي من تحليف المدعي عليه ولأنه قد يشهد بعد ذلك والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٧٠ رقم ٤١٦٧). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن مكحول إلا العلاء، ولا عن العلاء إلا معاوية، ولا عن معاوية إلا عبد الله بن صالح، تفرد به: أبو قرة.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن صالح وثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث، فقال: ثقة مأمون. وضعفه جماعة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٦٧) وضعيف الترغيب (١٣٨٥) وضعيف الجامع (٥٨١١).","vol":"10","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>[كتاب الحدود وغيرها]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>[الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترهيب من تركهما والمداهنة فيهما]</span>\n٣٤٧٦ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فَغَيره بِيَدِهِ فقد برئ وَمن لم يسْتَطع أَن يُغَيِّرهُ بِيَدِهِ فَغَيره بِلِسَانِهِ فقد برئ وَمن لم يسْتَطع أَن يُغَيِّرهُ بِلِسَانِهِ فَغَيره بِقَلْبِه فقد برئ وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان (^١).\nقوله: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - واسمه: سعد بن مالك تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\" الحديث.\nفقوله - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده\" المنكر ما لا يجوز في الشرع، والمنكر ضد المعروف وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر والمعروف خلافه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٨ و٧٩ - ٤٩)، وابن ماجه (١٢٧٥) و(٤٠١٣)، وأبو داود (١١٤٠) و(٤٣٤٠)، والترمذي (٢١٧٢)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٣٩ (٥٠٥٢) و٧/ ٥٤٠ (٥٠٥٣)، وأبو عوانة (١٦٦)، وابن حبان (٣٠٦) و(٣٠٧).\n(^٢) النهاية (٥/ ١١٥)، وعمدة القارى (١٣/ ١٢) و(١٥/ ١٦٦).","vol":"10","page":23},{"text":"وقال بعضهم أيضًا: المنكر ما كان مستقبحًا عقلًا أو شرعًا، والمعروف ما كان مستحسنًا عقلًا أو شرعًا (^١).\nوقوله: \"من رأى منكم منكرا فليغيره\" هو خطاب للأمة جميعا حاضرها حينئذ بمشافهته بالأمر وغائبها ممن يأتي لقوله ﵊ حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو لأن الحاضر يضمن الغائب (^٢).\nوقوله: \"رأى\" يحتمل أنه من رؤية العين ثم يقاس عليه ما علمه وما لم يره فيجب تغيره مع القدرة لأن المقصود دفع مفسدة المنكر ولا فرق بين ما ابصره أو علمه ولم يره ويحتمل أن رأى من رؤية القلب أي من عمل منكم منكرا فليغيره فهو أعم مما أبصره أو علمه وهو أشبه في النظر وإن كانت لفظ رأى ظاهرا في الإبصار، أ. هـ قاله الطوفي (^٣).\nوأما صفة النهي ومراتبه فقد قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغير منه للمنكر لكنه هو الذي في وسعه فالإنكار بالقلب هو كراهة تلك المعصية وبغضها فإن كان المنكر مما يغير باليد بادر إلى تغييره كإخراجه من المسجد إذا كان جنبًا أو قد أكل بصلا أو ثوما أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة يتأذي بها الإنسان، ففي صحيح\n_________\n(^١) تفسير الزمخشرى (١/ ٤٧٢)، وتفسير النسفى (١/ ٣٣١) وتفسير النيسابورى (٢/ ٣٥٢).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٨٧).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"10","page":24},{"text":"مسلم أن النبي - ﷺ - كان إذا وجد من الرجل في المسجد ريح البصل أو الثوم أمر به فأخرج إلى البقيع (^١) وان لم يخرج إلا بجره فليجره بيده ونحوها دون ذقنه وشعر رأسه وإن أمكنه أن لا يباشر شيئًا من ذلك بيده ويوليه غيره فليفعل وقال بعض أهل العلم: إنكار باليد للأمراء وباللسان للعلماء وبالقلب للفقراء، أ. هـ رواه النسائي ولفظه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرا فغيره بيده فقد برء\" الحديث، أي فقد برئ من الإثم بإنكاره، وفيه الدليل الواضح على أن من استطاع الإنكار فلم ينكر أنه غير برئ من الإثم بل هو شريك فيه وفيه التصريح الشافي بأن من أنكر بلسانه فلم يرجع إليه مع إمكان إنكاره باليد لا يسقط عنه الإثم وإنما يسقط عنه الإثم إذا لم يستطع الإنكار باليد وفيه أنه لا يقتصر على الإنكار بالقلب إلا من ضعف إيمانه سواء استطاع الإنكار باليد واللسان أو لم يستطع إلا أنه عند عدم الاستطاعة يسقط عنه الإثم وإن كان ضعيف الإيمان قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وذلك أضعف الإيمان\" معناه والله أعلم أي أضعف أفعال أهل الإيمان وهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان فدل على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان كان أفضل ممن تركها عجزا عنها ويدل على ذلك أيضًا قوله - ﷺ - في حق النساء: \"أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي شيئًا إلى أيام الحيض\" مع أنها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٨ - ٥٦٧) عن عمر بن الخطاب.\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٦)","vol":"10","page":25},{"text":"ممنوعة عن الصلاة حينئذ وقد جعل ذلك نقصا في دينها فدل على أن من قدر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه وإن كان معذورا في تركه والله أعلم قاله ابن رجب الحنبلي (^١).\nفائدة: روي عن الحسن - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أمر بمعروف أو نهى عن منكر فهو خليفة الله وخليفة رسول الله - ﷺ - وخليفة كتابه\" ذكره القرطبي في تفسيره (^٢).\nقوله: في الحديث: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره\" وهذا أمر إيجاب بإجماع الأمة وهو أيضًا من النصيحة الواجبة التي هي الدين وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة والإجماع ولم يخالف في ذلك إلا الرافضة ولم يعتد بخلافهم (^٣)، فالأمر بالمعروف والنهي\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٥٩ - ٩٦٠).\n(^٢) التفسير (٤/ ٤٧). والحديث رواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية ثنا بقية ابن الوليد الحمصي عن حسان بن سليمان عن أبي نضرة عن الحسن كما في تخريج الكشاف (١/ ٢١٣) للزيلعى. وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٢٤٥) من طريق بقية بن الوليد، عن عبد الله بن نعيم المعافري، قال: سمعت المشيخة فذكره. وأخرجه ابن عدى في الكامل (٧/ ٢٣٠) عن عبادة. وقال ابن عدى: ولكادح غير ما أمليت أحاديث وأحاديثه عامة ما يرويه غير محفوظة، ولا يتابع عليه في أسانيده، ولا في متونه ويشبه حديثه حديث الصالحين فإن أحاديثهم يقع فيها ما لا يتابعهم عليه أحد. وأخرجه النسفى في القند (١/ ٣٦٢) من طريق بقية بن الوليد، عن أبي المتوكل القشيري، عن حميد، عن أنس. وإنما هو متوكل بن يحيى القشيرى ومنهم من قال أبو المتوكل القتسرينى الشامى. وحميد هو ابن العلاء وكلاهما مجهول. والحديث ضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٤٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢١).","vol":"10","page":26},{"text":"عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا تركه الجميع أثم كل من يمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم أنه قد يتعين كما إذا كان بموضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته سواه وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما على الرسول إلا البلاغ، ومثل العلماء هذا بمن يرى إنسانا في الحمام أو غيره مكشوف العورة أو بعضها أو نحو ذلك، قال العلماء: ولا يشترط في الأمر ولا في الثاني أن يكون كامل الحال ممتثلا لما أمر به مجتنبا لما نهي عنه بل عليه الأمر وإن كان مخللا بأن يأمر به أو كان متلبسا بما ينهي عنه فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك ثابت لأحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين لهم وترك توبيخهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية ثم إنه لا يأمر ولا ينهى من كان عالما بما يأمر به وينهي عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها وإن كان دقائق الأقوال والأفعال ومما يتعلق بالاجتهاد ولم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكار بل ذلك للعلماء ولا ينكر إلا ما أجمع عليه لا ما","vol":"10","page":27},{"text":"اختلف فيه لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق به ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب فقد قال الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سار فقد نصحه ومن وعظه علانية فقد فضحه، وكأنه مما يتساهل أكثر الناس فيه من هذا الباب ما إذا رأى إنسانا يبيع متاعا معيبا أو نحوه وأنهم لا ينكرون ذلك ولا يعلمون المشتري بعيبه وهذا خطأ ظاهر، وقد نص العلماء على أنه يحب على من علم ذلك أن ينكر على البائع وأن يعلم المشتري وأما صفة النهي ومراتبه قد قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح: \"فليغيره بيده\" الحديث، فهذه صفة النهي ومراتبه والإنكار بالقلب هو كراهته لأنه الذي في وسعه وكان أضعف الإيمان لقلة ثمرته فحق عليه أن يغير بكل ما يمكنه قولا كان أو فعلا (^١)، أ. هـ\nقال القاضي: هذا الحد [يث أصل في صفة] التغيير فحق على أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا أو فعلا فيكسر آلات الباطل ويريق المكسر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع المغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو يأمره إذا أمكنه [ويرفق] في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره إذ ذاك أدعى إلى قبول قوله كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى [ويغلظ] على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته وليس من الأمر بالمعروف البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢٢ - ٢٥).","vol":"10","page":28},{"text":"بل إن عثر على منكر غيره جهده، وقال الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات (^١)، أ. هـ.\nوقال الماوردي (^٢) في الروضة: ولا يكفي الوعظ لمن أمكنه أن يغير بيده ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان، وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٣) فليس مخالفا لما ذكرنا لأن المذهب الصحيح في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به وأمرتم بالمعروف ثم عجزتم عن إزالة المنكر فلا يضركم ضلالهم وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٤) (^٥).\nوقوله - ﷺ -: \"فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم\" أي من أنكر بقدر استطاعته سلم من الإثم ومن لم يستطع إنكارًا أو كره تلك المعصية بقلبه فقد برئ من الإثم، قاله الحافظ الدمياطي.\n\n٣٤٧٧ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ بَايعنَا رَسُول الله - ﷺ - على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمكْره وعَلى أَثَرَة علينا وَأَن لَا ننازع الْأَمر أَهله إِلَّا أَن تروا كفرا بواحا عنْدكُمْ من الله فِيهِ برهَان وعَلى أَن نقُول بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي الله لومة لائم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٦).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٢٥ - ٢٦).\n(^٢) كذا هو بالأصل وإنما هو كلام النووي.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.\n(^٥) روضة الطالبين (١٠/ ٢٢٠) وشرح مسلم (٢/ ٢٢) للنووى.\n(^٦) أخرجه البخاري (٧٠٥٥ و٧٠٥٦)، ومسلم (٤١ و٤٢ - ١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٨٦٦)، =","vol":"10","page":29},{"text":"قوله: وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان\" الحديث، المراد بالمبايعة المعاهدة وهي مأخوذة من البيع لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^١) الآية (^٢).\nقوله: بايعت رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، يعني: المحبوب والمكروه وهما مصدران (^٣)، وفي لفظ: \"في الحزن والسهل\" (^٤) والحزن هو الذي فيه عنف وغلظ، والسهل هو الذي فيه رفق ولين والله أعلم (^٥)، وقيل (^٦): المنشط مفعل من النشاط وهو الأمر الذين ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله وهو مصدر معنى النشاط.\n_________\n= والنسائي في المجتبى ٦/ ٥٩٥ (٤١٨٧) و٦/ ٥٩٦ (٤١٨٨) و(٤١٨٩) و٦/ ٥٩٧ (٤١٩٠) و٦/ ٥٩٨ (٤١٩١) و(٤١٩٢)، وابن حبان (٤٥٦٢) و(٤٥٦٦).\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١١.\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٦٩)، وكشف المناهج (٣/ ٢٦٧).\n(^٤) لم أعثر على هذه الرواية.\n(^٥) كشف المناهج (١/ ١١٠).\n(^٦) النهاية (٥/ ٥٧)، وعمدة القارى (٢٤/ ٤٠٣).","vol":"10","page":30},{"text":"قوله: \"وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله\" الأثرة بفتح الهمزة والثاء المثلثة على مثال شجرة، ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة وإسكان الثاء على مثال غرفة وعلى مثال مرية ثلاث لغات حكاهن في المشارق وغيره (^١) وهو استيثار الأمراء بأموال بيت المال (^٢)، وقال النووي: وهو الاستيثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم (^٣)، قال الأزهري: وهو الاستيثار أي يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم نفسه ولا يجعل لكم في الأمر نصيب (^٤). اهـ. ومعنى الحديث: أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال سببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (^٥).\nقوله - ﷺ -: \"إلا أن تروا كفرا بواحا\" هكذا هو في معظم الروايات وفي معظم النسخ بواحا بالواو، وفي بعضها براحا بالراء والباء مفتوحة فيهما ومعناهما كفرا ظاهر والمراد بالكفر هنا المعاصي (^٦).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١٨)، ومطالع الأنوار (١/ ١٩٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٣٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٥)\n(^٤) تفسير الخازن (٤/ ٣٧١)، والتوضيح (١٥/ ٣٨٣)، وفتح الباري (١/ ٧٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٥).\n(^٦) المصدر السابق (١٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).","vol":"10","page":31},{"text":"رواية أكثر الشيوخ هنا بالواو وعند أبي جعفر وبعضهم براحا بالراء وهو بمعنى الأول أي بينا ظاهر مشتهرًا والمعنى جهارًا، وقال عياض: أي بيانًا لا تأويل فيه ولا خفاء به ومن رواه بواحا بالواو فهو من باح بالشيء إذا أظهره أي ظاهرا معناه لا عن ظن ولا إلزام (^١)، أ. هـ والمراد بالكفر هنا المعصية لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٢) وكقوله - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا\" (^٣) أي عصاة وقيل لابسي السلاح، وقيل: من الكفر على الحقيقة أي لا يكفر بعضهم بعضًا (^٤)، وفي الحديث أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم على بعض بالسيوف فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (^٥) وليس المراد به الكفر بالله، وفي الحديث أيضًا: \"من أيضًا: \"من أتى حائضا فقد كفر ومن أتى امرأة في دبرها فقد كفر\" (^٦).\nوفيه أيضًا \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" (^٧)، ومعنى: \"عندكم من الله\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، وتحفة الأبرار (٢/ ٥٤٤).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٤٤.\n(^٣) أخرجه: البخاري (٤٤٠٢)، ومسلم (١١٩ و١٢٠ - ١٦) عن ابن عمر.\n(^٤) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٥).\n(^٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠١.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٦٣٩)، وأبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، والنسائي في الكبرى (٨٩٦٧) و(٨٩٦٨) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع: ٥٩٣٩، الصَّحِيحَة: ٣٣٨٧، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ٣٠٤٤.\n(^٧) أخرجه البخاري (٤٨) و(٦٠٤٤) و(٧٠٧٦)، ومسلم (١١٦ و١١٧ - ٦٤) عن ابن مسعود.","vol":"10","page":32},{"text":"الله فيه برهان\" أي تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمر في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم (^١).\nقوله: \"اسمعوا وأطيعوا\" قال العلماء: يجب طاعة الأمراء فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية فإن كان معصية فلا سمع ولا طاعة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم\" معناه: نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار لا نداهن فيه أحدا ولا نخافه ولا نلتفت إلى لائميه، ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية فإن خاف من ذلك على نفسه أو ماله أو غيره سقط الإنكار بيده ولسانه ووجب كراهته بقلبه وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير وحكى القاضي عياض عنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقا في هذه الحالة وغيرها قاله النووي في شرح مسلم (^٣).\n\n٣٤٧٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - على كل ميسم من الْإِنْسَان صَلَاة كل يَوْم فَقَالَ رجل من الْقَوْم هَذَا من أَشد مَا أنبأتنا بِهِ قَالَ أَمرك\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٣٠).","vol":"10","page":33},{"text":"بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَلاة وحملك عَن الضَّعِيف صَلَاة وإنحاؤك القذى عَن الطَّرِيق صَلَاة وكل خطْوَة تخطوها إِلَى الصَّلَاة صَلَاة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله - ﷺ -: \"على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم\" الحديث، الميسم العلامة وتقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.\n\n٣٤٧٩ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - أَن أُنَاسًا قَالُوا يَا رَسُول الله ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ يصلونَ كمَا نصلي وَيَصُومُونَ كمَا نَصُوم وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُول أَمْوَالهم قَالَ أَو لَيْسَ قد جعل الله لكم مَا تصدقُونَ بِهِ إِن بِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة وَبِكُل تَكْبِيرَة صَدَقَة وَبِكُل تَحْمِيدَة صَدَقَة وَبِكُل تَهْلِيلَة صَدَقَة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة وَنهي عَن مُنكر صَدَقَة رَوَاهُ مسلم وَغَيره (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٠٦)، والبزار كما في الكشف (٩٢٦)، وأبو يعلى (٢٤٣٤)، وابن خزيمة (١٤٩٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٩٦ رقم ١١٧٩١). قال البزار: لا نعلمه، عن ابن عباس إلا عن سماك، عن عكرمة عنه.\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٤: رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط، والصغير بنحوه، وزاد فيها: \"ويجزي من ذلك كله ركعتا الضحى\". ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٧٦)، وضعيف الترغيب (١٠٧٦) و(١٣٨٦) و(١٧٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣ - ١٠٠٦)، وابن ماجه (٩٢٧)، وابن حبان (٨٣٨) و(٣٣٧٧). ولم يدرج المصنف تحته شرحًا.","vol":"10","page":34},{"text":"٣٤٨٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ فضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان أَو أَمِير جَائِر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلهم عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر\" الحديث، ففي هذا الحديث والأحاديث بعده دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الجهاد المفترض على المسلمين وأنه في الأئمة الجائرين والأمراء الظالمين أفضل أنواعه لأنه يعرض نفسه فيه للقتل ويجود بها لله تعالى (^٢)، ولهذا جاء في المستدرك من حديث جابر عن النبي قال: \"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله\" (^٣) وخرج البزار\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي (٧٦٩)، وأحمد ٣/ ١٩ (١١٣١٢) و٣/ ٦١ (١١٧٦٥)، وعبد بن حميد (٨٦٤)، وابن ماجه (٤٠١١)، وأبو داود (٤٣٤٤)، والترمذي (٢١٧٤)، وأبو يعلى (١١٠١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه ابن جدعان، صالح الحديث. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٩١) وصحيح الترغيب (٢٣٠٥)، والمشكاة (٣٧٠٥ - ٣٧٠٦)، والروض النضير (٩٠٩).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و(٣/ ١٩٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٥٠١ - ٥٠٢ رقم ٩٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه حفيد الصفار، لا يدرى من هو؟ قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٨): فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٧٤) وصحيح الترغيب (٢٣٠٨).","vol":"10","page":35},{"text":"عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله ﷿ قال: \"رجل قام إلى وال جار فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله\" (^١).\nقال الشيخ شهاب الدين بن النحاس، قلت: وإنما كان أكرم الشهداء لأن الشرط في الشهيد في سبيل الله أن يبذل نفسه لتكون كلمة الله هي العليا وهذا قد بذل نفسه لذلك غير أن الأول قد شفي نفسه ببسط يده إلى العدو فقتل عزيزا وهذا قد تعرض للقتل مع كف يده فقتل ذليلا فجازاه الله تعالى على ذله فيه بإكرامه له هذا ما يظهر والله أعلم أ. هـ (^٢).\nوقال الخطابي (^٣): إنما صار هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو وكان مترددا بين رجاء وخوف لا يدرني هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمر بالمعروف فقد تعرض للتلف [وأهدف] نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف.\nلطيفة: اتفق الشيخ نور الدين البكري على بن يعقوب [بن جبريل] وكان ورعا علامة صالحا نظارا متصوفا نظارا أوصي إليه ابن الرفعة أن يكمل ما\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٢٨٥)، والطبراني في الشاميين (٣٥٤١). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله - ﷺ - بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، عن أبي عبيدة، ولا نعلم له طريقا، عن أبي عبيدة غير هذا الطريق، ولم أسمع أحدا سمى أبا الحسن الذي روى عنه محمد بن حمير. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٧٢: رواه البزار، وفيه ممن لم أعرفه اثنان.\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨ - ٢٩).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ٣٥٠).","vol":"10","page":36},{"text":"بقي من شرحه على الوسيط وهو من صلاة الجمعة إلى البيع لما علمه من أهليته لذلك دون غيره فلم يتفق له ذلك لما غلب عليه من التخلي والانقطاع غالبا بالأعمال الجيزية بسبب ما اتفق له مع الملك الناصر محمد بن قلاوون أنه دخل عليه فقال له قال رسول الله: \"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر\" وأنت جائر ظالم لم تفعل كذا وكذا، فأمر السلطان بقطع رأسه فحصل للشيخ جزع، فشفع فيه الحاضرون، فقال السلطان: والله ما أردت بهذا القول إلا تجربته هل هو مخلص في أمره ثم رسم أن لا يقيم بالقاهرة ولا بمصر فأقام بالجيزة إلى أن مات سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ومن شعره:\nكن يا علي على الطريق الأقوم ... وأذعن بخلاف الأنام وسلم\nودع النفس والعوى عنك بمعزل ... والوجه منك أقم لدين قيم (^١)\n\n٣٤٨١ - وَعَن أبي عبد الله طَارق بن شهَاب البَجلِيّ الأحمسي أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي - ﷺ - وَقد وضع رجله فِي الغرز أَي الْجِهَاد أفضل قَالَ كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢) الغرز بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة\n_________\n(^١) شذرات الذهب (٦/ ٦٤)، الدرر الكامنة (٣/ ٢١٤ - ٢١٥)، وحسن المحاضرة (١/ ٤٢٣ - ٤٢٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣١٤ (١٩١٣٠) و٤/ ٣١٥ (١٩١٣٢)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٣٧ (٤٢٤٧)، وفي الكبرى (٧٧٨٦)، والدولابي في الكنى والأسماء (٤٢٧)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٦٨ رقم ٧١٧٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٠٦)، الصحيحة (٤٩١)، المشكاة (٣٧٠٥).","vol":"10","page":37},{"text":"وَسُكُون الرَّاء بعدهمَا زَاي هُوَ ركاب كور الْجمل إِذا كَانَ من جلد أَو خشب وَقيل لَا يخْتَص بهما.\nقوله: وعن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي (^١)، هو: أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة الكوفي البجلي الأحمسي بالحاء والسين المهملتين منسوب إلى أحمس بن الغوث بن أنمار أدرك الجاهلية وصحب النبي - ﷺ - وغزا في زمن أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين أو ثلاثًا وأربعين غزوة روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة وروى عنه جماعة من التابعين سكن الكوفة وتوفي سنة ثلاث وثمانين وتقدم الكلام عليه مبسوطًا.\nقوله: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - وقد وضع رجله في الغرز، فذكر الحديث، الغرز ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: لا يختص بهما وقيل هما للكور مطلقا مثل الركاب للسرج (^٢).\n\n٣٤٨٢ - وعن أبي أمامة - ﵁ - قال: \"عَرَضَ لرسول الله - ﷺ - رجلٌ عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أيُّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سألهُ، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجلهُ في الغَرْزِ ليركب. قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: كلمة حق تُقالُ عند ذي سُلطان جائرٍ\" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥١ ترجمة ٢٦٨).\n(^٢) مجمل اللغة (١/ ٦٩٣)، ومشارق الأنوار (٢/ ١٣١)، والنهاية (٣/ ٣٥٩).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥١ (٢٢٥٨٨) و(٢٢٦٣٧) و٥/ ٢٥٦ (٢٢٧٣٥)، والفاكهى في أخبار مكة (٢٦٤١)، وابن ماجه (٤٠١٢)، والرويانى (٢/ ٢٧٠ و٢٧٢)، والطبراني في الأوسط =","vol":"10","page":38},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة يعني الباهلي، تقدم الكلام عليه.\nقوله: عرض لرسول الله - ﷺ - رجل عند الجمرة الأولى، فذكر الحديث إلى أن قال فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، الحديث، جمرة العقبة هي حد منى من الغرب وليست من منى وهي التي بايع النبي - ﷺ - الأنصار عندها على الإسلام والهجرة، قال الشافعي ﵀: الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى فمن رمى في المجتمع اجزأه أو رمى في السائل فلا ذكره النووي في تحريره (^١).\n\n٣٤٨٣ - وَعَن جَابر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ سيد الشُّهَدَاء حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَرجل قَامَ إلَى إِمَام جَائِر فَأمره وَنَهَاهُ فَقتله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن حذيفة، تقدم الكلام عليه.\n_________\n= (٢/ ١٦٦ رقم ١٥٩٦) و(٧/ ٥٢ رقم ٦٨٢٤)، والكبير (٨/ ٢٨٢ رقم ٨٠٨١)، والبغوى في الجعديات (٣٣٢٦)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٠١٠)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٦٧ رقم ٧١٧٤)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٨٦).\nوقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٠٧) والصحيحة (٤٩١)، والروض النضير (٩٠٩).\n(^١) المجموع شرح المهذب (٨/ ١٧٦)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٥٦).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و(٣/ ١٩٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٥٠١ - ٥٠٢ رقم ٩٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه حفيد الصفار، لا يدرى من هو؟ قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٨): فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٧٤) وصحيح الترغيب (٢٣٠٨).","vol":"10","page":39},{"text":"قوله: \"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه\" فيه الترغيب في الإقدام على القتل والتعرض له وهو أمر مندوب إليه كما تقدم لكنه إذا خاف شيئًا من ذلك وغلب على ظنه وقوعه سقط عنه الوجوب ونقل الاستحباب وهي رتبة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، ولا ينالها إلا من جاد بنفسه لله الكريم وقد اختار جماعة من السلف العزلة والانفراد خوفا من عجزهم عن تغيير ما يشاهدونه من المنكرات في الخلطة (^١).\nوقد روى عن أبي بكر الصديق حديث غريب وهو أنه قال: يا رسول هل من جهاد غير قتال المشركين فقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم يا أبا بكر إن لله ﷿ مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء يرزقون يمشون على الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة\" فقال أبو بكر - ﵁ -: ومن هم يا رسول الله؟ قال: \"هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمتحابون في الله والمبغضون في الله\" ثم قال: \"والذي نفسي بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلاث مائة باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل منهم ليتزوج ثلاثمائة حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن لينظر إليها فتقول له أتذكر يوم كذا أمرت بمعروف ونهيت عن منكر، كلما التفت إلى واحدة منهن ذكرت له كل مقام أمر فيه بالمعروف أو نهي فيه عن المنكر\" (^٢)، أ. هـ فدلت الآيات والأخبار على فضل الأمر\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١٠٧).\n(^٢) قال العراقى في تخريج الإحياء (ص ٧٨٦): لم أقف له على أصل، وهو منكر.","vol":"10","page":40},{"text":"بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى محله وعلى الترغيب في القيام به وعلى شرف أهله وعلى أنه واجب على كل مسلم استطاع سواء كان الآمر رجلًا أو امرأة أو عبدا كما عليه إجماع الأمة ولذلك كان السلف - ﵃ - لا تأخذهم في الله لومة لائم ذكره ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n\n٣٤٨٤ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا كَمثل قوم استهموا على سفينة فَصَارَ بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا فَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلهَا إِذا استقوا من المَاء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا لَو أَنا خرقنا فِي نصيبنا خرقا وَلم نؤذ من فَوْقنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِن أخذُوا على أَيْديهم نَجوا ونجوا جَمِيعًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\nقوله: وعن النعمان بن بشير - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"مثل القائم في حدود الله والواقع فيها\" الحديث.\nقوله: \"القائم في حدود الله\" هو القائم في إزالتها ودفعها وإنكارها (^٣).\nقوله: \"مثل قوم استهموا\" أي: اتخذ كل واحد منهم سهما، أي: نصيبا من السفينة بالقرعة (^٤).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٩٣) و(٢٦٨٦)، والترمذي (٢١٧٣)، وابن حبان (٢٩٧ و٢٩٨ و٣٠١).\n(^٣) رياض الصالحين (ص ٨٣).\n(^٤) اللامع الصبيح (٧/ ٥١١).","vol":"10","page":41},{"text":"قوله: \"فكان الذين في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها\" يمر بالماء أي بالبول والغائط في أعلاها ليطرحها على البحر فيؤذيهم به (^١).\nقوله: \"وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا\" يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عنهما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده قاله ابن الأثير (^٢).\nأي منعوهم من الخرق نجي الآخذون ونجى المأخوذون وهكذا إن أقيم الحدود فتحصل النجاة للكل وإلا هلك العاصي بالمعصية وغيرهم بترك الإقامة وفيه تعذيب العامة بذنوب الخاصة واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أنه يجب على الجار أن يصبر على شيء من أذى جاره خوف ما هو أشد منه قاله الكرماني (^٣). ومعنى الحديث: أن القوم إذا كان فيهم من يأتي المنكر فتركوه مع ما أراد هلك وهلكوا جميعا وإذا أقاموا العدل ونهوا عن الفساد خلصوا وخلص المفسدون فالهلاك هو السكوت والمداهنة والنجاة في الدنيا والآخرة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانظر كيف كان الأخذ على أيدي المفسدين والإنكار عليهم ومنعهم ما أراده سببًا لنجاتهم أجمعين وقس على هذا فإنما ضرب الله ورسوله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون (^٤).\n_________\n(^١) شرح المصابيح (٥/ ٣٦٤).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٨).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١١/ ٥٩).\n(^٤) تنبيه الغافلين (ص ٢٣).","vol":"10","page":42},{"text":"واعلم أن في تمثيل النبي - ﷺ - هذا في الحديث جملة من الفوائد منها أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي آلة النجاة في الدنيا وكما أن سكوت شركاء السفينة عن السفينة الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة بل وفي الدنيا كما في الأحاديث.\nومنها أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد إنما أفسد فيما يخصني كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر إنما أجنى على ديني لا على دينكم وعليكم أنفسكم ولي عملي ولكم عملكم ونحو هذا الكلام فيما يجري على ألسنة الجاهلين لأن شؤم فعله وسوء عاقبة فساده يشملهم أجمعين.\nومنها أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببا لنجاة أهل السفينة كلهم كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائما بفرض الكفاية عنهم وكان سببا لنجاة المسلمين جميعا من الإثم وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك. ومنها: أنه إذا أنكر منكر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل والجهل بعواقب هذا الفعل إذ المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره فذلك كذلك لا يعترض على منكر المنكر إلا من عظم حمقه وقل عقله وجهل عواقب المعصية وشؤمها إذا المنكر قائم","vol":"10","page":43},{"text":"بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره وهو ساع لسبب نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج.\nومنها: أن من سكت عن خرق الشريك للسفينة مع استطاعته حتى غرقت أثم فيما نزل به ومات عاصيا بإهلاك نفسه.\nومنها: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره ولا الصالح منهم من الطالح كذا إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يتميز بين مرتكب الإثم وغيره ولا بين الصالح منهم وغيره.\nومنها: أنه لا يقدم أحد من الشركاء على خرق السفينة إلا من هو أحمق يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح ويجهل عاقبة فعله الشنيع كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه وجهل ما فيها من عظيم الإثم وأليم العقاب إذ لو علم حق العلم أنه يفعل في دينه بمعصيته من الفساد ما يفعله خارق السفينة فيها لما قدم على المعصية أبدا.\nومنها: أنه لا يقدم على خرق السفينة إلا من آمن يقينا ما في خرقها من هلاكه إذ لا يقدم على هلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه، كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وعيد الله له وأليم عذابه على الزنا ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وهذه قريبة من التي قبلها والله أعلم (^١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٨٨ - ٨٩).","vol":"10","page":44},{"text":"٣٤٨٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته ويقتدون بأَمْره ثمَّ إِنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل رَوَاهُ مُسلم الْحوَاري هُوَ النَّاصِر للرجل والمختص بِهِ والمعين والمصافي (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره\" أي: ما من رسول من الرسل المتقدمة ويعني بذلك غالب الرسل لا كلهم بدليل الحديث الآخر \"يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد\" فهذا العموم وإن كان مؤكدا بمن بعد النفي فهذا مخصص بما ذكرناه (^٢)، أ. هـ. الحواري: هو الناصر للرجل والمختص به والمعين والمصافي، أ. هـ قاله المنذري.\nوقال الأزهري وغيره: الحواريون هم أصفياء الأنبياء وقيل هم أنصارهم وقيل هم المجاهدون وقيل الحواري المخلص في حب نبيه الخالص من كل عيب وحواري الدقيق النقي الذي تنخل، وقال ابن الأنباري: هم المختصون المفضلون وقيل غير ذلك (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٠ - ٥٠)، وابن حبان (١٧٧) و(٦١٩٣).\n(^٢) المفهم (٢/ ١).\n(^٣) إكمال المعلم (١/ ٢٩١)، والنهاية (١/ ٤٥٨)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٢٨).","vol":"10","page":45},{"text":"قوله: \"يأخذون بسنته ويقتدون بأمره\" والسنة هي الطريقة والسيرة.\nقوله: \"ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون\" الحديث.\nقوله: \"ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف\" الرواية \"إنها\" بهاء التأنيث وهي عائدة إلى الأمة أو الطائفة، ويحتمل الضمير في أنها هو الذي تسميه النحويون ضمير الشأن والقصة ومعنى تخلف تحدث وهي بضم اللام وأما الخلوف بضم الخاء فهو جمع خلف بفتح الخاء وسكون اللام وهو القرن بعد القرن واللاحق بعد الأسبق وقيل هو الخالف بشر ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (^١) وأما الخلف بفتح اللام فهو الخالف بخير وهذا هو الأشهر وجوز بعضهم في كل واحد منهم الفتح والإسكان (^٢)، أ. هـ.\nيقال خلف فلان فلانا إذا كان خليفته وأخلفه أي جاء بعده ومنه سمي الخليفة لأنه يخلف غيره ويقوم مقامه قاله عياض (^٣)، والمراد به ها هنا الخلف بعد السلف والخلوف الحضور والمتخلفون وذكر في النهاية الخلف بالتحريك والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالسكون في الشر كما تقدم ومن السكون حديث ابن مسعود ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف انتهى (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٦٩.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢٨).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٨).\n(^٤) النهاية (٢/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"10","page":46},{"text":"فاختر يا هذا لنفسك إما أن تكون خلف الحواريين والأنبياء فتكون رفيقهم في دار القرار أو خلف الفاسقين والأشقياء فترد معهم دار البوار إذ الساكت عن المنكر مع إمكان الإنكار شريك في الاسم يرد مع شريكه النار، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\nقوله: \"فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\" الحديث، معناه: أن أدنى مراتب أهل الإيمان أن تضطرب قلوبهم لظهور المنكر ويكون منه (في جهد) وعناء حتى لا يستقر ولا ينقطع النزاع عنها، فإن استقرت على ذلك وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان وسمة المؤمنين فسمتهم أذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية عرية عن الصفات النورانية (^٢).\nففي هذا الحديث الحث البالغ على اتباع السنة والتمسك بها والنهي العظيم عن مخالفة القول العمل لما فيه من الجرأة على المخالفة مع العلم، وقد جاء \"إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان\" (^٣).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٢٤).\n(^٢) الميسر (١/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٢ (١٤٥) و١/ ٤٤ (٣١٦)، وعبد بن حميد (١١)، والبزار (٣٠٥)، والفريابي في صفة المنافق (٢٤ و٢٥ و٢٦) والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٧٢ رقم ١٦٤١) عن عمر. وقال الدارقطني في العلل (٢٤٦): والموقوف أشبه بالصواب والله أعلم. وقال الذهبي: هذا حديث مقارب الإسناد لم يخرجوه في الكتب الستة وميمون فيه لين. وأخرجه البزار (٣٥١٤)، وابن حبان (٨٠)، والطبراني (١٨/ ٢٣٧ رقم ٥٩٣) عن عمران =","vol":"10","page":47},{"text":"وقوله: \"ليس من وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\" محمول على المبالغة الشديدة في ترك جهادهم وفي ذلك دليل على تفاوت درجات الإيمان وهو الذي اختاره النووي والمحققون. أ. هـ.\n\n٣٤٨٦ - وَعَن زَيْنَب بنت جحش - ﵂ - أَن النَّبِي - ﷺ - دخل عَلَيْهَا فَزعًا يَقُول لا إِلَه إِلَّا الله ويل للْعَرَب من شَرّ قد اقْترب فتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مثل هَذِه وَحلق بَين أصبعيه الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا فَقلت يَا رَسُول الله أنهلك وَفينَا الصالحون قَالَ نعم إِذا كثر الْخبث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن زينب بنت جحش - ﵂ - أن النبي - ﷺ - دخل عليها فزعا يقول لا إله إلا الله\" وروى الجماعة إلا أبا ذر من حديث زينب أيضًا قالت: خرج رسول الله - ﷺ - يوما فزعا محمرا وجهه يقول: \"لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب\"، زينب بنت حجش بن [رئاب الأسدية (^٢)، تكنى أم الحكم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ -، وكانت زينب قديمة الإسلام، ومن المهاجرات مع رسول الله - ﷺ -، تزوجها رسول الله - ﷺ - في سنة خمس من الهجرة، قاله قتادة، والواقدي، وبعض أهل المدينة وقال ابن\n_________\n= بن حصين. قال البزار: وهذا الكلام لا نحفظه إلا عن عمر بن الخطاب - ﵁ - واختلفوا في رفعه عن عمر فذكرناه، عن عمران إذ كان يختلف في رفعه عن عمر، وإسناد عمر إسناد صالح، فأخرجناه عن عمر، وأعدناه عن عمران لحسن إسناد عمران. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠١٣) وصحيح الترغيب (١٣٢ و١٣٣ و٢٣٣٠).\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٦) و(٣٥٩٨) و(٥٢٩٣) و(٧٠٥٩) و(٧١٣٥)، ومسلم (١ و٢ - ٢٨٨٠)، والترمذي (٢١٨٧)، وابن ماجه (٣٩٥٣)، وابن حبان (٣٢٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٦ ترجمة ١١٦٥).","vol":"10","page":48},{"text":"المسيب، وأبو عبيدة، وخليفة بن خياط: تزوجها رسول الله - ﷺ - سنة ثلاث. وروى ابن سعد أنه تزوجه لهلال ذى القعدة سنة خمس من الهجرة، وهى بنت خمس وثلاثين سنة، وكانت قبل رسول الله - ﷺ - تحت زيد بن حارثة مولى رسول الله - ﷺ -، ثم طلقها فاعتدت، ثم زوجها إليه ﷾ رسول الله - ﷺ -، فأنزل فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (^١)، وكانت تفتخر على نساء رسول الله - ﷺ - وتقول: زوجنى الله ﷿ من السماء. وكانت امرأة صناعا تعمل بيدها وتتصدق به في سبيل الله ﷿، وعن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، أن الله ﷿ زوجها نبيه - ﷺ - في الدنيا، ونطق به القرآن، إن رسول الله - ﷺ - قال لنا ونحن حوله: \"أسرعكن بى لحوقا أطولكن باعا\"، فبشرها رسول الله - ﷺ - بسرعة لحوقها به - ﷺ -، وهى زوجته في الجنة. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد رسول الله - ﷺ - نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، رحمها الله تعالى، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي - ﷺ - إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله. ومناقبها كثيرة.\nتوفيت سنة عشرين وهى بنت ثلاث وخمسين سنة، ذكره ابن سعد، وأجمع أهل السير أنها أول نساء رسول الله - ﷺ - موتًا بعده، ودفنت بالبقيع فيما بين دار عقيل ودار ابن الحنفية، قاله ابن سعد، وصلى عليها عمر بن\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.","vol":"10","page":49},{"text":"الخطاب، ﵄، ونزل في قبرها أسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش، ومحمد بن طلحة بن عبد الله، وهو ابن أختها حمنة، فكلهم محارم لها، ﵂، وهى أول امرأة جعل عليها النعش، أشارت به أسماء بنت عميس، كانت رأته في الحبشة، وكان عمر، ﵁، يطلع إلى شيء يسترها، فأشارت به أسماء. روى لها عن رسول الله - ﷺ - أحد عشر حديثًا، والمشهور الذي عليه الجمهور أنها توفيت سنة عشرين. وقال خليفة بن خياط: سنة إحدى وعشرين].\nقوله - ﷺ -: \"ويل للعرب من شر قد اقترب\" المراد بالويل هنا الحزن قاله ابن عرفة (^١)، وقال أبو هريرة: ويل لهم من إمارة الصبيان يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب\" (^٢) وإنما خصص العرب بالذكر لأن معظم مفسدتهم راجع إليهم وقد وقع ما أخبر به حيثما يقال إن يأجوج هم الترك وقد أهلكوا الخليفة المعتصم وجرى ما جرى ببغداد (^٣).\nفأخبر ﵊ بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة وصار ذلك في غيرهم من الترك والعجم وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته عليه الصلاة\n_________\n(^١) التذكرة (ص ١٠٦٢).\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١٠٢٠) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١٤/ ٩).","vol":"10","page":50},{"text":"والسلام وما جاء به من الدين والإسلام فيما لم يشكروا والنعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا وسلب بعضهم أموال بعض سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (^١) (^٢).\nقوله: \"فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين أصبعيه الإبهام والتي تليها\" الحديث، والردم السد الذي بناه ذو القرنين يقال ردمت الثلمة ردما إذا سددته (^٣).\nقول: \"مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها\" هذا إخبار وتفسير من الصحابة الذين شاهدوا إشارة النبي، ثم إن الرواة بعدهم عبروا بإصطلاح الحساب فقال سفيان: وعقد بيده عشرة أي جعل إصبعيه كالحلقة وعقد وهيب بيده تسعين وعقد التسعين أو العشرة من موضوعات الحساب وهو أن يجعل رأس الإصبع السبابة في وسط رأس الإبهام وبضمها حتى لا يبين بينهما إلا خلل يسير وهذا تقريب في العبارة (^٤).\nوالحاصل أن الذي فتحوه قليل وهم مع ذلك لا يلهمهم الله تعالى أن يقولوا غدا نفتحه إن شاء الله تعالى فإذا قالوا خرجوا، روى البزار من حديث يوسف بن مريم الحنفي قال: بينا أنا قاعد مع أبي بكرة - ﵁ - إذ جاء رجل فسلم عليه فقال: أما تعرفني فقال أبو بكرة: ومن أنت؟ قال: تعلم رجلا أتى\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ٣٨.\n(^٢) التذكرة (ص ١٠٦٢).\n(^٣) النهاية (٢/ ٢١٦)، والكواكب الدرارى (١٤/ ٩)، وعمدة القارى (١٥/ ٢٣٨).\n(^٤) إكمال المعلم (٨/ ٤١٢ - ٤١٣)، والنهاية (١/ ٤٢٧ و٢/ ٢١٦).","vol":"10","page":51},{"text":"النبي فأخبره أنه رأى الردم فقال له أبو بكرة: أنت هو! قال: نعم، فقال: اجلس حدثنا قال: انطلقت إلى ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه فدخلت بيتا فاستلقيت فيه على ظهري وجعلت رجلي على جداره فلما كان عند غروب الشمس سمت صوتا لم أسمع مثله، فرعت فقال لي رب البيت لا تذعرن فإن هذا لا يضرك شيء، هذا صوت قوم منصرفون هذه الاسعة عند هذا السد، قال: فيرك ان تراهم، قلت: نعم قال: فغدوت إليه قال: فإذا لبنة من حديد كل واحد مثل الصخرة وإذا كانه البرد المحبر وإذا مسامير مثل الجذوع فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته فقال لي: \"صف لي\" فقلت: كأنه البرد المحبر فقال رسول الله - ﷺ -: \"من سره أن ينظر على رجل قد أتى الردم فلينظر إلى هذا\" قال أبو بكرة صدق (^١). أ. هـ.\nوروى الإمام محمد بن الربيع الجيزي، في مسند من دخل مصر من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كنت عند رسول الله - ﷺ - أخدمه، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله - ﷺ -، فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال - ﷺ -: \"ما لي ولهم يسألونني عما لا أدري إنما أنا عبد لا\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٦٦٨). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه عن رسول الله - ﷺ - إلا أبو بكرة، ولا نعلم له طريقا عن أبي بكرة غير هذا الطريق.\nوقال الهيثمي في المجمع: رواه البزار، عن شيخه عمرو بن مالك، تركه أبو زرعة وأبو حاتم، ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويغرب، وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني في الضعيفة (١٠٧٠): ضعيف جدًا.","vol":"10","page":52},{"text":"علم لي إلا ما علمني ربي ﷿\" ثم قال - ﷺ -: \"ابغني وضوءا\" فتوضأ. ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر. ثم قال - ﷺ -: \"اذهب فأدخلهم ومن وجدت من أصحابي بالباب فأدخله معهم\" قال: فأدخلتهم، فلما رفعوا إلى رسول الله - ﷺ - قال: \"إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا، وإن شئتم تكلموا به وأخبركم\". فقالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلم قال - ﷺ -، قال: \"جئتم تسألونني عن ذي القرنين، وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم إن أول أمره أنه غلام من الروم أعطي ملكا، فسار حتى بلغ ساحل أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الاسكندرية، فلما فرغ من بنائها، أتاه ملك فعرج به حتى استقله، فرفعه ثم قال له: انظر ماذا ترى تحتك، قال: أرى مدينتي وأرى مدائن معها، ثم عرج به وقال: انظر ماذا تحتك قال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن فلا أعرفها، ثم زاد فقال: انظر فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى معها غيرها فقال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، والذي ترى محيطا بها هو البحر. وإنما أراد ربك ﷿ أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا. وسوف يعلم الجاهل ويثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين، وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد، ثم جاء يأجوج ومأجوج ثم قطعهم فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد قوما قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق","vol":"10","page":53},{"text":"يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المحيط بالأرض\" فقالوا: نشهد أن أمره كان هكذا كما ذكرت وإنا نجده هكذا في كتبنا (^١)، أ. هـ.\nقوله: \"يأجوج ومأجوج\" الحديث يأجوج ومأجوج فيهما لغتان الهمز والبدل قرئ في السبع بالوجهين الجمهور بترك الهمز فمن همزها جعلهما من أجيج النار وهو ضوءها وحرارتها وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين (^٢)، قال مقاتل هم ولد يافث بن نوح وقال الضحاك من الترك وقال أيضًا وهب بن منبه هم جيل من الترك وقيل هم من ولد آدم من غير حواء (^٣) وعن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت ابن منبه يقول: إن سام بن نوح [أبو العرب وفارس والروم، وإن حام أبو السودان، وأن يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج، وهو بنو عم الترك] (^٤)، وقال كعب: احتلم آدم - ﵇ - فاختلط ماؤه\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد الحكم فتوح مصر ٥٨ - ٦٠، ويحيى بن سلام في تفسيره (١/ ٢٠٦٩)، وأبو الشيخ في العظمة (٩٦٧)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن سعد بن مسعود التجيبي، عن شيخين من قومه عن عقبة بن عامر. وذكره الدميرى في حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٤٩).\n(^٢) معاني القرآن (٣/ ٣١٠)، وتهذيب اللغة (١١/ ١٥٩ - ١٦٠)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٩٨)، والمفهم (٢٣/ ٦٢)، ولسان العرب (٢/ ٢٠٧)، والتوضيح (١٩/ ٣٤٨)، وفتح الباري (١٢/ ١٠٦)، وعمدة القارى (١٥/ ٢٣٢)، وحياة الحيوان (٢/ ٥٥٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٨).\n(^٤) تاريخ الطبري (١/ ٢٠١).","vol":"10","page":54},{"text":"بالتراب فأسف فخلق الله منها يأجوج ومأجوج وفيه نظر لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون (^١) وقال في شرح مشارق الأنوار: يأجوج ومأجوج من أولاد يافث وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم (^٢)، قيل: كانوا يأكلون الناس ويخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئًا أخضر إلا أكلوه ويمرون بالدجلة فيشربونها حتى تصير يابسة فيمر بها الذين من بعدهم فيقولون لقد كان بهذا المكان ماء مرة وهم على صنفين طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر، وروي يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويظهرون على الأرض ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله نغفا في أقفائهم أي دودا فيدخل في آذنهم فيموتون (^٣) انتهى.\nواختلف في يأجوج ومأجوج هل أرسل إليهم أم لا وهل هم من ذرية آدم أم لا الصحيح أنه لم يرسل إليهم وأنهم من ذرية آدم بدليل الحديث الذي ورد أن الله تعالى يوم القيامة يا آدم أخرج بعث النار فيقول يا رب ومن بعث النار فيقول من ذريتك يأجوج ومأجوج من كل ألف من الآدميين واحد ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعين، فهذا بعث النار، ولو لم يكونوا من ذريته لما أمر بإخراجهم إذ لا ولاية له على غير ذريته والله أعلم، روى الطبراني من حديث حذيفة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذلك يأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى فارس من ولده\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٨)، وحياة الحيوان (٢/ ٥٥٤).\n(^٢) الكشاف (٢/ ٧٤٦).\n(^٣) الكشاف (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٨).","vol":"10","page":55},{"text":"[صنف منهم كالأرز] طولهم مائة وعشرون ذراعا وصنف منهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخارسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس\" وقال علي - ﵁ -: صنف منهم في طول الشبر وصنف منهم مفرط الطول، لهم مخالب الطير، وأنياب كأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعورهم تقيهم الحر والبرد، ولهم آذان عظام إحداهما وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد الذي بناه ذو القرنين، حتى إذا كادوا ينقبونه يعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا إن شاء الله، فينقبونه ويخرجون وتتحصن الناس منهم بالحصون، فيرمون إلى السماء فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم. والنغف هو الدود الذي يكون في أنوف الإبل، وفي رواية: إن يأجوج ومأجوج فيهم من طوله الشبر والشبران وفيهم من هو أطول من ذلك ومنهم من له ذنب وقرن وأنياب بارزة ومنهم من مشيته وتب ويأكلون سائر اللحوم نية بغير شيء ولا صلق ويأكلون لحوم الناس من بني آدم وجميع خشاش الأرض وكانوا بل ذلك يغيرون على الحصون والمدن حتى إذا أخربوها حتى سد عليهم ذو القرنين وسيفتحونه آخر الزمان كما أخبر الله ﷿ ويأكل بعضهم بعضا والزلازل عندهم كثير، أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (^١)، وسئل شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى: هل يأجوج ومأجوج من ولد حواء ﵍، وكم ثبت أنه يعيش كل واحد\n_________\n(^١) كنز الدرر (٢/ ٨٩ - ٩٠).","vol":"10","page":56},{"text":"منهم؟ فأجاب: هم ولد حواء ﵉ عند أكثر العلماء، وقيل: إنهم من ولد آدم غير حواء فيكونون إخواننا من الأب ولم يثبت في قدرهما شيء، أ. هـ، وقد نقل الحافظ أبو عمر بن عبد البر مكن الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح وأن النبي - ﷺ - سئل عن يأجوج ومأجوج هل بلغتهم دعوتك يا رسول الله فقال: \"جزت ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا فهم جل أهل النار\" روى الشيخان والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: \"يقول الله تعالى يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك\" قال: \"يقول: أخرج بعث النار\" قال: \"وما بعث النار؟ \" قال: \"من ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة، فذلك حين يشب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى\" الآية، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل، فقال: \"أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل\" (^١) الحديث، قال العلماء: إنما خص آدم بالذكر دون غيره لأنه أب للجميع (^٢)، أ. هـ.\nفائدة: روى أبو نعيم (^٣) عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى أن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما ويحملان العنقود الواحد من العنب فيمكثون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٨) و(٤٧٤١) و(٦٥٣٠)، ومسلم (٣٧٩ و٣٨٠ - ٢٢٢)، والنسائي في الكبرى (١١٢٧٦).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥).\n(^٣) حلية الأولياء (٦/ ٢٤ - ٢٥).","vol":"10","page":57},{"text":"على ذلك عشر سنين ثم يبعث الله ريحا طيبة فلا تدع مؤمنا ولا مؤمنة إلا قبضت روحه ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج حتى يأتي أمر الله والساعة وهم على ذلك وقالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر أي يتسافدون والهرج كثرة النكاح يقال: بات يهرجها ليله جميعًا (^١).\nقولها: فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون، قال: \"نعم إذا كثر الخبث\" أنهلك بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها وهو ضعيف أو فاسد ذكره النووي في شرح مسلم (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"قال: نعم إذا كثر الخبث\" الحديث، والخبث بفتح الخاء والباء وبالثاء المثلثة، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور، والفجور الميل إلى الفساد وقيل: الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (^٣) وقيل: المراد الزنا خاصة وقيل المراد أولاد الزنا (^٤) وبهذا القول جزم ابن بطال في شرح البخاري في أول كتاب الفتن فقال: وفسر العلماء الخبث بأولاد الزنا (^٥)، ثم قال: فإذا ظهر ظهرت المعاصي ولم [تغير] وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها فإن لم يفعلوا فقد تعرضوا للهلاك إلا [أن] الهلاك\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٥٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٣).\n(^٣) سورة الانفطار، الآية: ١٤.\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٥).\n(^٥) شرح ابن بطال (٨/ ٤٧٤) و(١٠/ ٦).","vol":"10","page":58},{"text":"طهاة للمؤمنين ونقمة على الفاسقين، وبهذا قال السلف، وروي ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها واحتج بفعل أبي الدرداء في خروجه من أرض معاوية حين أعلن [بالربا] وهو من الكبائر وأجاز بيع سقاته الذهب بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض [أنت بها] (^١)، قال النووي: وقولها: \"أنهلك وفينا الصالحون\" تقدم ذكره ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون (^٢).\nقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^٣) وقال القرطبي: في هذا الحديث تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب وأول ذلك قتل عثمان ولذلك أخبر عنه بالقرب ثم لم يزل ذلك كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمة كالقصعة بين الأكلة كما في الحديث الآخر: \"أوشك أن يتداعي عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها\" (^٤) قال: ذلك مخاطبا للعرب.\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٠/ ٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٤).\n(^٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٢٩٧) عن ثوبان. وصححه الألباني في المشكاة (٥٣٦٩)، الصحيحة (٩٥٨).","vol":"10","page":59},{"text":"وقال لهم أيضًا: \"إني لأرى مواقع الفتن في بيوتكم كمواقع القطر\" (^١).\nوالظاهر والله أعلم أن المراد بالخبث المعاصى مطلقا، ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون، قلت: هذه سنة الله الماضية في خلقه أن العذاب إذا نزل يعم ولا يميز ولهذا أمر الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالخروج من بين قومهم قبل نزول العذاب مع لاح القدرة لنجاتهم وإن قعدوا ولكن لا تبديل لسنة الله تعالى، ولذا جاء في الصحيح أن النبي - ﷺ - لما مر بالحِجْر (ديار ثمود) قال: \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أن يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين\" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي (^٢)، أي رفع رأسه إلى السماء حيرة وتعوذا مما جرى عليهم أو أطرق رأسه فلم يلتفت في كلتا الحالتين يمينا وشمالا لئلا يقع بصره عليها وقيل قنع رأسه أي سترها بقناع كالطيلسان والله أعلم (^٣).\nفي قوله \"أنهلك وفينا الصالحون\" الحديث دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون فأما إذا كثر المفسدون وقل الصالحون\n_________\n(^١) المفهم (٢٣/ ٦١ - ٦٢). والحديث أخرجه البخاري (١٨٧٨) و(٢٤٦٧) و(٣٥٩٧) و(٧٠٦٠)، ومسلم (٩ - ٢٨٨٥) عن أسامة بن زيد.\n(^٢) أخرجه البخاري في الصلاة (٤٣٣) و(٣٣٨٠ و٣٣٨١) و(٤٤١٩ و٤٤٢٠) و(٤٧٠٢)، ومسلم (٣٨ و٣٩ - ٢٩٨٠) عن ابن عمر.\n(^٣) تحفة الأبرار (٢/ ٢٨١)، وكشف المناهج (٤/ ٣٥٤)، وشرح المصابيح (٥/ ٣٥٩) لابن ملك.","vol":"10","page":60},{"text":"هلك المفسدون والصالحون معهم إذا لم يأمروا ولم يكرهوا وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^١) [بل يعم] شؤمها من تعاطاها ورضيها هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٢) و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ (^٣): ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٤) وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب؟ فالجواب: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على من رآه أن يغيره إما بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك إذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطيع سوى ذلك أما إذا كره الصالحون ما صنع المفسدون وأخلصوا كراهيتهم لله تعالى وتبرأوا من ذلك حسب ما يلزمهم ويجب لله عليهم غير معتدين سلموا قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ (^٥) الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (^٦) الآية، وقال ابن عباس: قد أخبرنا الله ﷿ عن هذين ولم يخبرنا عن الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.\n(^٣) سورة المدثر، الآية: ٣٨.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(^٥) سورة هود، الآية: ١١٦.\n(^٦) سورة الأعراف، الآية: ١٦٥.","vol":"10","page":61},{"text":"مُهْلِكُهُمْ﴾ (^١) الآية، فالصالحون هم الذين أطاعوا الله وعملوا بما أمرهم وانتهوا عما نهاهم، أ. هـ قاله القرطبي (^٢).\nتتمة: في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"أن الله تعالى إذا أنزل بقوم العذاب أصاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم\" وفي رواية: \"على نياتهم\" (^٣) قال ابن بطال (^٤): هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش لما قالت: \"أنهلك وفينا الصالحون\" فيكون هلاك الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي ويكون ذلك العذاب العام طهرة للمؤمنين ونقمة للفاسقين، أ. هـ.\nوخرج الإمام أحمد عن خرشة بن الحارث عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تشهد قتيلًا لعله أن يكون مظلومًا فتصيبه السخطة\" وفي الحديث الآخر: \"فتنزل السخطة عليهم فتصيبه معه\" (^٥) فهذه الأحاديث تدلك على أن العذاب إذا\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٦٤.\n(^٢) التذكرة (ص ١٠٦٢ - ١٠٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١٠٨)، ومسلم (٨٤ - ٢٨٧٩).\n(^٤) شرح الصحيح (١٠/ ٥٣).\n(^٥) أخرجه أحمد ٤/ ١٦٧ (١٧٥٢٢)، والبزار (٣٣٣٧ - كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢١٨ رقم ٤١٨١)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص ٥٣٢) وأبو نعيم (٢٥٤٩) عن خرشة بن الحارث. قال البزار: لا نعلم روى خرشة إلا هذا الحديث بهذا الإسناد.\nوقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٤: رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: \"فعسى أن يقتل مظلوما؛ فتنزل السخطة عليهم، فتصيبه معهم\". وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥٠٥).","vol":"10","page":62},{"text":"نزل عم الصالح والطالح (^١)، أ. هـ.\n\n٣٤٨٧ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قلت يَا رَسُول الله إِن الله أنزل سطوته بِأَهْل الأَرْض وَفِيهِمْ الصالحون فيهلكون بهلاكهم فَقَالَ يَا عَائِشَة إِن الله ﷿ إِذا أنزل سطوته بِأَهْل نقمته وَفِيهِمْ الصالحون فيصيرون مَعَهم ثمَّ يبعثون على نياتهم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله: قالت: قلت يا رسول الله إن الله أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم، فقال: \"يا عائشة إن الله ﷿ إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون فيصيرون معهم ثم يبعثون على نياتهم\" وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قيل يا رسول الله: \"أتهلك القرية وفيها الصالحون\" قال: \"نعم\"، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: \"يتهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله تعالى\".\nقوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أوحى الله تعالى إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا على أهلها فقال يا رب إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين\" فقال: أقلبها عليه\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٩٠).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٧٣١٤)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٢٤٢)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٧٨ رقم ٧١٩٣). وقال الألباني: صحيح لغيره - \"الصحيحة\" (١٦٢٢ و٢٦٩٣)، وصحيح الترغيب (٢٣١٢)، وصحيح الجامع (١٧١٠).","vol":"10","page":63},{"text":"وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط\" (^١).\n\n٣٤٨٨ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشكن الله يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا مِنْهُ ثمَّ تَدعُونَهُ فَلَا يستجيب لكم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).\nقوله: وعن حذيفة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقابا منه\" الحديث، ليوشكن معناه ليسرعن.\n\n٣٤٨٩ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يحقرن أحدكُم نَفسه قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف يحقر أَحَدنَا نَفسه قَالَ يرى أَن عَلَيْهِ مقَالا ثمَّ لَا يَقُول فِيهِ فَيَقُول الله ﷿ يَوْم الْقِيَامَة مَا مَنعك أَن تَقول فِي كذَا وَكَذَا فَيَقُول خشيَة النَّاس فَيَقُول فإياي كنت أَحَق أَن تخشى رَوَاهُ ابْن مَاجَه\n_________\n(^١) أخرجه ابن الأعرابى في المعجم (٢٠١٦)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٣٦ رقم ٧٦٦١)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٧٤ رقم ٧١٨٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عمار بن سيف، تفرد به: عبيد بن إسحاق العطار. وقال الهيثمي ٧/ ٢٧٠: رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبيد بن إسحاق العطار عن عمار بن سيف، وكلاهما ضعيف، ووثق عمار بن سيف ابن المبارك وجماعة، ورضي أبو حاتم عبيد بن إسحاق. وقال الألباني: ضعيف جدًا الضعيفة (١٩٠٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٨ (٢٣٧٧٥) و٥/ ٣٩١ (٢٣٨٠٢)، والترمذي (٢١٦٩)، وابن خزيمة في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٣٧٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٩ - ١٦٠ رقم ٢٠١٩٩) والشعب (١٠/ ٥٤ رقم ٧١٥٢)، والبغوي (٤١٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣١٣)، والمشكاة (٥١٤٠).","vol":"10","page":64},{"text":"وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"فيقول الله ﷿ يوم القيامة ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول: خشية الناس فيقول [فإياي] كنت أحق أن تخشى\" الحديث.\nوفي حديث أبي سعيد الخدري وفي آخره فبكى أبو سعيد، وقال: قد رأينا أشياء فهبنا، فهذا الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار (^٢).\nفإن قدر على إنكار المنكر لكن خاف على نفسه ضررا من هلاك أو غيره\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٣٢٠)، وأحمد ٣/ ٣٠ (١١٤٢٧) و٣/ ٤٧ (١١٦١٦) و٣/ ٧٣ (١١٨٧٨) و٣/ ٩١ (١٢٠٤٨)، وعبد بن حميد (٩٧١ و٩٧٢)، وابن ماجه (٤٠٠٨)، والأصم في مجموعه (٤١٤)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٣٧ - ١٣٨ رقم ٤٨٨٧) و(٥/ ٢٤٠ رقم ٥١٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٤)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٥ رقم ٢٠١٨٤) والشعب (١٠/ ٦٢ رقم ٧١٦٤).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عبد الله المرادي إلا شريك، تفرد به: إسحاق الأزرق. وقال في الموضع الثاني: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أبي أنيسة إلا عبيد الله بن عمرو.\nوقال الدارقطني في العلل (٢٣٣٦): يرويه عمرو بن مرة، عن أبي البختري، واختلف عنه؛ فرواه زبيد اليامي، وعمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد. وخالفهما شعبة، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن رجل لم يسمه عن أبي سعيد. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٧٢) وضعيف الترغيب (١٣٨٧).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٥٤).","vol":"10","page":65},{"text":"ففيه احتمالان أحدهما: لا يجب لقوله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^١) فإذا جاز النطق بكلمة الكفر عند الخوف والإكراه وهو في معنى ترك إنكار المنكر لذلك، والثاني: يجب لعموم قوله \"فليغيره\" ولقوله ﵊ \"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقول الله ﷿: \"ما منعك إذا رأيت كذا وكذا أن تنكره فيقول يا رب خشيت الناس فيقول الله ﷿: أنا كنت أحق أن تخشى\" وهذا يقتضي أن لا يسقط الإنكار عند الخوف وإن أمن على نفسه (^٢).\n\n٣٤٩٠ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يُؤمن عبد حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٣).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين\" وفي الحديث أيضًا \"حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين\".\nاعلم أن محبة الشخص إما لاتصافه بالصفات الحميدة وإما لاشتماله على محاسن خلقته كالحسن والجمال وإما لقرابة ككونه والدا أو ولدا وقد اجتمع ذلك كله في النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ١٠٦.\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٦٩ و٧٠ - ٤٤)، وابن ماجه (٦٧)، وابن حبان (١٧٩).","vol":"10","page":66},{"text":"وقال ابن بطال وغيره: المحبة ثلاثة أقسام محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس فجمع - ﷺ - أصناف المحبة، فمن استكمل الإيمان علم أن حق النبي - ﷺ - آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين (^١).\nقال الكرماني: إنما خصص الولد والوالد بالذكر لكونهما أعز خلق الله تعالى على الرجل غالبا وربما يكونان أعز من نفس الرجل فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل وكأنه قال حتى أكون أحب إليه من أعزته فإن قلت: فهل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى فمعنى لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين وإن كان فيه هلاكه (^٢).\nواعلم أن محبة الرسول - ﷺ - إرادة فعل طاعته وترك مخالفته وهي من واجبات الإسلام قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ (^٣) (^٤) أ. هـ.\nوقال أبو سليمان الخطابي: لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفدي في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك (^٥).\n_________\n(^١) شرح الصحيح (١/ ٦٦) لابن بطال، وإكمال المعلم (١/ ٢٨٠)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٥).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٢٤.\n(^٤) الكواكب الدرارى (١/ ٩٨).\n(^٥) أعلام الحديث (٤/ ٢٢٨٢)، وشرح السنة (١/ ٥١)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٥).","vol":"10","page":67},{"text":"وعن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي - ﷺ - وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال: \"ومن نفسك يا عمر\" فقال: ومن نفسي، فقال النبي - ﷺ -: \"الآن يا عمر\" (^١) [فمحبة رسول الله - ﷺ - آكد على الإنسان من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لأن به - ﷺ - استنقذنا من النار فهدانا من الضلال] (^٢) وهذا كله تصريح بأن هذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم بل ميل إلى المعتقد تعظيمه ويعلق القلب به فتأمل هذا الفرق فإنه صحيح ومع ذلك فقد خفي على كثير من الناس وعلى هذا فمعنى الحديث والله أعلم: أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل وأرجحيته للنبي - ﷺ - لم يكمل إيمانه هذا كلام القاضي (^٣)، قال الإمام القرطبي: على أني أقول: إن كل من صدق بالنبي - ﷺ -، وآمن به إيمانا صحيحا، لم يخل عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبي - ﷺ -؛ غير أنهم في ذلك متفاوتون:\nفمنهم: من أخذ من تلك الأرجحية بالحظ الأوفى؛ كما قد اتفق لعمر - ﵁ - حين قال: ومن نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان حين قالت للنبي - ﷺ -: لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلها إلي، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. . . الحديث، وكما قال عمرو بن العاص: لقد رأيتني وما أحد أحب إلي من رسول الله - ﷺ -، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٩٤) و(٦٢٦٤) و(٦٦٣٢).\n(^٢) شرح الصحيح (١/ ٦٦).\n(^٣) هذه عبارة القرطبي كما في المفهم (١/ ١٤١)، والتوضيح (٢/ ٥٢١).","vol":"10","page":68},{"text":"إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه، ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولا شك في أن حظ أصحابه من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم بقدره أعظم؛ فالمحبة ثمرة المعرفة، فتقوى وتضعف بحسبها.\nومن المؤمنين: من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثر الأوقات؛ فهذا بأخس الأحوال، لكنه إذا ذكر بالنبي [- ﷺ - أو بشيء من] فضائله، اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته، بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره ومواضع آثاره، على أهله وماله وولده، ووالده، ونفسه والناس أجمعين، فيخطر له هذا ويجده وجدانا لا شك فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات؛ ويخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبة، حتى لا يوجد منها حبة، فنسأل الله الكريم، رب العرش العظيم: أن يمن علينا بدوامها وكمالها، وألا يحجبنا عنها قاله الإمام القرطبي (^١) أحمد بن عمر.\nقال القاضي عياض: ومن محبته - ﷺ - نصر سنته والذب عن شريعته وتمني حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبي - ﷺ - ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل ومن لم يعتقد هذا أو اعتقد ما سواه فليس بمؤمن هذا كلام القاضي (^٢).\n_________\n(^١) المفهم (١/ ١٤٢).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٢٨٠ - ٢٨١).","vol":"10","page":69},{"text":"٣٤٩١ - وَعَن جرير - ﵁ - قَالَ بَايَعت النَّبِي - ﷺ - على السّمع وَالطَّاعَة فلقنني فِيمَا اسْتَطَعْت والنصح لكل مُسلم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الدّين النَّصِيحَة قَالَه لَهُ ثَلَاثًا قَالَ قُلْنَا لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٣٤٩٢ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن أول مَا دخل النَّقْص على بني إِسْرَائِيل أَنه كَانَ الرجل يلقى الرجل فَيَقُول يَا هَذَا اتَّقِ الله ودع مَا تصنع بِهِ فَإِنَّهُ لا يحل لَك ثم يلقاه من الْغَد وَهُوَ على حَاله فَلَا يمنعهُ ذَلِك أَن يكون أكيله وشريبه وقعيده فَلَمَّا فعلوا ذَلِك ضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض ثمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (^٢) ثمَّ قَالَ كلا وَالله لتأمرن\n_________\n(^١) أما حديث جرير: أخرجه البخاري (٥٧)، ومسلم (٩٧ و٩٨ و٩٩ - ٥٥) والنسائي في المجتبى ٦/ ٦١٢ (٤٢١٢) و٦/ ٦١٣ (٤٢١٣) و(٤٢١٤) و٦/ ٦١٤ (٤٢١٥).\nوأما حديث تميم الدارى: أخرجه مسلم (٩٥ و٩٦ - ٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٢٨ (٤٢٣٥) و(٤٢٣٦)، وابن حبان (٤٥٧٤) و(٤٥٧٥). ولم يدرج المصنف تحتهما شرحًا.\n(^٢) سورة المائدة، الآيات: ٧٨ - ٨١.","vol":"10","page":70},{"text":"بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر ولتأخذن على يَد الظَّالِم ولتأطرنه على الْحق أطرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لما وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي نَهَاهُم علماؤهم فَلم ينْتَهوا فجالسوهم فِي مجَالِسهمْ وواكلوهم وشاربوهم فَضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض ولعنهم على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون فَجَلَسَ رَسُول الله - ﷺ - وَكَانَ مُتكئا فَقَالَ لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ حَتَّى تأطروهم على الْحق أطرا قَالَ الْحَافِظ روينَاهُ من طَرِيق أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وَلم يسمع من أَبِيه وَقيل سمع وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي عَبيدة مُرْسلا تأطروهم أَي تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم بِاتِّبَاع الْحق (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٣٩١ (٣٧٨٩)، وابن ماجه بإثر (٤٠٠٦)، وأبو داود (٤٣٣٦) و(٤٣٣٧)، والترمذي (٣٠٤٧) وبإثر (٣٠٤٨)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٤ و٢٠) والعقوبات (١٢)، وأبو يعلى (٥٠٣٥) و(٥٠٩٤)، والطحاوى في المشكل (١١٦٤)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٦٦ رقم ٥١٩)، والكبير (١٠/ ١٤٥ رقم ١٠٢٦٤) و(١٠/ ١٤٦ رقم ١٠٢٦٥ و١٠٢٦٦ و١٠٢٦٧ و١٠٢٦٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٩ رقم ٢٠١٩٦) والشعب (١٠/ ٤٤ - ٤٥ رقم ٧١٣٩). وأخرجه ابن ماجه (٤٠٠٦) والترمذي (٣٠٤٨)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٤٣ رقم ٧١٣٨). قال أبو داود: رواه المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، ورواه خالد الطحان، عن العلاء، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقد روي هذا الحديث عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - نحوه، وبعضهم يقول: عن أبي عبيدة، عن النبي - ﷺ - مرسل.\nقال البيهقي: هكذا رواه سفيان الثوري، ورواه يونس بن راشد، وشريك، عن علي بن =","vol":"10","page":71},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده\" الحديث، الأكيل والشريب الذي يصاحبك في الأكل والشرب، فعيل بمعنى مفاعل والقعيد الذي يصاحبك في قعودك (^١).\nففي هذا الحديث غاية التشديد ونهاية التهديد لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين الله ﷾ أن السبب في لعنهم هو ترك التناهي عن المنكر وبين أن ذلك عصيان منهم واعتداء وأن ذلك بئس الفعل فاعتبروا يا أولي الألباب (^٢). ولا شك أن من رأى أخاه على منكر ولم ينهه عنه فقد أعانه عليه بالتخلية بينه وبين ذلك المنكر وعدم الاعتراض عليه وليس هذا من الدين في شيء إذ لا يؤمن الرجل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وإنما الدين النصيحة ومن رأى إنسانا يهوي في النار ولم ينصحه فإنما إثمه عليه (^٣).\n_________\n= بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود وقد ذكرنا إسنادهما في كتاب السنن، وروي من وجه آخر عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٠٥)، المشكاة (٥١٤٨)، وضعيف الترغيب (١٣٨٨).\n(^١) النهاية (٤/ ٨٦).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٨٣).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٨٤).","vol":"10","page":72},{"text":"قوله - ﷺ -: \"كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم\" الحديث، الأخذ على يد الظالم منعه من الظلم.\nقوله: \"ولتأطرنه على الحق أطرا\" وفي رواية الترمذي: \"حتى تأطروهم على الحق أطرا\" الحديث، تأطروهم بالهمز وبالطاء المهملة المكسورة في المضارع الساكنة في المصدر، قال الجوهري (^١): آطرت القوس آطرها أطرا إذا حنيتها وتأطر الرمح تثني وقد فسره الحافظ فقال: تأطروهم أي تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم باتباع الحق، أ. هـ.\nقال ابن النحاس ﵀: قلت يعني لا يخلصون من العذاب حتى تأطروهم والأطر الإمالة والتحريف من جانب إلى جانب يعني حتى تمنعوا الظلمة والفسقة عن الظلم والفسق وتميلوهم عن الباطل إلى الحق (^٢).\nقوله: \"فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم بعض\" الحديث يعني سود الله قلوب من لم يعص بشؤم من عصى فصارت قلوب الجميع قاسية بعيدة عن الحق من قبول الخير والرحمة بسبب المعاصي وبسبب مخالطة بعضهم بعضا (^٣)، أ. هـ.\nقال ابن النحاس ﵀: قلت في حديث ابن مسعود هذا دليل على أن من لا يستطيع غير لسانه إذا أمر أحدا بمعروف أو نهاه عن منكر ولم يرجع إليه وجب عليه أن يهجره في الله تعالى ولا يؤاكله ولا يشاربه فإذا فعل ذلك\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٥٨٠).\n(^٢) هذا كلام المظهرى كما في المفاتيح (٥/ ٢٦٩).\n(^٣) شرح المصابيح (٥/ ٣٧٥) لابن ملك.","vol":"10","page":73},{"text":"فقد وقى ما عليه وبرئ من الإثم وأما من استطاع التغيير باليد فلا يخرج من عهدة الوجوب بالهجر والله تعالى أعلم (^١).\nوذكر في بعض الكتب أن الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بالأخيار قال: \"إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم\" (^٢).\nوقال ابن سعد: إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها وإذا أعلنت فلم تغير ضرت بالعامة (^٣).\nقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^٤) وعن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يرى المنكرين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروا فلم ينكروا\" (^٥).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١٠٢) لابن النحاس.\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٩٤) للسمرقندي، والتمهيد (٢٤/ ٣١٠)، وإحياء علوم الدين (٢/ ١٥١ و٢/ ٣١١).\n(^٣) الزهد (١٣٣٠) لابن المبارك وابن سعد هو بلال بن سعد.\n(^٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.\n(^٥) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٢ (١٧٧٢٠) و(١٧٧٢٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٣١)، والدولابى في الكنى (٢٦٥)، والطحاوي في معاني الآثار (١١٧٥)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٣٨ رقم ٣٤٣)، والبغوى في شرح السنة (٤١٥٥) عن عدى بن عميرة وعند الطبراني والطحاوى عن العرس بن عميرة.\nوقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٧: رواه أحمد من طريقين، إحداها هذه، والأخرى عن عدي بن عدي حدثني مولى لنا وهو الصواب، وكذلك رواه الطبراني، وفيه رجل لم يسم، =","vol":"10","page":74},{"text":"٣٤٩٣ - وَعَن جرير بن عبد الله - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من رجل يكون فِي قوم يعْمل فيهم بِالْمَعَاصِي يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا عَلَيْهِ وَلَا يغيرون إِلَّا أَصَابَهُم الله مِنْهُ بعقاب قبل أَن يموتوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي إِسْحَاق قَالَ أَظُنهُ عَن ابْن جرير عَن جرير وَلم يسم ابْنه وَرَوَا ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه والأصبهاني وَغَيرهم عَن أبي إِسْحَاق عَن عبيد الله بن جرير عَن أَبِيه (^١).\nقوله: وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - تقدم الكلام عليه، وتقدم أيضًا الكلام على معنى الحديث.\n\n٣٤٩٤ - وَعَن أبي بكر الصّديق - ﵁ - قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تقرؤون هَذِه الْآيَة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٢).\nوَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: إِن النَّاس إِذا رَأَوْا الظَّالِم فَلم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ أوشك أَن يعمهم الله بعقاب من عِنْده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ\n_________\n= وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات. وقال في ٧/ ٣٦٨: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وقال الحافظ في الفتح (١٣/ ٤): أخرجه أحمد بسند حسن. وقال في الإصابة ٧/ ١٧٣: ورواته ثقات لكن المولى لم يسم ولا يعرف وضعفه الألباني في الضعيفة (٣١١٠).\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٦١ (١٩٤٠٦) و٤/ ٣٦٣ (١٩٤٢٩) و٤/ ٣٦٤ (١٩٤٤٣) و٤/ ٣٦٦ (١٩٤٦٦) و(١٩٤٦٧) و(١٩٤٦٩) و(١٩٤٧٠)، وأبو داود (٤٣٣٩)، وابن ماجه (٤٠٠٩)، وأبو يعلى (٧٥٠٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٧٤)، وابن حبان (٣٠٠) و(٣٠٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٩٧). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣١٦) وصححه في الصحيحة (٣٣٥٣).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.","vol":"10","page":75},{"text":"حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظ النَّسَائِيّ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن الْقَوْم إِذا رَأَوْا الْمُنكر فَلم يغيروه عمهم الله بعقاب وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من قوم يعْمل فيهم بِالْمَعَاصِي ثمَّ يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا ثم لَا يُغيرُوا إِلَّا يُوشك أَن يعمهم الله مِنْهُ بعقاب (^١).\nقوله: وعن أبي بكر الصديق - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٢)، ومعنى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أي بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله سعيد بن المسيب (^٣).\nاعلم أن هذه الآية الكريمة مما يغتر بها كثير من الجاهلين ويحملونها على غير وجهها بل الصواب في معناها والله أعلم أنكم إذا فعلتم ما أمرتم به فلا يضركم إضلال من ضل، وفي جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن\n_________\n(^١) أخرجه الحميدي (٣)، وأحمد ١/ ٢ (١) وفي ١/ ٥ (١٦) وفي ١/ ٧ (٢٩) وفي ١/ ٧ (٣٠) وفي ١/ ٩ (٥٣) وعبد بن حميد (١)، وأبو داود (٤٣٣٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، والترمذي (٢١٦٨) و(٣٠٥٧)، والنسائي في الكبرى (١١٥٩٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (١١٦٥ و١١٦٦ و١١٦٧ و١١٦٨ و١١٦٩ و١١٧٠)، وابن حبان (٣٠٤ و٣٠٥). وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٦٤) وصحيح الترغيب (٢٣١٧).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.\n(^٣) تفسير الطبري (٩/ ٥٠)، وكذلك قال حذيفة بن اليمان كما في تفسير الطبري في الموضع السابق.","vol":"10","page":76},{"text":"المنكر والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (^١) وقد جاء عن أبي عبيد أنه قال: ليس في كتاب الله تعالى جمعت بين الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية، قال بعض أهل العلم: الناسخ فيها: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال ابن المبارك: في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هو خطاب لجميع المؤمنين أي عليكم أهل دينكم كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٢) فكأنه قال: ليأمر بعضكم بعضا ولينه بعضكم بعضا بالمعروف وبالنهي عن المنكر ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين من أهل الكتاب، وقد روي معنى هذا عن سعيد بن جبير والله أعلم (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب\" الحديث، تقدم أن الآخذ على اليد عبارة عن المنع تقدم أيضًا معنى أوشك.\n\n٣٤٩٥ - وَعَن أبي كثير السحيمي عَن أَبِيه قَالَ سَأَلت أَبَا ذَر قلت دلَّنِي على عمل إِذا عمل العَبْد بِهِ دخل الْجنَّة قَالَ سَأَلت عَن ذَلِك رَسُول الله - ﷺ - قَالَ تؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر قلت يَا رَسُول الله إِن مَعَ الْإِيمَان عملا قَالَ يرْضخ مِمَّا رزقه الله قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن كانَ فَقِيرا لَا يجد مَا يرْضخ بِهِ قَالَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن كانَ عييا لَا يَسْتَطِيع أَن يَأْمر\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٩٩.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٢٩.\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٩٣ - ٩٤).","vol":"10","page":77},{"text":"بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قَالَ يصنع لأخرق قلت أَرَأَيْت إِن كَانَ أخرق أَن يصنع شَيْئا قَالَ يعين مَغْلُويًا قلت أَرَأَيْت إِن كانَ ضَعِيفا لَا يَسْتَطِيع أَن يعين مَغْلُويًا قَالَ مَا تُرِيدُ أَن يكون فِي صَاحبك من خير يمسك عَن أَذَى النَّاس فَقلت يَا رَسُول الله إِذا فعل ذَلِك دخل الْجنَّة قَالَ مَا من مُسلم يفعل خصْلَة من هَؤُلَاءِ إِلَّا أخذت بِيَدِهِ حَتَّى تدخله الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي كثير السحيمي [اسمه يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة وهو من رجال مسلم وهو الذي يقال له الأعمى].\nقوله: \"تؤمن بالله واليوم الآخر\" الإيمان في اللغة التصديق.\nقوله: \"يرضغ مما رزقه الله\" الرضخ العطية القليلة.\nقوله: \"يصنع لأخرق\" الأخرق تقدم معناه أنه الذي لا يتقن صنعة من الصنائع.\n\n٣٤٩٦ - وَرُوِيَ عَن درة بنت أبي لَهب - ﵂ - قَالَت قلت يَا رَسُول الله من خير النَّاس قَالَ أَتْقَاهُم للرب ﷿ وأوصلهم للرحم وَآمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وأنهاهم عَن الْمُنكر رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٣٧٣) واللفظ له، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٣)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٢ - ٣٣ رقم ٣٠٥٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ١٦١ (٣٠٣٣٦) والإيمان (٧٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٦٧: ١٦٥٠) ومكارم الأخلاق (٩٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٨٧) من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل، عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر. وقال الألبانى: صحيح لغيره - \"الصحيحة\" (٢٦٦٨) وصحيح الترغيب (٢٣١٨).","vol":"10","page":78},{"text":"الْكَبِير وَغَيره (^١).\nقوله: وروي عن درة بنت أبي لهب - ﵂ -[هي درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية بنت عم النبي - ﷺ - وهاجرت إلى المدينة، وكانت عند الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عقبة والوليد وأبا مسلم (^٢)] تقدم الحديث.\n\n٣٤٩٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا أَيهَا النَّاس مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أَن تدعوا الله فَلَا يستجيب لكم وَقبل أَن تستغفروه فَلَا يغْفر لكم إِن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يدْفع رزقا وَلَا يقرب أَجَلًا وَإِن الْأَحْبَار من الْيَهُود والرهبان من النَّصَارَى لما تركُوا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لعنهم الله على لِسَان أَنْبِيَائهمْ ثمَّ عموا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢١٨ (٢٥٣٩٧) و٧/ ٥٠٤ (٣٧٨٥٠) وعنه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١١٨٣) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣١٦٦)، وأحمد ٦/ ٤٣١ - ٤٣٢ (٢٨٠٧٧)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٢٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣١٦٧)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٢٧١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٥٧ رقم ٦٥٧)، والبيهقي في الزهد (٨٧٧) والشعب (١٠/ ٣٢١ رقم ٧٥٧٨)، والشجرى في الأمالى (٢/ ١٧٦).\nوقال الهيثمى في المجمع ٧/ ٢٦٣: رواه أحمد وهذا لفظه والطبراني، وزاد: قالت: كنت عند عائشة، فجيء برجل إلى النبي - ﷺ - كأنه ناداه وهو على المنبر فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قالت: فأتى الرجل فأخذ فقال: يا رسول الله، ليس لي ذنب أمرني فلان، والباقي بنحوه. ورجالهما ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٩٣) وضعيف الترغيب (١٣٨٩) و(١٤٩٢).\n(^٢) أسد الغابة (٧/ ١٠٣).","vol":"10","page":79},{"text":"بالبلاء رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^١).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله في الحديث: \"وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم\" الحديث، الربانيون هم علماء النصارى والأحبار هم العلماء جمع حبر بالفتح والكسر وكان يقال لابن عباس الحبر والبحر لعلمه وسعته والأحبار هم علماء اليهود قاله الحسن (^٢)، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وبخ الله ﷾ علماء اليهود في تركهم نهيهم فقال: ليس ما كانوا يصنعون كما وبخ من يسارع في الإثم في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٣) ودلت الآية الكريمة على أن تارك النهي عن المنكر كم ركب المنكر والآية توبيخ للعلماء في ترك الْأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^٤)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٤٤) ومن طريقه المقدسي في الأمر بالمعروف (٦٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٩٥ - ٩٦ رقم ١٣٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٨٧)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٣٠٦).\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد إلا إسحاق بن إبراهيم الجحدري، تفرد به: ابن دنوقا. قال أبو حاتم في العلل (١٩٠٨) و(٢٨٠٠): هذا حديث منكر. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٩٢) وضعيف الترغيب (١٣٩٠).\n(^٢) تفسير القرطبي (٦/ ٢٣٧).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٦٢.\n(^٤) المصدر السابق في نفس الموضع.","vol":"10","page":80},{"text":"٣٤٩٨ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا تزَال لَا إِلَه إِلَّا الله تَنْفَع من قَالهَا وَترد عَنْهُم الْعَذَاب والنقمة مَا لم يستخفوا بِحَقِّهَا قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الاستخفاف بِحَقِّهَا؟ قَالَ يظْهر الْعَمَل بمعاصي الله فَلَا يُنكر وَلَا يُغير رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا (^١).\nقوله: وروي عن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها\" الحديث، فإن قلت: لم كان ترك الإنكار والتغيير استخفافا بحق لا إله إلا الله؟ قلت: لأن سبب تركها وإن اختلفت المقاصد فيه يرجع إلى خوف أو رجاء ومن تحقق أن لا إله إلا لم يرج أحدا غير الله ولم يخف سواه ولم يخش إلا إياه لأنه لم يشهد فاعلا في الكون غير مشيئة الله ولا محركا في الوجود غير يد قدرته ولا فعلا وإن دق خارجا عن إرادته فيتكلم بالحق أينما كان لم يخف في الله لومة لائم ومن كان توحيده مشوبا برؤية الأغيار وشهود أفعالهم في الوجود وتأثير إرادتهم في الكون ألقى الشيطان عنده أنواع الوساوس وعظم في عينه أقل الناس ورجاه من هو جدير في الدنيا والآخرة بالإفلاس فترك التغيير وأعرض عن المنكر وداهن في دين الله فأسلمه ذلك إلى سوء المصير ولم يمنعه من عذاب الله لقلقة لسانه بلا إله إلا الله لأنه استخف بحقها ومقتضاها وأشرك في التصريف مع الله إلها فوحد\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهاني في الترغيب (٣٠٧)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٩٧١). وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٩١).","vol":"10","page":81},{"text":"بلسانه وأشرك بقلبه، ولو أوفى الكلمة حقها لأنكر المنكر ولم يخف غير ربه ﵎ والله أعلم قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n\n٣٤٩٩ - وَعَن حُذَيْفَة -﵁- قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول: تعرض الْفِتَن على الْقُلُوب كالحصير عودًا عودًا فَأَي قلب أشربها نكتت فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء وَأي قلب أنكرها نكتت فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء حَتَّى تصير على قلبين على أَبيض مثل الصَّفَا فَلَا تضره فتْنَة مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لَا يعرف مَعْرُوفًا وَلَا يُنكر مُنْكرًا إِلَّا مَا أشْرب من هَوَاهُ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره قَوْله مجخيًا هُوَ بميم مَضْمُومَةً ثمَّ جِيم مَفْتُوحَة ثمَّ خاء مُعْجمَة مَكْسُورَة يَعْنِي مائلا وَفَسرهُ بعض الروَاة بِأَنَّهُ المنكوس وَمعنى الحَدِيث أَن الْقلب إِذا افْتتن وَخرجت مِنْهُ حُرْمَة الْمعاصِي والمنكرات خرج مِنْهُ نور الْإِيمَان كَمَا يخرج المَاء من الْكوز إِذا مَال أَو انتكس (^٢).\nقوله: وعن حذيفة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا\" الحديث والفتن جمع فتنة، قال أبو الحسن بن سراج: ومعنى تعرض الفتن أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما تلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٩٨ - ٩٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٦ (٢٣٧٥٢) و٥/ ٤٠٥ (٢٣٩٢٢)، ومسلم (٢٣١ - ١٤٤)، والبزار (٢٨٤٤)، وأبو عوانة (٢١٣ و٢١٤)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ و٤/ ٣٦٩ - ٣٧٠ والمستخرج (٣٦٧ و٣٦٨ و٣٦٩)، والحاكم ٤/ ٤٦٨. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"10","page":82},{"text":"التصاقها به، قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار، قال القاضي عياض: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، وقال أبو زيد فتن الرجل يفتن فتونا إذا وقع في الفتنة وتحول من حالة حسنة إلى سيئة والله أعلم، قال أبو الحسن بن سراج: ومعنى تعرض الفتن أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما تلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به (^١).\nوقيل: تحيط بالقلوب يقال حصر به القوم أي أطافوا به وقيل هو عرق يمتد معترضا جنب الدابة إلى ناحية بطنها فشبه الفتن بذلك (^٢).\nوقيل: هو ثوب مزخرف منقوش إذا نشر أخذ القلوب بحسن صنعته فكذلك الفتنة تزين وتزخرف للناس، وعاقبة ذلك إلى غرور، قاله في النهاية (^٣)، وقال فيها أيضًا: \"تعرض الفتن على القلوب كالحصير\" أي: توضع عليها وتبسط كما تبسط الحصير، وقيل: هو من عرض الجند بين يدي السلطان لإظهارهم واختبار أحوالهم (^٤)، أ. هـ.\nوقوله: \"عودًا عودًا\" هذان الحرفان مما اختلف في ضبطهما على ثلاثة أوجه أظهرها وأشهرها عودًا عودًا بضم العين وبالدال المهملة وهو أحد العيدان يعني ما ينسج به الحصير من طاقاته، والثاني: بفتح العين وبالدال\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٤٥١ - ٤٥٢).\n(^٢) غريب الحديث (٢/ ٣٣٤) للخطابي، وإكمال المعلم (١/ ٤٥٣)، والنهاية (١/ ٣٩٥).\n(^٣) النهاية (١/ ٣٩٥).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٢١٥).","vol":"10","page":83},{"text":"المهلمة أيضًا والرواية بالفتح أي مرة بعد أخري، والثالث: بفتح العين وبالذال المعجمة كأنه استعاذ من الفتن ولم يذكر صاحب التحرير غير الأول (^١)، قال القاضي عياض: واختار شيخنا أبو الحسن بن سراج فتح العين والدال المهملة وقال معنى عَودًا عَودًا أي تعاد وتكرر على القلب والعود تكرير الشيء شيئًا بعد شيء، قال ابن سراج: ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه سؤال الاستعاذة منها كما يقال غفر غفرًا وغفرانك أي نسألك أن تعيذنا من ذلك وأن تغفر لنا (^٢).\nوقوله: \"كالحصير\" أي كما ينسج الحصير عودًا عودًا وشظية بعد أخري، قال القاضي عياض: وعلى هذا يترجح رواية ضم العين وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودًا أخذ آخر ونسجه نسبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد، قال القاضي عياض: وهذا معنى الحديث عندي وهو الذي يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه والله أعلم (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء\" الحديث، ومعنى اشربها أي دخلت فيه دخولًا تامًّا وألزمها وحلت منه محل الشراب ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧١ - ١٧٢).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٤٥٢).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣).","vol":"10","page":84},{"text":"الْعِجْلَ﴾ (^١) أي حب العجل ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرة أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها ومعنى \"نكتت فيه نكتة سوداء\" النكتة بالتاء المثناة فوق أي نقط فيه نقطة كالوسخ في المرآة (^٢).\nقوله: \"وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء\" ومعنى أنكرها ردها (^٣). وقوله: \"حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض\" الحديث، الصفا بالقصر الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء وإنما ضرب به المثل لأن الحجر إذا لم يكن معدنيًا لم يتغير بطول الزمان ولم يدخله لون آخر لا سيما النوع الذي ضرب به المثل فإنه أبدًا على البياض الخالص (^٤).\nقوله: \"والآخر أسود مربادًّا\" بتشديد الدال هكذا هو في هذا الحديث، وفي بعض طرق الحديث \"مربدًا\" والمربد بضم الميم وفتح الباء وتشديد الدال من الربدة وهي لون الرماد قاله جار الله العلامة (^٥)، ويريد أربد القلب من حيث المعنى لا الصورة فإن لون القلب إلى السواد ما هو قاله في النهاية (^٦).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٩٣.\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٤٥٣)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٢) والمجموع المغيث (٣/ ٣٤٩) والنهاية (٥/ ١١٤).\n(^٣) كشف المناهج (٤/ ٤٤٦).\n(^٤) الميسر (٤/ ١١٣٨).\n(^٥) الفائق (٢/ ٤١٨).\n(^٦) النهاية (٢/ ١٨٢).","vol":"10","page":85},{"text":"قوله: \"كالكوز مجخيا\" أي: منكوسًا كذا فسر في الحديث.\nقوله: \"لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه\" الحديث، المجخي قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو المائل وفسره بعض الرواة بأنه منكوس.\nوقال غيره: المجخي: المائل عن الاستقامة والاعتدال يقال: جخي الليل إذا مال ليذهب، وجخي الشيخ إذا حناه الكبر قال: لا خير في الشيخ إذا ما جخي، وفي بعض طرق هذا الحديث أن حذيفة أمال كفه عند التحدث بقوله \"مجخيا\" وفيه إشارة إلى ما أريد به من المعنى وهو أن القلب يخلو عما أودع فيه من المعارف، ومحاسن الأخلاق والأدب (^١)، أ. هـ.\nقال الحافظ: ومعنى الحديث أن القلب إذا افتتن وخرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات خرج منه نور الإيمان كما يخرج الماء من الكوز إذا مال أو انتكس، أ. هـ، وقال غيره: شبه القلب الذي لا يعي خيرًا بالكوز المائل لا يثبت فيه شيء (^٢).\n\n٣٥٠٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: إِذا رَأَيْت أمتِي تهاب أَن تَقول للظالم يَا ظَالِم فقد تودع مِنْهُم رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) الميسر (٤/ ١١٣٨).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٤٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٣ (٦٥٢١) و٢/ ١٨٩ (٦٧٧٦) و٢/ ١٩٠ (٦٧٨٤)، والترمذي في العلل (٧١٦)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٣) والعقوبات (٤٧)، والبزار (٢٣٧٤) و(٢٣٧٥)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٩٠)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٥٤ - =","vol":"10","page":86},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم\" الحديث، أي: أسلموا إلى ما استحقوه من النكير عليهم وتركوا وما استحبوه من المعاصي حتى يكثروا منها فيستوجبوا العقوبة (^١).\nومعنى هذا الحديث والله أعلم: أن الأمة إذا خلت عن القائم بكلمة الحق للظالم وغيره فقد عطلوا فرضًا أوجبه الله عليهم واشتركوا في الإثم فاستحقوا ما ذكره النبي -ﷺ- في الأحاديث من عظيم العقاب وأليم العذاب في الدنيا والآخرة ولا يدفع ذلك عنهم مجرد الإيمان باللسان والله أعلم (^٢).\n_________\n= ٤٥٥ رقم ١٤٣١٤) و(١٣/ ٤٨٢ رقم ١٤٣٥١)، وابن الأعرابي في معجمه (٧٤)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير (١٦ و٢٠)؛ والحاكم في المستدرك (٤/ ٩٦)، والبيهقي في السنن (٦/ ٩٥)، وفي شعب الإيمان (٧١٤٠).\nوقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه. وقال البزار: وهذا الحديث عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير هو الصواب عندي. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٢: رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد، إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط فلهذا لم أذكره. وقال ٧/ ٢٧٠: رواه أحمد والبزار والطبراني، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح، وكذلك إسناد أحمد إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٧٧) و(١٢٦٤) وضعيف الترغيب (١٣٩٢).\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٢٦٤)، وغريب الحديث (٢/ ٤٥٩) لابن الجوزي، والنهاية (٥/ ١٦٦).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٩٨).","vol":"10","page":87},{"text":"٣٥٠١ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ: أَوْصَانِي خليلي -ﷺ- بخصال من الْخَيْر أَوْصَانِي أَن لَا أَخَاف فِي الله لومة لائم وأوصاني أَن أَقُول الْحق وَإِن كَانَ مرًّا مُخْتَصرًا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ (^١).\n\n٣٥٠٢ - وَعَن عرس بن عميرَة الْكِنْدِيّ -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا عملت الْخَطِيئَة فِي الْأَرْض كَانَ من شَهِدَهَا وكرهها وَفِي رِوَايَة فأنكرها كمن غَابَ عَنْهَا وَمن غَابَ عَنْهَا فرضيها كَانَ كمن شَهِدَهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُغيرَة\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٢٩)، وأحمد ٥/ ١٥٩ (٢١٨١٤) و٥/ ١٧٣ (٢١٩١٧) والزهد (٤٠١)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٤٢)، والحارث (٤٦٧)، والبزار (٣٩٦٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢٧٣)، وابن حبان (٤٤٩)، والطبراني في الدعاء (١٦٤٨ و١٦٤٩ و١٦٥٠ و١٦٥١ و١٦٥٢) والأوسط (٧/ ٣٦٤ - ٣٦٥ رقم ٧٧٣٩) والصغير (٢/ ٤٨ رقم ٧٥٨) والكبير (٢/ ١٥٦ رقم ١٦٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٢٠١٨٦ و٢٥١٨٧) والشعب (٥/ ١٠٤ - ١٠٥ رقم ٣١٥٦ و٣١٥٧) و(٧/ ٢١ رقم ٤٥٩٢) و(١٠/ ٦٨ - ٦٩ رقم ٧١٧٦).\nقال البزار: ولا نعلم أسند إسماعيل بن أبي خالد، عن بديل بن ميسرة إلا هذا الحديث، وبديل لم يسمع من عبد الله بن الصامت، وإن كان قديما. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمر بن فرقد إلا علي بن حميد الدهكي، تفرد به: يعقوب الحضرمي.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث محمد بن واسع لم يوصله إلا سلام أبو المنذر. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٦٣: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط بنحوه، وأحد إسنادي أحمد ثقات. وقال ٧/ ٢٦٥: رواه الطبراني في الصغير والكبير بنحوه، وزاد: \"وأن لا أسأل الناس شيئا\"، ورجاله رجال الصحيح غير سلام أبي المنذر وهو ثقة، ورواه البزار.\nوقال الألباني: صحيح - \"الصحيحة\" (٢١٦٦) وصحيح الترغيب (٢٢٣٣) و(٢٣٢٠) و(٢٥٢٥) و(٢٨٦٨). ولم يدرج تحته في هذا الموضع شرحا.","vol":"10","page":88},{"text":"ابن زِيَاد الْموصِلِي (^١).\nقوله: وعن عرس بن عميرة الكندي -﵁- بضم العين المهملة وإسكان الراء وهما اثنان هذا والعرس بن قيس الكندي وهما صحابيان ذكرهما الحافظ أبو عمر ولم يرو له من أصحاب الستة إلا أبو داود روى له هذا الحديث خاصة والله أعلم (^٢).\nقوله: \"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها\" وفي رواية \"فأنكرها كمن غاب عنها\" الحديث، فمن شهد الخطيئة فكرهها بقلبه كان كمن لم يشهد إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده ومن غاب عنها فرضيها كما كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها لأن الرضى بالخطايا من أقبح الحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في حال ممن الأحوال انتهي، قاله ابن رجب الحنبلي (^٣)، وفي روايه: \"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من حضرها وكرهها\" الحديث، ومعنى قوله \"حضرها\" أي حضرها لضرورة أو رآها اتفاقا لأن حضور الحاضر موضعًا يرى فيه المنكر قصدًا من غير ضرورة ممنوع، ولا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣٤٥)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٣٠٩، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٣٩ (٣٤٤ = ٣٤٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٣٩١، والهروي في ذم الكلام (٣١١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣١٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٢٣)، المشكاة (٥١٤١).\n(^٢) الاستيعاب (٣/ ١٠٦٢).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٥١).","vol":"10","page":89},{"text":"يسلم الحاضر من الإثم وإن كرهه بقلبه، أ. هـ والله أعلم (^١).\n\n٣٥٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: الْإِسْلَام أَن تعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وتسليمك على أهلك فَمن انْتقصَ شَيْئا مِنْهُنَّ فَهُوَ سهم من الْإِسْلَام يَدعه وَمن تركهن فقد ولى الْإِسْلَام ظَهره رَوَاهُ الْحَاكِم وَتقدم حَدِيث حُذَيْفَة عَن النَّبِي -ﷺ- الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم الْإِسْلَام سهم وَالصَّلَاة سهم وَالزَّكَاة سهم وَالصَّوْم سهم وَحج الْبَيْت سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سهم وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان\" الحديث، تقدم تفسير هذه الألفاظ وتقدم حديث حذيفة: \"الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم والصلاة سهم\" إلى قوله:\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣١).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الإيمان (٣)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٤٠٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٤٢٩)، وابن السنى في اليوم والليلة (١٦٠)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٤٨٧)، والحاكم (١/ ٢١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٢١٧ - ٢١٨)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٢٣٠ - ٢٣١ رقم ٨٤٥٨)، والشجرى في الأمالى (١/ ٥٠). وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٢٤) والصحيحة (٣٣٣). وحديص حذيفة مر.","vol":"10","page":90},{"text":"\"والأمر بالمعروف سهم\" فانظر أيها الأخ إلى هذا السهم من الدين فقد تركه أكثر الناس واضجروا فيه مدهنين لا يلفتون وجوههم إليه ولا ويعولون في دينهم عليه كأنهم عنه لا يسألون إنا لله وإنا إليه راجعون قاله ابن النحاس (^١).\n\n٣٥٠٤ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت دخل عَليّ النَّبِي -ﷺ- فَعرفت فِي وَجهه أَن قد حَفَزَهُ شَيْء فَتَوَضَّأ وَمَا كلم أحدًا فلصقت بالحجرة أستمع مَا يَقُول فَقعدَ على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن الله يَقُول لكم مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أَن تدعوا فَلَا أُجِيب لكم وتسألوني فَلَا أُعْطِيكُم وتستنصروني فَلَا أَنْصُركُمْ فَمَا زَاد عَلَيْهِنَّ حَتَّى نزل رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة عَاصِم بن عمر بن عُثْمَان عَن عُرْوَة عَنْهُمَا (^٢).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقولها: قالت: قد دخل عليَّ رسول الله -ﷺ- فعرفت في وجهه أن قد حفزه\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٢٧).\n(^٢) أخرجه إسحاق (٨٦٤) و(١٧٩٥)، وأحمد ٦/ ١٥٩ (٢٥٨٩٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٧٨)، وابن ماجه (٤٠٠٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني (٣٨٣٠)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٧) والعقوبات (٣٦)، والبزار كما في الكشف (٣٣٠٤)، وابن حبان (٢٩٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧ رقم ٦٦٦٥)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٦٠ رقم ٢٠٢٠٠). قال البزار: لا نعلم روى عاصم بن عمر بن عثمان عن عروة إلا هذا.\nقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٦: رواه أحمد والبزار، وفيه عاصم بن عمر أحد المجاهيل. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٩٢)، وحسنه في صحيح الترغيب (٢٣٢٥) دون قوله وتسألونى فلا أعطيكم.","vol":"10","page":91},{"text":"شيء، الحديث، أي: أعجله والاحتفاز الاستيفاز (^١).\n\n٣٥٠٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا ويوقر كَبِيرنَا وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا\" الحديث، قيل: معناه ليس مثلنا أو ليس على طريقتنا فلا يصير بذلك خارجا عن الملة إلا أن يستحل ذلك.\n\n٣٥٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: كُنَّا نسْمع أَن الرجل يتَعَلَّق بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ لَا يعرفهُ فَيَقُول لَهُ مَا لَك إِلَيّ وَمَا بيني وَبَيْنك معرفَة فَيَقُول كنت تراني على الْخَطَإِ وعَلى الْمُنكر وَلَا تنهاني ذكره رزين وَلم أره (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) المجموع المغيث (١/ ٤٦٨)، والنهاية (١/ ٤٠٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٧ (٢٣٦٦)، وعبد بن حميد (٥٨٦)، وأبو زرعة الدمشقي كما في الفوائد المعللة (١٣٨)، والترمذي كما في تحفة الأشراف (٥/ ١٦٥ رقم ٦٢٠٧)، والبزار كما في الكشف (١٩٥٥ و١٩٥٦)، وابن حبان (٤٥٨) و(٤٦٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٧٢ رقم ١١٠٨٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٠٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٥٥)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥ رقم ١٠٤٧٤)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٥٢).\nوقال الترمذي: غريب. وقال البزار: وهذا بلفظ هذا لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس بهذا الإسناد وإسناد آخر. وقال في الآخر: ولا نعلم أسند نسير عن عكرمة غير هذا. وقال البغوي: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٠) و(١٣٦٧) و(١٣٩٣).\n(^٣) لم نعثر عليه في الكتب. وذكره الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٩٤).","vol":"10","page":92},{"text":"قوله: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه، فذكره إلى أن قال: كنت تراني على الخطإ وعلى المنكر ولا تنهاني، الحديث، وقد ورد أن موسى ﵊ مر على قرية وقد أهلكها الله تعالى فقال يا رب أهكلتهم وكنت أعرف فيهم رجلا صالحا فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إنه لم يغر لي، فأفاد لنا هذا الخبر أنه لو غير عليهم ما هلك ولا هلكوا، والحكمة في ذلك هو أنه مأمور بالتغيير عليهم كما أنهم مأمورون بترك ما أحدثوا من المخالفات، فلما أن وقعوا في المخالفات وسكت هو كان ذلك وقوعا منه لأنه ارتكب ما نهى عن من السكوت عند رؤية المخالفات فاستوى معهم في ارتكاب المنهيات فالواجب على كل مسلم أن ينصح أخاه المسلم ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضراتها ولأن صديق الإنسان حقيقة من أرشد صديقه إلى عمارة آخرته وإن كان فيها خراب دنياه وعدوه من أرشده إلى نقص في آخرته وإن كان فيه زيادة دنياه قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٨٤).","vol":"10","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>[الترهيب من أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر ويخالف قوله فعله]</span>\n٣٥٠٧ - عَن أُسَامَة بن زيد -﵄- قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول: يُؤْتى بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتاب بَطْنه فيدور بهَا كَمَا يَدُور الْحمار فِي الرَّحَى فيجتمع إِلَيْهِ أهل النَّار فَيَقُولُونَ يَا فلَان مَا لَك ألم تكن تَأمر بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر فَيَقُول بلَى كنت آمُر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتيه وأنهى عَن الْمُنكر وآتيه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ: قيل لأسامة بن زيد لَو أتيت عُثْمَان فكلمته فَقَالَ إِنَّكُم لترون أَنِّي لَا أكَلِّمهُ إِلَّا أسمعكم وَإِنِّي أُكَلِّمهُ فِي السِّرّ دون أَن أفتح بَابا لَا أكون أول من فَتحه وَلَا أَقُول لرجل أَنْ كَانَ عَليّ أَمِيرا إِنَّه خير النَّاس بعد شَيْء سمعته من رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: وَمَا هُوَ قَالَ سمعته يَقُول يجاء بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتابه فيدور كَمَا يَدُور الْحمار برحاه فيجتمع أهل النَّار عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ يَا فلَان مَا شَأْنك أَليْسَ كنت تَأمر بِالْمَعْرُوفِ وتنهى عَن الْمُنكر فَيَقُول كنت آمركُم بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتيه وأنهاكم عَن الشَّرّ وآتيه الأقتاب الأمعاء وَاحِدهَا قتب بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون التَّاء تندلق أَي تخرج (^١).\nقوله: عن أسامة بن زيد -﵄-، ولد أسامة بن زيد بمكة ونشأ بها حتى أدرك، لم يعرف إلا الإسلام ولم يدن بغيره، وكان رسول الله -ﷺ- يحبه حبا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٦٧) و(٧٠٩٨)، ومسلم (٥١ - ٢٩٨٩).","vol":"10","page":94},{"text":"شديدا وكان عنده كبعض أهله (^١)، وقال الدارقطني (^٢): كان أسامة مثل الليل وكان أبوه زيد أبيض أحمر أشقر، قال القاضي: قال المازري (^٣): كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد وكان زيد أبيض كذا قاله أبو داود عن أحمد بن صالح، قال القاضي (^٤): قال [غير] أحمد بن صالح: كان زيد أزهر اللون وأم أسامة أم أيمن وسامها بركة وكانت حبشية سوداء وهي حاضنة رسول الله -ﷺ- ومولاته وكنيتها بابنها أم أيمن قال النووي في صحيح مسلم (^٥): عن الزهري قال: كان من شأن أم أيمن أن أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله -ﷺ- بعدما توفي أبوه وكانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله -ﷺ- فأعتقها ثم أنكحها زيد بن حارثة ثم توفيت بعدما توفي رسول الله -ﷺ- بخمسة أشهر هذا كلام الزهري، وذكر الإمام ابن الأثير أم أيمن فقال (^٦): أسلمت قديما في أول الإسلام وهاجرت إلى الحبشة وإلى المدينة وبايعت رسول الله -ﷺ- وهي التي شربت بول رسول الله -ﷺ-، وقيل: التي\n_________\n(^١) الطبقات (٤/ ٦١)، والمنتخب من ذيل المذيل (١/ ٣٣).\n(^٢) قائل هذا إبراهيم بن سعد كما في تاريخ دمشق (٨/ ٥٢ - ٥٣)، وتهذيب الكمال (٢/ ٣٤١).\n(^٣) المعلم (٢/ ١٧٦)، وإكمال المعلم (٤/ ٦٥٦).\n(^٤) إكمال المعلم (٤/ ٦٥٦)، وشرح النووي على مسلم (١٠/ ٤١).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٠٠) وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨).\n(^٦) أسد الغابة (٧/ ٢٩٠ الترجمة ٧٣٧١) وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٨).","vol":"10","page":95},{"text":"شربته بركة جارية أم حبيبة وإنما كنيت بأم أيمن بابنها أيمن بن عبيد الحبشي كان رسول الله يقول: أم أيمن أمي بعد أمي وكان يزورها في بيتها توفيت بعد رسول الله -ﷺ- بخمسة أشهر وقيل بستة أشهر هذا كلام ابن الأثير، قال القاضي عياض (^١): وذكر بعض المؤرخين أن أم أيمن هذه كانت من سبي حبشي أبرهة صاحب الفيل لما انهزم أبرهة عن مكة أخذها عبد المطلب، قال القاضي: وهي بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان أ. هـ.\nوذكر ابن عساكر عن عبد الله بن دينار قال: كان عمر بن الخطاب إذا لقي أسامة قال له: السلام عليك أيها الأمير يعني أن رسول الله -ﷺ- مات وهو أمير فيقول أسامه وعليك السلام يا أمير المؤمنين، إليّ تقول هذا فيقول عمر لا أزال أدعوك الأمير ما عشت لأن رسول الله -ﷺ- مات وأنت أمير عليّ (^٢).\nواختلفوا في وفاته فحكى ابن سعد عن الواقدي قال: قبض رسول الله -ﷺ- ولأسامة عشرون سنة وكان قد سكن وادي القرى بعد رسول الله -ﷺ- ثم نزل المدينة فمات بالجرف في آخر وفاته معاوية بن أبي سفيان فحمل إلى المدينة ولم يذكر السنة التي مات فيها (^٣) وقال أبو معشر: مات أسامة بالجرف في سنة تسع وخمسين فحمل على أعناق الرجال فدفن بالبقيع، وقيل: غير ذلك،\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٤/ ٦٥٦ - ٦٥٧).\n(^٢) تاريخ دمشق (٨/ ٧٠).\n(^٣) الطبقات (٤/ ٧٢).","vol":"10","page":96},{"text":"وليس من الصحابة من اسمه أسامة بن زيد غيره، وتقدم الكلام على نسبه وكم روى من الأحاديث.\nقوله -ﷺ-: \"يقول يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه\" الحديث، تندلق: أي تخرج قاله الحافظ، وقال غيره: تندلق والإندلاق الخروج بسرعة يقال اندلق السيف أي خرج من غمده (^١)، والأقتاب: الأمعاء وهى المصارين على أحد التفاسير واحدها قتب بكسر القاف وسكون التاء وقال الأصمعي واحدها قتبة ويقال له أيضا الأقصاب واحدها قصب قاله أبو عبيد (^٢)، ومنه الحديث \"أن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة لجار قصبه في النار\" (^٣).\nقوله: \"فيدور بها كما يدور الحمار برحاه\" الرحى فيه وجهان المد والقصر والقصر أشهر، قاله الجوهري في صحاحه (^٤).\nقوله: في رواية مسلم: قيل لأسامة بن زيد: لو أتيت عثمان فكلمته، أي فيما وقع من الفتنة بين الناس والسعي في إطفائها برمتها.\nقوله: إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، أي تظنون أني لا أكلمه إلا بحضوركم، وفي بعضها: بلفظ المصدر أي لا وقت سمعكم.\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٩/ ٤٦)، والميسر (٣/ ١٠٩٧).\n(^٢) غريب الحديث (٢/ ٣٠ - ٣١).\n(^٣) النهاية (٤/ ٦٧).\n(^٤) الصحاح (٦/ ٢٣٥٣).","vol":"10","page":97},{"text":"قوله: وإني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه، الحديث، فقوله: (إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم) وفي بعض النسخ: (بسمعكم) وكله بمعنى أي تظنون أني لا أكلمه إلا وأنتم تسمعون (^١).\nوقوله: (إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه) الحديث، أي: من أبواب الفتن أي أكلمه طلبا للمصلحة لا تهييجا للفتنة وغرضه أنه لا يريد المجاهرة بالإنكار على الأمراء يعني المجاهرة بالإنكار على الإمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان وفيه الأدب واللطف بهم ووعظهم سرا وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا وهذا كله إذا أمكن ذلك فإن لم يمكن الوعظ سرا والإنكار فليفعله علانية لئلا يضيه أصل الحق ذكره النووي في شرح مسلم (^٢).\nقوله: ولا أقول لرجل أن كان علي أميرًا إنه خير الناس، بفتح الهمزة الأولى مخففة أي من أجل قاله عياض (^٣).\n\n٣٥٠٨ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي رجَالًا تقْرض شفاههم بمقاريض من النَّار فَقلت من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ الخطباء من أمتك الَّذين يأمرون النَّاس بِالْبرِّ وينسون أنفسهم وهم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٨)، والكواكب الدرارى (١٢/ ١٩٤ - ١٩٥)، وعمدة القارى (١٥/ ١٦٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٨).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٤٣).","vol":"10","page":98},{"text":"يَتلون الْكتاب أَفلا يعْقلُونَ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\n\n٣٥٠٩ - وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أبي الدُّنْيَا مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي على قوم يقْرض شفاههم بمقاريض من نَار كلما قرضت عَادَتْ فَقلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلَاءِ قَالَ خطباء من أمتك يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في المسند (٢٧) (١٣٢) والزهد (٨١٩)، ووكيع في الزهد (٢٩٧) وعنه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٣٣٥ (٣٦٥٧٦) وأحمد في الزهد (٢٤٤) والمسند ٣/ ١٢٠ (١٢٢١١) و٣/ ١٨٠ (١٢٨٥٦)، والطيالسي (٢١٧٢)، وأحمد (١٣٤٢١)، وابن شاذان في الثاني من أجزائه (٣٩)، وعبد بن حميد (١٢٢٢)، وابن أبي الدنيا في ذم الكذب (٤٥)، والبزار طكا في كشف الأستار (٣٣٢١)، والحارث (٢٦)، وأبو يعلى (٣٩٩٢) و(٣٩٩٦)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٣١ رقم ٤١١) و(٢/ ١٧٠ - ١٧١ رقم ٢٨٣٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٨٦) و(٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩) و(٨/ ٤٣ - ٤٤) و(٨/ ١٧٢)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٨ رقم ٤٦١١) و(٧/ ٣٩ رقم ٤٦١٤) والبغوي (٤١٥٩).\nقال البزار: لا نعلم رواه عن علي بن زيد غير حماد بن سلمة. قال الدارقطني في العلل (٣١٩٢): حدث به حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس. وخالفه عمر بن قيس، سندل، فرواه عن علي بن زيد، عن ثمامة، عن أنس، وهو الصواب. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٧٦: رواها كلها أبو يعلى والبزار ببعضها والطبراني في الأوسط، وأحد أسانيد أبي يعلى رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩١) وصحيح الترغيب (١٢٥) و(٢٣٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٠٢)، وابن أبي الدنيا في ذم الكذب (١٠٨)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٣٢٢). قال البزار: لا نعلم رواه عن قتادة، عن أنس، إلا عمر بن نبهان، ولا عنه إلا جعفر. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٢٧).","vol":"10","page":99},{"text":"٣٥١٠ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ أتيت لَيْلَة أسرِي بِي على قوم تقْرض شفاههم بمقاريض من نَار فَقلت من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ خطباء أمتك الَّذين يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويقرؤون كتاب الله وَلَا يعْملُونَ بِهِ (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام على أنس.\nقوله: \"مررت ليلة أسري بي برجالا تقرض شفاههم بمقاريض من النار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال الخطباء من أمتك\" الخطباء جمع خطيب وهو الذي يعظ الناس ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويخالف قوله فعله ويخالف تفسير له في خصوص هذا الحديث لا مطلقا [فالتوبيخ بسبب ترك فعل المعروف لا بسبب الأمر بالمعروف].\n\n٣٥١١ - وَعَن الْحسن -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من عبد يخْطب خطْبَة إِلَّا الله سائله عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة مَا أردْت بهَا قَالَ فَكَانَ مَالك يَعْنِي ابْن دِينَار إِذا حدّث بِهَذَا بَكَى ثمَّ يَقُول أتحسبون أَن عَيْني تقر بكلامي عَلَيْكُم وَأَنا أعلم أَن الله سائلي عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ مَا أردْت بِهِ فَأَقُول أَنت الشَّهِيد على قلبِي لَو لم أعلم أَنه أحب إِلَيْك لم أَقرَأ على اثْنَيْنِ أبدًا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ مُرْسلا بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١ رقم ١٦٣٧) و(٧/ ٣٩ رقم ٤٦١٣)، والخطيب في اقتضاء العلم (١١١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٢٧).\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد (١٩٢٢) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٣/ ٢٨٠ رقم ١٦٤٩)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٥١٠)، والخلعي في الفوائد (٣٢٨). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢١٢٢) وضعيف الترغيب (١٠٢) و(١٣٩٥).","vol":"10","page":100},{"text":"قوله: وعن الحسن -﵁- يعني البصري تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من عبد يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة\" الخطبة المراد بها الموعظة والتخويف بها.\nقوله: فكان مالك بن دينار إذا حدث بهذا بكي، مالك بن دينار.\nقوله: رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين، قال إبراهيم النخعي إني أكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٢) الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (^٣) (^٤).\nوالقاص في هذه الآيات يدل على ما ذكرناه من الأحاديث على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف والمنكر بوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف لأحكامه وهو ممن لم يتنفع بعلمه وقد جاء عن النبي -ﷺ-: \"أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٤٤.\n(^٢) سورة الصف، الآية: ٢.\n(^٣) سورة هود، الآية: ٨٨.\n(^٤) بستان العارفين (١/ ٣١٠)، وتفسير القرطبي (١/ ٣٦٧)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٥٤).\n(^٥) التذكرة (ص ٨٩٣ - ٨٩٤)، وتفسير القرطبي (١/ ٣٦٦). والحديث: أخرجه ابن وهب في الثامن من بقية مسنده (١١٤)، الدينوري في المجالسة (٩٠)، والآجرى في أخلاق العلماء =","vol":"10","page":101},{"text":"٣٥١٢ - وَرُوِيَ عَن الْوَليد بن عقبَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: إِن نَاسا من أهل الْجنَّة ينطلقون إِلَى أنَاس من أهل النَّار فَيَقُولُونَ بِمَ دَخَلْتُم النَّار فوَاللّه مَا دَخَلنَا الْجنَّة إِلَّا بِمَا تعلمنا مِنْكُم فَيَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نقُول وَلَا نَفْعل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: وروي عن الوليد بن عقبة (^٢) -﵁-[هو أبو وهب الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى القريشي الأموي، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها البيضاء أم حكيم\n_________\n= (ص ٨٦)، والطبراني في الصغير (١/ ٣٠٥ رقم ٥٠٧)، وابن عدى في الكامل (٣/ ٤٧٤) و(٦/ ٢٦٩)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤ رقم ١٦٤٢) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٠٧٩)، وابن عساكر في ذم من لا يعمل بعلمه (٥ و٦).\nقال الطبراني: لم يروه عن المقبري إلا عثمان البري. قال ابن عبد البر: وهو حديث انفرد به عثمان البري، لم يرفعه غيره وهو ضعيف الحديث معتزلي المذهب فيما ذكروا ليس حديثه بشيء. قال ابن عساكر: عثمان هو ابن مقسم البري. والحديث غريب، ورواه علي بن ثابت الجزري عن عثمان بن مقسم فزاد في إسناده أبا سعيد كيسان المقبري. وضعفه اللبانى جدا في الضعيفة (١٦٣٤) وضعيف الترغيب (١٠٦).\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٣٧ رقم ٩٩)، والكبير (٢٢/ ١٥٠ رقم ٤٠٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٥١٠)، والخطيب في اقتضاء العلم (٧٣). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد إلا أبو بكر الداهري، تفرد به: زهير. وقال الهيثمي ١/ ١٨٥ و٧/ ٢٧٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو بكر عبد الله بن حكيم الداهري، وهو ضعيف جدًّا. وضعفه جدًّا الألباني في الضعيفة (١٢٦٨) وضعيف الترغيب (١٣٩٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤٥ - ١٤٦ ترجمة ٦٦٩).","vol":"10","page":102},{"text":"بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-، فالوليد أخو عثمان بن عفان لأمه، أسلم يوم فتح مكة هو وأخوه خالد بن عقبة. قال ابن عبد البر: أظنه لما أسلم كان قد ناهز الحلم. وقال ابن ماكولا: كان طفلا. وقال غيرهما: كان كبيرا، وبعثه رسول الله -ﷺ- على صدقات بنى المصطلق. قال ابن عبد البر: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (^١) نزلت في الوليد بن عقبة، وذلك أن رسول الله -ﷺ- بعثه مصدقا إلى بنى المصطلق، فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعو الصدقة؛ لأنهم خرجوا إليه يتلقونه وهم متقلدون السيوف فرحا وسرورا بقدومه، فخافهم فرجع وأخبر النبي -ﷺ- بردتهم، فبعث إليهم رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد، فأخبروه الخبر وأنهم مسلمون، فنزلت الآية.\nقال: ومما يرد قول من قال: كان صغيرا، أن الزبير بن بكار وغيره من علماء السير ذكروا أن الوليد وعمارة ابنى عقبة خرجا من مكة ليردا أختهما أم كلثوم بنت عقبة عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة يوم الحديبية قبل الفتح، فمن يكون صغيرًا يوم الفتح لا يقوى لرد أخته قبل ذلك، ثم ولاه عثمان الكوفة، وكان من رجال قريش ظرفا، وحلما، وشجاعة، وكرما، وأدبا، وكان شاعرا، وهو الذى صلى صلاة الصبح بأهل الكوفة أربع ركعات، فقال: أزيدكم، وكان سكران، قال ابن عبد البر: وخبر صلاته\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ٦.","vol":"10","page":103},{"text":"سكران قوله: أزيدكم، بعد أن صلى بهم الصبح أربعا، مشهور من رواية الثقات من أهل الحديث، ولما شهدوا عليه بالشرب أمر عثمان فجلد وعزل من الكوفة، واستعمل عليها بعده سعيد بن العاص، ولما قتل عثمان اعتزل الوليد الفتنة، وأقام بالرقة إلى أن توفى بها، وله بها عقب. روى عنه ثابت بن الحجاج، والشعبي، وغيرهما].\nقوله -ﷺ-: \"إن ناسا من أهل الجنة ينطلقون إلى أناس من أهل النار فيقولون بم دخلتم النار فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم\" الحديث، تقدم الكلام على قوله بم في حديث بلال في قوله: \"بم سبقتني إلى الجنة فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة\" (^١).\n\n٣٥١٣ - وَعَن أبي تَمِيمَة عَن جُنْدُب بن عبد الله الْأَزْدِيّ صَاحب رَسُول الله -ﷺ- -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: مثل الَّذِي يعلم النَّاس الْخَيْر وينسى نَفسه كَمثل السراج يضيء للنَّاس وَيحرق نَفسه الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أبي بَرزَة إِلَّا أَنه قَالَ مثل الفتيلة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٤٩)، ومسلم (١٠٨ - ٢٤٥٨) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣١٤) وفي الأوائل (٦١) وفي الديات (ص ٣٢)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٦٥ رقم ١٦٨١) و(٢/ ١٦٧ رقم ١٦٨٥)، وأبو الشيخ في أمثال الحديث (٢٧٦)، والخطيب في اقتضاء العلم (٧٠)، وابن عساكر في ذم من لا يعمل بعلمه (٩).\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٥: رواه الطبراني في الكبير، وله طريق تأتي في قتال أهل البغي، ورجاله موثقون. وقال في ٦/ ٢٣٢: رواه الطبراني من طريقين في إحداهما: ليث بن =","vol":"10","page":104},{"text":"قوله: وعن أبي تميمة عن جندب بن عبد الله الأزدي، جندب بن عبد الله الأزدي [هو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي وعلقة بفتح العين واللام: بطن من بجيلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث، له صحبة ليست بالقديمة، يكنى أبا عبد الله، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، قدمها مع مصعب بن الزبير، روى عنه من أهل البصرة: الحسن، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، وأبو السوار العدوي، وبكر بن عبد الله، ويونس بن جبير الباهلي، وصفوان بن محرز، وأبو عمران الجوني، وروى عنه من أهل الكوفة عبد الملك بن عمير، والأسود بن قيس، وسلمة بن كهيل].\nقوله -ﷺ-: \"مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج\" تقدم له نظائر في أوائل هذا التعليق في كتاب العلم.\n\n٣٥١٤ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم بعدِي كل مُنَافِق عليم بِاللِّسَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَزَّار\n_________\n= أبي سليم، وهو مدلس، وفي الأخرى علي بن سليمان الكلبي، ولم أعرفه، وبقية رجالهما ثقات. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (١٣١) و(٢٣٢٨). وأخرجه الطبراني كما في المنتقى من المعجم الكبير للطبراني (مجموع عمرية ٦/ ق ٨٢/ أ)، وأبو الحسين القدوري في جزء حديثه (١٦) ومن طريقه الخطيب في اقتضاء العلم (٧١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٨٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن جابر السحيمي، وهو ضعيف لسوء حفظه واختلاطه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٠) و(٢٣٢٩).","vol":"10","page":105},{"text":"وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن عمران بن حصين -﵁- هو: أبو نجيد بضم النون وفتح الجيم عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي البصري أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة روى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وثمانون حديثا نزل البصرة وكان قاضيها استقضاه عبد الله بن عامر أياما ثم استعفاه فأعفاه توفي بها سنة ثنتين وخمسين وكان الحسن البصري يحلف بالله فأقدم البصرة خير راكب لهم من عمران وغزى مع رسول الله -ﷺ- غزوات وبعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها وكان من فضلاء الصحابة وكان مجاب الدعوة وتقدم الكلام عليه مبسوطا في كتاب الجمعة.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٥١٤)، والفريابي في صفة النفاق (٢٣)، وابن حبان (٨٠)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٧ رقم ٥٩٣).\nوالبيهقي في الشعب (٣/ ٢٧٢ رقم ١٦٣٩). قال البزار: وهذا الكلام لا نحفظه إلا عن عمر بن الخطاب -﵁- واختلفوا في رفعه عن عمر فذكرناه، عن عمران إذ كان يختلف في رفعه عن عمر، وإسناد عمر إسناد صالح، فأخرجناه عن عمر، وأعدناه عن عمران لحسن إسناد عمران. وقال الدارقطني في العلل (١٩٦): هو حديث رواه حسين المعلم، واختلف عنه؛ فرواه معاذ بن معاذ، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين، عن النبي -ﷺ-. ووهم فيه.\nورواه عبد الوهاب بن عطاء، وروح بن عبادة، وغيرهما عن حسين، عن ابن بريدة، عن عمر بن الخطاب، وهو الصواب في قصة طويلة. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٧: رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٢) و(٢٣٣٠).","vol":"10","page":106},{"text":"٣٥١٥ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الرجل لَا يكون مُؤمنا حَتَّى يكون قلبه مَعَ لِسَانه سَوَاء وَيكون لِسَانه مَعَ قلبه سَوَاء وَلَا يُخَالف قَوْله عمله ويأمن جَاره بوائقه رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (^١).\n\n٣٥١٦ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِنِّي لَا أَتَخَوَّف على أمتِي مُؤمنا وَلَا مُشْركًا أما الْمُؤمن فيحجزه إيمَانه وَأما الْمُشرك فيقمعه كفره وَلَكِن أَتَخَوَّف عَلَيْكُم منافقا عَالم اللِّسَان يَقُول مَا تعرفُون وَيعْمل مَا تنكرون، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من رِوَايَة الْحَارِث وَهُوَ الْأَعْوَر عَن عَليّ والْحَارث هَذَا واه وَقد رضيه غير وَاحِد (^٢).\nوتقدم حديث أنس وحديث علي الذي بعده في كتاب العلم.\n\n٣٥١٧ - وَعَن الْأَغَر أغر ينى مَالك قَالَ لما أَرَادَ أَبُو بكر أَن يسْتَخْلف عمر بعث إِلَيْهِ فَدَعَاهُ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي أَدْعُوك إِلَى أَمر مُتْعب لمن وليه فَاتق الله يَا عمر بِطَاعَتِهِ وأطعه بتقواه فَإِن التقي آمن مَحْفُوظ ثمَّ إِن الْأَمر معروض لَا يستوجبه\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٥٣) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٢٥٠)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة من طريق ابن لال (٨٤٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٠٤)، وضعيف الترغيب (١٠٩) و(١٣٩٧).\n(^٢) أخرجه إسحاق كما في المطالب العالية (٢٩٨٧/ ١ و٢)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٠٠ رقم ١٠٢٤) والأوسط (٧/ ١٢٨ رقم ٧٠٦٥)، والخطيب في تلخيص المتشابه (٢/ ٧٩٥). وقال الطبراني: لم يروه عن أبي إسحاق إلا عباد بن بشير ولا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٧: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٨) و(١٣٩٨).","vol":"10","page":107},{"text":"إِلَّا من عمل بِهِ فَمن أَمر بِالْحَقِّ وَعمل بِالْبَاطِلِ وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَعمل بالمنكر يُوشك أَن تَنْقَطِع أمْنِيته وَأَن يحبط عمله فَإِن أَنْت وليت عَلَيْهِم أَمرهم فَإِن اسْتَطَعْت أَن تَجف يدك من دِمَائِهِمْ وَأَن تضمر بَطْنك من أَمْوَالهم وَأَن تَجف لسَانك عَن أعراضهم فافعل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن فِيهِ انْقِطَاعًا (^١).\nقوله: وعن الأغر أغر بنى مالك [الأَغَر بن سليك، ويُقال: ابن حنظلة، كوفي، رَوَى عَن: علي بْن أَبي طالب، وأبي هُرَيْرة.\nرَوَى عَنه: سماك بْن حرب، وعلي بْن الأقمر، وأبو إِسْحَاق السبيعي.\nقال أَبُو حاتم: أغر بْن سليك كوفي، روى عن علي، روى عنه علي بْن الأقمر، وسماك. وَقَال أَبُو الأحوص: عن أغر بْن حنظلة].\nقوله: \"يوشك\" معناه يسرع.\n\n٣٥١٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يبصر أحدكُم القذاة فِي عين أَخِيه وينسى الْجذع فِي عينه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٥٦ رقم ٣٧). وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني، وهو منقطع الإسناد، ورجاله ثقات. وقال في ٥/ ١٩٨: رواه الطبراني. والأغر لم يدرك أبا بكر، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٥٧٦١)، وابن صاعد في زوائد الزهد (٢١٢)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٩٩) والأمثال (٢١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٩)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١١٢ رقم ٦٣٣٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦١٠). وقال أبو نعيم: غريب من حديث يزيد، تفرد به محمد بن حمير، عن جعفر. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣) =","vol":"10","page":108},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه\" الحديث، القذاة هو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك (^١)، أ. هـ.\nوالجذع بالكسر والفتح أصل الشجرة وقد يجعل العود جذعا (^٢) معناه يبصر القذى الذي هو من فضلات العين وما يخرج منه ويدع الجذع الذي ليس من العين ولا يتولد منه كما يتولد القذى من العين فهذا من أشد التوبيخ لمن ينظر في عيوب الناس الذي لا يعرف منها إلا ما هو بين ولا يدع عيوبه التي يعملها، أ. هـ، والله أعلم.\nفقد ضربه مثلا لمن يرى الصغير في عيون الناس ويعيرهم به وفيه من العيوب ما نسبته كنسبة الجذع إلى القذاة (^٣).\n_________\n= وصحيح الترغيب (٢٣٣١).\n(^١) النهاية (٤/ ٣٠).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٥١).\n(^٣) النهاية (٤/ ٣٠).","vol":"10","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>[الترغيب في ستر المسلم والترهيب من هتكه وتتبع عورته]</span>\n٣٥١٩ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: من نفس عَن مُسلم كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن ستر على مُسلم ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة\" في هذا الحديث فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن هو ليس معروفا بالأذى والفساد فأما المستحب بذاك فيستحب أن لا يستر عليه بل يرفع قصته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله هذا كله في ستر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٨ - ٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (١٤٢٥) و(١٩٣٠) و(٢٩٤٥)، وابن ماجه (٢٢٥) و(٢٤١٧)، والنسائي في الكبرى (٧٢٤٤ - ٧٢٥٠)، وابن حبان (٥٣٤) و(٥٠٤٥).","vol":"10","page":110},{"text":"معصية وقعت وانقضت أما معصية رأى عليها وهو متلبس بها فتجب المبادرة لإنكارها عليه منعه منها على من قدر على ذلك ولا يحل تأخيرها فإن عجز لزدمه دفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ضلك مفسدة وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوه فيجب جرحهم عند الحاجة ولا يحل الستر إذا رأى ما يقدح في أهليتهم وليس هذا من الغيبة المحرمة بل النصيحة الواجبة وهذا مجمع عليه قال العلماء في القسم الأول الذي يستر فيه هذا الستر مندوب في رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع لكن هذا خلاف الأولى وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه (^١)، أ. هـ.\nتنبيه: من أسمائه تعالى الساتر والستار ولم يأتيا في أحاديث الأسماء إلا أن الفعل منهما وارد في غير حديث من ذلك حديث النجوى الذي رواه الشيخان عن ابن عمر أنه له رجل ما سمعت النبي -ﷺ- يقول في النجوي قال: سمعته يقول: \"يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه ويستره ويقرره بذنوبه فيقول له هل تعرف ذنب كذا\" فيقول رب أعرف قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطي صحيفة حسناته\" (^٢) الحديث [قوله: \"يدني منه المؤمن\" يريد به يقربه] [من] كرامة الله تعالى ويضع عليه كنفه أي عطفه ورعايته وأصل الستر في اللغة التغطية يقال سترت\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٤١) و(٤٦٨٥) و(٦٠٧٠) و(٧٥١٤)، ومسلم (٥٢ - ٢٧٦٨)، وابن ماجه (١٨٣) عن ابن عمر.","vol":"10","page":111},{"text":"الشيء أستره إذا غطيته فأنا ساتر [واستتر هو وتستر أي تغطى فالله] ساتر ذنوب [عباده] بالتوبة الصادقة [منهم] ويجب على [العبد] أن يستتر بمعصيته عن الناس (^١) لقوله -ﷺ- \"من [أصاب منكم من] هذه القاذورات [فليستتر] بستر الله\" (^٢) رواه مالك وفي البخاري عن أبي هريرة مرفوعا: \"كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره الله ويصبح يكشف ستر الله\" (^٣)، أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\".\n\n٣٥٢٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْر -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يُسلمهُ من كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته وَمن فرج عَن مُسلم كربَة فرج الله عَنهُ بهَا كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن ستر مُسلما ستره الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب من حَدِيث ابْن عمر (^٤).\n_________\n(^١) الأسني في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢٣٨٦) عن زيد بن أسلم مرسلا. وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٩١)، وابن المقرئ في المعجم (٨٣١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٤) و(٤/ ٣٨٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحى (٦٦٣) وصحيح الترغيب (٢٣٩٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٥٢ - ٢٩٩٠) عن أبي هريرة.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٤٤٢) و(٦٩٥١)، ومسلم (٥٨ - ٢٥٨٠)، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذي (١٤٢٦)، والنسائي في الكبرى (٧٢٥١)، وابن حبان (٥٣٣).","vol":"10","page":112},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nواعلم أن العبادلة أربعة عبد الله بن عمر هذا، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، هكذا قالهم الإمام أحمد بنة حنبل وسائر المحدثين وغيرهم، فقيل لأحمد فابن مسعود قال: ليس هو منهم، قال البيهقي: لأنه تقدمت وفاته وهؤلاء عاشوا طويلا حتى احتيج إليهم وإلى علمهم فإذا تفقوا على شيء قالوا: هذا قول العبادلة أو فعلهم ويلتحق بابن مسعود هذا سائر المسلمين عبد الله من الصحابة وهم نحو مائتين وعشرين، وأما قول الجوهري في صحاحه أن ابن مسعود أحد العبادلة الأربعة وخرج عبد الله بن عمرو بن العاصي فغلط ظاهر نبهت عليه لئلا يغتر به والله أعلم. قاله النووي في تهذيب الأسماء (^١) وتقدم الكلام على ذلك في أوائل هذا التعليق في حديث الغار.\nقوله: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه\" سيأتي الكلام على ذلك وتقدم الكلام على بقية ألفاظ هذا الحديث في الحديث قبله.\n\n٣٥٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَا يستر عبد عبدا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ستره يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ مُسلم (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة\" تقدم الكلام على الستر.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٨ (٩٠٤٥) و٢/ ٤٠٤ (٩٢٤٨)، ومسلم (٧١ و٧٢ - ٢٥٩٠).","vol":"10","page":113},{"text":"٣٥٢٢ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يرى مُؤمن من أَخِيه عَورَة فيسترها عَلَيْهِ إِلَّا أدخلهُ الله بهَا الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير (^١).\nقوله: وروي عن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله بها الجنة\" المراد بالعورة ها هنا كل أمر قبيح أو زلة أو خطيئة أو شيء من جميع المناهي.\n\n٣٥٢٣ - وَعَن دخين أبي الْهَيْثَم كَاتب عقبَة بن عَامر قَالَ قلت لعقبة بن عَامر إِن لنا جيرانا يشربون الْخمر وَأَنا دَاع لَهُم الشَّرْط ليأخذوهم قَالَ لَا تفعل وعظهم وهددهم قَالَ إِنِّي نهيتهم فَلم ينْتَهوا وَأَنا دَاع لَهُم الشَّرْط ليأخذوهم فَقَالَ عقبَة وَيحك لَا تفعل فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من ستر عَورَة فَكَأَنَّمَا استحيا موءودة فِي قبرها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِذكر الْقِصَّة وبدونها وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ رجال أسانيدهم ثِقَات وَلَكِن اخْتلف فِيهِ على إِبْرَاهِيم بن نشيط اخْتِلَافا كثيرا\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٨٨٥)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤١٧)، والدينوري في المجالسة (١٦٧٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٣١ رقم ١٤٨٠) و(٩/ ١٧٠ رقم ٩٤٤٢) والصغير (٢/ ٢٥٣ رقم ١١١٨)، والبغوي (٣٥١٩).\nقال الطبراني في الموضع الأول: لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: معلى. وقال في الثاني: لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به خالد بن إلياس. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٤٦: رواه الطبراني في الأوسط والصغير بنحوه، وإسنادهما ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٠).","vol":"10","page":114},{"text":"ذكرت بعضه فِي مُخْتَصر السّنَن الشَّرْط بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء هم أعوان الْوُلَاة والظلمة وَالْوَاحد مِنْهُ شرطي بِضَم الشين وَسُكُون الرَّاء (^١).\nقوله: وعن دخين أبي الهيثم كاتب عقبة بن عامر [دخين بمعجمة بعد أوله مصغر ابن عامر الحجري بفتح المهملة وسكون الجيم أبو ليلى المصري عن عقبة بن عامر وعنه بكر بن سوادة وثقه ابن حبان قال ابن يونس قتله الروم سنة مائة (^٢)].\nقوله: إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط ليأخذوهم قال لا تفعل وعظهم وهددهم، الحديث، الشرط بضم الشين المعجمة وفتح الراء هم أعوان الولاة والظلمة والواحد منهم شرطي بضم الشين وسكون الراء، أ. هـ. ذكره الحافظ المنذري.\nقوله: فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول \"من ستر عورة فكأنما استحيا موءودة في قبرها\" الحديث، تقدم الكلام على العورة في الحديث قبله، والموءودة: هي البنت التي تدفن حية كما كانوا يفعلون في الجاهلية ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ (^٣) فمن رأى\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٠٩٨)، وأحمد ٤/ ١٤٧ (١٧٣٣٢) و٤/ ١٥٣ (١٧٣٩٥) و٤/ ١٥٨ (١٧٤٤٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٥٨)، وأبو داود (٤٨٩١) و(٤٨٩٢)، والنسائي في الكبرى (٧٢٨٣)، وابن حبان (٥١٧)، والحاكم ٤/ ٣٨٤. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٦٥) وضعيف الترغيب (١٤٠١).\n(^٢) تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ١٧٩٦)، وتهذيب التهذيب: ٣/ ٢٠٧.\n(^٣) سورة التكوير، الآية: ٨ - ٩.","vol":"10","page":115},{"text":"رجلًا على معصية أو زلة فستر عليه ونهاه فزجره ولم يفضحه كان كمن أحيا موءودة (^١)، وتقدم الكلام على الموءدة أبسط من هذا في كتاب النكاح في أحاديث البنات.\n\n٣٥٢٤ - وَعَن يزِيد بن نعيم أَن ماعزا أَتَى النَّبِي -ﷺ- فَأقر عِنْده أَربع مَرَّات فَأمر برجمه وَقَالَ لهزال لَو سترته بثوبك كَانَ خيرا لَك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ قَالَ الْحَافِظ ونعيم هُوَ ابْن هزال وَقيل لَا صُحْبَة لَهُ وَإِنَّمَا الصُّحْبَة لِأَبِيهِ هزال وَسبب قَول النَّبِي -ﷺ- لهزال لَو سترته بثوبك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَن هزالًا أَمر ماعزًا أَن يَأْتِي النَّبِي -ﷺ- وروى فِي مَوضِع آخر عَن يزِيد بن نعيم بن هزال عَن أَبِيه قَالَ كَانَ مَاعِز بن مَالك يَتِيِما فِي حجر أبي فَأصَاب جَارِيَة من الْحَيّ فَقَالَ لَهُ أبي ائْتِ رَسُول الله -ﷺ- فَأخْبرهُ بِمَا صنعت لَعَلَّه يسْتَغْفر لَك وَذكر الحَدِيث فِي قصَّة رجمه وَاسم الْمَرْأَة الَّتِي وَقع عَلَيْهَا مَاعِز فَاطِمَة وَقيل غير ذَلِك وَكَانَت أمة لهزال (^٢).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٦٤٨) والمصنف ٥/ ٥٤٠ (٢٨٧٨٤) وعنه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٣٩٣)، وأحمد ٥/ ٢١٦ (٢١٨٩٠) و٥/ ٢١٧ (٢١٨٩٢) و(٢١٨٩٣) و(٢١٨٩٤)، وأبو داود (٤٣٧٧)، النسائي في الكبرى (٧٢٣٤) و(٧٢٣٥) و(٧٢٣٦) و(٧٢٣٨) و(٧٢٤٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ رقم ٥٣٠ و٥٣١)، والحاكم (٤/ ٣٤٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٨٢ رقم ١٦٩٥٨) و(٨/ ٥٧٣ رقم ١٧٦٠٥) و(٨/ ٥٧٣ - ٥٧٤ رقم ١٧٦٠٦) و(٨/ ٥٧٤ رقم ١٧٦٠٧) والشعب (١٢/ ١٥٧ رقم ٩٢٠٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ١٢٥ و١٢٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٦٠) وصحيح الترغيب (٢٣٣٥).","vol":"10","page":116},{"text":"قوله: وعن يزيد بن نعيم، وفي موضع آخر: عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أن ماعزا أتى النبي -ﷺ- فأقر عنده أربع مرات فأمر برجمه، أي: وسأتي الحديث بتمامه، وقال لهزال: \"لو سترته بثوبك كان خيرًا لك\"، قال الحافظ المنذري ﵀ ونعيم هو ابن هزال وقيل لا صحبة له وإنما الصحبة لأبيه هزال، وسبب قول النبي -ﷺ- لهزال \"لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك\" إنما قال ذلك حبا لإخفاء الفضيحة وكراهة إشاعتها بين الناس (^١) وفي الحديث أيضًا: \"إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر\" (^٢) أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون (^٣) وإنما قال النبي -ﷺ- ذلك لهزال لأنه هو الذي أمر ماعزا أن يأتي النبي -ﷺ- فيقر عنده بالزنا، فإن ماعزا كان يتيما في حجر هزال فأصاب جارية من الحي فقال له هزال ائت رسول الله -ﷺ- فأخبره بما صنعت لعله يستغفر له، واسم هذه الجارية التي وقع عليها ماعز فاطمة، وقيل: غير ذلك وكانت أمة لهزال كذا قاله المنذري، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله وهو في المسجد فناداه فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عني فتنحي تلقاء وجهه فقال له يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فما شهد على نفسه أربع\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٣٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٤ (١٧٩٧٠)، وأبو داود (٤٠١٢)، والنسائي في المجتبي ١/ ٢١٩ (٤١١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠ رقم ٦٧٠). وصححه الألباني في الإرواء (٢٣٣٥)، والمشكاة (٤٤٧).\n(^٣) النهاية (٢/ ٣٤١).","vol":"10","page":117},{"text":"شهادات دعاه رسول الله -ﷺ- فقال: \"أبك جنون\" قال: ل، قال: \"فهل أحصنت؟ \" قال: نعم، فقال رسول الله -ﷺ-: \"اذهبوا به فارجموه\" وفي رواية أن النبي -ﷺ- قال لماعز \"أحق ما بلغني عنك\" قال: وما بلغك عني، قال: \"بلغني عنك أنك واقعت بجارية آل فلان\" قال: نعم، فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم (^١) هكذا وقع في هذه الرواية.\nوالمشهور في باقي الروايات أنه أتى النبي -ﷺ- فقال: طهرني، قال العلماء: لا تناقض بين الروايات فيكون قد [جيء به إلي] النبي -ﷺ- من غير استدعاء من النبي -ﷺ-، وقد جاء في غير مسلم أن قومه أرسلوه إلى النبي -ﷺ- فقال النبي للذي أرسله: \"لو سترته بثوبك يا هزال لكان خيرا لك\" وكان ماعز عند هزال فقال النبي -ﷺ- لماعز بعد أن ذكر له الذين حضروا معه ما جرى له: \"أحقٌ ما بلغني عنك\" الحديث (^٢)، وفي رواية: جاء ماعز إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله طهرني، فقال: \"ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه\" فرجع غير بعيد فقال: يا رسول الله، طهرني، الحديث؛ ومثله في حديث العامرية التي جاءت النبي -ﷺ- وهي حبلى من الزنى فقالت: طهرني، قال: \"ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه\" وسيأتي ذلك في كتاب التوبة، واحتج أبو حنيفة وسائر [العلماء] وأحمد وموافقوهما بهذا الحديث، يعني حديث ماعز في أن الإقرار بالزنا لا يثبت ويرجم به المقر حتى يقر أربع مرات، وقال مالك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٧١ و٥٢٧٢) و(٦٨١٥ و٦٨١٦) و(٦٨٢٥ و٦٨٢٦) و(٧١٦٧)، ومسلم (١٦ - ١٦٩١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٧).","vol":"10","page":118},{"text":"والشافعي وآخرون: يثبت الإقرار به بمرة واحدة ويرجم، واحتجوا بقوله -ﷺ-: \"واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\" ولم يشترطوا عددا، وحديث العامرية ليس فيه إقرارها أربعا واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء إقراره أربع مرات في أربع مجالس (^١).\nوقوله: طهرني، لم يذكر في الحديث مماذا يطهر، وإنما أراد به من إثم الزنى بإقامة الحد، ويؤيده رواية \"فمما أطهرك\" قال: من الزني، وهو في جميع النسخ بالفاء والميم وهو صحيح (^٢).\nوقوله: \"أبك جنون؟ \" قال النووي (^٣): إنما قاله ليتحقق من حاله فإن الغلب أن الإنسان لا يصر على الإقرار بما يقتضي قوله من غير سؤال مع أن له طريقا إلى سقوط الإثم بالتوبة وفيه إشارة إلى إقرار المجنون باطل وأن الحدود لا تجب عليه وهذا كله مجمع عليه.\nوفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره وفيه جواز ستر الإمام على الزاني ما لم يتحقق السبب فإذا تحقق السبب الي يترتب عليه الحد فلا بد من إقامته كما ذكره [مالك في الموطأ] من مراسيل ابن شهاب عن النبي -ﷺ- فإنه من يبدو لنا صفحته نقم عليه كتاب الله (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٢) المفهم (١٦/ ١١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٣).\n(^٤) المفهم (١٦/ ١٢).","vol":"10","page":119},{"text":"وقوله: حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، هو: بتخفيف النون أي كرره أربعا وفيه التعريض للمقر بالزنا بأن يرجع وحينئذ يقبل رجوعه بلا خلاف وهذه حكمة الإعراض عنه (^١).\nفهذا دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التي يحد لها وقد جاء ذلك صريحا في حديث عبادة بن الصامت وهو قوله -ﷺ-: \"ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته\" ولا نعلم في هذا خلافا، وفي هذا الحديث دليل على سقوط إثم المعاصي الكبائر بالتوبة وهو بإجماع المسلمين فإن قيل: فما بال ماعز والعامرية والتوبة محصلة لغرضهما وهو سقوط الإثم بل أصر على الإقرار واختار الرجم؟ فالجواب: أن تحصيل البراءة بالجد وسقوط الإثم متيقن على كل حال لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي، وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحا وأن يُخلَّا بشيء من شروطها فتبقى المعصية وإثمها دائما عليهما فأرادا حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يتطرق إليه احتمال، والله أعلم (^٢).\nتنبيه: هذا المرجوم المذكور في الحديث الذي أقر عند النبي -ﷺ- أربع مرات أنه زنى هو ماعز بن مالك الأسلمي، قيل: يكني أبا عبد الله لولد كان له وفي الصحابة أيضا ماعز التميمي هو غير منسوب لأب ويقال: هذا المكنى بأبي عبد الله (^٣) فكان ماعز هذا تحت حجر هزال بن رباب أبي نعيم الأسلمي فوقع\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٣).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ١٩٩).\n(^٣) أسد الغابة (٥/ ٥ ترجمة ٤٥٥٤ و٥/ ٦ ترجمة ٤٥٥٥).","vol":"10","page":120},{"text":"على جارية هزال فجاء به إلى النبي -ﷺ- فقال له: \"هلا سترته ولو بثوبك\" قال ابن حبان: وليست له رواية والله أعلم، وفي سنن أبي داود في حديث ماعز من حديث خالد بن الجلاح أنه لما رجم جاء رجل يسئل عن المرجوم فانطلقنا به إلى النبي فقلنا: هذا جاء يسئلك عن الخبيث؟ فقال رسول الله: \"لهو أطيب عند الله من ريح المسك\" فإذا هو أبوه فأعناه على غسله وتكفينة ودفنه، قال: ما أدري والصلاة عليه أم لا (^١)، وفيه دليل على أن المرجوم يغسل ويكفن ويصلي عليه، وفي معناه كل من قتل في حد من حدود المسلمين (^٢).\nفائدة: قال العلماء: يصلي على كل مسلم مذنب ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنى وعن مالك وأحمد أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد لنا في الحديث أن النبي -ﷺ- لم يصل على ماعز وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق وزجرا لهم، وعن الزهري لا يصلي على المرجوم ويصلي على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة: لا يصلي على محارب ولا قتيل الفئة الباغية، وقال قتادة: لا يصلي على ولد الزني، وعن الحسن: لا يصلي على من ماتت في نفاسها من زنى ولا على ولدها، قاله في شرح الإلمام والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٢٩ - ٤٣٠)، وأحمد ٣/ ٤٧٩ (١٥٩٣٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٥٠)، وأبو داود (٤٤٣٥ و٤٤٣٦)، والنسائي في الكبرى (٧١٤٦) و(٧١٤٧)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٤٨٨ و٤٨٩ و٤٩٠). وحسنه الألباني.\n(^٢) المفهم (١٦/ ١٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"10","page":121},{"text":"والأحاديث في فضل ستر المؤمن كثيرة جدا ومحل الستر فيما إذا لم تصل الحدود إلى الحكام فإذا وصلت إليهم بالطريق الشرعي لم يجز ستره وتحرم الشفاعة فيه (^١).\nويشترط أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس فكل من ستر معاصيه في داره وأغلق عليهم فإنه لا يجوز لأحد أن يتجسس عليه، وقد روى أن أمير المؤمنين عمر -﵁- تسلق دارا رجل فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه، فقال: يا أمير المؤمنين: إن كنت عصيت الله من وجه فقد عصيته من ثلاثة أوجه، فقال: وما هي؟ فقال الرجل: قد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (^٢) وقد تجسست، وقال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (^٣) وقد تسورت من السطح، وقال الله سبحانه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (^٤) فتركه عمر -﵁- وشرط عليه التوبة، فإن ظهر لمن هو خارج الدار ما في الدار من المنكر كصوت المزامير والأوتار إذا ارتفعت وصوت المرأة وكلامها بالرفث والفحش عند العزب ونحو ذلك فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر آلات الملاهي وإخراج المرأة وكذلك إذا ارتفعت أصوات السكارى بالأصوات بالغناء والكلمات المألوفات بينهم\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٣٩).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ١٢.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٩.\n(^٤) سورة النور، الآية: ٢٧.","vol":"10","page":122},{"text":"بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا أيضا إظهار يوجب الإنكار، أ. هـ، الظاهر أن هذا من كلام ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n\n٣٥٢٥ - وَعَن مَكْحُول أَن عقبَة بن عَامر -﵁- أَتَى مسلمة بن مخلد فَكَانَ بَينه وَبَين البواب شَيْء فَسمع صَوته فَأذن لَهُ فَقَالَ إِنِّي لم آتِك زَائِرًا وَلَكِن جئْتُك لحَاجَة أَتَذكر يَوْم قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من علم من أَخِيه سَيِّئَة فسترها ستر الله عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ نعم قَالَ لهَذَا جِئْت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢).\nقوله: وعن مكحول أن عقبة بن عامر -﵁- أتى مسلمة بن مخلد (^٣) [هو مسلمة بن مخلد بن الصامت الأنصاري الخزرجي، أبو معن، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو معاوية، ويقال أبو معمر، له صحبة ورواية. قال: توفي رسول الله -ﷺ- ولي عشر سنين روى عنه: أبو أيوب الأنصاري مع جلالته، ومحمود بن لبيد، ومحمد بن سيرين، ومجاهد، وعلي بن رباح، وأبو قبيل\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٤ (١٦٩٦٠) ومن طريقه الطبراني في الكبير ١٩/ ٤٣٩ (١٠٦٧)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٧٢ رقم ٥٨٢٧) والكبير ١٧/ ٣٤٩ (٩٦٢) والشاميين (٣٥٠٢).\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٣٤: رواه الطبراني في الكبير هكذا، وفي الأوسط عن محمد بن سيرين قال: خرج عقبة بن عامر - فذكره مختصرا، ورجال الكبير رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٣٦).\n(^٣) تاريخ الإسلام (٢/ ٧١٦ - ٧١٧) والاستيعاب: ٣/ ١٣٩٧، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ٤٢٤، والإصابة ٣/ الترجمة ٧٩٨٩.","vol":"10","page":123},{"text":"حيي بن هانئ، وعبد الرحمن بن شماسة، وشيبان بن أمية وآخرون، وكان من أمراء معاوية يوم صفين، كان على أهل فلسطين، وقيل: لم يفد على معاوية إلا بعد انقضاء صفين، ولى إمرة مصر لمعاوية وليزيد. وذكر أن له صحبة جماعة؛ منهم: ابن سعد، وأبو سعيد بن يونس، والدارقطني وقال ابن مهدي، ومعن بن عيسي، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن مسلمة: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة، وأنا ابن أربع سنين، وتوفي وأنا ابن أربع عشرة، وقال وكيع: عن موسى بخلاف ذلك، عن أبيه، عن مسلمة، فقال: ولدت حين قدم رسول الله -ﷺ- المدينة، ورجح الإمام أحمد في ذلك إلى قول ابن مهدي، وقال: هو أقرب عهدا بالكتاب، وقال الليث بن سعد: وفي سنة سبع وأربعين نزع عقبة بن عامر عن مصر، وولي مسلمة، فبقي عليها إلى أن مات، وقال مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ بسورة البقرة، فما ترك واوا ولا ألفا، وقال الليث: توفي سنة اثنتين وستين، وقال ابن يونس: في ذي القعدة بالإسكندرية].\nقوله: \"من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة\" المراد بالسيئة ذنبًا، تقدم الكلام على الستر على المؤمن في الأحاديث قبله.\n\n٣٥٢٦ - وَعَن رَجَاء بن حَيْوَة قَالَ سَمِعت مسلمة بن مخلد -﵁- يَقُول بَينا أَنا على مصر فَأتى البواب فَقَالَ إِن أَعْرَابِيًا على الْبَاب يسْتَأْذن فَقلت من أَنْت قَالَ أَنا جَابر بن عبد الله قَالَ فَأَشْرَفت عَلَيْهِ فَقلت أنزل إِلَيْك أَو تصعد قَالَ لَا تنزل وَلَا أصعد حَدِيث بَلغنِي أَنَّك ترويه عَن رَسُول الله -ﷺ- فِي ستر الْمُؤمن","vol":"10","page":124},{"text":"جِئْت أسمعهُ قلت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من ستر على مُؤمن عَورَة فَكَأَنَّمَا أَحْيَا موءودة فَضرب بعيره رَاجعا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة أبي سِنَان الْقَسْمَلِي (^١).\nقوله: وعن رجاء بن حيوة (^٢) [هو أبو المقدام، ويقال: أبو نصر، رجاء بن حيوة بن جندل، ويقال: جنزل، ويقال: جرول بن الأحنف بن السمط الكندى الفلسطيني، ويقال: الأردني، بضم الهمزة والدال وتشديد النون، التابعى الإمام، روى عن معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبى سعيد الخدري، وجابر، والمسور، وابن عمرو بن العاص، وأبى أمامة، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، ﵃، وعن خلائق من التابعين. روى عنه جماعات من التابعين منهم الزهري، وابن عون، والحكم، وقتادة، وحميد الطويل، وابن عجلان، وخلائق غيرهم، وقال مطر: ما رأيت شاميا أفقه من رجاء بن حيوة. وقال ابن سعد: كان ينزل الأردن، وكان ثقة، عالما، فاضلا، كثير العلم. قال أبو مسهر: كان رجاء من نيسان، ثم انتقل إلى فلسطين. وقال مسلمة بن عبد الملك: في كندة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١١٤ رقم ٨١٣٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن رجاء بن حيوة إلا أبو سنان، تفرد به: ابن عائشة. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٣٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو سنان القسملي، وثقه ابن حبان وابن خراش في رواية، وضعفه أحمد والبخاري ويحيى بن معين. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٣٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٠ ترجمة ١٦٧).","vol":"10","page":125},{"text":"ثلاثة رجال إن الله لينزل الغيث بهم وينصر بهم على الأعداء: رجاء بن حيوة، وعبادة بن نسئ، وعدى بن عدى. وقال مكحول: رجاء شيخنا وسيدنا، وسيد أهل الشام. ومناقبه كثيرة مشهورة، قال البخاري: قيل لرجاء: ما لك لا تأتى السلطان؟ وكان يقعد عنهم، فقال: يكفينى الذى تركتهم له، يعنى رب العالمين ﷾. قالوا: وكان رجاء قاضيا. وأجمعوا على جلالته وعظم فضله في نفسه وعلمه. وتوفى سنة ثنتى عشرة ومائة، ﵀].\nقوله -ﷺ-: \"من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة في قبرها\" تقدم.\nقوله: رواه الطبراني في الأوسط من رواية أبي سنان القسملي [هو عيسى بن سنان أبو سنان القسملى الفلسطيني سكن البصرة في القسامل فنسب إليهم وثقه العجلى وابن حبان وابن خراش في رواية، وضعفه أحمد والبخاري ويحيى بن معين].\n\n٣٥٢٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من ستر عَورَة أَخِيه ستر الله عَوْرَته يَوْم الْقِيَامَة وَمن كشف عَورَة أَخِيه الْمُسلم كشف الله عَوْرَته حَتَّى يَفْضَحهُ بهَا فِي بَيته رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٤٦). قال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١٠٤: هذا إسناد فيه مقال محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي قال فيه أبو حاتم منكر الحديث ضعيف الحديث وقال الدارقطني ليس بقوي وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٣٨)، والصحيحة (٢٣٤١).","vol":"10","page":126},{"text":"قوله: \"من ستر عورة أخيه ستر الله عورته\" والعورة سوءة الإنسان وكل ما يستحيى منه، والجمع عورات سميت بذلك لقبح ظهورها والعورة الكلمة القبيحة وأصلها في اللغة النقص والخلل وفي الشرع: ما [يجب ستره] من البدن (^١).\n\n٣٥٢٨ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ صعد رَسُول الله -ﷺ- الْمِنْبَر فَنَادَى بِصَوْت رفيع فَقَالَ يَا معشر من أسلم بِلِسَانِهِ وَلم يفض الْإِيمَان إِلَى قلبه لَا تُؤْذُوا الْمُسلمين وَلَا تتبعوا عَوْرَاتهمْ فَإِنَّهُ من تتبع عَورَة أَخِيه الْمُسلم تتبع الله عَوْرَته وَمن تتبع الله عَوْرَته يَفْضَحهُ وَلَو فِي جَوف رَحْله وَنظر ابْن عمر إِلَى الْكَعْبَة فَقَالَ مَا أعظمك وَمَا أعظم حرمتك وَالْمُؤمن أعظم حُرْمَة عِنْد الله مِنْك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ يَا معشر من أسلم بِلِسَانِهِ وَلم يدْخل الْإِيمَان قلبه لَا تُؤْذُوا الْمُسلمين وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَطْلُبُوا عثراتهم الحَدِيث (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٢/ ٤٥٠)، والنجم الوهاج (٢/ ١٩٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٠٣٢)، وابن حبان في صحيحه (٥٧٦٣)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٩٣)، وأبو بكر الإسماعيلي -كما في تفسير ابن كثير (٧/ ٣٦١) - ومن طريقه البغوي في تفسيره (٤/ ٢٠٨)، وشرح السنة (٣٥٢٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد، وروى إسحاق بن إبراهيم السمرقندي، عن حسين بن واقد، نحوه، وروي عن أبي برزة الأسلمي، عن النبي -ﷺ- نحو هذا. قال أبو حاتم في العلل (٢٤٢٩): لا يعرف أوفى عن نافع، ولا أدري ما هو؟. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٣٩)، المشكاة (٥٠٤٤).","vol":"10","page":127},{"text":"قوله: \"لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم\" الحديث.\nواعلم أن الناس على ضربين، أحدهما: من كان مستورا لا يعرف بشيء من المعاصي فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فإنه لا يجوز كشفها ولا هتكها ولا التحدث بها لأن ذلك غيبة محرمة وهذا هو الذي وردت فيه هذه النصوص ومثل هذا لو جاء تائبا نادما وأقر بحد ولم يفسره لم يستفسر ويؤمر بأن يرجع ويستر نفسه كما أمر النبي ماعزا والغامدية وكما لم يستغفر الذي قال له أصبت حدًا فأقمه علي ومثل هذا لو أخذ بجريمته ولم يبلغ الإمام فإنه يشع له حتى لا يبلغ الإمام وفي مثله جاء الحديث عن النبي -ﷺ- \"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم\" خرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة، والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي معلنا بها ولا يبالي بما ارتكب منها ولا بما قيل له فهذا هو الفاجر المعلن وليس له غيبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره ليقام عليه الحد، وصرح بذلك بعض أصحابنا واستدل عليه بقوله -ﷺ-: \"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\" ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ ولو لم يبلغ السلطان بل يترك حتى يقام عليه الحد لينكف شره ويرتدع به أمثاله، قال مالك ﵀: من لم يعرف منه أذى للناس وإنما كان منه زلة فلا بأس بأن يشفع له ما لم يبلغ السلطان وأما من عرف بشر أو فساد فلا أحب أن يشفع له أحد ولكن يترك حتى يقام عليه الحد، حكاه ابن المنذر قاله ابن رجب الحنبلي (^١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠١١ - ١٠١٣).","vol":"10","page":128},{"text":"قوله: \"ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله\" الرحل منزل الإنسان سواء كان من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبر وغير ذلك، وفي رواية ابن حبان: \"لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عثراتهم\" أي: سقطاتهم وزلاتهم [يريد عيوبهم] (^١).\nفائدة: من الكبائر تتبع عورات المسلمين كذا عده ابن قيم الجوزية من الكبائر واستدل عليه بهذا الحديث (^٢).\n\n٣٥٢٩ - وَعَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا معشر من آمن بِلِسَانِهِ وَلم يدْخل الْإِيمَان قلبه لَا تَغْتَابُوا الْمُسلمين وَلَا تتبعوا عَوْرَاتهمْ فَإِنَّهُ من اتبع عَوْرَاتهمْ تتبع الله عَوْرَته وَمن تتبع الله عَوْرَته يَفْضَحهُ فِي بَيته رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن سعيد بن عبد الله بن جريج عَنهُ وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث الْبَراء (^٣).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٦٧).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٤٢٠ (١٩٧٧٦) و٤/ ٤٢٤ (١٩٨٠١)، وأبو داود (٤٨٨٠)، وأبو يعلى (٧٤٢٣ و٧٤٢٤)، والروياني (١٣١٢)، والطبري في صريح السنة (٤١)، والخرائطي في المساوئ (١٩٠) والمكارم (٤٢٧)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٨٩)، والمخلص في المخلصيات (٢٣٧٤)، واللالكائي في أصول السنة (١٤٩٧ و١٤٩٨)، والقضاعى في مسند الشهاب (٩٣٣)، والبيهقي في الآداب (١١٧) والأربعون الصغرى (١٠٥) والكبرى (١٠/ ٤١٨ رقم ٢١١٦٤) والشعب (٩/ ٧٤ - ٧٥ رقم ٦٢٧٨). وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٤٠)، المشكاة (٥٠٤٤/ التحقيق الثاني).","vol":"10","page":129},{"text":"قوله: وعن أبي برزة الأسلمي -﵁- أبو برزة الأسلمي اسمه [نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد اللهبن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وقال: نيار شيطان].\nقوله -ﷺ-: \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم\" تقدم الكلام على ذلك في أحاديث الباب.\nقوله: رواه أبو داود عن سعيد بن عبد الله بن جريج.\n\n٣٥٣٠ - وَعَن مُعَاوِيَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِنَّك إِن اتبعت عورات الْمُسلمين أفسدتهم أَو كدت تفسدهم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن معاوية -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم\" اتبعت معناه تجسست [أفسدتهم لأن الإنسان قلما يخلو من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٤٨)، وأبو داود (٤٨٨٨)، وأبو يعلى (٧٣٨٩)، والخرائطي في المكارم (٤٢٦)، وابن حبان (٥٧٦٠)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٦٥ رقم ٨٥٩) و(١٩/ ٣٧٩ رقم ٨٩٠) والشاميين (٤٧٣) و(١٨٧١)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٩٨)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٧٨ رقم ١٧٦٢٣) والشعب (١٢/ ١٥٩ - ١٦٠ رقم ٩٢١٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٣ و٢٤). وقال النووي في رياض الصالحين (١٥٧١): حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٤٢).","vol":"10","page":130},{"text":"صغيرة أو زلة، فلو آذاهم بكل فعل وقول لشق الحال عليهم، بل ينبغي أن يستر عليهم عيوبهم ما أمكن].\n\n٣٥٣١ - وَعَن شُرَيْح بن عبيد عَن جُبَير بن نفير وَكثير بن مرّة وَعَمْرو بن الْأسود والمقدام بن معد يكرب وَأبي أُمَامَة -﵃- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْأَمِير إِذا ابْتغى الرِّيبَة فِي النَّاس أفسدهم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم جُبَير بن نفير أدْرك النَّبِي -ﷺ- وَهُوَ مَعْدُود فِي التَّابِعين وَكثير بن مرّة نَص الْأَئِمَّة على أَنه تَابِعِيّ وَذكره عَبْدَانِ فِي الصَّحَابَة وَعَمْرو بن الْأسود عنسي حمصي أدْرك الْجَاهِلِيَّة وروى عَن عمر بن الْخطاب ومعاذ وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم (^١).\nقوله: وعن شريح بن عبيد عن جبير بن نفير وكثير بن مرة وعمرو بن الأسود والمقدام بن معد يكرب.\nقوله -ﷺ-: \"إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم\" ابتغى: معناه طلب والريبة التهمة أي إذا اتهمهم وجاهرهم بسوء الظن فيهم أداهم ذلك إلى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤ (٢٣٨١٥)، وأبو داود (٤٨٨٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٤٤٩) و(٢٨٣٢) و(٢٨٣٤ و٢٨٣٥) والسنة (١٠٧٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٨٨ و٨٩ و٩٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٥٩ رقم ٧٩٦٠) والكبير (٨/ ١٠٨ رقم ٧٥١٥ و٧٥١٦) و(١٧/ ١٢٢ رقم ٣٠٢) و(٢٠/ ٢٥٨ رقم ٦٠٧) و(٢٠/ ٢٧٥ رقم ٦٥١) و(٢٠/ ٢٧٦ رقم ٦٥٣) والشاميين (١٦٦٠)، والحاكم (٤/ ٣٧٨)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٧٨ رقم ١٧٦٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٤). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١٥: حديث أبي أمامة رواه أبو داود، ورواه أحمد، والطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٤٣).","vol":"10","page":131},{"text":"ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا، وفي حديث فاطمة: \"يريبني ما يريبها\" أي: يسيئني ما يسوءها ويزعجني ما يزعجها يقال: رابني هذا الأمر وأرابني إذا رأيت منه ما تكره ومعنى الحديث: يعني لو طلب الأمير عيوب الناس وتجسس أحوالهم لأهلكهم فإن الإنسان قلما يخلو من صغيرة [أو زلة] فلو آذاهم بكل ما يقولون ويفعلون [لاشتدت] عليهم الأحوال بل ينبغي أن يستر ويغفر ما استطاع والله أعلم (^١)، قال الحافظ: جبير بن نفير أدرك النبي -ﷺ- وهو معدود في التابعين، أ. هـ، وقيل: إنه أسلم في خلافة أبي بكر فهو معدود كما ذكر، وكثير بن مرة قال الحافظ: نص الأئمة على أنه تابعي وذكره عبدان في الصحابة، أ. هـ، ولم يذكره ابن عبد البر فيهم، وعمرو بن الأسود عنسي حمصي أدرك الجاهلية وروى عن عمر بن الخطاب ومعاذ وابن مسعود وغيره كذا قاله الحافظ والله أعلم.\n_________\n(^١) المفاتيح (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).","vol":"10","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>[الترهيب من مواقعة الحدود وانتهاك المحارم]</span>\n٣٥٣٢ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول أَنا آخذ بِحُجزِكُمْ أَقَول إيَّاكُمْ وجهنم إيَّاكُمْ وَالْحُدُود إيَّاكُمْ وجهنم إيَّاكُمْ وَالْحُدُود إيَّاكُمْ وجهنم إيَّاكُمْ وَالْحُدُود ثَلَاث مَرَّات فَإِذا أَنا مت تركتكم وَأَنا فَرَطكُمْ على الْحَوْض فَمن ورد أَفْلح الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة لَيْث بن أبي سليم (^١).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: \"أنا آخذ بحجزكم أقول إياكم وجهنم إياكم والحدود\" الحديث، الحجز: جمع حجزة وهي معقد الإزار وموضع التكة من السراويل والمراد بالحدود ما نهى الله عنه.\nقوله: \"وأنا فرطكم على الحوض\" والفرط: هو الذي يتقدم القوم إلى المنزلى ليهيء مصلحهم فيه قبل قدومهم، وتقدم تفسيره مرات أبسط من هذا والمراد بالحوض حوضه الذي ترده أمته في القيامة وسيأتي الكلام عليه في أهوال القيامة إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٥١١٠)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٣ رقم ١٠٩٥٣) و(١٢/ ٧١ رقم ١٢٥٠٨) والأوسط (٣/ ١٨٥ رقم ٢٨٧٤). قال البزار: وهذا الحديث قد روي نحو منه بغير لفظه من غير وجه، ولا نعلم رواه عن عبد الملك بن سعيد، عن أبيه إلا ليث بن أبي سليم. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٤: رواه البزار، وفيه ليث بن أبي سليم والغالب عليه الضعف. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٠٨٧) و(٢٣٤٤).","vol":"10","page":133},{"text":"قوله: رواه البزار من رواية ليث بن أبي سليم [هو أبو بكر، ويقال: أبو بكير ليث بن أبي سليم بن أبي زنيم الكوفى القرشي، مولاهم مولى عتبة أو عنبسة بن أبي سفيان، واسم أبي سليم أيمن، ويقال: أنس روى ليث عن مجاهد، وطاوس، وعطاء بن أبي رباح، وابن الزبير، وابن أبي مليكة، والشعبي، وطلحة بن مصرف، وأبى بردة، وآخرين. روى عنه الثوري، وشعبة، وزائدة، وشريك، وزهير بن معاوية، والحسن بن صالح، وإسماعيل بن علية، وأبو إسحاق الفزاري، واتفق العلماء على ضعفه، واضطراب حديثه، واختلال ضبطه. توفى سنة ثلاث وأربعين ومائة، ﵀ تعالي].\n\n٣٥٣٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الله ﷿ يغار وغيرة الله أَن يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم الله عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إن الله ﷿ يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه\".\nالغيرة [بفتح الغين وهي في حقنا الأنفة وأما في حق الله تعالى فقد فسرها هنا في حديث عمرو الناقد بقوله -ﷺ- وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه أي غيرته منعه وتحريمه (^٢)].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٢٣)، ومسلم (٣٦ - ٢٧٦١)، والترمذي (١١٦٨)، والبزار (٨٦٠٤ و٨٦٠٥ و٨٦٩١)، وابن حبان (٢٩٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠١٠) والكبرى (١٠/ ٣٨١ رقم ٢١٠٢٢) والشعب (١٣/ ٢٥٩ رقم ١٠٣٠٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٧).","vol":"10","page":134},{"text":"٣٥٣٤ - وَعَن ثَوْبَان -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- أَنه قَالَ لأعلمن أَقْوَامًا من أمتِي يأْتونَ يَوْم الْقِيَامَة بأعمال أَمْثَال جبال تهَامَة بَيْضَاء فيجعلها الله هباء منثورا قَالَ ثَوْبَان يَا رَسُول الله صفهم لنا حلهم لنا لَا نَكُون مِنْهُم وَنحن لَا نعلم قَالَ أما إِنَّهُم إخْوَانكُمْ وَمن جلدتكم وَيَأْخُذُونَ من اللَّيْل كَمَا تأخذون وَلَكنهُمْ قوم إِذا خلوا بمحارم الله انتهكوها رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن ثوبان -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا\" الهباء المنثور هو الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غبارا وليس بشيء يقبض عليه ولا يرى ذلك في الظل (^٢) وقال آخرون: هو ما ذرته الريح من التراب وتذره من حطام الشجرة (^٣) وقال آخرون هو الغبار (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٤٥)، والروياني في مسنده (٦٥١)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٤٦ رقم ٤٦٣٢) والصغير (١/ ٣٩٦ رقم ٦٦٢) ومسند الشاميين (٦٨٠). قال الطبراني: لا يروى عن ثوبان إلا بهذا الإسناد تفرد به عقبة، واسم أبي عامر عبد الرحمن بن يحيي، ويقال: عبد الله بن يحيى. قال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٢٤٦: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات وأبو عامر الألهاني اسمه عبد الله بن غابر. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٠٥) وصحيح الترغيب (٢٣٤٦).\n(^٢) تفسير الطبري (١٧/ ٤٣١) ورواه عن الحسن ومجاهد.\n(^٣) المصدر السابق (١٧/ ٤٣٢) وقاله ابن عباس وقتادة.\n(^٤) قاله عكرمة تفسير الطبري (١٧/ ٤٣١).","vol":"10","page":135},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها\" والمحارم هي الأشياء التي حرمها الله تعالى على عباده، النهك المبالغة في كل شيء (^١).\n\n٣٥٣٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- أَنه قَالَ الطابع معلقَة بقائمة عرش الله ﷿ فَإِذا انتهكت الْحُرْمَة وَعمل بِالْمَعَاصِي واجترئ على الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه فَلَا يعقل بعد ذَلِك شَيْئًا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"الطابع معلقة بقائمة عرش الله ﷿ فإذا انتهكت الحرمة وعمل بالمعاصي واجترئ على الله بعث الله تعالى الطابع فيطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئا\" الحديث، الطابع: بفتح الباء وكسرها والكسر لغة قليلة هو الخاتم يختم به على الشيء (^٣) والحرمة ما لا يحل انتهاكه (^٤).\n_________\n(^١) غريب الحديث (٢/ ٥٩٨) للحربي، وتهذيب اللغة (٦/ ١٧)، وغريب الحديث (٢/ ٣٦٠) للخطابي.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (٢٣)، والبزار (٥٩٨١)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٣٩)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣٢)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٩/ ٣٧٨ رقم ٦٨١٨). قال البزار: وهذان الحديثان لا نعلم رواهما، عن التيمي، عن نافع إلا سليمان بن مسلم، وهو بصري مشهور. وقال ابن عدي: حديث منكر جدا، وسليمان بن مسلم الخشاب قليل الحديث وشبه المجهول، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٤٤٩): تفرد به سليمان بن مسلم العجلي عن التيمي عنه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٧٠) وضعيف الترغيب (١٤٠٢).\n(^٣) كشف المناهج (٣/ ٣٣٢).\n(^٤) قاله الليث كما في مدارج السالكين (٢/ ٧٣) والصحاح (٥/ ١٨٩٥) والنهاية (١/ ٣٧٣).","vol":"10","page":136},{"text":"٣٥٣٦ - وَعَن النواس بن سمْعَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله ضرب مثلا صراطا مُسْتَقِيمًا على كنفي الصِّرَاط داران لَهما أَبْوَاب مفتحة على الْأَبْوَاب ستور وداع يَدْعُو فَوْقه ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ (^١) والأبواب الَّتِي على كنفي الصِّرَاط حُدُود الله فَلَا يَقع أحد فِي حُدُود الله حَتَّى يكْشف السّتْر وَالَّذِي يَدْعُو من فَوْقه واعظ ربه ﷿ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة بَقِيَّة عَن بجير بن سعد وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب كنفا الصِّرَاط بالنُّون جانباه (^٢).\nقوله: وعن النواس بن سمعان -﵁- تقدم الكلام عليه في الورع وترك الشبهات.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله ضرب صراطًا مستقيمًا وعلى كنفي الصراط داران لهما أبواب مفتحة على الأبواب ستور وداع يدعو فوقه ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ \" (^٣) الحديث، كنفا\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٢٥.\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٢ (١٧٦٣٤) و٤/ ١٨٣ (١٧٦٣٦)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٣/ ٤١٤، والترمذي (٢٨٥٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١٨ و١٩)، والمروزى في السنة (١٧ و١٨)، والطبري في التفسير ١/ ٧٥، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٠٤١) و(٢١٤٢ و٢١٤٣)، والآجري ص ١٢ - ١٣، والطبراني في الشاميين (١١٤٧) و(٢٠٢٤)، والرامهرمزي في الأمثال (٣)، وأبو الشيخ في الأمثال (٢٨٠)، والحاكم ١/ ٧٣. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٤٧).\n(^٣) سورة يونس، الآية: ٢٥.","vol":"10","page":137},{"text":"الصراط بالنون جانباه قاله المنذري، أ. هـ.\nقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، ودار السلام الجنة فالجنة ضيافة الله تعالى أعدها للمؤمنين نزلا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وبعث رسول الله -ﷺ- يدعوا إليها بالإيمان والإسلام والإحسان فمن أجابه دخل الجنة وأكل من تلك الضيافة ومن لم تجب حرم، وخرج الترمذي عن جابر -﵁- قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- وسئل يوما فقال: رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال: أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال اسمع سمعت أذناك وأعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ درارا ثم بنى فيها بيتا وجعل فيها مائدة ثم نصب رسولا يدعوا الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من ترك فالله هو الملك والدار هي الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد رسوله فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل ما فيها (^١) وخرجه البخاري بمعناه ولفظه مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة والدار الجنة والداعي محمد -ﷺ-، طوبى لمن أجاب مولاه: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٨٦٠)، والحاكم (٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩) و(٤/ ٣٩٣). قال الترمذي: هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله. وهو عند الحاكم موصولا وصححه ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٥٩٥).","vol":"10","page":138},{"text":"دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (^١) (^٢) أ. هـ قاله ابن رجب (^٣)، ذكر في المثل أربعة أشياء الدار والمأدبة والداعي وال [ملك] فالدار الجنة والمأدبة صنيعة يصنعه الرجل يدعوا الناس إليه ويسمى القيامة والداعي محمد -ﷺ- فمن أطاع محمد دخل الجنة والـ[ملك] هو الله ﷿.\n\n٣٥٣٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ضرب الله مثلا صراطا مُسْتَقِيمًا وَعَن جنبتي الصِّرَاط سوران فيهمَا أَبْوَاب مفتحة وعَلى الْأَبْوَاب ستور مرخاة وَعند رَأس الصِّرَاط يَقُول اسْتَقِيمُوا على الصِّرَاط وَلَا تعوجوا وَفَوق ذَلِك دَاع يَدْعُو كلما هم عبد أَن يفتح شَيْئا من تِلْكَ الْأَبْوَاب قَالَ وَيحك لَا تفتحه فَإنَّك إِن تفتحه تلجه ثمَّ فسره فَأخْبر أَن الصِّرَاط هُوَ الْإِسْلَام وَأَن الْأَبْوَاب المفتحة محارم الله وَأَن الستور المرخاة حُدُود الله والداعي على رَأس الصِّرَاط هُوَ الْقُرْآن والداعي من فَوْقه هُوَ واعظ الله فِي قلب كل مُؤمن ذكره رزين وَلم أره فِي أُصُوله إِنَّمَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار مُخْتَصرا بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد حسن (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأحقاف، الآية: ٣١.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٢٨١).\n(^٣) لطائف المعارف (ص ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(^٤) لم أجده بهذا اللفظ عن ابن مسعود: وإنما أخرجه الطيالسي (٢٤١)، وسعيد بن منصور في التفسير (٩٣٥)، وأحمد ١/ ٤٣٥ (٤١٤٢) و١/ ٢٦٥ (٤٤٣٧)، والدارمي (٢٢٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٧)، والبزار (١٦٧٧) و(١٦٩٤) و(١٧١٨)، والمروزي في السنة (١١ و١٢)، والنسائي في الكبرى (١١١٠٩ و١١١١٠)، وابن حبان (٦ و٧)، =","vol":"10","page":139},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله ضرب مثلا صراطا مستقيما وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة\" فذكر الحديث إلى أن قال \"ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه\" الحديث، الولود: الدخول فضرب النبي -ﷺ- مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم وهو الطريق الواسع الموصل سالكه إلى مطلوبه وهو مع هذا مستقيم لا عوج فيه، فيقتضي ذلك قربه وسهولته، وعلى جنبتي الصراط يمنة ويسرة سوران وهما حدود الله تعالى فكما أن السور يمنع من كان داخله من تعديه ومجاورته فكذلك الإسلام يمنع من دخله من الخروج عن حدوده ومجاوزتها وليس وراء ما حد الله من المأذون فيه إلا ما نهى الله عنه ولهذا مدح الله سبحانه الحافظين لحدوده وذم من لا يعرف حد الحلال من الحرام كما قال الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ﴾ إلى قوله: ﴿رَسُولِهِ﴾ (^١) فمن استجاب لذلك الداعي وهو القرآن واتقى المحارم ولم يتعد تلك الحدود دخل الصراط، ومن دخل الصراط أمن ولما تلى رسول الله -ﷺ-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي\n_________\n= والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٨) و(٢/ ٢٣٩) بلفظ: خط لنا رسول الله -ﷺ- يومًا خطا ثم قال: \"هذا سبيل الله\" ثم خط خطوطا عن يمينه، وعن شماله، ثم قال: \"هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه\" ثم تلا ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وقال الألباني: حسن صحيح - ظلال الجنة (١٦ و١٧).\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٩٧.","vol":"10","page":140},{"text":"مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (^١) خط رسول الله -ﷺ- خطا فقال: \"هذا سبيل الله تعالى ثم خط عن يمين الخط وعن شماله خطوطا فقال: هذه سبل الشيطان\" وروى هذا المعنى من حديث جابر بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله -ﷺ- فخط خطا وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط وقال: \"هذه سبيل الله\" ثم تلا الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية (^٢)، وفي حديث آخر: خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: \"هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليها\" ثم قرأ الآية المشار إليها، قال أبو العالية: الصراط المستقيم النبي -ﷺ-[وصاحباه من بعده] أبو بكر وعمر فقيل ذلك للحسن: فقال: صدق أبو العالية (^٣)، قال الطبري وابن عطية (^٤): وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام وهذه كلها عرضة للزلل ومطية لسوء المعتقد، وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ البدع (^٥)، قال ابن شهاب: هذا\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٩٧ (١٥٢٧٧)، وعبد بن حميد (١١٤١)، وابن ماجه (١١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٦)، ومحمد ابن نصر المروزي في السنة (١٣)، والآجري في الشريعة (١٣)، وابن بطة في الإبانة (١٢٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٩٥). وقال الألباني: صحيح ظلال الجنة (١٦).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ١٧٥).\n(^٤) المحرر الوجيز (٢/ ٣٦٤)، وتفسير الطبري (٩/ ٦٦٩)، وتفسير القرطبي (٧/ ١٣٨).\n(^٥) تفسير الطبري (٩/ ٦٧٠).","vol":"10","page":141},{"text":"لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (^١) الآية، فالهرب الهرب والنجاء والنجاء والتمسك بالصراط المستقيم والسنن القويم الذي سلك السلف الصالح ففيه المتجر الرابح، والصراط المستقم دين الله تعالى الذي لا يقبل من العباد غيره (^٢)، وقال الفضيل بن عياض (^٣): الصراط المستقيم طريق الحج وهذا خاص والعموم أولى وأصل الصراط في كلام العرب الطريق المستقيم الذي لا اعوجاجا فيه، قاله في الديباجة.\nقوله: \"وعن جنبتي الصراط\" أي جانبيه وجنبة الوادي جانبه وناحيته وهي بفتح النون وبسكون النون الناحية، يقال نزل فلان جنبة أي ناحية ومنه حديث عمر -﵁-: \"عليكم بالجنبة فإنها [عفاف] \" قال الهروي: يقول: اجتنبوا النساء والجلوس إليهن ولا تقربوا ناحيتهن، يقال رجل ذو جنبة أي ذو اعتزال عن الناس مجتنب لهم قاله ابن الأثير (^٤).\nقوله: \"فصراط الله هو الصراط المستقيم وصراط الشيطان الذي جعله الله لإغواء بني آدم هو الصراط المعوج\" ولصراط الله شعب ولصراط الشيطان اللعين شعب، وكل شعبة من صراط الله تعالى يفضي سالكها إلى الجنة وكل شعبة من شعب الشيطان تفضي صاحبها إلى النار وإلى شعب الصراط المستقيم أشار ﵊ بقوله في الحديث الصحيح\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٩.\n(^٢) تفسير القرطبي (٧/ ١٣٨).\n(^٣) تفسير القرطبي (١/ ١٤٧).\n(^٤) النهاية (١/ ٣٠٣).","vol":"10","page":142},{"text":"\"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله\" الحديث، ولما كانت شعب الصراط المستقيم بضعا وسبعين كانت أيضا شعب الصراط للعوج الذي هو صراط الشيطان اللعين بضعا وسبعين، كما ورد في الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ-: \"تفرقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة وستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلها في النار إلا ما أنا وأصحابي عليه\" (^١) الحديث، ففي هذا المثل الذي ضربه النبي -ﷺ- أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى بالاستقامة عليه ونهي عن تجاوز حدوده وأن من ارتكب شيئا من المحرمات فقد تعدى حدوده، أ. هـ قاله ابن رجب (^٢).\nقوله: \"وعلى الصراط واعظ الله على كلّ مسلم\" يعنى حجة الذي تنهاه عن الدخول فيما منعه الله وحرمه عليه والبصائر التي جعلها فيه، أ. هـ قاله ابن الأثير (^٣).\n\n٣٥٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: من يَأْخُذ مني هَذِه الْكَلِمَات فَيعْمل بِهن أَو يعلم من يعْمل بِهن فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة قلت أَنا يَا رَسُول الله فَأخذ بيَدي وعد خمْسًا قَالَ: اتَّقِ الْمَحَارِم تكن أعبد النَّاس وَارْضَ بِمَا قسم الله لَك تكن أغْنى النَّاس وَأحسن إِلَى جَارك تكن مُؤمنًا وَأحب للنَّاس مَا تحب لنَفسك تكن مُسلما وَلَا تكْثر الضحك فَإِن كثْرَة الضحك تميت الْقلب\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٦٤١). وحسنه الألباني في المشكاة (١٧١/ التحقيق الثاني)، الصحيحة (١٣٤٨).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٤).\n(^٣) النهاية (٥/ ٢٠٦).","vol":"10","page":143},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث جَعْفَر بن سُلَيْمَان وَالْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا من حَدِيث وَاثِلَة عَن أبي هُرَيْرَة وَتقدم فِي هَذَا الْكتاب أَحَادِيث كَثِيرَة جدا فِي فضل التَّقْوَى وَيَأْتِي أَحَادِيث أخر وَالله أعلم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣١٠ (٨٠٩٥)، والترمذي (٢٣٠٥)، وابن أبي الدنيا في الورع (٢)، وأبو يعلى (٦٢٤٠)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٢٧٥) ومكارم الأخلاق (٢٥٥) والطبراني في الأوسط (٧/ ١٢٥ رقم ٧٠٥٤)، وتمام (٥٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٩٥)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٩٢ - ٩٣ رقم ٩٠٩٦) و(١٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩ رقم ١٠٦١٦) من طريق الحسن عن أبي هريرة.\nقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئا. هكذا روي عن أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد، وروى أبو عبيدة الناجي، عن الحسن، هذا الحديث قوله: ولم يذكر فيه عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا أبو طارق، تفرد به: جعفر بن سليمان. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الحسن تفرد به جعفر، عن أبي طارق. وحسنه الألباني في الصحيحة (٩٣٠) وصحيح الترغيب (٢٣٤٩) و(٢٥٦٧).\nوأخرجه أبو عبيد في المواعظ (١٢٩)، وهناد في الزهد (١٠٣١) و(١١٤٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٥٢)، وابن ماجه (٤٢١٧)، وابن أبي الدنيا في الورع (٣)، وأبو يعلى (٥٨٦٥)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢٤٢)، والطبراني في الشاميين (٣٨٥) و(٣٤٠٨)، وأبو نعيم في الحلية ١٠/ ٣٦٥، وفي أخبار أصبهان ٢/ ٣٥٢، والبيهقي في الآداب (٣٢٣) و(٨٣١) والزهد (٨١٨) والشعب (٧/ ٤٩٩ - ٥٠٠ رقم ٥٣٦٦)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٤٩٣) من طريق واثلة عن أبي هريرة. وقال الدارقطني في العلل (١٣٣٩): يرويه أبو رجاء محرز بن عبد الله الخراساني، وقيل الجزري واختلف عنه؛ فرواه إسماعيل بن زكريا، عن أبي رجاء، عن بردة بن سنان، عن مكحول، =","vol":"10","page":144},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- لأبي هريرة: \"اتق المحارم تكن أعبد الناس\" الحديث، أصل التقوى الاجتناب والمراد هنا اجتناب المعاصي وكان المتقي يتخذ له وقاية من عذاب الله بترك المخالفة والمراد بالمحارم الأشياء التي حرمها الله تعالى.\n_________\n= عن واثلة بن الأسقع، عن أبي هريرة. وتابعه المحاربي، عن أبي رجاء، واختلف عن المحاربي، فرواه الأحمسي، وأبو السكين زكريا بن يحيى الطائي، عن المحاربي، عن أبي رجاء، عن برد، عن مكحول، عن واثلة، عن أبي هريرة.\nورواه هناد بن السري، عن المحاربي، فأسقط من الإسناد مكحولا. وكذلك رواه أبو معاوية الضرير، عن أبي رجاء، عن برد، عن واثلة، عن أبي هريرة. وقال مجاهد بن موسى عن أبي معاوية، عن محمد بن راشد، عن برد، عن مكحول، عن واثلة، عن أبي هريرة. وليس هذا القول بمحفوظ، والحديث غير ثابت.\nوقال البوصيري في الزجاجة (٤/ ٢٤٠): هذا إسناد حسن وأبو رجاء اسمه محرز بن عبد الله. وصححه الألباني في الترغيب (١٧٤١)، الصحيحة (٥٠٦ و٩٢٧ و٢٠٤٦).","vol":"10","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>[الترغيب في إقامة الحدود والترهيب من المداهنة فيها]</span>\nالحدود: جمع حد، والمداهنة في الحدود المساهلة في الأمور يعني أن يرى الرجل منكر ويقدر على دفعه ولم يدفعه لمحافظة جانب أحد أو لاستحياء من أحد أو لقلة مبالاته في الدين، فالمداهن المصانع والغاش فيها والادهان الليل والمصانعة (^١) أ. هـ.\n\n٣٥٣٩ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لحد يُقَام فِي الْأَرْض خير لأهل الأَرْض من أَن يمطروا ثَلَاثِينَ صباحًا.\n\n٣٥٤٠ - وَفِي رِوَايَة قَالَ: أَبُو هُرَيْرَة -﵁-. إِقَامَة حد فِي الأَرْض خير لأَهْلهَا من أَن يمطروا أَرْبَعِينَ لَيْلَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ هَكَذَا مَرْفُوعًا وموقوفًا وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ: رَسُول الله -ﷺ- حد يعْمل بِهِ فِي الأَرْض خير لأهل الأَرْض من أَن يمطروا أَرْبَعِينَ صباحًا وَابْن مَاجَه فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِقَامَة حد بِأَرْض خير لأَهْلهَا من مطر أَرْبَعِينَ صباحًا (^٢).\n_________\n(^١) التعريفات (١/ ٢٠٧) للجرجاني، وشرح المصابيح (٥/ ٣٦٤) لابن ملك.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في المسند (١٥٧)، وأحمد ٢/ ٣٦٢ (٨٧٣٨) و٢/ ٤٠٢ (٩٢٢٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢١٢)، وابن ماجه (٢٥٣٨)، والنسائي في الكبرى (٧٣٥٠) والمجتبى ٧/ ٤٦٩ (٤٩٤٨)، وأبو يعلى (٦١١١)، وابن الجارود في المنتقى (٨٠١)، وابن حبان (٤٣٩٧) و(٤٣٩٨)، والطبراني في الصغير (٢/ ١٦٦ رقم ٩٦٦). وأخرجه النسائي في الكبرى (٧٣٥١) والمجتبى ٧/ ٤٧٠ (٤٩٤٩) موقوفا. وقال الدارقطني في العلل (٢٢٣١): يرويه جرير بن يزيد، واختلف عنه؛ فرواه عيسى بن يزيد، =","vol":"10","page":146},{"text":"٣٥٤١ - وروى ابْن مَاجَه أَيْضا عَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِقَامَة حد من حُدُود الله خير من مطر أَرْبَعِينَ لَيْلَة فِي بِلَاد الله (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا\" وفي رواية ابن ماجه \"خير لأهلها من أن يمطروا أربعين ليلة\" في بلاد الله الذي يظهر والله أعلم أنما خص المطر بأربعين ليلة لأن أدنى الحدود شرب الخمر وهو أربعون، وذكر الزمخشري في أوئل سورة النور حديثًا لا يعرف مخرجه قال: وفي الحديث يؤتى بوال نقص من الحد سوطا فيقال له لم تنقصت من حد هذا سوطا فيقول: يا رب رحمة [لعبادك] فيقول: له أنت أرحم مني به فيؤمر به إلى النار ويؤتى بمن زاد سوطا فيقال له لم فعلت هذا فيقول فعلته لينتهوا عن معاصيك فيؤمر به إلى النار (^٢) والذي في حفظي\n_________\n= وجرير بن عبد الحميد، عنه، عن أبي زرعة مرفوعًا.\nوخالفهما يونس بن عبيد، فرواه عن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفا.\nواختلف عن يونس في هذا الحديث، فرواه أصحاب ابن علية عنه، عن يونس هكذا.\nوخالفهم محمد بن قدامة المصيصي، فرواه عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، مرفوعا. والصحيح عن ابن علية، عن يونس، عن جرير بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة موقوفا. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٣١) وصحيح الترغيب (٢٣٥٠).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٣٧). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥١)، والروض ١٠٥٧، والصحيحة ٢٣١.\n(^٢) تفسير الكشاف (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"10","page":147},{"text":"قديما أنه يؤتي بالحاكم يوم القيامة فيقال له لم حددت فلانا فوق ما أمرتك فيقول يا رب وجدته جبارا عنيدا لا يرتدع بذلك فيقول الله ﷻ ما كان لغضبك أن يسبق غضبي ولا لنقمتك أن تسبق نقمتي ولا لسخطك أن يسبق سخطي امضوا به إلى النار، ويقال للحاكم لم جلدت عبدي فلانا دون ما أمرتك به فيقول يا رب وجدته ضعيفا نحيف الجسد لا يحتمل ذلك فيقال له ما كان رأفتك أن تسبق رأفتي ولا لرحمتك أن تسبق رحمتي ولا لشفقتك أن تسبق شفقتي امضوا له إلى النار (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٥٤٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: يَوْم من إِمَام عَادل أفضل من عبَادَة سِتِّينَ سنة وحد يُقَام فِي الأَرْض بِحقِّهِ أزكى فِيهَا من مطر أَرْبَعِينَ عَامًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَهُوَ غَرِيب بِهَذَا اللَّفْظ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في جامع السنن (٢٢٤٧) وإتحاف الخيرة (٤/ ٢٦١ رقم ٣٥٢٥)، والمطالب العالية (٢١٥٥) من طريق خلف بن خالد عن إبراهيم بن سالم، عن عمرو بن ضرار عن حذيفة بلفظ: أيما رجل استعمل رجلا على عشرة أنفس علم أن في العشرة أفضل ممن استعمل فقد غش الله وغش رسوله وغش جماعة المسلمين، ويؤتى بالذي ضرب فوق الحد فيقول: عبدي، لم ضربت فوق ما أمرتك؟ فيقول: غضبت لك. فيقول: أكان لغضبك أن يكون أشد من غضبي؟ ويؤتى بالذي قصر فيقول: عبدي، لم قصرت؟ فيقول: رحمته. فيقول: أكانت لرحمتك أن تكون أشد من رحمتي؟ فيؤمر بهما جميعا إلى النار. وضعفه الألباني بلفظه المختصر في الضعيفة (٧١٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٩٢ رقم ٤٧٦٥) والكبير (١١/ ٣٣٧ رقم ١١٩٣٢)، وأبو نعيم في فضيلة العادلين (١٦)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٨٠ - ٢٨١ رقم ١٦٦٤٩) والشعب (٩/ ٤٨٢ - ٤٨٣ رقم ٦٩٩٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢١٨٠)، وابن عساكر في المعجم (١١٩٢). =","vol":"10","page":148},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله: \"يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة\": ﴿فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (^١) فناسب ذكر المطر لذلك، ويوضح هذا المعنى قوله -ﷺ-: \"إنما أهلك الذين من قبلكم\" \"وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين عاما\" وفي رواية \"أزكى فيها من مطر أربعين يوما\" وإنما كان العدل خيرا من المطر لأن المطر يحيى الأرض والعدل يحيى أهل الأرض ولأن في إقامة الحد منع الفساد في الأرض بعد إصلاحها فناسبه ذكر المطر لذلك، ويوضح هذا المعنى قوله -ﷺ-: \"إنما هلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد\" فمنع إقامة الحد سبب هلاك الأمم، وكذلك منع المطر فيه هلاك الخلق، وأيضا المطر الدائم قد لا يكون صلاحا وأما إقامة الحد فهو صلاح محقق فكان خيرا لهم من المطر في المدة المذكورة، وخاطبهم بذلك لأن العرب لا يسترزقون إلا بالمطر المعهود كما قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ\n_________\n= وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا عفان بن جبير، تفرد به: جعفر بن عون، ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. قال ابن عساكر: هذا حديث غريب. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٩٧: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سعد أبو غيلان الشيباني ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٦/ ٢٦٣: رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، وفيه زريق بن السخت ولم أعرفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٩٨٩) و(١٥٩٥) وضعيف الترغيب (١٤٠٣).\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.","vol":"10","page":149},{"text":"رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (^١) والنفوس العاصية لا تنزجر عن المعاصى إلا بإقامة الحدود (^٢)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٥٤٣ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أقِيمُوا حُدُود الله فِي الْقَرِيب والبعيد وَلَا تأخذكم فِي الله لومة لائم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن ربيعَة بن ناجد لم يرو عَنهُ إِلَّا أَبَا صَادِق فِيمَا أعلم (^٣).\nقوله: وعن عبادة بن الصامت -﵁- تقدم. قوله -ﷺ-: \"أقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم\" وكانت الحدود في صدر الإسلام بالغرامات ثم نسخت بهذه العقوبات المشروعات في الأحاديث والمرويات (^٤).\n_________\n(^١) سورة الذاريات، الآية: ٢٢.\n(^٢) شرح المشكاة (٨/ ٢٥٢٩) بنحوه.\n(^٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ٣١٦ (٢٢٦٩٩) و٥/ ٣٢٦ (٢٢٧٧٦) و(٢٢٧٧٧) و٥/ ٣٣٠ (٢٢٧٩٥)، وابن ماجه (٢٥٤٠)، وأبو داود في المراسيل (٢٤١)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٨) والآحاد والمثاني (١٨٦٦)، والبزار في مسنده (٢٧١٢)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٥/ ١٨١ رقم ٤٤٨٦/ ١)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٥ رقم ٥٦٦٠) ومسند الشاميين (١٥٠٢)، والحاكم (٢/ ٧٤ - ٧٥)، والبيهقي في الصغير (٣/ ٤٠٣ رقم ٢٨٩٠) والكبرى (٩/ ٣٥ - ٣٦ رقم ١٧٧٩٩) و(٩/ ١٧٦ - ١٧٧ رقم ١٨٢١٩ و١٨٢٢٠ و١٨٢٢١). قال أبو حاتم في العلل (١٣٦٠): هذا حديث حسن؛ إن كان محفوظا. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١٠٣: هذا إسناد صحيح على شرط ابن حبان. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٧٠) و(١٩٤٢) و(١٩٧٢) وصحيح الترغيب (٢٣٥٢)، المشكاة (٣٥٨٧).\n(^٤) الحاوى (١٣/ ١٨٤)، وكفاية النبيه (١٧/ ١٦٦)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ١٣١)، والنجم الوهاج (٩/ ١٣٧).","vol":"10","page":150},{"text":"فائدة: المخزومية المذكورة في الحديث في صحيح مسلم قالت عائشة -﵂- أنها تابت وحسنت توبتها وتزوجت فكنت أرفع حاجتها إلى رسول الله بعد، فإن قيل: فلم قال -ﷺ-: \"لو سرقت فاطمة\" ولم خص بذلك ابنته؟ فالجواب: من وجهين، أحدهما أن اسم المخزومية فاطمة بنت الأسود فاتفق الاسمان، والثاني: أنه ضرب المثل بأعز الخلق عليه زجرا للغير وحفظا لأموال الناس قاله في مرآة الزمان [وجواب آخر: أن ذلك رد لما استبعدوه من قطعها وهي على ما هي عليه من الشرف ممثلا ذلك بأشرف نساء العالمين وأن الشرف لو كان معتبرا في رد الحد ودرئه لكان معتبرًا، لا جرم في من لا أشرف في جنس النساء منها لكن الأمر ليس كذلك، وبهذا يرتبط هذا مع قوله ﵊: \"كانوا إذا سرق فيهم الشريف\" والله أعلم، كاتبه].\nفائدة: في هذا الحديث دليل على أن فاطمة أفضل نساء الأمة وأشرفهن لأنه لو كان غيرها أشرف لذكره لأن الحديث سيق لبيان أن كمال الشرف في الإنسان لا يمنع من إقامة الحد عليه فاعلمه قاله ابن العماد [وبعد كتبي الجواب يمنة، وقعت على كلام ابن العماد هذا وهو الذي ينبغي أن يعتمد جوابا وهو شاهد لما ذكرناه والحمد لله].\nفائدة أخرى: الفواطم جماعة، فاطمة بنت محمد -ﷺ-، وفاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب وفاطمة أم أسماء بنت حمزة، وقيل: الثالثة: بنت عتبة بن ربيعه (^١)، أ. هـ قاله ابن العماد في شرح العمدة.\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٩/ ٢٨٩٤) للطيبي.","vol":"10","page":151},{"text":"الشافعية إن نوى به اليمين فهو يمين وإلا فلا وفيه دليل على جواز الحلف من غير استحلاف وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب كما في هذا الحديث وقد كثرت نظائره في أحاديث كثيرة في هذا التعليق (^١).\nقوله -ﷺ-: \"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها\" وفيه عدم السعي في تعطيل الحدود رعاية لأهل الوجاهة والشرف وصفة ما يفعل عند ذلك حتى على الحث بنحو اشفع في كذا ثم الإسهاب بنحو القيام والاختطاب البين وقال ذلك وأنه أهلك الأوائل ثم أظهر التصميم حتى في الأعز الأحب مؤكدا بالقسم: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (^٢) الآية، كذا ذكره في حدائق الأولياء (^٣)، ويحك هذا سيد الأولين والآخرين يقسم بالله تعالى أن ابنته التي هي بضعة منه لو سرقت أقام عليها الحد ليشرع لك ذلك ويخبرك أن سبب هلاك الأمم قبلك ما أخبر به وأنت لا تنقاد لذلك بل لو روجعت في الحق لوجدت نفسك حرجا من ذلك وأنت تدعي الإيمان كذبت قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤) الآية، فلا بد من تسليمك وعدم حرجك لتحقيق إيمانك، أ. هـ قاله أيضا في الحدائق (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٨٦ - ١٨٧)، والمفهم (١١/ ١١٥)، والعدة (٣/ ١٤٨٤)، وكشف المناهج (٥/ ١٠٧).\n(^٢) سورة النور، الآية: ٢.\n(^٣) حدائق الأولياء (١/ ٥٨٢ - ٥٨٣).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٦٥.\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"10","page":152},{"text":"قوله: ثم قام فاختطب، فقال: \"إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد\" أنهم بفتح الهمزة وهو فاعل أهلك ففيه وعيد شديد على ترك القيام بالحدود وترك التسوية فيها بين الدني والشريف والقوي والضعيف ولا خلاف في وجوب ذلك وفيه حجة لمن قال إن شرع من قبلنا لنا، وأجيب لأنا نقول به إذا قرره وهذا تقرير منه -﵇- له والله أعلم (^١).\nقوله -ﷺ-: \"وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها\" الحديث، وايم الله فيها لغات كثيرة يقال بوصل الألف وقطعها والقطع لا يجوز فيها عند الأكثر وبكسر الهمزة وهو مبتدأ خبر محذوف أي ايم الله فسمي وأبم الله من ألفاظ القسم أي الحلف كقولك لعمر الله وعهد الله وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جميع يمين وقال الهروي كقولهم يمين الله ثم تجمع اليمين أيمنا فقالوا أيمن الله ثم كثر في كلامهم فحذفوا النون أي للاستخفاف فقالوا أيم الله وقالوا أم الله ومِ الله وأيم الله وأيم الله وأيمن الله وليم الله وكل ذلك قيل وجعل بعضهم هذه الكلمة كلها عوضا من واو للقسم وهو مذهب المبرد كأنه يقول والله لأفعلن، وبعضهم: هي اسم موضوع للقسم وقد تكررت في الحديث معناه واسم الله وهية بضم الميم وفتحها وكسرها وفيه جواز اليمين بهذا اللفظ وهو وايم الله وأيمن الله واختلف العلماء في ذلك فقال مالك وأبو حنيفة هو يمين وقال أصحابنا أي:\n_________\n(^١) المفهم (١٦/ ٤).","vol":"10","page":153},{"text":"النووي إجماع العلماء على تحريم الشفاعة في حد من حدود الله تعالى بعد بلوغه إلى الإمام لهذه الأحاديث وعلى أنه يحرم التشفع فيه، وأما الشفاعة قبل بلوغ الإمام فقد أجازها أكثر العلماء لما جاء في الستر على مطلقا لكن قال الإمام مالك كلاما معناه إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى فإن كان فلا أحب أن أشفع فيه وحرم ذلك النووي في شرح مسلم (^١)، وأما الشفاعة في المعاصي التي لا حد فيها وليس فيها حق لآدمي وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة فيها والتشفيع فيها سواء بلغت الإمام أم لا لأنها أهون لأن الشفاعة فيها مستحبة (^٢) لما جاء عن ربيعة بن عبد الرحمن أن الزبير بن العوام لقي رجلا قد أخذ سارقا وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله فقال لا حتى أبلغ به السلطان فقال الزبير: إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع (^٣).\nقوله: ثم قام فاختطب، قد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم يقال شفع شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع الذي يقبل الشفاعة والمشفع الذي تقبل شفاعته قاله في النهاية (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٨٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٨٦)، وشرح المشكاة (٨/ ٢٥٣٧) و(١٠/ ٣١٧٧)، وكشف المناهج (٣/ ٢٤٥)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ٢١٩).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢٤١٧).\n(^٤) النهاية (٢/ ٤٨٥).","vol":"10","page":154},{"text":"الجاهلية لأن أمه خرجت تزور قومها فأغارت عليهم بنو القين بن جسر فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد فوهبته للنبي -ﷺ- قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين وقيل رأه النبي -ﷺ- ينادى عليه بالبطحاء فذكره لخديجة فقالت له يشتريه من ملها ثم وهبته للنبي -ﷺ- فأعتقته وتبناه، قال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^١) فهو أسامة بن زيد بن حارثة بالحاء المهملة ابن شراحيل بفتح الشين ابن كعب بن عبد العزى إلى آخر النسب وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين جعفر بن أبي طالب روى لزيد عن النبي -ﷺ- حديثنا روى عنه ابنه أسامه وتقدم ذكر مناقبه في غير ما موضع من هذا التعليق، والله أعلم.\nقوله: فكلمه أسامة فقال رسول الله -ﷺ-: \"يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله\" الحديث، ففي هذا الحديث تحريم الشفاعة في الحد بعد رفعه إلى الإمام لقوله: \"أتشفع في حد من حدود الله\" وقد ورد التشديد في ذلك لأحاديث وردت وهي قوله: \"من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله\" الحديث، وروى الطبراني من حديث الزبير بن العوام في قصة سارق رداء صفوان: \"اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه\" وبالتحريم قال الجمهور ففيه النهي عن الشفاعة في الحدود وعن مراعاة الأقوياء دون الضعفاء وأنه كان سببا في هلاك بني إسرائيل، وقد حكي\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٥.","vol":"10","page":155},{"text":"وفي الحديث: اللص إذا قطعت يده سبقت إلى النار فإن تاب اشتلاها أي استنقذها، ومعنى سبقت، سبقها أنه بالسرقة استوجب النار فكانت من جملة ما يدخل النار فإذا قطعت سبقته إليها لأنها فارقته فإذا تاب استنقذ بنيته حتى يده، قاله في النهاية (^١).\nقال القاضي عياض (^٢): صان الله تعالى الأموال بإيجاب القطع على السارق ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغضب لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور وتسهيل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة فإنه تندر إقامة البينة عليها فعظم أمرها واشتدت عقوبتها ليكون أبلغ في الزجر عنها.\nوقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه، أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"ثم قالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله\" حب بكسر الحاء المهملة، أي: محبوبه ومعنى يجترئ يتجاسر عليه بطريق الإدلال، وفي هذا الحديث منقبة ظاهرة لأسامة (^٣) -﵁- وهو مولى رسول -ﷺ- أشهر مواليه، ويقال له حب رسول الله -ﷺ- وأبو حبه كان أصابه سبي في\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٩٩).\n(^٢) إكمال المعلم (٥/ ٤٩٥) وشرح النووي على مسلم (١١/ ١٨٠ - ١٨١)، ورياض الأفهام (٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(^٣) شرح مسلم للنووي (١١/ ١٨٦) ورياض الأفهام (٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨).","vol":"10","page":156},{"text":"مبهماته: هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد أخت أبي سليمة بن عبد الأسد زوج أم سلمة ذكره عبد الغني (^١)، وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد (^٢)، ذكره عبد الرزاق (^٣) والراجح الأول وهذا هو الحكمة في قوله: \"لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها\" لمشاركتها في الاسم فقال: \"لو كانت ابنتي فاطمة لقطعت يدها\" وفي الحديث إشارة ظاهرة إلى أن المرأة قطعت يدها في السرقة وإلا لقال: ولو أن فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها (^٤).\nقال في المفهم (^٥): وهذا إخبار عن مقدر يفيد القطع بأمر محقق وهو وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب والبغيض والحبيب لا ينفع في درئه شفاعة ولا يحول دونه قرابة ولا جماعة وتمثيله بابنته ﵍ فيه إظهار لمنزلتها عنده إذ لو كان أحد أحب إليه وأعز منها لمثل به في هذا المقام الذي هو للتهويل والتعظيم وفيه دليل لمن قال: والله لو وقع كذا لفعلت كذا أنه يكون حانثا كما يقوله المالكية ومثلوه بما لو قال والله لو كنت حاضرا لك عند مخاصمة لفقأت عينك (^٦) أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) الغوامض والمبهمات (ص ١٠٤).\n(^٢) غوامض الأسماء المبهمة (١/ ٤١٧) لابن بشكوال.\n(^٣) المصنف (١٨٨٣٢) وما سبق من كلام ذكره العراقي كما في طرح التثريب (٨/ ٢٩).\n(^٤) المفهم (١٦/ ٢).\n(^٥) المصدر السابق (١٦/ ٤).\n(^٦) رياض الأفهام (٥/ ٢٥٢)، والإعلام (٩/ ٢٢٠).","vol":"10","page":157},{"text":"٣٥٤٤ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن قُريْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْن المخزومية الَّتِي سرقت فَقَالُوا من يكلم فِيهَا رَسُول الله -ﷺ- ثمَّ قَالُوا من يجترئ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَة بن زيد حب رَسُول الله -ﷺ- فَكَلمهُ أُسَامَة فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا أُسَامَة أَتَشفع فِي حد من حُدُود الله ثمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: إِنَّمَا هلك الَّذين من قبلكُمْ أَنهم كانُوا إِذا سرق فيهم الشريف تَرَكُوهُ وَإِذا سرق فيهم الضَّعِيف أَقامُوا عَلَيْهِ الْحَد وَايْم الله لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله -ﷺ- ثم قالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله -ﷺ-، الحديث، وفي رواية في الصحيح: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي -ﷺ- بقطع يدها، وفي رواية: فتلون وجه رسول الله -ﷺ- ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها.\nفائدة: هذه المخزومية اسمها فاطمة وهي ابنة أخي أبي سلمة بن عبد الأسد زوج أم سلمة ذكره الخطيب في مبهماته (^٢) وكذا قال ابن طاهر في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧٥) و(٣٧٣٢) و(٣٧٣٣) و(٤٣٠٤) و(٦٧٨٧) و(٦٧٨٨) و(٦٨٠٠)، ومسلم (٨ و٩ و١٠ - ١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٧٣) و(٤٣٧٤) و(٤٣٩٦ و٤٣٩٧)، والترمذي (١٤٣٠)، والنسائي ٧/ ٤٦٤ (٤٩٣٩) و٧/ ٤٦٥ (٤٩٤١) و(٤٩٤٢) و٧/ ٤٦٦ (٤٩٤٣) و(٤٩٤٤) و٧/ ٤٦٧ (٤٩٤٥) و٧/ ٤٦٨ (٤٩٤٦) و(٤٩٤٧) و(٤٩٤٦) و(٤٩٤٧)، وابن ماجه (٢٥٤٧).\n(^٢) الأسماء المبهمة (٤/ ٢٥٦) للخطيب، وغوامض الأسماء المبهمة (١/ ٤١٥) لابن بشكوال.","vol":"10","page":158},{"text":"حكاية: وقد حكي عن الفضيل بن عياض ﵀ أنه رأى ولده عليا وسرق منه مرة دنانير فجلس يبكي فقال له الفضيل تبكي على الدنيا أبكي الله عينك قال: لا والله ما أبكي على ما خرج مني وإنما أبكي على المسكين الذي أخذه كيف يكون حظي منه الثواب وحظه من سرقته الحساب والعقاب، قال: أحسنت لمثل هذا فابك. أ. هـ.\nتنبيه: وقد أجمع العلماء -﵃- على قطع يد السارق واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره فقال أهل الظاهر لا يشترط نصاب بل يقطع في القليل والكثير وبه قال ابن بنت الشافعي من أصحابنا وحكاه القاضي عياض عن الحسن البصري والخوارج وأهل الظاهر واحتجوا بعموم قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^١) ولم يخصوا الآية (^٢)، وقال جماهير العلماء: لا يقطع إلا في نصاب للأحاديث الصحيحة الواردة بذلك ثم اختلفوا في قدر النصاب فقال الشافعي النصاب ربع دينار ذهبا أو ما قيمته ربع دينار وسواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر ولا يقطع في أقل منه، وبهذا قال الأكثرون وقال مالك والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق في رواية: تقطع اليد في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما ولا يقطع فيما دون ذلك، وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك قال ويعتبر فيه التحديد وإذا قلنا أن المعتبر ربع دينار لم يحد ذلك تحديد بل المعتبر بقيمة\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٣٨.\n(^٢) العدة شرح العمدة (٣/ ١٤٧٧).","vol":"10","page":159},{"text":"البلد في وقت السرقة نقلا عن الرافعي عن الأكثرين من أصحابنا، وأما رواية أن النبي -ﷺ- قطع في مجن قيمته دراهم محمولة على أن هذا القدر كان ربع دينار في ذلك الوقت والمجن الترس الذي يتقي به القتال (^١).\nتنبيه: السرقة بفتح السين وهو أخذ مال الغير خفية من حرز مثله مأخوذا من المسارقة ويجوز إسكان رائها مع فتح السين وكسرها والأصل في حكمها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٢).\nوقد أجمع المسلمون على قطع يد السارق في [الجملة] وإن اختلفوا في فروع منه (^٣) وجعل الله تعالى حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر لموافقة الزنا لثلاثة معان، أحدها: أن للسارق مثل يده إذا قطعت يرد عليه المقطوع ثانيا فليس له مثل يده، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع، والثاني: أن الحدود زجر للمحدود وغيره واليد ترى والذكر لا يري، والثالث: أن في قطع الذكر إبطال النسل وليس ذلك في قطع اليد (^٤).\nوقد قطع السارق في الجاهلية [فكان أول] من حكم بقطعه الوليد بن المغيرة فأمر الله تعالى به في الإسلام، وأول سارق قطعه النبي -ﷺ- من الرجال\n_________\n(^١) العدة (٣/ ١٤٧٧ - ١٤٧٩).\n(^٢) النجم الوهاج (٩/ ١٤٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٨١).\n(^٤) النكت والعيون (٢/ ٣٥) للماوردي.","vol":"10","page":160},{"text":"الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم (^١)، وحكي الكلبى أن آية السرقة نزلت في طعمة بن أبيرق الظفري سارق الدرع (^٢)، أ. هـ قاله في شرح الإلمام أو الديباجة.\nفرع: اختلف أهل العلم في النباش الذي أخذ من القبر من كفن الميت ما يبلغ نصابا، فذهب جماعة إلى وجوب القطع عليه لأن القبر حرز الكفن وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي وغيره وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال الثوري وأبو حنيفة لا قطع عليه (^٣)، أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\nقوله: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي -ﷺ- بقطع يدها، قال العلماء: المراد بها قطعت بالسرقة وإنما ذكرت العارية تعريفا لها ووضعا من قدرها لا أنها سبب القطع وقد ذكر مسلم هذا الحديث في سائر الطرق المصرحة بأنها سرقت وقطعت بسبب السرقة فيتعين حمل هذه الرواية على ذلك جمعا بين الروايات فإنها قصة واحدة مع أن الجماعة من الأئمة قالوا هذه الرواية شاذة فإنها مخالفة لجماهير الرواة والشاذ لا يعمل به، قال العلماء: وإنما لم يذكر السرقة في هذه الرواية لأن المقصود منها عند الرواي ذكر منع الشفاعة في الحدود لا الإخبار عن السرقة، قال جماهير وفقهاء الأمصار: لا\n_________\n(^١) الحاوى الكبير (١٣/ ٢٦٦).\n(^٢) الحاوى الكبير (١٣/ ٢٦٧).\n(^٣) الإشراف (٧/ ٢٠٤)، والحاوى (١٣/ ٣١٣ - ٣١٤).","vol":"10","page":161},{"text":"قطع على من جحد العارية وتأولا هذا الحديث بنحو ما ذكرته، وقال أحمد وإسحاق: يجب القطع في ذلك (^١) والله أعلم قاله ابن العماد.\n\n٣٥٤٥ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ. مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا كَمثل قوم استهاموا على سفينة فَأصَاب بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا فَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلهَا إِذا استقوا من المَاء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا لَو أَنا خرقنا فِي نصيبنا خرقا وَلم نؤذ من فَوْقنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِن أخذُوا على أَيْديهم نَجوا ونجوا جَمِيعًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيره وَتَقَدَّمت أَحَادِيث فِي الشَّفَاعَة الْمَانِعَة من حد من حُدُود الله تَعَالَى (^٢).\nقوله: وعن النعمان بن بشير -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"مثل القائم في حدود الله والواقع فيها\" الحديث، القائم في حدود الله معناه المنكر لها القائم في دفعها وإزالتها.\nقوله: \"وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا\" قال في النهاية (^٣): يقال أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد فعله كأنك أمسكت يده، أ. هـ وتقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطًا والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٩٣) و(٢٦٨٦)، والترمذي (٢١٧٣)، وابن حبان (٢٩٧ و٢٩٨ و٣٠١).\n(^٣) النهاية (١/ ٢٨).","vol":"10","page":162},{"text":"خاتمة: والأصح أن الحدود تقام في دار الحرب وللشافعي في المسألة نصان فقيل: هما قولان ووجه المنع خشية أن يلحق المحدود بأهل الحرب ولنهي عمر وغيره عن ذلك، وقيل: هما حالان فإن في كان المسلمين قوة وهم في قرب من دار الإسلام يأمنون الفتنة أقيم وإن ضعفوا وخافوا الفتنة لبعدهم فلا، وقيل: إن كان الإمام فوض ذلك لأمير الجيش أقيم وإلا فلا، وقيل: [إن كان] الإمام هناك أقامه وإلا فلا (^١)، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) كفاية النبيه (١٧/ ٢١٢).","vol":"10","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>[الترهيب من شرب الخمر وبيعها وشرائها وعصرها وحملها وأكل ثمنها والتشديد في ذلك والترغيب في تركه والتوبة منه]</span>\n٣٥٤٦ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَزَاد مُسلم وَفِي رِوَايَة وَأَبُو دَاوُد بعد قَوْله وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَلَكِن التَّوْبَة معروضة بعد (^١).\n\n٣٥٤٧ - وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر وَهُوَ مُؤمن وَذكر رَابِعَة فنسيتها فَإذا فعل ذَلِك فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" هذا الحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) و(٥٥٧٨) و(٦٧٧٢) و(٦٨١٠)، ومسلم (١٠٠ و١٠١ و١٠٢ و١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ - ٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٥)، وابن ماجه (٣٩٣٦)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٤٤٧ (٤٩١٤) و٧/ ٤٤٨ (٤٩١٥) و٨/ ٤٥٨ (٥٧٠٥) و٨/ ٤٥٩ (٥٧٠٦) والكبرى (٥١٤٩) و(٥١٥٠) و(٧٠٨٨ - ٧٠٩) و(٧٣١٥ و٧٣١٦).\n(^٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٧/ ٤٤٩ (٤٩١٦) والكبرى (٧٣١٦). وقال الألباني: منكر الصحيحة تحت الحديث (٣٠٠٠) وضعيف الترغيب (١٤٠٤).","vol":"10","page":164},{"text":"مما اختلف العلماء في معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشي ويراد به نفي كماله ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة وإنما تأولناه على ما ذكرناه لما في حديث أبي ذر وغيره \"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق\" وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه -ﷺ- على أنهم لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا إلا آخره ثم قال لهم النبي -ﷺ-: \"فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه\" فهذا الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (^١) الآية مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أهل الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شاء عفا عنهم وأدخلهم الجنة أو لا وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة وكل هذه الدلائل تضطر إلى تأويل هذا الحديث وشبهه وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بورود الشرع بتحريمه وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري معناه ينزع منه اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق، وحكي عن ابن عباس أن معناه ينزع منه نور الإيمان\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٤٨.","vol":"10","page":165},{"text":"وفيه حديث مرفوع، أ. هـ قاله النووي في شرح مسلم (^١).\nوقال ابن قيم الجوزية (^٢): وليس المراد تقييد نفي الإيمان المطلق عنه حالة مباشرة تلك الأفعال فقط بحيث إذا كملت مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإيمان بل هذا النفي مستمرا إلى حين التوبة وإلا فما دام مصرا وإن لم يباشر الفعل فالنفي لا حق به ولا يزوال عنه اسم الذم والأحكام المترتبة على المباشرة إلا بالتوبة النصوح والله أعلم، أ. هـ.\nوقوله -ﷺ- في رواية مسلم وأبي داود بعد قوله: \"ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" \"ولكن التوبة معروضة بعد\" أي بعد مواقعته للذنب فلما قطعه عن الإضافة بناه على الضم والمراد بكونها معروضة أن الله تعالى عرضها على العباد فأمرهم بها ووعد بقبولها وقد أجمع العلماء على قبول توبة العبد ما لم يغرغر كما ورد في الحديث الصحيح ولها ثلاثة أركان، الأول: الإقلاع عن المعصية، والثاني: الندم على فعلها، والثالث: العزم على أن لا يعود لها وأهمل أصحابنا أي الشافعية ركنا رابعا وهو النية والإخلاص فيها كغيرها من العبادات، قال أصحابنا وغيرهم: فإن تاب من ذنب ثم عاد إلهي لم تطبل توبته وإن تاب من ذنب وهو متلبس بآخر صحت توبته هذا مذهب أهل الحق وخالفت المعتزلة في المسألتين قاله العراقي في شرح الأحكام (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤١ - ٤٢).\n(^٢) الوابل الصيب (ص ٣٠).\n(^٣) طرح التثريب (٧/ ٢٦٤).","vol":"10","page":166},{"text":"قوله: \"فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فإن تاب تاب الله عليه\" الربقة واحدة الربق وهي عرى في حبل يشد إليها البهم.\n\n٣٥٤٨ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لعن الله الْخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَزَاد وآكل ثمنهَا (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لعن الله الخمر وشاربها\" الحديث، لعنت الخمرة على عشرة أوجه، لعنت الخمرة نفسها وعاصرها ومعتصرها إلى آخره، وفي حديث أنس بعده: \"لعن رسول الله -ﷺ- في الخمر عشرة عاصرها والمعصورة له وحاملها والمحمولة له والمبيوعة له وساقيها والمسقاة له\" حتى عد عشرة من هذا الضرب، أخذ الأئمة من هذه الأحاديث أنه يحرم بيع العنب والرطب لعاصر الخمر وهذا يدل على أن السبب في المعصية حرام وهذا منه وكذلك بيع السلاح من الحربي وأجمعوا على أنه حرام ولا يحرم بيعه من الذمي في دار الإسلام وبيع الحديد من الحربي صحيح فإن غلب على الظن أنه يعملون سلاحا فينبغي أن يكون كبيع العنب من الخمار وبيع السلاح من قاطع\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٨١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤١٣ (٢١٦٢٥)، وأحمد ٢/ ٢٥ (٤٧٨٧) و٢/ ٧١ (٥٣٩٠) و(٦٣٩١) و٢/ ٩٧ (٥٧١٦)، وأبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠)، وأبو يعلى (٥٥٨٣) و(٥٥٩١)، والحاكم (٢/ ٣١ - ٣٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥٦)، والروض النضير (٢١٦)، الإرواء (١٥٢٩)، والمشكاة (٢٧٧٧).","vol":"10","page":167},{"text":"الطريق والبغاة ونحوهما وإن لم يتحقق منه ذلك فهو مكروه وإن غلب على الظن أنه يعصي به فالأصح حرام والثاني مكروه كراهة تنزيه شديدة، وعلى الوجهين البيع صحيح وهكذا بيع العصير أو العنب ممن يتخذه خمرا أو الزبيب أو التمر أو الرطب ممن يتخذه نبيذا وكذلك بيع الغلمان المرد الحسان ممن عرف باللواط وبيع الخشب لمن يستعمله في الملاهي وبيع الجارية ممن يتخذها للغناء المحرم والعمدة في جميع ذلك أن النبي -ﷺ- لعن في الخمر عشرة (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nالخمر عند أهل اللغة من مخامرة العقل والمخامرة التغطية ومنه خمار المرأة وهو ما يغطي به رأسها فسميت خمرا لسترها العقل (^٢) وقال ابن الأنباري: سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه (^٣) وقال ابن الأعرابي (^٤): سميت خمرا لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير ريحها فالخمر يقع على كل مسكر لما روى البخاري أنه -ﷺ- قال: \"كل مسكر خمر وكل خمر حرام\" وصح عن عمر -﵁- أنه خطب الناس فقال: يأيها الناس إن الله أنزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير (^٥)، وعن النعمان بن\n_________\n(^١) روضة الطالبين (٢/ ٤١٨)، والابتهاج شرح المنهاج - رسالة علمية من أول البيوع (ص ١٨٣ - ١٨٥ ومن ص ٤٥٩)، ومغنى المحتاج (٢/ ٣٩٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢١٠)، وعمدة القارى (٢١/ ١٦٣).\n(^٣) الزاهر (١/ ٤٣٥).\n(^٤) الصحاح (٢/ ٦٤٩)، ومجمل اللغة (١/ ٣٠٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٦١٩)، ومسلم (٣٣ - ٣٠٣٢) عن ابن عمر عن عمر.","vol":"10","page":168},{"text":"بشير قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ومن التمر خمرا ومن العسل خمرا\" (^١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه في هذا الحديث وغيره في صحيح مسلم وغيره تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة وأنها كلها تسمى خمرا وسواء في ذلك النضيج وتنبيذ التمر والرطب والبسر والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها فكلها محرمة وتسمى خمرا هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد والجماهير من السلف والخلف، وقال قوم من أهل البصرة إنما يحرم عصير العنب ونقيع الزبيب النيئ فأما المطبوخ منهما والنيئ المطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يسكر، وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير تمرات النخيل والأعناب فسلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها وأما نقيع التمر والزبيب فلا يحل مطبوخها بتفصيل عنه فهو هذا كله ما لم يشرب ويسكر فإن أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين (^٢)، أ. هـ قاله في الديباجة، والخمر ما خامر العقل وهي محرمة بالإجماع وقد كانت مباحة في أول الإسلام وكان الخمر مباحا ونزل تحريم الخمر في السنة الثالثة من الهجرة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٦٧ (١٨٣٥٠) و٤/ ٢٧٣ (١٨٤٠٧)، وابن ماجه (٣٣٧٩)، وأبو داود (٣٧٧٦) و(٣٦٧٧)، والترمذي (١٨٧٢)، والنسائي في الكبرى (٦٧٥٦)، والبزار (٣٢٥٥)، وابن حبان (٥٣٩٨)، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٤٨، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٣٢٧. قال الألباني: صحيح لغيره - المشكاة (٣٦٤٧)، الصحيحة (١٥٩٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٤٨)، والعدة شرح العمدة (٣/ ١٦٤٦ - ١٦٤٧).","vol":"10","page":169},{"text":"فرع: وما سوى عصير العنب [الخمر] هل يسمى خمرا حقيقة ومجازا فيه وجهان الأكثرون كما قال الرافعي لأنها تسمى خمرا مجازا وأن الخمر حقيقة في ماء العنب، أ. هـ.\nواختلف العلماء في شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة وهي من التمر والعسل والحنطة والشعير وسواء في ذلك الفضيخ وهو ما يفضخ أي يدق من البسر ويصب عليه الماء ويتكر حتى يشتد ونبيذ التمر والرطب والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها فكلها محرمة وتسمى خمرا وبذلك قال الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف وقال قوم من أهل البصرة إنما يحرم عصير العنب ونقيع الزبيب النيء فأما المطبوخ منهما والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يشرب ويسكر وقال أبو حنيفة إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب قال فسلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها فقال يحل مطبوخهما وإن مسته النار شيئا قليلا من غيرا اعتبار لحد كما اعتبر في سلافة العنب قال: والنيئ منه حرام ولكن لا يحد شاربه هذا كله ما لم يشرب ويسكر فإن أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين، أهـ، قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام (^١).\nوأجمعت الأمة على أن شارب الخمر يحد سواء سكر أم لا واختلف العلماء في شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة فقال الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف هو حرام\n_________\n(^١) هذا كلام مكرر لما سبق.","vol":"10","page":170},{"text":"يجلد فيه شارب الخمر الذي هو عصير العنب سواء كان يعتقد إباحته أو تحريمه، وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يحرم ولا يحد شاربه، قال أبو ثور هو حرام يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون من يعتقد إباحته (^١).\nفائدة: واختلف العلماء في قدر حد الخمر فقال الشافعي وأبو ثور وداود وأهل الظاهر وآخرون حده أبعون، قال الشافعي: وللإمام أن يبلغ به ثمانين وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الأذى وترك الصلاة وغير ذلك، ونقل القاضي عياض عن الجمهور من السلف والخلف منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق أنهم قالوا: حده ثمانون واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة، وحجة الشافعي وموافقيه فعله -﵇-، وأما زيادة عمر فتعزير وهو راجع إلى رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه بحسب المصلحة ولو كانت الزيادة حدا لم يتركها النبي -ﷺ- ولا أبو بكر ولا علي بعد أن فعلها عمر في آخر عمره ولهذا [قال] علي وكل سنة [معناه الاقتصار على الأربعين وبلوغ الثمانين] فهذا الذي قاله الشافعي الظاهر الذي تقتضيه الأحاديث، ثم هذا هو حد الحر، أما العبد فعلى النصف منها كما في [الزنا والقذف] (^٢).\nواختلف العلماء في شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب مما يسكر فقال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور هو حرام يجلد فيه كما في الخمر من\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢١٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢١٨).","vol":"10","page":171},{"text":"العنب سواء اعتقد إباحته أو تحريمه، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم ولا يحد وقال أبو ثور: يحد من يعتقد تحريمه دون غيره (^١).\nوقد أجمع العلماء على أنه من وجب عليه حد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة على أحد ولا في بيت المال وأما من مات من التعزير فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة وفي محل ضمانه قولان للشافعي أصحهما تجب ديته على عاقبة الإمام والكفارة في مال الإمام والصاني تجب الدية في بيت المال وفي الكفارة على هذا وجهان عندنا أحدهما في بيت المال أيضا والثاني في مال الإمام وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال (^٢)، أ. هـ قاله في شرح الإلمام والله تعالى أعلم.\nفائدة: روى الحكيم الترمذي في كتاب العلل (^٣): أن الشيطان حين خرج من السفينة سرق معه شجرة الكرم فزرعها ثم ذبح خنزيرا فسقاها بدمه ثم ذبح كلبا فسقاها بدمه ثم ذبح قردا فسقاها بدمه فحصلت لها النجاسة من دم الخنزير وحصل لشاربها العربدة من دم القرد فمن ثم ترى السكران يعربد وحصل لها الحمية من دم الكلب فمن ثم ترى السكران تأخذه الحمية ويغضب، بخلاف السكر بالبنج والحشيش والشيكران وجوز الطيب\n_________\n(^١) العدة شرح العمدة (٣/ ١٤٩١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٢١).\n(^٣) العلل (ص ٢٣٣ - ٢٣٤) بنحوه ونقله عنه ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٣١).","vol":"10","page":172},{"text":"والأفيون فإن هذه الأشياء مسكرة ولا يحصل للبدن معها نشاط ولا عربدة بل يعتريه تخدر وفتور وممن نص على أن الحشيشة ونحوها مسكر النووي في شرح المهذب والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التذكرة في الخلاف، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وقال ابن البيطار أن الحشيش يسكر جدا والسكر معناه تغطية العقل ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (^١) ذكره ابن العماد.\nتنبيه: روى أنه قال: \"لا تجالسوا شربة الخمر، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم فإن شارب الخمر يجيء يوم القيامة مسودًا وجهه مدلعا لسانه على صدره يسيل لعابه على بطنه يقذره كل من رآه\" (^٢) خرجه أبو منصور الديلمي وقال في حياة الحيوان للدميري: حكي أن آدم لما غرس الكرمة، جاء إبليس فذبح عليها طاوسا، فشربت دمه فلما طلعت أوراقها، ذبح عليها قردا فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسدا فشربت دمه، فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيرا فشربت دمه، فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف\n_________\n(^١) سورة الحجر، الآية: ١٥.\n(^٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (٢/ ٥٠٢) ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٤٢ - ٤٣)، والنسفي في القند (١/ ٤٦١)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٨٩٧). قال ابن عدي، وأبو مطيع بين الضعف في أحاديثه وعامة ما يرويه، لا يتابع عليه. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله -ﷺ- وفيه جماعة ضعفاء، منهم ليث. قال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات ما ليس من حديثهم. ومنهم جعفر بن الحارث. قال يحيى: ليس بشيء. ومنهم أبو مطيع البلخي. قال أحمد بن حنبل: لا ينبغي أن يروى عنه شيء. وقال يحيى: ليس بشيء.","vol":"10","page":173},{"text":"الأربعة، وذلك أنه أول ما يشربها وتدب في أعضائه، يزهو لونه ويحسن كما يحسن الطاوس فإذا جاءت مبادي السكر لعب وصفق ورقص، كما يفعل القرد فإذا قوي سكره جاءت الصفة الأسدية، فيعبث ويعربد ويهذي بما لا فائدة فيه ثم يتقعص كما يتقعص الخنزير، ويطلب النوم وتنحل عرى قوته (^١).\nتنبيه: روى أنه قال: \"لا تجالسوا شربة الخمر ولا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم فإن شارب الخمر يوم القيامة مسودًا وجهه مزرقة عيناه مدلى لسانه على صدره يسيل لعابه على بطنه يقذره كل من رآه\" خرجه أبو منصور الديلمي.\nحكاية: عن معروف الكرخي رحمة الله عليه أنه كان بشاطئ دجلة في جماعة من أصحابه وهناك جماعة من الشطار يشربون الخمر ويضربون الأوتار فمرت بهم سفينة فيها شاب وقيان ومعهم منكر وهم يشربون بالمعازف فقالوا: يا شيخ أما تراهم مجاهرين الله بالمعاصي ادع الله عليهم فبسط معروف يده وقال: اللهم كما طيبت عيشهم في الدنيا فطيب عيشهم في الآخرة قالوا: يا شيخ سألناك الدعاء عليهم دعوت لهم، قال: نعم إذا طيب عيشهم في الآخرة تاب عليهم ونقلهم إلى طاعته في الدنيا وهذا مثل قول النبي -ﷺ-: \"إذا رأيتم أهل البلاء فسألوا الله العافية\" ومعناه فسألوا الله لهم العافية، أ. هـ.\nحكاية أخرى أيضا: سكن بعض المتقدمين ليلة فعاتبته زوجته على ترك الصلاة فحلف بطلاقها ثلاثا لا يصلي أيام فاشتد عليه فراق زوجته فاستمر\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ١٢٢).","vol":"10","page":174},{"text":"على ترك الصلاة مدة الأيام الثلاث فمات فيها على حاله وهو مصر على الخمر تارك الصلاة، كان بعض المصرين على الخمر يكنى أبا عمرو فنام ليلة وهو سكران فرأى في منامه قائلا يقول له:\nجد بك الأمر أبا عمرو ... وأنت معكوف على الخمر\nتشرب صهباء صراحية ... سال بك السيل ولا تدري\nفاستيقظ منزعجا وأخبر من عنده بما رأى ثم غلبه سكره فنام فلما كان وقت الصبح مات فجأة، قال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى نادما مع الخاسرين، شعر:\nأتامن أيها السكران جهلا ... بأن تفجاك في السكر المنية\nفتضحى عبرة للناس طرا ... وتلقى الله من شر البرية\nذكره ابن رجب الحنبلي (^١).\n\n٣٥٤٩ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"لعن رسول الله -ﷺ- عشرةً: عاصرها ومعتصرها، وشاربها وحاملها، والمحمولة إليه وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشترِيَ لها، والمشترى له\" رواه ابن ماجه والترمذي واللفظ له وقال حديث غريب (^٢). [قال الحافظ]: ورواته ثقات.\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٣٣٨ - ٣٣٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٨١)، والترمذي (١٣٤١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٩٣ رقم ١٣٥٥) والضياء في المختارة (٢١٨٧ - ٢١٩٠). وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس. وقال الطبراني: لم يروه عن شبيب إلا أبو عاصم. وقال الضياء: حديث أنس إسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٥٧)، غاية المرام (٦٠).","vol":"10","page":175},{"text":"قوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه. وعلى معنى هذا الحديث.\n\n٣٥٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله حرم الْخمر وَثمنهَا وَحرم الْميتَة وَثمنهَا وَحرم الْخِنْزِير وثمنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه\" الحديث، فيه أحكام، منها: تحريم بيع الخمر ولا فرق بين المحترمة وغيرها للإجماع على نجاستها ولسلب منافعها حين حرمت وإن نفعت ظاهرا فهي تضر باطنا، وقد علم أن شرط المبيع أن يكون طاهرا ومنتفعا به ولا فرق بين الممزوجة والصرف ولا بين القليل والكثير (^٢) لقوله -ﷺ-: \"ما أسكر كثيره فملئ الكف منه حرام\" (^٣) ولحديث: \"إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه\" (^٤) قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٤٨٥) وعنه أبو عوانة في المستخرج (٥٧٩٨)، والطبراني في الأوسط (١/ ٤٣ رقم ١١٦) وفي مسند الشاميين (٢٠٧٤)، وابن عدى في الكامل (٨/ ١٤٤)، والدارقطني في السنن (٢٨١٦)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢١ رقم ١١٠٤٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥٨).\n(^٢) العدة شرح العمدة (٢/ ١١٣٦ - ١١٣٧).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٤٤٢٣) و(٢٤٤٣٢) و(٢٤٩٩٢)، وأبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦)، وابن حبان (٥٣٨٣) من حديث عائشة. وقال الألباني: صحيح - \"الإرواء\" (٢٣٧٦)، \"غاية المرام\" (٥٩).\n(^٤) أخرجه أحمد ١/ ٢٤٧ (٢٢٢١) و١/ ٢٩٣ (٢٦٧٨) و١/ ٣٢٢ (٢٩٦١)، وأبو داود (٣٤٨٨)، وابن حبان (٤٩٣٨)، والطبراني في الكبير (١٢٨٨٧) من حديث عبد الله بن عباس. وصححه الألباني في غاية المرام (٣١٨).","vol":"10","page":176},{"text":"واختلفوا في جواز الانتفاع به فكرهت طائفة ذلك، وممن منع منه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق ورخص فيه الحسن والأوزاعي ومالك وأصحاب الرأي وهو نجس العين والكلب يغسل ما نجس بملاقاة شئ من أجزائه سبعا إحداهن بالتراب ويحرم أكله لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (^١) والرجس النجس، قال الماوردي: الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائد على الخنزير لكونه أقرب مذكور ونازعه في ذلك الشيخ أبو حيان وقال إنه عائد على اللحم لأنه إذا كان في الكلام مضاف ومضاف إليه عاد الضمير على المضاف لأن المضاف هو المحدث عنه والمضاف إليه وقع ذكره بطريق العرض وهو تعريف المضاف أو تخصيصه قال شيخنا وما ذكره الماوردي أولى من حيث المعنى وذلك أن تحريم اللحم قد استفيد من قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (^٢) فلو عاد الضمير عليه لزم خلو الكلام من فائدة التأسيس فوجب عوده إلى الخنزير ليفيد تحريم الشحم والكبد والطحال وسائر أجزائه ونقل ابن المنذر الإجماع على نجاسته وفي دعواه ذلك نظر لأن مالكا يخالف فيه، نعم هو أسوأ حالا من الكلب فإنه يستحب قتله ولا يجوز الانتفاع به في حالة بخلاف الكلب، أ. هـ قاله الكمال الدميري (^٣).\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٤٥.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٤٥.\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٤٢٦).","vol":"10","page":177},{"text":"أما الخمر والميتة فأجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد منها، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه وأكل ثمنه كما في الشحوم (^١).\nوفي بعض الراويات الذي حرم شرب الخمر حرم بيعها ففي هذه الرواية تحريم بيع الخمر وهو مجمع عليه والعلة فيها عند الشافعي وموافقيه كونها نجسة أو ليس فيها منفعة مباحة مقصودة فيلحق بها جميع النجاسات كالسرجين وذرق الحمام وغيره وكذلك يلحق بها ما ليس فيه منفعة مقصودة كالسباع التي لا تصلح للاصطياد والحشرات والحبة الواحدة من الحنطة ونحو ذلك ولا يجوز شيء من ذلك (^٢)، أ. هـ والله أعلم.\n\n٣٥٥١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لعن الله الْيَهُود ثَلَاثًا إِن الله حرم عَلَيْهِم الشحوم فَبَاعُوهَا فَأَكَلُوا أثمانها إِن الله إِذا حرم على قوم أكل شَيْء حرم عَلَيْهِم ثمنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ٣).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٣٢٢ (٢٢٢١) و١/ ٢٤٧ (٢٦٧٨) و١/ ٢٩٣ (٢٩٦١)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٤٧، وأبو داود (٣٤٨٨)، وابن المنذر في الأوسط (٨٦٨) و(٧٨٠٨)، وابن حبان (٤٩٣٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٩ رقم ١٢٣٧٨) و(١٢/ ٢٠٠ رقم ١٢٨٨٧)، والبيهقي في الصغير (٢/ ٢٧٩ رقم ١٩٩٠) والكبرى (٦/ ٢١ - ٢٣ رقم ١١٠٥١) و(٩/ ٥٩٤ رقم ١٩٦٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٠٢) والاستذكار (٨/ ٣٧٦)، والضياء في المختارة (٤٩٣ - ٤٩٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥٩).","vol":"10","page":178},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: [انظر بعض ما يتعلق بهذا الحديث في القولة المنبه عليها بحوله] \"لعن الله اليهود ثلاثًا إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها\" فالمحرم من الشحوم عليهم شحم الكلأ والكرش والأمعاء وأما شحم الظهر والألية فلا قال الله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (^١) وفي الرواية الأخرى: \"قاتل الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها\" يقال: أجمل الشحم وجمله أي أذابه (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه\" هذا محمول على ما المقصود منه الأكل بخلاف المقصود منه غير ذلك كالعبد والبغل والحمار الأهلي فإن أكل ثمنها وبيعها جائز بالإجماع، فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم الانتفاع به فإنه يحرم الانتفاع ببيعه وأكل ثمنه كما جاء مصرحا به في الحديث: \"إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه\" وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ما كان المقصود من الانتفاع به حراما وهو قسمان أحدهما: ما كان الانتفاع به حاصلا مع بقاء عينه كالأصنام فإن منفعتها المقصودة منها هو الشرك بالله وهو أعظم أنواع المعاصي على الإطلاق ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة ككتب الشرك والسحر والبدع والضلالات وكذلك الصور المحرمة وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور وكذلك شراء الجواري للغناء، القسم الثاني: ما ينتفع به مع إتلاف عينه فإذا\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٤٦.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦).","vol":"10","page":179},{"text":"كان المقصود الأعظم منه محرما فإنه يحرم بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة مع أن في بعضها منافع غير محترمة كأكل الميتة للمضطر ودفع الغصة بالخمر وإطفاء الحريق به ولكن لما كانت هذه المنافع غير مقصودة ولم يعبؤا بها وحرم البيع، أ. هـ قاله ابن رجب الحنبلي (^١).\n\n٣٥٥٢ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من بَاعَ الْخمر فليشقص الْخَنَازِير رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا قَالَ الْخطابِيّ معنى هَذَا توكيد التَّحْرِيم والتغليظ فِيهِ يَقُول من اسْتحلَّ بيع الْخمر فيستحل أكل الْخَنَازِير فَإِنَّهُمَا فِي الْحُرْمَة وَالْإِثْم سَوَاء فَإِذا كنت لَا تستحل أكل لحم الْخِنْزِير فَلَا تستحل ثمن الْخمر انْتهى (^٢).\nقوله: وعن المغيرة بن شعبة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من باع الخمر فليشقص الخنازير\" قال الخطابي: معناه فليستحل أكلها، والشقيص على وجهين أحدهما أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض والوجه الآخر: أن يجعلها أشقاصا وأعضاء بعد\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢١١ - ١٢١٤).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٧٣٥)، والحميدى (٧٧٨)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤١٢ (٢١٦١٩)، وأحمد ٤/ ٢٥٣ (١٨٢١٤)، والدارمي (٢٢٦٩)، وأبو داود (٣٤٨٩)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٠٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٧٩ رقم ٨٤٤)، والأوسط (٨/ ٢٤٥ رقم ٨٥٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٠ رقم ١١٠٤٦). قال أبو حاتم في العلل (١١٥٢): حفص بن عمر هذا: هو ابن بيان، وحفص مجهول، وأبوه معروف. قال الطبراني: \"لا يروى هذا الحديث عن المغيرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به طعمة ابن عمرو\". وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٦٦) وضعيف الترغيب (١٤٠٥).","vol":"10","page":180},{"text":"ذبحها كما تفصل أعضاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل، قال الحافظ نقلا عن الخطابي: معنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ، يقول: من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنازير فإنهما في الحرمة والإثم سواء إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر (^١)، أ. هـ.\nوقال في النهاية: معناها فليقطعها قطعا وليفصلها أعضاء كما تفصل الشاة، يقال شقصه يشقصه. وبه سمي القصاب مشقصا. المعنى: من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء. وهذ لفظ أمر معناه النهى، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصابا. جعله الزمخشري من كلام الشعبي (^٢)، أ. هـ.\n\n٣٥٥٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله لعن الْخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها والمحمولة إِلَيْهِ وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقاها رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ١٣٤).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٩٠).\n(^٣) أخرجه ابن وهب في الجامع (٥٣)، وأحمد ١/ ٣١٦ (٢٨٩٧) وعبد بن حميد (٦٨٦)، وابن المنذر في الأوسط (٧٨٠٤)، وابن حبان (٥٣٥٦)، والطبراني في الدعاء (٢٠٩٢) والكبير (١٢/ ٢٣٣ رقم ١٢٩٧٦)، والحاكم (٢/ ٣٣) و(٤/ ١٤٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٣٩) وصحيح الترغيب (٢٣٦٠).","vol":"10","page":181},{"text":"قوله -ﷺ-: \"أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"ومبتاعها\" أي مشتريها، ففيه دليل على أن شرب الخمر من الكبائر فإن الكبيرة عند العلماء ما لعن فاعلها أو توعد فاعلها بالنار (^١).\nقوله: \"قاتل الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فجملوها\" الحديث، قاتل الله اليهود أي قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث ولا تخرج عن هذه المعاني وقد ترد لمعنى التعجب من الشيء كقولهم تربت يداه وقد ترد ولا يراد بها وقوع الأمر.\nقوله: \"حرمت عليهم الشحوم فجملوها\" وفي حديث آخر: \"فأجملوه\" يعني الشحم، وجملت الشحم وأجملته إذا أذبته واستخرجت دهنه وجملت الشيء أفصح من أجملت وكذلك يجملون الودك بفتح الياء وضمها أي يذيبونه (^٢).\nقوله: \"إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه\" هو عام إلا ما خرج بدليل كالبغل والحمار الأهلى إلى آخره.\nتنبيه: قال الشافعي وأحل الله تعالى طعام أهل الكتاب وهو ذبائحهم ولم يستثن منها شيئا لا شحما ولا غيره فدل على جواز أكل جميع الشحوم من ذبائحهم وذبائح المسلمين فالشحوم التي كانت محرمة على اليهود حلال لنا\n_________\n(^١) في الهامش: هذا يتعلق بحديث ابن عباس بحوله أخره المصنف ﵀ ونبه عليه. قلت: يعنى ما يأتى بعده من كلام فهو تتمة للكلام على حديث ابن عباس قبله.\n(^٢) النهاية (١/ ٣٩٨)، ومشارق الأنوار (١/ ١٥٢).","vol":"10","page":182},{"text":"ليست مكروهة وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجماهير العلماء وبعض أصحاب أحمد وهو قول الخرقي منهم، وقال مالك مكروهة ليست محرمة، وقال ابن القاسم وأشهب وبعض أصحاب أحمد عنها محرمة، قال القاضي عياض: وهو قول كبراء أصحاب مالك (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٥٥٤ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يبيت قوم من هَذِه الْأمة على طعم وَشرب وَلَهو وَلعب فيصبحوا قد مسخوا قردة وَخَنَازِير وليصيبهم خسف وَقذف حَتَّى يصبح النَّاس فَيَقُولُونَ خسف اللَّيْلَة ببني فلَان وَخسف اللَّيْلَة بدار فلَان خَواص ولترسلن عَلَيْهِم حِجَارَة من السَّمَاء كمَا أرْسلت على قوم لوط على قبائل فِيهَا وعَلى دور ولترسلن عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم الَّتِي أهلكت عادا على قبائل فيها وعلى دور بشربهم الْخمر ولبسهم الْحَرِير واتخاذهم الْقَيْنَات وأكلهم الرِّبَا وقطيعتهم الرَّحِم وخصلة نَسِيَهَا جَعْفَر رَوَاهُ أَحْمد مُخْتَصرا وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٩/ ٧١).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٢٢٣)،، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦، وأحمد في المسند ٥/ ٢٥٩ (٢٢٦٦١) وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ٣٢٩ (٢٣٢٣٧ و٢٣٢٣٨ و٢٣٢٣٩ و٢٣٢٤٠)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٧١)، والحاكم ٤/ ٥١٥، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٦ رقم ٧٩٩٧)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٢٠ - ٤٢١ رقم ٥٢٢٦)، والشجري في الأمالى (٢/ ٣٧١). وصححه الحاكم ووأفقه الذهبي. قال البوصيري في إتحاف الخيرة ٨/ ٩١: رواه أبو داود الطيالسي واللفظ له وأبو يعلى الموصلي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند ومدار أسانيدهم على =","vol":"10","page":183},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير وليصيبهم خسف وقذف\" الحديث، وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن المنكدر عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: \"يكون في أمتي مسخ وخسف وقذف\" قالت: يا رسول الله وهم يقولون لا إله إلا الله، فقال: \"إذا ظهرت القيان وظهر الزنا وشربت الخمر ولبس الحرير كان ذا عند ذا\" (^١) ففيه أن المسخ قد يكون في هذه الأمة خلاف من زعم أنه لا يكون وإنما مسخها بقلوبها (^٢)، وروي الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"في آخر الزمان تأتي المرأة فتجد زوجها قد مسخ قردا لأنه لا يؤمن بالقدر\" (^٣).\n_________\n= عاصم بن عمرو البجلي، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٠: رواه عبد الله، وروى الطبراني منه حديث أبي أمامة فقط، وفرقد ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٦).\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٤) من طريق أبى معشر عن محمد بن المنكدر، عن عائشة. وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف.\n(^٢) قاله مجاهد كما في تفسير الطبري (٢/ ٦٥) وتفسير ابن أبى حاتم (١/ ١٣٣ رقم ٦٧٢). وقد رده الطبري والمفسرون فقال: وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٥٨ رقم ٧١٥٠). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا أبو مصلح، تفرد به بشار بن قيراط. وقال الهيثمي في المجمع =","vol":"10","page":184},{"text":"واختلف العلماء في الممسوخ هل يعقب أو لا على قولين، أحدهما: نعم، وهو قول الزجاج والقاضي أبو بكر بن العربي المالكي وقال الجمهور لا يكون ذلك قال ابن عباس: لم يعش ممسوخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب واحتج الأولن بأحاديث منها حديث الضب الذي رواه مسلم عن أبي سعيد وجابر أن النبي أتي بضب فأبى أن يأكله وقا [ل:] لا [أدرى] لعله من القرون التي مسخت (^١)، فأما حديث الضب والفأر فكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل ممسوخ نسلا فلما أوحى عليه زال عنه ذلك التخوف وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ فعند ذلك أخبرنا بقوله -ﷺ- لمن سأله عن القردة والخنازير هي مما مسخ، فقال: إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا (^٢) وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك وهذا نص صريح وعن مجاهد في تفسير آية المسخ في بني إسرائيل إنما مسخت قلوبهم فقط، وردت أفهامهم كأفهام القردة وهذا قول تفرد به عن جميع المسلمين (^٣)، أ. هـ.\n\n٣٥٥٥ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا فعلت أمتِي خمس عشرَة خصْلَة حل بهَا الْبلَاء قيل مَا هن يَا رَسُول الله قَالَ إِذا كانَ الْمغنم دولا وَالْأَمَانَة مغنما وَالزَّكاة مغرما وأطاع الرجل زَوجته وعق أمه\n_________\n= ٧/ ٢٠٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بشار بن قيراط وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٥٦٤).\n(^١) أخرجه مسلم (٤٨ - ١٩٤٩) من حديث جابر، و(٥٠ و٥١ - ١٩٥١) عن أبي سعيد الخدري.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٣ - ٢٦٦٣) عن ابن مسعود.\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤).","vol":"10","page":185},{"text":"وبر صديقه وجفا أَبَاهُ وَارْتَفَعت الْأَصْوَات فِي الْمَسَاجِد وَكَانَ زعيم الْقَوْم أرذلهم وَأكْرم الرجل مَخَافَة شَره وشربت الْخُمُور وَلبس الْحَرِير واتخذت الْقَيْنَات وَالْمَعَازِف وَلعن آخر هَذِه الْأمة أَولهَا فليرتقبوا عِنْد ذَلِك ريحًا حَمْرَاء أَو خسفا ومسخا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله: وروي عن علي بن أبي طالب -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما\" أي: يرى من في يده أمانة أن الخيانة فيها غنيمة قد غنمها، \"والزكاة مغرمًا\" الحديث سيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"واتخذت القينات\" وفي رواية \"القينات والمعازف\" والقينات جمع قينة وهي الأمة المغنية كذا قاله الحافظ في غير ما موضع من هذا الكتاب، قال الشافعي رحمه الله تعالى وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢١٠)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٥)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٥٠ - ١٥١ رقم ٤٦٩)، وابن بشران في الأمالى (١٢٤٨)، والدانى في الفتن (٣٢٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢٦٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٣٩). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث علي بن أبي طالب إلا من هذا الوجه ولا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل الحديث وضعفه من قبل حفظه، وقد رواه عنه وكيع، وغير واحد من الأئمة.\nوقال الطبراني في: وقال الدارقطني في العلل (٣٦٧٣): غير محفوظ. وقال في سؤالات البرقاني (ص ٥٠/ ١٢): هذا باطل. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٧٠)، المشكاة (٥٤٥١)، ضعيف الترغيب (١٤٠٧) و(١٧٧٣).","vol":"10","page":186},{"text":"سفيه ترد شهادتاه وغلظ القول فيه، وقال هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثا، قال القاضي أبو الطيب: وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقًا (^١).\nقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (^٢) الآية، قال الواحدي وغيره (^٣): أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء قاله ابن عباس في رواية ابن جبير ومقسم عنه.\nقال الواحدي: وأما غناء القينات فذلك أشد ما في الباب وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روي أن النبي -ﷺ- قال: \"من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة\" الآنك الرصاص المذاب وقد جاء في تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعا إلى النبي -ﷺ-، ففي مسند الإمام أحمد ومسند الحميدي وجامع الترمذي أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا غير في تجارة فيهن وثمنهن حرام في مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٤) (^٥) قال أبو\n_________\n(^١) الرد على من يحب السماع (ص ٢٨)، وتلبيس إبليس ص ٢١٥، وإغاثة اللهفان ١/ ٢٣٠.\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ٦.\n(^٣) التفسير الوسيط (١٨/ ٩٤).\n(^٤) سورة لقمان، الآية: ٦.\n(^٥) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٢ (٢٢١٦٩) و٥/ ٢٦٤ (٢٢٢٨٠)، والترمذي (١٢٨٢) و(٣١٩٥)، وابن ماجه (٢١٦٨). قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، سمعت محمدا يقول: القاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف. وقال الألباني: حسن، الصحيحة (٢٩٢٢).","vol":"10","page":187},{"text":"الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فقال: والذي لا إله غيره هو الغناء، قال الحاكم أبو عبد الله في التفسير من كتابه المستدرك: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديثٌ مسند، وقال في موضع آخر من كتابه هو عندنا في حكم المرفوع (^١)، أ. هـ، وقال ابن رجب الحنبلي: ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك فإنهما يقولان: إذا بيعت الأمة المغنية تباع على أنها [صادحة] ولا يؤخذ لغنائهن ثمن ولو كانت الجارية ليتيم ونص على ذلك أحمد، ولا يمنع الغناء من أصل بيع العبد والأمة لأن الانتفاع به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها، وهي من أعظم مقاصد الرقيق، نعم إن كان المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة لا يجوز بيعه عند الإمام أحمد وغيره من العلماء كما لا يجوز بيع العصير ممن يتخذ خمرا ولا بيع السلاح في الفتنة ولا بيع الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشرب عليها الخمر أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة، انتهى (^٢).\nتنبيه: قال ابن مسعود -﵁-: إياكم والغناء فإنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، أ. هـ.\nقوله: \"والمعازف\" قال الجوهري (^٣): المعازف آلات الملاهي وقال غيره الدفوف وغيرها مما يضرب به، أ. هـ.\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢١٤).\n(^٣) الصحاح (٤/ ١٤٠٣)، ومشارق الأنوار (٢/ ٨٠)، وشرح المشكاة (٨/ ٢٥٥٧ - ٢٥٥٨) للطيبي.","vol":"10","page":188},{"text":"وقال النووي: المعازف الملاهي ويشمل الأوتار والمزامير والعازف اللاعب بها حكاه الرافعي (^١).\nقوله: \"ولعن آخر هذه الأمة أولها\" يعني بذلك الروافض تقدم الكلام على ذلك في كتاب العلم أو قبله.\n\n٣٥٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من زنى أَو شرب الْخمر نزع الله مِنْهُ الْإِيمَان كَمَا يخلع الْإِنْسَان الْقَمِيص من رَأسه رَوَاهُ الْحَاكِم وَتقدم فِي بَاب الْحمام حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي -ﷺ- من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يشرب الْخمر من كانَ يُؤمن بالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يجلس على مائدة يشرب عَلَيْهَا الْخمر الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه، قوله -ﷺ-: \"من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان\" الحديث، المراد بنزع الإيمان من قلبه وخروجه منه كمال الإيمان لا أصله والله أعلم، قاله العراقي في شرح الأحكام (^٣).\n_________\n(^١) العزيز شرح الوجيز (١٣/ ١٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٢١).\n(^٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢٢). وقال الحاكم: على شرط مسلم، فقد احتج بعبد الرحمن بن حجيرة وعبد الله بن الوليد وهما شاميان ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٧٤) وضعيف الترغيب (١٤٠٨) و(١٤٣٣).\nوأما حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩١ رقم ١١٤٦٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن أبي سليمان المدني، ضعفه البخاري وأبو حاتم، ووثقه ابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٢) و(٢٣٦٠).\n(^٣) طرح التثريب (٧/ ٢٦٤).","vol":"10","page":189},{"text":"٣٥٥٧ - وَرُوِيَ عَن خباب بن الْأَرَت -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ إياك وَالْخمر فَإِنَّهَا تفرع الْخَطَايَا كَمَا أَن شَجَرهَا يفرع الشّجر رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ترك (^١).\nقوله: وعن خباب بن الأرت -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إياك والخمر فإنها تفرع الخطايا كما أن شجرها يفرع الشجر\" قال عبد اللطيف البغدادي: معنى تفرع تطول يقال فرع فلان الرجال وفلانة النساء إذا طالهم، فمعناه: أن خطيئة شارب الخمر تطول سائر الخطايا وتعلوها وتزيد عليها كما أن شجرتها تطول سائر الشجر التي تتعلق بها وتتسلق إليها، قال: وفي الحديث معنيان لطيفان عجيبان أحدهما: تشبيه المعقول بالمحسوس وجعل الأحكام الشرعية في حكم الأعيان المرئية، والآخر: أن الخمر طريق إلى الفواحش ومحسنة لها ودرجة إلى كل خبيثة ولذلك سميت أم الخبائث، فقال: إنها مفتاح كل شر وكذلك شجرتها فإنها تتعلق بالشجر الدانية منها وتفرعها وتعلوها وتصير درجة وسلما وطريقا ومسلكا ومرقاة فشرب الخمر وصلة إلى الخطايا كما أن شجرتها وصلة إلى كل شجرة تعلوها (^٢)، وقال غيره: معناه أن شجرتها إذا غرست بإزاء شجرة الزيتون أو التين ارتفعت معها وازدادت وكذلك خطيئتها تعلق جميع الخطايا يقال فرع فلان الرجل إذا طالهم، أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٧٢). قال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٣٧: هذا إسناد فيه منير بن الزبير الأزدي الشامي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٩).\n(^٢) مصباح الزجاجة (ص ٢٤١) للسيوطي.","vol":"10","page":190},{"text":"٣٥٥٨ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: كل مُسكر خمر وكل مُسكر حرَام وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يدمنها لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِ وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا وَلم يتب لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة وَإِن دخل الْجنَّة (^١).\n\n٣٥٥٩ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ من شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا ثمَّ لم يتب مِنْهَا حرمهَا فِي الْآخِرَة قَالَ الْخطابِيّ ثمَّ الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة وَفِي قَوْله حرمهَا فِي الْآخِرَة وَعِيد بِأَنَّهُ لَا يدْخل الْجنَّة لِأَن شراب أهل الْجنَّة خمر إِلَّا أَنهم لَا يصدعون عَنْهَا وَلَا ينزفون وَمن دخل الْجنَّة لَا يحرم شرابها انْتهى (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"كل مسكر خمر\" خمر سميت بذلك لسترها العقل، أو لمخامرتها إياه في مخالطتها وقد جاء في الحديث: \"والخمر ما خامر العقل\" أي خالطه، وقال عياض: الخمر مؤنثة [أي: باعتبار معاد الضمير والإشارة وإسناد الأفعال] وتذكر على ضعف ويقال في لغة قليلة خمرة بالهاء، سميت بذلك لتخميرها العقل أي تغطيتها إياه وهي حقيقة في المعتصر من ماء العنب ولا تطلق على غيره إلا مجازًا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٣ و٧٤ و٧٥ - ٢٠٠.)، وأبو داود (٣٦٧٩)، والترمذي (١٨٦١) و(١٨٦٤)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٩ (٥٧١٩ و٥٧٢٠) والكبرى (٥١٦٣ و٥١٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٨ - ٢٠٠٣)، وابن ماجه (٣٣٧٣).\n(^٣) النجم الوهاج (١/ ٤١٨)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٤٦).","vol":"10","page":191},{"text":"قوله: \"ومن شرب الخمر [في الدنيا] فمات وهو يدمنها\" وفي رواية: \"ولم يتب لم يشربها في الآخرة\" يدمنها: أي يداوم على شربها.\nوقوله: \"لم يشربها في الآخرة\" يعني لا يدخل الجنة ولا يشربها حتى يطهر من دنس ذنب شرب الخمر بأن يعفو الله عنه أو يعذب بعد ذلك، وإذا طهر فدخل الجنة شرب من خمر الجنة.\nقوله: \"وكل مسكر حرام\" قال ابن رجب وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار وهو مذهب مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم وهو مما اجتمع على القول به أهل المدينة كلهم وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة وقالوا إن الخمر إنما هي خمر العنب خاصة وما عداها فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر ولا يحرم ما دونه وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم وإن كانوا في ذلك مجتهدين مغفورًا لهم وفيه خلق من أئمة العلم ومما يدل على أن كل مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل بالمدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة ولم يكن بها خمر العنب فلو لم يكن أنه تحريم الخمر شاملة لما عندهم لما كان بيان ما سألوا عنه ولكان مجمل السبب خارجا من عموم الكلام (^١)، أ. هـ.\nتنبيه: واختلفوا في السكران، فقيل: هو من اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم وقيل هو من لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢٢٧ - ١٢٢٨).","vol":"10","page":192},{"text":"من العرض (^١)،. هـ.\nفائدة: قال الشيخ الإمام السبكي: كل ما يقوله الأطباء وغيرهم في الخمر من المنافع هو شيء كان بشهادة القرآن بأن فيها منافع للناس قبل تحريمها وأما بعد نزول آية التحريم فإن الله الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع قال: وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر وعلى هذا يدل قوله -ﷺ-: \"إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها\" انتهى (^٢).\nوقال النووي في الحديث تصريح بأنها ليست بدواء فكأنه تناولها بلا سبب وهذا هو الصحيح عند أصحابنا أنه يحرم التداوي بها وكذا يحرم شربها وأما إذا غص بلقمة ولم يجد ماء يسيغها به إلا الخمر فيلزمه الإساغة بها لأن حصول الشفاء حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي (^٣)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ-: \"ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يشربها في الآخرة\" وفي رواية: \"لم يتب منها حرمها في الآخرة\" وفي رواية: \"من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب\" رواه الجماعة إلا الترمذي معناه أنه يحرم شربها في الجنة وإن دخلها فإنها من فاخر شراب الجنة فمنعها هذا العاصي بشربها في الدنيا قيل: إنه ينسى شهوتها لأن الجنة فيها كل ما\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٧) وروضة الطالبين (٨/ ٦٢)، والكواكب الدراري (٢٠/ ١٥٢) وزهر العريش في تحريم الحشيش (ص ١٠٣).\n(^٢) النجم الوهاج (٩/ ٢٢٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٥٣).","vol":"10","page":193},{"text":"يشتهي وقيل لا يشتهيها وإن ذكرها ويكون هذا نقص نعيم في حقه تمييزا بيه وبين تارك شربها (^١).\nوقيل: معنى الحديث أن حرمانه الخمر إنما هو في الوقت الذي يعذب فيه في النار ويسقي من طينة الخبال فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة أدخل الجنة ولم يحرم شيئا منها لا خمرًا ولا حرير ولا غيره (^٢).\nوفي هذا الحديث دليل على أن التوبة تكفر المعاصي الكبائر وهو مجمع عليه واختلف متكلموا أهل السنة في أن تكفيرها قطعي أو ظني وهو الأقوى (^٣).\nوقال القرطبي: فيه دليل على أن التوبة من الذنب مكفرة له وهو ما صرحت به آيات الكتاب والسنة لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (^٤) وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (^٥) وغير ذلك، وقال -ﷺ-: \"التائب من الذنب كمن لا ذنب له\" وهو مقطوع به في التوبة من الكفر وقيل [هل] هو مقطوع [به] [أو مظنون] في التوبة من غير الكفر؟ اختلف فيه أهل السنة، قال: والذي أقول به أن من استقرأ الشريعة كتابا وسنة\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٣/ ١٧٣).\n(^٢) المفهم (١٧/ ١١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٧٣).\n(^٤) سورة الشورى، الآية: ٢٥.\n(^٥) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.","vol":"10","page":194},{"text":"وتتبع ما فيهما من هذا المعنى لعم على القطع واليقين أن الله يقبل توبة الصادقين (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٥٦٠ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة مدمن الْخمر وقاطع الرَّحِم ومصدق بِالسحرِ وَمن مَاتَ مدمن الْخمر سقَاهُ الله جلّ وَعلا من نهر الغوطة قيل وَمَا نهر الغوطة قَالَ نهر يجْرِي من فروج المومسات يُؤْذِي أهل النَّار ريح فروجهم رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ فِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يدْخل الْجنَّة مدمن خمر وَلَا مُؤمن بِسحر وَلَا قَاطع رحم المومسات هن الزانيات (^٢).\nقوله: وعن أبي موسى -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر\" الحديث، معناه: لا يدخلون الجنة من أول وهلة وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم بل يؤخرون فيتأول الحديث ولا يحمل على ظاهره والله أعلم.\n_________\n(^١) المفهم (١٧/ ٩ - ١٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٩ (١٩٥٦٩)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ١٦١)، وأبو يعلى (٧٢٤٨)، وابن حبان (٥٣٤٦) و(٦١٣٧)، والمخلص في المخلصيات (٧٤٠)، والحاكم ٤/ ١٤٦، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٣٧) و(١٢٤٧). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٧٤: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٤٦٣) وضعيف الترغيب (٢١٥٧)، وصححه في صحيح الترغيب (٢٥٣٩).","vol":"10","page":195},{"text":"٣٥٦١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: أَربع حق على الله أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن الْخمر وآكل الرِّبَا وآكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق والعاق لوَالِديهِ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ فِيهِ إِبْرَاهِيم بن خثيم بن عرَاك وَهُوَ مَتْرُوك.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها مدمن الخمر\" هذا الحديث أيضا لا يحمل على ظاهره بل يتأول والله أعلم.\n\n٣٥٦٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يلج حَائِط الْقُدس مدمن خمر وَلَا الْعَاق وَلَا المنان عَطاء رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عَليّ بن زيد وَالْبَزَّار إِلَّا أَنه قَالَ لَا يلج جنان الفردوس (^١).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا يلج حائط القدس مدمن خمر\" وفي رواية \"حظيرة القدس\" الحديث، الولوج: هو الدخول أراد بحظيرة القدس الجنة لأنها محل الطهارة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٢٦ (١٣٣٦٠)، والبزار (٢٩٣١ - كشف الأستار)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٣٠) و(٦٧٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٦٥ رقم ٨٥٩٢). قال البزار: لا نعلم رواه عن علي بن زيد إلا محمد بن العمي. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا محمد بن عبد الله العمي، تفرد به: أبو النضر. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: \"لا يلج جنان الفردوس\". والطبراني في الأوسط وقال: \"حظيرة القدس\". وفيه علي بن زيد وفيه ضعف لسوء حفظه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٦٣).","vol":"10","page":196},{"text":"من أدناس الدنيا والحظيرة في الأرض الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم والإبل يقيها البرد والريح ومنه الحديث: \"لا حمى في الأراك\" فقال له رجل: أراكة في حظارى، أراد الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها كالحظيرة وتفتح حاؤه وتكسر وكانت تلك الأراكة التي ذكرها في الأرض التي أحياها قبل أن يجيئها فلم يملكها بالإحياء وملك الأرض دونها إذا كانت مرعى للسارحة، أ. هـ قاله في النهاية (^١).\n\n٣٥٦٣ - وَعَن ابْن الْمُنْكَدر قَالَ حدثت عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مدمن الْخمر إِن مَاتَ لَقِي الله كعابد وثن رَوَاهُ أَحْمد هَكَذَا وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن سعيد بن جُبَير (^٢).\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤٠٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٧٠)، وأحمد ١/ ٢٧٢ (٢٤٥٣)، وعبد بن حميد (٧٠٨)، والبزار (٢٩٣٤)، وابن حبان (٥٣٤٧)، الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٦ رقم ١٢٤٢٨)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٥٣، وابن بشران في الأمالي (١٣٤٦) وابن الجوزي في العلل (١١١٦) و(١١١٩)، والضياء في المختارة ١٠/ ٣٣٠ (٣٥٦). قال أبو حاتم الرازي في العلل (١٥٩١): هو كما رواه حسن بن صالح، عن محمد بن المنكدر، قال: حدثت عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-.\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، ولا نحفظه عن غير ابن عباس أيضا من وجه صحيح وحكيم بن جبير كان رجلا يغلو في التشيع، وقد توقف بعض أهل العلم في الرواية عنه وحدث بغير حديث لم يتابع عليه وروى عنه الأعمش والثوري وإسرائيل وغيرهم.\nقال الدارقطني: تفرد به حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير ولم يرو المعلي بن هلال. قال ابن الجوزي: قلت هذا القول من الدارقطني وهم فإنا قد رويناه عن العوام عن سعيد =","vol":"10","page":197},{"text":"٣٥٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لَقِي الله مدمن خمر لقِيه كعابد وثن (^١).\nقوله: وعن ابن المنكدر، محمد بن المنكدر، تقدم الكلام على ترجمته في الحج في شرب ماء زمزم.\nقوله: حدثت عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على ابن عباس.\nقوله -ﷺ-: \"مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن\" الحديث، فإنه يتعلق قلبه بها لا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته، وهذا مضاد لما خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته ومحبته وخشيته وذكره ومناجاته ودعائه والابتهال إليه فما حال بين العبد وبين ذلك ولم يكن بالعبد إليه ضرورة بل كان ضررا محضا عليه كان محرما والله أعلم قاله ابن رجب في شرح النواوية أو في اللطائف على الشك (^٢).\n_________\n= وهذا الحديث لا يصح قال أحمد: حكيم بن جبير ضعيف الحديث مضطرب وقال السعدي هو والمعلي كذابان قال ابن المديني والنسائي المعلي بن هلال كان يضع الحديث.\nوقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن ابن المنكدر قال: حدثت عن ابن عباس. وفي إسناد الطبراني يزيد بن أبي فاختة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٧٧) وصحيح الترغيب (٢٣٦٤).\n(^١) انظر ما قبله.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢٢٦).","vol":"10","page":198},{"text":"٣٥٦٥ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- أَنه كَانَ يَقُول مَا أُبَالِي شربت الْخمر أَو عَبَدْتُ هَذِه السَّارِيَةَ مِنْ دُونِ اللّهِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي موسى -﵁- اسمه: عبد الله بن قيس، تقدم الكلام عليه.\nقوله -﵁-: أنه كان يقول ما أبالي شربت الخمر أو عبدت هذه السارية دون الله تعالى، السارية [هي الأسطوانة].\n\n٣٥٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: لَا يدْخل الْجنَّة مدمن خمر وَلَا عَاق وَلَا منان قَالَ: ابْن عَبَّاس فشق ذَلِك عَليَّ لِأَن الْمُؤمنِينَ يصيبون ذنوبًا حَتَّى وجدت ذَلِك فِي كتاب الله ﷿ فِي الْعَاق: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (^٢) وَفِي المنان: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (^٣) الْآيَة وَفِي الْخمر ﴿إِنَّمَا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ٩٧ (٢٤٠٦٤)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٠ (٥٧٠٩) والكبرى (٥١٥٣)، والدولابى في الكنى (٦٨٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٩٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٦٥).\n(^٢) سورة محمد، الآية: ٢٢.\n(^٣) أخرجه البزار مقتصرًا على المرفوع منه (٤٩٣٢)، والنسائي في الكبرى (٤٩٠٠)، والخرائطي في المساوئ (٥٤٦) و(٦٧١)، وابن أبى حاتم في التفسير (٢٧٣٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٩٨ رقم ١١١٦٨) و(١١/ ٩٩ رقم ١١١٧٠) وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٩). قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير روح، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، ولم يقل: عن ابن عباس، وقد روي عن النبي -ﷺ- من غير وجه.\nوقال الخرائطي: قال خصيف: وزاد أبو سلمة في هذا الحديث: \"ولا من زنى بذات محرم\".\nوقال أبو نعيم: رواه مسكين بن دينار عن مجاهد، فخالف مجاهد فيه، فقال: عن أبى زيد الحرمي. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: رواه الطبراني ورجاله ثقات، إلا أن عتاب بن بشير لم أعرف له من مجاهد سماعا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤١٢).","vol":"10","page":199},{"text":"الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (^١) الْآيَة.\nرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن عتاب بن بشير لَا أرَاهُ سمع من مُجَاهِد (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (^٣) الحديث، تقدم الكلام على الخمر والميسر وهو القمار، والأنصاب والنصب حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية فيعبدونه والجمع أنصاب.\nوقوله: والأزلام، هي القداح واحدها زلم بالتحريم واحد الأزلام وهي القداح التي كانت في الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهي افعل ولا تفعل فالاستقسام بالأزلام معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام وكان في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا أو نكاحًا أو تجارة أو أمر من معاظم الأمور\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٩٠.\n(^٢) أخرجه البزار مقتصرا على المرفوع منه (٤٩٣٢)، والنسائي في الكبرى (٤٩٠٠)، والخرائطي في المساوئ (٥٤٦) و(٦٧١)، وابن أبى حاتم في التفسير (٢٧٣٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٩٨ رقم ١١١٦٨) و(١١/ ٩٩ رقم ١١١٧٠) وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٩). قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير روح، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، ولم يقل: عن ابن عباس، وقد روي عن النبي -ﷺ- من غير وجه.\nوقال الخرائطي: قال خصيف: وزاد أبو سلمة في هذا الحديث: \"ولا من زنى بذات محرم\".\nوقال أبو نعيم: رواه مسكين بن دينار عن مجاهد، فخالف مجاهد فيه، فقال: عن أبى زيد الحرمي. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: رواه الطبراني ورجاله ثقات، إلا أن عتاب بن بشير لم أعرف له من مجاهد سماعا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤١٢).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ٩٠.","vol":"10","page":200},{"text":"ضرب بالقداح وهي مكتوب على بعضها نهاني ربي وعلى بضعها أمرني ربي تعالى الله عن ذلك وأنه من عمل الشيطان وبعضها غفل فإذا خرج الأمر مضى لشأنه وإذا خرج الناهي أمسك أي كف عنه ولم يفعله وإذا خرج الغفل ضرب أخرى إلا أن يخرج الآمر أو الناهي (^١)، أ. هـ.\nقال في النهاية (^٢): الفرق بين الصنم والوثن أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد والصنم الصورة بلا جثة ومنهم من لم يفرِّق بينهما وأطلقهما على المعنيين وقد يطلق الوثن على غير الصورة ومنه حديث عدي بن حاتم الطائي: قدمت على النبي -ﷺ- وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي الق هذا الوثن عنك.\nوجه التشبيه أن الخمر لما كانت أم الخبائث وأنها من عمل الشيطان أن شبه شربها بعبادة الأوثان ومدمن الخمر ملازمها الذي لا ينفك عن شربها وذلك يخشى عليه من سوء الخاتمة فلا يدخل الجنة بسبب ذلك أو أنه لا يدخلها مع أول داخل حتى يطهر بعفو الله تعالى عنه.\nقوله: رجس، الرجس النجس.\nقوله: في آخر الحديث: إلا أن عتاب بن بشير [لَا أرَاهُ سمع من مُجَاهِد].\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٩١) و(٤/ ٢٨١).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٥١).","vol":"10","page":201},{"text":"٣٥٦٧ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: ثَلَاثَة حرَّم الله ﵎ عَلَيْهِم الْجنَّة مدمن الْخمر والعاق والديوث الَّذِي يقر فِي أَهله الْخبث رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ثلاثة حرم الله ﵎ عليهم الجنة مدمن الخمر\" الحديث، هذا الحديث أيضا لا يحمل على ظاهره بل يتأول.\n\n٣٥٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يراح ريح الْجنَّة من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَلَا يجد رِيحهَا منان بِعَمَلِهِ وَلَا عَاق وَلَا مدمن خمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٦٩ (٥٣٧٢) و٢/ ١٢٨ (٦١١٣) و٢/ ١٣٤ (٦١٨٠)، والبزار (٦٠٥٠) و(٦٠٥١)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٦١ (٢٥٨١) والكبرى (٢٣٥٤)، وأبو يعلى (٥٥٥٦)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٥٩ - ٨٦١)، والطوسي في مختصر الأحكام (١٥٠٥)، والحاكم ١/ ٧٢، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٠٢ رقم ١٣١٨٠) والأوسط (٣/ ٥١ رقم ٢٤٤٣)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥ رقم ٧٤١٧) والكبرى (١٠/ ٣٨١ - ٣٨٢ رقم ٢١٠٢٥). قال البزار: وحديث محمد بن عمرو لا نعلم رواه عنه إلا عمران القطان، ولا رواه عن عبد الله بن يسار إلا عمر بن محمد. قال الطوسي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والقلب إلى رواية أيوب بن سليمان أميل حيث لم يذكر في إسناده عمر. وقال الذهبي: صحيح الإسناد.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٧ و٨/ ١٤٧: رواه أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٨/ ١٤٨: رواه البزار بإسنادين ورجالهما ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٧٤) و(١٣٩٧) و(٣٠٩٩) وصحيح الترغيب (٢٠٧٠) و(٢٣٦٦) و(٢٥١٢).","vol":"10","page":202},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يراح ريح الجنة من مسيرة خمسمائة عام\" أي: يشم [رائحتها من مسيرة خمسمائة عام].\n\n٣٥٦٩ - وَعَن عمار بن يَاسر -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ثَلَاَثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة أبدا الديوث والرجلة من النِّسَاء ومدمن الْخمر قَالُوا يَا رَسُول الله أما مدمن الْخمر فقد عَرفْنَاهُ فَمَا الديوث قَالَ الَّذِي لَا يُبَالِي من دخل على أَهله قُلْنَا فَمَا الرجلة من النِّسَاء قَالَ الَّتِي تشبه بِالرِّجَالِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته لَا أعلم فيهم مجروحا وشواهده كَثِيرَة (^١).\nقوله: وعن عمار بن ياسر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا الديوث والرجلة من النساء\" تقدم الكلام عليه في اللباس.\n\n٣٥٧٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: اجتنبوا الْخمر فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني كما في جامع المسانيد (٦/ ٣٤١ - ٣٤٢ رقم ٧٨٥١) وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٢٠٩)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٢٦١ - ٢٦٢ رقم ١٠٣١٠). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٧: رواه الطبراني، وفيه مساتير وليس فيهم من قيل إنه ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٩٧) وصحيح الترغيب (٢٠٧١) و(٢٣٦٧).\n(^٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١٤٥)، وعنه البيهقي في الشعب (٧/ ٤٠٨ رقم ٥١٩٩). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٤٩٨) وصحيح الترغيب (٢٣٦٨).","vol":"10","page":203},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر\" والخمر مأخوذ من خمر إذا ستر ومنه قول النبي -ﷺ-: \"خمروا الإناء\" ومنه خمار المرأة فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك وهي اسم لعصير العنب وإن لم يقذف بزبدة واشترط أبو حنيفة في التسمية أن يقذف بزبدة فحينئذ يكون مجمعا عليه (^١).\nوأما عصير الرطب النيء إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد فقال المزني والقاضي حسين والبغوي وغيرهم: هو خمر حقيقة لأن الاشتراك في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم وهو قياس في اللغة وهو جائز عند الأكثرين وهو ظاهر الأحاديث، ونسب الرافعي إلى الأكثرين أنه لا يقع عليها إلا مجازا أما في التحريم والحد فهي كالخمر لا يكفر مستحلها للخلاف فيها وشربها من أكبر المحرمات بالإجماع وكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام واختلف أصحابنا في أن ذلك كان استصحابا منهم لحكم الجاهلية أو لشرع في إباحتها ورجح الماوردي الأول والنووي الثاني وكان تحريمها في السنة الثالثة من الهجرة بعد أحد، ورد في تحريمها أربع آيات قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (^٢) الآية، وما كبر إثمه لا يكون مباحا، وقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٣) وقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْر\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٩/ ٢٢١).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٩.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٤٣.","vol":"10","page":204},{"text":"وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ (^٢) والمراد بالإثم الخمر عند الأكثرين كقول الشاعر:\nشربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول\nقيل: وبهذه الآية استقر التحريم لما فيها من صريح التحريم وفي غيرها محتمل لكن وقع التحريم بالأولى عند الحسن البصري وبالثالثة عند الأكثرين لقول عمر اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الأول فأعاد دعاءه فنزلت الثانية فأعاد الدعاء فنزلت الثالثة فحين سمعها قال: انتهينا انتيهنا رواه عنه أبو داود والترمذي (^٣).\nتتمة: قال أبو العباس القرطبي في حديث الإسراء أن النبي -ﷺ- لما عرض عليه الخمر واللبن اختار اللبن فقال له جبريل ﵇: \"الحمد لله الذي هداك للفطرة\" يعني فطرة دين الإسلام كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^٤) فجعل الله تعالى ذلك لجبريل علامة على هداية هذه [الأن اللبن] أول ما يتغذ به الإنسان وهو [قوت خال] عن المفاسد وبه قوام الأجسام ودين الإسلام هو أول ما\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٩٠.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.\n(^٣) كفاية النبيه (١٧/ ٣٩٦ - ٣٩٨)، وتحفة المحتاج (٩/ ١٦٦) ومغنى المحتاج (٥/ ٥١٣ - ٥١٥).\n(^٤) سورة الروم، الآية: ٣٠.","vol":"10","page":205},{"text":"أخذ على ابن آدم وهم كالذر وهو قوت الأرواح به قوامها وحياتها الأبدية وصار اللبن عبادة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها إذ هي مفتاح كل شر (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٥٧١ - وَعَن حُذَيْفَة -﵁- قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الْخمر جماع الْإِثْم وَالنِّسَاء حبائل الشَّيْطَان وَحب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئه ذكره رزين وَلم أره فِي شَيْء من أُصُوله (^٢).\nقوله: وعن حذيفة -﵁- هو ابن اليمان تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"الخمر جماع الإثم\" أي مجمعه ومظنته ومنه حديث الحسن: اتقوا هذه الأهواء فإن جماعها الضلالة، قاله ابن الأثير (^٣).\nقوله: \"والنساء حبائل الشيطان\" الحبائل المصائد.\nقوله: \"وحب الدنيا رأس كل خطيئة\" قال الشافعي رحمه الله تعالى:\nحب الدنيا رأس كل خطيئة ... فاحذر تحب من الخطيئة رأسها\nكم جاهل قد جاء يقبل ثغرها ... لو كان يعلم بأسها ما باسها\n_________\n(^١) المفهم (١٧/ ١٦).\n(^٢) لم أعثر عليه عن حذيفة ولا عن غيره مرفوعًا. وقال الألباني في المشكاة (٥٢١٢): لا أصل لَهُ مَرْفُوعا. قلت بعضه من كلام ابن مسعود أخرجه أبو داود في الزهد (١٦٠). وروى مرفوعًا من حديث زيد بن خالد: أخرجه الدارقطني (٤٦١١) والقضاعى في مسند الشهاب (٥٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٥٩).\n(^٣) النهاية (١/ ٢٩٥).","vol":"10","page":206},{"text":"حب الدنيا رأس كل خطيئة [...] (^١) والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، وإن الدنيا لهو ولعب والله لا يحب اللهو [ولا] اللعب ولأن القلب [بيت الرب] ﷿ [لا شريك له] فلا يجب أن يشركه [في بيته حب ا] لدنيا ولا غيره، وبالجملة فنحن نعلم قطعا أن محب الدنيا مبغوض عند الله ﷿ فالزاهد فيها الرغب عنها محبوب له ﷿ ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها [لقضاء] شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يشغل عن الله ﷿ أما محبتها لفعل الخير وتقديم الآخرة بها عند الله ﷿ ونحو ذلك فهي عبادة كقوله -ﷺ-: \"نعم المال الصالح للرجل الصالح\" [يصل به] رحما ويصنع فيه معروفًا [أو كما قال وفي الإثر إذا] كان يوم القيامة جمع الله ﷿ الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا سعد [به قوم] وشقى به قوم آخرون وإنما كان الزهد سببا لمحبة اناس فلأن الناس يتهافتون على الدنيا بطباعهم إذ الدنيا جيعة والناس كلابها فمن زاحمهم عليها أبغضوه ومن زهد فيها ووفرها عليهم أحبوه وعدوه المؤمن من يعمل عمله ومما يروي من شعر الشافعي في المعنى قوله:\nوَمَا هِيَ إلاجِيفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ ... عَلَيْهَا كِلَابٌ هَمُّنَّ اجتِذَابُهَا\nفَإِن تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِها ... وَإِن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُهَا (^٢) أ. هـ\nوسيأتي الكلام على حب الدنيا في الزهد إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٣١ - ٢٣٢).","vol":"10","page":207},{"text":"٣٥٧٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ: أَوْصَانِي خليلي -ﷺ- أَن لَا تشرك بِالله شَيْئا وَإِن قطعت وَإِن حرقت وَلَا تتْرك صَلَاة مَكْتُوبَة مُتَعَمدا فَمن تَركهَا مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة وَلَا تشرب الْخمر فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا عَن شهر بن حَوْشَب عَن أم الدَّرْدَاء عَنهُ (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: أوصاني خليلي -ﷺ- أن لا تشرك بالله شيئا، الحديث، تقدم الكلام على معنى الخليل في صلاة الضحى أو الوتر.\nقوله -ﷺ-: \"ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة\" الصلاة المكتوبة المفروضة.\nوقوله: \"فقد برئت منه الذمة\" المراد بالذمة هنا [الأمان والحفظ].\n\n٣٥٧٣ - وَعَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه أَن أَبَا بكر وَعمر وناسا جَلَسُوا بعد وَفَاة النَّبِي -ﷺ- فَذكرُوا أعظم الْكَبَائِر فَلم يكن عِنْدهم فِيهَا علم فأرسلوني إِلَى عبد الله بن عَمْرو أسأله فَأَخْبرنِي أَن أعظم الْكَبَائِر شرب الْخمر فأتيتهم فَأَخْبَرتهمْ فَأَكْثرُوا ذَلِك ووثبوا إِلَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَاره فَأخْبرهُم أَن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٨)، وابن ماجه (٣٣٧١) و(٤٠٣٤)، والبزار (٤١٤٧ و٤١٤٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩١١)، وتمام (١٧٩١)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٥٢٤)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٠٨ رقم ٥٢٠٠). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢١٦ - ٢١٧: رواه الطبراني، وفيه شهر بن حوشب، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٣٧: هذا إسناد حسن. وحسنه الألباني في المشكاة (٥٨٠) وصحيح الترغيب (٥٦٧) و(٢٣٦٩).","vol":"10","page":208},{"text":"رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن ملكا من مُلُوك بني إِسْرَائِيل أَخذ رجلا فخيره بَين أَن يشرب الْخمر أَو يقتل نفسا أَو يَزْنِي أَو يَأْكل لحم خِنْزِير أَو يقتلوه فَاخْتَارَ الْخمر وَإنَّهُ لما شرب الْخمر لم يمْتَنع من شَيْء أرادوه مِنْهُ وَإِن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من أحد يشْربهَا فَتقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَلَا يَمُوت وَفِي مثانته مِنْهُ شَيْء إِلَّا حرمت بهَا عَلَيْهِ الْجنَّة فَإِن مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن سالم بن عبد الله عن أبيه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة\" الحديث، قيل: لأن الخمر إذا شربها الإنسان تبقى في عظمه ولحمه أربعين يومًا وبعد الأربعين تقبل منه صلاته لأن بعد الأربعين تذهب عنه آثار الخمر، أ. هـ.\nقوله: عن أبي هريرة، تقدم.\nقوله: إذا سكر فاجلدوه، إلى أن قال: فإن عاد في الرابعة فاقتلوه، وعند النسائي وابن ماجه: \"فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه\" يتأول الحديث على رأي الحسن على غير معنى الإيجاب ويراه نوعا من الزجر ليرتدع ولا يقدم عليه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٨١٠)، وابن المنذر في التفسير (١٦٦٢)، والطبراني في الأوسط (١/ ١١٦ رقم ٣٦٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٧). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٦٧ - ٦٨: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح خلا داود بن صالح التمار وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٩٥) وصحيح الترغيب (٢٣٧٠).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٨).","vol":"10","page":209},{"text":"وقال بعضهم ولم يجمعوا على قتل شارب الخمر في الرابعة وهو مذهب لبعض السلف معروف (^١).\nوقال بعضهم أيضا: هذا على وجه الوعيد وقد توعد بما لا يفعل كما قال في شرب الخمر في الرابعة فاقتلوه وهو مذهب ابن قتيبة ولذلك جاء في حديث جابر في السارق وأنه قطع في الأولى والثانية والثالثة إلى أن جيء به في الخامسة فقال اقتلوه فقتلناه [وفي إسناده مقال] ولم يذهب أحد من العلماء إلى قتل السارق وإن تكررت منه السرقة، قال الحافظ: قد جاء قتل شارب الخمر في المرة الرابعة وهو منسوخ (^٢)، أ. هـ.\nوالنسخ عبارة عن رفع الشارع حكما متقدما بحكم متأخر كذا قال بعض العلماء والله تعالى أعلم (^٣).\nوقال في الديباجة: ظهر لي والله أعلم أن الأربعين لها أثر في الخمر لأن أطوار الإنسان في بطن أمه التي يطورها أربعين يوما علقة وأربعين مضغة ثم بعد الأربعين الثالث يصور، فأربعيناته الثلاثة تشبه عوده ثلاث مرات ثم بعد ذلك يصور ويشكل فصار غير ما كان عليها في تلك الأطوار وأيضا فلما تتنجس باطنه أربعين يوما طهر ما في الإنسان فمنع بذلك قبول أفضل عبادات البدن وأشرفها وهي الصلاة وإنما لم يكثر حده لأن العقل الزائل بالخمر لا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢١٧).\n(^٢) النهاية (٤/ ١٤).\n(^٣) كشف المناهج (١/ ٥٩).","vol":"10","page":210},{"text":"يمكن إقامة الحد عليه فرجعنا إلى الجسد لأنه وعاء العقل فلذلك خف حده بخلاف القتل فإنه إعدام نفس فأعدمت فيه النفس لا مكان المساواة والزنا جناية على الأنساب فغلظ فيه الحد بحسبه.\nتنبيه: وروي هذا الحديث النسائي من حديث عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وليس لعبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي سوى هذا الحديث وحديث أن سليمان لما بنى بيت المقدس.\nقوله: في رواية النسائي: \"من شرب الخمر فلم ينتش\" الحديث، \"لم تقبل له صلاة وإن انتشى\" الإنتشاء أول السكر، وقيل: هو السكر نفسه ورجل نشوان بين النشوة قاله في النهاية (^١).\nقوله: سقاه الله من طينة الخبال\" وفي الحديث \"ردغة الخبال\"جاء تفسيرها في الحديث: \"أنها عصارة أهل النار\" والردغة بسكون الدال.\nاللوحة\nوفتحها طين ووحل كثير، ويجمع على ردغ ورداغ، والخبال في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، ومنه الحديث: \"وبطانة لا تألوه خبالا\" أي لا تقصر في إفساد أمره ومنه حديث ابن مسعود: إن قوما بنوا مسجدا بظهر الكوفة فأتاهم فقال: جئت لأكسر مسجد الخبال، أي: الفساد قاله في النهاية (^٢).\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٦٠).\n(^٢) النهاية (٢/ ٨ - ٩) و(٢/ ٢١٥).","vol":"10","page":211},{"text":"قوله: \"لم تقبل له صلاة أربعين صباحا أو ليلة\" انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصحة منها صلاة شارب الخمر في هذا الحديث، ومنها: صلاة العبد الآبق، ومنها: صلاة من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول وغير ذلك من الأحاديث والذي ينبغي أن يقال أنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة فصلاة هؤلاء صحيحة في نفس الأمر لاجتماع الشروط والأركان فيها لكن لا ثواب فيها فهؤلاء إنما لم تقبل صلاتهم قبول رضي للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم والله أعلم (^١).\nقوله: \"ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت بها عليه الجنة\" المثانة [مستقر البول من الرجل والمرأة].\nقوله -ﷺ-: \"فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية\" الميتة الجاهلية بكسر الميم الحالة التي يموت عليها أي كما يموت أهل الجاهلية من الضلال والفرقة.\n\n٣٥٧٤ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول اجتنبوا أم الْخَبَائِث فَإِنَّهُ كَانَ رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يتعبد ويعتزل النَّاس فعلقته امْرَأَة فَأرْسلت إِلَيْهِ خَادِمًا إِنَّا ندعوك لشهادة فَدخل فطفقت كلما يدْخل بَابا أغلقته دونه حَتَّى إِذا أفْضى إِلَى امْرَأَة وضيئة جالسة وَعِنْدهَا غُلَام وباطية فِيهَا خمر فَقَالَت إِنَّا لم نَدعك لشهادة وَلَكِن دعوتك لقتل هَذَا الْغُلَام أَو تقع عَليّ أَو تشرب كأسا من الْخمر فَإِن أَبيت صحت بك وفضحتك قَالَ فَلَمَّا رأى أَنه لَا بُد لَهُ من\n_________\n(^١) طرح التثريب (٢/ ٤١٢).","vol":"10","page":212},{"text":"ذَلِك قَالَ اسقيني كأسا من الْخمر فسقته كأسا من الْخمر فَقَالَ زيديني فَلم تزل حَتَّى وَقع عَلَيْهَا وَقتل النَّفس فَاجْتَنبُوا الْخمر فَإِنَّهُ وَالله لَا يجْتَمع إِيمَان وإدمان الْخمر فِي صدر رجل أبدا وليوشكن أَحدهمَا يخرج صَاحبه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعا مثله وموقوفا وَذكر أَنه الْمَحْفُوظ (^١).\nقوله: وعن عثمان بن عفان -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"فإنه كان رجل ممن كان قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة\" بفتح العين وكسر اللام المخففة ويجوز ضم العين وتشديد اللام ومعناه تعلق حبه بقلبها.\nقوله: \"فطفقت كلما يدخل بابا أغلقته دونه\" طفق معناه جعل.\nقوله: \"أو تشرب كأسا من الخمر\" الكأس في اللغة الإناء فيه الشراب ولا يقال لها كأس إلا إذا كان فيها شراب وقيل هو إناء الشراب ونفس الشراب\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في ذم المسكر (١)، وابن حبان (٥٣٤٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٠٦ رقم ٥١٩٧)، والضياء في المختارة (٣٧٠ و٣٧١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٢٢) مرفوعا. وأخرجه ابن وهب في الجامع (٨٠)، وعبد الرزاق (١٧٠٦٠)، وسعيد بن منصور في التفسير (٨٢٣)، وابن أبى شيبة ٥/ ٩٧ (٢٤٠٦٨)، وابن أبى الدنيا في ذم المسكر (٢)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٢ - ٤٦٤ (٥٧١٢ و٥٧١٣) والكبرى (٥١٥٦ و٥١٥٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٠٠ رقم ١٧٣٣٩) والشعب (٧/ ٤٠٧ رقم ٥١٩٨) موقوفا.\nقال أبو زرعة في العلل (١٥٨٦): رواه إبراهيم بن سعد ومعمر ويونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عثمان، موقوفا؛ وهو الصحيح. وقال الدارقطني في العلل (٢٧٤): والموقوف هو الصواب. وضعف الألباني المرفوع في ضعيف الترغيب (٥٧١٢).","vol":"10","page":213},{"text":"هو اسم لهما على الانفراد والاجتماع والجمع أكئوس ثم كؤوس واللفظة مهموزة وقد تترك الهمز تخفيفا قاله في النهاية (^١).\n\n٣٥٧٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن آدم لما أهبط إِلَى الأَرْض قَالَت الْمَلَائِكَة أَي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٣٠] قَالُوا رَبنَا نَحن أطوع لَك من بني آدم قَالَ الله لملائكته هلموا ملكَيْنِ من الْمَلَائِكَة فَنَنْظُر كَيفَ يعملان قَالُوا رَبنَا هاروت وماروت قَالَ فاهبطا إِلَى الأَرْض فتمثلت لَهما الزهرة امْرَأَة من أحسن الْبشر فجاءاها فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تتكلما بِهَذِهِ الْكَلِمَة من الْإِشْرَاك قَالَا وَالله لَا نشْرك بِالله أبدا فَذَهَبت عَنْهُمَا ثمَّ رجعت إِلَيْهِمَا وَمَعَهَا صبي تحمله فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تقتلا هَذَا الصَّبِي فَقَالَا وَالله لَا نَقْتُلهُ أبدا فَذَهَبت ثمَّ رجعت بقدح من خمر تحمله فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تشربا هَذِه الْخمر فشربا فسكرا فوقعا عَلَيْهَا وقتلا الصَّبِي فَلَمَّا أفاقا قَالَت الْمَرْأَة وَالله مَا تركتما من شَيْء أبيتماه عَليّ إِلَّا فعلتماه حِين سكرتما فخيرا عِنْد ذَلِك بَين عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فاختارا عَذَاب الدُّنْيَا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق زُهَيْر بن مُحَمَّد وَقد قيل إِن الصَّحِيح وَقفه على كَعْب وَالله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١٣٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٣٤ (٦١٧٨)، وعبد بن حميد (٧٨٧)، وابن أبى الدنيا في العقوبات (٢٢٢)، والبزار (٥٩٩٦)، وابن حبان (٦١٨٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٧ رقم ١٩٦٧٧)، وفي الشعب (١/ ٣٩ - ٣٢٢ رقم ١٦٠ و١٦١)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٣٨). =","vol":"10","page":214},{"text":"قوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"هاروت وماروت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (^١) اسما ملكين من الملائكة وبابل اسم موضع بالعراق قريبا من الكوفة ينسب إليها السهر وهو غير منصرف.\nقوله: \"فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر\" الزهرة بفتح الهاء بإسكانها.\nقوله: رواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد [هو: التميمى ثقة يغرب\n_________\n= وقال الخلال في العلل (ص ٢٩٥ - ٢٩٦): قال أبو عبد الله (يعنى أحمد بن حنبل): هذا منكر، إنما يروى عن كعب. وقال البزار: وهذا الحديث رواه غير موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا. وموسى بن جبير ليس به بأس، وإنما أتى رفع هذا الحديث عندي من زهير بن محمد لأنه لم يكن بالحافظ على أنه قد روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، وأبو عامر وغيرهم.\nقال أبو حاتم في العلل (١٦٩٩): هذا حديث منكر. وقال الدارقطني في العلل (٢٧٩٢): اختلف فيه على نافع: فرواه موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-.\nوخالفه موسى بن عقبة، فرواه عن نافع، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار، من رواية الثوري، عن موسى بن عقبة. وقال إبراهيم بن طهمان: عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، عن كعب.\nوأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٣ - ٥٤)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٩٠ رقم ١٠٠٦)، والبيهقي في الشعب ١/ ٣٢٢ (١٦٢) من طرق عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، قوله. وضعف الألباني المرفوع في ضعيف الترغيب (١٤١٦) وقال: منكر، وقال في الضعيفة (١٧٠): باطل.\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.","vol":"10","page":215},{"text":"وثقه أحمد وابن معين واحتج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وقال النسائي: ليس بالقوي وضعفه ابن معين في رواية، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سوء وحديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق].\n\n٣٥٧٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ لما حرمت الْخمر مَشى أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا حرمت الْخمر وَجعلت عدلا للشرك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله -ﷺ- بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك\" العدل بفتح العين وبكسرها المثل وتقدم ذلك في الأذكار بعد الصبح من كلام المنذري.\n\n٣٥٧٧ - وَعَن أبي تَمِيم الجيشاني أَنه سمع قيس بن سعيد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ وَهُوَ على مصر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول: من كذب عَليّ كذبة مُتَعَمدا فَليَتبَوَّأ مضجعًا من النَّار أَو بَيْتا فِي جَهَنَّم وَسمعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من شرب الْخمر أَتَى عطشان يَوْم الْقِيَامَة أَلا فَكل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَإِيَّاكُم والغبيراء وَسمعت عبد الله بن عَمْرو بعد ذَلِك يَقُول مثله\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧ رقم ١٢٣٩٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٤)، وأبو الشيخ في جزء من حديثه (١٣١)، ومن طريق الطبراني الضياء في المختارة ١٠/ ١٩١ (١٩٢). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٥٢): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧١).","vol":"10","page":216},{"text":"لم يخْتَلف إِلَّا فِي بَيت أَو مَضْجَع رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى كِلَاهُمَا عَن شيخ من حمير لم يُسَمِّيَاهُ عَن أبي تَمِيم (^١).\nقوله: وعن أبي تميم الجيشاني، والجيشاني بفتح الجيم وإسكان الياء وبلاشين المعجمة منسوب إلى جيشان قبيلة معروفة من اليمن واسم أبي تميم: عبد الله بن مالك.\nقوله: أنه سمع قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وهو على مصر [...] (^٢).\nقوله: \"من كذب علي كذبة متعمدا فليتبوأ مضجعا من النار\" المضجع بفتح الجيم، وتقدم الكلام على الكذب على رسول الله، وما قاله العلماء في ذلك في سماع الحديث في أوائل هذا التعليق.\nقوله: \"وإياكم والغبيراء\" والغبيراء فسرها الإمام أبو القاسم البغوي بشراب تعمله الحبشة من الذرة يقال له السكركة بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء أي نوع من الخمر يتخذ من الذرة ذكره في التنقيح على المصابيح (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٧٧)، وأحمد ٣/ ٤٢٢ (١٥٤٨١ و١٥٤٨٢)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف المهرة (٤/ ٣٨٧ رقم ٣٨٠٢/ ٢)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٩٩)، وأبو يعلى (١٤٣٦)، والطحاوي في معانى الآثار (٦٤٥٣)، والطبراني في جزء من كذب على متعمدا (١٥٤) والكبير (١٨/ ٣٥٢ رقم ٨٩٦ و٨٩٧ و٨٩٨). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٠: رواه أحمد، وأبو يعلى وفيه راو لم يسم. وضعفه الألباني الألبانى في ضعيف الترغيب والترهيب (١٤١٧).\n(^٢) بياض في الأصل.\n(^٣) كشف المناهج (٤/ ٥٨).","vol":"10","page":217},{"text":"٣٥٧٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من شرب الْخمر خرج نور الْإيمَان من جَوْفه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه\" المراد بالجوف البطن [قال جدع بن سنان:] إنّ إبليس من خلق الجن من مارج من نار وكان عظيم الخلق حسنه وكان يسكن الأرض وسبب اتصاله بمحل الملائكة أنه كان خادما للزهرة وكانت الزهرة خلقا حسنا في الأرض من جملة مخلوقات الله تعالى وكانت أنثى ذات جمال فائق [ونور] ساطع وبهاء وافر وكانت الحروب يومئذ بين قبائل الجن متصلة فلما قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (^٢) وقرئت (خليقة): ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (^٣) لما فعلوا الجن والبر والطم والدم والجن، قال جدع بن سنان: فقال الله تعالى -وهو أعلم بما يكون وبما هو كائن وبما كان وما هو كائن-: فاختاروا أيتها الملائكة من بينكم من ينزل إلى الأرض فيحكم بين مخلوقاتي ويأخذ القصاص فمن بغي لمن بغي عليه فإني لا أحب الظلم وأنا القوي العزيز،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١١٠ رقم ٣٤١). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٢: رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم. وضعفه اللباني في ضعيف الترغيب (١٤١٨) وقال: منكر.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.","vol":"10","page":218},{"text":"قال: واختاروا من بينهم الملكين هارون وماروت وكانا أشد أهل السماوات عبادة وأكثرهم تسبيحا وتقديسا فكانا ينزلان إلى الأرض فيحكمان فيها بين مخلوقات الله ﷿ على اختلاف أنواعهم وتغاير أجناسهم وتباين خلقهم من عدة لا تحصى وخلائق لا تدرك في البر والبحر حتى أن الذر لتأتي إليهما وتقول أن الذرة مثلى عدت على قوت لي كنت قد ادخرته لمشتاي فيحكمان بينهما بما ألهمهما الله تعالى من فصل الخطاب وحتى أن السمكة الصغير تستغيث بهما من أذى الكبيرة فيغيثانها ويمنعاها من أذاها ولا يزال كذلك ولا يزالا كذلك طول نهارهما إلى آخره فإذا جنحت الشمس للغروب نهضا وقالا: سبحانك اللهم وبحمدك فيكون ذلك منتهى حكمهما ذلك اليوم ثم يتليان أسماء الصعود فيصعدان إلى محل عبادتهما قال: فركب الله فيهما حب الشهوة وأتت الزهرة تستعينهما من حادث حدث عليها فامتحنا بها لما عايناها وعادا يرددانها في حكومتها ذلك اليوم أجمع وقد اشتغلا بها على سائر الحكم بين الخلائق ولم يحكما ذلك اليوم بين أحد من خلق الله تعالى حتى نصراها على غريمها وحكما عليه بغير الحق، قال جدع بن سنان: فلما كان وقت صعودهما قالت لهما الزهرة وقد تحققت ميلهما لو علمتماني الأسماء حتى كنت أصعد معكما ولا أفارقكما، قالت: قد علمت مرادكما قال: فعلماها الأسماء وكان إبليس قائما معها فاسترق الأسماء وسبقها صعودا ثم تبعته فمسخت كوكبا في السماء الثالثة وذلك محل عبادة هاروت وماروت، وصعد إبليس إلى محل عبادة هاروت في السماء الدنيا وتقرب","vol":"10","page":219},{"text":"بالعبادة والتسبيح والتقديس حتى تعجب منه ملائكة السماء فاشتاق إليه أهل السماء الثالثة فصعد إليهم وفعل.\nكذلك فلم يزل يتقرب بالعبادة وكثرة التسبيح والتقديس حتى سمي طاووس الملائكة وعاد قريبا القدوة ونديم الحضرة وعلم بإرادة الله ﷿ وبما سبق له في غامض علمه الذي لا يعلمه سواه جميع المخلوقات في السماوات السبع والأرضين السبع وأما الزهرة فمسخت كوكبا وأما هاروت وماروت فإنهما لما علما الزهرة وإبليس الأسماء سلباها وعلما أنهما قد عصيا فسألا الله ﷿ عذاب الدنيا دون عذاب الآخرة فهما يعذبان بأرض بابل [ويعلمان] الناس السحر كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^١) الآية، وقد عنوهما الشعراء وكذروهما في أشعارهم ونسبوا إليهما السحر ولذلك عرفت بابل بالسحر، أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر وهو تاريخ مطول تسع مجلدات (^٢).\nتنبيه: قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (^٣) إلى قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٤) روى يحيى بن أبي كثير قال: الذين قالوا\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.\n(^٢) كنز الدرر (١/ ٢٣٧ - ٢٤٠)\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٣٠.","vol":"10","page":220},{"text":"هذا كانوا عشرة آلاف ملك فأرسل الله تعالى نارا فأحرقتهم، فإن قيل: فهلا احترق إبليس لما خالف؟ قلنا: لما سبق في الأزل من امتحان بني آدم وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (^١) وقال قتادة: غضب الله عليهم فطافوا بالعرش سبع سنين يقولون لبيك اللهم لبيك اعتذارا إليك فتاب عليهم فذلك بدوا التلبية ثم في مرادهم بذلك أقوال، أحدها: أنه استفهموا وجه الحكمة فكأنهم قالوا: كيف يعصونك وقد استخلفتهم وإنما ينبغي أن يسبحوا كما نسبح، والثاني: أنه قالوه تعجبا من استخلاف من يفسدوا، الثالث: أنهم استفهموا عن حال أنفسهم وتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبه أم لا، ذكره ابن الأنباري والحسين بن الفضل. فإن قيل: فكيف نطقوا على بني آدم بالفساد وما رأوهم وذكر الغائب غيبة، وهل علموا الغيب حتى قالوا ذلك؟ فالجواب: من وجوه، أحدها: ما روي عن ابن عباس أنه قال لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (^٢) قالوا: وما يكون من ذلك، قال: ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا فقالوا عند ذلك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (^٣)، الثاني: أنهم قاسوا على فعل من من تقدمهم من الجن الذين أفسدوا في الأرض فقاسوا بالشاهد الغائب، الثالث: كان لهم علم التجربة وعلم الفراسة والظن فتحقق ظنهم، والرابع: أنهم لما أخبروه بوجود\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٥.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.","vol":"10","page":221},{"text":"هذا الخليفة وأنه مخلوق من الطبائع الأربع المختلفة والهوى والغضب إنما يثوران من الحرارة والهوى يفسد والغضب يفسد فحكموا بذلك والمراد بالفساد العمل بالمعاصي وسفك الدم صبه وإراقته والتسبيح التنزيه لله من كل سوء والتقديس التطهير والمعنى ننزهك ونعظمك، أ. هـ قاله في التاريخ المذكور (^١).\nقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) اختلف فيه على أقوال أحدها: أنه علم أنه سيكون من ذريته أنبياء وعلماء وصالحون، قاله ابن عباس، الثاني: أنه علم أنه سيكون من ذريته من يذنب فيتوب فاغفر له، قاله مقاتل، والثالث: إني أعلم بوجوه المصالح في استخلافي إياهم فلا تعترضوا على حكمي وتدبيري قاله الحسين بن الفضل، الرابع: إني أعلم أنهم سيسفكون الدماء ولكن بجور [رئيسكم] أ. هـ قاله في التاريخ (^٣).\nتتمة: تكلم الناس أي العلماء [في أمر] الزهرة وزهير وهما نجمان قال بعضهم ممسوخان وقد روى ذلك عن ابن عباس وروي عطاء عن ابن عمر أنه كان إذا رأى سهيلا شتمه وإذا رأى الزهرة شتمها روى أن سهيلا كان عشارا باليمن فظلم الناس وأن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت فمسخها الله شهابا قال مجاهد كان ابن عمر إذا قيل له طلعت\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٢٥ - ٢٦).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٢٧).","vol":"10","page":222},{"text":"الزهرة قال: لا مرحبا ولا أهلا يعني الزهرة وقال بعضهم: هذا لا يصح لأن هذه النجوم خلقت حين خلقت السماء لأنه روي في الخبر أنه لما خلقت السماء خلق سبعة داورة: زحل ومشترى وبهرام وعطارد والشمس والقمر والزهرة، وجعل مصلحة الدنيا بهذه السبعة الدوراة وجعل لكل واحد منها سلطان في سبح من المصلحة فثبت بهذا أن من قال أنهما ممسوخان لا يصح، والزهرة وسهيل قد كانا قبل خلق آدم والذي روي عن ابن عمر وغيره أن سهيلا كان عشارا باليمن وأن الزهرة فتنت هاروت وماروت فمسخهما الله شهابا ولكنهما لم يبقيا وقد هلكا وصارا إلى النار وأما الذي روي أنه كان يشتمه فاحتمل أنه لم يشتم الكوكب وإنما شتم سهيلا الذي كان عشارا وكذلك في الزهرة إنما شتم المرأة التي كان اسمها زهرة ولم يشتم الكوكب، أ. هـ قاله أبو الليث السمرقندي (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله -ﷺ- بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك\" العدل بفتح العين وبكسرها المثل وتقدم ذلك في الأذكار بعد الصبح من كلام المنذري.\nقوله: وعن أبي تميم الجيشاني، والجيشاني بفتح الجيم وإسكان الياء وبلاشين المعجمة منسوب إلى جيشان قبيلة معروفة من اليمن واسم أبي تميم: عبد الله بن مالك.\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٩٦).","vol":"10","page":223},{"text":"قوله: أنه سمع قيس بن سعيد بن عبادة الأنصاري وهو على مصر (^١) [هو أبو الفضل، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الملك قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، وسبق باقى نسبه في ترجمة أبيه. وهو أنصارى، ساعدى، مدنى، صحابى ابن صحابى، جواد ابن جواد، وهم أربعة مشهورون بالكرم، روى عن رسول الله -ﷺ- ستة عشر حديثا. روى عنه الشعبي، وابن أبى ليلى، وعمرو بن شرحبيل، وغيرهم. وكان من فضلاء الصحابة، وأحد دهاة العرب وذوى الرأى الصائب والمكيدة في الحرب والنجدة، وكان شريف قومه غير مدافع، ومن بيت سيادتهم، قال الزهري: كان قيس يحمل راية الأنصار مع النبى -ﷺ-، وله في جوده أخبار كثيرة مشهورة، ورووا أنه كان في سرية فيها أبو بكر، وعمر، ﵄، فكان يستدين ويطعم الناس، فقالا: إن تركناه أهلك مال أبيه، فهما يمنعه، فسمع سعد، فقال للنبى -ﷺ-: من يعذرنى منهما، يبخلان على ابنى، وصحب قيس بعد ذلك عليا في خلافته، وكان معه في حروبه، واستعمله على مصر. توفى سنة ستين، وقيل: تسع وخمسين، ولم يكن في وجهه لحية ولا شعر، وكانت الأنصار تقول: وددنا أن نشترى لقيس لحية بأموالنا. وكان جميلا. قال ابن عبد البر: وخبره في السراويل عند معاوية باطل لا أصل له. روينا في صحيح البخاري، عن أنس، قال: كان قيس بن سعد بين يدى رسول الله -ﷺ- بمنزلة الشرطى من الأمير. قال الأنصاري: يعنى يلى أموره. وفي كتاب الترمذي، عن قيس، أن أباه دفعه إلى النبى -ﷺ- ليخدمه].\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦١ - ٦٢ رقم ٥١٣).","vol":"10","page":224},{"text":"قوله: \"من كذب علي كذبة متعمدًا فليتبوأ مضجعًا من النار\" المضجع بفتح الجيم، وتقدم الكلام على الكذب على رسول الله، وما قاله العلماء في ذلك في سماع الحديث في أوائل هذا التعليق.\nقوله: \"وإياكم والغبيراء\" والغبيراء فسرها الإمام أبو القاسم البغوي بشراب تعمله الحبشة من الذرة يقال له السكركة بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء أي نوع من الخمر يتخذ من الذرة ذكره في التنقيح على المصابيح.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه\" المراد بالجوف البطن [وقيل أراد بالجوف القلب].\n\n٣٥٧٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من شرب الْخمر أسقاه الله من حميم جَهَنَّم رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.\nقوله: \"من شرب الخمر أسقاه الله من حميم جهنم\" الحميم هو المذكور في القرآن: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بن منيع وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٨٢ رقم ٣٧٩١/ ١ و٢) والمطالب (١٨٠٩/ ١ و٢)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٩٢٨). قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر بهذا اللفظ، إلا من هذا الوجه، وقد روي نحوه من غير طريقه. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧١: رواه البزار وفيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤١٩).\n(^٢) سورة محمد، الآية: ١٥.","vol":"10","page":225},{"text":"٣٥٨٠ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رجلال قدم مش جيشان وجيشان من الْيمن فَسَأَلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة يُقَال لَهُ المزر فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَو مُسكر هُوَ قَالَ نعم قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كل مُسكر حرَام وَإِن عِنْد الله عهدا لمن يشرب الْمُسكر أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عرق أهل النَّار أَو عصارة أهل النَّار رَوَا مسلم وَالنَّسَائِيّ.\nقوله: وعن جابر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: سئل رسول الله -ﷺ- عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر، هو بكسر الميم وهو يتخذ من نبيذ الشعير والحنطة ويكون أيضا من الذرة.\n\n٣٥٨١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ ثَلَاثَة لَا تقربهم الْمَلائِكَة الْجنب والسكران والمتضمخ بالخلوق رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح.\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ثلاثة لا تقربهم الملائكة الجنب والسكران\" المراد بالملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الحفظة فإنه لا يفارقون الإنسان على حال من الأحوال وتقدم الكلام على ذلك أبسط من هذا في باب تأخير الغسل.\n\n٣٥٨٢ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺثَلَاثَة لَا يقبل الله لَهُم صَلَاة وَلَا تصعد لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنه العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع إِلَى موَالِيه فَيَضَع يَده فِي أَيْديهم وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى والسكران حَتَّى يصحو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْبَيْهَقِيّ.","vol":"10","page":226},{"text":"قوله: وعن جابر بن عبد الله -﵄-، تقدم.\nقوله: \"ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة\" الحديث، تقدم الكلام على معنى قبول الطاعة في أماكن من هذا التعليق.\n\n٣٥٨٣ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الله بَعَثَنِي رَحْمَة وَهدى للْعَالمين وَأَمرَنِي أَن أمحق المزامير والكبارات يَعْني البرابط وَالْمَعَازِف والأوثان الَّتِي كَانَت تعبد فِي الْجَاهِلِيَّة وَأقسم رَبِّي بعزته لَا يشرب عبد من عَبِيدِي جرعة من خمر إِلَّا سقيته مَكَانهَا من حميم جَهَنَّم معذبا أَو مغفورا لَهُ وَلَا يسقيها صَبيا صَغِيرا إِلَّا سقيته مَكَانهَا من حميم جَهَنَّم معذبا أَو مغفورا لَهُ وَلَا يَدعهَا عبد من عَبِيدِي من مخافتي إِلَّا سقيتها إِيَّاه من حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَليّ بن زيد البرابط جمع بربط بِفَتْح الباءين الموحدتين وَهُوَ الْعود (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين\" والعالمون جمع عالم وهو في الأصل ما سوى الله ﷿ والمراد بالعالمين ها هنا أصناف\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٢٣٠)، وأحمد ٥/ ٢٥٧ (٢٢٢١٨)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٧٣ رقم ٣٧٧٢/ ٢)، والحارث (٧٧١)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٦٩)، والروياني (١٢٣٠)، والآجرى في تحريم النرد (٦٠ و٦١)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٩٦ - ١٩٧ رقم ٧٨٠٣ و٧٨٠٤) و(٨/ ٢١١ رقم ٧٨٥٢)، والحسن بن رشيق في جزئه (١٥)، وابن عبد البر في الجامع (١٠٢٥) و(١٠٢٨)، وابن عساكر في ذم الملاهى (٤). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٦٩: رواه كله أحمد، والطبراني، وفيه علي بن يزيد، وهو ضعيف. ورواه أبو يعلى باختصار إلا أنه قال: فإن مات دخل النار. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢١).","vol":"10","page":227},{"text":"المخلوقات، سمى كل صنف عالما كما يقال عالم الغيب وعالم الشهادة وعالم العقل وعالم الطبيعة وعالم الحس وعالم الخيال وعالم العلوي وعالم السفلي ونحو ذلك، وروي عن قتادة أو غيره من أهل العلم: أن لله ﷿ ثمانين ألف عالم كل عالم كالدنيا وما فيها (^١).\nوقوله ﷿: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (^٢)، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (^٣) وقوله ﵊: \"فاطمة سيدة نساء العالمين\" أراد به خصوص العقلاء (^٤).\nوقوله ﷿: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥) أراد به عموم هذه الموجودات بدليل قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٦) وكذلك و﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (^٧) لأن بركته ﵊ عمت الموجودات لأنه عرف الناس أحكامها وما ينبغي فيها وما لا ينبغي قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٨).\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٥).\n(^٢) سورة الفرقان، الآية: ١.\n(^٣) سورة الجاثية، الآية: ١٦.\n(^٤) المصدر السابق (ص ٥).\n(^٥) سورة الفاتحة، الآية: ٢.\n(^٦) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.\n(^٧) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(^٨) المصدر السابق (ص ٥).","vol":"10","page":228},{"text":"قوله: \"وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات [يعني البرابط] والمعازف والأوثان\" الحديث، المحق إذهاب الشيء والمزامير جمع مزمار، والكبارات يعني البرابط جمع بربط وهو العود، قاله المنذري، والمعازف هي آلات اللهو كلها، وتقدم ذلك عن الجوهري لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر وقد توعد مستحلي المعازف في الأحاديث بأن يخسف الله بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير وإن كان للوعيد على جميع هذه الأفعال فكل واحد منها قسط في الذم والوعيد والله أعلم.\nتنبيه: وبالجملة فالمعروف من مذاهب الأئمة الأربعة أن الضرب بذوات الأوتار والاستماع إليها حرام ولا يجوز بيعها ولا أجرة لصانعها ولا غرم على كاسرها لصنعتها ولا يقطع سارقها ما لم يبلغ رضاضها نصابا، وقال الغزالي رحمه الله تعالى (^١): المنع منها لعلل، إحداها: أنها تدعو إلى مجالس الخمر وإلى شربه وأن الاجتماع إليها قد صار من عادة الفسقة ومن تشبه بقوم فهو منهم وأيضًا فإن للمحارم حمى ينسحب التحريم عليه كما حرمت الخلوة بالأجنبية لكونها مقدمة الجماع وحرم النظر إلى الفخذ لكونه متصلا بالسوءتين وحرم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعوا إلى المسكر.\nقوله -ﷺ-: \"وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من حميم جهنم معذبًا أو مغفورًا له\" والقسم الحلف وتقدم الكلام\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٧٢).","vol":"10","page":229},{"text":"على الجرعة في الصوم وتقدم الكلام أيضا على جهنم وأنها سبع طباق.\nقوله: \"ولا يسقيها صبيا صغيرا إلا سقيته مكانها من حميم جهنم\" تقدم الكلام على حميم جهنم.\nتنبيه: إنما يتناول هذا الوعيد المذكور في هذه الأحاديث شارب الخمر في حال التكليف اختيارا منه فأما الصبي والمجنون والمكره فلا يدخلون في هذا الوعيد، وقد دل ذلك قوله في الحديث: \"ثم لم يتب منها\" لأن التوبة إنما تكون من ذنب صدر، وهؤلاء لا ذنب عليهم بما صدر منهم وقد ورد في هذا الحديث وغيره على ساقيها للصغير ففي سنن أبي داود عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-: \"ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\" وترتب هذا الوعيد على مجرد شرب الخمر وإن لم يسكر بذلك عملا بمقتضى الحديث، وقد أجمع المسلمون على تحريم ما كان منها من عصير العنب بمجرد الشرب وإن قل وتقدم ذلك، واختلفوا في غيرها فمذهبنا ومذهب الأكثرين أن حكمها كذلك، وقال الحنفية: إنما يحرم من غيرها القدر المسكر ما لم يصل به إلى السكر والله أعلم، أ. هـ قاله شيخ الإسلام في شرح الأحكام (^١).\nقوله في الحديث: \"ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه من حظيرة القدس\" الحديث، حظيرة القدس: بالظاء المشالة الجنة لأنها محل الطهارة من أدناس الدنيا وتقدم ذلك.\n_________\n(^١) طرح التثريب (٨/ ٤١ - ٤٢).","vol":"10","page":230},{"text":"٣٥٨٤ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من ترك الْخمر وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأسقينه مِنْهُ فِي حَظِيرَة الْقُدس وَمن ترك الْحَرِير وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأكسونه إِيَّاه فِي حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ الْبَزَّار بِإسْنَاد حسن (^١).\n\n٣٥٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من سره أَن يسْقِيه الله الْخمر فِي الْآخِرَة فليتركها فِي الدُّنْيَا وَمن سره أَن يكسوه الله الْحَرِير فِي الْآخِرَة فليتركه فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا شَيْخه الْمِقْدَام بن دَاوُد وَقد وثق وَله شَوَاهِد (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من سره أن يسقيه الله الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا [...] (^٣).\nقوله: ورواته ثقات إلا [شيخه] المقدام بن داود [وقد وثق وقال النسائي في الكنى: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف].\n\n٣٥٨٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من شرب حسوة من خمر لم يقبل الله مِنْهُ ثَلَاثَة أَيَّام صرفا وَلَا عدلا وَمن شرب كأسا لم\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٧٣٨١). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٦: رواه البزار، وفيه شعيب بن بيان قال الذهبي: صدوق، وضعفه الجوزجاني، والعقيلي، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦٤) ووصححه في (٢٣٧٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٦٣ رقم ٨٨٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٤١٣). قال الطبراني: لم يرو هذا عن ابن ثوبان إلا أسد بن موسى. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٦: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. قال العراقي في تخريج الإحياء (١٩٢٧): رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧٦).\n(^٣) بياض بالأصل.","vol":"10","page":231},{"text":"يقبل الله صلَاته أَرْبَعِينَ صباحا ومدمن الْخمر حَقًا على الله أَن يسْقِيه من نهر الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا نهر الخبال قَالَ صديد أهل النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حكم بن نَافِع (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من شرب حسوة من خمر لم يقبل الله منه ثلاثة أيام صرفا ولا عدلا\" الحسوة من الخمر وغيره بالفتح المرة وبالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة (^٢)، وتقدم الكلام على القبول، وتقدم أيضا الكلام على الفريضة والنافلة في مواضع من هذا التعليق وتقدم تفسير الكأس في أحاديث الباب.\n\n٣٥٨٧ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدهِ ليبيتن أنَاس من أمتِى على أشر وبطر وَلعب وَلَهو فيصبحوا قردة وَخَنَازِير باستحلالهم الْمَحَارِم واتخاذهم الْقَيْنَات وشربهم الْخمر وبأكلهم الرِّبَا ولبسهم الْحَرِير رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة فِي مَعْنَاهُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩٢ رقم ١١٤٦٥). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧١: رواه الطبراني، وفيه حكيم بن نافع وهو ضعيف، وقد وثقه ابن معين وغيره. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢٢).\n(^٢) النهاية (١/ ٣٨٧).\n(^٣) أخرجه عبد الله في زوائد المسند ٥/ ٣٢٩ (٢٢٧٩٠)، وابن شاذان في الثامن من أجزائه (١٣٨)، وابن أبى الدنيا في العقوبات (٣٤٧)، وابن عساكر في ذم الملاهى (١). وقال ابن =","vol":"10","page":232},{"text":"قوله: وعن عبادة بن الصامت -﵁- تقدم الكلام عليه وعلى تفسير هذا الحديث.\n\n٣٥٨٨ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول يشرب نَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا يضْرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأَرْض وَيجْعَل مِنْهُم القردة والخنازير رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي مالك الأشعري -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها\" تقدم الكلام عليه وعلى تفسير ألفاظ هذا الحديث.\n\n٣٥٨٩ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ فِي هَذِه الْأمة خسف ومسخ وَقذف قَالَ رجل من الْمُسلمين يَا رَسُول الله مَتى ذَلِك قَالَ إِذا ظَهرت القيان وَالْمَعَازِف وشربت الْخُمُور رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الله بن\n_________\n= عساكر: تفرد به فرقد. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٥: رواه عبد الله بن أحمد. وفرقد ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦٤) و(٢٣٧٧).\n(^١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٧)، وأحمد ٥/ ٤٢٣ (٢٢٩٠٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٤) و(٧/ ٢٢١)، وابن ماجه (٤٠٢٠) وابن حبان (٦٧٥٨)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٣ رقم ٣٤١٩)، وفي مسند الشاميين (٢٠٦١)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥١٢ رقم ١٧٣٨٣) و(١٠/ ٣٧٣ - ٣٧٤ رقم ٢٠٩٨٩)، وفي الشعب (٧/ ٤٢١ رقم ٥٢٢٧) والآداب (٦٢٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧٨) وغاية المرام (٤٠٢).","vol":"10","page":233},{"text":"عبد القدوس وَقد وثق وَقَالَ حَدِيت غَرِيب وَقد رُوِيَ عَن الْأَعْمَش عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط مُرْسلا (^١).\nقوله: وعن عمران بن حصين -﵁- تقدم الكلام عليه وعلى تفسير ألفاظ هذا الحديث.\n\n٣٥٩٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يشرب الْخمر حرم الله عَلَيْهِ شربهَا فِي الْجنَّة وَمن مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يتحلى الذَّهَب حرم الله عَلَيْهِ لِبَاسه فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد ثِقَات (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢١٢)، وابن أبى الدنيا (٢)، والروياني (١٤٢)، والدانى في الفتن (٣٤٠)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٨/ ١٦٩)، والشجري في الأمالى (٢/ ٣٥٩) و(٢/ ٣٧٦). قال الترمذي: هذا حديث غريب. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٠٤) وصحيح الترغيب (٢٣٧٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٦ (٦٥٥٦) و٢/ ٢٠٨ (٦٩٤٧) و٢/ ٢٠٩ (٦٩٤٨)، والبزار (٢٩٣٥/ كشف الأستار)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٤٩٧ - ٤٩٨ رقم ٤٠١٢/ ٣ و٤ و٥)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٦٠٠ رقم ١٤٥١٧)، وابن شاهين في الناسخ (٥٨٧). قال عبد الله بن أحمد: \"ضرب أبي على هذا الحديث، فظننت أنه ضرب عليه لأنه خطأ، وإنما هو ميمون بن أستاذ، عن عبد الله بن عمرو، ليس فيه: \"عن الصدفي\"، ويقال: إن ميمون هذا هو الصدفي؛ لأن سماع يزيد بن هارون من الجريري في آخر عمره، والله أعلم\".\nقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: \"رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجاله ثقات\". وقال الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٨٠): حسن صحيح.","vol":"10","page":234},{"text":"قوله: \"من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة\" الحديث، هذا إذا لم يتب من ذلك.\n\n٣٥٩١ - وَعَن مُعَاوِيَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شرب الْخمر فاجلدوه فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه إِن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا شربوا الْخمر فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فاقتلوهم وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ (^١).\nقوله: وعن معاوية -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من شرب الخمر فاجلدوه\" الحديث، تقدم الكلام على جلد شارب الخمر، واختلاف العلماء في ذلك، هذا من باب التعليق في [الباب] أراد أنه لم يدخل الجنة لأن الخمر من شراب أهل الجنة فإذا لم يشربها في الآخرة لم يكن قد دخل الجنة، وقال الكرماني: قوله \"حرمها\" أي لا يشربها في الجنة كما قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٩٥ (١٦٨٥٩)، وأبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣)، والنسائي في الكبرى (٥٢٧٨) و(٥٢٧٩)، والطحاوى في معانى الآثار (٤٩٢٠ و٤٩٢١)، وابن حبان (٤٤٤٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٣٤ رقم ٧٦٨ و٧٦٩) و(١٩/ ٣٦٠ رقم ٨٤٤ و٨٤٥)، والحاكم ٤/ ٣٧٢، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٤٤ رقم ١٧٥٠١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٦٠) وصحيح الترغيب (٢٣٨١).\n(^٢) سورة محمد، الآية: ١٥.\n(^٣) الكواكب الدرارى (٢٠/ ١٣٨).","vol":"10","page":235},{"text":"فإن قلت: المعصية لا توجب الجنة؟ قلت: يدخلها ولا يشرب من نهرها فإنها من فاخر شراب أهلها؟ قلت: فيها كل ما تشتهيه النفس، قلت: قيل: إنه ينسى شهوتها، وقيل: لا يشتهيها وإن ذكرها، وقيل: دليل على أن التوبة تكفر المعاصي (^١)، أ. هـ.\n\n٣٥٩٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا سكر فاجلدوه ثمَّ إِن سكر فاجلدوه ثمَّ إِن سكر فاجلدوه فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَعِنْدَهُمَا فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة فاضربوا عُنُقه قَالَ الْحَافِظ قد جَاءَ قتل شَارِب الْخمر فِي الْمرة الرَّابِعَة من غير مَا وَجه صَحِيح وَهُوَ مَنْسُوخ وَالله أعلم (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله في هذا الحديث: \"فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه\" وفي حدي معاوية \"فاقتلوه\" قال الحافظ المنذري: قد جاء قتل شارب الخمر في المرة الرابعة من غير ما وجه صحيح وهو ومنسوخ والله أعلم.\nتنبيه: والمختار في النسخ أنه عبارة عن رفع الشارع -ﷺ- حكما منه متقدما بحكم منه [بحكم منه]-ﷺ- متأخرا قاله في التنقيح على المصابيح (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٨٠ (٧٧٦٢) و٢/ ٣٩١ (٧٩١١) و٢/ ٥٠٤ (١٠٥٤٧) و٢/ ٥١٩ (١٠٧٢٩)، وأبو داود (٤٤٨٤)، وابن ماجه (٢٥٧٢)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٠ (٥٧٠٨) والكبرى (٥١٥٢)، وابن حبان (٤٤٤٧). وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب (٢٣٨٢)، الصحيحة (١٣٦٠).\n(^٣) كشف المناهج (١/ ٥٩).","vol":"10","page":236},{"text":"٣٥٩٣ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شرب الْخمر لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ لم يتب الله عَلَيْهِ وَغَضب الله عَلَيْهِ وسقاه من نهر الخبال قيل يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن وَمَا نهر الخبال قَالَ نهر يجْرِي من صديد أهل النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْقُوفا عَلَيْهِ مُخْتَصرا وَلَفظه من شرب الْخمر فَلم ينتش لم تقبل لَهُ صَلَاة مَا دَامَ فِي جَوْفه أَو عروقه مِنْهَا شَيْء وَإِن مَاتَ مَاتَ كَافِرًا وَإِن انتشى لم تقبل مِنْهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَإِن مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا\" الحديث\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٥٨)، والطيالسي (١٩٠١)، وأحمد ٣/ ٣٥ (٤٩١٧)، والترمذي (١٨٦٢)، والنسائي في الكبرى (٥١٥٨) والمجتبى ٨/ ٤٦٤ (٥٧١٤)، وأبو يعلى (٥٦٨٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٩٠ رقم ١٣٤٤١)، وابن بشران (١٣٠)،، والطبراني (١٢/ ٤٠٤ رقم ١٣٤٩٢)، والبغوي (٣٠١٦) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١١٤).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي نحو هذا عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس، عن النبي -ﷺ-. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يثبت عن رسول الله -ﷺ- وفيه عطاء بن السائب وكان قد اختلط في آخر عمره وقال يحيى بن معين لا يحتج به بحديثه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٨٣).","vol":"10","page":237},{"text":"تقدم الكلام على معنى القبول في أحاديث الباب وفي غير ما موضع من هذا الحديث.\nفائدة: الصحيح المشهور من مذهب الشافعي صحة إقرار السكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه وبه قال مالك وأصحابه وذهبت طائفة إلى عدم اعتبار إقراره وأقواله واحتج مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد من وجد منه ريح الخمر وإن لم تقم عليه بينة بشربها ولا أقر به ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرها أنه لا يحد بمجرد ريحها بل لا بد من بينة بشربها أو إقراره (^١)، أ. هـ.\nتنبيه: وأحمق بيت قالته العرب قول القائل:\nإذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي عند عروقها!\nولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا مت ألا أذوقها (^٢)\n\n٣٥٩٤ - وَفِي رِوَايَة للنسائي عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من شرب الْخمر فَجَعلهَا فِي بَطْنه لم تقبل مِنْهُ صَلَاة سبعا وَإِن مَاتَ فِيهَا مَاتَ كافِرًا فَإِن أذهبت عقله عَن شَيْء من الْفَرَائِض وَفِي رِوَايَة عَن الْقُرْآن لم تقبل مِنْهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَإِن مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠٠) وفي عبارة الشارح خلل من قوله (وبه قال مالك وأصحابه مع مخالفة آخر كلامه) وكذا هو عنده النووي قال: واحتج أصحاب مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد من وجد منه ... إلى آخره.\n(^٢) هو الأعشى أبو محجن الثقفي حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٤١).\n(^٣) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ٩٧ (٢٤٠٦١)، والبزار (٢٣٧٨ و٢٣٧٩)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٤ (٥٧١٤) و٨/ ٤٦٥ (٥٧١٥) والكبرى (٥١٥٨) و(٥١٥٩)، وابن =","vol":"10","page":238},{"text":"قوله -ﷺ- في رواية النسائي: \"من شرب الخمر فلم ينتش لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء وإن مات مات كافرا وإن انتشى لم تقبل منه صلاة أربعين يوما\" الحديث، الظاهر والله أعلم ان المراد بقوله فلم ينتش أي لم تذهب عقله ولقوله وإن انتشى أي أذهبت عقله ويؤيد هذا الرواية الأخرى للنسائي: \"من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم تقبل له صلاة أربعين يوما\".\nتنبيه: وقد روى عن عروة بن الزبير أنه لما وقعت الأكلة في رجلة وأرادوا قطعها قال له الأطباء نسقيك دواء حتى يغيب عقلك ولا تحس بألم القطع فأبي وقال: ما ظننت أن خلقا يشرب شرابا يزول منه عقله حتى لا يعرف ربه (^١)، أ. هـ.\n\n٣٥٩٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شرب الْخمر فَسَكِرَ لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن مَاتَ دخل النَّار فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد فَشرب فَسَكِرَ لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن مَاتَ دخل النَّار فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد فَشرب فَسَكِرَ لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن مَاتَ دخل النَّار فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإن عَاد فِي الرَّابِعَة كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عصارة أهل النَّار رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ الْحَاكِم مُخْتَصرا بِبَعْضِه قَالَ لَا يشرب الْخمر رجل من أمتِي فَتقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ\n_________\n= حبان في المجروحين (٣/ ١٠١)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠٤ رقم ١٣٤٩٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢٣) والضعيفة (٦٨٧٤) وقال: منكر.\n(^١) ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢/ ٢١١، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٣٠، البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ١٨٠)، وجامع العلوم والحكم ٣/ ١٢٣٣.","vol":"10","page":239},{"text":"صباحا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه وعلى تفسير هذا الحديث.\n\n٣٥٩٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ كل مخمر خمر وكل مُسكر حرَام وَمن شرب مُسكرا بخست صلَاته أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإن عَاد الرَّابِعَة كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال قيل وَمَا طِينه الخبال يَا رَسُول الله قَالَ صديد أهل النَّار وَمن سقَاهُ صَغِيرا لَا يعرف حَلَاله من حرَامه كَانَ حَقًّا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"كل مخمر خمر وكل مسكر حرام\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه أبو إسحاق الفزاري في السير (٦٤٠)، وأحمد في المسند ٢/ ١٧٦ (٦٦٤٤) و٢/ ١٩٧ (٦٨٥٤)، والدارمى (٢٢٥٨)، وابن ماجه (٣٣٧٧)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٢١)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦١ (٥٧١٠) و٨/ ٤٦٦ (٥٧١٦)، والبزار (٢٤٦٩) و(٢٤٩٣)، والفريابي في القدر (٧٠)، وابن خزيمة (٩٣٩)، وابن حبان (٥٣٥٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨ رقم ١٤٥٤٩ - ١٤٥٥٢) ومسند الشاميين (٥٣١) (٥٣٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠ - ٣١) و(١/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٨ رقم ٥٥٨١).\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة، وقد احتجا بجميع رواته ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علة. وقال الذهبي: على شرطهما، ولا علة له. وصححه الألباني في الصحيحة (٧٠٩) وصحيح الترغيب (٢٣٨٣) و(٢٣٨٤)، المشكاة (٣٦٤٤/ التحقيق الثاني).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٦٨٠)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٦ رقم ١٠٩٢٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٠١ رقم ١٧٣٤٤). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٣٩) وضعف زيادة: (وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا) كما في الضعيفة (٦٣٢٨) وضعيف الترغيب (١٤٢٤).","vol":"10","page":240},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ومن شرب مسكرًا بخست صلاته أربعين صباحًا\" البخس النقص ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (^١) الآية.\nقوله -ﷺ-: \"ومن سقاه صغيرا لا يعرف حلاله من حرام\" تقدم الكلام على ذلك في أحاديث هذا الباب.\n\n٣٥٩٧ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد -﵂- أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من شرب الْخمر لم يرض الله عَنهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَإِن مَاتَ مَاتَ كَافِرًا وَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد كَانَ حَقه على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ صديد أهل النَّار رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي ذَر بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن أسماء بنت يزيد -﵄-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة\" الحديث، معناه يسخط عليه لأن الرضى ضده السخط ويؤيد هذا حديث عائشة بعده: \"من شرب الخمر سخط الله عليه أربعين صباحًا\" فنعوذ بالله من ذلك ونسأله التوبة إنه قريب سميع الدعاء.\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٨٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٨٠ رقم ٣٧٨٧/ ١)، وأحمد ٣/ ٤٦٠ (٢٧٦٠٣)، وابن أبى الدنيا في ذم المسكر (٢٥)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٨٠ رقم ٣٧٨٧/ ٢ و٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٦٨ - ١٦٩ رقم ٤٢٨ و٤٢٩)، والسمرقندي في تنبيه الغافلين (١٨٨)، والخطيب في موضح أوهام الجمع (١/ ٣٦٠). قال الخطيب: وَهَذَا حَدِيث مُتَّصِل الْإِسْنَاد صَالح الرِّجَال. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٦٩: رواه أحمد، والطبراني، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف، وقد حسن حديثه، وبقية رجال أحمد ثقات. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢٥) و(٢١٥٨): منكر.","vol":"10","page":241},{"text":"٣٥٩٨ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: من شرب الْخمر سخط الله عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ صباحًا وَمَا يدريه لَعَلَّ منيته تكون فِي تِلْكَ اللَّيَالِي فَإِن عَاد سخط الله عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ صباحًا وَمَا يدريه لَعَلَّ منيته تكون فِي تِلْكَ اللَّيَالِي فَإِن عَاد سخط الله عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ صباحا فَهَذِهِ عشرُون وَمِائَة لَيْلَة فَإِن عَاد فَهُوَ فِي ردغة الخبال قيل وَمَا ردغة الخبال قَالَ عرق أهل النَّار وصديدهم رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَفِيه إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَمن لَا يحضرني حَاله (^١).\n\n٣٥٩٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من فَارق الدُّنْيَا وَهُوَ سَكرَان دخل الْقَبْر سَكرَان وَبعث من قَبره سَكرَان وَأمر بِهِ إِلَى النَّار سَكرَان إِلَى جبل يُقَال لَهُ سَكرَان فِيهِ عين يجْرِي مِنْهَا الْقَيْح وَالدَّم وَهُوَ طعامهم وشرابهم مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَأَظنهُ فِي مُسْند أبي يعلى أَيْضا مُخْتَصرا وَفِيه نَكَارَة (^٢).\nقوله: وروي عن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر وهو سكران وبعث من قبره وهو سكران\" الحديث.\nتنبيه: يبعث كل عبد على ما مات عليه وقد ورد ذلك في\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٢٦)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٤٦). قال الذهبي في الميزان ترجمة ثعلبة بن مسلم (١/ ٣٤٤): عن أبي بن كعب، وعنه إسماعيل بن عياش بخبر منكر. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٤٢) وضعيف الترغيب (١٤٢٧).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (١٨١٤)، وعنه ابن عدى في الكامل (١/ ٣٤٣)، ومن طريقه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٤٨). قال ابن عدى: وهذه الأحاديث مع غيرها مما رواه أبو هدبة كلها بواطيل، وهو متروك الحديث، بين الأمر في الضعف جدًّا. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٤٣) وضعيف الترغيب (١٤٢٨) و(٢١٥٨).","vol":"10","page":242},{"text":"الحديث الصحيح من رواية جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"يبعث كل عبد على ما مات عليه\" رواه مسلم (^١)، ووري صاحب قوت القلوب (^٢): أن النبي -ﷺ- قال: \"من مات على مرتبة من المراتب بعثه الله عليها يوم القيامة\" (^٣) وفي الحديث الصحيح أيضا من رواية عبد الله بن عمر أنه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم\" خرجه البخاري (^٤) فالشهيد في سبيل الله يبعث وجرحه يثعب دما اللون لوم دم والعرف عرف المسك ومن مات سكران فإنه يعانق ملك الموت سكران ويعاين منكرا ونكير سكران ويبعث سكران إلى خندق في وسط جهنم يسمى السكران فيه عين يجري ماؤها دم لا يكون له طعما ولا شراب إلا فيه هكذا (^٥) رواه أنس عن رسول الله -ﷺ-، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨١ - ٢٨٧٧) و(٨٣ - ٢٨٧٨).\n(^٢) قوت القلوب (١/ ٦٦ و٢/ ١٢٩ و٢٧١).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٠٣)، وأحمد ٦/ ١٩ (٢٣٩٤١) و(٢٣٩٤٥) و٦/ ٢٠ (٢٣٩٥٠)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٧٨، وابن قتيبة في غريب الحديث ١/ ٥٢٤ - ٥٢٥، وابن أبى عاصم في الجهاد (٣٠٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٥٢ و٢٥٣)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٣٠٥ (٧٨٤ و٧٨٥)، والحاكم ١/ ٣٤٠ و٢/ ١٤٤ عن فضالة بن عبيد. وصححه الحاكم على شرطهما. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١١٣: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات في أحد السندين. وقال البوصيري في الاتحاف (٨/ ١٦٤): ورواته ثقات. وجوده الألباني في الصحيحة (٣٨٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧١٠٨) وعنده: ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وأخرجه الطيالسي (١٩٣٢) وعنده \"ثُمَّ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، أَوْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ\". وعند ابن الأعرابى (٤٩٢): \"ثُمَّ يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\".\n(^٥) التذكرة (ص ٤٩٤). والحديث الأول أخرجه البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٠٥ - =","vol":"10","page":243},{"text":"وقال في كتاب كشف علوم الآخرة (^١): من الناس من يحشر بفتنته الدنيوية فقوم فتنوا بالعود واعلفوا عليه دهرهم فعند قيام أحدهم من قبره يأخذ العود بيمينه فيطرحه من يده ويقول: سحقا لك شغلتني عن ذكر الله تعال فيعود إليه ويقول أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين وكذلك يبعث السكران سكران والزامر زامر وكل أحد على الحال الذي صده عن سبيل الله، وفي الخبر الصحيح أن شارب الخمر يحشر والكوز معلق في عنقه والقدح بيده وهو أنتن من كل جيفة على وجه الأرض يلعنه كل من مر به من الخلق فنسأل الله بقدرته الباهرة أن يعافينا من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، والله أعلم.\n\n٣٦٠٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من ترك الصَّلَاة سكرا مرّة وَاحِدَة فَكَأنَّمَا كَانَت لَهُ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا فسلبها وَمن ترك الصَّلَاة أَربع مَرَّات سكرا كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينه الخبال قيل وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عصارة أهل جَهَنَّم رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n= ١٨٧٦) عن أبى هريرة بلفظ: \"لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب، اللون لون دم، والريح ريح مسك\".\nوحديث أنس: أخرجه ابن عدى في الكامل (١/ ٣٤٣) من طريق عبد القدوس بن الحواري، حدثنا أبو هدبة، عن الأشعث الحراني، عن أنس بن مالك.\nوقال: وهذه الأحاديث مع غيرها مما رواه أبو هدبة كلها بواطيل، وهو متروك الحديث، بين الأمر في الضعف جدًّا.\n(^١) الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة (ص ٦٤ - ٦٥) للغزالي، وعنه نقله القرطبي في التذكرة (٥٢٥ - ٥٢٦).\n(^٢) انظر ما بعده.","vol":"10","page":244},{"text":"٣٦٠١ - وروى أَحْمد مِنْهُ من ترك الصَّلاة سكرا مرّة وَاحِدَة فَكَأنَّمَا كَانَت لَهُ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا فسلبها وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها\" الحديث، السلب عبارة والله أعلم عن الأخذ [مما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح ومركب وجنيب يقاد بين يديه].\n\n٣٦٠٢ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا استحلت أمتِي خمْسًا فَعَلَيْهِم الدمار إِذا ظهر التلاعن وَشَرِبُوا الْخُمُور ولبسوا الْحَرِير وَاتَّخذُوا القيان وَاكتفى الرِّجَال بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاء بِالنسَاء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَتقدم فِي لبس الْحَرِير (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن وهب (٧٩)، وأحمد ٢/ ١٧٨ (٦٦٥٩)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٢٢)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٦٦ رقم ٦٣٧١)، وابن منده في مجالس من أماليه (٢٨٢)، والحاكم ٤/ ١٤٦، والبيهقي في الصغير (٣/ ٣٣٠ رقم ٢٦٦١) والكبرى (١/ ٥٧٣ رقم ١٨٢٩) و(٨/ ٤٩٩ رقم ١٧٣٣٨) والشعب (٧/ ٤٠٣ رقم ٥١٩٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٢٩). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ثم قال الذهبي: سمعه ابن وهب عنه وهو غريب جدا. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٠: رواه أحمد ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤١٩) وصحيح الترغيب (٢٣٨٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٧ - ١٨ رقم ١٠٨٦) والشاميين (٥١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٢٨ رقم ٥٠٨٤ و٥٠٨٥) و(٧/ ٣٢٩ رقم ٥٠٨٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عروة إلا عباد، تفرد به: النفيلي. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عروة، عن أنس تفرد به عباد بن كثير. قال البيهقي: إسناده وإسناد ما قبله غير قوي، غير أنه إذا ضم بعضه إلى بعض أخذ قوة. وقال الهيثمي في المجمع =","vol":"10","page":245},{"text":"قوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إذا استحلت أمتي خمسا فعليهم الدمار\" الدمار عبارة عن [الهلاك، يقال: دمر القوم يدمرون دمارا: أي هلكوا، ودمرهم مقتهم ودمرهم الله تدميرا. قال الله جل وعز: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (^١) يعني به فرعون وقومه الذين مسخوا قردة وخنازير].\nقوله -ﷺ-: \"إذا ظهر التلاعن وشربوا الخمور ولبسوا الحرير واتخذوا القينات واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء\" التلاعن عبارة عن لعن الناس بعضهم بعضا، وتقدم الكلام على شرب الخمر ولبس الحرير واتخاذ القينات، وأما قوله: \"واكتفى الرجال بالرجال\" المراد بذلك اللواط، واللواط عمل قوم لوط، وسيأتي الكلام عليه في بابه، وأما قوله \"واكتفى النساء بالنساء\" المراد بذلك مساحقة النساء بعضهن بعضا والله أعلم.\n_________\n= ٧/ ٣٣٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير الرملي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٤) و(٢٣٨٦).\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٣٦.","vol":"10","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>[الترهيب من الزنا سيما بحليلة الجار والمغيبة والترغيب في حفظ الفرج]</span>\n٣٦٠٣ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَزَاد النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة فَإِذا فعل ذَلِك خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ وَرَوَاهُ الْبَزَّار مُخْتَصرا لَا يسرق السَّارِق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن الْإِيمَان أكْرم على الله من ذَلِك (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) و(٥٥٧٨) و(٦٧٧٢) و(٦٨١٠)، ومسلم (١٠٠ و١٠١ و١٠٢ و١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ - ٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٥)، وابن ماجه (٣٩٣٦)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٤٤٧ (٤٩١٤) و٧/ ٤٤٨ (٤٩١٥) و٨/ ٤٥٨ (٥٧٠٥) و٨/ ٤٥٩ (٥٧٠٦).\nوأخرجه النسائي في المجتبي ٧/ ٤٤٩ (٤٩١٦) من طريق أبي حمزة، عن يزيد، وهو ابن أبي زياد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وقال الألباني: منكر الصحيحة تحت الحديث (٣٠٠٠). وأخرجه البزار (٩٧١٦) من طريق أبى إسرائيل، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، إلا أبو إسرائيل.\nوقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠١: رواه البزار، وفيه إسرائيل الملائي وثقه يحيى بن معين في رواية، وضعفه الناس. قلت: ويأتي لأبي هريرة حديث في الفتن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢٩).","vol":"10","page":247},{"text":"قوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" قال النووي: هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه فالقول الصحيح الذي عليه المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد به نفي كماله ومختاره وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: \"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق\" (^١) وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: \"أنهم بايعوه -ﷺ- على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا\" إلى آخره ثم قال لهم -ﷺ-: \"فمن وفى منكم فأجره على الله ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارة ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه\" (^٢).\nفهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيره من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر في المشيئة فإن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة، فكل هذه الدلائل [تضطرنا إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٦٨) و(٦٤٤٣)، ومسلم (١٥٣ و١٥٤ - ٩٤) عن أبى ذر.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨٩٢ و٣٨٩٣ و٤٨٩٤)، ومسلم (٤١ و٤٢ و٤٣ و٤٤ - ١٧٠٩) عن عبادة بن الصامت.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٤٨.","vol":"10","page":248},{"text":"تأويل] هذا الحديث وشبهه ثم إن هذا التأويل ظاهر شائع في اللغة مستعمل فيها كثيرا وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلا مع العلم بوجود الشرع وتحريمه وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري معنا ينزع منه اسم المدح الذي تسمى به أولياء الله المؤمنين واستحقوا اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وذهب [الزهري] إلى أن هذا الحديث وما أشبهه نؤمن بها [ويمر] على ما جاء ولا يخاض في معناها فإنه لا يعلمها إلا الله وقال: أمروها كما أمرها من قبلكم وكل هذا محتمل والصحيح في معناه ما تقدم (^١).\nوقيل: معناه أن الهوى يغطي الإيمان فصاحب الهوى لا يرى هواه ولا ينظر إلى إيمانه الناهي له عن ارتكاب الفاحشة فكأن الإيمان في هذه الحالة قد انعدم، وقال ابن عباس: الإيمان [نزه] فإذا أذنب العبد فارقه ومنه الحديث الآخر: \"وإن زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان\" وكل هذا محمول على المجاز ونفي الكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله (^٢).\nقال ابن الأثير قوله: \"كالظلة\" الظلة السحابة تظل الأرض قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (^٣) أي يوم السحابة التي أظلتهم وقال تعالى:\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤١ - ٤٢).\n(^٢) النهاية (١/ ٦٩ - ٧٠).\n(^٣) سورة الشعراء، الآية: ١٨٩.","vol":"10","page":249},{"text":"﴿غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ (^١) أي كالسحب (^٢). وفيه إيذان بأن المؤمن في حالة اشتغاله بالشهوة يصير فاقدا أو كالفاقد للإيمان ولكن لا يزول عنه حكمه واسمه بل هو بعد في ظل رعايته، وكنف بركته إذ يصير فوق رأسه كالسحابة تظله فإذا فرغ من شهوته عاد الإيمان إليه (^٣).\nويجوز أن يكون قوله: \"خرج منه الإيمان\" قد سلك فيه مسلك المبالغة والتشديد في باب الزجر والوعيد ولم يرد رفع حقيقة الإيمان وإبطاله وهذا كقولهم فيمن عرف بالكرم والشجاعة ثم خالف أحيانا ما عرف به منهما عدمت منه الرجولية وذهبت المروءة والمراد [أن يعتبر وينزجر] السامعون وينتهي صاحبه عما صنع ولأن مرتكب الكبيرة إيمانه على سر [...] (^٤) الذهاب أو ليس بعد الكبيرة إلا الكفر فهذا الحديث إن حمل على المستحل لذلك فواضح وإن حمل على غيره فالمراد منه نفي كمال الإيمان لا حقيقته وقيل هذا فما نؤمن به ونكل معناه إلى الله [وإلى رسوله] وإلى رسوله -ﷺ-، وقال البزار في مسنده: ينزع الإيمان من قلبه فإن تاب تاب الله عليه (^٥)، وروى البخاري عن ابن عباس -﵄- أنه ينزع عنه حالة الزنى نور الإيمان، أ. هـ.\nوقال أبو القاسم الأصبهاني صاحب المغيث في حل غريب القرآن\n_________\n(^١) سورة لقمان، الآية: ٣٢.\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٦٠ - ١٦١).\n(^٣) تحفة الأبرار (١/ ٧٩)، وشرح المصابيح (١/ ٨١).\n(^٤) بياض بالأصل.\n(^٥) كشف المناهج (١/ ٨٦).","vol":"10","page":250},{"text":"والحديث: قوله: \"لا يزني الزاني وهو مؤمن\" الحديث، قيل: معناه النهي وإن كان في صورة الخبر والأصل حذف الياء: من يزني أي لا يزني المؤمن ولا يسرق ولا يشرب، فإن هذا الفعل لا يليق بالمؤمنين، وقيل: هو وعيد يقصد به الردع كقوله -﵇-: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" وكقوله: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\" وكقوله -﵇- \"ليس المسلم من لم يأمن جاره بوائقه\" وهذا كله معنى الزجر ونفي الكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله وقيل معناه الحديث الآخر: \"إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان وكان على رأسه مثل الظلة فإذا أقلع\" أي تاب \"رجع إليه\" (^١).\nوقوله -ﷺ- في رواية النسائي: \"فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه\" الربقة واحدة الربق وتقدم الكلام علي ذلك.\n\n٣٦٠٤ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يحل دم امرئ مُسلم يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الثّيّب الزَّانِي وَالنَّفس بِالنَّفسِ والتارك لدينِهِ المفارق للْجَمَاعَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن مسعود -﵁- تقدم الكلام على ذلك.\nقوله -ﷺ-: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله\"\n_________\n(^١) المجموع المغيث (١/ ٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (٢٥ و٢٦ - ١٦٧٦)، وأبو داود (٤٣٥٢)، والترمذي (١٤٠٢)، وابن ماجه (٢٥٣٤)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٩٥ (٤٠٥١).","vol":"10","page":251},{"text":"هذا خرج مخرج التهويل والتعظيم فلا يفهم منه جواز قتل المعاهد ولا الذمي لحديث أبي بكرة يرفعه: \"ما من عبد يقتل نفسا معاهدة إلا حرم الله عليه الجنة ورائحتها\" (^١) الحديث، ويدخل في التحريم من قتل صغير كافرا وإن كان حربيا.\nقوله: \"إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة\" الحديث، وفي لفظ عند البخاري \"المارق من الدين التارك للجماعة\" وفي لفظ عند مسلم: \"التارك الإسلام\" قال النووي: هكذا هو في النسخ الزان من غير ياء بعد النون وهي لغة صحيحة قرئ بها في السبع في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (^٢) وغيره والأشهر في اللغة إثبات الياء في كل هذا (^٣).\nقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قوله -ﷺ-: \"يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله\" كالتفسير لقوله \"مسلم\" (^٤).\nفالثيب الزان المراد به المتزوج وهو من تزوج بوطئ في نكاح صحيح وهو\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٧٦٠)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٦١ (٤٧٩٠) و٧/ ٣٦٢ (٤٧٩١) والكبرى (٨٦٩٠) و(٨٦٩١)، وابن حبان (٤٨٨١) و(٧٣٨٢) و(٧٣٨٣)، والحاكم (١/ ٤٤). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٥٣) و(٣٠٠٨) و(٣٦٩٢).\n(^٢) سورة الرعد، الآية: ٩.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٦٤).\n(^٤) إحكام الإحكام (٢/ ٢١٧) وشرح الأربعين (ص ٦٥).","vol":"10","page":252},{"text":"حر بالغ عاقل وهو مسلم أو ذمي فإذا زنى بعد ذلك رجم وسواء زنى وهو متزوج أم لا لأن وصف الإحصان لا يفارقه بمفارقة الزوجة وإن كان غير محصن فالجلد وتغريب عام إلى مسافة تقصر فيها الصلاة ففي هذا الحديث إثبات قتل الزاني المحصن والمراد رجمه بالحجارة حتى يموت وهذا بإجماع المسلمين (^١).\nتنبيه: قوله: \"من وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ\" إلى آخره احترز به عن النكاح الفاسد ووطء الشبهة وهو عبد ثم أعتق أو وهو صبي ثم بلغ أو مجنون ثم أفاق (^٢).\nوأما قوله: \"والنفس بالنفس\" فالمراد به القصاص بشروطه ففيه دليل لمن يوجب القصاص على المسلم بقتل الذمي وعلى الحر بقتل العبد وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه ومذهب الشافعي ومالك والليث والإمام أحمد لا يقتل حر بعبد ولا مسلم بذمي لقوله -ﷺ-: \"ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده\" (^٣) وقد استدل أبو حنيفة بهذا الحديث على أن تارك الصلاة لا يقتل ومذهبنا أنه يقتل لمفهوم قوله -ﷺ-: \"إني نهيت عن قتل المصلين\" (^٤)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٠) والعدة (٣/ ١٤٠٠) وعمدة السالك (١/ ٢٣٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٠) وعمدة الناسك (١/ ٢٣٧).\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ١١٩ (٩٥٩) و١/ ١٢٢ (٩٩١)، وأبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٥٢ (٤٧٧٨) و٧/ ٣٦٠ (٤٧٨٨) و(٤٧٨٩). وقال الألباني: صحيح، الإرواء (١٠٥٨) و(٢٢٠٨).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٦٣) عن أبي هريرة. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٤٨١/ التحقيق الثاني).","vol":"10","page":253},{"text":"وحديث الصحيحين \"ثم أذهب معي برجال معهم حزم من حطب إلى بيوت قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار\" (^١) فإذا جاز التحريق على ترك الجماعة فعلى ترك الصلاة جملة أولى وإذا قلنا يقتل فيقتل حدا وهو مسلم وإذا قلنا يقتل حدا فلو تاب ترك بلا خلاف وتقدم الكلام على ذلك مطولا في ترك الصلاة (^٢).\nوأما قوله \"التارك لدينه المفارق للجماعة\" وقوله \"المارق من الدين\" فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كان فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، قال العلماء: ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة وبغي أو غيرهما وكذلك الخوارج وهذا عام يخص منه الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله إلا في هؤلاء الثلاثة (^٣).\nوالتارك لدينه تارة يوافق الجماعة وتارة يخالف الجماعة فالكافر إذا أسلم صدق أن يقال ترك دينه لكنه لم يفارق الجماعة بل وافق الجماعة والمسلم إذا ترك دينه والعياذ بالله تعالى صدق أن يقال إنه فارق الجماعة، والمراد بالجماعة جماعة المسلمين وإنما فارقهم بالردة عن الدين وهي سبب إباحة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٤) و(٦٥٧) و(٢٤٢٠) و(٧٢٢٤)، ومسلم (٢٥١ و٢٥٢ و٢٥٣ و٢٥٤ - ٦٥١) عن أبى هريرة.\n(^٢) انظر شرح النووي على مسلم (٢/ ٧١) و(١١/ ١٦٥)، وشرح الأربعين (ص ٦٦) لابن دقيق العيد والتعيين في شرح الأربعين (ص ١٣١ - ١٣٢) ورياض الأفهام (٥/ ١٢٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٦٥).","vol":"10","page":254},{"text":"دمه إجماعا في حق الرجل واختلف العلماء في المرأة هل تقتل بالردة أم لا، فعندنا وعند أكثر العلماء تقتل لقوله -ﷺ-: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (^١) ومن يشمل المؤنث على الصحيح وعند أبي حنيفة لا يقتل وبعث رسول الله -ﷺ- رجلا إلى امرأة كانت تؤذي النبي -ﷺ- فقتلها ثم جاء النبي -ﷺ- لا ينتطح فيها عنزان وهو أول من تكلم بهذا المثل (^٢).\n\n٣٦٠٥ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا يحل دم امرئ مُسلم يشْهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاث زنا بعد إِحْصَان فَإِنَّهُ يرْجم وَرجل خرج مُحَاربًا لله وَلِرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يقتل أَو يصلب أَو ينفى من الأَرْض أَو يقتل نفسا فَيقْتل بهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٣).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠١٧) و(٦٩٢٢)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، وابن ماجه (٢٥٣٥) عن على.\n(^٢) إحكام الأحكام (٢/ ٢١٧)، ورياض الأفهام (٥/ ١٣١)، والتعيين (ص ١٢٨)\nوأما حديث لا ينتطح فيها عنزان: أخرجه ابن عدى (٧/ ٣٢٨) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل (١/ ١٧٥)، القضاعي في مسند الشهاب (٨٥٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٥/ ١١٨) عن ابن عباس. وقال ابن عدي هذا مما يتهم بوضعه محمد بن الحجاج. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٦٠١٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٥١٧ (٤٠٨٤) و٧/ ٣٥٩ (٤٧٨٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٨٠٠ و١٨٠١)، والدارقطني (٣٠٨٧). وصححه الألباني في الإرواء (٢١٩٦)، وصحيح الترغيب (٢٣٨٩).","vol":"10","page":255},{"text":"رسول الله إلا في إحدى ثلاث زنا بعد إحصان فإنه يرجم\" الحديث.\nتتمة: الإحصان في اللغة أصله المنع ومنه مدينة حصينة ودرع حصينة أي تمنع صاحبها من الخروج والحصن الموضع الحصين لمنعه والحصان الفرس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان بفتح الحاء المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد والمرأة تكون محنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزويج يقال أحصنت المرأة فهي محصِنة ومحصَنة وكذلك الرجل، والمحصن بالفتح يكون بمعنى الفاعل والمفعول (^١).\nوالإحصان في الشرع خمسة أقسام أحدها في الزنا الذي يوجب الرجم على الزاني وهو الوطء في نكاح صحيح والثاني الإحصان في القذاف وهو العفة والثالث الإحصان بمعنى الحرية وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٣)، والرابع: الإحصان بمعنى التزويج وهو المراد بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ\n_________\n(^١) التفسير الوسيط (٦/ ٤٣٠) وعنه نقل النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٦٦)، والنهاية (١/ ٣٩٧).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٥.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٢٥.","vol":"10","page":256},{"text":"النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^١) و[الخامس] الإحصان بمعنى الإسلام وهو المراد بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^٢) (^٣) أ. هـ قاله في الديباجة.\nتنبيه:\nشروط الإحصان ست أتت ... فخذها على النص مستفهما\nبلوغ وعقل ثم حرية ... ورابعها كونه مسلما\nوعقد صحيح ووطء مباحٌ ... متى اختل شرط فلن يرجما\nهذه الأبيات لقاضي القضاة ابن رشيق بالإسكندرية وهو أحد شيوخ الشيخ سراج الدين البلقيني.\nسؤال: لم أمر بالرجم للمحصن دون غيره؟ قيل: لأنه فعل فعل الحمير والكلاب، والحمير والكلاب تضرب بالحجارة والخشب قاله النيسابوري، وقيل: لأنه لما تزوج وامتثل أمر الله تعالى وحصل له الكرامة بإجلاسه على منصة عالية في مكان مرتفع ويقف الناس حوله ويكرموه وينثروا عليه السكر واللوز وغير ذلك إكراما له فلما بدل الحلال بالحرام وارتكب الزنا عومل بضد ذلك فتجتمع الناس على إهانته ويترك في مكان منخفض ويهان ويرجم عن السكر بالحجارة ويخلقوه بالدم عوضا عن تخليقه\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٢٣ - ٢٤.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٢٤.\n(^٣) التفسير الوسيط (٦/ ٤٣١ - ٤٣٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٦٥ - ٦٦)، والعدة (٣/ ١٤٠١).","vol":"10","page":257},{"text":"بالزعفران والأصح أنه لا يجب الحفر للرجل، وقال القرافي: وقيل إنما وجب الرجم على المحصن لأنه لما تزوج ذاق طعم الغيرة وعلم مقدار ضدها فإقدامه على الزنا مع علمه بعظيم قبحه وما يترتب عليه من الغيرة أوجب عليه الرجم لأنه فعل مع الناس ما لا يجب أن يفعله معه وأما الذي لم يتزوج فلم يعرف مقدار الغيرة فوجب عليه الحد خاصة أ. هـ ذكره ابن العماد في شرح العمدة.\nقوله -ﷺ- في حديث الباب: \"ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض\" المحاربة هي [المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل].\nوقوله -ﷺ-: \"أو يقتل نفسا فيقتل بها\" تقدم الكلام على قتل النفس واختلاف العلماء في ذلك.\n\n٣٦٠٦ - وَعَن عبد الله بن زيد -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول يَا نَعَايَا الْعَرَبِ يَا نَعَايَا الْعَرَبِ إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الزِّنَا والشهوة الْخفية رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح وَقد قَيده بعض الْحفاظ الرِّيَاء بالراء وَالْيَاء (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (٣٢٢٢)، وعنه ابن عدي (٤/ ٢١٣)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ٢٢٠)، وابن جرير في تهذيب الآثار -مسند عمر- (٢/ ٧٩٦ رقم ١١٢٠)، والطبراني كما في المختارة ٩/ ٣٧٠ - ٣٧١ (٣٤٠ - ٣٤٢)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٢٢)، وفي تاريخ أصبهان (٢/ ٦٦)، والضراب في ذم الرياء (٤٧) والبيهقي في الزهد الكبير (ص ١٥٠) والشعب (٩/ ١٥٠ - ١٥١ رقم ٦٤٠٥ و٦٤٠٦. =","vol":"10","page":258},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن زيد -﵁-[(^١) هو أبو محمد عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن غنم بن مازن بن النجار الأنصارى المازني، يعرف بابن أم عمارة، واسمها نسيبة، بفتح النون وضمها، شهد عبد الله بن زيد أحدا وما بعدها من المشاهد، واختلفوا في شهوده بدرا، فقال ابن منده، وأبو نعيم الأصبهاني: شهدها. وقال ابن عبد البر: لم يشهدها، قال خليفة بن خياط، والواقدي، وغيرهما: وهو قاتل مسيلمة الكذاب، شارك وحشيا في قتله، رماه وحشى بالحربة، وقتله عبد الله بن زيد بسيفه. روى عن النبي -ﷺ- أحاديث. روى عنه ابن أخته عباد بن تميم، ويحيى بن عمارة، وواسع بن حبان، وغيرهم. قتل يوم الحرة بالمدينة سنة ثلاث وستين، وهو ابن سبعين سنة، وكان أبوه زيد صحابيا، ﵄].\n_________\n= قال أبو حاتم في العلل (١٨٦٤): ليس هذا الحديث من حديث عباد بن تميم، إنما روي هذا الحديث عن الزهري، عن رجل، قال: قال شداد بن أوس، قوله، وكان بمكة رجل يقال له: عبد الله بن بديل الخزاعي، وكان صاحب غلط، فلعله أخذه عنه. وقال الدارقطني في الغرائب والأفراد (٤/ ١٩٣): تفرد به زيد بن حباب عن الثوري عن عبد الله عن الزهري عنه.\nوقال أبو نعيم: بديل هو ابن ورقاء الخزاعي، تفرد به عن الثوري عصام بن يزيد جبر.\nوقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٥: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الله بن بديل بن ورقاء، وهو ثقة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٥٠٨) وصحيح الترغيب (٢٣٩٠).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٨ الترجمة ٢٩٨).","vol":"10","page":259},{"text":"قوله -ﷺ-: \"يا بغايا العرب يا بغايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الزنا\" وفي رواية \"يا نعيان العرب\" يقال: نعى الميت ينعاه نعيا ونغيا إذا أذاع موته وأخبر به وإذا ندبه (^١).\nقال الزمخشري في نعايا ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون جمع نعي وهو المصدر كصفي وصفايا، والثاني: أن يكون اسم جمع كما جاء في أخية أخايا، والثالث: أن يكون جمع نعاء التي هي اسم الفعل والمعني يا نعايا العرب جئن فهذا وقتكن وزمانكن يريد أن العرب قد هلكت، والنعيان مصدر بمعنى النعي (^٢).\nوقيل: إنه جمع ناع، كراع ورعيان. والمشهور في العربية أن العرب كانوا إذا مات منهم شريف أو قتل بعثوا راكبا إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول: نعاء فلانا، أو يا نعاء العرب: أي هلك فلان، أو هلكت العرب بموت فلان. فنعاء من نعيت: مثل نظار ودراك. فقوله \"نعاء فلانا\" معناه انع فلانا، كما تقول: دراك فلانا: أي أدركه، فأما قوله يا نعاء العرب، مع حرف النداء فالمنادى محذوف، تقديره: يا هذا انع العرب، أو يا هؤلاء انعوا العرب، بموت فلان، كقوله تعالى: ألا يا اسجدوا أي يا هؤلاء اسجدوا، فيمن قرأ بتخفيف ألا (^٣).\nوقال الأًصمعي: إنما هو يا نعاء العرب، قال ابن الأنباري: فهو من النعي مثل دراك (^٤)، أ. هـ.\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٨٥).\n(^٢) الفائق (٤/ ٤ - ٥).\n(^٣) النهاية (٥/ ٨٦).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ١٩)، ومطالع الأنوار (٤/ ١٨٥).","vol":"10","page":260},{"text":"قوله: \"وشهوة الخفية\" الشهوة الخفية تقدم الكلام عليها في باب الرياء في أوائل هذا التعليق.\n\n٣٦٠٧ - وَعَن عُثْمَان بن أبي العَاصِي -﵄- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ تفتح أَبْوَاب السَّمَاء نصف اللَّيْل فينادي مُنَاد هَل من دَاع فيستجاب لَهُ هَل من سَائل فَيعْطى هَل من مكروب فيفرج عَنهُ فَلَا يبْقى مُسلم يَدْعُو بدعوة إِلَّا اسْتَجَابَ الله ﷿ لَهُ إِلَّا زَانِيَة تسْعَى بفرجها أَو عشارا (^١).\n\n٣٦٠٨ - وَفِي رِوَايَة إِن الله يدنو من خلقه فَيغْفر لمن يسْتَغْفر إِلَّا لبغي بفرجها أَو عشار\" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَتقدم فِي بَاب الْعَمَل على الصَّدَقَة (^٢).\nقوله: وعن عثمان بن أبي العاصي -﵄-، تقدم الكلام عليه وعلى هذا الحديث، وفي رواية: \"إن الله يدنو من خلقه\" الحديث، تقدم معنى الدنو في الوقوف بعرفة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢ (١٦٢٨٠) و٤/ ٢١٧ (١٧٩٠٥) و٤/ ٢١٨ (١٧٩١٢)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٥٤ رقم ٢٧٦٩) والكبير (٩/ ٥٩ رقم ٨٣٩١). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٨٨: رواه أحمد، والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن فيه علي بن زيد، وفيه كلام، وقد وثق. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٧٣) وصحيح الترغيب (٧٨٦) و(٢٣٩١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٥٤ رقم ٨٣٧١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥٣ و٢٠٩: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٧٣) وصحيح الترغيب (٧٨٦) و(٢٣٩١).","vol":"10","page":261},{"text":"٣٦٠٩ - وَعَن عبد الله بن بسر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الزناة تشتعل وُجُوههم نَارا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن بسر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الزناة تشتعل وجوههم نارا\" الحديث الاشتغال هو قوة إيقاد النار.\n\n٣٦١٠ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الزِّنَا يُورث الْفقر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده الْمَاضِي بن مُحَمَّد (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"الزنا يورث الفقر\" والفقر هو قلة ذات اليد.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى حاتم في العلل (١٢٤٨) والطبراني كما في جامع المسانيد (٥/ ٩٩ رقم ٦١٤١)، من طريق عباس الخلال عن مروان بن محمد، عن إسماعيل بن عياش؛ قال: حدثني ابن عبد الله ابن بسر عن أبيه. قال أبو حاتم: هذا حديث منكر؛ لم يروه غير عباس. الهيثمي مجمع الزوائد ٦/ ٢٥٥: رواه الطبراني من طريق محمد بن عبد الله بن بسر عن أبيه، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٣١٧٧) وضعيف الترغيب (١٤٣١).\n(^٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٣١)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٣٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٦)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٩٦ رقم ٥٠٣٤) و(٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧ رقم ٥٠٣٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٤٨٣). قال أبو حاتم في العلل (١٢٣٠): هذا حديث باطل، وماضي: لا أعرفه. وقال الدارقطني في الأفراد (٣/ ٤٢٠): تفرد به عبد الله بن وهب عن الماضي بن محمد عن ليث عنه أي: عن مجاهد، عن ابن عمر. وقال الألباني في الضعيفة (١٤٠): باطل وقال في ضعيف الترغيب (١٤٣٢): منكر.","vol":"10","page":262},{"text":"٣٦١١ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ رَأَيْت اللَّيْلَة رجلَيْنِ أتياني فأخرجاني إِلَى أَرض مُقَدَّسَة فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثقب مثل التَّنور أَعْلَاهُ ضيق وأسفله وَاسع يتوقد تَحْتَهُ نَارا فَإِذا ارْتَفَعت ارتفعوا حَتَّى كَادُوا أَن يخرجُوا وَإِذا أخمدت رجعُوا فِيهَا وفيهَا رجال وَنسَاء عُرَاة الحَدِيث (^١).\n\n٣٦١٢ - وَفِي رِوَايَة فَانْطَلَقْنَا على مثل التَّنور قَالَ فأحسب أَنه كَانَ يَقُول فَإِذا فِيهِ لغط وأصوات قَالَ فاطلعنا فِيهِ فَإِذا فِيهِ رجال وَنسَاء عُرَاة وَإِذا هم يَأْتِيهم لَهب من أَسْفَل مِنْهُم فَإِذا أَتَاهُم ذَلِك اللهب ضوضوا الحَدِيث وَفِي آخِره وَأما الرِّجَال وَالنِّسَاء العراة الَّذين هم فِي مثل بِنَاء التَّنور فإِنَّهُم الزناة والزواني رَوَاهُ البُخَارِيّ وَتقدم بِطُولِهِ فِي ترك الصَّلَاة (^٢).\nقوله: وعن سمرة بن جُندب -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، الأرض المقدسة المطهرة، والتقديس التطهير وتقدم الكلام على هذا الحديث في ترك الصلاة مبسوطًا.\n\n٣٦١٢ - م - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول بَينا أَنا نَائِم أَتَانِي رجلَانِ فأخذا بضبعي فَأتيَا بِي جبلا وعرا فَقَالَا اصْعَدْ فَقلت إِنِّي لَا أُطِيقهُ فَقَالَا إِنَّا سنسهله لَك فَصَعدت حَتَّى إِذا كنت فِي سَوَاء الْجَبَل فَإِذا أَنا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٠٤٧)، وابن حبان (٤٦٥٩).","vol":"10","page":263},{"text":"بِأَصْوَات شَدِيدَة فَقلت مَا هَذِه الْأَصْوَات قَالُوا هَذَا عواء أهل النَّار ثمَّ انْطلق بِي فَإِذا أَنا بِقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دَمًا قَالَ قلت من هَؤُلَاءِ قيل هَؤُلَاءِ الَّذين يفطرون قبل تَحِلَّة صومهم فَقَالَ خابت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَقَالَ سليم مَا أَدْرِي أسمعهُ أَبُو أُمَامَة من رَسُول الله -ﷺ- أم شَيْء من رَأْيه ثمَّ انْطلق بِي فَإِذا أَنا بِقوم أَشد شَيْء انتفاخا وأنتنه ريحًا وأسوأه منْظرًا فَقلت من هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ قَتْلَى الْكفَّار ثمَّ انْطلق بِي فَإِذا أَنا بِقوم أَشد شَيْء انتفاخا وأنتنه ريحًا كَأَن ريحهم المراحيض قلت من هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ الزانون ثمَّ انْطلق بِي فَإِذا أَنا بنساء تنهش ثديهن الْحَيَّات قلت مَا بَال هَؤُلَاءِ قيل هَؤُلَاءِ يمنعن أَوْلَادهنَّ ألبانهن ثمَّ انْطلق بِي فَإِذا بغلمان يَلْعَبُونَ بَين نهرين قلت من هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ ذَرَارِي الْمُؤمنِينَ ثمَّ شرف بِي شرفا فَإِذا أَنا بِثَلَاثَة يشربون من خمر لَهُم قلت من هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ جَعْفَر وَزيد وَابْن رَوَاحَة ثمَّ شرف بِي شرفا آخر فَإِذا أَنا بِنَفر ثَلَاثَة قلت من هَؤُلَاءِ قَالَ هَذَا إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وهم ينتظرونك رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحهمَا وَاللَّفْظ لِابْنِ خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحهمَا وَاللَّفْظ لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَ الْحَافِظ وَلَا عِلّة لَهُ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى (٣٢٧٣) -مختصرًا-، وابن خزيمة في صحيحه (١٩٨٦)، وعنه ابن حبان (٤٤٥/ ١٨٠٠)، والحاكم (١/ ٤٣٠ و٢/ ٢٠٩)، وعنه البيهقي (٤/ ٣٦٥ رقم ٨٠٠٦)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٧٦٦٦) وفضائل الأوقات (١٤٠) وإثبات عذاب القبر (٩٨). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٩٣).","vol":"10","page":264},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة الباهلي -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا، إلى قوله \"حتى إذا كنت في سواء الجبل\" وفيه عواء أهل النار، تقدم الكلام على هذه الأربعة ألفاظ في هذا الحديث فيمن أفطر شيئا من رمضان من غير عذر [الضبع بسكون الباء وسط العضد، والعضد هو ما دون المرفق إلى الكتف يقال عضد وعضد].\nقوله: \"كأن ريحهم المراحيض\" المراحيض جمع مرحاض وهو الخلاء.\nقوله: \"ثم شرف بي شرفا\" الشرف المكان المرتفع.\nقوله: \"ثم انطلق بي فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات\"، قلت: ما بال هؤلاء؟ ديل: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن، الحديث.\nالنهش بالشين المعجمة قال الأصمعي هو أخذ اللحم بالفم والنهس والنهش واحد وخالفه أبو زيد فقال: بل النهش بمقدم الفم (^١)، وقال غيرهما: النهس بالمهملة القبض على اللحم (^٢) وقال في النهاية هو أخذ اللحم بأطراف الأسنان وبالمعجمة الأخذ بجميعها (^٣).\nوقوله: \"ثديهن الحيات\" والثدي بضم الثاء والدال جمع ثدي بفتح الثاء وإسكان الدال والحديث محمول على من لم تسق ولدها بغير عذر ولم\n_________\n(^١) جمهرة اللغة (٢/ ٨٨٢) ومقاييس اللغة (٥/ ٣٦٣).\n(^٢) قاله الفراهيدي كما في العين (٣/ ٤٠٢) والليث كما في تهذيب اللغة (٦/ ٥٤ و٨٠).\n(^٣) النهاية (٥/ ١٣٦).","vol":"10","page":265},{"text":"ترضعه غيرها حتى ضاع أو تعلل فمات فأشبه حديث التي ربطت الهرة حتى ماتت جوعا ودخلت النار بسببها فإن استحلت ذلك كانت كافرة مخلدة في العذاب وإلا فيرجى لها العفو وإن مات الولد بسبب ذلك فهل يقتص منها في الآخرة قيل [أرقيه] نقلا وعلى قياس أحكام الدنيا لا فإن الوالد لا يقتل بالولد.\nوأما إذا استرضع له فإنه يجوز لقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (^١) الآية وهذا في غير اللبأ، وأما اللبأ فيجب عليها اتفاقا وكذا المعذورة بمرض ونحوه.\nويمكن حمل الحديث على من منعته كمال التغذية بلبنها حتى أضر به من غير عذر قسوة، وتكون عقوبتها على منعها ما ليس من صنعها كما جاء في مانع ابن السبيل الماء فيقال له: \"اليوم أمنعك فضلي كما منعت ما لم تعمل يداك\" وفيه الجزاء من جنس العمل فعوقبن بالتقام الحيات ثديهن لما منعن أولادهن ذلك، وفيه [أن] ذلك من الكبائر وإن عاش المولود وامتناعها لتأخذ الأجرة لا يدخل في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ (^٢) الآية، والمستأجرة في معنى الوالدة في القيام بما يصلحه ويكفيه من ذلك، أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\nقوله: \"فإذا أنا بنفر ثلاثة\" تقدم الكلام على النفر في غير ما موضع من هذا التعليق.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.","vol":"10","page":266},{"text":"٣٦١٣ - وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"إِذا زنى الرجل خرج مِنْهُ الْإِيمَان فَكَانَ عَلَيْهِ كالظلة فَإِذا أقلع رَجَعَ إِلَيْهِ الْإِيمَان\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَلَفظه قَالَ من زنى أَو شرب الْخمر نزع الله مِنْهُ الْإِيمَان كمَا يخلع الْإِنْسَان الْقَمِيص من رَأسه (^١).\n\n٣٦١٤ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الْإِيمَان سربال يسربله الله من يَشَاء فَإِذا زنى العَبْد نزع مِنْهُ سربال الْإِيمَان فَإِن تَابَ رد عَلَيْهِ (^٢).\n\n٣٦١٥ - وروى الطَّبَرَانِيّ عَن شريك رجل من الصَّحَابَة عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من زنى خرج مِنْهُ الْإِيمَان فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٩٠)، والترمذي معلقا بإثر الحديث (٢٦٢٥)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٥٣٦)، وابن بطة في الإبانة (٩٧٦)، وابن منده في الإيمان (٥١٩)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٢ من طريقين، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٦٨ رقم ٤٩٧٩). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا برواته. وقال العراقي في أماليه: صحيح فيض القدير ١/ ٣٦٨. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٩٤)، والمشكاة (٦٠)، والصحيحة (٥٠٩). وضعف الألباني رواية الحاكم الثانية كما في الضعيفة (١٢٧٤) وضعيف الترغيب (١٤٣٣).\n(^٢) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٥٣٨)، وابن أبي ثابت في الأول والثانى من حديثه (٥١)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٦٩ رقم ٤٩٨١)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ١٩٠). وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٥٨٤) وضعيف الترغيب (١٤٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٣٧)، وابن قانع في الصحابة (١/ ٣٣٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ٣١٠ رقم ٧٢٢٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢١٤) والصحابة (٣٧٣٧). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه جماعة لم أعرفهم. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (١٤٣٤).","vol":"10","page":267},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"الإيمان سربال يسربله الله من يشاء\" الحديث، السربال هو عبارة [عن القميص والدرع، وقيل: كل ما لبس فهو سربال].\n\n٣٦١٦ - وَعَن عبد الله -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- أُتِي بِرَجُل قد شرب فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس قد آن لكم أَن تنتهوا عَن حُدُود الله فَمن أصَاب من هَذِه القاذورة شَيْئا فليستتر بستر الله فَإِنَّهُ من يبد لنا صفحته نقم عَلَيْهِ كتاب الله وَقَرَأَ رَسُول الله -ﷺ-: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (^١) وَقَالَ قرن الزِّنَا مَعَ الشّرك وَقَالَ وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن ذكره رزين وَلم أره بِهَذَا السِّيَاق فِي الْأُصُول (^٢).\nقوله: وعن عبد الله -﵁- هو: ابن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يا أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا [عن حدود الله] فمن أصاب\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.\n(^٢) لم أقف عليه من حديث عبد الله بن مسعود. وقال الحافظ الناجي في عجالة الإملاء (٥/ ١٠٤٩ - ١٠٥٠): قوله: وعن عبد الله -هو ابن مسعود- حديث القاذورات المعزو إلى رزين تبعًا لابن الأثير في جامع الأصول، وأنه لم يره بذلك السياق في الأصول، -أي التي جمع رزين منها كتابه-. هو كذلك، لكن روى الإمام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم أن رجلًا أعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله -ﷺ-، فدعا له رسول الله -ﷺ- بسوط ... الحديث. وفيه: ثم قال: أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورة شيئًا ... فذكره إلى قوله: ... كتاب الله. دون ما بعده.\nورواه الشافعي عن مالك، وقال: إنه غير متصل الإسناد، فيما نعرفه. وقال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث أسند بهذا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٩٥).","vol":"10","page":268},{"text":"من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله\" وفي حديث آخر: \"اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها\" قال ابن وضاح: يريد الزنا، قال هو كل ما يتقذر بالشرع ويجتنب والمراد عموم المعاصي والحدود قاله عياض (^١).\nوقال في النهاية: القاذورة ها هنا الفعل القبيح والقول السيء والقاذورة من الرجال [الذي لا يبالي ما قال وما صنع] ومنه [الحديث \"هلك] المتقذرون\" [يعنى] الذين يأتون القاذورات (^٢).\n[قال ابن الأثير \"من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله\"] أي: من يظهر لنا فعله الذي كان يخفيه أقمنا عليه الحد (^٣).\nوقوله \"صفحته\" أي من انكشف ولم يستتر وأصله من صفحة الوجه وصفح الجبل وغيره مصله قال الأصمعي وصفح العنق موضع الرداء من الجانبين يقال له العاتق قاله عياض، انتهى (^٤).\nقوله: \"وقرأ [رسول الله]-ﷺ-: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (^٥) \" أما أحكام هذا الحديث ففيه: أن أكبر المعاصي الشرك وهذا ظاهر لا خفاء به وأن القتل بغير حق يليه وكذا قال أصحابنا أكبر الكبائر بعد\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٧٥).\n(^٢) النهاية (٤/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٣) النهاية (١/ ١٠٩).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ٤٩).\n(^٥) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.","vol":"10","page":269},{"text":"الشرك القتل وكذا نص عليه الشافعي في كتاب الشهادات من مختصر المزني (^١).\n\n٣٦١٧ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: تعبد عَابِد من بني إِسْرَائِيل فعبد الله فِي صومعته سِتِّينَ عَاما فأمطرت الأَرْض فاخضرت فَأَشْرَف الراهب من صومعته فَقَالَ لَو نزلت فَذكرت الله فازددت خيرا فَنزل وَمَعَهُ رغيف أَو رغيفان فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الأَرْض لَقيته امْرَأَة فَلم يزل يكلمها وتكلمه حَتَّى غشيها ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ فَنزل الغدير يستحم فجَاء سَائل فَأَوْمأ إِلَيْهِ أَن يَأْخُذ الرغيفين ثمَّ مَاتَ فوزنت عبَادَة سِتِّينَ سنة بِتِلْكَ الزنية فرجحت تِلْكَ الزنية بحسناته ثمَّ وضع الرَّغِيف أَو الرغيفان مَعَ حَسَنَاته فرجحت حَسَنَاته فغفر لَهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه.\nقوله: وعن أبي ذر -﵁- تقدم الكلام عليه وعلى الحديث في كتاب الصدقات.\n\n٣٦١٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم شيخ زَان وَملك كَذَّاب وعائل مستكبر رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَفظه لَا ينظر الله يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الشَّيْخ الزَّانِي وَلَا الْعَجُوز الزَّانِيَة العائل الْفَقِير.\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم\" الحديث هذا الحديث على لفظ الآية الكريمة قيل معنى \"لا\n_________\n(^١) مختصر المزني (٨/ ٤١٩)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٨١).","vol":"10","page":270},{"text":"يكلمهم\" أي لا يكلمهم تكليم أهل الخير وبإظهار الرضى بل بكلام أهل السخط والغضب وقيل المراد الإعراض عنهم وقال جمهور المفسرين لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم وإلا فالله تعالى يكلم كل أحد يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح \"ما من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان\" وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية، ومعنى \"لا يزكيهم\" أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، وقال الزجاج وغيره معناه لا يثني عليهم ومعنى \"ولا ينظر إليهم\" أي يعرض عنهم ونظره ﷾ لعباده رحمته ولطفه بهم ومعنى \"ولهم عذاب أليم\" أي مؤلم، قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه، قال: والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه وأصل العذاب في كلام العرب من العذب وهو المنع يقال عذبته عذابا إذا منعته وعذب عذوبا أي امتنع وسمي الماء عذبا لأنه يمنع العطش، أ. هـ قاله النووي في شرح مسلم (^١).\nقوله: \"شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر\" قال الحافظ: العائل هو الفقير ومنه قول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (^٢) أي: فقيرا فأغناك بمال خديجة على أحد التفاسير في ذلك ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (^٣) أي: فقراء، والمراد بالاستكبار الأنفة من الاكتساب فتضييع عائلته بسبب تعاظمه عن التكسب.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٦).\n(^٢) سورة الضحى، الآية: ٨.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٢٨.","vol":"10","page":271},{"text":"فائدة: في الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المستكبر، قال القاضي عياض ﵀: سببه أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه وعدم ضرورته إليها لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة أشبه أقدامهم عليها المعاندة والاستخاف بحق الله تعالى وقصد معصيته فإن الشيخ لكمال عقله وتمام معرفته بطول ما مر عليه من الزمان وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء عنده ما يريحه من دواعي الحلال فكيف بالزاني الحرام وإنما دواعي ذلك الشباب والحرارة الغزيرة وقله المعرفة وغلبة الشهوة لضعف العقل وصغر السن وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته فإن الإنسان إنما يداهن ويصانع بالكذب وشبهه من يحذره ويخشى أذاه ومعاتبته وهو غشي عن الكذب مطلقا وكذلك الفقير قد عدم المال وإنما سبب القفر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء الثروة لكونه ظاهرا فيها وحاجات أهل الدنيا إليه فإذا لم يكن عنده أسبابها فلما ذا يستكبر ويحتقر غيره فأشبه إقدام الشيخ الزاني والإمام الكذاب والفقير المستكبر على هذه المعاصي المعاندة والاستخفاف بحق الله قصد معصيته فاستخفوا هذا الوعيد العظيم، أ. هـ قاله النووي أيضا في شرح مسلم (^١).\nقوله -ﷺ-: في رواية الطبراني: \"لا ينظر الله يوم القيامة إلى الشيخ الزاني ولا العجوز الزانية\" الحديث.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"10","page":272},{"text":"تنبيه: قال الشيخ الإمام العلامة ابن قيم الجوزية: الزنا على مراتب بعضها أشد من بعض فالزنا من الشيخ أقبح منه من زنا الشباب وكذا من العجوز أقبح من زنا الشابة ولهذا كان الشيخ أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم والزنا من العالم أقبح منه من الجاهل لعلمه بقبحه وما يترتب عليه وإقدامه على بصيرة والزنا بالأجنبية التي لا زوج لها عظيم وأعظم منه الزنا بالأجنبية التي لها بعل وأعظم منه الزنا بذوات المحارم وزنا الثيب أقبح من زنا البكر وزنا الحر أقبح من زنا العبد (^١). أ. هـ.\n\n٣٦١٩ - وعنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أربعةٌ يُبغضهمُ الله: البياعُ الحلَّافُ، والفقير المُخْتَالُ، والشيخ الزاني، والإمام الجائر\" رواه النسائي وابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: وعنه، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف والفقير المختال والشيخ الزاني والإمام الجائر\" الفقير المختال هو المعجب المتكبر ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٨).\n(^٢) أخرجه البزار (٨٤٥٣)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٧٤ (٢٥٩٥) والكبرى (٢٣٦٨) و(٧١٠١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٤٩١)، وابن حبان (٥٥٥٨). وقال الألباني: صحيح - \"الصحيحة\" (٣٦٣)، وصحيح الترغيب (١٧٩٠) و(١٢٨٦) و(٢٣٩٧) و(٢٩٠٧).\n(^٣) سورة لقمان، الآية: ١٨.","vol":"10","page":273},{"text":"٣٦٢٠ - وَعَن سلمَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة الشَّيْخ الزَّانِي وَالْإِمَام الْكذَّاب والعائل المزهو رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد وَتقدم فِي بَاب صَدَقَة السِّرّ حَدِيث أبي ذَر وَفِيه وَالثَّلَاثَة الَّذين يبغضهم الله الشَّيْخ الزَّانِي وَالْفَقِير المختال والغني الظلوم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n\n٣٦٢١ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا ينظر الله ﷿ إِلَى الأشيمط الزَّانِي وَلَا العائل المزهو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا ابْن لَهِيعَة وَحَدِيثه حسن فِي المتابعات الأشيمط تَصْغِير أشمط وَهُوَ من اخْتَلَط شعر رَأسه الْأسود بالأبيض (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا ينظر الله ﷿ إلى الأشيمط الزاني ولا العائل المزهو\" الحديث، الأشيمط صغير أشمط وهو من اختلط شعر رأسه الأسود بأبيض قاله المنذري، والعائل المزهو هو الفقير [المعجب بِنَفسِهِ المتكبر].\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٥٢٩). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٥: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير العباس بن أبي طالب، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٦١) وصحيح الترغيب (٢٣٩٨) و(٢٩٠٨) و(٢٩٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٠٦ رقم ١٣١٩٥). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٥: رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٩٩).","vol":"10","page":274},{"text":"٣٦٢٢ - وَعَن نَافِع مولى رَسُول الله -ﷺ- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة مِسْكين مستكبر وَلَا شيخ زَان وَلَا منان على الله بِعَمَلِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة الصَّباح بن خَالِد بن أبي أُميَّة عَن رَافع وَرُوَاته إِلَى الصَّباح ثِقَات (^١).\n\n٣٦٢٣ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ خرج علينا رَسُول الله -ﷺ- وَنحن مجتمعون فَقَالَ فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ وَإِيَّاكُم وعقوق الْوَالِدين فَإِن ريح الْجنَّة يُوجد من مسيرَة ألف عَام وَالله لَا يجدهَا عَاق وَلَا قَاطع رحم وَلَا شيخ زَان وَلَا جَار إزَاره خُيَلَاء إِنَّمَا الْكِبْرِيَاء لله رب الْعَالمين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي العقوق إِن شَاءَ الله (^٢).\nقوله: وروي عن جابر بن عبد الله -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام والله لا يجدها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء\" الحديث، تقدم الكلام عليه في كتاب اللباس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٨٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١٤٠)، وأبو نعيم في المعرفة (٦٤٠٤ و٦٤٠٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٢٨٥). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٥: رواه الطبراني، وتابعيه الصباح بن خالد بن أبي أمية لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في الضعيفة (٦٨٧٧) وضعيف الترغيب (١٤٣٦) و(١٧٣٩): منكر بجملة: (المنان).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٨ رقم ٥٦٦٤). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن محمد بن طريف. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٥ و٨/ ١٤٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن كثير الكوفي، وهو ضعيف جدا. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (١٢٤٥) و(١٤٣٧) و(١٤٨٥) و(١٥٠١).","vol":"10","page":275},{"text":"٣٦٢٤ - وَرُوِيَ عَن بُرَيْدَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن السَّمَاوَات السَّبع وَالْأَرضين السَّبع ليلعن الشَّيْخ الزَّانِي وَإِن فروج الزناة ليؤذي أهل النَّار نَتن رِيحهَا رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: وعن بريدة [تقدم الكلام عليه].\nقوله -ﷺ-: \"إن السماوات السبع والأرضين السبع لتلعن الشيخ الزاني\" الحديث، الأرضين جمع أرض، والأرضين بفتح الراء وهي اللغة الفصحى وبسكون الراء وهي لغة قليلة.\n\n٣٦٢٦ - وَعَن رَاشد بن سعد المقرائي -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لما عرج بِي مَرَرْت بِرِجَال تقْرض جُلُودهمْ بمقاريض من نَار فَقلت من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ الَّذين يتزينون للزِّينَة قَالَ ثمَّ مَرَرْت بجب منتن الرّيح فَسمِعت فِيهِ أصواتا شَدِيدَة فَقلت من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ نسَاء كن يتزين للزِّينَة ويفعلن مَا لَا يحل لَهُنَّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي فِي الْغَيْبَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٢).\nقوله: وعن راشد بن سعد المقرائي -﵁-[قيل بفتح الميم - وقال الحافظ المنذري: \"والضم أشهر، وإسكان القاف، ومد الراء\"، الحمصي، أحد\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٤٣١ و٤٤٣٢) موقوفا ومرفوعا. وقال البزار: ولا نعلم رفع هذا الحديث إلا أبو معاوية. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٥: رواهما البزار وفي إسنادهما صالح بن حيان وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠١١) وضعيف الترغيب (١٤٣٨).\n(^٢) أخرجه أبو العباس الأصم في مجموعه (١٥٦)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٩/ ١٠٤ - ١٠٥ رقم ٦٣٢٦). وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٤٠) و(١٦٨٨): ضعيف جدا.","vol":"10","page":276},{"text":"العلماء وثقه \"أيضًا\" ابن معين، وأبو حاتم، وابن سعد] والحديث واضح.\n\n٣٦٢٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْمُقِيم على الزِّنَا كعابد وثن رَوَاهُ الخرائطي وَغَيره وَقد صَحَّ أَن مدمن الْخمر إِذا مَاتَ لَقِي الله كعابد وثن وَلَا شكّ أَن الزِّنَا أَشد وَأعظم عِنْد الله من شرب الْخمر وَالله أعلم (^١).\n\n٣٦٢٨ - وَعَن مَيْمُونَة -﵂- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَا تزَال أمتِي بِخَير مَا لم يفش فيهم ولد الزِّنَا فَإِذا فَشَا فيهم ولد الزِّنَا فَأوشك أَن يعمهم الله بِعَذَاب رَوَاهُ أَحْمد وَإِسْنَاده حسن وَفِيه ابْن إِسْحَاق وَقد صرح بِالسَّمَاعِ وَرَوَاهُ أَبُو يعلى إِلَّا أَنه قَالَ لَا تزَال أمتِي بِخَير متماسك أمرهَا مَا لم يظْهر فيهم ولد الزِّنَا وَتقدم فِي كتاب الْقَضَاء حَدِيث ابْن عمر وَفِي آخِره وَإِذا ظهر الزِّنَا ظهر الْفقر والمسكنة رَوَاهُ الْبَزَّار (^٢).\nقوله: وعن ميمونة بنت الحارث بن بجير، وأمها: هند بنت عوف بن زهير، قال ابن سعد: كان مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي، قد تزوج ميمونة في الجاهلية ثم فارقها فخلف عليها أبو زهم بن عبد العزى من بني\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (١٦٤) ومساوئ الأخلاق (٤٥٦)، وابن نظيف في الفوائد (١٠٠/ ١). وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (١٤٤١) والضعيفة (٤١٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٣٣٣ (٢٦٨٣٠)، والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ١٣٨، وأبو يعلى (٧٠٩١)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ٢٣ (٥٥). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٧: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني وقال: \"لا تزال أمتي بخير، متماسك أمرها ما لم يظهر\" ... وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالسماح، فالحديث صحيح أو حسن. وقال ابن حجر في الفتح (١٠/ ١٩٣): وسنده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٠٠).","vol":"10","page":277},{"text":"عامر بن لؤي، فتوفي عنها فتزوجها رسول الله -ﷺ- زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وكان يلي أمرها وهي أخت أم ولده أم الفضل بنت الحارث الهلالية لأبيها وأمها وتزوجها بسرف على عشرة أميال من مكة وكانت آخر امرأة تزوجها رسول الله -ﷺ- وذلك في سنة سبع [وقيل سنة ست من الهجرة]، وحديث ميمونة هذا [يدل على أن العذاب قد يقع عقوبة بسبب المعصية ومن رحمة الله بهذه الأمة المحمدية أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ولا ينافي ذلك أن يحصل لمن وقع به العذاب أجر الشهادة ولا سيما وأكثرهم لم يباشر تلك الفاحشة وإنما عمهم والله أعلم لتقاعدهم عن إنكار المنكر (^١)].\n\n٣٦٢٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا ظهر الزِّنَا والربا فِي قَرْيَة فقد أحلُّوا بِأَنْفسِهِم عَذَاب الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n\n٣٦٣٠ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- ذكر حَدِيثا عَن النَّبِي -ﷺ- وَقَالَ فِيهِ مَا ظهر فِي قوم الزِّنَا أَو الرِّبَا إِلَّا أحلُّوا بِأَنْفسِهِم عَذَاب الله رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد (^٣).\nوحديث ابن عباس بعده وحديث ابن مسعود بعده الثلاثة تقدم الكلام عليهم في الزنا.\n_________\n(^١) فتح البارى (١٠/ ١٩٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٧٨ رقم ٤٦٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧) وعنه البيهقي في الشعب (٧/ ٣٧٠ رقم ٥١٤٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه هاشم بن مرزوق، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥٩) و(٢٤٠١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٨٠٩)، وأبو يعلى (٤٩٨١)، وعنه ابن حبان (٤٤١٠). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١١٨: رواه أبو يعلى، وإسناده جيد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦٠) و(٢٤٠٢).","vol":"10","page":278},{"text":"٣٦٣١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول حِين نزلت آيَة الْمُلَاعنَة أَيّمَا امْرَأَة أدخلت على قوم من لَيْسَ مِنْهُم فَلَيْسَتْ من الله فِي شَيْء وَلنْ يدخلهَا الله فِي شَيْء وَلنْ يدخلهَا الله جنته وَأَيّمَا رجل جحد وَلَده وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ احتجب الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة وفضحه على رُؤُوس الْأَوَّلين والآخرين رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله في شيء ولن يدخلها الله جنته\" الحديث، معناه: إن استحلت ذلك كان على ظاهره وإن لم تستحل احتمل أنها لا تدخل الجنة مع السابقين أو نحو ذلك.\nقوله -ﷺ-: \"وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة\" الحديث، الجحود الإنكار، فيحتمل أن يكون المراد أنه لا ريب عنده\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في المسند (١٣٤٥)، والدارمي (٢٤١٢)، وأبو داود (٢٢٦٣)، وابن ماجه (٢٧٤٣)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٨٦ (٣٥٠٧) والكبرى (٥٦٤٥)، وابن حبان (٤١٠٨) والحاكم (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٦٦٢ رقم ١٥٣٣٣ و١٥٣٣٤) والصغير (٣/ ١٤٧ رقم ٢٧٦١)، والبغوي في شرح السنة (٢٣٧٥). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. قال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١٥٠: هذا إسناد ضعيف، يحيى بن حرب مجهول، قاله الذهبي في الكاشف، وموسى بن عبيدة الرَّبَذي ضعفوه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٢١)، المشكاة (٣٣١٦)، ضعيف الترغيب (١٤٤٣).","vol":"10","page":279},{"text":"في أنه ولد على فراشه كما لا ريب عنده في الذي ينظر إليه بعينه قاله المنذري في الحواشي (^١).\nتنبيه: ورد في الحديث \"اشتد غضب الله على امرأة دخلت على قوم نسبا ليس منهم\" الحديث، قال العلماء: إذا تحقق الرجل أن الولد ليس منه لزمه نفيه فإن ترك نفيه أثم لأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب وتوريث من لا يرث وتحريم من لا يحرم نكاحها لأنه يحرم على هذا المولود نكاح بناته وأخواته ويؤدي إلى الخلوة بهن وهن أجانب أ. هـ، قاله ابن العماد في شرح العمدة.\n\n٣٦٣٢ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ سَأَلت رَسُول الله -ﷺ- أَي الذَّنب أعظم عِنْد الله قَالَ أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك قلت إِن ذَلِك لعَظيم ثمَّ أَي قَالَ أَن تقتل ولدك مَخَافَة أَن يطعم مَعَك قلت ثمَّ أَي قَالَ أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَة لَهما وتلا هَذِه الْآيَة ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ (^٢)، الحليلة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة هِيَ الزَّوْجَة (^٣).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) المختصر (٣/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(^٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٨ - ٦٩.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٤٧٧) و(٤٧٦١) و(٦٠٠١) و(٦٨١١) و(٧٥٢٠) و(٧٥٣٢)، ومسلم (١٤١ و١٤٢ - ٨٦)، وأبو داود (٢٣١٠)، والترمذي (٣١٨٢) و(٤٠١٣)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٩٢ (٤٠٤٨) و٦/ ٤٩٣ (٤٠٤٩) و٦/ ٤٩٤ (٤٠٥٠).","vol":"10","page":280},{"text":"قوله: سألت رسول الله -ﷺ-: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعل لله ندا وهو خلقك\" الند بالكسر المثل والنظير وروي شمر عن الأخفش قال: الند الضد والشبه وفلان ند فلان ونديده ونديدته أي مثله والجمع أنداد (^١)، ويقال للواحد نديد أيضًا قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (^٢) الآية ومعناه أن اتخاذ الإنسان إلهًا غير إلهه المنعم عليه مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه وأنعم عليه أقبح القبائح وأعظم الجهالات وعلى هذا أكبر الكبائر وأعظم العظائم (^٣).\nقوله: \"لت ثم أي؟ \" الراجح في أي بضمتين تعويضا عن الإضافة الغائبة ويجوز بضمة واحدة على بابها (^٤).\nقوله: \"أن تقتل ولدك\" هذا من أعظم الذنوب لأنه قتل نفس محرمة شرعا محبوبة طبعا مرحومة عادة فإذا قتلها أبوها كان دليلا على غلبة الجهل والقسوة (^٥).\nقوله: \"مخافة أن يطعم معك\" ويطعم بفتح الياء أي يأكل معك فيه إشارة إلى تعظيم إثم البخل وما يوقع فيه من القتل والقطيعة وغير ذلك والحديث طبق ما في القرآن العظيم وإشارة إلى معنى قوله وهو إشارة أيضا إلى معنى\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (١٤/ ٥١)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٨٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢.\n(^٣) المفهم (٢/ ٤٣).\n(^٤) المفاتيح (١/ ١٣٤).\n(^٥) المفهم (٢/ ٤٣).","vol":"10","page":281},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (^١) أي فقر، وهما: يفيدان معنين فقوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ خطاب للفقراء وقوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ خطاب للأغنياء والأشبه أن الذي في الحديث مطابق للآية التي للأغنياء وقدم -ﷺ- هذه الثلاثة لاعتياد أهل الجاهلية لها من الكفر بالله وفاحشة الزنا ووأد البنات وهي الإشارة بقتل الولد والله أعلم، وكانت تبد البنات لفرط الغيرة ومخافة فضيحة [الزنا] أو لتخفيف نفقاتهن ويتحملون في الذكور لما يؤملون من حماية الجانب وكثرة العشيرة والنسل والذكر والله أعلم (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"أن تزاني حليلة جارك\" الحليلة هي الزوجة قاله المنذري أي التي يحل وطئها بنكاح أو شرط والجار المجاور في السكن والداخل في جوار العهد أيضًا (^٣).\nوقال غيره: سميت بذلك لكونها تحل له وقيل لأنهما يحلان في موضع وتسمى الجارة أيضًا حليلة من الحلول في المنزل (^٤).\nومعنى تزاني حليلة جارك أي: تزني بها برضاها وذلك يتضمن الزنا وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزاني وذلك أفحش الزنا وإن كان من الكبائر والفواحش لكنه بحليلة الجار أشد قبحًا وأعظم جرما لما ينضم\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٣١.\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٣٥٢).\n(^٣) المفهم (٢/ ٤٤).\n(^٤) مطالع الأنوار (٢/ ٢٨٦).","vol":"10","page":282},{"text":"إليه من خيانة الجار وهتك ما عظم الله ورسوله من حرمته لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية من القبح (^١) قاله العراقي في شرح الأحكام فالزنا بحليلة الجار أكبر أنواع الزنا وأكبر الفعليات المتعلقة بحق الله لأن فيه إساءة إلى من يستحق الإحسان قاله الكرماني (^٢).\nقوله: وتلا رسول الله -ﷺ- هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ (^٣) الآية، قيل معناه جزاء إثمه وهو قول الخليل وسيبويه وأبي عمرو الشيباني والفراء والزجاج وأبي علي الفارسي وقيل معناه عقوبة وقال أكثر المفسرين أو كثيرون منهم هو واد في جهنم عافانا الله منها بمنه وكرمه (^٤).\n\n٣٦٣٣ - وَعَن الْمِقْدَاد بن الْأسود -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: لأَصْحَابه مَا تَقولُونَ فِي الزِّنَا قَالُوا حرَام حرمه الله ﷿ وَرَسُوله فَهُوَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- لأَصْحَابه لِأَن يَزْنِي الرجل بِعشر نسْوَة أيسر عَلَيْهِ من أَن يَزْنِي بِامْرَأَة جَاره رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ فِي\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨١).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٦٦).\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٠ - ٨١).","vol":"10","page":283},{"text":"الْكَبِير والأوسط (^١).\nقوله: وعن المقداد بن الأسود -﵁- وهو: المقداد بن عمرو الكندي ويكنى أبا معبد وإنما نسب إلى الأسود بن عبد يغوث لأنه كان قد تبناه وهو صغير فنسب إليه والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره\" الحديث الزنا بحليلة الجار أعظم إثما من الزنا ببعيدة الدار لما اقترن بذلك من أذى الجار وعدم تحفظ رسول الله به وكذلك الزنا بامرأة الغازي في سبيل الله أعظم إثما عند الله من الزنا بامرأة الغير وكذلك الزنا بالمرأة التي لا زوج لها أيسر إثما من الزنا بذات الزوج لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه ويكون إثم هذا أعظم من إثم مجرد الزنا أو دونه وقد يتضاعف الإثم بحسب الزمان والمكان والأحوال وبحسب الفاعل فالزنا في رمضان ليلا أو نهارا أعظم منه في غيره وكذا في البقاع الشريفة والزنا من الحر أقبح من الزنا من العبد ولهذا كان حده على النصف من حد الحر والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٨ (٢٣٨٥٤)، والبخاري في الأدب المفرد (١٠٣)، وفي التاريخ الكبير ٨/ ٥٤، والبزار (٢١١٥)، والطبراني في الكبير ٢٠/ (٦٠٥)، وفي الأوسط (٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥ رقم ٦٣٣٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٨٨١). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٨: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٥) وصحيح الترغيب (٢٤٠٤) و(٢٥٤٩).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٨) وتنبيه الغافلين (ص ١٤٠).","vol":"10","page":284},{"text":"٣٦٣٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمرو -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الزَّانِي بحليلة جَاره لَا ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يُزَكِّيه وَيَقُول ادخل النَّار مَعَ الداخلين رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا والخرائطي وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"الزاني بحليلة الجار لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه ويقول ادخل النار مع الداخلين\" تقدم الكلام على حليلة الجار وهي الزوجة وتقدم الكلام على قوله \"ولا ينظر الله إليه ولا يزكيه\" في أماكن كثيرة من هذا التعليق.\nقوله: رواه الخرائطي، والخرائطي اسمه [محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر أبو بكر السامري].\n\n٣٦٣٥ - وَعَن أبي قَتَادَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قعد على فرَاش مغيبة قيض الله لَهُ ثعبانا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْكَبِير من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة المغيبة بِضَم الْمِيم وَكسر الْغَيْن وبسكونها أَيْضا مَعَ كسر الْيَاء هِيَ الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوجهَا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (١٧٢) ومساوئ الأخلاق (٣٨٢) و(٤٦٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٧٥) وضعيف الترغيب (١٤٤٤).\n(^٢) أخرجه أخرجه أحمد ٥/ ٣٠٠ (٢٢٥٥٧) و(٢٢٥٦٢)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٤١ رقم ٣٢٧٨)، والأوسط (٣/ ٢٩٩ رقم ٣٢١٣)، وأبو نعيم في المعرفة (٢٠٠٢). قال أبو حاتم في العلل (٢٣٩٩): هذا حديث باطل. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٨: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٦٣٧) وضعيف الترغيب (١٤٤٥).","vol":"10","page":285},{"text":"قوله: وعن أبي قتادة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من قعد على فراش مغيبة قيض الله له ثعبانا\" المغيبة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي التي غاب عنها زوجها ومعنى قيض الله [أي سبب وقدر. يقال: هذا قيض لهذا، وقياض له: أي مساو له].\n\n٣٦٣٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- رفع الحَدِيث قَالَ مثل الَّذِي يجلس على فرَاش المغيبة مثل الَّذِي ينهشه أسود من أساود يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات الأساود الْحَيَّات وَاحِدهَا أسود (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"مثل الذي يجلس على فراش المغيبة مثل الذي ينهشه أسود من أساود يوم القيامة\" الحديث، الأساود الحيات واحدا أسود قاله المنذري، وقال بعضهم: الأساود نوع من اللحيات عظام فيها سواد وهو أخبثها وقد تعترض الرفقة وتتبع الصوت.\n\n٣٦٣٧ - وَعَن بُرَيْدَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- حُرْمَة نسَاء الْمُجَاهدين على القاعدين كَحُرْمَةِ أمهاتهم مَا من رجل من القاعدين يخلف رجلا من الْمُجَاهدين فِي أَهله فيخونه فيهم إِلَّا وقف لَهُ يَوْم الْقِيَامَة فَيَأْخُذ من حَسَنَاته مَا\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب (١٨٧٤)، والخرائطي في اعتلال القلوب (١٧٥) ومساوئ الأخلاق (٤٥٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٢٦ - ٥٢٧ رقم ١٤٤١٠)، وأبو الشيخ في الأمثال في الحديث النبوي (٣٢٢). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٨: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٠٥).","vol":"10","page":286},{"text":"شَاءَ حَتَّى يرضى ثمَّ الْتفت إِلَيْنَا رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ فَمَا ظنكم رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ إِلَّا نصب لَهُ يَوْم الْقِيَامَة فَقيل هَذَا خَلفك فِي أهلك فَخذ من حَسَنَاته مَا شِئْت وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ كَأبي دَاوُد وَزَاد أَتَرَوْنَ يدع لَهُ من حَسَنَاته شَيْئا (^١).\nقوله: وعن [بريدة -﵁-].\nقوله -ﷺ-: \"حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم\" الحديث، أصل الحرمة ما لا يحل انتهاكه وانتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل (^٢).\nوالقاعدون هم الذين قعدوا عن الغزو بغير عذر أو بإذن أو بواسطة ضرر وإطلاق اللفظ يتناول الكل والضرر المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها (^٣).\nيقال خلفت الرجل في أهله إذا قمت بعده فيهم وقمت عنه بما كان يفعل (^٤).\nقوله: \"ما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى\"\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٩ و١٤٠ - ١٨٩٧)، وأبو داود (٢٤٩٦)، وابن أبى عاصم في الجهاد (١٠٠ - ١٠٣)، والبزار (٤٣٦٦)، والنسائي في الكبرى (٤٣٨٣ - ٤٣٨٥) والمجتبى ٥/ ٤٠٧ (٣٢١٣) و٥/ ٤٠٨ (٣٢١٤) و٥/ ٤٠٩ (٣٢١٥)، وابن حبان (٤٦٣٤ و٤٦٣٥).\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٨٩٥) و(٤/ ١٦١٣).\n(^٣) الكشاف (١/ ٥٥٣).\n(^٤) النهاية (٢/ ٦٦).","vol":"10","page":287},{"text":"الحديث، هذا في شيئين أحدهما: تحريم التعرض لهن بريبة من نظر محرم وخلوة وحديث محرم وغير ذلك، والثاني: في برهن وإحسان إليهن وقضاء حوائجهن التي لا يترتب عليها مفسدة ولا يتوصل بها إلى ريبة ونحوها والله أعلم وأن برهن أكبر من بر الأمهات في عظم الأجر (^١).\nقال أبو عبد الله الحليمي رحمه الله تعالى: وهذا والله أعلم لعظم حق المجاهد على القاعد بأنه ناب عنه وأسقط بجهاده فرض الخروج عنه ووفاه مع ذلك بنفسه وجعل نفسه حصنا له وجنة دونه فكانت خيانته له في أهله أعظم من خيانة الجار في أهله كما تكون خيانة الجار أعظم من خيانة البعيد والله أعلم. ذكره ابن النحاس في كتاب الجهاد وهو كتاب جليل نافع نحو الرياض والأذكار اللذين للنووي ﵀ (^٢).\nقوله: في الحديث: \"ثم التفت إلينا رسول الله -ﷺ- فقال: فما ظنكم\" الحديث معناه والله أعلم ما تظنون في رغبته في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك المقام أي لا يبقى منها شيئا إن أمكنه ذلك وأبيح له (^٣).\nوقيل معناه: فما ظنكم بمن أحله الله هذه المنزلة وخصه بهذه الفضيلة مكا يكون له وراء ذلك من الكرامات والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٤١ - ٤٢).\n(^٢) المنهاج (٢/ ٤٧٥) ومشارع الأشواق (ص ٣٠٨).\n(^٣) إكمال المعلم (٦/ ٣١٩).\n(^٤) شرح المصابيح (٤/ ٣١١).","vol":"10","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>فصل</span>\n٣٦٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله الإِمَام الْعَادِل وشاب نَشأ فِي عبَادَة الله ﷿ وَرجل قلبه مُعَلّق بالمساجد ورجلان تحابا فِي الله اجْتمعَا عَلَيْهِ وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الله وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام على أبي هريرة.\nقوله: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" الحديث، هذا حديث عظيم من أعظم أحاديث رسول الله -ﷺ-.\nوقد اختلف العلماء في معناه فقيل المراد بالظل هنا كرامة الله تعالى ووقايته من المخاوف فيكون المقصود أن هؤلاء السبعة يكونون يوم القيامة في كنف الله ذي الجلال وأمنه منم المخاوف والأهوال، وقيل: المراد بالظل ظل العرش في ذلك الموقف الطويل والحر الشديد حين تدنو الشمس من الخلائق وتقرب جهنم إليهم بإذن الخالق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٠) و(١٤٢٣) و(٦٤٧٩) و(٦٨٠٦)، ومسلم (٩١ - ١٠٣١).","vol":"10","page":289},{"text":"قوله: \"الإمام العادل\" الإمام العادل هو الإمام الذي جعله الله حاكما في أرضه وقلده أمر الرعية وهو مسئول عنهم والإجماع منعقد على وجوب نصب الإمام وأنه لا يجوز أن يشترك في الإمامة اثنان بل يتعين أن يكون الإمام واحدا يمتثل أمره ويجتنب نهيه والإمام ميزان الرعية ومعيار البرية إذا استقام استقاموا وهو كالقلب وهم كالجسد إذا صلح صلحوا وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"اثنان في الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء\" (^١) ذكره الحافظ المزي.\nقوله: \"وشاب نشأ في عبادة الله ﷿\" ومعنى شاب نشأ أي نبت وكان بدء أمره على العبادة ولم يكن له صبوة كذا في أكثر الروايات بلفظ في، ووقع في بعض الروايات بعبادة الله وهو الذي جاء في صحيح مسلم، والمعنى: نشأ متلبسا بالعبادة أو مصاحبا لها أو متصفا بها، وجاء في بعض الروايات \"حتى توفي على ذلك\".\nواعلم أن قوله -ﷺ-: \"شاب\" محتمل لأن يفيد بالشاب الذي نشأ في عبادة الله وتوفي على ذلك وهو شاب حتى لو نشأ في العبادة واستمر عليها إلى أن شاخ ثم توفي ى يكون هو هذا، ويستفاد ذلك من لفظ شاب، ويحتمل أن يعم كل من نشأ في العبادة وإن شاخ بعد ذلك لأن المقصود أنه ليست به صبوة وأنه ابتدأ بالعبادة وهو شاب والأول أقرب إلى حقيقته اللفظ، وإنما اختص\n_________\n(^١) أخرجه تمام في الفوائد (١٥١٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٦) وفضيلة العادلين (٣٦)، وابن عبد البر في الجامع (١١٠٨). وقال الألباني في الضعيفة (١٦): موضوع.","vol":"10","page":290},{"text":"بهذا الثواب العظيم لما في الشباب من قوة الشهوة وإمداد الأمل والتسويف بالتوبة وقلة بصيرته بالأمور وعدم معرفته بالتجارب بخلاف الشيخ في ذلك كله.\nقوله -ﷺ-: \"ورجل قلبه معلق بالمساجد\" ومعناه أنه شديد الحب للصلاة في الجماعة والمحافظة عليها وأنه إذا فرغ منها وخرج إلى شغله الذي لا بد منه لكسب من الحلال والإنفاق على العيال بقى قلبه متعلقا بالصلاة الآتية حتى يجيء وقتها فيرجع إلى المسجد، وقد جاء عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (^١) الآية\".\nقوله -ﷺ-: \"ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه\" الحديث، ومعنى ذلك ان كل واحد منهما أحب صاحبه لله ﷿ لا لغير ذلك من الأغراض الدنيوية بل يكون حب كل واحد منهما لصاحبه لما فيه من الخصال الحميدة الدينية واستمرا على ذلك حتى تفرقا، يعني: كان سبب اجتماعهما حب الله فمتى تحابا في الله نال كل واحد منهما هذا الثواب وهو الاستظلال بظل الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله سواء كانا مجتمعين أو متفرقين متقاربين أو متباعدين وذلك لما فيه من تقديم أمر الله والحث عليه ومن التحابب في الله تعالى والتعاون على البر والتقوى ونصر المسلم\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١٨.","vol":"10","page":291},{"text":"والذب عنه وعن عرضه ورد الغيبة عنه والنميمة عليه والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله\" والمراد من المنصب يعني أنها ذات حسب ونسب شريف ومعنى دعته أي عرضت عليه نفسها للفاحشة فامتنع من ذلك من حسنها وجمالها لجلال الله وعظمته وهيبته وقال: إني أخاف الله.\nوقوله: \"إني أخاف الله\" يحتمل أن يكون قال لها ذلك بلسانه ليزجرها عن المعصية ويذكرها بالله تعالى، ويحتمل أن يكون قال: إني أخاف الله في نفسه ليكون ذلك سببا لانكفافه عن المعصية وزجرا لنفسه عن الوقوع بما يوجب الخوف من الله ﷿ وتخصيص ذات الحسب والجمال بالذكر لشدة الرغبة فيها وعسر حصولها خصوصا إذا كانت هي الداعية لذلك والحاصل أن هذا صبَّرَ نفسه ومنعها عن هذه المرأة الجميلة ذات الحسب والمنصب خوفا من الله تعالى وقد كانت هي الداعية له إلى ذلك وقد أغنته عن مشقة التوصل إليها والمراودة لها فلم ينكف عنها إلا خوفا من الله تعالى ومن عقابه فاستحق هذا الثواب العظيم يوم يحثوا الخليل والله تعالى هو العليم.\nقوله: \"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها\" الحديث، فيه دليل على فضل صدقة السر والمراد بذلك صدقة التطوع فصرفها سرا أفضل لكونه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء والإجهار بالزكاة أفضل وقد أشار النبي -ﷺ- إلى أن السر في الصدقة أفضل والجهر وكل هذا ترجيح لعمل السر على الجهر لما فيه من البعد عن الرياء والله أعلم.","vol":"10","page":292},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه\" الحديث، ويراد بالذكر الذكر باللسان ويراد به الذكر بالقلب والمراد هنا المعنى الأول لتناؤلهما والمراد بالخلو خلو فكره والفيض الكثرة فمعنى فاضت عيناه كثر دمعهما وفيه دليل على فضل البكاء من خشية الله تعالى وإنما قيده رسول الله -ﷺ- بالخلوة لما تقدم من أن عمل السر أقوى في الإخلاص من عمل العلانية وحسبك دمعة واحدة تسقط من العين فتسقط سائر الذنوب عن البدن والله أعلم وتقدم الكلام على هذا الحديث في صدقة السر أيضًا.\n\n٣٦٣٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يحدث حَدِيثا لَو لم أسمعهُ إِلَّا مرّة أَو مرَّتَيْنِ حَتَّى عد سبع مَرَّات وَلَكِن سمعته أَكثر من ذَلِك سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول كَانَ الكفل من بني إِسْرَائِيل وَكَانَ لَا يتورع من ذَنْب عمله فَأتَتْهُ امْرَأَة فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارا على أَن يَطَأهَا فَلَمَّا أرادها على نَفسهَا ارتعدت وبكت فَقَالَ مَا يبكيك قَالَت لِأَن هَذَا عمل مَا عملته وَمَا حَملَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاجة فَقَالَ تفعلين أَنْت هَذَا من مَخَافَة الله فَأَنا أَحْرَى اذهبي فلك مَا أَعطيتك وَوَالله لَا أعصيه بعْدهَا أبدا فَمَاتَ من ليلته فَأصْبح مَكْتُوبًا على بَابه إِن الله قد غفر للكفل فَعجب النَّاس من ذَلِك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٣ (٤٨٣٨)، والترمذي في العلل الكبير (٦١٨) والسنن (٢٤٩٦)، والبزار في المسند (٥٣٨٨)، وأبو يعلى في المسند (٥٧٢٦)، والخرائطي في اعتلال القلوب (١٠٤) والطبراني في الكبير (١٣/ ٢١٦ رقم ١٣٩٤٢)، والحاكم =","vol":"10","page":293},{"text":"قوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"كان الكفل من بني إسرائيل وكان لا يتورع من ذنب عمله\" الحديث، الكفل [قال بعضهم أنه النبي الذي ذكر الله وكبرت كلمة وهذا فاسد من أوجه (الأول) أن هذا الكفل وذاك ذو الكفل (الثاني) أن ذلك نبي وهذا رجل أدركته توبة بعد اقتحام الذنب (الثالث) أن هذا رجل متهم في الذنوب وهذه الأوجه تحل عندها مرتبة النبوة فإن قيل كانت النبوة بعد التوبة قلنا لا يصح سمعًا أن يكون بمثل هذه الصفة نبي (الرابع) أن هذا الحديث قد كشف القناع بقوله إن الله غمر للكفل ولو كانت نبوة لكان الفضل في أن يكون بدله أن الله قد نبأ الكفل (^١)].\nقوله: \"فقال تفعلين أنت هذا من مخافة الله فأنا أحرى\" أحرى بهمزة مفتوحة وحاء مهملة ساكنة وراء مهملة أيضًا أي أحق وأجدر.\nحكاية تتعلق بمعنى الحديث: بلغ الجنيد رحمت الله عليه أن امرأة تبغي وقد أكثرت فجاء إليها فدعاها إلى منزله فلما دخلت أغلق الباب وقام يصلي بالليل فلما أطال قالت: يا هذا إن كان لك حاجة وإلا فأذن لي أن أنصرف فالتفت فقال: ما تقولين في حق عليه أربعة من الشهداء والقاضي يعلم به،\n_________\n= ٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٢٩٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٨٣) وضعيف الترغيب (١٤٤٦) و(١٨٣٦) و(١٩٦٤).\n(^١) عارضة الأحوذي (١/ ٣٦٠ - ٣٦١).","vol":"10","page":294},{"text":"أيسوغ للغريم الذي هو عليه الحق أن ينكره؟ قال: لا، قال: فإن على كتفي ملكين وعلى كتفك ملكين والقاضي رب العالمين يعلم بذلك فأرعدت فرائصها وخرت مغشيا عليها فلما أفاقت حسنت توبتها، وفي ذلك أنشدوا:\nإذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب\nولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفي عليه يغيب\nوقيل: كان ابن عمر في سفر فرأى غلاما يرعى غنما فقال: تبيع من هذا الغنم واحدا؟ فقال: إنها ليست لي، فقال: قل لصاحبها إن الذئب قد أخذ منها واحدا، وأراد أن يختبره بذلك فقال العبد: فأين الله فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدة: قال ذلك العبد: فأين الله (^١)، أ. هـ والله أعلم.\n\n٣٦٤٠ - وَعَن ابْن عمر أَيْضا -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول انْطلق ثَلَاثَة نفر مِمَّن كَانَ قبلكُمْ حَتَّى أواهم الْمبيت إِلَى غَار فدخلوه فانحدرت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ عَلَيْهِم الْغَار فَقَالُوا إِنَّه لَا ينجيكم من هَذِه الصَّخْرَة إِلَّا أَن تدعوا الله بِصَالح أَعمالكُم فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ الآخر اللَّهُمَّ كَانَت لي ابْنة عَم كَانَت أحب النَّاس إِلَيّ فأردتها على نَفسهَا فامتنعت مني حَتَّى ألمت بهَا سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشْرين وَمِائَة دِينَار على أَن تخلي بيني وَبَين نَفسهَا فَفعلت حَتَّى إِذا قدرت عَلَيْهَا قَالَت لَا أحل لَك أَن تفض الْخَاتم إِلَّا بِحقِّهِ فتحرجت من الْوُقُوع عَلَيْهَا فَانْصَرَفت عَنْهَا وَهِي أحب\n_________\n(^١) الرسالة (١/ ٣٣٠).","vol":"10","page":295},{"text":"النَّاس إِلَيّ وَتركت الذَّهَب الَّذِي أعطيتهَا اللَّهُمَّ إِن كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فافرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ فانفرجت الصَّخْرَة الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْإِخْلَاص وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ وَيَأْتِي فِي بر الْوَالِدين إِن شَاءَ الله تَعَالَى ألمت هُوَ بتَشْديد الْمِيم وَالْمرَاد بِالسنةِ الْعَام المقحط الَّذِي لم تنْبت الأَرْض فِيهِ شَيْئا سَوَاء نزل غيث أم لم ينزل وَمرَاده أَنه حصل لهَا احْتِيَاج وفاقة بسَبَب ذَلِك وَقَوله تفض الْخَاتم هُوَ كِنَايَة عَن الْوَطْء (^١).\nقوله: وعن ابن عُمر أيضا -﵄-، تقدم الكلام عليه في أول هذا التعليق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢١٥) و(٢٣٣٣) و(٣٤٦٥) و(٥٩٧٤)، ومسلم (١٠٠ - ٢٧٤٣)، وابن حبان (٨٩٧) عن ابن عمر. وأخرجه البزار (٩٤٩٨) و(٩٥٥٦)، وابن حبان (٩٧١)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٥٤ - ٥٥ رقم ٢٤٥٤) عن أبى هريرة. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عوف عن خلاس إلا المعتمر. وقال في الموضع الثاني: وهذا الكلام ونحوه وقريب منه قد روي عن النبي -ﷺ- من وجوه فرواه قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن بن، عن أبي هريرة -﵁-، ولا نعلم رواه عن قتادة إلا عمران القطان، ورواه أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس، ولا نعلم رواه عن قتادة، عن أنس إلا أبو عوانة، وروي عن علي بن أبي طالب -﵁-، عن النبي -ﷺ-، وعن ابن عمر، -﵄-، من وجوه رواه نافع وسالم، عن ابن عمر، -﵄-.، ويروى عن النعمان بن بشير، وعن عقبة بن عامر الجهني، وعن عائشة -﵂-.\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن إلا عمران. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٤٢، ١٤٣: رواه البزار والطبراني في الأوسط بأسانيد، ورجال البزار وأحد أسانيد الطبراني رجالهما رجال الصحيح. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٤٠٩) و(٢٤٩٨).","vol":"10","page":296},{"text":"مبسوطًا، وكذلك تقدم الكلام على النفر الثلاثة ودعائهم حتى زالت الصخرة عن فم الغار.\nقوله في الحديث: \"حتى ألمت بها سنة من السنين\" الحديث، السنين جمع سنة وهي العام المقحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئا، ومراده أنه حصل لها احتياج وفاقة بسبب ذلك قاله المنذري.\n\n٣٦٤١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا شباب قُرَيْش احْفَظُوا فروجكم لَا تَزْنُوا أَلا من حفظ فرجه فَلهُ الْجنَّة رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\n\n٣٦٤٢ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي يَا فتيَان قُرَيْش لَا تَزْنُوا فَإِنَّهُ من سلم لَهُ شبابه دخل الْجنَّة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٧٢٩) و(٥٣٢٢)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٦٥ رقم ١٢٧٧٦) والأوسط (٧/ ٦١ رقم ٦٨٥٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٠٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٥٨)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٧٠ - ٢٧١ رقم ٤٩٨٤).\nقال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الجريري إلا شداد، تفرد به: مسلم، ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال أبو نعيم: غريب من حديث أبي نضرة لم يروه عنه إلا الجريري، تفرد به عنه شداد. قال البوصيري في الاتحاف ٤/ ٦: قلت: إسناده صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٩٦) وصحيح الترغيب (٢٤١٠).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٨٧٩)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٠٢ رقم ٥٠٤٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٤٩١). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣: رواه البزار، =","vol":"10","page":297},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"يا شباب قريش\" وفي نسخة \"يا شبان قريش\" وفي رواية البيهقي \"يا فتيان قريش\" الحديث، الشباب جمع شاب والشاب تقدم الكلام عليه في كتاب النكاح في قوله: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج\" والفتيان جمع فتى.\nقوله: \"احفظوا فروجكم لا تزنوا\" والفروج جمع فرج والفرج معروف.\n\n٣٦٤٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا صلت الْمَرْأَة خمسها [وَصَامَتْ شَهْرَهَا،] وحصنت فرجهَا وأطاعت بَعْلهَا دخلت من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَت رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا صلت المرأة خمسها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها\" الحديث، البعل هو الزوج وتحصين الفرج عبارة عن حفظه من الأجانب.\n_________\n= والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٩٦) وصحيح الترغيب (٢٤١٠).\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤١٦٣)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٤ رقم ٤٥٩٨). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا هدبة بن المنهال، ولا عن هدبة إلا أبو همام، تفرد به: داهر بن نوح.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٠٦: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وسعيد بن عفير لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: حسن لغيره - \"الآداب\" (٢٨٦)، وصحيح الترغيب (١٩٣١) و(٢٤١١).","vol":"10","page":298},{"text":"٣٦٤٤ - وَعَن سهل بن سعد -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من يضمن لي مَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ تَضَمَّنت لَهُ بِالْجنَّةِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا قَالَ الْحَافِظ المُرَاد بمَا بَين لحييْهِ اللِّسَان وَبمَا بَين رجلَيْهِ الْفرج واللحيان هما عظما الحنك (^١).\nقوله: وعن سهل بن سعد -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه\" الحديث، قال الحافظ ﵀: المراد بما بين لحييه اللسان وبما بين رجليه الفرج واللحيان هما عظم الحنك أ. هـ، وقال في شرح مشارق الأنوار: واللحي بفتح اللام منبت اللحية (^٢) والمعنى: من يضمن لي القيام بمحافظة ما بين رجليه وهو الفرج من الزنى وما بين لحييه وهو الفم من أكل الحرام واللسان من الغيبة ضمنت له الجنة والضمان الكفالة ولهذا أردف مالك حديثه في هذا الباب بحديث زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه فقال له عمر: مه غفر الله لك، فقال أبو بكر: إن هذا أوردني شر الموراد (^٣)، قال: وفي اللسان في هذا الباب أحاديث كثيرة ستأتى، قال: ومن أحسن ما قيل في هذا من النظم لنصر بن محمد (^٤) أو نصير:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٧٤) و(٦٨٠٧)، والترمذي (٢٤٠٨)، وابن أبى الدنيا في الورع (١٣٤)، وأبو يعلى (٧٥٥٥) والمعجم (٢٧٨)، وابن حبان (٥٧٠١)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٩٠ رقم ٥٩٦٠)، والحاكم ٤/ ٣٩٨،، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٢).\n(^٢) الصحاح (٦/ ٢٤٨٠)، ومجمل اللغة (١/ ٨٠٤).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢٨٢٥).\n(^٤) في التمهيد: نصر بن أحمد.","vol":"10","page":299},{"text":"لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل ... وكل امرئ ما بين فكيه مقتل\nوكم فاتح أبواب شر لنفسه ... إذا لم يكن قفل على فيه مقفل\nقال: وفي الحديث من الفقه أن الكبائر أكثر ما تكون والله أعلم من الفرج والفم فالكفر وشرب الخمر وأكل الربى والقذف وأكل مال اليتيم ظلما من الفم واللسان والزنا من الفرج فالمراد من الحديث أنه من اتقى لسانه وما يأتي من القذف والغيبة والسب كان أحرى أن يتقي القتل، ومن اتقي شرب الخمر كان حريا باتقاء بيعها، ومن اتقي أكل الربا لم يعمل به فهذا وجه تخصيص هاتين الجارحتين وقي شرهما، وهذا التأويل على نحو قول عمر في الصلاة: من ضيعها كان لما سواها أضيع ومن حفظها حفظ دينه (^١) أ. هـ.\n\n٣٦٤٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من وَقَاه الله شَرّ مَا بَين لحييْهِ وَشر مَا بَين رجلَيْهِ دخل الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٢).\n_________\n(^١) التمهيد (٥/ ٦٥ - ٦٨).\n(^٢) أخرجه أبو سعيد الأشج في حديثه (٩١) وعنه الترمذي (٢٤٠٩) والعلل (٦١٤)، وابن أبى الدنيا في الصمت (٦٨٨)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٤)، والبزار (٨٩١٨ م)، وأبو يعلى (٦٢٠٠)، وابن حبان (٥٧٠٣)، والحاكم ٤/ ٣٥٧، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٨٩ رقم ٥٠٢٣). قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب. وقال البزار: وهذا الحديث رواه أبو خالد، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، ورواه المقدمي، عن أبي حازم عن سهل بن سعد. وقال الدارقطني في العلل (١٥٤٦): يرويه محمد بن عجلان، واختلف عنه؛ فرواه خالد بن الحارث، وأبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. ورواه سعيد بن أبي أيوب، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي =","vol":"10","page":300},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة\" اللحيان هما أعظم الحنك والمراد بما بينهما اللسان، وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله عن أكثر ما يدخل الجنة؟ قال: \"تقوى الله وحسن الخلق\" وسئل عن أكثر ما يدخل النار؟ قال: \"الأجوفان الفم والفرج\" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح (^١).\nقال الغزالي (^٢): في هذا الحديث يحتمل أن يكون المراد البطن لأنه منفذه، قال سهل بن سعد الساعدي: قال رسول الله -ﷺ-: \"من يتوكل لي بما بين لحييه وبما بني رجليه أتوكل له بالجنة\" وهذا الحديث رواه البخاري وهو\n_________\n= صالح، عن أبي هريرة.\nوقيل: عن أبي سعيد الأشج، عن أبي خالد، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولا يصح هذا. وقيل: عن الأشج، عن أبي خالد، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وأبو حازم هذا هو سلمة بن دينار لم يسمع من أبي هريرة شيئا، والحديث يرويه أبو حازم، عن سهل بن سعد. وقال في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ٢٨٦): تفرد به محمد بن عجلان عنه، وتفرد به أبو خالد الأحمر عنه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو واقد هو صالح بن محمد، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٥١٠) وصحيح الترغيب (٢٤١٣) و(٢٨٥٧).\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٠٠٤)، وابن ماجه (٤٢٤٦)، وابن حبان (٤٧٦)، والحاكم ٤/ ٣٢٤. قال الترمذي: حديث صحيح غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الصحيحة (٩٧٧) وصحيح الترغيب (١٧٢٣) و(٢٦٤٢).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ١٠٩).","vol":"10","page":301},{"text":"بمعنى تكفل قال: وقال رسول الله -ﷺ-: \"من وقي شر قبقبه وشر ذبذبه ولقلقه وجبتن له الجنة\" (^١) القبقب: البطن، والذبذب: الفرج، واللقلق: اللسان (^٢)، وهذا رواه أبو منصور الديلمي من حديث أنس بإسناد ضعيف.\n\n٣٦٤٦ - وَعَن أبي رَافع -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من حفظ مَا بَين فقميه وفخذيه دخل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد الفقمان بِسُكُون الْقَاف هما اللحيان (^٣).\nقوله: وعن أبي رافع -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من حفظ ما بين فقميه وفخذيه دخل الجنة\" قال الحافظ: والفقمان بسكون القاف هما اللحيان انتهى، قال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي: ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله ﷿ اللسان والفرج لهذه الأحاديث، وقد أمر الله ﷿ بحفظ الفرج ومدح الحافظين لها فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (^٤) وقال\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٢٩١ - ٢٩٢ رقم ٥٠٢٦). قال البيهقي: هكذا وجدته موصولا بالحديث، وفي إسناده ضعف. وقال العراقي في تخريج الإحياء (٩٩٦): أخرجه أبو منصور الديلمي من حديث أنس بسند ضعيف.\n(^٢) كذا فسره الأصمعي كما قال يحيى بن معين في تاريخه (٤/ ٣٣٨).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٣١١ رقم ٩١٩). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٠: رواه الطبراني، وإسناده جيد. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٤١٤) و(٢٨٦١).\n(^٤) سورة النور، الآية: ٣٠.","vol":"10","page":302},{"text":"تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ (^١) وغير ذلك من الآيات الدالة على المدح، وقال أبو إدريس الخولاني: أول ما وصى الله به آدم ﵇ عند إهباطه من الأرض حفظ فرجه وقال: لا تضعه إلا في حلال (^٢)، أ. هـ والله أعلم.\n\n٣٦٤٧ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من حفظ مَا بَين فقميه وفرجه دخل الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو يعلى وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبَرَانِيّ ورواتهما ثِقَات وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله -ﷺ- أَلا أحَدثك ثِنْتَيْنِ من فعلهمَا دخل الْجنَّة قُلْنَا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ يحفظ الرجل مَا بَين فقميه وَمَا بَين رجلَيْهِ (^٣).\nقوله: وعن أبي موسى -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من حفظ ما بين فقميه وفرجه دخل الجنة\" الفقم بالضم والفتح اللحي يريد بذلك من حفظ لسانه وفرجه (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٥٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٨ (١٩٥٥٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٥٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١٢٠٦)، وأبو يعلى (٧٢٧٥)، والمحاملى في الأمالى (٣٦٥)، وأبو العباس الأصم (٦٠٧)،، والحاكم ٤/ ٣٥٨، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٤٥)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٥٠٣ رقم ٥٣٧١). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٩٨: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني بنحوه، ورجال الطبراني وأبي يعلى ثقات، وفي رجال أحمد راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات والظاهر أن الراوي الذي سقط عنه أحمد: هو سليمان بن يسار. وقال: رواه الطبراني، ورجاله وثقوا. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٤١٥) و(٢٨٦٠).\n(^٤) النهاية (٣/ ٤٦٥).","vol":"10","page":303},{"text":"٣٦٤٨ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اضمنوا لي سِتا من أَنفسكُم أضمن لكم الْجنَّة اصدقوا إِذا حدثتم وأوفوا إِذا وعدتم وأدوا إِذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وَكفوا أَيْدِيكُم رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن عبد الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب عَن عبَادَة وَلم يسمع مِنْهُ وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن عبادة بن الصامت -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة\" وتقدم الكلام على معنى الضمان.\nقوله \"اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم\" سيأتي الكلام على هذه الألفاظ في بابها إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الخطب والمواعظ (١٦)، وأحمد ٥/ ٣٢٣ (٢٢٧٥٧)، وابن أبى الدنيا في الصمت (٤٤٤) ومكارم الأخلاق (١١٦)، وابن خزيمة في حديث علي بن حجر (٣٥٩)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٢٨٨) ومكارم الأخلاق (١٩١)، وابن حبان (٢٧١)، والطبراني (٤٩/ ١ - منتقى منه)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٤٧١ رقم ١٢٦٩١) والشعب (٦/ ٤٥٠ - ٤٥١ رقم ٤٤٦٤) و(٧/ ٢٠١ رقم ٤٨٧٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه إرسال.\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٤٥ و٤/ ٢١٨: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات إلا أن المطلب لم يسمع من عبادة. وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٧٠) وصحيح الترغيب (١٩٠١) و(٢٤١٦) و(٢٩٢٥) و(٢٩٩٣).","vol":"10","page":304},{"text":"قوله: \"واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم\" وتقدم الكلام على حفظ الفرج وغض البصر.\nقوله -ﷺ-: \"وكفوا أيديكم\" كف الأيدي هو منعها [عن الحرام من الأموال وغير ذلك].","vol":"10","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>[الترهيب من اللواط وإتيان البهيمة والمرأة في دبرها سواء كانت زوجته أو أجنبية]</span>\n٣٦٤٩ - عَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أخوف مَا أَخَاف على أمتِي من عمل قوم لوط رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: عن جابر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إن أخوف ما أخاف على أمتي من عمل قوم لوط\" الحديث، تقدم الكلام على معنى الأمة في الوضوء وغيره، وقوله: \"من عمل قوم لوط\" هو إتيان الذكور، قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء (^٢)، وقال الكلبي: إن أول من عمل معه قوم لوط إبليس لعنه الله لأن بلادهم أخصبت فانتجعها أهل البلدان فتمثل لهم إبليس لعنه الله في صورة شاب ثم دعاهم إلى دبره فنكح دبره (^٣) وكذلك من عملهم بخس المكاييل والموازين\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٨٢ (١٥٠٩٣)، والترمذي (١٤٥٧)، وابن ماجه (٢٥٦٣)، وابن أبى الدنيا في العقوبات (١٢١)، وأبو يعلى (٢١٢٨)، والآجرى في ذم اللواط (١٢ و١٣)، والحاكم ٤/ ٣٥٧. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن جابر. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في المشكاة (٣٥٧٧/ التحقيق الثاني)، صحيح الترغيب (٢٤١٧).\n(^٢) التفسير البسيط (٩/ ٢٢٠)، وتفسير البغوي (٣/ ٢٥٥).\n(^٣) تفسير البغوي (٣/ ٢٥٥).","vol":"10","page":306},{"text":"ومكس الأشياء، وروي أنهم كانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دارهمه الجياد وقالوا: هي زيوف فقطعوها ثم أخذوها بنقصان ظاهر وأعطوه بدلها زيوفا (^١) وكذلك من عملهم الضرط بالفم واستنطاح الكباش وغير ذلك من الأفعال القبيحة وأشهر أعمالهم هو إتيان أدبار الرجال، قال ابن سيرين: ليس شئ من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار (^٢)، أ. هـ.\nفائدة: لوط النبي -ﷺ- هو لوط بن هاران بن تارح وهو آزر، ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل وكان إبراهيم يحبه حبا شديدا، والآيات في أحوال لوط مشهورة وهو أحد رسل الله ﷿ الذين انتصر لهم بإهلاك مكذبيهم وقصته مذكورة في القرآن في مواضع، قال وهب بن منبه: خرج لوط ﵇ من أرض بابل في أرض العراق مع عمه إبراهيم تابعا له على دينه مهاجرا معه إلى الشام ومعهما سارة امرأة إبراهيم ﵇ وخرج معهما آزر أبو إبراهيم مخالفا لإبراهيم في دجينه مقيما على كفره حتى وصلوا إلى حران فمات آزر فمضى إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام ثم أتوا مصر ثم عادوا إلى الشام فنزل إبراهيم [فلسطين ونزل] لوط الأردن فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم [وما يليها،] وكانوا كفارا يأتون الفواحش منها هذه الفاحشة وهي اللواط التي ما سبقهم إليها أحد من العالمين ويتضارطون في مجالسهم فلما طال تماديهم على غيهم ولم يبرحوا دعا عليهم لوط ﵇ فقال رب انصرني على القوم\n_________\n(^١) تفسير الزمخشري (٢/ ١٢٧) وهو في أثناء حديثه عن قوم شعيب.\n(^٢) نوادر الأصول (٣/ ٧٦ - ٧٧ رقم ٥٧٧).","vol":"10","page":307},{"text":"المفسدين فأجاب الله دعاءه عليهم فأرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل ﵈ لإهلاكهم وبشارة إبراهيم بالولد فأقبلوا مشاة في صورة رجال مرد حسان على إبراهيم ضيفانا وبشروه بإسحاق ويعقوب ولما جاء آل لوط العذاب في السحر اقتلع على جبريل عليه السلاة قرى قوم لوط الأربع وكان في كل قرية مائة ألف ورفعهم على جناحه بين السماء والأرض حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وصياح ديمهم ثم قلبهن فجعل عاليها سافلها وذك قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ (^١)، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾ (^٢) فأمطرت الحجارة على [شذهم] ومسافرهم وأهلكت امرأة لوط مع الهالكين واسمها (واغلة) وقال أبو بكر بن عياش عن أبي جعفر: واستغنت رجال قوم لوط برجالهم ونسائهم [...] (^٣) فأهلكهم الله أجمعين (^٤)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n\n٣٦٥٠ - وَعَن بُرَيْدَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: مَا نقض قوم الْعَهْد إِلَّا كَانَ الْقَتْل بَينهم وَلَا ظَهرت الْفَاحِشَة فِي قوم إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم الْمَوْت وَلَا منع قوم الزَّكَاة إِلَّا حبس عَنْهُم الْقطر رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر بِنَحْوِهِ وَلَفظ ابْن مَاجَه\n_________\n(^١) سورة الحجر، الآية: ٧٤.\n(^٢) سورة الذاريات، الآية: ٣٤.\n(^٣) بياض بالأصل.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"10","page":308},{"text":"قَالَ أقبل علينا رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ يَا معشر الْمُهَاجِرين خمس خِصَال إِذا ابتليتم بِهن وَأَعُوذ بِالله أَن تدركوهن لم تظهر الْفَاحِشَة فِي قوم قطّ حَتَّى يعلنوا بهَا إِلَّا فَشَا فيهم الطَّاعُون والأوجاع الَّتِي لم تكن مَضَت فِي أسلافهم الَّذين مضوا الحَدِيث (^١).\nقوله: وعن بريدة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت\" نقض العهد [عدم الوفاء به ونكثه] والمراد بالفاحشة الزنا وتقدم الكلام على هذا الحديث.\n_________\n(^١) أما حديث بريدة: أخرجه ابن أبي شيبة كما في إتحاف المهرة (٥/ ١٤٤ رقم ٤٤٠١/ ١) والمطالب (٢٠٣٣)، وأبو حاتم الرازى في العلل (٢٧٧٣)، والروياني كما في إتحاف الخيرة (٥/ ١٤٤ رقم ٤٤٠١/ ٢)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٦ رقم ٤٥٧٧) و(٧/ ٤٠ - ٤١ رقم ٦٧٨٨)، والحاكم (٢/ ١٢٦)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٨٦ رقم ١٨٨٥٠) والشعب (٥/ ٢١ رقم ٣٠٤٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال البوصيري وابن حجر: هذا إسناد حسن. قال أبو حاتم: وهو وهم، عن ابن عباس أشبه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٧٦٣) و(٢٤١٨) و(٣٠٠٥) والصحيحة (١٠٧). وأما حديث ابن عمر: أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩)، وابن أبى الدنيا في العقوبات (١١)، والبزار (٦١٧٥)، والروياني (١٤٢٣)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٦١ - ٦٢ رقم ٤٦٧١) والشاميين (١٥٥٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٢٢ رقم ٣٠٤٢ و٥/ ٢٣ رقم ٣٠٤٣ و١٣/ ١٣١ - ١٣٢ رقم ١٠٠٦٦). وصححه الحاكم. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٣١٧ - ٣١٨: رواه البزار ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٦) وصحيح الترغيب (٧٦٤) و(١٧٦١) و(٢١٨٧) و(٢٤١٩).","vol":"10","page":309},{"text":"٣٦٥١ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺإِذا ظلم أهل الذِّمَّة كَانَت الدولة دولة الْعَدو وَإِذا كثر الزِّنَا كثر السباء وَإِذا كثر اللوطية رفع الله ﷿ يَده عَن الْخلق فَلَا يُبَالِي فِي أَي وَاد هَلَكُوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِيه عبد الْخَالِق بن زيد بن وَاقد ضَعِيف وَلم يتْرك (^١).\nقوله: وعن جابر بن عبد الله -﵄- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو\" الحديث، والمراد بأهل الذمة أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى.\nقوله: \"وإذا كثر الزنا كثر السباء\" والمراد بالسباء [الأسر].\nقوله: \"وإذا كثر اللوطية رفع الله ﷿ يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا\" الحديث اللوطية جمع [اللوطى] وهم الذين يعملون عمل قوم لوط أي: يأتون الذكور في أدبارهم.\n\n٣٦٥٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لعن الله سَبْعَة من خلقه من فَوق سبع سماواته وردد اللَّعْنَة على وَاحِد مِنْهُم ثَلَاثًا وَلعن كل وَاحِد مِنْهُم لعنة تكفيه قَالَ مَلْعُون من عمل عمل قوم لوط مَلْعُون من عمل عمل قوم لوط مَلْعُون من عمل عمل قوم لوط مَلْعُون من ذبح لغير الله مَلْعُون من أَتَى شَيْئا من الْبَهَائِم مَلْعُون من عق وَالِديهِ مَلْعُون من جمع بَين امْرَأَة وابنتها مَلْعُون من غير حُدُود الأَرْض مَلْعُون من ادّعى إِلَى غير موَالِيه رَوَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٨٤ رقم ١٧٥٢) والشاميين (١١٩٣). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٥: رواه الطبراني، وفيه عبد الخالق بن زيد بن واقد وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (١٢٧٢) وضعيف الترغيب (١٤٤٧).","vol":"10","page":310},{"text":"الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا مُحرز بن هَارُون التَّيْمِيّ وَيُقَال فِيهِ مُحرز بالإهمال وَرَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة هَارُون أخي مُحَرر وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ كِلَاهُمَا واه لَكِن مُحرز قد حسن لَهُ التِّرْمِذِيّ وَمَشاهُ بَعضهم وَهُوَ أصلح حَالا من أَخِيه هَارُون وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ملعون من عمل عمل قوم لوط\" الحديث.\nواعلم أن الله جلت قدرته وتقدست أسماؤه لم يجمع على أمة من الأمم من أنواع العقوبة ما جمع على اللوطية فإنه ﷾ طمس أبصارهم وسود وجوههم وأمر جبريل أن يقتلع قراهم من أصلها ثم يلقيها عليهم فجعل عاليها سافلها ثم خسف بهم الأرض ثم أمطر عليهم حجارة من السماء وهذه العقوبات لم يجمعها على أمة غيرهم لشدة مفسدة هذا الذنب العظيم وفحشه وقبحه وشدة غضب الله على أهله، وقد أجمع الصحابة -﵃- على قتل فاعله وإن تنوعت آراؤهم في كيفية قتله فقد حرقه خالد بن الوليد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٤١٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٣٤ رقم ٨٤٩٧)، وابن عدى في الكامل (١٠/ ٦٠ و٣٧٢)، والحاكم ٤/ ٣٥٦، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٣٠ - ٣٣١ رقم ٥٠٨٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٥٤٠). وتعقبه الذهبي فقال: هارون بن هارون التيمي ضعفوه. وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٧٢): فيه محرز بن هارون، ويقال: محرر، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٦٨) و(٦٨٧٨). ثم صححه في صحيح الترغيب (٢٤٢٠) و(٢٥١٦).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ١٤١ - ١٤٢).","vol":"10","page":311},{"text":"وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا من كلام المنذري، وقال مجاهد: لو أن اللوطي اغتسل بكل قطرة في الأرض وبكل قطرة في السماء لم يزل نجسا، وقد روى عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط نقله الله إليهم حتى يحشره معهم\" (^١) قال ابن قيم الجوزية (^٢): وهذا المعنى صحيح قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (^٣) الآية، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أزواجهم أشباههم ونظراؤهم، وقال يزيد بن هارون: وقد سئل عن اللوطي فقال الذي يأت الغلام بين فخذيه هو اللوطي وعليه الحد والذي يأتيه في دبره فهو كافر وعن مجاهد عن أبي هريرة -﵁- قال: \"من أتى صبيا فقد كفر\" والله أعلم (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ملعون من ذبح لغير الله\" فالمراد أن يذبح باسم غير الله تعالى كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو عيسى أو الكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذبح مسلمًا أو نصرانيا أو يهوديًّا نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٤٨٣). وقال الخطيب: منكر. وقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (٤٦٦٢).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٦٢).\n(^٣) سورة الصافات، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(^٤) تنبيه الغافلين (ص ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"10","page":312},{"text":"والعبادة له كان ذلك كفرًا فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا وذكر الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله تعالى، قال الإمام الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارًا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل هذا لا يوجب التحريم والله أعلم ذكره النووي في شرح مسلم (^١).\nوأما لعن من ذبح لغير الله فإن كان كافرا يذبح للأصنام فلا خفاء بحاله وهي التي أهل بها لغير الله وأما التي قال الله فيها: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٢) وأما إن كان مسلما فيتناوله عموم اللعن ثم لا تحل ذبيحته لأنه لم يقصد بها الإباحة الشرعية وهي شرط في الذكاة [ويتصور] ذبح المسلم لغير الله فيما إذا ذبح عابثا أو مجربا لآلة الذبح أو اللهو ولم يقصد الإباحة وما أشبه هذا كمن يعقر عند القبر للرياء والسمعة (^٣)، أ. هـ. [سيأتي الكلام على ذلك قريبا في هذا الباب].\nقوله -ﷺ-: \"ملعون من أتى شيئا من البهائم\" وفيه لعن أهل المعاصي من غير تعيين عموما.\nقوله -ﷺ-: \"من عق والديه\" وفيه تحريم العقوق وأذى الوالد وسبه ولو بعد الموت وإنما استحق لاعن أبويه لعنة الله لمقابلة نعمة الأبوين بالكفران وانتهابه إلى غاية العقوق والعصيان وكيف لا وقد قرن الله برهما بعبادته وإن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٤١).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢١.\n(^٣) المفهم (١٦/ ١٤٢).","vol":"10","page":313},{"text":"كانا كافرين ووصاه بالإحسان إليهما وسيأتي الكلام على عقوق الوالدين مبسوطًا (^١).\nوأما لعن الوالد والوالدة فمن الكبائر وكذلك من جمع بين امرأة وابنتها.\nقوله -ﷺ-: \"ملعون من غير من حدود الله\" وفي الرواية الأخرى \"منار الأرض\" ومنار الأرض بفتح الميم والمراد طرقها وعلامات حدودها والمنار جمع منارة وهي العلامة تجعل بين الحدين للجارين وتغييرها أن يدخلها في أرضه ومنه الحرم وهي أعلامه التي ضربها إبراهيم ﵇ على أقطاره ونواحيه وقيل لملك من ملوك اليمن ذو المنار لأنه أول من ضرب المنار على الطريق ليهتدي بها إذا رجع كذا في الفائق (^٢) ذكره شارح مشارق الأنوار.\nقوله -ﷺ-: \"من ادعى إلى غير أبيه\" تقدم الكلام عليه في أواخر كتاب النكاح.\n\n٣٦٥٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لعن الله من ذبح لغير الله وَلعن الله من غير تخوم الأَرْض وَلعن الله من كمه أعمى عَن السَّبِيل وَلعن الله من سبّ وَالِديهِ وَلعن الله من تولى غير موَالِيه وَلعن الله من عمل عمل قوم لوط قَالهَا ثَلَاثًا فِي عمل قوم لوط رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَعند النَّسَائِيّ آخِره مكررًا (^٣).\n_________\n(^١) المفهم (١٦/ ١٤١).\n(^٢) الفائق (٤/ ٢٩).\n(^٣) أخرجه إسحاق في مسند ابن عباس (٩٦٥)، وأحمد (٢٨١٦) و(٢٩١٣) و(٢٩١٤) و(٢٩١٥)، وعبد بن حميد (٥٨٩)، وأبو يعلى (٢٥٣٩)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٤٢٠)، وابن حبان (٤٤١٧)، والآجرى في ذم اللواط (١٤ و١٥)، والطبراني =","vol":"10","page":314},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لعن الله من ذبح لغير الله\" الحديث، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ المراد ما ذبح للأصنام كما قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (^١) لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (^٢) وقد أجمع المسلمون على أن من ترك أكل متروك التسمية ليس بفاسق فوجب حملها على ما ذكرناه ليجمع بينهما وبين الآيات وحديث عائشة وفيه حل ذبائح أهل الكتاب وهو مجمع عليه ومذهبنا ومذهب الجمهور إباحتها سواء سموا الله تعالى عليها أما لا، وقال قوم: لا تحل إلا أن سموا الله تعالى عليها فأما إذا ذبحوا على اسم المسيح أو كنيسة أو نحوها فلا تحل تلك الذبيحة عندنا وبه قال جماهير العلماء وتقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ولعن الله من غير تخوم الأرض\" وتقدم الكلام أيضا على ذلك في الحديث قبله وقد عد الإمام أبو عبد الله الذهبي والشيخ شمس الدين بن\n_________\n= في الكبير (١١/ ٢١٨ رقم ١١٥٤٦)، وابن عدى (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، والحاكم ٤/ ٣٥٦، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٤٠٢ رقم ١٧٠١٧ و١٧٠١٨) والشعب (٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣ رقم ٤٩٨٨). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الألباني: حسن صحيح - \"الصحيحة\" (٣٤٦٢)، \"أحكام الجنائز\" (٢٦١)، \"صحيح الترغيب\" (٢٤٢١).\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٧٣.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢١.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"10","page":315},{"text":"القيم أن ذلك من الكبائر فقالا ومنها أن يغير منار الأرض وهو علامات الطريق التي يهتدي بها السائرون فإذا غيرها ضل الناس عن طريق قصدهم كذا قال الذهبي وابن القيم وغيرهما وقد صح في الحديث أنه -ﷺ-: \"لعن من غير منار الأرض\" (^١).\nقلت: وفي معنى هذا بل هو أشد من غير حدود الأرض بحيث لا يميز حد أرضه من أرض غيره هكذا ذكره ابن النحاس في تنبيهه (^٢).\nقوله: \"تخوم الأرض\" أي: معالمها وحدودها واحدها تخم قيل أراد بها حدود الحرم خاصة وقيل هو عام في جميع الأرض وأراد المعالم التي [يهتدى بها في الطرق]، وقيل: هو أن يدخل الرجل في ملك غيره فيقتطعه ويروي \"تخوم الأرض\" بفتح التاء على الإفراد وجمعه تخم بضم التاء والخاء (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ولعن الله من كمه أعمى عن السبيل\" أي: أضله عن الطريق وقد عده الذهبي أيضا وابن القيم من الكبائر (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"ولعن الله من سب والديه\" تقدم الكلام على ذلك وقد عداه أيضا من الكبائر.\n_________\n(^١) الكبائر (ص ١٦٥)، وإعلام الموقعين (٤/ ٣٠٦)، وتنبيه الغافلين (ص ٢٨٦).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨٦).\n(^٣) النهاية (١/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٤) الجواب الكافى (ص ٦١).","vol":"10","page":316},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ولعن الله من تولى غير مواليه\" أي انتمى إلى غيرهم وتقدم أيضا أنه من الكبائر.\nقوله -ﷺ-: \"ولعن الله من عمل عمل قوم لوط\" تقدم الكلام على ذلك أيضًا.\n\n٣٦٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَرْبَعَة يُصْبِحُونَ فِي غضب الله وَيُمْسُونَ فِي سخط الله قلت من هم يَا رَسُول الله قَالَ المتشبهون من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَالَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَة وَالَّذِي يَأْتِي الرِّجَال رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن سَلام الْخُزَاعِيّ وَلَا يعرف عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ البُخَارِيّ لَا يُتَابع على حَدِيثه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١١٠)، الطبراني في الأوسط (٧/ ٦٣ - ٦٤ رقم ٦٨٥٨)، وابن عدى في الكامل (٩/ ٢٩٥)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٧٨ - ٢٧٩ رقم ٥٠٠١). قال البخاري: محمد بن سلام الخزاعي، عن أبيه، عن أبي هريرة، لا يتابع عليه. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سلام الخزاعي إلا ابن أبي فديك. وقال ابن عدى: وهذا كما ذكره البُخاري منكر، لا يتابع مُحمد بن سلام عليه، وعندي أن أنكر شيء لمُحمد بن سلام هذا الحديث، وهذا الذي أنكره البُخاري، ولا أعلم رواه عن مُحمد بن سلام غير ابن أبي فديك.\nوقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣: رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن سلام الخزاعي عن أبيه، قال البخاري: لا يتابع على حديثه هذا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٧٠) وضعيف الترغيب (١٤٤٩).","vol":"10","page":317},{"text":"قوله: \"أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله، قلت: من هم يا رسول الله؟ قال: \"المتشبهون من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والذي يأتي البهيمة والذي يأتي الرجال\" وهذه بدعة محرمة لم يفعلها إلا من لا خلاق له فيجب إنكارها والتحذير منها والمعصوم من عصمة الله تعالى، أ. هـ قاله ابن النحاس وتقدم الكلام عليه (^١).\nقوله: \"والذي يأتي البهيمة والذي يأتي الرجال\" يعني اللوطي وسيأتي الكلام على الذي يأتي البهائم والذي يأتي الرجال واختلاف العلماء في ذلك وقد ذكر الحافظ المنذري في حديث ابن عباس بعده اختلاف الخلفاء -﵃- في تحريق اللوطي بالنار مبسوطا.\n\n٣٦٥٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من وجدتموه يعْمل عمل قوم لوط فَاقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَعَمْرو هَذَا قد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَقَالَ ابْن معِين ثِقَة يُنكر عَلَيْهِ حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس يَعْنِي هَذَا انْتهى (^٢).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٢٩٢).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٩٢)، وأحمد (٢٧٢٧) و(٢٧٣٢)، أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٥٢٣)، وابن ماجه (٢٥٦١)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (١٢٢)، وأبو يعلى (٢٤٦٣) و(٢٧٤٣)، وابن الجارود (٨٢٠)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١٢ رقم ١١٥٢٧) و(١١/ ٢٢٦ رقم ١١٥٦٩)، والحاكم ٤/ ٣٥٥ و٣٥٦. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن صحيح، المشكاة (٣٥٧٥)، الإرواء (٢٣٤٨)، وصحيح الترغيب (٢٤٢٢).","vol":"10","page":318},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\" رواه أبو داود وغيره، وهو حديث الكتاب.\nوعن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- في الذي يعمل عمل قوم لوط: \"ارجموا الأعلى والأسفل ارجموهما جميعا\" رواه ابن خزيمة، قال الخطابي: في هذا الصنيع القبيح هذه العقوبة العظيمة وكان المعنى فيه أن الله ﷾ أمطر الحجارة على قوم لوط وقتلهم بها فرتب القتل المأمور به على اللواط على معاني ما جاء في أحكام الشريعة (^١)، أ. هـ.\nوقال غيره: لما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات، وقد اختلف الناس هل هو أغلظ عقوبة من الزنا والزنا أغلظ عقوبة منه أو عقوبتهما سواء على ثلاثة أقوال، فذهب أبو بكر وعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن معمر والزهري وربيعة بن مالك بن أنس وإسحاق وأحمد بن حنبل في أصح الرواية عنه والشافعي في أحد قوليه إلى أن عقوبته يعني اللواط أغلظ من عقوبة الزنا وعقوبته القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن وذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والأوزاعي والشافعي في ظاهر مذهبه والإمام أحمد في [الرواية] الثانية عنه وأبو يوسع ومحمد إلى أن عقوبته وعقوبة الزنا سواء، وذهب الحكم وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ٣٣٢).","vol":"10","page":319},{"text":"عقوبة الزنا قالوا لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله فيه حدا مقدرا فكان فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير قالوا ولأنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع فلم يكن فيه حد كوطئ البهيمة ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا فلا يدخل في النصوص الدالة على حد الزانيين، وقال أصحاب القول الأول وهم الجمهور ليس في المعاصي أعظم مفسدة من هذه المفسدة وهي تلي مفسدة الكفر وربما كانت أعظم من مفسدة القتل ولم يبتل الله تعالى بهذه المفسدة قبل قوم لوط أحدا من العالمين وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا غيره وجمع عليهم من أنواع العقوبات من الإهلاك وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم بالحجارة من السماء فنكل بهم نكالا لم ينكله بأمة سواهم وذلك لعظم مفسدة جريمتهم التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها وتهرب الملائكة إلى أقطار السماوات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم وتعج الأرض إلى ربها ﵎ وتكاد الجبال تزول على أماكنها (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nقال الحافظ المنذري ﵀: قال البغوي: اختلف أهل العلم في حد اللوطي فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنا إن كان محصنا يرجم وإن لم يكن محصنا يجلد مائة وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن وقتادة والنخعي وبه قال الثوري والأوزاعي وهو أظهر قول الشافعي ويحكى أيضا عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام رجلا كان أو امرأة محصنا كان أو غير محصن\n_________\n(^١) الداء والدواء (ص ٣٩٢ - ٣٩٦).","vol":"10","page":320},{"text":"وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم محصنا كان أو غير محصن وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم وقد روى ذلك عن الشعبي وبه قال الزهري وهو قول مالك وأحمد وإسحاق والقول الآخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به كما جاء في الحديث (^١) أ. هـ.\nوروي البيهقي وغيره عن المفضل بن فضالة عن ابن جريج عن عكرمة عن النبي -ﷺ- قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به والذي يأتي البهيمة ومن العلماء من ذهب إلى قتل الفاعل والمفعول به لظاهر الحديث وعند أبي حنيفة يعزر ولا يجلد وعلى القول بقتلهم قيل يهدم بناء عليهما وقيل يرميان من شاهق كما فعل بقوم لوط وأما المفعول به فلا رجم عليه لأن الفرج المفعول به ليس محلا للإحصان والأظهر أنه يجلد ويغرب محصنا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى بشرطه فإن كان صغيرا أو مجنونا أو مكرها فلا حد عليه ولا مهر وإن كانت زوجة أو أمة فيعزر على المذهب (^٢).\n\n٣٦٥٦ - وروى أَبُو دَاوُد وَغَيره بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من أَتَى بَهِيمَة فَاقْتُلُوهُ واقتلوها مَعَه قَالَ الْخطابِيّ قد عَارض هَذَا الحَدِيث نهي النَّبِي -ﷺ- عَن قتل الْحَيَوَان إِلَّا لمأكلة (^٣).\n_________\n(^١) شرح السنة (١٠/ ٣٠٩).\n(^٢) روضة الطالبين (١٠/ ٩١)، ومغنى المحتاج (٥/ ٤٣٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (١٣٤٩٢)، وإسحاق في مسند ابن عباس (٩٦٦)، وأحمد ١/ ٢٦٩ (٢٤٢٠) و(٢٧٢٧)، وعبد بن حميد (٥٧٥)، وأبو داود (٤٤٦٤)، والترمذي (١٤٥٥) والعلل (٤٢٧)، وابن ماجه (٢٥٦٤)، والنسائي في الكبرى (٧٣٠٠)، وأبو يعلى (٢٤٦٢) و(٢٧٤٣)، والطبري في تهذيب الآثار (١/ ٥٥٠ - ٥٥١) و(٨٧٠ و٨٧١ =","vol":"10","page":321},{"text":"٣٦٥٧ - وروى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن مفضل بن فضَالة عَن ابْن جريج عَن عِكْرِمَة عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ اقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ وَالَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَة (^١).\nقَالَ الْبَغَوِيّ اخْتلف أهل الْعلم فِي حد اللوطي فَذهب إِلَى أَن حد الْفَاعِل حد الزِّنَا إِن كَانَ مُحصنا يرْجم وَإِن لم يكن مُحصنا يجلد مائَة وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن وَقَتَادَة وَالنَّخَعِيّ وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي ويحكى أَيْضا عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن وعَلى الْمَفْعُول بِهِ عِنْد الشَّافِعِي على هَذَا القَوْل جلد مائَة وتغريب عَام رجلا كَانَ أَو امْرَأَة مُحصنا كَانَ أَو غير مُحصن وَذهب قوم إِلَى أَن اللوطي يرْجم مُحصنا كَانَ أَو غير مُحصن رَوَاهُ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد عَن ابْن عَبَّاس وَرُوِيَ ذَلِك عَن الشّعبِيّ وَبِه قَالَ الزُّهْرِيّ وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وروى حَمَّاد بن إِبْرَاهِيم عَن إِبْرَاهِيم يَعْنِي النَّخعِيّ قَالَ لَو كَانَ أحد يَسْتَقِيم أَن\n_________\n= و٨٧٢)، والطحاوي في المشكل (٣٨٣٠)، والدارقطني (٣٢٣٦ و٣٢٣٧)، والحاكم ٤/ ٣٥٥، والبيهقي في الصغير (٣/ ٢٩٩ رقم ٢٥٧٥) والكبرى (٨/ ٤٠٦ رقم ١٧٠٣٥) و(٨/ ٤٠٧ رقم ١٧٠٣٧)، وفي معرفة السنن والآثار (٥٠٨٧).\nقال الترمذي: سألت محمدا عن حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس فقال: عمرو بن أبي عمرو صدوق، ولكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع عن عكرمة. قلت له: فأبو رزين سمع من ابن عباس؟ فقال: قد أدركه. وروى عن أبي يحيى، عن ابن عباس قال محمد: ولا أقول بحديث عمرو بن أبي عمرو: أنه من وقع على بهيمة أنه يقتل. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٢٣) والإرواء (٢٣٤٨).\n(^١) انظر ما قبله.","vol":"10","page":322},{"text":"يرْجم مرَّتَيْنِ لرجم اللوطي وَالْقَوْل الآخر للشَّافِعِيّ أَنه يقتل الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث انْتهى قَالَ الْحَافِظ حرق اللوطية بالنَّار أَرْبَعَة من الْخُلَفَاء أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الله بن الزبير وَهِشَام بن عبد الْملك.\nقوله: وروى أبو داود وغيره عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: \"من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه\" قال الخطابي: قال عارض هذا الحديث نهي النبي -ﷺ- عن قتل الحيوان إلا لمأكلة (^١).\nوقد علل ذلك بعض العلماء بأنه أمر بقتلها أي بذبحها لئلا يعير بها كلما رئت فيكون سترا عليه وقيل لئلا يتولد منها حيوان على صورة الإنسان وقيل مخافة أكل لحمها لذهاب بعض العلماء إلى تحريم لحمها وقيل لطمع الناس فيها لتشهيرها وعدم عقل يمنعها عن نفسها، وقيل: مبالغة في الزجر، وقيل: عقوبة بالمال قبل أن ينسخ وقيل غير ذلك (^٢).\nفائدة: قد ذكر العلماء من أتى بهيمة فذكروا فيه قولين كاللواط أي كقولي اللواط لشبهه به وقيل فيه قول ثالث أنه يعزر لأنه أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة وهذا هو الأصح المنصوص، وعليه أكثر أهل العلم وبه قطع بعضهم فإن كانت البهيمة تؤكل وجب ذبحها للأمر بقتلها وأكلت لأنه حيوان مأكول ذبحه من هو من أهل الذكاة، وقيل: لا تؤكل وإن كانت البهيمة لا تؤكل فقد قيل تنذبح لإطلاق الخبر وقيل لا تذبح للنهي عن ذبح الحيوان لغير مأكلة\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ٣٣٣).\n(^٢) انظر المهذب (٣/ ٣٤٠) وبحر المذهب (١٣/ ٢٨)، والعزيز شرح الوجيز (١١/ ١٤٣).","vol":"10","page":323},{"text":"وهذا هو الأصح (^١).\nفرع: إذا قتلت البهيمة وجب ضمانها وعلى من تجب فيه وجهان أحدهما على الواطئ والثاني في بيت المال وكم يجب إن قلنا تؤكل فما نقص بالذبح وإن قلنا لا تؤكل فجميع قيمتها ذكره في هادي النبيه على التنبيه.\nوأما من أتى البهيمة فقد جاء عن ابن عباس أنه قال: \"من أتى بهيمة فلا حد عليه\" قال البغوي: وهذا أصح وقد اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل فذهب أكثرهم إلى أنه يعزر قاله عطاء والنخعي وهو قول مالك وسفيان الثوري والإمام أحمد وأصحاب الرأي وأظهر قولي الشافعي والقول الآخر أنه زنى يرجم إن كان محصنا وإلا جلد مائة وروي ذلك عن الحسن وقال الزهري: يجلد مائة حصن أم لم يحصن وقال إسحاق يقتل إن تعمد ذلك وهو يعلم ما جاء فيه عن رسول الله -ﷺ- فإن درأ عنه الإمام القتل فلا ينبغي أن يدرأ عنه الجلد مائة، ومن العلماء من ذهب إلى قتل الفاعل والمفعول به لقوله -ﷺ- في رواية البيهقي: \"اقتلوا الفاعل والمفعول به والذي يأتي البهيمة\" وعند أبي حنيفة يعزر ولا يجلد وعلى القول بقتلهما قيل يهدم بناء عليهما وقيل يرميان من شاهق لما فعل بقوم لوط (^٢).\nوأما المفعول به فلا رجم عليه لأن الفرج المفعول فيه ليس للإحصان والأظهر أنه يجلد ويعزر محصنا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى بشرطه فإن\n_________\n(^١) انظر المصادر السابقة.\n(^٢) شرح السنة (١٠/ ٣١٠).","vol":"10","page":324},{"text":"كان صغيرا أو مجنونا أو مكرها فلا حد عليه ولا مهر له وإن كانت زوجته أو يعزر على المذهب والله أعلم (^١).\nقوله: وقد حرق باللوطية أربعة من الخلفاء أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك، وفي رواية البيهقي أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق أنه وجد رجلا في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة فجمع لذلك أبو بكر الصديق أصحاب رسول الله -ﷺ- وفي آخره فاجتمع رأي أصحاب رسول الله أن يحرق بالنار فأمر به أبو بكر أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه بالنار (^٢)، أ. هـ.\nواعلم أن التحريق مما اختص الله تعالى بالتعذيب به في الدار الآخرة فأما في الدنيا فإنه يجوز قتال الكفار بأنواع التعذيب حتى بالمنجنيق والتحريق والتغريق والتخريب والسفك وغير ذلك (^٣) وروى أحمد والترمذي وأبو داود عن عمر أن رسول الله أمر بتحريق متاع الغال وقد حرق أبو بكر بالنار في مصحلة المدينة بحضرة الصحابة وحرق خالد ناسا من أهل الردة وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها وكرهه عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وأجازه الأئمة الأربعة والنووي والأوزاعي حتى بالنفط والقتل واتفقوا على القصاص بمثل ما فعل الجاني من ذلك وما جاء أنه ﵇\n_________\n(^١) روضة الطالبين (٤/ ١٦٦)، والنجم الوهاج (٦/ ١٠٤).\n(^٢) روضة المحبين (ص /٣٧١ - ٣٧٢)، والطرق الحكمية (ص ١٦ - ١٧).\n(^٣) تبصرة الحكام (٢/ ٢٧٩).","vol":"10","page":325},{"text":"أمر بتحريق فلان وفلان ثم قال: \"إن وجدتموهما فاقتلوهما\" ثم علل ذلك فقال: \"لا يعذب بالنار إلا الله\" وأن ذلك محتمل لأن يكون على سبيل الأدب لا على الوجوب وجزم به المهلب وجعل أن يكون على الوجوب وهذا هو المرجح عندنا، أ. هـ، قاله في شرح الإلمام والله أعلم.\n\n٣٦٥٨ - وروى ابْن أبي الدُّنْيَا وَمن طَرِيقه الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد جيد عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَن خَالِد بن الْوَلِيد كتب إِلَى أبي بكر الصّديق -﵁- أَنه وجد رجلا فِي بعض ضواحي الْعَرَب ينْكح كَمَا تنْكح الْمَرْأَة فَجمع لذَلِك أَبُو بكر أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- وَفِيهِمْ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ عَليّ إِن هَذَا ذَنْب لم تعْمل بِهِ أمة إِلَّا أمة وَاحِدَة فَفعل الله بهم مَا قد علمْتُم أرى أَن تحرقه بالنَّار فَاجْتمع رَأْي أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- أَن يحرق بالنَّار فَأمر أَبُو بكر أَن يحرق بالنَّار (^١).\n\n٣٦٥٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ثَلَاثَة لَا تقبل لَهُم شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله الرَّاكِب والمركوب والراكبة والمركوبة وَالْإِمَام الجائر حَدِيث غَرِيب جدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (١٤٠) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٧/ ٢٨١ - ٢٨٢ رقم ٥٠٠٥)، والخرائطي في المساوئ (٤٢٨)، والآجرى في ذم اللواط (٢٩)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٤٠٥ رقم ١٧٠٢٨). وضعفه الألباني في صحيح الترغيب (٢/ ٦٢٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٦٦ رقم ٣١٠٤). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن حرملة إلا عمر بن راشد، ولا عن عمر إلا صالح بن أبي صالح، تفرد به أبو عطاء. =","vol":"10","page":326},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا تقبل لهم شهادة أن لا إله إلا الله الراكب والمركوب\" وهو الذي يعمل عمل قوم لوط \"والراكبة والمركوبة\" من النساء وهو المساحقة \"والإمام الجائر\" أي السلطان الجائر.\nقوله -ﷺ-: \"لا ينظر الله ﷿ إلى رجل أتى رجلا\" وهو اللواط.\nقوله: \"أو امرأة في دبرها\" الحديث.\nقوله: \"لا ينظر الله إلى رجل\" الحديث أي نظر رضى وهذا يقتضي دوام غضبه عليه لأنه نكرة في سياق النفي فتعم جميع الأزمان لكنه مشروط بالمشيئة لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١) والظاهر من هذا الحديث التحذير العظيم فإن فاعله متعرض للإعراض عنه، وقد ألف ابن الجوزي في الرد على من قال بإباحته قال لنا خمسة [أدلة من الكتاب] والسنة وأقوال الصحابة ومن بعدهم وإجماع العلماء [...] (^٢) فذكر الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وعلله بأنه أذى أي المجامع إلى قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (^٣) قيل من [قبل\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٧٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن راشد المدني الحارثي وهو كذاب. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٣٦٣) وضعيف الترغيب (١٤٥٠).\n(^١) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.","vol":"10","page":327},{"text":"الطهر] لا من قبل الحيض، وقيل: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (^١) أي لا تقربوهن فيه وهو الفرج والمعنى: نهاكم أن يعود الفرج إلى غيره وقال مجاهد في قوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (^٢) من أدبار النساء فقد نبهت هذه الآية على تحريم الوطء في الدبر لأن تحريم الحائض لأجل الأذى بالنجاسة والنجاسة ملازمة لذلك المحل وأما السنة فرواها أحد عشر من الصحابة [بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار من] طرق الجميع، وأسند أقوال الصحابة ومن التابعين الحسن ومجاهد وعكرمة ولا يعرف لهم [مخالف] وأما فقهاء الإسلام كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وأما المعنى [فإن فاعل ذلك] مرتكب كبيرة لما فيها من التوعد واللعن وذلك لا يقتضي دوام الغضب فإن إجماع أهل السنة على عدم تكفيره بالكبيرة وعدم خلوده في النار فيكون مصيره إلى الجنة والقرآن والسنة ناطقة بذلك، أهـ قاله شارح الإلمام والله تعالى أعلم بالصواب.\nوقد اتفق العلماء -﵃- الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها أو الأمة المباحة في الموضع المكروه أي المحرم وهو الدبر سواء كانت حائضا أو طاهرا قال أصحابنا لا يحل الوطء في الدبر في شيء من الآدميين ولا غيرهم من الحيوان في حال من الأحوال فإن وطء الرجل امرأته أو أمته في الموضع المحرم وهو الدبر عزر ولا يحد (^٣).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٦).","vol":"10","page":328},{"text":"وروي النسائي في السنن الكبرى من حديث أبي بكر بن أبي أويس فذكره إلى أن قال عن عبد الله بن عمر أن رجلا أتى امراته في دبرها على عهد رسول الله -ﷺ- فوجد من ذلك وجدًا شديدًا فأنزل الله ﷿: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (^١) (^٢) وهذا وعيد شديد في اللواط وفي إتيان النساء في أدبارهن، وحكمه في الزوجة التعزير وفي اللواط جلدهما والتغريب فإن كانا محصنين وجب الرجم على الفاعل ولا يجب على المفعول عندنا لأن الدبر ليس محلا للإحصان وقطع ابن الصلاح بوجوب الحد في وطء المملوك الذكر ويجب بوطء المرأة في الدبر مهر المثل للمكرهة (^٣).\nوفي حرمة المصاهرة وجه أنه لا يثبت به، واتفق الأصحاب على أنه في معنى القبل في إفساد العبادات ووجوب الكفارة ووجوب الغسل في الجانبين إن كانا بالغين فإن كان الفاعل أو المفعول به صبيا أو كانا صبيين أو كان المفعول به صبية أو كانا صبيين أو صبيا وصبية فلا وجوب على من لم يبلغ فإذا بلغ وجب نعم يجب على الولي أمره بذلك وإذا اعتقل في صباه سقط عنه على المذهب وفيه وجه، واتفقوا على أنه لا يتعلق به التحليل والإحصان والخروج من [الدبر] والفيئة الإيلاء ويعتبر إذن المنكوحة وخروج منى الرجل من الدبر فإنه لا يوجب الغسل ولا يحل الوطء فيه بحال فإن وطء\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٣.\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٨٩٣٢). وقال النسائي: خالفه هشام بن سعد فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار.\n(^٣) الحاوى (٩/ ٣٢٢)، وبحر المذهب (٩/ ٣١٥).","vol":"10","page":329},{"text":"زوجته أو أمته وهي حائض عزر أيضا ولا يحد وقال في [القديم] إن كان إقبال [الدم] أي في أوله وجب عليه دينار وإن كان في إدباره أي في ضعفه وجب عليه نصف دينار لما روى عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وعن ابن عباس -﵄- قال: إذا أصابها في الدم فدينار وإذا أصابها في انقشاع الدم فنصف دينار، قال النووي: وهذا الحديث قد اضطرب الرواة فيه اضطرابا كثيرا في إسناده ومتنه فروي تارة مرفوعا وتارة موقوفا وتارة مرسلا وتارة معضلا وأبعد من قال بعتق رقبة، وقال الشافعي ﵀: فإن أتى رجل امرأته حائضا أو بعد تولية الدم ولم تغتسل فليستغفر الله تعالى ولا يعد، وقد روي فيه شيء لو كان ثابتا أخذنا به ولكنه لا يثبت مثله (^١).\nفرع: وطء المرأة في الحيض من [الكبائر]، والكبيرة على ما اختاره جماعة من العلماء أن كل ذنب قرن به وعيد شديد ولعن فهو كبيرة والله أعلم.\nفائدة: وأجمعوا على أن الحيض يوجب الغسل وكذا النفاس وذهب الأكثرون إلى أنها إذا انقطع دم حيضها قال الخطابي (^٢): قد ذهب إلى إيجاب الكفارة غير واحد من العلماء منهم الإمام أحمد وإسحاق وقتادة والأوزاعي وبه قال الشافعي في القديم، ولا ينكر أن تكون فيه كفارة لأنه وطء محظور كالوطء في رمضان.\n_________\n(^١) انظر المجموع شرح المهذب (٢/ ٣٥٩ - ٣٦١).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٨٣).","vol":"10","page":330},{"text":"وأكثر العلماء على سقوط الكفارة لأن الأصل براءة الذمة والحديث مرسل موقوف على ابن عباس وعلى تقدير الصحة يحمل على الاستحباب كما جاء في الحديث \"من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار\" رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه (^١) وقد أمر الصديق فيه بالاستغفار وأن لا يعود [فدل]، على الاستحباب رواية التخيير بين الدينار وبين النصف إذ لا تخيير في الجنس الواحد بين الأقل والأكثر قال في الروضة وإن جامع متعمدا عالما بالتحريم فقد ارتكب كبيرة نص عليه ولا غرم عليه في [الجديد]، بل يستغفر الله يتوب (^٢) أ. هـ.\nولو انقطع دمها يستمر التحريم إلى أن تغتسل بنص القديم وقال أبو حنيفة: إن لم تغتسل حتى مضى أكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده [حل الوطئ في الحال وإن انقطع لأقله] فلا ولا كفارة بعد الانقطاع وقيل الغسل عند الجميع خلافا للأوزاعي وقتادة واختلفوا في قدر الكفارة فقيل دينار في أوله ونصف دينار في آخره وقيل هو مخير بين الدينار ونصفه، وعندنا يستحب له إن وطء في إقبال الدم وشدته أن يتصدق [بدينار]،، وإن وطء في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٠٥٣)، وابن ماجه (١١٢٨)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٥٦ (١٣٨٨) والكبرى (١٦٧٣) وابن خزيمة في صحيحه (١٨٦١)، وابن حبان (٢٧٨٨) و(٢٧٨٩)، والحاكم ١/ ٢٨٠. قال أحمد: همام عندي أحفظ. قال أبو حاتم في العلل (٥٦٣): وهو حديث صالح الإسناد. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في المشكاة (١٣٧٤)، ضعيف أبي داود (١٩٥ - ١٩٨).\n(^٢) كفاية الأخيار (ص ٧٩).","vol":"10","page":331},{"text":"أدباره فبنصفه ومذهب عمر أنه يلزمه تحرير رقبة والمراد بإقباله زمن قوته واشتداده وبإدباره ضعفه وقربه من الانقطاع هذا هو المشهور الذي قطع به الجمهور والمراد بالدينار مثقال الإسلام المعروف من الذهب الخالص ويصرفه للفقراء والمساكين قال الرافعي ويجوز صرفه إلى فقير واحد [فائدة: الدينار كانت قيمته اثني عشر درهمان وقيل: عشرة، والظاهر أن القيمة مجزئة الآن أعني في حصول الامتثال للسنة، الظاهر لا يكلف]، وعن سعيد بن جبير: أن عليه عتق رقبة، وقال بعضهم: يهدي بدنة أو يطعم عشرين صاعا والصواب لا كفارة ولا يجب على المرأة شيء.\nفرع: ويستحب أن [يكفر الكفارة] التي يوجبها الوطأ وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى [الروايتين] عنه وحكاه [أبو سليمان الخطابي عن أكثر العلماء].\nفرع: وطء المرأة في الحيض من الكبائر والكبيرة على ما اختاره جماعة من العلماء أن كل ذنب قرن به وعيد شديد ولعن فهو كبيرة والله أعلم.\nفائدة: وأجمعوا على أن الحيض يوجب الغسل وكذا النفاس وذهب الأكثرون إلى أنها إذا انقطع دم حيضها لا يقربها الزوج حتى تغتسل وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا انقطع لأكثر مدة الحيض وهي عشرة أيام عندهم جاز وطئها قبل الغسل عملا بقراءة التخفيف وإن انقطع لأقل من عشرة لعادتها لم يجز وطئها حتى تأخذ حكما من اللوحة أحكام الطاهرات كأن تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة.","vol":"10","page":332},{"text":"تنبيه: ومن البدع أن بعض الرجال يعتزل امرأته إذا حاضت وينام وحده وهذه بدعة مكروهة مخالفة للسنة، قالت عائشة: كان رسول الله -ﷺ- يصلي بالليل إلى جنبه وأنا حائض وعليّ مرط وعليه بعضه، وفي الصحيحين أن النبي -ﷺ- دعا أم سلمة فاضطجعت في الخمية وهي حائض، فاعتزال النساء في حال الحيض بدعة مخالفة للسنة وهي من عوائد اليهود ومن تشبه بقوم فهو منهم، أ. هـ ذكره ابن النحاس (^١).\n\n٣٦٦٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا ينظر الله ﷿ إِلَى رجل أَتَى رجلا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صحِيحه (^٢).\n\n٣٦٦١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ هِيَ اللوطية الصُّغْرَى يَعْنِي الرجل يَأْتِي امْرَأَته فِي دبرهَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار ورجالهما رجال الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٧٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١١٦٥)، والنسائي في الكبرى (٨٩٥٢)، وأبو يعلى (٢٣٧٨)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٤٢١) و(٤٤٣)، وابن حبان (٤٢٠٣ و٤٢٠٤) و(٤٤١٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٢٤).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ١٨٢ (٦٧٠٦) و٢/ ٢١٠ (٦٩٦٧) و(٦٩٦٨)، والنسائي في الكبرى (٨٩٤٧)، والطيالسي (٢٢٦٦)، والبزار (١٤٥٥)، والطحاوي في معاني الآثار (٤٤٢٥) والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٨٦ رقم ٥٣٣٤) والشاميين (٢٧٣٨). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٢٥).","vol":"10","page":333},{"text":"٣٦٦٢ - وَعَن عمر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اسْتَحْيوا فَإِن الله لَا يستحيي من الْحق وَلَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد (^١).\n\n٣٦٦٣ - وَعَن خُزَيْمَة بن ثَابت -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله لَا يستحيي من الْحق ثَلَاث مَرَّات لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ بأسانيد أَحدهَا جيد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٣٩)، والنسائي في الكبرى (٨٩٥٩ و٨٩٦٠)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٣١٧٧/ ١) والمطالب (١٦١٧/ ٢)، والخرائطى في المساوئ (٤٤٢)، والهيثم بن كليب في ذم اللواط (١٣)، وأبو محمد الفاكهي في الفوائد (٢٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٦). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. قال الدارقطني في العلل (١٩٣): هو حديث يرويه زمعة بن صالح، واختلف عنه، فرواه عثمان بن اليمان، عن زمعة، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن عبد الله بن شداد، عن عمر. ورواه يزيد بن أبي حكيم العدني، عن زمعة، عن ابن طاووس، عن أبيه، وعن عمرو، عن طاووس، عن عبد الله بن يزيد بن الهاد، ووهم في نسب ابن الهاد، والأول أصح. قال أبو نعيم: غريب من حديث طاوس وعمر ولم نكتبه إلا من حديث زمعة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧٧) وصحيح الترغيب (٢٤٢٦).\n(^٢) أخرجه الحميدي في مسنده (٤٤٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٣٦٨) و(٣٦٩) -ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٩٧) - والطبراني في الكبير (٤/ ٩٠ رقم ٣٧٤٣)، وأحمد في مسنده (٥/ ٢١٣ رقم ٢١٨٥٤ و٢١٨٥٥ و٢١٨٥٨) و(٥/ ٢١٤ رقم ٢١٨٦٥) و(٥/ ٢١٥ رقم ٢١٨٧٤)، والدارمى (١٢٧٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٥٦)، وابن ماجه (١٩٢٤)، والنسائي في الكبرى (٨٩٨٢ و٨٩٨٤ و٨٩٨٥) وابن الجارود في المنتقى (٧٢٨)، وأبو عوانة (٤٧٣٣)، والطحاوي في شرح المعاني (٤٤٠٥ - ٤٤٠٩)، ومشكل الآثار (٦١٣١)، وابن حبان (٤١٩٨) و(٤٢٠٠)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٥ رقم ٩٧٧) والكبير (٤/ ٨٩ - ٩٠ رقم ٣٧٤١ و٣٧٤٢). قال الألباني: صحيح - \"آداب الزفاف\" (٢٩ - ٣٠) وصحيح الترغيب (٢٤٢٧).","vol":"10","page":334},{"text":"قوله: وعن خزيمة بن ثابت الصحابي -﵁- هو أبو عمارة خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة [بن عامر بن عنان بن عامر بن خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس] الأنصاري الأوسي الخطمي المدني، شهد خزيمة مع رسول الله -ﷺ- بدرًا وما بعدها من المشاهد، وكان خزيمة وعمير بن عدي يكسران أصنام بني خطمة وكان راية بني خطمة بيده يوم فتح مكة وشهد مع علي الجمل وصفين ولم يقاتل فيهما فلما قتل ابن ياسر بصفين قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"تقتل عمار الفئة الباغية\" فسل سيفه وقاتل حتى قتل، وكانت صفين سنة سبع وثلاثين، روى له عن رسول الله -ﷺ- ثمانية وثلاثون حديثا، ومن أجل مناقبه أن رسول الله جعل شهادته كشهادة رجلين فكان يسمى ذا الشهادتين، وروينا في صحيح البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله -ﷺ- جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين قاله النووي (^١).\nقوله -ﷺ-: \"إن الله لا يستحي من الحق ثلاث مرات\" الاستحياء ينشأ عنه الترك لأن من استحيى من شيء ترك فعله، فقوله: \"إن الله لايستحي من الحق\" أي لا يترك السؤال عن الحق الذي أوجبه علينا وإذا كان الله تعالى لا يترك السؤال عنه وجب على المكلف السؤال عن كيفية أداء الواجبات والله أعلم.\nقوله: \"لا تأتوا النساء في أدبارهن\" وفي حديث جابر الذي بعده: \"لا تأتوا النساء في محاشهن\" جمع محشة وهي الدبر قاله المنذري، وقال الأزهري: المحاس بالسين المهملة، كنى بالمحاش عن الأدبار كما يكنى بالمحشوش\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٥ - ١٧٦ ترجمة ١٤٦).","vol":"10","page":335},{"text":"عن مواضع الغائط، ومنه حديث ابن مسعود \"محاش النساء عليكم حرام\" قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"لا تأتوا النساء في أدبارهن\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٣٦٦٤ - وَعَن جَابر -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- نهى عَن محاش النِّسَاء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلَفظه أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اسْتَحْيوا من الله فَإِن الله لَا يستحي من الْحق لَا يحل مأتاك النِّسَاء فِي حشوشهن (^٢).\nقوله: وعن جابر، تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن النبي -ﷺ- نهى عن محاش النساء، الحديث، والمحاش قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال: المحاش جمع محشة بفتح الميم وكسرها وهي الدبر.\n\n٣٦٦٥ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لعن الله الَّذين يأْتونَ النِّسَاء فِي محاشهن رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عبد الصَّمد بن الْفضل المحاش بِفَتْح الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَبعد الْألف شين مُعْجمَة مُشَدّدَة جمع\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).\n(^٢) أخرجه الطحاوى في معانى الآثار (٤٤١٧) و(٤٤١٨)، وأبو عوانة (٤٧٣٢)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥٧ رقم ٧٧٢٢)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٢٨٦)، والدارقطني (٣٧٥٠). قال ابن عدى: وهذا الحديث اختلفوا على سهيل؛ فرواه عباد عن عُمر مولى غفرة، عن سهيل، عن أبيه، عن جابر. ورواه ابن عياش، عن سهيل، عن مُحمد بن المنكدر، عن جابر. ورواه حماد بن سلمة، عن سهيل، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة. قال الهيثمي المجمع ٤/ ٢٩٩: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٣٩٩) وصحيح الترغيب (٢٤٢٨).","vol":"10","page":336},{"text":"محشة بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا وَهِي الدبر (^١).\n\n٣٦٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أَتَى النِّسَاء فِي أعجازهن فقد كفر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام على ترجمة أبي هريرة ومناقبه، ومن بعض مناقبه ما ذكر في رحلة ابن الصلاح وتاريخ ابن النجار في ترجمة يوسف بن علي بن محمد الزنجاني الفقيه الشافعي قال: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور فجاء شاب يسأل عن مسألة المصراة ويطالب بالدليل فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين وغيرهما فقال الشاب وكان حنفيا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما استتم حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع فهرب الناس وتبعت الشاب دون غيره فقيل له: تب تُب، فقال: تبت، قال: فعاينت الحية\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٨٤)،، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٦٣ رقم ١٩٣١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٨). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن لهيعة إلا ابن وهب، تفرد به: عبد الصمد بن الفضل. قال العقيلي: \"لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به\". وقال أيضا: \"لم يأتي به عن ابن وهب غيره\". وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٩٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الصمد بن الفضل وثقه الذهبي وقال: له حديث يستنكر. وهو صالح الحال إن شاء الله. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٤٢٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٧٨ رقم ٩١٧٩)، وابن بطة في الإبانة (١٠١٧). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٩٩: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧٨) وصحيح الترغيب (٢٤٣٠).","vol":"10","page":337},{"text":"وليس لها أثر، قال ابن الصلاح: هذا إسناد ثابت فيه ثلاثة من صالحي المسلمين القاضي أبو الطيب وتلميذه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وتلميذ الشيخ إبي إسحاق أبو القاسم الزنجاني (^١)، أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر\" الحديث، عجيزة المرأة هو دبرها وهذا نص عام على تحريم إتيان النساء في أعجازهن وقد قام الدليل على تحريمه من الكتاب والسنة والإجماع فأما الإجماع فإن المرأة ترد من داء الفرج، ولو جاز وطئها في المسلك الآخر أجمعوا على ردها بداء الفرج قال الإمام السهيلي: وقد مهدنا الأدلة على هذة الأسئلة مفردة بما فيه شفا والله أعلم (^٢).\n\n٣٦٦٧ - وروى ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا عَن الْحَارِث بن مخلد عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَا ينظر الله إِلَى رجل جَامع امْرَأَة فِي دبرهَا (^٣).\n\n٣٦٦٨ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَلْعُون من أَتَى امْرَأَة فِي دبرهَا رَوَا أَحْمد وَأَبُو دَاوُد (^٤).\n_________\n(^١) المنتظم (١٧/ ١٠٦)، وتاريخ الإسلام (٢/ ٥٦٠).\n(^٢) الروض الأنف (٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٩٥٢) وعنه أحمد ٢/ ٢٧٢ (٧٦٨٤)، وابن أبى شيبة ٣/ ٥٣٠ (١٦٨١١)، وأحمد ٢/ ٣٤٤ (٨٥٣٢)، والدارمى (١٢٦٦)، وابن ماجه (١٩٢٣)، والنسائى في الكبرى (٨٩٦٢ و٨٩٦٣ و٨٩٦٤ و٨٩٦٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٧ رقم ٩٩٠) و(٦/ ٢٦٢ رقم ٦٣٥٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٣١) آداب الزفاف (٣٠)، صحيح أبي داود (١٨٧٨)، المشكاة (٣١٩٥).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٤٤٤ (٩٧٣٣) و٢/ ٤٧٩ (١٠٢٠٦)، وأبو داود (٢١٦٢)، والنسائي في الكبرى (٨٩٦٦)، وأبو عوانة (٤٧٣١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٣٢).","vol":"10","page":338},{"text":"٣٦٦٩ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا أَو كَاهِنًا فَصدقهُ كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد -ﷺ- رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ فقد برئ مِمَّا أنزل على مُحَمَّد -ﷺ- قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ من طَرِيق حَكِيم الْأَثْرَم عَن أبي تَمِيمَة وَهُوَ طريف بن خَالِد عَن أبي هُرَيْرَة وَسُئِلَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن حَكِيم من هُوَ فَقَالَ أعيانا هَذَا وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير لَا يعرف لأبي تَمِيمَة سَماع من أبي هُرَيْرَة (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-\" يقول: من جامع امرأته في حال الحيض أو في دبرها وهو يعتقد تحليله أو سأل كاهنا وهو الذي يخبر عما يكون في المستقبل بالنجوم أو بأشياء مكتوبة في الكتب الجاهلية وأكاذيب الجن لأن الجن كانوا\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم بن دكين في الصلاة (١٥) وعنه ابن أبى شيبة في المصنف ٣/ ٥٣٠ (١٦٨٠٩) والدارمى (١٢٦٢)، وإسحاق (٤٨٢)، وأحمد ٢/ ٤٠٨ (٩٢٩٠) و٢/ ٤٦٧ (١٠١٦٧)، وابن ماجه (٦٣٩)، وأبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي في العلل (٧٦) والسنن (١٣٥)، والبزار (٩٥٠٢)، والنسائي في الكبرى (٨٩٦٧ و٨٩٦٨).\nقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة. وقال في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من هذا الوجه وضعف هذا الحديث جدا. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه رواه بهذا اللفظ إلا حكيم الأثرم عن أبي تميمة، عن أبي هريرة -﵁-، وحكيم منكر الحديث لا يحتج بحديث له إذا انفرد به وهذا مما تفرد به. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٣٣) آداب الزفاف (٣١)، الإرواء (٢٠٠٦)، المشكاة (٥٥١).","vol":"10","page":339},{"text":"يصعدون السماء قبل مبعثه فيسترقون السمع بما تقول به الملائكة في السماء من أحوال أهل الأرض وأعمالهم وأرزاقهم وما يحدث فيهم من الحوادث فيأتون به إلى الكهنة ويخبرونهم فبقيت تلك الكتب فيهم باقية وهو يعتقد أن ما قال الكاهن من الأكاذيب حق وصدق فهو كافر لأن تحليل الحرام كفر وإن لم يعتقد التحليل ولكن قد علم أن ذلك الفعل حرام وأن هذا الكاهن عسى أن يصدق ولم يعتقد صدقه فهو فاسد فقوله: \"كفر\" معناه جحد نعمة الله أو قارب الكفر ويكون للتهديد.\nومباشرة الحائض على أقسام، أحدها: أن يباشرها بالجماع في الفرج وهذا حرام بإجماع الأمة وبنص القرآن العزيز والسنة الصحيحة، قال أصحابنا: ولو اعتقد [مسلم] حل جماع الحائض في فرجها صار كافرا مرتدا ولو فعله إنسان غير معتقد حله فإن كان ناسيا أو جاهلا بتحريمه أو مكرها فلا إثم عليه ولا كفارة إن وطئها عامدا عالما بالحيض والتحريم مختارا فقد ارتكب معصية كبيرة نص الشافعي على أنها كبيرة ويجب عليه التوبة وفي وجوب الكفارة قولان للشافعي، القسم الثاني: المباشرة فيما فوق السرة ودون الركبة بالذكر وبالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك وهو حلا باتفاق العلماء، وقد نق الشيخ أبو حامد الإسفرائني وجماعة كثيرة الإجماع على هذا والتعفف عن ذلك أفضل، القسم الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير [القبل]، والدبر وفيها لأصحابنا ثلاثة أوجه أصحها عند جماهيرهم وأشهرها في المذهب أنها حرام، [الثانى أنها ليست بحرام ولكنها]، مكروهة كراهية تنزيه، قال النووي: وهذا","vol":"10","page":340},{"text":"الوجه قوي من حيث الدليل وهو المختار، والوجه الثالث: إن كان [المباشر يضبط]، نفسه عن الفرج إما لضعف شهوته وإما لشدة ورعه جاز وإلا فلا وهذا الوجه [حسن]، وقال أبو العباس البصري عن أصحابنا وممن ذهب إلى الوجه الأول: وهو التحريم مطلقا مالك وأبو حنيفة وهو قول أكثر العلماء ثم إن تحريم الوطئ في المباشرة على قول من يحرمها يكون في مدة الحيض وبعد انقطاعه إلى أن تغتسل أو تتيمم إن عدمت الماء بشرطه هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير السلف والخلف وقال أبو حنيفة إذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطئها في الحال واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^١) الآية (^٢)، قاله شارح الإلمام.\nفرع: إذا أراد الزوج أو السيد الوطء فقالت: أنا حائض فإن لم يمكن صدقها ولم يتهمها بالكذب حرم الوطء وإن أمكن ولكن كذبها حل الوطء على الأصح أنها ربما عادته ومنعته حقه ولأن الأصل عدم التحريم.\nوالثاني: يحرم كما لو علق طلاقها على حيضها [فيقبل قولها على] الصحيح [وفرق القاضي بينه وبين تعليق الطلاق بأن] الزوج مقصر في تعليقه بما لا يعرف إلا من جهتها فإن [اتفقا]، على الحيض وادعى انقطاعه وادعت بقاءه في مدة الإمكان فالقول قولها (^٣).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٢/ ٣٧٢).","vol":"10","page":341},{"text":"فرع آخر: يجب على المرأة أن تتعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض والاستحاضة والنفاس فإن كان زوجها عالما لزمه تعليمها وإلا فلها الخروج لسؤال العلماء بل يجب عليها ذلك ولا يحرم منعها إلا أن يسأل هو ويخبرها فتستغني بذلك وليس لها الخروج إلى مجلس ذكر أو تعلم خير إلا برضاه (^١) قاله في الديباجة.\nتنبيه: وفي كتب الغريب أن رسول الله -ﷺ-[لعن] الغائصة والمغوصة، والغائصة التي لا تعلم زوجها أنها حائض لتجتنبها فيجامعها وهي حائض والمغوصة التي لا تكون حائضا فتكذب على زوجها وتقول أنا حائض فيجتنبها (^٢).\nفائدة: الذي يحيض من [الحيوان أربعة] المرأة والضبع والخفاش والأرنب، ويقال: إن الكلبة أيضًا كذلك، روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن الحويرث عن عبد الله بن عمر عن النبي -ﷺ- أنه قال في الأرنب أنها تحيض، وجابر بن الحويرث قال ابن [معين:] لا أعرفه وذكره ابن حبان في [الثقات]، ولا يعرف له إلا هذا الحديث، والأرنب حيوان يشبه [العناق] قصير اليدين طويل الرجلين عمس الزرافة قاله في حياة الحيوان (^٣).\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (١/ ٤١٤)، والإقناع (١/ ١٠٣)، ومغنى المحتاج (١/ ٢٩٦).\n(^٢) جمهرة اللغة (٢/ ٨٩٠)، غريب الحديث (٣/ ٢٠٢) للخطابي، والفائق (٣/ ٨١)، والمجموع المغيث (٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦)، والنهاية (٣/ ٣٩٥)، والنجم الوهاج (١/ ٥١٤).\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٣٦ - ٣٧).","vol":"10","page":342},{"text":"خاتمة: في حوت الحيض قال ابن زهر قال لي من رآه أنه دابة عظيمة في البحر تمنع المراكب الكبار من السير فإذا أشرف أهل السفينة على العطب رموا له بخرق الحيض معدة لذلك معهم فتهرب ولا تقربهم وهذا اسمه الفاطوس، ومن عجيب أمر هذا الحيوان أنه لا يقرب مركبا فيه امراة حائض و[حكمه] كعموم السمك ودم الحوت نجس كسائر الدماء وقيل طاهر لأنه إذا يبس [أبيض بخلاف] سائر الدماء فإنها تسود كذا نقله القرطبي عن بعض الحنفية، أ. هـ قاله في منافع الحيوان (^١).\nقوله: رووه من طريق حكيم الأثرم عن أبي تميمة [هو طريف بن مجالد، أبو تميمة الهجيمي البصري وهو بكنيته أشهر وثقه ابن معين وابن سعد والدارقطنى وغيرهم].\n\n٣٦٧٠ - وَعَن عَليّ بن طلق -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أَسْتَاهِهِن فَإِن الله لَا يستحيي من الْحق رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِمَعْنَاهُ (^٢).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٨٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٩٥٠)، وأبو عبيد في الطهور (٣٩٨)، وابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٥٢٩ (١٦٨٠٢) وعنه ابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (١٦٧٩)، وأحمد ٥/ ٤٦٠ (٢٤٠٠٩/ ٣٣) و(٢٤٠٠٩/ ٣٤)، والدارمي (١٢٦٨)، والترمذي في العلل (٤٠ و٤١) والسنن (١١٦٤)، والنسائي في الكبرى (٨٩٧٤ - ٨٩٧٧)، والطحاوى في معانى الآثار (٤٤١٩ - ٤٤٢١)، وابن حبان (٢٢٣٧) و(٤١٩٩) و(٤٢٠١).\nقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: علي بن طلق هذا أراه غير طلق بن =","vol":"10","page":343},{"text":"قوله: وعن علي بن طلق -﵁-[هو علي بن طلق بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عبد العزي بن سحيم بن مرة بن الدول الحنفي (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"لا تأتوا النساء في أستاههن فإن الله لا يستحيي من الحق\" الحديث.\n_________\n= علي، ولا أعرف لعلي بن طلق إلا هذا الحديث، وعيسى بن حطان الذي روى عنه هذا الحديث رجل مجهول، فقلت له: أتعرف هذا الحديث الذي روى علي بن طلق من حديث طلق بن علي؟ فقال: لا.\nوقال: حديث علي بن طلق حديث حسن. قال الألباني: حسن لغيره - \"المشكاة\" (٣١٤/ التحقيق الثاني)، وصحيح الترغيب (٢٤٣٤).\n(^١) الاستيعاب: ٣/ ١١٣٤، وأسد الغابة: ٤/ ٤٠، وتهذيب الكمال ٢٠/ ترجمة ٤٠٩١.","vol":"10","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>[الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق]</span>\n٣٦٧١ - عَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أول مَا يقْضى بَين النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\n٣٦٧٢ - وللنسائي أَيْضا أول مَا يُحَاسب عَلَيْهِ العَبْد الصَّلَاة وَأول مَا يقْضى بَين النَّاس فِي الدِّمَاء (^٢).\nقوله: عن ابن مسعود -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء\" وفي رواية النسائي: \"أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء\" هذا الحديث، فيه دليل على تغليظ أمر الدماء وأنه أول ما يقضي فيه بين الناس يوم القيامة وهذا لعظيم أمرها وكبير خطرها وهذا يدل على أنه ليس في حقوق الآدميين أعظم من الدماء وليس هذا الحديث مخالفا للحديث المشهور في سنن النسائي \"أول ما يحاسب عليه العبد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٣٣) و(٦٨٦٤)، ومسلم (٢٨ - ١٦٧٨)، والترمذي (١٣٩٦) و(١٣٩٧)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٧٩ (٤٠٢٧) والكبرى (٣٤٤١ و٣٤٤٢ و٣٤٤٣)، وابن ماجه (٢٦١٥) و(٢٦١٧).\n(^٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٣٤٣٩) والمجتبى ٦/ ٤٧٨ (٤٠٢٦)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٧٩)، وابن أبى عاصم في الأوائل (٣٤)، وأبو يعلى (٥٤١٤)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩١ رقم ١٠٤٢٥). وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٤٨) وصحيح الترغيب (٢٤٣٥).","vol":"10","page":345},{"text":"الصلاة\" الحديث، لأن هذا الحديث الثاني وهو حديث الصلاة فيما بين العبد وبين الله تعالى فإن ذلك في حق الله تعالى وحق الله تعالى لا يقضي فيه بين الناس وأما حديث الباب وهو حديث القصاص في الدماء فهو فيما بين العباد ذكره المنذري في الحواشي وفي جامع الترمذي في تفسير سورة التكاثر عن أبي هريرة مرفوعا: \"أن أول ما يسئل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له ألم نُصِحِّ لك جسمك ونرويك من الماء البارد\" وهذا أولى بالنسبة إلى السؤال عن النعيم وبالنسبة إلى المأكول والمشروب، وقال الشيخ تقي الدين القشيري: لا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم من القتل ثم يحتمل من حيث اللفظ أن تكون هذه الأولوية مخصوصة بما يقع فيه الحكم بين الناس ويحتمل أن تكون عامة من أولوية ما يقضي فيه مطلقا ومما يقوي الأول ما جاء في [...] (^١) فيما بين العبد وبين الله وأما هذا الحديث ففيما بينه وبين العباد فليس أحدهما مخالفا للآخر [...] (^٢) إن قتل الآدمي عمدًا بغير حق أعظم الكبائر بعد الكفر بالله وموجب لاستحقاق العقوبة في الدنيا والآخرة ولا يتحتم خلود القاتل في النار ولا دخوله بل أمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وتقبل توبته. أ. هـ.\nتنبيه: قال ابن عباس ﵄: في الصراط سبع مجالس يسئل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسئل عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسئل عن الزكاة فإن جاء\n_________\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) بياض بالأصل.","vol":"10","page":346},{"text":"بها تامة جاز إلى الرابع فيسئل عن الصوم فإن جاء بها تاما جاز إلى الخامس فيسئل عن الحج فإن جاء به تاما جاء إلى السادس فيسئل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فيسئل عن مظالم العباد فإن خرج منها وإلا يقال انظروا فإن كان له تطوع أكمل به فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة، قال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾ (^١) رواه مقسم عن ابن عباس، قال القرطبي في التذكرة: قال الشافعي: وإنما يحتسب بنوافل الصلاة عن الفرائض إذا ترك فرضا ناسيا فإن تركه عامدا لم يؤخذ عنه النفل يوم القيامة ذكره ابن العماد في شرح العمدة وتقدم له نظائر في الصلاة.\n\n٣٦٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات قيل يَا رَسُول الله وَمَا هن قَالَ الشّرك بِالله وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل مَال الْيَتِيم وَأكل الرِّبَا والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ الموبقات المهلكات (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" أي المهلكات.\nقوله -ﷺ-: \"قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق\" تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٢١.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٦٦) و(٦٨٥٧)، ومسلم (١٤٥ - ٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٢٣٢ (٣٦٩٧)، وابن حبان (٥٥٦١).","vol":"10","page":347},{"text":"٣٦٧٤ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لن يزَال الْمُؤمن فِي فسحة من دينه مَا لم يصب دَمًا حَرَامًا وَقَالَ ابْن عمر -﵄- إِن من ورطات الْأُمُور الَّتِي لَا مخرج لمن أوقع نَفسه فِيهَا سفك الدَّم الْحَرَام بِغَيْر حلّه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا الورطات جمع ورطة بِسُكُون الرَّاء وَهِي الهلكة وكل أَمر تعسر النجَاة مِنْهُ (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لن يزال المؤمن في فسحة من دينه\" كذا للأصيلي وابن السكن و[أبى ذر]، وبعض رواة القابسي وعند غيره ذنبه بالذال المعجمة وكلاهما له وجه صحيح قاله عياض (^٢) ومعنى الحديث أي: في سعة والفسحة السعة يعني يسهل عليه أمور دينه ويوفق للعمل الصالح (^٣).\nوقوله: \"ما لم يصب دما حراما\" وإذا صدر منه ذلك يضيق عليه أمور دينه [ويشتت عليه شمله]، ما لم يتب أو يعف ولي الدم (^٤).\nيتمسك بهذا الحديث من يكفر المسلم بارتكاب الكبائر وهم الخوارج ويتأولونه على أنه مثله في الكفر، ووجهه على أنه مثله في إباحة\n_________\n(^١) أما المرفوع: أخرجه أحمد ٢/ ٩٤ (٥٦٨١)، وعبد بن حميد (٨٥٦)، والبخاري (٦٨٦٢)، والحاكم ٤/ ٣٥٠ و٣٥١، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٩ رقم ١٥٨٥٧ و١٥٨٥٨) والشعب (٧/ ٢٥٢ رقم ٤٩٥٣)، والبغوي (٢٥١٩).\nوأما الموقوف: أخرجه البخاري (٦٨٦٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٩ رقم ١٥٨٥٩).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢٦٥).\n(^٣) المفاتيح (٤/ ١٨٨)، وشرح المصابيح (٤/ ١١٨).\n(^٤) المفاتيح (٤/ ١٨٨).","vol":"10","page":348},{"text":"الدم لا في الكفر لأن المسلم إذا قتل مسلما يكون دمه مباحا بحق القصاص كما أن دم الكافر يكون مباحا بحق الدين (^١)، أ. هـ.\nفقوله: \"ما لم يصب دما حراما\" وما في ما لم مصدرية والمعنى مدة عدم إصابته دما حراما كقولهم انتظرني ما أن جلس القاضي بمعنى ما جلس القاضي والمعنى مدة جلوسه.\nقوله: وقال ابن عمر -﵄-: إن من ورطات الأمور، الحديث جمع ورطة بسكون الراء وهي المهكلة أو الهلكة وكل أمر تعسر النجاة منه قاله المنذري وقال غيره: الورطات بإسكان الراء جمع ورطة وهي الهوة العميقة في الأرض ثم استعير للناس إذا وقعوا في بلية يعسر المخرج منها قاله في النهاية (^٢) وقال الخليل الورطة البلية يقع فيها الإنسان فقوله ورطات الأمور أي شدائدها وما لا [يتخلص منه] (^٣) أ. هـ.\n\n٣٦٧٥ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لزوَال الدُّنْيَا أَهْون على الله من قتل مُؤمن بِغَيْر حق رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني وَزَاد فِيهِ وَلَو أَن أهل سماواته وَأهل أرضه اشْتَركُوا فِي دم مُؤمن لأدخلهم الله النَّار (^٤).\n_________\n(^١) شرح السنة (١٠/ ١٥١).\n(^٢) النهاية (٥/ ١٧٤).\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ٢٨٣).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٢٦١٩)، وابن أبى عاصم في الزهد (١٣٨) والديات (ص ٢)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦ رقم ٤٩٥٨ و٤٩٦١)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٣٢٣). قال البوصيري في الزجاجة (٣/ ١٢٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه =","vol":"10","page":349},{"text":"٣٦٧٦ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لزوَال الدُّنْيَا جَمِيعًا أَهْون على الله من دم سفك بِغَيْر حق (^١).\nقوله: وعن البراء بن عازب -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق\" الحديث، وفي حديث سليمان ﵇: من هدم بنيان ربه فهو ملعون، بمعنى: من قتل النفس المحرمة بغير حق لأن الجسم بنيان الله وتركيبه قاله ابن الأثير (^٢) أما إذا قتل عن قصاص ونحوه فيلس فيه هذا الوعيد.\n\n٣٦٧٧ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄-، أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لزوَال الدُّنْيَا أَهْون عِنْد الله من قتل رجل مُسلم رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا وموقوفا وَرجح الْمَوْقُوف (^٣).\n_________\n= البيهقي والأصبهاني من هذا الوجه. وصححه الألباني في غاية المرام (٤٣٩)، صحيح الترغيب (٢٤٣٨).\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٢٥٥ رقم ٤٩٥٩ و٤٥٦٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٣٨).\n(^٢) النهاية (٥/ ٢٥٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٣٩٥) والعلل (٣٩٢)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٧٦ (٤٠٢٢) والكبرى (٣٤٣٥)، وابن أبى عاصم في الديات (٢) والزهد (١٣٧)، والبزار (٢٣٩٣). قال الترمذي في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: الصحيح عن عبد الله بن عمرو موقوف. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أسنده، عن شعبة إلا ابن أبي عدي. وأخرجه في السنن عقب (١٣٩٥)، وسعيد بن منصور (٦٧٣)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٧٦ (٤٠٢٣) و٦/ ٤٧٧ (٤٠٢٤) موقوفا. وقال: وهذا أصح من حديث ابن أبي =","vol":"10","page":350},{"text":"٣٦٧٨ - وروى النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قتل الْمُؤمن أعظم عِنْد الله من زَوَال الدُّنْيَا (^١).\n\n٣٦٧٩ - وروى ابْن مَاجَه عَن عبد الله بن عَمْر قَالَ رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- يطوف بِالْكَعْبَةِ وَيَقُول مَا أطيبك وَمَا أطيب رِيحك مَا أعظمك وَمَا أعظم حرمتك وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لحُرْمَة الْمُؤمن عِنْد الله أعظم من حرمتك مَاله وَدَمه اللَّفْظ لِابْنِ مَاجَه (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، وتقدم وتقدم معنى الحديث.\n_________\n= عدي وفي الباب عن سعد، وابن عباس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وبريدة. حديث عبد الله بن عمرو هكذا رواه ابن أبي عدي، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -ﷺ- وروى محمد بن جعفر، وغير واحد، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء فلم يرفعه، وهكذا روى سفيان الثوري، عن يعلى بن عطاء موقوفا وهذا أصح من الحديث المرفوع. وصحح الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٣٩).\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في الأهوال (١٩٢)، وابن أبى عاصم في الزهد (١٣٩) والديات (٢)، والنسائي في الكبرى (٣٤٣٨) والمجتبى ٦/ ٤٧٧ (٤٠٢٥)، وابن الأعرابى (١٦٤١)، وابن عدى في الكامل (٢/ ١٨١)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٥٤ رقم ٤٩٥٧)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٣٢٤). وقال الألباني: حسن صحيح غاية المرام (٤٣٩)، وصحيح الترغيب (٢٤٤٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢)، والطبراني في الشاميين (١٥٦٨). قال البوصيري في الزجاجة ٤/ ١٦٤: هذا إسناد فيه مقال نصر بن محمد ضعفه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٤١). وضعفه في غاية المرام (٤٣٥)، الضعيفة (٥٣٠٩).","vol":"10","page":351},{"text":"٣٦٨٠ - وَعَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة -﵄- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَو أَن أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض اشْتَركُوا فِي دم مُؤمن لأكبهم الله فِي النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد وأبي هريرة -﵄-، وتقدم الكلام عليهما.\nقوله: \"لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار\" الحديث، الكب يكون على الوجه كما في الحديث الآخر وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.\n\n٣٦٨١ - وروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قتل بِالْمَدِينهِ قَتِيل على عهد رَسُول الله -ﷺ- لم يعلم من قَتله فَصَعدَ النَّبِي -ﷺ- الْمِنْبَر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس يقتل قَتِيل وَأَنا فِيكُم وَلَا يعلم من قَتله لَو اجْتمع أهل السَّمَاء وَالْأَرْض على قتل امرئ لعذبهم الله إِلَّا أَن يفعل مَا يَشَاء (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٣٩٨). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وأبو الحكم البجلي هو عبد الرحمن بن أبي نعم الكوفي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٤٢)، الروض النضير (٩٢٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٣ رقم ١٢٦٨١)، وابن عدى (٨/ ٥١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٤١ رقم ١٥٨٦٤)، وفي شعب الإيمان (٧/ ٢٦٠ رقم ٤٩٦٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٥٣٧). وقال أبو نعيم: غريب من حديث حبيب، تفرد به عنه العلاء. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عطاء بن أبي مسلم، وثقه ابن حبان وضعفه جماعة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٧١) وضعيف الترغيب (١٤٥١).","vol":"10","page":352},{"text":"قوله: \"من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة\" الحديث، شطر الكلمة هو نصفها، قال سفيان بن عيينة: هو أن يقول أن يعني لا يتم كلمة اقتل، أ. هـ وكما قال ﵇: كفى بالسيف شا معناه: شافيا، ورأيت أيضًا: كفى بالسيف شا، يريد شاهدًا، فهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات في إسناده يزيد وهو [تالف وقال] أبو حاتم ابن حبان الحديث باطل موضوع وهو غير مساعد على ذلك لكثرة طرقه [ورواه] الحافظ أبو نعيم في الحلية من حديث عمر بن الخطاب عن النبي -ﷺ- ثم قال: هذا غريب تفرد به حكيم عن خلف (^١)، قلت: [ضعفه]، يحيى بن معين وغيره و[...] (^٢) فيه بعضهم، ورواه البيهقي مرسلا (^٣) والله أعلم.\n\n٣٦٨٢ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير من حَدِيث أبي بكرَة عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَو أَن أهل السَّمَاوَات وَالْأَرْض اجْتَمعُوا على قتل مُسلم لكبهم الله جَمِيعًا على وُجُوههم فِي النَّار (^٤).\n\n٣٦٨٣ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أعَان على قتل مُؤمن بِشَطْر كلمة لَقِي الله مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله رَوَاهُ ابْن مَاجَه والأصبهاني وَزَاد قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة هُوَ أَن يَقُول أق يَعْنِي لَا يتم كلمة اقْتُل (^٥).\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٥/ ٧٤).\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الكبرى (٨/ ٤١ رقم ١٥٨٦٨) عن الزهري مرسلًا.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٣٤٠ رقم ٥٦٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٣٠٤) وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٩٧: رواه الطبراني في الصغير، وفيه جسر بن فرقد وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٤٣).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٢٦٢٠)، وابن أبي عاصم في الديات (ص ٣)، وأبو يعلى (٥٩٠٠)، =","vol":"10","page":353},{"text":"٣٦٨٤ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أعَان على دم امرئ مُسلم بِشَطْر كلمة كتب بَين عَيْنَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة آيس من رَحْمَة الله (^١).\n\n٣٦٨٥ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن لَا يحول بَينه وَبَين الْجنَّة ملْء كف من دم امرئ مُسلم أَن يهريقه كَمَا يذبح بِهِ دجَاجَة كلما تعرض لباب من أَبْوَاب الْجنَّة حَال الله بَينه وَبَينه وَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن لَا يَجْعَل فِي بَطْنه إِلَّا طيبا فَلْيفْعَل فَإن أول مَا ينتن من الْإِنْسَان بَطْنه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات وَالْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعا هَكَذَا وموقوفا وَقَالَ الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف (^٢).\n_________\n= والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٣٨١، وابن عدي في الكامل (٩/ ١٣٤)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٤١ رقم ١٥٧٦٥ و١٥٨٦٦) والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٣٢٩ م)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٠٤). قال ابن عدى: وهذان الحديثان يرويه يزيد بن أبي زياد الشامي، عن الزهري وليس بمحفوظ.\nوليزيد غير هذين الحديثين وكل رواياته مما، لا يتابع عليه في مقدار ما يرويه. وقال ابن الجوزي: وقال أبو حاتم بن حبان: هذا حديث موضوع لا أصل له من حديث الثقات. وقال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١٢٢: هذا إسناد ضعيف يزيد بن أبي زياد الدمشقي قال فيه البخاري وأبو حاتم منكر الحديث زاد أبو حاتم ذاهب الحديث ضعيف كان حديثه موضوع وقال النسائي متروك الحديث وقال الترمذي ضعيف الحديث. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٣) وضعيف الترغيب (١٤٥٢).\n(^١) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٨٨) و(١/ ٣١٥)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٥٦ رقم ٤٩٦٢)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٣٢٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٠٣) وضعيف الترغيب (١٤٥٣).\n(^٢) أخرجه الفسوي في مشيخته (٨٨)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤ رقم ٤٩٥) والكبير (٢/ ١٥٩ - ١٦٠ رقم ١٦٦٠ - ١٦٦٢) و(٢/ ١٦٥ رقم ١٦٨١) و(٢/ ١٦٧ رقم =","vol":"10","page":354},{"text":"قوله: وعن جندب بن عبد الله تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم أن يهريقه كما يذبح به دجاجة\" الحديث، يهراق بضم الياء وفتح الهاء وقيل بسكونها معنى الحديث [من قدر أن لا يجعل القتل بغير الحق حائلا بينه وبين الجنة فليفعل وفيه تغليظ عقوبة القتل، وإنما قلله تسفيها لرأي من يرتكب هذا المحظور تهجينا لفعله؛ فإنه يفوت على نفسه الجنة التي عرضها السماوات والأرض بهذا الحقير]، والدجاجة بفتح الدال وكسرها وضمها ثلاثة أوجه وتقدم الكلام عليها في كتاب الجمعة.\n\n٣٦٨٦ - وَعَن مُعَاوِيَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كل ذَنْب عَسى الله أَن يغفره إِلَّا الرجل يَمُوت كَافِرًا أَو الرجل يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن معاوية -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n= ١٦٨٥)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٦٠ رقم ٤٩٦٦)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٦/ ٦٧ - ٦ - ٦٧).\nوقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٣١ - ٢٣٢: رواه الطبراني من طريقين في إحداهما: ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وفي الأخرى علي بن سليمان الكلبي، ولم أعرفه، وبقية رجالهما ثقات. وصححه الألباني في المشكاة (٥٣٢٧) والصحيحة (٣٣٧٩) وصحيح الترغيب (٢٤٤٤).\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٩٩ (١٦٩٠٧)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٧٣ (٤٠١٩) والكبرى (٣٤٣٢)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٦٥ رقم ٨٥٨) والشاميين (٤٩٧)، والحاكم ٤/ ٣٥١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٤٥)، غاية المرام (٤٤١).","vol":"10","page":355},{"text":"قوله: \"كل ذنب عسى الله أن يغفره\" أي: لا بد أن يغفره الله \"إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا\" أي: قصدا مستحلا وكذلك حديث أبي الدرداء الذي بعده بمعناه.\n\n٣٦٨٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول كل ذَنْب عَسى الله أَن يغفره إِلَّا الرجل يَمُوت مُشْركًا أَو يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n\n٣٦٨٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَنه سَأَلَهُ سَائل فَقَالَ يَا أَبَا الْعَبَّاس هَل للْقَاتِل من تَوْبَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس كالمعجب من شَأْنه مَاذَا تَقول فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَسْأَلته فَقَالَ مَاذَا تَقول مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا قَالَ ابْن عَبَّاس سَمِعت نَبِيكُم -ﷺ- يَقُول يَأْتِي الْمَقْتُول مُتَعَلقا رَأسه بِإِحْدَى يَدَيْهِ متلببا قَاتله بِالْيَدِ الْأُخْرَى تشخب أوداجه دَمًا حَتَّى يَأْتِي بِهِ الْعَرْش فَيَقُول الْمَقْتُول لرب الْعَالمين هَذَا قتلني فَيَقُول الله ﷿ للْقَاتِل تعست وَيذْهب بِهِ إِلَى النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَاللَّفْظ لَهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ (٤٩٥)، وأبو داود (٤٢٧٠)، وابن أبي عاصم في الديات ص ٦ - ٧، والبزار (٢٧٢٩)، وابن حبان (٥٩٨٠) والطبراني في الأوسط (٩٢٢٨)، وفي الشاميين، (١٣٠٨)، وأبو بكر الأسماعيلي في معجم شيوخه ترجمة (٢٣٣)، والحاكم ٤/ ٣٥١،، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ١٥٣، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٩ - ٤٠ رقم ١٥٨٦١). وصححة الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٥١١) وصحيح الترغيب (٢٤٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في الأهوال (١٨٨)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٨٦ رقم ٤٢١٧) والكبير (١٠/ ٣٠٦ رقم ١٠٧٤٢)، وعبد الغنى المقدسي في تحريم القتل (٢٢). قال =","vol":"10","page":356},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"يأتي المقتول متعلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله باليد الأخرى\" الحديث، أي: أخذ بلبته، واللبة بفتح اللام والموحدة موضع القلادة من الصدر يقال أخذت بتلبيبه ثم جررته يقال لببه وتلابيبه إذا جمعت ثيابه عند صدره ثم جررته وكذلك إذا جعلت في عنقه حبلا أو ثوبا و[أمسكته] به والمتلبب موضع القلادة واللبة موضع الذبح والتاء في التلبية زائدة قاله ابن لأثير (^١)، يقال: لببه وأخذ بتلبية أخذ جعل في عنقه حبلا أو نحوه والملبب موضع القلادة وكذا اللبة واللبب، أ. هـ قاله صاحب المغيث وقال الجوهري: اللبة بفتح اللام والباء الموحدة المشددتين المنحر.\nقوله: \"تشخب أوداجه دما حتى يأتي به العرش\" الحديث، الشخب السيلان وقد خب يشخب ويشخب بضم العين، أي: عين الكلمة، وفتحها، وأصل الشخب ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة، قاله في النهاية أي: أن الدم يمتد من الأوداج إلى الأرض في سيلانه ومنه الحديث فأخذ بمشاقص فقطع براجمه فشخبت يداه حتى مات (^٢)، ويقال: شخبت اللبن فانشخب قاله صاحب المغيث (^٣)،. هـ.\n_________\n= الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن الفضل إلا أبو أويس، تفرد به: ابنه إسماعيل. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٩٧: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٩٧) وصحيح الترغيب (٢٤٤٧).\n(^١) النهاية (١/ ١٩٣).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٥٠).\n(^٣) المجموع المغيث (٢/ ١٨٠).","vol":"10","page":357},{"text":"قوله: \"وأوداجه\" والأوداج جمع الودج بالواو والمهملة والجيم وهو ما أحاط بالعتق من العروق التي يقطعها الذابح وقيل الودجان عرقان غليظان عن يمين ثغرة النحر ويسارها، وقيل: مستبطنان في العنق وقيل في الأخدع وفي الحديث: \"كل ما أفرى الأوداج\" قاله صاحب المغيث أيضًا (^١).\n\n٣٦٨٩ - وَرَوَاهُ فِيهِ أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ يَجِيء الْمَقْتُول آخِذا قَاتله وأوداجه تشخب دَمًا عِنْد ذِي الْعِزَّة فَيَقُول يَا رب سل هَذَا فيمَ قتلني فَتقُول فيمَ قتلته قَالَ قتلته لتَكون الْعِزَّة لفُلَان قيل هِيَ لله (^٢).\n\n٣٦٩٠ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا أصبح إِبْلِيس بَث جُنُوده فَيَقُول من أخذل الْيَوْم مُسلما ألبسته التَّاج قَالَ فَيَجِيء هَذَا فَيَقُول لم أزل بِهِ حَتَّى طلق امْرَأَته فَيَقُول يُوشك أَن يتَزَوَّج وَيَجِيء لهَذَا فَيَقُول لم أزل بِهِ حَتَّى عق وَالِديهِ فَيَقُول يُوشك أَن يَبرهُمَا وَيَجِيء هَذَا فَيَقُول لم أزل بِهِ حَتَّى أشرك فَيَقُول أَنْت أَنْت وَيَجِيء هَذَا فَيَقُول لم أزل بهِ حَتَّى قتل فَيَقُول أَنْت أَنْت ويلبسه التَّاج رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٣/ ٣٩٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٣٤ رقم ٧٦٦) والكبير (١٠/ ١٨٧ رقم ١٠٤٠٧)، وعبد الغنى المقدسي في تحريم القتل (٦٨). قال الطبراني: لم يروه عن عاصم إلا عكرمة ابن عبد الله البناني من أهل البصرة، تفرد به: الفيض بن وثيق الثقفي. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٩٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الفيض بن وثيق وهو كذاب. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٤٨).\n(^٣) أخرجه الروياني (٥٥٢)، وابن حبان (٦١٨٩)، والحاكم ٤/ ٣٥٠. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٨٠)، وصحيح الترغيب (٢٤٤٩).","vol":"10","page":358},{"text":"قوله: وعن أبي موسى -﵁- تقدم.\nقوله: \"إذا أصبح إبليس بث جنوده\" وتقدم الكلام على إبليس لعنه الله في أواخر كتاب النكاح والبث النشر.\n\n٣٦٩١ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من قتل مُؤمنا فاغتبط بقتْله لم يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ثمَّ روى عَن خَالِد بن دهقان سَأَلت يحيى بن يحيى الغساني عَن قَوْله فاغتبط بقتْله قَالَ الَّذين يُقَاتلُون فِي الْفِتْنَة فَيقْتل أحدهم فَيرى أحدهم أَنه على هدى لَا يسْتَغْفر الله الصّرْف النَّافِلَة وَالْعدْل الْفَرِيضَة وَقيل غير ذَلِك وَتقدم فِيمَن أَخَاف أهل الْمَدِينَة (^١).\nقوله: وعن عبادة بن الصامت -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله\" الحديث.\nوقوله: سألت يحيى بن يحيى الغساني، أي: هو رواي الحديث عن قوله \"فاغتبط بقتله\" قال: الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى [أحدهم] أنه على هدى لا يستغفر الله منه، أ. هـ قاله المنذري، قال أبو سليمان الخطابي (^٢): فاغتبط بقتله يريد أنه قتله ظلما لاعن القصاص يقال غبطت الناقة فاغتبطها\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٩٦)، وأبو داود (٤٢٧٠)، وابن أبى عاصم في الديات (ص ٧)، والطبراني في مسند الشاميين (١٣١١ و١٣١٢)، والدانى في الفتن (٩٦)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٩ - ٤٠ رقم ١٥٨٦١ - ٢١٥٨٦٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٥٠).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٣٤٣).","vol":"10","page":359},{"text":"إذا نحرتها من غير داء أو آفة تكون بها ومات فلان غبطة إذا مات شابا واحتضر قيل أوان الشيب والهرم وهذا التقييد يدل على أنه من الغبطة بالغين المعجمة وهي الفرح والسرور وحسن الحال لأن القاتل يفرح قتل خصمه فإذا كان المقتول مؤمنا وفرع فقتله دخل في هذا الوعيد وقال الخطابي في معالم السنن وشرح هذا الحديث قال: اغتبط قتله أي قتله ظلما. لا عن قصاص وذكر حديث من اغتبط مؤمنا قتلا فإنه قود أي قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة وتوجب قتله فإن القاتل يقاد به ويقتل وكل من مات بغير علة فقد اغتبط ومات فلان غبطة أي شاببا صحيحا وغبطت الناقة واغتبطتها إذا ذبحتها من غير مرض ولم يذكر الخطابي قول خالد ولا تفسير يحيى بن يحيى، أ. هـ قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا\" أي فريضة ولا نافلة على أحد التفاسير في ذلك وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في إخافة أهل المدينة وإرادتهم بسوء.\n\n٣٦٩٢ - وَعَن أبي سعيد -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يخرج عنق من النَّار يتَكَلَّم يَقُول وكلت الْيَوْم بِثَلَاثَة بِكُل جَبَّار عنيد وَمن جعل مَعَ الله إِلَهًا آخر وَمن قتل نفسا بِغَيْر حق فينطوي عَلَيْهِم فيقذفهم فِي حَمْرَاء جَهَنَّم رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَلَفظه تخرج عنق من النَّار تَتَكلَّم بِلِسَان طلق ذلق لها عينان تبصر بهما وَلها لِسَان تَتكلَّم بِهِ فَتَقول إِنِّي أمرت بِمن جعل مَعَ الله إِلَهًا آخر وَبِكُل جَبَّار\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ١٧٢).","vol":"10","page":360},{"text":"عنيد وبمن قتل نفسا بِغَيْر نفس فتنطلق بهم قبل سَائِر النَّاس بِخَمْسِمِائَة عَاما، وَفِي إسناديهما عَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا رُوَاة الصَّحِيح وَقد رُوِيَ عَن أبي سعيد من قَوْله مَوْقُوفا عَلَيْهِ (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد -﵁- تقدم.\nقوله: \"يخرج عنق من النار\" أي: طائفة منها ومنه حديث الحديبية وإن [نحرا يكن] عنق قطعها الله أي: جماعة من الناس العنق جمعه أعناق، والأعناق الرؤساء والعنق الجماعة من الناس مذكر، وجاء القوم عنقا عنقا أي: طوائف قاله المنذري، قال العلماء: يحتمل أن يكون بعد الحساب وتطاير الكتب في اليمين والشمال وتعظيم الخلق ويدل على هذا قوله في الحديث الآخر، وبالمصورين فإنهم وإن كانوا موحدين فلا بد لهم من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٠ (١١٣٥٤)، وهناد في الزهد (١/ ٢٠٣)، وعبد بن حميد (٨٩٦)، وحنبل في جزئه (٦٨)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٥٠٠ و٣٥٠١)، وأبو يعلى (١١٣٨) و(١١٤٦) والمعجم (١٧٧)، والخرائطي في المساوئ (٥٧٩)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٠٣ رقم ٣١٨) و(٤/ ٢٠٣ رقم ٣٩٨١)، وابن عدى في الكامل (٤/ ١٧٣)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٣/ ٣٥٦)، والبيهقي في البعث (٥٢٥ و٥٢٦).\nقال البزار: وحديث مطرف عن عطية لا نعلم رواه عنه إلا صالح، ولا نعلم أسند أشعث بهذا الإسناد إلا هذا الحديث. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٩٢: رواه البزار واللفظ له، وأحمد باختصار، وأبو يعلى بنحوه، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٨/ ٢٢٢): رواه عبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي واللفظ له وأحمد بن حنبل، ومدار أسانيدهم على عطية العوفي، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٩٩) وصحيح الترغيب (٢٤٥١).","vol":"10","page":361},{"text":"حساب وسؤال وبعده يكونون أشد الناس عذابا وإن كانوا كافرين مشركين [فيكون ذكرهم تكرارًا في الكلام على أنا نقول:\nقال بعض العلماء: ذكر الله تعالى الحساب جملة وجاءت الأخبار بذلك، وفي بعضها ما يدل على أن كثيرًا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، فصار الناس إذًا ثلاث فرق: فرقة لا يحاسبون أصلًا، وفرقة تحاسب حسابًا يسيرًا، وهما من المؤمنين، وفرقة تحاسب حسابًا شديدًا يكون منها مسلم وكافر، وإذا كان من المؤمنين من يكون أدنى إلى رحمة الله فلا يبعد أن يكون من الكفار من هو أدنى إلى غضب الله فيدخله النار بغير حساب]، وذكر ابن المبارك عن شهر بن حوشب عن ابن عباس أن بعد أخذ النار هؤلاء الثلاثة تنشر الصحف وتوضع الموازين وتدعى الخلائق للحساب، أ. هـ قاله القرطبي (^١).\nقوله: \"يتكلم بلسان طلق ذلق\" قال الجوهري: لسان طلق ذلق [وطَليقٌ ذليقٌ، وطُلُقٌ ذُلُقٌ وطُلَقٌ ذُلَقٌ: أربع لغات وَالْمرَاد الانطلاق والحدة].\nقوله: \"ذلق\" أربع لغات، أ. هـ، والله أعلم.\nوقوله: \"فتنطوي في حمراء جهنم\" الانطواء هو [الاشتمال].\nوقوله: \"فيقذفهم\" والقذف هو [الرمي بقوة].\n\n٣٦٩٣ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قتل معاهدا لم يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن رِيحهَا يُوجد من مسيرَة أَرْبَعِينَ عَاما رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنه قَالَ من قتل قَتِيلا من أهل الذِّمَّة لم\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٦٧٥ - ٦٧٦).","vol":"10","page":362},{"text":"يرح بِفَتْح الرَّاء أَي لم يجد رِيحهَا وَلم يشمها (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، تقدم.\nقوله: \"من قتل معاهدا\" المعاهد ذمي أو كافر حربي دخل دار الإسلام بأمان لتجارة أو رسالة لا يجوز قتله أو ظلمه.\nقوله: \"لم يرح رائحة الجنة\" أي: لم يجد ريحها ولم يشمها يقال: راح يريح وراح يراح وأراح يريح إذا وجد رائحة الشيء وهذا يروي على ثلاثة أوجه لم يَرَح ولم يَرِح ولم يُرح بضم الياء وهذا محمول على التحذير و[الوعيد]، ويحتمل أنه [لا يجد في] ذلك ثم يدخل الجنة على [...] (^٢) يحمل ذلك على المستحل وهذا إن جاز [...] (^٣) ولكنه بفضله لا يخلد مسلما في النار.\n\n٣٦٩٤ - وَعَن أبي بكرَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من قتل معاهدا فِي غير كنهه حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَزَاد أَن يشم رِيحهَا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٦٦) و(٦٩١٤)، وابن ماجه (٢٦٨٦)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٦٣ (٤٧٩٣).\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) بياض بالأصل.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٩٢٠)، وابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ٤٥٧ (٢٧٩٤٦)، وأحمد ٥/ ٣٦ (٢٠٣٧٧) و٥/ ٣٨ (٢٠٤٠٣)، والدارمى (٢٦٩٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٢٨)، وأبو داود (٢٧٦٠)، والبزار (٣٦٧٩)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٦١ (٤٧٩٠) والكبرى (٦٩٢٣)، والحاكم (٢/ ١٤٢). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٥٣)، وصحيح الجامع (٦٤٥٦).","vol":"10","page":363},{"text":"٣٦٩٥ - وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَ من قتل رجلا من أهل الذِّمَّة لم يجد ريح الْجنَّة وَإِن رِيحهَا ليوجد من مسيرَة سبعين عَاما (^١).\n\n٣٦٩٦ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ من قتل نفسا معاهدة بِغَيْر حَقّهَا لم يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن ريح الْجنَّة ليوجد من مسيرَة مائَة عَام فِي غير كنهه أَي فِي غير وقته الَّذِي يجوز قَتله فِي حِين لَا عهد لَهُ (^٢).\nقوله: وعن أبي بكرة -﵁- تقدم.\nقوله: \"من قتل معاهدا\" المعاهد هو بفتح الهاء ويجوز كسرها وهو من دخل بلادنا بأمان أو عقد له ذمة أو أجير ولو ساعة من نهار فلا تصح معاهدة الرقيق ولا عقد الذمة له فمن شرطه أن يكون حرا أ. هـ قاله شارح الإلمام.\nقوله: \"في غير كنهه\" أي: في غير وقته الذي يجوز فيه حين لا عهد له كذا ذكره المنذري فالكنه الحقيقة وكنه الأمر حقيقته وقيل وقته وقدره وقيل غايته يعني من قتله في غير [وقته] أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله ومنه الحديث: \"لا تسأل المرأة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣٧ (١٨٠٧٢) و٥/ ٣٦٩ (٢٣١٢٨)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٦٢ (٤٧٩٢) والكبرى (٦٩٢٥)، وأبو نعيم في المعرفة (٧٢٨١) عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-. وأخرجه أحمد ٢/ ١٨٦ (٦٧٤٥)، والنسائي في الكبرى (٦٩٢٦) و(٨٦٨٩) والمجتبى ٧/ ٣٦٣ (٤٧٩٣)، وابن أبى عاصم في الديات (ص ٤٦)، والبزار (٢٣٧٣)، وابن الجارود (٨٣٤)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٥١ - ٤٥٢ رقم ١٤٣٠٨)، والحاكم (٢/ ١٢٦ - ١٢٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٢٩ رقم ١٦٤٨٣) و(٩/ ٣٤٥ رقم ١٨٧٣٣). وقال ابن حجر في موافقة الخبر الخبر (٢/ ١٨٢): هذا حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٥٣)، وغاية المرام (٤٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٤٨٨١) و(٧٣٨٢) و(٧٣٨٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٥٣)، وصحيح الجامع (٦٤٥٦).","vol":"10","page":364},{"text":"طلاقها في غير كنهه\" أي في غير أن تبلغ من الأذى إلى الغاية التي تعذر في سؤال الطلاق معها قاله المنذري فالمعاهد يدخل فيه الذمي والمستأمن فلا يقتل المستأمن الأبعد عوده إلى مأمنه وفي هذا الحديث تعظيم تحريم الغدر وأن من عقد له ذمة أو أمنه مسلم عصم دمه وماله وكذلك يحرم ظلمه وأذاه إلا ما وردت به السنة في إهانته في أخذ الجزية وفي أبي داود: \"من ظلم ذميا أو انتقصه كنت حجيجه يوم القيامة\" وفيه دليل على أن المسلم لا يقتل بالذمي إذ لو كان لذكر للتنفير ولكن سبيله سبيل الذنب الكبير المتوعد عليه.\nقوله: \"لم يرح رائحة الجنة\" أي لم يشم ريحها وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما\" رواه البخاري في الجزية والديات (^١) وفي حديث آخر: \"من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله -ﷺ- لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما\" رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح (^٢) ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة يرفعه: \"من قتل نفسا [معاهدة] بغير حقها لم يرح [رائحة الجنة] وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة [مائة] عام\" (^٣)، وفي حديث آخر: \"يوجد من مسيرة ألف [عام لا] يجده عاق ولا قاطع رحم\" (^٤) قال في حدائق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٦٦) و(٦٩١٤) عن عبد الله بن عمرو.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٤٠٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧ رقم ٦٦٣)، و(٨/ ٧٦ رقم ٨٠١١). وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٩٤: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه أحمد بن القاسم ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح غير معلل بن نفيل وهو ثقة.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٨ رقم ٥٦٦٤). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن محمد بن طريف. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٤٩: =","vol":"10","page":365},{"text":"الأرواح (^١): وهذه الألفاظ لا تعارض [بينها بوجه] وريح الجنة [نوعان] ريح يوجد [في الدنيا]، تشمه الأرواح أحيانًا لا تدركه [العباد] وريح يدرك بحاسة الشم للأبدان كما تشم روائح الأزهار وغيرها [وهذا] يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة [من] قرب وبعد، وأما في الدنيا فقد يدركه من يشاء الله من أنبيائه ورسله، وقد أشهد الله ﷾ عباده في هذه الدار [آثارا من] آثار الجنة وأنموذجا منها الرائحة الطيبة واللذات المشتهاة والمناظر البهية والفواكه الحسنة والنعيم والسرور وقرة العين، وقد روى أبو نعيم من حديث الأعمش عن أبي [سفيان] عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يقول الله ﷿ للجنة طيبي لأهلك [فتزداد طيبًا] فذلك البرد [الذي يجده الناس بسحر من ذلك] كما جعل ﷾ نار الدنيا وآلامها وغمومها [تذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ (^٢) وأخبر النبي -ﷺ-: \"أن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم فلا بد أن يشهد عباده جنته وما يذكرهم بها\" والله المستعان].\nقوله: \"حرم الله عليه الجنة\" هذا الحديث يتأول على ما تقدم في نظائره من الأحاديث.\n_________\n= رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن كثير، عن جابر الجعفي، وكلاهما ضعيف جدا.\n(^١) حادى الأرواح (ص ١٦٠ - ١٦٢).\n(^٢) سورة الواقعة، الآية: ٧٣.","vol":"10","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>[الترهيب من قتل الإنسان نفسه]</span>\n٣٦٩٧ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من تردى من جبل فَقتل نَفسه فَهُوَ فِي نَار جَهَنَّم يتردى فِيهَا خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا وَمن تحسى سما فَقتل نَفسه فسمه فِي يَده يتحساه فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا وَمن قتل نَفسه بحديدة فحديدته فِي يَده يتوجأ بهَا فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وَالنَّسَائِيّ وَلأبي دَاوُد وَمن حسا سما فسمه فِي يَده يتحساه فِي نَار جَهَنَّم تردى أَي رمى بِنَفسِهِ من الْجَبَل أَو غَيره فَهَلَك يتوجأ بهَا مهموزا أَي يضْرب بهَا نَفسه (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من تردى من جبل فقتل نفسه\" الحديث، تردي أي رمى بنفسه من الجبل فهلك كذا قاله المنذري. قوله -ﷺ-: \"فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا\" الحديث، أي: ينزل فيها.\nقوله: \"فهو في نار جهنم\" فهو اسم لنار الآخرة عافانا الله منها [غير منصرف إما للعجمة والعلمية وإنا للتأنيث والعلمية (^٢)].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٧٥ - ١٠٩)، وأبو داود (٣٨٧٢)، والترمذي (٢٠٤٣) و(٢٠٤٤)، وابن ماجه (٣٤٦٠)، والنسائي في الكبرى (٢١٠٣) والمجتبى ٤/ ١٠٩ (١٩٨١)، والبزار (٩١٧٥ و٩١٧٦).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢١/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"10","page":367},{"text":"قوله: \"ومن تحسى سما فقتل نفسه\" الحديث، السم بضم السين وفتحها وكسرها ثلاث لغات أفصحهن الفتح الثالثة في المطالع وجمعه سمام وسموم (^١).\nقوله: \"فسمه في يده يتحساه في نار جهنم\" الحديث، ومعنى يتحساه يشربه في تمهل ويتجرعه (^٢).\nقوله: \"ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها\" هو بالجيم وهمزة آخره ويجوز تسهيلها بقلب الهمزة ألفا قال الحافظ ﵀ ومعناه يضرب بها نفسه أ. هـ.\nقوله: \"خالدا مخلدا فيها أبدا\" قيل فيه أقوال أحدها: أنه محمول على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم فهذا كافر وهذه عقوبته، والثاني: أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام كما يقال خلد الله ملك السلطان والثالث: أن هذا جزاؤه ولكن تكرم الله ﷾ فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلما، أ. هـ، قاله النووي في شرح مسلم (^٣).\nوقال غير النووي: وقد اختلف الناس في هذه النصوص على طرق أحدها القول بظاهرها وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار وهو قول الخوارج والمعتزلة ثم اختلفوا فقالت الخوارج هم كفار فإنه لا يخلد في النار إلا الكفار وقالت المعتزلة ليسوا بكفار بل فساق مخلدون في النار هذا كله إذا لم يتوبوا وقالت فرقة بل هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وتقدم ذلك\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢١).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٥).","vol":"10","page":368},{"text":"في الذي قاله النووي وأما من فعلها يعتقد تحريمها لم يلحقه هذا الوعيد وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الخلود وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال: لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرًا والنبي -ﷺ- إنما قال من فعل كذا وكذا وقالت فرقة ثالثة الاستدلال بهذه النصوص مبنى على ثبوت العموم وليس في اللغة ألفاظ عامة (^١).\nففي هذا الحديث دليل على أن القصاص من القاتل يكون بمثل ما قتل به محددا كان أو غيره اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه والاستدلال بهذا لهذا ضعيف (^٢).\nوفي هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة (^٣).\n\n٣٦٩٨ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الَّذِي يخنق نَفسه يخنقها فِي النَّار وَالَّذِي يطعن نَفسه يطعن نَفسه النَّار وَالَّذِي يقتحم يقتحم فِي النَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٤).\nقوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٩٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٣) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩/ ١٢٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٣٦٥) دون قوله والذي يقتحم فإنه من رواية الإمام أحمد ٢/ ٤٣٥ (٩٦١٨) وابن حبان (٥٩٨٧).","vol":"10","page":369},{"text":"قوله -ﷺ-: \"الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعن نفسه يطعن نفسه النار والذي يقتحم يقتحم في النار\" يخنقها بضم النون، ويطعنها بفتح العين وضمها والاقتحام معناه [الدخول في الشيء بغتة من غير روية] وفي الحديث إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي فإن هذا عوقب في بدنه ففيه رد على المرجئة القائلين بأن هذه المعاصي لا تضر.\n\n٣٦٩٩ - وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنَا جُنْدُب بن عبد الله فِي هَذَا الْمَسْجِد فَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَدِيثا وَمَا نَخَاف أَن يكون جُنْدُب كذب على رَسُول الله -ﷺ- قَالَ كَانَ بِرَجُل جراح فَقتل نَفسه فَقَالَ الله بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ فَحرمت عَلَيْهِ الْجنَّة (^١).\n\n٣٧٠٠ - وَفِي رِوَايَة كَانَ فِيمَن قبلكُمْ رجل بِهِ جرح فجزع فَأخذ سكينا فحز بهَا يَده فَمَا رقأ الدَّم حَتَّى مَاتَ فَقَالَ الله بادرني عَبدِي بِنَفسِهِ الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَلَفظه قَالَ إِن رجلا كَانَ مِمَّن كَانَ قبلكُمْ خرجت بِوَجْهِهِ قرحَة فَلَمَّا آذته انتزع سَهْما من كِنَانَته فنكأها فَلم يرقإ الدَّم حَتَّى مَاتَ قَالَ ربكُم قد حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة رقأ مهموزا أَي جف وَسكن جَرَيَانه الكنانة بِكَسْر الْكَاف جعبة النشاب نكأها بِالْهَمْز أَي نخسها وفجرها (^٢).\nقوله: وعن الحسن البصري، تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٤) و(٣٤٦٣)، ومسلم (١٨٠ و١٨١ - ١١٣)، وابن حبان (٥٩٨٨ و٥٩٨٩).\n(^٢) انظر ما قبله.","vol":"10","page":370},{"text":"قوله: حدثنا جُندب بن عبد الله في هذا المسجد فما نسينا منه حديثا، الحديث، جندب يجوز في أوله الفتح والضم وهو جندب بن عبد الله البجلي العلقي بفتح العين واللام، والعلق بطن من بجيلة ومنهم خمسة من نسبه إلى جده فيقول جندب بن سفيان كنيته أبو عبد الله كان بالكوفة ثم صار إلى البصرة (^١).\nقوله -ﷺ-: \"برجل جراح فقتل نفسه\" الحديث وفي رواية: \"خرج به خراج\" والخراج بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء هو القرحة والقرحة بفتح القاف وإسكان الراء وهي واحدة القروح وهي حبات تخرج في بدن الإنسان (^٢).\nوقيل: بثرة تخرج في بدن الإنسان والبثرة بفتح الباء الموحدة وإسكان الثاء المثلثة وبفتحها أيضا لغتان وهي خراج صغاروقيل بثر وجهه وبثَر وبثُر ثلاث لغات (^٣).\nوخص بعضهم به الوجه والمشهور أنه يعم الوجه وسائر البدن (^٤) وروى ابن السني والنسائي في اليوم والليلة عن بعض أزواج النبي -ﷺ- قالت: دخل علي النبي -ﷺ- وقد خرج من أصبعي بثرة فقال: \"عندك ذريرة\" قلت: نعم، فوضعها عليها وقال: قولي اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغر [ما بي]\n_________\n(^١) الاستيعاب (١/ ٢٥٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٣) الأذكار (ص ١٣٢) للنووي.\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٢١١).","vol":"10","page":371},{"text":"فطفيت (^١)، أ. هـ، والذريرة هي فتات قصب من قصب الطيب يجاء به من الهند (^٢).\nقوله: \"فقال الله تعالى بدرني عبدي بنفسه\" وفي الرواية الأخرى: \"بادرني عبدي بنفسه\" الحديث، فيه دليل للمعتزلة أن القاتل يقطع أجل المقتول وأنه لو تركه لعاش إلى أجله ومذهب أهل السنة أنه لا يموت أحد إلا بأجل وأن القاتل لم يقطع أجل المقتول وإنما قتله عند انتهاء أجله، ووجب القصاص لتعديه وفعله به هذا الفعل الشنيع ويتأول قوله تعالى: \"بادرني بنفسه\" باعتبار ما في ظن الذي قتل نفسه فإنه قد ظن أن الأجل كان متأخرًا عن ذلك الوقت أو أنه بادر إلى تعاظم سبب إزهاق روحه ولو ترك هو هذا السبب لخلق الله تعالى سببا لهلاكه غير القتل فهذا معنى المبادرة فهي مبادرة إلى تعاطي سبب الموت وليست مبادرة إلى الموت فاعرفه ذكره ابن العماد في شرح العمدة.\nقوله تعالى: \"فحرمت عليه الجنة\" أما تحريم الجنة عليه فيحتمل أن يكون مشركا قد ضم إلى شركه هذا الفعل أو مستحلا لذلك فإن لم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٧٠ (٢٣١٤١)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٠٣) وعمل اليوم والليلة (١٠٣١)، وابن السنى (٦٣٥)، والحاكم (٤/ ٢٠٧)، وأبو نعيم في الطب (٤٨٩)، وابن حجر في نتائج الأفكار (٤/ ١٥٧). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٩٥ - ٩٦: رواه أحمد، وفيه مريم بنت أبي إياس، تفرد عنها عمرو بن يحى، وهو ومن قبله من رجال الصحيح. وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٦٨).\n(^٢) الأذكار (ص ١٣٢) للنووى.","vol":"10","page":372},{"text":"يكن كان تحريم الجنة المرتفعة القدر من بين الجنان أو المنع من دخول الجنة في أول الأمر إلى أن يعذب بالنار لأنه إذا وقع العرض دخل قوم الجنة وقوم إلى النار أ. هـ قاله في [كشف المشكل] (^١).\nوقال بعض العلماء في قوله: \"حرمت عليه الجنة\" فإن قيل: المؤمن لا بد أن يدخل عاقبة أمره الجنة وإن كان صاحب الكبائر؟ قلت: معناه حرمت عليه قبل دخوله النار أو جنة خاصة لأن الجنان كثيرة أو هو من باب التغليظ أو إذا كان مستحلا للقتل أو التحريم جزاؤه، وقد يعفى عنه أو هو مقدر بمشيئة الله (^٢) أ. هـ.\nفهذا الوعيد إن حمل على ظاهره خص به من فعل ذلك مستحلا [فلذلك حرمت الجنة] وإلا فالمؤمن لا يخلد في النار ولعل حرم عليه في أول الأمر ليذوق وباله بإدخاله النار ثم ينجيه منها بفضله ورحمته وقيل: يحتمل أنه كان كافرا أو راتد من الجراحة والله أعلم فيحمل على تحريم الجنة قبل أن يعذب أو على تحريمها عليه حين يدخلها السابقون والأبرار إذا فتحت أبوابها لهم أو يطيل حسابه أو يحبس في الأعراف هذا كلام القاضي قال النووي: ويحتمل أن شرع أهل ذلك العصر تكفير أصحاب الكبائر (^٣).\nقوله: في الرواية الأخرى: \"فأخذ سكينا فجز بها يده فما رقا الدم حتى مات\" وجز يده أي قطعها أو بعضها.\n_________\n(^١) كشف المشكل (٢/ ٤٦) لابن الجوزي.\n(^٢) الكواكب الدرارى (٧/ ١٤١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٧).","vol":"10","page":373},{"text":"وقوله: \"فلم يرقا الدم\" الحديث، ورقأ الدم، قال الحافظ: هو مهموز، أي: جف وانقطع وكذا قولها \"لا يرقأ لي دمع\" أي انقطع قاله عياض (^١).\nوقوله -ﷺ- في صحيح مسلم: \"إن رجلا كان ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها\" تقدم الكلام على القرحة والكنانة بكسر الكاف جعبة النشاب قاله المنذرى والجعبة بفتح الجيم وسميت كنانة لأنها تكن السهام: أي تسترها (^٢).\nوقوله: \"فنكأها\" بالهمز أي نخسها وفجرها، أ. هـ قاله الحافظ المنذري ثم إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت ولغير مصلحة فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حرامًا (^٣).\nتنبيه: ويدل على ذلك الحديث الصحيح في مسلم في الرجل الذي هاجر إلى النبي -ﷺ- وأصابته في يده آفة فأخذ مشاقصه فجز بها أصابعه فما رقأ الدم حتى مات فرئ بعد موته فقيل له ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى النبي -ﷺ- إلا ما كان من يدي فإنه قيل لي أنا لي نصلح منك ما أفسدت فقال رسول الله -ﷺ- بعدما قصت عليه الرؤيا: \"اللهم وليديه فاغفر\" (^٤) وسبب استحقاق الوعيد الدخول إلى الدار الآخرة بغير إذن والله أعلم قاله ابن العماد.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٩٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٤).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ١٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦١٤)، ومسلم (١٨٤ - ١١٦) عن جابر.","vol":"10","page":374},{"text":"فائدة: وفي الحديث دليل على أن نفس الإنسان مملوكة لله تعالى لا يحل للإنسان التصرف فيها بما يضرها ولا يحل له أن يقتل نفسه في مسائل منها إذا أحاطت به النار وتحقق أنه لا يمكنه التخلص منها إلا بأن يلقي نفسه في بئر أو حفرة فيموت فيجوز له ذلك مراعاة لتوقع الصلاة عليه ودفنه.\nالثانية: إذا وقع في أيدي المشركين وتحقق أنهم يمثلون به لمؤلم يقتل نفسه فهذا من العوارض المبيحة للقتل وليس من الأشياء المبيحة للقتل أن يزني وهو محصن ويريد قتل نفسه بل طريقه أن يرفع نفسه إلى الإمام ويقر ليقتله والستر على نفسه أولى، أ. هـ قاله ابن العماد.\n\n٣٧٠١ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة -﵁- أَن رجلا كَانَت بِهِ جِرَاحَة فَأتى قرنا لَهُ فَأخذ مشقصا فذبح بِهِ نَفسه فَلم يصل عَلَيْهِ النَّبِي -ﷺ- رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه الْقرن بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء جعبة النشاب والمشقص بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْقَاف سهم فِيهِ نصل عريض وَقيل هُوَ النصل وَحده وَقيل سهم فِيهِ نصل طَوِيل وَقيل النصل وَحده وَقيل هُوَ مَا طَال وَعرض من النصال (^١).\nقوله: وعن جابر بن سمرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن رجلًا كانت به جراحة فأتى قرنا له فأخذ مشقصا فذبح به نفسه فلم يصل عليه النبي -ﷺ-\" الحديث، القرن: هو جعبة النشاب، والمشقص: قد\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣١٨٥)، وابن ماجه (١٥٢٦)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٠٨ (١٩٨٠)، وابن حبان (٣٠٩٣) و(٣٠٩٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٥٧)، والأحكام (٨٤).","vol":"10","page":375},{"text":"ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو سهم فيه نصل عريض، وقيل: هو النصل وحده، وقيل: سهم فيه نصل طويل، وقيل: ما طال وعرض من النصال، أ. هـ. وقيل: هو [السكين] (^١) وقد رواه الطبراني بمشقص (^٢)، وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلي على قاتل نفسه لعصيانه ومذهب أهل السنة أنه لا يكفر [من قتل نفسه] ونصوا على أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وتقدم في المديون أنهم كانوا يصلون عليه وهو متعلق الذمة وحاله أشد ممن ذنبه فيما بينه وبين الله وإنما ترك الصلاة عليه تحذيرا من مثل فعله وتعظيما لذنبه وبهذا قال مالك زجرا لهم ولعل هذا القاتل كان مستحلا القتل نفسه فمات كافرا فلم يصل عليه لذلك وهذا مذهب عمر عبد العزيز، وأما المسلم القاتل لنفسه أو لغيره فيصلي عليه عند الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبي حنيفة والشافعي وجماهير العلماء خلافا للأوزاعي وقال أحمد: لا يصلي عليه الإمام ويصلي عليه غيره وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك النبي -ﷺ- في أول الأمر الصلاة على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائها وأمر الصحابة بالصلاة عليه فقال: \"صلوا على صاحبكم\" قال القاضي عياض: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه ومرتكب الكبائر وولد الزنا، وعن الإمام\n_________\n(^١) قاله الداودي كما في المشارق (٢/ ٢٥٧) وإكمال المعلم (٤/ ٣٢٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٣٠ رقم ١٩٥٦).","vol":"10","page":376},{"text":"مالك وغيره: أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد الزنا وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرا لهم، وعن الزهري: لا يصلي على المرجوم ويصلي على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة: لا يصلي على محارب ولا على قتل الفئة الباغية، وقال قتادة: لا يصلي على ولد الزنا، وعن الحسن: لا يصلي على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها، ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير والله أعلم (^١) ذكره ابن العماد في شرح العمدة.\nوفرق بعضهم بين قاتل نفسه لعدم إمكان التوبة متعجلا فلا يصلي عليه بخلاف قاتل غيره وأما من قتل في حد فتقدم ونقل عن الشافعي أنه لا يصلي على تارك الصلاة إذا قتل والصحيح أنه يصلي عليه وفي أبي داود: \"صلوا على من قال لا إله إلا الله\" (^٢) قاله شارح الإلمام.\n\n٣٧٠٢ - وَعَن أبي قلَابَة -﵁- أَن ثَابت بن الضَّحَّاك -﵁- أخبرهُ بِأَنَّهُ بَايع رَسُول الله -ﷺ- تَحت الشَّجَرَة وَأَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من حلف على يَمِين بِملَّة غير الْإِسْلَام كَاذِبًا مُتَعَمدا فَهُوَ كمَا قَالَ وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ على رجل نذر فِيمَا لَا يملك وَلعن الْمُؤمن كقتله وَمن رمى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٤٧ رقم ١٣٦٢٢)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩١٣)، والدارقطني (١٧٦١ - ١٧٦٣) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢١٧). قال ابن عدى: منكر. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٦٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن الفضل بن عطية وهو كذاب. وضعفه الألباني في الإرواء (٧٢٨) وضعيف الجامع (٣٤٨٣).","vol":"10","page":377},{"text":"مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقتله وَمن ذبح نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَلَفظه إِن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ على الْمَرْء نذر فِيمَا لَا يملك ولا عن الْمُؤمن كقاتله وَمن قذف مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقاتله وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذبه الله بِمَا قتل بِهِ نَفسه يَوْم الْقِيَامَة (^١).\nقوله: وعن أبي قلابة -﵁- اسمه [عبد الله بن زيد بن عمرو، أبو قلابة الجرمي البصري، أحد الأئمة الأعلام].\nقوله: أن ثابت بن الضحاك -﵁- أخبره بأنه بايع رسول الله تحت الشجرة، الحديث ثابت بن الضحاك بن [خليفة بن ثعلبة بن عدي ابن كعب بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبو زيد المدني، سكن البصرة. وهو أخو جبيرة بن الضحاك، وثبيتة بنت الضحاك، التي كان محمد بن مسلمة يطاردها ببصره ليتزوجها، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف رسول الله -ﷺ-، يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد روى عنه: أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وعبد الله بن معقل بن مقرن المزني (^٢)].\nوالمبايعة مأخوذة من البيع وتقدم الكلام على ذلك.\nقوله -ﷺ-: \"من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال\" الحديث، الحلف بالشيء هم القسم به، وهذا الحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٤٧) و(٦١٠٥) و(٦٦٥٢)، ومسلم (١٧٦ و١٧٧ - ١١٠)، وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (١٥٢٧) و(٢٦٣٦)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٣٠٩ (٣٨٠٣) و(٣٨٠٤) و٦/ ٣٣٥ (٣٨٤٧) والكبرى (٤٧٣٦).\n(^٢) الاستيعاب لابن عبد البر: ١/ ٢٠٥ وأسد الغابة: ١/ ٢٢٦، والإصابة: ١/ ١٩٤.","vol":"10","page":378},{"text":"له صورتان، الأولى: أن يقول ودين اليهودية أو دين النصرانية لا أفعل كذا فهذا حكمه حكم من حلف باللات والعزى، وسيأتي الكلام على ذلك، اللات قيل إنها تأنيث اسم الله تعالى وقيل أرادوا في الجاهلية أن يسموا بعض آلهتهم باسم الله تعالى فصرف ألسنتهم عن ذلك فقالوا اللات صيانة للاسم العظيم أن يسمي به غيره ولما نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى الحلق بها وأنعم عليها بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف جعل كفارة ذلك قول لا إله إلا الله إفراد الألوهية وتذكيرا من الغفلة وإتماما للنعمة وخص اللات بالذكر هنا لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم وحكم غيرها من أسماء آلهتهم كذلك، الصورة الثانية: قال النووي إذا حلف بشيء من الأصنام، أو يقول: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني وبرئ من الإسلام أو من النبي -ﷺ- فهذا ليس بيمين لأن اليمين لا تنعقد بغير اسم الله تعالى وصفاته ولكن يحرم عليه الحلف بذلك كما قاله النووي في الأذكار [بل عليه] أن يستغفر الله تعالى [ويقول لا إله إلا الله] ولا كفارة [عليه سواء فعله أم لا] هذا مذهب الشافعي ومالك ومالك وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في ذلك (^١).\nولا يترتب على ذلك الكفر في الحال لأنه قصد بذلك إبعاد نفسه عن الفعل فإن قصد تعليق الكفر على الفعل كفر في الحال هذا إن حلف على مستقبل فإن حلف على ماض كقوله إن كنت فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني فظاهر الحديث أنه يصير كافرا لأنه -ﷺ- قال: \"فهو كما قال\"، وقد\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٠٧).","vol":"10","page":379},{"text":"اختلف الحنفية في تكفيره فقيل يكفر كما لو قال هو يهودي وقيل لا يكفر كما لو حلف بذلك على مستقبل ولم يقصد تعليق الكفر على الفعل ولا الرضى به، ثم إن كان الحلف به معظما لما حلف به مجلا له كان كافرا وإن لم يكن معظما بل كان قلبه مطمئنا بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به ولا يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام، ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر ويراد به كفر الإحسان وكفر نعمة الله تعالى فإنها تقتضي أن لا يحلف هذا الفعل القبيح (^١)، أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة\" الحديث، يؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في استحقاق إثم القتل ووجوب الكفارة في ماله لأن نفس الإنسان ليست ملكا له بل هي ملك لله تعالى (^٢).\nوقوله: \"عذب به\" أي: بمثله، واستدل على اعتبار المماثلة في القصاص فيقتل القاتل بما قتل به محددا كان أو غير محدد، ويحتمل أن يكون المراد عذب بنفس تلك الألة التي قتل بها نفسه ويدل عليه قوله -ﷺ-: \"من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا\" والخلود محمول على المكث الطويل أو على تأبيد الخلود إن فعل ذلك مستحلا للقتل وتقدم ذلك من كلام النووي في أول الباب أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"وليس على رجل نذر فيما لا يملك\" فيه أنه لا يصح النذر فيما لا يملك ولا يلزم بهذا النذر شيء، وفيه دليل على أن التصرفات الواقعة قبل\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٦).\n(^٢) إحكام الأحكام (٢/ ٢٦١).","vol":"10","page":380},{"text":"الملك باطلة وأن بيع الفضولي وتصرفاته باطلة، فلو باع عبد الغير أو أعتقه أو نذر نذرا متعلقا به لغى ذلك، وهذه التصرفات المالية، أما تعليق الطلاق على النكاح فاختلفوا فيه فالشافعي يلغيه كالأول ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ولعن المؤمن كقتله\" الحديث، فالظاهر أن المراد أنهما سواء في أصل التحريم وإن كان القتل أغلظ، وقال في موضع آخر: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف، قال القاضي عياض: وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل لعنته تقتضي قطع منافعه الأخروية وبعده منها بإباحة لعنته فهو كمن قتل في الدنيا وقطعت عنه منافعه منها، وقيل: معناه استواؤهما في التحريم وفي اللعنة قطعا عن الرحمة وهي أبلغ ضررا من قطع الحياة بالقتل (^٢)، أ. هـ.\nفائدة: واتفق العلماء على تحريم اللعن فإنه في اللغة الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطيعة، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه مسلم كان أو كافرا أو دابة إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ٢٦٢).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٦٣).","vol":"10","page":381},{"text":"الواصلة والمستوصلة والواشمة وآكل الربا وموكله والمصورين والظالمين والفاسقين والكافرين ولعن من غير منار الأرض ومن تولي غير مواليه ومن انتسب إلى غير أبيه ومن أحدث في الإِسلام حدثا أو آوي محدثا وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان والله أعلم. أ. هـ.\nتنبيه: ومن الكبائر أن يقول لمسلم يا كافر أو يا عدو الله.\nفرع: لو دعا على مسلم فقال: اللهم اسلبه الإيمان فقد جزم النَّووي في الأذكار بأنه يعصي بذلك، قال: وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء فيه وجهان حكاهما القاضي حسين في الفتاوي أصحهما لا يكفر وقال العلماء وقال شخص لو كان فلان نبيا ما آمنت به كفر واختلفوا فيمن دعا على شخص فقال لا ختم الله له بخير أو أسلبه الإيمان كما تقدم فقال بعضهم أنه يكفر لأنه رضي بموته على الكفر والرضى بالكفر كفر واحتج لهذا بقوله تعالى إخبار عن موسى ﵊: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ (^١) الآية، وينبغي أن يكون محل الخلاف إذا قصد بذلك أن يكون عقوبة له لأجل ما فعل لأنه رضي بالكفر فإن الرضى بالكفر كفر والله أعلم (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله\" وتقدم معنى القتل.\nوقوله: \"ومن ذبح نفسه بشيء عذب به يوم القيامة\" تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٨٨.\n(^٢) الأذكار (ص ٥٥٤ - ٥٥٥).","vol":"10","page":382},{"text":"٣٧٠٣ - وَعَن سهل بن سعد - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - التقى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتلُوا فَلَمَّا مَال رَسُول الله - ﷺ - إِلَى عسكره وَمَال الْآخرُونَ إِلَى عَسْكَرهمْ وَفِي أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - رجل لا يدع لَهُم شَاذَّة وَلا فاذة إِلَا اتبعها يضْربهَا بِسَيْفِهِ فَقَالُوا مَا أَجْزَأَ منا الْيَوْم أحد كَمَا أَجْزَأَ فلَان فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - أما إِنَّه من أهل النَّار (^١).\n\n٣٧٠٤ - وَفِي رِوَايَة فَقَالُوا أَيّنَا من أهل الْجنَّة إِن كَانَ هَذَا من أهل النَّار فَقَالَ رجل من الْقَوْم أَنا صَاحبه أبدا قَالَ فَخرج مَعَه كلما وقف وقف مَعَه وَإِذا أسْرع أسْرع مَعَه قَالَ فجرح الرجل جرحا شَدِيدا فاستعجل الْمَوْت فَوضع سَيْفه بِالْأَرْضِ وذبابه بَين ثدييه ثمَّ تحامل على سَيْفه فَقتل نَفسه فَخرج الرجل إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أشهد أَنَّك رَسُول الله قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ الرجل الَّذِي ذكرت آنِفا أَنه من أهل النَّار فأعظم النَّاس ذَلِك فَقلت أَنا لكم بِهِ فَخرجت فِي طلبه حَتَّى جرح جرحا شَدِيدا فاستعجل الْمَوْت فَوضع نصل سَيْفه بِالأَرْضِ وذبابه بَين ثدييه ثمَّ تحامل عَلَيْهِ فَقتل نَفسه فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الرجل ليعْمَل عمل أهل الْجنَّة فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل عمل أهل النَّار فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢) الشاذة بالشين الْمُعْجَمَة والفاذة بِالْفَاءِ وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة فيهمَا هِيَ الَّيي انْفَرَدت عَن الْجَمَاعَة وأصل ذَلِك فِي المنفردة عَن الْغنم فَنقل إِلَى كل من فَارق الْجَمَاعَة وَانْفَرَدَ عَنْهَا.\n_________\n(^١) انظر ما بعده.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٩٨) و(٤٢٠٢) و(٤٢٠٧) و(٦٤٩٣) و(٦٦٠٧)، ومسلم (١٧٩ - ١١١).","vol":"10","page":383},{"text":"قوله: وعن سهل بن سعد - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: وفي أصحاب النبي - ﷺ - رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، الحديث، هذا الرجل اسمه قزمان قاله الخطيب البغدادي وكان من المنافقين.\nقوله: \"شاذة ولا فاذة\" الشاذة بالشين المعجمة، والفاذة بالفاء وتشديد الذال المعجمة فيهما هي التي انفردت عن الجماعة وأصل ذلك في المنفردة عن الغنم فنقل إلى كل من فارق الجماعة وانفرد عنها، أ. هـ قاله المنذري.\nوقال غيره: الشاذ والشاذة الخارج والخارجة عن الجماعة والتاء في الشاذة والفاذة للمبالغة فيهما، قال القاضي عياض: أنث الكلمة على معنى النسمة أو تشبيه الخارج بشاذة الغنم ومعناه أنه لا يدع أحدا على طريق المبالغة أي لا يدع من الناس أحدا ولا من شذ وفذ أي انفرد ولا يسلم منه من خرج من جماعة الجيش ولا من فيه وإنما هي عبارة عن المبالغة أي لا يدع نفسا إلا قتلها واستقصاها، قال ابن الأعرابي: يقال لا يدع شاذة ولا فاذة إذا كان شجاعا لا يلقاه أحد إلا قتله (^١)، وقيل: الشاذة هو الذي يكون مع الجماعة ثم يفارقهم والفاذة وهو الذي لم يكن قط قد اختلط بهم (^٢).\nقوله: فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد، الحديث معناه: ما أغني وأكفى أحد غناءه وكفايته (^٣).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).\n(^٢) الكواكب الدرارى (١٢/ ١٦٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٣).","vol":"10","page":384},{"text":"قوله: فقال رسول الله - ﷺ - \"أما إنه من أهل النار\" أما بمعنى الاستفتاح.\nتنبيه: فإن قلت: القتل هو معصية والعبد لا يكفر بالمعصية هو من أهل الجنة لأنه مؤمن، قلت: لعل رسول الله - ﷺ - علم بالوحي أنه ليس مؤمنا أو أنه سيرتد حيث يستحل قتل نفسه، أو المراد من كونه من أهل النار أنه من العصاة الذين يدخلون النار ويخرجون منها، وفيه: أن الاعتبار بالخواتيم وبالنيات وأن الله تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، أ. هـ قاله الكرماني (^١).\nقوله: فقال رجل من القوم أنا صاحبه أبدا، كذا وقع في الأصول ومعناه أنا أصحبه في خفية وألازمه أدا لأنظر السبب الذي يصير به من أهل الناء فإن فعله في الظاهر جميل وقد أخبر النبي - ﷺ - أنه من أهل النار فلابد له من سبب عجيب، قاله النَّووي.\nقوله: \"فوضع سيفه بالأرض\" وفي رواية أخرى \"فوضع نصل سيفه بالأرض\" يعني به: ما يلي القبيعة، القبيعة هي التي تكون على رأس قائمة السيف وقيل ما تحت شارب السيف، وفي الحديث كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة، الحديث، والنصل في اللغة هو السيف كله.\nقوله: \"وذبابه بين ثدييه\" وذباب السيف بضم الذال وتخفيف الباء هو طرفه الأسفل المحدد الذي يضرب به وحسامه وظبته وغربا السيف جانباه.\nوقوله: \"بين ثدييه\" هو تثنية ثدي بفتح الثاء وهو مذكر على اللغة الفصيحة قال ابن فارس: الثدي للمرأة ويقال لذلك الموضع من الرجل [ثندوة وثندؤة\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١٢/ ١٦٣ - ١٦٤).","vol":"10","page":385},{"text":"بالفتح بلا همزة وبالضم مع الهمزة] وقال الجوهري: والثدي للمرأة والرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعمل الثدي للرجل والله أعلم (^١).\nوقوله: \"آنفا\" أي: قريبا وفيه لغتان المد وهو أفصح والقصر.\nوقوله - ﷺ -: \"إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة\" الحديث، ففي هذا الحديث التحذير من الاغترار بالأعمال وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقنطه من رحمة الله تعالى، قال: ومعنى قوله - ﷺ -: \"أن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة وأنه من أهل النار\" وكذا عكسه أن هذا قد يقع والله أعلم ذكره النووي في شرح مسلم (^٢).\nواعلم أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسباب ولها طرق وأبواب أعظمها الإنكباب على الدنيا والإعراض عن الآخرة والإقدام بالمعصية على الله تعالى (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٣ - ١٢٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٣) قاله عبد الحق الإشبيلي كما في الجواب الكافى (ص ١٦٥ - ١٦٦).","vol":"10","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>[الترهيب أنه يحضر الإنسان قتل إنسان ظلما أو ضربه وما جاء فيمن جرد ظهر مسلم بغير حق]</span>\nعَن خَرشَة بن الْحر - ﵁ - وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لا يشْهد أحدكُم قَتِيلا لَعَلَّه أَن يكون مَظْلُوما فتصيبه السخطة رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبَرَانِيّ إِلَا أَنه قَالَ فَعَسَى أَن يقتل مَظْلُوما فتنزل السخطة عَلَيْهِم فَيُصِيبهُ مَعَهم ورجالهما رجال الصَّحِيح خلا ابْن لَهِيعَة (^١).\nقوله: عن خرشة بن الحر - ﵁ -[خرشة هو بخاء معجمة، ثم راء، ثم شين معجمة مفتوحات وبعدهن هاء، وهو خرشة بن الحر، بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، الفزارى الكوفى، مات سنة أربع وسبعين. ذكر البخاري في تاريخه الكبير وغيره من العلماء أنه كان يتيما في حجر عمر بن الخطاب، - ﵁ -، قال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: خرشة بن الحر، له صحبة، وأخته سلامة بنت الحر لها صحبة، قال محمد بن سعد: توفي في ولاية بشر بن مروان على الكوفة، وقال خليفة بن خياط، وابن حبان: مات سنة أربع\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٦٧ (١٧٥٢٢)، والبزار (٣٣٣٧ - كشف الأستار)، والطبرانى في الكبير (٤/ ٢١٨ رقم ٤١٨١)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص ٥٣٢) وأبو نعيم (٢٥٤٩) عن خرشة بن الحارث. قال البزار: لا نعلم روى خرشة إلا هذا الحديث بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٤: رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: \"فعسى أن يقتل مظلوما؛ فتنزل السخطة عليهم، فتصيبه معهم\". وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥٠٥).","vol":"10","page":387},{"text":"وسبعين (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"لا يشهد أحدكم قتيلا لعله أن يكون مظلوما فتصيبه السخطة\" الحديث، لا يشهد: معناه لا يضحر، والسخط ضد الرضى، وقال الطبراني في روايته: \"فعسى أن يقتل مظلوما فتنزل السخطة عليهم فيصيبه معهم\".\n\n٣٧٠٥ - وَعَن ابْن عباس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا يَقِفن أحدكُم موقفا يقتل فِيهِ رجل ظلما فَإِن اللَّعْنه تنزل على كل من حضر حِين لم يدفعوا عَنهُ وَلا يَقِفن أحدكُم موقفا يضْرب فِيهِ رجل ظلما فَإِن اللَّعْنة تنزل على من حَضَره حِين لم يدفعوا عَنهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يقفن أحدكم موقفا يقتل فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على [كل] من حضر حين لم يدفعوا عنه\" الحديث، في هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز دخول العاجز عن تغيير المنكر إلى أماكن الظلم والفسق ومواطن\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٢٣)، وتهذيب الكمال (٨/ الترجمة ١٦٨٢).\n(^٢) أخرجه أبو عبيد في الخطب والمواعظ (٦)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٢٧١ رقم ٣٥٤٧) والمطالب (٢١٣٥)، والعقيلى في الضعفاء (١/ ٢٣)، والدينورى في المجالسة (١٠٦)، والطبرانى في الكبير (١١/ ٣٦٥ رقم ١١٦٧٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٤٥)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٦٦ - ٦٧ رقم ٧١٧٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٦٣٠). قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث أسد وعكرمة، لم يروه عنه فيما أعلم إلا مندل بن علي العنبري. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٤: رواه الطبراني، وفيه أسد بن عطاء، قال الأزدي: مجهول، ومندل وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٥٦).","vol":"10","page":388},{"text":"المعاصي والمنكرات من غير ضرورة فلا يجوز له دخول دور الظلمة وأماكن المكوس والمصادرات والحمامات التي أهلها مكشوفة العورات والأماكن التي يعلم أن فيها نساء غير مستترات، ويحرم عليه حضور دعوة فيها منكر لا يستطيع تغييره وقد لا يوجد والله أعلم ذكره ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n\n٣٧٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من جرد ظهر مُسلم بغَيْر حق لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: وعن [أبي هريرة] أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من جرد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان\" تقدم معنى غضب الله تعالى.\n\n٣٧٠٧ - وَرُوِيَ عَن عصمَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ظهر الْمُؤمن حمى إِلَا بِحقِّهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وعصمة هَذَا هُوَ ابْن مَالك الخطمي الْأنْصَارِيّ (^٣).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١١٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٠ رقم ٢٣٣٩)، والكبير (٨/ ١١٦ رقم ٧٥٣٦) والشاميين (٨٢٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن زياد إلا اليمان.\nوقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٣: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده جيد.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٧٥) وضعيف الترغيب (١٤٥٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٨٠ رقم ٤٧٦). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٣: رواه الطبراني، وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (١٤٥٨) والضعيفة (٣٨٤٤).","vol":"10","page":389},{"text":"قوله: وروي عن عصمة - ﵁ - وعمة هذا هو ابن المبارك الخطمي الأنصاري قاله المنذري.\nقوله - ﷺ -: \"ظهر [المؤمن] المسلم حمى إلا بحقه\" والحق المراد به ما يسوغ شرعا من [الأقوال والأفعال].","vol":"10","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>[الترغيب في العفو عن القاتل والجاني والظالم والترهيب من إظهار الشماتة بالمسلم]</span>\n٣٧٠٨ - عَن عدي بن ثَابت قَالَ هشم رجل رجل على عهد مُعَاوِيَة فَأعْطى دِيَته فَأبى أَن يقبل حَتَّى أعْطى ثَلاثًا فَقَالَ رجل إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تصدق بِدَم أَو دونه كَانَ كَفَّارَة لَهُ من يَوْم ولد إِلَى يَوْم تصدق رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح غير عمرَان بن ظبْيَان (^١).\nقوله: عن عدي بن ثابت [هو عدى بن ثابت الأنصارى الكوفى، ابن بنت عبد الله بن يزيد الخطمى ثقة، لكنه قاص الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة (^٢)].\nقوله: هشم رجل [فم] رجل على عهد معاوية فأعطى ديته فأبى أن يقبل حتى أعطى ثلاثا، الحديث، الهشم هو [الكسر].\nوقوله: على عهد معاوية أي: في خلافته وتقدم الكلام على معاوية في أماكن من هذا التعليق.\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٧٦٢)، وابن أبي عمر في إتحاف الخيرة (٤/ ٢٠٢ رقم ٣٤٢٧/ ١)، وابن أبي شيبة كما في المطالب (١٩٠٨)، وأبو يعلى (٦٨٦٩)، والطبرى في التفسير (٨/ ٤٨٧). وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٠٢: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير عمران بن ظبيان، وقد وثقه ابن حبان، وفيه ضعف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٥٩).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٩/ ترجمة ٣٨٨٣).","vol":"10","page":391},{"text":"٣٧٠٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من رجل يجرح فِي جسده جِرَاحَة فَيتَصَدَّق بهَا إِلَا كفر الله ﵎ عَنهُ مثل مَا تصدق بِهِ رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن عبادة بن الصامت - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله تعالى عنه مثل ما تصدق به\" كفر معناه [ستر ومحا].\n\n٣٧١٠ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -، ثَلَاث من جَاءَ بِهن مَعَ إِيمَان دخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ وَزوج من الْحور الْعين كم شَاءَ من أدّى دينا خفِيا وَعَفا عَن قَاتله وَقَرَأَ فِي دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة عشر مَرَّات قل هُوَ الله أحد فَقَالَ أَبُو بكر أَو إِحْدَاهُنَّ يَا رَسُول الله فَقَالَ أَو إِحْدَاهُنَّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث أم سَلمَة بِنَحْوِهِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٥٨٧)، وأحمد ٥/ ٣١٦ (٢٢٧٠١)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ٣٢٩ (٢٢٧٩٤) و٥/ ٣٣٠ (٢٢٧٩٢) ومن طريقه الضياء في المختارة ٨/ ٢٩٩ (٣٦٦) و(٣٦٧)، والنسائي في الكبرى (١١٠٨١)، والطبرى في التفسير (٨/ ٤٧٤)، والشاشي (١٣١٦)، والبغوي في تفسيره ٦/ ٤١. قال الضياء: عامر بن شراحيل الشعبي عن عبادة إسناده صحيح وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٧٢) وصحيح الترغيب (٢٤٦٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (٦٧٣) والأوسط (٣/ ٣٤٧ رقم ٣٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٤٣) والمعرفة (١٥٣٧)، والخلال في فضائل سورة الإخلاص (٥٣) عن جابر. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرد به بشر بن منصور. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عمر تفرد به بشر. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٠١ - ٣٠٢ رواه =","vol":"10","page":392},{"text":"قوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء: من أدى دينا خفيا وعفا عن قاتله وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات قل هو الله أحد، الحديث، الدين الخفي هو الذي لا يطلع على إعطائه إلا الله والعفو عن القاتل هو الصفح عنه والصلاة المكتوبة هي المفروضة ودبرها هو بعد الفراغ منها ودبر الشيء هو آخره.\n\n٣٧١١ - وَعَن أبي السّفر قَالَ دق رجل من قُرَيْش سنّ رجل من الأَنْصَار فاستعدى عَلَيْهِ مُعَاوِيَة فَقَالَ لمعاوية يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا دق سني فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة إِنَّا سنرضيك مِنْهُ وألح الآخر على مُعَاوِيَة شَأْنك بصاحبك وَأَبُو الدَّرْدَاء جَالس عِنْده فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء - ﵁ - سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من رجل يصاب بِشَيْء فِي جسده فَيتَصَدَّق بِهِ إِلَا رَفعه الله بِهِ دَرَجَة وَحط عَنهُ بِهِ خَطِيئَة فَقَالَ الأنْصَارِيّ أَنْت سمعته من رَسُول الله - ﷺ - قَالَ سمعته أذناي ووعاه قلبِي قَالَ فَإِنِّي أذرها لَهُ قَالَ مُعَاوِيَة لا جرم لَا أخيبك فَأمر لَهُ بِمَال رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَلا أعرف لأبي السّفر سَمَاعا من أبي الدَّرْدَاء\n_________\n= الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن نبهان وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٦٠).\nوأما حديث أم سلمة: أخرجه الدينورى في المجالسة (١٤٨٧)، والطبرانى في الكبير (٢٣/ ٣٩٥ رقم ٩٤٥). وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٠٢: رواه الطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم. وقال في ٨/ ١٩٠: رواه الطبراني عن شيخه إبراهيم بن محمد بن عرق، وضعفه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٧٦) وضعيف الترغيب (١٤٦١).","vol":"10","page":393},{"text":"وروى ابْن مَاجَه الْمَرْفُوع مِنْهُ عَن أبي السّفر أَيْضا عَن أبي الدَّرْدَاء وَإِسْنَاده حسن لَوْلَا الانْقِطَاع (^١).\nقوله: وعن أبي السفر، أبو السفر هو بفتح الفاء على المشهور وقيل بإسكانها وحكاه القاضي عن بعض شيوخهم واسمه سعيد بن يحمد بضم الياء وإسكان الحاء وكسر الميم ويقال ابن أحمد ويقال ابن محمد الهمداني الثوري الكوفي والد عبد الله بن أبي السفر روي عن البراء بن عازب وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي وأبي الدرداء وغيرهم ثقة صدوق من سادات التابعين مات سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ومائة قاله في الديباجة [وابنه عبد الله مات] في خلافة مراون روى له الجماعة إلا الترمذي (^٢).\nقوله: دق رجل من قريش سن رجل من الأنصار، الحديث، دق معناه كسر.\nقوله: فاستعدى عليه معاوية، معناه طلب أن يعديه أي يقويه ويعينه في تحصيل حقه قال أهل اللغة يقال: استعديت الأمير والقاضي علي فلان فاعداني أي استعنت به فأعانني والاسم منه العدوي قاله النووي في تحريره (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٤٥)، وأحمد ٦/ ٤٤٨ (٢٧٥٣٤)، والترمذى (١٣٩٣)، وابن ماجه (٢٦٩٣)، وأبو يعلى (٦٨٦٩)، والبيهقى في الكبرى (٨/ ٩٩ رقم ١٦٠٥٥).\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء، وأبو السفر اسمه سعيد بن أحمد، ويقال: ابن يحمد الثوري.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٨٢) وضعيف الترغيب (١٤٦٢).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٢٣٦) وتهذيب الكمال (١٥/ الترجمة ٣٣٠٨).\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٣٥).","vol":"10","page":394},{"text":"قال الجوهري: العدوي طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك رأي ينتقم منه (^١)،أ. هـ.\nفقوله: استعدي عليه أي رفع أمره إلى الحاكم لينصره وأعدى الحاكم فلانا على فلان نصره قاله عياض (^٢).\nقوله: وألح الآخر على معاوية فأبرمه، الحديث، الإبرام هو الإضجار أي أضجره من السؤال.\nقوله: فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله - ﷺ - قال سمعته أذناي ووعاه قلبي.\nقوله: قال معاوية: لا جرم لا أخيبك، فأمر له بمال، الحديث، لا جرم معناه [تحقيق الشيء. وقد اختلف في تقديرها، فقيل: أصلها التبرئة بمعنى لا بد، ثم استعملت في معنى حقا].\n\n٣٧١٢ - وَعَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من أُصِيب بِشَيْء فِي جسده فَتَركه لله ﷿ كانَ كفَّارَة لَهُ رَوَاهُ أَحْمد مَوْقُوفا من رِوَايَة مجَالد (^٣).\nقوله: وعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٤٢١).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٧٠).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٢ (٢٣٤٩٤)، ومسدد كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٩٨ رقم ٣٨٢٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٧/ ٧٣) مرفوعا. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣٠٢: رواه أحمد، وفيه مجالد وقد اختلط. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٥٢) وحسنه في صحيح الترغيب (٢٤٦١).","vol":"10","page":395},{"text":"قوله: \"من أصيب بشيء في جسده فتركه لله ﷿ كان كفارة له\" تقدم معنى الكفارة.\n\n٣٧١٣ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ثَلأث وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن كنت لحالفا عَلَيْهِنَّ لا ينقص مَال من صَدَقَة فتصدقوا وَلا يعْفُو عبد عَن مظْلمَة إِلَا زَاده الله بهَا عزا يَوْم الْقِيَامَة وَلا يفتح عبد بَاب مَسْأَلَة إِلَا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَله عِنْد الْبَزَّار طَرِيق لا بَأْس بهَا وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من حَدِيث أم سَلمَة وَقَالَ فِيهِ وَلا عَفا رجل عَن مظْلمَة إِلَا زَاده الله بهَا عزا فاعفوا يعزكم الله (^١).\nقوله: وعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت لحالفا عليهن\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله - ﷺ -: \"ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة\" أي:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ١٩٣ (١٦٧٤)، وعبد بن حميد (١٥٩)، والمروزى في البر والصلة (٣٠٠)، والبرتى في مسند عبد الرحمن (٤١ و٤٢)، والبزار (١٠٣٢ و١٠٣٣)، وأبو يعلى (٨٤٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨١٨ و٨١٩). قال البزار: وحديث عمر بن أبي سلمة عن أبيه، عن قاص فلسطين، عن عبد الرحمن أصح من حديث يونس بن خباب.\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٥: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وفيه رجل لم يسم.\nوله عند البزار طريق عن أبي سلمة، عن أبيه، وقال: إن الرواية هذه أصح، والله أعلم.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨١٤) و(٢٤٦٢).","vol":"10","page":396},{"text":"إذا قدر المظلوم على الانتقام ممن ظلمه وعفا زاده الله تعالى عن سبب هذا العفو عزا يوم القيامة وتقدم الكلام على المظلمة وسيأتي الكلام عليها أيضًا في هذا الباب في حديث أنس المطول والله تعالى أعلم.\n\n٣٧١٤ - وَعَن أبي كَبْشَة الأنمَارِي - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول ثَلَاث أقسم عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ مَا نقص مَال عبد من صَدَقَة وَلا ظلم عبد مظْلمَة صَبر عَلَيْهَا إِلَّا زَاده الله عزا فاعفوا يعزكم الله وَلا فتح عبد بَاب مَسْأَلَة إِلَا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر أَو كلمة نحوها الحديث رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nقوله: وعن أبي كبشة الأنماري - ﵁ - تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق.\nقوله: \"ثلاث أقسم عليهن\" الحديث، القسم هو الحلف وتقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.\n\n٣٧١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَا عزا وَمَا تواضع أحد لله إِلَا رَفعه الله ﷿ رَوَاهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣١ (١٨٠٣١)، ويعقوب بن سفيان في تاريخه ٣/ ١٩١، والترمذى (٢٣٢٥)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٤١ (٨٥٥) و٢٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦ (٨٦٨ و٨٦٩)، والبغوي (٤٠٩٧). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٦٩) و(٢٤٦٣)، والمشكاة (٥٢٨٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٦ (٩٠٠٨)، ومسلم (٦٩ - ٢٥٨٨)، والترمذي (٢٠٢٩)، وابن أبي الدنيا في التواضع (٧٩)، وابن خزيمة في الصحيح (٢٤٣٨) وفى أحاديث إسماعيل بن =","vol":"10","page":397},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ما نقص مال من صدقة\" قال القرطبي: قوله: ما نقصت صدقة من مال، فيه وجهان أحدهما أنه بقدر ما ينقص عنه يزيد الله فيه وينميه ويكثره، الثاني: أنه وإن نقص في نفسه ففي الأجر والثواب ما يجبر ذلك النقص [بإضافة] والله أعلم (^١).\nقوله: \"وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا\" فيه وجهان، أحدهما: أنه على ظاهره وأن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزه وإكرامه، والثاني: أن يكون أجره وثوابه وعزه في الآخرة (^٢).\nوقوله - ﷺ -: \"وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى\" فيه أيضًا وجهان كذلك، أحدهما: يرفعه في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس ويحل مكانه، والثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا، قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ موجودة في العادة معروفة وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في الدنيا وفي الآخرة والله تعالى أعلم (^٣).\n_________\n= جعفر (٢٧١)، وابن حبان (٣٢٤٨). وقال الألباني: صحيح \"الإرواء\" (٢٢٠٠)، \"الصحيحة\" (٢٣٢٨).\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٤١ - ١٤٢)، والمفهم (٢١/ ١١٢).\n(^٢) المصدرين السابقين.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤٢).","vol":"10","page":398},{"text":"تتمة: في رسالة القشيري في باب الجوع والتواضع، قال ابن الأعرابي: بلغني أن سفيان الثوري قال: أعز الخلق خمسة أنفس عالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني، وقيل: التواضع نعمة لا يحسد عليها والكبر [محنة] لا يرحم عليها وقيل: ركب زيد بن ثابت فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال: مه يا ابن عم رسول الله - ﷺ - فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال زيد: أرني يدك فأخرجها إليه فقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله - ﷺ - (^١)، أ. هـ.\nفالتواضع هو الإنكسار والتذلل ونقيضه [الكبر] والترفع والتواضع يقتضي متواضعا له فإن كان المتواضع له هو الله ﷿ أو من أمر الله بالتواضع له كالرسول والإمام والحاكم والعالم والوالد فهو التواضع الواجب المحمود الذي يرفع الله به صاحبه في الدنيا والآخرة وأما التواضع لسائر الخلق فالأصل فيه أنه محمود ومندوب إليه ومرغب فيه إذا قصد به وجه الله ومن كان كذلك رفع الله قدره في القلوب وطيب ذكره في الأفواه ورفع درجته في الآخرة وأما التواضع لأهل [الدنيا] ولأهل الظلم فذاك هو الذل الذي لا عز معه والخيبة التي لا رفعة معها بل يترك عليها ذل الآخرة وكل صفقة خاسرة نعوذ بالله من ذلك (^٢) أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) الرسالة (١/ ٢٧٩).\n(^٢) المفهم (٢١/ ١١٢).","vol":"10","page":399},{"text":"٣٧١٦ - وَعَن أبي بن كَعْب - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من سره أَن يشرف لَهُ الْبُنيان وترفع لَهُ الدَّرَجَات فليعف عَمَّن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه رَوَاهُ الْحَاكم وَصحح إِسْنَاده وَفِيه انْقِطَاع (^١).\nقوله: وعن أبي بن كعب - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه\" الحديث، تشريف البنيان هو إعلاؤه ورفع الدرجات هو إعلاء المنازل في الجنة.\n\n٣٧١٧ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أدلكم على مَا يرفع الله بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ تحلم على من جهل عَلَيْك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك وَتُعْطِي من حَرمك وَتصل من قَطعك رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المكارم (٥٧) والكبير (١/ ١٩٩ رقم ٥٣٤)، والحاكم (٢/ ٢٩٥).\nوصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: أبو أمية ضعفه الدارقطني وإسحاق لم يدرك عبادة. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٩: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف. وقال ابن حجر في إتحاف المهرة (١/ ٢١٦): قلت: بل فيه ضعف وانقطاع، لأن حجاج بن نصير وشيخه ضعيفان، وإسحاق لم يسمع من عبادة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٦٤).\n(^٢) أخرجه البزار (٢٧٢٧)، والطبرانى في الأوسط (٣/ ٨٨ رقم ٢٥٧٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن موسى إلا أبو أمية، تفرد به حجاج، ولا يروى عن أبي بن كعب إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٩: رواه الطبراني، وفيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف. وقال أيضا: رواه البزار، وفيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٦٥).","vol":"10","page":400},{"text":"قوله: وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات\" قالوا: نعم يا رسول الله، قال: \"تحلم على من جهل عليك\" الحديث، تقدم الكلام على رفع الدرجات في الحديث قبله وفي مواضع كثيرة.\nوقوله - ﷺ -: \"وتحلم على من جهل عليك\" الحلم هو العفو والصفح وترك المعاجلة بالعقوبة والله أعلم.\n\n٣٧١٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ثَلَاث من كن فِيهِ حَاسبه الله حسابا يَسِيرا وَأدْخلهُ الْجنَّة برحمته قَالُوا وَمَا هِيَ يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ تُعْطِي من حَرمك وَتصل من قَطعك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك فَإِذا فعلت ذَلِك تدخل الْجنَّة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد إِلَا أَنه قَالَ فِيهِ قَالَ فَإِذا فعلت ذَلِك فَمَا لي يَا رَسُول الله قَالَ أَن تحاسب حسابا يَسِيرا وَيُدْخِلك الله الْجنَّة برحمته قَالَ الْحَافِظ رَوَاهُ الثَّلَاَثة من رِوَايَة سُلَيْمَان بن دَاوُد الْيَمَانِيّ عَن يحيى بن أبي سَلمَة عَنهُ وَسليمَان هَذَا واه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢١)، والبزار (٨٦٣٥)، وأبو علي الصواف في الثالث من فوائده (١٨)، والطبرانى في الأوسط (١/ ٢٧٩ رقم ٩٠٩) و(٥/ ١٩٦ رقم ٥٠٦٤)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٢٥٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٨)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٣٩٨ رقم ٢١٠٩٢). قال البزار: سليمان بن داود ليس بالقوي، ولا يتابع على حديثه. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: سليمان بن داود اليمامي ضعيف.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٤: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود اليمامي وهو متروك. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (١٥٣٥) وضعيف الترغيب (١٤٦٦) و(١٤٩٥).","vol":"10","page":401},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا وأدخله الجنة برحمته\" الحديث، أي: ثلاث خصال.\nقوله في آخر الحديث: رواه الثلاثة من رواية سليمان بن داود اليماني [وهو واه اتفقوا على توهيته].\n\n٣٧١٩ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - أَلا أدلك على أكْرم أَخْلَاق الدُّنْيَا وَالآخِرَة أَن تصل من قَطعك وَتُعْطِي من حَرمك وَأَن تَعْفُو عَمَّن ظلمك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من رِوَايَة الْحَارِث الأعْوَر عَنهُ (^١).\n\n٣٧٢٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ ارحموا ترحموا واغفروا يغْفر لكم رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٩٥)، والطبرانى في الأوسط (٥/ ٣٦٤ رقم ٥٥٦٧)، وابن مردويه في أحاديث أبي الشيخ ابن حيان (٦٥)،، وابن عمشليق في جزئه (٢٠)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٤١٥ - ٤١٦ رقم ٧٧٢١) و(١٠/ ٣٣٥ رقم ٧٥٨٤)، والآدب (١٦٦). وقال أبو حاتم في العلل (٢١٢٥): هذا خطأ؛ إنما هو: أبو إسحاق، عن ابن أبي حسين، عن النبي (- ﷺ -)، مرسل، ونعيم هذا لا أعرفه. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا يعقوب بن أبي المتئد، تفرد به: ابنه نعيم بن يعقوب. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٨ - ١٨٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحارث وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٦٦٠) وضعيف الترغيب (١٤٦٧) و(١٤٩٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٥ (٦٥٤١) و(٦٥٤٢) و٢/ ٢١٩ (٧٠٤١)، وعبد بن حميد في المنتخب (٣٢٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٢٢، والطبرانى في الكبير (١٣/ ٦٥١ - ٦٥٢ رقم ١٤٥٧٩) والشاميين (١٠٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٣٨٩ رقم ٦٨٤٤) و(١٣/ ٤٠٣ رقم =","vol":"10","page":402},{"text":"٣٧٢١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث جرير بن عبد الله قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لا يرحم النَّاس لا يرحمه الله وَمن لا يغْفر لا يغْفر لَهُ (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدمت ترجمته.\nقوله ﷺ: \"ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم\" وفي الرواية الأخرى: \"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله\" الحديث، وفي رواية: \"وإنما يرحم الله من عباده الرحماء\" قلت: الرحماء بالنصب والرفع فالنصب على أنه مفعول يرحم، والرفع على أنه خبر إن، وتكون ما بمعنى الذي قاله العراقي في بعض أماليه، وروي في حديث آخر: \"من لا يرحم لا يرحم\" الحديث، روى: \"من لا يرحم\" بسكون الميم على أنه مجزوم بالشرط ومعناه من لا يكون من أهل الرحمة على الناس وبضم الميم على أنه حذف مفعوله أي من لا يرحم الناس وكذلك قوله: \"لا يرحم\" روي بسكون الميم على أنه جزاء الشرط وبضمها على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فهو لا\n_________\n= ١٠٥٤١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٩١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير حبان بن يزيد الشرعي، ووثقه ابن حبان، ورواه الطبراني كذلك. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٨٢) وصحيح الترغيب (٢٢٥٧) و(٢٤٦٥) وصحيح الجامع (٨٩٧).\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٦٥ (١٩٢٤٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ٣١٨، وابن حبان (٤٦٧)، والطبرانى في الكبير (٢/ ٣٥١ رقم ٢٤٧٥ و٢٤٧٦) والمكارم (٤٤)، وابن عدى في الكامل (٩/ ٦٨٦). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٩٣: رواه الطبراني، وأحمد باختصار: \"من لم يتب لم يتب عليه\". ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٨٣) وصحيح الترغيب (٢٢٥١) و(٢٤٦٦).","vol":"10","page":403},{"text":"يرحمه وتقدم الكلام على بعض هذه الأحاديث في باب الشفقة على خلق الله والله أعلم.\n\n٣٧٢٢ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ وجدنَا فِي قَائِم سيف رَسُول الله - ﷺ - اعْفُ عَمَّن ظلمك وصل من قَطعك وَأحسن إِلَى من أَسَاءَ إِلَيْك وَقل الْحق وَلَو على نَفسك ذكره رزين بن الْعَبدَرِي وَلم أره وَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع فِي صلَة الرَّحِم (^١).\nقوله: وعن علي - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: وجدنا في قائم سيف رسول الله - ﷺ - اعف عمن ظلمك وصل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك\" الحديث، قال العلماء رضي الله تعالى عنهم: فإذا كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك فهذا لابد منه وشاهده في السنة من وجوه كثيرة والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن الأعرابى في المعجم (١٥٠٧)، وأبو عمرو بن السماك في حديثه (٢/ ٢٨/ ١)، والسلفى في المشيخة - الجزء الرابع (٢٤). قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ١١٥): قال ابن الرفعة في المطلب: ليس فيه إلا الانقطاع إلى أنه يقوى بالآية، وفيما قال نظر، لأن في إسناده الحسين بن زيد بن علي، وقد ضعفه ابن المديني وغيره. وصححه الألباني في الصحيحة (١٩١١) وصحيح الترغيب (٢٤٦٧).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٠٤).","vol":"10","page":404},{"text":"٣٧٢٣ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أنَهَا سرق لَهَا شَيْء فَجعلت تَدْعُو عَلَيْهِ فَقَالَ لهَا رَسُول الله - ﷺ - لَا تسبخي عَنهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمعنى لَا تسبخي عَنهُ أَي لا تخففي عَنهُ الْعقُوبَة وتنقصي أجرك فِي الْآخِرَة بدعائك عَلَيْهِ والتسبيخ التَّخْفِيف وَهُوَ بسين مُهْملَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة وخاء مُعْجمَة (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدمت ترجمتها مرارًا.\nقوله: أن عائشة سُرق لها شيء فجعلت تدعو عليه فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"لا تسبخي عنه\" قال الحافظ: ومعنى لا تسبخي عنه أي لا تخففي عنه العقوبة وتنقصي أجرك في الآخرة بدعائك عليه، والتسبيخ التخفيف، أ. هـ.\nوقال في الديباجة: روى أحمد وأبو داود من حديث عطاء عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال لها وقد دعت على سارق وسرق لها ملحفة: \"لا تسبخي عنه بدعائك عليه\" معناه: لا تخففي عنه الإثم الذي استحقه بالسرقة، قال الخطابي (^٢): ومن هذا سبائخ القطن، وهي القطع المتطايره عند الندف، وقال الشاعر:\nفسَبخ عليك الهم واعلم بأنه ... إذا قدر الرحمن شيئًا فكائن (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٧٤ (٢٩٥٧٧)، وإسحاق (١٢٢٢)، وأحمد ٦/ ٤٥ (٢٤١٨٣) و٦/ ١٣٦ (٢٥٠٥١) و(٢٥٠٥٢) و٦/ ٢١٥ (٢٥٧٩٨)، وأبو داود (١٤٩٧) و(٤٩٠٩)، والنسائى في الكبرى (٧٣١٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٦٨).\n(^٢) شأن الدعاء (ص ١٩٦) ومعالم السنن (٤/ ١٢٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٩/ ٢٠٠).","vol":"10","page":405},{"text":"واعلم بأنه إذا قدر الرحم شيئا لكان، وهذا يدل على أن الظالم لم يخفف عنه بدعاء المظلوم عليه ويدل له ما رواه أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني أن الرجل ليظلم مظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم ويتنقصه حتى يستوفي حقه ويكون للظالم الفضل عليه (^١)، وفي الترمذي عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: \"من دعا على من ظلمه فقد انتصر\" (^٢) وفي كتاب اللطائف للقاضي أبي يوسف أن امرأة بني إسرائيل كانت صوامة قوامة سرقت لها امرأة دجاجة فنبت ريش الدجاجة على وجه السارقة وعجزوا عن إزالته عن وجهها فسألوا عن ذلك بعض علمائهم فقالوا: لا يزول هذا الريش إلا بدعائها عليها فأتتها عجوز فذكرتها بدجاتها فلم تزل بها إلى أن دعت على سارقتها دعوة فسقطت من وجهها ريشة فلم تزل تكرر ذلك إلى أن سقط جميع الريش (^٣).\nفإن قيل: مدح الله المستنصر من البغي ومدح العافي عن الجرح، قال ابن العربي: فالجواب: أن الأول محمول على ما إذا كان الباغي [وقحًا] ذا جرأة وفجور، والثاني: على من وقع منه ذلك نادرا، وقال الواحدي: كان الانتصار لأجل الدين فهو المحمود وإذا كان لأجل النفس فهو مباح لا يحمد عليه،\n_________\n(^١) الزهد (٦٨١) لابن المبارك، وحلية الأولياء (٥/ ٢٧٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٥٢)، وأبو يعلى (٤٤٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي حمزة. وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي حمزة من قبل حفظه، وهو: ميمون الأعور. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٩٣).\n(^٣) النجم الوهاج (٩/ ٢٠٠).","vol":"10","page":406},{"text":"واختلف العلماء في التحليل من المظلمة على ثلاثة أقوال فكان ابن المسيب لا يحلل أحدا من عرض ولا مال وكان سليمان بن يسار وابن سيرين يحللان منهما، ورأى مالك التحليل من العرض دون المال (^١) أ. هـ، والله تعالى أعلم.\n\n٣٧٢٤ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ -: أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِذا وقف الْعباد لِلْحسابِ جَاءَ قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دَمًا فازدحموا على بَاب الْجنَّة فَقيل من هَؤُلاءِ قيل الشُّهَدَاء كَانُوا أَحيَاء مرزوقين ثمَّ نَادَى مُنَاد ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة ثمَّ نَادَى الثَّانِيَة ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة قَالَ وَمن ذَا الَّذِي أجره على الله قَالَ الْعَافُونَ عَن النَّاس ثمَّ نَادَى الثَّالِثَة ليقمْ من أجره على الله فَلْيدْخلْ الْجنَّة فَقَامَ كَذَا وَكَذَا ألفا فَدَخَلُوهَا بغَيْر حِسَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دما فازدحموا على باب الجنة\" فذكر الحديث إلى أن\n_________\n(^١) المصدر السابق (٩/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (١٧٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٠٨)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ٤٤٧)، والطبرانى في مكارم الأخلاق (٥٥) والأوسط (٢/ ٢٨٥ رقم ١٩٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٨٧)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٥٤٣ رقم ٧٩٦٠).\nقال العقيلى: هذا يروى بغير هذا الإسناد من وجه أصلح من هذا. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الحسن تفرد به الفضل عن غالب. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٧٧) وضعيف الترغيب (١٤٦٨).","vol":"10","page":407},{"text":"قال: \"ومن ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس\" تقدم الكلام على العفو في أحاديث الباب.\n\n٣٧٢٥ - وَعَن أنس أَيْضا - ﵁ - قَالَ بَينا رَسُول الله - ﷺ - جَالس إِذْ رَأَيْنَاهُ ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ لَهُ عمر مَا أضْحكك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ رجلَانِ من أمتِي جثيا بَين يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا يَا رب خُذ لي مظلمتي من أخي فَقَالَ الله كيفَ تصنع بأخيك وَلم يبْق من حَسَنَاته شَيْء قَالَ يَا رب فليحمل من أوزاري وفاضت عينا رَسُول الله - ﷺ - بالبكاء ثمَّ قَالَ إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يحْتَاج النَّاس أَن يحمل من أوزارهم فَقَالَ الله للطَّالِب ارْفَعْ بَصرك فَانْظُر فَرفع فَقَالَ يَا رب أرى مَدَائِن من ذهب وقصورا من ذهب مكللة بِاللُّؤْلُؤِ أَي نَبِي هَذَا أَو لأي صديق هَذَا أَو لأي شَهِيد هَذَا قَالَ لمن أعْطى الثّمن قَالَ يَا رب وَمن يملك ذَلِك قَالَ أَنْت تملكه قَالَ بِمَاذَا قَالَ بعفوك عَن أَخِيك قَالَ يَا رب إِنِّي قد عَفَوْت عَنهُ قَالَ الله فَخذ بيد أَخِيك وَأدْخلهُ الْجنَّة فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - عِنْد ذَلِك اتَّقوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم فَإِن الله يصلح بَين الْمُسلمين رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث كِلاهُمَا عَن عباد بن شيبَة الحبطي عَن سعيد بن أنس عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد كَذَا قَالَ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى كما في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٩ - ٤٠) والمطالب (٤٥٩٠)، والحاكم (٤/ ٥٧٦). وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي فقال: فيه عباد بن شيبة الحبطي، عن سعيد، والأول ضعيف، وشيخه لا يعرف. وقال البخاري في التاريخ (٣/ ٤٥٩): سعيد بن أنس، عن أنس، عن النبي - ﷺ - في المظالم، لا يتابع عليه. وقال الألباني: ضعيف جدا ضعيف الترغيب (١٤٦٩).","vol":"10","page":408},{"text":"قوله: وعن أنس أيضًا - ﵁ - تقدم.\nقوله: بينا رسول الله - ﷺ - جالس، الحديث، أصل بين بمعنى وسط تقول جلست بين القوم كما تقول جلست وسط القوم ثم أشبعت فتحتها فصارت ألفا وهي ظرف زمان تقول بينا نحن نرقيه أتانا، أي: بين أوقات رقينا إياه وأسماء الزمان تضاف إلى الجمل كقولهم أتيتك زمن الحجاج أميرٌ، وتقول: بينما زيد جالس قمت وبينما قام زيد جلست أي فعله هذا الفعل في وسط أوقات جلسوه وقيامه والله أعلم.\nقوله: إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، أي: ظهرت، والثنايا جمع ثنية وهي أول ما يبدو من أسنان الإنسان عند الضحك والتبسم وهي أربع، وفي الرواية الأخرى: \"حتى بدت نواجذه\" والنواجذ بالجيم والذال المعجمة، قال أبو العباس: ثعلب، وجماهير العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم: المراد بالنواجذ هنا الأنياب، وقيل: المراد بالنواجذ هنا الضواحك والنواجذ أخرات الأسنان والأضراس في مقدم الفم الثنايا ثم الرباعيات ثم الأنياب ثم الضواحك ثم النواجذ، وقيل: المراد بها الأضراس وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه في هذا جواز الضحك وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن ولا يسقط المروءة إذا لم يجاوز الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال والله أعلم (^١)، وكان - ﷺ - ضحكه تبسما.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٤٠ - ٤١).","vol":"10","page":409},{"text":"قوله: قال: \"رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة\" جثى الرجل ويجثو جثيا ومعناه جلس على ركبتيه ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^١).\nقوله: \"فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي\" الحديث، المظلمة بفتح اللام ما تطلبه من الظالم وهو ما أخذه منك (^٢) وفي قول آخر: المظلمة حق يجب للمظلوم على الظالم وأما المصدر فالمظلمة بالحركات الثلاث على اللام.\nقوله: \"قال يا رب فليحمل من أوزاري\" الأوزار جمع وزر وهو الإتم واصل الوزر الثقل والحمل.\nقوله: \"وفاضت عينا رسول الله - ﷺ - بالبكاء\" الحديث، فاضت: معثاه سألت بالبكاء أي [بالدموع].\nقوله: \"اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم\" أي حقيقة وصلكم والله أعلم، وجميع تفسير حديث أنس هذا ذكره الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (^٣).\n\n٣٧٢٦ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَمَكْحُول قد سمع من وَاثِلَة (^٤).\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧٢.\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٩٧٧).\n(^٣) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٤) أخرجه الفسوى في المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٦٢) والمشيخة (٧٦)، والترمذى (٢٥٠٦)، والقاسم بن موسى الأشيب (٥٤)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٨١٣)، وابن الأعرابى في المعجم (١٦١٢)، والطبرانى في الأوسط (٤/ ١١٠ - ١١١ رقم ٣٧٣٩) والكبير =","vol":"10","page":410},{"text":"قوله: وعن واثلة بن الأسقع - ﵁ -: تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك\" الشماتة: هي فرح العدو ببلية تنزل بمن يعاديه، يقال: شمت به فهو شامت وأشمته غيره ومنه الحديث: \"ولا تطع فيّ عدوا شامتا\" ألا تفعل بي ما يحب فتكون كأنك قد أطعته فيّ، أ. هـ، وقال بعضهم: شماتة الأعداء هي الحزن بفرح عدوه والفرح بحزنه وهي مما ينكأ في القلب ويؤثر في النفس تأثيرا شديدا وإنما دعا النبي بذلك تعليما لأمته في قوله: \"ودرك الشقاء وسوء القضاء\" انتهى.\n\n٣٧٢٧ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من عير أَخَاهُ بذنب لم يمت حَتَّى يعمله قَالَ أَحْمد قَالُوا من ذَنْب قد تَابَ مِنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل خَالِد بن معدان لم يدْرك معَاذ بن جبل (^١).\n_________\n= (٢٢/ ٥٤ رقم ١٢٧) والشاميين (٣٨٤ و٣٣٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٨٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك وأبي هند الداري، ويقال: إنه لم يسمع من أحد من أصحاب النبي - ﷺ - إلا من هؤلاء الثلاثة ومكحول، شامي يكنى أبا عبد الله وكان عبدا فأعتق ومكحول الأزدي بصري سمع من عبد الله بن عمر، يروي عنه عمارة بن زاذان. وقال أبو نعيم: غريب من حديث برد ومكحول، لم نكتبه إلا من حديث حفص بن غياث النخعي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٤٢٦)، المشكاة (٤٨٥٦/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (١٤٧٠).\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٠٥)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٨٨) وذم الغيبة (١٥٢)، والطبرانى في الأوسط (٧/ ١٩١ رقم ٧٢٤٤)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٣٧٥)، والبيهقى في الشعب (٩/ ٦٧ - ٦٨ رقم ٦٢٧١) و(٩/ ١٢٠ رقم ٦٣٥٦)، وابن الجوزى =","vol":"10","page":411},{"text":"قوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله\" قال الإمام أحمد: من ذنب قد تاب منه، كذا قاله المنذري فكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك فيحتمل أن يريد أنها صائرة إليك ولابد أن تعملها وهذا مأخوذ من هذا الحديث، وأيضا في التعبير ضرب خفي من الشماتة بالمعير من عير أخاه بذنب فقد أظهر [...] (^١) الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب وأن أخاك هو الذي باء به ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذبة والخضوع والا [...] (^٢) على نفسه والتخلص من مرض الدعوي والكبر والعجب ووقوفه بين يدي الله تعالى ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخيرا له من صولة طاعتك وتكترث بها\n_________\n= في العلل (٣/ ٨٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وليس إسناده بمتصل وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل، وروي عن خالد بن معدان أنه أدرك سبعين من أصحاب النبي - ﷺ -، ومات معاذ بن جبل في خلافة عمر بن الخطاب، وخالد بن معدان روى عن غير واحد من أصحاب معاذ عن معاذ غير حديث.\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإسناد، تفرد به: أحمد بن منيع.\nقال ابن عدى: وهذان الحديث يرويه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وله غير ما ذكرت من الحديث ومع ضعفه يكتب حديثه. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، والمتهم به محمد بن الحسن. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٧٨)، وضعيف الترغيب (١٤٧١).\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) بياض بالأصل.","vol":"10","page":412},{"text":"والاعتداد بها والمنة على الله تعالى وخلقه بها فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله تعالى وما أقرب هذا المذل من مقت الله تعالى فذنب تذنب به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه وأنين المذنبين أحب إلينا من رجل لا [...] (^١) المدلين ولعل الله تعالى سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا فيك ولا تشعر، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو ولا يطالعها إلا أهل البصائر، أ. هـ والله أعلم.\nقوله: في آخر الحديث: خالد بن معدان لم يدرك معاذًا، أ. هـ.\nوخالد بن معدان كان من أئمة التابعين وعبادهم، قال سلمة بن شبيب: كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ فلما مات ووضع ليغسل جعل بإصبعه كذا يحركها يعني بالتسبيح.\n_________\n(^١) بياض بالأصل.","vol":"10","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>[الترهيب من ارتكاب الصغائر والمحقرات من الذنوب والإصرار على شيء منها]</span>\n٣٧٢٨ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر صقلت فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكر الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم من طريقين قال في أحدهما صحيح على شرط مسلم النكتة بضم النون وبالتاء المثناة فوق هي نقطة شبه الوسخ في المرآة (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء\" الحديث،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد/ ٢٩٧ (٧٩٥٢)، وابن ماجه (٤٢٤٤)، والترمذي (٣٣٣٤)، والنسائي في اليوم والليلة (٤١٨)، وفي التفسير من الكبرى (١١٦٥٨)، والبزار (٨٩٣٤)، وابن أبي الدنيا في التوبة (١٩٨)، والطبري في التفسير (١/ ٢٦٧) و(٢٤/ ٢٠٠)، والحاكم ١/ ٥ و٢/ ٥١٧، والبيهقي في السنن (١٠/ ٣١٦ - ٣١٧ رقم ٢٠٧٦٣)، وفي الشعب (٩/ ٣٧٣ رقم ٦٨٠٨) والبغوي في شرح السنة (١٣٠٤) وابن عساكر في معجم الشيوخ (٧٤).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال ابن عساكر: حديث حسن. وقال الذهبي في المهذب: إسناده صالح الفيض ٢/ ٣٧٢. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٦٩) و(٣١٤١).","vol":"10","page":414},{"text":"النكتة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي نقطة شبه الوسخ في المرآة وتقدم ذلك أيضا في الاستغفار.\nقوله: \"فإن هو نزع واستغفر صقلت\" أي تاب ورجع.\nقوله: \"فذلك الران\" تقدم تفسير الران أيضًا في الاستغفار وغيره.\n\n٣٧٢٩ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وإن رسول الله - ﷺ - ضرب لهن مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها رواه أحمد والطبراني والبيهقي كلهم من رواية عمران القطان وبقية رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح ورواه أبو يعلى بنحوه من طريق إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عنه وقال في أوله إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات يوم القيامة الحديث ورواه الطبراني والبيهقي أيضا موقوفا عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي في مسنده (٤٠٠)، وعنه أحمد في الزهد (٧٩) والمسند ١/ ٤٠٢ (٣٨١٨) ومن طريقه أخرجه أبو الشيخ في الأمثال (٣١٩)، والبيهقي في الشعب (١/ ٤٥٦ - ٤٥٧ رقم ٢٨١) والكبرى (١٠/ ٣١٦ رقم ٢٠٧٦٢)، والحميدى (٩٨)، وأبو يعلى (٥١٢٢)، والشاشى (٨٠٧)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٢ رقم ١٠٥٠٠) وفي الأوسط (٣/ ٢٧ رقم ٢٥٢٩)، والحاكم ٢/ ٢٧، والبيهقى في الآداب (٨٤٠) والشعب (٩/ ٤٠٤ رقم ٦٨٧٧) و(٩/ ٥٣٨ - ٥٣٩ رقم ٧٠٦٧). وصححه الحاكم =","vol":"10","page":415},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه\" الحديث.\nواعلم أنه كما يجب اجتناب الكبائر والموبقات كذلك يجب اجتناب الصغائر والمحقرات لأن الصغيرة الواحدة متى أصر عليها العبد صارت من الكبائر والصغائر إذا اجتمعن أهلكن يوم تبلي السرائر، والمقصود أن العاقل اللبيب الطالب نجاة نفسه يوم القيامة بجب أن يتفطن للصغائر من الذنوب لأن أكثرها خفي لا يدركه كثير من الناس لكثرة وجودها وعدم إنكارها وغلبة الجهل بمحلها من الدين فنذكر جملا من الصغائر المحرمة والأمور المنهى عنها على سبيل الإيجاز لينكرها من رآها ويحترز منها من رما النجاة والله ولي المتقين لا رب غيره والصغائر كثيرة لا تنحصر (^١).\nفمنها: الضحك من غير عجب، ومنها: الضحك عند خروج الريح؛\n_________\n= ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٨٩: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داود القطان، وقد وثق.\nوقال أيضا: رواه أبو يعلى، وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٧٠)، والروض النضير ٣٥١.\nوأخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٧٨) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ١٥٩ رقم ٨٧٩٦) والبيهقى في الآداب (٨٣٩) والشعب (٩/ ٤٠٣ رقم ٦٨٧٦)، وابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ١٠٣ (٣٤٥٢٨)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٥١) موقوفا.\n(^١) تنبيه الغافلين (٣١٠ - ٣١١).","vol":"10","page":416},{"text":"ومنها: النظر إلى الأجنبية بشهوة وغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وسائر بدنها وإن أمن الفتنة على الصحيح لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (^١) الآية؛ ومنها: الجلوس مع الفساق وأهل القمار؛ ومنها: العبث (^٢) في الصلاة؛ ومنها: ترك السنن الراتبة؛ ومنها: ترك دعاء الاستفتاح، ومنه: ترك التسبيحات في الركوع والسجود والتوبة واجبة من الكبائر والصغائر وتقدم شيء في ذكر الصغائر.\nقوله: وإن رسول الله - ﷺ - ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم، الحديث، الفلاة هي الأرض القفر وصنيع القوم هو [طعامهم].\nقوله: \"إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب\" أرض العرب هي أرض الحجاز، وأرض الحجاز قال [الشافعي] الحجاز مكة والمدينة [ومخاليفها] أي قراها وسمي حجازا لكونه حاجزا بين الشام وبين البادية، وحكي الرافعي عن الكلبي أن حدو الحجاز ما بين جبل طئ إلى أطراف العراق، قال الرافعي: والأصحاب متفقة على أن جزيرة العرب أوسع من الحجاز قال: وسبب تسميتها جزيرة إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها كبحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٣٠.\n(^٢) اللوحة (٢٥٨) تكرار للوحة (٢٥٧).\n(^٣) الأوسط (١١/ ٢٧)، والوسيط (٧/ ٦٦)، ومطالع الأنوار (٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤)، وكفاية النبيه (١٧/ ٧٠ - ٧١)، وإعلام الساجد (ص ٧٧).","vol":"10","page":417},{"text":"٣٧٣٠ - وعن سهل بن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح (^١).\nقوله: وعن سهل بن سعد - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إياكم ومحقرات الذنوب\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٣٧٣١ - وروي عن سعد بن جنادة - ﵁ - قال لما فرغ رسول الله - ﷺ - من حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيها شيء فقال النبي - ﷺ - اجمعوا من وجد شيئا فليأت به ومن وجد عظما أو سنا فليأت به قال فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما فقال النبي - ﷺ - أترون هذا فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا فليتق الله رجل فلا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٣١ (٢٣٢٧٢)، وابن أبي الدنيا في التوبة (٣) و(٤٣)، والرويانى (٢/ ٢١٦)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٦٥ رقم ٥٨٧٢) وفي الصغير (٢/ ١٢٩ رقم ٩٠٤) وفي الأوسط (٧/ ٢١٦ رقم ٧٣٢٣) والرامهرمزي في الأمثال (ص ١٠٨)، والبيهقى في الشعب (٩/ ٤٠٦ رقم ٦٨٨١)، والبغوي في شرح السنة (٤٢٠٣). وقال الذهبي: حسن غريب، تفرد به أبو ضمرة وقال أيضا: إسناده صالح. وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح المجمع ١٠/ ١٩٠ و٢٢٨. زاد في الموضع الثاني: ورواه الطبراني في الثلاثة من طريقين ورجال إحداهما رجال الصحيح غير عبد الوهاب بن عبد الحكم وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٨٩) و(٣١٠٢) وصحيح الترغيب (٢٤٧١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٥٢ رقم ٥٤٨٤). قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٩٠): =","vol":"10","page":418},{"text":"قوله: وعن سعد بن جنادة - ﵁ -[سعد بن جنادة والد عطية العوفي، من عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان].\nقوله: لما فرغ رسول الله - ﷺ - من حنين نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيها شيء، الحديث أي: من غزوة حنين، وغزوة حنين كانت في السنة [الثامنة لست من شوال]، والقفر من الأرض الأرض الفلاة.\nقوله: \"فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما\" الركام [الرمل المتراكم، وكذلك السحاب وما أشبهه].\nقوله: \"فليتق الله رجل فلا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه\" أي: معدودة محسوبة.\n\n٣٧٣٢ - وعن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا رواه النسائي واللفظ له وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الأعمال بدل الذنوب (^١).\n_________\n= رواه الطبراني، وفيه نفيع أبو داود، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٧٩)، وضعيف الترغيب (١٤٧٢).\n(^١) أخرجه إسحاق (١١٢٠)، وأحمد ٦/ ٧٠ (٢٤٤١٥) و٦/ ١٥٠ (٢٥١٧٧)، والدارمى (٢٩٣٢)، وابن ماجه (٤٢٤٣)، والنسائي في الكبرى (١١٨١١)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٠٠٤ - ٤٠٠٧)، وابن حبان (٥٥٦٨)، والطبرانى في الأوسط (٣/ ٣١ رقم ٢٣٧٧) و(٤/ ١٢٤ - ١٢٥ رقم ٣٧٧٦)، والبيهقى في الشعب (٩/ ٤٠٢ - ٤٠٣ رقم ٦٨٧٥). وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ٢٤٥: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\nوصححه الألباني في الصحيحة (٥١٣) و(٢٧٣١) وصحيح الترغيب (٢٤٧٢).","vol":"10","page":419},{"text":"٣٧٣٣ - وعن ثوبان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه رواه النسائي بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه بزيادة والحاكم وقال صحيح الإسناد (^١).\n\n٣٧٣٤ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلمه للخطيئة يعملها رواه الطبراني في الكبير موقوفا ورواته ثقات إلا أن القاسم لم يسمع من جده عبد الله (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٧٧ (٢٢٣٨٦) و٥/ ٢٨٠ (٢٢٤١٣) و٥/ ٢٨٢ (٢٢٤٣٨)، وهناد في الزهد (٢/ ٤١٩)، وابن ماجه (٩٠) و(٤٠٢٢)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٦٤)، والنسائى في الكبرى (١١٧٧٥)، وأبو يعلى في المعجم (٢٨٢)، والرويانى (٦٢٦) و(٦٤٣)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٠٦٩)، وابن حبان (٨٧٢)، والطبرانى في الدعاء (٣١) والكبير (٢/ ١٠٠ رقم ١٤٤٢) مسند الشاميين (١٠٧٨)، والحاكم ١/ ٤٩٣ و٣/ ٤٨١، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٣١) و(١٠٠١)، والبغوي (٣٤١٨).\nوصححه الحاكم في الموضعين وتعقبه الذهبي في الموضع الثانى فقال: فيه علي بن قرين، وهو كذاب، وسعيد بن راشد، وهو واه، والخليل بن مرة، وقد ضعفه ابن معين. وقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ١٥: وسألت شيخنا أبا الفضل العراقي ﵀ عن هذا الحديث فقال هذا حديث حسن. وقال في ٤/ ١٨٧: هذا إسناد حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٧٣) و(١٤٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٣)، ووكيع في الزهد (٢٦٩)، وأحمد في الزهد (٨٥٨)، وأبو خيثمة في العلم (١٣٢)، والدارمى (٤٠٦)، وأبو داود في الزهد (١٦٩)، والطبرانى في الكبير (٩/ ١٨٩ رقم ٨٩٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣١)، والبيهقى في المدخل (٤٨٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٩٥)، والخطيب في الجامع (١٧٨٧). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٩٩: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، إلا أن القاسم لم يسمع من جده. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٠) و(١٤٧٤).","vol":"10","page":420},{"text":"قوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله: \"إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلمه للخطيئة يعملها\" تقدم.\n\n٣٧٣٥ - وعن أنس - ﵁ - قال إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله - ﷺ - من الموبقات يعني المهلكات رواه البخاري وغيره ورواه أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعُدُّها على عهد رسول الله - ﷺ - من الموبقات\" هي المهلكات.\n\n٣٧٣٦ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله ﷺ لو أن الله يؤاخذني وعيسى بذنوبنا لعذبنا ولا يظلمنا شيئا قال وأشار بالسبابة والتي تليها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٩٢)، والبزار (٧٤٦٤)، وأبو يعلى (٤٣١٤)، والبيهقى في الآداب (٨٣٨) والكبرى (١٠/ ٣١٦ رقم ٢٠٧٦١) والشعب (٩/ ٤٠١ رقم ٦٨٧١)، والبغوى (٤٢٠٢) عن أنس. وأخرجه أحمد ٣/ ٣ (١٠٩٩٥) والزهد (١٠٩٢) والسنة (٧٦٠)، وابن أبي الدنيا في التوبة (١١١)، والبزار كما في كشف الأستار (١٠٨)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٠٣٨).\nقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، وعباد بصري ثقة. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٦: رواه البزار، وفيه عباد بن راشد، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه أبو داود وغيره. قلت: ويأتي لهذا الحديث طرق في التوبة - إن شاء الله -. وقال ١٠/ ١٩٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٠٢٣) وصحيح الترغيب (٢٤٧٤).","vol":"10","page":421},{"text":"٣٧٣٧ - وفي رواية لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان يعني الإبهام والتي تليها لعذبنا الله ثم لم يظلمنا شيئا رواه ابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"لو أن الله يؤاخذني وعيسى بذنوبنا لعذبنا ولا يظلمنا\" وفي الرواية الأخرى: \"لو يؤاخذ الله وابن مريم جنت هاتان\" يعني الإبهام والتي تليها لعذبنا وابن مريم هو عيسى بن مريم ﵊.\n\n٣٧٣٨ - وعن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثيرا رواه أحمد والبيهقي مرفوعا هكذا ورواه عبد الله في زياداته موقوفا على أبي الدرداء وإسناده أصح وهو أشبه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٩١٩٧)، وابن حبان (٦٥٧) و(٦٥٩)، الطبراني في الأوسط (٣/ ٥ رقم ٢٢٩٤)، والدارقطنى في الأفراد (٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا الفريابي. قال الدارقطني: هذا حديث غريب من حديث هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، تفرد به فضيل بن عياض عنه، وتفرد به حسين بن علي الجعفي، عن فضيل. وقال في العلل (١٨٤٧): يرويه هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. ووهم فيه والصحيح، عن هشام، عن الحسن مرسلا. وقيل: عن هشام، عن معلى بن زياد، عن الحسن. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٥٦: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: \"ولو يؤاخذني بما جنى هؤلاء لأوبقني\". وشيخ البزار أبو بكر لم أعرفه، وكأنه وراق ابن أبي الدنيا، فإنه روى عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه، وشيخ الطبراني: إبراهيم بن معاوية بن ذكوان بن أبي سفيان القيصراني لم أجد من ترجمه، وبقية رجالهما رجال الصحيح غير محمد بن عبد الملك بن زنجويه، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٢٠٠) وصحيح الترغيب (٢٤٧٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤١ (٢٨١٣١) و(٢٨١٣٦)، والحارث كما في المطالب (١٩٧٨)، والبيهقى في الشعب (٧/ ١٦٣ رقم ٤٨٢٤). وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند =","vol":"10","page":422},{"text":"قوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ - تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه.\nقوله - ﷺ -: \"لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثيرًا\" ومعنى الحديث أن الشخص ربما أساء إلى ما في ملكه من بهيمة إما بإتعابها وإما بالتقصير فيما يجب عليه من علفها فيعصي بذلك، ففي الحديث إشارة إلى أن الإنسان بصدد أن يذنب من جهات كثيرة متنوعة إما بما يكون قاصوا عليه وإما أن يكون متعديا لغيره، والثاني: قد يكون لآدمي وقد يكون لبهيمة فلو قدر أن الله تعالى غفر النادر من ذنوبه وهو ما يتعلق بالبهائم غفر له شيء فضلا عما هو كثير الوقوع والله أعلم، أ. هـ. هكذا ذكره شيخ الإِسلام ومحدث الأنام العسقلاني الشهير بابن حجر ﵀ في فتاويه لما سئل عن هذا الحديث.\n\n٣٧٣٩ - وعن أبي الأحوص قال قرأ ابن مسعود ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فاطر ٥٤ الآية فقال كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد الجعل بضم الجيم وفتح العين دويبة تكاد تشبه الخنفساء تدحرج الروث (^١).\n_________\n= ٦/ ٤٤١ (٢٨١٣٦) به موقوفا. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٩١: رواه أحمد مرفوعا كما تراه، ورواه ابنه عبد الله موقوفا، وإسناده جيد. وقال ١٠/ ٢١٧: رواه الطبراني، وإسناده جيد.\nوصحح الألباني المرفوع كما في الصحيحة (٥١٤) وصحيح الترغيب (٢٤٧٦).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ١٠٨ (٣٤٥٦٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" كما في \"تفسير ابن كثير\" (١١/ ٣٤١)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٧٠) و(٢٧٣)، والطبرى في التفسير (١٤/ ٢٦٠)، والطبرانى في الكبير (٩/ ٢١٣ رقم ٩٠٤٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٨)، والبيهقى في الشعب (٩/ ٥٤٤ رقم ٧٠٧٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٧): رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو =","vol":"10","page":423},{"text":"قوله: وعن أبي الأحوص، تقدم الكلام عليه.\nقوله: قال قرأ ابن مسعود - ﵁ - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (^١)، فقال: كاد الجعل يُعذِّب في جُحره بذنب ابن آدم، وقد ضبطه الحافظ ﵀ الجعل وفسره فقال: هو دويبة تكاد تشبه الخنفساء تدحرج الروث بأنفها انتهى.\nوفي حديث أنس أن الضب ليموت هزلًا في جحره بذنب ابن آدم (^٢) أي يحبس المطر عنه بشؤم ذنوبهم وإنما خص الضب بذلك لأنه أطول الحيوان نفسا وأصبرها على الجوع (^٣). وروى الحباري (^٤) بدل الضب لأنها أبعد الطير نجعة أ. هـ قاله في النهاية (^٥).\nتنبيه: في شعب الإيمان للبيهقي عن مجاهد - ﵁ -: قال: دواب الأرض الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بخطايا بني آدم انتهى (^٦).\n* * *\n_________\n= ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٧٧).\n(^١) سورة فاطر، الآية: ٤٥.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٦٨).\n(^٣) النهاية (٣/ ٧٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٦٩) و(٢٧٢)، والطبرى في التفسير (١٤/ ٢٦٠)، والبيهقى في الشعب (٩/ ٥٤٤ - ٥٤٥ رقم ٧٠٧٥).\n(^٥) النهاية (١/ ٣٢٨).\n(^٦) العقوبات (٢٧١)، وشعب الإيمان (٥/ ٢٤ رقم ٣٠٤٦).","vol":"10","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>[كتاب البر والصلة وغيرهما]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>[الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما]</span>\n٣٧٤٠ - عَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ سَأَلت رَسُول الله - ﷺ - أَي الْعَمَل أحب إِلَى الله قَالَ الصَّلَاة على وَقتهَا قلت ثمَّ أَي قَالَ بر الْوَالِدين قلت ثمَّ أَي قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: تقدمت ترجمته - ﵁ -.\nقوله: سألت رسول الله - ﷺ -: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: \"الصلاة على وقتها\" قلت: ثم أي؟ قال: \"بر الوالدين\"، قلت: ثم أي؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\" والكلام الآن على بر الوالدين.\nواعلم أن بر الوالدين واجب في الجملة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وأما ثوابه فيكفي أنه تلو الإيمان قال الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^٣) وبر الوالدين هو الإحسان وفعل الجميل معهما وفعل ما يسرهما، ويدخل فيه الإحسان إلى صديقهما ولأن الله تعالى قرن الشكر لهما بشكره فقال الله تعالى: ﴿أَنِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٧) و(٢٧٨٢) و(٥٩٧٠) و(٧٥٣٤)، ومسلم (١٣٧ و١٣٨ و١٣٩ و١٤٠ - ٨٥).\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ١٤.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٨٣.","vol":"10","page":425},{"text":"اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وهو دليل على تعظيمه وتفضيله على الجهاد ويشهد لذلك أنه - ﷺ - جاءه رجل يريد الجهاد فقال: ألك أبوان قال: نعم قال: كيف تركتهما قال: تركتهما يبكيان قال: \"ارجع فأضحكما كما أبكيتهما وبر الوالدين\" قيل: إنه مأخوذ من البر لسعته، والمعنى: أنه ينبغي أن يحسن إلى أبويه إحسانا واسعا كسعة البر، ولا شك أن أذاهما بغير ما يجب ممنوع ففي هذا الحديث أن بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيله وفضل الجهاد لا ينحصر فما أعلاها من مرتبة والله أعلم (^١).\nلطيفة: روى أن موسى ﵊ لما كلمه ربه رأى رجلا قائما عند ساق العرش فتعجب من علو مكانه فقال يا رب بما بلغ هذا العبد هذا المحل فقال إنه كان لا يحسد عبدا من عبادي على ما آتيته وكان بارا بوالديه (^٢) أ. هـ ذكره القشيري.\nتنبيه: قال أهل اللغة يقال بررت والدي الراء أبره بضم الراء مع فتح الباء برا وأنا بر به بفتح الباء وبار وجمع البر الأبرار وجمع البار البررة، أ. انتهى.\nقوله: قلت: ثم أي الجهاد في سبيل الله فيه دليل على تأكد الجهاد ومزيد فضله وأنه فضل مما سواه من بقية فروض الكفايات وفروض الأعيان كالزكاة والحج، وهذا قد يشكل بما نص عليه الإمام الشافعي أن فروض العين أفضل من فروض الكفاية فإنه ذكر أنه لو كان في الطواف وحضرت صلاة الجنازة لم يقطع الطواف لئلا يقطع فرض العين لفرض\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥١٣).\n(^٢) الرسالة (١/ ٢٨٩)، والأسنى في أسماء الله الحسنى (١/ ٣٣٥).","vol":"10","page":426},{"text":"الكفاية قال: ولو أقيمت المكتوبة في جماعة قطع الطواف واشتغل بها (^١) ويشكل أيضا بما نقله [البيهقى] في طبقاته عن الشافعي أن الاشتغال بالعلم أفضل من الجهاد في سبيل الله [ومن صلاة النافلة] (^٢).\nوقد يجاب عن الحديث بأن الجهاد ما دام فرض عين فالاشتغال به أهم من الاشتغال بالعلم ما دام فرض الكفاية فالاشتغال بالعلوم الشرعية أفضل، وكذلك قال النووي في فتاويه (^٣) فيحمل الحديث على فرض العين أو يحمل ذلك على حال السائل كما سبق والله تعالى أعلم قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\n\n٣٧٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا يَجْزِي ولد وَالِده إِلَا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - قال الإمام الشافعي - ﵁ -: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره وكان أبو هريرة ينزل بالمدينة بذي الحليفة وله بها دار ومات بالمدينة سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة ودفن بالبقيع وماتت عائشة - ﵂ - قبله بقليل وهو صلى عليها وكان رضي الله تعالى عنه من\n_________\n(^١) الأم (٢/ ١٩٥)، والمجموع (٨/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) مناقب الشافعي (٢/ ١٣٨) للبيهقى، وطبقات الشافعيين (١/ ٢٩) لابن كثير.\n(^٣) فتاوى النووي (ص ١٧٠).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٥ - ١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، والترمذى (١٩٠٦)، وابن ماجه (٣٦٥٩)، والنسائى في الكبرى (٤٨٧٦).","vol":"10","page":427},{"text":"ساكني الصفة ملازميها، قال أبو نعيم في حلية الأولياء: كان عريف أهل الصفة وأشهر من سكنها، وأما أبو هريرة فهو أول من كني بهذة الكنية، واختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولا وأصحها عبد الرحمن بن صخر، قال: وعلى هذا اعتمدت طائفة صنفت في الأسماء والكنى وكذا قال الحاكم أبو أحمد أصح شيء عندنا في اسمه عبد الرحمن بن صخر، قال: وعلى هذا سبب تكنيته أبو هريرة فإنه كان له في صغره هرة صغيرة يا حب بها، ولأبي هريرة منقبة عظيمة وهو أنه أكثر الصحابة رواية عن رسول الله - ﷺ - وذكر الإمام الحافظ تقي الدين بن مخلد الأندلسي في مسنده لأبي هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا وليس لأحد من الصحابة هذا القدر ولا ما يقاربه والله أعلم، ذكره النووي في شرح مسلم (^١) وتقدمت ترجمته بزيادة على هذا ونقصان في أماكن من هذا التعليق والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه\" الحديث، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ملك ذا رحم محرم عتق\" أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سمرة (^٢).\nقوله: \"لا يجزي\" بفتح أوله من غير همزة من الجزاء بمعنى المجازاة أي لا يقوم بماله عليه من الحق أي لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقه إلا أن يعتقه (^٣)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٧ - ٦٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٩٤٩)، والترمذي (١٤١٦)، وابن ماجه (٢٥٢٤)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧٨ - ٤٨٨٢). وقال الألباني: صحيح، الإرواء (١٧٤٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٣).","vol":"10","page":428},{"text":"[والحكمة فيه أن الرق للإنسان كالعدم وعتقه إخراج له من العدم إلى الوجود فأشبه إخراج الولد من العدم بالولادة فكافأه بذلك (^١)] أ. هـ.\nوقوله: \"فيعتقه\" لم يرد أن إنشاء العتق شرط بل أراد أن بالشراء يخلصه عن الرق، كذا في شرح السنة (^٢)، وظاهر الحديث أنه لا يعتق عليه بمجرد الملك حتى يعتقه هو واليه، ذهب أهل الظاهر والأودني من الشافعية وخالفهم جمهور علماء الأمصار واختلف العلماء في عتق الأقارب إذا ملكوا فقال أهل الظاهر لا يعتق أحد منهم بمجرد الملك سوى الوالد والولد وغيرهما بل لابد من إنشاء عتق، واحتجوا بمفهوم هذا الحديث.\nوقال جماهير العلماء: يحصل العتق في الآباء والأجداد والأمهات والجدات وإن علوا أو علون، وفي الأبناء والبنات وأولادهم الذكور والإناث وإن سفلوا بمجرد الملك سواء المسلم والكافر والقريب والبعيد والوارث وغيره ومختصره أنه يعتق عمود النسب بكل حال واختلفوا فيما وراء عمودي النسب فقال الشافعي وأصحابه لا يعتق غيرهما بالملك لا الأخوة ولا غيرهم وذهب مالك إلى أن الذي يعتق بالملك عمود النسب والجناحان وهم الإخوة وعن مالك أيضا عمود النسب علوا أو سفلوا وبه قال الشافعي وعن مالك أيضا ذوو الأرحام المحرمة وبه قال أبو حنيفة (^٣)\n_________\n(^١) الإقناع (٢/ ٤١٣).\n(^٢) شرح السنة (٩/ ٣٦٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٣).","vol":"10","page":429},{"text":"واستدل القرطبي أيضا بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ (^١) الآية، قال: وليس من الإحسان إليهم استرقاقهم لما فيه من الإذلال، فإن قيل: فيلزم ذلك فيما يعد من القرابة أيضا، قلنا: الحديث خصص المحارم (^٢).\nواعلم أنه لا فرق في ذلك بين الأب وآبائه والأم وأمهاتها وكذلك الولد وأولاده الذكور والإناث مسلمهم وكافرهم قريبهم وبعيدهم وارثا كان أو غير وارث، وأما ذو المحارم من الرضاع فلا يعتقون على قول أكثر أهل العلم وكان شريك القاضي يعتقهم (^٣)، أ. هـ وقال أبو حنيفة وأصحابه والإمام أحمد وإسحاق: يعتق جميع ذوي الأرحام المحرمة وتأول الجمهور الحديث على أنه لما تسبب في شرائه الذي يترتب عليه عتقه أضيف العتق إليه والله أعلم (^٤). ذكره شارح مشارق الأنوار، انتهى.\nوقال غيره: ففي هذا الحديث أن الأبوة منزلة لا يجزيها الولد إلا أن يخرج الأب من ربقة الرق كمال الحرية الوجود بعد العدم إذ منافعه لغيره وتصرفه مسلوب فوجوده لغيره والله أعلم ذكره في الحدائق (^٥).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٨٣.\n(^٢) المفهم (١٤/ ٧).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١٥٣).\n(^٥) حدائق الأولياء (١/ ٥١٣).","vol":"10","page":430},{"text":"٣٧٤٢ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى نَبِي اللّه - ﷺ - فاستأذنه فِي الْجِهَاد فَقَالَ أَحَي والداك قَالَ نعم قَالَ فيهمَا فَجَاهد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\n\n٣٧٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ أقبل رجل إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ أُبَايِعك على الْهِجْرَة وَالْجهَاد أَبْتَغِي الأجر من اللّه قَالَ فَهَل من والديك أحد حَيّ قَالَ نعم بل كِلَاهُمَا حَيّ قَالَ فتبتغي الأجر من اللّه قَالَ نعم قَالَ فَارْجِع إِلَى والديك فَأحْسن صحبتهما (^٢).\n\n٣٧٤٤ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ جِئْت أُبَايِعك على الْهِجْرَة وَتركت أَبَوي يَبْكِيَانِ فَقَالَ ارْجع إِلَيْهِمَا فأضحكهما كَمَا أبكيتهما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٣).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: جاء رجل إلى نبي اللّه - ﷺ - فاستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك قال: نعم قال \"فيهما فجاهد\" وفي الرِّواية الأخرى في صحيح مسلم: \"أقبل رجل إلى رسول اللّه - ﷺ - فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللّه\" الحديث، المبايعة مأخوذة من البيع وهو أخذ العهد وتقدم ذلك في مواضع، هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٤) و(٥٩٧٢)، ومسلم (٥ - ٢٥٤٩)، وأبو داود (٢٥٢٩)، والترمذى (١٦٧١)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٣٥٠ (٣١٢٦).\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٣٣٥)، ومسلم (٦ - ٢٥٤٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٥٢٨)، وابن ماجة (٢٧٨٢)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٠٤ (٤٢٠١).\nوقال الألباني: صحيح، الإرواء (١١٩٩)، وصحيح الجامع (٨٩٢)، وصحيح الترغيب (٢٤٨١).","vol":"10","page":431},{"text":"كلّه دليل لعظم فضيلة برهما وأنه آكد من الجهاد وفيه حجة لما قاله العُلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين أو بإذن المسلم منهما فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه وشرطه الثوري، وهذا كلّه إذا لم يحضر، ويتعين القتال فحينئذ يجوز بغير الإذن وأجمع العُلماء على الْأَمر بين الوالدين وأن عقوقهما حرام من الكبائر واللّه أعلم (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ - أيضًا، تقدم الكلام على ترجمته أيضًا.\nقوله: جاء رجل إلى رسول اللّه - ﷺ - فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان، الحديث، تقدم الكلام على المبايعة في الحديث قبله والهجرة.\nوقوله: وتركت أبوي يبكيان، بغير ألف فالخارج إلى الجهاد إذا كان متطوعا فإن ذلك لا يجوز إلا بإذن الأبوين وتقدم ذلك فأما إذا وجب عليه فرض الجهاد فلا حاجة به إلى إذنهما وإن منعاه عصاهما وخرج في الجهاد وهذا إذا كانا مسلمين، فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه من الجهاد فرضا كان أو نفلا وطاعتهما.\nحنيئذ معصية للّه ﷿ ومعونة للكفار، وقال سفيان الثوري: هما كالمسلمين وتقدم، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا كان بعد الفتح وسقوط فرض الهجرة والجهاد وظهور الدين وكان ذلك من الأعراب\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٠٤).","vol":"10","page":432},{"text":"وعمن كانت تجب عليه الهجرة فرجح بر الوالدين على الجهاد، وفي هذا الحديث فضل بر الوالدين وتعظيم حقهما وكثرة الثواب على برهما ولا خلاف في وجوب برهما وأن عقوقهما من الكبائر، وتقدم ذلك فدل هذا على أن برهما أفضل من الجهاد، ففي هذا الحديث وجوب بر الوالدين وأنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما أو من [بقى منهما] إذا كانا مسلمين، قال ابن عبد البر (^١): لا [خلاف] أعلمه أنه لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان أو أحدهما لأن مخالفتهما في غير الفرائض عقوق وهو من الكبائر، والغزو إذا لم يتعين عليه فهو كذلك ولو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي وجماعة وشرطه الثوري قال في المفهم وفيه ما يدلّ على أن المفتي إذا خاف على السائل الغلط أو عدم الفهم تعين عليه [الاستفصال] وعلى أن الفروض أو المندوبات مهما اجتمعت قدم الأهم منها وأن القائم على الأبوين يكون له أجر مجاهد وزيادة، قوله: ففيهما فجاهد أي جاهد نفسك في برهما وطاعتهما فهو أولى بك لأن الجهاد فرض كفاية وبر الوالدين فرض عين فلو تعين الجهاد وكان والده في كفاية ولم يمنعاه أو أحدهما من ذلك بدأ بالجهاد فلو لم يكونا في كفاية تعين عليه القيام بهما فبدأ به ولو كان في كفاية ومنعاه لم يلتفت لمنعهما لأنهما عاصيان بذلك المنع وإنما الطاعة في المعروف كما لو منعاه من صلاة الفرض وأما الحج فله أن يؤخره السنة والسنتين ابتغاء رضاهما، قال مالك: نعم وإن قلنا إنه على الفور مراعاة للخلاف في أنه\n_________\n(^١) الاستذكار (٥/ ٤٠).","vol":"10","page":433},{"text":"للتراخي وكذلك الهجرة تسقط لحديث الأعرابي الذي قال: يا رسول اللّه أبايعك على الهجرة أي أن أهجر دار قومي وأقيم معك في المدينة، قوله: \"ارجع إلى والديك وأحسن صحبتهما\" وذلك لأن حق الوالدين آكد لكن هذا فيمن يسلم له دينه في موضعه فأما من خاف الفتنة على دينه فإنه يجب عليه الفرار بدينه وترك أبيه وأولاده كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة اللّه تعالى من عباده (^١) أ. هـ قاله في شارح الإلمام.\nقوله: \"ففيهما فجاهد\" الجار والمجرور متعلق بمقدر وهو جاهد والمذكور مفسر له وتقديره إن كان لك أبوان فجاهد فيهما.\n\n٣٧٤٥ - وَعَن أبي سعيد - ﵁ - أَن رجلًا من أهل الْيمن هَاجر إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ هَل لَك أحد بِالْيمن قَالَ أبواي قَالَ أذنا لَك قَالَ لا قَالَ فَارْجع إِلَيْهِمَا فاستأذنهما فَإِن أذنا لَك فَجَاهد وَإِلَا فبرهما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد، هو الخدري - ﵁ -: تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: أن رجلًا من أهل اليمن هاجر إلى رسول اللّه - ﷺ -، الحديث، اليمن اسم إقليم وأرض اليمن تقابل أرض البربر وأرض الزنج وبينهما عرض البحر واليمن على ساحل بحر القلزوم من الغرب، وتقدم الكلام على الهجرة.\n_________\n(^١) المفهم (٢١/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٧٦ (١١٧٢١)، وأبو داود (٢٥٣٠)، وابن الجارود (١٠٣٥)، وأبو يعلى (١٤٠٢)، وابن حبان (٤٢٢)، والحاكم ٢/ ١٠٣ - ١٠٤، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٢٨.\nوصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: دراج واه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٨٢).","vol":"10","page":434},{"text":"قوله: فقال \"هل لك أحد باليمن قال أبواي\" قال \"أذنا لك\" قال: لا، قال: \"فارجع إليهما فاستأذنهما\" الحديث، قال ابن النحاس (^١): وأجمع العُلماء على أن الغزو لا يجوز إلا بإذن الأبوين المسلمين والجد والجدة كالأبوين عند عدمهما وكذا مع وجودهما في أصح الوجهين.\nمسألة: لو رضي الأبوان ثم رجعا أو أحدهما قبل حضوره الصف وجب عليه الرجوع إلا أن يخاف على نفسه أو ماله أو انكسار قلوب المسلمين برجوعه وإن أمكنه الإقامة في قرية في الطريق حين خاف على نفسه لزمه ذلك إلى أن يرجع مع الجيش وإن رجعا بعد أن شرع في القتال حرم الانصراف في الأصح وهو مذهب الإمام أحمد في المسألة كلها ذكرها في المغني (^٢).\nواختلفوا فيمن عليه دين حال فقال الإمام أبو بكر بن المنذر في كتاب الإشراف: كان مالك يرخص في الخروج في الغزو لمن عليه دين لم يجد قضاؤه ورخص الأوزاعي أن ينفر من عليه دين بغير إذن صاحبه، وقال الشافعي ﵀ إذا كان عليه دين ليس له أن يغزو إلا بإذن أهل الدين وسواء كان الدين لمسلم أو كافر، قال المؤلف ﵀: وقد نص الإمام أحمد على أن من ترك وفاء فله الغزو بغير إذن، قال أبو زكريا النووي (^٣): وإن كان معسر فليس له منعه على الصحيح إذ لا مطالبة في الحال كذا ذكره في\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ٩٩)، وكذلك قال ابن المنذر كما في الإنجاد (ص ٥٦).\n(^٢) مشارع الأشواق (ص ٩٩ - ١٠٠)، والمغني (٩/ ٢٠٩)، ومنهاج الطالبين (١/ ٢٠٧).\n(^٣) روضة الطالبين (١٠/ ٢١٠).","vol":"10","page":435},{"text":"أصل الروضة ومن خطه نقلت، وقال: لو استتاب الموسر من يقضي دينه من مال حاضر فله الخروج وإن أمره بالقضاء من غائب فلا فإن كان الدين مؤجلا ليس لصاحب الدين المنع به من الجهاد في أصح الأوجه، قال المؤلف: هذا كلّه في الجهاد الذي هو فرض كفاية انتهى (^١).\nفرع: للولد مخالفة الوالدين في السفر في طلب العلم وفرض الحج وفرض الجهاد إذا كانا كافرين وإن كانا مسلمين لم يجز إلا برضاهما وله مخالفتهما أيضًا في شهود الجمعة والجماعات، أ. هـ.\nأما سفر تعلم فرض العين فيسافر بغير إذن الأبوين حيث لا يجد من يعلمه إياه لإضطراره محج يضيق عليه بل أولى وأما سفر التجارة فإن كان أي السفر قصيرا جاز بلا إذن وإن كان طويلا فإن كان فيه خوف ظاهر كركوب البحر والبراري الخطيرة فهو كسفر الجهاد وإن غلب الأمن فالأصح الجواز بلا استئذان ولا منع لهما (^٢) انتهى قاله في الديباجة.\n\n٣٧٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - يَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد فَقَالَ أَحَي والداك قَالَ نعم قَالَ ففيهما فَجَاهد رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيره (^٣).\n_________\n(^١) مشارع الأشواق (ص ١٠٠ - ١٠١)، والنوادر والزيادات (٢/ ٣١٩) و(٣/ ٢٣)، والإنجاد (ص ٧٥ - ٥٨).\n(^٢) انظر منهاج الطالبين (١/ ٣٠٧)، والنجم الوهاج (٩/ ٣١١).\n(^٣) هذا وهم وتكرار لأنه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الحافظ الناجى في عجالة الإملاء (٥/ ١٠٩٤ - ١٩٠٥): ثم قال: وعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - =","vol":"10","page":436},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - يستأذنه في الجهاد فقال \"أحي والداك؟ \" قال: \"نعم\" قال: \"ففيهما فجاهد\" الحديث، الحديث.\nتنبيه: أما العقوق فهو مضاد لما أمر اللّه به من الشكر في قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ فثنى بذكره بعده ولأنه سبب في إخراجه من العدم إلى الوجود واتصاله [...] (^١) بخدمة الملك المعبود فقطيعته من أكبر الكبائر، وللعقوق مراتب، قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السَّلام رحمه اللّه تعالى (^٢): لم أقف في عقوق الوالدين وفيما يخصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما في كلّ ما يأمران به ولا في كلّ ما ينهيان عنه باتفاق العُلماء، وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كلّ سفر يخافان فيه على نفسه أو على عضو من أعضائه، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه (^٣): العقوق المحرم كلّ فعل يتأذى به الوالد\n_________\n= يستأذنه في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد. ثم قال: رواه مسلم وغيره. انتهى ما ذكره ملخصًا. ولا شك أن الحديث الأخير، وَهِمَ فيه وكرره، وهو حديث عبد اللّه بن عمرو الأول بعينه سواء بسواء، لم يروه مسلم ولا غيره من حديث أبي هريرة.\n(^١) بياض بالأصل.\n(^٢) قواعد الأحكام (١/ ٢٤).\n(^٣) الفتاوى (١/ ٢٠١).","vol":"10","page":437},{"text":"أو نحوه تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة في كلّ ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق، قال: وليس قول من قال من علمائنا يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير إذنهما مخالفا لما ذكرته واللّه أعلم، أ. هـ.\n\n٣٧٤٧ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ أتى رجل رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ إِنِّي أشتهي الْجِهَاد وَلَا أقدر عَلَيْهِ قَالَ هَل بَقِي من والديك أحد قَالَ أُمِّي قَالَ فَابْلُ اللّه فِي برهَا فَإِذا فعلت ذَلِك فَأَنت حَاج ومعتمر وَمُجاهد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وإسنادهما جيد مَيْمُون بن نجيح وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: تقدم الكلام على ترجمته.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٧٦٠) ومن طريقه الضياء في المختارة ٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦ (١٨٥٥)، والطبراني في الصغير (١/ ١٤٤ رقم)، والأوسط (٣/ ١٩٩ رقم ٢٩١٥) و(٤/ ٣٧٢ رقم ٤٤٦٦) ومن طريقه الضياء في المختارة ٥/ ٢٢٧ (١٨٥٧)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٢٥٥ - ٢٥١ رقم ٧٤٥١). وقال الطبراني في الموضع الأول: لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا ميمون. وقال في الثانى: لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا ميمون بن نجيح، تفرد به: إبراهيم بن الحجَّاج، ولا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد. وقال الضياء: إسناده حسن.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٨: رواه أبو يعلى والطبراني في الصغير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير ميمون بن نجيح ووثقه ابن حبان. وقال البوصيرى في الإتحاف ٥/ ٤٧٤: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط والصغير بإسناد جيد. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٣١٩٥) وضعفه في الترغيب (١٤٧٥).","vol":"10","page":438},{"text":"قوله - ﷺ -: \"هل بقي من والديك أحد؟ \" قال: أمي، قال: \"قابل اللّه في برها فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد\" الحديث.\nوقوله: \"قابل اللّه في برهما\"، قيل: أبلي بمعنى أعطي، وأبلاه أحسن إليه يعني أحسن فيما بينك وبين اللّه تعالى ببرك إياها، قاله صاحب المغيث في محل مشكل القرآن والحديث (^١)، وقال الجوهري في قوله: \"فابل اللّه في برهما\" أي أعطه وأبلغ العذر فيها إليه، المعنى: أحسن فيما بينك وبين اللّه ببرك إياها.\nوقال ابن الأثير (^٢): \"أبل اللّه تعالى عذرا في برها\"، أي: أعطه وأبلغ العذر فيها إليه، المعنى: أحسن فيما بينك وبين اللّه ببرك إياها.\n\n٣٧٤٨ - وَرُوِيَ عَن طَلْحَة بن مُعَاوِيَة السّلمِيّ - ﵁ -: قَالَ أتيت النَّبِيّ - ﷺ - فَقلت يَا رَسُول اللّه إِنِّي أُرِيد الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه قَالَ أمك حَيَّة قلت نعم قَالَ النَّبِيّ - ﷺ - الزم رجلهَا فثم الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣).\n_________\n(^١) المجموع المغيث (١/ ١٨٩).\n(^٢) النهاية (١/ ١٥٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنّف ٥/ ٢١٩ (٢٥٤١١) و٦/ ٥١٨ (٣٣٤٦٠)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٨/ ٣١١ رقم ٨١٦٢) وأبو الشيخ في الفوائد (٢٤). قال أبو زرعة كما في العلل (٩٣٦): وهم عبدة في هذا الحديث؛ روى هذا الحديث أيضًا عبد الرحيم بن سليمان، فقال: عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة، عن أبيه طلحة بن معاوية السلمي. ورواه محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة ابن عبد الله بن أبي بكر الصديق، عن أبيه طلحة، عن معاوية بن جاهمة السلمي. قال أبو زرعة: الصحيح: حديث محمد بن سلمة هذا. قال الدَّارقُطْنِي في العلل (١٢٢٧): \"وقال عبدة: عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن ابن طلحة بن عبيد اللّه، عن معاوية السلمي، فوهم في موضعين: في ذكر =","vol":"10","page":439},{"text":"قوله: وروي عن طلحة بن معاوية السلمي - ﵁ -[طلحة بن معاوية بن جاهمة السلمي، روى عنه ابنه محمد].\nقوله: قال \"أمك حية\" قلت: نعم، قال النبي - ﷺ -: الزم رجلها\" رجلها بالحاء المهملة يعني دارها ومسكنها كما سيأتي تفسيره في حديث معاوية بن جاهمة.\nقوله: \"فثم الجنة\" ثم معناه [هناك].\n\n٣٧٤٩ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رجلًا قَالَ يَا رَسُول اللّه مَا حق الْوَالِدين على ولدهما قَالَ هما جنتك ونارك رَوَاهُ ابْن مَاجَة من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم (^١).\n_________\n= الزهري، وليس من حديث الزهري، وفي قوله: ابن عبيد الله\" ورواه بشر بن السري، عن شيخ له، سماه عليا، عن محمد بن طلحة، عن أبيه، عن ابن لمعاوية بن جاهمة، عن أبيه.\nورواه ابن جريج، عن محمد بن طلحة، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة: أن جاهمة جاء إلى النبي - ﷺ -. وجعل الحديث لجاهمة، وقول ابن جريج أشبه بالصواب، وحدّث به عبيد العجلي، عن هشام بن يونس اللؤلؤي، عن المحاربي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن معاوية السلمي، عن النبي - ﷺ - بهذا الحديث، ووهم فيه هو أو هشام حدّثه به.\nورواه غيره، عن هشام، عن المحاربي، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة، عن معاوية السلمي، وهو أشبه بالصواب. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٨: رواه الطبراني عن ابن إسحاق وهو مدلس، عن محمد بن طلحة ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. قال الحافظ في الإصابة (١/ ٢٢٩) معلقًا على هذا الحديث: وهو غلط نشأ عن تصحيف وقلب، والصواب عن محمد بن طلحة، عن معاوية بن جاهمة، عن أبيه، فصحف (عن) فصارت (ابن) وقدم على قوله عن أبيه فخرج منه أن لطلحة صحبة، وليس كذلك، بل ليس بينه وبين معاوية بن جاهمة نسب. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٨٤).\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٣٦٦٢). قال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ٩٩: هذا إسناد ضعيف.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٧٦)، والمشكاة (٤٩٤١/ التحقيق الثاني).","vol":"10","page":440},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة - ﵁ -: تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: ما حق الوالدين على ولدهما، قال: \"هما جنتك ونارك\" الحديث، انفرد به ابن ماجة ومعناه: أن من رضاهما كانا سببا لدخوله الجنة وأن سخطهما كان الْأَمر بضد ذلك، ويحكي عن لقمان أنه قال: من أرضي والديه فقد أرضي الرحمن ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن يا بني إنما الوالدان باب من أبواب الجنة إن أرضيتهما مضيت إلى الجنان كان أسخطتهما حجبت (^١).\nوكان طلق بن حبيب من العباد وكان يقبل رأس أمه ولا يمشي فوق بيت هي فيه إجلالا لها (^٢)، وقال بعض العُلماء: من وقر أباه طال عمره ومن وقر أمه رأى ما يسره، وفي حديث ابن عمر أن رجلًا حج بأمه فحملها على عاتقه فسأله هل قضى حقها، قال: ولا طلقة واحدة، الطلق: وجع الولادة، والطلقة المرة الواحدة، قاله في النهاية (^٣).\nفرع: روى عن الضحاك أنه قال: الأب أحق بالطاعة والأم أحق بالبر، فإن أراد أن يحج عنها بدأ بالأب (^٤)، ذكر الخلال في كتابه بر الوالدين بإسناده إلى الضحاك. أ. هـ.\n_________\n(^١) البر والصلة (ص ٨٠)، وبر الوالدين ص ٣٧ للطرطوشى.\n(^٢) بر الوالدين للحافظ الطرطوشي، ٧٨.\n(^٣) النهاية (٣/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٤) النجم الوهاج (٢/ ٤١٩).","vol":"10","page":441},{"text":"٣٧٥٠ - وَعَن مُعَاوِيَة بن جاهمة أَن جاهمة جَاءَ إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أردْت أَن أغزو وَقد جِئْت أستشيرك فَقَالَ هَل لَك من أم قَالَ نعم قَالَ فالزمها فَإِن الْجنَّة عِنْد رجلهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\n\n٣٧٥١ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَلَفظه قَالَ أتيت النَّبِيّ - ﷺ - أَسْتَشِيرهُ فِي الْجِهَاد فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - أَلَك والدان قلت نعم قَالَ الزمهما فَإِن الْجنَّة تَحت أرجلهما (^٢).\nقوله: وعن معاوية بن جاهمة، قال ابن ماجة (^٣): هذا جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي الذي عاتب رسول اللّه يوم حنين وكذا قاله أبو عمر بن عبد البر وغيره (^٤) فإنه ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث، ومعاوية بن جاهمة السلمي له صحبة، وقال محمد بن سعد: ابن جاهمة العبَّاس بن مرداس السلمي له هذا الحديث الواحد.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٥٦٣)، وأحمد ٣/ ٤٢٩ (١٥٥٣٨)، وابن ماجة (٢٧٨١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٣٧١)، والنسائي في الكبرى (٤٢٩٧) والمجتبى ٥/ ٣٥٠ (٣١٢٧)، والطجاوى في مشكل الآثار (٢١٣٢ و٢١٣٣)، والحاكم (٢/ ١٠٤) و(٤/ ١٥١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٨٥)\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٩ رقم ٢٢٠٢). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٨: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٨٥).\n(^٣) قاله عقب حديث (٢٧٨١)، ومعاتبته أوردها ابن سعد (٤/ ٢٧١).\n(^٤) الاستيعاب (١/ ٢٦٧)، وأسد الغابة (١/ ٥٠٣).","vol":"10","page":442},{"text":"قوله: فقال: يا رسول اللّه أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، الحديث، وفي رواية أن معاوية بن جاهمة قال: أتيت رسول اللّه فقلت يا رسول اللّه: إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه اللّه والدار الآخرة، فقال: \"ويحك، أحية أمك؟ \" قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: \"فارجع فبرها\" ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول اللّه إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه اللّه والدار الآخر، قال: \"ويحك أحية أمك؟ \" فقلت: نعم يا رسول اللّه، قال: \"فارجع إليها فبرها\" فذكر الحديث إلى أن قال: ثم أتيته من أمامه فقلت يا رسول اللّه إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه اللّه والدار الآخر، قال: \"ويحك أحية أمك؟ \" قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: \"ويحك ازم رجلها فثم الجنة\" رواه النسائي وأحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد.\nوقوله: \"الزم رحلها\" هو بالحاء المهملة يعني دارها ومسكنها، ومنه حديث: \"إذا ابتلت النعال فصلوا في الرحال\" يعني الدور والمساكن والمنازل، ويقال لمنزل الإنسان ومسكنة رحله، وفي الحديث: وانتهينا إلى رحالنا أي منازلنا (^١).\nقال ابن أبي زيد المالكي في رسالته (^٢): ولا يغزي بغير إذن الأبوين إلا أن يفجأ العدو ومدينة قوم ويغيرون عليهم ففرض عليهم، ودفعهم ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا انتهى.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٠٩)، وكشف المناهج (١/ ٤١٩).\n(^٢) الرسالة (ص ٨٥).","vol":"10","page":443},{"text":"٣٧٥٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - أَن رجلًا أَتَاهُ فَقَالَ إِن لي امْرَأَة وَإِن أُمِّي تَأْمُرنِي بِطلاقِهَا فَقَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول الْوَالِد أَوسط أَبْوَاب الْجنَّة فَإِن شِئْت فأضع هَذَا الْبَاب أَو احفظه رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ رُبمَا قَالَ سُفْيَان أُمِّي وَرُبمَا قَالَ أبي قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح (^١).\n\n٣٧٥٣ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه أَن رجلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاء فَقَالَ إِن أبي لم يزل بِي حَتَّى زَوجنِي وَإنَّهُ الآن يَأْمُرنِي بِطَلَاقِهَا قَالَ مَا أَنا بِالَّذِي آمُرك أَن تعق والديك وَلَا بِالَّذِي آمُرك أَن تطلق امْرَأَتك غير أَنَّك إِن شِئْت حدّثتك بِمَا سَمِعت من رَسُول اللّه - ﷺ - سمعته يَقُول الْوَالِد أَوسط أَبْوَاب الْجنَّة فحافظ على ذَلِك الْبَاب إِن شِئْت أَو دع قَالَ فأحسب عَطاء قَالَ فَطلقهَا (^٢).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: أن رجلًا أتاه فقال إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، قال سفيان: وربما قال أبي، فقال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه\".\nقوله: \"أوسط أبواب\" أي: خيرها وأعدلها (^٣) يقال هو من أوسط قومه أي خيرهم وأشرفهم وأحسبهم ومنه الحديث أنه كان من أوسطه قومه أي من\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجة (٢٠٨٩) و(٣٦٦٣)، والترمذى (١٩٠٠). وقال الترمذي: وهذا حديث صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٩١٤) وصحيح الترغيب (٢٤٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٤٢٥)، والحاكم ٢/ ١٩٧ و٤/ ١٥٢. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٩١٤) وصحيح الترغيب (٢٤٨٦).\n(^٣) كشف المناهج (٤/ ٢٨٣).","vol":"10","page":444},{"text":"أشرفهم وأحسبهم وفي الحديث أيضًا: \"خير الأمور أوسطها\" وذلك أن كلّ خصلة محمودة لها طرفان مذمومان فإن السخاء وسط بين البخل والتبذير والشجاعة وسط بين الجبن والتهور والإنسان مأمور أن يجتنب كلّ وصف مذموم ويجتبنه بالتعري منه والبعد عنه فكلما ازداد منه بعدا ازداد منه تعريا وأبعد الجهالات والمقادير والمعاني من كلّ طرفين وسطهما وهو غاية البعد عنهما فإذا كان في الوسط فقد بعد عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان (^١) أ. هـ قاله في الديباجة.\nلطيفة: ما الحكمة في أن الوالد أوسط أبواب الجنة؟ قال شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين البلقينى: الذي ظهر لى واللّه أعلم أن الحكمة في ذلك هي أن المعاملة على ثلاثة أقسام معاملة مع الخالق ومعاملة مع الوالد الذي هو واسطة في الإيجاد ومعاملة مع الخلائق سواه فلذلك كان الوالد وسطا بهذا الاعتبار وقد عد من الأبواب باب الصلة فيشمل ذلك من بر والديه وغيرهما فمعاملة الخلق باب التوحيد وهو باب التوبة وباب الصلاة وباب الصوم وباب الحج، وفي معاملة المخلوقين باب الزكاة وباب الجهاد وإن كان فيهما حق اللّه إلا أن أغلبهما متعلق بالآدميين وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، أ. هـ.\n\n٣٧٥٤ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ كَانَ تحتي امْرَأَة أحبها وَكَانَ عمر يكرهها فَقَالَ لي طَلقهَا فأبيت فَأتى عمر رَسُول اللّه - ﷺ - فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ لي\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٨٤).","vol":"10","page":445},{"text":"رَسُول اللّه - ﷺ - طَلقهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: قال ابن عمر: كان تحتي امرأة أُحِبُّها وكان عمر يكرهُها فقال: لي طلقها فأبيت فأتى عمر رسول اللّه - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال لي رسول اللّه - ﷺ -: \"طلقها\". قال بعض العُلماء: فقوله له في محبوبته طلقها لإرضاء أبيه فيه إشارة إلى امتثال الولد أمر الوالدين، وعد ابن الرفعة من الطلاق المستحب طلاق الولد عند أمر الوالد لحديث ابن عمر هذا، وكذلك قصة إبراهيم خليل الرحمن مع ولد إسماعيل ﵉ في قوله: \"غير عتبة دارك\".\nفرع: لو أمره أبوه أو أمه بطلاق امرأته استحب له أن يطلقها، قاله الغزالي في الإحياء وغيره (^٢)، قال ابن حبان في صحيحه (^٣) إلا في مسئلتين، الأولى: أن لا يكون في ذلك قطيعة رحم فإن كانت زوجته من ذوات رحمه لم يطع أباه أو أمه في طلاقها، والمسألة الثانية: إذا كان يعلم أنه إذا طلقها يصبر عنها\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٠ (٤٧١١) و٢/ ٤٢ (٥٠١١) و٢/ ٥٣ (٥١٤٤) و٢/ ١٥٧ (٦٤٧٠)، وأبو داود (٥١٣٨)، وابن ماجة (٢٠٨٨)، والترمذي (١٢٢٦)، والنسائي في الكبرى (٥٦٣١)، وابن حبان (٤٢٦) و(٤٢٧). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوصححه الألباني في الصحيحة (٩١٩) وصحيح الترغيب (٢٤٨٧).\n(^٢) الإحياء (٢/ ٥٥).\n(^٣) بوب ابن حبان على حديث ابن عمر فقال: استحباب طلاق المرء امرأته بأمر أبيه إذا لم يفسد ذلك عليه دينه ولا كان فيه قطيعة رحم (٢/ ١٦٩).","vol":"10","page":446},{"text":"استحب فإن كان شديد الحب لها بحيث يعلم أنه إذا طلقها لا يصبر عنها ويخشى الوقوع في فتنة بسبب زيادة محبتها لم يستحب له طاعة الأب أو الأم في ذلك ذكره ابن اللوحة [٢٦٣] متكررة مع سابقتها [٢٦٢] اللوحة العماد في شرح العمدة.\nتنبيه: قال مؤلفه: وسمعت شخصا من بعض طلبة العلم يقول: رأيتُ نقلًا وهو عزيز الوجود في بعض الكتب يستحب للولد طاعة الوالد في ذلك بخلاف الأم لأن الأب أسد رأيا من الأم وأكمل عقلا.\nفائدة: سأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة تأمره بطلاقها فقال: إن كان بر أمه في كلّ شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل (^١) أ. هـ ذكره ابن رجب الحنبلي.\nفائدة: روى أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (^٢) أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية أخت سعيد بن زيد وكانت من المهاجرات تزوجها عبد اللّه بن أبي بكر الصديق وهو أكبر ولده وهو الذي كان يختلف إلى النبي - ﷺ - في الغار وكانت حسناء جميلة ذات خلق بارع فولع بها وشغلته عن مغازيه وكان معجبا بها فأمره أبوه بطلاقها لذلك فقال فيها:\nيقولون طلقها وخيم مكانها ... مقيمًا تمني النفس أحلام نائم\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٠٤).\n(^٢) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٨٧٦ - ١٨٨٠)، والتمهيد (٢٣/ ٤٠٤ - ٤٠٧).","vol":"10","page":447},{"text":"وإن فراقي أهل بيت جميعهم ... عَلَى كثرة مني لإحدى العظائم\nأراني وأهلي كالعجول تروّحت ... إلى بوّها قبل العشار الروائم\nفعزم عليه أبو بكر فطلقها، ثم أتبعتها نفسه فهجم عليه أبو بكر فسمع ينشد ويقول:\nأعاتك لا أنساك مَا ذر شارق ... وما ناح قمري الحمام المطوق\nأعاتك قلبي كلّ يوم وليلة ... إليك بما تخفي النفوس معلق\nولم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها فِي غير جرم تطلق\nلهَا خلق جزل ورأي ومنصب ... وخلق سويٌ فِي الحياء ومصدق\nفرق عليه أبو بكر فأمره فارتجعها، ثم شهد عبد اللّه الطائف مع رسول اللّه - ﷺ - فرمي بسهم فمات منه بعد في المدينة فتزوجها زيد بن الخطاب وقتل يوم اليمامة شهيدًا ثم خطبها عمر بن الخطاب سنة اثنتي عشرة من الهجرة فاشترطت عليه أن لا يضربها ولا يمنعها صلاة العشاء في مسجد رسول اللّه - ﷺ - فكانت تصلي في المسجد ثم قتل عمر فخطبها الزبير فاشترطت عليه ما اشترطت على عمر فقال لك ذلك فتزوجها فكانت إذا أرادت أن تخرج إلى المسجد يشق على الزبر، فلما عيل صبره خرجت ليلة إلى العشاء فسبقها الزبير فقعد على الطريق من حيث لا تعلم فلما مرت به جلس [خلفها] فضربها بيده على عجيزتها فنفرت من ذلك أومضت]، فلما كانت الليلة المقبلة سمعتُ الأذان فلم تخرج فقال لها الزبير: ما لك لا تخرجين قالت فسد الناس ثم لم تخرج بعدها لصلاة العشاء إلى أن ماتت ثم لما قتل الزبير خطبها علي","vol":"10","page":448},{"text":"بعد انقضاء عدتها من الزبير فأرسلت إليه إني لأضن بك يا أمير المؤمنين عن القتل فما تزوجني أحد إلا قتل فلم تتزوج بعد ذلك حتى ماتت.\nوأطلق الطرطوشي المالكي وغيره أنه يجب طاعة الوالدين في كلّ ما ليس بمعصية وهو الضابط يرد عليه ما إذا كان للولد على الوالدين دين فأمره الوالد بإبرائه منه، قال الشيخ: الذي يظهر لنا أنه لا يجب على الولد ذلك لأن الوالد متعنت بذلك ليس له فيه قصد صحيح نعم يجب على الولد الإحسان إلى الأب والإجمال في الطلب، فأما الإسقاط بالكلية فلا يكلفه الشرع إياه، ويبقي أمر الأب فيه كأنه على خلاف الشرع متعلقًا من بطره، وقال في الإحياء (^١): أكثر العُلماء على أن طاعة الوالدين واجبة في الشبهات وإن لم تجب في الحرام المحض حتى إذا كانا يغضبان بانفرادك عنهما بالطعام فعليك أن تأكل معهما لأن ترك الشبعة ورع ورضي الوالدين حتم واللّه أعلم قاله في الديباجة.\nوفي الحديث قال رجل يا رسول اللّه - ﷺ - أن لي امرأة لا ترد يد لامس، قال: طلقها قال إني أحبها قال: أمسكها (^٢) وإنما أمره رسول اللّه بإمساكها مخافة أن\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٢١٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٠٤٩)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٤٣٧ (٣٢٥٣) و٦/ ٧٠ (٣٤٩٠) و(٣٤٩١) عن ابن عباس. قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٨٠٤).","vol":"10","page":449},{"text":"تحمله محبته إياها على الوقوع عليها في الحرام بعد الطلاق (^١) ونظير ذلك قوله - ﷺ -: \"إذا زنت أمة أحدكم فبيعوها ولو بضفير\" (^٢) إنما أمره ببيعها لعله يشتريها من كان يزني بها فترتفع حرمة الزنا، أ. هـ.\nقال الطرطوشي في كتابه بر الوالدين (^٣): وروي أن رجلًا أتي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللّه إن أبي ينقصني مالي وينفقه على عياله فبكى الشيخ، وقال: وأي عيال يا رسول اللّه واللّه ما هو إلا أمه وأختاه وأنشأ يقول:\nحببتك مولودًا وعلتك يافعًا ... تُعَلَّ بما أجني عليك وتنهل\nإذا لية ضامتك بالسقم لم أبت ... لسقمك إلا ساهرًا أتململ\nكأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به وجدا فعيناي تهمل\nبقاؤك لي هم وموك فجعة ... وخيرك مصروف وشرك مقبل\nتخاف الردي نفسي عليك وإنني ... لأعلم أن الموت دين مؤجل\nفلما بلغت السر والغاية التي ... إليها رجاء ما كنت فيك آمل\nجعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل\nوسميتني باسم المفند رأيه ... برد على أهل الصَّواب موكل\nفليتك إذلم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل\nفأوليتني حق الجوار ولم تكن ... علي بمال دون مالك تبخل\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (٨/ ٢).\n(^٢) أخرجه مالك (٢٣٩٠)، والبخارى (٢٥٥٥) و(٦٨٣٧)، ومسلم (٣٢ - ١٧٠٣) عن أبي هريرة.\n(^٣) بر الوالدين للإمام الطرطوشي ص ١٠٨ - ١٠٩.","vol":"10","page":450},{"text":"فرق له رسول اللّه - ﷺ - وقال: أنت ومالك لأبيك (^١).\nقوله - ﷺ -: \"أنت ومالك لأبيك\" حقيقة اكتنفها مجازان فالحقيقة إضافة المال إلى الولد.\nوقوله: \"ومالك لأبيك\" كجاز آخر ومما يدلّ على أن المال للابن حقيقة قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ (^٢) واللّه وأما طاعة الوالدين في المباحات فذكر في الروضة أنه لا يجب ذلك، قال: ونقل الغزالي في الإحياء: وجوبه عن كثير من العُلماء واللّه أعلم.\n\n٣٧٥٥ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من سره أَن يمد لَهُ فِي عمره وَيُزَاد فِي رزقه فليبر وَالِديهِ وَليصل رَحمَه رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَهُوَ فِي الصَّحِيح بِاخْتِصَار ذكر الْبر (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٥٢ رقم ٩٤٧) والأوسط (٦/ ٣٣٩ - ٣٤٠ رقم ٦٥٧٠)، والبيهقى في دلائل النبوة (٦/ ٣٠٤ - ٣٠٥). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث بهذا اللفظ والشعر عن المنكدر بن محمد بن المنكدر إلا عبد الله بن نافع، تفرد به عبيد بن خلصة. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٥٥: رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه من لم أعرفه. والمنكدر بن محمد ضعيف، وقد وثقه أحمد، والحديث بهذا التمام منكر، وقد تقدمت له طريق مختصرة رجال إسنادها رجال الصحيح.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١١.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٢٢٩ (١٣٤٠١) و٣/ ٢٦٦ (١٣٨١١)، والمروزى في البر والصلة (١٩٩)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٤٤)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ١٠٧، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٢٦٤ - ٢٦٥ رقم ٧٤٧١). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٦: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال البوصيرى في الإتحاف ٥/ ٤٦٩: رواه محمد =","vol":"10","page":451},{"text":"قوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه\" الحديث، سئل الحسن البصري عن بر الوالدين فقال: أن تبذل لهما ما ملكت وتطيعهما فيما أمراك ما لم يكن إثما (^١).\nوقوله - ﷺ -: \"وليصل رحمه\" وصلة الرحم الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول فتارة يكون بالمال وتارة بالخدمة وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك.\n\n٧١ - وَعَن معَاذ بن أنس - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: من بر وَالِديهِ طُوبَى لَهُ زَاد اللّه فِي عمره رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكم والأصبهاني كلهم من طَرِيق زبان بن فائد عَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن أنس - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\n_________\n= بن يحيى بن أبي عمر وأحمد بن حنبل بسند الصحيح، وهو في الصحيح باختصار البر.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٨٨).\n(^١) الجامع (١٢١) لابن وهب.\n(^٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (١١١)، والبخارى في الأدب المفرد (٢٢)، وأبو يعلى في المفاريد (ص ٢٨) والمسند (١٤٩٤)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٩٨ رقم ٤٤٧)، والحاكم (٤/ ١٥٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٧: رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه زبان بن فائد، وثقه أبو حاتم وضعفه غيره، وبقية رجال أبي يعلى ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٦٧)، وضعيف الترغيب (١٤٧٧).","vol":"10","page":452},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من بر والديه طوبى له\" الحديث، طوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها، وتقدم الكلام على ذلك في الجهاد وغيره.\nقوله - ﷺ -: \"زاد اللّه في عمره\" وجمهور العُلماء على أنها زيادة معنوية، والمعنى بها أن يبارك له في الطاعات والإقبال على اللّه تعالى فيتنزل ذلك منزلة الزيادة الحقيقية وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا (^١).\nقوله: رووه كلهم من طريق زبان بن فائد [ضعيف الحديث، مع صلاحه وعبادته].\n\n٣٧٥٦ - وَعَن ثَوْبَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ وَلَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد.\nقوله: وعن ثوبان - ﵁ - هو مولى رسول اللّه - ﷺ -، تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه\" الحديث قال العُلماء: وربما حرم الإنسان رزقه وبعضهم بذنب يصيبه ذكره ابن رجب (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر\" تقدم الكلام على قوله \"ولا يرد القدر إلا الدعاء\" وأما قوله: \"ولا يزيد في العمر إلا البر\" يريد\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٤).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢٧١).","vol":"10","page":453},{"text":"بالبر هاهنا بر الوالدين وجميع البر مثل بر العُلماء والمؤمنين والصالحين ومن يستحق البر.\nوقوله: \"ولا يزيد في العمر\" أي ببر هؤلاء تكثر له الحسنات فيكون يوم واحد له في هذا الشأن أفضل وأكثر حسنات منه إذا لم يعتقد ذلك ويجوز أنه ربما ببرهم فيدعو له أحد هؤلاء فتستجاب دعوته فيفوز بخير الدنيا والآخرة فيجزيه اللّه بطيب الحياة في الدنيا فيكون يومه في الدنيا أحسن من أيام كثيرة فكأنه زيادة في العمر وقد يقال: كانت على الليلة أطول من سنة بمعنى من شدة ما لاقيت فيها وكذلك طيّب الحياة يومًا أو ليلة ألذ وأطيب منه في ليال وأيام واللّه أعلم.\n\n٣٧٥٧ - وَعَن سلمَان - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: لا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن سلمان - ﵁ - هو: الفارسي تقدم الكلام عليه وتقدم أيضًا الكلام على هذا الحديث في الدعاء.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٣٩)، والبزار (٢٥٤٠)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٠٦٨)، والطبراني في الدعاء (٣٠) والكبير (٦/ ٢٥١ رقم ٦١٢٨). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب من حديث سلمان، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن الضريس، وأبو مودود اثنان، أحدهما: يقال له: فضة، والآخر: عبد العزيز بن أبي سليمان، أحدهما بصري والآخر مدني، وكانا في عصر واحد، وأبو مودود الذي روى الحديث اسمه فضة بصري. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٥٤)، وصحيح الترغيب (١٦٣٩) و(٢٤٨٩).","vol":"10","page":454},{"text":"٣٧٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ عفوا عَن نسَاء النَّاس تعف نِسَاؤُكمْ وبروا آبَاءَكُم تبركم أبناؤكم وَمن أَتَاهُ أَخُوهُ متنصلا فليقبل ذَلِك محقا كَانَ أَو مُبْطلًا فَإِن لم يفعل لم يرد على الْحَوْض رَوَاهُ الْحَاكم من رِوَايَة سُوَيْد عَن أبي رَافع عَنهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ سُوَيْد عَن قَتَادَة هُوَ ابْن عبد الْعَزِيز واه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على تجمته.\nقوله - ﷺ -: \"عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم\" تقدم الكلام على بر الوالدين.\nقوله - ﷺ -: \"ومن أتاه أخوه\".\nلطيفة: في بر الوالدين في الطيور طير يقال له القاوند يتخذ وكره في ساحل البحر ويحضن بيضه في الرمل سبعة أيام وتخرج أفراخه في اليوم السابع ثم يرزقها سبعة أيام والمسافرون في البحر يتمنون يهدم الأيام ويوقنون بطيب الوقت وحلول أوان السفر قيل: إن اللّه تعالى إنما أمسك البحر عن هيجانه في زمن الشتاء عن بيض هذا الطائر وفراخه لبره بأبويه عند كبرهما وذلك أنهما إذا كبرا حمل إليها قوتهما وعالهما حياتهما إلى ان يموتا، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الفتح الأزدى في أحاديث منتقاة (٨)، والحاكم (٤/ ١٥٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٥٥). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: قلت: بل فيه سويد أبو حاتم، ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٤٣) وضعيف الترغيب (١٤٧٩).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٣٢٤).","vol":"10","page":455},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك محقا كان أو مبطلا\" الحديث، التنصل الاعتذار ومعناه فليقبل ذلك من أخيه حقا كان أو باطلا (^١).\n\n٣٧٥٩ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - بروا آبَاءَكُم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نِسَاؤُكمْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِماِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ أَيْضًا هُوَ وَغَيره من حَدِيث عَائِشَة (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته، وتقدم الكلام أيضًا على هذا الحديث في الحديث قبله.\n\n٣٧٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ رغم أَنفه ثمَّ رغم أَنفه ثمَّ رغم أَنفه قيل من يَا رَسُول اللّه قَالَ من أدْرك وَالِديهِ عِنْد الْكبر أَو أَحدهمَا ثمَّ لم يدْخل الْجنَّة رَوَاهُ مُسلم رغم أَنفه أَي لصق بالرغام وَهُوَ التُّرَاب (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٦٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٩٩ رقم ١٠٠٢). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٨ - ١٣٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد غير منسوب، والظاهر أنه من المكثرين من شيوخه فلذلك لم ينسبه، واللّه أعلم. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (١٤٨٠). وأما حديث عائشة: أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٤١ رقم ٦٢٩٥)، وأبو الشيخ في الفوائد (٢٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير إلا عبد الملك بن يحيى بن الزبير، تفرد به خالد بن يزيد العمري. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٨١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خالد بن زيد العمري وهو كذاب. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (١٦٧١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩ و١٠ - ٢٥٥١)، والترمذى (٣٥٤٥)، وابن حبان (٩٠٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.","vol":"10","page":456},{"text":"قوله - ﷺ -: \"رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه\" الحديث، أي: لصق بالرغام وهو التراب، أ. هـ قاله المنذري، وقال أهل اللغة معناه ذل وقيل كره وخزي كأنه لصق بالرغام بالفتح وهو التراب يقال رغم بفتح الغين المعجمة وكسرها وهو الرغم بضم الراء وفتحها وكسرها وأصله لصق أنفه بالرغام وهو تراب مختلط برمل وقيل الرغم كلّ ما أصاب الأنف مما يؤذيه (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما أو كليهما فلم يدخلاه الجنة\" الجنة.\nقوله: \"أو أحدهما أو كلاهما\" كذا في نسخ المصابيح المعتمدة وكثير من نسخ مسلم وفي بعضها أحدهما أو كليهما وخص الكبر لأنه أحوج إلى الخدمة بالنصب بدل البعض من والديه، قال القرطبي (^٢): وهو الرِّواية الصحيحة وأما الرفع فعلى الابتداء ويتكلف لهما إضمار الخبر واللّه أعلم.\nوخص الكبر لأنه أحوج إلى الخدمة.\nوقوله: \"فلم يدخلاه الجنة\" أي: بسبب عقوقه وتقصيره في حقوقهما ثم إن كان هو مستحلا لذلك لم يدخل الجنة مطلقا وإلا لم يدخل فيها قبل العقوبة على ما ارتكبه من العقوق، ففي هذا الحديث الحق على بر الوالدين وعظم ثوابه ومعنى الحديث أن برهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة أو النفقة أو غير ذلك سبب لدخول الجنة فمن قصر في ذلك فإنه يحرم دخول الجنة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٢) المفهم (٢١/ ٦٦).","vol":"10","page":457},{"text":"وأرغم اللّه تعالى أنفه (^١)، أ. هـ قال في حدائق الأولياء (^٢): قلت فما أشد حسرته وخسرانه ولا له من أحد رحمة لعامة تفريطه وشدة معانته وتهاونه، أ. هـ.\n\n٣٧٦١ - وَعَن جَابر يَعْنِي ابْن سَمُرَة - ﵁ - قَالَ صعد النَّبِيّ - ﷺ - الْمِنْبَر فَقَالَ آمين آمين آمين قَالَ أَتَانِي جِبْرِيل ﵊ فَقَالَ يَا مُحَمَّد من أدْرك أحد أَبَوَيْهِ فَمَاتَ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه فَقل آمين فَقلت آمين فَقَالَ يَا مُحَمَّد من أدْرك شهر رَمَضَان فَمَاتَ فَلم يغْفر لَهُ فَأدْخل النَّار فَأَبْعَده اللّه فَقل آمين فَقلت آمين قَالَ وَمن ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَمَاتَ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه فَقل آمين فَقلت آمين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بأسانيد أَحدهَا حسن وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ وَمن أدْرك أَبَويهِ أَو أَحدهمَا فَلم يَبرهُمَا فَمَاتَ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه فَقل آمين فَقلت آمين رَوَاهُ أَيْضًا من حَدِيث الْحسن بن مَالك بن الْحُوَيْرِث عَن أَبِيه عَن جدّه وَتقدم وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيره من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة وَقَالَ فِي آخِره فَلَمَّا رقيت الثَّالِثَة قَالَ بعد من أدْرك أَبَوَيْهِ الْكبر عِنْده أَو أَحدهمَا فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة قلت آمين وَتقدم أَيْضًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِنَحْوِهِ وَفِيه وَمن أدْرك وَالِديهِ أَو أَحدهمَا فَلم يَبرهُمَا دخل النَّار فَأَبْعَده اللّه وأسحقه قلت آمين (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٠٩).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥١٥).\n(^٣) أما حديث جابر بن سمرة: أخرجه البزار (٤٢٧٧)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٤٣ رقم ٢٠٢٢) و(٢/ ٢٤٦ رقم ٢٠٣٤). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر بن سمرة إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدا رواه عن سماك إلا قيس، ولا نعلم أحدا رواه عن =","vol":"10","page":458},{"text":"قوله: وعن جابر يعني ابن سمرة - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: صعد رسول اللّه - ﷺ - المنبر فقال: \"آمين آمين آمين\" الحديث، الصعود هو الرقي على المنبر أو غير والمنبر معروف.\n_________\n= قيس إلا إسماعيل بن أبان. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٩: رواه الطبراني بأسانيد وأحدها حسن، ولهذا الحديث طرق في الأدعية في الصلاة على النبي - ﷺ -. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٩١).\nوأما حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم (٦٤٦)، وإسماعيل القاضي (١٨)، والبزار (٨١١٦)، وأبو يعلى (٥٩٢٢)، وابن خزيمة (١٨٨٨)، وابن حبان (٩٠٧)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١١٣ رقم ٨١٣١). وقال الألباني: حسن صحيح في صحيح الترغيب (٩٩٧) و(١٦٧٩) و(٢٤٩٢). وأما حديث مالك بن الحويرث: أخرجه ابن حبان (٤٠٩)، وابن عدي في الكامل ٨/ ١١٦، والطبراني ١٩/ ٩١. (٦٤٩). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٦٦: رواه الطبراني، وفيه عمران بن أبان، وثقه ابن حبان، وضعفه غير واحد، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٩٦) و(١٦٧٨) و(٢٤٩٣).\nوأما حديث كعب بن عجرة: أخرجه إسماعيل القاضي (١٩)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١٤٤ (٣١٥)، وابن شاهين في فضائل رمضان (٣)، والحاكم ٤/ ١٥٣ - ١٥٤. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٦٦: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٩٤).\nوأما حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٨٢ رقم ١١١١٥) و(١٢/ ٨١ رقم ١٢٥٥١)، وابن شاهين في فضائل رمضان (١). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٦٥: رواه الطبراني، وفيه يزيد بن أبي زياد، وهو مختلف فيه، وبقية رجاله ثقات.\nوقال أيضًا: رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان، وفيه ضعف. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٦٦٤٤) وحسنه في صحيح الترغيب (٢٤٩٥).","vol":"10","page":459},{"text":"قوله - ﷺ -: \"أتاني جبريل - ﵇ - \" جبريل هو رسول رب العالمين، تقدم الكلام على ترجمته في الجمعة.\n\n٣٧٦٢ - وَعَن مَالك بن عَمْرو الْقشيرِي - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من أعتق رَقَبَة مسلمة فَهِيَ فداؤه من النَّار وَمن أدْرك أحد وَالِديهِ ثمَّ لم يغْفر لَهُ فَأَبْعَده اللّه زَاد فِي رِوَايَة وأسحقه رَوَاهُ أَحْمد من طرق أَحدهَا حسن (^١).\nقوله: وعن مالك بن عمرو القشيري - ﵁ -: [وقيل: الكلابي، وقيل: العقيلي، وقيل: الأنصاري مختلف فيه، فقيل: مالك بن عمرو، وقيل: عمرو بن مالك، وقيل: أبي بن مالك، وقيل: مالك بن الحارث].\nقوله: زاد في رواية \"وأسحقه\" السحق [الثوب الخلق الذي انسحق وبلي، كأنه بعد من الانتفاع به].\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد (٧/ ٤١)، وأحمد ٤/ ٣٤٤ (١٩٠٢٧) و(١٩٠٢٨) و(١٩٠٢٩) و(١٩٠٣٠) و٥/ ٢٩ (٢٠٣٢٨) و(٢٠٣٣٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ١/ ٣٤٢ - ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٣/ ٣٨٨ رقم ١٠٥٢٠) -، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٤٧٨ و١٤٧٩)، والبغوى في معجم الصحابة (٢٠٧٢ و٢٠٧٣)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٢٩٩ (٦٦٦) و(٦٦٧)، وأبو نعيم في المعرفة (٦٠١٩).\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٣: رواه أحمد، وهو في البر والصلة، وفيه علي بن زيد، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث. وقال في ٨/ ١٤٠: رواه أحمد وفي بعض طرقه: \"أيما مسلم ضم يتيما بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه، حتى يستغني وجبت له الجنة البتة\". فذكر نحوه وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٤٩٦).","vol":"10","page":460},{"text":"٣٧٦٣ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول انْطلق ثَلَاثَة نفر مِمَّن كَانَ قبلكُمْ حَتَّى آواهم الْمبيت إِلَى غَار فدخلوه فانحدرت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ عَلَيْهِم الْغَار فَقَالُوا إِنَّه لَا ينجيكم من هَذِه الصَّخْرَة إِلَّا أَن تدعوا اللّه بِصَالح أَعمالكُم قَالَ رجل مِنْهُم اللَّهُمَّ كَانَ لي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كبيران وَكنت لا أغبق قبلهمَا أَهلا وَلَا مَالا فنأى بِي طلب شجر يَوْمًا فَلم أرح عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فحلبت لَهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فَكرِهت أَن أغبق قبلهمَا أَهلا أَو مَالا فَلَبثت والقدح على يَدي أنْتَظر استيقاظهما حَتَّى فرق الْفجْر فَاسْتَيْقَظَا فشربا غبوقهما اللَّهُمَّ إِن كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فَفرج عَنَّا مَا نَحن فِيهِ من هَذِه الصَّخْرَة فانفرجت شَيْئا لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج وَقَالَ الآخر اللَّهُمَّ كَانَت لي ابْنة عَم وَكَانَت أحب النَّاس إِلَيّ فأردتها الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم بِتَمَامِهِ وَشرح غَرِيبه فِي الإِخْلَاص (^١).\n\n٣٧٦٤ - وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ قَالَ بَيْنَمَا ثَلَاَثة نفر يتماشون أَخذهم الْمَطَر فمالوا إِلَى غَار فِي الْجَبَل فانحطت على غارهم صَخْرَة من الْجَبَل فأطبقت عَلَيْهِم فَقَالَ بَعضهم لبَعض انْظُرُوا أعمالا عملتموها للّه ﷿ صَالِحَة فَادعوا اللّه بهَا لَعَلَّه يفرجها فَقَالَ أحدهم اللَّهُمَّ إِنَّه كَانَ لي والدان شَيْخَانِ كبيران ولي صبية صغَار كنت أرعى فَإِذا رحت عَلَيْهِم فحلبت لَهُم بدأت بوالدي أسقيهما قبل وَلَدي وَإنَّهُ نأى الشّجر فَمَا أتيت حَتَّى أمسيت فوجدتهما قد نَامَا فحلبت كلمَا كنت أحلب فَجئْت بالحلاب فَقُمْت عِنْد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢١٥) و(٢٢٧٢) و(٢٣٣٣) و(٣٤٦٥)، ومسلم (١٠٠ - ٢٧٤٣).","vol":"10","page":461},{"text":"رؤوسهما أكره أَن أوقظهما من نومهما وأكره أَن أبدأ بالصبية قبلهمَا والصبية يتضاغون عِنْد قدمي فَلم يزل ذَلِك دأبي ودأبهم حَتَّى طلع الْفجْر فَإِن كنت تعلم أَنِّي فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فافرج لنا فُرْجَة نرى مِنْهَا السَّمَاء فَفرج اللّه ﷿ لَهُم حَتَّى رَأَوْا مِنْهَا السَّمَاء وَذكر الحَدِيث (^١).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ - في حديث الغار: \"انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم\" تقدم الكلام على هذا الحديث في باب الإخلاص مبسوطًا.\nقوله - ﷺ - في رواية البخاري: \"فلم يزل ذلك دأبي وأدبهم حتى طلع الفجر\" الحديث، أي حالي اللازمة وعادتي والدأب الملازمة للشيء والاعتناء به.\nوقوله: \"فافرج عنا فرجة نرى منها السماء\" الفرجة بالضم والفتح [وهو الخلل بين شيئين].\n\n٣٧٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - خرج ثَلَاثَة فِيمَن كَانَ قبلكُمْ يرتادون لأهلهم فَأَصَابَتْهُمْ السَّمَاء فلجؤوا إِلَى جبل فَوَقَعت عَلَيْهِم صَخْرَة فَقَالَ بَعضهم لبَعض عَفا الْأَثر وَوَقع الْحجر وَلَا يعلم بمكانكم إِلَّا اللّه فَادعوا اللّه بأوثق أَعمالكُم فَقَالَ أحدهم اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنه كَانَت لي امْرَأَة تعجبني فطلبتها فَأَبت عَليّ فَجعلت لهَا جعلا فَلَمَّا قربت نَفسهَا تركتهَا فَإِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا فعلت ذَلِك رَجَاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عَنَّا فَزَالَ ثلث الْحجر وَقَالَ الآخر اللَّهُمَّ إِن كلنت تعلم أَنه كَانَ لي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧٤) ومسلم (٢٧٤٣) م.","vol":"10","page":462},{"text":"والدان وَكنت أحلب لَهما فِي إنائهما فَإِذا أتيتهما وهما نائمان قُمْت حَتَّى يستيقظا فَإِذا استيقظا شربا فَإِن كنت تعلم أَنِّي فعلت ذَلِك رَجَاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عَنَّا فَزَالَ ثلث الْحجر وَقَالَ الثَّالِث اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي اسْتَأْجَرت أَجِيرا يَوْمًا فَعمل لي نصف النَّهَار فأعطيته أجرا فسخطه وَلم يَأْخُذهُ فوفرتها عَلَيْهِ حَتَّى صَار من كلّ المَال ثمَّ جَاءَ يطْلب أجره فَقلت خُذ هَذَا كلّه وَلَو شِئْت لم أعْطه إِلَّا أجره الأول فَإِن كنت تعلم أَنِّي فعلت ذَلِك رَجَاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عَنَّا فَزَالَ الْحجر وَخَرجُوا يتماشون رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"خرج ثلاثة فيمن كان قبلكم\" الحديث، تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٩٤٩٨) و(٩٥٥٦)، وابن حبان (٩٧١)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٥٤ - ٥٥ رقم ٢٤٥٤) و(٥/ ٣٣ - ٣٤ رقم ٤٥٩٧). والدعاء (١٩٣ و١٩٤). قال البزار في الموضع الأول: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عوف عن خلاس إلا المعتمر.\nوقال في الثانى: وهذا الكلام ونحوه وقريب منه قد روي عن النبي - ﷺ - من وجوه فرواه قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن بن، عن أبي هريرة - ﵁ -، ولا نعلم رواه عن قتادة إلا عمران القطَّان. وقال الطبراني: لم يروه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن إلا عمران. وقال في الثانى: لم يرو هذا الحديث عن داود بن أبي هند إلا عبد اللّه بن عرادة، تفرد به: داهر بن نوح.\nوقال الهيثمي ٨/ ١٤٢ - ١٤٣: رواه البزار والطبراني في الأوسط بأسانيد، ورجال البزار وأحد أسانيد الطبراني رجالهما رجال الصحيح. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٤٩٨).","vol":"10","page":463},{"text":"قوله: \"فإذا رحت عليهما جلبت لهما\" أي إذا صرفت الماشية من مرعاها بالعشي إلى موضع مبيتهما، والمراح مكان مبيتهما، وقيل: مسيرهما إليه.\nقوله: \"فسدت عليهم الغار\" أي على باب غارهم والحلاب بكسر الحاء الإناء الذي يحلب فيه ويراد به هنا اللبن المحلوب فيه.\nقوله: \"يتضاغون\" من باب التفاعل من الضغاء بالمعجمتين وهو الصياح بالبكاء أي يضجون (^١).\nقوله: \"فانساخت الصخرة\" هكذا روي بالخاء المعجمة وإنما هو بالمهملة بمعنى انشقت يقال انساح الثوب إذا انشق من قبل نفسه وألفها منقلبة عن الواو وإنما ذكرناها هاهنا لأجل روايتهما بالخاء المعجمة ويروي بالسين وتقدم ذلك في أول هذا التعليق قاله في النهاية (^٢) قال الخطابي: روى بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة (^٣).\nقوله في حديث أبي هريرة: \"عفا الأثر ووقع الحجر\" وهو بمعنى درس وانمحي ولم يبق له أثر وقيل: عفا أي درس أثر الحجَّاج في الأرض.\nقوله: \"حلابهما\" والحلوب أي المحلوب.\nقوله: \"ففرج عنا\" أي فرجة أخرى لأكلها.\nقوله: \"اللهم\" قال الطيبي: كرر لفظ اللهم في القريبة الثانية لأن هذا المقام أصعب المقامات، [وأشقها فإنه] ردع لهوى النفس، قال [ذلك البقر] ذلك\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١٠/ ٦٦).\n(^٢) النهاية (٣/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٣) أعلام الحديث (٣/ ١٥٧٠)، والكواكب الدرارى (١٤/ ٩٨).","vol":"10","page":464},{"text":"باعتبار [السواد] المرئي وأنث الضمير الراجع إلى البقر باعتبار الجنس، الفرق بفتح الفاء والراء وبسكونها ظرف يسع ثلاثة آصع وهي ستة عشر رطلا، فإن قلت: فيه صحة بيع الفضولي [وأجاب أصحابنا بأن] هذا شرع من قبلنا ثم ليس فيه أن الفرق كان معينا ولم يكن في الذمة وقبضه الأجير ودخل في ملكه بل كان هذا تبرعا منه له (^١).\nقال الخطابي (^٢): قد احتج به أحمد بن حنبل وإسحاق في قولهما أن من استوح مالا فاتجر فيه بغير إذن صاحبه أن الربح لرب المال، وقال أصحاب الرأي للمضارب ويتصدق به وهو ضامن لرأس المال، قال الخطابي (^٣): ويشبه على قول أحمد أن يكون هذا الرجل إنما استأجر على فرق أرز معلوم بعينه حتى تكون التجارة وقعت بمال الأجير وأما إذا كانت الأجرة غير معينة فإنما وقعت الإجارة في مال المستأجر لأنها من ضمانه والربح له لأنه المالك والعامل والمتصرف فيه إلا أنه لا حجة له في واحد من الأمرين أيهما كان لأن [هذا قول] ثناء ومدح استحقه هذا الرجل في أمر تبرع به لم يكن يلزمه [من جهة الحكم فحمد عليه، وإنما هو الترغيب في الإحسان والندب إليه وليس من باب ما يجب ويلزم] في شيء أ. هـ.\nقوله: \"تفض الخاتم إلا بحقه\" أي: لا تكسره وهو عبارة عن افتراع البكر وافتضاض عذرتها وكسر خاتم اللّه الذي جعله اللّه تعالى عليها، يقال: افتض\n_________\n(^١) شرح المشكاة (١٠/ ٣٧١٠ - ٣٧١١)، والكواكب الدرارى (١٤/ ٩٨).\n(^٢) معالم السنن (٣/ ٩١).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٩٢).","vol":"10","page":465},{"text":"الجارية واقتضها [بالفاء والقاف] قاله عياض (^١) أي: لا تستبحها إلا بحق الشرع (^٢).\nقوله: \"وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا\" بفتح الهمزة وضم الباء هذا هو الصحيح المشهور.\n\n٣٧٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه من أَحَق النَّاس بِحسن صَحَابَتِي قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أَبوك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: جاء رجل إلى رسول اللّه - ﷺ - فقال: يا رسول اللّه من أحق الناس بحسن صحابتي، الحديث، الصحابة هنا بفتح الصاد بمعنى الصحبة من الصحابة والصحبة الحفظ ومنه الحديث اللهم اصحبنا بصحبة واقلبنا بذمة أي: احفظنا بحفظك في سفرنا وارجعنا بأمانك وعهدك إلى بلدنا (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"أمك، قال ثم من: قال أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك\"، وفي رواية قال: \"أمك ثم أمك ثم أبوك\".\nوقوله: \"ثم أباك\" هكذا هو منصوب بفعل محذوف أي ثم بر أباك، وفي رواية أبوك وهذا واضح قال: ثم من قال: الأدنى فالأدني، ففي هذه\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٠).\n(^٢) مطالع الأنوار (٢/ ٤١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (١ و٢ و٣ و٤ - ٢٥٤٨)، وابن حبان (٤٣٤).\n(^٤) النهاية (٣/ ١١).","vol":"10","page":466},{"text":"الأحاديث الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقهم بذلك ثم بعدها الأب ثم الأقرب فالأقرب، قال العُلماء ﵃: وسبب تقديم الأم في البر لأنها أضعف ولكثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق في حملة ثم وضعه ثم إرضاعه ثم تربيته وخدمته ومعالجة أوساخه وتمريضه وغير ذلك (^١)، ولهذا قال الفقهاء: تقدم الأم على الأب في أخذ النفقة (^٢)، قال بعض العُلماء في هذا الحديث ينبغي أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب لأن النبي - ﷺ - أمر ببرها ثلاثًا وببر الأب مرة، وقال بعضهم: لها ثلثا البر لحديث ورد ذكر الأم فيه مرتين والأب مرة رواه ابن حبان في صحيحه، وتقدم ذكره، واستدل به على ذلك.\nقال صاحب التنقيح على المصابيح (^٣): وليس بين الحديث الذي ظاهره أن الأم لها ثلاثة أرباع البر وبين الحديث المقتضي المثلثين بل يحمل الحديث الأول على أم ربت الولد وأرضعته، والثاني: على أم لم يوجد منها ذلك وهذا سنح به الخاطر ولعله الصَّواب واللّه تعالى أعلم.\nونقل الحارث المحاسبي إجماع العُلماء على أن الأم تفضل في البر على الأب وحكي القاضي عياض خلافا في ذلك والجمهور بتفضيلها والصحيح عندنا أي الشافعي أنه إذا اجتمع الأب والأم في الاحتياج إلى النفقة وليس عند الولد إلا كفاية أحدهما قدمت الأم وقيل الأب، وقيل هما سواء، قال:\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٠٢).\n(^٢) كشف المناهج (٤/ ٢٧٢)، وانظر شرح النووي (١٦/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"10","page":467},{"text":"ونسب بعضهم هذا إلى الإمام مالك أي أنهما في البر سواء والصواب الأول لصريح هذه الأحاديث ثم المعنى المذكور واللّه أعلم.\nقال القاضي (^١): وأجمعوا على أن الأم والأب آكد خدمة في البر ممن سواهما، قال: وتردد بعضهم بين الأجداد والإخوة لقوله - ﷺ -: \"ثم أدناك فأدناك\" قال أصحابنا: يستحب أن يقدم في البر الأم ثم الأب ثم الأجداد ثم الجدات ثم الإخوة ثم الأخوات ثم سائر المحارم من ذوي الأرحام كالأعمام والعمات والأخوال والخالات ويقدم الأقرب فالأقرب، ويقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بأحدهما ثم بذي الرحم غير المحرم كابن العم وبنيه وأولاد الأخوال والخالات وغيرهم ثم بالمصاهرة ثم بالولاء من أعلى وأسفل ثم الجار ويقدم القريب البعيد الدار على الجار وكذا لو كان القريب في بلد آخر قدم على الجار الأجنبي وألحقوا الزوج والزوجة بالمحارم واللّه أعلم قاله في الديباجة واللّه أعلم.\n\n٣٧٦٧ - وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر - ﵄ - قَالَت قدمت عَليّ أُمِّي وَهِي مُشركَة فِي عهد رَسُول اللّه - ﷺ - فاستفتيت رَسُول اللّه - ﷺ - قلت قدمت عَليّ أُمِّي وَهِي راغبة أفأصل أُمِّي قَالَ نعم صلى أمك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه قَالَت قدمت عَليّ أُمِّي راغبة فِي عهد قريب وَهِي راغمة مُشركَة فَقلت يَا رَسُول اللّه إِن أُمِّي قدمت عَليّ وَهِي راغمة مُشركَة أفأصلها قَالَ نعم صلي أمك راغبة أَي طامعة فِيمَا عِنْدِي تَسْأَلني الإِحْسَان إِلَيْهَا راغمة أَي كارهة لِلْإِسْلامِ (^٢).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٨/ ٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٢٠) و(٣١٨٣) و(٥٩٧٨) و(٥٩٧٩)، ومسلم (٤٩ و٥٠ - ١٠٠٣)، وأبو داود (١٦٦٨)، وابن حبان (٤٥٢).","vol":"10","page":468},{"text":"قوله: وعن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ -، زوج الزبير بن العوام أم عبد اللّه بن الزبير، لما قتل ابنها عبد اللّه قال لها ابن عمر اصبري فقالت: وكيف لا وقد أتيت بغي من بغايا بني إسرائيل برأس يحيى بن زكريا، توفيت - ﵂ - بعد قتل ابنها بعشر ليال وهي ابنة مائة سنة لم يتغير عليها من عقلها شيء (^١).\nقولها: قالت قدمت عليَّ أمي [في عهد قريش] وهي راغمة. الحديث، وفي رواية لأبي داود: قدمت علي أمي وهي راغبة راهبة، أي: طامعة فيما عندي تَسْأَلنِي الإحسان إليها، يقال: رغب يرغب رغبة إذا حرص على الشيء ورغب فيه، والرغبة السؤال والطلب، وأصل الرغبة الحرص على الجمع والمنع عن الحق وراغمة أي كارهة للإسلام، أ. هـ قاله الحافظ وزاد غيره \"ساخطة عليّ\" أ. هـ فالمعنى [ذليلة] محتاجة لعطائي.\nأفأصلها: أي أفأعطيها شيئًا \"صليها\"؟ أي: أعطيها؟ يعني: الإحسان إل الكفار، وكان ذلك في زمان معاهدة النبي الكفار ومدة مصالحتهم، قال اللّه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ (^٢) ولما كان العاجز الذليل لا يخلو من غضب قالوا: ترغم إذا غضب وراغمة أي غاضبة يريد أنها قدمت علي غضبى لإسلامي وهجرتي متسخطة لأمري أو كارهة مجيئها إلى لولا مسيس الحاجة وقيل: راغمة من قومك من قوله تعالى ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٢) سورة الممتحنة، الآية: ٨.","vol":"10","page":469},{"text":"كَثِيرًا﴾ (^١) أي: هربا ومتسعا ومنه الحديث إن السقط ليراغم ربه إن أدخل أبويه إلى النار أي لتغاضبه، أ. هـ قاله في النهاية (^٢).\nتنبيه: راغبة وراهبة [...] (^٣) بالنصب على الحال ويصح فيهما الرفع على أن خبرهما مبتدأ محذوف، راغبة: بالباء بعد الغين المعجمة، وقال القاضي عياض (^٤): قيل معناه راغبة عن الإسلام وكارهة له، وقيل: معناه طامعة فيما أعطيتها حريصة عليه وطامعة طالبة صلتي وراغمة بالميم معناه كارهة للإسلام ساخطته، ومعنى: \"في عهد قريش\" أي في المدة التي عاهدت قريش فيها رسول اللّه - ﷺ -.\nقوله - ﷺ -: \"نعم صلي أمك\" فيه جواز صلة القريب المشرك، وأم أسماء: اسمها قيلة بفتح القاف وسكون الياء التحتانية على الأصح، وقيل: قتيلة بضم القاف وفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الياء آخر الحروف وهي قيلة بنت عبد العزى القرشية العامرية وهي أم عبد اللّه بن أبي بكر الصديق (^٥)، فأما أم عائشة وعبد الرحمن فأم رومان، وأم محمد أسماء بنت عميس.\nواختلف العُلماء في أنها أسلمت أو ماتت على كفرها، قال ابن عبد البر: ولم يبلغنا إسلامها ولا ذكرها أيضًا ابن عبد البر في الصحابيات والأكثرون\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١ ...\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٣٩).\n(^٣) بياض بالأصل.\n(^٤) إكمال المعلم (٣/ ٥٢٣).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٩).","vol":"10","page":470},{"text":"على موتها مشركة. واختلفوا أيضًا هل كانت أمها التي ولدتها وهي قيلة أولا وقيل إن القادمة على أسماء لم تكن أمها من النسب بل الرضاع والصحيح أنها أمها من النسب وهي قيلة (^١). وفي الحديث: أن كفر الأرحام ليس بمانع من برهم وصلتهم، والصلة هي العطية والإنعام (^٢).\n\n٣٧٦٨ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - رضَا اللّه فِي رضَا الْوَالِد وَسخط اللّه فِي سخط الْوَالِد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرجح وَقفه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِلَّا أَنه قَالَ طَاعَة اللّه طَاعَة الْوَالِد ومعصية اللّه مَعْصِيّة الْوَالِد وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث عبد اللّه بن عمر أَو ابْن عَمْرو وَلَا يحضرني أَيهمَا وَلَفظه قَالَ رضَا الرب ﵎ فِي رضَا الْوَالِدين وَسخط اللّه ﵎ فِي سخط الْوَالِدين (^٣).\n_________\n(^١) كشف المناهج (٤/ ٢٧٣)\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه ابن مَعين كما في تاريخ ابن محرز (٢/ ٢٦)، والترمذى في العلل (٥٧٩) والسنن (١٨٩٩)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ٤٥)، وابن حبان (٤٢٩)، والطبراني في جزء من اسمه عطاء (١٤)، وأبو الشيخ في الفوائد (٢٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٥١ - ١٥٢)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٢٤٧ رقم ٧٤٤٧) والبغوى (٣٤٢٤) مرفوعًا.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٠١)، والصحيحة (٥١٦). أخرجه ابن وهب في الجامع (٩٢)، والبخارى في الأدب المفرد (٢)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٩٤ رقم ١٤٣٦٧) والبغوى (٣٤٢٣) موقوفًا. وقال الترمذي: وهكذا روى أصحاب شعبة، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد اللّه =","vol":"10","page":471},{"text":"٣٧٦٩ - وَعَن ابْن عمر - ﵁ - قَالَ أَتَى النَّبِيّ - ﷺ - رجل فَقَالَ إِنِّي أذنبت ذَنبا عَظِيما فَهَل لي من تَوْبَة فَقَالَ هَل لَك من أم قَالَ لا قَالَ فَهَل لَك من خَالَة قَالَ نعم قَالَ فبرها رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم إِلَّا أنَّهُمَا قَالا هَل لَك والدان بالتثنية وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا (^١).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: إني أذنبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ الحديث، فذكره إلى أن قال: \"فقال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها\".\nتنبيه: صح أن النبي قال: \"الخالة بمنزلة الأم\" (^٢) فيجب برها ويحرم عقوقها، والعم أيضًا بمنزلة الأب فيجب بره ويحرم عقوقه، أ. هـ وهو دال على تفاوت مراتب الرحم واللّه أعلم. أ. هـ.\nتنبيه: وفي قوله \"الخالة بمنزلة الأم\" فيه دليل لتنزيلها منزلتها عند أهل التنزيل في توريث ذوي الأرحام، وفيه: دليل على استحقاقها للحضانة لكن\n_________\n= بن عمرو، موقوفًا. وقال البيهقى: ورويناه أيضًا من حديث خالد بن الحارث، وأبي إسحاق الفزاري، وزيد بن أبي الزرقا وغيرهم مرفوعًا، ورواه آدم بن أبي إياس، ومسلم بن إبراهيم، وجماعة، عن شعبة موقوفًا.\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٣ - ١٤ (٤٦٢٤)، والترمذي (١٩٠٤ م)، وابن حبان (٤٣٥)، والحاكم ٥/ ١٥٤، والسهمي في تاريخ جرجان ص ٣٣٤، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٢٦٩ رقم ٧٤٨٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٠٤) و(٢٥٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٩) و(٤٢٥١)، والترمذى (١٩٠٤).","vol":"10","page":472},{"text":"لو عارضها عصوبة قدمت فتقدم عليها الأخت لقوة عصوبتها، والحديث يحمل على أنه لم يكن هناك أحد من نساء العصبة (^١).\n\n٣٧٧٠ - وَعَن أبي أسيد مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ - ﵁ - قَالَ بَينا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول اللّه - ﷺ - إِذْ جَاءَ رجل من بني سَلمَة فَقَالَ يَا رَسُول اللّه هَل بَقِي من بر أَبَوي شَيْء أبرهما بِهِ بعد مَوْتهمَا قَالَ نعم الصَّلاة عَلَيْهِمَا وَالاسْتِغْفَار لَهما وإنفاذ عهدهما من بعدهمَا وصلَة الرَّحِم الَّتِي لَا توصل إِلَّا بهما وإكرام صديقهما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَزَاد فِي آخِره قَالَ الرجل مَا أَكثر هَذَا يَا رَسُول اللّه وأطيبه قَالَ فاعمل بِهِ (^٢).\nقوله: وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي - ﵁ - أسيد الساعدي بضم الهمزة وفتح السين وسكون الياء المثناة من تحت، اسمه مالك بن ربيعة بن البدي، ويقال: عن البدي وهم، والصواب: البد، شهد بدرا مع رسول اللّه، وذهب بصره في آخر عمره، وقال: لو كنت ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتماري، شهد بدرا وأحدا\n_________\n(^١) العدة (٣/ ١٣٩٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٧ (١٦٠٥٩)، والبخارى في الأدب المفرد (٣٥)، وأبو داود (٥١٤٢)، وابن ماجة (٣٦٦٤)، والرويانى (١٤٦٠)، وابن حبان (٤١٨)، والحاكم (٤/ ١٥٤)، وابن عساكر في أربعون حديثًا (ص ٨٧). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. قال ابن عساكر: هذا حديث حسن من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (٤/ ٢٦٦): هذا حديث حسن. وضعفه الألباني في \"الضعيفة\" (٥٩٧) والمشكاة (٤٩٣٦) وضعيف الترغيب (١٤٨٢).","vol":"10","page":473},{"text":"والمشاهد كلها مع رسول اللّه - ﷺ -، مات بالمدينة سنة ستين في العام الذي مات فيه معاوية [وقيس بن سعد فيما ذكر المدائني] وهو ابن خمس وسبعين سنة وهو آخر من مات من البدريين، روى له الجماعة واللّه أعلم (^١).\nقوله: بينا نحن جلوس عند رسول اللّه - ﷺ -، تقدم الكلام على ذلك في حديث جبريل - ﵇ - المطول.\nقوله: إذ جاء رجل من بني سلمة، بنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار (^٢)، وتقدم ذكر ذلك في المشي إلى المساجد.\nقوله: فقال يا رسول اللّه هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال: \"نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما\" الحديث، الصلاة عليهما هو الدعاء لهما لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء، قال اللّه تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^٣) الآية، أي: ادع لهم كقوله - ﵇ -: \"إذا أكل عنده الطعام صلت عليه الملائكة\" وكقوله - ﷺ -: \"إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب وإن كان صائما فليصل\" أي فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة والدعاء ينفع الميت بالإجماع.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٧/ ٢٩ - ١٤١ ترجمة ٥٧٣٨).\n(^٢) قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٩٠) وزاد: والنسبة إليهم: سلمي، بفتح اللام، هذا هو الصحيح المعروف الذي قاله أهل اللغة، والمحققون من المحدّثين، وقد كسرها كثيرون أو الأكثرون من المحدّثين.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.","vol":"10","page":474},{"text":"فإن قيل: لم يذكر فيه الصدقة وهي تصل إلى الميت بالإجماع؟ فالجواب: أن السائل لعله كان لا يستطيعها أو أن الصلاة عليهما شاملة لذلك، وقال - ﷺ -: \"ما على أحدكم إذا أراد أن يتصدق أن يجعلها لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء\" (^١) رواه الطبراني في الأوسط.\nقوله: \"وإنفاذ عهدهما من بعدهما\" أي إمضاء وصيتهما وما عهدا به قبل موتهما.\nقوله: \"وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما\" والرحم القرابة وتقد الكلام على الصلة في مواضع كثيرة من هذا التعليق.\n\n٣٧٧١ - وَعَن عبد اللّه بن دِينَار عَن عبد اللّه بن عمر - ﵄ - أَن رجلًا من الأعْرَاب لقِيه بطرِيق مَكَّة فَسلم عَلَيْهِ عبد اللّه بن عمر وَحمله على حمَار كَانَ يركبه وَأَعْطَاهُ عِمَامَة كَانَت على رَأسه قَالَ ابْن دِينَار فَقُلْنَا لَهُ أصلحك اللّه فَإِنَّهُم الأعْرَاب وهم يرضون باليسير فَقَالَ عبد اللّه بن عمر إِن أَبَا هَذَا كَانَ ودا\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٩٢ رقم ٦٩٥٠) و(٧/ ٣٥٨ رقم ٧٧٢٦)، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصى بلفظ: ما على أحدكم إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها عن أبويه، فلا ينقص من أجورهم شيئًا. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن سعد إلا خارجة بن مصعب، ولا عن خارجة إلا علي بن الحسن، تفرد به: محمد بن عبد اللّه بن قهزاذ. وقال في الموضع الثانى: لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن سعد إلا خارجة بن مصعب. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٨ - ١٣٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خارجة بن مصعب الضبي، وهو ضعيف.","vol":"10","page":475},{"text":"لعمر بن الْخطاب وَإِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن أبر الْبر صلَة الْوَلَد أهل ود أَبِيه رَوَاه مسلم (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن دينار، وعبد اللّه بن دينار هذا هو القرشي مولى ابن عمر تابعي توفي سنة سبع وعشرين ومائة (^٢).\nقوله: عن عبد اللّه بن عمر - ﵄ - أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة وعمامة يشد بها رأسه فبينما هو يومًا على ذلك لقيه أعراب، الحديث.\nقوله: فقال عبد اللّه بن عُمر: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب، الحديث قال القاضي عياض ﵀ (^٣): رويناه بضم الواو وكسرها أي صديقا [من أهل مودته] وهي محبته.\nقوله - ﷺ -: \"إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه\" الحديث، قال النووي (^٤): الود هنا بضم الواو والود المحبة يقال وددت ودا إذا أحببته والبر الإحسان وأبر البر أحسنه وأفضله والبر في اللغة اسم جامع للخير كلّه، وفي هذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١ و١٢ و١٣ - ٢٥٥٢)، والترمذى (١٩٠٣)، وأبو داود (٥١٤٣)، وابن حبان (٤٣٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥ ترجمة ٢٩٤) وقال النووي: سمع ابن عمر، وأنسا، وجماعات من التابعين. روى عنه ابنه عبد الرحمن، ويحيى الأنصاري، وسهيل، وربيعة الرأي، وموسى بن عقبة، وهؤلاء تابعيون، وخلائق غيرهم، واتفقوا على توثيقه.\n(^٣) إكمال المعلم (٨/ ١١٥)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ١٠٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٠٩ - ١١٠).","vol":"10","page":476},{"text":"الحديث فضل صلة أصدقاء الأب والإحسان إليهم وإكرامهم وهو متضمن لبر الأب وإكرامه لكونه بسببه ويلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشايخ والزوج والزوجة وقد ورد أن النبي - ﷺ - كان يصل صدائق خديجة برا بها - ﷺ - ورضى عنها.\n\n٣٧٧٢ - وَعَن أبي بردة قَالَ قدمت الْمَدِينةَ فَأَتَانِي عبد اللّه بن عمر فَقَالَ أَتَدْرِي لم أَتَيْتُك قَالَ قلت لا قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من أحب أَن يصل أَبَاهُ فِي قَبره فَليصل إخْوَان أَبِيه بعده وَإنَّهُ كَانَ بَين أبي عمر وَبَين أَبِيك إخاء وود فَأَحْبَبْت أَن أصل ذَاك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي بردة، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده\" وتقدم معنى الصلة واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٥٦٦٩)، وابن حبان (٤٣٢). وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٣٢)، وصحيح الترغيب (٢٥٠٦).","vol":"10","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>[الترهيب من عقوق الوالدين]</span>\n٣٧٧٣ - عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ إِن اللّه حرم عَلَيْكُم عقوق الأُمَّهَات ووأد الْبَنَات ومنعا وهات وَكره لكم قيل وَقَالَ وَكَثْرَة السُّؤَال وإضاعة المَال رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (^١).\nقوله: عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -[المغيرة، بضم الميم وكسرها، والضم أشهر. وهو أبو عبد اللّه، ويقال: أبو عيسى، ويقال: أبو محمد المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب، بالعين المهملة المفتوحة، ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسى بن منبه، وهو ثقيف بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثقفى الكوفى الصحابي، أسلم عام الخندق. روى له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ولمسلم حديثان] (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إن اللّه حرم عليكم عقوق الأمهات\" الحديث، وفي حديث آخر في الصحيحين \"ووأد\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٠٨) و(٥٩٧٥) و(٦٤٧٣)، ومسلم (١٢ و١٤ - ٥٩٣)، وابن حبان (٥٥٥٥) و(٥٥٥٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٩ - ١١٠ ترجمة ٥٩٩).","vol":"10","page":478},{"text":"\"البنات\" ولم يذكر الحافظ في هذا الحديث: \"وأد البنات\".\nقوله: \"إن اللّه حرم عليكم عقوق الأمهات\" قال ابن الأثير (^١): يقال عن والده يعقه عقوقا فهو عاق إذا أذاه وعصاه وخرج عليه وهو ضد البر به، وأصل العقوق من العق وهو الشق والقطع فكأن العاق في شق ووالده في شق بسبب المخالفة وقيل هو شق عصى الطاعة لوالده (^٢)، واكتفي بذكر أحد الوالدين عن الآخر. وهو كلّ فعل غير واجب يتأذى به الوالدان ويقال طاعتهما واجب فيما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما فيه عقوق (^٣).\nوالأمهات بإثبات الهاء وهو الأشهر في جمع أم من يعقل، والمراد بالأمهات الأم وسائر الجدات وهو نوع من مجاز التغليب قيل وإنما خص الأمهات مع امتناع العقوق في الآباء أيضًا، وقال بعضهم (^٤): وإن كان عن الآباء وغيرهم من ذوي الحقوق عظيمًا، فالعقوق للأمهات [له مزية] في [القبح] وقال بعضهم أيضًا (^٥): إنما خص الأمهات بالذكر لعظم حقهن وحقهن مقدم على حق الأب كما قدمهن في البر، وإنما يخص الشيء بالذكر من بين جنسه لمعنى فيه يزيد على غيره انتهى، وقيل (^٦): لأجل شدة حقوقهن\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٢٧٧).\n(^٢) المفهم (١٦/ ٨٠).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١١/ ١٧٤).\n(^٤) النهاية (٣/ ٢٧٧).\n(^٥) كشف المشكل (٤/ ١٠٣) لابن الجوزى.\n(^٦) إحكام الأحكام (١/ ٣٢٣).","vol":"10","page":479},{"text":"ورجحان الْأَمر ببرهن بالنسبة إلى الآباء ولما في عقوق الأمهات من مزيد القبح، ولهذا قيل إن للأم ثلاثة أرباع البر (^١) وأخذ ذلك من قوله - ﷺ - حين سأله السائل: \"من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك ثلاثًا ثم قال في الرابعة: ثم أبوك\" (^٢) ويحتمل أنما قدم الأم في الذكر لضعفها وعدم قوتها على رد الابن إلى الطاعة إذا خولفت والأولاد في الغالب إنما يخالفون الأمهات بخلاف الآباء فإن الآباء عند المخالفة لهم قدرة على الانتصاف من الأولاد وردهم إلى الطاعة إما بأيديهم أو برفعهم إلى ولاة الأمور ولهذا كان الأب هو الذي يتولي النظر في مصالح الابن فيما يتعلق بماله وبدنه والأم لا ولاية لها شرعا على الولد بخلاف الأب، وقد سوى اللّه تعالى بين الأبوين فقال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^٣) الآية، وهذا النهي للتحريم ذكره ابن العماد.\nتنبيه: عقوق الأمهات حرام وهو من الكبائر بإجماع العُلماء وكذلك عقوق الآباء من الكبائر أيضًا، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على عد ذلك من الكبائر واللّه أعلم (^٤). وقال بعض الحكماء: من عصى والديه لم ير السرور من ولده، ومن لم يستشر في الأمور لم يصل إلى حاجته ومن لم يدار\n_________\n(^١) قاله منصور كما في الزهد (٢/ ٤٧٦) لهناد.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (١ و٢ و٣ و٤ - ٢٥٤٨)، وابن ماجة (٢٧٠٦) و(٣٦٥٨) عن أبي هريرة.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١١).","vol":"10","page":480},{"text":"مع أهله ذهبت لذة عيشه (^١)، أ. هـ.\nقوله: \"ومنعا وهات\" هو بكسر التاء من هات، ومعنى الحديث أنه نهي أن يمنع الرجل ما توجه عليه الحقوق أو يطلب ما لا يستحقه (^٢)، قال القرطبي وهذا راجع إلى المسئول والسائل نهي المسئول عن المنع مع القدرة، وقد روى أنه - ﷺ - قال: \"للسائل حق وإن جاء على فرس\" (^٣) ونهي السائل أن يسئل بعد المنع لأنه إذا منع وعاد إلى السؤال يصير إلحافا ويحتمل حمل: \"وهات\" على السؤال مع عدم الحاجة فإنه مكروه أيضًا، واللّه أعلم.\nقوله: \"وكره لكم قيل وقال\" الحديث، اختلف العُلماء في حقيقة هذين اللفظين على قولين أحدهما أنهما فعلان فقيل مبني لما لم يسم فاعله، وقيل: فعل ماض، والثاني: أنهما اسمان مجروران منونان لأن القال والقيل والقالة كلّه بمعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾ (^٤) ومنه قولهم: كثر القيل والقال (^٥).\nفأما القيل والقال فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم (^٦)، قال ابن العماد في شرح العمدة: وأيضًا فإن الإخبار\n_________\n(^١) البستان (ص ٤٠٧) و: تنبيه الغافلين (ص ١٣١) للسمرقندى.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٦٦٥)، وابن خزيمة (٢٤٦٨) عن حسين بن علي.\nوضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٤٧٤٦).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٢٢.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١١).\n(^٦) إكمال المعلم (٥/ ٥٦٩) وشرح النووي على مسلم (١٢/ ١١).","vol":"10","page":481},{"text":"التي تنقل في الغالب تكون سقيمة ويقال إن شيطانا يسمى [مطون] ينقل الأخبار الكاذبة ويلقيها في أفواه الناس فيتحدّثون بها وقد ثبت عنه أنه قال: \"كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكل ما سمع\" (^١) وقال بعض السلف: لا يكون إماما من حدّث بكل ما سمع (^٢)، ومما قيل في الصمت عما لا يعني:\nمنع اللسان من الكلام فإنه ... كهف البلاء وجالب الآفات\nفإذا نطقت فكن لربك ذاكرا ... لا تنسه واحمده في الحالات\nوقال آخر:\nقد أفلح الساكت الصموت ... كلامه ما يعد قوت\nما كل نطق له جواب ... جواب ما يكره السكوت\nواعجبى لأمري ظلوم ... مستيقن أنه يموت\nقوله: \"وكثرة السؤال\" الحديث، وكثرة السؤال: هو الإلحاح فيما لا حاجة إليه، وقيل: المراد به التنطع في المسائل والإكثار من السؤال عما لا يقع ولا تدعوا إليه حاجة وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك، وقيل: يحتمل ان المراد كثرة السؤال، وكان السلف - ﵃ - يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي عنه، وفي الصحيح: كره رسول اللّه المسائل وعابها وقيل المراد به سؤل الناس أموالهم وما في أيديهم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك، وقيل: إنه يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في المقدمة (ج ١/ ١٠)، وأبو داود (٤٩٩٢)، وابن حبان (٣٠) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٢٥).\n(^٢) العدة (٢/ ٦٥٠).","vol":"10","page":482},{"text":"أخبار الناس وأحداث الزمان وما لا يعني الإنسان، وهذا ضعيف لأنه قد عرف هذا من النهي عن قيل وقال، وقيل: يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فدخل ذلك في سؤله عما لا يعنيه ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسئول فإنه قد لا يؤثر إخباره بأحواله فإن أخبره شق عليه وإن كذبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقة وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب (^١)، أ. هـ.\nفائدة: في الحديث دليل على أن غير الكثير في السؤال لا يتعلق به النهي وهو كذلك، قال العُلماء: وقد يجب السؤال في بعض الصور وذلك عند الإضرار أو خوف فوات واجب كالصوم ونحوه إذا لم يأكل قالوا: وقد سأل موسى والخضر قال اللّه تعالى: ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ (^٢) والتعرض للسؤال يكون في معنى السؤال وكثرة السؤال منهي عنها في صور، الأولى: إذا سأل الفقير فقيل له يفتح اللّه فأعاد السؤال فيحرم عليه ذلك لأنه نوع من الإيذاء، قال الحليمي: فإن ألح وزاد على الثلاث مرات جاز ضربه ودفعه، الصورة الثانية: أن يعم الناس بسؤاله فيسئل هذا هذا وهذا، قال اللّه تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٣) لأنه يعم الناس بمسألة كالملحفة تعم من يلتحف بها (^٤)، الصورة الثالثة: أن يسأل شخصا فيعطيه ثم يعود إليه في\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١١).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ٧٧.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧٣.\n(^٤) تفسير القرطبي (٢/ ٣٤٢).","vol":"10","page":483},{"text":"اليوم الثاني فيعطيه ثم في الثالث فهذه كثرة بالإضافة إلى الشخص الواحد وإن لم يكن في نفس السؤال، ووجه الكراهة في ذلك أن الشخص الواحد إذا كرر عليه السؤال ربما يزعجه ذلك ويقلقه هذا إن حمل السؤال في الحديث على سؤال المال ويستدل به على أن من قدر على السؤال والمشي لا يجب عليه الحج وهو كذلك عند الشافعي ولا يكون ذلك من الاستطاعة، وقال الإمام مالك: يجب عليه الحج تعويلا على السؤال (^١)، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (^٢): ويجوز أن يكون السؤال راجعا إلى الأمور الشرعية، وقد كانوا يكرهون تكلف السؤال عما لا تدعوا الحاجة إليه، وقال - ﷺ -: \"أعظم الناس جرما عند اللّه من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته\" (^٣) أ. هـ قاله ابن العماد.\nقوله - ﷺ -: \"وإضاعة المال\".\nتنبيه: المال ما تملكته من جميع الأشياء وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم، قال سيبويه: من شاذ الإمالة إمالة المال والجمع أموال وتصغيره مويل (^٤). وفي حلية الأولياء عن سفيان الثوري أنه قال: سمي المال مالا لأنه يميل القلوب (^٥).\n_________\n(^١) المعونة (١/ ٥٠٠)، وشرح الرسالة (٢/ ٨٧).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٣٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٢٨٩)، ومسلم (١٣٢ و١٣٣ - ٢٣٥٨)، وأبو داود (٤٦١٠) عن سعد بن أبي وقاص.\n(^٤) المحكم (١٠/ ٤٤٠).\n(^٥) حلية الأولياء (٦/ ٣٨٦).","vol":"10","page":484},{"text":"قال النووي: وهذا مناسب في المعنى لكنه ليس مشتقا من ذلك فإن عين المال واو، والإمالة من الميل بالياء وشرط الاشتقاق التوافق في الحروف الأصلية (^١) قلت: يدل عليه الأموال ومويل وتمول زيد كذا إلى غير ذلك واللّه أعلم.\nونهيه - ﷺ - عن إضاعة المال هو تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا [وترك حفظه مع إمكان الحفظ] فأما بذله وكثرة إنفاقه في تحصيل مصالح الآخرة فذلك مطلوب بشروط وقد قالوا الإسراف في الخير كالضيافة ونحوها وأما بذله في مصالح الدنيا وملاذ النفس على وجه لا يليق بحالط المنفق وقدر ماله ففي كونه إسرافا خلافٌ، والمشهور عند المالكية أنه إسراف وقال بعض أصحابنا: ليس بإسراف وظاهر القرآن يمنعه والأشهر أنه مباح إذا كان في غير معصية (^٢) [وفي المذهبي] عندنا: يكره لمن لا يصبر على الإضافة التصدق بجميع ماله (^٣)، وقال الزناتي شارح الرسالة (^٤): لا خلاف عند المالكية في منعه سواء أنفقه على أولاده أو على الفقراء، وحكي عن سحنون أنه ترد صدقته ويحال بينه وبين ماله لظهور سفهه وربما يؤدب على سوء صنيعه ومنعه الباجي (^٥) وعند\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٤٧).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٣٢٢)، والعدة (٢/ ٦٥٠ - ٦٥١).\n(^٣) المهذب (١/ ٣٢٢)، والوسيط (٤/ ٥٧٧)، والمجموع (٦/ ٢٣٦).\n(^٤) شرح الرسالة المسماة (حلل المقالة في شرح الرسالة) (لوحة ٨٠).\n(^٥) فتح البارى (١٠/ ٤٠٨).","vol":"10","page":485},{"text":"وعند ابن كثير إنفاقه في مصالح الدنيا مكروه كما إذا تلذذ به وجمع بين الأطعمة المفتخرة ونحوها.\nواختلف العُلماء في وجوب الحجر على البالغ المضيع لماله فقال الجمهور يجب، منهم علي وابن عباس وابن الزبير وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وقالت طائفة: لا حجر عليه وبه قال النخعي وابن سيرين وأبو حنيفة وزفر (^١)، أ. هـ قاله في شرح الإلمام.\nويدخل فيه سوء القيام على ما يملكه من الرقيق والدواب حتى تضيع فتهلك، وقسم ما لا ينتفع به الشريك كاللؤلؤة والسيف والحمام الصغير واحتمال الغبن الفاحش في البياعات ونحوها وكذلك دفع المال لمن لم يؤنس رشده (^٢).\nوسبب النهي أنه إفساد واللّه لا يحب المفسدين، ولأنه إذا ضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس وأما صرفه في مصالح الآخرة فيمنع ولا يسمي ذلك تضييعا لأنه يقال في الخير أنفقت وفي الباطل ضيعت وخسرت وغرمت (^٣) ولهذا كرهوا للإنسان أن يقول ضيعت على حجي كذا وإنما يقال أنفقت على حجي كذا، ولا يكره إنفاق جميع ماله في مصالح الآخرة في حق من يصبر على الإضافة قال اللّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ\n_________\n(^١) التوضيح (١٠/ ٥١٦) و(١٥/ ٤٥٦)، وعمدة القاري (٩/ ٦١).\n(^٢) شرح السنة (١/ ٢٠٤) وعنه كشف المناهج (٤/ ٢٧٦).\n(^٣) دقائق المنهاج (ص ٢٨).","vol":"10","page":486},{"text":"وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١) الآية، وقد روى عن الحسن - ﵁ - أنه تجرد من ماله مرتين ويكره في حق من لا يصبر على الضرر والإضافة ويحرم على من عليه دين أو نفقة زوجة أو مملوك أو قريب التصدق بما يحتاج إليه لنفقتهم، قال - ﷺ -: \"كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول\" (^٢) فإن تصدق في هذه الحالة لم يملكه الفقير كما قاله في الكفاية، ووجهه أن قد تعلق به حق آدمي فأشبه المرهون والمرهون لا يحل التصدق به ولا يملكه الآخذ، ولذلك لو تصدق بما تعلق به حق اللّه تعالى حرم ولم يملكه الآخذ فلو في خل الصلاة وتصدق بما معه من المال الذي يحتاج إليه للطهارة لم يجز تيممه ما دام المال موجودا في يد الآخذ ولو تصدق بالثوب الذي يستر عورته في الصلاة أو غيرها لم يجز لتعلق حق اللّه تعالى بساتر العورة، وكذا لو باع ساتر العورة أو جعله صداقا وأراد أن يقعد عريانا لم يصح، وقد قال النبي - ﷺ - للرجل الذي [قال] ليس معي إلا إزاري هذا، فقال: \"إزارك إن أعطيتها إياه جلست ولا إزار لك\" (^٣) فمنعه من جعله صداقا واللّه أعلم، أ. هـ قاله ابن العماد.\nقوله في الرِّواية الأخرى: \"ووأد البنات\" وأما وأد البنات فبالهمزة فهو دفنهن في حياتهن فيمتن تحت التراب وهو من الكبائر الموبقات لأنه قتل\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٩.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٠ - ٩٩٦)، وأبو داود (١٦٩٢) عن عبد اللّه بن عمرو.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٤٩٨)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذى (١١١٤)، وابن حبان (٤٠٩٣) عن سهل بن سعد. قال الألباني: صحيح - صحيح أبي داود (١٨٣٨)، الإرواء (٦/ ٣٤٥/ ١٢٤٥).","vol":"10","page":487},{"text":"نفس بغير حق، ويتضمن أيضًا قطيعة الرحم وإنما اقتصر على البنات لأنه المعتاد التي كانت الجاهلية تفعله (^١)، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ (^٢) الآية إلى قوله: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ (^٣) كانت العرب في الجاهلية تكره الأنثى ويقولون أنها لا تنصر على العدو ولا تقري الضيف.\nوبشر أحدهم ببنت فقال: ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء وبزها سرقة، والبز بفتح الباء وبالزاي معناه السلب فهي بضعفها لا تنصر على العدو إلا بالبكاء والصراخ ولا تقدر على سل مال العدو إلا بالسرقة، ويروي برها بالراء المهملة وكانوا لا يورثون البنات لذلك فجبرهن اللّه تعالى بتقديمهن في الذكر فقال اللّه تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (^٤) الآية، وجعل نصيب الذكر في آية المواريث معتبرا بحظ الانثيين تنبيها على تأصلهن في الميراث وقياسا للذكر عليهن.\nفإن قيل: قد روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"دفن البتات من المكرمات\" (^٥)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٢).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٥٨.\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٥٩.\n(^٤) سورة الشوري، الآية: ٤٩.\n(^٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٧٩٠)، والدولابى في الذرية (٧٣)، والطبرانى في الكبير ١١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ (١٢٣٥٠)، في الأوسط ٢/ ٣٧٢ (٢٢٦٣) وابن الجوزى في الموضوعات (٢/ ٢٣٦) عن ابن عباس. وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد =","vol":"10","page":488},{"text":"وقيل في ذلك: دفن البنات من المكرمات أما ترى الرب سبحانه قد جعل النفس تحب البنات، وقال بعضهم: حين دفنت ابنته مؤنة كفيت وعورة سترت ونعم الصهر القبر ومن الكلام الشائع على سبيل المثال البنت تجلب العار والعدو إلى الدار، أ. هـ.\nفائدة: قوله - ﷺ - في الحديث \"ووأد البنات\" قيل: هذا لا يدلّ على جواز قتلهن، فإن قتل النفس لم يبح في ملة من الملل ووأد البنات كان معلوم التحريم من القواعد الكلية فما فائدة النهي عن وأدهن، فجوابه أن ذلك لتأكيد الحرمة والتحذير عنها كما أمر النبي - ﷺ - بصوم عاشوراء تأكيدا لحرمته وحثا على صومه فإنهم كانوا يصومونه قبل ذلك بمكة وأمر بصيامه ثانيًا تأكيدا لحرمته قاله ابن العماد.\n_________\n= اللّه بن ذكوان الدمشقي. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١١: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، والبزار إلا أنه قال: موت البنات، وفيه عثمان بن عطاء الخراساني، وهو ضعيف. وأخرجه ابن عدى (٣/ ٤٠٧)، وابن الجوزى في الموضوعات (٢/ ٢٣٥) عن ابن عمر. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول اللّه - ﷺ -. أما حديث ابن عمر فتفرد به محمد بن معمر عن حميد بن حمَّاد. قال ابن عدي: حميد تحدّث عن الثقاة بالمناكير.\nوأما حديث ابن عباس فقال أبو نعيم: تفرد به عراك، وقد ذكرناه عن محمد بن عبد الرحمن، فأما عراك فقال أبو حاتم الرازي: مضطرب الحديث ليس بالقوى وأما محمد بن عبد الرحمن فقال ابن عدي: ضعيف يسرق الحديث، وأما عثمان بن عطاء فقال يحيى بن مَعين: هو ضعيف، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بروايته، قال: وكان أبوه عطاء ردئ الحفظ يخطئ ولا يعلم فبطل الاحتجاج به وسمعت شيخنا عبد الوهَّاب بن المبارك الأنماطي يحلف بالله ﷿ أنه ما قال رسول اللّه - ﷺ - من هذا شيئًا قط. وقال الألباني في الضعيفة (١٨٥): موضوع.","vol":"10","page":489},{"text":"٣٧٧٤ - وَعَن أبي بكرَة - ﵁ -، قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر ثَلَاثًا قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ الإِشْرَاك بِاللّه وعقوق الْوَالِدين وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلا وَقَول الزُّور وَشَهَادَة الزُّور فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا ليته سكت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي بكرة - ﵁ -. تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا؟ \" قلنا: بلى يا رسول اللّه، قال \"الإشراك باللّه وعقوق الوالدين\"وذكر الحديث إلى أن قال: وكان متكئا فجلس فقال: \"ألا وقول الزور وشهادة الزور\" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، الحديث، فجلوسه - ﷺ - لهذا الْأَمر، وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه؛ وأما قوله: \"ليته سكت\" إنما قالوه وتمنوه شفقة على رسول اللّه وكراهة لما يزعجه ويغيظه واللّه أعلم، وتقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطا في الترهيب من شهادة الزور.\n\n٣٧٧٥ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ -. عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ الْكَبَائِر الإِشْرَاك باللّه وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس وَالْيَمِين الْغمُوس رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥٤) و(٥٩٧٦) و(٦٢٧٣ و٦٢٧٤) و(٦٩١٩)، ومسلم (١٤٣ - ٨٧)، والترمذى (١٩٠١) و(٢٣٠١) و(٣٠١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٧٥) و(٦٨٧٠) و(٦٩٢٠)، والترمذى (٣٠٢١)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٩٠ (٤٠٤٦) و٧/ ٤٤٣ (٤٩١٢).","vol":"10","page":490},{"text":"٣٧٧٦ - وَعَن أنس - ﵁ -: قَالَ ذكر عِنْد رَسُول اللّه - ﷺ - الْكَبَائِر فَقَالَ الشّرك بِاللّه وعقوق الْوَالِدين الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَفِي كتاب النَّبِيّ - ﷺ - الَّذِي كتبه إِلَى أهل الْيمن وَبعث بِهِ مَعَ عَمْرو بن حزم وَإِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد اللّه يَوْم الْقِيَامَة الإِشْرَاك بِاللّه وَقتل النَّفس المؤمنة بِغَيْر الْحق والفرار فِي سَبِيل اللّه يَوْم الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَرمي المحصنة وَتعلم السحر وَأكلّ الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم الحَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: ذكر عند رسول اللّه - ﷺ - الكبائر، فقال: \"الشرك باللّه وعقوق الوالدين\" الحديث، فإن قلت: العقوق كيف يكون في درجة الإشراك وهو كفر، قلت: ادخل في سلكه تعظيما لأمر الوالدين وتغليظا على [العاق] أو المراد أن [أكبر الكبائر] فيما [يتعلق بحق] اللّه تعالى الإشراك فيما يتعلق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥٣) و(٥٩٧٧)، ومسلم (١٤٤ - ٨٨)، والترمذى (١٢٥٧) و(٣٠١٨)، والنسائي في الكبرى (٣٤٥٩) و(١١٥٣٣) والمجتبى ٦/ ٤٩٠ (٤٠٤٥) و٧/ ٤٤٣ (٤٩١١) عن أنس.\nوأخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ١/ ٣٧٤ (١٣١٤)، وابن حبان (٦٥٥٩)، والطبراني في الطوال (٥٦)، والبيهقى في الكبرى (٤/ ١٤٩ - ١٥١ رقم ٧٢٥٥)، والخطيب في الكفاية (ص ١٠٣ - ١٠٤). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٧٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه سليمان بن داود الحرسي، وثقه أحمد، وتكلم فيه ابن مَعين، وقال أحمد: إن الحديث صحيح. قلت: وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: صحيح لغيره - \"الإرواء\" (١٢٢)، \"المشكاة\" (٤٦٥) وصحيح الترغيب (١٣٤١) و(٢٥١٥) و(٢٨٠١) و(٣٥٤١).","vol":"10","page":491},{"text":"بحق الناس العقوق وقال اللّه تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^١) أ. هـ قاله الكرماني (^٢).\nقوله: في كتاب النبي - ﷺ - الذي كتبه إلى أهل اليمن وبعث به مع عمرو بن حزم وإن أكبر الكبائر عند اللّه يوم القيامة، فذكر فيه \"والفرار في سبيل اللّه يوم الزحف [وعقوق الوالدين ورمي المحصنة] وتعلم السحر\" الحديث، عمرو بن حزم هو الضحاك ويقال أبو محمد عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بفتح اللام وإسكان الواو وبذال معجمة ابن عمرو عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري المدني وقيل في نسبه غيره هذا، أول مشاهده مع رسول اللّه - ﷺ - الخندق، واستعمله رسول اللّه - ﷺ - على نجران باليمن وهو ابن تسع عشرة سنة وبعث معه كتابا فيه الفرائض والصدقات والجروح والديات وكتابه هذا مشهور في كتب السير، رواه أبو داود والنسائي توفي بالمدينة سنة إحدى وقيل ثلاث وقيل أربع وخمسين، واللّه أعلم بالصواب (^٣).\nأما عده التولي يوم الزحف من الكبائر فدليل صريح لمذهب العُلماء كافة في كونه كبيرة إلا ما حكى عن الحسن البصري أنه قال: ليس هو من الكبائر والآية الكريمة الواردة إنما وردت في أهل بدر خاصة، والصواب ما قاله\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢٢/ ١٠٧).\n(^٣) الاستيعاب (٣/ الترجمة ١٩٠٧)، وأسد الغابة (٣/ الترجمة ٣٨٩٩).","vol":"10","page":492},{"text":"الجماهير أنه عام باق واللّه أعلم وأما عده - ﷺ - السحر من الكبائر فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور ومذهب الجماهير أن السحر حرام من الكبائر تعلمه وتعليمه (^١).\n\n٣٧٧٧ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة لَا يْنظر اللّه إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة الْعَاق لوَالِديهِ ومدمن الْخمر والمنان عطاءه وَثَلَاثَة لا يدْخلُونَ الْجنَّة الْعَاق لوَالِديهِ والديوث والرجلة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدين وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وروى ابْن حبَان فِي صَحِيحه شطره الأول الديوث بتَشْديد الْيَاء هُوَ الَّذِي يقر أَهله على الزِّنَا مَعَ علمه بهم (^٢).\nوالرجلة بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْجِيم هِيَ المترجلة المتشبهة بِالرِّجَالِ.\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة العاق لوالديه ومدمن الخمر\" الحديث، تقدم معنى نظره سبحانه وعلى ألفاظ الحديث.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٣٤ (٦١٨٠)، والبزار (٦٠٥٠ و٦٠٥١)، والنسائي في الكبرى (٢٣٥٤) والمجتبى ٤/ ٥٦١ (٢٥٨١)، وأبو يعلى (٥٥٥٦)، والرويانى (١٤٠٠)، وابن حبان (٧٣٤٠)، والطبرانى في الأوسط (٢/ ٥١ رقم ٢٤٤٣) والكبير (١٢/ ٣٠٢ رقم ١٣١٨٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧٢ و٤/ ٢٤٦)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥ رقم ٧٤١٧) و(١٠/ ٢٧٨ رقم ٧٤٩٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٧٤) و(١٣٩٧) و(٣٠٩٩) وصحيح الترغيب (٢٠٧٠) و(٢٥١١).","vol":"10","page":493},{"text":"٣٧٧٨ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْر - ﵄ - (^١) أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة حرم اللّه ﵎ عَلَيْهِم الْجنَّة مدمن الْخمر والعاق والديوث الَّذِي يقر الْخبث فِي أَهله رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة حرم اللّه ﵎ عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث\" تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث.\nوقوله: \"حرم عليهم الجنة\" فيه التأويلان السابقان في نظائره ولا يحمل على ظاهره.\n\n٣٧٧٩ - وَروِيَ عَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - يراح ريح الْجنَّة من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَلَا يجد رِيحهَا منان بعَمَلِهِ وَلَا عَاق وَلَا مدمن خمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل بن عمرو بن العاص.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٦٩ (٥٣٧٢) و٢/ ١٢٨ (٦١١٣). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٧: رواه أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٨/ ١٤٧: رواه أحمد، وفيه راو لم يسم. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٦٦) و(٢٥١٢).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٢٥٠ رقم ٤٠٨) والأوسط (٥/ ١٥٩ رقم ٤٩٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٧) وأخبار أصبهان (٢/ ٢٨٣). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هارون بن رئاب إلا الربيع بن بدر. وقال أبو نعيم: غريب من حديث هارون عن مجاهد، ورواه موسى الجهني عن منصور، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير وهو متروك. =","vol":"10","page":494},{"text":"٣٧٨٠ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثَة لا يقبل اللّه ﷿ مِنْهُم صرفا وَلَا عدلا عَاق وَلَا منان ومكذب بِقدر رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب السّنة بِإِسْنَاد حسن وَتقدم فِي شرب الْخمر حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أَربع حق على اللّه أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن الْخمر وآكل الرِّبَا وآكل مَال الْيتيم بِغَيْر حق والعاق لوَالِديهِ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يقبل اللّه ﷿ منهم صرفا ولا عدلا\" الحديث، أي فريضة ولا نافلة على أحد الأقوال في ذلك (^٢) وتقدم الكلام على ذلك\n_________\n= وقال في ٨/ ١٤٨: رواه الطبراني في الصغير، وفيه الربيع بن بدر وهو متروك. وقال الألباني: ضعيف جدًّا الضعيفة (٢٣٠٢) وضعيف الترغيب (١٤١٣) و(١٤٨٣).\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣٢٣)، والرويانى (١١٩١) والطبراني في الكبير (٨/ ٢٤٠ رقم ٧٩٣٨) وابن عدى (٢/ ١٥٦) والبيهقى في القضاء (٤٣٠) وابن الجوزى في العلل (١١٢١) بزيادة وَمُدْمِنُ خَمْرٍ، والطبراني في الكبير (٨/ ١١٩ رقم ٧٥٤٧)، والبيهقى في القضاء والقدر (٤٣٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٤٦٤) و(٢٢٥٤)، وابن الجوزى في العلل المتناهية (٢٣٩). قال ابن الجوزى: هذا لا يصح عن رسول الله - ﷺ -. قال ابن حبان: عمر بن يزيد يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ومنهم ابن عباس رويت عنه أحاديث.\nوقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٠٦: رواه الطبراني بإسنادين، في أحدهما بشر بن نمير وهو متروك، وفي الآخر عمر بن يزيد وهو ضعيف. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٧٨٥) وصحيح الترغيب (٢٥١٣). وضعفه جدًّا بزيادة ومدمن خمر في الضعيفة (٢٧٤٠).\n(^٢) قال الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٣/ ١٢١): قال صاحب [الغريبين]: قال مكحول: [الصرف]: التوبة، و[العدل]: الفدية. وقال غيره: [الصرف]: النافلة، [العدل]: الفريضة.","vol":"10","page":495},{"text":"مبسوطا في إخافة أهل المدينة أو إرادتهم بسوء.\n\n٣٧٨١ - وَرُوِيَ عَن ثَوْبَان - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة لا ينفع مَعَهُنَّ عمل الشّرك بِاللّه وعقوق الْوَالِدين والفرار من الزَّحْف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: وعن ثوبان - ﵁ -: مولى رسول اللّه - ﷺ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ينفع معهن عمل الشرك باللّه وعقوق الوالدين والفرار من الزحف\" تقدم الكلام على هذه الألفاظ.\n\n٣٧٨٢ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ -. أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من الْكَبَائِر شتمِ الرجل وَالِديهِ قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَهل يشْتم الرجل وَالِديهِ قَالَ نعم يسب أَبَا الرجل فيسب أَبَاهُ ويسب أمه فيسب أمه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\n\n٣٧٨٣ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم إِن من أكبر الْكَبَائِر أَن يلعن الرجل وَالِديهِ قيل يَا رَسُول اللّه وَكيف يلعن الرجل وَالِديهِ قَالَ يسب أَبَا الرجل فيسب أَبَاهُ ويسب أمه فيسب أمه (^٣).\nقوله: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٩٥ رقم ١٤٢٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يزيد بن ربيعة، ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (١٣٨٤) وضعيف الترغيب (٨٣٧) و(١٤٨٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٦ - ٩٠)، والترمذى (١٩٠٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٧٣) وأبو داود (٥١٤١).","vol":"10","page":496},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من الكبائر شتم الرجل والديه\" الحديث، قال في المفهم (^١): يعني من أكبر الكبائر لأن شتم المسلم كبيرة فشتم الأب أكبر منه وفيه نظر، أ. هـ قاله الكرماني.\nفإن قلت: الكبيرة معصية توجب الحد واللعن لا حد له قلت اللعن السب والقذف وله حد مع أن الكبيرة أصح حدودها معصية، توعد الشارع عليها بخصوصها وقيل هي ما تشعر بقلة المبالاة بالدين، وفي الجملة تعريفات متعددة، فإن قلت: لم كان من أكبرها؟ قلت: لأنه نوع من العقوق وهو إساءة في مقابلة إحسان الوالدين وهو أن لحقوقهما وهو قبيح أيضًا عرفا وعادة انتهى (^٢).\nتنبيه: فإن قلت: جاء في بعض الروايات أن الكبائر سبع وفي بعضها ثلاث ثلاث وقال بعضهم: ليس لها عدد معين، فما التلفيق؟ قلت: لا منافاة لعدم اعتبارها مفهوم العدد، فإن قلت: فما وجه تخصيص هذه الأربعة بالذكر المذكور في غير هذا الحديث. قلت: لأنها أكثرها ولأن اللّه أوعد على القتل ما أوعد على الشرك حيث قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (^٣) الآية، قاله الكرماني (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٢/ ٤٧).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٩٦.\n(^٤) الكواكب الدرارى (١١/ ١٧٤).","vol":"10","page":497},{"text":"وأما قوله - ﷺ - من الكبائر شتم الرجل والديه إلى آخره، ففيه دليل على أن من تسبب في شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء دائمًا (^١).\nقوله: \"وهل يشتم الرجل والديه\" استفهام انكار واستبعاد لوقوع ذلك من أحد من الناس وهو دليل لما كنوا عليه من المبالغة في بر الوالدين ومن الملازمة لمكارم الأخلاق والآداب والحديث دليل على أن سبب الشيء قد ينزل منزلة الشيء في المنع فيكون حجة لمن منع بيع العنب ممن يعصره خمرًا ومنع بيع ثياب الحرير ممن يلبسها وهي لا تحل له على أحد القولين عند [المالكية]، وأفتى به بعض الشافعية وفيه حجة للقول بسد الذرائع وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^٢) (^٣).\nقال النووي: وإنما جعل هذا عقوقا لكونه يحصل منه ما يتأذى به الوالدن تأذيًا ليس بالهين كما تقدم في حد العقوق واللّه أعلم (^٤).\nفرع: يحرم انتهار الوالد والوالدة وشبههما تحريما غليظا لهذا الحديث قال اللّه تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^٥) الآية كلها (^٦)، أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٠٨.\n(^٣) المفهم (٢/ ٤٧).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).\n(^٥) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(^٦) الأذكار (ص ٥٧٩).","vol":"10","page":498},{"text":"٣٧٨٤ - وَعَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ - ﵁ -: قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه شهِدت أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَأَنَّك رَسُول اللّه وَصليت الْخمس وَأديت زَكَاة مَالِي وَصمت رَمَضَان فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - من مَاتَ على هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة هَكَذَا وَنصب أصبعيه مَا لم يعق وَالِديهِ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاخْتِصَار (^١).\nقوله: وعن عمرو بن مرة الجهني - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول اللّه شهدت أن لا إله إلا اللّه، الحديث، تقدم الكلام عليه في الصدقات.\n\n٣٧٨٥ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ -: أَوْصَانِي رَسُول اللّه - ﷺ - بِعشر كَلِمَات قَالَ لَا تشرك بِاللّه شَيْئًا وَإِن قتلت وَحرقت وَلَا تعقن والديك وَإِن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٤٦٦ (٢٤٠٠٩/ ٨١)، وابن معين في الثاني من حديثه (١٩٠)، والبخاري في التاريخ الكبير ٦/ ٣٠٨، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ١/ ٣٣٣، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى ١/ ٣٧٨ (١٣٣٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٥٨)، والبزار (٢٥ - كشف الأستار)، وابن خزيمة (٢٢١٢)، وابن قانع (٢/ ١٩٧)، وابن حبان (٣٤٣٨)، والطبراني في الشاميين (٢٩٣٩)، والبيهقى في الشعب (٥/ ٢٢٩ رقم ٣٣٤٥)، والخطيب في الجامع (١٦٣٢) وتالى تلخيص المتشابه (١/ ١٧٢).\nقال الهيثمي في المجمع ١/ ٤٦: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخي البزار، وأرجو إسناده أنه إسناد حسن أو صحيح. وقال في ٨/ ١٤٧: رواه أحمد والطبراني بإسنادين ورجال أحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦١) و(٧٤٩) و(١٠٠٣) و(٢٥١٥).","vol":"10","page":499},{"text":"أمراك أَن تخرج من أهلك وَمَالك الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره وَتقدم فِي ترك الصَّلاة بِتَمَامِهِ (^١).\nقوله: وعن معاذ بن جبل - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: أوصاني رسول اللّه - ﷺ - بعشر كلمات، الحديث، تقدم الكلام عليه في ترك الصلاة.\n\n٣٧٨٦ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد اللّه - ﵄ -. قالَ خرج علينا رَسُول اللّه - ﷺ - وَنحن مجتمعون فَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين اتَّقوا اللّه وصلوا أَرْحَامكُم فَإِنَّهُ لَيْسَ من ثَوَاب أسْرع من صلَة الرَّحِم وَإِيَّاكُم وَالْبَغي فَإِنَّهُ لَيْسَ من عُقُوبَة أسْرع من عُقُوبَة الْبَغي وَإِيَّاكُم وعقوق الْوَالِدين فَإِن ريح الْجنَّة تُوجد من مسيرَة ألف عَام وَاللّه لا يجدهَا عَاق وَلَا قَاطع رحم وَلَا شيخ زَان وَلَا جَار إزَاره خُيَلَاء إِنَّمَا الْكِبْرِيَاء للّه رب الْعَالمين وَالْكذب كلّه إِثْم إِلَّا مَا نَفَعت بِهِ مُؤمنا وَدفعت\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٨ (٢٢٧٥٠)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٩٢١)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٨٢ (١٥٦) والأوسط (٨/ ٥٨ رقم ٧٩٥٦) وفي الشاميين (٢٢٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٠٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا عمرو بن واقد، ولا يروى عن معاذ إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٥): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن واقد، ضعفه البخاري وجماعة، وقال الثوري: كان صدوقا.\nوقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢١٥): رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات إلا أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ، وإسناد الطبراني متصل، وفيه عمرو بن واقد القرشي، وهو كذاب. وصححه الألباني في الإرواء (٢٠٢٦) وصحيح الترغيب (٥٦٩ و٥٧٠) و(٢٥١٦).","vol":"10","page":500},{"text":"بِهِ عَن دين وَإِن فِي الْجنَّة لسوقا مَا يُبَاع فِيهَا وَلَا يشترى لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الصُّور فَمن أحب صُورَة من رجل أَو امْرَأَة دخل فِيهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَتقدم فِي اللواط حَدِيث أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لعن اللّه سَبْعَة من فَوق سبع سماواته وردد اللَّعْنَة على وَاحِد مِنْهُم ثَلَاثًا وَلعن كلّ وَاحِد مِنْهُم لعنة تكفيه قَالَ مَلْعُون من عمل عمل قوم لوط مَلْعُون من عمل عمل قوم لوط مَلْعُون من عمل عمل قوم لوط مَلْعُون من ذبح لغير اللّه مَلْعُون من عن وَالِديهِ الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَتقدم أَيْضًا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لعن اللّه من ذبح لغير اللّه وَلعن اللّه من غير تخوم الْأَرْض وَلعن اللّه من سبّ وَالِديهِ الحَدِيت رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن جابر بن عبد اللّه - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"يا معشر المسلمين اتقوا اللّه وصلوا أرحامكم\" الحديث تقدم وسيأتي الكلام على صلة الرحم.\n\n٣٧٨٧ - وَعَن أبي بكرَة - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ كلّ الذُّنُوب يُؤَخر اللّه مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا عقوق الْوَالِدين فَإِن اللّه يعجله لصَاحبه فِي الْحَيَاة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٨ رقم ٥٦٦٤) وعنه أبو نعيم في صفة الجنة (١٩٥).\nوقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن محمد بن طريف. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن كثير الكوفي، وهو ضعيف جدًّا. وقال في ٨/ ١٤٩: رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن كثير، عن جابر الجعفي، وكلاهما ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٥٣٦٩) وضعيف الترغيب (١٢٤٥) و(١٤٣٧) و(١٤٨٥) و(٢١٨٠).","vol":"10","page":501},{"text":"قبل الْمَمَات رَوَاهُ الْحَاكِم والأصبهاني كِلَاهُمَا من طَرِيق بكار بن عبد الْعَزِيز وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي بكرة - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"كلّ الذنوب يؤخر اللّه منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن اللّه يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات\" الحديث، تقدم الكلام على الحقوق.\n\n٣٧٨٨ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن أبي أوفى - ﵁ -: قَالَ كُنَّا عِنْد النَّبِيّ - ﷺ - فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ شَاب يجود بِنَفسِهِ فَقيل لَهُ قل لا إِلَه إِلَّا اللّه فَلم يسْتَطع فَقَالَ كَانَ يُصَلِّي فَقَالَ نعم فَنَهَضَ رَسُول اللّه - ﷺ - ونهضنا مَعَه فَدخل على الشَّاب فَقَالَ لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا اللّه فَقَالَ لا أَسْتَطِيع قَالَ لم قَالَ كَانَ يعق والدته فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - أحية والدته قَالُوا نعم قَالَ ادعوها فدعوها فَجَاءَت فَقَالَ هَذَا ابْنك قَالَت نعم فَقَالَ لهَا أَرَأَيْت لَو أججت نَار ضخمة فَقيل لَك إِن شفعت لَهُ خلينا عَنهُ وَإِلَّا حرقناه بِهَذِهِ النَّار أَكنت تشفعين لَهُ قَالَت يَا رَسُول اللّه إِذا أشفع لَهُ قَالَ فأشهدي اللّه واشهديني قد رضيت عَنهُ قَالَت اللَّهُمَّ إِنِّي أشهدك وَأشْهد رَسُولك أَنِّي قد رضيت عَن ابْني فَقَالَ لَهُ رَسُول اللّه - ﷺ - يَا غُلَام قل لَا إِلَه إِلَّا\n_________\n(^١) أخرجه الفسوى في مشيخته (١٤)، والبزار (٣٦٩٣)، الخرائطي (٢٣٦)، الحاكم ٤/ ١٥٦، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩ رقم ٧٥٠٥ و٧٥٠٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٤٦٨ و٢٢١١)، وابن الجوزى في البر (١٢٦ و٢٤٣). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: بكار بن عبد العزيز ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٨٦)، وغاية المرام (٢٧٩).","vol":"10","page":502},{"text":"اللّه وَحده لا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَقَالَهَا فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْحَمد للّه الَّذِي أنقذه بِي من النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأحمد مُخْتَصرا (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن أبي أوفى - ﵁ -: تقدم الكلام عليه في الأذان وغيره.\nقوله: كنا عند النبي - ﷺ - فأتاه آت فقال شاب يجود بنفسه، أي يخرجها ويدفعها كما يجود الإنسان بإخراج ماله.\nقوله: فقيل له قل لا إله إلا اللّه فلم يستطع، الحديث.\nتنبيه: في سنن أبي داود وغيره عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللّه: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة\" قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد (^٢)، قال العُلماء: فإن لم يقل هو لا إله إلا اللّه لقنه من حضره ويلقنه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٨٢ (١٩٤١١)، وابن ابى الدنيا في المحتضرين (١٥)، والعقيلى في الضعفاء (٣/ ٤٦٠)، والخرائطى في المساوئ (٢٤١)، والدينورى في المجالسة (٥١٦)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٢٩٠ - ٢٩١ رقم ٧٥٠٨)، وابن الجوزى في الموضوعات (٣/ ٨٧). قال عبد اللّه بن أحمد: ولم يحدّثنا أبي بهذين الحديثين، ضرب عليهما من كتابه لأنه لم يرض حديث فائد بن عبد الرحمن أو كان عنده متروك الحديث. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول اللّه - ﷺ -. وفي طريقه فايد.\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٤٨: رواه الطبراني وأحمد باختصار كثير، وفيه فائد أبو الورقاء وهو متروك. قال البوصيرى في إتحاف الخيرة ٥/ ٤٧٦: وقال الحاكم: روى عن ابن أبي أوفى أحاديث موضوعة. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٨٧): ضعيف جدًّا وقال في الضعيفة (٣١٨٣): موضوع.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٣ (٢٢٣٤٠) و٥/ ٢٤٧ (٢٢١٢٧)، وأبو داود (٣١١٦)، والبزار (٢٦٢٦)، والشاشى (١٢٩٩ و١٣٠٠)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١١٢ (٢٢١)، وفي =","vol":"10","page":503},{"text":"برفق مخافة أن يضجر فيردها وإذا قالها مرة لا يعيدها عليه إلا أن يتكلم بكلام آخر قال أصحابنا، ويستحب أن يكون الملفت غير متهم لئلا يخرج الميت ويتهمه، واعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا: يلقن ويقول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه واقتصر الجمهور على قول لا إله إلا اللّه (^١)، أ. هـ.\nقوله: لو أججت نار ضخمة، تأججت النار بفتح الهمزة، أي: اشتعلت يقال أجت النار إذا اشتعلت والضخمة من النار هي الشديدة الاشتعال.\n\n٣٧٨٩ - وَعَن الْعَوام بن حَوْشَب - ﵁ -: قَالَ نزلت مرّة حَيا وَإِلَى جَانب ذَلِك الْحَيّ مَقْبرَة فَلَمَّا كَانَ بعد الْعَصْر انْشَقَّ مِنْهَا قبر فَخرج رجل رَأسه رَأس الْحمار وَجَسَده جَسَد إِنْسَان فنهق ثَلَاث نهقات ثمَّ انطبق عَلَيْهِ الْقَبْر فَإِذا عَجُوز تغزل شعرًا أَو صُوفًا فَقَالَت امْرَأَة ترى تِلْكَ الْعَجُوز قلت مَا لَهَا قَالَت تِلْكَ أم هَذَا قلت وَمَا كانَ قصَّته قَالَت كانَ يشرب الْخمر فَإِذا رَاح تَقول لَهُ أمه يَا بني اتَّقِ اللّه إِلَى مَتى تشرب هَذِه الْخمر فَيَقُول لهَا إِنَّمَا أَنْت تنهقين كمَا ينهق الْحمار قَالَت فَمَاتَ بعد الْعَصْر قَالَت فَهُوَ ينشق عَنهُ الْقَبْر بعد الْعَصْر كلّ يَوْم فينهق ثَلَاث نهقات ثمَّ ينطبق عَلَيْهِ الْقَبْر رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ وَغَيره وَقَالَ الأصْبَهَانِيّ حدّث أَبُو الْعَبَّاس الأصَم إملاء بنيسابور بمشهد من الْحفاظ فَلم ينكروه (^٢).\n_________\n= الدعاء (١٤٧١)، وابن منده في التوحيد (١٨٧)، والحاكم ١/ ٣٥١ و٥٠٠ - ٥٠١.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الإرواء (٦٨٧).\n(^١) الأذكار (ص ١٤٣).\n(^٢) أخرجه اللالكائى في أصول السنة (٢١٥٧)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٤٧١).\nوقال الألباني: حسن موقوف صحيح الترغيب (٢٥١٧).","vol":"10","page":504},{"text":"قوله: عن العوام بن حوشب - ﵁ - هو العوام بن حوشب بن [يزيد بن الحارث الشيباني الربعي، أبو عيسى الواسطي وكان له من الأَخُوة: خراش بْن حوشب، وطلاب بْن حوشب، وثمامة بْن حوشب، ومزيدة بْن حوشب، ومالك بْن حوشب، ويوسف بْن حوشب. أسلم جدّه يزيد على يد عَلِيّ بْن أَبي طالب فوهب له جارية فولدت له حوشبا، وكان على شرطته، ثقة صاحب سنة، ثبت، صالح، وكان أبوه على شرطة الحجَّاج، وكان أخوه خراش على شرطة يوسف بْن عُمَر. روى نحوا من مئتي حديث أو أكثر قليلا قال يزيد بْن هارون: كان صاحب أمر بالمعروف ونهي عَنِ المنكر مات سنة ثمان وأربعين ومئة (^١)].\nقوله: قال نزلت مرةً حيًا وإلى جانب ذلك الحي مقبرة، الحديث، الحي هو مجتمع القوم [قال الأزهري: الحي من أحياء العرب يقع علي بني أب كثروا أم قلوا] والمقبرة هي التي يدفن فيها الموتى وفي باء المقبرة ثلاثة أوجه الضم والفتح والكسر وذكر ذك النووي في تحريره وغيره (^٢) واللّه أعلم.\nقوله: حدّث أبو العبَّاس الأصم إملاء بنيسابور [بمشهد] من الحُفَّاظ، أبو العبَّاس الأصم اسمه [محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان بن عبد اللّه الأموي مولاهم أبو العبَّاس الأصم النيسابوري، سمع الكثير وطاف البلاد ودخل مصر وسمع بها من الربيع بن سليمان مسند الشافعي - ﵁ - وسمع من محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم وبحر بن نصر وغيرهم، حدث\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٢/ الترجمة ٤٥٤١)، وتهذيب التهذيب: ٨/ ١٦٣.\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥٨).","vol":"10","page":505},{"text":"عنه الحُفَّاظ أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحاكم وأبو عبد اللّه محمد بن إسحاق بن منده ومحمد بن الحُسين بن موسى السلمي وأبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ومحمد بن موسى الحرشي، قال الحاكم أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه النيسابوري في تاريخه هو محدّث عصره بلا مدافعة حدّث في الإسلام ستا وسبعين سنة وأذن سبعين سنة على الصلوات الخمس حسن الخلق سخي النفس لا يختلف في صدقه وثقته وصحة سماعاته وضبط أبيه يعقوب الوراق سمع منه الآباء والأنباء والأحفاد وقصده الرحالة من سائر البلاد ولد سنة سبع وأربعين ومائتين وتوفي ليلة الاثنين ودفن عشية الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وثلاثماثة (^١)].\nقوله: ونيسابور مدينة عظيمة في أرض سهلة وليس بها ماء جار إلا نهرًا يخرج إلهيم فضلة في اسنة ولا يدوم من فضل مائه شيء.\nلطيفة: يختم بها الباب فيها بشرى يؤمر برجل عاق لوالديه إلى النار قال فيطلب الرجل أن يرده اللّه تعالى فيقول ردوه فيقول له أيها العبد لأي شيء تطلب الرد إليَّ فيقول إلاهي رأيتُ أني سائر إلى النار وإذ لابد لي منها وكنت عاقا لأبي وهو سائر إلى النار مثلي فضعف عليَّ به عذابي وأنقذه منها قال فيضحك اللّه تعالى ويقول عققته في الدنيا وبررته في الآخرة خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة فما من أحد يذهب إلى النار إلا والملائكة توقفه لعلمهم بسر أحكام الآخرة، أ. هـ، ذكره الغزالي في كتابه الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة (^٢).\n_________\n(^١) التقييد (ترجمة ١٤٠) لابن نقطة.\n(^٢) الدرة الفاخرة (ص ١٠٨ - ١٠٩) والتذكرة (ص ٧٣٣ - ٧٣٤).","vol":"10","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>[الترغيب في صلة الرحم وإن قطعت والترهيب من قطعها]</span>\n٣٧٩٠ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليصل رَحمَه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليصل رحمه\" الحديث، الإيمان في اللغة هو التصديق، فأهل البر والصلة هم المؤمنون باللّه واليوم الآخر، قال القاضي عياض (^٢): ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة والأحاديث في الباب تشهد لهذا ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض فأدناها ترك المهاجرة وأدنى صلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة عليها والحاجة إليها فمنها ما يجب ويتعين ومنها ما يستحب ويرغب فيه، ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسم واصلا، واختلف في حد الرحم التي تجب صلتها فقيل كلّ ذي رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر اثنى حرمت مناكحتها فعلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٣٨)، ومسلم (٧٤ - ٤٧).\n(^٢) إكمال المعلم (٨/ ٢٠ - ٢١).","vol":"10","page":507},{"text":"هذا لا تدخل أولاد الأعمام والعمات وأولاد الأخوال والخالات، واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح ونحوه وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال وقيل هو عام في كلّ رحم محرما كان أو غير محرم وارثا كان أو غير وارث، ويدل عليه قوله - ﷺ -: \"ثم أدناك فأدناك\" هذا كلام القاضي عياض وهذ القول الثاني هو الصَّواب وهذا أصح (^١) وسيأتي الكلام على إكرام الضيف وعلى الصمت في ابهما إن شاء اللّه تعالى.\n\n٣٧٩١ - وَعَن أنس - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من أحب أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وينسأ لَهُ فِي أثره فَليصل رَحمَه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم ينسأ بِضَم الْيَاء وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة مهموزا أَي يُؤَخر لَهُ فِي أَجله (^٢).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -. تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: \"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه\" الحديث، بسط الرزق توسعه وكثرته وقيل بالبركة فيه (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"وينسأ له في أثره فليصل رحمه\" وينسأ له في أثره بضم الياء وتشديد السين المهملة مهموز أي يؤخر له في أجله، أ. هـ قاله المنذري.\nينسأ من الإنساء وهو التأخير ومنه النسيء يقال نسأته أي أخرته وكذلك أنسأته فعلت وأفعلت بمعنى (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٦٧) و(٥٩٨٦)، ومسلم (٢٠ و٢١ - ٢٥٥٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٤).\n(^٤) شرح المشكاة (١٠/ ٣١٥٩) للطيبي، والكواكب الدرارى (٩/ ١٩٦).","vol":"10","page":508},{"text":"والأثر الأجل سمي بذلك لأنه يتبع العمر فالأثر باقي العمر وأنه من أثر مشيه في الأرض فإن مات فلا يبقي لأقدامه أثر في الأرض، قال زهير:\nوالمرء ما عاش ممدودا له أمل ... لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر\nومنه قوله للذي مر بين يديه وهو يصلي: \"قطع صلاتنا قطع اللّه أثره\" (^١) دعا عليه بالزمانة لأنه إذا زمن انقطع مشيه فانقطع أثره واللّه أعلم (^٢).\nويجوز أن يكون المعنى أن اللّه تعالى يبقى أثر واصل الرحم في الدنيا أطويلا وأنه، لا يضحل [سريعا] (^٣).\nففي هذا الحديث فوائد عاجلة وهي بسط الرزق وإطالة العمر (^٤).\n\n٣٧٩٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من سره أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وَأَن ينسأ لَهُ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه قَالَ تعلمُوا من أنسابكم مَا تصلونَ بِهِ أَرْحَامكُم فَإِن صلَة الرَّحِم محبَّة فِي الْأهْل مثراة فِي المَال منسأة فِي الْأَثر وَقَالَ حَدِيث غَرِيب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦٦٠٨)، والبخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٣٦٥ و٣٦٦، وأبو داود (٧٠٥) و(٧٠٦) و(٧٠٧)، والطبرى في تهذيب الآثار - الجزء المفقود (٥٦٠ و٥٦١)، وأبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة (١٨٩)، والبيهقي في السنن ٢/ ٣٩٠، وفي الدلائل ٦/ ٢٤١.\nوضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١١٢ و١١٣).\n(^٢) النهاية (١/ ٢٣).\n(^٣) الفائق (١/ ٢٣)، والميسر (٣/ ١٠٦٦)، وشرح المشكاة (١٠/ ٣١٦٠)، وفتح البارى (١٥/ ٤١٦).\n(^٤) الإفصاح (٥/ ١٣) و(٧/ ٣٢٦).","vol":"10","page":509},{"text":"وَمعنى منسأة فِي الأثر يَعْنِي بِهِ الزِّيَادَة فِي الْعُمر انْتهى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث الْعَلَاء بن خَارِجَة كَلَفْظِ التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه\" تقدم تفسيره في الحديث قبله.\nوقوله - ﷺ - في رواية الترمذي \"تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم\" أي تعلموا من أسماء آبائكم وأجدادكم وأخوالكم وأعمامكم وجميع أقاربكم لتعرفوهم وليمكنكم صلة الرحم بهم فإن معنى صلة الرحم مقاربة الأقارب والإحسان إليهم (^٢).\nقوله: \"فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر\"\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٨٥)، والترمذى (١٩٧٩)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٥٢)، والبزار (٨٢٢٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٧٢ - ١٧٣ رقم ٨٣٠٨)، والحاكم (١/ ٨٩) و(٤/ ١٦١)، والبغوى (٣٤٣٠). وأخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٩٨ رقم ١٧٦) عن العلاء بن خارجة. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه ومعنى قوله: منسأة في الأثر يعني زيادة في العمر. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٩٢ و٨/ ١٥٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو الأسباط، بشر بن رافع، وقد أجمعوا على ضعفه. وقال في ١/ ١٩٠ و٨/ ١٥٢ عن حديث العلاء: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححهما الألباني في الصحيحة (٢٧٦) وصحيح الترغيب (٢٥٢٠) و(٢٥٢١).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٢١١)، وشرح المصابيح (٥/ ٢٨٦) لابن ملك.","vol":"10","page":510},{"text":"الحديث، ومثراة في المال أي مكثرة له ومعنى منسأة في الأثر يعني به الزيادة في العمر، أ. هـ قاله المنذري.\n\n٣٧٩٣ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ من سره أَن يمد لَهُ فِي عمره ويوسع لَهُ فِي رزقه وَيدْفَع عَنهُ ميتَة السوء فليتق اللّه وَليصل رَحمَه رَوَاهُ عبد اللّه ابْن الإمَام أَحْمد فِي زوائده وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد وَالْحَاكم (^١).\nقوله: وعن علي بن أبي طالب - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من سره أن يمد له في عمره ويوسمع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق اللّه وليصل رحمه\" تقدم الكلام على الزيادة في العمر وتوسعة الرزق في الأحاديث قبله وتقدم أيضًا الكلام على ميتة السوء في الصدقات.\n\n٣٧٩٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - أَنه قَالَ مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة من أحب أَن يُزَاد فِي عمره وَيُزَاد فِي رزقه فَليصل رَحمَه رَوَاهُ الْبَزَّار بإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَالْحَاكم وَصَححهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ١/ ١٤٣ (١٢١٣)، والبزار كما في كشف الأستار (١٨٧٩)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٢٧٠)، والمحاملى في الأمالي (٢٠١)، والطبرانى في الأوسط (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤ رقم ٣٠١٤) و(٧/ ٧٠ رقم ٦٨٨١)، وابن عدى (٧/ ٤٥) و(١٠/ ٣٤٢)، والحاكم (٤/ ١٦٠)، والضياء في المختارة ٨/ ١٥٢ - ١٥٩ (٥٣٧ و٥٣٨).\nوصححه الضياء. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٢ - ١٥٣: رواه عبد اللّه بن أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح غير عاصم بن ضمرة وهو ثقة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٧٢) وضعيف الترغيب (١٤٨٨).\n(^٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٨٨٠)، والطبراني في الشاميين (٢٦٣٤) والكبير (١١/ ٣٠٧ رقم ١١٨٢٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٦٠). وصححه الحاكم ووافقه =","vol":"10","page":511},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من أحب أن يزاد في عمره ويزاد في رزقه فليصل رحمه\" الحديث.\nسؤال: فإن قيل ما معنى قوله: \"صلة الرحم تزيد في العمر والرزق\" ومعلوم أن الآجال والأرزاق مقدرة وقد قال اللّه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^١) والجواب عنه من وجوه: أحدها وهو الصحيح منها: أن الزيادة بالبركة في عمره والتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن الضياع في غير ذلك (^٢) بدليل قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (^٣) بالتوفيق والإيمان والمعرفة، وفي هذا الباب ما أوحى اللّه تعالى إلى موسى - ﵇ - \"أول من مات من خلقي إبليس لأنه أول من عصاني فقد سماه اللّه تعالى أول من مات\" (^٤) وإن كان من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم لأنه أول من عصى فلما كان الخذلان والمعصية موتا من وجه كان التوفيق وزيادة الخير زيادة في العمر من وجه.\n_________\n= الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٣: رواه البزار، وفيه سعيد بن بشير وثقه شعبة وجماعة، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٢٦)، وضعيف الترغيب (١٤٨٩).\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٣٤.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٤).\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.\n(^٤) تفسير التسترى (ص ١٧٢).","vol":"10","page":512},{"text":"الثاني: أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ بالمحو والإثبات فيه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (^١) فكان الأثر ما يتبع الشيء فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون، وقد علم اللّه ﷾ بما سيفعل من ذلك وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، فبالنسبة إلى علم اللّه وما قدره لا زيادة ولا نقصان بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما يظهر للمخلوقين تصور والزيادة وهو مراد الحديث أو المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت (^٢) وهذا أظهر فإن الأثر ما يتبع الشيء واعتضد القائلون من العُلماء بأنها زيادة بهذه الآية، ورووا عن عمر بن الخطاب - ﵁ -: أنه كان يقول في دعائه: اللهم إنك تمحو ما تشاء وتثبت فإن كنت أثبتني في الأشقياء فامحني وأثبتني في السعداء (^٣).\nوالثالث: ما قاله القتيبى (^٤): أن زيادة العمر هي من زيادة العافية والسعة والرزق وقد قيل الفقر الموت الأكبر وقد روى في معناه أن اللّه ﷿ وعد موسى - ﵇ - أن يميت له عدوه فلانًا ثم رآه فعد ذلك موسى - ﵇ - يحمل الخوض فقال يا رب وعدتني فلانًا قال: قد فعلت به وأفقرته والفقر موت،\n_________\n(^١) سورة الرعد، الآية: ٣٩.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٤ - ١١٥).\n(^٣) أخرجه الطبرى في التفسير (١٣/ ٥٦٤).\n(^٤) تأويل مختلف الحديث (ص ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"10","page":513},{"text":"فلما كان الفقر موتا من وجه كان الغنا وسعة الرزق والعافية في البدن زيادة في العمر فمعنى قوله - ﵇ -: يزيد في العمر يعني في العافية والسعة.\nوالرابع: أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت حكاه القاضي عياض (^١) وهو ضعيف أو باطل (^٢).\nالخامس: وهو أحسن ما قيل في هذا الباب وذلك ما روي عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (^٣) قال الحسن: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ ما بين أن يخلق إلى أن يموت: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ ما بين أن يموت إلى أن يبعث، فمن وصل رحمه فيزيد من أجل البعث في أجل الحياة، والدليل عليه قوله ﷿: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (^٤) فكأنه إذا قطع رحمه أن ينقص من عمره قال سمعتُ أن اللّه ﷿ قدر لعبد أجلين ثم قضى إن قطع رحمة أن يستوفي الأجل الأقصى بدلالة قوله ﷿: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ (^٥) ا. هـ ذكره النعيمي وغيره.\nفصلة الرحم تشريك ذوي القرابات في الخيرات، واختلفوا فقيل هو عام\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٨/ ٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ٢.\n(^٤) سورة فاطر، الآية: ١١.\n(^٥) تفسير القرطبي (٩/ ٣٣٠) ونسبه لابن عباس وانظر أيضًا شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٣) وشرح المشكاة (٤/ ١٣٧٨) للطيبي.","vol":"10","page":514},{"text":"في المحرم وغيره وقيل خاص بالمحرم وهو الذي لا تحل مناكحته أبدًا، وقيل: الوارث، وقيل: هو القريب محرما وغيره وارثا وغيره ثم لها مراتب في البر والإكرام وقد يكون بالمال وبالخدمة وبالزيارة ونحوها وأقلها السَّلام (^١)، أ. هـ.\n\n٣٧٩٥ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - سَمعه يَقُول إِن الصَّدَقَة وصلَة الرَّحِم يزِيد اللّه بهما فِي الْعُمر وَيدْفَع بهما ميتَة السوء وَيدْفَع بهما الْمَكْرُوه والمحذور رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٢).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الصدقة وصلة الرحم يزيد اللّه بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء\" الحديث، تقدم الكلام عليه.\n\n٣٧٩٦ - وَعَن رجل من خثعم قَالَ أتيت النَّبِيّ - ﷺ - وَهُوَ فِي نفر من أَصْحَابه فَقلت أَنْت الَّذِي تزْعم أنك رَسُول اللّه قَالَ نعم قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه أَي الأعْمَال أحب إِلَى اللّه قَالَ الإِيمَان بِاللّه قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ صلَة الرَّحِم قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه أَي الأعْمَال أبْغض إِلَى اللّه قَالَ الإِشْرَاك بِاللّه قَالَ\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٥٥).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٤١٠٤) وعنه ابن عدى في الكامل (٦/ ٢١٨). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥١: رواه أبو يعلى، وفيه صالح المري، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (١٤٩٠).","vol":"10","page":515},{"text":"قلت يَا رَسُول اللّه ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ قطيعة الرَّحِم قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه ثمَّ مَه قَالَ ثمَّ الْأَمر بالمنكر وَالنَّهْي عَن الْمَعْرُوف رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن رجل من خثعم، وخثهم بفتح المعجمة وسكون المثلثة وفتح المهملة قبيلة من اليمن.\nقوله في الحديث: أتيت النبي - ﷺ - وهو في نفر من أصحابه، تقدم الكلام على النفر في مواضع من هذا التعليق.\nقوله: فقلت أنت الذي تزعم أنك رسول اللّه قال نعم، الحديث، زعم ويزعم والزعم قول من لم يوثق به ليس مخصوصا بالكذب والقول المشكوك فيه بل يكون أيضًا في القول المحق والصدق الذي لا شك فيه وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث عن النبي - ﷺ - زعم جبريل - ﵇ - كذا وقد أكثر سيبويه وهو إمام العربية في كتابه من قوله زعم الخليل [كذا وزعم] أبو الخطاب يريد بذلك القول المحقق وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم وفعله أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح عن شيخه أبي العبَّاس ثعلب عن العُلماء باللغة من الكوفيين والبصريين (^٢) أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٩٠١)، وأبو يعلى (٦٨٣٩). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥١: رواه أبو يعلي، ورجاله رجال الصحيح غير نافع بن خالد الطاحي وهو ثقة. قال البوصيرى في الإتحاف (١/ ٦٧): هذا إسناد فيه مقال، نافع ما علمته، ولم أره في شيء من كتب الجرح. والتعديل، وباقي رجال الإسناد ثقات على شرط مسلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٢٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٧٠).","vol":"10","page":516},{"text":"قوله: قلت يا رسول اللّه: أي الأعمال أحب إلى اللّه؟ تقدم الكلام على الإيمان باللّه في حديث جبريل المطول وغيره.\nقوله: قلت يا رسول اللّه: \"ثم مه قال ثم صلة الرحم\" الحديث، مه: معناها [الاستفهام أي ماذا؟]، وصلة الرحم تقدم الكلام عليها.\n\n٣٧٩٧ - وَعَن أبي أَيُّوب - ﵁ - أَن أَعْرَابِيًا عرض لرَسُول اللّه - ﷺ - وَهُوَ فِي سفر فَأخذ بِخِطَام نَاقَته أَو بزمامها ثمَّ قَالَ يَا رَسُول اللّه أَو يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي بِمَا يقربنِي من الْجنَّة وَيُبَاعِدنِي من النَّار قَالَ فَكف النَّبِيّ - ﷺ - ثمَّ نظر فِي أَصْحَابه ثمَّ قَالَ لقد وفْق أَو لقد هدي قَالَ كيفَ قلت قَالَ فَأَعَادَهَا فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - تعبد اللّه وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وَتصل الرَّحِم. دع النَّاقة (^١).\n\n٣٧٩٨ - وَفِي رِوَايَة وَتصل ذَا رَحِمك فَلَمَّا أدبر قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن تمسك بِمَا أَمرته بِهِ دخل الْجنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^٢).\nقوله: وعن أبي أيوب - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله: أن أعرابيا عرض لرسول اللّه - ﷺ - وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، الحديث، الأعرابي: بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية (^٣) وتقدم الكلام عليه في مواضع والخطام هو ما يوضع على أنف الدابة وتقاد به وتقدم في السؤال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٦) و(٥٩٨٢) و(٥٩٨٣)، ومسلم (١٢ و١٣ - ١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤ - ١٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ١٧٢).","vol":"10","page":517},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وتصل ذا رحمك\" وصلة الرحم هو الإحسان إلى الأقارب.\nوقوله في الحديث: \"إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة\" الحديث، ففي هذه الرِّواية أن صلة الرحم تدخل الجنة.\n\n٣٧٩٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن اللّه ليعمر بالقوم الديار ويثمر لَهُم الأمْوَال وَمَا نظر إِلَيْهِم مُنْذُ خلقهمْ بغضا لَهُم قيل وَكَيف ذَاك يَا رَسُول اللّه قَالَ بصلتهم أرحامهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ تفرد بِهِ عمرَان بن مُوسَى الرَّمْلِيّ الزَّاهِد عَن أبي خَالِد فَإِن كَانَ حفظه فَهُوَ صَحِيح (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: \"إن اللّه ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم\" الحديث، تثمير المال تكثيره.\nقوله في آخر الحديث: تفرد به عمران بن موسى الرملي الزاهد [عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٨٥ رقم ١٢٥٥٦)، والسلمى في طبقات الصوفية (ص ٢٧٠)، وتمام (١٧٦٤)، والواحدي في الوسيط (١/ ١٤٧ - ١٤٨)، والحاكم (٤/ ١٦١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٣١)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٣٤١ - ٣٤٢ رقم ٧٥٩٦ و٧٥٩٧). قال الحاكم ووافقه الذهبي: عمران الرملي من زهاد المسلمين وعبادهم، فإن كان حفظ الحديث، فإنه غريب صحيح. قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث داود والشعبي، تفرد به عمران الرملي عن أبي خالد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٢: رواه الطبراني وإسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٤٢٥) وضعيف الترغيب (١٤٩١).","vol":"10","page":518},{"text":"خالد، فإن كان حفظه فهو صحيح وعمران قال أبو زرعة: صدوق. وقال ابن يونس: في حديثه لين. وذكره ابن حبان في \"ثقاته\"، وقال: يخطئ ويخالف].\n\n٣٨٠٠ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لهَا إِنَّه من أعطي حَظه من الرِّفْق فقد أعطي حَظه من خير الدُّنْيَا وَالآخِرَة وصلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار أَو حسن الْخلق يعمرَانِ الديار وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَار رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم لم يسمع من عَائِشَة (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدمت ترجمتها.\nقوله - ﷺ - لعائشة: \"إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة\" الحديث، الرفق ضد العنف والحظ هو النصيب.\nقوله: ورواته ثقات إلا أن عبد الرحمن بن القاسم [لم يسمع من عائشة وإنما هو من روايتُه عن أبيه].\n\n٣٨٠١ - وَرُوِيَ عَن درة بنت أبي لَهب - ﵂ - قَالَت قلت يَا رَسُول اللّه من خير النَّاس قَالَ أَتْقَاهُم للرب وأوصلهم للرحم وَآمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وأنهاهم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ١٥٩ (٢٥٢٥٩)، وعبد بن حميد (١٥٢٣)، وابن أبي الدنيا في المكارم (٣٢٨ و٣٣٩)، وأبو يعلى (٤٥٣٠)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢/ ١١٨٦)، والعقيلي (٢/ ٣٢٥)، وابن الأعرابي (٤٤)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ١٥٩، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٤٤) و(٤٤٦)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٩١).\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٣: رواه أحمد، ورجاله ثقات إلا أن عبد الرحمن بن القاسم لم يسمع من عائشة. وقال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٥١٩) وصحيح الترغيب (٢٥٢٤).","vol":"10","page":519},{"text":"عَن الْمُنكر رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد وَغَيره (^١).\nقوله: وروي عن درة بنت أبي لهب - ﵂ -[درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية بنت عم النبي - ﷺ - وهاجرت إلى المدينة، وكانت عند الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عقبة والوليد وأبا مسلم (^٢)].\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنف ٥/ ٢١٨ (٢٥٣٩٧) و٧/ ٥٠٤ (٣٧٥٨٠) وعنه عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد (١١٧٤) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣١٦٦)، وأحمد ٦/ ٤٣٢ (٢٧٤٣٤)، وابن أبي الدنيا في الْأَمر بالمعروف (٢٢)، والخرائطى في المكارم (٢٧١)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ٢٥٧ (٦٥٧)، وأبو نعيم في المعرفة (٧٦٢٥) و(٧٦٢٦)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٣٣١ رقم ٧٥٧٨) والزهد (٨٧٧).\nوقال الدارقطني في العلل (٤١١٤): يرويه شريك، عن سماك واختلف عنه؛ فرواه أبوبكر، وعثمان، عن شريك، عن سماك، عن زوج درة، عن درة عن النبي - ﷺ -، وقال منجاب، عن شريك، عن سماك، عن رجل، عن زوج درة، قال: سمعتُ النبي - ﷺ - ولم يقل عن درة، وقال يحيى الحِمَّاني، وابن الأصبهاني، عن شريك، عن سماك، عن عبد اللّه بن عميرة، عن زوج درة بنت أبي لهب، عن درة وهو الصَّواب.\nوقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٣: رواه أحمد وهذا لفظه والطبراني، وزاد: قالت: كنت عند عائشة، فجيء برجل إلى النبي - ﷺ - كأنه ناداه وهو على المنبر فقال: يا رسول اللّه، أي الناس خير؟ قالت: فأتى الرجل فأخذ فقال: يا رسول الله، ليس لي ذنب أمرني فلان، والباقي بنحوه. ورجالهما ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٩٣)، وضعيف الترغيب (١٣٨٩) و(١٤٩٢).\n(^٢) أسد الغابة (٧/ ١٠٣ ترجمة ٦٩٠٥).","vol":"10","page":520},{"text":"قوله: قلت يا رسول اللّه: من خير الناس؟ قال: \"أتقاهم للرب وأوصلهم للرحم\" تقدم معناه.\n\n٣٨٠٢ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ أَوْصَانِي خليلي - ﷺ - بخصال من الْخَيْر أَوْصَانِي أَن لا أنظر إِلَى من هُوَ فَوقِي وَأَن أنظر إِلَى من هُوَ دوني وأوصاني بحب الْمَسَاكين والدنو مِنْهُم وأوصاني أَن أصل رحمي وَإِن أَدْبَرت وأوصاني أَن لا أَخَاف فِي اللّه لومة لائم وأوصاني أَن أقول الْحق وَإِن كَانَ مرا وأوصاني أَن أَكثر من لا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللّه فَإِنَّهَا كنز من كنوز الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ -: تقدم الكلام على ترجمته.\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٢٩)، وأحمد في الزهد (٤٠١) والمسند ٥/ ١٥٩ (٢١٤١٥) ووأحمد وعبد اللّه بن أحمد ٥/ ١٧٣ (٢١٥١٧)، والحارث (٤٦٧) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٥٤)، والبزار (٣٣٠٩)، وابن حبان (٤٤٩)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٦٤ - ٣٦٥ رقم ٧٧٣٩) وفى الصغير (٢/ ٤٨ رقم ٧٥٨) والكبير (٢/ ١٥٦ رقم ١٦٤٨ و١٦٤٩) والدعاء (١٦٤٨ - ١٦٥٢)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٢٠١٨٦ و٢٠١٨٧) والشعب (٥/ ١٠٤ - ١٠٥ رقم ٣١٥٦) و(١٠/ ٦٨ - ٦٩ رقم ٧١٧٦).\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٩٣: رواه الطبراني في الكبير والصغير بنحوه، وأظنه رواه أحمد، وله طريق تأتي في مواضعها إن شاء الله، ورجاله ثقات، إلا أن الشعبي لم أجد له سماعا من أبي ذر. وقال في ٤/ ٢١٧: رواه الطبراني، وفيه أبو الجودي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٧/ ٢٦٥: رواه الطبراني في الصغير والكبير بنحوه، وزاد: \"وأن لا أسأل الناس شيئًا\"، ورجاله رجال الصحيح غير سلام أبي المنذر وهو ثقة، ورواه البزار. وصححه الألباني في الصحيحة (٢١٦٦) وصحيح الترغيب (٨١١) و(٢٥٢٥)، (٣١٩٥).","vol":"10","page":521},{"text":"قوله: \"أوصاني خليلي - ﷺ - بخصال من الخير\"، تقدم الكلام على الخليل في صلاة الضحى وغيرها.\nقوله: \"وأوصاني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا باللّه\" الحديث، تقدم الكلام على الحوقلة وعلى معنى الكنز في باب لا حول وولا قوة إلا باللّه.\n\n٣٨٠٣ - وَعَن مَيْمُونَة - ﵂ - أنَهَا أعتقت وليدة لهَا وَلم تستأذن النَّبِيّ - ﷺ - فَلَمَّا كَانَ يَوْمهَا الَّذِي يَدُور عَلَيْهَا فِيهِ قَالَت أشعرت يَا رَسُول اللّه أَنِّي أعتقت وليدتي قَالَ أَو فعلت قَالَت نعم قَالَ أما أنَك لَو أعطيتهَا أخوالك كَانَ أعظم لأجرك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَتقدم فِي الْبر حَدِيث ابْن عمر قَالَ أَتَى النَّبِيّ - ﷺ - رجل فَقَالَ إِنِّي أذنبت ذَنبا عَظِيما فَهَل لي من تَوْبَة فَقَالَ هَل لَك من أم قَالَ لا قَالَ فَهَل لَك من خَالَة قَالَ نعم قَالَ فبرها رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (^١).\nقوله: وعن ميمونة - ﵁ -، تقدمت ترجمتها.\nقوله: أنها أعتقت وليدة لها ولم تستأذن النبي - ﷺ -، الحديث، الوليدة الجارية الصغيرة والولائد الوصائف (^٢) أ. هـ وقد تطلق الوليدة على الجارية والأمة وإن كانت كبيرة كذا في النهاية (^٣)، وقال الجوهري (^٤): الوليدة الصبية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٩٢) و(٢٥٩٤)، ومسلم (٤٤ - ٩٩٩)، وأبو داود (١٦٩٠)، والنسائي في الكبرى (٤٩١٠ - ٤٩١٤).\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٤٥١).\n(^٣) النهاية (٥/ ٢٢٥).\n(^٤) الصحاح (٢/ ٥٥٤).","vol":"10","page":522},{"text":"والأمة، أ. هـ وقيل هي كناية عما ولد من الإماء في ملك الرجل (^١) قاله المنذري في الحواشي والوليد الطفل فعيل بمعنى مفعول.\nقوله: \"لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك\" الحديث، هكذا وقعت هذه اللفظة في صحيح البخاري ومسلم \"أخوالك\" باللام، ووقعت في غير رواية الأصيلي في البخاري، وفي رواية الأصيلي: \"أخواتك\" بالتاء قال القاضي عياض ولعله أصح بدليل رواية مالك في الموطأ \"أعطيتها لأختك\" وصلتها بها ترعى عليها فهو خير لك (^٢). قلت: الجميع صحيح ولا تعارض وقد قال - ﷺ - ذلك كلّه فهذا الحديث يدلّ على أن صلة الأخوال والأخوات أعظم أجرا وأفضل من عتق الرقاب العظيم أجره وهو قول مالك وفيه أن الاعتناء بحق الأم إكراما لحقها وهو زيادة في برها (^٣).\nقال بعضهم: لم يكن لميمونة قرابة إلا من جهة الأم فلذلك خص الأخوال فإن للأم ثلاثة أرباع البر وإن كان لها قرابة من جهة الأب فيحتمل أنه رآهم أولى لأن الأم لما كانت أولى بالبر كانت قراباتها أولى بالصدقة ويحتمل أنهم كانوا أحوج فخصهم لذلك (^٤).\nوفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها (^٥).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢٨٦).\n(^٢) إكمال المعلم (٣/ ٥١٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٦).\n(^٤) كشف المناهج (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٦).","vol":"10","page":523},{"text":"٣٨٠٤ - وَرُوِيَ عَن ثَوْبَان - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاث متعلقات بالعرش الرَّحِم تَقول اللَّهُمَّ إِنِّي بك فَلَا أقطع وَالأمَانَة تَقول اللَّهُمَّ إِنِّي بك فَلَا أخان وَالنعْمَة تَقول اللَّهُمَّ إِنِّي بك فَلَا أكفر رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: وعن ثوبان - ﵁ -: هو مولى رسول اللّه - ﷺ -، تقدمت ترجمته.\nقوله: \"ثلاث متعلقات بالعرش الرحم تقول اللهم إني بك فلا أقطع\" الحديث، الرحم عبارة عن القرابة والقطيعة الهجران والصد وهي فعلية من القطع ويريد به ترك البر والإحسان إلى الأهل والأقارب وهي ضد صلة الرحم (^٢).\nلطيفة: ذكروا أن بعض أرباب المعرفة نزل [بموضع] ببغداد فقال يا ملاح احملني فقال إلى أين قال إلى دار الملك فقال معي ركاب إلى القطيعة فصاح لا باللّه لا باللّه يا ملاح إنا نفر من القطيعة منذ سبعين سنة، والقطيعة موضع معروف (^٣)، ا. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤١٨١). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ثوبان بهذا الإسناد، وقد روي بعض كلامه بغير لفظه من غير وجه فذكرنا حديث ثوبان هذا لأنه جمع معنيين اختلاف لفظه وزيادة في حديث لا يحفظ إلا من هذا الوجه، وقد تقدم ذكرنا ليزيد بن ربيعة ولأبي عثمان هذا فاستغنينا عن إعادة ذكرهما.\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٤٩: رواه البزار، وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٦٤٨١) وضعيف الترغيب (١٤٩٣) و(١٧٧٥).\n(^٢) النهاية (٤/ ٨٢).\n(^٣) لطائف المعرف (ص ١٩١).","vol":"10","page":524},{"text":"٣٨٠٥ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ الرَّحِم مُتَعَلقَة بالعرش تَقول من وصلني وَصله اللّه وَمن قطعني قطعه اللّه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدمت ترجمتها.\nقوله: \"الرحم متعلقة بالعرش\" الرحم مشتقة من الرحمن الرحيم موجودة في حروف لفظة الرحمن وكلا الاسمين من الرحمة فمعنى صلة الرحم رحمة من اللّه تعالى الرحيم الكريم على عباده لأنه يحصل لواصل الرحم رحمة من اللّه تعالى.\nقوله: تقول: \"من وصلني وصله اللّه ومن قطعني قطعه اللّه\" الحديث، قال العُلماء: وحقيقة الصلة العطف والرحمة وصلة اللّه على عباده لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه أوصلتهم بأهل ملكوته الأعلى وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته (^٢)، أ. هـ.\nقال بعض العُلماء: فخاصة الصلة صلة الرب ﵎، فيا سعادة من [حصلت] له وأربح معاملته (^٣).\nوفي هذا الحديث ما يشعر بأن الصلة أرجح من صنائع المعروف لأن الرحم معقلة بالعرش وأي قرب هكذا ثم هي على مر الأنفاس تقول من وصلني وصله اللّه، وأي دعاء أجمع من هذا أو يسمع له أو يستجاب مثله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٨٩)، ومسلم (١٧ - ٢٥٥٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٢ - ١١٣).\n(^٣) حدائق الأولياء (١/ ٥١٤).","vol":"10","page":525},{"text":"وهل في معروف آخر هكذا، أ. هـ، قاله صاحب الحدائق (^١).\nتنبيه: اختلف العُلماء في قول الرحم: \"من وصلني وصله اللّه\" الحديث، هل هو في الدنيا أو يوم القيامة واختار أبو حاتم أن ذلك في يوم القيامة وأورد فيه حديثًا وترجمه بباب بيان أن تشكي الرحم إنما هو يوم القيامة لا في الدنيا وروي \"الرحم شجنة من الرحمن، فإذا كان يوم القيامة تقول\" (^٢) الحديث، وسيأتي قريبا في أحاديث الباب.\n\n٣٨٠٦ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول قَالَ اللّه ﷿ أَنا اللّه وَأَنا الرَّحْمَن خلقت الرَّحِم وشققت لَهَا اسْما من اسْمِي فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته أَو قَالَ بتته رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أبي سَلمَة عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَفِي تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ لَهُ نظر فَإِن أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن لم يسمع من أَبِيه شَيْئا قَالَه يحيى بن معِين وَغَيره وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن رواد اللَّيْثِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقد أَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى هَذَا ثمَّ حكى عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ وَحَدِيث معمر خطأ وَاللّه أعلم (^٣).\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥١٧).\n(^٢) كشف المناهج (٤/ ٢٨٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٣)، وأبو داود (١٦٩٤) و(١٦٩٥)، والترمذى (١٩٠٧)، وابن حبان (٤٤٣)، والحاكم ٤/ ١٥٧ و١٥٨. وقال الترمذي: حديث صحيح.\nوقال الألباني: صحيح - \"صحيح أبي داود\" (١٤٨٧)، وصحيح الترغيب (٢٥٢٨).","vol":"10","page":526},{"text":"قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: قال \"يقول اللّه تعالى: أنا اللّه وأنا الرحمن\" وفي الرِّواية الأخرى: \"الرحيم خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته\" أو قال: \"بتته\" دل هذا الحديث على أن الرحم مشتقة من اسم الرحمن لقوله: \"شققت لها اسما من اسمي\" ويؤيد ذلك الحديث الآخر: \"الرحم شجنة من الرحمن\" أي اسم مشتق من رحمة اللّه الرحمن وأثر من آثار رحمته مشتبكة بها، فالقاطع منها قاطع من رحمة اللّه تعالى (^١).\n\n٣٨٠٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: \"إِن اللّه تَعَالَى خلق الْخلق حَتَّى إِذا فرغ مِنْهُم قَامَت الرَّحِم فَقَالَت هَذَا مقَام العائذ بك من القطيعة قَالَ نعم أما ترْضينَ أَن أصل من وصلك وأقطع من قَطعك قَالَت بلَى قَالَ فَذَاك لَك ثمَّ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ (^٢) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدَّم الكلام على ترجمته.\nقوله: \"إن اللّه تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة\" الحديث، هذا إشارة إلى المقام أي قيامي\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٥٨)، وكشف المناهج (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\n(^٢) سورة محمد، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٨٣٠ و٤٨٣١) و(٥٩٨٧) و(٧٥٠٢)، ومسلم (١٦ - ٢٥٥٤).","vol":"10","page":527},{"text":"هذا قيام العائذ بك من قطع الرحم ووصل اللّه إيصال الرحمة إليه وقطعه قطعها قاله الكرماني (^١).\nقال البيضاوي (^٢): لما كان من عادة المستجيران أن يأخذ بذيل المستجار به أو بطرف إزاره تقطيعا للأمر ومبالغة في الاستجارة فكأنه يشير إلى ان المطلوب أن يحرسه ويذب عنه ما يؤذيه كما يحرس ما تحت إزاره ويذب عنه فإنه لاصق به لا ينفك استعير ذلك للرحم واستعاذتها باللّه من القطيعة، أ. هـ.\nقال القاضي عياض ﵀ (^٣): الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم وإنما هي قرابة ونسب يجمعه رحم والدة ويتصل بعضهم ببعض فسمي ذلك الاتصال رحما والمعاني لا يتأتي منها القيام ولا الكلام لأنه تقريب لفهم عظيم حقها ووجوب صلة المتصفين بها فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحس استعارة على عادة العرب في استعمال الاستعارات والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصليها وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم ولهذا سمي العقوق قطعا والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل قال: ويحتمل أن اللّه تعالى يجعل ملكا من الملائكة وتعلق بالعرش وتكلم على لسانها بهذا بأمر اللّه تعالى، هذا كلام القاضي.\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١٨/ ٩٣).\n(^٢) تحفة الأبرار (٣/ ٢٥٠).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٢٨٦)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٢).","vol":"10","page":528},{"text":"قوله: \"هذا مقام العائذ بك\" والعائذ المستعيذ وهو المعتصم بالشيء الملتجيء إليه المستجير به واللّه أعلم (^١).\n\n٣٨٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن الرَّحِم شجنة من الرَّحْمَن تَقول يَا رب إِنِّي قطعت يَا رب إِنِّي أُسِيء إِلَيّ يَا رب إِنِّي ظلمت يَا رب فيجيبها أَلا ترْضينَ أَن أصل من وصلك وأقطع من قَطعك رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد قوي وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الرحم شجنة من الرحمن تقول يا رب إني قطعت يا رب إني أسيء إليّ يا رب إني ظلمت\" الحديث، قال بعضهم ظاهر الكلام مخاطبتها اللّه تعالى، ويحتمل ردها على من استعاذت منه، وقد قيل في الحقيقة أنه ضرب مثل واستعارة، إذ الرحم إنما هي من المعاني لا يتأتي منها القيام ولا الكلام، فالمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها وإثم قاطعها.\nالشجنة: قال أبو عبيد يعني قرابة مشتبكة كاشتباك العروق وفيها لغتان،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٥ (٧٩٣١) و٢/ ٣٨٣ (٨٩٧٥) و٢/ ٤٠٦ (٩٢٧٣) و٢/ ٤٥٥ (٩٨٧١)، والمروزى في البر والصلة (١٣٣)، والبخارى في الأدب المفرد (٦٥)، والبزار (٨٤٠٤)، وابن حبان (٤٤٢) و(٤٤٤). قال البزار: ولا نعلم أسند محمد بن كعب، عن أبي هريرة، إلا هذا الحديث. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن عبد الجبار وهو ثقة. وصححه الألباني في غاية المرام (ص ٢٣١) وصحيح الترغيب (٢٥٣٠).","vol":"10","page":529},{"text":"شجنة: بكسر الشين وبضمها وإسكان الجيم [وفيها لغة ثالتة بفتحها]، أ. هـ قاله المنذري.\nوقال الجوهري (^١): الشجنة عروق الشجرة المشتبكة، وبيني وبينه شجنة الرحم أي: قرابة كاشتباك العروق، أ. هـ شبهه بذلك مجازا واتساعا وأصل الشجنة شعبة من غصن من غصون الشجرة، ومنهم قولهم: الحديث ذو شجون، أي ذو شعب وامتساك بعضهم ببعض (^٢).\nوقال الإمام شهاب الدين التُّورِبِشْتِي (^٣): كأنهم يريدون أنها موهوب من الرحمن أو مجعولة لذلك، وهذا المعنى صحيح فإن الأشياء من اللّه تعالى خلقا ولكنه ليس بمعنى الحديث، وإنما المراد من الرحمن أي من هذا الاسم والمعنى الرحم أثر من آثار رحمته مشتبكة بها فالقاطع منها قاطع.\nقوله: \"تتكلم بلسان ذلق\" وفي حديث \"طلق\" أي: فصيح بليغ هكذا جاء في الحديث على فعل بوزن صُرَد ويقال طُلَق ذلق، وطَلْق ذلق، وطليق ذليق، وقال في النهاية: يقال رجل ذلق اللسان وطلقه وطلقه وطلقه وطلقه وطليقه أي ماضي القول سريع النطق (^٤).\n\n٣٨٠٩ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - أَنه قَالَ الرَّحِم حجنة متمسكة بالعرش تكلم بِلِسَان ذلق اللَّهُمَّ صل من وصلني واقطع من قطعني فَيَقُول اللّه\n_________\n(^١) الصحاح (٥/ ٢١٤٣).\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٤٧).\n(^٣) الميسر (٢/ ١٠٦٧).\n(^٤) النهاية (٢/ ١٦٥).","vol":"10","page":530},{"text":"﵎ أَنا الرَّحْمَن الرَّحِيم وَإِنِّي شققت للرحم من اسْمِي فَمن وَصلهَا وصلته وَمن بتكها بتكته رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن الحجنة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَتَخْفِيف النُّون هِيَ صنارة المغزل وَهِي الحديدة العقفاء الَّتِي يعلق بهَا الْخَيط ثمَّ يفتل الْغَزل وَقَوله من بتكها بتكته أَي من قطعهَا قطعته (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"الرحم حجنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان ذلق\" الحديث، الحجنة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي صنارة المغزل وهي الحديدة العقفا التي يعلق بها الخيط ثم يقتل المغزل أ. هـ.\nوقوله: \"ومن بتكها بتكته\" البتك: القطع أي من قطعها قطعته، أ. هـ قاله المنذري أيضًا.\n\n٣٨١٠ - وَعَن سعيد بن زيد - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - أَنه قَالَ: \"إِن من أربى الرِّبَا الاستطالة فِي عرض الْمُسلم بِغَيْر حق وَإِن هَذِه الرَّحِم شجنة من الرَّحْمَن ﷿ فَمن قطعهَا حرم اللّه عَلَيْهِ الْجنَّة\" رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار ورواة أَحْمد ثِقَات قَوْله شجنة من الرَّحْمَن قَالَ أَبُو عبيد يَعْنِي قرَابَة مشتبكة كاشتباك الْعُرُوق وفيهَا لُغَتَانِ شجنة بِكَسْر الشين وَبِضَمِّهَا وَإِسْكَان الْجِيم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٤٩٥)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٩). قال البزار: زائدة بن أبي الرقاد لا يكتب من حديثه إلا ما ليس عند غيره، يعني: لضعفه. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥١: رواه البزار وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٣١).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ١٩٠ (١٦٥١)، والبخارى في الأوسط (١/ ٢٠٠) والكبير (٨/ ١٠٨) معلقا، وأبو داود (٤٨٧٦)، ويعقوب بن سفيان في تاريخه ١/ ٢٩٢، والبزار في مسنده (١٢٦٤)، والشاشي في مسنده (٢٠٨) و(٢٣٠)، والطبراني في الكبير (١/ ١٥٤ رقم =","vol":"10","page":531},{"text":"قوله: وعن سعيد بن زيد - ﵁ -[هو أحد العشرة، ﵃، هو أبو الأعور، وقيل: أبو ثور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح، بالمثناة، ابن عبد اللّه بن قرط بن رزاح، براء مفتوحة ثم زاى وحاء مهملة، ابن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب القريشى العدوى المكى المدني، أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه - ﷺ - بالجنة، وتوفى وهو راض عنهم، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، - ﵁ -، وتزوج أخت عمر فاطمة بنت الخطاب، أسلمت هي وزوجها سعيد قبل عمر، وكانا سبب إسلام عمر، ﵃، وأسلم سعيد قديمًا، وكان من المهاجرين الأولين، وآخى رسول اللّه - ﷺ - بينه وبين أبي بن كعب، وشهد مع النبي - ﷺ - المشاهد كلها بعد بدر، واختلفوا في شهوده بدرًا، فقال الأكثرون: لم يشهدها لعذره، فإنه كان غائبا عن المدينة، وضرب له النبي - ﷺ - بسهمه منها وأجره. وقال جماعة: شهد بدرًا. وذكره البخاري في صحيحه فيمن شهد بدرًا، وشهد اليرموك، وحصار دمشق، وكان مجاب الدعوة روى له عن رسول اللّه - ﷺ - ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث (^١)].\n_________\n= ٣٥٧)، وفي الشاميين (٢٩٣٧) والحاكم ٤/ ١٥٧. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٠: رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه والبزار إلا أنه لم يقل: قال اللّه. وفيه عاصم بن عبيد اللّه ضعفه الجمهور وقال العجلي: لا بأس به. وصححه الألباني في المشكاة (٥٠٤٥/ التحقيق الثاني)، الصحيحة (١٤٣٣ - ١٨٧١)، وصحيح الترغيب (٢٥٣٢).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٧ ترجمة ٢٠٩).","vol":"10","page":532},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن ﷿ فمن قطعها حرم اللّه عليه الجنة\" الشجنة تقدم الكلام عليها.\nوقوله: \"حرم اللّه عليه الجنة\" فيه التأويلان السابقان في أمثاله في شرب الخمر وغيره.\n\n٣٨١١ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: لَيْسَ الْوَاصِل بالمكافئ وَلَكِن الْوَاصِل الَّذِي إِذا قطعت رَحمَه وَصلهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ليس الواصل بالمكافئ\" الحديث أي ليس واصل الرحم من يفعل بأقاربه ما فعلوه به يعني إذا وصلوه وصلهم وإذا قطعوه قطعهم بل الواصل من إذا وصلوه أكد وصلهم وإذا قطعوه اجتهد في وصلهم (^٢).\nوقال بعضهم أيضًا في قوله: ليس الواصل بالمكافئ، الواصل التعريف فيه للجنس أي: ليس حقيقة الواصل من يكافئ صاحبه بمثل فعله إذ ذاك نوع معاوضة واللّه أعلم (^٣). وصلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقارب وإن بعدوا وأساؤوا وقطع الرحم ضد لك فكأنه بالإحسان إليهم وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة (^٤) ويقال كافأت فلانًا بالشيء إذا قابلته به (^٥) أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٩١)، وأبو داود (١٦٩٧)، والترمذى (١٩٠٨).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٢٠٧).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٦٠).\n(^٤) النهاية (٥/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٥) مجمل اللغة (١/ ٧٨٨).","vol":"10","page":533},{"text":"٣٨١٢ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا تَكُونُوا إمعة تَقولُونَ إِن أحسن النَّاس أحسنا وَإِن ظلمُوا ظلمنَا وَلَكِن وطنوا أَنفسكُم إِن أحسن النَّاس أَن تحسنوا وَإِن أساؤوا أَن لا تظلموا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن قَوْله إمعة هُوَ بِكَسْر الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم وَفتحهَا وبالعين الْمُهْملَة قَالَ أَبُو عبيد الإمعة هُوَ الَّذِي لا رَأْي مَعَه فَهُوَ يُتَابع كلّ أحد على رَأْيه. (^١)\nقوله: وعن حذيفة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"لا تكونوا إمَّعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا\" الحديث، الإمعة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال قال أبو عبيد الإمعة هو الذي لا رأي معه فهو يتابع كلّ أحد على رأيه أ. هـ.\nقوله: \"ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا\" الحديث، التوطين: العزم الجازم على الفعل (^٢) أي لا تكونوا تابعين للناس في أفعالهم بالمكافأة إن أحسنوا إليكم تحسنون إليهم وإن أساءوا إليكن تسيئون إليهم ولكن وطنوا أنفسكم على أنه إذا أحسن إليكم تحسنوا إليهم وإن أساءوا إليكم فلا تظلموهم هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَمَن عَفَا وَأَصْلَحَ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٠٠٧)، والبزار (٢٨٠٢).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول اللّه - ﷺ - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولم نسمعه إلا من أبي هشام. وقال المناوى في كشف المناهج ٤/ ٣٥٥: وسند الحديث جيد. وضعفه الألباني في المشكاة (٥١٢٩) وضعيف الترغيب (١٤٩٤).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٢٦٠)، وشرح المصابيح (٥/ ٣٦٢) لابن ملك.","vol":"10","page":534},{"text":"فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^١) أ. هـ.\n\n٣٨١٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رجلًا قَالَ يَا رَسُول اللّه إِن لي قرَابَة أصلهم ويقطعوني وَأحسن إِلَيْهِم ويسيئون إِلَيّ وأحلم عَلَيْهِم ويجهلون عَليّ فَقَالَ إِن كنت كَمَا قلت فَكَأَنَّمَا تسفهم المل وَلَا يزَال مَعَك من اللّه ظهير عَلَيْهِم مَا دمت على ذَلِك رَوَاه مسلم المل بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد اللَّام هُوَ الرماد الْحَار (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله: أن رجلًا قال يا رسول اللّه: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إليّ وأحلم عليهم ويجهلون عليَّ، الحديث، أحلم بضم اللام مأخوذ من الحلم وهو عدم المؤاخذة بالذنب ويجهلون عليّ أي يسيئون.\nوقوله: فقال إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، المل قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو الرماد الحار، أ. هـ وقال غيره المل الرماد الحار الذي يخبز فيه الخبز أراد - ﷺ - أنك تجعل الملة لهم سفوفا يستفونه، والمعنى أن عطاءك لهم حرام عليهم ونار في بطونهم كذا فسره ابن الأثير (^٣) وقيل: أراد أن يجعل وجوههم كلون الرماد (^٤) وروي بعضهم كأنما تسفهم المل أي\n_________\n(^١) سورة الشوري، الآية: ٤٠.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢ - ٢٥٥٨)، وابن حبان (٤٥٠ و٤٥١).\n(^٣) النهاية (٤/ ٣٦١).\n(^٤) النهاية (٢/ ٣٧٥).","vol":"10","page":535},{"text":"يرمي التراب أو الرماد في وجوههم (^١)، وقيل: تسقيهم التراب أو الرماد الحار (^٢)، قال الطبري في الأحكام (^٣): ولا وجه له فإن عطاءه لا يكون عليهم حراما بالإجماع وإنما معناه واللّه أعلم أن عطاءك لهم بعد قطيعتهم وإحسانك بعد إساءتهم وحلمك بعد جهلهم يعقب حرارة الأسف في قلوبهم على ما سلف منهم وأن عليهم سوء صنيعهم أ. هـ.\nوقوله - ﷺ -: \"ولا يزال معك من اللّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك\" والظهير هو النصير والمعين والدافع لأذاهم والمظاهرة المعاونة (^٤) أ. هـ.\n\n٣٨١٤ - وَعَن أم كُلْثُوم بنت عقبَة - ﵄ - أن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أفضل الصَّدَقَة الصَّدَقَة على ذِي الرَّحِم الْكَاشِح رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَمعنى الْكَاشِح أَنه الَّذِي يضمر عداوته فِي كشحه وَهُوَ خصره يَعْنِي أَن أفضل الصَّدَقَة الصَّدَقَة على ذِي الرَّحِم الْمُضمر الْعَدَاوَة فِي بَاطِنه وَهُوَ فِي معنى قَوْله - ﷺ - وَتصل من قَطعك (^٥).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٢٢٧).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٢٢٧).\n(^٣) كشف المناهج (٤/ ٢٨١).\n(^٤) كشف المناهج (٤/ ٢٨١).\n(^٥) أخرجه الحميدى (٣٣٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣١٧٣)، وابن خزيمة (٢٣٨٦)، والخرائطى في المكارم (٢٩٤)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ٨٠ (٢٠٤)، والحاكم (١/ ٤٠٦)، والقضاعى (١٢٨٢)، والبيهقى في الآداب (٩) والكبرى (٧/ ٤٣ =","vol":"10","page":536},{"text":"قوله: وعن أم كلثوم بنت عقبة - ﵄ -، أم كلثوم: بضم الكاف وسكون اللام وضم المثلثة بنت عقبة الأموية أخت عثمان لأمه وهي أول مهاجرة من مكة إلى المدينة (^١).\nقوله - ﷺ -: \"أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح\" ومعنى الكاشح أنه العدو الذي يضمر العداوة في كشحه وهو خصره يعني أن أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة في باطنه وهو في معنى قوله - ﷺ -: \"وتصل من قطعك\" أ. هـ قاله المنذري.\n\n٣٨١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاث من كن فِيهِ حَاسبه اللّه حسابا يَسِيرا وَأدْخلهُ الْجنَّة برحمته قَالُوا وَمَا هِيَ يَا رَسُول اللّه بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ تُعْطِي من حَرمك وَتصل من قَطعك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك فَإِذا فعلت ذَلِك يدْخلك اللّه الْجنَّة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ وَفِي أسانيدهم سُلَيْمَان بن دَاوُد الْيَمَانِيّ واه (^٢).\n_________\n= رقم ١٣٢٢٣) والشعب (٥/ ١٠٣ رقم ٣١٥٤) ومعرفة السنن (٩/ ٣٢٨ - ٣٢٩ رقم ١٣٣٧٨). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٢١)، وصحيح الترغيب (٨٩٤) و(٢٥٣٥)، والإرواء (٨٩٢).\n(^١) الأسامى والكنى (١/ ٢٤٥) و(٥/ ٣٦٧)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦ ترجمة ١٢٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢١)، والبزار (٨٦٣٥)، وأبو علي الصواف في الثالث من فوائده (١٨)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٧٩ رقم ٩٠٩) و(٥/ ١٩٦ رقم ٥٠٦٤)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٢٧١)، والحاكم (٢/ ٥١٨). قال البزار: سليمان بن داود ليس بالقوي، ولا يتابع على حديثه. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: سليمان بن داود اليمامي ضعيف. =","vol":"10","page":537},{"text":"٣٨١٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - قَالَ ثمَّ لقِيت رَسُول اللّه - ﷺ - فَأخذت بِيَدِهِ فَقلت يَا رَسُول اللّه أَخْبَرنِي بفواضل الْأَعْمَال فَقَالَ يَا عقبَة صل من قَطعك وَأعْطِ من حَرمك وَأعْرض عَمَّن ظلمك وَفِي رِوَايَة واعف عَمَّن ظلمك رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَزَاد أَلا وَمن أَرَادَ أَن يمد فِي عمره ويبسط فِي رزقه فَليصل رَحمَه ورواة أحد إسنادي أَحْمد ثِقَات (^١).\n\n٣٨١٧ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ قَالَ النَّبِيّ - ﷺ - أَلا أدلك على أكْرم أَخْلاق الدُّنْيَا وَالآخِرَة أَن تصل من قَطعك وَتُعْطِي من حَرمك وَأَن تَعْفُو عَمَّن ظلمك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة الْحَارِث الْأَعْوَر عَنهُ (^٢).\n_________\n= وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٤: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود اليمامي وهو متروك. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (١٥٣٥) وضعيف الترغيب (١٤٦٦) و(١٤٩٥).\n(^١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٨٦)، وأحمد ٤/ ١٤٨ (١٧٣٣٤) و٤/ ١٥٨ (١٧٤٥٢)، وابن أبي الدنيا في المكارم (١٩) و(٢٠)، والرويانى (١٥٧)، والطبرانى في الكبير ١٧/ ٢٦٩ (٧٣٩) و١٧/ ٢٧٠ (٧٤٠) ومكارم الأخلاق (٥٦)، وابن عدى (٦/ ٢٨١) و(٦/ ٣٠٦)، والحاكم (٤/ ١٦١ - ١٦٢)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٣٣٦ - ٣٣٧ رقم ٧٥٨٧) و(١٠/ ٤١٧ رقم ٧٧٢٣).\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٨: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٩١) و(٢٨٦١) وصحيح الترغيب (٢٥٣٦).\n(^٢) أخرجه ابن عمشليق في جزئه (٢٠)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٦٤ رقم ٥٥٦٧)، والبيهقى في الآداب (١٣١) والكبرى (١٠/ ٣٩٨ رقم ٢١٠٩١) والشعب (١٠/ ٣٣٥ رقم ٧٥٨٤) و(١٠/ ٤١٥ - ٤١٦ رقم ٧٧٢١). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا يعقوب بن أبي المتئد، تفرد به: ابنه نعيم بن يعقوب. وقال الهيثمي في =","vol":"10","page":538},{"text":"٣٨١٨ - وَعَن معَاذ بن أنس - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - أَنه قَالَ إِن أفضل الْفَضَائِل أَن تصل من قَطعك وَتُعْطِي من حَرمك وتصفح عَمَّن شتمك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق زبان بن فائد (^١).\n\n٣٨١٩ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَلا أدلكم على مَا يرفع اللّه بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا نعم يَا رَسُول اللّه قَالَ تحلم على من جهل عَلَيْك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك وَتُعْطِي من حَرمك وَتصل من قَطعك رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ إِلَّا أَنه قَالَ فِي أَوله أَلا أنبئكم بمَا يشرف اللّه بهِ الْبُنيان وَيَرْفَع بِهِ الدَّرَجَات فَذكره (^٢).\n\n٣٨٢٠ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أسْرع الْخَيْر ثَوابًا الْبر وصلَة الرَّحِم وأسرع الشَّرّ عُقُوبَة الْبَغي وَقَطِيعَة الرَّحِم رَوَاهُ ابْن مَاجَة (^٣).\n_________\n= المجمع ٨/ ١٨٨ - ١٨٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحارث وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٦٦٠) وضعيف الترغيب (١٤٩٦).\n(^١) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (٢٩٥)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٨٨ (٤١٣) و(٤١٤). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٩: رواه الطبراني، وفيه زبان بن فائد وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٩٧).\n(^٢) أخرجه البزار (٢٧٢٧)، والطبرانى في الأوسط (٣/ ٨٨ رقم ٢٥٧٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن موسى إلا أبو أمية، تفرد به حجاج، ولا يروى عن أبي بن كعب إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٩: رواه الطبراني، وفيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف. وقال أيضًا: رواه البزار، وفيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٦٥).\n(^٣) أخرجه إسحاق (١٧٧٧) و(١٨١٢)، وابن ماجة (٤٢١٢)، وأبو يعلى (٤٥١٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٩٩٧)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٤٩ رقم ٩٣٨٣)، =","vol":"10","page":539},{"text":"٣٨٢١ - وَعَن أبي بكرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من ذَنْب أَجْدَر أَن يعجل اللّه لصَاحبه الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يدّخر لَهُ فِي الْآخِرَة من الْبَغي وَقَطِيعَة الرَّحِم رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\n\n٣٨٢٢ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فَقَالَ فِيهِ من قطيعة الرَّحِم والخيانة وَالْكذب وَإِن أعجل الْبر ثَوابًا لصلة الرَّحِم حَتَّى إِن أهل الْبَيْت ليكونون فجرة فتنمو أَمْوَالهم وَيَكثر عَددهمْ إِذا تواصلوا وَرَوَاهُ ابْن حبَان في صَحِيحه ففرقه فِي موضِعين وَلم يذكر الْخِيَانَة وَالْكذب وَزَاد فِي آخِره وَمَا من أهل بَيت يتواصلون فيحتاجون (^٢).\n_________\n= والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢٦٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن إسحاق إلا صالح بن موسى. وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ٢٣٩: هذا إسناد فيه صالح بن موسى الصلحي وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيف جدًّا، الضعيفة (٢٧٨٧) وضعيف الترغيب (١٤٩٩).\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٢)، والترمذي (٢٦٧٩)، وابن ماجة (٤٢١١) وابن حبان (٤٥٥) و(٤٥٦)، والحاكم (٢/ ٣٥٦ و٤/ ١٦٢ - ١٦٣). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٩١٨) وصحيح الترغيب (٢٥٣٧).\n(^٢) أخرجه ابن حبان كما في موارد الظمآن (٢٠٣٨). وقال الألباني: حسن صحيح - الصحيحة (٩١٨، ٩٧٨) وصحيح الترغيب (٢٥٣٧). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٢: رواه الطبراني عن شيخه عبد اللّه بن موسى بن أبي عثمان الأنطاكي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٩ رقم ١٠٩٢) عن أبي هريرة.\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا أبو الدهماء، تفرد به: النفيلي. وحسنه الألباني من رواية الطبراني في صحيح الترغيب (٢٥٣٧).","vol":"10","page":540},{"text":"قوله: وعن أبي بكرة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ما من ذنب أجدر أن يعجل اللّه لصاحبه العقوبة في الدنيا\" الحديث، أجدر معناه [أولى وأحق].\n\n٣٨٢٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - رَفعه قَالَ الطابع مُعَلّق بقائمة الْعَرْش فَإِذا اشتكت الرَّحِم وَعمل بِالْمَعَاصِي واجترئ على اللّه بعث اللّه الطابع فيطبع على قلبه فَلَا يعقل بعد ذَلِك شَيْئا رَوَاهُ الْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَتقدم لَفظه فِي الْحُدُود وَقَالَ الْبَزَّار لا نعلم رَوَاهُ عَن التَّيْمِيّ يَعْنِي سُلَيْمَان إِلَّا سُلَيْمَان بن مُسلم وَهُوَ بَصرِي مَشْهُور (^١).\nقوله: وروي عن ابن عُمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"الطابع معلق بقائمة العرش فإذا اشتكت الرحم وعمل بالمعاصي واجترئ على اللّه بعث اللّه الطابع فيطبع على قلبه\" الحديث، الطابع بفتح الباء وكسرها لغة هو الخاتم الذي يختم به على الشيء (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (٢٣)، والبزار (٥٩٨١)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ١٣٩)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣٢)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، ومن طريقه البيهقى في الشعب (٩/ ٣٧٨ رقم ٦٨١٨). قال البزار: وهذان الحديثان لا نعلم رواهما، عن التيمي، عن نافع إلا سليمان بن مسلم، وهو بصري مشهور. وقال ابن عدي: حديث منكر جدًّا، وسليمان بن مسلم الخشاب قليل الحديث وشبه المجهول، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٤٤٩): تفرد به سليمان بن مسلم العجلي عن التيمي عنه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٧٠) وضعيف الترغيب (١٤٠٢).\n(^٢) النهاية (٣/ ١١٢).","vol":"10","page":541},{"text":"وقوله: \"معلق بقائمة العرش\" والقائمة في اللغة واحدة قوائم الدابة والمراد ههنا هو كالعمود للعرش واللّه أعلم.\n\n٣٨٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول إِن أَعمال بني آدم تعرض كل خَمِيس لَيْلَة الْجُمُعَة فَلَا يقبل عمل قَاطع رحم رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n\n٣٨٢٥ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - أَنَّه قَالَ أَتَانِي جِبْرِيل - ﵇ - فَقَالَ هَذِه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَللّه فِيهَا عُتَقَاء من النَّار بِعَدَد شُعُور غنم كلب لَا ينظر اللّه فِيهَا إِلَى مُشْرك وَلَا إِلَى مُشَاحِن وَلَا إِلَى قَاطع رحم وَلَا إِلَى مُسبل وَلَا إِلَى عَاق لوَالِديهِ وَلَا إِلَى مدمن خمر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الهاجر إِن شَاءَ اللّه (^٢).\n\n٣٨٢٦ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَة لا يدْخلُونَ الْجنَّة مدمن الْخمر وقاطع الرَّحِم ومصدق بِالسحرِ رَوَاهُ ابْن حبَان وَغَيره وَتقدم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٤٨٤ (١٠٢٧٢)، والبخارى في الأدب المفرد (٦١) والتاريخ الكبير (٥/ ١٠٨)، والخرائطى في مساوئ الأخلاق (٢٦٨)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٣٤٠ رقم ٧٥٩٣) و(١٠/ ٣٤١ رقم ٧٥٩٥). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥١: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٣٨).\n(^٢) أخرجه الإسماعيلى مختصرا في المعجم (١/ ٤٠٧)، والببهقى في الشعب (٥/ ٣٦٢ - ٣٦٤)، والدعوات الكبير (٥٣١) وفضائل الأوقات (٢٧). وقال البيهقى: هذا إسناد ضعيف وروي من وجه آخر. وقال في الدعوات: في هذا الإسناد بعض من يجهل وكذلك فيما قبله، وإذا انضم أحدهما إلى الآخر أخذا بعض القوة. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (٦٢٠) و(١٥٠١) و(١٦٥١).","vol":"10","page":542},{"text":"بِتَمَامِهِ فِي شرب الْخمر وَتقدم فِيهِ أَيْضًا حَدِيث أبي أُمَامَة يبيت قوم من هَذِه الْأمة على طعم وَشرب وَلَهو وَلعب فيصبحوا قد مسخوا قردة وَخَنَازِير بشربهم الْخمر ولبسهم الْحَرِير واتخاذهم الْقَيْنَات وقطيعتهم الرَّحِم (^١).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر\" مدمن الخمر الذي يشرب الخمر بالدوام.\nقوله: \"وقاطع الرحم ومصدق بالسحر\" تقدم الكلام على ذلك لأن هؤلاء الثلاثة لا يدخلون الجنة إذا استحلوا أفعالهم المحرمة واعتقدوا حلها فإن من أحل ما حرم اللّه كافر لا يدخل الجنة أبدًا والقول الآخر أن لا يعتقدوا ذلك فيكون معناه أنهم لا يدخلون الجنة وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم بل يؤخرون عن الدخول والله أعلم.\n\n٣٨٢٧ - وَعَن جُبَير بن مطعم - ﵁ - أَنه سمع النَّبِيّ - ﷺ - يَقُول لا يدْخل الْجنَّة قَاطع قَالَ سُفْيَان يَعْنِي قَاطع رحم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَتقدم فِي اللبَاس حَدِيث جَابر - ﵁ -: قَالَ خرج علينا رَسُول اللّه - ﷺ - وَنحن مجتمعون فَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين اتَّقوا اللّه وصلوا أَرْحَامكُم فَإِنَّهُ لَيْسَ من ثَوَاب أسْرع من صلَة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٩ (١٩٥٦٩)، وأبو يعلى (٧٢٤٨)، وابن حبان (٥٣٤٦) و(٦١٣٧)، والحاكم ٤/ ١٤٦. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٧٤: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٣٩).","vol":"10","page":543},{"text":"الرَّحِم وَإِيَّاكم وَالْبَغي فَإِنَّهُ لَيْسَ من عُقُوبَة أسْرع من عُقُبوبَة بغي وَإِيَّاكم وعقوق الْوَالِدين فَإِن ريح الْجنَّة تُوجد من مسيرَة ألف عَام وَاللّه لَا يجدهَا عَاق وَلَا قَاطع رحم وَلَا جَار إزَاره خُيَلاء إِنَّمَا الْكِبْرِيَاء للّه رب الْعَالمين (^١).\nقوله: وعن جبير بن مطعم - ﵁ -: تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"لا يدخل الجنة قاطع \"قال سفيان: يعني قاطع رحم، الحديث، هذا الحديث يحتمل معنين أحدهما حمله على مستحل قطيعة بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها فهذا كافر مخلد في النار ولا يدخل الجنة أبدًا فإن مستحل الحرام كافر والكافر لا يدخل الجنة أبدًا والثاني معناه لا يدخلها أول الْأَمر مع السابقين بل يعاقب بتأخير القدر الذي يريده اللّه تعالى (^٢)، أ. هـ.\n\n٣٨٢٨ - وَعَن الأعْمَش قَالَ كَانَ ابْن مَسْعُود - ﵁ - جَالِسا بعد الصُّبْح فِي حَلقَة فَقَالَ أنْشد اللّه قَاطع رحم لما قَامَ عَنَّا فَإنَّا نُرِيد أَن نَدْعُو رَبنَا وَإِن أَبْوَاب السَّمَاء مرتجة دون قَاطع رحم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن الأعْمَش لم يدْرك ابْن مَسْعُود مرتجة بِضَم الْمِيم وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَتَخْفِيف الْجِيم أَي مغلقة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (١٨ و١٩ - ٢٥٥٦)، والترمذى (١٩٠٩)، وأبو داود (١٦٩٦) عن جبير بن مطعم.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٥٨ رقم ٨٧٩٣). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥١: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح إلا أن الأعمش لم يدرك زمن ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٠٢).","vol":"10","page":544},{"text":"قوله: وعن الأعمش، الأعمش: هو سُليمان بن مهران الكاهلي روى عن أنس بن مالك وروي عن عبد اللّه بن أبي أوفى مرسلا توفي سنة ثمان وأربعين ومائة.\nقوله: كان ابن مسعود - ﵁ - جالسا بعد الصبح في حلقة فقال أنشد اللّه قاطع رحم لما قام عنا فإنا نريد أن ندعو ربنا، الحديث، الحلقة بسكون اللام وتقدم الكلام عليها في كتاب الذكر.\nوقوله: وانشد اللّه، الحديث، النشد رفع الصوت والمراد به هنا أي أسأله باللّه وقاطع الرحم المراد به قاطع الصلة بينه وبين أقربائه.\nقوله: \"وإن أبواب السماء مرتجة دون قاطع رحم\" أي مغلقة، قاله المنذري.\n\n٣٨٢٩ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن أبي أوفى - ﵄ -، قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ لَا يجالسنا الْيَوْم قَاطع رحم فَقَامَ فَتى من الْحلقَة فَأتى خَالَة لَهُ قد كَانَ بَينهمَا بعض الشَّيْء فَاسْتَغْفر لَهَا واستغفرت لَهُ ثمَّ عَاد إِلَى الْمجْلس فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - إِن الرَّحْمَة لَا تنزل على قوم فيهم قَاطع رحم رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه وكيع في الزهد (٤١٢) مختصرا، وهناد في الزهد (٢/ ٤٨٩)، والبخارى في الأدب المفرد (٦٣) مختصرا، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٣٣٨ - ٣٣٩ رقم ٧٥٩٠)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٣١٧). قال البوصيرى في الإتحاف ٥/ ٤٨١: رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منع، والبخاري في الأدب المفرد ومدار أسانيدهم على أبي إدام وهو ضعيف، واسمه سليمان بن زيد المحاربي الأزدي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٠٣).","vol":"10","page":545},{"text":"٣٨٣٠ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مُخْتَصرا أَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ إِن الْمَلَائِكَة لا تنزل على قوم فيهم قَاطع رحم (^١).\nقوله: عن عبد اللّه بن أبي أوفى - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم\" اعلم أنه لا تنزل الرحمة على قاطع الرحم لأنه يفسد القوم بالنميمة والافتراء ففعله قبيح وأما القوم فلأنهم ينكرون ويستمعون إلى ما يقوله فمنعوا من الرحمة وقيل المراد بالرحمة المطر معناه أنه تعالى يمنع المطر عن ذلك القوم بشؤم قاطع الرحم واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة كما في المطالب (٢٥٢٠)، ومن طريقه الطبراني كما في جامع المسانيد (٦٠١٨). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥١: رواه الطبراني، وفيه أبو إدام المحاربي وهو كذاب. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٠٣): موضوع.","vol":"10","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>[الترغيب في كفالة اليتيم ورحمته والنفقة عليه والسعي على الأرملة والمسكين]</span>\n٣٨٣١ - عَن سهل بن سعد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَنا وكافل الْيَتِيم فِي الْجنَّة هَكَذَا وَأَشَارَ بالسبابة وَالْوُسْطَى وَفرج بَينهمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: عن سهل بن سعد - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما\" الحديث.\nقوله: \"كافل اليتيم\" هو القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك وهذه الفضية تحصل لمن كفله من مال نفسه أو مال اليتيم بولاية شرعية قاله النووي (^٢).\nوقوله: \"وأشار بالسبابة والوسطى\" والسبابة من الأصابم هي التي تلي الإبهام، سميت بذلك في الجاهلية لأنهم كانوا يسبون بها فلما جاء اللّه بالإسلام سموها المشيرة لأنهم كانوا يشيرون بها إلى اللّه ﷿ بالتوحيد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٠٤) و(٦٠٠٥)، وأبو داود (٥١٥٠)، والترمذي (١٩١٨)، وابن حبان (٤٦٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٣).\n(^٣) تفسير القرطبي (٢/ ١٥).","vol":"10","page":547},{"text":"قوله: وفرج بينهما، إشارة إلى التفاوت بين درجة الأنبياء وآحاد الأمة والسبابة هي المسبحة قال بعضهم لما قال رسول اللّه - ﷺ - ذلك استوت سبابته ووسطاه استواء بينا في تلك الساعة ثم عادتا إلى حالتهما الطبيعة الأصلية، وذلك لتوكيد أمر كفالة اليتيم (^١)، أ. هـ.\nوإنما فاق هذا العمل على سائر الأعمال لأن اليتيم افتقد بر أبيه ولطفه ومصالح أموره واللّه تعالى ولي ذلك كلّه يجريها على الأسباب فإذا قبض أبوه فهو الولي لذلك اليتيم في جميع أموره فمن مد يده إلى كفالته فإنما ذلك عمل يعمل عن اللّه تعالى لا عن نفسه كما أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يعملون عن اللّه تعالى فلذلك صار بالقرب منه في الدرجة وليس في الجنة بقعة أروح ولا أنور من البقعة التي تكون بها الرسل عليهم الصلاة والسلام (^٢) أ. هـ ذكره في نوادر الأصول في شرح مشارق الأنوار.\n\n٣٨٣٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - كافل الْيَتِيم لَهُ أَو لغيره وَأَنا وَهُوَ كَهاتين فِي الْجنَّة وَأَشَارَ مَالك بالسبابة وَالْوُسْطَى رَوَاهُ مُسلم وَرَوَاهُ مَالك عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\n_________\n(^١) اللامع الصبيح (١٣/ ٤٣٣)، وعمدة القاري (٢٠/ ٢٩٤).\n(^٢) نوادر الأصول (٣/ ١٩٠ - ١٩١).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٧٥ (٨٨٨١)، ومسلم (٤٢ - ٢٩٨٣)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٣٨٨ - ٣٨٧ رقم ١٠٥١٩) عن أبي هريرة. وأخرجه مالك (٢٧٣٠) عن صفوان بن سليم بلاغًا.","vol":"10","page":548},{"text":"قوله - ﷺ -: \"كافل اليتيم له أو لغيره وأنا وهو كهاتين في الجنة\" وأشار مالك بالسبابة والوسطي، الحديث، تقدم الكلام على كافل اليتيم في الحديث قبله.\nوقوله: \"له أو لغيره\" فالذي له أن يكون اليتيم قريبًا له كالأم تكفل ولدها اليتيم أو الجد أو الجدة أو الأخ أو الأخت والعم والخالة والعمة وغيرهم من أقاربه والذي لغيره أن يكون أجنبيا (^١) من اليتيم لا اربة بينه وبينه فإن كلّ واحد من هؤلاء يجوز هذا الأجر العظيم وينال في الآخرة هذا الثواب الجسيم واللّه ذو الفضل العظيم العميم، قاله الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه المتجر الرابح (^٢) فالضمير في قوله \"له أو لغيره\" راجع إلى الكافل أي سواء كان اليتيم له كابن ابنه أو أسفل أو ابن أخيه أو كانت امرأة تربى ولدها الذي مات أبوه أو أحد يربي ولد أجنبي مات أبوه كلّ ذلك في الآخرة سواء في الأجر والرحمة (^٣).\n\n٣٨٣٣ - وَرَوَاهُ الْبَزَّار مُتَّصِلا وَلَفظه قَالَ من كفل يَتِيما لَهُ ذَا قرَابَة أَو لَا قرَابَة لَهُ فَأَنا وَهُوَ فِي الْجنَّة كهاتين وَضم أصبعيه وَمن سعى على ثَلَاث بَنَات فَهُوَ فِي الْجنَّة وَكَانَ لَهُ كَأَجر الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه صَائِما قَائِما (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٣).\n(^٢) لم أعثر على نصه أو الحديث فيه.\n(^٣) المفاتيح (٥/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٤) أخرجه البزار (٩٦٨٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة - ﵁ -، إلا بهذا الإسناد والمفضل بن فضالة بصري مشهور وهم أخوة مبارك بن فضالة والمفضل بن فضالة وعبيد الرحمن بن فضالة. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥٧ و١٦٢ رواه البزار، =","vol":"10","page":549},{"text":"قوله: في رواية البزار متصلا \"من كفل يتيما له ذو قرابة أو لا قرابة له فأنا وهو في الجنة كهاتين وضم أصبعيه\" يعني السبابة والوسطي والمراد به أنه معه في الجنة وبحضرته غير أن كلّ واحد منهما على درجته فيها إذ لا يبلغ درجة الأنبياء غيرهم ولا يبلغ درجة نبينا - ﷺ - أحد من الأنبياء ﵈، وإلى هذا المعنى الإشارة بإصبعيه السبابة والوسطي فيفهم من اجتماعهما المعية في الجنة ومن تقارب إحداهما من الأخرى اختصاص كلّ واحد منهما بمنزلة ودرجة وقد نص على هذا المعنى النبي - ﷺ - بقوله: \"المرء مع من أحب وله ما اكتسب\" قاله أبو العبَّاس القرطبي (^١).\n\n٣٨٣٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من عَال ثَلَاَثة من الْأيْتَام كانَ كمن قَامَ ليله وَصَامَ نَهَاره وَغدا وَرَاح شاهرا سَيْفه فِي سَبِيل اللّه وَكنت أَنا وَهُوَ فِي الْجنَّة أَخَوينِ كَمَا أَن هَاتين أختَان وألصق أصبعيه السبابَة وَالْوُسْطَى رَوَاهُ ابْن مَاجَة (^٢).\nقوله: \"ومن سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة وكان له كأجر المجاهد في سبيل اللّه\" تقدم الكلام على البنات في بابه.\n_________\n= وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٤٢) وضعيف الترغيب (١٢٢٤) و(١٥٥٤).\n(^١) المفهم (٢١/ ١٤٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٣٦٨٠). قال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٠٤: هذا إسناد ضعيف إسماعيل بن إبراهيم مجهول والراوي عنه ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٦٩٣)، وضعيف الترغيب (١٥٠٥).","vol":"10","page":550},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من عال ثلاثة من الأيتام\" تقدم الكلام على \"من عال ثلاثة من البنات\" في كتاب النكاح.\n\n٣٨٣٥ - وَعنهُ - ﵁ - أَيْضًا أَن نَبِي اللّه - ﷺ - قَالَ من قبض يَتِيما من بَين مُسلمين إِلَى طَعَامه وَشَرَابه أدخلهُ اللّه الْجنَّة أَلْبَتَّة إِلَّا أَن يعْمل ذَنبا لَا يغْفر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nقوله: وعنه - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من قبض يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه\" الحديث، قبض يتيما معناه ضمه.\nقوله: \"أدخله اللّه الجنة ألبتة إلا أن يعمل ذنبا لا يغفر\" أي: وهو الشرك ومظالم المخلوقات.\n\n٣٨٣٦ - وَعَن عَمْرو بن مَالك الْقشيرِي - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول وَمن ضم يَتِيما من بَين أبوين مُسلمين إِلَى طَعَامه وَشَرَابه وَجَبت لَهُ الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد مُحْتَج بهم إِلَّا عَليّ بن زيد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٦١٥)، والترمذى (١٩١٧)، وأبو يعلى (٢٤٥٧). وقال الترمذي: وحنش هو حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي، وسليمان التيمي يقول: حنش وهو ضعيف عند أهل الحديث. قلت فيتبين أن قول المنذري وقال الترمذي ... إلخ وهم.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٤٥)، وضعيف الترغيب (١٥٠٦).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٥٦)، وأحمد ٤/ ٣٤٤ (١٩٠٣٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (١٤٧٨ و١٤٧٩)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٣٠٠ (٦٦٩ و٦٧٠) والمكارم (١٠٨)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٣٨٨ رقم ١٠٥٢٠). قلت وقع عند =","vol":"10","page":551},{"text":"قوله: وعن عمرو بن مالك القشيري - ﵁ -: [هو مالك بْن عَمْرو القشيري. وقيل: الكلابي. وقيل: العقيلي، وقيل: الأنصاري، مختلف فِيهِ، فقيل: ما لك بْن عَمْرو. وقيل: عَمْرو بْن مالك، وقيل: أَبِي بْن مالك، وقيل: مالك بْن الحارث وقال البخاري هو أبي بن مالك العامرى (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"ومن ضم يتيما من بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه\" تقدم معناه في الحديث قبله.\n\n٣٨٣٧ - وَعَن زُرَارَة بن أبي أوفى عَن رجل من قومه يُقَال لَهُ مَالك أَو ابْن مَالك سمع النَّبِيّ - ﷺ - يَقُول من ضم يَتِيما بَين مُسلمين فِي طَعَامه وَشَرَابه حَتَّى يَسْتَغْنِي عَنهُ وَجَبت لَهُ الْجنَّة أَلْبَتَّة وَمن أدْرك وَالِديهِ أَو أَحدهمَا ثمَّ لم يَبرهُمَا دخل النَّار فَأَبْعَده اللّه وَأَيّمَا مُسلم أعتق رَقَبَة مسلمة كَانَت فكاكه من النَّار رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَأحمد مُخْتَصرا بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n_________\n= الطبراني اختلاف في اسم الصحابي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦١: رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن زيد وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٠٧).\n(^١) التاريخ الكبير (٢/ ٤٠)، وأسد الغابة (٥/ ٣٤ ترجمة ٤٦٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٥٦)، والطيالسى (١٤١٩) ومن طريقه البيهقى في الشعب (١٠/ ٢٨٦ - ٢٨٧ رقم ٧٥٠٢)، وأحمد ٤/ ٣٤٤ (١٩٠٢٥) و(١٩٠٢٦) و(١٩٠٣٠) و٥/ ٢٩ (٢٠٣٣٠) و(٢٠٣٣١)، وابن أبي الدنيا في النفقة (٦٠٥)، وأبو يعلى (٩٢٦)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٥١٩)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٣٠٠ (٦٦٨ و٦٦٩ و٦٧٠) ومكارم الأخلاق (١٥٨). قال الطوسي: هذا حديث حسن. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٣: رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن زيد، وحديثه حسن، وقد ضعف =","vol":"10","page":552},{"text":"قوله: وعن زرارة بن أبي أوفى [هو زرارة بن أوفى العامري الحرشي، أبو حاجب البصري قاضي البصرة روى له الجماعة ثقة عابد].\nقوله - ﷺ -: \"من ضم يتيما\" تقدم معناه.\nوقوله: \"وجبت له الجنة ألبتة\" البت القطع.\n\n٣٨٣٨ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ مَا قعد يَتِيم مَعَ قوم على قصعتهم فَيقرب قصعتهم شَيْطَان حَدِيث غَرِيب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والأصبهاني كِلَاهُمَا من رِوَايَة الْحسن بن وَاصل وَكَانَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن ﵀ يَقُول هُوَ حَدِيث حسن وَرَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ أَيْضًا من حَدِيث أبي مُوسَى (^١).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم شيطان\" الحديث، القصعة تقدم الكلام عليها في كتاب الطعام.\n_________\n= وقال في ٨/ ١٦١: رواه أبو يعلى والسياق له، وأحمد باختصار، والطبراني، وهو حسن الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٩٥) و(٢٥٤٣).\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٦٢٤)، والحارث (٩٠٧)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٦٣ - ١٦٤ رقم ٧١٦٥)، وابن عدى في الكامل (٣/ ٤٦١)، والخطيب في موضح أوهام الجمع (١/ ٥٤٩) والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٠١٨). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد تفرد به يزيد بن هارون. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحسن بن واصل، وهو الحسن بن دينار، وهو ضعيف لسوء حفظه، وهو حديث حسن، واللّه أعلم. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٣٧٣) وضعيف الترغيب (١٥٠٨).","vol":"10","page":553},{"text":"٣٨٣٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن أحب الْبيُوت إِلَى اللّه بَيت فِيهِ يَتِيم مكرم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ والأصبهاني (^١).\n\n٣٨٤٠ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ خير بَيت فِي الْمُسلمين بَيت فِيهِ يَتِيم يحسن إِلَيْهِ وَشر بَيت فِي الْمُسلمين بَيت فِيهِ يَتِيم يساء إِلَيْهِ رَوَاهُ ابْن مَاجَة (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nوقوله - ﷺ -: \"خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه\" الحديث، يحسن إليه أي: بالإنفاق والتأديب والعلم.\n\n٣٨٤١ - وَرُوِيَ عَن عَوْف بن مَالك الأشْجَعِيّ - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ أَنا وَامْرَأَة سفعاء الْخَدين كهاتين يَوْم الْقِيَامَة وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ يزِيد بن زُرَيْع الْوُسْطَى\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٩٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٨٨ رقم ١٣٤٣٤)، والمخلص في المخلصيات (٢٩٨١) عن ابن عمر. وأخرجه ابن أبي الدنيا في العيال (٦٠٨) والخرائطى في مكارم الأخلاق (٦٦٠) وابن عدي في الكامل (١/ ٣٤١)، وابن مردويه في الأمالي (٢٧)، والخليلي في الإرشاد (١/ ٤٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٣٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٤٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٠٠) عن عمر. قال ابن أبي حاتم في العلل (٢٠٢١): قال أبي: هذا حديث منكر. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٠: رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وقد كان ممن يخطئ. وقال الألباني في \"الضعيفة\" (١٦٣٦) وضعيف الترغيب (١٥٠٩): ضعيف جدًّا.\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٥٤) وعنه المروزى في البر والصلة (٢٠٨) ومن طريقه عبد بن حميد (١٤٦٧)، والبخارى في الأدب المفرد (١٣٧)، وابن ماجة (٣٦٧٩)، وابن أبي الدنيا في النفقة على العيال (٦٠٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٩٩ رقم ٤٧٨٥)، والبغوى (٣٤٥٥). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٣٧) وضعيف الترغيب (١٥١٠).","vol":"10","page":554},{"text":"والسبابة امْرَأَة آمت زَوجهَا ذَات منصب وجمال حبست نَفسهَا على يتاماها حَتَّى بانوا أَو مَاتُوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد السفعاء بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء بعدهمَا عين مُهْملَة ممدودا قَالَ الْحَافِظ هِيَ الَّتِي تغير لَوْنهَا إِلَى الكمودة والسواد من طول الأيمة يُرِيد بذلك أنَّهَا حبست نَفسهَا على أَوْلادهَا وَلم تتَزَوَّج فتحتاج إِلَى الزِّينَة والتصنع للزَّوْج وآمت الْمَرْأَة بِمد الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم إِذا صَارَت أَيّمَا وَهِي من لا زوج لهَا بكرا كانَت أَو ثَيِّبًا تزوجت أَو لم تتَزَوَّج بعد وَالْمرَاد هُنَا من مَاتَ زَوجهَا وَتركهَا أَيّمَا (^١).\nقوله: وروي عن عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ -[هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حمَّاد، ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعى الغطفانى. أول مشاهده مع النبي - ﷺ - خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه راية أشجع، نزل الشام، وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق. روى له عن رسول اللّه - ﷺ - سبعة وستون حديثًا، روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة، روى عنه أبو أيوب الأنصاري، والمقدام بن معدى كرب، وأبو هريرة. وروى عنه من التابعين جماعات منهم أبو مسلم، وأبو إدريس الخولانيان، وجبير بن نفير، ومسلم بن قرضة،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٢٩ (٢٤٠٠٦)، والبخارى في الأدب المفرد (١٤١)، وأبو داود (٥١٤٩)، وابن أبي الدنيا في العيال (٨٦)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٦٣٥)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٥٦ (١٣٠)، والبيهقى في الشعب (١١/ ١٤٥ - ١٤٦ رقم ٨٣١٢ و٨٣١٣).\nوضعفه الألباني في الضعيفة (١١٢٢) وضعيف الترغيب (١٥١١).","vol":"10","page":555},{"text":"وشداد أبو عمار، وراشد بن سعد، ويزيد بن الأصم، وسليم بن عامر، وسالم أبو النضر، وأبو بردة بن أبي موسى، وشرح بن عبيدة، وضمرة بن حبيب، وكثير بن مرة، وخلق سواهم، واتفقوا على أنه توفى بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان (^١)].\nقوله: أن رسول اللّه - ﷺ - قال \"أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة\" السفعاء، قال الحافظ ﵀ نقلًا عن الخطابي (^٢): هي التي تغير لونها إلى الكمودة والسواد من طول الأيمة يريد بذلك انها حبست نفسها على أولادها ولم تتزوج فتحتاج إلى الزينة والتصنع للزوج أ. هـ.\nوقال غيره: السفع اسوداد في الوجه ومنه هذا الحديث \"سفعاء الخدين\" وأراد بذلك القائمة على اليتيم فقيامها عله يؤدي إلى هزالها حتى ينتهي إلى سمرة في الخدين لكثرة الضعف واللّه أعلم (^٣).\nقوله: \"امرأة آمت زوجها ذات منصب وجمال\" الحديث، آمت بمد الهمزة وتخفيف الميم إذا صارت أيما وهي من لا زوج لها والمراد هنا من مات زوجها وتركها أيما أ. هـ، قاله المنذري.\nقوله: \"ذات منصب وجمال\" المراد بالمنصب الأصل والحسب.\nقوله: \"حتى بانوا أو ماتوا\" بانوا بلغوا وفارقوا ويروي\"حتى بادوا\" أي: هلكوا.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٤٠ ترجمة ٤٧٢).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ١٥١).\n(^٣) الميسر (٣/ ١٠٧٥).","vol":"10","page":556},{"text":"٣٨٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَنا أول من يفتح بَاب الْجنَّة إِلَّا أَنِّي أرى امْرَأَة تبادرني فَأَقُول لَهَا مَا لَك وَمن أَنْت فَتَقول أَنا امْرَأَة قعدت على أَيْتَام لي رَوَاهُ أَبُو يعلى وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ اللّه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أني أرى امرأة تبادرني فأقول لها ما لك ومن أنت\" الحديث، المبادرة المسابقة فهو - ﷺ - أول من يفتح باب الجنة، وسيأتي أحاديث في صفة الجنة فيها ذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى.\n\n٣٨٤٣ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من مسح على رَأس يَتِيم لم يمسحه إِلَّا للّه كَانَ لَهُ فِي كلّ شَعْرَة مرت عَلَيْهَا يَده حَسَنَات وَمن أحسن إِلَى يتيمة أَو يَتِيم عِنْده كنت أَنا وَهُوَ فِي الْجنَّة كهاتين وَفرق بَين أصبعيه السبابَة وَالْوُسْطَى رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق عبيد اللّه بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَنهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٦٦٥١).\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٢: رواه أبو يعلى، وفيه عبد السَّلام بن عجلان، وثقه أبو حاتم وابن حبان، وقال: يخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات.\nوقال البوصيرى في الإتحاف ٥/ ٤٨٨: رواه أبو يعلى بسند ضعيف؛ لضعف عبد السَّلام بن عجلان.\nوقال الحافظ في الفتح (١٠/ ٤٣٦): رواته لا بأس بهم.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٧٤) وضعيف الترغيب (١٥١٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٠ (٢٢١٥٣) و٥/ ٢٦٥ (٢٢٢٨٤) والزهد (١١٣)، وابن أبي الدنيا في العيال (٦٠٩)، وابن خلاد في جزئه (٣٧)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٨٥ رقم =","vol":"10","page":557},{"text":"قوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من مسح على رأس يتيم لم يمسحه إلا للّه كان له في كلّ شعرة مرت عليها يده حسنات\" الحديث، أي مسح رأس اليتيم تلطفا وشفقة أو مسح رأسه بالدهن إصلاحا لشعره لأن التدهين مطلوب عندهم (^١).\nتنبيه: قال صاحب المغيث في تفسير غريب القرآن والحديث في حديث ابن عباس (^٢): إذا كان الغلام يتيما فامسحوا رأسه من أعلاه إلى مقدمه فإن كان له أب فامسحوا من مقدمه إلى قفاه قال أبو موسى: هكذا وجدته مكتوبا\n_________\n= ٣١٦٦) والكبير (٨/ ٢٠٢ - ٧٨٢١) و(٨/ ٢٣٨ رقم ٧٩٢٩) وفي مكارم الأخلاق (ح ١٠٦)]، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٨ - ١٧٩)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٣٩١ رقم ١٠٥٢٥)، والبغوى (٣٤٥٦). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٠: رواه أحمد والطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥١٣).\n(^١) المفاتيح (٥/ ٢٢٣) وشرح المصابيح (٥/ ٣٠٢).\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٢٠٧)، والنهاية (٤/ ٣٢٨). قلت: أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٦٩ - ٧٠ رقم ١٢٧٩) بلفظ: \"إذا كان الغلام يتيما فامسحوا رأسه هكذا إلى قدام، وإذا كان له أب فامسحوا برأسه هكذا إلى خلف من مقدمه\". وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سليمان إلا صالح، تفرد به: محمد بن صدران. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٣: وفيه محمد بن سليمان، وقد ذكروا هذا من مناكير حديثه.\nوأخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٩١٣) عن ابن عباس بلفظ: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"اليتيم يمسح رأسه هكذا، ووصف صالح أنه وضع كفه وسط رأسه، ثم أحدرها إلى مقدمه أو إلى جبهته، ومن كان له أب هكذا، ووصف أنه وضع كفه على مقدم رأسه مما يلي جبهته، ثم أصعدها إلى وسط رأسه\". قال البزار: لا نعلمه يروى عن رسول اللّه - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، ولم يشارك أحد محمد بن سليمان فيه، وكان أمير البصرة. وهذا إنما كتبناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه.","vol":"10","page":558},{"text":"ولا أعرف الحديث ولا معناه.\nفائدة: قال القرطبي وغيره (^١): اليتم في الناس من قبل فقد الأب وفي غيره من جهة فقد الأم، أ. هـ، ثم هذا الاسم يلزمه إلى البلوغ ثم لا يتم بعد احتلام والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (^٢) الآية، وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ (^٣) الآية، وأما قوله تعالى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٤) فإنما ذلك للزوم الاسم إياهم قبل البلوغ أي الذين كانوا يتامي، أ. هـ.\nوقال بعضهم أيضًا: واليتيم واليتيمة والأيتام واليتامى وما تصرف منه اليتم في الناس فقد الصبي أباه قبل البلوغ وفي الدواب فقد الأم وإذا بلغا زال عنهما اسم اليتم حقيقة وقد يطلق عليهما مجازا فعد البلوغ فإذا تزوجا ذهب عنهما كما كانوا يسمون النبي - ﷺ - وهو كبير يتيم لأبي طالب لأنه رباه بعد موت أبيه ومنه الحديث: \"تستأمر اليتيمة في نفسها فإذا سكتت فهو إذنها\" (^٥) أراد\n_________\n(^١) انظر تفسير القرطبي (٢/ ١٤) و(١١/ ٣٨) والمفهم (١٩/ ١٢٤).\n(^٢) سورة الضحى، الآية: ٩.\n(^٣) سورة الماعون، الآية: ١ - ٢.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٢.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٢٩٧)، وأحمد ٢/ ٢٥٩ (٧٥٢٧) و٢/ ٤٧٥ (١٠١٤٦)، وأبو داود (٢٠٩٣) و(٢٠٩٤)، والترمذي (١١٠٩)، والنسائي ٥/ ٤٦٨ (٣٢٩٥)، وأبو يعلى (٧٣٢٨)، وابن حبان (٤٠٧٩) و(٤٠٨٦). وقال الألباني: حسن، الإرواء (١٨٢٨ و١٨٣٤).","vol":"10","page":559},{"text":"باليتيمة بالبكر البالغة التي مات أبوها قل بلوغها فلزمها اسم اليتم فدعيت به وهي بالغة مجازا وقيل لا يزول عنها اسم اليتم ما لم يتزوج (^١)، أ. هـ.\n\n٣٨٤٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ أَتَى النَّبِي - ﷺ - رجل يشكو قسوة قلبه قَالَ أَتُحِبُّ أَن يلين قَلْبك وتدرك حَاجَتك ارْحَمْ الْيَتِيم وامسح رَأسه وأطعمه من طَعَامك يلن قَلْبك وتدرك حَاجَتك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة بَقِيَّة وَفِيه راو لم يسم أَيْضًا (^٢).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ -: تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: أتى رجل النبي - ﷺ - يشكوا قسوة قلبه فقال: \"ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك\" تقدم معناه.\n\n٣٨٤٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رجلًا شكا إِلَى رَسُول الله - ﷺ - قسوة قلبه فَقَالَ امسح رَأس الْيتِيم وَأطْعم الْمِسْكِين رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٣).\n\n٣٨٤٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضًا - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لا يعذب اللّه يَوْم الْقِيَامَة من رحم الْيَتِيم ولان لَهُ فِي الْكَلَام ورحم\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٢٩٢).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن الطبراني (١/ ٢١٤ - ٢١٥).\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٠: رواه الطبراني وفي إسناده من لم يسم، وبقية: مدلس.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٤٤).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٧ (٩٠١٨)، والطبراني في مكارم الأخلاق (١٠٧).\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٤٥) والصحيحة (٨٥٤).","vol":"10","page":560},{"text":"يتمه وَضَعفه وَلم يَتَطَاوَل على جَاره بِفضل مَا آتَاهُ اللّه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا عبد اللّه بن عَامر وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بالمتروك (^١).\n\n٣٨٤٧ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إيَّاكُمْ وبكاء الْيَتِيم فَإِنَّهُ يسري فِي اللَّيْل وَالنَّاس نيام رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (^٢).\n\n٣٨٤٨ - وَعَن أنس - ﵁ - رَفعه إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - أَن رجلًا قَالَ ليعقوب - ﵇ - مَا الَّذِي أذهب بَصرك وحنى ظهرك قَالَ أما الَّذِي أذهب بَصرِي فالبكاء على يُوسُف وَأما الَّذِي حَنى ظَهْري فالحزن على أَخِيه بنيامين فَأَتَاهُ جِبْرِيل - ﵇ - فَقَالَ أتشكو اللّه ﷿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى اللّه قَالَ جِبْرِيل - ﵇ - اللّه أعلم بِمَا قلت مِنْك قَالَ ثمَّ انْطلق جِبْرِيل - ﵇ - وَدخل يَعْقُوب - ﵇ - بَيته فَقَالَ أَي رب أما ترحم الشَّيْخ الْكَبِير أذهبت بَصرِي وحنيت ظَهْري فاردد عَليّ ريحانتي فأشمهما شمة وَاحِدَة ثمَّ اصْنَع بِي بعد مَا شِئْت فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ يَا يَعْقُوب إِن اللّه ﷿ يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول أبشر فَإِنَّهُمَا لَو كَانَا ميتين لنشرتهما لَك لأقر بهما عَيْنك وَيَقُول لَك يَا يَعْقُوب أَتَدْرِي لم أذهبت\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق (١٠٥) والأوسط (٨/ ٣٤٦ رقم ٨٨٢٨). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا عبد اللّه بن عامر، تفرد به: خالد بن نزار.\nوقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١١٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد اللّه بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالمتروك، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٣٤) و(١٥١٤).\n(^٢) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٥٣٠). وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٣٢٨٤) وضعيف الترغيب (١٥١٥).","vol":"10","page":561},{"text":"بَصرك وحنيت ظهرك وَلم فعل إخْوَة يُوسُف بِيُوسُف مَا فَعَلُوهُ قَالَ لا قَالَ إِنَّه أَتَاك يَتِيم مِسْكين وَهُوَ صَائِم جَائِع وذبحت أَنْت وَأهْلك شَاة فأكلتموها وَلم تطعموه وَيَقُول إِنِّي لم أحب شَيْئا من خلقي حبي الْيَتَامَى وَالْمَسَاكين فَاصْنَعْ طَعَاما وادع الْمَسَاكين قَالَ أنس قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - فَكَانَ يَعْقُوب كلما أَمْسَى نَادَى مناديه من كَانَ صَائِما فليحضر طَعَام يَعْقُوب وَإِذا أصبح نَادَى مناديه من كَانَ مُفطرا فليفطر على طَعَام يَعْقُوب رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ الْحَاكِم كَذَا فِي سَماع حَفْص بن عمر بن الزبير وأظن الزبير وهم وَأَنه حَفْص بن عمر بن عبد اللّه بن أبي طَلْحَة فَإِن كَانَ كَذَلِك فَالْحَدِيث صَحِيح وَقد أخرجه إِسْحَاق بن رَاهَويه فِي تَفْسِيره قَالَ أَنبأَنَا عَمْرو بن مُحَمَّد حَدثنَا زَافِر بن سُلَيْمَان عَن يحيى بن عبد الْملك عَن أنس عَن النَّبِيّ - ﷺ - نَحوه (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: رفعه، تقدم الكلام على ترجمة أنس وعلى الحديث المرفوع.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عمر كما في إتحاف الخيرة (٧/ ١٤٠ رقم ٦٥٢٢)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (١٥٤) والفرج (٤٣)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٧٠ - ١٧١ رقم ٦١٠٥) والصغير (٢/ ١٠٣ رقم ٨٥٧)، والحاكم (٢/ ٣٤٨)، والبيهقى في الشعب (٥/ ٨٥ - ٨٦ رقم ٣١٣١). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن النبي - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، تفرد به وهب بن بقية. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٤٠: رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري وهو ضعيف جدًّا. وقال الألباني: ضعيف جدًّا ضعيف الترغيب (١٥١٦) و(١٨٥٩).","vol":"10","page":562},{"text":"قوله: أن رجلًا قال ليعقوب - ﵇ - ما الذي أذهب بصرك وحنى ظهرك؟ الحديث، هو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - ﵇ - وتوفي بمصر وله من العمر مائة سنة وسبع وأربعون سنة وحمله يوسف - ﵇ - ودفنه عند قبر أبيه إسحاق ولم تزل النبوءة والملك متصلين بالشام ونواحيها في ولد إسرائيل بن إسحاق إلى أن أزال الملك عنهم بخت نصر الفارسي ثم الروم من بعده وكان آخر نبيا بني إسرائيل يحيى وزكريا ﵈ (^١).\nوقوله: \"حنى ظهرك\" الحديث حنى الظهر هو تقويسه.\nقوله: \"أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف\" الحديث.\nفائدة: عن الحسن أنه بكى على ولده أو غيره، فقيل له في ذلك فقال ما رأيت اللّه جعل الحزن عارًا على يعقوب (^٢).\nقيل: ما جفت عينا يعقوب - ﵇ - من وقت فراق يوسف - ﵇ - إلى حين لقائه ثمانين عاما وما على وجه الأرض أكرم على اللّه من يعقوب - ﵇ - (^٣).\nسؤال: إن قيل كم ينقسم البكاء؟ قيل: البكاء على ثلاثة أوجه من اللّه وعلى اللّه وإلى اللّه فالبكاء من اللّه هو من توبيخه وتهديده والبكاء إليه من شوقه ومحبته والبكاء عليه من خوف الفراق ويقال البكاء على عشرة وجوه: بكاء الحياء لآدم ثم بكاء الذنوب لداود وبكاء الحزن ليحيى وبكاء الوحشة\n_________\n(^١) كنز الدرر (٢/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(^٢) الكشاف (٢/ ٤٩٨).\n(^٣) الكشاف (٢/ ٤٩٧).","vol":"10","page":563},{"text":"ليعقوب - ﵇ - وبكاء الشوق لعشيب بكى حتى ذهب بصره مرتين وبكاء الحزن للصحابة - ﵃ - لقوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ (^١) ولقوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (^٢) الآية، وبكاء الخشة: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (^٣)، وبكاء الإجلال قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (^٤) والبكاء على الأموات، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (^٥).\nسؤال: فإن قيل: ما الحكمة في أن اللّه تعالى فرق بين يوسف وأبيه؟ الجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه فرقه منه لميله إليه ومحبته له، والمحنة تورث المحبة، والثاني: قيل: لم يرض اللّه منه اختيار بعض ولده على بعض فلما لم يعدل في التسوية بينهم فرقه منه، وقد روى إنما وقعت له [المصيبة] لأنه أراد أن يبيع جارية لها ولد ففرق اللّه بينه وبين ولده جزاء لذلك، وقيل: لأنه استطعمه فقير فلم يطعمه فانصرف حزينا فابتلاه اللّه تعالى جهذه الأحزان ويقال: لأن يعقوب استعان بغير اللّه وسلم يوسف إلى غير اللّه فأورثه ما أورثه ويقال إنه ذبح جزيا بين يدي أمه فلم يرض اللّه ذلك منه وأراه دما بدم وفرقه بفرقة وحرقة بحرقة، الثالث: أنه كان يصلي ذات ليلة ويوسف كان بين يديه قائما فالتفت إليه في\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.\n(^٤) سورة مريم، الآية: ٥٨.\n(^٥) كشف الأسرار عما خفى من الأفكار (لوحة رقم ٣٦).","vol":"10","page":564},{"text":"الصلاة ثم كرر الالتفات إليه محبته له فقال اللّه تعالى: \"ملائكتي صفيي وابن خليلي قائم بين يدي فالتفت إلى غيري فوعزتي لآخذن منه فأنظر إليه ولآخذن منه العينين اللتين نظر بهما إليه\"؛ الرابع: أن كلّ من يدعي محبة ثم يحب سواه أنه يبتليه به ألا ترى أنَّ آدم - ﵇ - كان في بسام المحبة ونظر إلى الجنة فأخرجه منها وكذلك قال نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (^١) فحال بينهما وإبراهيم اتخذه خليلًا فنظر إلى ابنه فأمره بذبحه، والمصطفى - ﷺ - لما سئل: من تحب: قال: \"عائشة\" فابتلي بالغيرة حتى قيل ما قيل إلى أن برأها اللّه تعالى مما فريت به، فكذلك يعقوب لما كان صادقا في الدعوى في المحبة ثم التفت إلى ابنه فرق اللّه تعالى بينهما وابتلاه به، ذكره النعيمي.\nسؤال آخر: ما الحكمة في ميل يعقوب إلى يوسف من دون إخوته؟ قيل: قال بعضهم: لأنه كان يتيما من الأم فترحم عليه، وقيل: لأن اللّه تعالى أراد بابتلاءه فحببه إليه في قلبه ثم غيبه عن عينه ليكون البلاء أشد عليه لأنه لا كي أشد من كي الولد، ألا ترى أن نوحًا - ﵇ - دعا على الكفار فأغرقهم اللّه تعالى فلم يحترق قلبه فلما بلغ الغرق إلى ابنه صاح وقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (^٢) ويقال مال إليه لحسن صورته ويقال: لأن اللّه تعالى أراد ابتلاء يوسف، وفي الخبر أن الملك قال ليوسف إني أحبك فقال: لا تحبني فإن والدي أحبني فوقعت في العبودية بسببه وزليخا أحبتني فوقعت في السجن ومن أحبني يصيبني منه محنة.\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ١٥.\n(^٢) سورة هود، الآية: ١٥.","vol":"10","page":565},{"text":"سؤال: لم ابتلي يوسف بالعبودية والسجن قيل ليرحم المماليك والمسجونين إذا صار ملكا كما ابتلاه بجفاء الأقارب والحساد ليعتاد الاحتمال من القريب والبعيد، وابتلاه بالغربة ليرحم الغرباء، أ. هـ.\nسؤال آخر: كم لبث يوسف في السجن؟ قيل: اثنتي عشرة سنة بعدد حروف: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (^١)، روي أن النبي - ﷺ - قال: \"لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن طول ما لبث\" وقال النبي - ﷺ -: \"رحم اللّه يوسف هلا قال العافية أحب إليّ\" (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"وأما الذي حنى ظهري فالحزن على أخيه بنيامين\" [...] (^٣).\nقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٤) الحديث.\nسؤال: لم قال يعقوب: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (^٥) ثم قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (^٦) وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٧) قيل: شكاية من النفس إلى الخالق وهو جائز، ألا تَرى أن أيوب قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (^٨) وقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (^٩) لأنه شكى منه إليه.\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٤٢.\n(^٢) المصدر السابق (لوحة ٢٧ و٢٨ و٢٩).\n(^٣) بياض بالأصل.\n(^٤) سورة يوسف، الآية: ٨٦.\n(^٥) سورة يوسف، الآية: ١٨.\n(^٦) سورة يوسف، الآية: ٨٤.\n(^٧) سورة يوسف، الآية: ٨٦.\n(^٨) سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.\n(^٩) سورة ص، الآية: ٤٤.","vol":"10","page":566},{"text":"قوله في الحديث: \"فقال: أي رب أما ترحم الشيخ الكبير، أذهبت بصري وحنيت ظهري\" الحديث.\nفائدة: إن العميان من الأنبياء إسحاق ويعقوب وشعيب، ومن الأشراف عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وزهرة بن كلاب ومطعم بن عدي، ومن الصحابة سواء كان أعمى في عهده أو حدّث به بعد وفاته ﵊: البراء بن عازب وجابر بن عبد اللّه وحسنا بن ثابت والحكم بن أبي العاصي وسعد بن أبي وقَّاص وسعيد بن يربوع وصخر بن حرب أبو سفيان والعباس بن عبد المطلب وعبد اللّه بن الأرقم وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن عمير وعبد اللّه بن أبي أوفي وعتبان بن مالك وعتبة بن مسعود الهذلي وعثمان بن عامر أبو قحافة وعقيل بن أبي طالب وعمرو بن أم مكتوم وقتادة بن النعمان (^١)، هذا ما جاء في حديث أن عينيه أصيبتا وهذا قد لا يعد لأنه ﵊ ردهما ومثله حبيب بن فديك أنه ﵊ دعا له وهو أعمى [مبيضة] عيناه فأبصر وكان يدخل الخيط في الإبرة مختلف في حديثه، وسبب ما جرى لعينيه قال له - ﵇ -: كنت أمرن حملا لي فوقعت [رجلي على بيض] حية فأصيب بصري فنفث رسول اللّه - ﷺ - في عينيه فأبصر (^٢)، وكعب بن مالك وكعب بن ربيعة أبو أبو أسيد الساعدي ومخرمة بن نوفل وورقة على القول بأنه صحابي وهو\n_________\n(^١) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في المعرفة (٢١٨١)، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٣٢٢ ترجمة ٤٧٥).","vol":"10","page":567},{"text":"الظاهر واللّه أعلم (^١).\nفائدة أيضًا: مات يعقوب - ﵇ - بمصر عند يوسف - ﵇ - بعد دخولها بأربع وعشرين سنة، ونقل إلى بيت المقدس، ووافق ذلك اليوم موت عيصو، أخو يعقوب ودفنا في قبر واحد، وولد يعقوب وعيصو في بطن واحد في يوم واحد وكان عمرهما جميعا مائة وتسعا وأربعين سنة واللّه أعلم (^٢).\nقوله: \"فاردد علي ريحانتي فأشمهما شمة واحدة ثم اصنع بي بعد ما شئت\" الحديث، فالولد يسمي الريحان وفي الحديث أيضًا: الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة، قيل: يوجد منهما ريح الجنة والريحان ما يستراح إليه أيضًا وقيل سماهما بذلك لأن الولد يشم كما يشم الريحان، وفي الحديث لم يرح رائحة الجنة أي لم يشمه فالمراد بقوله \"فاردد علي ريحانتي\" أي في الدنيا وعنى بذلك يوسف وأخاه بنيامين كما في أول الحديث في قوله: \"ما الذي أذهب بصرك؟ قال: البكاء على يوسف، وأما الذي حنى ظهري فالحزن على أخيه بنيامين\".\nوقوله: \"أبشر فإنهما لو كانا ميتين لنشرتهما لك لأقر بهما عينك\" الحديث، النشر هو الإحياء بعد الموت قال اللّه تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (^٣) أي نحييها.\n_________\n(^١) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(^٢) تفسير القرطبي (٩/ ٢٦٨).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٩.","vol":"10","page":568},{"text":"قوله في آخر الحديث: \"فأتاه جبريل - ﵇ - فقال: إن اللّه ﷿ يقرئك السَّلام ويقول لك: يا يعقوب أتدري لم أذهبت بصرك وحنيت ظهرك ولم فعل إخوة يوسف بيوسف ما فعلوه؟ قال: لا، قال: إنه أتاك يتيم مسكين وهو صائم جائع وذبحت أنت وأهلك شاة فأكلتموها ولم تطعموه، إلى آخره، وقد ذكره القاضي في كتابه الشفا بنحوه (^١)، قال في حياة الحيوان: وهذا الكلام لا أعتقد له صحة وعجب من القاضي في ذكره، وإنما ذكرته لأنبه على أنه لا يعتقد صحته واللّه أعلم (^٢).\n\n٣٨٤٩ - وَعَن أبي هريرة - ﵁ -: عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ السَّاعِي على الأرملة والمسكين كالمجاهد فِي سَبِيل اللّه وَأَحْسبهُ قَالَ وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفْطر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَة إِلَّا أَنه قَالَ السَّاعِي على الأرملة والمسكين كالمجاهد فِي سَبِيل اللّه وكالذي يقوم اللَّيْل ويصوم النَّهَار (^٣).\nقوله: وعن [أنس بن مالك] أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللّه\" الحديث، المراد بالساعي الكاسب لهما العامل لمؤنتهما والأرملة من لا زوج لها سواء كانت تزوجت قبل ذلك أم لا، وقال بعضهم: الأرملة التي\n_________\n(^١) الشفا (ص ٢٠٦).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٣٧٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٣٥٣) و(٦٠٠٦) و(٦٠٠٧)، ومسلم (٤١ - ٢٩٨٢)، وابن ماجة (٢١٤٠)، والترمذى (١٩٦٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٧٥ (٢٥٩٦).","vol":"10","page":569},{"text":"مات زوجها غنية كانت أو فقيرة، والأرمل التي ماتت زوجته غنيا كان أو فقيرا، وقيل: الأرملة: هي التي فارقها زوجها، وقال ابن السكيت والأرامل المساكين من رجال ونساء، وقال ابن قتيبة: سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج يقال: أرمل الرجل إذا فنى زاده قاله النووي (^١).\nقوله: \"والمسكين\" والمسكين هو من المسكنة وهي الذلة والخضوع، أ. هـ. قوله: \"كالمجاهد في سبيل اللّه\" شبه الساعي على الأرملة بالمجاهد لأن القيام على المرأة بما يصلحها وبما يحفظها ويصونها لا يتصور الدوام عليه إلا مع الصبر العظيم ومجاهدة النفس والشيطان فإنهما يكسلانه عن ذلك ويثقلانه ويفسدان النيات في ذلك وربما يدعوان بسبب ذلك إلى السوء ويسؤان له ولذلك قل من يدوم على ذلك وأقل من ذلك من سلم منه فإذا حصل ذلك العمل حصلت منه فوائد كشف كرب الضعفاء وإبقاء رمقهم وسد خلتهم وصون حرمتهم (^٢).\nوقال ابن بطال: من عجز عن الجهاد في سبيل اللّه وعن قيام الليل وعن صيام النهار فليعمل بهذا الحديث وليسع على الأرامل والمساكين ليحشر يوم القيامة في جملة المجاهدين في سبيل اللّه دون أن يخطو من ذلك خطوة أو ينفق درهمًا أو يلقي عدوا يرتاع بلقائه أو ليحشر في زمرة الصالحين\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٢ - ١١٣).\n(^٢) المفهم (٢١/ ١٣٩).","vol":"10","page":570},{"text":"والقائمين وينال درجتهم وهي صيام نهاره وقيام ليله أيام حياته، فينبغي لكل مؤمن أن يحرص على هذه التجارة التي لا تبور ويسعى على أرملة أو مسكين لوجه اللّه تعايل فيربح في تجارته درجات المجاهدين والصائمين والقائمين من غير نصب ولا تعب ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء (^١)، أ. هـ، قاله في الديباجة فمعنى الحديث: فمن أعان على أرملة أو أحسن إليها يكون ثوابه كثواب الغازي في سبيل اللّه.\n\n٣٨٥٠ - وَرُوِيَ عَن الْمطلب بن عبد اللّه المَخْزُومِي قَالَ دخلت على أم سَلمَة - ﵂ - زوج النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَت يَا بني أَلا أحَدثك بِمَا سَمِعت من رَسُول اللّه - ﷺ - قلت بلَى يَا أمه قَالَت سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من أنْفق علي بنتين أَو أُخْتَيْنِ أَو ذواتي قرَابَة يحْتَسب النَّفَقَة عَلَيْهِمَا حَتَّى يغنيهما من فضل اللّه أَو يكفيهما كَانَتَا لَهُ سترا من النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَتقدم لهَذَا الحَدِيث نَظَائِر فِي النَّفَقَة على الْبَنَات (^٢).\nقوله: وروي عن المطلب بن عبد اللّه المخزومي [هو أبو الحكم المطلب بن عبد اللّه بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمرو بن مخزوم القريشي المخزومي المدني، قال ابن سعد: روى عن أبيه، وعمر بن الخطاب، وابن\n_________\n(^١) شرح الصحيح لابن بطال (٩/ ٢١٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢٩٣ (٢٦٥١٦)، والمروزي في زوائده على البر والصلة لابن المبارك (١٩٦) والبر والصلة (١٩٥)، وابن أبي الدنيا في العيال (١١٤)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٣٩٢ (٩٣٨)، وابن عدى (٣/ ٣٢٠). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٤٧).","vol":"10","page":571},{"text":"عمر، وابن عباس، وأنس، وأبى موسى الأشعري، وأبى هريرة، وأبى رافع، وعائشة، وأم سلمة. روى عنه ابنه عبد العزيز، ومحمد بن عباد بن جعفر، وابن جريج، والأوزاعي، قال ابن سعد: كان كثير الحديث، لا يحتج به، فإنه يرسل عن النبي - ﷺ - كثيرًا، وليس له لقي، وعامة أصحابه يدلسون. وقال ابن أبي حاتم: روى عن هؤلاء مرسلا، وعن جابر يشبه أن يكون أدركه، وعامة أحاديثه مرسلة. وقال يعقوب بن سفيان والدارقطنى: هو ثقة. وسئل أبو زرعة عنه، فقال: ثقة، قيل: أسمع عائشة؟ فقال: أرجوا أن يكون سمعها (^١)].\nقوله: دخلت على أم سلمة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ -، الحديث، قيل: اسمها رملة قال ابن الأثير (^٢): وليس بشيء كنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة وهي هند بنت أبي أمية، واسمه: حذيفة، ويقال: سهيل، ويقال: هشام بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم المخزومية، وأمها: عاتكة بنت عامر بن ربيعة كانت قبل رسول اللّه - ﷺ - عند أبي سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد، قال ابن سعد: هاجر بها أبو سلمة إلى أرض الحبشة في الهجرتين جميعا فولدت له هناك زينب بنت أم سلمة وولدت له بعد ذلك سلمة وعروة بني أبي سلمة، وروي ابن سعد عن عمر بن أبي سلمة قال: خرج أبي إلى أحد فرماه أبو أسامة سعد الحبشي في عضده بسهم فمكث شهرا يداوي جرحه ثم برأ الجرح مات أبو سلمة لثمان خلون من جمادي الآخرة سنة أربع من الهجرة فاعتدت هي لعشر ليال\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٨ ترجمة ٥٨١).\n(^٢) أسد الغابة (٧/ ٣٢٩ ترجمة ٧٤٧٢).","vol":"10","page":572},{"text":"بقين من شوال سنة أربع، وتزوجها رسول اللّه - ﷺ - في ليال بقين من شوال سنة أربع وتوفيت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وصلى عليها أبو هريرة بالبقيع وإن ابنها عمر قال: تزلت في قبر أم سلمة أنا وأخي سلمة وعبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي أمية وعبد اللّه بن وهب بن زمعة الأسدي، وكان لها يومئذ أربع وثمانون سنة وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة (^١)، أ. هـ.\nقوله: قلت: بلى يا أُمّه، فيها الوجهان (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من أنفق على ابنتين أو أختين أو ذواتي قرابة تحتسب النفقة عليهما حتى يغنيهما من فضل اللّه\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك في النفقة على البنات واللّه أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢ ترجمة ١١٩٦).\n(^٢) يجاب بكلمة بلى في حال الإثبات في النفي والاستفهام، وبكلمة نعم في حال النفي.","vol":"10","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>[الترهيب من أذى الجار وما جاء في تأكيد حقه]</span>\n٣٨٥١ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يؤذ جَاره وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرًا أَو لِيَسْكُت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n٣٨٥٢ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فليحسن إِلَى جَاره (^٢).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يؤذي جاره\" الحديث، هكذا وقع في الأصول، يؤذي: بالياء في آخره، قال النووي: وروينا في غير مسلم \"فلا يؤذ\" بحذفها، وهما صحيحان فحذفها للنهي وإثباتها على أنه خبر يراد به النهي فيكون أبلغ ليفهم أن هذا أقل المراتب وهو كف الأذى فإن دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة، فإن اجتمعا فهي الغاية، وهلذا جمع بينهما في هذا بقوله: \"فلا يؤذي جاره\" وفي الآخر بقوله: \"فليكرم\".\nوقوله: \"فليكرم\" نكرة في سياق الإثبات فلا تعم بل تصدق بمرة واحدة في كف الأذى فتكره في سياق النفي تعم جميع أنواع الأذى فليتفطن لهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٨٥) و(٦٠١٨) و(٦١٣٦) و(٦٤٧٥)، ومسلم (٧٥ - ٤٧)، وأبو داود (٥١٥٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٤ و٧٦ - ٤٧).","vol":"10","page":574},{"text":"الدقيقة فإنها من النفائس واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (^١) على قراءة من رفع، ومنه قوله: \"لا يبع أحدكم على بيع أخيه\" ونظائره كثيرة واللّه أعلم، فالإيذاء معصية ولا يلزم منها نفي الإيمان، قلت: إشارة إلى المبدأ والمعاد يعني إذا آمن باللّه الذي خلقه والذي يجازيه يوم القيامة بالخير والشر لا يؤذي جاره\" فإن قلت: الْأَمر بالإكرام للوجوب أم لا؟\nقلت: يختلف بحسب المقامات فربما يكون فرض عين أو فرض كفاية وأقله أنه من باب مكارم الأخلاق واللّه أعلم.\nقال القاضي عياض وغيره: معنى الحديث أن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وبره وكل ذلك تعريف بحق الجار وحث على حفظه وقد أوصى اللّه بالإحسان إليه في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (^٢) الآية، أ. هـ، وفي الحديث: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\" قال الراغب: والجار من يقرب مسكنه منك وهو من الأسماء المتضايفة فإن الجار لا يكون جارا لغيره إلا وذلك الخير جار له كالأخ والصديق ولما استعظم حق الجار عقلا وشرعا عبر عن كلّ من يعظم حقه أو يستعظم حق غيره بالجار قال اللّه تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أ. هـ.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٣٦.","vol":"10","page":575},{"text":"واعلم أن الزوجة أحق باسم الجار من كلّ أحد لملاصقته بالبدن فمعنى الجوار القرب ولهذا سمت العرب الزوجة جارة لقربها، وقد قال بعضهم في قوله - ﷺ -: \"أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة\" أنها الزوجة وفسر بعضهم الصاحب بالجنب بها فهي أحق بالإحسان من الجار الجنب، أ. هـ.\nفقوله: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليفعل كذا وكذا\" يدلّ على أن هذه الخصال المذكورة في الحديث من خصال الإيمان وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق اللّه تعالى كأداء الواجبات وترك المحرمات ومن ذلك قول الخير والصمت عن غيره وتارة يتعلق بحقوق عباده كإكرام الضيف وإكرام الجار أو الكف عن أذاه فهذه ثلاثة أشياء يؤمن بها المؤمن أحدها قول الخير والصمت عما سواه، الثاني: مما أمر به النبي - ﷺ - في هذا الحديث للمؤمنين إكرام الجار، وفي بعض الروايات النهي عن أذى الجار فأما أذى الجار فمحرم فإن الأذى بغير حق محرم لكل أحد ولكن في حق الجار هو أشد تحريما، وأما إكرام الجار والإحسان إليه فمأمور به كما تقدم.\nوقوله: \"ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه\" الحديث، قال القاضي عياض: معنى الحديث أن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام ضيفه وبره كما سبق في الجار والضيافة من آداب الإسلام وخلق النبيين والصالحين وسيأتي الكلام على الضيافة قريبا، واختلاف العُلماء فيها مبسوطا في بابه إن شاء اللّه تعالى.","vol":"10","page":576},{"text":"وقوله: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فيلقل خيرا أو ليسكت\" معناه إذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلمك به خيرا محققًا يثاب عله واجبا كان أو مندوبا فليتكلم وإن لم يظهر له أنه خير يتاب عليه فليمسك عن الكلام سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه مخافة من انجراره إلى الكلام المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا، واللّه أعلم.\n\n٣٨٥٣ - وَعَن الْمِقْدَاد بن الأسود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لأصْحَابه مَا تَقولُونَ فِي الزِّنَا قَالُوا حرَام حرمه اللّه وَرَسُوله فَهُوَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لِأن يَزْنِي الرجل بِعشر نسْوَة أيسر عَلَيْهِ من أَن يَزْنِي بِامْرَأَة جَاره قَالَ مَا تَقولُونَ فِي السّرقَة قَالُوا حرمهَا اللّه وَرَسُوله فَهِيَ حرَام قَالَ لِأن يسرق الرجل من عشرَة أَبْيَات أيسر عَلَيْهِ من أَن يسرق من جَاره رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).\nقوله: وعن المقداد بن الأسود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ - لأصحابه: \"ما تقولون في الزنا؟ \" قالوا: حرام حرمه اللّه ﷿ ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، الحرام تقدم في الزنا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٨ (٢٣٨٥٤)، والبخاري في الأدب المفرد (١٠٣)، وفي التاريخ الكبير ٨/ ٥٤، والبزار (٢١١٥)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٥٦ (٦٠٥)، وفي الأوسط (٦/ ٥٥٤ - ٢٥٢ رقم ٦٣٣٣)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ٩٩ - ١٠٠ رقم ٩١٠٥)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٨٨١). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٨: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٥) وصحيح الترغيب (٢٥٤٩).","vol":"10","page":577},{"text":"٣٨٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ وَاللّه لا يُؤمن وَاللّه لا يُؤمن وَاللّه لَا يُؤمن قيل من يَا رَسُول اللّه قَالَ الَّذِي لا يَأْمَن جَاره بوائقه رَوَاهُ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَزَاد أَحْمد قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَمَا بوائقه قَالَ شَره (^١).\n\n٣٨٥٥ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم لا يدْخل الْجنَّة من لا يُؤمن جَاره بوائقه (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن\" قيل: من يا رسول اللّه؟ قال: \"الذي لا يأمن جاره بوائقه\" الحديث، أي: غوائله وشروره جمع بائقه وهي الداهية يقال باقتهم بائقة بوقا أ. هـ، ومنه حديث المغيرة ينام عن الحقائق ويستيقظ للبوائق قاله ابن الأثير.\nوقوله في رواية لمسلم \"لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه\" وفي معنى: \"لا يدخل الجنة\" جوابان يجريان في كلّ ما أشبه أحدهما أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بالتحريم فهذا كافر لا فدخلها أصلا، والثاني: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم بل يؤخر ثم قد يجازي وقد يعفي عنه فيدخلها أولا وإنما تأولنا هذين التأويلين لأنه تقدم أن مذهب أهل الحق إن مات على التوحيد مما على\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٨٨ (٧٨٧٨) و٢/ ٣٣٦ (٨٤٣٢) و٢/ ٣٧٢ (٨٨٥٥) و٤/ ٣١ (١٦٣٧٢)، والبخارى (٦٠١٦) تعليقًا، والحاكم (١/ ١٠ و٤/ ١٦٥). وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٥٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٣ - ٤٦).","vol":"10","page":578},{"text":"الكبائر فهو إلى اللّه تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولا، وإن شاء عاقبه ثم أدخله الجنة واللّه أعلم قاله النووي في شرح مسلم.\n\n٣٨٥٦ - وَعَن أبي شُرَيْح الكعبي - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - وَاللّه لا يُؤمن وَاللّه لَا يُؤمن وَاللّه لَا يُؤمن قيل يَا رَسُول اللّه لقد خَابَ وخسر من هَذَا قَالَ من لَا يَأْمَن جَاره بوائقه قَالُوا وَمَا بوائقه قَالَ شَره رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: وعن أبي شريح الكعبي - ﵁ - اسمه [هو أبو شريح الخزاعي، وفي الآخرين: أبو شريح الكعبي، وهو واحد، يقال فيه: الكعبي، والخزاعي، والعدوى. واختلف في اسمه، فقيل: خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية، وفيل: اسمه عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: هانئ بن عمرو، وقيل: كعب.\nأسلم قبل فتح مكة، وكان يوم فتح مكة حاملا أحد ألوية بنى كعب. قال محمد بن سعد: توفي أبو شريح بالمدينة سنة ثمان وستين، ﵁. روى له عن رسول اللّه - ﷺ - عشرون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديث. روى عنه نافع بن جبير، وسعيد المقبرى (^٢)].\nقوله: \"واللّه لا يؤمن ثلاثًا، قيل: يا رسول اللّه، لقد خاب وخسر، من هو؟ قال: \"من لا يأمن جاره بوائقه\" جمع بوائقه، جمع بائقة وهي الغائلة، وأكثر ما يوسف بها الْأَمر الشديد، وتقدم تفسيرها أيضًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٣).","vol":"10","page":579},{"text":"٣٨٥٧ - وَعَن أنس - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسول اللّه - ﷺ - يَقُول مَا هُوَ بِمُؤْمِن من لم يَأْمَن جَاره بوائقه رَوَاهُ أَبُو يعلى من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق والأصبهاني أطول مِنْهُ وَلَفظه قَالَ رَسول اللّه - ﷺ - إِن الرجل لا يكون مُؤمنا حَتَّى يَأْمَن جَاره بوائقه يبيت حِين يبيت وَهُوَ آمن من شَره فَإن الْمُؤمن الَّذِي نَفسه مِنْهُ فِي غناء وَالنَّاس مِنْهُ فِي رَاحَة (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"وإن المؤمن الذي نفسه منه في غناء والناس منه في راحة\" الحديث، العناء بالمد التعب والنصب.\n\n٣٨٥٨ - وَعنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسول اللّه - ﷺ - وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لا يُؤمن عبد حَتَّى يحب لجاره أَو قَالَ لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ رَوَاه مسلم (^٢).\nقوله: وعنه - ﵁ -: تقدم الكلام على ترجمته. وأن كنيته أبو حمزة وهو بحاء مهملة وزاي معجمة وهي بقلة كنى بها، وأنس خدم النبي - ﷺ - عشر سنين فلذلك قيل خادم النبي - ﷺ -.\nقوله - ﷺ -: \"لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو قال لأخيه ما يحب لنفسه\" هكذا هو في مسلم \"لأخيه أو لجاره\" على الشك وكذلك هو على الشك في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٢٠ (٢٥٤٢٢)، وأبو يعلى (٤٢٥٢)، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٦٥، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٥٢). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٨: رواه أبو يعلى، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٥٢) من رواية ابن أبي شيبة وأبى يعلى. وضعفه في ضعيف الترغيب (١٥١٧) من رواية الأصبهاني.\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٢ - ٤٥)، وابن ماجة (٦٦).","vol":"10","page":580},{"text":"مسند عبد بن حميد وهي في البخاري وغيره \"لأخيه\" من غير شك، قال العُلماء: معناه: لا يؤمن الإيمان التام وإلا فالأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة، والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث: \"حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه\" (^١) أ. هـ.\nوأما معنى الحديث فمقصوده ائتلاف قلوب الناس وانتظام أحوالهم وهي قاعدة الإسلام الكبرى التي أوصى اللّه ﷿ بقوله ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ مهو (^٢) وبيان ذلك أنه إذا أحب كلّ واحد من الناس لباقيهم ما يحب لنفسه أحسن إليهم ولم يؤذهم لأنه هو يحب لنفسه أن يحسن إليه ولا يؤذي، وإذا أحسن إليهم ولم يؤذهم أحبوه فتسرى بذك المحبة بين الناس ويسريان المحبة بينهم يسري الخير ويرتفع الشر وبذلك ينتظم أمر المعاش والمعاد وتصلح أحوال العباد، أ. هـ، ذكره الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٣).\n\n٣٨٥٩ - وَرُوِيَ عَن كَعْب بن مَالك - ﵁ - قَالَ أَتَى النَّبِيّ - ﷺ - رجل فَقَالَ يَا رَسُول اللّه إِنِّي نزلت فِي محلّة بني فلَان وَإِن أَشَّدهم إِلَيَّ أَذَى أقربهم لي جوارا فَبعث رَسُول اللّه - ﷺ - أَبَا بكر وَعمر وعليا - ﵃ - يأْتونَ الْمَسْجِد فَيقومُونَ على\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٦).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٣.\n(^٣) التعيين (ص ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"10","page":581},{"text":"بَابه فيصيحون أَلا إِن أَرْبَعِينَ دَارا جَار وَلَا يدْخل الْجنَّة من خَافَ جَاره بوائقه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ البوائق جمع بائقة وَهِي الشَّرّ وغائلته كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم (^١).\nقوله: وروي عن كعب بن مالك - ﵁ -: تقدم.\nقوله: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال يا رسول اللّه إني نزلت في محلة بني فلان؛ المحلة بفتح الميم والحاء المهملة [المنزل الذي يحل به أي ينزل والجميع المحال].\nقوله: \"ألا إن أربعين دارا جار\" الحديث، قال الزهري: أربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا، يعني بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، قاله ابن رجب (^٢) وكذا قاله الطوفى (^٣) أربعون عن يمينه وأربعون عن شماله وأربعون عن خلفه وأربعون أمامه. أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"لا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه\" فيه التأويلان السابقان في أحاديث الباب.\n\n٣٨٦٠ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لا يَسْتَقِيم إِيمَان عبد حَتَّى يَسْتَقِيم قلبه وَلَا يَسْتَقِيم قلبه حَتَّى يَسْتَقِيم لِسَانه وَلَا يدْخل الْجنَّة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٧٣ رقم ١٤٣). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٩: رواه الطبراني، وفيه يوسف بن السفر، وهو متروك. وضعفه جدًّا الألباني في الضعيفة (٢٧٥) وضعيف الترغيب (١٥١٨).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٤٧).\n(^٣) كذا هو وإنما قاله أيضًا الطرطوشى كما في سراج الملوك (ص ٩٤).","vol":"10","page":582},{"text":"حَتَّى يَأْمَن جَاره بوائقه رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الصمت كِلَاهُمَا من رِوَايَة عَليّ بن مسْعدَة (^١).\n\n٣٨٦١ - وَعنهُ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْمُؤمن من أَمنه النَّاس وَالْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده وَالْمُهَاجِر من هجر السوء وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يدْخل الْجنَّة عبد لا يَأْمَن جَاره بوائقه رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَإسْنَاد أَحْمد جيد تَابع عَليّ بن زيد حميد وَيُونُس بن عبيد (^٢).\nقوله: وعن أنس بن مالك - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه\" الحديث، تقدم معنى الاستقامة في الوضوء.\n\n٣٨٦٢ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن اللّه ﷿ قسم بَيْنكُم أخلاقكم كَمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم وَإِن اللّه ﷿ يُعْطي الدُّنْيَا من يحب وَمن لا يحب وَلَا يُعْطي الدّين إِلَّا من أحب فَمن أعطَاهُ الدّين\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٩٨ (١٣٠٤٨)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٩)، وفي مكارم الأخلاق (٣٤٢) و(٣٤٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٨٧). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٥٣: رواه أحمد، وفي إسناده علي بن مسعدة وثقه جماعة، وضعفه آخرون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٥٤) والصحيحة (٢٨٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٤ (١٢٥٦١) و(١٢٥٦٢)، والبزار (٧٤٣٢)، وأبو يعلى (٤١٨٧) والمعجم (٢٤٦)، والبغوى في جزئه (٢٦)، وابن حبان (٥١٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٧٤)، والحاكم ١/ ١١. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٥٤: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح إلا علي بن زيد، وقد شاركه فيه حميد ويونس بن عبيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٥٥).","vol":"10","page":583},{"text":"فقد أحبه وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لا يسلم عبد حَتَّى يسلم قلبه وَلسَانه وَلَا يُؤمن حَتَّى يَأْمَن جَاره بوائقه قلت يَا رَسُول اللّه وَمَا بوائقه قَالَ غشمه وظلمه وَلَا يكْسب مَالا من حرَام فينفق مِنْهُ فيبارك فِيهِ وَلَا يتَصَدَّق بِهِ فَيقبل مِنْهُ وَلَا يَتْركهُ خلف ظَهره إِلَّا كَانَ زَاده إِلَى النَّار إِن اللّه لَا يمحو السئ بالسيئ وَلَكِن يمحو السيئ بالْحسنِ إِن الْخَبيث لَا يمحو الْخَبيث رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد عَنهُ (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إن اللّه لا يمحو السيئ بالسئ ولكن يمحو السئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث\" المحو عبارة عن [الإعفاء والاندراس والنسخ] والمراد بالخبيث الحرام.\nقوله: رواه أحمد وغيره من طريق أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد [أبان بن إسحاق المدني: لين الحديث قال أبو الفتح الأزدي متروك وثقه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٤٤)، وأحمد ١/ ٣٨٧ (٣٦٧٢)، والعدنى في الإيمان (٦٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٣١٣، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٤٢)، والجرجانى في مجالس من أماليه (١٨١)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢٠٩)، والبزار (٢٠٢٦)، وابن المنذر في الأوسط (٨٢٧٩)، والعقيلي (٢/ ٢١٣)، والشاشي (٨٧٧)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩٦ رقم ١٠٤٤٢) و(١٠/ ٢٢٧ رقم ١٠٥٥٣)، والحاكم ١/ ٣٣ و٢/ ٤٤٧ و٤/ ١٦٥، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٦٦، والبيهقي في الشعب (٥٥٢٤)، والبغوي (٢٠٣٠). قال البزار: الصباح بن محمد ليس بالمشهور. وقال الهيثمي: رواه أحمد وإسناده بعضهم مستور وأكثرهم ثقات المجمع ١/ ٥٣. وقال في موضع آخر: رواه البزار وفيه من لم أعرفهم المجمع ١٠/ ٢٩٢. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٧٦) و(١٥١٩).","vol":"10","page":584},{"text":"أحمد والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، والصباح بن محمد البجلى ذكره أبو حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، وقال أحمد العجلي صباح بن محمد كوفي ثقة].\n\n٣٨٦٣ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من آذَى جَاره فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى اللّه وَمن حَارب جَاره فقد حاربني وَمن حاربني فقد حَارب اللّه ﷿ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب التوبيخ (^١).\nقوله: وروي عن أنس بن مالك - ﵁ -: تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من حارب جاره فقد حاربني\" الحديث، المحاربة معناها واللّه أعلم: المعاداة.\nقوله: رواه أبو الشيخ ابن حيان في كتاب التوبيخ، وهو الحافظ: أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن جعفر بن حيان بمهملة وياء آخر الحروف ثقيلة، أ. هـ، قاله الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر تغمده اللّه برحمته.\n\n٣٨٦٤ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵁ - قَالَ خرج رَسُول اللّه - ﷺ - فِي غزَاة قَالَ لا يصحبنا الْيَوْم من آذَى جَاره فَقَالَ رجل من الْقَوْم أَنا بلت فِي أصل حَائِط جاري فَقَالَ لَا تصحبنا الْيَوْم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِيه نَكَارَة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق (٢٤٠). وأورده الذهبي في حقوق الجار (ص ٤٧) وقال: يرويه داود بن أيوب عن داود بن بشير العبدى عن أنس. وقال: هذا حديث منكر. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٢٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٨١ رقم ٩٤٧٩). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٥٢٧٤) وضعيف الترغيب (١٥٢١).","vol":"10","page":585},{"text":"قوله: وروي عن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ -، تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"لا يصحبنا اليوم من آذى جاره\" وتقدم الكلام على أذى الجار في الأحاديث المتقدمة.\nقوله: فقال رجل من القوم أنا بُلتُ في أصل حائط جاري فقال: \"لا تصحبنا اليوم\"، ولذلك يحرم التجمر في حائط الغير ويكره في حائط نفسه.\n\n٣٨٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من جَار السوء فِي دَار المقامة فَإِن جَار الْبَادِيَة يتَحَوَّل رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله: أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول\" الحديث، دار المقامة هي الجنة، وقيل: الجار السوء الزوجة كما قاله بعضهم وتقدم.\nوقوله: \"فإن جار البادية يتحول\" هو الذي يكون في البادية ومسكنه [المضارب] والخيام وهو غير مقيم في موضعه بخلاف جار المقام في المدن، ويروي \"جار النادي\" بالنون (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المُصَنف ٥/ ٢٢٠ (٢٥٤٢١)، وهناد في الزهد (٢/ ٥٠٤)، والبخارى في الأدب المفرد (١١٧)، والبزار (٨٤٩٦)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٣٧١ (٥٥٤٦) والكبرى (٧٨٨٦)، وأبو يعلى (٦٥٣٦)، وابن حبان (١٠٣٣)، والحاكم ١/ ٥٣٢. وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" (١٤٤٣) و(٣٩٤٣) وصحيح الترغيب (٢٥٥٦).\n(^٢) النهاية (١/ ١٠٩).","vol":"10","page":586},{"text":"٣٨٦٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أول خصمين يَوْم الْقِيَامَة جاران رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا جيد (^١).\nقوله: وعن عقبة بن عامر - ﵁ - تقدم.\nقوله: \"أول خصمين يوم القيامة جاران\".\nجاز أن المخاصمة هو المحاججة والاختلاف.\n\n٣٨٦٧ - وَعَن أبي جُحَيْفَة - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - يشكو جَاره قَالَ اطرَح متاعك على طَرِيق فطرحه فَجعل النَّاس يَمرونَ عَلَيْهِ ويلعنونه فجَاء إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه لقِيت من النَّاس قَالَ وَمَا لقِيت مِنْهُم قَالَ يلعنونني قَالَ قد لعنك اللّه قبل النَّاس فَقَالَ إِنِّي لا أَعُود فجَاء الَّذِي شكاه إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ ارْفَعْ متاعك فقد كفيت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ ضع متاعك على الطَّرِيق أَو على ظهر الطَّرِيق فَوَضعه فَكَانَ كلّ من مر بِهِ قَالَ مَا شَأْنك قَالَ جاري يُؤْذينِي قَالَ فيدعو عَلَيْهِ فجَاء جَاره فَقَالَ رد متاعك فَإِنِّي لا أوذيك أبدًا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٥١ (١٧٣٧٢)، وابن أبي عاصم في الأوائل (٤٥)، والطبرانى في الكبير ١٧/ ٣٠٣ (٨٣٦) و١٧/ ٣٠٩ (٨٥٢). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٠: رواه أحمد والطبراني بنحوه، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح، غير أبي عشانة، وهو ثقة. وقال في ١٠/ ٣٤٩: رواه أحمد بإسناد حسن. وحسنه الألباني في المشكاة (٥٠٠٠)، وصحيح الترغيب (٢٥٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٥)، والبزار (٤٢٣٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٣٤ رقم ٣٥٦) ومكارم الأخلاق (٢٣٦)، والحاكم (٤/ ١٦٦)، والبيهقى في =","vol":"10","page":587},{"text":"قوله: وعن أبي جحيفة - ﵁ -: اسمه: وهب بن عبد اللّه السواءي، هذا هو المشهور، وقيل: وهب بن جابر، وقيل: وهب بن وهب بن وهب، والسواءي بضم السين المهملة وبالمد نسبة إلى سواءة بن عامر بن صعصعة، مات في خلافة بشر بن مروان بالكوفة قيل: في سنة أربع وسبعين قاله ابن العماد في شرحه.\nقوله: جاء رجل إلى رسول اللّه - ﷺ - يشكو جاره فقال: \"اطرح متاعك على طريق فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه\" الحديثن الطرح: عبارة عن النبذ والنبذ الرمي.\nقوله: فجاء (الذي شكاه) إلى النبي - ﷺ - فقال: \"ارفع متاعك فقد كفيت\" الحديث، الرفع هو الشيل والمتاع معروف.\nوقوله: \"كفيت\" معناه فقد كفيت شر ما يؤذيك.\n\n٣٨٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - يشكو جَاره فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فاصبر فَأَتَاهُ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَقَالَ اذْهَبْ فاطرح متاعك فِي الطَّرِيق فَفعل فَجعل النَّاس يَمرونَ ويسألونه فيخبرهم خبر جَاره فَجعلُوا\n_________\n= الشعب (١٢/ ٩٦ - ٩٧ رقم ٩١٠١) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٠: رواه الطبراني والبزار بنحوه إلا أنه قال: \"ضع متاعك على الطريق، أي على ظهر الطريق\". فوضعه، فكان كلّ من مر قال: ما شأنك؟ قال: جاري يؤذيني. فيدعو عليه، فجاء جاره فقال: رد متاعك، فلا أؤذيك أبدًا. وفيه أبو عمر المنبهي تفرد عنه شريك، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٥٨).","vol":"10","page":588},{"text":"يلعنونه فعل اللّه بِهِ وَفعل وَبَعْضهمْ يَدْعُو عَلَيْهِ فجَاء إِلَيْهِ جَاره فَقَالَ ارْجع فَإنَّك لن ترى مني شيْئا تكرههُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\n\n٣٨٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول اللّه إِن فُلَانَة تكْثر من صلَاتهَا وصدقتها وصيامها غير أَنَّهَا تؤذي جِيرَانهَا بلسانها قَالَ هِيَ فِي النَّار قَالَ يَا رَسُول اللّه فَإِن فُلَانَة يذكر من قلَّة صيامها وصلاتها وَأنَّهَا تَتَصَدَّق بالأثوار من الأقط وَلَا تؤذي جِيرَانهَا قَالَ هِيَ فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَرَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح أَيْضًا وَلَفظه وَهُوَ لفظ بَعضهم قَالُوا يَا رَسُول اللّه فُلَانَة تَصُوم النَّهَار وَتقوم اللَّيْل وتؤذي جِيرَانهَا قَالَ هِيَ فِي النَّار.\nقَالُوا يَا رَسُول اللّه فُلَانَة تصلي المكتوبات وَتصدق بالأثوار من الأقط وَلَا تؤذي جِيرَانهَا. قَالَ هِيَ فِي الْجنَّة الأثوار بِالْمُثَلثَةِ جمع ثَوْر وَهِي قِطْعَة من\n_________\n(^١) أخرجه أبو سعيد الأشج في حديثه (٦٧)، البخاري في الأدب المفرد (١٢٤)، وأبو داود (٥١٥٣)، والبزار (٨٣٤٤)، وأبو يعلى (٦٦٣٠)، وابن حبان (٥٢٠)، والطبرانى في مكارم الأخلاق (٢٣٧) والحاكم في المستدرك ٤/ ١٦٥ - ١٦٦، والبيهقى في الشعب (١٢/ ٩٤ - ٩٥ رقم ٩١٠٠).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وقد روى في هذا الكلام ونحوه عن النبي - ﷺ - أبو هريرة بهذا الإسناد، ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد اللّه، عن النبي - ﷺ -، ورواه أيضًا يوسف بن عبد اللّه بن سلام عن النبي - ﷺ -.\nوصححه الحاكم. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٥٥٩).","vol":"10","page":589},{"text":"الأقط والأقط بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْقَاف وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وبكسر الْهمزَة وَالْقَاف مَعًا وبفتحهما هُوَ شَئ يتَّخذ من مخيض اللَّبن الغنمي (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله في الحديث: فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط، الحديث، الأثوار بالمثلثة جمع ثور وهي القطعة من الأقط (^٢)، والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف وبضمها أيضًا وبكسر الهمزة والقاف معا وبفتحهما هو شيء يتخذ من مخيض اللبن قاله المنذري، وقال بعضهم هو جبن اللبن المستخرج زبده (^٣)، وقال بعضهم أيضًا: الأقط هو لبن جامد مستحجر (^٤)، أ. هـ.\n\n٣٨٧٠ - وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جدّه عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ من أغلق بَابه دون جَاره مَخَافَة على أَهله وَمَاله فَلَيْسَ ذَلِك بِمُؤْمِن وَلَيْسَ بِمُؤْمِن من لم يَأْمَن جَاره بوائقه أتدْرِي مَا حق الْجَار إِذا استعانك أعنته وَإِذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٣١٥)، وإسحاق (٢٩٣) و(٢٩٤)، وأحمد ٢/ ٤٤٠ (٩٦٧٥)، البخاري في الأدب المفرد (١١٩)، والبزار (٩٧١٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٣٨٥) و(٦١٦)، وابن حبان (٥٧٦٤)، والحاكم ٤/ ١٦٦، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٩٤ - ٩٥ رقم ٩٠٩٨ و٩٠٩٩). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٩: رواه أحمد والبزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٩٠)، وصحيح الترغيب (٢٥٦٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٤٤).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٤٨).\n(^٤) النهاية (١/ ٥٧).","vol":"10","page":590},{"text":"استقرضك أَقْرَضته وَإِذا افْتقر عدت عَلَيْهِ وَإِذا مرض عدته وَإِذا أَصَابَهُ خير هنأته وَإِذا أَصَابَته مُصِيتة عزيته وَإِذا مَاتَ اتبعت جنَازَته وَلَا تستطيل عَلَيْهِ بالبنيان فتحجب عَنهُ الرّيح إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تؤذه بِقُتَارِ ريح قدرك إِلَّا أَن تغرف لَهُ مِنْهَا وَإِن اشْتريت فَاكهَة فأهد لَهُ فَإِن لم تفعل فَأدْخلهَا سرا وَلَا يخرج بهَا ولدك ليغيظ بهَا وَلَده رَوَاهُ الخرائطي من مَكَارِم الأخْلَاق قَالَ الْحَافِظ وَلَعَلَّ قَوْله أَتَدْرِي مَا حق الْجَار إِلَى آخِره فِي كَلَام الرَّاوِي غير مَرْفُوع لَكِن قد روى الطَّبَرَانِيّ عَن مُعَاوِيَة بن حيدة قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه مَا حق الْجَار عَليّ قَالَ إِن مرض عدته وَإِن مَاتَ شيعته وَإِن استقرضك أَقْرَضته وَإِن أعوز سترته فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ (^١).\nقوله: وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، هو: أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي القرشي السهمي المدني، ويقال المكي، ويقال الطائفي، سمع أباه ومعظم رواياته عنه وسعيد بن المسيب وطاوسا وعروة ومجاهد وسليمان بن يسار وغيرهم روي عنه\n_________\n(^١) أما حديث عبد اللّه بن عمرو: أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (٢٤٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٤٣٠)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٢٩٢)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ٥٠٤ - ١٠١ رقم ٩١١٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٩١) وضعيف الترغيب (١٥٢٢). وأما حديث معاوية بن حيدة: أخرجه الطبرانى في الكبير (١٩/ ٤١٩). (١٠١٤) وابن مردويه في جزء ما انتقى على الطبراني (١٥٥)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ١٠٦ رقم ٩١١٤).\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٥: رواه الطبراني، وفيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف.\nوقال الحافظ الذهبي في حقوق الجار (١/ ١٥ - ٢). مسند واه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥٨٧) وضعيف الترغيب (١٥٢٣).","vol":"10","page":591},{"text":"عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والزهري ويحيى الأنصاري وثابت البناني وأبو إسحاق الشيباني وغيرهم، وكل هؤلاء المذكورين تابعيون وهذا مما استدلوا به على جلالته فإنه ليس بتابعي بل من تابع التابعين وروي عنه نيف وعشرون من التابعين، قال الأوزاعي: ما رأيتُ قرشيا أكمل من عمرو بن شعيب، وقال البخاري: رأيتُ أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه (^١)، أ. هـ.\nقوله: \"ولا تؤذه بقتار ريح قدرك إلا أن تغرف له منها\" القتار بضم القاف وفتح التاء المثناة فوق ريح القدر والشواء ونحوهما، وعن أبي ذر قال: \"إن خليلي أوصاني إذا طبخت مرقا فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف\" أخرجه مسلم، ففيه الحث على إكرام الجار وتفقده ولا شك في عظم حقه وذكر المرق على سبيل التمثيل، وإلا فغير المرق كذلك ينبغي أن يوسعه ويرسل منه إليهم وإنما خص المرق لغلبته في أطبخة العرب وبه يظهر الإكرام والكرم فلا يتركه وإن قل، قال في المفهم (^٢): وهذا الْأَمر على جهة الندب والحض على مكارم الأخلاق وإرشاد إلى محاسنها لما يترتب عليه من المحبة وحسن العشرة والألفة، ولما يحصل من المنفعة ودفع الحاجة والمفسدة فقد يتأذى بقتار قدره جارُه وعيالُه وصغار ولده ولا يقدر على ذلك فيهيج من ضعفائهم الشهوة ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة، وربما يكون يتيما أو أرملة ضعيفة فتعظم عليهم المشقة ويشتد عليهم الألم والحسرة،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) المفهم (٢١/ ١٣٨).","vol":"10","page":592},{"text":"وكل ذلك يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يدفع إليهم فلا أقبح من مثع النذر اليسير الذي يترتب عليه هذا الخطر الكبير.\nوقوله: \"فأكثر ماءه\" فيه تنبيه لطيف على تيسير الْأَمر على البخيل إذ الزيادة المأمور بها إنما هي فيما ليس له ثمن وهو الماء، ولذلك لم يقل إذا طبخت مرقا فأكثر لحمه أو طبيخه إذ لا يسهل ذلك على أحد.\nوقوله: \"فأصبهم منها بمعروف\" الحديث، أي بشيء يهدي مثله عرفا تحرزا من القليل المحتقر وإنت كان مما لا يهدي فهو لا يقع ذلك الموقع فلو لم يتيسر إلا القليل المحتقر فليهده ولا يحتقره كما جاء في حديث آخر: \"لا تحقرن من المعروف شيئًا\" أ. هـ.\nقوله: رواه الخرائطي، الخرائطي اسمه [محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر أبو بكر الخرائطي السامري الحافظ صاحب التصانيف].\nقوله: لكن قد روى الطبراني عن معاوية بن حيدة [- بفتح الحاء المهملة وإسكان المثناة تحت - ابن معاوية بن قيس بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيرى البصرى الصحابى: وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية الراوى عن أبيه، عن جدّه، مذكور في المهذب في الزكاة، وغزا خراسان ومات بها، سئل يحيى بن مَعين، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، فقال: إسناد صحيح إذا كان من دونهم ثقة.].\nقوله: \"وإن أعوز سترته\" الذي يظهر واللّه أعلم أي بدت منه عورة وهي ما يستحي منه ستره أي ستر عليه.","vol":"10","page":593},{"text":"٣٨٧١ - وروى أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب التوبيخ عَن معَاذ بن جبل قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول اللّه مَا حق الْجوَار قَالَ إِن استقرضك أَقْرَضته وَإِن استعانك أعنته وَإِن احْتَاجَ أَعْطيته وَإِن مرض عدته فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ وَزَاد فِي آخِره هَل تفقهون مَا أَقُول لكم لن يُؤَدِّي حق الْجَار إِلَّا قَلِيل مِمَّن رحم اللّه أَو كلمة نَحْوهَا (^١).\n\n٣٨٧٢ - وروى أَبُو الْقَاسِم الأصْبَهَانِيّ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم جَاره قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَمَا حق الْجَار على الْجَار قَالَ إِن سَأَلَك فأعطه فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ وَلم يذكر فِيهِ الْفَاكهَة وَلَا يخفى أَن كثْرَة هَذِه الطّرق تكسبه قُوَّة وَاللّه أعلم (^٢).\n\n٣٨٧٣ - وَعَن فضَالة بن عبيد - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاثة من الفواقر إِمَام إِن أَحْسَنت لم يشْكر وَإِن أَسَأْت لم يغْفر وجار سوء إِن رأى خيرا دَفنه وَإِن رأى شرا أذاعه وَامْرَأَة إِن حضرت آذتك وَإِن غبت عَنْهَا خانتك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (ص ٢٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٤١٧). وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٢٤): ضعيف جدًّا.\n(^٢) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٨٦٣). قال الذهبي في حق الجار (ص ٣٨): إسماعيل واه وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٢٥).\n(^٣) أخرجه وكيع في الزهد (٤٥٧)، وعنه هناد (٢/ ٦٤٥) ومن طريقه الخلال في السنة (٣١)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٣١٨ (٨٢٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٥٣) و(٢/ ٩٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٢٩١). وقال الهيثمي في المجمع =","vol":"10","page":594},{"text":"قوله: وعن فضالة بن عبيد - ﵁ - هو فضالة بن عبيد بن ناقد بن قيس، كنيته: أبو محمد الأنصاري من الطبقة الثانية من الأنصار من الأوس، وأم فضالة: عفرة بنت محمد بن عقبة، وفضالة هو الذي بشر الأنصار بقدوم رسول اللّه - ﷺ - إلى المدينة وكان ابن ست سنين وكان فضالة شاعرا وهو أحد الذين بايعوا رسول اللّه - ﷺ - تحت الشجرة وشهد أحدًا والخندق والمشاهد مع رسول اللّه - ﷺ - ثم نزل الشام وكان له شرف، وولاه عمر بن الخطاب وولاه معاوية قضاء دمشق، استخلف فضالة عليها في صفين وغيره واستعمله على الطوائف غير مرة، وقال الليث بن سعد: وفي سنة إحدى وخمسين [مات] فضالة بأرض الروم، وقال ابن سعد عن الواقدي: كان فضالة قاضيا بالشام ونزل دمشق وبني بها دارا وحكي ابن عساكر عن ابن مَعين قال: مات فضالة في دمشق سنة ثلاث وخمسين، وقال ابن يونس: شهد فضالة فتح مصر وولي البحر بها.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاثة من الفواقر إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر\" الحديث، أي من الدواهي، واحدتها فاقرة كأنها تحكم فقار الظهر كما يقال قاصمة الظهر أ. هـ قاله في النهاية (^١).\nقوله: في الحديث: \"وجار سوء إن رأى خيرا دفنه وإن رأى شرًّا أذاعه\" الحديث، الدفن: التغطية، والإذاعة بالذال المعجمة، قال اللّه تعالى: ﴿وَإِذَا\n_________\n= ٨/ ١٦٨: رواه الطبراني، وفيه محمد بن عصام بن يزيد، ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله وثقوا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠٨٧) وضعيف الترغيب (١٥٢٦).\n(^١) النهاية (٣/ ٤٦٣).","vol":"10","page":595},{"text":"﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ (^١) الآية، فالإذاعة هي الإشاعة.\nقوله: \"وامرأة إن حضرت آذتك\" أي: بلسانها \"وإن غبت عنها خانتك\" أي: في فرجها.\n\n٣٨٧٤ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: مَا آمن بِي من بَات شبعانا وجاره جَائِع إِلَى جنبه وَهُوَ يعلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار وَإِسْنَاده حسن (^٢).\nقوله: وعن أنس، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم\" الحديث، الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب وتقدم.\n\n٣٨٧٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: لَيْسَ الْمُؤمن الَّذِي يشْبع وجاره جَائِع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو يعلى وَرُوَاته ثِقَات وَرَوَاهُ الْحَاكم من حَدِيث عَائِشَة وَلَفظه لَيْسَ الْمُؤمن الَّذِي يبيت شبعانًا وجاره جَائِع إِلَى جنبه (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٨٣.\n(^٢) أخرجه البزار (٧٤٢٩)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٥٩ رقم ٧٥١). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا حسين بن علي، ولا نعلمه يروى عن أنس من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه. وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٦٧): رواه الطبراني والبزار، وإسناد البزار حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٦١).\n(^٣) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٥٠٧)، وعبد بن حميد (٦٩٤)، والبخارى في الأدب المفرد (١١٢)، وابن أبي الدنيا في المكارم (٣٤٧)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٦٢٩)، وأبو =","vol":"10","page":596},{"text":"٣٨٧٦ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول اللّه اكسني فَأَعْرض عَنهُ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللّه اكسني، فَقَالَ: أما لَك جَار لَهُ فضل ثَوْبَيْنِ قَالَ: بلَى غير وَاحِد قَالَ: فَلَا يجمع اللّه بَيْنك وَبَينه فِي الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\n\n٣٨٧٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: كم من جَار مُتَعَلق بجاره يَقُول: يَا رب سل هَذَا لم أغلق عني بَابه وَمَنَعَنِي فَضله رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (^٢).\n\n٣٨٧٨ - وَعَن أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ - ﵁ - أَن النَّبِيّ - ﷺ -، قَالَ: من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فليحسن إِلَى جَاره وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرًا أَو لِيَسْكُت رَوَاهُ مُسلم (^٣).\n_________\n= يعلى (٢٦٩٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٥٤ رقم ١٢٧٤١). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٧: رواه الطبراني وأبو يعلى، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٩) وصحيح الترغيب (٢٥٦٢). وأخرجه الحاكم (٢/ ١٢) عن عائشة. وقال الذهبي: فيه عبد العزيز بن يحيى وليس بثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٦٣).\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ١٧٠ رقم ٧١٨٥). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن ثابت البناني إلا المنذر بن زياد، ولا يروى عن رسول اللّه - ﷺ - إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه المنذر بن زياد الطائي، وهو متروك. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (١٥٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١١)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٣٤٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٨٧٥)، والصريفينى في المنتخب من السياق (ص ٣٤). وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٤٦) وصحيح الترغيب (٢٥٦٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٧ - ٤٧).","vol":"10","page":597},{"text":"٣٨٧٩ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ -، قَالَ: من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل: خيرًا أَو ليصمت وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيَحْفَظْ جَاره رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت\" الحديث، قال أهل اللغة: يقال صمت يصمت بضم الميم سمتا وصموتا وصماتا أي سكت تقدم هذا الحديث.\n\n٣٨٨٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من يَأْخُذ عني هَذِه الْكَلِمَات فَيعْمل بِهن أَو يعلم من يعْمل بِهن فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة قلت أَنا يَا رَسُول اللّه فَأخذ بيَدي فعد خمْسا فَقَالَ اتَّقِ الْمَحَارِم تكن أعبد النَّاس وَارْضَ بمَا قسم اللّه لَك تكن أدنى النَّاس وَأحسن إِلَى جَارك تكن مُؤمنا وَأحب للَنَّاس مَا تحب لنَفسك تكن مُسلما وَلَا تكْثر الضحك فَإِن كثْرَة الضحك تميت الْقلب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره من رِوَايَة الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ فِي كتاب الزّهْد عَن مَكْحُول عَن وَاثِلَة عَنهُ وَقد سمع مَكْحُول من وَاثِلَة قَالَه التِّرْمِذِيّ وَغَيره لَكِن بَقِيَّة أَمْضَاهُ وَفِيه ضعف (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٤ (٦٦٢١)، أبو إسحاق الحربي في إكرام الضيف (٣٤)، والطبرانى في الكبير (١٤/ ٧٣ رقم ١٤٦٧٥). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٧ و٨/ ١٧٧: رواه أحمد والطبراني وإسنادهما حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٦٦).\n(^٢) أخرجه هناد في الزهد (١٠٣١) و(١١٤٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٥٢)، وابن =","vol":"10","page":598},{"text":"٣٨٨١ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - خير الْأَصْحَاب عِنْد اللّه خَيرهمْ لصَاحبه وَخير الْجِيرَان عِنْد اللّه خَيرهمْ لجاره رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"خير الأصحاب عند اللّه خيرهم لصاحبه\" [الأصحاب عند اللّه خيرهم لصاحبه]، الأصحاب بمعنى الصحبة [الصاحب يقع على الأدنى والأعلى والمساوي في صحبة دين أو دنيا سفرا أو حضرا فخيرهم عند اللّه منزلة وثوابا فيما اصطحبا أكثرهما نفعا لصاحبه وإن كان الآخر قد يفضله في خصائص آخر (وخير الجيران عند اللّه خيرهم لجاره) فكل من كان أكثر خيرا لصاحبه أو جاره فهو الأفضل عند اللّه تعالى وفي إفهامه أن شرهم عند اللّه شرهم لصاحبه أو جاره وبه صرح في عدة أخبار قال الحرالي: ويبنى على ذلك أنه ينبغي أن يخدم من يصحبه ومن شيخ عليه تلمذة له فإن كان ذلك\n_________\n= ماجة (٤٢١٧)، والترمذى (٢٣٠٥)، وأبو يعلى (٥٨٦٥) و(٦٢٤٠)، والبيهقى في الزهد (٨٢٢). وحسنه الألباني في الصحيحة (٩٣٠) وصحيح الترغيب (٢٥٦٧). وصححه في الصحيحة من طريق واثلة (٩٢٧) وصحيح الترغيب (١٧٤١).\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٥)، والترمذى (١٩٤٤)، وابن خزيمة (٢٥٣٩)، وابن حبان (٥١٨ و٥١٩) والحاكم في المستدرك ١/ ٤٤٣ و٢/ ١٥١ و٤/ ١٦٤. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وأبو عبد الرحمن الحبلي اسمه عبد اللّه بن يزيد.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٣) وصحيح الترغيب (٢٥٦٨) و(٣٠١٥).","vol":"10","page":599},{"text":"بحق لم يخطئ وإن كان بهرجا تزيف في أيسر مدّة فإن المزخرف من القول والفعل في أيسر زمان يتبهرج].\n\n٣٨٨٢ - وَعَن مطرف يَعْنِي ابْن عبد اللّه قَالَ كَانَ يبلغنِي عَن أبي ذَر حَدِيث وَكنت أشتهي لقاءه فَلَقِيته فَقلت يَا أَبَا ذَر كَانَ يبلغنِي عَنْك حَدِيث وَكنت أشتهي لقاءك قَالَ للّه أَبوك قد لقيتني فهات قلت حَدِيث بَلغنِي أَن رَسُول اللّه - ﷺ - حَدثَك قَالَ إِن اللّه ﷿ يحب ثَلَاثَة وَيبغض ثَلَاثَة قَالَ فَمَا إخالني أكذب على رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ فَقلت فَمن هَؤُلاءِ الثَلَاثَة الَّذين يُحِبهُمْ اللّه ﷿ قَالَ رجل غزا فِي سَبِيل اللّه صَابِرًا محتسبا فقاتل حَتَّى قتل وَأَنْتُم تجدونه عنْدكُمْ فِي كتاب اللّه ﷿ ثمَّ تَلا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] قلت وَمن قَالَ رجل كَانَ لَهُ جَار سوء يُؤْذِيه فيصبر على أَذَاهُ حَتَّى يَكْفِيهِ اللّه إِيَّاه بحياة أَو موت فَذكر الحَدِيت رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأحد إسنادي أَحْمد رجالهما مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَغَيره بِنَحْوِهِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (٤٧)، والطيالسى (٤٧٠) ومن طريقه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٢٨) والبيهقى في الكبرى (٩/ ٢٦٩ - ٢٧٠ رقم ١٨٥٠١)، وعبد الرزاق (٢٠٢٨٢)، وابن أبي شيبة في المُصَنف ٤/ ٢٠٣ (١٩٣١٨) و٧/ ٢٠٤ (١٩٣٥٥)، وأحمد ٥/ ١٥١ (٢١٣٤٠) و٥/ ١٧٦ (٢١٥٣٠)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (٥/ ١٣٠ رقم ٤٣٨٠/ ٢)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٢٧)، والبزار (٣٩٠٨)، والمروزى في مختصر قيام الليل (ص ١٩٣)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٧٨٢ و٢٧٨٣)، والخرائطى في المساوئ (١٢١)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٥٢ رقم =","vol":"10","page":600},{"text":"قوله: وعن مطرف يعني ابن عبد اللّه، هو [أبو عبد اللّه مطرف بن عبد اللّه بن الشخير، العامري، البصري، وقد تقدم تمام نسبه عند ذكر أبيه في حرف العين، روى عن أبي ذر، وعثمان بن أبي العاص، روى عنه أخوه يزيد، وعلي بن زيد، وقتادة، مات بعد سنة سبع وثمانين، مطرف: بضم الميم، وفتح الطاء المهملة، وتشديد الراء المكسورة، وبالفاء، والشخير: بكسر الشين المعجمة، وكسر الخاء المعجمة المشددة].\nقوله: كان يبلغني عن أبي ذر حديث وكنت أشتهي لقاءه فلقيته فقلت يا أبا ذر كان يبلغني عنك حديث وكنت أشتهي لقاءك، وفي حديث آخر على الخبير بها سقطت يعني على العارف به وقعت وهو مثل سائر للعرب.\nفقوله: للّه أبوك قد لقيتني فهات، الحديث، هذه كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها فإن الإضافة إلى الشيء العظيم الشريف تكتسي عظما وشرفا ولهذا يقال بيت اللّه وناقة اللّه ونحوها تشريفا لها، قال صاحب التحرير: فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه ويحمد قيل للّه أبوك في معرض المدح والتعجب أي أبوك للّه خالصاتهما أنجب بك وأتى بمثلك أي كان شريفا نجيبا.\n_________\n= ١٦٣٧)، وابن منده في التوحيد (٦٨٤)، والحاكم (٢/ ٨٨ - ٨٩)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ٩٨ - ٩٧ رقم ٩١٥٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٥٤١).\nقال البزار: وهذا الكلام قد روي بعضه، عن أبي ذر من غير وجه ولا نعلمه يروى عنه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه ولا روى مطرف عن أبي ذر إلا هذا الحديث. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٠ - ١٧١: رواه أحمد والطبراني، واللفظ له، وإسناد الطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٦٩).","vol":"10","page":601},{"text":"قوله: فما إخالني أكذب على رسول اللّه - ﷺ -، الحديث، إخالني معناها.\n\n٣٨٨٣ - وَعَن ابْن عمر وَعَائِشَة - ﵃ - قَالا قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا زَالَ جِبْرِيل - ﵇ - يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة من حَدِيث عَائِشَة وَحدهَا وَابْن مَاجَة أَيْضًا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (^١).\nقوله: وعن ابن عمر وعائشة - ﵃ -، تقدم الكلام عليهما.\nقوله - ﷺ -: \"ما زال جبريل - ﵇ - يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\" الحديث، جبريل هو رسول رب العالمين، تقدم الكلام عليه في الجمعة وغيرها قال القرطبي في جمع الأحاديث: الوصية بالجار وبيان عظيم حقه وفضائله الإحسان إليه، قال: فلما أكد جبريل - ﵇ - على النبي - ﷺ - حق الجوار وكثر عليه من ذلك [...] (^٢) النبي - ﷺ - أن اللّه سيكم بالميراث [...] (^٣) الجارين، هذا يدلّ على أن المراد بهذا الجار جار الدار لا جار العهد لأن الجار بالعهد قد كان في أول الإسلام يرث ثم نسخ ذلك أ. هـ.\nتنبيه: قال العُلماء: والجيران ثلاثة كافر فله حق واحد بالجوار ومسلم أجنبي فله حقان بالجوار والإسلام ومسلم قريب فله ثلاثة حقوق بالجوار\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٥)، ومسلم (١٤١ - ٢٦٢٥) عن ابن عمر. وأخرجه البخاري (٦٠١٤) ومسلم (١٤٠ - ٢٦٢٤) وابن ماجة (٣٦٧٣)، وأبو داود (٥١٥١)، والترمذى (١٩٤٢) عن عائشة. وأخرجه ابن ماجة (٣٦٧٤) وابن حبان (٥١٢) و(٥٨٥٤) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (٢٥٧١)، \"آداب الزفاف\" (١٠٢ - ١٠٨).\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) بياض بالأصل.","vol":"10","page":602},{"text":"والإسلام والقرابة، أ. هـ، وقد ورد ذلك في حديث في مسند البزار من حديث جابر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"الجيران ثلاثة جار له حق واحد وهو أدنى الجيران حقا وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم\" وقد روي هذا الحديث من وجوه آخر متصلة ومرسلة، ذكره ابن رجب الحنبلي.\n\n٣٨٨٤ - وَعَن رجل من الْأَنْصَار قَالَ خرجت مَعَ أَهلِي أُرِيد النَّبِيّ - ﷺ - وَإِذا بِهِ قَائِم وَإِذا رجل مقبل عَلَيْهِ فَظَنَنْت أَن لَهُ حَاجَة فَجَلَست فوَاللّه لقد قَامَ رَسُول اللّه - ﷺ - حَتَّى جعلت أرثي لَهُ من طول الْقيام ثمَّ انْصَرف فَقُمْت إِلَيْهِ فَقلت يَا رَسُول اللّه لقد قَامَ بك هَذَا الرجل حَتَّى جعلت أرثي لَك من طول الْقيام قَالَ أَتَدْرِي من هَذَا قلت لَا قَالَ جِبْرِيل - ﷺ - مَا زَالَ يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنَّه سيورثه أما إِنَّك لَو سلمت عَلَيْهِ لرد عَلَيْك السَّلَام رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن رجل من الأنصار، الأنصار: هم الذين نصروا رسول اللّه - ﷺ - حين هاجر إلى المدينة وتقدم الكلام عليهم.\nقوله: خرجت مع أهلي أريد النبي - ﷺ - وإذا به قائم وإذا رجل مقبل عليه فظننت أن له حاجة فجلست فواللّه لقد قام رسول اللّه - ﷺ - حتى جعلت أرثي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢ (٢٠٣٥) و٥/ ٣٦٥ (٢٣٠٩٣). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٤: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٧٢).","vol":"10","page":603},{"text":"له من طول القيام، أي: توجعا وإشفاقا، من رثى إذا رق وتوجع.\n\n٣٨٨٥ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - وَهُوَ على نَاقَته الجدعاء فِي حجَّة الْوَدَاع يَقُول أوصيكم بالجار حَتى أَكثر فَقلت إِنَّه يورثه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدم.\nقوله: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - وهو على ناقته الجدعاء، الحديث، الجدعاء تأنيث الأجدع وهو المقطوع الأنف أو الأذن أو الشفة أو اليد والمراد به في الحديث قطع طرف أذنها، قاله شارح الأربعين الودعانية.\n\n٣٨٨٦ - وَعَن مُجَاهِد أَن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ - ذَبحت لَهُ شَاة فِي أَهله فَلَمَّا جَاءَ قَالَ أهديتم لجارنا الْيَهُودِيّ أهديتم لجارنا الْيَهُودِيّ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول مَا زَالَ جِبْرِيل يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب قَالَ الْحَافِظ وَقد رُوِيَ هَذَا الْمَتْن من طرق كثِيرَة وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة - ﵃ - (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٧ (٢٢٢٩٨)، والخرائطى في المكارم (٢٢٥)، والأصم في مجموعه (١٦٤)، والطبرانى في الكبير (٨/ ١١١ رقم ٧٥٢٣) والشاميين (٨٢٣) والمكارم (٢٠٩) وابن منده في الفوائد (٥٠)، وابن عساكر في المعجم (١٥٣٣). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٥: رواه الطبراني، وإسناده جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٧٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٠ (٦٤٩٦)، والبخاري في الأدب المفرد (١٠٥) و(١٢٨)، وأبو داود (٥١٥٢)، والترمذى (١٩٤٣)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٣٢١)، والبزار (٢٣٨٨). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٧٤)، الإرواء (٨٩١).","vol":"10","page":604},{"text":"٣٨٨٧ - وَعَن نَافِع بن الْحَارِث - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من سَعَادَة الْمَرْء الْجَار الصَّالح والمركب الهنيء والمسكن الْوَاسِع رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن نافع بن الحارث - ﵁ - هو: نافع بن الحارث بن [...] (^٢).\nقوله: \"من سعادة المرء الجار الصالح\" تقدم، وكذلك حديث سعد بن أبي وقَّاص في أوائل النكاح ثم قرأ رسول اللّه - ﷺ -: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (^٣) الحديث، وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ الآية، أنه يدخل فيها دفعه عن العصاة بأهل الطاعة وجاء في الأثر: \"إن اللّه يدفع بالرجل الصالح عن أهله وولده وذريته ومن حوله\" وفي بعض الآثار يقول اللّه ﷿: \"أحب العباد إليّ المتحابون بجلالي المشاءون في الأرض بالنصيحة المشاءون على أقادمهم إلى الجمعات\" وفي رواية \"المتعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالأسحار، فإذا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٧٤١)، وأحمد ٣/ ٤٠٧ (١٥٣٧٢) و٣/ ٤٠٨ (١٥٣٧٢)، والمروزى في البر (٢٤٠ و٢٤١)، وعبد بن حميد (٣٨٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٦) و(٤٥٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٣٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٧٧٢) و(٢٧٧٣)، والحاكم (٤/ ١٦٦ - ١٦٧).\nوصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٣: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٧٥).\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥١.","vol":"10","page":605},{"text":"أردت إنزال عذاب بأهل الأرض فنظرت إليهم صرفت العذاب عن الناس\" والآثار في هذا المعنى كثيرة جدًّا، قاله ابن رجب الحنبلي.\n\n٣٨٨٨ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أَربع من السَّعَادَة الْمَرْأَة الصَّالِحَة والمسكن الْوَاسِع وَالْجَار الصَّالح والمركب الهنيء وَأَرْبع من الشَّقَاء الْجَار السوء وَالْمَرْأَة السوء والمركب السوء والمسكن الضّيق رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n٣٨٨٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إِن اللّه ﷿ ليدفع بِالْمُسلمِ الصَّالح عَن مائَة أهل بَيت من جِيرَانه الْبلاء ثمَّ قَرَأَ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (^٢) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٤٠٣٢) ومن طريقه الضياء في المختارة ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١ (١٠٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ١٠٢ رقم ٩١٠٩ و٩١١٠) والخطيب في التاريخ (١٢/ ٩٩). وقال الضياء: إسناده صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٢) وصحيح الترغيب (١٩١٤) و(٢٥٧٦).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥١.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥١٦)، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ٤٠٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٣٩ رقم ٤٠٨٠) والكبير (١٣/ ٢١٥ رقم ١٣٩٤٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، والبغوي في تفسيره (١/ ٢٦٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سوقة إلا حفص بن سليمان، ولا عن حفص إلا يحيي، تفرد به: أبو حميد الحمصي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٣ - ١٦٤: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه يحيى بن سعيد العطار؛ وهو ضعيف. وضعفه جدًّا الألباني في الضعيفة (٨١٥) وضعيف الترغيب (١٥٢٨).","vol":"10","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>[الترغيب زيارة الإخوان والصالحين وما جاء في إكراه الزائرين]</span>\nعن أبي هُريرةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: \"أن رجلًا زار أخًا لي في قريةٍ، فأرْصَدَ اللّه تعالى على مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فلما أتى عليه قال: أين تُريدُ؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمةٍ تَرُبُّها؟ قال: لا، غير أني أحببتهُ في اللّه. قال: فإني رسول اللّه إليك بأن اللّه قد أحبك كما أحببتهُ فيه\" رواه مسلم (^١).\n[المدرجة] بفتح الميم والراء: الطريق.\n[وقوله: تَرُبُّهَا]: أي تقوم بها، وتسعى في صلاحها.\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"أن رجلًا زار أخا له في قرية فأرصد اللّه تعالى على مدرجته ملكا\" الحديث، فأرصد معناه أعد وهيأ أي وكله بحفظ المدرجة وهي الطريق وجعله رصد أي حافظا معدا يقال رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه وأرصدت له العقوبة إذا أعددتها وحقيقته جعلتها على طريقه كالمترقبة له قاله في النهاية (^٢) وقيل معنى [أرصده أقعده يرقبه (^٣)].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٨ - ٢٥٦٧)، وابن حبان (٥٧٢) و(٥٧٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٢٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٦).","vol":"10","page":607},{"text":"وقوله: \"على مدرجته\" المدرجة ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي الطريق، أ. هـ؛ أي على قارعة الطريق قاله عياض (^١)، وقال ابن الأثير: المدرجة هي مفرد الأدراج وهي المواضع التي يدرج فيها: أي يمشي (^٢)، انتهى.\nوقوله: \"هل له عليك من نعمة تربها\" أي تقوم بها وتسعى في صلاحها، أ. هـ قاله المنذري، وقال غيره: معنى تربها أي تحفظها وتراعيها وتربيها كما يربي الرجل ولده يقال رب فلان ولده يرُبُّه ربًّا وربية ورباه كلّه بمعنى واحد، قاله في النهاية (^٣)، دل هذا الحديث على فضيلة زيارة الإخوان.\nواعلم أنه يستحب استحبابا مؤكدا زيارة الإخوان والصالحين والجيران والأصدقاء والأقارب وإكرامهم وبرهم وصلتهم وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم، وينبغي للزائر أن تكون زيارته لهم على وجه لا يكرهونه وفي وقت يرتضونه فإن رأى أخاه يحب زيارته ويأنس به أكثر زيارته والجلوس عنده وإن رآه مشتغلا بعبادة أو غيرها أو رآه يحب الخلوة يقل زيارته حتى لا يشغله عن عمله وكذلك عائد المريض لا يطيل الجلوس عنده إلا أن يستأنس به المريض واللّه أعلم (^٤).\n\n٣٨٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من عَاد مَرِيضا أَو زار أَخا لَهُ فِي اللّه ناداه مُنَاد بِأَن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الْجنَّة منزلا\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٥٥) وإكمال المعلم (٨/ ٣٥).\n(^٢) النهاية (٢/ ١١١).\n(^٣) النهاية (٢/ ١٨٠).\n(^٤) الأذكار (ص ٢٦٨) للنووى.","vol":"10","page":608},{"text":"رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلهم من طَرِيق أبي سِنَان عَن عُثْمَان بن أبي سَوْدَة عَنهُ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من عاد مريضا أو زار أخا له في اللّه تعالى ناداه منادٍ [من السماء] طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا\" الحديث، العيادة تكون في المرض والزيارة تكون في الصحة، ومعنى طبت حصل لك طيّب العيش في الآخرة، ومعنى طاب ممشاك أي صار مشيك سببا لطيب عيشك في الآخرة بحصول الأجر لك، ومعنى وتبوأت من الجنة أي هيأت، ذكره صاحب التنقيح على المصابيح (^٢).\nقوله: رووه من طريق أبي سنان عن عثمان بن أبي سودة اللوحة [وعيسى بن سنان: هو أبو سنان القسملي ضعفه أحمد وابن مَعين وقواه آخرون، وأخرج ابن حبان حديثه في صحيحه].\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في مسنده (٣)، وفي الزهد (٧٠٨)، ومن طريقه أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٤٥)، والبغوي (٣٤٧٣)، وأحمد ٢/ ٣٢٦ (٨٣٢٥) و٢/ ٣٤٤ (٨٥٣٦) و٢/ ٣٥٤ (٨٦٥١)، وعبد بن حميد (١٤٥١)، وابن ماجة (١٤٤٣)، والترمذي (٢٠٠٨)، وابن حبان (٢٩٦١)، والبغوي (٣٤٧٢). وقال الترمذي: هذا حديث غريب وأبو سنان اسمه عيسى بن سنان، وقد روى حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - شيئًا من هذا. وقال الألباني: حسن، المشكاة (١٥٧٥ و٥٠١٥)، وصحيح الترغيب (٢٥٧٨) و(٣٤٧٤) و(٣٤٧٤).\n(^٢) كشف المناهج (٤/ ٣١٦).","vol":"10","page":609},{"text":"٣٨٩٢ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ مَا من عبد أَتَى أَخَاهُ يزوره فِي اللّه إِلَّا ناداه ملك من السَّمَاء أَن طبت وَطَابَتْ لَك الْجنَّة وَإِلَا قَالَ اللّه فِي ملكوت عَرْشه عَبدِي زار فِي وَعلي قراه فَلم يرض لَهُ بِثَوَاب دون الْجنَّة الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد أتى أخاه يزوره في اللّه إلا ناداه ملك من السماء أن طبت وطابت لك الجنة\" الحديث، تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\nقوله: \"وإلا قال اللّه في ملكوت عرشه عبدي زار فيّ\" ملكوت العرش معناه [اسم مبني من الملك، كالجبروت والرهبوت، من الجبر والرهبة].\n\n٣٨٩٣ - وَعَن أنس أَيْضًا - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أَلا أخْبركُم برجالكم فِي الْجنَّة قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ النَّبِيّ فِي الْجنَّة وَالصديق فِي الْجنَّة وَالرجل يزور أَخَاهُ فِي نَاحيَة الْمصر لَا يزوره إِلَّا للّه فِي الْجنَّة الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي حق الزَّوْجَيْنِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة كما في المطالب (٢٦١٩)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (١٠٢)، والبزار (٦٤٦٦)، وأبو يعلى (٤١٤٠) ومن طريقه الضياء في المختارة ٧/ ٢٣٦ - ٢٣٧ (٢٦٧٩)، وابن عدى (٣/ ٩) و(٨/ ١٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٠٧)، والضياء في المختارة ٧/ ٢٣٨ - ٢٣٧ (٢٦٨٠). وقال الضياء: إسناده حسن. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٣: رواه البزار وأبو يعلي، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٣٢) وصحيح الترغيب (٢٥٧٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٨٩ رقم ١١٨) والأوسط (٢/ ٢٠٦ رقم ١٧٤٣)، ومن طريقه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٢٥) وابن فاخر في موجبات الجنة (٣٧٩). =","vol":"10","page":610},{"text":"قوله: وعن أنس، تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا للّه\" الحديث، تقدم أن الزيارة لا تكون إلا في الصحة، والمراد بالمصر البلد الكبير واحد الأمصار كالبصرة والكوفة، والمصر اسم لكل بلد مجموع الأقطار والحدود وهو في الأصل اسم للمحصور أي المضموم وقيل: هو اسم لكل كورة يقسم فيها الفيء والصدقات وتقام فيها الحدود قاله في المغيث (^١).\n\n٣٨٩٤ - وَرُوِيَ عَن أبي رزين الْعقيلِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - يَا أَبَا رزين إِن الْمُسلم إِذا زار أَخَاهُ الْمُسلم شيعه سَبْعُونَ ألف ملك يصلونَ عَلَيْهِ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ كَمَا وَصله فِيك فَصله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n_________\n= قال الطبراني: لم يروه عن أبي حازم سلمة بن دينار الزاهد إلا إبراهيم بن زياد تفرد به ابن بكار وهو ممن يكنى أبا حازم ممن روى عن أبي هريرة أبو حازم هذا وقد روى عن سهل بن سعد، وأبو حازم التمار المدني، وأبو حازم الأشجعي الكوفي يروي عنه منصور، والأعمش يسمى ميسرة، وقد اختلف في اسمه وأبو حازم الذي روى عنه إسماعيل بن أبي خالد اسمه نبتل وهو كوفي.\nقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣١٢: رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه إبراهيم بن زياد القرشي قال البخاري: لا يصح حديثه، فإن أراد تضعيفه فلا كلام، وإن أراد حديثًا مخصوصا فلم يذكره، وأما بقية رجاله فهم رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣٨٠) وصحيح الترغيب (١٩٤١) و(٢٥٨٠).\n(^١) المجموع المغيث (٣/ ٢١٣).\n(^٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (٢٣١)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١١٠١)، والطبرانى في الأوسط (٨/ ١٧٦ - ١٧٧ رقم ٨٣٢٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٣٦٦) و(٥/ ٢٥٤)، والبيهقى في الشعب (١١/ ٣٢٩ - ٣٣٠ رقم ٨٦٠٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب =","vol":"10","page":611},{"text":"قوله: وروي عن أبي رزين العقيلي - ﵁ -: واسم أبي رزين لقيط بت عامر ويقال لقيط بن صبرة، وقيل: هو اثنان والصحيح الأول، وقال بعضهم: من قال لقيط بن صبرة نسبه إلى جدّه وهو لقيط بن عامر بن صبرة (^١) وهناك أبو رزين آخر اسمه مسعود بن مالك الكوفي، كان عالما فهما وهو مولى أبي وائل شقيق بن سلمة (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"إن المسلم إذا زار أخاه المسلم شيعه سبعون ألف ملك يصلون عليه\" الحديث، تقدم معنى الزيارة وتقدم أيضًا أن معنى الصلاة من الملائكة الاستغفار ومن اللّه بمعنى الرحمة ومن الآدميين تضرع ودعاء.\n\n٣٨٩٥ - وَعَن معَاذ بن جبل - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول قَالَ اللّه ﵎ وَجَبت محبتي للمتحابين فِي وللمتجالسين فِي وللمتزاورين فِي وللمتباذلين فِي رَوَاهُ مَالك بِإِسْنَاد صَحِيح وَفِيه قصَّة أبي إِدْرِيس وَسَيَأتِي بِتَمَامِهِ فِي الْحبّ للّه مَعَ حَدِيث عَمْرو بن عبسة (^٣).\n_________\n= (١٣٧٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عطاء الخراساني إلا ابنه عثمان، ولا عن عثمان إلا ابن علاثة، تفرد به: عمرو بن الحصين. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين، وهو متروك. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٦٤) و(٥٣٨٦) وضعيف الترغيب (١٥٢٩).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٢ ترجمة ٥٣٤)، وتهذيب الكمال (٢٤ / ترجمة ٥٥١٢).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٣١ ترجمة ٧٨٥).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢٧٤٤) ومن طريقه أحمد ٥/ ٢٣٣ (٢٢٠٨٣)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٨٩٠) و(٣٨٩١)، وابن حبان (٥٧٥). وقال الألباني: صحيح \"المشكاة\" (٥٠١١)، وصحيح الترغيب (٢٥٨١) و(٣٠١٨).","vol":"10","page":612},{"text":"قوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم.\nقوله: قال اللّه ﵎: \"وجبت محبتي للمتحابين فيّ وللمتجالسين فيّ\" سيأتي الكلام على لك في الحب في اللّه تعالى.\n\n٣٨٩٦ - وَرُوِيَ عَن بُرَيْدَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ إِن فِي الْجنَّة غرفا ترى ظواهرها من بواطنها وبواطنها من ظواهرها أعدهَا اللّه للمتحابين فِيهِ والمتزاورين فِيهِ والمتباذلين فِيهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\n\n٣٨٩٧ - وَعَن عون قَالَ قَالَ عبد اللّه يَعْنِي ابْن مَسْعُود - ﵁ - لأصْحَابه حِين قدمُوا عَلَيْهِ هَل تجالسون قَالُوا لا نَتْرُك ذَاك قَالَ فَهَل تزاورون قَالُوا نعم يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِن الرجل منا ليفقد أَخَاهُ فَيَمْشِي على رجلَيْهِ إِلَى آخر الْكُوفَة حَتَّى يلقاه قَالَ إِنَّكُم لن تزالوا بِخَير مَا فَعلْتُمْ ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَهُوَ مُنْقَطع (^٢).\nقوله: وعن عون [هو عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، الهذلي، الكوفي أخو عبيد اللّه بن عبد اللّه أحد الفقهاء السبعة. سمع ابن عمر، وأبا هريرة،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ١٩٣ رقم ٢٩٠٣). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن سعيد إلا عوين، تفرد به إسماعيل. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٧٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن سيف، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٥٣٨٧) وضعيف الترغيب (١٥٣٠) و(١٧٨٣).\n(^٢) أخرجه الدارمي (٦٤٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٠ رقم ٨٩٧٩). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٥: رواه الطبراني وإسناده منقطع. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٣١).","vol":"10","page":613},{"text":"ويوسف بن عبد اللّه بن سلام، وعائشة، ﵃. وسمع من التابعين أخاه، وأبا بردة، وغيرهما. وروى عن ابن مسعود، وابن عباس مرسلا لم يسمعهما. روى عنه الزهري، وأبو الزبير، وأبو إسحاق الشيباني، ومحمد بن عجلان، وآخرون من التابعين. قال يحيى بن مَعين وغيره: هو ثقة. روى له مسلم (^١)].\nقوله: \"هل تجالسون؟ \" قالوا: لا نترك ذلك، الحديث، تجالسون أصله تتجالسون بتاءين ومعنى المجالسة مفهوم.\nقوله: رواه الطبراني وهو منقطع الحديث، الحديث المنقطع في اصطلاح المحدّثين ما لم يتصل سنده على أي وجه كان انقطاعه فإن سقط منه رجلًا فأكثر سمي أيضًا معضلا بفتح الضاد المعجمة (^٢).\n\n٣٨٩٨ - وَرُوِيَ عَن زر بن حُبَيْش قَالَ أَتَيْنَا صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي فَقَالَ أزائرين قُلْنَا نعم فَقَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من زار أَخَاهُ الْمُؤمن خَاضَ فِي الرَّحْمَة حَتَّى يرجع وَمن عَاد أَخَاهُ الْمُؤمن خَاضَ فِي رياض الْجنَّة حَتَّى يرجع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤١ ترجمة ٤٧٣).\n(^٢) كشف المناهج (١/ ٥٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٦٧ رقم ٨٣٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٩). قال أبو نعيم: غريب من حديث محمد بن سوقة لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيف جدًّا الضعيفة (٥٣٨٨) وضعيف الترغيب (١٥٣٢).","vol":"10","page":614},{"text":"قوله: وروي عن زر بن حبيش، وحبيش بضم الحاء المهملة بن حباشة بضم الحاء أيضًا ابن أوس بن هلال الأسدي الكوفي التابعي المخضرم أدرك الجاهلية سمع عمر وعثمان وعليا وابن مسعود وآخرين من كبار الصحابة، واتفقوا على توتيقه وجلالته توفي سنة اثنين وثمانين وهو ابن مائة وثنتين وعشرين، وقيل: مائة وسبع وعشرين سنة (^١) أ. هـ.\nقوله: أتينا صفوان بن عسال المرادي، تقدم الكلام عليه في كتاب العلم.\n\n٣٨٩٩ - وَعَن جُبَير بن مطعم - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - انْطَلقُوا بنَا إِلَى بني وَاقِف نزور الْبَصِير رجل كَانَ كفيف الْبَصَر رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: وعن جبير بن مطعم - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: انطلقوا بنا إلى بني واقف نزور البصير، الحديث.\nقوله: بنو واقف، هذه النسبة إلى بطن من الأوس من الأنصار، يقال لهم بنو واقف واسم واقف مالك بن امرئ القيس بن مالك بن امرئ القيس واللّه أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٦ - ١٩٧ رقم ١٧٧).\n(^٢) أخرجه البزار (٣٤٢٥)، والطبراني في الكبير ٢/ ١٢٤ (١٥٣٣ و١٥٣٤)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٣٣٧ - ٣٣٨ رقم ٢٠٨٥٢) والشعب (١١/ ٤١٧ - ٤١٨ رقم ٨٧٦٠). قال البزار: لا نعلم أحدا وصل هذا إلا الجعفي، أحسبه أخطأ فيه؛ لأن الحُفَّاظ إنما يروونه عن ابن عيينة، عن عمرو، عن محمد بن جبير مرسلا. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٤: رواه البزار واللفظ له، والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح غير إبراهيم بن المستمر العروقي، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٨٢).","vol":"10","page":615},{"text":"قوله: يقال للأعمى بصير عدولا عن اسم النقص لأن في قوله الأعمى تنقيصا له وكسر قلب.\n\n٣٩٠٠ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - زر غبا تَزْدَدْ حبا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ثمَّ قَالَ لَا يعلم فِيهِ حَدِيث صَحِيح قَالَ الْحَافِظ وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَقد اعتنى غير وَاحِد من الْحفاظ بِجَمِيعِ طرقه وَالْكَلام عَلَيْهِ وَلم أَقف لَهُ على طَرِيق صَحِيح كَمَا قَالَ الْبَزَّار بل لَهُ أَسَانِيد حسان عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَغَيره وَقد ذكرت كثيرًا مِنْهَا فِي غير هَذَا الْكتاب وَاللّه أعلم (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"زر غِبًّا تزددْ حُبًّا\" الغب بكسر الغين المعجمة، وقت بعد وقت، يقال غب الرجل إذا جاء زائرا بعد أيام، وقال أبو عمرو غب الرجل إذا جاء زائر يومًا بعد أيام، وقال ابن فارس: الغب أن ترد الإبل الماء\n_________\n(^١) أخرجه أبو حاتم في العلل (٢١٧٢)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (١٠٤)، والطبراني في الكبير (١٤/ ١٣٣ رقم ١٤٧٥٦)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٠٣)، وأبو الشيخ في الأمثال (١٨)، وعلي بن عمر الحربي في الفوائد المنتقاة عن الشيوخ العوالي (١٠٩) وتمام في الفوائد (١٢٠٨/ الروض البسام)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٣٠٠)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٢٣٣ و١٢٣٤).\nقال أبو حاتم: وليس هذا الحديث بصحيح، إنما يرويه ضمام مبترا. قال أبو بكر البزار (١٦/ ١٩١): ليس في زر غبا تزدد حبا عن النبي - ﷺ - حديث صحيح. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٥: رواه الطبراني وإسناده حسن، والله أعلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٨٣).","vol":"10","page":616},{"text":"يومًا وتدعه يومًا ثم تعود وبهذا فسره الإمام أحمد بن حنبل في حديث وبه قال بعض الشارحين فنقله إلى الزيارة وإن جاء بعد أيام يقال: غب الرجل إذا جاء زائرا بعد أيام، وقال الحسن: في كلّ أسبوع ومنه الحديث: \"أغبوا في عيادة المريض\" لا تعودوه في كلّ يوم لما يجد من ثقل العواد قاله في النهاية (^١)، وقيل (^٢): أن يدهن ثم يترك إلى أن يجف تم يدهن وهو قول من فسر الغب بالوقت واللّه أعلم.\n\n٣٩٠١ - وروى ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عَطاء قَالَ دخلت أَنا وَعبيد بن عُمَيْر على عَائِشَة - ﵂ - فَقَالَت لِعبيد بن عُمَيْر قد آن لَك أَن تَزُورنَا فَقَالَ أَقُول يَا أمه كمَا قَالَ الأول زر غبا تَزْدَدْ حبا قَالَ فَقَالَت دَعونَا من بَطَالَتكُمْ هَذِه قَالَ ابْن عُمَيْر أَخْبِرِينَا بِأَعْجَب شَيْء رَأَيْته من رَسُول اللّه - ﷺ - فَذكر الحَدِيث فِي نزُول إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض الْبَقَرَة (^٣).\nوقوله: في رواية ابن حبان عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة - ﵄ -، الحديث، عبيد بن عمير [عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث ثم الجندعي، أبو عاصم المكي، قاص أهل مكة قال مسلم بن الحجَّاج: ولد في زمان النبي - ﷺ -، وقال غيره: رأى النبي - ﷺ - روى\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٣٦).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٥٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الإخوان (١٠٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٦١٨)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٢٤)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٢/ ٢٩٥)، وابن حبان (٦٢٠). وحسنه الألباني في: \"الصحيحة\" (٦٨)، \"صحيح الترغيب\" (٢٥٨٥).","vol":"10","page":617},{"text":"عن أبيه وله صحبة وعمر وعلي وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وأبي سعيد وعائشة وأم سلمة وابن عمر وابن عمرو وابن عباس وعبد اللّه بن حبشي وعنه ابنه عبد اللّه وقيل أنه لم يسمع منه وعطاء ومجاهد وعبد العزيز بن رفيع وعمرو بن دينار وأبو الزبير ومعاوية بن قرة ووهب بن كيسان وعبد اللّه وأبو بكر ابنا أبي مليكة وعبد الحميد بن سنان وغيرهم قال بن معين وأبو زرعة ثقة وقال العوام بن حوشب رأى بن عمر في حلقة عبيد بن عمير يبكي قال بن جريج مات عبيد بن عمير قبل بن عمر قلت وقال بن حبان في الثقات مات سنة ٦٨ وقال العجلي مكي تابعي ثقة من كبار التابعين كان بن عمر يجلس إليه ويقول للّه در بن قتادة ماذا يأتي به ويروي عن مجاهد قال نفخر على التابعين بأربعة فذكره فيهم (^١)].\n\n٣١ - وَعَن أم سَلمَة - ﵄ - قَالَت قَالَ لي رَسُول اللّه - ﷺ - أصلحي لنا الْمجْلس فَإِنَّهُ ينزل ملك إِلَى الْأَرْض لم ينزل إِلَيْهَا قطّ رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن التَّابِعِيّ لم يسم (^٢).\n\n٤١ - وَعَن أم بجيد - ﵂ - أنَّهَا قَالَت كَانَ رَسُول اللّه - ﷺ - يأتينا فِي بني عَمْرو بن عَوْف فأتخذ لَهُ سويقا فِي قعبة فَإِذا جَاءَ سقيتها إِيَّاه رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات سوى ابْن إِسْحَاق أم بجيد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم وَاسْمهَا\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب (٧/ ٧١ ترجمة ١٤٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢٩٦ (٢٦٥٣٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٧٤: رواه أحمد وفيه تابعي لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: منكر في الضعيفة (٦٠٨١) وضعيف الترغيب (١٥٣٣).","vol":"10","page":618},{"text":"حَوَّاء بنت يزِيد الْأَنْصَارِيَّة (^١).\nقوله: وعن أم بجيد - ﵂ -، قال الحافظ: أم بجيد بضم الباء الموحّدة، واسمها حواء بنت يزيد الأنصارية.\nقولها: كان رسول اللّه - ﷺ - يأتينا في بني عمرو بن عوف فأتخذ له سويقا في قعبة\" الحديث، بنو عمرو بن عوف [قبيلة معروفة من الأنصار، ﵃، ينسبون إلى عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان يسكنون قباء].\nوقولها: \"فاتخذلها سويقا في قعبة\" السويق: شيء يتخذ [من قمح أو شعير يدق حتى يكون شبه الدقيق، فإذا احتيج إلى أكله خلط بماء أو لبن، أو رب أو نحوه، وقال قوم: هو الكعك].\n\n٣٩٠٢ - وَعَنِ إبْرَاهِيم بن نشيط أَنه دخل على عبد اللّه بن جُزْء الزبيدِيّ - ﵁ - فَرمى إِلَيْهِ بوسادة كَانَت تَحْتَهُ وَقَالَ من لم يكرم جليسه فَلَيْسَ من أَحْمد وَلَا من إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\nقوله: وعن إبراهيم بن نشيط [إبراهيم بن نشيط بن يوسف الوعلاني،\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٥٩)، وأحمد ٦/ ٣٨٣ (٢٧١٥١)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٧٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٣٤).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (١٨٤) والزهد (٦١٤)، وسعيد بن منصور (٢٤٣٧)، وأبو داود في الزهد (٣٨٩)، وأبو حاتم في العلل (٢٣٣١)، والحربي في إكرام الضيف (٥٥)، والطبري في تهذيب الآثار (١٠٤٢/ مسند عمر)، والطبراني كما في جامع السنن (٥/ ١٣٤ رقم ٦٢١٦). قال أبو حاتم: روى هذا الحديث ابن المبارك، فقال: عن إبراهيم بن نشيط، عمن حدّثه، عن عبد اللّه بن الحارث بن جزء. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٥: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٣٥).","vol":"10","page":619},{"text":"ويقال: الخولاني، مولاهم، أبو بكر المصري، ويقال: الشامي، ويقال: المدني، ووعلان: بطن من مراد، دخل على عبد اللّه بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال أبو زرعة وأبو حاتم والدارقطني: ثقة، وقال أبو سعيد بن يونس: غزا القسطنطينية في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين مع مسلمة بن عبد الملك، وكانت له عبادة وفضل (^١)].\nقوله: أنه دخل على عبد اللّه بن جزء الزبيدي - ﵁ -: [هو عبد اللّه بن الحارث بن جزء بن عبد اللّه بن معد يكرب بن عمرو بن عسم، وقيل عصم بن عمرو بن عريج بن عمرو بن زبيد الزبيدي وزبيد من مذحج من اليمن وهو حليف أبي وداعة السهمي، سكن مصر وتوفي بها بعد أن عمر طويلا، وهو ابن أخي محمية بن جزء الذي كان على المقاسم يوم بدر، قال ابن منده: هو ابن أبي مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك، حليف بني سهم يكنى أبا الحارث، شهد بدرا، وتوفي سنة ست وثمانين، وقيل: بل قتل باليمامة، وقال: قاله لي أبو سعيد بن يونس، روى عنه يزيد بن أبي حبيب، وعقبة بن مسلم، وغيرهما (^٢)].\nقوله: فرمى إليه بوسادة كانت تحته، الحديث، الوسادة [هي المخدة].\nقوله: رواه الطبراني موقوفًا، تقدم الكلام على الحديث الموقوف في أماكن من هذا التعليق.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠ ترجمة ٢٦١).\n(^٢) أسد الغابة (٣/ ٢٠٤ ترجمة ٢٨٧٣).","vol":"10","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>[الترغيب في الضيافة وإكراه الضيف وتأكيد حقه وترهيب الضيف أن يقيم حتى يؤثم أهل المنزل]</span>\n٣٩٠٣ - عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليصل رَحمَه وَمن كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: عن أبي هريرة - ﵁ -: تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت\" الحديث، هذا الحديث فيه الحث على إكرام الضيف والإكرام بحقوقه هابراره وفيه التصريح بأنه ينبغي للإنسان الإمساك عن الكلام الذي ليس فيه خير ولا شر لأنه مما لا يعنيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ولأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام وهذا موجود في العادة وكثير واللّه أعلم (^٢) وتقدم الكلام على صلة الرحم المذكورة في هذا الحديث.\n\n٣٩٠٤ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو - ﵄ - قالَ دخل عَليّ رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ ألم أخبر أَنَّك تقوم اللَّيْل وتصوم النَّهَار قلت بلَى قَالَ فَلَا تفعل قُم ونم وصم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠١٨) و(٦١٣٦) و(٦١٣٨) و(٦٤٧٥)، ومسلم (٧٤ و٧٥ - ٤٧)، وأبو داود (٥١٥٤)، والترمذى (٢٥٠٠)، وابن ماجة (٣٩٧١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣١).","vol":"10","page":621},{"text":"وَأفْطر فَإِن لجسدك عَلَيْك حَقًا وَإِن لعينك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا وَإِن لزوجك عَلَيْك حَقًا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَقَوله وَإِن لزورك عَلَيْك حَقًا أَي وَإِن لزوارك وأضيافك عَلَيْك حَقًا يُقَال للزائر زور بِفَتْح الزَّاي سَوَاء فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمرو، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: دخل عليّ رسول اللّه - ﷺ - فقال: ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار، قلت: بلى قال: لا تفعل، الحديث.\nواختلف العُلماء في صوم الدهر فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر، وذهب جماهير العُلماء إلى جوازه إذا لم يصم الإيام المنهي عنها وهي العيدان وأيام التشريق ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين وأيام التشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لاي لحفه ضرر ولا يفوت حقا فإن تضرر أو فوت حقا فمكروه وقد ثبت عن ابن عمر أنه كان يسرد الصوم وكذلك أبو طلحة وعائشة وغيرهم من السلف، ويحمل النهي الوارد على من تضرر أو فوت به حقا (^٢)، وأما نهيه - ﷺ - عن قيام كلّ الليل دائما لكل أحد ففرقوا بينه وبين صوم الدهر في حق من لا يتضرر ولا يفوت به حقا بأن صلاة الليل كلّه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٤) و(١٩٧٥) و(١٩٧٧) و(٥١٩٩) و(٦١٣٤) ومسلم (١٨٢ و١٨٣ - ١١٥٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ٤٠).","vol":"10","page":622},{"text":"لابد فيها من الإضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق لأنه إذا لم ينم بالنهار حصل له ضرر (^١).\nحاصل الحديث بيان رفق النبي - ﷺ - بأمته وشفقته عليهم وإرشادهم إلى مصالحهم وحثهم على ما يطيقون المداومة عليه ونهيهم عن التعمق والإكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها أو تركها أو ترك بعضها، وقد بين ذلك بقوله - ﷺ -: \"عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن اللّه لا يمل حتى تملوا\" وقد ذم اللّه تعالى قوما أكثروا العبادة ثم فرطوا فيها فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (^٢) الآية (^٣)، أ. هـ.\nوتقدم الكلام عليه مبسوطًا وفي آخره: \"وإن لزورك عليه حقا\" أي وإن لزوارك وأضيافك عليك حقًّا، يقال للزائر زور بفتح الزاي سواء فبه الواحد والجمع أ. هـ قاله الحافظ.\n\n٣٩٠٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ إِنِّي مجهود فَأرْسل إِلَى بعض نِسَائِهِ فَقَالَت لا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاء ثمَّ أرسل إِلَى أُخْرَى فَقَالَت مثل ذَلِك حَتَّى قُلْنَ كلهنَّ مثل ذَلِك لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاء فَقَالَ من يضيف هَذَا اللَّيْلَة ﵀ فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ أَنا يَا رَسُول اللّه فَانْطَلق بِهِ إِلَى رَحْله فَقَالَ لامْرَأَته هَل عنْدك\n_________\n(^١) المصدر السابق (٨/ ٤١).\n(^٢) سورة الحديد، الآية: ٢٧.\n(^٣) المصدر السابق (٨/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"10","page":623},{"text":"شَيْء قَالَت لا إِلَّا قوت صبياني قَالَ فعلليهم بِشَيْء فَإِذا أَرَادوا الْعشَاء فنوميهم فَإِذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أَنا نَأْكُل وَفِي رِوَايَة فَإِذا أَهْوى ليَأْكُل فقومي إِلَى السراج حَتَّى تطفئيه قَالَ فقعدوا وَأكل الضَّيْف وباتا طاويين فَلَمَّا أصبح غَدا على رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما زَاد فِي رِوَايَة فَنزلت هَذِه الآيَة ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١) رَوَاهُ مسلم وَغَيره (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدمت ترجمته.\nقوله: جاء رجل إلى رسول اللّه - ﷺ - فقال: إني مجهود، الحديث، أي: أصابني الجهد بفتح الجيم وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع (^٣).\nقوله: أن النبي - ﷺ - لما أتاه المجهود أرسل إلى بعض نسائه فقالت: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك، فقال من يضيف هذا الليلة ﵀ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللّه فانطلق به إلى رحله، الحديث، الرجل الذي أضاف هو أبو طلحة الأنصاري، وقد جاء مصرحا به في بعض طرق مسلم.\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٨٩)، ومسلم (١٧٢ و١٧٣ - ٢٠٥٤)، والترمذى (٣٣٠٤)، وابن حبان (٥٢٨٦) و(٧٢٦٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١١).","vol":"10","page":624},{"text":"وقوله: فانطلق به إلى رحله، أي: إلى منزله، ورحل الإنسان هو منزله سوءا كان من حجر أو مدر أو شعر أو وبر.\nوقوله: فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء فإذا أرادوا العشاء فنوميهم، الحديث قال النووي (^١): وهذا محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورة لأن العادة أن الصبي إذا كان شبعا يطلب الطعام إذا رأى من يأكله وإذا تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضرجهم فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم [فإنهم لو كانوا على حاجة] ترك الأكل لكان إطعامهم واجبا ويجب تقديمهم على الضيف، فإن قلت: نفقة الأطفال واجبة والضيافة لم تكن واجبة، قلت: لعل ذلك كان فاضلًا عن قدر ضرورتهم، وقد أثنى اللّه ﷿ ورسوله - ﷺ - على هذا الرجل وامرأته فدل على أنهما لم يتركا واجبا بل أحسنا وأجملا - ﵄ - وأما هو وامرأته فآثرا على أنفسهما برضاهما مع حاجتهما وخصاصتهما فمدحهما اللّه تعالى وأنزل فيهما: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٢) الآية، والخصاصة الحاجة والفقر وأصل الخصاصة الخلل.\nقوله: في الرِّواية الأخري: \"فقعدوا وأكل الضيف وباتوا طاويين\" أي: جائعين والطوي ضمور البطن من الجوع قاله عياض (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢).\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٩.\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٣).","vol":"10","page":625},{"text":"وقوله: \"قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما\" قال القاضي عياض (^١): المراد بالعجب من اللّه تعالى رضاه ذلك الشيء، وقيل: مجازاته بالثواب، وقيل: تعظيمة ذلك، قال: وقد يكون المراد عجبت ملائكة الله.\nقال الخطابي (^٢): ويحتمل أن يكون التعجب للملائكة لأن الإيثار على النفس نادر في العادات مستغرب في الطباع فعجب منه الملائكة وإضافته إليه ﷾ تشريفا. قال الخطابي (^٣): إطلاق العجب لا يجوز على اللّه تعالى وإنما معناه الرضى وحقيقته أن ذلك الصنيع منهما حل من الرضى عند اللّه والقبول له ومضاعفة الثواب عليه محل العجب عندكم في الشيء التافه إذا رفع فوق قدره [وأعطى به] الأضعاف من [قيمته] أ. هـ.\nففي هذا الحديث فضيلة الإيثار والحث عليه، وقد أجمع العُلماء على فضيلة الإيثار بالإطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس، وأما القربات فالأفضل أن لا يؤثر بها لأن الحق فيها للّه تعالى (^٤) وفيه ما كان النبي - ﷺ - من الحلم والأخلاق المرضية والمحاسن المرضية والصبر وكرم النفس فـ - ﷺ - (^٥)، قال النووي (^٦): هذا الحديث مشتمل على فوائد كثيرة منها ما كان\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٦/ ٥٤٣ - ٥٤٤).\n(^٢) أعلام الحديث (٣/ ١٣٦٨) وكذلك قال النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٣).\n(^٣) أعلام الحديث (٣/ ١٩٢٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٢).\n(^٥) المصدر السابق (١٤/ ١٥).\n(^٦) المصدر السابق (١٤/ ١٢).","vol":"10","page":626},{"text":"عليه - ﷺ - وأهل بيته من الزهد في الدنيا والصبر على الجوع وضيق حال الدنيا، ومنها: أنه ينبغي لكثير القوم أن يبدأ في مواساة الضيف ومن يطرقهم بنفسه فيواسيه من ماله أو لا بما تيسر إن أمكنه ثم يطلب له على سبيل التعاون على البر والتقوى من أحصابه، ومنها: المواساة في حال الشدائد، ومنها: فضيلة إكرام الضيف وإيثاره، ومنها: منقبة لهذا الأنصاري وامرأته - ﵂ -، ومنها: الاحتيال في إكرام الضيف إذا كان يمتنع منه رفقا بأهل المنزل لقوله: (أطفئ السراج وأريه أنا نأكل) فإنه لو رأى قلة الطعام وأنهما لا يأكلان لامتنع من الأكل.\nقوله في الحديث: زاد في رواية فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١) الآية، والخصاصة الفاقة والحاجة وشح النفس [كثرة] طمعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد الأمل وهو خلق سوء (^٢)، قال ابن عطية (^٣): أثنى اللّه تعالى على الأنصار بأنهم يحبون المهاجرين وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم قد وقوا شح أنفسهم لأن مقتضى قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ (^٤) الآية، أن هؤلاء الممدوحين قد وقوا الشح، قال حذيفة العدوي: طلبت يوم اليرموك ابن عم لي في الجرحي\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٩.\n(^٢) تفسير الثعالبى (٥/ ٤١٠)، وتفسير ابن عطية (٥/ ٢٨٨).\n(^٣) تفسير ابن عطية (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(^٤) سورة الحشر، الآية: ٩.","vol":"10","page":627},{"text":"ومعي شيء من الماء فوجدته فقلت أسقيك فأشار نعم فسمع رجلًا يتأوه فأشار ابن عمي أن انطلق إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاصي فقلت أتشرب فقال نعم، فإذا آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات فعجبت من إيثارهم ﵏ وإيانا، وقال أبو زيد البسطامي: قدم علينا شاب من بلخ حاجا فقال لي ما حد الزهد عندكم فقلت إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ، قلت: فما الزهد عندكم؟ قال: إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا.\nفالإيثار ضد الشح فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه والشحيح حريص على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شح عليه وبخل بإخراجه فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل كما قال النبي - ﷺ -: \"إياكم والشح\" الحديث، فالبخيل من أجاب داعي الشح والمؤثر من أجاب داعي الجود وكذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء وهو أفضل من سخاء البذل، قال عبد اللّه بن المبارك - ﵁ -: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل وهذا المنزل هو منزل الجود والسخاء والإحسان وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى منازله فإن المنازل ثلاثة إحداها: أن لا ينقصه البذل، ولا يصعب عليه. فهو منزلة السخاء، الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقى له شيئًا أو يبقى مثل ما أعطى فهو الجود، الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه فهي مرتبة الإيثار وعكسها الأثرة وهي استئثاره","vol":"10","page":628},{"text":"عن أخيه بما هو محتاج إليه وهي المرتبة التي قال فيها النبي - ﷺ - للأنصار: \"إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا\" الحديث، والأنصار هم الذين وصفهم اللّه تعالى بالإيثار في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١) فوصفهم اللّه تعالى بأعلى مراتب السخاء، وكان ذلك فيهم معروفا وكان قيس بن سعد بن عبادة - ﵄ - من الأجواد المعروفين. حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة. فسأل عنهم، فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى اللّه مالا يمثع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده، وقالوا له يومًا: هل رأيتُ أسخي منك؟ قال: نعم نزلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها. فقالت: إنه نزل بك ضيفان. فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم، فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها. فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر. وهو يفعل ذلك. فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه، ومضينا. فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا. قفوا أيها الركب اللئام. أعطيتموني ثمن قراي؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي فأخذناه وانصرف (^٢).\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٩.\n(^٢) مدارج السالكين (٧/ ١٧ - ١٩).","vol":"10","page":629},{"text":"وقال عبد اللّه بن مسعود: والذي لا إله غيره ما من رجل من المهاجرين إلا وللأنصار عليهم شكر واللّه لقد ءاووا خائفنا وأطعموا جائعنا وكسوا عارينا ومرضوا مريضنا، ونظر عبد اللّه بن جعفر إلى غلام أسود قد أخرج قوتا كان يجري عليه في كلّ يوم فألقاه إلى كلب كان بحضرته فقال عبد اللّه: آثرت هذا الكلب قال: ما هي بأرض كلاب ولا شك أنه جاء من مسافة بعيدة فكرهت أن يرجع وهو جائع، قال: مما أنت بصانع اليوم قال: أطوني نهاري قال: فاشتري عبد اللّه الغلام فأعتقه (^١) وفضائل الأجواد كثيرة لا تنحصر واللّه أعلم.\n\n٣٩٠٦ - وَعَن أبي شُرَيْح خويلد بن عَمْرو - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه جائزته يَوْم وَلَيْلَة والضيافة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة وَلَا يحل لَهُ أَن يثوي عِنْده حَتَّى يُخرجهُ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة قَالَ التِّرْمِذِيّ وَمعنى لا يثوي لا يُقيم حَتَّى يشْتَد على صَاحب الْمنزل والحرج الضّيق انْتهى وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ لا يحل للضيف أَن يُقيم عِنْده بعد ثَلَاثَة أَيَّام من غير استدعاء مِنْهُ حَتَّى يضيق صَدره فَيبْطل أجره انْتهى قَالَ الْحَافِظ وللعلماء فِي هَذَا الحَدِيث تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا أَنه يُعْطِيهِ مَا يجوز بِهِ ويكفيه فِي يَوْم وَلَيْلَة إِذا اجتاز بهِ وَثَلَاثَة أَيَّام إِذا قَصده وَالثَّاني يُعْطِيهِ مَا يَكْفِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَة يستقبلهما بعد ضيافته (^٢).\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٢٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠١٩) و(٦١٣٥) و(٦٤٧٦)، ومسلم (٧٧ - ٤٨) و(١٤ و١٥ و١٦ - ٤٨)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذى (١٩٦٧) و(١٩٦٨)، وابن ماجة (٣٦٧٢) و(٣٦٧٥).","vol":"10","page":630},{"text":"قوله: وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة\" قال الخطابي: جائزة الضيف يوم وليلة [معناه أنه يتكلف له إذا نزل به الضيف يومًا وليلة فيتحفه ويزيده في البر على ما يحضره في سائر الأيام وفي اليومين الآخرين يقدم له ما حضر، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقه، فإن زاد عليه استوجب به أجر الصدقة (^١)] وقيل: أي إذا اجتاز به وثلاثة أيام إذا قصده قاله عياض (^٢) وروي أبو داود أنه سئل مالك بن أنس عن قول النبي - ﷺ - \"جائزته يوم وليلة\" فقال: يكرمه ويتحفه و[يخصه] يوم وليلة وثلاثة أيام ضيافة، وقال العُلماء: معنى الحديث: الاهتمام [بالضيف] اليوم والليلة و[بما يمكن] من بر، وإلطاف يعني إكرامه بتقديم طعام حسن إليه مؤكد في اليوم الأول وليلته وأما في اليوم الثاني والثالث [يقدم له ما كان بحضرته ولا يزيد] على عادته وأما ما كان بعد الثالث فهو صدقة ومعروف، إن شاء فعل وإن شاء ترك (^٣).\n[و\"الجائزة\"] العطية والمنحة والصلة وذلك لا يكون إلا مع الاختيار (^٤) والجائزة فاعلة من الجواز وهي العطاء [لأنه] حق جوازه عليهم وهي مشتقة من الجواز وقدر بيوم وليلة لأن عادة المسافرين ذلك فيعطي ما يجوز [به\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٣/ ٢١٧٢).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٦٤).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ٢٣٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٨).","vol":"10","page":631},{"text":"مسافة] يوم وليلة، وتسمى الجيزة وهي قدر ما يجوز ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل والمعنى أنه يحتفل له في اليوم الأول يقال احتفل إذا أحسن القيام بالأمر ومنه الحديث: \"أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم\" أي: أعطوهم الجيزة والجائزة العطية يقال أجازه يجيزه إذا أعطاه قال الجوهري (^١): يقال إن أصل الجائزة إن والي فارس مر به [الاحنف] في جيشه غازيا إلى خراسان فوقف لهم على قنطرة فقال أجيزوهم ويعطي كلّ واحد بقدر حبيبه، أ. هـ.\nوقال الشيخ زين الدين بن رجب (^٢): ففي ها الحديث أن جائزة الضيف يوم وليلة وأن الضيافة ثلاثة أيام ففرق بين الجائزة والضيافة وأكد الجائزة وكذا ورد في تأكيدها أحاديث من جملتها قال: \"ليلة الضيف حق على كلّ مسلم\" أ. هـ[هذا محل قوله سابقا، قال الخطابي: الخ] إكرام الضيف بشاشة الوجه، قال اللّه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ (^٣) قيل: أكرمهم إبراهيم بتعجيل قراهم أي ضيافتهم والقيام بنفسه عليهم وطلاقه وجهه (^٤).\nقوله - ﷺ -: \"ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه\" الحديث، قال الحافظ نقلًا عن الترمذي: ومعنى يثوي عنده: لا يقيم حتى يشد على صاحب المنزل\n_________\n(^١) الصحاح (٣/ ٨٧١).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٣).\n(^٣) سورة الذاريات، الآية: ٢٤.\n(^٤) تفسير البغوى (٤/ ٢٨٥).","vol":"10","page":632},{"text":"والحرج الضيق انتهى وأصل الحرج الضيق ويقع على الإثم والحرام وقيل الحرج أضيق الضيق (^١) أي يضيق صدره ومعناه أي يعرضه للإثم حتى يتكلم بما لا يجوز من سيء القول فيأثم، وقد جاء في الرِّواية الأخرى \"حتى يؤثمه\" كما سيأتي قاله عياض (^٢) وعند بعض رواة مسلم حتى يؤلمه باللام ومعناه [قريب من الأولي] لو صحت الرِّواية ولكن الأول المعروف في التفسير واللّه أعلم. وقال الخطابي (^٣): معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء منه حتى يضيق صدره فيبطل أجره، أ. هـ.\nقال الحافظ ﵀: وفيه تأويلان للعلماء: أحدهما أنه يعطيه ما يجوز ويكفيه في يوم وليلة إذا اجاز به وثلاثة أيام إذا قصده، والثاني: يعطيه ما يكفيه يومًا وليلة ويستقبلهما بعد ضيافه، أ. هـ.\n\n٣٩٠٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول للضيف على من نزل بِهِ من الْحق ثَلَاث فَمَا زَاد فَهُوَ صَدَقَة وعَلى الضَّيْف أَن يرتحل لا يؤثم أهل الْمنزل رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات سوى لَيْث بن أبي سليم (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٣٦١).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٩).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ٢٣٨).\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٢٦٨٣)، ومسدد كما في المطالب (٢٣٨٨/ ٢ و٣)، البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٦٧)، والبزار (٩٦٧٤)، وأبو يعلى (٦١٣٤)، والدولابى في الكنى والأسماء (١٨٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٦٥). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٦: =","vol":"10","page":633},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -: تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"للضيف على من نزل به من الحق ثلاث فما زاد فهو صدقة وعلى الضيف أن يرتحل لا يؤثم أهل المنزل\" الحديث، وفي لفظ آخر: \"ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه\" الحديث، ويؤثمه بالتخفيف من أثمه بمعنى أثمه بالتشديد، ومعنى الحديث: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم لأنه قد يغتابه لطول مقامه أو يعرض له بما يؤذيه أو يظن به ما لا يجوز وقد قال اللّه تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (^١) وهذ كله محمول على ما إذا قام بعد الثلاث من غير استدعاء من الضيف فإن حبسه مطر أو علة أنفق من ماله على نفسه، أما إذا استدعاه وطلب زيادة إقامته أو علم أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما كان لكونه يؤثمه، وقد زال هذا المعنى والحالة هذه فلو شك في حال المضيف هل يكره الزيادة ويلحقه بها حرج أملا لم يحل له الزيادة إلا بإذنه لظاهر الحديث، واللّه أعلم (^٢)، قاله شارح مشارق الأنوار.\nواعلم أن الضيافة من آداب الإسلام وخلق النبيين والصالحين وأحاديث الباب متظاهرة على الْأَمر بالضيافة والإهتمام بها وعظيم موقعها، وقد أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام ثم قال الشافعي ومالك\n_________\n= رواه أبو يعلى والبزار، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٩٠).\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٢.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣١)، ومبارق الأزهار (١/ ٤٨٧).","vol":"10","page":634},{"text":"أبو حنيفة والجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على استحبابها ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف كحديث غسل الجمعة واجب على كلّ محتلم أي متأكد الاستحباب وقال الليث والإمام أحمد: هي واجبة يومًا وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن (^١)، أ. هـ وقال القاضي عياض: واختلف هل الضيافة على الحاضر والبادي أو على البادي خاصة فذهب الشافعي ومحمد بن الحكم إلى أنها عليهما، وقال الإمام مالك وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادي لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق ومواضع النزول وما يشتري في الأسواق، وقد جاء في حديث الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر ولكن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة وقد تتعين الضيافة لمن اجتاز محتاجا وخيف عليه وعلى أهل الذمة إذا شرطت عليهم قاله النووي في شرح مسلم (^٢).\n\n٣٩٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ أَيّمَا ضيف نزل بِقوم فَأصْبح الضَّيْف محروما فَلهُ أَن يَأْخُذ بِقدر قراه وَلَا حرج عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٢/ ٣٠ - ٣١).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٢٧٦)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٨ - ١٩).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٠ (٨٩٤٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٨١٦) و(٢٨١٧)، وفي معاني الآثار (٦٦٣٧ و٦٦٣٢)، والطبرانى في الشاميين (٢٠٦٢)، والحاكم (٤/ ١٤٧).\nوصححه الحاكم. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٥: رواه أحمد، ورجاله ثقات.\nوصححه الألباني في الصحيحة (٦٤٠) وصحيح الترغيب (٢٥٩١).","vol":"10","page":635},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه\" الحديث.\nقوله - ﷺ -: \"فإنه يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله\" الأكثرون على أن حق بمعنى المتأكد [الاستحباب] عليه، وفيه أحاديث كثيرة، وقد أجمع المسلمون على الضيافة أنها من متأكدات الإسلام قال في المفهم (^١): حتى أن من تركها [يذم] عرفا فنحن وإن لم نقل أنها واجبة شرعا فهي متعينة لما يحصل منها من المصالح ويندفع بها من المضار عادة وعرفا. فقوله: \"ليلة الضيف حق\" الحديث جعلها حقا من طريق المعروف والمروءة ولم يزل قرى الضيف من شيم الكرام ومنع القرى مذموم (^٢) ومنه الحديث أيما رجل أضاف قوما فأصبح محروما فإن نصره حق على كلّ مسلم، الحديث قال الخطابي (^٣): يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي يخاف على نفسه التلف ولا يجد ما يأكله فله أن يتناول من مال أخيه المسلم بقدر حاجته الضرورية وقد اختلف الفقهاء في حكم ما يأكله هل يلزمه في مقابلته شيء أم لا فقال بعضهم على الضمان وتقدم الكلام على ذلك في غير هذا الحديث، قال العُلماء: فله أن يأخذ بقدر قراه عوضا مما أحرموه من القرى وهذا في\n_________\n(^١) المفهم (١٦/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٢٣٨).\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ٢٣٩)، وعنه ابن الأثير في النهاية (١/ ٤١٤).","vol":"10","page":636},{"text":"المضطر الذي لا يجد طعاما ويخاف على نفسه التلف (^١) أ. هـ.\nلطيفة: قال بعض العُلماء: لكل شيء زكاة وزكاة الدار بيت الضيافة (^٢)، أ. هـ.\n\n٣٩٠٩ - وَعَن أبي كَرِيمَة وَهُوَ الْمِقْدَام بن معديكرب الْكِنْدِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لَيْلَة الضَّيْف حق على كل مُسلم فَمن أصبح بفنائه فَهُوَ عَلَيْهِ دين إِن شَاءَ قضى وَإِن شَاءَ ترك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة (^٣).\nوعن أبي كريمة هو المقدام بن معدي كرب الكندي، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ليلة الضيف حق على كلّ مسلم\" الحديث، قال الخطابي (^٤): يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي لا يجد ما يطعمه ويخاف التلف على نفسه من الجوع وإذا كان بهذه الصفة كان له أن يتناول من مال\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ٢٩٩).\n(^٢) روى هذا الكلام مرفوعًا: أخرجه السهمى في تاريخ جرجان (ص ٤٠٤)، والخطيب في الجامع (١٥١٥)، وبيبى في جزئها (١١٩)، والجورقانى في الأباطيل والمناكير (٤٥٠ و٤٥١ و٤٥٢). قَالَ النهرواني هَذَا حَدِيث مُنكر. قال الجورقانى: هذا حديث منكر، وعبد الله بن عبد القدوس، مجهول لا يعرف. وقال الذهبي في الميزان ١/ ١١٩: قال النقاش - في الموضوعات له: وضعه أحمد أو شيخه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣١٨).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٣٠ (١٧١٧٢) و(١٧١٧٣) و٤/ ١٣٢ (١٧١٩٥) و(١٧١٩٦) و٤/ ١٣٣ (١٧٢٢٠)، وهناد في الزهد ٢/ ٥١٢، والبخارى في الأدب المفرد (٧٤٤)، وأبو داود (٣٧٥٠)، وابن ماجة (٣٦٧٧)، والطحاوى في مشكل الآثار (١٨٣٩) و(٢٨١٢ و٢٨١٣) ومعانى الآثار (٦٦٣٤ و٦٦٣٥ و٦٦٣٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٩٢)، الصحيحة (٢٢٠٤).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ٢٣٩).","vol":"10","page":637},{"text":"أخيه ما يقيم به نفسه وإذا فعل ذلك فقد اختلف الناس هل يلزمه له قيمة فذهب بعضهم إلى أنه يؤدي إليه قيمته وهذا يشبه مذهب الشافعي، وقال آخرون: لا يلزمه له قيمة وهذ إلى هذا القول نفر من أصحاب الحديث، واحتجوا بأن أبا بكر الصديق حلب لرسول اللّه - ﷺ - لبنا من غنم لرجل من قريش فيها عبد يرعاها وصاحبها غائب وشربه رسول اللّه - ﷺ - وذلك في مخرجه من مكة إلى المدينة، واحتجوا أيضًا بحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"من دخل حائطا فليأكل منه ولا يتخذ خُبنة\" (^١) وعن الحسن أنه قال: إذا مر الرجل بالإبل وهو عطشان صاح برب الإبل ثلاثًا فإن أجابه وإلا حلب وشرب، وقال زيد بن أسلم: ذكروا الرجل يضطر إلى الميتة وإلى مال المسلم فقال: يأكل الميتة، وقال عبد اللّه بن دينار: يأمل مال المسلم، فقال سعيد أصبت إن الميتة تحل إذا اضطر إليها ولا يحل له مال المسلم، أ. هـ.\nوعن عقبة بن عامر أنه قال: قلنا لرسول اللّه - ﷺ -: إنك تبعثنا - فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى في لك فقال لنا رسول اللّه - ﷺ -: \"إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوه وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم\" رواه الجماعة إلا النسائي ورواه البخاري ومسلم وغيرهم هذا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٢٨٧) والعلل (٣٣٩)، وابن ماجة (٢٣٠١). قال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد اللّه يهم فيها.\nوكأنه لم يعرف هذا إلا من حديث يحيى بن سليم. وقال في السنن: حديث ابن عمر حديث غريب، لا نعرفه من هذا الوجه إلا من حديث يحيى بن سليم. وحسنه الألباني في المشكاة (٢٩٥٤).","vol":"10","page":638},{"text":"الحديث (^١)، حمله الليث والإمام أحمد على ظاهره وتأوله الجمهور على أوجه، أحدها: أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة فإذا لم يضيفوهم فلهم أن يأخذوا حاجتهم من مال الممتنعين، والثاني: أن المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم وتذكروا للناس لؤمهم وبخلهم والعيب عليهم وذمهم، والثالت: أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك، هكذا حكاه القاضي عياض (^٢)، قال النووي (^٣): هذا تأويل ضعيف أو باطل الذي ادعاه قائله [لا يعرف والرابع:] أنه محمول على من [مر بأهل الذمة] الذين شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين وهو أيضًا ضعيف إنما صار هذا في زمن عمر - ﵁ -، وقد رأى مالك سقوط ما وجب عليهم من ذلك لما أحدّث عليهم من الظلم (^٤)، أ. هـ\nوقال في موضع آخر: وأما المواساة فهي واجبة إذا أدى الحال إلى موت المحتاج أو إضاعته لم ينسخ أبدًا وقد صرح في المفهم بالوجوب إلى يوم القيامة مهما نزل حاجة أو مجاعة في السفر أو في الحضر (^٥) أما إذا لم يصل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٦١) و(٦١٣٧)، ومسلم (١٧ - ١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذى (١٥٨٩)، وابن ماجة (٣٦٧٦).\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ٢٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣٢).\n(^٤) المفهم (١٦/ ١١٠).\n(^٥) المصدر السابق (١٦/ ١١١).","vol":"10","page":639},{"text":"إلى هذه الحال فنص النووي على استحبابها واللّه أعلم (^١).\n\n٣٩١٠ - وَعنهُ - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أَيّمَا رجل أضَاف قوما فَأصْبح الضَّيْف محروما فإن نَصره حق على كلّ مُسلم حَتَّى يَأْخُذ بقرى ليلته من زرعه وَمَاله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).\nقوله: وعنه - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أيما رجل استضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كلّ مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله\" الحديث، تقدم الكلام عليه.\n\n٣٩١١ - وَعَن التلب - ﵁ -: قالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول الضِّيَافَة ثَلَاثَة أيَّام حق لازم فَمَا كَانَ بعد ذَلِك فصدقة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد فِيهِ نظر (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٣٣).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٢٤٥)، وأحمد ٤/ ١٣١ (١٧١٧٨) و٤/ ١٣٣ (١٧١٩٧) و(١٧١٩٨)، وأبو داود (٣٧٥١)، والدارمي (٢١٩٩)، والنسائي في الإغراب (٢٢٢)، والحاكم (٤/ ١٣٢). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٨٨١) وضعيف الترغيب (١٥٣٦).\n(^٣) أخرجه الحربى في إكرام الضيف (١٢٣)، والرويانى (١٤٦١)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١١٢)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٩٧ رقم ٢٦٠٤) والكبير (٢/ ٦٣ رقم ١٢٩٧)، وأبو نعيم في المعرفة (١٣١٨ و١٣١٩). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٦: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه من لم أعرفه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٩٣).","vol":"10","page":640},{"text":"قوله: وعن التلب - ﵁ -[هو التلب بن ثعلبة بن ربيعة بن عطية بن الأخيف وهو مجفر بن كعب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر التميمي العنبري، نسبه كذلك خليفة بن خياط، سكن البصرة، يكنى أبا الملقام. روى عنه ابنه ملقام ابن التلب (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"الضيافة ثلاثة أيام حق لازم\" الحديث، تقدم الكلام عليه.\n\n٣٩١٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من كانَ يُؤمن بِاللّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ رجل وَمَا كرَامَة الضَّيْف يَا رَسُول اللّه قَالَ ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا زَاد بعد ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة رَوَاهُ أَحْمد مطولا مُخْتَصرا بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى (^٢).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) الاستيعاب (١/ الترجمة ٢٤١)، وأسد الغابة (١/ ٥٠٩)، وتهذيب الكمال (٤/ ٧٩٧)، والإصابة (١/ ترجمة ٨٣١).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر (٢٠٥٢٨) ومن طريقه أحمد في المسند (٣/ ٣٧ رقم ١١٣٢٥)، وعبد بن حميد (٨٧٠)، والبيهقى في الكبرى (٩/ ٣٣١ رقم ١٨٦٩١)، وأحمد ٣/ ٨ (١١٠٤٥) و٣/ ٢١ (١١١٥٩) و٣/ ٦٤ (١١٦١٥) و٣/ ٧٦ (١١٧٢٦) و٣/ ٨٦ (١١٨١٢)، والحارث بن أبي أسامة (٩٢٢/ بغية الباحث)، والبزار كما في كشف الأستار (١٩٣١ و١٩٣٢)، وأبو يعلى (١٢٤٤) و(١٢٨٧)، وابن حبان (٥٢٨١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٩٩) و(٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد إلا حمَّاد بن سلمة.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٦: رواه أحمد مطولا هكذا ومختصرا بأسانيد، وأبو يعلى والبزار، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح. وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٢٥٩٤).","vol":"10","page":641},{"text":"قوله: قال رجل: وما كرامة الضيف يا رسول اللّه؟ قال: \"ثلاثة أيام فما زاد بعد ذلك فهو صدقة\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٣٩١٣ - وَعَن عبد اللّه يَعْنِي ابْن مَسْعُود - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا زَاد فَهُوَ صَدَقَة وكل مَعْرُوف صَدَقَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن عبد اللّه يعني ابن مسعود - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٣٩١٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من أَقامَ الصَّلاة وَآتى الزَّكَاة وَصَامَ رَمَضَان وقرى الضَّيْف دخل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٥٨٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث مسلم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه، إلا من حديث عبد ربه، ولم نسمعه إلا من إسحاق. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد (٤/ ١٠٧ - ١٠٨): تفرد به أبو نبهان عن مسلم الأعور عن إبراهيم ولم يروه غير إسحاق بن بهلول عن أبيه عنه. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٦: رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٩٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده؛ كما في المطالب العالية (٣٠٧) وإتحاف الخيرة (١/ ٤١١ رقم ٧٥٠)، والحربى في إكرام الضيف (٥٠) والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٦ رقم ١٢٦٩٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤١٥)، وأبو الشيخ في طبقات المحدّثين بأصبهان (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (٢٣). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٤٥ - ٤٦: رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده حبيب بن حبيب أخو حمزة بن حبيب الزيات، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٥٩) و(١٥٣٧).","vol":"10","page":642},{"text":"قوله - ﷺ -: \"من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة\" الحديث.\nقوله: \"فما يقرونا؟ \" بفتح الياء يقال قريت الضيف أقر به قري بكسر القاف والقصر وقرى بالفتح والمد أحسنت إليه واللّه أعلم.\n\n٣٩١٥ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْمَلَائِكَة تصلي على أحدكُم مَا دَامَت مائدته مَوْضُوعَة رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدمت ترجمتها.\nقوله: \"الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة\" تقدم الكلام على الصلاة من الملائكة أنها الاستغفار وتقدم الكلام أيضًا على الأصبهاني، وقال أنس بن مالك: كلّ بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (١٠٢٥) ومن طريقه البيهقى في الشعب (١٢/ ١٤١ رقم ٩١٧٩)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٣٨)، والطبراني في الأوسط (١/ ٣٠٨ رقم ١٠٣٥) و(٥/ ٨٠ - ٨١ رقم ٤٧٢٩) ومكارم الأخلاق (١٦٠)، والسلمى في الأربعون (٢٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٠٣٦). قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: مندل بن علي. وقال العراقى في تخريج الإحياء (٤٤٠): أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة بسند ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مندل بن علي، وهو ضعيف جدًّا، وقد وثق. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٧٢) و(٧١٠٧) وضعيف الترغيب (١٥٣٨).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ١٣).","vol":"10","page":643},{"text":"تتمة: قال في الإحياء (^١): من آداب الضيافة أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم لأنهم يستحيون بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلا؛ كان بعض الكرام يخير القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون فإذا قاربوا الفراغ جثى على ركبتيه ومد يده إلى الطعام وأمل وقال بسم اللّه ساعدوني بارك اللّه عليكم وكان السلف يستحسنون منه ذلك، وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه - ﷺ - \"إذا وضعت المائدة فلا يقوم رجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ القوم وليعذر فإذا ذلك الرحل يخجل جليسه فيقبض يده وعسى أن يكون له في الطعام حاجة\" انفرد به ابن ماجه (^٢) قاله في الديباجة.\n\n٣٩١٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - الْخَيْر أسْرع إِلَى الْبَيْت الَّذِي يُؤْكَل فِيهِ من الشَّفْرَة إِلَى سَنَام الْبَعِير رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث أنس وَغَيره قَالَ الْحَافِظ وَتقدم بَاب فِي إطْعَام الطَّعَام وَفِيه غير مَا حَدِيث يَلِيق بِهَذَا الْبَاب لم نعد مِنْهَا شَيْئا (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ١٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٢٩٥)، وأبو بكر الزبيرى في الفوائد (٨٩)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٧٤)، والبيهقى في الشعب (٨/ ٤٦ - ٤٧ رقم ٥٤٧٨). وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٢٣٨)، المشكاة (٤٢٥٤/ التحقيق الثاني).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١١٦ رقم ١٢٦٣٨) عن ابن عباس. وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ٣٣: هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني في المشكاة (٤٢٦٥/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (١٥٣٩). وأخرجه ابن ماجه (٣٣٥٦)، وابن أبي الدنيا في قرى الضيف (٤٦)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩ رقم ٣١٧٤)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ١٤٠ رقم ٩١٧٧). وقال البوصيرى في الزجاجة =","vol":"10","page":644},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم.\nقوله: \"الخير أسرع إلى البيت الذي يؤكل فيه من الشفرة إلى سنام البعير\" الحديث، هي السكين، وسميت شفرة لأنها [...] (^١) وسنام البعير هو أعلاه.\n\n٣٩١٧ - وَعَن شهَاب بن عباد أَنه سمع بعض وَفد عبد الْقَيْس وهم يَقُولُونَ قدمنَا على رَسُول اللّه - ﷺ - فَاشْتَدَّ فَرَحهمْ فَلَمَّا انتهينا إِلَى الْقَوْم أوسعوا لنا فَقَعَدْنَا فَرَحَّبَ بِنَا النَّبِيّ - ﷺ - ودعا لنا ثمَّ نظر إِلَيْنَا فَقَالَ من سيدكم وزعيمكم فأشرنا جَمِيعًا إِلَى الْمُنْذر بن عَائِذ فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - أَهَذا الأشَج فَكَانَ أول يَوْم وضع عَلَيْهِ الاسْم لضربة كَانَت بِوَجْهِهِ بحافر حمَار قُلْنَا نعم يَا رَسُول اللّه فَتخلف بعد الْقَوْم فعقل رواحلهم وَضم مَتَاعهمْ ثمَّ أخرج عيبته فَألْقى عَنهُ ثِيَاب السّفر وَلبس من صَالح ثِيَابه ثمَّ أقبل إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - وَقد بسط النَّبِيّ - ﷺ - رجله واتكأ فَلَمَّا دنا مِنْهُ الأشَج أوسع الْقَوْم لَهُ وَقَالُوا هَهُنَا يَا أشج فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ - واستوى قَاعِدا وَقبض رجله هَهُنَا يَا أشج فَقعدَ عَن يَمِين رَسُول اللّه - ﷺ - فَرَحَّبَ بِهِ وألطفه وَسَأَلَهُ عَن بِلَادهمْ وسمى لَهُم قَرْيَة قَرْيَة الصَّفَا والمشقر وَغير ذَلِك من قرى هجر فَقَالَ بِأبي وَأمي يَا رَسُول اللّه لأَنْت أعلم بأسماء قرانا منا فَقَالَ إِنِّي وطِئت بِلادكُمْ وفسح لي فِيهَا قَالَ ثمَّ أقبل على الأَنْصَار فَقَالَ يَا معشر الْأَنْصَار أكْرمُوا إخْوَانكُمْ فَإِنَّهُم أشباهكم فِي الإِسْلَام أشبه\n_________\n= ٤/ ٣٣: هذا إسناد ضعيف لضعف كثير وجبارة. وضعفه الألباني في المشكاة (٤٢٦٠/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب (١٥٤٠).\n(^١) بياض بالأصل.","vol":"10","page":645},{"text":"شَيْء بكم أشعارا وأبشارا أَسْلمُوا طائعين غير مكرهين وَلَا موتورين إِذْ أَبى قوم أَن يسلمُوا حَتَّى قتلوا قَالَ فَلَمَّا أَصْبحُوا قَالَ كيفَ رَأَيْتُمْ كَرَامَة إخْوَانكُمْ لكم وضيافتهم إيَّاكُمْ قَالُوا خير إخْوَان ألانوا فرشنا وأطابوا مطعمنا وَبَاتُوا وَأَصْبحُوا يعلمونا كتاب رَبنَا ﵎ وَسنة نَبينَا - ﷺ - فأعجب النَّبِيّ - ﷺ - وَفَرح وَهَذَا الحَدِيث بِطُولِهِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح العيبة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت بعْدهَا بَاء مُوَحدَة هِيَ مَا يَجْعَل الْمُسَافِر فِيهِ الثِّيَاب (^١).\nقوله: وعن شهاب بن عباد [هو شهاب بن عباد العبدي العصري البصري والد هود بن شهاب روى عن: أبيه عباد العصري، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وعن بعض وفد عبد القيس قصة وفادتهم إلى النبي - ﷺ - ذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\" (^٢)].\nقوله: أنه سمع بعض وفد عبد القيس وهم يقولون قدمنا على رسول اللّه - ﷺ - فاشتد فرحهم بنا، الحديث، الوفد: جمع وافد مثل صاحب وصحب وراكب وركب، والوافد هو الذي يرد على السلطان رسولا هذا أصله، وقال صاحب التحرير: الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣ (١٥٥٥٩) و٤/ ٢٠٣ - ٢٠٧ (١٧٨٣١)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٩٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٧٧ - ١٧٨: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وضعفه اللبانى في ضعيف الترغيب (١٥٤١).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٢/ الترجمة ٢٧٧٨)، وتهذيب التهذيب: ٤/ ٣٦٨.","vol":"10","page":646},{"text":"العظماء والمصير إليهم في المهمات واحدهم وافد (^١)، أ. هـ.\nوقال صاحب المغيث (^٢): والوفد هم القوم يجتمعون فيردون البلاد وفي حديث آخر: \"وفد اللّه ثلاثة\" وفي حديث الشهداء: \"فإذا قتل فهو وافد لسبعين يشفع لهم\" قال عبد الغافر: أي وارد على هؤلاء، أ. هـ.\nقوله: عبد القيس، وعبد القيس هو ابن أقصى يعني بفتح الهمزة وبالقاف وبالصاد المهملة المفتوحة وعبد القيس من ربيعة وهي قبيلة عظيمة من قبائل العرب، قال صاحب التحرير: وكان سبب وفودهم أن منقذ بن حيان أحد بني غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب في الجاهلية فشخص أي سافر إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبي - ﷺ - إليها فبينا منقذ بن حيان قاعدا إذ مر به النبي - ﷺ - فنهض منقذ إليه فقال النبي - ﷺ - لمنقذ بن حيان: \"كيف جميع هاتيك وقومك\" ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (^٣) ثم رحل قبل هجر فكتب النبي - ﷺ - إلى جماعة عبد القيس كتابا فذهب وكتمه أياما ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة بن الحارث العصري بفتح العين والصاد المهملتين هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله ابن عبد البر والأكثرون أو الكثيرون، وقال الكلبي: اسمه المنذر بن الحارث بن زيادة بن عصر بن عوف وقيل: عائذ بن المنذر وقيل: المنذر بن الحارث وقيل: غير ذلك، والمنذر هو\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٨١).\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٤٣٨).\n(^٣) سورة العلق، الآية: ١.","vol":"10","page":647},{"text":"الإشج وكان منقذ - ﵁ - يصلي ويقرأ فأنكرت امرأته ذلك فذكرته لأبيها المنذر فقالت أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب أنه يغسل أطرافه ويستقبل الجحفة يعني القبلة، فيحني ظهره ويضع جبينه مرة، ذلك ديدنه منذ قدم فتلاقيا فتحاربا ذلك فوقع الإسلام في قلبه ثم سار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول اللّه - ﷺ - فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم وأجمعوا على السير إلى رسول اللّه - ﷺ - (^١)، أ. هـ قال بعض العُلماء: وكانوا أربعة عشر راكبا فسار الوفد فلما دنوا من المدينة قال النبي - ﷺ - لجلسائه: أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري وهو رئيسهم غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين إذا لم يسلم قوم حتى وتر (^٢)، أ. هـ.\nقوله: فرحب بنا النبي - ﷺ - ودعا لنا، الحديث، وفي لفظ آخر فقال: مرحبا بالقوم وهو منصوب على المصدر استعملته العرب وأكثرت يريدون به البر وحسن اللقاء ومعناه صادفت رحبًا وسعة (^٣).\nقوله: \"وسمى لهم قرية المشقر وقرية الصفا وغير ذلك من قرى هجر\" الحديث، وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قريت الماء في الحوض إذا جمعته قاله في شرح المشارق (^٤).\n\n٣٩١٨ - وَعَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ دخل عَلَيْهِ قوم يعودونه فِي مرض لَهُ فَقَالَ يَا جَارِيَة هَلُمِّي لِأَصْحَابِنَا وَلَو كسرا فَإِنِّي سَمِعت\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٨١).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ١٨٧).\n(^٤) مشارق الأنوار (٢/ ١٨١)، ومطالع الأنوار (٥/ ٣٤٦)، والمفهم (١١/ ٦٢).","vol":"10","page":648},{"text":"رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول مَكَارِم الأخْلَاق من أَعمال الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِى فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد (^١).\nوقوله: وعن حميد الطويل [هو أبو عبيدة، وقيل: أبو عبيد حميد بن أبي حميد، واسم أبي حميد تيرويه، وقيل: تير، وقيل: ذا ذويه، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: داود، وهو تابعى بصري، سمع أنس بن مالك، وسمع جماعات من التابعين. روى عنه يحيى الأنصارى التابعي، وعبيد اللّه العمري، ومالك، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وهشيم، والحمادان، وابن المبارك، وابن علية، ويحيى القطَّان، وخلائق، قيل: إنه كان قصيرا، طويل اليدين، فقيل: حميد الطويل، قيل: كان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه رأسه والأخرى رجليه. قال البخاري: قال الأصمعى: رأيتُ حميدا لم يكن طويلا، لكن طويل اليدين، وهو مولى طلحة الطلحات الخزاعي، وقيل: كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير، فقيل له: حميد الطويل؛ ليتميز. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة (^٢)].\nقوله: فقال يا جارية هلمي لأصحابنا ولو كسرا، الحديث، هلمي معناه [تعال. وفيه لغتان: فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجميع، والاثنين والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح. وبنو تميم تثني وتجمع وتؤنث،\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٦/ ٣١٣ رقم ٦٥٠١). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن حميد إلا يحيى بن أيوب، ولا عن يحيى إلا طلق بن السمح، تفرد به عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٧: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (١٥٤٢) والضعيفة (١٢٨٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٠ ترجمة ١٣٤).","vol":"10","page":649},{"text":"فتقول: هلم وهلمي وهلما وهلموا (^١)].\nتتمة: روى الحاكم عن شقيق بن سلمة قال: دخلت أنا وصاحب لي على سلمان فقرب إلينا خبزا وملحا، وقال: لولا أن رسول اللّه - ﷺ - نهى عن التكلف لتكلفت لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر فبعث بمطهرته برهنها وجاء بصعتر فلما أكلتا قال صاحبي: الحمد للّه الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة عند البقال ثم قال صحيح، ثم روى عن سلمان قال: نهانا رسول اللّه - ﷺ - أن نتكلف للضيف (^٢)، أ. هـ.\n\n٣٩١٩ - وَعَن عقبَة بن عَامر - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لَا خير فِيمَن لَا يضيف رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح خلا ابْن لَهِيعَة (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٢٧٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثالث ٣/ ١٩٠ (٤٤٣٦)، وابن أبي الدنيا في الجوع (٢٦٤)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٥/ ٥٢٦ رقم ٥١٧٨)، وأبو عبد اللّه العطار في جزئه (٦١)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٠٤ رقم ٥٩٣٥) والكبير (٦/ ٢٣٥ رقم ٦٠٨٣ و٦٠٨٥)، وأبو الطاهر الذهلى (١٦٢)، والسهمى في تاريخ جرجان (ص ١٦٢)، والحاكم (٤/ ١٢٣)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ١٢٧ رقم ٩١٥٣)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٠٣١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٩: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن منصور الطوسي، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٩٢) والإرواء (١٩٥٧).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٥ (١٧٤١٩)، والحربى في إكرام الضيف (٥٤)، والرويانى (١٧٦)، والخرائطى في المكارم (٣٢٥)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ١٢٠ - ١٢١ رقم ٩١٤٢). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٥: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة، وحديثه حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٤٣٤) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٥٤٣).","vol":"10","page":650},{"text":"قوله: وعن عقبة بن عامر - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"لا خير فيمن لا يضيف\" تقدم الكلام على الضيافة.\nخاتمة: قال الهيثم خرجت في سفر على ناقة فأمسيت عند خيمة أعرابي فنزلت فقالت الخباء: من أنت، فقلت: ضيف، قالت: وما يصنع الضيف عندنا إن الصحراء الواسعة ثم قامت إلى بر فطحنته ثم عجنته وخبزته ثم فعدت تأكل فأكلت فلم تلبث أن جاء زوجها [ومعه لبن، فسلم] ثم قال: من الرجل؟ قلت: ضيف، فقال: أهلا.\nوسهلا حياك اللّه وملأ قعبا من لبن وسقاني ثم قال: ما أراك أكلت شيئًا وما أراها أطعمتك؟ فقلت: لا واللّه فدخل عليها مغضبا وقال: ويلك أكلت وتركت الضيف قالت: وما أصنع به أطعمه طعامي وجاراها الكلام حتى شجها ثم أخذ شفرة وخرج إلى ناقتب فنحرها فقلت: ما صنعت عافاك اللّه، فقال: لا واللّه لا يبيت ضيفي جائعا ثم جمع حطبا وأجج نارا وأقبل يكبب ويطعمني ويأكل ويلقي إليها ويقول: كلّ لا أطعمك اللّه حتى إذا أصبح تركني ومضى فقعدت مغموما لما تغالي النهار أقبل ومعه بعير ما يسئم الناظر أن ينظر إليه وقال: هذا مكان ناقتك ثم زودني من ذلك اللحم ومما حضره وخرجت من عنده فمضى الليل إلى خيمة أعرابي فسلمت فردت صاحبة الخباء على السَّلام وقالت: من الرجل، قلت: ضيف، فقالت: مرحبا بك حياك اللّه وعافاك فنزلت ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته ثم خبزت ثم روت ذلك بالزبد واللبن ووضعته بين يدي وقال: كلّ وأعذر فلم ألبث أن","vol":"10","page":651},{"text":"أقبل أعرابي كريه الوجه فسلم فرددت - ﵇ - فقال: من الرجل؟ قلت: ضيف، قال: وما يصنع الضيف عندنا ثم دخل إلى أهله وقال: أين طعامي قال: أطعمته الضيق فقال: أتطعمين طعامي الأضياف ثم تكالما فضربها فشجها، فجعلت أضحك فخرج إليّ وقال: ما يضحكك فأخبرته بقصة الرجل والمرأة اللذين نزلت عندهما قبله فأقبل على وقال: إن هذه التي عندي أخت ذلك الرجل وتلك التي عنده أختي فنمت ليلتي متعجبا (^١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٣٦).","vol":"10","page":652},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>[الترهيب أن يحقر المرء ما قدم إليه، ويحتقر ما عنده أن يقدمه للضيف]</span>\n٣٩٢٠ - عَن عبد اللّه بن عمير قَالَ دخل على جَابر - ﵁ - نفر من أَصْحَاب النَّبِيّ - ﷺ - فَقدم إِلَيْهِم خبْزًا وخلا فَقَالَ كلوا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول نعم الإدام الْخلّ إِنَّه هَلَاك بِالرجلِ أَن يدْخل إِلَيْهِ النَّفر من إخوانه فيحتقر مَا فِي بَيته أَن يقدمهُ إِلَيْهِم وهلاك بالقوم أَن يحتقروا مَا قدم إِلَيْهِم رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو يعلى إِلَّا أَنه قَالَ وَكفى بِالْمَرْءِ شرا أَن يحتقر مَا قرب إِلَيْهِ وَبَعض أسانيدهم حسن وَنعم الإدام الْخلّ فِي الصَّحِيح وَلَعَلَّ قَوْله إِنَّه هَلاك بِالرجلِ إِلَى آخِره من كَلَام جَابر مدرج غير مَرْفُوع وَاللّه أعلم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٠٣)، والبرجلانى في الكرم (٥١)، وأحمد ٣/ ٣٧١ (١٤٩٨٥)، وأبو الفضل الزهرى في حديثه (١٣٣)، والبيهقى في الآداب (٤١١) والكبرى (٧/ ٤٥٦ رقم ١٤٦٢٤). وأخرجه أبو يعلى (١٩٨١) و(٢٢٠١)، وابن عدى (١٠/ ٦٠٩) من طريق إبراهيم بن عيينة، عن أبي طالب القاص، عن محارب بن دثار، عن جابر. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٩٦ - ١٩٧ رقم ٥٠٦٦) والبيهقى في الشعب (١٢/ ١٣٢ رقم ٩١٦٢) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه عن جابر.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٠: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، وأبو يعلى، إلا أنه قال: وكفى بالمرء شرا أن يحتقر ما قرب إليه. وفي إسناد أبي يعلى أبو طالب القاص، ولم أعرفه، وبقية رجال أبي يعلى وثقوا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٨٩) وضعيف الترغيب (١٥٤٤).","vol":"10","page":653},{"text":"قوله: عن عبد اللّه بن عميرة [عبد اللّه بن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث الليثي ثم الجندعي، أبو هاشم المكي، والد محمد بن عبد اللّه بن عبيد بن عمير ثقة قال أبو حاتم يحتج بحديثه (^١)].\nقوله: دخل على جابر - ﵁ - نفر من أصحاب النبي - ﷺ - فقدم إليهم خبزا وخلا فقال كلوا، الحديث، تقدم الكلام على النفر في مواضع وكذلك تقدم الكلام على الخل في بابه.\nتتمة: روى الحاكم عن شقيق بن سلمة قال: دخلت أنا وصاحب لي على سلمان فقرب إلينا خبزا وملحا وقال: لولا أن رسول اللّه - ﷺ - نهى عن التكلف لتكلفت لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر فبعت بمطهرته فرهنها وجاء بصعتر، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد للّه الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرته مرهونة عند البقال ثم قال صحيح (^٢)، ثم روى عن سلمان قال: نهانا رسول اللّه - ﷺ - أن نتكلف للضيف (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٥/ الترجمة ٣٤٠٦) وتهذيب التهذيب: ٥/ ٣٠٨.\n(^٢) مر تخريجه.\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٠٤)، وابن صاعد في زوائده عليه (١٤٠٥ - ١٤٠٨)، وأحمد ٥/ ٤٤١ (٢٣٧٣٣)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ٣٨٦، والبزار (٢٥١٤ و٢٥١٥ و٢٥١٦)، والخرائطى في المكارم (٣٢٩)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٣٥ رقم ٦٠٨٤) و(٦/ ٢٧١ رقم ٦١٨٧)، والحاكم (٤/ ١٢٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٥٦، والبيهقى في الشعب (١٢/ ١٢٨ - ١٢٩ رقم ٩١٥٤) و(١٢/ ١٢٩ رقم ٩١٥٦).\nوصححه الحاكم وقال الذهبي: سنده لين. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٩٢) والإرواء (١٩٥٧).","vol":"10","page":654},{"text":"قوله: ولعل قوله إنه هلاك بالرجل إلى آخره من كلام جابر مدرج غير مرفوع، أ. هـ.\nتنبيه: الحديث المدرج في اصطلاح المحدّثين هو الكلام الملحق بآخر كلام النبي - ﷺ - من كلام الراوي أو يلحق متن بمتن بإسناد أحدهما وهذا قد استعمله البغوي في المصابيح ذكره صاحب التنقيح (^١).\n_________\n(^١) كشف المناهج (١/ ٥٦).","vol":"10","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>[الترغيب في الزرع وغرس الأشجار المثمرة]</span>\n٣٩٢١ - عَن جَابر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا من مُسلم يغْرس غرسا إِلَّا كَانَ مَا أكل مِنْهُ لَهُ صَدَقَة وَمَا سرق مِنْهُ لَهُ صَدَقَة وَلَا يرزؤه أحد إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة (^١).\n\n٣٩٢٢ - وَفِي رِوَايَة فَلَا يغْرس الْمُسلم غرسا فيأكل مِنْهُ إِنْسَان وَلَا دَابَّة وَلَا طير إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة (^٢).\n\n٣٩٢٣ - وَفِي رِوَايَة لَهُ لا يغْرس مُسلم غرسا وَلَا يزرع زرعا فيأكل مِنْهُ إِنْسَان وَلَا دَابَّة وَلَا شَيْء إِلَّا كَانَت لَهُ صَدَقَة رَوَاه مسلم يرزؤه بِسُكُون الرَّاء وَفتح الزَّاي بعدهمَا همزَة مَعْنَاهُ يُصِيب مِنْهُ وينقصه (^٣).\nقوله: عن جابر هو ابن عبد اللّه، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة\" الحديث.\nقوله: \"يرزؤه\" قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: معناه يصيب منه وينقصه، أ. هـ.\nوعن جابر أن النبي - ﷺ - دخل على أم مبشر الأنصارية في تخل لها فقال لها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧ - ١٥٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠ - ١٥٥٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨ و٩ - ١٥٥٢).","vol":"10","page":656},{"text":"- ﷺ -: \"من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر؟ \" فقالت: بل مسلم، فقال: \"لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع رزعا فياكل منه إنسان أو دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة\" (^١) ففي هذه الأحاديث فضيلة الغرس والزرع وأن أجرها على ذلك مستمر ما دام الغرس والزرع وما تولد منه إلى يوم القيامة وفيه أن الثواب والأجر يختص بالمسلمين وأن الإنسان يثاب على ما سرق من ماله أو أتلفته دابة أو طائر ونحوهما، وأم بشير هذه يقال لها أم مبشر وأم معبد، قيل: اسمها خليدة بضم الخاء ولم يصح وهي امرأة زيد بن حارثة أسلمت وبايعت - ﵂ - (^٢).\nقال العُلماء: وظاهر هذا الحديث والروايات بعده كلها تدل على أن هذه الأشياء تكون صدقة يثاب عليها الزراع والغارس ونحوهما من غير قصد ولا نية وكذلك قول النبي - ﷺ -: \"أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر\" يدلّ بظاهره على أنه يؤجر في إتيان أهله بغير نية فإن المباضع لأهله كالزارع في الأرض التي يحرث ويبذر فيها، وقد ذهب إلى هذه طائفة من العُلماء ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشرب والجماع، واستدل بقوله - ﷺ -: \"إن المؤمن ليؤجر في كلّ شيء حتى اللقمة يرفعها إلى فيه\" وهذا اللفظ الذي استدل به غير معروف إنما المعروف قول النبي - ﷺ - لسعد: \"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك\" وهو مقيد بإخلاص النية\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨ و١٠ و١١ - ١٥٥٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢١٣ - ٢١٤).","vol":"10","page":657},{"text":"فتحمل الأحاديث المطلقة عليه واللّه أعلم (^١).\nتنبيه: وقد اختلف العُلماء - ﵃ - في أطيب المكاسب وأفضلها فقيل: التجارة وقيل: الصنعة باليد وقيل الزراعة وهو الصحيح (^٢).\nمسألة: أوصي للمتوكلين أفتى ابن عباس - ﵄ - بأن ذلك يصرف للزارع فإنهم يحرثون ويضعون البر فهم متوكلون على اللّه تعالي، ويدل له ما روي البيهقي في الشعب والعسكري في الأمثال أن عمر بن الخطاب لقي ناسا من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ فقال: متوكلون، فقال: كذبتم، فقال: إنما المتوكلون رجل ألقى حبه في التراب وتوكل على رب الأرباب، وبهذا أفتى بعض فقهاء بيت المقدس قديما، وقال الرافعي والنووي في تفصيل بعض الأكساب على بعض احتج من فضل الزراعة بأنها أقرب إلى التوكل، وفي الشعب أيضًا عن عمرو بن أمية الضمري أنه قال: قلت يا رسول اللّه أرسل ناقتي وأتوكل قال: \"أعقلها وتوكل\" (^٣) انتهى.\nلطيفة: قال الحليمي: يستحب لكل من ألقى في الأرض بذرا أن يقرأ بعد الاستعاذة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (^٤) الآية، ثم يقول اللّه الزارع والمنبت والمبلغ اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارزقنا ثمره وجنبنا ضرره واجعلنا لأنعمك من الشاكرين (^٥). أ. هـ.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢١٣).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٤) سورة الواقعة، الآية: ٦٣ - ٦٤.\n(^٥) حياة الحيوان (٢/ ١٣٧).","vol":"10","page":658},{"text":"٣٩٢٤ - وَعَن أنس - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: مَا من مُسلم يغْرس غرسا أَو يزرع زرعا فيأكل مِنْهُ طير أَو إِنْسَان إِلَّا كانَ لَهُ بهِ صَدَقَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\n\n٣٩٢٥ - وَعَن معَاذ بن أنس - ﵁ -، عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: من بنى بنيانا فِي غير ظلم وَلَا اعتداء أَو غرس غرسا فِي غير ظلم وَلَا اعتداء كَانَ لَهُ أجر جَارِيا مَا انْتفع بِهِ من خلق الرَّحْمَن ﵎ رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق زبان (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء\" الحديث، الظلم معروف والاعتداء هو [مجاوزة الحد].\n\n٣٩٢٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا يغْرس مُسلم غرسا وَلَا يزرع زرعا فيأكل مِنْهُ إِنْسَان وَلَا طَائِر وَلَا شَيْء إِلَّا كَانَ لَهُ أجر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٢٠) و(٦٠١٢)، ومسلم (١٢ - ١٥٥٣)، والترمذى (١٣٨٢). قال الترمذي: حديث أنس حديث حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٨ (١٥٦١٦)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٨، والطحاوى في مشكل الآثار (٩٥٧)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٨٧ (٤١٠) و(٤١١)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٢٥٠ رقم ١٠٢٨٨). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٤ و٤/ ٧٠: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه زبان بن فائد، ضعفه أحمد وغيره، ووثقه أبو حاتم. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٧٧) وضعيف الترغيب (١٥٤٥).\n(^٣) أخرجه ابن الأعرابى في المعجم (٢٤٤٤)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٤ - ١٥ رقم ٨٩٨٧). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٤: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٩٨).","vol":"10","page":659},{"text":"قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم وتقدم أيضًا معنى الحديث في الأحاديث قبله.\n\n٣٩٢٧ - وَعَن خَلاد بن السَّائِب عَن أَبِيه - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من زرع زرعا فَأكل مِنْهُ الطير أَو الْعَافِيَة كَانَ لَهُ صَدَقَة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن (^١).\nقوله: وعن خلاد بن السائب عن أبيه - ﵄ -[أبوه هو السائب بن خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث الأنصاري، الخزرجي، أبو سلمة، المدني، والد خلاد بن السائب، له صحبة (^٢)].\nقوله - ﷺ -: \"من زرع زرعا فأكل منه الطير أو العافية كان له صدقة\" الحديث، العافية: كلّ طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر مأخوذ من عفوت فلانًا إذا أتيته تطلب معروفه [في الحديث: \"من أحيا أرضا ميتة فهي له، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة\" وفي] رواية \"وما أكلت العوافي\" وهي جمع عافية (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٥٥ (١٦٥٥٨)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٩٩ رقم ٤١٣٣ و٤١٣٤)، وابن خزيمة في التوكل كما في إتحاف المهرة ٤/ ٤٤٥ (٤٥٠٤)، وابن منده في معرفة الصحابة (١/ ٤٥٧). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٦٧: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٥٩٩).\n(^٢) الاستيعاب: ٢/ ٥٧١، وأسد الغابة: ٢/ ٢٥١، وتهذيب الكمال ١٠/ ترجمة ٢١٦٨.\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ١٥٠ - ١٥١).","vol":"10","page":660},{"text":"وقيل: جمع عاف وقد تقع [العافية على الجماعة] يقال: عفوته واعتفيته أي أتيته تطلب معروفه وقد تكرر ذكر العوافي في الحديث بهذا المعنى (^١).\nوعافية الماء واردته والوارد هاهنا منها السباع والطيور (^٢).\nوفي صحيح مسلم [من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: تتركون المدينة على خير ما كانت] \"لا يغشاها إلا العوافي\" (^٣) يريد عوافي السباع والطير، وفي الحديث: \"من أحيا أرضا ميتة فهي له وما أكلت العافية منها فهو له صدقة\" (^٤) واللّه أعلم.\n\n٣٩٢٨ - وَعَن رجل من أَصْحَاب النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول بأذني هَاتين من نصب شَجَرَة فَصَبر على حفظهَا وَالْقِيَام عَلَيْهَا حَتَّى تثمر كَانَ لَهُ فِي كلّ شَيْء يصاب من ثَمَرهَا صَدَقَة عِنْد اللّه ﷿ رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه قصَّة وَإِسْنَاده لا بَأْس بِهِ (^٥).\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٢٦٦).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٩/ ٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٧٤)، ومسلم (٤٩٨ و٤٩٩ - ١٣٨٩).\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠٤ (١٤٢٧١) و٣/ ٣١٣ (١٤٣٦١) و٣/ ٣٢٦) (١٤٥٠٠) و٣/ ٣٢٨ (١٤٦٣٦) و٣/ ٣٥٦ (١٤٨٣٩) و٣/ ٣٨١ (١٥٠٨١)، والدارمى (٢٦٤٩) عن جابر. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٦٨).\n(^٥) أخرجه أحمد ٤/ ٦١ (١٦٥٨٦) و٥/ ٣٧٤ (٢٣١٧٥) ومن طريقه البيهقى في الشعب (٥/ ١٥٠ رقم ٣٢٢٣)، والأزدى في ذكر اسم كلّ صحابي (٤٠٠)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء (٢/ ٧٦٧ - ٧٦٨). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٦٨: رواه أحمد، وفيه =","vol":"10","page":661},{"text":"قوله: وعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: سمعتُ بأذني هاتين من نصب شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر\" الحديث، نصب معناه غرس، ويؤيد ذلك أحاديث الباب واللّه أعلم.\n\n٣٩٢٩ - وِعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - أَن رجلًا مر بِهِ وَهُوَ يغْرس غرسا بِدِمَشْق فَقَالَ لَهُ أتفعل هَذَا وَأَنت صَاحب رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ لا تعجل عَليّ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من غرس غرسا لم يَأْكُل مِنْهُ آدَمِيّ وَلَا خلق من خلق اللّه إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَة رَوَاهُ أَحْمد وَإِسْنَاده حسن بِمَا تقدم (^١).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ - تقدم.\nقوله: أن رجلًا مر به وهو يغرس غرسا بدمشق، الحديث، دمشق بكسر الدال وفتح الميم على المشهور وحكي كسر الميم وهي مدينة مشهورة كثيرة الأنهار والأشجار.\n\n٣٩٣٠ - وَعَن أبي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - أَنه قَالَ مَا من رجل يغْرس غرسا إِلَّا كتب اللّه لَهُ من الأجر قدر مَا يخرج من ذَلِك الْغَرْس\n_________\n= فنج؛ ذكره ابن أبي حاتم، ولم يوثقه، ولم يجرحه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: منكر بهذا اللفظ الضعيفة (٦٨٨٢) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٥٤٦).\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٤ (٢٧٥٠٦)، والطبراني في الشاميين (٢٢٧٥ و٢٢٧٦)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٤٥٤).\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٦٧ - ٦٨: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، وفيهم كلام لا يضر.\nقال الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٠٠): حسن صحيح.","vol":"10","page":662},{"text":"رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا عبد اللّه بن عبد الْعَزِيز اللَّيْثِيّ (^١).\nقوله: إلا عبد اللّه بن عبد العزيز الليثي [عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عامر بن أسيد بن حراز الليثي، أبو عبد العزيز المدني، نسبه ابن وارة، عن عاصم بن يزيد العمري قال يحيى ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وضعفه النسائي وأبو حاتم، وقال أبو زرعة ليس بالقوي ووثقه مالك وسعيد بن منصور].\n\n٣٩٣١ - وَتقدم فِي كتاب الْعلم وَغَيره حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - سبع يجْرِي للْعَبد أجرهن وَهُوَ فِي قَبره وَهُوَ بعد مَوته من علم علما أَو كرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته رَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٤١٥ (٢٣٥٢٠)، وابن المنذر في الأوسط (٨٤٥٧)، وأبو يعلى في المعجم (١٨٥)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٧٦)، والشاشى (١١١٢)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٤٨ رقم ٣٩٦٨)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (٤٥٦)، وأبو نعيم في جزء من روى عن سعيد بن منصور (١٣ و١٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٨٣)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٦/ ١١٦).\nوقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٦٧: رواه أحمد، وفيه عبد اللّه بن عبد العزيز الليثي وثقه مالك، وسعيد بن منصور، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. قال الألباني في صحيح الترغيب (١٥٤٧): ضعيف.\n(^٢) أخرجه البزار (٧٢٨٩)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، والبيهقى في الشعب (٥/ ١٢٢ - ١٢٣ رقم ٣١٧٥)، وابن الجوزى في البر =","vol":"10","page":663},{"text":"٣٩٣٢ - وَعَن جَابر - ﵁ - قَالَ أَتَى رَسُول اللّه - ﷺ - بني عَمْرو بن عَوْف يَوْم الأرْبَعَاء فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ يَا معشر الْأَنْصَار قَالُوا لبيْك يَا رَسُول اللّه فَقَالَ كنْتُم فِي الْجَاهِلِيَّة إِذْ لا تَعْبدُونَ اللّه تحملون الْكل وتفعلون فِي أَمْوَالكُم الْمَعْرُوف وتفعلون إِلَى ابْن السَّبِيل حَتَّى إِذا من اللّه عَلَيْكُم بِالْإِسْلَامِ وبنبيه إِذا أَنْتُم تحصنون أَمْوَالكُم فِيمَا يَأْكُل ابْن آدم أجر وَفِيمَا يَأْكُل السَّبع وَالطير أجر قَالَ فَرجع الْقَوْم فَمَا مِنْهُم أحد إِلَّا هدم من حديقته ثَلَاثِينَ بَابا رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد قَالَ وَفِيه النَّهْي الْوَاضِح عَن تحصين الْحِيطَان والنخيل وَالْكَرم وَغَيرهَا من المحتاجين والجائعين أَن يَأْكلُوا مِنْهَا شَيْئا انْتهى (^١).\nقوله: وعن جابر - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله: أتى رسول اللّه - ﷺ - بني عمرو بن عوف يوم الأربعاء، الحديث، تقدم الكلام على بني عمرو بن عوف وتقدم الكلام على الأربعاء في الصوم.\n_________\n= (١٧٤). قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث قتادة تفرد به أبو نعيم عن العرزمي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٧: رواه البزار، وفيه محمد بن عبيد اللّه العرزمي، وهو ضعيف.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٧٣) و(٩٥٩) و(٢/ ٦٩٩).\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١٨٧٢) مقتصرا على أوله، والطبرانى في الأوسط (٣/ ٣٢ رقم ٢٣٧٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٣٣)، والبيهقى في الشعب (٥/ ١٥١ - ١٥٢ رقم ٣٢٢٤). وقال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحجبي. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه عاصم بن سويد إمام مسجد قباء خرج له النسائي، ولكن من شيخه محمد بن موسى بن الحارث. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٢٨ - ١٢٩: رواه الطبراني في الأوسط، والبزار بنحوه وزاد: وكان يعود المريض ويشهد الجنازة، ويدعى فيجيب. وقال: لا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، قلت: وفيه جماعة لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٩٣٤) وضعيف الترغيب (١٥٤٨).","vol":"10","page":664},{"text":"قوله - ﷺ -: فقال: يا معشر الأنصار قالوا: لبيك يا رسول اللّه فقال: \"كنتم في الجاهلية إذ لا تعبدون اللّه تحملون الكل\" الحديث، الجاهلية: هي ما قبل الإسلام سموا بذلك لكثرة جهالاتهم، وفي المطالع ذكر الجاهلية ثم قال: كلّ ذلك كناية عما كانت عليه العرب قبل الإسلام وبعث الرسول ﵊ من الجهل باللّه ورسوله وبشرائع الدين والتمسك بعبادة غير اللّه ﷿ (^١)، أ. هـ.\nوقوله: \"وتحملون الكل\" والكل عبارة عن الشيء الشاق الحديث. قال الحافظ: قال وفيه النهي الواضح عن تحصين الحيطان والنخيل والكرم وغيرها من المحتاجين والجائعين أن يأكلوا منها شيئًا، أ. هـ وقال النووي في شرح المهذب: اختلف العُلماء فيمن مر ببستان غيره وفيه ثمار أو مر بزرع غيره فمذهبنا أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئًا إلا إن كان في حال الضرورة التي يباح فيها الميتة وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور وقال الإمام أحمد بن حنبل إذا اجتاز به وفيه فاكهة رطبة ولي عليه حائط جاز له الأكل منه من غير ضرورة ولا ضمان عليه عنده في أصح الروايتين، وفي الرِّواية الأخرى يباح له ذلك عند الضرورة ولا ضمان انتهى واللّه أعلم (^٢).\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٢/ ١٧٣).\n(^٢) المجموع (٩/ ٥٤ - ٥٥)، وطرح التثريب (٦/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"10","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>[الترهيب من البخل والشح والترغيب في الجود والسخاء]</span>\n٣٩٣٣ - عَن أنس أَن النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْبُخْل والكسل وأرذل الْعُمر وَعَذَاب الْقَبْر وفتنة الْمحيا وَالْمَمَات رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^١).\nقوله: عن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن النبي - ﷺ - كان يقول اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل، أما البخل فتقدم الكلام عليه، وهو معروف وأما الكسل فهو فترة تقع بالنفس وتثبط عن العمل قاله عياض (^٢)، وقيل: العجز ضد القدرة والكسل ضد الجلادة والجبن ضد الشجاعة والهرم ضد الشباب قاله الكرماني (^٣).\nقوله: \"وأرذل العمر\" الحديث، وأرذل العمر هو حال الكبر والعجز والخوف وهو فساد العقل من الكبر والأرذل الردئ من كلّ شيء قاله في النهاية (^٤).\nقوله: \"وعذاب القبر\" سيأتي الكلام على ذلك في كتاب الجنائز إن شاء اللّه.\nوقوله: \"وفتنة المحيا والممات\" قيل: أراد بفتنة الممات سؤال منكر ونكير وما في القبر من الأهوال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٠٧)، ومسلم (٥٢ - ٢٧٠٦) عن أنس.\n(^٢) إكمال المعلم (٨/ ٢٠٣).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١٢/ ١٢١).\n(^٤) النهاية (٢/ ٢١٧).","vol":"10","page":666},{"text":"٣٩٣٤ - وَعَن جَابر - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ اتَّقوا الظُّلم فَإِن الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة وَاتَّقوا الشُّح فَإِن الشُّح أهلك من كَانَ قبلكُمْ حملهمْ على أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمهمْ رَوَاهُ مُسلم الشُّح مثلث الشين هُوَ الْبُخْل والحرص وَقيل الشُّح الْحِرْص على مَا لَيْسَ عنْدك وَالْبخل بِمَا عنْدك (^١).\nقوله: وعن جابر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"واتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\" الشدائد قاله الكرماني (^٢)، وفي حديث آخر أن النبي - ﷺ - كان يستعيذ من المأثم والمغرم (^٣) والمأثم الْأَمر الذي يأثم به الإنسان أو هو الإثم والمغرم الدين الذي استدين فيما يكرهه اللّه أو فيما يجوز ثم عجر عن أدائه، وأما الدين المحتاج إليه وهو قادر على الأداء فلا استعاذة منه (^٤).\nقال القاضي عياض (^٥): استعاذ به - ﷺ - من هذه الأمور التي عصم منها إنما هو ليلزم خوف اللّه والافتقار إليه ولتفتدي به الأمة وليبين لهم صفة الدعاء، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٢٣ (١٤٤٦١)، عبد بن حميد (١١٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٨٣) و(٤٨٨)، ومسلم (٥٦ - ٢٥٧٨)، وأبو عوانة (١١٢٦٠) عن جابر.\n(^٢) قاله عياض وعزوه للكرمانى خطأ إكمال المعلم (٨/ ٤٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣٦٨) و(٦٣٧٥) و(٦٣٧٧)، ومسلم (٤٩ - ٥٨٩) عن عائشة.\n(^٤) النهاية (١/ ٢٤) و(٣/ ٣٦٣).\n(^٥) إكمال المعلم (٢/ ٥٤٣).","vol":"10","page":667},{"text":"قوله: وعن جابر، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم\" الحديث، الشح مثلث الشين هو البخل والحرص وقيل الشح هو الحرص على ما ليس عندك والبخل بما عندك قاله الحافظ المنذري.\n\n٣٩٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - إيَّاكُمْ وَالْفُحْش والتفحش فَإِن اللّه لَا يحب الْفَاحِش الْمُتَفَحِّش وَإِيَّاكُم وَالظُّلم فَإِنَّهُ هُوَ الظُّلُمَات يَوْم الْقِيَامَة وَإِيَّاكُم وَالشح فَإِنَّهُ دَعَا من كَانَ قبلكُمْ فسفكوا دِمَاءَهُمْ ودعا من كَانَ قبلكُمْ فَقطعُوا أرحامهم ودعا من كَانَ قبلكُمْ فاستحلوا حرماتهم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"إياكم والفحش والتفحش\" فذكره إلى أن قال \"وإياكم والشح\" الحديث، أشد البخل وهو أبلغ في المنع من البخل وقيل هو البخل مع [الحرص] وقيل: البخل في إفراد الأمور وآحادها والشح عام وقيل البخل بالمال والشح بالمال والمعروف يقال شح يشح [شحا] فهو شحيح والاسم الشح وفيه برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة\n_________\n(^١) أخرجه الحميدى (١١٩٣)، وأحمد ٢/ ٤٣١ (٩٥٦٩) و(٩٥٧٠)، والبخارى في الأدب المفرد (٤٨٧)، والبزار (٨٤٨٦)، وابن حبان (٥١٧٧) و(٦٢٤٨)، والحاكم (١/ ١٢).\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢١٧) و(٢٦٠٣).","vol":"10","page":668},{"text":"ومنه الحديث أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر ومنه حديث ابن عمر أن رجلًا قال له إني شحيح فقال: إن كان شحك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك فليس بشحك بأس، وفي حديث ابن مسعود أنه قال: \"الشح منع الزكاة وإدخال الحرام\" (^١) أ. هـ.\n\n٣٩٣٦ - وَعَن عبد اللّه بن عمرو - ﵄ - قَالَ خَطَبنَا رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ إيَّاكُمْ وَالظُّلم فَإِن الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة وَإِيَّاكُم وَالْفُحْش والتفحش وَإِيَّاكُم وَالشح فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بالشح أَمرهم بالقطيعة فَقطعُوا وَأمرهمْ بالبخل فبخلوا وَأمرهمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أَي الْإِسْلَام أفضل قَالَ أَن يسلم الْمُسلمُونَ من لسَانك ويدك فَقَالَ ذَلِك الرجل أَو غَيره يَا رَسُول اللّه أَي الْهِجْرَة أفضل قَالَ أَن تهجر مَا كره رَبك وَالْهجْرَة هجرتان هِجْرَة الْحَاضِر وهجرة البادي فهجرة البادي أَن يُجيب إِذا دعِي ويطيع إِذا أَمر وهجرة الْحَاضِر أعظمها بلية وأفضلها أجرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصرا وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).\nقوله: وعن عبد اللّه بن عمر - ﵄ -، وتقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٢٧٢)، ومن طريقه ابن حبان (٥١٧٦)، وأحمد ٢/ ١٥٩ - ١٦٠ (٦٤٨٧) و٢/ ١٩٥ (٦٨٣٧)، وأبو داود (١٦٩٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ رقم ٦٣٥)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٤٩ - ٥٥٠ رقم ١٤٤٤٣) و(١٣/ ٥٥١ رقم ١٤٤٤٤) والأوسط (٧/ ٢٧ رقم ٦٧٥٠)، والحاكم (١/ ١١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (٨٥٨)، وصحيح الترغيب (٢٦٠٤).","vol":"10","page":669},{"text":"قوله: فقام رجل فقال يا رسول اللّه أي الإسلام أفضل؟ معناه: أي خصال الإسلام أفضل.\nقوله - ﷺ -: \"والهجرة هجرتان هجرة الحاضر وهجرة البادي\" الحديث، والهجرة عبارة عن ترك الوطن وتقدم الكلام عليها مبسوطا في أول هذا التعليق.\n\n٣٩٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - شَرّ مَا فِي الرجل شح هَالِع وَجبن خَالع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه قَوْله شح هَالِع أَي محزن والهلع أَشد الْفَزع وَقَوله جبن خَالع هُوَ شدَّة الْخَوْف وَعدم الإِقْدَام وَمَعْنَاهُ أَنه يخلع قلبه من شدَّة تمكنه مِنْهُ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع\" الحديث، قال الحافظ: الشح الهالع هو المحزر والهلع أشد الفزع.\nوقوله: \"جبن خالع\" الجبن هو شدة الخوف وعدم الإقدام ومعناه أنه يخلع قلبه من شدة تمكنه منه، أ. هـ، وقال غير المنذري: أصل الهلع الجزع، والهلع هاهنا ذو الهلع، وقال عياض: الهلع [الحرص] وقلة الصبر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (١١١)، وابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٣٣٢ (٢٦٦٠٩)، وإسحاق (٣٤٢)، وأحمد ٢/ ٣٠٢ (٨٠١٥) و٢/ ٣٢٠ (٨٢٦٣)، وعبد بن حميد (١٤٢٨)، والبخارى في التاريخ الكبير (٦/ ٨)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ٣١١)، وأبو داود (٢٥١١)، والبزار (٨٨١٦)، وابن حبان (٣٢٥٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٥٦٠) وصحيح الترغيب (٢٦٠٥).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٢٦٩).","vol":"10","page":670},{"text":"وقيل: الهلع أشد الجزع والضجر (^١) والجبن الخالع الشديد الذي يخلع فؤاده من شدته وهو مجاز في الخلع والمراد به ما يعرض من نوازع الأفكار وضعف القلب عند الخوف (^٢)، أ. هـ.\nتنبيه: والجبن يرجع في الحقيقة إلى شك في القدر وسوء الظن باللّه كما قال بعض الحكماء في وصيته عليكم بالسخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن الظن باللّه وهذا لا شك فيه لأن من علم يقينا أن الأجل لا يزيد ولا ينقص كما قال اللّه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^٣) لم يخف ولم يفر إذ ليس من الموت جنة إلا بتأخير الأجل ولهذا قيل لبعضهم في أي جنة تجب أن تلقي عدوك قال في أجل متأخر (^٤).\nفائدة: قوله \"شح هالع\" قد اختلف الناس في الشح والبخل، فقيل (^٥): الشح هو البخل وشدة الحرص وقيل (^٦): الشح عام لجنس والبخل خاص في أفراد الأمور كالنوع له، وقيل (^٧): الشح لازم كالطبع وقيل (^٨): الشح الحرص على ما ليس عندك والبخل بما عندك قال اللّه تعالى: أشحة عليكم، قيل: يأتون\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٢٦٩).\n(^٢) النهاية (٢/ ٦٥).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٣٤.\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٩٦٠).\n(^٥) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١٠/ ١٤).\n(^٦) النهاية (٢/ ٤٤٨).\n(^٧) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١٠/ ١٤).\n(^٨) إكمال المعلم (٨/ ٤٨).","vol":"10","page":671},{"text":"الحرب معكم لأجل الغنيمة أ. هـ وقد ذكر بعض هذه الأقوال عند الكلام على الشح في أوائل الباب واللّه أعلم.\n\n٣٩٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضًا - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا يجْتَمع غُبَار فِي سَبِيل اللّه ودخان جَهَنَّم فِي جَوف عبد أبدًا وَلَا يجْتَمع شح وإيمان فِي قلب عبد أبدًا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ أطول مِنْهُ بِإِسْنَاد على شَرط مُسلم وَتقدم فِي الْجِهَاد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ولا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أيدا\" الحديث، هذا زجر وتهديد للبخيل وليس معناه أن البخيل ليس بمؤمن أو المراد الإيمان الكامل، أ. هـ.\n\n٣٩٣٩ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - مَا محق الْإِسْلَام محق الشُّح شَيْء رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في السنن (٢٤٠١)، وأحمد ٢/ ٢٥٦ (٧٤٨٠) و٢/ ٣٤٢ (٨٥١٢) و٢/ ٤٤١ (٩٦٩٣)، والبخارى في الأدب المفرد (٢٨١)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٢١)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٤٦٠)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٣٥٤ (٣١٣٣) و٥/ ٣٥٥ (٣١٣٤) و(٣١٣٥) والكبرى (٤٣٠٣)، وابن حبان (٣٢٥١)، والحاكم (٢/ ٧٢). وصححه الحاكم. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٣٨٢٨)، وصحيح الترغيب (٢٦٠٦).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٣٤٨٨)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٩٣١)، والطبرانى في الأوسط (٣/ ١٧٥ رقم ٢٨٤٣)، وابن عدى (٦/ ٣٤٧)، وتمام (١٧٢٠). قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا علي بن أبي سارة. تفرد به: عمرو بن الحصين. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٤٢ - ٢٤٣: رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط، وفيه عمرو =","vol":"10","page":672},{"text":"قوله: وروي عن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما محق الإسلام شيء محق الشح\" الحديث، المراد بالمحق [النقص والمحو والإبطال].\n\n٣٩٤٠ - وَروِيَ عَن نَافِع - ﵁ - قَالَ سمع ابْن عمر - ﵄ - رجلًا يَقُول الشحيح أغدر من الظَّالِم فَقَالَ ابْن عمر كذبت سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول الشحيح لَا يدْخل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وروي عن نافع - ﵁ -: [هو أبو عبد اللّه نافع بن هرمز، ويقال: ابن كاوس، ذكر القولين الحاكم أبو عبد اللّه في تاريخ نيسابور. قال الحاكم: قال البخاري، والحسن بن الوليد: هو من سبى نيسابور. وقال عبد العيزيز بن أبي رواد: هو من سبى خراسان، سبى وهو صغير، فاشتراه ابن عمر، وقيل: من سبى كابل، وقيل: من سبى إيران شهر وهي نيسابور، كذا ذكرها الحاكم أبو عبد اللّه في مواضع من أول تاريخه، وقيل: من سبى العرب، وقيل: من سبى جبال الطالقان، وهو تابعى جليل، سمع سيده ابن عمر، وأبا هريرة، وأبا\n_________\n= ابن الحصين، وهو مجمع على ضعفه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٨١) وضعيف الترغيب (١٥٤٩).\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٣٤ رقم ٤٠٦٦) ومن طريقه الخطيب في البخلاء (٥٧). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا جويرية، ولا عن جويرية إلا عبد اللّه بن محمد الضبعي، تفرد به: يحيى بن مسلمة القعنبي، وهو: أخو عبد اللّه بن مسلمة، هم ثلاثة إخوة: عبد الله، ويحيى، وإسماعيل. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٤٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن مسلمة القعنبي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٠٢)، وضعيف الترغيب (١٥٥٠).","vol":"10","page":673},{"text":"سعيد الخدري، وأبا لبابة، ورافع بن خديج، وعائشة، والربيع بنت معوذ، رضى اللّه تعالى عنهم، وسمع خلائق من التابعين، منهم القاسم بن محمد، وسالم بن عبد اللّه، ويزيد بن عبد اللّه، وأسلم مولى عمر، وإبراهيم بن عبد اللّه بن حسين، وعبد اللّه بن محمد بن أبي بكر الصديق، وغيرهم روى عنه أبو إسحاق السبيعي، والحكم بن عيينة، ومحمد بن عجلان، وبكير بن عبد اللّه بن الأشج، ويحيى الأنصاري، والزهري، وصالح بن كيسان، وأيوب، وعبيد اللّه بن عمر، وأخوه عبد اللّه، وحميد الطويل، وميمون بن مهران، وموسى بن عقبة، وابن عون، والأعمش، وهؤلاء كلهم تابعيون، ومن غيرهم ابن جريج، والأوزاعي، ومالك، والليث، ويونس بن عبيد، وابن أبي ذؤيب، وبنوه عبد اللّه، وعمر، وأبو بكر بنو نافع، وابن أبي ليلي، والضحاك بن عثمان، وخلائق لا يحصون، وأجمعوا على توثيقه وجلالته قال البخاري: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وقال مالك: إذا سمعت من نافع حديثًا عن ابن عمر لا أبالى أن لا أسمعه من غيره. وقال عبيد اللّه بن عمر: لقد من اللّه علينا بنافع. وقال ابن عيينة: أي حديث أوثق من حديث نافع. قال ابن سعد: بعث عمر بن عبد العزيز نافعا إلى مصر يعلمهم السنن. قال: وكان ثقة، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة. وقال الهيثم، وأحمد بن حنبل: مات سنة عشرين، وقال النسائي: أثبت أصحاب نافع: مالك، ثم أيوب، ثم عبيد اللّه بن عمر، ثم عمر ابن نافع، ثم يحيى بن سعيد، ثم ابن عون، ثم صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، ثم أصحابه على طباقتهم (^١)].\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ترجمة ٦٢٦).","vol":"10","page":674},{"text":"قوله: سمع ابن عمر - ﵄ - رجلًا يقول الشحيح أغدر من الظالم، الحديث، معنى أغدر من الظالم [...] (^١).\nقوله - ﷺ -: \"الشحيح لا يدخل الجنة\" فيه التأويلان السابقان في أمثاله.\n\n٣٩٤١ - وَرُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة خب وَلَا منان وَلَا بخيل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب الخب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وتكسر هُوَ الخداع الْخَبيث (^٢).\nقوله: وروي عن أبي بكر الصديق - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل\" الحديث، فيه أيضًا التأويلان السابقان، والخب قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو الخداع الخبيث، أ. هـ، وقال في النهاية: هو الخداع وهو الجريز الذي يسعي بين الناس بالفساد ورجل خب أو امرأة خبة وقد تكسر خاؤه، فأما المصدر فبالكسر لا غير (^٣)، أ. هـ.\n[جربز: جربز الرجل ذهب وانقبض أو سقط، والجريز بالضم الخب الخبيث (^٤)].\n_________\n(^١) بياض بمقدار نصف سطر.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٩٦٣)، وأحمد ١/ ٧ (٣٢) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٦٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٣٩) وضعيف الترغيب (١٥٥١).\n(^٣) النهاية (٢/ ٤).\n(^٤) القاموس المحيط (١/ ٥٠٥).","vol":"10","page":675},{"text":"٣٩٤٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - خلق اللّه جنَّة عدن بِيَدِهِ ودلى فِيهَا ثمارها وشق فِيهَا أنهارها ثمَّ نظر إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا تكلمي فَقَالَت قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلالِي لَا يجاورني فِيك بخيل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا جيد وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي صفة الْجنَّة من حَدِيث أنس بن مَالك وَيَأْتِي إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (^١).\nقوله: وعن ابن عباس - ﵃ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"خلق اللّه جنة عدن بيده\" الحديث، سيأتي الكلام على هذا الحديث في صفة الجنة إن شاء اللّه تعالى.\n\n٣٩٤٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - ثَلَاث مهلكات وَثَلَاث منجيات وَثَلَاث كَفَّارَات وَثَلَاث دَرَجَات فَأَما المهلكات فشح مُطَاع وَهوى مُتبع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَتقدم فِي بَاب انْتِظَار الصَّلاة حَدِيث أنس بِنَحْوِهِ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٠)، وابن بطة في الإبانة (٢٣١) وأبو نعيم في صفة الجنة (١٧) عن أنس. وأخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٣٢٤ رقم ٧٣٨) و(٥/ ٢٤٩ رقم ٥٥١٨) والكبير (١١/ ١٨٤ رقم ١١٤٣٩) و(١٢/ ١٤٧ رقم ١٢٧٢٣) عن ابن عباس. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن السدي إلا حمَّاد بن عيسى، تفرد به: منجاب. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٩٧: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأحد إسنادي الطبراني في الأوسط جيد. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٨٤) و(١٢٨٥) وضعيف الترغيب (١٥٥٢) و(٢١٩١) و(٢١٩٢) و(٢٢٤٧).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٦/ ٤٧ رقم ٥٧٥٤). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا عطاء بن دينار، ولا عن عطاء إلا ابن لهيعة، تفرد به الوليد بن عبد =","vol":"10","page":676},{"text":"قوله: وروي عن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث مهلكات\" فذكره إلى أن قال \"فأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع\" قال الأزهري (^١): الشح المطاع هو أن يطيعه صاحبه في منع الحقوق التي أوجبها اللّه تعالى عليه في ماله وهو الزكاة يقال: أطاعه يطيعه فهو مطيع وطاع له يطوع ويطيع فهو طائع إذا أذعن وانقاد والاسم الطاعة وقاله في النهاية أيضًا (^٢).\nوقوله: \"وهوى متبع\" والهوى ميل النفس وتقدم هذا الحديث.\n\n٣٩٤٤ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ثَلَاثة يُحِبهُمْ اللّه وَثَلَاَثة يبغضهم اللّه فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ وَيبغض الشَّيْخ الزَّانِي والبخيل والمتكبر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهُوَ بِتَمَامِهِ فِي صَدَقَة السِّرّ (^٣).\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ويبغض الشيخ الزاني والبخيل والمتكبر\" الحديث، تقدم الكلام على البخيل والشيخ الزاني والمتكبر.\n_________\n= الواحد، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٩٠ - ٩١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة ومن لا يعرف. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٨٠٢) وصحيح الترغيب (٢٦٠٧).\n(^١) قاله أيضًا ابن المبارك كما في شرح السنة (١٣/ ٣٤٨).\n(^٢) النهاية (٣/ ١٤٢).\n(^٣) أخرجه البزار (٤٠٢٨)، وابن حبان (٣٣٥٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٥٤).","vol":"10","page":677},{"text":"٣٩٤٥ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - خصلتان لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤمن الْبُخْل وَسُوء الْخلق رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب لا نعرفه إِلَّا من حَدِيث صَدَقَة بن مُوسَى (^١).\nقوله: وروي عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق\" تقدم الكلام على البخل أيضًا.\nقوله: قال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى، وصدقة بن موسى [هو الدقيقي: ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، وقال أبو حاتم يكتب حديثه وليس بالقوي ووثقه مسلم بن إبراهيم].\n\n٣٩٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ السخي قريب من اللّه قريب من الْجنَّة قريب من النَّاس بعيد من النَّار والبخيل بعيد من اللّه بعيد من الْجنَّة بعيد من النَّاس قريب من النَّار ولجاهل سخي أحب إِلَى اللّه من عَابِد بخيل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سعيد بن مُحَمَّد الْوراق عَن يحيى بن سعيد عَن الأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ إِنَّمَا يرْوى عَن يحيى بن سعيد عَن عَائِشَة مُرْسلا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٣٢٢)، وعبد بن حميد (٩٩٦)، والبخارى في الأدب المفرد (٢٨٢)، والترمذى (١٩٦٢)، وابن أبي الدنيا في التواضع (١٨٢) ومداراة الناس (٩١)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٤٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٥٨)، والبيهقى في الآداب (٨٧) والأربعون (١١٧) والشعب (١٣/ ٢٨١ - ٢٨٢ رقم ١٠٣٣٦). ضعفه الألباني في السنن والضعيفة ١١١٩ وضعيف الجامع ٢٨٣٣. وقال في صحيح الترغيب ٢٦٠٨: صحيح لغيره.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٩٦١)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ١١٧)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٦١٢) ومساوئ الأخلاق (٣٦٦)، وابن حبان في روضة العقلاء (ص ٢٣٥)، =","vol":"10","page":678},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة، تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"السخي قريب من اللّه\" أي: من رحمة اللّه.\nوقوله: \"والبخيل بعيد من اللّه\" أي: من رحمة اللّه.\nوقوله: \"ولجاهل سخي أحب إلى اللّه من عابد بخيل\" أي: يكثر النوافل لأن حب الدنيا رأس كلّ خطيئة، والسخاء هو الجود.\nتنبيه: أخرج عبد الرحمن السلمي من حديث أبي هريرة، ولفظه: \"السخي الجهول أحب إلى اللّه ﷿ من العالم البخيل\" (^١) وسنده ضعيف، وتأويله أن نفع السخي أكثر من نفع العالم لأنه إذا اعتاد البخل بخل بالعلم أيضًا فلا يكثر الانتفاع به بخلاف السخي فإن النفع به محقوق والعلم عند اللّه تعالى، أ. هـ قاله شيخ الإسلام الشهير بابن حجر.\nسؤال: في السخي والبخيل والكريم واللئيم، ما الفرق بين السخي والبخيل والكريم؟ قلنا: قال النيسابوري الذي يجمع ويمنع ولا ينفع\n_________\n= وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٠٣)، والخطيب في البخلاء (ص ٤٧)، والطبري في تهذيب الآثار (١٦٣/ مسند عمر)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (٣٤٨).\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، إلا من حديث سعيد بن محمد، وقد خولف سعيد بن محمد في رواية هذا الحديث، عن يحيى بن سعيد، إنما يروى عن يحيى بن سعيد، عن عائشة شيء مرسل. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (١٥٤) وضعيف الترغيب (١٥٥٥).\n(^١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١١٩)، والخطيب في البخلاء (٤٣)، والديلمى من طريق السلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٨٤٥). أورده الألباني في \"الضعيفة\" (١٥٤) وقال: ضعيف جدًّا.","vol":"10","page":679},{"text":"[ويشفع] هو اللئيم، والذي يجمع ويمنع ويشفع ولا ينفع هو البخيل، والذي يجمع ويمنع ويشفع وينفع هو السخي، والذي يجمع ولا يمنع وينفع ولا يشفع فهذا هو الكريم ولهذا لا يقال اللّه تعالى سخي ويقال له كريم جواد لأنه فعل لينتفع غيره واللّه أعلم بالصواب، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (^١).\nقوله: في الترغيب في آخر الحديث: رواه الترمذي من حديث سعيد بن محمد الوراق عن يحيى بن سعيد عن عائشة مرسلا، أ. هـ.\nتنبيه: الأعرج اثنان يرويان عن أبي هريرة أحدهما وهو المشهور عبد الرحمن بن هرمز، والثاني: عبد الرحمن بن سعد مولى بني مخزوم وهذا هو الصواب.\nقوله: وقال إنما يروي عن يحيى بن سعيد عن عائشة مرسلا، أ. هـ.\nتنبيه أيضًا: قال الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر: قال الدَّارقُطْنِي: لهذا الحديث طرق لا يثبت منها شيء، وقال ابن عدي: لا أصل له من حديث يحيى بن سعيد ولا غيره، أ. هـ.\n\n٣٩٤٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ أَلا إِن كل جواد فِي الْجنَّة حتم على اللّه وَأَنا بِهِ كَفِيل أَلا وَإِن كلّ بخيل فِي النَّار حتم على اللّه وَأَنا بِهِ كَفِيل قَالُوا يَا رَسُول اللّه من الْجواد وَمن الْبَخِيل قَالَ الْجواد من جاد بِحُقُوق اللّه ﷿ فِي مَاله والبخيل من منع حُقُوق اللّه وبخل على ربه وَلَيْسَ الْجواد\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٧).","vol":"10","page":680},{"text":"من أَخذ حَرَامًا وَأنْفق إسرافا رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَهُوَ غَرِيب (^١).\nوروي عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ألا إن كل جواد في الجنة\" الحديث، والجود هو الكرم والجود على مراتب أحدها الجود بالنفس وهي أعلا مراتبه كما قال الشاعر:\nيجود بالنفس إذا ظن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود\nالثانية: الجود بالعلم وبذله وهو أعلا مراتب الجود والجود به أفضل من الجود بالمال لأن العلم أشرف من المال، وقد اقتضت حكمة الله تعالى وتقديره النافد أن لا ينفع به بخيلا أبدا؛ الثالث: الجود بالجاه كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد، قال الإمام الشافعي - ﵁ -:\nوأد زكاة الجاه واعلم بأنها ... كمثل زكاة المال ثم نصابها\nالرابعة: الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه كما قال النبي - ﷺ -: \"يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس\" الحديث؛ الخامسة: الجود بالعرض كجواد أبي ضمضم من الصحابة - ﵁ - كان إذا أصبح قال: اللهم إني لا مال لي فأتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني فهو في حل، فقال النبي - ﷺ -: \"من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم\" وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٥٤٠ و١٥٥٢).\nوقال الألباني: منكر الضعيفة (٥٢٥٩) وضعيف الترغيب (١٥٥٦).","vol":"10","page":681},{"text":"القلب التخلص من معاداة الخلق ما فيه؛ السادسة: الجود بالصبر والاحتمال والإغضاء وهذه مرتبة شريفة من مراتبه وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر وأمل لنفسه وأشرف لها وهذا جود الفتوة قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (^١) وفي هذا الجود قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٢) الآية؛ السابعة: الجود بالخلق والبشر والبسط وهو فوق الجود بالصبر والاحتمال والعفو وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم والقائم وهو أثقل ما يوضع في الميزان، قال النبي - ﷺ -: \"لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه\" وفي هذا الحديث من المنافع والمساء وأنواع المصالح ما فيه والعبد لا يمكنه أن يسع الناس بماله ويمكنه أن يسعهم بخلقه واحتماله، الثامنة: الجود بتركه ما في أيدي الناس عليهم ولا يلتفت إليه ولا يستشرف له بلقبه ولا يتعرض له بحاله ولا لسانه وهذا هو الذي قال عبد الله بن المبارك أنه أفضل من جود البذل فلسان القدر يقول للفقير الجواد إني لم أعطك مالا تجود به على أناس فجد عليهم بأموالهم تزاحمهم في الجود وتنفرد عنهم بالراحة والله سبحانه قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف على الممسك (^٣)، أ. هـ.\nقوله - ﷺ -: \"حتم على الله وأنا به كفيل\" الحتم [اللازم الواجب الذي لا بد من فعله] والكفالة هي الضمان.\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٤٥.\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ٤٠.\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٢) باختصار.","vol":"10","page":682},{"text":"٣٩٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْمُؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب قَالَ الْحَافِظ لم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد ورواتهما ثِقَات سوى بشر بن رَافع وَقد وثق قَوْله غر كريم أَي لَيْسَ بِذِي مكر وَلَا فطنة للشر فَهُوَ ينخدع لانقياده وَلينه والخب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وتكسر هُوَ الخداع السَّاعِي بَين النَّاس بِالشَّرِّ وَالْفساد (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"المؤمن غر كريم\" قال الحافظ: الغر الكريم هو الذي ليس بذي فطنة ولا مكر للشر فهو ينخدع لانقياده ولينه، أ. هـ.\nوهو ضد الخب، يقال: فتى غر وفتاة غر، وقد غررت تغر غرارة، وقال بعضهم: الغر الكريم يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه وليس ذلك منه جهلا ولكنه كرم وحسن خلق (^٢)، أ. هـ\nوالخب: قال الحافظ بفتح الخاء المعجمة وقد تكسر هو الخدَّاع الساعي بين الناس بالشر والفساد.\nوالخب أيضا معناه أن الفاجر من كانت عادته الدهاء والبحث عن الشر ولا يكون ذلك عقلا منه ولكنه خبث ولؤم، قاله صاحب التنقيح (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٩٤ (٩١١٨)، وأبو داود (٤٧٩٠)، والترمذى (١٩٦٤)، وأبو يعلى (٦٠٠٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣١٢٨) و(٣١٢٩)، وأبو الشيخ في مكارم الأخلاق (١١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٣). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٩٣٢) وصحيح الترغيب (٢٦٠٩).\n(^٢) النهاية (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥).\n(^٣) كشف المناهج (٤/ ٣٤٤).","vol":"10","page":683},{"text":"٣٩٤٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا كَانَ أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأموركم شُورَى بَيْنكُم فَظهر الأَرْض خير لكم من بَطنهَا وَإِذا كَانَت أمراؤكم شِرَاركُمْ وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إِلَى نِسَائِكُم فبطن الأَرْض خير لكم من ظهرهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها\" الحديث، شورى معناه [التشاور، أي ذو شورى، ومعناه يشاور بعضهم بعضا فيما عن لهم من الرأي، لا يستبد أحد منهم في رأيه؛ فإن المشاورة من سنة رسول الله - ﷺ -، والاستبداد من شيمة الشيطان].\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢٦٦)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٢٧٩)، والبزار (٩٥٢٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ١١٣/ ١٨٦ - مسند عمر)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٧٦). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، وصالح المري في حديثه غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها، وهو رجل صالح.\nوقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن رسول الله - ﷺ - إلا أبو هريرة - ﵁ -، ولا نعلم له طريقا غير هذا الطريق ولا رواه، عن الجريري إلا صالح المري وصالح كان أحد العباد المجتهدين وأحسب أن عبادته كانت تشغله عن حفظ الحديث.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث سعيد، وصالح لم نكتبه إلا من حديث عبد الله بن معاوية وهو الجمحي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٩٩٩)، المشكاة (٥٣٦٨/ التحقيق الثاني)، ضعيف الترغيب (١٥٥٧).","vol":"10","page":684},{"text":"٣٩٥٠ - وَعَن الْحسن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِذا أَرَادَ الله بِقوم خيرا ولى أَمرهم الْحُكَمَاء وَجعل المَال عِنْد السمحاء وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم شرا ولى أَمرهم السُّفَهَاء وَجعل المَال عِنْد البخلاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (^١).\nقوله: وعن الحسن - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إذا أراد الله بقوم خيرا ولى أمرهم الحكماء وجعل المال عند السمحاء\" الحديث، المراد بالحكماء هم [ذوو الصلاح والعلم والعقل الكامل]، والمراد بالسمحاء الأجواد.\nقوله: رواه أبو داود في مراسيله، تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n٣٩٥١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول السخاء خلق الله الْأَعْظَم رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب (^٢).\nقوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\n\n٣٩٥٢ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا جبل ولي لله ﷿ إِلَّا على السخاء وَحسن الْخلق رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ أَيْضا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يوسف في الآثار (٩٤٩)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٣١) والحلم (٧٥).\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٥٨).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٧٨) والديلمى (١٨٤٢) عن عمار بن ياسر.\nوأخرجه الديلمى في مسند الفردوس (١٨٤١) عن ابن عباس. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٧٣١) وضعيف الترغيب (١٥٥٩).\n(^٣) أخرجه ابن عدى في الكامل (١/ ٣٠٨)، والدارقطنى كما في العلل (٣٤٧٤) ومن طريقه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٤٧) وابن الجوزى في الموضوعات (٢/ ١٧٩) والديلمى (٢٤٥٠)، والرافعى في التدوين (٢/ ٤٢١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٤٧٢). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٦٢٢) وضعيف الترغيب (١٥٦٠).","vol":"10","page":685},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ما جبل ولي لله ﷿ إلا على السخاء وحسن الخلق\" تقدم المراد بالولي هو [المتقى المطيع].\n\n٣٩٥٣ - وَرُوِيَ عَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله استخلص هَذَا الدّين لنَفسِهِ فَلَا يصلح لدينكم إِلَّا السخاء وَحسن الْخلق أَلا فزينوا دينكُمْ بهما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والأصبهاني إِلَّا أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - جَاءَنِي جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله استخلص هَذَا الدّين فَذكره بِلَفْظِهِ (^١).\nقوله: وروي عن عمران بن حصين - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله استخلص هذا الدين لنفسه فلا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق\" استخلص معناه اختار، وتقدم هذا الحديث.\n\n٣٩٥٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قيل يَا رَسُول الله من السَّيِّد قَالَ يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالُوا فَمَا فِي أمتك سيد قَالَ بلَى رجل أعطي مَالا ورزق سماحة وَأدنى الْفَقِير وَقلت شكايته فِي النَّاس رَوَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٨/ ١٦٥ رقم ٨٢٨٦) والكبير (١٨/ ١٥٩ رقم ٣٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٦٠)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٢٠٩) و(١٥٤٥). قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا أبو عبيدة، تفرد به: عمرو بن الحصين.\nوقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٢٧ و٨/ ١٢٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٨٢) وضعيف الترغيب (١٥٦١).","vol":"10","page":686},{"text":"الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم.\nقوله: قيل: يا رسول الله من السيد؟ قال: \"يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\" قالوا: فما في أمتك سيد؟ قال: \"بلى، رجل أعطي مالا ورزق سماحة [وأدنى الفقير] وقلت شكاته في الناس\" وفي نسخة: \"وقلت شكايته في الناس\" أما يوسف فهو أعرق الأنبياء أصلا، ولسيدنا محمد - ﷺ - الشرف الرفيع والجمال البديع، فإنه يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق وذبيح الله بن إبراهيم خليل الله ولا يوجد نبي ابن نبي ابن نبي أربعة على نسق سواء والله أعلم، وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قيل له: من أكرم؟ قال: \"أكرمهم أتقاهم\" قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: \"فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله بن بني الله بن خليل الله\" وفي الصحيحين أيضا عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"الكريم ابن الكريم بن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين\".\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ١١١ رقم ٧٠٠٦)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٣١٨ - ٣١٩ رقم ١٠٣٩٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٥٣). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن ابن عباس إلا عطاء، ولا رواه عن عطاء إلا نافع أبو هرمز، تفرد به: سعيد بن يحيى اللخمي. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٢٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نافع أبو هرمز، وهو ضعيف. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (١٥٦٢).","vol":"10","page":687},{"text":"إذا كان الكرم الجمع وكثرة الخير فهو حقيقة عند يوسف لأنه جمع مكارم الأخلاق التي تستحقها الأنبياء إلى كرم شرف النبوءة وعمل الخير وعلم الرؤيا وغيره من العلوم وشرف رياسة الدنيا وكونه على خزائن الأرض وشرف النسب وكونه رابع أربعة في النبوة فبالحقيقة أن يحصر كرمه فإنما النبي - ﷺ - ينفي ذلك عن غيره، أ. هـ قاله عياض (^١).\nفالكريم الذي كرم نفسه عن التدنس بشيء من مخالفة ربه ﷿ (^٢)، قال ابن الأثير: الكريم المطلق هو الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه والكريم الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل وسمي يوسف كريما لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم والجمال والعفة وكرم الأخلاق والعدل ورياسة الدنيا والدين فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي رابع أربعة في النبوة (^٣)، أ. هـ.\nتنبيه: والابن الأول [مرفوع] والثاني والثالث والرابع مجرورات لكل كل منها صفة للمجرور وهو المضاف إليه الابن قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقوله: \"قالوا: فما في أمتك سيد؟ فقال: \"بلى، رجل أعطي مالا ورزق سماحة وأدنى الفقير وقلت شكاته في الناس، الحديث، أدنى الفقير: معناه قربه والدنو القرب، وقلت شكاته في الناس أي قل [شكاويه]، وتقدم معنى السماحة.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٩).\n(^٢) النهاية (٤/ ١٦٨).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٦٦ - ١٦٧).","vol":"10","page":688},{"text":"٣٩٥٥ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن فِي الْجنَّة بَيْتا يُقَال لَهُ بَيت السخاء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب إِلَّا أَنه قَالَ الْجنَّة دَار الأسخياء قَالَ الطَّبَرَانِيّ تفرد بِهِ جحدر بن عبد الله (^١).\nقوله: وروي عن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"إن في الجنة بيتا يقال له بيت السخاء\" تقدم الكلام على السخاء.\nقوله: قال الطبراني تفرد به جحدر بن عبد الله، أ. هـ،، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: ورواه ابن عدي كرواية أبي الشيخ، وقال جحدر: يسرق الحديث ويروي المناكير، وقال: قط لا يصح هذا، أ. هـ.\n\n٣٩٥٦ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ إِن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الله ﵎ بعث حَبِيبِي جِبْرِيل ﵊ إِلَى إِبْرَاهِيم ﵉ فَقَالَ لَهُ يَا إِبْرَاهِيم إِنِّي لم أتخذك خَلِيلًا على أَنَّك أعبد عباد لي وَلَكِن اطَّلَعت على قُلُوب الْمُؤمنِينَ فَلم أجد قلبا أسخى من قَلْبك رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب وَالطَّبَرَانِيّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٦/ ٤٣ رقم ٥٧٤٢)، والختلى في الديباج (٥٧)، والخرائطى في المكارم (٥٩٧)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٣٥ - ٣٦)، وابن عدى (١/ ٣٠٧) و(٥/ ٥١٧)، وابن شاهين في الفضائل (٢٦٨). وقال ابن حبان: وهذا حديث منكر. قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا بقية، تفرد به جحدر بن عبد الله الرحبي.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (٣٤٧٧) وضعيف الترغيب (١٥٦٣).\n(^٢) أخرجه الديلمى عن أبي الشيخ كما في الغرائب الملتقطة (٦٩٥). وضعفه الألباني كما في ضعيف الترغيب (١٥٦٤).","vol":"10","page":689},{"text":"قوله: وروي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله ﵎ بعث حبيبي جبريل ﵊ إلى إبراهيم ﵉ فقال له يا إبراهيم إني لم أتخذك خليلا على أنك أعبد عبادي لي\" الحديث.\nسؤال: هل بين الحبيب والخليل فرق؟ ذكر النيسابوري أن الخليل الذي امتحنه ثم أحبه والحبيب الذي أحبه ابتداء تفضلا، والخليل الذي جعل ما يملكه فداء خليل والحبيب جعل الله مملكته فداءه، والخليل من اختار الله على كل شيء، والحبيب من اختاره الله على كل شيء ووجد إبراهيم الخلة ولم يجدها أحد غيره بسببه ووجد محمد - ﷺ - المحبة ووجدتها أمته بسببه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^١) وقال الله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، والمحبة اسم جامع تجمع الخلة وغيرها والعام أكثر من الخاص، وكر بعضهم أن الخليل من تخللت المحبة أجزاء بدنه، وهذا هو اللائق، وقال النيسابوري: الخليل مشتق من الخلل حيثما نظر إلى غيره وولده وفيه نظر فإنه إن كان بمعنى الصداقة وهو المراد ها هنا فهو مشتق من الخلة بضم الخاء وهي الصداقة والمحبة الحاملة وإن كان بمعنى الحاجة فهو مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي الحاجة والفاقة كما قال الشاعر:\nوإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم (^٢)\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٣١.\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ٥).","vol":"10","page":690},{"text":"٣٩٥٧ - وَرُوِيَ عَن جَابر - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: الرزق إِلَى أهل بَيت فِيهِ السخاء أسْرع من الشَّفْرَة إِلَى سَنَام الْبَعِير رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ أَيْضا وَلابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس نَحوه وَتقدم لَفظه فِي الضِّيَافَة (^١).\nقوله: وروي عن جابر - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"الرزق إلى أهل بيت فيه السخاء أسرع من الشفرة إلى سنام البعير\" وفي حديث أنس الذي انفرد به ابن ماجه: \"الخير أسرع إلى البيت الذي يغشي من الشفرة إلى سنام البعير\" وهذا الحديث ضعيف قال عبد اللطيف البغدادي: أي فيه حث على المعروف وبذل الطعام وبشارة بسرعة الخلف والأضياف بسرعة الشفرة إلى سنام البعير وهو أسمن ما فيه وأفضله عند العرب وفيه سر لطيف وهو أنه ﵇ وازن بين الخلف والبذل وبين فعل المضيف بنحر البعير لضيفانه وبين الخلف كأنه يقول بمقدار ما ينحر ويسلخ وتهوي الشفرة إلى سنام البعير يأتيه الخير أسرع من ذلك وهذا من وجه ما شبيه بقوله: \"الأمانة تجلب الرزق\" لأن من تعرف بها يكثر [زبونه] ومعاملوه فيكون ذلك سببا لنفاق سلعته وله أيضا سبب سماوى لا يطلع عليه إلا بالخير النبوي وكذلك البيت الذي يغشي يقصد بالهدايا والتحف مجازاة ومحبة ومحاباة ولأمر سماوي أيضا، وفى الحديث أيضا: \"الخير أسرع إلى\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٢١)، الديلمى عن أبي الشيخ كما في الغرائب الملتقطة (١٧١٩). وقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب ٢/ ٤١٢: غريب من حديث أبي الزبير عنه، تفرد به عبد الرحمن بن قيس أبو معاوية الأنصاري عن صالح عنه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٥٨) وضعيف الترغيب (١٥٦٥).","vol":"10","page":691},{"text":"البيت الذي يؤكل فيه من الشفرة إلى سنام البعير\" أ. هـ.\n\n٣٩٥٨ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ تجافوا عَن ذَنْب السخي فَإِن الله آخذ بِيَدِهِ كلما عثر رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا والأصبهاني وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ من حَدِيث ابْن عَبَّاس (^١).\nقوله: وروي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده إذا ما عثر\" الحديث، التجافي عن الذنب هو عدم المؤاخذة به وعثراته هي ذنوبه وزلاته والله أعلم وتقدم الكلام على الأصبهاني وعلى أبي الشيخ ابن حيان.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٤٦ رقم ١١٩٩)، وابن منده في مجالس من أماليه (٤٠٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٨)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤ رقم ١٠٣٦٩ و١٠٣٧٠)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٥٤٨) عن ابن مسعود. وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا محمد بن حميد، تفرد به: بشر. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش، لم نكتبه إلا من هذا الوجه. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بشر بن عبيد الله الدارسي وهو ضعيف.\nوضعفه الألباني في الضعيفة (١٥٦٧). وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٦/ ٣٣ رقم ٥٧١٠)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٠٤) والحلية (٩/ ٣٩٧)، والقضاعى في مسند الشهاب (٧٢٦)، والبيهقى في الشعب (١٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥ رقم ١٠٣٧١). قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن عبيد الله الجدعاني. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٥٦٨).","vol":"10","page":692},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>[الترهيب من عود الإنسان في هبته]</span>\n٣٩٥٩ - عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الَّذِي يرجع فِي هِبته كَالْكَلْبِ يرجع فِي قيئه (^١).\n\n٣٩٦٠ - وَفِي رِوَايَة مثل الَّذِي يعود فِي هِبته كَمثل الْكَلْب يقيء ثمَّ يعود فِي قيئه فيأكله. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَلَفظ أبي دَاوُد الْعَائِد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه قَالَ قَتَادَة وَلَا نعلم الْقَيْء إِلَّا حَرَامًا (^٢).\nقوله: عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الذي يرجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه\"، وفي رواية لأبي داود \"العائد في هبته كالعائد في قيئه\" قال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حراما، الحديث، وفي رواية: \"مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٢١)، والنسائى في الكبرى (٦٤٨٦) و(٦٤٩١) و(٦٤٩٦) والمجتبى ٦/ ٢٥٦ (٣٧١٧) و٦/ ٢٦٠ (٣٧٢١) و٦/ ٢٦٢ (٣٧٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٨٩) و(٢٦٢١) و(٦٩٧٥)، ومسلم (٥ و٧ و٨ - ١٦٢٢)، وابن ماجه (٢٣٨٥)، وأبو داود (٣٥٣٨)، والترمذى (١٢٩٨)، والنسائى في الكبرى (٦٤٨٨ و٦٤٨٩ و٦٤٩٠ و٣١٩٢ و٦٤٩٣ و٦٤٩٤ و٦٤٩٥) والمجتبى ٦/ ٢٥٨ (٣٧١٩) و٦/ ٢٥٩ (٣٧٢٠) و٦/ ٢٦٠ (٣٧٢٢) و(٣٧٢٣) و٦/ ٢٦١ (٣٧٢٤) و(٣٧٢٥) و٦/ ٢٦٢ (٣٧٢٦) و٦/ ٢٦٣ (٣٧٢٨).","vol":"10","page":693},{"text":"قال النووي (^١): هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما وهذا محمول عندنا على هبة الأجنبي.\nومن ذهب إلى الكراهة أخذ بالرواية التي فيها كالكلب يعود في قيئه، وقال: فعل الكلب لا يوصف بتحريم إذ لا تكليف عليه، فالمراد التنفير من العود بتشبهه بهذا المستقذر (^٢).\nقال الشيخ تقي الدين القشيري (^٣): وقع التشديد في التشبيه من وجهين أحدهما: تشبيه الراجع بالكلب لتكالبه على الدنيا، والثاني: تشبيه المرجوع فيه بالقيء. وفي الحديث دليل على نجاسة القيء ويحرم أكله سواء تغير أم لا، وذهب مالك إلى أن القيء إذا لم يتغير يكون طاهرا والله أعلم.\nأما إذا وهب الإنسان لولده أو ولد ولده وإن سفل شيئا وسلمه إليه فله الرجوع وكذلك الأمهات والأجداد، فأما غير الوالدين فلا رجوع لهم فيه وهو قول الشافعي غير أن الأولى للوالد أن لا يرجع إلا لغرض شرعي كما إذا أبدله بما هو أنفع للولد منه ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام، هذا مذهب الشافعي وبه قال مالك والأوزاعي والجمهور وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب إلا الولد وكل ذي رحم محرم (^٤)، أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦٤).\n(^٢) طرح التثريب (٤/ ٨٩).\n(^٣) إحكام الأحكام (٢/ ١٥٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"10","page":694},{"text":"[ومنع قوم الرجوع مطلقا للولد والمحارم]، ومنعوا الرجوع في هبة ذي الرحم المحرم وفي هبة أحد الزوجين الآخر، وعن الإمام أحمد روايتان في رجوع المرأة فيما وهبته لزوجها بمسئلته (^١).\nفرع: الهبة هي التمليك بلا عوض وهي مندوب إليها بإجماع العلماء وللأقارب أفضل ولا يصح شيء من الهبات إلا بالإيجاب والقبول لأنه تمليك ناجز فأشبه البيع قاله في هادي التنبيه (^٢).\nفرع آخر: فإن قلت: لم جوز الشافعي عود الوالد وأبو حنيفة عود الأجنبي ومالك العود لكنه مخصوص برجوع الواهب لحديث النعمان وأنه في الحقيقة ليس برجوع لأن الوالد وماله لأبيه وربما تقضي المصلحة الرجوع تأديبا، أ. هـ قاله الكرماني (^٣).\nفرع آخر: وإن وهب الأب أو الأم أو أبوهما أو جدهما شيئا للولد وأقبضه جاز له أن يرجع فيه سواء اتحد دينهما أو اختلف (^٤).\nفرع آخر: الهدية في ذلك كالهبة (^٥).\nفائدة: ويستحب لمن وهب لأولاده شيئا أن يسوي بينهم وكذا في الصدقة وسائر وجوه الإكرام فيهب كل واحد منهم مثل الآخر ولا يفضل ويسوي بين\n_________\n(^١) طرح التثريب (٤/ ٩٠).\n(^٢) هادي النبيه (لوحة ١٨٩ و١٩٠) [مخطوط ٢١٢١ - ظاهرية].\n(^٣) الكواكب الدرارى (١١/ ١٢٦).\n(^٤) هادي النبيه (لوحة ١٩١) [مخطوط ٢١٢١ - ظاهرية].\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"10","page":695},{"text":"الذكر والأنثى لقوله - ﷺ -: \"اتقوا الله وأعدلوا في أولادكم\" وقال بعض أصحابنا: يفضل كقسمة الإرث والصحيح الأول لظاهر الحديث فلو فضل بينهم أو وهب لبعضهم دون بعض فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أنه مكروه وليس بحرام والهبة صحيحة، وقال طاووس وعروة ومجاهد والثوري والإمام أحمد وداود: هو حرام، واحتجوا برواية: \"لا أشهد على جور\" وبغيرها من ألفاظ الحديث، واحتج الشافعي وموافقوه بقوله - ﷺ - \"فأشهد على هذا غيري\" قالوا فلو كان حراما أو باطلا لما قال هذا الكلام، فإن قيل: قاله تهديدا؟ قلنا: الأصل من كلام الشارع غير هذا، ويحمل عند إطلاقه صيغة أفعل على الوجوب أو الندب فإن تعذر ذلك فعلى الإباحة، وأما قوله - ﷺ -: \"لا أشهد على جور\" فليس فيه أنه حرام لأن الجور هو الميل عن الاستواء والاعتدال فكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور سواء كان حراما أو مكروها فيجب تأويل الجور على المكروه؛ وفي الحديث أن هبة بعض الأولاد دون بعض صحيحة وأن إن لم يهب الباقين مثل هذا استحب رد الأول قال أصحابنا: يستحب أن يهب الباقين مثل الأول فإن لم يفعله استحب رد الأول ولا يجب، وفيه جواز الرجوع للوالد في هبته للولد (^١).\nوتقدم شيء من ذلك في كفالة البنات في قوله - ﷺ -: \"من كان له أنثى فلم يئدها ولم يؤثر ولده الذكور عليها\" والله أعلم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦٦ - ٣٧).","vol":"10","page":696},{"text":"٣٩٦١ - وَعَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - قَالَ حملت على فرس فِي سَبِيل الله فَأَرَدْت أَن أشتريه فَظَنَنْت أَنه يَبِيعهُ برخص فَسَأَلت النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ لَا تشتره وَلَا تعد فِي صدقتك وَإِن أعطاكه بدرهم فَإِن الْعَائِد فِي صدقته كالعائد فِي قيئه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم قَوْله حملت على فرس فِي سَبِيل الله أَي أَعْطَيْت فرسا لبَعض الْغُزَاة ليجاهد عَلَيْهِ (^١).\nقوله: وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله: \"حملت على فرس في سبيل الله فأردت أن أشتريه فظننت أنه يبيعه برخص فسألت النبي - ﷺ - فقال لا تشتره ولا تعد في صدقتك\" الحديث.\nقوله: \"حملت على فرس في سبيل الله\" معناه: تصدقت به ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، ومعنى في سبيل الله: أن الرجل كان غازيا، فآل الأمر بتمليكه إياه إلى أنه في سبيل الله وسمي بذلك لأن مقصوده أن يستعمل فيه على العادة، قال: ويؤيد ذلك أنه لو حبسه لم يبع ولأنكر عليه عمر بيعه إلى أن ينتهي إلى حالة لا ينتفع بها في ذلك وليس في اللفظ ما يشعر ولو كان محتسبا لتعلق به من يصحح حبس الحيوان، وفي حديث آخر: \"فأضاعه صاحبه\" الحديث (^٢).\nومعنى \"فأضاعه\" أي قصر في القيام بعلفه ومؤنته وتربيته كما هو المعتاد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٩٠) و(٢٦٢٣) و(٣٠٠٣)، ومسلم (١ و٢ و٣ و٤ - ١٦٢٠).\n(^٢) العدة شرح العمدة (٢/ ١١٩٩).\n(^٣) كشف المناهج (٢/ ١٥٥).","vol":"10","page":697},{"text":"قوله: \"فأردت أن أشتريه\" فظننت أنه يبيعه برخص فسألت النبي - ﷺ - فقال: \"لا تشتره ولا تعد في صدقتك\" الحديث، والحكمة في شراءه أنه ربما سامحه البائع بشيء فكأنه رجع في ذلك القدر الذي سومح به، وهذا نهي تنزيه لا تحريم فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر أو نحو لك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه أو يتهبه أو يتملكه باختياره منه فأما إذا ورقه منه فلا كراهة فيه وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة (^١).\nقال النووي في شرح مسلم: ها مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال جماعة من العلماء: النهي عن شراء صدقته للتحريم لظاهر حديث عمر (^٢)، أ. هـ. والمعنى فيه أنه إذا اشتراها المتصدق بها من المتصدق بها عليه ربما حاباه في ثمنها لمنته المتقدمة عليه فيكون رجوعا في الصدقة بقدر المحاباة (^٣).\nوقد تقدم في الحديث: فظننت أنه يبيعه برخص مطلقا، وقيد الصيدلاني كراهة الشيء للصدقة بما إذا علم الفقير أن الذي يشتري بها هو المتصدق لأنه قد يحابيه، فأما إذا اشتراها بوكيله وبنفسه ولم يعلم البائع أنه المتصدق لم يكره وفي معنى الرجوع في الصدقة ما إذا نوى التصدق بشيء ثم رجع إلى بيته ولم يتصدق بما نوى به التصدق فيكره ذلك، أ. هـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦٢)، وطرح التثريب (٤/ ٨٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦٢)، وطرح التثريب (٤/ ٨٨).\n(^٣) طرح التثريب (٤/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"10","page":698},{"text":"فائدة: وإنما منعه - ﷺ - من شراء صدقته لأنه أخرجها عن ملكه إلى الله تعالى فلما أراد أن يعود أشفق عليه أن يفسد نيته ويحبط أجره فنهاه وشبهه بالعود في القيء وإن كان بالثمن وليس من هذا الباب أن يشتري الرجل من غلة أرض كان تصدق بها لأنها غير تلك العين إنما هو شيء حادق منها كذا في شرح السنة (^١).\n\n٣٩٦٢ - وَعَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس - ﵃ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَا يحل لرجل أَن يُعْطي لرجل عَطِيَّة أَو يهب هبة ثمَّ يرجع فِيهَا إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعْطي وَلَده وَمثل الَّذِي يرجع فِي عطيته أَو هِبته كَالْكَلْبِ يَأْكُل فَإِذا شبع قاء ثمَّ عَاد فِي قيئه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر وابن عباس - ﵃ -، تقدم الكلام عليهما.\nقوله - ﷺ -: \"لا يحل لرجل أن يعطي لرجل عطية أو يهب هبة ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده\" الحديث.\nهذا الحديث دليل لمذهب الشافعي ومن وافقه في رجوع هبة الوالد فيما وهبه لولده فللوالد أن يرجع في هبته لولد غنيا كان أو فقيرا اتفق دينهما أو\n_________\n(^١) شرح السنة (٦/ ٢٠٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذى (٢١٣٢)، والنسائى في الكبرى (٦٤٩٨) والمجتبى ٦/ ٢٥٦ (٣٧١٦) و٦/ ٢٦٣ (٣٧٢٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوصححه الألباني في الإرواء (١٦٢٢) وصحيح الترغيب (٢٦١٢).","vol":"10","page":699},{"text":"اختلف، وقال ابن سريج: لا يرجع إلا إذا قصد بهبته استجلاب بر أو دفع عقوق فلم يحصل وإن أطلق الهبة ولم يقصد ذلك فلا رجوع وقال أبو حنيفة: لا رجوع للأب مطلقا نعم يستحب الرجوع لمن ترك العدل بين أولاده ثم إن حق الرجوع ثابت له على التراخي فإن أسقط لم يسقط بل له الرجوع بعد ذلك وكذلك حكم سائر الأصول على المشهور لأنهم كالأب في الحرمة ووجوب النفقة وسقوط القصاص، والمعنى في تخصيص الأصول بذلك انتفاء التهمة عنهم لما طبع عليه الإنسان من إيثاره ولده على نفسه، وقيل: يختص بالأب، وقيل: بكل أصل له ولاية كالأب وأبيه وفي غيره قولان (^١)، أ. هـ.\n\n٣٩٦٣ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مثل الَّذِي يسْتَردّ مَا وهب كَمثل الْكَلْب يقيء فيأكل قيئه فَإِذا اسْتردَّ الْوَاهِب فليوقف فليعرف بِمَا اسْتردَّ ثمَّ ليدفع مَا وهب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢).\nقوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) انظر كفاية النبيه (١٢/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦٦٢٩)، وأبو داود (٣٥٤٠)، والنسائى في الكبرى (٦٤٨٣) والمجتبى ٦/ ٢٥٥ (٣٧١٥)، وابن ماجه (٢٣٧٨). وقال الألباني: حسن صحيح، المشكاة (٣٠٢٠/ التحقيق الثاني)، وصحيح الترغيب (٢٦١٣).","vol":"10","page":700},{"text":"قوله - ﷺ -: \"مثل الذي يسترد ما وهب\" فذكره إلى أن قال: \"فإذا استرد الواهب فليوقف فليعرف بما استرد ثم ليدفع ما وهب\" معنى الحديث والله أعلم: [...] (^١).\n_________\n(^١) بياض بالأصل.","vol":"10","page":701},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>[الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه]</span>\n٣٩٦٤ - عَن ابْن عمر - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يُسلمهُ من كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته وَمن فرج عَن مُسلم كربَة فرج الله عَنهُ بهَا كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن ستر مُسلما ستره الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَزَاد فِيهِ رزين الْعَبدَرِي وَمن مَشى مَعَ مظلوم حَتَّى يثبت لَهُ حَقه ثَبت الله قَدَمَيْهِ على الصِّرَاط يَوْم تَزُول الْأَقْدَام وَلم أر هَذِه الزِّيَادَة فِي شَيْء من أُصُوله إِنَّمَا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا والأصبهاني كَمَا سَيَأْتِي (^١).\nقوله: عن ابن عمر - ﵄ -، تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه\" الحديث، يسلمه هو بضم الياء.\nقال ابن الأثير: يقال أسلم فلان فلانا إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه وهو عام في كل من أسلمته إلى شيء لكن دخله التخصيص وغلب عليه الإلقاء في الهلكة، أ. هـ والله أعلم (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته\" الحديا، أي: أعانه عليها ولطف به فيها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٥٨ - ٢٥٨٠)، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذى (١٤٢٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ٢٩٤).","vol":"10","page":702},{"text":"قوله - ﷺ -: \"ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة\" تقدم الكلام على تفريج الكربة.\nقوله: \"ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة\" قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يحتمل وجهين أحدهما: أن يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها في أهل الموقف، والثاني: ترك محاسبته عليها وترك ذكرها والأول أظهر لما جاء في الحديث الآخر: \"إن الله يدني المؤمن يوم القيامة فيضع عليه كنفه ويقرره بذنوبه فيقول: سترتها عليه في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم\" الحديث، والمراد بالدنو هنا دنو كرامة وإحسان لا دنو مسافة والله تعالى منزه عن المسافة وقوله: \"فيضع عليه كنفه\" هو بنون مفتوحة وهو ستره وعفوه (^١)، أ. هـ.\n\n٣٩٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من نفس عَن مُسلم كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن يسر على مُعسر فِي الدُّنْيَا يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن ستر على مُسلم فِي الدُّنْيَا ستر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤٣) و(١٧٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٨ - ٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذى (١٤٢٥) و(١٩٣٠) و(٢٩٤٥)، وابن ماجه (٢٢٥) و(٢٥٤٤)، والنسائى في الكبرى (٧٢٤٤ - ٧٢٥١)، والحاكم (٤/ ٣٨٣).","vol":"10","page":703},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم. قوله - ﷺ -: \"من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا\" الحديث، تقدم الكلام عليه.\n\n٣٩٦٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن لله خلقا خلقهمْ لحوائج النَّاس يفزع النَّاس إِلَيْهِم فِي حوائجهم أُولَئِكَ الآمنون من عَذَاب الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب من حَدِيث الجهم بن عُثْمَان وَلَا يعرف عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب اصطناع الْمَعْرُوف عَن الْحسن مُرْسلا (^١).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن لله تعالى خلقا خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم\" الحديث، معنى \"يفزع الناس إليهم\" أي: يأتونهم مأخوذ [من قولهم فزعت\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الكبير (١٢/ ٣٥٨ رقم ١٣٣٣٤) والمكارم (٨٢)، وابن عدى (٥/ ٣١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٢٥)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٠٠٧ و١٠٠٨)، وابن عساكر في المعجم (٩٩٥). قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث زيد عن ابن عمر، لم يروه عنه إلا ابنه عبد الرحمن، وما كتبناه إلا من حديث أحمد بن طارق.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٢: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن أيوب وضعفه وحسن حديثه الترمذي، وأحمد بن طارق الراوي عنه لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٨٠)، ومن طريقه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٥٤٢)، والنرسى في ثواب قضاء الحوائج (٤٢) عن علي بن أبى طالب. قال أبو حاتم في العلل (٢٤٣٨): هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ، وجَهْمٌ مجهولٌ. وقال أبو الغنائم النرسى: إِسْنَاده صَحِيح. وأخرجه ابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (١٠٧).\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٦٩ و١٥٧٠ و١٥٧١).","vol":"10","page":704},{"text":"إليه فأفزعني. أي استغثت إليه فأغاثني ومنه حديث الكسوف \"فافزعوا إلى الصلاة\" أي الجأوا إليها].\n\n٣٩٦٧ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن لله عِنْد أَقوام نعما أقرها عِنْدهم مَا كَانُوا فِي حوائج الْمُسلمين مَا لم يملوهم فَإِذا ملوهم نقلهَا إِلَى غَيرهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\nقوله: وروي عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن لله تعالى عند أقوام نعما يقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم\" الحديث، معني: \"يقرها عندهم\" [أي يبقيها].\nوقوله: \"ما لم يملوهم\" والملل السآمة [والضجر].\n\n٣٩٦٨ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن لله أَقْوَامًا اختصهم بِالنعَم لمنافع الْعباد يقرهم فِيهَا مَا بذلوها فَإِذا منعوها نَزعهَا مِنْهُم فحولها إِلَى غَيرهم رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَلَو قيل بتحسين سَنَده لَكَانَ مُمكنا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٨/ ١٨٦ رقم ٨٣٥٠). قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عبدة بن أبي لبابة إلا ابن علاثة، تفرد به: عمرو بن الحصين. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦١٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في في قضاء الحوائج (٥) واصطناع المعروف (٥)، والطبرانى في الأوسط (٥/ ٢٢٨ رقم ٥١٦٢) والكبير (١٣/ ٢٠٧ رقم ١٣٩٢٥)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١١٧ - ١١٨ رقم ٧٢٥٦ و٧٢٥٧)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ١١٥ و١١٦) و(١٠/ ٢١٥) وفي أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٦)، وتمام (١٢٨٥)، والخطيب في تاريخ بغداد =","vol":"10","page":705},{"text":"قوله: وروي عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن لله تعالى أقواما اختصهم بالنعم لمنافع العباد يقرهم فيها ما بذلوها\" الحديث، البذل هو الإعطاء.\n\n٣٩٦٩ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا عظمت نعْمَة الله ﷿ على عبد إِلَّا اشتدت إِلَيْهِ مُؤنَة النَّاس وَمن لم يحمل تِلْكَ الْمُؤْنَة للنَّاس فقد عرض تِلْكَ النِّعْمَة للزوال رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: وروي عن عائشة - ﵂ -، تقدمت ترجمته.\nقوله: \"ما عظمت نعمة الله ﷿ على عبد إلا اشتدت إليه مؤنة الناس\" الحديث، اشتدت معناه: عظمت وكثرت عليه حوائج الناس.\n\n٣٩٧٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من عبد أنعم الله عَلَيْهِ نعْمَة فأسبغها عَلَيْهِ ثمَّ جعل من حوائج النَّاس إِلَيْهِ فتبرم فقد عرض تِلْكَ النِّعْمَة للزوال رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n_________\n= (٩/ ٤٥٩)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١١٧١).\nقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا عبد الله بن زيد الحمصي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٢): \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه محمد بن حسان السمتي؛ وثقه ابن معين وغيره، وفيه لين، ولكن شيخه أبو عثمان عبد الله بن زيد الحمصي؛ ضعفه الأزدي\". وحسنه الألباني في الصحيحة (١٦٩٢) وصحيح الترغيب (٢٦١٧).\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (١٠٦) وقضاء الحوائج (٤٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٧٢).\n(^٢) أخرجه العقيلى في الضعفاء (٢/ ٣٤٠)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، والطبرانى في الأوسط (٧/ ٢٩٢ رقم ٧٥٢٩)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢١٥)، =","vol":"10","page":706},{"text":"قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم\" الحديث، المراد بالإسباغ [الإتمامَ والإكمالَ].\nوقوله: \"فتبرم\" التبرم عبارة [عن المل والضجر].\n\n٣٩٧١ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من مَشى فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ خيرا لَهُ من اعْتِكَاف عشر سِنِين وَمن اعْتكف يَوْمًا ابْتِغَاء وَجه الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار ثَلَاث خنادق كل خَنْدَق أبعد مِمَّا بَين الْخَافِقين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد إِلَّا أَنه قَالَ لِأَن يمشي أحدكُم مَعَ أَخِيه فِي قَضَاء حَاجته وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ أفضل من أَن يعْتكف فِي مَسْجِدي هَذَا شَهْرَيْن (^١).\nقوله: وعن ابن عباس أيضا - ﵄ -، تقدم الكلام عليه وتقدم الكلام أيضا على حديثه في الاعتكاف.\n_________\n= والنرسى في ثواب قضاء حوائج الإخوان (١٦)، وابن الجوزى في العلل (٨٥٧). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٢: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦١٨).\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١ رقم ٧٣٢٦) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٢١ - ١٢٢)، والبيهقى في الشعب (٥/ ٤٣٥ - ٤٣٦ رقم ٣٦٧٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٠٦) ومن طريقه ابن الجوزى في العلل (٨٥٥) والبر والصلة (٤٢٠).\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٢: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٤٥) وضعيف الترغيب (١٥٧٣).","vol":"10","page":707},{"text":"٣٩٧٢ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَا قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من مَشى فِي حَاجَة أَخِيه حَتَّى يثبتها لَهُ أظلهُ الله ﷿ بِخَمْسَة وَسبعين ألف ملك يصلونَ لَهُ وَيدعونَ لَهُ إِن كانَ صباحا حَتَّى يُمْسِي وَإِن كانَ مسَاء حَتَّى يصبح وَلَا يرفع قدما إِلَّا حط الله عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ وَابْن حبَان وَغَيره (^١).\nقوله: وروي عن ابن عمر وأبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليهما.\nقوله - ﷺ -: \"أظله الله ﷿ بخمسة وسبعين ألف ملك يصلون له ويدعون له\" الحديث، تقدم أن الصلاة من الملائكة بمعنى الاستغفار ومن الله تعالى بمعنى الرحمة ومن الآدميين تضرع ودعاء.\n\n٣٩٧٣ - وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عمر وَحده - ﵄ - أَن نَبِي الله - ﷺ - قَالَ من أعَان عبدا فِي حَاجته ثَبت الله لَهُ مقَامه يَوْم تَزُول الْأَقْدَام (^٢).\nقوله: وروي عنه أيضا، تقدم الكلام عليه وتقدم معنى الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (٩١)، والطبرانى في الأوسط (٤/ ٣٤٧ رقم ٤٣٩٦)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٤٢٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٠٧)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١٢١ رقم ٧٢٦٣)، والنرسى في ثواب قضاء الحوائج (١)، وابن الجوزى في البر والصلة (٤١٩). وقال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جعفر بن ميسرة الأشجعي وهو ضعيف.\nوقال الألباني في الضعيفة (٣٣٣٢): موضوع. وقال في الضعيفة (٥٣١٥) وضعيف الترغيب (٢٠٢٧): ضعيف جدا. وقال في ضعيف الترغيب (١٥٧٤): منكر.\n(^٢) لم أعثر عليه بهذا اللفظ. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٧٥).","vol":"10","page":708},{"text":"٣٩٧٤ - وَعَن زيد بن ثَابت - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَا يزَال الله فِي حَاجَة العَبْد مَا دَامَ فِي حَاجَة أَخِيه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن زيد بن ثابت - ﵁ -[تقدم الكلام عليه].\nقوله - ﷺ -: \"لا يزال الله في حاجة العبد ما دام في حاجة أخيه\" [أي أعانه عليها ولطف به فيها وفى هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه].\n\n٣٩٧٥ - وَرُوِيَ عَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يخرج خلق من أهل النَّار فيمر الرجل بِالرجلِ من أهل الْجنَّة فَيَقُول يَا فلَان أما تعرفنِي فَيَقُول وَمن أَنْت فَيَقُول أَنا الَّذِي استوهبتني وضُوءًا فَوهبت لَك فَيشفع فِيهِ ويمر الرجل فَيَقُول يَا فلَان أما تعرفنِي فَيَقُول وَمن أَنْت فَيَقُول أَنا الَّذِي بعثتني فِي حَاجَة كَذَا وَكَذَا فقضيتها لَك فَيشفع لَهُ فَيشفع فِيهِ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا بِاخْتِصَار وَابْن مَاجَه وَتقدم لَفظه والأصبهاني وَاللَّفْظ لَهُ الْوضُوء بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ (^٢).\nقوله: وروي عن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه مصعب الزبيرى في حديثه (٨٨)، وعنه أبو يعلى كما في المطالب العالية (٩٨٣) ومن طريقه الطبرانى في الكبير (٥/ ١١٨ رقم ٤٧٠١) وأبو أحمد الحاكم في الأسامى (٥/ ٣٥٩) والروذبارى في ثلاثة مجالس (٣٤)، والمحاملى في الأمالى (٣٣٢)، وأبو نعيم في المعرفة (٢٩٢١). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٣: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦١٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٨٥)، وابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (١٧٧) وقضاء الحوائج (١١٧)، وأبو يعلى (٤٠٠٦)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، والجوهرى في أماليه (٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١١٦٧). قال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٠٥: هذا إسناد ضعيف لضعف يزيد بن إبن الرقاشي. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٥٦٠٤)، ضعيف الترغيب (٥٦٢ و١٥٧٦)، الضعيفة (٩٣ و٥١٨٦ و٥٢٧٩).","vol":"10","page":709},{"text":"قوله - ﷺ -: \"يخرج خلق من أهل النار\" تقدم الكلام على هذا الحديث في إطعام الطعام وسقي الماء.\n\n٣٩٧٦ - وَرُوِيَ عَنهُ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من مَشى فِي حَاجَة أَخِيه الْمُسلم كتب الله لَهُ بِكُل خطْوَة سبعين حَسَنَة ومحا عَنهُ سبعين سَيِّئَة إِلَى أَن يرجع من حَيْثُ فَارقه فَإِن قضيت حَاجته على يَدَيْهِ خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه وَإِن هلك فِيمَا بَين ذَلِك دخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب اصطناع الْمَعْرُوف والأصبهاني (^١).\nقوله: وروي عنه - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"من مشى في حاجة أخيه المسلم كتب الله له بكل خطوة سبعين حسنة ومحا عنه سبعين ألف سيئة\" الحديث، المحو عبارة عن محو السيئات من كتاب الحفظة. وقوله: \"خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" يعني لا ذنب له وتقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق.\nتنبيه: قال الحسن يعني البصري: مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في المطالب (٤٥٨٤/ ١)، وابن ماجه (١٢١٥) و(٣٦٨٥)، وابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (١٧٧) وقضاء الحوائج (١١٧)، وأبو يعلى (٤٠٠٦)، والبغوى في شرح السنة (٤٣٥٢) و(٤٣٥٣)، والأصبهاني في الترغيب (١١٦٧). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٨٢: رواه أبو يعلى، وفيه أبو علي بن أبي سارة، وهو متروك. وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٠٥: هذا إسناد ضعيف لضعف يزيد بن إبن الرقاشي. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٥٦٠٤)، ضعيف الترغيب (١٥٧٦)، الضعيفة (٩٣ و٥٢٧٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠١٤).","vol":"10","page":710},{"text":"٣٩٧٧ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ على كل مُسلم صَدَقَة قيل أَرَأَيْت إِن لم يجد قَالَ يعتمل بيدَيْهِ فينفع نَفسه وَيتَصَدَّق قَالَ أَرَأَيْت إِن لم يسْتَطع قَالَ يعين ذَا الْحَاجة الملهوف قَالَ قيل لَهُ أَرَأَيْت إِن لم يسْتَطع قَالَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ أَو الْخَيْر قَالَ أَرَأَيْت إِن لم يفعل قَالَ يمسك عَن الشَّرّ فَإنَّهَا صَدَقَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن أبي موسى - ﵁ - هو الأشعري، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله في الحديث قال: \"يعين ذا الحاجة الملهوف\" الحديث، الملهوف عند أهل اللغة يطلق على المتحسر وعلى المضطر وعلى المظلوم وقولهم: يا لهف نفسي على كذا، كلمة يتحسر بها على ما فات ويقال لهف بكسر الهاء يلهف بفتحها لهفا بإسكانها أي حزن وتحسر وكذلك التلهف (^٢).\nقوله في الحديث أيضا: \"تمسك عن الشر فإنها صدقة\" معناه: صدقة على نفسه كما في غير هذه الرواية، والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله ﷿ كان له أجر ذلك كما أن للمتصدق بالمال أجر والله أعلم (^٣) قاله في شرح مشارق الأنوار.\n\n٣٩٧٨ - وَعَن أبي قلَابَة أَن نَاسا من أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - قدمُوا يثنون على صَاحب لَهُم خيرا قَالُوا مَا رَأينَا مثل فلَان هَذَا قطّ مَا كَانَ فِي مسير إِلَّا كَانَ فِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٤٥) و(٦٠٢٢)، ومسلم (٥٥ - ١٠٠٨)، والنسائى في المجتبى ٤/ ٥٤٢ (٢٥٥٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٤).","vol":"10","page":711},{"text":"قِرَاءَة وَلَا نزلنَا فِي منزل إِلَّا كانَ فِي صَلَاة قَالَ فَمن كانَ يَكْفِيهِ ضيعته حَتَّى ذكر وَمن كانَ يعلف جمله أَو دَابَّته قَالُوا نَحن قَالَ فكلكم خير مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (^١).\nقوله: وعن أبي قلابة، تقدم.\nقوله: أن ناسا من أصحاب النبي - ﷺ - قدموا يثنون على صاحب لهم خيرا قالوا ما رأينا مثل فلان هذا قط ما كان في مسير إلا كان في قراءة ولا نزلنا في منزل إلا كان في صلاة قال فمن كان يكفيه ضيعته حتى ذكر ومن كان يعلف جمله أو دابته قالوا نحن، قال فكلكم خير منه، الحديث، الضيعة هي [ما يكون منه معاش الرجل، كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك].\nفائدة: وروي أنه - ﷺ - كان في سفر فرآه رجلا صائما فقال له ما حملك على السفر فقال معي ابناي يرحلان بي ويخدماني، فقال: ما زال لهما الفضل عليك، وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني، وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك، منهم عامر بن عبد قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان فالإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه، قاله الشيخ زين الدين بن رجب.\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في إتحاف الخيرة (٥/ ١٠٢ رقم ٤٣٠٦/ ١)، وأبو داود في المراسيل (٣٠٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٧٨).","vol":"10","page":712},{"text":"٣٩٧٩ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من كَانَ وصلَة لِأَخِيهِ الْمُسلم إِلَى ذِي سُلْطَان فِي مبلغ بر أَو تيسير عسير أَعَانَهُ الله على إجَازَة الصِّرَاط يَوْم الْقِيَامَة عِنْد دحض الْأَقْدَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن هِشَام الغساني وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من كَانَ وصلَة لِأَخِيهِ إِلَى ذي سُلْطَان فِي مبلغ بر أَو إِدْخَال سرُور رَفعه الله فِي الدَّرَجَات العلى من الْجنَّة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطى في المكارم (٩٤) وابن حبان (٥٣٠)، والطبرانى في الأوسط (٤/ ٤٨ رقم ٣٥٧٧) والصغير (١/ ٢٧٤ رقم ٤٥١) والشاميين (٥٣٧) والمكارم (١٣٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (٥٣٠ و٥٣١ و٥٣٢)، والخطيب في تلخيص المتشابه (٢/ ٦٠٨) و(٢/ ٦٥١)، وابن الجوزى في العلل (٨٦٠). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة، إلا عروة بن رويم اللخمي، تفرد به: هشام بن يحيى الغساني، ولم يروه عنه إلا ابنه إبراهيم. وقال الدارقطني في العلل (٣٥٣٥): يرويه هشام بن يحيى الغساني، واختلف عنه.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩١: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه إبراهيم بن هشام النسائي، وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو حاتم وغيره. وقال الألباني: ضعيف جدا - \"الضعيفة\" (٥٧٧١) وضعيف الترغيب (١٥٧٩). وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٣/ ٣٥١ رقم ٣٣٧٧) والشاميين (٢٨) و(١٦٥٥)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١١٨٠). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم إلا سليمان، ولا عن سليمان إلا يحيى، تفرد به إدريس بن يونس.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٢: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم، ورواه بإسناد آخر ضعيف، ورواه في الأوسط. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٣٩٤) وضعيف الترغيب (١٥٨٠).","vol":"10","page":713},{"text":"قوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.\nقوله في الحديث: \"أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام\" الدحض [الزلق].\nقوله: رواه ابن حبان من رواية إبراهيم بن هشام الغساني [وثقه الطبراني وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له في صحيحه غير ما حديث وكذبه أبو زرعة وغيره].\n\n٣٩٨٠ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لَقِي أَخَاهُ الْمُسلم بِمَا يحب ليسره بذلك سره الله ﷿ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير بِإِسْنَاد حسن وَأَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - هو أنس بن مالك، خدم أنس رسول الله - ﷺ - عشر سنين مدة إقامته بالمدينة - ﷺ -، ثبت ذلك في الصحيح، وحمل عنه حديثا كثيرا فروي ألفي حديث ومائتي حديث وستة وثمانين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وثمانية وستين حديثا، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين ومسلم بأحد وسبعين وكان أكثر الصحابة أولادا لدعاء رسول الله - ﷺ - وكان له بستان يحمل في السنة مرتين وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك، قال ابن قتيبة في\n_________\n(^١) أخرجه الدولابى في الكنى والأسماء (٨٩٤)، والطبرانى في الصغير (٢/ ٢٨٨ رقم ١١٧٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢١٥). وقال الطبراني: \"لم يروه عن قتادة إلا سعيد، ولا عنه إلا الحكم بن عبد الله، تفرد به ابن أبي بزة\". وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٣: رواه الطبراني في الصغير وإسناده حسن. وقال الألباني: منكر الضعيفة (١٢٨٦) وضعيف الترغيب (١٥٨١).","vol":"10","page":714},{"text":"المعارف: ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا حتى رأى كل واحد منهم مائة ذكر من صلبه، أنس بن مالك وأبو بكرة وخليفة بن بدر، وروي البخاري في تاريخه (^١) عن قتادة قال: لما مات أنس بن مالك قال مورق: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له كيف لك، قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا تعالى إلى من سمعه من النبي - ﷺ - وذكر في مناقبه أبسط من هذا (^٢).\nقوله - ﷺ -: \"من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك سره الله ﷿ يوم القيامة\" وسيأتي الحديث في ذكر سرور العبد في قبره بذلك في آخر الباب.\n\n٣٩٨١ - وَرُوِيَ عَن الْحسن بن عَليّ - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن من مُوجبَات الْمَغْفِرَة إدخالك السرُور على أَخِيك الْمُسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^٣).\nقوله: وروي عن الحسن بن علي - ﵄ -، وكان من المبادرين إلى نصرة عثمان بن عفان ولي الخلافة بعد قتل أبيه علي - ﵁ - وكان قتل علي لثلاث\n_________\n(^١) التاريخ الكبير (٢/ ٢٨).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٨).\n(^٣) أخرجه الدولابى في الذرية الطاهرة (١١٧)، والطبرانى في الأوسط (٨/ ١٥٣ رقم ٨٢٤٥) والكبير (٣/ ٨٣ رقم ٢٧٣١) و(٣/ ٨٥ رقم ٢٧٣٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٣٩)، والخطيب في الموضح (٢/ ٢٣)، والمتفق والمفترق (٧٩٤). قال أبو حاتم في العلل (٢٤٤٠): هذا حديث منكر. قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن الحسن بن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن أبي فديك. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٣: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه جهم بن عثمان وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٨٢).","vol":"10","page":715},{"text":"عشرة بقيت من رمضان سنة أربعين وبايعه أكثر من أربعين ألفا كانوا بايعوا أباه وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالحجاز واليمن والعراق وخراسان وغيره ذلك، ثم سار إليه معاوية من الشام وسار هو إلى معاوية فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين فأرسل إلى معاوية يبذل له تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة بعده وعلى أن لا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيا أبيه وغير ذلك من القواعد فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك وظهرت المعجزة النبوية في قوله - ﷺ - للحسن: \"إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" قيل كان صلحهما لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدة وأربعين وقيل في شهر ربيع الآخر وقيل في نصف جمادي الأولى في السنة المكورة وتقدم الكلام على بعض مناقبه أبسط من هذا والله أعلم.\nقوله: \"إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم\" الحديث، السرور هو [الفرح].\n\n٣٩٨٢ - وَرُوِيَ عَن عمر - ﵁ - مَرْفُوعا أفضل الْأَعْمَال إِدْخَالك السرُور على الْمُؤمن كسوت عَوْرَته أَو أشبعت جوعته أَو قضيت لَهُ حَاجَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ من حَدِيث ابْن عمر وَلَفظه أحب الْأَعْمَال إِلَى الله ﷿ سرُور تدخله على مُسلم أَو تكشف عَنهُ كربَة أَو تطرد عَنهُ جوعا أَو تقضي عَنهُ دينا (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٥/ ٢٠٢ رقم ٥٠٨١). قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن كثير النواء إلا علي بن هاشم، تفرد به: محمد بن بشير، ولا يروى عن عمر إلا بهذا =","vol":"10","page":716},{"text":"٣٩٨٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن أحب الْأَعْمَال إِلَى الله تَعَالَى بعد الْفَرَائِض إِدْخَال السرُور على الْمُسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير (^١).\n\n٣٩٨٤ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أَدخل على أهل بَيت من الْمُسلمين سُرُورًا لم يرض الله لَهُ ثَوابًا دون الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: وروي عن عمر - ﵁ - تقدم وتقدم معنى الحديث، وكذلك حديث ابن عباس بعده بمعناه وكذلك حديث عائشة بعده.\n_________\n= الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن بشير الكندي، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٩٥٤) و(٢٠٩٠) و(٢٦٢١). وأما حديث ابن عمر فسيأتى بتمامه بعد حديثين. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٩٥٥) و(٢٦٢٢).\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٨/ ٤٥ رقم ٧٩١١) والكبير (١١/ ٧١ رقم ١١٠٧٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٤٠٠). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن ليث إلا شريك، وجرير، تفرد به: إسماعيل بن عمرو. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي، وثقه ابن حبان وضعفه غيره. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢١٦٣) وضعيف الترغيب (١٥٨٣).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٢٨٩ رقم ٧٥١٩) والصغير (٢/ ١٣٢ رقم ٩١٠)، وابن عدى في الكامل (١/ ٣٢٩)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٦٤) و(٢/ ١٩٥) و(٢/ ٢٧٦)، وابن فاخر في موجبات الجنة (١٤٥) و(١٤٧). وقال الطبرانى: لم يروه عن هشام إلا عمر بن حبيب تفرد به إبراهيم بن سالم. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٣: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه عمر بن حبيب القاضي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٨٤).","vol":"10","page":717},{"text":"٣٩٨٥ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر - ﵄ - أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي النَّاس أحب إِلَى الله فَقَالَ أحب النَّاس إِلَى الله أنفعهم للنَّاس وَأحب الْأَعْمَال إِلَى الله ﷿ سرُور تدخله على مُسلم تكشف عَنهُ كربَة أَو تقضي عَنهُ دينا أَو تطرد عَنهُ جوعا وَلِأَن أَمْشِي مَعَ أَخ فِي حَاجَة أحب إِلَيّ من أَن أعتكف فِي هَذَا الْمَسْجِد يَعْنِي مَسْجِد الْمَدِينَة شهرا وَمن كظم غيظه وَلَو شَاءَ أَن يمضيه أَمْضَاهُ مَلأ الله قلبه يَوْم الْقِيَامَة رضى وَمن مَشى مَعَ أَخِيه فِي حَاجَة حَتَّى يَقْضِيهَا لَهُ ثَبت الله قَدَمَيْهِ يَوْم تَزُول الْأَقْدَام رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي - ﷺ - وَلم يسمه (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمر - ﵄ -، تقدم.\nقوله في الحديث: \"ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى\" الحديث، كظم الغيظ عبارة عن إمساكه وإمضاؤه هو تنفيذه.\n\n٣٩٨٦ - وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده - ﵃ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا أَدخل رجل على مُؤمن سُرُورًا إِلَّا خلق الله ﷿ من ذَلِك السرُور\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (٩٢ م) وقضاء الحوائج (٣٦) عن بعض أصحاب النبي. وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٦/ ١٣٩ رقم ٦٠٢٦) والصغير (٢/ ١٠٦ رقم ٨٦١) والكبير (١٢/ ٤٥٣ رقم ١٣٦٤٦)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٤٨)، وابن بشران مختصرا (٥٧٣) و(٦٦٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١١٦٢) عن ابن عمر. وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا سكين بن سراج، تفرد به عبد الرحمن بن قيس.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩١: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه مسكين بن سراج وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٢٣).","vol":"10","page":718},{"text":"ملكا يعبد الله ﷿ ويوحده فَإِذا صَار العَبْد فِي قَبره أَتَاهُ ذَلِك السرُور فَيَقُول أما تعرفنِي فَيَقُول لَهُ من أَنْت فَيَقُول أَنا السرُور الَّذِي أدخلتني على فلَان أَنا الْيَوْم أونس وحشتك وألقنك حجتك وأثبتك بالْقَوْل الثَّابِت وأشهدك مشاهدك يَوْم الْقِيَامَة وأشفع لَك إِلَى رَبك وأريك مَنْزِلك من الْجنَّة رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب وَفِي إِسْنَاده من لَا يحضرني الْآن حَاله وَفِي مَتنه نَكَارَة وَالله أعلم (^١).\nقوله: وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده - ﵃ -، هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فجعفر هو الصادق ومحمد هو الباقر وعلي هو زين العابدين وأبوه الحسين بن علي رضوان الله عليهم أجمعين ويقال لمحمد هذا محمد بن الحنفية ويقال محمد بن علي ابن الحنفية، فينسب إلى أبيه وأمه جميعا، فعلى هذا يشترط أن ينون علي ويكتب ابن الحنفية بالألف ويكون إعرابه إعراب محمد لأنه وصف لمحمد لا لعلي ولهذا نظائر والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (١٧٥) وقضاء الحوائج (١١٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب جدا (١٥٨٥).","vol":"10","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>فصل</span>\n٣٩٨٧ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من شفع شَفَاعَة لأحد فأهدى لَهُ هَدِيَّة عَلَيْهَا فقبلها فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الربا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة - ﵁ - تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي.\nقوله - ﷺ -: \"من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الكبائر\" الحديث، هذا الحديث محمول على ما إذا كان لا تقضي حاجته إلا بالهدية فإن قضاها تبرعا وأهدى له شيئا لم يحرم ذلك، قاله ابن العماد.\nتنبيه: يختم به الباب من الكبائر أن يقبل ما أهدى إليه بسبب الشفاعة إن صح الخبر قال ابن النحاس في تنبيهه: قلت: وقد نص جماعة من العلماء على تحريم أخذ العوض على الشفاعة قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وحكي أبو عبد الله بن ظفر في تفسيرهما عن ابن مسعود قال: من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمة فأهدى إليه هدية فقبلها فذلك السحت فقيل له كنا نرى أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦١ (٢٢٢٥١)، وأبو داود (٣٥٤١)، والرويانى (١٢٢٧ و١٢٢٨)، والطبرانى في الدعاء (٢١٠٧) والكبير (٨/ ٢١١ رقم ٧٨٥٣) و(٨/ ٢٣٨ رقم ٧٩٢٨)، وابن الجوزى في العلل (١٢٥٩). قال ابن الجوزى: عبيد الله ضعيف عظيم والقاسم أشد ضعفا منه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٤٦٥)، والمشكاة (٣٧٥٧)، وصححه في صحيح الترغيب (٢٦٢٤).","vol":"10","page":720},{"text":"السحت الرشوة في القضاء فقال ذلك الكفر وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^١) قال فكل مال كسبه ذو الوجاهة عند السلطان بجاهه من ذوي الحوائج إليه من السلطان فهو عند مالك ﵀ سحت.\n* * *\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٤٤.","vol":"10","page":721},{"text":"بسم الله الرحمن الرحبم\nوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>[كتاب الأدب وغيره</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>الترغيب في الحياء وما جاء في فضله والترهيب من الفحش والبذاء]</span>\nتقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في مواضع من هذا التعليق، والأدب: هو الوقوف [على] المستحسنات، وقيل: [هو الاتصاف] بمكارم الأخلاق [وقيل] هو تعظيم من فوقك [والرفق] بمن دونك قاله [الكرمانى (^١)] وتقدم شيء من ذلك [في باب تأديب] الأولاد في كتاب النكاح [...] (^٢).\n\n٣٩٨٧ - م - عَن ابْن عمر - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - مر على رجل من الْأَنْصَار وَهُوَ يعظ أَخَاهُ فِي الْحيَاء فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - دَعه فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٣).\nقوله: عن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله: أن رسول الله - ﷺ - مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، الحديث؛ الوعظ: النصح والتذكير بالعواقب (^٤)، قال ابن فارس (^٥): هو [التخويف] والإنذار وقال الخليل هو التذكير [ب] الخير فيما يرق القلب.\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٤٦).\n(^٢) بياض بالأصل.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤) و(٦١١٨)، ومسلم (٥٩ - ٣٦)، وأبو داود (٤٧٩٥)، والترمذى (٢٦١٥)، وابن ماجه (٥٨)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٥٦٠ (٥٠٧٧).\n(^٤) الصحاح (٣/ ١١٨١).\n(^٥) مجمل اللغة (١/ ٩٣١).","vol":"10","page":722},{"text":"قوله: \"أخاه\" الظاهر أنه أراد الأخ في القرابة فهو حقيقة، ويحتمل أن يراد به الأخ في الإسلام، وعرف الشرع فهو مجاز لغوي أو حقيقة عرفية (^١).\nقوله: \"في الحياء\" أي: في شأن الحياء وفي حقه، ومعناه أنه ينهاه عنه ويخوفه منه (^٢).\nوقال [النووي:] أي ينهاه عنه ويقبح له فعله ويزجره عن كثرته فزجره النبي - ﷺ - عن ذلك أي عن وعظه وقال: دعه أي تركه فإن الحياء من الإيمان أي دعه عن فعل الحياء وكف عن نهيه (^٣) أ. هـ.\nقوله: \"دعه\" هو أمر لا ماضي له قالوا: أماتوا ماضي دع وذر (^٤).\nفالحياء منشأه من الإيمان وكذا كل حالة قلبية فإنها تنشأ من الاعتقاد المناسب لها قاله في الحدائق (^٥).\nوقال ابن قتيبة: معنى هذا الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فجاز أن يسمى إيمانا لأن العرب تسمي الشيء باسم ما قام مقامه أو كان شبيها به، ألا ترى أنهم يسمون الركوع والسجود صلاة وأصل ذلك الدعاء فلما كان الدعاء يكون في الدعاء سمين صلاة حكاه عنه ابن بطال (^٦) أ. هـ.\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١/ ١٢٠).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٦).\n(^٤) الكواكب الدرارى (١/ ١٢٠).\n(^٥) حدائق الأولياء (١/ ٥٩٤).\n(^٦) شرح صحيح البخاري (١/ ٧٦).","vol":"10","page":723},{"text":"وقال الشيخ زين الدين بن رجب الحياء الممدوح في كلام النبي - ﷺ - إنما يريد به الخلق الذي يحث على فعل الجميل وترك القبيح فأما العجز والضعف الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده فليس هو من الحياء إنما هو ضعف وخور وعجز ومهانة (^١) أ. هـ.\n\n٣٩٨٨ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\n\n٣٩٨٩ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم الْحيَاء خير كُله (^٣).\nقوله: وعن عمران بن حصين - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الحياء لا يأتي إلا بخير\" وفي رواية لمسلم \"الحياء خير كله\" [قال القرطبي: والصحيح: ما صار إليه أبو سليمان الخطابي وغيره: أنها منحصرة في علم الله تعالى، وعلم رسوله - ﷺ -، وموجودة في الشريعة] مفصلة فيها غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب ولا عين لنا عددها ولا كيفية انقسامها وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كلفنا به من شريعتنا ولا في عملنا إذ كل ذلك مفصل مبين في جملة الشريعة فما أمرنا بالعمل به عملنا وما نهينا عنه انتهينا وإن لم نحط بحصر أعداد ذلك (^٤).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١١٧)، ومسلم (٦٠ - ٣٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٧) م، وأبو داود (٤٧٩٦).\n(^٤) المفهم (١/ ١٣٥).","vol":"10","page":724},{"text":"قال أبو عبد الله القرطبي: ومما يدل على صحة هذا القول ما خرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أربعون خصلة أدناها أو أعلاها منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها\" الحديث، قال حسان بن عطية: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام إلى قوله فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة سنة فإذا عجز هؤلاء عن تعيين أربعين خصلة وتعدادها فكيف بغيرهم من تأخر عن زمانهم يعد ما أجمل، وبين بأنهم وإن ذلك مراد الشرع لا زيادة عليه ولا نقصان منه هذا فيه بعد والله أعلم، أ. هـ.\n\n٣٩٩٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ أَو بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة فأفضلها قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\n\n٣٩٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْحيَاء من الْإِيمَان وَالْإِيمَان فِي الْجنَّة وَالْبذَاء من الْجفَاء والجفاء فِي النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩) و(٥٩٨)، ومسلم (٥٧ و٥٨ - ٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والترمذى (٢٦١٤)، وابن ماجه (٥٧)، والنسائى في المجتبى ٧/ ٥٣٣ (٥٠٤٨) و٧/ ٥٣٥ (٥٠٤٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٠٥١٢)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٧٥)، والترمذي (٢٠٠٩)، وابن حبان (٦٠٨) و(٦٠٩)، والحاكم ١/ ٥٢ - ٥٣. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الألباني: حسن صحيح - \"الصحيحة\" (٤٩٥)، \"الروض\" (٧٤٤) وصحيح الترغيب (٢٦٢٨).","vol":"10","page":725},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - أيضًا، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة\".\nقوله: \"والبذاء من الجفاء\" الحديث، البذاء بالباء الموحدة المفتوحة وذاله معجمة ممدود مهموز، ويقال: ضد الجفاء، ولهذا قوبل بالحياء، أ. هـ، وقال المنذري: هو الفحش في الكلام، أ. هـ.\nوقال بعضهم: البذاء الفحش من القول وفلان بذيء اللسان تقول منه بذوت على القوم وأبذيت أبذو بذاء، ومنه حديث فاطمة بنت قيس: أنها [بذت على أحمائها] وكان في لسانها [بعض] البذاء (^١).\nومعنى كونه في [النار] بينه النبي - ﷺ - في [حديث] غيره بقوله: \"وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم\" والجفاء [ترك] الصلة والبر (^٢) ومنه الحديث الآخر: \"من بدا جفا\" بالدال المهملة أي خرج إلى البادية وسكنها غلظ طبعه لقلة [مخالطة] الناس والجفاء غلظ الطبع (^٣) قاله في الديباجة.\n\n٣٩٩٢ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْحيَاء والعي شعبتان من الْإِيمَان وَالْبذَاء وَالْبَيَان شعبتان من النِّفَاق رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبي غَسَّان مُحَمَّد بن مطرف والعي قلَّة الْكَلَام وَالْبذَاء هُوَ الْفُحْش فِي الْكَلَام وَالْبَيَان هُوَ كثْرَة الْكَلَام مثل هَؤُلَاءِ الخطباء الَّذين يخطبون فيتوسعون فِي الْكَلَام ويتفصحون فِيهِ من مدح النَّاس\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١١١).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٣٣٧)، والنهاية (١/ ٢٨١).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٣٣٧)، والنهاية (١/ ٢٨١).","vol":"10","page":726},{"text":"فِيمَا لَا يُرْضِي الله انْتهى وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِنَحْوِهِ وَلَفظه قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْحيَاء والعي من الْإِيمَان وهما يقربان من الْجنَّة ويباعدان من النَّار وَالْفُحْش وَالْبذَاء من الشَّيْطَان وهما يقربان من النَّار ويباعدان من الْجنَّة فَقَالَ أَعْرَابِي لأبي أُمَامَة إِنَّا لنقول فِي الشّعْر العي من الْحمق فَقَالَ إِنِّي أَقُول قَالَ رَسُول الله - ﷺ - وتجيئني بشعرك المنتن (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة هو الباهلي - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الحياء والعي شعبتان من الإيمان\" الحديث، تقدم الكلام على الحياء، والعي قلة الكلام قاله المنذري.\nقال في التنقيح (^٢): والعي مشتق من الإعياء وهو العجز عن السير من التعب والمراد به هنا العجز عن الإبانة في المنطق ولهذا قوبل بالبيان.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان (١١٨) والمصنف ٦/ ١٧٠ (٣٠٤٢٨)، وأحمد ٥/ ٢٦٩ (٢٢٣١٢)، والترمذي (٢٠٢٧)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٧٤)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٤٤٦)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٣٠٥٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٩٨٣) و(٢٩٨٤)، والخرائطي في مكارم الأخلاق ص ٤٩، والحاكم ١/ ٨ - ٩ و٥٢، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٠٦)، وأبو محمد البغوي في شرح السنة (٣٣٩٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث أبي غسان محمد بن مطرف. صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٢٩)، صحيح إيمان ابن أبي شيبة (١١٨)، المشكاة (٤٧٩٦).\nوأخرجه الطبرانى في الكبير (٨/ ٩٦ رقم ٧٤٨١) والشاميين (٩٢٦). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٩٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن محصن العكاشي، وهو ضعيف لا يحتج به. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٦٨٨٤) وضعيف الترغيب (١٥٨٦).\n(^٢) كشف المناهج (٤/ ٢٢٨).","vol":"10","page":727},{"text":"قوله: \"شعبتان من الإيمان\" تقدم الكلام على معنى الشعبة والإيمان.\nقوله: \"والبذاء والبيان شعبتان من النفاق\" الحديث، قال الحافظ ﵀ هو كثرة الكلام مثل هؤلاء الخطباء الذي يخطبون فيتوسعون في الكلام ويتقصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله، أ. هـ.\nفقوله: \"البذاء والبيان شعبتان من النفاق\" أراد [أنهما خصلتان] منشأهما [النفاق] أما البذاء وهو الفحش فظاهر وتقدم تفسيره، وأما البيان فقد فسره الحافظ.\nوفسره غيره أيضا: المراد به التعمق في النطق [والتفاصح]، وإظهار التقدم فيه على الناس وكأنه نوع من العجب والكبر وليس كل البيان مذموما بل المذموم منه ما ذكر ولذلك قال في رواية أخرى: \"البذاء و[بعض] البيان\" ومنه [حديث] آدم وموسى عليهما [السلام] أعطاك الله التوراة [فيها] تبيان كل شيء [أي] كشفة [وإيضاحه] وهو مصدر [قليل] فإن مصادر [أمثاله] بالفتح والبيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ وهو من الفهم وذكاء القلب وأصله الكشف والظهور وقيل معناه أن الرجل [يكون عليه الحق] وهو أقوم بحجته من خصمه فيقلب [الحق] ببيانه إلى نفسه لأن معنى السحر قلب [الشئ] في عين الإنسان و[ليس] بقلب الأعيان ألا ترى أن البليغ يمدح إنسانا حتى يصرف قلوب السامعين إلى حبه ثم يذمه حتى يصرفها إلى بغضه (^١).\n_________\n(^١) هذا كلام ابن الأثير في النهاية (١/ ١٧٤ - ١٧٥).","vol":"10","page":728},{"text":"قال في التنقيح (^١)، المراد به التعمق في المنطق والتفاصح وإظهار التقدم فيه على الناس وليس كل الباين مذموما بل المذموم ما ذكرنا منه، أ. هـ.\n[قوله:] قال الترمذي: إنما نعرفه من حديث أبي غسان محمد بن مطرف [هو محمد بن مطرف بن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية الليثي أبو غسان المدني، ويقال: محمد بن طريف، والأول أصح، يقال: إنه من موالي عمر بن الخطاب أحد علماء الأثبات روى عن زيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر وأبي حازم سلمة بن دينار وغيرهم وثقه ابن معين وأحمد وقال النسائي لا بأس به وقال ابن المديني كان شيخا وسطا وقال ابن حبان يغرب].\nقوله - ﷺ -: في رواية الطبراني \"والفحش والبذاء من الشيطان\" الفحش كلمة جامعة لكل خصلة قبيحة، وأصل الفحش الزيادة بالخروج عن الحد (^٢)، والبذاء تقدم الكلام عليه.\n\n٣٩٩٣ - وَرُوِيَ عَن قُرَّة بن إِيَاس - ﵁ - قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي - ﷺ - فَذكر عِنْده الْحيَاء فَقَالُوا يَا رَسُول الله الْحيَاء من الدّين فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - بل هُوَ الدّين كُله ثمَّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الْحيَاء والعفاف والعي عي اللِّسَان لَا عي الْقلب والعفة من الْإِيمَان وإنهن يزدن فِي الْآخِرَة وينقصن من الدُّنْيَا وَمَا يزدن فِي الْآخِرَة أَكثر مِمَّا ينقصن من الدُّنْيَا وَإِن الشُّح وَالْعجز وَالْبذَاء من النِّفَاق وإنهن يزدن فِي الدُّنْيَا وينقصن من الْآخِرَة وَمَا ينقصن من الْآخِرَة أَكثر مِمَّا يزدن من\n_________\n(^١) كشف المناهج (٤/ ٢٢٨).\n(^٢) الشافى شرح مسند الشافعي (١/ ٦١٢) والنهاية (٢/ ٤١٥).","vol":"10","page":729},{"text":"الدُّنْيَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِاخْتِصَار وَأَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n[قوله:] وروي عن قرة بن إياس - ﵁ -[هو قرة بن إياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليمان بن أوس بن عمرو المزنى الصحابى: هو جد إياس بن معاوية بن قرة، قاضى البصرة الموصوف بالذكاء، وكان قرة يسكن البصرة. روى عن النبي - ﷺ - أحاديث. روى عنه ابنه معاوية، وبه كان يكنى (^٢)].\nقوله - ﷺ -: \"الحياء الدين كله\" وتقدم الكلام على معنى الحياء أيضا.\nوقوله: \"وإن الشح والعجز والبذاء من النفاق\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٣٩٩٤ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قلت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا عَائِشَة لَو كَانَ الْحيَاء رجلا كَانَ رجلا صَالحا وَلَو كَانَ الْفُحْش رجلا لَكَانَ رجل سوء رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَأَبُو الشَّيْخ أَيْضا وَفِي إسنادهما ابْن لَهِيعَة وَبَقِيَّة رُوَاة الطَّبَرَانِيّ مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الفسوى في المعرفة والتاريخ (١/ ٣١١)، وابن أبي الدنيا في المكارم (٨٧)، والضبى في أخبار القضاة (١/ ٣١٨ - ٣١٩)، والطبرانى في الكبير (١٩/ ٢٩ رقم ٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٢٥) وصفة النفاق (٦٨)، والبيهقى في الآداب (١٤٨) والكبرى (١٠/ ٣٢٨ رقم ٢٠٨٠٨) والشعب (١٠/ ١٥١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٦ و٧). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٦: رواه الطبراني، وفيه عبد الحميد بن سوار وهو ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٨١) وصحيح الترغيب (٢٦٣٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٠ الترجمة ٥٠٩).\n(^٣) أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٦٧)، وابن أبي الدنيا في المكارم (٨٩)، والطبرانى في الصغير (٢/ ٤ رقم ٦٧٤) والأوسط (١/ ١٠٦ - ١٠٧ رقم ٣٣١) و(٥/ ٧٦ - ٧٧ رقم =","vol":"10","page":730},{"text":"قوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام على ترجمتها.\nقوله - ﷺ -: \"يا عائشة لو كان الحياء رجلا كان رجلا صالحا\" الحديث.\nتنبيه: وثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: كان رسول الله - ﷺ - أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه (^١)، وفي أثر إلهي \"يقول الله تعالى: ابن آدم إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، ولا أناقشك الحساب يوم القيامة\"، وفي أثر آخر: أوحى الله إلى عيسى ﵊ عظ نفسك فإن اتعظت وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس، وفي أثر إلهي: ما أنصفني عبدي يدعوني فأستحيي أن أرده ويعصيني ولا يستحيي مني (^٢)، انتهى.\nقوله: في حديث عائشة: وفي إسناده ابن لهيعة، اسمه عبد الله تقدم الكلام على لهيعة.\n_________\n= ٤٧١٨)، وابن سمعون في الأمالى (١٤٨)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (١٤٤)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١٦٣ - ١٦٤ رقم ٧٣٢٦ - ٧٣٢٧) و(١١/ ١٠ - ١١ رقم ٨٠٦٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٦١٦).\nوقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن أبي سلمة إلا يحيى بن النضر، ولا عن يحيى بن النضر إلا أبو الأسود، تفرد به: ابن لهيعة. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٧: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه ابن لهيعة وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٩٤٣) و(٣٨٨٩) وضعيف الترغيب (١٥٨٧). وحسن الألباني شطره الأخير صحيح الترغيب (٢٦٣١).\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٦٢) و(٦١٠٢) و(٦١١٩)، ومسلم (٦٧ - ٢٣٢٠) عن أبي سعيد.\n(^٢) ذكر ابن القيم هذه الآثار الثلاثة في مدارج السالكين (٢/ ٢٤٩).","vol":"10","page":731},{"text":"٣٩٩٥ - وَعَن يزيد بن طَلْحَة بن ركَانَة يرفعهُ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن لكل دين خلقا وَخلق الْإِسْلَام الْحيَاء رَوَاهُ مَالك وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَغَيره عَن أنس مَرْفُوعا وَرَوَاهُ أَيْضا من طَرِيق صَالح بن حسان عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فَذكره (^١).\nقوله: وعن يزيد بن طلحة بن ركانة [يزيد بن طلحة بن ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف روى عن ابن الحنفية روى عنه سلمة بن\n_________\n(^١) أخرجه مالك في موطأ الشيبانى (٩٥٠)، وعنه وكيع في الزهد (٣٨٣)، ومن طريقه هناد (٢/ ٦٢٥) عن يزيد بن طلحة بن ركانة. وأخرجه ابن ماجه (٤١٨١)، وأبو يعلى (٣٥٧٣)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٣٠١)، والطبرانى في الأوسط (٢/ ٢١٠ - ٢١١ رقم ١٧٥٨) والصغير (١/ ٣١ رقم ١٣)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (٢٤٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٥١٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٦١)، والخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ٢٣٩ و٨/ ٤، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٨١) عن أنس. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح قال يحيى بن معين معاوية بن يحيى ليس بشيء وقال السعدي ذاهب الحديث وقال الدارقطني وقد روى عن مالك عن الزهري ولا يصح عن مالك ثابت.\nوقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ٢٣٠: هذا إسناد فيه معاوية بن يحيى الصدفي أبو روح الدمشقي وقد ضعفوه. وأخرجه ابن ماجه (٤١٨٢)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٣٠٢)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٠١)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٢٠ رقم ١٠٧٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٢٠). وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث محمد انفرد به سعيد عن صالح. وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ٢٣١: هذا إسناد ضعيف لضعف صالح بن حسان وسعيد بن محمد الوراق. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٤٠) وصحيح الترغيب (٢٦٣٢) و(٢٦٣٣) و(٢٦٣٤).","vol":"10","page":732},{"text":"صفوان الزرقى وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: روى عن أبي هريرة، ومات في أول خلافة هشام بن عبد الملك (^١)].\nقوله - ﷺ -: \"لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء\" وقال الحليمي: الحياء [خوف الذم والتوقي من الاستكبار، وقالة السوء، لأن من استحى، فإنما ترك لأجل استحيائه ما يوجب فعله ذمًا. أو ما ترى أنه يجلب إليه ذمًا سواء كان الذم لقبح الفعل في نفسه أو لمخالفته عادة الناس في مثله. أو لأن المتوقع من فاعله كان خلافه، فأما خوف العقوبة، فإسلام البدن دون ثلب العرض، فلا يسمى حياء، وإنما يسمى خضوعًا واستسلامًا ونحو ذلك]، وتقدم الكلام على الحياء.\nقوله: ورواه ابن ماجه أيضا من طريق صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظي، بضم القاف وفتح الراء وكسر الظاء المعجمة منسوب إلى بني قريظة، وبنو قريظة قوم من اليهود بقرب المدينة كان بينهم وبين النبي - ﷺ - عهد فنقضوا العهد بقدوم الأحزاب فلما انهزم الأحزاب أتاهم رسول الله - ﷺ - فحاصرهم، والأحزاب جمع حزب وهي الطائفة وسمي ذلك القوم أحزابا لأنهم كانوا طوائف من العرب، أ. هـ، فمحمد بن كعب القرظي تابعي جليل من كبار التابعين وأئمتهم وهو أبو حمزة محمد بن كعب بن سليم، وقال محمد بن سعد محمد بن كعب بن حيان بالمثناة ابن سليم بن أسد المدني من حلفاء الأوس وكان أبوه من بين قريظة سكن محمد الكوفة\n_________\n(^١) أسد الغابة (٥/ ٤٦٢ ترجمة ٥٥٧٣)، والإصابة (٦/ ٥٦١ - ٥٦٢ ترجمة ٩٤٦٣).","vol":"10","page":733},{"text":"ثم عاد إلى المدينة قال قتيبة بلغني أنه ولد في حياة النبي - ﷺ -، سمع ابن عباس وزيد بن أرقم ومعاية وقيل سمع ابن مسعود ورأى ابن عمر وروي عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي ذر وأبي هريرة والبراء والمغيرة وعبد الله بن يزيد الخطمي ووكعب بن عجرة الصحابيين، قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث ورعا، قال أبو نعيم وابن أبي شيبة والترمذي: توفي سنة ثمان ومائة، وقال عمرو بن علي والواقدي سنة [سبع] عشرة ومائة، وقيل: سنة عشرين (^١).، أ. هـ.\n\n٣٩٩٦ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا كَانَ الْفُحْش فِي شَيْء إِلَّا شانه وَمَا كَانَ الْحيَاء فِي شَيْء إِلَّا زانه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَيَأْتِي فِي الْبَاب بعده أَحَادِيث فِي ذمّ الْفُحْش إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٢).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما كان الفحش في شيء إلا شانه\" أي: عابه، والمشاين المعايب، قاله الجوهري في صحاحه.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٩٠ ترجمة ٢٣).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠١٤٥)، وعنه أحمد ٣/ ١٦٥ (١٢٦٨٩)، وعبد بن حميد (١٢٤١)، ومن طريقه أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٠١)، والترمذي (١٩٧٤)، وابن ماجه (٤١٨٥)، والبزار (٦٩٢٤)، وابن حبان (٥٥١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق. وقال الألباني: صحيح - \"المشكاة\" (٤٨٥٤/ التحقيق الثاني)، \"الروض\" (٣٦)، صحيح الترغيب (٢٦٣٥).","vol":"10","page":734},{"text":"قوله: \"وما كان الحياء في شيء إلا زانه\" الحديث، رواه الترمذي [في البر عن محمد بن] عبد الأعلى عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس عن النبي - ﷺ - وإسناده لا غبار عليه [رجاله] من أجل أئمة الدين [وأعظم] علماء المسلمين خرج عنهم الشيخان إلا محمد بن عبد [الأعلى] فإنه لم يخرج عنه البخاري والله أعلم، والمراد بالحياء هنا الحياء الرادع عن ارتكاب المحارم والتلطخ بالمدانس (^١) أ. هـ.\n\n٣٩٩٧ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - الْحيَاء وَالْإِيمَان قرناء جَمِيعًا فَإِذا رفع أَحدهمَا رفع الآخر رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ابْن عَبَّاس (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"الحياء والإيمان قرناء جميعا\" الحديث، تقدم الكلام على الحياء والإيمان.\n_________\n(^١) كشف المناهج (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).\n(^٢) أخرجه ابن البخترى في مجموعه (٥٧٠)، والحاكم (١/ ٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٩٧)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١٦٦ - ١٦٧) عن ابن عمر. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال أبو نعيم: غريب من حديث سعيد، تفرد به عنه يعلى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٣٦) والمشكاة (٥٠٩٤). وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٨/ ١٧٤ رقم ٨٣١٣)، والبيهقى في الشعب (١٠/ ١٦٥ - ١٦٦ رقم ٧٣٣٠). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا سلم بن بشير، تفرد به: السمتي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٩٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يوسف بن خالد السمتي كذاب خبيث. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٣٧).","vol":"10","page":735},{"text":"قوله: رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، أي: البخاري ومسلم.\nتنبيه: اعلم أن المحدثين قسموا الحديث الصحيح سبعة أقسام، أحدها: ما اتفقا عليه، وثانيها: ما انفرد به البخاري، وثالثها: ما انفرد به مسلم، ورابعها: ما خرج على شرطهما، وخامسها: ما خرج على شرط البخاري، سادسها: ما خرج على شرط مسمل، وسادسها: ما حكم بصحته أمام معتبر ولا معارض له، ذكره الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^١).\n\n٣٩٩٨ - وعن مُجَمِّعِ بن حارثةَ بن زيد بن حارثة عن عمه - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"الحياء شُعبةٌ من الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له\" رواه أبو الشيخ ابن حيّان في الثواب، وفي إسناده بشر بن غالب الأسدي مجهول (^٢).\nقوله: وعن مجمع بن جارية بن يزيد بن حارثة عن عمه الأنصاري، وكان من القراء الذي قرأوا القرآن؛ مجمع بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم وكسرها وعين مهملة وجارية بفتح الجيم وبعد الألف راء مهملة مكسورة وياء آخر الحروف مفتوحة وتاء تأنيث (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"الحياء شعبة من الإيمان\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) التعيين شرح الأربعين (ص ٢٧).\n(^٢) أخرجه لوين في جزئه (١٥)، وابن أبي الدنيا في المكارم (١١١)، وابن المظفر في جزئه (٩)، والخطيب في موضح أوهام الجمع (٢/ ٥٦)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١١٢٥). وقال الألباني: باطل منكر في الضعيفة (٥٦٤٤) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٥٨٨).\n(^٣) كشف المناهج (٣/ ٤٢٠).","vol":"10","page":736},{"text":"قوله: رواه الشيخ ابن حيان تقدم الكلام عليه قريبا [هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان، أبو محمد الأصبهاني الحافظ، أبو الشيخ].\nوفي إسناده بشر بن غالب الأسدي مجهول [قال الحافظ ابن حجر: وفي الكنى للنسائي حدثنا لوين ثنا حسين بن بسطام حدثني أبو مالك بشر بن غالب بن بشر عن الزهري عن مجمع بن جارية عن عمه يرفعه لا دين لمن لا عقل له قال النسائي هذا حديث باطل منكر قلت واستفدنا منه كنيته وتسمية جده (^١)].\n\n٣٩٩٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء قَالَ قُلْنَا يَا نَبِي الله إِنَّا لنستحي وَالْحَمْد لله قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِن الاستحياء من الله حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا وعى وَتحفظ الْبَطن وَمَا حوى ولتذكر الْمَوْت والبلى وَمن أَرَادَ الْآخِرَة ترك زِينَة الدُّنْيَا فَمن فعل ذَلِك فقد استحيا من الله حق الْحيَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث إِنَّمَا نعرفه من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد قَالَ الْحَافِظ أبان بن إِسْحَاق فِيهِ مقَال والصباح مُخْتَلف فِيهِ وَتكلم فِيهِ لرفعه هَذَا الحَدِيث وَقَالُوا الصَّوَاب عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوف وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا من حَدِيث عَائِشَة وَالله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) لسان الميزان (٢/ ٣٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٤٣) والمصنف ٧/ ٧٧ (٣٤٣٢٠)، وأحمد ١/ ٣٨٧ (٣٦٧١)، والترمذى (٢٤٥٨)، والبزار (٢٠٢٥)، وابن أبي الدنيا في الورع (٥٩) =","vol":"10","page":737},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"استحيوا من الله حق الحياء\" قال: قلنا: يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله، قال: \"ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى\" الحديث.\nقوله: \"ولكن الاستحياء\" الحديث، يعني: ليس حق الحياء أن تقولوا باللسان إنا لنستحيي أو يكون في قلوبكم الاستحياء من الله ولم تتركوا المناهي بل حقيقة الاستحياء الاتيان بأوامر الله وترك المناهي وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على محرم، وقد جمع الله ذلك كله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^١) ويتضمن أيضا حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المأكل\n_________\n= والمكارم (٩٠). وقال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٢٤) و(٢٦٣٨) و(٣٣٣٧)، الروض النضير (٦٠١)، المشكاة (١٦٠٨). وأخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٢٢٦ رقم ٧٣٤٢).\nوقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عروة إلا مسلم بن أبي مريم، ولا عن مسلم إلا ابن أبي حبيبة، تفرد به: خالد بن يزيد، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٨٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو متروك. وقال الألباني موضوع الضعيفة (٥٢٦٤) وضعيف الترغيب (١٩٤٩).\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.","vol":"10","page":738},{"text":"والمشرب، ويروي: \"ولا تنسوا الجوف وما وعى والرأس ما احتوى\" قيل: أراد بالجوف البطن والفرج كما جاء في الحديث أكثر ما يدخل أمتي الناس الأجوفان، قيل: المراد بالجوف [وقيل: أراد به القلب] وما وعى وحفظ من [معرفة] الله تعالى والعلم بالحلال والحرام أن لا يضيع [ذلك وقيل] أراد بالجوف البطن [والفرج] ومنه الحديث أن أخوف ما أخاف عليكم الأجوفان وأراد بالرأس وما حوى الدما [غ] وإنما خص القلب والدماغ لأنهما مجمع العقل (^١) ويتضمن أيضا حفظ البطن من إدخال الحرام، ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله ﷿ اللسان والفرج، وفي حدي أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: \"من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة\".\nقوله: \"ما بين لحييه\" قيل لسانه، وقيل: بطنه، واللحي بكسر اللام وفتحها الذي تنبت عليه اللحية من الإنسان قاله عياض (^٢) وقد أمر الله ﷿ بحفظ الفرج ومدح الحافظين لها فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (^٣) الآية، وقال أبو إدريس الخولاني: أول ما وصى الله به آدم عن إهباطه إلى الأرض حفظ فرجه، وقال لا تضعه إلا في حلال، أ. هـ ذكره ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النواوية أو في كتاب اللطائف (^٤).\n_________\n(^١) غريب الحديث لأبى عبيد (٢/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٥٦).\n(^٣) سورة النور، الآية: ٣٠.\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٣ - ٤٦٥).","vol":"10","page":739},{"text":"قوله: في آخر الحديث، رواه الترمذي وقال: إنما نعرفه من حديث أبان بن إسحاق [عن الصباح محمد قال الحافظ المنذري: أبان بن إسحاق فيه]، فيه فقال: والصباح بن محمد مختلف فيه وتكلم فيه لرفعه هذا الحديث، أ. هـ.\nفائدة: قال صاحب العلم المشهور في فضائل الشهور: اعلم رحمك الله أن الكلام في هؤلاء الكذابين في الحديث هو نصيحة لله ولرسوله ولجميع المسلمين فإن الخبر يحتمل الصدق والكذب فلا بد من النظر في حال الراوي، قال: يحيى بن سعيد سألت مالك بن أنس وجماعة عن الرجل يكذب في الحديث أبين أمره قالوا نعم بين أمره للناس، وكان شعبة يقول: تعالوا حتى نغتاب في الله ﷿ وقال الشافعي: إذا علم الرجل من محدث الكذب لم يسعه السكوت عنه ولا يكون ذلك غيبة لأن العلماء كالنقاد ولا يسع النافد في دينه أن لا يبين الزيوف من غيرها، أ. هـ والله أعلم بالصواب.\n\n٤٠٠٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ إِن الله ﷿ إِذا أَرَادَ أَن يهْلك عبدا نزع مِنْهُ الْحيَاء فَإِذا نزع مِنْهُ الْحيَاء لم تلفه إِلَّا مقيتا فَإِذا لم تلفه إِلَّا مقيتا ممقتا نزعت مِنْهُ الْأَمَانَة فَإِذا نزعت مِنْهُ الْأَمَانَة لم تلفه إِلَّا خائنا مخونا فَإِذا لم تلفه إِلَّا خائنا مخونا نزعت مِنْهُ الرَّحْمَة فَإِذا نزعت مِنْهُ الرَّحْمَة لم تلفه إِلَّا رجيما ملعنا فَإِذا لم تلفه إِلَّا رجيما ملعنا نزعت مِنْهُ ربقة الْإِسْلَام رَوَاهُ ابْن مَاجَه الربقة بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَاحِدَة الربق وَهِي عرى فِي حَبل تشد بِهِ البهم وتستعار لغيره (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٥٤).","vol":"10","page":740},{"text":"قوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله ﷿ إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلفه إلا مقيتا ممقتا\" الحديث.\nقوله: \"لم تلفه\" أي: لم تجده.\nوقوله: \"مقيتا ممقتا\" المقت أشد البغض.\nوقوله: \"لم تلفه إلا رجيما ملعنا\" الرجيم [قيل معناه الملعون وقيل مرجوم بالكواكب] والملعن الملعون واللعنة البعد من الخير.\nوقوله: \"نزعت منه ربقة الإسلام\" الربقة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي واحدة الربق وهي عري في حبل تشد به البهم وتستعار لغيره أ. هـ.\n* * *\n_________\n= وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٩٥: هذا إسناد ضعيف لضعف سعيد بن سنان والاختلاف في اسمه.\nوقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٠٤٤) وضعيف الترغيب (١٥٨٩).","vol":"10","page":741},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>[الترغيب في الخلق الحسن وفضله والترهيب من الخلق السيئ وذمه]</span>\n٤٠٠١ - عَن النواس بن سمْعَان - ﵁ - قَالَ: سَأَلت رَسُول الله - ﷺ - عَن الْبر وَالْإِثْم فَقَالَ الْبر: حسن الْخلق وَالْإِثْم مَا حاك فِي صدرك وكرهت أَن يطلع عَلَيْهِ النَّاس رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: عن النواس بن سمعان - ﵁ - فالنواس: بفتح النون وتشديد الواو، وسمعان بكسر السين وفتحها (^٢)، وحديث النواس هذا رواه مسلم والترمذي ولم يخرجه البخاري ولا أخرج البخاري في كتابه عن النواس، فاعلم ذلك، وتقدم الكلام على النواس في الورع مبسوطًا.\nقوله: سألت رسول الله - ﷺ - عن البر والإثم فقال: \"البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس\" الحديث.\nفقوله: \"البر حسن الخلق\" البر ضد الفجور والإثم ولذلك قابله به، وأخبر به أن البر حسن الخلق (^٣).\nوقوله: \"والإثم ما حاك في صدرك\" الحديث، والإثم حواز الصدور وهذا يدل على أن حسن الخلق هو الدين كله وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤ و١٥ - ٢٥٥٣)، والترمذى (٢٣٨٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١١)، والتعيين في شرح الأربعين (ص ٢٠٣).\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٠٣).","vol":"11","page":5},{"text":"ولهذا قابله بالإثم (^١).\nقوله: \"حاك\" بالحاء المهملة والكاف أي دار في صدرك ورسخ (^٢). وقال بعضهم (^٣): أي أثر وتردد ومنه قولهم ضربته فما حاك فيه السيف أي ما أثر، وفي حديث وابصة البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، الحديث، فقوله: \"واطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب\" اطمأن سكن ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٤) الآية، أي سكنتم من انزعاج الحرب وحركته. فدل على أن حسن الخلق طمأنينة النفس والقلب والإثم حواز الصدر وما حاك فيها واسترابت به وهذا غير حسن الخلق وسوئه في عرف كثير من الناس وحواز بالتشديد وهو ما يحرزها ويغلب عليها حتى يرتكب ما لا يحسن، وقيل: بالتخفيف يعني في الواو وتشديد الزاي جمع حازة وهي الأمور التي تحز في القلوب وتحك وتؤثر وتتخالج في القلوب أن تكون معاصي وهذا أشهر والله أعلم، قاله الحافظ في أوائل كتاب النكاح (^٥). وأما معنى الحديث فقوله: \"البر حسن الخلق\" فقد قيل إنه بذل الندي وكف الأذى واحتمال الأذى، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه، وقيل: حسن الخلق بذل الجميل وكف القبيح\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٩٢).\n(^٢) النهاية (١/ ٤٧٠).\n(^٣) التعيين (ص ٢٠٣).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(^٥) الترغيب والترهيب [كتاب النكاح باب الترغيب في غض البصر والترهيب من إطلاقه ومن الخلوة بالأجنبية ولمسها].","vol":"11","page":6},{"text":"وقيل التخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها، الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فالصبر يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش، والعجلة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل ويحمله على الحياء وهو رأس كل خير ويمنعه من الفحش والبخل والكذب والغيبة والنميمة والشجاعة تحمله على عزو النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته ويحمله على كظم الغيظ والحلم بقوة نفسه وشجاعتها أمسك عنانها وكبحها بلجامها عن النزع والبطش كما قال النبي - ﷺ -: \"ليس الشديد بالسرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\" وهذه حقيقة الشجاعة وهي ملكة يقتدر بها على قهر خصمه والعدل يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط فيحمله على خلق الجود والسخاء وعلى خلق الحياء وعلى خلق الشجاعة وعلى خلق الحلم ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة ومنشأ جميع الأخلاق الذميمة على أربعة أركان الجهل والظلم والشهوة والغضب فالجهل يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن والكمال نقصا والنقص كمالا والظلم يحمله على وضع البدل فيحجم في موضع الإقدام أو يقدم في موضع الإجحام أو يلين في موضع الشدة ويشد في موضع الليل ويتواضع في موضع العزة ويتكبر في موضع التواضع، والشهوة تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل،","vol":"11","page":7},{"text":"والدناءات كلها والغضب يحمله على الكبر والحقد والحسد والسفه (^١)، أ. هـ والله أعلم. وأما البر فتارة يقابل بالفجور والإثم فيكون عبارة عما اقتضاه الشرع وجوبا أو ندبا كما أن الإثم عبارة عما نهى الشرع عنه وتارة يقابل بالعقوق فيكون عبارة عن الإحسان كما أن العقوق عبارة عن الإساءة (^٢).\nفقوله - ﷺ -: \"البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب\" فهو كقوله أولا البر حسن الخلق لأن حسن الخلق تطمئن له النفس والقلب.\nوقوله: \"والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر\" هو شبيه بقوله: \"الإثم ما كرهت أن يطلع عليه الناس\" لأن ما تردد في الصدر فهو إثم أو محل شبهة ولا بد وذلك مما يكره إطلاع الناس عليه والله أعلم قاله الطوفي (^٣).\nقوله - ﷺ -: \"والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس\" واعلم أن النفس لها شعور من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته وما لا تحمد عاقبته ولكن الشهوة غالبة عليها بحيث توجب لها الإقدام على ما يضرها كاللص تغلبه الشهوة على السرقة وهو خائف من الوالي أن يقطعه والزاني ونحوه كذلك إذا عرف هذا فقد تضمنت هذه الجملة علامتين للإثم، إحداهما: تأثيره في النفس وتردده وما ذاك إلا لشعورها بسوء عاقبته، الثانية: كراهية إطلاع الناس على الشيء يدل على أنه إثم لأن النفس بطبعها تحب إطلاع الناس على خيرها وبرها، ومن ثم هلك كثير من الناس بالرياء،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٠٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٢٠٩).","vol":"11","page":8},{"text":"فإذا كرهت إطلاع الناس على بعض أفعالها علمنا أنه ليس خيرا وبرا فهو إذن شر وإثم والركاهة المعبرة هنا هي الكراهة الدينية الجازمة فالدينية احتراز من العادية كمن يكره أن يرى على الأكل حياء أو بخلا ونحو ذلك والجازمة احتراز من غير الجازمة كمن يكره أن يركب بين المشاة تواضعا أو نحوه ثم لو رأى كذلك لم يبال لأن كراهته لذلك غير جازمة والله أعلم (^١).\nفائدة: فإن قلت: هل يمكن أن يكون الخلق كسبيا أو هو أمر خارج عن الكسب؟ قلت: يمكن أن يكون كسبيا بالتخلي والتكلف حتى يصير له سجية وملكة وقد قال النبي - ﷺ - للأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة فقال: أخلقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما فقال: بل جبلك الله عليهما، فقال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله (^٢)، فدل على أن من الخلق ما هو طبيعة وجبلة وما هو مكتسب، الغريزة الجبلية والطبيعة التي يخلق الله عليها العبد من غير اكتساب، وكان النبي - ﷺ - يقول في دعاء الاستفتاح: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهديني لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت (^٣)، فذكر الكسب والقدر والله أعلم (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٢٢٥) عن أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدها. وحسنه الألباني.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٠١ و٢٠٢ - ٧٧١) عن علي بن أبي طالب.\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ٣٠٠).","vol":"11","page":9},{"text":"٤٠٠٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ لم يكن رَسُول الله - ﷺ - فَاحِشا وَلَا متفحشا وَكانَ يَقُول إِن من خياركم أحسنكم أَخْلَاقًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.\nقوله: لم يكن رسول الله - ﷺ - فاحشا ولا متفحشا، الحديث، ذكرهما مبالغة، ويحتمل أن يكون المراد بالفاحش الذي تجاوز الحد، وقيل: الفاحش ذو الفحش في كلامه والمتفحش الذي يتكلف ذلك، ويتعمده (^٢). (متفحشا) أي لم يكن الفحش له جبليا ولا كسبيا [أي: متكلفا لفعله] (^٣). الفحش القبح وكل سوء جاوز حده فهو فاحش أي [لم يكن متكلما] بالقبيح أصلا (^٤).\nوقال الطبري: الفاحش البذي الذي [يأتي الفاحشة] المنهي عنها (^٥)، أ. هـ. وقال في النهاية (^٦): [الفحش] والفاحشة والفواحش في الحديث، وهو: كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي وكثيرا ما تراد الفاحشة بمعنى الزنا وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٥٩) و(٣٧٥٩) و(٦٠٢٩) و(٦٠٣٥)، ومسلم (٦٨ - ٢٣٢١)، والترمذى (١٩٧٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٧٨).\n(^٣) اللامع الصبيح (١٠/ ١٣٧).\n(^٤) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٨٠).\n(^٥) مشارق الأنوار (٢/ ١٤٨).\n(^٦) النهاية (٣/ ٤١٥).","vol":"11","page":10},{"text":"قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^١): أصل الفحش الزيادة والخروج عن الحد، وقال ابن عرفة: الفواحش عند العرب القبائح، قال الهروي: الفاحش: ذو الفحش والمتفحش الذي يتكلف الفحش ويتعمده لفساد حاله وقد يكون المتفحش الذي يأتي الفاحشة أ. هـ.\nقوله: \"وكان يقول إن من خياركم أحسنكم أخلاقا\" وحسن الخلق بضم اللام ملكة تصدر بها الأفعال بسهولة من غير تفكر وقيل اختيار الفضائل منه وترك الرذائل وأمهاته تحت قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (^٢) الآية وهو صفة [الأنبياء والأولياء] (^٣).\nوفي حديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان خلقه القرآن كان متمسكا بآدابه وأوامره ونواهيه وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن والألطاف، وفي حديث عمر: من تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس في نفسه شانه الله تعالى، أي تكلف أن يظهر من خلقه خلاف ما ينطوي عليه مثل تصنع وتجمل إذا أظهر الصنيع والجميل، أ. هـ قاله في النهاية (^٤).\nتنبيه: قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^٥) قال ابن عباس ومجاهد - ﵄ - لعلي دين عظيم لا دين واجب ولا أضري عندي منه وهو\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٧/ ٢٨٤).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(^٣) الكواكب الدرارى (١٤/ ١٤٤) واللامع الصبيح (١٠/ ١٣٧).\n(^٤) النهاية (٢/ ٧٠).\n(^٥) سورة القلم، الآية: ٤.","vol":"11","page":11},{"text":"دين الإسلام، وقال الحسن هو آداب القرآن، وفي الصحيحين أن هشام بن حكيم سأل عائشة - ﵂ - عن خلق رسول الله - ﷺ - فقالت: كان خلقه القرآن، فقال لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا، وقد جمع الله تعالى له مكارم الأخلاق في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (^١) قال جعفر بن محمد - ﵄ - أمر الله نبيه - ﷺ - بمكارم الأخلاق وليس في القرآن أن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وقد ذكر أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - ﷺ - لجبريل: \"ما هذا؟ \" قال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع إليه فقال الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، قال الله لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس، وقال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس مثل قبول الاعتذار والعفو والمساهلة (^٢).\nوقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني إذا سفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه كقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (^٣) وهكذا كان خلقه - ﷺ - (^٤)، أ. هـ.\nفائدة: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (^٥) قال ابن عباس وغيره: علموهم وأدبوهم وهذه اللفظة مؤذنة\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ٢٩١).\n(^٥) سورة التحريم، الآية: ٦.","vol":"11","page":12},{"text":"بالإجماع وقال صاحب العوارف روي عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: \"أدبني ربي فأحسن تأديبي\" فالأدب اجتماع تهذيب الظاهر والباطن وإذا تهذب ظاهر العبد بواطنه صار صوفيا إدبيا ومنه المأدبة وهو الطعام الذي يجتمع عليه الناس، وسميت مأدبة لاجتماعها على أشياء ولا يتكامل الأدب في العبد إلا بتكامل الأخلاق ومكارم الأخلاق مجموعها من تحسين الخلق والأصح أن تبديل الأخلاق ممكن مقدور عليه، وقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"حسنوا أخلاقكم\" والأدب ثلاثة أنواع أدب مع الله وأدب مع رسوله وشرعه وأدب مع خلقه، فالأدب مع الله ثلاثة أنواع أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة، والثاني: صيانة قلبك أن يلتفت إلى غيره، الثالث: صيانة إرادتك أن تتعلق بما يمقتك عليه قال أبو علي الدقاق العبد يصل بطاعة الله إلى الجنة ويصل بأدبه في طاعته إلى الله، وقال أبو علي: من صحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل، وقال أبو علي: ترك الأدب يوجب الطرد فمن أساء الأدب على البساط طرد إلى الباب ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب، وقال يحيى بن معاذ: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله، وقال ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم، قال أبو نصر السراج ﵀: الناس في الأدب على ثلاث طبقات أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسماء الملوك وأشعار العرب، وأما أهل الدين فأكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات وأما أهل الخصوصية فأكثر آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء","vol":"11","page":13},{"text":"بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب في موقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب (^١)، أ. هـ والله أعلم.\n\n٤٠٠٣ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا من شَيْء أثقل فِي ميزَان الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة من خلق حسن وَإِن الله يبغض الْفَاحِش الْبَذِيء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَزَاد فِي رِوَايَة لَهُ وَإِن صَاحب حسن الْخلق ليبلغ بِهِ دَرَجَة صَاحب الصَّوْم وَالصَّلَاة رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَة الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد لم يذكر فِيهِ الْفَاحِش الْبَذِيء وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصرا قَالَ مَا من شَيْء أثقل فِي الْمِيزَان من حسن الْخلق الْبَذِيء بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ممدودا هُوَ الْمُتَكَلّم بالفحش ورديء الْكَلَام (^٢).\nقوله: وعن أبي الدرداء - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن\" وقيل: لكل شيء بنيان أساس وأساس الإسلام حسن الخلق مع الخلق\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧٩٩)، والترمذى (٢٠٠٢) و(٢٠٠٣)، والبزار (٤٠٩٥ - ٤٠٩٨)، وابن حبان (٤٨١) و(٥٦٩٣) و(٥٦٩٥). وقال الترمذي في الموضع الأول: وهذا حديث حسن صحيح. وقال في الثانى: هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي الدرداء إلا من هذه الوجوه التي ذكرناها فأما مطرف، عن عطاء والقاسم، عن عطاء فهو عطاء الكيخاراني فأما حديث عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك فلا نعلم رواه إلا ابن عيينة وحده ويعلى روى عنه ابن أبي مليكة حديثا آخر والحديث حسن الإسناد وعطاء بن نافع هو عطاء الكيخاراني مكي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٤١).","vol":"11","page":14},{"text":"وحسن السريرة مع الحق وفي حديث: \"طوبى لمن حسنت خليقته وطابت سريرته\" الحديث، والسريرة ما يكتم عن الناس والمراد بطيب السريرة طيب نياته وأفعاله التي يكتمها عن الناس (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وأن الله يبغض الفاحش البذيء\"، قال الهروي: الفاحش ذو الفحش وتقدم ذلك، والبذيء بالذال المعجمة ممدودا هو المتكلم بالفحش وردئ الكلام، أ. هـ قاله المنذري.\n\n٤٠٠٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سُئِلَ رَسُول الله - ﷺ - عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة فَقَالَ تقوى الله وَحسن الْخلق وَسُئِلَ عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس النَّار فَقَالَ الْفَم والفرج رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَغَيره وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله: سئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: \"تقوى الله وحسن الخلق\" الحديث، وتقوى الله تعالى امتثال مأموره واجتناب محظوره، قيل: تقوى الله تعالى ألا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك ولهذا قال بعضهم لصاحبه إذا أردت أن تعصى الله تعالى فاعصه حيث لا يراك أو اخرج من داره أو كل غير رزقه، فإذا اتقى الله بفعل ما أمر وترك ما\n_________\n(^١) شرح الودعانية (ح ١/ ١٩٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٠٠٤)، وابن ماجه (٤٢٤٦)، وابن حبان (٤٧٦)، والبيهقى في الزهد (٩٥٥). قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب وعبد الله بن إدريس هو ابن يزيد بن عبد الرحمن الأودي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٤٢).","vol":"11","page":15},{"text":"نهى فقد أتى بجميع وظيفة التكليف قاله الطوفي (^١)، وحسن الخلق تقدم الكلام عليه.\nقوله: وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: \"الفم والفرج\" تقدم الكلام على الفم والفرج.\nقوله: وقال الترمذي: حسن صحيح، فهو مشكل على اصطلاحه لأنه قد ذكر في كتاب العلل من جامعه أنه يريد بالحسن: ما ليس في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون شاذا ويروي مع ذلك من غير وجه والصحيح عنده وعند غيره ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ثم أن الترمذي كثيرا ما يقول في كتابه هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وهذا ينافي في اشتراطه في الحسن أن يكون قد روي من غير وجه، والذي أجيب به عن قول الترمذي: حديث حسن صحيح فيما نعلم وجهان، أحدهما: أن معناه أنه حسن بإسناد صحيح بإسناد آخر، وما ذكرنا من قوله حسن صحيح غريب يبطل هذا الجواب، والثاني: أن قوله حسن يريد به الحسن اللغوي وهو ما يوافق القلب وتهواه النفس وهو باطل بأن الترمذي فسر الحسن بغير ذلك وهو ما ذكرناه وبان من آحاد منه ما ليس حسنا باعتبار اللغة نحو \"من نوقش الحساب عذب\" وأشباهه من نصوص الوعيد فإنها لا توافق القلب ولا تهواها النفس بل تجد منها كربا والمأمن الخوف والصواب من ذلك ما أشاء إليه بعض العلماء وهو أن الحسن قسم من الصحيح لكن\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٥٣).","vol":"11","page":16},{"text":"ألين قسميه؛ قلت: وبيانه أن مدار الرواية على عدالة الراوي وضبطه فإن كان مبرزا فيهما كشعبة وسفيان ويحيى القطان ونحوهم فحديثه صحيح وإن كان دون المبرز فيهما أو في أحدهما لكنه عدل ضابط بالجملة فحديثه حسن، هذا أجود ما قيل في هذا المكان.\nواعلم أن العدالة والضبط إما أن ينتفيان في الرواي أو يجتمعا جميعا أو توجد فيه العدالة وحدها أو الضبط وحده انتفيا فيه لم يقبل حديثه أصلا، وإن اجتمعا فيه قبل وهو الصحيح المعبتر وإن وجدت فيه العدالة دون الضبط قبل حديثه لعداته وتوقف فيه لعدم ضبطه على شاهد منفصل يجبر ما فات من صفة الضبط وإن وجد فيه الضبط دون العدالة لم يقبل حديثه لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية ثم كل واحد من العدالة والضبط له مراتب عليا ووسطى ودنيا ويحصل بتركيب بعضها مع بعض مراتب للحديث مختلفة في القوة والضعف ظاهرة مما ذكرناه.\nواعلم أن نسخ الترمذي تختلف في التحسين والتصحيح ففي بعضها يوجد حديث حسن وفي بعضها حسن صحيح وفي بعضها حسن غريب وفي بعضها حسن صحيح غريب، أعني في بعض أحاديث هذا وغيره وذلك بحسب اختلاف الرواة عنه لكتابه والضابين له والله أعلم، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^١) والله أعلم.\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٥٦ - ١٥٩).","vol":"11","page":17},{"text":"٤٠٠٥ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن من أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا وألطفهم بأَهْله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا كَذَا قَالَ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَلَا نَعْرِف لأبي قلَابَة سَمَاعا من عَائِشَة (^١).\nقوله: وعن عائشة - ﵂ - تقدم الكلام عليها.\nقوله - ﷺ -: \"إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله\" تقدم الكلام على حسن الخلق والمراد بالأهل هنا الزوجة.\n\n٤٠٠٦ - وعنها - ﵂ - قَالَت سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن الْمُؤمن ليدرك بِحسن الْخلق دَرَجَة الصَّائِم والقائم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلَفظه إِن الْمُؤمن ليدرك بِحسن الْخلق دَرَجَات قَائِم اللَّيْل وصائم النَّهَار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة إِلَّا أَنه قَالَ إِن الرجل ليدرك بِحسن خلقه دَرَجَة الْقَائِم بِاللَّيْلِ الظامئ بالهواجر (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان (١٩) والمصنف ٥/ ٢١٠ (٢٥٣١٩)، وأحمد (٢٤٢٠٤) و(٢٤٦٧٧)، والترمذي (٢٦١٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٥٤)، وابن أبي الدنيا في النفقة (٤٧٣)، والمروزى في الصلاة (٨٨٠)، والحاكم (١/ ٥٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن ولا نعرف لأبي قلابة سماعا من عائشة. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه انقطاع. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٢٦٣) وضعيف الترغيب (١٢١٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٦٤ (٢٤٣٥٥) و٣/ ٩٠ (٢٤٥٩٥) و٦/ ١٣٣ (٢٥٠١٣) و٦/ ١٧٨ (٢٥٥٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٨)، وابن أبي الدنيا في التواضع (١٦٦) ومداراة الناس (٨٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٤٢٧)، وابن حبان (٤٨٠)، والحاكم (١/ ٦٥)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٥ رقم ٧٦٣٢ و٧٦٣٣)، والبغوي في شرح السنة =","vol":"11","page":18},{"text":"قوله: وعنها - ﵂ - أيضا، تقدم ذكرها.\nقوله - ﷺ -: \"إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم والقائم\" أي: الصائم النهار القائم الليل، ويؤيده رواية الحاكم بعده فإنه فسر فيها ذلك.\n\n٤٠٠٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله ليبلغ العَبْد بِحسن خلقه دَرَجَة الصَّوْم وَالصَّلَاة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيث أنس وَزَاد فِي أَوله أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا (^١).\n_________\n= (٣٥٠٠) و(٣٥٠١).\nوصححه الألباني في الصحيحة (٧٩٥) وصحيح الترغيب (٢٦٤٣). وأخرجه الطبرانى في الكبير (٨/ ١٦٩ رقم ٧٧٠٩)، وتمام (١٥١٨) عن أبي أمامة. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٥: رواه الطبراني، وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف. وحسنه الألباني في الصحيحة (٧٩٤) وصحيح الترغيب (٢٦٤٤).\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٤/ ١٩٩ رقم ٣٩٧٠)، والحاكم (١/ ٦٠). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن بديل بن ميسرة إلا حماد بن سلمة، تفرد به: حبان بن هلال. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٢: رواه الطبراني في الأوسط وفيه علي بن سعيد بن بشير، قال الدارقطني: ليس بذاك، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٤٥). وأخرجه البزار (٧٤٤٥)، وأبو يعلى (٤١٦٦) ومن طريقه الضياء ٦/ ١٩٤ - ١٩٥ (٢٢١٠)، واللالكائى في أصول السنة (١٦٦٦). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن شعيب، عن أنس إلا زكريا بن يحيى بن الصبيح الطائي. وقال الضياء: إسناده ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٥٨: رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٩٠) وصحيح الترغيب (٢٦٤٦).","vol":"11","page":19},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدمت ترجمته.\nقوله - ﷺ -: \"إن الله ليبلغ العبد بحسن خلقه درجة الصوم والصلاة\" تقدم الكلام على ذلك.\nفائدة: وروي الترمذي عن عبد الله بن المبارك أنه وصف حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى، وعن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ - \"حسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه والزمام بيد الملك فجره إلى الخير والخير يجره إلى الجنة، وسوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه والزمام بيد الشيطان والشيطان يجره إلى الشر والشر يجره إلى النار\" (^١) أ. هـ.\n\n٤٠٠٨ - وَعَن أنس - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن العَبْد ليبلغ بِحسن خلقه عَظِيم دَرَجَات الْآخِرَة وَشرف الْمنَازل وَإنَّهُ لضعيف الْعِبَادَة وَإنَّهُ ليبلغ بِسوء خلقه أَسْفَل دَرَجَة فِي جَهَنَّم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات سوى شَيْخه الْمِقْدَام بن دَاوُد وَقد وثق (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (١٠/ ٣٨٨ - ٣٨٩ رقم ٧٦٧٥ و٧٦٧٦ و٧٦٧٧). قال البيهقى: كلا الإسنادين ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٥٨٨) و(٦٢٧٢) وقال: منكر.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع (١٦٨) ومداراة الناس (٨١)، والخرائطى في المكارم (٦١)، والطبرانى في الكبير (١/ ٣٦٠ رقم ٧٥٤)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٤/ ٢٣٧)، وأبو نعيم في المعرفة (٧٧٥)، والضياء في المختارة ٥/ ١٩١ (١٨١٢ و١٨١٣). وقال الضياء: إسناده =","vol":"11","page":20},{"text":"قوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنه لضعيف العبادة\" تقدم ذلك.\n\n٤٠٠٩ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن الْمُسلم المسدد ليدرك دَرَجَة الصوام القوام بآيَات الله بِحسن خلقه وكرم ضريبته رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير ورواة أَحْمد ثِقَات إِلَّا ابْن لَهِيعَة الضريبة الطبيعة وزنا وَمعنى (^١).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله بحسن خلقه وكرم ضريبته\" تقدم الكلام على حسن الخلق، والضريبة الطبيعة وزنا ومعنى، قاله المنذري.\n_________\n= حسن. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٤ - ٢٥: رواه الطبراني عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف، وقال ابن دقيق العيد في الإمام: إنه وثق، ويقية رجاله ثقات. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٣٠٣٠) واكتفى بتضعيفه في ضعيف الترغيب (١٥٩١).\n(^١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٨٢)، وأحمد ٢/ ١٧٧ (٦٦٤٨) و(٦٦٤٩) و٢/ ٢٢٠ (٧٠٥٢)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٥١) و(٥٣) و(٦٠٠)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٧٠٢)، والطبرانى في الأوسط (٣/ ٢٧٤ رقم ٣١٢٦) والكبير (١٤/ ١٠٨ رقم ١٤٧٢٦)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٨٢٥).\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٢: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ابن لهيعة؛ وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح\". وصححه الألباني في الصحيحة (٥٢٢) وصحيح الترغيب (٢٦٤٧).","vol":"11","page":21},{"text":"٤٠١٠ - وَعَن صَفْوَان بن سليم قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أخْبركُم بأيسر الْعِبَادَة وأهونها على الْبدن الصمت وَحسن الْخلق رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت مُرْسلا (^١).\nقوله: وعن صفوان بن سليم [أبو عبد الله، وقيل: أبو الحارث، القرشي، الزهري، الفقيه، وأبوه سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف روى عن: أنس بن مالك، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وجابر بن عبد الله، وابن عمر وجماعة متفق على توثيقه وجلالته (^٢)].\nقوله: \"ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن الصمت وحسن الخلق\" سيأتي الكلام على الصمت، وأما حسن الخلق فقال عمر - ﵁ -: إن في الإنسان عشرة أخلاق تسعة حسنة، وواحدة سيئة فيفسد الخلق السيء العشرة الصحيحة فإياك وعثرة الشباب (^٣)، وتقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n٤٠١١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ كرم الْمُؤمن دينه ومروءته عقله وحسبه خلقه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد الزنْجِي وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا مَوْقُوفا على عمر صحّح إِسْنَاده وَلَعَلَّه أشبه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٩٢).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٣/ ترجمة ٢٨٨٢)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦ ترجمة ٧٤٤).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٢٣٩) و(٨٢٤٠).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦٥ (٨٧٧٤)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (١)، وفي العقل وفضله (٤)، والخرائطي في مكارم الأخلاق ص (٤)، والبغوى في الجعديات (٢٩٦٢)، =","vol":"11","page":22},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"كرم المؤمن دينه ومروءته عقله وحسبه خلقه\" الحديث، الحسب في الأصل الشرف بالآباء وما يعده الإنسان من مفاخرهم وقيل الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء فجعل المالء بمنزلة شرف النفس الآباء والمعنى أن الفقير ذا الحسب لا يوقر ولا يحتفل به، والغني الذي لا حسب له يوقر ويجل في العيون ومنه الحديث الآخر حسب المرء دينه ومروءته خلقه ومنه الحديث: \"تنكح المرأة لحسبها\" قيل: الحسب ها هنا الفعال الحسن، قاله في النهاية (^١).\nقوله: رووه كلهم من رواية مسلم بن خالد الزنجي [ضعفه ابن معين في رواية وأبو داود، وقال أبو حاتم لا يحتج به وقال البخاري منكر الحديث ووثقه ابن معين أيضًا في روايتين عنه وابن حبان، وأخرج له غير ما حديث في\n_________\n= وابن حبان (٤٨٣)، والدارقطني (٣٨٠٤)، والحاكم ١/ ١٢٣ و٢/ ١٦٣، والقضاعي في مسند الشهاب (١٩٠)، والبيهقي في السنن ٧/ ٢١٩ - ٢٢٠ (١٣٧٧٧) و١٠/ ٣٢٨ - ٣٢٩ (٢٠٨١٠)، وفي الشعب (١٠/ ٣٧٠ - ٣٧١ رقم ٧٦٤٣) و(١٠/ ٣٨٤ رقم ٧٦٦٧)، وفي الآداب (١٦٤)، والخطيب في الفقيه والمتفقه ص ١١٠، وابن عساكر في المعجم (٢٢٥)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٠٠٣). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: الزنجي ضعيف. قال ابن عساكر: هذا حديث حسن غريب. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٣٦٩) وضعيف الترغيب (١٥٩٣). وأخرجه البيهقى في الشعب (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٦ رقم ٤٣٣٦) عن عمر موقوفا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٩٤).\n(^١) النهاية (١/ ٣٨١).","vol":"11","page":23},{"text":"صحيحه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وهو حسن الحديث].\n\n٤٠١٢ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَهُ يَا أَبَا ذَر لَا عقل كالتدبير وَلَا ورع كَالْكَفِّ وَلَا حسب كحسن الْخلق رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره فِي آخر حَدِيث طَوِيل تقدم مِنْهُ قِطْعَة فِي الظُّلم (^١).\n\n٤٠١٣ - وَتقدم فِي الْإِخْلَاص حَدِيث أبي ذَر عَن النَّبِي - ﷺ - قد أَفْلح من أخْلص قلبه للْإيمَان وَجعل قلبه سليما وَلسَانه صَادِقا وَنَفسه مطمئنة وخليقته مُسْتَقِيمَة الحَدِيث (^٢).\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ - لأبي ذر: \"يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق\" الحديث [بياض].\nقوله: وتقدم في الإخلاص \"قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليما\" فذكره إلى أن قال \"وخليقته مستقيمة\" الحديث، الخليقة، والخلق بمعنى واحد وهي الطبع والجبلة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٣٦١)، وأبو نعيم في الحية ١/ ١٦٦ - ١٦٨. وقال الألباني: ضعيف جدا - \"الضعيفة\" (١٩١٠ و٦٠٩٠) وضعيف الترغيب (١٥٩٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٤٧ (٢١٣١٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١١٤١)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٢١٦، والبيهقي في الشعب (١/ ٢٥٦ رقم ١٠٧)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٠١). وقال أبو نعيم: غريب من حديث خالد تفرد به بحير عنه. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٣٣: رواه أحمد، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧) و(١٥٩٥) و(١٧٣١).","vol":"11","page":24},{"text":"٤٠١٤ - وَعَن أبي الْعَلَاء بن الشخير - ﵁ - أَن رجلا أَتَى النَّبِي - ﷺ - من قبل وَجهه فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الْعَمَل أفضل قَالَ حسن الْخلق ثمَّ أَتَاهُ عَن يَمِينه فَقَالَ أَي الْعَمَل أفضل قَالَ حسن الْخلق ثمَّ أَتَاهُ عَن شِمَاله فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الْعَمَل أفضل قَالَ حسن الْخلق ثمَّ أَتَاهُ من بعده يَعْني من خَلفه فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الْعَمَل أفضل فَالْتَفت إِلَيْهِ رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ مَا لَك لَا تفقه حسن الْخلق هُوَ أَن لَا تغْضب إِن اسْتَطَعْت رَوَاهُ محَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الصَّلَاة مُرْسلا هَكَذَا (^١).\nقوله: وعن أبي العلاء بن الشخير - ﵁ -[يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري أبو العلاء البصري، أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير وهانئ بن عبد الله بن الشخير روى عن أبيه وأخيه مطرف وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمران بن حصين وحنظلة الكاتب وعثمان بن أبي العاص الثقفي وعياض بن حمار والنمر بن تولب وأبي هريرة وعائشة وغيرهم وعنه سليمان التميمي وسعيد الجريري وقتادة وخالد الحذاء وقره بن خالد وكهمس بن الحسن وفرقد السنجي وآخرون وثقه النسائي وغيره ويقال له رؤية (^٢)].\nقوله: أن رجلا أتى النبي - ﷺ - من قبل وجهه، فقال يا رسول الله: أي العمل أفضل؟ قال: \"حسن الخلق\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت\" تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (٨٧٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٩٦).\n(^٢) تهذيب التهذيب (١١/ ٣٤١ - ٣٤٢ ترجمة ٦٥٤).","vol":"11","page":25},{"text":"٤٠١٥ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَنا زعيم بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة لمن ترك المراء وَإِن كَانَ محقا وببيت فِي وسط الْجنَّة لمن ترك الْكَذِب وَإِن كَانَ مازحا وببيت فِي أَعلَى الْجنَّة لمن حسن خلقه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَتقدم لَفظه وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\n\n٤٠١٦ - وَعَن جَابر - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن من أحبكم إِلَيّ وأقربكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة أحسنكم أَخْلَاقًا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَديِث حسن (^٢).\nقوله: وعن جابر - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا\" الحديث، تقدم الكلام على حسن الخلق.\n\n٤٠١٧ - وَرُوِيَ عَن عمار بن يَاسر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - حسن الْخلق خلق الله الْأَعْظَم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٠٠)، والدولابي في الكنى والأسماء (١٦٤٣) و(١٨٨٧)، والطبراني في الكبير ٨/ ٩٨ (٧٤٨٨) و٨/ ١٨٦ (٧٧٧٠)، وفي الشاميين (١٢٣٠) و(١٥٩٤) عن أبي أمامة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٧٣)، الصحيحة (٢٧٣)، الروض النضير (٨٥٨).\nوأخرجه ابن ماجه (٥١)، والترمذي (٢١١١) عن أنس. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٨) و(٢٦٤٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٠١٨). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوقال الألباني: صحيح، الصحيحة (٧٩١) وصحيح الترغيب (٢٦٤٩).\n(^٣) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٨/ ١٨٤ رقم ٨٣٤٤)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٧٨) والحلية (٢/ ١٤٥) والمعرفة (٥٢١٣). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٠: =","vol":"11","page":26},{"text":"قوله: وروي عن عمار بن ياسر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"حسن الخلق خلق الله الأعظم\".\n\n٤٠١٨ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - عَن رَسُول الله - ﷺ - عَن جِبْرِيل عَن الله تَعَالَى قَالَ إِن هَذَا دين ارتضيته لنَفْسي وَلنْ يصلح لَهُ إِلَّا السخاء وَحسن الْخلق فأكرموه بهما مَا صحبتموه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَتقدم فِي الْبُخْل والسخاء حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن بِمَعْنَاهُ (^١).\nقوله: وروي عن جابر بن عبد الله - ﵄ - تقدم.\nقوله - ﷺ - عن جبريل عن الله تعالى قال: \"إن هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلح له إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه\" الحديث، تقدم، والخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصوره الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في\n_________\n= رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمرو بن الحصين وهو متروك. وقال الألباني: موضوعه الضعيفة (٣٤٩٠) وضعيف الترغيب (١٥٩٧).\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٨/ ٣٧٥ رقم ٨٩٢٠). وقال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عبد الملك بن مسلمة. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر وهو ضعيف، وكذلك مقدام بن داود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٩٨).","vol":"11","page":27},{"text":"غير موضع كقوله - ﷺ - أكثرها: \"ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق\" والأحاديث في ذلك كثيرة وكذلك جاء في ذم سوء الخلق أحاديث كثيرة والله أعلم (^١).\n\n٤٠١٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ أوحى الله إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ يَا خليلي حسن خلقك وَلَو مَعَ الْكفَّار تدخل مدْخل الْأَبْرَار وَإِن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أَن أظلهُ تَحت عَرْشِي وَأَن أسقيه من حَظِيرَة قدسي وَأَن أدنيه من جواري رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nقوله: وروي عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه الصلاة السلام يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مدخل الأبرار\" تقدم الكلام على الخليل وعلى الخلق الحسن وعلى لفظ الأبرار.\nقوله: \"وأن أسقيه من حظيرة قدسي\" الحظيرة بالطاء المشالة هي الجنة تقدم الكلام عليها.\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٧٠).\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٦/ ٣٦٥ رقم ٦٥٠٦). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن سعيد المقبري إلا أبو أمية بن يعلى، تفرد به مؤمل بن عبد الرحمن، ولا يروى عن رسول الله - ﷺ - إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٠ - ٢١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مؤمل بن عبد الرحمن الثقفي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٥٩٩) والضعيفة (٣٣٤١).","vol":"11","page":28},{"text":"٤٠٢٠ - وَعنهُ أَيْضا - ﵁ - قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا حسن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النَّار أبدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وروي عنه أيضا - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"ما حسن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار أبدا\" الحديث، تطعمه أي لا تأكله النار أبدًا.\n\n٤٠٢١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - أنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: \"أَلا أخْبركُم بأحبكم إِلَيّ وأقربكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة فَأَعَادَهَا مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ أحسنكم خلقا\" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسا\" فذكره إلى أن قال: \"أحسنكم أخلاقا\" في هذا الحديث، الحث على حسن الخلق وبيان فضيلة صاحبه وهو صفة أنبياء الله تعالى وأوليائه، قال الحسن البصري\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٣٧ رقم ٣٧٨٠) وتمام (٦٦١). قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن داود بن فراهيج إلا أبو غسان، ولا عن أبي غسان إلا عبد الله بن يزيد البكري، تفرد به: هشام بن عمار. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن يزيد البكري وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٠٠) والضعيفة (٤٤٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٨٥ (٦٧٣٥)، وابن حبان (٤٨٥). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢١: رواه أحمد بإسناد جيد. قال الألباني: حسن صحيح - \"الصحيحة\" (٧٩١) وصحيح الترغيب (٢٦٥٠).","vol":"11","page":29},{"text":"حقيقة حسن الخلق بذل المعروف وكف الأذى وطلاقة الوجه، قال القاضي عياض هو مخالفة بالشر والجميل والتودد لهم والإشفاق عليهم واحتمالهم والحلم عنهم والصبر عليهم في المكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم ومجانبة الغلطة والغضب والمؤاخذة، قال: وحكى الطبري خلافا للسلف في حسن الخلق قال هو غريزة غير مكتسب، قال القاضي: والصحيح أن منه ما هو غريزة ومنه ما يكتسب بالخلق والاقتداء بغيره والله أعلم (^١).\n\n٤٠٢٢ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ لَقِي رَسُول الله - ﷺ - أَبَا ذَر فَقَالَ يَا أَبَا ذَر أَلا أدلك على خَصْلَتَيْنِ هما أخف على الظّهْر وأثقل على الْمِيزَان من غَيرهمَا قَالَ بلَى يَا رَسُول الله قَالَ عَلَيْك بِحسن الْخلق وَطول الصمت فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا عمل الْخَلَائق بمثلهما رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد رُوَاته ثِقَات وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب بِإِسْنَاد واه عَن أبي ذَر وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا أَبَا ذَر أَلا أدلك على أفضل الْعِبَادَة وأخفها على الْبدن وأثقلها فِي الْمِيزَان وأهونها على اللِّسَان قلت بلَى فدَاك أبي وَأمي قَالَ عَلَيْك بطول الصمت وَحسن الْخلق فَإنَّك لست بعامل يَا أَبَا ذَر بمثلهما (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٥٥٤) وذم الكلام (٩١)، والبزار في كشف الأستار (٣٥٧٣)، وأبو يعلى (٣٢٩٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٩١)، والطبرانى في الأوسط (٧/ ١٤٠ - ١٤١ رقم ٧١٠٣)، والبيهقى في الشعب (٧/ ٢٠ - ٢١ رقم ٤٥٩١) و(١٠/ ٣٦٩ - ٣٧٠ رقم ٧٦٤١). قال البزار: لا نعلم روى بشار عن ثابت غيره. وقال الطبرانى: لم يرو هذين الحديثين عن ثابت إلا بشار بن الحكم. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٢: رواه أبو يعلى والطبراني في =","vol":"11","page":30},{"text":"٤٠٢٣ - وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ النَّبِي - ﷺ - يَا أَبَا الدَّرْدَاء أَلا أنبئك بأمرين خَفِيف مؤنتهما عَظِيم أجرهما لم تلق الله ﷿ بمثلهما طول الصمت وَحسن الْخلق (^١).\nقوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: لأبي ذر: يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل على الميزان من غيرهما، قال: بلى يا رسول الله قال: \"عليك بحسن الخلق وطول الصمت\" الحديث، وفي رواية: \"ألا أنبئك بأمرين خفيف مؤنتهما عظيم أجرهما لم تلق الله ﷿ بمثلهما طول الصمت وحسن الخلق\" الحديث، الصمت السكوت وحسن الخلق هو ما اختاره الله تعالى لنبيه - ﷺ - في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (^٢) وقيل: هو مجموع خصال حميدة وصفات شريفة يتضمن اقتراب كل خير واجتناب كل شر، وقيل: هو احتمال المكروه بحسن المداراة، وقيل: هو كف الأذى واحتمال الأذى من الجنس وغير الجنس قاله الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (^٣).\n_________\n= الأوسط، ورجال أبي يعلى ثقات. وأخرجه أبو الشيخ في طبقات أصبهان (٤/ ٣٠٣) عن أبي ذر. وأخرجه هناد في الزهد (٢/ ٥٤٥)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٦٤٦) عن الشعبى مرسلًا.\nوضعفهما الألباني ضعيف الترغيب (١٦٠١)\n(^١) لم أعثر عليه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٠٢).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(^٣) شرح الأربعين الودعانية (ح ١٤/ ص ٢٣٨).","vol":"11","page":31},{"text":"٤٠٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أَلا أخْبركُم بخياركم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ أطولكم أعمارا وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَلم يُصَرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بخياركم\" قالوا: بلى يا رسول الله قال: \"أطولكم أعمارا وأحسنكم أخلاقا\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك.\n\n٤٠٢٥ - وَعَن أُسَامَة بن شريك - ﵁ - قَالَ كنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِي - ﷺ - كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير مَا يتَكَلَّم منا مُتَكَلم إِذْ جَاءَهُ أنَاس فَقَالُوا من أحب عباد الله إِلَى الله تَعَالَى قَالَ أحْسنهم خلقا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٩٠ (٣٤٤٢٢)، وأحمد ٢/ ٢٣٥ (٧٢١٢) و٢/ ٤٠٣ (٩٢٣٥)، والبزار (٨٥٥٩)، والطبرى في تهذيب الآثار - الجزء المفقود (١/ ٣٧٣ رقم ٦٨١)، وابن حبان (٤٨٤) و(٢٩٨١). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٢: رواه البزار، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٩٨) وصحيح الترغبب (٢٦٥١) و(٣٣٦١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٧٨ (١٨٤٥٦)، وابن حبان (٤٨٦)، والطبرانى في الأوسط (٦/ ٢٦٨ رقم ٦٣٢٠) والكبير (١/ ١٨١ رقم ٤٧١) و(١/ ١٨٣ رقم ٤٧٨). وقال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن حكيم إلا عيسى بن يونس. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥٢).","vol":"11","page":32},{"text":"٤٠٢٦ - وَفِي رِوَايَة لابْنِ حبَان بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ يَا رَسُول الله فَمَا خير مَا أعطي الْإِنْسَان قَالَ خلق حسن وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِ هَذِه وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ لِأَن أُسَامَة لَيْسَ لَهُ سوى راو وَاحِد كَذَا قَالَ وَلَيْسَ بصواب فقد روى عَنهُ زِيَاد بن علاقَة وَابْن الْأَقْمَر وَغَيرهمَا (^١).\nقوله: وعن أسامة بن شريك - ﵁ -[هو أسامة بن شريك الثعلبي من بني ثعلبة بن يربوع، قاله أبو نعيم، وقال أبو عمر: من بني ثعلبة بن سعد، ويقال: من ثعلبة بن بكر بن وائل، وقال ابن منده: الذبياني الغطفاني أحد بني ثعلبة بن بكر، عداده في أهل الكوفة قال ابن الأثير: قول ابن منده فيه نظر، فإنه إن كان غطفانيا، فيكون من ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، فكيف يكون من ثعلبة بن بكر بن وائل، وأولئك من قيس عيلان من مضر وبكر بن وائل من ربيعة؟ هذا متناقض، وإنما الذي قاله أبو عمر مستقيم، فإنه قد قيل: إنه من ذبيان، وقيل: من بكر، ولا مطعن عليه، وقول أبي نعيم: إنه من ثعلبة بن يربوع، فليس بشيء، لأنه يكون من تميم، ولم يقله أحد يعول عليه، إنما الصواب أنه من ثعلبة بن سعد، والله أعلم (^٢)].\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٠٦١)، والطبرانى في الكبير (١/ ١٨٣ و١٨٤ و١٨٥ رقم ٤٧٩ و٤٨٠ و٤٨٢ و٤٨٣ و٤٨٥)، والحاكم ٤/ ٣٩٩ و٤٠٠. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥٢).\n(^٢) أسد الغابة (١/ ١٩٧ ترجمة ٨٥).","vol":"11","page":33},{"text":"قوله: كنا جلوسا عند النبي - ﷺ - كأنما على رؤوسنا الطير ما يتكلم منا متكلم، وهذه كانت صفة مجلس رسول الله - ﷺ -: \"إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فلا يتكلمون\" قال الجوهري (^١): وقولهم: كان على رؤوسهم الطير إذا سكتوا من هيبته وأصله أن الغراب يقع على رأس البعير فيلقط منه الحلمة والجمنانة فلا يحرك البعير رأسه لئلا ينفر عنه الغراب والطير لا يسقط إلا على ساكن، أ. هـ.\nقوله: قالوا: يا رسول الله فما خير ما أعطى الإنسان قال: \"خلق حسن\" الحديث، وهكذا كان خلقه - ﷺ - قال أنس: كان رسول الله - ﷺ - \"أحسن الناس الخلق\" وقال: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله - ﷺ - ولا شممت رائحة قط أطيب من ريح رسول الله - ﷺ - ولقد خدمت رسول الله - ﷺ - عشر سنين فما قال لي قط أف ولا قال لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله إلا فعلت ولكن يقول: قدر الله وما شاء فعل أو لو قدر لكان قلت وما ذاك إلا لكمال معرفته - ﷺ - بأن لا فاعل ولا معطي ولا مانع إلا الله ﷿ بخلاف غيره من الناس فإن غلامه إذا لم يقض شغله غضب وقام وضربه (^٢). أ. هـ.\n\n٤٠٢٧ - وَعَن جَابر بن سَمُرَة - ﵄ - قَالَ كنت فِي مجْلِس فِيهِ النَّبِي - ﷺ - وَسمرَة وَأَبُو أُمَامَة فَقَالَ إِن الْفُحْش والتفحش ليسَا من الْإِسْلَام فِي شَيْء وَإِن\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٧٢٨).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"11","page":34},{"text":"أحسن النَّاس إسلاما أحْسنهم خلقا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَإسْنَاد أَحْمد جيد وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن جابر بن سمرة - ﵄ -، تقدم.\nقوله - ﷺ -: \"إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء\" الحديث، الفحش كلمة جامعة لكل خصلة قبيحة والتفحش التكلف في ذلك وتعمده، قال ابن عرفة في كلامه: والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده (^٢) والله أعلم وتقدم على ذلك قريبا.\n\n٤٠٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - أَن معَاذ بن جبل - ﵁ - أَرَادَ سفرا فَقَالَ يَا نَبِي الله أوصني قَالَ اعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا قَالَ يَا نَبِي الله زِدْنِي قَالَ إِذا أَسَأْت فَأحْسن قَالَ يَا نَبِي الله زِدْنِي قَالَ اسْتَقِم وليحسن خلقك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٨٩ (٢٠٨٣١) و٥/ ٩٩ (٢٠٩٤٣)، والبخاري في التاريخ الكبير ٦/ ٢٩١، وأبو يعلى (٧٤٦٨)،، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٣٩) والطبراني في الكبير (٢/ ٢٥٦ رقم ٢٠٧٢). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٥: رواه الطبراني واللفظ له، وأحمد وابنه وقال: وإن خير الناس إسلاما أحسنهم خلقا. وأبو يعلى بنحوه، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ١٤٨).\n(^٣) أخرجه الخرائطى في المكارم (٦)، وابن حبان (٥٢٤)، والطبرانى في الأوسط (٨/ ٣١٨ رقم ٨٧٤٧)، والحاكم ١/ ٥٤ و٤/ ٢٤٤، والبيهقى في الشعب (١٠/ ٣٨٢ - ٣٨٣ رقم ٧٦٦٤ و٧٦٦٥)، والخطيب في المتفق والمفترق (٢/ ١٠٤٧ - ١٠٤٨). وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" (١٢٢٨) وصحيح الترغيب (٢٦٥٤) و(٣١٥٨).","vol":"11","page":35},{"text":"قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، تقدم.\n\n٤٠٢٩ - وَرَوَاهُ مَالك عَن معَاذ قَالَ كَانَ آخر مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُول الله - ﷺ - حِين وضعت رجْلي فِي الغرز أَن قَالَ يَا معَاذ أحسن خلقك للنَّاس (^١).\nقوله: أن معاذ بن جبل - ﵁ - أراد سفرًا، فقال: يا نبي الله أوصني، قال: اعبد الله لا تشرك به شيئا، قال: يا نبي الله زدني، قال: \"إذا أسأت فأحسن\"، قال: يا نبي الله زدني، قال: \"استقم وليحسن خلقك\" الحديث، وتقدم معنى الاستقامة في المحافظة على الوضوء وتقدم معنى تحسين الخلق في أحاديث الباب.\n\n٤٠٣٠ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ لي رَسُول الله - ﷺ - اتَّقِ الله حَيْثُمَا كنت وأتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها وخالق النَّاس بِخلق حسن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\nقوله: وعن أبي ذر - ﵁ - تقدم الكلام عليه.\nقوله - ﷺ -: \"اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن\" الحديث، وفي هذا الحديث أحكام ثلاثة أحدها: يتعلق بحق الله تعالى\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٢٦)، ووصله أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٧٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٠٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٥٣ (٢١٣٥٤) و٥/ ١٥٨ (٢١٤٠٣)، والدارمي (٢٧٩١)، والترمذي (١٩٨٧)، والبزار (٤٠٢٢)، والحاكم ١/ ٥٤، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٧٨، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٣٨١ - ٣٨٢ رقم ٧٦٦٣)، وفي الزهد الكبير (٨٦٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥٥)، المشكاة (٥٠٨٣)، الروض النضير (٨٥٥).","vol":"11","page":36},{"text":"وهو أن يتقيه حيث ما كان وتقوى الله ﷿ تتضمن ما تضمنه، في قوله ﵇: \"إن الله كتب الإحسان على كل شيء\" وما تضمنه حديث جبريل ﵇ من الإسلام والإيمان والإحسان لأن سائر أحكام التكليف لا يخرج عن الأمر والنهي، فإذا اتقى الله بفعل ما أمر وترك ما نهي فقد أتى بجميع وظيفة التكليف (^١).\nالحكم الثاني: يتعلق بالمكلف وهو أنه إذا فعل سيئة اتبعها حسنة تمحها ويدفع عنه حكمها لقول الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ﴾ (^٢) السيئات ذلك ذكرى للذاكرين أي عظة لمن اتعظ فلا تعجزن أيها الإنسان إذا أتيت سيئة بقلبك أو لسانك أو جارحتك أن تتبعها بحسنة من صلاة ركعتين أو صدقة وإن قلت أو ذكر الله ﷿ ولو أن تقول سبحان الله وبحمده فإنه أحب الكلام إلى الله ﷿ والحمد لله تملأ الميزان، وفي الصحيح: \"كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم\" (^٣) فلا تعجزن عن اتباع السيئة بنحو هذا الكلام المبارك يمحها إن شاء الله ﷿ ثم إن كانت السيئة صغيرة كفاها الحسنة السيئة اليسيرة والذكر اليسير وإن كانت كبيرة فأكثر مما يمحوها من ذلك (^٤).\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٥٣ - ١٥٤).\n(^٢) سورة هود، الآية: ١٤.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٦) و(٦٦٨٢) و(٧٥٦٣)، ومسلم (٣١ - ٢٦٩٤)، والترمذى (٣٤٦٧)، وابن ماجه (٣٨٠٦) عن أبي هريرة.\n(^٤) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٥٤).","vol":"11","page":37},{"text":"الحكم الثالث: يتعلق بحقوق الناس وهو مخالفتهم أي معاشرتهم خلق حسن والخلق الحسن قيل كف الأذى وبذل الندى والأشبه تفسيره بأن يحب للناس ما يحب لنفسه ويأتي إليهم ما يحب أن يؤتي إليه ففي ذلك أعني معاشرتهم لخلق حسن اجتماع القلوب وانتظام الأحوال وكف الشر عنهم واكتفاء شرهم وذلك جماع الخير وملاك الأمر إن شاء الله تعالى (^١).\nفائدة: ومما يتعلق بالحكم الأول وهو التقوى أنها مذكورة في قول الله ﷿: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (^٢) الآية، ثم قال الله ﷿: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ (^٣) فيقول: من أتى بما في الآية الأولى من الإيمان والإسلام فهو متقي والمتقي ولي الله ﷿ فمن أتى بما في الآية فهو ولي الله ﷿ فصار معنى قوله ﵊: \"اتق الله حيث ما كنت\" كن وليا لله بتقواك إياه وفيه دليل على أن الولاية مكتسبة والألم يصح الأمر بها ويجيء في النبوة مثل ذلك لأن النبوة ولاية خاصة كاملة لكن الجمهور على أنهما موهبتان لا مكتسبتان والتحقيق أنهما موهبتان من الله ﷿ مرتبتان على زكاء النفس وصلاح العمل كالرزق هو من فضل الله ﷿ وهو مرتب على الأسباب والاكتساب التي جرت بها العادة في حصول\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(^٣) سورة يونس، الآيتان: ٦٢ - ٦٣.","vol":"11","page":38},{"text":"الرزق وكما قال الله ﷿: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (^١) وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (^٢) وقال ﷿: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^٣) يعني الأنبياء المذكورين في سورتهم على ما من به عليهم بمسارعتهم في الخيرات وما بعده، أهـ ذكر شرح هذا الحديث بكماله الطوفي في الأربعين النواوية (^٤). والله تعالى أعلم.\n\n٤٠٣١ - وَعَن عُمَيْر بن قَتَادَة - ﵁ - أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أَي الصَّلَاة أفضل قَالَ طول الْقُنُوت قَالَ فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ جهد الْمقل قَالَ أَي الْمُؤمنِينَ أكمل إِيمَانًا قَالَ أحْسنهم خلقا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة سُوَيْد بن إِبْرَاهِيم أبي حَاتِم وَلَا بَأْس بِهِ فِي المتابعات (^٥).\n_________\n(^١) سورة الملك، الآية: ١٥.\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.\n(^٤) التعيين (ص ١٥٣ - ١٥٩).\n(^٥) أخرجه المروزى في تعظيم قدر الصلاة (٦٤٥) و(٨٨٢)، وأبو يعلى في المعجم (١٢٩) وعنه ابن زيدان (٤٠)، وأبو محمد الفاكهى (١٩٨)، والطبرانى في الأوسط (٨/ ١١٠ - ١١١ رقم ٨١٢٣) والكبير (١٧/ ٤٨ رقم ١٠٣)، والبيهقى في الشعب (١٢/ ١٩١ رقم ٩٢٦٢). قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن عمير بن قتادة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: سويد أبو حاتم. وقال الهيثمي ١/ ٥٨: رواه الطبرانى في الأوسط، وفيه سويد بن حاتم، اختلف في ثقته وضعفه، مجمع الزوائد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥٦).","vol":"11","page":39},{"text":"قوله: وعن عُمير بن قتادة -﵁-[عمير بن قتادة بن سعد الليثي سكن مكة، روى عنه ابنه عبيد].\nقوله: أن رجلا قال يا رسول اللَّه أي الصلاة أفضل قال \"طول القنوت\"، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: \"جهد المقل\" قال: أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: \"أحسنهم خلقا\" الحديث، تقدم أن المراد بطول القنوت القيام في الصلاة، وجهد المقل: بفتح الجيم الطاقة، وتقدم أبسط من هذا، وتقدم الكلام على حسن الخلق في أحاديث الباب.\nقوله: رواه الطبراني [في الأوسط] من رواية سُويد بن إبراهيم أبي حاتم هو سويد [بن إبراهيم البصري العطار: ضعفه النسائي وغيره ووثقه ابن معين وغيره].\n\n٤٠٣٢ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت كَانَ رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول اللَّهُمَّ كمَا أَحْسَنت خلقي فَأحْسن خلقي رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام على ترجمتها.\nقوله: كان رسول اللَّه -ﷺ-: \"يقول اللهم كما أحسنت خلقي فأحسن خلقي\" الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٦٨ (٢٤٣٩٢) و٦/ ١٥٥ (٢٥٢٢١)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٤٨٨ و٤٨٩) والشعب (١١/ ٦٢ رقم ٨١٨٤ و٨١٨٥). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٠ و١٠/ ١٧٣: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الإرواء (٧٤) وصحيح الترغيب (٢٦٥٧).","vol":"11","page":40},{"text":"فرع: يندب النظر في المرآة اقتداء به ﵊ وأن يقول اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي (^١)، أ. هـ. ورواه ابن السني عن علي أن النبي -ﷺ- كان إذا نظر في المرآة، قال: \"اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي\" (^٢). وفي كتاب ابن السني من رواية أنس كان رسول اللَّه -ﷺ-: إذا نظر وجهه في المرآة قال: الحمد الذي سوى خلقي بعدله وكرم صورة وجهي فحسنها وجعلني من المسلمين (^٣).\nلطيفة حسنة: قال بعض الحكماء ينبغي للعامل أن ينظر كل يوم في المرآة فإن رأى وجهه حسنا لم يشنه بقبيح وإن كان قبيحا لا يجمع بين قبيحين، وقال بعضهم في المعنى:\nيا حسن الوجه توق الخنا ... لا تبدلن الزين بالشين\nويا قبيح الوجه كن محسنا ... لا تجمع بين قبيحين (^٤)\n\n٤٠٣٣ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: إِن أحبكم إِلَيّ أحاسنكم أَخْلَاقًا الموطئون أكنافا الَّذين يألفون ويؤلفون وَإِن أبغضكم إِلَيّ المشاؤون بالنميمة المفرقون بَين الْأَحِبَّة الملتمسون للبرآء الْعَيْب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث عبد اللَّه بن مَسْعُود\n_________\n(^١) شرح المشكاة (١٠/ ٣٢٤١).\n(^٢) أخرجه ابن السني (١٦٣). وضعفه الألباني في الإرواء (٧٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٤٠ رقم)، وابن السني (١٦٥)، وأبو الشيخ في الأخلاق (٤٩٨). وضعفه الألباني في الإرواء (١/ ١١٤)، وضعيف الجامع (٤٤٥٩).\n(^٤) التمثيل والمحاضرة (ص ١٧٥).","vol":"11","page":41},{"text":"بِاخْتِصَار وَيَأْتِي فِي النميمة إِن شَاءَ اللَّه حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن غنم بِمَعْنَاهُ (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون\" الحديث، فالخلق بضم اللام الطباع أو الطبع والخلق الدين والخلق أيضا المروءة قاله عياض (^٢) ومعنى قوله \"الموطئون أكنافا\" هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذليل وفراش وطيئ لا يؤذي جنب النائم والأكناف الجوانب أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذي قاله في النهاية (^٣).\n_________\n(^١) أما حديث أبى هريرة: أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٥٣) وذم الغيبة (١١٧) ومداراة الناس (١٤٦)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥٠ رقم ٧٦٩٧) والصغير (٢/ ٨٩ رقم ٨٣٥)، وابن عدي (٥/ ٩٧)، وابن بشران (٥١٣)، والخطيب في التاريخ (٣/ ١٦٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الجريري إلا صالح المري. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢١: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه صالح بن بشير المري وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥٨).\nوأما حديث ابن مسعود: أخرجه البزار (١٧٢٣)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٩٠ رقم ١٠٤٢٤). قال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد اللَّه إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢١: رواه الطبراني والبزار، وفي إسناد البزار صدقة بن موسى وهو ضعيف. وفي إسناد الطبراني عبد اللَّه الرمادي، ولم أعرفه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥٩).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٩).\n(^٣) النهاية (٥/ ٢٠١).","vol":"11","page":42},{"text":"٤٠٣٤ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَت أم حَبِيبَة يَا رَسُول اللَّه الْمَرْأَة يكون لَهَا زوجان ثمَّ تَمُوت فَتدخل الْجنَّة هِيَ وزوجاها لأيهما تكون للْأولِ أَو للْآخر قَالَ تخير أحسنهما خلقا كَانَ مَعهَا فِي الدُّنْيَا يكون زَوجهَا فِي الْجنَّة يَا أم حَبِيبَة ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار بِاخْتِصَار وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضًا فِي الْكَبِير والأوسط من حَدِيث أم سَلمَة فِي آخر حَدِيث طَوِيل يَأْتِي فِي صفة الْجنَّة إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (^١).\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١٢١٢)، والبزار في مسنده (١٩٨٠/ كشف الأستار)، والباغندي في الأمالي (٣٩)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ١٧١)، والخرائطي في المكارم (٥٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٢٢ رقم ٤١١)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٨)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ٢٩١ رقم ١٠٥١)، وابن بشران في الأمالي (٧٣٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٣٧١). قال أبو حاتم في العلل (١٢٥٢): هذا حديث موضوع لا أصل له، وسنان عندنا مستور.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٤: رواه الطبراني والبزار باختصار، وفيه عبيد بن إسحاق وهو متروك، وقد رضيه أبو حاتم وهو أسوأ أهل الإسناد حالا. وقال الألباني في ضعيف الترغيب: منكر (١٦٠٤).\nوأما حديث أم سلمة: أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩ رقم ٣١٤٢) والكبير (٢٣/ ٣٦٧ رقم ٨٧٠)، وابن الجوزي في العلل (١٠٧٧). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا سليمان بن أبي كريمة، تفرد به عمرو بن هاشم. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ١١٩: رواه الطبراني، وفيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي. وقال الألبانى في ضعيف الترغيب: منكر (١٦٠٤).","vol":"11","page":43},{"text":"قوله -ﷺ- يا أم حبيبة: \"يا أم حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة\" تقدم الكلام عليه.\n\n٤٠٣٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- الْخلق الْحسن يذيب الْخَطَايَا كَمَا يذيب المَاء الجليد والخلق السوء يفْسد الْعَمَل كَمَا يفْسد الْخلّ الْعَسَل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\nقوله: وروي عن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد\" الحديث، وفي حديث آخر ذكره صاحب المغيث: \"حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد\" وقال الجليد: ما سقط من الصقيع فجمد (^٢)، وقال في النهاية (^٣): الجليد هو الماء الجامد من البرد، أ. هـ واللَّه أعلم.\n\n٤٠٣٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا وخياركم خياركم لأَهله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ إِلَّا أَنه قَالَ وخياركم خياركم لنسائهم\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (١/ ٢٥٩ رقم ٨٥٠) والكبير (١٠/ ٣١٩ رقم ١٠٧٧٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤١٩)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٣٨٦ - ٣٨٧ رقم ٧٦٧٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٥٩٤). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به عيسى بن ميمون. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٤: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عيسى بن ميمون المدني وهو ضعيف. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٤٤٠) و(٤٤١)، وضعيف الترغيب (١٦٠٥).\n(^٢) المجموع المغيث (١/ ٣٣٩).\n(^٣) النهاية (١/ ٢٨٥).","vol":"11","page":44},{"text":"وَالْحَاكِم دون قَوْله وخياركم خياركم لأَهله، وَرَوَاهُ بِدُونِهِ أَيْضا مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي وَزَاد فِيهِ وَإِن الْمَرْء ليَكُون مُؤمنا وَإِن فِي خلقه شَيْئا فينقص ذَلِك من إيمَانه (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لأهله\" تقدم الكلام عليه وكذلك حديث أبي هريرة أيضًا بعده.\n\n٤٠٣٧ - وعن أبي هريرة أيضًا -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنكم لن تَسَعُوا الناس بأموالكم، ولكن يَسَعُهُمْ منكم بسطُ الوجه، وحُسْنُ الخُلُقِ\" رواه أبو يعلى والبزار من طرق أحدُها حسن جيد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٥٠ (٧٤٠٢) و٢/ ٤٧٢ (١٠١٠٦) و٢/ ٥٢٧ (١٠٨١٧)، وأبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢)، والمروزي (٤٥٢) و(٤٥٣) و(٤٥٤)، وابن حبان (٤٧٩) و(٤١٧٦) والحاكم ١/ ٦، والبيهقي في الآداب (١٥٣) والاعتقاد (ص ١٧٨) والكبرى (١٠/ ٣٢٣ رقم ٢٠٧٨٣) والشعب (١/ ١٢٨ رقم ٢٦ و٢٧) و(١٠/ ٣٥١ - ٣٥٢ رقم ٧٦٠٧ و٧٦٠٨) و(١٠/ ٣٥٤ رقم ٧٦١٢ و٧٦١٣). ورواية المروزي الأولى وكذلك وقع عند البيهقي مثل رواية الترمذي. قال الترمذي: حديث أبي هريرة هذا حديث حسن صحيح.\nوقال الألباني: حسن صحيح، الصحيحة (٢٨٤) وصحيح الترغيب (١٩٢٣) و(٢٦٦٠). وقال: وزاد فيه: وإن المرء ليكون مؤمنًا؛ وإنّ في خلقه شيئًا، فينقص ذلك من إيمانه. ولما كانت هذه الزيادة منكرة فقد حذفتها، وبينت نكارتها في الضعيفة (٦٧٦٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ٢١٢ (٢٥٣٣٣)، والبزار (٨٥٤٤) و(٩٣١٩) و(٩٦٥١)، وأبو يعلى (٦٥٥٠). وقال البزار في الطريق الأخير: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن ابن إدريس، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة -﵁-، إلا أسود بن سالم وكان ثقة =","vol":"11","page":45},{"text":"قوله: \"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق\" [أي: لا تتسع أموالكم لعطائهم فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم، والوسع والسعة الجدة والطاقة (^١)].\n\n٤٠٣٨ - وَعَن رجل من مزينة قَالَ قيل يَا رَسُول اللَّه مَا أفضل مَا أُوتِيَ الرجل الْمُسلم قَالَ الْخلق الْحسن قَالَ فَمَا شَرّ مَا أُوتِيَ الرجل الْمُسلم قَالَ إِذا كرهت أَن يرى عَلَيْك شَيْء فِي نَادِي الْقَوْم فَلَا تَفْعَلهُ إِذا خلوت رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي كِتَابه عَن معمر عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ (^٢).\nقوله: وعن رجل من مزينة، مزينة: اسم قبيلة من العرب.\nقوله: \"إذا كرهت أن يرى عليك شيء في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت\" نادي القوم هو متحدثهم ومجتمعهم.\n\n٤٠٣٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن هَذِه الْأَخْلَاق من اللَّه فَمن أَرَادَ اللَّه بِهِ خيرا منحه خلقا حسنا وَمن أَرَادَ بهِ سوءا منحه خلقا سَيِّئًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣).\n_________\n= بغداديا. قال الهيثمي فى المجمع ٨/ ٢٢: وفيه عبد اللَّه بن سعيد المقبري وهو ضعيف.\nوقال البوصيرى في الاتحاف (٥/ ٥٠٦): هذا إسناد ضعيف، لضعف عبد اللَّه بن سعيد المقبري. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٦١).\n(^١) النهاية (٥/ ١٨٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠١٥١). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٠٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٢٧٥ رقم ٨٦٢١). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عجلان إلا مسلمة بن علي، تفرد به عمران بن هارون. وقال الهيثمي في =","vol":"11","page":46},{"text":"قوله: وروي عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن هذه الأخلاق من اللَّه فمن أراد اللَّه به خيرا منحه خلقا حسنا\" الحديث، المنحة العطية.\n\n٤٠٤٠ - وَعَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"إِن أحبكم إِلَيّ وأقربكم مني فِي الْآخِرَة محاسنكم أَخْلَاقًا وَإِن أبغضكم إِلَيّ وأبعدكم مني فِي الْآخِرَة أسوؤكم أَخْلَاقًا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَابر وَحسنه لم يذكر فِيهِ أسوؤكم أَخْلَاقًا وَزَاد فِي آخِره قَالُوا يَا رَسُول اللَّه قد علمنَا الثرثارون والمتشدقون فَمَا المتفيهقون قَالَ المتكبرون الثرثار بثاءين مثلثتين مفتوحتين هُوَ الْكثير الْكَلَام تكلفا والمتشدق هُوَ الْمُتَكَلّم بملء شدقه تفاصحا وتعظيما لكَلَامه والمتفيهق أَصله من الفهق وَهُوَ الامتلاء وَهُوَ بِمَعْنى المتشدق لِأَنَّهُ الَّذِي يمْلَأ فَمه بالْكلَام ويتوسع فِيهِ إِظْهَارًا لفصاحته وفضله واستعلاء على غَيره وَلِهَذَا فسره النَّبِي -ﷺ- بالمتكبر (^١).\n_________\n= المجمع ٨/ ٢٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مسلمة بن علي وهو ضعيف. وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٠٧) والضعيفة (٣٢٤٤).\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ٢١٠ (٢٥٣٢٠)، وأحمد ٤/ ١٩٣ (١٧٧٣٢) و٤/ ١٩٤ (١٧٧٤٣) والخرائطي في مكارم الأخلاق (٥٨)، وابن حبان (٤٨٢) و(٥٥٥٧)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٢١ (٥٨٨) و٢٢/ ٢٦٣ (٦٧٦)، وفي الشاميين (٣٤٩٠) وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٩٧ و٥/ ١٨٨، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٠ - =","vol":"11","page":47},{"text":"قوله: وعن أبي ثعلبة الخُشني -﵁- والخشني بضم الخاء وفتح الشين المعجمة وبالنون منسوب إلى خشينة، قبيلة معروفة من قضاعة، واسمه جرثوم بن ناشز، وجرثوم: بضم الجيم والثاء المثلثة وإسكان الراء بينهما، وفي اسمه واسم أبيه اختلاف كثير، أ. هـ ذكره النووي في إشاراته على الأربعين النواوية (^١).\nقوله -ﷺ-: \"وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون\" الحديث، ورواه الترمذي من حديث جابر وزاد في آخره قالوا: يا رسول اللَّه قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: \"المتكبرون\" الثرثار: بثاءين مثلثتين مفتوحتين هو الكثير الكلام تكلفا، أ. هـ.\n_________\n= ٤٢ رقم ٤٦١٦) و(١٠/ ٣٥٩ - ٣٦٠ رقم ٧٦٢٢) والكبرى (١٠/ ٣٢٦ رقم ٢٠٧٩٩)، والبغوي في شرح السنة (٣٣٩٥) عن أبى ثعلبة الخشني.\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢١: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٦٢)، والصحيحة (٧٩١). وأخرجه الترمذي (٢٠١٨)، والخرائطي في مساويء الأخلاق (٥٩) و(٥٥٢)، والطبراني في المكارم (٦). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وروى بعضهم هذا الحديث، عن المبارك بن فضالة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي -ﷺ- ولم يذكر فيه عن عبد ربه بن سعيد. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٦٦٣) و(٢٨٩٧)، الصحيحة (٧٩١).\n(^١) الأربعون النووية والإشارات (ص ١٣٠ - ١٣١).","vol":"11","page":48},{"text":"وقال بعضهم (^١): الثرثارون هم الذين يكثرون الكلام تكلفا وخروجا عن الحق، والثرثرة كثرة الكلام وترديده.\nوالمتشدقون هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز (^٢).\nوقيل (^٣): أراد بالمتشدق المستهزيء بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم، وفي الحديث أيضًا: \"إن اللَّه يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل الكلام بلسانه كما تتخلل البقرة الكلام بلسانها\" (^٤) هو الذي يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفا قاله في النهاية (^٥).\nوالمتفيهق أصله من الفهق وهو الامتلاء وهو بمعنى المتشدق لأنه الذي يملأ فاه بالكلام ويتسع فيه إظهارًا لفصاحته وفضله واستعلاء على غيره ولهذا فسره النبي -ﷺ- بالمتكبر انتهى، ذكره المنذري، وقال غيره (^٦): الثرثار هو كثير الكلام بغير فائدة دينية والمتشدق المتكلم بملء فيه تفاصحا وتعاظما وتطاولا وإظهارا لفضله على غيره، أ. هـ.\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٢٠٩) وشرح المشكاة (١٠/ ٣١٠٦) للطيبي، وشرح المشكاة (٥/ ٢٢٩) للطيبي.\n(^٢) النهاية (٢/ ٤٥٣)، وشرح المشكاة (١٠/ ٣١٠٦) للطيبي.\n(^٣) النهاية (٢/ ٤٥٣)، وتحفة الأبرار (٢/ ٢٣٣)، والمفاتيح (٥/ ١٦٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٥٠٠٥)، والترمذي (٢٨٥٧) عن عبد اللَّه بن عمرو. وصححه الألباني فى الصحيحة (٨٨٠).\n(^٥) النهاية (٢/ ٧٣).\n(^٦) المفاتيح (٥/ ١٦٧)، ومدارج السالكين (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"11","page":49},{"text":"٤٠٤١ - وَعَن رَافع بن مكيث وَكَانَ مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ حسن الْخلق نَمَاء وَسُوء الْخلق شُؤْم وَالْبر زِيَادَة فِي الْعُمر وَالصَّدَقَة تدفع ميتَة السوء رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد باخْتِصَار وَفِي إسنادهما راو لم يسم وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات (^١).\nقوله: وعن رافع بن مكيث وكان ممن شهد الحديبية -﵁- تقدم الكلام على ترجمته في الشفعة على خلق اللَّه.\nقوله: \"حسن الخلق نماء\" الحديث، والنماء الزيادة، وتقدم أيضًا الكلام على في الباب المذكور.\n\n٤٠٤٢ - وَرُوِيَ عَن جَابر -﵁- قَالَ قيل يَا رَسُول اللَّه مَا الشؤم قَالَ سوء الْخلق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٥٠٢ (١٦٠٧٩)، وأبو داود (٥١٦٢)، وابن زنجويه في الأموال (١٣١٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٦٢)، وأبو يعلى (١٥٤٤)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٧ رقم ٤٤٥١)، والقضاعي (٢٤٤) و(٢٤٥). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٢: رواه أحمد من طريق بعض بني رافع ولم يسمه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٧٩٤)، وضعيف الترغيب (١٦٠٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٨ رقم ٥٧٢٦) و(٨/ ٢٠٣ رقم ٨٤٠٤)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٣٧٨ - ٣٧٩ رقم ٧٦٥٧ و٧٦٥٨ و٧٦٥٩)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٢٢). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به الفضل بن عيسى. وقال أيضًا: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا الفضل بن عيسى، ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: زاد ابن ناجية في إسناده رجلا، وهو أولى، وكيف كان فهو ضعيف الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٥: =","vol":"11","page":50},{"text":"قوله: وروي عن جابر -﵁- تقدم.\nقوله: قيل يا رسول اللَّه: ما الشؤم؟ قال: \"سوء الخلق\" الشؤم تقدم الكلام عليه في كتاب النكاح في كر المسكن الضيق.\n\n٤٠٤٣ - وَرَوَاهُ فِيهِ أَيْضًا من حَدِيث عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- الشؤم سوء الْخلق (^١).\n\n٤٠٤٤ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة -﵂- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من شَيْء إِلَّا لَهُ تَوْبَة إِلَّا صَاحب سوء الْخلق فَإِنَّهُ لَا يَتُوب من ذَنْب إِلَّا عَاد فِي شَرّ مِنْهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأصبهاني (^٢).\n\n٤٠٤٥ - وَفِي رِوَايَة للأصبهاني عَن رجل من أهل الجزيرة لم يسمه عَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا من ذَنْب أعظم عِنْد اللَّه ﷿\n_________\n= رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٠٩).\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٨٥ (٢٤٥٤٧)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٣٤ رقم ٤٣٦٠) والشاميين (١٤٦٢)، وفي مسند الشاميين (١٤٦٢)، وابن عدي في الكامل ٢/ ٤٧٢، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ١٠٣ و١٠/ ٢٤٩. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٧٩٣) وضعيف الترغيب (١٦١٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٣٣٣ رقم ٥٥٣)، والخطيب في التاريخ (٨/ ٥٩)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٢٥). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٥: رواه الطبراني في الصغير، وفيه عمرو بن جميع وهو كذاب. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٦) و(٣١١٩) و(٥٢٦٦) وضعيف الترغيب (١٦١١).","vol":"11","page":51},{"text":"من سوء الْخلق وَذَلِكَ أَن صَاحبه لَا يخرج من ذَنْب إِلَّا وَقع فِي ذَنْب وَهَذَا مُرْسل (^١).\nقوله: وروي عن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"ما من شيء إلا له توبة إلا صاحب سوء الخلق\" الحديث، وفي رواية للأصبهاني عن رجل من أهل الجزيرة ولم يسمه عن ميمون بن مهران الحديث، ميمون بن مهران [هو أبو أيوب الرقى أعتقته امرأة من بني نصر بن معاوية بالكوفة، فنشأ بها، ثم سكن الرقة أرسل عن عمر والزبير وروى عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، وروى عنه: ابنه؛ عمرو، وأبو بشر جعفر بن إياس، وحميد الطويل، وسليمان وجماعة وثقه النسائي وأحمد والعجلي وابن سعد، قال أبو المليح: ما رأيت أفضل منه ومن كلامه من أساء سرا فليتب سرًّا ومن أساء علانية فليتب علانية مات سنة سبع عشرة ومائة (^٢)].\nقوله: وهذا مرسل، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.\n\n٤٠٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- كَانَ يَدْعُو يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشقاق والنفاق وَسُوء الْأَخْلَاق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (١٢٢٤). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (١٦١٢).\n(^٢) تهذيب الكمال: ٢٩/ ٢١٠ - ٢٢٧، تذهيب التهذيب ٩/ ترجمة ٧٠٩٠، تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٩٠.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٥٤٦)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٣٥٤ (٥٥١٥) والكبرى (٧٨٥٣). وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٢٤٦٨)،، ضعيف الترغيب (١٦١٣).","vol":"11","page":52},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يدعو يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق\" الحديث، وخرج ابن حبيب الأندلسي في مناسكه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن النبي -ﷺ- كان يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق ومن كل أمر لا يطاق\" قال ابن أسلم: أما الشقاق فمفارقة الإسلام وأهله، وأما النفاق فإظهار الإيمان واسرار الكفر، وأما سوء الأخلاق فالسرقة والزنا وشرب الخمر واليخانة وكل ما حرم اللَّه فهو من سوء الأخلاق (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) القرى لقاصد أم القرى (ص ٣٠٦) لمحب الدين الطبري.","vol":"11","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>[الترغيب في الرفق والأناة والحلم]</span>\n٤٠٤٧ - عَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن اللَّه رَفِيق يحب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n٤٠٤٨ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم إِن اللَّه رَفِيق يحب الرِّفْق وَيُعْطِي على الرِّفْق مَا لَا يُعْطي على العنف وَمَا لَا يُعْطي على سواهُ (^٢).\nقوله: عن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"إن اللَّه رفيق يحب الرفق في الأمر كله\" وفي رواية لمسلم: \"إن اللَّه رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف\" الحديث.\nالرفق ضد العنف وهو لطافة الفعل ولين الجانب واللطف والأذى بالأسهل وما فيه اللطف ونحوه واللَّه تعالى رفيق بعباده من الرفق والرأفة وهو فعيل بمعنى فاعل والمعنى أن اللَّه ﷾ يريد لعباده اليسر ولا يريد بهم العسر فلا يكلفهم فوق طوقهم بل يسامحهم ويلطف بهم (^٣).\n[قوله -ﷺ- ياعائشة إن اللَّه يحب الرفق في الأمر كله] وهذا من عظيم خلقه -ﷺ- وكمال حلمه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٥٦) و(٦٩٢٧)، ومسلم (١٠ - ٢١٦٥)، والترمذي (٢٧٠١)، وابن ماجه (٣٦٨٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٧ - ٢٥٩٣).\n(^٣) انظر النهاية (٢/ ٢٤٦)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٢٠٨)، والميسر (٣/ ١٠٨٨).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٤٥) وما بين المعكوفين منه حتى يستقيم الكلام.","vol":"11","page":54},{"text":"وفي الحديث فضل الرفق والحث على التخلق به والصبر والحلم وملاطفة الناس ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة وفيه ذم العنف فالرفق سبب لكل خير ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره، وقال القاضي عياض: معناه يتأتي به من الأغراض ويسهل به من المطالب ما لا يتأتي بغيره ومعناه أن من حرم الرفق يقضي به لك إلى أن يحرم خير الدنيا والآخرة (^١)، أ. هـ.\nفكل أمر لا يوصل إليه العنف أو يوصل إليه بشدة فاللَّه تعالى يجعل الرفق موصلا إليه أتم اتصال وأجمله، أ. هـ، قاله في الحدائق (^٢).\nتنبيه: وأما قوله -ﷺ-: \"إن اللَّه رفيق\" ففيه تصريح بتسمية ﷾ ووصفه برفيق، قال الإمام المازري: لا يوصف اللَّه ﷾ إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسول اللَّه -ﷺ- أو أجمعت الأمة عليه وأما إذا لم يرد إذن في إطلاقه ولا ورد منع منه ولا يستحيل وصف اللَّه تعالى ففيه خلاف منهم من قال: يبقى على ما كان قبل ورود الشرع فلا يوصف بحل ولا حرمة ومنهم من منعه وفيه كلام للأصوليين المتأخرين، قال النووي: والصحيح جواز تسميته تعالى رفيقا وغيره مما يثبت بخبر الآحاد واللَّه أعلم (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف\" والعنف بضم العين وفتحها وكسرها حكاهن القاضي عياض وغير الضم أفصح وأشهر (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤٥).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٧٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٤) المصدر السابق (١٦/ ١٤٥).","vol":"11","page":55},{"text":"وهو الشدة والمشقة وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله (^١)، أ. هـ، واللَّه أعلم.\nقال البيهقي: معنى إن اللَّه رفيق يعني أنه ليس بعجول فإنما يعجل من يخاف الفوت فأما من كانت الأشياء في قبضته وملكه فليس يعجل وأما قوله: \"يحب الرفق\" فمعناه يحب ترك العجلة في الأعمال والأمور (^٢).\n\n٤٠٤٩ - وعنها أَيْضًا -﵂- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الرِّفْق لَا يكون فِي شَيْء إِلَّا زانه وَلَا ينْزع من شَيْء إِلَّا شانه رَوَاهُ مُسلم (^٣).\nقوله: وعن عائشة أيضًا، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه\" الحديث، وفي حديث آخر: \"من خير أعمالكم الرفق\" أي: اللطف والرفق لين الجانب وهو خلاف العنف يقال رفق يرفِق ويرفُق، ومنه الحديث الآخر: \"أنت رفيق واللَّه الطبيب\" أي: أنت ترفق بالمريض وتتطلفه واللَّه يعافيه ويبرئه (^٤).\nوقوله: \"إلا زانه\" والزينة التحسين.\nوقوله: \"ولا ينزع من شيء إلا شانه\" الحديث، الشين خلاف الزين، يقال: شانه ويشينه والمشاين المعايب والقبائح (^٥)، أ. هـ.\n_________\n(^١) النهاية (٣/ ٣٠٩).\n(^٢) الأسماء والصفات (١/ ١٤١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٨ - ٢٥٩٤)، وأبو داود (٢٤٧٨) و(٤٨٠٨).\n(^٤) النهاية (٢/ ٢٤٦).\n(^٥) الصحاح (٥/ ٢١٤٦ - ٢١٤٧).","vol":"11","page":56},{"text":"٤٠٥٠ - وَعَن جرير بن عبد اللَّه -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن اللَّه ﷿ ليعطي على الرِّفْق مَا لَا يُعْطي على الْخرق وَإِذا أحب اللَّه عبدا أعطَاهُ الرِّفْق مَا من أهل بَيت يحرمُونَ الرِّفْق إِلَّا حرمُوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات وَرَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد مُخْتَصرا من يحرم الرِّفْق يحرم الْخَيْر زَاد أَبُو دَاوُد كُله (^١).\nقوله: وعن جرير بن عبد اللَّه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن اللَّه ﷿ ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق\" والخرق بضم الخاء المعجمة وسكون الراء ضد الرفق دل الحديث على فضيلة الرفق وشرفه فينبغي للمسلم أن يستعمل الرفق في كل شيء.\nقوله: في رواية مسلم وأبي داود: \"من يحرم الرفق يحرم الخير كله\" الحديث وهو منفر لتركه وأكده بقوله \"كله\" قاله في الحدائق (^٢).\n\n٤٠٥١ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من أعطي حَظه من الرِّفْق فقد أعطي حَظه من الْخَيْر وَمن حرم حَظه من الرِّفْق فقد حرم حَظه من الْخَيْر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٣).\nقوله: وعن أبي الدرداء -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٣٠٦ رقم ٢٢٧٤). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٦٦). وأخرجه مسلم (٧٤ و٧٥ و٧٦ - ٢٥٩٢)، وأبو داود (٤٨٠٩)، وابن ماجه (٣٦٨٧) مختصرا.\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٧٥).\n(^٣) أخرجه الحميدى (٣٩٧)، وأحمد ٦/ ٤٥١ (٢٧٥٥٣)، والبخارى في الأدب المفرد (٤٦٤)، والترمذي (٢٠١٣). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٥١٥ و٨٧٤)، وصحيح الترغيب (٢٦٦٧).","vol":"11","page":57},{"text":"قوله -ﷺ-: \"من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير\" الحديث، الحظ هو النصيب.\n\n٤٠٥٢ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن اللَّه ﷿ يحب الرِّفْق ويرضاه ويعين عَلَيْهِ مَا لَا يعين على العنف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة صَدَقَة بن عبد اللَّه السمين وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن اللَّه تعالى ﷿ يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العنف\" الحديث، تقدم.\nقوله: رواه الطبراني من رواية صدقة بن عبد اللَّه السمين، صدقة [ضعفه أحمد والبخاري، وابن نمير، والنسائي والدارقطني، وقال أبو زرعة: كان قدريًا لينًا، وقال ابن عدي: أكثر حديثه مما لا يتابع عليه وهو إلى الضعف أقرب ووثقه دحيم وأبو حاتم وأحمد بن صالح المصري].\n\n٤٠٥٣ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ لَهَا يَا عَائِشَة ارفقي فَإِن اللَّه إِذا أَرَادَ بِأَهْل بَيت خيرا أَدخل عَلَيْهِم الرِّفْق رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من حَدِيث جَابر ورواتهما رُوَاة الصَّحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٩٥ رقم ٧٤٧٧)، والشاميين (٤٢١). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩: رواه الطبراني، وفيه صدقة بن عبد اللَّه السمين وثقه أبو حاتم الرازي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٦٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٦/ ٧١ (٧٢٤٤٢) و٦/ ١٠٤ (٢٤٧٣٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤١٦)، وأبو عوانة في المستخرج (١١٣١٣)، والبغوى في الجعديات (٣٤٥٣)، والحكيم =","vol":"11","page":58},{"text":"قوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم ذكرها.\nقوله -ﷺ-: \"يا عائشة ارفقي فإن اللَّه إذا أراد بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق\" تقدم ذكر الرفق في الأحاديث قبله.\n\n٤٠٥٤ - وَرُوِيَ عَن عبد اللَّه بن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- الرِّفْق يمن والخرق شُؤْم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^١).\nقوله: وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- تقدم ذكره.\nقوله -ﷺ-: \"الرفق يمن والخرق شؤم\" الحديث، اليمن الخير والخرق الشؤم بالضم الجهل والحمق وقد خرق ويخرق خرقا فهو أخرق والسم الخرق بالضم ومنه الحديث: \"يعين صانعا أو يصنع لأخرق\" أي: جاهل بما\n_________\n= الترمذي في نوادر الأصول (٥٣٧)، والخرائطي في المكارم (٦٩٣) و(٦٩٤) و(٦٩٦) و(٦٩٨) و(٦٩٩)، والطبرانى في المكارم (٢٦)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٩٧ - ٤٩٨ رقم ٦١٤٠) و(١٠/ ١٦٣ رقم ٧٣٢٦) والأسماء والصفات (٣٢١ و٣٢٢). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩: رواه أحمد ورجال الثانية رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢١٩)، وصحيح الترغيب (٢٦٦٩).\nوأما حديث جابر: أخرجه البزار كشف الأستار (١٩٦٥). قال البزار: لا نعلمه يروى هكذا إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩: رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٧٠).\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٤١ - ٢٤٢ رقم ٤٠٨٧). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن المعلى إلا محمد، تفرد به: إسماعيل. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه المعلى بن عرفان وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٤٠٤) وضعيف الترغيب (١٦١٤).","vol":"11","page":59},{"text":"يجب أن يعمله ولم يكن في يديه صنعته يكتسب بها قاله في النهاية (^١).\n\n٤٠٥٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ مَا أعطي أهل بَيت الرِّفْق إِلَّا نفعهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم ذكره.\nقوله -ﷺ-: \"ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم\" تقدم ذكر الرفق.\n\n٤٠٥٦ - وَرُوِيَ عَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- ثَلَاث من كن فِيهِ نشر اللَّه عَلَيْهِ كنفه وَأدْخلهُ جنته رفق بالضعيف وشفقة على الْوَالِدين وإحسان إِلَى الْمَمْلُوك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٣).\nقوله: وروي عن جابر -﵁- تقدم ذكره.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاث من كن فيه نشر اللَّه عليه كنفه\" الحديث، والكنف بالتحريك الجانب والناحية فمعنى قوله: \"نشر اللَّه عليه كنفه\" أي: يصونه عن الخزي بما يستر به عن أعين أهل الموقف كذا في الميسر (^٤)، وقيل: معناه\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٣٠ رقم ١٣٢٦١)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٤٩٦ رقم ٦١٣٨). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج السامي وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٤٢)، وصحيح الترغيب (٢٦٧١).\n(^٣) أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٤)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٤٩). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وأبو بكر بن المنكدر هو أخو محمد بن المنكدر. وقال الألباني في الضعيفة (٩٢)، وضعيف الترغيب (٥٥٩) و(١٣٨٠) و(١٦١٥): موضوع.\n(^٤) الميسر (٤/ ١١٩٤).","vol":"11","page":60},{"text":"يرحمه ويلطف به وهذا تمثيل أي يجعله تحت ظل رحمته يوم القيامة كذا في النهاية (^١).\n\n٤٠٥٧ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا كَانَ الرِّفْق فِي شَيْء قطّ إِلَّا زانه وَلَا كَانَ الْخرق فِي شَيْء قطّ إِلَّا شانه وَإِن اللَّه رَفِيق يحب الرِّفْق رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد لين وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَعِنْده الْفُحْش مَكَان الْخرق وَلم يقل وَإِن اللَّه إِلَى آخِره (^٢).\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه ولا كان الخرق في شيء قط إلا شانه\" تقدم الكلام على ذلك، وعلى الخرق والشين، قال في الصحاح: الشين خلاف الزين يقال شانه يشينه والمشاين المعايب فالشين هو العيب (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ٢٠٥).\n(^٢) أخرجه البزار (٧٠٠٢)، والطبرانى في المكارم (٢٥)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٣٨١)، والقضاعى في مسند الشهاب (٧٩٣)، والضياء في المختارة ٥/ ١٤٠ (١٧٦٣) و٥/ ١٥٤ (١٧٧٨). قال البزار: وهذا الحديث قد روي بعضه معمر، عن ثابت وزاد فيه كثير بن حبيب زيادة قد ذكرناه لذلك. قال الضياء: إسناده صحيح. قال الألباني: صحيح المشكاة (٤٨٥٤) وقال: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٦٧٢). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨: رواه البزار، وفيه كثير بن حبيب وثقه ابن أبي حاتم وفيه لين، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه ابن حبان (٥٥١) ومن طريقه الضياء في المختارة ٧/ ١١٢ - ١١٣ (٢٥٣٤). وقال الألباني: صحيح - \"المشكاة\" (٤٨٥٤)، \"الروض\" (٣٦).\n(^٣) الصحاح (٥/ ٢١٤٦ - ٢١٤٧).","vol":"11","page":61},{"text":"قوله: \"وإن اللَّه رفيق يحب الرفق\" فهو من صفاته وما أجلها (^١)، وعن عائشة قالت: قال رسول اللَّه: \"إن اللَّه رفيق يحب الرفق في الأمر كله\" هذا من عظيم خلقه وكمال حلمه وفيه الحث على الرفق والصبر والحلم وملاطفة الناس ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة (^٢).\nتتمة: قال إبراهيم بن عبد اللَّه الزيني سمعت نصر بن علي الجهضمي يقول: دخلت على المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأكثر منه فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي:\nلم أر مثل الرفق في زينه ... أخرج للعذراء من خدرها\nمن يستعن بالرفق في أمره ... يستخرج الحية من حجرها\nفقال: يا غلام الدواة والقرطاس فكتبها، وقال أبو بكر بن أبي داود: كان المستعين باللَّه بعث إلى نصر بن علي يستحضه للقاء فدعاه عبد الملك أمير البصرة يأمره بذلك فقال ارجع فاستخير اللَّه تعالى، فرجع إلى بيته نصف النهار فصلى ركعتين وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك فنام فأنبهوه فإذا هو ميت في ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين انتهى (^٣).\nوالرفق في صفة اللَّه تعالى وأسمائه بمعنى اللطيف الذي في القرآن واللطف المبالغة في البر على أحسن وجوهه وكذلك في كل شيء وهو ضد العنف منه الحديث: \"إن اللَّه يحب الرفق في الأمر كله\" وهو أخذه بأحسن وجوهه\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥٧٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٤٥).\n(^٣) تاريخ بغداد (١٥/ ٣٨٩).","vol":"11","page":62},{"text":"واسترفقه أي طلب منه الرفق والإحسان انتهى قاله عياض (^١).\n\n٤٠٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ بَال أَعْرَابِي فِي الْمَسْجِد فَقَامَ النَّاس إِلَيْهِ ليقعوا فِيهِ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- دَعوه وأريقوا على بَوْله سجلا من مَاء أَو ذنوبا من مَاء فَإِنَّمَا بعثتم ميسرين وَلم تبعثوا معسرين رَوَاهُ البُخَارِيّ السّجل بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم هِيَ الدَّلْو الممتلئة مَاء والذنُوب بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة مثل السّجل وَقيل هِيَ الدَّلْو مُطلقًا سَوَاء كانَ فِيهَا مَاء أَو لم يكن وَقيل دون الملاى (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم ذكره.\nقوله: بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي -ﷺ-: دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين\" الحديث، اعتقد هذا الأعرابي جواز البول في المسجد والأعرابي هو الذي يسكن البادية، قال الجوهري: العرب جيل من الناس والنسبة إليهم عربي وهم أهل الأمصار والأعراب سكان البادية خاصة والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له وليس الأعراب جمعا للعرب (^٣)، أ. هـ.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٢٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٠) و(٦١٢٨)، والترمذي (١٤٧)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٥٦ (٥٦) و١/ ٤٦٨ (٣٣٤) والكبرى (٥٤)، وابن خزيمة (٢٩٧) و(٢٩٨)، وابن حبان (١٣٩٩) و(١٤٠٠).\n(^٣) الصحاح (١/ ١٧٨).","vol":"11","page":63},{"text":"والعرب أولاد إسماعيل فهو أبو العرب (^١).\nقوله: \"وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء\" الحديث، السجل قد ضبطه الحافظ وفسره فقال هو الدلو الممتلئة ماء والذنوب أيضًا قد ضبطه الحافط وفسره فقال هي مثل السجل أو قيل هي الدلو مطلقا سواء كان فيها ماء أو لم يكن، وقيل دون المليء، أ. هـ.\nوقال غيره: الذنوب بفتح الذال المعجمة هو الدلو الكبير إذا كان مليئا كذا قال جماعة أنها لا تسمى ذنوبا حتى يكون فيها الماء، ذكر ابن الأحدب في كفاية المتحفظ خلاف ذلك (^٢).\nواشترط بعض الأصحاب في الماء المصبوب أن يكون سبعة أضعاف البول لأن ماء الدلو فوق سبعة أضعاف بول الأعراب والظاهر أن النبي -ﷺ- لم يذكر الذنوب على سبيل الاشتراط بل لأن الذنوب كان معدة عندهم للاستقاء من البئر فذكرت انتهى.\nوقوله: \"سجلا أو ذنوبا من ماء\" يحتمل أن يكون شكا من الراوي وهو ظاهر وأن يكون على معنى التخيير من الرسول -ﷺ-، وجهه أن بين اللفظين فرقا فخيرهم بين الأمرين والأولى أصح كذا في الميسر (^٣) وفيه الترفق\n_________\n(^١) الاعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٦٩٣).\n(^٢) هو إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد اللَّه اللواتي الأَجْدَابي، أبو إسحاق الطرابلسي (المتوفى: نحو ٤٧٠ هـ) وكتابه اسمه كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ وكلامه في الفرق بين الدلو والغرب والسجل والذنوب (ص ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٣) الميسر (١/ ١٦٣).","vol":"11","page":64},{"text":"بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافا أو عنادا وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله -ﷺ- \"دعوه\" (^١).\nقال العلماء: كان قوله -ﷺ- لمصلحتين أحداهما: لأنه لو قطع بوله تضرر وأصل التنجيس قد حصل فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد غير ذلك الموضع الذي تنجس فكان إكمال للبول في المكان الذي تنجس أخف ضررا وفيه أن في ذلك تنفيرا له عن الإسلام سيما في القريب العهد بالإسلام (^٢).\nقال ابن بطال (^٣): فعل -ﷺ- ذلك استئلافا للأعراب وتخفيفا لمقتضي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^٤) وفيه دليل على جميل أخلاق رسول اللَّه -ﷺ- ولطفه ورفقه بالجاهل وتأليف قلبه على الإسلام.\nفائدة: ذكر أن هذا الأعرابي هو الذي قال [يا محمد متى الساعة؟ قال: \"ما أعددت لها\" وفيه أنت مع من أحببت، رواه الدارقطني وغيره، وهو الذي قال] بعد ذلك: اللهم اغفر لي ومحمدًا ولا تشرك معنا أحدًا، فقال له رسول\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢/ ٧٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٩١)، وشرح الإلمام (١/ ٥٢٣ - ٥٢٤)، والعدة شرح العمدة (١/ ١٨٩).\n(^٣) شرح الصحيح (١/ ٣٢٧).\n(^٤) سورة القلم، الآية: ٤.","vol":"11","page":65},{"text":"اللَّه -ﷺ-: \"لقد تحجرت واسعًا\" يريد رحمة اللَّه تعالى (^١)، أ. هـ قاله ابن العماد.\nتتمة: هذا الأعرابي الذي بال في المسجد، قال الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتاب معرفة الصحابة أنه ذو الخويصرة اليماني فإنه روي بإسناده من حديث سلمان بن يسار قال: اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلا جافيا على رسول اللَّه في المسجد وساق الحديث.\nوفى هذا الحديث دليل على أن الماء إذا كان واراد على النجاسة طهرها، وأما أحكام الحديث ففيه إثبات نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه ولا فرق بين الكبير والصغير بإجماع من يعتد به لكن بول الصبي الصغير الذي لم يستقل بالطعام يكفي فيه النضح، وفيه أنه يجب احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار وسائر النجاسات وهو كذلك إذا أدى ذلك إلى تلويثها بالنجاسة فإن لم يتلوث المسد كأن بال في إناء أو افتصد في إناء في المسجد فالأصح تحريم البول وكراهة الاقتصاد دون تحريمه وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ولا يشترط حفرها وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبو حنيفة: لا تطهر إلا بحفرها، وهذا إذا كانت النجاسة تغيب في آخر الماء فإن كانت النجاسة عينية كرماد النجاسة وتراب العذرة وصديد الموتى إذا اختلط بتراب المقبرة فهذا كله لا يطهر بالصب عليه وإنما يطهر بنقل التراب والمقبرة المنبوشة لا تصح الصلاة عليها وإن وقع عليها سيل أو صب عليها ماء ولهذا نقل النبي -ﷺ- التراب النجس من مسجده حين بناه أمر بقبور\n_________\n(^١) الاعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٦٩٣).","vol":"11","page":66},{"text":"المشركين فنبشت وأخرج ترابها.\nوفيه أن غسالة النجاسة طاهرة، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء ولأصحابنا فيها ثلاثة أوجه، أحدها أنها طاهرة والثاني نجسة والثالث إن انفصلت وقد طهر المحل فهي طاهرة وإن انفصلت ولم يطهر المحل فهي نجسة وهذا الثالث هو الصحيح وهذا الخلاف إذا انفصلت غير معتبرة وأما إذا انفصلت متغيرة فهي نجسة بإجماع المسلمين سواء تغير طعمها أو لونها أو ريحها وسواء كان التغير قليلا أو كثيرا وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا (^١).\nوفيه دليل على وجوب تطهير المسجد عن النجاسة على الفور وهو كذلك ولا يجب إزالة النجاسة على الفور إلا في هذه المسألة وفيمن تعدي بتلطيخ بدنه بها ولا يجب غسل الجنابة على الفور إلا على الزاني وفد يستدل بالحديث على أن من نجس المسجد لا يجب عليه مؤنة تطهيره لكنه واجب قياسا على من نجس ثوب إنسان أو بدنه ولعل النبي -ﷺ- إنما لم يأمر بها الأعرابي لقيام من تبرع عنه بذلك (^٢)، أ. هـ قاله ابن العماد.\nقوله -ﷺ-: \"فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين\" قاله لما جاء الأعرابي فبال في المسجد فهم عمر -﵁- والناس بضربه، يقال: هم بالأمر إذا عزم\n_________\n(^١) \"شرح النووي على مسلم\" (٣/ ١٩١)، ورياض الأفهام (١/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٦٩٧).\n(^٢) انظر مجموع هذه الفوائد في شرح النووي على مسلم (٣/ ١٩١ - ١٩٢)، والعدة شرح العمدة (١/ ١٨٩) ورياض الأفهام (١/ ٣٤٢ - ٣٤٤) الاعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٦٩٥ - ٧٠٠).","vol":"11","page":67},{"text":"عليه، والتيسير التسهيل وخلافه التعسير، وقد كان النبي -ﷺ- ينهي عن التعسير ويأمر بالتيسير ودينه الذي بعث به يسر وكان يقول: \"خير دينكم أيسره\" ورأى رجلا يكثر الصلاة فقال: إنكم أمة أريد بكم اليسر ولم يكن أكثر تطوع النبي -ﷺ- وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة بل ببر القلوب وطهارتها وسلامتها وقوة تعلقها باللَّه خشية له ومحبة وإجلالا وتعظيما ورغبة فيما عنده وزهدا فيما بقى (^١).\n\n٤٠٥٩ - وَعَن أنس -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يسروا وَلَا تُعَسِّرُوا وبشروا وَلَا تنفرُوا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\nقوله: وعن أنس -﵁- هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن حرام بفتح الحاء والراء المهملتين بن حبيب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري، كنيته أبو حمزة خادم رسول اللَّه -ﷺ-، أمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية قدمت به أمه على النبي -ﷺ- وهو ابن عشر سنين وقيل ابن تسع وقيل ابن ثمان وخدمه عشرا وتوفي سنة احدى وتسعين وقيل ثلاث وقيل وهو ابن مائة سنة وعشر سنين وقيل مائة وسبع وقيل ثلاث وقيل مائة إلا سنة، قال أبو عمر: قدم قبل موته من ولده وولد ولده مائة أو مائة وعشرين للدعوة النبوية وهي اللهم ارزقه مالا وولدا ويقال ولد له ثمانية وسبعون ذكرا وابنتان ويقال إنه آخر الصحابة موتا بالبصرة، أ. هـ وتقدم الكلام عليه أيضًا مبسوطا.\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٢٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩) و(٦١٢٥)، ومسلم (٨ - ١٧٣٤).","vol":"11","page":68},{"text":"قوله -ﷺ-: \"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا\" الحديث، وفي حديث آخر أنه -ﷺ- قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري: \"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا\" وفي حديا أنس أيضًا: \"يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا\" أي لا تخيفوهم بما يحملهم على النفار قاله صاحب المغيث (^١).\nقال النووي (^٢): وإنما جمع النبي -ﷺ- في ألفاظ هذا الحديث بين الشيء وضده لأنه قد يفعلهما في وقتين فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم الحالات، فإذا قال: \"ولا تعسروا\" انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب وكذا يقال في: \"بشروا ولا تنفروا وتطواعا ولا تختلفا\" لأنها قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء وفي هذه الأحاديث الأمر بالتبشير بفضل اللَّه تعالى وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير وقد كانت أمور الإسلام في التكلف على التدريح فمتى يسرت على الداخل في الطاعة أو المريد الدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالبا التزايد منها ومتى عثرت عليه أو شك أن لا يدخل فيها وإن دخل أوشك أن يقطع فلا يدوم أو لا يستحليها.\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٣/ ٣٢٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤١).","vol":"11","page":69},{"text":"فقوله: \"بشروا\" من البشارة أي الإخبار بالخير نقيض الإنذار بالشر وهذا الحديث من جوامع الكلم لاشتماله على خير الدنيا والآخرة لأن الدنيا دار الأعمال والآخرة دار الجزاء فأمر -ﷺ- فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالشر تخفيفا لكونه رحمة للعالمين في الدارين (^١). وفيه: أمر الولاة بالرفق، وفيه: تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليهم وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان ومن بلغ ومن تاب من المعاصي كلهم يتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا (^٢).\n\n٤٠٦٠ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت مَا خير رَسُول اللَّه -ﷺ- بَين أَمريْن قطّ إِلَّا أَخذ أيسرهما مَا لم يكن إِثْمًا فَإن كَانَ ثمَّ إِثْم كَانَ أبعد النَّاس مِنْهُ وَمَا انتقم رَسُول اللَّه -ﷺ- لنَفسِهِ فِي شَيْء قطَّ إِلَّا أَن تنتهك حُرْمَة اللَّه فينتقم للَّه تَعَالَى رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقولها: ما خير رسول اللَّه -ﷺ- بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان ثم إثم كان أبعد الناس منه\" الحديث، [أي: أسهلهما] (^٤) وفي\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢/ ٣٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٥٦٠) و(٦١٢٦) و(٦٧٨٦) و(٦٨٥٣)، ومسلم (٧٧ و٧٨ و٧٩ - ٢٣٢٧).\n(^٤) الكواكب الدرارى (١٤/ ١٤٤).","vol":"11","page":70},{"text":"هذا الحديث استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراما أو مكروها، قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى: ويحتمل أن يكون تخييره -ﷺ- هنا من اللَّه تعالى فخيره بما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته من المجاهدة في العبادة أو الاقتصاد فكان يختار الأيسر في كل هذا (^١).\nقال: وأما قولها \"ما لم يكن إثما\" فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون، فأما إذا كان التخيير من اللَّه تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا وسيأتي معناه بعد.\nقوله: \"فإن كان ثم إثم كان أبعد الناس منه\" [التخيير إن كان من الكفار فظاهر، وإن كان من اللَّه تعالى أو من المسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم، كالتخيير بين المجاهدة في العبادة والإقتصاد فيها، فإن المجاهدة بحيث ينجر إلى الهلاك غير جائز (^٢)].\nقوله: \"وما انتقم رسول اللَّه -ﷺ- لنفسه في شيء قط\" أي: ما عاقب أحدا على مكروه أتاه من قبله، يقال: نقم ينقم ونقم ينقم ونقم من فلان الإحسان إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة (^٣) يعني: لم يعاقب ولم يكافئ على السوء المختص به (^٤).\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٧/ ٢٩١)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٨٣).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢٢/ ٣).\n(^٣) النهاية (٥/ ١١٠ - ١١١).\n(^٤) مطالع الأنوار (٤/ ٢٠٥).","vol":"11","page":71},{"text":"قوله: \"إلا أن تنتهك حرمة اللَّه فينتقم للَّه تعالى\" الحديث، انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل يقال فلان انتهك محارم اللَّه أي فعل ما حرم اللَّه تعالى فعله (^١). فالانتهاك الاستباحة بما لا يحل بنوع من الاستهزاء وقلة المبالاة، والنهك المبالغة في كل شيء (^٢). وانتهاك حرمة اللَّه تعالى هو ارتكاب ما حرمه اللَّه تعالى وقوله: \"إلا أن تنتهك حرمة اللَّه\" استثناء منقطع معناه: لكن إذا انتهكت حرمة اللَّه تعالى انتصر للَّه تعالى وانتقم ممن ارتكب ذلك (^٣)، أ. هـ.\nوفي هذا الحديث الأخذ بالأسهل والحث على العفو والحلم واحتمال الأذى والانتصار لدين اللَّه تعالى ممن فعل محرما أو نحوه، وفيه: أنه يستحب للأئمة والقضاة وسائر ولاة الأمور التخلق بهذا الخلق فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حق اللَّه تعالى، قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى: وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يقضي لنفسه ولا لمن لا تجوز شهادته له (^٤).\nتنبيه: ما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة وعلم أنه إن لم يصبر على هذا اختيارا وهو محمود صبر اضطرارا على أكثر منه وهو مذموم (^٥)، أ. هـ.\n_________\n(^١) المفاتيح (٦/ ١٤٦).\n(^٢) مطالع الأنوار (٤/ ٢٢٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٨٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٨٤).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٣٠٣).","vol":"11","page":72},{"text":"٤٠٦١ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أَلا أخْبركُم بِمن يحرم على النَّار أَو بِمن تحرم عَلَيْهِ النَّار تحرم على كل هَين لين سهل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته إِنَّمَا تحرم النَّار على كل هَين لين قريب سهل (^١).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار تحرم على كل هين لين\" تقدم الكلام على هذا الحديث في البيع.\n\n٤٠٦٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ التأني من اللَّه والعجلة من الشَّيْطَان وَمَا أحد أَكثر معاذير من اللَّه وَمَا من شَيْء أحب إِلَى اللَّه من الْحَمد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه يحيى بن معين في الثانى من حديثه (٣٠)، وأحمد ١/ ٤١٥ (٣٩٣٨)، والترمذي (٢٤٨٨)، وأبو يعلى (٥٠٥٣)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٦٧) و(١٤٥)، وابن حبان (٤٦٩) و(٤٧٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٣١ رقم ١٠٥٦٢)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٠٥). قال الترمذي والبغوي: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني: صحيح لغيره - \"المشكاة\" (٥٠٨٤)، \"الصحيحة\" (٩٣٨)، صحيح الترغيب (١٧٤٤) و(٢٦٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبى شيبة كما في اتحاف الخيرة (٥٢٦١/ ١) والمطالب (٢٨١٤/ ١)، وابن منيع كما في اتحاف الخيرة (٥٢٦١/ ٢) والمطالب (٢٨١٤/ ٢)، والحارث (٨٦٨)، وأبو يعلى (٤٢٥٦)، والخرائطي في المكارم (٦٨٦)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٤٣٩)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٢١١ رقم ٤٠٥٨) والكبرى (١٠/ ١٧٨ رقم ٢٠٢٧٠) والمدخل (٨١٩). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩ رواه أبو يعلى، ورجاله رجال =","vol":"11","page":73},{"text":"قوله: وعن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"التأني من اللَّه والعجلة من الشيطان\" الحديث، ليس معنى الحديث أن اللَّه يتأني والشيطان يعجل لكن المعنى: أن الأناة بإذن اللَّه تعالى وإرشاده وكأن العجلة من الشيطان أي بتسويله وترتيبه فحث النبي -ﷺ- على الأناة لأن السلامة معها ونهى عن العجلة لأن الذلة معها واللَّه أعلم، وفي حديث آخر: \"التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة\" التؤدة بضم التاء وفتح الهمزة التأني في الأمور.\nقوله -ﷺ-: \"وما أحد أكثر معاذير من اللَّه تعالى\" المعاذير جمع معذرة.\n\n٤٠٦٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- للأشج إِن فِيك لخصلتين يحبهما اللَّه وَرَسُوله الْحلم والأناة رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- للأشج: \"إن فيك لخصلتين يحبهما اللَّه ورسوله الحلم والأناة\" الحديث، تقدم الكلام على وفد عبد القيس، والوفد واحده وافد وجمع الوفد أوفاد ووفود والمراد منه الجماعة المختارة من القوم يتقدموهم في لقى العظماء والمصير إليهم [في المهمات] (^٢) وكان رئيس هذا الوفد أشج عبد القيس واسمه المنذر بن عائذ بالذال المعجمة العصري بفتح العين والصاد\n_________\n= الصحيح. وقال البوصيرى: هذا إسناد رجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٧٩٥) وصحيح الترغيب (١٥٧٢) و(٢٦٧٧).\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥ - ١٧).\n(^٢) المحكم ١٠/ ١٤٠، وشرح النووي (١/ ١٨١).","vol":"11","page":74},{"text":"المهملتين هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله ابن عبد البر والأكثرون أو الكثيرون وقال ابن الكلبي: اسمه المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر وإليه ينسب وقيل اسمه المنذر بن عامر وقيل المنذر بن عبيد وقيل اسمع عائذ بن المنذر وقيل ابن عوف (^١)، روى عنه: عبد اللَّه بن عباس وابن عمر وهو الذي قال له رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه ورسوله\" وكفى بذلك شرفا، والخصلة: الخلة.\nوسبب قول النبي -ﷺ- ذلك له ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي -ﷺ- وقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل إلى النبي -ﷺ- فقربه النبي -ﷺ- وأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبي -ﷺ- تبايعون على أنفسكم وقومكم فقال القوم: نعم، فذكر الحديث إلى أن قال: \"صدقت، إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه ورسوله\" فقال: أخلقين تخلقت بهما أم جبلني اللَّه عليهما، فقال: \"بل جبلك اللَّه عليهما\" فقال: الحمد للَّه الذي جبلني على خلقين يحبهما اللَّه ورسوله (^٢)، فدل على أن من الخلق ما هو كطبيعة وجبلة وما هو مكتسب وكان النبي -ﷺ- يقول في دعاء الاستفتاح: \"اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئ الأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت\" فذكر الكسب والقدر (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٨٩).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٣٠٠).","vol":"11","page":75},{"text":"قال الشيخ محي الدين النووي: ولا يخالف هذا ما جاء في مسند أبي يعلى أنه لما قال رسول اللَّه -ﷺ- \"إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه ورسوله\" قال: يا رسول اللَّه: كانا فيَّ أم حدثا، قال: \"بل قديم\" قلت: الحمد للَّه الذي جبلني على خلقين يحبهما اللَّه ورسوله (^١).\nوعبد القيس أبو قبيلة عظيمة من قبائل العرب معروفة والأشج سيدهم والأشج هم ثلاثة أشج عبد القيس وبكير بن الأشج وأبو سعيد الأشج واسمه عبد اللَّه بن سعيد الكندي (^٢)، أ. هـ قاله عياض فأشج عبد القيس صوابه هكذا على سبيل الإضافة.\nقوله: \"إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه ورسوله الحلم والأناة\" أي: وهو من شعار الصالحين أما الحلم فهو ترك الإعجال بالعقوبة وترك الطيش (^٣)، وذلك من شعار العقلاء ومن أسماء اللَّه تعالى الحليم وهو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد ولا يستفزه الغضب عليهم ولكنه جعل لكل شيء مقدارا فهو منتهي إليه (^٤).\nتنبيه: الحلم تأخير مكافأة من ظلمك هذا هو الأصل ويستعمل في العفو عن الذنب (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٨٩).\n(^٢) مطالع الأنوار (١/ ٣٨٢).\n(^٣) مجمل اللغة (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧).\n(^٤) النهاية (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤).\n(^٥) المفاتيح (٥/ ٢٤٤).","vol":"11","page":76},{"text":"وقال النووي في شرح مسلم: الحلم هو العقل (^١) ولهذا قال النبي -ﷺ-: \"الناس يرزقون في الجنة على قدر عقولهم لا على قدر أعمالهم، فمن كان أعقل كان أفضل\" (^٢) وقال علي -﵁-: لما أهبط آدم ﵇ من الجنة أتى جبريل ﵇ فقال: إني أمرت أن أخيرك في ثلاث فاختر واحدة ودع اثنتين، فقال آدم ﵇: وما الثلاث؟ قال: الحياء والدين والعقل، فقال آدم ﵇: فإني قد اخترت العقل، فقال جبريل ﵇ للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان ثم عرج جبريل وقال: شأنكم (^٣)، وقال معاوية بن قرة الصحابي -﵁-: إن القوم ليحجبون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون ويعطون يوم القيامة على قدر عقولهم (^٤)، وأنشد محمد بن علي البسامي:\nإن المكارم أبواب مصنفة ... فالعقل أولها والصمت ثانيها\nوالعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والصدق ساديها\nوالصبر تاسعها والشكر ثامنها ... والين تاسعها والرفق عاشرها (^٥)\nقاله صاحب تهذيب النفوس.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٨٩).\n(^٢) أخرجه بمعناه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٠٤٣) عن عائشة، ورواه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٢٢)، وقال: هذا حديث لا يصح، كما رواه في ذم الهوى (ص ١٤).\n(^٣) روضة العقلاء (ص ٢٠).\n(^٤) المصدر السابق ص ٢١.\n(^٥) المصدر السابق ص ٢٤.","vol":"11","page":77},{"text":"تنبيه: والاختلاف في حقيقة العقل وأقسامه كثير معروف لا حاجة هنا إلى الإطالة به، واختلف في محله فقال أصحابنا المتكلمون: هو في القلب، قال بعض العلماء: هو في الرأس واللَّه أعلم، وتقدم الكلام عليه في مواضع مبسوطا.\nوأما الأناة فهى على وزن القناة بفتح الهمزة وهي مقصورة وهي التأني والتثبت في الأمور وترك العجلة والتأني المكث والإبطاء قاله عياض (^١) والأناة ضد العجلة والأناة أيضًا التثبت في الأمور يعني الثبات في الطاعات (^٢).\nفائدة: وفد عبد القيس هؤلاء كانوا أربعة عشر راكبا الأشج العصري رئيسهم ومزيدة بن مالك المحاربي وعبيدة بن همام المحاربي وصحار بن العباس المري وعمرو بن مرحوم العصري والحارث بن شعيب العصري والحارث بن جندب من بني عايش ولم نعثر بعد التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء واللَّه أعلم (^٣) قاله في الديباجة.\n\n٤٠٦٤ - وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده -﵃- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِذا جمع اللَّه الْخَلَائق نَادَى مُنَاد أَيْن أهل الْفضل قَالَ فَيقوم نَاس وهم يسير فَيَنْطَلِقُونَ سرَاعًا إِلَى الْجنَّة فتتلقاهم الْمَلَائِكَة فَيَقُولُونَ إِنَّا نَرَاكُمْ سرَاعًا إِلَى الْجنَّة فَمن أَنْتُم فَيَقُولُونَ نَحن أهل الْفضل فَيَقُولُونَ وَمَا فَضلكُمْ\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٤٥).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٢٤٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١/ ١٨١).","vol":"11","page":78},{"text":"فَيَقُولُونَ كُنَّا إِذا ظلمنَا صَبرنَا وَإِذا أُسِيء إِلَيْنَا حلمنا فَيُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة فَنعم أجر العاملين رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^١).\nقوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -﵃-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا جمع اللَّه الخلائق نادى مناد: أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم ناس وهم يسير فينطلقون سراعا إلى الجنة\" سراعا أي مسرعين.\n\n٤٠٦٥ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن العَبْد ليدرك بالحلم دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم زَاد بعض الروَاة فِيهِ وَإنَّهُ ليكتب جبارا وَمَا يملك إِلَّا أهل بَيته رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في الحلم (٥٦) ومداراة الناس (١١)، وأبو يعلى كما في اتحاف الخيرة (٧٧٨٦) والمطالب (٤٥٨٨)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٤٢٢ رقم ٧٧٣١)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٤٠١). قال العراقي في تخريج الإحياء (١٠٧٥): أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال البيهقي في إسناد ضعيف. وقال البوصيري: رواه أبو يعلى الموصلي، وفي سنده العرزمي وهو ضعيف، واسمه محمد بن عبيد اللَّه. وقال ابن حجر: ضعيف. وقال الألباني في الضعيفة (٦٦٦٢) وضعيف الترغيب (١٦١٦): ضعيف جدا.\n(^٢) أخرجه أحمد بن منيع كما في اتحاف الخيرة (٥٢٠٧/ ١)، والمعافى بن عمران في الزهد (١٠٣)، والحارث كما في اتحاف الخيرة (٥٢٠٧/ ٢)، وابن أبى الدنيا في الحلم (٨)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣ رقم ٦٢٧٣)، وابن شاهين في الفضائل (٢٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٨٩). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن علي -﵁- إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عياش. وقال العراقي في تخريج الإحياء (١٠٧٣): أخرجه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف. قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الحميد بن عبيد اللَّه بن حمزة وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠٠٢) وضعيف الترغيب (١٦١٧).","vol":"11","page":79},{"text":"قوله: وروي عن علي بن أبي طالب -﵁- تقدمت ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"إن العبد ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم\" زاد في رواية \"وإنه ليكتب جبارا وما يملك إلا أهل بيته\" الجبار معناه [المتمرد العاتي].\nفائدة: فالحليم عظيم الشأن رفيع المكان محمود الأمر مرضى الفعل والعقل والحلم يشتمل على المعرفة والصبر والأناة والتثب والحلم أرفع من العقل لأن اللَّه تعالى تسمى به، قال أبو حاتم إن من نفاسة اسم الحلم وارتفاع قدره أن اللَّه تعالى تسمى به ثم لم يسم بالحلم في كتابه إلا إبراهيم خليله وإسحاق ذبيحه قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (^١) وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ (^٢) وكتب رجل إلى أخيه: الحلم لباس العلم فلا تعرين منه (^٣).\n\n٤٠٦٦ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول اللَّه -ﷺ- وَعَلِيهِ برد نجراني غليظ الْحَاشِيَة فأدركه أَعْرَابِي فَجَذَبَهُ بردائه جذبة شَدِيدَة فَنَظَرت إِلَى صفحة عنق رَسُول اللَّه -ﷺ- وَقد أثر بهَا حَاشِيَة الرِّدَاء من شدَّة جذبته ثمَّ قَالَ يَا مُحَمَّد مر لي من مَال اللَّه الَّذِي عنْدك فَالْتَفت إِلَيْهِ فَضَحِك ثمَّ أَمر لَهُ بعطاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٤).\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١٤.\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ١٠١.\n(^٣) روضة العقلاء (ص ٢٠٨ - ٢١٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣١٤٩) و(٥٨٠٩) و(٦٠٨٨)، ومسلم (١٢٨ - ١٠٥٧).","vol":"11","page":80},{"text":"قوله: كنت أمشي مع رسول اللَّه -ﷺ- وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، الحديث، أي من عمل نجران، ونجران بفتح النون وإسكان الجيم بلدة معروفة بين الحجاز والشام واليمن على سبع مراحل من مكة كانت منزلا للأنصار قاله ابن الأثير وغيره (^١).\nقوله: فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة فنظرت إلى صفحة عنق رسول اللَّه -ﷺ- وقد أثر بها حاشية الرداء من شدة جذبته\" الحديث، وفي رواية: \"فجاذبه حتى انشق البرد وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول اللَّه -ﷺ-\".\nقوله: \"فجاذبه\" هو بمعنى جبذه يقال جبذ وجذب لغتان مشهورتان (^٢).\nوقوله: \"حتى انشق البرد وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول اللَّه -ﷺ-\" قال القاضي: يحتمل أنه على ظاهره وأن الحاشية انقطعت وبقيت في العنق ويحتمل أن يكون معناه بقى أثرها لقوله -ﷺ- في الرواية الأخرى: \"أقرت به حاشية الرداء\" والأعرابي هو الذي يسكن البادية وتقدم الكلام عليه، والجذب والجبذ معناهما واحدها مقلوب جذبه وهما لغتان مشهورتان (^٣) كما تقدم.\nقوله: ثم قال يا محمد مر لي من مال اللَّه الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء\" الحديث، فانظر يا أخي ما قابل الإساءة بها وهو الإحسان\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ٢١)، والمجموع المغيث (٣/ ٢٦٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٤٧).\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٦١٨)، وشرح النووي (٧/ ١٤٧).","vol":"11","page":81},{"text":"قال النووي (^١): ففي هذا الحديث احتمال الجاهلين والإعراض عن ما قبلتهم ودفع السيئة بالحسنة وإعطاء من يتألف قلبه والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها لجهله وإباحة الضحك عن الأمور التي يتعجب منها في العادة وفيه كمال خلق رسول اللَّه -ﷺ- وحلمه وصفحه الجميل.\nوهذا الحديث يدل على ما وصف اللَّه تعالى به نبيه -ﷺ- من أنه على خلق عظيم وأنه رءوف رحيم فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابي لا يصبر عليه ولا يحلم عنه مع القدرة إلا مثله ثم ضحكه -ﷺ- عند هذه الجذبة الشديدة التي انشق البرد لها وتأثر عنقه الشريف بسببها حتى انقلب عن وجهته ورجع لحق الأعرابي دليل على أن الذي تم له من من مقام الصبر والحم ما تم لأحد وهذا نظير صبره وحلمه -ﷺ- يوم أحد حيث كسرت رباعيته وشج في وجهه وصرع عن جنبه وهو في مثل هذه الحال يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون -ﷺ- وشرف وكرم (^٢). أ. هـ.\n\n٤٠٦٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى رَسُول اللَّه -ﷺ- يَحْكِي نَبيا من الْأَنْبِيَاء ضربه قومه فأدموه وَهُوَ يمسح الدَّم عَن وَجهه وَيَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لقومي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁- تقدم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٤٧).\n(^٢) المفهم (٩/ ٦٨ - ٦٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٧٧) و(٦٩٢٩)، ومسلم (١٠٥ - ١٧٩٢).","vol":"11","page":82},{"text":"قوله: كأني أنظر إلى رسول اللَّه -ﷺ- يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه، الحديث، وفي رواية: \"وهو ينضح الدم عن جنبيه\" وفي البخاري عن ابن عباس قال: اشتد غضب اللَّه على من قتله النبي -ﷺ- في سبيل اللَّه واشتد غضب اللَّه على قوم أدموا وجه نبي اللَّه -ﷺ-، قال النووي (^١): في هذه الأحاديث وقوع الانتقام والابتلاء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لينالوا جزيل الأجر وليعرف أنه يطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون وحكاية النبي -ﷺ- هذا النبي -ﷺ- أنه ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه فيه بيان ما كان عليه الأنبياء من صلوات اللَّه وسلامه عليهم من الحلم والتصبر والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم لهم بالهداية والغفران وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين وقد جرى لنبينا -ﷺ- نحو هذا يوم أحد (^٢) فروي عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم كسرت رباعية رسول اللَّه -ﷺ- وشج فجعل يسيل الدم عن وجهه ويقول: \"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى اللَّه فأنزل اللَّه بـ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ \" (^٣) انفرد به ابن ماجه.\nقوله في الرواية التي في الصحيحين وهو ينضح الدم عن جبينه هو بكسر\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٤٨).\n(^٢) المصدر السابق (١٢/ ١٥٠).\n(^٣) سورة. . . .، الآية:","vol":"11","page":83},{"text":"الضاد أي يغسله ويزيله (^١).\nوقوله: \"اشتد غضب اللَّه على رجل يقتله رسول اللَّه -ﷺ- في سبيل اللَّه\" احترز بقوله \"في سبيل اللَّه\" عمن يقتله في حد أو قصاص لأن من يقتله في سبيل اللَّه كان قاصدا قتل النبي -ﷺ- (^٢).\n\n٤٠٦٨ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول وَجَبت محبَّة اللَّه على من أغضب فحلم رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَفِي سَنَده أَحْمد بن دَاوُد بن عبد الْغفار الْمصْرِيّ شيخ الْحَاكِم وَقد وَثَّقَهُ الْحَاكِم وَحده (^٣).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها. قوله -ﷺ-: \"وجبت محبة اللَّه على من أغضب فحلم\" تقدم الكلام على الحلم.\n\n٤٠٦٩ - وَتقدم حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أَلا أنبئكم بِمَا يشرف اللَّه بِهِ الْبُنيان وَيرْفَع بِهِ الدَّرَجَات قَالُوا نعم يَا رَسُول اللَّه قَالَ تحلم على من جهل عَلَيْك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك وَتُعْطِي من حَرمك وَتصل من قَطعك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ١٥٠).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أخرجه ابن عدى (٨/ ١١١ - ١١٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٠٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٦٩)، والخطيب في الجامع (٨٢٢)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١١٨٥). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٧٥٢) و(١٦١٨).\n(^٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (١٩٤٧)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٨٨ رقم ٢٥٧٩) والكبير (١/ ١٩٩ رقم ٥٣٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن موسى إلا أبو أمية، تفرد به حجاج، ولا يروى عن أبي بن كعب إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في =","vol":"11","page":84},{"text":"قوله في حديث عبادة بن الصامت: \"وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك\" وفي حديث آخر: \"وأحسن إلى من أساء إليك\" وفي الدعاء له وكذلك تنصح المسلم ولو أساء إليك بأن يتوصل إلى صلاحه وعوده إليك بالصلاح والمحبة لك وتدعو له وتسئل اللَّه المغفرة له كما حكى عن إبراهيم بن أدهم رحمة اللَّه عليه أنه كان في طريق فلقيه رجل جندي في الصحراء فقال له أين العمران فأشار إبراهيم إلى المغفرة فجعل الجندي يضربه حتى شج وجهه وظن أنه استهزأ به ثم مشى الجندي يطلب القرية فلقيه أناس من القرية فحكى لهم قصة إبراهيم وقوله وفعله به فقالوا له ضربت ولي اللَّه هذا إبراهيم بن أدهم فردوه إليه وسألوه أن يغفر له ما صنع في حقه فقال: إني سألت اللَّه لك الجنة حين ضربتني فإني ما رأيت أن يكون حظي الثواب إذا ضربتني وحظك العذاب على ما صنعت في حقي (^١)، أ. هـ، وقال الفضيل بن عياض ﵀: الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان، وسئل الجنيد عن الفتوة فقال: أن لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا (^٢).\n\n٤٠٧٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ لَيْسَ الشَّديد بالصرعة إِنَّمَا الشَّديد الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم\n_________\n= المجمع ٨/ ١٨٩: رواه البزار، وفيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب. وقال: رواه الطبراني، وفيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٤٦٥) و(١٤٩٨) و(١٦١٨).\n(^١) سراج الملوك (ص ١٤٧).\n(^٢) الرسالة (٢/ ٣٨٠ و٣٨١)، ومدارج السالكين (٢/ ٣٢٥).","vol":"11","page":85},{"text":"قَالَ الْحَافِظ وَسَيَأْتِي بَاب فِي الْغَضَب وَدفعه إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\" الصرعة بضم الصاد وفتح الراء هو الذي يصرع الناس كثيرا بقوته فنقله -ﷺ- إلى الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها فإنه إذا ملكها كان قد قهر أعدائه وسيأتي الكلام على ذلك في بابه مبسوطا قريبا إن شاء اللَّه تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (١٠٧ و١٠٨ - ٢٦٠٩).","vol":"11","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>[الترغيب في طلاقة الوجه وطيب الكلام وغير ذلك مما يذكر]</span>\n٤٠٧١ - عَن أبي ذَر -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لَا تحقرن من الْمَعْرُوف شَيْئا وَلَو أَن تلقى أَخَاك بِوَجْه طليق رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: عن أبي ذر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تحقرن من المعروف شيئا\" الحديث.\nوفى الحديث \"ولو أن تؤنس الوحشان\" (^٢)، الوحشان المغتم والوحشة ضد الأنس والوحشة الخلوة (^٣).\nففيه أنه لا يحقر شيء من المعروف بل يفعله وإن قل لدخوله في عموم [المعروف] وكذا إن دعي إلى شيء وإن قل حضره وشكر عليه وعظمه وفي حديث آخر: \"لا تحقرن من المعروف شيئا\" فينبغي للإنسان أن لا يستقل ما عنده فإنه وإن كان يسيرًا فإن اللَّه يجعله بالقصد الصالح كثيرا (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"ولو أن تلقى أخاك\" [أي: في الإسلام] \"بوجه طليق\" روى طليق بفتح الطاء وكسر اللام وبالياء الساكنة وروى طلق بفتح الطاء وإسكان اللام وكسرها ففيه ثلاثة أوجه يقال: طلق الرجل بالضم يطلق طلاقة فهو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٤ - ٢٦٢٦)، والترمذي (١٨٣٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٨٢ (١٥٩٥٥) والنسائي في الكبرى (٩٦١٤) عن أبى جرى الهجيمي وسيأتي قريبا. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٢٢) وصحيح الترغيب (٢٦٨٧).\n(^٣) النهاية (٥/ ١٦١).\n(^٤) مشارع الأشواق (ص ٢٨٤).","vol":"11","page":87},{"text":"طلق وطليق ومعناه سهل منبسط ففي هذا الحديث الحث على فعل المعروف وما تيسر منه وإن قل حتى طلاقة الوجه أي البشاشة عند اللقاء (^١).\n\n٤٠٧٢ - وَعَن الْحسن -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من الصَّدَقَة أَن تسلم على النَّاس وَأَنت طليق الْوَجْه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَهُوَ مُرْسل (^٢).\nقوله: وعن الحسن ﵀، يعني البصري تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت طليق الوجه\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: رواه ابن أبي الدنيا وهو مرسل، تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n٤٠٧٣ - وَعَن جَابر بن عبد اللَّه -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"كل مَعْرُوف صَدَقَة وَإِن من الْمَعْرُوف أَن تلقى أَخَاك بِوَجْه طلق وَأَن تفرغ من دلوك فِي إِنَاء أَخِيك\" رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وصدره فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث حُذَيْفَة وَجَابِر (^٣).\nقوله: وعن جابر بن عبد اللَّه -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طليق\" الحديث، أي:\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٧٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في اصطناع المعروف (٢٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٨٣).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٣٤٤ (١٤٧٠٩) و٣/ ٣٦٠ (١٤٨٧٧)، وعبد بن حميد (١٠٩٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٠٤)، والترمذي (١٩٧٠) عن جابر. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٨٤). وأخرج البخاري (٦٠٢١) صدره عن جابر. وأخرجه مسلم (٥٢ - ١٠٠٥)، وأبو داود (٤٩٤٧) عن حذيفة.","vol":"11","page":88},{"text":"منبسط الوجه متهلله (^١) ولا شيء أخف من ذلك كما قال ﵇: \"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعه منكم بسط الوجه وحسن الخلق\" (^٢) وفي الحديث \"أفل الإيمان أن تكلم أخاك وأنت طليق\" [أي مستبشر] منبسط الوجه (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك\" الحديث، الدلو بفتح الدال المهملة وسكون اللام واحد الدلاء التي يسقي بها يعني إذا استقيت الماء من بئر أخيك وجاء مسلم على رأس البئر فتعطيه ماءك لئلا يحتاج إلى تعب الاستقاء ثم استقيت مرة أخرى يكون لك هذا صدقة (^٤)، أ. هـ.\n\n٤٠٧٤ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- تبسمك فِي وَجه أَخِيك صَدَقَة وأمرك بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَدَقَة وإرشادك الرجل فِي أَرض الضلال لَك صَدَقَة وإماطتك الْأَذَى والشوك والعظم عَن الطَّرِيق لَك صَدَقَة وإفراغك من دلوك فِي دلو أَخِيك لَك صَدَقَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَزَاد وبصرك للرجل الرَّدِيء الْبَصَر لَك صَدَقَة (^٥).\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ٣٦٤)، وكشف المناهج (٢/ ١٣٦).\n(^٢) أخرجه البزار (٨٥٤٤) و(٩٣١٩) و(٩٦٥١)، والطبراني في المكارم (١٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٢٤). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، وتعقبه الذهبي فقال: عبد اللَّه واه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٦١).\n(^٣) المجموع المغيث (٢/ ٣٦٤)، والنهاية (٣/ ١٣٤).\n(^٤) المفاتيح (٢/ ٥٣٩).\n(^٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٩١)، والترمذي (١٩٥٦)، والبزار (٤٠٧٠)، وابن حبان (٥٢٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وأبو زميل اسمه سماك بن الوليد الحنفي. وحسنه الألباني في الصحيحة (٥٧٢) وصححه في صحيح الترغيب (٢٦٨٥).","vol":"11","page":89},{"text":"قوله: وعن أبي ذر -﵁- تقدم.\nقوله: \"تبسمك في وجه أخيك [لك] صدقة\" التبسم دون الضحك.\nقوله: \"وإرشادك الرجل في أرض الضلال\" التي لا علامة فيها للطريق.\nقوله: \"لك صدقة\" أي يكتب ذلك الفعل بثواب الصدقة.\nقوله -ﷺ-: \"وإماطتك [الحجر] [الأذى] والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة\" الحديث، الإماطة الإزالة ومعناه كل ما يؤذي الناس.\nقوله: وزاد ابن حبان \"وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة\" المراد بذلك الذي يبصر قليلا.\n\n٤٠٧٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن تبسمك فِي وَجه أَخِيك يكْتب لَك بِهِ صَدَقَة وإماطتك الْأَذَى عَن الطَّرِيق يكْتب لَك بِهِ صَدَقَة وَإِن أَمرك بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة وإرشادك الضال يكْتب لَك بهِ صَدَقَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة يحيى بن أبي عَطاء وَهُوَ مَجْهُول (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٠٩٦ و٦٠٩٧)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٨٣ رقم ٨٣٤٢). قال البزار: ولا نعلم روى هذين الحديثين، عن عكرمة إلا يحيى، ولا نعلم هذا الكلام يروى عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه ويحيى بن أبي عطاء لين الحديث، وإنما يكتب من حديثه ما يتفرد به ونبين العلة التي من أجله كتب. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة بن عمار، عن سالم إلا ابن أبي عطاء، تفرد به: بشر بن معاذ ورواه الناس: عن عكرمة بن عمار، عن مالك بن زيد، عن أبيه، عن أبي ذر. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٤: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن أبي عطاء، وهو مجهول. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٨٦).","vol":"11","page":90},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة\" الحديث، تقدم معناه. قوله: رواه الطبراني من رواية يحيى بن أبي عطاء [وهو مجهول].\n\n٤٠٧٦ - وَعَن أبي جري الهُجَيْمِي -﵁- قَالَ أتيت رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقلت يَا رَسُول اللَّه إِنَّا قوم من أهل الْبَادِيَة فَعلمنَا شَيْئا ينفعنا اللَّه بِهِ فَقَالَ لَا تحقرن من الْمَعْرُوف شَيْئا وَلَو أَن تفرغ من دلوك فِي إِنَاء المستسقي وَلَو أَن تكلم أَخَاك ووجهك إِلَيْهِ منبسط وَإِيَّاك وإسبال الْإِزَار فَإِنَّهُ من المخيلة وَلَا يُحِبهَا اللَّه وَإِن امْرُؤ شتمك بِمَا يعلم فِيك فَلَا تشتمه بِمَا تعلم فِيهِ فَإِن أجره لَك ووباله على من قَالَه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ مفرقا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٤٠٧٧ - وَفِي رِوَايَة للنسائي فَقَالَ لَا تحقرن من الْمَعْرُوف شَيْئا أَن تَأتيه وَلَو أَن تهب صلَة الْحَبل وَلَو أَن تفرغ من دلوك فِي إِنَاء المستسقي وَلَو أَن تلقى أَخَاك الْمُسلم ووجهك بسط إِلَيْهِ وَلَو أَن تونس الوحشان بنَفْسِك وَلَو أَن تهب الشسع (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٨٢)، وأبو داود (٤٠٨٤)، والترمذي مختصرا (٢٧٢٢)، والنسائي في الكبرى (٩٦١١) و(٩٦١٢) و(٩٦١٣) و(٩٦١٥) و(٩٦١٦)، وابن حبان (٥٢١) و(٥٢٢). قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٠٣)، وصحيح الترغيب (٢٦٨٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٨٢ (١٥٩٥٥)، والنسائي في الكبرى (٩٦١٤). قال النسائي أبو عبد الرحمن سهم بن المعتمر ليس بمعروف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٨٧) والصحيحة (٣٤٢٢).","vol":"11","page":91},{"text":"قوله: وعن أبي جري الهجيمي -﵁- أبو جُرَي بضم الجيم وفتح الراء المهملة قد اختلف في اسمه فقيل: جابر بن سليم وقيل: سليم بن جابر وقال البخاري: الصحيح جابر بن سليم [ورجحه] ابن عبد البر أيضًا وقال إنه الأكثر (^١) وليس له في الكتب الأربعة سوى ثلاثة أحاديث هذا أحدها وليس له في الصحيح شيء واللَّه أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي\" الحديث، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ولو أن تهب الشسع\" الحديث، الشسع: بشين معجمة مكسورة ثم سين مهملة ساكنة وهو أحد سيور النعل وهو الذي يدخل بين الاصبعين ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام والزمام هو السير الذي يعقد فيه الشسع وجمعه شسوع والشراك هو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها وكلاهما يختل المشى في النعل يفقده واللَّه أعلم ذكره العراقي في شرح الأحكام (^٢).\n\n٤٠٧٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ والكلمة الطّيبَة صَدَقَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدمت ترجمته.\n_________\n(^١) التاريخ الأوسط (١/ ١١٧)، والاستيعاب (١/ ٢٢٥ ترجمة ٣٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٦٢)، وطرح التثريب (٨/ ١٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٨٩١) و(٢٩٨٩)، ومسلم (٥٦ - ١٠٠٩).","vol":"11","page":92},{"text":"قوله: \"الكلمة الطيبة صدقة\" تقدم الكلام على هذا الحديث في الصدقة.\n\n٤٠٧٩ - وَعَن عدي بن حَاتِم -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَمن لم يجد فبكلمة طيبَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن عدي بن حاتم -﵁-، هو الطائي المشهور بالكرم تقدم الكلام عليه في الصدقة مبسوطًا.\nقوله -ﷺ-: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\" شق التمرة نصفها وتقدم الكلام على ذلك في الصدقة أيضًا مبسوطا.\n\n٤٠٨٠ - وَعَن الْمِقْدَام بن شُرَيْح عَن أَبِيه عَن جده -﵃- قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه حَدثنِي بِشَيْء يُوجب لي الْجنَّة قَالَ مُوجب الْجنَّة إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام وَحسن الْكَلَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا ثِقَات وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَالْحَاكِم إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا عَلَيْك بِحسن الْكَلَام وبذل الطَّعَام وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَلَا عِلّة لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رجل للنَّبِي -ﷺ- عَلمنِي عملا يدخلني الْجنَّة قَالَ أطْعم الطَّعَام وأفش السَّلَام وأطب الْكَلَام وصل بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدخل الْجنَّة بِسَلام (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤١٣) و(١٤١٧) و(٣٥٩٥) و(٦٠٢٣) و(٦٥٣٩) و(٦٥٤٠) و(٦٥٦٣) و(٧٥١٢)، ومسلم (٦٦ و٦٧ و٦٨ - ١٠١٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢١١ (٢٥٣٣٢) وعنه ابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٢٤٨٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٨١١) وخلق أفعال العباد (ص ٦٨)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٠١) ومداراة الناس (١٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨٠ رقم ٤٦٧ و٤٦٨ و٤٦٩ و٤٧٠) والمكارم (١٥٨)، وابن حبان (٤٩٠) =","vol":"11","page":93},{"text":"قوله: وعن المقدام بن شريح [المقدام بن شريح بن هاني بن يزيد الحارثي الكوفي، والد يزيد بن المقدام بن شريح وثقه أحمد وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، والده هو شريح بن هانئ بن يزيد ابن الحارث بن كعب وشريح هذا أدرك النبي -ﷺ- ولم يره، وكان من كبار أصحاب علي، وشهد الحكمين بدومة الجندل، وقيل: شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك بن دريد بن سفيان بن الضباب، واسمه سلمة بن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن كعب الحارثي، أدرك النبي -ﷺ- ودعا له، وبه كنى النبي -ﷺ- أباه: أبا شريح، ولأبيه صحبة، وفد على رسول اللَّه -ﷺ- وهو كناه أبا شريح، وإنما كانت كنيته أبا الحكم (^١)].\n\n٤٠٨١ - وَعَن عبد اللَّه بن عمرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن فِي الْجنَّة غرفَة يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا فَقَالَ أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ لمن هِيَ يَا رَسُول اللَّه قَالَ لمن أطاب الْكَلَام وَأطْعم الطَّعَام وَبَات قَائِما وَالنَّاس نيام\n_________\n= و(٥٠٤)، وأبو أحمد الحاكم (٥/ ١٤٨ - ١٤٩)، والحاكم (١/ ٢٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٩٣٩) وصحيح الترغيب (٢٦٩٠) والإرواء (٢٦١٥).\nوأما حديث أنس: أخرجه البزار (٦٩٩٦). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه، عن ثابت، عن أنس إلا حفص بن أسلم وقد حدث، عن ثابت بغير حديث. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٧: رواه البزار وفيه حفص بن أسلم، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٩١).\n(^١) الاستيعاب (٢/ ٧٠٢ ترجمة ١١٧٧ و٤/ ١٥٣٥ - ١٥٣٦ ترجمة ٢٦٧١)، وأسد الغابة (٢/ ترجمة ٢٤٢٨ و٥/ ترجمة ٥٣٤٠)، وتهذيب الكمال (٢٨/ ترجمة ٦١٦٣ و١٢/ ترجمة ٢٧٢٩ و٣٠/ ترجمة ٦٥٤٩).","vol":"11","page":94},{"text":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَتقدم جملَة من أَحَادِيث هَذَا النَّوْع فِي قيام اللَّيْل وإطعام الطَّعَام (^١).\nقوله: عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄-، تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٣ رقم ٦٦١٥)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٨٠ رقم ١٤٦٨٧) والمكارم (١٦٧)، والحاكم (١/ ٨٠ و١/ ٣٢١)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٥١) والشعب (٤/ ٤٦٨ رقم ٢٨٢٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٥٤: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن، واللفظ له، وفي رواية أحمد: فقال أبو موسى الأشعري\". وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦١٧) و(٩٤٦) و(٢٦٩٢) و(٣٧١٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"11","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>[الترغيب في إفشاء السلام وما جاء في فضله وترهيب المرء من حب القيام له]</span>\n٤٠٨٢ - عَن عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- أَن رجلا سَأَلَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أَي الْإِسْلَام خير قَالَ تطعم الطَّعَام وتقرأ السَّلَام على من عرفت وَمن لم تعرف رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).\nقوله: عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄-، تقدم.\nقوله: أي الإسلام خير؟ قال: \"تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" الحديث، وفي حديث آخر \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" وفي لفظ آخر: أي الإسلام أفضل؟ قال: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\" الحديث.\nقوله: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" معناه: من لم يؤذ مسلما بقول ولا فعل، وخص اليد بالذكر لأن معظم الأفعال بها، وقد جاء القرآن العزيز بإضافة الاكتساب والأفعال لها لأن معظم الأفعال بها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (^٢) فقوله \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" قالوا معناه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢) و(٢٨) و(٦٢٣٦)، ومسلم (٦٣ - ٣٩)، وأبو داود (٥١٩٤)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٣١ (٥٠٤٤)، وابن ماجه (٣٢٥٣).\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ٣٠.","vol":"11","page":96},{"text":"المسلم الكامل وليس المراد نفي أصل الإسلام عن من لم يكن بهذه الصفة بل هذا كما يقال العلم ما نفع أو العالم زيد أي الكامل أو المحبوب وكما يقال الناس العرب والمال الإبل فكله على التفضيل لا للحصر ويدل على ما ذكرناه من معنى الحديث قوله أي المسلمين خير قال من سلم المسلمون من لسانه ويده ثم إن كمال الإسلام والمسلم متعلق بخصال أخر كثيرة وإنما خص ما ذكر لما ذكرناه من الحاجة الخاصة وقال أيضًا: قال العلماء ﵏ قوله أي الإسلام خير معناه أي خصاله وأموره وأحواله قالوا وإنما وقع اختلاف الجواب في خير المسلمين لاختلاف حال السائل والحاضرين فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهم لما حصل من إهمالهما والتساهل في أمورهما ونحو ذلك وفي الموضع الآخر إلى الكف عن إيذاء المسلمين فلا تعارض بين هذه الأحاديث لأنه -ﷺ- أجاب كل واحد بما هو الأصلح له قوله: \"الإسلام\" وعن بعض السلف قال: الإسلام الإقرار بالعبودية والانقياد للقرآن والتسليم للسنة والتذلل للطاعة فقوله أي الإسلام خير قال النووي (^١): قال العلماء ﵃ معناه أي خصاله وأموره وأحواله فحذف المضاف وهو كثير واسع حتى حذف مكررا نحو قوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (^٢) أي: من تراب حافر فرس الرسول.\nقوله: \"تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" الحديث\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٠).\n(^٢) سورة طه، الآية: ٩٧.","vol":"11","page":97},{"text":"وتقرأ السلام بفتح أوله أي تسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه أي لا يخص به أحدا كما يفعل بعض الناس تكبرًا أو تهاونًا ولا يكون مصانعةً ولا ملقًا بل مراعاةً لأخوة الإسلام وتعظيمًا لشعار الشريعة وإذا كان خالصًا للَّه تعالى لا يختص بأحد دون أحد، ولا ينبغي أن تكون المعاداة وغيرها مانعة من السلام، أ. هـ قاله الكرماني في شرحه (^١) ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداء على كافر وفي هذا الحديث حمل من العلم ففيه الحث على إطعام الطعام والجود والاعتناء بنفع المسلمين والكف عما يؤذيهم بقول أو فعل بمباشرة أو تسبب والامساك عن احتقارهم وفيه الحث على تآلف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك، قال القاضي عياض: والألفة احدى فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام، قال: وفي بذل السلام لمن عرفت ومن لم تعوف إخلاص العمل فيه للَّه تعالى لا مصانعة ولا ملقى وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة زادها اللَّه شرفا واللَّه أعلم (^٢).\n\n٤٠٨٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"لَا تدخلون الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا أَلا أدلكم على شَيْء إِذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السَّلَام بَيْنكُم رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١/ ٩٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٠ - ١١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٣ - ٥٤)، وأبو داود (٥١٩٣)، والترمذي (٢٦٨٨)، وابن ماجه (٦٨) و(٣٦٩٢).","vol":"11","page":98},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا\" الحديث كذا في جميع الأصول والروايات \"ولا تؤمنوا\" بحذف النون في آخره وهي لغة معروفة صحيحة ومعنى الحديث: لا يكمل إيمانكم ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب.\nوقوله: \"لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا\" فهو على ظاهره وإطلاقه فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا وإن لم يكن كامل الإيمان فهذا هو الظاهر من الحديث، وقال [الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: معنى الحديث لا يكمل إيمانكم إلا بالتحاب ولا تدخلوا الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك قال النووي (^١): وهذا الذي قاله محتمل واللَّه أعلم، وقال القرطبي (^٢): الإيمان الأول من قوله \"لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا\": هو: التصديق الشرعي المذكور في حديث جبريل -ﷺ-، والإيمان المذكور ثانيا هو: الإيمان العملي المذكور في قوله -ﷺ-: الإيمان بضع وسبعون بابا، ولو كان الثاني هو الأولى، للزم منه ألا يدخل الجنة من أبغض أحدا من المؤمنين، وذلك باطل قطعا؛ فتعين التأويل الذي ذكرناه قاله في الديباجة.\nقوله: \"أفشوا السلام بينكم\" هو بقطع الهمزة المفتوحة وهو إظهاره وإشاعته وإبرازه على المعروف وغير المعروف لأن السلام هو الجالب\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٣٦).\n(^٢) المفهم (٢/ ٨).","vol":"11","page":99},{"text":"للمحبة الدينية والألفة الشرعية (^١) وفيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف كما تقدم في الحديث الآخر والسلام أول أسباب التألف ومفتاح استجلاب المودة وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين واللَّه أعلم وقد ذكر البخاري ﵀ في صحيحه عن عمار بن ياسر -﵁- أنه قال ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الاقتار والاقتار الافتقار يقال أقتر الرجل أي افتقر قال أبو الزناد جمع عمار في هذه الألفاظ الخير كله لأنك إذا أنصفت من نفسك فقد بلغت الغاية بينك وبين خالقك وبينك وبين الناس ولم تضيع شيئًا مما للَّه وللناس عليك وأما بذل السلام للعالم فهو لقوله: -ﷺ- (وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) وهذا حض على مكارم الأخلاق واستئلاف النفوس وأما (الإنفاق من الإقتار) فهو الغاية في الكرم وقد مدح اللَّه من هذه صفته بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٢) وهذا عام في نفقة الرجل على عياله وأضيافه وكل نفقة في طاعة اللَّه تعالى وفيه أن نفقة المعسر على عياله أعظم أجرًا من نفقة الموسر وأقول هذه الكلمات جامعة لخصال الإيمان كلها لأنها إما مالية أو بدنية والإنفاق إشارة\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٨ - ٩).\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٩.","vol":"11","page":100},{"text":"إلى المالية المتضمنة للوثوق باللَّه تعالى والزهادة في الدنيا. والبدنية أما مع اللَّه تعالى أي التعظيم لأمر اللَّه وهو الانصاف أو مع الناس أي الشفقة على خلق اللَّه تعالى وهو بذل السلام (^١) وفي هذه الأحاديث جمل من العلم ففيها الحث على إطعام الطعام والجود والاعتناء بنفع المسلمين والكف عما يؤذيهم بقول أو فعل مباشرة أو سبب والإمساك عن احتقارهم وفيها الحث على] تآلف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك، قال القاضي عياض: والألفة احدى فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام، قال: وفي بذل السلام لمن عرفت ومن لم تعرف إخلاص العمل فيه للَّه تعالى لا مصانعة ولا ملقى وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة زادها اللَّه شرفا واللَّه أعلم (^٢).\nوفيها لطيفة أخرى وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والتشاجر وفساد ذات البين التي هي الحالقة أي المهلكة المستأصلة كما تحلق الموسى أصول الشعر (^٣)، أ. هـ.\n\n٤٠٨٤ - وَعَن ابْن الزبير -﵄- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْبغضَاء والحسد والبغضاء هِيَ الحالقة لَيْسَ حالقة الشّعْر وَلَكِن حالقة الدّين وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تدخلون الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١/ ١٣٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٠ - ١١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٣٦).","vol":"11","page":101},{"text":"أَلا أنبئكم بِمَا يثبت لكم ذَلِك أفشوا السَّلَام بَيْنكُم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^١).\nقوله: وعن ابن الزبير -﵄-، ابن الزبير اسمه [عبد اللَّه بن الزبير بن العوام أبو بكر، ويقال: أبو خُبيب، بضم الخاء المعجمة، ويقال: أبو بكير القريشى الأسدي المكي المدني الصحابي ابن الصحابي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵄، وأبوه الزبير أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وحوارى النبي -ﷺ-، وأمه بنت أبي بكر، وجدته لأبيه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه -ﷺ- ورضى عنها، أسلمت وهاجرت كما ذكرناه في ترجمة ابنها الزبير، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وخالته عائشة أم المؤمنين، وهو أول مولود ولد للمهاجرين إلى المدينة بعد الهجرة، وفرح المسلمون بولادته فرحا شديدا؛ لأن اليهود كانوا يقولون: قد سحرناهم فلا يولد لهم، فأكذبهم اللَّه تعالى فحنكه رسول اللَّه -ﷺ- بتمرة لاكها، فكان ريق رسول اللَّه -ﷺ- أول شيء نزل في جوفه، وسماه عبد اللَّه، وكناه أبا بكر بكنية جده أبي بكر الصديق، ﵁، وسماه باسمه، قاله ابن عبد البر. وولد\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ١٦٤ (١٤١٢) و١/ ١٦٧ (١٤٣٠) و(١٤٣١) و(١٤٣٢)، والبزار (٢٢٣٢)، وأبو يعلى (٦٦٩)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٦٥ و٦٦)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٣٩٣ رقم ٢١٠٦٥ و٢١٠٦٦)، والضياء في المختارة ٣/ ٨١ - ٨٢ (٨٨٩ و٨٩٠). قال البزار: وهذا الحديث خالف موسى بن خلف في إسناده هشام صاحب الدستوائي. فرواه هشام، عن يحيى، عن يعيش بن الوليد، عن مولى الزبير، عن الزبير، وقال موسى: عن يحيى، عن يعيش مولى ابن الزبير، عن ابن الزبير، وهشام أحفظ. قال الضياء: إسناده منقطع. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٠: رواه البزار وإسناده جيد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٩٥).","vol":"11","page":102},{"text":"بعد عشرين شهرا من الهجرة، وقيل: في السنة الأولى، وكان صواما، قواما، طويل الصلاة، وصولا للرحم، عظيم الشجاعة ولما مات يزيد بن معاوية منتصف شهر ربيع الأول سنة أربع وستين بويع لعبد اللَّه ابن الزبير بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان، وجدد عمارة الكعبة، وبقى في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بن يوسف بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين، وحج الحجاج بالناس ولم يزل يحاصره إلى أن قتله يوم الثلاثاء سابع عشر في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، هكذا نقله ابن سعد عن أهل العلم، ونقله غيره، وقيل: بل قتل في نصف جمادى الآخرة. وحكى البخاري عن حمزة أنه قتل سنة ثنتين وسبعين، والمشهور الأول، وكان أطلس لا لحية له، روى له عن رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثة وثلاثون حديثا، اتفقا على ستة، وانفرد مسلم بحديثين، روى عنه أخوه عروة، وابن أبي مليكة، وعباس بن سهل، وثابت البناني، وعطاء، وعبيدة السلماني، وخلائق آخرون (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"دب إليكم داء الأمم قبلكم البغضاء والحسد والبغضاء هي الحالقة\" الحديث، الحالقة الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما تستأصل الموسى الشعر وقيل هي قطيعة الرحم والتظالم قاله في النهاية (^٢) وقال في النهاية أيضًا: فنقل الداء من الأجسام إلى\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ ترجمة ٢٩٧).\n(^٢) النهاية (١/ ٤٢٨).","vol":"11","page":103},{"text":"المعاني ومن أمر الدنيا إلى أمر الآخرة وقال: وليست بدواء وإن كان فيها دواء من بعض الأمراض على التغليب والمبالغة في الذم، وهذا كما نقل الرقوب والمفلس والصرعة وغيرها لضرب من التمثيل والتخييل (^١)، أ. هـ وكل هذا إنما هو في معنى ضرب المثل وإن لم يكن داء في البدن ولا سقما في الجسم (^٢).\nقوله في آخر الحديث: \"أفشوا السلام بينكم\" الحديث، وأما إفشاء السلام فهو إشاعته وإكثاره وأن يبذله لكل مسلم كما قال -ﷺ- في الحديث الآخر: \"وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" وتقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\nتنبيه: وأما رد السلام فهو فرض بالإجماع فإن كان السلام على واحد كان الرد فرض عين عليه وإن كان على جماعة كان فرض كفاية في حقهم إذا رده أحدهم سقط الحرج عن الباقين واللَّه أعلم (^٣).\n\n٤٠٨٥ - وَرُوِيَ عَن شيبَة الحَجبي عَن عَمه -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- ثَلَاث يصفين لَك ود أَخِيك تسلم عَلَيْهِ إِذا لَقيته وَتوسع لَهُ فِي الْمجْلس وَتَدْعُوهُ بِأحب أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٤).\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٥٢)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٦ رقم ٣٤٩٦) و(٨/ ١٩٢ رقم ٨٣٦٩)، وابن جميع الصيداوي في معجم شيوخه (ص ٢٤٦ - ٢٤٧)، =","vol":"11","page":104},{"text":"قوله: وعن شيبة الحجبي عن عمه -﵁-[هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة عبد اللَّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة، له صحبة وهو ابن عم شيبة بن عثمان الحجبي، وأمه سلافة الصغرى بنت سعد بن الشهيد الأنصارية. ويقال: أرنب بنت مزينة، أسلم في الهدنة، وهاجر مع خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ثم سكن مكة إلى أن مات بها، وقيل: إنه قتل بأجنادين من أرض الشام روى عنه: ابن عمه شيبة بن عثمان الحجبي، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وعروة بن الزبير (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"ثلاث يصفين لك ود أخيك\" الحديث، أي: ثلاث خصال تسلم\n_________\n= والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٢٩)، وتمام في الفوائد (٣٧٤ و٣٧٥)، والبيهقي في الآداب (١٩١) والشعب (١١/ ١٩٦ رقم ٨٣٩٧). قال أبو حاتم في العلل (٢٢٧٩): هذا حديث منكر، وموسى ضعيف الحديث. وقال الدارقطني في العلل (١١٩٤): يرويه حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير عنه (أي عن أبي شيبة)، ورواه موسى بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، فقال: عن شيبة الحجبي، عن عمه، قاله أبو المطرف بن أبي الوزير، عن موسى بن عبد الملك فإن كان حفظه فقد وصل إسناده وأغرب به، واللَّه أعلم. وقال في أطراف الغرائب والأفراد (٤/ ٣٥٤): تفرد به موسى بن عبد الملك بن عمير عن أبيه عن شيبة. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه موسى بن عبد الملك بن عمير ضعفه أبو حاتم.\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٨٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن عبد الملك بن عمير وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٣٤٤٢) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٦١٩).\n(^١) تهذيب الكمال (١٩/ الترجمة ٣٨٢٦).","vol":"11","page":105},{"text":"عليه إذا لقيته وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه وتقدم الكلام على السلام وسيأتي الكلام على [أدب] المجالس وتقدم الكلام على أحب الأسماء.\n\n٤٠٨٦ - وَعَن الْبَراء -﵁- عَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ أفشوا السَّلَام تسلموا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: وعن البراء -﵁- هو ابن عازب تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أفشوا السلام تسلموا\" يريد تسلموا من العداوة كما قال ﵇: \"تحية لملتنا وأمان لذمتنا\" أ. هـ.\n\n٤٠٨٧ - وَعَن أبي يُوسُف عبد اللَّه بن سَلام -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول يَا أَيهَا النَّاس أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٦ (١٨٥٣٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٨٧) و(٩٧٩) و(١٢٦٦)، وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (١٨٦)، وأبو يعلى في المسند (١٦٨٧) والمعجم (٢٩٩)، وابن حبان (٤٩١). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٩: رواه أحمد وأبو يعلى وقال: قال أبو معاوية: الأشرة يعني: كثرة الغيث، ورجاله ثقات. قال الألباني: حسن - \"الصحيحة\" (١٤٩٣)، \"الإرواء\" (٧٧٧) وصحيح الترغيب (٢٦٩٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٤٥١ (٢٣٧٨٤)، والدارمي (١٥٠١) و(٢٦٧٤)، وابن ماجه (١٣٣٤) و(٣٢٥١)، والترمذي (٢٦٥٣)، والحاكم (٣/ ١٣). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٦٩) وصحيح الترغيب (٦١٦) و(٩٤٩) و(٢٦٩٧).","vol":"11","page":106},{"text":"٤٠٨٨ - وَعَن عبد اللَّه بن عَمْرو -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- اعبدوا الرَّحْمَن وأفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام تدْخلُوا الْجنان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ الْحَافِظ وَتقدم غير مَا حَدِيث من هَذَا النَّوْع فِي إطْعَام الطَّعَام وَغَيره (^١).\n\n٤٠٨٩ - وَعَن أبي شُرَيْح -﵁- أَنه قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَخْبرنِي بِشَيْء يُوجب لي الْجنَّة قَالَ طيب الْكَلَام وبذل السَّلَام وإطعام الطَّعَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^٢).\n\n٤٠٩٠ - وَتقدم فِي رِوَايَة جَيِّدَة للطبراني قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه دلَّنِي على عمل يدخلني الْجنَّة قَالَ إِن من مُوجبَات الْمَغْفِرَة بذل السَّلَام وَحسن الْكَلَام (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٥٨٧) و(٦٨٤٨)، وعبد بن حميد (٣٥٥)، والدارمي (٢١٢٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٨١)، والترمذي (١٨٥٥)، وابن ماجه (٣٦٩٤)، والبزار (٢٤٠٢)، وابن حبان (٤٨٩) و(٥٠٧)، والحاكم ٣/ ١٣ و٤/ ١٥٩ - ١٦٠. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (٥٧١)، \"الإرواء\" (٣/ ٢٣٩)، صحيح الترغيب (٩٤٥) و(٢٦٩٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨٠ رقم ٤٦٧ و٤٦٨ و٤٧٠) والمكارم (١٥٨)، وابن حبان (٤٩٠) و(٥٠٤)، وأبو أحمد الحاكم (٥/ ١٤٨ - ١٤٩)، والحاكم (١/ ٢٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٩٣٩) وصحيح الترغيب (٢٦٩٠) والإرواء (٢٦١٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨٠ رقم ٤٦٩ و٤٧٠) والمكارم (١٥٨)، وأبو أحمد الحاكم (٥/ ١٤٨ - ١٤٩)، والحاكم (١/ ٢٣). وصححه الألباني في الصحيحة (١٩٣٩) وصحيح الترغيب (٢٦٩٠) والإرواء (٢٦١٥).","vol":"11","page":107},{"text":"قوله: وعن أبي يوسف عبد اللَّه بن سلام -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام\" الحديث، تقدم وكذلك حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الذي بعده وكذلك حديث أبي شريح بعده.\n\n٤٠٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس رد السَّلَام وعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَإجَابَة الدعْوَة وتشميت الْعَاطِس رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَلمُسلم حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل وَمَا هن يَا رَسُول اللَّه قَالَ إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ وَإِذا دعَاك فأجبه وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ وَإِذا عطس فَحَمدَ اللَّه فشمته وَإِذا مرض فعده وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِ هَذَا (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"حق المسلم على المسلم خمس\" أي: خمس خصال، والمراد من الحق فرض كفاية، وفي رواية لمسلم: \"ست: رد السلام وعيادة المريض\" وعد منها \"وإذا استنصحك فانصح له\" معناه طلب منك النصيحة فعليك أن تنصحه ولا تداهنه ولا تغشه ولا تمسك عن بيان النصيحة، أ. هـ، وأما نصيحة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٤ و٥ - ٢١٦٢)، وأبو داود (٥٠٣٠)، والترمذي (٢٧٣٧)، وابن ماجه (١٤٣٥)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٨٦ (١٩٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح ومحمد بن موسى المخزومي المديني ثقة روى عنه عبد العزيز بن محمد، وابن أبي فديك. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٣٢) وصحيح الترغيب (٢٧٠٠).","vol":"11","page":108},{"text":"العامة فإرشادهم لمصالحهم في أخراهم ودنياهم وكف الأذى عنهم وتعليم ما جهلوا وإعانتهم على البر والتقوى وستر عوارتهم والشفقة عليهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير (^١)، أ. هـ.\nقوله: \"وتشميت العاطس\" قال في شرح السنة (^٢): يريد أنه من فروض الكفايات وما قاله ليس بمذهب الشافعي بل مذهب مالك وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن تشميت العاطس سنة وأدب لقوله -ﷺ-: \"حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام\" وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه، وقوله -ﷺ- في رواية مسلم: \"وإذا عطس فحمد اللَّه تعالى فشمته\" الحديث، عطس بفتح الطاء يعطس بضم الطاء وكسرها، واختلف العلماء في كيفية حمد العاطس والرد عليه، فقيل: يقول الحمد للَّه وقيل يقول: الحمد للَّه رب العالمين، وقيل: يقول الحمد للَّه رب العالمين على كل حال، وقال بعض العلماء: فلو قال: الحمد للَّه رب العالمين كان أحسن ولو قال الحمد للَّه رب العالمين على كل حال كان أفضل، وقيل: هو مخير بين هذا كله، قال النووي: وهذا هو الصحيح (^٣).\nفرع: فإذا قال العاطس لفظا آخر غير الحمد للَّه لم يستحق التشميت لحديث ورد في ذلك واللَّه أعلم (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٣٩).\n(^٢) شرح السنة (١٢/ ٣٠٧).\n(^٣) كشف المناهج (٤/ ١٩٣).\n(^٤) المجموع شرح المهذب (٤/ ٦٢٩ - ٦٣٠).","vol":"11","page":109},{"text":"قوله: في رواية مسلم \"فحمد اللَّه\" فيه دليل على أنه إنما يستحق العاطس التشميت إذا رفع صوته بالتحميد حتى يسمع من عنده، وفي الحديث بيان أن العاطس إذا لم يحمد اللَّه لا يستحق التشميت، وأما لفظ التشميت فيتحسب لكل من سمعه أن يقول له يرحمك اللَّه والحديث الوارد يشهد له، وقيل: يقول الحمد يرحمكم اللَّه وقيل يقول: يرحمنا وإياكم وتقدم الكلام في كيفية الحمد.\nبقي الكلام في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول يهيدكم اللَّه ويصلح بالكم، وقيل: يقول يغفر اللَّه لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يتخير بين هذين وكل هذا سنة ليس فيه شيء بواجب قال أصحابنا: والتشميت وهو قوله يرحمك اللَّه سنة على الكفاية لو قاله بعض الحاضرين أجزأ عنهم ولكن الأفضل أن يقول كل واحد منهم لظاهر قوله -ﷺ- في الحديث الصحيح كان حقا على كل مسلم أن يقول له يرحمك اللَّه وهذا الذي ذكرناه من استحباب التشميت هو مذهبنا، واختلف أصحاب مالك في وجوبه فقال القاضي عبد الوهاب: هو سنة ويجزئ تشميت واحد من الجماعة كمذهبنا، قال ابن مزين: يلزم كل واحد منهم واختاره ابن العربي المالكي (^١).\nفائدة: وقد اختلف العلماء فيمن تكرر عطاسه فقال بعضهم: يقال له في الثانيه إنه مزكوم، قيل: يقال له في الثالثة وقيل في الرابعة قال والأصح أنه يقال له في الثالثة لما روى أنه -ﷺ- قال في الثالثة أنه مزكوم وإنما قال له -ﷺ- إنه\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٤٤٢ - ٤٤٣).","vol":"11","page":110},{"text":"مزكوم إشارة إلى أنه ليس ممن يشمت بعد هذا لأن الذي به زكام ومرض لاحقه العطاس، قال النووي: يستحب أن يدعى له بغير دعاء العطاس المشروع بل دعاء المسلم بالمسلم العافية والسلامة ونحو ذلك ولا يكون من باب التشميت واللَّه أعلم (^١).\nفرع: التشميت يقال بالسين المهملة والمعجمة لغتان مشهورتان، قال الأزهري: قال الليث: التشميت ذكر اللَّه تعالى على كل شيء ومنه قولك للعاطس: يرحمك اللَّه، وقال ثعلب: يقال سمت العاطس وسمته إذا دعوت له بالهدى وقصد السمت المستقيم والسمت الهيئة الحسن والمعنى جعلك اللَّه عتلى سمت حسن لأن هيئته تنزعج للعاطس وبالشين المعجمة من السوامت وهي القوائم كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة اللَّه، قال: والأصل فيه السين المهملة فقلبت شينا معجمة وقال صاحب المحكم: تسميت العاطس معناه: هداك اللَّه إلى السمت، قال وذلك لما في العطاس من النزعاج والقلق، قال أبو عبيد وغيره: الشين المعجمة أعلى اللغتين، قال ابن الأنباري: يقال منه شمته وسمت عليه إذا دعوت له بخير وكل داع بالخير فهو مشمت ومسمت (^٢).\nفائدة: ذكر في نوادر الأصول أن العطاس تنفس الروح وسطوعه إلى الملكوت حنينا إلى قرب اللَّه تعالى لأنه من عنده جاء فإذا عطس المؤمن\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٤٤٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣١ - ٣٢) وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٥٤).","vol":"11","page":111},{"text":"فإنما ذلك وقت ذكر اللَّه تعالى لعبده وتقوية الروح بما وقع فيه من الضيق، فإذا خلص إلى الروح [ازدهر و] تاق إلى موطنه فتلك الضجة منه فالمؤمن إذا رأى عظيم صنع اللَّه تعالى في جسمه فحمده على صنعه وكرامته إياه بالروح فالمبادر بالحمد أفهمهم لذلك (^١)، أ. هـ.\nفرع: روينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: \"إن اللَّه تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد اللَّه تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك اللَّه، وأنا التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان\" قلت: قال العلماء: معناه أن العطاس سببه محمود وهو لخفة الجسم التي تكون لقلة الاختلاط وتخفيف الغذاء وهو أمر مندوب إليه لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة والتثاؤب بضد ذلك واللَّه أعلم (^٢).\nفرع: إذا عطس في صلاته يستحب أن يقول الحمد للَّه ويسمع نفسه هذا مذهبنا ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال أحدها هذا واختاره ابن العربي، الثاني: يحمد في نفسه، والثالث قاله سحنون: لا يحمد جهرا ولا في نفسه (^٣).\nفرع آخر: السنة إذا جاءه العطاس أن يضع يده أو ثوبه أو نحو ذلك على فمه وأن يخفض صوته لحديث ورد في ذلك، وهو قوله -ﷺ-: \"إن اللَّه ﷿ يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس\" رواه ابن السني عن عبد اللَّه بن\n_________\n(^١) نوادر الأصول (٣/ ٢٧٠ - ٢٧٢).\n(^٢) الأذكار (ص ٤٤٠ - ٤٤١).\n(^٣) الأذكار (ص ٤٤٤).","vol":"11","page":112},{"text":"الزبير (^١) [وسيأتي الكلام على عيادة المريض واتباع الجنائز، وتقدم الكلام على إجابة الدعوة في كتاب [النكاح].\n\n٤٠٩٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أفشوا السَّلَام كي تعلوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: وعن الأغر أغر مزينة -﵁- ومزينة اسم قبيلة.\nقوله: كان رسول اللَّه -ﷺ- أمر لي بجريب من تمر عند رجل من الأنصار فمطلني به، الحديث، الجريب مكيال معروف، والمطل والمماطلة التسويف من وقت إلى وقت.\nقوله: فقال اغد يا أبا بكر فخذ له تمره، الحديث، الغدو الرواح، وأبو بكر هو أبو بكر الصديق واسمه عبد اللَّه بن أبي قحافة وأبو قحافة اسمه عثمان أسلم -﵁-.\nقوله: كنا إذا طلع الرجل من [بعيد] بادرناه بالسلام، معنى المبادرة المسابقة وسيأتي الكلام على [رد] السلام.\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٤٤٤). والحديث أخرجه ابن السنى (٢٦٨)، وأخرجه أبو داود (٥٠٢٩)، والترمذي (٢٧٤٥)، والحاكم (٤/ ٢٩٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(^٢) لم أعثر عليه.\nوقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٣٠): رواه الطبراني وإسناده حسن.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٠١).","vol":"11","page":113},{"text":"٤٠٩٣ - وَعَن الْأَغَر أغر مزينة -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أَمر لي بجريب من تمر عِنْد رجل من الْأَنْصَار فمطلني بِهِ فكلمت فِيهِ رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقَالَ اغْدُ يَا أَبَا بكر فَخذ لَهُ تمره فوعدني أَبُو بكر الْمَسْجِد إِذا صلينَا الصُّبْح فَوَجَدته حَيْثُ وَعَدَني فَانْطَلَقْنَا فَكلما رأى أَبَا بكر رجل من بعيد سلم عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو بكر -﵁- أما ترى مَا يُصِيب الْقَوْم عَلَيْك من الْفضل لَا يسبقك إِلَى السَّلَام أحد فَكُنَّا إِذا طلع الرجل من بعيد بادرناه بِالسَّلَامِ قبل أَن يسلم علينا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَأحد إسنادي الْكَبِير رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).\nقوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن أولى الناس باللَّه من بدأهم بالسلام\" الحديث، الابتداء بالسلام أفضل لقوله -ﷺ- في الحديث الصحيح: \"وخيرهما الذي يبدأ بالسلام\" فينبغي لكل من المتلاقين أن يحرص على أن يبتدئ بالسلام.\nواعلم أن ابتداء السلام سنة مستحبة ليس بواجب وهو سنة على الكفاية هذا هو المشهور وهذه السنة أفضل من الرد الواجب كما في إبراء الدين فإنه ليس بواجب وهو أفضل من الصبر على المعسر مع وجوبه ولولا الحديث في أفضلية ابتداء السلام لما خالف القاعدة قاله في شرح الإلمام (^٢) فإن كان\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٦٨ رقم ٧٤٦٨)، والكبير (١/ ٢٠٠ رقم ٨٧٩ و٨٨٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا محمد بن إسحاق، تفرد به: سلمة بن الفضل. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٣: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الكبير رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٠٢).\n(^٢) شرح الإلمام (٢/ ٦١) و(٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).","vol":"11","page":114},{"text":"المسلم جماعة كفى عنهم تسليم واحد منهم ولو سلموا كلهم كان أفضل، وأما رد السلام فإن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة كان رد السلام فرض كفاية عليهم فإن رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين وإن تركوه كلهم أصموا كلهم وإن ردوا كلهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة كذا قاله أصحابنا وهو ظاهر حسن، واتفق أصحابنا على أنه لو رد غيرهم لم يسقط عنهم الرد بل يجب عليهم أن يردوا فإن اقتصروا على رد ذلك الأجنبي أثموا واللَّه أعلم قاله النووي (^١).\n\n٤٠٩٤ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن أولى النَّاس بِاللَّه من بدأهم بِالسَّلَامِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَلَفظه قيل يَا رَسُول اللَّه الرّجلَانِ يَلْتَقِيَانِ أَيهمَا يبْدَأ بِالسَّلَامِ قَالَ أولاهما بِاللَّه تَعَالَى (^٢).\n\n٤٠٩٥ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- يسلم الرَّاكِب على الْمَاشِي والماشي على الْقَاعِد والماشيان أَيهمَا بَدَأَ فَهُوَ أفضل رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\nقوله: وعن جابر -﵁- تقدم.\n_________\n(^١) الأذكار (٣٩٤ - ٣٩٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥١٩٧)، والترمذي (٢٨٨٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٨٢) وصحيح الترغيب (٢٧٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٨٣)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٠٠٦)، وابن حبان (٤٩٨). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٦: ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١١٤٦)، وصحيح الترغيب (٢٧٠٤).","vol":"11","page":115},{"text":"قوله -ﷺ-: \"يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد\" الحديث، لأن السلام معناه سلامة من تسلم عليه من شرك، والظاهر أن الراجل يخاف الراكب فيسلم الراكب [على الراجل؛ ليزيل] الخوف من الراجل (^١)، وقال بعضهم: أما تسليم الراكب على الماشي فلئلا يتكبر بركوبه عليه فأمره بالتواضع، وأما تسليم الماشي على القاعد فهو من باب الداخل على القوم فيبادر بالسلام استعجالا لإعلامهم بالسلامة وأمانهم عن شره بالدعاء له (^٢)، وأما القليل فيسلم على الكثير للأدب بتعظيم القليل الكثير والصغير الكبير، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: هذا المذكور في الحديث هو السنة فلو خالفوا فسلم الماشي على الراكب والجالس عليهما لم يكره صرح به الإمام أبو سعيد المتولي وغيره، وعلى هذا لا يكره ابتداء الكثيرين بالسلام على القليل والكبير على الصغير وهذا الأدب هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا ورد على قعود أو قاعد فإن الوارد يبدأ بالسلام بكل حال سواء كان صغيرا أو كبيرا قليلا أو كثيرا وسمي أقضى القضاة هذا سنة، وسمي الأول أدبا وجعله دون السنة في الفضيلة (^٣)، أ. هـ.\nتتمة: السنة أن يسلم على الصبيان، ففي الصحيحين من حديث أنس: لقد مر علي صبيان فسلم عليهم وقال: \"كان النبي -ﷺ- يفعله\" (^٤) وفي رواية لمسلم عنه أن النبي -ﷺ- مر على غلمان فسلم عليهم، وفي كتاب ابن السني وغيره أن\n_________\n(^١) المفاتيح (٥/ ١٢١).\n(^٢) الكواكب الدرارى (٢٢/ ٧٨).\n(^٣) الأذكار (ص ٤٢٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٢٤٧)، ومسلم (١٤ و١٥ - ٢١٦٨).","vol":"11","page":116},{"text":"النبي -ﷺ- قال: \"السلام عليكم يا صبيان\" (^١) وقال المتولي: إذا سلم على صبي لا يجب عليه الجواب لأن الصبي ليس من أهل افرض، قال النووي: وهذا الذي قاله صحيح لكن الأدب والمستحب له الجواب، وقال القاضي حسين وصاحبه المتولي: لو سلم الصبي على بالغ ففي وجوب الرد وجهان والأصح منهما وجوب الرد لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ (^٢) الآية، ولو سلم بالغ على جماعة فيهم صبي فرد الصبي ولم يرد منهم غيره فالأصح أن الرد لا يسقط عن البالغين بذلك لأنه ليس من أهل الفرض والرد فرض فلا يسقط عن البالغين (^٣) قاله في الديباجة.\n\n٤٠٩٦ - وَعَن عبد اللَّه يَعْنِي ابْن مَسْعُود -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ السَّلَام اسْم من أَسمَاء اللَّه تَعَالَى وَضعه فِي الأَرْض فأفشوه بَيْنكُم فَإِن الرجل الْمُسلم إِذا مر بِقوم فَسلم عَلَيْهِم فَردُّوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِم فضل دَرَجَة بتذكيره إيَّاهُم السَّلَام فَإِن لم يردوا عَلَيْهِ رد عَلَيْهِ من هُوَ خير مِنْهُم رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَأحد إسنادي الْبَزَّار جيد قوي (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٦٣٣/ ٥٨٢٦)، وأحمد (٣/ ١٨٣)، وأخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٩١/ ٧١١٩)، وابن السني (٢٢٨)، وأبو بكر الشافعي في الفوائد (٧٧٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٣٧٨). قال البوصيري: هذا إسناد رواته ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٥٠).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٨٦.\n(^٣) الأذكار (ص ٤١١).\n(^٤) أخرجه البزار (١٧٧٠ و١٧٧١)، وابن حبان في روضة العقلاء (ص ٧٤)، وأبو علي الصواف في جزئه (٤٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٨٢ رقم ١٠٣٩١ و١٠٣٩٢). وقال =","vol":"11","page":117},{"text":"قوله: وعن عبد اللَّه يعني ابن مسعود -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى وضعه في الأرض فأفشوه\" وفي الحديث: \"السلام مشتق من اسم اللَّه تعالى\" لسلامته من العيب والنقص، قال العلماء: فالسلام من أسماء اللَّه تعالى، قيل: سمى اللَّه تعالى نفسه سلاما بسلامته مما يلحق الخلق من العيب والفناء، قاله صاحب المغيث (^١).\nقوله: \"السلام عليك\" أي: اسم السلام عليك ومعناه اسم اللَّه عليك أي أنت في حفظه كما يقال اللَّه معك واللَّه يصحبك، وقيل: السلام بمعنى السلامة أي السلامة لازمة لك، وقيل: معناه إن اللَّه مطلع عليكم فلا تغفلوا، وقيل: معناه اسم السلام عليكم، أي: اسم اللَّه عليكم إذا كان اسم اللَّه تعالى يذكر على الأعمال توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيها وانتفاء عوارض الفساد عنها (^٢)، وقال بعضهم: كأن المسلم بسلامه على غيره معلمٌ له بأنه مسالم له من ناحيته ويؤمنه من شره وغائلته كأنه يقول أنا سلم لك غير حرب وولي غير عدو (^٣)، وقيل أيضًا: إنما هو اسم من أسماء اللَّه تعالى فإذا قال المؤمن لأخيه سلام عليكم فإنما يعوذه باللَّه تعالى ويبرك عليه باسمه\n_________\n= البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد موقوفا وأسنده ورقاء، وشريك، وأيوب بن جابر. وقال الدارقطني في العلل (٧٢٣): والموقوف أصح. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٩: رواه البزار بإسنادين، والطبراني بأسانيد وأحدهما رجاله رجال الصحيح عند البزار والطبراني. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٠٧)، وصحيح الترغيب (٢٧٠٥).\n(^١) المجموع المغيث (٢/ ١١٩).\n(^٢) المجموع المغيث (٢/ ١٢٠)، والنهاية (٢/ ٣٩٣).\n(^٣) شأن الدعاء (ص ٤٣)، وطرح التثريب (٨/ ١٠٤).","vol":"11","page":118},{"text":"﵎ (^١) ومنه الجنة دار السلام لأن الصائر إليها يسلم من الآفات (^٢) والسلام الصلح لأنهم يتسالمون به ويقال سلام عليكم بالتنوين إلى سلام عليكم وسلام بحذف عليكم ولم يرد في القرآن غالبا إلا منكرا لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ (^٣)، فأما في تشهد الصلاة فيقال فيه معرفًا ومنكرًا والظاهر الأكثر من مذهب الشافعي أنه اختار التنكير وأما في السلام الذي يخرج به من الصلاة فروي الربيع عنه أنه لا يكفيه إلا معرفا فإنه قال: أقل ما يكفيه السلام عليكم فإن نقص من هذا حرفا فأعاد فسم ووجهه أن يكون أراد بالسلام اسم اللَّه تعالى فلم يجز حذف الألف واللام منه وكانوا يستحسنون أن يقولوا في الأول سلام عليكم وفي الآخر السلام عليكم ويكون الألف واللام للعهد يعني السلام الأول (^٤)، أ. هـ.\n\n٤٠٩٧ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ كُنَّا إِذا كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه -ﷺ- فَتفرق بَيْننَا شَجَرَة فَإِذا الْتَقَيْنَا يسلم بَعْضنَا على بعض رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٥).\nقوله: وعن أنس بن مالك -﵁- تقدم.\nقوله في الحديث: قال كنا إذا كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- فتفرق بيننا شجرة فإذا\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص ٤٤).\n(^٢) شأن الدعاء (ص ٤٢).\n(^٣) سورة الرعد، الآية: ٢٣.\n(^٤) النهاية (٢/ ٣٩٣).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٦٩ رقم ٧٩٨٧). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٤: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٧٠٦).","vol":"11","page":119},{"text":"التقينا يسلم بعضنا على بعض، الحديث، حديث أنس هذا يقتضي الأمر بالسلام عليه وإن قربت مفارقته له يسلم عليه ثانيا وثالثًا وأكثر اتفق عليه أصحابنا (^١)، ويدل عليه أيضًا ما رويناه في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه\" (^٢) الحديث، وروي عن ابن عمر أنه كان يخرج إلى السوق فقيل له إيش تصنع في السوق وأنت لا تبيع ولا تشتري؟ قال: إنما أخرج لأجل السلام وكان لا يمر على أحد إلا ويسلم عليه (^٣).\nذكر عن بعض الصالحين أن رجلا من أصدقائه استقبله وقال له: كيف أصبحت؟ قال: الرجل الصالح ويحك ما هذا؟ فهلا قلت: السلام عليك تكون لك عشر حسنات فأرد عليك فتكون لك عشر حسنات فإذا اجتمعت عشرون حسنة يرجى عند ذلك نزول الرحمة واللَّه أعلم.\nفائدة: قال العلماء: ولو غلب على ظنه أنه إذا سلم لا يرد عليه إما لتكبر وإهمال أو لغير ذلك فلا يتركه لهذا الظن فإن السلام مأمور به ولم يؤمر المسلم بتحصيل الرد مع أن الظن قد يخطئ ويرد ذلك السلام (^٤). ا. هـ.\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٤١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠١٠)، وأبو داود (٥٢٠٠)، وأبو يعلى (٦٣٥٠). وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٠٦). وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٧٧٤/ ١٠٠٦).\n(^٤) كشف المناهج (٤/ ١٥٣).","vol":"11","page":120},{"text":"٤٠٩٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِذا انْتهى أحدكُم إِلَى الْمجْلس فليسلم فَإِذا أَرَادَ أَن يقوم فليسلم فَلَيْسَتْ الأولى بِأَحَق من الْآخِرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَزَاد رزين وَمن سلم على قوم حِين يقوم عَنْهُم كَانَ شريكهم فِيمَا خَاضُوا من الْخَيْر بعده (^١).\n\n٤٠٩٩ - وروى أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن زبان بن فائد عَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه عَن رَسُول اللَّه -ﷺ- أَنه قَالَ حق على من قَامَ على جمَاعَة أَن يسلم عَلَيْهِم وَحقّ على من قَامَ من مجْلِس أَن يسلم فَقَامَ رجل وَرَسُول اللَّه -ﷺ- يتَكَلَّم فَلم يسلم فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا أسْرع مَا نسي (^٢).\n\n٤١٠٠ - وَعَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه -﵁- قَالَ يَا بني إِذا كنت فِي مجْلِس ترجو خَيره فعجلت بك حَاجَة فَقل السَّلَام عَلَيْكُم فَإنَّك شريكهم فِيمَا يصيبون فِي ذَلِك الْمجْلس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا هَكَذَا وَمَرْفُوعًا وَالْمَوْقُوف أصح (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢٠٨)، والترمذي (٢٧٠٦)، والنسائي في الكبرى (١٠١٠٢)، وابن حبان (٤٩٣) و(٤٩٤) و(٤٩٥) و(٤٩٦). وقال الألباني: صحيح - الصحيحة (١٨٣)، وصحيح الترغيب (٢٧٠٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٨ (١٥٦١٥)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٨٦ - ١٨٧ (٤٠٨) و(٤٠٩)، والسمعانى في أدب الإملاء والاستملاء (ص ١٧٩).\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٥: رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة وزبان بن فائد، وقد ضعفا، وحسن حديثهما. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٠٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٠٠٩)، والطبراني في الكبير (١٦/ ٢٥ رقم ٥٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠١) موقوفا. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٥: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير بسطام بن مسلم وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٠٩).","vol":"11","page":121},{"text":"قوله: وعن معاوية بن قرة [تقدم ترجمته].\nقوله: يا بني إذا كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل السلام عليكم، الحديث، قال العلماء: وأقل السلام الذي يصير به مسلما مؤديا سنة السلام أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسلام فلا يجب عليه الرد ويكون الجواب على الفور فإن أخره ثم رد لم يعد جوابا وكان آثما بترك الرد قاله الإمام أبو محمد القاضي حسين والإمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا قاله النووي (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة\" يستحب السلام عند الفراق لهذا الحديث، وخالف في ذلك الحنفية، والحديث حجة عليهم ويسلم الصغير على الكبير والماشي على القاعد والقليل على الكثير، كذا في الحديث وهو اللائق بالأدب، قال النووي: قلت ظاهر هذا الحديث أنه يجب على الجماعة رد السلام على هذا الذي سلم عليهم وفارقهم وقد قال الإمامان الجليلان القاضي حسين وصاحبه أبو سعيد المتولي جرت عادة بعض الناس بالسلام عند المفارقة، وذلك دعاء يستحب جوابه ولا يجب لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف هذا كلامهما، وقد أنكر الإمام أبو بكر الشاشي الأخير من أصحابنا وقال: هذا فاسد لأن السلام سنة عند الانصراف كما هو\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٤٠٧).","vol":"11","page":122},{"text":"سنة عند الجلوس، قال النووي: وهذا هو الصواب وفيه هذا الحديث وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب قاله النووي (^١).\nتتمة: في السلام على النساء في كتاب ابن السني من حديث جرير بن عبد اللَّه أن النبي -ﷺ- مر على نسوة فسلم عليهن (^٢)، وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: كانت فينا امرأة، وفي رواية \"عجوز\" تأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا (^٣)، معنى تكركره تطحنه، أ. هـ أما المرأة مع الرجل فقال المتولي: إن كافت زوجته أو أمته أو محرما له فهي معه كالرجل يستحب لكل منهما ابتداء الآخر بالسلام ويجب على الآخر الرد، وإن كانت أجنبية فإن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لم يسلم الرجل عليها ولو سلم لم يجز لها رد الجواب ولم تسلم عليه هي ابتداء فإن سلمت لم تستحق جوابا فإن أجابها كره له وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها جاز أن تسلم على الرجل وعلى الرجل رد السلام عليها وأما جماعة النساء فإذا سلم عليهم الرجل أو كان الرجل جمعا كثيرا فسلموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليها ولا عليهم فتنة (^٤)، أ. هـ قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٤٢٥).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٧٥٠٦)، وابن السنى (٢٢٦). وصححه الألباني في الصحيحة (٢١٣٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٢٤٨).\n(^٤) الأذكار (ص ٤١٧).","vol":"11","page":123},{"text":"٤١٠١ - وَعَن عمرَان بن الْحصين -﵁- قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم فَرد عَلَيْهِ ثمَّ جلس فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- عشر ثمَّ جَاءَ آخر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه فَرد فَجَلَسَ فَقَالَ عشرُون ثمَّ جَاءَ آخر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته فَرد فَجَلَسَ فَقَالَ ثَلَاثُونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَحسنه أَيْضًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا من طَرِيق أبي مَرْحُوم واسْمه عبد الرَّحِيم بن مَيْمُون عَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه مَرْفُوعا بِنَحْوِهِ وَزَاد ثمَّ أَتَى آخر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته ومغفرته فَقَالَ أَرْبَعُونَ قَالَ هَكَذَا تكون الْفَضَائِل (^١).\nقوله: وعن عمران بن الحصين -﵁-.\nقوله: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال السلام عليكم فردَّ عليه ثم جلس فقال النبي -ﷺ-: \"عشر\". أي: ثبت له عشر حسنات.\nوقوله: ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة اللَّه فرد فجلس فقال: \"عشرون\"، أي: ثبت بكل لفظ عشر، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم\n_________\n(^١) أما حديث عمران: أخرجه أبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٦٨٩)، والبزار (٣٥٨٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٩٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال البزار: وهذا الحديث قد روي نحو كلامه، عن النبي -ﷺ- من وجوه، وأحسن إسناد يروى في ذلك، عن النبي -ﷺ- هذا الإسناد، وإن كان قد رواه من هو أجل من عمران فإسناد عمران أحسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧١٠).\nوأما حديث معاذ بن أنس: أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ٣٢٨)، وأبو داود (٥١٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٨٢ رقم ٣٩٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٢١).","vol":"11","page":124},{"text":"ورحمة اللَّه وبركاته، فرد فجلس فقال: \"ثلاثون\" أي: ثبت بكل لفظ عشر أي ثبت له عشر حسنات بكل لفظ، فالسلام عليكم لفظ، ورحمت اللَّه لفظ، وبركاته لفظ، هكذا تكون الفضائل، فأقل السلام أن يقول المسلم: السلام عليكم أتناوله وملائكته، وأكمل منه أن يزيد ورحمت اللَّه، وأكمل منه أيضًا أن يزيد وبركاته، واستدل العلماء لزيادة ورحمت اللَّه وبركاته بقوله تعالى إخبارا عن سلام الملائكة بعد ذكر السلام ورحمت اللَّه وبركاته عليكم أهل البيت وتقول الملائكة كلهم في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمت اللَّه وبركاته، وفي الموطأ: أن رجلا سلم على ابن عمر فقال: السلام عليكم ورحمت اللَّه وبركاته والغاديات والرائحات، فقال: وعليك ألفا كأنه كره ذلك، ويكره القيام له، ولا يسلم على أهل الأهواء ولعبة الشطرنج ونحوهم ردعا لهم ولا على المصلي ومستمع الخطبة ولا الآكل ولا في الحمام وقاضي الحاجة وكذا المؤذن والغازي ولا يجب الجواب إلا في الأخيرتين على الأصح (^١).\nتتمة: المبتدع ومن اقترف ذنبا عظيما ولم يتب منه ينبغي أن لا يسلم عليهم ولا يرد ﵈ كذا قاله البخاري في صحيحه، وقال فيه أيضًا: قال عبد اللَّه بن عمر ولا تسلموا على شربة الخمر، قال النووي: فإن اضطر إلى السلام على الظلمة بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما أن لم يسلم عليهم سلم قال الإمام أبو بكر بن العربي: قال\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٤١٥ - ٤١٦).","vol":"11","page":125},{"text":"العلماء: يسلم وينوي أن السلام اسم من الأسماء اللَّه تعالى المعنى أن اللَّه عليكم رقيب (^١)، أ. هـ، ويكره أن يقول المبتدئ عليكم السلام فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور وقيل لا يستحقه وقد صح أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى\" (^٢) قاله النووي (^٣).\n\n٤١٠٢ - وَرُوِيَ عَن سهل بن حنيف -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم كتبت لَهُ عشر حَسَنَات وَمن قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه كتبت لَهُ عشرُون حَسَنَة وَمن قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته كتبت لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٤).\nقوله: وروي عن سهل بن حنيف -﵁- تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من قال السلام عليكم كتبت له عشر حسنات\" الحديث.\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٤٢٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٠٨٤)، والترمذي (٢٧٢١). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٤٦).\n(^٣) المصدر السابق (ص ٤١٣).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٥٦) وعنه عبد بن حميد (٤٧٠) وابن السني في اليوم والليلة (٢٣١) وابن شاهين في الفضائل (٤٩١)، وإسحاق كما في المطالب (٢٦٩١/ ١) والاتحاف (٥٢٧٢/ ١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٧٨)، والطبراني في الكبير (٦/ ٧٥ رقم ٥٥٦٣) و(١٩/ ٢٥٩ رقم ٥٧٤). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣١: رواه الطبراني، وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف. قال البوصيري: مدار الإسناد على موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧١١).","vol":"11","page":126},{"text":"اعمل أن الأفضل أن يقول المسلم السلام عليكم ورحمت وبركاته فيأتي بالألف واللام في السلام فلو قال: سلام عليكم أجزأه بخلاف السلام في الصلاة فإنه لا يجزئه على الأصح ويأتي أيضًا بضمير الجمع في عليكم وإن كان المسلم عليه واحدا وممن نص على ذلك الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه الحاوي والإمام أبو سعيد المتولي من أصحابنا، فإن قال المبتدئ سلام عليكم أو السلام عليكم فقال المجيب: مثله سلام عليكم أو السلام عليكم كان جوابا وأجزأه، قال اللَّه تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (^١) ولكن بالألف واللام أفضل، وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول وعليكم السلام ورحمت اللَّه وبركاته فيأتي بالواو فلو حذفها جزا وكان تاركا للأفضل فإن حذف الواو فقال عليكم السلام أجزأه ذلك وكان جوابا هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه إمامنا الشافعي ﵀ في الأم وقال جمهور أصحابنا: وجزم أبو سعيد المتولي من أصحابنا في كتابه التتمة بأنه لا يجزئه ولا يكون جوابا وهذا ضعيف وغلط وهو مخالف للكتاب والسنة ونص إمامنا الشافعي، أما الكتاب فقال اللَّه تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ وتقدم وافق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب عليكم لم يكن جوابا فلو قال وعليكم بالواو فهل يكون جوابا فيه وجهان لأصحابنا قاله النووي (^٢).\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ٦٩.\n(^٢) الأذكار (ص ٤٠٤ - ٤٠٥).","vol":"11","page":127},{"text":"فائدة: وأما السلام على النساء فإن كن جمعا سلم عليهن وإن كانت واحدة سلم عليها النساء وزوجها وسيدها ومحرمها سواء كانت جميلة أو غيرها وأما الأجنبي فإن كانت عجوزا لا تشتهي استحب له السلام عليها واستحب لها السلام عليه، ومن سلم منهما لزم الآخر رد السلام وإن كانت شابة أو عجوز تشتهي لم يسلم عليها الأجنبي ولم تسلم عليه ومن سلم منهما لم يستحق جوابا ويكره رد جوابه هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن فيهن محرم والمحرم هو كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها فقولنا على التأبيد احترازا من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهن من بنتها قبل الدخول بالأم وقولنا: بسبب مباح احترازا من أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنهما حرام على التأبيد ولكن لا سبب مباح فإن وطئ الشبهة لا يوصف بإنه مباح ولا محرم ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة لأنه ليس فعل مكلف، وقولنا لحرمتها احتراز من الملاعنة فإنها حرام على التأبيد لا لحرمتها بل تغليظا عليها (^١).\nتتمة: عن أبي سلمة أن عائشة حدثته أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لها: إن جبريل يقرأ عليك السلام قالت: وعليكم السلام ورحمت اللَّه، رواه الجماعة إلا النسائي، وفي بعض روايات الصحيحين: \"وعليه السلام ورحمت اللَّه وبركاته\" وفي بعضها بحذفها وزيادة الثقة مقبولة، وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لعائشة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٤٩)، والأذكار (ص ٤٠٥).","vol":"11","page":128},{"text":"﵂، وفيه استحباب بعث السلام وبعث الرسول بتبليغه وفيه بعث الأجنبي السلام إلى الأجنبية الصالحة إذا لم يخف ترتب مفسدة، وأن من أتاه سلام غائب مع رسول أو في ورقة وجب عليه الرد على الفور وكذا لو بلغه سلام في ورقة غائب لزمه أن يرد ﵇ باللفظ على الفور إذا أقرأه، وفيه أنه يستحب في الرد أن يقول: وعليكم السلام بالواو فلو قال عليك أو عليكم بغير واو أجزأه على الصحيح وكان تاركا للأفضل، وقال المتولي من أصحابنا لا يكفيه وهو شاذ ترده الأحاديث الصحيحة (^١).\nقوله: \"يقرأ عليك السلام\" بفتح أوله أي يسلم عليك يقال قرأت على فلان السلام فإن لم يذكر على كان رباعيا تقول اقرأته السلام وهو يقرئك السلام فتضم ياء المضارعة منه، قال القاضي عياض وقيل هما لغتان قاله العراقي (^٢).\nفرع: إذا مر على جماعة فيهم مسلمون أو مسلم وكفار فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلمين أو المسلم واللَّه أعلم (^٣).\nفائدة: من البدع أن المرأة إذا أوقدت السراج تسلم على الحاضرين وهذا السلام بدعة ليس له محل ولا شرعه اللَّه ورسوله لأن السلام المشروع إنما هو إذا غاب الإنسان عن صاحبه غيبة ولو غيبة يسيرة ثم لقيه فإذا ذاك يشرع\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٥/ ٢١١).\n(^٢) طرح التثريب (٨/ ١٠٨).\n(^٣) الأذكار (ص ٤٢٠).","vol":"11","page":129},{"text":"له السلام، وأما أنه يكون جالسا مع رفيقه فيوقد السراج أو الشمعة فيسله فليس من الدين في شيء، أ. هـ قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n\n٤١٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رجلا مر على رَسُول اللَّه -ﷺ- وَهُوَ فِي مجْلِس فَقَالَ سَلام عَلَيْكُم فَقَالَ عشر حَسَنَات ثمَّ مر آخر فَقَالَ سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه فَقَالَ عشرُون حَسَنَة ثمَّ مر آخر فَقَالَ سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته فَقَالَ ثَلَاثُونَ حَسَنَة فَقَامَ رجل من الْمجْلس وَلم يسلم فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- مَا أوشك مَا نسي صَاحبكُم إِذا جَاءَ أحدكُم إِلَى الْمجْلس فليسلم فَإِن بدا لَهُ أَن يجلس فليجلس وَإِن قَامَ فليسلم فَلَيْسَتْ الأولى بِأَحَق من الْآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مَا أوشك أَي مَا أسْرع (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رجلا.\n\n٤١٠٤ - وَعَن ابْن عمرو -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَرْبَعُونَ خصْلَة أعلاهن منيحة العنز مَا من عَامل يعْمل بخصلة مِنْهَا رَجَاء ثَوَابهَا وتصديق موعودها إِلَّا أدخلهُ اللَّه بهَا الْجنَّة قَالَ حسان فعددنا مَا دون منيحة العنز من رد السَّلَام وتشميت الْعَاطِس وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَنَحْوه فَمَا استطعنا أَن تبلغ خمس عشرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (^٣).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٥٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٨٦)، وابن حبان (٤٩٣). وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (١٨٣) وصحيح الترغيب (٢٧١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٦٣١)، وأبو داود (١٦٨٣)، وابن حبان (٥٠٩٥).","vol":"11","page":130},{"text":"قوله: وعن ابن عمر -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز\" الحديث، وفي آخره قال حسان بن عطية الراوي عن أبي كبشة: فعددنا ما دون العشرة منيحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه فما استطعنا أن نصل إلى خمس عشرة خصلة، العنز: الأنثى من ولد المعز والجمع أعنز وعنوز، قال ابن بطال (^١): لم يذكر النبي -ﷺ- الخصال في الحديث، ومعلوم أنه -ﷺ- كان عالما بها لا محالة إلا أنه لم يذكرها إلا لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها وذلك واللَّه أعلم خشية أن يكون التعيين لها زاهدا في غيرها من أبواب المعروف وسبل الخير وقد جاء عنه -ﷺ- من الحض على أبواب من الخير والبر ما لا يحصى كثرة، قال: وبلغني عن بعض أهل عصرنا أنه تتبعها في الأحاديث فوجدها تزيد على أربعين خصلة ثم ذكرها إلى آخرها.\nوإنما خص النبي -ﷺ- العنز دون سائر الغنم، قلت: وقد روى صاحب الترغيب والترهيب في باب قضاء حوائج المسلمين عن علي قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"للمسلم على أخيه المسلم ثلاثون حقا لا براءة له منها إلا بالأداء أو العفو يغفر زلته ويرحم عبرته ويستر عورته ويقيل عثرته ويقبل معذرته ويرد غيبته ويديم نصيحته ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويعود مرضته ويشهد منيته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته ويحفظ حليلته ويقضي حاجته ويشفع مسألته ويقبل شفاعته ولا يخيب\n_________\n(^١) شرح الصحيح (٧/ ١٥١ - ١٥٤).","vol":"11","page":131},{"text":"مقصده ويشمت عطسته وينشد ضالته ويرد سلامه ويطيب كلامه ويزيد إنعامه ويصدق أقسامه وينصره ظالما أو مظلوما، أما نصره ظالما فيرده عن ظلمه، وأما نصره مظلوما فيعينه على أخذ حقه، ويواليه ولا يعاديه ويسلمه ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه ثم قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة\" ثم قال: \"على أن أحدكم ليدع تشمي أخيه إذا عطس فيطالبه به يوم القيامة فيقضي له عليه\" فهذه مع ما عده حسان بن عطية يجتمع منها أكثر من أربعين خصلة (^١).\nوإنما خص النبي -ﷺ- العنز دون سائر الغنم لأن العنز إنما تشام العنز ثم تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها روى ابن دريرد قال: لما قتل عثمان لا ينتطح فيها عنزان فلما كان يوم الجمل فقئت عينه فقيل له لا ينتطح في قتل عثمان عنزان فقال بلى تفقأ عيون كثيرة كذا ذكر هذا الحديث ابن إسحاق والرشاطي وغيرها.\nقوله: \"لا ينتطح فيها عنزان\" أي لا يلتقي فيها \"اثنان ضعفا\" لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا العنوز انتهى قاله في حياة الحيوان (^٢).\n\n٤١٠٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أعجز النَّاس من عجز فِي الدُّعَاء وأبخل النَّاس من بخل بِالسَّلَامِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٢٢٠).","vol":"11","page":132},{"text":"وَقَالَ لَا يرْوى عَن النَّبِي -ﷺ- إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ وَهُوَ إِسْنَاد جيد قوي (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله: \"أعجز الناس من عجز في الدعاء وأبخل الناس من بخل بالسلام\" [فالباديء بالسلام بين حسنتين إحداهما تفضيل اللَّه ﷿ إياه على المسلم عليه بفضل درجه لتذكيره إياهم بالسلام وبين رد الملائكة عليه عند غفلتهم عن الرد وإنما سماه بخيلا؛ لأن مثل رسول اللَّه -ﷺ- إذا استوهب من مثله كان واجبا عليه أن يبذل روحه بل الدنيا وما فيها على أن أذى أخيه المسلم من العظائم أيضًا، وفيه حث على بذل السلام وإفشائه وأن الإمساك عنه من أخنى الأفعال الرديئة].\n\n٤١٠٦ - وَعَن عبد اللَّه بن مُغفل -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أسرق النَّاس الَّذِي يسرق صلَاته قيل يَا رَسُول اللَّه وَكيف يسرق صلَاته قَالَ لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها وأبخل النَّاس من بخل بِالسَّلَامِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص ٣٣٧)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٧١ - ٣٧٢ رقم ٥٥٩١) والدعاء (٦٠)، وأبو عمرو السلمي في جزئه (٩٦٨)، وأبو الشيخ في الأمثال (٢٤٧). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلا حفص، تفرد به: مسروق، ولا يروى عن رسول اللَّه -ﷺ- إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣١: رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لا يروى عن النبي -ﷺ- إلا بهذا الإسناد، ورجاله رجال الصحيح غير مسروق ابن المرزبان، وهو ثقة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٦٠١)، وقال في صحيح الترغيب (٢٧١٤): حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٥٥ رقم ٣٣٩٢) والصغير (١/ ٢٠٩ رقم ٣٣٥) وفي =","vol":"11","page":133},{"text":"قوله: وعن عبد اللَّه بن مُغفل -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"أسرق الناس الذي يسرق صلاته\" فكر الحديث، إلى أن قال \"وأبخل الناس من بخل بالسلام\" تقدم هذا الحديث في الصلاة.\n\n٤١٠٧ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رجلا أَتَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ إِن لفُلَان فِي حائطي عذقا وَإنَّهُ قد آذَانِي وشق عَليّ مَكَان عذقه فَأرْسل إِلَيْهِ رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقَالَ بِعني عذقك الَّذِي فِي حَائِط فلَان قَالَ لَا قَالَ فهبه لي قَالَ لَا قَالَ فبعنيه بعذق فِي الْجنَّة قَالَ لَا فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا رَأَيْت الَّذِي هُوَ أبخل مِنْك إِلَّا الَّذِي يبخل بِالسَّلَامِ رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَإسْنَاد أَحْمد لَا بَأْس بِهِ قَالَ الْحَافِظ وَتقدم فِيمَا يَقُول إِذا دخل بَيته أَحَادِيث من السَّلَام فأغنى عَن إِعَادَتهَا هُنَا (^١).\nقوله: وعن جابر -﵁- تقدم.\n_________\n= الدعاء (٦١)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٩٠٢). قال الطبراني: لم يروه عن عوف إلا عثمان بن الهيثم، تفرد به زيد بن الحريش، ولا يروى عن عبد اللَّه بن المغفل إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٢٠: رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢٥) و(٢٧١٥).\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٢٨ (١٤٥١٧)، وعبد بن حميد (١٠٣٧)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٠٠٠)، والحاكم ٢/ ٢٠، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٦٠ رقم ١١٨٨٤) والشعب (١١/ ١٩٥ - ١٩٦ رقم ٨٣٩٦).\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٢٧: رواه أحمد، والبزار، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وفيه كلام وقد وثق. وقال في المجمع ٨/ ٣٢: رواه أحمد والبزار، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣٨٣) وصحيح الترغيب (٢٧١٦).","vol":"11","page":134},{"text":"قوله: أن رجلا أتى النبي -ﷺ- فقال: إن لفلان في حائطي عذقا، الحديث، العذق [بالفتح النخلة بنفسها وبالكسر العرجون].\nوروي البيهقي عن سعيد بن المسيب أنه قال: أول شيء عتب فيه النبي -ﷺ- علي أبي لبابة بن عبد اللَّه بن المنذر أنه خاصم يتيما له في عذق نخلة فقضى رسول اللَّه لأبي لبابة بالعذق [فضج] اليتيم، واشتكي رسول اللَّه -ﷺ- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا في لبابة هب لي هذا العذق يا أبا لبابة\" لكي يرده إلى اليتيم ولك مثله في الجنة فأبي أبو لبابة أن يعطيه فقال رجل من الأنصار أن ابتعت هذا العذق فأعطيته اليتيم لي مثله في الجنة فقال رسول اللَّه -ﷺ-: فانطلق الأنصاري وهو ابن الدحداحة حتى لقي أبا لبابة فقال: يا أبا لبابة ابتاع منك هذا العذق بحديقتي وكانت له حديقة نخل فقال: أبو لبابة نعم فابتاعه منه بحديقته فلم يلبث ابن الدحداح إلا يسيرا حتى جاء كفار قريش يوم أحد فخرج مع رسول اللَّه -ﷺ- فقاتلهم فقتل شهيدا فقال رسول اللَّه -ﷺ- لرب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة (^١)، أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٦/ ٢٦٠ - ٢٦١ رقم ١١٨٨٥)، والخرائطي في المكارم (٦٥٩).","vol":"11","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>فصل</span>\n٤١٠٨ - وَعَن مُعَاوِيَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من أحب أَن يتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قيَاما فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بإِسْنَاد صَحِيح وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: وعن معاوية -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار\" الحديث، يتمثل بالثاء المثلثة بعد الميم أي ينتصب، رواه أحمد وأبو دواد في الأدب أي يجتمعون له في القيام عنده ويحبسون أنفسهم عليه، وفي حديث معاوية: \"من أحب من أن يَسْتَخِمَّ له الرجال قياما\" وفي حديث [رواية] \"الناس\" قال الطحاوي: هو بالخاء المعجمة يريد أن تتغير روائحهم من طول قيامهم عنده يقال: خم الشيء وأخم إذا تغيرت، ويروي أيضًا بالجيم قاله في النهاية (^٢) أي كما يقام بين يدي الملوك والأمراء.\nوقوله: \"فليتبؤا مقعده من النار\" لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر كأنه قال: \"من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٧٧)، وأبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند علي (٨٤٠) و(٨٤١) و(٨٤٢)، والبغوي في الجعديات (١٥٠٣)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥١ - ٣٥٢ رقم ٨١٩ - ٨٢٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧١٧)، والمشكاة (٤٦٩٩).\n(^٢) النهاية (٢/ ٨١).","vol":"11","page":136},{"text":"سره ذلك وجب له أن ينزل منزلة من النار\" وتقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق، روى الترمذي عن أنس لم يكن شخص أحب إليهم من رسول اللَّه -ﷺ- وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك قال الترمذي حديث حسن (^١) وترجم له باب كراهة قيام الرجل للرجل.\n\n٤١٠٩ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ -﵁- قَالَ خرج علينا رَسُول اللَّه -ﷺ- متوكئا على عَصا فقمنا إِلَيْهِ فَقَالَ لَا تقوموا كَمَا تقوم الْأَعَاجِم يعظم بَعْضهَا بَعْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَإِسْنَاده حسن فِيهِ أَبُو غَالب واسْمه حزور وَيُقَال نَافِع وَيُقَال سعيد بن الحزور فِيهِ كَلَام طَوِيل ذكرته فِي مُخْتَصر السّنَن وَغَيره وَالْغَالِب عَلَيْهِ التوثيق وَقد صحّح لَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَاللَّه أعلم (^٢).\nقوله: وعن أبي أمامة الباهلي -﵁- تقدم.\nقوله: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- متوكئًا على عصا فقمنا إليه فقال لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا، الحديث، وفي الحديث: \"لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها\" قلنا يا رسول اللَّه: لو دعوت اللَّه لنا قال: \"اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا وتقبل منها وأدخلنا الجنة ونجنا من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٧٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في المشكاة (٤٦٩٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٣٣ (٢٥٥٨١)، وأحمد ٥/ ٢٥٣ (٢٢١٨١) و(٢٢١٨٢)، وأبو داود (٥٢٣٠)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند عمر (٢/ ٥٦٣ رقم ٨٣٣) و(٢/ ٥٦٥ - ٥٦٦ رقم ٨٣٥ و٨٣٦)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٢٧٥ - ٢٧٦ رقم ٨٥٣٨). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٤٦) وضعيف الترغيب (١٦٢٢).","vol":"11","page":137},{"text":"الناس وأصلح لنا شأننا كله\".\nفإن قيل: فقد روى أبو موسى الأصفهاني بإسناده عن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول اللَّه -ﷺ- في بيتي فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول اللَّه -ﷺ- فاعتنقه وقبله\"، أ. هـ.\nفالجواب: هذا غائب قدم وعلماؤنا يجيزون ذلك للقادم وغيره ممن يقدم أو قام ﵊ ليفتح له الباب (^١)، أ. هـ، وترجم الترمذي فقال: باب كراهية القيام للناس.\nقوله: في حديث أبي أمامة في آخره، قال الحافظ: فيه أبو غالب واسمه حزور ويقال نافع ويقال سعي بن الحزور، أ. هـ، وحزور بفتح الحاء المهملة وبعدها زاي مفتوحة وواو مشددة مفتوحة وبعدها راء مهملة.\n_________\n(^١) المدخل (١/ ١٧٨).","vol":"11","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>[الترغيب في المصافحة والترهيب من الإشارة في السلام وما جاء في السلام على الكفار]</span>\n٤١١٠ - عَن الْبَراء -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا من مُسلمين يَلْتَقِيَانِ فيتصافحان إِلَّا غفر لَهما قبل أَن يَتَفَرَّقَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ كِلَاهُمَا من رِوَايَة الْأَجْلَح عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْبَراء وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).\n\n٤١١١ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا اللَّه واستغفراه غفر لَهما قَالَ الْحَافِظ وَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَبُو بلج بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون اللَّام بعْدهَا جِيم واسْمه يحيى بن سليم وَيُقَال يحيى بن أبي الْأسود وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وعَلى الْأَجْلَح واسْمه يحيى بن عبد اللَّه أَبُو حجبة الْكِنْدِيّ وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب (^٢).\nقوله: عن البراء -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا\" الحديث.\nاعلم أن المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي، قال النووي: روينا في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢١٢)، وابن ماجه (٣٧٠٣)، والترمذي (٢٩٢٨). قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء. وصححه الألباني في المشكاة (٤٦٧٩)، والصحيحة (٥٢٥) وصحيح الترغيب (٢٧١٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٢١١). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٣٤٤) وضعيف الترغيب (١٦٢٣).","vol":"11","page":139},{"text":"صحيح البخاري عن قتادة قال: قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- قال: نعم، وسيأتي هذا الحديث في هذا الباب، وروينا أيضًا بالإسناد الصحيح في صحيحي البخاري ومسلم في حديث كعب بن مالك في قصة توبته قال: فقام إليَّ طلحة بن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني، وروينا أيضًا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن أنس بن مالك قال: لما جاء أهل اليمن قال: رسول اللَّه قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة (^١).\nواعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء وأما ما اعتاده الناس من المصافحة سنة وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها، وقد ذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في قواعده أن البدع على خمسة أقسام واجبة ومحرمة ومكروهة ومستحبة ومباحة قال: ومن أمثلة البدع المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر وتقدم ذلك في أوائل هذا التعليق ويستحب مع المصافحة البشابة بالوجه والدعاء بالمغفرة وغيرها لقوله -ﷺ-: \"لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق\" قال النووي: وينبغي أن يحترز عن مصافحة الأمرد الحسن الوجه فإن النظر إليه حرام وكل من حرم النظر إليه حرم مسه (^٢) ويكره حتى الظهر في كل حال لكل أحد ويدل عليه ما\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢١٣)، والأذكار (ص ٤٣٦).\n(^٢) الأذكار (ص ٤٣٧).","vol":"11","page":140},{"text":"روي الترمذي عن أنس بن مالك قال: سمعت رجلا يقول لرسول اللَّه -ﷺ-: يا رسول اللَّه الرجل منا يلقى أخه وصديقه أينحني له؟ قال: لا، قلنا: أيعانق بعضنا بعضا؟ قال: لا ويكن تصافحوا، رواه الترمذي وهو حديث حسن كما ذكر، ولم يأت له معارض فلا تصير إلى مخالفته.\nقوله: أفيلتزمه، قال: لا، زاد رزين العبدري إلا أن يأتي من سفر، ولا يغتر بكثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم أو صلاح وغيرهما من خصال الفضل فإن الاقتداء إنما يكون برسول اللَّه -ﷺ-، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (^٢) الآية، وقد روى عن الفضيل بن عياض ما معناه اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين (^٣)، أ. هـ.\nقوله: وفي هذه الرواية: أبو بلج، فتح الباء وسكون اللام بعدها جيم قاله المنذري ويقال له أيضًا أبو صالح، أ. هـ، قالا لحافظ: واسمه يحيى بن سليم ويقال يحيى بن الأسود، أ. هـ، ويقال أيضًا يحيى بن أبي سليم الفزاري الواسطي ويقال كوفي متكلم فيه، أ. هـ، قال الحافظ: والأجلح اسمه يحيى بن عبد اللَّه أبو حجية الكندي.\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٧.\n(^٢) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(^٣) المصدر السابق (ص ٤٣٨).","vol":"11","page":141},{"text":"٤١١٣ - وَعَن أنس -﵁-: عَن نَبِي اللَّه -ﷺ- قَالَ مَا من مُسلمين التقيا فَأخذ أَحدهمَا بيد صَاحبه إِلَّا كَانَ حَقًا على اللَّه ﷿ أَن يحضر دعاءهما وَلا يفرق بَين أَيْدِيهِمَا حَتَّى يغْفر لَهما وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى ورواة أَحْمد كلهم ثِقَات إِلَّا مَيْمُون الْمرَادِي وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا أنكر عَلَيْهِ (^١).\nقوله: وعن أنس -﵁-: تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه\" الحديث، تقدم الكلام على المصافحة في الحديث قبله.\nقوله: إلا ميمون المرادي [هو ميمون بن موسى المرائي: قال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسًا، كان يدلس، وقال أبو حاتم: صدوق وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال عمرو بن علي: صدوق ولكنه ضعيف، ووثقه ابن حبان].\n\n٤١١٤ - وَعنهُ -﵁- قَالَ كَانَ أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- إِذا تلاقوا تصافحوا وَإِذا قدمُوا من سفر تعانقوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٤٢ (١٢٤٥١)، والبزار (٦٤٦٣)، وأبو يعلى (٤١٣٩)، وعنه ابن عدي في الكامل (٨/ ١٥٨) ومن طريقه البيهقي في الشعب (١١/ ٢٨٢ رقم ٨٥٤٥) والضياء في المختارة ٧/ ٢٣٨ (٢٩٨١ و٢٩٨٢) و٧/ ٢٣٩ (٢٦٨٣). قال الضياء: إسناده حسن. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٦: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان، وثقه ابن حبان ولم يضعفه أحد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٢٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٣٧ رقم ٩٧). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا عبد السلام بن حرب، تفرد به: يحيى الجعفي. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ =","vol":"11","page":142},{"text":"قوله: وعنه -﵁-: تقدم الكلام عليه.\nقوله: كان أصحاب النبي -ﷺ- إذا تلاقوا تصافحوا، المصافحة مفاعلة من إلصاق الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه قاله في النهاية.\nقوله: \"وإذا قدموا من سفر تعانقوا\" الحديث، وأما المعانقة فلما روى الترمذي عن عائشة -﵂- قالت لما قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول اللَّه -ﷺ- في بيتي فأتى فقرع الباب فقام إليه النبي -ﷺ- يجر ثوبه فاعتنقه وقبله، فأما المعانقة وتقبيل الوجه لغير الطفل ولغير القادم من سفر ونحوه فمكروه نص على كراهتهما أبو محمد البغوي وغيره من أصحابنا، ويدل على الكراهة ما في الترمذي وابن ماجه عن أنس قال: قال رجل يا رسول اللَّه الرجل منا يلقى أخاه وصديقه أينحني له، قال: \"لا\" قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: \"لا\"، قال: فيأخذ بيده ويصافحه، قال: \"نعم\"، قال الترمذي: حديث حسن (^١)، قال النووي: قلت وهذا الذي ذكرناه في التقبيل والمعانقة وأنه لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه ومكروه كراهة تنزيه في غيره هو في غير الأمرد الحسن الوجه وأما الأمرد الحسن الوجه فيحرم بكل حال تقبيله سواء قدم من سفر أم لا، والظاهر أن معانقته كتقبيله أو قريبة من تقبيله ولا فرق في هذا بين أن يكون المقبل والمقبل رجلين صالحين أو فاسقين أو أحدهما\n_________\n= ٣٦: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٤٧) وصحيح الترغيب (٢٧١٩).\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٧٢٨)، وابن ماجه (٣٧٠٢). وحسنه الألباني في الصحيحة (١٦٠).","vol":"11","page":143},{"text":"صالحا، فالجميع سواء والمذهب الصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد الحسن ولو كان بغير شهوة وقد أمن الفتنة فهو حرام كالمرأة لكونه في معناها، واللَّه أعلم (^١).\n\n٤١١٥ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا لَقِي الْمُؤمن فَسلم عَلَيْهِ وَأخذ بيَدِهِ فصافحه تناثرت خطاياهما كَمَا يَتَنَاثَر ورق الشّجر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوسَط وَرُوَاته لَا أعلم فيهم مجروحا (^٢).\nقوله: وعن حذيفة بن اليمان -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما\" المراد بالخطايا الصغائر، وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو يعفو اللَّه سبحانه عن العبد.\n\n٤١١٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- لَقِي حُذَيْفَة فَأَرَادَ أَن يصافحه فَتنحّى حُذَيْفَة فَقَالَ إِنِّي كنت جنبا فَقَالَ إِن الْمُسلم إِذا صَافح أَخَاهُ تحاتت خطاياهما كَمَا يتحات ورق الشّجر رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة مُصعب بن ثَابت (^٣).\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٤٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (٢٥٠)، والطبراني في الأوسط (١/ ٨٤ رقم ٢٤٥)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٤٢٧). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الوليد بن أبي الوليد إلا موسى بن ربيعة. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٦ - ٣٧: رواه الطبراني في الأوسط، ويعقوب بن محمد بن الطحلاء، روى عنه غير واحد ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٢٦)، وصحيح الترغيب (٢٧٢٠).\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢٠٠٥)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٢٨٥ - ٢٨٦ رقم ٨٥٥٠) والآداب (٢٢٣). قال البيهقي: وروي عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن =","vol":"11","page":144},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله: أن النبي -ﷺ- لقي حذيفة فأراد أن يصافحه فتنحى حذيفة فقال إني كنت جنبا، الحديث، تقدم الكلام أيضًا على المصافحة.\n\n٤١١٧ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن الْمُسلمين إِذا التقيا فتصافحا وتساءلا أنزل اللَّه بَينهمَا مائَة رَحْمَة تِسْعَة وَتِسْعين لأبشهما وَأطلقهُمَا وَأَبَرهمَا وأحسنهما مساءلة بأَخيه لأبشهما أَي لأكثرهما بشاشة وَهِي طلاقة الْوَجْه مَعَ الْفَرح والتبسم وَحسن الإقبال واللطف فِي الْمَسْأَلَة وَأطلقهُمَا أَي أكثرهما وأبلغهما طلاقة وَهِي بِمَعْنى البشاشة (^١).\nقوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا وتساءلا أنزل اللَّه بينهما مائة رحمة تسعة وتسعين لأبشهما وأطلقهما وأبرهما\" الحديث؛ قوله: \"لأبشهما\" أي: أكثرهما بشابة وهي طلاقة الوجه مع الفرح والتبسم وحسن الإقبال\n_________\n= معاذ، أنه لقي النبي -ﷺ- وحذيفة أشبه، واللَّه أعلم. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٨: رواه البزار، وفيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٢١).\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٤١ - ٣٤٢ رقم ٧٦٧٢). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا ابنه عبد اللَّه، ولا رواه عن عبد اللَّه إلا يحيى بن مسمع، تفرد به: الحسن بن كثير. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحسن بن كثير بن عدي ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٥٨٥)، ضعيف الترغيب (١٦٢٦).","vol":"11","page":145},{"text":"واللطف في المسألة؛ وقوله: \"وأطلقهما\" أي: أكثرهما وأبلغهما طلاقة وهي بمعنى البشابة، أ، هـ، قاله الحافظ.\n\n٤١١٨ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِذا التقى الرّجلَانِ المسلمان فَسلم أَحدهمَا على صَاحبه فَإِن أحبهما إِلَى اللَّه أحسنهما بشرا لصَاحبه فَإِذا تصافحا نزلت عَلَيْهِمَا مائَة رَحْمَة وللبادي مِنْهُمَا تسعون وللمصافح عشرَة رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\nقوله: وروي عن عمر بن الخطاب -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا التقى الرجلان المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه فإن أحبهما إلى اللَّه أحسنهما بشرا لصاحبه\" الحديث، تقدم الكلام على السلام، وأما البشر فهو الملاطفة وإظهار المسرة والنشاط لذلك.\n\n٤١١٩ - وَعَن سلمَان الْفارِسِي -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْمُسلم إِذا لَقِي أَخَاهُ فَأخذ بِيَدهِ تحاتت عَنْهُمَا ذنوبهما كَمَا يتحات الْوَرق عَن الشَّجَرَة الْيَابِسَة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في مداراة الناس (٦٥)، والبزار (٣٠٨)، ووكيع القاضى في أخبار القضاة (٢/ ٨٨)، والدولابى في الكنى (٨٥٠)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٠٨٠)، وابن منده في مجالس من أماليه (١٥٥)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٣٩٩ - ٤٠٠ رقم ٧٦٩٢)، وابن قدامة في المتحابين (٣٩).\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي -ﷺ- إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولم يتابع عمر بن عمران على هذا الحديث. وقال العراقي في \"المغني عن حمل الأسفار\" (٢/ ٢٠٤ - بهامش الإحياء): في إسناده نظر. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٧: رواه البزار، وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني في الضعيفة (٢٣٨٥) وضعيف الترغيب (١٦٢٧): ضعيف جدا.","vol":"11","page":146},{"text":"فِي يَوْم ريح عاصف وَإِلَّا غفر لَهما وَلَو كَانَت ذنوبهما مثل زبد الْبَحْر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: وعن سلمان الفارسي -﵁-: تقدم.\nقوله: \"إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما\" الحديث، تقدم معناه.\n\n٤١٢١ - وَعَن قَتَادَة قَالَ قلت لأنس بن مَالك -﵁- أَكَانَت المصافحة فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ نعم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\nقوله: وعن قتادة [هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة بكسر الدال المهملة بن قتادة بن عَزيز، بفتح العين والزاى المكررة التابعي متفق على ثقته وجلالته].\nقوله: قلت لأنس بن مالك: أكانت المصافحة في أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- قال: نعم، تقدم الكلام على المصافحة في أحاديث الباب.\n\n٤١٢٢ - وَعَن أَيُّوب بن بشير الْعَدوي عَن رجل من عنزة قَالَ قلت لأبي ذَر حَيْثُ سير إِلَى الشَّام إِنِّي أُرِيد أَن أَسأَلك عَن حَدِيث من حَدِيث رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ إِذن أخْبرك بِهِ إِلَّا أَن يكون سرا قلت إِنَّه لَيْسَ بشر هَل كَانَ رَسُول اللَّه -ﷺ-\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٥٦ رقم ٦١٥٠)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٢٨٤ - ٢٨٥ رقم ٨٥٤٩). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٧: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير سالم بن غيلان وهو ثقة. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٦٦٦٣) وضعيف الترغيب (١٦٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٦٣)، والترمذي (٢٧٢٩)، وابن حبان (٤٩٢). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"11","page":147},{"text":"يصافحكم إِذا لقيتموه قَالَ مَا لَقيته قطّ إِلَّا صَافَحَنِي وَبعث إِلَيّ ذَات يَوْم وَلم أكن فِي أَهلِي فَجئْت فَأخْبرت أَنه أرسل إِلَيّ فاتيته وَهُوَ على سَرِيره فالتزمني فَكَانَت تِلْكَ أَجود وأجود رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالرجل الْمُبْهم اسمه عبد اللَّه مَجْهُول (^١).\nقوله: وعن أيوب بن بشير العدوي [أيوب بن بشير بن كعب العدوي البصري مقل لا يكاد يعرف].\nقوله: هل كان رسول اللَّه -ﷺ- يصافحكم إذا لقيتموه قال: \"مما لقيته قط إلا صافحني\" الحديث، تقدم الكلام على المصافحة.\nقوله: وبعث إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأُخبرت أنه أرسل إليَّ فاتيته وهو على سريره فالتزمني\" الحديث، الالتزام الظاهر أنه المعانقة.\nقوله في آخر الحديث: عن رجل من عنزة، قال الحافظ: الرجل المبهم اسمه عبد اللَّه وهو مجهول.\n\n٤١٢٣ - وَعَن عَطاء الْخُرَاسَانِي أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ تصافحوا يذهب عَنْكُم الغل وتهادوا تحَابوا وَتذهب الشحناء رَوَاهُ مَالك هَكَذَا معضلا وَقد أسْند من طرق فِيهَا مقَال (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ١٦٢ (٢١٤٤٣) و(٢١٤٤٤) و٥/ ١٦٧ (٢١٤٧٦)، وأبو داود (٥٢١٤)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (١١٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٠)، والمشكاة (٤٦٨٣).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٤١). وأخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٦٧)، وابن عدي في =","vol":"11","page":148},{"text":"قوله: وعن عطاء الخراساني [هو أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح عطاء بن أبي مسلم، واسم أبي مسلم عبد اللَّه، ويقال: ميسرة الأزدي الخراساني البلخي. سكن عطاء الشام، وهو مولى للمهلب بن أبي صفرة، وعطاء من التابعين الكبار، روى عن معاذ بن جبل، وكعب بن عجرة، وابن عباس، وأنس، وعبد اللَّه بن السعدي مرسلا، وسمع ابن المسيب، وابن جبير، وعكرمة، وأبا مسلم، وأبا إدريس الخولانيين، وعطاء بن أبي رباح، ونافعا، وعروة، والمقبري، والزهري، وآخرين من التابعين. روى عنه عطاء بن أبي رباح، وابن جريج، ومعمر، ومالك، وشعبة، وابنه عثمان بن عطاء، والضحاك بن مزاحم، والأوزاعي، وخلائق من الأئمة، وهو من التابعين العباد متفق على توثيقه (^١)].\nقوله: \"تصافحوا يذهب عنكم الغل\" ظاهره المصافحة بالأيدي عند السلام واللقاء، وقد اختلف العلماء في هذا والأكثرون على جوازه قيل تصافحوا أيس ليصفح بعضكم عن بعض ويعفو وضده المشاحنة والمناقشة التي تولد الأضغان والحقود، قاله عياض.\nقوله: \"وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء\" الحديث، وفي رواية: \"فإن الهدية تذهب وحر الصدر\" ووحر الصدر غشه ووساوسه، وقيل: الحقد والغيظ، قيل: العداوة وقيل اشتد الغضب وقيل الغل اللاصق به كما تلصق الوحرة\n_________\n= الكامل (٦/ ٢٠٥)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٨٨)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٤٨٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٧٦٦) وضعيف الترغيب (١٦٣١).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٤ ترجمة ٤١٠).","vol":"11","page":149},{"text":"بالأرض وكلك رواه البخاري من كتاب الأدب والبيهقي من حديث أبي هريرة بإسناد جيد أن النبي -ﷺ- قال: \"تهادوا تحابوا فإنه يضعف الحب ويذهب بغوائل الصدور\" وفي حديث الهدية: \"تذهب وغر الصدور\" هو بالتحريك الغل والحرارة وأصله من الوغرة وهي شدة الحر.\nقوله: رواه مالك هكذا معضلا، الحديث المعضل في اصطلاح المحدثين هو الذي سقط من رواته اثنان وتقدم الكلام عليه.\nلطيفة في مناقب الإمام مالك بن أنس ﵀: في الإحياء في الباب السادس من أبواب العلم: حكى أن يحيى بن مزيد النوفلي كتب إلى مالك بن أنس: بسم اللَّه الرحمن الرحيم وصلى اللَّه على محمد في الأولين والآخرين من يحيى بن أبي يزيد إلى مالك بن أنس، أما بعد، فقد بلغني أنك تلبس الرقاق وتأكل الرقاق وتجلس على الوطاء وتجعل على بابك حجابا، وقد جلست مجلس العلم وضربت إليك المطي وارتحل إليك الناس فاتخذوك إماما ورضوا بقولك فاتق اللَّه يا مالك وعليك بالتواضع كتبت إليك بالنصيحة مني كتابا ما اطلع عليه إلا اللَّه والسلام، فكتب مالك: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد، سلام عليك، أما بعد،،، فقد وصل إليَّ كتابك فوقع مني موقع النصيحة من المشفق أمتعك اللَّه بالتقوى وخولك بالنصيحة خيرا وأسأل اللَّه التوفيق ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، فأما ما ذكرت من أني آكل الرقاق وألبس الرقاق وأجلس على الوطاء فنحن نفعل ذلك ونستغفر اللَّه تعالى، وقد قال ﷾: ﴿قُلْ","vol":"11","page":150},{"text":"مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^١) وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه فلا تدعنا من كتابك فإنا ليس ندعك من كتابنا والسلام (^٢).\n\n٤١٢٤ - وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده -﵃- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ لَيْسَ منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود وَلا بالنصارى فَإِن تَسْلِيم الْيَهُود الإِشَارَة بالأصابع وَإِن تَسْلِيم النَّصَارَى بالأكف رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَزَاد وَلا تقصوا النواصي وأحفوا الشَّارِب وَاعْفُوا اللحى وَلا تَمْشُوا فِي الْمَسَاجِد والأسواق وَعَلَيْكُم القمص إِلَّا وتحتها الأزر (^٣).\nقوله: وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -﵃-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وإن تسليم النصارى بالأكف\" الحديث، يعني: من تشبه باليهود والنصارى في الإشارة بالأكف والأصبع عند التسليم فليس ممن سلك على طريقتنا.\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٣٢.\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٦٧)، وحياة الحيوان (٢/ ٤٤٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٦٩٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٣٨ رقم ٧٣٨٠) والقضاعي في مسند الشهاب (١١٩١). قال الترمذي: هذا حديث إسناده ضعيف وروى ابن المبارك، هذا الحديث عن ابن لهيعة، فلم يرفعه. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ليث بن سعد إلا أبو المسيب. قال البغوى في شرح السنة ١٢/ ٢٦٧: وإسناده ضعيف، ولم يرفعه بعضهم. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٨ - ٣٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢١٩٤) وصحيح الترغيب (٢٧٢٣).","vol":"11","page":151},{"text":"قوله: وزاد الطبراني \"ولا تقصوا النواصي وأحفوا الشارب واعفوا اللحى\".\nورد \"وأحفوا الشوارب\" (^١) وفي رواية \"وأنهكوا الشوارب\" (^٢) وفي رواية \"قصوا الشوارب\" (^٣) وفي رواية لمسلم \"جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوهم المشركين\" (^٤) وهو بقطع الهمزة في \"أحفوا الشوارب\" وقال ابن دريد (^٥): يقال حفا الرجل شاربه يحفوه حفوا إذا استأصل أخذ شعره فعلى هذا يكون همزة \"احفوا\" همزة وصل ومعناه احفوا ما طال على الشفتين (^٦).\nوقال ابن فارس (^٧): أحفيت الشارب إحفاء إذا أخذت منه.\nوفي حديث أبي هريرة: \"جزوا الشوارب وخالفوا المجوس\" وهذا لأنه من زي كسرى قص اللحى وتوفير الشوارب فأمر -ﷺ- أمته بمخالفتهم في الهيئة وفي ذلك أربعة معنا: أحدها: مخالفة الكفار، والثاني: أنه أجمل وأحسن، والثالث: أنه أطيب وأنظف، فإن الإنسان إذا أكل أو شرب أو قبل منعه طول الشارب من كمال الالتذاذ وربما دخل الشعر في الفم مع المتناول ثم يحصل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٥٢ و٥٣ و٥٤ - ٢٥٩) عن ابن عمر.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٩٣) عن ابن عمر.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٢٩ (٧١٣٢) عن أبي هريرة.\n(^٤) أخرجه مسلم (٥٥ - ٢٦٠) عن أبي هريرة.\n(^٥) جمهرة اللغة (١/ ٥٥٧).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥٥ - ١٥١).\n(^٧) مجمل اللغة (١/ ٢٤٣).","vol":"11","page":152},{"text":"فيه من الزهم والوسخ واللحية بعيدة عن ذلك، والرابع: أن اللَّه تعالى خلق اللحية على صفة تقبل الطول بخلاف الشارب فإنه لا يطول كطولها فكان المراد موافقة الحق ﷿ فيما رتب قاله في الحواشي (^١).\nوالجز والقص بمعنى (^٢)، والرواية الصحيحة \"جزوا\" كذا للكافة ووقع \"خذوا الشوارب\" (^٣).\nقوله: \"وخالفوا المجوس\" وجاء \"وخالفوا المشركين\" أي: فإنهم يطيلون الشارب ويحلقون اللحى وهذا أمر استحباب في الشارب واللحية والأمر بالمخالفة دليل على اجتناب التشبه بهم في كل شيء ما لم يرد نص في التقرير.\nقوله: \"وأحفوا\" معناه: أحفوا ما طال على الشفتين، وذهبت كثير من السلف إلى استئصال الشارب وحلقه فظاهر قوله -ﷺ-: \"أحفوا وأنهكوا\" وهو قول الكوفيين وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال وفاء له، ومالك ﵀ يرى أن حلقه مُثلة ويأمر بأدب فاعله، وكان يكره أن يأخذ من أعلاه ويحمل رواية الحف على المبالغة في قصه ويشهد لذلك رواية \"جزوا الشوارب\"، وذهبت طائفة إلى التخيير بين الحف والقص وذهب بعضهم إلى التخيير بين الأمرين والمختار في الشارب ترك الاستئصال والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة (^٤).\n_________\n(^١) قاله ابن الجوزى كما في كشف المشكل (٢/ ٥١٩ - ٥٢٠).\n(^٢) إكمال المعلم (٢/ ٦٤).\n(^٣) المفهم (٢/ ١٤١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥١).","vol":"11","page":153},{"text":"وقوم يرون إنهاكها وزوال شعرها ويفسرون به الإحفاء فإن اللفظ يدل على الاستقصاء وهو المبالغة في الأخذ ومنه إحفاء المسألة وقد وردت به الروايات: \"أنهكوا الشوارب\" (^١) والجواب عن الأول أن المراد بالإحفاء الإحاطة قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (^٢) أي: محيطين والمراد أحيطوا بها قصا ولا تقصوا البعض وتتركوا البعض كما يفعل الأعاجم فإنهم يتركون السبالات ويقصون الشوارب، وروي الإمام أحمد في المسند أنه -ﷺ- قال: \"قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم ولا تشبهوا باليهود\" (^٣) والعثانين بالعين المهملة والتاء المثلثة ثم بالنون ثم بالياء المثناة تحت ثم بالنون وهي اللحاء أي وفروها من الأخذ والجواب عن رواية \"أنهكوا الشوارب\" أي بالغوا في الأخذ منه والإحاطة فقص ما على حمرة الشفة فإن إزالة الشعر مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة.\nوقوله في الحديث: \"وقص الشارب\" فيه دليل على عدم الإحفاء لأنه لو كان المراد الاستئصال لقال -ﷺ- \"وحلق الشارب\".\nفائدة: قال -ﷺ-: \"الفطرة خمس: الختان، والاستحداد وقص الشارب\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٢٤).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٧٥.\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٤ (٢٢٢٨٣)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٣٦ رقم ٧٩٢٤)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٣٩٦ - ٣٩٧ رقم ٥٦٨٧). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٣١: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح خلا القاسم، وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٢٤٥).","vol":"11","page":154},{"text":"وتقليم الأظفار ونتف الإبط\" (^١) الحديث، تقدم الكلام على الختان والاستحداد، قال العلماء: هو استفعال من الحديد وهو إزالة شعر العانة بالحديد ولو إزالة بالنتف أو النورة فهو محصل للمقصود لكن الأفضل الحلق وهذا في حق الرجل، أما المرأة فذكر النووي أن السنة في حقها النتف لأن الحلق يكثر الشعر على المحل، وقال المالكية عكس ذلك لأن النتف يرخي المحل وينبغي لها أن تراجع الزوج في ذلك وتفعل ما يأمرها به من نتف أو حلق ولا يجب حلق العانة إلا على المرأة إذا أمرها به الزوج وشعر العانة هو الذي حول الذكر على المشهور، وقال ابن سريح: إن العانة هي الشعر الذي حول الدبر لأنه إذا كثرت تلوثت بالغائط ومنع الاستنجاء بالأحجار (^٢).\nوقوله في الحديث: \"وقص الشارب\" يحتمل قص جميعه وقد استحبه بعض العلماء وفسروا به قوله \"حفوا الشوارب\" وقوم يرون إنهاكها وزوال شعرها ويفسرون بها الإحفاء وتقدم الخلاف في ذلك فقص الشارب سنة، ويستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن وهو مخير بين القص بنفسه وبين أن يولي ذلك غيره بحصول المقصود من غير هتك مروءة ولا حرمة بخلاف الإبط والعانة وأما حد ما يقصه فالمختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٥٧) و(١٢٩٣) والصحيح (٥٨٨٩)، ومسلم (٤٩ - ٢٥٧)، وأبو داود (٤١٩٨)، والترمذي (٢٧٥٦)، وابن ماجه (٢٩٢) عن أبي هريرة. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\n(^٢) انظر شرح النووي على مسلم (٣/ ١٤٨)، وفتح الباري (١٠/ ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"11","page":155},{"text":"من أصله، وأما رواية \"أحفوا الشوارب\" فمعناها \"أحفوا\" ما طال على الشفتين وتقدم الكلام على ذلك.\nقوله: \"وتقليم الأظفار\" أي: قطع ما طال عن اللحم منها فإن الشيطان يقعد على ما طال من ذلك، وفي ذلك ثلاث معان، أحدها: تحسين الهيئة وإزالة القباحة في طول الأظفار، والثاني: أنه أطيب لنفس الجليس الأكل معه لأن النفوس تعاف الأكل مع طويل الأظفار، الثالث: أن ذلك أقرب إلى الطهارة الشرعية لأن الأظفار إذا طالت اجتمعت الأوساخ تحتها فمنعت من وصول الماء إلى البشرة (^١).\nولو توضأ وتحت أظفاره وسخ [يمنع وصول الماء] (^٢) لم يصح وضوءه على الأصح في الروضة ورجح الغزالي الصحة، وقال العبادي: إن كان الذي تحتها من عجين ونحوه لم يصح وإلا فيصح ويشهد لعدم الصحة مطلقا ما رويناه في مسند أبي داود الطيالسي قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه متي الساعة؟ قال: \"يأتيني أحدهم يسألني عن الساعة ويدع أظفاره كأظفار الطائر تجمع الجنابة والتفث\" (^٣) ففي قوله \"تجمع الجنابة\" دليل على\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (١/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٢) هذه العبارة سقطت من الأصل وأثبتناها من الروضة (١/ ٦٤).\n(^٣) أخرجه الطيالسي (٥٩٧)، وأحمد ٥/ ٤١٧ (٢٣٥٤٢)، البخاري في التاريخ الكبير ٤/ ١٢٨، الشاشي (١١٣٨ و١١٣٩)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٤ رقم ٤٠٨٦)، والدينوري في المجالسة (٨/ ٣٣٢)، وابن عدي (٥/ ٣٤٧)، والبيهقي (١/ ٢٧١ رقم ٨٢٨ و٨٢٩). وقال البخاري: سليمان بن فروخ أبو واصل، قال: لقيني أبو أيوب هو =","vol":"11","page":156},{"text":"أنه لا يصح غسله ولا وضوءه.\nقوله: \"ونتف الإباط\" نتف الإبط سنة والنسة فيها النتف دون الحلق لأن النتف يضعف الشعر، والمراد: تخفيفه عن المواضع التي يجتمع فيها الرعض، قال الضميري: إلا أن يكون النتف يضعف عينيه فيكره له النتف ويستحب الحلق حينئذ، وإذا أمر به الزوج زوجته وجب، أ. هـ. قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\nتنبيه: قيل: وإنما عبر في الشارب القص وفي الأظفار بالتقليم لأن قص الأظفار يعسر معه جمعها بعص القص وهذه الفضلات يستحب جمعها ودفنها تكرمة للآدمي أو خوفا من أن تبعث بها السحرة والتقليم بالسكين يتيسر معه جمعها بخلاف القص، قال السمرقندي: روي أن آدم -﵇- لما قلم أظفاره وحلق شعره وغسل جسده من ذلك بالأرض فخلق اللَّه تعالى النخلة من ذلك خلق من الأظفار الجريد ومن الشعر الليف ومن الوسخ الخشب، أ. هـ، قاله ابن العماد أيضًا.\nقوله -ﷺ-: \"وأعفوا اللحى\" وفي رواية \"وأوفوا اللحى\" وفي رواية ابن هامان \"أرجوا\" بالجيم وهو بعيد وأصله أرجئوا بالهمز مأخوذ من الحسن\n_________\n= الأزدي، مرسل. قال ابن عدي: وسلمان هذا يحدث عن أبي أيوب بأحاديث مقدار عشرة أو أقل، وكل تلك الأحاديث لا يتابعه أحد عليه. وهذا مرسل، أبو أيوب الأزدي غير أبي أيوب الأنصاري. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٦٨: رواه أحمد، والطبراني باختصار، ورجالهما رجال الصحيح خلا أبا واصل، وهو ثقة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٤١٩).","vol":"11","page":157},{"text":"وجاء في رواية البخاري ووفروا اللحا فهو بقطع الهمزة في أعفوا وأحفوا وأوفوا وأرخوا واعفا اللحية توفيرها لتكثر والإعفاء التوفير من عفا الشيء إذا كثر وزاد واعفاء اللحا توفيرها وأن لا نقص كالشارب ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (^١) أي كثروا والعافي الطويل الشعر، وقيل: معناه اتركوها بحالها ولا تتعرضوا لها ومعنى إعفاء اللحية توفيرها وهو بمعنى أوفوا اللحا في الرواية وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشارع -ﷺ- عن ذلك وأما \"أوفوا\" بمعنى اعفوا أي اتركوها وافية كاملة لا تنقصوها وأما معنى أرخوا فهو بقطع الهمزة وبالخاء المعجمة ومعناه اتركوها ولا تتعرضوا لها بتغيير، وأما \"أرجوا\" فمعناه أخروها واتركوها ومعنى الروايات كلها وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء قال القاضي عياض ﵀: يكره حلقها وقصها وأما الأخذ من طولها [وتخريقها] وعرضها فحسن (^٢).\nتنبيه: فإن قلت: إذا كان الإعفاء مأمور به فلم أخذ ابن عمر من لحيته وهو رواي الحديث، قلت: لعله خصص بالحج أو أن المنهي هو قصه كفحل الأعاجم، أ. هـ، واللَّه أعلم وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزها، وقد اختلف السلف -﵃- هل ذلك حد فمنهم من لم يحدد شيئا في ذلك ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال واستحسنه بعض المالكية فإن تركها\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٩٥.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥١)، وطرح التثريب (٢/ ٨٣).","vol":"11","page":158},{"text":"في غاية الطول يوقع الناس في الضحك منها والتعجب وظاهر الحديث ينفي ما استحسنه هذا المالكي فإن الإعفاء لغة هو التكثير قال اللَّه تعالى: ﴿فلما عفوا﴾ (^١) أي كثروا ومنه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (^٢) أي الفاضل قاله النووي وانظره مع ما ذكره الغزالي في اللحية أنه يستحب أخذ ما طال منها وخرج عن العادة ونقله عن جماعة من السلف حتى تصير لحية بين لحيتين فإن التوسط في كل شيء حسن وقال أيضًا: وأما الأخذ من اللحية إذا طالت وخرجت عن حد الوجه وزادت على قبضته فلا بأس به، وقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين لأن الطول المفرط يشوه الخلقة ويوقع الناس فيه بالغيبة فلا بأس بالاحتراز منه على هذه النية (^٣).\nتنبيه: قال ابن السّكيت وغيره يقال في جمع اللحية لحي ولحي بكسر اللام وضمها لغتان الكسو أفصح (^٤) واللَّه أعلم.\nفائدة: وقد ذكر العلماء في اللحية عشر خصال مكروهة بعضها أشد قبحا من بعض، إحداها: خضابها بالسواد إلا لغرض الجهاد إرغامًا للعدو بإظهار الشباب والفتوة فلا بأس به إذن بهذه النية لا لهوى وشهوة، قال النووي: يحرم الخضب بالسواد للرجل والمرأة وهو حرام على الأصح المختار ولما في الصحيح من حديث أبي قحافة: \"واجتنبوا السواد\"، قلت: وممن\n_________\n(^١) سورة. . .، الآية:\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(^٣) نخب الأفكار (١٣/ ١٧٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٥١).","vol":"11","page":159},{"text":"صرح بتحريمه أقضى القضاة الماوردي في الحاوي في باب الصلاة بالنجاسة قال: إلا أن يكون في الجهاد، وقال في آخر كتابه الأحكام السلطانية: يمنع المحتسب الناس من خضاب التشبيه بالسواد إلا لمجاهد (^١)، أ. هـ.\nوقيل: يكره كراهة تنزيه والمختار التحريم لما تقدم من أحاديث رشدين بن سعد أن النبي -ﷺ- قال: \"إن اللَّه يبغض الغريب\" فسره رشدين بن سعد بالذي يخضب بالسواد (^٢) قال النووي (^٣): هذا مذهبنا.\nالثانية: خضابها بالصفرة أو الحمرة تشبها بالصالحين ومتبعي السنة لا لاتباع السنة، وهذا يرجع إلى قصد الرياء وإلا فهو سنة وورد بالأمر به ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة.\nالثالثة: تبييضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة لأجل الرياسة والتعظيم والمهابة والتكريم وإيهام لقي المشايخ وإظهار العلو السن ولقبول حديثه.\nالرابعة: نتفها أول طلوعها وتخفيفها بالموسى وإيثارا للمرودة وحسن الصورة فإن قصد به ما يحرم فحرام وهذه الخصلة أقبحها.\n_________\n(^١) الحاوى (٢/ ٢٥٧)، والأحكام السلطانية (ص ٣٧٣).\n(^٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٥٧٧).\nوقال: وهذا الحديث بهذا اللفظ يرويه رشدين ورشدين بن سعد له أحاديث كثيرة غير ما ذكرت، وعامة أحاديثه عَمَّن يروله عنه، ما أقل فيها ما يتابعه أحد عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٤٧١).\n(^٣) المجموع (١/ ٢٩٤).","vol":"11","page":160},{"text":"الخامسة: نتف الشيب وهو مكروه كحديث ابن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم يوم القيامة\" وصرح الأصحاب بكراهته، قال النووي: ولو قيل بالتحريم لم يبعد وإلا فرق بين اللحية والرأس.\nالسادسة: تصفيفها طاقة فوق طاقة للتزين والتصنع لتستحسنه النساء وغيرهن، فإن قصد تحسين الهيئة بذلك بحيث لا يشتغل به فلا بأس، السابعة: الزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين والنقص أين يأخذ بعض العذارين في حلق الرأس ونتف جانبي العذارين أو العنقفة وغير ذلك.\nالثامنة: تسريحها تصنعا لأجل الناس.\nالتاسعة: تركها شعثة منتفشة بلا دهن ولا تسريح إظهارا للزهادة وقلة المبالات لنفسه، العاشرة: النظر إلى سوادها أو بياضها إعجابا أو خيلاء وغرة بالشباب وفخرا بالمشيب وتطاولا على الشباب (^١). أ. هـ.\nالحادية عشرة: عقدها وظفرها، الثانية عشرة: حلقها إلا إذا نبتت للمرأة لحية فيستحب لها حلقها (^٢)، قال النووي (^٣): ومما يكره في اللحية عقدها لما\n_________\n(^١) المجموع (١/ ٢٩١ - ٢٩٢)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٤٩)، طرح التثريب (٢/ ٨٣ - ٨٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٤٩) وشرح الإلمام (٣/ ٣٢١)، وطرح التثريب (٢/ ٨٤).\n(^٣) المسائل الأحد عشر ذكرها بنصها النووي في المجموع (١/ ٢٩١ - ٢٩٢) نقلا عن أبي طالب المكي في قوت القلوب، والغزالي في الإحياء وانظر قوت القلوب (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١)، والإحياء (١/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"11","page":161},{"text":"في سنن أبي داود وغيره عن رويفع بإسناد جيد قال.: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: \"يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخبر [الناس] أنه من عقد لحيته أو تقلد وترا أو [استنجى بـ] رجيع دابة أو عظم فإن محمدا منه برئ\" (^١).\nقال الخطابي (^٢): في عقدها تفسيران، أحدهما: أنهم كانوا يعقدون لحاهم في الحرب وذلك من زي الأعاجم، والثاني: معالجة الشعر لينعقد وذلك منة فعل أهل التأنيث، الثانية عشر: حلقها إلا إذا نبتت للمرأة لحية فيستحب لها حلقها.\nتنبيه: قال الغزالي (^٣): وهذه الخصال ليس منها محرم إلا الخضاب بالسواد ونتف اللحية وكذلك حقها لما نص عليه الشافعي وكذلك الزيادة فيها بشعر غيره للحديث.\nفرع: في القزع في الرأس، القزع هو بفتح القاف والزاي التقطع يقال: تقزعت السحاب أي تقطعت وقزعة السحاب القطعة منه، وعن ابن عمر أن رسول اللَّه -ﷺ- نهى عن القزع، قلت لنافع: ما القزع؟ قال: يحلق بعض الرأس ويترك بعضه (^٤)، وفي رواية: أن هذا التفسير من كلام عبيد اللَّه، قال النووي: القزع وهذا التفسير الذي فسر به نافع وعبيد اللَّه هو الأصح وهو\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٣٢ (٥١١١). وصححه الألباني في صحيح، المشكاة (٣٥١).\n(^٢) غريب الحديث (١/ ٤٢٣)، ومعالم السنن (١/ ٢٧).\n(^٣) الإحياء (١/ ١٤٣).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٣ - ٢١٢٠).","vol":"11","page":162},{"text":"أن القزع حلق بعض الرأس مطلقا ومنهم من قال هو حلق مواضع متفرقة منه، والصحيح الأول لأنه تفسير الراوي وهو غير مخالف للظاهر فوجب العمل به، وأجمع العلماء على كراهة القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها وهي كراهة تنزيه وكرهه مالك في الجارية والغلام مطلقا، وقال بعض أصحابه: لا بأس به في القصة أو القفا للغلام ومذهبنا كراهته مطلقا للرجال والمرأة لعموم الحديث، قال العلماء: والحكمة في كراهته أنه توشيه للخلق وقيل لأنه زي أهل الشر والشطارة وقيل لأنه زي اليهود (^١).\nوقد جاء هذا في رواية لأبي داود وروي هو والنسائي وأحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين أن ابن عمر رأى صبيا وقد حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: احلقوا كله أو ذروا كله وأما حلق الرأس كله (^٢).\nفقال الغزالي: لا بأس به لمن أراد التنظيف ولا بأس بتركه لمن أراد دهنه وترجيله هذا كلام الغزالي وغيره من أصحابنا، وقال أحمد: لا بأس بقصه بالمقراض وعنه في كراهة حلقه روايتان، قال النووي: والمختار أن لا كراهة فيه ولكن بالسنة تركه فلم يصح أن النبي -ﷺ- حلقه إلا في حج أو عمرة ولم يصح تصريح بالنهي عنه واللَّه أعلم (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٠١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٩٥)، والنسائي في المجتبى ٨/ ١٣ (٥٠٩٢). وصححه الألباني في الصحيحة (١١٢٣).\n(^٣) المجموع (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦).","vol":"11","page":163},{"text":"٤١٢٥ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- تَسْلِيم الرجل بأصبع وَاحِدَة يُشِير بهَا فعل الْيَهُود رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (^١).\n\n٤١٢٦ - وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ لا تبدؤوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ وَإِذا لَقِيتُم أحدهم فِي طَرِيق فاضطروهم إِلَى أضيقه رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام\" الحديث، لأن السلام إعزاز ولا يجوز إعزازهم (^٣)، قال النووي (^٤): واختلف العلماء في ابتداء\n_________\n(^١) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في العلل (١٣٣١)، وأبو يعلى (١٨٧٥)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٢٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٦١ رقم ٤٤٣٧) والشاميين (٥٠٢)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٢٦٤ - ٢٦٥ رقم/ ٨٢١). قال أحمد: هذا حديث منكر أنكره جدا. وقال: هذه الأحاديث موضوعة أو كأنها موضوعة. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ثور إلا أبو خالد الأحمر، تفرد به: عثمان بن أبي شيبة، ولا يروى عن رسول اللَّه -ﷺ- إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٨: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط واللفظ له، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وقال البوصيري في الاتحاف ٦/ ٤١: هذا إسناد رواته رواة الصحيح، رواه الطبراني بهذا اللفظ. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٧٨٣) وفي صحيح الترغيب (٢٧٢٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣ - ٢١٦٧)، وأبو داود (٥٢٠٥)، والترمذي (١٦٠٢) و(٢٧٠٠). وقال الترمذي في الموضع الأول: هذا حديث صحيح، وقال في الثاني: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) المفاتيح (٥/ ١٢٢).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٤٥).","vol":"11","page":164},{"text":"السلام على الكفار، فمذهبنا تحريم ابتداؤهم به وبهذا الذي ذكرنا عن مذهبنا، قال أكثر العلماء عنه وعامة من السلف قال بعض أصحابنا يكره ابتداؤهم به ولا يحرم وهو ضعيف ويرد هذا القول أن ظاهر النهي التحريم وهو الصواب وقد صرح النووي في الرياض (^١) بتحريمه لهذا الحديث وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردي لكنه يقول السلام عليك ولا يقول السلام عليكم بالجمع، واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث بإفشاء السلام وهي حجة لأنه عام مخصوص بحديث: \"لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام\".\nفرع: يجوز الابتداء بالسلام على جمع فيه مسلمون أو مسلم وكفار ويقصد المسلمين للحديث وهو أن النبي -ﷺ- سلم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين واللَّه أعلم (^٢).\nتنبيه: والغرض من ذلك أن يوحشهم ويظهر لهم أنه ليس بينهما ألفة وروي أن ابن عمر سلم على رجل فقيل له إنه يهودي فتبعه ابن عمر وقال له رد علي سلامي (^٣).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١٠/ ٢٣٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٤٥).\n(^٣) التوضيح (٢٩/ ١٩) والأثر أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٤٥٨).","vol":"11","page":165},{"text":"قوله: \"لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه\" الحديث، قال النووي (^١): قال أصحابنا: لا يترك للذمي صدر الطريق بل يضطره إلى أضيقه إذا كان المسلمون يطوفون فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج قالوا: وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار ونحوه واللَّه أعلم.\n\n٤١٢٧ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسول اللَّه -ﷺ- إِذا سلم عَلَيْكُم أهل الْكتاب فَقولُوا وَعَلَيْكُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَمن نوع هذَيْن الْحَدِيثين كثير لَيْسَ من شَرط كتَابنَا فتركناها (^٢).\nقوله: وعن أنس -﵁-: تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم\" الحديث، وفي روايه: أن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد عليهم؟ قال قولوا: \"وعليكم\"، أهل الكتاب هم اليهود والنصاري فإن لهما التوراة والإنجيل قال النووي (^٣): اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم وعليكم السلام وبه قال الجمهور، وقد قال بعض الشافعية: يجوز أن يقول في الرد عليهم وعليكم السلام ولكن لا يقول ورحمت اللَّه حكاه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٥٨) و(٦٩٢٦)، ومسلم (٦ و٧ - ٢١٦٣)، وأبو داود (٥٢٠٧)، والترمذي (٣٣٠١)، وابن ماجه (٣٦٩٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٤٤).","vol":"11","page":166},{"text":"الماوردي قال النووي (^١): وهو ضعيف مخالف للأحاديث وقد اختلفت طرق هذا الحديث في إثبات الواو وحذفها قال النووي وأكثر الروايات بإثباتها.\nقوله: \"وعليكم\" إنما اختار هذه الصيغة لتكون أبعد عن الإيحاش وأقرب إلى الرفق وقال الخطابي: عامة المحدثين يروونه بالواو وكان سفيان بن عيينة يرويه \"عليكم\" بحذف الواو، قال الخطابي: وهذا هو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردود عليهم خاصة وبإدخال الواو تقع المشاركة معهم فيما قالوه هذا كلام الخطابي، قال النووي: والصواب أن إثبات الواو وحذفها جائزان كما صحت به الروايات وأن الواو أجود كما هو في أكثر الروايات ولا مفسدة فيه لأن السام الموت وهو علينا وعليهم فلا ضرر في قوله بالواو على هذا في معناه وجهان أنه على ظاهره لأن السام الموت وهو علينا وعليهم فقالوا: عليكم الموت فقال وعليكم أيضًا أي نحن وأنتم فيه سواء كلنا نموت والثاني أن الواو هنا للاستئناف لا للعطف والتشريك، وتقديره: وعليكم ما تستحقونه من الذم وإنما اختار هذه الصيغة لتكون أبعد من الإيحاش وأقرب إلى الرفق كما تقدم، وأما من حذف الواو فتقديره بل عليكم السام والسام فسروه بالموت وهو الصحيح وهو بتخفيف الميم، وفي الحديث أن اليهود كانوا يقولون السام عليكم يعني الموت ويظهرون أنهم يريدون السلام عليكم وفي حديث\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٤/ ١٤٥).","vol":"11","page":167},{"text":"عائشة أنها سمعت اليهود يقولون للنبي -ﷺ-: \"السام عليك يا أبا القاسم\" فقال: عليكم السام والذام واللعنة ولها قال: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: \"وعليكم\" يعني الذي يقولونه لكم ردوه عليهم (^١)، أ. هـ.\nوقال بعض العلماء: أما من فسر السام بالموت فلا تبعد الواو ومن فسره بالسآمة وهي الملالة أي تسئمون دينكم، فإسقاط الواو وهو الوجه ذكره صاحب سلاح المؤمن (^٢) وقال بعض العلماء: يقول: وعليكم السلام بكسر السين أي الحجارة قال النووي: وهذا ضعيف أيضًا والصواب أن إثبات الواو وحذفها جائز واللَّه أعلم (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٤/ ١٤٤ - ١٤٥)، ومطالع الأنوار (٦/ ٢٦٠).\n(^٢) سلاح المؤمن (ص ٤٦٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٤٤).","vol":"11","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>[الترهيب أن يطلع الإنسان في دار قبل أن يستأذن]</span>\n٤١٢٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ من اطلع فِي بَيت قوم بِغَيْر إذْنهمْ فقد حل لَهُم أَن يفقؤوا عينه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ ففقؤوا عينه فقد هدرت (^١).\n\n٤١٢٩ - وَفِي رِوَايَة للنسائي أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من اطلع فِي بَيت قوم بغَيْر إذْنهمْ ففقؤوا عينه فَلَا دِيَة لَهُ وَلا قصاص (^٢).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه\" الحديث، ورواه أبو داود: فقال \"ففقؤوا عينه فقد هدرت\" وفي رواية النسائي: \"فلا دية له ولا قصاص\" الحديث، الفقؤ بالهمز الشق والقلع (^٣)، قال العلماء: هذا محمول على ما إذا نظر في بيت الرجل فرماه بحصاة ففقأ عينه، وهل يجوز منه قبل إنذاره، فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما جوازه لظاهر هذا الحديث (^٤)، وقد جاء في بقية هذا الحديث إنما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٨٨) و(٦٩٠٢)، ومسلم (٤٣ و٤٤ - ٢١٥٨) واللفظ له، وأبو داود (٥١٧٢)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٤٣٩ (٤٩٠٥).\n(^٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٧/ ٤٣٩ (٤٩٠٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٢٧).\n(^٣) النهاية (٣/ ٤٦١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٣٨).","vol":"11","page":169},{"text":"جعل الإذن من أجل البصر أي شرع وأمر به لئلا يقع البصر على الحرم فلا، يحل لأحد أن ينظر في جحر باب ولا غيره مما هو متعرض فيه لوقوع بصره على امرأة أجنبية (^١).\nقوله: في قوله النسائي \"ففقؤوا عينه فلا دية ولا قصاص\" دليل لمذهب الشافعي ومن قال بقوله، وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وغيرهما، وقد أخذ الشافعي ﵀ بظاهر الحديث وبه قال عمر وأبو هريرة وتأوله أبو حنيفة على معنى التغليظ والوعيد فأوجب الضمان وقيل إنما يكون فقؤ عينه إذا تقدم إليه في ذلك فلم ينزجر كاللص إنما يباح له قتله ودفعه عن نفسه إذا لم ينصرف بدونه، قاله الأصبهاني صاحب المغيث (^٢).\n\n٤١٣٠ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أَيّمَا رجل كشف سترا فَأدْخل بَصَره قبل أَن يُؤذن لَهُ فقد أَتَى حدا لَا يحل لَهُ أَن يَأْتِيهِ وَلَو أَن رجلا فَقَأَ عينه لهدرت وَلَو أَن رجلا مر على بَاب لَا ستر لَهُ فَرَأى عَورَة أَهله فَلَا خَطِيئَة عَلَيْهِ إِنَّمَا الْخَطِيئَة على أهل الْمنزل رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا ابْن لَهِيعَة وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لا نعرفه إِلَّا من حَدِيث ابْن لَهِيعَة (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٤/ ١٣٨).\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٤٨٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢١٣٥٩) و٥/ ١٨١ (٢١٥٧٢)، والترمذي (٢٧٠٧). وقال الترمذي: غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث ابن لهيعة. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٤٣: رواه أحمد. وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٢٨).","vol":"11","page":170},{"text":"قوله: وعن أبي ذر -﵁-: تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أيما رجل كشف سترا فأدخل بصره قبل أن يؤذن له فقد أتى حدا لا يحل له أن يأتيه\" فيه دليل على جواز رمي غير الناظر إذا نظر إلى ملك غيره ويؤخذ منه تحريم النظر إلى بيوت الجيران وإذا تعمد النظر فرماه بشيء خفيف كحصاة فأعماه أو فقأ عينه فلا قصاص ولا ضمان ولا فرق بين أن يكون الناظر بالغا أو صبيا مميزا وهو كذلك، وقد يستشكل رمي عين الصبي مع أنه لا قصاص عليه ويجاب عنه بأن هذا من باب الصيال، والصبي إذا صال على الإنسان ليقتله جاز له قتله فكذلك إذا نظر جاز له رمي عينه وظاهر الخبر أنه يكون الرمي ابتداء من غير إنذار وهو كذلك، وفرقوا بينه وبين الصائل حيث وجب إنذاره بالأسهل فالأسهل بأن النظر جناية تامة فاستحق فاعلها العقوبة بخلاف الصائل فإنه قاصد للجناية ولم تقع منه الجناية.\nثم إنما يجوز رمي عين الناظر بشرطين أحدهما أن لا يقصر صاحب الدار فإن قصر بأن ترك الباب مفتوحا أو الكوة مفتوحة لم يجز له رمي عين الناظر، الشرط الثاني: أن لا يكون للناظر شبهة فإن كانت له محرم في دار المنظور إليه أو زوجته أو أمته لم يجز رمي عينه، ولو نظر من سطح نفسه إلى دار الغير أو نظر المؤذن من المأذنة جاز رمي عينه على الأصح إذ ليس السمع كالبصر في الاطلاع على العورات وإن كان يحرم (^١) لقوله -ﷺ- \"من استمع حديث قوم بغير إذنهم صب في أذنيه الآنك يوم القيامة\" (^٢) أ. هـ، قاله في شرح مشارق الأنوار.\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ٢٤٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٠٤٢) عن ابن عباس.","vol":"11","page":171},{"text":"٤١٣١ - وَعَن عبَادَة يَعْنِي ابْن الصَّامِت -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- سُئِلَ عَن الاسْتِئْذَان فِي الْبيُوت فَقَالَ من دخلت عينه قبل أَن يسْتَأْذن وَيسلم فَلَا إِذن وَقد عصى ربه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث إِسْحَاق بن يحيى عَن عبَادَة وَلم يسمع مِنْهُ وَرُوَاته ثِقَات (^١).\nقوله: وعن عبادة يعني ابن الصامت -﵁-: تقدم الكلام عليه.\nقوله: أن رسول اللَّه -ﷺ- سئل عن الاستئذان في البيوت فقال: \"من دخلت عينه قبل أن يستأذن ويسلم فلا إذن له\" قال العلماء: والسنة أن يسلم ثم يستأذن فيقوم عند الباب بحيث لا ينظر إلى من في داخله ثم يقول السلام عليكم أأدخل، فإن لم يجبه أحد قال ذلك ثانيا وثالثا فإن لم يجبه أحد انصرف، وهذا الذي ذكر، قال في تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح، وكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه، أحدها: هذا، والثاني: تقدم الاستئذان على السلام، والثالث: وهو اختياره إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام وإن لم تقع عليه عينه قدم الاستئذان (^٢). أ. هـ واللَّه أعلم.\nقوله: رواه الطبراني من [رواية] إسحاق بن يحيى [عن عبادة، ولم يسمع منه، ورواته ثقات].\n_________\n(^١) أخرجه أبو القاسم الحرفى في أماليه (٩١). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٤٤: رواه الطبراني، وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٢).\n(^٢) روضة الطالبين (١٠/ ٢٣٥)، والأذكار (ص ٤١٣).","vol":"11","page":172},{"text":"٤١٣٢ - وَعَن أنس -﵁- أَن رجلا اطلع من بعض حجر النَّبِي -ﷺ- فَقَامَ إِلَيهِ النَّبِي -ﷺ- بمشاقص أَو بمشاقص فَكَأنِّي أنظر إِلَيْهِ يخْتل الرجل ليطعنه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه أَن أَعْرَابِيًا أتَى بَاب النَّبِي -ﷺ- فألقم عينه خصَاصَة الْبَاب فَبَصر بِهِ النَّبِي -ﷺ- فتوخاه بحديدة أَو عود ليفقأ عينه فَلَمَّا أَن أبصره انقمع فَقَالَ لَهُ النَّبِي -ﷺ- أما إِنَّك لَو ثَبت عَلَيْك لفقأت عَيْنك المشقص بِكَسْر الْمِيم بعْدهَا شين مُعْجمَة سَاكنة وقاف مَفْتُوحَة هُوَ سهم لَهُ نصل عريض وَقيل طَوِيل وَقيل هُوَ النصل العريض نَفسه وَقيل الطَّوِيل يختله بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق أَي يخدعه ويراوغه وخصاصة الْبَاب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وصادين مهملتين هِيَ الثقب فِيهِ والشقوق وَمَعْنَاهُ أَنه جعل الشق الَّذِي فِي الْبَاب محاذيا عينه توخاه بتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة أَي قَصد (^١).\nقوله: وعن أنس -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: أن رجلا اطلع من بعض حجر النبي -ﷺ- فقام إليه النبي -ﷺ- بمشقص أو بمشاقص فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه\" وفي رواية النسائي أن أعرابيا أتى باب النبي -ﷺ- فألقم عينه خصاصة الباب فيضربه النبي -ﷺ- فتوخاه بحديدة أو عود ليقفا عينه فلما أن أبصره انقمع، الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٤٢) و(٦٨٨٩) و(٦٩٠٠)، ومسلم (٤٢ - ٢١٥٧)، وأبو داود (٥١٧١)، والترمذي (٢٧٠٨)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٤٣٨ (٤٩٠٢) والكبرى (٧٠٣٤).","vol":"11","page":173},{"text":"قوله: أن رجلا اطلع من بعض حجر النبي -ﷺ-، الحجر جمع حجرة وهي البيت وفي رواية أن رجلا اطلع من جحر في باب النبي -ﷺ-، وهو بتقديم الجيم أي شق كما جاء مصرحا به في حديث آخر.\nقوله: فقام إليه بمشقص، المشقص بكسر الميم بعدها شين معجمة ساكنة ومفتوحة هو سهم له نصل وقيل طويل وقيل هو النصل العريض نفسه وقيل الطويل قاله الحافظ.\nوقوله: يختل الرجل، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: يخدعه ويراوغه، أ. هـ\nوقال غيره يختله بفتح أوله وكسر التاء وإسكان الحاء أي يراوغه ويستغفله [أي: يداوره ويطلبه من حيث لا يشعر قاله في النهاية (^١)].\nقوله: \"ليطعنه\" بضم العين وفتحها والضم أشهر، وخصاصة الباب قد ضبطه الحافظ وفسره فقال هي الثقب فيه والشقوق ومعناه أنه جعل الشق الذي في الباب محاذي عينه، أ. هـ.\nوتوخاه: قد ضبطه الحافظ أيضًا وفسره فقال قصده، أ. هـ.\nوقوله: \"فلما أن أبصره انقمع\" في هذا الحديث جواز رمي عين المتطلع بشيء خفيف فلو رماها بخفيف ففقأها فلا ضمان إذا كان قد نظر في بيت ليس فيه امراة محرم، ومعنى قوله \"انقمع\" أي رد بصره ورجع يقال أقمعت الرجل عني إقماعا إذا اطعل عليك فرددته عنك فكان المردود أو الراجع قد\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ١٠).","vol":"11","page":174},{"text":"دخل في قمعه ومنه حديث منكر ونكير فينقمع [العذاب] عند ذلك أي يرجع ويتداخل قاله في النهاية (^١).\n\n٤١٣٣ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ -﵁- أَن رجلا اطلع على رَسُول اللَّه -ﷺ- من جُحر فِي حجرَة النَّبِي -ﷺ- وَمَعَ النَّبِي -ﷺ- مدراة يحك بهَا رَأسه فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- لَو علمت أنَّك تنظر لطعنت بهَا فِي عَيْنك إِنَّمَا جعل الاسْتِئْذَان من أجل الْبَصَر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^٢).\nقوله: وعن سهل بن سعد الساعدي -﵁- تقدم.\nقوله: أن رجلا اطلع على رسول اللَّه -ﷺ- من جحر في حجرة النبي -ﷺ- ومع النبي -ﷺ- مدراة يحك بها رأسه، الحديث، الجحر: هو بضم الجيم وإسكان الحاء وهو الخرق والمدرى بسكون الميم وإسكان الدال المهملة وبالقصر هي حديدة يسوى بها شعر الرأس، وقيل: هو شبه المشط، وقيل: هو أعواد تجدد تجعل شبه المشط وقيل هو عود تسوي به المرأة شعرها وجمعه مداري، وقال بعضهم: المدري والمدراة القرن الذي يصلح به شعر الرأس وهو شيء كالمسلة (^٣)، أ. هـ.\nقوله -ﷺ-: \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\" معناه أن الاستئذان مشروع ومأمور به، وإنما جعل لئلا يقع البصر على الحرم فلا\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٢٤) و(٦٢٤١) و(٦٩٠١)، ومسلم (٤٠ و٤١ - ٢١٥٦)، والترمذي (٢٧٠٩)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٤٣٩ (٤٩٠٣) والكبرى (٧٠٣٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٣٦ - ١٣٧).","vol":"11","page":175},{"text":"يحل لأحد أن ينظر في حجر باب ولا غيره مما هو متعرض فيه لوقوع بصره على امرأة أجنبية، وفي هذا الحديث جواز رمي عين المتطلع بشيء خفيف أي يرميه به منة بين أصبعيه فلو رماها بخفيف ففقأها فلا ضمان، إذا كان قد نظر في بيت ليس فيه امرأة محرم كما تقدم (^١).\nقوله: \"فخذفته بحصاة\" الخذف، بالخاء المعجمة فيما كان بالحصى وبالمهملة إذا كان بعصى ونحوها ومن رواه هنا بالمهملة فقد أخطأ، وهو من الرمي من بين الأصابع، أ. هـ.\nفرع: لو دخل مسجد وكشف عورته وأغلق الباب أو لم يغلقه فنظر إليه إنسان لم يكن له رميه لأن الموضع لا يختص به، نقله الرافعي في باب الصيال عن المرزبان (^٢) قاله الزركشي.\n\n٤١٣٤ - وَعَن ثَوْبَان -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- ثَلَاث لَا يحل لأحد أَن يفعلهن لَا يؤم رجل قوما فيخص نَفسه بِالدُّعَاءِ دونهم فَإن فعل فقد خَانَهُمْ وَلا ينظر فِي قَعْر بَيت قبل أَن يسْتَأْذن فَإن فعل فقد دخل وَلا يُصَلِّي وَهُوَ حقن حَتَّى يتخفف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٤/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢) روضة الطالبين (١٠/ ١٩٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٩٠) الترمذي (٣٥٧)، وابن ماجه (٦١٧) و(٦١٩) و(٦٢٣). وقال الترمذي: حديث حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٣)، المشكاة (١٠٧٠). =","vol":"11","page":176},{"text":"قوله: وعن ثوبان -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم\" الحديث، أما تخصيص الإنسان نفسه بالدعاء فمقتضى كلام النووي في الأذكار إطراده في سائر أدعية الصلاة (^١)، وبه صرح الغزالي في الإحياء في كلامه على التشهد، وقال يقول: اللهم اغفر لنا ولا يقول: اللهم اغفر لي (^٢)، وكره للإمام أن يخص نفسه بالدعاء وقال الجيلي الحكم كذلك في جميع الأدعية ونقله ابن المنذر في الإشراف عن الشافعي فقال قال الشافعي: لا أحب للإمام تخصيص نفسه بالدعاء دون القوم (^٣)، قال ابن المنذر وثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان إذا كبر في الصلاة يقول قبل القراءة: \"اللهم باعد بيني وبين خطاياي\" الحديث، وبهذا نقول (^٤). أ. هـ.\nوالسبب في ذلك أن الجميع مأمورون به هناك بخلاف دعاء القنوت وما في معناه ومن المأموم عليه وهذا هو الصواب أن ما أمر بقوله للإمام والمأموم يقرأ بلفظ الإفراد وما أمر الإمام بقوله كالقنوت يأتي الجمع والسنة شاهدة\n_________\n= وأما حديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود (٩١)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ١٨٥ رقم ٥٣٤٩ و٥٣٥٠)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٥٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٣) وضعيف أبي داود (١٣).\n(^١) الأذكار (ص ١٣٦).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ١٧٧).\n(^٣) الإشراف (٤/ ٢٧١).\n(^٤) المصدر السابق (٤/ ٢٧٠).","vol":"11","page":177},{"text":"بذلك إفرادا وجمعا فقد تقدم أن النبي -ﷺ- كان يقول بين السجدتين \"اللهم اغفر لي وارحمني وأجبرني وارزقني وارحمني\" وغير ذلك من الأحاديث، أ. هـ.\nقوله: \"ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن فإن فعل فقد دخل\" تقدم الكلام على ذلك في أحاديث الباب.\nقوله: \"ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف\" تقدم الكلام على ذلك في الصلاة.\n\n٤١٣٥ - وَعَن عبد اللَّه بن بسر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول لا تَأتُوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا وَلَكِن ائتوها من جوانبها فَاسْتَأْذنُوا فَإِن أذن لكم فادخلوا وَإِلَا فَارْجِعُوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طرق أَحدهَا جيد (^١).\nقوله: وعن عبد اللَّه بن بسر -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لا تأتوا البيوت من أبوابها ولكن ائتوها من جوانبها فاستأذنوا فان أذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا\"].\nخاتمة: عن أبي سعيد أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له فانصرف فأرسل إليه عمر: ما ردك؟ قال: استأذنت الاستئذان الي أمرنا به رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثًا فإن أذن لنا دخلنا وإن لم يؤذن لنا رجعنا\" الحديث، رواه\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٤٩٩).\nقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٤٤: رواه الطبراني من طرق، ورجال هذا رجال الصحيح، غير محمد بن عبد الرحمن بن عرق وهو ثقة.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٣١).","vol":"11","page":178},{"text":"مسلم، قال النووي: أجمع العلماء على أن الاستئذان أن مشروع وتظاهرت به دلائل القرآن، والسنة وإجماع الأمة والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثا ليجمع بين السلام ثم الاستئذان أو تقديم الاستئذان ثم السلام والصحيح الذي جاءت به السنة وقاله المحققون أنه يقدم السلام فيقول السلام عليكم ادخل، والثاني: تقديم الاستئذان، الثالث: وهو اختيار الماوردي من أصحابنا إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام والأقدم الاستئذان وصح عن النبي -ﷺ- حديثان في تقديم السلام، أما إذا استأذن ثلاثا فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمعه ففيه ثلاثة مذاهب أظهرها أنه ينصرف ولا يعيد الاستئذان، والثاني: يزيد فيه، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده وإن كان بغير إعاده فمن قال بالأظهر فحجته قوله -ﷺ- في هذا الحديث: \"فلم يؤذن له فليرجع\" ومن قال بالثاني حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه فلم يأذن له (^١)، وعن جابر قال: استأذنت على النبي -ﷺ-: فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: أنا، فقال النبي -ﷺ-: \"أنا، أنا\" رواه الجماعة (^٢).\nقال النووي (^٣): قال العلماء: إذا استأذن فقيل له من أنت أو من هذا كره له أن يقول أنا لهذا الحديث، ولأنه لم يحصل بقوله أنا فائدة ولا زيادة بل الإيهام، بل ينبغي أن يقول فلان باسمه وإن قال أنا فلان فلا بأس كما قالت أم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٣٠ - ١٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٥٠)، ومسلم (٣٨ و٣٩ - ٢١٥٥)، وأبو داود (٥١٨٧)، والترمذي (٢٧١١)، وابن ماجه (٣٧٠٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٨٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٣٥ - ١٣٦).","vol":"11","page":179},{"text":"هانئ حين استأذنت النبي -ﷺ-: من هذه، فقالت: أنا أم هانئ (^١) ولا بأس بقول أنا أبو فلان، أو القاضي فلان أو الشيخ فلان [إذا لم يحصل] التعريف [بالاسم لخفائه] وعليه يحمل حديث أم هانئ مثل لأبي قتادة وأبي هريرة والأحسن أن يقول أنا فلان المعروف بكذا وتقدم شيء من ذلك في الآذان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٧) و(٣١٧١) و(٦١٥٨)، ومسلم (٨٢ - ٣٣٦) عن أم هانئ.","vol":"11","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>[الترهيب أن يتسمع حديث قوم يكرهون أن يسمعه]</span>\n٤١٣٦ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من تحلم بحلم لم يره كلف أَن يعْقد بَين شعيرتين وَلنْ يفعل وَمن اسْتمع إِلَى حَدِيث قوم وهم لَهُ كَارِهُون صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك يَوْم الْقِيَامَة وَمن صور صُورَة عذب أَو كلف أَن ينْفخ فِيهَا الرّوح وَلَيْسَ بنافخ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره الآنك بِمد الْهمزَة وَضم النُّون هُوَ الرصاص الْمُذَاب (^١).\nقوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل\" تحلم: قال الخطابي: معناه أن يكذب بما لم يره في منامه يقال: حلم الرجل يحلم إذا رأى حلما وحلم يحلم بضم اللام إذا صار حليما وحلم الأديم بكسر اللام إذا فسر، ومعنى عقد الشعير أنه يكلف ما لا يمكن ليطول عذابه في النار وذلك أن عقد ما بين طرفي الشعير ممكن (^٢).\nوقال غير الخطابي: يقال حلم بالفتح إذا رأى وتحلم إذا ادعى الرؤيا كاذبا (^٣)، فقوله: \"من تحلم بحلم لم يره\" أي: زعم أنه رأى مناما لم يره وهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٤٢)، وأبو داود (٥٠٢٤)، والترمذي (١٧٥١).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ١٤٠).\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٤٩٢).","vol":"11","page":181},{"text":"لما رأى ذكر رؤية ما لم يره كلف فعل ما لم يفعل وهو العقد بين شعيرتين، فإن قال قائل: كذب الكاذب في منامه لا يزيد على كذبه في يقظته فلم زادت عقوبته ووعيده وتكليفه عقد الشعيرتين، فقد أجاب عنه ابن جرير الطبري: فقال: قد صح الحديث أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة والنبوة لا تكون إلا وحيا، والكاذب على اللَّه أعظم فرية ممن كذب على الخلق أو على نفسه (^١). أ، هـ، وكذا قاله في النهاية (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة\" الآنك: بمد الهمزة وضم النون هو الرصاص المذاب، قاله المنذري.\nقوله: ومن صور صورة عذب أو كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، سيأتي الكلام على من صور صورة في بابه إن شاء اللَّه تعالى، وروي أبو بكر بن أبي الدنيا بإسناده أن عمر بن سعد هذا ضرب عبدا لأبيه سوط فأقبل الغلام إلى سعد ودمه يسيل على عقبه، قال مالك: فأخبره فقال: اللهم اقتل عمر وأسل دمه، قال: فمات الغلام وقتل المختار عمر بن سعد (^٣) وولد عمر المذكور في العام الذي مات فيه عمر بن الخطاب وقتله المختار سنة خمس\n_________\n(^١) كشف المشكل (٢/ ٤٣١).\n(^٢) النهاية (١/ ٤٣٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في مجابو الدعوة (٢٧).","vol":"11","page":182},{"text":"وستين وقيل سنة ست وستين وقيل سنة سبع وستين والمشهور أنه قتله سنة ست وستين وعمر بن سعد بن أبي وقاص المذكور له ولد يسمى عثمان بن عبد الرحمن [بن سعد بن أبي وقاص الزهري أبو عمرو المدني يروى عن عطاء وعنه يونس بن بكير وغيره قال البخاري وغيره متروك (^١)].\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٩/ ترجمة ٣٨٣٧)، وتهذيب التهذيب (٧/ ترجمة ٢٧٩).","vol":"11","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>[الترغيب في العزلة لمن لا يأمن على نفسه عند الاختلاط]</span>\n٤١٣٧ - عَن عَامر بن سعد قَالَ كَانَ سعد بن أبي وَقاص فِي بَيته فَجَاءَهُ ابْنه عمر فَلَمَّا رَآهُ سعد قَالَ أعوذ بِاللَّه من شَرّ هَذَا الرَّاكب فَنزل فَقَالَ لَهُ أنزلت فِي إبلك وغنمك وَتركت النَّاس يتنازعون الْملك بَينهم فَضرب سعد فِي صَدره وَقَالَ اسْكُتْ سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول إِن اللَّه يحب العَبْد التقي الْغَنِيّ الْخَفي رَوَاهُ مسلم الْغَنِيّ أَي الْغَنِيّ النَّفس القنوع (^١).\nقوله: عن عامر بن سعد قال كان سعد بن أبي وقاص في [بيته] [إبله] فجاءه ابنه عمر، وعمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري، أبو حفص المدني سكن الكفوة روى عن أبيه وأبي سعيد الخدري ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية وهو الذي قتل الحسين وهو تابعي ثقة وقال ابن معين: كيف يكون ثقة من قتل الحسين، حدث يحيى بن سعيد القطان يوما عن شعبة وسفيان عن أبي إسحاق السبيعي عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد هذا فقام إليه رجل فبكى وقال: لا أعود أحدق عنه أبدا، ابن عبد الرحمن له في الكتب الستة حديث غريب رواه الترمذي في أبواب تعبير الرؤيا في باب رؤيا النبي -ﷺ- في الميزاب والدلو، قال الترمذي حدثنا أبو موسى الأنصاري أنا يونس بن بكير حدثني عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: سئل رسول اللَّه عن ورقة بن نوفل فقال له خديجة:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١ - ٢٩٦٥).","vol":"11","page":184},{"text":"إنه كان قد صدقك وإن مات قبل أن تظهر فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أريته في المنام وعليه ثياب بيض ولو كان من أهل النار لكان عليه ثياب غير ذلك، هذا حديث غريب وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي (^١).\nوكان عمر هذا له أخ يسمى محمد بن سعد يلقب ظل الشيطان أرسل عن النبي -ﷺ- وجماعة من الصحابة وعمر قتله المختار كما تقدم ومحمد هذا قتله الحجاج بن يوسف وهما شقيقان وكان سبب قتل محمد المذكور أنه خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث وشهد دير الجماجم فأتى به الحجاج فقتله وهو ثقة روى له الجماعة واللَّه أعلم (^٢) قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ-: \"إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي\" العبد التقي هو المتقي للَّه تعالى وتقدم الكلام على التقوى وسيأتي لها مزيد أيضًا في الزهد في الدنيا والغني هو الغني النفس القنوع قاله الحافظ المنذري، أ. هـ، وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي: والمراد بالغني غني النفس القنوع بما رزقه اللَّه، وقيل: من استغنى باللَّه قال النووي في شرح مسلم (^٣): المراد بالغني غني النفس هذا هو الغني المحمود لقوله -ﷺ- ولكن الغني غني النفس وأشار القاضي عياض ﵀ إلى أن المراد الغني بالمال.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢٨٨) والحاكم (٤/ ٣٩٣) وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨). وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: قلت: عثمان هو الوقاصي متروك. وضعفه الألباني في المشكاة (٤٦٢٣).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٥/ ٢٥٨ - ٢٦٠ ترجمة ٥٢٣٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٠٠).","vol":"11","page":185},{"text":"وأما الخفي بالخاء المعجمة فهو من الخفاء هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في الروايات ذكر القاضي عياض أن بعض رواة مسلم رواه بالحاء المهملة فمعناه بالمعجمة الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه (^١) يعني الخامل الذي لا يريد العلو فيها ولا الظهور في مناصبها وهذا نحو ما في حديث آخر في صفة ولي اللَّه تعالى وكان غامضا في الناس أي لا يعرف موضعه ولا يؤبه له قاله القرطبي (^٢) والحفي بالمهملة قيل معناه قيل معناه العالم من قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (^٣) (^٤) وقيل: المحتفي بأهله الوصول لهم بماله الساعي في حوائجهم (^٥)، وقيل: معناه الوصول لرحمه اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء والصحيح بالمعجمة (^٦)، أ. هـ.\nوقال الحافظ الدمياطي: الخفي هو الذي اعتزل عن الناس حتى خفى عليهم بمكانه ومعرضا عن أهل زمانه مقبلا على شأنه قال قي حدائق الأولياء: وفيه يعني الحديث من خواص العزلة والاختفاء وعموم الذكر محبة اللَّه لمن اتصف بذلك وناهيك بذلك (^٧).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) المفهم (٢٢/ ١٤٩).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٧) حدائق الأولياء (١/ ٥٦٥).","vol":"11","page":186},{"text":"قال النووي (^١): وفي هذا الحديث حجة لمذهب من يقول الاعتزال أفضل من الاختلاط، وفي المسألة خلاف مشهور وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى.\nوما أحسن قول أبي سليمان الخطابي في مدح العزلة والانفراد وإن لم يكن تعلق بهذا المعنى (^٢):\nأَنِسْتُ بِوَحْدَتِي وَلَزَمْتُ بَيْتِي ... فَدَامَ الأُنْسِ لِي وَنَمَى السُّرُورُ\nوَأَدَّبَنِي الزَّمَانُ فَلَا أُبَالِي ... هُجِرْتُ فَلَا أَزَارُ وَلا أَزُورُ\nفَلَسْتُ بِسَائِلٍ مَا دُمْتُ حَيًّا ... أَسَارَ الْجُنْدُ أَمْ رَكِبَ الأمِيرُ\nتنبيه: اختلف العلماء في العزلة والاختلاط أيهما أفضل، قال الغزالي في الإحياء للناس اختلاف كثير في العزلة والمخالطة وتفضيل إحداهما على الأخرى وميل أكثر العباد والزهاد إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة وظهر هذا الاختلاف بين التابعين فذهب إلى اختيار العزلة سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وداود الطائي والفضيل بن عياض وسلمين الخواص وسليمان بن أسياط وحذيفة المرعشي وبشر الحافي (^٣)، أ. هـ\nلما في العزلة من السلامة المحققة لكن بشرط أن يكون عارفا بوظائف العبادة التي تلزمه وما يتكلف به والمختار تفضيل الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعاصي وذهب إلى ذلك أكثر التابعين لما في الخلطة من اكتساب الفوائد وشهود شعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٠١).\n(^٢) العزلة (ص ٩٤).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢).","vol":"11","page":187},{"text":"الخير إليهم والتألف والتحبب للمؤمنين والاستعانة بهم على الدين قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^١) ومال إلى هذا سعيد بن المسيب والشعبي وابن أبي ليلى وهشام بن عروة وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد اللَّه وابن عيينة وابن المبارك والشافعي والإمام أحمد بن حنبل واللَّه أعلم (^٢).\nفائدة: والعزلة اسم من الاعتزال وهو الانفصال عن الشيء والتباعد عنه وإنما كانت العزلة عبادة لأنها أقرب إلى السلامة من حيث أنها تكلف السمع والبصر واللسان واليد والرجلين عن كسب الآثام وتعين على التفرغ للعبادة والإخلاص فيها وحضور القلب فإن المتعاونين على البر والتقوى والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في زماننا قليلون جدا ولهذا قال النبي -ﷺ- \"أحب الناس إلى اللَّه الفرارون بدينهم يبعثهم اللَّه مع عيسى -﵇- يوم القيامة\" وقيل للشافعي ﵀: من أعقل الناس؟ قال: من اعتزلا الناس، وهذا كله في ذلك الزمان فكليف في زماننا هذا الذي إذا اجتمع فيه جماعة يتذاكرون العلوم الدينية والحكمة والمواعظ وأحوال الآخرة بل أكثر حديثهم الغيبة والتملق والنفاق ومدح أنفسهم بما ليس فيهم وذكر أحوال الدنيا والحث عن أخبار أهلها والتفحص عما لا يلزمهم ولا يعينهم في دينهم بل يضرهم قوله وسماعه، أ. هـ قاله الأصفهاني في شرح الأربعين الودعانية (^٣).\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(^٢) الكواكب الدرارى (١/ ١١٠ - ١١)، والإحياء (٢/ ٢٢٢).\n(^٣) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢٧١ - ٢٧٢/ ح ٢٨).","vol":"11","page":188},{"text":"وقال الشيخ الإمام العلامة قطب زمانه زين الدين الحافي في وصيته التي صنفها لإخوانه: قال بعض العارفين: اصحب الناس كما تصحب النار خذ منفعتها واحذر أن تحرقك (^١). وإن أكثر فساد الأحوال والأعمال من قبل الاختلاط بالناس فالغيبة في الاختلاط والكذب في الاختلاط وفي العزلة السلامة.\nوقد أنشد الشيخ عبد الصمد الدوني ﵀ لنفسه:\nالناس بحر عميق ... والبعد عنهم سفينة\nإني نصحاك فانظر ... لنفسك المسكينة (^٢)\nلطيفة: وفي الميزان للذهبي في ترجمة أحمد بن زرارة المدني بسند مظلم عن أنس بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: كيف أنتم إذا كان زمان يكون [الأمير] فيه كالأسد الأسود، والحاكم فيه كالذئب الأمعط، والتاجر كالكلب الهوار، والمؤمن بينهم كالشاة الولهى بين الغنمين ليس لها مأوي فكيف حال شاة بين أسد وذئب وكلب (^٣)، قاله في حياة الحيوان (^٤).\nوقال عطية بن أبي المسافر: كان في بني إسرائيل عابد وقد توحد في غيضة يعبد اللَّه ﷿ فيها ثلاثمائة سنة فبينا هو ذات يوم سمع صوت طائر في وكره، فقال: لو تحولت إلى صوت هذا الطائر فأستأنس به، قال: فتحول\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٨/ ٧٧) والكلام لشقيق البلخي.\n(^٢) الزهد للبيهقي (٢٢٧) والأبيات لمنصور الفقيه.\n(^٣) الميزان (١/ ٩٨).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٣٨٣).","vol":"11","page":189},{"text":"فأوحى اللَّه ﷿ إلى نبيه ﵇، قل لعبدي استأنست بمخلوق وعزتي لأحطنك درجة لا تنالها أبدا (^١)، انتهى.\n\n٤١٣٨ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁-: قَالَ قَالَ رجل أَي النَّاس أفضل يَا رَسُول اللَّه قَالَ مُؤمن يُجَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبيل اللَّه قَالَ ثمَّ من قَالَ ثمَّ رجل معتزل فِي شعب من الشعاب يعبد ربه (^٢).\n\n٤١٣٩ - وَفِي رِوَايَة يَتَّقِي اللَّه ويدع النَّاس من شَره رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِإِسْنَاد على شَرطهمَا إِلَّا أَنه قَالَ عَن النَّبِي -ﷺ- أَنه سُئِلَ أَي الْمُؤمنِينَ أكمل إِيمَانًا قَالَ الَّذِي يُجَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله وَرجل يعبد ربه فِي شعب من الشعاب وَقد كفى النَّاس شَره (^٣).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم.\nقوله: قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول اللَّه؟ قال: \"مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه\" قال: ثم من؟ قال: \"ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه\" وفي رواية الحاكم: أنه سئل أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: \"الذي يجاهد بنفسه وماله ورجل يعبد ربه في شعب من الشعاب\" الحديث، قال النووي: قوله \"أفضل الناس رجل يجاهد في سبيل اللَّه بماله ونفسه\" قال\n_________\n(^١) قوت القلوب (٢/ ٨٩)، والإحياء (٤/ ٣٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٩٤)، ومسلم (١٢٢ و١٢٣ و١٢٤ - ١٨٨٨)، وابن ماجه (٣٩٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٨٦)، والترمذي (١٦٦٠)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٣٥١ (٣١٢٨). وأخرجه أبو داود (٢٤٨٥)، والحاكم ٢/ ٧١. وصححه الحاكم وواففه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٩٧) والصحيحة (١٥٣١).","vol":"11","page":190},{"text":"القاضي: هذا عام مخصوص، وتقديوه: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل وكذا الصديقون كما جاءت به الأحاديث ففي هذا الحديث التصريح بأن الجهاد أفضل من العزلة والتفرغ للعبادة وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (^١) الآية (^٢).\nوقوله -ﷺ-: \"ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه\" الحديث، الشعب: بكسر الشين المعجمة هو ما انفرج بين رجلين قال النووي: وليس المراد نفس الشعب خصوصا بل المراد الانفراد والاعتزال وذكر الشعب هنا مثالا لأنه خال عن الناس غالبا، أهـ، ذكره ابن النحاس في كتاب الجهاد له (^٣) وهذا الحديث نحو الحديث الآخر حين سئل -ﷺ- عن النجاة، فقال: \"أمسك عليك لسانك\" قال في الحدائق: في هذا الحديث أن المعتزل في شعب أفضل الناس، وفيه ثلاث فوائد للعزلة عبادة الرب ﵎ ولا شك أن الفراغ من كل شاغل عن الخير ميسر للخير وأن التفرد عن الخلق أبعد عن الرياء وأعون على الإخلاص والفائدة الثانية: تقوى اللَّه ولا شك أن كثيرا من المعاصي يتعذر في العزلة فكانت مظنة التقى، ثالثها: ويدع الناس من شره\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٩٥.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٣ - ٣٤)، ومشارع الأشواق (ص ١٤٨).\n(^٣) إكمال المعلم (٦/ ٣١٠)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٤)، ومشارع الأشواق (ص ١٤٨).","vol":"11","page":191},{"text":"وأنها لفائدة جليلة وصدقة جزيلة وفيه أحد مواطن العزلة وهو شعب من الشعاب ولزوم البيت قريب منه (^١)، أ. هـ. وفيه دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الاختلاط وفي ذلك خلاف مشهور تقدم، وأكثر العلماء على أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن ومذهب طوائف أن الاعتزال أفضل وتقدم ذلك أيضًا وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الحروب والفتن أو هو ممن هو لا يسلم الناس منه ولا يصبر عليهم أو نحو ذلك من الخصوص، ولقد كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء الزهاد مختلطين فيحصلون منافع الاختلاط كشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض ومجلس الذكر وغير ذلك (^٢)، أ. هـ.\n\n٤١٤٠ - وَعنهُ -﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- يُوشك أَن يكون خير مَال الْمُسلم غنم يتبع بهَا شعف الْجبَال ومواقع الْقطر يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه شعف الْجبَال بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة مفتوحتين هُوَ أَعْلَاهَا ورؤوسها (^٣).\nقوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥٦٥ - ٥٦٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٣ - ٣٤).\n(^٣) أخرجه مالك (٢٧٨١)، والبخاري (١٩) و(٣٣٥٠) و(٣٦٠٠) و(٦٤٩٥) و(٧٠٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٧)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٦٢ (٥٠٨٠)، وابن ماجه (٣٩٨٠).","vol":"11","page":192},{"text":"شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن\" الحديث.\nقوله: \"يوشك\" بضم الياء وكسر الشين أي يقرب ويدنو ويسرع (^١).\nقال الجوهري: والعامة يقولون يوشك بفتح الشين وهي لغة رديئة (^٢).\nوقوله: \"خير مال المسلم\" يجوز في خير مال المسلم وجهان نصب خير ورفعه ونصبه هو الأشهر في الرواية، وأما الرفع فبأن يقدر في يكون ضمير الشأن (^٣).\nوقوله: \"يتبع بها\" هو بتشديد التاء المفتوحة وجاء سكونها والضمير راجع إلى الغنم وهو اسم الجنس وقيد بالغنم لأن هذا النوع من المال نموه وزيادته أبعد من الشوائب المحرمة كالربى والشبهات المكروهة وخصت الغنم بذلك لما فيها من السكينة والبركة (^٤). وشعف الجبال بالشين المعدمة والعين المهملة مفتوحتين هو أعلاها ورؤوسها، أ. هـ قاله المنذري.\nوقال غيره: والمراد بها هاهنا رأس جبل من الجبال ومواقع القطر البراري، قاله في شرح مشارق الأنوار، وقيد الاتباع بالمواضع الخالية من ازدحام الناس لأنه أسلم غالبا من المناولات المؤدية إلى الكدورات (^٥).\n_________\n(^١) كشف المناهج (٤/ ٤٨١).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٦١٥).\n(^٣) شواهد التوضيح (ص ٢٠٣).\n(^٤) الكواكب الدرارى (١/ ١١٠).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"11","page":193},{"text":"قال النووي: وفي الحديث فوائد منها فضل العزلة في أيام الفتن (^١).\nفائدة (^٢): فمن له القدرة على إزالة الفتنة فإنه يجب عليه السعي في إزالتها أما فرض عين وإما فرض كفاية بحسب الحال والإمكان وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العزلة (^٣) وتقدم ذلك وفيه فائدة أخرى للعزلة وهي الفرار بدينه من الفتن وكان الغنم خير المال لإعانتها على أشرف الخلال (^٤).\nفائدة: وفي صحيح البخاري وسنن ابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"ما بعث اللَّه نبيا إلا رعى الغنم\" فقال له أصحابه: أنت يا رسول اللَّه؟ قال: \"نعم، وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط\" (^٥) قال قال سويد: يعني كل شاة بقيراط (^٦).\nوفي غريب الحديث للقتيبي: بعث موسى -ﷺ- وهو راعي غنم وبعث داود -ﷺ- وهو راعي غنم وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد، وفي الحديث: \"أجر موسى نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه\" إونما جعل اللَّه الرعي في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق وليكون أممهم رعايا لهم\n_________\n(^١) بوب به كما في رياض الصالحين (ص ١٩٩)، والكواكب الدرارى (١/ ١١٠)، وعمدة القارى (١/ ١٦٣).\n(^٢) في الهامش عبارة: وضع الفائدة هنا سهوا، وإنما ذلك بياض لتمزيق محله من الأصل.\n(^٣) الكواكب الدرارى (١/ ١١٠)، وعمدة القارى (١/ ١٦٣).\n(^٤) حدائق الأولياء (١/ ٥٦٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٢٦٢)، وابن ماجه (٢١٤٩).\n(^٦) ذكره ابن ماجه في الموضع السابق.","vol":"11","page":194},{"text":"دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قال أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول، فقال: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها فإن كانت هنأت جرباها وداويت مرضاها وحبست أولاها على أخراها وفاك سيدك أجرك وإن أنت لم تهن جرباها ولم تداو مرضاها ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدك، أ. هـ ذكره في حياة الحيوان (^١).\nقال صاحب الحدائق (^٢): قلت: فليقتدي بهم وكان أويس القرني يرعى إبل قومه تخليا ومكتسبا، وقد اعتزل أبو ذر والسادات ونزل البردة فما ظنك بزمننا الخلف وكثرة الأراذل والسفهاء. أ. هـ.\n\n٤١٤١ - وَعنهُ -﵁- عَن رَسُول اللَّه -ﷺ- أَنه قَالَ من خير معايش النَّاس لَهُم رجل مُمْسك عنان فرسه فِي سَبِيل اللَّه يطير على مَتنه كلما سمع هيعة أَو فزعة طَار عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْل أَو الْمَوْت مظانه وَرجل فِي غنيمَة فِي رَأس شعفة من هَذِه الشعف أَو بطن وَاد من هَذِه الأودية يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة ويعبد ربه حَتَّى يَأْتِيهِ الْيَقِين لَيْسَ من النَّاس إِلَّا فِي خير رَوَاهُ مسلم وَتقدم بشرح غَرِيبه فِي الْجِهَاد (^٣).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٦٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٥ و١٢٦ و١٢٧ - ١٨٨٩)، وابن ماجه (٣٩٧٧).","vol":"11","page":195},{"text":"قوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من خير معايش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانه ورجل في كنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية\" الحديث، المعاش هو [هو العيش وهو] الحياة، وتقديره واللَّه أعلم: من خير أحوال عيشهم (^١).\nقوله: \"يطير\" أي: يسرع ومتنه ظهره والهيعة بفتح الهاء وإسكان الياء الصوت للحرب أعند، حضور العدو، والفزعة بإسكان الزاي أي النهوض إلى العدو ومظان الشيء المواضع التي يظن وجوده فيها لشدة رغبته في الشهادة، وفي هذا الحديث فضيلة الجهاد والرباط والحرص على الشهادة (^٢).\nوالغُنيمة بضم الغين تصغير الغنم أي قطعة منها والشعفة بفتح الشين والعين المهملة أعلى الجبل واليقين الموت (^٣) قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (^٤) وفي هذا الحديث مدح للعزلة مطلقا وفيه أنه ليس من الناس إلا في خير كما جمعه هذا الحديث، وهو من جوامع كلمه -ﷺ- (^٥)، أ. هـ.\nفائدة: والاختلاط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم ومشاهد الخير\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٥).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٥)، وكشف المناهج (٣/ ٣٢٠).\n(^٤) سورة الحجر، الآية: ٩٩.\n(^٥) حدائق الأولياء (١/ ٥٦٧).","vol":"11","page":196},{"text":"ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع نفسه عن الإيذاء والصبر على الأذى هو الذي كان عليه الشارع -ﷺ- والأنبياء والخلفاء ومن بعدهم من العلماء وأحبارهم وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم وبه قال الشافعي والإمام أحمد وأكثر الفقهاء، قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^١) والآيات في معنى ذلك كثيرة معلومة واللَّه أعلم (^٢).\n\n٤١٤٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَلا أخْبركُم بِخَير النَّاس رجل مُمْسك بعنان فرسه فِي سَبِيل اللَّه أَلا أخْبركم بِالَّذِي يتلوه رجل معتزل فِي غنيمَة لَهُ يُؤَدِّي حق اللَّه فِيهَا أَلا أخْبركم بشر النَّاس رجل يسْأَل بِاللَّه وَلا يُعْطي رَوَاهُ النَّسَائيِّ وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- خرج عَلَيْهِم وهم جُلُوس فِي مجْلِس لَهُم فَقَالَ أَلا أخْبركم بِخَير النَّاس منزلا قَالُوا بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ رجل أَخذ بِرَأْس فرسه فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى يَمُوت أَو يقتل أَلا أخْبركم بِالَّذِي يَلِيهِ قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ امْرُؤ معتزل فِي شعب يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة ويعتزل شرور النَّاس أَلا أخْبركم بشر النَّاس قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ الَّذِي يسْأَل بِاللَّه وَلا يُعْطي وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْعُزْلَة من حَدِيثه وَرَوَاهُ أَيْضًا هُوَ\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(^٢) رياض الصالحين (ص ٢٠٠)، وحدائق الأولياء (١/ ٥٦٧).","vol":"11","page":197},{"text":"وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أم مُبشر الأَنْصَارِيَّة أطول مِنْهُ (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ألا أخبركم بخير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل اللَّه ألا أخبركم بالذي يتلوه رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق اللَّه فيها\" الحديث، ومعناه: وشرح غريبه في الحديث قبله واللَّه أعلم.\n\n٤١٤٣ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ من جَاهد فِي سَبِيل اللَّه كَانَ ضَامِنا على اللَّه وَمن عَاد مَرِيضا كَانَ ضَامِنا على اللَّه وَمن دخل على إِمَامه يعزره كَانَ ضَامِنا على اللَّه وَمن جلس فِي بَيته لم يغتب إنْسَانا كَانَ ضَامِنا على اللَّه رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان وَاللَّفْظ لَهُ وَعند الطَّبَرَانيِّ أَو قعد فِي بَيته فَسلم النَّاس مِنْهُ وَسلم من النَّاس وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد بِنَحْوِهِ وَتقدم لَفظه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأَوْسَط من حَدِيث عَائِشَة وَلَفظه قَالَ خِصَال سِتّ مَا من مُسلم يَمُوت فِي وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا كَانَ ضَامِنا على اللَّه أَن يدْخل الْجنَّة فَذكر مِنْهَا وَرجل فِي بَيته لا يغتاب الْمُسلمين\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٦٥٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٦٨ (٢٥٨٨) والكبرى (٢٣٦١)، وابن أبي الدنيا في العزلة (١٠١)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٥٢ و١٥٣ و١٥٤)، وابن حبان (٦٠٤ و٦٠٥)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣١٥ رقم ١٠٧٦٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٩٨) و(٢٧٣٧). وأخرجه ابن أبي الدنيا في العزلة (١٢)، ابن أبي عاصم في الزهد (٣٥) و(٦٢، ٨٢)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٠٤ رقم ٢٧١). قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٠٤) ورجاله ثقات، إلّا أن ابن إسحاق مدلس. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٣٧).","vol":"11","page":198},{"text":"وَلا يجر إِلَيْهِم سخطا وَلا نقمة (^١).\nقوله: وعن معاذ بن جبل -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من جاهد في سبيل اللَّه كان ضامنا على اللَّه ومن عاد مريضا كان ضامنا على اللَّه\" الحديث، تقدم معنى ضامن في مواضع من هذا التعليق.\n\n٤١٤٤ - وَرُوِيَ عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول إِن أعجب النَّاس إِلَيّ رجل يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله وَيُقِيم الصَّلَاة ويؤتي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٤١ (٢٢٠٩٣)، والبزار (١٦٤٩ - كشف الأستار)، وابن خزيمة (١٤٩٥)، وابن حبان (٣٧٢)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ٣٧ (٥٤ و٥٥)، وفي الأوسط (٨/ ٢٨٨ رقم ٨٦٥٩)، والحاكم ١/ ٢١٢ و٢/ ٩٠، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٨٠ رقم ١٨٥٣٩). وقال الحاكم: هذا حديث رواته مصريون، ثقات، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٩: رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٥/ ٢٧٧: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح خلا ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف. وقال في ١٠/ ٣٠٤: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه باختصار، والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن لهيعة وحديثه حسن على ضعفه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٢٦٨) و(١٣١٦) و(٢٧٣٨) و(٣٤٧١).\nوأما حديث عائشة: أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٤٢ - ١٤٣ رقم ٣٨٢٢). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا عمرو بن قيس تفرد به الحكم بن بشير بن سلمان. وقال الهيثمي ٥/ ٢٧٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي فروة، وهو متروك. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٨٤) وصحيح الترغيب (٢٧٣٩).","vol":"11","page":199},{"text":"الزَّكَاة ويعمر مَاله ويحفظ دينه ويعتزل النَّاس رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي الْعُزْلَة (^١).\nقوله: وعن سهل بن سعد الساعدي -﵁- هو: أبو العباس وقيل أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني كان اسمه حزنا فسماه رسول اللَّه -ﷺ- سهلا، شهد سهل فصار مولى رسول اللَّه -ﷺ- في المتلاعنين، قال الزهري: سمع من النبي -ﷺ- وكان له يوم وفاة رسول اللَّه -ﷺ- خمس عشرة سنة وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين قال ابن سعد: هو آخر من حدث من أصحاب النبي -ﷺ- بالمدينة ليس فيه خلاف، روى له عن رسول اللَّه -ﷺ- مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا اتفقا على ثمانية وعشرين وانفرد البخاري بأحد عشر حديثا (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"إن أعجب الناس إليّ رجل يؤمن باللَّه ورسوله\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"ويعتزل شرور الناس\" الحديث، تقدم الكلام على الاعتزال.\n\n٤١٤٥ - وَعَن ثَوْبَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- طُوبَى لمن ملك لِسَانه ووسعه بَيته وَبكى على خطيئتة رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأَوْسَط وَالصَّغِير وَحسن إِسْنَاده (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في العزلة (٥)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٦١١). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في العزلة (٢)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢١ رقم ٢٣٤٠) والصغير =","vol":"11","page":200},{"text":"قوله: وعن ثوبان -﵁- هو مولى رسول اللَّه -ﷺ-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته\" تقدم الكلام عليه.\n\n٤١٤٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه مَا النجَاة قَالَ أمسك عَلَيْك لسَانك وليسعك بَيْتك وابك على خطيئتك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من طَرِيق عبيد اللَّه بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: وعن عقبة بن عامر -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n= (١/ ١٤٠ رقم ٢١٢) والشاميين (٥٤٨). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ثوبان إلا بهذا الإسناد تفرد به عيسى بن سليمان، وهو ثقة، سمعت عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: شرحبيل بن مسلم من ثقات الشاميين، وحدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز، فإن كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم.\nوقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٩٩: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وحسن إسناده. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٠) و(٢٨٥٥) و(٣٣٣٢).\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٤)، وابن وهب في الجامع (٣٧٤)، وأحمد ٤/ ١٤٨ (١٧٣٣٤) و٤/ ١٥٨ (١٧٤٥٢) و٥/ ٢٥٩ (٢٢٢٣٥)، والترمذي (٢٤٠٦)، وابن أبي الدنيا في الرقة (١٦٩) والصمت (٢) والعزلة (١)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٢٧٠ (٧٤١) والشاميين (٢٥٣)، والبيهقي في الآداب (٢٩٦) والزهد (٢٣٤) والشعب (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩ رقم ٧٨٤) و(٧/ ١٣ - ١٤ رقم ٤٥٨) و(١٠/ ٤١٧ رقم ٧٧٢٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٨٨) و(٢٨٦١) وصحيح الترغيب (٢٧٤١) و(٢٨٥٤) و(٣٢٣١).","vol":"11","page":201},{"text":"قوله: قلت: يا رسول اللَّه ما النجاة؟ قال: \"أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك\" الحديث، قال الشيخ تقي الدين السبكي: وجدت الصلاح كله في كلمتين من كلام النبي -ﷺ- وهو قوله ﵇ \"عليك بخويصة نفسك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك\" يعني: \"عليك بخويصة نفسك\" أي بالاشتغال بنفسك تهذبها وتنقيها من الأدناس [وتكسبها] الصفات الحميدة التي تجاور بها رب العالمين والاشتغال بالناس لا خير، وأما قوله \"وليسعك بيتك\" فلأن السلامة في العزلة ومتى خرج الإنسان من بيته تعرض للشقاء وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (^١)، قال: ونظمت هذا في قولي:\nكبر النفس مانع لرشاد ... فكن حقيرا صغيرا\nوالزم البيت لا تفارقه شبرا تلق عند الخروج شرًّا كبيرًا (^٢). أ. هـ.\nوفي أمره -ﷺ- بالإقامة في البيوت رفق عظيم بأمته ورحمة شاملة إذ رفع عثهم تلك المشاق بجلوسهم في أوطانهم (^٣)، فإن قلت: فقد قال ﵊: \"فسيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق إلى شاهق كطائر بفراخه أو كثعلب بأشباله، ما أتقاه في ذلك الزمان، ما\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ١١٧.\n(^٢) طبقات الشافعية (١٠/ ٢٩٦).\n(^٣) المدخل (١/ ٣٠٤).","vol":"11","page":202},{"text":"أتقاه في ذلك الزمان\" فذاك يأمره بالإقامة في بيته وهذا يأمره بالفرار، وقال سيدي أبو محمد بأن الوارد في الفرار محمول على زمان يكون بعض المواضع فيه صالحا للإقامة وبعض فاسدا فإذا كان كذلك فينبغي على المؤمن أن يفر بدينه من الموضع الفاسد إلى الموضع الصالح وأما إن كان الزمان قد استوى حاله في مخالفة عموم السنن وارتكاب البدع وغير ذلك فيلس له موضع يفر إليه فليكن حلسا منة أحلاس بيته فلا يخرج منه واعتزل ما قدرت عليه وكن حلسا من أحلاس بيتك (^١)، أ. هـ.\n\n٤١٤٧ - وَعَن مَكْحُول -﵁- قَالَ قَالَ رجل مَتى قيام السَّاعَة يَا رَسُول اللَّه قَالَ مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وَلَكِن لهَا أَشْرَاط وتقارب أسواق قَالُوا يَا رَسُول اللَّه وَمَا تقَارب أسواقها قَالَ كسادها ومطر وَلَا نَبَات وَأَن تَفْشُو الْغَيْبَة وتكثر أَوْلاد البغية وَأَن يعظم رب المَال وَأَن تعلو أصوات الفسقة فِي الْمَسَاجِد وَأَن يظْهر أهل الْمُنكر على أهل الْحق قَالَ رجل فَمَا تَأْمُرنِي قَالَ فر بِدينِك وَكن حلسًا من أحلاس بَيْتك رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا هَكَذَا مُرْسلا (^٢).\nقوله: وعن مكحول -﵁- هو: أبو عبد اللَّه مكحول بن زيد الدمشقي، قيل: كان مولى لسعيد بن العاصي فوهبه لامرأة من قريش فأعتقته، كان يسكن دمشق سمع أنس بن مالك وأبا هند الرازي وواثلة بن الأسقع وأبا أمامة بن\n_________\n(^١) المدخل (١/ ٣٠٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في العزلة (١٩٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٥).","vol":"11","page":203},{"text":"سهيل وعبد الرحمن بن غنم وغيرهم، سكن دمشق وتوفي بها سمة ثمان عشرة ومائة واللَّه أعلم وهو من التابعين (^١).\nقوله: قال رجل: متى قيام الساعة يا رسول اللَّه؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، فذكر الحديث إلى أن قال: \"فر بدينك وكن حلسا من أحلاس بيتك\" الحلس بالكسر هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب يعني الزموا بيوتكم من الفتن كلزوم الحلس لظهر الدابة، أ. هـ قاله المنذري.\nوقال غيره: الحلس كساء رقيق يجعل على ظهر البعير تحت القتب والرحل ومنه قولهم: فلان حلس فلان أي ملازمه وفلان حلس بيته إذا كان قليل الخروج منه (^٢)، يعني أنه يتخذ بيته كأنه ثوبه الذي يستر به عورته فيلازمه ولا يفارقه إذا عمت الفتن أو كثرت وهذا موجود مشاهد لأن موضع العبادات رجعت للعادات بل بعض العبادات قد صارت اليوم وسائل للدخول في الدنيا وأكلها وبعضهم يفعلها للرياء والسمعة في الغالب، فإذا كان الأمر كذلك فالهرب من مواضع العبادات المشتملة اليوم على هذه المفاسد إلى قعود الإنسان في بيته أسلم له بل أوجب عليه إن قدر واللَّه أعلم (^٣).\nقوله: رواه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٣ - ١١٤ ترجمة ٦٠٥).\n(^٢) مطالع الأنوار (٢/ ٢٩٣).\n(^٣) المدخل (١/ ٣٠١ - ٣٠٢).","vol":"11","page":204},{"text":"٤١٤٨ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن بَين أَيْدِيكُم فتنا كَقطع اللَّيْل المظلم يصبح الرجل فِيهَا مُؤمنا ويمسي كَافِرًا ويمسي مُؤمنا وَيُصْبِح كافِرًا الْقَاعِد فِيهَا خير من الْقَائِم والقائم فِيهَا خير من الْمَاشِي والماشي فِيهَا خير من السَّاعِي قَالُوا فَمَا تَأْمُرنَا قَالَ كونُوا أحلاس بُيُوتكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي هَذَا الْمَعْنى أَحَادِيث كثِيرَة فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا الحلس هُوَ الكساء الَّذِي يَلِي ظهر الْبَعِير تَحت القتب يَعْنِي الزموا بُيُوتكُمْ فِي الْفِتَن كلزوم الحلس لظهر الدَّابَّة (^١).\nقوله: وعن أبي موسى -﵁- اسمه عبد اللَّه بن قيس منسوب إلى الأشعر جد القبيلة.\nقوله -ﷺ-: \"إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا\" الحديث، وفي رواية: \"بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم\" قال النووي: معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر ووصف -ﷺ- نوعا من شفيئد تلك الفتن وهو أنه يمسى مؤمنا ثم يصبح كافرا أو عكسه شك الراوي، وهذا لعظم الفتن ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب واللَّه أعلم بالصواب (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٥٩) و(٤٢٦٢)، وابن ماجه (٣٩٦١)، وابن حبان (٥٩٦٢). وصححه الألباني في الإرواء (٢٤٥١)، الصحيحة (١٥٣٥)، صحيح الترغيب (٢٧٤٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٣٣).","vol":"11","page":205},{"text":"قوله: فما تأمرنا؟ قال: \"كونوا أحلاس بيوتكم\" ومنه حديث أبي بكر: \"كن حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطبة أو ميتة قاضية\" قاله في النهاية (^١)، تقدم الكلام على ضبط الحلس وتفسيره، وفي هذا الحديث الحض على ملازمة البيوت والقعود فيها حتى يسلم من الناس ويسلموا منه ومن مراسيل الحسن وغيره عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"نعم صوامع المؤمنين بيوتكم\" وقد تكون العزلة في غير البيوت كالبادية والكهوف قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (^٢) الآية، وما زال الناس يعتزلون ويخالطون كل واحد على ما يعلم من نفسه ويتأتي له من أمره، وقد كان العمري بالمدينة معتزلا وكان مالك مخالطا للناس ثم اعتزل آخر عمره رحمه اللَّه تعالى، فيقال أنه أقام ثمان عشرة سنة لم يخرج إلى المسجد وقيل له في ذلك، فقال: ليس كل أحد يمكنه أن يخبر بعذره، واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال، فقيل: لئلا يرى المناكير، وقيل: لئلا يمشي إلى السلطان، وقيل: كانت به أفردة فكان يرى تنزيه المسجد، ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين (^٣).\n\n٤١٤٩ - وَعَن الْمِقْدَاد بن الأسود قَالَ ايم اللَّه لقد سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول إِن السعيد لمن جنب الْفِتَن إِن السعيد لمن جنب الْفِتَن إِن السعيد لمن جنب الْفِتَن وَلمن ابْتُلِيَ فَصَبر فواها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد واها كلمة مَعْنَاهَا التلهف\n_________\n(^١) النهاية (١/ ٤٢٣).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١٠.\n(^٣) التذكرة (ص ١٠٩٤ - ١٠٩٥).","vol":"11","page":206},{"text":"وَقد تُوضَع للإعجاب بالشَّيْء (^١).\nقوله: وعن المقداد بن الأسود، تقدم الكلام عليه.\nقوله: قال ايم اللَّه، تقدم الكلام علي ذلك في قوله في السرقة: \"وايم اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد\" الحديث.\nفقوله: \"إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها\" أي من وقع فيها بغير اختياره فصبر ولم يجاوز حد الشرع، فواها له أي فطربا له، واهًا: كلمة معناها التلهف وقد توضح للإعجاب بالشيء (^٢) أ. هـ، قاله المنذري.\n\n٤١٥٠ - وَعَن ابْن عَمْرِو (^٣) -﵄- قَالَ بَيْنَمَا نَحن حول رَسُول اللَّه -ﷺ- إِذْ ذكر الْفِتْنَة فَقَالَ إِذا رَأَيْتُمْ النَّاس قد مرجت عهودهم وَخفت أماناتهم وَكَانُوا هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه قَالَ فَقُمْت إِلَيْهِ فَقلت كَيفَ أفعل عِنْد ذَلِك جعلني اللَّه ﵎ فدَاك قَالَ الزم بَيْتك وابك على نَفسك واملك عَلَيْك لسَانك وَخذ مَا تعرف ودع مَا تنكر وَعَلَيْك بِأَمْر خَاصَّة نَفسك ودع عَنْك أَمر الْعَامَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ بِإِسْنَاد حسن مرجت أَي فَسدتْ وَالظَّاهِر أَن معنى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٢٦٣)، والبزار (٢١١٢)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٠/ ٢٥٢ (٥٩٨)، وفي مسند الشاميين (٢٠٢١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ١٧٥. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٧٥)، وصحيح الترغيب (٢٧٤٣).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣).\n(^٣) في الأصل ابن عباس.","vol":"11","page":207},{"text":"قَوْله خفت أماناتهم أَي قلت من قَوْلهم خف الْقَوْم أَي قلوا وَاللَّه أعلم (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم وخفت أماناتهم\" الحديث، أي: فسدت، والظاهر أن معنى قوله: \"وخفت أماناتهم\" أي قلت مأخوذ من قولهم: خف القوم أي قلوا، قاله الحافظ المنذري.\nوقال غيره: مرجت بفتح الميم وكسر الراء المهملة كذا ضبطه الجوهري أي اختلطت واضطربت ومرجت أمانات الناس أيضًا فسدت ومرج الدين فسد (^٢) أ. هـ.\nقوله: \"وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة\" الظاهر أن هذا من باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٣). الآية (^٤).\n\n٤١٥١ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن عمر خرج إِلَى الْمَسْجِد فَوجدَ معَاذًا عِنْد قبر رَسُول اللَّه -ﷺ- يبكي فَقَالَ مَا يبكيك قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ الْيَسِير من الرِّيَاء شرك وَمن عادى أَوْلِيَاء اللَّه فقد بارز بالمحاربة إِن اللَّه\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٣٤٢ و٤٣٤٣)، وابن ماجه (٣٩٥٧)، والنسائي في الكبرى (٩٩٦٢)، والبزار (٢٤٨٤ و٢٤٨٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٥ و٨٨٨ و١٥٣٥) وصحيح الترغيب (٢٧٤٤).\n(^٢) الصحاح للجوهري (١/ ٣٤١)، وكشف المناهج (٤/ ٤٦١).\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.\n(^٤) كشف المناهج (٤/ ٤٦١).","vol":"11","page":208},{"text":"يحب الأَبْرَار الأتقياء الأخفياء الَّذين إِن غَابُوا لم يفتقدوا وَإِن حَضَرُوا لم يعرفوا قُلُوبهم مصابيح الْهدى يخرجُون من كل غبراء مظْلمَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَلا عِلّة لَهُ (^١).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم.\nقوله: أن عمر خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول اللَّه -ﷺ- يبكي فقال: ما يبكيك، قال: حديث سمعته من رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"اليسير من الرياء شرك\" الحديث، تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق.\n\n٤١٥٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- يَأْتِي على النَّاس زمَان لا يسلم لذِي دين دينه إِلَّا من هرب بِدِينِهِ من شَاهِق إِلَى شَاهِق وَمن جُحر إِلَى جُحر فَإِن كَانَ ذَلِك كذَلِك لم تنَلْ الْمَعيشَة إِلَّا بسخط اللَّه فَإِذا كَانَ ذَلِك كذَلِك كَانَ هَلَاك الرجل على يَدي زَوجته وَولده فَإِن لم يكن لَهُ زَوْجَة وَلا ولد كَانَ هَلَاكه على يَدي أَبَوَيْهِ فَإِن لم يكن لَهُ أَبَوَانِ كَانَ هَلَاكه على يَدي قرَابَته أَو الْجِيرَان قَالُوا كيفَ ذَلِك يَا رَسُول اللَّه قَالَ يُعَيِّرُونَهُ بِضيق\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩)، وابن أبي الدنيا في الأولياء (٦) والتواضع (٨) وذم الرياء (١٦١) والطحاوي في مشكل الآثار (١٧٩٨ و١٧٩٩)، وابن لال (٤٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٥٣ - ١٥٤ رقم ٣٢١)، والحاكم (١/ ٤ و٤/ ٣٢٨)، وأبو نعيم في المعرفة (٥٩٦٠ - ٥٩٦٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠٤٦).\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي في الموضع الأول وتعقبه في الثاني فقال: فيه عيسى بن عبد الرحمن بن فروة تركه النسائي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠) و(١٦٣٦) و(١٨٦٦).","vol":"11","page":209},{"text":"الْمَعيشَة فَعِنْدَ ذَلِك يُورد نَفسه الْمَوَارِد الَّتِي يهْلك فِيهَا نَفسه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد (^١).\nقوله: وروي عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر\" فذكره إلى أن قال: \"فعند ذلك يعيرونه بضيق المعيشة فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه\" الحديث، المعيشة هي الكسب.\n\n٤١٥٣ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من انْقَطع إِلَى اللَّه كفاهُ اللَّه كل مُؤنَة ورزقه من حَيْثُ لا يحْتَسب وَمن انْقَطع إِلَى الدُّنْيَا وَكله اللَّه إِلَيْهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ وَأَبُو الشَّيْخ بْن حيّان فِي الثَّوَاب وَإسْنَاد الطَّبَرَانيِّ مقارب وأملينا لهَذَا الحَدِيث نَظَائِر فِي الاقتصاد والحرص وَيَأْتِي لَهُ نَظَائِر فِي الزّهْد إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الزهد (٤٣٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج (٢٦) والقناعة (٥٥)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٥٠١)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤٦ رقم ٣٣٥٩) والصغير (١/ ٢٠١ رقم ٣٢١)، وابن منده في أماليه (١٧)، والعصمى في جزئه (٢٤)، والسلمي في التصوف (١١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٩٣ - ٤٩٧)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٣٥١ رقم ١٠٤٤) و(٢/ ٤٨٧ رقم ١٢٨٩) و(٢/ ٤٨٨ رقم ١٢٩٠).\nوقال الطبراني: لم يروه عن هشام بن حسان إلا الفضيل بن عياض تفرد به إبراهيم بن الأشعث الخراساني. وقال العصمي: غريب من حديث الحسن عن عمران غريب من حديث الفضيل عن هشام بن حسان عن الحسن لم يروه عنه إلا إبراهيم خادم الفضيل. =","vol":"11","page":210},{"text":"قوله: وعن عمران بن حصين -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من انقطع إلى اللَّه كفاه اللَّه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب\" تقدم الكلام عليه، وعن الحسن بن واقج قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلت لأمتي العزبة والعزلة والترهب في رؤوس الجبال\" وروي على بن معبد من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن [عن أبي هريرة وقيل عن عبد اللَّه بن مسعود] يرفعه إلى النبي -ﷺ- قال: \"يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق وجحر إلى جحر فإذا كان كذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية اللَّه تعالى، فإذا كان كذلك حلت العزبة\" قالوا: يا رسول اللَّه تحل العزبة وأنت تأمرنا بالتزواج، قال: \"فإذا كان كذلك كان هلاك الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجه فإن لم يكن له زوجة كان هلاكه على يدي ولده، فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران\"، قالوا: كيف ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: \"يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه\" (^١). انتهى.\n_________\n= قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٣ - ٣٠٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن الأشعث صاحب الفضيل، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب ويخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٥٤) وضعيف الترغيب (١٠٦١) و(١٦٣٨) و(١٨٤٣) و(١٨٨٥).\n(^١) أخرجه البيهقي في الزهد (٤٣٩) عن أبي هريرة، والرافعي في التدوين (٢/ ٢١ و٢/ ١٨٦) عن ابن مسعود. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٢٧٠) وضعيف الترغيب (١٦٣٧).","vol":"11","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>[الترهيب من الغضب والترغيب في دفعه وكظمه وما يفعل عند الغضب]</span>\n٤١٥٤ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رجلا قَالَ للنَّبِي -ﷺ- أوصني قَالَ لا تغْضب فردد مرَارًا قَالَ لَا تغْضب رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله: أن رجلا قال للنبي -ﷺ- أوصني؟ قال: \"لا تغضب\" فردد مرارا قال \"لا تغضب\" الحديث، كان النبي -ﷺ- عارفا بأدواء الخلق فلما استوصاه الرجل وقد رآه مملوءا بالقوة الغضبية لم ير له خيرا من أن يتجنب دواعي الغضب (^٢) وإنما قال -ﷺ-: \"لا تغضب\" لأنه ﵊ كان مكاشفا بأوضاع الخلق فيأمرهم بما هو أولى لهم ولعل الرجل كان غضوبا فوصاه بتركه، قال البيضاوي: لعله لما رأى جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هو من شهوته وغضبه، والشهوة مكسورة بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضب فلما سأله الرجل الإرشاد إلى ما يتوصل به إلى التجرد عن القبائح نهاه عن الغضب (^٣)، أ. هـ.\nثم الغضب من العباد على نوعين، محمود وهو ما كان للَّه تعالى، ومذموم وهو ما كان لنفسه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١١٦)، والترمذي (٢٠٢٠)، والنسائي في مجلسان من أماليه (١٦).\n(^٢) الميسر في شرح المصابيح (٣/ ١٠٩١).\n(^٣) الكواكب الدرارى (٢١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).","vol":"11","page":212},{"text":"فهذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر وأن التحرز منه جماع الخير، وقال بعض العلماء: معنى لا تغضب أي لا تعمل بمقتضاه فيخفف مؤنة الصبر وتأباه فالغضب مانع من الحلم والرفق ولعل هذا الرجل الذي سأل النبي -ﷺ- هو أبو الدرداء، فقد خرج الطبراني من حديث أبي الدرداء قال: قلت يا رسول اللَّه دلني على عمل يدخلني الجنة؟. قال: \"لا تغضب ولك الجنة\" (^١). قاله ابن رجب (^٢).\nتنبيه: الغضب في حق الآدمي، قيل: قيل هو فوران القلب وغليانه وقيل عرض يتبعه غليان القلب لإرادة الانتقام، وجاء في الحديث: \"الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم أما ترون إلى انتفاخ أوداجه واحمرار عينيه\" (^٣) أو كما قال، وسيأتي ذلك، وأما غضب اللَّه ﷿ أعاذنا اللَّه تعالى منه فقيل: هو إرادة الانتقام وقيل غير ذلك، واعلم أن هذا الحديث تضمن دفع أكثر الشرور عن الإنسان فإنه مدة حياته بين لذة وألم فاللذة سببها ثوران الشهوة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٥ رقم ٢٣٥٣). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الكبير رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٠٢ - ٤٠٤).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٩ (١١١٤٣) و٣/ ٦١ (١١٥٨٧)، والترمذي (٢١٩١)، والحاكم ٤/ ٥٠٥. قال الترمذي هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث تفرد بهذه السياقة علي بن زيد بن جدعان القرشي، عن أبي نضرة، والشيخان -﵄- لم يحتجا بعلي بن زيد، وتعقبه الذهبي بقوله: ابن جدعان صالح الحديث. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٤١).","vol":"11","page":213},{"text":"للأكل والشرب والنكاح وغير ذلك، والألم سببه ثوران الغضب، ثم قد يكون [تناوله أو دفعه] مباحا كنكاح الزوجة ودفع الصائل، وقد يكون حراما كالزنا وقتال المسلم عدوانا ودفع المكروه [عدوانا] شر سببه الغضب، فإذا اجتنب الغضب اندفع عنه الشر، فإن الإنسان يغضب فيقتل أو يقذف أو يطلق امرأته أو [يهاجر] صاحبه أو يحلف يمينا فيحنث فيها أو يندم عليها كما جاء في الحديث \"اليمين حنث أو ندم\" (^١) وقد يغضب فيكفر كما كفر جبلة بن الأهيم حين غضب من لطمة أخذت أو أريدت منه قصاصا، وبالجملة فالغضب أصل الشرور البشرية قاله الطوفي (^٢).\nفائدة: وللغضب دواء مانع ورافع، فالمانع تذكر فضيلة الحلم، وخوف اللَّه ﷿ كما حكى عن بعض الملوك أنه كتب ورقة فيها: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، وروي ذلك في بعض الكتب التي أنزل اللَّه تعالى \"ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق\"، ثم دفعها إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فادفعها إلي فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه فينظر فيها فيسكن غضبه، والرافع للغضب نحو ما ذكرناه عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢١٠٣)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٢٩، وأبو يعلى (٥٥٨٧) و(٥٦٩٧)، والطبراني في الصغير (١٠٨٣)، والحاكم ٤/ ٣٠٣. وصححه الحاكم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٧٥٨).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٣٨ - ١٣٩).","vol":"11","page":214},{"text":"الملك وما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليقعد وإن كان قاعدا فليضطجع\" الحديث، وكان معاوية -﵁- يقول: أما غضبي على من أقدر عليه وما غضبي على من لم أقدر عليه، يعني أن الغضب لا فائدة فيه بل هو تعب محض ومفسدة محضة لأن المؤذي لي إن كنت قادرا عليه عاقبته إن شئت ولا حاجة إلى الغضب وإن لم أكن قادرا عليه فالغضب المجرد لا يشفيني منه، فلا حاجة إليه واللَّه أعلم قاله الطوفي أيضًا (^١).\nتنبيه: والتحقيق أن الناس في الغضب على ضربين أحدهما: مغلوب للطبع الحيواني فلا يمكنه منعه وهو الغالب في الناس، والثاني: غالب للطبع بالرياضة فيمكنه منعه ولولا هذا وإلا لكان قوله -ﷺ-: \"لا تغضب\" تكليفا أو أمرا بما لا يطاق وأقوى الأشياء في منع الغضب ودفعه التوحيد الحقيقي العام وهو اعتقاد أن لا فاعل في الوجود إلا اللَّه ﷿ وأن الخلق آلات لفعله (^٢) فإذا توجه إليه مكروه من جهة غيره كري فاعله اللَّه ﷿ لا غيره فإن ذلك الغير آلة للفعل الإلهي كالسيف الضارب والقوس الرامي والرمح الطاعن والقدوم للنجار والسكين للنجار وحينئذ يندفع الغضب لأنه لو غضب والحالة هذه لكان غضبه أما على الخالق وهو جراءة تنافي العبودية أو\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٤٠ - ١٤١).\n(^٢) وافق الطوفي قوله قول الجبرية والحق أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة حقيقة، وله إرادة واللَّه خالق العبد وفعله، قال تعالى ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.","vol":"11","page":215},{"text":"على المخلوق وهو إشراك ينافي التوحيد ولهذا جاء في حديث أنس قال: خدمت النبي -ﷺ- عشر سنين فما قال للشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله، ولكن يقول: \"قدر اللَّه وما شاء فعل أو لو قدَّر لكان\" قلت: وما ذاك إلا لكمال معرفته -ﷺ- بأن لا فاعل ولا معطي ولا مانع إلا اللَّه ﷿ بخلاف غيره من الناس فإن غلامه إذا لم يقض شغله غضب وقام وضربه فعلى هذا الفاعل في الوجود هو اللَّه وحده وله آلات كبرى وصغرى ووسطى فالكبرى من له قصد واختيار كالإنسان الضارب بالعصى والصغرى ما لا قصد له ولا اختيار كالعصى المضروب بها والوسطى من له قصد ولا عقل له كالدابة ترفس ونحوها واللَّه أعلم قاله الطوفي (^١).\nتنبيه آخر: قوله \"فردد مرارا\" يعني السائل كرر السؤال مرارا، يقول: أوصني يا رسول اللَّه لأنه لم يقنع بقوله \"لا تغضب\" فطلب وصية أنفع وأبلغ منها فلم يزده النبي -ﷺ- لعلمه بعموم نفعها وكرر الجواب لفهمه مقدار ما أوصاه به ونبه السائل على ذلك بتكرارها وصار هذا كما قال له العباس: علمني دعاء أدعوا به يا رسول اللَّه، فقال: \"سل اللَّه العافية\" فعاوده العباس مرارا فقال: \"يا عباس يا عم رسول اللَّه سل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة فإنك إن أعطيت العافية أعطيت كل خير\" (^٢) أو كما قال، وكذلك لما قال\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ١٤٠ - ١٤١).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٨٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٦)، والترمذي (٣٥١٤)، وأبو يعلى (٦٦٩٦). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (٢٤٩٠)، الصحيحة (١٥٢٣).","vol":"11","page":216},{"text":"لأصحابه اجتمعوا فإني أتلوا عليكم ثلث القرآن فاجتمعوا فتلا عليهم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ إلى آخرها ثم دخل منزله فأقاموا ينتظرونه ليكمل لهم ثلث القرآن فخرج عليهم، فقال: \"ما تنتظرون! أما إنها تعدل ثلث القرآن\" (^١) يعني سورة الإخلاص، أ. هـ قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٢).\n\n٤١٥٥ - وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول اللَّه أوصني قَالَ لَا تغْضب قَالَ ففكرت حِين قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا قَالَ فَإذا الْغَضَب يجمع الشَّرّ كله رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٣).\nقوله: وعن حميد بن عبد الرحمن [هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان، المدني، أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأمه كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت عثمان بن عفان لأمه، وكانت من المهاجرات، كان فقيها نبيلا شريفا، وثقه العجلي، وأبو زرعة، وابن سعد وغيرهم (^٤)].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦١ و٢٦٢ - ٨١٢)، والترمذي (٢٨٩٩) و(٢٩٠٠) عن أبي هريرة.\n(^٢) التعيين شرح الأربعين (ص ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٧٣ (٢٣١٧١)، والخرائطي في المساوئ (٣١٥ و٣٣٣). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٩: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٦).\n(^٤) تهذيب الكمال (٧/ الترجمة ١٥٣٢) وتاريخ الإسلام ٣/ ٣٦٠، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٥ - ٤٦.","vol":"11","page":217},{"text":"قوله: عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال قال رجل يا رسول اللَّه أوصني، قال: \"لا تغضب\" قال الخطابي: معنى لا تغضب أي لا تتعرض لأسباب الغضب وللأمور التي تجلب الغضب إذ نفس الغضب مطبوع في الإنسان لا يمكن إخراجه من جبلته، ومعناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضب ويحملك عليه من الأقوال والأفعال (^١).\n\n٤١٥٦ - وَعَن ابْن عمرو -﵄- أَنه سَأل رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا يباعدني من غضب اللَّه ﷿ قَالَ لا تغْضب رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ مَا يَمْنعنِي (^٢).\n\n٤١٥٧ - وَعَن جَارِيَة بن قدامَة أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول اللَّه قل لي قولا وأقلل لعَلي أعيه قَالَ لَا تغْضب فَأَعَادَ عَلَيْهِ مرَارًا كل ذَلِك يَقُول لا تغْضب رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير والأوسط إِلَّا أَنه قَالَ عَن الأحْنَف بن قيس عَن عَمه وَعَمه جَارِيَة بن قدامَة أَنه قَالَ يَا رَسُول اللَّه قل لي قولا يَنْفَعنِي اللَّه بِهِ فَذكره وَأَبُو يعلى إِلَّا أَنه قَالَ عَن جَارِيَة بن قدامَة أَخْبرنِي عَم أبي أَنه قَالَ للنَّبِي -ﷺ- فَذكر نَحوه وَرُوَاته أَيْضًا رُوَاة الصَّحِيح (^٣).\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٣/ ٢١٩٧).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٥ (٦٦٣٥)، وابن حبان (٢٩٦). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٩: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وهو لين الحديث، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٧).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٨٤ (١٥٩٦٤) و٥/ ٣٤ (٢٠٣٥٧) و(٢٠٣٥٨) و(٢٠٣٥٩) =","vol":"11","page":218},{"text":"قوله: وعن جارية بن قدامة [جارية بْن قدامة التميمي السعدي، عم الأحنف بْن قيس، وقيل: ابن عم الأحنف، وهو: جارية بن قدامة بن مالك بن زهير بن حصن، ويقال: حصين بن رزاح وقيل: رياح بن أسعد بن بجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي، يكنى أبا أيوب وأبا يزيد، يعد في البصريين، روى عنه أهل المدينة وأهل البصرة (^١)].\nقوله: أن رجلا قال يا رسول اللَّه قل لي قولا وأقلل لعلي أعيه قال \"لا تغضب\" تقدم معنى الغضب أيضًا.\n_________\n= و٥/ ٣٧٢ (٢٣١٦٣)، وابن حبان (٥٦٨٩) و(٥٦٩٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٧٧ رقم ٧٤٩١)، والكبير (٢/ ٢٦١ - ٢٦٣ رقم ٢٠٩٣ و٢٠٩٤ و٢٠٩٥ و٢٠٩٦ و٢١٠١ و٢١٠٧).\nوأخرجه أحمد ٥/ ٣٤ (٢٠٣٥٩)، وأبو يعلى (٦٨٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٦٢ رقم ٢٠٩٧) و(٢٠/ ٢٦٣ رقم ٢١٠٣ عن جارية بن قدامة عن عمه. وأخرجه أحمد ٥/ ٣٧٠ (٢٣١٣٧)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٦٢ رقم ٢٠٩٩ و٢١٠٠) و(٢/ ٢٦٣ رقم ٢١٠٢ و٢١٠٥ و٢١٠٦) عن جارية عن ابن عم له.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٩: رواه أحمد والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: عن الأحنف بن قيس، عن عمه وعمه جارية بن قدامة أنه قال: يا رسول اللَّه، قل لي قولا ينفعني اللَّه به. فذكر نحوه. ورواه في الكبير كذلك.\nوفي رواية عنده: عن جارية بن قدامة أن عمه أتى النبي -ﷺ-، فذكر نحوه. وفي رواية: عن جارية بن قدامة، عن ابن عم له قال: قلت: يا رسول اللَّه. . . ورجال أحمد رجال الصحيح. ورواه أبو يعلى إلا أنه قال: عن جارية بن قدامة، أخبرني عم أبي أنه قال النبي -ﷺ- فذكر نحوه. ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٨).\n(^١) أسد الغابة (١/ ٣١٤ ترجمة ٦٦٤).","vol":"11","page":219},{"text":"قوله: رواه الطبراني عن الأحنف بن قيس [الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين، وهو مقاعس، بن عبادة التميمي السعدي، أبو بحر البصري، ابن أخي صعصعة بن معاوية، والأحنف لقب، واسمه الضحاك، وقيل: صخر أدرك زمان النبي -ﷺ-. ولم يره وروي: أن النبي -ﷺ- دعا له، روى عن عمر وعلي وسعد وطلحة والعباس وغيرهم، قال الثوري ما وزن عقل الأحنف بعقل إلا وزنه توفي سنة سبع وستين بالكوفة، متفق على ثقته وجلالته (^١)].\n\n٤١٥٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ قَالَ رجل لرَسُول اللَّه -ﷺ- دلَّنِي على عمل يدخلني الْجنَّة قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لا تغْضب وَلَك الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح (^٢).\nقوله: وعن أبي الدرداء -﵁- تقدم الكلام عليه وعلى معنى حديثه.\n\n٤١٥٩ - وَعَن ابْن الْمسيب -﵁- قَالَ بَيْنَمَا رَسُول اللَّه -ﷺ- جَالس وَمَعَهُ أَصْحَابه وَقع رجل بِأبي بكر -﵁- فآتاه فَصمت عَنهُ أَبُو بكر ثمَّ آذاه الثَّانِيَة فَصمت عَنهُ أَبُو بكر ثمَّ آذاه الثَّالِثَة فانتصر أَبُو بكر فَقَامَ رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقَالَ أَبُو بكر -﵁- أوجدت عَليّ يَا رَسُول اللَّه فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- نزل ملك من السَّمَاء يكذبهُ بِمَا قَالَ لَك فَلَمَّا انتصرت ذهب الْملك وَقعد الشَّيْطَان فَلم أكن\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٧ ترجمة ٢٨٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٥ رقم ٢٣٥٣) والشاميين (٢١). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الكبير رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٩).","vol":"11","page":220},{"text":"لأجلس إِذن مَعَ الشَّيْطَان رَوَاهُ أَبُو دَاوُد هَكَذَا مُرْسلا ومتصلا من طَرِيق مُحَمَّد بن غيلَان عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَن الْمُرْسل أصح (^١).\nقوله: وعن ابن المسيب -﵁-[هو الإمام الجليل أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ، بالذال المعجمة، ابن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القريشي المخزومي التابعي، إمام التابعين. وأبوه المسيب، وجده حزن صحابيان، أسلما يوم فتح مكة، ويقال: المسيب، بفتح الياء وكسرها، والفتح هو المشهور، وحكى عنه أنه كان يكرهه، ومذهب أهل المدينة الكسر.\nولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل: لأربع سنين، ورأى عمر وسمع منه، ومن عثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، وجبير ابن مطعم، وعبد اللَّه بن زيد بن عاصم، وحكيم بن حزام، وأبي هريرة، ومعاوية، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي موسى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٩٦) ومن طريقه البيهقي في الآداب (١٣٠) والشعب ٩/ ٤٩ - ٥٠ رقم ٦٢٤٢). وأخرجه أبو داود (٤٨٩٧)، والطبراني في الأوسط (٧/ ١٨٩ - ١٩٠ رقم ٧٢٣٩)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ١٨٤) عن أبي هريرة. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا سفيان بن عيينة، ولا رواه عن سفيان إلا حسين الجعفي، تفرد به: القاسم بن دينار \"ورواه الناس عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة\"، فإن كان حسين الجعفي حفظه، فهو غريب من حديث علي بن زيد، عن ابن المسيب. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٣٧٦) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٦٣٩).","vol":"11","page":221},{"text":"الأشعري، وصفوان بن أمية، وأبيه، والمسور بن مخرمة، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وعثمان بن أبي العاص، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة، ﵃ أجمعين، روى عنه جماعات من أعلام التابعين، منهم عطاء بن أبي رباح، ومحمد الباقر، وعمرو بن دينار، ويحيى الأنصاري، والزهري، وأكثر عنه، وخلائق غيرهم، واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتقدمه على أهل عصره في العلم، والفضيلة، ووجوه الخير، قال محمد بن يحيى بن حبان: كان رأس أهل المدينة في دهره، المقدم عليهم في الفتوى سعيد بن المسيب، ويقال له: فقيه الفقهاء. وقال قتادة: ما رأيت أحدا أعلم بحلال اللَّه وحرامه من سعيد بن المسيب. وقال مكحول: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أحدا أعلم من سعيد بن المسيب. وقال سليمان بن موسى: كان سعيد ابن المسيب أفقه التابعين وأقوال السلف والخلف متظاهرة على إمامته، وجلالته، وعظم محله في العلم والدين، توفى سنة تلاث وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها من الفقهاء، وقد ذكرنا مرارا أن سعيد بن المسيب أحد فقهاء المدينة السبعة (^١)].\nقوله: بينما رسول اللَّه -ﷺ- جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر فآذاه فصمت عنه أبو بكر، الحديث، تقدم معنى \"بينما\" في حديث جبريل المطول وفي غيره.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ الترجمة ٢١٢).","vol":"11","page":222},{"text":"وقوله: وقع رجل بأبي بكر فآذاه فصمت، ومعنى: وقع رجل بأبي بكر فآذاه، معناه: سبه ومعنى صمت أي سكت عنه، والصمت هو السكوت.\nقوله: فقال: أوجدت عليَّ يا رسول اللَّه، معنى: أوجدت: أغضبت علي.\nقوله: رواه أبو داود هكذا مرسلا ومتصلا، وتقدم الكلام على الحديث المتصل والمرسل في اصطلاح المحدثين.\nقوله: من طريق محمد بن [عجلان] [هو أبو عبد اللَّه محمد بن عجلان المدني مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. كان إماما، فقيها، عابدا، وله حلقة في مسجد رسول اللَّه -ﷺ- ويفتى، وله مذهب معروف، وهو تابعي صغير، قال أبو نعيم: سمع أنسا، وأبا الطفيل الصحابيين، وخلائق من التابعين منهم أبوه، وعكرمة، ونافع، وسعيد المقبري، روى عنه جماعات من كبار الأئمة، منهم عبيد اللَّه بن عمر، ومنصور بن المعتمر، ومالك بن أنس، والليث، والثوري، وابن عيينة، وحيوة بن شريح، وشعبة، والقطان، وعبد اللَّه بن إدريس، وخلائق. وحمل به أكثر من ثلاث سنين. توفى بالمدينة سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة (^١)].\nوقوله: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، هو: سعيد بن كيسان ويعرف بسعيد بن أبي سعيد المقبري بضم الباء وفتحها وجهان مشهوران فيه وهي نسبة إلى المقبرة وفيه ثلاث لغات ضم الباء وفتحها وكسرها والثالثة غريبة، قال إبراهيم الحربي وغيره: كان أبو سعيد ينزل المقابر فقيل له المقبري وقيل\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ الترجمة ١٧).","vol":"11","page":223},{"text":"كان منزله عند المقابر وقيل كان عمر بن الخطاب جعله على حفر القبور فقيل له المقبري وجعل نعيما على أجمار المسجد فقيل نعيم المجمر وهو أبو سعيد بإسكان العين بن أبي سعيد المقبري الليثي مولاهم المدني التابعي كان أبوه مكاتبا لامراة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة سمع ابن عمر وأبا هريرة وأبا شريح الخزاعي وأبا سعيد الخدري وسمع من التابعين وخلائق، واتفقوا على توثيقه روى له البخاري ومسلم، قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث لكنه كبر واختلط قبل موته وقدم الشام مرارا وحدث ببيروت من ساحل دمشق (^١)، أ. هـ.\n\n٤١٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ الشَّديد بالصرعة إِنَّمَا الشَّديد الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٢).\n\n٤١٦١ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مُخْتَصرا لَيْسَ الشَّديد من كلب النَّاس إِنَّمَا الشَّديد من غلب نَفسه (^٣).\n\n٤١٦٢ - وَرَوَاهُ أَحْمد فِي حَدِيث طَوِيل عَن رجل شهد رَسُول اللَّه -ﷺ- يخْطب وَلم يسمه وَقَالَ فِيهِ ثمَّ قَالَ النَّبِي -ﷺ- مَا الصرعة قَالَ قَالُوا الصريع قَالَ فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- الصرعة كل الصرعة الصرعة كل الصرعة الصرعة كل الصرعة الرجل الَّذِي يغْضب فيشتد غَضَبه ويحمر وَجهه ويقشعر جلده\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ الترجمة ٢١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (١٠٧ و١٠٨ - ٢٦٠٩)، ومالك (٢٦٣٧).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٧١٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٥٠).","vol":"11","page":224},{"text":"فيصرع غَضَبه قَالَ الْحَافِظ الصرعة بِضَم الصَّاد وَفتح الرَّاء هُوَ الَّذِي يصرع النَّاس كثيرا بقوته وَأما الصرعة بِسُكُون الرَّاء فَهُوَ الضَّعِيف الَّذِي يصرعه النَّاس حَتَّى لَا يكَاد يثبت مَعَ أحد وكل من يكثر عَنهُ الشَّيْء يُقَال فِيهِ فعلة بِضَم الْفَاء وَفتح الْعين مثل حفظَة وخدعة وضحكة وَمَا أشبه ذَلِك فَإِذا سكنت ثَانِيه فعلى الْعَكْس أَي الَّذِي يفعل بِهِ ذَلِك كثيرا (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام على ترجمته مبسوطا، ومن مناقبه أيضًا وفي تاريخ ابن النجار ورحلة ابن الصلاح في ترجمة يوسف بن علي بن محمد الزنجاني الفقيه الشافعي قال: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي مصنف التنبيه يقول: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في حلقة الذكر بجامع المنصور فجاء شاب من خراسان يسأل عن مسألة المصراة فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين وغيرهما، فقال الشاب وكان حنفيا: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع فهرب الناس وتبعت الشاب دون غيره، فقيل له تب تب، فقال تبت تبت، قال: فغابت الحية وليس لها أثر (^٢)، قال ابن الصلاح هذا إسناد صالح فيه ثلاثة من صالحي أئمة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٦٧ (٢٣١١٥)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٤٤ - ٤٥ رقم ٣٠٧٠)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٩٣٨ و١٩٣٩). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٩ - ٦٨: رواه أحمد، وفيه أبو حصبة أو ابن حصبة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٤٠).\n(^٢) تاريخ الإسلام (٢/ ٥٦٠)، وحياة الحيوان (١/ ٣٩٥).","vol":"11","page":225},{"text":"المسلمين: القاضي أبو الطيب، وتلميذه الشيخ أبو إسحاق وأبو القاسم الزنجاني وقريب من هذا ما رواه أبو اليمن الكندي قال: حدثنا أبو منصور الفزاز فذكره إلى أن قال: حدثنا عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة فتنازع فيها الخصوم وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث عن أبي هريرة رواه عن النبي -ﷺ- فرد بعضهم الحديث وقال: أبو هريرة متهم فيما يرويه ونحى نحوهم الرشيد ونصر قولهم فقلت أنا: الحديث صحيح وأبو هريرة صحيح النقل عن رسول اللَّه -ﷺ- فيما يرويه فنظر إليَّ الرشيد نظر مغضب فقمت من المجلس إلى منزلي فلم ألبت حتى قيل صاحب البريد بالباب فدخل إلي فقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك -ﷺ- وأجللت نبيك -ﷺ- أن [يطعن] على أصحابه فسلمني منه فدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف وبين يديه النطع فلما رآني قال: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد بالرد ودفع قولي بمثل ما تلقيتني به فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي حاولت عليه فيه إزراء على رسول اللَّه -ﷺ- وعلى ما جاء به إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام من الصلاة والصيام والطلاق والنكاح والحدود كلها مردودة غير مقبولة، فرجع الرشيد إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك اللَّه تم أمر لي بعشرة آلاف درهم، أ. هـ ذكره صاحب حياة الحيوان (^١).\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٣٩٥).","vol":"11","page":226},{"text":"قوله: أن النبي -ﷺ- قال: \"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\" وفي الرواية الأخرى قال النبي -ﷺ-: \"ما الصرعة؟ \" قال: قالوا: الصريع، قال: فقال النبي -ﷺ-: \"الصرعة كل الصرعة الرجل الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر جلده فيصرع غضبه\" وفيه: أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو وهي الجهاد الأكبر والشجاعة الحقيقية (^١).\nيريد أن غلبة الشهوة والغضب أحمدُ، وأدخل في المدح شرعا وحقيقة من الذي يصرع الناس لأن ذلك دليل على اعتدال الخلق وكمال العقل والتقى، وهذا من تحويل الكلام من معنى إلى معنى آخر (^٢).\nقال الحافظ ﵀: الصرعة بضم الصاد وفتح الراء هو الذي يصرع الناس كثيرا بقوته وأما الصرعة بسكون الراء فهو الضعيف الذي تصرعه الناس حتى لا يكاد يثبت مع أحد، أ. هـ.\nفنقله النبي -ﷺ- إلى الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها فإذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه وتقدم ذلك وقول الحافظ وكل من يكثر منه الشيء يقال فيه فعلة بضم الفاء وفتح العين مثل حفظة وخدعة وضحكة وما أشبه ذلك فإذا سكنت ثانيه فعلى العكس أي يفعل به ذلك كثيرا، أ. هـ.\nوقوله: خدعة، فيها ثلاث لغات مشهورات اتفقوا على أن أشهرهن أفصحهن، خدعة بفتح الخاء واسكان الدال، قال ثعلب وغيره: وهي لغة\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٢١/ ٢٣٣).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٤٢).","vol":"11","page":227},{"text":"النبي -ﷺ-، والثانية: بضم الخاء وإسكان الدال والثالثة: بضم الخاء وفتح الدال ومعناها الكثرة أي يخدع الرجال ويمنيهم ثم لا يفي لهم كما يقال رجل لعبة أي كثير التلعب بالأشياء (^١).\nوقال بعضهم أيضًا: الحرب خدعة يروي بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضمها مع فتح الدال فالأول معناه أن الحرب ينقضي أمرها خدعة واحدة من الخداع أي أن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة وهو أفصح الروايات وأصحها ومعنى الثاني هو السم من الخداع ومعنى الثالث أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم ولا تفي لهم كما يقال رجل لعبة وضحكة للذي يكثر اللعب والضحك قاله في النهاية (^٢).\nوقوله: ضحكة: الضحكة بالإسكان من يضحك عليه وبالفتح هو الذي يضحك على الناس ومثله هُزَأَة وهُزْأَة وهمزة وهمزة، والهمزة بالإسكان من يهمز منه وبالفتح الذي يغتاب الناس أو يسخر منهم ومن هذا الباب الهذرة الكثير الكلام (^٣) واللحنة الكثير اللحن (^٤)، واللَّه أعلم.\n\n٤١٦٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ صلى بِنَا رَسُول اللَّه -ﷺ- يَوْمًا صَلَاة الْعَصْر ثمَّ قَامَ خَطِيبًا فَلم يدع شَيْئا يكون إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا أخبرنَا بِهِ حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه وَكَانَ فِيمَا قَالَ إِن الدُّنْيَا خضرَة حلوة وَإِن اللَّه\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٢٦٩)، وغريب الحديث (٢/ ١٦٦).\n(^٢) النهاية (٢/ ١٤).\n(^٣) المنتخب من كلام العرب (ص ٢٣٥)، وشرح الفصيح (ص ٢٠٩).\n(^٤) المحكم (٣/ ٣٤٣)، والمشارق (١/ ٣٥٥)، وشمس العلوم (٩/ ٦٠١٤).","vol":"11","page":228},{"text":"مستخلفكم فِيهَا فناظر كيفَ تَعْمَلُونَ أَلا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقوا النِّسَاء وَكَانَ فِيمَا قَالَ أَلا لَا يمنعن رجلا هَيْبَة النَّاس أَن يَقُول بِحَق إِذا علمه قَالَ فَبكى أَبُو سعيد وَقَالَ وَقد وَاللَّه رَأينَا أَشْيَاء فهبنا وَكَانَ فِيمَا قَالَ أَلا إِنَّه ينصب لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة بِقدر غدرته وَلا غدرة أعظم من غدرة إِمَام عَامَّة يركز لِوَاءُهُ عِنْد استه وَكَانَ فِيمَا حفظناه يَوْمئِذٍ أَلا إِن بني آدم خلقُوا على طَبَقَات أَلا وَإِن مِنْهُم البطيء الْغَضَب السَّرِيع الْفَيْء وَمِنْهُم سريع الْغَضَب سريع الْفَيْء فَتلك بِتِلْكَ أَلا وَإِن مِنْهُم سريع الْغَضَب بطيء الْفَيْء أَلا وَخَيرهمْ بطيء الْغَضَب سريع الْفَيْء وشرهم سريع الْغَضَب بطيء الْفَيْء أَلا وَإِن الْغَضَب جَمْرَة فِي قلب ابْن آدم أما رَأَيْتُمْ إِلَى حمرَة عَيْنَيْهِ وانتفاخ أوداجه فَمن أحس بِشَيْء من ذَلِك فليلصق بِالأَرْضِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).\nقوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ألا إنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته\" الحديث.\nقيل: الغدر ترك الوفاء (^٢).\nوقال ابن عيينة هو أن يعطي رجل رجلا الأمان ثم يقتله والغدر شر.\nقال أهل اللغة: اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له قالوا: فمعنى لكل غادر لواء\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٩ (١١١٤٣) و٣/ ٦١ (١١٥٨٧)، الترمذي (٢١٩١)، وابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٢٢٠) وقصر الأمل (١١٩)، والطبراني في الشاميين (١٢٧٨) كلاهما مختصرًا. قال الترمذي: وهذا حديث حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٤١).\n(^٢) تحفة الأبرار (٢/ ٥٥٧).","vol":"11","page":229},{"text":"أي علامة يشهر بها في الناس وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهره بذلك (^١).\nولما كان الغدر مكتوما يستتر منه شهر به صاحبه وكشف ستره (^٢).\nوفي هذا الحديث بيان غلظ تحريم الغدر لاسيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعرض ضرره إلى خلق كثيرين ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء واللَّه أعلم (^٣).\nقوله: \"يركز لواءه عند استه\" والاست هو الدبر.\nقوله -ﷺ-: \"ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات ألا وإن منهم البطيء الغضب السريع الفيء\" الفيء الرجوع.\n\n٤١٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٤) قَالَ الصَّبْر عِنْد الْغَضَب وَالْعَفو عِنْد الإِسَاءَة فَإذا فعلوا عصمهم اللَّه وخضع لَهُم عدوهم ذكره البُخَارِيّ تَعْلِيقا (^٥).\n_________\n(^١) العدة شرح العمدة (٣/ ١٦٩٤).\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ٣٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٤٤).\n(^٤) سورة المؤمنون، الآية: ٩٦.\n(^٥) ذكره البخاري تعليقا (٩/ ١٢٧). ووصله ابن حجر في تغليق التعليق (٤/ ٣٠٣) من طريق عبد اللَّه ابن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وأخرجه الطبري في التفسير (٢٠/ ٤٣٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٤٢) بتمامه وصححه ببعضه في (٢٧٥١).","vol":"11","page":230},{"text":"قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم. قوله: في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: \"الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة\" الحديث.\n\n٤١٦٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"ثَلَاث من كن فِيهِ آواه اللَّه فِي كنفه وَستر عَلَيْهِ برحمته وَأدْخلهُ فِي محبته من إِذا أعطي شكر وَإِذا قدر غفر وَإِذا غضب فتر\" رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عمر بن رَاشد وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ثلاث من كن فيه آواه اللَّه في كنفه\" الحديث، وكنعه ستره ورحمته ولطفه وإكرامه، قاله القرطبي.\nقوله: رواه الحاكم من رواية عمر بن راشد.\n\n٤١٦٦ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من دفع غَضَبه دفع اللَّه عَنهُ عَذَابه وَمن حفظ لِسَانه ستر اللَّه عَوْرَته رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأَوْسَط (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ١٢٥)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠ رقم ٤١١٩ و٤١٢٥)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٦٠٦) وتلخيص المتشابه (١/ ١٧٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٣٦٥). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: بل واه فإن عمر بن راشد المذكور في إسناده قال فيه أبو حاتم: وجدت حديثه كذبًا. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٨٧) و(٥٤٧٨) وضعيف الترغيب (١٦٤٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٨٢ رقم ١٣٢٠)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٧٣). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا خالد، ولا عن خالد إلا عبد السلام تفرد به: هلال. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٨ و٨/ ٧٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد السلام بن هاشم، وهو ضعيف. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (١٦٤٤).","vol":"11","page":231},{"text":"قوله: وروي عن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"من دفع غضبه دفع اللَّه عنه عذابه\" الحديث، الدفع هو [الإزالة بقوة]، ولهذا قال النبي -ﷺ-: \"إن لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفا غيظه بمعصية اللَّه\" (^١).\n\n٤١٦٧ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا من جرعة أعظم عِنْد اللَّه من جرعة غيظ كظمها عبد ابْتِغَاء وَجه اللَّه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\nقوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٥١٨٠)، وابن جرير في تهذيب الآثار (٧٧١ و٧٧٢)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٨٣)، والطبراني في الكبير (١/ ١٤٩١ رقم ١١٤٤٥)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٥١). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي -ﷺ- بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وقدامة بن محمد ليس بن به بأس، وإسماعيل بن شيبة قد حدث عنه ابن جريج بغير حديث لم يتابع عليه.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧١: رواه البزار، وفيه إسماعيل بن شيبة الطائفي وهو ضعيف ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال في ١٠/ ٣٩٥: رواه البزار من طريق قدامة بن محمد، عن إسماعيل بن شيبة، وهما ضعيفان، وقد وثقا، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٢٤٦).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٢٨ (٦١١٤)، وابن ماجه (٤١٨٩)، وابن الأعرابي في المعجم (٥٣٧)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٠٥ رقم ٧٢٨٢) والكبير (١٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠ رقم ١٣٩٩٤).\nوقال الدارقطني في العلل (٣٠٣١): والموقوف أصح. وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٢٣٣: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر أيضًا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٥٢).","vol":"11","page":232},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ما من جرعة أعظم عند اللَّه من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه اللَّه\" الحديث، الجرعة: بضم الجيم وفتحها كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه، ومنه الحديث: \"إذا [تثائب] أحدكم فليكظم ما استطاع\" أي: ليحبسه مهما استطاع قاله في النهاية (^١).\n\n٤١٦٨ - وَعَن معَاذ بن أنس -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ من كظم غيظا وَهُوَ قَادر على أَن ينفذهُ دَعَاهُ اللَّه سُبْحَانَهُ على رُؤُوس الْخَلَائق حَتَّى يخيره من الْحور الْعين مَا شَاءَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه كلهم من طَرِيق أبي مَرْحُوم واسْمه عبد الرَّحِيم بن مَيْمُون عَن سهل بن معَاذ عَنهُ وَيَأْتِي الْكَلَام على سهل وَأبي مَرْحُوم إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (^٢).\nقوله: وعن معاذ بن أنس -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من كلظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللَّه سبحانه على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ما شاء\" وفي حديث آخر: \"دعاه اللَّه على رءوس الخلائق حتى يخيره في الجنان والحور [يزوجه منها ما شاء اللَّه] \" قال في النهاية: كظم الغيظ تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه (^٣) قال اللَّه\n_________\n(^١) النهاية (٤/ ١٧٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٤٠ (١٠٦٣٧)، وأبو داود (٤٧٧٧)، والترمذي (٢٢٠١) و(٢٤٩٣)، وابن ماجه (٤١٨٦)، وأبو يعلى في المفاريد (١٣) والمسند (١٤٩٧). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٥٣)، الروض النضير (٤٨١ و٨٥٤).\n(^٣) النهاية (٤/ ١٧٨).","vol":"11","page":233},{"text":"تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (^١) الآية، قال ابن عطية: كظم الغيظ رده في الجوف إذا كان يخرج من كثرته فضبطه ومنعه كظم له والغيظ أصل الغضب والكظام السير الذي يشد به فم الزق والقربة، وكظم البعير جرته إذا ردها في جوفه وكثيرا ما [يتلازمان] ولذلك فسر بعض الناس الغيظ بالغضب وليس تجريد لذلك بل الغضب حال النفس لا يظهر على الجوارح والغضب حال لها مع ظهوره في الجوارح وفعل ما ولابد ولهذا جاء إسناد الغضب إلى اللَّه تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم ولا يسند إلى اللَّه تعالى غيظ، وكظم الغيظ من أفضل العبادات وجهاد النفس (^٢)، روى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاده ملأه اللَّه أمنا وإيمانا\" (^٣) والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، أ. هـ، قاله في الحدائق، فيا سعادة من وقع له ذلك بين الأمم فيه يغبط وشر ويصرف به كل ألم (^٤).\n\n٤١٦٩ - وَعَن أبي ذَر -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ إِذا غضب أحدكُم وَهُوَ قَائِم فليجلس فَإِن ذهب عَنهُ الْغَضَب وَإِلَا فليضطجع رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلَاهُمَا من رِوَايَة أبي حَرْب بن الأَسود عَن أبي ذَر وَقد قيل إِن أَبَا حَرْب إِنَّمَا يروي عَن عَمه عَن أبي ذَر وَلا يحفظ لَهُ سَماع من أبي ذَر وَقد رَوَاهُ\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤.\n(^٢) تفسير ابن عطية (١/ ٥٠٩ - ٥١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٢٣)، وابن فيل في جزئه (٨٩)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٣٦٦) عن أبي هريرة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩١٢).\n(^٤) حدائق الأولياء (١/ ٧٨).","vol":"11","page":234},{"text":"أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَن دَاوُد وَهُوَ ابْن هِنْد عَن بكر أَن النَّبِي -ﷺ- بعث أَبَا ذَر بِهَذَا الحَدِيث ثمَّ قَالَ أَبُو دَاوُد وَهُوَ أصح الْحَدِيثين يَعْنِي أَن هَذَا الْمُرْسل أصح من الأول وَاللَّه أعلم (^١).\nقوله: وعن أبي ذر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع\" الحديث، وقال قيل إن المعنى في هذا لأن القائم متأهب للانتقام والجالس دونه في ذلك والمضطجع أبعد عنه فائدة فأمره بالتباعد عن حالة الانتقام، أهـ قاله ابن رجب (^٢).\nقال الطوفي: والغرض أن يبعد عن هيئة الوثوب والتسرع إلى الانتقام ما أمكن حسما لمادة المبادرة وقيل ليتذكر بميله إلى الأرض أنه منها وصائر إليه وهو أردع له عن الشر (^٣). أ. هـ.\n\n٤١٧٠ - وَعَن سُلَيْمَان بن صرد -﵁- قَالَ استب رجلَانِ عِنْد النَّبِي -ﷺ- فَجعل أَحدهمَا يغْضب ويحمر وَجهه وتنتفخ أوداجه فَنظر إِلَيْهِ النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ١٥٢ (٢١٣٤٨)، وعنه أبو داود (٤٧٨٢)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٠/ ٥٢٦ رقم ٧٩٣٢) والبغوي (٣٥٨٤)، وابن حبان (٥٦٨٨). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٠ - ٧١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه أبو داود (٤٧٨٣) ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٠/ ٥٢٦ رقم ٧٩٣٣) مرسلا. قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٦٦٤) وضعيف الترغيب (١٦٤٥).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٠٦).\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٤٠).","vol":"11","page":235},{"text":"إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ ذَا أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَقَامَ إِلَى الرجل رجل مِمَّن سمع النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ هَل تَدْرِي مَا قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- آنِفا قَالَ لا قَالَ إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب ذَا أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَقَالَ لَهُ الرجل أمجنونا تراني رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: وعن سليمان بن صُرَد -﵁- هو أبو مطرف سليمان بن صرد بضم الصاد وفتح الراء مصروف بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حزام بالزاي النسب مختصر الخزاعي الكوفي، له صحبة، وخزاعة هم ولد حارثة بن عمرو بن عامر روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسة عشر حديثا اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث روى عنه السبيعي وعدي بن ثابت نزل الكوفة وكان خيرا فاضلا، صاحب دين وعبادة وكان له شرف في قومه كان اسمه في الجاهلية يسار فسماه النبي -ﷺ- سليمان، سكن الكوفة وابتنى بها دارا وكافت له سن عالية وشهد مع علي وقعة صفين وهو الذي قتل حوشبا ذا ظليم الألهاني بصفين مبارزة وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي يسأله القدوم إلى الكفوة فلما قدمها ترك القتال معه فلما قتل الحسين ندم ثم قالوا: ما لنا توبة مما فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب به فخرجوا وعسكروا في مستهل ربيع الآخر سنة خمس وستين وولوا أمرهم سليمان بن صرد وهو أمير التوابين ثم ساروا إلى عبيد اللَّه بن زياد فلقوا مقدمته في أربعة آلاف عليها شرحبيل بن دي الكلاع فاقتتلوا فقتل سليمان بن صرد وحمل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٨٢) و(٦٠٤٨) و(٦١١٥)، ومسلم (١٠٩ و١١٠ - ٢٦١٠).","vol":"11","page":236},{"text":"رأسه إلى مروان بن الحكم وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة (^١)، أ. هـ.\nقوله: \"استب رجلان عند النبي -ﷺ- فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه\" أي إلى ظهور الريح في عروق عنقه والأوداج جمع ودج وفيه أنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ بالكلم المشهورة وأنه سبب لزواله.\nتنبيه: وليس لسليمان بن صرد في الصحيحين إلا حديثان هذا أحدهما والآخر قال النبي -ﷺ- يوم الأحزاب إلا أن نغزوهما ولا يغزونا انفرد به البخاري واللَّه أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"إني لأعلم كلمة\" أي: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، الحديث، الكلمة قد تطلق على الجمل ومنه الكلمة للحويدرة (^٢) لقصيدته لأنه كلم تضامت وتلاحقت وصارت في حكم شيء واحد فسميت كلمة ومنه أيضًا قول ابن مالك في الألفية: وكلمة بها كلام قد يؤم، أي يقصد.\nقوله: \"لذهب عنه ذا\" يعني الغضب فيه إشارة إلى أن الغضب من الشيطان فإذا تعوذ باللَّه منه ذهب عنه ذلك قاله في شرح مشارق الأنوار\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٤ ترجمة ٢٣١)، وتهذيب الكمال (١١/ ٤٥٤ - ٤٥٧ ترجمة ٢٥٣١).\n(^٢) هو: قضبة بن محصن بن جرول بن حبيب بن عبد العزى بن خزيمة بن رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. وقصيدته أولها:\nبَكَرَتْ سُمَيَّةُ بُكْرَةً فَتَمَتَّعِ ... وغَدَتْ غُدُوَّ مُفَارِقٍ لم يَرْبَعِ\nوتَزَوَّدَتْ عَيْني غَدَاةَ لَقِيتُها ... بِلِوَى البُنيْنَةِ نَظْرةً لم تُقْلِعِ","vol":"11","page":237},{"text":"للشيخ وجيه الدين (^١).\nتنبيه: في كتاب ابن السني عن عائشة -﵂- قالت: \"دخل علي النبي -ﷺ- وأنا غضبى فأخذ بطرف المفصل من أنفي فعركه ثم قال: \"يت عويش قولي اللهم اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من الشيطان\" (^٢)، أ. هـ.\n\n٤١٧١ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ استب رجلَانِ عِنْد النَّبي -ﷺ- فَغَضب أَحدهمَا غَضبا شَدِيدا حَتَّى خيل إِلَيّ أَن أَنفه يتمزع من شدَّة غَضَبه فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد من الْغَضَب فَقَالَ مَا هِيَ يَا رَسُول اللَّه قَالَ تَقول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم قَالَ فَجعل معَاذ يَأْمُرهُ فَأبى وَضحك وَجعل يزْدَاد غَضبا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ كلهم من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث مُرْسل عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى لم يسمع من معَاذ بن جبل مَاتَ معَاذ فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب وَقتل عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى غُلَام ابْن سِتّ سنين وَالَّذِي قَالَه التِّرْمِذِيّ وَاضح فَإِن البُخَارِيّ ذكر مَا يدل على أَن مولد عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى سنة سبع عشرَة وَذكر غير وَاحِد أَن معَاذ بن جبل توفّي فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة وَقيل سنة سبع عشرَة وَقد روى النَّسَائيِّ هَذَا الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن أبي بن\n_________\n(^١) حدائق الأزهار (مخ ٨٧٧٨١ كتبخانة/ لوحة ٦٤).\n(^٢) أخرجه ابن السني في اليوم والليلة (٤٥٦) و(٦٢٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٢٠٧).","vol":"11","page":238},{"text":"كعْب وَهَذَا مُتَّصِل وَاللَّه أعلم (^١).\nقوله: وعن معاذ بن جبل -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: استب رجلان عند النبي -ﷺ-، الحديث، السب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه.\nقوله: فغضب أحدهما غضبا شديدا حتى خيل إلي أن أنفه يتمزع من شدة غضبه، الحديث.\nقوله: يتمرغ من شدة غضبه أي: يتقطع ويتشقق غضبا، قال أبو عبيد أحسبه يترمع هذا هو الصواب والرواية يتمرغ ومعنى يترمع كأنه يرعد من الغضب يعني بالراء (^٢) وفي حديث كتابه إلى كسرى لما مزقه دعا عليهم أن يمزقوا كل ممزق والتمزيق التحريق والتقطيع وأراد بتمزيقهم تفرقهم وزوال ملكهم وقطع أدبارهم قاله في النهاية (^٣)، في هذا الحديث أن الغضب في غير اللَّه تعالى من نزغ الشيطان وأنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٤٠ (٢٢٠٨٦) و٥/ ٢٤٤ (٢٢١١١)، وأبو داود (٤٧٨٠) و(٤٧٨١)، والترمذي (٣٤٥٢)، والنسائي في الكبرى (١٠١٤٩ - ١٠١٥١)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٤٠ - ١٤١ (٢٨٨ - ٢٨٦).\nقال الترمذي: وهذا حديث مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل. وقال ابن حجر في الأمالي المطلقة (ص ١٨٤): هذا حديث حسن. وصححه بمجموعه الألباني في الصحيحة (٣٣٠٣) وضعفه في الروض النضير (٦٣٥) وضعيف الترغيب (١٦٤٦).\n(^٢) الصحاح (٣/ ١٢٨٤)، والنهاية (٢/ ٢٦٤).\n(^٣) النهاية (٤/ ٣٢٥).","vol":"11","page":239},{"text":"أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم فإنه سبب لزوال الغضب كما تقدم وأما قول هذا الرجل الذي اشتد غضبه هل ترى بي جنون فهو كلام من لم يفقه في دين اللَّه تعالى ولم يتهذب بأنوار الشريعة المطهرة المكرمة وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالجنون ولم يعلم أن الغضب من نزعات الشيطان ولهذا يخرج الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم وينوي الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب ولهذا قال النبي -ﷺ- للذي قال له أوصني قال: \"لا تغضب\" فردد مرارا، قال: \"لا تغضب\" فلم يزده في الوصية على \"لا تغضب\" مع تكراره الطلب، وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب وما ينشأ منه ويحتمل أن هذا القائل هل ترى بي من جنون كان من المنافقين أو من جفاة العرب (^١) واللَّه أعلم.\n\n٤١٧٢ - وَعَن أبي وَائِل الْقَاص قَالَ دَخَلنَا على عُرْوَة بن مُحَمَّد السَّعْدِيّ فَكَلمهُ رجل فأغضبه فَقَامَ فَتَوَضَّأ فَقَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي عَطِيَّة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن الْغَضَب من الشَّيْطَان وَإِن الشَّيْطَان خلق من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِذا غضب أحدكُم فَليَتَوَضَّأ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٦٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٦ (١٧٩٨٥)، والبخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٨، وأبو داود (٤٧٨٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٢٦٧) و(١٤٣١)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٣٣٦)، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٦٧ (٤٤٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠/ ٥٣٠ رقم ٧٩٣٨). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٨٢) وضعيف الترغيب (١٦٤٧).","vol":"11","page":240},{"text":"قوله: وعن أبي وائل القاص، وأبو وائل القاص هذا ثقة، وكان قاص أهل صنعاء والقاص بفتح القاف. وبعد الألف صاد ومهملة هذه النسبة إلى القصص والمواعظ، وقد نسب لذلك غير واحد واللَّه أعلم.\nقوله: حدثني أبي عن جدي عطية، وعطية هذا هو ابن سعد، ويقال ابن قيس ويقال ابن عروة سعدي من بني سعد بن بكر بن هوازن نزل الشام وكان ولده [بالبلقاء]، وله صحبة وكنيته أبو محمد (^١).\nقوله: \"إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء\" الحديث.\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٢٠/ ١٥٢ - ١٥٣ ترجمة ٣٩٦٠).","vol":"11","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>[الترهيب من التهاجر والتشاحن والتدابر]</span>\n٤١٧٣ - عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لا تقاطعوا وَلَا تدابروا وَلَا تباغضوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكونُوا عباد اللَّه إخْوَانًا وَلَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَرَوَاهُ مسلم أخصر مِنْهُ وَالطَّبَرَانيِّ وَزَاد فِيهِ يَلْتَقِيَانِ فَيعرض هَذَا ويعرض هَذَا وَخَيرهمْ الَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ وَالَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ يسْبق إِلَى الْجنَّة قَالَ مَالك وَلَا أَحسب التدابر إِلَّا الإِعْرَاض عَن الْمُسلم يدبر عَنهُ بِوَجْهِهِ (^١).\nقوله: عن أنس -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا\".\nقوله -ﷺ-: \"لا تقاطعوا\" التقاطع بمعنى التدابر وقد يبقى مع التدابر شيء من المودة أو لا يكون مودة ولا بغض.\nوقوله: \"ولا تدابروا\" قال مالك: ولا أحسب التدابر الإعراض عن المسلم يدبر عنه بوجهه نقله عنه الحافظ المنذري.\nوقال أبو عبيد (^٢): التدابر المصارمة والهجران مأخوذ من أن يولي الرجل\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٢٦٣٩)، والبخاري (٦٠٦٥) و(٦٠٧٦)، ومسلم (٢٣ و٢٤ - ٢٥٥٨)، وأبو داود (٤٩١٠)، والترمذي (١٩٣٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣ رقم ٧٨٧٤) والشاميين (١٦٩٤) و(٢٩٧٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٥٥).\n(^٢) غريب الحديث (٢/ ١٠).","vol":"11","page":242},{"text":"صاحبه دبره ويعرض عنه بوجهه وهو التقاطع أ. هـ.\nوقال بعضهم التدابر المعاداة (^١)، وقال النووي في الرياض: والتدابر أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء ظهره والدبر (^٢).\nقال صاحب الحدائق: قلت ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائدة لمن تدبره.\nقوله -ﷺ-: \"ولا تباغضوا\" أي: لا يبغض بعضكم بعضا والبغض للشيء هو النفرة منه لمعنى مستقبح فيه والظاهر أن البغض والكراهة واحد أو هما متقاربان قاله الطوفي (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ولا تحاسدوا\" أي: لا يحسد بعضكم بعضا، وقد أجمع الناس من المشرعين وغيرهم على تحريم الحسد وقبحه ووردت نصوص الشرع بذلك وهذا الحديث يقتضي تحريمه وسيأتي الكلام على الحسد مبسوطا في بابه إن شاء اللَّه تعالى.\nقوله -ﷺ-: \"وكونوا عباد اللَّه إخوانًا\" كأنه قال: إذا تركتم التحاسد والتباغض والتدابر كنتم إخوانا وإذا لم تتركوا ذلك صرتم أعدل والأخوان والأخوة من غير النسب والأخوة من النسب، وقوله: \"وكونوا إخوانا\" أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا مما سبق ذكره وغيره من فعل المؤلفات وترك المنفرات (^٤).\n_________\n(^١) قاله القاضى عياض في إكمال المعلم (٨/ ٢٣).\n(^٢) رياض الصالحين (ص ٩٨).\n(^٣) التعيين (ص ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(^٤) التعيين في شرح الأربعين (ص ٣٠٢).","vol":"11","page":243},{"text":"قوله \"عباد اللَّه\" أي: يا عباد اللَّه، وفيه إشارة إلى أنكم عباد اللَّه ﷿ فحقكم أن تطيعوه بأن تكونوا إخوانا واللَّه أعلم قاله الطوفي (^١).\nقوله -ﷺ-: \"ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث\" الحديث.\nقال العلماء: في هذا الحديث تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال وإباحتها في الثلاث الأول بنص الحديث، والثاني: بمفهومه قالوا وإنما عفى عنها في الثلات لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفى عن الهجرة في الثلاث ليذهب ذلك العارض (^٢).\nوإنما لم تكن له الزيادة على ثلاثة أيام فيما كان بينهما من الأمور الدنيوية وحظوظ النفس وتعنتاتها (^٣).\nقال النووي في الروضة (^٤): قال أصحابنا وغيرهم هذا في الهجر لغير عذر شرعي فإن كان عذر بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور فلا يحرم الهجر حتى يزول ذلك وتظهر توبته وقيل: إن الحديث لا يقتضي إباحة هجره الثلاثة أيام وهذا عند من لا يحتج بالمفهوم.\nقوله: \"لا يحل لمسلم\" وهذا قد يحتج به من يقول: الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأصح أنهم مخاطبون بها وإنما قيد بالمسلم لأنه الذي يقبل\n_________\n(^١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٣٥٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٧).\n(^٣) طرح التثريب (٤/ ١٢٠).\n(^٤) روضة الطالبين (٧/ ٣٦٧).","vol":"11","page":244},{"text":"خطاب الشارع وينتفع به وهذه الهجرة المحرمة هي التي تكون عن غضب لأنه جائز لا تعلق له بالدين فأما الهجرة لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك، ولا ويختلف في هذا وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا واللَّه أعلم.\nقوله في الطبراني وزاد فيه: \"يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا\" أي يوليه عرضه بضم العين وهو جانبه.\n\n٤١٧٤ - وَعَن أبي أَيُّوب -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ لا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث لَيَال يَلْتَقِيَانِ فَيعرض هَذَا ويعرض هَذَا وخيرهما الَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: وعن أبي أيوب -﵁- أبو أيوب اسمه خالد بن زيد الأنصاري تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث\" الهجر في الثلاث مكروه وفيما زاد على الثلاث حرام.\nوحكي عن بعضهم أنه هجر أخا له فوق ثلاث فكتب إليه بهذه الأبيات:\nيا سيدي لي عندك مظلمة ... فاستفت فيه ابن أبي خيثمة\nفإنه يرويه عن جده قال: ... روى الضحاك عن عكرمة\nعن ابن عباس عن المصطفى ... نبينا المبعوث بالرحمة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٧٧) و(٦٢٣٧)، ومسلم (٢٥ - ٢٥٦٠)، والترمذي (١٩٣٢)، وأبو داود (٤٩١١).","vol":"11","page":245},{"text":"أن صدود الألف عن إلفه ... فوق ثلاث ربنا حرمه (^١) أ. هـ\nقوله -ﷺ-: \"وخيرهما الذي يبدأ بالسلام\" أي: وأفضلهما ومعناه أن المبادر بقطع الهجرة وبالسلام أحسن خلقا وأعظم أجرا وفيه دليل لمذهب الشافعي ومالك ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجرة ويرفع الإثم فيها ويزيله، وقال الإمام أحمد بن حنبل وابن القاسم المالكي: إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجره، قال النووي: قال أصحابنا ولو كاتبه أو أرسله عند غيبته عنه هل يزول إثم الهجرة فيه وجهان أحدهما لا يزول لأنه لم يكلمه وأصحجهما يزول لزوال الوحشة واللَّه أعلم (^٢)، أ. هـ.\n\n٤١٧٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث فَمن هجر فَوق ثَلَاث فَمَاتَ دخل النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ بِإِسْنَاد على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (^٣).\n\n٤١٧٦ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَ النَّبِي -ﷺ- لَا يحل لمُؤْمِن أَن يهجر مُؤمنا فَوق ثَلَاث فَإِن مرت بِهِ ثَلَاث فليلقه فليسلم عَلَيْهِ فَإِن رد ﵇ فقد اشْتَركَا فِي الأجر وَإِن لم يرد عَلَيْهِ فقد بَاء بالإثم وَخرج الْمُسلم من الْهِجْرَة (^٤).\n_________\n(^١) خاص الخاص (ص ٧٠)، وديوان الصبابة (ص ٣٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٧ - ١١٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٩١٤)، والنسائي في الكبرى (٩١١٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٥٧).\n(^٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤١٤) وفي التاريخ ١/ ٢٥٧، وأبو داود (٤٩١٢)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٥٥٨). وضعفه الألباني في المشكاة (٥٠٣٧)، غاية المرام (٤٠٥)، الإرواء (٢٠٢٩)، وصححه في صحيح الترغيب (٢٧٥٧).","vol":"11","page":246},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله: \"فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة\" الحديث، باء معناها رجع ويمكن أن المعنى باء بإثمهما.\n\n٤١٧٧ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ لا يكون لمُسلم أَن يهجر مُسلما فَوق ثَلَاثَة أَيَّام فَإِذا لقِيه سلم عَلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات كل ذَلِك لا يرد عَلَيْهِ فقد بَاء بإثمه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nقوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ-: \"لا يكون لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاثة أيام\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٤١٧٨ - وَعَن هِشَام بن عَامر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لا يحل لمُسلم أَن يهجر مُسلما فَوق ثَلَاث لَيَال فَإِنَّهُمَا ناكبان عَن الْحق مَا داما على صرامهما وأولهما فَيْء يكون سبقه بالفيء كفَّارَة لَهُ وَإِن سلم فَلم يقبل ورد عَلَيْهِ سَلَامه ردَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة ورد على الآخر الشَّيْطَان فَإِن مَاتَا على صرامهما لم يدخلا الْجنَّة جَمِيعًا أبدا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَأَبُو يعلى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩١٣)، وأبو يعلى (٤٥٨٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٥٨).","vol":"11","page":247},{"text":"وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ لم يدخلا الْجنَّة وَلم يجتمعا فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة إِلَّا أَنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لا يحل أَن يصطرما فَوق ثَلَاث فَإِن اصطرما فَوق ثَلَاث لم يجتمعا فِي الْجنَّة أبدا وَأيهمَا بَدَأَ صَاحبه كفرت ذنُوبه وَإِن هُوَ سلم فَلم يرد عَلَيْهِ وَلم يقبل سَلَامه رد عَلَيْهِ الْملك ورد على ذَلِك الشَّيْطَان (^١).\nقوله: وعن هشام بن عامر -﵁-[هو هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس وقيل الخشخاش ابن مالك بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري، والد سعد بن هشام له ولأبيه صحبة، قيل: كان اسمه في الجاهلية شهابا، فسماه رسول اللَّه -ﷺ- هشامًا، واستشهد أبوه يوم أحد، وسكن هو البصرة، ومات بها (^٢)].\nقوله: \"لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث ليال\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٣١٩) ومن طريقه البيهقي في الآداب (٢٢٩)، ومسدد كما في اتحاف الخيرة (٥٣٢٥/ ٢)، وابن أبي شيبة كما في اتحاف الخيرة (٥٣٢٥/ ٣)، وأحمد ٤/ ٢٠ (١٦٢٥٧) و(١٦٢٥٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٠٢) و(٤٠٧)، وأبو يعلى في المفاريد (ص ٦٩) والمسند (١٥٥٧) وعنه ابن حبان (٥٦٦٤) وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٤٦)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ١٧٥ (٤٥٤) و(٤٥٥)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٩ رقم ٦١٩٦) و(١١/ ٣٦٢ - ٣٦٣ رقم ٨٦٧٢).\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٦: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٥٩) والصحيحة (١٢٤٦).\n(^٢) أسد الغابة (٤/ ترجمة ٥٣٥٧)، وتهذيب الكمال (٣/ ترجمة ٦٥٨٠).","vol":"11","page":248},{"text":"قوله: \"فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما\" الحديث، ناكبان أي مائلان.\nقوله: \"مما دامما على صرامهما\" والصرم هو القطع يقال صرمت الحبل صرما أي قطعته والاسم الصرم بالضم.\nقوله: \"وأولهما فيء يكون سبقه بالفيء كفارة له\" الحديث، والفيء هو الرجوع وتقدم.\nقوله -ﷺ-: \"فإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا أبدا\" الحديث، فيه القولان السابقان في شرب الخمر وغيره وفي أشباه ذلك.\n\n٤١٧٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لَا تحل الْهِجْرَة فَوق ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن التقيا فَسلم أَحدهمَا فَرد الآخر اشْتَركَا فِي الأجر وَإِن لم يرد برئ هَذَا من الإِثْم وباء بِهِ الآخر وَأَحْسبهُ قَالَ وَإِن مَاتَا وهما متهاجران لا يَجْتَمِعَانِ فِي الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَوْسَط وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه في الأحاديث قبله.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٧٨ رقم ٨٩٣٥)، والحاكم (٤/ ١٦٣). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا سعيد بن سالم، تفرد به: أسد بن موسى. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٧: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه مقدام بن داود وهو ضعيف، وقال ابن دقيق العيد في الإمام: إنه وثق. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٦٠).","vol":"11","page":249},{"text":"٤١٨٠ - وَعَن أبي أَيُّوب -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ لَا تدابروا وَلَا تقاطعوا وَكُونُوا عباد اللَّه إخْوَانًا هجر الْمُؤمنِينَ ثَلَاثًا فَإِن تكلما وَإِلَّا أعرض اللَّه ﷿ عَنْهُمَا حَتَّى يتكلما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا عبد اللَّه بن عبد الْعَزِيز اللَّيْثِيِّ (^١).\nقوله: وعن أبي أيوب -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"لا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا هجر المؤمنين ثلاثا\" تقدم الكلام عليه أيضًا.\nقوله: \"فإن تكلما وإلا أعرض اللَّه ﷿ عنهما حتى يتكلما\" الحديث، ومعنى إعراض اللَّه تعالى عن العبد فهو [ترك رحمته وعفوه، وتقريبه وقبوله].\nقوله: ورواته ثقات إلا عبد اللَّه بن عبد العزيز الليثي [قال يحيى ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وضعفه النسائي وأبو حاتم، وقال أبو زرعة ليس بالقوي ووثقه مالك وسعيد بن منصور].\n\n٤١٨١ - وَعَن فضَالة بن عبيد -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ من هجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث فَهُوَ فِي النَّار إِلَّا أَن يتداركه اللَّه برحمته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٤/ ١٤٥ رقم ٣٩٥٧). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٧: رواه الطبراني، وفيه عبد اللَّه بن عبد العزيز الليثي، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله تقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٤٨).\n(^٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (٢٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢١٥ (٢٥٣٧١)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٣١٨ (٨١٥). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٧: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٦١).","vol":"11","page":250},{"text":"قوله: [وعن فضالة بن عبيد -﵁-].\nقوله -ﷺ-: \"من هجر أخاه فوق ثلاث فهو في النار إلا أن يتداركه اللَّه برحمته\" التدارك برحمة اللَّه تعالى [يعنى بتوبة]، ومن الكبائر الهجر فوق ثلاثة أيام إلا لبدعة في المهجور أو بظاهر فسق أو نحو ذلك (^١) كما تقدم فأما لأجل الدين فتجوز الزيادة على الثلاث نص عليه الإمام أحمد -﵁-، واستدل عليه بقضية الثلاثة الذين خلفوا وأمر النبي -ﷺ- بهجرانهم لما خاف منهم النفاق وأباح هجران أهل البدع المغلظة والدعاة إلى الأهواء ونحوهم واللَّه أعلم (^٢).\n\n٤١٨٢ - وَعَن أبي خِرَاش حَدْرَد بن أبي حَدْرَد الأَسْلَمِيّ -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول من هجر أَخَاهُ سنة فَهُوَ كسفك دَمه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ (^٣).\nقوله: وعن أبي خِرَاش، بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء وبعدها ألف ثم شين معجمه (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه\" الحديث، والسفك الإراقة والإجراء لكل مائع، يقال: سفك الدم والدمع والماء يسفكه سفكا وكأنه بالدم أخص واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١٨٤).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٨١).\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٢٠ (١٧٩٣٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٠٤ و٤٠٥)، وأبو داود (٤٩١٥)، والحاكم (٤/ ١٦٣)، والبيهقي في الشعب (٩/ ٢٦ رقم ٦٢٠٧). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٦٢).\n(^٤) الاستيعاب (٤/ ترجمة ٢٩٢٧)، وأسد الغابة (٦/ ٥٨٤٤).","vol":"11","page":251},{"text":"٤١٨٣ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ سَمِعت النَّبِي -ﷺ- يَقُول إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبده المصلون فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَلَكِن فِي التحريش بَينهم رَوَاهُ مُسلم التحريش هُوَ الإغراء وتغيير الْقُلُوب والتقاطع (^١).\nقوله: وعن جابر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب\" وجزيرة العرب: اسم صقع من الأرض وهو ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وهو ما بين [بئرين] إلى مقطع السماوة في الأرض وقيل هو من أقصى اليمن إلى ريف العراق طولا ومن جدة إلى ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا قال الأزهري سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيتها وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات وقال مالك بن أنس أراد بجزيرة العرب: المدينة نفسها وإذا أطلقت الجزيرة ولم تصف إلى العرب فإنها يراد بها ما بين دجلة والفرات (^٢)، أ. هـ قاله في شرح الإلمام، وعبادة الشيطان عبادة الصنم بدليل قول اللَّه تعالى حكاية عن إبراهيم ﵊: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ (^٣) وإنما جعل عبادة الصنم عبادة الشيطان لأنه الأمر به والداعي إليه والمصلون هم المؤمنون وإنما سمي المؤمن بالمصلي لأن الصلاة أشراف الأعمال وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان والمعنى أن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٥ - ٢٨١٢).\n(^٢) مر تخريج هذه الأقوال فيما سبق.\n(^٣) سورة مريم، الآية: ٤٤.","vol":"11","page":252},{"text":"الشيطان قد يئس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم في جزيرة العرب ولا يراد على هذا ارتداد صاحب مسيلمة والعنسي ومانعي الزكاة وغيرهم لأنهم لم يعبدوا الصنم.\nقوله: \"ولكن [رضي] في التحريش بينهم\" والتحريش على الإغراء وتغيير القلوب والتقاطع، قاله المنذري.\nوقال غيره: والتحريش الإغراء على الشر بنوع من الخداع (^١).\nوقوله: \"ولكن في التحريش بينهم\" أي: في حملهم على الفتن والحروب فيما بينهم ليس بآيس بل طامع فيه (^٢).\n\n٤١٨٤ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود -﵁- قَالَ لا يتهاجر الرّجلَانِ قد دخلا فِي الإِسْلَام إِلَّا خرج أَحدهمَا مِنْهُ حَتَّى يرجع إِلَى مَا خرج مِنْهُ ورجوعه أَن يَأْتِيهِ فَيسلم عَلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ مَوْقُوفا بِإِسْنَاد جيد (^٣).\n\n٤١٨٥ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لَو أَن رجلَيْنِ دخلا فِي الإِسْلَام فاهتجرا لَكَانَ أَحدهمَا خَارِجا عَن الإِسْلَام حَتَّى يرجع يَعْنِي الظَّالِم مِنْهُمَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٤).\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٨٤)، وشرح المشكاة (٢/ ٥٢٤) للطيبي.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٦)، والمفاتيح (١/ ١٦٣).\n(^٣) أخرجه الخرائطي في المساوئ (٥١٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٨٣ رقم ٨٩٠٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٦٥).\n(^٤) أخرجه البزار (١٧٧٣). والحاكم في المستدرك (١/ ٢١ - ٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٧٣) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش =","vol":"11","page":253},{"text":"قوله: وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"لا يتهاجر الرجلان قد دخلا في الإسلام\" الحديث، تقدم معنى التهاجر.\nقوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه، وتقدم الكلام أيضًا على معنى الحديث.\n\n٤١٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"تعرض الأَعْمَال فِي كل اثْنَيْنِ وخميس فَيغْفر اللَّه ﷿ فِي ذَلِك الْيَوْم لكل امرئ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا امْرُؤ كَانَت بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء فَيَقُول اتْرُكُوا هذَيْن حَتَّى يصطلحا\" رَوَاهُ مَالك وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه بِنَحْوِهِ (^١).\n\n٤١٨٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ تفتح أَبْوَاب الْجنَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَيغْفر لكل عبد لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا رجل كَانَ بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء فَيُقَال أنظروا هذَيْن حَتَّى يصطلحا أنظروا هذَيْن حَتَّى يصطلحا أنظروا هذَيْن حَتَّى يصطلحا (^٢).\n\n٤١٨٨ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ وَلَفظه قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- تنسخ دواوين أهل الأَرْضِ فِي دواوين أهل السَّمَاء فِي كل اثْنَيْنِ وخميس فَيغْفر لكل مُسلم لا\n_________\n= وشعبة، لم يرفعه إلا عبد الصمد. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٦: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٢٩٤) وصحيح الترغيب (٢٧٦٥).\n(^١) أخرجه مالك (٢٦٤٢)، ومسلم (٣٦ - ٢٥٦٥)، وأبو داود (٤٩١٦)، والترمذي (٢٠٢٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٥ - ٢٥٦٥).","vol":"11","page":254},{"text":"يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا رجل بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء قَالَ أَبُو دَاوُد إِذا كَانَت الْهِجْرَة للَّه فَلَيْسَ من هَذَا بِشَيْء فَإِن النَّبِي -ﷺ- هجر بعض نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَابْن عمر هجر ابْنا لَهُ إِلَى أَن مَاتَ انْتهى (^١).\nقوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس\" الحديث، تقدم الكلام على معنى العرض في صوم الاثنين والخميس.\nقوله -ﷺ-: \"إلا امرؤ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا\" والشحناء بالمد البغض والعداوة وكذا الشحنة بكسر الشين ذكره الجوهري (^٢) كأنه شخص بغضا له.\nفائدة: قال الحافظ المنذرى ﵀: قال أبو داود ﵀: إذا كانت الهجرة للَّه تعالى فليس من هذا في شيء فإن النبي -ﷺ- هجر بعض نسائه أربعين يوما وابن عمر هجر ابنا له إلى أن مات، أ. هـ.\nذكر الخطابي ﵀ (^٣): أن هجرة الوالد لولده أو الزوج لزوجته وما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوز الزيادة فيه على الثلاث أ. هـ.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٥١ رقم ٩٢٧٨)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ٣١٤ - ٣١٥). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن منصور إلا عمرو بن أبي قيس، ولا عن عمرو إلا عبد الصمد بن عبد العزيز، تفرد به محمد بن عمار. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٦: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٧٥) وضعيف الترغيب (٦٢٧) و(١٦٤٩).\n(^٢) الصحاح (٥/ ٢١٤٣).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ١٢٢)، وأعلام الحديث (٢/ ٢١٨٧).","vol":"11","page":255},{"text":"وعلى هذا يحمل ما ثبت من هجر النبي -ﷺ- كعب بن مالك وصاحبيه ونهيه -ﷺ- الصحابة عن كلامهم لما خاف عليهم النفاق حين تخلفوا عن غزوة تبوك وهجرت عائشة ابن الزبير مدة.\nوفي رحلة ابن الصلاح التي يخطه أن سعد بن أبي وقاص كان مهاجرا لعمار بن ياسر حتى مات وأن عائشة كانت مهاجرة لحفصة وعثمان كان مهاجرا لعبد الرحمن بن عوف حتى مات وطاوس هاجر وهب بن منبه إلى أن مات وجرى بين الحسن وابن سيرين كلام فتهاجرا فمات الحسن ولم يشهد ابن سيرين جنازته وهجر سعيد بن المسيب أباه فلم يكلمه إلى أن مات وكان أبوه زياتا وكان الثوري يتعلم من ابن أبي ليلى ثم هجره ومات ابن أبي ليلى فلم يشهد الثوري جنازته (^١).\nفيجوز هجر أصحاب المعاصي والأهواء والبدع ومنابذي السنة دائما على ممر الأوقات ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق ولقد وجد من السلف من هجر أخاه في أمر كرهه عنه من أمور الدين السنة والسنتين ومنهم من هجر صاحبه وذلك طول عمره ورأوا أنفسهم في فسحة من ذلك ما لم يعد المهجور عما ابتدعه.\nتنبيه: قال في المهمات وكلام الأصحاب بعمومه يقتضي أن المبتدع لا فرق فيه بين أن يكون متجاهرا ببدعته أم لا بخلاف الظلم والفسق والصواب التسوية وكذلك يجوز الهجران إذا كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور\n_________\n(^١) المعارف لابن قتيبة (ص ٥٥٠).","vol":"11","page":256},{"text":"فلا يحرم واللَّه أعلم (^١).\n\n٤١٨٩ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ تعرض الأَعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَمن مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ وَمن تائب فيتاب عَلَيْهِ وَيرد أهل الضغائن بضغائنهم حَتَّى يتوبوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات الضغائن بالضاد والغين المعجمتين هِيَ الأحقاد (^٢).\nقوله: وعن جابر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا\" الحديث، الضغائن هي الأحقاد قاله الحافظ.\n\n٤١٩٠ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يطلع اللَّه إِلَى جَمِيع خلقه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر لجَمِيع خلقه إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَو مُشَاحِن رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِلَفْظِهِ من حَدِيث أبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي بكر الصّديق -﵁- بِنَحْوِهِ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^٣).\n_________\n(^١) انظر روضة الطالبين (٧/ ٣٦٧).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٥١ رقم ٧٤١٩)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٤٧ - ٤٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد العزيز بن الربيع إلا المنهال ابن بحر. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٦: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٢٥) وضعيف الترغيب (٦٢٨) و(١٦٥٠).\n(^٣) أما حديث معاذ: أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥١٢)، وابن حبان (٥٦٦٥)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٦ رقم ٦٧٧٦) والكبير (٨٠/ ١٠٢ رقم ٢١٥) والشاميين (٢٠٣) و(٢٠٥) و(٣٥٧٠)، والدارقطني في العلل (٦/ ٥٠)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٦٠ - =","vol":"11","page":257},{"text":"قوله: وعن معاذ بن جبل -﵁- تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"يطلع اللَّه إلى جميع خلقه\" فذكره إلى أن قال \"إلا لمشرك أو مشاحن\" اطلاع اللَّه تعالى إلى عباده هو رحمته لهم، وتقدم الكلام على المشرك والمشاحن.\n_________\n= ٣٦١ رقم ٣٥٥٢ و٣٥٥٣) و(٩/ ٢٤ رقم ٦٢٠٤) وفضائل الأوقات (٢٢). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي، وابن ثوبان إلا أبو خليد عتبة بن حماد، تفرد به عن الأوزاعي: هشام بن خالد. قال الدارقطني: غير محفوظ والحديث غير ثابت. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٥: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٢٦) و(٢٧٦٧).\nوأما حديث أبي موسى: أخرجه ابن ماجه (١٣٩٠)، وابن أبي عاصم السنة (٥١٠)، والبيهقي في فضائل الأوقات (٢٩). قال البوصيري في الزجاجة ٢/ ١٠: إسناد حديث أبي موسى ضعيف لضعف عبد اللَّه بن لهيعة وتدليس الوليد بن مسلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٦٨).\nوأما حديث أبي بكر الصديق: أخرجه البزار (١/ ١٥٧ و١/ ٢٠٦)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٥٨ - ٣٥٧ رقم ٣٥٤٦ و٣٥٤٧ و٣٥٤٨). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي بكر إلا من هذا الوجه وقد روي عن غير أبي بكر، وأعلى من رواه عن النبي -ﷺ- أبو بكر وإن كان في إسناده شيء فجلالة أبي بكر تحسنه، وعبد الملك بن عبد الملك ليس بمعروف، وقد روى هذا الحديث أهل العلم ونقلوه واحتملوه فذكرناه لذلك. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٥: رواه البزار، وفيه عبد الملك بن عبد الملك، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يضعفه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٦٩). وصحح الحديث بمجموعه من الطرق السابقة في الصحيحة (١١٤٤) و(١٥٦٣).","vol":"11","page":258},{"text":"٤١٩١ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة -﵂- قَالَت دخل عَليّ رَسُول اللَّه -ﷺ- فَوضع عَنهُ ثوبيه ثمَّ لم يستتم أَن قَامَ فلبسهما فَأَخَذَتْنِي غيرَة شَدِيدَة ظَنَنْت أَنه يَأْتِي بعض صُوَيْحِبَاتِي فَخرجت أتبعه فَأَدْرَكته بِالبَقِيعِ بَقِيع الْغَرْقَد يسْتَغْفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وَالشُّهَدَاء فَقلت بِأبي وَأمي أَنْت فِي حَاجَة رَبك وَأَنا فِي حَاجَة الدُّنْيَا فَانْصَرَفت فَدخلت حُجْرَتي ولي نفس عَال ولحقني رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقَالَ مَا هَذَا النَّفس يَا عَائِشَة قلت بِأبي وَأمي أتيتني فَوضعت عَنْك ثوبيك ثمَّ لم تستتم أَن قُمْت فلبستهما فَأَخَذَتْنِي غيرَة شَدِيدَة ظَنَنْت أنَّك تَأتي بعض صُوَيْحِبَاتِي حَتَّى رَأَيْتُك بِالبَقِيعِ تصنع مَا تصنع فَقَالَ يَا عَائِشَة أَكنت تَخَافِينَ أَن يَحِيف اللَّه عَلَيْك وَرَسُوله أتَانِي جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ هَذِه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَللَّه فِيهَا عُتَقَاء من النَّار بِعَدَد شُعُور غنم كلب لا ينظر اللَّه فِيهَا إِلَى مُشْرك وَلَا مُشَاحِن وَلَا إِلَى قَاطع رحم وَلَا إِلَى مُسبل وَلَا إِلَى عَاق لوَالِديهِ وَلَا إِلَى مدمن خمر قَالَ ثمَّ وضع عَنهُ ثوبيه فَقَالَ لي يَا عَائِشَة أَتَأْذَنِينَ لي فِي قيام هَذِه اللَّيْلَة قلت بِأبي وَأمي فَقَامَ فَسجدَ لَيْلًا طَويلا حَتَّى ظَنَنْت أَنه قد قبض فَقُمْت أَلْتَمِسهُ وَوضعت يَدي على بَاطِن قَدَمَيْهِ فَتحَرك فَفَرِحت وسمعته يَقُول فِي سُجُوده أعوذ بعفوك من عقابك وَأَعُوذ برضاك من سخطك وَأَعُوذ بك مِنْك جلّ وَجهك لا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك فَلَمَّا أصبح ذكرتهن لَهُ فَقَالَ يَا عَائِشَة تعلميهن فَقلت نعم فَقَالَ تعلميهن وعلميهن فَإِن جِبْرِيل ﵇ علمنيهن وَأَمرَنِي أَن أرددهن فِي السُّجُود رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٣٦٣ - ٣٦٤ رقم ٣٥٥٦). قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف. وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٥١).","vol":"11","page":259},{"text":"قوله: وروي عن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.\nقوله: فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد، البقيع بالباء الموحدة بلا خلاف والغرقد: شجر البادية معروف ولكنه زال واتخذ موضعه مقبرة المدينة.\nقوله: \"فقال يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسوله\" الحديث، الحيف هو الجور، قاله القرطبي (^١)، ومعنى الحديث أخفت أن يجور اللَّه عليك ويميل عن الحق فيك، أ. هـ قاله عياض (^٢)، وفي الحواشي ليس هذا على ظاهره فإنها أتقى وأعلم من أن تخاف الحيف من الشرع، وإنما هذا لا يخلوا من أمرين أن يكون من بعض الرواة الذي يذكرون الشيء بالمعنى فيما يظنونه فيغيرونه أو يكون المعنى أخفت ميل الشرع عليك بإسقاط حقك من ليلتك، وللشرع التحكم فقالت: أي نعم خفت أن يكون الشرع قد أجاز استلاب ليلتي من يدي وهذا لا يكون حيفا لكن لما كان الحيف بمعنى الميل أقيم مقامه واللَّه أعلم (^٣).\nقوله: أتاني جبريل ﵇، الحديث، جبريل هو رسول رب العالمين، وفيه تسع لغات حكاهن ابن الأنباري وابن الجواليقي وغيرهما جبرلل وجبريل بكسر الجيم وفتحها وجبرئل بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام وجبرائيل بالألف وهمزة بعدها ياء وجبراييل بياءين بعد الألف وجبرءيل\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٢/ ٢٩٤)، والمفهم (٨/ ١١٠).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢١٨)، ومطالع الأنوار (٢/ ٢٧١).\n(^٣) كشف المشكل (٤/ ٤١٣).","vol":"11","page":260},{"text":"بهمزة بعد الراء وياء وجبريل بكسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء وجبرين بفتح الجيم وكسرها وبالنون بدل اللام وقال جماعة من المفسرين وصاحب المحكم والجوهري وغيرهما من أهل اللغة في جبريل ومكيائل أن جبر وميك اسمان أضيفا إلى أيل قال: قالوا وايل وال اسمان للَّه تعالى وجبر وميك معناهما بالسريانية عبد فتقديره عبد اللَّه قاله أبو علي الفارسي.\nقوله: \"وللَّه فيها عتقاء من النار بعدد شعور غنم كلب\" كلب قبيلة معروفة تقدم الكلام عليها في صوم شعبان.\nقوله -ﷺ-: \"لا ينظر اللَّه فيها إلى مشرك ولا مشاحن ولا إلى قاطع رحم ولا إلى مسبل\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك في مواطنه.\nقولها: فقمت ألتمسه ووضعت يدي على باطن قدميه فتحرك ففرحت، الحديث، يحتج بهذا الحديث من يرى عدم انتقاض الملموس فإنها وضعت يدها على إبهامه الشريفة، وفي رواية: فوقعت يدي على بطن قدميه كما في الحديث، وفي رواية: فوقعت يدي على أخمس قدميه، والأخمص ما ارتفع من باطن الرجل والأصل عدم الحائل بل الظاهر عدمه أيضًا، فإن ثيابهم كانت قصيرة شاهد ذلك أن النسوة كن يؤمرن أن لا يرفعن رءوسهن من السجود خلف النبي -ﷺ- حتى ترفع الرجال رءوسهم خشية رؤية النساء عورات الرجال من قصر الثياب فلو كان وضوء الملموس ينتقض لم يمض -ﷺ- في صلاته وفي هذه المسألة قولان للشافعي أحدهما: ما ذكر يعني أنه لا ينتقض الوضوء والقول الآخر: وهو الأظهر أنها مباشرة تنقض وضوء اللامس فنقضت وضوء الملموس كالجماع واللَّه أعلم.","vol":"11","page":261},{"text":"قولها -﵂-: وسمعته يقول في سجوده: \"أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك جل وجهك لا أحصي ثناء عليك\" الحديث، وفي رواية بدأ بالمعافاة ثم بالرضا، إنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة؛ لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء، والرضا والسخط من صفات الذات. وصفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقيا إلى الأعلى. ثم لما ازداد يقينا وارتقاء ترك الصفات وقصر نظره على الذات فقال: أعوذ بك منك، ثم لما ازداد قربا استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء فقال: لا أحصي ثناء عليك، ثم علم أن ذلك قصور فقال: أنت كما أثنيت على نفسك، وأما على الرواية الأولى فإنما قدم الاستعاذة بالرضا على السخط؛ لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضا، وإنما ذكرها لأن دلالة الأولى عليها دلالة تضمين، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكنى عنها أولا، ثم صرح بها ثانيا، ولأن الراضي قد يعاقب للمصلحة، أو لاستيفاء حق الغير (^١) أ. هـ.\nوقال الحصني: معنى \"لا أحصى ثناء عليك\" لا أحيط بمحامدك وصفة إلاهيتك وإنما أنت المحيط به وحدك، أ. هـ.\nوقال أبو سليمان الداراني (^٢): في هذا الكلام معنى لطيف وذلك أنه استعاذ باللَّه وسأله أن يجيزه برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته والرضى\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٢٣٢).\n(^٢) كذا في الأصل وإنما هو الخطابي أبو سليمان.","vol":"11","page":262},{"text":"والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالمعاقبة فسأله أن يجيره برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو اللَّه ﷾ استعاذ باللَّه منه لا غير ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه (^١).\nقال في الحواشي قلت: [لا] يجوز أن يستعاذ من الذات القديمة وهذا لا يجوز أن يعتقد أن الرسول قصده ولكنه كما أراد أن يستعيذ من الأشياء بأضدادها مثل أن يقول: \"وبحلمك من تعجيل عذابك\" وبكذا من كذا، فلما كان التعداد يطول قال: \"أعوذ بك منك\" أي: بما يصدر منك من عفو ولطف مما يصدر منك من عقوبة ونقمة، وقال ابن عقيل: معنى الكلام أعوذ بك من الصادر منك من الأفعال التي هي العذاب والبطش (^٢)، أ. هـ.\nوقوله: \"لا أحصى ثناء عليك\" أي: لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به وقال مالك ﵀: لا أحصى نعمتك وإحسانك والثناء بها عليك وإن اجتهدت في الثناء عليك.\nوقوله: \"أنت كما أثنيت على نفسك\" اعتراف بالعجز عن تفصيل التناء وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين فوكل ذلك إلى اللَّه سبحانه المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه لأن الثناء تابع للمثنى\n_________\n(^١) معالم السنن (١/ ٢١٤).\n(^٢) كشف المشكل (٤/ ٣٩٨).","vol":"11","page":263},{"text":"عليه فكل ثناء أثنى به عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه فقدر اللَّه أعظم وسلطانه أعز وصفاته أكبر وأكثر وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ (^١).\nوقوله -ﷺ-: في الحديث \"جل وجهك\" وتكرر وجه اللَّه ﷾ في الكتاب والسنة، وللناس في ذلك كغيره من الصفات مذهبان مشهوران، أحدهما: امرارها كما جاءت من غير كيف فنؤمن بها ونكل علمها إلى عالمها مع الجزم بأنه ﷾ ليس كمثله شيء وأن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين وثانيهما تأويلها على ما يليق بذاته الكريمة، فالمراد بالوجه الوجود قاله ابن حجر (^٢).\nوفي هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى اللَّه تعالى كما يضاف إليه الخير لقوله -ﷺ-: \"أعوذ [بك] من سخطك ومن عقوبتك\" الحديث (^٣).\n\n٤١٩٢ - وَعَن عبد اللَّه بن عمرو -﵄- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ يطلع اللَّه ﷿ إِلَى خلقه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر لِعِبَادِهِ إِلَّا اثْنَيْنِ مُشَاحِن وَقَاتل نفس رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لين (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٤).\n(^٢) هذا خطأ في العزو فهذا كلام العراقي في طرح التثريب (٣/ ١١٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٤).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٦ (٦٦٤٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٦٥: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو لين الحديث، وبقية رجاله وثقوا. وضعفه الألباني في المشكاة (١٣٠٧)، وضعيف الترغيب (٦٢١) و(١٦٥٢).","vol":"11","page":264},{"text":"قوله: وعن عبد اللَّه بن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يطلع اللَّه ﷿ إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن وقاتل نفس\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٤١٩٣ - وَعَن مَكْحُول عَن كثير بن مرّة عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان يغْفر اللَّه ﷿ لأهل الأَرْض إِلَّا مُشْرك أَو مُشَاحِن رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ هَذَا مُرْسل جيد (^١).\n\n٤١٩٤ - قَالَ الْحَافِظ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضًا عَن مَكْحُول عَن أبي ثَعْلَبَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يطلع اللَّه إِلَى عباده لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر للْمُؤْمِنين ويمهل الْكَافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حَتَّى يَدعُوهُ قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ أَيْضًا بَين مَكْحُول وَأبي ثَعْلَبَة مُرْسل جيد (^٢).\nقوله: وعن مكحول، تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"يطلع اللَّه إلى خلقه\" وتقدم الكلام أيضًا على هذا الحديث.\n\n٤١٩٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- ثَلَاث من لم يكن فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَإِن اللَّه يغْفر لَهُ مَا سوى ذَلِك لمن يَشَاء من مَاتَ لا يُشْرك\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٩٢٤)، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ١٠٨ (٩٢٩٨٥)، وابن أبي الدنيا في فضائل رمضان (٣ و٥)، والدارقطني في النزول (٨٤)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٥٩ رقم ٣٥٥٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٥١١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢٤ رقم ٥٩٣)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٠)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧٦٠). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٦٥: رواه الطبراني، وفيه الأحوص بن حكيم وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٧١).","vol":"11","page":265},{"text":"بِاللَّه شَيْئا وَلم يكن ساحرا يتبع السَّحَرَة وَلم يحقد على أَخِيه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط من رِوَايَة لَيْث بن أبي سليم (^١).\nقوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم.\nقوله في الحديث: \"ولم يحقد على أخيه\" الحديث، الحقد هو: [الانطواء على العداوة والبغضاء وقيل هو هو طلب الانتقام، وتحقيقه: أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطل واحتقن فيه فصار حقدًا وقيل هو سوء الظن في القلب على الخلائق لأجل العداوة].\n\n٤١٩٦ - وَعَن الْعَلَاء بن الْحَارِث أَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَامَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من اللَّيْل فصلى فَأطَال السُّجُود حَتَّى ظَنَنْت أَنه قد قبض فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك قُمْت حَتَّى حركت إبهامه فَتحَرك فَرجع فَلَمَّا رفع رَأسه من السُّجُود وَفرغ من صلَاته قَالَ يَا عَائِشَة أَو يَا حميراء أظننت أَن النَّبِي -ﷺ- قد خاس بك قلت لا وَاللَّه يَا رَسُول اللَّه وَلَكِنِّي ظَنَنْت أَنَّك قبضت لطول سجودك فَقَالَ أَتَدْرِينَ أَي لَيْلَة هَذِه قلت اللَّه وَرَسُوله أعلم قَالَ هَذِه لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِن اللَّه عز\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٦٨٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٤١٣)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٥١ رقم ٥٢٣٠) والكبير (١٢/ ٢٤٣ رقم ١٣٠٠٤)، واللالكائي في أصول السنة (٢٢٧٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٩ - ١٠٠).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن الأصم إلا أبو فزارة، ولا عن أبي فزارة إلا ليث، تفرد به: أبو شهاب. وقال أبو نعيم: غريب من حديث يزيد تفرد به أبو فزارة واسمه راشد بن كيسان. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٤: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ليث بن أبي سليم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٨٣١) وضعيف الترغيب (١٦٥٣) و(١٧٩٠).","vol":"11","page":266},{"text":"وَجل يطلع على عباده فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَيغْفر للمستغفرين ويَرْحَم المسترحمين وَيُؤَخر أهل الحقد كَمَا هم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا وَقَالَ هَذَا مُرْسل جيد وَيحْتَمل أَن يكون الْعَلَاء أَخذه من مَكْحُول قَالَ الأَزْهَرِي يُقَال للرجل إِذا غدر بِصَاحِبِهِ فَلم يؤته حَقه قد خاس بِهِ يَعْنِي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالسِّين الْمُهْملَة (^١).\nقوله: وعن العلاء بن الحارث [هو العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي، أبو وهب، ويقال أبو محمد الدمشقي ثقة جليل وكان أعلم أصحاب مكحول (^٢)].\nقول عائشة -﵂-: [قام رسول اللَّه -ﷺ-] من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك\" تقدم الكلام على ذلك في حديث عائشة إلى رواه البيهقي في هذا الباب وتقدم أيضًا الكلام على ذلك في صوم شعبان وقيام ليله مبسوطًا.\nوقوله: يا عائشة أو يا حميراء أظننت أن النبي -ﷺ- قد خاس بك، تقدم الكلام على قوله \"يا حميراء\" قال الحافظ نقلا عن الأزهري: يقال للرجل إذا غدر بصاحبه فلم يوفه حقه قد خاس به يعني بالخاء المعجمة والسين المهملة.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٣٦١ - ٣٦٢ رقم ٣٥٥٤). قال البيهقي: هذا مرسل جيد ويحتمل أن يكون العلاء بن الحارث أخذه من مكحول. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٦٢٢) و(١٦٥٤).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٢/ الترجمة ٤٥٦٠)، وتاريخ الإسلام: ٥/ ٢٨١، وتهذيب التهذيب: ٨/ ١٧٧.","vol":"11","page":267},{"text":"٤١٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ ثَلَاثَة لا ترفع صلاتهم فَوق رؤوسهم شبْرًا رجل أم قوما وهم لَهُ كَارِهُون وَامْرَأَة باتت وَزوجهَا عَلَيْهَا ساخط وَأَخَوَانِ متصارمان رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ ثَلَاثَة لا يقبل اللَّه لَهُم صَلَاة فَذكر نَحوه قَالَ الْحَافِظ وَيَأْتِي فِي بَاب الْحَسَد حَدِيث أنس الطَّوِيل إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٩٧١)، وابن حبان (١٧٥٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٤٩ رقم ١٢٢٧٥). وقال البوصيري في الزجاجة ١/ ١١٩: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وضعفه الألباني في \"المشكاة\" (١١٢٨)، \"غاية المرام\" (٢٤٨) وضعيف الترغيب (١٦٥٥)، وحسنه في المشكاة (١١٢٨).","vol":"11","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>[الترهيب من قوله لمسلم يا كافر]</span>\n٤١٩٨ - عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِذا قَالَ الرجل لِأَخِيهِ يَا كافِر فقد بَاء بهَا أَحدهمَا فَإِن كانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رجعت عَلَيْهِ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: عن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه\" الحديث.\nقوله: \"فقد باء بها أحدهما\" باء بمعنى رجع، قال أبو بكر الأثرم: وجهه عندي أنه إن كان كافرا كان كما قال وإن كان مسلما فقد كفر من يعتقد المسلم كافرا قال: ويمكن أن يكون المعنى باء بإثمها (^٢)، أ. هـ.\nوقال بعضهم: كون عمرو كافرا يعني إن كان عمرو كافر فقد صدق زيد فيما قال وإلا صار زيد كافرا إن اعتقد كون عمرو كافرًا بسبب ذنبه إذ المسلم لا يصير كافرا بالذنب (^٣).\nوقال بعضهم أيضًا في قوله: إذا قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما لأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب عليه فإن صدق فهو كافر وإن كذب عاد الكفر إليه\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٢٨١٤)، والبخاري (٦١٠٤)، ومسلم (١١١ - ٦٠)، وأبو داود (٤٦٨٧)، والترمذي (٢٦٣٧).\n(^٢) كشف المشكل (٢/ ٥٦٧).\n(^٣) المفاتيح (٥/ ١٧٢).","vol":"11","page":269},{"text":"بتكفيره أخاه المسلم والكفر صنفان أحدهما: الكفر بأصل الإيمان وهو ضده، والآخر: الكفر بفرع من فروع الإسلام ولا يخرج به عن أصل الإيمان، وقيل: الكفر على أربعة أنحاء كفر إنكار بأن لا يعرف اللَّه أصلا ولا يعترف به وكفر جحود ككفر إبليس يعرف اللَّه بقلبه ولا يقر بلسانه وكفر عناد وهو أن يعرف اللَّه بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدينه به حسدا وبغيا ككفر أبي جهل وأضرابه وكفر نفاق وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه، قال الهروي: سئل الأزهري عمر يقول بخلق القرآن أنسميه كافرا فقال: الذي يقوله كفر فأعيد عليه السؤال ثلاثا ويقول ما قال، ثم قال في الآخر قد يقول المسلم كفرا ومنه حديث ابن عباس قيل له: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^١) قال: هم كفرة وليسوا كم كفر باللَّه واليوم الآخر، قال: ومنه أن الأوس والخزرج ذكروا ما [كان] منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض بالسيوف فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (^٢) ولم يكن ذلك على الكفر باللَّه ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الألفة والمودة (^٣)، أ. هـ ذكره النووي.\nتنبيه: قال الشيخ تقي الدين الحصني في شرح أبي شجاع ولو قال المسلم يا كافر بلا تأويل كفر لأنه سمى الإسلام كفرا وهذا اللفظ يصدر كثيرا من\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٤٤.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠١.\n(^٣) النهاية (٤/ ١٩٥ - ١٨٦) وعزوه للنووي غلط.","vol":"11","page":270},{"text":"الترك فليتفطن لذلك اللَّه أعلم (^١).\nقوله: رواه مالك.\nفائدة: تتعلق بمناقب الإمام مالك، روي أنه كان في مجلس الإمام مالك بن أنس جماعة يأخذون عنه العلم فقال قائل قد حضر الفيل فخرج أصحابه كلهم ينظرون إليه إلا يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي فإنه لم يخرج فقال له مالك لم لا تخرج ترى هذا الخلق العجيب فإنه لم يكن ببلادك فقال إنما جئت من بلدي لأنظر إليه وأتعلم من هديك وعلمك ولم أجيء لأنظر إلى الفيل فأعجب له مالك وسماه عاقل أهل الأندلس، ونظير هذا ما اتفق لأبي عاصم النبيل واسمه الضحاك فإنه كان بالبصرة فقدمها الفيل فذهب الناس ينظرون إليه فقال له ابن جريج ما لك لا تخرج إلى الفيل فقال: لا أجد منك عوضا، فقال: أنت النبيل فكان إذا أقبل يقول جاء النبيل، وفي المثل قالوا: أثقل من الفيل، قال الشاعر:\nأنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل\nأنت في المنظر إنسان ... وفي الميزان فيل\nأ. هـ قاله في حياة الحيوان (^٢).\n\n٤١٩٩ - وَعَن أبي ذَر -﵁- أَنه سمع رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول وَمن دَعَا رجلا بالْكفْر أَو قَالَ يَا عَدو اللَّه وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي\n_________\n(^١) كفاية الأخيار (ص ٤٩٤).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).","vol":"11","page":271},{"text":"حَدِيث حَار بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي رَجَعَ (^١).\nقوله: وعن أبي ذر -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ومن دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو اللَّه وليس كذلك إلا حار عليه\" الحديث، ومثله حديث أبي هريرة بعده وفيه: \"فقد باء بها أحدهما\" ومثله أيضًا حديث أبي سعيد بعد بعده وفيه: \"ما أكفر رجل رجلا إلا باء أحدهما بها إن كان كافرا وإلا كفر بتكفيره\" الحديث.\nقوله: \"إلا حار عليه\" بالحاء المهملة والراء أي رجع، قاله المنذري، وقال بعض العلماء: حار وباء بمعنى أي رجع عليه الكفر فباء وحار ورجع بمعنى واحد ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ (^٢) أي: يرجع عليه هذا القول.\nوقوله -ﷺ-: \"ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو اللَّه\" معناه: إذا لمسلم يا كافر أو قال له يا عدو اللَّه وليس هو كذلك إلا حار عليه، أي رجع عليه وهذا إذا لم يكن متأولا أما المتأول فخارج عن هذا الوعيد وهذا القول عده العلماء من الكبائر، أ. هـ. وهذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا وكذلك قوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٤٥)، ومسلم (١١٢ - ٦١).\n(^٢) سورة الانشقاق، الآية: ١٤.","vol":"11","page":272},{"text":"الحديث أوجه، أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك، وهذا يكفر، الوجه الثاني: معناه رجدت نقيضه لأخيه ومعصيته تكفيره، والوجه الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا الوجه نقله القاضي عياض عن مالك بن أنس وهو ضعيف لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع (^١).\nفائدة: والشافعي ﵀ لا يكفر أحدا من أهل القبلة من المعتزلة والمبتدعة والرافضة وغيرهم كالمجسمة لاتفاقهم على توحيد اللَّه تعالى وتصديق الرسل والأنبياء بأركان الإسلام من الصلاة والحج والزكاة والصوم والخطأ في الاعتقاد في بعض الفروع لا يضر ولا يقدح في الإيمان والجهل ببعض صفات اللَّه تعالى أيضًا لا يقدح في الإيمان وكذا رجحه القرطبي في شرح أسماء اللَّه الحسنى، واستدل عليه بقضية الذي قال لأهل إذا مت فاحرقوني واسحقوني ثم اذروني في البحر الحديث، فهذا جهل قدرة اللَّه تعالى. والوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤل به إلى الكفر وذلك أن المعاصي كما قال يريد الكفر ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الأسفرائيني في كتابه المستخرج على صحيح مسلم: فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر وفي رواية: \"إذا قال أخيه يا كافر وجدب الكفر على أحدهما\" واختلف العلماء فيمن يعود عليه، فقال أبو حنيفة: يعود عليه الكفر ويصبح كافرا لظاهر الخبر، وقال الشافعي: لا يعود عليه الكفر\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤٩ - ٥٠).","vol":"11","page":273},{"text":"فينما يعود عليه الإثم خاصة ويعزر ويستتاب، والوجه الخامس: فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا فقد كفر نفسه إما أنه كفر من هو مثله فيما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافرًا يعتقد بطلان دين الإسلام (^١).\nقوله: عن أبي ذر تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال يا عدو اللَّه وليس كذلك إلا حار عليه\" الحديث، حار بالحاء المهملة والراء أي رجع، أ. هـ قال المنذري، وقال غيره: إلا حار عليه أي رجع عليه إثم ذلك وقال بعضهم أيضًا أي رجع عليه ما نسب إليه قاله في النهاية، قال النووي: وهذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا وكقوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وإذا عرفت ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه أحدها.\n\n٤٢٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: إِن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ: \"من قَالَ لِأَخِيهِ يَا كافِر فقد بَاء بهَا أَحدهمَا\" رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).\n\n٤٢٠١ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ قَالَ رَسول اللَّه -ﷺ- مَا أكفر رجل رجلا إِلَّا بَاء أَحدهمَا بهَا إِن كَانَ كَافِرًا وَإِلَّا كفر بتكفيره رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٠٣).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٢٤٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٧٥).","vol":"11","page":274},{"text":"٤٢٠٢ - وَعَن أبي قلَابَة -﵁- أَن ثَابت بن الضَّحَّاك -﵁- أخبر أَنه بَايع رَسُول اللَّه -ﷺ- تَحت الشَّجَرَة وَأَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ من حلف على يَمِين بِملَّة غير الإِسْلَام كَاذِبًا مُتَعَمدا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ على رجل نذر فِيمَا لَا يملك وَلعن الْمُؤمن كقتله وَمن رمى مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقتله وَمن ذبح نَفسه بِشَيْء عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ بِاخْتِصَار وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَلَفظه أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ على الْمَرْء نذر فِيمَا لا يملك ولا عن الْمُؤمن كقاتله وَمن قذف مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ كقاتله وَمن قتل نَفسه بِشَيْء عذب بِمَا قتل بِهِ نَفسه يَوْم الْقِيَامَة (^١).\nقوله: وعن أبي قلابة -﵁- أبو قلابة: اسمه [عبد اللَّه بن زيد الجرمي].\nقوله: أن ثابت بن الضحاك -﵁- أخبره أنه بايع رسول اللَّه -ﷺ- تحت الشجرة، هو ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عدي الألثمهل الأنصاري الأوسي الأشهلي فهو أبو زيد المدني سكن البصرة وهو ممن بايع تحت الشجرة وكان دريف رسول اللَّه -ﷺ- يوم الخندق ودليله إلى حمراء الأسد، روى عن النبي -ﷺ- روى له الجماعة (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال\" الحلف، بغير ملة الإسلام كقوله هو يهودي أو نصراني إن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٤٧) و(٦١٠٥) و(٦٦٥٢)، ومسلم (١٧٦ و١٧٧ - ١١٠)، وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (٢٦٣٦)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٣٠٩ (٣٨٠٣ و٣٨٠٤) و٦/ ٣٣٥ (٣٨٤٧).\n(^٢) الاستيعاب (١/ ٢٠٥ ترجمة ٢٦٠)، وأسد الغابة (١/ ٤٤٦ ترجمة ٥٥٦).","vol":"11","page":275},{"text":"كان كذا أو واللات والعزى وشبه ذلك [إذ اليمين بالصنم تعظيم له، وتعظيمه كقر، ويحتمل أن يراد به التهديد].\nقوله: \"ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة\" أي: بمثله يعني يجازى بحر عمله وكقتله أي في الإثم.\nقوله: \"وليس على رجل نذر فيما لا يملك\" أي بأن قال مثلا إن شفا اللَّه مريضي فلله علي أن أعتق فلان.\nقوله -ﷺ-: \"ولعن المؤمن كقتله\" قال الشيخ تقي الدين: فيه سؤال وهو أن يقال أما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا أو في أحكام الآخرة، ولا يمكن أن يكون المراد أحكام الدنيا لأن قتله يوجب القصاص ولعنه لا يوجب ذلك، وأما أحكام الآخرة فإما أن يراد بها التساوي في الإثم أو في العقاب فكلاهما مشكل لأن الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل ولس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (^١) فذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد فإن الخيرات مصالح والمفاسد شرور (^٢)، أ. هـ قاله في الديباجة.\nقوله: \"من حلف على يمين بمكة غير الإسلام\" [أنه بايع رسول اللَّه -ﷺ- تحت الشجرة] المبايعة مأخوذة من البيع.\n_________\n(^١) سورة الزلزلة، الآية: ٧.\n(^٢) قاله ابن دقيق العيد إحكام الأحكام (٢/ ٢٦٣).","vol":"11","page":276},{"text":"قوله -ﷺ-: \"من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال\" الحديث الحلف بالشيء هو القسم به وإدخال بعض حروف القسم عليه (^١) وهي أربعة: الباء والواو والتاء والهمزة كباللَّه وواللَّه وتاللَّه وأللَّه، وقد ورد النهي عن الحلف بغير اللَّه وأن من حلف بمعبود غيره معظما له فهو كافر ولهذا صورتان الأولى أن يقال ودين اليهودية أو دين النصرانية لا أفعل كذا فهذا حكمه حكم من حلف باللات والعزى، الصورة الثانية: أنه يقول إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو برئ من الإسلام، فهذا ليس بيمين لأن اليمين لا تنعقد بغير اسم اللَّه تعالى وصفاته ولكن يحرم عليه الحلف بذلك (^٢) كما قاله النووي في الأذكار (^٣) ولا يترقب على ذلك الكفر في الحال لأنه قصد بذلك إبعاد نفسه عن الفعل، فإن قصد تعليق الكفر على فعل كفر في الحال (^٤) هذا إن حلف على مستقبل فإن حلف على ماض كقوله: إن كنت فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني فظاهر الحديث أنه يصير كافرا لأنه -ﷺ- قال فهو كما قال وقد اختلف الحنفية في تكفيره فقيل: يكفر كما لو قال هو يهودي وقيل لا يكفر كما لو حلف بذاك على مستقبل ولم يقصد تعليق الكفر على الفعل ولا الرضى به (^٥).\n_________\n(^١) إحكام الأحكام (٢/ ٢٦١).\n(^٢) رياض الأفهام (٥/ ٣٥٩ - ٣١٠)، والإعلام (٩/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٣) الأذكار (ص ٣٥٩)، والمنهاج (ص ٣٢٦).\n(^٤) انظر الأذكار (ص ٣٥٩).\n(^٥) رياض الأفهام (٥/ ٣٠٩).","vol":"11","page":277},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله -ﷺ-: \"وليس على رجل نذر فيما لا يملك\" الحديث فيه دليل على أن التصرفات الواقعة قبل الملك باطلة وأن بيع الفضولي وتصرفاته باطلة، فلو باع عبدا لغيره أو أعتقه أو نذر نذرا متعلقا به لغي ذلك وهذه التصرفات المالية (^١) أما تعليق الطلاق على النكاح اختلفوا فيه فالشافعي يلغيه كالأول ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"ولعن المؤمن كقتله\" الحديث، ومعنى الحديث أن لعن المؤمن كقتله في الإثم، هذا هو الأظهر عند النووي، وقيل: لاعن المؤمن يقطعه بلعنته عن نعيم الآخرة كما يقطع القاتل المقتول عن منافع الدنيا وفي هذا بعد، وقال المازري: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف وقال القاضي عياض (^٣): وقيل لعنته تقتضي قصده بإخراجه عن جماعة المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل لعنته تقتضي منافعه الأخروية وبعده منها بإباحة لعنته فهو كمن قتل في الدنيا وقطعت عنه منافعه منها، وقيل: معناه استواؤهما في التحريم لأن في اللعنة قطعا عن الرحمة وهي أبلغ ضررا من قطع الحياة بالقتل واللَّه أعلم (^٤) قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\n_________\n(^١) انظر: البيان (٥/ ٦٦ - ٦٧)، وروضة الطالبين (٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، والنجم الوهاج (٤/ ٤١).\n(^٢) رياض الأفهام (٥/ ٣١١).\n(^٣) إكمال المعلم (١/ ٣٩١).\n(^٤) إحكام الأحكام (٢/ ٢٦١)، والعدة شرح العمدة (٣/ ١٥٢٧ - ١٥٢٨).","vol":"11","page":278},{"text":"فرع: يختم بها الباب: لو دعا مسلم على مسلم حكاهما القاضي حسين في فتاويه أصحهما لا يكفر وفي معناه قوله لا ختم اللَّه له بخير ولا أماته اللَّه على الإسلام ونحو هذا ذكره ابن النحاس (^١).\n\n٤٢٠٣ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِذا قَالَ الرجل لأَخِيهِ يَا كَافِر فَهُوَ كقتله رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٢٠٨).\n(^٢) أخرجه أحمد بن منيع كما في اتحاف الخيرة (٥٣٣٣/ ١) والمطالب (٢٧١٥)، والبزار (٣٥١٩)، والطبراني في الكبير ١٨/ ١٩٣ (٤٦٣). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن عمران بن حصين بهذا اللفظ وعن ثابت بن الضحاك فذكرنا حديث عمران لجلالته، ولا نعلم روى حديث عمران فقال: عن عمران إلا حماد بن سلمة، ولا نعلم روى هذين الحديثين على ما ذكرنا من إسنادهما، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران إلا إسحاق بن إدريس، عن حماد بن سلمة وإسحاق لم يكن به بأس إلا أنه حدث بأحاديث لم يتابع عليها. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٣: رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٧٧) والصحيحة (٣٣٨٥).","vol":"11","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>[الترهيب من السباب واللعن لا سيما لمعين آدميا كان أو دابة وغيرهما وبعض ما جاء في النهي عن سب الديك والبرغوث والريح والترهيب من قذف المحصنة والمملوك]</span>\n٤٢٠٤ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁-، أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ المستبان مَا قَالَا فعلى البادئ مِنْهُمَا حَتَّى يتَعَدَّى الْمَظْلُوم رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).\nقوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم\" الحديث، معناه أن إثم السباب الواقع من الاثنين مختص بالبادئ منهما كله إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار فيقول للبادئ أكثر ما قال له وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ (^٣) ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (^٤) وللحديث المشهور ما زاد اللَّه عبدا بعفو إلا عزا (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨ - ٢٥٨٧)، وأبو داود (٤٨٩٤)، والترمذي (١٩٨١).\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ٤١.\n(^٣) سورة الشورى، الآية: ٣٩.\n(^٤) سورة الشورى، الآية: ٤٣.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"11","page":280},{"text":"واعلم أن سباب المسلم بغير حق حرام كما قال -ﷺ-: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" وشرط الفسق بالصغائر التكرار وقد يكون السب صغيرة وقد يكون كبيرة بالقذف ونحوه قال النووي (^١): ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلا بمثل ما سبه ما لم يكن كذبا أو قذفا أو سبا لأسلافه، فمن صور المباح أن ينتصر بيا ظالم يا أحق أو يا فاجر أو نحو ذلك لأنه لا يكاد أحد ينفك من هذه الأوصاف؛ قالوا: وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه وبقى عليه إثم الابتداء أو الاثم المستحق للَّه تعالى، وقيل: يرتفع عنه جميع الأثم بالانتصار منه ويكون معنى على البادئ أي عليه اللوم والذم لا الإثم واللَّه أعلم.\n\n٤٢٠٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَه (^٢).\nقوله: وعن ابن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" الحديث، السباب بالكسر مصدر سبه إذا شتمه والسباب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الإنسان بملء عينه والفسوق في.\nانتهى الجزء الثالث من المخطوط [راجع السفر الرابع، في أول الوقة يتضح لك الاتصال وعدم البتر].\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨) و(٦٠٤٤) و(٧٠٧٦)، ومسلم (١١٦ و١١٧ - ٦٤)، والترمذي (١٩٨٣) و(٢٦٣٤) و(٢٦٣٥)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٥٥٦ - ٥٥٨ (٤١٤٤ - ٤١٤٩)، وابن ماجه (٦٩).","vol":"11","page":281},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوصلى اللَّه على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>الترهيب من السباب واللعن لاسيما لمعين آدميًّا كان أو دابةً وغيرهما، وبعض ما جاء في النهي عن سب الديك والبرغوث والريح، والترهيب من قذف المحصنة والمملوك</span>\n٤٢٠٤ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ: \"المستبان مَا قَالا فعلى البادئ مِنْهُمَا حَتَّى يتَعَدَّى الْمَظْلُوم\" رَوَاهُ مُسلم (^١) وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ.\nقوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم\" الحديث، معناه أن إثم السباب الواقع من اثنين مختص بالبادئ منهما إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مما قال له، وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ (^٣). ومع هذا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٨ - ٢٥٨٧) أبو داود (٤٨٩٤)، والترمذي (١٩٨١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ٤١.\n(^٣) سورة الشورى، الآية: ٣٩.","vol":"11","page":282},{"text":"فالصبر والعفو أفضل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (^١).\nوللحديث المشهور (^٢): \"وما زاد اللَّه عبدًا بعفو إلا عزا\". واعلم أن سباب المسلم بغير حق حرام كما قال -ﷺ- (^٣): \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\"، وشرط الفسق بالصغائر التكرار وقد يكون السب صغيرةً وقد يكون كبيرةً بالقذف ونحوه. أقاله، النووي (^٤)، ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلا بمثل ما سبه ما لم يكن كذبًا أو قذفًا أو سبًّا لأسلافه فمن صور المباح أن ينتصر بياظالم يا أحمق أو يا فاجر أو أنحوه، ذلك لأنه لا يكاد أحد ينفك من هذه الأوصاف، قالوا: وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه وبقي عليه إثم الابتداء أو الإثم المستحق للَّه تعالى، وقيل: يرتفع عنه جميع الإثم بالانتصار منه ويكون معنى على البادئ أي عليه اللوم والذم لا الإثم واللَّه أعلم.\n\n٤٢٠٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر\" رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (^٥).\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ٤٣.\n(^٢) صحيح مسلم (٦٩ - ٢٥٨٨) عن أبي هريرة.\n(^٣) صحيح البخاري (٤٨) و(٦٠٤٤) و(٧٠٧٦)، وصحيح مسلم (١١٦ - ٦٤) عن ابن مسعود.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٨) و(٦٠٤٤) و(٧٠٧٦)، ومسلم (١١٦ - ٦٤)، وابن ماجه (٦٩)، والترمذي (١٩٨٣) و(٢٦٣٤) و(٣٦٣٥)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٥٥٥ (٤١٤١) و٦/ ٥٥٦ (٤١٤٤) و٦/ ٥٥٧ (٤١٤٥) و(٤١٤٦) و(٤١٤٧) و٦/ ٥٥٨ (٤١٤٨) و(٤١٤٩).","vol":"11","page":283},{"text":"قوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) الحديث. السباب بالكسر مصدر سبه إذا شتمه، والسباب في اللغة الشتم والتكلم في عرض إنسان بما يعيبه، والفسوق في اللغة: [الشتم و] (^١) الخروج [والمراد به في الشرع الخروج عن حدود الشريعة وعن الطاعة] (^٢)، وأصل الفسوق الخروج عن الاستقامة والجور، وبه سمي العاصي فاسقًا.\nقوله -ﷺ-: (وقتاله كفر. . .) الحديث. محمول على السباب والقتال من غير تأويل.\nقوله: وقتاله كفر إنما هو على أن يستبيح دمه ولا يرى الإسلام عاصمًا لدمه [فهذا منه] ردة وحقيقته كفر. قلت: المرجئة هم الذين لا يرون الطاعة من الإيمان ويقولون إن الإيمان لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية (^٣).\nويحكم [أي] النبي -ﷺ- بأن قتال المسلم كفر إشارة إلى أن ترك القتال من الإيمان وفعله ينقص الإيمان، قيل هذا محمول على من سب أو قاتل مسلمًا من غير تأويل، وقيل: إنما قال ذلك على جهة التغليظ لا أنه يخرجه إلى الفسق والكفر (^٤). انتهى.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وبه سمي العاصي فاسقًا).\n(^٣) شرح السنة (١٣/ ١٢٩).\n(^٤) شرح السنة (١٣/ ١٢٩ - ١٣٠)، والنهاية (٢/ ٣٣٠)، وشرح المشكاة (١٠/ ٣١١٢).","vol":"11","page":284},{"text":"وأما معنى الحديث، فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة، وفاعله فاسق كما أخبر به النبي -ﷺ-، وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق [كفرًا يخرج به عن الملة] (^١) [إلا] إذا استحله فإذا تقرر هذا فقيل في تأويل الحديث أقوال: أحدها: أنه [في من استحل] ذلك. والثاني: أن المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام. والثالث: أنه يئول إلى الكفر بشؤمه، [الرابع: أنه شبيه بأفعال الكفار. قاله النووي (^٢) في شرح مسلم] (^٣). ثم إن الظاهر من قتاله المقاتلة المعروفة قال القاضي (^٤): ويحتمل أن تكون المقاتلة بمعنى المشاجرة أي المخاصمة والمدافعة، والعرب تسمي المخاصمة مقاتلة.\nقال ابن بطال (^٥): ليس المراد بالكفر الخروج عن الملة، بل كفران حقوق المسلمين لأن اللَّه تعالى جعلهم إخوةً وأمر بالإصلاح بينهم ونهاهم الرسول عن التقاطع والمقاتلة، فأخبر [ﷺ] أن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه المسلم. [ويقال الأوجه المتقدمة التي قاله النووي إلى قوله: أو أن فعله كفعل الكفار]. قال الخطابي (^٦): المراد به الكفر باللَّه تعالى وإن ذلك في حق\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤).\n(^٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (كالبغاة الخارجين على الإمام بالتأويل).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٤).\n(^٥) انظر: الكواكب الدراري (١/ ١٩٠).\n(^٦) انظر: الكواكب الدراري (١/ ١٩٠).","vol":"11","page":285},{"text":"من فعله مستحلًّا بلا موجب ولا تأويل، أما المؤول فلا يكفر ولا يفسق بذلك كالبغاة الخارجين على الإمام بالتأويل.\n\n٤٢٠٦ - وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ رفعه قال: \"سباب المسلم كالمشرف على الهلكة\" رواه البزار (^١) بإسناد جيد.\nقوله: (وعن عبد اللَّه بن عمرو) تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: (سباب المسلم كالمشرف على الهلكة) تقدم معنى السب.\n\n٤٢٠٧ - وعن عياض بن حمار -﵁- قال: \"قلت يا نبي اللَّه: الرجل يشتمني وهو دوني، أعلي من بأس أن أنتصر منه؟ قال: المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان\" رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٤٦)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٥٢٧/ ١٤٤١١)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٧٣): رواه البزار ورجاله ثقات وقال ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار (٢/ ٤٢٩): (ثقات). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٨٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٧٨٠). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢١٠٣)، وهناد في الزهد (٤٩٧)؛ عن أبي معاوية، عن الأعمش، به، موقوفًا.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٠٨٠)، ومسدد في مسنده (إتحاف الخيرة ٧٤١٤) وابن أبي شيبة في مسنده (إتحاف الخيرة ٧٤١٥) وأحمد (١٧٤٨٧ و١٧٤٨٩) والبخاري في الأدب المفرد (٤٢٨) و(٤٢٧)، وفي التاريخ الكبير (٧/ ١٩)، والبزار - البحر الزخار (٣٤٩٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد (١١٩٤)، (١١٩٥)، وأبو يعلى (إتحاف الخيرة ٧٤١٦)، وابن حبان (٥٧٢٦ و٥٧٢٧)، والخرائطي في المساوئ (٣٢) والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٦٥/ ١٠٠١)، (١٠٠٢)، (١٠٠٣)، وفي المعجم الأوسط (٢٥٢٦)، وأبو نعيم في الصحابة (٥٤٢٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٣٥) وفي الشعب (٦٢٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧٥) رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال =","vol":"11","page":286},{"text":"قوله: (وعن عياض بن حمار) هو عياض بن حمار بن أبي حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنضلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي المجاشعي، وقيل في نسبه غير هذا، وصحف ابن مندة محمد بن سفيان هذا، فقال: مخمد، بالخاء المعجمة، وأسقط من نسبه جماعة، فغلطوه فيهما، نزل عياض البصرة وهو معدود في أهلها. روى له عن رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثون حديثًا، روى مسلم منها حديثًا. روى عنه مطرف، ويزيد ابنا عبد اللَّه، والحسن البصري، وغيرهم (^١).\nقوله: (قلت يا نبي اللَّه الرجل يشتمني وهو دوني أَعَلَيَّ من بأس أن أنتصر منه). [الحديث، تقدم معنى الانتصار في حديث أولى الباب. قوله:] قال (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان) أي يتقاولان ويتقابحان في القول من الهترِ بالكسر وهو الباطل والسقط من الكلام اهـ. قاله في النهاية (^٢).\n\n٤٢٠٨ - وعن عبد اللَّه -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما من مسلمين إلا وبينهما ستر من اللَّه ﷿، فإذا قال أحدهما لصاحبه كلمة هجر خرق ستر اللَّه\" رواه البيهقي (^٣) هكذا مرفوعًا، وقال: الصواب موقوف الهجر بِضَم الْهَاء\n_________\n= الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٩٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٧٨١).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٢ ترجمة ٤٧٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٤٣).\n(^٣) أخرجه البزار كشف الأستار (٢٥٤٧)، والدارقطني في العلل (٢/ ٤٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٦٦٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٦) رواه البزار والطبراني =","vol":"11","page":287},{"text":"وَسُكُون الْجِيم هُوَ رَدِيء الْكَلَام وفحشه.\nقوله: (وعن عبد اللَّه) تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: (فإذا قال أحدهما لصاحبه كلمة هجر خرق ستر اللَّه) الحديث، الهُجر بضم الهاء وسكون الجيم هو رديء الكلام وفحشه قاله المنذري.\n\n٤٢٠٩ - وعن أبي جري جابر بن سليم -﵁- قال: \"رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صدروًا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: رسول اللَّه -ﷺ-. قلت: عليك السلام يا رسول اللَّه. قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الميت قل: السلام عليك. قال: قلت: أنت رسول اللَّه؟ قال: أنا رسول اللَّه الذي إذا أصابك ضر، فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر، أو فلاة، فضلت راحلتك، فدعوته ردها عليك. قال قلت: اعهد إلي. قال: لا تسبنَّ أحدًا، فما سببت بعده حرًّا ولا عبدًا، ولا بعيرًا، ولا شاةً. قال: ولا تحقرنَّ شيئًا من المعروف، وأن تكلم أخاك، وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت، فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة وإن اللَّه لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه\" رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي\n_________\n= بزيادة وستأتي، وفيه يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وذكره الدارقطني في العلل (٢/ ٤٣٥)، وقال: رواه شعبة، وجرير، وابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن عمرو بن سلمة، عن ابن مسعود موقوفا، وهو الصواب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٥٦).","vol":"11","page":288},{"text":"وقال: حديث حسن صحيح. وابن حبان في صحيحه والنسائي مختصرًا في رواية لابن حبان (^١) نحوه، وقال فيه: \"وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك، فلا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٦٣) والبخاري في الكبير (١/ ٢/ ٢٠٦) والأوسط (٤٢٠)، وأبو داود (٤٠٧٥)، (٤٠٨٤)، (٥٢٠٩)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (١٣٣) وفي المداراة (٥٦) وفي اصطناع المعروف (٢٤) في الغيبة (٢٧) وابن أبي عاصم في الآحاد (١١٨١) والنسائي في الكبرى (٩٦٩٩) وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٣٢٢٥) وفي الصحابة (٣١٢ و١٠٩٢) الدولابي في الكنى (١/ ٦٦) وأبو أحمد الحاكم في الكنى (٣/ ١٨٣) وابن حبان (٥٢٢) وأبو بكر الشافعي في الفوائد (٣٢٣) والطبراني في الكبير (٦٣٨٣) وأبو الشيخ في الأمثال (٢٣٥) وأبو نعيم في الصحابة (٦٧٣١) والخطيب في المتفق المفترق (٥٣٥) وأبو محمد البغوي في شرح السنة (٣٥٠٤) والسلفي في معجم السفر (١٨٤) وابن عساكر في معجم الشيوخ (١٤٩١) والمزي (٢٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨) وقال ابن عساكر: حديث حسن غريب وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٨٢)، الترمذي (٢٧٢٢) والنسائي في اليوم والليلة (٣١٧) (٣١٨) وابن أبي شيبة (٨/ ٣٩١ - ٣٩٢ و٦١٧) وفي مسنده (٧٩٢) وابن أبي عاصم في الآحاد (١١٨٣) (١١٨٤) والدولابي في الكنى (١/ ٦٦ - ٦٧) وأبو القاسم البغوي في الصحابة (٣١٣) والطبري في المنتخب من كتاب ذيل المذيل (ص ٥٦٧ - ٥٦٨) والخرائطي في المكارم (١/ ١٢٠) والطبراني في الكبير (٦٣٨٦) (٦٣٨٧) وابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ١٢٠ - ١٢١) والخطابي في الغريب (١/ ٦٩١ - ٦٩٢) والبيهقي (١٠/ ٢٣٦) وفي الآداب (١٥٩) وفي الشعب (٥٧٣١ و٦٢٤١ و٧٦٨٩ و٧٧١٧) والبيهقي في الشعب (٨٤٩٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم (٤/ ١٨٦) وقال: صحيح الإسناد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١١٠٩)، (٣٤٢٢)، أخرجه الطيالسي (١٣٠٤) والبخاري في الأدب المفرد (١١٨٢) سنن أبي داود (٤٠٨٤)، والترمذي (٢٧٢١)، (٢٧٢٢) وذكر قصة طويلة وقال هذا حديث حسن صحيح والنسائي في الكبرى (٩٦١٢)، الحسين بن الحسن المروزي، في زياداته على الزهد لابن المبارك (١٠١٧)، وابن أبي عاصم، في =","vol":"11","page":289},{"text":"تعيره بشيء تعلمه فيه، ودعه يكون وباله عليه، وأجره لك، ولا تسبنَّ شيئًا. قال: فما سببت بعد ذلك دابة ولا إنسانًا\".\n[السنة]: هي العام المقحط الذي لم تنبت فيه الأرض، سواء نزل غيث أو لم ينزل. [المخيلة]: بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة، من الاختيال، وهو الكبر واستحقار الناس.\nقوله: (وعن أبي جري) اسمه جابر بن سليم قاله المنذري، وقيل فيه غير ذلك، وتقدم الكلام عليه قريبًا.\nقوله: (رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: رسول اللَّه -ﷺ-) الحديث. (يصدر الناس عن رأيه) أي عن عقله.\nقوله: (لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه) يقال صدر عن المكان أي رجع عنه وصدر إليه.\nوقوله: (قلت: عليك السلام) يا رسول اللَّه قال لا تقل عليك السلام عليك السلام تحية الميت قل السلام عليك. هذا اللفظ بتقديم عليك. قال الخطابي (^١).\n_________\n= الآحاد والمثاني (١١٨٢)، (١١٨٣ و١١٨٤)، (١١٨٥)، ابن حبان (٥٢٢)، والطبراني المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٦٢/ ٦٣٩٠: ٦٣٨٣)، والبيهقي السنن الكبرى (١٠/ ٣٩٩)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٧٦٨٩ - ٧٦٩٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٦٨٧)، والصحيحة (٣٤٢٢) النسائي في الكبرى (٩٦١٥ و١٠٠٧٩) (١٠٠٧٦) (١٠٠٧٧)، وابن حبان (٥٢١).\n(^١) معالم السنن (٤/ ١٩٤).","vol":"11","page":290},{"text":"قوله: (عليك السلام تحية الميت) يوهم أن السنة في تحية الميت أن يقول: عليك السلام كما يفعله الكثير من العامة. قال شارح مشارق الأنوار: [وإنما] قال -ﷺ- فإن ذلك تحية الميت؛ لأن المسلم على القوم يتوقع الجواب وأن يقال له عليك السلام، ولما كان الميت لا يتوقع منه الجواب جعل السلام عليه كالجواب، وقيل: أراد بالموتى كفار الجاهلية وهذا في الدعاء والمدح، كذا في النهاية (^١). وليس المراد منه أن السنة في تحية الميت هذا لما روي أنه -ﷺ- كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: \"السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين. . . \" الحديث. فبين أن السلام على الموتى [كهو] على الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم وهذا في الدعاء بخير أو مدح كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ (^٣). فأما في الشر والذم [كذا] (^٤) فيتقدم الضمير على الاسم [على] الدعاء كقوله تعالى ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ (^٥)، وقوله ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ (^٦) [فيثبت] أنه ليس المراد أن السنة\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٩٣).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٧٣.\n(^٣) سورة الصافات، الآية: ١٣٠.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) سورة ص، الآية: ٧٨.\n(^٦) سورة الفتح، الآية: ٦.","vol":"11","page":291},{"text":"في تحية الميت أن يقال عليك [السلام] (^١)، بل هو إشارة إلى ما جرت [به عادتهم] في تحية [الميت أن يقال عليك السلام بل هو إشارة] (^٢) [الأموات] بتقديم الاسم على الدعاء في المراثي كانوا يقدمون ضمير الميت على الدعاء له. قال صاحب المغيث في حل مشكل القرآن والحديث. (^٣)\nوهذا إشارة إلى ما كان قد جرت عادتهم للموتى فكانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء وهو في أشعارهم كثير كما أنشد:\nعليك سلام اللَّه قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما\nوأنشد [الآخر وهو] الشماخ:\nعليك سلام من أمير وباركت ... يد اللَّه في ذاك الأديم الممزق\n[قاله في شرح السنة] (^٤).\nوالسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات فقد ثبت أنه -ﷺ- لما دخل المقبرة فقال: \"السلام عليكم دار قوم مؤمنين\" اهـ قال بعض العلماء.\nقلت: ويحتمل أن يكون هذا أن الحديث ورد في بيان الأحسن والأكمل ولا يكون المراد أن هذا ليس بسلام واللَّه أعلم. وقد قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في الإحياء (^٥): يُكرَه ابتداء عليكم السلام لهذا الحديث\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ١١٩).\n(^٤) البغوي في شرح السنة (٥/ ٤٧٠).\n(^٥) الإِحياء ٢/ ٢٠٥. انظر: الأذكار للنووي (ص: ٢٥٠).","vol":"11","page":292},{"text":"والمختار أنه يكره الابتداء بهذه الصيغة فإن [ابتدأ] بها وجب الجواب؛ لأنه سلام واللَّه أعلم.\nقوله: (وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك) الحديث، السِّنَة العام المقحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئًا سواءً نزل غيث أم لم ينزل اهـ. قاله المنذري. قوله: (وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك) الحديث. القَفْر بفتح القاف وسكون الفاء الأرض الخالية، والفلاة هي الأرض المتسعة. [وقوله -ﷺ-: (فضلت راحلتك)، ضلت بمعنى ضاعت منك، والراحلة هي الناقة النجيبة]. وقوله: (قلت اعهد إلي قال لا تسبنَّ أحدًا) الحديث. اعهد إليَّ أي أوصني وتقدم معنى السب.\nقوله: (ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا) الحديث، تقدم معنى ذلك في السلام قريبًا. قوله -ﷺ-: (وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين) إلى قوله: (وإياك وإسبال الإزار فإنه من المخيلة) الحديث. والمخيلة من الاختيال وهو الكبر واستحقار الناس وتقدم ذلك في اللباس أيضًا. قوله -ﷺ-: (وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه) الحديث. الوبال هو الإثم وتقدم هذا اللفظ في الشفقة على خلق اللَّه.\n\n٤٢١٠ - وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قيل يا رسول اللَّه: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه\" رواه البخاري (^١) وغيره.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩).","vol":"11","page":293},{"text":"قوله: (عن عبد اللَّه بن عمرو) تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه) الحديث تقدم الكلام عليه في عقوق الوالدين.\nقاعدة: ولا يجوز لعن المسلم المصون بإجماع المسلمين فيحرم أن يلعن رجلًا بعينه [مواجهة] برًّا كان أو فاجرًا [أو فاسقًا] لأن عليه أن يوقر البر ويرحم الفاجر فيستغفر له، وأما لعن كافر غير معين أو فاجر غير معين فغير منهي عنه، فيجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة كقوله: لعن اللَّه الظالمين، لعن اللَّه الكافرين، لعن اللَّه اليهود، لعن اللَّه الفاسقين، لعن اللَّه المصورين، فقد لعن رسول اللَّه -ﷺ- شارب الخمر ولعن الواصلة والموصولة وغيرهما، وأما لعن إنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي كيهودي أو نصراني أو ظالم أو زانٍ أو سارق أو آكل ربا فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام، وأشار الغزالي (^١) إلى تحريمه إلا في حق من علمنا أنه مات على الكفر [كأبي] لهب وأبي جهل وشبههما، ويجوز لعن طائفتهم كقولك: لعن اللَّه الكفار [كما تقدم]، قال: لأن اللعن هو الإبعاد عن رحمة اللَّه تعالى وما ندري ما يختم اللَّه به لهذا الفاسق أو الكافر. قال: وأما الذين لعنهم رسول اللَّه -ﷺ- بأعيانهم فيجوز أنه -ﷺ- علم موتهم على الكفر، وإذا كان معنى اللعن الإبعاد من رحمة اللَّه تعالى فالفرق بين اللعن والدعاء بعدم الإيمان واللَّه أعلم، قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الأذكار للنووي (ص: ٥٦٠).\n(^٢) لم أجده.","vol":"11","page":294},{"text":"٤٢١١ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا\" رواه مسلم وغيره، والحاكم (^١) وصححه، ولفظه: قال: \"لا يجتمع أن تكونوا لعانين صديقين\".\nقوله: (وعن أبي هريرة) تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: (لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا) الحديث. الصدِّيق هو المبالغ في الصدق واللعان المبالغ في اللعن، واللعن هو الإبعاد من الخير وفي الترمذي (^٢) عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: \"ليس المؤمن بالطاعن ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء\"؛ والبذيء بالذال المعجمة [والمدّ هو] المتكلم بالفحش ورديء الكلام وتقدم ذلك في الأدب.\n\n٤٢١٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: \"مر النبي -ﷺ- بأبي بكر، وهو يلعن بعض رقيقه، فالتفت إليه، وقال: لعانين وصديقين؟ كلا ورب الكعبة، فعتق أبو بكر -﵁- يومئذ بعض رقيقه. قال: ثم جاء إلى النبي -ﷺ-: فقال لا أعود\" رواه البيهقي (^٣).\nقوله: (وعن عائشة) تقدم الكلام عليها. قوله: (مر النبي -ﷺ- بأبي بكر وهو\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٤) (٢٥٩٧)، المستدرك للحاكم (١/ ١١٠).\n(^٢) سنن الترمذي (١٩٧٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد اللَّه من غير هذا الوجه.\n(^٣) شعب الإيمان (٤٧٩١)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣١٩)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٦٨٩)، والطبراني في الدعاء (٢٠٨٢) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٨٥).","vol":"11","page":295},{"text":"يلعن بعض رقيقه فالتفت إليه وقال لعانين وصديقين كلا ورب الكعبة) الحديث. تقدم معنى اللعان والصديق في الحديث قبله.\n\n٤٢١٣ - وعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة\" رواه مسلم، وأبو داود (^١) لم يقل: يوم القيامة.\nقوله: (وعن أبي الدرداء) تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامه) الحديث. أي لما عندهم من الإحنة والعداوة والجور ولا يكونون شفعاء لأن قلوبهم خالية من الرحمة. [أي لا يشهدون مع النبي -ﷺ- يوم القيامة على الأمم الخالية ولا يشفعون معاقبة لهم بتلاعنهم. و] قال بعض العلماء: معناه أنهم لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار.\nومعنى قوله: (ولا شهداء) أي لا يكونون شهداء على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم هذا هو الأصح، [و] قيل: لا يرزقون الشهادة. وقال بعض العلماء: معناه أنهم لا يكونون في الجملة التي تشهد يوم القيامة على الأمم التي كذبت أنبياءها على نبينا وعليهم الصلاة والسلام؛ لأن من فضيلة هذه الأمة أنهم يشهدون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتبليغ إذا كذبهم قومهم اهـ.\nففي هذا الحديث الزجر عن اللعن، وأن من تخلق به لا تكون فيه هذه الصفات الجميلة؛ لأن اللعنة في الدعاء يُراد بها الإبعاد من رحمة اللَّه وليس\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٥) (٢٥٩٨)، وسنن أبي داود (٤٩٠٧).","vol":"11","page":296},{"text":"الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين [الذين] (^١) وصفهم اللَّه تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشد بعضهم بعضًا وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة وهي الإبعاد من رحمة اللَّه تعالى فهو من نهاية المقاطعة والتدابر وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر ويدعو عليه به؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: \"لعن المؤمن كقتله\" لأن القاتل يقطعه عن منافع الدنيا وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة اللَّه تعالى. وقيل: معنى لعن المؤمن كقتله في الإثم وهذا هو الأظهر عند النووي وتقدم الكلام على ذلك قريبًا.\nوأما قوله: (أنهم لا يكونون شفعاء ولا شهداء) فمعناه لا يشفعون يوم القيامة حتى يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار [وقوله] (^٢)، ولا شهداء فيه ثلاثة أقوال: أصحها وأشهرها لا يكونون يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات، والثاني لا يكونون شهداء في الدنيا أي لا تقبل شهادتهم لفسقهم، الثالث أنهم لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل اللَّه تعالى وإنما قال النبي -ﷺ-: \"لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا\" ولا يكون اللعانون شفعاء بصيغة التكثير، ولم يقل لاعنًا واللاعنون لأن هذا الذم في الحديث إنما هو لمن كثر منه اللعن لا المرة ونحوها ولأنه يخرج منه أيضًا اللعن المباح وهو الذي ورد الشرع به وهو لعنة اللَّه على الظالمين لعن اللَّه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":297},{"text":"اليهود والنصارى (^١) ولعن اللَّه الواصلة والواشمة وشارب الخمر وآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمصورين (^٢) وغيرهم ممن هو مشهور في الأحاديث الصحيحة واللَّه أعلم.\n\n٤٢١٤ - وَعَن ابْن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"لَا يكون الْمُؤمن لعانًا\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ، حَدِيث حسن غَرِيب (^٣).\n\n٤٢١٥ - وعن جرموذ الجهني -﵁- قال: قلت يا رسول اللَّه أوصني؟ قال: \"أوصيك ألا تكون لعانًا\" رواه الطبراني (^٤) من رواية عبيد اللَّه بن هودة عن\n_________\n(^١) [البخاري، رقم: ٤٣٥، مسلم، رقم: ٥٣٠]. انظر: الأذكار للنووي (ص: ٥٥٨) فصل في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين والمعروفين.\n(^٢) [أخرجه مسلم، رقم: ٢١٢٢؛ وهو في البخاري، رقم: ٥٩٣٣، ٥٩٣٧؛ ومسلم، رقم: ٢١٢٤ بلفظ: لعن رسول اللَّه. . .]. وأنه قال: لعن اللَّه آكل الربا. . . الحديث [مسلم، رقم: ١٥٩٧]. وأنه قال: لعن اللَّه المصورين. . . [البخاري، رقم: ٢٦٨٦].\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٠١٩)، وأبو يعلى (٥٥٦٢)، والروياني (١٣٩١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٨٧)، والمشكاة (٤٨٤٨)، وظلال الجنة (١٠١٤).\n(^٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٤٧)، وابن أبي عاصم، في الآحاد والمثاني (١١٨٧)، والبغوي في معجم الصحابة (١/ ٥٠٣)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٣/ ٢١٨٠)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠١٥): أخرجه أحمد والطبراني وابن أبي عاصم في الآحاد والثاني من حديث جرموز الهجيمي وفيه رجل لم يسم أسقط ذكره ابن أبي عاصم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧٢): رواه أحمد والطبراني من طريق عبيد اللَّه بن هوذة، عن رجل، عن جرموز.\nورواه الطبراني من طريق آخر، عن عبيد اللَّه بن هوذة، عن جرموز، وهذه الطريق رجالها ثقات، فقد ذكر ابن أبي حاتم جرموزا فقال: له صحبة، روى عنه عبيد اللَّه بن هوذة. =","vol":"11","page":298},{"text":"جرموذ، وقد صححها ابن أبي حاتم، وتكلم فيها غيره، ورواته ثقات، ورواه أحمد (^١)، فأدخل بينهما رجلًا لم يسم.\nقوله: (وعن جرموذ الجهني) قال أبو حاتم: جرموز القريعي البصري، له صحبة. ونسبه ابن قانع فقال: جرموز بن أوس بن عبد اللَّه بن جرير بن عمرو ابن أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم. وقال ابن السكن: له صحبة. حديثه في البصريين، روى عنه ابنه الحر وعُبيد اللَّه بن هوذة، وأبو تميمة (^٢).\nقوله: (قلت: يا رسول اللَّه أوصني قال لا تكن لعانًا) الحديث. تقدم الكلام على اللعن.\nقوله: (رواه الطبراني من رواية عبيد اللَّه بن هوذة) هو عبيد اللَّه بن هوذة القريعي أبو خيرة، يروي عنه ابن المبارك وعبد الصمد بن عبد الوارث وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، قال يحيى بن معين: ليس به بأس.\n\n٤٢١٦ - وعن سمرة بن جندب -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا تلاعنوا بلعنة اللَّه، ولا بغضبه، ولا بالنار\" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث\n_________\n= وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٤٢)، والصحيحة (١٧٢٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٧٨٨).\n(^١) أحمد (٢٠٦٧٨)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٨٨ و١١٨٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٤٩)، والبغوي في معجم الصحابة (١/ ٥٠٣)، والطبراني (٢١٨١ و٢١٨٢)، وقال البغوي لم يسم أبو عامر الرجل الذي بين عبد اللَّه بن هوذة وجرموز وهو أبو تميمة الهجيمي.\n(^٢) الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٤)، ومعجم الصحابة لابن قانع (١/ ١٤٨)، وأسد الغابة (١/ ٥٢٥ ترجمة ٧١٨)، والإصابة (١/ ٥٧٨ ترجمة ١١٢٦).","vol":"11","page":299},{"text":"حسن صحيح، والحاكم (^١)، وقال: صحيح الإسناد، رووه كلهم من رواية الحسن البصري عن سمرة، واختلف في سماعه منه.\nقوله: (وعن سمرة بن جندب) تقدم الكلام على بعض مناقبه رضي اللَّه تعالى عنه. قوله -ﷺ-: (لا تلاعنوا بلعنة اللَّه ولا بغضبه). [الحديث] أصله لا تتلاعنوا أي لا تقولوا لمسلم: عليك لعنة اللَّه، ولا عليك غضب اللَّه، ولا لك جهنم أو النار، أو [أدخلك] اللَّه النار، وما أشبه ذلك؛ لأن المتكلم بهذه الألفاظ أراد الإخبار عن حصول هذه الأشياء له، فقد أخبر عن الغيب ولا يعلم الغيب أحد إلا اللَّه تعالى، وإن قال له هذا الكلام على طريق الدعاء عليه فقد ضاد اللَّه ورسوله لأنه لا يحصل غضب اللَّه ولا لعنته إلا لمن يصير كافرًا أو يفعل كبيرة من الذنوب ومات عليهما فكأنه أراد الكفر وفعل كبيرة (^٢) اهـ. واللَّه أعلم.\n\n٤٢١٧ - وَعَن ثَابت بن الضَّحَّاك -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"من حلف على يَمِين بِملَّة غير الْإِسْلَام كَاذِبًا مُتَعَمدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمن قتل نَفسه بِشَيْء\n_________\n(^١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٣٥٤)، وأحمد (٢٠١٨٧)، وأبو داود (٤٩٠٦)، الترمذي (١٩٧٦)، والبزار = البحر الزخار (٤٥٥٩ - ٤٥٦٠)، والروياني (٨١١)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢٠٧/ ٦٨٥٨)، (٧/ ٢٠٧/ ٦٨٥٩)، وفي الدعاء (٢٠٧٥)، (٢٠٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٧٩٧ - ٤٧٩٨)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠١٢): قال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٧٤٤٣)، والسلسلة الصحيحة (٨٩٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٧٨٩)، الحاكم (١/ ٤٨).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ١٨٥).","vol":"11","page":300},{"text":"عذب بِهِ يَوْم الْقِيَامَة، وَلَيْسَ على رجل نذر فِيمَا لَا يملك، وَلعن الْمُؤمن كقتله\" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم (^١).\n\n٤٢١٨ - وعن سلمة بن الأكوع -﵁- قال: \"كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابا من الكبائر\" رواه الطبراني (^٢) بإسناد جيد.\nقوله: (وعن سلمة بن الأكوع) هو أبو مسلم، ويقال: أبو إياس، ويقال: أبو عامر سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد اللَّه بن قشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم الأسلمى. شهد بيعة الرضوان بالحديبية، وبايع رسول اللَّه -ﷺ- يومئذ ثلاث مراتٍ في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وكان شجاعًا، راميًا، محسنًا، خيرًا، فاضلًا، غزا مع رسول اللَّه -ﷺ- سبع غزواتٍ، ويقال: شهد غزوة مؤتة.\nروي له عن رسول اللَّه -ﷺ- سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة. روى عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون، وكان يسكن المدينة، فلما قُتل عثمان خرج إلى الربذة فسكنها، وتزوج هناك وولد له، فلم يزل بها حتى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٣) و(٦٠٤٧) و(٦١٠٥) و(٦٦٥٢)، ومسلم (١٧٦ و١٧٧ - ١١٠). ولم يدرج المؤلف تحته شرحًا.\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٦٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٣٩): رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وإسناد الأوسط جيد، وفي إسناد الكبير ابن لهيعة وهو لين. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٩١)، والسلسلة الصحيحة (٢٦٤٩).","vol":"11","page":301},{"text":"كان قبل وفاته بليال عاد إلى المدينة فتوفي جها سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنةً، وكان يصفر رأسه ولحيته. قال ابن إياس: ما كذب أبي قط.\nوفى صحيح البخاري أحاديث ثلاثيات يرويها البخاري، عن المكي بن إبراهيم، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة، -﵁-، عن النبي -ﷺ-. وثبت في الصحيح أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"خير رجالتنا سلمة بن الأكوع\"، قاله في غزوة ذي قرد لما استنقذ لقاح رسول اللَّه -ﷺ- من العدو الذين أغاروا عليها وهزمهم وحده (^١).\nقوله: (كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابًا من الكبائر) تقدم الكلام أيضًا على اللعن والكبائر.\n\n٤٢١٩ - وعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا، وإلا رجعت إلى قائلها\" رواه أبو داود (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٩ ترجمة ٢٢١).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٩٠٥)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٨١)، والبزار (٤٠٨٤)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٤٧٩٩). وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٦٧) أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد وله شاهد عند أحمد من حديث بن مسعود بسند حسن وآخر عند أبي داود والترمذي عن بن عباس ورواته ثقات ولكنه أعل بالإرسال وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٦٧٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٧٩٢).","vol":"11","page":302},{"text":"قوله: (وعن أبي الدرداء) تقدم.\nقوله -ﷺ-: (إن العبد إذا لعن شيئًا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها) الحديث. قال العلماء: من الصغائر لعن الدابة وغيرها من الحيوان وهو حرام وصرح به النووي في الرياض (^١) وغيره ولو قيل إنه كبيرة لرجوع اللعنة على قائلها لم يبعد قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٢).\n\n٤٢٢٠ - وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إن اللعنة إذا وجهت إلى من وجهت إليه، فإن أصابت عليه سبيلا أو وجدت فيه مسلكا، وإلا قالت: يا رب وجهت إلى فلان، فلم أجد فيه مسلكا، ولم أجد عليه سبيلا، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت\" رواه أحمد (^٣) وفيه قصة، وإسناده جيد إن شاء اللَّه تعالى.\nقوله: (وعن عبد اللَّه بن مسعود) تقدم الكلام عليه وعلى معنى حديثه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري [رقم: ٦٠٤٤]، ومسلم [رقم: ١١٠]؛ عن ثابت بن الضحاك -﵁-، وكان من أصحاب الشجرة؛ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: لعن المؤمن كقتله، وقال النووي في الأذكار (ص: ٥٥٨): اختلف العلماء في إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيح إسلامه وصحبته، فلهذا قلت: ﵄.\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٣٥٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٨٧٦)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٣٧٢)، والطبراني، في الدعاء (٢٠٨٤)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٤٨٠٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧٤) رواه أحمد، وأبو عمير لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، ولكن الظاهر أن صديق ابن مسعود الذي يزوره هو ثقة، واللَّه أعلم. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٦٧) أحمد من حديث بن مسعود بسند حسن وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٩٣).","vol":"11","page":303},{"text":"٤٢٢١ - وعن عمران بن حصين -﵁- قال: بينما رسول اللَّه -ﷺ- في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: \"خذوا ما عليها، ودعوها، فإنها ملعونة\" قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. رواه مسلم (^١) وغيره.\nقوله: (وعن عمران بن حصين ﵄). [قلت]: اختلف العلماء في إسلام حصين والد عمران وصحبته والصحيح إسلامه وصحبته فلهذا قلت ﵄ ذكره بعض العلماء وتقدم الكلام عليه وعلى والده مبسوطًا في كتاب الجمعة.\nقوله: (بينما رسول اللَّه -ﷺ- في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فقال: خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة). قيل: إنما فعل ذلك لأنه استُجيب دعاؤها فيها وقيل فعله عقوبة لصاحبتها لئلا تعود إلى مثلها وليعتبر بها غيرها. وأصل اللعن الطرد والإبعاد من اللَّه ومن الخلق السب والدعاء قاله في النهاية (^٢). (قال عمران: فكأني أراها الآن [ورقاء] [تمشي في الناس ما يعرض لها أحد) وفي رواية: قال عمران فكأني أراها الآن ورقاء] (^٣) تمشي في الناس) الحديث، والورقاء بالمد التي يخالط بياضها سواد والذكر أورق. [وفي حديث أنس -﵁- بعده: \"يا عبد اللَّه لا تسر معنا على بعير ملعون\"]، وفي حديث آخر: \"لا تصحبنا ناقة\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٠) (٢٥٩٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٥).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":304},{"text":"عليها لعنة اللَّه\"، وفي رواية للإمام أحمد (^١): فقال: \"أين صاحب الناقة\"؟ فقال الرجل: أنا. فقال: \"أخِّرها فقد أُجِبتَ فيها\" الحديث. الناقة: الأنثى من الإبل وقد تُجمَع على نوق مثل بدَنَة وبُدن وخَشب وخُشب، وقد تجمع الناقة على نياق [نحو ثمرة] وثمار، قال ابن حبان: إنما أمر بإرسالها لأنه ﵊ تحقق إجابة الدعوة فيها [فمتى] علم استجابة الدعاء من [داعٍ] ما أمرناه بإرسال دابته، ولا سبيل إلى علم هذا لانقطاع الوحي فلا يجوز استعمال هذا الفعل لأحد أبدًا. وقيل: إنما هذا زجرًا لها ولغيرها. وقد كان سبق نهيها ونهي غيرها عن اللعن، فعوقبت بإرسال الناقة اهـ.\nواعلم أن هذا الحديث قد يستشكل معناه ولا إشكال فيه بل المراد النهي عن مصاحبته لتلك الناقة في الطريق، وأما بيعها وذبحها وركوبها في غير صحبة النبي -ﷺ- في غير تلك الطريق وغير ذلك من التصرفات جائز لا منع منه لأن الشرع ورد بالنهي عن [مصاحبةٍ] فيبقى الباقي كما كان اهـ. قاله النووي (^٢) وغيره.\nتنبيه: في شعب البيهقي (^٣): أن عبد اللَّه بن أبي الهذيل كان إذا لعن شاةً لم يشرب من لبنها وإذا لعن دجاجةً لم يأكل من بيضها اهـ.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٩٥٢٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧٧) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤٧)، وحياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٥٤).\n(^٣) شعب الإيمان (٤٨٠٣).","vol":"11","page":305},{"text":"٤٢٢٢ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ: سَار رجل مَعَ النَّبِي -ﷺ- فلعن بعيره فَقَالَ النَّبِي -ﷺ-: \"يَا عبد اللَّه لَا تسر مَعنا على بعير مَلْعُون\" رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن أبي الدُّنْيَا بِإِسْنَاد جيد (^١).\n\n٤٢٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّه -ﷺ- فِي سفر يسير فلعن رجل نَاقَةً فَقَالَ: \"أَيْن صَاحب النَّاقة\"؟ فَقَالَ الرجل: أَنا، فَقَالَ: \"أَخّرهَا فقد أُجِيب فِيهَا\" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n\n٤٢٢٤ - وعن زيد بن خالد الجهني -﵁- قَال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة\" رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه (^٣) إلا أنه\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٣٨٧)، وأبو يعلى (٣٦٢٢)، والطبراني في الدعاء (٢٠٨٨)، والضياء في المختارة (٦/ ١٧٥ - ١٧٦، ٢١٧٩ - ٢١٨١). وحسنه الضياء، وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٧: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بنحوه، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وجود إسناده البوصيري في الاتحاف (٦/ ٦٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٩٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٤٢٨ (٩٥٢٢)، والبزار (٨٣٥٢)، والنسائي في الكبرى (٨٨١٥)، والطبراني في الدعاء (٢٠٨٩). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٧: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\nوقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٧٩٦).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٤٩٨) وأحمد (١٧٠٣٤) (٢١٦٧٩) وعبد بن حميد (٢٧٨) أبو داود (٥١٠١)، والبزار (٣٧٦٩) والنسائي في اليوم والليلة (٩٤٥) وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٩٩٩) وفي الصحابة (٨٦٩) وابن حبان (٥٧٣١)، والطبراني في الكبير (٥٢٠٨) (٥٢٠٩) (٥٢١٠) (٥٢١٢) وأبو الشيخ في العظمة (١٢٤٧) وابن بشران (٣٤١)، والبيهقي في الشعب (٤٨٠٨) (٤٨٠٩ و٤٨١٠) (٤٨١١)، وأبو نعيم في الحلية =","vol":"11","page":306},{"text":"قال: \"فإنه يدعو للصلاة\" ورواه النسائي (^١) مسندًا ومرسلًا.\nقوله: وعن زيد بن خالد الجهني تقدم. قوله -ﷺ-: (لا تسبوا الديك فإنها توقظ للصلاة) وفي حديث ابن مسعود أن ديكًا صرخ عند رسول اللَّه -ﷺ- فسبه رجل فنهى عن سب الديك.\nوفي حديث ابن عباس (^٢) أن ديكًا صرخ قريبًا من النبي -ﷺ- فقال رجل: اللهم العنه، فقال النبي -ﷺ-: \"مَهْ كلا إنه يدعو إلى الصلاة\" الحديث، تقدم معنى السب واللعن.\nقوله: (مَه)؛ [مَهْ] كلمة زجر عن الشيء. قوله: الديك والديك جمعه ديوك وديكة وكنيته أبو حسان وأبو حماد وأبو سليمان وأبو عقبة وأبو مدلج وأبو المنذر إشارة إلى إنذاره وإعلامه وأبو اليقظان إشارة إلى يقظته وأبو نبهان ويسمى الأنيس والمؤانس ومن شأنه أن لا يحنو على ولده ولا يألف زوجة واحدة وهو أبْله الطبيعة وذلك أنه إذا سقط من حائط لم تكن له هداية ترشده\n_________\n= (٦/ ٣٤٦) وأبو الفضل الزهري في حديثه (٦٥١)، وأبو محمد البغوي في شرح السنة (٣٢٦٩) (٣٢٧٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٣١٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٧٩٧).\n(^١) أخرجه النسائي في اليوم والليلة (٩٤٦) من طريق أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي ثنا زهير بن محمد التميمي عن صالح بن كيسان عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه مرسلًا به.\n(^٢) أخرجه النقاش في فوائد العراقيين (١٩)، والبزار في مسنده -كما في كشف الأستار (٢٠٤١)، ومختصر مسند البزار (١٧٣٨)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٣٩)، وأبو الشيخ في العظمة (١٢٥٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٩٩).","vol":"11","page":307},{"text":"إلى دار أهله وفيه من الخصال [الحميدة] أنه يُسوِّي بين دجاجهِ ولا يؤثر واحدة على واحدة. (^١)\nوقوله: (فإنه يوقظ للصلاة) الحديث؛ قال الحليمي (^٢) في قوله ﵊: (لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة)، وفي الرواية الأخرى يدعو [للصلاة] فيه دليل على أن كل من استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب ويستهان به بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالإحسان وليس معنى دعاء الديك إلى الصلاة أنه يقول بصراخه حقيقة الصلاة أو قد حافت الصلاة بل معناه أن العادة جرت بأنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال فطرة فطره اللَّه عليها [فيتذكر الناس] بصراخه الصلاة ولا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواها إلا ممن جرب منه ما لا يختلف فيصير ذلك له إشارة (^٣).\nوالدعاء مستجاب عند صياحه، فإنه ورد أن الدعاء يستجاب في أربعين موطنًا وعدوا منها عند صياح الديكة، ولهذا أعظم ما فيه من العجائب معرفة الأوقات الليلية فيقسط أصواته عليها تقسيطًا لا يكاد يغادر منها شيئًا سواء طال الليل أو قصر، ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده، فسبحان من هداه لذلك.\n_________\n(^١) انظر: حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٧٧).\n(^٢) المنهاج (٢/ ٥٥٧).\n(^٣) حياة الحيوان (١/ ٤٧٩)، وإرشاد الساري (٥/ ٣٠٩).","vol":"11","page":308},{"text":"ولهذا أفتى القاضي حسين والمتولي والرافعي بجواز اعتماد الديك المجرب إصابته في أوقات الصلوات (^١) اهـ.\nوفي الحديث دليل على إباحة أكل الدجاج وإباحة الديك وهو ذكر الدجاج فإنه داخل في اسم الدجاج وأما رواية أبي داود في النهي عن ذبح الديك فهو محمول على الكراهة في الديك المجرب. قال الجاحظ (^٢) زعم أهل التجربة أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لم يزل يُنكب في ماله. وفي التهذيب (^٣) في ترجمة البزي الراوي عن ابن كثير وهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم بن ناجح أبي بزة المكي وهو ضعيف الحديث عن الحسن عن أنس أن النبي -ﷺ- قال: الديك الأبيض الأفرق حبيبي وحبيب حبيبي جبريل يحرس بيته وستة عشر بيتا من جيرانه. وروى الشيخ حب الدين الطبري أن النبي -ﷺ- كان له ديك أبيض، وروي عنه -ﷺ- أنه قال: الديك الأبيض صديقي وعدوّ الشيطان يحرس صاحبه وسبع دور حوله. وكان النبي -ﷺ- يقتنيه في البيت وكان الصحابة ﵃ يسافرون [بالديك ليُعرِّفهم] أوقات الصلوات. وفي الصحيح أنّه -ﷺ-[كان] (^٤) يقوم من الليل إذا سمع الصارخ روته عائشة ﵂ في التهجد، وفُسِّر بأنه الديك. وفي الحديث إذا سمعتم أذان الديكة فاذكروا اللَّه\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٧٨).\n(^٢) الحيوان (٢/ ٣٨٧).\n(^٣) الجرح والتعديل (٢/ ٧١).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":309},{"text":"فإنه رآى ملَكا، وروى الثعلبي. (^١)\nأن النبي -ﷺ- قال ثلاثة أصوات يحبها اللَّه صوت الديك وصوت قارئ القرآن وصوت المستغفر بالأسحار. وفي الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال إذا سمعتم صياح [الديك فسألوا] اللَّه من فضله فإنها رأت ملكا وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا باللَّه من الشيطان فإنها رأت شيطانًا.\nقال القاضي عياض (^٢) رحمه اللَّه تعالى سَبَبُهُ رجاء تأمين الملائكة على الدعاء واستغفارهم وشهادتهم بالتضرع والإخلاص، وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين والتبرك وإنما أمرنا بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمار لأن الشيطان لما حضر يخاف من شرف فينبغي أن يتعوذ منه. وفي معجم الطبراني وتاريخ أصبهان (^٣) عن النبي -ﷺ- أنه قال إن للَّه ﷾ ديكا أبيض جناحاه بالمغرب موشيان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، رأسه تحت العرش، وقوائمه في الهواء، يؤذن في كل سحر، فيسمع تلك الصيحة أهل السماوات والأرض إلا الثقلين: الجن\n_________\n(^١) قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٣٢٦): موضوع. أخرجه الديلمي في مسنده (١/ ٦٤ - الغرائب) انظر: الفردوس بمأثور الخطاب (٢٥٣٨) انظر: حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٧٩).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٧٩).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣١٥)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٣٢٩) موضوع.","vol":"11","page":310},{"text":"والإنس، فعند ذلك تجيبه ديوك [أهل] الأرض، فإذا دنا يوم القيامة قال اللَّه تعالى: ضم جناحك، وغض صوتك، فتعلم أهل السماوات والأرض إلا الثقلين أن الساعة قد اقتربت. وروى الطبراني والبيهقي في الشعب (^١) عن محمد بن المنكدر [و] عن جابر أن النبي -ﷺ- قال إن للَّه ديكا رجلاه في التخوم وعنقه تحت العرش [منطوية] فإذا كانت هنة من الليل صاح: سبوح قدوس، فصاحت الديكة، واللَّه أعلم. وفي الحديث أن اللَّه تعالى خلق ديكا تحت العرش وله جناحان إذا نشرهما جاوزا المشرق والمغرب فإذا كان آخر الليل نشر جناحيه [وصفق] بهما وصرخ بالتسبيح سبحان الملك القدوس فإذا فعل ذلك سمعت ديكة الأرض [كلها] وخفقت بأجنحتها وأخذت في الصراخ، ذكرت هذه الأحاديث في حياة الحيوان (^٢).\n\n٤٢٢٥ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود -﵁- أَن ديكا صرخَ عِنْد رَسُول اللَّه -ﷺ- فَسَبهُ رجل فَنهى عَن سبّ الديك رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَالطَّبَرَانِيّ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ قَالَ لَا تلعنه وَلَا تسبه فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة (^٣).\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤٨١٢)، وقال: تفرد بإسناده هذا علي بن أبي علي اللهبي وكان ضعيفا، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ٢٤١)، وقال: ليس في هذا المتن حديث يثبت. وابن عدي في الكامل (٨/ ٨٦)، وقال الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (ص: ١٤٢) رواه علي بن أبي علي اللهبي متروك.\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٧٨ - ٤٧٩).\n(^٣) أخرجه البزار (١٧٦٣)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٦ رقم ٩٧٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٦٨). قال البزار: وهذا الحديث أخطأ فيه مسلم بن خالد، وإنما الصواب، عن صالح بن كيسان، عن عبيد اللَّه، عن زيد بن خالد. قال أبو نعيم: غريب من حديث صالح =","vol":"11","page":311},{"text":"٤٢٢٦ - وَعَن عبد اللَّه بن عَبَّاس ﵄ أَن ديكا صرخَ قَرِيبا من النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ رجل اللَّهُمَّ العنه فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَه كلا إِنَّه يَدْعُو إِلَى الصَّلَاة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا عباد بن مَنْصُور (^١).\n\n٤٢٢٧ - وعن أنس -﵁- قال: كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- فلدغت رجلًا برغوث فلعنها، فقال النبي -ﷺ-: \"لا تلعنها فإنها نبهت نبيًّا من الأنبياء للصلاة\" رواه أبو يعلى (^٢) واللفظ له، والبزار (^٣) إلا أنه قال: \"لا تسبه فإنه أيقظ نبيًّا من\n_________\n= عن عون، عن أبيه، عن عبد اللَّه، تفرد به إسماعيل، والصحيح رواية صالح عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن زيد بن خالد الجهني، وهذا الحديث مما أضطرب فيه إسماعيل بن عياش من حديث الحجازيين واختلط فيه. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٧: وفي إسناد البزار مسلم بن خالد الزنجي وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب (٢٧٩٨).\n(^١) أخرجه البزار (٢٠٤١/ كشف الأستار)، وأبو الشيخ في العظمة (١٢٥٧). قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، وعباد روى عن عكرمة أحاديث، ولا نعلمه سمع منه. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٧: رواه البزار، وفيه عباد بن منصور، وثقه يحيى القطان وغيره، وضعفه ابن معين، وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب (٢٧٩٩).\n(^٢) أبو يعلى (٢٩٥٩ و٣١٢٠) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٣٧) والطبراني، في الدعاء (٢٠٥٦)، والبيهقي في الشعب (٤٨١٧/ ٤٨١٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٥٨)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧١٤)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٤٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٢٢)، والدولابي في الكنى (١/ ٤٢٨)، وقال العقيلي: لا يصح في البراغيث شيء. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح - أخرجه العقيلي في ترجمة سويد، وقال: ولا يصح في البراغيث عن النبي -ﷺ- شيء.\nوقال ابن عدي، في الكامل في ترجمة سويد بن إبراهيم، وقال: غلط على قتادة، ويأتي بأحاديث عنه، لا يأتي بها أحد عنه غيره، وهو إلى الضعف أقرب.\n(^٣) أخرجه البزار (٧٢٣٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٥٧).","vol":"11","page":312},{"text":"الأنبياء لصلاة الصبح\" ورواته رواة الصحيح إلا سويد بن إبراهيم، ورواه الطبراني في الأوسط (^١)، ولفظه: \"ذكرت البراغيث عند رسول اللَّه -ﷺ- فقال: إنها توقظ للصلاة\" ورواة الطبراني ثقات إلا سعيد بن بشير.\n\n٤٢٢٨ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ نزلنَا منزلًا فآذتنا البراغيث فسببناها فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"لَا تسبوها فنعمت الدَّابَّة فَإنَّهَا أيقظتكم لذكر اللَّه\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\nقوله عن أنس تقدم الكلام عليه. قوله كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- فلدغت رجلا برغوث فلعنها فقال النبي -ﷺ- لا تلعنها فإنها نبهت نبيا من الأنبياء وفي رواية البزار لا تسبه فإنه أيقظ نبيا من الأنبياء لصلاة الصبح وفي رواية الطبراني ذكرت البراغيث عند النبي -ﷺ- فقال النبي -ﷺ- إنها توقظ للصلاة وفي حديث علي قال نزلنا منزلا فآذتنا البراغيث فسببناها فقال رسول اللَّه -ﷺ- لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر اللَّه. قوله فلدغت [و] اللدغ بالدال المهملة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٥٧٣٢).\n(^٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٢٠)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم ٩٣١٨). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد، تفرد به آدم. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعد بن طريف وهو متروك. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٧٣) وضعيف الترغيب (١٦٥٨).","vol":"11","page":313},{"text":"والغين المعجمة وهو اللسع وزنا ومعنى. وتقدم معنى السب واللعن في أحاديث الباب. [ونبهت وأيقظت بمعنى واحد] (^١)، والبرغوث بالثاء المثلثة في آخره واحد البراغيث والبراغيث جمع برغوث بالضم والفتح قليل ويقال له طامر بن طامر وكنيته أبو [ضامر] وأبو عدي وأبو الوثاب وهو من الحيوان الذي له الوثب الشديد ومن لطف اللَّه تعالى به أنه يثب إلى ورائه ليرى من يصيده لأنه لو وثب إلى أمامه لكان ذلك أسرع إلى حِمَامِه.\nوحكى الجاحظ (^٢) عن يحيى البرمكي أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران، كما يعرض للنمل وهو يطيل السفاد، ويبيض ويفرخ بعد أن يتولد، وهو ينشأ أولًا من التراب، لا سيما في الأماكن المظلمة، وسلطانه في أواخر فصل الشتاء وأول فصل الربيع، وهو أحدب. ويقال: إنه على صورة الفيل له أنياب يعض بها وله خرطوم يمص به.\nوسئل مالك بن أنس -﵁- عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها فأطرق مليا ثم قال ألها نفس سائلة؟ أي دم يسيل إذا قتلت، قالوا نعم، قال ملك الموت يقبض أرواحها، ثم قرأ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (^٣) اهـ، فإنما يعفى عن قليل دم البراغيث في الثوب والبدن لعموم البلوى به وعسر الاحتراز ولا خلاف في العفو عن قليله إلا إذا حصل بفعله كما إذا قتله\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (واللدغ بالدال كذا).\n(^٢) الحيوان (٥/ ٢٠٠).\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٤٢.","vol":"11","page":314},{"text":"في ثوبه أو بدنه ففي العفو عنه وجهان أصحهما العفو أيضًا، وكذلك كل ما ليست له نفس سائلة كالبق ودم البعوض وشببه. وحكمه: تحريم الأكل واستحباب قتله للحلال والمحرم، ولا يسب واللَّه أعلم.\nفرع: كره مالك قتل البرغوث والقمل في المسجد وصرح النووي في فتاويه بأنه إذا قتلها لا يجوز إلقاؤها في المسجد لأنه ميتة؛ وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل. (^١)\nعن أبي أيوب قال وجد رجل في ثوبه قملة فأخذها ليطرحها في المسجد فقال له رسول اللَّه -ﷺ- لا تفعل رُدَّها في ثوبك حتى تخرج من المسجد، واللَّه أعلم.\nفائدة: سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ عن ثوب فيه دم البراغيث هل يجوز للإنسان أن يلبسه رطبا ثم يصلي فيه وإذا عرق فيه هل يصلي فيه وهل يتنجس بذلك بدنه أو يعفى عنه وهل يندب غسله قبل وقته المعتاد [فأجاب] نعم ينجس الثوب والبدن بذلك ولا يؤمر بغسله إلا في الأوقات المعتادة وغسله في غير ذلك ورع خارج عما كان السلف عليه وكانوا أحرص على حفظ أديانهم من غيرهم. وأما الكثير من دم البراغيث فالأصح عند المحققين كما قاله النووي العفو عنه مطلقا سواء انتشر بعرق أم لا.\nفائدة أخرى ثانية: في كتاب الدعوات للمستغفري (^٢) عن أبي ذر أن النبي\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٣٥٥٨) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٠) رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن محمد بن إسحاق عنعنه وهو مدلس.\n(^٢) المقاصد الحسنة (ص: ٧١٨) حياة الحيوان الكبرى (١/ ١٧٩).","vol":"11","page":315},{"text":"-ﷺ- قال إذا آذاك البرغوث فخذ قدحا من ماء واقرأ عليه سبع مرات ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ (^١) الآية ثم تقول إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا ثم يرشه حول فراشه فإنك كذا تبيت آمنا من شرها. وقال حنين بن إسحاق الحيلة في طرد البراغيث أن تأخذ شيئا من الكبريت والراوند فتبخر به البيت، فإنهن يهربن ويمتن، أو يحفر في البيت حفرة ويلقي فيها ورق الدفلى، فإنهن يأوين إلى تلك الحفرة كلهن فيقعن فيها. وقال غيره: إذا نقع السذاب في ماء ورش في البيت ماتت براغيثه وإذا بخر [البيت] بمشاق المراكب العتيق وقشر النارنج لا تعود البراغيث إليه أبدًا.\nفائدة ثالثة: وإذا دخل البرغوث في أذن إنسان اليمنى فليمسك بيده اليمنى خصية نفسه اليسرى وإذا دخل في الأذن اليسرى فليمسك الخصية اليمنى فإنه يخرج سريعا، واللَّه أعلم.\nفائدة أخرى رابعة: أنشد الحافظ [زكي الدين] عبد العظيم المنذري لشيخه الحافظ أبي الحسن المقدسي شيخ والد الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ووفاته في مستهل شعبان سنة إحدى وعشرين وستمائة بالقاهرة المحروسة:\nثلاث باءات بلينا بها ... البق والبرغوث والبرغش\nثلاثة أوحش ما في الورى ... ولست أدري أيها أوحش\nوالبَرغشُ بفتح الباء الموحدة والغين المعجمة نوع من البعوض، قال بعض الأعراب يصف البراغيث وقد سكن مصر: تطاول بالفسطاط ليلي ولم\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ١٢.","vol":"11","page":316},{"text":"يكن. . . بأرض الغضى ليل علي يطول ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة. . . وليس لبرغوث عليّ سبيل.\n\n٤٢٢٩ - وعن ابن عباس ﵄: \"أن رجلا لعن الريح عند رسول اللَّه -ﷺ- فقال: \"لا تلعن الريح، فإنها مأمورة، من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه\" رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣)، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير بشر بن عمر.\n[قال الحافظ]: وبشر هذا ثقة احتج به البخاري ومسلم وغيرهما، ولا أعلم فيه جرحًا. وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أن رجلًا لعن الريح عند رسول اللَّه -ﷺ- فقال لا تلعن الريح فإنها مأمورة من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه\" الحديث. تقدم معنى اللعن قريبا، وفي الحديث أيضًا لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن الحديث. وفي الحديث عن أبي هريرة (^٤) قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا تسبوا\n_________\n(^١) أبو داود (٤٩٠٨).\n(^٢) سنن الترمذي (١٩٧٨).\n(^٣) ابن حبان (٥٧٤٥) والحديث؛ أخرجه البزار (٥٣٣٠)، والطبراني (١٢٧٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٨٦٤). وأخرجه مرسلا؛ أبو داود (٤٩٠٨)، والبزار (٥٣٣١ و٥٣٣٢)، والطبري ١٣/ ٦٥٦، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٨٦٥). وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٧٤٤٧)، والسلسلة الصحيحة (٥٢٨).\n(^٤) أخرجه أحمد (٧٤١٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٣١١)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٠٦)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، أبو داود (٥٠٩٧)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٠١) و(١٠٧٠٢)، وابن حبان (١٠٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٥٠٣)، وفي الدعوات =","vol":"11","page":317},{"text":"الريح فإنها من روح اللَّه تأتي بالرحمة ولكن اسألوا اللَّه من خيرها وتعوّذوا [به] من شرها\"، رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه.\nقوله: ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ بفتح الراء معناه من رحمة اللَّه [بعباده] وفي سنن أبي داود وشعب البيهقي بإسناد جيد عن ابن عباس (^١) أن رجلًا نازعته الريح رداءه [فلعنها] (^٢) فقال -ﷺ-: \"لا تلعنها فإنَّها مأمورة، ومن لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه\". وعن ابن عباس (^٣) قال ما هاجت الريح إلا جثى النبي -ﷺ- على ركبتيه وقال اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا اللهم اجعلها\n_________\n= الكبير (٣٦٧)، والحاكم (٤/ ٣١٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٣١٦).\n(^١) أخرجه الترمذي (١٩٧٨)، وقال: هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير بشر بن عمر. وأخرجه أبو داود (٤٩٠٨)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٢١٢)، وابن حبان في صحيحه (٥٧٤٥). والبيهقي في الآداب (٥٥٣)، وفي شعب الإيمان (٤٨٦٤) والضياء في المختارة (١٠/ ٢٧ - ٢٩). والطبراني في الكبير (١٢/ ١٢٤/ ١٢٧٥٧). وفي الصغير (٢/ ١٦١/ ٩٥٧). صححه الألباني مرفوعًا في صحيح سنن أبي داود (٤٩٠٨)، وفي صحيح سنن الترمذي برقم (١٩٧٨)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٢٨). .\n(^٢) هكذا في الأصل، وفي النسخة الهندية: (ولعنه) وهو خلاف الصواب.\n(^٣) أخرجه الشافعي في مسنده بترتيب السندي (٥٠٢)، وأبو يعلى في مسنده (٢٤٥٦) الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢١٣/ ١١٥٣٣) ابن عدي في الكامل (٣/ ٥٧٩) والخطابي في غريب الحديث (١/ ٦٧٩) والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٧٢٤٦) البغوي في التفسير (٤/ ٣٧٦) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٥): فيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأنكره الطحاوي في مشكل الآثار (١٣٨)، وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٢١٧).","vol":"11","page":318},{"text":"رياحا ولا تجعلها ريحًا، قال ابن عباس في كتاب اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (^١) ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (^٢)، وقال تعالى ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (^٣)، ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (^٤) رواه الإمام الشافعي في كتاب الأم (^٥). وذكر الشافعي (^٦) حديثًا منقطعًا عن رجل أنه شكى إلى النبي -ﷺ- الفقر فقال رسول اللَّه -ﷺ- لعلك تسب الريح وإنما كره سب الريح لأنه خلق من خلق اللَّه تعالى. [قال الشافعي لا ينبغي لأحد أن يسب الريح فإنها خلق للَّه تعالى] (^٧) مطيع، وجند من أجناد اللَّه تعالى [يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء] (^٨). وكان السَّبَب في ذلك أنها لما كانت سبب المطر الذي هو سبب الرزق [فمُنِع] سابُّها الرزق بذلك. وروى البيهقي (^٩) من حديث عطاء عن عائشة قالت كان النبي -ﷺ- إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به.\n_________\n(^١) سورة القمر: الآية: ١٩.\n(^٢) سورة الذاريات: الآية: ٤١.\n(^٣) سورة الحجر: الآية: ٢٢.\n(^٤) سورة الروم، الآية: ٤٦.\n(^٥) الأم للشافعي (١/ ٢٩٠).\n(^٦) الأم للشافعي (١/ ٢٩٠)، ومعرفة السنن والآثار (٧٢٥٠).\n(^٧) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٨) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٩) صحيح مسلم (١٥) (٨٩٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٥٠٣).","vol":"11","page":319},{"text":"فائدة الريح جمعها رياح وهي أربع التي من تجاه الكعبة الصبا ومن ورائها الدبور [ومن جهة يمينها الجنوب] (^١) ومن شمالها الشمال [بفتح] الشين الشين وفيها خمس لغات ولكل من هذه الرياح طبع ونفع كفصول السنة فالصبا حارة يابسة والدبور رطبة باردة والجنوب حارة رطبة وهي الأزيب وفي الحديث اسمها عند اللَّه الأزيب وعندكم الجنوب وقال الحريري في درة الغواص (^٢) الرياح التي في القرآن ثمان أربع للرحمة وأربع للعذاب فأما التي للرحمة فالمبشرات والناشرات والمرسلات والذاريات وأما التي للعذاب فالصرصر والعقيم وهما في البر والعاصف والقاصف وهما في البحر اهـ. قوله الريح من روح اللَّه أي من رحمة اللَّه ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ (^٣) أي من رحمته [فإن] قيل كيف كان هذا مع أنه يجيء بالعذاب قلت إذا جاءت بعذاب قوم تكون رحمة للمؤمنين حيث خلصوا منهم كذا، ويحتمل أن يكون بمعنى الرائح [أي] من الأشياء التي تجيء من حضرة اللَّه تعالى اهـ.\n\n٤٢٣٠ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول اللَّه وما هن؟ قال: الشرك باللَّه والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\" رواه البخاري ومسلم (^٤).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) درة الغواص في أوهام الخواص (ص: ٩٥).\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ٨٧.\n(^٤) صحيح البخاري (٢٧٦٦)، وصحيح مسلم (١٤٥) (٨٩).","vol":"11","page":320},{"text":"قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: اجتنبوا السبع الموبقات أي المهلكات تقدم الكلام على هذا الحديث في مواضع من هذا التعليق.\n\n٤٢٣١ - وَفِي كتاب النَّبِي -ﷺ- الَّذِي كتبه إِلَى أهل الْيمن قَالَ وَإِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة الإِشْرَاك بِاللَّه وَقتل النَّفس المؤمنة بِغَيْر الْحق والفرار فِي سَبِيل اللَّه يَوْم الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَرمي المحصنة وَتعلم السحر الحَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده (^١).\nقوله وفي كتاب النبي -ﷺ- الذي كتبه إلى أهل اليمن الحديث، رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده انتهى.\nهو أبو الضحاك ويقال أبو محمد عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بفتح اللام وإسكان الواو وبذال معجمة بن عمرو بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجراني المدني. [وقيل] في نسبه غير هذا أول مشاهده مع رسول اللَّه -ﷺ- الخندق واستعمله رسول اللَّه -ﷺ- على نجران\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٥٥٩)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٥٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٩٥ - ٣٩٧). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه سليمان بن داود الحرسي؛ وثقه أحمد، وتكلم فيه ابن معين، وقال أحمد: إن الحديث صحيح. قلت: وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني لغيره في الإرواء (١٢٢)، والمشكاة (٤٦٥)، وصحيح الترغيب (١٣٤١) و(٣٠٤٣) و(٣٥٤١).","vol":"11","page":321},{"text":"باليمن وهو ابن سبع عشرة سنة وبعث معه كتابا يه الفرائض والصدقات والجروح والديات وكتابه هذا مشهور في كتب السنن رواه أبو داود والنسائي (^١) توفي بالمدينة سنة إحدى وقيل ثلاث وقيل أربع وخمسين واللَّه تعالى أعلم.\n\n٤٢٣٢ - وعن أبي الدرداء -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه اللَّه في نار جهتم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه\" رواه الطبراني (^٢) بإسناد جيد، ويأتي هو وغيره في الغيبة إن شاء اللَّه تعالى.\nقوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- من ذكر أمرا بشيء ليس فيه ليعبيه به حبسه اللَّه تعالى في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه تقدم لهذا الحديث نظائر في أماكن من هذا الكتاب.\n\n٤٢٣٣ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال\" رواه البخاري ومسلم والترمذي (^٣)، وتقدم لفظه في الشفقة.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة الحديث، القذف الرمي بالزنا. وقوله إلا أن يكون\n_________\n(^١) سنن النسائي (٨/ ٥٧) المستدرك للحاكم (١/ ٥٥٢)، وقال: هذا حديث صحيح كبير.\n(^٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٠١) رواه كله الطبراني في الكبير، وإسناد الأول فيه من لم أعرفه، ورجال الثاني ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٥٩).\n(^٣) صحيح البخاري (٦٨٥٨)، صحيح مسلم (٣٧) (١٦٦٠)، وسنن الترمذي (١٩٤٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"11","page":322},{"text":"كما قال أي المملوك كما قال القاذف فلا يجلد حينئذ، وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وهذا مجمع عليه لكنه يعزر قاذفه لأن العبد ليس بمحصن وسواء في هذا كله من هو كامل الرق وليس فيه سبب حرية والمدبر والمكاتب وأم الولد ومن بعضه حر هذا في حكم الدنيا وأما في [حكم] (^١) الآخرة فيستوفي له الحد من قاذفه لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة [واللَّه أعلم. تنبيه:] (^٢) [والقذف] بالذال المعجمة الرمي بالزنا تعبيرا والقذف من الكبائر سواء في ذلك الرجل والمرأة ولم يذكره اللَّه تعالى في كتابه [العزيز] إلا بلفظ الرمي وشرط القاذف التكليف فلا حد على صبي و[لا] (^٣) مجنون لعدم [الأذى] بقذفهما إلا السكران فإنه يحد بذلك وشرطه الاختيار فلا يحد مكره عليه لرفع القلم عنه وحدّ القذف ثمانون جلدة لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (^٤) ففي الحديث عن ابن عباس. (^٥)\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سورة النور، الآية: ٤.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (٢٥٦٨)، والترمذي (١٤٦٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٨٣/ ١١٥٨٠)، والرامهرمزي المحدث الفاصل بين الراوي والواعي (ص: ٢٨٢)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١١٠)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٣٤)، و(٥/ ٢٨٦)، والدارقطني في السنن (٣/ ١٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٤٤٠) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن إسماعيل =","vol":"11","page":323},{"text":"إذا قال الرجل للرجل: يا مُخنث فاجلدوه عشرين وإذا قال الرجل للرجل: يا لوطي فاجلدوه عشرين. انفرد به ابن خزيمة، وأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام [بأن] القاذف إذا قال لشخص: يا مخنث كان قذفا صريحا للعرف، وحديث ابن عباس يشهد له وقد أجمع العلماء على أن من وجب عليه حد [فجلده] الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات لا دية عليه ولا كفارة لا على الإمام ولا على الجلاد ولا في بيت المال. وأما من مات من التعزيز فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة وفي محل ضمانه أنه قولان للشافعي أصحهما تجب ديته على عاقلة الإمام. والثاني: تجب الدية في بيت المال. وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا: أحدهما: في بيت المال أيضًا، والثاني: في مال الإمام، هذا مذهبنا، وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه لا على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال واللَّه أعلم.\n\n٤٢٣٤ - وعن عمرو بن العاص -﵁-: أنه زار عمة له فدعت له بطعام، فأبطأت الجارية فقالت: ألا تستعجلي يا زانية؟ فقال عمرو: سبحان اللَّه! لقد\n_________\n= يضعف في الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، لم يروه غير ابن أبي حبيبة. علل الحديث (١٣٦٧). وقال ابن عدي: وهذا لا يرويه إلا عبد العزيز بن عمران بهذا الإسناد، وهو منكر. وقال ابن حبان: وهذا باطل لا أصل له. وقال البيهقي: تفرد به إبراهيم الأشهلي، وليس بالقوي، وهو إن صح محمول على التعزير. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٠٨) رواه الترمذي في الجامع به دون قوله وإذا قال الرجل للرجل يا لوطي إلى آخره وقال لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال وإبراهيم يضعف وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٦/ ٦٨)، وتخريج المشكاة (٣٦٣٢)، وضعيف الجامع (٦١٠).","vol":"11","page":324},{"text":"قلت عظيمًا هل اطلعت منها على زنًا؟ قالت: لا واللَّه، فقال: إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"أيما عبد أو امرأة قال أو قالت لوليدتها: يا زانية، ولم تطلع منها على زنًا جلدتها وليدتها يوم القيامة لأنه لا حد لهن في الدنيا\" رواه الحاكم (^١)، وقال: صحيح الإسناد.\nقوله وعن عمرو بن العاص [هو أبو عبد اللَّه] ويقال أبو محمد عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بضم السين وفتح العين بن سهم بن عمرو بن هُصَيْص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي أسلم عام خيبر أول سنة سبع وقيل أسلم في صفر سنة ثمان قبل الفتح بستة أشهر وقيل غير ذلك وقدم على رسول اللَّه -ﷺ- هو خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة فأسلموا ثم أمّره رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة ذات السلاسل على جيش هم ثلاثمائة لما دخل بلادهم استمده فأمده بجيش من المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح، وقال لأبي عبيدة لا تختلفا واستعمله رسول اللَّه -ﷺ- على [عُمَّان] فلم يزل عليها حتى توفي رسول اللَّه -ﷺ- ثم أرسله أبو بكر أميرا إلى الشام فشهد فتوجه وولي فلسطين لعمر بن الخطاب ثم أرسله عمر في جيش إلى مصر، ففتحها، ولم يزل واليًا عليها حتى توفي عمر ثم أقره عليها عثمان أربع سنين، ثم عزله فاعتزل عمرو بفلسطين، وكان يأتي المدينة أحيانًا ثم استعمله معاوية على مصر فبقي عليها\n_________\n(^١) المستدرك (٤/ ٣٧٠) وقال الذهبي (٤/ ٣٧٠): بل عبد الملك يعني بن هارون بن عنترة متروك باتفاق، بل قيل فيه: دجال وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٣٢٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٦٦٠) موضوع.","vol":"11","page":325},{"text":"حتى توفي واليا عليها [ودفن] بها وكانت وفاته ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين [وقيل] ثنتين وقيل ثمان وقيل إحدى وخمسين والأول أصح وكان عمره سبعين سنة وصلى عليه ابنه عبد اللَّه وكان من أبطال العرب ودهاتهم وكان قصيرا وذا رأي ولما حضرته الوفاة قال (^١) اللهم أمرتني لم أئتمر ونهيتني فلم أنزجر ولست قويا فأنتصر ولا بريئا فأعتذر ولا مستكبرا بل مستغفرا لا إله إلا أنت فلم يزل يرددها حتى توفي ﵁. روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- سبعة وثلاثون حديثا اتفقا على ثلاثة ولمسلم حديثان وللبخاري بعض حديث اهـ. (^٢)\nتنبيه: وعن شهر بن حوشب (^٣) قال لما حضر عمرو بن العاص الوفاة قال له ابنه يا أبتاه إنك لتقول لنا ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا [لبيبا] عند نزول الموت به حتى يصف لي ما يجد وأنت ذاك الرجل فصف لي الموت قال يا بني واللَّه كأن جنبي في تخت وكأني أتنفس من سم إبرة وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي. ثم أنشأ يقول: ليتني كنت قبل ما قد بدا لي. . . في رؤوس الجبال أرعى الوعولا وقال أمية بن أبي الصلت (^٤).\nحين حضرته الوفاة فأغمي عليه ثم أفاق فرفع رأسه وقال:\n_________\n(^١) أسد الغابة (٤/ ٢٦٢)، الاستيعاب (٣/ ١١٨٩)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٠).\n(^٣) المحتضرين (ص ٩٣). المتمنين (ص ٦٠) تاريخ مدينة دمشق (٤٦/ ص ١٩٢).\n(^٤) العاقبة في ذكر الموت (ص: ١٣١) البداية والنهاية (٣/ ٢٨٧) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٤٩).","vol":"11","page":326},{"text":"كل حي وإن تطاول دهرا ... آئل أمره إلى أن يزولا\nليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا\nثم فاضت نفسه. [الوَعِل] بفتح الواو وكسر العين الأروى وهو التيس الجبلي والجمع أوعال ووعول ومن غريب ما اتفق أن عبد الملك بن مروان لما احتُضر كان قصره يشرف على بُردا فنظر إلى غسال يغسل الثياب فقال: ليتني [كنت] (^١) مثل هذا الغسال، أكتسب ما أعيش به يومًا بيوم، ولم آلِ الخلافة. [ثم] تمثل بقول أمية: كل حي وإن تطاول دهرًا. . . البيتين. فاتفق له ما اتفق لأمية من الموت عقب ذلك، فلما بلغ ذلك أبا حازم، قال: الحمد للَّه الذي جعلهم وقت الموت يتمنون ما نحن فيه، ولم يجعلنا نتمنى ما هم فيه، اهـ. قاله في حياة الحيوان (^٢).\nفائدة: اتفقوا على أن اسم عمرو يكتب في حالة الرفع والجر بالواو ولا يكتب في النصب واو، قالوا وكتبت الواو للفرق بينه وبين عمر وحذفت في النصب لحصول الفرق بالألف وجعلت الواو فيه دون عمر لخفة عمر وبثلاثة أشياء فتح أوله وسكون ثانيه وصرفه فلا تجحف به الزيادة بخلاف عمرو واللَّه أعلم، فائدة: الجمهور على كتابة العاصي بالياء وهو الفصيح عند أهل العربية ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه أو أكثرها بحذف الياء وهي لغة وقد قرئ في السبع نحوه كـ ﴿الكبير المتعالي﴾، و﴿الداعي﴾،\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٥٠).","vol":"11","page":327},{"text":"ونحوهما، واللَّه أعلم. قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).\nقوله -ﷺ-: (أيما عبد أو أمة قال أو قالت لوليدتها يا زانية ولم تطلع منها على زنا جلدتها وليدتها). الوليدة الجارية، قال ابن النحاس في تنبيهه: ومن الكبائر ما يتساهل به [كثير] من الجهال من الرجال والنساء قول بعضهم لعبده يا مخنث ويعني به المعنى الفاحش أو لجاريته يا قحبة أو يا زانية وما أشبه ذلك، وقد ذكر النبي -ﷺ- أنه يقام عليه الحد يوم القيامة لأنه ليس للعبد أن يطالب سيده بحد القذ في الدنيا، وكذلك قول بعضهم للصغير يا ابن القحبة أو يا ولد الزنى وما أشبه ذلك، وهو من الذنوب العظام الكبائر التي توجب الحد في الدنيا والمقت من اللَّه يوم القيامة اهـ. فروع: تقع كثيرا يجب الاحتراز منها، لو قال لُطتَ أو لاطَ بك فلان يحد لقذفهما، ولو قال له لطتُ بك فهو إقرار باللواط ويحد للقذف أيضًا، ولو قال له يا قواد فكناية في قذف الزوجة ولو رمي بحجر فقال من رماني بهذا فأمه زانية حُدَّ إن كان يعرف الرامي وإلا فلا، ولو قال فلان زنى وأنت أزنى منه فقد قذفهما، ولو قال له يا زاني أو كلمة نحوها مما يوجب الحد فقال الآخر بل أنت الزاني حُدّ كل منهما ولا يتقاصان ولو قال لأجنبي يعرف أباه لست ابن فلان حُدّ، ولو قذف صغيرة لا يُوطأ مثلها عُزِّر، [ولو قذف جماعة بكلمة واحدة حُد لكل إلى هنا واحد حدا على الجديد] (^٢)، ولو قذف واحدا بكلمتين حُدّ حدَّيْن،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٠).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":328},{"text":"ولو قال يا زاني يا ابن الزانية حُدّ حدّين لهما، ونظائر هذه المسائل كثيرة محلها كتاب اللعان والقذف من كتب الفقه، واللَّه أعلم. ذكر هذه الفروع ابن النحاس في تنبيهه (^١).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١٤٧ - ١٤٨).","vol":"11","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>[الترهيب من سبّ الدهر]</span> (^١)\n٤٢٥٤ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"قال اللَّه تعالى: يسب بنو آدم الدهر، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار\".\n\n٤٢٣٥ - وفي رواية (^٢): \"أقلب ليله ونهاره، وإذا شئت قبضتهما\" رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤) وغيرهما.\n\n٤٢٣٧ - وفي رواية لمسلم (^٥): \"لا يسب أحدكم الدهر، فإن اللَّه هو الدهر\".\n\n٤٢٣٨ - وفي رواية للبخاري (^٦): \"لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا: خيبة الدهر، فإن اللَّه هو الدهر\" (^٧).\nقوله عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- قال اللَّه يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار. وفي رواية: أقلب ليله ونهاره وإذا شئت قبضتهما، وفي وراية لمسلم: لا يسب أحدكم الدهر فإن اللَّه هو الدهر، تقدم معنى السب قريبا] (^٨). [قال الحافظ ﵀ ومعنى الحديث أن العرب\n_________\n(^١) هذا الباب يبدأ من اللوحة [١٠/ ب] من النسخة المغربية.\n(^٢) صحيح مسلم (٣) (٢٢٤٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٤٨٢٦)، (٦١٨١)، (٧٤٩١).\n(^٤) صحيح مسلم (١، ٣) (٢٢٤٦).\n(^٥) صحيح مسلم (٦) (٢٢٤٧).\n(^٦) صحيح البخاري (٦١٨٢).\n(^٧) صحيح مسلم (٤) (٢٢٤٦).\n(^٨) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقال الزمخشري: الدهارير تصاريف الدهر ونوائبه، مشتق من لفظ الدهر، ليس له واحد من لفظه كعباديد، اهـ).","vol":"11","page":330},{"text":"كانت إذا نزلت بأحدهم نازلة أو أصابته مصيبة أو مكروه [تسبّ] الدهر اعتقادا [منهم] أن الذي أصابه فعل الدهر فكان هذا كاللعن للفاعل ولا فاعل لكل شيء إلا اللَّه تعالى خالق كل شيء وفاعله فنهاهم النبي -ﷺ- عن ذلك، اهـ] (^١).\n[و] أما قوله لَا تسبوا الدهر فإن اللَّه هو الدهر فمعناه ما أصابك من الدهر فاللَّه فاعله ليس الدهر فإذا سميت به الدهر فكأنك أردت به اللَّه سبحانه لأنه الفعال لما يريد لا الدهر، وكان من شأن العرب أن تذم الدهر وتسبه عند النوازل والحوادث ويقولون أبادهم الدهر وأصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، ويكثرون ذكره بذلك في أشعارهم وذكره اللَّه تعالى في كتابه العزيز فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (^٢).\n[وقال بعض العلماء: وأما قوله ﷿ أنا الدهر فهو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون [يا] خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر فقال النبي -ﷺ- لا تسبوا الدهر فإن اللَّه هو الدهر أي لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على اللَّه تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق اللَّه تعالى ومعنى فإن اللَّه هو الدهر أي فاعل النوازل والحوادث\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وهذا هو الذي اختاره الإمام المازري وقيل غير هذا مما ليس بظلم واللَّه أعلم).\n(^٢) سورة الجاثية، الآية: ٢٤.","vol":"11","page":331},{"text":"وخالق الكائنات ﷾ [وتقدس] اهـ] (^١). فالمقصود من ذلك كله نسبة الأفعال كلها إلى اللَّه تعالى وقطعها عن الدهر وأن من اعتقد الدهر والفاعل واحدا وسبه فقد سب اللَّه تعالى لأنه سب الفاعل واللَّه أعلم. والدهر اسم للزمان الطويل ومدة الحياة الدنيا فنهاهم النبي -ﷺ- عن ذم الدهر وسبه أي لا تسبوا فاعل هذه الأشياء فإنكم إذا سببتموه وقع السب على اللَّه تعالى لأنه الفعال لما يريد لا الدهر [فيكون] تقدير الرواية الأولى فإن جالب الحوادث ومنزلها هو اللَّه لَا غيره فوضع الدهر [موضع] جالب الحوادث لاشتهار الدهر عندهم بذلك وتقدير الرواية الثانية فإن اللَّه هو الجالب للحوادث لا غير الجالب إذا لاعتقادهم أن جالبها الدهر وفي حديث سطيح فإن الدهر ذا أطوار دهارير. وحكى الهروي. (^٢)\nعن الأزهري: أن الدهارير جمع الدهور، ذو حالين من بؤس ونعم. وقال الجوهري يقال: دهر دهارير: أي شديد، كقولهم ليلة ليلاء، ويوم أيوم. وقال الزمخشري (^٣): الدهارير تصاريف الدهر ونوائبه، مشتق من لفظ الدهر، ليس له واحد من لفظه كعباديد، اهـ. [قال] الحافظ: وكان ابن داود ينكر رواية أهل الحديث. وأنا الدهر بضم الراء ويقول: لو كان كذلك كان الدهر اسما من أسماء اللَّه تعالى وكان يرويه وأنا الدهر أقلب الليل والنهار بفتح الدهرَ على\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ولا فاعل لكل شيء إلا اللَّه تعالى خالق كل شيء وفاعله فنهاهم النبي -ﷺ- عن ذلك، اهـ).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٤٤).\n(^٣) الفائق في غريب الحديث (٢/ ٤٢).","vol":"11","page":332},{"text":"الظرف ومعناه أنا طول الدهر والزمان أقلب الليل والثهار ورجح هذا بعضهم ورواية من قال فإن اللَّه هو الدهر ترد هذا، والجمهور على ضم الراء واللَّه أعلم، اهـ. ابن داود المذكور أعلاه هو أبو بكر محمد بن داود الأصبهاني الظاهري (^١).\n[قوله:] وكان يرويه وأنا الدهر بفتح الراء على الظرف ورجح هذا بعضهم اهـ. وقال البخاري يجوز النصب أي فإن اللَّه باق مقيم أبدا لا يزول، وقال القاضي عياض (^٢) قال بعضهم هو منصوب على التخصيص قال والظرف أصح وأصوب. وحكى ابن عبد البر هذه الرواية يعني فتح راء الدهر عن بعض أهل العلم. وقوله رواية من قال فإن اللَّه هو الدهر ترد هذا، والجمهور على ضم الراء، اهـ.\nقال العلماء: وأما قوله ﷿ وإنا الدهر فإنه برفع الراء، هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الشافعي وأبو عبيد وجماهير المتقدمين والمتأخرين ا هـ.\nقوله -ﷺ- في رواية البخاري لا تسموا العنب الكرم الحديث، وفي رواية فإنما الكرم قلب المؤمن، وفي رواية لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحَبَلة، أما الحبلة فبفتح الحاء وبفتح الباء وإسكانها وهي شجرة العنب. قال النووي (^٣): ففي هذه الأحاديث كراهة تسمية العنب كرما وكراهة تسمية\n_________\n(^١) انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٥٩، السير ١٣/ ١٠٩.\n(^٢) إكمال المعلم (٧/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥).","vol":"11","page":333},{"text":"شجر العنب كرما بل يقال عنب أو حبلة.\nقال النووي (^١): قال العلماء: سبب كراهة ذلك أن لفظة الكرم كانت العرب تطلقها على شجر العنب، وعلى العنب، وعلى الخمر المتخذة من العنب، سموها كرما لكونها متخذة منه، ولأنها تحمل على الكرم والسخاء، فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره؛ لأنهم إذا سمعوا هذا اللفظ ربما تذكروا بها الخمر، وهيجت نفوسهم إليها، فوقعوا فيها، أو قاربوا ذلك.\nوقال النووي (^٢): إنما يستحق هذا الاسم الرجل المسلم، أو قلب المؤمن؛ لأن الكرم مشتق من الكرَم بفتح الراء، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٣) فسمي قلب المؤمن كرما لما فيه من الإيمان والهدى والنور والتقوى والصفات المستحقة لهذا الاسم. وكذلك الرجل المسلم [وصفه بالمصدر كضيف وعدل] (^٤) فالأحق باسم الكرم المسلم أو قلب المسلم وذلك لما حواه من العلوم والفضائل والأعمال الصالحة والمنافع العامة وهو أحق [انتهى] [باسم الكريم والكرم فيكره تسمية العنب كرما لأن الكرم والكريم من أوصاف المؤمن فيقال رجل كرم وكريم] (^٥) [فلا يناسب إطلاق ذلك على الأشياء الخبيثة المزيلة للعقل تنزيها لهذا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤).\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":334},{"text":"الاسم واللَّه أعلم] (^١). وقال الزمخشري (^٢) أراد أن يقرر ويشدد ما في قوله ﷿: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٣) بطريقة أنيقة ومسلك [لطيف]، وليس الغرض حقيقة النهى عن تسمية العنب كرما ولكن الإشارة إلى أن المسلم المتقى جدير بأن لا يشارك فيما سماه اللَّه به، وقوله: \"فإنما الكرم الرجل المسلم\" أي إنما يستحق الاسم المشتق من الكرم الرجل المسلم فيكره تسمية العنب كرما لأن الكرم والكريم من أوصاف المؤمن فيقال رجل كرم وكريم.\nتنبيه: قيل إنما وصف شجر العنب بالكرم لأنه لطيف الشجرة طيب الثمرة سهل القطاف قريب المتناول سليم عن الشوك والأسباب المؤذية بخلاف النخل، [قاله] القشيري.\nوقال في المفهم (^٤): إنما سمت العرب العنب [بالكرم] لكثرة حمله وسهولة قطافه وكثرة منافعه وأصل الكرم الكثرة والكريم من الرجال هو الكثير العطاء والتفع. واستشكل كون سبب الكراهة ما ذكر لأن العنب ليست محرمة وإنما المحرم الخمر ولم تسم الخمر عنبا حتى ينهى عنه وإنما العنب\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (أي إنما يستحق الاسم المشتق من الكرم الرجل المسلم فيكره تسمية العنب كرما لأن الكرم والكريم من أوصاف المؤمن فيقال رجل كرم وكريم).\n(^٢) الفائق في غريب الحديث (٣/ ٢٥٧).\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(^٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٨/ ٤٣).","vol":"11","page":335},{"text":"هو الذي سمي باسم ما يئول إليه من الخمرية. قال وإنما محمل الحديث عندي أن يكون من باب قوله ﵇: \"ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان وليس الشديد بالصرعة\" أي الأحق باسم الكرم المسلم أي قلبه وذلك لما حواه من العلوم والفضائل والأعمال الصالحة والمنافع العامة فهو أحق باسم الكرم والكريم من العنب. وقوله لا تسموا: على جهة الإرشاد لما هو الأولى في الإطلاق كما نهى عن تسمية العشاء عتمة فإنها أحق كتسمية العِشاء من ذلك اهـ.\nقوله -ﷺ- ولا تقولوا يا خيبة الدهر، الحديث. والخيبة بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحت والباء الموحدة الحرمان والخسران وعدم نيل المطلوب فيقول القائل يا خيبة الدهر أو واخيبة الدهر هو منصوب على الندبة وهي نداء متفجع عليه حقيقة أو حكما أو متوجع منه كأنه فقد الدهر لما يصدر عنه من الأمور التي يكرهها فندبه وفيه النهي عن هذا الكلام وقد كان أهل الجاهلية يستعملون مثل ذلك ومن عقيدة بعضهم أن الزمان هو الفاعل حقيقة لتعطيلهم ونفيهم الإله واستعمل الإسلاميون قريبا من ذلك غير قاصدين ذلك ولكنهم يذمون الدهر إذا لم تحصل أغراضهم ويمدحونه إذا حصلت لهم. قال أبو العباس القرطبي (^١) لا شك في كفر من نسب تلك الأفعال أو شيئا منها للدهر حقيقة واعتقد ذلك وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة ذلك فليس\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٨/ ٤١) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ١٥٦). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٣/ ٢٣٠).","vol":"11","page":336},{"text":"بكافر ولكنه قد تشبه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق وقد ارتكب ما نهاه رسول اللَّه -ﷺ- عنه فليتب وليستغفر والدهر والزمان والأبد كلها بمعنى واحد وهو راجع إلى حركات الفلك وهي الليل والنهار، اهـ. ذكره في شرح الأحكام [الإلمام] (^١).\n\n٤٢٣٩ - وعنه -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"قال اللَّه ﷿: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقل أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره\" رواه أبو داود (^٢) والحاكم (^٣).\nوقال: صحيح على شرط مسلم.\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ١٥٦).\n(^٢) أبو داود في السنن (٥٢٧٦)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٥٣)، وأخرجه أحمد (٩١٠٥)، ومسلم (٥٩٢٧).\n(^٣) الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٢)، (٢/ ٤٥٣)، قال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه هكذا. [انظر المستدرك (٢/ ٤٥٣)]. قال الحاكم: قد اتفق الشيخان على إخراج حديث الزهري هذا بغير هذه السياقة وهو صحيح على شرطهما. [انظر المستدرك (٢/ ٤٥٢)]. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٩٣٨)، والحميدي في المسند (١٠٩٦)، وأحمد (٢/ ٢٧٢)، (٢/ ٢٧٥)، البخاري (٤٨٢٦)، (٧٤٩١)، ومسلم (٢٢٤٦)، والنسائي في السنن الكبرى (١١٤٨٧)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٤٩٠)، والطبري في التفسير (٣١٤٦٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٩٦)، وفي السنن الكبرى (٣/ ٣٦٥)، والبغوي في شرح السنة (٣٣٨٩)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٣١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٠٤)، وصحيح الجامع الصغير (٤٣٤٣).","vol":"11","page":337},{"text":"٤٢٤٠ - ورواه مالك (^١) مختصرًا: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"لا يقل أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن اللَّه هو الدهر\".\n\n٤٢٤١ - وفي رواية للحاكم، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يقول اللَّه: استقرضت عبدي، فلم يقرضني، وشتمني عبدي، وهو لا يدري يقول: وادهراه وادهراه، وأنا الدهر\" قال الحاكم (^٢): صحيح على شرط مسلم، ورواه البيهقي (^٣)، ولفظه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا تسبوا الدهر، قال اللَّه ﷿: أنا الدهر، الأيام والليالي أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك\".\n[قال الحافظ]: ومعنى الحديث أن العرب كانت إذا أنزلت بأحدهم نازلة، وأصابته مصيبة أو مكروه يسب الدهر اعتقادًا منهم أن الذي أصابه فعل الدهر، كما كانت العرب تستمطر بالأنواء، وتقول: مطرنا بنوء كذا اعتقادًا أن فعل ذلك فعل الأنواء، فكان هذا كاللعن للفاعل، ولا فاعل لكل شيء إلا اللَّه تعالى خالق كل شيء وفعله، فنهاهم النبي -ﷺ- عن ذلك، وكان ابن داود ينكر رواية أهل الحديث، وأنا الدهر بضم الراء، ويقول: لو كان كذلك كان الدهر اسما من أسماء اللَّه ﷿، وكان يرويه: وأنا الدهر أقلب الليل والنهار بفتح راء الدهر على الظرف، معناه: أنا طول الدهر والزمان أقلب الليل والنهار، ورجح هذا بعضهم، ورواية من قال: فإن اللَّه هو الدهر يرد هذا الجمهور على ضم الراء، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٦٠٩) وعنه: البخاري في الأدب المفرد (٧٦٩)، وابن حبان (٥٧١٣).\n(^٢) المستدرك (٢/ ٤٥٣).\n(^٣) شعب الإيمان (٤٨٦٦).","vol":"11","page":338},{"text":"قوله: وعنه تقدم الكلام عليه. وقوله -ﷺ- قال اللَّه تعالى: يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر الحديث. قال الإمام المازري (^١): هو مجاز والباري ﷾ لا يتأذي من شيء فيحتمل أن يريد: أن هذا عندكم أذى لأن الإنسان إذا أحب آخر لم يصح أن يسبّه لعلمه أن السبّ يؤذيه، والمحبّة تمنع من الأذى، ومن فعل ما يكرهه المحبوب، [فـ] كأنه قال: يفعل ما أنهاه عنه، وما يخالفني فيه، والمخالفة فيها أذى فيما بينكم، فيجوز فيها في حق الباري -سبحانه-. وأحسن النووي (^٢) التعبير عن ذلك مختصرًا بقوله معناه لا يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم. اهـ.\nقوله [يقول] يا خيبة الدهر، والخيبة بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحت والباء الموحدة الحرمان والخسران. قول الحافظ ﵀ كما كانت العرب تستمطر بالأنواء ويقولون مطرنا بنوء كذا اعتقادا أن ذلك فعل الأنواء، اهـ. قال بعض العلماء النوء عند العرب سقوط نجم من نجوم السماء [أي من المنازل التي هي منازل القمر الثمانية [والعشرون].\nقال أبو عمرو بن الصلاح (^٣): النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب فإنه فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءًا أي سقط وغاب وقيل أي نهض وطلع وإنما سمي نوءا لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع، ينوء نوءا، وقيل إنما سمي النجم\n_________\n(^١) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٩١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٦١).","vol":"11","page":339},{"text":"نوءا لأنه ينوء طالعا عند مغيب مقابله ناحية المغرب [والنوء النهوض بثقل] (^١) وتقول العرب اصطرع الرجلان فناء أحدهما صاحبه إذا غلبه، وهذا وجه حسن جدًا. اهـ. وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين [نجمًا] معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر مقابله في المشرق من ساعته. فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، وقال الأصمعي إلى الطالع منهما. قال أبو عبيد (^٢): ولم أسمع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسه قد سمي نوءا تسمية للفاعل بالمصدر. قال أبو إسحاق الزجاج في بعض أماليه الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارح اهـ. وكان من عادة العرب في الجاهلية أن يقولوا مطرنا بنوء كذا، فيضيفون النعمة في ذلك إلى غير اللَّه تعالى وهو المنعم عليهم بالغيث والسقيا فأبطل النبي -ﷺ- ذلك كله وكفّر معتقده إذا اعتقد أن النجم فاعل ذلك، وأعلمنا أنه لا يعلم أحد متى يجيء المطر [ولا ينزله] إلا اللَّه ﷿ حسبما ثبت عنه في الصحيح.\nتنبيه: قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى (^٣): من قال مطرنا بنوء كذا وهو\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) غريب الحديث لابن سلام (/ ٣٢١) انظر: صيانة صحيح مسلم (١/ ٢٤٧)، لسان العرب (١/ ١٧٦).\n(^٣) انظر: ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٨٥)، روح المعاني (٢٠/ ٢٣).","vol":"11","page":340},{"text":"يريد أن النوء نزل بالماء فهو كافر حلال دمه إن لم يتب.\nوقال في الروضة (^١): إن اعتقد أن النوء هو المطر الفاعل حقيقة كفر وصار مرتدا وهو معنى كلام الشافعي اهـ. وقال بعض العلماء أيضًا إن قال مسلم مطرنا بنوء كذا مريدا أن النوء هو الموجِد والفاعل المحدث للمطر صار كافرا مرتدا بلا شك وإن قال إنه علامة لنزول المطر فينزل المطر عند هذه العلامة ونزوله بفعل اللَّه تعالى وخلقه سبحانه لم يكفروا، واختلفوا في كراهته، والمختار أنه مكروه لأنه من ألفاظ الكفار اهـ، قاله النووي في أذكاره (^٢).\nواختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين: أحدهما هو كفر [باللَّه ﷾] سالب لأصل الإيمان مخرج من ملة الإسلام. قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر، كما كان بعض [أهل] (^٣) الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره. وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء، والشافعي منهم وهو ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا لو قال: مطرنا بنوء كذا معتقدا أنه من فضل اللَّه تعالى وبرحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة اعتبارا بالعادة فكأنه قال: مطرنا في وقت كذا، فهذا لا يكفر. [واختلفوا في كراهته والأظهر كراهته لكنها\n_________\n(^١) روضة الطالبين وعمدة المفتين (٢/ ٩٥).\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ٦٠).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":341},{"text":"كراهة تنزيه لا إثم فيها واللَّه أعلم [بالصواب] (^١). والثاني ليس كفرا بل يكفر بنعمة اللَّه لإضافته الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن يعتقد تدبير الكوكب واللَّه أعلم] (^٢). [فـ]ـفي الحديث ثلاث من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة والأنواء وهي ثمان وعشرون منزلة أينزل، القمر كل ليلة في منزلة منها ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ (^٣) ويسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر ويطلع مقابلها ذلك الوقت في الشرق فينقضي جميعها مع انقضاء السنة وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر وينسبونه إليها فيقولون مطرنا بنوء كذا وإنما سمي نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق وينوء نوءا أي طلع ونهض اهـ.\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الندية، وأدرجت بعد قوله: (والثاني ليس كفرا بل يكفر بنعمة اللَّه لإضافته الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن يعتقد تدبير الكوكب واللَّه أعلم).\n(^٢) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق وينوء نوءا أي طلع ونهض).\n(^٣) سورة يس، الآية: ٣٩.","vol":"11","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>الترهيب من ترويع المسلم ومن الإشارة إليه بسلاح ونحوه </span>(^١)\n٤٢٤٢ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد -ﷺ- أنهم كانوا يسيرون مع النبي -ﷺ-، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا\" رواه أبو داود (^٢).\nقوله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى هو أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى واسم أبي ليلى: يسار وقيل: بلال وقيل: بلبل وقيل: داود الأنصاري الأوسي الكوفي وأبو ليلى صحابي شهد أحدا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه -ﷺ- ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها وحضر مع علي بن أبي طالب [مشاهده] وقتل معه بصفين وأما ابنه عبد الرحمن صاحب الترجمة فتابعي كبير جليل، قال [عبد اللَّه بن عمر] رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى هذا في حلقة فيها نفر من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-[يستمعون] لحديثه وينصتون له منهم البراء بن عازب ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر بن الخطاب روى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وأبي بن كعب وابن مسعود وخلائق لا يحصون، واتفقوا على توثيقه وجلالته. وقال عطاء بن السائب قال عبد الرحمن بن أبي\n_________\n(^١) يبدأ هذا الباب من اللوحة [٨/ ب].\n(^٢) سنن أبي داود (٥٠٠٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة، في مسنده (٩٥٧ و٩٦٩)، وأحمد في المسند (٢٣٠٦٤)، وهناد في الزهد (١٣٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٤٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٧٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٦٥٨)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٠٥).","vol":"11","page":343},{"text":"ليلى أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي -ﷺ- كلهم من الأنصار. وتوفي عبد الرحمن بن أبي ليلى سنة ثلات وثمانين، ولعبد الرحمن ولد يقال له محمد من كبار علماء الكوفة، كان إماما مجتهدا معدودا من أصحاب الرأي لكنه مُتكَلَّم فيه فبعض أهل الحديث [يُضعِّفه] مع جلالته وغزارة علمه رضي اللَّه تعالى عنه، اهـ.\nقوله: قال حدثنا أصحاب محمد -ﷺ- أنهم كانوا يسيرون مع النبي -ﷺ- فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع فقال رسول اللَّه -ﷺ- لا يحل لمسلم أن يروع مسلما الحديث. ففزع أي انتبه وقام.\n\n٤٢٤٣ - وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في مسير، فخفق رجل على راحلتيه، فأخذ رجل سهما من كنانته، فانتبه الرجل ففزع، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يحل لرجل أن يروع مسلمًا\" رواه الطبراني في الكبير (^١)، ورواته ثقات، ورواه البزار (^٢) من حديث ابن عمر مختصرا: \"لا يحل لمسلم أو مؤمن أن يروع مسلمًا\".\n[خفق الرجل]: إذا نعس.\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (١٦٧٣) وزاد الهيثمي نسبته في المجمع (٦/ ٢٥٤) للكبير، وقال: ورجال الكبير ثقات. انظر: جامع المسانيد والسنن (١٠٤٠٩)، وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٦٣).\n(^٢) كشف الأستار (١٥٢١)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٥٢) أخرجه الطبراني والطيالسي من حديث النعمان بن بشير والبزار من حديث عمر وإسناده ضعيف. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٤: فيه عبد الكريم أبو أمية: وهو ضعيف. .","vol":"11","page":344},{"text":"قوله وعن الثعمان بن بشير تقدم الكلام عليه. قوله كنا مع النبي -ﷺ- في مسير فخفق رجل على راحلته فأخذ رجل سهما من كنانته فانتبه الرجل ففزع الحديث. خفق الرجل أي نعس [انتهى]، قاله المنذري. والراحلة الناقة، وتقدم ذكرها. والكنانة جعبة النشاب سميت بذلك لأنه تُكِنُّ السهام أي تسترها، وتقدم الكلام على ذلك، وتقدم أيضًا معنى ففزع في الحديث قبله.\n\n٤٢٤٤ - وعن عبد اللَّه بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده -﵁- أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا، ولا جادًّا\" رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث حسن غريب.\nقوله وعن عبد اللَّه بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده [عبد اللَّه بن السائب بن يزيد الكندي أبو محمد المدني، ابن أخت نمر قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل يسأل عن حديث ابن أبي ذئب، عن عبد اللَّه بن السائب، عن أبيه، عن جده \"لا يأخذ أحدكم عصا أخيه\"، تعرفه من\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في السنن (٢١٦٠) وقال هذا حديث حسن غريب، وأخرجه الطيالسي في المسند (١٣٩٨)، ابن أبي شيبة في المسند (٦٨٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٤١)، وأحمد في المسند (١٧٩٤٠)، وأبو داود (٥٠٠٣)، وعبد ابن حميد في المسند (٤٣٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٨٦٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٦٢٤)، وفي شرح معاني الآثار (٦٦٤٣) والدولابي في الكنى (٢/ ١٤٥) وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣٠١)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٦٤١)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٤٥/ ٦٦٤١)، (٢٢/ ٢٤١/ ٦٣٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٧٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٩٢)، وفي شعب الإيمان (٥١٠٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣٤٨٠)، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ١٠٢) وقال البيهقي إسناده حسن، وحديث أبي حميد أصح ما في الباب. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٠٨).","vol":"11","page":345},{"text":"غير حديث ابن أبي ذئب؟\nفقال: لا، وهو ابن يزيد بن أخت نمر، ولا أعرف له غيره، وأما السائب فقد رأى النبي -ﷺ-، وقال النسائي: ثقة، وقال محمد بن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، توفي سنة ست وعشرين ومئة في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وأبوه هو أبو يزيد السائب بن يزيد بن سعيد ابن ثمامة بن الأسود بن عبد اللَّه بن الحارث الولادة، وهو ابن أخت النمر، لا يعرفون إلا بذلك، الكندي، ويقال: الأسدي، ويقال: الليثي، ويقال: الهذلي، وأبو السائب صحابي وله حلف في قريش في عبد شمس، ولد السائب سنة ثلاث من الهجرة، وتوفى بالمدينة سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة إحدى وتسعين، وقيل: ست وثمانين، وقيل: ثمان وثمانين، والصحيح الأول. روى له عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسة أحاديث اتفق البخاري ومسلم على حديث، وللبخاري أربعة. روى عنه الزهري، والجعيد، ويزيد بن خصيفة، وغيرهم.\nروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن السائب بن يزيد، قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي -ﷺ-، فقالت: يا رسول اللَّه، إن بابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة، يعنى بالحجلة الخيمة. وفي رواية: نظرت إلى خاتم النبوة، وفي رواية الصحيحين عن الجعيد بن عبد الرحمن، قال: رأيت السائب بن يزيد سنة أربع وتسعين جلدا معتدلا، فقال: قد علمت ما منعت به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول اللَّه -ﷺ-. وفي صحيح البخاري عن السائب، قال: حج أبي مع رسول اللَّه -ﷺ- وأنا ابن سبع سنين.","vol":"11","page":346},{"text":"وفي صحيح البخاري عنه قال: أذكر أني خرجت مع الغلمان إلى ثنية الوداع لنلقى رسول اللَّه -ﷺ- مقدمه من غزوة تبوك] (^١).\nقوله -ﷺ-: لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا، وفي رواية عصا أخيه، قال أبو عبيد (^٢) هو أن يأخذ متاعه لا يريد سرقته إنما يريد إدخال الغيظ عليه فهو لاعب في السرقة جاد في إدخال الأذى والروع عليه، قاله ابن رجب الحنبلي، والمروي في المصابيح وشرح السنة وفي النهاية (^٣) لاعبا جادا بلا حرف العطف بينهما وبلا حرف النفي قال في النهاية (^٤): أي لا يأخذه ولا يريد سرقته ولكن يريد إدخال الهم والغيظ عليه فهو لاعب في السرقة جادي الأذية اهـ. [نبّه] في الرواية الثانية بالعصى على ما فوقها.\n\n٤٢٤٥ - وروي عن عامر بن ربيعة -﵁-: \"أن رجلًا أخذ نعل رجل فغيبها وهو يمزح، فذكر ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فقال النبي -ﷺ- لا تروعوا المسلم، فإن روعة المسلم ظلم عظيم\" رواه البزار (^٥) والطبراني (^٦) وأبو الشيخ ابن حيان في\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٨) وتهذيب الكمال (١٤/ ٥٥٥ - ٥٥٧ ترجمة ٣٢٨٨).\n(^٢) البغوي في شرح السنة (١٠/ ٢٦٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٨١).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٤٥).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٢).\n(^٥) البزار في مسنده (٣٨١٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥٣) رواه الطبراني والبزار، وفيه عاصم بن عبيد اللَّه وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٢١١)، والضعيفة (٥٢٤٩).\n(^٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير كما في المجمع (٦/ ٢٥٣)، انظر: جامع المسانيد والسُّنَن (٥٦٢١) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٦١).","vol":"11","page":347},{"text":"كتاب التوبيخ (^١).\nقوله وروي عن عامر بن ربيعة هو أبو عبد اللَّه، عامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رفيدة بن عنز بن وايل بن قاسط العنزي. وفي نسبه خلاف كثير غير هذا. وهو حليف بني عدي بن كعب، ولذلك يقال له: العدوي. هاجر الهجرتين، وشهد بدرا، والمشاهد كلها. وكان أسلم قديمًا. روى عنه ابنه عبد اللَّه، وابن عمر، وابن الزبير. مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس (^٢).\nقوله أن رجلًا أخذ نعل رجل فغيبها وهو يمزح فذكر ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- فقال رسول اللَّه -ﷺ- لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم. تقدم معنى ذلك.\n\n٤٢٤٦ - وروي عن أبي الحسن، وكان عقبيًا بدريًّا -﵁- قال: \"كنا جلوسًا مع رسول اللَّه -ﷺ-، فقام رجل، ونسي نعليه، فأخذهما رجل، فوضعهما تحته، فرجع الرجل فقال: نعلي، فقال القوم: ما رأيناهما، فقال: هو ذه، فقال: فكيف بروعة المؤمن؟ فقال: يا رسول اللَّه إنما صنعته لاعبا، فقال: فكيف بروعة المؤمن؟ مرتين أو ثلًاثا\" رواه الطبراني (^٣).\n_________\n(^١) لم أجده.\n(^٢) جامع الأصول (١٢/ ٥٥٨ - ٥٥٩).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٩٤/ ٩٨٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥٣): رواه الطبراني، وفيه حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه الهاشمي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٦٢).","vol":"11","page":348},{"text":"قوله وروي عن أبي حسن وكان عقبيا بدريا أبو حسن هذا اسمه كنيته، وقيل: اسمه تميم بن عبد عمرو وهو جد يحيى بن عمارة، والد عمرو بن يحيى شيخ مالك بن أنس. مدني، له صحبة، يقال: إنه شهد العقبة وبدرًا (^١). وتقدّم أيضًا معنى الحديث.\n\n٤٢٤٧ - وروي عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"من أخاف مؤمنا كان حقا على اللَّه أن لا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة\" رواه الطبراني (^٢).\nقوله وروى عن ابن عمر تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- من أخاف مؤمنا كان حقا على اللَّه أن لا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة. أفزاع يوم القيامة [هو] أهوالها ومخاوفها. أفزاع يوم القيامة أهوالها ومخاوفها.\n\n٤٢٤٨ - وروي عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه اللَّه يوم القيامة\" رواه الطبراني (^٣)، ورواه أبو الشيخ (^٤) من حديث أبي هريرة.\n_________\n(^١) أسد الغابة (٦/ ٧٠).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٢٣٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥٤) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن حفص الوصابي وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٦٢) والضعيفة (٤٥٣٩) وضعيف الترغيب والترهيب (١٦٦٣).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١٣/ ٣٢/ ٧٠) وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٠٦٤) وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٦٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٦٧)، والضعيفة (٢٢٧٩). ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٦٤).\n(^٤) لم أجده. وكتاب الثواب له مفقود.","vol":"11","page":349},{"text":"قوله وروي عن عبد اللَّه بن عمرو تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه اللَّه يوم القيامة قوله: (يخيفه) يجوز أن يكون حالا من فاعل (نظر) وأن يكون صفة للمصدر على حذف الراجع، أي بها، ويؤيده ما في رواية (يخيفه بها في غير حق)، (أخافه اللَّه)؛ أي بنظر غضب عليه جزاء وفاقا (يوم القيامة)، قال الطيبي، وذكر أخيه للاستعطاف؛ يعني أن الأخوة تقتضي الأمنية لا سيما أخوة الإسلام، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وإيراد هذا الحديث في هذا الباب للإشارة إلى أن مجرد الإخافة يترتب عليه العقوبة يوم القيامة، فكيف بما فوقها من أنواع المظلمة؟ ويؤخذ من مفهومه، أن من نظر بعين الرحمة والشفقة إلى أخيه، نظر اللَّه إليه بعين العناية يوم القيامة، كما روى الحكيم عن ابن عمرو؛ أيضًا: بلفظ (\"من نظر إلى أخيه نظرة ود غفر اللَّه له\"، (روى الأحاديث الأربعة البيهقي في شعب الإيمان وقال في حديث يحيى)؛ أي في شأنه.\n\n٤٢٤٩ - وعن أبي هريرة -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان يترع في يده، فيقع في حفرة من النار\" رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n[يترع] بالعين المهملة وكسر الراء: أي يرمي، وروي بالمعجمة مع فتح الزاي، ومعناه أيضًا: يرمي ويفسد، وأصل النزع: الطعن والفساد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٠٧٢).\n(^٢) صحيح مسلم (١٢٦) (٢٦١٧).","vol":"11","page":350},{"text":"قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: لا يُشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح الحديث هو بغير ياء هنا هكذا ذكره الحافظ وهو في جميع النسخ لا يشير بالياء بعد الشين وهو صحيح، وهو نهي بلفظ الخبر كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (^١)، وإن هذا أبلغ من لفظ النهي. وقوله إلى أخيه بالسلاح المراد أخوة الإسلام ويلتحق به الذمي أيضًا لتحريم أذاه، وخرج الحديث مخرج الغالب ودخل في السلاح ما عظم منه وصغر. وهل تدخل العصى في ذلك؟ فيه احتمال لأن الترويع حاصل وكذلك احتمال سقوطهما من يده.\nقوله فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده؛ ينزع بالعين المهملة وكسر الزاي أي يرمي، وروي بالمعجمة مع فتح الزاي أيضًا، ومعناه أيضًا يرمي ويفسد. وأصل النزع الطعن والفساد، اهـ قاله المنذري. وقال غيره ينزع في يده بكسر الزاي وبالعين المهملة، وكذا نقله القاضي عياض (^٢) عن جميع روايات مسلم ومعناه يرمي في يده ويحقق ضربته كأنه يرفع يده ويحقق إشارته. والنزع العمل باليد كالاستسقاء بالدلو ونحوه، وأصله الجذب والقطع. وروي فيه أيضًا ينزخ بفتح الزاي وبالغين المعجمة وهو كذلك في رواية أبي ذر الهروي ومعناه تغريره [بحمله] على تحقيق [الضرر عندما يحدث عند اللعب والهزل] ويزين ذلك له، ونزغ الشيطان بالغين المعجمة\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٣.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٩٦).","vol":"11","page":351},{"text":"هو من الإغواء وهول [تغريره، لإغراؤه و] (^١) إغواءه، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون الحديث على ظاهره في أن الشيطان يتعاطى بيده جرح المسلم أو يغري المشير حتى يفعل ذلك على اختلاف الروايتين، ويحتمل أنه مجازٌ على طريقة نسبة الأشياء القبيحة المستنكرة إلى الشيطان، والمراد: سبق السلاح بنفسه من غير قصد.\n[و] قوله -ﷺ- فيقع في حفرة من النار الحديث، رويناه في صحيح البخاري فيقع بالنصب والرفع لكونه في جواب الترجي وقد قرأ بهما يعني النصب والرفع قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ (^٢)، قرأ حفص عن عاصم بالنصسب والباقون بالرفع. وفي هذا الحديث تأكيد حرمة المسلم والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه.\n\n٤٢٥٠ - وعنه -﵁- قال: قال أبو القاسم -ﷺ-: \"من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كان أخاه لأبيه وأمه\" رواه مسلم (^٣).\nقوله: (وعنه -﵁-) تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه) الحديث. [في نسخ جميع صحيح مسلم لا يشير بالياء وهو صحيح وهو نهي بلفظ آخر\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٣٦، ٣٧.\n(^٣) صحيح مسلم (١٢٥) (٢٦١٦).","vol":"11","page":352},{"text":"كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (^١)، وهذا أبلغ من لفظ النهي، وهذا دليل على تحريم ذلك مطلقا، جدا كان ذلك أو هزلا، وقد نص في الرواية الأخرى على صحة مراعاة الذريعة حيث قال فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار، انتهى كما تقدم. و] فيه مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد، وفيه أيضًا النهي عن الإشارة إلى المسلم بالسلاح وهو نهي تحريم كما تقدم، ولعن الملائكة له يدل على أنه حرام لأن ترويع المسلم حرام بكل حال، ولعن الملائكة أيضًا لا يكون إلا لحق ولا يستحق اللعن إلا فاعل المحرم ولا فرق في ذلك بين أن يكون على سبيل الجد أو الهزل وقد دل على ذلك قوله -ﷺ- وإن كان أخاه لأبيه وأمه مع أنه من أشفق الناس عليه وأقربهم رحمًا وهو يشير لمنع الهزل بذلك فإن الإنسان لا يشير إلى شقيقه بالسلاح على سبيل الجد [وبتقديره] (^٢)، وإنما يقع منه [معه] هزلا، وبتقدير أن يكون ذلك على سبيل الجد فتحريم ذلك أغلظ من تحريم غيره فلا يصح جعله غاية فدل على أن المراد الهزل فأما تحريمه على طريق الجد [فواضح] لأنه يريد قتل مسلم أو جرحه، وكلاهما [كبيرة، وأما الهزل فلأنه ترويع المسلم وأذى له، وذلك] (^٣) محرم أيضًا، وقد جاء في الحديث \"لا يحل لمسلم أن يروع مسلما\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٣.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) طرح التثريب (٧/ ١٨٤).","vol":"11","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>[النهى عن حمل السلاح على المسلم]</span>\n٤٢٥١ - وعن أبي بكرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\".\n\n٤٢٥٢ - وفي رواية: \"إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على حرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا. قال: فقلينا، أو قيل يا رسول اللَّه: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه قد أراد قتل صاحبه\" رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله: وعن أبي بكرة تقدم الكلام عليه وأنه من الموالي، ففيه [تأكيد] (^٣) حرمة المسلم ومعاملته بالأدب ومنع التعرض له بما يؤذيه، اهـ. وفي حديث عائشة. (^٤)\nمن أشار إلى مؤمن بحديدة يريد قتله فقد وجب دمه، أي حل للمقصود بها أن يدفعه عن نفسه ولو قتله فوجب هاهنا بمعنى حل، قاله ابن الأثير (^٥).\nقوله وعن أبي بكرة تقدم الكلام عليه وأنه من الموالي. قوله -ﷺ- إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. أي [ضرب] كل واحد\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٠٨٣).\n(^٢) صحيح مسلم (١٤) (٢٨٨٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥١٨).\n(^٥) النهاية (٢/ ٥١٨).","vol":"11","page":354},{"text":"وجه صاحبه أي ذاته وجملته ثم كونه في النار معناه مستحق لها وقد يجازى بذلك وقد يعفو اللَّه عنه، هذا مذهب أهل السنة، وعلى هذا يتأول كل ما جاء في نظائره. وفي رواية إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه بالسلاح فهما على جرف جهنم، فذكر الحديث إلى أن قال فقلنا أو قيل يا رسول اللَّه هذا القاتل فما بال المقتول، قال إنه قد أراد قتل صاحبه الحديث استدل به أبو بكر على العموم، وقال الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (^١) قال علماؤنا ليس هذا الحديث في أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (^٢) الآية، [فأمر اللَّه تعالى بقتال الفئة الباغية ولو أمسك المسلمون عن قتال أهل البغي لتعطلت فريضة من فرائض اللَّه تعالى، وهذا يدل على أن قوله -ﷺ- القاتل والمقتول في النار ليس في أصحاب محمد -ﷺ-[لأنهم] إنما قاتلوا على التأويل] (^٣). وقال بعض العلماء هذا في المقاتلة المحرمة كالقتال عصمبية ونحو ذلك فالقاتل والمقتول في النار، قال في شرح الإلمام: فذاك فيمن خرج من المسلمين بعضهم على بعض بغير تأويل. وقيل هؤلاء أهل الردة قال البغوي (^٤): إذا تقاتل رجلان فقتل كل واحد منهما صاحبه فهما عاصيان ودمهما هدر لأن كل واحد منهما قاصد ودافع [فمن]\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١١٠٤).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ٩.\n(^٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ولو قتل أحدهما صاحبه فعليه القود اهـ).\n(^٤) البغوي في شرح السنة (١٠/ ٢٢٢).","vol":"11","page":355},{"text":"حيث أنه قاصد لا يستحق شيئًا ومن حيث أنه دافع لا يجب عليه شيء، ولو قتل أحدهما صاحبه فعليه القود اهـ. فإن قلت القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة إذا كان قتالهم عن الاجتهاد الواجب اتباعه. قلت ذاك عند عدم الاجتهاد وعدم ظن أن فيه الصلاح الديني أما إذا اجتهدوا وظن الصلاح يه فهما مأجوران مثابان من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر وما وقع بين الصحابة هو من هذا القسم، فالحديث ليس عاما اهـ. قاله الكرماني (^١).\n[واعلم] أن الدماء التي جرت بين الصحابة ليست بداخلة في هذا الوعيد عند أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم بأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية، ولا محض الدنيا؛ بل اعتقد كل فريق منهم أنه المحق، ومخالفه باغ، فوجب [عليه] قتاله ليرجع إلى أمر اللَّه، وكان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ، لأنه بالاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه. وكان علي هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها واعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولو تبينوا الصواب لم يتأخروا عن مساعدته ﵃ أجمعين. وعن أبي أمامة (^٢) أن رسول\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاريّ في التاريخ (٦/ ١٢٨)، وابن ماجه (٣٩٦٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٢٢/ ٧٥٥٩) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ١٧٥): هذا إسناد حسن سويد مختلف فيه وكذلك شهر بن حوشب لكن لم ينفرد به سويد بن سعيد فقد رواه =","vol":"11","page":356},{"text":"اللَّه -ﷺ- قال: من شر الناس منزلة عند اللَّه يوم القيامة عبد أذهب آخرته بدنيا غيره، وانفرد به ابن ماجة. قال القرطبي ﵀. (^١)\nفحديث أبي بكرة هذا محمول على ما إذا كان القتال على الدنيا وقد جاء هكذا منصوصا فيما سمعناه من بعض مشايخنا إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار، خرّجه البزار، اهـ. فعلل في الحديث دخوله النار بحرصه على قتل صاحبه وهو عزم مجرد ترتب عليه العقاب فدل على أنه معصية. والصحيح أنه يأثم بالتصميم على العزم على الفعل كما يأثم المصر على فعل المعصية، فانظر كيف دخل النار بالحرص على [القتل] وإن لم يقتل، وأجاب الأول عن هذا بأنه إذًا يأثم لأنه قد عمل بما صمم عليه فإنه شهر السلاح على أخيه فدخل في قوله -ﷺ- إن اللَّه تجاوز لأمتي بما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم فيكون آثمًا بذلك، وبنوا على هذا الخلاف ما لو اشترى سلاحًا للتجارة ثم قصد إمساكه لقطع الطريق فإن قلنا لا يأثم بالتصميم سقطت عنه زكاة التجارة كما لو نوى إمساكه للقنية وإن قلنا يأثم لم ينقطع حول التجارة، اهـ. ذكره ابن الرفعة وقال الطوفي (^٢) فإن قيل هذا الحرص قد اقترن به العمل وهو لقاؤه خصمه بالسيف فاندرج تحت قوله\n_________\n= محمد بن يحيى بن أبي عمر في مسنده عن مروان بالإسناد والمتن ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن سويد به مثله وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٣٨٨)، وصحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٨/ ٤٦٦)، والضعيفة (١٩١٥).\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١١٠٤).\n(^٢) التعيين (ص ٢٠٧).","vol":"11","page":357},{"text":"﵇ إن اللَّه تجاوز لأمتي عما [تحدثت] به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم، قلنا تعليل دخول النار بمجرد الحرص يلغي ما ذكرتم وأيضًا مما يشهد لذلك.\nقوله -ﷺ-: الرجال أربعة رجل أوتي مالا فأنفقه في البر ورجل قال لو كان لي مال فلان [لفعلت مثل ما] فعل قال فهما في الأجر سواء إلى قوله فهما في الوزر سواء. قلت فهذا وزر على العزم المجرد على المعصية إذ لم يقارنه فعل معصية. فإن قيل هو وإن يقترن به عمل بمعصية فقد قارنه القول وهو قوله لو كان لي مثل مال فلان لفعل كما فعل فدخل تحت قوله ﵇ إن اللَّه تجاوز لأمتي عما وسوست صدورها ما لم تعلم أو تكلم به. قلنا: هذا ليس بشيء لأن معنى الحديث ما لم تعمل أو تكلم به كلاما مؤثرا في المفسدة مثل أن يعزم على القذف أو على الكذب فيكذب أو النميمة فينم أما كلام لا أثر له في المفسدة فوجوده كعدمه.\nوقوله لو كان لي مثل مال فلان لفعلت [كما] فعل كلام له أثر في مفسدة هذا الحكم لأنه لو نوى ذلك نية مجردة عن النطق لما اختلف الحكم وكان وجوده كعدمه وبقي ترتيب الوزر على مجرد العزم، وهذا من باب تنقيح المناط بحذف ما لا يصلح لتعليق الحكم به من الأوصاف وإبقاء ما يصلح لذلك منها فافهم هذا البحث (^١).\n_________\n(^١) التعيين (ص ٢٠٨).","vol":"11","page":358},{"text":"٤٢٥٣ - وعن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر\" رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤)، والأحاديث من هذا النوع كثيرة، وتقدم بعضها.\nقوله وعن ابن مسعود تقدم. قوله -ﷺ- سباب المسلم فسوق وقتاله كفر تقدم الكلام على هذا الحديث. [أما السب فهو اللعن، وأما قوله ولعن المؤمن كقتله تقدم أن لعن المؤمن حرام بالاتفاق وأما قتاله فالظاهر أن المراد أنهما سواء في أصل التحريم وإن القتل أغلظ وهذا هو الذي اختاره الإمام المازري وقيل غير هذا مما ليس بظلم واللَّه أعلم] (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٨).\n(^٢) صحيح مسلم (١١٦) (٦٤).\n(^٣) سنن الترمذي (١٩٨٣ - ٢٦٣٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) سنن النسائي (٧/ ١٢٢).\n(^٥) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وفي وراية لمسلم: لا يسب أحدكم الدهر فإن اللَّه هو الدهر، تقدم معنى السب قريبًا).","vol":"11","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>الترغيب في الإصلاح بين الناس </span>(^١)\n٤٢٥٤ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة ويعين الرجل في دابته، فيحمله عليها، أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة\" رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n[يعدل بين الاثنين]: أي يصلح بينهما بالعدل.\nقوله عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- على كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس الحديث تقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق في مواضع.\n\n٤٢٥٥ - وعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة\" رواه أبو داود (^٤) والترمذي (^٥) وابن\n_________\n(^١) هذا في اللوحة [١٢/ ب].\n(^٢) صحيح البخاري (٢٩٨٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٥٦) (١٠٠٩).\n(^٤) أبو داود (٤٩١٩)، وأخرجه أحمد (٢٧٥٠٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٩١)، والبزار (٤١٠٩) والطبراني في مكارم الأخلاق (٧٥)، والبيهقي في الآداب (١١٧)، وفي شعب الإيمان (١٠٥٧٨)، (١١٠٨٨) والبغوي (٣٥٣٨).\n(^٥) الترمذي (٢٥٠٩)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٦٥٩): رواه أبو =","vol":"11","page":360},{"text":"حبان في صحيحه (^١)، وقال الترمذي: حديث صحيح.\nقوله وعن أبي الدرداء تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة أراد نوافل هذه الأفعال دون فرائضها.\n[قوله:] ويروى عن النبي -ﷺ- أنه قال: هي الحالقة الحديث. يعني إفساد ذات البين أي هي الحالقة يعني المهلكة كما تستأصل الموسى الشعر وفي حديث آخر دَبَّ [فيكم] داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، دَبَّ أي سرى إليكم ما أفسد الأمم قبلكم [ذنبهم]. وقوله داء الأمم قبلكم. داء أي على عادة الأمم قبلكم.\nقوله هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر المراد أنها تمنع من فعل الخيرات والحضور في الصلوات وتحصيل العلوم والمحبة الكاملة في اللَّه لأن من امتلأ صدره من الحسد والبغضاء لا تكون له محبة كاملة في اللَّه تعالى وذوق من الطاعة اهـ. قوله قالوا بلى قال إصلاح ذات البين الحديث، وذات البين هو الإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك قوله: \"ذات البين\" أي أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله تعالى: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (^٢) وهي مضمراتها، لما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها ذات البين كقولهم: اسقني ذا إناءك، يريدون ما في الإناء من\n_________\n= داود والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٩٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨١٤).\n(^١) ابن حبان (٥٠٩٢).\n(^٢) سورة الحديد، الآية: ٦.","vol":"11","page":361},{"text":"الشراب. كذا في الكشاف في قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (^١).\n\n٤٢٥٦ - وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂: أن النبي -ﷺ- قال: \"لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح\".\n\n٤٢٥٧ - وفي رواية: \"ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرًا\" رواه أبو داود (^٢).\n[وقال الحافظ]: يقال نميت الحديث بتخفيف الميم: إذا بلغته على وجه الإصلاح، وبتشديدها إذا كان على وجه إفساد ذات البين: كذا ذكر ذلك أبو عبيد (^٣)، وابن قتيبة والأصمعي والجوهري (^٤) وغيرهم.\nقوله: وعن أم كثلوم بنت عقبة بن أبي معيط، أم كلثوم اسمها كذا الأموية صحابية هاجرت سنة سبع فتزوجها زيد ثم الزبير ثم عبد عبد الرحمن بن عوف فروى عنها ابناها إبراهيم وحميد وبسرة بنت صفوان،\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ١.\n(^٢) سنن أبي داود (٤٩٢٠)، وأخرجه البخاري (٢٦٩٢)، ومسلم (١٠١) (٢٦٠٥)، والترمذي (١٩٣٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو في مصنف عبد الرزاق (٢٠١٩٦)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١٨٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٣٣) وفي الآداب (١١٨) في شعب الإيمان (١١٠٩٥)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٣٩)، وقال: هذا حديث متفق على صحته. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٤٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨١٥).\n(^٣) الغريبين في القرآن والحديث (٦/ ١٨٨٩).\n(^٤) انظر: الفائق في غريب الحديث (٤/ ٢٧)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢١)، وفتح الباري (٥/ ٣٥٣).","vol":"11","page":362},{"text":"واللَّه أعلم. قوله -ﷺ- لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح وفي رواية ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرًا أو نمى خيرا الحديث. يقال نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير. فإذا أبلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نمّيته بالتشديد. قال أبو عبيد وابن قتيبة وغيرهما من العلماء. [وزاد مسلم في رواية له: قالت أم كلثوم ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها، فهذا الحديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة. [وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال هكذا] (^١). وقد ضبط العلماءُ ما يُباح منه وأحسنُ ما رأيتُه في ضبطه ما ذكرَه الإِمامُ أبو حامد الغزالي (^٢) فقال: الكلامُ وسيلةٌ إلى المقاصد فكلُّ مقصودٍ ومحمودٍ يُمكن التوصلُ إليه بالصدق والكذب جميعًا فالكذبُ فيه حرامٌ لعدم الحاجة إليه وإن أمكنَ التوصل إليه بالكذب ولم يمكن بالصدق فالكذبُ فيه مباحٌ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا وواجبٌ إن كان المقصود واجبًا فإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه: وجبَ عليه الكذبُ بإخفائه وكذا لو كان عندَه أو عندَ غيره وديعة وسأل ظالمٌ يُريدُ أخذَها عَنَتا وجبَ عليه الكذب بإخفائها حتى لو أخبرَه بوديعةٍ عندَه فأخذَها الظالمُ قهرًا وجبَ ضمانُها على المُودع المُخبر ولو استحلفَه عليها لزمَه أن يَحلفَ ويورِّي في يمينه فإن حلفَ\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ١٣٧).","vol":"11","page":363},{"text":"ولم يور حنثَ على الأصحّ وقيل لا يحنثُ وكذا لو كان مقصودُ حَرْبٍ أو إصلاحِ ذاتِ البين أو استمالة قلب المجني عليه في العفو عن الجناية لا يحصل إلا بكذب فالكذبُ ليس بحرام وهذا إذا لم يحصل الغرضُ إلا بالكذب والاحتياطُ في هذا كلّه أن يورّي ومعنى التورية أن يقصدَ بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ ولو لم يقصد هذا بل أطلق عبارةَ الكذب فليس بحرام في هذه المواضع، اهـ. قاله الحصني. وقال بعضهم واعلم أن التورية والتعريض معناهما أن يطلق لفظا هو ظاهر في معني، ويريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ، ولكنه خلاف ظاهره، وهذا ضرب من التغرير والخداع. اهـ. قال في الميسر: وإنما لم يكن هذا النوع كذبا لأن القصد فيه صحيح ثم على [قائله] أن يوري ما استطاع عن حقيقة القول بالكناية فيقول أرجو أن لا يصدر عن صاحبك شيء تكرهه وإني لا [أظن] به أنه يقول فيك قولا سيئا اهـ. قال الحافظ ﵀ يقال نميت الحديث بتخفيف الميم [إذا بلغته على وجه الإصلاح، وبتشديدها إذا كان على وجه إفساد ذات البين، ذكر ذلك أبو عبيد وابن قتيبة والأصمعي والجوهري وغيرهم، انتهى.] (^١). وروى عن عمر بن الخطاب. (^٢)\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمان السر فإن كل ذي نعمة محسود، واللَّه أعلم).\n(^٢) في الطبقات الكبرى (٤/ ٢٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٠٩٦) عن عمران بن حصين ويقول: إن لكم في المعاريض لمندوحة عن الكذب.","vol":"11","page":364},{"text":"أنه قال في معاريض الكلام: مندوحة عن الكذب. [المعاريض جمع معراض من التعريض وهو خلاف التصريح من القول، وقوله: (مندوحة)] أي سعة، ندحت الشيء وسّعته ومعاريض الكلام أن يتكلم الرجل بكلمة يظهر من نفسه شيئًا ومراده شيء آخر. وقال الحربي. (^١)\nالمعاريض هو الكلام يشبه بعضه بعضًا يوري ببعضه عن بعض مما لا يدخل على أحد مكروها كاللفظ المشترك المحتمل [لمعنيين] فصاعدًا والذي فيه يجوز يوري بعضه عن التصريح والبيان عندما يضطر إليه لدفع مكروه غيره أو حيث يلزمه إثم أو لأنه يتوجه إليه انتهى. وروى عن النبي -ﷺ- (^٢) أنه كان إذا أراد سفرا ورى بغيره يعني [يريد الخروج] (^٣)، يظهر من نفسه أنه يريد الخروج إلى ناحية أخرى [فـ] يقول كيف الطريق إلى موضع كذا وكذا ثم يخرج إلى موضع آخر. وروي عن النبي -ﷺ- (^٤) أنه قال\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٧٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٩٤٧)، وصحيح مسلم (٥٤) (٢٧٦٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٣ مجمع) وقال الهيثمي: يحيى بن إسحاق بن يحيى بن عبادة لم يسمع من عبادة وقال المناوي (١/ ٤٩٣): فيه انقطاع. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٩٣٩) والسلسلة الصحيحة (١٤٤٥).\nأخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب برقم (٦٨٠) عن عمر بن الخطاب وبرقم (٦٨١) عن معاذ بن جبل الطبراني في الكبير (٢٠/ ٩٤) رقم (١٨٣) والبيهقي في الشعب (٦٦٥٥) وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٦٠) (٣/ ٤٠٤) وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٢٢)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٠٨) عن معاذ بن جبل وأخرجه ابن أبي حاتم في العلل =","vol":"11","page":365},{"text":"استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمان السر فإن كل ذي نعمة محسود، واللَّه أعلم.\n\n٤٢٥٨ - وروي عن أبي هريرة -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"ما عمل شيء أفضل من الصلاة، وإصلاح ذات البين، وخلق جائر بين المسلمين\" رواه الأصبهاني (^١).\n_________\n= (٥/ رقم ٢٢٥٨) من رواية خالد بن معدان وقال: قال أبي: هذا حديث منكر، كان سبب سعيد بن سلّام -بعد القضاء- ضَعْفِه: من هذا الحديث؛ لأن هذا حديث لا يُعرف له أصل. ومراده أن هذا الحديث كان سبب تضعيف العلماء لسعيد بن سلّام. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (١٠٦٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٩٥): وفيه سعيد بن سلام العطار قال العجلي: لا بأس به وكذبه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات إلا أن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٨٦) أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني من حديث معاذ بسند ضعيف. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٥) رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه سعيد بن سلام العطار، قال العجلي: لا بأس به، وكذبه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات، إلا أن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ. وقال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٢/ ٣٦٢): سألت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عن حديث: استعينوا على طلب الحوائج بالكتمان فقالا: هذا حديث موضوع وليس له أصل، ذكر ذلك ابن قدامة في المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٥). وأفاد المناوي في الفيض (١/ ٤٩٣) أن البخاري قال: إن سعيدًا يذكر بوضع الحديث وأن العراقي اقتصر على تضعيفه، انظر قول السخاوي في المقاصد (ص: ٣١). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٩٤٣) والسلسلة الصحيحة (١٤٥٣).\n(^١) قوام السنة في الترغيب والترهيب (١٨١) وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦٣)، والبيهقي في الشعب (١٠١٩١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٤٦)، والصحيحة (١٤٤٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨١٦).","vol":"11","page":366},{"text":"قوله وروي عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- ما عمل شيء أفضل من الصلاة وإصلاح ذات البين وخلق جائر بين المسلمين. تقدم الكلام على الصلاة وتقدم الكلام أيضًا على إصلاح ذات البين، وتقدم الكلام أيضًا على الخلق.\n\n٤٢٥٩ - وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أفضل الصدقة إصلاح ذات البين\" رواه الطبراني (^١) والبزار (^٢)، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وحديثه هذا حسن، لحديث أبي الدرداء المتقدم.\nقوله وعن عبد اللَّه بن عمرو. قوله أفضل الصدقة إصلاح ذات البين تقدم. قوله وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي: قال أحمد: ليس بشيء نحن لا نروي عنه شيئًا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات ويدلس عن محمد بن سعيد المصلوب، وفيما قاله نظر ولم يذكره\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني المعجم الكبير (١٣/ ٢٠/ ٣١)، (١٣/ ٣٢/ ٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٥٩٢). وأخرجه أيضًا: عبد بن حميد (٣٣٥)، والقضاعي (١٢٨٠). وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده: كما في نصب الراية (٤/ ٣٥٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٥)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (١/ ٤٥٥)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٨١) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٦٦) مدار الإسناد على الإفريقي وهو ضعيف. لكن له شاهد من حديث أبي الدرداء، رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع وصححه وابن حبان في صحيحه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٣٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨١٧).\n(^٢) البزار كما في كشف الأستار (٢٠٥٩).","vol":"11","page":367},{"text":"البخاري في كتاب الضعفاء، وكان يقوي أمره ويقول هو مقارب الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن سعيد، وروى عباس عن يحيى بن معين ليس به بأس وقد ضعف، هو أحب إليّ من أبي بكر بن أبي مريم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو داود قلت لأحمد بن صالح: أتحتج به يعني بعبد الرحمن بن زياد قال نعم.\n\n٤٢٦٠ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- أَن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ لأبي أَيُّوب أَلا أدلك على تِجَارَة قَالَ بلَى قَالَ صل بَين النَّاس إِذا تفاسدوا وَقرب بَينهم إِذا تباعدوا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَعِنْده أَلا أدلك على عمل يرضاه اللَّه وَرَسُوله قَالَ بلَى قَالَ صل بَين النَّاس إِذا تفاسدوا وَقرب بَينهم إِذا تباعدوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَعِنْده أَلا أدلك على عمل يرضاه اللَّه وَرَسُوله قَالَ بلَى فَذكره. (^١)\n\n٤٢٦١ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضًا والأصبهاني عَن أبي أَيُّوب قَالَ قَالَ لي رَسُول اللَّه -ﷺ- يَا أَبَا أَيُّوب أَلا أدلك على صَدَقَة يُحِبهَا اللَّه وَرَسُوله تصلح بَين النَّاس إِذا تباغضوا وتفاسدوا لفظ الطَّبَرَانِيّ وَلَفظ الأصْبَهَانِيّ قَالَ رَسُول اللَّه\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٦٣٣) عن أنس، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٧ رقم ٧٩٩٩) عن أبي أمامة. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم يروى، عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن حميد إلا عبد اللَّه بن عمر، ولا حدث به عنه إلا عبد الرحمن ابنه وعبد الرحمن لين الحديث وقد حدث بأحاديث لم يتابع عليها. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٨٠: رواه البزار، وفيه عبد الرحمن بن عبد اللَّه العمري، وهو متروك. وقال: رواه الطبراني، وعبد اللَّه بن حفص صاحب أبي أمامة لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨١٨) و(٢٨١٩).","vol":"11","page":368},{"text":"-ﷺ- أَلا أدلك على صَدَقَة يحب اللَّه موضعهَا قلت بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ تصلح بَين النَّاس فَإِنَّهَا صَدَقَة يحب اللَّه موضعهَا (^١).\n\n٤٢٦٢ - وروي عن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"من أصلح بين الناس أصلح اللَّه أمره، وأعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة، ورجع مغفورا له ما تقدم من ذنبه\" رواه الأصبهاني (^٢) وهو حديث غريب جدًّا.\nقوله وروي عن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- من أصلح بين الناس أصلح اللَّه تعالى أمره وأعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة ورجع مغفورا له ما تقدم من ذنبه المراد بذلك غفران الصغائر. الترهيب من أن يعتذر إلى المرء أخوه فلا يقبل عذره.\n\n٤٢٦٣ - عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، وبروا آبائكم تبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلًا فليقبل ذلك محقًّا كان أو مبطلًا، فإن لم يفعل لم يرد علي الحوض\" رواه الحاكم (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٥٩٩)، وعبد بن حميد (٢٣٢)، والخرائطي في مكارم الأخلاق، والطبراني في الكبير (٤/ ١٣٨ رقم ٣٩٢٢)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (٥٠٣)، والأصبهاني في الترغيب (١٨٤). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٩: رواه الطبراني، وفيه ابن عبيدة وهو متروك. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٦٤٤) وصحيح الترغيب (٢٨٢٠).\n(^٢) أخرجه الأصبهاني في الترغيب (١٨٦). قال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٦٦): منكر جدًّا.\n(^٣) أخرجه الحاكم (٤/ ١٧٠)، وقال الذهبي في مختصر تلخيص (٦/ ٢٦٧٩): بل فيه سويد أبو حاتم، ضعيف. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٧١٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٤٧٩): ضعيف جدًا.","vol":"11","page":369},{"text":"من رواية سويد عن قتادة عن أبي رافع عنه، وقال: صحيح الإسناد.\n[قال الحافظ]: بل سويد هذا هو ابن عبد العزيز واه. وروى الطبراني وغيره صدره، دون قوله: (ومن أتاه أخوه إلى آخره من حديث ابن عمر) بإسناد حسن. [التنصل]: الاعتذار.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك محقا كان أو مبطلا الحديث. التنصل الاعتذار ا هـ قاله المنذري ﵀، يعني فليقبل منه الاعتذار سواء كان حقا أو باطلًا، وقال غيره التنصل معناه أي معتذرا من ذنبه معه مقلعا عنه اهـ. وقال صاحب المغيث (^١) انتفى من ذنبه وتبرأ واعتذر وتنصلت الشيء أخرجته.\n\n٤٢٦٤ - وعن جودان -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من اعتذر إلى أخيه المسلم، فلم يقبل منه كان عليه ما على صاحب مكس\" رواه أبو داود في المراسيل (^٢) وابن ماجه (^٣) بإسنادين جيدين إلا أنه قال: \"كان عليه مثل خطيئة\n_________\n(^١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٣/ ٣٠٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود في المراسيل (٥٢١).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٧١٨)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٠٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٥٦) وابن حبان في روضة العقلاء (ص ١٨٢ - ١٨٣)، الطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٦/ ٢١٥٦)، والبيهقي في الشعب (٧٩٨١)، والضياء في المختارة كما في إتحاف السادة (٦/ ٢٣٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ١٧٥)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٥٠١)، وفي مساوئ الأخلاق (٦٤٩)، والمزي في تهذيب الكمال (١٤/ ٢٢١) عن جودان، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٦٩)، وغاية المرام (ص ٢٣٦) والضعيفة (٦٦٦٥).","vol":"11","page":370},{"text":"صاحب مكس\" ورواه الطبراني في الأوسط (^١) من حديث جابر بن عبد اللَّه، ولفظه قال: \"من اعتذر إلى أخيه فلم يقبل عذره كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس\".\n[قال أبو الزبير] والمكاس: العشار.\n\n٤٢٦٥ - وفي رواية (^٢): قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من تنصل إليه فلم يقبل لم يرد علي الحوض\".\n[قال الحافظ]: روي عن جماعة من الصحابة، وحديث جودان أصح، وجودان مختلف في صحبته، ولم ينسب.\nقوله وعن جودان ويقال ابن جودان، وجودان مختلف في صحبته ولم ينسب ولم يثبت لا يعرف له إلا هذا الحديث الواحد وكان يسكن الكوفة وجهله أبو حاتم وباقي رجاله ثقات [قاله المنذري]. قوله كان عليه ما على\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٦٤٤)، وأخرجه الحارث في المسند كما في المطالب العالية (١١/ ٤٧٧)، وبغية الباحث (ح ٨٦٤)، العقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٤٩)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٠٧)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٣٨٨) والبيهقي في الشعب (٦/ ٣٢٢) وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٨٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣١١)، والدارقطني في غرائب مالك كما في اللسان (٤/ ٢٨٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨١) من تنصل إليه فلم يقبل، لم يرد على الحوض. رواه الطبراني في الأوسط، وفيه علي بن قتيبة الرفاعي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٧٠) عن جابر.\n(^٢) المعجم الأوسط (٦٢٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨١) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خالد بن زيد العمري وهو كذاب.","vol":"11","page":371},{"text":"صاحب مكس قال ابن الزبير والمكاس العشار اهـ، قاله المنذري. والمكس الضريبة التي يأخذها العشار. وفي الحديث لا يدخل الجنة صاحب مكس، والعشار هو الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه مكسا باسم العشر، وتقدم الكلام على أخذ المكس في الزكاة.\n\n٤٢٦٦ - وروي عن عائشة ﵂ عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"عفوا تعف نساؤكم، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، ومن اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد علي الحوض\" رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله وروي عن عائشة تقدم الكلام عليها. قوله -ﷺ- عفوا تعف نساؤكم وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم الحديث. العفة مأخوذة من مادة (ع ف ف) التي تدل على الكف عن القبيح.\nتبركم أبناؤكم أي يكون الجزاء من جنس العمل قال الماوردي: البر نوعان صلة ومعروف والصلة التبرع ببذل المال في جهاد محمودة لغير غرض مطلوب وهذا يبعث عليه سماحة النفس وسخاؤها ويمنع عنه شحها وإباؤها: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٢) والثاني نوعان قول وعمل فالقول طيب الكلام وحسن البشر والتودد وحسن القول ويبعث\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٢٩٥)، وأبو الشيخ فوائد (٢٦) - ومن طريقه الشجري في أماليه (٢/ ١٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨١) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خالد بن زيد العمري وهو كذاب. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٧١٤) وضعيف الترغيب والترهيب (١٦٧١) وفي الضعيفة (٥/ ٦٣): هذا موضوع.\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٩.","vol":"11","page":372},{"text":"عليه حسن الخلق ورقة الطبع لكن لا يسرف فيصير منفى مذمومًا انتهى. ولم يذكر العمل في الآخر.\n\n٤٢٦٧ - وروي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول اللَّه. قال: إن شراركم الذي ينزل وحده، ويجلد عبده، ويمنع رفده، أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول اللَّه. قال: من يبغض الناس ويبغضونه قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول اللَّه. قال: الذين لا يقيلون عثرة، ولا يقبلون معذرة، ولا يغتفرون ذنبا. قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره\" رواه الطبراني (^١) وغيره.\nقوله وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه. قوله ألا أنبئكم بشراركم، أنبئكم معناه قوله -ﷺ- من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره كان عليه مثل خطئية صاحب مكس [فقد قيل ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا، وقد قال الشافعي قدس اللَّه روحه من استغضب فلم يغضب فهو حمار ومن استُرضي فلم يرض فهو شيطان فلا تكن حمارا ولا شيطانا وقد قيل خذ من خليلك ما صفا ودع الذي فيه الكَدَر فالعمر أقصر من معاتبة الخليل على الغِيَر، ومهما اعتذر أخوك إليك كاذبا أو صادقا فأقبل عذره. ثم ذكر هذا\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٣١٨ / ١٠٧٧٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٨٣): رواه الطبراني، وفيه عنبس بن ميمون وهو متروك. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٤٦٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٦٧٢) جدًا.","vol":"11","page":373},{"text":"الحديث الذي نحن فيه وأطال في ذلك وأحسن، وقال عبد اللَّه بن المبارك المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات. وقال الفضيل الفتوة الصفح عن زلات الإخوان] (^١).\nقوله وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله ألا أنبئكم بشراركم، أنبئكم معناه من الإنباء، والمعنى: ألا أخبركم.\nوقوله إن شراركم الذي ينزل وحده وفي رواية يأكل وحده.\nقوله ويمنع رفده، الرفد العطية والصلة، والمعنى شرار الناس البخيل السيئ الخلق.\nقوله الذين لا يقيلون عثرة ولا يقبلون معذرة، العثرة بالثاء المثلة الزلة. وقوله ولا يقبلون معذرة، المعذرة مأخوذة من الاعتذار وتقدم معناه في الأحاديث المتقدمة.\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (قوله كان عليه ما على صاحب مكس قال ابن الزبير والمكاس العشار).","vol":"11","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>الترهيب من النميمة</span>\n٤٢٦٨ - عن حذيفة -﵁-: قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يدخل الجنة نمام\" وفي رواية قتات، رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤).\n[قال الحافظ]: القتات والنمام بمعنى واحد، وقيل: النمام الذي يكون مع جماعة يتحدّثون حديثًا فينم عليهم، والقتات: الذي يتسمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم.\nقوله عن حذيفة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- لا يدخل الجنة نمام، وفي رواية قتات الحديث فيه التأويلان السابقان في نظائره أحدهما يحمل على المستحل بغير تأويل مع علمه بالتحريم والثاني لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم. قال الحافظ ﵀ والقتات والنمام بمعنى واحد، وقيل النمام الذي يكون معه جماعة يتحدثون حديثًا فينم عليهم، والقتات الذي يتسمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم اهـ. والقساس الذي يسأل عن الأخبار ثم ينمها قاله في النهاية (^٥). والقَتّات بفتح القاف وتشديد التاء المثناة فوق يقال قتّ الحديث يقُتُّه إذا زوّره [وهيّأه وسوّاه]. قال العلماء\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٠٥٦).\n(^٢) صحيح مسلم (١٦٨) (١٠٥).\n(^٣) سنن أبي داود (٤٨٧١).\n(^٤) سنن الترمذي (٢٠٢٦)، قال: وهذا حديث حسن صحيح.\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١١).","vol":"11","page":375},{"text":"النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم والشرّ.\nوالنُّمْلةُ بالضم النميمة يقال رجل نَمِل أي نمام وما أحسن قول الأول:\nاقنع فما تبقى بلا بلغة .. فليس ينسى [ربك] النُّملةْ\nإن أقبل الدهر فقم قائمًا ... وإن تولى مدبرا نَمْ لهْ\nذكره في حياة الحيوان (^١)، قال الإمام الغزالي (^٢) حجة الإسلام رحمه اللَّه تعالى وكل من حُمِلت إليه النميمة وقيل له فلان يقول فيك أو يفعل فيك كذا يلزمه ستة أمور:\nالأول: أن لا يصدِّقه؛ لأن النمام فاسق، وهو مردود الخبر.\nالثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله.\nالثالث: أن يبغضه في اللَّه تعالى؛ فإنه بغيض عند اللَّه تعالى، والبغض في اللَّه تعالى واجب.\nالرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب المنقول عنه السوء كقوله قلت بل يكون الإخبار وعدمه عنده سواء لا يؤثر عليه ظنا لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (^٣) الآية.\nالخامس: أن لا يحمله ما حكي له عن التجسس، والبحث عن حقيقة ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (^٤) الآية.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٩٧).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ١٥٦)\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ١٢.\n(^٤) سورة الحجرات، الآية: ١٢.","vol":"11","page":376},{"text":"السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته عنه، فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نمَّامًا، ويكون آتيًا ما نهى عنه. هذا آخر كلام الغزالي، وكل هذا المذكور في النميمة إذا لم تكن فيها مصلحة شرعية فإن دعت حاجة إليها فلا [منع] منها وذلك كما إذا أخبره إنسان أن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله أو أخبر الإمام أو من له ولاية بأن إنسانا يفعل أو يسعى بما فيه مفسدة ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام وقد يكون بعضه واجبًا وبعضه مستحبا على حسب المواطن واللَّه أعلم، قاله النووي (^١). وقد جاء أن رجلًا ذكر لعمر بن عبد العزيز رجلًا بشيء فقال عمر إن شئتَ نظرنَا في أمرك، فإن كنتَ كاذبًا فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^٢) وإن كنتَ صادقًا فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (^٣) وإن شئتَ عفونا عن ذلك، قال: العفو يا أميرَ المؤمنين! لا أعودُ إليه أبدًا. اهـ. ورفع إنسانٌ رُقعةً إلى الصاحب بن عبّاد يحثُّه فيها على أخذ مال يتيم، وكان مالًا كثيرًا، فكتبَ على ظهرها: النميمةُ قبيحةٌ وإن كانت صحيحةً، والميّتُ ﵀، واليتيمُ جبرَه اللَّه، والمالُ ثَمَّرَهُ اللَّه، والساعي لعنه اللَّه. ويروى عن كعب الأحبار -﵁- (^٤) أنه قال أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى\n_________\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ٣٤٨).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ٦.\n(^٣) سورة القلم، الآية: ١١.\n(^٤) إحياء علوم الدين (١/ ص ٣٠٧).","vol":"11","page":377},{"text":"﵊ فخرج موسى ببني إسرائيل يستسقى بهم فلم يسقوا فأوحى اللَّه تعالى إلى موسى -ﷺ- إني لا أستجيب لهم لأن فيهم رجلًا نماما يمشي بين الناس بالنميمة فقال موسى يا رب ومن هو حتى نخرجه من بيننا فأوحى اللَّه تعالى إليه يا موسى أنا أنهاكم عن النميمة وأكون نماما فقال موسى ﵇ لبني إسرائيل توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة فتابوا فأرسل اللَّه تعالى عليهم الغيث.\n\n٤٢٦٩ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ-: \"مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله\" الحديث. رواه البخاري (^١) وا للفظ له، ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤) والنسائي (^٥) وابن ماجه (^٦)، ورواه ابن خزيمة في صحيحه (^٧) بنحوه.\nقوله وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله أن رسول اللَّه -ﷺ- مر بقبرين يعذبان فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير الحديث. المراد صاحبا القبرين، والقبران اللذان مر عليهما\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٦).\n(^٢) صحيح مسلم (١١١) (٢٩٢).\n(^٣) سنن أبي داود (٢٠).\n(^٤) سنن الترمذي (٧٠)، قال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٥) سنن النسائي (١/ ٢٨).\n(^٦) سنن ابن ماجه (٣٤٧).\n(^٧) صحيح ابن خزيمة (٥٥ - ٥٦).","vol":"11","page":378},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- كانا بالبقيع، كذا في مسند الإمام أحمد، وهو صريح في أنهما كانا مسلمين لأن الكفرة كانوا لا يدفنون مع المسلمين في البقيع وإنما ذكرت هذا لأن بعض الناس ادعى أنهما كانا كافرين وعمل في ذلك مصنفا. قال القرطبي في التذكرة (^١) والأصح أنهما مسلمين.\nقوله -ﷺ- أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، أي لا يجعل بين بدنه وثيابه سترا من بوله أي مانعا يمنع وصول البول إلى ثيابه وبدنه، وذلك المانع هو الاستنجاء بالماء أو الحجر. وفي رواية أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وفي رواية لا يستبرئ من البول وكله بمعنى إلا أن في رواية يستتر احتمال أمر آخر وهو أنه كان يكشف عورته عند البول ولا يسترها عن الناظرين. قوله -ﷺ- وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. النميمة تقدم [أنها] نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد وهي من الكبائر لأن اللَّه تعالى [قال]: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (^٢). وقولنا على وجه الإفساد احترازا بما إذا [فعل] ذلك للنصيحة أو لدفع مفسدة ويستثنى من ذلك إلقاء النميمة بين الكفرة ليقتل بعضهم بعضا فإنها تجب أو تستحب واللَّه أعلم. قوله -ﷺ- فأخذ جريدة رطبة إلى آخره، فيه دليل على أن النبات يسبّح ما دام رطبا، وإن قطع من أصله، فإذا حصل التسبيح بحضرة الميت حصلت له بركته. وعن عمر -﵁- أنه أتى برجل وأمر بضربه فلما ضربه الجلاد الضربة الأولى قال سبحان اللَّه فعفا عنه وعنده كعب الأحبار فقال اللَّه أكبر، واللَّه إني لأجد في\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٩٦).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٩١.","vol":"11","page":379},{"text":"التوراة أن سبحان اللَّه كلمة تمنع العذاب، واستُنبِط من ذلك أن قراءة القرآن على القبر تنفع الميت من باب أولى. وسئل القاضي أبو الطيب عن القراءة على القبر فقال الثواب للقارئ والميت كمُستمع. واستُنبِط من هذا الحديث أيضًا أن كلما كان من النبات رطبا ينفع الميت إذا وضع على القبر ومن هاهنا صار الناس يضعون الريحان الأخضر على القبر وأما الزراعة على القبر فلا تجوز إذا كان الميت يصل إليه نداوة من السقي.\nقوله يخفف عنهما ولم يقل يرفع عنهما [فيه دليل على أنهما كانا مسلمين لأن الكافر لا يخفف عنه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ (^١)، وإنما قاله ﵊ لعله يخفف، ولم يقل يرفع عنهما] لأن المقام يناسبه التحذير وعدم الجزم بالعفو عن مرتكب هذا الذنب وهذا كما قال -ﷺ- اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة وكان قد قتل وجاء إلى النبي -ﷺ- ليستغفر له فلو استغفر له لتجرّأ غيره على القتل. وروي أنه بعد ذلك استغفر له، وهذا لعله السبب المقتضي لكون النبي -ﷺ- لم يستغفر لهما بل اقتصر على وضع الجريد. وكقول ابن عباس وقد سئل عن توبة القاتل فقال لا توبة له. ومُحَلِّم بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر اللام المشددة وجثامة بفتح الجيم وبالثاء المثلثة المشددة.\nقوله ما لم ييبسا فيه دليل على أن النبات إذا يبس لا يسبح لأنه قد زالت عنه الحياة النباتية وبعضهم ذهب إلى أن كل شيء يسبح. وقال بعضهم الاسطوانة في السقف تسبح. قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ\n_________\n(^١) البقرة: ٨٦، والنحل: ٨٥.","vol":"11","page":380},{"text":"بِحَمْدِهِ﴾ (^١)، وقيل الثوب يسبح وذلك أنه إذا كان جديدًا أو نظيفًا فإذا تدنس بطل تسبيحه اهـ. وتقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الطهارة مبسوطًا.\n\n٤٢٧٠ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ مر النَّبِيّ -ﷺ- فِي يَوْم شَدِيد الْحر نَحْو بَقِيع الْغَرْقَد قَالَ فَكَانَ النَّاس يَمْشُونَ خَلفه قَالَ فَلَمَّا سمع صَوت النِّعَال وقر ذَلِك فِي نَفسه فَجَلَسَ حَتَّى قدمهم أَمَامه لِئَلَّا يَقع فِي نَفسه شَيْء من الْكبر فَلَمَّا مر ببقيع الْغَرْقَد إِذا بقبرين قد دفنُوا فيهمَا رجلَيْنِ قَالَ فَوقف النَّبِيّ -ﷺ- فَقَالَ من دفنتم الْيَوْم هَهُنَا قَالُوا فلَان وَفُلَان قَالُوا يَا نَبِي اللَّه وَمَا ذَاك قَالَ أما أَحدهمَا فَكَانَ لَا يتنزه من الْبَوْل وَأما الآخر فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأخذ جَرِيدَة رطبَة فَشَقهَا ثمَّ جعلهَا على الْقَبْر قَالُوا يَا نَبِي اللَّه لم فعلت هَذَا قَالَ ليخففن عَنْهُمَا قَالُوا يَا نَبِي اللَّه حَتَّى مَتى هما يعذبان قَالَ غيب لَا يُعلمهُ إِلَّا اللَّه ﷿ وَلَوْلَا تمزع قُلُوبكُمْ وتزيدكم فِي الحَدِيث لسمعتم مَا أسمع رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَنهُ.\n\n٤٢٧١ - وروي عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"النميمة والشتيمة والحمية في النار\". (^٢)\n\n٤٢٧٢ - وفي لفظ: \"إن النميمة والحقد في النار لا يجتمعان في قلب مسلم\" رواه الطبراني (^٣).\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٤٤٥/ ١٣٦١٥)، والطرسوسي في مسند عبد اللَّه بن عمر (٢١).\n(^٣) المعجم الأوسط (٤٦٥٣)، والطرسوسي في مسند عبد اللَّه بن عمر (١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٢) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عفير بن معدان، أجمعوا =","vol":"11","page":381},{"text":"قوله وعن ابن عمر تقدم الكلام عليه. قوله أن النميمة والشتيمة والحمية في النار. تقدم الكلام على النميمة.\n\n٤٢٧٣ - وعن أبي برزة -﵁-: قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"ألا إن الكذب يسود الوجه، والنميمة من عذاب القبر\" رواه أبو يعلى (^١) والطبراني (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣) والبيهقي (^٤).\n[قال الحافظ]: رووه كلهم من طريق زياد بن المنذر عن نافع بن الحارث\n_________\n= على ضعفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٧٤).\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٧٤٤٠ م ١).\n(^٢) أخرجه ابن عدي، في الكامل ٤/ ١٣٤، في ترجمة زياد بن المنذر، أبي الجارود، وقال: وهذه الأحاديث الذي أمليتها مع سائر أحاديثه التي لم أذكرها، عامتها غير محفوظة. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٩٧)، والضعيفة (١٤٩٦) ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٧٥): موضوع.\n(^٣) ابن حبان (٥٧٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩١) رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه زياد بن المنذر وهو كذاب. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٦٨) ورواه الطبراني وابن حبان في صحيحه والبيهقي قال الحافظ المنذري: رووه كلهم من طريق زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، عنه، وزياد هذا هو أبو الجارود الكوفي الأعمى تنسب إليه الجارودية من الروافض، ونافع هو نفيع أبو داود الأعمى أيضًا، وكلاهما متروك متهم بالوضع. وقال ابن حجر في إتحاف المهرة (١٣/ ٥١٠): زياد بن المنذر هذا: هو أبو الجارود من كبار الروافض وإليه تنسب الطائفة الجارودية. ونافع بن الحارث، قيل: هو نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى: وهو متروك متهم بالوضع، لكن ابن حبان خالف ذلك، فذكره في الثقات، والحق عندي أنه غيره، فقد ذكره البخاري، فقال: إنه كوفي لم يصح حديثه. فما أدري كيف خفي هذا على ابن حبان؟\n(^٤) أخرجه البيهقي، في شعب الإيمان (٤٤٧٣).","vol":"11","page":382},{"text":"عنه. [وزياد]: هذا هو أبو الجارود الكوفي الأعمى تنسب إليه الجارودية من الروافض. [ونافع]: هو نفيع أبو داود الأعمى أيضًا، وكلاهما متروك متهم بالوضع.\nقوله وعن أبي برزة تقدم.\nقوله -ﷺ-: ألا إن الكذب يسود الوجه والنميمة من عذاب القبر تقدم الكلام على النميمة أيضًا، وسيأتي الكلام على عذاب القبر في الجنائز.\n\n٤٢٧٤ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كنا نمشي مع رسول اللَّه -ﷺ- فمررنا على قبرين فقام فقمنا معه، فجعل لونه يتغير حتى رعد كم قميصه فقلنا: ما لك يا رسول اللَّه؟ فقال: أما تستمعون ما أسمع؟ فقلنا: وما ذاك يا نبي اللَّه؟ قال: هذان رجلان يعذبان في قبورهما عذابا شديدا في ذنب هين. قلنا: فيم ذاك؟ قال: كان أحدهما لا يستنزه من البول، وكان الآخر يؤذي الناس بلسانه، ويمشي بينهم بالنميمة، فدعا بجريدتين من جرائد النخل، فجعل في كل قبر واحدة. قلنا: وهل ينفعهم ذلك؟ قال: نعم يخفف عنهما مادامتا رطبتين\" رواه ابن حبان في صحيحه (^١).\n[قوله: في ذنب هين]: أي هين عندهما، وفي ظنهما، لا أنه هين في نفس الْأَمر، فقد تقدم في حديث ابن عباس قوله -ﷺ-: \"بلى إنه كبير\"، وقد أجمعت الأمة على تحريم النميمة، وأنها من أعظم الذنوب عند اللَّه تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٨٢٤) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٦٣).","vol":"11","page":383},{"text":"قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله هذان رجلان يعذبان في قبورهما عذابًا شديدًا في ذنب هين الحديث.\nقوله في ذنب هين أي عندهما وفي ظنهما لا إنه هين في نفس الأمر، فقد تقدم في حديث ابن عباس قوله -ﷺ-: (بلى إنه كبير). وقد أجمعت الأمة على تحريم النميمة وإنها من أعظم الذنوب عند اللَّه ﷿ اهـ. قاله الحافظ ﵀.\n\n٤٢٧٥ - وروي عن عبد اللَّه بن بسر -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال: \"ليس مني ذو حسد، ولا نميمة، ولا كهانة، ولا أنا منه\"، ثم تلا رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (^١) رواه الطبراني (^٢).\nقوله وروى عن عبد اللَّه بن بُسر تقدم. قوله -ﷺ- ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة، ذو بمعنى صاحب. وسيأتي الكلام على الحسد في بابه وتقدم الكلام على النميمة وأما الكهانة فسيأتي الكلام عليها.\nتنبيه: والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن إنما يتعاطى الإخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار والعراف هو الذي [يدعي] معرفة\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩١)، وكذلك ابن كثير في جامع المسانيد والسنن (٦١٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩١) رواه الطبراني، وفيه سليمان بن سلمة الخبائري وهو متروك. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٩٤٣)، والضعيفة (٥٨٦): موضوع. وقال في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٧٦) ضعيف جدًا.","vol":"11","page":384},{"text":"الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها. قال الماوردي ويمنع المحتسب من يكتسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي. وقد نقل البغوي والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريمه لنهيه -ﷺ- عنه قال النووي (^١) وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء والنائحة للنوح. وقال الخطابي في معالم السنن (^٢): وحلوان العراف أيضًا حرام اهـ.\nقوله ثم تلى رسول اللَّه -ﷺ- ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ (^٣) الآية. أو، الأذى أنواع منها أن يتكلم الإنسان في حق أخيه بكلمة سوء يظلمه بذلك فهذا قد أوقع نفسه في أشر موقع وآخرته آخرة خبيثة، قاله الشيخ تقي الدين الحصني.\n\n٤٢٧٦ - وعن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي -ﷺ-: \"خيار عباد اللَّه الذين إذا رءوا ذكر اللَّه، وشرار عباد اللَّه المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العنت\". رواه أحمد (^٤) عن شهر عنه، وبقية إسناده محتج بهم في الصحيح، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٣١).\n(^٢) معالم السنن (٣/ ١٠٤).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.\n(^٤) أحمد (١٧٩٩٨).\n(^٥) أحمد (٢٧٥٩٩)، (٢٧٦٠١)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٢٣)، وابن ماجه (٤١١٩)، وعبد بن حميد (١٥٨٠)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٣٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٦٧) (٤٢٣) و(٤٢٤) و(٤٢٥)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٢١٧)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٦، والبيهقي في شعب الإيمان (١١١٠٧) و=","vol":"11","page":385},{"text":"وابن أبي الدنيا (^١) عن شهر عن أسماء عن النبي -ﷺ- إلا أنهما قالا: المفسدون بين الأحبة، والطبراني (^٢) من حديث عبادة عن النبي -ﷺ- وابن أبي الدنيا (^٣) أيضًا في كتاب الصمت عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، وحديث عبد الرحمن أصح، وقد قيل له إن له صحبة.\nقوله وعن عبد الرحمن بن غنم تقدم. قوله -ﷺ- وشر عباد اللَّه المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة.\nقوله الباغون البرآء العنت الحديث العنت المشقة والفساد والهلاك والإثم والغلط والخطأ والزنى كل ذلك قد جاء وأطلق العنت [عليه] والحديث يحتمل كل ذلك والبرآء جمع بريء وهو والعنت منصوبان مفعولان للباغين يقال بغيت فلانًا خيرا وبغيتك الشيء طلبته لك وبغيت الشيء طلبته اهـ. قاله في النهاية (^٤).\n\n٤٢٧٧ - وعن العلاء بن الحارث -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"الهمازون واللمازون، والمشاءون بالنميمة الباغون للبرآء العنت يحشرهم اللَّه في وجوه\n_________\n= (١١١٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٣) رواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب وقد وثقه غير واحد، وبقية رجال أحد أسانيده رجال الصحيح.\n(^١) ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٥٥).\n(^٢) البزار في مسنده (٢٧١٩)، وذكره الهيثمي في المجمع ٨/ ٩٣ وفاته عزوه للبزار، وعزاه للطبراني وقال: فيه يزيد بن ربيعة، وهو متروك.\n(^٣) ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٥٣)، والطبراني في الأوسط (٧٦٩٣)، والصغير (٨٣٥)، وفيه صالح بن بشير المري، وهو ضعيف.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٠٦).","vol":"11","page":386},{"text":"الكلاب\" رواه أبو الشيخ ابن حيّان في كتاب التوبيخ معضلا هكذا، وتقدم في باب الإصلاح حديث أبي الدرداء عن النبي -ﷺ- قال: \"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة\" رواه أبو داود (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢) والترمذي (^٣) وصححه، ثم قال: ويروى عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن أقول: تحلق الدين\".\n[قوله وعن العلاء بن الحارث هو العلاء بن حارثة بن عبد اللَّه بن أبي سلمة بن عبد العزي بن غيرة بن عوف بن ثقيف من وجوه ثقيف، أحد المؤلفة قلوبهم، وهو من حلفاء بني زهرة، أعطاه رسول اللَّه -ﷺ- من غنائم حنين مائة من الإبل، وقال أبو أحمد العسكري: العلاء بن جارية، وبعضهم يقول: خارجة (^٤).\nقوله -ﷺ-: الهمازون واللمازون والمشاؤون بالنميمة الحديث] (^٥). [وقال\n_________\n(^١) أبو داود (٤٩١٩)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٩١)، والطبراني في مكارم الأخلاق (٧٥)، والبيهقي في الآداب (١١٧)، وفي شعب الإيمان (١١٠٨٨)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٣٨)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) ابن حبان (٥٠٩٢).\n(^٣) الترمذي (٢٥٠٩). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٦٥٩) رواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٩٥). وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨١٤).\n(^٤) أسد الغابة (٤/ ٧٠).\n(^٥) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":387},{"text":"مجاهد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ (^١) قال الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحومهم بالغيبة. وقال قتادة ذكر لنا أن عذاب القبر [ثلاثة أثلاث] ثلث من الغيبة وثلث من النميمة وثلث من البول. ذكره ابن خميس في كتاب ذم الغيبة] (^٢). [وتقدم الكلام على النميمة والعنت قوله رواه أبو الشيخ في كتاب التوبيخ هكذا معضلا تقدم الكلام على الصحيح المعضل. وتقدم في باب الإصلاح حديث أبي الدرداء] (^٣) [قوله: (. . .)، تقدم الكلام على الحديث المعضل.\nقوله: (. . .)، وفيه فإن فساد ذات البين هي الحالقة أي المهلكة المستأصلة للدين كحالق الشعر يقال تحالق القوم إذا قتل بعضهم بعضا، [وقيل] المراد به هاهنا قطيعة الرحم اهـ. قاله عياض وتقدم الكلام على ذلك في الباب المذكور [بأبسط] من هذا] (^٤) قيل [اللمز] العيب في الوجه والهمز العيب في الظهر وقيل كلاهما في الظهر كالغيبة وقيل إنما اللمز إذا كان بغير التصريح بإشارة بالشفتين والعينين والرأس ونحوه، يقال لمزه يلمُزه ويلمِزه بضم الميم وكسرها.\n_________\n(^١) سورة همزة، الآية: ١.\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: ([وقيل] المراد به هاهنا قطيعة الرحم اهـ. قاله عياض وتقدم الكلام على ذلك في الباب المذكور [بأبسط] من هذا).\n(^٣) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.\n(^٤) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (يقال لمزه يلمُزه ويلمِزه بضم الميم وكسرها).","vol":"11","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>الترهيب من الغيبة والبهت وبيانهما والترغيب في تركهما</span>\n٤٢٧٨ - عن أبي بكرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ-: \"قال في خطبته في حجة الوداع: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت\" رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وغيرهما.\nقوله عن أبي بكرة تقدم الكلام عليه.\nقوله أن رسول اللَّه -ﷺ- قال في خطبته في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم الحديث. حجة الوَداع بفتح الواو سميت بذلك لأن رسول اللَّه -ﷺ- الناس فيها وكانت آخر اجتماع بينه وبينهم في ذلك الموضع.\nقوله -ﷺ- إن دماءكم وأموالكم [و] المراد أن دماء بعضكم وأموال بعضكم حرام على بعضكم وأنه ذكره مختصرا اكتفاء بعلم المخاطبين.\nقوله وأعراضكم، الأعراض جمع عِرض بكسر العين والعِرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه، وذكر عرض المسلم هذا عند الكافة كل ما يذكر به الرجل وينتقص به من أحواله وأموره وسلفه وحسبه وأنكر هذا ابن قتيبة وقال إنما عرض الرجل نفسه لا سلفه. وفي شعر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٠) (١٦٧٩).","vol":"11","page":389},{"text":"حسّان الخلاف أيضًا أي لا يجوز القدح في العرض كالغيبة وذلك كالقتل في الدماء والغصب في الأموال وشبهها في الحرمة باليوم والبلد والشهر لأنهم لا يَرَون استباحة تلك الأشياء [وانتهاك حرمتها] بحال وإنما قدم السؤال عنها تذكارا للحرمة والمراد بهذا كله بيان توكيد غلظ تحريم الأموال والدماء والأعراض والتحذير من ذلك، وفي هذا دليل لضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياسا. وقوله كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. والبلد اسم خاص لمكة زادها اللَّه تشريفا وإنما شبه ذلك في التحريم بيوم عرفة والبلد لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم. وقوله ألا هل بلغت معناه ما أمرت به من التحذير والإنذار وغير ذلك مما أرسل به، والمراد تحريضهم على تحفظه واعتنائهم به لأنه مأمور بإنذارهم اهـ. في حديث آخر فليبلغ الشاهد الغائب أي الحاضر في المجلس الغائب عنه وهو على صيغة الأمر وظاهر الأمر الوجوب فيعلم منه أن التبليغ واجب، والمراد منه إما تبليغ المذكور وهو إنّ دماءكم وإما تبليغ جميع أحكام الشريعة اهـ. ففيه التصريح بوجوب تبليغ العلم وإشاعة السنن والأحكام وهو فرض على الكفاية فيجب تبليغه بحيث ينتشر واللَّه أعلم.\n\n٤٢٧٩ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله\" رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢) في حديث.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٢) (٢٥٦٤).\n(^٢) سنن الترمذي (١٩٢٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"11","page":390},{"text":"قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله الحديث. تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. وتقدم الكلام على العرض في الورع مبسوطا.\n\n٤٢٨٠ - وعن البراء بن عازب -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"الربا اثنان وسبعون بابا، أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه\" رواه الطبراني في الأوسط (^١) من رواية عمر بن راشد.\nقوله وعن البراء بن عازب تقدم. قوله -ﷺ- وإنّ أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه الحديث. ومعنى الحديث استطالة اللسان في عرض أخيه المسلم بالطعن فيه أشد إثما من أكل الربا لأن نفس المسلم أشرف من ماله اهـ. والاستطالة والتطاول استحقار الناس والترفع عليهم، قاله صاحب المغيب (^٢).\nقوله من رواية عمر بن راشد اليماني: ضعفه الجمهور، وقال أبو زرعة لين، وقال العجلي: لا بأس به.\n\n٤٢٨١ - وروي عن أنس بن مالك -﵁- قال: \"خطبنا رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر أمر الربا، وعظم شأنه، وقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٧١٥١)، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المسند (إتحاف الخيرة المهرة ٦/ ٧١) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٧٢) رواه الطبراني في الأوسط من طريق عمر بن راشد، وهو ضعيف. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١١٧) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن راشد؛ وثقه العجلي، وضعفه جمهور الأئمة. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٨٧١)، وصحيح الجامع الصغير (٣٥٣٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٨٥٧).\n(^٢) المجموع المغيث (٢/ ٣٧٤).","vol":"11","page":391},{"text":"عند اللَّه في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم\" رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغيبة. (^١)\nقوله وروي عن أنس بن مالك تقدم. قوله -ﷺ- وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم الحديث أربي الربا معناه غيبة الناس وقذفهم أشد من أكل الربا وأخذه وإعطائه؛ لأن نفس المسلم أشرف من ماله، فإيذاء يتعلق بنفسه أشد من ضرر يتعلق بماله.\n\n٤٢٨٢ - وروي عن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الربا نيف وسبعون بابا، أهونهن بابا من الربا مثل من أتى أمه في الإسلام، ودرهم من الربا أشد من خمس وثلاثين زنية وأشد الربا، وأربى الربا، وأخبث الربا انتهاك عرض المسلم وانتهاك حرمته\" رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي (^٢)،\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا ذم الغيبة والنميمة (٣٧)، وفي الصمت (١٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥١٣٥) وقال: تفرد به أبو مجاهد عبد اللَّه بن كيسان المروزي عن ثابت وهو منكر الحديث وأخرجه ابن عدي (٤/ ١٥٤٨) في ترجمة أبي مجاهد عبد اللَّه بن كيسان المروزي ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٤٥) وقال ابن الجوزي: ليس بصحيح، أبو مجاهد واسمه عبد اللَّه بن كيسان المروزي قال البخاري: منكر الحديث وقال العراقي: سنده ضعيف (إتحاف السادة المتقين ٧/ ٥٣٥)، وقال الزبيدي: قلت: ليس فيه من وصف بالضعف، وأبو مجاهد سعد الطائي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد: إنه لا بأس به، ونسبه فقال: سعد بن عبيد الطائي الكوفي روى له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه. صحيح الترغيب والترهيب (١٨٥٦).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٢٨٩) قال أبو زرعة: هذا حديث منكر علل الحديث ١/ ٣٩١.","vol":"11","page":392},{"text":"وروى الطبراني. (^١)\nقوله وعن ابن عباس تقدم. قوله الربا نيف وسبعون بابا الحديث. النيف ما زاد [عن] العقد. قوله -ﷺ- وان أربى الربا انتهاك عرض المسلم وانتهاك حرمته، الانتهاك والنهك المبالغة في كل شيء.\n\n٤٢٨٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من أربى الرِّبَا استطالة الْمَرْء فِي عرض أَخِيه رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا قوي (^٢) وَهُوَ فِي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٢٩٤٤)، وفي الصغير (٢٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٤٨)، وأخبار أصبهان (١/ ٣٣٦) وأخرج الحديث ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٤٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٤٥)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٩٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١١٧) رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وفيه سعيد بن رحمة، وهو ضعيف. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٧٦) الطبراني في الكبير (١١/ ١١٤)، ومن طريقه الشجري في أماليه قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢١٢): فيه أبو محمد الجزري حمزة ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ. قلت: هو حمزة النصيبي متروك، متهم بالوضع، فالإسناد تالف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١١٦١).\n(^٢) أخرجه البزار (٧٧٨٤) و(٨٤٣٧)، والبيهقي في الشعب (٦٣٤٥). قال البزار في الموضع الأول: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الزهري إلا النعمان بن راشد، وعن النعمان إلا وهيب، ولا عن وهيب إلا محمد بن أبي نعيم والنعمان حدث عنه جماعة جلة منهم: ابن جريج وجرير بن حازم ووهيب بن خالد.\nوقال في الثاني: وهذا الحديث أحسبه خطأ لأن صالحا إنما رواه عندي عن عبد اللَّه بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة لأن صالحا لم يسمع من سعيد المقبري، ولكن هكذا حدث به يحيى بن كثير عن صالح بن أبي الأخضر عن المقبري. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٣٢).","vol":"11","page":393},{"text":"بعض نسخ أبي دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ إِن من الْكَبَائِر استطالة الرجل فِي عرض رجل مُسلم بِغَيْر حق وَمن الْكَبَائِر السبتان بالسبة (^١) وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا أطول مِنْهُ وَلَفظه قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- الرِّبَا سَبْعُونَ حوبا وأيسرها كَنِكَاح الرجل أمه وَإِن أربى الرِّبَا عرض الرجل الْمُسلم (^٢) الْحُوب بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ الإِثْم.\n\n٤٢٨٤ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لأصْحَابه تَدْرُونَ أربى الرّبَا عِنْد اللَّه قَالُوا اللَّه وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِن أربى الرِّبَا عِنْد اللَّه استحلال عرض امرئ مُسلم ثمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (^٣) رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح. (^٤)\n\n٤٢٨٥ - وَعَن سعيد بن زيد -﵁-: عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن من أربى الرِّبَا الاستطالة فِي عرض الْمُسلم بِغَيْر حق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٧٧) ابن أبي الدنيا في الصمت (٧٢٧). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٢٩١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٠٠٥)، وابن ماجه (٢٢٧٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٧٣) وذم الغيبة (٣٥)، والبزار (٨٥٣٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥٨) و(٢٨٣٢).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.\n(^٤) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٨/ ١٤٥ رقم ٤٦٨٩)، وابنُ أبي حَاتِم في تفسيره (١٠/ ٣١٥٣) واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٧/ ١٢٥١). قال الهيثمي في المجمع: وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٦٧٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٨٧٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٣٣).","vol":"11","page":394},{"text":"٤٢٨٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: \"قلت للنبي -ﷺ-: حسبك من صفية كذا وكذا. قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته قالت: وحكيت له إنسانا فقال: ما أحب أن حكيت لي إنسانا، وإن لي كذا وكذا\" رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) والبيهقي (^٣)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقوله وعن عائشة تقدم الكلام عليها. قولها قلت للنبي -ﷺ- حسبُك من صفية كذا وكذا، قال بعض الرواة يعني قصيرة الحديث. [و] (^٤) روي أن امرأة دخلت على عائشة فلما خرجت قالت ما أقصرها فقال لها رسول اللَّه -ﷺ- اغتبتيها فقالت يا رسول اللَّه ما قلت فيها إلا ما فيها فقال صدقت ولكن ذكرت أقبح ما فيها، ذكر هذه الرواية ابن خميس في كتاب ذم الغيبة. قوله حسبك من صفية، حسبك [معناه] يكفيك. قوله فقال لقد كلمة لو مزجت\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٧٥).\n(^٢) الترمذي (٢٥٠٢) (٢٥٠٣).\n(^٣) البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٤١٨)، وفي شعب الإيمان (٦٢٩٥) والحديث؛ أخرجه ابن المبارك (٢١)، ووكيع، في الزهد (٤٣٦)، وأحمد (٢٤٩٦٤) و(٢٥٥٦٠)، الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٠٨٠). وإسحاق بن راهوية (١٥٩٦ و١٥٩٧)، وهناد، في الزهد (١١٨٩)، مسند ابن الجعد (١٧٣٦)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٠٦)، وفي ذم الغيبة والنميمة (٦٩) الخرائطي في مساوئ الأخلاق (١٩٥)، وأبو الشيخ الأصبهاني في التوبيخ والتنبيه (١٨٧) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٣٤) (المشكاة) رقم (٤٨٥٧) تحقيق رياض الصالحين للألباني (١٥٣٣).\n(^٤) سقط هذا الحرف من النسخة الهندية.","vol":"11","page":395},{"text":"بماء البحر لمزجته، [يعني لغلبتة، يعني يزيد إثم هذه الغيبة على سائر البحر]، ومعنى مزجته خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها. قولها قالت وحكيت له إنسانا فقال ما أحب أن حكيت لي إنسانا وأن لي كذا وكذا الحديث، يعني ما أحب أن أتحدث [بغيبة] أحد ولو أعطيت كذا وكذا من الدنيا بسبب ذلك الحديث. وفي رواية ما يسرني أني حكيت فلانًا وأن لي كذا وكذا. [وقال في شرح السنة حكيت أي استقصيت في شيء] (^١) يقال حكى فلان فلانًا إذا فعل مثل فعله ويستعمل غالبا في الفعل الحسن [وقيل مذلك ذلك] فإذا فعل القبيح قيل حاكاه اهـ، قاله صاحب المغيث. وهذا الحديث من أبلغ الزواجر عن الغيبة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (^٢) [فـ] (^٣) إذا كان هذا شأن كلمة هي في [المقول] فيه ذلك كيف كلمة مفتراة إنا للَّه وإنا إليه راجعون من مصيبة يبلغ العاقل به من البلاء ما هذا مبلغه بكلمة، قاله الشيخ تقي الدين الحصني. واعلم أن اللَّه ﷾ قد نص على تحريم الغيبة والنهي عنها في كتابه الكريم وشبه صاحبها بأكل الميتة فقال ﷿: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (^٤) الآية. فلو وقع الاقتصار على هذه الآية الكريمة في النهي عنها لكان أبلغ في\n_________\n(^١) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤.\n(^٣) سقط هذا الحرف من النسخة الهندية.\n(^٤) سورة الحجرات، الآية: ١٢.","vol":"11","page":396},{"text":"الزجر فكيف وقد عضدها شواهد الشرع من السنة، الأخبار والآثار معا. واعلم أن الغيبة كما يحرم على المغتاب ذكرها ويحرم على السامع استماعها وإقرارها فيجب على مَن سمع إنسانًا يبتدئ بغيبة محرَّمة أن ينهاه إن لم يخف ضررًا ظاهرًا لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن فعل ذلك فقد فاز فوزًا عظيمًا، فإن خاف الضرر وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك المجلس إن تمكَّن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه، أو على قطع الغِيبة بكلام آخر، لزمه، فإن لم يفعل عصى اللَّه ورسوله، فإن قال بلسانه: اسكت، وهو يشتهي بقلبه استمراره، فقال أبو حامد الغزالي (^١): ذلك نفاق لا يخرجه عن الإثم، ولا بد من كراهته بقلبه، ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغِيبة، وعجز عن الإنكار، أو أنكر فلم يقبل منه، ولم يمكنه المفارقة بطَريقٍ، حَرُمَ عليه الاستماع والإصغاء للغيبة، بل طريقه أن يذكر اللَّه تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يتفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، فإن تمكَّن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرون في الغِيبة ونحوها، وجب عليه المفارقة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (^٢) الآية. قاله النووي في أذكاره (^٣).\n_________\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ٣٣٩).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٦٨.\n(^٣) الأذكار للنووي (ص: ٣٣٩).","vol":"11","page":397},{"text":"٤٢٨٧ - وعن عائشة أيضًا ﵂: \"أنه اعتل بعير لصفية بنت حيي، وعند زينب فضل ظهر، فقال النبي -ﷺ- لزينب: أعطيها بعيرا، فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية، فغضب رسول اللَّه -ﷺ-، فهجرها ذا الحجة والمحرم، وبعض صفر\" رواه أبو داود (^١).\nعن سمية عنها، وسمية لم تنسب.\nقوله: وعن عائشة تقدم الكلام على عائشة. قوله أنه اعتل بعير لصفية بنت حيي وعند زينب فضل ظهر فقال النبي -ﷺ- لزينب أعطيها بعيرا فقالت أنا أعطي تلك اليهودية فغضب رسول اللَّه -ﷺ- فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر الحديث. اعتل البعير معناه، كذا وقوله وعند زينب فضل ظهر أي مركوب، فاضل أي بغير قدر الحاجة والظهر بالظاء المعجمة الإبل التي يحمل عليها الأثقال وغيرها وتركب. وقيل لأنها تحمل الأثقال على ظهورها، وقال الجوهري (^٢) الظهر الركاب، يقال عند فلان ظهر أي إبل ومنه الحديث أتأذن لنا في نحر ظهرنا أي إبلنا التي نركبها وتجمع على ظهران بالضم قاله ابن الأثير (^٣). والظاهر أن الظهر اسم جنس يطلق على القليل والكثير وأراد بالزائد على الواحد هنا، واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤٦٠٢)، والحديث؛ أخرجه ابن سعد في طبقاته ٨/ ١٢٦ - ١٢٧، واسحاق بن راهويه (١٤٠٨)، وأحمد (٢٥٠٠٢) و(٢٦٢٥٠)، (٢٦٨٦٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٧١) (١٨٨)، وفي الأوسط (٢٦٠٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٣٦).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٧٣٠).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٦٦).","vol":"11","page":398},{"text":"تنبيه: في ذكر صفية: صفية هي أم المؤمنين إحدى زوجات رسول اللَّه -ﷺ- وهي صفية بنت حيي بضم الحاء على المشهور، وحكى كسرها، ثم ياءين الأولى مفتوحة والثانية مشددة ابن أخطب بإعجام الخاء وإهمال الطاء بن سعية بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب والصحيح أن هذا كان اسمها قبل السبي وقيل كان اسمها زينب فسميت بعد السبي والاصطفاء صفية وكان والدها من رؤساء اليهود لعنهم اللَّه [فذكر النسب] إلى أن قال من بني إسرائيل من بنات هارون بن عمران أخي موسى بن عمران [صلى اللَّه عليهما وسلم] وهما من سبط لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن وأمها اسمها برة بنت شموال [بفتح السين المعجمة] (^١) أخت رفاعة بن شموال من بني قريظة وكانت صفية عند سلام بتخفيف اللام بن مشكم القرظي وكان شاعرا ثم فارقها فتزوجها كنانة بن الربيع النضري فقتل عنها يوم خيبر ولم تلد لأحد منهما شيئًا وسباها رسول اللَّه -ﷺ- عام خيبر سنة سبع من الهجرة في شهر رمضان فطلبها دحية منه فأعطاه إياها فقيل له إنها سيدة بني النضير ولا تصلح إلا لك فأعطى دحية جارية من السبي غيرها واصطفاها رسول اللَّه -ﷺ- لنفسه فأسلمت، فأعتقها وجعل عتقها صداقها وحجبها وقسم لها وصارت إحدى أمهات المؤمنين ودخل بها -ﷺ- ولم تبلغ سبع عشرة سنة. قال في المفهم (^٢): وظن بعضهم أنه -ﷺ- كان وهبها لدحية\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٣/ ٩).","vol":"11","page":399},{"text":"فأشكل عليه ارتجاعه إياها فاعتذر بأمور لم تصح والذي يزيل الإشكال ما في روايات أخر في مسلم [أنها وقعت في سهم دحية الكلبي] فاشتراها منه بسبعة رؤوس. وأما قوله خذ جارية أي بطريق القسمة وفهم ذلك دحية بقرائن أو تصريح لم [يفعله] الراوي فأخذها بالقسمة ثم اصطفاها -﵇- لما رآها من بيت النبوة ولجمالها الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل وجمال الولد لا للشهوة، [كما] قال [-ﷺ-]: تخيروا لنطفكم، فإنه معصوم. وذكرها ابن الموفق فقال دخل عليها رسول اللَّه -ﷺ- وهي تبكي فقال لها ما يبكيك فقالت بلغني أن عائشة وحفصة ونساؤك يعيرنني ويقلن هي يهودية وفي رواية ينالان مني ويقولان نحن خير من صفية نحن بنات عم رسول اللَّه -ﷺ- وأزواجه، فقال لها رسول اللَّه -ﷺ- ألا قلت لهن [كيف تكن خيرا مني و] (^١) أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد، وكانت رضي اللَّه تعالى عنها عاقلة حكيمة فاضلة.\nوروي (^٢) ان جارية لها قالت لعمر بن الخطاب -﵁- إن صفيه تحب السبت وتصل اليهود فأرسل إليها عمر فسألها عن ذلك فقالت أما إن السبت فإني ما أحببته منذ أبدلني اللَّه به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم أرحاما فأنا أصلها. [ثم] قالت للجارية ما حملك على ما صنعت قالت الشيطان فقالت\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وعمي موسى وزوجي محمد).\n(^٢) انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٨٧١) الإصابة: ١٣/ ١٤.","vol":"11","page":400},{"text":"اذهبي فأنت حرة لوجه اللَّه تعالى. تزوجها رسول اللَّه -ﷺ- سنة سبع واختلفوا في وفاتها فذكر ابن سعد قولين عن الواقدي أحدهما أنها ماتت في خلافة معاوية بن أبي سفيان من غير تاريخ وقيل في خلافة علي بن أبي طالب والثاني حكاه الواقدي أيضًا بإسناده قال وتوفيت سنة اثنين وخمسين وقيل سنة ست وثلاثين وهذا ضعيف، والصحيح [أنها] (^١) ماتت في رمضان سنة خمسين على الصحيح. ودفنت بالبقيع (^٢). أسندت صفية الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ-، روت عن رسول اللَّه -ﷺ- عشرة أحاديث، أخرج لها الإمام أحمد في المسند أربعة أحاديث منها حديث متفق على صحته، [و] قال الشيخ أبو العباس الواسطي كانت صفية رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع أن قمرا وقع في حجرها [فعبرت] رؤياها على زوجها كنانة فقال ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها. فأُتِي بها [فقال لها] رسول اللَّه -ﷺ-[وبها أثر منه، فسألها النبي -ﷺ-] (^٣) ما هذا؟ فأخبرته بما كان من أمر الرؤيا. قوله وعند زينب فضل ظهر. [تنبيه أيضًا في ذكر زينب: إحدى أمهات المؤمنين] (^٤) هي زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية تكنى أم المساكين، كنيت بذلك لرأفتها بهم ورحمتها وإحسانها\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٨٧١) سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٣١) - طبقات ابن سعد: ٨/ ١٢٠ - ١٢٩ أسد الغابة: ٧/ ١٦٩ الإصابة: ١٣/ ١٤.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":401},{"text":"إليهم. وكانت عند الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي فطلقها فتزوجها أخوه [عبيد اللَّه] بن الحارث فقتل عنها يوم بدر شهيدا فخطبها رسول اللَّه -ﷺ- فجعلت أمرها إليه فتزوجها في شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة وأصدقها اثنتي عشرة أوقية. قال ابن عبد البر (^١) كانت زينب تحت عبد اللَّه بن جحش قتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول اللَّه -ﷺ-، وحكاه عن ابن شهاب وصححه عبد الغني، ومكثتْ عند [رسول اللَّه]-ﷺ- ثمانية أشهرٍ وماتت في آخر شهر ربيعٍ الآخر من السنة الرابعة من الهجرة وصلى عليها رسول اللَّه -ﷺ- ودفنها بالبَقيع وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها. قال قاضي القضاة عز الدين بن جماعة وبهذا جزم الدمياطي ولم يمت من أزواج النبي -ﷺ- في حياته غيرها وغير خديجة وفي ريحانة خلاف. وحكى ابن عبد البر (^٢) عن أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أن زينب هذه أخت ميمونة بنت الحارث لأمها واللَّه تعالى أعلم.\n\n٤٢٨٨ - وروي عنها ﵂ قالت: \"قلت لامرأة مرة وأنا عند النبي -ﷺ-: إن هذه لطويلة الذيل فقال: الفظي الفظي، فلفظت بضعة من لحم\" رواه ابن أبي الدنيا (^٣).\n[الفظي] معناه ارمي ما في فمك. [والبضعة]: القطعة.\n_________\n(^١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٨٤٩).\n(^٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٨٤٩).\n(^٣) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٨٠).","vol":"11","page":402},{"text":"قوله وروى عن عائشة أيضًا تقدم الكلام عليها. قولها قالت قلت لامرأة مرة وأنا عند النبي -ﷺ- إن هذه لطويلة الذيل فقال الفظي الفظي فلفظت بضعة من لحم الحديث. الفظي معناه ارمي ما في فمك، والبضعة القطعة اهـ قاله المنذري. وقال المنذري أيضًا في الحواشي على مختصر سنن أبي داود والبضعة بفتح الباء الموحدة لا غير وهي القطعة من اللحم. وقال الجوهري (^١) هذه بالفتح وأخواتها بالكسر مثل القطعة والفلذة و[القدرة] والخرقة وما لا يحصى وفي العدد يفتح ويكسر مذكرا كان أو مؤنثا اهـ. وفي رواية فقلت إنها الطويلة الذيل فقال اغتبتيها قومي إليها فتحلليها. يقال تحللته واستحللته إذا سألته أن يجعلك في حل من قِبَله، ومنه الحديث إذا من كانت عنده مظلمة من أخيه [فليستحله] [قاله] (^٢) في النهاية (^٣).\nواعلم بأن الحد الحاصر للغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه إذا بلغه سواء ذكرت نقصا في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه أو دنياه، حتى في ثوبه بأن يقول واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب، وما أشبه ذلك. فهذه الأسباب وما [أشبهها فإنك] (^٤) [جانسها] إذا ذكرت بها غيرك كنت له مغتابا وآكلا لحمه وعاصيا له ﷾ ولو كنت صادقًا فيما ذكرته به. أجمعت الأمة من سلف منهم ومن خلف لم يختلفوا ونذكر شيئًا من كلام\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١١٨٦).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٣٠).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":403},{"text":"السلف [وأفعالهم] (^١) في ذلك. كان الصحابة ﵃ يلقى بعضهم بعضا بالبشر وحسن الخلق ولا يغتابون عند الغيبة ويرون ذلك أفضل الأعمال ويعتقدون ضده وخلافه من أخلاق المنافقين الضلال. وروي عن الحسن البصري (^٢) أن رجلًا قال له قد اغتابك فلان فبعث إليه طبقا من رطب ثم قال له بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فأردت أن أكافيك عليها فاعذرني فلست أقدر على تمام مكافاتك.\nوعن الحسن البصري (^٣) أيضًا أن رجلا قال له إنك تغتابني فقال ما بلغ قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي. وروي عن ابن المبارك قال لو كنت مغتابا أحدًا لاغتبت والديّ لأنهما أحق بحسناتي. وأضاف إبراهيم بن أدهم قومًا فشرعوا في اغتياب رجل فقال لهم إنما يؤكل الخبز قبل اللحم وأنتم قد بدأتم بأكل اللحم قبل الخبز. وروي عنه -﵁- أنه قال لرجل مغتاب يا مكذب بخلت بدنياك على أصدقائك وسخوت بآخرتك على أعداءك، فلا أنت فيما بخلت به معذور ولا أنت فيما سخوت به محمود.\nوقال بعض السلف الغيبة فاكهة القراء وضيافة الفساق ومراتع النساء، وإدام كلاب الناس، ومزابل الأتقياء، ويقال إدام كلاب النار. وقال خالد الربعي كنت في جماعة بمسجد الجامع فتناولوا رجلا فنهيتهم عن ذلك فكفوا وأخذوا في غيره ثم عادوا إليه فدخلت معهم في شيء من\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) المستطرف في كل فن مستظرف (١/ ص ١٩٠).\n(^٣) الأذكار (١/ ص ٢٧٠)، إحياء علوم الدين (٣/ ص ١٤٨).","vol":"11","page":404},{"text":"أمره فرأيت تلك الليلة في المنام، كأني أتاني رجل أسود طويل جدا ومعه طبق عليه قطعة من لحم خنزير، فقال لي: كل، فقلت: آكل لحم خنزير؟ واللَّه لا آكله؛ فانتهرني انتهارًا شديدًا وقال لي: قد أكلت ما هو شر منه، فجعل يدسه في فمي حتى استيقظت من منامي، فواللَّه لقد مكثت ثلاثين [يوما] أو أربعين يومًا ما أكلت طعاما إلا وجدت طعم ذلك اللحم ونتنه في فمي. وقال سفيان بن الحصين كنت جالسا عند إياس بن معاوية فمر رجل فجعلت أغتابه فقال: اسكت، ثم قال لي يا سفيان هل غزوت الروم؟\nقلت: لا، قال: غزوت الترك؟ قلت: لا، قال: سلم منك الترك والروم، ولم يسلم منك أخوك المسلم، قال: فما عدت بعد ذلك إلى الغيبة. ودعي إبراهيم بن أدهم -﵁- إلى طعام فلما جلس قالوا: إن فلانًا لم يجئ فقال رجل منهم: إنه لثقيل، فقال إبراهيم: إنما [فعلت] بي هذا بطني حيث شهدت طعامًا اغتيب فيه مسلم، فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام.\nوقال وهب المكي أنه قال: لأن أدع الغيبة أحب إلي من أن تكون لي الدنيا وما فيها، منذ خلقت إلى [يوم] أن تفنى، وأجعلها في سبيل اللَّه تعالى. والآثار عن الصحابة والسلف في ذلك أكثر من أن تحصى واللَّه أعلم. فإذا آمن الإنسان بما قدمناه من الآثار والأخبار لم ينطلق لسانه بالغيبة خوفًا من ذلك، وما يؤكد خوفه ونفعه أن يتدبر في أحوال نفسه فإن وجد فيها عيبا اشتغل بإزالته وإصلاحه، ولنذكر عند ذلك قوله -ﷺ- (^١) طوبى لمن شغله\n_________\n(^١) أخرجه البزار = البحر الزخار (٦٢٣٧)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٧٤)، والديلمي في الفردوس (٣٩٢٩)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٦٣) عن أنس، وأخرجه أبو نعيم =","vol":"11","page":405},{"text":"عيبه عن عيوب الناس اهـ.\nفائدة: وأما قول بعض من رأيناه أو بعض من يدعي العلم إذا كان مع قوله قرينة يحصل بها التفهيم لشخص بعينه فهو عين الغيبة. وأخبث أنواع الغيبة غيبة العلماء والقراء والمنتسبين إلى الصلاح والدين فإنهم يفهمون المقصود من الغيبة على صيغة أهل الصلاح ليظهروا التعفف عن الغيبة ولا يدرون لجهلهم أنهم جمعوا فاحشتين الرياء والغيبة مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد للَّه الذي لم يبتلنا بالدخول على السلاطين والتبذل في طلب الحطام أو يقول نعوذ باللَّه من قلة الحياء والدين نسأل اللَّه أن يعصمنا [منه] وإنما قصده أن يفهم عيب الغير فيذكره بصيغة الدعاء والتزكية لنفسه اهـ.\n\n٤٢٨٩ - وروي عن أبي هريرة -﵁- قال: \"كنا عند النبي -ﷺ- فقام رجل فقالوا: يا رسول اللَّه ما أعجز فلانًا! أو قالوا: ما أضعف فلانًا، فقال النبي -ﷺ-:\n_________\n= (٣/ ٢٠٣) عن الحسين بن علي، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ، عن أنس إلا من هذا الوجه ووجه آخر ضعيف رواه أبان بن أبي عياش، عن أنس، وقال: البيهقي: تفرد به أبان بن أبي عياش.\nوقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٥) أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي بسند ضعيف والبزار من حديث أنس أول الحديث وآخره والطبراني والبيهقي من حديث ركب المصري وسط الحديث وكلها ضعيفة. . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٩) رواه البزار، وفيه النصر بن محرز وغيره من الضعفاء. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٤٤): ضعيف جدًا. وضعفه الألباني في الضعيفة (٨/ ٢٩٩).","vol":"11","page":406},{"text":"اغتبتم صاحبكم وأكلتم لحمه\" رواه أبو يعلى (^١) والطبراني (^٢). ولفظه: أن رجلا قام من عند النبي -ﷺ-، فرأوا في قيامه عجزا فقالوا: ما أعجز فلانًا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أكلتم أخاكم واغتبتموه.\nقوله وروي عن أبي هريرة تقدم. [قوله:] فقالوا يا رسول اللَّه ما أعجز أو قالوا ما أضعف فلانًا فقال النبي -ﷺ- اغتبتم صاحبكم وأكلتم لحمه الحديث. وفي رواية الطبراني أن رجلا قام من عند النبي -ﷺ- فرأوا في قيامه عجزا فقالوا ما أعجز فلانًا الحديث وتقدم في الحد الحاصر للغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه إذا بلغه سواء ذكرت نقصا في بدنه أو نسبه أو خلقه بأن يصفه بإساءته من تجبره وتكبره وبخله وشدة غضبه وجبنه وعجزه وضعف قلبه وكثرة نفاقه ومراياته وغير ذلك، فهذا ذكر الخلق. وباقي الحدود الحاصرة للغيبة تذكر في مواضعها.\n_________\n(^١) أبو يعلى الموصلي (٦١٥١)، وعزاه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٧٢)، لأحمد بن منيع وأبو يعلى والطبراني وقال بسند فيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف. وأحمد بن منيع، وأخرجه ابن وهب في الجامع (٢٧٨) والبيهقي في شعب الإيمان (٦٣٠٧) ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة (٧١)، وفي الصمت (٢٠٨) الطبري في التفسير (٢٦/ ١٣٧)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٣٠٩)، وأبو الشيخ في التوبيخ (١٨٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٩٦)، ابن حيان في أحاديثه (٤٨) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٨١) وانظر الصحيحة (٢٦٦٧). .\n(^٢) المعجم الأوسط (٤٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٤) روأه أبو يعلى والطبراني في الأوسط وفي إسنادهما محمد بن أبي حميد ويقال له: حماد وهو ضعيف جدا.","vol":"11","page":407},{"text":"٤٢٩٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: \"أنهم ذكروا عند رسول اللَّه -ﷺ- رجلا فقالوا: لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يرحل له، فقال النبي -ﷺ-: اغتبتموه، فقالوا: يا رسول اللَّه! إنما حدثنا بما فيه. قال: حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه\" رواه الأصبهاني (^١) بإسناد حسن.\nقوله وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تقدم الكلام عليه. قوله أنهم ذكروا عند رسول اللَّه -ﷺ- رجلا فقالوا لا يأكل حتى يطعم ولا يرحل حتى يرحل له فقال النبي -ﷺ- اغتبتموه. فقالوا يا رسول اللَّه إنما حدثنا بما فيه. قال حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه؛ الحديث. حسبك أي يكفيك فهذا أيضًا من الشروط المعدودة في حصر الغيبة وهو فعله. فقال ابن خميس وأما أفعاله أي المغتاب بأن يقول هو قليل الأدب، يتهاون بالناس، لا يرى لأحد حقًا على نفسه، أو كثيرُ الكلام، أو كثيرُ الأكل وأنه نئوم ينامُ في غير وقته، [أو] يجلسُ في غير موضعه وما شاكل ذلك. فهذه الأسباب وما جانسها إذا ذكرت بها غيرك كنت له مغتابا وآكلا لحمه وعاصيا للَّه ﷾ ولو كنت صادقًا فيما ذكرته به اهـ.\n_________\n(^١) الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٢٣٥)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٠٥)، وفي مسنده، ومن طريقه أبو الشيخ في التوبيخ (١٨٨) (١٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٨٩) ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٠٥)، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ١٤٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٦٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٣٦).","vol":"11","page":408},{"text":"٤٢٩١ - وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: \"كنا عند النبي -ﷺ-، فقام رجل فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي -ﷺ-: تحلل فقال: ومما أتحلل؟ ما أكلت لحما، قال: إنك أكلت لحم أخيك\" حديث غريب رواه أبو بكر بن أبي شيبة (^١) والطبراني (^٢)، واللفظ له، ورواته رواة الصحيح.\nقوله وعن عبد اللَّه بن مسعود تقدم. قوله كنا عند النبي -ﷺ- فقام رجل فوقع فيه رجل من بعده فقال النبي -ﷺ- تخلل فقال ومما أتخلل ما أكلت لحما قال إنك أكلت لحم أخيك. وقع فلان بفلان أي لامَهُ وعنّفه يقال وقعت بفلان إذا لمته ووقعت فيه إذا عِبتَه وذممته ومنه حديث طارق ذهب رجل ليقع في خالد أي يذمه ويعيبه ويغتابه وهي الوقيعة والرجل وقّاع.\n\n٤٢٩٢ - وروي عن أنس بن مالك -﵁- قال: \"أمر النبي -ﷺ- الناس بصوم يوم، وقال: لا يفطرن أحد منكم حتى آذن له، فصام الناس حتى إذا أمسوا، فجعل الرجل يجئ، فيقول: يا رسول اللَّه إني ظللت صائما، فائذن لي فأفطر فيأذن له، الرجل والرجل حتى جاء رجل فقال: يا رسول اللَّه! فتاتان من أهلك ظلتا صائمتين، وإنهما يستحيان أن يأتياك فأذن لهما فليفطرا، فأعرض عنه، ثم عاوده فأعرض عنه، ثم عاوده فأعرض عنه، ثم عاوده فأعرض عنه، فقال:\n_________\n(^١) مسند ابن أبي شيبة (٣١١) إتحاف الخيرة المهرة (٥٣٦٥)، والمطالب العالية (١١/ ٧٢٢).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٠٢/ ١٠٠٩٢) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٥٣٦٥) رواه الطبراني، ورواته رواة الصحيح وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٣٧).","vol":"11","page":409},{"text":"إنهما لم يصوما، وكيف صام من ظل هذا اليوم يأكل لحوم الناس، اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين فليستقيئا، فرجع إليهما فأخبرهما فاستقاءتا، فقاءت كل واحدة علقة من دم، فرجع إلى النبي -ﷺ- فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار\" رواه أبو داود الطيالسي (^١)، وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة (^٢) والبيهقي (^٣)، ورواه أحمد (^٤) وابن أبي الدنيا أيضًا (^٥)، والبيهقي (^٦) من رواية رجل لم يسم عن عبيد مولى رسول اللَّه -ﷺ-\n_________\n(^١) مسند أبي داود الطيالسي (٢٢٢١) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٩) شعب الإيمان (٦٢٩٦)، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وابن مردويه في التفسير من رواية يزيد الرقاشي عنه ويزيد ضعيف. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٣/ ١٠٧) رواه الطيالسي بسند فيه يزيد بن أبان الرقاشي، ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٨٢) جدًا.\n(^٢) ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والنميمة (٣٢) في الصمت (١٧٠).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٦٢٩٦).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٣٦٥٣) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٣/ ١٠٨) رواه أبو داود الطيالسي، ومسدد إلا أنه قال: سعد مولى رسول اللَّه -ﷺ- وفي سنده راو لم يسم، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع واللفظ لهما، وفي سنديهما أيضًا راو لم يسم، ورواه أبو يعلى مختصرا ورجاله ثقات إلا أنه منقطع.\n(^٥) ابن أبي الدنيا في الصمت (١٧١)، وفي ذم الغيبة والنميمة (٣٣).\n(^٦) البيهقي في الدلائل (٦/ ١٨٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٦٥٩)، وفي السلسلة الضعيفة (٥١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٧١) رواه كله أحمد، وروى أبو يعلى نحوه، وفيه رجل لم يسم. قال العراقي في المغني عن حمل =","vol":"11","page":410},{"text":"بنحوه إلا أن أحمد قال: \"فقال لإحداهما: قيئي فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما حتى ملأت نصف القدح، ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتى ملأت القدح ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل اللَّه لهما، وأفطرتا على ما حرم اللَّه عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان من لحوم الناس\" وتقدم لفظ أحمد بتمامه في الصيام.\nقوله عن أنس بن مالك تقدم. قوله: يا رسول اللَّه إني ظللت صائما وقوله وظلتا صائمتين، معنى ظلت وظلتا.\nقوله فلتستقيئا، الاستقاءة هي استخراج ما في البطن من القيء. قوله رواه أبو داود الطيالسي اسمه سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصرى الحافظ، وهو مولى قريش، وقيل: مولى لآل الزبير (فارسي الأصل).\nوقوله في رواية البيهقي ثم قال للأخرى قيئي فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحم عبيطا الحديث. تقدم معنى الاستقاءة أيضًا. والعبيط هو اللحم الطري. قوله حتى ملأت القدح، القدح هو الآنية المعروفة وهي قدر ما يروي الرجلين أو الثلاثة اهـ. قاله عياض. وتقدم في الصيام هذه الأحاديث والكلام عليها.\n_________\n= الأسفار (ص: ٢٧٨) أخرجه أحمد من حديث عبيد مولى رسول اللَّه عليه وسلم الحديث بسند فيه مجهول. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٤) أخرجه أحمد من حديث عبيد مولى رسول اللَّه -ﷺ- وفيه رجل لم يسم وروأه أبو يعلى في مسنده فأسقط منه ذكر الرجل المبهم.","vol":"11","page":411},{"text":"٤٢٩٣ - وعن شفي بن مانع الأصبحي -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى يسعون ما بين الحميم والجحيم يدعون بالويل والثبور يقول بعض أهل النار لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى. قال: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه قيحا ودما، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد قد مات وفي عنقه أموال الناس، ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه ثم يقال للذي يسيل فوه قيحا ودما: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان ينظر إلى كلمة فيستلذها كما يستلذ الرفث، ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة، ويمشي بالنميمة\" رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (^١)، وفي ذم\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في الصمت (١٨٦، ٣٢٣)، وفي الغيبة والنميمة (٤٩)، وفي صفة النار (٢٢٩)، ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٦٠٥). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٢٨)، وأسد بن موسى في الزهد (٤٠) هناد في الزهد (١٢١٨) والطبري في صريح السنة (٣٧) الخرائطي في مساويء الأخلاق (١٩٤) أبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ١٦٨) قال الطبراني: شفي بن ماتع الأصبحي، وقد اختلف في صحبته، وكذا قال أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ٢٩). قال أبو نعيم في حلية الأولياء عقبه: لم يروه عن رسول اللَّه -ﷺ- إلا شفى بهذا الإسناد. تفرد به إسماعيل بن عياش، وشفى مختلف فيه، فقيل له صحبة. ورواه مروان بن معاوية عن إسماعيل بن عياش، وقال: في عنقه أموال الناس لم يدع لها وفاء ولا قضاء قال يعمد إلى كل كلمة قذعة خبيثة وقال كان يأكل لحوم الناس ويمشي بالنميمة. =","vol":"11","page":412},{"text":"الغيبة (^١) والطبراني في الكبير (^٢) بإسناد لين وأبو نعيم، وقال: [شفي بن مانع] مختلف في صحبته، فقيل له صحبة.\n[قال الحافظ]: شفي ذكره البخاري وابن حبان في التابعين.\nقوله وعن شفي بن ماتع الأصبحي وشفي بن ماتع مختلف فيه فقيل له صحبة، قال الحافظ ﵀ شفي ذكره البخاري وابن حبان في التابعين. اهـ.\nقوله ورجل يجر أمعاءه تقدم الكلام على الأمعاء أنها المصارين.\nقوله ورجل يسيل فوه قيحا ودما، وفوه هو فمه وتقدم الكلام على القيح والدم.\nقوله إن الأبعد كان ينظر إلى كلمة فيستلذها كما يستلذ الرفث؛ الرفث اسم لكل ما يريد الرجل من النساء وهو التصريح بذكر الجماع قال الأزهرى هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة وكان بن عباس يخصصه بما خوطب به النساء.\n_________\n= قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٧٨٣): والراوي عنه بشير بن أيوب العجلي وثقه ابن حبان، وجهله الذهبي. قال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٩٩): شفي بالفاء مصغرا بن ماتع بمثناة مكسورة الأصبحي أبو عثمان مشهور في التابعين، ذكره ابن شاهين، والطبراني، وغيرهما لحديث أرسله، وقال: وجزم بأنه تابعي وأن حديثه مرسل: البخاري وابن حبان وأبو حاتم الرازي وغيرهم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٩١): رواه الطبراني في الكبير، وهو هكذا في الأصل المسموع، ورجاله موثقون. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٢٢).\n(^١) الغيبة والنميمة (٤٩).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٧/ ٣١٠) (٧٢٢٦).","vol":"11","page":413},{"text":"٤٢٩٤ - وعن أبي هريرة -﵁-: قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه يوم القيامة، فيقال له: كله ميتا كما أكلته حيا، فيأكله ويكلح ويضج\" رواه أبو يعلى (^١) والطبراني (^٢) وأبو الشيخ في كتاب التوبيخ (^٣) إلا أنه قال: يصيح. بالصاد المهملة، كلهم من رواية محمد بن إسحاق، وبقية رواة بعضهم ثقات.\n[يضج]: بالضاد المعجمة بعدها جيم ويصيح كلاهما بمعنى واحد كذا قال بعض أهل اللغة والظاهر أن لفظة يضج بالضاد المعجمة فيها زيادة إشعار بمقارنة فزع أو قلق، واللَّه أعلم.\n[ويكلح] بالحاء المهملة: أي يعبس ويقبض وجهه من الكراهة.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى في المسند كما في إتحاف الخيرة المهرة (٥٣٧٤)، وفي تفسير ابن كثير (٤/ ٢١٦)، وقال ابن كثير: غريب جدًّا.\n(^٢) الطبراني في الأوسط (١٦٥٦)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (١٧٨)، وفي ذم الغيبة والنميمة (٤٠)، والخرائطي في المساوئ (١٩٣)، والطبراني في الأوسط (٥٨٥٣) وأبو الشيخ في التوبيخ (٢٠٥) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٢٢٢٧) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٧٥) رواه الطبراني، وأبو الشيخ في كتاب التوبيخ إلا أنه قال يصيح، بالصاد المهملة، كلهم من رواية محمد بن إسحاق، وبقية رواة بعضهم ثقات. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٢) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ومن لم أعرفه. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٥) أخرجه ابن مردويه في التفسير مرفوعًا وموقوفا وفيه محمد بن إسحاق رواه بالعنعنة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٨٥)، وفي السلسلة الضعيفة (٦٣١٦).\n(^٣) التوبيخ والتنبيه لأبي الشيخ الأصبهاني (٢٠٩).","vol":"11","page":414},{"text":"قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه يوم القيامة فيقال له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله ويكلح ويضج. يكلح هو بالحاء المهملة أي يعبس ويقبض وجهه من الكراهة.\nقوله ويضج، بالضاد المعجمة بعدها جيم. قوله ويصيح، كلاهما بمعنى واحد كذا قال بعض أهل اللغة والظاهر أن لفظة يضج بالضاد المعجمة فيها زيادة إشعار بمقارنة فزع أو قلق واللَّه أعلم اهـ. قاله الحافظ المنذري.\n\n٤٢٩٥ - وَعَن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵁- أَنه مر على بغل ميت فَقَالَ لبَعض أَصْحَابه لِأَن يَأْكُل الرجل من هَذَا حَتَّى يمْلَأ بَطْنه خير لَهُ من أَن يَأْكُل لحم رجل مُسلم. رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيان وَغَيره مَوْقُوفا.\n\n٤٢٩٦ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: \"جاء الأسلمي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فشهد على نفسه بالزنا أربع شهادات يقول: أتيت امرأة حراما وفي كل ذلك يعرض عنه رسول اللَّه -ﷺ-، فذكرت الحديث إلى أن قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول اللَّه -ﷺ- أن يرجم، فرجم، فسمع رسول اللَّه -ﷺ- رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر اللَّه عليه فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلب. قال: فسكت رسول اللَّه -ﷺ-، ثم سار ساعة، فمر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: أين فلان وفلان؟ فقالوا: نحن ذا يا رسول اللَّه، فقال لهما كلا من جيفة هذا الحمار، فقالا يا رسول اللَّه: غفر اللَّه لك، من يأكل من هذا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفا أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن","vol":"11","page":415},{"text":"في أنهار الجنة ينغمس فيها\" رواه ابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\n[قوله] في حديث الأسلمي الذي شهد على نفسه بالزنا أربع شهادات عند رسول اللَّه -ﷺ- فسمع رسول اللَّه -ﷺ- رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه انظر إلى هذا الذي ستر اللَّه عليه فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلب؛ وزاد أبو داود أن ماعزا لما رجم سمع النبي -ﷺ- رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه انظر إلى هذا الذي ستر اللَّه عليه إلى آخره. وهذا الحديث يدل على أن الحدود كفارة كما جاء في حديث عبادة بن الصامت (^٢) حيث قال فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، اهـ. وعن\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٤٣٩٩) (٤٤٠٠) وأخرجه ابن المبارك في مسنده (١٥٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٣٧) وفي التاريخ الكبير (٣/ ١/ ٣٦١)، وأبو داود (٤٤٢٨) (٤٤٢٩)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٤) (٧١٦٥) (٧١٦٦) (٧٢٠٠)، وأبو يعلى (٦١٤٠) وابن الجارود (٨١٤) والطحاوي في المشكل (٤٣٨ و٤٣٩) وفي شرح المعاني (٣/ ١٤٣) وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر (١٤٤) والدارقطني (٣/ ١٩٦ - ١٩٧) والبيهقي (٨/ ٢٢٨ - ٢٢٧)، وفي الشعب (٦٢٨٦) (٩٢١٠) قال النسائي: عبد الرحمن بن هضهاض ليس بمشهور، وقد اختلف على أبي الزبير في اسم أبيه وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٧٠) صححه بن حبان قال ابن القطان الفاسي: وهذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن بن الصامت مجهول الوهم والإيهام (٤/ ٥٢٥)، وقال الذهبي: تفرد عنه أبو الزبير، وعنه ابن جريج، فلا يدرى من هذا الميزان ٢/ ٥٧٠ وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٩٥٧ التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٦/ ٤٠٨) الإرواء (٢٣٥٤)، الضعيفة (٢٩٥٧ و٦٣١٨). ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٨٦).\n(^٢) صحيح البخاري (١٨)، وصحيح مسلم (٤١) (١٧٠٩).","vol":"11","page":416},{"text":"علي (^١) عن النبي -ﷺ- قال من أصاب حدا وفي نسخة ذنبا فعجل عقوبته في الدنيا فاللَّه أعدل من أن يُثنيَ على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حدا فستره اللَّه عليه وعفا عنه في الدنيا فاللَّه أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه. حديث غريب.\nوعن خزيمة بن ثابت (^٢) قال قال رسول اللَّه -ﷺ- من أصاب ذنبا وفي رواية\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٧٥ و١٣٦٥) وابن ماجه (٢٦٠٤) والترمذي (٢٦٢٦) وابن أبي الدنيا في التوبة (١٣٦) والبزار (٤٨٢) والطحاوي في المشكل (٢١٨١) والمحاملي (١٩١) والطبراني في الصغير (٤٦) والدارقطني (٣/ ٢١٥) والحاكم (١/ ٧ و٢/ ٤٤٥ و٤/ ٢٦٢) واللالكائي في السنة (١٩٨٣) وابن بشران (٢٣) والقضاعي (٥٠٣) والبيهقي (٨/ ٣٢٨) وفي الشعب (٦٧٣٣) والمهرواني في الفوائد المنتخبة (١٠٥) والبغوي في شرح السنة (٤١٨٢) وعبد بن حميد (٨٧) والبزار (٤٨٣) والطحاوي (٢١٨٢) والطبراني في الأوسط (٦١٩٧) قال الحاكم في الموضع الأول: صحيح الإسناد. وقال في الموضع الثاني: صحيح على شرط الشيخين قال أبو عيسى وهذا حديث حسن غريب صحيح وقال ابن كثير في تفسيره ٣: ١٠١ عقبه: وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث فقال: روى مرفوعًا وموقوفًا، ورفعه صحيح وانظر العلل ٣: ١٢٩. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٢٣).\n(^٢) وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده كما في إتحاف الخيرة (٤٧٨٠)، والترمذي في العلل ٢/ ٦٠٢، وأحمد (٢١٨٦٦ - ٢١٨٧٦)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤٧٨١)، والطبري كما في إتحاف المهرة ٤/ ٤٣٩، والطبراني (٣٧٢٨)، والبيهقي ٨/ ٣٢٨، والخطيب في تاريخه ٥/ ١٩٨، والبغوي (٢٥٩٤) وأخرجه البخاري في التاريخ الأوسط ١/ ١٩٩، والتاريخ الكبير ٣/ ٢٠٦، والدارمي (٢٣٣١)، والطبراني المعجم الكبير (٤/ ٨٨/ ٣٧٣٢)، والحاكم (٤/ ٣٨٨)، والدارقطني (٣/ ٢١٤) قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب، وضعفه محمد جدا قال =","vol":"11","page":417},{"text":"حدا وأقيم عليه ذلك الذنب فهو كفارته اهـ.\nقوله قال فسكت رسول اللَّه -ﷺ- ثم سار ساعة فمر بجيفة حمار شائل برجله فقال أين فلان وفلان فقالا نحن ذا يا رسول اللَّه فقال لهما كلا من جيفة هذا الحمار الحديث.\n[قوله فقال رسول اللَّه -ﷺ- ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفا أشد من أكل هذه الجيفة أي تكلمتما في عرضه وهو النيل وفي الحديث أن رجلا كان ينال من الصحابة يعني الوقيعة فيهم [يقال] منه نال ينال نيلا إذا أصاب فهو نائل والعرض من الإنسان ما يمدح ويذم وتقدم ذلك مبسوطا. وقوله آنفا أي الآن والساعة يعني ما وجدتما من عيب ماعز في هذه الساعة أقبح وأشد من أكل هذه الجيفة في هذه الحالة.\nقوله إنه الآن في أنهار الجنة أي ينغمس فيها، يخوض ويدخل] (^١).\nقوله شائل برجله أي منتفخ مرتفع برجليه من الشول وهو نهوض [الشيء] (^٢) من موضعه أي رافعها لورمه. فانظر يا أخي رحمك اللَّه أي وعيد\n_________\n= الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٥) رواه الطبراني، وأحمد بنحوه، وفيه راو لم يسم، وهو ابن خزيمة، وبقية رجاله ثقات. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٨٤) سنده حسن. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٣١٧)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٦٠٣٩).\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قوله شائل برجله أي منتفخ مرتفع برجليه من الشول وهو نهوض الشيء من موضعه أي رافعها لورمه).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":418},{"text":"أعظم من هذا إذا جعل اغتيابها أشد من أكل الميتة المحرمة المعدودة من الكبائر اهـ. قاله [الحصني وابن] النحاس في تنبيهه (^١).\n\n٤٢٩٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: \"ليلة أسري بنبي اللَّه -ﷺ-، ونظر في النار، فإذا قوم يأكلون الجيف. قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ورأى رجلا أحمر أزرق جدا، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة\" رواه أحمد (^٢) ورواته رواة الصحيح خلا قابوس ابن أبي ظبيان.\nقوله وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه.\nقوله إن النبي -ﷺ- ليلة أسري به ونظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف قال من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس الحديث. وفي حديث آخر أن النبي -ﷺ- لما أسري به مر بقوم في السماء يقطع اللحم من جنوبهم ثم يلقونه ثم يقال لهم كلوا كما كنتم تأكلون من لحم أخيكم في الدنيا فقلت يا جبريل من هؤلاء فقال هؤلاء المغتابون من أمتك، ذكره ابن خميس في ذم الغيبة. ففي الحديث دليل على أن العقاب واقع قبل يوم القيامة وقد جاء القرآن العزيز بذلك قال اللَّه تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١٧٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٣٢٤) والحديث؛ أخرجه البيهقي، في البعث (١٩٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٢) رواه أحمد، وفيه قابوس وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. .\n(^٣) سورة غافر، الآية: ٤٦.","vol":"11","page":419},{"text":"قوله في حديث ابن عباس ورآى رجلا أحمر أزرق جدا قال من هذا يا جبريل قال هذا عاقر الناقة المذكور في قول اللَّه تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (^١) وهي ناقة صالح فهي إضافة خلق إلى خالق تشريفا وتخصيصا، واسمه قدار بن سالف وهو أشقى الأولين، وقدار بضم القاف ثم دال مهملة مخففة ثم ألف ثم راء هكذا ذكره جميع أهل التواريخ والقصص والأسماء والجوهري وغيرهم ووقع في المهذب في باب الهدنة أن اسمه العيزار بن سالف وهو وهم بلا خلاف.\nقيل إن صالحا ﵇ أتى بالناقة من قبل نفسه وقال الجمهور سألوه أن يدعو ربه أن يخرج له من صخرة يقال لها الكاتبة ناقة عشراء فدعى اللَّه تعالى فانشقت عن ناقة عظيمة يروى أنها كانت حاملا فولدت وهم ينظرون إليها فعقرها قدار. قال اللَّه تعالى ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ أي قام على أطراف أصابع رجليه ثم رفع يديه فضربها، اهـ، قاله في حياة الحيوان (^٢).\nقوله في آخر الحديث قابوس بن أبي ظبيان قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن حبان: رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له فربما رفع المرسل وأسند الموقوف، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس بذلك ووثقه ابن معين في رواية، وقال ابن عدي: أحاديثه متقاربة أرجو أنه لا بأس به وصحح له ابن خزيمة والترمذي والحاكم.\n_________\n(^١) سورة الشمس، الآية: ١٤.\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٥٤).","vol":"11","page":420},{"text":"٤٢٩٨ - وعن أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم\" رواه أبو داود (^١)، وذكر أن بعضهم رواه مرسلًا (^٢).\nقوله وعن أنس تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، الحديث. الخمش معروف وتقدم في السؤال. قوله رواه أبو داود، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.\n\n٤٢٩٩ - وعن راشد بن سعد المقرائي قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: لما عرج بي مررت برجال تقرض جلودهم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل. قال: الذين يتزينون للزنية. قال: ثم مررت بجب منتن الريح، فسمعت فيه أصواتا شديدة، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: نساء كن\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٧٨ و٤٨٧٩) ومن طريقه أخرجه البيهقي في الشعب (٦٢٩٠) وفي الأدب (١٥٣)، وأخرجه أحمد (١٣٣٤٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٥٧٢) والطبري في صريح السنة (٣٩) والخرائطي في المساوئ (١٩٥) والطبراني في مسند الشاميين (٩٣٢) وفي الأوسط (٨)، والضياء في المختارة (٢٢٨٥) و(٢٢٨٦) وأبو الشيخ في التوبيخ (٢٠١) والبيهقي في الشعب (٦٢٩٠) والآداب (١٥٣) والخطيب في التاريخ (٥/ ١١٦) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٥٨٧)، والخرائطي في المساوئ (١٩٥) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢١٣)، صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٣٩)، والصحيحة (٥٣٣).\n(^٢) ورواه يحيى بن عثمان الحمصي عن بقية فلم يذكر أنسا. أخرجه أبو داود (٥/ ١٩٤).","vol":"11","page":421},{"text":"يتزين للزنية، ويفعلن ما لا يحل لهن، ثم مررت على نساء ورجال معلقين بثديهن، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء اللمازون والهمازون، وذلك قول اللَّه ﷿: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ (^١) رواه البيهقي (^٢) من رواية بقية عن سعيد بن سنان، وقال: هذا مرسل، وقد رويناه موصولًا، ثم روي عن ابن جريج قال: الهمز بالعين والشدق واليد، واللمز باللسان. قال: وبلغني عن الليث أنه قال: اللمزة الذي يعيبك في وجهك، والهمزة: الذي يعيبك بالغيب.\nقوله وعن راشد بن سعد المقرائي هو راشد بن سعد المقرائي ويقال: الحبراني، الحمصي تابعي جليل القدر، يعد في الشاميين، سمع ثوبان، ويعلى بن مرة، روى عنه ثور، وصفوان بن عمرو قال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: لا بأس به.\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأحمد بن عبد اللَّه العجلي، ويعقوب بن شيبة، والنسائي ثقة، وقال الدارقطني: لا بأس به، يعتبر به إذا لم يحدث عنه متروك (^٣).\nقوله ثم مررت على نساء ورجال معلقين بثديهن؛ الثُّدِيُّ جمع الثَّدْي وهو حلمة البذا الذي في النهر وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في الزنا قوله فقلت\n_________\n(^١) سورة همزة، الآية: ١.\n(^٢) شعب الإيمان (٦٣٢٦)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٤٤٠) ضعيف جدا.\n(^٣) تهذيب الكمال (٩/ ترجمة ١٨٢٦).","vol":"11","page":422},{"text":"يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء اللمازون والهمازون وذلك لقول اللَّه ﷿ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ (^١).\nوقال البيهقي (^٢) قال ابن جريج الهمز بالعين والشدق واليد واللمز باللسان قال وبلغني عن الليث أنه قال اللمزة الذي يعيبك في وجهك والهمزة الذي يعيبك بالغيبة اهـ.\nوأما التعريض بالغيبة إذا كان يحصل الفهم به فهو كالتصريح وكذلك الفعل فيها كالقول والإشارة والإيماء والرمز والكتابة والحركة والمحاكاة وكل ما يفهم به المقصود من ذلك فهو داخل في الغيبة وهو معصية مرتكب به الفسق وقد رآى رسول اللَّه -ﷺ-[عائشة] ﵂ وقد حاكت امرأة فقال ﵇ ما يسرني أني حاكيت ولي كذا وكذا. وأما الكتابة فقد قال ﵇ القلم أحد اللسانين اهـ.\n\n٤٣٠٠ - وعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: \"كنا مع النبي -ﷺ- فارتفعت ريح منتنة، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين\" رواه أحمد (^٣).\n_________\n(^١) سورة همزة، الآية: ١.\n(^٢) شعب الإيمان (٦٧٥٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٤٧٨٤) والبخاري في الأدب المفرد (٧٣٢) وابن أبي الدنيا في الغيبة (٦٩) والخرائطي في المساوئ (١٨٩) وابن حبان في الثقات (٦/ ٢٥٨) وأبو الشيخ في التوبيخ (١٧٦ و٢٠٤) وأبو نعيم في صفة النفاق (١٦٠) والخطيب في تلخيص المتشابه (٢/ ٧١٤) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٢٢٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد =","vol":"11","page":423},{"text":"وابن أبي الدنيا (^١)، ورواة أحمد ثقات.\nقوله وعن جابر تقدم الكلام عليه. قوله كنا عند النبي -ﷺ- فارتفعت ريح منتنة فقال رسول اللَّه -ﷺ- هل تدرون ما هذه الريح هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين الحديث. وفي حديث آخر ذكره ابن خميس في كتابه ذم الغيبة عن جابر بن عبد اللَّه قال هاجت ريح منتة على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فقال ﵇ إن ناسا من المنافقين اغتابوا أناسا من المسلمين فلذلك هاجت هذه الريح، وعند سماع هذا الحديث قيل لبعض الحكماء ما الحكمة في أن ريح الغيبة ونتنها كانت تبين على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وليست تبين في [يومنا] هذا فقال لأن الغيبة قد كثرت في زماننا هذا وامتلأت منها الأنوف فلأجل ذلك لا تظهر الرائحة ومثال هذا رجل حضر دار دباغ فإنه لا يقدر على المقام فيها من شدة الرائحة وأهل تلك الدار يأكلون فيها الطعام ولا تظهر لهم رائحة لأنه أنوفهم امتلأت منها، وكذلك الغيبة الآن (^٢)، اهـ.\n\n٢٤ - وروي عن جابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري ﵃ قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"الغيبة أشد من الزنا. قيل: وكيف؟ قال: الرجل يزني، ثم يتوب، فيتوب اللَّه عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له\n_________\n= (٨/ ٩١): رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٧٠): سند حسن وحسنه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٤٠)، وغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (٤٢٩).\n(^١) الصمت وآداب اللسان (٢١٦).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"11","page":424},{"text":"صاحبه\" رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الغيبة (^١) والطبراني في الأوسط (^٢) والبيهقي (^٣)، ورواه البيهقي أيضًا عن رجل لم يسم عن أنس، ورواه عن سفيان بن عيينة غير مرفوع، وهو الأشبه، واللَّه أعلم.\nقوله وروي عن جابر بن عبد اللَّه وأبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليهما ﵄. قوله -ﷺ- الغيبة أشد من الزنا، قيل وكيف؟ قال الرجل يزني ثم يتوب فيتوب اللَّه عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه الحديث. ورواه البيهقي عن سفيان بن عيينة غير مرفوع وهو الأشبه.\nفائدة: في بيان كفارة الغيبة (^٤): اعلم أن الغيبة معصية عظيمة تتعلق بحق الآدمي فهي مظلمة مثبت له المطالبة بها في الآخرة كسائر المظالم فالواجب\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في الصمت (١٦٤)، وفي ذم الغيبة والنميمة (٢٦).\n(^٢) المعجم الأوسط (٦٥٩٠).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٦٣١٥ - ٦٣١٦)، أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة (٢٥)، وأبو الشيخ في التوبيخ (١٦٢)، والدينوري في المجالسة (٣٥٤١)، والسلفي في الطيوريات (٨٣٩)، وابن مندة في الفوائد (٣)، ومن طريقه ابن عساكر في معجمه (٦٩٣)، وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (٢٤٧٤) قال أبي ليس لهذا الحديث أصل، وعباد ضعيف الحديث قال ابن عساكر: غريب جدًا من حديث إبراهيم بن طهمان وأبي رجاء، تفرد به أصرم بن حوشب. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٢) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو متروك، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٠٤)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٩٠)، وقال في الضعيفة (١٨٤٦): ضعيف جدًا. .\n(^٤) إحياء علوم الدين (٢/ ١٥٣ - ١٥٥).","vol":"11","page":425},{"text":"على المغتاب أن يندم عليها ويتوب منها ويتأسف على ما فعله ليخرج من ذلك من حق اللَّه تعالى ثم يأتي من اغتابه [فليستحل] منه ليخرج من مظلمته وينبغي أن يستحله وهو حزين متأسف نادم إذ المغتاب قد يستحل من الغيبة ليظهر الورع من نفسه ولا يكون في الباطن نادما فيكون مقارنا لمعصية أخرى وهي الرياء. فبهذا الطريق الذي ذكرناه يحصل تكفير الغيبة ويعرى عن التلطخ بإثمها.\nوقال بعض السلف إن كان اغتيابه بلغ الذي اغتابه فتكفيره أن يتوب إلى اللَّه ﷾ وإن لم تبلغ الغيبة إليه فليستغفر اللَّه تعالى ويدعو بالخير لمن اغتابه ويضمر أن لا يعود إلى مثله، ولو أنه اغتابه فقال عليه بهتانا لم يكن فإنه يفتقر إلى التوبة في ثلاثة مواضع أحدها أن يرجع إلى القوم الذين تكلم عندهم، فيقول لهم [اعلموا].\nقلت في فلان عندكم بهتانا وكنت فيه كاذبا. الثاني يذهب إلى الذي اغتابه ويلتمس من الإحلال. الثالث: أن يتوب إلى اللَّه تعالى من الغيبة والبهتان. وقال الحسن البصري يكفيه في تكفيرها التوبة إلى اللَّه تعالى والاستغفار لمن اغتابه ولا يفتقر إلى الاستحلال من الآدم، واحتج عليه بقوله -ﷺ-: كفارة من اغتيب أن يستغفر له. وقال مجاهد -﵁- كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير. وسئل عطاء بن أبي رباح عن التوبة من الغيبة فقال تمشي إلى صاحبك وتقول كذبت فيما قلت وظلمت وأسأت فإن شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت، والصحيح ما قدمناه. ولا يبرأ عن الغيبة","vol":"11","page":426},{"text":"ويخلص من جريمتها إلا به فقد ورد بالإسناد الصحيح (^١) عن النبي -ﷺ- أنه قال من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحللها منه قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم وإنما يؤخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتزاد على سيئاته.\nوروي (^٢) ان امرأة قالت لأخرى: إنها لطويلة الذيل فقالت لها عائشة ﵂: قد اغتبتيها فاستحليها؛ فالاستحلال لابد منه للخلاص عن الغيبة فإن كان الذي اغتابه حيا فلا بد أن يستحل منه ولا يبرأ إلا أن يصرح بإحلاله وإن كان ميتا أو غائبا لا يرجوا لقاءه فليكثر له الدعاء والاستغفار ويُهدي إليه ما يقدر عليه من الحسنات مع التوبة إلى اللَّه تعالى ليزول عنه إثم فاحشته وغيبته. فإن قال قائل فهل يجب الإحلال ويتعين على الذي اغتابه أن يبرئه عند الاعتذار إليه، فيقال لا وإنما هو تبرع وذلك فضل مندوب إليه مستحسن وليس بواجب وسبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء على من اغتابه ويطنب في التودد له ولا يزال ملازما لهذا الفعل حتى يطيب قلبه فإن لم يطب قلبه ولا حلله كان اعتذاره وكثرة تودده حسنة محسوبة له يرجى أن يقابل به سيئة الغيبة في القيامة وربما تقاصّا وقد كان بعض السلف لا يحلل من الغيبة. قال سعيد بن المسيب ﵁ (^٣) لا أحلل من ظلمني.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٣٤).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٦/ ٣٣٨) إحياء علوم الدين (٣/ ١٥٤).\n(^٣) تفسير القرطبي (١٦/ ٣٣٨). الأذكار (ص ٢٧٥)، إحياء علوم الدين (٣/ ١٥٤).","vol":"11","page":427},{"text":"وقال ابن سيرين (^١) إني لم أحرمها عليه فأحللها له، إن اللَّه تعالى حرم عليه الغيبة، وما كنت لأحلل ما حرم اللَّه تعالى أبدا. فإن قال قائل فما المراد بقول النبي -ﷺ- فليتحللها منه، وتحليل ما حرم اللَّه تعالى لا سبيل إليه؟ فيقال المراد به العفو عن المظلمة وإبراء الظالم عنها كما يسقط عنه سائر الحقوق لا أن الحرام ينقلب حلالًا، وما ذكره ابن سيرين إنما يستقيم على وفق ما قاله في التحليل قبل الغيبة فإنه لا يجوز له أن [يتحلل] الغيبة لغيره [ليغتاب] بل إذا وقعت منه الغيبة [فليتحللها] المغتاب على معنى أنه يعفو عنها.\nفإن قال قائل: فما معنى قول النبي -ﷺ- أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا أصبح [يقول] اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك أي تصدقت على من ذكرني بما يرجع إليّ عيبه. وفي حديث أبي الدرداء (^٢) أقرض من عرضك ليوم فقرك أي من عابك وذمك فلا تجازه واجعله قرضا في ذمته لتستوفيه منه يوم حاجتك في القيامة. قاله في النهاية (^٣). فكيف يتصور التصدق بالعرض [و] الذي تصدق به فهل [هو] يباح للغير تناوله وإن كانت صدقته لا تنفذ فما معنى حديث النبي -ﷺ-؟ فيقال معناه أني لا أطلب مظلمة في القيامة [منه] (^٤) ولا أخاصم أحدًا في حق يتعلق بعرضي وإلا فلا تصير\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٦/ ٣٣٨). الأذكار (ص ٢٧٥)، إحياء علوم الدين (٣/ ١٥٤).\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٤٥٩٦)، الآحاد والمثاني (٥/ ص ١٧٢)، حلية الأولياء (١/ ص ٢١٨).\n(^٣) النهاية (٣/ ٢٠٩).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":428},{"text":"الغيبة به حلالًا ولا تسقط المظلمة بذلك لأنه عفو قبل الوجوب إلا أن [ذلك] وعد وهو بالخيار إن شاء عفا في الآخرة وإن شاء رجع وطالب بمظلمته في عرضه. ولهذا أجمع الفقهاء على أن من أباح قذفه لغيره فقذفه لا يسقط بذلك حقه من حد القذف ومظلمة الآخرة أشد من مظلمة الدنيا وعلى الجملة فالعفو فضيلة مندوب إليها. قال اللَّه تعالى مخاطبا لنبيه -ﷺ- ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (^١) فقال النبي -ﷺ- يا جبريل ما هذا؟ قال له: أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.\nوقال الحسن البصري -﵁- (^٢) إذا جثت الأمم بين يدي اللَّه تعالى نودوا ليقم من كان [له] (^٣) أجره على اللَّه تعالى فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. فهذا بيان وقع الاختيار له من شرح حقيقة الغيبة وتفاصيلها، فنسأل اللَّه تعالى أن يعصمنا منها ومن سائر المعاصي ويعيذنا من الزلل يوم يؤخذ بالنواصي، اهـ. قاله ابن خميس في كتابه ذم الغيبة.\n\n٤٣٠١ - وعن أبي بكرة -﵁- قال: \"بينا أنا أماشي رسول اللَّه -ﷺ-، وهو آخذ بيدي، ورجل على يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير وبلى، فأيكم يأتيني بجريدة، فاستبقنا فسبقته، فأتيته بجريدة، فكسرها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة، وعلى ذا\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(^٢) تفسير مجاهد (٢/ ص ٥٧)، حلية الأولياء (٩/ ص ٢٠) المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها (١٧٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":429},{"text":"القبر قطعة. قال: إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول\" رواه أحمد (^١) وغيره بإسناد رواته ثقات.\nقوله وعن أبي بكرة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- فأتيته بجريدة فكسرها نصفين فألقى على هذا القبر قطعة وعلى ذا القبر قطعة، الحديث. [ما] الحكمة في كسرها نصفين فلأن النبات يسبح ما دام رطبا، فإذا حصل التسبيح بحضرة الميت، حصلت له بركته بالتخفيف عنه؛ فلهذا اختص بحالة الرطوبة. أو لأنه -ﷺ- سأل الشفاعة لهما، ورجا إجابتها، وارتفاع العذاب، أو تخفيفه عنهما مدة رطوبتهما؛ لبركة النبي -ﷺ-.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٠٣٧٣) وأخرجه الطيالسي (٨٦٧) والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٢٧، والبزار في مسنده (٣٦٣٦)، والعقيلي في الضعفاء ١/ ١٥٤، والطبراني في الأوسط (٣٧٥٩)، والعقيلي (١/ ١٥٤) وابن قانع في الصحابة (٣/ ١٤٢ - ١٤٣) وابن عدي (٢/ ٤٨٧) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٢٤) (١٢٥)، وقال البخاري في التاريخ الكبير عقبه: وليس بمحفوظ، من حديث أبي بكرة إلا عن بحر بن مرار هذا، وقد صح من غير هذا الوجه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٩٠): رواه الطبراني في الأوسط، وأحمد. . .، ورواه ابن ماجه باختصار ورجاله موثقون.\nوقال أيضًا في (٨/ ١٧٥): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير بحر بن مرار، وهو ثقة. قال ابن حجر في فتح الباري (١/ ٣٢١)، و(١٠/ ٤٧٠): وأخرج أحمد والطبراني بإسناد صحيح عن أبي بكرة قال: مر النبي -ﷺ- بقبرين فقال:. . . فذكره. وقال العقيلي: ليس بمحفوظ من حديث أبي بكرة إلا عن بحر بن مرار هذا، وقد صح من غير هذا الوجه. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٤) إسناد جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٤٢).","vol":"11","page":430},{"text":"٤٣٠٢ - وعن يعلى بن سيابة -﵁-: \"أنه عهد النبي -ﷺ-، وأتى على قبر يعذب صاحبه، فقال: إن هذا كان يأكل لحوم الناس، ثم دعا بجريدة رطبة، فوضعها على قبره، وقال: لعله أن يخفف عنه ما دامت هذه رطبة\" رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢)، ورواة أحمد ثقات إلا عاصم بن بهدلة.\nقوله يعلى بن سيابة هو يعلى بن مرة بن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي، وهو ثقيف، أبو المرازم الثقفي، ويقال: العامري وهو يعلى بن سيابة وهي أمه، قاله يحيى بن معين وغيره. وزعم أبو حاتم أنهما اثنان. له صحبة، عداده في أهل الكوفة، وقيل: في أهل البصرة، وله بها دار. شهد مع النبي -ﷺ- الحديبية، وخيبر، والفتح، وحنينا، والطائف، وروى عنه أحاديث، وعن علي بن أبي طالب (^٣).\n_________\n(^١) أحمد (١٧٥٦٠).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٧٥/ ٧٠٥)، وفي المعجم الأوسط (٢٤١٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٥٩٥)، وفي المصنف (١٢٠٤٤) وعبد بن حميد المنتخب من مسند (٤٠٤) وابن أبي عاصم في الآحاد (١٦٠٣) وابن قانع في الصحابة (٣/ ٢٢١) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٢٦) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٥٩٢) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وأحمد وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجال ثقات المجمع (٨/ ٩٣)، وقال في موضع آخر: رواه أحمد والطبراني وإسناده حسن المجمع (٩/ ٧)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٤٤): إسناده لابأس به. وعزاه البوصيري في إتحاف الخيرة (١/ ٢٨١) إلى عبد بن حميد، وقال: هذا إسناد رجاله ثقات، حبيب بن أبي جبيرة، ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات.\n(^٣) تهذيب الكمال (٣٢/ ترجمة ٧١١٨).","vol":"11","page":431},{"text":"قوله -ﷺ- ثم دعا بجريدة فوضعها على قبره وقال لعله يخفف عنه ما دامت هذه رطبة الحديث تقدم معنى التخفيف والرطب فإن قلت ما وجه التأقيت بقوله ما لم ييبسا قلت محمول على أنه سأل الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته عنهما إلى تيبسهما فإن قلت ما وجه دلالة الحديث على الغيبة قلت النميمة نوع منها لو سمع المنقول عنه أنه نقل عنه لغمه ذلك قاله الكرماني (^١). قوله ورواته ثقات إلا عاصم بن بهدلة وعاصم هذا هو أحد القراء السبعة ثَبْتٌ في القراءة وفي الحديث يضعف.\n\n٤٣٠٣ - وعن أبي أمامة -﵁- قال: \"أتى رسول اللَّه -ﷺ- بقيع الغرقد، فوقف على قبرين ثريين فقال: أدفنتم فلانًا وفلانة، أو قال: فلانًا وفلانًا؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه قال: قد أقعد فلان الآن، فضرب، ثم قال: والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع، ولقد تطاير قبره نارا، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الثقلين: الإنس والجن، ولو لا تمريج قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع، ثم قالوا: يا رسول اللَّه وما ذنبهما؟ قال: أما فلان، فإنه كان لا يستبرئ من البول، وأما فلان أو فلانة فإنه كان يأكل لحوم الناس\" رواه ابن جرير الطبري (^٢) من طريق علي بن يزيد عن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢١/ ١٩٤).\n(^٢) ابن جرير الطبري في صريح السنة (٤٠)، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٥) والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢١٦/ ٧٨٦٩)، ومن طريقه ابن الشجري في الأمالي الشجرية (٢/ ٢١٨) والبيهقي في الزهد الكبير (٢٩٨)، وقال ابن رجب في أهوال القبور (ص ٩٤): وفي هذا الإسناد ضعف. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٣٦): هذا إسناد ضعيف لضعف =","vol":"11","page":432},{"text":"القاسم عنه، ورواه من هذه الطريق أحمد (^١) بغير هذا اللفظ، وزاد فيه: \"قالوا: يا نبي اللَّه، حتى متى هما يعذبان؟ قال: غيب لا يعلمه إلا اللَّه\" وتقدم لفظه في النميمة. [قال الحافظ]: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة مشهورة في الصحاح، وغيرها عن جماعة من الصحابة ﵃، وفي أكثرها أنهما يعذبان في النميمة والبول، والظاهر أنه اتفق مروره -ﷺ- مرة بقبرين يعذب أحدهما في النميمة، والآخر في البول، ومرة أخرى بقبرين يعذب أحدهما في الغيبة، والآخر في البول، واللَّه أعلم.\nقوله وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع إلى قوله إلا الثقلين الجن والإنس، تقدم الكلام على تفسير الثقلين في الصدقات وغيرها. قول الحافظ ﵀: وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة مشهورة في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة وفي أكثرها أنهما يعذبان في النميمة والبول. والظاهر أنه اتفق مروره -ﷺ- بقبرين يعذب أحدهما في النميمة والآخر في البول ومرة أخرى بقبرين يعذب أحدهما في الغيبة والآخر في البول واللَّه أعلم. وقال شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر (^٢): بل القصة والمخرج متحد وأكل لحوم الناس أعم من أن يكون بالغيبة أو\n_________\n= رواته، قال ابن معين: علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة هي ضعفاء كلها. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٩٣).\n(^١) أحمد (٥/ ٢٦٦).\n(^٢) فتح الباري (١٠/ ٤٧١).","vol":"11","page":433},{"text":"بالنميمة. والجمع بين اللفظين ممكن مع عدم ارتكاب التعسف في كونهما قصتين فإن الأصل عدم التعدد واللَّه أعلم اهـ.\n\n٤٣٠٤ - وروي عن عثمان بن عفان -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"الغيبة والنميمة يحتان الإيمان كما يعضد الراعي الشجرة\" رواه الأصبهاني (^١).\nقوله وروي عن عثمان بن عفان تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- الغيبة والنميمة يجبان الإيمان كما يعضد الراعي الشجرة الحديث. فالغيبة هي أن يتكلم خلف الإنسان بما يغمه لو سمعه وكان صدقا فإن كان كذبا سمي بهتانا وفي حكمه الكتابة والإشارة ونحوهما والنميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد [والشر.] والجب هو القطع. وقوله كما يعضد الراعي الشجرة عضد الشجرة هو قطعها.\nقوله أوحى اللَّه تعالى إلى موسى ﵇ من مات تائبا عن الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ومن مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار. وروي عن أبي أمامة الباهلي أنه قال يعطى العبد كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم يكن عملها فيقول يا رب من أين لي هذا؟ فيقول هذا بما اغتابك الناس وأنت لا تشعر، ذكره ابن خميس.\n\n٤٣٠٥ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال: المفلس من\n_________\n(^١) وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٩٤) موضوع.","vol":"11","page":434},{"text":"أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار\" رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢) وغيرهما.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم.\nقوله -ﷺ- المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة الحديث تقدم الكلام عليه في الترهيب من الظلم.\n\n٤٣٠٦ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن الرجل ليؤتى كتَابه منشورا فَيَقُول يَا رب فَأَيْنَ حَسَنَات كَذَا وَكَذَا عملتها لَيست فِي صحيفتي فَيَقُول محيت باغتيابك النَّاس رَوَاهُ الأَصْبَهَانِيّ (^٣).\nقوله وروي عن أبي أمامة الباهلي تقدم الكلام عليه. قوله إن الرجل ليؤتى كتابه منشورا فيقول يا رب فأين حسنات كذا وكذا عملتها ليست في صحيفتي فيقول محيت باغتيابك الناس الحديث. قوله ليؤتى كتابه منشورا أي ليعطى كتابه منشورا، والمنشور هو عمله الذي عمل أحصي عليه فأخرج له يوم\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥٩) (٢٥٨١).\n(^٢) سنن الترمذىِ (٢٤١٨) هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن وهب الجامع (٥٦١)، وأحمد (٨٠٢٩، ٨٤١٤ - ٨٨٤٢)، وابن حبان (٤٤١١)، وأبو يعلى الموصلي (٦٤٩٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٥٥)، وفي شعب الإيمان (١/ ٥٢٢).\n(^٣) أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٢٥٠). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (١٦٩٥).","vol":"11","page":435},{"text":"القيامة ما كتب عليه من العمل فقرأه منشورا عن الحسن -﵁- قال: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة وقال سعيد بن جبير يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع إليه كتابه فلا يرى صلاته ولا صيامه ولا شيئًا من حسنات أعماله فيقول يا رب هذا كتاب غيري كانت لي حسنات ليست فيه فيقال له إن ربك لا يضل ولا ينسى ذهب جميع عملك باغتيابك الناس اهـ، ذكره ابن خميس.\n\n٤٣٠٧ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته\" رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤)، وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وعن جماعة من الصحابة اكتفينا بهذا عن سائرها لضرورة البيان.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم.\nقوله -ﷺ- أتدرون ما الغيبة قالوا اللَّه ورسوله أعلم، قال ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٧٠) (٢٥٨٩).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٨٧٤).\n(^٣) سنن الترمذي (١٩٣٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. .\n(^٤) السنن الكبرى للنسائي (١١٤٥٤).","vol":"11","page":436},{"text":"وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته الحديث [بَهَته] بفتح الباء وبتخفيف التاء ومن شددها فقد أخطأ. والبَهْت بفتح الباء وسكون الهاء وفتحها الكذب [أي كذبت عليه] و[الافتراء] أي قلت فيه البهتان وهو الباطل، وقيل قلت فيه من الباطل ما حيرته به، يقال بهت فلان فلانًا فبُهِتَ أي تحيَّر في كذبه وقيل بهته واجهه بما [لم] (^١) يفعل.\nوقوله تعالى ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (^٢) أي انقطعت حجته فتحير، يقال بهت الرجل بهتا أي انقطع وتحير، وبهت الرجل بهتانا إذا قابلته بكذب اهـ. قال الخطابي رحمه اللَّه تعالى (^٣) بهت الرجل صاحبه يبهت [بهتا و] (^٤) بهتانا وهو أن يكذب عليه الكذب الذي يبهت من شدة نكره ويتحير فيه فيبقى مبهوتا، والمراد منه قذف أهل الإحصان، ويدخل فيه رمي الناس بالعظائم وما يلحق بهم العار والفضيحة اهـ. قاله البغوي في شرح السنة. والغيبة [ذكر الإنسان] في غيبته بما يكره والبهت في وجهه وأصل البهت أن يقال له الباطل وهما حرامان.\nفائدة: [ولكن] تباح الغيبة لغرض شرعي وذلك بستة أسباب أحدها التظلم فإذا كان الإنسان مظلومًا من جهة القاضي أو غيره فله أن يذكر ظلامته ويصرح بها ويرفع الأمر فيه إلى السلطان أو من له ولاية أو قدرة على إنصافه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٥٨.\n(^٣) البغوي في شرح السنة (١/ ٦٢)\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":437},{"text":"منه فذلك مما لا يؤاخذ به ولا يكون مغتابا بذكره، وقد نص اللَّه تعالى على جوازه فقال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (^١) ومعناه ليذكر ظالمه بالسوء من الكلام.\nالثاني الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا أو كذا فازجره عنه أو نحو ذلك وإنما يباح ذلك بقصد ذكر المنكر لزواله ورفعه فإن لم يكن قصده صحيحًا كان بذلك مغتابا.\nالثالث الاستفتاء بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه ودفع ظلمه عني؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، والأحوط أن يقول في رجل أو زوج أو والد أو ولد: كان من أمره كذا، ومع ذلك فالتعيين جائز لحديث هند ﵂ وقولها: إن أبا سفيان رجل شحيح الحديث، فذكرته بوصف الظلم والشح ولم ينكر -ﷺ- عليها إذ كان قصدها الاستفتاء.\nالرابع تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة، والشهود، والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع، بل واجب صونا للشريعة، ومنها الإخبار بعيبه عند المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته فيجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة ولهذا قال -ﷺ-: اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس، ذكره ابن خميس. ومنها إذا رأيت من يشتري شيئًا معيبا أو\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٤٨.","vol":"11","page":438},{"text":"عبدا سارقا أو شاربا أو زانيا ونحو ذلك فتذكره للمشتري إذا لم يعلمه نصيحة، لا بقصد الإيذاء والإفساد، ومنها إذا رأيت متفقها يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخفت أن يتضرر [المتفقه] بذلك، فعليك نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة وهذا مما يغلط، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد ويلبس الشيطان عليه بذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك. ومنها أن تكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه إما بأن لا يكون صالحا لها وإما بأن يكون فاسقا أو مغفلا ونحو ذلك فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية ليستدل به أو يعرف حاله، فلا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة.\nالخامس أن يكون الإنسان معروفا بلقب يتضمن ذكر غيبة كالأعرج والأعمش والأصم والأعمى والأحول والقصير والأزرق والأقطع [وما يجري مجراه] (^١) فلا إثم على من يقوله. فقد روى أبو الزناد عن الأعرج وروى عن سليمان الأعمش، فالعلماء قد فعلوا ذلك ولم ينكروه بينهم ولا جعلوه غيبة لضرورة التعريف ويحرم إطلاقه على جهة [التنقيص] ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى [ولذلك قيل للأعمى بصير عدولا عن اسم النقص، واللَّه تعالى أعلم].\nالسادس أن يكون المذكور مجاهرا بالفسق كالمخنث أو بدعته كالمجاهر\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فقد روى أبو الزناد عن الأعرج وروى عن سليمان الأعمش).","vol":"11","page":439},{"text":"بشرب الخمر ومصادرة الناس وأخذ المكس وجباية الأموال ظلما وتولي الأمور الباطلة ويكون متظاهرا بنوع من أنواع الفسق بحيث لا يكره أن يذكر ذلك عنه فإذا ذكرت منه ما يتظاهر به فلا يكون مغتابا إذ فيه قال رسول اللَّه -ﷺ- (^١) من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له.\nوقال عمر -﵁-: ليس لفاجر حرمة وإنما أراد به المجاهر دون المستتر إذ من يكتم حاله في فجوره لابد له من مراعاة حرمته [ويكون] بذكره مغتابا. وقال الصلت بن طريف (^٢) قلت للحسن -﵁- الرجل الفاجر المعلن بفجوره ذكري له بما فيه غيبة له فقال لا ولا كراهة.\nوروي عن الحسن البصري (^٣) أنه قال: [ثلاثة] لا غيبة لهم الإمام الجائر وصاحب الأهواء والفاسق المعلن بالفسق فهؤلاء إنما جوز ذكرهم بما يتظاهرون به من الفسق لأنهم لا يكرهونه [إذا ذكر عنه] (^٤) بل قد ربما يتفاخرون به فأما إذا ذكر الفاسق بغير ما يتظاهر به كان مغتابا عاصيا فقد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (١٠٢)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٦)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٧) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٥٥)، وقال: وهذا أيضًا ليس بالقوي. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٢٥٦) أخرجه ابن عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث أنس بسند ضعيف، وقال في (ص: ١٠٤٦) أخرجه ابن عدي وأبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال من حديث أنس بسند ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٨٣)، والضعيفة (٥٨٥).\n(^٢) الصمت وآداب اللسان (ص ١٤٤)، الكفاية في علم الرواية (ص ٤٢).\n(^٣) فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد (١٤)، إحياء علوم الدين (ج ٣/ ص ١٥٣).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":440},{"text":"روي أن رجلا يقال له عوف قال وقعت على ابن سيرين فتناولت الحجاج بن يوسف وأخذت في غيبته فأنكر عليّ وقال أن اللَّه تعالى حكم عدل ينتقم للحجاج ممن اغتابه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه وإنك إذا لقيت اللَّه غدا كان أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج. فهذه الجملة من الأعذار المرخصة في الغيبة وما عداها لا رخصة فيه بحال وإنما يوجب الخزي والنكال. وهذه الستة المذكورة ذكرها النووي في رياضه (^١) وابن خميس في كتابه ذم الغيبة، واللَّه أعلم.\n\n٤٣٠٨ - وعن أبي الدرداء -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال: \"من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه اللَّه في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه\" رواه الطبراني (^٢) بإسناد جيد.\n\n٤٣٠٩ - وفي رواية له: \"أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها برئ يشينه بها في الدنيا كان حقا على اللَّه أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال\".\n_________\n(^١) رياض الصالحين (ص: ٤٣٢).\n(^٢) عزاه ابن كثير في جامع المسانيد والسُّنَن (١١٨٧١) للطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٠١) رواه كله الطبراني في الكبير، وإسناد الأول فيه من لم أعرفه، ورجال الثاني ثقات. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٤٨) أخرجه ابن أبي الدنيا موقوفا على أبي الدرداء. ورواه الطبراني بلفظ آخر مرفوعا من حديثه وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٣٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٣٥٩)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٥٧)، وفي ذم الغيبة والنميمة (١٢١)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٢/ ٥٨٥)، وأبو الشيخ الأصبهاني في التوبيخ والتنبيه (١٣٢) موقوفًا على أبي الدرداء.","vol":"11","page":441},{"text":"قوله وعن أبي الدرداء تقدم. قوله -ﷺ- أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقا على اللَّه أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال الحديث. أي أظهر عليه ما يشينه ويعيبه به يقال شاع الحديث [وأشاعه إذا ظهر وأظهره] شيعوعة وشيعانا وشياعا وأشعته وشعت به والرجل مشياع [إذا ظهر وأشاعه أظهره] (^١).\n\n٤٣١٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه اللَّه ردغة الخبال حتى يخرج مما قال\" رواه أبو داود (^٢) في حديث، والطبراني (^٣)، وزاد: وليس بخارج، والحاكم (^٤) بنحوه، وقال: صحيح الإسناد.\n[ردغة الخبال]: هي عصارة أهل النار كذا جاء مفسرا مرفوعا، وهو بفتح الراء وإسكان الدال المهملة، وبالغين المعجمة. [والخبال] بفتح الخاء المعجمة وبالموحدة.\nقوله وعن ابن عمر تقدم. قوله -ﷺ- من قال في مسلم ما ليس فيه أسكنه اللَّه ردغة الخبال حتى يخرج مما قال. وزاد الطبراني وليس بخارج الحديث،\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سنن أبي داود (٣٥٩٧)، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٠)، والبيهقي الكبرى (٦/ ٨٢)، وفي شعب الإيمان (٦٣٠٩) و(٧٢٦٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٢٤٨)، والصحيحة (٤٣٧) و(١٠٢١). .\n(^٣) الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٠٧) (١٣٠٨٤).\n(^٤) الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٤).","vol":"11","page":442},{"text":"وردغة الخبال هي عصارة أهل النار وهي بفتح الراء وإسكان الدال المهملة وبالغين المعجمة أيضًا ومعنى قوله وليس بخارج منها أنه لا يخرج حتى يثبت ما قال ومحال أن يقلب الكذب صدقا فكأنه علق خروجه على ما يستحيل وجوده كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (^١)، ومعناه لا يدخلون الجنة أبدا، قاله ابن النحاس في تنبيهه.\n\n٤٣١١ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"خمس ليس لهن كفارة الشرك باللَّه وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق\" رواه أحمد (^٢) من طريق بقية، وهو قطعة من حديث.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله خمس ليس لهن كفارة الشرك باللَّه تعالى وقتل النفس بغير الحق وبهت المؤمن والفرار من الزحف\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٤٠.\n(^٢) مسند أحمد (٨٧٣٧) وأخرجه أبو زرعة الرازي كما في العلل ١/ ٣٣٩ لابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٢١١)، وإسحاق في مسند أبي هريرة (٣٣٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٧٨) وفي الديات (ص ٤٢) وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٣٩) ابن شاهين في الأفراد (١٧)، والطبراني في مسند الشاميين (١١٨٣ و١١٨٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٣) رواه أحمد، وفيه بقية، وهو مدلس وقد عنعنه. قال الهيثمي في (١٠/ ١٨٩) رواه أحمد، وفيه بقية، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٣٣٩)، وصحيح الجامع (٣٢٤٧).","vol":"11","page":443},{"text":"ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق تقدم الكلام على هذه الخصال في أبوابها. وأما البهت فهو الكذب عليه وقد اتفق جمهور العلماء على أن البهت من الكبائر، وأفرد البهت عنها [تخصيص] من غير مخصص.\nقوله وعن أسماء بنت يزيد تقدم الكلام عليها.\nقوله -ﷺ- من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على اللَّه أن يعتقه من النار. ذبّ بمعنى كذا ومعنى الحديث رد عن عرض أخيه وهو غائب، فيحرم الإصغاء إلى الغيبة واستماعها، ولهذا قال -ﷺ- (^١) المستمع شريك القائل، وقال ﵇ في حديث آخر (^٢) المستمع أحد المغتابين.\nوروي (^٣) أن أبا بكر وعمر ﵄ قال [أحدهما] لصاحبه إن فلانا لنئووم ثم إنهما طلبا من رسول اللَّه -ﷺ- أدما ليأكلا مع الخبز فقال لهما رسول اللَّه -ﷺ- إنكما قد ائتدمتما فقالا ما نعلم ذلك قال بلى ما أكلتما من لحم صاحبكما الحديث. فجمع -ﷺ- بينهما في الغيبة ولم يصدر من أحدهما إلا مجرد السماع ولا يخرج المستمع عن إثم الغيبة إلا أن ينكر بلسانه ويرد [عن] المغتاب فإن لم يقدر [أن ينكر عليه] [أنكر بقلبه] (^٤)\n_________\n(^١) لم أجده، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٤٧) عن عمرو بن عتبة من كلامه.\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (١٨٥)، وأبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب (٢٢٣١)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٨) أخرجه أبو العباس الدغولي في الآداب من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا نحوه.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":444},{"text":"ولم يرض به وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعل [ارتكب] الإثم بل ينبغي أن يعظم أمره فيذب عنه صريحا اهـ. قاله ابن خميس في كتابه ذم الغيبة.\n\n٤٣١٢ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من ذب عَن عرض أَخِيه بالغيبة كانَ حَقًا على اللَّه أَن يعتقهُ من النَّار.\nرَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهم (^١).\n\n٤٣١٣ - وعن أبي الدرداء -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"من رد عن عرض أخيه رد اللَّه عن وجهه النار يوم القيامة\" رواه الترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن، وابن أبي الدنيا (^٣) وأبو الشيخ في كتاب التوبيخ، ولفظه قال: \"من ذب عن عرض أخيه رد اللَّه عنه عذاب النار يوم القيامة\"، وتلا رسول اللَّه -ﷺ-:\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (٢٣١٠)، وأحمد ٦/ ٤٦١ (٢٧٦٠٩ و٢٧٦١٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (ص ١٤٧)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٧٦ رقم ٤٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٧).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٤٧). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٩٥: رواه أحمد والطبراني وإسناد أحمد حسن.\n(^٢) سنن الترمذي (١٩٣١) هذا حديث حسن.\n(^٣) ابن أبي الدنيا ذم الغيبة والنميمة في (١٠٢، ١١٤)، وفي الصمت (٢٣٩ - ٢٥٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٥٣٩)، وفي المسند (٢٨)، أحمد (٢٧٥٣٦) وعبد بن حميد (٢٠٦)، والحارث بن أبي أسامة، بغية الباحث (٨٨١)، وابن السني عمل اليوم والليلة (٤٢٩)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٨٨٥ - ٨٨٦)، والطبراني في مكارم الأخلاق (١٣٤) والبيهقي (٨/ ١٦٨)، وفي شعب الإيمان (٧٢٢٨ - ٧٢٢٩ - ٧٢٣٠).","vol":"11","page":445},{"text":"﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nقوله وعن أبي الدرداء تقدم الكلام عليه. قوله من رد عن عرض أخيه رد اللَّه عن وجهه النار يوم القيامة الحديث، وإن لم يرد غيبة أخيه وراعى المغتاب أو كان من عادته عدم اعتنائه بالدين وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [فهذا وأمثاله قد وقعوا في شر عظيم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] (^٢) يوجب غضب اللَّه تعالى وغضب رسوله وهو سبب إرسال أنواع العذاب على الأمم وإهلاكهم اهـ. قاله الحصني. وكان بعض الصالحين يقول قال عيسى بن مريم ﵊ لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب وانظروا في عيوبكم كالعبيد يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عينه، وإنما الناس رجلان [معافى ومبتلى] فاحمدوا اللَّه على العافية وارحموا المبتلى، ثم إن ذلك الرجل الصالح عند فراغه من هذا الحديث أنشأ يقول:\nيمنعني من عيب غيري الذي ... أعرفه فِيَّ من العيب\nعيبي لهم بالظن مني لهم ... ولست من عيبي في ريب\n[فـ] إن كان عيبي غاب عنهم فقد ... أحصى عيوبي عالم الغيب\nوقال ميمون بن سياه تذاكروا عندي رجلا من السلاطين فوقعوا فيه فلما [انقلبت] إلى أهلي رقدت فإذا أنا بريح منتنة وإذا رجل على رأسي يقول كل\n_________\n(^١) سورة الروم، الآية: ٤٧.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":446},{"text":"يا عبد اللَّه هذه الجيفة فقلت بماذا؟ قال اغتيب عندك قلت ما ذكرت فيه خيرا ولا شرا قال لكنك سمدت ورضيت. وسمع أعرابي قوما يغتابون ابن عم له فقال عطوا علي عيب من لو كان حاضرًا لأسرعتم في مدحه وأنشأ في هذ المعنى فقال:\nلا تفشيَّن من مساوي الناس ما سَتروا ... فيكشف [اللَّه] سترًا من مساويكا\nواذكر محاسن ما فيهم إذا ذُكروا ... ولا تَعِبْ أحدًا منهم بما فيكا اهـ\nذكره أيضًا ابن خميس في كتابه.\n\n٤٣١٤ - وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"من حمى مؤمنا من منافق أراه قال: بعث اللَّه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلما يريد به شينه حبسه اللَّه على جسر جهنم حتى يخرج مما قال\" رواه أبو داود (^١) وابن أبي الدنيا (^٢).\n[قال الحافظ]: وسهل بن معاذ يأتي الكلام عليه، وقد أخرج هذا الحديث ابن يونس في تاريخ مصر من رواية عبد اللَّه بن المبارك عن يحيى بن أيوب\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٨٣).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٤٨)، وفي ذم الغيبة والنميمة (١١٢) والحديث؛ أخرجه أحمد (١٥٦٤٩)، والبخاري التاريخ الكبير (١/ ٣٧٧)، والبغوي في معجم الصحابة (٥/ ٢٨٣)، والطبراني المعجم الكبير (٢٠/ ١٩٤/ ٤٣٣)، وفي مكارم الأخلاق (١٣٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٢٢٥) والبغوي في شرح السنة (٣٥٢٧). وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: ٢)، والتعليق الرغيب (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، المشكاة (٤٩٨٦) وضعفه في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٩٧)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥٥٦٤).","vol":"11","page":447},{"text":"بإسناد مصري كما أخرجه أبو داود، وقال ابن يونس: ليس هذا الحديث فيما أعلم بمصر، ومراده أنه إنما وقع له من حديث الغرباء، واللَّه أعلم.\nقوله وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني تقدم. قوله -ﷺ- ومن رمى مسلما بشيء يريد به شينه الحديث أي عيبه وتنقصه، والشين العيب. قوله حتى يخرج مما قال [اعلم أن الخروج عن] ذلك الذنب إما باستحلال أو التعذيب.\n\n٤٣١٥ - وعن أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من حمى عرض أخيه في الدنيا بعث اللَّه ﷿ ملكا يوم القيامة يحميه عن النار\" رواه ابن أبي الدنيا (^١) عن شيخ من أهل البصرة لم يسمه عنه، وأظن هذا الشيخ أبان بن أبي عياش وهو متروك كذا جاء مسمى في رواية غيره.\nقوله وعن أنس تقدم. قوله -ﷺ- من حمى عرض أخيه في الدنيا بعث اللَّه ملكا يوم القيامة يحميه عن النار. حمى معناه منعه من الغيبة بذكره. وقال بعضهم أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في كثرة الصيام والصلاة لكن في الكف عن أعراض الناس.\n\n٤٣١٦ - وروي عنه -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من اغتيب عنده أخوه المسلم فلم ينصره، وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة\" رواه أبو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٤٠)، وفي ذم الغيبة (١٠٤) والشيخ البصري مبهم، فقد جاء مسمى، فقال الخرائطي في مكارم الأخلاق (٨٨٩) وضعفه جدًا الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٧٧١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٦٩٨).","vol":"11","page":448},{"text":"الشيخ في كتاب التوبيخ (^١)، والأصبهاني (^٢) أطول منه، ولفظه قال: \"من اغتيب عنده أخوه، فاستطاع نصرته، فنصره نصره اللَّه في الدنيا والآخرة، وإن لم ينصره أدركه اللَّه في الدنيا والآخرة\".\nقوله وروي عنه -ﷺ- أنه قال -﵁- تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- من حمى عرض أخيه؛ اغتيب عنده أخوه المسلم فلم ينصره أذله اللَّه تعالى يوم القيامة -﵁-: تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- من اغتيب عنده أخوه المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أدركه إثمه في الدنيا والآخرة الحديث. [ونصر المؤمن هو الرد عنه عند الغيبة] أي منع مغتابا عن غيبة المسلم قيد بالغيبة لأن الذي في حضوره ليس له هذا الجزاء ولهذا قال -ﷺ- (^٣) من أُذِل عنده\n_________\n(^١) ولم أجده فيه.\n(^٢) أخرجه الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٢٣٤)، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ١٧٨)، ومن طريقه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٥)، ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة (١٥٨) وفي الصمت (٢٤٣)، وهناد في الزهد (٢/ ٥٦٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢/ ٨٤٠)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٣٠)، وأبو يعلى في المسند كما في المطالب (١) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٥٨)، ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٧٩) والضعيفة (١٨٨٨) وقال: ضعيف جدًّا. .\n(^٣) مسند أحمد (١٥٩٨٥)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٧٣) (٥٥٥٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٢٨) البيهقي في الشعب (٧٦٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٦٧، وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٨) أخرجه الطبراني من حديث سهل بن حنيف وفيه ابن لهيعة. إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٨٤) رواه أحمد بن منيع وأحمد بن حنبل بسند واحد مداره على ابن لهيعة. وقال =","vol":"11","page":449},{"text":"مؤمن وهو يقدر على نصرته فلم ينصره أذله اللَّه تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق. وقال ﵇ (^١): من رد عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على اللَّه ﷿ أن يرد عن عرضه يوم القيامة. وقد ورد في نصرة المؤمن بظهر الغيب أخبار كثيرة وفضائل جمة فلا يليق استيفاؤها في هذا التعليق.\n\n٤٣١٧ - وَعَن جَابر بن عبد اللَّه ﵄ قَالَ من نصر أَخَاهُ الْمُسلم بِالْغَيْبِ نَصره اللَّه فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَوْقُوفا (^٢).\n\n٤٣١٨ - وعن جابر بن أبي طلحة الأنصاري ﵃ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله اللَّه في موطن يحب فيه نصرته، وما\n_________\n= البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٩): رواه أحمد بن منيع، وأحمد بن حنبل بسند ضعيف؟ لضعف عبد اللَّه بن لهيعة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٨٠). الضعيفة (٢٤٠٢).\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧٥٣٦)، والترمذي (١٩٣١)، وقال هذا حديث حسن وقال في (ص: ٦٦٧) أخرجه الترمذي وحسنه، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (ح ٢٣٩)، والدولابي في الكنى (١/ ١٢٤)، والطبراني في مكارم الأخلاق (ح ١٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٥٨)، والبغوي في شرح السنة (١٣/ ١٠٦) من حديث أبي الدرداء، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٦٢)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وفيه شهر بن حوشب وهو عند الطبراني من وجه آخر بلفظ رد اللَّه عن وجهه النار يوم القيامة وفي رواية له كان له حجابا من النار وكلاهما ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٤٤). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٤٩).","vol":"11","page":450},{"text":"من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره اللَّه في موطن يحب فيه نصرته\" رواه أبو داود (^١)، وابن أبي الدنيا (^٢) وغيرهما، واختلف في إسناده.\nقوله وعن جابر وأبي طلحة الأنصاري تقدم الكلام عليهما.\nقوله -ﷺ- من امرئ يخذل امرءًا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه الحديث. خذل المسلم، قال العلماء هو ترك الإعانة والنصرة، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه مبسوطا.\nقوله تنتهك فيه حرمته، الانتهاك هو المبالغة في كل شيء.\nقوله وينتقص فيه من عرضه، وعرض الرجل هو موضع المدح والذم من الإنسان وتقدم الكلام عليه في أول الباب.\nقوله إلا خذله اللَّه في موطن يحب فيه نصرته، والموطن كذا ففي هذا الحديث إشارة إلى أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٨٤)، وأحمد (١٦٣٦٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٦٧، ١٦٧)، شعب الإيمان (٧٢٢٦) والطبراني في الكبير (٥/ ١٠٥/ ٤٧٣٥)، وفي الأوسط (٨٦٤٢)، وابن المبارك في الزهد (ص ٢٤٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٨٩)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٩٣٣)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٣٢). وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٦٧): حديث جابر وحده رواه أبو داود، ورواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (رقم ٤٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٩٠). .\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الغيبة والنميمة (١٠٥)، وفي الصمت (٢٤١).","vol":"11","page":451},{"text":"المجلس ويؤيد هذا ما روي عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ- من ذبّ عن عرض أخيه رد اللَّه عن وجهه النار يوم القيامة، وراه الترمذي (^١). [واللَّه تعالى أعلم بالصواب].\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١٩٣١)، وقال: حديث حسن وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٤٨).","vol":"11","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>الترغيب في الصمت إلا عن خير والترهيب من كثرة الكلام</span>\n٤٣١٩ - عَن أبي مُوسَى -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه أَي الْمُسلمين أفضل قَالَ من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والنسائي (^٣).\nقوله عن أبي موسى [واسمه: عبد اللَّه بن قيس الأشعري] (^٤) اليمني من كبار الصحابة وفضلائهم وفقهائهم استعمله النبي -ﷺ- على عدن وساحل اليمن واستعمله عمر -﵁- على الكوفة والبصرة وقدم دمشق على معاوية وكان حسن الصوت بالقرآن ولقد أوتي من مزامير آل داود وتوفي -﵁- بمكة وقيل بالكوفة سنة خمس أو أربع وأربعين. والشيخ أبو الحسن الأشعري الذي هو إمام السنة من نسله اهـ، قاله الكرماني (^٥).\nقوله: قال: قلت يا رسول اللَّه أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده الحديث. وفي لفظ لمسلم: أي الإسلام أفضل؟ أي: بالرفع معناه أي خصال الإسلام أفضل أو أي آداب الإسلام خير، وكأن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١١).\n(^٢) صحيح مسلم (٦٦) (٤٢).\n(^٣) سنن النسائي (٨/ ١٠٦)، وأخرجه الترمذي (٢٥٠٤)، وقال: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أبي موسى. .\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) الكواكب الدراري (١/ ٩١).","vol":"11","page":453},{"text":"السؤال وقع عما يتصل بحقوق الآدميين من الخصال والآداب دون غيرهما بدليل أنه ﵇ أجاب [عما] دون غيرهما من الخصال، اهـ. ومعنى الأفضل هو الأكثر ثوابا عند اللَّه انتهى. قال الإمام القرطبي (^١) لا تعارض بين هذه الألفاظ المذكورة في الروايات لأنه -ﷺ- أجاب كل واحد بما هو الأصلح له ومعنى هذه [الروايات] المسلم الكامل والجامع لخصاله من لم يؤذ مسلما بقول ولا فعل وهذا من جامع كلامه -ﷺ- وفصيحه ومحاسنه ومنّه واختصر لي الحديث اختصارا، الاختصار [استيفائه] المعاني مع قلة الألفاظ ومنه قولهم خير الكلام ما قل ودل وليس المراد بالحديث نفي أصل الإسلام عمن لم يكن بهذه الصفة بل هذا كما يقال العلم ما نفع أو العالم زيد أي الكامل أو المحبوب وكما يقال الناس العرب والمال الإبل فكله على التفضيل لا [للحصر] وجوابه بعد هذا بأن هذا أفضل الإسلام. تنبيه فإن قلت هل فرق بين أفضل وبين خير؟ قلت لا شك أنهما من باب التفضيل لكن الفضل يعني كثرة الثواب في مقابلة القلة والخير يعني النفع في مقابلة الشر والأول من الكمية والثاني من الكيفية اهـ، قاله الكرماني (^٢).\n\n٤٣٢٠ - وَعَن عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده وَالْمُهَاجِر من هجر مَا نهى اللَّه\n_________\n(^١) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢/ ٤٩١)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ١٤٠).\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ٩٢).","vol":"11","page":454},{"text":"عَنهُ رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله وعن عبد اللَّه بن عمرو بفتح العين وبالواو وإنما كتب بها ليتميز عن عمر وهذا في غير النصب وأما في النصب فيتميز بالألف ويخالف عَمْرو عُمَر لخفته بثلاثة أشياء وهي فتح أوله وسكون ثانيه وصرفه وهو عمرو بن العاصي بن وائل القرشي كنيته أبو محمد على الأصح أسلم قبل أبيه وشهد معه صفين وكان يضرب بسيفين وكان بينه وبين والده في السن اثنا عشرة سنة أو إحدى عشرة، قالوا ولا يعرف أحد غيره بينه وبين أبيه هذا القدر، وكان رضي اللَّه غزير العلم مجتهدا في العبادة وكان [أحمر] (^٣) عظيم البطن وعمي في آخر عمره، توفي بمكة أو بالطائف أو بمصر [في] سنة خمس أو ثلاث أو سبع وستين أو اثنتين أو ثلاثة وسبعين اهـ، قاله الكرماني. قوله -ﷺ- المسلم من سلم المسلمون من [لسانه ويده] الحديث. معناه [المسلم] (^٤) من لم يؤذ مسلما بقول وفعل وإنما خصص اليد بالذكر مع أن الفعل قد يحصل بغيرها وقد جاء القرآن العزيز [بإضافة] الاكتساب والأفعال إليها لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر في اليد إذ بها البطش والقطع والأخذ والمنع والإعطاء ونحوه، أو لأن الإيذاء باليد واللسان أكثر من غيرهما فاعتبر الغالب. قال الزمخشري لما كانت أكتر الأعمال تُباشر بالأيدي غُلِّبت فقيل في كل عمل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٠)، (٦٤٨٤).\n(^٢) صحيح مسلم (٦٤) (٤٥).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":455},{"text":"هذا مما عملت أيديهم وإن كان عملا لا يتأتي فيه المباشرة بالأيدي وإنما قدم اللسان لأن إيذاء اللسان أكثر وقوعا وأسهل أو لأنه أشد نكاية. قال -ﷺ- لحسان أهجُ المشركين فإنه أشد عليهم من رشق النبل. وقال الشاعر:\nجراحات السنان لها التئام ... ولا [يلتئم] ما جرح اللسان\nفإن قلت المفهوم من الحديث أنه إذا لم يسلم المسلمون منه لا يكون مسلمًا لكن الاتفاق على أنه إذا أتى بالأركان الخمسة فهو مسلم بالنص والإجماع. قلت المراد من [سلم] منه هو المسلم الكامل وإذا لم يسلموا منه فيلزم أنه لا يكون مسلما كاملا وذلك لأن الجنس إذا أطلق يكون محمولا على الكامل نص عليه سيبويه في نحو الرجل زيد وقال ابن جني من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس ألا ترى كيف سموا الكعبة بالبيت.\nفإن قلت فإذا سلم المسلمون منه يلزم أن يكون مسلما كاملا وإن لم يأت بسائر الأركان لكنه باطل اتفاقا كالأول وهذا السؤال عكس الأول. قلت هذا ورَد على سبيل المبالغة تعظيما لترك الإيذاء فإن ترك الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل وهو محصور فيه على سبيل الادعاء وأمثاله كثير. فإن قلت فما تقول في إقامة الحدود وإجراء التعازير والتأديبات الزاجرة. قلت ذلك مستثنى من هذا العموم بالإجماع أو أنه ليس إيذاء بل هو عند التحقيق استصلاح وطلب السلامة لهم ولو في المآل. قوله -ﷺ- والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه الحديث. الهجر ضد الوصل ومنه قيل للكلام الفاحش الهُجر بضم الهاء لأنه لا ينبغي أن يهجر عنه والمهاجر اصطلاحا هو الذي فارق","vol":"11","page":456},{"text":"عشيرته ووطنه وأعلم النبي -ﷺ- المهاجرين أنه يجب عليهم أن يهجروا ما نهى اللَّه عنه لتكمل هجرتهم ولا [يتكلوا] على الهجرة إلى المدينة فقط. وقيل شق فوات الهجرة على بعضهم فقيل المهاجر أي الكامل من هجر ما نهى اللَّه عنه ويحتمل أن يكون صدور هذا الحديث بعد الفتح ولا هجرة حينئذ إلا هجرة المعاصي.\nقال الخطابي (^١) يريد أن المسلم الممدوح من كان هذا صفته وليس ذلك على معنى أن من لم يسلم الناس منه ممن دخل في عقد الإسلام فليس ذلك بمسلم وكان خارجا عن الملة إنما هو كقولك الناس العرب وتريد أن أفضل الناس العرب وتقدم ذلك، فهاهنا المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق اللَّه تعالى أداء حقوق المسلمين والكف عن أعراضهم وكذلك المهاجر الممدوح هو الذي جمع إلى هجران وطنه هجر ما حرم اللَّه تعالى عليه. ونفيُ اسم الشيء على معنى نفي الكمال مستفيض في كلامهم. واعلم أن الإسلام في الشرع يطلق على ضربين أحدهما دون الإيمان وهو الأعمال الظاهرة كما في قوله تعالى ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^٢).\nوالثاني فوق الإيمان وهو أن يكون مع الأعمال اعتقاد بالقلب مع الإخلاص والإحسان واستسلام للَّه تعالى في جميع ما قضى وما قدر كما ذكر عن إبراهيم ﵇ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت فيحتمل أن يكون المراد\n_________\n(^١) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (١/ ١٤٦).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ١٤.","vol":"11","page":457},{"text":"من المسلم هاهنا المخلص المستسلم لقضاء اللَّه وقدره الراضي به فكأنه قال من أسلم وجهه للَّه ورضي يتقديراته فلا يتعرض لأحد بإيذاء ويكف أذاه عنهم بالكلية سيما عن إخوانه المسلمين وهذا كلام حسن فتدبره، واللَّه أعلم. قاله الكرماني (^١).\n\n٤٣٢١ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود -﵁- قَالَ سَأَلت رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقلت يَا رَسُول اللَّه أَي الأعْمَال أفضل قَالَ الصَّلَاة على ميقاتها، قلت ثمَّ مَاذَا يَا رَسُول اللَّه قَالَ أَن يسلم النَّاس من لسَانك رواه الطبراني (^٢) بإسناد صحيح، وصدره في الصحيحين.\nقوله وعن عبد اللَّه بن مسعود تقدم الكلام عليه.\nقوله فقلت يا رسول اللَّه أي الأعمال أفضل قال الصلاة على ميقاتها. تقدم الكلام على ذلك.\nقوله قلت ثم ماذا يا رسول اللَّه؟ قال أن يسلم المسلمون من لسانك، تقدم معناه في أول الباب.\n\n٤٣٢٢ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه عَلمنِي عملا يدخلني الْجنَّة قَالَ: \"إِن كنت أقصرت\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ٨٩).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٩/ ٩٨٠٢ - ٩٨٠٣)، وأخرجه الهيثم بن كليب (٧٦٠) الطيوريات (٣٨٦) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠١) في الصحيح منه: الصلاة لميقاتها. رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عمرو بن عبد اللَّه النخعي، وهو ثقة. .","vol":"11","page":458},{"text":"الْخطْبَة لقد أَعرَضت الْمَسْأَلَة أعتق النَّسمَة وَفك الرَّقَبَة فَإِن لم تطق ذَلِك فأطعم الجائع واسق الظمآن وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر فَإِن لم تطق ذَلِك فَكف لسَانك إِلَّا عَن خير\" مختصر رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢) والبيهقي (^٣)، وتقدم بتمامه في العتق.\nقوله وعن البراء بن عازب، تقدم الكلام عليه. قوله جاء أعرابي فقال يا رسول اللَّه علمني عملا يدخلني الجنة الحديث، تقدم الكلام عليه ما العتق وسقي الماء.\n\n٤٣٢٣ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- قَالَ قلت: يَا رَسُول اللَّه مَا النجَاة قَالَ: \"أمسك عَلَيْك لسَانك وليسعك بَيْتك وابك على خطيئتك\" رواه أبو داود\n_________\n(^١) البيهقي في الشعب (٤٥٧٩)، وأخرجه ابن المبارك في البر والصلة (٢٧٧) والطيالسي (٧٧٥) وابن أبي شيبة في مسنده (إتحاف الخيرة ٦٨٠٧)، وأحمد (١٨٦٤٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٩) وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٤١)، والخطابي في الغريب (١/ ٦٧)، (١/ ٧٠٤) والطحاوي في المشكل (٢٧٤٣)، (٢٧٤٤)، والخرائطي في المكارم (١/ ٤٣٢)، والدراقطني (٢/ ١٣٥) والروياني (٣٥٤)، (٣٥٥) والحاكم (٢/ ٢١٧) والواحدي في الوسيط (٤/ ٤٩١)، والخطيب في الفقيه (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، والبغوي في شرح السنة (٢٤١٩)، وابن الجوزي في البر والصلة (٣٩١) والشجري في أماليه (٢/ ١٢٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣)، والحديث قال الحاكم: صحيح الإسناد وقال الهيثمي: رجاله ثقات المجمع (٤/ ٢٤٠) وقال ابن حجر: حديث صحيح الفتح (٦/ ٧٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٧٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٩٥١).\n(^٢) ابن حبان (٣٧٤).\n(^٣) والبيهقي (١٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وفي الشعب (٤٠٢٦ و٤٥٨١)، وفي الآداب (٩٥).","vol":"11","page":459},{"text":"والترمذي (^١) وابن أبي الدنيا في العزلة (^٢)، وفي الصمت (^٣) والبيهقي في كتاب الزهد (^٤) وغيره، كلهم من طريق عبد اللَّه بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عنه، وقال الترمذي: حديث غريب.\nقوله وعن عقبة بن عامر تقدم الكلام عليه.\nقوله قلت يا رسول اللَّه ما النجاة قال أمسك عليك لسانك، أي لا تُجْرِه إلا بما يكون لك لا عليك، قاله في النهاية (^٥).\n_________\n(^١) الترمذي (٢٤٠٦).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (١٦٩) وفي العزلة (١).\n(^٣) الصمت (٢).\n(^٤) البيهقي في الشعب (٧٨٤ و٤٥٨٢) (٧٥٨٧ و٧٧٢٣)، وفي الزهد (٢٣٦) وفي الآداب (٤٠٠)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٢٤) أحمد (٥/ ٢٥٩) وفي الزهد (ص ٢٢) والترمذي (٢٤٠٦)، وابن أبي عاصم في الزهد (٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٧٠/ ٧٤١)، والروياني (١٥٨)، وفي مسند الشاميين (٢٥٣)، وابن عدي (٤/ ١٦٣٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٩ و٨/ ١٧٥) والخطابي في العزلة (ص ٨) وابن قدامة في المتحابين (١٤٤)، والقشيري في الرسالة (ص ٦٢) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٧١٣ و١٧٣١) وأبو عمرو الداني في الفتن (١١٩) والشجري في أماليه (٢/ ١٥٥ - ١٥٦)، والسلفي في معجم السفر (٣٦٣)، وأبو سعد الماليني في الأربعين في شيوخ الصوفية (ص ١٩٣ - ١٩٤)، وقال الترمذي: حديث حسن وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٣٠٩): أخرجه الترمذي وحسنه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٤١)، والصحيحة (٨٨٨).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٥٨).","vol":"11","page":460},{"text":"قوله وابك على خطيئتك. قال مالك بن دينار (^١) البكاء على الخطيئة يحط الخطايا كما تحط الريح الورق اليابس. من طريق عبيد اللَّه بن زحر عن علي بن يزيد قال ابن معين ليس بشيء وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن زيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد عبيد اللَّه وعلي بن زيد والقاسم ابن عبد الرحمن لم يكن ذلك الحديث غلا مما عملت أيديهم، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة الرازي صدوق، وقال النسائي: لا بأس به وحسن الترمذي غير ما حديث له عن علي بن زيد عن القاسم.\n\n٤٣٢٤ - وَعَن ثَوْبَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"طُوبَى لمن ملك لِسَانه ووسعه بَيته وَبكى على خطيئته\" رواه الطبراني في الأوسط (^٢) والصغير (^٣) وحسن إسناده.\nقوله عن ثوبان تقدم الكلام عليه وأنه من الموالي. قوله -ﷺ- طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته الحديث. طوبى عند النحويين فعلى من الطيب قلبت الياء فيه واوا لانضمام ما قبلها ومعناه طيب العيش له وقيل طوبى هي الخير وأقصى الأمنية وقيل طوبى اسم الجنة بالهندية وقيل طوبى شجرة في الجنة،\n_________\n(^١) ذم الهوى (١/ ص ٢١٦).\n(^٢) المعجم الأوسط (٢٣٤٠).\n(^٣) الطبراني في الصغير (٢١٢)، وفي مسند الشاميين (٥٤٨)، وأخرجه أحمد في الزهد (١/ ٢٩)، وابن أبي عاصم الزهد (٣٤)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٢٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٧٤٠).","vol":"11","page":461},{"text":"قاله الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية. قوله لمن ملك لسانه، الحديث، قال الفضيل بن عياض (^١): ما حج ولارباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد. وقال بعض العلماء في اللسان لسانك [أسدك] إن أطلقته فَرَسَك وإن أمسكته حرسك. وقال القشيري في رسالته الصمت سلامة [و] أنشد:\nاحفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنك إنه ثعبان\nكم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان\n[ومن محاسن شعر ابن السكيت في اللسان] (^٢) [وقال غيره]:\nيصاب الفتي من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل\nفعثرته في القول تذهب رأسه ... وعثرته بالرجل تبرا علي مهل\n[العثرة بالثاء المثلثة الزلّة]. لطيفة تتعلق بالمعنى: في المستدرك للحاكم (^٣) عن قبيصة بن جابر الأسدي قال كنت محرما فرأيت ظبيا فرميته فأصبته فمات فوقع في نفسي من ذلك فأتيت عمر -﵁- أسأله فوجدت إلى\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٨/ ص ١١٠).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) المستدرك (٣/ ٣٥٠)، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وعنه: أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢٩٦)، وفي السنن الصغير (٢/ ١٦٢)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٢٤٦) وأخرجه عبد الرزاق (٨٢٣٩)، ومن طريقه: الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٢٧/ ٢٥٨) وعنه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٥٨) وابن عبد البر في الاستذكار (٤/ ٣٧٧) وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٣٢): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.","vol":"11","page":462},{"text":"جنبه رجلا أبيض رقيق الوجه وإذا هو عبد الرحمن بن عوف -﵁- فسألت عمر فالتفت إليّ عبد الرحمن فقال ترى شاة تكفيه؟ قال نعم. فأمرني أن أذبح شاة. فلما قمنا من عنده قال صاحب لي إن أمير المؤمنين لم يحسن أن يفتيك حتى سأل الرجل، فسمع عمر بعض كلامه فعلاه بالدرة ضربا ثم أقبل عليّ ليضربني فقلت يا أمير المؤمنين إني لم أقل شيئا إنما هو قاله فتركني ثم قال أردت أن يُقتل الحرام ويُتعدى في الفتيا، ثم قال إن في الإنسان عشرة أخلاق تسعة حسنة وواحد سيء فيفسدها ذلك السيء، ثم قال إياك وعثرات اللسان اهـ قاله في حياة الحيوان (^١).\nقال النووي (^٢): وبلغنا أن قُسّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا فقال أحدهما لصاحبه كم وجدت في ابن آدم من العيوب فقال هي أكثر من أن تحصى والذي أحصيته: ثمانية آلاف عيب، ووجدت خصلةً إن استعملتها سترت العيوب كلها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان. وروي أن رجلا سأل مالك في مرضه الذي مات فيه فقال أوصني قال إن شئت جمعت لك علم العلماء وحكمة الحكماء وطب الأطباء في ثلاث كلمات أما علم العلماء فإذا سُئِلت عما لا تعلم فقل لا أعلم وأما حكمة الحكماء فإذا كنت جليس قوم فكن أسكتهم فإن أصابوا كنت من جملتهم وإن أخطئوا سلمت من خطئهم، وأما طب الأطباء فإذا أكلت طعاما فلا [تقم] إلا ونفسك تشتهيه\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٤٣).\n(^٢) الأذكار للنووي (ص: ٣٣٥).","vol":"11","page":463},{"text":"فإنه لا يلم بجسدك [غير] مرض الموت أو قريبا من هذا، ويقال لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب.\n\n٤٣٢٥ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ: \"من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويَشْهد أَنِّي رَسُول اللَّه فليسعه بَيته وليبك على خطيئته وَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا ليغنم وليسكت عَن شَرّ فَيسلم\" رواه الطبراني (^١) والبيهقي في الزهد (^٢).\nقوله وروي عن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر ويشهد أني رسول اللَّه الحديث. الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب باللَّه وملائكته إلى آخره. قال اللَّه تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (^٣) أي بمصدق.\n[قوله] واليوم الآخر هو يوم القيامة. قوله -ﷺ-: ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرا ليغنم أو ليسكت عن الشر فيسلم الحديث. قال ابن عطية (^٤) سمي اليوم الآخر لأنه لا ليك بعده ولا يسمى يوما إلا ما عقبه ليل قلت فهذا الحديث نص صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلام\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٨/ ١٦٨/ ٧٧٠٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٩) رواه الطبراني، وفيه عفير بن معدان، وهو ضعيف. وضعفه جدًا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٠١).\n(^٢) البيهقي في الزهد (٢٣٤).\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ١٧.\n(^٤) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ص ٩٠).","vol":"11","page":464},{"text":"خيرا وهو الذي ظهرت له مصلحة ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم وقد قال الإمام الشافعي -﵁- إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه فإن ظهرت المصلحة تكلم وإن شك لم يتكلم حتى تظهر. واعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة [فالسنة] الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة ما يعدلها شيء. وقد ورد في الحديث (^١).\nأن النبي -ﷺ- قال (^٢) من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه الحديث. يقال عناه الأمر يعنيه إذا تعلقت عنايته به والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه أو سلامته في معاده وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه فإذا اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور سلم من شر عظيم عميم وذلك يعود بحسن الإسلام لأن السلامة من الشر خير عظيم والسلامة من شر من حسن الإسلام. قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣١٧) وابن ماجه (٣٩٧٦) وابن حبان (٢٢٩)، والكلاباذي في معاني الأخبار (ص ١٤١)، وابن عدي (٦/ ٢٠٧٧)، وأبو الشيخ في الأمثال (٥٤)، والقضاعي (١٩٢) والبيهقي في الآداب (١١٥٢)، وفي الأربعين الصغرى (٢٦)، وفي المدخل (٢٩١)، وفي الشعب (٤٦٣٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٩٨ - ١٩٩)، والبغوي في شرح السنة (٤١٣٢)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٨١)، وصحيح الجامع الصغير (٥٩١١).\n(^٢) سبق.","vol":"11","page":465},{"text":"عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^١) وقد أجمع السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السيئات، واختلفوا هل يكتب كل ما يتكلم به أو لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب على قولين مشهورين. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (^٢)\nيكتب كل ما يُتكلم به من خير أو شر حتى أنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت حتى إذا كان يوم الخميس عرضوا قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره، فذلك قوله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (^٣). عن يحيى بن أبي بكير قال ركب رجل الحمار فعثر به فقال تعس الحمار، فقال صاحب اليمين ما هي حسنة فاكتبها، وقال صاحب الشمال ما هي سيئة فاكتبها، فأوحى اللَّه تعالى إلى صاحب الشمال ما ترك صاحب الشمال فاكتبه فأثبت في السيئات تعس الحمار، وظاهر هذا أن ما ليس بحسنة فهو سيئة وإن كان لا يعاقب عليها فإن بعض السيئات قد لا يعاقب عليها وقد تقع مكفرة باجتناب الكبائر ولكن زمانها قد خسره صاحبها حيث [ذهب] باطلا، فيحصل له بذلك حسرة في القيامة وأسف عليه، وهو نوع عقوبة. فقد روي في الخبر عن النبي -ﷺ-[أنه قال] (^٤) ما من\n_________\n(^١) سورة ق الآية: ١٨.\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٨٦٣٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٩٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٩٣) لابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.\n(^٣) سورة الرعد، الآية: ٣٩.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":466},{"text":"قوم اجتمعوا في مجلس لا يذكرون اللَّه فيه أو كما ذكر إلا كان حسرة عليهم اهـ. قاله الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي (^١).\n\n٤٣٢٦ - وَعَن سهل بن سعد -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"من يضمن لي مَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ أضمن لَهُ الْجنَّة\" رواه البخاري (^٢) والترمذي (^٣).\nقوله وعن سهل بن سعد تقدم.\nقوله -ﷺ- من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة. الضمان معروف والمراد بما بين لحييه اللسان وبما بين رجليه الفرج. واللحيان عظما الحنك.\n\n٤٣٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"من وَقَاه اللَّه شَرّ مَا بَين لحييْهِ وَشر مَا بَين رجلَيْهِ دخل الْجنَّة\" رواه الترمذي (^٤) وحسنه وابن حبان في صحيحه (^٥)، ورواه ابن أبي الدنيا (^٦) إلا أنه قال: من حفظ ما بين لحييه.\nقوله وعن أبي هريرة -﵁-[تقدم الكلام رضي اللَّه تعالى عنه]، وحمل أبو هريرة عن رسول اللَّه -ﷺ- من العلم شيئا كثيرا وهو أكثر الصحابة رواية\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٣٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٤٧٤).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٤٠٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(^٤) الترمذي (٢٤٠٩)، وفي العلل (٢/ ٨٣٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أبو سعيد الأشج في حديثه (٩١)، وأبو يعلى (٦٢٠٠).\n(^٥) ابن حبان (٥٧٠٣)، وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٥٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٦٣ - ٦٤)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥١٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٤١٣).\n(^٦) ابن أبي الدنيا في الصمت (٦٨٨).","vol":"11","page":467},{"text":"بإجماع العلماء وكان يدور مع رسول اللَّه -ﷺ- حيث ما دار، فقال لرسول اللَّه -ﷺ- إني قد سمعت منك حديثا كثيرا وإني أخاف أن أنسى فقال ابسط رداءك قال فبسطته فغرف بيده ثم قال ضُمَّه فما نسيت شيئا بعد. وكان -﵁- آدم اللون ذا ضفيرتين محفيا [لشاربه] مزَّاحا، وكان مروان ربما استخلفه على المدينة فيركب حمارا قد شدّ عليه بردعته وفي رأسه شيء من الليف فيسير فيلقى الرجل فيقول الطريق قد جاء الأمير، ذكره الكرماني (^١). وتقدم الكلام عليه مبسوطا. قوله -ﷺ- من وقاه اللَّه شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة، وفي رواية ابن أبي الدنيا قال من حفظ ما بين لحييه الحديث، واللحيان ملتقى عظم الحنك، وتقدم قوله. وقاه اللَّه معناه صانه، ووقاه ما يكره.\n\n٤٣٢٨ - وَعَن أبي جُحَيْفَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى اللَّه ﷿ قَالَ فَسَكَتُوا فَلم يجبهُ أحد قَالَ هُوَ حفظ اللِّسَان\" رواه أبو الشيخ بن حيّان والبيهقي (^٢)، وفي إسناده من لا يحضرني الآن حاله.\nقوله: وعن أبي جحيفة، أبو جحيفة اسمه وهب بن عبد اللَّه السوائي تقدم الكلام عليه في مواضع. قوله أي الأعمال أحب إلى اللَّه، قال فسكتوا فلم يجبه أحد، فقال هو حفظ اللسان، تقدم الكلام على حفظ اللسان.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ٨٢).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٥٩٩)، وابن حجر في الإمتاع بالأربعين (ص ٥٥ - ٥٦)، وقال: هذا حديث غريب وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٦٥) والسلسلة الضعيفة (١١١٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٠٢)، وعزاه ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٣٠٨) لأبي الشيخ في كتاب الثواب والبيهقي في الشعب من حديث أبي جحيفة.","vol":"11","page":468},{"text":"٤٣٢٩ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: \"من دفع غَضَبه دفع اللَّه عَنهُ عَذَابه وَمن حفظ لِسَانه ستر اللَّه عَوْرَته\" رواه الطبراني في الأوسط (^١)، وأبو يعلى (^٢)، قَالَ: من خزن لِسَانه ستر اللَّه عَوْرَته وَمن كف غَضَبه كف اللَّه عَنهُ عَذَابه وَمن اعتذر إِلَى اللَّه قبل اللَّه عذره، ورواه البيهقي (^٣) مرفوعا على أنس، ولعله الصواب.\nقوله وروي عن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: من دفع غضبه دفع اللَّه عنه عذابه؛ ودفع الغضب هو الكف عنه.\nقوله -ﷺ-: ومن حفظ لسانه ستر اللَّه عورته، وفي رواية أبي يعلى من خزن لسانه ستر اللَّه عورته، وخزن اللسان هو حبسه ومنعه من الكلام إلا بخير.\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (١٣٢٠).\n(^٢) أبو يعلى (٤٣٣٨).\n(^٣) البيهقي، في شعب الإيمان (٨٣١١). والحديث؛ أخرجه ابن أبي عاصم، في الزهد (١٠)، والدولابي في الكنى ٢/ ٦٠٤ و٧٨١، وقال أبو حاتم الرازي في علل الحديث (١٩١٩): هذا حديث منكر. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٧١): أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان واللفظ له من حديث أنس بإسناد ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٨) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد السلام بن هاشم، وهو ضعيف. وقال في (١٠/ ٢٩٨) رواه أبو يعلى، وفيه الربيع بن سليمان الأزدي، وهو ضعيف. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٥٥٨٠)، والضعيفة (١٩١٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٠٧٣): ضعيف جدًا.","vol":"11","page":469},{"text":"٤٣٣٠ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط عَنهُ أَيْضًا عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الإِيمَان حَتَّى يخزن من لِسَانه (^١).\n\n٤٣٣١ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود -﵁-: قَالَ: \"وَالَّذِي لا إِلَه غَيره مَا على ظهر الأَرْض من شَيْء أحْوج إِلَى طول سجن من لِسَان\" رواه الطبراني (^٢) موقوفا بإسناد صحيح.\n[قوله وعن عبد اللَّه بن مسعود تقدم الكلام عليه] (^٣). وفي رواية الطبراني (^٤) لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يخزن [من] لسانه الحديث. حقيقة الإيمان أي محضه وخالصه. قوله وعن عبد اللَّه بن مسعود تقدم\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الصغير (٩٦٤) والأوسط (٥/ ٣٧٨ رقم ٥٦١٣) و(٦/ ٣٣٧ رقم ٦٥٦٣).\nقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٢: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه داود بن هلال، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه ضعفا، وبقية رجاله رجال الصحيح غير زهير بن عباد وقد وثقه جماعة. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٢٧) وضعيف الترغيب (١٧٠٤).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٩/ رقم: ٨٧٤٤ - ٨٧٤٧)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٨٤)، وأحمد في الزهد (٨٩٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢٣)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٦ و٦١٣)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ١٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٤)، وابن حبان في روضة العقلاء (ص ٤٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٣) رواه الطبراني بأسانيد، ورجالها ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٥٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) المعجم الأوسط (٦٥٦٣)، والمعجم الصغير (٩٦٤) عن أنس بن مالك.","vol":"11","page":470},{"text":"الكلام عليه. قوله ما على ظهر الأرض شيء أحوج إلى طول سجن الحبس وتقدم الكلام على حبس اللسان. قوله رواه الطبراني موقوفا تقدم الكلام على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.\n\n٤٣٣٢ - وَعَن عَطاء بن يسَار أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ: من وَقَاه اللَّه شَرّ اثْنَيْنِ ولج الْجنَّة فَقَالَ رجل يَا رَسُول اللَّه أَلا تخبرنا فَسكت رَسُول اللَّه -ﷺ- فَأَعَادَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مقَالَته فَقَالَ الرجل أَلا تخبرنا يَا رَسُول اللَّه ثمَّ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مثل ذَلِك أَيْضًا ثمَّ ذهب الرجل يَقُول مثل مقَالَته فأسكته رجل إِلَى جنبه، قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من وَقَاه اللَّه شَرّ اثْنَيْنِ ولج الْجنَّة مَا بَين لحييْهِ وَمَا بَين رجلَيْهِ، رواه مالك (^١) مرسلا هكذا.\nقوله وعن عطاء بن يسار هو أبو محمد عطاء بن يسار الهلالى المدني، مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، ﵂، أخو سليمان، وعبد الملك، وعبد اللَّه بنى يسار، وهو من كبار التابعين، سمع ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد اللَّه بن سلام، وأبا أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وأبا واقد الليثي، وأبا رافع سعيد الخدري، وأبا هريرة، وأبا مالك، وزيد ابن ثابت، وزيد بن خالد، ومولاته ميمونة، ﵃. وقال أبو حاتم: لم يسمع ابن مسعود، وأثبت البخاري سماعه منه.\nروى عنه جماعات من التابعين، منهم: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو ابن دينار، وغيرهما. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. واتفقوا على\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩٨٧/ ١١) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٥٩).","vol":"11","page":471},{"text":"توثيقه. قال زيد بن أسلم: توفى سنة ثلاث أو أربع ومائة. وقال عمرو بن علي، وابن نمير: توفى سنة أربع وتسعين، وهذا أصح. وقال الهيثم بن عدي: سنة سبع وتسعين (^١).\nقوله -ﷺ- من وقاه شر اثنتين ولج الجنة أي دخل الجنة، والولوج الدخول. قوله ما بين لحييه وما بين رجليه تقدم الكلام على ذلك.\nقوله رواه مالك هكذا مرسلا. مالك هو الإمام أبو عبد اللَّه مالك بن أنس ابن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان، بالغين المعجمة والياء المثناة تحت، ابن خثيل، بالخاء المعجمة المضمومة وفتح الثاء المثلثة، ابن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، وأحد أئمة المذاهب المتبوعة، وهو من تابعي التابعين. سمع نافعا مولى ابن عمر، ومحمد بن المنكدر، وأبا الزبير، والزهري، وعبد اللَّه بن دينار، وأبا حازم، وخلائق آخرين من التابعين.\nروى عنه يحيى الأنصاري، والزهري، وهما من شيوخه، وابن جريج، ويزيد بن عبد اللَّه بن الهادي، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والليث بن سعد، وابن المبارك، وابن علية، والشافعي، وابن وهب، وإبراهيم ابن هيمان، والقعنبي، وعبد اللَّه ابن يوسف، وعبد اللَّه بن نافع، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعن بن عيسى، وعبد الرحمن بن القاسم العتقي الضمري، وأبو عاصم النبيل، وروح بن عبادة، والوليد بن مسلم، وأبو عامر العقدي، ويحيى بن يحيى، ويحيى بن عبد اللَّه بن بكير، وعبد\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٥).","vol":"11","page":472},{"text":"العزيز الأوسي، وقتيبة، وسعيد بن أبي مريم، وسعيد بن كثير بن عفير، ومطرف ابن عبد اللَّه السياري، وورقاء بن عمرو، وخلائق آخرون. وأجمعت طوائف العلماء على إمامته، وجلالته، وعظم سيادته، وتبجيله، وتوقيره، والإذعان له في الحفظ والتثبيت، وتعيظم حديث رسول اللَّه -ﷺ-.\nقال البخاري: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وفي هذه المسألة خلاف، وسبق مرات، فعلى هذا المذهب قال الإمام أبو منصور التميمي: أصحها الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-. وقال سفيان: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال. وقال ابن المديني: لا أعلم مالكا ترك إنسانا إلا من في حديثه شيء.\nقال أحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني: أثبت أصحاب الزهري مالك. وقال أبو حاتم: مالك ثقة، وهو إمام أهل الحجاز، وهو أثبت أصحاب الزهري. وقال الشافعي: إذا جاء الأثر، فمالك النجم. وقال الشافعي أيضًا: لولا مالك وسفيان، يعني ابن عيينة، لذهب علم الحجاز، وكان مالك إذا شك في شيء من الحديث تركه كله. وقال أيضًا: مالك معلمى، وعنه أخذنا العلم.\nوقال حرملة: لم يكن الشافعي يقدم على مالك أحدا في الحديث. وقال وهب بن خالد: ما بين المشرق والغرب رجل آمن على حديث رسول اللَّه -ﷺ- من مالك (^١). وتقدم الكلام على الحديث المرسل.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٥ - ٧٦).","vol":"11","page":473},{"text":"٤٣٣٣ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من حفظ مَا بَين فقميه وفرجه دخل الْجنَّة رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢)، وأبو يعلى (^٣)، واللفظ له ورواته ثقات.\n\n٤٣٣٤ - وَفِي رِوَايَة للطبراني قَالَ لي رَسُول اللَّه -ﷺ- أَلا أحَدثك بثنتين من فعلهمَا دخل الْجنَّة قُلْنَا بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ يحفظ الرجل مَا بَين فقميه وَمَا بَين رجلَيْهِ وَالْمرَاد بِمَا بَين فقميه هُوَ اللِّسَان وَبِمَا بَين رجلَيْهِ هُوَ الْفرج.\n[والفقمان]: بفتح الفاء وسكون القاف: هو اللحيان.\nقوله وعن أبي موسى أبو موسى اسمه عبد اللَّه بن قيس تقدم الكلام عليه. قوله صلى اللَّه عليه من حفظ ما بين فقميه وفرجه الحديث. والفقمان بفتح الفاء وسكون القاف هما اللحيان والمراد: بما بين فقميه هو اللسان وبما بين رجليه هو الفرج. قاله المنذري. وتقدم الكلام على ذلك في مواضع.\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٩٥٥٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (الإتحاف ٤١٥٢)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد (ص ٢٦٤) وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٥٤)، والخرائطي في المكارم (٤٥٦)، والمحاملي (٣٦٥)، والحاكم (٤/ ٣٥٨)، والقضاعي (٥٤٥)، وتمام (٤٩٠)، والذهبي في معجم الشيوخ (١/ ٢٨٥)، وقال الذهبي: هذا حديث غريب فردٌ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٠٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٤١٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٩). عن أبي رافع، ومسند أبي موسى يقع ضمن الجزء المفقود من المعجم الكبير.\n(^٣) أبو يعلى (٧٢٧٥).","vol":"11","page":474},{"text":"٤٣٣٥ - وَعَن أبي رَافع -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من حفظ مَا بَين فقميه وفخذيه دخل الْجنَّة، رواه الطبراني (^١) بإسناد جيد.\nقوله: وعن أبي رافع هو مولى رسول اللَّه -ﷺ-. اسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، شهد مع رسول اللَّه -ﷺ- أحدا، والخندق، والمشاهد بعدها، وزوجه رسول اللَّه -ﷺ- مولاته سلمى، فولدت له عبيد اللَّه بن أبي رافع، وشهد أبو رافع فتح مصر، وتوفى بالمدينة قبل قتل عثمان، وقيل: بعده، وكان أبو رافع مملوكا للعباس، فوهبه لرسول اللَّه -ﷺ-، فلما أسلم العباس أعتقه رسول اللَّه -ﷺ- (^٢).\nقوله: من حفظ ما بين فقميه وفخذيه دخل الجنة يعني الفرج.\n\n٤٣٣٦ - وَعَن ركب الْمصْرِيّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ-: طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله، رواه الطبراني (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣١١/ ٩١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٠): رواه الطبراني، وإسناده جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٤١٤).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٣٠).\n(^٣) الطبراني في الكبير (٥/ ٧١/ ٤٦١٥)، وفي مسند الشاميين (٩١٢)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٣٨)، والبغوي في معجم الصحابة (٢/ ٤١٧)، ابن منده في معرفة الصحابة (ص: ٦٥٨)، أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١١٣٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٠٦)، وفي الشعب (٣١١٦)، (٤٥٩٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦١٥)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٢٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٩) رواه الطبراني من طريق نصيح العنسي عن ركب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وقال =","vol":"11","page":475},{"text":"في حديث يأتي في التواضع إن شاء اللَّه.\nقوله وعن ركب المصري قال عباس الدّوري: له صحبة. وقال أبو عمر فيه: كندي، له حديث حسن في آداب، وليس هو بمشهور في الصّحابة. وقد أجمعوا على ذكره فيهم. وروى نصيح العنسيّ.\nقلت: إسناد حديثه ضعيف، ومراد ابن عبد البرّ بأنه حسن لفظه.\nوقد أخرجه البخاريّ في تاريخه، والبغويّ، والباورديّ، وابن شاهين، والطّبرانيّ وغيرهم، قال ابن مندة: لا يعرف له صحبة وقال البغويّ: لا أدري أسمع من النبي ﵌ أم لا؟ وقال ابن حبّان: يقال إنّ له صحبة، إلا أنّ إسناده لا يعتمد عليه (^١).\nقوله -ﷺ-: طوبى لمن عمل بعلمه الحديث. تقدم الكلام على طوبى وعلى من عمل بعمله.\nقوله -ﷺ-: وأنفق الفضل من ماله أي ما يفضل على ما لا بد له منه من حوائجه الأصلية، وتقدم الكلام على الإنفاق في وجوه الخير.\nقوله وأمسك الفضل الحديث، الفضل من قوله هو الكلام فيما لا يعنيه ويعنيه بفتح الياء فيما لا يهمه والذي يعني هو الكلام الذي يكون واجبًا عليه\n_________\n= العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٥): أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي بسند ضعيف والبزار من حديث أنس أول الحديث وآخره والطبراني والبيهقي من حديث ركب المصري وسط الحديث وكلها ضعيفة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٤٢)، والضعيفة (٣٨٣٥).\n(^١) الإصابة (٢/ ٤١٤ ترجمة ٢٦٩٦).","vol":"11","page":476},{"text":"أو مندوبا إليه أو مباحا تتعلق به مصلحة وما سوى هذه الثلاثة فهو مما لا يعنيه، قاله الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية.\n\n١٩ - وعن سفيان بن عبد اللَّه الثَّقَفِيّ -﵁- قَالَ: قلت يَا رَسُول اللَّه حَدثنِي بِأَمْر أَعْتَصِم بِهِ قَالَ قل رَبِّي اللَّه ثمَّ اسْتَقِم قَالَ: قلت يَا رَسُول اللَّه مَا أخوف مَا تخَاف عَليّ فَأخذ بِلِسَان نَفسه ثمَّ قَالَ هَذَا، رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣)، والحاكم (^٤) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله وعن سفيان بن عبد اللَّه الثقفي ولم يرو مسلم في صحيحه لسفيان بن عبد اللَّه الثقفي راوي هذا الحديث عن النبي -ﷺ- سواه ولا روى له في صحيحه عن النبي -ﷺ- شيئًا. وأما الزيادة التي في الحديث من [مس] اللسان فهي عند غير مسلم اهـ.\n_________\n(^١) الترمذي (٢٤١٠)، وأخرجه أحمد (١٥٤١٦)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٧) والنسائي في الكبرى (١١٤٢٥ - ١١٤٢٦)، وابن وهب في الجامع (٣٠٠)، وابن أبي شيبة في المسند (٦٧٩)، وفي المصنف (٢٦٥٠١)، والدارمي (٢٧٥٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣٠٨)، والبيهقي في الشعب (٤٥٧٢: ٤٥٧٥) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٤١٨ و١٧١٤)، والمزي (١٧/ ٣٧٨) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٦٢).\n(^٢) ابن ماجه (٣٩٧٢).\n(^٣) ابن حبان (٥٦٩٩).\n(^٤) المستدرك للحاكم (٤/ ٣٤٩)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"11","page":477},{"text":"قوله يا رسول اللَّه حدثني بأمر أعتصم به قال قل ربي اللَّه ثم استقم؛ الاعتصام هو التمسك بالشيء.\n[قوله قلت يا رسول اللَّه ما أخوف ما تخاف علي فأخذ بلسان نفسه] (^١).\nقال القاضي عياض (^٢): هذا الحديث من جوامع كلمه -ﷺ- وهو مطابق لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^٣) أي وحدوا اللَّه وآمنوا به ثم استقاموا عن توحيدهم والتزموا طاعته ﷾ إلى أن توفوا على ذلك.\nقال: وعلى ما ذكرناه أكثر المفسرين الصحابة ومن بعدهم وهو معنى الحديث إن شاء اللَّه تعالى.\nهذا كلام القاضي، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (^٤) ما نزل على النبي -ﷺ- آية كانت أشق ولا أشد عليه من هذه الآية ولذلك قال -ﷺ- لأصحابه حين قالوا قد أسرع إليك الشيب فقال شيبتني هود وأخواتها.\nقال الأستاذ أبو القاسم القشيري (^٥): الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيما في حالته\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) انظر: الأذكار للنووي (ص: ٤١٠).\n(^٣) سورة هود، الآية: ١٢.\n(^٤) سورة فصلت، الآية: ٣٠.\n(^٥) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٥٦).","vol":"11","page":478},{"text":"ضاع سعيه وخاب عهده، قال وقيد الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي اللَّه تعالى على حقيقة الصدق. ولذلك قال -ﷺ- استقيموا ولن تحصوا.\nوعن أبي عبد الرحمن السلمي (^١) قال: سمعت أبا علي السبُّوي بضم الباء المشددة يقول رأيت رسول اللَّه -ﷺ- في المنام فقلت له روي عنك أنك قلت شيبتني هود فما الذي شيبك منها قصص الأنبياء وهلاك الأمم لا ولكن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (^٢)، وعن يوسف بن حسين الرازي قال بقدر الاستقامة على الحق تنال الهيبة عند الخلق والركن الأعظم في الاستقامة استقامة القلب واللسان ففي الخبر أنه لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه.\nواعلم أن الدنيا وأحوالها سريعة التقلب بعيدة عن الاستقامة والاستقرار قريبة من الزوال والبوار وإن الآخرة هي دار القرار، وأنت لا تزال تتقلب في دنياك من طور إلى طور ويعتريك حور بعد كور ثم أنشد لنفسه:\nليس للدنيا استقامة ... ولا لمن فيها إقمة\nإلى آخره.\nقوله قلت يا رسول اللَّه ما أخوف ما تخاف عليّ قال فأخذ بلسان نفسه ثم قال هذا.\n_________\n(^١) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٥٧).\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ٣٠.","vol":"11","page":479},{"text":"قال الرافعي في أماليه (^١) في شرحه له في المجلسه العشرين منه: وحديث سفيان بن عبد اللَّه الثقفي هذا رواه ابن حبان في كتابه ثم قال المعنى في أخذ النبي -ﷺ- بلسانه بيده أنه -ﷺ- كان عالما بالعلم الذي يعلمه فأراد أن يسبق بنفسه إلى العمل بالعلم الذي استعمله وكأنه أمره بقبض لسانه وكفه ولا يطلقه فعمل النبي -ﷺ- بما كان يعلمه أولا حتى يفصل مواضع العلم والتعليم واللَّه أعلم اهـ.\n\n٤٣٣٨ - وَعنهُ -﵁- قَالَ: قلت يَا رَسُول اللَّه أَي شَيْء أتقي فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانه رواه أبو الشيخ ابن حيّان في الثواب (^٢) بإسناد جيد.\n\n٤٣٣٩ - وَعَن الْحَارِث بن هِشَام -﵁-: أَنه قَالَ لرَسُول اللَّه -ﷺ- أَخْبرنِي بِأَمْر أَعْتَصِم بِهِ فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أملك هَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه، رواه الطبراني (^٣)\n_________\n(^١) انظر: صحيح ابن حبان عقب (٥٦٩٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٤١٧) وفي العلل (٢٠٨٣) وأخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٦٦)، والبخاري في التاريخ الكبير ٥/ ١٠٠، والدارمي (٢٧١٣) وابن أبي عاصم في الزهد (٦) والنسائي في الكبرى (١١٤٩٠) (١١٤٨٩) وابن أبي الدنيا في الصمت (١) وأبو القاسم البغوي (١١٢٢) وابن قانع (١/ ٣٠٩) والدينوري في المجالسة (١٧٢١) والطبراني في الكبير (٦٣٩٨) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٠٢) وفي الأربعين على مذهب المتحققين (٤١) والبيهقي في الشعب (٤٥٧٨) والخطيب في التاريخ (٩/ ٣٣٤ و٤٥٤) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٦٣).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (٣/ ٣٣٤٨/ ٢٦٠، ٣٣٤٩)، وفي المعجم الأوسط (١٩١٥)، وأخرجه ابن وهب في الجامع (٣٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٢٥)، وفي الزهد (٨) وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٨٥)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل =","vol":"11","page":480},{"text":"بإسنادين أحدهما جيد.\nوعن الحارث بن هشام هو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي يكنى أبا المغيرة، وقيل: أبا عبد الرحمن، وهو أخو أبي جهل بن هشام. عداده في أهل الحجاز. كان شريفًا مذكورًا. أسلم يوم الفتح، استأمنت له أم هانئ بنت أبي طالب فأمنه النبي -ﷺ-، وخرج إلى الشام فقتل باليرموك سنة خمس عشرة، وقيل: مات بالشام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة. وشهد مع النبي -ﷺ- حنينًا، وأعطاه مائة من الإبل كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وكان منهم، ثم إنه حسن إسلامه، فخرج إلى الشام في زمن عمر بن الخطاب راغبا في الجهاد، فخرج أهل مكة يبكون لفراقه، فقال: إنها النقلة إلى اللَّه، وما كنت لأوثر عليكم أحدًا، فلم يزل بالشام مجاهدًا إلى أن مات، وفيه يقول الشاعر:\nأحسبت أن أباك يوم تسبني ... في المجد كان الحارث بن هشام\nأولى قريش بالمكارم كلها ... في الجاهلية كان والإسلام (^١)\nقوله: أخبرني بأمر أعتصم به الحديث تقدم معناه.\nقوله: من رواية علي بن مسعدة الباهلي لين الحديث، قال البخاري: فيه نظر وقال ابن عدي أحاديثه غير محفوظة.\n_________\n= (ص: ٤٩٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٠٣٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٩) رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما جيد. وقال في (١٠/ ٣٠١) رواه الطبراني - في الأوسط، وفيه وجادة، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٩١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٦٤).\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٢٨٧).","vol":"11","page":481},{"text":"وقال ابن حبان: لا يحتج بما انفرد به.\nوقال النسائي: ليس بالقوي وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن معين: صالح. علي بن معين: صالح.\n\n٤٣٤٠ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لا يَسْتَقِيم إِيمَان عبد حَتَّى يَسْتَقِيم قلبه وَلَا يَسْتَقِيم قلبه حَتَّى يَسْتَقِيم لِسَانه وَلَا يدْخل الْجنَّة رجل لَا يَأْمَن جَاره بوائقه رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الصمت كِلَاهُمَا من رِوَايَة عَليّ بن مسْعدَة الْبَاهِلِيّ عَن قَتَادَة عَنهُ (^١).\n\n٤٣٤١ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي -ﷺ- فِي سفر فَأَصْبَحت يَوْمًا قَرِيبا مِنْهُ وَنحن نسير فَقلت يَا رَسُول اللَّه أَخْبرنِي بِعَمَل يدخلني الْجنَّة وَيُبَاعِدنِي عَن النَّار قَالَ لقد سَأَلت عَن عَظِيم وَإنَّهُ ليسير على من يسره اللَّه عَلَيْهِ تعبد اللَّه، وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت ثمَّ قَالَ أَلا أدلك على أَبْوَاب الْخَيْر قلت بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ الصَّوْم جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كمَا يطفئ المَاء النَّار وَصَلَاة الرجل فِي جَوف اللَّيْل شعار الصَّالِحين ثمَّ تَلا قَوْله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (^٢) ثمَّ قَالَ أَلا أخْبرك بِرَأْس الأمر وعموده وذروة سنامه قلت بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ رَأس الْأَمر الْإِسْلَام وعموده\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٩٨ (١٣٠٤٨)، وابن أبي الدنيا (٩). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٥٣: رواه أحمد، وفي إسناده علي بن مسعدة وثقه جماعة، وضعفه آخرون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٥٤).\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١٦.","vol":"11","page":482},{"text":"الصَّلَاة وذروة سنامه الْجِهَاد ثمَّ قَالَ أَلا أخْبرك بملاك ذَلِك كُله قلت بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ كف عَلَيْك هَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه قلت يَا نَبِي اللَّه وَإِنَّا لمؤاخذون بِمَا نتكلم بِهِ قَالَ ثكلتك أمك وَهل يكب النَّاس فِي النَّار على وُجُوههم أَو قَالَ على مناخرهم إِلَّا حصائد ألسنتهم، رواه أحمد (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣) وابن ماجه (^٤) كلهم من رواية أبي وائل عن معاذ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) مسندأحمد (٢٢٠١٦).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٦١٦)، وقال هذا حديث حسن صحيح. جامع العلوم والحكم ت الفحل (٢٩/ ٢) وفيما قاله -﵀- نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام، وأبو وائل بالكوفة والثاني: أنه قد رواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، خرجه الإمام أحمد مختصرا، قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب؛ لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٩٧) أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٢٨٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٦٦)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٥١٣٦).\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (١١٣٣٠).\n(^٤) ابن ماجه (٣٩٧٣) في مصنف عبد الرزاق (٢٠٣٠٣)، وفي التفسير له ٢/ ١٠٩، ومن طريقه أخرجه عبد بن حميد (١١٢)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٣٠ - ١٣١) (٢٦٦)، والبغوي في شرح السنة (١١)، وفي التفسير (٣/ ٥٠٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٤)، والبيهقي في الشعب (٣٣٥٠). والبيهقي في الآداب (٣٩٩) والبغوي في شرح السنة (١١) وفي تفسيره (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥).","vol":"11","page":483},{"text":"[قال الحافظ]: وأبو وائل أدرك معاذًا بالسن، وفي سماعه عندي نظر، وكان أبو وائل بالكوفة، ومعاذ بالشام، واللَّه أعلم (^١). قال الدارقطني (^٢): هذا الحديث معروف من رواية شهر بن حوشب عن معاذ، وهو أشبه بالصواب على اختلاف علمه فيه كذا قال: وشهر مع ما قيل فيه لم يسمع معاذا، ورواه البيهقي (^٣) وغيره عن ميمون بن أبي شيبة عن معاذ، وميمون هذا كوفي ثقة ما أراه سمع من معاذ بل ولا أدركه، فإن أبا داود قال لم يدرك ميمون بن أبي شيبة عائشة، وعائشة تأخرت بعد معاذ من نحو ثلاثين سنة، وقال عمرو بن علي: كان يحدث عن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت ولم أخبر أن أحدا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي -ﷺ- (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٣١٩).\n(^٢) في العلل ٦/ ٧٩ س (٩٨٨).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٤٦٠٧)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٦) وأخرجه النسائي (٤/ ١٣٨) وفي الكبرى (٢٥٣٥) المعجم الكبير للطبراني (٢٠/ ١٤٤) ٢٩٣ - ٢٩٤. المستدرك على الصحيحين للحاكم (٢/ ٤٤٧) ٣٥٤٨ هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٧٦) أخرجه ابن نصر في الصلاة (١٩٧) والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٤٣) والحاكم (٢/ ٤١٢ - ٤١٣) والواحدي في الوسيط (٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣) ابن أبي شيبة (١١/ ٨) وفي الإيمان (٢) والدارقطني في العلل (٦/ ٧٦ - ٧٧) والطبراني (٢٠/ ١٤٢ - ١٤٣) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٧٦) قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٦)، (٢/ ١٣٥): ولم يسمع عروة ولا ميمون من معاذ، وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة.\n(^٤) قال أبو حاتم الرازي: ميمون بن أبي شبيب روى عن معاذ بن جبل مرسلا. \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٣٤).","vol":"11","page":484},{"text":"٤٣٤٢ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١) مُخْتَصرا قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه أكل مَا نتكلم بِهِ يكْتب علينا قَالَ ثكلتك أمك وَهل يكب النَّاس على مناخرهم فِي النَّار إِلَّا حصائد ألسنتهم إِنَّك لن تزَال سالما مَا سكت فَإِذا تَكَلَّمت كتب لَك أَو عَلَيْك.\n\n٤٣٤٣ - وَرَوَاهُ أَحْمد (^٢) وَغَيره عَن عبد الحميد بن بهْرَام عَن شهر بن حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم أَن معَاذًا سَأَلَ رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَي الأَعْمَال أفضل فَقَالَ الصَّلَاة بعد الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة قَالَ لَا وَنِعما هِيَ قَالَ الصَّوْم بعد صِيَام رَمَضَان قَالَ لَا وَنِعما هِيَ قَالَ فالصدقة بعد الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة قَالَ لَا وَنِعما هِيَ قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَي الأَعْمَال أفضل قَالَ فَأخْرج رَسُول اللَّه -ﷺ- لِسَانه ثمَّ وضع إصبعه عَلَيْهِ فَاسْتَرْجع معَاذ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أنؤاخذ بِمَا نقُول كُله وَيكْتب علينا قَالَ فَضرب رَسُول اللَّه -ﷺ- منْكب معَاذ مرَارًا فَقَالَ لَهُ ثكلتك أمك يَا معَاذ بن جبل وَهل يكب النَّاس على مناخرهم فِي نَار جَهَنَّم إِلَّا حصائد ألسنتهم.\nقوله وعن معاذ بن جبل تقدم الكلام على مناقبه ومن مناقبه أنه -ﷺ- أخذ بيده فقال يا معاذ واللَّه إني أحبك، وقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه جمع القرآن\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٢٠/ ٧٣/ ١٣٧) عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٠) رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. .\n(^٢) مسند أحمد (٢٢٠٦٣)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٦٤/ ١١٦) (٢٠/ ١٠٣/ ٢٠٠) والبزار (٢٦٦٩)، (٢٦٧٠)، والخلال في السنة (١١٧١) وابن نصر في الصلاة (٧) وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"11","page":485},{"text":"على عهد رسول اللَّه -ﷺ- أربعة أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد الأنصاري.\nوقال رسول اللَّه -ﷺ-: أعلمهم بالحرام والحلال معاذ بن جبل، وقال نعم الرجل معاذ بن جبل وأرسله رسول اللَّه -ﷺ- إلى اليمن يدعوهم قاضيا به وهو أحد الذين كان يفتون على عهد رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثة من المهاجرين عمر وعثمان وعلي وثلاثة من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت. توفي وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة وعمواس بلدة بين الرملة وبيت المقدس نسب الطاعون إليها لأنه بدأ منها وهي بفتح العين المهملة وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا.\nقول معاذ -﵁-: فقلت يا رسول اللَّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال قد سألت عن عظيم الحديث، هو كما قال ﵊ لأن عظم المسببات بعظم الأسباب، ودخول الجنة والتباعد عن النار أمر عظيم سببه امتثال كل مأمور واجتناب كل محظور وذلك عظيم صعب قطعا ولولا ذلك لما قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (^١)، ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (^٢).\nقوله -ﷺ- وإنه ليسير على من يسّره اللَّه عليه الحديث.\nأي بشرح الصدور للطاعة وتهيئة أسبابها والتوفيق ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ\n_________\n(^١) سورة سبأ، الآية: ١٣.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٧.","vol":"11","page":486},{"text":"يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (^١).\nوبالجملة فالتوفيق إذا ساعد على شيء تيسر ولو ثقل الجبال، قال الشاعر: إذا اللَّه هيأ عقد شيء تيسَّرا.\nقوله -ﷺ- تعبد اللَّه لا تشرك به شيئا، الحديث. الظاهر أن المراد بالعبادة هاهنا التوحيد بدليل قوله لا تشرك به شيئا.\nومنه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (^٢) أي وحدوه ومنه أيضًا قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي يوحدون فعلى هذا يكون قد ذكر له التوحيد وأعمال الإسلام ويحتمل أن العبادة هاهنا ما يتناول الإيمان الباطن والإسلام الظاهر فيكون قوله ويقيم الصلاة إلى آخره عطف خاص على العام لتضمن قوله تعبد اللَّه لما بعده.\nقوله -ﷺ- ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير قلت بلى الحديث، أي طُرقه الموصلة إليه.\nوقوله ألا أدلك عرض نحو ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ (^٣) أي عرضت ذلك عليكم فهل تحبه أو نحو هذا فلما رتب دخول الجنة على واجب الإسلام وله بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل فإن أفضل أولياء اللَّه هم المتقون الذين يتقربون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض.\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢١.\n(^٣) سورة الصف، الآية: ١٠.","vol":"11","page":487},{"text":"قوله -ﷺ- الصوم جنة الحديث. والجُنة بضم الجيم الوقاية والساتر أي وقاية من شدة الشهوة في العاجل ومن النار في الآجل، وهذا الكلام على الجنة ثابت عن النبي -ﷺ- من وجوه كثيرة، وخرّجاه في الصحيحين (^١) من حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- وخرجه الإمام أحمد (^٢) بزيادة وهي الصيام جنة وحصن حصين من النار.\nقوله -ﷺ-: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار أي تمحوها فالحسنات تذهب السيئات وإنما استعار لفظ الإطفاء لمقابله كما يطفئ الماء النار أو لأن الخطيئة يرتب عليها العقاب الذي هو أثر للغضب والغضب يستعمل فيه الإطفاء، يقال طفئ غضب فلان وانطفأ غضبه لأنه في الشاهد فوران دم القلب عن غلبة الحرارة ولعله إنما خص الصدقة لتعدي نفعها ولأن الخلق عيال اللَّه ﷿ والصدقة إحسان إليهم والعادة أن الإحسان إلى عيال شخص تطفئ غضبه وسبب إطفاء الماء النار أن بينهما غاية التضاد إذ النار حارة يابسة والماء بارد رطب فقد ضادّها بكيفيته جميعا، والضد يدفع الضد ويعدمه.\nقوله -ﷺ-: وصلاة الرجل من جوف الليل شعار الصالحين ثم تلى تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعملون الحديث.\nأي في الجوف الليل وحروف الصفات تتناوب ويحتمل أن مبدأ الصلاة\n_________\n(^١) البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١).\n(^٢) مسند أحمد (٧٤٩٢).","vol":"11","page":488},{"text":"جوف الليل فيكون لابتداء الغاية ويحتمل أنه للتبعيض أي صلاته بعض أي في بعض جوف الليل أي وسطه أو آخره إذ في الحديث أيُّ الليل أسمع؟ قال جوف الليل الآخر، والمعنى أن صلاة الرجل من الليل من أبواب الخير وإنما خص الرجل بالذكر لأن السائل رجل ولأن الخير غالب في الرجال وأكثر أهل النار النساء وتلاوته تتجافى جنوبهم عن المضاجع شاهد لما قال من أن الصلاة من جوف الليل من أبواب الخير لأنه رتب عليها ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^١).\nقوله -ﷺ- ألا أخبرك برأس الأمر أي العبادة والأمر الذي سألت عنه.\nقوله وعموده أي ما اعتمد عليه، كعمود الخيمة.\nقوله وذروة سنامه بكسر الذال المعجمة وضمها أي أعلاه استعار له صورة البعير وأجزاءه.\nقوله -ﷺ- رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد، لأن الجهاد مقورن بالهداية بدليل قوله ﷿ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (^٢) الآية، والهداية محصلة لمقصود هذا السائل إذ يلزمها دخول الجنة والمباعدة عن النار فلا جرم كأن الجهاد رأس أمر السائل وعموده وذروة سنامه.\nقوله -ﷺ- ألا أخبرك بملاك ذلك كله هو بكسر الميم أي مقصوده وجماعه\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١٧.\n(^٢) سورة السجدة، ٦٩.","vol":"11","page":489},{"text":"ومِلاك الشيء هو مقصوده وقيل رابطه وضابطه لأن الجهاد وغيره من أعمال الطاعات غنية وكف اللسان عن المحارم سلامة والسلامة في نظر العقلاء مقدمة على الغنيمة.\nقوله -ﷺ- كُفَّ عليك هذا وأشار إلى لسانه إما أنه وضع على موضع عن أي كُفَّه عنك أو أنه ضمن كف معنى احبس أي احبس عليك لسانك لا يَرِد عليك بكلام موذي وفي الحكمة لسانك أسدك إن أطلقته فرسَك وإن أمسكته حرسك وتقدم ذلك.\nفهذا يدل على أن كف اللسان وضبطه وحسبة هو أصل الخير كله وأنّ من ملك لسانه فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه.\nوقوله كف عليك هذا يحتمل أنه عام خص بالكلام بالخير لقوله -ﷺ- فليقل خيرا أو ليصمت ويحتمل أنه من باب المطلق وقد عمل به في كف اللسان عن الشر فلا يبقى له دلالة على غير ذلك واللَّه أعلم.\nقوله قلت يا نبي اللَّه وانا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ هذا استفهام استثبات وتعجب واستغراب يدل على أن معاذا لم يكن يعلم ذلك فإن قيل فأنَّى خفَاءُ هذا عنه من قوله ﵊ أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، والكلام المؤاخذ به حرام وها هو لم يعلمه؟!\nفالجواب من وجهين أحدهما أن ظاهر الحلال والحرام في المعاملات الظاهرة بين الناس لا في معاملة العبد مع ربه فلا يرد السؤال. الوجه الثاني أنه صار أعلمهم بالحلال والحرام بعد هذا بمثل هذا السؤال وأمثاله من طرق العلم والاستفادة.","vol":"11","page":490},{"text":"قوله -ﷺ- لمعاذ ثكلتك أمك، بالثاء المثلثة أي فقدتك بكسر الكاف منم الثكل بضم المثلثة فقدان المرأة ولدها، وهذا من باب تَرِبَت يمينك ومما لا يُراد به حقيقة الدعاء على المخاطب يقال امرأة ثاكل وثكلى ورجل ثاكل وثكلان كأنه دعا عليه بالموت لسوء فعله.\nوقوله: والموت يعم كل أحدا فإذا الدعاء عليه كلا دعاء أو أراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك كيلا تزداد سوءا ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب. ولا يراد بها الدعاء كقولهم تربت يداك ومنه قصيد كعب بن زهير: قامَتْ فَجاوَبَها نُكْدٌ مَثاكِيلُ؛ جمع مثكال وهي المرأة التي فقدت ولدها كما تقدم، فحقيقته الدعاء بموته وليس المراد ذلك وإنما غلب في ألسنتهم للتحريض على الشيء والتهييج إليه ولاستقصاد المخاطب على أمر ونحو ذلك بحسب الحال وقرائنه، وكذلك تربت يداك وعقرى حلقي ولا أمّ لك ولا أبا لك ولا درّ درك وأشباه ذلك.\nقوله -ﷺ- لمعاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم الحديث، يكب بفتح الياء وضم الكاف أي يلقيهم في النار على وجوههم يقال كبه أي ألقاه على وجهه يكبه كبا فأكب هو أي سقط على وجهه ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ (^١)، قاله الأصبهاني. وهو استفهام إنكار أي ما يكب الناس إلا حصائد ألسنتهم وهو يقتضي أن كل من يكب في النار فسبب ذلك لسانه وهو عام\n_________\n(^١) سورة الملك، الآية: ٢٢.","vol":"11","page":491},{"text":"أريد به الخاص فإن من الناس من يكب في النار بكلامه وبعضهم بعمله وإنما خرج هذا مخرج المبالغة في تعظيم الكلام كقوله -ﷺ- الحج عرفة والمراد معظمه الوقوف كذلك معظم أسباب النار الكلام كالكفر والقذف والسب والنميمة والغيبة ونحو ذلك ولأن الأعمال يقارنها الكلام غالبا فله حصة في سَبَبِيَّة الجزاء ثوابا وعقابا، وفي المثل يقول اللسان للقفا كل يوم كيف أصبحت فتقول بخير إن سلمت منك.\nقول إلا حصائد ألسنتهم، الحصائد جمع حصيدة وهي الزرع المحصود، وكذلك الحصيد، وحصائد الألسنة ما تحصده الألسنة من الكلام أي ما نطقت به شبه اللسان بالمنجل والكلام بما يحصد من الزرع، قال اللَّه تعالى ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ (^١)، أي حُصِدوا بالسيف والموت حتى خمدوا وخمود الإنسان موتُه، والمراد بحصائد الألسنة جزاء الكلام المحرم وعقوباته فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يحصد يوم القيامة ما زرع خيرا من قول أو عمل حصد الكرامة ومن زرع شرا من قول أو عمل حصد غدا الندامة، والحصائد ما يقال في الناس باللسان ومن أراد استتماما لذلك فليقف على كتاب آفات اللسان من الإحياء للغزالي وغالب تعبير هذا الحديث من كلام الطوفي في شرح الأربعين النووية (^٢).\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ١٥.\n(^٢) التعيين (ص ٢١٩ - ٢٢٦).","vol":"11","page":492},{"text":"٤٣٤٤ - وَعَن أسود بن أَصْرَم -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه أوصني فَقَالَ تملك يدك قلت فَمَاذَا أملك إِذا لم أملك يَدي قَالَ تملك لسَانك قلت فَمَاذَا أملك إِذا لم أملك لساني قَالَ لا تبسط يدك إِلَّا إِلَى خير وَلَا تقل بلسانك إِلَّا مَعْرُوفا رواه ابن أبي الدنيا (^١) والطبراني (^٢) بإسناد حسن والبيهقي (^٣).\nقوله وعن أسود بن أصرم المحاربي قال ابن حبان: عداده في أهل الشام، وروايته فيهم. وذكره أبو زرعة الدّمشقيّ، وابن سميع، وابن عبد البرّ فيمن نزل الشام من الصحابة. وقال ابن السّكن: مخرج حديثه في أهل الشام (^٤).\nقوله قلت يا رسول اللَّه أوصني ذكر الحديث إلى أن قال تملك لسانك تقدم الكلام على اللسان وحبسه.\n\n٤٣٤٥ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ دخلت على رَسُول اللَّه -ﷺ- فَذكر الحَدِيث بِطُولهِ إِلَى أَن قَالَ قلت يَا رَسُول اللَّه أوصني قَالَ أوصيك بتقوى اللَّه فَإِنَّهَا زين لأمرك كُله قلت يَا رَسُول اللَّه زِدْنِي قَالَ عَلَيْك بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَذكر اللَّه ﷿ فَإِنَّهُ ذكر لَك فِي السَّمَاء وَنور لَك فِي الأرْض قلت يَا رَسُول اللَّه زِدْنِي قَالَ\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في الصمت (٥)، وفي الورع (١١٢).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٨١/ ٨١٧، ٨١٨)، وفي مسند الشاميين (١٦٠٥ - ١٦٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في التاريخ (١/ ٤٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٨٣)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١٧٢٠) أسد الغابة (١/ ٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٠) رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٩٣) والسلسلة الصحيحة (١٥٦٠)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٦٧).\n(^٤) الإصابة (١/ ٢٢١).","vol":"11","page":493},{"text":"عَلَيْك بطول الصمت فَإِنَّهُ مطردَة للشَّيْطَان وَعون لَك على أَمر دينك قلت زِدْنِي قَالَ وَإِيَّاك وَكثْرَة الضحك فَإِنَّهُ يُمِيت الْقلب وَيذْهب بِنور الْوَجْه قلت زِدْنِي قَالَ قل الْحق وَإِن كَانَ مرا قلت زِدْنِي قَالَ لَا تخف فِي اللَّه لومة لائم قلت زِدْنِي قَالَ ليحجزك عَن النَّاس مَا تعلم من نَفسك، رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢)، وابن حبان في صحيحه. (^٣) والحاكم (^٤)، واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد، وقد أملينا قطعة من هذا الحديث أطول من هذه بلفظ ابن حبان في الترهيب من الظلم، وفيها حكاية عن صحف إبراهيم ﵇.\nقوله وعن أبي ذر تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢١٥٤٦)، (٢١٥٥٢).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٥٧) (١٦٥١) وفي المكارم (١).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٣٦١) وفي المجروحين (٣/ ١٣٠) وابن ماجه (٤٢١٨) والنسائي (٨/ ٢٤٢) وفي الكبرى (٧٩٤٤)، وابن سعد (١/ ٣٢) وابن أبي شيبة (المطالب ٣٤٥٩/ ٢) وأحمد (٥/ ١٧٨ و١٧٩) وهناد في الزهد (١٠٦٥) والبزار (٤٠٣٤) البزار (٤٠٣٤) والطبراني في الكبير (١٦٥١) وفي المكارم (١) والآجري في الأربعين (٤٠) وأبو الشيخ في العظمة (٢٥٩) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٨ و١٦٦ - ١٦٨) والقضاعي (٦٥١ و٧٤٥ و٨٣٧) والبيهقي في الأسماء (ص ٥١٠ - ٥١١) وفي الشعب (٤٣٢٥ و٧٦٦٨) (٤٥٩٢) وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٩٩) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٦) رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني وثقه ابن حبان، وضعفه أبو حاتم، وأبو زرعة. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف الماضي بن مُحَمَّد المصري مصباح الزجاجة ٤/ ٢٤٠. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٤٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٤٢٢).\n(^٤) الحاكم (٢/ ٥٩٧).","vol":"11","page":494},{"text":"قوله قلت يا رسول اللَّه أوصني، قال أوصيك بتقوى اللَّه فإنه زين لأمرك كله الحديث. قال العلماء التقوى على ثلاث مراتب وقاية النفس عن الكفر وهو للعامة، وعن المعاصي وهو للخاصة، وعما سوى اللَّه وهو لخواص الخواص، قاله الكرماني (^١) في شرح البخاري. ومن شعر أبي الدرداء في التقوى:\nيريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى اللَّه إلا ما أرادَ\nيقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى اللَّه أفضل ما استفادا\nقوله قلت يا رسول اللَّه زدني؛ قال عليك بتلاوة القرآن فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض؛ تقدم الكلام على تلاوة القرآن.\nقوله قلت زدني. قال عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك. الصمت هو السكوت وتقدم الكلام عليه في هذا الباب وهو المقصود من الحديث هنا.\nقوله قلت: زدني. قال: وإياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه؛ سيأتي الكلام على من قال كلمة ليضحك بها القوم في هذا الباب.\n\n٤٣٤٧ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أوصني قَالَ عَلَيْك بتقوى اللَّه فَإِنَّهَا جماع كل خير وَعَلَيْك بِالْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّه فَإِنَّهَا رَهْبَانِيَّة الْمُسلمين وَعَلَيْك بِذكر اللَّه وتلاوة كِتَابه فَإِنَّهُ نور لَك فِي الأرْض وَذكر لَك فِي السَّمَاء واخزن لسَانك إِلَّا من خير فَإنَّك بذلك\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١١٣).","vol":"11","page":495},{"text":"تغلب الشَّيْطَان، رواه الطبراني في الصغير (^١) وأبو الشيخ في الثواب كلاهما من رواية ليث بن أبي سليم، ورواه ابن أبي الدنيا (^٢) وأبو الشيخ أيضًا مرفوعا عليه مختصرا.\nقوله وعن أبي سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي الخدري بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة منسوب إلى خدرة أحد أجداده أو إحدى جداته، وخدرة يطن من الأنصار، استُشهد أبوه يوم أحد وكان صغيرا، وغزى بعد ذلك ثنتي عشرة غزوة، توفي بالمدينة سنة أربع وستين أو سبعين، ودفن بالبقيع، قاله الكرماني (^٣). ومناقبه كثيرة، وتقدم الكلام عليه مبسوطا.\nقوله جاء رجل إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال يا رسول اللَّه أوصني قال عليك بتقوى اللَّه فإنه جماع كل خير، تقدم الكلام على التقوى وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٨٤٠)، وأحمد (١١٧٧٤)، وابن أبي عاصم في الزهد (٤٣)، وفي الجهاد (٣٤)، وهناد بن السري في الزهد (٢/ ٥٥٣)، والطبراني في معجمه الصغير (٩٤٩)، وفي الدعاء (١٨٥٨)، وأبو يعلى (١٠٠٠)، ومحمد بن الضريس في فضائل القرآن (٦٦)، والخطيب (٧/ ٣٩٢)، والبيهقي في الآداب (٨٣٥) الزهد الكبير للبيهقي (٨٨٤)، وإسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (١٣٦٣)، وقال الهيثمي (١٠/ ٣٠١): فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وقد وثق هو وبقية رجاله. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٧٤٦). وقال الهيثمي (٤/ ٢١٥): رجاله ثقات.\n(^٢) الصمت لابن أبي الدنيا (٩١).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٠٩).","vol":"11","page":496},{"text":"قوله وعليك بالجهاد في سبيل اللَّه فإنه رهبانية المسلمين الحديث. تقدم الكلام على الرهبانية وعلى الجهاد.\nقوله -ﷺ- واخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان، وخزن اللسان هو حبسه وكفه. وفي رواية فكف لسانك إلا عن خير، الحديث، فليس الكلام مأمورا به على الإطلاق ولا السكوت بل لابد من الكلام بالخير والسكوت عن الشر، وكان السلف ﵃ كثيرا يمدحون الصمت عن الشر وعن ما لا يعني لشدته على النفس، ولذلك يقع الناس فيه كثيرا، فكانوا يعاطون أنفسهم ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم. قال الفضيل بن عياض ﵀ ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان، قاله ابن رجب في شرح الأربعين النووية (^١).\n\n٤٣٤٨ - وَعَن معَاذ -﵁- قَالَ يَا رَسُول اللَّه أوصني قَالَ اعبد اللَّه كَأَنَّك ترَاهُ واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَإِن شِئْت أَنْبَأتك بِمَا هُوَ أملك بك من هَذَا كُله قَالَ هَذَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانه، رواه ابن أبي الدنيا (^٢) بإسناد جيد.\nقوله وعن معاذ بن جبل -﵁- تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٤١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٣)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٧٥/ ٢٩١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٣٧٦)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٩٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والطبراني ورجاله ثقات وفيه انقطاع. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٧٠).","vol":"11","page":497},{"text":"قوله أنه قال يا رسول اللَّه أوصني، قال اعبد اللَّه كأنك تراه واعدد نفسك في الموتى، وفي حديث آخر: إذا أصبحت لا تحدث نفسك بالمساء الحديث، ففيه حث على تقصير الأجل وعلى المسارعة إلى الطاعات واغتنام الأوقات والمبادرة إلى استغراقها بالتقوى والعمل الصالح فإن أوقات الإنسان وأنفاسه رأس ماله وشرفه الدنيا وربحه الفوز بالجنة وخسرانه الخلود في النار أجارنا اللَّه منها، قاله الأصبهاني في شرح الأربعين الودعانية.\nفائدة: الأصبهاني بفتح الهمزة وكسرها، وبالباء والفاء، وأهل المشرق يقولون أصفهان بالفاء وأهل المغرب بالباء، وهي مدينة بعراق العجم عظيمة كثر المحدثون فيها. قاله الكرماني (^١) في شرح البخاري.\nقوله -ﷺ- وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله قال هذا وأشار بيده إلى لسانه، تقدم الكلام على اللسان.\n\n٤٣٤٩ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ لَقِي رَسُول اللَّه أَبَا ذَر فَقَالَ يَا أَبَا ذَر أَلا أدلك على خَصْلَتَيْنِ هما خفيفتان على الظّهْر وأثقل فِي الْمِيزَان من غَيرهمَا قَالَ بلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ عَلَيْك بِحسن الْخلق وَطول الصمت فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا عمل الْخَلَائق بمثلهما، رواه ابن أبي الدنيا (^٢) والبزار (^٣) والطبراني (^٤)\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٩٨).\n(^٢) الصمت لابن أبي الدنيا (٥٥٤).\n(^٣) مسند البزار = البحر الزخار (٧٠٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠١): رواه البزار، وفيه بشار بن الحكم، وهو ضعيف.\n(^٤) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٠٠٦، ٧١٠٢، ٧١٠٣).","vol":"11","page":498},{"text":"وأبو يعلى (^١) ورواته ثقات والبيهقي (^٢) بزيادة، ورواه أبو الشيخ ابن حيان (^٣) من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ النَّبِي -ﷺ- يَا أَبَا الدَّرْدَاء أَلا أنبئك بأمرين خَفِيف مؤنتهما عَظِيم أجرهما لم تلق اللَّه ﷿ بمثلهما طول الصمت وَحسن الْخلق، ورواه ابن أبي الدنيا (^٤) أيضًا عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أَلا أخْبركُم بأيسر الْعِبَادَة وأهونها على الْبدن الصمت وَحسن الْخلق.\nقوله وعن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- لأبي ذر يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما قال بلى يا رسول اللَّه قال عليك بحسن الخلق وطول الصمت أي السكوت، تقدم الكلام على هذا الحديث في حسن الخلق.\n\n٤٣٥٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁-: رَفعه قَالَ إِذا أصبح ابْن آدم فَإِن الأعْضَاء كلهَا تفكر اللِّسَان فَتَقول اتَّقِ اللَّه فِينَا فَإِنَّمَا نَحن بك فَإِن اسْتَقَمْت\n_________\n(^١) أبو يعلى الموصلي (٣٢٩٧، ٣٢٩٨) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٥٢١٥/ ١): هذا إسناد رجاله ثقات.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٥٩١)، (٧٦٤١)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢)، والطوسي في مختصر الأحكام (١٥٨٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب. الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٣٨).\n(^٣) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٥٢١٥/ ٢): ورواه أبو الشيخ بن حيان في كتاب الثواب بإسناد واه، ورواه أيضًا من حديث أبي الدرداء.\n(^٤) الصمت لابن أبي الدنيا (٢٧).","vol":"11","page":499},{"text":"استقمنا وَإِن اعوججت اعوججنا، رواه الترمذي (^١) وابن أبي الدنيا (^٢) وغيرهما، وقال الترمذي: رواه غير واحد عن حماد بن زيد ولم يرفعوه قال: وهو أصح (^٣).\nقوله وعن أبي سعيد تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول اتق اللَّه فينا فإنما نحن بك الحديث.\nالعضو بضم العين وكسرها واحد الأعضاء، قال في المحكم: وهو كل عظم وافر بلحمه.\nقال الجوهري في صحاحه (^٤) والتكفير أن يخضع الإنسان لغيره كما يكفر\n_________\n(^١) الترمذي (٢٤٠٧)، وأخرجه أحمد (٣/ ٩٥ - ٩٦)، وعبد بن حميد في المسند (٩٧٧ منتخب)، والطيالسي في مسنده (٢٢٠٩) ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٤٩٤٥)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٣٩٢)، وأبو يعلى في المسند (١١٨٥)، والحسين المروزي في زوائد الزهد (٣٥٨/ ١٠١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٩)، وقوّام السنة أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (٤/ ٣٠٩) والخطّابي في غريب الحديث (٢/ ٤٤٢)، والبغوي في شرح السنة (٤١٢٦)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٧١٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٥١)، وصحيح سنن الترمذي (١٩٦٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٧١).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في الورع (٩١)، والصمت وآداب اللسان (١٢).\n(^٣) وخالفهم أبو أسامة وأبو كامل؛ فروياه عن حماد بن زيد به موقوفًا: أخرجه هناد في الزهد (١٠٩٧) -وعنه الترمذي (٤/ ٦٠٦) -، وأحمد في الزهد (ص ٢٤٣ - ٢٤٤). قال الترمذي: وهذا أصح من حديث محمَّد بن موسى؛ يعني: المرفوع.\n(^٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٨٠٨).","vol":"11","page":500},{"text":"العلج للدهاقين يضع يده على صدره ويتطامن له.\nوقال في النهاية (^١) يكفر اللسان أي يذل ويخضع، والتكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه.\nوقال في النهاية (^٢) في موضع آخر: التكفير هو وضع اليدين على الصدر والانحناء خضوعا أو استكانة. اهـ.\nوفي الحديث النهي أن يضع الرجل لغير امرأته أي يلين لها في القول بما يطمعها منه والخضوع الانقياد والمطاوعة ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (^٣)، ويكون لازما كهذا الحديث ومتعديا. قوله قال الترمذي رواه غير واحد عن عباد بن زيد ولم يرفعوه كذا.\n\n٤٣٥١ - وَعَن أبي وَائِل عَن عبد اللَّه ﵄ أَنه ارْتقى الصَّفَا فَأخذ بِلِسَانِهِ فَقَالَ يَا لِسَان قل خيرا تغنم واسكت عَن شَرّ تسلم من قبل أَن تندم ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول أَكثر خطإ ابْن آدم فِي لِسَانه. رواه الطبراني (^٤)،\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٨٨).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٠٠).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٢.\n(^٤) ابن أبي الدنيا في الصمت (١٨)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٩٧/ ١٠٤٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٧)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١٧٢)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٩٨) أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب بسند حسن. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٠) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٧٢)، وفي السلسلة الصحيحة (٥٣٤).","vol":"11","page":501},{"text":"ورواته رواة الصحيح، وأبو الشيخ في الثواب (^١) والبيهقي (^٢) بإسناد حسن.\nقوله وعن أبي وائل، أبو وائل بالهمز بعد الألف هو شقيق بفتح الشين المعجمة بن سلمة التابعي المخضرمي قيل المخضرمي هو الذي أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ- الأسدي الكوفي أدرك زمن النبي -ﷺ- ولم يره ولم يسمع منه شيئا وسمع منه منصور بن المعتمر ولد قبل البعثة ومات سنة مائة، وقال أبو سعيد بن صالح كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مائة وخمسين سنة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وهو من أجلّ أصحاب ابن مسعود. قال إبراهيم: ما من فرية إلا وفيها من يُدْفَعُ عن أهلها به وإني لأرجو أن يكون أبو وائل منهم. قاله الكرماني (^٣) في شرح البخاري في مواضع متفرقة فجمعتها.\nقوله عن عبد اللَّه أنه ارتقى على الصفا فأخذ بلسانه فقال يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن السر تسلم من قبل أن تندم الحديث.\nوعبد اللَّه هذا هو ابن مسعود الصحابي الكبير صاحب الهجرتين وصاحب نعل رسول اللَّه -ﷺ-، كان سادس سنة وعبد اللَّه هذا إذا أطلق كان هو المراد من بين العبادلة، قاله الكرماني (^٤) في شرح البخاري. وتقدم الكلام على ترجمته مبسوطا.\n_________\n(^١) لم أجده فيه. لكن أخرجه في جزء فيه أحاديثه (٥٥).\n(^٢) شعب الإيمان (٤٥٨٤).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٤٦).\n(^٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ٩).","vol":"11","page":502},{"text":"وقوله ارتقى على الصفا: الارتقاء الصعود، والصفا مقصور اسم مكان بمكة كذا.\n\n٤٣٥٢ - وَعَن أسلم أَن عمر دخل يَوْمًا على أبي بكر الصّديق ﵄ وَهُوَ يجبذ لِسَانه فَقَالَ عمر مَه غفر اللَّه لَك فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر إِن هَذَا أوردني شَرّ الْمَوَارِد. رواه مالك (^١) وابن أبي الدنيا (^٢) والبيهقي (^٣).\n\n٤٣٥٣ - وفي لفظ البيهقي (^٤) قَالَ إِن هَذَا أوردني شَرّ الْمَوَارِد إِن رَسُول اللَّه\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٨٨/ ١٢) ومن طريقه ابن وهب في الجامع في الحديث (١/ ٣٠٨/٤٢٣ و٢/ ٥٢٠/ ٤١٢)، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (١/ ٣٣)، و(٩/ ١٧)، والخطيب البغدادي في الفصل للوصل (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣) وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٦٩١٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائده على زهد أبيه (٥٧٩)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٨) و(٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٩٩٥). وصحَّحه من هذه الطريق الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٩٤/ رقم: ٢٨٧٣)، وفي المشكاة (٤٨٦٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (١٣)، والورع (٩٢) - ومن طريقه الخطيب البغدادي في الفصل للوصل (١/ ٢٤٠/ ٢).\n(^٣) شعب الإيمان (٤٦٣٦).\n(^٤) البيهقي في شعب الإيمان (٤٥٩٦) وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٥) ابن السُّنّي في عمل اليوم والليلة (٧)، والدارقطني في العلل (١/ ١٦٢)، والخطيب البغدادي في الفصل للوصل (١/ ٢٤٠/ ١)، ابن المقرئ في معجمه (٢٤٥/ ٨٢٣)، وأبو نعيم الأصبهاني في تسمية الرواة عن سعيد بن منصور (٦١/ ٢٥) والدارقطني في العلل (١/ ١٦٢)، وأبو بكر بن النقور في الفوائد الحسان (٤٩/ ١٣)، والخطيب البغدادي في الفصل للوصل (١/ ٢٤١/ ٣). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٩٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو يعلى في مسنده والدارقطني في العلل والبيهقي في الشعب من رواية =","vol":"11","page":503},{"text":"-ﷺ- قَالَ: لَيْسَ شَيء من الْجَسَد إِلَّا يشكو ذرب اللِّسَان على حِدته.\n[مه]: أي اكفف عما تفعله. [وذرب اللسان] بفتح الذال المعجمة والراء جميعا: هو حدته وشره وفحشه.\nقوله وعن أسلم هو أبو خالد، ويقال: أبو زيد القريشي العدوي المدني، مولى عمر بن الخطاب، ﵁، من سبي اليمن، هكذا قاله البخاري في التاريخ، وابن أبي حاتم، وآخرون. وحكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: هو حبشي، قالوا: بحثما أبو بكر الصديق عمر، ﵄، سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، واشترى أسلم. سمع أبا بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وأبا عبيدة، ومعاذ، أو ابن عمر، ومعاوية، وأبا هريرة، وحفصة، ﵃.\nروى عنه ابنه زيد، والقاسم بن محمد، ونافع، وآخرون. واتفق الحفاظ على توثيقه. وروى له البخاري ومسلم، وحضر الجابية مع عمر. توفى بالمدينة سنة ثمانين، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال البخاري: صلى عليه مروان بن الحكم، وهذا يخالف الأول؛ لأن مروان بن الحكم مات سنة خمس وستين، وكان معزولا عن المدينة. قال البخاري في التاريخ: توفى\n_________\n= أسلم مولى عمر، وقال الدارقطني إن المرفوع وهم على الدراوردي؟؟ قال وروى هذا الحديث عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر، ولا علة له. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٢) رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن محمد بن حيان، وقد وثقه ابن حبان. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٣٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٧٣).","vol":"11","page":504},{"text":"أسلم وهو ابن مائة وأربع عشرة سنة، واللَّه أعلم (^١).\nقوله أن عمر دخل يوما على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه الحديث.\nأما عمر فهو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب بن رياح بالمثناة التحتانية بن قرط بضم القاف وبالطاء المهملة بن رَزَاح براء مفتوحة ثم زاء والحاء المهملة تقدم الكلام عليه مبسوطًا.\nوأما أبو بكر الصديق خليفة رسول اللَّه -ﷺ- وأفضل الناس بعده فاسمه عبد اللَّه بن أبي قحافة عثمان وأمه أم الخير بنت صخر القرشيان، أسلم أبوه وأمه.\nقال العلماء لا يعرف أربعة بعضهم من بعض صحابيون متناسلون إلا آل أبي بكر؛ ولقِّب عتيقا إما لحسن وجهه وجماله أو لأنه عتيق اللَّه من النار لأن النبي -ﷺ- قال له أنت عتيق الرحمن من النار أو لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به ولم يزله بعين الرضا من اللَّه تعالى. هو أول الناس إسلاما هاجر مع رسول اللَّه -ﷺ- وشهد المشاهد كلها ثم ولي الخلافة سنتين واستكمل بخلافته سن النبي -ﷺ- فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة وذلك في سنة ثلاث عشرة من الهجرة وصلى عليه عمر في المسجد ودفن في حجرة عائشة عند رسول اللَّه -ﷺ- اهـ، قاله الكرماني (^٢).\nوتقدم الكلام عليه مبسوطا، ومناقبه كثيرة. ولما مات الصديق -﵁- قام علي -﵁- على باب البيت الذي هو مسجى فيه فقال كنت واللَّه يعسوبا\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١١٧ - ١١٨).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٣/ ٥٥).","vol":"11","page":505},{"text":"للمؤمنين وكنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف، مثل عليه -﵁- باليعسوب في سبقه إلى الإسلام غيره لأن اليعسوب يتقدم النحل إذا طارت فتتبعه، والعواصف الريح المهلكة في البر، والقواصف المهلكة في البحر. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ (^١)، ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ (^٢). وفي كامل ابن عدي (^٣) أن النبي -ﷺ- قال لعلي أنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكفار. وفي رواية يعسوب الظلمة وفي رواية يعسوب المنافقين، أي يكون بك المؤمنون، ويكون الكفار والظلمة والمنافقون بالمال كما تكون النحل بيعسوبها، ومن هاهنا قيل لعلي أمير النحل واللَّه أعلم. قاله في حياة الحيوان (^٤)، وتقدم الكلام عليه مبسوطا ومناقبه كثيرة.\nقوله فقال عمر: مَه غفر اللَّه لك فقال أبو بكر إن هذا أوردني الموارد الحديث، مَه أي اكفف عما تفعله، انتهى، قاله المنذري هنا. وقال الكرماني (^٥) نقلا عن الجوهري هي كلمة بنيت على السكون وهي اسم سمي به الفعل ومعناه اكفف فإن وُصِلت نوِّنَت فقلت مهٍ مَه ويقال مَهْمَهْتُ به أي زجرته اهـ.\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٨١.\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٦٩.\n(^٣) ابن عدي في الكامل (٨/ ٢٢٦)، وقال: وبهذا الإسناد سبعة أحاديث حدثناها ابن هلال، مناكير، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٨٠٥).\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٦٥).\n(^٥) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٧٢).","vol":"11","page":506},{"text":"وقال ابن هشام في الشذور (^١): ومثال ما بني على السكون من أسماء الأفعال صه بمعنى اسكت ومه بمعنى انكفف ولا تقل بمعنى اكفف كما يقول كثير منهم لأن اكفف يتعدى ومه لا يتعدى اهـ. وقال بعض العلماء مَه كلمة زجر قيل أصلها ما هذا ثم حذف استخفافا، تقال مكررة ومفردة ومثله به به بالباء الموحدة، قال ابن السكيت هي لتعظيم الأمر. وقال الجوهري (^٢) مه كلمة بنيت على السكون وهي اسم سمي به الفعل ومعناه اكفف لأنه زجر فإن وصلت نونت فقلت مهٍ مه اهـ.\nقوله وفي لفظ البيهقي قال رسول اللَّه -ﷺ- ليس من الجسد شيء إلا يشكو ذَرَبَ اللسان على حِدَّتِه الحديث.\nوذرب اللسان بفتح الذال المعجمة والراء جميعا هو حِدَّته وشرّه وفحشه اهـ، قاله المنذري.\nقوله إن هذا أوردني شر الموارد أي أوصلني إلى الأمور المكروهة وبلغني إياها من أمور كرهها في الدنيا أو خوف تبعات اللسان في الآخرة وهو أظهر. وقال في النهاية (^٣): أراد الموارد المهلكة واحدها موردة قاله الهروي.\n\n٤٣٥٤ - وَعَن أنس -﵁- عَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ أَربع لا يصبن إِلَّا بعجب الصمت وَهُوَ أول الْعِبَادَة والتواضع وَذكر اللَّه ﷿ وَقلة الشَّيْء. رواه\n_________\n(^١) شرح شذور الذهب لابن هشام (ص: ١٥٠).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٢٥٠).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٧٣).","vol":"11","page":507},{"text":"الحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله وعن أنس تقدم الكلام عليه ﵁.\nقوله -ﷺ- أربع لا يصبن إلا بعجب ومعنى لا يصبن أي لا توجد وتجتمع في إنسان إلا على وجه عجيب: أي قل أن تجتمع فيه.\nالصصت وهو أول العبادة والتواضع وذكر اللَّه وقلة الشيء الحديث. الصمت هو السكوت وتقدم معناه، والتواضع وذكر اللَّه معروفان.\nوقوله وقلة الشيء معناه الذي ينفق منه على نفسه وممونه فإنه لا يجامع السكوت والوقار ولزوم الذكر بل الغالب على المقل الشكوى وإظهار الضجر والتأمل وشغل الفكرة الصارف عن الذكر.\n[قال الحافظ] في إسناده العوام، وهو ابن جويرية. قال ابن حبان: كان يروي الموضوعات، وقد عد هذا الحديث من مناكيره، وروي عن أنس\n_________\n(^١) الحاكم في المستدرك (٧٨٦٤)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. رواه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٨٥)، وابن عدي في الكامل (١/ ٨١)، الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٥٦/ ٧٤١). وتمام في الفوائد (٩٧٤)، والبيهقي في الآداب (٢٩٩)، وفي شعب الإيمان (٤٦٢٨، ٧٨٠٠) عن أنس، -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: ورواه موقوفا: ابن أبي الدنيا في الصمت (٥٥٦)، وابن أبي عاصم في الزهد (٤٨)، وابن شاهين في الترغيب (٣٩٢)، وتمام في الفوائد (١٦٩٦) عن العوام بن جويرية. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٥٥): فيه العوام بن جويرية قال ابن حبان يروي الموضوعات ثم روى له هذا الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٥) رواه الطبراني، وفيه العوام بن جويرية، وهو ضعيف، وقد أخرج له الحاكم في المستدرك، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٧٨١): موضوع.","vol":"11","page":508},{"text":"موقوفا عليه، وهو أشبه أخرجه أبو الشيخ في الثواب وغيره.\n\n٤٣٥٥ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَن وهيب قَالَ قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم صلوَات اللَّه عَلَيْهِ أَربع لا يجتمعن فِي أحد من النَّاس إِلَّا بعجب. الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (^١) وأبو الشيخ وغيرهما.\nقوله وروي أيضًا عن وهيب كذا كذا.\nقوله قال عيسى ابن مريم ﵊ أربع لا يجتمعن في أحد من الناس إلا بعجب الحديث.\nفائدة في البخاري ومسلم (^٢) وغيرهما عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم -ﷺ- حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وهذا الحديث رواه أبو داود (^٣) في أواخر سننه في كتاب الملاحم مطولا، قال الخطابي ﵀ (^٤).\nقوله ويقتل الخنزير فيه دليل على وجوب قتل الخنازير وبيان أن أعيانها نجسة وذلك أن عيسى ﵇ إنما يكون في آخر الزمان وشريعة الإسلام باقية.\nقوله يضع الجزية معناه أنه يضعها عن النصارى وأهل الكتاب ويحملهم\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في الصمت (٦٤٣)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٢٢/ ٦٢٩) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧١٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٢٢٢)، وصحيح مسلم (٢٤٢) (١٥٥).\n(^٣) سنن أبي داود (٤٣٢٤).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ٣٤٧).","vol":"11","page":509},{"text":"على الإسلام فلا يقبل منهم غير دين الحق فذلك معنى وضعها وفي رواية أن عيسى ﵇ يدرك الدجال بباب لد فيقتله. لُدّ بضم اللام ودال مهملة قال بعضهم هو جبل بالشام ويُؤيد هذا ما جاء في كتب أهل الكتاب أن عيسى يقتل الدجال بجبل الزيتون اهـ. قاله عياض.\nوفي آخر الموطأ (^١) عن يحيى بن سعيد أن عيسى بن مريم لقي خنزيرا على الطريق فقال له ابعد بسلام فقيل له تقول هذا لخنزير فقال عيسى -ﷺ- إني أخاف أن أعود نفسي النطق بالسوء. وروى ابن أبي الدنيا (^٢) عن سعيد بن عبد العزيز قال قيل لأبي أسيد الفزاري من أين تعيش فحمد اللَّه وقال يرزق اللَّه تعالى الكلب والخنزير ولا يقتل يرزق أبا سعيد اهـ.\n\n٤٣٥٦ - وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ سمعته يَقُول خمس لَهُنَّ أحسن من الدهم الموقفة لا تكلم فِيمَا لا يَعْنِيك فَإِنَّهُ فضل وَلَا آمن عَلَيْك الْوزر، وَلَا تكلم فِيمَا يَعْنِيك حَتَّى تَجِد لَهُ موضعا فَإِنَّهُ رب مُتَكَلم فِي أَمر يعنيه قد وَضعه فِي غير مَوْضِعه فعيب وَلَا تمار حَلِيمًا وَلَا سَفِيها فَإِن الْحَلِيم يقليك وَإِن السَّفِيه يُؤْذِيك وَاذْكر أَخَاك إِذا تغيب عَنْك بِمَا تحب أَن يذكرك بِهِ وأعفه مِمَّا تحب أَن يعفيك مِنْهُ واعمل عمل رجل يرى أَنه مجازى بِالإِحْسَانِ مَأْخُوذ بالإجرام. رواه ابن أبي الدنيا (^٣) موقوفا.\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩٨٥/ ٤).\n(^٢) انظر: المعرفة والتاريخ (٢/ ص ٢٣٤)، وتاريخ مدينة دمشق (٦٦/ ص ١٢).\n(^٣) ابن أبي الدنيا في الصمت (١١٤)، وأخرجه أبو داود في الزهد (٣٣٤)، وابن وضاح في البدع (٢/ ١٨٧)، وأبو الشيخ الأصبهاني في التوبيخ والتنبيه (٢٣٩)، والبيهقي في شعب =","vol":"11","page":510},{"text":"قوله وروي عن مجاهد عن ابن عباس، مجاهد هو ابن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكي المخزومي، مولاهم مولى عبد اللَّه بن أبي السائب، ويقال: مولى السائب ابن أبي السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعي، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد اللَّه، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، ﵃. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبي ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين. روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختياني، وعبد اللَّه بن أبي نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث.\nقال مجاهد: عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورةء وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة (^١). وابن عباس هو عبد اللَّه بن عباس تقدم الكلام على\n_________\n= الإيمان (٤٦٦٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧١٣)، وضعيف جدًا.\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٣).","vol":"11","page":511},{"text":"ترجمتة -﵁-.\nفائدة: ومن مناقب ابن عباس في موته روى الطبراني (^١) بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال مات ابن عباس بالطائف فشهدنا جنازته فجاء طائر لم نر على خلقته حتى دخل في نعشه ثم لم يُر خارجا منه، فلما دفن تُليت هذه الآية على شفير القبر لم ندر من تلاها ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ (^٢) ثم روي عن عبد اللَّه بن يامين نحوه إلا أنه جاء طير أبيض يقال له الغرنوق وفي رواية كأنه قبطية القبطية ثياب بيض من كتان تنسج بمصر نسبت إلى القبط بالضم. وقال الجوهري (^٣) والزمخشري (^٤) أنه طائر أبيض من طير الماء طويل العنق، وقيل هو الكركي، واللَّه أعلم. قاله في حياة الحيوان (^٥).\nقوله: خمس لهن أحسن من الدهم الموقفة وفي بعض النسخ الموفرة، الدهم جمع أدهم، والموقفة المراد بها الخيل في أرساغها بياض.\nقوله: لا تكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل ولا آمن عليك الوزر، أصل لا\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢٣٦/ ١٠٥٨١)، وأخرجه أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة (٢/ ٩٦٢)، والآجري في الشريعة (١٧٥٧ - ١٧٥٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٢٦٩)، وابن عرفة في جزئه (٥٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٦٢٦).\n(^٢) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠.\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٥٣٧).\n(^٤) الفائق في غريب الحديث (٣/ ٦٥).\n(^٥) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٤٧).","vol":"11","page":512},{"text":"تكلم تتكلم بتاءين والذي يعنيه سيأتي الكلام عليه بعد في قوله -ﷺ- من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.\nقوله: ولا آمن عليك الوزر أي الإثم.\nقوله: ولا تكلم فيما لا يعنيك حتى تجد له موضعا فإنه رب مُتكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فَعِيب، والكلام الذي يعنيه هو الذي يتعلق بضرورة حياته في معاشه أو سلامته في معاده.\nقوله: ولا تمار حليما ولا سفيها فإن الحليم يقليك والسفيه يؤذيك الحديث. التماري هو التنازع والتجادل والحلم هو الطمأنينة عند الغضب والمراد بالسفيه الجاهل.\nقوله: واذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به وأعفه مما تحب أن يعفيك منه واعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإجرام، والظاهر أن الإجرام هو بكسر الهمزة مصدر أجرم لمقابلته بالإحسان وهو مصدر أحسن أيضًا، واللَّه أعلم؛ جمع جرم وهو الذنب وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو القصاص في الدنيا والآخرة.\n\n٤٣٥٧ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ من صمت نجا. رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث غريب، والطبراني (^٢)، ورواته ثقات.\n_________\n(^١) الترمذي (٢٥٠١).\n(^٢) الطبراني في الكبير (١٣/ ٤٧/ ١١٣، ١١٤)، وفي الأوسط (١٩٥٤)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٨٥) وابن وهب في الجامع (٣٠٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (١) وأبو الشيخ في الأمثال (٢٠٧) والبغوي في شرح السنة (٤١٢٩). =","vol":"11","page":513},{"text":"قوله وعن ابن عمر ﵄، هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب شهد رسول اللَّه -ﷺ- بأنه رجل صالح وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية مات بمكة بعد الحج سنة ثلاث وسبعين ومناقبه لا تحصى، وابن عمر إذا أطلق لا يراد به إلا عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب. قاله الكرماني (^١) وتقدم الكلام على مناقبه في أول هذا التعليق مطولا واللَّه أعلم.\nقوله -ﷺ- من صمت نجا أي من الشر وتقدم الكلام على الصمت في مواضع من هذا التعليق. وفي الحديث (^٢) الصمت حكم وقليل فاعله،\n_________\n= وأخرجه أحمد (٦٤٨١ و٦٦٥٤) وعبد بن حميد (٣٤٥) والدارمي (٢٧١٦) وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ١٦٩) وابن أبي الدنيا في الصمت (١٠)، والقضاعي (٣٣٤) والبيهقي في الشعب (٤٦٢٩ و٤٦٣٠)، وابن شاهين في الترغيب (٣٨٧) وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٣٧)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٧١٠) والمزي (٣٢/ ٢١٥ - ٢١٦)، وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٣٠٩): أخرجه الترمذي ورواته ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٣٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٧٤).\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٦٥).\n(^٢) أخرجه: ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والقضاعي في (مسند الشهاب) (٢٤٠)، والبيهقي في الشعب (٤٦٧٢)، مرفوعًا. وأخرجه: ابن حبان في (روضة العقلاء): ٤١، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣، والبيهقي في (الشعب) (٤٦٧١)، من قول لقمان، وهو الصواب قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٩٦) أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف والبيهقي في الشعب من حديث أنس بلفظ حكم بدل حكمة وقال غلط فيه عثمان بن سعد والصحيح رواية ثابت قال والصحيح عن أنس أن لقمان قال ورواه كذلك هو وابن حبان في كتاب روضة العقلاء بسند صحيح إلى أنس، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٥٥)، والضعيفة (٢٤٢٤).","vol":"11","page":514},{"text":"والحكم العلم والفقه والقضاء بالعدل وهو مصدر حكم يحكم ويُروى أن من الشعر لحكمة وهو بمعنى الحكم أي أن من الشعر كلاما نافعا يمنع من الجهل والسفه وينهى عنهما ومنه الحديث الخلافة في قريش والحكم في الأنصار، خصّهم بالحكم لأن أكثر فقهاء الصحابة فيهم منهم معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهم قاله في النهاية (^١).\n\n٤٣٥٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول إِن العَبْد ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ مَا يتَبَيَّن فِيهَا يزل بهَا فِي النَّار أبعد مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) والنسائي، ورواه ابن ماجه (^٤) والترمذي (^٥) إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا إِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ لا يرى بهَا بَأْسا يهوي بهَا سبعين خَرِيفًا. .\n[قوله ما يتبين فيها]: أي ما يتفكر هل هي خير أو شر؟\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. وفي رواية ابن ماجه والترمذي يهوي سبعين خريفا، والخريف السنة.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤١٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٤٧٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٤٩) (٢٩٨٨).\n(^٤) سنن ابن ماجه (٣٩٧٠)، وقال البوصيري في الزوائد في إسناده محمد بن إسحق وهو مدلس.\n(^٥) سنن الترمذي (٢٣١٤)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"11","page":515},{"text":"قوله -ﷺ- ما يتبين فيها أي ما يتفكر هل هي خير أو شر اهـ. قاله المنذري.\nقوله وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه ما يُلقي لها بالا يرفعه اللَّه بها درجات في الجنة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه لا يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم الحديث.\nوفي رواية البيهقي (^١) لا يقولها إلا ليُضجِك بها المجلس. والرضوان هو الرضى ومعنى يهوي بها يهبط بسبب تلك الكلمة من هَوَى يهوي هِويًّا بفتح الهاء إذا هبط وأما تهوي يهوي هُويا بالضم فبمعنى صعد، كذا في النهاية (^٢). ومن الكبائر الكلمة التي تعظم في مفسدتها وينتشر ضررها ولا يلقى لها قائلها بالا وهي مما يسخط اللَّه ﷿.\nقال بعض أهل العلم وهذا الكلام عند الملوك والوُلاة وكالكلمة بقذف أو معناه وكالكلمة التي يترتب عليها إضرار بمسلم ونحو ذلك ما يحصل به خير عام أو شر عام وهذا كله حث على حفظ اللسان فينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام أن يتدبره في نفسه قبل نطقه فإن ظهرت المصلحة هالا أمسك عن الكلام، ذكره النووي في شرح مسلم (^٣)، وابن النحاس في تنبيهه عن قوله في رواية البيهقي إن العبد ليتكلم الكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٤٤٩٢).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٨٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٧).","vol":"11","page":516},{"text":"يَهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض وإن الإنسان أو الرجل ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدمه قوله يهوي بها أي يسقط ومعنى الحديث أن السقوط عن لسانه أشد من السقوط من رجله يعني صدور الكذب والفاحشة من لسانه أضر مما يحصل له من ضرر سقوطه عن رجله على وجهه اهـ.\n\n٤٣٦١ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن الرجل ليتحدث بِالْحَدِيثِ مَا يُرِيد بِهِ سوءا إِلَّا ليضحك بِهِ الْقَوْم يهوي بِهِ أبعد من السَّمَاء. رواه أبو الشيخ (^١) عن أبي إسرائيل عن عطية. وهو العوفي عنه.\nقوله وعن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك بن سنان الأنصاري تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- إن الرجل ليتحدث بالحديث ما يريد به سوى إلا ليضحك به القوم يهوي به أبعد من السماء، تقدم الكلام على الهوي في الحديث قبله.\nقوله عن عطية وهو العوفي بن سعد: قال أحمد وغيره: ضعيف الحديث.\nوقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه ووثقه ابن معين وغيره وحسن له\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٣٣١)، والطبراني في الأوسط (٤٣٨٨)، وابن عدي في الكامل ١/ ٤٦٧، في ترجمة إسماعيل بن أبي إسحاق، أبي إسرائيل الملائي، وقال: ولأبي إسرائيل هذا أحاديث غير ما ذكرت عن عطية وغيره، وعامة ما يرويه يخالف الثقات، وهو في جملة من يكتب حديثه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٩) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عطية العوفي وثقه ابن معين وهو ضعيف. وقال في (٨/ ٩٥) رواه أحمد، وفيه أبو إسرائيل إسماعيل بن خليفة وهو ضعيف. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٧) رواه أحمد، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧١٦).","vol":"11","page":517},{"text":"الترمذي غير ما حديث وأخرج حديثه ابن خزيمة في صحيحه، وقال: في القلب من عطية شيء.\n\n٤٣٦٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ أَلا هَل عَسى رجل مِنْكُم أَن يتكَلَّم بِالْكَلِمَة يضْحك بهَا الْقَوْم فَيسْقط بهَا أبعد من السَّمَاء أَلا هَل عَسى رجل مِنْكُم يتكلَّم بِالْكَلِمَةِ يضْحك بهَا أَصْحَابه فيسخط اللَّه بهَا عَلَيْهِ لا يرضى عَنهُ حَتَّى يدْخلهُ النَّار. رواه أبو الشيخ (^١) أيضًا بإسناد حسن، ورواه عن علي بن زيد عن الحسن مرسلا.\nقوله وعن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- ألا هل عسى رجل منكم أن يتكلم بالكلمة يضحك بها القوم الحديث. الاستفتاح.\nقوله ورواه عن علي بن زيد عن الحسن مرسلا تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n٤٣٦٣ - وَعَن بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ إِن الرجل ليَتكَلَّم بِالْكَلِمَةِ من رضوَان اللَّه مَا كَانَ يظنّ أَن تبلغ مَا بلغت يكْتب اللَّه تَعَالَى لَهُ بهَا رضوانه إِلَى يَوْم يلقاه وَإِن الرجل ليَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ من سخط اللَّه مَا كَانَ يظنّ أَن تبلغ مَا بلغت يكْتب اللَّه لَهُ بهَا سخطة إِلَى يَوْم يلقاه. رواه مالك (^٢)\n_________\n(^١) حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٧٧).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٨٥/ ٥) ابن وهب في الجامع (١/ ٤٧ - ٤٨). والنسائي في سننه الكبرى كما في تحفة الأشراف (٢/ ١٥٣ رقم ٢٥٢٨). والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٥٦ - ٣٥٥ رقم ١١٣٤). والحاكم في المستدرك (١/ ٤٦) وابن عساكر في تاريخه =","vol":"11","page":518},{"text":"والترمذي (^١)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (^٢) وابن ماجه (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) والحاكم (^٥) وقال صحيح الإسناد.\nقوله وعن بلال بن الحارث المزني هو أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث بن عصم ابن سعيد بن قرة بن خَلاوة، بفتح الخاء المعجمة، ابن ثعلبة بن ثور\n_________\n= (ص ٢٧٩ - ٢٨٠). قال الحاكم: \"قصر مالك بن أنس برواية هذا الحديث عن محمد بن عمرو، ولم يذكر علقمة بن وقاص\"، ثم ساقه من طريقه، ثم قال: \"هذا لا يوهن الإجماع الذي قدمنا ذكره، بل يزيده تأكيدا بمتابع مثل مالك، إلا أن القول فيه ما قالوه بالزيادة في إقامة إسناده\" ابن عبد البر أورد الحديث في التمهيد (١٣/ ٤٩) من رواية الإمام مالك، ثم قال: \"هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ، وغير مالك يقول في هذا الحديث: عن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده، عن بلال بن الحارث، فهو في رواية مالك غير متصل، وفي رواية من قال: عن أبيه، عن جده متصل مسند. . .، والقول عندي فيه -واللَّه أعلم-: قول من قال: عن أبيه، عن جده، وإليه مال الدارقطني ﵀\". وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٣١١) أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وقال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٤/ ١٧٧) روى الترمذي والحاكم المرفوع منه وصححاه ورواه النسائي في الكبرى وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٢٤٧)، وصحيح الجامع الصغير (١٦١٩)، والصحيحة (٨٨٨).\n(^١) الترمذي (٢٣١٩).\n(^٢) النسائي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٥).\n(^٣) ابن ماجه (٣٩٦٩).\n(^٤) ابن حبان (٢٨٧).\n(^٥) الحاكم (١/ ٤٦).","vol":"11","page":519},{"text":"بن هذمة، بضم الهاء وإسكان الذال المعجمة، ابن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار المزنى. وولد عثمان المذكور يقال لهم: مزنيون، نسبوا إلى أمه مزينة، وبلال هذا مزنى، وفد إلى رسول اللَّه -ﷺ- في وفد مزينة سنة خمس من الهجرة، وأقطعه النبي -ﷺ- المعادن القبلية، بفتح القاف والباء، وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة، ثم سكن البصرة، وتوفى سنة ستين، وهو ابن ثمانين سنة. روى عن النبي -ﷺ- ثمانية أحاديث (^١).\nقوله في حديث آخر إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا أي ما يُحضِر قلبه لما يقوله منها والبال القلب ومنه حديث الأحنف أنه نعي إليه رجل فما ألقى لذلك بالا أي ما استمع ولا اكترث به، قاله في النهاية (^٢). وقال بعضهم أيضًا في قوله لا يلقي لها بالا أي لا يبالي بتلك الكلمة يعني أنه يتكلم بكلمة حق وخير لا يعرف قدره؛ يعني: يظنها قليلا، وهو عند اللَّه عظيم القدر فيحصل له رضوان اللَّه وربما يتكلم بشر وهو لا يظنه ذنبا وهو عند اللَّه ذنب عظيم فيحصل له سخط اللَّه تعالى يعني لا يجوز أن يظن الخير حقيرا بل يعتمد الرجل على الخير، وكذا لا يجوز أن يعد الرجل الشر خيرا بل يترك كل الشر (^٣) اهـ.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٦).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٦٧).\n(^٣) المفاتيح (٥/ ١٧١).","vol":"11","page":520},{"text":"قوله لا يُلقي لها بالا الصواب ضم الياء وكسر القاف أي لا يحضر لها قلبه ويتكلم بها بالكفر، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (^١) أي شاهد بالقلب ليس بغافل وفي بعض النسخ بفتح الياء والقاف، قال بعض أهل العلم وهذا كالكلام عند الملوك والولاة بما يحصل به خير عام أو شر عام ومنه الكلمة التي تتضمن هدم سُنَّة أو إقامة بدعة أو إبطال حق أو تحقيق باطل أو سفك دم مسلم أو استحلال فرج حرام أو دم حرام أو انتهاك عرض محرم أو إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قطيعة رحم أو التفريق بين المرء وزوجه ونحو ذلك، اهـ قاله ابن النحاس (^٢).\nقوله يرفع اللَّه بها درجات وهو صحيح أي درجاته أو يكون تقديره يرفعه.\nقوله -ﷺ- إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب اللَّه له بها رضوانه إلى يوم يلقاه الحديث.\nالرضوان ضده السخط وأنه ينجي من شر اللسان إلا أن يلجم بلجام الشرع فلا يطلق إلا فيما يحمد ينفعه في الدنيا والآخرة ويكفه عن كل ما تخشى غائلته في عاجله وآجله وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان فإنه لا تعب في تحريكه ولا مؤنة في إطلاقه وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده وحبائله،\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٣٧.\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٦٤ - ٢٦٥).","vol":"11","page":521},{"text":"فإنه أعظم آفة الشيطان في استغواء الإنسان. قال الفاكهاني وأنشد بعض أصحابه لعبد الملك الشريشي:\nإِذَا مَا اضْطُرِرْتَ إِلَى كَلِمَةٍ ... فَدَعْهَا وَبَابَ السُّكُوتِ اقْصِدِ\nفَلَوْ كَانَ نُطْقُكَ مِنْ فِضِّةٍ ... لَكَانَ سُكُوتُكَ مِنْ عَسْجَدِ\nوبالجملة فالأولى للإنسان التقلل من الكلام ما استطاع ما لم تتعلق بذلك مصلحة دينية أو دنيوية وخصوصا بعد العشاء خشية أن ينام عن الصبح بسبب سهره أول الليل واللَّه أعلم.\n\n٤٣٦٤ - وَعَن أمة بنت الحكم الغفارية ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول إِن الرجل ليدنو من الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا قيد رمح فيتكلم بِالْكَلِمَةِ فيتباعد مِنْهَا أبعد من صنعاء. رواه ابن أبي الدنيا (^١) والأصبهاني (^٢) كلاهما من رواية محمد بن إسحاق.\nوعن أمة بنت الحكم الغفارية، وفي بعض النسخ آمنة روى عنها ابنها حكيم.\nقوله -ﷺ-: إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا قيد رمح فيتكلم بالكلمة فيتباعد منها أبعد من صنعاء الحديث.\nوالدنو من الجنة القرب منها جعلنا اللَّه من أهلها وقيد الرمح هو قدره والمراد بصنعاء هي صنعاء اليمن وهي مدينة كبيرة وهي متصلة العمارة كثيرة\n_________\n(^١) الصمت لابن أبي الدنيا (٤٢٧).\n(^٢) قوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٣٨٩)، وأخرجه أحمد (١٦٦١٠، ٢٣١٩٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٥٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٠٩٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧١٧).","vol":"11","page":522},{"text":"الخيرات معتدلة الهواء والحر والبرد وليس في بلاد اليمن أقدم منها عهدا ولا أوسع منها قطرا ولا أكثر منها خلقًا.\nقوله رواه الأصبهاني تقدم الكلام عليه قريبا.\n\n٤٣٦٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لَا تكثروا الْكَلَام بِغَيْر ذكر اللَّه فَإِن كَثْرَة الْكَلَام بِغَيْر ذكر اللَّه قسوة للقلب وَإِن أبعد النَّاس من اللَّه تَعَالَى الْقلب القاسي. رواه الترمذي (^١) والبيهقي (^٢)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللَّه.\nقوله وعن ابن عمر تقدم الكلام عليه، وأن المراد به عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب.\nقوله -ﷺ-: وأن أبعد الناس من اللَّه القلب القاسي الحديث. والقسوة والقساوة غلظ القلب وشدته، يقال حجر قاس أي صلب، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (^٣)، وقال اللَّه تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٤)، ويقال الذنب مقاساة القلب أي سبب لقسوته، قاله الأصبهاني. وقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤١١) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧١٨)، والضعيفة (٩٢٠).\n(^٢) والبيهقي في الشعب (٤٦٠٠ و٤٦٠١) والحديث؛ أخرجه الطبراني، في الدعاء (١٨٧٤)، والواحدي في الوسيط (١/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٧٤.\n(^٤) سورة الزمر، الآية: ٢٢.\n(^٥) المعجم الأوسط (٢٢٥٩) مجمع الزوائد ج ١٠/ ص ٣٠٢ رواه الطبراني في الأوسط وفيه =","vol":"11","page":523},{"text":"من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به. وقال سميط بن عجلان (^١) يا ابن آدم إنك ما سكتّ فأنت سالم فإذا تكلمت فخذ حذرك إما لك وإما عليك. وهذا باب يطول استقصاؤه والمقصود أن النبي -ﷺ- أمر بالكلام بالخير والسكوت عما ليس بخير، قال -ﷺ- من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قوله والصمت عنه بل إما أن يكون خيرا فيكون مأمورا بقوله وإما أن يكون غير خير فيكون مأمورا بالصمت عنه. وحديث أم حبيبة ومعاذ وغيرهما يدلان على هذا.\n\n٤٣٦٦ - وَعَن مَالك -﵁- أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ كَانَ يَقُول لا تكثروا الْكَلَام بِغَيْر ذكر اللَّه فتقسو قُلُوبكُمْ فَإِن الْقلب القاسي بعيد من اللَّه وَلَكِن لا تعلمُونَ وَلَا تنظروا فِي ذنُوب النَّاس كأنكم أَرْبَاب وانظروا فِي ذنوبكم كأنكم عبيد فَإِنَّمَا النَّاس مبتلى ومعافى فارحموا أهل الْبلَاء واحمدوا اللَّه على الْعَافِيَة. ذكره في الموطأ. (^٢)\nقوله وعن مالك ﵀، مالك هو إمام دار الهجرة أبو عبد اللَّه مالك بن أنس بن مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي المدني مناقبه أكثر من أن تُعَد\n_________\n= دويد بن مجاشع ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\n(^١) الصمت وآداب اللسان (٦٢٣) جامع العلوم والحكم ج ١/ ص ١٣٦.\n(^٢) موطأ مالك (٢/ ٩٨٦/ ٨)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (١٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٦٦٨) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧١٩).","vol":"11","page":524},{"text":"وفضائله أظهر أن تُحد.\nروى الترمذي (^١) بإسناده عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال يوشكُ أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالم أعلم من عالم المدينة، وحمل سفيان بن عيينة وغيره هذا الحديث على مالك وقالوا هو العالم المذكور وهو جدير به.\nقالوا: وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال وهيب: ما بين المشرق والمغرب رجل آمن على حديث رسول اللَّه ﷺ من مالك. واعلم أنه الأئمة الستة أصحاب المذاهب المتبوعة في الأمصار وهم هو وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود الأصفهاني الظاهر وقد جمع الإمام يحيى الخصكفي الخطيف الشافعي أسماءهم في شعر فقال:\nوإن شئت أركان الشريعة فاستمع ... لتعرفهم واحفظ إذا كنت سامعا\nمحمد والنعمان مالك أحمد ... وسفيان واذكر بعد داود تابعا\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٦٨٠)، وقال: هذا حديث حسن وهو حديث ابن عيينة. أخرجه الحميدي (١١٤٧)، ومن طريقه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٠١٦، ٤٠١٧)، وأحمد (٧٩٨٠)، وابن حبان (٣٧٣٦)، وابن عدي (١/ ٨٩)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٣٨٥)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير (٨٠)، (٨١)، (٨٢)، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٦) هذا حديث نظيف الإسناد، غريب المتن.\nوضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦٤٤٨)، والمشكاة ٢٤٦، والتعليق على التنكيل (١/ ٣٨٥)، والضعيفة (٤٨٣٣).","vol":"11","page":525},{"text":"ولد -﵁- في خلافة سليمان بن عبد الملك وحملت به أمه ثلاث سنين يعني بقي في البطن هذه المدة ومات سنة تسع وسبعين ومائة بالمدينة ودفن بالبقيع -﵁- اهـ. قاله الكرماني في شرح البخاري (^١). قول مالك (^٢) أنه بلغه أن عيسى بن مريم عليه الصلاة درالسلام كان يقول لا تكثروا الكلام بغير ذكل اللَّه فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من اللَّه ولكن لا تعلمون تقدم الكلام على القلب القاسي.\nقوله ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب أي أسياد وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد فإنما الناس مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاد واحمدوا اللَّه على العافية، ذكره في الموطأ (^٣).\n\n٤٣٦٧ - وَعَن أم حَبِيبَة زوج النَّبِي -ﷺ- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ كل كَلَام ابْن آدم عَلَيْهِ لا لَهُ إِلَّا أَمر بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر أَو ذكر اللَّه. رواه الترمذي (^٤) وابن ماجه (^٥) وابن أبي الدنيا (^٦)، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٢٤).\n(^٢) سبق.\n(^٣) موطأ مالك (٨).\n(^٤) سنن الترمذي (٢٤١٢).\n(^٥) سنن ابن ماجه (٣٩٧٤).\n(^٦) ابن أبي الدنيا في الصمت (١٤)، وأخرجه عبد بن حميد (٢٥٩ و١٥٥٤)، وأحمد في الزهد (ص ٢٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٥٨)، والنسائي في جزء فيه مجلسان (٥٠)، وأبو يعلى (٧١٣٢ و٧١٣٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٤٣/ ٤٨٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (٣٠٥)، وأسلم بن =","vol":"11","page":526},{"text":"حديث محمد بن يزيد بن خنيس. [قال الحافظ]: رواته ثقات، وفي محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح، وهو شيخ صالح.\nقوله وعن أم حبيبة زوج النبي -ﷺ- اسمها رملة وهي أم المؤمنين كان زوجها قبل النبي -ﷺ- عبيد اللَّه بن جحش تنصر بالحبشة ومات نصرانيا وهو أخو عبد اللَّه بن جحش الصحابي الجليل، استشهد يوم أحد، وكان الخاطب لرسول اللَّه -ﷺ- عمرو بن أمية الضمري تقدم الكلام على ترجمتها في كتاب النوافل مبسوطا.\nفائدة في أزواج النبي -ﷺ- أنهن أمهات المؤمنين هو مقتبس من قوله تعالى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (^١)، قال العلماء أزواجه -ﷺ- أمهاتهم في وجوب احترامهن وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة والنظر وتحريم نكاح بناتهن وهل يقال لإخوتهن أخوال المؤمنين ولأخواتهن خالاتهن ولبناتهن أخواتهم\n_________\n= سهل بحشل في تاريخ واسط (١/ ٢٤٦)، والفاكهي في أخبار مكة (٣/ ٣٢٨)، والأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٣/ ٤٤٤/ ٢٣٧٤)، ابن حجر في الأمالي المطلقة (ص ١٦٠) وقال: هذا حديث حسن غريب. . . ورجاله موثقون لكن لم أجد في أم صالح توثيقا ولا تجريحا ولا ذكرا إلا في هذه الرواية ولا سميت في شيء من الطرق وإنما حسنته لأنني وجدت عن سفيان الثوري ما يدل على قوة الحديث عنده الثوري. . . فذكر الحديث كما تقدم قال فقال رجل عند سفيان ما أشد هذا الحديث فقال سفيان وما شدته ألم تسمع اللَّه تعالى يقول في كتابه ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢٠) في السلسلة الضعيفة (١٣٦٦)، وضعيف الجامع الصغير (٤٢٨٣).\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٦.","vol":"11","page":527},{"text":"فيه خلاف، ولا يقال لآبائهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم، وهل يقال أنهن أمهات المؤمنين مبني على الخلاف المعروف في أصول الفقه أن النساء هل يدخلن في خطاب الرجال؟\nوعن عائشة ﵂ أنها قالت أنا أم رجالكم لا أم نسائكم. وهل يقال للنبي -ﷺ- أبو المؤمنين الأصح الجواز ومعنى قوله تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^١) أي لطفه واللَّه تعالى أعلم، قاله الكرماني في شرح البخاري (^٢).\nقوله -ﷺ- كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر اللَّه الحديث. وروى ابن أبي الدنيا (^٣) عن علي بن الحسين عن حجاج بن نصير عن جسر أبي جعفر قال سمعت ميمون بن سياه يقول ما تكلمت بكلمة منذ عشرين سنة لم أتدبرها قبل أن أتكلم بها إلا ندمتُ عليها إلا ما كان من ذكر اللَّه ﷿.\nقوله لا نعرفه إلا من حديث محمد بن يزيد بن خنيس، قال الحافظ وفي محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح وهو شيخ صالح.\n\n٤٣٦٨ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول إِن اللَّه كره لكم ثَلَاثًا قيل وَقَالَ وإضاعة المَال وَكَثْرَة السُّؤَال. رَوَاهُ البُخَارِيّ\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٢٥).\n(^٣) الصمت وآداب اللسان (٤٢٥).","vol":"11","page":528},{"text":"وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^١) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ (^٢).\n\n٤٣٦٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أَكثر النَّاس ذنوبا أَكْثَرهم كلَاما فِيمَا لَا يعنيه. رواه أبو الشيخ في الثواب (^٣).\nقوله وروي عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- أكثر الناس ذنوبا أكثرهم كلاما فيما لا يعنيه أي فيما لا يهمه وسيأتي الكلام على قوله فيما لا يعنيه في حديث أبي هريرة بعده.\n\n٤٣٧٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه. رواه الترمذي (^٤)، وقال: حديث غريب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٧٧) و(٢٤٠٨) و(٥٩٧٥) و(٦٤٧٣)، ومسلم (١٢ و١٣ و١٤ - ٥٩٣)، والنسائي في الكبرى (١١٧٨٤) عن المغيرة.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠ و١١ - ١٧١٥)، وأبو يعلى، وابن حبان (٣٣٨٨) و(٤٥٦٠) و(٥٧٢٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٦٨٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٦٥٩) العقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ٤٢٤)، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٧٠٥ وابن البناء في الرسالة المغنية (٣٦) من طريق عصام بن طليق عن شعيب عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال العقيلي عصام بن طليق قال يحيى (يعني ابن معين): ليس بشيء، وشعيب مجهول بالنقل، وقد تابعه من هو دونه أو مثله. وقال البخاري: مجهول منكر الحديث. انظر الميزان (٥/ ٨٥) وقال ابن حبان: عصام بن طليق شيخ يروي عن الحسن روى عنه البصريون وأهل بغداد انتقل من البصرة إلى بغداد وسكنها كان ممن يأتي بالمعضلات عن أقوام ثقات. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٨٩١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢١).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٣١٧) وابن ماجه (٣٩٧٦) وابن حبان (٢٢٩) والكلاباذي في معاني =","vol":"11","page":529},{"text":"[قال الحافظ]: رواته ثقات إلا قرة بن حيويل ففيه خلاف، وقال ابنُ عبد البر النمري هو محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية التقات انتهى، فعلى هذا يكون إسناده حسنا.\nلكن قال جماعة من الأئمة (^١): الصواب أنه عن علي بن حسين عن النبي -ﷺ- مرسل كذا قال أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم، وهكذا رواه مالك (^٢) عن الزهري عن علي بن حسين، ورواه الترمذي (^٣) أيضًا عن قتيبة\n_________\n= الأخبار (ص ١٤١) وابن عدي (٦/ ٢٠٧٧) وأبو الشيخ في الأمثال (٥٤) والقضاعي (١٩٢) والبيهقي في الآداب (١١٥٢) وفي الأربعين الصغرى (٢٦) وفي المدخل (٢٩١) وفي الشعب (٤٦٣٣) وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٩٨ - ١٩٩) والبغوي في شرح السنة (٤١٣٢) قال الترمذي: هذا حديث غريب وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٨١)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٩١١).\n(^١) منهم: البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٢٠)، والعقيلي (٢/ ٩)، والبيهقي في الآداب (١١٥٢) وفي الأربعين الصغرى (٢٦) وفي المدخل (٢٩١) وفي الشعب (٤٦٣٣)، والخطيب في التاريخ (١٢/ ٦٤) ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٩٧) جامع العلوم (١/ ٢٨٨).\nانظر: علل الدارقطني (٣/ ١١٠)، و(٨/ ٢٧ - ٢٨).\n(^٢) مالك في الموطأ برواية يحيى الليثي (٢/ ٩٠٣)، وبرواية أبي مصعب (١٨٨٣)، وبرواية محمد بن الحسن (٩٤٩)، وبرواية سويد بن سعيد (٦٥٠)، وتابعه معمر، وروايته في جامعه (٢٠٦١٧/ المصنف). وزياد بن سعد، وروايته أخرجها ابن أبي عمر العدني في الإيمان (٤٥)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٠٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٩٧ - ١٩٨). ويونس بن يزيد، وروايته أخرجها القضاعي في مسند الشهاب (١٩٣).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٣١٨)، وقال: وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عن الزهري، =","vol":"11","page":530},{"text":"عن مالك به. وقال: وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، واللَّه أعلم.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه مبسوطا.\nقوله -ﷺ- من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه الحديث.\nهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب، ومعنى هذا الحديث أن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه من قول وفعل، وانتصاره على ما يعنيه من الأقوال والأفعال ومعنى يعنيه أنه تتعلق عنايته به ويكون من مقصده ومطلوبه والعناية شدة الاهتمام بالشيء، عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه واللَّه أعلم. قاله ابن رجب الحنبلي (^١).\nقال ابن عبد البر (^٢): قول النبي -ﷺ- من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة وهو مما لم يقله أحد قبله إلا أنه قد روي عنه ﵇ أنه قال في صحف إبراهيم من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه.\nوروي عن سعيد بن عبد العزيز قال: وقف رجل على لقمان الحكيم وهو في حلقة عظيمة فقال ألست عبد بني الحسحاس فقال بلى قال فأنى بلغت ما أرى قال قدر اللَّه وصِدْقُ الحديث وترك ما لا يعنيني. وذكر مالك في الموطأ\n_________\n= عن علي بن حسين، عن النبي -ﷺ- نحو حديث مالك مرسلا، وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعلي بن حسين لم يدرك علي بن أبي طالب.\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٨٨).\n(^٢) ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ١٩٩).","vol":"11","page":531},{"text":"أنه بلغه أنه قيل للقمان ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل قال صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني.\nوروى أبو عبيد عن الحسن قال: من علامة إعراض اللَّه تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه، قال سابق:\nوالنفسُ إن طلبتْ ما ليس يَعْنِيها ... جهلا وحُمْقًا تَقَع فيما يُعَنِّيها\nقال الحسن بن حميد: إذا عقل الفتى استحيا واتقى وقَلَّت من مقالته الفضول. اهـ.\nقاله في الديباجة.\nقوله في آخر الحديث: إلا قرة بن حيويل ففيه خلاف.\nقرة بن حيويل هو قرة بن عبد الرحمن بن حيويل. قال أحمد: منكر الحديث جدا وضعفه ابن معين، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به وصحح حديثه ابن حبان، وأخرج له مسلم مقرونا بعمر بن الحارث وغيره.\nوقوله هو محفوظ عن الزهري، والزهري هو الإمام الجليل أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن شهاب بن عبد اللَّه بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري المدني سكن الشام هو تابعي كبير سمع عشرة من الصحابة بل أكثر قال الليث: ما رأيت عالما أجمع من الزهري ولا أكثر علما منه وقال عمرو ابن دينار ما رأيت أتقن للحديث من الزهري وما رأيت أحدا الدينار والدرهم أهون عنده منه أن كافت الدراهم والدنانير عنده بمنزله البعر. قال البخاري في التاريخ إنه أخذ القرآن في ثمانين ليلة وعلى الجملة العلماء متفقون على إمامته وجلالته وحفظه وإتقانه وضبطه وعرفانه وقد","vol":"11","page":532},{"text":"وصفوه بأنه جمع علم جميع التابعين توفي بالشام سابع عشر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة ابن اثنين وسبعين سنة (^١).\nقوله ورواه الترمذي أيضًا عن قتيبة عن مالك.\nقوله قتيبة على صيغة مصغر القتبة هو أبو رجاء بن سعيد بن جميل البَغْلاني بفتح الموحدة وسكون الغين المعجمة قرية من قرى بلخ قيل أن جدّه كان مولى للحجاج بن يوسف فهو الثقفي مولاهم وقال ابن عدي اسمه يحيى وقتيبة لقب غلب عليه، وقال ابن مندة اسمه علي، روى عنه أصحاب الكتب السبعة أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وكان كثير المال كما كان كثير الحديث. توفي سنة أربعين ومائتين.\nوقال علي بن أبي محمد السمسار: سمعته يقول وُلِدتُ ببَلْخَ يوم الجمعة حين تعالى النهار لسِتٍّ مَضَيْن من رجب سنة ثمان وأربعين ومائة اهـ. قاله الكرماني (^٢).\n\n٤٣٧١ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ توفّي رجل فَقَالَ رجل آخر وَرَسُول اللَّه -ﷺ- يسمع أبشر بِالْجنَّةِ فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- أَو لا تَدْرِي فَلَعَلَّهُ تكلم فِيمَا لَا يعنيه أَو بخل بِمَا لَا ينقصهُ. رواه الترمذي (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١/ ٣٠).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٣٤).\n(^٣) الترمذي (٢٣١٦) والحديث؛ أخرجه البزار (٧٥٥٧)، وأبو يعلى (٤٠١٧) شعب الإيمان (١٠٣٤١)، (١٠٣٤٢)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٠٩)، والطبري في تهذيب الآثار =","vol":"11","page":533},{"text":"وقال: حديث حسن غريب.\n[قال الحافظ]: رواته ثقات.\nقوله وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله توفي رجل فقال رجل آخر ورسول اللَّه -ﷺ- يسمع أبشر بالجنة فقال رسول اللَّه -ﷺ- أَوَ لَا تدري فلعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه ومعنى الحديث يعني أتدري أنه من أهل الجنة.\nقوله فيما لا يعنيه أي تكلمة بكلمة تضر في الآخرة أو بخل بما لا ينقصه يعني التكلم في الخير فإنه لا ينقص شيئا من لسانه بأن يعلِّم الناس ما يحتاجون إليه ويفيدهم ويتلطف بهم باللسان ويعينهم ويمشي برجله لهم (^١) اهـ.\n\n٤٣٧٢ - وروى ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى عَن أنس أَيْضًا -﵁- قَالَ اسْتشْهد رجل منا يَوْم أحد فَوجدَ على بَطْنه صَخْرَة مربوطة من الْجُوع فمسحت أمه التُّرَاب عَن وَجهه وَقَالَت هَنِيئًا لَك يَا بني الْجنَّة فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- مَا يدْريك لَعَلَّه كَانَ يتكَلَّم فِيمَا لَا يعنيه ويَمْنَع مَا لَا يضرّهُ (^٢).\n_________\n= مسند عمر (١٧٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٤٢٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٥٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٣) روى الترمذي بعضه. رواه أبو يعلى، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٨٢)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢١٥١).\n(^١) المفاتيح (٥/ ١٨٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (١٠٩)، والبزار (٧٥٥٧)، وأبو يعلى (٤٠١٧)، =","vol":"11","page":534},{"text":"٤٣٧٣ - وروى أَبُو يعلى أَيْضًا وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قتل رجل على عهد رَسُول اللَّه -ﷺ- شَهِيدا فَبَكَتْ عَلَيْهِ باكية فَقَالَت واشهيداه قَالَ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- مَا يدْريك أَنه شَهِيد لَعَلَّه كَانَ يتكلَّم فِيمَا لا يعنيه أَو يبخل بِمَا لا ينقصهُ (^١).\n\n٤٣٧٤ - وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن امْرَأَة كَانَت عِنْد عَائِشَة وَمَعَهَا نسْوَة فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ وَاللَّه لأدخلن الْجنَّة فقد أسلمت وَمَا سرقت وَمَا زَنَيْت فَأتيت فِي الْمَنَام فَقيل لَهَا أَنْت المتألية لتدخلن الْجنَّة كيفَ وَأَنت تبخلين بِمَ لَا يُغْنِيك وتتكلمين فِيمَا لَا يَعْنِيك فَلَمَّا أَصبَحت الْمَرْأَة دخلت على عَائِشَة فَأَخْبَرتهَا بِمَا رَأَتْ وَقَالَت اجمعي النسْوَة اللَّاتِي كن عنْدك حِين قلت مَا قلت فَأرْسلت إلَيْهِنَّ عَائِشَة ﵂ فجئن فحدثتهن الْمَرْأَة بِمَا رَأَتْ فِي الْمَنَام. . رواه البيهقي (^٢).\nقوله وعن أبي سلمة هو أبو سلمة عبد اللَّه بن عبد الرحمن أبوه أحد\n_________\n= والطحاوى في مشكل الآثار (٢٤٢٣). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٣: رواه أبو يعلى، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦١٠٧) وحسنه في صحيح الترغيب (٢٨٨٣).\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٦٦٤٦)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٥٢٦) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٤٦٥٦)، والخطيب في البخلاء (٦). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٣: رواه أبو يعلى، وفيه عصام بن طليق، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٨٤).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٦٥٥)، ودلائل النبوة (٧/ ٣٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢٢).","vol":"11","page":535},{"text":"العشرة سمع أبو سلمة ابن عباس وغيره وروايته عن عمر مرسلة، توفي سنة أربع وتسعين وهو ابن ثنتين وسبعين سنة واللَّه أعلم.\nفقالت امرأة منهن واللَّه لأدخلنّ الجنة فقد أسلمت وما سرقت وما زنيت فأتيت في المنام فقيل لها أنت المتألية لتدخلن الجنة الحديث.\nالمتألية هي الحالفة وهو من الألية وهي اليمين والاسم اللائية ومنه الحديث ويل للمتألين من أمتي يعني الذين يحكمون على اللَّه ويقولون فلان في الجنة وفلان في النار، وكذلك حديثه الآخر مَنْ المتألي على اللَّه؟ قاله في النهاية (^١).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٦٢).","vol":"11","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>التَّرْهِيب من الْحَسَد وَفضل سَلامَة الصَّدْر</span>\n٤٣٧٥ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ: \"إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وَلَا تحسسوا وَلَا تجسسوا وَلَا تنافسوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تباغضوا وَلَا تدابروا وَكُونُوا عباد اللَّه إخْوَانًا كَمَا أَمركُم الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يحقره التَّقْوَى هَهُنَا التَّقْوَى هَهُنَا التَّقْوَى هَهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى صَدره- بِحَسب امرئ من الشَّرّ أَن يحقر أَخَاهُ الْمُسلم كل الْمُسلم على الْمُسلم حرَام دَمه وَعرضه وَمَاله\" رواه مالك (^١) والبخاري (^٢) ومسلم (^٣)، واللفظ له، وهو أتم الروايات وأبو داود (^٤) والترمذي (^٥).\nقوله عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله -ﷺ- إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. والظن المنهي عنه في الحديث المراد به هو ظن السوء، [قال النووي: المراد النهي عن سوء الظن، والظن المنهي عنه في الحديث المراد به هو ظن السوء]، قال الخطابي ﵀ (^٦) هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس فإن ذلك لا يملك. قال النووي ﵀ (^٧).\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩٠٧/ ١٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٥١٤٣).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٢) (٢٥٦٤).\n(^٤) سنن أبي داود (٤٨٨٢).\n(^٥) سنن الترمذي (١٩٢٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(^٦) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٢٨)، الكواكب الدراري (١٩/ ١٠٦).\n(^٧) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٩).","vol":"11","page":537},{"text":"ومراد الخطابي أن المحرم من الظن ما يصر صاحبه عليه ويستمر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به. ونقل القاضي عياض عن سفيان الثوري أنه قال الظن الذي يأثم به هو ما ظنه وتكلم به فإن لم يتكلم لم يأثم اهـ. وقال بعضهم يحتمل أن المراد الحكم في الشرع بظن مجرد غير مبني على أصل ولا نظر واستدلال وهذا ضعيف أو باطل والصواب الأول.\nقوله -ﷺ- ولا تحسسوا ولا تجسسوا الأول بالحاء والثاني بالجيم. قال بعض العلماء التحسس بالحاء الاستماع لحديث القوم وبالجيم البحث عن العورات، وقيل بالجيم البحث عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر والجاسوس صاحب سرّ الشر والناموس صاحب سر الخير وقيل هما بمعنى واحد وهو طلب الأخبار الغائبة والأحوال. وقال الخطابي ﵀ (^١) معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوا أخبارهم. والتحسس طلب الخير ومنه قوله تعالى ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ (^٢).\nقوله -ﷺ- ولا تنافسوا هو بحذف إحدى التائين وأصله تتنافسوا والمنافسة والتنافس [فـ] معناهما الرغبة في الشيء ومعناه الانفراد به ونافسته منافسة ونفاسا إذا رغبت فيما رغب فيه، وقيل معنى الحديث التباري في الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها، قاله النووي. وأما التنافس في الخير\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ١٢٣).\n(^٢) سورة يوسف، الآية: ٨٧.","vol":"11","page":538},{"text":"فمأمور به كما قال اللَّه تعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (^١)، أي في الجنة وثوابها.\nقوله -ﷺ- ولا تحاسدوا يعني لا يحسد بعضكم بعضا والحسد [مركوز] في طباع البشر وهو أن الإنسان لا [يفوته] (^٢) أحد من جنسه في شيء من الفضائل. ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام، فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما، وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه، وهو كان ذنب إبليس لعنه اللَّه حيث حسد آدم ﵇ لما رآه قد فاق على الملائكة بأن خلقه اللَّه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرج منها، اهـ قاله ابن رجب الحنبلي (^٣).\nقوله -ﷺ-: ولا تباغضوا بحذف إحدى التاءين أيضًا وأصله لا تتباغضوا أي لا تتعاطوا أسباب البغض لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصرف فيها كما قال ﵊ (^٤) اللهم\n_________\n(^١) سورة المطففين، الآية: ٢٦.\n(^٢) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (يفوقه).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٦٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٥٤١) وإسحاق في مسند عائشة (٨٢٧) وأحمد (٦/ ١٤٤) والدارمي (٢٢٥٣) وأبو داود (٢١٣٤) والترمذي (١١٤٠) وفي العلل (١/ ٤٤٨) وابن =","vol":"11","page":539},{"text":"هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك، يعني الحب والبغض، قاله أبو العباس القرطبي (^١). قال بعض العلماء وفي النهي عن التباغض إشارة إلى النهي عن الأهواء المضلة الموجبة للتباغض.\nقوله -ﷺ- ولا تدابروا والتدابر المعاداة وقيل التدابر أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر لأن كل واحد منهما يولي صاحبه ظهره ودبره.\n_________\n= ماجه (١٩٧١) وابن أبي الدنيا في العيال (٥١٠) وإسماعيل القاضي في حديث أيوب (٤١) والنسائي (٧/ ٦٠) وفي الكبرى (٨٨٩١) والطحاوي في المشكل (٢٣٢ و٢٣٣) والخرائطي في اعتلال القلوب (ص ٤٢) وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٢٥) وابن حبان (٤٢٠٥) والحاكم (٢/ ١٨٧) وابن بشران (١٠٥) والبيهقي (٧/ ٢٩٨) وفي معرفة السنن (١٠/ ٢٧٩) وفي الصغرى (٢٦٠٨) وفي القضاء والقدر (٣٠٥) والخطيب في الموضح (٢/ ١٠٧) من طرق عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد الخَطْمي عن عائشة به.\nقلت: اختلف في هذا الحديث على أيوب، فرواه غير واحد عنه عن أبي قلابة مرسلًا، منهم: ١ - إسماعيل بن عُلية. أخرجه ابن سعد (٢/ ٢٣١ و٨/ ١٦٨) وابن أبي شيبة (١٧٥٤٠) ٢ - مَعْمَر بن راشد. أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٢٠) ٣ - حماد بن زيد. ذكره الترمذي. ٤ - عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. ذكره الدارقطني في العلل (نصب الراية ٣/ ١١٥) وقال: والمرسل أقرب إلى الصواب وقال الترمذي: وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدا تابع حمادا على هذا علل الحديث ١/ ٤٢٥ قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٥٩٣). ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤٥٩٣).\n(^١) المفهم (١٣/ ٥٤).","vol":"11","page":540},{"text":"قوله ﷺ: وكونوا عباد الله إخوانا، قال أبو العباس القرطبي أي كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة اهـ. وقال غيره أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك من صفاء القلوب والنصيحة بكل حال انتهى. وقوله كما أمركم يحتمل أنه يريد هذا الأمر الذي هوز.\nقوله: كونوا إخوانا لأن أمره ﵊ هو أمر الله وهو مُبَلِّغ ويحتمل أنه يريد بذلك.\nقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (^١) فإنه خبر عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها. ففيها معنى الأمر والله تعالى أعلم.\nقوله -ﷺ-: المسلم أخو المسلم، المعني به الأخوة في الدين، وفيه الحث على التحاب والتصافي والاجتناب عن التباعد والتجافي.\nقوله -ﷺ-: لا يظلمه ولا يخذله، قال العلماء الخذلان ترك الإعانة والنصرة ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا [أمكنه] ولم يكن له عذر شرعي أي لا يخلي بينه وبين من يظلمه. كأنه لما تأخر عن نصره وأسلمه لظالمه كان خاذلا، قاله عياض.\nقوله -ﷺ-: ولا يحقره هو بالحاء المهملة وبالقاف أي لا يحتقره فلا يتكبر عليه ويستقله ورواه بعضهم لا يخفره بضم الياء آخر الحروف وبالخاء\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٠.","vol":"11","page":541},{"text":"المعجمة والفاء أي لا يغدر بعهده ولا ينقص أمانه. قاله القاضي عياض ﵀. (^١) والصواب المعروف هو الأول وهو الموجود في غير كتاب مسلم بغير خلاف. وروي لا يحتقره وهذا يرد الرواية الثانية. قوله -ﷺ- التقوى ها هنا التقوى ها هنا التقوى ها هنا معناه أن الأعمال الظاهرة لا [تحصل] بها التقوى وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله وخشيته ومراقبته.\nقوله ﷺ: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم أي يكفيه من الشر، والباء في بحسب زائدة وهي بإسكان السين لا بفتحها وهو خبر ابتداء مقدم، والمبتدأ أن يحقر تقديره حسب امرئ من الشر احتقاره أخاه أي كافيه من الشر ذلك فإنه النصيب الأكبر والحظ الأوفر [و] يفيد أن احتقار المسلم حرام.\nقوله -ﷺ- كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله فالدم والمال معروفان وعرض الإنسان فسره في النهاية بأنه موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره. وقال ابن قتيبة (^٢) عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير، وقيل غير ذلك، وتقدم في الورع.\nقوله رواه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم تقدم الكلام على مالك بن أنس إمام دار الهجرة وأما البخاري فهو من بخارى وهي مدينة عظيمة ذات\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢١).\n(^٢) أدب الكاتب (ص ٢٧).","vol":"11","page":542},{"text":"قصور عالية وجنات متوالية وقرى [متصلة العمارة] سبعة وثلاثون ميلا في مثلها ويحيط بجميعها سور واحد وداخله سور آخر على المدينة وبها قلعة حصينة وأهلها ذوو ثروة ويسار وأما مناقبه فقد تقدم بعضها وسيأتي ذكر مناقبه مبسوطا إن شاء الله تعالى.\n\n٤٣٧٦ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا يجْتَمع فِي جَوف عبد مُؤمن غُبَار فِي سَبِيل الله وفيح جَهَنَّم وَلَا يجْتَمع فِي جَوف عبد الْإِيمَان والحسد. رواه ابن حبان في صحيحه (^١)، ومن طريقه البيهقي (^٢).\nقوله وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- لا يجتمع في جوف عبد مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم. فيح جهنم هو كذا قوله -ﷺ- ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد، المراد بالحسد هنا هو تمني زوال النعمة عن المحسود وهذا حرام بالاتفاق وفي الحسد آيات وأحاديث مشهورة ووجه قُبح الحسد أنه اعتراض على الخالق ومعاندة له حيث ينعم على زيد فيكره عمرو إنعامه عليه ثم يحاول نقض فعله وإزالة فضله وفي المعنى قول بعضهم:\nألا قل لمن بات حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدبْ\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٤٦٠٦).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٩٥٢، ٦١٨٥، ١٠٣٣٥)، وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في التوبيخ والتنبيه (٧٤) ومن طريقه قوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٤) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٨٦).","vol":"11","page":543},{"text":"يعني الله ﷿ حيث كرهت فضله وعاندت فعله، وقال أبو الطيب (^١):\nوأظلم أهل الأرض من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب\nووجه ظلم الحاسد أنه يجب عليه أنه يحب لمحسوده ما يحب لنفسه وهو لا يحب لنفسه زوال النعمة فقد أسقط حق محسوده عليه ولأن في الحسد [تعبَ النفس] وحزنها بغير فائدة وبطريق محرم فهو تصرف محرم، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٢)، [وبـ] جملة الحسود لا يسود، الحسود محبوس في جلدته وفي ذم الحسد من الشعر ما يطول ذكره، اهـ. قاله الطوفي أو ابن خميس في كتابه ذم الغيبة على الشك في ذلك (^٣).\n\n٤٣٧٧ - وَعنهُ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إيَّاكُمْ والحسد فَإِن الْحَسَد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب أَو قَالَ العشب. رواه أبو داود (^٤) والبيهقي (^٥) ورواه ابن ماجه (^٦) والبيهقي (^٧) أيضا وغيرهما من حديث أنس: أن رسول الله\n_________\n(^١) شرح ديوان المتنبي (١/ ٣٣٠).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٥٤.\n(^٣) التعيين (ص ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٩٠٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢١٩٧) والسلسلة الضعيفة (١٩٠٢).\n(^٥) البيهقي في شعب الإيمان (٦٦٠٨)، وفي الآداب (ص ١٤١).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٤٢١٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٨١)، والضعيفة (١٩٠١).\n(^٧) البيهقي في شعب الإيمان (٦٦١٠).","vol":"11","page":544},{"text":"-ﷺ- قال: \"الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار\".\nقوله وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو العشب، الحديث. وقال سفيان (^١) بلغني أن الله تعالى يقول الحاسد عدوُّ نعمتي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي.\nوقال الغزالي (^٢): في الحسد أن يكره الحاسد حدوث النعمة لغيره وهو حرام ويجب عليه أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه ويستحب له أن يحمد الله تعالى على حصول النعمة لغيره كما يحمد الله عليها إذا حصلت له. قال جبريل -﵇- حين شرب النبي -ﷺ- اللبن ليلة الإسراء الحمد لله لو شربت الخير غوت أمتك.\n[الرابع و] (^٣) [من] الحسد أن لا يكره حصول النعمة لغيره إذا كانت مساوية للنعمة التي عليه ويكره له حصول منزلة ودرجة أعلى من درجته ومنزلته فيرضى بالمساواة ولا يرضى بالزيادة، فهذا كله حرام ويشمله اسم الحسد. والحسود غير راض بقسمة الله تعالى وحكمته في الخلق، ومن نظر إلى أن الأشياء بقسمة الله تعالى رضي عن الله تعالى [ودعا لغيره] بحدوث النعمة وبقائها [ورضي بما قسم] الله تعالى فقد داوى قلبه من الحسد وأتى\n_________\n(^١) تفسير الثعلبي (٣/ ٣٣٠).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ١٩٦).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":545},{"text":"الله بقلب سليم من الحسد، اهـ.\n\n٤٣٧٨ - وَعَن ضَمرَة بن ثَعْلَبَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا لم يتحاسدوا. رواه الطبراني (^١) ورواته ثقات.\nوعن ضمرة بن ثعلبة البهزي وبهز قبيلة من بني سليم بن منصور، سكن حمص قال أبو حاتم: له صحبة. وقال ابن السّكن: يقال له صحبة. وقال البغويّ: سكن الشّام. وقال ابن حبّان: حديثه عند أهل الشام، وروى له البغوى هذا الحديث وقال: قال البغويّ: لا أعلم له غيره (^٢). كذا كذا.\nقوله لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا تقدم الكلام على الحسد.\n\n٤٣٧٩ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن بسر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ مني ذُو حسد وَلَا نميمة وَلَا كهَانَة وَلَا أَنا مِنْهُ ثمَّ تَلا رَسُول الله -ﷺ-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (^٣) رواه الطبراني (^٤)، وَتقدم فِي بَاب أجلاء الْعلمَاء حَدِيثه أَيْضا عَن النَّبي -ﷺ- لَا أَخَاف على أمتِي إِلَّا ثَلَاث خلال أَن يكثر لَهُم من الدُّنْيَا فيتحاسدون ..\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٠٩/ ٨١٥٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧٨) رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣٨٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٨٧).\n(^٢) معجم الصحابة (٣/ ٤٠٥) والإصابة (٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩١) للطبراني، وقال وفيه سليمان بن سلمة الخبائري وهو متروك. انظر: جامع المسانيد والسُّنَن (٦١٠١)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٩٤٣)، والضعيفة (٥٨٦): موضوع. وضعفه فقط في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢٥).","vol":"11","page":546},{"text":"قوله وعن عبد الله بن بسر تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه الحديث. ذو بمعنى صاحب وتقدم هذا الحديث في النميمة، إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار العشب.\n\n٤٣٨٠ - وَعَن عبد الله بن كَعْب عَن أَبِيه -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا ذئبان جائعان أرسلا فِي زريبة غنم بأفسد لهَا من الْحِرْص على المَال والحسد فِي دين الْمُسلم وَإِن الْحَسَد ليَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب.\n\n٤٣٨١ - وَفِي رِوَايَة إيَّاكُمْ والحسد فَإِنَّهُ يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار العشب. ذكره رزين، ولم أره في شيء من أصوله بهذا اللفظ إنما روى الترمذي (^١) صدره وصححه، ولم يذكر الحسد بل قال: \"على المال والشرف\" وبقية الحديث تقدمت عند أبي داود (^٢) من حديث أبي هريرة.\nقوله وعن عبد الله بن كعب هو عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي المدني، أخو عبد الرحمن، وعبيد الله، ومحمد، ومعبد بني كعب بن مالك، ووالد عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك. وكان قائد أبيه حين\n_________\n(^١) الترمذي (٢٣٧٦)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٨١) -زيادات نعيم بن حماد-، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٢٤١)، وأحمد (١٥٧٨٤)، وابن حبان (٣٢٢٨)، والدارمي ٢/ ٣٠٤، والطبراني في الكبير (١٩/ ٩٦/ ١٨٩)، والبيهقي في الآداب (٩٧٤)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٥٤). وقال الترمذي: حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٦٢٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٥٠).\n(^٢) سبق.","vol":"11","page":547},{"text":"عمي قال أبو زرعة: ثقة وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"، وقال محمد بن سعد: كان كعب بن مالك قد عمي، وكان ابنه عبد الله قائده. وقد سمع عبد الله من عثمان، وكان ثقة، وله أحاديث، قال ابن حبان: مات في ولاية سليمان بن عبد الملك سنة سبع أو ثمان وتسعين (^١).\nقوله ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم الحديث تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب البيوع.\n\n٤٣٨٢ - وَعَن الزبير -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْحَسَد والبغضاء والبغضاء هِيَ الحالقة أما إِنِّي لَا أَقُول تحلق الشّعْر وَلَكِن تحلق الدّين. رواه البزار (^٢) بإسناد جيد والبيهقي (^٣) وغيرهما.\nقوله وعن الزبير، الزبير بضم الزاي أي ابن العوام بتشديد الواو القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد المهاجرين\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٥/ ترجمة ٣٥٠١).\n(^٢) البزار (٢٢٣٢)، وأخرجه أحمد (١٤٣٠، ١٤٣١)، والترمذي (٢٥١٠)، والضياء في المختارة (٨٨٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٦١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٦٩٥)، وفي صحيح سنن الترمذي (٢٠٣٨)، وفي الإرواء ٣/ ٢٣٨ (٧٧٧) وقال: رجاله ثقات.\n(^٣) أخرجه البيهقي (١٠/ ٢٣٢)، وفي الآداب (١٥١)، وفي الشعب (٦١٨٩) (٨٣٧٣)، وأخرجه الطيالسي (١٩٠)، وعبد الرزاق (١٩٤٣٨)، وأحمد (١٤٣٠)، وعبد بن حميد (٩٧)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٤٦٦)، وابن قانع في الصحابة (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، وأبو يعلى في مسنده (٦٦٩)، والشاشي في مسنده (٥٥)، وأبو الشيخ في التوبيخ (٦٣)، وابن شاهين في الترغيب (٤٨٥)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢١٢٥) وفي التمهيد (٦/ ١٢١)، والبغوي في شرح السنة (٣٣٠١).","vol":"11","page":548},{"text":"الهجرتين وحواري النبي -ﷺ- وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي -ﷺ- أسلمت وأسلم هو رابع أربعة وخامس خمسة على يد الصديق وهو ابن ست عشرة سنة فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل وهاجر إلى أرض الحبشة وشهد مع رسول الله -ﷺ- المشاهد كلها روى له عن رسول الله -ﷺ- ثمانية وثلاثون حديثا ذكر البخاري تسعة منها وهو أول [من سَلَّ] السيف في سبيل الله وثبت مع النبي -ﷺ- يوم أحد، كان أبيض معتدل اللحم خفيف العارضين ومناقبه كثيرة، قاله الكرماني (^١)، وتقدم الكلام عليه مبسوطا. قول -ﷺ- دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء الحديث، تقدم الكلام على ذلك في النميمة وغيرها. قال الجوهري (^٢) الحسد أن يتمنى زوال نعمة المحسود إليك يقال حسده يحسده حسودا، وقال في الإحياء (^٣) الحسد من نتائج الحقد والحقد من نتائج الغضب فهو فرع الغضب والغضب أصله.\nقال وورد في ذمه آثار كثيرة من ذلك الحديث المطول الذي رواه أنس فقال يطلع الآن رجل من أهل الجنة وسيأتي بعد الحديث الذي بعده.\nوروي أن موسى -﵇- لما تعجل إلى ربه رآى في ظل العرش رجلا فغبطه بمكانه وقال إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال [﷿] أحدثك من عمله بثلاث كان لا يحسد الناس على ما\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١١٢).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٤٦٥).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٣/ ١٨٦).","vol":"11","page":549},{"text":"آتاهم الله من فضله وكان لا يعق والديه وكان لا يمشي بالنميمة.\nوقال قال زكرياء ﵊: قال الله تعالى: الحاسد عدو لنعمتي متسخط بقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي. وقال بعض السلف إن أول خطيئة كانت هي الحسد، حسد إبليس آدم -﵇- على رتبته فأبى أن يسجد له فحمله ذلك على المعصية وقيل بالكبر أخرج إبليس من الجنة وبالحسد قتل قابيل هابيل.\nوقال بكر بن عبد الله (^١): كان رجل يغشى بعض الملوك يقوم بحذاء الملك ويقول أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء يكفيك مساءته، فحسده رجل على ذلك المقام وعلى الكلام فسعى به إلى الملك فقال إن هذا يقوم الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن ن الملك أبخر، قال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعو به إليك فإذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر، [ثم] قال له: انصرف حتى أنظر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعامًا فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك على عادته، فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء [تكفيك] مساءته، فقال له الملك: ادن مني، فدنا منه، فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه [ريح] الثوم. فقال الملك في نفسه: ما أرى فلانًا إلا قد صادقا. قال: وكان الملك لا يكتب بخطه إلا في جائزة أو صلة، فكتب له كتابًا بخطه إلى عامل من عماله: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده\n_________\n(^١) فنون العجائب (ص ٢٣٨)، وإحياء علوم الدين (٣/ ١٨٨).","vol":"11","page":550},{"text":"تبنًا، وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خط الملك لي بصلة، فقال: هبه لي، فقال: هو لك، فأخذه ومضى به إلى العامل، فقال العامل: في كتابك أني أذبحك وأسلخك، فقال: إن الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك. قال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه، وحشا جلده تبنًا وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك فقال كعادته، فتعجّب الملك من ذلك، فقال: ما فعل الكتاب؟ فقال: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له، قال الملك: ذكر لي أنك تزعم أني أبخر، قال: ما قلت ذلك. قال: فلمَ وضعت يدك على أنفك حين كلمتك، قال: لأنه أطعمني طعامًا فيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال: صدقت ارجع إلى مكانك قد كفاك المسيء مساءته.\nوقال ابن سيرين (^١): ما حسدت أحدا على الدنيا لأنه إن من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة بالإضافة إلى الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.\nوقال أبو الدرداء (^٢): ما أكثر أحد ذكر الموت [إلا] قل حسده وقل فرحه.\nوقال معاوية (^٣) كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد للنعمة إلا الحاسد\n_________\n(^١) روضة العقلاء (ص ١٣٤)، والزهد الكبير (ص ٣١٥)، وإحياء علوم الدين (٣/ ١٨٩).\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٤٥٨٣)، وشرح السنة (٥/ ٢٦١)، وشرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص ٢٨).\n(^٣) الفاضل (١/ ٣١)، والعقد الفريد (٢/ ١٥٨)، والمجالسة وجواهر العلم (١/ ١١٣) البداية والنهاية (٨/ ١٣٨).","vol":"11","page":551},{"text":"للنعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها، ولذلك قيل كل العداوة قد ترجى سلامتها إلا عداوة من عاداك من حسد وقال بعض الحكماء الحسد جرح لا يبرأ.\nوقال الحسن (^١): يا ابن آدم لم تحسد أخاك إن كان الذي أعطاه الله لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار. قال ومراتب الحسد أربعة: الأولى أن يحب زوال النعمة وإن كانت لا تنتقل إليه وهذا غاية الخبث. الثانية أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته فيها مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة واسعة نالها غيره، وهو يحب أن تكون له. والثالثة أن لا يشتهي عينها بل يشتهي لنفسه مثلها فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كي لا يظهر التفاوت بينهما. الرابعة أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم [تصل] لا يحب زوالها عنه وهذه الأخيرة هي المعفو عنها إن كان في أمر الدنيا والمندوب إليه إن كان في أمر الآخرة، والثالث فيها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف من الثالثة، والأولى مذمومة قطعا، وتسمية الثانية حسدا فيه توسع وتجوز ولكنه مذموم لقوله تعالى ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٢).\nقال الغزالي (^٣): والحسد من أعظم أمراض القلب ولا تُداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لذلك أن تعلم أن الحسد ضرر\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ١٨٩)، والزواجر (١/ ١٠٣).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٣٢.\n(^٣) إحياء علوم الدين (٣/ ١٩٦).","vol":"11","page":552},{"text":"عليك في الدنيا والدين، أما [كونه] ضررا في الدين فلأنك سخطت قضاء الله وقدره وكرهت نعمته التي [قُسِمَتْ له] بين خلقه وناهيك بها جناية على الدين فإنك شاركت إبليس وسائر الكافرين في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم وهذه [الخبائث] في القلب تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل النهار.\nوأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك تتألم به ولا تزال في كمد وغم وتشعب قلب وضيق صدر وكل ذلك [مؤلم] للقلب [مسيء] له بلا فائدة (^١) فكيف [وأنت عالم بأن ذلك] يسخط الله تعالى [فما أعجب أمر عاقل يتعرض لسخط الله تعالى] (^٢) من غير نفع يناله بل مع [ضرر يحتمله وألم يقاسيه] [فـ] يخسر دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة ومع ذلك لا ضرر على المحسود في دينه ولا دنياه بذلك لأن النعمة تزول عنه بحسدك بل كل ما [قدره] الله تعالى فلا بد أن ينتهي إلى الحد الذي [قدره] الله تعالى له فلكل أجل كتاب اهـ. قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) وفي العبارة اضطراب وقد جاءت في إحياء علوم الدين (٣/ ١٩٦) هكذا: فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة فما أعجب من العاقل كيف يتعرض لسخط الله تعالى من غير نفع يناله بل مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة وأما أنه ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل غير معلوم قدره الله سبحانه فلا حيلة في دفعه بل كل شيء عنده بمقدار ولكل إجل كتاب.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":553},{"text":"٤٣٨٣ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ لي رَسُول الله -ﷺ- يَا بني إِن قدرت على أَن تصبح وتمسي لَيْسَ فِي قَلْبك غش لأحد فافعل الحَدِيث. رواه الترمذي (^١) وقال حديث حسن غريب.\nقوله وعن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- لأنس يا بني إن قدرت على أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل الحديث. الغش نقيض النصح.\n\n٤٣٨٤ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ يطلع الْآن عَلَيْكُم رجل من أهل الْجنَّة فطلع رجل من الْأَنْصَار تنظف لحيته من وضوئهِ قد علق نَعْلَيْه بِيَدِهِ الشمَال فَلَمَّا كَانَ الْغَد قَالَ النَّبِي -ﷺ- مثل ذَلِك\n_________\n(^١) وهو طرف من حديث طويل وأخرج جملا منه، مفرقا: الترمذي (٥٧٩). (٢٦٧٨)، (٢٦٩٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ... وقد روى عباد بن ميسرة المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس ولم يذكر فيه: عن سعيد بن المسيب. قال أبو عيسى: وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه. ولم يعرف لسعيد بن المسيب عن أنس هذا الحديث ولا غيره. ومات أنس ابن مالك سنة ثلاث وتسعين، ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين، مات سنة خمس وتسعين. قلت: قد توبع عبد الله ابن المثني. وأخرجه بتمامه: أبو يعلى في مسنده (٣٦٢٤)، والطبراني في الأوسط (٥٩٩١). وفي الصغير (٨٥٦) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٣٤٢).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٧٢) رواه أبو يعلى، والطبراني في الصغير ... وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو ضعيف. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٠٦) ورواه الترمذي مختصرا جدا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢٧)، وضعيف الجامع الصغير (٦٣٨٩).","vol":"11","page":554},{"text":"فطلع ذَلِك الرجل مثل الْمرة الأولى فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث قَالَ النَّبِي -ﷺ- مثل مقَالَته أَيْضا فطلع ذَلِك الرجل على مثل حَاله الأول فَلَمَّا قَامَ النَّبِي -ﷺ- تبعه عبد الله بن عَمْرو فَقَالَ إِنِّي لاحيت أبي فأقسمت أَنِّي لَا أَدخل عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن رَأَيْت أَن تؤويني إِلَيْك حَتَّى تمْضِي فعلت قَالَ نعم قَالَ أنس فَكَانَ عبد الله يحدث أَنه بَات مَعَه تِلْكَ الثَّلَاث اللَّيَالِي فَلم يره يقوم من اللَّيْل شَيْئا غير أَنه إِذا تعار تقلب على فرَاشه ذكر الله ﷿ وَكبر حَتَّى لصَلَاة الْفجْر قَالَ عبد الله غير أنِّي لم أسمعهُ يَقُول إِلَّا خيرا فَلَمَّا مَضَت الثَّلَاث اللَّيَالِي وكدت أَن أحتقر عمله قلت يَا عبد الله لم يكن بيني وَبَين أبي غضب وَلَا هِجْرَة وَلَكِن سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَك ثَلَاث مَرَّات يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فطلعت أَنْت الثَّلَاث المرات فَأَرَدْت أَن آوي إِلَيْك فَأنْظر مَا عَمَلك فأقتدي بك فَلم أرك عملت كَبِير عمل فَمَا الَّذِي بلغ بك مَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْت فَلَمَّا وليت دَعَاني فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْت غير أنِّي لَا أجد فِي نَفسِي لأحد من الْمُسلمين غشا وَلَا أحسد أحدا على خير أعطَاهُ الله إِيَّاه فَقَالَ عبد الله هَذِه الَّتِي بلغت بك. رواه أحمد (^١) بإسناد على شرط البخاري ومسلم\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٢٦٩٧) -ومن طريقه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٧/ ١٨٦ - ١٨٧/ ٢٦١٩) -، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧٩): رواه أحمد والبزار بنحوه. ورجال أحمد رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي البزار، إلا أن سياق الحديث لابن لهيعة. رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين ورواه البزار وسمي الرجل في رواية له سعدا وفيها ابن لهيعة. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٧٨) هذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.","vol":"11","page":555},{"text":"والنسائي، ورواته احتج بهم أيضا إلا شيخه سويد بن نصر، وهو ثقة وأبو يعلى (^١) والبزار (^٢) بنحوه، وسمى الرجل الْمُبْهم سَعْدا.\nوَقَالَ فِي آخِره فَقَالَ سعد مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْت يَا ابْن أخي إِلَّا أَنِّي لم أَبَت ضاغنا على مُسلم أَو كلمة نَحْوهَا. وزاد النسائي (^٣) في رواية له والبيهقي (^٤) والأصبهاني (^٥): \"فَقَالَ عبد الله هَذِه الَّتِي بلغت بك وَهِي الَّتِي لَا تطِيق\".\n_________\n(^١) معجم أبي يعلى الموصلي (١٢)، وأخرجه ابن حبان (٦٩٩١)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٨٩)، وقال العقيلي في ترجمة: عبد الله بن قيس الرقاشي: حديثه غير محفوظ، ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٧٢) ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢٨).\n(^٢) مسند البزار= البحر الزخار (٦٣٠٨)، (١٩٨١ - كشف الأستار) وعبد بن حميد في مسنده (٣/ ٨٣ - ٨٤/ ١١٥٧ - منتخب) والطبراني في مكارم الأخلاق (٦٢ - ٦٣/ ٧٢) وابن عبد البر ٦/ ١٢١ - ١٢٢، والبغوي (٣٥٣٥) عن عبد الرزاق وهذا في مصنفه (٢٠٥٥٩).\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (١٠٦٣٣).\n(^٤) البيهقي في شعب الإيمان (٦١٨١).\n(^٥) قوام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١١٣٥)، (٢٢٧٤)، وأخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد له (٢٤١ - ٢٤٢/ ٦٩٤ نعيم بن حماد)، وفي مسنده (٣ - ٤/ ١) النسائي في عمل اليوم والليلة (٨٦٣).\nوأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٦٥/ ٦٦٠٦) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع: أخبرني شعيب عن الزهري قال: حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك (وذكره) قال الحافظ حمزة بن محمَّد الكناني؛ كما في تحفة الأشراف (١/ ٣٩٥): لم يسمعه الزهري عن أنس، رواه عن رجل عن أنس؛ كذلك رواه عقيل وإسحاق بن راشد وغير واحد عن الزهري وهو الصواب أ. هـ.\nوقال الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (١/ ٣٩٥): وقد ظهر أنه معلول. وقال =","vol":"11","page":556},{"text":"٤٣٨٥ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١) أَيْضا عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد رَسُول الله -ﷺ- قَالَ فَقَالَ ليطلعن عَلَيْكُم رجل من هَذَا الْبَاب من أهل الْجنَّة فجَاء سعد بن مَالك فَدخل مِنْهُ قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَذكر الحَدِيث قَالَ فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو ﵄ مَا أَنا بِالَّذِي أَنْتَهِي حَتَّى أبايت هَذَا الرجل فَأنْظر عمله قَالَ فَذكر الحَدِيث فِي دُخُوله عَلَيْهِ قَالَ فناولني عباءة فاضطجعت عَلَيْهَا قَرِيبا مِنْهُ وَجعلت أرمقه بعيني ليله كلما تعار سبح وَكبر وَهَلل وَحمد الله حَتَّى إِذا كَانَ فِي وَجه السحر قَامَ فَتَوَضَّأ ثمَّ دخل الْمَسْجِد فصلى ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة باثنتي عشرَة سُورَة من الْمفصل لَيْسَ من طواله وَلَا من قصاره يَدْعُو فِي كل رَكْعَتَيْنِ بعد التَّشَهُّد بِثَلَاث دعوات يَقُول اللَّهُمَّ آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار اللَّهُمَّ اكفِنَا مَا أهمنا من أَمر آخرتنا ودنيانا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك من الْخَيْر كُله وَأَعُوذ بك من الشَّرّ كُله حَتَّى إِذا فرغ قَالَ فَذكر الحَدِيث فِي استقلاله عمله وَعوده إِلَيْهِ ثَلَاثًا إِلَى أَن قَالَ فَقَالَ آخذ مضجعي وَلَيْسَ فِي قلبِي غمر على أحد. [الغمر] بكسر الغين المعجمة وسكون الميم: هو الحقد، وقوله: تنطف: أي تقطر.\n[لاحيت] بالحاء المهملة بعدها ياء مثناة تحت: أي خاصمت. [تعار] بتشديد الراء: أي استيقظ.\n_________\n= البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٩): هذا إسناد صحيح مرسل؛ يعني: أنه معلٌّ بالانقطاع الذي ذكره آنفًا ..\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٦١٨٣)، وأخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٧٢٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢٩).","vol":"11","page":557},{"text":"قوله وعن أنس أيضا تقدم الكلام عليه.\nقوله كنا جلوسا مع رسول الله -ﷺ- فقال يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار. الأنصار جمع نصير كشريف وأشراف أو جمع ناصر كصاحب وأصحاب أي أنصار الرسول -ﷺ- وهم عبارة عن الصحابة الذين آوَوْا ونصروا رسول الله -ﷺ- من أهل المدينة وهو اسم إسلامي سمى الله تعالى به الأوس والخزرج ولم يكونوا يُدعون الأنصار قبل نُصرتهم لرسول الله -ﷺ- ولا قبل نزول القرآن بذلك واختص عرفا بأصحاب المدينة الذين آوَوْا ونصروا وهم المتبذلون بالبيعة على إعلان توحيد الله وشريعته فلذلك كان حبهم علامة الإيمان.\nقال -ﷺ- (^١): آية المؤمن حب الأنصار، وحب الأنصار آية الإيمان، وآية النفاق بغض الأنصار، والنفاق هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر والبغض هو ضد المحبة، فإن قلت المطابقة تقتضي أن يقابل الإيمان بالكفر بأن يقال آية الكفر كذا فلم عُدِل عنه، قلت البحث في الذين ظاهرهم الإيمان وهذا [لبيان ما به] يتميز المؤمن الظاهري عن المؤمن الحقيقي. فلو قيل آية الكفر بغضهم لا يصح إذ هو ليس بكافر ظاهر، فإن قلت الأنصار جمع قلة فلا يكون لما فوق العشرة لأنهم كانوا أضعاف آلاف؟ قلت القلة والكثرة إنما تعتبر في نكرات الجموع أما في المعارف فلا فرق بينهما، والمقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (٤٣٠٨).","vol":"11","page":558},{"text":"ذلك. قال النووي (^١) معناه إن عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم من نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم بمهمات دين الإسلام حقَّ القيام وحبهم النبي -ﷺ- وحبه إياهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارا للإسلام وأحب الأنصار لهذه الخصال كان ذلك من دلائل صحة إيمانه وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام، ومن أبغضهم كان بضد ذلك واستُدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم، قاله الكرماني (^٢).\nقوله تنظف لحيته من وضوئه، تنظف أي تقطر اهـ قاله المنذري، وقال غيره تنطف بكسر الظاء وضمها يقال نطف بفتح الطاء ينطف بضمها وكسرها بمعنى أي تقطر وتسل، والنطف القطر [القطرة من الماء]، انتهى. والوَضوء بفتح الواء الماء الذي يتوضأ به.\nقوله فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول الحديث. هذا الرجل سماه البزار (^٣) في رواية سعد بن مالك وكذلك البيهقي سماه أيضا في روايته سعد بن مالك.\nقوله فلما قام النبي -ﷺ- تبعه عبد الله بن عمرو فقال إني لاحيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا الحديث، لاحيتُ الحاء المهملة بعدها ياء مثناة تحت أي خاصمت أبي، قاله المنذري.\nقوله فأقسمت، [والقسم الحلف].\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٦٤).\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ١٠٣).\n(^٣) البزار في مسنده (١٩٨١ - كشف).","vol":"11","page":559},{"text":"تنبيه: يستفاد منه جواز الإخبار بغير الواقع لتحصيل المصلحة، وإن لم [تكن] هناك مفسدة تدفعها. اهـ، قاله قاضي القضاة العسقلاني الشهير بابن حجر.\nقوله غير أنه إذا تعارّ تقلب على فراشه ذكر الله ﷿ أي استيقظ.\nقوله في رواية البزار فقال سعد يا ابن أخي ما هو إلا ما رأيت إلا أني لم أبت ضاغنا على مسلم أو كلمة نحوها. الضغائن جمع ضغينة وهي الحقد. أما الحقد فهو استدامة الغيظ والعزم على الانتقام عند القدرة والنفس المطمئنة إذا نظرت [في] (^١) أن الأشياء قليلها وكثيرها [بقضاء الله تعالى] وأسلم لله واستسلم استراح من الغل والحسد والنفس المطمئنة التي تطمئن وتعلم أن كل شيء من عند الله وترضى به اهـ.\nقوله فجعلت أرمقه بعيني ليله. أرمقه يعني أي أنظر إليه.\nقوله فصلى اثنتي عشرة ركعة باثنتي عشرة سورة من المفصل الحديث. المفصل المبين والمميز، قال الله تعالى ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (^٢)، أي جعلت تفاصيل في معاني مختلفة من حِكَم وأمثال ومواعظ ووعد وحلال أو حرام وقيل سمي بذلك لكثرة الفصول بين السور وقيل لقلة المنسوخ فيه [وقيل سمي مفصلا لكثرة الفصول التي تقع بينهما من التسمية] وفي أوله\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ٣.","vol":"11","page":560},{"text":"عشرة أقوال للسلف وآخره قل أعوذ برب الناس، فقيل [المفصل] من [سورة] الحجرات إلى آخر القرآن وقيل من قاف وقيل من القتال وقيل من الجاثية وقيل من الصافات وقيل الصف وقيل تبارك، حكاه بن أبي الصيف اليمني، وقيل من الفتح [حكاه] الذماري وقيل سبح حكاه ابن الفركاح وقيل من الضحى حكاه الخطابي في غريبه (^١).\nقوله يدعوا في كل ركعتين بعد التشهد بثلاث دعوات يقول اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. الحديث فيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقد اختلف أقوال المفسرين في ذلك اختلافا يدل على عدم التوقف وعلى قلة التأمل لموضوع الكلمة فقيل الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة. وقيل العافية وقيل المال وحسن المآل وقيل المرأة الصالحة والحور العين والصحيح الحمل على العموم.\nقال النووي (^٢) وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية وفي الآخرة الجنة والمغفرة، [و] قيل الحسنة نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، والله أعلم. قاله الكرماني في شرح البخاري. قوله فقال آخذ مضجعي وليس في قلبي غمر على أحد. المضجَع فتح الجيم، وتقدم الكلام عليه في أذكار النوم. [والغِمْر بكسر الغين المعجمة وسكون الميم هو الحقد، قاله\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٤٦).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ١٤).","vol":"11","page":561},{"text":"الحافظ، وقال غيره:]، والغمر بكسر أوله أي حقد وهو اسم ما يغشى القلب من العداوة ويغمره أي يغطيه، اهـ.\n\n٤٣٨٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي النَّاس أفضل قَالَ كل مخموم الْقلب صَدُوق اللِّسَان قَالُوا صَدُوق اللِّسَان نعرفه فَمَا مخموم الْقلب قَالَ هُوَ التقي النقي لَا إِثْم فِيهِ وَلَا بغي وَلَا غل وَلَا حسد. رواه ابن ماجه (^١) بإسناد صحيح والبيهقي (^٢) وغيره أطول منه.\nقوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي، وعمرو يكتب بالواو في حالتي الرفع والجر فرقا بينه وبين عمر. والعاصي الجمهور على كتابته بالياء وهو الفصيح عند أهل العربية ويقع في كثير من الكتب بحذفها، وقد قرئ في السبع نحوه كـ ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، و﴿الدَّاعِ﴾، وقيل أنه أجوفي وجمعه الأعياض. قال أبو هريرة ﵁ (^٣) ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله -ﷺ- مني إلا عبد\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٢١٦).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٤٦٢ - ٦١٨٠) وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٢٣ - ٥٢٤)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤٥)، والطبراني في مسند الشاميين (١٢١٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٨٣ و٦/ ٦٩)، وفي معرفة الصحابة (٢٦٤٣)، ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ٤٥١).\nوقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٨٩٠) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر بإسناد صحيح. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٤٠): هذا إسناد صحيح وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٤٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٨٩).\n(^٣) صحيح البخاري (١١٣).","vol":"11","page":562},{"text":"الله بن عمرو بن العاصي فإنه كان يكتب ولا أكتب. روي له عن رسول الله -ﷺ- سبع مائة حديث، وإنّما قلَّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة والله أعلم. قاله الكرماني (^١). وقد تقدم الكلام عليه مبسوطا.\nقوله قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال كل مخموم القلب صدوق اللسان، الحديث. قال أبو عبيد (^٢) معناه الذي نقي من الغل والغش. [وأما] الغل [فهو] التغير بغير سبب شرعي اهـ.] (^٣) مخموم القلب بالخاء المعجمة، تقول العرب خممت البيت إذا كنستة، ومنه قول مالك وعلى الساقي خم العين أي كنسها وتنظيفها، [ومنه] سميت الخمامة وهي [مثل الكناسة والقمامة]، قاله القرطبي في التذكرة (^٤) وهذا هو القلب السليم عن الكفر والمعاصي وعن رؤية الدنيا وهي المال والبنون. قال سفيان الثوري هو الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره. وقال الجنيد (^٥) [بقلب] سليم لديغ من\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٦٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٢).\n(^٢) غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٣٠٩).\n(^٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت [السماء] اهـ).\n(^٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٨١)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ١٩١٥)، الغريبين في القرآن والحديث (٢/ ٥٩٩)، الفائق في غريب الحديث (١/ ٣٩٦).\n(^٥) تفسير البحر المحيط (٧/ ٢٥)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٤/ ٢٣٦).","vol":"11","page":563},{"text":"خشية الله تعالى. قال الزمخشري (^١) وهذا من بديع التفاسير وكذلك قول غيره هو الذي سلم وسلم وسالم واستسلم وقال بعض أهل الخير القلب السليم من النفاق وهو الذي أشار إليه النبي -ﷺ- بقوله في حديث أم معبد الخزاعية [التي روت] عن النبي -ﷺ- أنه كان يقول في دعائه اللهم طهر قلبي من النفاق ولساني من الكذب وعملي من الرياء وعيني من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وروى أحمد في مسنده (^٢) من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت [السماء] اهـ.\n\n٤٣٨٧ - وروى الْحسن -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن بدلاء أمتِي لم يدخلُوا الْجنَّة بِكَثْرَة صَلَاة وَلَا صَوْم وَلَا صَدَقَة وَلَكِن دخلوها برحمة الله وسخاوة الْأَنْفس وسلامة الصُّدُور. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء (^٣) مرسلًا.\nقوله وروي عن الحسن، هو الحسن البصري تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- إنّ بُدَلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة الحديث.\n_________\n(^١) الكشاف (٣/ ٣٢٦).\n(^٢) مسند أحمد (٨٦٤٠، ٨٧٥٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٥٧٤)، ابن ماجه (٢٢٧٣)، وابن أبي الدنيا في المطر والرعد والبرق (٥٠)، والحارث = بغية الباحث (٢٥)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٧٤)، وقال البوصيري في الزوائد في إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف. وقال في إتحاف الخيرة المهرة (١/ ١٤٧) علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وداود بن المحبر وضاع.\n(^٣) أبن أبي الدنيا في الأولياء (٥٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (١٣٥٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٣٠).","vol":"11","page":564},{"text":"قوله رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين. قال في النهاية (^١) البُدلاء هم الأولياء والعُبَّاد، والواحد بدل كحمل أو بديل كحميل سموا بذلك لأنه كلما مات منهم واحد بدل بآخر. قال الجوهري (^٢) الأبدال قوم من الصالحين لا تخلوا الدنيا منهم قال، وقال ابن دريد الواحد بديل اهـ. وفي حديث علي ﵁ (^٣) الأبدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق، والعصائب جمع عصابة وهم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين، قاله في التنقيح.\n[قوله رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.] (^٤) أراد أن التجمع [للحروب]\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (١/ ١٠٧).\n(^٢) لسان العرب (١١/ ٤٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (٨٩٦)، وفي فضائل الصحابة (١٧٢٧)، ومن طريقه الضياء في المختارة (٢/ ١١٠)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٢) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد، وهو ثقة، وقد سمع من المقداد، وهو أقدم من علي. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٢١٤) تفرد به أحمد، وفيه انقطاع، فقد نص أبو حاتم الرازي على أن شريح بن عبيد هذا لم يسمع من أبي أمامة ولا من أبي مالك الأشعري، وأن روايته عنهما مرسلة. فما ظنك بروايته عن علي بن أبي طالب، وهو أقدم وفاة منهما؟ وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٦٦). في السلسلة الضعيفة (٢٩٩٣).\n(^٤) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقال في الإحياء كان كرز بن وبرة من الأبدال).","vol":"11","page":565},{"text":"والفتن يكون بالعراق، وقيل أراد جماعة من الزهاد وسماهم بالعصائب لأنه قرنهم [بالأبدال] بالأبدال والنجباء. [وقال] (^١) حماد بن زيد من الأبدال وعلامتهم أن لا يولد لهم ولد، تزوج حماد بن زيد [ستين] وقيل سبعين امرأة فلم يولد له [ولد] (^٢). قال القزويني (^٣) مأوى الأبدال جبل لبنان لما فيه من القوت الحلال فإن فاكهته وزروعه لم يزرعها أحد من الناس، تقدم الكلام عليه في الحج مبسوطا. وقال في الإحياء (^٤) كان كرز بن وبرة من الأبدال.\n\n٤٣٨٨ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ قد أَفْلح من أخْلص قلبه للْإيمَان وَجعل قلبه سليما وَلسَانه صَادِقا وَنَفسه مطمئنة وخليقته مُسْتَقِيمَة الحَدِيث. رواه أحمد (^٥) والبيهقي (^٦)، وتقدم بتمامه في الإخلاص.\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (وكان).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) آثار البلاد وأخبار العباد (ص ٨٢) لزكريا بن محمد بن محمود القزويني (المتوفى: ٦٨٢ هـ).\n(^٤) قوت القلوب (١/ ٥٩).\n(^٥) مسند أحمد (٢١٣١٠)، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١١٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢١٦)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١٠١)، وقال أبو نعيم عقبه: غريب من حديث خالد تفرد به بحير عنه.\n(^٦) البيهقي في الشعب (١٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٢): رواه أحمد، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٠٧٥)، والضعيفة (٤٩٨٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٣١).","vol":"11","page":566},{"text":"قوله: وعن أبي ذر هو بتشديد الراء، ويقال أبا الذر هو الصحابي الجليل جندب بن جنادة بضم الجيم القرشي الغفاري، وغفار بكسر الغين المعجمة قبيلة من كنانة، الصحابي الكبير أسلم قديما، كان رابع أربعة أو خامس خمسة أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاده بإذن النبي -ﷺ-[ثم قدم المدينة على رسول الله -ﷺ-] وصحبه حتى توفي -ﷺ- وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهور، سيَّره عثمان إلى الربذة فتوفي بها سنة اثنين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود ودفنه بها ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام بها عشرة أيام وتوفي أيضا. والربذة موضع قريب من المدينة منزل من منازل حاج العراق اهـ. قاله الكرماني (^١).\nقول -ﷺ-: قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان فذكر الحديث إلى أن قال وخليقته مستقيمة تقدم [الكلام على] (^٢) هذا الحديث في الإخلاص. وتقدم الكلام على الإخلاص. والخليقة والخلق بمعنى واحد وهو الطبع والجبلة قاله الأصبهاني في شرح الأحاديث الودعانية والله أعلم.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٣٩).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>الترغيب في التواضع والترهيب من الكبر والعُجْب والافتخار</span>\n٤٣٨٩ - عَن عِيَاض بن حَمَّاد -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"إِن الله أوحى إِلَيّ أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد وَلَا يَبْغِي أحد على أحد\" رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) وابن ماجه (^٣).\nقوله عن عياض بن حمار على لفظ الحمار الدابة المعروفة بن أبي حمار بن ناجية بن [عقال] بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي المجاشعي وصحف ابن مندة محمد بن سفيان هذا فقال مخمد بالخاء المعجمة وأسقط من نسبه جماعة فغلطوه فيها. نزل عياض البصرة وهو معدود في أهلها، روي له عن النبي -ﷺ- ثلاثون حديثا، روى مسلم منها حديثا واحدا، روى عنه مطرف ويزيد ابنا عبد الله والحسن البصري وغيرهم وكان عياض هذا حِرْمِيَّ النبي -ﷺ- فكان إذا حج طاف في ثيابه وكان أشراف العرب الذين كانوا يتحمسون [في] دينهم [يشددون] إذا حج أحدهم لم يأكل إلا طعام رجل من الحرم ولم يطف إلا في ثيابه فكان لكل شريف من أشرافهم رجل من قريش فيكون كل واحد منهما حِرْمِيَّ صاحبه كما يقال كري للمكري والمكتري قال والنسب في\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦٤) (٢٨٦٥).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٨٩٥).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤١٧٩).","vol":"11","page":568},{"text":"الناس إلى الحرم حرمي بكسر الحاء وسكون الراء يقال رجل حرمي فإذا كان في غير الناس قالوا حَرَمي؛ اهـ.\nقوله -ﷺ- إن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد الحديث. ونذكر نبذة من كلام القوم في التواضع يحصل بالوقوف عليها الاقتداء بهم.\nسئل الفضيل بن عياض (^١) عن التواضع فقال تخضع للحق وتنقاد له وتقبله ممن قاله. وقيل التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة فمن رآى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب وهذا مذهب الفضيل وغيره. وقال سيد الطائفة الجنيد رحمة الله عليه هو خفض الجناح ولين الجانب. وقال أبو يزيد هو أن لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى في الخلق شرا منه. وقال ابن عطاء (^٢): هو قبول الحق ممن كان والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر [فهو] كطلب الماء من النار.\nويذكر عن سفيان الثوري (^٣) قال أعز الخلق خمسة أنفس عالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني. وقال عروة بن الزبير (^٤) رأيت عمر بن الخطاب على عاتقه قربة ماء قلت يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك، فقال لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).\n(^٤) إرشاد العباد إلى سبيل الرشاد (١/ ١٧٨)، ومدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).","vol":"11","page":569},{"text":"فأحببت أن أكسرها، وركب زيد بن ثابت -﵁- فدنا ابن عباس ﵄ ليأخذ بركابه فقال [مُر] (^١) يا ابن عم رسول الله -ﷺ- فقال هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال زيد أرني يدك فأخرجها إليه فقبَّلها وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله -ﷺ- ومرَّ الحسين بن علي ﵄ بصبيان يلعبون معهم كِسَر خبز فاستضافوه فنزل يأكل معهم ثم حملهم إلى منزله وأطعمهم وكساهم، وقال اليد لهم لأنه لم يجدوا شيئا غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه. ويُذكر أن أبا ذر الغفاري (^٢) عيَّر بلالا بسواده ثم إنه ندم فألقى نفسه فألقى بنفسه وحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه. فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال ﵄.\nوبلغ عمر بن عبد العزيز -﵁- (^٣): أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم. فكتب [إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم.] (^٤) فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم. وأشبع به ألف بطن. واتخذ خاتما بدرهمين. واجعل فصه حديدا. واكتب عليه: رحم الله امرءا عرف قدر نفسه. [والله أعلم] (^٥). وقال بعض العارفين كن فقيرا من الله كما أنت فقير إليه فهو مثل قوله -ﷺ-: وأعوذ بك منك، ومعنى فقرك من الله أن [لا] يشم منك رائحة من روائح الربوبية بل\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي النسخة المغربية: (مه).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٣٣١)، وتفسير القرطبي (١٠/ ٨٩).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":570},{"text":"العبودية المحضة. وقسم عمر بن الخطاب (^١) بين الصحابة حُللا فبعث إلى معاذ حلة مثمنة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد فأعتقهم فبلغ عمر فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها فعاتبه معاذ فقال لأنك بعَت الأولى فقال معاذ -﵁- وما عليك ادفع إليّ نصيبي وقد حلفت لأضربن بها رأسك، فقال عمر رضي الله تعالى عنه رأسي بين يديك وقد يرفق الشاب بالشيخ. وقال رجاء بن حيوة (^٢) قوّمتُ ثياب عمر بن عبد العزيز -وهو يخطب- باثني عشر درهما. وكانت قباء وعمامة وقمصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة. ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة. فقال: تدري بكم اشتريت أمك؟ بثلاثمائة درهم، وأبوك -لا أكثر الله في المسلمين مثله- أنا. وأنت تمشي هذه المشية؟\nوقال إبراهيم بن أدهم (^٣): ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: كنت في سفينة، وفيها رجل مضحاك. كان يقول: كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا -وكان يأخذ [بشعر] رأسي ويهزني- لأنه لم يكن في السفينة أحقر مني. والأخرى: كنت عليلا في مسجد. فدخل المؤذن تلك الليلة، وقال: اخرج. فلم أطق، فأخذ برجلي وجرني إلى خارج. والأخرى: كنت بالشام وعلي فرو. فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته فسرني ذلك. وفي رواية أخرى: كنت يوما جالسا فجاء إنسان وبال علي. وقال بعضهم: [رأيت\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).","vol":"11","page":571},{"text":"في الطواف] رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف، ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا. فتعجبت منه. فقال لي: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس [هناك]، فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه. قال الله تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (^١) الآية، أي سكنية ووقارا، متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين. قال الحسن (^٢) [علماء حلماء]، وقال محمد بن الحنفية أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا، والهون بالفتح في اللغة الرفق واللين. قال أبو حاتم، (^٣) وأنشدني [الكريزني]:\nولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هُمُ منك أرفع\nفإن كنتَ في عزٍّ وخيرٍ ورفعة ... فكم مات مِن قوم همُ منك أوضع\nوقال الحسن: التواضع أن تخرج من بابك فلا يلقاك مسلم إلا رأيت له عليك فضلًا.\nقوله -ﷺ- حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد الحديث. الفخر ادعاء الكبر والشرف، فعليك بالتواضع وعدم الفخر على أحد فإن رسول رسول الله -ﷺ- نبَّهك على التواضع بأن أصلك من تراب فقال في خطبة حجة الوداع الناس من آدم وآدم من تراب. وقوله ولا يبغي أحد على أحد،\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.\n(^٢) تفسير البغوي ٣/ ٣٧٥، تفسير الثعلبي ٧/ ١٤٥، مدارج السالكين ٢/ ٣٢٧.\n(^٣) روضة العقلاء (ص ٦١).","vol":"11","page":572},{"text":"قال أهل اللغة البغي هو التعدي والظلم والاستطالة والاستعلاء بغير حق وأصله من بغى الجرح إذا فسد. قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^١) أي تجازون به في الدنيا تعجيلا لعقوبته والعرب تقول البغي مصرعة، قال الشاعر (^٢):\nيا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فاربع فخير فعال المرء أعدله\nفلو بغى جبل [حقًّا] على جبل ... لهُدَّ منه أعاليه وأسفله؛ اهـ\nقاله في الديباجة.\n\n٤٣٩٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: \"مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله\" رواه مسلم (^٣) والترمذي (^٤).\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه، تقدم هذا الحديث في العفو عن الجاني وتقدم الكلام على التواضع في الحديث قبله.\n\n٤٣٩١ - وَعَن نصيح الْعَنسِي عَن ركب الْمصْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- طُوبَى لمن تواضع فِي غير منقصة وذل فِي نَفسه من غير مَسْأَلَة وَأنْفق مَالا\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٢٣.\n(^٢) الكشاف (٢/ ٣٢٤) وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه.\n(^٣) صحيح مسلم (٦٩) (٢٥٨٨).\n(^٤) سنن الترمذي (٢٠٢٩).","vol":"11","page":573},{"text":"جمعه فِي غير مَعْصِيّة ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الْفِقْه وَالْحكمَة طُوبَى لمن طَابَ كسبه وصلحت سَرِيرَته وكرمت عَلَانِيَته وعزل عَن النَّاس شَره طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله. رواه الطبراني (^١)، ورواته إلى نصيح ثقات، وقد حسن هذا الحديث أبو عمر النمري (^٢) وغيره. وركب. قال البغوي: لا أدري سمع من النبي -ﷺ- أم لا، وقال ابن منده: لا نعرف له صحبة، وذكر غيرهما أن له صحبة، ولا أعرف له غير هذا الحديث.\nقوله وعن نصيح العنسي روى عنه مطعم بن المقدام قال الذهبي: ضعيف. كذا.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٧١/ ٤٦١٥)، (٤٦١٦)، وفي مسند الشاميين (٩١٢، وأخرجه البخاري في التاريخ (١١٤٨)، والبغوي في معجم الصحابة (٢/ ٤١٧)، ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٨٢)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٢٣٠٧)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص: ٦٥٨)، وتمام في الفوائد (١٦٠٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٨٣٣)، وابن بشران في أماليه (١٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦١٥)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٨٢)، وفي الشعب (٣٣٨٨)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٢١١) وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٨٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٩) رواه الطبراني من طريق نصيح العنسي عن ركب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٤٢)، والضعيفة (٣٨٣٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٣٦٨).\n(^٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٥٠٨) وقال: له حديث واحد حسن. وقال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٥٥١) إسناد حديثه ضعيف ومراد ابن عَبد البَرِّ بأنه حسن لفظه.","vol":"11","page":574},{"text":"قوله عن ركب المصري، وركب المصري قال الحافظ: قال البغوي (^١): لا أدري أسمع من النبي -ﷺ- أو لا، وقال ابن مندة لا تعرف له صحبة، وذكر غيرهما أنّ له صحبة. قال الحافظ: ولا أعرف له غير هذا الحديث، اهـ.\nقوله -ﷺ- طوبى لمن طاب كسبه، تقدم الكلام على طوبى في مواضع من هذا التعليق، والمراد بطيب الكسب كسب الحلال.\nقوله -ﷺ- وصلحت سريرته. صلحت بضم اللام وفتحها وتقدم ذلك في الورع وترك الشبهات، والسريرة والسر ما يكتم عن الناس، والمراد بطيب السريرة طيب نياته وأفعاله التي يكتمها عن الناس.\nقوله -ﷺ- وأنفق الفضل من ماله. الفضل هو ما يفضل [عمّا] لا بد له منه من حوائجه الأصلية يعني أنفق ما فضل عن حوائجه في وجوه الطاعات والقربات.\nقوله -ﷺ- وأمسك الفضل، من قوله الفضل من قوله هو الكلام فيما لا يعنيه والذي يعنيه هو الكلام الذي يكون عليه واجبا أو مندوبا أو مباحا تتعلق به مصلحة وما سوى هذه الثلاثة فهو مما لا يعنيه، ويعنيه بفتح الياء يهمه. وتقدم الكلام على ذلك أيضا. وتفسير هذه الألفاظ ذكره الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (^٢).\n_________\n(^١) معجم الصحابة للبغوي (٢/ ٤١٧).\n(^٢) شرح الأربعون الودعانية (ص ١٩٧ - ١٩٨).","vol":"11","page":575},{"text":"٤٣٩٢ - وَعَن ثَوْبَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من مَاتَ وَهُوَ بَرِيء من الْكبر والغلول وَالدّين دخل الْجنَّة. رواه الترمذي (^١)، واللفظ له والنسائي (^٢) وابن ماجه (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) والحاكم (^٥)، وقال: صحيح على شرطهما، وقد ضبطه بعض الحفاظ، الكنز بالنون والزاي، وليس بمشهور، وتقدم الكلام عليه في الدين.\nقوله وعن ثوبان، ثوبان هو مولى رسول الله -ﷺ- تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة، الحديث. الكبر هو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق، فالكبر يتولد من الإعجاب، والإعجاب هو أن ينظر العبد إلى نفسه بعين العظمة وينظر غيره فقيرا ويقول أنا وأنا كما قال إبليس لعنه الله أنا خير منه، ويطلب الترفع في المجالس والتصدر ويستنكف من رد الكلام. والإعجاب يتولد من\n_________\n(^١) الترمذي (١٥٧٣).\n(^٢) النسائي في الكبرى (٨٧٦٤).\n(^٣) ابن ماجه (٢٤١٢).\n(^٤) ابن حبان (١٩٨).\n(^٥) الحاكم (٢/ ٢٦)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦ و٢٧٧)، والخرائطي في المساوئ (٦٠٨) والدارمي (٢٥٩٥) والروياني (٦١١ و٦١٢) والطبراني في الأوسط (٧٧٤٧) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٣٨٢)، والبيهقي (٥/ ٣٥٥)، (٩/ ١٠١ - ١٠٢)، وفي الشعب (٥١٥١)، وابن عساكر (٧/ ٥٨)، وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٩١): الترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه بن حبان والحاكم من حديث ثوبان وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٩٢).","vol":"11","page":576},{"text":"الجهل وقد عظم الله تعالى شأن الكبر بقوله ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (^١)، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (^٢)، وقال بعضهم لبعض المتكبرين: أوّلك نطفة [مذرة؛ وكذلك البيضة المذرة، يقال مذرت البيضة بالذال المعجمة إذا فسدت، وفي الحديث: (الشر النساء المذرة الوذرة) أي الفاسدة التي لا تستنجي عند الجماع] وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. وقد نظم الشاعر المعني:\nكيف [يزهو] من [رجيعه] (^٣) ... أبد الدهر ضجيعه\nقال بعضهم: المتكبر شر من المشرك فإن المتكبر متكبر عن عبادة الله والمشرك يعبد الله وغيره ولذلك جعل الله النار دار المتكبرين كما قال تعالى ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾ (^٤)، وأخبر أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع الله على قلوبهم فقال تعالى ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (^٥).\nوقال -ﷺ-: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، رواه مسلم وسيأتي الكلام [على] الذرة وعلى الحديث، وكما أن من تواضع لله رفعه الله فكذلك من تكبر على الانقياد للحق ولو جاءه على يد صغير أو من يبغضه\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٢٣.\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٦٠.\n(^٣) هكذا هذه العبارة في الأصل وهو الصواب، وفي النسخة الهندية: (ضجيعه).\n(^٤) سورة الزمر، الآية: ٧٢.\n(^٥) سورة غافر، الآية: ٣٥.","vol":"11","page":577},{"text":"ويعاديه فإنما تكبر على الله فإن الله هو الحق وكلامه حق ودينه حق والحق صفته ومنه وله فإذا رده العيد وتكبر عن قبوله فإنما رده على الله وتكبر عليه. [قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويحسن أن نذكر هنا أبيات أبي العتاهية، واسمه إسماعيل بن القاسم:\nيا عجبا للنا لو ذكروا ... وحاسبوا أنفسهم أبصروا\nوعبروا الدنيا إلى غيرها ... فإنما الدنيا لهم معبر\nوالخير مما ليسى يخفى هو ... المعروف والشر هو المنكر\nوالموعد القبر وما بعده ... الحشر ذاك الموعد الأكبر\nلا فخر إلا فخر أهل التقى ... غدا إذا ضمهم المحشر\nليعلمن الناس أن التقى ... والبر كانا خير ما يدخر\nوعجبت للإنسان من فخره ... وهو غدا في لحده يقبر\nما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر\nأصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر\nوأصبح الأمر إلى غيره ... في كل ما يقضى وما يقدر\nومما يناسب ذلك ما ذكره ابن خلكان أن مطرف بن عبد الله بن الشخير نظر إلى يزيد بن المهلب وهو يمشي وعليه حلة يسحبها، فقال له ما هذه المشية التي يكرهها الله تعالى ورسوله -ﷺ-. فقال يزيد: أما تعرفني. فقال: بلى أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت بين ذلك حامل عذرة. ونظم أبو محمد الخوارزمي فقال:\nعجبت ممن يعجب بصورته ... وكان من قبل نطفة مذرة","vol":"11","page":578},{"text":"وهو من عند الله حسن صورته ... يصير في الأرض جيفة قذرة] (^١)\n[قوله مذرة أي فاسدة، ومن ذلك البيضة المذرة، يقال مذرت البيضة بالذال المعجمة إذا فسدت، وفي الحديث (^٢) شر النساء المذرة الوذرة أي الفاسدة التي لا تستحي عند الجماع. قوله -ﷺ- والغلول، الغلول هو ما يأخذه أحد الغزاة من الغنيمة مختصا به ولا يُحضره لأمير الجيش وتقدم الكلام على ذلك في الجهاد. قوله -ﷺ- والدين، تقدم الكلام على الدين في بابه] (^٣).\n\n٤٣٩٣ - وَعَن طَارق قَالَ خرج عمر -﵁- إِلَى الشَّام ومعنا أَبُو عُبَيْدَة فَأتوا على مخاضة وَعمر على نَاقَة لَهُ فَنزل وخلع خفيه فوضعهما على عَاتِقه وَأخذ بزمام نَاقَته فَخَاضَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت تفعل هَذَا مَا يسرني أَن أهل الْبَلَد استشرفوك فَقَالَ أوه وَلَو يقل ذَا غَيْرك أَبَا عُبَيْدَة جعلته نكالا لأمة مُحَمَّد إِنَّا كُنَّا أذلّ قوم فأعزنا الله بِالْإِسْلَامِ فمهما نطلب الْعِزّ بِغَيْر مَا أعزنا الله بِهِ أذلنا الله. رواه الحاكم (^٤)، وقال: صحيح على شرطهما.\n_________\n(^١) سقطت هذه الفقرة من الأصل، وأثبتت في النسخة الهندية.\n(^٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣١١)، والنجم الوهاج في شرح المنهاج (١/ ٤١٣).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) الحاكم في المستدرك (١/ ٦٢ و٣/ ٨٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٨٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٨٣٦، ٣٤٤٣٣)، وأبو داود في الزهد (٦٩) وهناد في الزهد (٨١٧) والدينوري في المجالسة (٤١٨). وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨١٩٦)، وصححه الألباني في الصحيحة (١/ ١١٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٩٣).","vol":"11","page":579},{"text":"قوله وعن طارق كذا كذا.\nقوله خرج عمر إلى الشام ومعه أبو عبيدة، الظاهر أنه أبو عبيدة بن الجراح.\nقوله فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له فنزل وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه. العاتق معروف.\nقوله: وأخذ بزمام ناقته فخاض. زمام الناقة: قال الجوهري: خطام الناقة هو زمامها، وقال الزمام الخيط الذي تشد فيه البرة ثم يشد في طرفه المقود وقد يسمى المقود زماما وزممت البعير خطمتُه. قال والبُرَّة حلقة من صفر تجعل في لحم أنف البعير، وقال الأصمعي تجعل في آخر جانبي المنخرين اهـ. قاله الكرماني (^١).\nقوله: فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. معناه خرجوا إلى لقائك وإنما قال له ذلك لأن عمر لما قدم الشام [ما تزيَّا بزيّ] الأمراء [فخشي] أن لا يستعظموه.\nقوله: فقال أوه ولو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد -ﷺ- الحديث. أوه كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع وهي ساكنة الواو ومكسورة الهاء، وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا آه من كذا وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا أوّه وربما حذفوا الهاء فقالوا أُو. وبعضهم يفتح الواو مع التشديد فيقال أوَّه، ذكره في النهاية.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٢٨).","vol":"11","page":580},{"text":"وقوله: نكالا أي [لمن بعده، والنكال العقوبة التي تنكل عن فعل ما كان سببها وأصل النكال الامتناع أي يمتنع عن ذلك بسببها ومنه المنكل لهم المعاقب قاله عياض (^١) قيل نكالا] (^٢) أي موعظة وعبرة [لغيرك] بما أصبته به من العقوبة [وما به الواو من الوعظ، والهاء فيه عوض، هي جمع عظاية من الواو. دويبة معروفة].\n\n٤٣٩٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من تواضع لله دَرَجَة يرفعهُ الله دَرَجَة حَتَّى يَجعله الله فِي أَعلَى عليين وَمن تكبر على الله دَرَجَة يَضَعهُ الله دَرَجَة حَتَّى يَجعله فِي أَسْفَل سافلين وَلَو أَن أحدكُم يعْمل فِي صَخْرَة صماء لَيْسَ عَلَيْهَا بَاب وَلَا كوَّة لخرج مَا غيبه للنَّاس كائِنا مَا كَانَ. رواه ابن ماجه (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) كلاهما من طريق دراج عن أبي\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٢).\n(^٢) كتب هذا في حاشية الصحيفة التي تلي هذا الموضع من النسخة الهندية، والصواب إدراجه هنا كما هو في الأصل.\n(^٣) ابن ماجه (٤١٧٦).\n(^٤) ابن حبان (٥٦٧٨)، وأخرجه أحمد (١٧/ ٣٢٩)، وأبو يعلى (١١٠٩)، وابن شاهين في الترغيب (٢٣٥) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٢٩): هذا إسناد ضعيف. دراج بن سمعان أبو السمح المصري وإن وثقه ابن معين وأخرج له ابن حبان في صحيحه فقد قال أبو داود وغيره: حديثه مستقيم إلا ما كان عن أبي الهيثم. وقال ابن عدي: عامة أحاديث دراج مما لا يتابع عليه. قلت: وضعفه أبو حاتم والنسائي والدارقطني وقال في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٨٦) رواه أبو يعلى الموصلي والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٥) رواه أحمد وأبو يعلى، =","vol":"11","page":581},{"text":"الهيثم عنه وليس عند ابن ماجه: ولو أن أحدكم إلى آخره.\nقوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم ذكره.\nقوله -ﷺ- من تواضع لله درجة يرفعه الله درجة حتى يجعله الله في أعلى عليين ومن تكبر على الله درجة يضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل سافلين الحديث. المراد برفع الدرجة في الجنة، أعلى المنازل في الجنة، والوضع بضد ذلك. وفي [حديث أنس] بن مالك (^١) قال إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله -ﷺ- فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة إلى حاجتها، انفرد به ابن ماجه. كان -ﷺ- أشد الناس تواضعا [يجيب] من دعاه من غني أو فقير أو دني أو شريف وكان يحب المساكين ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ولا يحتقر فقيرا لفقره ولا يهاب ملِكا لملكه. وروي عن سهيل بن حنيف عن أبيه (^٢) قال كان رسول الله -ﷺ-\n_________\n= وإسنادهما حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٧٩٩)، والضعيفة (١٨٠٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٣٣).\n(^١) أخرجه أحمد (١٢٨١١)، (١٣٢٨٩)، وابن ماجه (٤١٧٧)، وأبو يعلى (٣٩٨٢) والحديث؛ أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (١٢٢)، والبزار (٧٤٣٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٠١)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٣٠) هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان. وأخرجه البخاري (٦٠٧١) تعليقا من طريق هشيم، أخبرنا حميد الطويل، حدثنا أنس بن مالك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١٩٤٤ و٣٦٠٧٢)، والبيهقي في الشعب (٨٨٠٩)، والطبراني في الكبير (٦/ ٨٤/ ٥٥٨٦)، والحاكم (٢/ ٥٠٦)، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٨٧٧)، والصحيحة (٢١١٢).","vol":"11","page":582},{"text":"يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله. وفي حديث القاسم عن عائشة (^١) ويفلي ثوبه، وفي تفسير البغوي (^٢) أن الراسخ في العلم من اجتمعت فيه أربع خصال: التقوى فيما بينه وبين الله، والتواضع فيما بينه وبين [الناس، والزهد فيما بينه وبين] (^٣) الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين نفسه، اهـ.\n[قوله: (...)، الحديث، المراد برفع الدرجة في الجنة أعلى المنازل في الجنة، والوضع بضد ذلك].\nقوله ولو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس عليها باب ولا كوة لخرج ما غيبه للناس، الحديث. الكوة هي الطاق.\n\n٤٣٩٥ - وَعَن عمر بن الْخطاب -﵁- لَا أعلمهُ إِلَّا رَفعه قَالَ يَقُول الله ﵎ من تواضع لي هَكَذَا وَجعل يزِيد بَاطِن كفه إِلَى الأَرْض وَأَدْنَاهَا رفعته هَكَذَا وَجعل بَاطِن كفه إِلَى السَّمَاء ورفعها نَحْو السَّمَاء رواه أحمد (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦١٩٤) البخاري في الأدب المفرد (٥٤١) الترمذي في الشمائل (٣٤٣) أبو يعلى (٤٨٧٣) وابن حبان في صحيحه (٢١٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣١)، والبيهقي في الدلائل (١/ ٣٢٨)، والبغوي في شرح السنة (٣٦٧٦) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٩٩٦)، والصحيحة (٦٧١).\n(^٢) انظر: مغني المحتاج (٣/ ٦٠)، وإعانة الطالبين (٣/ ٢١٤)، ولباب التأويل في معاني التنزيل (١/ ٣٢٢).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) مسند أحمد (٣٠٩).","vol":"11","page":583},{"text":"والبزار (^١) ورواتهما محتج بهم في الصحيح والطبراني (^٢)، وَلَفظه قَالَ عمر بن الْخطاب -﵁- على الْمِنْبَر أَيهَا النَّاس تواضعوا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من تواضع لله رَفعه الله وَقَالَ انْتَعش نَعشك الله فَهُوَ فِي أعين النَّاس عَظِيم وَفِي نَفسه صَغِير وَمن تكبر قصمه الله وَقَالَ اخْسَأْ فَهُوَ فِي أعين النَّاس صَغِير وَفِي نَفسه كَبِير ..\nقوله وعن عمر بن الخطاب [هو] أمير المؤمنين تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله قال عمر على المنبر. المنبر مأخوذ من النبر وهو الارتفاع، وتقدم الكلام عليه. قول عمر: أيها الناس تواضعوا فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من تواضع لله رفعه الله، تقدم الكلام على التواضع والارتفاع.\nقوله: وقال انتعش نعشك الله فهو في أعين الناس عظيم وفي نفسه صغير. الانتعاش الارتفاع ومنه نعش الميت. قاله في شرح مشارق الأنوار.\n_________\n(^١) مسند البزار= البحر الزخار (١٧٥)،.\n(^٢) الطبراني، في الصغير (٦٤٥)، والحديث؛ أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع (١٢٣)، وأحمد بن منيع كما في المختارة، وأبو يعلى (١/ ١٦٧)، والحارث في المسند بغية الباحث (٨٣٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٢٢٠)، وابن أبي الدنيا في التواضع (٧٨)، وابن حبان في روضة العقلاء (ص ٥٩)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢/ ٧١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٨٦ و٧٧٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٢٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ١١٠)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٤١) وابن الجوزي في العدل المتناهية (٢/ ٨١٠) والضياء في المختارة (١/ ٣١٧)، وقال ابن كثير في مسند الفاروق (٣/ ٤٤) وهو إسناد جيد، ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن، وإنما اختاره الضياء في كتابه. وقد روي من طريق أخرى بنحوه موقوفا وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٩٤).","vol":"11","page":584},{"text":"قوله ومن تكبر قصمه الله. القصم هو [قوله وقال اخسأ فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير، اخسأ بالهمز والخاسيء المبعد ومنه قوله تعالى ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١). يقال خسأته فخسئ وخسأ وانخسأ ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر القميء، قاله في النهاية (^٢).\nوقال بعضهم خسأ الكلب أي بعد وهو خطاب زجر واستهانة، أي اسكت صاغرا مطرودا. وقال بعضهم أيضا اخسأ كلمة زجر واستهانة أي اسكت صاغرا ذليلا، قاله الكرماني (^٣)] (^٤). وفي شعب الإيمان للبيهقي (^٥) من حديث\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨.\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٣١).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٣/ ٥٣).\n(^٤) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وإذا كثر فقره زاد سخاؤه وإذا زاد عمله كثر تواضعه. اهـ).\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٣٠٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (٣٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٢٩)، والبيهقي في الشعب (٧٧٩٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ١١٠)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٨١٠) وفيه: سعيد بن سلام العطار قال الذهبي في المغني (١/ ٢٦٠): قال أحمد: كذاب، وقال غيره: متروك.، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٢) رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ولفظه: قال عمر بن الخطاب على المنبر: أيها الناس تواضعوا؛ فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من تواضع لله رفعه الله وقال: انتعش نعشك الله، فهو في أعين الناس عظيم وفي نفسه صغير، ومن تكبر قصمه الله وقال: اخسأ، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير. ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني سعيد بن سلام العطار وهو كذاب. قال الألباني في السلسلة الضعيفة (١٢٩٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٣٤): موضوع. وأخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع (٧٨)، وابن حبان في روضة العقلاء (ص ٥٩)، والخرائطي في مكارم =","vol":"11","page":585},{"text":"عياش بن [أبي] (^١) ربيعة قال قال عمر على المنبر أيها الناس تواضعوا فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه صغير وفي أعين الناس عظيم ومن تكبر وضعه فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير حتى لهو أهون على الله من كلب أو خنزير. قال الشيخ أبو عبد الله القرشي من علامات الولي أنه إذا طال عمره كثر عمله وإذا كثر فقره زاد سخاؤه وإذا زاد عمله كثر تواضعه. اهـ.\n\n٤٣٩٦ - وعن ابن عباس ﵄ عن رسول الله -ﷺ- قال: \"ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك، فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته\" رواه الطبراني (^٢) والبزار (^٣) بنحوه من حديث أبي هريرة وإسنادهما حسن. [الحكمة] بفتح الحاء المهملة والكاف: هي ما\n_________\n= الأخلاق (٢/ ٧١٦)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٤١)، والبيهقي في الشعب (٧٧٨٨، ٧٧٨٩) من طريق عبيد الله بن عدي في الخيار، عن عمر بن الخطاب موقوفا من قوله بمعناه.\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٢١٨/ ١٢٩٣٩) عن ابن عباس، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٢) رواه الطبراني وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٧٥)، والصحيحة (٥٣٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٩٥).\n(^٣) مسند البزار = البحر الزخار (٧٨٤٧) عن أبي هريرة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٣) رواه البزار وإسناده حسن. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٣)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٢٣٧) عن أبي هريرة في ترجمة: منهال بن خليفة، وقال العقيلي: ولا يتابع عليه إلا من طريق يقاربه، وإنما يروى هذا مرسلًا.","vol":"11","page":586},{"text":"تجعل في رأس الدابة كاللجام ونحوه.\nقوله وعن ابن عباس، هو عبد الله بن عباس تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك الحديث. وفي رواية: في رأس كل عبد حكمة إذا همّ بسيئة فإن شاء الله أن [يقرعه] بها قرعه. الحكمة بفتح الحاء المهملة والكاف هي ما يجعل في رأس الدابة كاللجام ونحوه، اهـ قاله المنذري. قال صاحب المغيث (^١) هذا مثل، والحكمة حديدة في اللجام مستديرة تكون على أنف الفرس وعلى الحنك تمنع الفرس من الفساد [أي مخالفة راكبه] والجري بخلاف ما يريد صاحبه. ومنه الحديث إني [آخذ] بحكمة فرسه. فلما كانت الحكمة تأخذ بفم الدابة وكان الحنك متصلا بالرأس جعلها رسول الله -ﷺ- تمنع من هي في رأسه من الكبر كما تمنع الحكمة الدابة من الفساد. ومنه حديث عمر من تواضع لله رفع الله حكمته أي قدره ومنزلته لأن الفرس إذا جذب حكمته إلى فوق رفع رأسه، فكنّى برفع الرأس عن رفع المنزلة والقدر. قال الجبان: وقد يقال للفرس كما هو حكمة وله عندنا حكمة أي قدر ومنزلة وهو عالي الحكمة. وقيل الحكمة من الإنسان أسفل وجهه مستعار من موضع حكمة اللجام ورفعها كناية عن الإعزاز لأن من صفة الذليل تنكيس رأسه، ومنه الحديث وأنا آخذ بحكمة فرسه أي بلجامه، وأصل الباب المنع والله أعلم، اهـ.\n_________\n(^١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ٤٧٩).","vol":"11","page":587},{"text":"قوله عن عكرمة عن ابن عباس (^١) أن النبي -ﷺ- قال: ما من بني آدم أحد إلا في رأسه سلسلتان إحداهما في السماء السابعة والأخرى في الأرض السابعة فإذا تواضع [رفعه] الله بالسلسلة التي في السماء وإذا أراد أن يرفع رأسه وضعه الله تعالى.\n\n٤٣٩٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من تواضع لِأَخِيهِ الْمُسلم رَفعه الله وَمن ارْتَفع عَلَيْهِ وَضعه الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n\n٤٣٩٨ - وعن عبد الله، يعني ابن مسعود -﵁- قال: \"من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به، ومن تطاول تعظيما يخفضه الله، ومن تواضع خشية يرفعه الله، الحديث\" رواه الطبراني (^٣) من رواية المسعودي، وليس في\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في الكشف (٤/ ٢٢٣)، والبيهقي في الشعب (٧٧٩١)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٥٥٧)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك (٢٣٤)، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (١٠٢) ومدار أسانيدهم على زمعة بن صالح وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥٤ رقم ٧٧١١). وقال: لم يرو هذا الحديث عن سعيد المقبري إلا أبو معشر، تفرد به: عبد العظيم. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٨٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد العظيم بن حبيب وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٦٩) وضعيف الترغيب (١٧٣٥).\n(^٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٥) رواه الطبراني، وفيه المسعودي، وقد اختلط. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٣٦) وقال ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٩/ ٥٧٨) روينا في كتاب الرقاق لابن المبارك الزهد ص ١٥٢. بإسناد جيد عن ابن مسعود -﵁- أنه قال.","vol":"11","page":588},{"text":"أصلي رفعه.\nقوله وعن عبد الله يعني ابن مسعود تقدم قول ابن مسعود: من يرائي يرائي الله به ومن يسمع يسمّع الله به، الحديث. قال العلماء معناه من راآى بعمله وسمّعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع الله به يوم القيامة وفضحه وقيل معناه من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه. وقيل أسمعه المكروه، وقيل غير ذلك والله أعلم.\nقوله ومن تطاول تعظيما يخفضه الله التطاول هو التجاوز عن الحد والخفض هو الوضع وهو ضد الارتفاع. قوله ومن تواضع خشية يرفعه، وتقدم معنى التواضع والارتفاع.\n\n٤٣٩٩ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله -ﷺ- قال: \"إياكم والكبر، فإن الكبر يكون في الرجل، وإن عليه العباءة\" رواه الطبراني في الأوسط (^١)، ورواته ثقات.\nقوله وعن عبد الله بن عمر تقدم.\nقوله -ﷺ- وإياكم والكبر فإن الكبر يكون في الرجل وإن عليه العباءة، تقدم الكلام على الكبر.\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٥٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٦): رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.\nوقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٩١) ورواته ثقات وضعفه الألباني جدًا في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٣٧)، وضعيف الجامع الصغير (٢٢٠٨) وقال في الضعيفة (٥٢٦٣): ضعيف جدًا.","vol":"11","page":589},{"text":"وذمَّ الله تعالى الكبر في مواضع من كتابه وذم كل متكبر جبار فقال تعالى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (^١)، وقال تعالى ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (^٢). والعباءة بفتح العين وبالمد والعِباية لغتان مشهورتان. قال ابن السكّيت (^٣) الأكثر بالمد والله أعلم.\n\n٤٤٠٠ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن من أحبكم إِلَيّ وأقربكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة أحاسنكم أَخْلَاقًا وَإِن أبغضكم إِلَيّ وأبعدكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون قَالُوا يَا رَسُول الله قد علمنَا الثرثارين والمتشدقين فَمَا المتفيهقون قَالَ المتكبرون رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٤) وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة وَتقدم (^٥).\nالثرثار بثاءين مثلثتين مفتوحتين وتكرير الرَّاء هُوَ الْكثير الْكَلام تكلفا. والمتشدق هُوَ الْمُتَكَلّم بملء شدقيه تفاصحا وتعاظما واستعلاء على غَيره وَهُوَ معنى المتفيهق أَيْضا.\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٤٦.\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٣٥.\n(^٣) تحرير ألفاظ التنبيه (١/ ٢٩٠).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٠١٨). وصححه الألباني في الصحيحة (٧٩١) وصحيح الترغيب (٢٨٩٧).\n(^٥) مر في باب الترغيب في الخلق الحسن وفضله، والترهيب من الخلق السيّئ وذمّه.","vol":"11","page":590},{"text":"٤٤٠١ - وعن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله -ﷺ-: \"يقول الله ﷿: العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته\" رواه مسلم (^١)، ورواه البرقاني في مستخرجه من الطريق الذي أخرجه مسلم، ولفظه: \"يقول الله ﷿: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئا منهما عذبته\" ورواه أبو داود (^٢) وابن ماجه (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) من حديث أبي هريرة وحده، قال رسول الله -ﷺ-: \"قال الله ﵎: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار\".\nقوله وعن أبي سعيد وأبي هريرة تقدم الكلام عليهما ﵄.\nقوله -ﷺ-: يقول الله ﷿ العز إزاره والكبرياء رداؤه؛ هكذا في جميع النسخ بالضمير في إزاره و[الكبرياء] رداءه [يعود إلى الله تعالى للعلم به وفي رواية العز إزاري والكبرياء ردائي] (^٥)، وفي رواية الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، وفي حديث آخر ذكره ابن الأثير في النهاية (^٦) تأزَّر بالعظمة وتردّى بالكبرياء وتسربل بالعزة. قال الإمام الغزالي (^٧) في قوله -ﷺ- يقول الله تعالى\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٣٦) (٢٦٢٠).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٠٩٠).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤١٧٤).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٥٦٧١).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٤).\n(^٧) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ١٤٧).","vol":"11","page":591},{"text":"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري إن الكبرياء صفة عظمتي ولهذا كنى عنها بالرداء لأن الرداء أشرف من الإزار لأن الرداء عند العرب يقصد بلبسه التجمل، اهـ. قال النووي (^١) في شرح مسلم وأما تسميته إزارا ورداء فمجاز واستعارة حسنة كما تقول العرب فلان شعاره الزهد ودثاره التقوى لا يريدون بذلك الثوب الذي هو شعار ودثار بل معناه صفته كذا قال المازري: ومعنى الاستعارة أن الإزار والرداء يلصقان بالإنسان ويلزمان وهما جمال له فضرب ذلك مثلا لكون العز والكبرياء لله أحق وله ألزم واقتضاهما جلاله [يقول والله تعالى أعلم كما لا يشرك الإنسان في ردائه وإزاره الذين هو لابسهما غيره [كذلك] لا يشركني في هاتين الضفتين مخلوق أي ليستا كسائر الصفات التي قد يتصف بها المخلوق مجازا من صفاته ﷿ كالرحمة والكرم وغيرهما ونحوه ما روي أن السلطان رمح الله وفيئه وظله في الأرض [انتهى] (^٢) [تنبيه:] (^٣). [و] الكبر والكبرياء العظمة، يقال منه كبر الشيء بضم الباء أي عظم فهو كبير، فالكبرياء والعظمة اسمان لمسمى واحد، وقد جاء في الحديث ما يشعر بالفرق بينهما، وذلك أن الله تعالى قال الكبرياء رداءي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته ففرق [بينهما] بأن جعل\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٧٤).\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل وضرب الرداء والإزار مثلا في ذلك، والله أعلم).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":592},{"text":"أحدهما إزارا والآخر رداء.\nقال الخطابي (^١) معنى هذا الحديث أن الكبرياء والعظمة صفتان لله تعالى اختص بهما أي انفرد بهما لا [يشركه] أحد فيهما ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل وضرب الرداء والإزار مثلا في ذلك، والله أعلم. قوله تعالى فمن نازعني شيئا منهما عذبته، وفي رواية فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار. وفي حديث ابن عباس (^٢) فمن نازعني واحدا منها ألقيته في النار. ومعنى ينازعني يتخلق بذلك فيصير في معنى المشارك اهـ قاله النووي (^٣)، فمنازعة الله صفاته لا تليق بالمخلوق كفى بها شرا وأي مصيبة أعظم [ممن] ينازع رب الأرباب في ذلك وهو من\n_________\n(^١) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه (١/ ٢٣٢)، وكشف المشكل (٣/ ٥٥٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤١٧٥)، والبزار (٥١٠٦)، وابن حبان (٥٦٧٢) وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث، رواه محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: إن الله ﷿ يقول: إن الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري. قال أبي: أخطأ من قال هذا، رواه وهيب، عن عطاء، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، وهو أشبه. علل الحديث (١٧٩٥).\nقال البزار: هذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس، إلا المحاربي، وحدث به غير المحاربي، عن عطاء بن السائب، عن الأغر، عن أبي هريرة، وحديث الأغر رواه جماعة عن عطاء. مسنده (٥١٠٦) .. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٤١). في الزوائد رجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب اختلط. والمحاربي هل روى عنه قبل الاختلاط أو بعده؟\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٧٣).","vol":"11","page":593},{"text":"طين وماء مهين ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ (^١)، وإن تعذيبه لأقل جزائه اهـ، قال له في الحدائق. فهذا وعيد شديد في الكبر مصرح بتحريمه.\n\n٤٤٠٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الله جلّ وَعلا الْكِبْرِيَاء رِدَائي وَالْعَظَمَة إزَارِي فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلقيته فِي النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب (^٢).\n\n٤٤٠٣ - وعن فضالة بن عبيد -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل نازع الله رداءه، فإن رداءه الكبر، وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله، والقنوط من رحمته\" رواه الطبراني (^٣) واللفظ له وابن حبان في صحيحه (^٤) أطول منه.\nقوله وعن فضالة بن عبيد هو أبو محمد فضالة بن عبيد بن نافذ،\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٥٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤١٧٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٩٩).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٠٦/ ٧٨٨: ٧٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٩) رواه الطبراني في الكبير هكذا. ورواه البزار مطولا، ورجاله ثقات. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٥) رواه البزار والطبراني في الكبير، فجعلهما حديثين، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٨٨٧).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٤٥٥٩)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٦٠ - ٩٠٠)، وابن منده في التوحيد (٣٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٤١٠)، والبزار = البحر الزخار (٣٧٤٩).","vol":"11","page":594},{"text":"بالمعجمة، ابن قيس بن صهيب بن الأصرم بن جحجبا، بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء موحدة، ابن لفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى العمرى. أول مشاهده أحد، شهدها وما بعدها من المشاهد، ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر. وسكن دمشق، وولى قضاءها لمعاوية، وأمره على غزو الروم في البحر، روى له عن رسول الله -ﷺ- خمسون حديثا، روى مسلم منها حديثين. روى عنه ثمامة بن سعد، وعلى ابن رباح، بضم العين، وقيل: بفتحها، وحنش الصنعاني، وسلمة ابن صالح، وعمرو بن مالك، وعبد الله بن محيرز، وآخرون. توفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة تسع وستين، والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه: أعنى يا بنى، فإنك لا تحمل بعده مثله. وتوفى معاوية سنة ستين، وكان لفضالة عقب بدمشق (^١).\nقوله -ﷺ- ثلاثة لا يُسأل عنهم رجل نازع الله رداءه فإن رداءه الكبر وإزاره العز، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\n\n٤٤٠٤ - وعن حارثة بن وهب -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر\" رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٤٩١٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٤٦) (٢٨٥٣).","vol":"11","page":595},{"text":"[العتل] بضم العين والتاء وتشديد اللام: هو الغليظ الجافي. [والجواظ] بفتح الجيم وتشديد الواو، وبالظاء المعجمة: هو الجموع المنوع، وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين.\nقوله وعن حارثة بن وهب هو حارثة بن وهب الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه. أمهما أم كلثوم بنت جرول الخزاعي، له صحبة، يعد في الكوفيين، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ومعبد بن خالد الجهني (^١).\nقوله -ﷺ-: ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر الحديث. العتل قد ضبطه الحافظ وفسره فقال هو الغليظ الجافي والجواظ قد ضبطه الحافظ وفسره فقال هو الجَموع المنُوع وقيل الضخم المختال في مشيته وقيل القصير البطين اهـ، وقال غيره وقيل الجواظ الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل الجافي القلب، وقيل الفاجر، وقيل الأكول.\n\n٤٤٠٥ - وعنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يدخل الجنة الجواظ، ولا الجعظري\" قال: والجواظ الغليظ الفظ. رواه أبو داود (^٢).\nقوله وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري قال والجواظ الغليظ الفظ، رواه أبو داود. قوله -ﷺ- لا يدخل الجنة فيه التأويلان السابقان في باب شرب الخمر وغيره وتقدم الكلام على\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (٥/ ترجمة ١٠٥٩).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٨٠١)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٣٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٨٢٣) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٠٢)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٦٦٩).","vol":"11","page":596},{"text":"الجواظ في الحديث قبله. والجعظري تقدم الكلام عليه في الحديث قبله أيضا، وقال الجوهري (^١) هو الفظ الغليظ وقيل هو الذي يتمدح بما ليس عنده وقيل هو السيء الخلق.\n\n٤٤٠٦ - وعن سراقة بن مالك بن جعشم -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"يا سراقة ألا أخبرك بأهل الجنة، وأهل النار؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: أما أهل النار فكل جعظري جواظ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون\" رواه الطبراني في الكبير (^٢) والأوسط (^٣) بإسناد حسن، والحاكم (^٤) وقال: صحيح على شرط مسلم.\nقوله وعن سراقة بن مالك ابن جعشم هو أبو سفيان سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن مالك بن تيم بن مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكناني المدلجي الحجازي الصحابي وجعشم بضم الجيم [والشين\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٦١٥).\n(^٢) الطبراني المعجم الكبير (٧/ ١٢٩/ ٦٥٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٥) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٣) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه راويا لم يسم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٠٣)، وفي السلسلة الصحيحة (١٧٤١).\n(^٣) الأوسط (٣١٥٧).\n(^٤) المستدرك للحاكم (١/ ١٢٩)، (٣/ ٧١٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه والحديث؛ أخرجه أحمد (١٧٧٢٨)، وأبو نعيم في الأصبهاني صفة الجنة (٧٦)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٨٢٠)، (٧٨٢١).","vol":"11","page":597},{"text":"المعجمة، هذا قول الجمهور من الطوائف، وحكى الجوهري (^١) ضم الشين وفتحها] عن الفراء. وسراقة من مشهوري الصحابة روى له عن رسول الله -ﷺ- تسعة عشر حديثا، روى البخاري أحدها، روى عنه ابن عباس وجابر ومن التابعين سعيد بن المسيب وابنه محمد بن سراقة، كان ينزل قُديدا بضم القاف بين مكة والمدينة، [و] قيل سكن مكة ويعد [من] أهل المدينة، أسلم عند النبي -ﷺ- بالجعرانة حين انصرف من حديبة والطائف وحديثه في خروجه وراء النبي -ﷺ- مهاجرا مشهور في الصحيحين. وفي الحديث (^٢) أن رسول الله -ﷺ- قال لسراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى، فلما أُتي عمر بسواري كسرى وتاجِهِ ومنطقته، دعا سراقة فألبسه السوارين وقال ارفع يديك و[قل] الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيا من بني مدلج ورفع عمر صوته. توفي سراقة أول خلافة عثمان سنة أربع وعشرين وقيل توفي بعد [عثمان] والصحيح الأول.\nقوله -ﷺ- يا سراقة ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار. قلت بلى يا رسول الله، قال أما أهل النار فكل جعظري جواظ مستكبر الحديث. تقدم الكلام\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ١٨٨٩).\n(^٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٥٨١) الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٣٥) وقال ابن عيينة عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن -أن رسول الله -ﷺ- قال لسراقة بن مالك: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ قال: فلما أتي عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه، وكان رجلا أزبّ كثير شعر السّاعدين، فقال له: ارفع يديك،. أورده القاضي عياض في الشفا ١/ ٦٧٤. والحسيني في إتحاف السادة المتقين ٧/ ١٨.","vol":"11","page":598},{"text":"على الجواظ وأما الجعظري فهو الفظ الغليظ [المتكبر] وقيل هو الذي ينتفخ بما ليس عنده وفيه قصر.\nقوله وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون.\n\n٤٤٠٧ - وعن حذيفة -﵁- قال: \"كنا مع النبي -ﷺ- في جنازة قال: ألا أخبركم بشر عباد الله؟ الفظ المستكبر. ألا أخبركم بخير عباد الله؟ الضعيف المستضعف ذو الطمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره\" رواه أحمد (^١)، ورواته رواة الصحيح إلا محمد بن جابر.\nقوله: وعن حذيفة هو ابن اليمان الصحابي المشهور صاحب سر رسول الله -ﷺ- في المنافقين يعلمهم هو وحده شهد هو وأبوه مع رسول الله -ﷺ- أحدا وقتل أبوه يومئذ قتله المسلمون خطأ ولّاه عمر المدائن فنزلها ومات بها سنة ست وثلاثين وهو عراقي، قاله الكرماني (^٢). وتقدم الكلام عليه مبسوطا والله أعلم.\nقوله: كنا مع النبي -ﷺ- في جنازة، الحديث. الجنازة بالكسر والفتح: الميت بسريره، وقيل بالكسر السرير وبالفتح الميت. قاله في النهاية (^٣).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٣٤٥٧) وابنه عبد الله في السنة (١٤٦٢) وتمام (١٤٨١)، والبيهقي في عذاب القبر (١١٥) وابن الجوزي في الموضوعات (١٧٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٤) رواه أحمد، وفيه محمد بن جابر، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٩٨).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ١٠)، تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٥٤).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠٦).","vol":"11","page":599},{"text":"قوله -ﷺ-: ألا أخبركم بشر عباد الله الفظ المستكبر. الفظ هو كذا.\nوقوله -ﷺ-: ألا أخبركم بخير عباد الله الضعيف المستضعف ذو الطمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، ذو بمعنى صاحب والطمر بكسر الطاء المهملة الثوب الخلق.\nوقوله لا يؤبه له أي لا يبالى به ولا يلتفت إليه لحقارته، وقوله لو أقسم على الله لأبره. القسم الحلف معناه لو حلف يمينا طمعا في كرم الله تعالى بإبراره [لأبرَّه]، وقيل لو دعاه لأجابه، يقال أبررت قسمه وبررته، والأول هو المشهور.\n\n٤٤٠٨ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء المسلمين ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها\" رواه مسلم (^١).\nقوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.\nقوله احتجت الجنة والنار الحديث، هذا الحديث على ظاهره وأن الله تعالى جعل في الجنة والنار تمييزا يُدركان [به] فتحاجَّتا ولا يلزم من هذا أن يكون ذلك التمييز فيهما دائما والله أعلم.\n\n٤٤٠٩ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان،\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨٤٧).","vol":"11","page":600},{"text":"وملك كذاب، وعائل مستكبر\" رواه مسلم (^١) والنسائي (^٢).\n[العائل] بالمد: هو الفقير.\n\n٤٤١٠ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَرْبَعَة يبغضهم الله البياع الحلاف وَالْفَقِير المختال وَالشَّيْخ الزَّانِي وَالْإِمَام الجائر رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n٤٤١١ - وَعنهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- عرض عَليّ أول ثَلَاث يدْخلُونَ النَّار أَمِير مسلط وَذُو ثروة من مَال لَا يُؤَدِّي حق الله فِيهِ وفقير فخور رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (^٤).\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم.\nقوله -ﷺ-: لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، الحديث. [واعلم أن مكالمة الله تعالى للعبد في الآخرة ثابتة وإكرامه له وذلك مخفي علينا كيفيته، وقد نبّه الله تعالى على أنه يحرم ذلك على الكافرين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٥)، وهذا\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧٢) (١٠٧).\n(^٢) سنن النسائي (٥/ ٨٦).\n(^٣) النسائي في المجتبى ٤/ ٥٧٤ (٢٥٩٥)، وابن حبان (٥٥٥٨). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٦٣)، وصحيح الترغيب (١٢٨٦ و٢٣٩٧).\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (٢٢٤٩)، وابن حبان (٤٣١٢). وضعفه الألباني في المشكاة (٣٨٣٢) وضعيف الترغيب (١٧٣٨).\n(^٥) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.","vol":"11","page":601},{"text":"يدل على أن المنفي من الكلام هو ما به سرور وإكرام لا جميع الكلام]، وتقدم الكلام على هذا الحديث في مواضع من هذا التعليق. وكذلك الحديث الذي بعده وبعد بعده وكذلك حديث سلمان، وفيه العائل المزهو والعائل الفقير، والمزهو هو المعجب بنفسه المتكبر، وكذلك حديث نافع مولى رسول الله -ﷺ-، تقدم معناه.\nقوله: في حديث نافع رواه الطبراني من رواية الصباح بن خالد بن أمية كذا\n\n٤٤١٢ - وَعَن سلمَان -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة الشَّيْخ الزَّانِي وَالْإِمَام الْكذَّاب والعائل المزهو رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^١).\nالمزهو هُوَ المعجب بِنَفسِهِ المتكبر.\n\n٤٤١٣ - وَعَن نَافِع مولى رَسُول الله -ﷺ- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة مِسْكين مستكبر وَلَا شيخ زَان وَلَا منان على الله بِعَمَلِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة الصَّباح بن خَالِد بن أُميَّة عَن نَافِع وَرُوَاته إِلَى الصَّباح ثِقَات (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢٥٢٩). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٥: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير العباس بن أبي طالب، وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٦١) وصحيح الترغيب (٢٣٩٨) و(٢٩٠٨) و(٢٩٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٨٢)، وأبو نعيم في المعرفة (٦٤٠٤ و٦٤٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٥: رواه الطبراني، وتابعيه الصباح بن خالد بن أبي أمية لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني منكر في الضعيفة (٦٨٧٧) وضعيف الترغيب (١٤٣٦) و(١٧٣٩).","vol":"11","page":602},{"text":"٤٤١٤ - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: \"التقى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ على المروة فتحدثا، ثم مضى عبد الله بن عمرو، وبقي عبد الله بن عمر يبكي، فقال له رجل: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا، يعني عبد الله بن عمرو، زعم أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله لوجهه في النار\" رواه أحمد (^١)، ورواته رواة الصحيح.\n\n٤٤١٥ - وفي أخرى له أيضًا (^٢) رواتهما رواة الصحيح: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"لا يدخل الجنة إنسان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر\".\nقوله: وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أبو سلمة اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، والصحيح المشهور هو الأول، وهو مدنى من كبار التابعين، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال واتفقوا على جلالة أبى سلمة، وإمامته، وعظم قدره، وارتفاع منزلته. روينا عن محمد ابن\n_________\n(^١) أحمد (٧٠١٥) ورواه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (١٩٦)، والبغوي في معجم الصحابة (١٤٧٧)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٣ - ١٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٦٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٣٥٨)، والبيهقي (٧٨٠٥). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٥٠) أخرجه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان من طريقه بإسناد صحيح، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٨)، وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٠٩).\n(^٢) مسند أحمد (٦٥٢٦)، ورواه ابن أبي شيبة (٢٦٩٩٢)، وهناد بن السري في الزهد (٨٣١)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٣٦١/ ١٤١٧٦).","vol":"11","page":603},{"text":"سعد، قال: كان ثقة، فقيها، كثير الحديث. توفى بالمدينة سنة أربع وتسعين، وهو ابن اثنتين وسبعين. قال: وهذا أثبت من قول من قال: سنة أربع ومائة. وقال أبو زرعة: هو ثقة إمام، قالوا: وكان صبيح الوجه (^١). كذا\nقوله: التقى عبد الله بن عُمر وعبد الله بن عَمرو بن العاصي ﵄ على المروة فتحدثا ثم مضى عبد الله بن عمرو وبقي عبد الله بن عمر يبكي، تقدم الكلام على عبد الله بن [عمر] وعبد الله بن عمرو بن العاصي مبسوطا. والمروة اسم المروة: موضع بمكة معروف مشهور.\nقوله: أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبَّه الله تعالى لوجهه في النار، وفي الرواية الأخرى لا يدخل الجنة إنسان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، المثقال في الأصل مقدار من [الوزن]، أي شيء كان من قليل أو كثير، فمعنى مثقال حبة وزن حبة والناس يطلقونه في العرف على الدينار خاصة وليس كذلك، قاله في النهاية (^٢).\nقوله: كبه الله لوجهه في النار، كبه بمعنى ألقاه على وجهه، كبه يكبه كبا فأكب هو أي سقط على وجهه ومنه قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ (^٣)، وقد مرَّ الكلام\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (١/ ٢١٧).\n(^٣) سورة الملك، الآية: ٢٢.","vol":"11","page":604},{"text":"على ذلك في حديث معاذ المطول قريبا. وقوله في الرواية الأخرى: لا يدخل الجنة إنسان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، وفي رواية: ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. قال الخطابي (^١): اختلف أهل العلم في تأويل قوله لا يدخل الجنة على تأولين: أحدهما أن المراد كبر الكفر والشرك لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٢)، ألا ترى أنه قابله في نقيضه بالإيمان فقال [-ﷺ-] لا يدخل النار من في قلبه مثقال خردلة من إيمان. والتأويل الآخر أن الله ﷾ إذا أراد أن يدخله الجنة نزع ما في قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر ولا غل لقوله ﷾ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (^٣).\nوقوله: لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان معناه أنه لا يدخلها دخول تأبيد، وهذان التأويلان فيهما بعد، فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق ولا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه، وقيل هذا جزاؤه لو جازاه، وقد يتكرم الله ﷾ بأنه لا يجازيه بل لا بد أن يُدخل كل الموحدين الجنة إما أولا وإما ثانيا بعد\n_________\n(^١) انظر: صيانة صحيح مسلم (١/ ٢٧٠)، وجامع الأصول (١٠/ ٦١٤).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٦٠.\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.","vol":"11","page":605},{"text":"تعذيب أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها. وقيل لا يدخلها مع المتقين أول وهلة، اهـ. والمراد بالكبر الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق كما تقدم في أوائل الباب.\n\n٤٤١٦ - وعن عقبة بن عامر -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: \"ما من رجل يموت حين يموت، وفي قلبه مثقال حبة من خردل من كبر تحل له الجنة أن يريح ريحها، ولا يراها\" الحديث رواه أحمد (^١) من رواية شهر بن حوشب عن رجل لم يسم عنه.\nقوله: وعن عقبة بن عامر تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-. قوله وعن عبد الله ابن سلام تقدم الكلام عليه.\nقوله: أنه مرّ في السوق وعليه حزمة من حطب فقيل له ما يحملك على هذا وقد أغناك الله تعالى عن هذا، قال أردت أن أدفع الكبر. وكان أبو هريرة يحمل الحطب، وغيره من حوائجه بنفسه، وهو أمير على المدينة ويقول أفسحوا لأميركم أفسحوا لأميركم. وخرج عمر بن الخطاب يوما وهو خليفة في حاجة له فأعيى فرآى غلاما على حمار له فقال يا غلام احملني فقد أعييت فنزل الغلام عن الدابة وقال اركب يا أمير المؤمنين، فقال لا اركب وأنا خلفك، فركب خلف الغلام حتى دخل المدينة والناس يرونه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٣٦٩) والحديث؛ أخرجه المعافى، في الزهد (٩٨)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٧٣)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٣٥٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٨): رواه أحمد، وفي إسناده شهر عن رجل لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٠).","vol":"11","page":606},{"text":"٤٤١٧ - وَعَن عبد الله بن سَلام -﵁- أَنه مر فِي السُّوق وَعَلِيهِ حزمة من حطب فَقيل لَهُ مَا يحملك على هَذَا وَقد أَغْنَاك الله عَن هَذَا قَالَ أردْت أَن أدفَع الْكبر سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه خردلة من كبر، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن والأصبهاني إِلَّا أَنه قَالَ مِثْقَال ذرة من كبر.\n\n٤٤١٨ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: \"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال\" رواه النسائي (^١) والترمذي (^٢) واللفظ له، وقال: حديث حسن.\n[بولس] بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح اللام بعدها سين مهملة. [والخبال] بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة.\nقوله وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) النسائي في السنن الكبرى (١١٨٢٧)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (زوائد نعيم بن حماد ص ٥٢)، والحميدي (٥٩٨)، وأحمد (٦٦٧٧) والبخاري في الأدب المفرد (٥٥٧) وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٤٠) وفي التواضع (٢٢٣) وفي صفة النار (٤٦)، والدينوري في المجالسة (١٩٥٧) وأبو بكر المقرئ في حديث نافع بن أبي نعيم (٢٦)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٩٠) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٦٢٦ و٢٣٥٧)، وقال البغوي: هذا حديث حسن. وقال الحافظ ابن رجب في التخويف من النار ص ١٢٤ بعد أن نقل تحسين الترمذي له: وروي موقوفا على عبد الله بن عمرو. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ١٠٧)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٨٠٤٠).\n(^٢) الترمذي (٢٤٩٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"11","page":607},{"text":"قوله -ﷺ- يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، الحديث. وروى الإمام أحمد في الزهد (^١) عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال يجاء بالجبارين والمتكبرين يوم القيامة رجال في صور الذر تطؤهم الناس من هوانهم على الله حتى يقضى بين الناس، قال ثم يُذهب بهم إلى نار الأنيار. قيل يا رسول الله وما نار الأنيار؟ قال عصارة أهل النار. وفي رواية أخرى من وجه آخر: تطؤوهم الجن والإنس والدواب بأرجلها حتى يقضي الله بين عباده. واستأذن رجل عمر -﵁- في القصص على الناس فقال له إني أخاف أن تقص عليهم [فترفع] عليهم في نفسك حتى يضعك الله تحت أرجلهم يوم القيامة، اهـ. قاله ابن رجب (^٢).\nقوله: أمثال الذر، والذر النمل الأحمر الصغير، جمع ذرة وهي النملة الصغيرة. قال الله تعالى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة أي وزن ذرة. وسئل ثعلب عن [الذر] فقال: إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها. [و] قيل الذرة لا وزن لها ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس ويحتمل أن يكون المعنى أن صورتهم صورة الإنسان وجثتهم جثة الذر في الصغر، ويحتمل أن يكون شبّه -ﷺ- المتكبرين في ذلهم وحقارتهم يوم القيامة بالذر في صغر مقدارهم وحقارتهم وإن كانت أجسادهم كبيرة فتشبيههم بالذر [إنما] هو في الذل والحقارة فهم بالنسبة إلى بقية أهل المحشر في الحقارة كالذر.\n_________\n(^١) عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد لأحمد بن حنبل (١٢١)، وأبو القاسم بن صصري في أماليه كما في اللآلئ المصنوعة (٢/ ٣٧٢).\n(^٢) لم أجده. لكن ورد نحوه انظر: إحياء علوم الدين (٣/ ٣٢٦).","vol":"11","page":608},{"text":"قوله: يغشاهم الذل من كل مكان أي يطؤهم أهل المحشر كما يوطأ الذر وهو صغار النمل كما تقدم لترفّعهم على خلق الله تعالى.\nقوله: يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس. بولس بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفتح اللام بعدها سين مهملة، اهـ. قاله الحافظ، وقال غيره [بولس] هو فوعل من الإبلاس بمعنى اليأس ولعل هذا السجن إنما سمي بذلك لأن الداخل فيه قد [أبلس] من الخلاص أي ليس لداخله خلاص. وقال بعضهم يجوز كسر لامه وفتحها.\nقوله: تعلوهم نار الأنيار، الحديث. أي تغشاهم وتحيط بهم كالماء يعلو الغريق.\nوقوله نار الأنيار جمع نار، كناب وأنياب، كأن هذه النار لفرط إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران كما تفعل النار بغيرها. وقال بعضهم أيضا أن النار تحترق منها احتراق الأشياء من النار. وقال بعض [أهل] اللغة النار تجمع على أنيار بالياء فرقا بين النار والنور فإن النور يجمع على أنوار بالواو اهـ.\nقوله: يُسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال، والخبال بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة، اهـ قاله المنذري.\n\n٤٤١٩ - وعن عبد الله بن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق،","vol":"11","page":609},{"text":"وغمط الناس\" رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢).\n[بطر الحق] بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة جميعا: هو دفعه ورده.\n[وغمط الناس] بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة: هو احتقارهم وازدراؤهم وكذلك غمصهم بالصاد المهملة، وقد رواه الحاكم (^٣) فقال: ولكن الكبر من بطر الحق، وازدرى الناس، وقال: احتجا برواته.\nقوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه. وقوله -ﷺ- لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر يعني كبر الكفر والشرك كما في القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٤)، وقوله تعالى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ (^٥) الآية، ونحو ذلك ألا ترى أنه قابله في نقيضه بالإيمان فقال لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، أي دخول تأبيد قاله صاحب المغيث (^٦). وقال غيره من العلماء محمل الحديث وأمثاله أنه لا يدخلها مع الفائزين أو لا يدخلها حتى يعاقب بما اجترحه من الآثام أو لا يدخلها لأنه مستحل لذلك. قوله فقال رجل إن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤٧) (٩١).\n(^٢) سنن الترمذي (١٩٩٨ - ١٩٩٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) المستدرك للحاكم (١/ ٧٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد احتجا جميعًا برواته وله شاهد آخر على شرط مسلم.\n(^٤) سورة الزمر، الآية: ٦٠.\n(^٥) سورة الأعراف، الآية: ٤٦.\n(^٦) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٣/ ٨).","vol":"11","page":610},{"text":"الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا الحديث واسم هذا الرجل القائل ذلك مالك بن مرارة الرُّهاوي [هو بالراء]، قاله القاضي عياض (^١)، وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر، ومرارة بضم الميم وبراء مكررة وآخره هاء والرهاوي نسبة إلى قبيلة. ذكره الحافظ عبد الغني بن سعيد البصري بفتح الراء، ولم [يذكره] ابن ماكولا وذكر الجوهري (^٢) في صحاحه أن الرهاوي نسبة إلى رُهاء بالضم حي من مدلج وحكى أبو القاسم خلف ابن عبد الملك بن بشكوال الحافظ في اسمه أقوالا أحدها أنه أبو ريحانة واسمه شمعون، [ذكره] ابن الأعرابي، وقيل اسمه ربيعة بن عامر قاله علي بن المديني، وقيل سواد بالتخفيف ابن عمرو ذكر ابن السكن، وقيل معاذ بن جبل ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع (^٣)، وقيل عبد الله بن عمرو بن العاصي وقيل خريم بن فاتك وقيل مالك بن مرارة، [و] جملة ما في اسمه سبعة أقوال، اهـ.\nقوله -ﷺ-: إن الله جميل يحب الجمال، [اختلف] العلماء في معناه فقيل معناه أن أمره ﷾ حسن جميل فله الأسماء الحسنى وصفات\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٣٥٩).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٣٦٦) انظر: الخطيب في الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (٥/ ٣٦٩)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (١/ ٢٧٦).\n(^٣) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا (٢١٨) لكن ليس فيه ذكر معاذ بن جبل، ولم أدر مراد المصنف.، وقال ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (١/ ٢٧٨): وقيل هو معاذ بن جبل.","vol":"11","page":611},{"text":"الجمال والكمال. وقيل حسن الأفعال كامل الأوصاف، وقيل جميل بمعنى مجمل ككريم وسميع بمعنى مُكرم ومُسمِع، وقال أبو القاسم القشيري (^١) معناه جليل (^٢)، وقال الخطابي (^٣) أنه بمعنى ذي النور والبهجة أي مالكهما. وقيل معناه جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه.\nقال النووي (^٤) وهذا الاسم ورد في الحديث الصحيح وورد أيضا في حديث الأسماء الحسنة وفي إسناده مقال، والمختار جواز إطلاقه على الله ﷾ ومن العلماء من منعه، وقال إمام الحرمين أبو المعالي: ما ورد الشرع بإطلاقه في أسمائه تعالى وصفاته أطلقناه وما منعه الشرع من إطلاقه منعناه وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا منع، اهـ.\nقوله -ﷺ-: الكبر بطر الحق وغمط الناس، قال الحافظ بطر الحق هو دفعه، ورده، اهـ. وقال [الحافظ] (^٥) في النهاية (^٦) الكبر بطر الحق هو أن يجعل ما جعله الله حقا من توحيده وعبادته بإطلاق، وقيل هو أن يتجبر عند الحق فلا\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٩٠).\n(^٢) هذه الجملة تكررت في الأصل وفي النسخة الهندية، وهي: (وقال أبو القاسم القشيري معناه جليل، وقيل معناه ذو النور والبهجة أي مالكهما).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٩٠).\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٩٠).\n(^٥) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (قوله -ﷺ-: غمط الناس بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة هكذا هو في نسخ صحيح مسلم).\n(^٦) النهاية في غريب الأثر (١/ ١٣٥).","vol":"11","page":612},{"text":"يراه حقا وقيل هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله، اهـ. وقال بعضهم الكبر بطر الحق فهو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا، والبطر الطغيان عند النعمة.\nقوله -ﷺ-: غمط الناس بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة هكذا هو في نسخ صحيح مسلم.\nقال القاضي عياض (^١) وفي البخاري أيضا بالطاء المهملة، قال [وبالظاء] ذكره أبو داود في مصنفه وذكره أبو عيسى الترمذي وأبو داود [و] غمص بالصاد المهملة وهما بمعنى واحد وهو احتقارهم وازدراؤهم، يقال غمطه يغمطه، فتح الميم وكسرها. [وفي رواية ولكن الكبر من بطر الحق، هذا على الحذف، أي ولكن ذو الكبر من بطر أو ولكن الكبر كبر من بطر، كقوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (^٢)] (^٣).\n\n٤٤٢٠ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال: \"بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة\" رواه البخاري (^٤) والنسائي (^٥) وغيرهما.\n[الخيلاء] بضم الخاء المعجمة وتكسر وبفتح الياء ممدودا: هو الكبر والعجب. [ويتجلجل] بجيمين: أي يغوص وينزل فيها.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ١٣٥)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٩٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٩.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) صحيح البخاري (٣٤٨٥).\n(^٥) سنن النسائي (٨/ ٢٠٦).","vol":"11","page":613},{"text":"قوله وعن ابن عمر تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة. تقدم الكلام على بينما والخيلاء هو الكبر والعجب اهـ. قاله الحافظ ويتجلجل أي يغوص وينزل فيها، قاله المنذري. أيضا وقال في النهاية (^١) الجلجلة حركة مع صوت، قال العلماء قيل يحتمل أن يكون هذا الرجل من هذه الأمة فأخبر النبي -ﷺ- أنه سيقع هذا وقيل هو إخبار عمن قبل هذه الأمة وهذا هو الصحيح وهو الذي فهمه البخاري فأدخله في باب ذكر بني إسرائيل اهـ.\n\n٤٤٢١ - وعن أبي سعيد -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"بينا رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله ﷿ الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة\" رواه أحمد (^٢) والبزار (^٣) بأسانيد رواة أحدها محتج بهم في الصحيح.\nقوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: بينما رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله الأرض فأخذته الحديث. البُرد بضم الباء الموحدة وإسكان\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٨٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (١١٣٥٣)، (١١٣٥٦). ومن طريقه أبو نعيم في مسانيد فراس بن يحيى (٤٥).\n(^٣) أخرجه البزار (٢٩٥١) (٢٩٥٢)، (٢٩٥١)، (٢٩٥٣)، (٢٩٥٤) (زوائد)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢٦): رواه أحمد والبزار بأسانيد، وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩١٤).","vol":"11","page":614},{"text":"الراء المهملة نوع من الثياب معروف، قال في المحكم (^١) ثوب [فيه] خطوط، والجمع أبراد وأبرُد وبرود. وقال أبو العباس القرطبي (^٢) البُردان الرداء والإزار وتقدم الكلام على [قوله] يتجلجل في الحديث قبله.\n\n٤٤٢٢ - وعن جابر -﵁-، أحسبه رفعه: \"أن رجلا كان في حلة حمراء، فتبختر واختال فيها، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة\" رواه البزار (^٣)، رواته رواة الصحيح.\nقوله وعن جابر هو ابن عبد الله تقدم الكلام عليه. قوله إن رجلا كان في حلة حمراء متبخترا واختال فيها، التبختر هو مشية فيها تمايل والحلة واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد.\nقوله -ﷺ-: فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة تقدم معنى الخسف والجلجلة. [لطيفة:] حكاية غريبة رآى مالك بن دينار المهلب أمير المؤمنين وهو يتبختر في أثواب خيلائه فقال ارفع ثيابك فقال له المهلب أوَ ما تعرفني فقال بل أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. قاله الحصني في كتابه قمع النفوس (^٤).\n_________\n(^١) المحكم والمحيط الأعظم (٩/ ٣٢٣).\n(^٢) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ١٦٢).\n(^٣) البزار كشف الأستار (٢٩٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢٦) رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩١٥).\n(^٤) انظر: حلية الأولياء (٢/ ٣٨٤)، وأدب الدنيا والدين (١/ ٢٩١)، وإحياء علوم الدين (٣/ ٣٤٠).","vol":"11","page":615},{"text":"٤٤٢٣ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه، يختال في مشيته إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة\" رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n[مرجل]: أي ممشط.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم.\nقوله -ﷺ- بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته الحديث. تقدم الكلام على بينما والحلة. وأما قوله تعجبه نفسه قال أبو العباس القرطبي (^٣) إعجاب الرجل بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال والاستحسان مع نسيان منة الله تعالى فإن رفعها على الغير واحتقره فهو الكبر المذموم. وقوله مرجل رأسه يختال في مشيته وترجيل الشعر المراد به شعر الرأس خاصة.\nقال في النهاية (^٤) تبعا للهروي: الترجيل تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. وقال في المشارق: رجّل شعره أي مشطه وأرسله، ويقال شعر رجل بكسر الجيم وفتحها وضمها ثلاث لغات إذا كان بين السبوطة والجعودة. قلت [فيه] لغة رابعة وهي إسكان الجيم حكاها في المحكم، ثم قال في المشارق [قال الجوهري] الترجيل بلّ الشعر ثم يمشط، اهـ ذكره العراقي في شرح الأحكام (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٤٨٥).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٩) (٢٠٨٨).\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ١٦٢).\n(^٤) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٢٠٣).\n(^٥) طرح التثريب في شرح التقريب (٤/ ١٦٧).","vol":"11","page":616},{"text":"وعن عائشه (^١) أنها كانت ترجّل النبي -ﷺ- وهي حائض، الترجيل تسريح الشعر وفيه دليل على استحباب تربية شعر الرأس للرجل والمستحب لمن طال شعر رأسه أن يتعاهده بالدهن والتسريح ولا يترك رأسه شعثة فإن لم يتفرغ لتعاهده بالدهن والتسريح فحلقه أفضل من تركه، كذا قاله الغزالي وهو ظاهر. وإذا سرّحه بدأ بالشق الأيمن، وكذلك ينبغي أن يبدأ بالشق الأيمن إذا سرّح لحيته، اهـ. وعن وائل بن حجر (^٢) قال رآني رسول الله -ﷺ- ولي شعر طويل فقال ذباب ذباب فانطلقت فأخذته فرآني النبي -ﷺ- فقال إني لم أعنك، وهذا أحسن، رواه أبو داود في الترجيل (^٣) والنسائي في الزينة (^٤). الذباب على لفظ جمع ذبابة الشؤم أي هذا شؤم، وقيل الذباب الشر الدائم يقال أصابه ذباب من هذا الأمر أي شر دائم بوّب عليه أبو داود باب تطويل الجمة. قال الخطابي (^٥) أخبرني أبو عمر عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٠٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن سعد (٦/ ٢٦ - ٢٧)، وأبن أبي شيبة في المصنف (٢٥٠٩٦)، وابن ماجه (٣٦٣٦)، والبزار (٤٤٨٢)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٣٢٢) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٠/ ٩٩) والخطابي في الغريب (١/ ٤٩٣)، والبيهقي في الشعب (٦٠٥٥ و٦٠٥٦) وأبو سعد السمعاني في أدب الإملاء (ص ٢٩)، وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٦٠) أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٦٣٦)، وصحيح وضعيف سنن أبي داود (٤١٩٠).\n(^٣) أبو داود (٤١٩٠).\n(^٤) النسائي (٨/ ١١٣ و١١٧)، وفي الكبرى (٩٣٣٢).\n(^٥) غريب الحديث للخطابي (١/ ٤٩٣).","vol":"11","page":617},{"text":"الذباب الشؤم، وقال ابن سيدة الذباب الأذى، قال الشاعر:\nوليس بطارق الجيران مني ... ذباب لا ينام ولا ينيم، اهـ\nقاله في الديباجة.\nقوله ﷺ: في حديث أبي هريرة فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة الحديث، يتجلجل بالجيم، ورواه بعضهم بالخاء والأول أصح وأعرف والتجلجل السّوْخ في الأرض مع حركة واضطراب، قاله الخليل (^١).\nوقال الأصمعي (^٢) هو الذهاب بالشيء والمجيء به وأصله التردد ومنه تجلجل في كلامه وتلجلج أي تردد وأما تخلخل فبعيد هنا إلا أن يكون من [قولهم] خلخلت العظم إذا أخذت ما عليه من اللحم أو من التخلل والتداخل خلال الأرض.\nوقال النووي (^٣) ومعنى يتجلجل يخسف به بالتدريج إلى يوم القيامة يقال تجلجل في الأرض أي ساخ ودخل فيها وإنما لحقه هذا الوعيد الشديد لأنه كان يصنع ذلك تكبرا أو خيلاء، والخيلاء هو الكبر والعجب كما تقّدم.\nفائدة: هذا الرجل الذي كان يمشي في حلة فخسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة اسمه الهيزن رجل من أعراب فارس وكذا ذكره\n_________\n(^١) العين (٦/ ١٨).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٥١).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٦٤).","vol":"11","page":618},{"text":"الطبري (^١) أن اسمه الهيزن رجل من أعراب فارس وهم الترك وهو الذي جاء فيه الحديث بينما رجل يمشي في حلة يتبختر فيها فخسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ذكره السهيلي (^٢) في كتابه الإعلام وهو القائل فيما حكى الله تعالى عنه قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم في قصة إبراهيم الخليل ﵊ ورميه في النار [وهو الذي جاء فيه هذا الحديث].\n\n٤٤٢٤ - وروي عن كريب قال: \"كنت أقود ابن عباس في زقاق أبي لهب فقال: يا كريب بلغنا مكان كذا وكذا؟ قلت: أنت عنده الآن، فقال: حدثني العباس بن المطلب -﵁- قال: بينا أنا مع النبي -ﷺ- في هذا الموضع إذ أقبل رجل يتبختر بين بردين، وينظر إلى عطفيه، وقد أعجبته نفسه إذ خسف الله به الأرض في هذا الموضع، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة\" رواه أبو يعلى (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ج ١٥ ص ٩٧.\n(^٢) انظر: مقدمة فتح الباري (١/ ٣٢٩). وذكر السهيلي في مبهمات القرآن في سورة والصافات عن الطبري أن اسم الرجل المذكور الهيزن وأنه من أعراب فارس قلت وهذا أخرجه الطبري في التاريخ، قاله ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٦٠).\n(^٣) مسند أبي يعلى (٦٦٩٩)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٤/ ٥١٩) ورواه أبو يعلى الموصلي. أخرجه ابن أبي عمر وأحمد بن منيع في مسنديهما (المطالب العالية ٢٢٣١)، والفاكهي في أخبار مكة (٢١٠٢)، وابن أبىِ الدنيا في التواضع (٢٥٠)، والبزار (١٢٩٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢٥): رواه أبو يعلى، والطبراني، والبزار بنحوه باختصار وفيه رشدين بن كريب، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤١).","vol":"11","page":619},{"text":"قوله: وعن كريب قوله كنت أقود ابن عباس في زقاق أبي لهب، يعني حين عمي، وزقاق أبي لهب موضع معروف بمكة، وتقدم الكلام على ابن عباس ﵄.\nقوله: إذ أقبل رجل يتبختر بين بردين وينظر في عطفيه، أي جانبيه يعني تكبرا أو عجبا إذ خسف الله به الأرض في هذا الموطن فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. والمراد بالموطن زقاق أبي لهب، وتقدم معنى الجلجلة.\n\n٤٤٢٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: \"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده؟ فقال له رسول الله ﷺ: إنك لست ممن يفعله خيلاء\" رواه مالك (^١) والبخاري (^٢)، واللفظ له، وهو أتم، ومسلم (^٣) والترمذي (^٤) والنسائي (^٥) وتقدم في اللباس أحاديث من هذا.\nقوله وعن ابن عمر المراد به عبد الله بن عمر تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه وإن كان على الله كريما تقدم الكلام على هذا الحديث في اللباس.\n\n٤٤٢٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته، لقي الله ﵎ وهو عليه\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩١٤/ ٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٦٦٥).\n(^٣) صحيح مسلم (٤٢) (٢٠٨٥).\n(^٤) سنن الترمذي (١٧٣٠) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٥) السنن الكبرى للنسائي (٩٦٣٣)، وأبو داود (٤٠٨٥).","vol":"11","page":620},{"text":"غضبان\" رواه الطبراني في الكبير (^١) واللفظ له، ورواته محتج بهم في الصحيح، والحاكم (^٢) بنحوه، وقال: صحيح على شرط مسلم.\nقوله وعن ابن عمر تقدم. قوله -ﷺ- من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله ﵎ وهو عليه غضبان، [التعظيم] في النفس هو الكبر والنخوة والزهو، قاله في النهاية (^٣)، والغضب في الآدمي هو حالة تحصل عند غَلَيانِ دم القلب لإرادة الانتقام جل ربنا وتعالى عن ذلك، وغضب الله تعالى هو انتقامه ممن عصاه.\n\n٤٤٢٧ - وعن خولة بنت قيس ﵂ أن النبي ﷺ قال: إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض. رواه ابن حبان في صحيحه (^٤)، ورواه الترمذي (^٥) وابن\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٣، ١٤/ ٦٤/ ١٣٦٩٢)، وأحمد (٥٩٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٤٩)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٥٧٨)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٢/ ٥٤٠)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٥٣) أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٨): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٥٧)، والصحيحة (٥٤٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩١٨).\n(^٢) الحاكم في المستدرك (١/ ٦٠)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٨١٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٦٠).\n(^٤) ابن حبان (٦٧١٦).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٢٦١) عن ابن عمر وقال: غريب، وابن المبارك (١٨٧)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ١٦١) وقال: كلها لا يتابع عليها إلا من جهة فيها ضعف، وابن عدي في =","vol":"11","page":621},{"text":"حبان (^١) أيضا من حديث ابن عمر.\n[المطيطاء] بضم الميم وفتح الطاءين المهملتين بينهما ياء مثناة تحت ممدودا ويقصر: هو التبختر، ومد اليدين في المشي.\nبئس العبد سها ولها ... ونسي المقابر والبلى\nقوله وعن خولة بنت قيس كذا.\nقوله -ﷺ- إذا مشت أمتي المطيطا وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض. الحديث. المطيطا بضم الميم وفتح الطاءين المهملتين بينهما ياء مثناة تحت ممدود أو يقصر وهو التبختر ومد اليدين في المشي، اهـ، قاله المنذري. وقال بعض العلماء المطيطا مشية فيها تبختر ومد اليدين، يقال مطوت ومططت يعني مددت والتمطي من ذلك لأنه إذا تمطى مد يديه، ومنه قوله تعالى يتمطى أي يتبختر وهي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر، [ومثله] حديث علي -﵁- إذا مشت هذه الأمة السميهاء فقد تودع منهم، السمها والسميها بضم السين وتشديد الميم التبختر من الكبر وفي هذا الباطل\n_________\n= الكامل (٩/ ٥١٧) وقال: وهذه الأحاديث لموسى عن عَبد الله بن دينار ليست هي محفوظة. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٥٢٥)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٣٦) وفي إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف، وقال الذهبي في الميزان (٦/ ١٣٦): الحديث لم يصح.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (١٣٢)، وفي الكبير (٢٣٨) -الجزء المفقود من رواية أبي هريرة- وحسّن إسناده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٣٧). انظر العلل للدارقطني (١١/ ١٧٣)، وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (٨٠١)، والسلسلة الصحيحة (٩٥٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩١٩).\n(^١) لم أجده.","vol":"11","page":622},{"text":"والكذب، اهـ. قال الشاعر:\nولا تمشين في الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هم منك أفضل\nقوله وخدمتهم فارس والروم، المراد بفارس والروم أي أبناء الملوك، أبناء فارس والروم، وسلط الله شرارها على خيارها [يعني] إذا صارت أمتي متكبرين وعظم ملكهم وأخذوا بفارس والروم وخدمتهم أبناء فارس والروم سلط الله أي جعل الله الحكم بأيدي الظالمين فيظلمون الصالحين ويؤذونهم وهذا نتيجة فساد بعض الأئمة اهـ. والله أعلم.\n\n٤٤٢٨ - وروي عن أسماء بنت عميس ﵄ قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسي الكبير المتعال بئس العبد عبد تجبر واعتدى، ونسي الجبار الأعلى. بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد عتى وطغى، ونسي المبتدا والمنتهى بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بالشهوات بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله. بئس العبد عبد رغب يذله\" رواه الترمذي (^١)، وقال:\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٤٤٨)، وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٥١)، وقال: هذا حديث ليس في إسناده أحد منسوب إلى نوع من الجرح وإذا كان هكذا فإنه صحيح ولم يخرجاه، وأبن أبي الدنيا في التواضع والخمول (٢٠٤)، وابن أبي عاصم الزهد (١٧٢)، (٢٨٦)، وفي السنة (١٠)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٥٦/ ٤٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٨٣٢)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٥١) أخرجه الترمذي وقال غريب وليس إسناده بالقوي ورواه الحاكم في المستدرك وصححه ورواه البيهقي في الشعب من حديث نعيم بن عمار وضعفه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٣٥٠)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٢).","vol":"11","page":623},{"text":"حديث غريب، ورواه الطبراني (^١) من حديث نعيم بن همار الغطفاني أخصر منه وتقدم.\nقوله وروي عن أسماء بنت عميس، أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبي طالب، وعميس أبوها وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث من كنانة وهي أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي -ﷺ-.\nقوله -ﷺ-: بئس العبد عبد تخيّل، واختال، ونسي الكبير المتعال، بئس موضوعة للذم ونعم للمدح.\n[قوله] (^٢) تخيل واختال أي تخيل أنه خير من غيره فتكبر، والكبير المتعال، قال ابن الأثير هو العظيم ذو الكبرياء، وقيل المتعال عن صفات الخلق، وقيل المتكبر على عتات خلقه، والتاء فيه للتفرد والتخصيص لا للتعاطي والتكلف [والمتعالي] الذي جل عن إفك المفترين وعلا شأنه، وقد يكون بمعنى العالي.\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (٢٤/ ١٥٦/ ٤٠١) عن نعيم بن همار، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٨٣٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٩)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٢٧)، وقال: وهذا الحديث يعرف بأسماء بنت عميس، عن النبي صَلي الله عَليه وسلم، ومن هذا الطريق لم يروه إلا طلحة بن زيد.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٤) رواه الطبراني، وفيه طلحة بن زيد الرقي، وهو ضعيف. وضعفه جدًا الألباني في ضعيف الجامع (٢٣٥٠)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (١٠٨٤).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":624},{"text":"قوله -ﷺ-: بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى، التجبر والاعتداء كذا.\nقوله -ﷺ-: بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلى أي اشتغل باللعب.\nقوله -ﷺ-: بئس العبد عبد عتا وطغى ونسي المبتدا والمنتهى، العتو التجبر والتكبر، وطغا أي جاوز الحد والقدر في الشر. وقوله ونسي المبتدا والمنتهى أي نسي ابتداء خلقه وهو كونه نطفة وانتهاء حاله الذي يصير إليه وهو أن يكون ترابا.\nقوله -ﷺ-: بئس العبد عبد يختل الدين بالشهوات، وفي بعض الروايات يختل الدنيا بالدين أي يطلب الدنيا بعمل الآخرة يريك دينا وورعا حتى إذا ظفر بشيء من أمر الدنيا انكشف ضميره الخبيث قبّح الله الفاعل لذلك، يقال ختله يختله إذا خدعه وراوغَه ويختل الدين بالشهوات أي يقع في الحرام بالتأويل.\nقوله -ﷺ-: بئس العبد عبد طمع يقوده أي ذو طمع يقوده الطمع كذا.\nقوله -ﷺ-: بئس العبد عبد هوى يضله، أي شهوة أي ذو هوى، من الطريق المستقيم.\nقوله -ﷺ-: بئس العبد عبد رُغب بذله والرغب بضم الراء المهملة وإسكان الغين المعجمة ثم بالباء الموحدة هو الشَرَه. قال الجوهري (^١) يقال الرغب\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ١٣٧).","vol":"11","page":625},{"text":"شؤم أي الشره والحرص على الدنيا وقيل [سعة] (^١) [الأمل] وطلب الكثير ومنه حديت مازن: وكنت امرأ بالرغب والخمر مولعا. أي بسعة البطن وكثرة الأكل، ويروى بالزاي يعني الجماع وفيه نظر، [وقيل سعة الأمل وطلب الكثير]. [قاله في النهاية (^٢)] (^٣).\n\n٤٤٢٩ - وعن أبي موسى -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"إن في جهنم واديا يقال له هبهب، حقا على الله أن يسكنه كل جبار عنيد\" رواه أبو يعلى (^٤) والطبراني (^٥) والحاكم (^٦) كلهم من رواية أزهر بن سنان، وقال الحاكم:\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٣٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) أبو يعلى (٧٢٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٦) رواه أبو يعلى، وفيه أزهر بن سنان، وقد وثق على ضعفه.\n(^٥) الطبراني، في الأوسط (٣٥٤٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٩٧) رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.\n(^٦) الحاكم (٤/ ٣٣٢، ٥٩٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٦٥)، والدارمي (٢/ ٤٢٧)، وابن أبي الدنيا في التواضع (ص ٢٠٩)، ووكيع في أخبار القضاة (٢/ ٢٥)، والعقيلي (١/ ١٣٤)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٧٨)، وابن عدي (١/ ٤٣٠)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٦٤)، وأبو بكر الإسماعيلي في المعجم (٢/ ٦٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٥) البيهقي في البعث (ص ٢٧٦)، وقال ابن حبان: هذا متن لا أصل له. وقال الحاكم في الموضع الأول: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال في الموضع الثاني: هذا حديث تفرد به أزهر بن سنان عن محمد بن واسع، لم نكتبه عاليا إلا من هذا الوجه. وواففه الذهبي في التلخيص. وقال ابن الجوزي: هذا حديث ليس =","vol":"11","page":626},{"text":"صحيح الإسناد.\n[هبهب] بفتح الهاءين وموحدتين.\nقوله وعن أبي موسى، أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- إن في جهنم واديا يقال له هبهب بفتح الهاءين وبالباءين الموحدتين، [قاله المنذري] (^١). والهبهب السريع، وهبهب الشراب إذا ترقرق، قاله في النهاية (^٢).\n\n٤٤٣٠ - وعن سلمة بن الأكوع -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم\" رواه الترمذي (^٣)، وقال حديث حسن.\n_________\n= بصحيح. قال يحيى بن معين: الأزهر ليس بشيء.\nقلت: وخالف هشام بن حسان أزهر بن سنان، فرواه عن محمد بن واسع، قال: بلغني أن في النار جبا يقال له: جب الحزن، يؤخذ المتكبرون فيجعلون في توابيت من نار، فيجعلون في ذلك البئر، فيطبق عليهم، وجهنم من فوقهم. أخرجه العقيلي (١/ ١٣٤)، ثم قال: وهذا الحديث أولى من حديث أزهر. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٥٢) فيه أزهر بن سنان ضعفه ابن معين وابن حبان وأورد له في الضعفاء هذا الحديث. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٧٤) أزهر بن سنان ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٣)، وفي السلسلة الضعيفة (١١٨١).\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٤١).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٠٠٠)، وابن أبي الدنيا التواضع والخمول (١٩٨)، والروياني (١٦٧)، والطبراني المعجم الكبير (٧/ ٢١) (٦٢٥٤)، والبغوي (٣٥٨٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٤)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦٣٤٤)، وفي =","vol":"11","page":627},{"text":"[قوله: يذهب بنفسه]: أي يترفع ويتكبر.\nقوله وعن سلمة بن الأكوع، وهو لغة، المحوج أي طرف الزند الذي يلي الإبهام واسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي المدني وسلمة يكنى بأبي مسلم أو أبي إياس أو أبي عامر وقيل: هو [أبو] (^١) عمرو بن الأكوع شهد بيعة الرضوان وبايع رسول الله -ﷺ- يومئذ ثلاث في أول الناس وأوسطهم وآخرهم، روي له عن رسول الله -ﷺ- سبعة وسبعون حديثا، خرّج البخاري منها أحدا وعشرين، وكان شجاعا [راميا] يسبق الفرس فاضلا خيِّرا سكن الربذة، ويقال أنه كلمه الذئب [قال سلمة رأيت الذئب] (^٢) قد أخذ ظبيا فطلبته حتى نزعته منه فقال ويحك مالي ولك عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك [فتنزعه] منى قال قلت [يا] عباد الله إن هذا لعجب ذئب يتكلم، فقال الذئب أعجب منه أن رسول الله -ﷺ- في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلا عبادة الأوثان، قلت فلحقت برسول الله فأسلمت، مات سنة أربع وسبعين بالمدينة وهو ابن ثمانين سنة، قاله الكرماني (^٣). قوله -ﷺ- لا يزال الرجل يذهب بنفسه الحديث أي يرتفع ويتكبر. [قال] الحافظ وفيه التحذير من [المبادئ] المؤدية إلى الإعجاب قاله في الحدائق.\n_________\n= السلسلة الضعيفة (١٩١٤).\n(^١) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (ابن).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) الكواكب الدراري (٢/ ١١٥).","vol":"11","page":628},{"text":"٤٤٣١ - وعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه: العجب\" رواه البزار (^١) بإسناد جيد.\nقوله وعن أنس تقدم قوله -ﷺ- لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من العُجب، والعجب أن ينظر العبد إلى نفسه بعين العظمة وينظر غيره فقيرا ويقول أنا وأنا كما قال إبليس أنا خير منه ويطلب الترفع في المجالس والتصدر ويستنكف من رد الكلام، قاله صاحب زاد المسافر وتقدم الكلام عليه قريبا في كلام القرطبي.\n\n٤٤٣٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله ﷿ من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب\" رواه أبو\n_________\n(^١) مسند البزار= البحر الزخار (٦٩٣٦)، وأخرجه البيهقي في الشعب (٦٨٦٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٤٧)، والخرإئطي مساوئ الأخلاق (٥٦٨)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٥٩) في ترجمة سلام بن أبي الصهباء، وقال: ولا يتابع عليه، عن ثابت، وقد روي بغير هذا الكلام بإسناد صالح. وأخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٤٠) في ترجمة سلام، وقال: من فحش خطؤه وكثر وهمه لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، ومن زعم أنه أخو عبد الرحمن بن أبي الصهباء فقد وهم ذاك صدوق وهذا مخطئ، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٨٦) وفيه سلام بن أبي الصهباء قال البخاري منكر الحديث. وقال أحمد حسن ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي سعيد بسند ضعيف جدا. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٣٠٣)، والصحيحة (٦٥٨).","vol":"11","page":629},{"text":"داود (^١) والترمذي (^٢) واللفظ له، وقال: حديث حسن، وستأتي أحاديث من هذا النوع في الترهيب من احتقار المسلم إن شاء الله. [الجعل] بضم الجيم وفتح العين المهملة: هو دويبة أرضية. [يدهده]: أي يدحرج، وزنه ومعناه. [والعبية] بضم العين المهملة وكسرها، وتشديد الباء الموحدة وكسرها، وبعدها ياء مثناة تحت مشددة أيضا: هي الكبر والفخر والنخوة.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم قوله ﷺ لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذي ماتوا إنما هم فحم جهنم وليكونن أهون على الله من الجُعَل الذي يُدَهْرِهُ الخرا بأنفه الحديث. [يدهده] أي يدحرج وزنه معناه، قاله المنذري، وفي حياة الحيوان للدميري روى ابن عدي (^٣) في ترجمة أبي معشر واسمه نجيح عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال ليدعن الناس فخرجهم في الجاهلية أو ليكونن أبغض إلى الله من الخنافس (^٤)، والمراد بالجاهلية المدة التي كانت قبل نبوة رسول الله -ﷺ- لما كانوا عليه من فاحش الجهالات وقيل هو زمن الفترة مطلقا. قاله في النهاية (^٥). والجُعَل بضم الجيم وفتح العين المهملة هو دويبة أرضية اهـ، قاله\n_________\n(^١) أبو داود (٥١١٦)، وعنه البيهقي في الآداب (٤٢٣).\n(^٢) الترمذي (٣٩٥٦) والحديث؛ أخرجه الطيالسي (٢٤٤٧)، وأحمد (٨٧٣٦، ١٠٧٨١) والبزار (٨٥٢٦)، والبيهقي ١٠/ ٢٣٢. وحسنه الألباني في الترغيب والترهيب (٢٩٦٥).\n(^٣) ابن عدي في الكامل (١٠/ ٢١٩).\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٢٩).\n(^٥) هذا كلام الكرماني انظر: الكواكب الدراري (١/ ٣٨).","vol":"11","page":630},{"text":"المنذري. وقال في حياة الحيوان (^١) الجعل كوزن صُرَد ورطب جمعه جعلان ويقال له أبو جعران وهو دويبة معروفة تسمى الزعقوق تعض البهائم في فروجها فتهرب وهو أكبر من الخنفساء شديد السواد في بطنه لون حمرة للذكر قرنان يوجد كثيرا في مراح البقر والجاموس ومواضع الروث يتولد غالبا من أحشاء البقر ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها ومن عجيب أمره أنه يموت من ريح الورد وريح الطيب فإذا أعيد إلى الروث عاش. قال أبو الطيب يصفه: كما تضُرّ رياح الورد بالجعل، وله جناحان لا تكادان تريان إذا طار وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا وهو يمشي القهقري إلى خلفه وهو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته وإذا أراد الطيران تنفس فيظهر [جناحاه] ومن عادته أن يحرس النيام فمن قام منهم لحاجته تبعه وذلك من شهوته للغليظ لأنه قوته، اهـ.\nقوله في حديث ابن عدي أو ليكونن أبغض إلى الله من الخنافس. الخنافس جمع خنفساء وهي بفتح الفاء ممدودة والأنثى خنفسة وضم الفاء في ذلك لغة وكنيتها أم الأسود وهي معروفة تتولد من عفونة الأرض [وبينها] (^٢) وبين العقرب صداقة ولهذا تسميها أهل المدينة الشريفة جارية العقرب وهي أنواع منها الجعل وحمار قبّان وبنات وَرْدَان وهي مخصوصة بكثرة الفسو ولذلك تقول العرب في أمثالها الخنفساء إذا تحركت نفست.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٨١).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":631},{"text":"تنبيه: قال الأصفهاني صاحب المغيث (^١) في حديث الحجاج أنه رآى خنفساة فقال قاتل الله تعالى أقواما يزعمون أن هذه من خلق الله تعالى، فقيل مم هي؟ فقال هي من وَدَح إبليس. الودحُ ما يتعلق بإلية الشاة من البعر وغيره، يقال ودَحَت الغنم تَوْدَح وتأدح ودحا، وقد ذكره صاحب التتمة بالخاء المعجمة اهـ.\nفائدة: حكى القزويني أن رجلا رآى خنفساء فقال ماذا يريد الله من خلق هذه حسن شكلها أو طيب ريحها؟ فابتلاه الله بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك علاجها، فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب فقال هاتوه حتى ينظر في أمري فقالوا ما تصنع بطُرقيّ وقد عجز عنك الأطباء الحذّاق فقال لا بد لي منه، فلما أحضروه ورآى القرحة استدعى بخنفسة فضحك الحاضرون فتذكر العليل القول الذي سبق منه فقال أحضروا ما طلب فإن الرجل على بصيرة، فأحرقها ودرّ رمادها على قرحته فبرئ بإذن الله تعالى، فقال للحاضرين إن الله أراد أن يعرفني أن أخس المخلوقات أعز الأدوية.\nوحكى ابن خلكان (^٢) في ترجمة جعفر بن خالد البرمكي أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي فقصدته خنفساء فأمر جعفر بإزالتها فقال أبو عبيد دعوها عسى يأتيني بقصدها إليّ خير فإنهم يزعمون ذاك فأمر له جعفر بألف دينار وقال تحقق زعمهم وأمر بتنحيتها فقصدته ثانيا فأمر له بألف دينار أخرى اهـ. ذكر ذلك في حياة الحيوان (^٣) الخواص إذا أخذت رءوس الخنافس وجعلت في برج حمام اجتمع\n_________\n(^١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٣/ ٤٠٢).\n(^٢) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (١/ ٣٣٢).\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٣٠).","vol":"11","page":632},{"text":"الحمام إليه والاكتحال بما في جوفها من الرطوبة يحد البصر ويجلو غشاوة العين ويزيل البياض وينفع السل نفعا بليغا. وقال حنيس بن إسحاق طريق طرد الخناس أن تطرح في أماكنها الكرفس فإنها تهرب من ذلك المكان اهـ.\nقوله -ﷺ-: إن الله أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرجها بالآباء. العبية قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي الكبر والفخر والنخوة، اهـ.\nقوله إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الحديث. يعني انقسم الخلائق على طائفتين مؤمن تقي أو فاجر شقي فإن كان مؤمنا فلا ينبغي للمؤمن أن يتكبر على أحد وإن كان فاجرا فهو ذليل عند الله تعالى، والذليل لا [يستحق] التكبر، والتكبر منهي عنه بكل حال، اهـ. قال العلماء معنى الحديث شببهم النبي -ﷺ- حالة افتخارهم بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بعد أن نهاهم [بالجعل، وشبَّه] آبائهم المفتخر بهم بالخراء وشبه نفسه افتخارهم به بالدهدهة بالأنف انتهى. [وفي مسند أبي داود الطيالسي (^١) وشعب البيهقي (^٢) عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من آباءكم الذين ماتوا في\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٢٨٠٤).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٧٦٦). والحديث؛ أخرجه أحمد (٢٧٣٩)، وابن حبان (٥٧٧٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣١٧/ ١١٨٦١، ١١٨٦٢)، وفي الأوسط (٢٥٩٩)، (١١٨٦١)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٧٤)، وأورده الهيثمي في المجمع ٨/ ٨٥ وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٢٥٢)، والتعليق الرغيب (٤/ ٢١).","vol":"11","page":633},{"text":"الجاهلية. وفي حديث أبي الأحوص الذي رواه الحاكم (^١) والطبراني (^٢) عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (^٣)، فقال كاد الجعل أن يعذب في حجره بذنب ابن آدم. وروى الطبراني (^٤) وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات (^٥) والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود (^٦) أيضا قال إن ذنوب بني آدم لتقتل الجعل في حجره. وقال مجاهد (^٧) في قوله تعالى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (^٨) دواب الأرض الخنافس والجعلان منعوا القطر لخطاياهم أي لخطايا بني آدم] (^٩).\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٤٦٤)، وقال: صحيح الإسناد.\n(^٢) الطبراني في معجمه الكبير (٩/ ٢١٤/ ٩٠٤٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٥٦٥)، وابن أبى حاتم في تفسيره (١٠/ ٣١٨٧) وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٤٠)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود.\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ٤٥.\n(^٤) الطبراني في معجمه الكبير (٩/ ٢١٤/ ٩٠٤٠).\n(^٥) العقوبات لابن أبي الدنيا (٢٧٣).\n(^٦) البيهقي في شعب الإيمان (٧٠٧٤).\n(^٧) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٨٢).\n(^٨) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.\n(^٩) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":634},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>الترهيب من القول للفاسق والمبتدع يا سيدي ونحوها من الكلمات الدالة على التعظيم</span>\n٤٤٣٣ - عن بريدة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدا، فقد أسخطتم ربكم ﷿\" رواه أبو داود (^١) والنسائي (^٢) بإسناد صحيح، والحاكم (^٣)، ولفظه قال: \"إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد، فقد أغضب ربه\". وقال: صحيح الإسناد كذا قال.\nقوله عن بريدة هو بريدة بن.\nكذا قوله -ﷺ- لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم ﷿ الحديث. وفي الحديث [أيضًا] لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن كان سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك. والسيد يطلق\n_________\n(^١) أبو داود (٤٩٧٧)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٨٦ - زوائد نعيم)، وأحمد (٢٢٩٣٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٦٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٦٤)، والبزار = البحر الزخار (٤٣٨٢)، والطحاوي في المشكل (٥٩٨٧)، والمحاملي في أماليه (٣٩١)، وابن السني في اليوم والليلة (٣٩١)، وابن منده في التوحيد (٢٨٣) والبيهقي في الشعب (٤٥٤٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٧١) (١٣٨٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٢٣).\n(^٢) النسائي في السنن الكبرى (١٠٠٠٢)، وفي اليوم والليلة (٢٤٤).\n(^٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٣١١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٩٨)، والبيهقي في الشعب (٤٨٥٤)، والخطيب في التاريخ (٥/ ٤٥٤)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: عقبة ضعيف.","vol":"11","page":635},{"text":"على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم وأصله من ساد يسود فهو سيود فقلبت الواو ياء لأجل الياء الساكنة قبلها ثم أدغمت، وفي رواية الحاكم إذا قال الرجل للمنافق يا سيد فقد أغضب ربه ﷿. وعن أنس (^١) قال قال رسول الله -ﷺ- إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض، وفي رواية إذا مُدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش. قال النووي في الأذكار (^٢) ونهى أن يقال للمنافق يا سيد قال وفي معنى المنافق الفاسق والظالم والمتهم في دينه أو نحو ذلك، اهـ. قال العلماء وإن كان فاضلا خيرا إما بعلم وإما بصلاح أو بغير ذلك فلا بأس بإطلاق ذلك، فيقال سيد ويا سيد.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٢٨) (٢٢٩) وفي الغيبة (٩٢، ٩٣)، وأبو يعلى في معجمه (١٧١) (١٧٢) وفي مسنده (المطالب ٢٧٤٩/ ٢)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٦٦) (٣/ ١٣٠٧) (٥/ ٢٧٩)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٥٣٨)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٤٣) (٤٥٤٤)، (٤٨٨٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٢٩٧ - ٢٩٨ و٨/ ٤٢٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٤)، وقال الذهبي: هذا خبر منكر الميزان (٢/ ١٠٩)، وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٧٨): وفي سنده ضعف، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٥٣٢): سند ضعيف، وقال في (ص: ١٠٥٤)، وقال الذهبي في الميزان: منكر، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٩٤)، والضعيفة (٥٩٦، ١٣٩٩).\n(^٢) الأذكار للنووي (ص: ٣٦٢).","vol":"11","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب</span>\n٤٤٣٤ - عن عبد الله بن كعب بن مالك -﵁- قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله -ﷺ - في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله -ﷺ- والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله -ﷺ- ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله -ﷺ- في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله -ﷺ- كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ -يريد بذلك الديوان- قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿، وغزا رسول الله -ﷺ- تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله -ﷺ- والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في","vol":"11","page":637},{"text":"نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله -ﷺ- غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله -ﷺ-، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله -ﷺ- حتى بلغ تبوك فقال: وهو جالس في القوم بتبوك \"ما فعل كعب بن مالك؟ \" قال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله -ﷺ-، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله -ﷺ-: \"كن أبا خيثمة\" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله -ﷺ- قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله -ﷺ- قد أظل قادما، زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله -ﷺ- قادما، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله -ﷺ- علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم","vol":"11","page":638},{"text":"إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: \"تعال\" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: \"ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ \" قال: قلت: يا رسول الله إني، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله -ﷺ-: \"أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك\" فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله -ﷺ-، بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله -ﷺ- لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله -ﷺ-، فأكذب نفسي، قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال ونهى رسول الله -ﷺ- المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم","vol":"11","page":639},{"text":"وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله -ﷺ- فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال فقلت: حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول رسول الله -ﷺ- يأتيني، فقال: إن رسول الله -ﷺ- يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله -ﷺ-، فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم،","vol":"11","page":640},{"text":"فهل تكره أن أخدمه؟ قال: \"لا، ولكن لا يقربنك\" فقالت: إنه، والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان، إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله -ﷺ- في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله -ﷺ-، وما يدريني ماذا يقول رسول الله -ﷺ-، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، قال: فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا، قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ﷿ منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن رسول الله -ﷺ- الناس بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله -ﷺ-، يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله -ﷺ- جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله -ﷺ- قال: وهو يبرق","vol":"11","page":641},{"text":"وجهه من السرور ويقول: \"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك\" قال فقلت: أمن عندك؟ يا رسول الله أم من عند الله فقال: \"لا، بل من عند الله\" وكان رسول الله -ﷺ-، إذا سر استنار وجهه، كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك، قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: \"أمسك بعض مالك، فهو خير لك\" قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال: وقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله -ﷺ-، إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (^١)، قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله -ﷺ-، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١٧ - ١١٩.","vol":"11","page":642},{"text":"الوحي، شر ما قال لأحد. وقال الله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ (^١)، قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله -ﷺ- حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله -ﷺ- أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله ﷿: وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣)، واللفظ له، ورواه أبو داود (^٤) والنسائي (^٥) بنحوه مفرقا مختصرا، وروى الترمذي (^٦) قطعة من أوله، ثم قال: وذكر الحديث.\n[ورى عن الشيء]: إذا ذكره بلفظ يدل عليه، أو على بعضه دلالة خفية عند السامع. [المفاز] والمفازة: هي الفلاة لا ماء بها. [يتمادى بي]: أي يتطاول ويتأخر.\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآيتان: ٩٥ - ٩٦.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٥٣) (٢٧٦٩).\n(^٤) سنن أبي داود (٢٢٠٢ - ٢٦٠٥، ٢٧٧٣، ٢٧٨١، ٣٣١٧، ٢٣١٩).\n(^٥) سنن النسائي (٢/ ٥٣)، (٦/ ١٥٢)، (٧/ ٢٢)، (٧/ ٢٣).\n(^٦) الترمذي (٣١٠٢).","vol":"11","page":643},{"text":"[وقوله: تفارط الغزو]: أي فات وقته من أراده، وبعد عليه إدراكه.\n[المغموض] بالغين والضاد المعجمتين: هو المعيب المشار إليه بالعيب.\n[ويزول به السراب]: أي يظهر شخصه خيالا فيه.\n[أوفى على سلع]: أي طلع عليه، وسلع جبل معروف في أرض المدينة.\n[أيمم] أي أقصد.\n[أرجأ أمرنا]: أخره، والإرجاء: التأخير.\n[وقوله: فانا إليها أصعر] بفتح الهمزة والعين المهملة جميعا وسكون الصاد المهملة: أي أميل إلى البقاء فيها، وأشتهي ذلك، والصعر: الميل، وقال الجوهري: في الخد خاصة.\nقوله عن عبد الله بن كعب بن مالك، هو الخزرجي السلمي بفتح الشين، عَمِي كعب في آخر عمره فكان ولده عبد الله هذا يقوده من بين سائر بنيه.\nقوله قال سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك، الحديث. وتبوك بفتح المثناة فوق وبتخفيف الموحدة موضع في طريق الشام منه إلى المدينة [الشريفة] أربع عشرة مرحلة وإلى دمشق أحد عشر، والمشهور عدم صرفه للتأنيث والعلمية، وغزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله -ﷺ- بنفسه قاله النووي في شرح مسلم (^١)، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وخرج رسول الله -ﷺ- إليها في ثلاثين ألفا في شدة الحر وكان المسلمون في عسرة. قال غزوة العسرة [وهي ضد اليسرة]\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٤٣).","vol":"11","page":644},{"text":"هي غزوة تبوك سميت بذلك لأنها كانت في زمان شدة الحر وجذب البلاد ولمشقة السفر فيها وعسره على الناس، ووقت طيب الثمار ومفارقة الضلال والمفازة البعيدة وكثرة الأعداء وهم عسكر قيصر ملك الروم، والله أعلم. فأمرهم رسول الله -ﷺ- بالصدقة فجاء أبو بكر بماله كله وهو أربعة آلاف درهم وجاء عمر بنصف ماله وجهزّ عثمان [نصف] الجيش وقيل جهز عثمان بتسعمائة وخمسين بعيرا وخمسين فرسا وجاء إلى النبي -ﷺ- بألف دينار ونصب رسول الله -ﷺ- حجر مسجد تبوك بيده.\nقوله إنما خرج رسول الله -ﷺ- والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وقد اختلف العلماء في ذلك [أي في عدد المسلمين يومئذ] (^١)، فقال النووي في شرح مسلم غزى رسول الله -ﷺ- بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف وقد قال أبو زرعة الرازي كانوا سبعين ألفا. وقال ابن إسحاق كانوا ثلاثين ألفا وهذا أشهر، وجمع بينهما بعض الأئمة أن أبا زرعة عدّ التابع والمتبوع وابن إسحاق عد المتبوع فقط، والله أعلم. والعير بالكسر هي الدواب التي تحمل الطعام وغيره من الأمتعة. قال في المشارق: العير هي [الإبل و] (^٢) الدواب التي تحمل الطعام وغيره من التجارات مما يجلب للبيع. قال ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك.\nوقال الجوهري في الصحاح: العير الإبل التي تحمل الميرة، والميرة الطعام وجمعها عيران بكسر العين وفتح الياء اهـ. وقيل العير الإبل\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":645},{"text":"[بأحمالها] من عار يعير إذا سار وقيل هي القافلة، قاله المنذري في الحواشي. وقال بعضهم العير القافلة لا يكون فيها حمار، قال الله تعالى: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (^١).\nتنبيه: قوله عير قريش، وقريش هم ولد النضر بن كنانة وقيل ولد فهر بن مالك بن النضر واختلف في سبب تسميتهم قريشا فقيل من القرش وهو الكسب والجمع لتكسبهم أو لتجمعهم بعد التفرق، وقيل سموا بذلك باسم دابة في البحر من أقوى دوابه لقوتهم وسأل معاوية ابن عباس ﵄ [لم] سميت [قريش]؟ فقال بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل وتعلوا ولا تُعلى والتصغير للتعظيم وإن أردت به الحي صرفته وإن أردت به القبيلة لم تصرفه والفصيح الصرف وورد به القرآن [العظيم] اهـ. قاله في النهاية أو الكرماني على الشك (^٢).\nقوله ولقد شهدت مع رسول الله -ﷺ- ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام أي تبايعنا عليه وتعاهدنا وليلة العقبة هي الليلة التي بايع رسول الله -ﷺ- فيها الأنصار على الإسلام وأن يؤووه وينصروه وهي العقبة التي في طريق منى التي تضاف إليها جمرة العقبة وكانت بيعة العقبة مرتين في سنتين في السنة الأولى كانوا اثنتي عشر وفي الثانية سبعين كلهم من الأنصار. قاله النووي (^٣)\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٨٢.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٥٣).\n(^٣) شرح مسلم شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨٨).","vol":"11","page":646},{"text":"في شرح مسلم قال الكرماني (^١) واعلم أن الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة رسول الله -ﷺ- ليلة العقبة في السنة الأولى وهم اثنا عشر رجلا هم نقباء الأنصار وكان رسول الله -ﷺ- يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم فبينما هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج فقال ألا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا فدعاهم إلى الله تعالى وعرض عليهم الإسلام وتلى عليهم القرآن وقد سمعوا من اليهود أن النبي -ﷺ- قد أظل زمانه فقال بعضهم لبعض والله كذاك فلا تسبقني اليهود عليكم فأجابوه فلما انصرفوا إلى بلادهم وذكروه [لنفر منهم] فشا أمره ﵇ فأتى في العام المقبل اثنا عشر رجلا إلى الموسم من الأنصار أحدهم عبادة بن الصامت فلقوا رسول الله -ﷺ- بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى فبايعوه بيعة النساء يعني ما قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ (^٢)، ثم انصرفوا وخرج في العام [الآخر] سبعون رجلا منهم إلى الحج فواعدهم رسول الله -ﷺ- العقبة أوسط أيام التشريق.\nقال كعب بن مالك: لما كانت الليلة التي وعدنا فيها بتنا أول الليل مع قومنا فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا حتى اجتمعنا بالعقبة فأتانا رسول الله -ﷺ- مع عمه العباس لا غير فقال العباس يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث علمتم وهو في منعة ونصرة [من] قومه وعشيرته وقد أبى إلا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٠٤).\n(^٢) سورة الممتحنة، الآية: ١٢.","vol":"11","page":647},{"text":"الانقطاع إليكم فإن كنتم وافين بما وعدتموه فأنتم وما تحملتم وإلا فاتركوه في قومه فتكلم رسول الله -ﷺ- داعيا إلى الله تعالى مرغبا في الإسلام تاليا للقرآن فأجبناه للإيمان فقال إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم. فقلنا ابسط يدك نبايعك عليه فقال -ﷺ- أخرجوا إليّ منكم اثنتي عشر نقيبا فأخرجنا من كل فرقة نقيبا وكان عبادة نقيب بني عوف فبايعوه وهذه بيعة العقبة الثانية ومنهم أيضا أسعد بن زرارة وقال ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة إنما أسلم مع النفر الذين سبقوا قومهم بالإسلام بالعقبة الأولى وكان عقبيا بهذه العقبة الأولى والثانية والثالثة [وبايع فيها، وكانت البيعة الأولى وهم ستة نفر أو سبعة.\nوالثانية: وهم اثنا عشر رجلا. والثالثة] وهم سبعون رجلا وبعضهم لا يسمي بيعة الستة عقبة وإنما يجعل عقبتين لا غير ومات أسعد بن زرارة في السنة الأولى في شوال قبل بدر لأن بدرا كانت في رمضان سنة اثنتين وكان موته بمرض يقال له الذبحة فكواه النبي -ﷺ- بيده فمات. وعن جابر قال مرض أبي بن كعب مرضا فأرسل إليه النبي -ﷺ- طبيبا فكواه على أكحله، الأكحل هو عرق معروف قال الخليل هو [عرق] الحياة ويقال هو نهر الحياة ففي كل عضو شعبة منه وله فيها اسم منفرد يقال له في اليد الأكحل وفي الفخذ النسا وفي الظهر الأبهر، قاله في الديباجة.\nتنبيه: النقباء جمع النقيب، وهو مقدم قومه، والناظر على القوم وضمينهم وعرفيهم والنقباء المذكورون في أصحاب النبي -ﷺ- من الأنصار الذين","vol":"11","page":648},{"text":"تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي -ﷺ- وقيل سموا بذلك [لضمانهم] إسلام قومهم ونصرتهم [النبي]-ﷺ-، والنقيب أيضا فوق العريف على القوم وقيل [الأمين]. واعلم أن لرسول الله -ﷺ- بيعة ثالثة مشهورة وهي البيعة التي وقعت بالحديبية تحت الشجرة عند توجهه من المدينة إلى مكة تسمى بيعة الرضوان وهذه بعد الهجرة بخلاف الأوليين وعبادة شهدها أيضا فهو من المبايعين في الثلاث ﵁، اهـ. تنبيه المبايعة على الإسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه فمن طرف النبي -ﷺ- وعد الثواب ومن طرفهم التزام الطاعة وقد تعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمر الناس به، قاله الكرماني (^١).\nقوله تواثقنا على الإسلام أي تحالفنا وتعاهدنا والتواثق تفاعل منه والميثاق والعهد مِفعال من الوَثاق وهو في الأصل حبل أو قيد يُشدّ به الأسير والدابة [وذلك لأنها كانت سبب قوة رسول الله -ﷺ- وظهور الإسلام وإعلاء الكلمة اهـ] (^٢).\nقوله وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها أي أشهر عند الناس بالفضيلة، وبدر موضع الغزوة العظمى المشهورة لرسول الله -ﷺ- تُذكّر وتؤنث ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة وإنما\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٠٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":649},{"text":"خصصه بالذكر لشرف غزوة بدر وفضلها على سائر الغزوات والله أعلم. [﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (^١)، بدر ماء سمي] باسم صاحبه.\nقال العلماء هو اسم صاحب البئر بدر بن يخلد بن النضر بن كنابة وقيل بل هو رجل من بني ضمرة سكن هذا الموضع فنسب إليه ثم غلب اسمه عليه، وقيل بدر اسم بئر حفرها بدر الغفاري يقال له بدر بن النار أو [من] بني النار وهم بطن من غفار بن مليل فكان [هذا] الاسم فألا قدمه الله تعالى لمن ألقي فيها من كفار قريش وهم أهل النار اهـ.\nقوله والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. قال الجوهري (^٢) الراحلة هي الناقة التي تصلح أن ترحل، ويقال الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى وإنما سميت راحلة لأنها ترحل أي يشد عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة كقوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (^٣) أي مرضية. وقال ابن قتيبة الراحلة النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف فإذا كانت في إبل عرفت.\nوقال الأزهري الراحلة عند العرب الجمل النجيب والناقة النجيبة. وقال النووي (^٤) وهو أجود من كلام ابن قتيبة: والراحلة البعير الكامل الأوصاف\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٢٣.\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٧٠٧).\n(^٣) سورة الحاقة، الآية: ٢١.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٠١).","vol":"11","page":650},{"text":"الحسن المنظر القوي على الأحمال والأسفار، اهـ، قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\nقوله ولم يكن رسول الله -ﷺ- يريد غزوة إلا ورَّى بغير حتى كانت تلك الغزوة. ورّى يقال ورّى عن الشيء إذا ذكره بلفظ يدل عليه أو على بعضه دلالة خفية عند السامع، اهـ. قاله الحافظ. وتورية الرسول -ﷺ- الغزو وليس بأن قال إني أريد غزو الموضع الفلاني وهو يريد غيرهم وهو كذب والكذب لا يجوز وإنما كان بالتعريض مثل أن يريد غزو بلد ولم يقل إني أريد ذلك الموضع بل يخفي ذلك في قلبه. فقوله ورّى بغيرها أي سترها وكنى عنها وأوهم أنه يريد غيرها، والحكمة في ذلك التعمية على الكفار ليأتيهم بغتة من غير أن يأخذوا أهبتهم فيكون أنكى فيهم وأدعى لحصول المقصود منهم ويؤيد ذلك قوله الحرب خدعة، قاله في شرح الإلمام.\nقوله واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، [والمفاز] (^١) والمفازة هي الفلاة لا ماء بها، قاله الحافظ، وقال بعضهم والمفاز والمفازة البرية القفراء والجمع المفاوز سميت بذلك على طريق التفاؤل وقيل لأن من قطعها فاز ونجا لأنها مهلكة، [و] قيل يهلك سالكها، يقال فوز الرجل إذا هلك اهـ.\nقوله واستقبل عدوا كثيرا فجلي للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. فجلَا هو بتخفيف اللام وقيل والتشديد أي كشفه وبينه وأوضحه وعرّفهم ذلك على وجهه من غير تورية يقال جلوت الشيء كشفته. وقوله ليتأهبوا\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":651},{"text":"أهبة غزوهم، والأهبة بضم الهمزة وإسكان الهاء أي ليستعدوا لذلك بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك.\nقوله وأخبرهم بوجههم الذي يريد أي بمقصدهم، ورواه بعضهم بوجهتهم الذي يريد أي بنحوهم ومقصدهم.\nقوله والمسلمون مع رسول الله -ﷺ- كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان، والديوان [بكسر الدال ويُحكى بالفتح] (^١) هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش والمجاهدين وأهل العطاء، ولم يكن ثم ديوان أولا، وأوّل من دوّن الديوان من المسلمين عمر ﵁ وهو فارسيّ معرَّب وقيل عربي والله أعلم. قاله في النهاية (^٢).\nقوله وغزى رسول الله -ﷺ- تلك الغزوة حين طابت الظلال والثمار فأنا إليها أصعر، هو بفتح الهمزة والعين المهملة جميعا وسكون الصاد المهملة أي أميل إلى البقاء فيها وأشتهي ذلك والصعر الميل، وقال الجوهري (^٣) في الخد خاصة. قاله الحافظ.\nقوله وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع [فـ] لم أقض من جهازي شيئا. طفقت بمعنى جعلت وأغدو أي أروح والجهاز هو بفتح الجيم وكسرها أي أهبة سفري.\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وأهل العطاء، ولم يكن ثم ديوان أولا).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٥٠).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٧١٢).","vol":"11","page":652},{"text":"قوله فلم يزل ذلك يتمادى بي أي يتطاول ويتأخر قاله المنذري، وهو يتفاعل من المدى وفي الحديث لو تمادى الشهر لواصلت [أي فات وقته من أراده بتأخر وقته] (^١) وهو من السبق أي سبق الغزاة فلم يلحقهم من تخلّف وفرّط وقصّر.\n[قوله حتى أسرعوا [و] تفارط الغزو أي [تباعد و] فات وقته من أراده وبعد عليه إدراكه، قاله الحافظ] (^٢)، والتفريط ترك الشيء غير مهتبل به وأفرطت الشيء نسيته وتركته والإفراط الزيادة في الشيء حتى خرج به عن حده من قول أو فعل. وقال الفارسي تفارط الغزو أي تسابق وتَدانَى وقرب والفارط السابق اهـ. قاله عياض (^٣).\nقوله حتى استمر بالناس الجد أي الانكماش والحرص قاله عياض.\nقوله إني لا أرى لي أسوة الإسوة كذا كذا قوله إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق كالمغموض بالغين والضاد المعجمتين هو المعيب المشار إليه بالعيب اهـ، قاله المنذري. وقال النووي وغيره المغموص بالغين المعجمة والصاد المهملة المتهم المستحقر يقال غمصت فلانا وأغمصته إذا استحقرته واستصغرته اهـ. وقال بعضهم مغموصا بالمعجمة ثم المهملة أي مطبوعا بالنفاق [ومتهما به] أي مطعون في دينه متهم بالنفاق.\nقوله ولم يذكرني رسول الله -ﷺ- حتى بلغ تبوكا، هكذا في أكثر النسخ تبوكا\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قوله حتى استمر بالناس الجد أي الانكماش والحرص قاله عياض).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٢٧٥) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٥١).","vol":"11","page":653},{"text":"بالنصب أي بالألف وهكذا هو في نسخ البخاري وكأنه صرفها لإرادة الموضع دون البقعة اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (^١).\nقوله ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه. بنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار وعطفاه بكسر العين جانباه وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه.\nقوله فقال له معاذ بن جبل بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، هذا دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمتهتك في الباطل وهو من مهمات الآداب وحقوق الإسلام.\nقوله فبينما هو على ذلك رآى رجلا مبيضا يزول به السراب. المبيض بكسر الياء هو لابس الأبيض ويقال لهم المبيضة والمسودة بالكسر فيهما أي لابسوا البيض [أو] السود ومنه حديث الهجرة قال فنظرنا فإذا برسول الله -ﷺ- وأصحابه مبيضين بتشديد الياء وكسرها أي لابسين ثيابا بيضا يقال لهم المبيضة والمسودة بالكسر ويجوز أن يكون مبيضا بسكون الباء وتشديد الصاد من البياض أيضا، قاله في النهاية والله أعلم.\nقوله ويزول به السراب أي يظهر شخصه خيالا فيه، اهـ. قاله المنذري. وقال النووي (^٢) في شرح مسلم السراب هو ما يظهر للناس في الهواجر في البراري [كأنه ماء] (^٣). وقال في النهاية يزول به السراب يرفعه ويظهره يقال زال به\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (ج ١٧ ص ٨٩).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ٩٠).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":654},{"text":"السراب إذا [ظهر] شخصه فيه خيالا ومنه قصيد كعب [بن مالك -﵁-]:\nيوما تظل حراب الأرض ترفعها ... من اللوامع تخليط وتزييل\nيريد أن لوامع السراب تبدو دون حراب [الأرض] فترفعها تارة وتخفضها أخرى، انتهى.\nقوله فقال رسول الله -ﷺ- كُن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، قيل معناه أنت أبو خيثمة أو هو أبو خيثمة، قال ثعلب: العرب تقول كُن زيدا أي أنت زيد، وقال صاحب التحرير تقديره اللهم اجعلهُ أبا خثيمة، وقال في النهاية (^١) كن أبا خيثمة أي صِرْ يقال للرجل يُرى من بُعد كن فلانا أي أنت فلان أو هو فلان، ومنه حديت [عُمر أنه] دخل المسجد فرآى رجلا برّ الهيئة فقال كن أبا مسلم يعني الخولاني [انتهى]. وأبو خيثمة هذا اسمه عبد الله بن خيثمة، وقيل مالك بن قيس، قال بعض الحفاظ وليس في الصحابة مَن يكنّى أبا خثيمة إلا اثنان: أحدهما هذا والثاني عبد الرحمن بن أبي سبرة الجُعفي انتهى. قاله النووي في شرح مسلم.\nقوله وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون؛ أي عابوه واحتقروه.\nقوله قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله -ﷺ- قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي. قافلا أي راجعا والقفول الرجوع من السفر، ويقال في المضارع يقفل بالضم ولا يستعمل القفول في ابتداء السفر وانما سمي المسافرون قافلة تفاؤلا لهم بالقفول والسلامة على أن الجوهري قال إن القافلة هي الرفقة الراجعة من السفر. وقال قُتَبي لا يقال لهم في مبدأتهم قافلة، قاله العراقي في\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٤/ ٢١١).","vol":"11","page":655},{"text":"شرح الأحكام (^١) والبث هو أشد الحزن.\nقوله فلما قيل إن رسول الله -ﷺ- قد أظل قادما زاح عني الباطل. أظل بالظاء المعجمة المشالة أي أقبل ودنا قدومه كأنه ألقي علي ظله. وزاح عني الباطل [أي زال وذهب]، يقال زاح عني الأمر يزيح [أي زال] (^٢).\nقوله فأجمعت صدقه أي عزمت عليه [واعتقدته]. [العزيمة] (^٣) أجمعت وأزمعته وعزمت عليه بمعنى [عزمت. قاله نفطويه، والعزيمة أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنى]، قاله في النهاية (^٤). يقال أجمع الرجل أمره وأجمع عليه وعزم عليه بمعنى، قال نفطويه وقال أبو الهيثم اللغوي أجمع أمره أي جعله جميعا بعد أن كان متفرقا ومثله المسافر إذا أجمع مكبا وفي الصائم إذا [أجمع الصيام إذا] عزم عليه ونواه، قاله عياض (^٥).\nقوله وكانوا بضعة وثمانين رجلا، البضع من الثلاث إلى التسع، وتقدم الكلام عليه في مواضع من كلام الحافظ في أصل الترغيب.\nقوله فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، المغضَب هو بفتح الضاد أي الغضبان.\nقوله فقال لي ما خلَّفك أي عن الغزو، قوله ألم تكن قد ابتعت ظهرك،\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (ج ٥ ص ١٥٨).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الأثر (ج ١ ص ٢٩٦).\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٢٧٩)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٥٤).","vol":"11","page":656},{"text":"والاستفهام في ألم تكن للتوبيخ والتقريع، وابتعت بمعنى اشتريت، والظهر الراحلة، وتقدم الكلام على الراحلة.\nقوله ولقد أعطيت جدلا أي حجة ومدافعة في الخصام [وبلاغة]. قاله عياض (^١) وقال النووي (^٢) أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج من عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت. وقيل الجدل اللَدَد في الخصام وكانت العرب تتفاخر بذلك لأنه من فصاحة اللسان وقوة العارضة وحضور النفس [وحدة الذهن]، قال الله تعالى في قريش ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (^٤).\nقوله [ولكني] (^٥) والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي؛ ليوشكن هو بكسر الشين ولا يقال بفتحها أي ليُسرِعنّ الله قوله ولئن حدثتك حديت صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله ﷿، وفي رواية عفو الله ﷿. تجِد هو بكسر الجيم وتخفيف الدال أي تغضب. يقال وجد عليه موجودة في الغضب فوجد مستعملة [بخمسة] معان من الموجدة والوجود [والوجدان] والوجد والجدة، قوله عقبى الله أي ثوابه في الآخرة وعقبى الله أن يعقبني خيرا [و] أن\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (ج ١ ص ١٤١).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (ج ١٧ ص ٩١).\n(^٣) سورة الزخرف، الآية: ٥٨.\n(^٤) سورة مريم، الآية: ٩٧.\n(^٥) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (وإني).","vol":"11","page":657},{"text":"يثيبني عليه، والعقبى ما يكون بعد الشيء وعلى أثره وما يكون كالعوض منه ومنه العقاب على الذنب لأنه بدل من فعله ومكافأة عليه.\nقوله فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله -ﷺ- فأكذب نفسي، يؤنبوني بهمزة مفتوحة بعد الياء [ثم نون مشددة مكسورة] (^١) ثم موحدة أي يوبخوني [ويلومونني] أشد اللوم. قال في النهاية (^٢) التأنيب المبالغة في التوبيخ والتعنيف. وقال عياض (^٣) التأنيب العتب واللوم، ومنه حديث الحسن بن علي لما صالح معاوية قيل له سوّدت وجوه المؤمنين فقال لا تؤنبني اهـ.\nقوله ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد قالوا نعم رجلان مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي. مرارة بضم الميم وتخفيف الراء المكررة وأما قوله ابن الربيع فكذا وقع في البخاري. قال ابن عبد البر يقال: ابن الربيع وابن ربيعة بالوجهين، ووقع في نسخ مسلم ابن ربيعة وكذا نقله القاضي عياض عن نسخ مسلم. وأما قوله العامري [هكذا هو في جميع نسخ مسلم: العامري] (^٤) وأنكره العلماء وقالوا هو غلط إنما صوابه العمري بفتح العين وإسكان الميم من بني عمرو بن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل وهو الصواب، وفي النسخة الهندية: (ومشددة مكسورة ثم نون).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (ج ١ ص ٧٣).\n(^٣) مشارق الأنوار (ج ١ ص ٤٠).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":658},{"text":"محمد بن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة، قال القاضي عياض هو الصواب، وإن كان القابسي قد قال: لا أعرفه إلا العامري فالذي عليه الجمهور أصح، وقوله: هلال بن أمية الواقفي هو بقاف ثم فاء منسوب إلى بني واقف بطن من الأنصار، وهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف، واسم واقف مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاري.\nقوله ونهى رسول الله -ﷺ- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. قال القاضي عياض: هو بالرفع وموضعه نصب على الاختصاص. قال سيبويه نقلا عن العرب اللهم اغفر لنا أيتها العصابة وهذا مثله، وفي هذا هجران أهل البدع والمعاصي. قوله حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، معناه حتى تغيَّر عليَّ كل شيء حتى الأرض حتى توحشت علي وصارت [كأنها] أرض لم أعرفها لتوحشها علي.\nقوله فأما صاحباي فاستكانا أي خضعا وذلا، والاستكانة استفعال من السكون قاله ابن الأثير.\nقوله وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، [أي أصغرهم سنا وأقواهم وأشدّهم، ومنه قوله: جلدا معتدلا] [يقال شبّ الغلم كبر وفي صفة أهل الجنة يشبون فلا يهرمون، أي يدوم شبابهم فهم شببة. والشببة جمع شاب ككاتب وكتبة] (^١)، والجلد القوة والشدة هو بالفتح ورجل جلد بالسكون\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":659},{"text":"وجليد بيِّن الجلد والجلادة.\nقوله مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي، معنى تسوّرته علوته وصعدت سوره وهو أعلاه، والحائط هو البستان، وفيه جواز لدخول الإنسان بستان صديقه وقريبه الذي يدل عليه ويعرف أنه لا يكره ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة مكشوفة ونحو ذلك.\nقوله فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، إنما لم يردّ ﵇ لعموم النهي عن كلامهم وفيه أنه لا يسلم على المبتدعة ونحوهم وفيه أن السلام كلام وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه أو رد عليه سلاما حنث، والله أعلم.\nقوله فقلت له يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمنَّ أني أحب الله ورسوله قال فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال الله ورسوله أعلم. أنشدك بالله تعالى هو بفتح الهمزة وضم الشين أي أسألك يقال نشده ينشده [إذا سأله بالله] (^١) ونشدتك الله أسألك بالله تعالى [أي إذا سأله بالله تعالى] برفع نشدي مأخوذ من النشيد وهو رفع الصوت، يقال [نشدته الله و] (^٢) نشدتك بالله. وقال الجوهري نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له نشدتك [الله] أي سألتك بالله كأنك [أذكرته] إياه فنشد أي تذكر اهـ، ومنه إنشاد الشعر وهو رفع الصوت به والناشد الطالب سمي به ناشد الضالة لرفع صوته\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":660},{"text":"بالطلب، وقيل في قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ (^١) أي تطلبون به حقوقكم كقولك نشدتك بالله أي سألتك به اهـ قاله في شرح السنة. وقوله الله ورسوله أعلم.\nقال القاضي عياض (^٢) لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه لأنه منهي عن كلامه وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده الله تعالى، فقال له أبو قتادة مظهرا لاعتقاده [و] لا ليسمعه ولو حلف رجل لا يكلم رجلا فسأله عن شيء فقال الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث والله أعلم.\nقوله فبينا أنا أمشي في سوق المدينة وإذا نبطي، بفتح النون والموحدة الفلاح والاستنباط الاستخراج، ثم وصف النبطي بقوله: من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك. يقال النبط والأنباط والنبيط وهم فلاحوا العجم. قاله النووي (^٣). وقال غيره نصاراها الذين عمروها.\nقوله حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان. ملك غسان هو من جملة ملوك اليمن سكنوا الشام واسمه الحارث بن أبي شمس مات كافرا عام الفتح، كاتَبه النبي -ﷺ- مع شجاع بن وهب وقال النبي -ﷺ- بعد أن رجع الرسول من عنده بادَ وباد ملكه، قاله شارح مشارق الأنوار.\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (ج ١٧ ص ٩٣).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (ج ١٧ ص ٩٣).","vol":"11","page":661},{"text":"تنبيه: غسّان بفتح الغين المعجمة وتشديد السين [المهملة] وبعد الألف نون الأشهر ترك صرف غسان وقيل يصرف، قاله الكرماني.\nقوله ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، المضيعة فيها لغتان: إحداهما كسر الضاد وإسكان الياء والثانية بإسكان الضاد وفتح الياي أي في موضع وحال يضاع فيه حقك.\nقوله فألحق بنا نواسك. وفي بعض النسخ نواسيك بزيادة ياء وهو صحيح أي ونحن نواسيك وقطعه عن جواب الأمر ومعناه نشاركك فيما عندنا.\nقوله فتأممت بها التنور فسجرتها، هكذا هو في جميع نسخ بلادنا فتأممت وهي لغة في تيممت ومعناهما قصدت. ومعنى سجرتها أي أوقدتها فيه وأحرقتها.\nقال مجاهد (^١) في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ (^٢)، معناه الموقد وأنثّ الضمير لأنه أراد معنى الكتاب وهو الصحيفة فإن قيل كيف [حرق ذلك] وفيها اسم الله تعالى فالجواب إن ذلك صيانة عن التغيير ورب فساد في الظاهر [تضمنه] صلاح والله أعلم. فيه جواز إحراق ما فيه اسم الله تعالى لمصلحة توجب ذلك كما فعل عثمان والصحابة ﵃ بالمصاحف بعد أن غسلوا منها بالماء ما قدروا عليه غير مصحفه الذي اجتمعت الصحابة عليه وكان ذلك صيانة فهي حاجة. وموضع الدلالة من\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٥/ ١٨٦).\n(^٢) سورة الطور، الآية: ٦.","vol":"11","page":662},{"text":"حديث كعب أنه أحرق الورقة [وفيها:] ولم يجعلك الله بدار [هوان].\nقوله واستُلبث الوحي أي أبطأ وبقي لم ينزل تلك المدة. قوله فإذا رسول رسول الله -ﷺ- جاء فقال إن رسول الله -ﷺ- يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل. فذكره إلى أن قال: فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر. الحديث. هذا دليل على أن هذا اللفظ ليس صريحا في الطلاق وإنما هو كناية ولم ينو به الطلاق فلم يقع لأنه زاد فيه حتى يقضي الله في هذا الأمر فهم [منه] (^١) أنه قصد المضي غير ولهذا لم يؤمر بتجديد النكاح بعد التوبة وعلى هذا فلو قال ذلك ولم ينو به شيئا لم يقع به طلاق. وللطلاق كنايات و[الـ] صرائح فالصرائح الطلاق والفراق والسراح.\nقال الشافعي (^٢): [ذكر الله] الطلاق في كتابه بهذه الثلاثة الأسماء فمن خاطب امرأته فأفرد لها اسما من هذه لزمته الطلاق وإن لم ينوه [في] الحكم وما تكلم به مما يشبه الطلاق، سوى هذه فليس بطلاق. [و] قال أبو حنيفة الصريح كلمة واحدة وهي الطلاق.\nوقال مالك: السراح والفراق من الكنايات الظاهرة، فأما التصريح فلا يحتاج إلى نية بخلاف الكناية. وقال [داود] لا يقع في التصريح إلا بالنية أيضا. وأما الكنايات فضابطها أن كل لفظ محتمل للفراق ولم [يسغ]\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الأم (٥/ ٢٥٩).\nأحكام القرآن للشافعي (١/ ٢٢٢).","vol":"11","page":663},{"text":"استعماله فيه شرعا ولا عرفا فهو كناية، وهي تنقسم إلى جلي وخفي ثم النية المؤثِّرة فيها بالاتفاق أن تقترن بجميع اللفظ فإن اقترنت بأوله وعزبت في أثنائه فالمذهب الوقوع وإن خلا أوله تم نوى في أثنائه ففيه وجهان والله أعلم، قاله في شرح الإلمام، وسيأتي الكلام على ذلك أيضا في كنايات الطلاق.\nفائدة: ومن الكنايات [كقوله:] أنت خِلِيَّة أي من الأزواج، وبرِيَّة أي منه أيضا وبَتَّة أي مقطوعة الوصلة بهم وبَتْلة أي متروكة النكاح وبائن أي مفارقة وحرام [أنت] عليّ ممنوعة منى للفرقة، وأنت كالميتَة أي حرام بالطلاق كما يحرم أكل الميتة واعتدي واستبرئي أي رحمك لأني طلقتك وتقنّعى [واستبرئ] (^١) أي حرمتك بالطلاق فاختفي عني وتجرعي أي كأس الفراق ومرارته وابعدي أي لأنك أجنبية مني واعزبي أي تباعدي مني، ووقع في بعض كتب الفقه واغربي بغين معجمة وراء وهو صحيح أيضا ومعناه صيري غريبة مني أجنبية واذهبي والحقي بأهلك كما ذكر في الحديث. وحبلك على غاربك أي خليت سبيلك أي أنت مرسلة مطلقة غير مشدودة ولا ممسكة بعقد النكاح أي خُلي سبيلك فليس [لك] أحد يمنعك عما تريد تشبيها بالبعير يوضع زمامه على ظهره ويطلق يسرح أين أراد في المرعى، قاله في النهاية (^٢)، وأنت واحدة هو بالرفع أي متوحدة بلا زوج وما أشبه ذلك أي\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (واستتري).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٣٥٠).","vol":"11","page":664},{"text":"كقوله تجرعي وتزودي واخرجي وسافري وتزوجي وما في معناه، فإن نوى [به] الطلاق وقع بالإجماع. [كان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته أنت خليّة فكانت تطلق منه وهي في الإسلام كنايات الطلاق فإذا نوى بها الطلاق وقع. يقال رجل خلي لا زوجة له وامرأة خلية لا زوج لها، قاله في النهاية (^١)] (^٢).\nتنبيه: وظاهر هذا اعتبار اقتران النية بكل اللفظ وهو الصحيح في المنهاج والمحرر وعبارة أصل الروضة فلو اقترنت بأوّل اللفظ دون آخره أو عكسه طلقت على الأصح فوقع التخالف.\nقال ابن الرفعة المذهب الوقوع فيما اقترنت بأوله ولم يرجح شيئا فيما إذا اقترنت بآخره والمسألة موضحة في شرح المنهاج لابن الملقن فليراجعه من أراد ذلك وإن لم [ينو] به الطلاق لم يقع لأنه يحتمل الطلاق وغيره والأصل بقاء النكاح والله أعلم. فرع: لو قال طلقتك من عقالك لم يكن صريحا لأن العقال مجاز في النكاح، قاله في البحر.\nفرع آخر: لو قال عليّ الطلاق ونوى الطلاق كان طلاقًا، قال المزني ولا نص للشافعي فيه وكثير من الناس لا يعرفون هذا إلا طلاقًا ورأيت في الكفاية للصيمري الجزم بأنه صريح فقال وإن قال علي الطلاق أو الطلاق لازم لي\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٧٥).\n(^٢) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (وبرِيَّة أي منه أيضا وبَتَّة أي مقطوعة الوصلة بهم وبَتْلة أي متروكة النكاح).","vol":"11","page":665},{"text":"ونحو ذلك فهذا صريح لا يُرجع فيه إلى الإرادة لأن العُرف أوجب ذلك اهـ، قاله في هادي النبيه لابن الملقن.\nقوله وما يدريني ما يقول رسول الله -ﷺ- إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب يعني قادرا على خدمة نفسي وأخاف أيضا على نفسي من حدّة الشباب أن أصيب امرأتي وقد نهيت عنها.\nقوله فلبثت بذلك عشر ليال. أي مكثت واللبث هو المكث.\nقوله فكمل لنا خمسون ليلة، كمل بفتح الميم وضمها وكسرها.\nقوله فبينا أنا جالس على الحالة التي ذكر الله منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت أي بما اتسعت ومعناه ضاقت عليّ الأرض مع أنها متسعة [والرحيب] السعة، [يقال] منزل رحب ورحيب ورحاب.\nقوله سمعت صوت صارخ أوفى على سلع [يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر. البشارة بالضم والكسر قاله الجوهري (^١)] (^٢) ومعنى أوفى أشرف وطلع، وسلع هو جبل مشهور بالمدينة وقد أكثرت الشعراء ذكره في أشعارهم، فيه دليل لاستحباب التبشير وتهنئة من تجردت له نعمة ظاهرة واندفعت عنه كربة شديدة ونحو هذا وهذا الاستحباب عام في كل نعمة حصلت أو كربة انكشفت سواء كانت من أمور الدين أو الدنيا.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٩٠).\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وسلع هو جبل مشهور بالمدينة وقد أكثرت الشعراء ذكره في أشعارهم).","vol":"11","page":666},{"text":"قوله فخررت ساجدا وعلمت أن قد جاء الفرج. وهذه السجدة كان بعد صلاة الصبح كما ورد ذلك في هذا الحديث [و] فيه دليل للشافعي وموافقيه في استحباب سجود الشكر لكل نعمة ظاهرة حصلت أو نقمة ظاهرة اندفعت.\nفائدة قال العلماء في كتب الفقه ومن تجردت له نعمة ظاهرة كقدوم غائب وحدوث ولد وشفاء مريض ونحو ذلك أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة كنجاته مما ظن وقوعه به وكالهدم والغرق ونحو ذلك استحب له أن يسجد شكرا لله تعالى أي في غير الصلاة لما روى أبو داود وغيره أنه -ﷺ- كان إذا جاءه أمر [سُرَّ وخرَّ] (^١) ساجدا شكرا لله تعالى وسجد -ﷺ- في ص شكرا لأنها توبة من الله تعالى على داود صلى الله على نبينا وعليه وسجد أبو بكر عند فتح اليمامة وقتل مسيلمة وسجد عمر عند فتح اليرموك وسجد علي عند رؤية ذي الثديتين قتيلا بالنهروان وأما النعم الباطنة فلا يُسجد لها لأنها ملازمة له في كل أوان فلو يسجد لها لاستغرق عمره بالسجود، [و] أما لو وجد ذلك وهو في الصلاة فلا يسجد فلو خالف بطلت صلاته جزما اهـ. قاله في مختصر الكفاية. تنبيه ولا يكره ذلك في الأوقات المكروهة لفواتها بالتأخير وسجود التلاوة مقيس عليه، وإنما اقتصر النووي (^٢) على الشكر لأن النص ورد بها.\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل، والمثبت في النسخة الهندية: (سرور خرَّ).\n(^٢) روضة الطالبين ج ١ ص ٣٢٥.","vol":"11","page":667},{"text":"قوله وركض رجل إلي فرسا. الركض هو جري الفرس أي حرّكه برجله وأصل الركض الرفع، وركض الدابة منه أي تحريكها بالرجل قاله عياض (^١).\nقوله وأذن رسول الله -ﷺ- الناس بتوبة الله علينا، أي أعلمهم.\nقوله: وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس. السعي هو الإسراع في [المشي].\n[قوله] (^٢) وأسلم قبيلة معروفة من العرب.\n[قوله] (^٣) قبلي أي نحوي، وأوفى على الجبل أي طلع عليه.\nقوله فلما أن جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته، فيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فبغيرها والخلعة أحسن وهي المعتادة. وقوله ببشارته، البشارة بالضم ما يعطى البشير كالعمالة للعامل وبالكسر الاسم لأنه تظهر طلاقة الإنسان وفرحه. قاله في النهاية (^٤).\nقوله والله لا أملك غيرها يومئذ، فالمراد [به] من الثياب ونحوها مما يخلع ويليق بالبشير وفيه دليل على تخصيص اليمين بالنية قال النووي (^٥) وهو مذهبنا فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال أو لا يأكل ونوى تمرا لم يحنث بالخبز.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٩٠).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٦٧).\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم ج ١٧ ص ٩٧.","vol":"11","page":668},{"text":"قوله واستعرت ثوبين فلبستهما، فيه جواز العارية وجواز إعارته الثوب للبس.\nقوله وانطلقت أيمم النبي الله -ﷺ-. أي أقصده، ومثله تيممت بها التنور.\nقوله فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة أي جماعة جماعة يهنئوني بالتوبة.\nقوله فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني. وطلحة بين عبيد الله القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة ففيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكرام، والهرولة إلى لقائه بشاشة به وفرحا.\nقوله فلما سلمت على رسول الله -ﷺ- قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. معناه سوى يوم إسلامك، وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه.\nقوله وكان رسول الله -ﷺ- إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر. [سئل بعض الطلبة الحذاق عن قوله في حديث كعب بن مالك لما أطلق عن رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك وبشر بتوبة الله تعالى عليه. قال: فلما سلمت على رسول الله -ﷺ- وهو يبرق وجهه من السرور؛ الحديث ما الحكمة في تشبيه وججه بالقطعة دون القمر؟ فقال: الحكمة في ذلك والله تعالى أعلم أن القمر بكماله يشوبه بعض سواد فشببه بقطعة في القمر نيرة خالصة من السواد، هذا ما ظهر لي والله تعالى أعلم. ويؤيد ذلك ما رواه ابن العماد في كشف الأسرار أنه قال: سأل ابن الكواء عليا رضي الله تعالى عنه عن ذلك السواد الذي يكون في القمر، فقال أنه أثر مسح جناح جبريل ﵇، وذلك أن","vol":"11","page":669},{"text":"الله تعالى خلق نور القمر سبعين جزءا، وكذلك نور الشمس، ثم أتى جبريل فمسحه بجناحه -كلمة غير واضحة- القمر تسعة وستين جزءا فحولها إلى الشمس، فأذهب عنه الضوء وأبقى فيه النور. وذكر قوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (^١)، وأنت إذا تأملت السواد الذي في القمر وجدتها حروفا أولها الجيم وثانيها الميم وثالثها الياء واللام ألف آخر الكل مكتوب: جميلا، وقد شاهدت ذلك وقرأته مرات، فسبحان من خلقه جميلا] (^٢).\nقوله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. الحديث. معنى أنخلع أخرج منه وأتصدق به. وقال في النهاية (^٣) أي أخرج منه جميعه وأتصدق به وأعرى منه كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه اهـ. وفيه استحباب الصدقة شكرا [للنعم] المتجددة لا سيما ما عظم منها وإنما أمره -ﷺ- بالاقتصار ببعضه خوفا من تضرره بالفقر وخوفا أن لا يصبر على الإضافة ولا يخالف هذا صدقة أبي بكر -﵁- بجميع ماله فإنه كان صابرا راضيا. فإن قيل كيف قال أنخلع من مالي [فأثبت] له مالا مع قوله أولا نزعت له ثوبيّ والله لا أملك غيرهما؟ فالجواب أن المراد بقوله أنخلع من مالي الأرض والعقار ولهذا قال [فإني] (^٤) أمسك سهمي الذي بخيبر ففي هذا\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١٢.\n(^٢) هذه الفقرة مثبتة من النسخة الهندية، وسقطت من الأصل.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٦٥).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":670},{"text":"دليل على أنه لا يستحب التصدق بجميع المال وإنما يستحب التصدق بالفاضل عن الكفاية وهذا في حق من لا يصبر على الإضافة فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة وهي مسألة اختلف أهل العلم فيها، فمذهب الشافعي ﵀ إن كانت نفسه شديدة الصبر لم [يكره له] التصدق بجميع ماله ألا ترى أن الصدِّيق -﵁- خرج من جميع أمواله؟ أما من خشي على نفسه قلة الصبر فيكره له الخروج من جميع ماله. وحكى القاضي عياض عن الجماهير أنه يجوز الخروج من جميع المال، وعن بعض أهل العلم أنّ ذلك يجوز وذكر أنه مذهب عمر -﵁- وحكى عن بعضهم أنه لا تجوز الزيادة على الثلث [ومستنده أمر النبي -ﷺ- أبا لبابة بإخراج الثلث] (^١). وعن بعض أهل العلم أنه لا يُزاد على النصف، والله أعلم. قاله ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام.\nفائدة: يؤخذ من الحديث أنه ليس من شرط التوبة التصدق بالثياب ولا بالمال وللتوبة شروط أحدها الإقلاع عن الذنب بالقلب والندم على الذنب والعزم على أن لا يعود إليه في الأزمنة المستقبلة فلو تاب في رمضان عن شرب الخمر وفي عزمه أنه بعد رمضان يعود إليه لم تصح توبته ولا بد أن يعزم على أن لا يعود مع القدرة وإلا فلا تتحقق التوبة، فلو جُبَّ ذَكَر الزاني وعزم أن لا يعود لم يتحقق صدق توبته لفقر آلة الزنا. وكذلك من كان يتضرر بشرب الخمر فتاب عنها لذلك لم يتحقق صدق توبته ولا بد أن يكون العزم\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":671},{"text":"على ترك العود خالصا من الحظوظ الدنيوية فمن ترك شرب الخمر خوفا على سقوط منزلته عند الناس أو خوفا على عدالته لم تصح توبته؛ والشرط الرابع أن يرد ظلامة الآدمي فلا تصح توبة الغاصب حتى يرد العين المغصوبة إلى مالكها. والشروط الأُوَلُ مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (^١) الآية، لأن من ذكر الله ندم والاستغفار يستلزم الإقلاع والعزم على أن لا يعود لأن الاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين، والشرط الرابع من قوله تعالى ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ (^٢) لأن من أمسك العين المغصوبة مصر على المعصية فلا تصح توبته حتى يردها على صاحبها. ومن شروط التوبة أن لا تطلع إلى الشمس من مغربها وأن لا تبلغ الروح الحلقوم. قال الله تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (^٣)، وملك الموت إذا حضر وشاهده المريض شخص بصره ولا تنفع التوبة حينئذ، والله أعلم.\nتنبيه: وهو [دليل] على أن الصادق الإيمان يحرص على التوبة ولو تحمل فيها أشد الشدائد وأن ضيق النفس والأرض بما رحبت مفتاح التوبة والفرج. اهـ. قاله في الحدائق.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ١٨.","vol":"11","page":672},{"text":"قوله: فوالله ما علمت أحدا أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- أحسن مما أبلاني الله تعالى أي أنعم عليّ ومنه في حديث هرقل [شكرًا] لما أبلاني الله أي أنعم به علي ومنه قوله تعالى ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (^١)، أي نعمة والابتلاء ينطلق على الخير والشر وأصله الاختبار وأكثر ما يأتي مطلقا في الشر فإذا جاء في الخير جاء مقيدا كما قال تعالى ﴿بَلَاءً حَسَنًا﴾ (^٢)، وكما قال هنا: أحسن مما أبلاني الله. قال ابن قتيبة يقال أبلاه الله يُبليه [إبلاءً] حسنا وبلاه يبلوه بلاء في الشر. وقال صاحب الأفعال بلاه الله بالخير والشر بلاء اختبره به وصنعه له وأبلاه [الله] (^٣) بلاء حسنا فعله به اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (^٤).\nقوله والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله -ﷺ-. الكذبة بفتح الكاف وكسرها، والذال ساكنة فيهما، قال القاضي عياض (^٥) وأنكر بعضهم الكسر إلا إذا أراد الحالة أو الهيئة وليس هذا موضعها.\nقوله قال كعب والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله -ﷺ- ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. هكذا في جميع نسخ مسلم وكثير من روايات البخاري بفتح\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٤١.\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ١٧.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٢٨٣)، ومشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٩٠).\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٠٧)، ومشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٣٧).","vol":"11","page":673},{"text":"الهمزة وتشديد اللام لكافة رواة الصحيحين حيث تكرر وعند الأصيلي في باب حديث كعب بن مالك إلا أن أكون كذبته بزيادة أن والصواب الأول ومعناه أن أكون كذبته فأهلك ولا هنا زائدة كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (^١) أي أن تسجد. وقوله فأهلك هو بكسر اللام على الفصيح المشهور. وحكي فتحها وهو شاذ ضعيف.\nقوله قال كعب كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله -ﷺ-. يريد تخلفهم عن غزوة تبوك وتأخر توبتهم وهذه اللفظة تقال في الاختصاص وتختص بالمخبر عن نفسه، [والمخاطب يقول] أما أنا فافعل كذا أيها الرجل يعني نفسه، فمعنى قول كعب أيتها الثلاثة أي المخصوصين بالتخلف، قاله في النهاية (^٢) والله أعلم، قوله تعالى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (^٣) [الحديث]، [و] كان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع [وتقدم ذكرهم والكلام عليهم] (^٤).\nقوله وأرجأ رسول الله -ﷺ- أمرنا أي أخَّره والإرجاء التأخير اهـ. قاله الحافظ المنذري. قال النووي في شرح مسلم (^٥): واعلم أن في حديث كعب\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٢.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٨).\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ١١٨.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٠٠).","vol":"11","page":674},{"text":"بن مالك هذا فوائد كثيرة إحداها إباحة الغنيمة لهذه الأمة لقوله خرجوا يريدون عير قريش.\nالثانية: فضيلة أهل بدر وأهل العقبة.\nالثالثة: جواز الحلف من غير استحلاف في غير الدعوى عند القاضي.\nالرابعة: أنه ينبغي لأمير الجيش إذا أراد غزوة أن يوري بغيرها، لئلا يسبقه الجواسيس ونحوهم بالتحذير، إلا إذا كانت سفرة بعيدة، فيستحب أن يعرفهم البعد ليتأهبوا.\nالخامسة: التأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف أنه كان فعله، لقوله: يا ليتني فعلت.\nالسادسة: رد غيبة المسلم لقول معاذ ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا.\nالسابعة: فضيلة الصدق وملازمته، وإن كان فيه مشقة، فإن عاقبته خير، وإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، كما ثبت في الصحيح وسيأتي هذا الحديث والكلام عليه.\nالثامنة: استحباب صلاة القادم من سفره ركعتين في مسجد محلته أول قدومه قبل كل شيء.\nالتاسعة: أنه يستحب للقادم من سفر إذا كان مشهورا يقصده الناس للسلام عليه، أن يقعد لهم في مجلس بارز، هين الوصول إليه.\nالعاشرة: الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، وقبول معاذير المنافقين ونحوهم، ما لم يترتب على ذلك مفسدة.","vol":"11","page":675},{"text":"الحادية عشرة: استحباب هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة، وترك السلام عليهم، ومقاطعتهم تحقيرا لهم وزجرا.\nالثانية عشرة: استحباب بكائه على نفسه إذا وقعت منه معصية.\nالثالثة عشرة: أن مسارقة النظر في الصلاة والالتفات لا يبطلها.\nالرابعة عشرة: أن السلام يسمى كلاما، وكذلك رد السلام، وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه، أو رد ﵇، [حنث].\nالخامسة عشرة: وجوب طاعة الله ورسوله -ﷺ- على مودة الصديق والقريب وغيرهما، كما فعل أبو قتادة حين سلم عليه كعب، فلم يرد عليه حيث نهي عن كلامه.\nالسادسة عشرة: أنه إذا حلف لا يكلم إنسانا فتكلم، ولم يقصد كلامه بل قصد غيره، فسمع المحلوف عليه لم يحنث الحالف؛ لقوله: الله [ورسوله] (^١) أعلم: فإنه محمول على أنه لم يقصد كلامه كما سبق.\nالسابعة عشرة: جواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى لمصلحة، كما فعل عثمان والصحابة -﵃- بالمصاحف غير مصحفه الذي اجتمعت الصحابة عليه، وكان ذلك صيانة، فهي حاجة وموضع الدلالة من حديث كعب، أنه أحرق الورقة، وفيها: لم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة.\nالثامنة عشرة: إخفاء ما يخاف من إظهاره مفسدة وإتلافه.\nالتاسعة عشرة: قوله لامرأته: الحقي بأهلك ليس بصريح طلاق، ولا يقع\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":676},{"text":"به شيء إذا لم ينو.\nالعشرون: جواز خدمة المرأة زوجها برضاها، وذلك جائز له بالإجماع، فأما إلزامها بذلك فلا.\nالحادية والعشرون: استحباب الكنايات في ألفاظ الاستمتاع بالنساء ونحوها.\nالثانية والعشرون: الورع والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه، لأنه لم يستأذن في خدمة امرأته له، وعلل بأنه شاب، أي لا يأمن مواقعتها، وقد نهي عنها.\nالثالثة والعشرون: استحباب سجود الشكر عند تجدد نعمة ظاهرة، أو اندفاع بلية ظاهرة، وهو مذهب الشافعي ﵀ وطائفة، وقال أبو حنيفة وطائفة: لا يشرع.\nالرابعة والعشرون: استحباب التبشير بالخير.\nالخامسة والعشرون: استحباب تهنئة من رزقه الله خيرا ظاهرا، أو صرف عنه شرا ظاهرا.\nالسادسة والعشرون: أنه يجوز تخصيص اليمين بالنية، فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع من المال غيره، وإذا حلف لا يأكل [ونوى] خبزا، لم يحنث بأكل اللحم والتمر وسائر المأكول، ولا يحنث إلا بذلك النوع، وكذلك لو حلف لا يكلم زيدا، ونوى كلاما مخصوصا لم يحنث بتكليمه إياه غير ذلك الكلام المخصوص، وهذا كله متفق عليه عند أصحابنا، ودليله من الحديث قوله في الثوبين: والله ما أملك غيرهما، ثم قال","vol":"11","page":677},{"text":"بعد ذلك من ساعته: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، ثم قال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.\n[السابعة] والعشرون: جواز العارية. [الثامنة] والعشرون: جواز استعارة الثياب للبس. وتقدم ذلك. [التاسعة والعشرون]: استحباب اجتماع الناس عند إمامهم وكبيرهم في الأمور المهمة من بشارة ومشورة وغيرهما.\n[الثلاثون]: استحباب القيام للوارد [إكراما له] (^١) إذا كان من أهل الفضل بأي نوع كان، وقد جاءت به أحاديث جمعتها في جزء مستقل بالترخيص فيه، والجواب عما يظن به مخالفا لذلك.\n[الحادية] والثلاثون: استحباب المصافحة عند التلاقي وهي سنة بلا خلاف.\n[الثانية] والثلاثون: استحباب سرور الإمام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه.\n[الثالثة] والثلاثون: أنه يستحب لمن حصلت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه كربة ظاهرة أن يتصدق بشيء صالح من ماله شكرا لله تعالى على إحسانه، وقد ذكر أصحابنا أنه يستحب له سجود الشكر والصدقة جميعا، وقد اجتمعا في هذا الحديث.\n[الرابعة] والثلاثون: أنه يستحب لمن خاف ألا يصبر على الإضاقة ألا يتصدق بجميع ماله، بل ذلك مكروه له.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":678},{"text":"[الخامسة] والثلاثون: أنه يستحب لمن رأى من يريد أن يتصدق بكل ماله ويخاف عليه ألا يصبر على الإضاقة أن ينهاه عن ذلك، ويشير عليه ببعضه.\n[السادسة] والثلاثون: أنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظ على ذلك السبب، فهو أبلغ في تعظيم حرمات الله، وكما فعل كعب -﵁- في الصدق، والله أعلم.\n\n٤٤٣٥ - وعن عبادة بن الصامت -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا الأمانة إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم\" رواه أحمد (^١)، وابن حبان في صحيحه (^٢)، والحاكم (^٣)، كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n[قال الحافظ]: المطلب لم يسمع من عبادة، والله أعلم.\nقوله وعن عُبادة بن الصامت بضم العين هو أبو الوليد بن الصامت بن\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٢٧٥٧) وأخرجه وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (٤٤٦)، وفي مكارم الأخلاف (١١٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص ٣١)، وفي اعتلال القلوب (٢٨٨)، والشاشي في المسند (١٢٦٤)، وابن خزيمة في حديث علي بن حجر (٩١)، والبيهقي في سننه (٦/ ٤٧١)، وفي شعب الإيمان (٤٤٦٤)، (٤٨٧٧)، وقال الهيثمي (٤/ ١٤٥): رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات إلا أن المطلب لم يسمع من عبادة. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٠١٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٩٠١)، وفي السلسلة الصحيحة (١٤٧٠).\n(^٢) ابن حبان (٢٧١).\n(^٣) الحاكم (٤/ ٣٩٩)، وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي في التلخيص وقال: فيه إرسال.","vol":"11","page":679},{"text":"قيس الأنصاري الخزرجي وهو أول من ولي قضاء فلسطين وكان طويلا جسيما جميلا فاضلا خيِّرا توفي سنة أربع وثلاثين قال في الاستيعاب وجهه عمر إلى الشام قاضيا ومعلِّما فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها ودفن ببيت المقدس وقبره بها معروف. وقيل توفي بالرملة. قاله الكرماني (^١). وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. قوله -ﷺ-: اضمنوا [لي] ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة. الضمان الكفالة تقدم في النكاح.\n\n٤٤٣٦ - وعن أنس بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"تقبلوا لي ستا أتقبل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم\" رواه أبو بكر بن أبي شيبة (^٢) وأبو يعلى (^٣) والحاكم (^٤) والبيهقي (^٥)، ورواتهم ثقات إلا سعد بن سنان.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٠٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند كما في المطالب العالية (٢٦٣٣/ ١) وكذا أخرجه أحمد بن منيع.\n(^٣) أبو يعلى في مسنده (٤٢٥٧). وأخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص ٣٠)، وفي مساوئ الأخلاق (١٥٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٤٦)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٥٠١)، وابن بشران في الأمالي (٢٦١).\n(^٤) الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٥٩)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٢٦) وفيه سعد بن سنان ضعفه أحمد والنسائي ووثقه ابن معين ورواه الحاكم بنحوه من حديث عبادة بن الصامت وقال صحيح الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٩٧٨)، والصحيحة (١٤٧٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٢٦).\n(^٥) البيهقي في الشعب (٤٠٤٦).","vol":"11","page":680},{"text":"قوله وعن أنس تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- تقبلوا لي ستا أتقبل لكم بالجنة الحديث. أتقبل معناه أتكفل لكم بدخول الجنة.\n\n٤٤٣٧ - وعن أبي أمامة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحا\" رواه البيهقي بإسناد حسن، ورواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) وحسنه، وابن ماجه (^٣) في حديث تقدم في حسن الخلق.\nقوله وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا الحديث. الزعيم الضامن قال الله تعالى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (^٤)، والمراد بالبيت هنا القصر.\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٠٠) ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٢٤٩) وفي الآداب (٥٣٣) وفي الشعب (٧٦٥٣)، وأخرجه الطبراني في الكبير (٧٤٨٨) وفي مسند الشاميين (١٥٩٤) وفي الأوسط (٤٦٩٠) وتمام في فوائده (٣٤٣)، (٣٤٤)، (٣٤٥) والدولابي في الكنى (٢/ ٩١)، والمزي (٣/ ٤٩٨ - ٤٩٩)، وقال النووي: حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح رياض الصالحين (ص ٢٦٤). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٦٤٨)، والصحيحة (٢٧٣).\n(^٢) وهم المنذري في الترغيب (٣/ ٤٠٦) فعزا الحديث إلى الترمذي وابن ماجه.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٥١)، والترمذي (١٩٩٣)، والخرائطي في المكارم (١/ ٥٩)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣٧)، وابن عدي (٣/ ١١٨١)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٠٢). قال الترمذي: هذا الحديث حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان عن أنس.\n(^٤) سورة يوسف، الآية: ٧٢.","vol":"11","page":681},{"text":"٤٤٣٨ - وعن عبد الرحمن بن الحارث عن أبي قراد السلمي -﵁- قال: \"كنا عند النبي -ﷺ- فدعا بطهور، فغمس يده فتوضأ فتتبعناه فحسوناه فقال النبي -ﷺ-: ما حملكم على ما فعلتم؟ قلنا: حب الله ورسوله قال: فإن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله، فأدوا إذا ائتمنتم، واصدقوا إذا حدثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم\" رواه الطبراني (^١).\nقوله وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي قراد السلمي عداده في أهل الحجاز، يقال له: ابن الفاكه روى عنه: عمارة بن خزيمة بن ثابت، والحارث بن فضيل (^٢). قوله كنا عند النبي -ﷺ- فدعا بطهور فغمس يده فتوضأ فتتبعناه فحسوناه الحديث. الطهور بالفتح هو الماء الذي يتوضأ به وحسوناه معناه شربناه.\n\n٤٤٣٩ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة\" رواه أحمد (^٣) وابن أبي الدنيا (^٤)\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٦٥١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٤٥): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن واقد القيسي، وهو ضعيف. ذكره ابن أبي عاصم، وابن السَّكَن ومداره على عَبد الله بن قيس وهو ضعيف.، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٤٠٩). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٢٨) انظر: السلسلة الصحيحة (٢٩٩٨).\n(^٢) أسد الغابة (٣/ ٤٨٤).\n(^٣) مسند أحمد (٦٦٥٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا الصمت (٤٤٥)، وفي مكارم الأخلاق (١١٩، ٢٧١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٤)، وقوام السنة الترغيب والترهيب (١٦١٨).","vol":"11","page":682},{"text":"والطبراني (^١) والبيهقي (^٢) بأسانيد حسنة.\nقوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ- أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفة في طعمة الحديث. معنى حسن خليقة كذا والعفة في الطعمة المراد بذلك العفة في المأكل يعني أن يكون حلالا.\n\n٤٤٤٠ - وعن الحسن بن علي ﵄ قال: \"حفظت من رسول الله -ﷺ-: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة\" رواه الترمذي (^٣) وقال حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٣٢٢/ ١٤١٢٠)، وفي الأوسط (٢٣١) وأخرجه ابن وهب في جامعه (٥٤٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٣١ و١٦٥ و٥٥٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٤)، والذهبي في الميزان (٢/ ٥٨)، وفي السير (١٣/ ٥٨٨)، وفي تاريخ الإسلام (١٠/ ٤٧٧ و٢٢/ ٢٣٩)، وفي تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٤٥): رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٥): رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما حسن. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٠٤)، وابن وهب في جامعه (٥٤٧)، ومن طريق ابن المبارك أخرجه ابن قتيبة في عيون الأخبار (٣/ ٢٧)، والدينوري في المجالسة (١٠٨٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٨٨) موقوفا، وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١٧٠٨): موقوف أشبه.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٤٦٣)، (٤٨٧٨) (٤٨٧٩)، (٧٦٤٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٧١٨)، والصحيحة (٧٣٣).\n(^٣) الترمذي (٢٥١٨)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الطيالسي (ص ١٦٣)، وعبد الرزّاق (٤٩٨٤)، وأحمد (١/ ٢٠٠)، والدارمي (٢٥٣٥)، وابن أبي عاصم فىِ الآحاد (٤١٦)، والنسائي (٨/ ٢٩٤)، وفي الكبرى (٥٢٢٠)، وأبو يعلى (٦٧٦٢)، وابن حبان (٧٢٢)، =","vol":"11","page":683},{"text":"قوله وعن الحسن بن علي تقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. قوله -﵁- قال حفظت من رسول الله -ﷺ- دع ما يريبك إلى ما لا يريبك الحديث. يريبك بفتح الياء وضمها، ومعناه اترك ما تشك في حله واعدل إلى ما لا شك فيه. قوله فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة. الطمأنينة السكون والريب الشك والاسم الريبة.\n\n٤٤٤١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: \"قلنا: يا نبي الله من خير الناس؟ قال: ذو القلب المخموم، واللسان الصادق. قال: يا نبي الله: قد عرفنا اللسان الصادق فما القلب المخموم؟ قال: التقي الذي لا إثم فيه، ولا بغي، ولا حسد. قال: قلنا يا رسول الله، فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا، ويحب الآخرة. قلنا ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله -ﷺ-، فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن. قلنا: أما هذه ففينا\" رواه ابن ماجه (^١) بإسناد صحيح، وتقدم لفظه، والبيهقي (^٢)، وهذا لفظه، وهو أتم.\nقوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي تقدم الكلام على مناقبه. قوله قلنا\n_________\n= الطبراني في الكبير (٢٧٠٨) (٢٧١١)، وأبو الشيخ في الطبقات (١)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٦٤)، وفي أخبار أصبهان (١/ ٤٤ - ٤٥)، والحاكم (٢/ ١٣ و٤/ ٩٩)، والبغوي في شرح السنة (٢٠٣٢)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذهبي: سنده قوي تلخيص المستدرك (٤/ ٩٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٣٠)، وصحيح الجامع الصغير (٣٣٧٨).\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٢١٦)، وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١٨٧٣): قال أبي هذا حديث صحيح حسن. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٨٩٠) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر بإسناد صحيح.\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٦١٨٠).","vol":"11","page":684},{"text":"يا نبي الله من خير الناس قال ذو القلب المخموم واللسان الصادق تقدم الكلام على القلب المخموم في الحسد.\nقوله قلنا يا رسول الله فمن على أثره قال الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة. يشنأ معناه يبغض.\nقوله فمن على أثره قال مؤمن في خلق حسن، تقدم الكلام على الخلق الحسن في بابه.\n\n٤٤٤٢ - وعن منصور بن المعتمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"تحروا الصدق، وإن رأيتم أن الهلكة فيه فإن فيه النجاة\" رواه ابن الدنيا في كتاب الصمت (^١) هكذا معضلا، ورواته ثقات.\nوعن منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة بضم الراء، وتشديد الباء المفتوحة، أبو عتاب السلمى الكوفى. وهو من كبار تابعى التابعين. سمع زيد بن وهب، وأبا وائل، وربعى بن حراش، وأبا حازم الأشجعي، وأبا الضحى النخعي، والشعبى، والزهرى، وسالم بن أبى الجعد، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وخلائق. روى عنه سليمان التيمي، وأيوب، وحصين، والأعمش، ومسعد، والثوري، وهو أثبت الناس فيه، وشعبة، وابن عيينة، وزهير، وإسرائيل، وزايدة، ووهيب بن خالد، وفضيل بن عياض، وخلائق. واتفقوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٤٤٦)، وفي مكارم الأخلاق (١٣٧)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٥): ضعيف معضل. وضعفه في ضعيف الجامع (٢٣٩٩)، والضعيفة (٣٣٩٠).","vol":"11","page":685},{"text":"على توثيقه، وجلالته، وإتقانه، وزهده، وعبادته، قال ابن مهدى: منصور أثبت أهل الكوفة. وقال ابن المدينى: إذا حدثك عن منصور ابن المعتمر ثقة فقد ملأت يديك لا تريد غيره. وقال الثوري: ما خلفت بالكوفة آمن على الحديث من منصور (^١).\nقوله -ﷺ- تحروا الصدق وإن رأيتم أن الهلكة فيه الحديث. التحري القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول.\n\n٤٤٤٣ - وعن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا\" رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤) والترمذي (^٥) وصححه، واللفظ له.\nقوله وعن ابن مسعود كان -﵁- على قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر -﵁- وصدرا من خلافة عثمان ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان وقيل الزبير وقيل عمار بن ياسر وقيل لحذيفة -﵁- أخبرنا برجل قريب السمت والهدى من\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٤ - ١١٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٠٩٤).\n(^٣) صحيح مسلم (١٠٣) (٢٦٠٧).\n(^٤) سنن أبي داود (٤٩٨٩).\n(^٥) سنن الترمذي (١٩٧١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"11","page":686},{"text":"رسول الله -ﷺ-[نأخذ عنه. قال: ما نعلم أحدا أقرب سمتا وهديا ودلًّا برسول الله -ﷺ-] من ابن أم عبد. السمت عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة والشمائل، قاله في النهاية (^١). والهدى بفتح الهاء وسكون الدال. والدَّلّ بالفتح الهدى؛ [قاله في النهاية (^٢)]. وقال أبو عبيد الدل قريب المعنى من الهدى. وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا.\n[قوله -ﷺ- عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة الحديث. والهُدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلال في مقابله.] (^٣)\nقوله -ﷺ- ما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، مبالغة من الصدق في القول والفعل وهي أعلى مراتب العباد عند الله بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنه سمي أبو بكر الصديق ﵁.\nقوله -ﷺ- إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار. والكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به. والفجور الانبعاث في المعاصي. قال العلماء في هذا الحديث الحث على تحري\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٣١).\n(^٢) الكواكب الدراري (٣/ ١٨٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٥٣) مادة (هدا).\n(^٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وهي أعلى مراتب العباد عند الله بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنه سمي أبو بكر الصديق -﵁-).","vol":"11","page":687},{"text":"الصدق وهو قصده والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه فإنه إذا تساهل فيه كثر منه [فعرف] به وكتب عند الله لمبالغته صديقا إن اعتاده أو كذابا إن اعتاده، ومعنى يكتب هنا يحكم له بذلك ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم أو صفة الكذابين وعقابهم. والمراد إظهار ذلك للمخلوقين إما بأن يكتبه في ذلك ليشتهر بحظه من الصنفين في الملأ الأعلى وإما [أن] يلقي ذلك في قلوب الناس وألسنتهم كما يوضع له القبول والبغضاء في الأرض وإلا [فقدره] ﷾ في كتابه السابق قد سبق بكل ذلك والله أعلم. قاله في الديباجة.\n\n٤٤٤٤ - وعن أبي بكر الصديق -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"عليكم بالصدق، فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار\" رواه ابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله وعن أبي بكر الصديق تقدم. قوله -ﷺ- عليكم بالصدق فإنه مع البر. فيه [إشارة] إلى استعمال الصدق في كل الأحوال واجتناب الكذب والاحتراز منه غاية الاحتراز فإنه شعبة من شعب النفاق ويشهد لذلك ما روي عن النبي -ﷺ- قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب. قوله وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار. يريد الميل عن الصدق وأعمال الخير.\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٥٧٣٤) أخرجه أحمد (١/ ٣)، والبخاري في الأدب (٧٢٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٤٤٠)، وابن ماجه (٣٨٤٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٧١٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٧٢).","vol":"11","page":688},{"text":"٤٤٤٥ - وعن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، وهما في النار\" رواه الطبراني في الكبير (^١) بإسناد حسن.\nقوله وعن معاوية بن أبي سفيان هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، أبو عبد الرحمن هو وأبوه من مسلمة الفتح. روى له [عن] رسول الله -ﷺ- مائة حديث وثلاثة وستون حديثا، ذكر البخاري منها ثمانية، مات بدمشق سنة ستين وتولى الشام في زمن عمر -﵁- ولم يزل بها متوليا حاكما إلى أن مات وذلك مدة أربعين سنة وفي آخر عمره أصابته لقوة وكان يقول ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى ولم آل من هذا الأمر شيئا وكان عنده إزار رسول الله -ﷺ- ورداؤه [وقميصه] وشيء من شعره وأظفاره فقال كفنوني في قميصه وأدرجوني في ردائه وازروني بإزاره واحشوا منخري وشدقي ومواضع السجود مني بشعره وأظفاره وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين. قاله الكرماني (^٢).\nقوله -ﷺ-: عليكم بالصدق فإنه يهدي للبر الحديث. قال العلماء معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم والبر اسم جامع للخير كله. وقيل البر الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة. وأما\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٨٠/ ٨٩٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٣) رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن.، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٣٤).\n(^٢) تاريخ مدينة دمشق (٥٩/ ٢٢٩)، تهذيب الأسماء (٢/ ٤٠٧)، الكواكب الدراري (٢/ ٣٦).","vol":"11","page":689},{"text":"الكذب فيوصل إلى الفجور وهو الميل عن الاستقامة وقيل الانبعاث في المعاصي.\n\n٤٤٤٦ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄: \"أن رجلا جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله! ما عمل الجنة؟ قال: الصدق، إذا صدق العبد بر، وإذا بر آمن، وإذا آمن دخل الجنة. قال يا رسول الله: وما عمل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر، يعني دخل النار\" رواه أحمد (^١) من رواية ابن لهيعة.\nقوله وعن عبد الله بن عمر تقدم الكلام عليه. قوله أن رجلا أتى إلى النبي -ﷺ- فقال يا رسول الله ما عمل الجنة قال الصدق إذا صدق العبد برّ وإذا برّ آمن الحديث. تقدم الكلام على البر وعلى الإيمان.\n\n٤٤٤٧ - وعن مالك أنه بلغه أن ابن مسعود قال: \"لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب، فتنكت في قلبه نكتة حتى يسود قلبه، فيكتب عند الله من الكاذبين\" ذكره مالك في الموطأ (^٢) هكذا، وتقدم بنحوه متصلا مرفوعا.\nقوله وعن مالك ﵀ أنه بلغه أن ابن مسعود قال لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فيكتب في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكت عند الله\n_________\n(^١) مسند أحمد (٦٦٤١)، وأخرجه أبو يعلى الموصلي في المسند كما في إتحاف الخيرة المهرة (٥٤٠١/ ١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٤٢): رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٨١٠)، وفي الضعيفة (٤١٥٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٦).\n(^٢) موطأ مالك (٢/ ٩٩٠/ ١٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٧).","vol":"11","page":690},{"text":"من الكاذبين الحديث. تقدم الكلام على مالك وابن مسعود وعلى تحري الكذب وعلى النكتة في باب الاستغفار وأنها بالتاء المثناة فوق وأنها نقطة شبه الوسخ في المرآة.\n\n٤٤٤٨ - وعن سمرة بن جندب -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: \"رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة\"رواه البخاري (^١) هكذا مختصرا في الأدب من صحيحه، وتقدم بطوله في ترك الصلاة.\nقوله وعن سمرة بن جندب تقدم. قوله -ﷺ- أتياني قالا لي الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق تقدم الكلام على ضبط الكذبة في حديث كعب بن مالك أول الباب، وعلى شق الشدق في ترك الصلاة وغيره. والآفاق جمع أفق وأفق، مثل عسر وعسر أى النواحي.\n\n٤٤٤٩ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر\" رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nوزاد مسلم في رواية له: \"وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم\".\nقوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر. زاد مسلم في رواية وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٠٩٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣).\n(^٣) صحيح مسلم (١٠٧) (٥٩).","vol":"11","page":691},{"text":"قوله -ﷺ- آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب الحديث أي [علامته ودلالته] وآيات الساعة وآيات الأنبياء الآية العلامة وسميت آية القرآن بذلك لأنها علامة انقطاع كلام عن كلام. فإن قلت الآية مفردة فالظاهر يقتضي أن يقال الآيات ثلاث، قلت إما أن يقال كل من الثلاث آية حتى لو وجدت [خصلة] واحدة يكون صاحبها منافقا أو أن يقال كل الثلاث معا آية حتى إذا اجتمعت تكون آية واحدة فعلى الأول المراد منها جنس الآية وعلى الثاني معناه [الآية] (^١) اجتماع هذه الثلاث اهـ، قاله الكرماني في شرح البخاري (^٢). واعلم أن جماعة من العلماء عدوا هذا الحديث مشكلا من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه الذي ليس فيه شك وقد أجمع العلماء على أنّ من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال المذكورة في الحديث لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يجعله في الدرك الأسفل من النار [والجواب أنّ] الحديث ليس فيه بحمد الله إشكال؛ وقد اختلف العلماء في معناه فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال أو يكون نفاقه [خالصا] في حق من [حدثه] ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ١٤٧).","vol":"11","page":692},{"text":"يبطن الكفر ولم يرد النبي -ﷺ- بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في [الدرك] الأسفل من النار اهـ.\nقوله -ﷺ- كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال وقال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من ندر ذلك منه فليس داخلا فيه هذا هو المختار في معنى الحديث. وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي (^١) معناه عن العلماء مطلقا فقال إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وقال جماعة من العلماء المراد [به] (^٢) المنافقون الذين كانوا في زمن النبي -ﷺ- فحدثوا بإيمانهم فكذبوا وائتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري ﵀ بعد أن كان على خلافه وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر وروياه أيضا عن النبي -ﷺ- قال القاضي (^٣) وإليه مال كثير من أئمتنا. وحكى الخطابي (^٤) قولا آخر أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق وأحسن ما قيل في النفاق أن يقال النفاق شرعي وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام وعرفي وهو ما يكون سره خلاف عَلَنه وهذا هو المراد إن شاء الله تعالى. وحكى الخطابي أيضا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤٧).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) إكمال المعلم (١/ ٣١٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤٧).","vol":"11","page":693},{"text":"منافق وكان النبي -ﷺ- لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق وإنما يشير إشارة [بالآية إليه حتى يعرف ذلك] كقوله -ﷺ- ما بال أقوام يفعلون كذا فها هنا أشار [بالآية] إليه حتى يعرف ذلك الشخص بها، قاله الكرماني (^١).\nتنبيه قال الخطابي (^٢): قال حذيفة: وانما كان النفاق على عهد رسول الله -ﷺ- ولكنه اليوم هو الكفر بعد الإيمان ومعناه أن المنافقين في ذلك الزمان لم يكونوا قد أسلموا إنما كانوا يظهرون الإسلام رياء ويسترون الكفر ضميرا وأما اليوم فقد شاع الإسلام وتوالد الناس عليه فمن نافق منهم فهو مرتد لأن نفاقه كفر أحدثه بعد قبول الإيمان وإنما كان المنافق حينئذ مقيما على كفره الأول هذا كلامه اهـ. قاله الكرماني (^٣).\nقال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي (^٤): النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر واظهار الخير [وابطال] (^٥) خلافه وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين أحدهما النفاق الأكبر وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويُبطن ما يناقض ذلك كلّه أو بعضه وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله -ﷺ- ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم وأخبر أنّ أهله في الدرك الأسفل من النار والثاني النفاق الأصغر وهو نفاق\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٤٩).\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ١٥١).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٥٢)، وأعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (١/ ١٦٨).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٨١).\n(^٥) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (وإبطان).","vol":"11","page":694},{"text":"العمل وهو أن يظهر الإنسان علانية صالح ويبطن ما يخالف ذلك اهـ. قال الكرماني (^١) النفاق في الاصطلاح هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر وسمي المنافق به لأنه يستر كفره فشبه بالذي يدخل النفق وهو السِّرْب الذي في الأرض، وله مخلص إلى مكان آخر فيستر به وهو من نافقاء اليربوع فكذلك المنافق اهـ. قال العلماء وأصل النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في الحديث، وهي خمسة:\nأحدها أن يحدث بحديث لمن يصدقه به وهو كاذب له والكذب هو الإخبار على خلاف الواقع، ومعنى الحديث آية المنافق كذبه عند تحديثه.\nالثاني إذا وعد أخلف والوعد الإخبار بإيصال الخير في المستقبل والإخلاف جعل الوعد خلافا. قيل هو عدم الوفاء به. قال العلماء وهو على نوعين أحدهما أن يَعِدَ ومن نيّته أن لا [يفي بوعده وهذا أشر الخلق ولو قال كذا إن شاء الله ومن نيته أن لا] (^٢) يفعل كان كذبا وخلفا قاله الأوزاعي. الثاني أن يعد ومن نيته أن يفي ثم يبدو له أن فيخلف من غير عذر له في الخلف، وذكر الحديث إذا وعد الرجل ونوى أن يفي فلم يف فلا جناح عليه. وقد أجمع العلماء ﵃ على أن من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده وهل ذلك واجب أم مستحب؟ فيه خلاف بينهم ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب فلو تركه فاته الفضل، وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة، ولكن لا يأثم ودليل الشافعي رحمه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٤٧).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":695},{"text":"الله والجمهور قوله -ﷺ- إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه، وهذا ما ذهب إليه الجمهور، فإن قوله -ﷺ- ولم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه أي سواء كان قادرا على الوفاء أو غير قادر، رواه أبو داود والترمذي واستدل أيضا من لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور.\nوذهب جماعة إلى أنه واجب. قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي (^١) أجل من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري أيضا قال وذهبت المالكية مذهبا ثالثا أنه إن ارتبط الوعد بسبب كقوله تزوج ولك كذا واحلف أنك لا تشتمني ولك كذا ونحو ذلك وجب الوفاء وإن كان وعدا مطلقا لم يجب لأن الوعد عند المالكية في معنى الهبة والهبة عندهم لا تلزم قبل القبض، والله أعلم.\nالثالث إذا عاهد وغدر ولم يوف بالعهد والمعاهدة المحالفة والمواثقة والغدر ترك الوفاء وهو داخل في قوله وإذا اؤتمن خان. قال الله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (^٢)، وإنما خص هذه الثلاث المذكورة في الحديث بالذكر لأنها مشتملة على المحالفة التي عليها مبنى النفاق من مخالفة السر العلن. الرابع إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدا حتى يصير الحق باطلا والباطل [حقا] (^٣) بمعنى فجر مال عن الحق، وقال الباطل\n_________\n(^١) الأذكار (١/ ٢٥١).\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٩١.\n(^٣) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (حق) بالرفع وهو خلاف الصواب.","vol":"11","page":696},{"text":"أو شق ستر الديانة. قال أهل اللغة وأصل الفجور الميل عن القصد وهذا مما يدعو إليه الكذب كما قال النبي -ﷺ- إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار. الخامس الخيانة في الأمانة [والائتمان] جعل الشخص أمينا واؤتمن بصيغة المجهول وفي بعض الروايات بتشديد التاء والخيانة التصرف في الأمانة على خلاف الشرع فإذا اءتمن الرجل أمانة فالواجب عليه أن يؤديها كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^١)، فالخيانة في الأمانة من خصال المنافقين، اهـ. وهذا المذكور في الخمس خصال من كلام ابن رجب والكرماني.\nتنبيه: قال النووي (^٢) لا منافاة بين الحديث يعني حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي المذكور بعده من ثلاث خصال كما في الحديث الأول أو أربع خصال كما في الحديث الآخر لأن الشيء الواحد قد تكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفة ثم تكون تلك [العلامة] شيئا واحدا وقد تكون أشياء.\nوقال الطيبي: لا منافاة لأن الشيء الواحد قد تكون له علامات فتارة يذكر بعضها وأخرى جميعها أو أكثرها. قال الكرماني (^٣): وأقول الأولى أن يقال التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد ولا الناقص وأقول لو اعتبرنا هذا الدخول فالخمس راجعة إلى الثلاث فتأمل والحق أنها خمسة متغايرة عرفا\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٥٨.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٤٨).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٥١).","vol":"11","page":697},{"text":"وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضا. وقال غيره فحصل من مجموع الحديثين إن خصال المنافق خمس إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإن كانت الرابعة داخلة في الثالثة لأن الغدر خيانة [ممن] ائتمن عليه من غدره فلا منافاة بين الروايتين والله أعلم. [وقوله -ﷺ-: (وإذا وعد أخلف) أي لم يف، وفي حديث علي: وعدني فأخلفني؛ أي لم يف بوعدي؛ قاله عياض (^١).]\nفائدة وعن مقاتل بن حيان (^٢) أنه سأل سعيد بن جبير عن هذا الحديث وقال هذه مسألة قد أفسدت علي معيشتي لأني أظن أني لا أسلم من هذه الثلاث أو من بعضها فضحك سعيد وقال أهمني [أهمني] (^٣) ما أهمك فأتيت ابن عمر وابن عباس ﵄ فقصصت عليهما فضحكا وقالا أهمنا والله يا ابن أخي مثل الذي أهمك من هذا الحديث فسألنا النبي -ﷺ- فضحك فقال ما لكم ولهن أما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عليّ ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٤).\nوأما إذا وعد أخلف فذلك في قوله تعالى ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ (^٥) الآية، وأما إذا ائتمن خان فذلك فيما\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٣٨).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٩٣).\n(^٣) هكذا هي هذه العبارة مكررة في النسخة الهندية.\n(^٤) سورة المنافقون، الآية: ١.\n(^٥) سورة التوبة، الآية: ٧٧.","vol":"11","page":698},{"text":"أنزل الله علي ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (^١) الآية، وأنتم برءاء من ذلك اهـ. قاله الكرماني في شرح البخاري (^٢).\nلطيفة: يحكى أن رجلا من البصرة قدم مكة حاجا فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح فقال سمعت الحسن يقول من كان فيه ثلاث خصال لم يُحرَّج أن أقول إنه منافق. فقال له عطاء [أي إن] (^٣) رجعت إلى الحسن فقل له إن عطاء يقرأ عليك السلام ويقول لك ما تقول في بثي يعقوب إخوة يوسف إذ حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا أفكانوا منافقين؟ فلما قال للحسن ذلك سُرَّ الحسن به فقال جزاك الله خيرا ثم قال لأصحابه إذا سمعتم مني حديثا فاصنعوا مثل ما صنع أخوكم حدثوا به العلماء فما كان منه صوابا فحسن وإن كان غير ذلك ردوا علي جوابه، اهـ. قاله الكرماني (^٤) أيضا.\n\n٤٤٥٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: \"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\". رواه البخاري (^٥) ومسلم (^٦) وأبو داود (^٧)\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.\n(^٢) الكواكب الدراري (١/ ١٤٩).\n(^٣) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (إذا).\n(^٤) الكواكب الدراري (١/ ١٤٩).\n(^٥) صحيح البخاري (٣٤).\n(^٦) صحيح مسلم (١٠٦) (٥٨).\n(^٧) سنن أبي داود (٤٦٨٨).","vol":"11","page":699},{"text":"والترمذي (^١) والنسائي (^٢).\nقوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا الحديث. تقدم الكلام على الأربع [خصال] (^٣).\nقوله كان منافقا خالصًا، قال ابن بطال (^٤) معنى خالصًا أي خالصًا في هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها وقال النووي (^٥) أي شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال.\nقوله -ﷺ- من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النافق أي شعبة من شعبه وجزء منه أو حالة من حالاته قاله في النهاية (^٦). قال صحاب حدائق حدائق الأولياء بعد سياق هذا الحديث ولا تحذير أبلغ من ذلك فمن يختار أن يكون في رتبة المنافقين التي هي أسفل الدرجات اهـ.\nقول وإذا عاهد غدر هو داخل في قوله وإذا ائتمن خان أصل الخيانة النقص أي ينقص ما يؤتمن عليه ولا يؤديه كما كان عليه وخيانة العبد ربه أي لا يؤديه حقوقه [وأمانات] عبادته التي ائتمنه عليها. قاله عياض (^٧).\nقوله وإذا خاصم فجر أي مال عن الحق، وقال الباطل والكذب. قال أهل\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٦٣٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) سنن النسائي (٨/ ١١٦).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٩١)، الكواكب الدراري (١/ ١٥١).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤٧)، الكواكب الدراري (١/ ١٥١).\n(^٦) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٣٨).\n(^٧) مشارق الأنوار (١/ ٢٤٨).","vol":"11","page":700},{"text":"اللغة أصل الفجور الميل عن القصد.\n\n٤٤٥١ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وحج واعتمر، وقال: إني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\" رواه أبو يعلى (^١) من رواية الرقاشي، وقد وثق، ولا بأس به في المتابعات.\nقوله وعن أنس تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- ثلاث من كن فيه فهو منافق الحديث، أي ثلاث خصال وتقدم الكلام على النفاق. قوله ﷺ إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف أي لم يف بوعده ولم يصدق والاسم منه الخلف بالضم، قاله في النهاية (^٢).\nقال الغزالي (^٣) وهذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر فأما من عزم على الوفاء وعنَّ له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق لكن ينبغي أن يحترز من\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٤٠٩٨)، والحديث؛ أخرجه الفريابي في صفة المنافق (١٢)، وأبو نعيم في صفة النفاق (٥٢). وأخرجه رسته وأبو الشيخ في التوبيخ كما في الكنز العمال (٨٥٥)، وأخرجه أبو يعلى (٤٠٩٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٧) رواه أبو يعلي، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٤٣) دون قوله: حج أو اعتمر فضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٣٨).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٦٧).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٣/ ١٣٣).","vol":"11","page":701},{"text":"صورة النفاق أيضا كما يحترز من حقيقته. وتقدم الكلام على الثلاث خصال المذكورة في الحديث مبسوطا في أحاديث الباب قبل قبله.\n\n٤٤٥٢ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء وإن كان صادقا\"رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢).\n\n٤٤٥٣ - ورواه أبو يعلى (^٣) من حديث عمر بن الخطاب ﵁، ولفظه قال رسول الله -ﷺ-: \"لا يبلغ العبد صريح الإيمان حتى يدع المزاح والكذب، ويدع المراء، وإن كان محقا\" وفي أسانيدهم من لا يحضرني حاله، ولمتنه شواهد كثيرة.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقا، الحديث. تقدم أن الإيمان في اللغة التصديق وتقدم معنى الكذب وتقدم الكلام أيضا على المراء في آخر كتاب العلم.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٨٦٣٠).\n(^٢) المعجم الأوسط (٥١٠٣)، وفي مسند الشاميين (٣٤٦٧)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (ص ٣٠)، وفي الصمت (٤٤٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٢) رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه منصور بن أذين، ولم أر من ذكره ..\n(^٣) مسند الشاميين (٢١١٥)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ١٧٦)، وتمام في الفوائد (١٦٠٦)، والسمعاني من طريق المعجم (١/ ٦٣٣) ورواه أبو يعلى في المسند كما في المطالب (٢٩١٩)، والإتحاف (٤٤/ ٤٠)، والمجمع (١/ ٩٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٢): رواه أبو يعلى في الكبير، وفيه محمد بن عثمان عن سليمان بن داود، لم أر من ذكرهما.","vol":"11","page":702},{"text":"٤٤٥٤ - وعن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب\" رواه أحمد (^١) قال: حدثنا وكيع سمعت الأعمش قال: حدثت عن أبي أمامة.\nقوله وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب. يطبع معناه يخلق عليها والخلال هي الخصال، واحدها خلة بالفتح، وتقدم الكلام على الخيانة والكذب.\n\n٤٤٥٥ - وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب\"رواه البزار (^٢). وأبو يعلى (^٣)، ورواته رواة\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٢١٧٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦١٢١) و(٣٠٩٧٧)، ومن طريقه ابن أبي عاصم في السنة (١١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٢) رواه أحمد، وهو منقطع بين الأعمش وأبي أمامة. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١/ ١٤٠) هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. وضعفه الألباني في الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٢١٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٨).\n(^٢) البزار = البحر الزخار (١١٣٩). وقال: وهذا الحديث يروى عن سعد، من غير وجه موقوفا ولا نعلم أحدا أسنده إلا علي بن هاشم، عن الأعمش عن أبي إسحاق بهذا الإسناد قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٢) رواه البزار وأبو يعلي، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٢١٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٤٩)، وفي ضعيف الجامع (٤٢٢٦).\n(^٣) مسند أبي يعلى (٧١١)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١٣١/ ١): وقال رواه البزار في مسنده قال البزار: روي عن سعد من وجه مرفوعا ولا نعلم أسنده إلا علي بن هاشم بهذا الإسناد. قلت: وثقه أحمد وابن معين وابن المديني وأبو زرعة والنسائي وابن حبان وغيرهم.","vol":"11","page":703},{"text":"الصحيح، وذكره الدارقطني في العلل (^١) مرفوعا وموقوفا، وقال: الموقوف أشبه بالصواب، ورواه الطبراني (^٢) في الكبير والبيهقي (^٣) من حديث أبي عمر مرفوعا.\nقوله وعن سعد بن أبي وقاص تقدم. قوله -ﷺ- يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب، تقدم معناه في الحديث قبله. قوله ذكره الدارقطني\n_________\n(^١) رواه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٩)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٤٧٢)، وفي مكارم الأخلاق (١٤٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٨٨، ٥٩١)، وابن عدي في الكامل (١/ ٤٤)، والبيهقي في السنن الكبير (١٠/ ٣٣٢)، وفي شعب الإيمان (٤٨٥٩، ٤٨١٠) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٧٥). وقال ابن أبي حاتم الرازي في علل الحديث (٢٥٠٦): قال أبو زرعة: هذا يُروَى عن سعد موقوف. وانظر: علل الدارقطني (٦٠٢). وقال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٥٠٨) وسنده قوي. والحديث وإن كان إسناده قويا لكنه معل فقد روي موقوفا على سعد بن أبي وقاص، وإسناده أقوى من المرفوع. وعلى هذا يكون المرفوع معللا بالموقوف.\nوقد أخرج الموقوف: ابن المبارك في الزهد (٨٢٨)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٠٨٥٣)، وابن أبي الدنيا في الصمت وآداب اللسان (٤٩٠)، والدارقطني في العلل (٤/ ٣٣١)، والبيهقي في السنن الكبير (١٠/ ٣٣٢)، وقال البيهقي؛ وهذا موقوف وهو الصحيح.\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ١٤٠/ ١٣٨١٥)، ورواه ابن أبي عاصم في السنة (١١٩)، وابن عدي في الكامل (١/ ١٣٧)، (٧/ ٢٣١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤٧١)، وقال ابن عدي: وهذا الحديث يرويه عُبيد الله بن الوليد الوصافي، عن محارب. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٣) رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبيد الله بن الوليد، وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٨٠٩)، وأبو يعلى (١٦٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٤٣١)، والضعيفة (٣٢١٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٥٠).","vol":"11","page":704},{"text":"مرفوعا وموقوفا. تقدم الكلام على الحديث المرفوع والموقوف في اصطلاح المحدثين.\n\n٤٤٥٦ - وعن أبي بكر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"الكذب مجانب الإيمان\" رواه البيهقي (^١)، وقال: الصحيح أنه موقوف.\nقوله وعن أبي بكر الصديق تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- الكذب مجانب الإيمان الحديث. الإيمان معناه.\n\n٤٤٥٧ - وعن صفوان بن سليم قال: \"قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم. قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم. قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا\" رواه مالك (^٢) هكذا مرسلًا.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٤٦٦) و(٤٤٦٧) ابن عدي (١/ ١٣٥) عن أبي بكر الصديق مرفوعا. وقال البيهقي هذا إسناد ضعيف، والصحيح أنه موقوف. قال الدارقطني في علله (٥٠): ولا يثبت رفعه، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٣٦) ابن وهب في الجامع (٥٤٤)، ووكيع في الزهد (٣٩٩) ابن أبي شيبة (٢٥٦٠٢) أحمد (١٦) وهناد في الزهد (١٣٦٨) اللالكائي في السنة (١٨٧٣) وابن أبي عمر العدني في الإيمان (٥٦) و(٥٧) والخلال في السنة (١٤٦٧) والدارقطني في العلل (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩) وابن عدي (١/ ١٣٦) البيهقي في شعب الإيمان (٤٤٦٨) و(٤٤٦٩)، وفي السنن الكبرى (١٠/ ٣٣٢) موقوفا.\nوضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢١٠)، والضعيفة (٢٣٩٣) وقال: أخطأ السيوطي فعزاه في الجامع لأحمد وأبي الشيخ في التوبيخ وابن لال مكارم الأخلاق عن أبي بكر مرفوعًا، وإنما رواه أحمد موقوفًا، انظر: الضعيفة (٥/ ٤١٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٥١).\n(^٢) موطأ مالك (٢/ ٩٩٠/ ١٩)، وعنه ابن وهب في الجامع (٥٢١) ومن طريقه، وابن أبي =","vol":"11","page":705},{"text":"قوله وعن صفوان بن سليم هو أبو الحارث، صفوان بن سليم، مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، تابعي، جليل القدر، من أهل المدينة، مشهور. روى عن أنس بن مالك، ونفر من التابعين. كان من خيار عباد الله الصالحين. مات سنة أربع وعشرين، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائة (^١). كذا\nقوله قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا قال نعم قيل له أيكون المؤمن بخيلا قال نعم قيل له أيكون المؤمن كذابا قال لا. الحديث. الجبن هو الخوف وعدم الإقدام على الشيء، وتقدم الكلام على البخل والكذب. قوله رواه مالك، هكذا مرسلا، تقدم الكلام على بعض مناقب مالك، وتقدم الكلام أيضا علفى الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.\n\n٤٤٥٨ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا يجتمع الكفر والإيمان في قلب امرئ، ولا يجتمع الصدق والكذب جميعا، ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعا\"رواه أحمد (^٢) من رواية ابن لهيعة.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- لا يجتمع الكفر والإيمان في قلب امرئ ولا يجتمع الصدق والكذب جميعا ولا تجتمع الخيانة والأمانة\n_________\n= الدنيا في مكارم الأخلاق (١٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٤٧٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٥٢).\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٥٢٦).\n(^٢) أحمد (٨٥٩٣) والحديث؛ أخرجه ابن وهب، في الجامع (٤٦٤ و٥٣٧)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٩٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٣): رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٥٣).","vol":"11","page":706},{"text":"جميعا. رواه أحمد من رواية ابن لهيعة، تقدم الكلام على هذه الخصال، وعلى ابن لهيعة.\n\n٤٤٥٩ - وعن النواس بن سمعان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق، وأنت له كاذب\" رواه أحمد (^١) عن شيخه عمر بن هارون، وفيه خلاف، وبقية رواته ثقات.\nقوله وعن نواس بن سمعان تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت له كاذب، تقدم الكلام على الصدق والكذب في أحاديث الباب. فائدة من الكبائر اعتياد الكذب من غير ضرورة.\nقال النووي (^٢) وإجماع الأمة منعقد على تحريمه، قال الله تعالى ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (^٣)، وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٧٦٣٥) وأخرجه هناد في الزهد (١٣٨٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٤٩٥)، وابن عدي في الكامل ١/ ٥٠، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٩٩، والبيهقي في الشعب (٤٨٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٤٢) رواه أحمد عن شيخه عمر بن هارون، وقد وثقه قتيبة وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات. وقال في (٨/ ٩٨) رواه أحمد والطبراني، وفيه عمر بن هارون وهو ضعيف. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٥٢) هذا إسناد ضعيف؟ لضعف عمر بن هارون. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤١٦٢)، والضعيفة (١٢٥١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٥٤).\n(^٢) الأذكار (١/ ٣٠١).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٦١.","vol":"11","page":707},{"text":"يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (^١)، واعلم أن أقبح الكذب وأفحشه كذب الملوك، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٢).\n\n٤٤٦٠ - وعن سفيان بن أسيد الحضرمي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق، وأنت له به كاذب\" رواه أبو داود (^٣) من رواية بقية بن الوليد، وذكر أبو القاسم البغوي في معجمه (^٤) سفيان هذا، وقال: لا أعلم روى غير هذا الحديث.\nقوله وعن سفيان بن أسيد الحضرمي أسيد -بوزن عظيم-.\nذكره ابن أبي خيثمة وابن أبي عاصم وغيرهما في الصّحابة روى عنه جبير بن نفير. حديثه في الحمصيين.\nقوله سمعت رسول الله -ﷺ- يقول كبرت خيانة أن تحدِّث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت له كاذب، تقدم معناه في الحديث قبله.\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٢٨.\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٣٣).\n(^٣) أبو داود (٤٩٧١)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٩٣)، وابن عدي في الكامل (١/ ٥٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٧١) (٦٤٠٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦١١) و(٦١٢) و(٦١٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣١٤)، وابن عدي في الكامل (١/ ١٤٨)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٢٥)، والضعيفة (١٢٥١)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤١٦٢).\n(^٤) معجم الصحابة للبغوي (٣/ ٢٠٢).","vol":"11","page":708},{"text":"٤٤٦١ - وعن أبي برزة الأسلمي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"ألا إن الكذب يسود الوجه، والنميمة عذاب القبر\" رواه أبو يعلى (^١) والطبراني (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣) والبيهقي (^٤) كلهم من رواية زياد بن المنذر عن نافع بن الحارث، وتقدم الكلام عليها في النميمة.\nقوله وعن أبي برزة الأسلمي، أبو بزرة الأسلمي اسمه نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وقال: نيار شيطان.\nوأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديما، وشهد مع رسول الله -ﷺ- فتح مكة. روى له عن رسول الله -ﷺ- ستة وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدي، والأزرق بن قيس، وغيرهم، نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل:\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (٧٤٤٠).\n(^٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩١) رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه زياد بن المنذر وهو كذاب. وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٦٥) وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٩٧)، والضعيفة (١٤٩٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٦٧٥): موضوع.\n(^٣) صحيح ابن حبان (٥٧٣٥).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٨١٣).","vol":"11","page":709},{"text":"إنه رجع إلى البصرة فتوفى بها، وقيل: توفى بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة، ﵁ (^١). قوله وسمعت رسول الله -ﷺ- يقول ألا إن الكذب يسود الوجه والنميمة عذاب القبر تقدم.\n\n٤٤٦٢ - وروي عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"بر الوالدين يزيد العمر، والكذب ينقص الرزق، والدعاء يرد القضاء\" رواه الأصبهاني (^٢).\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- بر الوالدين يزيد في العمر والكذب ينقص الرزق والدعاء يرد القضاء، رواه الأصبهاني، تقدم الكلام على بر الوالدين والزيادة في العمر، والجمهور على أنها زيادة معنوية وهي أن يبارك له في عمره بكثرة الطاعات، وبقي الكلام على أن الكذب ينقص الرزق كذا وتقدم الكلام على الأصبهاني.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٩ - ١٨٠).\n(^٢) أخرجه قوام السنة في الترغيب والترهيب (٤٢٩) وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ٢٩٥)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٢٩)، في ترجمة خالد بن إسماعيل وقال: وهذه الأحاديث بهذه الأسانيد مناكير ولخالد بن إسماعيل هذا غير ما ذكرت من الحديث وعامة حديثه هكذا كما ذكرت وتبينت أنها موضوعات كلها ولم أر لمن تقدم وتكلم في الرجال تكلم فيه على أنهم قد تكلموا في من هو خير منه بدرجات وقال الألباني في ضعيف الجامع (٢٣٢٧)، والضعيفة (١٤٢٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٥٧): موضوع.","vol":"11","page":710},{"text":"٤٤٦٣ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: \"إذا كذب العبد تباعد الملك عنه ميلا من نتن ما جاء به\" رواه الترمذي (^١) وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (^٢)، وقال الترمذي: حديث حسن.\nقوله وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر حيث أطلق المراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب كذا قاله الكرماني. قوله -ﷺ- إذا كذب العبد تباعد الملك منه ميلا من نتن ما جاء به. الميل ستة آلاف ذراع، وظاهر الحديث أن الملك يدرك من الإنسان ريحا خبيثة عند الكذب كما قد قيل إن الملائكة إنما تعرف أفعال العبد الباطنة كالرياء والعزم على المعصية بريح خبيثة وبالعكس [يجعل] الله ذلك أمارة لهم على أفعال القلوب والله أعلم.\n\n٤٤٦٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: \"ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله -ﷺ- من الكذب ما اطلع على أحد من ذاك بشيء، فيخرج من قلبه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٩٧٢)، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٣٩٨)، وفي المعجم الصغير (٨٥٣)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٣٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٩٧) وقال: غريب من حديث عبد العزيز عن نافع، تفرد به عبد الرحيم وقال الترمذي: حسن غريب وفي إسناده عبد العزيز بن أبي رواد انظر: المجروحين لابن حبان (٢/ ١٣٦) وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٧٤): لا يصح، وعبد العزيز يروى نسخة موضوعة منها هذا الحديث كان يحدث بها توهمًا لا تعمدًا فسقط الاحتجاج به وكذلك فيه عبد الرحيم بن هارون قال الدارقطني: يكذب (المغني ٣٨٢٨) وأورده الألباني في ضعيف الجامع (٦٨٠) وقال: ضعيف جدًا، والسلسلة الضعيفة (١٨٢٨) وقال: منكر. انظر: ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٥٨).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في الصمت (٤٧٧)، وفي مكارم الأخلاق (١٤٦).","vol":"11","page":711},{"text":"حتى يعلم أنه قد أحدث توبة\" رواه أحمد (^١) والبزار (^٢) واللفظ له، وابن حبان في صحيحه (^٣)، ولفظه قالت: \"ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله -ﷺ- من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة، فما يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة\"، ورواه الحاكم (^٤) وقال: صحيح الإسناد، ولفظه قالت: \"ما كان شيء أبغض إلى رسول الله -ﷺ- من الكذب، وما جربه رسول الله -ﷺ- من أحد وإن قل، فيخرج له من نفسه حتى يجدد له توبة\".\nقوله وعن عائشة ﵂ هي الصديقة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشية التيمية أم عبد الله كناها رسول الله -ﷺ- بابن أختها أسماء عبد الله بن الزبير، وقيل بسقط لها، تزوجها رسول الله -ﷺ- قبل الهجرة وهي بنت ست سنين وبنى بها بالمدينة بعد منصرفه من بدر في شوال سنة اثنتين وقيل بعد سبعة أشهر من الهجرة وهي بنت تسع سنين والأحاديث الصحيحة في فضلها كثيرة ومما اجتمع لها من الفضائل أنها زوج رسول الله -ﷺ- قاله الكرماني (^٥). وتقدم الكلام على مناقبها\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٥١٨٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٠٥٢).\n(^٢) مسند البزار = البحر الزخار (٢٠٣)، وأخرجه ابن وهب في الجامع (٥٣٣)، ومعمر بن راشد في الجامع (٢٠١٩٥)، وإسحاق بن راهويه (١٢٤٥)، والمؤمل في جزئه (ص: ٩٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٣١)، وفي شعب الإيمان (٤٤٧٥).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٥٧٣٦).\n(^٤) المستدرك للحاكم (٤/ ١١٠)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٥) الكواكب الدراري (١/ ٢٥).","vol":"11","page":712},{"text":"مبسوطا في مواضع من هذا التعليق. قولها ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله من الكذب الحديث. تقدم الكلام على معنى الكذب.\n\n٤٤٦٥ - وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: \"فقلت يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا أشتهيه يعد ذلك كذبا؟ قال: إن الكذب يكتب كذبا حتى تكتب الكذيبة كذيبة\" رواه أحمد (^١) في حديث، وابن أبي الدنيا في الصمت (^٢) والبيهقي (^٣) كلهم من رواية يونس بن يزيد الأيلي عن أبي\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٧٤٧١).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في الصمت (٥٢٠) في مكارم الأخلاق (١٤٩).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٤٨٢١) وأخرجه الطبراني في الصغير (٧١٠)، وفي الكبير ٢٤/ ١٥٥/ ٤٠٠)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٨٥٢) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والطبراني في الكبير وله نحوه من رواية شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد وهو الصواب، فإن أسماء بنت عميس كانت إذ ذاك بالحبشة، لكن في طبقات الأصبهانيين لأبي الشيخ من رواية عطاء بن أبي رباح عن أسماء بنت عميس: زففنا إلى النبي -ﷺ- بعض نسائه ... الحديث. فإذا كانت غير عائشة ممن تزوجها بعد خيبر فلا مانع من ذلك. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٤٢) رواه أحمد والطبراني في الكبير في حديث طويل، وفي إسناده أبو شداد عن مجاهد، قال في الميزان: لم يرو عنه سوى ابن جريج. قلت: قد روى عنه يونس بن يزيد الأيلي في هذا الحديث في المسند، فارتفعت الجهالة. وقال في (٤/ ٥١) رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وفيه أبو شداد، عن مجاهد روى عنه ابن جريج، ويونس بن يزيد، وبقية رجاله رجال الصحيح إلا أن أسماء بنت عميس كانت بأرض الحبشة مع زوجها جعفر حين تزوج النبي -ﷺ- عائشة، والصواب حديث أسماء بنت يزيد، والله أعلم. ورواه الطبراني في الصغير، وإسناده ضعيف. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٣٩٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٥٩).","vol":"11","page":713},{"text":"شداد عن شهر بن حوشب عنها، وعن أبي شداد أيضا عن مجاهد عنها، وقد زعم بعض مشايخنا أنا أبا شداد مجهول لم يرو عنه غير ابن جريح فقد روى عنه يونس أيضا كما ذكرنا وغيره، وليس بمجهول، والله أعلم.\nقوله وعن أسماء بنت يزيد تقدم الكلام عليها. قوله الت قلت يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه يعد ذلك كذبا. الحديث. تقدم معنى الكذب. قوله يونس بن يزيد الأيلي منسوب إلى أيلة قرية من الشام سمع الزهري وروى عنه الليث قال أحمد صالح كان الزهري إذا قدم على أيلة نزل على يونس وإذا سار إلى المدينة زامله يونس توفي سنة تسع وخمسين ومائة وفيه ستة أوجه ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز وتركه والضم بلا همز أفصح.\n\n٤٤٦٦ - وعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"من قال لصبي تعال هاك، ثم لم يعطه، فهي كذبة\" رواه أحمد (^١) وابن أبي الدنيا (^٢) كلاهما عن الزهري عن أبي هريرة، ولم يسمع منه.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- من قال لصبي تعالى هاك ثم لم يعطه فهي كذبة تقدم ضبط [الكذب] في حديث كعب بن مالك ومعناه أن الإنسان\n_________\n(^١) مسند أحمد (٩٨٣٦)، وأخرجه ابن وهب في الجامع (٥١٤)، وابن المبارك في الزهد (٣٧٥)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (١٥٠)، وفي الصمت (٥٢٣)، وابن حزم في المحلى (٨/ ٢٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٤٢): رواه أحمد من رواية الزهري عن أبي هريرة، ولم يسمعه منه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧٤٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٤٢).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في الصمت (٥١٩)، وفي مكارم الأخلاق (١٥٠).","vol":"11","page":714},{"text":"ينبغي أن يقف عند ما يقول ولو عند كلامه لطفله وولده ونحو ذلك وإن كان صبيا فيقف عند قوله، لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ (^١)، الآية.\n\n٤٤٦٧ - وعن عبد الله بن عامر -﵁- قال: \"دعتني أمي يوما، ورسول الله -ﷺ- قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله -ﷺ-: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله -ﷺ-: \"أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة\" رواه أبو داود (^٢) والبيهقي (^٣) عن مولى عبد الله ابن عامر، ولم يسمياه عنه، ورواه ابن أبي الدنيا (^٤) فسماه زيادًا.\nقوله وعن عبد الله بن عامر هو أبو محمد عبد الله بن عامر بن ربيعة بن مالك بن عامر العنزي بإسكان النون حليف الخطاب والد عمر ولد عبد الله\n_________\n(^١) سورة الصف، الآية: ٢.\n(^٢) سنن أبي داود (٤٩٩١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧٤٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٤٣).\n(^٣) البيهقي في السنن (١٠/ ١٩٨ - ١٩٩)، وفي الشعب (٤٨٢٢) وأخرجه أحمد في مسنده (١٥٧٠٢)، وابن سعد في الطبقات ٥/ ٩، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٦٠٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١١)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢٠٢)، والبغوي في معجم الصحابة (٤/ ٣٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٦٧) الإحكام لابن حزم (٥/ ١٣)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٢٦) رواه أبو داود وفيه من لم يسم وقال الحاكم أن عبد الله بن عامر ولد في حياته -ﷺ- ولم يسمع منه. قلت: وله شاهد من حديث أبي هريرة وابن مسعود ورجالهما ثقات إلا أن الزهري لم يسمع من أبي هريرة.\n(^٤) ابن أبي الدنيا في الصمت (٦٤٨).","vol":"11","page":715},{"text":"هذا في زمن رسول الله -ﷺ- وتوفي النبي -ﷺ- وله أربع سنين وقيل خمس وكان أبوه عامر من كبار الصحابة وقد روى البخاري ومسلم لعبد الله بن عامر هذا عن أبيه وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعائشة. توفي -﵁- سنة خمس وثمانين.\nقوله دعتني أمي يومًا ورسول الله -ﷺ- قاعد في بيتنا فقالت ها تعالى أعطيك فذكر الحديث إلى أن قال كتبت عليك كذبة تقدم الكلام عليها.\n\n٤٤٦٨ - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵃ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له\" رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) وحسنه والنسائي (^٣) والبيهقي (^٤).\n_________\n(^١) أبو داود (٤٩٩٠).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٣١٥)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٤٤)، وغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (٣٧٦).\n(^٣) النسائي في الكبرى (١١٠٦١) وفي (١١٥٩١).\n(^٤) البيهقي السنن الكبرى (١٠/ ٣٣٢)، وفي شعب الإيمان (٦/ ٤٧٢) والحديث؛ أخرجه عبد الله بن المبارك في المسند (١٧)، وأحمد (٢٠٢٧٠)، (٢٠٣٠٥) (٢٠٣١٤) (٢٠٣٣٣)، والدارمي (٢٨٦٧)، والروياني (٩١٠)، والطبراني (١٩/ ٤٠٣/ ٩٥٦: ٩٥٠)، والبغوي (٤١٣٠)، وهناد بن السري في الزهد (٢/ ٥٥٤)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١٢٤)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٧١)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٠٨)، وقال: هذا حديث رواه سفيان بن سعيد، والحمادان، وعبد الوارث بن سعيد، وإسرائيل بن يونس، وغيرهم من الأئمة، عن بهز بن حكيم. ولا أعلم خلافا بين أكثر أئمة أهل النقل في عدالة بهز بن حكيم، وأنه يجمع حديثه، وقد ذكره البخاري في الجامع الصحيح، وهذا الحديث شاهد لحديث بلال بن الحارث المزني الذي قدمنا ذكره. وقد =","vol":"11","page":716},{"text":"قوله وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده كذا قوله -ﷺ- ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ويل له تقدم تفسير الكذب وتقدم أن الويل اسم واد في جهنم، وقيل اسم حجر فيها يصعد عليه العرفاء وينزلون في العمل على الصدقة.\n\n٤٤٦٩ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب وعائل مستكبر\" رواه مسلم (^١) وغيره.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، تقدم هذا الحديث وتقدم الكلام عليه.\n\n٤٤٧٠ - وعن سلمان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة: الشيخ الزاني، والإمام الكذاب، والعائل المزهو\" رواه البزار (^٢) بإسناد جيد. [العائل]: هو الفقير. [المزهو]: هو المعجب بنفسه المتكبر.\nقوله وعن سلمان هو الفارسي تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- ثلاثة لا يدخلون الجنة الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المزهو الحديث. لا يدخلون الجنة مؤول فيه التأويلان السابقان في أمثاله وتقدم الكلام على\n_________\n= روى سعيد بن إياس الجريري، عن حكيم بن معاوية، وروى عن أبي التياح الضبعي، عن معاوية بن حيدة.\n(^١) صحيح مسلم (١٧٢) (١٠٧).\n(^٢) البزار = البحر الزخار (٢٥٢٩) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٦١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٣٩٨).","vol":"11","page":717},{"text":"الشيخ الزاني والملك الكذاب والعائل المزهو وأنه الفقير المعجب بنفسه المتكبر، قاله المنذري والله أعلم.\nخاتمة عن أبي هريرة (^١) قال قال رسول الله -ﷺ- أكذب الناس الصباغون والصواغون انفرد به ابن ماجه ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده قيل المراد بالصواغين والصباغين (^٢) الذين يصوغون الكلام ويضعونه أي يغيِّرونه وأصل الصبغ التغيير والمشهور أنهم [صباغوا] (^٣) الثياب و[صاغة] (^٤) الحلي\n_________\n(^١) وأخرجه الطيالسي (٢٥٧٤) أحمد في المسند (٧٩٢٠)، وفي العلل (١٧٤١)، وابن ماجه (٢١٥٢)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زياداته على العلل (١٧٤٠)، وابن الأعرابي في معجمه (٨٠٨)، وابن حبان في المجروحين ٢/ ٢٠٥ و٣١٣، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٢٨٨، وتمام الرازي في فوائده (٦٦٧) و(٦٦٨)، والبيهقي (١٠/ ٢٤٩)، والخطيب البغدادي في تاريخه ١٤/ ٢١٦، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٩٩٤) و(٩٩٦)، وابن المقريء في معجمه (٨٠٨)، وابن أبي حاتم في العلل (٢٣٣٥)، وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث كذب، وعثمان: هو البري. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٩) هذا إسناد فيه فرقد السبخي وهو ضعيف وعمرو بن هارون كذبه ابن معين وغيره، وقال ابن حجر في فتح الباري (٤/ ٣١٧) حديث مضطرب الإسناد، وقال الألباني في ضعيف الجامع (١١٢٣) والسلسلة الضعيفة (١٤٤): موضوع. وذكره ابن القيم في كتابه المنار المنيف (ص ٥٢ - ٦٠) ضمن الأحاديث الموضوعة التي تعرف بتكذيب الحس لها. وانظر المقاصد الحسنة (١٤٩).\n(^٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٠). (٣/ ٦١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ٢٥٠).\n(^٣) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (صباغون).\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (صياغة).","vol":"11","page":718},{"text":"لكثرة [مواعيدهما] الكاذبة ومماطلتهم المطالبة.\nوفي كامل ابن عدي (^١) عن مجاهد عن ابن عباس قال وهب رسول الله -ﷺ- لعمه غلاما وقال لا تسلمه صائغا ولا صيرفيا ولا جزارا، قال الخطابي يشبه أن يكون إنما كره كسب الصائغ لما يدخله من الربا ولما يجري على ألسنتهم من المواعيد الكاذبة في رد المتاع وقد يكثر هذا في الصياغة حتى صار ذلك كالسنة لهم وإن كان غيرهم قد يشركهم في بعض ذلك. وروري عن أبي رافع الصائغ (^٢) قال كان [عمر يمازحني] يقول أكذب الناس الصواغ، يقول اليوم وغدا. وقيل رآى أبو هريرة قوما [متعادون.] فقال: ما شأنهم؟ قالوا خرج الدجال فقال [كذبة كَذَبَها] الصباغون. واختلف الأصحاب في قبول شهادة الصباغين والصواغين على [طريقين] والمذهب القطع بالقبول، وقيل لا تقبل شهادتهم قطعا لكثرة الكذب وخلف [الميعاد فيهم]، اهـ.\n_________\n(^١) ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٢٥) قال: وبشير بن زياد هذا ليس بالمعروف إلا أنه يروي عن المعروفين ما لا يتابعه أحد عليه، ولم أر أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن عَبد الله بن زرارة. ومن مناكيره ميزان الاعتدال (٢/ ٤٢)، ولسان الميزان (٢/ ٣٨)، وذخيرة الحفاظ (٥/ ٢٥٦٤) وبشير هذا غير معروف، وفي أحاديثه مناكير، ولم أر له راويا غير إسماعيل بن عبد الله بن زرارة.\n(^٢) المقاصد الحسنة (ص: ١٤٠) وقال: روى إبراهيم الحربي في غريبه من طريق أبي رافع الصائغ، قال: كان عمر -﵁- يمازحني فيقول: أكذب الناس الصواغ، يقول اليوم وغد. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٠)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ٢٥٠).","vol":"11","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>ترهيب ذي الوجهين واللسانين</span>\n٤٤٧١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهة، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه\" رواه مالك (^١) والبخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nقوله عن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا الحديث. وفقهوا بضم القاف على المشهور وحكي كسرها أي صاروا فقهاء علماء عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية والمعادن الأصول ومعادن العرب أصولها [التي] (^٤) ينسبون إليها ويتفاخرون بها وشبههم بالمعادن لأنهم أوعية [العلوم] كما أن المعادن أوعية [الجواهر] النفيسة وقيل شبهوا بالمعادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة وإذا كانت الأصول شريفة كانت الفروع كذلك غالبا. والفضيلة في الإسلام بالتقوى لكن [إن] (^٥) انضم إليها شرف النسب ازدادت فضلا. فإن قلت لم قيّد بقوله إذا فقهوا [وكلّ] من أسلم وكان شريفا في الجاهلية فهو خير من الذي لم يكن له [شرف] فيها. قلت: ليس كذلك فإن الوضيع العالم خير من الشريف\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩٩١/ ٢١).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٨٣).\n(^٣) صحيح مسلم (١٩٩) (٢٥٢٦).\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (الذين).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":720},{"text":"الجاهل، قال الشاعر: والعلم يرفع كل من لم يرفع. قاله الكرماني (^١).\nقوله -ﷺ-: وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهة. وفي بعض الأحاديث في هذا [الأمر] بدل الشأن.\nقال القاضي (^٢) يحتمل أن [يراد] به الإسلام كما كان من عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعمرو بن العاصي وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وغيرهم من مسلمة الفتح وغيرهم ممن كان يكره الإسلام كراهة شديدة ثم لما دخل فيه [أخلص] (^٣) وأحبّه وجاهد فيه حق جهاده. قال ويحتمل أن المراد بالأمر والشأن الولايات لأنه إذا أعطيها من غير المسألة أعين عليها. فإن قلت كيف يصير خير جميع الناس بمجرد كراهته له. قلت أن تساووا في سائر الفضائل أو يراد من الناس [الأمراء أو معناه من خيرهم] اهـ قاله الكرماني (^٤).\nقوله -ﷺ- وتجدون شر الناس ذا الوجهين، أي المنافق، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، فسببه ظاهر لأنه نفاق محض وكذب وخداع وتحيل على اطلاعه على أسرار الطائفتين وهو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ويظهر لها أنه منها في خير أو شر وهي مداهنة محرمة. قال الله تعالى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، اهـ.\n\n٤٤٧٢ - وعن محمد بن زيد أن ناسا قالوا لجده عبد الله بن عمر ﵃: \"إننا ندخل على سلطاننا فنقول بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده،\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١٤/ ١٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٧٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) الكواكب الدراري (١٤/ ١١٢).","vol":"11","page":721},{"text":"فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله -ﷺ-\" رواه البخاري (^١).\nقوله وعن محمد بن زيد هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الله المدنى (والد عمر بن محمد بن زيد وإخوته) قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة يحتج بحديثه (^٢). كذا قوله: أن ناسا قالوا لجده عبد الله بن عمر إنا ندخل على سلطاننا فنقول بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله -ﷺ-. تقدم الكلام على النفاق في الباب قبله.\n\n٤٤٧٣ - وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"ذو الوجهين في الدنيا يأتي يوم القيامة، وله وجهان من نار\" رواه الطبراني في الأوسط (^٣).\nقوله وعن سعد بن أبي وقاص تقدم. قوله سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ذو الوجهين في الدنيا يأتي يوم القيامة وله وجهان من نار. وفي حديث آخر ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها. ذو الوجهين هو الذي يظهر لكل طائفة وجها يرضيها به ويوهمها أنه معها وأنه عدو للأخرى ويبدي لهم مساوئها، والله أعلم.\n\n٤٤٧٤ - وعن عمار بن ياسر -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار\" رواه أبو\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧١٧٨).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٥/ ترجمة ٥٢٢٥).\n(^٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٦٢٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٥) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه خالد بن يزيد العمري وهو كاذب، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٥٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٦٠): موضوع.","vol":"11","page":722},{"text":"داود (^١)، وابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله وعن عمار بن ياسر هو أبو اليقظان بالمعجمة بن ياسر [بن عمار] بن مالك المخزومي العنسي بالنون اليمني ثم الشامي وعنس هو رهط الأسود المتنبئ الكذاب وياسر رهن في القمار هو وولده [فقمروهم] فصاروا بذلك عبيدا للقامر فأعزهم الله تعالى بالإسلام فأسلم عمار وأمه سميّة بصيغة التصغير وأبوه ياسر ثلاثتهم قديما وكانوا يعذبون في الله بمكة فيمر بهم رسول الله -ﷺ- وهم يعذبون فيقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. وقتل أبو جهل سمية ﵂ فكانت أول شهيدة في الإسلام، وأعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن قلبه بالإيمان فنزلت هذه الآية ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٣)، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وصلى إلى القبلتين وقال رسول الله -ﷺ- ملئ عمار\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٧٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٥٥٨)، وفي مسنده (٤٣١)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٧٤) وابن أبي عاصم في الزهد (٢١٣) (٢١٤) (٢١٥)، وعبد الله بن أحمد في زيادات الزهد (ص ٢٦٥) وأبو يعلى (١٦٢٠)، (١٦٣٧)، والبخاري في الأدب المفرد (١٣١٠) والدارمي (٢٧٦٧) والخرائطي في المساوئ (٢٩١) وفي اعتلال القلوب (ص ١٧٩) وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٤١٤)، وأبو نعيم الأصبهاني في الرواة عن أبي نعيم الفضل بن دكين (٢) والبيهقي في الشعب (٤٥٤٠)، وفي السنن (١٠/ ٢٤٦) وفي الآداب (٥٠٧) والقاسم بن الفضل الثقفي في الأربعين (ص ٢٥٩ و٢٧٤) وابن عساكر في ذم ذي الوجهين (٩) والمزي (٢٩/ ٤٨٢) قال ابن المديني: إسناده حسن، ولا نحفظه عن عمار عن النبي -ﷺ- إلا من هذا الطريق تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٨٢)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٥٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد وأبو داود بسند حسن. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٩٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٤٩).\n(^٢) ابن حبان (٥٧٥٦).\n(^٣) سورة النحل، الآية: ١٠٦.","vol":"11","page":723},{"text":"إيمان إلى أخمص قدميه وقال له أيضا مرحبا بالطيب المطيب وقال أيضا اهتدوا بهدي عمار وشهد صفين يذب عن أمير المؤمنين علي -﵁-. وكانت الصحابة يتبعونه حيث توجه لعلمهم [أنه] مع الفئة العادلة لما قال النبي -ﷺ- له تقتلك الفئة الباغية، وقتل بصفين ودفنه علي بثيابه حسبما أوصاه ولم يغسله. قال صاحب الاستيعاب وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يغسلونهم ولكن يصلى عليهم وذلك سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وتسعين. قاله الكرماني (^١).\nقوله -ﷺ- من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار، تقدم الكلام على ذي الوجهين. [والله تعالى أعلم].\n\n٤٤٧٥ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من كانَ ذَا لسانين جعل الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة لسانين من نَار رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَالطَّبَرَانِيّ والأصبهاني وَغَيرهم (^٢).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (١٤٤) وذم الغيبة (١٤٢)، وأبو يعلى (٢٧٧١ و٢٧٧٢)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٦٥ رقم ٨٨٨٥)، والأصبهاني في الترغيب (١٢٩). قال البوصيري في الإتحاف ٨/ ٢٢٣: رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر وأبو يعلي، ومدار إسناديهما على إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.\nوقال الهيثمي في المجمع ٨/ ٩٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مقدام بن داود وهو ضعيف. ورواه البزار بنحوه وأبو يعلي، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٥٠).","vol":"11","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>[الترهيب من الحلف بغير الله ﷾ سيما بالأمانة ومن قوله أنا بريء من الإسلام أو كافر أو نحو ذلك]</span>\n٤٤٧٦ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت\" رواه مالك (^١) والبخاري (^٢) ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤) والنسائي (^٥) وابن ماجه (^٦).\n\n٤٤٧٧ - وفي رواية لابن ماجه (^٧) من حديث بريدة قال: \"سمع النبي -ﷺ- رجلًا يحلف بأبيه فقال: \"لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله\".\nقوله عن ابن عمر تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٤٨٠) (١٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٦٧٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٣) (١٦٤٦).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٢٥١).\n(^٥) سنن النسائي (٧/ ٤).\n(^٦) سنن ابن ماجه (٢١٠١) بلفظ: لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله، فليس من الله.\n(^٧) سنن ابن ماجه (٢١٠٠) بلفظ: عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: من قال إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبا، فهو كما قال، وإن كان صادقا لم يعد إلى الإسلام سالما.","vol":"11","page":725},{"text":"قوله -ﷺ- إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت، الحديث. الصمت السكوت.\nقال العلماء ﵃ كان الحلف بالآباء معتادا في الجاهلية فلما جاء الله تعالى بالإسلام نهاهم الرسول -ﷺ- عن الحلف بغير الله تعالى ففيه النهي عن الحلف بالآباء [ولا يختص النهي بذلك بل يتعدى إلى كل مخلوق] (^١)، والحلف بالشيء تعظيم له، فنهى رسول الله -ﷺ- عن تعظيم غير الله تعالى بالقسم به لأنهم كانوا يعظمون الآباء ويفتخرون بهم وكانوا إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا أفعال آبائهم وأيامهم بها الجاهلية فافتخروا بذلك فنزل قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (^٢).\nوقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق حرام أو مكروه والخلاف عند المالكية والحنابلة لكن المشهور عند المالكية الكراهة وعند الحنابلة التحريم وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبرّ، رواه الطبراني (^٣) بإسناد رجاله ثقات.\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فافتخروا بذلك فنزل قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٠.\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ١٠٥).","vol":"11","page":726},{"text":"وقال ابن عبد البر (^١) أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروه منهي عنها لا يجوز الحلف لأحد بها واختلفوا في الكفارة إذا حنث فأوجبها بعضهم وأباه بعضهم وهو الصواب، اهـ. وقال الشافعي رحمه الله تعالى (^٢) أخشى أن يكون الحلف بغير الله تعالى معصية، قال [أصحابه] أي حرام وإثما. وقال إمام الحرمين (^٣) المذهب القطع بأنه ليس بحرام بل مكروه، وكذا قال النووي في شرح مسلم (^٤) هو عند أصحابنا مكروه وليس بحرام، وقيّد ذلك الشيخ زين الدين العراقي في شرح الترمذي بالحلف بغير اللات والعزى وملة الإسلام، فأما الحلف بنحو هذا فهو حرام وكان هذا لأنها قد عظمت بالعبادة، وقد قال [أصحابنا] أنه لو اعتقد الحالف بالمخلوق في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر، وعلى هذا يحمل ما روي أن النبي -ﷺ- قال من حلف بغير الله فقد كفر، انتهى. فمعظِّم اللات والعزى كافر لأن تعظيمهما لا يكون إلا للعبادة بخلاف [مُعظِّم] الأنبياء والملائكة والآباء والعلماء والصالحين بمعنًى غير العبادة لا تحريم فيه لكن الحلف به مكروه أو محرم على الخلاف فيه لورود النهي عنه.\nفائدة: قال العلماء الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به وحقيقة [التعظيم] مختصة بالله تعالى [فلا]\n_________\n(^١) التمهيد لابن عبد البر (١٤/ ٣٦٧).\n(^٢) روضة الطالبين (١١/ ٦).\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ١٣٣).\n(^٤) طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ١٣٣).","vol":"11","page":727},{"text":"يُضاهى [به] غيره. [وقد جاء عن ابن عباس: لئن أحلف بالله تعالى مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبرّ]. [كما قال تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، الحديث، فلا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ وإن لم يرد تلك العظمة المخصوصة بالإله المعبود] (^١). فإن قيل قد أقسم الله تعالى بمخلوقاته كقوله تعالى ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (^٢)، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (^٣)، [ونحوها]. [﴿وَالطُّور﴾ (^٤)، ﴿وَالنَّجْمِ﴾ (^٥)] (^٦).\nفالجواب أن الله تعالى [له] (^٧) أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على [شرفها إذ لا يفهم من الحصر على الحلف بالله تعالى أن لا يحلف ببقية أسمائه وصفاته، بل حكمها جميعا واحد فهو حلف به، نبه عليه القاضي والقرطبي وغيرهما. وأما الحلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله: وخلق الله، ونعمته، ورزقه، فليست بأيمان جائزة. وأما مثل قوله: وعهد الله وأمانة الله وكفالة الله وحق الله فهي ملحقة بالقسم الأول عند المالكية لأنها صفات، وعند الشافعية أنها أيمان إن نوى اليمين، إلا قوله:\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ١.\n(^٣) سورة الذاريات، الآية: ١.\n(^٤) سورة الطور، الآية: ١.\n(^٥) سورة النجم، الآية: ١.\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٧) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":728},{"text":"وحق الله؛ فإنه إن نوى به العبادات فليست بيمين وإن أطلق فهي يمين، ويؤخذ منه والنهي عن الحلف بغير الله تعالى وصفاته وهو نهي كراهة عندنا لا يحرم، قاله النووي (^١). نعم إن حلف على غير الإسلام أو بشيء من المعبودات دون الله تعالي، أو ما كانت الجاهلية تحلف به كالأنصاب وغيرها فهذا لا يشك في تحريمه، وأما الحلف بالآباء والأسلاف ورءوس السلاطين وحياتهم ونعمتهم ونحو ذلك، فقال في المفهم (^٢): ظاهر الحديث تناولهم بحكم عمومه، ولا ينبغي أن تختلف في تحريمه. وأما ما كان معظما في النوع مثل: والنبي والكعبة والعرش والكرسي وحرمة الصالحين فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهة، وظاهر الحديث وما قدمناه من النظر التحريم، وهذا جاز في كل محلوف. قال النووي (^٣): إذا حلف بشيء من الأصنام أو قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الإسلام أو من النبي -ﷺ- لم تنعقد يمينه بل عليه أن يستغفر الله تعالي، -كلمة غير واضحة- ولا كفارة، هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في ذلك.\nوقال البغوي (^٤) في حديث الترمذي: ومن يحلف بغير الله فقد أشرك، أنه محمول على التغليظ عند بعضهم، وكذلك في مرتبة الربا شرك.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٠٥).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٥/ ٦٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٠٧)، والأذكار للنووي (ص: ٣٥٩).\n(^٤) البغوي في شرح السنة (١٠/ ٧).","vol":"11","page":729},{"text":"فائدة: قال العلماء الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مجتمعة بالله تعالى لا يضاهى به بها غيره، كما قال تعالى: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) الحديث، ولا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ وإن لم يرد تلك العظمة المخصوصة بالإله المعبود. فإن قيل: قد أقسم الله تعالى بمخلوقاته لقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (^١)، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (^٢)، [ونحوها]. [﴿وَالطُّورِ﴾ (^٣)، ﴿وَالنَّجْمِ﴾ (^٤).\nفالجواب: أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على شرف] (^٥) المحلوف به فالباري ﷾ ليس فوقه عظيم يحلف به فتارة يحلف بنفسه وتارة يحلف بمخلوقاته سبحانه وتعالي، وفي الحديث إباحة الحلف بالله تعالى وصفاته كلها وهذا مجمع عليه، وفيه النهي عن الحلف بغير الله تعالى وصفاته وهو عند أصحابنا مكروه ليس بحرام، فالحلف على ثلاثة أقسام ما تباح اليمين به وهو ما ذكر من اسم الذات والصفات، والثاني ما يحرم كالأنصاب والأزلام واللات والعزى فإن قصد تعظيمها كفر وإن لم يقصد فحرام لأن القسم بالشيء تعظيم له، والثالث ما اختلف فيه بين الكراهة والتحريم كالحلف بالآباء والأمانة ونحو ذلك. اهـ.\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآية: ١.\n(^٢) سورة الذاريات، الآية: ١.\n(^٣) سورة الطور، الآية: ١.\n(^٤) سورة النجم، الآية: ١.\n(^٥) سقطت هذه الصحيفة من الأصل.","vol":"11","page":730},{"text":"فرع: فالحلف باسم الله تعالى كقوله والله والرحمن والقدوس والمهيمن أي الرقيب وعالم [الغيوب] وخالق الخلق والواحد الذي ليس كمثله شيء وما أشبه ذلك أي كالقيوم ومقلب القلوب فكل هذا تنعقد به اليمن أي سواء أطلق أو قصد الله تعالى أو غيره. فرع آخر: فالحلف بصفة من صفات الذات لا تحتمل غيره وهي وعظمة الله تعالى وجلال الله و[عز] الله وكبرياء الله وبقاء الله وكلام الله والقرآن انعقدت يمينه لأن هذه الصفات لم يزل سبحانه موصوفا بها فأشبهت اليمين بأسمائه، وألحق القاضي حسين حلف المسلم بالتوراة والإنجيل أو بآية منسوخة من القرآن بالحلف بالقرآن لأنه كلام الله وصفته اهـ.\n\n٤٤٧٨ - وعنه -﵁-: \"أنه سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\" رواه الترمذي (^١) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (^٢)، والحاكم (^٣) وقال: صحيح على شرطهما.\n_________\n(^١) الترمذي (١٥٣٥).\n(^٢) ابن حبان (٤٣٥٨).\n(^٣) الحاكم (١/ ٥٢ و٤/ ٢٩٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا بمثل هذا الإسناد وخرجاه في الكتاب وليس له علة ولم يخرجاه، وأخرجه الطيالسي (ص ٢٥٧)، وعبد الرزاق (١٥٩٢٦)، وابن أبي شيبة (الجزء المفقود ص ١٨)، وأحمد (٢/ ٣٤ و٥٨ و٦٠) (٢/ ١٢٥)، وأبو داود (٣٢٥١)، وابن عبد الحكم (ص ٢٠٠)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٩٢٥) (٢٣٣٢)، والطحاوي في المشكل (٨٢٥) (٨٣١)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٣)، والبيهقي (١٠/ ٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٠٤)، والصحيحة (٢٠٤٢).","vol":"11","page":731},{"text":"٤٤٧٩ - وفي رواية للحاكم (^١): سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: كل يمين يحلف بها دون الله شرك.\nقوله وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه. قوله سمع ابن عمر رجلا يقول ولا والكعبة فقال لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك الحديث. [حيث يجعل] ما لا يُحلف به محلوفا به كاسم الله الذي به يكون القسم، قاله الكرماني (^٢). وقال الترمذي تفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال الرياء شركك يريد به الشرك الخفي. قال ابن العربي يريد به شرك الأعمال وكفرها ليس شرك الاعتقاد ولا كفره كقوله ﵊ من أبق من مواليه فقد كفر اهـ. فرع: يكره الحلف بغير الله للحديث السابق أول الباب فإن حلف بغير الله كالنبي والكعبة وغير ذلك من المخلوقات لم تنعقد يمينه لأنه مخلوق ليس عظمته كعظمة الخالق وذكر الكعبة مجمع عليها [لا ينعقد] بها اليمين. وأما النبي -ﷺ-[فإن الإمام أحمد بن حنبل] قال تنعقد به لأنه أحد ركني الشهادة اهـ، والله أعلم. فرع آخر: تصح اليمين من كل عاقل بالغ مختار قاصد إلى اليمين مسلما كان أو كافرا فأما الصبي فلا تصح يمينه ومن زال عقله بنوم أو مرض فلا تصح يمينه وكذا من زال عقله [بدواء أو من زال عقله] بمحرم صحت يمينه ومن أكره [على اليمين لم تصح يمينه للحديث الحسن: (وما استكرهوا عليه)، ومن لم\n_________\n(^١) مستدرك الحاكم (١/ ١٨).\n(^٢) لسان العرب (١٠/ ٤٥٠).","vol":"11","page":732},{"text":"يقصد اليمين] فسبق لسانه إليها أي على العادة لقول الإنسان لا والله وبلى والله لأنه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح منه كالإكراه على الكفر أو قصد اليمين على شيء فسبق لسانه إلى غيره لم تصح يمينه لعدم القصد إلى ما في النفس وذلك لغو اليمين الذي لا يؤاخذ به. قال الله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (^١)، قالت عائشة ﵂ هو قول الرجل لا والله وبلى والله. رواه البخاري (^٢) ورواه أبو داود (^٣) مرفوعا وصححه ابن حبان (^٤) والله أعلم.\nذكر [الفرعان] في [هادي] النبيه [على التنبيه] (^٥).\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٨٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦١٣).\n(^٣) سنن أبي داود (٣٢٥٤)، وقال: روى هذا الحديث داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة، موقوفا. ورواه الزهري، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مغول، كلهم عن عطاء، عن عائشة، موقوفا أيضا. وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٤٧٧/ ٩)، والشافعي في مسنده (٢/ ٧٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٥٩٥١، ١٥٩٥٢)، والنسائي في الكبرى (١١١٤٩)، والطبري في تفسيره (٢/ ٢٤٠، ٢٤١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦٧٠١)، وابن الجاورد في المنتقى (٩٢٥)، والبيهقي (١٠/ ٤٨)، والبغوي في تفسيره (١/ ٢٠١).\n(^٤) أخرجه ابن حبان (٤٣٣٣) وأخرجه الشافعي (٢/ ٧٤)، وابن أبي حاتم (٦٧٠٥)، والبيهقي (١٠/ ٤٩) عن عطاء به موقوفًا. وقد صحّح الدارقطني وقفه - كما في العلل (٣٤٨٦). وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (١/ ٤٨٠)، والإرواء (٢٥٦٧).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":733},{"text":"٤٤٨٠ - وعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: \"لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق\" رواه الطبراني (^١) موقوفا، ورواته رواة الصحيح.\nقوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم. قوله لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغير الله وأنا صادق، تقدم معناه.\n\n٤٤٨١ - وعن بريدة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من حلف بالأمانة فليس منا\" رواه أبو داود (^٢).\nقوله وعن بريدة هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. روى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وأربعة وستون\n_________\n(^١) رواه الطبراني (٩/ ١٨٣) (٨٩٠٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٢٢٨١) وعبد الرزاق في المصنف (١٥٩٢٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧) رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٢٥٦٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٥٣).\n(^٢) أبو داود (٣٢٥٣) وأخرجه أبو يعلى في مسنده الكبير كما في إتحاف الخيرة (٦٦٠٠)، وابن حبان (٤٣٦٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٣٤٢)، والبيهقي في السنن ١٠/ ٣٠، وفي شعب الإيمان (١١١١٦)، والبزار (١٥٠٠ - كشف الأستار)، والبحر الزخار (٤٤٢٦)، والحاكم (٤/ ٢٩٨)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٥)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٠٣)، والصحيحة (٩٤ و٣٢٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٥٤).","vol":"11","page":734},{"text":"حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (^١).\nقوله -ﷺ- من حلف بالأمانة فليس منا الحديث أي ليس ممن اهتدى بهدينا وعملنا وحسن طريقتنا كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست منى وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا؛ وأما معنى الحديث يشبه أن تكون الكراهة فيه لأجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله تعالى وصفاته [والأمانة أمر من أموره فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين أسماء الله] (^٢) كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم. وإذا قال الحالف وأمانة الله كانت يمينا عند أبي حنيفة والشافعي لا يعدها يمينا والله أعلم.\n\n٤٤٨٢ - وعنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من حلف قال إني برئ من الإسلام، فإن كان كاذبا، فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما\" رواه أبو داود (^٣) وابن ماجه (^٤)، والحاكم (^٥) وقال: صحيح على شرطهما.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سنن أبي داود (٣٢٥٨).\n(^٤) ابن ماجه (٢١٠٠) وأخرجه النسائي (٧/ ٦)، وفي الكبرى (٤٧١٣)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٥٦) أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث بريدة بإسناد صحيح، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٨/ ٣٠١).\n(^٥) الحاكم (٤/ ٢٩٨).","vol":"11","page":735},{"text":"قوله وعنه -﵁- تقدم. قوله -ﷺ- من حلف فقال إني من الإسلام فإن كان كاذبا هو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما معناه أنه نقص كمال إسلامه بما صدر منه من هذا اللفظ، وقد تقدم أن لفظ ابن ماجه لم يعد إليه الإسلام سالما، واللفظان صحيحان فنقص هو يتعاطى هذا اللفظ، ونقص إسلامه بذلك، وهذا يدل على تحريم هذا اللفظ، ولو كان صادقا في كلامه، وقد استدل به على ذلك الخطابي فقال فيه دليل على أن من حلف بالبراءة من الإسلام فإنه يأثم، وصرح أيضا بتحريم ذلك ووجوب التوبة منه الماوردي في الحاوي والنووي في الأذكار، وقال في شرح مسلم فيه بيان غلظ تحريم الحلف بملة سوى الإسلام كقوله هو يهودي أو نصراني إن كان كذا أو واللات والعزي، وشبه ذلك ثم قال: وقوله كاذبا ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقا لأنه لا ينفك الحالف بها عن كونه كاذبا، وذلك لأنه لا بد أن يكون معظما لما حلف به فإن كان معتقدا عظمته بقلبه فهو كاذب في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب في الصورة لأنه عظمه بالحلف به، وإذا علم أنه لا ينفك عن كونه كاذبا حمل التقييد بكونه كاذبا على أنه بيان لصورة الحال، ويكون التقييد خرج على سبب فلا يكون له مفهوم، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (^١) ونظائره فإن كان الحالف معظما لما حلف به كان كافرا، وإن لم يكن معظما بل كان قلبه مطمئنا بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما يحلف\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١١٢.","vol":"11","page":736},{"text":"به، ولا يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام، ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر، ويراد كفر النعمة انتهى والتقسيم الذي في حديث بريدة يرد عليه، والظاهر أن كلامه هذا إنما هو مثل قوله واللات والعزي، وإن كان ذكر في صدر كلامه أيضًا قوله هو يهودي إن كان كذا (^١).\n\n٤٤٨٣ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"من حلف على يمين فهو كما حلف إن قال: هو يهودي، فهو يهودي، وإن قال: هو نصراني، فهو نصراني، وإن قال هو برئ من الإسلام فهو برئ من الإسلام، ومن ادعى دعاء الجاهلية فإنه من جثاء جهنم قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى\" رواه أبو يعلى (^٢) والحاكم (^٣) واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد كذا قال.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- من حلف على يمين فهو كما حلف إن قال هو يهودي فهو يهودي الحديث. قال العلماء إن قال ذلك وأراد حقيقة تعليق خروجه من الإسلام بذلك صار كافرا في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكن ارتكب محرما فيجب عليه التوبة وهي أن يقلع في الحال عن معصيته ويندم على ما فعل ويعزم على أن\n_________\n(^١) طرح التثريب (٧/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦٠٠٦)، وأخرجه عنه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٨٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧) رواه أبو يعلي، وفيه عبيس بن ميمون، وهو متروك. إتحاف الخيرة المهرة (٥/ ٣٤٨) هذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبيس بن ميمون.\n(^٣) المستدرك (٤/ ٢٩٨) قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقوله: عُبَيْس بن ميمون ضعفوه، والخبر منكر وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٥٦).","vol":"11","page":737},{"text":"لا يعود إليه أبدا ويستغفر الله تعالى ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ليجبر الخلل الحاصل فإنه معصية كما صرح به في المطلب (^١) وفي شرح العامري عن الخطابي (^٢) وغيره أنه تلزمه التوبة والاستغفار. قال النووي في نكته على التنبيه (^٣) وهو مستحب وهذا خلاف ما صرح به صاحب الاستقصاء فإنه جزم بالوجوب.\nفرع قال النووي (^٤) قال أصحابنا من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام أو برئ من النبي -ﷺ- أو نحو ذلك لم تنعقد يمينه بل عليه أن يستغفر الله ويقول لا إله إلا الله، إنما أمر بقول لا إله إلا الله لأنه تعاطى صورة تعظيم الأصنام حين حلف بها. وفي مذاكرة أهل اليمين أنه لا بد مع هذا من قوله أشهد أن محمدا رسول الله معللا بأن إحدى الشهادتين لا يُكتفى بها في الأيمان، هذا لفظه وهو عجيب فإنه لا يكفر بذلك إلا أن يقصد الرضا به فالحديث سيق في معرض التعظيم في اللات والعزى. قال صاحب شرح السنة (^٥) إنما أمر بكلمة التوحيد لأن اليمين إنما تكون بالمعبود فإذا حلف باللات والعزى فقد ضاهى الكفار في ذلك فأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد. قال لا كفارة عليه وإنما تلزمه الإنابة والاستغفار هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء.\n_________\n(^١) لابن الرفعة.\n(^٢) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب ج ٧ ص ١٥٨.\n(^٣) الأذكار (١/ ٢٨٥)، وطرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ١٥٨).\n(^٤) روضة الطالبين (١١/ ٦)، وشرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ١٠٧)، والكواكب الدراري (٧/ ١٤٠).\n(^٥) شرح السنة (١٠/ ١٠).","vol":"11","page":738},{"text":"وقال أبو حنيفة تجب الكفارة في كل ذلك إلا في قوله أنا مبتدع أو بريء من النبي أو واليهودية احتج بأن الله تعالى أوجب على المظاهر كفارة لأنه منكر من القول وزور والحلف بهذه الأشياء منكر وزور واحتج أصحابنا والجمهور بظاهر هذا الحديث فإنه -ﷺ- إنما أمره بقول لا إله إلا الله ولم يذكر كفارة ولأن الأصل عدمها حتى يثبت فيها شرع والله تعالى أعلم، [قاله في [هادي] النبيه] (^١)، [(...) في اللات والعزى:] اللات صخرة اتخذها العرب اسم صنم كان لثقيف بالطائف، قال [أبو] علي اشتقاق اللات من لويت الشيء أي أقمت عليه لأنهم كانوا [يلوون إلي] آلهتم أي يعكفون عليها عبادة وتقربا. وقال جماعة من المفسرين اللات اشتقوها من اسم الله تعالى والعزى من العزيز واختار هذا الأزهري والمراد أنهم [انتزعوا] هذين الاسمين من الاسمين الشريفين، [و] قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح اللات بتشديد التاء وفسرت هذه القراءة بأن هذا الصنم كان لرجل يلت السويق للمشركين أي يخلطه بالسمن فكعفوا على قبره [يعبدونه]. قال الكلبي كان يقال له صرمة بن غنم كان يسلي السمن فيضعه على صخرة فتأتيه العرب تلتّ به [أسواقهم] (^٢) ولما مات الرجل حولت ثقيف [الصخرة] (^٣) إلى منازلها. وأما العزى قيل صنم والذي ذكره المحدثون\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (أسوقتهم).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":739},{"text":"وأرباب السير أنها كانت بيتا عظيما لقريش وجميع بني [كنانة] ومضر وكانت أعظم [أصنامهما] وكانت تبجله وكان سدنتها بني شيبان [من بني سليم] فبعث النبي -ﷺ- خالد بن الوليد لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان بعد فتح مكة ليهدمها فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهى إليها فهدمها ثم رجع إلى النبي -ﷺ- فأخبره فقال هل رأيت شيئا قال لا قال فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها فرجع خالد وهو مغيظ فجرد سيفه [فخرجت] إليه امرأة عريانة سوادء ثائرة الرأس [فجعل السادن] يصيح بها فضربها خالد فجزلها باثنتين ورجع إلى رسول الله -ﷺ-.\nوقال عياض (^١) اللات صخرة لثقيف كانت في الزمن الأول يجلس عليها رجل يبيع السمن ويلتّه للحجاج فسميت بذلك فلما مات قال عمرو بن لحي إن [ربا] كان [للاتّ فدخل جوف] الصخرة فعبدها الناس [حتى جاء الإسلام، وكان فيها وفي العزى شيطانا يكلمان الناس، واتخذتها ثقيف -يعني اللات- طاغوتا] وبنت لها بيتا وجعلت لها سدنة وخدمة وكانوا يطوفون به اهـ. [فائدة:] الصنم ما اتخذ إلها من دون الله تعالى وقيل هو ما كان له [جسم] أو صورة فإن لم [يكن] له [جسم] أو صورة فهو وثن اهـ. قاله في النهاية (^٢). قوله -ﷺ- من ادعى دعاء الجاهلية فإنه من جثا جهنم أي من جماعات جهنم، وتقدم الكلام على ذلك في باب الالتفات في الصلاة.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٣٦٩).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٥٦).","vol":"11","page":740},{"text":"٤٤٨٤ - وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أنس -﵁- قَالَ سمع رَسُول الله -ﷺ- رجلا يَقُول أَنا إِذا يَهُودِيّ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَجَبت (^١).\n\n٤٤٨٥ - وعن ثابت بن الضحاك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من حلف بملة غير الإسلام كاذبا، فهو كما قال\" رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) في حديث، وأبو داود (^٤) والترمذي (^٥) والنسائي (^٦).\nقوله وعن ثابت بن الضحاك.\nكذا قوله -ﷺ- من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال الحديث. [هو أن يقول الإنسان في يمينه إن كان كذا وكذا فأنا كافر أو يهودي أو نصراني أو] ملة غير الإسلام أي من الملل الباطلة بأن قال بالملة اليهودية لأفعلن كذا فهو كما قال أي صار من الذين يحلفون به سواء كان صادقا أو كاذبا لأنه عظّم دينا باطلا والله أعلم. [أو يقول الإنسان في يمينه إن كان كذا وكذا فأنا كافر أو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام ويكون كاذا في قوله فإنه يصير إلى ما قاله من الكفر وغيره] (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٩٩). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٧٦١).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٦٣).\n(^٣) مسلم (١١٠).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٢٥٧).\n(^٥) سنن الترمذي (١٥٤٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٦) سنن النسائي (٧/ ٥)، (٧/ ١٩).\n(^٧) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":741},{"text":"قال القاضي البيضاوي (^١) ظاهر أنه يختل بهذا الحلف إسلامه ويصير يهوديا كما قال، ويحتمل أن يراد به التهديد والمبالغة في الوعيد كأنه [قال] فهو مستحق لمثل عذاب ما قاله اهـ. وهذا وإن كان ينعقد به يمين عند أبي حنيفة فإنه لا يوجب فيه إلا كفارة اليمين وأما الشافعي فلا يعده يمينا ولا كفارة فيه عنده كما تقدم في الحديث قبله. والملة الدين كملّة الإسلام واليهودية والنصرانية وقيل هي معظم الدين وجملة ما [تجيء] به الرسل، قاله في النهاية (^٢).\nتنبيه: قوله -ﷺ- فهو كما قال أي فهو على ملة غير الإسلام؛ فإن قلت أهو حقيقة أم تغليظ وزجر عن الحلف بالملة المنسوخة المهجورة لأن الحلف بالشيء تعظيم له؟ قلت: الظاهر أنه تغليظ. قال ابن بطال يعني يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي ثم يفعل فهو كاليهودي اهـ، قاله الكرماني (^٣). أما الحلف بالنصرانية ونحوها فلا شك في أنه كفر لأن تعظيمها بأي وجه كان يقتضي حقِّيتها وذلك كفر [إلا] أن يتأول الحالف أنه أراد تعظيمها حين كانت حقا قبل نسخها فلا [أكفره] (^٤) حينئذ لكن أحكم عليه بالعصيان لبشاعة هذا اللفظ و[التشبيه] فيه بأهل الكفر والضلال والله أعلم، قاله العراقي (^٥).\n_________\n(^١) عمدة القاري (٢٢/ ١٥٨).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٤/ ٣٦٠).\n(^٣) الكواكب الدراري (٧/ ١٤٠).\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (كفر).\n(^٥) طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ١٣٣).","vol":"11","page":742},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>الترهيب من احتقار المسلم وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى</span>\n٤٤٨٦ - عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله. رواه مسلم (^١) وغيره.\nقوله عن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره الحديث. أما كون المسلم [أخو] المسلم فقد الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (^٢)، والمراد أخوة الإسلام وقد سبق بيان ذلك في الأحاديث الواردة بذلك. قوله لا يظلمه قال القرطبي (^٣) معنى يظلمه ينقصه حقه أو يمنعه إياه وقد سبق بيان ذلك في الظلم. وقوله ولا يخذله الخذل قال العلماء ترك الإعانة والنصرة ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي، وقد قال النبي -ﷺ- انصر أخاك ظالما أو مظلما. قوله ولا يحقره هو بالحاء المهملة وبالقاف أي لا يحتقره ولا يتكبر عليه ويستصغره ويستقلّه.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٢) (٢٥٦٤).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ١٠.\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢١/ ٨١).","vol":"11","page":743},{"text":"قال القاضي عياض (^١) رحمه الله تعالى ورواه بعضهم ولا يُخفره بضم الياء آخر الحروف وبالخاء المعجمة والفاء أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أمانه، قال والصواب المعروف هو الأول وهو الموجود في غير كتاب مسلم بغير خلاف، وروي ولا يحتقره وهذا يرد الرواية الثانية والله أعلم، اهـ. وقيل معنى يحقره بنظره بعين القلة والاستصغار وهذا إنما يصدر في الغالب عمن غلب عليه الكبر والجهل وذلك أنه لا يصح له استصغار غيره حتى ينظر إلى نفسه بعين أنه أكبر منه وأعظم وذلك جهل بنفسه وبحال المحتقر فقد يكون [فيها] (^٢) ما يقتضي عكس ما وقع للمتكبر اهـ. وروي ولا يسلمه بضم الياء، قال ابن الأثير (^٣) يقال أسلم فلان فلانا إذا ألقاه في الهلكة ولم يحمه من عدوه وهو عام في كل من أسلمته إلى شيء لكن دخله التخصيص وغلب عليه الإلقاء في الهلكة ومنه الحديث إني وهبت لخالتي غلاما فقلت لها لا تسلميه حجاما ولا [صائغا] (^٤) ولا قصابا أي لا تعطيه من يعلمه إحدى هذه الصنائع إنما كره الحجام والقصاب لأجل النجاسة التي يباشرانها مع تعذر الاحتراز وأما الصائغ فلما يدخل صنعته من الغش ولأنه يصوغ الذهب والفضة وربما كان منه آنية أو حلي للرجال وهو حرام، ولكثرة الوعد والكذب في إنجاز ما\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٣١)، ومشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢١١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢١).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٣٩٤).\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (صاغيا).","vol":"11","page":744},{"text":"يستعمل عنده اهـ، قاله في النهاية (^١). وروي أيضا ولا يكذبه بفتح الياء وإسكان الكاف ومعناه كذا.\nقوله -ﷺ- التقوى ها هنا، قالها ثلاثا ويشير إلى صدره الحديث. [فأصل التقوى الاجتناب والمراد هنا اجتناب المعاصي [وكأن] المتقي يتخذ له وقاية من عذاب الله بترك المخالفة والتقوى أيضا عند أهل الحقيقة الاحتراز بطاعة الله تعالى عن عقوبته، وقيل هي اجتناب ما سوى الله تعالى وجاء في التفسير في قوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٢) هو أن يطاع ولا يعصى ويذكر ولا ينسى ويشكر ولا يكفر، [كذا] (^٣) رواه ابن مسعود عن النبي -ﷺ- وقيل ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو أن لا [تأخذه] في الله لومة لائم و[يقوم] بالقسط ولو على نفسه أو أبيه أو ابنه. وقيل لا يتقى الله حق تقاته حتى يخزن لسانه، اهـ. قاله الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية] (^٤). والتقوى مصدر اتقى تقاة وتقوى والتاء فيه بدل من الواو لأنه من الوقاية والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقاية تقيه منه ولذلك يقال اتقى الطعنة بدرقته وترسه. وقال -ﷺ- اتقوا النار ولو بشق تمرة، وعلى هذا فالمتقي هو الذي يخاف الله تعالى ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته [و] حاجزا عن مخالفته فإذن أصل التقوى الخوف والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله وعظمته وعظيم سلطانه وعقابه والخوف والمعرفة [محلها]\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٣٩٤).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والقلب محله الصدر، ولذلك أشار -﵁- إلى صدره وقال: التقوى ها هنا).","vol":"11","page":745},{"text":"القلب، والقلب محله الصدر، ولذلك أشار صلى الله عليه سلم إلى صدره وقال: التقوى ها هنا، ومعنى قوله -ﷺ- التقوى ها هنا أن الأعمال الظاهرة لا [تحصل،] بها التقوى وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته فمن [كانت] التقوى في قلبه فلا ينظر بنظر الحقارة إلى أحد، اهـ. وفيه إشارة إلى أن كرم الخلق عند الله تعالى بالتقوى فرُب من يحتقره الإنسان لضعفه وقلة حظه من الدنيا هو أعظم قدرا عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا، فإن الناس إنما يتفاوتون بحسب التقوى وإذا كان أصل التقوى في القلوب فلا يطلع أحد على حقيقتها إلى الله ﷿، [وقال الله تعالى:] ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وأسند أبو حاتم (^١) عن كعب الأحبار قال: والذي فلق لموسى إني لأجد في التوراة: يا ابن آدم اتق ربك وصل رحمك وبر والديك يمد لك في عمرك وييسر لك يسرك ويصرف عنك عسرك. وسمعت أحمد بن موسى المكي بواسط يقول وجد عليّ سيف عطاء السلمي مكتوب وكان حائكا:\nألا إنما التقوى هو [العزم] والكرم ... وفخرك بالدنيا هو الذل والندم\nوليس على عبد تقي نقيصة ... إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم\n[ثم أسند عن محمد بن علي بن حسين قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه مناد من السماء دنا الرحيل فأعدّ زادا] (^٢).\n_________\n(^١) روضة العقلاء (ص ٢٧).\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ثم بعده الفضلات وافتتح القشيري باب التقوى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، اهـ. قاله في الديباجة).","vol":"11","page":746},{"text":"فائدة: التقوى خصلة عظيمة وحالة شريفة آخذة بمجامع علوم الشريعة وأعمالها موصلة إلى خير الدنيا والآخرة وهي جماع الخيرات وحقيقة الاتقاء التحرز بطاعة الله عن عقوبته، وأصلها اتقاء الشرك ثم بعده اتقاء المعاصي والنساء ثم بعده اتقاء الشبهات ثم بعده الفضلات وافتتح القشيري باب التقوى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^١)، اهـ. قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم يعني يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم فإن الله تعالى شرفه فإنه إنما يحتقر أخاه المسلم لتكبره عليه والكبر من أعظم خصال الشر.\nقوله -ﷺ- كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله. والدم [والعرض] معروفان. والعرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره. وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويُثلب، وقال ابن [قتيبة]: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير ومنه الحديث: استبرأ لدينه وعرضه، أي احتاط لنفسه، لا يجوز فيه معنى الآباء والأسلاف، [والله تعالى أعلم؛] قاله في النهاية (^٢).\n\n٤٤٨٧ - وعن ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا؟ فقال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال الكبر بطر\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(^٢) النهاية في غريب الأثر ج ٣ ص ٢٠٩.","vol":"11","page":747},{"text":"الحق، وغمط الناس\" رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢)، والحاكم (^٣) إلا أنه قال: \"ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس\" وقال الحاكم: احتجا برواته.\n[بطر الحق]: دفعه ورده. [وغمط الناس]: بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة: هو احتقارهم وازدراؤهم كما جاء مفسرا عند الحاكم.\nقوله وعن ابن مسعود تقدم. قوله -ﷺ- لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، الحديث. لا يدخل الجنة فيه التأويلان السابقان في أمثاله. وقوله مثقال ذرة من كبر، الذرة النملة الصغيرة، تقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطا في الكبر، والله تعالى أعلم.\n\n٤٤٨٨ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم\" رواه مالك (^٤) ومسلم (^٥) وأبو داود (^٦) وقال: قال أبو إسحاق: سمعته بالنصب والرفع، ولا أدري أيهما قال، يعني بنصب الكاف من أهلكهم أو رفعها: وفسره مالك إذا قال ذلك معجبا بنفسه\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤٧) (٩١).\n(^٢) سنن الترمذي (١٩٩٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) المستدرك للحاكم (١/ ٧٨) هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد احتجا جميعا برواته وله شاهد آخر على شرط مسلم المستدرك للحاكم (٤/ ٢٠١).\n(^٤) موطأ مالك (٢/ ٩٨٤/ ٢).\n(^٥) مسلم (٢٦٢٣).\n(^٦) أبو داود (٤٩٨٣). وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٦٠٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٦٠).","vol":"11","page":748},{"text":"مزدريا بغيره، فهو أشد هلاكا منهم لأنه لا يدري سرائر الله في خلقه. انتهى (^١).\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكم.\nقال أبو إسحاق: سمعته بالنصب والرفع ولا أدري أيهما يعني بنصب الكاف من أهلكهم ورفعها، اهـ. قاله الحافظ المنذري. وقال الحميدي في الجمع بين الصحيحين الرفع أشهر، اهـ. فمن فتحها كانت فعلا ماضيا ومعناه أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله [يقولون] هلك الناس أي استوجبوا النار بسوء أعمالهم فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله تعالى، وهو الذي لما قال لهم ذلك وأيّسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو الذي أوقعهم في الهلاك. وأما الضم فمعناه أنه إذا قال لهم ذلك فهو أهلكُهم أي أكثرهم هلاكا وهو الرجل يولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عجبا ويرى له عليهم فضلا، انتهى، قاله في النهاية (^٢). قال المنذري: [ويمكن رد معنى الفتح إلى هذا أي فهو الذي نسبهم إلى الهلاك عجبا بنفسه وازدراء بغيره وذلك مستوح من نسبة الإهلاك إلى ضميره المنفصل ثم المستتر أي بمجرده وتخمينه وبطره ومخالفته لقوله تعالى ﴿إِنَّ\n_________\n(^١) قلت: يعني أبا داود كما هو ظاهر، وهو خطأ، فإن قول أبي إسحاق المذكور لم يرد في سنن أبي داود، وإنما في صحيح مسلم عقب الحديث، ولفظه: قال أبو إسحاق: لا أدري (أهلكهم) بالنصب أو (أهلكهم) بالرفع. وأبو إسحاق هذا هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد راوي صحيح مسلم.\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٥/ ٢٦٩).","vol":"11","page":749},{"text":"بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (^١) بل يمكن أن تكون الفتحة فتحة بناء كقوله تعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (^٢) فيمن فسره بالوصل فاعلا لتقطع، وهذا التفسير أنسب بالترجمة والله أعلم.] (^٣) وفسره مالك فقال إذا قال ذلك معجبا بنفسه مزديا لغيره فهو أشد هلاكا منهم لأنه لا يدري [إبراء] (^٤) الله تعالى في خلقه، اهـ. وقيل معناه أنهم قد استحقوا العقوبة والمصير إلى العذاب فهو أشد هلاكا لأنه سدّ باب التوبة والرجاء من الله تعالى.\nقال الحميدي (^٥) قال العلماء فأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمره فلا بأس عليه اهـ. وزاد البغوي (^٦) وإذا قال ذلك عجبا بنفسه وتصاغرًا للناس فهو المكروه [ذمَّه و] نهى عنه النبي -ﷺ-. وقال الخطابي (^٧): معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلهكم أي أسوأ حالا منهم بما يلحقه من الإثم في [غيبتهم] والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنهم خير منهم اهـ.\n_________\n(^١) سورة الحجرات، الآية: ١٢.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٤.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (سرائر).\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٧٥).\n(^٦) شرح السنة (١٣/ ١٤٤).\n(^٧) شرح السنة (١٣/ ١٤٤)، والأذكار (١/ ٢٨٤)، والآداب الشرعية (٣/ ٤٢٢).","vol":"11","page":750},{"text":"٤٤٨٩ - وعن جندب بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله ﷿: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر له؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك\" رواه مسلم (^١).\nقوله وعن جندب بن عبد الله كذا.\nقوله -ﷺ-: قال رجل والله لا يغفر الله تعالى لفلان فقال الله ﷿ من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك، الحديث. وفي الحديث أيضا قال الله تعالى: لا يتعاظمني ذنب أن أغفره أي لا يعظم عليّ وعندي، قاله في النهاية (^٢).\nومعنى يتألى علي أي يحكم عليّ ويحلف، كقول القائل والله ليدخلن الله فلانا النار. والألية اليمين. قوله تعالى: إني قد غفرت له وأحبطت عملك. يقال أحبط الله عمله أي أبطله، من قولهم حبطت الدابة حبطا بالتحريك إذا أصابت مرعًى طيبا فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت، اهـ. قاله في شرح مشارق الأنوار. قال العلماء وفي حديث جندب هذا دلالة لمذهب أهل السنة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء الله غفرانها واحتجت المعتزلة في إحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر، ومذهب أهل السنة أنها لا تحبط إلا بالكفر، ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أسقطت حسناته في مقابلة سيئاته فسمي إحباطا مجازا أو يحتمل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم اهـ.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٣٧) (٢٦٢١).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٢٦٠).","vol":"11","page":751},{"text":"٤٤٩٠ - وعن الحسن -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة، فيقال له: هلم فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر، فيقال له: هلم هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاءه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال له: هلم، فما يأتيه من الإياس\" رواه البيهقي (^١) مرسلا.\nقوله وعن الحسن هو أبو سعيد بن أبي الحسن الأنصاري مولاهم البصري التابعي الكبير، قيل أنه أفضل التابعين، وأمه اسمها خيرة بالخاء المعجمة والمثناة التحتانية مولاة [أم] سلمة زوج النبي -ﷺ-. ولد الحسن أواخر خلافة عمر في المدينة وقيل أن أمه ربما كانت تغيب فيبكي الحسن فتعطيه أم سلمة أم المؤمنين ثديها [فتعلله] إلى أن تجيء أمه فيدرّ ثديها فيشربه فيرون تلك الفصاحة والحكمة من بركتها، ونشأ الحسن بوادي القرى. قال الحسن وغزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من أصحاب رسول الله -ﷺ- وعن محمد بن سعد قال كان الحسن عالما فقيها ثقة عابدا كثير العلم فصيحا أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث. [قدم] مكة فأجلسوه على سرير واجتمع الناس إليه فحدثهم، فقالوا لم يُر مثله قط. أجمع الأمة على جلالته عظم قدره علما وزهدا وفصاحة ودينا ودعاء إلى\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٦٧٥٧)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وآداب اللسان (٢٨٥)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٦٢). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٨٠٠): ورويناه في ثمانيات النجيب من رواية أبي هدبة أحد الهالكين عن أنس.","vol":"11","page":752},{"text":"الخير وغير ذلك. توفي -﵁- سنة عشر ومائة، والله أعلم. قاله الكرماني (^١).\nقوله -ﷺ- إن المستهزئين بالناء يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة فيقال لهم هلم هلم الحديث. هلّم يقال للواحد والاثنين والجماعة، بذلك جاء القرآن. ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث، فيقول للذكر: هلم، وللمرأة: هلمي، وللإثنين: هلما، وللجماعة: هلموا، وللنسوة: هلممن. وقال الخليل: أصلها لم وزيدت الهاء في أولها. وقال الفراء: بل أصلها: هل، ضمت إليها أم، والرفعة التي في اللام من همزة أم لما تركت انتقلت إلى ما قبلها. وقال أبو بكر بن الأنباري: معنى هلم: أقبل، وأصله أم يا رجل: أي اقصد، فضموا هل إلى أم وجعلوها حرفا واحدا، وأزالوا أم عن التصرف، وحولوا ضمة همزة أم إلى اللام، وأسقطوا الهمزة فاتصلت الميم باللام. وإذا قال الرجل للرجل: هلم، فأراد أن يقول لا أفعل، قال: لا أهلم.\nقوله رواه البيهقي مرسلا تقدم الكلام على الحديث المرسل، ومن الكبائر [السخرية] والاستهزاء بالمسلم. قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (^٢) الآية، وقد أجمعت الأمة على تحريم ذلك وفي كونه كبيرة مجال [النظر] مع أنه قد روي عن ابن عباس (^٣).\nفي قوله تعالى ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٤٢).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ١١.\n(^٣) الزهد لأبي داود (١/ ٣٦٧)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٩٠).","vol":"11","page":753},{"text":"أَحْصَاهَا﴾ (^١)، قال الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك على [حالة] الاستهزاء، وهذا تصريح بأن ذلك من الكبائر.\nوقال الغزالي (^٢) في قول ابن عباس إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم والذنوب، واعلم أن معنى السخرية [للاستخفاف] والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضحَك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وقد يكون بالضحك كأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط أو على صنعته أو قبح في صورته ونحو ذلك. وقال بعض أئمة التفسير في قوله [تعالى]: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ (^٣)، الآية. من لقّب أخاه وسخِر به فهو فاسق، حكاه القرطبي (^٤).\n\n٤٤٩١ - وعن عقبة بن عامر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملؤوه ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين، أو عمل صالح\" رواه أحمد (^٥) والبيهقي (^٦) كلاهما من رواية ابن لهيعة، ولفظ البيهقي قال: \"ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين، أو عمل صالح. حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا\".\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٤٩.\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ١٣١).\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ١١.\n(^٤) تفسير القرطبي (١٦/ ٣٢٨).\n(^٥) مسند أحمد (١٧٣١٣) (١٧٤٤٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٤) رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة وفيه لين، وبقية رجاله وثقوا.\n(^٦) البيهقي في الشعب (٦٢٥٠).","vol":"11","page":754},{"text":"٤٤٩٢ - وفي رواية له (^١): \"ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا\". قوله [طف الصاع] بالإضافة: أي قريب بعضكم من بعض.\nقوله وعن عقبة بن عامر تقدم.\nقوله -ﷺ- إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملؤوه الحديث. طفّ الصاع بالإضافة أي قريب بعضكم من بعض، اهـ. قاله الحافظ يقال هذا طف المكيال [و] طفافه أي ما قرب من ملئه، وقيل هو ما علا فوق رأسه ويقال له أيضا [طفاف] بالضم والمعنى كلكم في الانتساب إلى [رجل] واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر على غاية التمام وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال ثم أعلمهم -ﷺ- أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى. اهـ. لعله مذكور في النهاية (^٢).\nقوله -ﷺ- في رواية البيهقي حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيئا بخيلا. البذيء بفتح الباء وكسر الذال المعجمة والمد، هو المتكلم بالفحش ورديء الكلام.\n\n٤٤٩٣ - وعن أبي ذر -﵁- أن النبي -ﷺ- قال له: \"انظر فإنك لست بخير من أحمر، ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى\" رواه أحمد (^٣)، ورواته ثقات\n_________\n(^١) البيهقي في الشعب (٤٧٨٢)، (٤٧٨٣) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٣٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٦٢).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٣/ ١٢٩).\n(^٣) مسند أحمد (١٧٣١٣)، (٢١٤٠٧)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٧١) ورجاله ثقات. وقال في (ص: ١٠٧١): أخرجه ابن أبي الدنيا في العفو وذم =","vol":"11","page":755},{"text":"مشهورون إلا أن بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر.\nقوله وعن أبي ذر واسمه جندب الغفاري وهو أول من حيّا رسول الله -ﷺ- بتحيّة الإسلام وهو خامس خمسة في الإسلام وكان يعبد الله تعالى قبل البعثة واسم أخيه أنيس مصغرا أسلم مع أبي ذر وأسلمت أمهما وكان شاعرا. قاله الكرماني (^١). قوله -ﷺ- لأبي ذر انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الحديث سيأتي الكلام على الأحمر والأسود في الحديث بعده.\n\n٤٤٩٤ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"خطبنا رسول الله -ﷺ- في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد. ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٢). ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب\" ثم ذكر الحديث في تحريم الدماء والأموال والأعراض. رواه البيهقي (^٣)، وقال في إسناده بعض من يجهل.\n_________\n= الغضب بإسناد صحيح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٤) رواه أحمد، ورجاله ثقات إلا أن بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٥٠٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٦٣).\n(^١) الكواكب الدراري (١٤/ ١٢٩).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ١٣.\n(^٣) شعب الإيمان (٤٧٧٤). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٠٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٦٤).","vol":"11","page":756},{"text":"قوله وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه. قوله خطبنا رسول الله -ﷺ- في أوسط أيام التشريق، الحديث. أيام التشريق ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى وسميت أيام التشريق لتشريق اللحم فيها، وقيل فيه غير ذلك والله أعلم.\nقوله -ﷺ- ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى الحديث.\nقال الواحدي قال أهل العلم هذا في الازدراء بالناس والتحقير لهم والاستطالة بالنسب على من يكون خامل النسب، اهـ. قاله في الديباجة، وجاء في الحديث بُعثت إلى الأحمر والأسود، أي العجم والعرب، لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض وعلى ألوان العرب الأدمة والسمرة. وقيل أراد الجن والإنس، وقيل أراد بالأحمر والأبيض مطلقا فإن العرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء وسئل ثعلب لم خص الأحمر دون الأبيض فقال لأن العرب لا تقول رجل أبيض من بياض اللون إنما الأبيض عندهم الطاهر النفس من العيوب فإذا أرادوا الأبيض من اللون قالوا الأحمر، وفي هذا القول نظر فإنهم قد استعملوا الأبيض في ألوان الناس وغيرهم. [لعل ذلك نادر والغالب سواه وبه يجاب عن ثعلب] (^١).\nومنه الحديث (^٢) أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض هي [يعني] (^٣) ما أفاء الله على أمته من كنوز الملوك فالأحمر الذهب والأبيض الفضة والذهب\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) صحيح مسلم (١٩) (٢٨٨٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":757},{"text":"كنوز الروم لأنه الغالب على نقودهم [والفضة كنوز الأكاسرة لأنها الغالبة على نقودهم،] وقيل أراد العرب والعجم جمعهم الله على دينه وملته. وفي حديث عليّ قيل له غلبتنا عليك هذه الحمراء يعنون العجم والروم والعرب تسمى الموالي الحمراء وفي الحديث خذوا شطر دينكم كم الحُميراء يعني عائشة كان يقول لها أحيانا يا حميراء تصغير حمراء يريد البيضاء، وفي معنى ذلك أحاديث كثيرة مذكورة في النهاية (^١).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٣٨). قال الزركشي في المعتبر: قلت: ذكره ابن الأثير في نهاية الغريب بلا إسناد، وهو يدل على أن له أصلًا، لكن اشتهر بين الحفاظ: أن هذا الحديث لا أصل له. ويقول السخاوي في المقاصد: قال شيخنا في تخريج ابن الحاجب من إملائه: لا أعرف له إسنادًا، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير في مادة حمر، ولم يذكر من خرّجه.\nويقول صاحب الأسرار المرفوعة: وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير، أنه سأل المزي والذهبي فلم يعرفاه. ويقول أيضًا: وقال شيخنا الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسنادًا. انظر: المعتبر (ص ٨٥، ٨٦)، المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ١٩٨)، الأسرار المرفوعة لعلي القاري (ص ١٩٠، ١٩١). قال ابن القيم في المنار المنيف (ص ٦٠): على حديث فيه: يا حميراء، أو ذكر: الحميراء، فهو كذب مختلق). اهـ. واستثنى بعضهم بعض الأحاديث التي فيها ذكر: الحميراء، ومنها هذا الحديث، استثناه ابن كثير -كما نقله. عنه تلميذه الإِمام بدر الدين الزركشي في كتابه الإجابة لا يراد ما استدركته عائشة على الصحابة (ص ٥١) - حيث ذكر من خصائص عائشة -﵂- قوله -ﷺ-: خذوا شطر دينكم عن الحميراء، ثم قال الزركشي: (وسألت شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير -﵀- عن ذلك، فقال: كان شيخنا حافظ الدنيا أبو الحجاج المزي -﵀- يقول: كل حديث فيه ذكر الحميراء باطل، إلا حديثًا في الصوم في سنن النسائي. =","vol":"11","page":758},{"text":"قوله -ﷺ- ألا هل بلغت كذا وكذا.\nقوله فليبلغ الشاهد الغائب، الشاهد الحاضر.\n\n٤٤٩٥ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي: ألا إني جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان ابن فلان خير من فلان ابن فلان، فاليوم أرفع نسبي، وأضع نسبكم. أين المتقون؟ \" رواه الطبراني في الأوسط (^١) والصغير (^٢) والبيهقي (^٣) مرفوعا وموقوفا، وقال: المحفوظ الموقوف، وتقدم في أول كتاب العلم حديث أبي هريرة الصحيح فيه: \"من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه\".\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم أين المتقون؟\n_________\n= قلت -أي ابن كثير-: وحديث آخر في النسائي أيضًا عن أبي سلمة، قال: قالت عائشة: دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي: يا حميراء، أتحبين أن تنظري إليهم؟ ... الحديث، وإسناده صحيح.\n(^١) الطبراني في الأوسط (٤٥١١)، وفي معجمه الصغير (٦٤٢)، وأخرجه الحارث (زوائد الهيثمي) (٨٥٦)، وأسد بن موسى في الزهد (٧٩)، والمعافى بن عمران الموصلي في الزهد (١٣٠)، والبيهقي في الزهد الكبير (٧٦٥)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٩/ ٨٨).\n(^٢) المعجم الصغير للطبراني (٦٤٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٤): رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه طلحة بن عمرو وهو متروك. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥١٠): أخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك بسند ضعيف والثعلبي في التفسير مقتصرا على آخره إني جعلت نسبًا ... الحديث من حديث أبي هريرة. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٦٣): ضعيف جدًا.\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٤٧٧٦، ٤٧٧٧) وقال: هذا هو المحفوظ بهذا الإسناد، موقوف.","vol":"11","page":759},{"text":"المتقون جمع المتقي وهم الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. قوله من بطأ به عمله لم يسرع نسبه معناه من كان عمله ناقصا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغى أن لا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل.\n\n٤٤٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ النبي -ﷺ- قال: \"إن الله ﷿ أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم، وآدم من تراب: مؤمن تقي، وفاجر شقي لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها\" رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) وحسنه، وتقدم لفظه، والبيهقي (^٣) بإسناد حسن أيضا، واللفظ له، وتقدم معنى غريبه في الكبر.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- إن الله أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب، الحديث. تقدم الكلام على الحديث مبسوطا في باب الكبر والتواضع قريبا.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٥١١٦).\n(^٢) الترمذي (٣٩٥٥)، (٣٩٥٦) وقال: وهذا حديث حسنقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٦٧) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن حبان من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٦٥)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (١٧٨٧).\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٣٩٢)، وفي شعب الإيمان (٤٧٦٣ - ٤٧٦٤ - ٤٧٦٥).","vol":"11","page":760},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>الترغيب في إماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك مما يذكر</span>\n٤٤٩٧ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"الإيمان بضع وستون أو سبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله\" رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤) والنسائي (^٥) وابن ماجه (^٦).\n[أماط] الشيء عن الطريق: نحاه وأزاله، والمراد بالأذى كل ما يؤذي المار كالحجر والشوكة والعظم والنجاسة ونحو ذلك.\nقوله عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ- الإيمان بضع وستون أو وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله. وفي حديث آخر والحياء شعبة من الإيمان. قوله الإيمان بضع، البضع والبضعة بكسر الباء فيهما وفتحها هذا في العدد وأما بضعة اللحم فبالفتح لا غير، والبضع في العدد ما بين الثلاث والعشرة والشعبة القطعة من الشيء ومنه التشعب وهو التفرق. قوله إماطة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٥٨) (٣٥).\n(^٣) سنن أبي داود (٤٦٧٦).\n(^٤) سنن الترمذي (٢٦١٤).\n(^٥) سنن النسائي (٨/ ١١٠).\n(^٦) سنن ابن ماجه (٥٧).","vol":"11","page":761},{"text":"الأذى، أماط الشيء أزاله ونحَّاه، والمراد بالأذى كل ما يؤذي المار كالحجر والشوك والعظم والنجاسة ونحو ذلك، اهـ. قاله المنذري ..\n\n٤٤٩٨ - وعن أبي ذر -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: \"عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوي أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن\" رواه [مسلم] (^١) وابن ماجه (^٢).\nقوله وعن أبي ذر تقدم. قوله -ﷺ- عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق الحديث، المراد بإماطة الأذى عن الطريق إزالة ما يؤذي المار من حجر أو شوك وكذا قطع الأحجار من الأماكن الوعرة كما يفعل في طريق الحاج وكذا كنس الطريق عن التراب الذي يتأذى به المار وردم ما فيه [من حفرة أو رهدة وقطع شجرة تكون في الطريق، وفي معناه توسيع الطريق التي تضيق على المارة وإقامة من يبيع أو يشتري في وسط الطرق العامة كمحل السعي بين الصفا والمروة ونحو ذلك، فكله من باب إماطة الأذى عن الطريق، ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب كالبئر التي في وسط الطريق التي يخشى أن يسقط فيها الأعمى والصغير والدابة فإنه يجب طمسها والتحويط عليها إن لم تضر المارة، انتهى، قاله في حدائق الأولياء.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥٧) (٥٥٣).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٣٦٨٣).","vol":"11","page":762},{"text":"قوله -ﷺ-: (...) وفي بعض النسخ: النخاعة، وتقدم الكلام على ذلك بابه.\nقوله: -ﷺ-: ...] من الإيمان بالله، [و] الإيمان بالله الاعتراف بوجوده والإيمان له القيام بالطاعة له وكذا الإيمان بالنبي -ﷺ- والإيمان له. فالأول هو التصديق بوجوده و[بكونه] نبيا والثاني قبول شرائعه والإيمان بالكتاب إيمان بما دل على أنه من عند الله، وقد يقال آمنت للكتاب بمعنى الانقياد لأوامره ونواهيه والثقة بوعده ووعيده. قوله بضع وستون أو وسبعون، كذا وقع في راية سهيل عند مسلم على الشك أيضا، ورواه البخاري بضع وستون ورواه الترمذي وأبو داود من روايته أيضا بضع وسبعون بلا شك، ورواه الترمذي من طريق آخر أربعة وستون بابا، واختلف العلماء في الراجح من الروايتين فصوّب القاضي عياض رواية بضع سبعين وقال ابن الصلاح (^١).\nهذا الشك الواقع في رواية سهيل هو من سهيل، كذا قاله الحافظ أبو بكر البيهقي (^٢)، وقد روى عن سهيل بضع وسبعون من غير شك وروي بضع وستون والراجح رواية الأقل، ورجّح أبو عبد الله الحليمي رواية الأكثر فإن الحكم لمن حفظ الزيادة جازما بها والكلام في هذه الشعب يطول وقد صنف في ذلك مصنفات من أغزرها فوائد كتاب المنهاج لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى وكان من [رفعاء] أئمة المسلمين وحذى حذوه الفقيه أبو بكر البيهقي في كتابه الجليل الحفيل كتاب شعب الإيمان.\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٣).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٤).","vol":"11","page":763},{"text":"وفي رواية الترمذي وغيره تسمية الشعبة بابا والمراد بالباب الموصل إلى الإيمان فكل هذه الشعب أبواب لذلك [فمعنى] وله بضع وسبعون شعبة بضع وسبعون خصلة الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع تصديق القلب واللسان وظواهر السنة مطلقة على الأعمال كما وقع ها هنا أرفعها، وفي رواية أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ونبه -ﷺ- على أن أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد والذي [لا] (^١) يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن الطريق وبقي بين هذين الطرفين أعداد لو تكلف تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع [لأمكنه]، وقد فعل ذلك بعض من تقدم.\nقال الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان (^٢) تتبعت معنى الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئا كثيرا فرجعت إلى السنن فإذا هي تنقص [عن] البعض والسبعين فرجعت إلى كتاب الله فقرأته بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنة وأسقطت المعاد فإذا هي سبع وسبعون شعبة لا تزيد عليها ولا تنقص فعلمت أن مراد النبي -ﷺ-[أنّ هذا العدد] في الكتاب والسنة. وذكر أبو حاتم جميع ذلك في كتاب وصف الإيمان وشعبه. قوله الحياء. والحياء ممدود من الاستحياء.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) طبقات الفقهاء الشافعية (١/ ١١٨)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٤).","vol":"11","page":764},{"text":"قال القاضي (^١) [وغيره] إنما جعل الحياء من الإيمان [و] إن كان غريزة لأنه قد يكون [تخلقا] واكتسابا كسائر أعمال البر وحقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق الصريح. قال البغوي في شرح السنة (^٢).\nمعنى قوله -ﷺ- والحياء شعبة من الإيمان أنه كما يترك الإنسان المعاصي للإيمان يتركها للحياء، ومنه الحديث إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، يريد من لم يصحبه الحياء صنع ما يشاء من ارتكاب الفواحش [ويقارف] القبائح فكلما كان الحياء سببا [لمنعه] عن المعاصي كالإيمان عد الحياء من شعب الإيمان وإن لم يكن أمرا مكتسبا [قاله في الديباجة].\n\n٤٤٩٨ - وعن أبي ذر -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: \"عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوي أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن\" رواه [مسلم] (^٣) وابن ماجه (^٤).\n[قوله وعن أبي ذر تقدم. قوله -ﷺ- عُرِض عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، الحديث. المراد بإماطة الأذى عن الطريق إزالة ما يؤذي المار من حجر أو شوك وكذا قطع الأحجار من\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٥).\n(^٢) شرح السنة (١/ ٣٦).\n(^٣) صحيح مسلم (٥٧) (٥٥٣).\n(^٤) ابن ماجه (٣٦٨٣).","vol":"11","page":765},{"text":"الأماكن الوعرة كما يفعل في طريق الحاج وكذا كنس الطريق عن التراب الذي يتأذى به المار وردم ما فيه من حفرة أو وهدة وقطع شجرة تكون في الطريق، وفي معناه توسيط الطرق التي تضيق على المارة أو إقامة من يبيع أو يشتري في وسط الطرق العامة كمحل السعي بين الصفا والمروة ونحو ذلك وكله من باب إماطة الأذى عن الطريق. ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب كالبئر التي في وسط الطريق التي يخشى أن يسقط فيها الأعمى والصغير، الدابة فإنه يجب طمسها أو التحويط عليها إن لم يضر المارة، اهـ قاله في حدائق الأولياء. قوله -ﷺ- ووجدت في مساوئ أعماله النخامة تكون في المسجد لا تدفن وفي بعض النسخ النخاعة، وتقدم الكلام على ذلك في بابه] (^١).\n\n٤٤٩٩ - وعن أبي برزة -﵁- قال: \"قلت يا نبي الله: إني لا أدري نفسي تمضي أو أبقى بعدك فزودني شيئا ينفعني الله به، فقال رسول الله -ﷺ-: افعل كذا، افعل كذا، وأمر الأذى عن الطريق\".\n\n٤٥٠٠ - وفي رواية قال أبو برزة: \"قلت يا نبي الله: علمني شيئا أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين\" رواه مسلم (^٢) وابن ماجه (^٣).\nقوله عن أبي برزة، أبو برزة اسمه نضلة بن عبيد هذا هو الصحيح المشهور في اسمه. قوله -ﷺ-[... وفي رواية قال: اعزل] الأذى عن طريق المسلمين، تقدم تفسيره في الحديث قبله.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) صحيح مسلم (١٣١) (٢٦١٨).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٣٦٨١).","vol":"11","page":766},{"text":"٤٥٠١ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته، فيحمله عليها أم يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة\" رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس الحديث. السلامى بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم عظام الأصابع جمع سلامية وهي الأنملة من أنامل الأصابع وقيل واحده وجمعه سواء، ويجمع على [سلاميات] بفتح الميم والياء هي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان وقيل السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام ومعنى قوله كل سلامى عليه صدقة أي على كل عضو ومفصل صدقة وفي المراد به احتمالان أحدهما أن الصدقة كما قيل تدفع البلاء فإذا تصدق [عن] (^٣) أعضائه بما ذكرنا كان [جديرا] أن يدفع عنها البلاء. والثاني [أن] لله ﷿ على الإنسان في كل عضو ومفصل نعمة والنعمة تستدعي الشكر [ثمّ] كأن الله ﷿ وهب ذلك الشكر لعباده صدقة عليهم كأنه قال اجعل شكر نعمتي في أعضائك أن تعين بها عبادي وتتصدق عليهم بإعانتهم. قوله كل يوم منصوب على الظرف لأن دوام نعمة الأعضاء نعمة أخرى ولما كان الله ﷿ قادرا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٩٨٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٥٦) (١٠٠٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":767},{"text":"على سلب نعمة الأعضاء عن عبده كل يوم وهو في ذلك عادل في حكمه كان [عفوه] (^١) عن ذلك [وإدامة] العافية عليه صدقة فوجب الشكر والرعاية ثم النعمة عائمة فالشكر يجب أن يكون دائما. قوله تطلع فيه الشمس يحتمل أنه تأكيد نحو ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (^٢)، ويحتمل أن اليوم لما كان يطلق تارة ويراد به ما بين طلوع الشمس وغروبها وتارة يراد به المدة الطويلة نحو يوم القيامة ومقدراه خمسون ألف سنة وتارة يراد به ألف سنة ويتجوز به في العرف عن أقل من ذلك وأكثر أراد النبي -ﷺ- أن ينص على أن اليوم الذي تجب فيه الصدقة على ابن آدم و[يتكرر] بتكرره هو محل طلوع الشمس لا غيره. واعلم أن الصدقة على ضربين صدقة الأموال كالزكاة وصدقة التطوع وصدقة الأفعال كالذي ذكرنا في هذا الحديث ويجمعها عبادة الله تعالى كالمشي إلى الصلاة ونفع الناس فمنه العدل بين اثنين يتحاكمان أو يتخاصمان سواء كان حاكما أو مصلحا إذا نوى دفع المنافرة بينهما امتثالا لقول الله ﷿ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (^٣) الآية ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (^٤)، ونحوه من الأمر بذلك. [ومنه إعانة الرجل بحمله أو حمل متاعه على الدابة لأنه نفع له] (^٥) ومنه الكلمة الطيبة نحو سلام عليك وحياك الله وإنك لمحسن وأنت إن شاء الله رجل\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (غيره).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ١٠.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٣٥.\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":768},{"text":"صالح ولقد أحسنت جوارنا أو [ضيافتنا] ونحو ذلك لأنه مما يسر السامع ويجمع القلوب ويؤلفها. واعلم أنه ليس مراد الحديث حصر أفعال الصدقة فيما ذكر فيه إنما هي مثال لذلك ويجمعها ما قلنا من أفعال العبادة أو نفع خلق الله ﷿ حتى أن رجلا رآى فرخا قد وقع من عشه فرده إليه فغفر له وآخر رآى كلبا يأكل الثرى من العطش فسقاه فغفر له وكذلك امرأة بغي رأت كلبا عطشا فنزعت له بخفها ماء فسقته فغفر لها، وعكس ذلك أن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض. وقد ورد في كل كبد حرّا أجر، وقد ورد الخلق عيال الله فأحبّ الناس إلى الله تعالى أشفقهم على عياله. وإذا تصدق كل واحد من الناس عن أعضائه بنفع خلق الله تعالى حصل من ذلك مقصود قوله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من جمع القلوب وائتلافها وإقامة كلمة حق بواسطة ذلك فإذن يكون نفع ذلك خاصا بالمسلم المتصدق وعاما للإسلام والمسلمين وهذا مقصود الشرع وهذا الحديث يرجع إلى قوله ﷿ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (^١)، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٢)، وإلى قوله -﵇- المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، المؤمن [كثير] (^٣) بأخيه المؤمن، انصر أخاك ظالما أو مظلوما يعني إعانة المظلوم بنصرته وإعانة الظالم بكفه عن ظلمه، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد الحديث ونحوه والله أعلم بالصواب. قاله الطوفي\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٣٦.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٢.\n(^٣) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (كبير).","vol":"11","page":769},{"text":"[في] شرح الأربعين النووية (^١).\n\n٤٥٠٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم، فقال رجل من القوم: هذا من أشد ما أنبأتنا به. قال: أمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر صلاة، وحملك على الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة\" رواه ابن خزيمة في صحيحه (^٢).\nقوله وعن ابن عباس -﵁-[تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعلى مناقبه مبسوطا. (...) تتعلق بذكره رضي الله تعالى عنه:] روى ابن عساكر في تاريخه (^٣) بسنده إلى حماد بن محمد أنه قال كتب رجل إلى ابن عباس يسأله عن شيء ليس له لحم ولا دم تكلم، وعن شيء ليس له لحم ولا دم تنفس وعن اثنين ليس لهما لحم ولا دم خوطبا وأجابا وعن رسول بعثه الله ليس من الجن ولا من الإنس ولا من الملائكة وعن نفس ماتت ثم عاشت بنفس غيرها وعن موسى كم أرضعته أمه قبل أن تلقيه في اليم وفي أي بحر وفي أي يوم ألقته وكم\n_________\n(^١) التعيين (ص ٢٠٠ - ٢٠٢).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (١٤٩٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٩٦/ ١١٧٩١)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٨٨)، والبزار في مسنده (الكشف ٩٦٩)، وابن مردويه في ثلاثة مجالس من أماليه (٤٠)، وابن مخلد البزاز في حديثه عن شيوخه (١٨)، وأبو يعلى في مسنده (٢٤٣٤). وذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١٠٤)، وقال: رجال أبي يعلى رجال الصحيح، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٠٧٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٥).\n(^٣) مختصر تاريخ دمشق (٤/ ٢٤٤)، وانظر: حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٤٩).","vol":"11","page":770},{"text":"كان طول آدم وكم عاش ومن كان وصيّه وعن طير لا يبيض ويحيض، فقال [رضي الله تعالى عنه]: الأول النار قالت: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (^١)، والثاني عصا موسى ﵊، والثالث الصبح، والرابع السماء والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٢)، والخامس الغراب الذي بعثه الله تعالى إلى ابن آدم، والسادس نملة سليمان والسابع البقرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن، وأرضعت موسى أمه قبل أن تلقيه في اليم ثلاثة أشهر، وألقته في بحر القلزم، وكان ذلك يوم الجمعة، وكان طول آدم -﵇- ستين ذراعًا، وعاش ألف سنة إلا ستين [عاما]، وكان وصيه شيث. والطير الوطواط الذي نفخ فيه عيسى، فكان طائرًا بإذن الله ﷿. نقل من حياة الحيوان (^٣).\nقوله -ﷺ-: كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم الحديث. هكذا جاء في رواية فإن كان محفوظا فالمراد به أن على كل عضو موسوم بصنعة الله صدقة هكذا فسر ومنه الحديث وفي يده الميسم [هي] (^٤) الحديدة التي يكوى بها وأصله مِوْسم فقلبت الواو ياء لكسرة الميم [ومنه] المَوْسم وهو الوقت الذي يجتمع فيه الحاج كل سنة كأنه وسم بذلك الوسم وهو مفعل منه اسم [الزمان] لأنه معلم لهم يقال وسمته يسمه وسما وسمة إذا أثر فيه بكيّ ومنه الحديث أنه كان يسم إبل الصدقة أي يعلِّم عليها بالكي. والأصل [من]\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٣٠.\n(^٢) سورة فصلت، الآية: ١١.\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٤٩).\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (من).","vol":"11","page":771},{"text":"المنسم وهو خف البعير يستبان به على الأرض أثره إذا ضل، وقد يطلق على مفاصل الإنسان اتساعا، ومنه الحديث على كل منسم من الإنسان صدقة أي على كل مفصل اهـ، قاله في النهاية (^١).\nقوله -ﷺ- وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صلاة، الخطوة بفتح الخاء المعجمة المرة الواحدة وبالضم ما بين القدمين.\n\n٤٥٠٣ - وعن أبي ذر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس، قيل: يا رسول الله من أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك\" رواه ابن حبان في صحيحه (^٢)، والبيهقي (^٣) مختصرًا، وزاد في رواية: \"وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة لك صدقة\".\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٥/ ٤٩).\n(^٢) ابن حبان (٤٧٤)، (٥٢٩).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٣٠٥٦، ٣١٠٥) والحديث؛ أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٩١)، والترمذي (١٩٥٦)، والبزار (٤٠٧٠)، والطبراني في الأوسط (٤٨٤٠)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٧١)، وصحيح الأدب المفرد (٨٩١).","vol":"11","page":772},{"text":"قوله وعن أبي ذر تقدم.\nقوله -ﷺ- ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس، الحديث. تقدم.\nقوله وتسمع الأصم، الأصم هو الثقيل السمع الذي به صمم.\nقوله وتهدي الأعمى، وهدايته إرشاده إلى الطريق.\nقوله وتدل المستدل على حاجته التي يريدها.\nقوله وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث. السعي هو الإسراع في العدو، واللهفان هو [المكروب]، يقال لهف يلهف فهو لهفان ولهف فهو ملهوف، ومنه الحديث يُعين ذا الحاجة الملهوف والحديث الآخر كان يحب إغاثة اللهفان، والله تعالى أعلم، قاله في النهاية (^١). وفي الرواية الأخرى وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن طريق الناس صدقة، وفيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق وهو كل مؤذ، وهذه الإماطة أدنى شعب الإيمان.\nفائدة: إماطة الأذى عن الطريق توجد على نوعين: أحدهما وهو الأظهر أن ينحي عن طريق المسلمين ما يتأذون به من شوك أو حجر إيمانا واحتسابا، وثانيهما أن لا يتعرض لهم في طرقهم بما يؤذيهم مثل التخلي في قارعة الطريق وإلقاء النتن والجيف وإحداث ما يعسر المرور عليه فإنه إذا ترك ذلك إيمانا واحتسابا كان كمن عزل الأذى عن الطريق، كذا في الميسر، قاله في شرح مشارق الأنوار. تنبيه: فإن قيل كيف تكون الإماطة صدقة؟ قلنا:\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٤/ ٢٨٢).","vol":"11","page":773},{"text":"معنى الصدقة أيضا النفع، والإماطة سبب إلى سلامة أخيه المسلم من ذلك الأذى فكأنه تصدق عليه بالسلامة منه، اهـ، قاله الكرماني (^١).\n\n٤٥٠٤ - وعن بريدة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة، قالوا: فمن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: النخامة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن الطريق، فإن لم تقدر، فركعتا الضحى تجزي عنك\" رواه أحمد (^٢)، واللفظ له، وأبو داود (^٣) وابن خزيمة (^٤) وابن حبان (^٥) في صحيحهما.\nقوله وعن بريدة -﵁-، هو بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى.\nقوله -ﷺ- في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق على كل مفصل إلى هنا انتهى اللوح الثاني والثلاثون بعد المائة. منها صدقة الحديث المفصل بفتح الميم وسكون الفاء وكسر الصاد يريد مفصل الأصابع وهو ما بين كل أنملتين والمعنى على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة على طريق الاستحباب لا على طريق الوجوب وقد مرّ الكلام على ذلك\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١١/ ٣٣).\n(^٢) مسند أحمد (٢٢٩٩٨)، (٢٣٠٣٧).\n(^٣) أبو داود (٥٢٤٢).\n(^٤) ابن خزيمة (١٢٢٦).\n(^٥) ابن حبان (١٦٤٢)، (٢٥٤٠). وأخرجه البيهقي في الشعب (١١١٦٤)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٢٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢٣٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٦٦٦).","vol":"11","page":774},{"text":"مبسوطا في أوائل هذا التعليق. قوله -ﷺ- فإن لم تقدر فركعتي الضحى تجزئ عنك، بفتح التاء وسكون الجيم وكسر الزاي وسكون الياء أي يكفي عنك.\nفائدة تتعلق بالإنسان، فالإنسان نوع العالم وإنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي، والأناس لغة في [الناس] وهو الأصل فخفف والناس جمع إنسان قال الجوهري (^١) والناس قد [تكون] من الإنس والجن اهـ. قال الله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ (^٢)، أي أحسن خلق وهو اعتداله وتسوية أعضائه لأنه خلق كل شيء منكبا على وجهه وخلقه سويا وله لسان ذلق وأصابق يقبض بها مزيّنا بالعقل مؤدبا بالأمر مهذبا بالتمييز يتناوله مأكوله ومشروبه بيده. قال ابن عطية من الدليل على أن القرآن غير مخلوق أن الله تعالى ذكر القرآن في كتابه في أربعة وخمسين موضعا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق ولا أشار إليه، وذكر الإنسان على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعا كلها نصت على خلقه، [وقد اقترن ذكرهما على هذا النحو في قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ (^٣)] (^٤). وقال القاضي أبو بكر بن العربي (^٥) ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان فإن الله تعالى خلقه حيا عالما [قادرا] (^٦) مريدا متكلما، سميعا بصيرا، مدبرا حكيما.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ٩٨٧).\n(^٢) سورة التين، الآية: ٤.\n(^٣) سورة الرحمن، الآيات: ١ - ٣.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٤١٥).\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":775},{"text":"حكيما. وهذه صفات الرب ﷾، وعنها وقع البيان بقوله -ﷺ-: إن الله خلق آدم على صورته، يعني على صفاته التي تقدم ذكرها.\nفائدة أخرى: ثم روى بإسناده ابن عطية أو القاضي أبو بكر بن العربي أن موسى بن عيسى الهاشمي كان يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر، فاحتجبت عنه وقالت طلقت وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح أتى المنصور فاستحضر الفقهاء وسألهم فأجاب كلهم بالطلاق إلا واحدا فقال لا تطلق لقوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ (^١)، فقال المنصور الأمر كما قال، ثم أرسل إلى زوجته بذلك. [و] هذا الجواب نقل عن الشافعي. قلت وقد أذكرتني هذه الحكاية ما ذكره الزمخشري عند قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ (^٢) أن عمر بن حطان الخارجي كان شديد السواد وكانت امرأته من أجمل النساء فأطالت نظرها في وجهه يوما وقالت الحمد لله، فقال ما لك؟ فقالت حمدت الله تعالى على أني وإياك في الجنة. قال كيف؟ قالت لأنك رُزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت وقد وعد الله عباده الصابرين والشاكرين الجنة، وما أحسن قول سحيم عبد بني الحسحاس، بيت:\nإن كنتُ عبدًا فنفسي حرة كرما ... أو أسود اللون فإني أبيض الخلق\nذكرت الفائدتان في حياة الحيوان (^٣)، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة التين، الآية: ٤.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٢٧.\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٥٦).","vol":"11","page":776},{"text":"٤٥٠٥ - وعن المستنير بن أخضر بن معاوية عن أبيه قال: \"كنت مع معقل بن يسار -﵁- في بعض الطرقات، فمررنا بأذى فأماطه، أو نحاه عن الطريق، فرأيت مثله، فأخذته فنحيته، فأخذ بيدي وقال: يا ابن أخي ما حملك على ما صنعت؟ قلت: يا عم رأيتك صنعت شيئا، فصنعت مثله، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من أماط أذى من طريق المسلمين كتبت له حسنة، ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة\" رواه الطبراني في الكبير (^١) هكذا، ورواه البخاري في كتاب الأدب المفرد (^٢)، فقال: عن المستنير ابن أخضر بن معاوية بن قرة عن جده. [قال الحافظ]: وهو الصواب.\nقوله وعن المستنير بن أخضر ابن معاوية هم أبيه كذا.\nقوله: (كنت مع معقل بن يسار)، هو معقل بن يسار بن كذا.\nقوله: (من أماط أذى من طريق المسلمين كتبت له حسنة ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة)، تقدم الكلام على الإماطة في الأحاديث قبله.\n\n٤٥٠٦ - وعن أنس -﵁- قال: \"حدث نبي الله -ﷺ- بحديث فما فرحنا بشيء منذ عرفنا الإسلام أشد من فرحنا به. قال: إن المؤمن ليؤجر في إماطة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢١٦/ ٥٠٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٦) رواه الطبراني في الكبير، وقال المزي: صوابه عن المستنير بن أخضر بن معاوية بن قرة عن جده، كما رواه البخاري في كتاب الأدب، فإن كان كما قال المزي فإسناده حسن إن شاء الله، وإن كان فيه: عن أبيه أخضر فلم أجد من ذكر أخضر، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٣)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٠٩٨)، والصحيحة (٢٣٠٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٧٢).","vol":"11","page":777},{"text":"الأذى عن الطريق، وفي هداية السبيل، وفي تعبيره عن الأرتم، وفي منحة اللبن حتى إنه ليؤجر في السلعة تكون مصرورة فيلمسها فتخطؤها يده\" رواه أبو يعلى (^١) والبزار (^٢)، وزاد: \"إنه ليؤجر في إتيانه أهله حتى إنه ليؤجر في السلعة تكون في طرف ثوبه، فيلمسها، فيفقد مكانها، أو كلمة نحوها: فيخفق بذلك فؤاده، فيردها الله عليه، ويكتب له أجرها\" وفي إسناده المنهال بن خليفة، وقد وثقه غير واحد، وتقدم ما يشهد لهذا الحديث.\nقوله: (وعن أنس)، تقدم. قوله -ﷺ-: (إن المؤمن ليؤجر في إماطة الأذى عن الطريق)، تقدم معناه. قوله: (وفي هداية السبيل) أي الطريق، تقدم أيضا. قوله: (وفي تعبيره عن الأرتم)، الحديث. الأرتم هو الذي لا يصحح كلامه ويبينه يعني الذي لا يطيق الكلام إما لآفة في لسانه أو أسنانه أو لعجمة في لغته فتبينُ عنه ما يحتاج إلى بيانه ويكون معناه معنى الأرت. قاله في النهاية (^٣). قوله: (وفي منحة اللبن)، ومنحة اللبن أن تعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثم يردها، ومنه الحديث: المنحة مردودة، ومنه\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (٣٤٧٣).\n(^٢) البزار (٦٩٢٦ و٦٩٢٧)، -البحر الزخار- وقال: وهذا الحديث لا نعلم رواه، عن ثابت إلا المنهال بن خليفة والمنهال ثقة. والحديث؛ أخرجه وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٨٢١)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٩٩٥٢ و١١١٧٠)، والطبراني في الأوسط (٣٥٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٤): وفي إسناده المنهال بن خليفة، وثقه أبو حاتم، وأبو داود، والبزار، وفيه كلام. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٢٧٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٦٥)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٧٧٠).\n(^٣) النهاية في غريب الأثر (٢/ ١٩٤).","vol":"11","page":778},{"text":"الحديث الآخر: هل من أحد يمنح من إبله ناقة أهل بيت لا [دَرّ] لهم. قاله في النهاية (^١). قوله: (فيخفق بذلك فؤاده)، خفق الفؤاد هو اضطرابه.\n\n٤٥٠٧ - وعن أبي شيبة الهروي قال: \"كان معاذ يمشي، ورجل معه فرفع حجرا من الطريق فقال: ما هذا؟ فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من رفع حجرا من الطريق كتبت له حسنة، ومن كانت له حسنة دخل الجنة\" رواه الطبراني في الكبير (^٢)، ورواته ثقات، ورواه في الأوسط (^٣) من حديث أبي الدرداء إلا أنه قال: \"من أخرج من طريق المسلمين شيئا يؤذيهم كتب الله له به حسنة، ومن كتب له عنده حسنة أدخله بها الجنة\".\nقوله: (وعن أبي شيبة الهروي)، أبو شيبة اسمه كذا. قوله: (من رفع حجرا من الطريق كتبت له حسنة)، تقدم معناه.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٤/ ٣٦٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠١) رقم (١٩٨)، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٤٥٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٤١٨)، والبيهقي في الشعب (١١١٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٥) رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في ضعيف الجامع (٦٢٦٥). وصححه في صحيح الجامع (٦٢٦٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٧٣).\n(^٣) المعجم الأوسط (٣٢)، وأخرجه أحمد (٢٨٠٢٧)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (١/ ٥١٥)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٦٥٣) رواه أحمد من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٩٨٥)، والصحيحة (٢٣٠٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٧٤).","vol":"11","page":779},{"text":"٤٥٠٨ - وعن عائشة ﵂: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق المسلمين، أو شوكة، أو عظما عن طريق المسلمين، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة، فإنه يمسي يومئذ، وقد زحزح نفسه عن النار. قال أبو توبة: وربما قال: يمشي، يعني بالمعجمة\" رواه مسلم (^١) والنسائي (^٢).\nقوله: (وعن عائشة)، تقدم الكلام عليها، وهي أم المؤمنين إحدى زوجات رسول الله -ﷺ-. وقد اختلف العلماء فيمن لم يدخل بها -﵇- وفارقها هل يحل نكاحها أم لا والصحيح الحل لإعراضه عنها بالفراق، وقيل: لا، ورجحه النووي لصدق اسم الزوجة عليها وهي محرمة بالنص، اهـ. قوله -ﷺ-: (خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل)، تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الذكر.\n\n٤٥٠٩ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره، فشكر الله له، فغفر الله له\" رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥٤) (١٠٠٧).\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي (١٠٦٠٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٦٥٢).\n(^٤) صحيح مسلم (١٢٧) (١٩١٤)، وأخرجه الترمذي (١٩٥٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"11","page":780},{"text":"٤٥١٠ - وفي رواية لمسلم (^١) قال: \"لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين\".\n\n٤٥١١ - وفي أخرى له (^٢): \"مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة\".\nورواه أبو داود (^٣)، ولفظه قال رسول الله -ﷺ-: \"نزع رجل لم يعمل خيرا قط غصن شوك عن الطريق: إما قال: كان في شجرة فقطعه، وإما كان موضوعا، فأماطه عن الطريق، فشكر الله ذلك له، فأدخله الجنة\".\nقوله: (وعن أبي هريرة) تقدم. قوله: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له)، قوله: (فغفر الله له)، وأصل الغفر الستر والتغطية ومنه يقال لجُنَّة الرأس المغفر، اهـ. فالغفران هو ستر ذنوب العبد عن الناس. قوله: (فشكر الله له) أي أظهر لملائكته أو لمن يشاء أو لمن يشاء من خلقه الثناء عليه بما فعل من الإحسان بعبده أو يكون جازاه جزاء الشاكر فسمى الجزاء شكرا، وكل ذلك [إنما] حصل لهذا الرجل [بحسن] نيته في تنحية الأذى، ألا ترى قوله: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، [وشكرته وشكرت له بمعنى واحد] (^٤). قوله: (وفي رواية مسلم: لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها) الحديث، يتقلب في الجنة أي ينتعم في\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢٨) (١٩١٤).\n(^٢) صحيح مسلم (١٢٩) (١٩١٤).\n(^٣) سنن أبي داود (٥٢٤٥).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"11","page":781},{"text":"الجنة بملاذها بسبب قطعه الشجرة التي كانت تؤذي الناس، ففي هذه الأحاديث التنبيه على فضيلة كل ما نفع [للمسلمين] وأزال عنهم ضررا وهذه الإماطة أدنى شعب الإيمان، كما في الحديث.\n\n٤٥١٢ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"كانت شجرة تؤذي الناس، فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس قال: قال نبي الله -ﷺ-، فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة\" رواه أحمد (^١) وأبو يعلى (^٢)، ولا بأس بإسناده في المتابعات.\nقوله: (وعن أنس بن مالك) تقدم. قوله -ﷺ-: كانت شجرة توفي الناس فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس الحديث تقدم الكلام على معناه.\nفائدة يختم بها الباب في الحديث من قطع سدرة [صوّب الله رأسه في النار. سئل أبو داود السجستاني عن هذا الحديث، فقال هو حديث مختصر، ومعناه: من قطع سدرة] في فلاة يستظل بها ابن السبيل عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها صوّب الله رأسه في النار أي نكَّسه، قاله في النهاية (^٣) [والله تعالى وتقدس أعلم بالصواب].\n* * *\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٢٥٧١)، (١٣٤١٠).\n(^٢) أبو يعلي (٣٠٥٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٣٤٧)، والحارث بن محمد بن أبي أسامة إتحاف الخيرة المهرة (٥٢٦٥/ ١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٦٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٥) رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه أبو هلال، وهو ثقة، وفيه كلام. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٧٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٥٧).","vol":"11","page":782},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>الترغيب في قتل الوزَغ وما جاء في قتل الحيات وغيرها مما يذكر</span>\n٤٥١٣ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الحسنة الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية\" رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والترمذي (^٣) وابن ماجه (^٤).\n\n٤٥١٤ - وفي رواية لمسلم (^٥): \"من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك\". وفي أخرى لمسلم (^٦) وأبي داود (^٧) أنه قال: \"في أول ضربة سبعين حسنة\".\n[قال الحافظ]: وإسناد هذه الرواية الأخيرة منقطع لأن سهيلا قال: حدثتني أختي عن أبي هريرة، وفي بعض نسخ مسلم أخي، وعند أبي داود أخي أو أختي على الشك، وفي بعض نسخ أخي وأختي بواو العطف، وعلى كل\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤٦) (٢٢٤٠).\n(^٢) سنن أبي داود (٥٢٦٣).\n(^٣) سنن الترمذي (١٤٨٢)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٤) سنن ابن ماجه (٣٢٢٩).\n(^٥) صحيح مسلم (١٤٧) (٢٢٤٠).\n(^٦) صحيح مسلم (١٤٧).\n(^٧) سنن أبي داود (٥٢٦٤).","vol":"12","page":5},{"text":"تقدير، فأولاد أبي صالح، وهم سهيل وصالح وعبادة وسودة ليس منهم من سمع من أبي هريرة، وقد وجد في بعض نسخ مسلم في هذه الرواية قال سهيل: حدثني أبي كما في الروايتين الأوليين، وهو غلط، والله أعلم.\n[الوزغ]: هو الكبار من سام أبرص.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الأولى\".\nقوله: \"في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى\"، كذا رأيته، لفظة كذا وكذا ليست من كلام النبي -ﷺ- إنما هي من كلام الراوي كنّى بها عن العدد الذي قاله النبي -ﷺ-، فإن كذا يكنى بها عن الشيء، تقول فعلت كذا وكذا، ويكون كناية عن العدد. وفي رواية مسلم: من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، دون الأولى رواية لمسلم وأبي داود أنه قال في أول ضربة سبعين حسنة.\n[قوله كأن الإشارة الإشارة بهذا إلى توفير ثواب الإقدام والشجاعة على الضعف والجبن والله أعلم] (^١). قال الحافظ: الوزغ هو الكبار من سام أبرص اهـ. وسام أبرص بتشديد الميم، وقيل سمي سامّ أبرص وزغا لخفته وسرعة\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (قوله: (في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى)، كذا رأيته).","vol":"12","page":6},{"text":"حركته، والوزغة بتحريك الزاي دويبة معروفة، قال أهل اللغة: الوزغ وسام أبرص، جنس فسام أبرص، هو كباره، وجمع الوزغة وزغ وأوزاغ ووزوغات [على البدل] وأزغان على البدل، حكاه ابن سيدة (^١) وهو معرفة إلا أنه تعريف جنس وهما اسمان جعلا اسما واحدا. ويجوز فيه وجهان أحدهما: أن [تبنيهما] على الفتح كخمسة عشر، الثاني: أن تعرب الأول وتضيفه إلى الثاني ويكون الثاني مفتوحا لكونه لا ينصرف، وتقول في التثنية هذان ساما أبرص وفي الجمع هؤلاء سوام أبرص وإن شئت هؤلاء السَّوامُّ ولا تذكر أبرص، وإن شئت قلت هؤلاء البرصة والأبارص ولا [تذكر] سامّ. قال الشاعر:\nوالله لو كنت لهذا خالصًا ... [ما كنتُ] عبدًا آكِلَ [للأبارصا] اهـ\nواتفقوا أن الوزغ من الحشرات المؤذيات، وذكر أصحاب الآثار أن الوزغ أصم. قال: والسبب في صممه أنه كان ينفخ النار على إبراهيم ﵊ كما سيأتي ذكر ذلك في الأحاديث بعده، فصُمَّ بذلك وبرص، ومن طبعه أنه لا يدخل بيتا فيه رائحة زعفران وتألفه الحيات كما تألف العقارب الخنافس، وهو يلفح بفيه، ويبيض كما تبيض الحيات، ويقيم في جحره زمن الشتاء أربعة أشهر لا يطعم شيئا ومن شأنه إذا تمكن من الملح تمرغ فيه فيصير مادة لتولد البرص، اهـ. [قوله -ﷺ-: \"من قتل وزغا في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة\"، وفي رواية: \"مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه (١/ ١٦٧)، حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٦).","vol":"12","page":7},{"text":"دون ذلك\"، وفي رواية: \"في أول ضربة سبعون حسنة\"، والوزغة دويبة مستخبثة، وتجمع على وزغ وأوزغ ووزغان وسامّ أبرص وهو كباره. والحكمة من قتلها ما يحصل منها من الضرر والأذى الذي عليه من الاستقذار والنفرة اللازمة للطباع، ولما يتقى، ولأنّ فيها سما أو شيئا يضر متناوله، ولما صحّ أنها أعانت على وقود نار إبراهيم ﵊ بالنفخ فيها لتشتعل، وهذا من نوع ما روي في الحية أنها أدخلت إبليس الجنة بين فكيها فعوقبت بأن أهبطت مع من هبط وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم. وإنما سميت فويسقة لخروجها عن جنس الحيوانات بالضرر المذكور. وقيل لأنها خرجت عن حكم الحيوان المحترم شرعا، والفسق في اللغة الخروج مطلقا، وأنه اسم مذموم شرعا، قاله في المفهم (^١).\nفائدة: اعلم أن القاعدة أنه كلما كثر العمل كثر الأجر، ولهما بالعكس كلما قلّ الضرب كثر الأجر، فقيل لشئمها وقيل الحضّ على المبادرة لقتلها وترك التواني لئلا تفوت.\nقال في المفهم (^٢): ويظهر لي أن قتلها وإن كان مأمورا به لكن لا يعذب بكثرة الضرب بل يبتغي أن يجهز عليها في أول ضربة، ويشهد لذلك النهي عن تعذيب الحيوان، والأمر بإحسان القتلة. قال النووي (^٣): وأما تقييد\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٨/ ٣٧).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٨/ ٣٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٣٧).","vol":"12","page":8},{"text":"الحسنات في الأول بمائة وفي الثانية بسبعين فجوابه من أوجه: سبق مثله في صلاة الجماعة. أحدها: أنه مفهوم عدد ولا يعمل به عند الجمهور، فذكر السبعين لا يبلغ المائة ولا معارضة بينهما] (^١).\n[وأمر النبي -ﷺ- بقتله وحث عليه ورغب فيه لكونه من المؤذيات. وأما سبب تكثير الثواب في قتله بأول ضربة ثم ما يليها فالمقصود منه الحق على المبادرة بقتله والاعتناء به وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات ربما انفلت وفات قتله، اهـ. وقال بعض العلماء أيضا: وسبب كثرة الحسنات [في] (^٢) المبادرة أن تكرر الضربات في القتل يدل على عدم الاهتمام بأمر صاحب الشرع إذ لو قوى عزمه واشتدت حميته لقتلها في المرة الأولى لأنه حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة مؤنة في الضرب فحيث لم يقتلها في المرة الأولى دلّ ذلك على ضعف عزمه فلذلك نقص أجره عن المائة إلى السبعين. وعلل ابن عبد السلام كثرة الحسنات في الأول بأنه إحسان في القتل، فدخل في قوله -ﷺ-: \"إذا قتلتم فأحسنوا القتلة\"، [أو أنه] مبادرة إلى الخير فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (^٣)، قال: وعلى كلا المعنيين فالحية والعقرب أولى بذلك لعظم مفسدتها. اهـ.\nوقال بعض العلماء: وأما تقييد الحسنات في الضربة الأولى بمائة وفي\n_________\n(^١) هذه الفقرة مثبتة من النسخة الهندية وسقطت من الأصل.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٤٨.","vol":"12","page":9},{"text":"الثانية بسبعين فجوابه من أوجه سبقت في فضل صلاة الجماعة وأنها تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، وفي رواية بسبع وعشرين: أحدها أن هذا مفهوم العدد ولا يعمل به عن جماهير الأصوليين وغيرهم وسبق مثله في صلاة الجماعة في قوله -ﷺ-: صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين وخمس وعشرين، فذكر السبعين لا يمنع المائة، فلا تعارض بينهما.\n[والثاني: لعله أخبر بالسبعين ثم تصدق الله تعالى بالزيادة فأعلم بها النبي -ﷺ- حين أوحي إليه بعد ذلك.\nوالثالث: أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها فتكون المائة للكامل منهم والسبعون لغيره] (^١).\nقال يحيى بن يعمر (^٢): لأن أقتل مائة وزغة أحبّ إليّ من أن أعتق مائة رقبة، وإنما قال ذلك لأنها دابة سوء زعموا أنها تسقي الحياة وتمج في الإناء فينال الإنسان المكروه العظيم بذلك.\n\n٤٥١٥ - وعن سائبة مولاة الفاكة بن المغيرة: \"أنها دخلت على عائشة -﵂- فرأت في بيتها رمحا موضوعا، فقالت يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا؟ قالت:\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والثالث: أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها [فتكون] المائة للكامل منهم [والسبعين لغيرهم]).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٤٦).","vol":"12","page":10},{"text":"أقتل به الأوزاغ، فإن رسول الله -ﷺ- أخبرنا أن إبراهيم -﵇- لما ألقي في النار لم تكن دابة في الأرض إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه، فأمر رسول الله -ﷺ- بقتله\" رواه ابن حبان في صحيحه (^١) والنسائي (^٢) بزيادة.\nقوله: \"وعن سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي\"، الحديث، سائبة على [وزن]، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (^٣)، روت عن عائشة هذا الحديث الواحد وهو في مسند أبي يعلى الموصلي (^٤).\nقوله: \"فإن رسول الله -ﷺ- أخبرنا أن إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار لم تكن دابة في الأرض إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ فإنه كان ينفخ عليه، فأمر رسول الله -ﷺ- بقتله\" الحديث. والقصة في تحريق إبراهيم -ﷺ-، ذكره الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (^٥)، والذي أشار\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٥٦٣١) وأخرجه ابن أبي شيبة (١٩٨٩٨)، وأحمد (٢٤٥٣٤ و٢٤٧٨٠)، وابن ماجه (٣٢٣١)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٣/ ١٨٤)، والمزي في التهذيب (٣٥/ ١٩٢ - ١٩٣)، والذهبي في الميزان (٤/ ٦٠٧)، وقال البوصيري: إسناده صحيح رجاله ثقات مصباح الزجاجة (٣/ ٢٣٩)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٨١).\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٣.\n(^٤) أبو يعلى (٤٣٥٧).\n(^٥) سورة الأنبياء، الآيتان: ٦٨ - ٦٩.","vol":"12","page":11},{"text":"بإحراقه نمرود وقيل رجل من الأكراد من أعراب فارس أي من باديتها، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها ليوم القيامة. رُوي أنه لما أجمع رأيهم على تحريقه حبسه نمرود وأمر ببناء شبه الحظيرة له كوى وجمعوا شهرا أصناف الحطب الصلب حتى [كانت] المرأة لتغزل فتشتري [بمغزلها] حطبا وإن الرجل [ليمرض] فيقول إن عُوفيت لأجمعنّ حطبا لإبراهيم فاجتمع مما تبرع به الناس ومما [أجلب] للملك من الجبال والقرى حتى بلغوا من ذلك ما أرادوا فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم -ﷺ- لم يدروا كيف يلقونه فجاءهم إبليس فدلهم على المنجنيق وهي أول منجنيق صنعت، فأخرجوه -ﷺ- وشدّوه رباطا ووضع في كفه المنجنيق ورمي به فوقع في النار.\nقال الواحدي: فبلغنا أن السماوات والأرض والجبال والملائكة قالوا: ربنا عبدك إبراهيم يحرق فيك. فقيل لهم: إن استغاث بكم فأغيثوه، فقال إبراهيم: حسبنا الله ونعم الوكيل. فنادى جبريل النار: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ فلم تحرق منه سوى [وثاقه]. [وقال] (^١) له جبريل حين رمي به هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وروي أن جبريل -﵇- ضرب النار وقال: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (^٢) فلم تبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها عنيت، والمعنى كوني ذات برد وسلامة، قاله في الديباجة. وذكر ابن\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآيتان: ٦٨ - ٦٩.","vol":"12","page":12},{"text":"الفرات [الحنفي] في تاريخه أن إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار كان ابن ست عشرة سنة، وبعث الله ﷿ ملك الظل في صورة إبراهيم ﵊ فقعد في النار [في] جنب إبراهيم -﵇- يُؤنسه، وأتاه جبريل -﵇- بقميص من حرير الجنة. وقال يا إبراهيم إن ربك يقول لك أما علمت أن النار لا تحرق قميص أحبابي؟ وألبسه القميص. هذا ما اتفق من إبراهيم -﵇-، اهـ. قال ابن عطية ويروى أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار إبراهيم وأن الوزغة كانت تنفخ عليه لتضرم وكذا البغل، [ويروى] أن الخطافة والضفدع والعضرفوط كانوا ينقلون الماء لتطفئ النار فأبقى الله على هذه وقاية وسلط على تلك النوائب والأيدي، اهـ. ورُوي (^١).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨٣٩٣) قال: أخبرنا أبو سعيد الشامي، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أمنوا الضفدع، فإن صوته الذي تسمعون تسبيح، وتقديس، وتكبير، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفئ النار عن إبراهيم، فأذن للضفادع، فتراكبت عليه، فأبدلها الله بحر النار الماء\" قال أحمد بن حنبل: صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، موضوعة. الجامع لأخلاق الراوي للخطيب ٢/ ١٩٠. وأخرجه الطبراني في الصغير (٥٢١)، وفي الأوسط (٣٧١٦)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٨٨)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٥/ ١٧٤٤ رقم ٧٢٢٦)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي (ص). قال الطبراني: لم يرفع هذا الحديث عن شعبة إلا حجاج، تفرد به المسيب بن واضح. وذكر الذهبي في الميزان (٤/ ١١٧) وقال: صوابه موقوف، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨٤١٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٧٠٠) والخطيب في الموضح (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠) البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣١٨) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، موقوفًا، به. قال البيهقي: إسناده صحيح. انظر: علل الحديث (٢٥١٠).","vol":"12","page":13},{"text":"أنه -ﷺ- قال: لا تسبوا الضفدع فإن صوته الذي تسمعون التقديس والتسبيح، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفئ النار عن إبراهيم -﵇- فأذن للضفدع فتراكبت عليه فأبدلها الله تعالى بحر النار الماء، رواه صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده في مسنده. قال بعضهم إظهار المحبة يوجب النعمة كما أن إظهار العداوة يوجب النقمة ألا ترى أن الوزغ حين نفخ النار على إبراهيم -ﷺ- وكان نفخه لا يصل إلى النار ولا إلى قريب منها استوجب النقمة لإظهار العداوة والبغضة وقد أمر النبي -ﷺ- بقتله وقال إنه كان ينفخ النار على إبراهيم كما رواه البخاري (^١) وغيره.\n\n٤٥١٦ - وعن أم شريك -﵂- أن رسول الله -ﷺ-: \"أمر بقتل الأوزاغ، وقال كان ينفخ على إبراهيم\" رواه البخاري (^٢)، واللفظ له ومسلم (^٣) والنسائي (^٤) باختصار ذكر النفخ.\nقوله: \"وعن أم شريك\"، اسمها غزية بفتح المعجمة وكسر الزاي وشدّة التحتانية العامرية، ويقال الغفارية، ويقال الدوسية، ويقال الأنصارية، لها في الكتب الستة أربعة أحاديث هذا أحدها، واختلفوا في اسمها، فقيل غزيلة بنت [ذودان] بن عمرو ابن عامر بن [رواحة] بن منقذ بن عمرو، [وقيل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٥٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٠٧)، (٣٣٥٩).\n(^٣) صحيح مسلم (١٤٢) (٢٢٣٧).\n(^٤) سنن النسائي (٥/ ٢٠٩)، وابن ماجه (٣٢٢٨).","vol":"12","page":14},{"text":"غزية بنت ذودان بن عوف،] وقيل غزية بنت جابر بن حكيم، ويقال هي التي وهبت نفسها للنبي -ﷺ- وطلقها قبل أن يدخل بها. روى لها الجماعة سوى أبي داود.\n[قال السهيلي: هي أم شريك الدوسية، وقد روي أنها عطشت في سفر فلم تجد ماء إلا عند يهودي فأبى أن يسقيها إلا أن تدين بدينه فأبت إلا أن تموت عطشا، فدليت لها دلو من السماء فشربت منها ثم رفعت الدلو وهي تنظر إليه؛ انتهى. وأم شريك الدوسية ذكرها ابن منده وأبو نعيم ولم يذكرها أبو عُمر، وحديثها عن أبي هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله -ﷺ-، فلقيت رجلا من اليهود فقال: ما لك يا أم شريك؟ قالت: أطلب من يصحبني إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: أنا أصحبك، وذكر الحديث بطوله، وقال: كانت أم شريك وقع في قلبها الإسلام وهي بمكة وهي إحدى نساء قريش، وكانت تحت أبي العكبر الدوسي فأسلمت ثم جعلت تدخل على نساء قريش تدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها بمكة فأخذوها وسيروها إلى قومها، وذكر الحديث بطوله.\nوقال أبو الفرج: أم شريك بنت جابر بن حكيم الدوسية وهي التي وهبت نفسها النبي -ﷺ- فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت. وقال ابن عباس: وقع في نفس أم شريك الإسلام فأسلمت وهي بمكة ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة","vol":"12","page":15},{"text":"فأخذوها وقالوا لها: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم، فحملوني على بعير ليس تحتي شيء، ثم تركوني ثلاثا لا يطعموني ولا يسقوني، وكانوا إذا نزلوا منزلا أوقفوني في الشمس واستظلوا وحبسوا عني الطعام والشراب، فبينما هم قد نزلوا منزلا وأوقفوني في الشمس إذا أنا بأثر شيء على صدري فتناولته فإذا هو دلو من ماء فشربت منه قليلا ثم رفع مرارا ثم أفضيت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظت فإذا هم بأثر الماء يرشح مني، فرأوني حسنة الهيئة، فقالوا فلما نظروا إلى أسقيتهم وسودة أم المؤمنين وجدوها كما تركوها فأسلموا عند سودة بنت زمعة بن فلس القرشية العامرية، كنيتها أم الأسود، وأسلمت بمكة وبايعت وأسلم زوجها وخرجا إلى الحبشة مهاجرين في الهجرة الثانية، ثم قدما مكة فمات بها زوجها مسلما فتزوجها رسول الله -ﷺ- في رمضان من عشرة من النبوة بعد وفاة خديجة، وماتت في آخر خلافة عمر رضي الله تعالى عنهم. وقال الواسطي: كان جميع من تزوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة، توفي قبله ثنتان: خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة أم المساكين، وثنتان لم يدخل بهما أسماء بنت النعمان الكندية وعمرة بنت يزيد الكلابية.\nتنبيه: وأما التسع البواقي فتوفين بعده صلى الله تعالى عليه وسلم ورضي عنهن، وأقبلوا على النبي -ﷺ- وأقبلت معهم. قال الراوي: ثم وهبت نفسها للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم بغير مهر فقيل أنه قبلها ودخل عليها،","vol":"12","page":16},{"text":"والصحيح أنه لم يقبلها.] (^١) قوله: \"أن رسول الله -ﷺ- أمر بقتل الأوزاغ وقال وكان ينفخ النار على إبراهيم -ﷺ-\" الحديث. قال ابن عطية (^٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (^٣)، روي أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار إبراهيم -﵇- وأن الوزغة كانت تنفخ عليه لتضرم وكذلك البغل، وروي أن الخطافة والضفدع والعرفوط كانوا ينقلون الماء لتطفئ النار فأبقى الله تعالى على هذه وقاية وسلط على تلك النوائب والأيدي، اهـ. وروى الطبراني (^٤) عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة. لكن في إسناده عمرو بن قيس المكي وهو ضعيف. وفي حديث عائشة (^٥) لما احترق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه.\n_________\n(^١) سقطت هذه الصحيفة من الأصل وأثبتت من النسخة الهندية.\n(^٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج ٤ ص ٨٨.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآيتان: ٦٨ - ٦٩.\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٣٠١)، وفي المعجم الكبير (١١/ ٢٠٢/ ١١٤٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٢٩): رواه الطبراني في الكبير وفيه عمر بن قيس المكي وهو ضعيف. مجمع الزوائد ج ٤ ص ٤٧): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عمر بن قيس المكي وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٠٦٢)، وقال في السلسلة الضعيفة (٢٥٢٢) ضعيف جدًّا.\n(^٥) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢٢٩١)، والبيهقي (٩/ ٢١٨)، وقال ابن حجر: قال البيهقي هذا موقوف صحيح قلت وحكمه الرفع لأنه لا يقال بغير توقيف وما كانت عائشة ممن يأخذ عن أهل الكتاب. انظر: تلخيص الحبير ج ٤ ص ١٥٤.","vol":"12","page":17},{"text":"وفي تاريخ ابن النجار (^١) في ترجمة عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم الفقيه الشافعي عن عائشة -﵂- أنها قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من قتل وزغة محى الله عنه سبع خطيئات. وفي الكامل (^٢) في ترجمة وهب بن حفص عن ابن عباس -﵄- قال: من قتل وزغة فكأنما قتل شيطانا. وروى الحاكم (^٣) في كتاب الفتن والملاحم في المستدرك عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي -ﷺ- فدعا له فأدخل عليه مروان فقال هو الوزغ بن الوزغ الملعون بن الملعون ثم قال صحيح الإسناد.\n\n٤٥١٧ - وعن عامر بن سعد عن أبيه -﵁- أن النبي -ﷺ-: \"أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا\" رواه مسلم (^٤) وأبو داود (^٥).\nقوله وعن عامر بن سعد عن أبيه هو عامر بن سعد بن أبى وقاص القرشي\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق (٨٣٩٤) الطبراني المعجم الأوسط (٨٩٠٠) ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٠)، وقال ابن عدي: ولعبد الكريم بن أمية من الحديث غير ما ذكرت والضعف بين على كل ما يرويه، وقال الهيثمي مجمع الزوائد (ج ٤ ص ٤٧) رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف.\n(^٢) ابن عدي في الكامل (١٠/ ٢٥٦) قال: وهذا يرويه وهب بن حفص بهذا الإسناد. انظر: حياة الحيوان الكبرى ج ٢ ص ٥٤٥.\n(^٣) المستدرك (٤/ ٤٧٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله وميناء كذبه أبو حاتم. الحديث موضوع، وكذا حكم عليه الألباني في الضعيفة (٣٤٨).\n(^٤) صحيح مسلم (١٤٤) (٢٢٣٨).\n(^٥) سنن أبي داود (٥٢٦٢).","vol":"12","page":18},{"text":"الزهري المدني التابعي، سمع أباه، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأسامة، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم، ﵃. روى عنه ابنه داود، وسعيد بن المسيب، وخلق من التابعين. واتفقوا على توثيقه. توفي بالمدينة سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك (^١). قوله أن النبي -ﷺ- أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا الحديث، والسرّ في قتله أنه لما ألقى إبراهيم ﵊ في النار جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ عليه ناره، وأما تسميته فويسقا فنظيره الفواسق خمس التي تقتل في الحل والحرم وأصل الفسق الخروج عن الطاعة، وهذه المذكورات خرجت عن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضرر والأذى.\n\n٤٥١٨ - وعن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من قتل حية فله سبع حسنات، ومن قتل وزغا فله حسنة، ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا\" رواه أحمد (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣) دون قوله: ومن ترك إلى آخره.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٦).\n(^٢) مسند أحمد (٣٩٨٤) وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٠٧) رقم (١٠٤٩٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٤٥): رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن المسيب بن رافع لم يسمع من ابن مسعود، والله أعلم. قال العلاني في جامع التحصيل (ص ٢٨٠): المسيب بن رافع قال أحمد بن حنبل لم يسمع من عبد الله بن مسعود شيئا. انظر: علل الحديث (٢٤٨٦)، والعلل (٨٧٧) للدارقطني، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٤٨)، والضعيفة (٤٦٢٨).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٥٦٣٠).","vol":"12","page":19},{"text":"[قال الحافظ]: روياه عن المسيب بن رافع عن ابن مسعود، ولم يسمع منه.\nقوله: \"وعن ابن مسعود\"، تقدم. قوله -ﷺ-: \"من قتل حية فله سبع حسنات ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا\" تقدم الكلام على قوله فليس منا.\n\n٤٥١٩ - وروي عن أبي الأحوص الجشمي قال: \"بينما ابن مسعود يخطب ذات يوم فإذا هو بحية تمشين على الجدار فقطع خطبته، ثم ضربها بقضيبه حتى قتلها، ثم قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من قتل حية، فكأنما قتل مشركا قد حل دمه\" رواه أحمد (^١) وأبو يعلى (^٢) والطبراني (^٣) مرفوعا وموقوفا، والبزار إلا أنه قال: \"من قتل حية أو عقربا\".\nقوله: \"وروي عن أببي الأحوص الجشمي\" أبو الأحوص اسمه عوف بن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣٧٤٦)، (٣٩٩٦).\n(^٢) مسند أبي يعلى (٥٣٢٠ - ٥٣٢١).\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٠٦) (١٠١٠٩)، وأخرجه الطيالسي (٤٢)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٠)، والطحاوي في المشكل (٧/ ٣٧٢)، وأبو أحمد الحاكم في الكنى (٢/ ٩٠)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٤٦) رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار بنحوه، والطبراني في الكبير مرفوعا، وموقوفا، قال البزار في حديثه، وهو مرفوع: من قتل حية أو عقربا. وهو في موقوف الطبراني. ورجال البزار رجال الصحيح. إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٢٩٠) رواه أبو يعلى وأحمد بن حنبل والبزار، كلهم من طريق أبي الأعين العبدي، وهو ضعيف، ورواه الطبراني مرفوعا وموقوفا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو داود الطيالسي ومسدد وأحمد بن منيع. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٤٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٦٧).","vol":"12","page":20},{"text":"مالك بن نضلة الأشجعي، أبو الأحوص الكوفي، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن قتلته الخوارج في أيام الحجاج بن يوسف وثقه ابن معين، وغيره.\n\n٤٥٢٠ - وعن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف نارهن فليس مني\". رواه أبو داود (^١)، والنسائي والطبراني (^٢) بأسانيد رواتها ثقات إلا أن عبد الرحمن ابن مسعود لم يسمع من أبيه.\nقوله: \"وعن ابن مسعود\"، تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني\"، الحديث.\nقوله: \"كلهن\" أي إلا ما استثنى كما سيأتي بيانه، قالت عائشة -﵂- (^٣) من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\". قوله: \"ثأرهن\" والثأر بالثاء المثلثة والهمز الذّحل يقال ثأرت القتيل وبالقتيل أي قتلت قاتله، والله أعلم. وقال بعض العلماء في قوله: فمن خاف ثأرهن الحديث، أي قيامهن ونهوضهن، يقال ثار الشيء أي قام ونهض، ثأرهن أي وثوبهنّ. عادة الناس أن يقولوا لا تقتلوا الحية فإنكم لو قتلتموها لجاء زوجها [ويقتلكم]، فنهى النبي -ﷺ- عن هذا القول والاعتقاد\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٥٢٤٩)، وقال الألباني: صحيح.\n(^٢) سنن النسائي (٦/ ٥١)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٣٥١/ ٩٧٤٧)، (١٠/ ١٧٠/ ١٠٣٥٥).\n(^٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٣٨٧)، والفتاوى الحديثية (١/ ١٤).","vol":"12","page":21},{"text":"فإنه لا أصل لهذا، انتهى. قوله -ﷺ-: \"فليس مني\"، وفي حديث: فليس منا. قيل المراد فليس مثلنا فرارا من القول بتكفيره، وهذا كما يقول الأب لولده إذا أنكر منه [أخلاقا] أو أعمالا لست مني وكأنه من انتفاء الشيء لانتفاء ثمرته، والله تعالى أعلم. وأمر النبي -ﷺ- بقتل الحيات أمر ندب وهو عند أصحاب الشافعي للاستحباب سواء كان محرما أم لا وممن صرح بذلك الرافعي في الحج، اهـ. وروى البخاري (^١) ومسلم (^٢) والنسائي (^٣) عن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله -ﷺ- في غار بمنى وقد نزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ (^٤) فنحن نأخذها من فيه رطبة إذ خرجت علينا حية، فقال اقتلوها، فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا، فقال -ﷺ-: وقاها الله شركم كما وقاكم شرها. وعداوة الحية للإنسان معروفة، أي عداوة بيننا متأكدة لم نأمن غوائلهن منذ عرفناهن بالعداوة. وقيل في معناه ظهرت العداوة بيننا وبين الحيات منذ أدخلن إبليس ليوسوس أبانا آدم وأمنا حواء ولم يجر بينهن صلح بعد تلك العداوة. قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (^٥)، وقال الجمهور الخطاب لآدم وحواء وإبليس والحية، وقد روى قتادة (^٦) عن النبي\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٨٣٠).\n(^٢) صحيح مسلم (١٣٧) (٢٢٣٤).\n(^٣) سنن النسائي (٥/ ٢٠٩).\n(^٤) سورة المرسلات، الآية: ١.\n(^٥) سورة البقرة، الآية: ٣٦.\n(^٦) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٩٧).","vol":"12","page":22},{"text":"-ﷺ- أنه قال: ما [سالمناهن] منذ عاديناهن، وقال ابن [عُمر (^١)]: من تركهن فليس منا. وتقدم، والحيات جمع حية وهو الجنس المعروف، لا يختص به نوع دون نوع، وتطلق الحية على الذكر والأنثى وإنما دخلت الهاء لأنه واحد من جنس كبطة ودجاجة.\nفائدة: نقل السهيلي (^٢) عن المسعودي: أن الله تعالى لما أهبط الحية إلى الأرض أنزلها بسجستان فهي أكثر الأرض حيات ولولا العربد يأكلها ويفني كثيرا منها لخَلت من أهلها لكثرة الحيات. وقال كعب الأحبار (^٣): أهبط الله تعالى الحية بأصبهان وإبليس بجدّة وحواء بعرفة وأهبط آدم بجبل سرنديب وهو بأعلى الصين في بحر الهند عال يراه البحريون من مسافة أيام وفيه أثر قدم آدم -﵇- مغموسة في الحجر، ويرى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بد لهم في كل يوم من مطر يغسل قدمي آدم -﵇- ويقال أن الياقوت الأحمر يوجد في هذا الجبل تحدره السيول والأمطار إلى [الخصيص و] يوجد به الماس أيضا، وبه يوجد العود، كذا قاله القزويني (^٤).\nقلت: وهو قريب من جبل يقال له ساتيد بكسر التاء بعدها ياء ودال مهملة وهو متصل من بحر الروم إلى بحر الهند، [ليس بعدها ياء ودال\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٩٧).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٨٧). غذاء الألباب شرح منظومة الأداب (٢/ ٤٣).\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٨٧).\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٨٧).","vol":"12","page":23},{"text":"مهملة وهو متصل من بحر الروم إلى بحر الهند] (^١) ليس يأتي يوم من الدهر إلا سفك عليه دم فسمي [سيأتى] دمًا لذلك وكان قيصر قد غزى كسرى وأتى بلاده فاحتال له حتى انصرف عنه فأتبعه كسرى في جنوده فأدركه [بساتيدما] فانهزموا مرعوبين من غير قتال فقتلهم قتل الكلاب ونجى قيصر ولم يكد، حكاه البكري في معجمه، وذكر الجوهري (^٢) نقلًا عن سيبويه كذلك وأنشدوا على ذلك:\nلما رأت ساتيدما [استعبرت] ... لله در اليوم من لامها\nفائدة أخرى: وفي تفسير القرطبي (^٣) لسورة غافر عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب الأحبار أنه قال لما خلق الله تعالى العرش قال: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم مني فاهتز فطوقه الله تعالى بحية لها سبعون ألف جناح في كل جناح سبعون ألف ريشة في كل ريشة سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف فم في كل فم سبعون ألف لسان يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر وعدد ورق الشجر وعدد الحصا والهوا وعدد أيام الدنيا وعدد الملائكة أجمعين، فالتوت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية عليه، اهـ.\nفائدة أيضًا: وزعموا أن الحية تعيش ألف سنة وهي كل سنة تسلخ جلدها\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٣٤١).\n(^٣) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٩٥)، وانظر: حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٩١).","vol":"12","page":24},{"text":"وتبيض ثلاثين بيضة على عدد أضلاعها فيجتمع عليها النمل فيفسدها ولا يصلح منها إلا القليل وإذا لدغتها العقرب ماتت وبيض الحيات مستطيل أكدر اللون وأخضر وأسود وأبيض وأرقط وفي بعضه نمش ولمع والسبب في اختلاف ذلك لا يعرف وداخله شيء كالصديد وهو في جوفها [منضد] طولا على خط واحد وليس للذكور سفاد معروف وإنما هو التواء بعضها على بعض ولسانها مشقوق وكذلك يظن بعض الناس أن لها لسانين وتبلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد ومن شأنها إذا ابتلعت شيئا له عظم أتت شجرة أو نحوها فتلتوي عليها التواء شديدا حتى ينكسر ذلك في جوفها، ومن عادتها أنها إذا نهشت انقلبت فيتوهم بعض الناس أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها وليس كذلك، ومن شأنها أنها إذا لم تجد طعاما عاشت بالنسيم وتقتات به الزمن الطويل وتبلغ الجهد من الجوع فلا تأكل إلا لحم الشيء الحي وهي إذا كبرت صغر جرمها ومن غرائب أمرها أنها لا ترد الماء ولا تريده إلا أنها لا تضبط نفسها عن الشراب إذا شمّته لما في طبعها من الشوق إليه، فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر، وربما كان السكر سبب هلاكها. اهـ. لطيفة: قيل أن الرشيد نام ليلة فسمع قائلا يقول:\nيا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سُرَى\nثقة الفتى من نفسه ... ثقة محللة العُرى\nفاستيقظ فوجد المصابيح قد طفئت فأمر بالشموع فأوقدت ونظر فإذا هو بحية بقرب فراشه فقتلها. لطيفة أيضا: في عجائب المخلوقات أن الريحان","vol":"12","page":25},{"text":"الفارسي لم يكن قبل كسرى [أنو] شروان، وإنما وجد في زمانه وسببه أنه كان ذات يوم جالسا للمظالم إذ أقبلت حية عظيمة تنساب تحت سريره فهموا بقتلها فقال كسرى كفوا عنها فإني أظنها مظلومة، فمرت تنساب حتى استدارت على فوهة بئر فنزلت فيها ثم أقبلت تتطلع فإذا في قعر البئر حية مقتولة وعلى متنها عقرب أسود، فأدلى بعض الأساورة [رمحه] إلى العقرب ونخسها به وأتى الملك يخبره بحال الحية، فلما كان في العام القابل أتت الحية في اليوم الذي كان كسرى جالسا فيه للمظالم وجعلت تنساب حتى وقعت ونفضت من فيها بذرا أسود فأمر الملك أن يزرع فنبت منه الريحان، وكان الملك كثير الزكام وأوجاع الدماغ فاستعمل منه فنفعه جدا، اهـ.\nفائدة أيضا: وللحية أسماء كثيرة ذكر ابن خالويه لها مائة اسم، والحية أنواع منها الرقشاء وهي التي فيه نقط سود وبياض ويقال لها الرقطاء أيضا وهي من أخبث الأفاعي ومن أنواعها الحريش وشرها الأفاعي ومساكنها الرمال ومن أنواعها الأزعر وهو غالب فيها ومنها ما هو أذب ذو شعر ومنها ذوات القرون ومنها الشجاع ومنها العربد وهو حية عظيمة تأكل الحيات ومنها ذو الطفيتين والأبتر ومنها نوع يسمى الناظر متى وقع نظره على إنسان مات من ساعته ونوع آخر إذا سمع الإنسان [صوتها] مات ومنها الأصلت وهو عظيم جدًّا وله وجه كوجه الإنسان ويقال إنه يصير كذلك إذا مرت عليه ألوف من السنين ومن خاصية هذا أنه يقتل بالنظر أيضا، ومنها [الصلدي]","vol":"12","page":26},{"text":"ويسمى الملكة وهو شديد الفساد [و] تحرق كل ما مرت عليه ولا ينتب حول حجرها شيء من الزرع أصلا وإذا حاذى مسكنها طائر سقط ولا يمر حيوان بقربها إلا هلك وتقتل بصفيرها على غلوة سهم ومن وقع عليه بصرها ولو من بعد مات ومن نهشه مات في الحال، وهي كثيرة ببلاد الترك، ومنها الصماء الشديدة الشر والصمَّة الذكر من الحيات وجمعه صمم وبه سمي والد دريد بن الصمة اهـ، وهذه الفوائد في حياة الحيوان (^١).\nقوله -ﷺ-: \"من قتل حية فكأنما قتل مشركا حل دمه وماله\" تقدّم معناه.\n\n٤٥٢١ - وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"ما سالمناهن منذ حاربناهن، يعني الحيات، ومن ترك قتل شيء منهن خيفة فليس منا\" رواه أبو داود (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ما سالمناهن منذ حاربناهن\" يعني الحيات، وفي رواية: ما سالمناهن منذ عاديناهن، معنى ما سالمناهن أي ما صالحناهن.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٨٩).\n(^٢) أبو داود (٥٢٤٨).\n(^٣) ابن حبان (٥٦٤٤) والحديث؛ أخرجه أحمد (٧٣٦٠). (٩٥٨٦). والبزار (٨٣٧٢)، والطبري ١/ ٥٧٤، والطبراني، في الأوسط (٦٢٢٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٤٧): رواه أبو داود باختصار. رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن محمد بن عجلان، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٨٣) وقال: حسن صحيح، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٦١٤١).","vol":"12","page":27},{"text":"٤٥٢٢ - وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا ما سالمناهن منذ حاربناهن\" رواه أبو داود (^١)، ولم يجزم موسى بن مسلم راويه بأن عكرمة رفعه إلى ابن عباس.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم. قوله: \"من ترك الحيات مخافة\"، قوله: \"فليس منا\" تقدم الكلام على ذلك.\nقوله: \"إنا نريد أن نكسر زمزم وإن فيها من هذه الجنان\" يعني الحيات الصغار، الحديث. وعن ابن مسعود قال (^٢): اقتلوا الحيات كلها إلا الجنان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة، تقدم الكلام على زمزم في كتاب الحج، والجنان، [قال الحافظ] (^٣) بكسر الجيم وتشديد النون جمع جان، ويروى عن ابن عباس (^٤) أنه قال الجنان مسخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل، اهـ. فالمسخ هو قلب الخلقة من شيء إلى شيء، ومنه حديث\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٥٢٥٠)، وأخرجه عبد الرازق (١٩٦١٧)، وأحمد (٢٠٣٧)، (٣٢٥٤)، والطبراني (١١/ ٣٠١/ ١١٨٠١)، (١١/ ٢٧٠/ ١١٩٤٦)، والبغوي في شرح السنة، (٣٢٦٥) دون قوله: ما سالمناهن منذ حاربناهن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٨٤)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٦١٤١).\n(^٢) سنن أبي داود (٥٢٦١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٩٩٠٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٠)، وقال: قول غريب حسن. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: ٢)، والمشكاة (٤١٤٢/ التحقيق الثاني).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سبق.","vol":"12","page":28},{"text":"الضباب (^١) أن أمة من الأمم مسخت وأخشى أن [يكون] منها. قاله في النهاية (^٢).\n\n٤٥٢٣ - وعن العباس بن عبد المطلب -﵁- أنه قال لرسول الله -ﷺ-: \"إنا نريد أن نكنس زمزم، وإن فيها من هذه الجنان، يعني الحيات الصغار فأمر النبي -ﷺ- بقتلهن\" رواه أبو داود (^٣)، وإسناده صحيح إلا أن عبد الرحمن بن سابط ما أراه سمع من العباس.\n[الجنان] بكسر الجيم وتشديد النون جمع جان، وهي الحية الصغيرة كما في الحديث، وقيل: الدقيقة الخفيفة، وقيل: الدقيقة البيضاء، ويروى عن ابن عباس (^٤) الجنان مسخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥٠) (١٩٥١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٢٩).\n(^٣) سنن أبي داود (٥٢٥١)، وأخرجه الضياء في المختارة ٨/ ٣٧٢ من طريق أحمد بن منيع، بهذا الإسناد. وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١١٦٢) - قال المزي: عبد الرحمن بن سابط روى عن العباس بن عبد المطلب، وقيل: لم يسمع منه. تهذيب الكمال ١٧/ ١٢٣. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٦٨).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٩٩٠٨)، وعبد الرازق في المصنف (١٩٦١٧) ومن طريقه أحمد (٣٢٥٤)، والبغوى في شرح السنة، (٣٢٦٥) موقوفا، وروي مرفوعا: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٦٤٠)، والبزار في مسنده (١٢٣٢/ كشف الأستار)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٣٢٥٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٠/ ١١٩٤٦)، والأوسط (٤٢٦٩)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٨٥)، قال أبو زرعة الرازي: هذا الحديث هو موقوف، لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار، ولا بأس بحديثه. علل =","vol":"12","page":29},{"text":"قوله: \"وعن العباس بن عبد المطلب\" تقدم الكلام عليه في صلاة التسبيح مبسوطًا.\n\n٤٥٢٤ - وعن أبي ليلى -﵁- أن رسول الله -ﷺ-: \"سئل عن جنان البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم نوح، أنشدكم العهد الذي أخذ عليكم سليمان أن لا تؤذونا، فإن عدن فاقتلوهن\" رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣) كلهم من رواية ابن أبي ليلى عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه، وقال الترمذي: حديت حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يأتي.\nقوله: \"وعن ابن أبي ليلى\"، وابن أبي ليلى هذا هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي قاضيها، لا يحتج بحديثه. وأبو ليلى له صحبة، واسمه قيل يسار وقيل غير ذلك وكنيته [أشهر] (^٤) من اسمه، اهـ.\n_________\n= الحديث (٢٣٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٤٦) رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، والبزار بالاختصار، ورجاله رجال الصحيح. وقال ابن كثير: هذا حديث غريب جدا - وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٠٣)، والصحيحة (١٨٢٤).\n(^١) أبو داود (٥٢٦٠)، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٠)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (٥٢٦٠)، وضعيف سنن الترمذي (٢٥٢).\n(^٢) الترمذي (١٥٥٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث ثابت البناني، إلا من هذا الوجه، من حديث ابن أبي ليلى.\n(^٣) النسائي في الكبرى (١٠٧٣٨).\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (أشرف).","vol":"12","page":30},{"text":"قوله: \"أن رسول الله -ﷺ- سئل عن حيات البيوت\"، الحديث. وفي حديث نافع الذي بعده أن رسول الله -ﷺ- نهى عن قتل جنان البيوت فأمسك، [الحديث] (^١). الجنان هي الحيات التي تكون في البيوت، واحدها جانّ، وهو الدقيق الخفيف، والجان الشيطان أيضا. وقد جاء ذكر الجان والجن والجنان في غير موضع من الحديث، وكانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب بثأر الجان وهي الحية الدقيقة فربما مات قاتله وربما أصابه خبل، اهـ. قاله في النهاية. [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \" ... \"، إلى آخره، وهذا كيفية الإنذار، وفي بعض الأحاديث: \"أنشدكن بالعهد\"، بنون الإناث، وفيه زيادة: \"ولا تؤذوننا\"، وفي أسد الغابة (^٢) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا ظهرت الحية في المسكن فقولوا لها: إنا نسألك بعهد نوح وبعهد سليمان بن داود عليهم الصلاة والسلام لا تؤذوننا، فإن عادت فاقتلوها. و] (^٣) قوله: \"وفي رواية للترمذي ولأبي داود قال أبو لبابة سمعت رسول الله -ﷺ- نهى عن قتل الجنان التي في البيوت إلا الأبتر وذي الطفيتين الحديث\". قوله: \"ويتبعان ما في بطون النساء\"، أي يسقطانه وأطلق عنه التتبع مجازا ولعل فيهما طلبا لذلك جعله الله تعالى خصيصة فيهما، قاله في النهاية (^٤).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) أسد الغابة (٥/ ٢٦٩).\n(^٣) سقطت هذه هذه الفقة من الأصل، وأثبتت من النسخة الهندية.\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٢٣٣).","vol":"12","page":31},{"text":"قوله: \"ويتبعان\" قيل صوابه: يبتغيان [فيهما]، وهذا قريب من الأول، قاله عياض (^١).\nأبو لُبابة بضم اللام بعدها باء موحدة ثم ألف ثم باء موحدة أيضا، هو ابن عبد المنذر الأنصاري الأوسي، واختلف في اسمه فقيل بشير وقيل رفاعة وهو الأصح وقيل غير ذلك، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، ومنهم من أطلق أنه بدري ومنهم من قال خرج إليها فرده رسول الله -ﷺ-، قيل من الروحاء، وأمَّره على المدينة وضرب له بسهمه وأجره. قال ابن عبد البر (^٢): مات في خلافة علي، وقال غيره: مات بعد الخمسين، اهـ. ذكره العراقي شرح الأحكام (^٣)، وتقدم الكلام على قتل الجنان التي في البيوت، وسيأتي الكلام على الأبتر وذي الطفيتين والله أعلم.\n\n٤٥٢٥ - وَعَن نَافِع قَالَ كَانَ ابْن عمر يقتل الْحَيَّات كُلهنَّ حَتَّى حَدثنَا أَبُو لبَابَة أَن رَسُول الله -ﷺ- نهى عَن قتل جنان الْبيُوت فَأمْسك رَوَاهُ مُسلم (^٤).\n\n٤٥٢٦ - وَفِي رِوَايَة لَهُ لأبي دَاوُد وَقَالَ أَبُو لبَابَة سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- نهى عَن قتل الْجنان الَّتِي تكون فِي الْبيُوت إِلَّا الأبتر وَذَا الطفيتين فَإِنَّهُمَا اللَّذَان يخطفان الْبَصَر ويتبعان مَا فِي بطُون النِّسَاء (^٥).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١١٩).\n(^٢) الاستيعاب (١/ ٢٨٥).\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب (١/ ١٣٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٠١٦)، ومسلم (١٣٢ و١٣٣ و١٣٤ و١٣٥ و١٣٦ - ٢٢٣٣).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٥٢٥٢) والترمذي (١٤٨٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٩٩١) وصحيح الترغيب (٢٩٨٦).","vol":"12","page":32},{"text":"٤٥٢٧ - وعن أبي السائب: \"أنه دخل على أبي سعيد الخدري -﵁- في بيته قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت فالتفت، فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال: فخرجنا مع رسول الله -ﷺ- إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله -ﷺ- بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما فقال: خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا: الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا رسول الله -ﷺ-، وذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله أن يحييه لنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا، فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان\".\n\n٤٥٢٨ - وفي رواية نحوه، وقال فيه: \"إن رسول الله -ﷺ- قال: إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا، فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه فإنه كافر، وقال لهم: اذهبوا فادفنوا صاحبكم\" رواه مالك (^١)\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩٧٦/ ٣٣).","vol":"12","page":33},{"text":"ومسلم (^١) وأبو داود (^٢).\nقوله: \"وعن أبي السائب\"، أبو السائب اسمه عبد الله ابن السائب ثقة.\nقوله: \"فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت\" الحديث، أراد بالعراجين الأعواد التي في سقف البيت شبهها بالعراجين. قاله في النهاية (^٣).\nقوله: \"فإذا حية فوثبت لأقتلها\" الوثوب القيام إلى الشيء دفعة بسرعة والوثوب في غير لغة حمير بمعنى النهوض والقيام.\nقوله: \"حديث عهد بعرس\" أي قريب عهد، [والعروس] يطلق على الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما. قوله: \"فخرجنا مع رسول الله -ﷺ- إلى الخندق\"، والخندق هو خندق مدينة الرسول -ﷺ- حفره وأصحابه لما تحزبت عليهم الأحزاب، وقال البخاري في أول غزاة الخندق إنه في سنة أربع.\nقوله: \"فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله -ﷺ- بأنصاف النهار يرجع إلى أهله\" الحديث. المراد بالأهل الزوجة. قال العلماء: هذا الاستئذان امتثال لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (^٤) وأنصاف النهار بفتح الهمزة أي منتصفه وكأنه وقت لآخر النصف الأول وأول النصف الثاني فجمعه كما قالوا ظهور الترسين، وأما رجوعه إلى أهله\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٣٩) (٢٢٣٦).\n(^٢) سنن أبي داود (٥٢٥٦).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٠٤).\n(^٤) سورة النور، الآية: ٦٢.","vol":"12","page":34},{"text":"فليطالع حالهم ويقضي حاجتهم ويؤنس امرأته فإنها كانت عروسا كما ذكر في الحديث. قوله: \"فاستأذنته فقال خذ عليك سلاحك فإني أخشى قريظة\"، والسلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديث مما يقاتل به والسيف وحده يسمى سلاحًا، يقال سلحته أسلحه إذا أعطيته سلاحًا وإن شدد فللتكثير وتسلح إذا لبس السلاح. قاله ابن الأثير في النهاية (^١). وقريظة: طائفة من اليهود من سكان حول المدينة السكينة.\nقوله: \"فقالت اكفف عليك رمحك\"، اكفف معناه احفظ.\nقوله: \"فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به\"، انتظمها معناه غرز الرمح في الحية حتى طوقها فيه فشبهه بالسلك الذي يدخل في الخرز، وفي الأساس رمى صيدا فانتظمه بسهم وطعنه فانتظم بساقيه أو جنبيه.\nقوله: \"فاضطربت عليه\" معنى اضطربت تحركت على غير نظام، وهاجمته، وأصابته بسمها، ثم وقعت ميتة ووقع الفتى ميتا.\nقوله -ﷺ-: \"إن بالمدينة جنا قد أسلموا\" الحديث.\nفائدة: الجن أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة لها عقول وأفهام وقدرة على الأعمال الشاقة وهم خلاف الإنس، الواحد منهم جني، ويقال سميت بذلك لأنها تبقى ولا ترى. وروى الطبراني (^٢) بإسناد حسن عن\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٨٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٢٢/ ٢١٥/ ٥٧٣)، وفي مسند الشاميين (١٩٥٦)، وابن أبي حاتم -كما في ابن كثير في التفسير (٦/ ٤٩٩) - وأبو يعلى في المسند -كما في إتحاف =","vol":"12","page":35},{"text":"أبي ثعلبة الخشني أن النبي -ﷺ- قال: الجن ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات، وصنف يَحِلُّون ويظعنون. وفي حديث أبي الدرداء (^١).\nأن النبي -ﷺ- قال: خلق الله الجن ثلاثة أصناف صنف حيات وصنف عقارب وصنف خشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب، وخلق الله بني آدم ثلاثة أصناف صنف كالبهائم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^٢)، وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ظل الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله. الحكم أجمع المسلمون على أن نبينا محمدا -ﷺ- مبعوث إلى الجن كما هو مبعوث إلى الإنس، قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ\n_________\n= الخيرة المهرة- (٦/ ٥٥)، وابن حبان (٦١٥٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٥/ ١٦٤٤)، والحاكم (٢/ ٤٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٣٧) والبيهقي في الأسماء والصفات (٧٩٥)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٢٩) وقال: رفعه غريب جدًّا. قال المناوي (٣/ ٣٦٥): قال: العراقي: صحيح الإسناد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٣٦): رواه الطبراني ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣١١٤).\n(^١) أخرجه الحكيم في نوادره (١/ ٥٠)، وابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان (٨٦)، وفي الهواتف (١٥٦)، وأبو يعلى (المطالب ٣٤٥٤) وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٠٧) وأبو الشيخ في الطبقات (١٨٢)، وفي العظمة (٥/ ١٦٣٩)، وإسناده ضعيف لضعف أبي فروة الرهاوي وانظر الميزان (٧/ ٢٤٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٣٩).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٤٤.","vol":"12","page":36},{"text":"هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (^١)، والجن بلغهم القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (^٢)، الآية. وقال ﵎: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (^٤)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [بَشِيرًا وَنَذِيرًا]﴾ (^٥).\nوقال الجوهري (^٦): الناس قد [تكون] من الإنس ومن الجن. وقال تعالى خطابا للفريقين: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ (^٧)، والثقلان الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض. وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (^٨)، ولذلك قيل: إن من الجن مقربين وأبرارا كما أن من الإنس كذلك، وخالف في ذلك كذا. قوله -ﷺ-: \"فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان\"، الإيذان الإنذار. قال العلماء معناه:\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٩.\n(^٢) سورة الأحقاف، الآية: ٢٩.\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ١.\n(^٤) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(^٥) سورة سبأ، الآية: ٢٨.\n(^٦) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ٩٨٧).\n(^٧) سورة الرحمن، الآيتان: ٣١ - ٣٢.\n(^٨) سورة الرحمن، الآية: ٤٦.","vol":"12","page":37},{"text":"إذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ولا ممن أسلم من الجن بل هو شيطان فلا حرمة له فاقتلوه، ولن يجعل الله له سبيلا للانتصار عليكم بثأره بخلاف العوامر ومن أسلم، والله أعلم. وقال بعض العلماء: وهذا مختص بحيات المدينة [وحدها. وقيل بعمومه في حيات] (^١) [والصحيح بحيات] جميع البلاد وهو الأصح، لا يقتل حتى ينذر. واختلف العلماء في الإنذار هل هو ثلاثة أيام أو ثلاث مرات والأول عليه الجمهور. وقال القاضي عياض (^٢): قال مالك: أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام، وقال عيسى بن دينار تنذر ثلاثة أيام وإن ظهرت في اليوم مرارا يريد فلا يقتصر على إنذارها ثلاث مرات في يوم واحد حتى يكون ذلك في ثلاثة أيام والله أعلم. وهو بالاتفاق مخصوص بالأبتر وذي الطفيتين فإنه يقتل على كل حال بالمدينة وغيرها في البيوت والصحاري.\nقوله -ﷺ-: \"إن لهذه البيوت عوامر\" الحديث، وهذا يحتمل أن يكون أشار به إلى بيوت المدينة وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون إلى جنس البيوت، والعوامر جمع عامر وهي التي تسكن العمران، يعني هذه الجنان ليست بحيات بل هي صنف من الجن يسكن البيوت، وقيل سميت عوامر لطول أعمارها. قاله في النهاية (^٣).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ١٧٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٩٨).","vol":"12","page":38},{"text":"وقال الجوهري (^١): عمار البيوت سكانها من الجن، ويقال لها الجنان وهي حيات طوال بيض قلما تضر ويقال لها العوامر. وعند الحنفية ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء لأنها من الجان. وقال ابن أبي ليلى الحية البيضاء التي تمشي مستوية هي الجنان، فتلك التي تنذر قبل قتلها، أما غيرها فلا تنذر بل [يقتل]. قال أبو جعفر الطحاويُّ: والمختار عند أصحابنا قتل الجميع بغير إنذار لحديث أبي هريرة الذي رويناه فإنه مطلق في حق الكل. قال لأنه بلغنا أن النبي -ﷺ- عهد ليلة الجن إلى الجن وأكد عليهم العهود والمواثيق أنهم لا يدخلون بيوت أمته ولا يظهرون فإن ظهروا قتلوا لكن الأولى هو الإنذار عملا بجميع الروايات، فإن لم يرجع قتل. وروى عروة أن عائشة (^٢) قتلت حية فأتيت في منامها فقيل لها قتلت مسلما. فقالت لو كان مسلمًا لما دخل بيوت أزواج النبي -ﷺ-. فقيل لها: هل كان يدخل عليك وإلا وعليك ثيابك؟ فأصبحت فزعة فتصدقت باثني عشر ألفا، فأول هذا الخبر إباحة قتله من غير إنذار. وآخره استحباب ذلك. ومن الجن صنف لا يفارق صور الحيات والأفاعي فربما قتلها الرجل فيهلك لوقته وإن كان صغيرا وكان له ولد قتل به، اهـ. والله أعلم. قوله -ﷺ-: \"فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر\"، أي حلفوها بأن تقولوا بالله عليك أن لا تعودي إلينا ثلاث مرات.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٧٥٨).\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٥١٤).","vol":"12","page":39},{"text":"[فائدة] (^١) في أوقات متفرقة فإن ذهبت بحيث لا تظهر مرة أخرى فهو المراد، والتحريج التضييق. وفي الرواية قبلها: شيطان. أراد أحد شياطين الجن، وقد تسمى الحية الدقيقة [الخفيفة] شيطانا، [أو] جانا على التشبيه، قاله في النهاية (^٢).\n\n٤٥٢٩ - وعن ابن عمر -﵄- أنه سمع النبي -ﷺ- يخطب على المنبر يقول: \"اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل. قال عبد الله: فبينا أنا أطارد حية أقتلها ناداني أبو لبابة: لا تقتلها، قلت: إن رسول الله -ﷺ- أمر بقتل الحيات، قال إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهن العوامر\" رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤)، ورواه مالك (^٥) وأبو داود (^٦) والترمذي (^٧) بألفاظ متقاربة.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"اقتلوا الحيات\" تقدم الكلام عليه مبسوطا [و] على أنواعها. قوله: \"واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر\"، قال الحافظ: الطفيتان هما\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٧٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٢٩٧).\n(^٤) صحيح مسلم (١٢٨) (٢٢٣٣).\n(^٥) موطأ مالك (٢/ ٩٧٥/ ٣١).\n(^٦) سنن أبي داود (٥٢٥٢).\n(^٧) سنن الترمذي (١٤٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٥).","vol":"12","page":40},{"text":"الخيطان الأسودان على ظهر الحية وأصل الطفية خوصة المقل شبه الخطين على ظهر الحية بخوصتي المقل [وهو] شر الحيات. وقال أبو عمر النمري (^١): يقال أن ذا الطفيتين جنس يكون على ظهره خطان أبيضان، والأبتر هو الأفعى. وقيل جنس أبتر كأنه مقطوع الذنب، وقيل: صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب إذا نظرت إليه الحامل ألقت. قاله النضر بن شميل اهـ. وقال بعض العلماء ذو الطفيتين حية خبيثة والطفية خوصة المقل في الأصل وجمعها طُفًى. وقال الزمخشري (^٢) في كتاب العين الطفية حية لينة خبيثة والأبتر الحية القصيرة الذنب، والبُتر شرار الحيات، اهـ. قوله: \"فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبل\".\nوفي رواية مسلم: يلتمسان البصر ويستسقطان الحبالى، معناه يطمسانه بمجرد نظرهما إليه بخاصية جعلها الله تعالى فيهما، اهـ. قاله الحافظ. وقال غيره من العلماء: يلتمسان البصر فيه تأويلان ذكرهما الخطابي وآخرون أصحهما وأشهرهما أنهما يخطفانه ويطمسانه بمجرد نظرهما لخاصية جعلها الله تعالى في بصرهما إذا وقع على بصر الإنسان ويؤيد هذا القول ما في رواية مسلم: يخطفان البصر، و[في] (^٣) الثاني أنهما يقصدان البصر [باللسع] والنهش، اهـ.\n_________\n(^١) فتح الباري (٦/ ٣٤٨).\n(^٢) العين (٧/ ٤٥٧).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":41},{"text":"قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع نظره على عين إنسان مات من ساعته، ونوع آخر إذا سمع إنسان صوته مات. وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن الشاب الأنصاري الذي طعن الحية برمحه فماتت ومات الشاب من ساعته، وتقدم الكلام على ذلك. قال أبو العبالس القرطبي (^١): وظاهر هذا أن هذين النوعين من الحيات لهما من الخاصية ما يكون عنهما ذلك ولا يستبعد هذا فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المسمى بكشف المشكل لما في الصحيحين أن بعراق العجم أنواعا من الحيات يهلك الرائي لها بنفس رؤيتها ومنها ما يهلك المرور بطريقها. قوله: \"ويسقطان الحبل\"، أي يطرحانه قبل تمامه، معناه أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما [فخافت] أسقطت الحمل غالبا. اهـ. قوله: \"قال عبد الله بينا أنا أطارد حية أقتلها ناداني أبو لبابة لا تقتلها. فقلت إن رسول الله -ﷺ- أمر بقتل الحيات\" الحديث، ومعنى أطاردها أي أطلبها وأتبعها لأقتلها. [قاله] النووي (^٢)؛ [و] قال ابن الأثير في النهاية (^٣): أي أخادعها لأصيدها ومنه طراد الصيد.\nوقال عياض (^٤) في قوله: أطارد حية، أي أتصيدها وأرواغها ومنه طراد الصيد وهو اتباعه ومراوغته حيث مال، اهـ. وتقدم الكلام على أبي لبابة.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٣٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٣١).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١١٧).\n(^٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣١٨).","vol":"12","page":42},{"text":"قوله: فقلت أن رسول الله -ﷺ- أمر بقتل الحيات، [فقال]: إنه نُهي بعد ذلك عن ذوات البيوت وهي العوامر، الحديث. نُهي بضم أوله على البناء للمفعول، كذا ضبطناه. فائدة: وقول الصحابي أمر بكذا ونهى عن كذا حكمه الرفع إلى النبي -ﷺ- على الصحيح المشهور لانصرافه إلى من له الأمر والنهي، فإن قال ذلك التابعي ففيه احتمالان للغزالي وقد ورد التصريح بنهي النبي -ﷺ- عن ذلك وهو في الصحيحين [وللنهي] عن ذوات البيوت شرطان أحدهما: أن يكون ذلك قبل الإنذار والثاني أن لا يكون ذا الطفيتين [ولا أبتر]. فما كان بهذه الصفة يقتل ولو كان من ذوات البيوت بغير إنذار، وقد دلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، وإنما تتم فائدة الحديث إذا جمعت طرقه وقد اجتمع هذان القيدان من طرقه. اهـ. قاله النووي (^١).\nقال ابن عبد البر (^٢): أجمع العلماء على جواز قتل حيات الصحاري صغارا كن أو كبار أي نوع كن من الحيات والاعتماد على حديث أبي لبابة فإن فيه بيانا لنسخ قتل حيات البيوت وأن ذلك كان بعد الأمر بقتلها جملة وفيه استثناء ذي الطفيتين [و] (^٣) الأبتر، فهو حديث مفسر لا إشكال فيه لمن فهم وعلم، وهو الصواب في هذا الباب. وعليه يصح ترتيب الآثار فيه والله أعلم. اهـ.\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ١٢٤).\n(^٢) التمهيد لابن عبد البر (١٦/ ٢٨).\n(^٣) سقطت حرف العطف النسخة الهندية.","vol":"12","page":43},{"text":"٤٥٣٠ - وفي رواية لمسلم (^١) قال: سمعت رسول الله -ﷺ-: \"يأمر بقتل الكلاب يقول: اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يلتمسان البصر، ويستسقطان الحبالى\".\n[قال الزهري]: ونرى ذلك من سيمتهما، والله أعلم. قال سالم قال عبد الله بن عمر: فلبثت لا أترك حية أراها إلا قتلتها فبينما أنا أطارد حية يوما من ذوات البيوت مر بي زيد بن الخطاب وأبو لبابة، وأنا أطاردها، فقالا: مهلا يا عبد الله، فقلت: إن رسول الله -ﷺ- أمر بقتلهن، قال إن رسول الله -ﷺ- نهى عن ذوات البيوت. إن لهذه البيوت لعوامر.\n\n٤٥٣١ - وفي رواية لأبي داود (^٢) قال: \"إن ابن عمر وجد بعد ما حدثه أبو لبابة حية في داره، فأمر بها، فأخرجت إلى البقيع. قال نافع: ثم رأيتها بعد في بيته\".\n[الطفيتان] بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء: هما الخطان الأسودان في ظهر الحية، وأصل الطفية: خوصة المقل شبه الخطين على ظهر الحية بخوصتي المقل، وقال أبو عمر النمري: يقال إن ذا الطفيتين جنس يكون على ظهره خطان أبيضان. [والأبتر]: هو الأفعى، وقيل: جنس أبتر كأنه مقطوع الذنب، وقيل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب إذا نظرت إليه الحامل ألقت. قاله النضر بن شميل.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٢٣٣).\n(^٢) سنن أبي داود (٥٢٥٤)، (٥٢٥٥).","vol":"12","page":44},{"text":"[وقوله: يلتمسان البصر] معناه يطمسانه بمجرد نظرهما إليه بخاصية جعلها الله فيهما.\n[قال الحافظ]: قد ذهب طائفة من أهل العلم إلى قتل الحيات أجمع في الصحاري والبيوت بالمدينة، وغير المدينة، ولم يستثنوا في ذلك نوعا ولا جنسا ولا موضعا، واحتجوا في ذلك بأحاديث جاءت عامة كحديث ابن مسعود المتقدم، وأبي هريرة، وابن عباس، وقالت طائفة: تقتل الحيات أجمع إلا سواكن البيوت بالمدينة وغيرها فإنهن لا يقتلن لما جاء في حديث أبي لبابة وزيد بن الخطاب من النهي عن قتلهن بعد الأمر بقتل جميع الحيات، وقالت طائفة تنذر سواكن البيوت في المدينة وغيرها، فإن بدين بعد الإنذار قتلن، وما وجد منهن في غير البيوت يقتل من غير إنذار وقال مالك: يقتل ما وجد منها في المساجد، واستدل هؤلاء بقوله -ﷺ-: \"إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه\"، واختار بعضهم أن يقول لها ما ورد في حديث أبي ليلى المتقدم، وقال مالك: يكفيه أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن لا تبدو لنا ولا تؤذينا، وقال غيره: يقول لها: أنت في حرج إن عدت إلينا، فلا تلومينا أن نضيق عليك بالطرد والتتبع، وقالت طائفة: لا تنذر إلا حيات المدينة فقط لما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم من إسلام طائفة من الجن بالمدينة، وأما حيات غير المدينة في جميع الأرض والبيوت فتقتل من غير إنذار لأنا لا نتحقق وجود مسلمين من الجن ثم، ولقوله -ﷺ-: \"خمس من الفواسق تقتل في الحل","vol":"12","page":45},{"text":"والحرم، وذكر منهن الحية\"، وقالت طائفة: يقتل الأبتر وذو الطفيتين من غير إنذار سواء كن بالمدينة وغيرها لحديث أبي لبابة \"سمعت رسول الله -ﷺ- نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين\"، ولكل من هذه الأقوال وجه قوي، ودليل ظاهر. والله أعلم.\nقوله -ﷺ- في رواية مسلم: أنه أمر بقتل الكلاب والحيات، الحديث. قد اتفق العلماء على جواز قتل الحيات ويستوي في ذلك جميع أنواعها وهو الصحيح لإطلاق الحديث، وتقدم أنه أمر ندب عن أصحاب الشافعي، وأما قتل الكلاب فالظاهر أنه ليس على الإطلاق بل المراد منها والله أعلم شرارهن لقوله -ﷺ-: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم. أما الأمر بقتل الكلاب فقال الأصحاب: إن كان الكلب عقورا قتل وإن لم يكن عقورا لم يجز قتله سواء كان فيه منفعة من المنافع المذكورة أو لم يكن، والبهيم الأسود الذي لا بياض فيه، وعلة قتله أن الكلب الأسود أكثر [ضُرًّا بالناس] وأقل نفعا وأبعد من الصيد والحراسة وأكثر نعاسا [و] البهيم الذي لا يخالط لونه لون سواه، وقيل الأسود الذي لا يكون فيه شيء من البياض.\nقال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين (^١): الأمر بقتل الكلاب منسوخ. قال: وقد صح أن رسول الله -ﷺ- أمر بقتل الكلاب مرة، ثم صحّ أنه نهى عن قتلها. قال: واستقر الشرع على التفصيل الذي ذكرناه. قال: وأمر بقتل الأسود\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٨٦).","vol":"12","page":46},{"text":"البهيم، وكان هذا في الابتداء وهو الآن منسوخ، هذا كلام إمام الحرمين ولا مزيد على تحقيقه، اهـ. وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه والله أعلم [بالصواب]. قوله في الرواية المذكورة أعلاه: \"واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر\" الحديث تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"مرّ بي زيد بن الخطاب وأبو لبابة وأنا أطاردها فقال: مهلا يا عبد الله\" الحديث، زيد بن الخطاب هو أبو عبد الرحمن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي [أخوه] عمر لأبيه وكان أسنّ من عمر وسبقه إلى الإسلام وهو من المهاجرين الأولين شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية والمشاهد كلها، وكان طويلا بائن الطول، طلب الشهادة يوم أحد فلم تصبه، وتأخر بعد النبي -ﷺ- فكان معه راية المسلمين يوم اليمامة، وانكشف المسلمون فجعل زيد يقول: اللهم إني أبرأ إليك [من فرار أصحابي] مما جاء به هؤلاء [يعني مسيلمة الكذاب] وأعتذر إليك من فرار أصحابي، ثم تقدم بالراية فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو ثم قاتل بسيفه حتى قتل ووقعت الراية فأخذها سالم مولى أبي حذيفة فقال له المسلمون يا سالم إنا نخاف أن نؤتى من قبلك فقال بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبلي وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين معن بن عدي الأنصاري فقتلا جميعًا باليمامة شهيدين وكانت اليمامة في خلافة أبي بكر في شهر ربيع الأول سنة ثنتي عشرة وقيل سنة إحدى عشرة، ولما أتى عمر قتلهُ حزن عليه حزنًا شديدًا وقال ما صبت الصبا إلا وأنا أجد ريح زيد، وقال له عمر يوم أحد خذ درعي فقال إني أريد من","vol":"12","page":47},{"text":"الشهادة ما تريد فتركا الدرع، ولما أخبر عمر بقتل زيد قال رحم الله أخي يسبقني إلى الجنتين -في الحاشية: الحُسْنَيَيْن، [كذا في الأصل] (^١) - أسلم قبلي واستشهد [قبلي]، وكان الذي قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم [الختلي] فلما جاء إلى عمر قال له عمر أقتلت أخي زيدا؟ فقال أكرمه الله ولم يهني بيده. ولما شهد زيد بن رافع عمر كان بينهما درع فقال كل واحد لصاحبه والله ما يلبسها غيرك وكان ممن ثبت مع رسول الله -ﷺ- يوم أحد وكان عمر يقول: ما هبَّت صبا قط إلا ذكرت أخي زيدًا.\nوذكر ابن [قتيبة] في المعارف قال: مات زيد أخو عمر وأمه أم كلثوم في ساعة واحدة فلم يرث أحد منهما صاحبه، وصلى عليهما عبد الله بن عمر، فقدَّم زيدا وأخر أم كلثوم، فجرت السنة بتقديم الرجال. روى له مسلم حديثا والبخاري تعليقا وأبو داود، اهـ. وأبو لبابة تقدمت ترجمته. وقوله: \"فقالا مهلا يا عبد الله\" هو بإسكان الهاء ومعناه أنظرني. قال الجوهري (^٢)، يقال مهلا يا رجل بالسكون، يعني أمهل.\nقول الحافظ رحمه الله تعالى: وقد ذهب طوائف من أهل العلم إلى قتل الحيات أجمع [ويذكر ما قاله المصنف من الاختلاف بين العلماء إلى آخره، انتهى]. قال مالك رحمه الله تعالى: يكفيه أن يقول لها أحرج عليك بالله وباليوم الآخر أن لا تبدوا لنا ولا تؤذونا، اهـ. [وفي رواية: ولا تؤذوننا،\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الصحاح (٥/ ١٨٢٢).","vol":"12","page":48},{"text":"انتهى]. قال بعض العلماء: وأظن [مالكا] إنما ذكر هذا لقوله -ﷺ- في صحيح مسلم: فحرجوا عليها ثلاثا، فلهذا ذكر أحرج عليك، ذكره المازري (^١). وغير مالك يتأول أن ذلك بكل لفظ تضييق عليها ومناشدة لها بألفاظ الحرج والعهود المضيقة، اهـ. قاله عياض (^٢).\nتنبيه: قال الغزالي في الإحياء في الباب الثاني من كتاب أدب السفر (^٣): يستحب [لكل] (^٤) [لمن] أراد لبس الخف في حضر أو سفر أن ينكس الخف وينفض ما فيه حذرا من حية أو عقرب أو شوكة، اهـ.\nلطيفة: روى ابن أبي شيبة (^٥) وغيره أن فريكا قدم على رسول الله -ﷺ- وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا فسأله ما أصابه فقال كنت أمرن جملا فوقعت على بيض حية فأصيب بصري، فنفث رسول الله -ﷺ- في عينيه فأبصر. قال فكان يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين سنة، وإن عينيه مبيضتان،\n_________\n(^١) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٥٣)، والمعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٨٨).\n(^٢) إكمال المعلم (٧/ ١٦٧)، ومشارق الأنوار (١/ ١٨٧).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٥٩).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٥٦٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦٣٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٥/ ٣٥٤٦)، وسموه: حبيب بن فويك وترجمه ابن عبد البر، قال: حبيب بن فديك أبو فديك ويقال حبيب بن فويك اضطرب في حديثه روت بنت أخيه أن رسول الله دقا له وهو أعمى مبيضة عيناه فأبصر وكان يدخل الخيط في الإبرة يختلف في حديثه وقد ذكرناه في باب الفاء للاختلاف في حديثه انظر: الاستيعاب (١/ ٣٢٢)، وأسد الغابة (٤/ ٣٩٢)، وحياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٠٠).","vol":"12","page":49},{"text":"اهـ. والله أعلم.\nفائدة يختم بها ذكر الحيات: في فتاوى النووي (^١) إذا اصطاد الحوَّاء حية وحبسها معه على عادتهم فلسعته ومات هل يأثم؟ أجاب -﵁- إن صادها ليرغب الناس في اعتقاد معرفته وهو صادق في صنعته ويسلم منها في ظنه ولسعته لم يأثم وإذا انفلتت وأتلفت شيئا لم يضمنه.\nوروى الإمام أحمد في الزهد (^٢) أنّ حوّاء معه حيات في خرج نزل بقوم من أهل اليمن [فخرج] بالليل بعض الحيات فلسعت بعض أهل البيت فقتلته، فكُتب بذلك إلى عمر بن عبد العزيز فقال لا شيء عليك لكن مرُوه إذا نزل بقوم أن يخبرهم بما معه، اهـ.\n\n٤٥٣٢ - وعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: \"أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه في أن قرصتك نملة، فأحرقت أمة من الأمم تسبح\". زاد في رواية: \"فهلا نملة واحدة\" رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤) وأبو داود (^٥) والنسائي (^٦) وابن ماجه (^٧).\n_________\n(^١) فتاوى النووي (ص: ١١٢).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٩٩).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣١٩).\n(^٤) صحيح مسلم (١٤٨) (٢٢٤١).\n(^٥) سنن أبي داود (٥٢٦٦).\n(^٦) سنن النسائي (٧/ ٢١٠).\n(^٧) سنن ابن ماجه (٣٢٢٥).","vol":"12","page":50},{"text":"٤٥٣٣ - وفي رواية لمسلم (^١) وأبي داود (^٢) قال: \"نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه، فأخرج من تحتها، ثم أمر فأحرقت، فأوحى الله إليه هلا نملة واحدة\".\n[قال الحافظ]: قد جاء من غير ما وجه أن هذا النبي هو عزير -﵇-، وفي قوله: فهلا نملة واحدة دليل على أن التحريق كان جائزا في شريعتهم، وقد جاء في خبر أنه بقرية أو بمدينة أهلكها الله تعالى فقال: يا رب كان فيهم صبيان ودواب، ومن لم يقترف ذنبا، ثم إنه نزل تحت شجرة فجرت به هذه القصة التي قدرها الله على يديه تنبيها له على اعتراضه على بديع قدرة الله وقضائه في خلقه فقال: إنما قرصتك نملة واحدة فهلا قتلت واحدة، وفي الحديث تنبيه على أن المنكر إذا وقع في بلد لا يؤمن العقاب العام.\nقوله: \"عن أبي هريرة -﵁-\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إنّ نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت\" الحديث، وسميت النملة نملة لتنمّلها وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها. وقوله: \"قرصت\" بالقاف والراء والمهملة المفتوحات أي لدغت وقرص النملة لسعها.\nوقوله: \"نبيا من الأنبياء\"، قال الحافظ [: قد جاء من غير ما وجه أنّ هذا النبي هو عزير -ﷺ-، انتهى.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤٩، ١٥٠) (٢٢٤١).\n(^٢) سنن أبي داود (٥٢٦٥).","vol":"12","page":51},{"text":"وقال الحافظ] الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١) هذا النبي هو موسى بن عمران، وفي نوادر الأصول (^٢) أنه موسى بن عمران، كذا قاله الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر على حاشية نسخته. وقوله: \"فأمر بقرية النمل فأحرقت\"، وقرية النمل هي منزلهن وهي مسكنها وبيتها والجمع قرى والقرية من المساكن والأبنية الضياع وقد تطلق على المدن ومنه الحديث أمرت بقرية تأكل القرى وهي مدينة الرسول -ﷺ- ومعنى أكلها القرى ما يفتح على أيدي أهلها من المدن ويصيبون من غنائمها. قاله في النهاية (^٣).\nقال العلماء -﵃- هذا الحديث محمول على أن شرع ذلك النبي -ﷺ- كان فيه جواز قتل النمل وجواز الإحراق بالنار ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق بل في الزيادة على نملة واحدة.\nوقوله ﷾: \"فهلا نملة واحدة\" أي فهلا عاقبت نملة واحدة وهي التي قرصتك لأنها الجانية، وأما غيرها فليس له جناية. وأما في شرعنا فلا يجوز الإحراق بالنار للحيوان إلا إذا أحرق إنسانا فمات بالإحراق فلوليه الاقتصاص بإحراق الجاني وسواء في منع الإحراق بالنار القمل وغيره للحديث المشهور: لا يعذب بالنار إلا الله. وأما قتل النمل فمذهبنا أنه لا يجوز، واحتج أصحابنا فيه بحديث ابن عباس أن النبي -ﷺ- نهى عن قتل أربع\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٩٩).\n(^٢) نوادر الأصول (١/ ٤٠٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٥٧).","vol":"12","page":52},{"text":"من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد. وسيأتي الكلام عليه بعد هذا.\nوقوله في رواية مسلم وأبي داود قال: نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر فأحرقت، الحديث. تقدم الكلام على النبي من هو. وقوله: \"لدغته\"، بالدال المهملة والغين المعجمة، أي قرصته، ويستعمل ذلك في سائر ذوات السموم، أما اللذع بالذال المعجمة والعين المهملة فهو الخفيف من إحراق النار كالكي ونحوه، اهـ. والجهاز بفتح الجيم وكسرها وهو المتاع، اهـ. [قوله سبحانه: \"فهل لا نملة واحدة .. \"، يذكر ما قاله المنذري إلى آخره، ويذكر بعده قبل إلى آخره. قوله: \"فأمر بجهازه فأخرج من حرق النمل\" يعني رحله ومتاع سفره من فراش وغيره، قاله الجوهري (^١).\nوأما جهاز العروس وجهاز السفر فيفتح ويكسر، انتهى]، وقيل إنما عاتب الله تعالى هذا النبي -ﷺ- لانتقامه لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منهم وكان الأولى به الصفح والصبر لكن وقع للنبي -ﷺ- أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من المؤمن وقد أبيح لك دفعه عنك بضرب وقتل على ما له فيه المقدار فكيف بالهوام والدواب التي سخرت لك وسلطت عليه فإذا آذته أبيح له قتلها. وقوله: \"أَلَا نملة واحدة\" دليل على أن الذي يؤذي يقتل وكل قتل كان لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء.\n_________\n(^١) انظر: مطالع الأنوار (٢/ ١٧٢)، شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٣٩).","vol":"12","page":53},{"text":"٤٥٣٤ - وعن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ-: \"نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد\" رواه أبو داود (^١) وابن ماجه (^٢) وابن حبان (^٣) في صحيحه.\n[الصرد] بضم الصاد المهملة وفتح الراء: طائر معروف ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض، ونصفة أسود. [قال الخطابي]: أما نهيه عن قتل النمل، فإنما أراد نوعا منه خاصا، وهو الكبار ذوات الأرجل الطوال لأنها قليلة الأذى والضرر، وأما النحلة فلما فيها من المنفعة، وأما الهدهد والصرد، فإنما نهى عن قتلهما لتحريم لحمهما، وذلك أن الحيوان إذا نهى عن قتله، ولم يكن لحرمة ولا لضرر فيه كان ذلك لتحريم لحمه.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم. قوله: \"أن النبي -ﷺ- نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد\"، وعن أبي هريرة قال نهى رسول\n_________\n(^١) أبو داود (٥٢٦٧).\n(^٢) ابن ماجه (٣٢٢٤).\n(^٣) ابن حبان (٥٦٤٦)، وأخرجه عبد الرزاق (٨٤١٥)، وأحمد (٣٠٦٦)، وعبد بن حميد (٦٥٠)، والدارمي (٢٠٤٢)، والطحاوي في المشكل (٨٦٩)، والخطابي غريب الحديث (٢/ ١٤٢) والبيهقي في السنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٣٥٠)، (٩/ ٥٣٢) وفي المعرفة (١٩٢١١)، وفي الصغرى (٣٨٧٣)، وقال أبو زرعة (علل ابن أبي حاتم ٢/ ٣٠١): أخطأ فيه عبد الرزاق، والصحيح من حديث معمر عن الزهري أنّ النبي -ﷺ- مرسل. وقال أبو حاتم الرازي كما في العلل (١/ ٢٩٠)، (٢/ ٣٠١): هذا حديث مضطرب، وقال الحافظ في البلوغ (١/ ٢٧٧): صححه ابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٩٦٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٩٠).","vol":"12","page":54},{"text":"الله -ﷺ- عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد، انفرد به ابن ماجه. روى الدارقطني (^١) والحاكم (^٢) عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: لا تقتلوا النملة. [فإنّ] سليمان -﵇- خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة مستقلية على قفاها رافعة قوائهما تقول: اللهم إنا خلق من خلقك لا غنى لنا عن رزقك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين واسقنا مطر تنبت لنا به شجرا وأطعمنا ثمرا. فقال سليمان لقومه: ارجعوا فقد كُفينا وسقيتم بغيركم.\nقال الشافعي (^٣) والأصحاب ما نهي عن قتله يحرم أكله لأنه لو حل لم ينه\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦/ ١).\n(^٢) الحاكم (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) مختصرا، وصححه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الطحاوي في المشكل (٢/ ٢٠٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٦٥) ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٨٨)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٥/ ١٧٥٣) وصححه النووي في الخلاصة (٢/ ٨٧٤) وصححه ابن الملقن في الخلاصة (١/ ٢٥٠)، وفي البدر المنير (٥/ ١٥٧)، وفي تحفة المحتاج (١/ ٥٦٤)، وقال المناوى في التيسير (١/ ١٠٤٣): عن أبي هريرة بإسناد صحيح. وفي الباب: عن أبي الصديق الناجي: قال: خرج سليمان بن داود ﵇ يستسقي فذكره. أخرجه أحمد في الزهد (ص ٨٧)، ورواه الطحاوي، ذكره الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ٢٢٩): رواه الحافظ أبو منصور في كتابه جامع الدعاء الصحيح ذكره ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ١٥٧) وفيه زيد العمي، لكن له طرق منها: عن الزهري أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٨٨) أن سليمان بن داود خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي قال لأصحابه ارجعوا فقد سقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٨٨) عن السدي نحوه.\n(^٣) المجموع (٩/ ٢١).","vol":"12","page":55},{"text":"عن قلته، فمن ذلك النمل والنحل، فأكلهما حرام بالاتفاق، وكذلك الخطاف والصرد والهدهد يحرم أكلها على المذهب. وفي وجه ضعيف أنها مباحة، وحكاه البندنيجي في كتاب الحج قولا. وقال الرافعي في كتاب الحج لا يجوز قتل النحل والنمل والخطاف والضفدع لورود النهي عن قتلها.\nقال الحافظ رحمه الله تعالى: قال الخطابي (^١): أما نهيه -ﷺ- عن قتل النمل فإنما أراد نوعا منه خاصا وهو الكبار ذوات الأرجل الطوال لأنها قليلة الأذى والضرر، اهـ. وقال في المهمات والمراد بالنمل النمل الكبير المعروف بالسليماني كما قاله الخطابي (^٢) والبغوي في شرح السنة (^٣) في أواخر الكتاب.\nوقال الحربي النمل ما كان له قوائم أما الصغير المسمى بالذر فقتله جائز بغير الإحراق. قال: والذي قالاه ظاهر لأن الصغير منه يؤذي وقد رأيته أيضا مصرحا به في شرح المهذب المسمى بالاستصفاء نقلا عن الإيضاح للصميري. فقال أن الذي يؤذي منه يجوز قتله بل يستحب أنهم سألوا ابن عباس (^٤) عن قتلها فقال تلك ضلالة لا شيء فيها.\nوبالجملة فقد أطلق الرافعي كراهة قتل النمل كما نقله [الطبري] شارح التنبيه وهو يدل على الجواز على كل حال في الصغير فإنه إما عام أو خاص،\n_________\n(^١) الترغيب والترهيب (٣/ ٣٨٥).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٩٩).\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ١٨٠).\n(^٤) طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ١٨٠).","vol":"12","page":56},{"text":"وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل.\nتنبيه: روى الدارقطني (^١) والحاكم (^٢) عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: لا تقتلوا النمل فإن سليمان -﵇- خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة على قفاها رافعة قوائهما تقول: اللهم خلق من خلقك لا غنى لنا عن فضلك، اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادك الخاطئين واسقنا مطرا تنبت لنا به شجرا وأطعمنا ثمرًا. فقال سليمان ﵊ لقومه: ارجعوا فقد كُفينا وسقيتم بغيركم.\nوروى الطبراني في معجمه الأوسط (^٣) عن أبي هريرة أنه قال لما كلم الله موسى -ﷺ- كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة المظلمة من مسيرة عشر فراسخ. فائدة: يكره أكل ما حملت النمل بفيها وقوائما لما روى الحافظ أبو نعيم في الطب النبوي (^٤) عن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن جده أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يؤكل ما حملت النمل بفيها وقوائمها، اهـ.\nفائدة أخرى: قال الإمام فخر الدين الرازي (^٥) في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى\n_________\n(^١) سبق.\n(^٢) سبق.\n(^٣) المعجم الصغير للطبراني (٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٣) رواه الطبراني في الصغير، وفيه الحسين بن أبي جعفر الجفري وهو متروك. انظر: حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٠٠).\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٠٣).\n(^٥) التفسير الكبير (٢٤/ ١٦١).","vol":"12","page":57},{"text":"إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ (^١)، الآية. وادي النمل بالشام كثير النمل، فإن قيل: لم أتى بِعَلى؟ قلنا لوجهين: أحدهما إن أتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء الثاني أنه يراد به قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا بلغ آخره، فتكلمت النملة بذلك وهذا غير مستبعد فإن حصول العلم والنطق لها ممكن في نفسه والله تعالى قادر على الممكنات. قال: ورأيت في بعض الكتب أن تلك النملة إنما أمرت رعيتها بالدخول في مساكنها لئلا ترى النعم فتقع في كفران نعم الله تعالى، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محظورة. يروى أن سليمان قال لها: قلت للنمل ادخلوا مساكنكم، أخفت عليها مني ظلمًا؟ قالت: ولا ولكن خشيت أن يفتتنوا بما يروا من جمالك وزينتك فيشغلهم ذلك عن طاعة ربهم. وري أن النملة التي خاطبت سليمان ﵊ أهدت نبقة فوضعها في كفه وقالت:\nألم ترنا نهدي إلى اللّه ماله ... وإن كلان عنه ذا عنى فهو قابله\nولو كان يُهدى للجليل بقدره ... لقصّر عنه البحر حين يساحله\nولكننا نهدى إلى من نحبه ... فيرضى به عنا ويُشكر فاعله\nوما ذاك إلا من كريم فعاله ... وإلا فما في ملكنا من يُشاكِله\nفقال سليمان: بارك الله فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله وأكثر خلق الله، اهـ.\nفائدة: النمل عظيم الحيلة في طلب الرزق، فإذا وجد شيئا أنذر الباقين\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ١٨.","vol":"12","page":58},{"text":"ليأتوا إليه. وقيل: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها، ومن طبعه أنه يحتكر في زمن [الصيف] لزمن الشتاء، ويقال أن حياته ليست من قبل ما يأكله ولا قوامه وذلك أنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام ولكنه مقطوع نصفين وإنما موته إذا قطع الحب في استنثاق ريحه فقط [و] (^١) ذلك يكفيه. وعن سفيان بن عيينة أنه قال ليس شيء يخبأ قوته إلا الإنسان والنمل والفأر، وبه جزم في الإحياء في كتاب التوكل. وعن بعضهم أن البلبل يحتكر وله في الاحتكار من الحيل ما أنه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسمه نصفين ما خلا [الكسفرة] (^٢) فإنه يقسمها أربعا لما ألهم أن كل نصف منها ينبت، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره. وأكثر ما يفعل ذلك ليلا في القمر. ومن أسباب هلاكه نبات أجنحته فإذا صار النمل كذلك أخصبت العصافير لأنها تصيدها كما في حال طيرانها. ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الأرض وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقات يملؤها حبوبا وذخائر للشتاء، وفيه ما يسمى [الذر] وهو من النمل بمنزلة الزنابير من النحل ومنه ما يسمى نمل الأسد سمي بذلك لأنه مقدمه يشبه وجه الأسد ومؤخره يشبه النمل، انتهى.\nفائدة أخرى: قال [الخلال]، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا أبو عبد الله الكواز حدثتني حبيبة\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (الكسبرة).","vol":"12","page":59},{"text":"مولاة الأحنف أنها رأت الأحنف بن قيس ﵀ ورآها تقتل نملة ثم قال لا تقتليها ثم دعا بكرسي فجلس عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إني أحرج عليكن ألا خرجتن من داري فإني أكره أن تقتلن في داري. قال فخرجن فما رئي [منهن] بعد ذلك اليوم واحدة (^١). قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (^٢) رأيت أبي فعل ذلك حرّج على النمل، وأكبر علمي أنه جلس على كرسي كان يجلس عليه لوضوء الصلاة، ثم رأيت النمل قد خرجن بعد ذلك نمل كبار سود فلم أرهن بعد ذلك، اهـ. ذكره في حياة الحيوان (^٣). قوله: \"وأما النحلة فلما فيها من المنفعة\"، اهـ.\nقاله المنذري. وهو العسل والشمع وكفى النحل شرفا قول الله ﷿: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (^٤) الآية، وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿وأوحى ربك إلى النحَل﴾ بفتح الحاء، فأوحى الله ﷾ إليها وأثنى عليها فعلمت مساقط الأنواء من وراء البيداء، قال [في] عجائب المخلوقات: يقال ليوم عيد الفطر يوم الرحمة إذ فيه أوحى ربك إلى النحل صنعة العسل فبيّن ﷾ أن في النحل أعظم اعتبار وهو حيوان [فهيم].\nقال الزجاج: سميت نحلا لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج\n_________\n(^١) مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (١٦٢٠)، بغية الطلب في تاريخ حلب (٣/ ١٣٠٦).\n(^٢) مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (١٦٢١)، بغية الطلب في تاريخ حلب (٣/ ١٣٠٦).\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٠٢) انظر: الآداب الشرعية (٣/ ٣٥٣).\n(^٤) سورة النحل، الآية: ٦٨.","vol":"12","page":60},{"text":"منها إذ النحلة العطية، اهـ. وجمع الله في النحلة السم والعسل دليلا على كمال قدرته، وأخرج منها العسل ممزوجا بالشمع، وكذلك عمل ابن آدم ممزوج بالخوف والرجاء. وفي العسل ثلاثة أشياء: الشفاء والحلاوة واللين. وكذلك المؤمن، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١)، ويخرج من الشاب خلاف ما يخرج من الكهل والشيخ، كذلك حال المقتصد والسابق، وأمرها الله تعالى بأمر الحلال حتى صار لعابها شفاء، ودواء الأطباء مرّ، ودواء الله حلو، وهو العسل، وهي تأكل من كل الشجر ولا يخرج منها إلا حلو ولا يغيرها اختلاف مأكلها، ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (^٢). وقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (^٣)، لا يقتضي العموم لكل علة، وفي كل إنسان، لأنه نكرة في سياق الإثبات، بل هو خبر عن أن يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في حال دون حال. وعن ابن عمر -﵄-[أنه] (^٤) كان لا يشكو شيئا إلا تداوى بالعسل حتى كان يدهن به الدّمّل والقرصة ويقرأ الآية وهذا يقتضي أثه كان يحمله على العموم.\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٨.\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٦٩.\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٦٨)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٣/ ٤٠٦).","vol":"12","page":61},{"text":"وروى ابن ماجه (^١) والحاكم (^٢) عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل. وروى ابن ماجه (^٣) أيضا عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- وقال: من\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٢)، وابن عدي (٣/ ١٠٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٧٩)، وفي الشعب (٢٣٤٥)، والخطيب في التاريخ (١١/ ٣٨٥)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري، تفرد به عنه زيد بن الحباب، وقال البيهقي: رفعه غير معروف، والصحيح موقوف، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٥٥): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\n(^٢) الحاكم (٤/ ٢٠٠ و٤٠٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين الألباني في السلسلة الضعيفة (١٥١٤) رواه موقوفًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٢٠)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص ٢٣ - ٢٤ و٢٣٣)، والحاكم (٤/ ٢٠٠)، والدارقطني في العلل (٥/ ٣٢٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (١٠٤١٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٨٤/ ٨٩١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٧٩)، والواحدي في الوسيط (٣/ ٧٢)، وقال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف. وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٢٣): وهو الصحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢/ ٥٤ - ٥٥)، وابن ماجه (٣٤٥٠)، والدولابي (١/ ١٨٥)، وأبو يعلى (٦٤١٥)، والعقيلي (٣/ ٤٠)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣١٣)، والطبراني في الأوسط (٤٠٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٥٣٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢١٥)، والمزي في التهذيب (١٠/ ٤٣٨)، وقال البخاري: عبد الحميد بن سالم لا نعرف سماعه من أبي هريرة. وقال العقيلي: ليس له أصل عن ثقة. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح قال يحيى: الزبير ليس بشئ. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٥٤): هذا إسناد فيه لين وانقطاع، وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ١٤٠): سند ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٨٣١)، والضعيفة (٧٦٢).","vol":"12","page":62},{"text":"لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء. وروي عن عوف بن مالك أنه مرض فقال ائتوني بماء فإن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (^١)، ثم قال وائتنوني بعسل، وقرأ الآية، ثم قال: وائتوني بزيت فإنه من شجرة مباركة، فخلط الجميع ثم شربه فشفي.\nتنبيه: قال النبي -ﷺ- (^٢): الذباب كله في النار إلا النحل. الحديث. وهو\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٩.\n(^٢) روى من حديث ابن عباس، ومن حديث ابن عمر ومن حديث ابن مسعود ومن حديث أنس: فأما حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٦٥) (١١٠٥٨)، وفي الأوسط (١٥٧٥) عن ابن عباس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٤٢). فأما حديث ابن عمر: أخرجه البزار (كشف ٣٤٩٨)، وأبو يعلى (٤٢٣١)، وفي معجمه (١٣٣)، والطبراني في الكبير وعبد الرزاق (٨٤١٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٩٨) (١٣٤٦٨) (١٣٥٤٢)، (١٣٥٤٣)، (١٣٥٤٤)، وابن عدي (١/ ٣٤٢) (١/ ٢٨٢ و٥/ ١٧٠١)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٤٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٦٥) (٣/ ٢٦٦).\nوقال ابن الجوزي: لا يصح، أيوب بن خوط قال ابن معين: لا يكتب حديثه ليس بشيء، وقال الفلاس والنسائي والرازي والسعدي والدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا يروي المناكير عن المشاهير كأنه مما عملت يداه. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٥٠): أخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا عمر الذباب أربعون ليلة والذباب كله في النار إلا النحل وسنده لا بأس به وأخرجه ابن عدي دون أوله من وجه آخر ضعيف. وقال الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (ص: ٢١٢) رواه شيبان بن فروخ ثنا أيوب بن حوط -تركوه- عن ليث عن نافع عن ابن عمر، وروى القاسم بن يزيد الجرمي - صدوق - عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن ابن عمر أن =","vol":"12","page":63},{"text":"حيوان فهيم ذو كيس وشجاعة ونظر في العواقب ومعرفة بفصول السنة وأوقات المطر [وتدبير] المرتع والطاعة لكبيره والاستكانة لأميره وقائده، ومن عادات النحل [أنها] (^١) إذا رأت فسادا من ملك إما أن تعزله وإما أن تقتله وأكثر ما تقتتل خارج الخلية. والملوك لا تخرج إلا مع جميع النحل، فإذا [عجز] عن الطيران، حملته. والنحل تجتمع فتقسم الأعمال فبعضها يعمل الشمع، وبعضها يعمل العسل، وبعضها يسقي الماء، وبعضها يبني البيوت، وبيوتها من أعجب الأشياء لأنها مبنية على الشكل المسدلس الذي لا ينحرف، كأنه استنبط بقياس هندسي. كل هذا بغير مقياس منها ولا آلة وذلك من أثر صنع اللطيف الخبير وإلهامه إياها، كما قال ﷾: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (^٢)، الآية. فتأمل يا أخي كمال طاعتها وحسن امتثالها لأمر ربها، كيف\n_________\n= النبي قال الذباب كله في النار، وهذا إسناد جيد ما بال هذا هنا.\nوروى ابن عمر بن شقيق -مقارب الحديث- عن إسماعيل المكي عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا. وأما حديث ابن مسعود: أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٤٨٧)، وابن الجوزي في العلل (١٥١٥)، وقال الهيثمى: فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة، وهو متروك. وأما حديث أنس: أخرجه أبو يعلى (٤٢٣١)، وابن عدي (٣/ ١٣٠١)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٦٦) وقال: لا يصح، سكين قال النسائي: ليس بالقوى.\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة النحل، الآية: ٦٨.","vol":"12","page":64},{"text":"اتخذت بيوتًا في هذه الثلاثة الأمكنة الجبال والشجر وبيوت الناس حيث يعرشون؛ أي يبنون العروش، فلا ترى النحل في غير هذه الثلاثة البتة. وتأمل يا أخي كيف كانت أكثر بيوتها في الجبال، وهو المقدم في الآية ثم الأشجار وهي دون ذلك، ومما يعرشون الناس وهي أقل بيوتها. فانظر كيف أداها حسن الامتثالى إلى أن اتخذت البيوت قبل المرعى. فهي تتخذها أولًا، فإذا استقر لها بيت خرجت فرعت وأكلت من الثمرات، ثم أوت إلى بيوتها، لأن ربها سبحانه أمرها باتخاذ البيوت أولًا، ثم بالأكل بعد ذلك، وقال في الإحياء: انظر إلى النحلة كيف أوحى الله إليها، حتى اتخذت من الجبال بيوتًا، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل، وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء. ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار، واحترازها من النجاسات والأقذار، وطاعتها لواحد من جملتها، وهو أكبرها شخصًا وهو أميرها، ثم ما سخر الله له أمرها بالعدل والإنصاف بينها، حتى إنه ليقتل منها على باب المنفذ، كل ما وقع منها على نجاسة، لقضيت من ذلك العجب، إن كنت بصيرًا في نفسك، وفارغًا من هم بطنك وفرجك، وشهوات نفسك.\nتنبيه: كره مجاهد قتل النحل، وتحريم أكلها، وإن كان العسل حلالا، كالآدمية لبنها حلال ولحمها حرام. وأباح بعض السلف أكلها كالجرادة، والدليل على الحرمة نهي الثبي -ﷺ- عن قتلها. وفي الإبانة، في كتاب الحج، يكره قتلها، اهـ، ذُكِر جميع ذلك في حياة الحيوان (^١).\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٧٢).","vol":"12","page":65},{"text":"قول الحافظ: وأما الهدهد والصرد فإنها نهي عن قتلهما لتحريم لحمهما وذلك أن الحيوان إذا نهي عن قتله ولم يكره ذلك لحرمة ولا لضرر فيه كان ذلك لتحريم لحمه، اهـ. أما الهدهد فهو بضم الهائين وإسكان الدال بينهما، فهو طائر معروف ذو خطوط وألوان، كنيته أبو الأخبار وأبو ثمامة وأبو الربيع وهو طير منتن الريح طبعا لأنه يبنى [أفحوصه] (^١) فى الزبل، وهذا عام فى جميع جنسه، قيل أن الهدهد منتن اللحم فصار في معنى الجلالة، ويذكر عنه أنه [يرى الماء من باطن الأرض كما يراه الإنسان في باطن الزجاج. وزعموا أنه] كان دليل سليمان على الماء، وبهذا السبب تفقده لما فقده.\nقال الزمخشري (^٢): وكان السبب في تخلفه عن سليمان - ﵇ - أنه حين ترك سليمان حلق الهدهد فرآى هدهدا [واقفا] فوصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء وذكر له صاحبه ملك بلقيس وأن تحت يدها اثني عشر ألف قائد تحت يد كل قائد مائة ألف فذهب له لينظر فما رجع إلا بعد العصر، فدعا سليمان عريف الطير وهو النسر فلم يجد عنده علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فناشدها الله وقال بحق الذي قوّاك وأقدرك علي إلا رحمتني فتركه وقال ثكلتك أمك إن نبي الله حلف ليعذبنك، قال: وما استثنى؟ قال: بلى. قال: أوليأتني بسلطان مبين. فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض\n_________\n(^١) هكذا في الأصل وهو الصواب، وفي النسخة الهندية: (أحفوصه).\n(^٢) الكشاف (٣/ ٣٦٣).","vol":"12","page":66},{"text":"تواضعا له، فلما دنا منه أخذ رأسه فمدّه إليه فقال يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فارتعد سليمان وعفا عنه، ثم سأله تعذيبه بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه. وقيل كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه.\nوقيل أن يطلى بالقطران ويشمس، وقيل أن يلقى للنمل تأكله، وقيل إيداعه القفص، وقيل التفريق بينه وبين إلفه، وقيل لألزمنه صحبة الأضداد، وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد.\nلطيفة: حكى [القزويني] أن الهدهد قال لسليمان ﵊ أريد أن تكون في ضيافتي، قال: أنا وحدي؟ قال: لا أنت وأهل عسكرك في جزيرة كذا في يوم كذا، فحضر سليمان بجنوده وطار الهدهد فاصطاد جرادة وخنقها ورمى بها في البحر وقال: كلوا يا نبي الله من فاته اللحم ناله المرق، فضحك سليمان وجنوده من ذلك حولا [كاملا] وفي ذلك قيل: \"شعر\":\nجاءت سليمان يوم العرض هدهدة ... أهدت له من جراد كان في فيها\nوأنشدت بلسان الحال قائلة ... إن الهدايا على مقدار مهديها\nلو كان يهدى إلى الإنسان قيمته ... لكان قيمتك الدنيا وما فيها (^١)\nقال عكرمة (^٢) إنما ضرب سليمان عن ذبح الهدهد أنه كان بارا بوالديه ينقل الطعام إليهما فيزقهما. قال [الجاحظ]: هو وفّاء حفوظ، وذلك أنه إذا غابت أنثاه لم يأكل ولم يشرب ولم يشتغل بطلب طعم\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥١٦).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٣/ ٢١٢)، حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥١٦)، تفسير الثعلبي (٧/ ٢٠١).","vol":"12","page":67},{"text":"ولا يقطع الصياح حتى تعود إليه، فإن حَدَث حَدَثٌ أعدمه إياها لم يستفد بعدها أنثى أبدًا، ولم يزل صائحا عليها ما عاش، و[لم] (^١) يشبع بعدها من طعم بل ينال منه ما يمسك [رمقه] إلى أن يشرف على الموت فعند ذلك ينال منه يسيرا اهـ.\n[لطيفة] أخرى: وفي الكامل وشعب الإيمان للبيهقي (^٢) أن نافعا سأل ابن عباس -﵄-. فقال سليمان -﵇- ما خوله الله من الملك وأعطاه كيف عني بالهدهد مع صغره؟ فقال له ابن عباس أنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت الأرض له كالزجاج كما تقدم، فقال ابن الأزرق [- يعني نافعا المذكور -] (^٣) لابن عباس قف يا وقاف كيف يبصر الماء من تحت الأرض ولا يرى الفخ إذا غطّي له بقدر إصبع من تراب فقال ابن عباس -﵄-: إذا نزل القضاء عمي البصر، اهـ. ذكره في حياة الحيوان (^٤).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) كذا في حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥١٧)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠٥)، والبيهقي في القضاء والقدر (٤٩٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٦٧)، وقال المناوى في فيض القدير (٢/ ٥٧): رواه الحاكم في الرقائق عن ابن مسعود، وقال: صحيح، وشنع عليه الذهبى بأنه خبر منكر، وفيه بشير بن زاذان ضعفه الدارقطنى، واتهمه ابن الجوزى فأنى له الصحة. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنف (٣١٨٥٢)، والطبري في تفسير (١٩/ ١٤٤) من طريق آخر، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٨٥٩)، وعبد الله في السنة (٩٠٠، ٩٣١) من طريق ثالث.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥١٧).","vol":"12","page":68},{"text":"تنبيه: الحكم الأصح تحريم أكله لنهي النبي -ﷺ- عن قتله ولأنه منتن الريح ويقتات الدود. [و] قيل يحل أكله لأنه يحكى عن الشافعي وجوب الفدية فيه وعنده لا يفدى إلا المأكول، اهـ. وأما الصرد: قال [الجاحظ] بضم الصاد المهملة وفتح الراء طائر معروف ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود، اهـ. قال غيره الصرد كرطب وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير، والجمع صِردان قاله النصر بن شميل وهو أبقع ضخم الرأس، والعرب تتشاءم به وتتطير بصوته وشكله، قيل إنما كرهوه من اسمه من التصريد وهو التقليل، وكنيته أبو كثير ويكون في الشجرة لا يرى إلا في سعفة أو شجرة لا يقدر عليه أحد وهو شرير النفس شديد النفرة غذاؤه من اللحم وله صفير مختلف يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته فيدعوه إلى التقرب منه فإذا اجتمعوا إليه شدّ على بعضهم، وله منقار شديد فإذا [نقر واحدا قدَّه] من ساعته وأكله ولا يزال كذلك ومأواه الأشجار ورءوس القلاع وأعالي الحصون، انتهى.\nلطيفة: قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^١)، يقال له الصرد الصوام، روينا في معجم عبد الباقي بن قانع (^٢) عن أبي غليظ أمية بن خلف الجمحي قال رآني\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٧/ ٢٧٠).\n(^٢) معجم الصحابة (١/ ٢٧٦)، والحكيم الترمذي في المنهيات (١/ ٣٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٢٩٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١١٦)، وقال الحاكم: وهو =","vol":"12","page":69},{"text":"رسول الله -ﷺ- على يدي صرد فقال: هذا أول طير صام عاشوراء. وقيل: لما خرج إبراهيم - ﵇ - من الشام لبناء البيت كانت السكينة معه والصرد فكان الصدر دليله على الموضع والسكينة بمقداره فلما صار إلى الموضع وقفت في موضع البيت ونادت ابنِ يا إبراهيم على مقدار ظلي. (^١)\nتنبيه: الحكم فيه الأصح تحريم أكله لحديث ابن عباس المذكور. وقيل أنه يؤكل لأن الشافعي [أوجب فيه] الجزاء على المحرم إذا قتله، وبه قال الإمام مالك. قال القاضي أبو بكر بن العربي (^٢): إنما نهى النبي -ﷺ- عن قتله لأن العرب كانت تتشاءم به فنهى عن قتله ليخلع عن قلوبهم ما يثبت فيها من اعتقادهم الشؤم والله أعلم.\n\n٤٥٣٥ - وعن عبد الرحمن بن عثمان -﵁-: \"أن طبيبا سأل النبي -ﷺ- عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه عن قتلها\" رواه أبو داود (^٣) والنسائي (^٤).\n_________\n= من الأحاديث التي وضعها قتلة الحسين -﵁-، رواه عبد الله بن معاوية بن موسى عن أبي غليظ قال: رآني رسول الله -﵁- وعلى يدي صرد، فقال: هذا أول طائر صام عاشوراء. وهو حديث باطل رواته مجهولون. انظر: تفسير القرطبي (٧/ ٢٧٠)، حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٨٥).\n(^١) انظر: حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٨٥).\n(^٢) انظر: حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٨٦).\n(^٣) سنن أبي داود (٣٨٧١)، (٥٢٦٩).\n(^٤) النسائي (٧/ ١٨٥) وفي الكبرى (٤٨٦٧)، وأخرجه الطيالسي (١٢٧٩)، وابن أبي شيبة (٢٣٧٠٩) وأحمد (١٥٧٥٧ - ١٦٠٦٩)، وعبد بن حميد (٣١٣)، والدارمي (٢٠٠٤)، =","vol":"12","page":70},{"text":"[قال الحافظ]: الضفدع بكسر الضاد والدال، وفتح الدال ليس بجيد، والله أعلم.\nقوله: \"وعن عبد الرحمن\" بن عثمان هو التيمي ابن أخي طلحة بن عبيد الله، ووالد عثمان بن عبد الرحمن التيمي ومعاذ بن عبد الرحمن التيمي. له صحبة، أسلم يوم الحديبية، وقيل: يوم الفتح، وكان يقال له: شارب الذهب.\nقوله: \"أن طبيبا سأل النبي -﵁- عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي -﵁- عن قتلها\" الحديث. قال الحافظ الضفدع بكسر الضاد المعجمة والدال وفتح الدال ليس بجيد، اهـ. وقال ابن الصلاح: الأشهر فيه من حيث اللغة كسر الدال وفتحها أشهر في ألسنة العامة وأشباه العامة من الخاصة وقد أنكره بعض أئمة اللغة، ويقال للضفدع أبو المسيح وأبو هبيرة وأم معبد وأم هبيرة. والضفادع أنواع كثيرة وتكون من سفاد ومن غير سفاد وتتولد من المياه وتتولد من المياه القائمة الضعيفة الجري، ومن العفونات وعقب الأمطار الغزيرة، وليس ذلك عن ذكر وأنثى وإنما الله تعالى يخلقه في تلك الساعة،\n_________\n= ويعقوب بن سفيان في المعرفة (١/ ٢٨٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٧٧٩ - ١٧٨٠)، وأبو القاسم البغوي في الصحابة (١٨٨٧) وابن قانع في الصحابة (٢/ ١٦٠)، والحاكم (٤/ ٤١٠ - ٤١١)، وأبو نعيم في الصحابة (٤٥٩٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٤٣٤)، وفي معرفة السنن والآثار (١٣/ ٤٦٧)، والخطيب في التاريخ (٥/ ١٩٩ و١٩٩ - ٢٠٠)، والمزي (١٠/ ٤٠٦)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد وقال النووي في المجموع (٩/ ٣١) رواه أبو داود بإسناد حسن والنسائي بإسناد صحيح، وصححه الألباني في المشكاة (٤٥٤٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٩١).","vol":"12","page":71},{"text":"من طباع تلك التربة، وهي من الحيوان الذي لا عظام له.\nتنبيه: فدل الحديث على أن الضفدع يحرم أكلها وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء. وقال بعض الفقهاء إنما حرم لأنه كان جار الله في الماء الذي كان عليه العرش قبل خلق السموات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^١)، اهـ.\nوروى ابن عدي (^٢) عن ابن عُمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: لا تقتلوا الضفادع فإن نعيقها تسبيح، قال السلمي (^٣) سألت الدارقطني عنه فقال إنه ضعيف،\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ٧.\n(^٢) ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٨٨)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣١٨)، وقال البيهقي: إسناده صحيح. وقال في علل الحديث (٢٥١٠): وسئل أبو زرعة عن حديث رواه معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي الحكم، عن عبد الله بن عمرو، قال لا تقتلوا الضفدع، فإن صوته الذي تسمعونه تسبيح. أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٧٠٠)، والخطيب في الموضح (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، موقوفا. وأخرجها عبد الرزاق في المصنف (٨٤١٨) عن عبد الله بن عمر، موقوفا. هكذا جاء: ابن عمر بدل: ابن عمرو. وأخرجه الطبراني في الصغير (٥٢١)، وفي الأوسط (٣٧١٦) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٧٢٢٦)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -ﷺ-. قال الطبراني: لم يرفع هذا الحديث عن شعبة إلا حجاج، تفرد به المسيب بن واضح. وقال ابن عدي: وهذا بهذا الإسناد يرويه المسيب ويرفعه إلى النبي (ص)، والحديث موقوف. وذكره الذهبي في الميزان (٤/ ١١٧)، وفي السير (١١/ ٤٠٤) وقال: صوابه موقوف.\n(^٣) البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣١٨).","vol":"12","page":72},{"text":"[و] الصواب أنه موقوف على عبدالله، قاله البيهقي. قال الزمخشري إنما تقول في نعيقها سبحان الملك القدوس.\nوعن أنس -﵁- (^١): لا تقتلوا الضفادع فإنها مرَّت بنار إبراهيم - ﵇ - فحملت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار، وروى البيهقي في شعبه (^٢) عن أنس بن مالك أنه قال إن نبي الله فى اوفى ﵊ ظنّ في نفسه أن أحدا لم يمدح خالقه بأفضل مما مدحه فأنزل الله عليه ملكا وهو قاعد في محرابه والبركة إلى جنبه فقال يا داود افهم ما تصوت به الضفدع فأنصت إليها فإذا هي تقول سبحانك وبحمدك منتهى علمك فقال له الملك كيف ترى؟ فقال: والذي جعلني نبيا إني لم أمدحه بهذا. وفي الكامل (^٣) في ترجمة حماد بن عبيد عن عكرمة عن ابن عباس أن ضفدعا ألقت نفسها في النار من\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٨٣٩٣)، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-، قال أحمد بن حنبل: صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، موضوعة. الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (٢/ ١٩٠).\n(^٢) شعب الإيمان (٤٥٨١)، وقال ابن طاهر في ذخيرة الحفاظ (١١٠٦): رواه خالد بن محدوج: عن أنس موقوفا. وخالد هذا كان يزيد بن هارون يرميه بالكذب. وقال الذهبي في ترجمة: خالد بن مقدوح ويقال ابن محدوج عن أنس وغيره واسطي رماه يزيد بن هارون بالكذب. ميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٧).\n(^٣) قال بن عدي: ولا اعلم لحماد بن عبيد غير هذا الحديث وهو الذي ذكره البخاري. الكامل (٢/ ٢٤٩) لسان الميزان (٢/ ٣٤٩) قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بصحيح الحديث. حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١١٨).","vol":"12","page":73},{"text":"مخافة الله تعالى فأثابهن الله بها برد الماء وجعل نعيقهن التسبيح.\nوفي كتاب الزهد (^١) لأبي عبيد الله القرطبي أن داود -﵇- قال لأسبحنّ الله الليلة تسبيحا ما سبَّحَه به أحد من خلقه فنادته ضفدع من ساقية في داره يا داود تفخر على تعالى بتسبيحك وإنّ لي سبعين سنّة ما جفّ لي لسان من ذكر الله سبحانه وإن لي لعشر ليال ما طعمت خضرا ولا شربت اشتغالا بكلمتين، فقال: ما هما؟ قالت: يا مسبَّحا بكل لسان ومذكورا بكل مكان. فقال داود في نفسه وما عسى أن أقول أبلغ من هذا؟ ذكره في حياة الحيوان (^٢).\n[قاعدة:] الذي لا يؤكل من الدواب والطيور منها ما يستحب قتله كالحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والخنزير والغراب والحدأة والذئب والأسد والنمر والدب والنسر والبرغوث والزنبور والبق والقراد. ومنها ما يكره قتله كالخنافس والجعلان والسرطان والرخمة والعقاب والدود والذباب وبنات وردان.\nوعدّ القاضي أبو الطيب من هذا القسم الوزغة، وينبغي أن يعد مما ندب قتله، ففي الحديث أنه -ﷺ- أمر بقتلها، وصح أنه [-ﷺ-] نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد فلا يجوز قتلها، والمراد النمل الكبير السليماني أما الصغير فيجوز قتله بل يستحب كما تقدم ذلك. وأما الكلب غير العقور فإن\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١١٨).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١١٨).","vol":"12","page":74},{"text":"كان فيه منفعة مباحة فقتله حرام بلا خلاف وإن لم تكن منفعة مباحة فوقع فيه اختلاف صحيح والمنصوص جواز قتله وتقدم أيضا ذلك، [والله تعالى أعلم،] قاله في الديباجة.","vol":"12","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>الترغيب في إنجاز الوعد والأمانة والترهيب من إخلافه ومن الخيانة والغدر وقتل المعاهد أو ظلمه</span>\n٤٥٣٦ - وعن أنس بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: تقبلوا لي ستا أتقبل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن، الحديث. رواه أبو يعلى (^١) والحاكم (^٢) والبيهقي (^٣)، وتقدم في الصدق.\nقوله: \"عن أنس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"تقبلوا لي ستا أتقبل لكم بالجنة\" الحديث، تقدم.\n\n٤٥٣٧ - وعن عبادة بن الصامت -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، الحديث.\n_________\n(^١) أبو يعلى (٤٢٥٧). وأخرجه ابن أبي شيبة في المسند كما في المطالب العالية (٢٦٣٣/ ١) وكذا أخرجه أحمد بن منيع.\n(^٢) الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٥٩)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٢٦) أخرجه الحاكم في المستدرك والخرائطي في مكارم الأخلاق وفيه سعد بن سنان ضعفه أحمد والنسائي ووثقه ابن معين ورواه الحاكم بنحوه من حديث عبادة بن الصامت وقال صحيح الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٩٧٨)، والصحيحة (١٤٧٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٢٦).\n(^٣) البيهقي في الشعب (٤٠٤٦).","vol":"12","page":76},{"text":"رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢) والحاكم (^٣) والبيهقي (^٤) وتقدم.\nقوله: \"وعن عبادة\" هو ابن الصامت تقدم. قوله -ﷺ-: \"اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة\"، الضمان معناه الكفالة، تقدم أيضا.\n\n٤٥٣٨ - وعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال لمن حوله من أمته: اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة، قلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: الصلاة، والزكاة، والأمانة، والفرج، والبطن، واللسان. رواه الطبراني في الأوسط (^٥) بإسناد لا بأس به.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم أيضا. قوله -ﷺ-: \"اكفلوا لي ستا أكفل لكم بالجنة\" الحديث، الكفالة بمعنى الضمان، تقدم أيضا.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٢٧٥٧)، وأخرجه وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (٤٤٦)، وفي مكارم الأخلاق (١١٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص ٣١)، وفي اعتلال القلوب (٢٨٨)، والشاشي في المسند (١٢٦٤)، وابن خزيمة في حديث علي بن حجر (٩١)، وقال الهيثمي (٤/ ١٤٥): رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات إلا أن المطلب لم يسمع من عبادة. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٠١٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٩٠١)، وفي السلسلة الصحيحة (١٤٧٠).\n(^٢) ابن حبان (٢٧١).\n(^٣) الحاكم (٤/ ٣٩٩)، وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي في التلخيص وقال: فيه إرسال.\n(^٤) البيهقي في سننه (٦/ ٤٧١)، وفي شعب الإيمان (٤٤٦٤)، (٤٨٧٧).\n(^٥) الطبراني في الأوسط (٤٩٢٢) و(٨٥٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠١): رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه يحيى بن حماد الطائي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٤)، وضعيف الجامع (١١٣٨) والضعيفة (٢٨٩٩).","vol":"12","page":77},{"text":"٤٥٣٩ - وعن حذيفة -﵁- قال: حدثنا رسول الله -ﷺ- أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام الرجل فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها من أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. رواه مسلم (^١) وغيره (^٢).\n[الجذر] بفتح الجيم وإسكان الذال المعجمة: هو أصل الشيء.\n[والوكت] بفتح الواو وإسكان الكاف بعدها تاء مثناة: هو الأثر اليسير.\n[المجل] بفتح الميم وإسكان الجيم: هو تنفط اليد من العمل وغيره. [وقوله: منتبرا] بالراء: أي مرتفعا.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٣٠) (١٤٣).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٤٩٧، ٧٠٨٦، ٧٠٨٦).","vol":"12","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>القتل في سبيل الله يكفر الدنوب كلها إلا الأمانة</span>\nقوله: \"وعن حذيفة\" هو ابن اليمان تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن الأمانة نزلت في جدر قلوب الرجال\" الحديث. أما الأمانة فالظاهر أن المراد بها التكاليف الشرعية التي كلف الله تعالى بها عباده والعهد الذي أخذه عليهم. وقال الإمام أبو الحسن الواحدي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (^١) الآية، قال ابن عباس - ﵄ - هي الفرائض التي افترضها الله تعالى على العباد.\nقال الحسن هو الدين والدين كله أمانة. وقال أبو العالية الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه. وقال مقاتل الأمانة الطاعة. قال الواحدي وهذا قول أكثر المفسرين قال: والأمانة في قول جميعهم الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب. [و] قال صاحب التحرير الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾، وهي عين الإيمان فإذا استمكنت الأمانة في قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف واغتنم ما يرد عليه منها وجدَّ في إقامتها. وقال ابن عطية اختلف الناس في الأمانة فقال ابن مسعود هي في أمانات الأموال كالودائع ونحوها.\nوروي عنه أنها في كل الفرائض وأشدّها أمانة المال. [و] قال الجمهور هي كل شيء يؤتمن عليه الإنسان من أمر أو نهي وشأن دين ودنيا، فالشرع كله أمانة ومعنى الأمانة بآية ﴿إِنَّا عَرَضْنَا﴾ على هذه المخلوقات العظام أن\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٧٢.","vol":"12","page":79},{"text":"تحمل الأوامر والنواهي وتقتضي الثواب إن أحسنت والعقاب إن أساءت فأبت هذه المخلوقات وأشفقت ويحتمل أن يكون [هذا] بإدراك خلقه الله تعالى لها أو يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"نزلت في جذر قلوب الرجال\"، وأما الجذر فهو بفتح الجيم وكسرها لغتان وبالذال المعجمة فيهما. قال البخاري: وهو الأصل من كل شيء. قال القاضي عياض (^١) مذهب الأصمعي في هذا الحديث فتح الجيم وأبي عمرو كسرها. قوله -ﷺ-: \"فيظل أثرها مثل الوكت\" يظل بمعنى يصير. والوكت بفتح الواو وسكون الكاف، وبالتاء المثناة من فوق أثر الشيء اليسير، كذا قاله الهروي (^٢). وقال غيره: هو سواد يسير وقيل هو لون يحدث مخالف اللون الذي كان قبله، وقيل كالنقطة من غير لونه. قوله: \"فيظل\" تقدم. قوله: \"أثرها\" مثل الوكت فهو بفتح الواو وإسكان الكاف وبالتاء المثناة من فوق وهو الأثر اليسير كذا قاله الهروي وقال غيره هو سواد يسير وقيل هو لون يحدث مخالف للون الذي كان قبله.\nقوله: \"مثل المجل\" هو بفتح الميم وإسكان الجيم وفتحها لغتان حكاهما صاحب التحرير والمشهور فيه الإسكان. يقال منه مَجِلت يده بكسر الجيم\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ١٦٨).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ٢٧٠) مادة: وكت، والكواكب الدراري (٢٤/ ١٦٣).","vol":"12","page":80},{"text":"تمجَل مجَلا بفتحها فيهما ومجَلت تمجُل بضمها مجْلا بإسكانها لغتان مشهورتان وأمجلها غيرها. قال أهل اللغة والغريب (^١) المجل هو التنفط الذي يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها ويصير كالقبة فيه ماء قليل، والمراد بذلك خلو القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها، والله أعلم. وأما قوله: \"كجمر دحرجته على رجلك فنفط\"، أي أطلقته فتدحرج أي يطلق ظهرا لبطن بين يديه والجمر والدحرجة معروفان ونفط بفتح النون وكسر الفاء ولم يقل نفطت مع أن الرجل مؤنثة إما أن يكون ذكَّر نفط اتباعا للفظ الرجل، وإما أن يكون اتباعا لمعنى الرجل وهو العضو.\nوأما قوله: \"فتراه منبترا\" أي مرتفعا [أي] قائما أو، موضعه فارغ وأصل هذه اللفظة الارتفاع ومنه المنبر لارتفاعه وارتفاع الخطيب عليه. قوله: \"ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله\" هكذا وقع في بعض الأصول بإفراد لفظ الحصاة وهو صحيح، وروي ثم أخذ حصى فدحرجه. قال القاضي عياض (^٢) أو النووي هكذا ضبطناه وهو ظاهر ويكون معناه دحرج ذلك المأخوذ أو الشيء وهو الحصاة.\nفائدة: قال صاحب التحرير معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئا فشيئا فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٦٩)، والكواكب الدراري (٢٣/ ١٨).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ١٦٩).","vol":"12","page":81},{"text":"أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق الظلمة التي قبلها، شبّه زوال النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى التنفط. والله أعلم.\nقوله: \"فيصبح الناس فيتبايعون\" لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، [أي يجري بينهم البيع ولا يحفظون في المعاملات الأمانة] (^١). قوله: \"حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا\" الحديث، للتعجب.\nفائدة أيضا: لما عرض الله تعالى الأمانة على السموات والأرض والجبال. فقال لها: هل تحملين الأمانة بما فيها؟ [قالت]: وما فيها. قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت [عوقبتِ]، قالت: [لا]. فقد بان أنّ الإنسان إنما كلف حملها لما ركَّبه الله تعالى فيه من العقل فبالعقل صار الإنسان هو الحامل والمكلف والمخاطب. واعلم أن العقل عقلان عقل إلهي وعقل يكتسبه الرجل بالتجربة والتهديد فمن غلب عقله هواه افتضح ومن زاد علمه على عقله كان وبالا عليه ومن لم ينفعه العلم لم يأمن ضرر الجهل، اهـ ذكره ابن فرحون في كتابه.\n\n٤٥٤٠ - وعن ابن مسعود -﵁- قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة قال: يؤتى العبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي رب كيف، وقد ذهبت الدنيا، فيقال: انطلقوا به إلى\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":82},{"text":"الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج قلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع. قال: يعني زذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا، قال: صدق. أما سمعت الله يقول \"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها\" رواه أحمد (^١) والبيهقي (^٢) موقوفا، وذكر عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد (^٣) أنه سأل أباه عنه فقال: إسناد جيد.\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم. قوله: \"القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة\" الحديث. تقدم الكلام على الأمانة مبسوطًا واضحًا في الحديث قبله. قوله: \"فيقول انطلقوا به إلى الهاوية\" قال الله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ و\n_________\n(^١) أخرجه مسدد في المسند (المطالب العالية ١٤/ ٥٨٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (١٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠١) موقوفا، وقال أبو نعيم: روأه إسحاق بن يوسف الأزرق عن شريك فرفعه، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٧٦).\nوأخرجه مرفوعا الطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٩/ ١٠٥٢٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠١)، وقوام السنة الترغيب والترهيب (٢٤٥)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٦): إسناده جيد، ولم يروه أحمد، ولا أحد من أصحاب الكتب الستة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٣): رواه الطبراني ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤١٣٠)، والضعيفة (٤٠٧١).\n(^٢) شعب الإيمان (٤٨٨٥)، والسنن الكبرى (٦/ ٤٧١)، والسنن الصغير (٢/ ٣٧٤).\n(^٣) انظر: مسائل عبد الله (٩٤٣)، الجامع لعلوم الإمام أحمد (١٥/ ١٠٩).","vol":"12","page":83},{"text":"هَاوِيَةٌ﴾ (^١)، الآية. قوله: \"فيهوي في إثرها\" الهوي هو السقوط. قوله: \"حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه\" الحديث. المنكبان هما عظما الكتف.\n\n٤٥٤١ - وعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، الحديث. رواه الطبراني (^٢)، وتقدم في الصلوات.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لا إيمان لمن لا أمانة له ولا صلاة لمن لا طهور له\" الحديث. قيل هو على التغليظ، قيل سميت الأمانة أمانة لأنه يؤمن معها من منع [الحق مأخوذة] من الأمن، حكاه في التحصيل، وتقدم الكلام على الأمانة وعلى الطهور والمراد به الوضوء.\n\n٤٥٤٢ - وروي عن علي -﵁- قال: كلنا جلوسا مع رسول الله -ﷺ- فطلع علينا رجل من أهل العالية، فقال يا رسول الله: أخبرني بأشد شيء في هذا الدين وألينه؟ فقال: ألينه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأشده يا أخا العالية الأمانة، إنه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له، ولا زكاة له. الحديث رواه البزار (^٣).\n_________\n(^١) سورة القارعة، الآية: ٩.\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٢٢٩٢)، وفي المعجم الصغير (١٦٢)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (٢٥٢٩) (٢٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٢): رواه الطبراني في الأوسط والصغير وقال: تفرد به الحسين ابن الحكم الحبري. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦١٧٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٣).\n(^٣) البزار = البحر الزخار (٨١٩). والشجري في أماليه (١/ ٣٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٢) رواه البزار، وفيه أبو الجنوب، وهو ضعيف. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٧٢)، وفي الضعيفة (٦٦٧١): منكر جدًا.","vol":"12","page":84},{"text":"قوله: \"وروي عن علي\" هو ابن أبي طالب تقدم الكلام عليه. قوله: \"وأشده يا أخا العالية الأمانة\" تقدم الكلام على قوله يا أخا العالية في البيوع وعلى الأمانة في أوائل هذا الباب.\n\n٤٥٤٣ - وعن علي -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة، فقد حل بها البلاء. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنم دولا، وإذا كانت الأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمر، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا أو مسخا رواه الترمذي (^١)، وقال: لا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢١٠)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٥)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٦)، والطبراني في الأوسط (٤٦٩)، وابن بشران (١٢٤٨) والداني في الفتن (٣٢٠)، والخطيب في التاريخ (٣/ ١٥٧ - ١٥٨)، والشجري في أماليه (٢/ ٢٦٥)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٢٣٩)، وابن الجوزي في العلل (١٤٢١)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عليّ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة، والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل الحديث وضعفه من قبل حفظه. وقال البرقاني عن الدارقطني: هذا باطل. قلت: من جهة الفرج؟ قال: نعم تاريخ بغداد ١٢/ ٣٩٦). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٢٥٧): فرج بن فضالة ضعيف. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٧٢٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٧٤).","vol":"12","page":85},{"text":"٤٥٤٤ - وفي رواية للترمذي (^١) من حديث أبي هريرة: إذا اتخذ الفيء دولا والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير دين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكلرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وخسفا ومسخا وقذفا، وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع. قال الترمذي: حديث غريب.\nقوله: \"وعن علي\" أيضا تقدم. قوله -ﷺ-: \"إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة فقد حل بها البلاء\" الحديث. قوله: \"إذا كان المغنم دولا\"، قال في الفائق: الدول بالضم والفتح ومعناه ما يدول الإنسان أي يدور من الحظ. قوله: \"الأمانة مغنما\" أي يرى من في يده أمانة أن الخيانة فيها غنيمة قد غنمها وقال بعض العلماء أيضا أي تذهب الأمناء بودائع الناس وأماناتهم فيتخذونها مغانم. قوله: \"والزكاة مغرمًا\" أي يرى رب المال أن إخراج زكاته غرامة يغرمها. وقال بعضهم أيضا: أي يعدون الزكاة غرامة أي يشق عليهم أداؤها كما يشق أداء الغرامات. قوله: \"وكان زعيم القوم أرذلهم\" الزعيم الكفيل الذي يتكفل بأمر القوم ويقوم به. والأرذل بالذال المعجمة هو من كل شيء الرديّ منه، والله أعلم. قوله: \"وشربت الخمر\"؛ \"ولبس الحرير واتخذت القينات -وفي نسخة القيان- والمعازف\"، تقدم الكلام على ذلك في بابه.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٢١١).","vol":"12","page":86},{"text":"[\"ولعن آخر هذه الأمة أولها\" هو على ظاهره ويدخل في ذلك الرافضة وغيرهم الذين يلعنون الصحابة] (^١). والمعازف بالعين المهملة والزاي [المزاهر] وهي عيدان الغناء، قاله في المطالع (^٢)، وقال في النهاية (^٣): هي الدفوف وغيرها مما يضرب به وقيل: إن كل لعب عزف [وتقدم الكلام على ذلك في بابه]. [وشرب الخمر من علامات الساعة فإن قلت شرب الخمر كيف يكون من علاماتها والحال أنه كان واقعا في جميع الأزمان، وقد حدّ رسول الله -ﷺ- بعض الناس لشربه إياها.\nقلت: المراد منه أن تشرب شربا فاشيا [إذ] نفس الشرب وحده ليس علامة بل العلامة مجموع الأمور المذكورة في الأحاديث] (^٤).\nقوله: \"ولعن آخر هذه الأمة أولها\" وهو على ظاهره ويدخل في ذلك الرافضة وغيرهم الذين يلعنون أكابر الصحابة ويكفرون أكابر الأمة.\nقوله [صلى الله تعالى عليه وسلم] في رواية الترمذي: إذا اتخذ الفيء دولا، والفيء معناه ما اتخذ من الكفار من غير قتال كالمال الذي تركوه فزعا من المسلمين والخراج والجزيو وتقدم الكلام على دولا في [كلام] (^٥) الفائق\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٨٠).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٣٠).\n(^٤) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والأرذل بالذال المعجمة هو من كل شيء الرديّ منه، والله أعلم. قوله: (وشربت الخمر).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":87},{"text":"ومعناه إذا كان الأغنياء وأصحاب المناصب يستأثرون بأموال الفيء ويمنعون عنها مستحقيها. قوله: \"وتُعلِّم لغير دين\" أي يحملهم على التعلم غير الدين من طلب المقاصد الدنيوية والمناصب الدنيوية، [ولقوله]-ﷺ-: من تعلم علما لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة أي ريحها كمن يتعلمه للرياسة أو للمال أو لتعظيم الناس له. قال ابن القيم. وهذا من أكبر الكبائر.\nومنها كتم العلم مثل أن يسأل عن علم شرعي فيكتمه مع تعين الجواب عليه. ومنها تفسير القراَن بالرأي لقوله -ﷺ- من قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجما [بلجام] من نار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. تفسير القرآن بالرأي هو من أنواع قول الزور والإخبار عن الله بأنه أراد ما لا يتحقق إرادته إياه، اهـ.\nتنبيه: من علامات الساعة أن يرفع العلم وفي حديث آخر أن يقل العلم [و] ليس المراد منه محوه من صدور الحفّاظ وقلوب العلماء بل رفعه بموت حملته وقبض العلماء. وأما قوله: \"أن يقل العلم\" فبكسر القاف. فإن قلت: قلة العلم [تقتضي] بقاء شيء منه والرفع عدم بقائه فما وجه الجمع بينهما؟\nقلت: القلة قد تطلق ويراد بها العدم، أو كان ذلك باعتبار الزمانين كما يقال مثلا القلة في ابتداء أمر الأشراط أي العلامات والعدم في انتهائه. قاله الكرماني (^١). قوله: \"وظهرت الأصوات في المساجد\" أي ارتفعت الأصوات فيها باللغط. وفي حديث آخر: سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢/ ٦١).","vol":"12","page":88},{"text":"مساجدهم ليس لله فيهم حاجة، الجلوس في المسجد لحديث الدنيا هو بدعة إذ المساجد إنما بنيت لذكر الله تعالى والصلاة ولنشر العلم ونحو ذلك، وعلى هذا كان يجتمع السلف الصالح في المسجد لا في التحدث بما يتعلق بأحوال الدنيا. فرع: حكم الطرطوشي في كتابه عن مالك أنه كره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد. قال: وهو لمن يحسن العربية أشد.\nقوله: \"فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا وقذفا\" تقدم ذلك في أماكن من هذا التعليق. وفي بعض الأحاديث: فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخًا.\nقوله: \"وآيات تتابع كناظم قد انقطع سلكه فتتابع\" الحديث، ضبطناه بتاءين من فوق وألف ثم ياء مثناة من تحت وعين مهملة. وأما قوله: \"كناظم قطع سلكه فتتابع\" فهو بالباء الموحدة قبل العين، يقال: تتايع بالمثناة من تحت في الشر وتتابع بالموحدة في الخير، والنظام بكسر النون وبالظاء المعجمة المراد به هنا اللؤلؤ المنظوم أي المجموع في الخيط، والسلك بكسر السين المهملة وسكون اللام الخيط. قاله صاحب التنقيح.\n\n٤٥٤٥ - وروي عن ثوبان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ثلاث متعلقات بالعرش: الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر. رواه البزار (^١).\n_________\n(^١) البزار= البحر الزخار (٤١٨١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٤٩): رواه البزار، وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال =","vol":"12","page":89},{"text":"قوله: \"وروي عن ثوبان\" هو مولى رسول الله ﷺ تقدم. قوله -ﷺ-: \"ثلاث متعلقات بالعرش الرحم تقول اللهم إني بك فلا أقطع والأمانة تقول اللهم إني بك فلا أخان والنعمة تقول اللهم إني بك فلا أكفر\" الحديث. الرحم هي القرابة وتقدم الكلام على الأمانة، وعلى هذا الحديث في صلة الرحم.\n\n٤٥٤٦ - وعن عمران بن حصين - ﵄ - عن النبي -ﷺ- قال: خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، وتظهر فيهم السمن. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله: \"وعن عمران بن حصين\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" الحديث. المراد من قوله -ﷺ-: قرني، الصحابة ومن الذين يلونه التابعون ومن الذين يلونهم تابعوا التابعين، قاله في شرح مشارق الأنوار.\n\n٤٥٤٧ - وعن عبد الله بن أبي الحمساء -﵁- قال: بايعت رسول الله -ﷺ- ببيع قبل أن يبعث فبقيت له بقية ووعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم\n_________\n= البزار -مختصر زوائد مسند- (٢/ ٤٧٩): لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن ثوبان، وقد تقدم ذكرنا ليزيد وأبى عثمان يعنى بالتضعيف. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٤٨١): ضعيف جدًا، وضعيف الترغيب والترهيب (١٤٩٣).\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٥١).\n(^٢) صحيح مسلم (٢١٤) (٢٥٣٥).","vol":"12","page":90},{"text":"ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو مكانه فقال: يا فتى لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك. رواه أبو داود (^١) وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (^٢) كلاهما عن إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم عن عبد الله بن شقيق عن أبيه عنه، وقال أبو داود: قال محمد بن يحيى: هذا عندنا عبد الكريم بن عبد الله بن شقيق. وقد ذكر عبد الله بن أبي الحمساء أبو علي بن السكن في كتاب الصحابة فقال: روى حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن ابن شقيق عن أبيه، ويقال عن بديل عن عبد الكريم المعلم، ويشبه أن يكون ما ذكره أبو علي من إسقاط عبد الكريم منه هو الصواب، والله أعلم.\nقوله: \"وعن عبد الله بن أبي الحمساء\"، وأبو الحمساء اسمه كذا كذا. فائدة: قوله في آخر الحديث، وقد ذكر عبد الله بن أبي الحمساء أبو علي بن السكن في كتاب الصحابة. [و] ابن السكن هذا يكنى أبا علي واسمه سعيد بن عثمان وهو إمام من الأئمة الحفاظ وهو من كبار أهل هذا الشأن ثقة واسع [الباع] في الحديث. [وكثير الرحلة، سمع بالعراق والشام ومصر وخراسان يُصار إليه من خلائق]، وهو من العلماء [القدماء، مات في المحرم سنة ثلاث\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤٩٩٦).\n(^٢) الصمت لابن أبي الدنيا (٤٥٧)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٤٦)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٥٩)، والحربي في غريب الحديث (٣/ ٩٤٤)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (١٩٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٠٩٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٣٤)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٢١٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٧٧٦)، وفي مشكاة المصابيح (٤٨٨٠).","vol":"12","page":91},{"text":"وخمسين وثلاثمائة]، أصله بغدادي وسكن بمصر ومات بها في نصف المحرم [سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة] (^١) وإذا صحح شيئا اعتمده الأئمة. قاله الحصني في سير الملوك والله أعلم.\nقوله: \"بايعت رسول الله -ﷺ- ببيع قبل أن يبعث\"، الحديث، بايعت أي اشتريت منه شيئا قبل أن يوحى إليه وبقي له من ثمن ذلك المبيع شيء. قوله:\n\"فيقت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت يومي والغد فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه\" الحديث، أي جئت ذلك المكان فإذا نبي الله ينتظرني بذلك المكان ولم يخرج من ذلك المكان وفاءً بما وعد من لزوم ذلك المكان حتى أجيئه بما بقي من الثمن. قوله: \"لقد شققت علي يا فتى أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك\" [أي من حينئذ] أي حملت المشقة عليّ وأوصلتها إليّ، اهـ. وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل [بن إبراهيم]-﵇- بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (^٢) فيقال إنه كان وعد إنسانا في موضع فانتظره فيه اثنين وعشرين يوما وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا قال إن شاء الله تعالى، وهو الأولى، ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلابد من الوفاء إلا أن يعتذر فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي فهو النفاق فإن اللسان سبّاق إلى الوعد ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا [وذلك] (^٣) من أمارات النفاق، اهـ. قوله: \"إبراهيم بن طهمان\"، طهمان بفتح الطاء المهملة وسكون\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٥٤.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":92},{"text":"الهاء، ابن شعبة الخراساني، أبو سعيد، كان صحيح الحديث كثير السماع حسن الرواية واسع القلب مات سنة ثلاث وستين ومائة بمكة، قاله الكرماني (^١). وقوله: \"بُديل بن ميسرة\"، بُديل بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف واللام.\n\n٤٥٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ آيَة الْمُنَافِق ثَلاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة لَهُ وَإِن صلى وَصامَ وَزعم أَنه مُسلم (^٢).\n\n٤٥٤٩ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيت أنس وَلَفظه قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق وَإِن صامَ وَصلى وَحج وَاعْتمر وَقَالَ إِنِّي مُسلم فَذكر الحَدِيث (^٣).\n\n٤٥٥٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. رواه البخاري (^٤) ومسلم (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٤/ ٧٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٩ و١١٠ - ٥٩).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٤٠٩٨). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٠٧ - ١٠٨: رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وحسنه الألبانى في صحيح الترغيب (٢٩٣٨) و(٢٩٩٨).\n(^٤) صحيح البخاري (٣٤، ٣١٧٨).\n(^٥) صحيح مسلم (١٠٦) (٥٨).","vol":"12","page":93},{"text":"قوله: \"وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي\" تقدمت ترجمته. قوله: \"أربع من كن فيه كلان منافقًا خالصًا\" فذكره إلى أن قال: \"إذا ائتمن خان\" تقدم الكلام على الخيانة في الأمانة وتقدم هذا الحديث أيضا في الصدق.\n\n٤٥٥١ - وعن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان، رواه مسلم (^١) وغيره (^٢).\n\n٤٥٥٢ - وفي رواية لمسلم (^٣): لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به، يقال: هذه غدرة فلان.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" المراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدم. قوله -ﷺ-: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان\"، وفي رواية لمسلم: يرفع لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان بن فلان الحديث. والغدر ترك الوفاء، والغادر الذي يواعد على أمر ولا يفي به، يقال غدر يغدر بكسر الدال في المضارع؛ واللواء قال أهل اللغة هو الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب الجيش أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له. [قالوا:] (^٤) والنصب\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩) (١٧٣٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٣١٨٨، ٦٩٦٦)، وأخرجه الترمذي (١٥٨١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم (١٢) (١٧٣٥).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":94},{"text":"والرفع هاهنا بمعنى واحد فلا فرق بين الروايتين، [قالوا:] فمعنى يرفع لكل غادر لواء أن له علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء الشهرة وكانت العرب ترفع للغادر لواء في المحامل والأسواق الحفلة ومواسم الحج وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، ألا ترى إلى قول شاعرهم:\nأسُميّ ويحكِ هل سمعتِ بغدرة ... رُفع اللواء لنا بهافي المجمَع\nوفي هذا الحديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، وقيل لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء كما في الحديث الصحيح في تعظيم كذب الملك والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر. وذكر القاضي عياض (^١) احتمالين: أحدهما هذا، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته أو للكفار وغيرهم أو غدره الأمانة التي قُلّدها لرعيته والتزم القيام بها والمحافظة عليها فمتى [أخافهم] (^٢) أو ترك [الشفقة] عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده.\nوالاحتمال الثاني أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشق أعليهم، العصا ولا يتعرض لما يخاف حصول فتنة بسببه. والصحيح الأول.\nقوله: \"بقدر غدرته\"، أي إن كانت عظيمة رفع له لواء عظيم أو صغيرة فصغير. قوله: وفي رواية لمسلم أنه ينصب عند إستِه أي عند مقعده لا يفارقه ليمر به الناس فيروه فيعرفوه فيزداد خجلا وفضيحة.\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٤٤).\n(^٢) هكذا في الأصل ولعله الصواب، وفي النسخة الهندية: (خافهم).","vol":"12","page":95},{"text":"وقيل الإست العجز، واعلم أنهم لما أخفوا الذنب وهو الغدر عوملوا بنقيض فعلهم فأظهر ذنبهم في الآخرة بل وربما كان سببا لظفر عدوه به لعدم وفائه له بعهده.\nتنبيه: ففي الحديث حث على الوفاء بالعهد وتحريم نقضه وأن من أمّن حربيا أو عاهده أو عقد له الجزية لا يجوز له قتله ما دام في العهد ويلزمه الكف عنه لأن في نقض العهد [تنفيرا] لأهل الحرب عن الدخول في العهد والأمان فوجب الوفاء به وهذا الوعيد الشديد يدل على أن نقض العهد كبيرة، انتهى. [حكاية لطيفة تتعلق بمعنى الحديث: قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي (^١) يروى أن الهادي أمير المؤمين كانت له جارية تسمى غادرا كانت أحظى من عنده وأغلبهم على قلبه وأملكهم لنفسه وكانت من أحسن الناس وجها وأطيبهم غناء وكان إبراهيم الموصلي هو الذي رباها وأدبها وباعها بعشرة آلاف دينار فبينما الهادي [يوما] يشرب مع ندمائه وهي تغنيهم من وراء الستر إذ عرض له فكر وسهو وتغير لونه وقطع الشراب، فقال له ندماؤه ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: وقع في فكري أني أموت وأن أخي هارون يلي الخلافة ويتزوج جاريتي غادرا هذه، فقالوا له نعيذك بالله يا أمير المؤمنين، يطيل الله بقاءك ونتقدم نحن وهو بين يديك ونموت قبلك. فقال ليس هذا مما يزيل ما في نفسي، ثم أمر أن يؤتى برأس هارون ثم رجع عن ذلك وأمر بإحضاره فعرّفه ما خطر بباله فاستعطفه هارون وجعل يكلمه\n_________\n(^١) العاقبة في ذكر الموت (ص ١٠٦).","vol":"12","page":96},{"text":"بما يوجب زوال ما في نفسه ويخضع له ويتذلل فلم يقنع بذلك وقال لا أرضى حتى تحلف لي بكل ما أحلفك أني إن مت لم تتزوج جاريتي هذه غادرًا. قالى أفعل. فأحلفه بكل يمين يحلف به الناس من طلاق وعتاق وحج راجلا وغير ذلك من الأيمان المؤكدة أنه لا يتزوجها أبدا. قالى فلم يلبث بعد ذلك إلا شهرًا أو نحوه حتى مات. وولي هارون الخلافة بعده فلما ولي بعث إلى الجارية فخطبها فقالت يا أمير المؤمنين كيف بأيماني وأيمانك قال أكفر عن يميني وأحج راحلا ففعل وتزوجها ووقعت من قلبه أعظم موقع وشغف بها أشد من شغف أخيه الهادي حتى كانت تسكره وتنام في حجره فلا يتحرك ولا ينقلب حتى تنتبه. فبينما هي ليلة نائمة في حجره إذ انتبهت فزعة [مذعورة] فقال لها مالك فديتك؟ فقالت له رأيت أخاك الهادي الساعة في النوم [وهو ينشدني]:\nأخلفت أعهدي، بعدما ... جاورت سكان المقابر\nونسيتني وحنثت في ... أيمانك الكذب الفواجر\nوظللتُ في أهل البلى ... وظللت في الحور الغرائر\nونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر\nلا يهنك الإلف الجديـ ... ـد ولا تدر عنك الدوائر\nولحقت بي قبل الصبا ... ح وصرت حيث غدوت حائر\nقالت ثم ولى عني [وكأنها] مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة. فقال لها هارون هذه أحلام الشيطان. فقالت كلا والله يا أمير المؤمنين. ثم اضطربت","vol":"12","page":97},{"text":"بين يديه ولحظت حتى خرجت روحها [بين يديه] تلك الساعة. فلا تسل عن حال هارون وما لقي عليها تلك الساعة. توفي الهادي سنة سبعين ومائة، اهـ] (^١).\nقوله -ﷺ-: \"فيقال هذه غدرة فلان بن فلان\" إنما أنث هذه وهي إشارة إلى اللواء وهو مذكر لأنه في معنى العلامة، وفي حديث آخر ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة أي أن غدره أفحش وأعظم إثما، وقد مال أكثر العلماء إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر بخلاف الخائن والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. قاله في المفهم ففي هذا الحديث دليل على أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سزا على آبائهم وهذا الحديث خلاف قولهم خرجه البخاري ومسلم وحسبك، اهـ.\nتنبيه: قال ابن العماد في شرح عمدة الأحكام، ووجه هذا القول الذي يقول أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم بأنهم إذا دعوا بأمهاتهم دخل في ذلك عيسى ابن مريم ﵊ فإنه من غير أب ويدخل فيه أولاد الزنا للستر عليهم ويدخل فيه أولاد فاطمة - ﵄ - لشرف نسبها فإن أولاد بنات النبي -ﷺ- ينسبون إليه -ﷺ- بخلاف أولاد بنات غيره لقول الشاعر:\nبنونا بنوا أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والاحتمال الثاني أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشق [عليهم] العصا ولا يتعرض لما يخاف حصول فتنة بسببه. والصحيح الأول).","vol":"12","page":98},{"text":"ولذلك ينسب أولاد البنات إلى بني هاشم والمطلب ومنع استحقاق الزكاة كما ينسب [إليهم] مواليهم فلا يعطوا منها، ولقوله -ﷺ- موالي القوم منهم، ولقوله -ﷺ-: بني أخت القوم من أنفسهم، اهـ.\nفائدة: وفي هذا الحديث دليل على أن في الآخرة للناس ألوية فمنها ألوية خزي وفضيحة يعرف بها أهلها، ومنها ألوية حمد وثناء وتشريف وتكريم.\nقال -ﷺ- لواء الحمد بيدي، وروي: لواء الكرم بيدي، وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة (^١) قال: قال رسول الله -ﷺ- امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار، فعلى هذا من كان إماما ورأسا في أمر [ما] معروفا به فله لواء يعرف به خيرا كان أو شرا وقد يجوز أن يكون للصالحين والأولياء ألوية\n_________\n(^١) أحمد (٧١٢٧)، وأخرجه البزار (٧٩١٢)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٠)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٣١) (٥/ ١٣٥)، (٩/ ٢٠٦)، وأبو يعلى (المطالب العالية ٢٦٠٤)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ١٢٢)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٢٢٤)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٣٨)، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. وقال ابن عدي في الكامل (١/ ٣٣١): وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل. وقال في (٥/ ١٣٥): وهذا منكر بهذا الإسناد، ولا يرويه غير أبي الجهم هذا، ولا يروي عن أبي الجهم غير هشيم، ولا أعرف لأبي الجهم، عن الزهري وغيره غير هذا الحديث وقد روي هذا الحديث عن عبد الرزاق بن عمر الدمشقي، عن الزهري كما رواه أبو الجهم. وقال ابن عدي (٩/ ٢٠٦): وأبو الجهم هذا إنما يعرف بهذا الحديث، على أن هذا الحديث قد روي عن أبي الجهم، عن الزهري، رواه عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني، عن الزهري بهذا الإسناد، كما رواه أبو الجهم، وأبو الجهم لم يرو عنه غير هشيم، ولا يعرف إلا بهذا الحديث. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١١٩) رواه أحمد والبزار، وفي إسناده أبو الجهيم شيخ هشيم بن بشير ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٥٠) والسلسلة الضعيفة (٢٩٣٠).","vol":"12","page":99},{"text":"يعرفون بها تنويها بهم وإكراما لهم وإن كانوا غير معروفين في الدنيا. قال -ﷺ-: رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره. وقد ذكر أبو حامد الغزالي في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة أنه يعقد للمكفوفين راية وتجعل بيد شعيب -﵇- فيصير إمامهم وكذلك الشباب المتعففون يعقد لهم راية خضراء وتجعل بيد يوسف -﵇- ويصير إمامهم وكذلك وكذلك [المجذومين] تعقد لهم راية خضراء وتجعل بيد أيوب -﵇- فيصير إمامهم. وذكر البكائين وأنه يعقد لهم راية ملونة لأنهم بكوا في أنواع مختلفة وتجعل بيد نوح -﵇- ويصير إمامهم وكذلك الشهداء يعقد لهم راية عفرة وتجعل في يد يحيى -﵇- ويصير إمامهم وذكر العلماء أنه تعقد لهم راية [بيضاء] تجعل بيد إبراهيم -﵇- ويصير إمامهم والقراء تعقد لهم راية صفراء وتجعل في يد عيسى -﵇- ويصير إمامهم والأغنياء أيضا تعقد لهم راية ملونة (^١) وتجعل بيد سليمان -﵇- ويصير إمامهم، هذا معنى ما ذكره مختصرا انتهى.\n\n٤٥٥٣ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة. رواه أبو داود (^٢) والنسائي (^٣) وابن ماجه (^٤).\n_________\n(^١) اللوحة ٨٣ تكرار للوحة ٨٢.\n(^٢) سنن أبي داود (١٥٤٧) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٣٨٣).\n(^٣) سنن النسائي (٨/ ٢٦٣).\n(^٤) سنن ابن ماجه (٣٣٥٤)، وأخرجه إسحاق بن راهويه (٢٩٩)، وأبو يعلى (٦٤١٢)، وابن حبان (١٠٢٩)، والبغوي في شرح السنة (١٣٧٠)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة =","vol":"12","page":100},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"كان رسول الله -ﷺ- يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة\" الحديث. بئس كلمة تجمع المساوئ كلها، كما أن نِعْمَ تجمع المحاسن كلها، والخيانة ضد الأمانة والجوع لما كان يلازم صاحبه في المضجع قيل له ضجيع. قال كثير من العلماء إن السجع المذموم في الدعاء هو التكلف فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظا فلا بأس، والله أعلم. قاله في شرح المشارق، وتقدم الكلام على الأمانة في أوائل هذا التعليق مبسوطًا.\n\n٤٥٥٤ - وعن أبي هريرة أيضًا -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فاكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفى منه العمل، ولم يوفه أجره. رواه البخاري (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" أيضا تقدم. قوله: \"قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر\" الحديث. أعطى بي أي أعطى الأمان باسمي أو بذكري، أو بما شرعته من ديني. وذلك بأن يقول للمستجير: لك ذمة الله ولك عهد الله.\n_________\n= (٤/ ٣٢): هذا إسناد ضعيف كعب هو المدني مجهول تفرد بالرواية عنه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٨٣).\n(^١) صحيح البخاري (٢٢٢٧).","vol":"12","page":101},{"text":"٤٥٥٥ - وعن يزيد بن شريك قال: رأيت عليا -﵁- على المنبر يخطب فسمعته يقول: لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها قال رسول الله -ﷺ-: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلا ولا صرفا الحديث. رواه مسلم (^١) وغيره (^٢).\n[يقال: أخفر بالرجل] إذا غدره ونقض عهده.\nقوله: \"وعن يزيد بن شريك\": كذا.\nقوله: \"رأيت عليا على المنبر يخطب\" الحديث، هو علي بن أبي طالب، تقدم الكلام على مناقبه وسؤال كبار الصحابة ورجوعهم إلى فتواه وأقواله في المسائل المعضلات أيضا مشهور، وأما زهده فهو مما اشترك في معرفته الخاص والعام، وكان الحاصل من غلته أربعين ألف دينار وكلها جعلها للصدقة، وكان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم ولم يترك حين توفي إلا ستمائة درهم أعدها ليشتري بها جارية لأهله، والأحاديث الواردة في الصحاح في فضله كثيرة، ولي الخلافة خمس سنين، بويع له في مسجد رسول\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٦٧) (١٣٧٠).\n(^٢) صحيح البخاري (١٨٧٠، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٧٣٠٠). وأخرجه أبو داود (٢٠٣٤)، والترمذي (٢١٢٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه عن علي عن النبي -ﷺ-. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٤٢٦٣، ٤٢٦٤).","vol":"12","page":102},{"text":"الله -ﷺ- في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، قال ابن المسيب: لما [قيل] (^١) قتل عثمان جاء الصحابة وغيرهم إلى دار علي فقالوا [إننا] (^٢) نبايعك فأنت أحق بها. فقال: إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضوا به فهو الخليفة، فلم يبق أحد إلا أتى عليا، فلما رآى ذلك خرج إلى المسجد فصعد المنبر فبايعه طلحة ثم بايعه الباقون، فرضي الله عنهم ورضي عنا بهم وأعاد علينا من بركاتهم أجمعين.\nتنبيه: قال علي (^٣): أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكفار. وفي رواية: أو المنافقين. أي يلوذ به المؤمنون ويلوذ بالمال الكفار والمنافقون كما يلوذ النحل بيعسوبها وهو مقدمها وسيدها، قاله في النهاية (^٤). قول علي -﵁-[في الحديث] (^٥): والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات، وفيها قال رسول الله -ﷺ-: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله، الحديث. يقال: أخفر بالرجل إذا غدره ونقض عهده، اهـ. قاله الحافظ. وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) المقاصد الحسنة (ص: ١٦٦) رواه الديلمي في مسنده عنه مرفوعا.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٩٨).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":103},{"text":"٤٥٥٦ - وعن أنس -﵁-: قال: ما خطبنا رسول الله -ﷺ- إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له. رواه أحمد (^١) والبزار (^٢) والطبراني في الأوسط (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) إلا أنه قال: خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال في خطبته: فذكر الحديث، ورواه الطبراني في الأوسط (^٥) والصغير (^٦) من حديث ابن عمر، وتقدم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٢٤١٠)، والحديث، أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٧٨)، والدولابي ٢/ ١٥٤، والخلال في السنة (١٦٢١)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٤٩٣ - ٤٩٤)، وابن عدي في الكامل (٩/ ٢٧٠)، والمخلص في المخلصيات (٢٠٦١) (١٧٤)، والقضاعي (٨٤٩ و٨٥٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٨٨، ٩/ ٢٣١)، وفي شعب الإيمان (٤٠٤٥)، والبغوي (٣٨)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١/ ٩٥/ ٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٦) رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، وفيه أبو هلال، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره. وقال البغوي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧١٧٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٠٤).\n(^٢) البزار (٧١٩٦).\n(^٣) الطبراني، في الأوسط (٢٦٠٦ و٥٩٢٣).\n(^٤) ابن حبان (١٩٤).\n(^٥) المعجم الأوسط (٢٢٩٢).\n(^٦) المعجم الصغير للطبراني (١٦٢)، والمخلص في المخلصيات (٢٥٢٩) (٢٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٦٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٢) رواه الطبراني في الأوسط والصغير وقال: تفرد به الحسين ابن الحكم الحبري. ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦١٧٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٣).","vol":"12","page":104},{"text":"قوله: \"وعن أنس\" تقدم. قوله: \"ما خطبنا رسول الله -ﷺ- إلا قال لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له\" الحديث، تقدم الكلام على الأمانة والعهد قريبًا.\n\n٤٥٥٧ - وعن بريدة -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال: ما نقض قوم العهد إلا كلان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس عنهم القطر. رواه الحاكم (^١)، وقال صحيح على شرط مسلم.\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ١٢٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأخرجه ابن أبي شبة في مسنده (إتحاف الخيرة ٦٠٢٧)، والبزار (٤٤٦٣)، (كشف ٣٢٩٩)، وأبو يعلى كما في بذل الماعون (ص ٢١٢) والمطالب (٣/ ٩٧٣)، والروياني (إتحاف الخيرة ٦/ ٣٤٦)، وابن المنذر في الأوسط في السنن (٦٦٩٢)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٣٤٦ و٩/ ٢٣١)، وفي الشعب (٣٠٤٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٩١)، وفي الاستذكار (٥/ ٩٤)، وابن حجر في بذل الماعون (ص ٢١١ - ٢١٢)، وقال ابن حجر في الفتح (١٢/ ٣٠١): سنده جيد، وقال في المطالب: إسناده حسن، وقال في بذل الماعون: وبشير أخرج له مسلم، وبقية رجاله رجال الصحيح، وهو أصح طرق هذا الحديث، وله علة غير قادحة - فذكر حديث حسين بن واقد - قال: ويحتمل أن يكونا محفوظين وإلا فهذه الطريق أرجح لاحتمال أن يكون بشير بن المهاجر سلك الجادة.\nوقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٣٤٦): رواه أبوبكر بن أبي شيبة والبزار والطبراني بسند صحيح، والحاكم وعنه البيهقي وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وهو كما قال.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٩): وعن بريدة .. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير رجاء بن محمد وهو ثقة. وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٤٢١/ ٢٧٧٣): قال أبي حدثنا به عبيد الله بن موسى عن بشير بن مهاجر عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي وهو وهم عن ابن عباس أشبه. =","vol":"12","page":105},{"text":"قوله: \"وعن بُريدة\" هو بن الحصيب ومر ترجمته. قوله -ﷺ-: \"ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط عليهم الموت\" الحديث. ظهرت أي فشت وانتشرت، والمراد بالفاحشة هنا الزنا.\n\n٤٥٥٨ - وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله -ﷺ- عن آبائهم: أن رسول الله -ﷺ- قال: من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته (١٠)، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة. رواه أبو داود (^١). والأبناء مجهولون.\nقوله: \"وعن صفوان بن سليم\" الزهري مولاهم المدني الإمام القدوة ومن\n_________\n= والموقوف، أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٣٩٨) في اعتلال القلوب (٤٢٧) البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٤٧) عن الحسين بن واقد، ثنا عبد الله بن بريدة، عن ابن عباس قال: ما نقض قوم العهد إلا أظهر الله ﵎ عليهم عدوهم\nومما يؤكد الوقف ما رواه ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٩٣) عن شعبة قال أخبرني الحكم عن الحسن بن مسلم عن ابن عباس قال.\nوما رواه البيهقي في الشعب (٣٣١٣) عن سفيان عن عكرمة عن ابن عباس عن كعب قال: إذا رأيت المطر قد قحط ... نحوه.\nوقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ١٩٣): وفي حديث بريدة عند الحاكم بسند جيد وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٤١٨).\n(^١) سنن أبي داود (٣٠٥٢)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٤)، وقال المنذري: فيه مجهولون. انظر: مختصر السنن (٤/ ٢٥٥) وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (١٠٤٤): سنده لا بأس به، ولا يضر جهالة من لم يسم من أنباء الصحابة، فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٤٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٠٦).","vol":"12","page":106},{"text":"يستسقي بذكره عن ابن عمر وعبد الله بن جعفر وابن المسيب وعنه مالك والداروردي يقال: إنه لم يضع جنبه أربعين سنة وقيل: إن جبهته ثقبت من كثرة السجود وكان قانعا لا يقبل جوائز السلطان ثقة حجة ولد سنة ستين وتوفي مائة واثنين وثلاثين.\nقوله -ﷺ-: \"من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته\"، الظلم هو الجور، والمعاهد يجوز أن يكون بكسر الهاء وفتحها على الفاعل والمفعول، وهو في الحديث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد من كان بينك وبينه عهد وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما، ومنه الحديث لا يحل لكم كذا وكذا ولا لقطة معاهد أي لا يجوز أن تتملك لقطته الموجودة من ماله لأنه معصوم المال يجري حكمه مجرى حكم الذمي وقد تكرر ذلك العهد في الحديث ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ ورعاية الحرمة والوصية ولا تخرج الأحاديث الواردة فيه عن أحد هذه المعاني ومنه الحديث (^١)، حسن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الكبير (١/ ٣١٩)، والقاسم السرقسطي في غريب الحديث (٩/ ٧١٢ - ٧٢٠)، وأبو عبد الرحمن السلمي في آداب الصحبة (ص ٦٦ - ٦٧)، والحاكم (١/ ١٥ - ١٦)، والقضاعي (٩٧١) (٩٧٢)، والبيهقي في الآداب (٢٤٠)، وفي الشعب (٨٧٠٠)، (٨٧٠١)، (٨٧٠٢)، وابن عبد البر في الاستيعاب (١٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، والخطيب في الأسماء المبهمة (ص ٤٧ - ٤٨)، وفي تلخيص المتشابه (٢/ ٧٧١)، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري في المشيخة الكبرى (١٦١)، وابن بشكوال في الغوامض (٢٧٤)، وابن الأثير في أسد الغابة (٧/ ٤٧)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على =","vol":"12","page":107},{"text":"العهد من الإيمان، يرد الحفاظ ورعاية الحرمة، قاله في النهاية (^١). وتقدم الكلام أيضا على المعاهد.\nقوله: \"فأنا حجيجه يوم القيامة\" أي أحاجه وأخاصمه بالحجة وهي الدليل، وقال بعضهم أيضا: أي محاجة ومناظرة، وقيل أي أحاجه وأحاوره فأغلبه بالحجة [أو آخذ عليه] (^٢) وأصل الحج الكسر ومنه الحجة لأنه تكسر الخصم، وقال بعضهم أيضا ومعنى حجيجه أي أغلبه بالحجة [والمخاصمة أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس.] وفي حديث آخر: من ظلم ذميا مؤديا لجزيته معترفا بذلته فأنا خصمه يوم القيامة، نقله الشيخ زين الدين العراقي في بعض أماليه (^٣).\n\n٤٥٥٩ - وعن عمرو بن الحمق -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: أيما رجل أمن رجلا على دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافرا، رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه (^٤)، واللفظ له، وقال ابن ماجه فإنه\n_________\n= شرط الشيخين، فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة وليس له علة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٠٥٦)، والسلسلة الصحيحة (٢١٦).\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٠٩)، (٣/ ٣٢٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٠٥٩)، وانظر: اللآلئ المصنوعة (٢/ ١١٩). وقال ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/ ١٨٢): في سنده من اتهم بالوضع والله تعالى أعلم.\n(^٤) أخرجه الطيالسي (١٢٨٥)، وابن أبي شيبة في المسند (٨٦٣)، وابن الجعد في المسند (٣٣٣٦)، وأحمد (٢١٩٤٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٢)، وابن ماجه (٢٦٨٨)، والنسائي في السنن الكبرى (٨٦٨٦: ٨٦٨٨)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٣/ ١٩٢ - ١٩٣، والبزار في مسنده (٢٣٠٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني =","vol":"12","page":108},{"text":"يحمل لواء غدر يوم القيامة.\nقوله: \"وعن عمرو بن الحمق\" هو عَمرو بن الحمق بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي هاجر إلى النبي -ﷺ- بعد الحديبية، وقيل: بل أسلم عام حجة الوداع، والأول أصح، صحب النبي -ﷺ- وحفظ عنه أحاديث، وسكن الكوفة، وانتقل إلى مصر، قاله أبو نعيم، وقال أبو عمر: سكن الشام، ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها، والصحيح أنه انتقل من مصر إلى الكوفة، روى عنه: جبير بن نفير، ورفاعة بن شداد القتباني، وغيرهما (^١).\nقوله -ﷺ-: \"أيّما رجل أمّن رجلا على ذمة ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافرا\"، وقال ابن ماجه: فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة، وتقدم الكلام على اللواء وهو الراية، فالغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا قال في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي -ﷺ-\n_________\n= (٢٣٤٣) (٢٣٤٤)، والبزار (٢٣٠٩)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٠٣)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٢٠٢، وابن حبان (٥٩٨٢)، والطبراني في الأوسط (٦٦٤٠، ٧٠٩٠)، وفي الصغير (٣٨). (٥٨٤)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٤، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٤٠) والمزي في التهذيب (٩/ ٢٠٥ - ٢٠٦) وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٣٦) هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٨٥) رواه الطبراني بأسانيد كثيرة، وأحدها رجاله ثقات. وصححه الألباني في صححِح الجامع (٦١٠٣)، وصحيح الترغيب والتر هيب (٣٠٠٧)، والصحيحة (٤٤٠).\n(^١) أسد الغابة (٤/ ٢٠٥).","vol":"12","page":109},{"text":"من قتل نفسا معاهدة بغير حق لم يرح رائحة الجنة، ومعناه مذكور في حديث أبي بكرة الذي بعده.\n\n٤٥٦٠ - وعن أبي بكرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام.\n\n٤٥٦١ - وفي رواية: من قتل معاهدا في عهده لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام. رواه ابن حبان في صحيحه (^١)، وهو عند أبي داود (^٢) والنسائي (^٣) بغير هذا اللفظ، وتقدم.\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٧٣٨٣)، (٤٨٨١)، (٧٣٨٢)، وفيه: من مسيرة مائة عام وقال الألباني: ضعيف- التعليق الرغيب (٤/ ٢٤٥). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٩٣): رواه ابن ماجه غير قوله: خمسمائة عام. وفي رواية: مائة عام. رواه الطبراني، وفيه محمد بن عبد الرحمن العلاف ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) أبو داود (٢٧٦٠)، وأخرجه عبد الرزاق (١٨٥٢١)، وابن أبي شيبة (٩/ ٤٢٥ - ٤٢٦)، وأحمد (٥/ ٣٦ و٣٨ و٥٢)، وأبو داود (٢٧٦٠)، والدارمي (٢٥٠٧)، والبخاري في الكبير (١/ ١/ ٤٢٨)، وابن أبي عاصم في الديات (ص ٨٦ و٨٦ - ٨٧)، والبزار (٣٦٧٩)، وابن الجارود (٨٣٥ و١٠٧٠)، وأبو عبيد في الغريب (١/ ١١٥)، والبزار (٣٦٩٦)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٦٣)، وابن حبان (٤٨٨١ و٧٣٨٢)، (٤٨٨٢)، والحاكم (١/ ٤٤)، (٢/ ١٤٢)، والبيهقي (٩/ ٢٠٥)، (٩/ ٢٣١)، والضياء المقدسي في حديث أبي عبد الرحمن المقرئ (٥٥)، والمزي (٢٣/ ٨٠ - ٨١)، وأبن حجر في تخريج أحاديث المختصر (٢/ ١٨٣)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٤٦٥)، وصحيح الجامع (٦٤٥٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٠٨).\n(^٣) النسائي (٨/ ٢٢) وفي الكبر ى (٦٩٤٩) (٦٩٥٠ و٨٧٤٣) (٨٧٤٤).","vol":"12","page":110},{"text":"[قوله: لم يرح] قال الكسائي: هو بضم الياء، من قوله: أرحت الشيء فأنا أريحه إذا وجدت ريحه، وقال أبو عمرو: لم يرح بكسر الراء من رحت أريح إذا وجدت الريح، وقال غيرهما: بفتح الياء والراء، والمعنى واحد، وهو شم الرائحة.\nقوله: \"وعن أبي بكرة\" اسمه نُفَيع، بصيغة المصغر من المنفعة، ابن الحارث بن كلدة بالكاف واللام والدال المفتوحات، الثقفي، كني بأبي بكرة لأنه كان أسلم في حصن الطائف وعجز عن الخروج منه فتدلى في النزول منه إلى رسول الله -ﷺ- ببكرة. قوله -ﷺ-: \"من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة\" الحديث، تقدم الكلام على معنى المعاهد وقد أمر الله تعالى في الكتاب العزيز بالوفاء بعهود المشركين إذا أ أقاموا، على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا، وأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشد ونقضها أعظم إثما ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من بايعه ورضي به، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له. قاله ابن رجب (^١).\nقوله -ﷺ-: \"لم يرح رائحة الجنة\" [أي] لم يشم ريحها، وقد ذكر الحافظ في تصريف الكلمة على ثلاثة أوجه هنا، وتقدم الكلام على شيء من ذلك.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٢).","vol":"12","page":111},{"text":"٤٥٦٢ - وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: ألا من قتل نفسا معاهدة له ذمة الله، وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا. رواه ابن ماجه (^١) والترمذي (^٢)، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ألا من قتل نفسا معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله وذمة رسوله \"، يقال أخفرت بالرجل إذا نقضت عهده. قوله: \"لم يرح رائحة الجنة\" تقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث في الأحاديث قبله.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٦٨٧).\n(^٢) سنن الترمذي (١٤٠٣)، وأخرجه أبو يعلى (٦٤٥٢)، والحاكم (٢/ ١٢٧) وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال ابن حجر: أما الترمذي فلعله قواه بشواهده، وأما الحاكم فلا عذر له، فإبن عجلان وإن كان مسلم يخرج له في الشواهد، لكن الراوي عنه معدي بن سليمان ليس من رجاله، بل هو ضعيف عند الأكثر تخريج أحاديث المختصر (٢/ ١٨٥)، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦٣)، (٨٠١١)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم أسامي شيوخه (٣٤١)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ٣٢٣)، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري في المشيخة الكبرى (١٢) عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا من قتل معاهدا في غير كنهه لم يجد ريح الجنة، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة مائة سنة، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٠٩)، غاية المرام (٤٥٠).","vol":"12","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>الترغيب في الحب في الله تعالى والترهيب من حب الأشرار وأهل البدع ونحوهم لأن المرء مع من أحب</span>\n٤٥٦٣ - عن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار\".\n\n٤٥٦٤ - وفي رواية: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئا. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤).\nقوله: \"عن أنس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\"، الحديث.\nقال النووي رحمه الله تعالى (^٥): هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام. قال [العلماء]: [و] معنى حلاوة الإيمان [استلذاذات] الطاعات وتحمل المشقات في الدين في رضى الله تعالى ورسوله وإيثار ذلك على\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٦، ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١).\n(^٢) صحيح مسلم (٦٧) (٤٣).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٦٢٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) سنن النسائي (٨/ ٩٤)، وأخرجه ابن ماجه (٤٠٣٣).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٣).","vol":"12","page":113},{"text":"أعراض الدنيا ومحبة العبد ربه ﷾ بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك [محبة] رسوله -ﷺ-. قال: والحب في الله من ثمرات حب الله. قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب ﷾، فيحب ما أحب ويكره ما يكره، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله فحينئذ يدخل حب الإيمان في قلبه كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حرّه للظمآن الشديد عطشه ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمرّ عليها من الصبِر.\nذكر ابن المبارك (^١) عن أبي الدرداء أنه دخل المدينة فقال لهم: [ما لي] لا أرى عليكم يا أهل المدينة حلاوة الإيمان؟ والذي نفسي بيده [لو أنّ] دبّ الغابة وجد طعم الإيمان لرُئِي عليه حلاوة الإيمان. شعر:\nلو ذاق طعم الإيمان رُضوى ... لكاد من وجده [يميدُ] (^٢)\nقد حمَّلوني تكليف عهد ... يعجز عن حمله الحديدُ\nوقال آخر:\nما كل من زوّق لي قوله ... يغرّني يا صاح تزويقه\nمن حقق الإيمان في قلبه ... لابدّ أن يظهر تحقيقه\n[وسئل] رُؤيم عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال، [وأنشد]:\n_________\n(^١) الزهد لابن المبارك (١٥٤٧)، تاريخ مدينة دمشق (٤٧/ ١٨١).\n(^٢) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (يبيد).","vol":"12","page":114},{"text":"ولو قلت لي مُتْ مُتُّ سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا\nولبعض المتقدمين:\nتعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع\nلو [كان] حبك صادقا لأطعته ... إن المحبّ لمن يحبّ مطيع\nقاله ابن رجب (^١). وقالوا: أوحى الله تعالى إلى داود ليه السلام: يا داود إني حرّمت على القلوب أن يدخلها حبي وحب غيري، وقال [﷿:] يا داود إن كنت تزعم أنك تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك فإن حبها وحبي لا يجتمعان. وذكروا أن معروفا الكرخي رحمة الله عليه رآى في النوم كأنه تحت العرش فقال الله ﷿ يا ملائكتي من هذا؟ فقالوا وأنت أعلم هذا معروف الكرخي سكر من حبك فلا يفيق إلا بلقائك، قاله في التهذيب [للمسعودي].\nقوله -ﷺ-: \"من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\" ومحبة العبد لربه ﷾ فعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة الرسول -ﷺ-. قال القاضي عياض (^٢) لا تصح محبة الله ومحبة رسوله حقيقة وحب المرء في الله تعالى وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره وخالطه ودمه فهذا الذي وجد حلاوة الإيمان\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨٩)، كلمة الإخلاص (ص ٣٢)، ولقول رويم انظر: طبقات الصوفية (١/ ١٥٠)، وحلية الأولياء (١٠/ ٣٠١).\n(^٢) إكمال المعلم ١/ ٢٧٨. الكواكب الدراري (١/ ١٠١).","vol":"12","page":115},{"text":"والحب في الله تعالى من ثمرات حب الله تعالى. قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب فيحب ما أحب ويكره ما كره. وقال مالك: المحبة في الله تعالى من واجبات الإسلام، وهو دأب أولياء الله تعالى. وقال يحيى بن معاذ الرازي حقيقة المحبة أن لا [تزيد] بالبر ولا [تنقص] بالجفاء، وقال القاضي البيضاوي المراد بالحب هاهنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه ويستدعي اختياره وإن كان على خلاف الهوى، ألا ترى أن المريض يعاف الدواء وينفر عنه طبعه ويميل إليه باختياره ويهوى تناوله بمقتضى عقله لما علم أن صلاحه فيه، فالمرء لا يؤمن إلا إذا تيقن أن الشارع -ﷺ- لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل والعقل يقتضي ترجيح جانبه وكماله بأن [تتمرن] نفسه بحيث يصير هواه تبعا لعقله ويلتذ به التذاذا عقليا.\nقوله -ﷺ-: ومن يكره أن يعود في الفكر بعد إذ أنقذه منه، الحديث. أي يصير إليه، فالعود قد يكون بمعنى الرجوع إليه بعدما دخل في الإسلام.\nوقد يكون بمعنى المصير إليه ابتداء، ومنه قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ (^١)، قال قوم معناه لتصيرن إلى ملتنا لأن شعيبا لم يكن قط على الكفر. وقيل الخطاب مع أصحاب شعيب الذين دخلوا في دينه واتبعوه بعدما كانوا كفارا. وقوله: \"بعد إذ أنقذه الله منه \" أي خلّصه ونجاه.\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٨٨.","vol":"12","page":116},{"text":"قوله: \"وفي رواية ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه أن يكون الله ورسوله أحب إليها مما سواهما وأن يحب في الله ويبغض في الله\"، مقتضى هذا الحديث أن من لم يؤثر رضا الله تعالى ورسوله على رضا الخلق أجمعين ولم يحب في الله ويبغض في الله لا يجد حلاوة الإيمان ولا طعمه، فمن رآى ولده أو أخاه على معصية أوجب الله عليه أن ينهاهما وينكر عليهما بقدر استطاعته فمن ترك الإنكار وأقدم على سخط الله سبحانه بترك ما أوجب عليه وأرضاهما بسكوته عنهما كيف يجد طعم الإيمان؟ والمقصود من هذه الأحاديث أن تعلم أن الحب في الله والبغض في الله [ما] (^١) لا يكمل إيمان المرء إلا به، بل هو أوثق عرى الإسلام وأحد دعائم الإيمان وأن المداهنة ليست من الدين في شيء بل المداهن يهلك نفسه ويهلك من داهنه والله أعلم.\n[قوله: \"وعمود الإسلام والعروة الوثقى\"، قلت: يريد بالإسلام جميع ما يتعلق بالدين وبالعمود الأركان الخمسة أو كلمة الشهادة وحدها؛] فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله [ويكره ما يكرهه الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض فمن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله] (^٢) أو ترك [بغض] ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":117},{"text":"والقدرة عليه دلّ ذلك على [نقص] (^١) محبته الواجبة عليه، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة عليه، اهـ. قاله ابن رجب الحنبلي (^٢).\nتنبيه: وإن سئل هل تدل معصية الله تعالى على عدم محبته؟ فالجواب: أنها تدل على عدم كمال المحبة لا عدمها وكان نعيمان يؤتى به إلى رسول الله -ﷺ- فيحده فلعنه رجل فقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله.\n\n٤٥٦٥ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي اليوم أظمهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي. رواه مسلم (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون لجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي \" الحديث. قوله: \"لجلالي\" أي لعظمتي وطاعتي لا لدنيا.\nقوله: \"يوم لاظل إلا ظلي\" أي أنه لا يكون من له ظل مجازا كما في الدنيا، وجاء في غير مسلم: ظل عرشي. قال القاضي عياض (^٤) ظاهره أنه في ظله من الحر والشمس ووهج الموقف وأنفاس الخلق، قال: وهذا قول الأكثرين.\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل، ولعله الصواب؛ وفي النسخة الهندية: (بعض).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٧) (٢٥٦٦).\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٢٣).","vol":"12","page":118},{"text":"وقال عيسى بن دينار: معناه كفه من المكاره فيكرامه وجعله في كنفه وستره ومنه وقولهم السلطان ظل الله في الأرض. وقيل: ويحتمل أن الظل هنا عبارة عن الراحة والنعيم. يقال هو عيش ظليل أي طيب.\nتنبيه: فأما المحبة فلها معان كثيرة، وكثيرا ما [يشتق] لفظها من فعل [الحبة]، واختلف [فيها] أهل اللغة فقال قوم الحب الإناء الذي يجعل فيه الماء كالخابية وشبهها واشتقت منه المحبة لأنه إذا امتلأ بالماء لم يسع فيه غيره، وكذلك القلب إذا امتلأ بالمحبة لم يسع فيه غير محبوبه، وقيل اشتق اسم المحبة من [قولهم] أحب البعير إذا برك، فلم يقدر على القيام لأن المحب لا يبرح بقلبه عن ذكر المحبوب بعد أن وقع في المحبة ولا يقدر على الانفكاك وقيل من [الحبَّةِ] وهو بذر النبات لأن البذور لباب النبات والحب لباب الحياة، وقيل مشتق من الحب بكسر الحاء وهو القرط سمي به إما [لملازمته] ملازمة القرط للأذن فلا يزال سمعه [معمورا] بمناجاته وما يرد عليه من أسرار أحاديث في سره كما يقال الزم من طوقه وأما لاضطراب القلب بالحب كاضطرابه وخفقانه، وقيل اشتق من الحباب بفتح الحاء وهو ما يعلو الماء عند المطر وعند الغليان لأن القلب يغلي ويهتاج ويطفوا عليه مثل الحباب شوقا إلى من يحبه، اهـ. [وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه لحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة [كمحبة] الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه","vol":"12","page":119},{"text":"المضار والمكاره عنه وهذه المعاني كلها موجودة في النبي -ﷺ- لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل فيحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم والإبعاد عن الجحيم وقد أشار بعضهم إلى أن هذا مقصور في حق الله تعالى فإن الخير كله منه ﷾. قال مالك وغيره، المحبة [الله ﷿ من] واجبات الإسلام اهـ.] (^١).\nتنبيه: الحب المهملة وهي الخابية وهو فارسي معرب، وأما الخابية فعربية صريحة وجمعه حباب بكسر الحاء وحببة بفتح الحاء والباء. والله أعلم.\n\n٤٥٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من سره أَن يجد حلاوة الإِيمَان فليحب الْمَرْء لا يُحِبهُ إِلَّا لله رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيقين وَصحح أَحدهمَا (^٢).\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (وإن سئل هل تدل معصية الله تعالى على عدم محبته؟).\n(^٢) أخرجه إسحاق (٢٥٣)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٤٦٧)، والحاكم (١/ ٣). قال الحاكم: هذا حديث لم يخرج في الصحيحين، وقد احتجا جميعا بعمرو بن ميمون، عن أبي هريرة، واحتج مسلم بأبي بلج، وهو حديث صحيح لا يحفظ له علة. وتعقبه الذهبي فقال: قلت: لم يحتج به قد وثق. وقال البخاري: فيه نظر. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠١٢).","vol":"12","page":120},{"text":"٤٥٦٧ - وعن أبي هريرة أيضا -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وغيرهما (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" أضاف الظل إلى الله تعالى إضافة تشريف وكل ظل فهو لله تعالى وملكه، وأما الظل الحقيقي فهو منزه عنه لأنه من خواص الأجسام أي ظل عرشه والمراد من يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين ودنت منهم الشمس واشتد عليهم حرها وأخذهم العرق ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش، وقيل المقصود من الظل هنا الكرامة والكنف من المكاره في ذلك الموقف. يقال فلان في ظل فلان أي في كنَفِه وحمايته.\nقوله: \"الإمام العادل\" أي الواضع كل شيء في موضعه وإنما قدمه رسول الله -ﷺ- لأن العبادة على قسمين عبادة بفعل نفعه متعدد وعبادة بفعل نفعه قاصر على الفاعل لا غير ولا شك أن العبادة بالفعل الذي نفعه متعد أفضل من العبادة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٠، ١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٩١) (١٠٣١).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٣٩١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح،، وأخرجه النسائي (٨/ ٢٢٢).","vol":"12","page":121},{"text":"بالفعل الذي نفعه قاصر على فاعله غير عام. والعادة تقديم الأهم فالأهم. والمراد بالإمام العادل كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل في ولايته.\nقوله: \"وشاب \"٨٦/ ٢\" نشأ في عبادة الله تعالى\" اختلف العلماء هل الذي ما أذنب ذنبا قط أفضل أم الذي أذنب ثم تاب توبة نصوحا؟ فرجح طائفة الأول واحتجوا بوجوه منها: أن أكرم الخلق وأفضلهم أطوعهم لله ﷿ وهذا الذي لم يعص أطوع فهو أفضل. ومنها أن غاية التوبة أن تمحو عن التائب سيئاته ويصير بمنزلة من لم يعملها فيكون سعيه في مدة المعصية لا له ولا عليه، فأين هذا السعي من سعي من هو كاسب رابح؟ ومنها أن المطيع قد أحاط على بستان طاعته حائطا حصينا لا يجد العدوّ والسارق إليه سبيلا فثمرته وزهرته ونضرته وبهجته في زيادة ونمو أبدا والعاصي قد فتح فيه ثغرة ومكّن منه السّراق والأعداء فدخلوا فعاشوا فيه وأفسدوا فإذا سعى في إصلاحه فأولى أن يعود كما كان أو أنقص أو خيرًا مما كان. والله أعلم.\nورجحت طائفة التائب ولم تنكر أن الطائع أكثر حسنات، واحتجوا بوجوه منها: أن عبودية التوبة من أحب العبوديات إلى تعالى وأكرمها عليه فإنه ﷾ يحب التوابين ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إلى الله تعالى لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب لأن للتوبة عنده ﷾ منزلة ليست لغيرها من الطاعات ولهذا يفرح بتوبة عبده حين يتوب أعظم فرح يقدّر كما مثّله النبي -ﷺ- بفرح الواجد لراحلته التي أعليها طعامه، وشرابه في الأرض المهلكة بعدما أيس من","vol":"12","page":122},{"text":"أسباب الحياة، فالعبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية فيصير محبوبا لله تعالى فإن الله يحب التوابين ويحب المفتن التواب.\nومنها أن عبودية التوبة فيها من الذل والانكسار والخضوع أوالتمسكن، والتذلل ما هو أحب إليه من كثير من الأعمال الظاهرة والله تعالى أقرب ما يكون إلى عبده عند ذلّه وانكساره كما في الأثر الإسرائيلي يا رب أين أجدك؟ قال عند المنكسرة قلوبهم من أجلي (^١).\nومنها أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كتير من الطاعات، والله أعلم. ذكره القرطبي (^٢). قوله: \"ورجل قلبه معلق بالمساجد\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"ورجلان تحابا في الله تعالى\" الحديث، أي لا في عرض دنياوي وكلمة في تجيء للسببية أي على حب الله يعني كان سبب اجتماعهما حب الله تعالى واستمرا عليه حتى تفرقا من مجلسهما.\nقوله: \"ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال\" الحديث، أي إلى الزنا بها، وذات منصب أي ذات الحسب والنسب الشريف وخصها بالذكر لكثرة الرغبة فيها وعسر حصولها لا سيما وهي طالبة لذلك قد أغنت عن مراودة ونحوها، فالصبر عنها لخوف الله تعالى من أكمل المراتب وأعظم الطاعات.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد (ص ٩٥)، وقال في المقاصد الحسنة (ص: ١٦٩/ ١٨٨): جرى ذكره في البداية للغزالي.\n(^٢) لعله ابن القيم، انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٩٩).","vol":"12","page":123},{"text":"قوله: \"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها\" الحديث. قالوا ذكر اليمين والشمال مبالغة في الإخفاء والإسرار بالصدقة، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال [أو] لملازمتها، ومعناه لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين لمبالغته في الإخفاء، وقال بعضهم المراد من عن شماله من على شماله من الناس وهذا في صدقة التطوع إذ الواجبة إعلانها أفضل.\nقوله: \"ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه\" إذ [هو] حينئذ يكون خالصا لله مبرّءا عن شائبة الرياء. فإن قلت: العين لا تفيض بل الفائض هو الدمع. قلت: أسند الفيض إلى العين مبالغة كأنها هو الفائض، وذلك كقوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (^١)، فإن قلت المذكور ثمانية لا سبعة لأنه قال ورجلان تحابا. قلت والمراد ورجل يحب غيره في الله تعالى. فإن قلت: أهذا مختص بالرجال أم النساء أيضا كذلك؟.\nقلت: ليس مختصا، قال أكثر الأصوليين أحكام الشرع عامة لجميع المكلفين وحكمه على الواحد حكم على الجماعة إلا ما دلّ الدليل على خصوص البعض؛ وفيه الحث على العدل وعلى التحاب وهو من المهمات وهو من الإيمان وفيه فضل صدقة السر، وفيه فضيلة البكاء من خشية الله والفقه وغيره، اهـ. قاله الكرماني في شرح البخاري (^٢).\n\n٤٥٦٨ - وعن عبد الله يعني ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن من الإيمان أن يحب الرجل رجلا لا يحبه إلا لله من غير مال أعطاه فذلك\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(^٢) الكواكب الدراري (٥/ ٤٧).","vol":"12","page":124},{"text":"الإيمان. رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: \"وعن عبد الله بن مسعود\"، تقدم. قوله: \"إن من الإيمان أن يحب الرجل رجلا لا يحبه إلا لله تعالى من غير مال أعطاه فذلك الإيمان\" الحديث أي من شعبه وثمراته \"أن يحب الرجل رجلا لا يحبه إلا لله تعالى\" لا لغرض غيره فلذا عقبه بقوله \"من غير مال أعطاه\" صفة لرجل \"فذلك\" الحب \"الإيمان\" كأنه حقيقته لكونه من أقوى فروعه كحديث \"البر حسن الخلق\" وحديث \"الحج عرفة\" فمحبة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لا بد أن تكون خالصة لله تعالى غير مشوبة بالأغراض الدنيوية والحظوظ البشرية.\n\n٤٥٦٩ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ما تحاب رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله ﷿ أشدهما حبا لصاحبه. رواه الطبراني (^٢) وأبو يعلى (^٣)، ورواته رواة الصحيح إلا مبارك بن فضالة، ورواه ابن حبان في صحيحه (^٤) والحاكم (^٥) إلا أنهما قالا: كان أفضلهما أشدهما\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٧٢١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٤): رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٢٦٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٧٩).\n(^٢) المعجم الأوسط (٢٨٩٩).\n(^٣) مسند أبي يعلى الموصلي (٣٤١٩).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٥٦٦).\n(^٥) المستدرك للحاكم (٤/ ١٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٦): رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى، والبزار بنحوه، ورجال أبي يعلى، والبزار رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة، وقد وثقه غير واحد على ضعف فيه.، وصححه الألباني في الصحيحة (٤٥٠).","vol":"12","page":125},{"text":"حبا لصاحبه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ما تحب رجلان في الله تعالى إلا كان أحبهما إلى الله تعالى أشدهما حبا لصاحبه\" تقدم الكلام على الحب في الله. قوله: \"إلا مبارك بن فضالة\" بن أبى أمية القرشى العدوى أبو فضالة البصرى قال خليفة بن خياط: مبارك بن فضالة بن أبى أمية بن كنانة مولى زيد بن الخطاب. وقال محمد بن سعد: مولى عمر بن الخطاب من علماء البصرة، قال عفان: ثقة من النساك، وكان وكان. وقال أبو زرعة: إذا قال: حدثنا فهوثقة وقال النسائي: ضعيف.\n\n٤٥٧٠ - وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره.\nرواه الترمذي (^١) وحسنه وابن خزيمة (^٢) وابن حبان في صحيحهما (^٣)، والحاكم (^٤) وقال: صحيح على شرط مسلم.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١٩٤٤).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (٢٥٣٩).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٥١٨، ٥١٩).\n(^٤) المستدرك للحاكم (١/ ٦١٠)، (٢/ ١١١)، (٤/ ١٨١)، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد (٢١٦١)، وفي البر والصلة (٢١٨)، وسعيد بن منصور (٢٣٨٨)، وأحمد (٢/ ١٦٧)، وعبد بن حميد (٣٤٢)، والدارمي (٢٤٣٧)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٥)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٨١ و٣٣٠)، والطبري في التفسير (٩٤٨٣) وابن بشران في الفوائد (٧١٠)، والبيهقي في الشعب (٩٥٤١ و٩٥٤٢)، وفي الآداب (٦٥٥)، والقضاعي =","vol":"12","page":126},{"text":"قوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره\"، تقدم الحديث.\n\n٤٥٧١ - وعن أبي الدرداء -﵁- يرفعه قال: ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبا لصاحبه. رواه الطبراني (^١) بإسناد جيد قوي.\nقوله وعن أبي الدرداء تقدم. قوله: \"ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب الحديث\". ظهر الغيب والمراد نفس الغيب ولكن أضيف للإيضاح والبيان.\n\n٤٥٧٢ - وعن عبد الله بن عمرو -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: من أحب رجلا لله، فقال: إني أحبك لله فدخلا جميعا الجنة، فكان الذي أحب أرفع منزلة من الآخر، وأحق بالذي أحب لله. رواه البزار (^٢) بإسناد حسن.\n_________\n= في مسند الشهاب (١٢٣٥)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١٧٢٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ١٣٧)، وابن حجر في الأمالي المطلقة (ص ٢٠٨)، وقال النووي في الرياض ١/ ١٢٢: قال الترمذى: حديث حسن. وقال ابن حجر في الأمالي المطلقة (ص ٢٠٨): هذا حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٧٠)،\nوالصحيحة (١٠٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٥٦٨).\n(^١) المعجم الأوسط (٥٢٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٦): رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير المعافى بن سليمان، وهو ثقة. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٢٧٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠١٦).\n(^٢) البزار = البحر الزخار (٢٤٣٩)، ورواه ابن وهب في الجامع (٢٠٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٤٦)، وعبد بن حميد (٣٣٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٢٨/ ٥٥)، والشجري في أماليه (٢/ ١٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٩) رواه =","vol":"12","page":127},{"text":"قوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"من أحبّ رجلا لله فقال إني أحبك لله تعالى فدخلا جميعًا الجنة فكان الذي أحبّ أرفع منزلة من الآخر وأحق بالذي أحبّ لله تعالى\".\n\n٤٥٧٣ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد لله على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحبه في الله. قال: فإني رسول الله إليك إن الله قد أحبك كما أحببته فيه. رواه مسلم (^١).\n[المدرجة] بفتح الميم والراء: هي الطريق.\n[قوله: تربها]: أي تقوم بها، وتسعى في صلاحها.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"أن رجلا زار أخا له في الله تعالى في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا\" الحديث، معنى أرصده أي أقعده يرقبه، والمدرجة هي الطريق، قاله الحافظ. سميت بذلك لأن الناس يدرجون عليها أي يمضون ويمشون. قوله: \"هل له عليك من نعمة تربّها\" أي تسعى في صلاحها، قاله المنذري.\n_________\n= الطبراني، ورواه البزار. وإسناده حسن. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٦٠): رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر، وعبد بن حميد، وأبو يعلى الموصلي، والبزار ومدار أسانيدهم على الأفريقي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٥٣٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٨٠).\n(^١) صحيح مسلم (٣٨) (٢٥٦٧).","vol":"12","page":128},{"text":"قوله: \"إن الله تعالى قد أحبك كما أحببته فيه\" الحديث، قال العلماء: محبة الله تعالى عبده هي رحمته له ورضاه عنه وإرادته له الخير وأن يفعل به فعل المحب من الخير. وأصل المحبة في حق العباد ميل القلب، والله تعالى منزه عن ذلك. وفي هذا الحديث فضل المحبة في الله وأنها سبب لحب الله تعالى [العبد] وفيه فضيلة زيارة الصالحين والأصحاب، وفيه أن الآدميين قد يرون الملائكة، والله أعلم.\n\n٤٥٧٤ - وعن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا، وإذا الناس معه فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل، فلما كان من الغد هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاثه، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت له: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله. فقلت: آلله. فقال: آلله. فقلت: آلله. فأخذ بحبوة ردائي، فجذبني إليه، فقال: أبشر فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: قال الله ﵎: وجبت محبتي للمتحابين في وللمتجالسين في، وللمتباذلين في. رواه مالك بإسناد صحيح (^١)، وابن حبان\n_________\n(^١) مالك (٢/ ٩٥٣ - ٩٥٤)، ورواه عن مالك ابن وهب في الجامع (٢٣٤)، وأحمد (٥/ ٢٣٣)، وعبد بن حميد (١٢٥)، والطحاوي في المشكل (٣٨٩١)، والهيثم بن كليب (١٣٨١ و١٣٨٣ و١٣٨٤)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٠)، والحاكم (٤/ ١٦٨ - ١٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٢٧ - ١٢٨)، والقضاعي (١٤٤٩ و١٤٥٠)، والبيهقي في الشعب (٨٥٧٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٢٦ و١٣٠)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٦٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال أبو نعيم: مشهور ثابت من =","vol":"12","page":129},{"text":"في صحيحه (^١).\nقو له: \"وعن أبي إدريس الخولاني [النجودي] ويقال له [أيضا] (^٢) العيد أي أيضا الزاهد اسمه عائذ الله بن عبد الله كان من علماء أهل الشام وعبادهم وقرائهم روى عن أبي بن كعب وبلال المؤذن وثوبان مولى رسول الله -ﷺ- وحذيفة بن اليمان وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وروى عنه جماعة آخرون كان عالم الشام بعد أبي الدرداء. مات سنة ثمانين، روى له الجماعة، اهـ. قوله: \"دخلت مسجد دمشق فإذا فتى برّاق الثنايا\" الحديث، دمشق سميت بدمشق بن [قاني]. روى ابن أبي خثيمة (^٣) عن النبي -ﷺ- أنه قال لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة.\n_________\n= حديث أبي إدريس عن معاذ. وقال النووي: حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناد الصحيح رياض الصالحين (ص ١٨٣).\n(^١) ابن حبان (٥٧٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٦٤١٧)، والطبراني في الأوسط (٤٧)، وابن عدي في الكامل (١٠/ ٢٨٤)، والقاضي عبد الجبار الخولاني في تاريخ داريا (ص ٦٠)، وتمام الرازي في فوائده (١٧٧٣)، وقال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا اللفظ، ليس يرويه غير ابن عياش عن الوليد بن عباد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٨) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الوليد بن عباد وهو مجهول. وقال في (١٠/ ٦١) رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات.\nقلت: حكم على إسناد أبي يعلى بأن رجاله ثقات مع أن في سنده الوليد بن عباد. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٤١٩).","vol":"12","page":130},{"text":"وروى حكيم بن جابر قال: قالت الصحة أنا لاحقة بأرض المغرب، قال الجوع: وأنا معك، قال الإيمان: وأنا لاحق بأرض الشام، قال الموت: وأنا معك. قال الملك: وأنا لاحق بأرض العراق، وقال [الغيظ]: وأنا معك. (^١)\nوروي أن الله تعالى قال: يا شام أنت خيرتي من بلادي أسكنك خيرتي من عبادي. (^٢) وقال ابن مسعود: قسم الله ﷿ الخير فجعل تسعة أعشاره بالشام وبقيته في سائر الأرضين، ويقال: أعظم بلاد الله بركة الشام قريبًا إن شاء الله تعالى. (^٣)\nقوله: \"فإذا فتى براق الثنايا\" أي شديد بياضها، وصف ثناياه بالحسن والصفاء وأنها تلمع إذا تبرق كالبرق وأراد صفة وجهه بالبشر والطلاقة. قوله: \"فلما كان من الغد هجّرت فوجدته قد سبقني بالتهجير\"، أي بكّرت فسبقني بالتبكير.\nقوله: \"قال آلله، فقلت: الله\" الأول بهمزة ممدودة للاستفهام، والثاني بلا مدّ، والهاء فيهما مكسورة، هذا هو المشهور. وقال القاضي عياض (^٤) رويناه بكسرها وفتحها معا. قال: وأكثر أهل العربية لا يجيزون غير كسره، ذكره النووي في شرح مسلم.\n_________\n(^١) تاريخ مدينة دمشق (١/ ٣٥٥)، المنتظم (١/ ١٣٦).\n(^٢) تاريخ مدينة دمشق (١/ ١٢٣)، بغية الطلب في تاريخ حلب (١/ ٣٤٥).\n(^٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٧٠)، تاريخ مدينة دمشق (١/ ١٥٥).\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (١٨/ ١٣٥).","vol":"12","page":131},{"text":"قوله: \"فأخذ بحبوة ردائي فجذبني إليه\" حبوة الرداء هو مجتمع ثوبه الذي يحتبى به ومتلقى طرفيه في صدره. قاله عياض (^١). \"وجذبني إليه\" يجوز فيه تقديم الباء على الذال ففيه الوجهان، وتقدم الكلام على ذلك في العفو عن الجاني أو قريبا في حديث الأعرابي الذي جبذ النبي -ﷺ- بطرف ردائه [جدبة] (^٢) شديدة.\nقوله -ﷺ-: \"عن الله تعالى وجبت محبتي للمتحابين فيّ\" أي في الله تعالى.\nقوله: \"وللمتباذلين فيّ\" أي في الله تعالى، من البذل، والبذل هو الإعطاء لله تعالى من غير عوض. وقيل: معناه بذل الرجل لصاحبه مالا إذا احتاج إليه بحق أخوة الإسلام، وقيل بذله ماله في سبيل الله، والأول أظهر بلفظ المفاعلة ولما [سبق] من [ذكر] (^٣) التحابب. قاله عياض (^٤).\nفائدة: فيها بشرى في الإثار أن المتحابين في الله تعالى على عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة يشرفون على أهل الجنة فيضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، عليهم ثياب سندس خضر مكتوب على جباههم هؤلاء المتحابون في الله تعالى. وذكروا أن معروفا الكرخي رحمة الله عليه رُئِيَ في النوم كأنه تحت العرش،\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٧٧).\n(^٢) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (جبذة).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) انظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٤٦٤) لابن قرقول.","vol":"12","page":132},{"text":"فقال الله ﷿ يا ملائكتي من هذا؟ فقالوا: وأنت أعلم، هذا معروف الكرخي سكر من حبك فلا يفيق إلا بلقائك.\n\n٤٥٧٥ - وعن أبي مسلم قال: قلت لمعاذ: والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك، ولا قرابة بيني وبينك قال: فلا شيء؟ قلت: لله. قال: فجذب حبوتي ثم قال: أبشر إن كنت صادقا، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء. قال: ولقيت عبادة بن الصامت فحدثته بحديث معاذ، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول عن ربه ﵎: حقت محبتي على المتحابين في وحقت محبتي على المتناصحين في، وحقت محبتي على المتباذلين في، هم على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء والصديقون. رواه ابن حبان في صحيحه. (^١)\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٥٧٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ١٤٥)، وأحمد (٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧ و٢٣٩)، وابنه (٥/ ٣٢٨)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٣٢٣)، والحارث في مسنده (بغية الباحث ١١٠٨)، والترمذي (٢٣٩٠)، والهيثم بن كليب (١٢٣٦ أو ١٢٣٧ و١٣٨٥)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (٧ و٩ و٩٩ و١٥٦)، وأبو القاسم البغوي في الصحابة (٢١٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨٧ - ٨٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٠ و٢/ ١٣١)، (٥/ ١٢١ - ١٢٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٢/ ١٣٠١ - ١٣١ و١٣٢)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣) وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠١٩)، والتعليق الرغيب (٤/ ٤٧)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٨٤/ ٢١٢٩).","vol":"12","page":133},{"text":"٤٥٧٦ - وروى التِّرْمِذِيّ حَدِيث معَاذ فَقَط وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول قَالَ الله ﷿ المتحابون فِي جلالي لَهُم مَنَابِر من نور يَغْبِطهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاء وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\nقوله: \"وعن أبي مسلم\" اليماني الزاهد اسمه عبد الله بن ثوب بضم المثلثة وفتح الواو وبعدها موحدة، [ويقال ثَوَاب بفتح الثاء وتخفيف الواو ويقال ابن عبد الله، وقيل غير ذلك، مشهور بالزهد والكرامات الظاهرات والمحاسن الباهرات] (^٢). وكان أبو مسلم الخولاني أحد الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد من التابعين وهم أوس بن عامر القرني والأسود بن يزيد والحسن البصري والربيع بن خيثم وعامر بن عبد قيس وهرم بن حيان ومسروق بن الأجدع. وأبو مسلم الخولاني، قال أبو نعيم في الحلية (^٣) كان أبو مسلم يقول: مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، إذا ظهرت لهم شاهدوا وإن غابت عنهم تاهوا. كان أبو مسلم إذا جلس عنده أحد فتكلم في شيء من أمر الدنيا تحول عنه، وكان من المجتهدين في العبادة، سأل رجل عنه فقيل له أنه في المسجذ، فأتاه فوجده راكعا فانتظر انصرافه وأحصى ركوعه فإذا هو نحو ثلاثمائة ركعة أو أربعمائة ركعة قبل أن ينصرف، وكان إسلامه يوم حنين.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٩ (٢٢٠٨٠) والترمذى (٢٣٩٠). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (٥٠١١) وصحيح الترغيب (٣٠١٩).\n(^٢) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، إذا ظهرت لهم شاهدوا وإن غابت عنهم تاهوا.).\n(^٣) حلية الأولياء (٥/ ١٢٠).","vol":"12","page":134},{"text":"أسلم في زمن النبي -ﷺ-، وألقاه الأسود العنسي في النار فلم يحترق، فتركه، فجاء مهاجرا إلى النبي -ﷺ-، فتوفي النبي -ﷺ- وهو في الطريق، فجاء إلى المدينة فلقي أبا بكر الصديق وعمر وغيرهما من كبار الصحابة، وكان يشبه الخليل إبراهيم ﵊ في حاله، ومر على في جلة فمشى على الماء ثم التفت إلى أصحابه فقال هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله تعالى، هذا هو الصواب المعروف فيه، ولا خلاف فيه بين العلماء. وأما قول ابن السمعاني في الأنساب أنه أسلم في زمن معاوية فغلط باتفاق أهل العلم والمحدثين وأصحاب التواريخ والمغازي والسير وغيرهم. والأسود العنسي بالنون روى الأئمة أن الأسود بن قيس تنبأ باليمن، قاله في مجمع الأحباب.\nتنبيه: والأسود العنسي بالعين المهملة والنون والسين نسبة إلى عنس بن مالك بن أدد حي من مدحج وسماه في المؤتلف للزمخشري [عبهلة] الأسود. واعلم أن مسيلمة والأسود كانا كذابين ادعيا النبوة، أما مسيلمة فقتله وحشي يوم اليمامة وأما الأسود العنسي فقتله فيروز وأتى برأسه للنبي -ﷺ- في آخر حياته، [وصل] خبره في مرضه الذي توفي فيه، فقال ﵊، قتله الرجل الصالح فيروز الديلمي، وفي رواية قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين. فيروز الديلمي كنيته أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو الضحاك اليماني له صحبة، ويقال له الحميري لنزوله فيهم وهم من أبناء فارس [ألفين] بعثهم كسرى إلى اليمن فطردوا الحبشة عنها وغلبوا عليها، مات في زمن عثمان، وقيل باليمن في إمارة معاوية سنة ثلاث وخمسين","vol":"12","page":135},{"text":"وفي الصحابة آخران اسمهما فيروز ذكرهما الذهبي.\nالضحاك بن فيروز روى عن أبيه وهو معدود في تابعي أهل اليمن، وقال ابن سبع هو فلسطيني وقيل: كان يصحب عبد الملك بن مروان ويجالسه، ذكره ابن حبان في الثقات، هذا قول كثيرين يعني أنه قتله فيروز فيما تقدم.\nوقال خليفة بن خياط والواقدي وآخرون من أهل المغازي: إنما قتله في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة وأنكر الحاكم أبو أحمد بأنه قتل في زمنه ﵇ وحمل إليه رأسه وأطنب واستدل على بطلانه وصوب قول خليفة حكاه النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١) ولم يرده وكأنه لم يقف على الحديث، لكن روى البيهقي (^٢) عن الزهري أنه قال: لم يحمل إلى رسول الله -ﷺ- رأس إلى المدينة قط ولا يوم بدر قط وحمل إلى أبي بكر فكره ذلك، وأول من حملت إليه الرءوس عبد الله بن الزبير.\nوعن عقبة بن عامر (^٣) أن عمرو بن العاصي وشرحبيل بن حسنة [بعثاه] بريدا إلى أبي بكر الصديق برأس ينان بطريق الشام فلما قدم على أبي بكر\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٣).\n(^٢) سنن البيهقي الكبرى (٩/ ١٣٢)، السنن الصغرى (٨/ ١١٠)، المراسيل لأبي داود (٣٢٩).\n(^٣) سنن البيهقي الكبرى (٩/ ١٣٢)، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٤٩) (٢٦٥٠)، والطحاوي في شرح مشكل الاثار (٧/ ٤٠٥). قال ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ١٠٧): وإسناده صحيح. والبطريق -بكسر الباء- وهو كالأمير. قال ابن الجواليقي: البطريق بلغة الروم هو القائد أي: مقدم الجيوش وأميرها، وجمعه بطارقة وقد تكلمت به العرب.","vol":"12","page":136},{"text":"أنكر ذلك فقال له عقبة يا خليفة رسول الله -ﷺ- إنهم يصنعون ذلك بنا فقال: أتستنّان بفارس والروم؟ لا يحمل إليّ رأس، إنما يكفي الكتاب [والخبر] (^١) رواه البيهقي بإسناد صحيح وبتقدير صحة الحديث [فيؤخذ] منه استحباب ذلك. وقد قال به جماعة [لما فيه] من الفرح بالظفر بالعدو ونصرة المسلمين والتشفي بمن كان ينكيهم ولا سيما من يدعي النبوءة منهم ومن كره ذلك فلكونه [منهم] يصح عنده الحديث، اهـ. قاله في شرح الإلمام. قوله: \"فجذب حبوتي\" تقدم الكلام على الحبوة في الحديث قبله وتقدم الكلام أيضا على الظل.\nقوله -ﷺ-: \"لم يغبطهم النبيئون والشهداء بمكانهم\" الحديث، الغبط حسد خاص، يقال غبطت الرجل أغبطه غبطا إذا اشتهيت أن يكون لك ماله وأن يزول عنه ما هو فيه فأراد ﵊ أن الغبط لا يضر ضرر الحسد. واعلم أن الغبطة له تأويلان: أحدهما معناه لو غبط النبيئون مع جلالة قدرهم أحد لغبطوا أولئك. والثاني أنه حقيقة في الغبطة وهو غير مذموم لأن صاحب الفضائل لا يزال في طلب الفضيلة فإذا شاهد لغيره مرتبة ينال بها ثوابا أحب أن يكون له مثل ذلك مضموما إلى ما له من الثواب والدرجة وإن كان ما له أرفع ونظير ذلك رجل له ألف خادم ولغيره واحد فأحبّ أن يكون له مثل ذلك وهذا المعنى مجبول في الإنسان. اهـ.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":137},{"text":"قوله -ﷺ- عن ربه ﵎ أنه قال: \"حقت محبتي على المتحابين في\" تقدم الكلام على الحب في الله تعالى. وحقت معناها [وحقيقة] (^١) وتقدم معنى الغبطة.\n\n٤٥٧٧ - وعن عبادة بن الصامت -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يأثر عن ربه ﵎ يقول: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. رواه أحمد (^٢) بإسناد صحيح.\nقوله: \"وعن عبادة بن الصامت\" [الصّامت] ضد الناطق، وتقدم الكلام عليه -﵁-. قوله: \"قال سمعت رسول الله -ﷺ- يأثر عن ربه\" بمعنى يأثر.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) مسند أحمد (٢٢٠٠٢، ٢٢٠٦٤)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧١٥)، والطيالسي (٥٧١) ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٣٢٤)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (١٥٦)، والبزار = البحر الزخار (٢٦٩٧)، وابن قانع في الصحابة (٣/ ٢٥)، والطحاوي في المشكل (٣٨٩٢)، (٣٨٩٣) و(٣٨٩٤) (٣٨٩٥) والهيثم بن كليب (١٢٣٥ و١٣٨٢) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٧٩ - ٨١/ ١٥٤)، وفي مسند الشاميين (٦٢٥، ٧٤٤، ٢٢٢٥، ٢٤٣٤) (٢٤٣٣)، وفي الأوسط (٦٨٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٠٦)، (٥/ ١٢١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٩٣)، وفي الآداب (٢٣٢)، وشعب الإيمان (٨٥٨٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٢٦ - ١٢٧)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤) والشجري في أماليه (٢/ ١٤٩)، وابن قدامة المقدسي في المتحابين في الله (٤٣)، وقال ابن عبد البر: وهذا أيضا إسناد صحيح ثابتوصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٢١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٢٠).","vol":"12","page":138},{"text":"٤٥٧٨ - وعن شُرحبيل بن السمط أنه قال لعمرو بن عبسة: هل أنت محدثي حديثا سمعته من رسول الله -ﷺ- ليس فيه نسيان، ولا كذب؟ قال: نعم سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: قال الله ﷿: قد حقت محبتي للذين يتحابون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتبادلون من أجلي، وقد حقت محبتي للذين يتصادقون من أجلي. رواه أحمد (^١) ورواته ثقات، والطبراني (^٢) في الثلاثة، واللفظ له، والحاكم (^٣) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن شرحبيل بن السمط\" هو شرحبيل بن السمط بن الأسود بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية [الأكرمين] بن الحارث بن معاوية بن ثور الكندي أبو يزيد مختلف في صحبته، روى عن النبي -ﷺ- وعن\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٩٤٣٨). وأخرجه ابن المبارك في مسنده (٩)، وفي الزهد (٧١٦)، وعبد بن حميد (٤ هـ ٣) وابن أبي الدنيا في الإخوان (٨ و٩٨ و١٥٥)، وأبو نعيم في الأربعين على مذهب المتحققين (٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٩٩٦)، وابن قدامة في المتحابين (٤٤).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٩٠٧٦)، والصغير (١٠٩٥) وفي مسند الشاميين (٦٥٤)، وهو في القسم المفقود من المعجم الكبير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٩): رواه الطبراني في الثلاثة، وأحمد بنحوه، ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٢١).\n(^٣) الحاكم (٤/ ١٦٩ - ١٧٠)، وقال: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٦١٣): أخرجه أحمد من حديث عمرو بن عبسة وحديث عبادة بن الصامت، ورواه الحاكم وصححه.","vol":"12","page":139},{"text":"سلمان وعمرو بن عنبسة وكعب بن مرة، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة، وقال: جاهلي إسلامي وفد إلى النبي -ﷺ- وقد شهد القادسية وولي حمص وهو الذي فتحها وكان من فرسان الإسلام، مات سنة ست وثلاثين وقيل سنة أربعين. روى له الجماعة سوى البخاري والله أعلم.\nقوله: \"إنه لعمرو بن عنبسة\" هو أبو نجيح، وقيل: أبو شعيب عمرو بن عبسة، بعين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين، ثم سين مهملة على وزن عدسة، وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث، والأسماء، والتواريخ، والسير، والمؤتلف، وغيرهم من أهل الفنون، ورأيت جماعة ممن صنف في ألفاظ المهذب يزيدون فيه نونا، وهذا غلط فاحش، ومنكر ظاهر، وإنما ذكرته نتبيها عليه لئلا يغتر به، وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال ة خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابى الصالح، أسلم قديما، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، وأنه قدم على رسول الله -ﷺ- مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبى -ﷺ- الإقامة معه بمكة، فقال: \"إنك لا تقدر على ذلك الأن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعت بخروجى فأتنى\"، وأنه أتى النبى -ﷺ- بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وحديث هجرته طويل مشتمل على جمل من أنواع العلم والأصول والقواعد، وهو بطوله في صحيح مسلم قبيل صلاة","vol":"12","page":140},{"text":"الخوف، وكان أخا أبى ذر لأمه، وقد المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام.\nروى له عن رسول الله -ﷺ- ثمانية وثلاثون حديثا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفى بها (^١).\nقوله -ﷺ- عن الله ﷿: \"قد حقت محبتي للذين يتاحبون من أجلي\" تقدم معناه.\n\n٤٥٧٩ - وعن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: إن لله جلساء يوم القيامة عن يمين العرش، وكلتا يدي الله يمين- على منابر من نور وجوههم من نور، ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، ولا صديقين، قيل يا رسول الله: من هم؟ قال: هم المتحابون بجلال الله ﵎، المتحابون بجلال الله ﵎. رواه أحمد (^٢) بإسناد لا بأس به.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"وكلتا يدي الله يمين\" فإنه أراد بذلك الكمال والتمام وكانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر من النقصان وفي التيامن من التمام فلذلك قال: وكلتا يديه يمين أي الشمال\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٣٤/ ١٢٦٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٧) رواه الطبراني، ورجاله وثقوا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٢٢) وقال: عزوه لأحمد وهم أو خطأ من بعض الناسخين.","vol":"12","page":141},{"text":"تنقص عن اليمين في العادة وتسمى الشمال الشؤمى كأنه أراد أن يديه ﵎ جميعا بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما وفي رواية كلتاهما ميمون مبارك على أن الشمال قد ورد في بعض الأخبار الصحاح وفي رواية: ويده الأخرى لم يذكر اليمين ولا الشمال، قاله صاحب المغيث (^١).\nقوله -ﷺ-: \"هم المتحابون في جلال الله\" جلال الله تعالى عظمته أي الذين لا يحب بعضهم بعضا رياء ولا سمعة وطلبا لحطام الدنيا واتباعا لهوى الأنفس بل محبة [لله] تعالى على الخلوص لا يشوبها هوى ولا بدعة (^٢). اهـ.\n\n٤٥٨٠ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء والشهداء. قيل: من هم لعلنا نحبهم؟ قال: هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور. لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (^٣). رواه النسائي (^٤) وابن حبان في صحيحه (^٥)، واللفظ له، وهو أتم.\n_________\n(^١) المجموع المغيث (٣/ ٥٣٢) والنهاية (٥/ ٣٠١).\n(^٢) حدأئق الأزهار (مخطوط رقم ٨٧٧٨١/ لوحة ٢٧٠).\n(^٣) سورة يونس، الآية: ٦٢.\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٧٢).\n(^٥) ابن حبان (٥٧٣). وأخرجه أبو يعلى (٦١١٠)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (٥)، والبزار = البحر الزخار (٩٤٥٥)، وابن الأعرابي في المعجم (١٨٤٠)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ١٦٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٩٩٨ =","vol":"12","page":142},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء\" الحديث. قال الجوهري: الغبطة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه وهذا ليس بحسد. فإن قلت كيف يغبطهم النبيون والشهداء وهم أفضل منهم. قلت: يجوز أن يكون ذلك ليس على حقيقته وإنما أراد -ﷺ- بيان فضلهم بأبلغ وجه، والمعنى أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط [النبييون] أحدا لغبطوا هؤلاء ويحتمل أن يجري هذا على حقيقته ويقال كل ما كان مقربا إلى الله تعالى ورآه الرائي غبط صاحبه وإن كان منزلة الرائي أعلى من وجه آخر وفي هذا تأمل الناظر وإشكال والله أعلم.\nقوله: \"هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب\" الحديث، يعني أنه ليس بينهم نسب ولا سبب يوجب ذلك. قوله: \"ولا يخافون إذا خاف الناس\" الخوف عبارة كذا.\nقوله: \"ولا يحزنون إذا حزن الناس\" والحزن عبارة عن الهم من خوف العاقبة أو من أجل المعاش وآفاته أو من وسوسة الشيطان أو خوف الموت\n_________\n= و٨٩٩٩)، وقال البيهقي: كذا قال: عن أبي هريرة وهو وهم والمحفوظ عن أبي زرعة، عن عمر بن الخطاب، وأبو زرعة، عن عمر، مرسل. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٧) رواه البزار، وفيه من لم أعرفهم. صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٢٣)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٨٢/ ٢١٢٦)، والتعليق الرغيب (٤/ ٤٨ - ٤٧). وقال الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٢٦): صحيح لغيره.","vol":"12","page":143},{"text":"أو عام وقيل: هو كل ما يحزن من حزن معاش أو حزن عذاب أو حز موت، فقد أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان.\nقوله: \"ثم قرأ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ \" (^١)، أولياء الله جمع ولي وفيه وجهان: أحدهما أنه فعيل بمعنى مفعول، [كقتيل] بمعنى [مقتول]، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا هو من يتولى الله تعالى رعايته وحفظه فلا يكله إلى نفسه لحظة كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، والوجه الثاني: أنه فعيل مبالغة من فاعل كرحيم وعليم بمعنى راحم وعالم وعلى هذا من يتولى عبادة الله تعالى وطاعته فيأتي بها على التوالي من غير أن يتخللها عصيان أو فتور وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما فكل من كان للشرع عليه اعتراض فليس بولي بل هو مغرور مخادح، ذكره أبو القاسم القشيري وغيره. قاله أبو القا سم الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (^٢).\nتنبيه: قال الإمام الشافعي (^٣) والإمام أبو حنيفة (^٤) رحمهما الله تعالى: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله تعالى فليس لله ولي والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٦٢.\n(^٢) شرح الودعانية (ص ٢٤٧).\n(^٣) الفقيه والمتفقه (١/ ١٥٠)، التبيان في آداب حملة القرآن (١/ ١٦)، حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٩).\n(^٤) الفقيه والمتفقه (١/ ١٥٠).","vol":"12","page":144},{"text":"٤٥٨١ - وعن أبي أمامة -رضي الله عن - قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن لله عبادا يجلسهم يوم القيامة على منابر من نور يغشي وجوههم النور حتى يفرغ من حساب الخلائق. رواه الطبراني (^١) بإسناد جيد.\nقوله: \"وعن أبي أمامة الباهلي\" اسمه صدى بن عجلان من مشاهير الصحابة روى له مائة حديث وخمسون حديثا للبخاري منها خمسة، مات بحمص سنة إحدى وثمانين وقيل هو آخر من مات من الصحابة بالشام، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. قوله -ﷺ-: \"إن لله عبادا يجلسهم يوم القيامة على منابر من نور\"، المنابر جمع منبر وهو المكان المرتفع الذي يجلس عليه الخطيب. قوله: \"يغشى وجوههم النور\" يغشى بمعنى.\n\n٤٥٨٢ - وعن العرباض بن سارية -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: قال الله ﷿: المتحابون بجلالي في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي. رواه أحمد (^٢) بإسناد جيد.\nقوله: \"وعن العرباض بن سارية\" تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"قال الله تعالى: المتحابون بجلالي\" الحديث، أي الذي لا يحب بعضهم بعضا رياء\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٨/ ١١٢/ ٧٥٢٧)، ومسند الشاميين (٨٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٥/ ٢٧٧): رواه الطبراني، وإسناده جيد. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٥٣٤) وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٨١): ضعيف جدا.\n(^٢) مسند أحمد (١٧١٥٨)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٩٥٩)، وفي المعجم الكبير (٦٤٤/ ٢٥٨/١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١١١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٢٤).","vol":"12","page":145},{"text":"ولا سمعة ولا طلبا لحطام الدنيا واتباعا لهوى الأنفس بل محبة لله تعالى على الخلوص لا يشوبها هوى ولا بدعة، والله أعلم. والباء في بجلالي قال بعضهم: يجوز أن تعلق بالمتحابين أي الذين يتحابون بجلالي ويجوز أن تكون باء القسم فيكون المعنى بحق جلالي أفعل بهم كذا. قاله شارح مشارق الأنوار الشيخ وجيه الدين (^١). قوله: \"في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي\" وظله ﷾ كنفه وستره.\n\n٤٥٨٣ - وعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ليبعثن الله أقواما يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال: فجثى أعرابي على ركبتيه، فقال يا رسول الله: جلهم لنا نعرفهم، قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى، وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه. رواه الطبراني (^٢) بإسناد حسن.\nقوله: \"وعن أبي الدرداء\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ليبعثن الله أقوامًا يوم القيامة\" اللام لام القسم، تقديره والله.\nقوله: \"فجثى أعرابي على ركبيته\" الجُثِي عبارة عن الزحف على الركب والأعرابي هو الذي سكن البادية.\n_________\n(^١) حدائق الأزهار (مخ ٨٧٧٨١/ لوحة ٢٧٠).\n(^٢) رواه الطبراني في معجمه -كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (٢/ ١٣١) - من حديث فرج بن فضالة عن أسد بن وداعة عن أبي الدرداء مرفوعًا ... نحوه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧) رواه الطبراني، وإسناده حسن.، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٥٠٩).","vol":"12","page":146},{"text":"قوله -ﷺ-: \"هم المتحابون في الله تعالى يذكرونه\" تقدم الكلام على الذكر وما المراد به.\n\n٤٥٨٤ - وعن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء، ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله.\nقالوا يا رسول الله: فخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾. رواه أبو داود (^١).\nقوله: \"وعن عمر\" تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"هم قوم تحابوا بروح الله تعالى\" الحديث، بروح الله تعالى بضم الراء وفتحها، بضم الراء القرآن والمراد منه في الحديث أن السبب الداعي بينهم إلى المحابة هي الوحي\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٥٢٧)، وأخرجه الطيالسي في مسنده، وأسحاق بن راهويه في مسنده وابن مردويه في تفسيره كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ٢/ ١٣٠، وهناد في الزهد (٤٧٥) والطبري في تفسيره (١٧٧١٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥،)، والوأحدي في الوسيط (٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٨٥)، (٨٥٨٦)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٠٨٦)، وابن قدامة المقدسي في المتحابين في الله (٤٨)، وقال ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٥٣٨) هذا حديث جيد الإسناد، وفيه انقطاع بين أبي زرعة وعمر، وقال في البداية والنهاية (٤/ ٥٢٩): وهذه الطريق أيضا مرسلة، إلا أنها مقوية لما قبلها، فين أختلفت الألفاظ.، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٢٦)، والتعليق الرغيب (٤/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"12","page":147},{"text":"المنزل الهادي إلى سواء السبيل. قال الخطابي (^١): بروح الله بضم الراء، قال ابن الأثير (^٢) وقد تكرر ذكر الروح في الحديث كما تكرر في القرآن ووردت فيه معان [و] الغالب منها أن المراد بالروح الذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة، وقد أطلق على القرآن والوحي والرحمة وعلى جبريل ﵇ في قوله: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (^٣)، و﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ (^٤)، والروح يذكر ويؤنث وفيه: تحابوا بذكر الله وروحه، أراد ما يحيى به الخلق [ويهتدون] فيكون حياة لهم. وقيل هو القرآن، تابعوه فيما حثهم عليه من موالاة المسلمين ومصادقتهم. وقيل أراد أمر النبوءة، ومنه الحديث، الملائكة الروحانيون يروى بضم الراء وفتحها [كأنه] نسب إلى الرُّوح أو [الرَّوْح] وهو نسيم الريح والألف والنون من زيادات النسب ويريد به أنهم أجسام لطيفة لا يدركها البصر، والله أعلم.\n\n٤٥٨٥ - وعن أبي مالك الأشعري -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله ﷿ عبادًا ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله، فجثى رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى بيده إلى النبيﷺ-، فقال يا رسول الله:\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ١٤٥).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٢٧٢).\n(^٣) سورة الشعراء، الآية: ٩٣.\n(^٤) سورة النحل، الآية: ١٠٢.","vol":"12","page":148},{"text":"ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم، وقربهم من الله، أنعتهم لنا جلهم لنا: يعني صفهم لنا شكلهم لنا، فسر وجه النبي -ﷺ- بسؤال الأعرابي، فقال رسول الله -ﷺ-: هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورًا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون. رواه أحمد (^١). وأبو يعلى بإسناد حسن، والحاكم (^٢) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي مالك الأشعري\" وأبو مالك قيل اسمه الحارث بن الحارث، وقيل عبيد وقيل عبيد الله وقيل غير ذلك [قوله:] فجاء الأعرابي من\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٢٩٠٦، ٢٢٨٩٤)، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٣٢٤) وابن المبارك في مسنده (٧)، وفي الزهد والرقائق (٧١٤)، وابن أبي الدنيا في المتحابين في الله (٤٦)، وفي الإخوان (٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦٨٧٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٩٠/ ٣٤٣٣، ٣٤٣٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٨٨)، وفي الأسماء والصفات (٩٧٦)، وقال البيهقي: فهذا حديث راويه شهر بن حوشب، وهو عند أهل العلم بالحديث لا يحتج به، قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ١٦٤): صحيح لغيره. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٦) رواه كله أحمد، والطبراني بنحوه، ورجاله وثقوا. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ١١٢) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.\n(^٢) كذا قال، ولم يروه الحاكم من حديث أبي مالك، وإنما من حديث ابن عمر (٤/ ١٧٠ - ١٧١)، انظر: الصحيحة (٣٤٦٤).","vol":"12","page":149},{"text":"قاصية الناس معناه. قوله: \"ونوازع القبائل\" جمع نازع وهو الغريب والمعنى الذي نزع عن أهله وعشيرته. أي بعد وغالب وتقدم له نظائر في كتالب الذكر. قوله: \"يفزع الناس ولا يفزعون\" الفزع عبارة عن انقباض ونفار يعرض للانسان من الشئ المخيف وهو من جنس الجزع.\n\n٤٥٨٦ - وروي عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: إن في الجنة لعمدا من ياقوت عليها غرف من زبرجد لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري. قال: قلنا يا رسول الله: من يسكنها؟ قال: المتحابون في الله، والمتباذلون في الله، والمتلاقون في الله. رواه البزار (^١).\nقوله: \"وروي عن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"إن في الجنة لعمدا من ياقوت\" جمع عمود والكوكب الدري عند العرب: الشديد الإنارة نسب إلى الدر وشبه صفاؤه بصفائه، وقال المفسرون: الكوكب الدري واحد من الكواكب\n_________\n(^١) مسند البزار = البحر الزخار (٨٧٧٦) وقال: وهذا الكلام لا نعلم رواه عن أبي هريرة إلا موسى بن وردان، ولا عن موسى إلا محمد بن أبي حميد، ومحمد بن أبي حميد روى عنه جماعة من أهل العلم ولم يكن بالحافظ، وهو مدني مشهو، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٨) رواه البزار، وفيه محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف. وأخرجه ابن وهب في الجامع في الحديث (٢٣٩)، وأحمد بن منيع في مسنده كما في المطالب العالية (٤٦١٣)، والحسين المروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك (١٤٨١)، وعبد بن حميد في مسنده (١٤٣٢)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (١١)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٣٠٩)، وابن الأعرابي في المعجم (٤٩٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٩٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٨٧)، وتمام في فوائدهْ (١٢٠٠ - ١٢٠٢)، والبيهقي في الشعب (٨٥٨٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٩٧). وفي الضعيفة (١٨٩٧).","vol":"12","page":150},{"text":"الخمسة العظام، وقال الفراء: العرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماؤها الدراري بلا همز.\n\n٤٥٨٧ - وروي عن بريدة -﵁- عن النبي -ﷺهـ قال: إن في الجنة غرفا ترى ظواهرها من بواطنها وبواطنها من ظواهرها، أعدها الله للمتحابين فيه، والمتزاورين فيه، والمتباذلين فيه. رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: \"وروي عن بريدة\" تقدم. قوله: \"إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها\" الحديث، الغرف جمع غرفة وهي المكان المرتفع.\n\n٤٥٨٨ - وروي عن معاذ بن أنس -﵁- أنه سأل رسول الله -ﷺ- عن أفضل الإيمان؟ قال: أن تحب لله، وتبغض لله، وتعمل لسانك في ذكر الله، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك. رواه أحمد (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٢٩٠٣)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٨) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن سيف، وهو ضعيف. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٣٨٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٥٣٠): ضعيف جدًا.\n(^٢) مسند أحمد (٢٢١٣٠)، وأخرجه الترمذي (٢٥٢٣) وقال: هذا حديث حسن، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٧٤)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٩١/ ٤٢٥)، (٤٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٩): وفي الأولى رشدين بن سعد، وفي الثانية ابن لهيعة، وكلاهما ضعيف. رواهما أحمد. وقال في (١/ ٦١) قُلْتُ: روى الترمذي بعضه بغير سياقه، ورواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده ابن لهيعة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٠٠١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٨٤).","vol":"12","page":151},{"text":"قوله: \"وروي عن معاذ بن أنس\" تقدم. قوله: \"أنه سأل رسول الله -ﷺ- عن أفضل الإيمان\" أي عن أفضل خصال الإيمان، والإيمان هو التصديق بالقلب بالله وملائكته، الحديث.\n\n٤٥٨٩ - وعن عمرو بن الجموح -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى، ويبغض لله، فإذا أحب لله ﵎، وأبغض لله، فقد استحق الولاية لله تعالى. رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢)، وفيه رشدين بن سعد.\nقوله: \"وعن عمرو بن الجموح\" بفتح الجيم بن زيد بن حرام بالحاء المهملة بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة بكسر اللام الأنصاري السلمي من بني جشم بن الخزرج شهد العقبة واختلفوا في شهوده بدرا واستشهد يوم أحد، دفن هو وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر في قبر واحد وكانا صهرين، ورَوْوا أن النبي -ﷺ- قال لنفر من سلمة سيدكم عمرو بن الجموح وكان عمرو سيدا من سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم وكان له أربعة بنين يقاتلون مع النبي -ﷺ- ورووا أن النبي -ﷺ- قال فيه حين استشهد لقد رأيته\n_________\n(^١) أخرجه أحمد وابنه (١٥٥٤٩) والحديث؛ أخرجه ابن أبي الدنيا، في الأولياء (١٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٥٥) وسمى الصحابي: عمرو بن الحَمِق. وقال: لا يُروى هذا الحديث عن عمرو بن الحمق إلا بهذا الإسناد، تفرد به رشدين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٩) رواه أحمد، وفيه رشدين بن سعد، وهو منقطع ضعيف. وقال في (١/ ٨٩) رواه الطبراني في الكبير، وفيه رشدين، وهو ضعيف وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٨٥).","vol":"12","page":152},{"text":"في الجنة. قوله -ﷺ-: \"لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله\" الحديث، صريح الإيمان هو محضه وخالصه وكل خالص صريح بين الصراحة.\nقوله: \"فيه رشدين بن سعد\" قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال أحمد: لا يبالي عمن روى، وليس به بأس في الرقائق وقال أيضًا: أرجو أنه صالح الحديث وحسن له الترمذي.\n\n٤٥٩٠ - وعن معاذ بن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه. رواه أحمد (^١) والترمذي (^٢)، وقال: حديث منكر، والحاكم (^٣) وقال: صحيح الإسناد والبيهقي (^٤) وغيرهم.\nقوله: \"وعن معاذ بن أنس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"من أعطى لله ومنع لله وأحبّ لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه\" ومعنى الحديث أن حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل الإيمان بذلك بذلك ظاهرا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٠) ومن طريقه أخرجه الخلال في السنة (١٦١٦) وابن بطة (٨٤٧)، وأخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٩٥)، وأبو يعلى (١٥٠٠)، والطبراني في معجمه الكبير (٢٠/ ١٨٨/ ٤١٢)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٨٤٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٥٢).\n(^٢) الترمذي (٢٥٢١) قال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(^٣) الحاكم (٢/ ١٦٤) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\n(^٤) البيهقي في الشعب (١٥).","vol":"12","page":153},{"text":"وباطنا ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح فإن كان القلب صالحا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله. وسُئِل\" \"٩٠/ ٢\" ذون النون المصري متى أحب ربي قال إذا كان ما يبغضه عندك أمرّ من الصبر، ومن هنا قال الحسن: اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته. قاله ابن رجب الحنبلي (^١).\n\n٤٥٩١ - وعن أبي أمامة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. رواه أبو داود (^٢).\nقوله: \"وعن أبي أمامة الباهلي\" تقدم، قوله -ﷺ-: \"من أحبّ لله وأبغض لله\" الحديث، تقدم معناه.\n\n٤٥٩٢ - وعن البراء بن عازب -﵁- قال: كنا جلوسا عند النبي -ﷺ- فقال: أي عرى الإسلام أوثق؟ قالوا: الصلاة. قال: حسنة، وما هي بها قالوا: صيام\n_________\n(^١) كلمة الإخلاص (ص/ ٣١)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٧٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٨٧٥)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (١٧)، والطبراني في معجمه الكبير (٨/ ١٣٥/ ٧٦١٣)، و(٨/ ١٧٧/ ٧٧٣٧) (٧٧٣٨)، وفي مسند الشاميين (٨٨٤ و١٢٦٠) وابن عدي في الكامل (٦/ ٣١٤)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٨٤٦)، (٨٤٨)، واللالكائي في السنة (١٦١٨) والبيهقي في الشعب (٩٠٢١) والشجري في أماليه (٢/ ١٥٠)، والخطيب البغدادي في المتفق والمفترق (٣/ ٣٣٦)، (٣/ ٣٦٩)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٦٩) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ١٦٨)، (٣٤/ ٦٤)، (٤٠/ ١٧)، والذهبي في معجم الشيوخ (٢/ ٢٣٣) (٢/ ٣٤٧)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٢٨).","vol":"12","page":154},{"text":"رمضان. قال: حسن، وما هو به؟ قالوا: الجهاد. قال: حسن، وما هو به؟ قال إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله. رواه أحمد (^١) والبيهقي (^٢)، كلاهما من رواية ليث بن أبي سليم، ورواه الطبراني (^٣) من\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٨٥٢٤)، وأخرجه الطيالسي (٧٤٧)، ابن أبي شيبة (١٠٤٦٩)، وفي المسند (إتحاف الخيرة ٥٤/ ١)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (١)، وابن نصر في الصلاة (٣٩٣) والروياني (٣٩٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٣١)، وأبو بكر الشافعي في فوائده (١٠٥٦)، والخطيب في التاريخ (١١/ ٣٥٤)، والشجري في أماليه (٢/ ١٣٣)، وابن قدامة في المتحابين (١٠) (١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٩) رواه أحمد، وفيه ليث بن أبي سليم، وضعفه الاكثر. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٣٠).\n(^٢) البيهقي في الشعب (١٣) (٩٠٦٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢١١/ ١٠٣٥٧)، (١٠/ ٢٧٢/ ١٠٥٣١)، وفي الأوسط (٤٤٧٩)، وفي الصغير (٦٢٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٤٣٤)، وفي مسنده (٣٢١)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٠)، والمروزي في السنة (٥٥)، والهيثم بن كليب في مسنده (٧٧٢)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، والخرائطي في المكارم (٢/ ٧٥٠)، والحاكم (٢/ ٤٨٠) وأبو ذر الهروي في فوائده (١)، والشجري في أماليه (٢/ ١٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٧٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٣٣)، وفي الشعب (٩٠٦٤)، (٩٠٦٥)، وفي الآداب (٢٣٥)، وفي المدخل (ص ٤٤٦)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٣٠)، وفي جامع بيان العلم (١٥٠٠)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٤٨) وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ١٢٦)، وابن قدامة المقدسي في المتحابين (١٥)، وقال العقيلي في ترجمة عقيل الجعدي: حديثه غير محفوظ ولا يعرف إلا به وقال أبو حاتم: حديث منكر لا يشبه حديث أبي إسحاق، ويشبه أنْ يكون عقيل هذا أعرابيا، والصعق لا بأس به. (العلل ٢/ ١٦٢)، وقال البيهقي في المدخل: عقيل الجعدي غير معروف. وقال الهيثمي: وفيه =","vol":"12","page":155},{"text":"حديث ابن مسعود أخصر منه.\nقوله: \"وعن البراء بن عازب\" تقدم. قوله: \"أيّ عرى الإسلام أوثق\" الحديث، عرى الإيمان أركان الإسلام والعرى جمع عروة وهي ما يتماسك به. قوله: \"ليث بن أبي سليم\" فيه خلاف، وقد حدث عنه الناس وضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، وقال مؤمل بن الفضل: سألت عيسى بن يونس عن ليث فقال: قد رأيته، وكان قد اختلط وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار، وهو على المنارة يؤذن، وقال الدارقطني: كان صاحب سنة إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، ووثقه ابن معين في رواية.\n\n٤٥٩٣ - وعن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: أفضل الأعمال الحب في الله، والبغض في الله. رواه أبو داود (^١)، وهو عند أحمد (^٢) أطول منه، وقال\n_________\n= عقيل بن الجعد قال البخاري: منكر الحديث المجمع (١/ ٩٠)، وقال البوصيري: إتحاف الخيرة المهرة (١/ ٩٦) ومدار طرقهم عن ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: قلت: ليس بصحيح فإنّ الصعق وإنْ كان موثقا فإنّ شيخه منكر الحديث.\n(^١) أبو داود (٤٥٩٩).\n(^٢) مسند أحمد (٢١٣٠٣). وأخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٩٤)، والخطيب في التاريخ (٦/ ٣٩١). وأبن الجوزي في العلل (١٢٢٣) ليس فيه عن رجل.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٠): عند أبي داود طرف منه- رواه احمد وفيه رجل. لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩٩٦)، والسلسلة الضعيفة (١٣١٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٨٦)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٥٧).","vol":"12","page":156},{"text":"فيه: إن أحب الأعمال إلى الله ﷿ الحب في الله، والبغض في الله. وفي إسنادهما راو لم يسم.\nقوله: \"وعن أبي ذر\" تقدم. قوله: \"أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله\" تقدم معناه.\n\n٤٥٩٤ - وعن أنس -﵁- أن رجلا سأل رسول الله -ﷺ- متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت. قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي -ﷺ-: أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر وأرجوا أن أكون معهم بحبي إياهم. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n\n٤٥٩٥ - وفي رواية للبخاري (^٣): أن رجلا من أهل البادية أتى النبي -ﷺ- فقال يا رسول الله: متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك، وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله. قال: إنك مع من أحببت. قال: ونحن كذلك؟ قال: نعم. ففرحنا يومئذ فرحا شديدا.\n\n٤٥٩٦ - ورواه الترمذي (^٤)، ولفظه قال: رأيت أصحاب رسول الله -ﷺ- فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشد منه. قال رجل: يا رسول الله، الرجل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٦٨٨).\n(^٢) صحيح مسلم (١٦١) (٢٦٣٩).\n(^٣) صحيح البخاري (٦١٦٧).\n(^٤) سنن الترمذي (٢٣٨٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح لكن بسياق مختلف عما ذكره المصنف.","vol":"12","page":157},{"text":"يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به، ولا يعمل بمثله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"المرء مع من أحب\".\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال لا شيء\" إلى آخر الحديث. قوله - ﷺ -: \"أنت مع من أحببت\" وفي رواية الترمذي: \"المرء مع من أحبّ\"، قال الخطابي (^١): كان سؤال الناس رسول الله - ﷺ - عن وقت قيام الساعة على وجهين: أحدهما على معنى التعنت والتكذيب بها والآخر على سبيل التصديق والشفق منها، فلما امتحن الأعرابي [ووجده] يسأل تصديقا، قال: أنت مع من أحببت، فألحقه بحسن النية من غير زيادة عمل بأصحاب الأعمال الصالحة، اهـ. [قال] النووي (^٢) ولا يلزم من كونه معهم أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه. وفي الحديث دليل على فضل حب الله ورسوله والصالحين وأهل الخير الأحياء والأموات، ومن أفضل محبة الله ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما والتأدب بآداب الشريعة، فمن علامات محبة الله محبة كل من أحبه الله ومن اختصه الله وقرّبه أو نص كتابه على محبته إياه من ملك ونبي ورسول وولي ومؤمن وتائب ومتطهر ومحسن ومجاهد ولا يشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يعمل عملهم إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم وقد صرح في حديث ابن مسعود الذي سيأتي\n_________\n(^١) انظر: شرح السنة (١٣/ ٦٢).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٨٦).","vol":"12","page":158},{"text":"بعد هذا بذلك فقال: رجل أحب قوما ولما يلحق بهم.\n[قوله:] وفي رواية للبخاري وغيره: أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: متى الساعة قائمة؟ فقال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله. وفي رواية: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام إلا محبة الله ورسوله. وروي كثير بالثاء المثلثة وبالباء الموحّدة.\nتنبيه: قوله: \"المرء مع من أحب\"، أي في الجنة، يعني هو ملحق بهم داخل في زمرتهم. قال الخطابي (^١): ألحقه النبي -ﷺ- بهم بحسن النية من غير زيادة عمل بأصحاب الأعمال الصالحة. قوله: بأصحاب الأعمال هو بدل من ضمير بهم. قال ابن بطال (^٢): فيه أن من أحب عبدا في الله تعالى فإن الله يجمع بينهما في جنته وإن قصر عن عمله، وذلك [لأنه] لما أحب الصالحين لأجل طاعتهم أثابه الله تعالى ثواب تلك الطاعة إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها، والله يؤتي من فضله من يشاء، قاله الكرماني (^٣).\nشعر:\nأدعوك يارب مُضطرًّا على ثِقةٍ ... مما وعدت به المضطرَّ يدعُوكا\nحان الرحيل وما أعددت من عمل ... إلا محبّةَ أقوام أحبّوكا\n_________\n(^١) انظر: شرح السنة (١٣/ ٦٢).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٢/ ٣٤)، وعمدة القاري (٢٢/ ١٩٧).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٢/ ٣٤).","vol":"12","page":159},{"text":"فائدة: روينا في سنن أبي داود (^١) والترمذي (^٢) عن المقدام بن معدي كرب عن النبي -ﷺ- قال: إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه.\nوروينا في سنن أبي داود (^٣) عن أنس أن رجلا كان عند النبي -ﷺ- فمر رجل فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا. فقال له النبي -ﷺ-: أأعلمته؟ قال: لا. قال: أعلمه، فلحقه فقال: إني أحبك في الله. فقال: أحبك الذي أحببتني له، ذكرهما النووي (^٤).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٥١٢٤).\n(^٢) الترمذي (٢٠٠٣)، وأخرجه أحمد (١٧١٧١)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٤٢)، والنسائي في الكبرى (٩٩٦٣)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (٦٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٤٠)، وابن حبان (٥٧٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٧٩/ ٦٦١)، وفي مسند الشاميين (٤٩١)، وابن السني (١٩٧)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٠٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٧١)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في الصحيحة (٤١٧ و٢٥١٥)، وفي صحيح الأدب المفرد ص (٢٠٤).\n(^٣) أخرجه: أبو داود (٥١٢٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٠١٠). وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٣١٩)، وأحمد (١٢٤٣٥ و١٢٥١٤ و١٢٥٩٠)، وعبد بن حميد (٤٤٤)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٣١٩٣)، وابن أبي الدنيا في الإخوان (٧١)، وأبو يعلي (٣٤٤٢)، وابن السني (١٩٨)، وابن حبان (٥٧١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٧٥)، (٥/ ٨٠)، والحاكم (٤/ ١٧١)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٩٠٠٦)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٨٢)، والضياء في المختارة (١٦١٨ و١٦١٩). حسنه الألباني في صحيح أبو داود (٣/ ٢٥٩) برقم (٥١٢٥)، وفي مشكاة المصابيح برقم (٥٠١٧)، وفي الصحيحة (٣٢٥٣).\n(^٤) الأذكار للنووي (ص: ٣٠٢)، رياض الصالحين (ص: ١٣٨).","vol":"12","page":160},{"text":"٤٥٩٧ - وعن ابن مسعود -﵁- قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله -ﷺ-: المرء مع من أحب. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢)، ورواه أحمد (^٣) بإسناد حسن مختصرا من حديث جابر: المرء مع من أحب.\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم. قوله: \"أن رجلًا جاء إلى رسول الله -ﷺ- فقال: كيف ترى في جل أحبّ قوما ولما يلحق بهم؟ \" أي: ولم يلحق بهم في العمل الصالح والفضيلة، وقيل لم يحصل بينهم ملاقاة جسمانية. وقال النووي (^٤): لم يعمل بعملهم أو لم يصاحبهم، وروي: لما يلحق بهم، قال أهل اللغة: لما تنفي الماضي المستمر فتدل على نفيه في الماضي وفي الحال بخلاف لم فإنها تدل على الماضي فقط. ولما قال الكرماني (^٥) فيها إشعار بأنه يتوقع اللحوق يعني هو قاصد لذلك ساع في تحصيل تلك المرتبة ولهذا كان معه إذ لكل امرئ ما نوى.\n\n٤٥٩٨ - وعن أبي ذر -﵁- أنه قال: يا رسول الله الرجل يحب القوم، ولا يستطيع أن يعمل بعملهم. قال: أنت يا أبا ذر مع من أحببت. قال: فإني أحب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦١٦٨، ٦١٦٩).\n(^٢) صحيح مسلم (١٦٥) (٢٦٤٠).\n(^٣) مسند أحمد (١٤٦٠٤)، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٩٧١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٥): رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، واسناد أحمد حسن.\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٨٦).\n(^٥) الكواكب الدراري (٢٢/ ٣٥).","vol":"12","page":161},{"text":"الله ورسوله؟ قال: فإنك مع من أحببت، قال: فأعادها أبو ذر، فأعادها رسول الله -ﷺ-. رواه أبو داود (^١). لا تصاحب إلا مؤمنا الخ.\nقوله: \"وعن أبي ذر\" تقدم. قوله: \"الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، قال: فإنك مع من أحببت\" وفي حديث: ولك ما احتسبت، كلا اللفظين [قريب من الآخر، والمعني] أي أن تحشر مع من أحببت ولك مع هذا أجر ما احتسبت أو اكتسبت.\n\n٤٥٩٩ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا ياكل طعامك إلا تقي. ورواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٥١٢٦)، وأخرجه أحمد في مسنده (٢١٣٧٩) و(٢١٤٦٣)، والدارمي في سننه (٢٧٨٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٥١)، والحارث (١١٠٧) والبزار في مسنده (٣٩٥٠) و(٣٩٥١)، وأبو عوانة (١١٥٤٦)، وابن حبان (٥٥٦) وابن جميع في معجم الشيوخ (ص ٣٠٢ - ٣٠٣)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٧١٥)، وفي الأوسط (٨٥٤١) وابن بشكوال في الغوامض (١/ ٤٠١) قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي ذر عن النبي -ﷺ- بأحسن من هذا الإسناد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٣٥)، وصحيح موارد الظمان إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٨١/ ٢١٢٣).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٥٥٤) و(٥٥٥) (٥٦٠) وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦٤)، ومن طريقه أبو داود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥)، والطيالسي (٢٢١٣) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨٩٣٨)، وأحمد (١١٣٣٧)، والدارمي (٢١٠١)، وأبو يعلى (١٣١٥)، والخطابي في العزلة (ص ١٤٢)، والحاكم (٤/ ١٢٨)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٨٤)، وقال الترمذي: لهذا حديث حسن، إنما نعرفه من هذا الوجه، وقال الحاكم: هذا حديث","vol":"12","page":162},{"text":"قوله: \"وعن أبي سعيد\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي\" وفي حديث: فأطعموا طعامكم الأتقياء، أي خصوا الأتقياء بالإطعام وعُمُّوا المؤمنين بالمعروف، والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المقبحات فينبغي للداعي أن يقصد بدعوته الأتقياء دون الفساق، فإطعام التقي إعانة على الطاعة واطعام العاصي إعانة له على معصيته. قال رجل خياط لابن المبارك أن أخيط ثياب الظلمة واني أخاف أن أكون من أعوان الظلمة. فقال لا إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة أما أنت فمن أنفسهم.\nقال الخطابي (^١): هذا إنما جاء في طعام الدعوة دون طعام الحاجة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (^٢)، ومعلوم أن أسراهم كفار غير مؤمنين وانما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مُواكلته ومخالطته لأن المطاعمة توقع الألفة والمحبة في القلوب اهـ.\n_________\n= صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال في رياض الصالحين (ص: ١٣٣) رواه أَبُو داود والترمذي بإسناد لا بأس بِهِ. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٥٣٦)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٣٤١).\n(^١) شرح السنة (١٣/ ٦٩).\n(^٢) سورة الإنسان، الآية: ٨.","vol":"12","page":163},{"text":"٤٦٠٠ - وعن علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ثلاث هن حق: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبدا فيوليه غيره ولا يحب رجل قوما إلا حشر معهم. رواه الطبراني في الصغير (^١) والأوسط (^٢) بإسناد جيد، ورواه في الكبير (^٣) من حديث ابن مسعود.\nقوله: \"وعن علي\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"ثلاث هن حق لا يجعل الله من له في الإسلام سهم كمن لا سهم له\" الحديث، المراد بالسهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي القداح، ثم سمى به ما يفوز به الفالج سهمه، ثم كثر حتى سمي كلّ نصيب سهما. ويجمع السهم على أسهم، وسهام، وسهمان. قوله: \"ولا يتولى الله عبد فيوليه غيره ولا يحب رجل قوما إلا حشر معهم\" الحديث، تقدم الكلام على الحب.\n\n٤٦٠١ - وعن عائشة - ﵂ - أن رسول الله -ﷺ- قال: ثلاثة حلف عليهن لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة والصوم والزكاة، ولا يتولى الله عبدا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة، ولا يحب\n_________\n(^١) المعجم الصغير للطبراني (٨٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٠): رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن ميمون الخياط، وقد وثق.\n(^٢) المعجم الأوسط (٦٤٥٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٣٧).\n(^٣) رواه عبد الرزاق (٢٠٣١٨)، وعن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٥٩/ ٨٧٩٩)، (٩/ ١٦٠/ ٨٨٠٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٩٧)، ورجاله ثقات لكنه منقطع أيضًا.","vol":"12","page":164},{"text":"رجل قوما إلا جعله الله معهم. الحديث. رواه أحمد (^١) بإسناد جيد.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام عليها -﵂- قوله -ﷺ-: \"ثلاث أحلف عليهن لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له وأسهم الإسلام ثلاث الصلاة والصوم والزكاة\" الحديث، تقدم معناه في الحديث قبله.\n\n٤٦٠٢ - وعنها -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وتبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض. قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٢) رواه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥١٢١ - ٢٥٢٧١)، وأخرجه إسحاق بن راهويه (٨٦٣)، والنسائي في الكبرى (٦٣٥٠)، وأبو يعلى (٤٥٦٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢١٨٥)، والحاكم (١/ ١٩ و٤/ ٣٨٤)، والبيهقى في شعب الإيمان (٩٠١٤)، وقوام السنة الترغيب والترهيب (١٤٦٥)، وقال الحاكم: شيبة الحضرمي قد خرجه اليخاري، وقال في التاريخ: ويقال: الخضري، سمع عروة وعمر بن عبد العزيز. وهذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: ما خرج له سوى النسائي هذا الحديث، وفيه جهالة. قال الهيثمى (٣٧/ ١): رجاله ثقات لكن عند أبي يعلى عقبه قال: ٤٥٦٧ قال إسحاق وحدّثني عبد الله بن عتبة بن مسعود عن بن مسعود عن النبي -ﷺ- بمثله.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٧) رواه أحمد، ورجاله ثقات، ورواه أبو يعلى أيضًا.\nوعن ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- قال بمثله. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١/ ٤١٦) ورواه أحمد بن حنبل في مسنده بإسناد جيد،، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٢١)، والصحيحة (١٣٨٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٧٤).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٣١.","vol":"12","page":165},{"text":"الحاكم (^١)، وقال صحيح الإسناد.\nقوله: \"عنها -﵂-\" تقدم الكلام عليها. قوله: \"الشرك أخفى من دبيب الذرّ على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن يحب على شيء من الجور ويبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض\" الحديث، فهذا يدلّ على أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه الله متابعة للهوى والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ و(^٢) الآية، فجعل علامة الصدق في محبة اتباع رسوله فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة، قال\n_________\n(^١) المستدرك (٢/ ٢٩١). أخرجه البزار: كما في الكشف (٤/ ٢١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٦٨، ٩/ ٢٥٣)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٣٣٨) قال البزار: لا نعلمه يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: عبد الأعلي، قال الدَّارقُطْنِي: ليس بثقة.\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: عبد الأعلى يروي عن يحيى بن أبي كثير ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال الدَّارقُطْنِي: ليس بثقة. قال: والحديث ليس بثابت.\nوذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢٣) ثم قال: رواه البزار، وفيه عبد الأعلي بن أعين، وهو ضعيف. وأورده العقيلي في الضعفاء (٣/ ٦٠، ترجمة ١٠٢٤ عبد الأعلى بن أعين)، وقال: جاء بأحاديث منكرة ليس منها شئ محفوظ. وقال الدَّارقُطْنِي في العلل (١٤/ ١٩١/ ٣٥٣٩): عبد الأعلى بن أعين ضعيف الحديث، والحديث غير ثابت، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٨٧): ضعيف جدًّا.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٣١.","vol":"12","page":166},{"text":"الحسن: قال أصحاب رسول الله -ﷺ- يا رسول إنا نحب ربنا حبا شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله هذه الآية ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ومن هنا قال الحسن: اعلم لن تحب الله حتى تحب طاعته. [واللّه تعالى أعلم بالصواب].","vol":"12","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>الترهيب من السحر وإتيان الكهان والعرافين والمنجمين بالرمل والعصى أو نحو ذلك وتصديقهم</span>\n٤٦٠٣ - عن أبي هريرة -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وغيرهما (^٣).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" أي المهلكات. قوله: \"قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك باللّه والسحر وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\" وتقدم هذا الحديت مرارا وتقدم الكلام على بعض هذه السبعة المذكورة، وأما قوله: المحصنات الغافلات المؤمنات، فالمراد بالمحصنات هاهنا العفائف وبالغافلات الغافلات عن الفواحش وما قذفن به.\nفائدة: قوله في الحديث: السبع الموبقات، قال العُلماء: لا انحصار للكبائر في عدد مذكور، وقد جاء عن ابن عباس أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ فقال\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٧٦٦، ٦٨٥٧).\n(^٢) صحيح مسلم (١٤٥) (٨٩).\n(^٣) سنن أبي داود (٢٨٧٤)، وسنن النسائي (٦/ ٢٥٧).","vol":"12","page":168},{"text":"إلى سبعين، ويروى إلى سبع مائة أقرب، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما [كانت] عليه الجاهلية، اهـ. ذكره النووي في شرح مسلم (^١).\n\n٤٦٠٤ - وعنه -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق بشيء وكلل إليه. رواه النسائي (^٢) من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع منه عند الجمهور.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"من عقدة عقدة ثم نفث فيها فقد سحر\" الحديث، النفث أقل من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق. قوله: \"ومن سحر فقد أشرك\" الحديث. قال الإمامان الجليلان الرافعي والنووي وغيرهما تعلم السحر وتعليمه حرام على الصحيح ودرجاته متفاوتة وهذا إن لم يحتج في تعليمه إلى اعتقاد هو كفر وأما فعله فيحرم إجماعا ومن اعتقد إباحته كفر ولا يظهر السحر إلا على فاسق\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٤).\n(^٢) سنن النسائي (٧/ ١١٢)، وفي السنن الكبرى (٣٥٢٨)، وأخرجه الطبراني في الأوسط (١٤٦٩). قال أيوب السختياني: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. المراسيل لابن أبي حاتم (١٠٦). وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٥٥١)، وقال: ولعباد المنقري عن الحسن وغيره غير ما ذكرت، وهو ممن يكتب حديثه. وأورده الذهبي في الميزان (٤/ ٤٣ - ٤٤)، وقال: هذا الحديث لا يصح للين عباد وانقطاعه. وضعفه الألباني في غاية المرام (٢٨٨)، وضعيف الجامع الصغير (٥٧٠٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٨٨).","vol":"12","page":169},{"text":"وكذلك علم الطبائع والتكهن وإتيان الكهان وتعلم الكهانة والضرب بالرمل والشعير والحصى والشعبذة وتعليم ذلك وأخذ العوض عليه حرام، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).\nقوله: \"ومن تعلق بشيء وكل إليه\" الحديث، تعلق أي علق على نفسه العوذ والحرز، قاله المنذري.\n\n٤٦٠٥ - وعن الحسن عن عثمان بن أبي العاصي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: كان لداود نبي الله صلوات الله وسلامه عليه ساعة يوقظ فيها أهله يقول: يا آل داود قوموا فصلوا فإن هذه الساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عاشر، رواه أحمد (^٢) عن علي بن زيد عنه، وبقية رواته محتج بهم في الصحيح، واختلف في سماع الحسن من عثمان.\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٢) مسند أحمد (١٦٢٨١). وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٤٤)، والطبراني المعجم الكبير (٩/ ٥٥) (٨٣٧٤ و٨٣٧٥)، وفي الدعاء (١٣٩)، (١٤٠)، ومسدد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو يعلى الموصلي في المسند - كما في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٤٥٠) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٤٥١): مدار طرق حديث عثمان بن أبي العاص هذا على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، واختلف في سماع الحسن من عثمان. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٨٨): رواه أحمد، والطبراني في الكبير. والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن فيه علي بن زيد، وفيه كلام، وقد وثق. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٩٦٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (٤٨١).","vol":"12","page":170},{"text":"قوله: \"وعن الحسن عن عثمان بن أبي العاصي\" تقدم الكلام على الحسن البصري وعلى عثمان بن أبي العاصي في كتاب الصدقات. قوله -ﷺ-: \"وكان لداود نبي الله -ﷺ- ساعة يوقظ فيها أهله، يقول: يا آل داود قوموا فصلوا فإن هذه ساعة يستحب فيها الدعاء إلا لساحر أو عاشر\" الحديث، العاشر هو الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه مكسا باسم العشر. وتقدم الكلام على هذا الحديث في باب المكاسين والعشارين والعرفاء في كتاب الصدقات.\n\n٤٦٠٦ - وعن عمران بن حصين -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ليس منا من تطير، أو تطير له، أو تكهن، أو تكهن له، أو سحر، أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-. رواه البزار (^١) بإسناد جيد، ورواه الطبراني (^٢) من حديث ابن عباس دون قوله: ومن أتى إلى\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٥٧٨) والدولابي في الكنى (٢/ ١٦٦) والطبراني في الكبير (١٨/ ١٦٢/ ٣٥٥) قال البزار: لا نعلم له طريقا عن عمران إلا هذا الطريق، وأبو حمزة العطار بصري لا بأس به قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١١٧) روأه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٤٣٥)، والصحيحة (٢١٩٥). صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٤١).\n(^٢) أخرجه البزار (٣٠٤٣ - كشف). وأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٤٠). وقال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي -ﷺ- إلا من هذا الوجه بها الإسناد. - وقال ابن عدي: ولسلمة عن عكرمة عن ابن عباس أحاديث التي يرويه زمعة عنه قد بقي منه القليل، وقد ذكرت عامته، وأرجو أنه لا بأس برواياته غير هذه الأحاديث التي يرويها عنه زمعة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١١٧) رواه البزار، والطبراني في الأوسط، وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف.","vol":"12","page":171},{"text":"آخره بإسناد حسن.\nقوله: \"وعن عمران بن حصين\" تقدم. قوله: \"ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له\" الحديث، قوله: ليس منها، تقدم الكلام عليه وتقدم أيضًا الكلام على السحر في الباب. قوله: \"ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ- \" أي وهو القرآن، والكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدَّعي معرفة الأسرار وقد كان في العرب كهنة كشقّ وسطيح وغيرهما فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن [ورَئِيّا] يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله يستدرك ذلك بفهم أعطيه وهذا يخصونه باسم العراف الذي يدَّعي معرفة الشيء المسروق [ومكان الضالة ونحوها] من سرقه ومعرفة من تتهم به المرأة ونحو ذلك.\nعن عائشة - ﵂ - (^١) قالت: سأل أناس رسول الله -ﷺ- عن الكهان فقال لهم رسول الله -ﷺ- ليسوا بشيء. قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدّثون أحيانا بشيء يكون حقا. فقال رسول الله -ﷺ-: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قرّ الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة. وعن عائشة (^٢) أيضًا قالت: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: إن الملائكة تنزل في العنان وهو\n_________\n(^١) أخرجه البخا ري (٥٧٦٢) (٦٢١٣)، (٧٥٦١)، ومسلم (١٢٣) (٢٢٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢١٠ و٣٢٨٨).","vol":"12","page":172},{"text":"السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم.\nقوله: \"يخطفها الجني\" أي يسلبها ويسرقها، يعني يصعد الجني إلى السماء ويسمع من الملائكة أن في السنة الفلانية قحط أو مطر أو زلزلة وما أشبه ذلك، ويجيء إلى أوليائه من كهنة الإنس ويقول لهم تلك الكلمة ويخبر الكهنة الناس فيعتقدون صدق جميع ما أخبر فيترددون إليه ويسألونه من الوقائع فيخبرهم بجميع ما سألوه فيكون أكثره كذبا لأنه قاله من تلقاء نفسه. واعلم أن الجن كان يصعدون إلى السماء ويسمعون قول الملائكة بعضهم مع بعض ولا يمنعهم أحد قبل ولادة النبي ﷺ. وبعد ولادته أيضًا كانوا يصعدون إلى السماء لاستراق السمع فيرجمون بكواكب أمثال النار فيحرقون (^١). وجمع الكاهن كهنة وكهان. قاله في النهاية (^٢).\nتنبيه: قال العُلماء إنما نهى عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في مغيبات قد [صادف] بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك ولأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون وتحريم ما يعطون من\n_________\n(^١) في النسخة الهندية، حصل بعد هذا الموضع إعادة نفس شرح الحديث قبله: من قوله: (وعن عمران ...) إلى قوله: (ومعرفة من تتهم به المرأة ونحو ذلك)، فلعله سهو من الناسخ.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢١٥).","vol":"12","page":173},{"text":"الحلوان، يقال حَلَوته أَحلوه حلوانا. والحلوان مصدر كالغفران وأصله من الحلاوة وهو حرام بإجماع المسلمين لأنه عوض عن محرم ولأنه أكل المال بالباطل وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء والنائحة للنوح، وقد نقل الإجماع في تحريم ذلك جماعة [منهم] أبو محمد البغوي، قال البغوي اتفق أهل العلم على تحريم حلوان الكاهن وهو ما يأخذه المتكهن على كهانته وحلوان العراف أيضًا حرام. وقال الماوردي في الأحكام السلطانية ويمنع المحتسب الناس من التكسب بالكهانة واللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطي.\nقال الخطابي (^١): والحديث يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم [وتصديقهم على ما] يدّعونه والله أعلم.\n\n٤٦٠٧ - وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن، فإن الله يغفر له ما سوى ذلك لمن يشاء: من مات لم يشرك باللّه شيئًا، ولم يكن ساحرا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه. رواه الطبراني في الكبير (^٢) والأوسط (^٣)، وفيه ليث بن أبي سليم.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢٣٢).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٤٣/ ١٣٠٠٤).\n(^٣) الطبران-ي في المعجم الأوسط (٥٢٣٠)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٩/ ١٥).\nوأخرجه عبد بن حميد (٦٨٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٤١٣)، والدينوري في المجالسة وجواهر العلم (١٥٣٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٩٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٦١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٨٩) رواه الطبراني في الكبير، =","vol":"12","page":174},{"text":"قوله: \"وعن ابن عباس -﵄-\" تقدم. قوله: \"ثلاث من لم تكن فيه واحدة منهن فإن الله يغفر له ما سوى ذلك لمن يشاء: من مات لا يشرك باللّه ولم يكن ساحرا يتبع السحرة ولم يحقد على أخيه\" الحقد جمعه أحقاد وهي الضغائن.\n\n٤٦٠٨ - وعن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه أن رجلًا قال: يا رسول الله، وكم الكبائر؟ قال: تسع أعظمهن الإشراك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. الحديث، رواه الطبراني (^١) في حديث تقدم في الفرار من الزحف.\n_________\n= والأوسط، وفيه ليث بن أبي سليم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٥٥١)، وفي السلسلة الضعيفة (٢٨٣١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٦٥٣).\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٤٧) (١٠١)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (١٦/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، وأخرجه أبو داود (٢٨٧٥) - لم يذكر أبو داود متن الحديث، وأحال على حديث قبله-، والنسائي (٧/ ٨٢)، والطحاوي في المشكل (٨٩٨) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٥)، وابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ٩٣١)، والآجري في الأربعين (ص ١١١ - ١١٢)، والحاكم (١/ ٥٩)، (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠) والبيهقي (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، (١٠/ ١٨٦) وفي المدخل (٣٢٣) وأبو نعيم في الصحابة (٥٢٦١) وابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٢١٩)، والمزي في التهذيب (١٦/ ٤٣٨ - ٤٤٠) والحافظ في تخريج أحاديث المختصر (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، وقال الحاكم: قد احتجا برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سنان، فأما عمير بن قتادة فإنّه صحابي وابنه عبيد متفق على إخراجه والاحتجاج به. وقال في الموضع الثاني: صحيح الإسناد، وقال الذهبي: عمير بن قتادة صحابي ولم يحتجا بعبد الحميد لجهالته، ووثقه ابن حبان وقال ابن كثير التفسير ١/ ٤٨١: عبد الحميد حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقال الهيثمي في مجمع =","vol":"12","page":175},{"text":"وروى ابن حبان في صحيحه (^١) حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه في كتاب النبي -ﷺ- الذي كلتبه إلى أهل اليمن في الفرائض والسنن والديات والزكاة فذكر فيه: وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم.\nقوله: \"وعن عبيد بن عمير\" ابن قتادة الليثي المكي وكنيته أبو عاصم، من الطبقة الأولى من أهل مكة، وقال ابن سعد بإسناده عن ثابت قال: أول من قص عبيد بن عمير الليثي، على عهد عمر بن الخطاب -﵁-. وقال ابن سعد بإسناده عن عبد الملك عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة -﵂- فقالت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير، قالت: أقاص أهل مكة؟\n_________\n= الزوائد (١/ ٢٥٦): عند أبي داود بعضه، وقد رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال العراقي: هذا حديث حسن، ولم يَرو عن عمير بن قتادة غير ابنه عبيد ولا عن عبد الحميد بن سنان غير يحيى بن أبي كثير، وقد قال البخاري: في حديثه نظر، وذكره ابن حبان في الثقات تخريج أحاديث المختصر ١/ ٣٤٨)، وقال ابن كثير في التفسير (١/ ٦٣٦): هكذا رواه الحاكم مطولًا وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصرا من حديث معاذ بن هانيء به وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطا ثم قال الحاكم: رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان قلت -والقول لابن كثير-: وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال البخاري: في حديثه نظر. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٤٦١).\n(^١) صحيح ابن حبان (٦٥٥٩).","vol":"12","page":176},{"text":"قال: نعم، قالت: خفف فإن الذكر ثقيل وحكى أبو نعيم، عن مجاهد قال: كنا نفتخر بفقيهنا ابن عباس، وقاصنا عبيد بن عمير، وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن مجاهد قال: قال عبيد بن عمير: ما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيمن مضى [وقال الواقدي:] توفي عبيد بن عمير سنة سبع وسبعين بمكة وأسند عن أبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي قتادة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة - ﵂ - في آخرين.\nوروى عنه من كبار التابعين: مجاهد، وعطاء، وأبو حازم. قال ابن سعد: وكان ثقة كثير الحديث (^١). قوله: \"أن رجلًا قال: يا رسول الله كم الكبائر؟ قال: تسع، أعظمهن الإشراك بالله\" الحديث، تقدم الكلام على الكبائر وتقدم الكلام أيضًا على حديث أبي بكر بن حزم الذي رواه ابن حبان في صحيحه وفي ذكر أكبر الكبائر.\n\n٤٦٠٩ - وعن جابر بن عبد الله -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: من أتى كاهنا فصدقه بما قال، فقد كلفر بما أنزل على محمد -ﷺ-. رواه البزار (^٢) باسناد جيد قوي.\n_________\n(^١) مرآة الزمان (٩/ ٢١٩ - ٢٢١).\n(^٢) البزار (كشف الأستار ٣٠٤٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١١٧): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، خلا عقبة بن سنان، وهو ثقة. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢١٧): وله شاهد من حديث جابر وعمران بن حصين آخرجهما البزار بسندين جيدين. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٨٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٤٤).","vol":"12","page":177},{"text":"قوله: \"وعن جابر بن عبد الله\" تقدم. قوله: \"من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد\" وهو القرآن أي جحد تصديقه بكذبهم وقد يكون على هذا إذا اعتقد تصديقهم بعد معرفته بتكذيب النبي -ﷺ- لهم كفرا حقيقة ومثله: أصبح من عبادي مؤمن وكافر الحديث، فمن اعتقد أن النجم فاعل ومدبر فكافر حقيقة ومن قال بالعادة والتجربة [فقبل] ذلك فيه لعموم اللفظ أو كافر نعمة الله في المطر إذ لم يضف النعمة إلى ربها أو أنه ليس في هذا جاء الحديث. ولا بأس به وهو قول أكثر العُلماء، وأن النهي إنما هو لمن اعتقد أن النجم فاعل ذلك. اهـ، قاله عياض (^١).\n\n٤٦١٠ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد -ﷺ-، ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة. رواه الطبراني (^٢) من رواية رشدين بن سعد.\n[الكاهن]: هو الذي يخبر عن بعض المضمرات، فيصيب بعضها، ويخطئ أكثرها ويزعم أن الجن تخبره بذلك.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (٢/ ٣١):\n(^٢) المعجم الأوسط (٦٦٧٠)، وأخرجه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٠٣)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٨٣)، وقال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه عن جرير بن حازم غير رشدين، ولا أعلم رواه عن رشدين غير ابن أبي السريو قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢١٧): بسند لين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١١٨) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفيه توثيق في أحاديث الرقاق، ويقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٢٨١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٩٢).","vol":"12","page":178},{"text":"قوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله: \"من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد ومن أتاه غير مصدق لم تقبل له صلاة أربعين ليلة\"، يطلق القبول بمعنى ترتب الثواب فإنه لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة. قال العُلماء -﵃-: فأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه ولا يحتاج معها إلى إعادة ونظير هذا الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب فيها كذا نقله النووي عن جمهور الأصحاب قالوا فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان سقوط الفرض عنه وحصول الثواب فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني ولابد من هذا التأويل في هذا الحديث ونظائره كشارب الخمر والعبد الآبق فإن العُلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف أو الكاهن إعادة الصلاة الصلوات أربعين ليلة فوجب تأويله والله أعلم فصلاته مجزئة و[الثواب له فيها] ونظير هذا الصلاة في الأرض المغصوبة [مجزئة] مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب [له] (^١) فيها، اهـ. قوله: \"من أتى كاهنا\"، والكاهن، قال الحافظ: هو الذي يخبر عن المضمرات فيصيب بعضها فيصيب بعضها ويخطئ أكثرها ويزعم أن الجن يخبره بذلك، اهـ.\n\n٤٦١١ - وروي عن واثلة بن الأسقع -﵁- قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة فإن صدقه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":179},{"text":"بما قال كفر. رواه الطبراني (^١).\nقوله: \"وروي عن واثلة بن الأسقع\"، تقدم. قوله -ﷺ-: \"من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة\"، الحديث. الحجب عبارة عن المنع.\n\n٤٦١٢ - وعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لن ينال الدرجات العلى من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفره تطيرا. رواه الطبراني (^٢) بإسنادين رواة أحدهما ثقات.\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٦٩/ ١٦٩)، (٢٢/ ٩٤/ ٢٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١١٨): رواه الطبراني في الأوسط، وفي رواية عنده أيضًا: فإن آمن بما يقول مكان: فصدقه. وفيه سليمان بن أحمد الواسطي، وهو متروك. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٢٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٩٢).\n(^٢) الطبراني في مسند الشاميين (٢١٥٣)، (٢١٠٤)، وفي المعجم الأوسط (٢٦٦٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٧٧٥، ٧٧٨)، وتمام في فوائده (١٤٤٤)، (٢١٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١١٣٤ - ١٠٢٥٤)، وقال أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٤): غريب من حديث الثوري، عن عبد الملك، تفرد به محمد بن الحسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٢٨) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو كذاب. وقال في (٥/ ١١٨): رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢١٣): ورجاله ثقات إلا أنني أظن أن فيه انقطاعا وله شاهد عن عمران بن حصين وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٢٦)، والصحيحة (٢١٦١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٤٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة في الأدب (١٧٥) موقوفًا.","vol":"12","page":180},{"text":"قوله: \"عن أبي الدرداء\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لن ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر تطيرا\"، الكهانة معروفة تقدم الكلام عليها. والاستقسام عبارة عن طلب القسم الذي قسم له وقدر؛ مما لم يقسم ولم يقدر. وهو استفعال منه، وكانوا إذا أراد أحدهم سفرا أو تزويجا، أو نحو ذلك من المهام ضرب بالأزلام وهي القداح، وكان على بعضها مكتوب: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، وعلى الآخر غفل. فإن خرج \"أمرني\" مضى لشأنه، وإن خرج \"نهاني\" أمسك، وإن خرج \"الغفل\" عاد، أجالها وضرب بها أخرى إلى أن يخرج الأمر أو النهي، والرجوع من السفر تطيرا وذلك أن [العرب] في الجاهلية كانت تتطير بتروّح الطير وسنوحها فإذا أراد الرجل حاجة أتى طيرا ساقطا أو في وكره فنفَّره فإن طار ذات اليمين مضى لحاجته وإن طار ذات الشمال رجع فأبطل النبي -ﷺ- ذلك. وفي الحديث: أقروا الطير مكِناتها بكسر الكاف وقد تفتح أي لا تزجروها وأقِرُّوها على مواضعها التي جعلها الله لها فإنها لا تضر ولا تنفع. قاله في النهاية (^١).\nوروى الشافعي (^٢) عن سفيان ابن عيينة عن عبد الله بن أبي زيد عن سباع بن ثابت عن أم كرز قالت: أتيت النبي -ﷺ- فسمعته يقول: أقروا الطير في وكناتها. وفي رواية: في وكناتها. وهذا بعض حديث رواه أحمد (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٥٠).\n(^٢) الشافعي في السنة (٤١٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٨١)، وأخرجه الطيالسي (١٦٣٤)، (١٧٣٩)، وابن أبي شيبة في المصنف =","vol":"12","page":181},{"text":"وأصحاب السنن (^١) والحاكم (^٢) وابن حبان (^٣) قال فالتفت سفيان إلى الشافعي رضي الله [عنهما] وقال: يا أبا عبد الله ما معنى هذا؟ فقال الشافعي: إن علم العرب كان في زجر الطير فكان الرجل منهم إذا أراد بالسفر] فخرج من بيته [فمر] على الطير في مكانه فإن أخذ يمينا مرّ في [حاجته] وإن أخذ يسارا رجع، فقال النبي -ﷺ- أقروا الطير في [مَكِنَّاتها]، قال فكان ابن عيينة يسأل بعد ذلك عن تفسير هذا الحديث فيفسره على نحو ما فسره الشافعي. قال أحمد بن مهاجر: فسألت الأصمعي عن تفسير هذا الحديث، فقال مثل ما قال الشافعي، اهـ، قوله: (١٨٣).\n\n٤٦١٣ - وعن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي -ﷺ- قال: من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا. رواه مسلم (^٤).\n[العراف] بفتح العين المهملة وتشديد الراء كالكاهن، وقيل: هوالساحر. وقال البغوي: العراف: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب\n_________\n= (٢٦٤٠١)، واسحاق بن رأهويه (٢٢٧٨)، والحميدي في مسنده (٣٥٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ٧٢)، والطبراني (٢٥/ ١٦٧/ ٤٠٧)، والحاكم (٤/ ٢٣٧)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٩٤ - ٩٥)، والبيهقي (٩/ ٣١١). وقال الهيثمي (٥/ ١٠٦): رواه الطبراني بأسانيد ورجال لا أحدها ثقات. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٧٧).\n(^١) منهم أبو داود (٢٨٣٥).\n(^٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣٧) وقال: صحيح الإسناد.\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٦١٢٦).\n(^٤) صحيح مسلم (١٢٥) (٢٢٣٠).","vol":"12","page":182},{"text":"يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقه ومعرفة مكان الضالة، ونحو ذلك، ومنهم من يسمى المنجم كاهنا انتهى.\n\"وعن صفية بنت عبيد الثقفي\" العالمة العابدة صحبت أزواج النبي -ﷺ- وروت [عنهن] منهن عائشة وحفصة وأم سلمة ﵅. قوله -ﷺ- من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا. العراف، قال الحافظ، بفتح العين المهملة وتشديد الراء كالكاهن وقيل هو الساحر، وقال البغوي: العراف والذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقه ومعرفة مكان الضالة ونحو ذلك ومنهم من يسمي المنجم كاهنا. والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن إنما يتعاطى الإخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار والعراف هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها والله أعلم.\n[وقال بعض العُلماء: وتخصيصى العدد بالأربعين على عادة العرب في ذكر الأربعين ونحوه في التكثير والتفخيم، وكذا تخصيصه بالليلة على عادتهم في تغليب الليالي على الأيام، والله تعالى أعلم]. وقال صاحب العلم المشهور العراف المنجم الذي يدعي علم الغيب من جهة النجوم وكذب وفجر والتقم الحجر. قال الله ﷿: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١).\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ٦٥.","vol":"12","page":183},{"text":"فائدة: فالحكمة في ذكر الأربعين، قال صاحب ما العلم المشهور: فأقول أن الأربعين فيها تتبين المجاهدة في العمل لرب العالمين ودليله من القرآن المبين قول أصدق القائلين ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ (^١) الآية، وقد صح بنص القرآن أن المواعدة كانت أربعين ليلة كاملة في قوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (^٢) على ما في سورة البقرة وهي مدنية، فلما خص الله عز وعلا الأربعين بالذكر دل على أن لها مزية اختصاص في المجاهدة التي هي علامة صدق الإخلاص كذلك هاهنا في قول الصادق المصدوق -ﷺ- لم [يقبل الله صلاته] أربعين ليلة نظر إلى هذه الفائدة في اختصاص الأربعين بالذكر وهذا معنى لم أعلم من تكلم فيه قبلي وهذا بحول الله لا بحولي وكنت أجنح بالحديث [المروي] في هذا المعنى وهو قوله -ﷺ- (^٣): من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وهو حديث باطل من جميع طرقه والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٤٢.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٥١.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٨٩)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٥)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٧٤٧): أخرجه ابن عدي ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٦٩)، والضعيفة (٣٨).\nانظر: المقاصد الحسنة (ص: ٦٢٠/ ١٠٥٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٤٨٥)، والحسين بن منصور، في زاياداته على الزهد لابن المبارك (١٥١٤)، وهناد، في الزهد (٦٧٨) من طريق أبي معاوية، عن حجاج، عن مكحول قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من أخلص لله العبادة أربعين يومًا، ظهرت ينابغ الحكمة من قلبه على لسانه\".","vol":"12","page":184},{"text":"٤٦١٤ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: من أتى عرافا أو كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد. رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣) وابن ماجة (^٤)، وفي أسانيدهم كلام ذكرته في مختصر السنن، والحاكم (^٥) وقال: صحيح على شرطهما.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول\" الحديث. تقدم الكلام على العراف والكاهن.\n\n٤٦١٥ - وعن ابن مسعود -﵁-: قال: من أتى عرافا أو ساحرا أو كاهنا فسأله فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-. رواه البزار (^٦) وأبو يعلى (^٧) بإسناد جيد موقوفًا.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٩٠٤).\n(^٢) سنن الترمذي (١٣٥). وقال الترمذي في العلل الكبير (ص: ٥٩): سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من هذا الوجه وضعف هذا الحديث جدًا.\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (٨٩٦٧، ٨٩٦٨).\n(^٤) سنن ابن ماجه (٦٣٩).\n(^٥) البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٢١) - (٨/ ١٣٥)، وأخرجه أحمد (٩٢٩٠، ٩٥٣٦)، وإسحاق في مسند أبي هريرة (٥٠٣)، والخلال في السنة (١٣٩٨)، وابن بطة في الإبانة (٩٩٢)، والخطيب في تلخيص المتشابه (٢/ ٦٥٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٤٧)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٩٣٩).\n(^٦) البزار (١٨٧٣).\n(^٧) أخرجه أبو يعلى (٥٤٠٨).","vol":"12","page":185},{"text":"٤٦١٦ - وعنه -﵁- قال: من أتى عرافا أو ساحرا أو كاهنا يؤمن بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-. رواه الطبراني في الكبير (^١)، ورواته ثقات. قوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم الكلام عليه، وعلى لفظ الحديث.\n\n٤٦١٧ - وعن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم. رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: \"وعن أبي موسى\" أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس، قوله: \"لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مؤمن بسحر ولا قاطع رحم\" الحديث لا يدخل الجنة في التأويلان السابقان في باب شرب الخمر وغيره. قوله: \"ولا مؤمن بسحر\" أي مصدق بسحر فإن الإيمان في اللغة التصديق، قال الله تعالى:\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٧٦/ ١٠٠٠٥)، وفي الأوسط (١٤٥٣)، وأخرجه ابن وهب في الجامع (٦٨٧)، وابن الجعد (٤٢٥)، والبزار (١٩٣١)، وأبو القاسم البغوي (١/ ٣٧١ و٢/ ٧٧٠ و٧٧١)، والهيثم بن كليب (٨٩١)، والخلال في السنة (١٤٠٧ و١٤٨٤)، وابن عدي (٧/ ٢٥٩٣)، وأبو الشيخ في حديثه (٩٢)، والدارقطني في العلل (٥/ ٣٢٩)، واللالكائي في السنة (١٩٠٠) (١٤٠٩)، والبيهقي في السّنن الكبرى (٨/ ١٣٦).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٥٣٤٦ و٦١٣٧)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٩) وأبو يعلى (٧٢٤٨)، والخرائطي في المساوئ (٢٧٢ و٧٨٤)، وأسلم بن سهل في تاريخ واسط (ص ١٦١)، والحاكم (٤/ ١٤٦)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٢٣٧) (١٢٤٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٧٤) رواه أحمد، وأبو يعلي، والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٧٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٣٦٢).","vol":"12","page":186},{"text":"﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^١) أي بمصدق لنا، والمراد بالرحم القرابة سواء كان قريبا أو بعيدا وارثا كان أو غير وارث.\n\n٤٦١٨ - وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد. رواه أبو داود (^٢) وابن ماجه (^٣) وغيرهما.\n[قال الحافظ]: والمنهي عنه من علم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغيير الأسعار، ونحو ذلك ويزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب واقترانها وافتراقها وظهورها في بعض الأزمان وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره؛ فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى من الليل والنهار وكم بقي، فإنه غير داخل في النهي، والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ١٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٩٠٥)، وأحمد (٢٠٠٠)، (٢٨٤٠)، وعبد بن حميد (٧١٤)، وابن أبي شيبة (٢٥٦٤٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩)، وفي الشعب (٥١٩٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٩٢) وقال النووي في رياض الصالحين (٢/ ٢٤٦) بعد عزوه لأبي داود: إسناده صحيح وكذا قال الذهبي في المهذب انظر: المهذب في اختصار السنن الكبير (رقم ١٢٨١٦). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٤٦٠) أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٠٧٤)، والصحيحة (٧٩٣). صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٥١).\n(^٣) ابن ماجه (٣٧٢٦).","vol":"12","page":187},{"text":"قوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم. قوله: \"من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من النفاق\" الحديث، قبست العلم واقتبسته تعلمته. قوله: \"اقتبس شعبة من النفاق\" الشعبة القطعة، والنفاق تقدم الكلام عليه. قال الحافظ المنذري: والمنهي عنه من علم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الريح وتغير الأسعار ونحو ذلك إلى آخره. [وقد] خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها ومعنى كونها رجوما للشياطين أن الشهب تنقض في الليل من نار الكواكب ونورها لا أنهم يرجمون بالكواكب [أنفسها] لأنها ثابتة لا تزول وما ذاك إلا لقبس يؤخذ من نار والنار ثابتة في مكانها. وقيل أراد بالرجوم الظنون التي تُحرز وتظن وما يعانيه المنجمون من الحدس والظن والحكم على اتصال النجوم وافتراقها وإياهم عنى بالشياطين لأنهم شياطين الإنس فجعل المنجم الذي يتعلم النجوم للحكم بها وعليها وينسب التأثيرات من الخير والشر إليها كافرا، نعوذ بالله من ذلك، اهـ. قاله في النهاية (^١).\n\n٤٦١٩ - وعن قطن بن قبيصة عن أبيه -﵁- قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: العيافة والطيرة والطرق من الجبت. رواه أبو داود (^٢) والنسائي (^٣) وابن\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) أبو داود (٣٩٠٧).\n(^٣) النسائي في الكبرى (١١٠٤٣).","vol":"12","page":188},{"text":"حبان في صحيحه (^١). قال أبو داود: الطرق: الزجر، والعيافة: الخط، انتهى. وقال ابن فارس: الطرق: الضرب بالعصي، وهو جنس من التكهن. [الطرق] بفتح الطاء وسكون الراء. [والجبت] بكسر الجيم: كلّ ما عبد من دون الله تعالى. أضرار السحر والكهانة الخ.\nقوله: \"وعن قطن بن قبيصة\" هو قطن بن قبيصة بن مخارق بن عبد الله بن شداد الهلالي، وقد تقدم تمام نسبه عند أبيه، عداده في أهل البصرة، روى عن أبيه، روى عنه حيان بن العلاء، وكان قطن شريفا، وولي سجستان قال النسائي لا بأس به وذكره بن حبان في الثقات.\nقوله -ﷺ-: \"العيافة الطيرة، والطرق من الجبت\" العيافة بكسر العين المهملة وبالياء آخر الحروف ثم ألف تم فاء زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها وهو من عادة العرب كثيرًا وهو كثير في أشعارهم، يقال\n_________\n(^١) ابن حبان (٦١٣١) والحديث؛ أخرجه عبد الرزاق في المُصَنِّف (١٩٥٠٢)، وابن سعد (٧/ ٣٥)، وابن أبي شيبة في المسند (٨٨٤)، وفي المُصَنِّف (٢٦٤٠٣)، وأحمد (١٥٩١٥ - ٢٠٦٠٣)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (٣/ ١١٧٧)، والنسائي في الكبرى (١١١٠٨)، والدولابي في الكنى (١/ ٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الاثار (٤/ ٣١٢ - ٣١٣)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٦٩) (٩٤١) و(٩٤٢) و(٩٤٣) و(٩٤٤) و(٩٤٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٥٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) والخطيب في تاريخه (١٠/ ٤٢٥)، والبغوي في شرح السنة (٣٢٥٦)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٧٢٦)، وقال النووي في رياض الصالحين (ص: ٥٧٤): رواه أبو داود بإسناد حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٩٠٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٩٤).","vol":"12","page":189},{"text":"عاف يعيف عيافا إذا زجر وحدس وظن وبنو أسد يُذكَرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل عنهم أن قوما من الجن تذاكروا عيافتهم فأتوهم، فقالوا: أضلت لنا ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغُليم منهم انطلق معهم فاستردفه [أحدهم] ثم ساروا فلقيهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها فاقشعر الغلام وبكي، فقالوا: ما لك؟ فقال: كسرت جناحا ورفعت جناحا وحلفت بالله صراحا ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحا، ومنه الحديث أن عبد الله بن عبد المطلب أبا النبي -ﷺ- مرّ بامرأة تنظر وتعتاف فدعته إلى أن يستبضع منها فأبي، قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"والطيرة\" بكسر الطاء المهملة وفتح الياء آخر الحروف وقد تسكن، وهي التشاؤم وأصله أنهم كانوا ينفرون الظباء والطيور فإذا أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في حوائجهم وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن ذلك وتشاءموا بها فأبطله الشرع وأخبر بأنه لا تأثير له في نفع أو ضر، اهـ، قاله الكرماني (^٢). وقال ذو النسبين ابن دحية صاحب العلم في المشهور في فضل الأيام والشهور واشتقاق الطيرة من الطير كان أكثر علمهم ونظرهم به، قلت هذا الآن باق عند أجناد الأندلس شاهدته وكذلك عند جميع النصارى بالأندلس لا يتحركون إلا بحركات الطير.\nتنبيه: فإن قلت: الشؤم في ثلاث معارض لقوله لا طيرة، فالجواب: قال\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٣٣٠).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢١/ ٣١).","vol":"12","page":190},{"text":"الخطابي (^١): هو عام مخصوص إذ هو في معنى الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا أن تكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس كذلك فليفارقهن. وقيل شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها وشؤم المرأة سلاطة لسانها وعدم ولادتها وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، وقال الإمام مالك هو على ظاهره فإن الدار قد يجعل الله سكناها سبب الضرر وكذلك المرأة [المعيبة] والفرس قد يحصل الضرر عنه بقضاء الله تعالي، اهـ. قاله الكرماني (^٢).\nقوله: \"والطرق\" بفتح الطاء وسكون الراء وبالقاف، قال الحافظ ﵀ تعالي، قال أبو داود: الطرق الزجر والعيافة الخط، اهـ. وقال ابن فارس: الطرق الضرب بالحصى وهو جنس من التكهن، وقال في النهاية (^٣): الطرق الضرب بالحصى الذي [تفعله] النساء وقيل الخط في الرمل. قال لبيد:\nلعَمْرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع\nلبيد الشاعر الصحابي وهو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن [كلاب] (^٤) بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري، وفد على رسول الله -ﷺ- فأسلم وحسن إسلامه وكان من فحول شعراء الجاهلية [والإسلام] (^٥) وهو\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٢٢١)، وحياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٩١).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢١/ ٣١).\n(^٣) النهاية في غريب الأثر (٣/ ١٢١).\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل وهو الصَّواب؛ وفي النسخة الهندية: (كلام) وهو خطأ.\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":191},{"text":"الذي ثبت في الصحيح (^١) أن رسول الله -ﷺ- قال: أصدق كلمة قالها الشاعر:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل\nوكان لبيد من المعمّرين عاش مائة وأربعا وخمسين سنة وقيل مائة وسبعا وخمسين سنة. وقال ابن السمعاني مات في أول خلافة معاوية وله مائة وأربعون سنة، قالوا: ولم يقل شعرا بعد إسلامه، [و] كان يقول أبدلني الله تعالى به القرآن. وقيل: قال بيتا واحدا وهو:\nما عاتب المرءَ الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القرين الصالح\nوكان شريفًا في الجاهلية والإسلام وكان نذر أن لا تهبّ الصبا إلا نحر وأطعم، ثم نزل الكوفة وكان المغيرة بن شعبة يقول: إذا هبت الصبا أعينوا أبا عقيل على مروءته. وقال عُمر بن الخطاب يومًا للبيد: أنشدني شيئًا من شعرك، فقال: ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران، فزاد عمر في عطائه خمسمائة، فلما كان في أيام معاوية قال له يا لبيد كلّ الناس لهم ألفان [ولك] ألفان وخمسمائة هذان العِدلان فما هذه العلاوة. قال: سأموت [يا أمير المؤمنين] ويرجع لك العدلان والعلاوة، فمات لبيد بعد ذلك بيسير. قوله في الحديث: \"أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد [ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل\" الحديث، وفي لفظ: \"أصدق كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد هذه\"] المراد بالكلمة هاهنا القطعة من الكلام، والمراد بالباطل الفاني المضمحل المتغير الذي هو بصدد أن يهلك ويتلف، وهذا نحو قوله تعالى:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٣) (٢٢٥٦).","vol":"12","page":192},{"text":"﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (^١)، ولا شك في أن هذه الكلمة أصدق ما تكلم به ناظم. قوله: \"من الجبت\" الجبت بكسر الجيم وسكون الباء كلّ ما عبد من دون الله تعالى.\n_________\n(^١) سورة القصص، الآية: ٨٨.","vol":"12","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>الترهيب من الطيرة </span>(^١)\n٤٦٨٤ - عن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: الطيرة شرك. الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل. رواه أبو داود (^٢)، واللفظ له والترمذي (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، وقال\n_________\n(^١) هذا الباب موضعه في ترتيب الترغيب متأخر عن هذا الموضع في الشرح وهو ما يشير إليه اختلاف الترقيم.\n(^٢) أبو داود (٣٩١٠).\n(^٣) الترمذي (١٦١٤) وفي العلل (٢/ ٦٩٠).\n(^٤) ابن حبان (٦١٢٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٢٦٥) وفي المُصَنف (٢٦٣٩١) وأحمد (١/ ٣٨٩ و٤٣٨ و٤٤٠)، وفي السنة (٧٧٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٠٩)، وابن ماجه (٣٥٣٨)، وأبو يعلى (٥٠٩٢)، (٥٢١٩) وابن أبي الدنيا في التوكل (٤١) (٤٢)، والخلال (١٤١٠) وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٥٠٣) والطحاوي في المشكل (٨٢٧ و٨٢٨ و٨٢٩ و١٧٤٨ و١٧٤٧)، وفي شرح المعاني (٤/ ٣١٢)، والبزار (١٨٤٠) والخلال في السنة (١٤٠٤)، والهيثم بن كليب (٦٥١ و٦٥٢ و٦٥٣ و٦٥٤ و٦٥٥ و٦٥٦ و٦٥٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ١٨٧) والحاكم (١/ ١٧ - ١٨) وابن بشران (٤٦٥)، والبيهقي (٨/ ١٣٩) وفي الشعب (١١٢٤)، والبغوي في شرح السنة (٣٢٥٧) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٧٢٩). والمزي (٢٢/ ٦٢١) وقد جزم بإدراج: هذا الحرف وما منا طائفة من العُلماء منهم البخاري وشيخه سليمان كما ذكر القاضي في ترتيب علل الترمذي الكبرى (٤٨٥) قال محمد: وكان سليمان بن حرب ينكر هذا الحديث أن يكون عن النبي -ﷺ- لهذا الحرف وما منا وكان يقول: هذا كأنه عن عبد الله بن مسعود قوله. وكذا قال المنذري في الترغيب (٤/ ٦٤) والهيثمي في موارد الظمآن (ص ٣٤٥) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح سنده ثقات رواته. =","vol":"12","page":194},{"text":"الترمذي: حديث حسن صحيح.\n[قال الحافظ]: قال أبو القاسم الأصبهاني وغيره: في الحديث إضمار والتقدير وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك، يعني قلوب أمته، ولكن الله يذهب ذلك عن قلب كلّ من يتوكل على الله، ولا يثبت على ذلك، هذا لفظ الأصبهاني، والصواب ما ذكره البخاري وغيره أن قوله: وما منا إلى آخره من كلام ابن مسعود مدرج غير مرفوع.\n[قال الخطابي]: وقال محمد بن إسماعيل: كان سليمان بن حرب ينكر هذا الحرف، ويقول: ليس من قول رسول الله -ﷺ-، وكأنه قول ابن مسعود، وحكى الترمذي (^١) عن البخاري أيضًا عن سليمان بن حرب نحو هذا.\nقوله: \"وعن ابن مسعود تقدم\". قوله -ﷺ-: \"الطيرة شرك\" الحديث الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء على وزن العنبة هذا هو الصحيح المعروف في رواية الحديث وكتب اللغة والغريب. وحكى القاضي عياض (^٢) وابن الأثير (^٣): منهم من سكن الياء والمشهور الأول. والتطير التشاؤم\n_________\n= قوله وما منا إلا مدرج من كلام ابن مسعود. وقال الحافظ في الفتح ١٠/ ٢١٣ قوله وما منا إلا من كلام ابن مسعود أدرج في الخبر وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (٣٥٣٨)، وغاية المرام (٣٠٣)، والصحيحة (٤٣٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٩٨).\n(^١) الترمذي كما في علله للقاضي (٤٨٥).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٤).\n(^٣) النهاية في غريب الأثر (٣/ ١٥٢).","vol":"12","page":195},{"text":"بالشيء وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (^١) أي شؤمهم جاء من قبل الله هو الذي قضى عليهم بذلك وقدّره، وأصل فيما يقال: كانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما فينفرون الظباء والطيور فإن أخذت ذات اليمين [تبركوا به ومضوا في سفرهم وحوائجهم] كان أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم وتشاءموا [بها]. وكان ذلك يصدهم في كثير من الأوقات عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر فهذا معنى قوله: \"ولا طيرة\". ومنه الحديثما: ثلاث لا يسلم [منها] أحد: الطيرة والحسد والظن. قيل: فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت فامض وإذا حسدت فلا تبغ وإذا ظننت فلا تحقق.\nقوله: \"الطيرة شرك\"، قال في النهاية (^٢) [وكذا قاله النووي (^٣)]: وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن الطير يجلب لهم نفعا أو يدف عنهم ضررا إذا عملوا [بموجبه أي] بمقتضاها معتقدين تأثيرها فهو شرك لأنم جعلوا لها أثرا في الفعل والإيجاد فكأنهم [أشركوه] مع الله في ذلك.\nوقال أيضًا: جعل التطير شركا لله في اعتقاد جلب النفع ودفع الضرر وليس\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٣١.\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٣/ ١٥٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢١٩).","vol":"12","page":196},{"text":"الكفر بالله لأنه لو كان كفرا لما ذهب بالتوكل، اهـ.\nفائدة: قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (^١)، [وكذا قاله النووي (^٢)] (^٣): أصل التطير واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار مأخوذ من زجر الطير ومروره سانحا وبارحا فاشتقوا منه التطير ثم استعملوا ذلك في كلّ شيء من الحيوان وغير الحيوان فتطيروا من الأعور والأبتر وكذلك [من] (^٤) الغراب والبين من غصن البان والحِمام من الحَمام ومن [الحميم] ومن الحمى وربما جعلوا الخبل [- في الحاشية: علّ الحبل بالباء الموحّدة بعد حاء مهملة لأنه آلة الوصال، قاله الكاتب -] (^٥) من الوصال والهدهد من الهدى وغصن البان من بيان الطريق والعقاب من عقبى خير [ومثل هذا] كثير عندهم إذا غلب عليهم الإشفادتى تطيروا وتشاءموا هاذا غلب عليهم الرجاء والسرور تفاءلوا وذلك مستعمل عندهم فيما يرونه من الأشخاص ويسمعونه من الكلام. فقال لهم رسول الله -ﷺ-: لا طيرة ولا [شؤم] يُعرِّفهم أن ذلك إنما هو من طريق الاتفادتى ليدفع عن المتوقع ما يتوقعه من ذلك [كله] ويعلمه أن ذلك لا يناله منه إلا ما كتب الله له، اهـ. قوله: \"وما منا إلا ولكن يذهبه الله بالتوكل\"، قال الحافظ ﵀: قال أبو القاسم الأصبهاني\n_________\n(^١) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٨٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢١٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) سقطت هذه الحاشية من النسخة الهندية.","vol":"12","page":197},{"text":"وغيره: في الحديث إضمار والتقدير: [أو] ما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك يعني قلوب أمته ولكن الله تعالى يذهب ذلك عن قلب كلّ من يتوكل على الله تعالى ولا يثبت على ذلك، هذا لفظ الأصبهاني اهـ، وقال سليمان بن حرب: ما منا من قول ابن مسعود، وقال الخطابي (^١): معناه ما منا إلا من تعتريه الطيرة ويسبق إلى [قلبه] الكراهة فيه فحذف اختصارا للكلام واعتمادا على فهم السامع، اهـ. هكذا جاء الحديث مقطوعا ولم يذكر المستثنى أي إلا قد يعتريه التطير إلى آخر كلام الخطابي، وهذا كحديثه الآخر (^٢): ما فينا إلا من همّ أو لمّ إلا يحيى بن زكريا، فأظهر المستثنى.\nقوله: \"ولكن الله يذهبه بالتوكل\" معناه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله وسلم إليه ولم يعمل بذلك الخاطر غفر الله له ولم يؤاخذه به، اهـ.\nقاله في النهاية (^٣). قال ابن عبد البر في التمهيد (^٤): قوله: الطيرة شرك وما منا إلا، إلى آخره، معنى هذا عندنا والله أعلم أن من تطير [فقد أثم وإثمه على نفسه في تطيره لترك التطير به] على نفسه في الحقيقة لأنه لا طيرة حقيقة ولا شيء إلا ما شاء الله في سابق علمه والذي أقول في هذا الباب تسليم الأمر إلى الله وترك القطع على الله بالشؤم في شيء، قال الله ﷾: ﴿قُل لَّن\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ٢٣٢).\n(^٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٥٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٥٢).\n(^٤) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٨٥).","vol":"12","page":198},{"text":"يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كتَبَ اْللَّهُ لَنَا﴾ (^١)، الآية، وقال ﷾: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (^٢)، الآية، فما قد خط في اللوح المحفوظ لم يكن منه بد وليست البقاع ولا الأنفس بصانعة شيئًا من ذلك، وقد كان من العرب قوم لا يتطيرون ولا يرون شيئًا، [وقد كان من العرب قوم يتطيرون ولا يرون شيئًا] والله أعلم. [وتقدم الكلام على حديث قطن بن قبيصة، وتقدم أيضًا الكلام على حديث أبي الدرداء: \"لن ينال الدرجات العلا\"، وعلى حديما عمران بن حصين: \"ليس منا من تطير ... \"، والله تعالى أعلم بالصواب].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>فوائد يختم بها الباب:</span>\nالفائدة الأولى: اعلم أن التطير إنما يضر من أشفق منه وخاف وأما من لم يبال به ولم [يعانيه] فلا يضره البتة لا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك (^٣). وفي رواية: ولا يدفع السيئات بدل ولا يذهب.\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٥١.\n(^٢) سورة الحديد، الآية: ٢٢.\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠). والطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٢٢/ ٣٨)، وابن السني (٢٩٢). وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٢٠١) عن عبد الله بن عمرو به مرفوعًا. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٠٥) رواه أحمد، والطبراني، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. الدعاء موقوف على عبد الله بن عمرو ويحتمل =","vol":"12","page":199},{"text":"وقال الذهبي أنه مرسل، وفي التمهيد (^١) عن عبد الله بن عُمر عن رسول الله -ﷺ- قال: من رجعته الطيرة عن حاجة فقد أشرك. قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: أن يقول أحدهم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي لحاجته، وأما من كان متعنيا بها فهي [إليه] أسرع من [السيل] إلى منحدره وفتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويفتح له الشيطان منها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه وينكد عليه عيشه والله أعلم.\nالفائدة الثانية: في التفاؤل بالكلام بما يسمعه من الكلام الحسن، في الحديث (^٢) أن النبي -ﷺ- كان يتفاءل ولا يتطير، وفي الحديث أيضًا (^٣): لا طيرة\n_________\n= أن يكون أخذه من التوارة. وقدا آخرج ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٦٨)، وابن أبي شيبة في المُصَنِّف (٩/ ٤٥) و(١٠/ ٣٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢١)، والبيهقي في الشعب (١١٨٠) أن كعب الأحبار قال لعبد الله بن عمرو: هل تطير؟ قال: نعم. قال: فما تقول؟ قال: أقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا رب غيرك. قال: أنت أفقه العرب وفي رواية: إنها لمكتوبة في التوراة كما قلت. والحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٦٥).\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٩٥). والذهبي في السير (١٦/ ٥١٧).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٦٩٠)، وأحمد (٢٣٢٨)، وابن حبان (٥٨٢٥)، والطبراني المعجم الكبير (١١/ ١٤٠/ ١١٢٩٤)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٢٥٠)، والبغوي في شرح السنة (٣٢٥٤) عن ابن عباس، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٤٧) رواه أحمد والطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف بغير كذب.، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٩٠٤)، والصحيحة (٧٧٧) وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٠٧، وابن حبان (٥٨٢٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٧٥٤)، وصحيح مسلم (١١٠) (٢٢٢٣).","vol":"12","page":200},{"text":"وخيرها الفأل، قيل: يا رسولى الله وما الفأل؟ قالى: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم، وفي حديث آخر: قالى (^١): يعجبني الفأل وأحب الفأل الصالح.\nوفي حديث آخر: وأصدقها الفأل، وكان النبي -ﷺ- يستحب الاسم الحسن والفأل الحسن. (^٢) وقد جعل الله في فطرة البشر محبة ذلك كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي وإن لم [يشربه] ولم يستعمله والفأل مهموز. (^٣)\nويجوز ترك همزه وقد أولع الناس بترك همزته تخفيفا وجمعه فئول كفلس وفلوس. وقد فسره النبي -ﷺ- بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة قال العُلماء يكون الفأل فيما يسر وفيما يسوء والغالب في السرور والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء. قالوا وقد تستعمل مجازا في السرور.\nوقال الخطابي (^٤): الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله والطيرة إنما هي من طريق الإنكار على ما سواه، [قال العُلماء:] ولهذا إنما أحب النبي -ﷺ- الفأل لأن الإنسان إذا [تأمّل] فائدة الله تعالى وفضله عند سبب قوي أو ضعيف فهو على خير في الحال وإن غلط في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٧٥٦)، وصحيح مسلم (١١١) (٢٢٢٤).\n(^٢) سبق من حديث ابن عباس في الحاشية قبل السابقة.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٠٥).\n(^٤) غريب الحديث للخطابي (١/ ١٨٣).","vol":"12","page":201},{"text":"جهة الرجاء فالرجاء له خير وإما إذا قطع رجاءه وآماله من الله تعالى فإن ذلك شر له والطيرة فيها سوء الظن وتوقع البلاء [من الله تعالي] (^١). ومن أمثال التفاؤل أن يكون له مريض فيتفاءل بما يسمعه فيسمع من يقول يا سالم أو يكون طالب حاجة فيسمع من يقول يا واجد فيقع في [ظنه] أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته، ومنه الحديث، قيل يا رسول الله ما الفأل؟ قال الكلمة الصالحة، اهـ. ذكره في النهاية (^٢) وفي غيرها.\nالفائدة الثالثة: في أخذ الفأل من المصحف، جزم القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام (^٣) في سورة المائدة بتحريم أخذ الفأل في المصحف ونقله القرافي عن الطرسوسي وأقره وأباحه ابن بطة من الحنابلة ومقتضى مذهبنا أي الشافعية كراهته، وحكى الماوردي في كتاب آداب الدين والدنيا أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يومًا في المصحف فخرج له قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ (^٤)، فمزق المصحف وأنشأ يقول:\nأتوعد كل جبار عنيد ... فما أنا ذاك جبار عنيد\nإذا ما جئتَ ربك يوم حشر ... فقل يارب مزقني الوليد\nفلم يلبث إلا أياما حتى قُتل شر قتلة وصلبت رأسه على قصره ثم على\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٠٦).\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٣٦).\n(^٤) سورة إبراهيم، الآية: ١٥.","vol":"12","page":202},{"text":"سور بلده. ومن البدع والباطل التفاؤل في فتح الختمة والنظر في أول سطر منها أو غيره وذلك باطل، وقد نهي عنه. بيان ذلك أنه قد تخرج له آية عذاب ووعيد فيقع التشويش من ذلك [فرفع] (^١) عنه ذلك حتى تنقطع عنه مادة التشويش بل يخشى عليه أن يقع له ما هو أشد من ذلك ويئول أمره إلى الخطر العظيم، ألا ترى إلى ما جرى لبعض الملوك وهو الوليد أنه فتح المصحف ليأخذ منه الفأل فوجد في أول سطر منه ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ (^٢) فوجد من ذلك أمرا عظيما حتى خرج بذلك عن حال المسلمين كما تقدم. وفي الذخيرة (^٣) قال الطرطوشي أن أخذ الفأل من المصحف وضرب الرمل ونحوهما حرام، [وهو من باب الاستقسام بالأزلام مع أن أخذ الفأل الحسن هو ما يعرض من غير كسب مثل قائل يقول يا مفلح ونحوه] (^٤). والتفاؤل المكتسب حرام ومن ذلك شراؤهم الفقاع في تلك الليلة أو ذلك اليوم من أول السنة، ويزعمون أن الرزق يفور لهم في تلك السنة ويوسع عليهم فيها، والله تعالى أعلم.\nالفائدة الرابعة: في الحديث: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة، الحديث (^٥).\nالمراد بذلك نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده أن المرض\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل ولعله الصواب، وفي النسخة الهندية: (فرع).\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ١٥.\n(^٣) الذخيرة (١٣/ ٢٥٦).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) صحيح البخاري (٥٧٥٧) صحيح مسلم (١٠٢) (٢٢٢٠).","vol":"12","page":203},{"text":"والعاهة تتعدى بطبعها لا بفعل الله تعالى. فقوله: ولا هامة، والهامة بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره، وقيل بتشديدها، قاله جماعة وحكاه القاضي عياض (^١) عن أبي زيد الأنصاري الإمام في اللغة وفيها تأويلان: أحدهما أن العرب كانت تتشاءم بالهامة وهي الطائر المعروف من طير الليل يألف الموتى والقبور وهو غير البوم ولكنه يشبهه وقيل هي البومة كانت إذا سقطت على دار أحدهم قالوا نعت إليه نفسه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك بن أنس. والثاني أن العرب كانت تزعم أن الرجل إذا قتل ولم يؤخذ ثأره خرج من هامته وهو أعلى رأسه طائر يصيح على قبره اسقوني اسقوني من دم قاتلي فإني عطشان، فإذا أخذ بثأره طارت، وقال بعضهم: يخرج من رأسه [دودة] فتنسلخ عن طائر يفعل ذلك. وقيل كانوا يزعمون أن عظام الميت وقيل روحه تصير هامة ويسمونها الصدى وهذا تفسير أكثر العُلماء وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين [فإنهما] جميعا باطلان فبين النبي -ﷺ- إبطال ذلك وضلالة الجهال فيما يعتقدون من ذلك وإليه ذهب غير واحد منهم أبو عبيد الحربي.\nفرع: في فتاوى [قاضي] خان إذا صاحت الهامة [فقال] أحد يموت رجل: قال بعضهم يكون ذلك كفرا إنما يكون هذا على جهة التفائل، وحكى أيضًا خلافا عن أصحابهم فيمن خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع هل يكفر؟\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٢١٥)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٨٣) فتح الباري (١٠/ ٢٤١).","vol":"12","page":204},{"text":"قال النووي (^١) [بعد حكاية] ذلك عنهم، والصواب لا يكفر عندنا بمجرد ذلك والله أعلم.\nلطيفة تتعلق بالهامة: روى أبو نعيم في الحلية (^٢) عن ابن مسعود قال: كنت عند كعب الأحبار وهو عند عمر بن الخطاب فقال كعب يا أمير المؤمنين ألا أخبرك بأغرب شيء قرأته في كتب الأنبياء: إن هامة جاءت إلى سليمان بن داود فقالت السَّلام عليك يا نبي الله، فقال وعليك السَّلام يا هامة، أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع؟ قالت: يا نبي الله إن آدم أخرج من الجنة بسببه، قال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: لأنه غرق في قوم نوح. فمن أجل ذلك لا أشربه. قال لها سليمان: كيف تركت العمران ونزلت الخراب: قالت لأن الخراب ميراث الله تعالى فأنا أسكن ميراث الله تعالي، قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ (^٣) الآية، فالدنيا كلها ميراث الله تعالى.\nقال سليمان: فما تقول إذا جلست فوق خربة. قالت: أقول أين الذين كانوا يتنعمون بالدنيا ويتنعمون فيها.\nقال سليمان: فما صياحك في الدور إذا مررت عليها. قالت: أقول ويل لبني آدم كيف ينامون وأمامهم الشدائد، قال فما لك لا تخرجين بالنهار: قالت من كثرة ظلم بني آدم لأنفسهم. قال: فأخبريني ما تقولين في صياحك.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) حلية الأولياء (٥/ ٣٩١).\n(^٣) سورة القصص، الآية: ٥٨.","vol":"12","page":205},{"text":"قالت: أقول تزودوا يا غافلين وتهيئوا لسفركم، سبحان خالق النور. فقال سليمان ﵊: ليس من الطيور طير أنفع لبني آدم وأشفق [عليه] من الهامة وما في قلوب الجهال أبغض منها، اهـ، والله تعالى أعلم.","vol":"12","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>الترهيب من تصوير الحيوانات والطيور في البيوت وغيرها</span>\n٤٦٢٠ - عن ابن عمر -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله: \"عن ابن عمر\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم\" الحديث، أي اجعلوه حيوانا ذا روح كما تضاهيتم، وعليه رواية ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي وهو الذي يسميه [الأصوليون] أمر تعجيز [كقوله] تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (^٣)، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (^٤).\n\n٤٦٢١ - وعن عائشة (^٥) -﵂- قالت: قدم رسول الله -ﷺ- من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله -ﷺ- تلون وجهه وقال: يا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٩٥١).\n(^٢) صحيح مسلم (٩٧) (٢١٠٨).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣.\n(^٤) سورة هود، الآية: ١٣.\n(^٥) صحيح البخاري (٥٩٥٤)، وصحيح مسلم (٩٢) (٢١٠٧).","vol":"12","page":207},{"text":"عائشة: أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. قالت: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين.\n\n٤٦٢٢ - وفي رواية (^١) قالت: دخل علي رسول الله -ﷺ- وفي البيت قرام فيه صور، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه وقال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور.\n\n٤٦٢٣ - وفي أخرى أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله -ﷺ- قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية. قالت: فقلت: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n[السهوة] بفتح السين المهملة: هي الطاق في الحائط يوضع فيه الشيء، وقيل: هي الصفة وقيل المخدع بين البيتين، وقيل: بيت صغير كالخزانة الصغيرة. [والقرام] بكسر القاف: هو الستر. [والنمرقة]: بضم النون والراء أيضا، وقد تفتح الراء، وبكسرهما: هي المخدة.\nقوله: \"وعن عائشة\" -﵂- تقدم قولها -﵂-: \"قدم رسول الله -ﷺ- من سفر وقد سترت سهوة لي بقرام في تماثيل\" الحديث. السهوة بفتح السين المهملة هي الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء، وقيل هي الصفة، وقيل المخرج بين البيتين، وقيل بيت صغير كالخزانة الصغيرة، قاله الحافظ، وزاد بعض العلماء\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦١٠٩)، وصحيح مسلم (٩١) (٢١٠٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٥١٨١، ٥٩٥٧، ٥٩٦١، ٧٥٥٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٩٦) (٢١٠٧).","vol":"12","page":208},{"text":"على ذلك، [فقال] الأصمعي السهوة شبيهة بالرف وقال أبو عبيد [و] (^١) سمعت غير واحد من أهل اليمن يقولون السهوة بيت صغير منحدر في الأرض قليلا وسمكه مرتفع من الأرض يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع. قال أبو عبيد وهذا عندي أشبه ما قيل في السهوة، وقال الخليل (^٢) هي أربعة أعواد أو ثلاثة يعرض بعضها على بعض ثم يوضع عليها شيء من الأمتعة، وقال ابن الأعرابي هي الكوة بين الدارين. قولها - ﵂ -: \"بقرام \"، قال الحافظ المملي القِرام بكسر القاف هو الستر، اهـ. وفي رواية: وعلى باب البيت قرام ستر، وهو الستر الرقيق [وقيل الضيق من صوف ذي ألوان، وقيل القرام الستر الرقيق] (^٣) وراء الستر الغليظ ولذلك أضافه، قاله في النهاية (^٤). وقيل القرام هو ستر فيه رقم ونقوش وتصاوير، قاله الكرماني (^٥). وفيه دليل على أن الصور كلها منهي عنها سواء كانت أشخاصا سواء كانت في ستر أو بساط أو في وجه جدار أو غير ذلك.\nقال ابن بطال: وعلم من الحديث النهي عن اللباس الذي فيه التصاوير بالطريق الأولى وهذا كله على الكراهة، اهـ واللّه أعلم. قولها -﵂-: \"فيه تماثيل\" والتماثيل جمع التمثال وهو الصورة، فالتمثال مثال صورة ما فيه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الأثر (٤/ ٤٩).\n(^٥) الكواكب الدراري (٤/ ٣٧).","vol":"12","page":209},{"text":"روح وهو يعم ما كان متجسدا وما كان مصورا في رقم أو نقس وقد روي صورة ما [كان] تمثال، والمراد بها هاهنا صورة الحيوان. [فإن] قلت: لم كانوا أشد الناس عذابا؟ قلت: لأنهم يصورون الأصنام للعبادة لها فهم كفرة، والكفرة أشدهم عذابا، اهـ، قاله الكرماني (^١).\n[قولها -﵂-: \" ... \" أي تغيّر]. قوله -ﷺ-: \"أشد الناس عذابا عند اللّه يوم القيامة الذين يضاهون بخلق اللّه\". المضاهاة المشابهة، أي يشابهون فيفعلون ما يضاهي خلق اللّه تعالى أي مخلوقه أو يشبهون فعلهم [بفعله] أي في التصوير والتخليق. قولها -﵂-: \"فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين\" الحديث. الوسادُ والوسادة المخدّة والجمع وسائد وقد وسّدته الشيء فتوسده إذا جعله تحت رأسه، ومنه الحديث. قال شكونا إلى رسول اللّه -ﷺ- وهو متوسد برده في ظل الكعبة فقلنا ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا. فقال: كان الرجل فيمن كان قبلكم [تحفر] له [في] (^٢) الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين [وما] يصده عن دينه؛ الحديث. قاله الكرماني (^٣).\nقولها ﵂: \"ثم تناول الستر فهتكه\" وهو بمعنى قطعه وأتلف الصورة التي فيه وهو منع كراهة تنزيه لا تحريم، هذا هو الصحيح. وقال\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢١/ ١٣٤).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) الكواكب الدراري (٢١/ ١٣٤).","vol":"12","page":210},{"text":"الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي من أصحابنا: هو حرام. وفي لفظ أن عائشة هتكت الستر، وانما هتكت الستر لأنها ظنت أن رسول اللّه -ﷺتأذى منه لكونه منقشا بصور ولأن فيه تجملا وزينة، اهـ. واللّه أعلم.\nقوله: \"إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور\" الحديث، هذه الرواية محمولة على من فعل الصورة لتعبد وهو صانع الأصنام ونحوها فهذا كافر وهو أشد الناس عذابا، وقيل هو فيمن قصد المعنى الذي جاء في الحديث من مضاهاة الخلق [خلق اللّه تعالى] واعتقد ذلك فهذا كافر له من أشد العذاب ما للكفار ويزيد عذابه بزيادة قبح كفره فأما من لم يقصد بها العبادة ولا المضاهاة فهو فاسق صاحب ذنب كبير ولا يكفر كسائر المعاصي واللّه أعلم.\nقوله في الرواية الأخرى: أن عائشة اشترت نمرقة فيها تصاوير، الحديث.\nالنمرقة: قال الحافظ، بضم النون والراء أيضا وقد تفتح الراء وبكسرهما هي المخدة، اهـ. ويقال نمرق بلا هاء وجمعها نمارق وهي وسادة صغيرة وقيل هي مرفقة وتوسدها من التوسيد وفي بعضها من التوسد.\nقوله: \"إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم\"، أي اجعلوه حيوانا ذا روح كما ضاهيتم وتقدم معناه في أول الباب.\nقال النووي (^١): قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٨١).","vol":"12","page":211},{"text":"المذكور في الأحاديث، سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة بخلق اللّه تعالى. وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار وفلس وحائط وغيرها. وأما اتخاذ ما فيه صورة حيوان فإن كان معلقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة أو نحو ذلك [مما] لا يعد ممتهنا فهو حرام وإن كان في بساط ومخدة ووسادة ونحو ذلك مما يمتهن فليس بحرام ولكن هل يمنع دخول الملائكة ذلك البيت؟ فيه كلام سيأتي ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له، هذا ملخص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب النووي والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم واللّه أعلم. قوله -ﷺ-: \"إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة\" أراد بالملائكة الملائكة السياحين [الذين يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار] غير الحفظة والحاضرين عند الموت، فإن الحفظة يدخلون كل بيت ولا يفارقون بني آدم في حال من الأحوال لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها. قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل بأي شكل شاءوا. قال العلماء: فأما [سبب امتناع] (^١) [عدم] دخول الملاكة [بيتا] فيه صورة فلكونها معصية فاحشة [و] (^٢) فيها مضاهاة لخلق اللّه تعالى وبعضها في صورة ما يُعبد من دون اللّه تعالى، وبمشابهة بيوت الأصنام فعوقب متخذها بحرمان\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":212},{"text":"دخول ملائكة الرحمة بيته وصلاتها فيه واستغفارها له وتبركها عليه [و] في بيته ودفعها أذى الشياطين.\nتنبيه: قال بعض أرباب الحقائق إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة فكيف تدخل شواهد الحق قلبا [فيه] حب الدنيا، اهـ.\n\n٤٦٢٤ - وعن سعيد بن أبي الحسن -﵁- قال: جاء رجل إلى ابن عباس -﵄- فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادن مني، فدنا، ثم قال: ادن مني، فدنا، حتى وضع يده على رأسه، وقال: أنبئك بما سمعت من رسول اللّه -ﷺ-؟ سمعت رسول اللّه -ﷺ- يقول: كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا، فيعذبه في جهنم. قال ابن عباس: فإن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n\n٤٦٢٥ - وفي رواية للبخاري (^٣) قال: كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عباس: إني رجل إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير؟ فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول اللّه -ﷺ-، سمعته يقول: من صور صورة، فإن اللّه معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا، فربا الرجل ربوة شديدة، فقال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٩٦٣)، صحيح مسلم (٩٩ - ١٠٠) (٢١١٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٩٩) (٢١١٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٢٢٥).","vol":"12","page":213},{"text":"\"وعن سعيد بن أبي الحسن\" واسم أبي الحسن يسار أخو الحسن البصري، وكان أصغر من الحسن، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، وكان الحسن يحبه حبا شديدا، ولما مات حزن عليه حزنا شديدا، وأمسك عن الكلام حتى عرف ذلك في مجلسه وحديثه، فكلم في ذلك فقال: الحمد للّه الذي لم يجعل الحزن عارا على يعقوب، ثم قال: بئست الدار المفرقة.\nقال مبارك بن فضالة: دخلنا على الحسن حين نعي له أخوه وهو يبكي، فعزاه بكر بن عبد اللّه وقال: إن الناس يرونك تبكي فيذهبون بهذا إلى عشائرهم فيقولون: رأينا الحسن يبكي عند المصيبة، فيحتجون به على الناس، فحمد اللّه الحسن وأثنى عليه وقد خنقته العبرة وقال: إن اللّه جعل هذه الرحمة في قلوب المؤمنين؛ فيرحم بها بعضهم بعضا، فتدمع العين، ويحزن القلب، وليس ذلك بجزع، إنما الجزع ما كان من اللسان واليد، ثم قال: إن اللّه لم يجعل حزن يعقوب عليه ذنبا ولا عارا، قال: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (^١) ورحم اللّه سعيد بن أبي الحسن، ما كانت تنزل بي شدة إلا وكان يود أنه لو فداني بنفسه.\nوقال ابن عون: دفع إلي الحسن برنسا مطوسا كان لأخيه لأبيعه، فذهبت به فلم أعط فيه إلا أربعة وعشرين درهما، فقلت له: أفأشتريه أنا؟ قال: فأنت أعلم، ولكني لا أحب أن أراه عليك.\n_________\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٨٤.","vol":"12","page":214},{"text":"قال ابن سعد: مات سعيد قبل سنة مئة، وقد روى الحديث، وروي عنه.\nقوله -ﷺ-: \"كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم\" الحديث، [يجعل] له فيه بفتح الياء من يجعل والفاعل هو اللّه تعالى، أضمر للعلم به.\nقال القاضي (^١) في رواية ابن عباس: ويحتمل أن معناها أن الصورة التي صورها هي تعذبه بعد أن يجعل فيها الروح وتكون الباء في بكل بمعنى في ويحتمل أن يجعل له [بعدد كل] صورة ومكانها شخص يعذبه وتكون الباء بمعنى لام السبب، وهذه الأحاديث صريحة في تحريم تصوير الحيوان وأنه غليظ التحريم. وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه فلا تحرم صنعته ولا التكسب به وسواء الشجر المثمر وغيره وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهدًا فإنه جعل الشجر المثمر من المكروه، قال القاضي عياض ﵀ (^٢) لم يقله أحد غير مجاهد، واحتج لمجاهد بقوله تعالى (^٣): ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، واحتج الجمهور بقوله -ﷺ- (^٤): ويقال لهم أحيوا ما خلقتم أي اجعلوه حيوانا ذا روح كما ضاهيتم، وعليه رواية: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩١).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (١٠١) (٢١١١).\n(^٤) صحيح البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٩٦) (٢١٠٧).","vol":"12","page":215},{"text":"قوله: \"قال ابن عباس: فإن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له \" الحديث، فأما لعن المصورين فيرجع إلى من يصور الحيوان دون الشجر إذ الفتنة فيه أعظم. أقول: أو لأن الأصنام التي كانوا يعبدونها كانت على صور الحيوانات واللّه أعلم. قاله الكرماني (^١).\nقوله -ﷺ-: \"من صور صورة فإن اللّه معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا\" الحديث، [وهو] بالخاء المعجمة أي لا يمكن له النفخ قط فيكون معذبا أبدا، فهذا دليل على تحريم الصور [التي لها روح، ودليل على عذاب من صوّرها، فمن اشترى الحلاوة التي فيها الصور]، فهو معين لهم على تصويرها ومن أعانهم كان شريكا لهم فيما توعدوا به ومثل ذلك من وقف ينظر إليها أو تعجبه مع العلم بالتحريم، فكل ذلك إعانة على فعل ما لا يجوز، وانظر إلى النساء كيف يكلفن أزواجهن لشراء ذلك لأولادهن وربما يئول أمرهم إن قصّر في التوسعة إلى الفراق. وقد قال -ﷺ-: أنا وأمتي برآء من التكليف فمن تكلّف أو كلف يخشى عليه من الدخول في عموم الحديث. والتكليف مذموم في المواسم الشرعية والعبادات الدينية فكيف به في غير موسم شرعي واللّه أعلم.\nقوله: \"فربى الرجل ربوة شديدة\" ربا الإنسان إذا انتفخ غيظا أو كبرا. قاله المنذري. وقال الكرماني (^٢): ربا الرجل إذا أصابه الربو أي [إذا] (^٣) علا نفسه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٩/ ٢٠٨).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٠/ ٧٥).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":216},{"text":"وضاق صدره. قوله: \"فقال ويحك إن أبيت\" الحديث، ويح كلمة تقال لمن وقع في بلية لا يستحقها فيترحم عليه ويرثى له.\n\n٤٦٢٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n٤٦٢٧ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول اللّه -ﷺ- يقول: قال اللّه تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوه ذرة، وليخلقوا حبة، وليخلقوا شعيرة. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي\"، يعني لا يقدر أن يخلق مثل ما أخلق فإن الخلق ليس بتصوير صورة مجردة عن الروح. قوله: \"فليخلقوا ذرة أو يخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة\" الحديث، الذرة بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء النملة الصغيرة، ومعناه فليخلقوا ذرة فيها روح تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي هي خلق اللّه تعالى، وكذلك فليخلقوا حبة [حنطة] أو شعيرة أي فليخلقوا حبة فيها طعم تؤكل وتزرع وتنبت ويوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة والشعير ونحوهما من الحب الذي يخلقه اللّه تعالى، [يعني لا يقدر] (^٤)، وهذا أمر تعجيز، ذكره\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٥٠) ومسلم (٩٨ - ٢١٠٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٩٥٣، ٧٥٥٩).\n(^٣) صحيح مسلم (١٠١) (٢١١١).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":217},{"text":"النووي في شرح مسلم (^١).\n\n٤٦٢٨ - وعن حيان بن حصين قال: قال لي علي -﵁-: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه -ﷺ-؟ ألا تاع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته. رواه مسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤).\nقوله: \"وعن حيان بن حصين\" أبو الهياج الأسدي الكوفي روى عن علي وعمار وعنه ابناه جرير ومنصور وأبو وائل والشعبي ذكره ابن حبان في الثقات قلت لم يخرج له الترمذي وإنما له مجرد ذكر وقال العجلي تابعي ثقة وقد قال بن عبد البر كان كاتب عمار -﵁-.\nقوله: \"قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه -ﷺ-: أن لا تدع صورة إلا طمستها\" أي محوتها وغيّرتها. قاله عياض (^٥).\n\"ولا قبرا مشرفا إلا سويته\"، وفي رواية الإمام أحمد: ولا صورة إلا لطخها، الحديث، أي لطخها بالطين حتى يطمسها من اللطخ [وهو] الذي يبقى في أسفل الحوض والغدير وقيل معناه سودها، ففيه الحث على إتلاف الصور وتغييرها.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٩١).\n(^٢) صحيح مسلم (٩٣) (٩٦٩).\n(^٣) سنن أبي داود (٣٢١٨).\n(^٤) سنن الترمذي (١٠٤٩) وقال: حديث علي حديث حسن، وأخرجه النسائي (٤/ ٨٨).\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٤٣٩).","vol":"12","page":218},{"text":"فائدة: وألحق العلماء بذلك آلات الملاهي في تغييرها عن هيئاتها، أما إتلاف ماليتها بأن تفتت فلا يحل إذا عجز عن تغييرها ولم يتمكن منه إلا بتفتيتها وتفويت ماليتها فحينئذ يجوز، واللّه تعالى أعلم. قوله: \"ولا قبرا مشرفا إلا سويته\" الحديث، وفي الحديث دليل على أن السنة في القبر أن لا يرفع عن الأرض رفعا كثيرا ولا يسنم بل يرفع نحو شبر ويسطح، وهذا مذهب الشافعي رحمه اللّه تعالى ومن وافقه، ونقل القاضي عياض (^١) عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها وهو مذهب مالك رحمه اللّه تعالى. قال ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام: وقد روي أن عمر -﵁- مرّ بقبور مرتفعة فأمر بهدمها وتسويتها بالأرض وكان المشركون يعظمون رؤساءهم برفع قبورهم وقد جاء في صفة قبر النبي -ﷺ- وصاحبيه أنها غير مشرفة ولا واطية أي لم تكن في غاية الخفاء ومساواة الأرض بل كانت مرتفعة ارتفاعا يسيرا، وقد ثبت النهي عن تجصيص القبور وفي لفظ عن تقصيصها بالقاف، ولعل السبب في النهي عن تقصيص القبور ما في ذلك من المباهاة والخيلاء، ثم إن فيه [تضييعا للمال] لا لغرض صحيح، أما وضع الحجر عند رأس الميت فلا بأس به، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة\"، قال الخطابي (^٢): وإنما لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة ما يحرم اقتناؤه من الكلاب\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٣٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٤).","vol":"12","page":219},{"text":"والصور التي [لا] تمتهن [أما الكلاب والصور التي تمتهن] في البساط والوسادة وغيرهما فلا يمنع دخول الملائكة بسببه وأشار القاضي [إلى] نحو ما قاله الخطابي، والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة وأنهم يمنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث.\nفائدة: واعلم أن الصور إنما تكره إذا كانت كبارا أما إذا كانت صغارا جدا لا تبدوا للناظر لا يكره، وكذلك إذا كانت مقطوعة رأسها لا تكره ولا بأس ببسط الثياب التي عليها التصاوير والتماثيل، وروي عن عطاء وعكرمة أنهما قال تكره التماثيل فيها إذا نصبت نصبا فأما ما وطئته الأقدام فلا بأس به، واللّه أعلم.\nوأما سبب امتناع الملائكة من البيت الذي فيه الكلب فلكثرة أكله النجاسات ولقبح رائحة الكلاب ولأن بعض الكلاب يسمى شيطانا كما جاء في الحديث، والملائكة ضد الشياطين، والملائكة تكره الرائحة الخبيثة، ولأنها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذا بحرمانه دخول الملائكة [بيته] (^١) وصلاتها فيه واستغفارها له وتبركها عليه في بيته ودفعها أذى الشياطين، واللّه أعلم. وخص الخطابي الكلب بما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصورة بما يحرم فعلها، وأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن والوسادة وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بيته بسببه وأشار\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل ولعله الصواب، وفي النسخة الهندية: (فيه).","vol":"12","page":220},{"text":"القاضي عياض إلى نحو ما قاله الخطابي. قال النووي رحمه اللّه تعالى (^١): والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث ولأن الجرو الذي كان في بيت النبيﷺ- تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر لأنه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبريلﷺ- من دخول البيت وعلل بالجرو فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل -ﷺ- واللّه أعلم.\nقوله: \"إنا لا ندخل بيتا فيه كلب\" [الحديث، قال المنذري: واختلف في قول جبريل: \"إنا لا ندخل بيتا فيه كلب\" فقيل] هو مخصوص بجبريل وحده بدليل ملازمة الحفظة، وقيل بل بجميع الملائكة على عموم الحديث، اهـ. وهل يستثنى من ذلك ما أذن في اتخاذه فلا تمنع الملائكة [بسببه] أم لا؟ الظاهر الأول لما في النسائي (^٢)، قال: لما امتنع جبريل من الدخول بسبب الصور قال النبي -ﷺ-: [فإما] أن تقطع رءوسها وإما أن توطأ، فدل على الدخول حينئذ، واللّه أعلم.\n\n٤٦٢٩ - وروى أَحْمد عَن عَليّ قَالَ كَانَ رَسُول اللّه -ﷺ- فِي جَنَازَة فَقَالَ أَيّكُم ينْطَلق إِلَى الْمَدِينه فَلَا يدع فِيهَا وثنا إِلَّا كَسره وَلَا قبرا إِلَّا سواهُ وَلَا صُورَة إِلَا لطخها فَقَالَ رجل أَنا يَا رَسُول اللّه قَالَ فهاب أهل الْمَدِينَة قَالَ فَانْطَلق ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه لم أدع بهَا وثنا إِلَا كسرته وَلا قبرا إِلَّا سويته\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٤).\n(^٢) سنن النسائي (٨/ ٢١٦).","vol":"12","page":221},{"text":"وَلا صُورَة إِلَّا لطختها ثمَّ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- من عَاد إِلَى صَنْعَة شَيْء من هَذَا فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد -ﷺ- وَإِسْنَاده جيد إِن شَاءَ اللّه (^١).\n\n٤٦٣٠ - وَعَن أبي طَلْحَة -﵁- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ لا تدخل الْمَلأئِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلا صُورَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. (^٢)\n\n٤٦٣١ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم لا تدخل الْمَلأئِكَة بَيْتا فِيهِ كلب وَلا تماثيل (^٣).\n\n٤٦٣٢ - وعن ابن عمر -﵄- قال: واعد رسول اللّه -ﷺ- جبريل -ﷺأن يأتيه فراث عليه حتى اشتد على رسول اللّه -ﷺ- فخرج، فلقيه جبريل -ﷺ-، فشكا إليه فقال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. رواه البخاري (^٤).\n[راث] بالثاء المثلثة غير مهمور: أي أبطأ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ٨٧ (٦٥٧) و(٦٥٨). وقال الهيثمى في المجمع ٥/ ١٧٣: رواه أحمد وابنه، وفيه أبو محمد الهذلي، ويقال: أبو مورع، ولم أجد من وثقه وقد روى عنه جماعة، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الألبانى منكر ضعيف الترغيب (١٧٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٢٢) و(٤٠٠٢) و(٥٩٤٩) ومسلم (٨٣ و٨٤ - ٢١٠٦)، وابن ماجه (٣٦٤٩)، والترمذى (٢٨٠٤) والنسائى في المجتبى ٧/ ٦٤ (٤٣٢٠) و٨/ ٢٤٧ (٥٣٩١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم (٨٧ - ٢١٠٦)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٢٤٧ (٥٣٩٢).\n(^٤) صحيح البخاري (٥٩٦٠).","vol":"12","page":222},{"text":"[قوله: \"وعن ابن عمر -﵄- \" تقدم، قوله: \"واعد رسول اللّه صلى اللّه عليه جبريل أن يأتيه فراث عليه \" الحديث، راث بالثاء المثلثة غير مهموز أي أبطأ، قاله الحافظ] (^١)، وقال الكرماني (^٢): فراث عليه ئم ي أبطأ ومنه قولهم: راث علينا خبر فلان يريث إذا أبطأ.\n\n٤٦٣٣ - وعن علي -﵁- أن رسول اللّه -ﷺ- قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، ولا جنب، ولا كلب. رواه أبو داود (^٣) والنسائي (^٤) وابن حبان في صحيحه (^٥) كلهم من رواية عبد اللّه بن يحيى. قال البخاري: فيه نظر.\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: قوله: (إنا لا ندخل بيتا فيه كلب).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢١/ ١٣٨).\n(^٣) أبو داود (٢٢٧ و٤١٥٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٩٦).\n(^٤) النسائي (١/ ١٤١)، (٧/ ١٨٥)، (٣/ ١٢)، وفي الكبرى (١١٣٥ و٨٤٤٧) وفي الكبرى (٨٤٤٥) (٨٤٤٦)، وأخرجه ابن ماجه (٣٦٥٠).\n(^٥) ابن حبان (١٢٠٥)، وأخرجه الطيالسي (١١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٩٩٥٣)، وأحمد (٦٣٢)، وأبو يعلى (٣١٣) (٦٢٦) (٥٩٢)، والدارمي (٢٧٠٥)، والبزار البحر الزخار (٨٧٩، ٨٨٠، ٨٨١)، والطحاوي في شرح معاني الاثار (٦٩١٠)، وابن الأعرابي في المعجم (١٣٥٣)، والحاكم (١/ ١٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣١٠). قال البخاري: عبد اللّه بن نجي، الحضرمي، عن أبيه، عن علي، -﵁-، فيه نظر. التاريخ الكبير (٥/ ٢١٤) - وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٨٨) في ترجمة عبد الله بن نجي، من طريق الحارث العكلي، عن عبد اللّه بن نجي، عن علي، وقال: ولعبد اللّه بن نجي، عن علي غير ما ذكرت من الحديث، وأخباره فيها نظر. وقال الذهبي في معجم الشيوخ الكبير (١/ ٧٧): هذا حديث صالح الإسناد غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، فإن عبد اللّه بن يحيى من ثقات الكوفيين، ولم يخرجا فيه ذكر الجنب.","vol":"12","page":223},{"text":"قوله: \"وعن علي\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب\" تقدم الكلام عليه خلا الجنب فإنه تقدم عليه الكلام في الوضوء والغسل إلى هنا انتهى اللوح الخامس والتسعون بعد المائة.\n\n٤٦٣٤ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: أتاني جبريل ﵇ فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فيقطع فيجعل وسادتين منبوذتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج.\nرواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وتأتي أحاديت من هذا النوع في اقتناء الكلب إن شاء اللّه تعالى.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٥٨).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٤٦٨) هذا حديث حسن من هذا الوجه.\n(^٣) النسائي (٨/ ١٩١)، وفي السنن الكبرى (٩٧٠٨).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٥٨٥٤). وأخرجه عبد الرزاق (١٩٤٨٨)، وأحمد (٢/ ٣٠٥) (٢/ ٣٠٨ و٤٧٨)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة المهرة (٥٤١٨) -، ومحمد بن مخلد في حديث ابن السماك (٣)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٨٧)، والبيهقي (٧/ ٢٧٠)، والبغوي في شرح السنة (٣٢٢٣)، وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٩٢): وحديث أبي هريرة في السنن وصححه الترمذي وابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والتر هيب (٣٠٦٠)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٦٨)، وفي السلسلة الصحيحة (٣٥٦).","vol":"12","page":224},{"text":"قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- أتاني جبريل فقال إني كنت أتيتك البارحة، الحديث. البارحة الليلة الزائلة الذاهبة، يقال من الصباح إلى الظهر فعلت الليلة ومن الظهر إلى الليل فعلت البارحة.\nقوله وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب. القرام هو الستر. قال الهروي الرقيق. قال ابن دريد هو الستر الرقيق وراء الستر الغليظ وهذا يعضد قوله في الحديث قرام ستر أي أنه ستر لستر وقال الخليل القرام ثوب من صوف فيه ألوان وهو شفيف يتخذ سترا فإذا خيط وصير بيتا فهو كلة اهـ قاله عياض (^١). وتقدم الكلام على [الألفاظ] في أحاديث الباب.\nقوله ومر بالستر [فليقطع ويجعل منه] وسادتين منبوذتين توطآن. منبوذتين أي مطروحتان وكان ذلك الكلب جروا للحسين [أو الحسن] (^٢) تحت نضد له. الجرو بكسر الجيم وفتحها وضمها ثلاث لغات مشهورات وهو الصغير من أولاد الكلاب وسائر السباع.\nقوله تحت نضد له، النضد بفتح النون، والضاد المعجمة هو السرير لأنه ينضد عليه المتاع. قاله المنذري. وقال في النهاية (^٣) النضد وهو بالتحريك السرير الذي ينضد عليه الثياب أي يجعل بعضها فوق بعض وهو أيضا متاع البيت المنضود اهـ وفي رواية تحت فسطاط وأما الفسطاط ففيه ست لغات\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٧٩).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٧١).","vol":"12","page":225},{"text":"فسطاط وفستاط بالتاء بدل الطاء وفسّاط بتشديد السين وبضم الفاء فيهن وتكسر وهو نحو الخباء. قال القاضي عياض (^١) والمراد به هنا بعض حجال البيت بدليل قولها في الحديث الآخر تحت سرير عائشة وأصل الفسطاط عمود الأخبية التي تقام عليها واللّه أعلم.\n\n٤٦٣٥ - وعن أبي هريرة أيضا -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصر بهما، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة بمن جعل مع اللّه إلها آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصورين. رواه الترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن صحيح غريب. أعنق، بضم العين والنون: أي طائفة وجانب من النار.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- يخرج عنق من النار يوم القيامة الحديث. قال الحافظ عنق بضم العين والنون أي طائفة [وجانب]. [قال] الحافظ وقيل شخص يقول وكلني اللّه أن أدخل هؤلاء الأصناف الثلاثة النار وأعذبهم.\nقوله إني وكلت بثلاثة بمن جعل مع اللّه إلها آخر وبكل جبار عنيد وبالمصورين وأراد بالجبار المتمرد العاني. قاله ابن الأثير، والعنيد والمعاند\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٣) انظر: إكمال المعلم (٦/ ٦٣٠)، والنهاية لابن الأثير (١/ ٣٤٦).\n(^٢) الترمذي (٢٥٧٤). والحديث؛ أخرجه أحمد (٨٤٣٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٩٠٤)، وفي البعث والنشور (٥٢٤). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥١٢)، صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٦١).","vol":"12","page":226},{"text":"المداوم والمواظب على الباطل. وفي حديث آخر فيقذفهم في غمرات جهنم أي المواضع التي يكثر فيها النار ومنه حديت أبي طالب وجدته في غمرات من النار، واحدتها غمرة. قاله في النهاية (^١) واللّه أعلم.\nخاتمة في اللعب باللعب، قال القاضي (^٢) ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخة بهذه الأحاديث واللّه تعالى أعلم.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٨٤).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٦٣٥). وأخرج البخاري (٦١٣٠)، ومسلم (٢٤٤٠) عن عائشة -﵂-، قالت: كُنْتُ ألعبُ بالبناتِ، فرُبَّما دخلَ رسول اللّه -ﷺ-،وعندي الجوارِي، فإذا دخلَ خَرَجْنَ، وإذا خرج دَخَلْنَ.","vol":"12","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>الترهيب من اقتناء الكلب إلا لصيد أو ماشية </span>(^١)\n٤٦٨٧ - عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول من اقتنى كَلْبا إِلَّا كلب صيد أَو مَاشِيَة فَإِنَّهُ ينقص من أجره كل يَوْم قيراطان. رواه مالك (^٢) والبخاري (^٣) ومسلم (^٤) والترمذي (^٥) والنسائي (^٦).\n\n٤٦٨٨ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من اقتنى كَلْبا لَيْسَ بكلب مَاشِيَة أَو صيد نقص من عمله كل يَوْم قيراطان (^٧).\n\n٤٦٨٩ - وَلمُسلم أَيّمَا أهل دَار اتَّخذُوا كَلْبا إِلَّا كلب مَاشِيَة أَو كَلْبا صائدا نقص من عَمَلهم كل يَوْم قيراطان (^٨).\nقوله عن ابن عمر تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان. وفي رواية للبخاري نقص من عمله كل يوم قيراطان، الحديث.\n_________\n(^١) هذا الباب متأخر عن التالى للّه في الشرح وراعينا ترتيب المطبوع في عد الحديث.\n(^٢) موطأ مالك (١٣).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٤٨٠، ٥٤٨١، ٥٤٨٢).\n(^٤) صحيح مسلم (٤٦) (١٥٧١).\n(^٥) سنن الترمذي (١٤٨٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٦) سنن النسائي (٧/ ١٨٤)، وابن ماجه (٣٢٠٣).\n(^٧) البخاري (٥٤٨٠).\n(^٨) مسلم (٥٥ - ١٥٧٤).","vol":"12","page":228},{"text":"قوله من اقتنى كلبا الحديث، الاقتناء الاتخاذ والإمساك مذهب الشافعي ﵀ أنه يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة ويجوز اقتناؤه للصيد والزرع والماشية واختلف أصحاب الشافعي في جواز اتخاذ الكلب لحفظ الدروب والدور ونحوهما من السارق ونحوه على وجهين أحدهما أنه لا يجوز لظواهر الأحاديث فإنها مصرحة بالنهي إلا لزرع أو ماشية أو صيد [ومنع بعض الأصحاب اتخاذها للدروب لأن في ذلك مضرة وترويعا للناس ممن ليس بسارق] (^١)، [وأصحهما] يجوز قياسا على الثلاثة عملا بالعلة المفهومة من الأحاديث وهي الحاجة لكن يحرم اقتناء كلب الماشية قبل شرائها وكذلك كلب الزرع والصيد لمن لا يزرع ولا يصيد، فلو خالف واقتنى نقص أجره كل يوم قيراطان يعني الحديث دليل على تحريم اقتناء الكلاب بلا سبب من هذه الأسباب وإنما نهى عن اقتناء الكلاب لأن ملائكة الرحمة لا تدخل بيتا فيه كلب كما تقدم. والحكمة في اقتنائها ما في اقتنائها من الترويع والعقر للمار ومجانبة الملائكة لمحلها ولا شك أن مجانبة الملائكة أمر شديد وإنما لم تدخله لأن الكلاب جن والملائكة لا تحضر مع الجن، قال الغزالي (^٢) [في الإحياء:] الجن ثلاثة أصناف صنف يسكن الهواء وصنف يسكن الأرض وصنف في صور الكلاب والحشرات (^٣).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) إحياء علوم الدين (٣/ ٣٩).\n(^٣) روى من حديث أبي الدرداء وحديث أبي ثعلبة: أخرجه ابن ابي الدنيا في مكائد الشيطان (١)، وفي الهواتف (١٥٦)، وأبو يعلى الموصلي كما في المطالب العالية (١٤/ ١٩٣) =","vol":"12","page":229},{"text":"وقد قال النبي -ﷺالكلب الأسود شيطان (^١) ولأن للكلاب رائحة كريهة والملائكة تكره الرائحة الكريهة، وقد قال النبي -ﷺ- (^٢) أن الملائكة تتأذى\n_________\n=\nوفي إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٥٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٦٧)، وابو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٥/ ١٦٣٩) في الطبقات (١٨٢) وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٠٧) من حديث أبي الدرداء.\nوقال البوصيري- كما في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٦٨) رواه أبو يعلى بسند ضعيف؟ لجهالة بعض رواته وضعف بعضهم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٨٣٩).\nومن حديث أبي ثعلبة الخشني أخرجه الحكيم الترمذي في المنهيات (ص ١١٧ - ١١٨) وابن أبي حاتم- كما في ابن كثير في التفسير (٦/ ٤٩٩) - وأبو يعلى- كما في إتحاف الخيرة المهرة- (٦/ ٥٥)، والطحاوي في المشكل (٢٩٤١)، وابن حبان (٦١٥٦)، والطبراني في معجمه الكبير (٢٢/ ٢١٥/ ٥٧٣).\nوفي مسند الشاميين (١٩٥٦)، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٨٧)، والحاكم (٢/ ٤٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٣٧)، وفي الصحابة (٦٥٨٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢٢٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٦٤/ ٨٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٦٥) وأبو القاسم الأصبهاني في الحجة (١/ ٤٨٥ و٢/ ٣٩٠ - ٣٩١)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٢٩)، وعزاه لابن أبى حاتم، وقال: رفعه غريب جدًّا.\nقال المناوى (٣/ ٣٦٥): قال: العراقى: صحيح الإسناد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٣٦): رواه الطبراني ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٣١١٤).\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٥) (٥١٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٧٤) (٥٦٤).","vol":"12","page":230},{"text":"مما يتأذى منه بنو آدم والأشياء إذا اشتدت مفسدتها شدد في [الزجر] (^١) عنها والمراد بالملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب الملائكة الذين ينزلون بالرحمة والبركة وفي مفارقة الملائكة أمر شديد لما في مخالطتهم من الإلهام إلى الخير والدعاء إليه، وأما الملائكة الحفظة فلا يفارقون العبد على حال من الأحوال كما تقدم في الباب قبله.\nتنبيه واحتج الإمام أحمد (^٢) بحديث الكلب الأسود على أنه لا يجوز صيده ولا يحل إذا قتله لأنه شيطان، وقال الشافعي ومالك وجماهير العلماء يحل صيده كغيره وليس المراد بالحديث إخراجه عن جنس الكلاب ولهذا لو ولغ في الإناء أو غيره لوجب غسله كما يغسل ولوغ الكلب الأبيض واللّه أعلم.\nقوله فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان وفي رواية البخاري. (^٣)\nنقص من عمله قيراطان وفي رواية قيراط وكلاهما في الصحيح فأما رواية عمله فمعناها من أجر عمله. وأما القيراط هنا فهو مقدار معلوم عند اللّه تعالى لا يعلم مقدراه إلا اللّه. والقيراط في الأصل نصف دانق، والمراد نقص جزء من أجر عمله، وأما اختلاف الرواية في قيراط وقيراطين فقيل يحتمل أنه في نوعين من الكلاب أحدهما أشدّ أذًى من الَاخر أو لمعنى\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل؛ وفي النسخة الهندية: (الجزع).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٤٨٠).","vol":"12","page":231},{"text":"فيهما أو يكون مختلفا باختلاف المواضع فيكون القيراطان في المدينة خاصة لزيادة فضلها والقيراط في غيرها أو القيراطان في المدائن ونحوها من القرى والقيراط في البوادي أو يكون ذلك في زمنين فذكر القيراط أولا ثم زاد التغليظ فذكر القراطين، ويحتمل أن يكون أولا ذكر القيراط ثم أوحي إليه ﵇ بالزيادة تغليظا ويحتمل أن يكون أحدهما وهما فينظر [إلى الأكثر في الروايات وهو القيراط] (^١).\nقال الروياني (^٢) من أصحابنا في كتابه البحر اختلفوا في المراد بما ينقص منه [فقيل] ينقص مما مضى من عمله وقيل من مستقبله [وقيل يُحرَم العملَ بشؤم اقتنائه، بل النقص قيراطان]. قال واختلفوا في محل نقص القيراطين فقيل ينقص قيراط من عمل [النهار] وقيراط من عمل [الليل] وقيل قيراط من عمل الفرض وقيراط من عمل النفل. واختلف العلماء في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب فقيل لامتناع الملائكة من دخول بيته بسببه وقيل لما يلحق المارين من الأذى من ترويع الكلب لهم وقصده إياهم، وقيل إن ذلك عقوبة له لاتخاذه ما نهي عن اتخاذه وعصيانه في ذلك وقيل لما يبتلى به من ولوغه في غفلة صاحبه ولا يغسله بالماء والتراب واللّه أعلم [بالصواب].\nتنبيه: [و] ظاهر الحديث أن السيئات تحط الحسنات، ومذهب أهل السنة خلافه، والجواب أن المراد بنقص الأجر فراقه لشغله بها واتخاذها إذ\n_________\n(^١) أدرجت هذه العبارة في الحاشية من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٢٣٩)، المجموع (٩/ ٢٢٠).","vol":"12","page":232},{"text":"الملائكة تمتنع من مكانها، وقيل لمخالفة النهي وقيل لما يتركه من غسل ما ينجس بها وعدم التحفظ منها فيأثم بذلك. وقال الحسن لترويعها المسلم.\nفائدة: قال العلماء والحكمة في وجوب السبع غسلات من ولوغ الكلب المبالغة في التنفير والزجر عن اقتناء الكلاب بكثرة العدد لأن السبع بعبر بها عن الكثرة، تقول العرب سبّع اللّه لك الأجر كما يعبر بالسبعين وبالسبعمائة والسبعين تتركب من السبع وكذلك السبعمائة وقد اجتمعا في قوله ﵎: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (^١).\nوسبب النهي عن مخالطة الكلاب والتغليظ في التنفير عنها أن رائحتها كريهة ومنها شياطين والملائكة لا تحضر مواضع الشياطين ولا في موضع فيه رائحة كريهة فغلظ في الكلاب بالنجاسة فلم ينتهوا عنها بوجوب الغسل سبعا فلم ينتهوا فغلظ عليهم بما هو أشد من ذلك فقال -ﷺ- من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان فغلظ ثلاثة أشياء النجاسة وكثرة العدد ونقص الأجر اهـ. قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.\nفائدة: أخرى وعلى مقتني الكلب المباح اقتناؤه أن يطعمه أو يرسله أو يدفعه لمن له الانتفاع به ولا يحل حبسه ليهلك جوعا. والكلاب نوعان (^٢) كلها نجسة المعلمة وغيرها الصغير والكبير وبه قال الأوزاعي وأبو\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.\n(^٢) فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب (١/ ٣٨)، شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٨٤)، وحياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٣).","vol":"12","page":233},{"text":"حنيفة والإمام أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو ثور وأبو عبيدة ولا فرق بين [الكلب] المأذون في اقتنائه وغيره ولا فرق بين كلب البدوي والحضري لعموم الأدلة. وفي مذهب الإمام مالك أربعة أقوال طهارته ونجاسته وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره وهذه الثلاثة عن مالك والرابع عن عبد الملك بن الماجشون أنه فرق بين البدوي والحضري. وقال الزهري ومالك وداود (^١) أنه طاهر وإنما يغسل الإناء من ولوغه تعبدا وحكى هذا عن الحسن البصري وعروة بن الزبير محتجين بقوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٢) ولم يذكر غسل موضع إمساكها واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة أني النبي -ﷺ- قال إذا ولغ الكب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات، ولو لم يكن نجسا لما أمر بإراقته لأنه يكون حينئذ إتلاف مال.\nوأما حديث ابن عمر فقال البيهقي أجمع المسلمون على أن بول الكلاب نجس ووجوب الرش من بول الصبي والكلب أولى فكان حديث ابن عمر قبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب وإن بولها خفي مكانه فمن تيقنه لزمه غسله واللّه أعلم (^٣). واختلفوا في موضع عضه من الصيد والأصح أنه لا يعفى عنه كما لو أصاب ثوبًا أوإناء فلابد من غسله وتعفيره.\n_________\n(^١) فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب (١/ ٣٨).\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ٤.\n(^٣) انظر: حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٣).","vol":"12","page":234},{"text":"والثاني يعفى عنه. والثالث يكفي غسله بالماء مرة. والرابع أنه طاهر. والخامس يجب [تقويره]. والسادس إن أصاب [عِرقا] نضاخا بالدم حرم أكله، والنضاخ الفوار. قال اللّه تعالى\" ... \"، وأحكام التتريب وشروطه مبسوطة في كتب الفقه (^١) واللّه أعلم (^٢).\nفائدة أخرى: فلو اقتنى كلابا أنقص من أجره بكل كلب قيراطين كذا نقله الجاحظ في كتاب الحيوان (^٣). فقال ذهب جماعة من أصحاب رسول اللّهﷺ- إلى بيت رجل من الأنصار ليعودوه من مرض فهرّت في وجوههم كلاب من دار الأنصاري، فقال الصحابة ما تدع هؤلاء من أجر فلان شيئا كل كلب ينقص من أجره كل يوم [قيراطا] أو قيراطين فدل هذا على أن القيراط يتعدد بتعدد الكلاب وإذا كان الوزر يتضاعف بتضاعف [الكلاب] ففي قيراط الصلاة أولى لأن باب الكرم أوسع. وقد سئل الشيخ الإمام تقي الدين السبكي عن ذلك فأجاب بأنه لا يتعدد كما لو ولغت الكلاب في الإناء فإن الأصح عدم تعدد الغسلات، وقد قالوا بتعدد القيراط في صلاة الجنازة واللّه أعلم. قاله الدميري في حياة الحيوان (^٤). [فائدة أخرى] (^٥):\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٦).\n(^٢) انظر: حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٣).\n(^٣) انظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٥).\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٦).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":235},{"text":"فرع: قال الغزالي في منكرات الشوارع من الأحياء (^١): من كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس [يجب] منعه منه وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه وإن كان يضيق الطريق لبسطه ذراعيه فيمنع منه بل يمنع صاحبه أن ينام على الطريق أو يقعد قعودا يضيق الطريق وكلبه أولى بالمنع واللّه أعلم.\nفائدة أخرى: لا يصح بيع الكلاب عند الشافعي خلافا لمالك فإنه أباح بيعها حتى قال سحنون (^٢) ويحج بثمنها وقال أبو حنيفة يجوز بيع غير العقور والأصح عدم صحة إجارة الكلب المعلم لأن اقتناءها لهذه المنافع إنما جوز لأجل الحاجة وما جوز للحاجة لا يجوز العرض عليه ولأنه لا قيمة لعينه فكذلك منفعته. وقال صاحب التلخيص يجوز لأن منفعته مقصودة واختاره الروياني وابن أبي عصرون وبناهما الماوردي على اختلاف أصحابنا في أن منفعة الكلب مملوكة أو مستباحة وفيه وجهان فعلى الأول تجوز إجارته وعلى الثاني لا تجوز.\n[فرع قال الغزالي في منكرات الشوارع من الأحياء (^٣): من كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس يحب منعه منه وإن كان لا يؤذي إلا\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٢/ ٣٣٩)، حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٦).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٦)، شرح مسند أبي حنيفة (١/ ٤٠٢).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٢/ ٣٣٩)، حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٦).","vol":"12","page":236},{"text":"بتنجيس الطريق وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه وإن كان يضيق الطريق لبسطه ذراعيه فيمنع منه بل يمنع صاحبه أن ينام على الطريق أو يقعد قعودا يضيق الطريق وكلبه أولى بالمنع واللّه أعلم] (^١). ومن أحكامه أن من كان في داره كلب عقور فاستدعى إنسانا فعقره وجب عليه ضمانه على الأصح من تصحيح النووي، وقيل [لا] قطعا وهو المجزوم به في أصل الروضة لأن للكلب اختيارا ويمكن دفعه بعصى ونحوها، هذا إذا لم يعلم الداخل أنه غقور، فإن علم [ذلك] فلا ضمان جزما.\nوكذلك لو كان مربوطا فصار إليه المستدعى جاهلا بحاله فلا ضمان، ومن له كلب عقور لم يحفظه فقتل إنسانا في ليل أو نهار ضمنه لتفريطه وفي معناه الهرة المملوكة التي تأكل الطيور وقيل لا ضمان فيهما لأن العادة لم تجر بربطها واللّه أعلم.\n[تنبيه واختلف العلماء في المراد بالكلب العقور فقيل هو الكلب المعروف خاصة حكاه القاضي عنهم وعن جمهور العلماء، ومعنى العقور العاقر الجارح وقيل كل ما يفترس أي كل ما يفترس من السباع يسمى في اللغة [كلبا] عقورا، اهـ قاله في الديباجة] (^٢).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (ومن أحكامه أن من كان في داره كلب عقور فاستدعى إنسانا فعقره ...).","vol":"12","page":237},{"text":"فائدة: وأول من اتخذ الكلب للحراسة نوح ﵇، روى القاسم بن مسلمة بإسناده (^١) عن علقمة عن عبد اللّه أنه قال أول من اتخذ الكلب نوح ﵇ قال يا رب أمرتني أن أصنع الفلك وأنا في صناعته أصنع أياما فيجيئونني بالليل فيفسدون [كل] ما عملت فمتى [يلتئم] لي ما أمرتني به قد طال عليّ أمري فأوحى اللّه تعالى إليه يا نوح اتخذ كلبا يحرسك فاتخذ نوح كلبا وكان يعمل بالنهار وينام بالليل فإذا جاء قومه ليفسدوا بالليل نبحهم الكلب فينتبه نوح ﵇ فيأخذ [الهرواة] ويثبت لهم فيهربون منه فالتأم له ما أراد اهـ.\n\n٤٦٩٠ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: من أمسك كلبا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو ماشية. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n\n٤٦٩١ - وفي رواية لمسلم (^٤): من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد، ولا ماشية، ولا أرض، فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- من أمسك كلبا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراطا إلا كلب حرث أو ماشية الحديث. أو للتنويع لا للترديد واستثنى الكلب الذي فيه منفعة ومصلحة ترجيحا للمصلحة الراجحة على\n_________\n(^١) انظر: حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤١٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٧٦) عن علقمة قال عبد الله بن عباس أول من اتخذ الكلب.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٣٢٢، ٣٣٢٤).\n(^٣) صحيح مسلم (٥٩) (١٥٧٥).\n(^٤) صحيح مسلم (٦١) (١٥٧٦).","vol":"12","page":238},{"text":"المفسدة اهـ. قاله الكرماني وتقدم الكلام على القيراط وعلى كلب الصيد والماشية وغير ذلك في الحديث قبله. [وقد اتفق الأصحاب وغيرهم على أنه يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة متل أن يقتني كلبا إعجابا بصورته أو للمفاخرة فهذا حرام بلا خلاف وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء فيها فقد ورد الحديث بالترخيص فيه لأحد ثلاثة أشياء وهي الزرع والماشية والصيد وهذا جائز بلا خلاف اهـ] (^١).\nفائدة في ذكر الكلاب والكلب حيوان شديد الرياضة كبير الوفاء وهو لا سبع ولا بهيمة حتى كأنه من الخلق [مركب] لأنه لو تم له طباع السبعية ما ألف الناس ولو تم له طباع البهيمة ما أكل لحم الحيوان لكن في الحديث إطلاق البهيمة عليه. روى مسلم أن النبي -ﷺ- قال بينما امرأة تمشي بفلاة من الأرض اشتد عليها العطش فنزلت بئرا فشربت ثم صعدت فوجدت كلبا يأكل الثرى من العطش فذكر الحديث إلى أن قال: قالوا يا رسول اللّه إن لنا في البهائم أجرا؟ قال نعم في كل كبد رطبة أجر. (^٢)\nوهو نوعان أهلي وسلوقي نسبة إلى سلوق وهي مدينة باليمن تنسب إليها الكلاب السلوقية وكلا النوعين في الطبع سواء وفي طبعه الاحتلام وتحيض إناثه وتحمل الأنثى ستين يوما ومنها ما يقل عن ذلك وتضع جراها عميا فلا تفتح عيونها إلا بعد اثني عشر يوما والذكور تهيج قبل الإناث وبينه وبين\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٣٦٣ - ٦٠٠٩)، ومسلم (٢٢٤٤).","vol":"12","page":239},{"text":"الضبع عداوة شديدة وذلك أنه إذا كان في مكان مرتفع ووطئت الضبع ظله في القمر رمى بنفسه إليها مخذولا فتأكله وإذا حمل الإنسان [لسان] ضبع لم ينبح عليه كلب، ومن طبعه أن يحرس ربه ويحمي حرمه شاهدا وغائبا وذاكرا وغافلا ونائما ويقظانا وهو أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجته إلى النوم وإنما نومه نهارا عند الاستغناء عن الحراسة وهو في نومه أسمع من فرس، وأحذر من عقعق، وإذا نام كسر أجفان عينيه ولا يطبقها لخفة نومه وسبب خفته أن دماغه بارد بالنسبة إلى دماغ الإنسان. ومن عجيب طباعه أن يكرم الجلة من الناس وأهل الوجاهة ولا ينبح على أحد أمنهم، وربما حاد عن طريقه.\nفائدة أخرى في كتاب فضائل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب لمحمد بن خلف المرزبان. (^١)\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رآى رسول اللّه -ﷺ- رجلا قتيلا فقال ما شأنه؟ فقالوا إنه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة فوثب عليه كلب الماشية فقتله، فقال النبي -ﷺ- قتل نفسه وأضاع دينه وعصى ربه وخان أخاه وكان الكلب خيرا منه.\nوقال ابن عباس -﵄- (^٢) كلب أمين خير من صاحب خئون، قال وكان\n_________\n(^١) فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب (ص: ٣٥) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٧٩)، ولم أجده موصولًا.\n(^٢) فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب (ص: ١٣)، وحياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٧٩).","vol":"12","page":240},{"text":"للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم وكان شديد المحبة لهم فخرج في بعض متنزهاته ومعه ندماؤه فتخلف منهم واحد فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا فوثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما قتيلين فعرف الأمر وأنشأ يقول:\nومازال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرشي والخليل يخون\nفيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون\nوفي الإحياء (^١) عن بعض الصوفية قال كنا بطرسوس فاجتمعنا جماعة خرجنا إلى باب الجهاد فتبعنا كلب من البلد فلما بلغنا باب الجهاد إذا نحن بدابة ميتة فصعدنا إلى موضع عال فقعدنا فلما نظر الكلب إلى الميتة رجع إلى البلد ثم عاد ومعه نحو من عشرين كلبا فجاء إلى تلك الميتة فقعد ناحية ووقعت الكلاب في الميتة فما زالت تأكل إلى أن شبعت، وذلك الكلب قاعد ينظر إلى الميتة حتى أكلت وبقيت العظام فلما رجعت الكلاب إلى البلد قام ذلك الكلب وأتى إلى العظام فأكل ما بقي عليها ثم انصرف.\nوفي عجائب المخلوقات أن شخصا قتل شخصا بأصبهان وألقاه في بئر وللمقتول كلب يرى ذلك فكان يأتي كل يوم إلى رأس البئر وينحي التراب عنها ويشير إليها وإذا رآى القاتل نبح عليه فلما تكرر منه ذلك حفروا الموضع فوجدوا القتيل ثم أخذوا الرجل فأقر فقتل به.\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٢٥٨).","vol":"12","page":241},{"text":"وروى الإمام أحمد في الزهد (^١) عن جعفر بن سليمان قال رأيت مع مالك بن دينار كلبا فقلت ما تصنع بهذا يا أبا يحيى فقال هذا خير من جليس السوء.\nوفي مناقب الإمام أحمد (^٢) أنه بلغه أن رجلا مر وراء النهر عنده أحاديث ثلاثية فرحل الإمام أحمد إليه فوجد شيخا يطعم كلبا فسلم عليه فرد ﵇ ثم اشتغل الشيخ بإطعام الكلب فوجد الإمام أحمد في نفسه إذ أقبل الشيخ على الكلب ولم يقبل عليه، فلما فرغ الشيخ من طعمة الكلب التفت إلى الإمام وقال كأنك وجدت في نفسك إذ أقبلت على الكلب ولم أقبل عليك؟ قال نعم. قال حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال (^٣) من قطع رجاء من ارتجاه قطع اللّه منه رجاءه يوم القيامة [فلم يلج] الجنة وأرضنا هذه ليست بأرض كلاب وقد قصدني هذا الكلب فخفت أن أقطع رجاءه.\nفقال الإمام أحمد هذا الحديث يكفيني ثم رجع. ويقرب من هذا الحديث ما في رسالة القشيري (^٤) في باب الجود والسخاء أن عبد اللّه بن جعفر خرج إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيها غلام أسود يعمل فيها إذ أتى الغلام بغدائه ثلاثة أقراص فرمى بقرص إلى كلب كان هناك فأكله ثم رمى إليه الثاني\n_________\n(^١) فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب (ص: ١٣) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٨٣).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٨٤).\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٨٤)، وقال السخاوي المقاصد الحسنة (١١٦٤) رأيت من نسبه لحياة الحيوان الكبرى في كلب من حرف الكاف عزوه لأحمد من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به مرفوعا في حكاية وذلك مختلق على أحمد.\n(^٤) الرسالة القشيرية (١/ ٢٨٤).","vol":"12","page":242},{"text":"والثالث فأكلهما وعبد اللّه ينظر، فقال يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال ما رأيت. قال فلم آثرت هذا الكلب. قال ما هذه بأرض كلاب، وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت رده. قال فما أفت صانع اليوم. قال أطوي يومي هذا. قال عبد اللّه بن جعفر (^١) أُلام على السخاء وهذا أسخى مني ثم [إنه] اشترى الغلام وأعتقه واشترى الحائط وما فيها ووهب ذلك له اهـ.\nفائدة في عجاب المخلوقات (^٢) أن بقرية من أعمال حلب بئرا يقال لها بئر الكلب إذا شرب منها من عضه الكلب الكَلِب [أي الذي أصابه الكَلَب، داء يأخذ الكلاب معروف] (^٣)، برئ وهي مشهورة. قال بعض أهل القرية إذا لم يجاوز المكلوب أربعين يوما وشرب منها برئ أما إذا جاوز الأربعين فإنه يموت ولو شرب منها، وذكر أنه شاهد ثلاثة أنفس مكلوبين شربوا فسلم اثنان وكانا لم يبلغا أربعين يوما ومات الثالث وكان قد جاوز الأربعين، وهذه البئر منها يشرب أهل الضيعة، اهـ واللّه أعلم.\nفائدة أخرى: أكثر أهل التفسير على أن كلب أهل الكهف كان من جنس الكلاب، وروي عن ابن جريج أنه قال كان [أسدا و] (^٤) يسمى الأسد كلبا النبي -ﷺ- (^٥) دعا على عتيبة بن أبي لهب أن يسلط اللّه عليه كلبا من كلابه\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٨٤)،\n(^٢) القزويني حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٧٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٨٩).","vol":"12","page":243},{"text":"فأكله الأسد. وقال ابن عباس -﵄- (^١) كان كلبا أنمر واسمه قطمير. وقال مقاتل كان أصفر. وقال الكلبي كان خلنجي اللون. وقصة الإمام مالك في ذلك معروفة. وقالت فرقة كان أحدهم [وكان قد] قعد عند باب الغار طليعة لهم فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا [لأنه] منها كالكلب من الناس وهذا القول يضعفه بسط الذراعين فإنه في العرف من صفة الكلب. وحكى أبو عمر [المطرز] في كتاب اليواقيت أنه قرئ وكالبهم فيحتمل أن يريد هذا الرجل. وقال حكى أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري الواعظ يقول: من أحب أهل الخير نال بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره اللّه في القرآن، اهـ.\n\n٤٦٩٢ - وعن عبد اللّه بن مغفل -﵁قال: إني لممن يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول اللّه -ﷺ-، وهو يخطب فقال: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم، وما من أهل بيت يرتبطون كلبا إلا نقص من عملهم كل يوم قيراط إلا كلب صيد، أو كلب حرث، أو كلب غنم. رواه الترمذي (^٢) وقال: حديث حسن وابن ماجه (^٣) إلا أنه قال: وما من\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٨٩)، تفسير الثعالبي (٦/ ١٦٣)، اللباب في علوم الكتاب (١٢/ ٤٤٦).\n(^٢) سنن الترمذي (١٤٨٦)، (١٤٨٩). وقال الذهبي في معجم الشيوخ الكبير (١/ ٤١٤) إسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٠٢)، وصحيح الجا مع الصغير وزيادته (٥٣٢١)، وأخرجه أبو داود (٢٨٤٥)، والنسائي (٧/ ١٧٥).\n(^٣) ابن ماجه (٣٢٠٥).","vol":"12","page":244},{"text":"قوم اتخذوا كلبا إلا كلب ماشية، أو كلب صيد، أو كلب حرث إلا نقص من أجورهم كل يوم قيراطان.\nقوله وعن عبد اللّه بن مغفل هو أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وأبو زياد عبد اللّه بن مغفل بن عبد غنم، وقيل: ابن عبد نهيم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة بن عدا، وقيل: عدى بن ثعلبة ابن ذؤيب، وقيل: ذؤيد بن سعد بن عدا بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار المزنى المدنى البصرى. ومزينة امرأة عثمان بن عمرو، نسبوا إليها، وهى مزينة بنت كلب بن وبرة، فولد عثمان يقال لهم: مزنيون.\nوكان عبد اللّه من أهل بيعة الرضوان، وقال: إنى لممن رفع أغصان الشجرة عن رسول اللّه -ﷺ-. سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وابتنى بها دارا قرب الجامع، وكان أحد البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ (^١). وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب -﵁-، إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أول من دخل مدينة تستر حين فتحها المسلمون.\nروى له عن رسول اللّه -ﷺ- ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخارى بحديث، ومسلم بآخر. روى عنه جماعات\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٩٢.","vol":"12","page":245},{"text":"من التابعين، منهم الحسن البصرى، وأبو العالية، ومطرف، ويزيد ابنا عبد اللّه، وآخرون. وتوفى بالبصرة سنة ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمى لوصيته بذلك (^١).\nقوله -ﷺ- لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم الحديث. وفي حديث آخر الكلب الأسود شيطان، وفي الحديث عن النبي -ﷺ- عليكم بالبهيم [ذي النقطتين فإنه شيطان. ومعنى البهيم] الخالص السواد وأما النقطتان فهما نقطتان معروفتان فوق عينيه وهذا مشاهد معروف فحمله بعض العلماء على ظاهره وقال الشيطان يتصور بصورة الكلاب السّود ولذلك قال النبي -ﷺ- اقتلوا منها كل أسود بهيم. قال النووي أجمع العلماء على قتل الكلب [الكَلِب] والكلب العقور، اهـ.\nوإن لم يكن عقورا لم يجز قتله سواء كان فيه منفعة من المنافع المذكورة أو لم يكن قال الإمام أبو المعالي -إمام الحرمين- والأمر بقتل الكلاب منسوخ، قال وقد صح أن رسول اللّه -ﷺ- أمر بقتل الكلاب مرة ثم صح أنه نهى عن قتلها. قال واستقر الشرع عليه على التفصيل الذي ذكرناه، قال وأمر بقتل الأسود البهيم وكان هذا في الابتداء وهو الآن منسوخ، هذا كلام إمام الحرمين ولا مزيد على تحقيقه، واللّه أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩١).","vol":"12","page":246},{"text":"٤٦٩٣ - وعن عائشة -﵂- قالت: واعد رسول اللّه -ﷺ- جبريل -ﷺفي ساعة أن يأتيه، فجاءت تلك الساعة ولم يأته. قالت: وكلان بيده عصا، فطرحها من يده، وهو يقول: ما يخلف اللّه وعده ولا رسله، ثم التفت، فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: متى دخل هذا الكلب؟ فقلت: واللّه ما دريت، فأمر به فأخرج، فجاءه جبريل -ﷺ-، فقال له رسول اللّه -ﷺ- وعدتني فجلست لك، ولم تأتني؟ فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك. إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. رواه مسلم (^١).\nقوله وعن عائشة تقدم الكلام عليها. قوله ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره تقدم الكلام على ضبط الجرو وتفسيره.\nفرع: وهل يجوز اقتناء الجرو وتربيته للصيد أو الزرع أو الماشية فيه وجهان لأصحابنها أصحهما جوازه لأنه في معناها واللّه أعلم.\nوالثاني منهم من حرمه لأن الرخصة إنما وردت في [الثلاثة] المتقدمة وهي الزرع والماشية والصيد. قوله إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة تقدم عليه الكلام في أحاديث الباب.\n\n٤٦٩٤ - وعن بريدة -﵁- قال: احتبس جبريل ﵇ على النبيﷺ- فقال له: ما حبسك؟ فقال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب. رواه أحمد (^٢)، ورواته رواة الصحيح.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨١) (٢١٠٤).\n(^٢) أحمد (٢٢٩٨٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٣١٨) و(٢٥٧١٠)، وأبو يعلى في مسنده الكبير، والروياني وأبو بكر الروياني في مسانيدهم، والضياء المقدسي في المختارة، كما في=","vol":"12","page":247},{"text":"[النضد] بفتح النون والضاد المعجمة: هو السرير لأنه ينضد عليه المتاع.\nقوله وعن بريدة تقدم. قوله احتبس جبريل عن النبي -ﷺفقال ما حبسك فقال إنا لا ندخل بيتا فيه كلب تقدم.\nقوله دخلت على رسول اللّه -ﷺ- الكآبة الحديث. الكآبة تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن.\nفرع: من الكبائر بيع الكلب وهو حرام لنهيه -ﷺ- سواء كان الكلب معلما أو لا وسواء كان ممن لا يجوز اقتناؤه أو لا وهو مذهب الإمام أحمد وجماهير العلماء وعن مالك روايتان أو روايات وقال أبو حنيفة يجوز بيع الكلاب التي فيها منفعة وتضمن بالقيمة عند الإتلاف واللّه أعلم.\nقوله إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تصاوير تقدم الكلام عليه. فائدة يختم بها الباب: قال القرطبي في كتابه التذكار في أفضل، الأذكار بلغنا عمن تقدم أن في سورة الرحمن آية تقرأ على الكلب إذا حمل على الإنسان وهي قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ\n_________\n= إتحاف الخيرة المهرة (٥/ ٣١٠)، وابن الأعرابي في معجمه (٢٤١١) و(٢٤٢٤) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٥/ ٣١٠): وأخرجه الضياء في المختارة من طريق أحمد بن حنبل وأبي يعلى الموصلي، وقال: له شاهد في الصحيح من حديث أبي طلحة.\nقلت: إسناد هذا الحديث رجاله ثقات، بل قيل فيه: إنه من أصح الأسانيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٤٥) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٠٤).","vol":"12","page":248},{"text":"فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ (^١)، فإنه لا يؤذيه بإذن اللّه تعالى.\n\n٤٦٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول اللّهﷺ- أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ إِنِّي كنت أَتَيْتُك البارحة فَلم يَمْنعنِي أَن أكون دخلت عَلَيْك الْبَيْت الَّذِي كنت فِيهِ إِلَّا أَنه كَانَ فِي بَاب الْبَيْت تِمْثَال الرِّجَال وَكَانَ فِي الْبَيْت قرام ستر فِيهِ تماثيل وَكَانَ فِي الْبَيْت كلب فَمر بِرَأْس التمثال الَّذِي فِي الْبَاب فليقطع فَيصير كَهَيئَةِ الشَّجَرَة وَمر بالستر فليقطع وَيجْعَل مِنْهُ وسادتين منتبذتين توطآن وَمر بالكلب فَيخرج فَفعل رَسُول اللّه -ﷺ- وَكَانَ ذَلِك الْكَلْب جروا للحسين أَو لِلْحسنِ تَحت نضد لَهُ فَأمر بِهِ فَأخْرج رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nالنضد بِفَتْح النُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة هُوَ السرير لِأَنَّهُ ينضد عَلَيْهِ الْمَتَاع ٤٦٩٦ - وَعَن أُسَامَة بن زيد -﵁- قَالَ دخلت على رَسُول اللّه -ﷺ- وَعَلِيهِ الكآبة فَسَأَلته مَا لَهُ فَقَالَ لم يأتني جِبْرِيل مُنْذُ ثَلاث فَإِذا جرو كلب بَين بيوته فَأمر بِهِ فَقتل فَبَدَا لَهُ جِبْرِيل -﵇- فهش إِلَيْهِ رَسُول اللّه -ﷺ- فَقَالَ مَا لَك لم تأتني\n_________\n(^١) سورة الر حمن، الآية: ٣٣.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٥٨)، والترمذى (٢٨٠٦)، والنسائى في الكبر ى (٩٧٠٨) والمجتبى ٨/ ٢٥٧ (٥٤٠٩)، وابن حبان (٥٨٥٤). وصححه الألبانى في المشكاة (٤٥٠١) والصحيحة (٣٥٦) وصحيح الترغيب (٣٠٦٠) و(٣١٠٥).","vol":"12","page":249},{"text":"فَقَالَ إِنَّا لا ندخل بَيْتا فِيهِ كلب وَلا تصاوير، رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِنَحْوِهِ (^١) وَقد روى هَذهِ الْقِصَّة غير وَاحِد من الصَّحَابَة بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٣ (٢١٧٧٢) و(٢١٧٧٣)، والبزار (٢٥٩٠)، والطبرانى في الكبير (١/ ١٦٢ رقم ٣٨٧). وقال الهيثمى في المجمع ٤/ ٤٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه خالد بن يزيد العمري، وهو ضعيف جدا. وقال في ٤/ ٤٥: رواه أحمد، والطبراني في الكبير بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح. وضعفه الألبانى جدا في الضعيفة (٦٧٧٨) وقال حسن صحيح في صحيح الترغيب (٣١٠٦).","vol":"12","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>الترهيب من اللعب بالنرد</span>\n٤٦٣٦ - عن بريدة -﵁- أن رسول اللّه -ﷺ- قال: من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في دم خنزير. رواه مسلم (^١). وله لأبي داود (^٢) وابن ماجه (^٣): فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه.\nقوله عن بريدة تقدم. قوله -ﷺ- من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في دم خنزير وفي رواية أبي داود وغيره فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه. قوله حديث أبي موسى الذي بعده من لعب بنرد أو نردشير الحديث. قال العلماء النردشير هو النرد والنرد اسم أعجمي وشير معرب وشير معناه [حلو] ومعنى صبغ يده في لحم خنزير ودمه في حال أكله منهما وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما.\n\n٤٦٣٧ - وعن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: من لعب بنرد أو نردشير فقدء عصى اللّه ورسوله. رواه مالك (^٤) واللفظ له وأبو داود (^٥) وابن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠) (٢٢٦٠).\n(^٢) صحيح مسلم (١٠) (٢٢٦٠)، وأبو داود (٤٩٣٩).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٣٧٦٣).\n(^٤) في الموطأ (٢/ ٩٥٨). وأخرجه أحمد (١٩٥٠١) و(١٩٥٢١) و(١٩٦٤٩)، وابن حبان (٥٨٧٢).\n(^٥) سنن أبي داود (٤٩٣٨)، وقال الألباني: حسن.","vol":"12","page":251},{"text":"ماجه (^١) والحاكم (^٢) والبيهقي (^٣)، ولم يقولوا: أو نردشير، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. قال البيهقي: وروينا من أوجه أخر عن محمد بن كعب عن أبي موسى عن النبي -ﷺ- قال: لا يقلب كعباتها أحد ينتظر ما تأتي به إلا عصى اللّه ورسوله. [قال الحافظ]: قد ذهب جمهور العلماء إلى أن اللعب بالنرد حرام، ونقل بعض مشايخنا الإجماع على تحريمه، واختلفوا في اللعب بالشطرنج؛ فذهب بعضهم إلى إباحته لأنه يستعان به في أمور الحرب ومكائده لكن بشروط ثلاثة: أحدها: أن لا يؤخر بسببه صلاة عن وقتها.\nوالثاني: أن لا يكون فيه قمار. والثالث: أن يحفظ لسانه حال اللعب عن الفحش والخناء، ورديء الكلام، فمتى لعب به، أو فعل شيئا من هذه الأمور كان ساقط المروءة مردود الشهادة، وممن ذهب إلى إباحته سعيد بن جبير والشعبي، وكرهه الشافعي كراهة تنزيه، وذهب جماعات من العلماء إلى تحريمه كالنرد، وقد ورد ذكر الشطرنج في أحاديث لا أعلم لشيء منها إسنادا\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٧٦٢).\n(^٢) المستدرك للحاكم (١/ ١١٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لوهم وقع لعبد الله بن سعيد بن أبي هند لسوء حفظه فيه.\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٣٦٢)، وفي شعب الإيمان (٦٠٧٨)، وفي السنن الكبرى (١٠/ ٣٦٣)، وقال: وكذلك رواه يحيى القطان، عن عبيد الله ورواه أيوب السختياني، عن نافع، عن سعيد، عن أبي موسى، من قوله غير مرفوع واختلف فيه على عبد اللّه بن سعيد بن أبي هند، فقيل: عنه، عن أبيه، عن رجل، عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- في الكعاب، وقيل: عنه، عن أبي موسى نحو رواية الجماعة، وهو أولى.","vol":"12","page":252},{"text":"صحيحا ولا حسنا، واللّه أعلم.\nقوله وفي حديث أبي موسى واسمه عبد اللّه بن قيس لا يقلب كعابها أحد ينتظر ما تأتي به إلا عصى اللّه وروسوله والكعاب فصوص النرد واحدها كعب وكعبة وقيل شيء مربع على كل مربع عدد خطوطه خلاف الآخر يلعب بها صاحب النرد خاصة. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى قد ذهب جمهور العلماء إلى أن اللعب بالنرد حرام ونقل بعض مشايخنا الإجماع على تحريمه، اهـ.\nقال النووي وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد هو حرام على الصحيح. قال إمام الحرمين والصحيح أنه من الكبائر كذا عدّه ابن [قيم الجوزية] وغيره من الكبائر وكرهه عامة الصحابة. وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا يكره ولا يحرم. ونقل الشيخ موفق الدين بن قدامة في المغني الإجماع على تحريم اللعب بالنرد ولعله محمول على ما إذا اقترن به قمار كما هو في الغالب. وعلى القول بتحريمه الصحيح أنه من الصغائر ورجح الإمام أنه من الكبائر كما تقدم واللّه أعلم. وقيل كان ابن مغفل يفعله مع امرأته على غير قمار لما روي في استحباب الملاعبة مع الأهل، قيل ورخص فيه ابن المسيب على غير قمار.\nومنه الحديث (^١) لا يقلب كعابها أحد ينتظر ما يجيء به إلا لم يرح رائحة الجنة. ومعنى لم يرح رائحة الجنة لم يشمها.\n_________\n(^١) انظر: الحاوي الكبير ج ١٧ ص ١٨٧).","vol":"12","page":253},{"text":"فائدة النردشير هو النرد الذي يلعب به وهو من موضوعات [شابور] بن أزدشير، وأزدشير أول ملوك السّاسانية شبه رقعته بوجه الأرض والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة [والرقوم] المجعولة ثلاثين بثلاثين يوما والسواد والبياض بالليل والنهار والبيوت الاثني عشر بالشهور والكعاب بالأقضية السماوية واللعب بها بالكسب فصار اللاعب بها حقيقا بالوعيد المفهوم عن تشبيه أحد [الشيئين] بالآخر لاجتهاده في إحياء سنة المجوس [المستكبرة] على اللّه تعالى، كذا في الميسر. وذكر في نظام التواريخ أول ملوك الساسانية أزدشير بن بابك بن بابك ثم ابنه شابور واللّه أعلم.\nقوله قال الحافظ رحمه اللّه تعالى واختلفوا [في] اللعب بالشطرنج فذهب بعضهم إلى إباحته فذكره إلى أن قال وممن ذهب إلى إباحته سعيد بن جبير والشعبي وكرهه الشافعي كراهة تنزيه، اهـ.\nواستدل البيهقي وغيره على كراهة الشطرنج بما رواه عن علي (^١) أنه مرّ بقوم يلعبونه فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون. فشبههم بالعاكفين على التماثيل. وفي رواية صاحب الشطرنج أكذب الناس يقول قتلت وما قتل. وعن واثلة بن الأسقع (^٢) أنه قال ينظر اللّه تعالى إلى الخلق كل يوم مائة وستين نظرة ليس لصاحب الشطرنج منها نصيب. وسئل الأستاذ أبو إسحاق\n_________\n(^١) أخرجه في الطبقات الكبرى (٦/ ٢٢٤)، وابن أبي شيبة مصنف (٢٦١٥٨) البيهقي في شعب الإيمان ٦٥١٨).\n(^٢) سلوة الأحزان ص ٣٧.","vol":"12","page":254},{"text":"الاسفرايني عنه فقال (^١) إذا سلمت اليدان من الخسران والصلاة من النسيان واللسان من البهتان أرى ذلك أنسا بين [الخلان]. وأما تسمية الفرس والفيل، فقال الروياني لا يضر ذلك لأنه مجازات اهـ. [ومال الحليمي إلى تحريمه واختاره الروياني وقال مالك وأحمد [حرام] [أي الشطرنج] (^٢).\nوقال الإمام مالك هو شر من النرد وألهى عن الخير. وسئل مالك عنه فقال أحق هو، قالوا لا، قال فماذا بعد الحق إلا الضلال، وقاسوه على النرد. وأصحابنا أي الشافعية يمنعون القياس ويقولون هو دونه.\nفرع] (^٣): قال الحافظ وذهب جماعات من العلماء إلى تحريمه كالنرد، اهـ. وروى ابن وهب بإسناده (^٤) أن عبد اللّه بن عمر مر بغلمان يلعبون [بالكجة] وهي حفر فيها حصى يلعبون بها، قال فسدّها ابن عمر ونهاهم عنها. والقرن أن يخط في الأرض خط مربع ويجعل في وسطه خطان كالصليب ويجعل على رأس الخطوط حصى صغار وأهل بلادنا يسمونها إدريس. قال صاحب الشامل اللعب بها كالنرد. وقال أبو حامد كالشطرنج، واللّه أعلم. قاله ابن النحاس في تنبيهه.\n_________\n(^١) حاشية الرملي (٤/ ٣٤٣).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والكنجفة إن كان فيها مال فهي قمار بلا خلاف اهـ).\n(^٤) سنن البيهقي الكبرى (ج ١٠ ص ٢١٧) تفسير القرطبي ج ٨ ص ٣٤٠.","vol":"12","page":255},{"text":"فرع آخر: يحرم اللعب بالطاب وبه أفتى الشيخ موفق الدين بن قدامة (^١) لأن الاعتماد فيه على [ما] تخرجه [الجرائد] الأربعة، وأفتى آخرون بالكراهة كالشطرنج. وقوة كلام الرافعي وابن الرفعة تقتضي تحريمه وكره الشافعي في الأم: اللعب بالمنقلة وشطرنج المغاربة والكنجفة إن كان فيها مال فهي قمار بلا خلاف اهـ.\nفرع: قال الشافعي ﵀ (^٢) وأكره اللعب بالحزة والقرق اهـ. والحزة قطعة خشب يحفر فيها حفر ويجعل في الحفر حصى وأهل بلادنا يسمونها المنقلة.\nوعن عليّ (^٣) أنه قال لمن رآهم يلعبون بالشطرنج ما لهذا خلقتم وإن الشطرنج كالنرد أو شر منه لأنه [يشغل] أصحابها عن ذكر اللّه تعالى وعن الصلاة أكثر من النرد. قاله الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النووية (^٤).\n_________\n(^١) المبدع (٥/ ١٢١ مغني المحتاج (٤/ ٤٢٨.\n(^٢) الأم (٦/ ٢٠٨)، وانظر: روضة الطالبين ج ١١ ص ٢٢٦.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٢١).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٢١).","vol":"12","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-453>الترغيب في الجليس الصالح والترهيب من الجليس السيئ</span>\n٤٦٣٨ - عن أبي موسى -﵁- أن رسول اللّهﷺ- قال: إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله عن أبي موسى تقدم. قوله -ﷺ- إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير الحديث. والكير بالكسر ما يبنيه الحدّاد من الطين ينفخ فيه والعرب تسمي الكير والزق الكيرين وقيل الزق الذي ينفخ [به] النار والمبني الكور، وقال ابن السكيت سمعت أبا عمرو يقول الكور المبني من الطين والكير الزق اهـ. فالكير هو الذي ينفخ فيه الحداد ليشعل النار ويجوز أن يعبر بالكير عن الكور، [اهـ]. دل هذا الحديث على أن المسك أطيب الطيب وأفضله، وعلى أنه طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب ويجوز بيع. ومن الدليل على طهارته قوله وأن يبتاع منه والنجس لا يصح بيعه وهذا كله مجمع عليه ونقل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهبا باطلا أنه نجس وهم محجوجون بإجماع المسلمين [وباستعمال الصحابة - ﵃ -]\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢١٠١ - ٥٥٣٤).\n(^٢) صحيح مسلم (١٤٦) (٢٦٢٨).","vol":"12","page":257},{"text":"له] (^١) وبالأحاديث الصحيحة في استعمال النبي -ﷺ- له في بدنه ورأسه ويصلي به ويخبر أنه أطيب الطيب لما روى [أبو] سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه -ﷺ- المسك أطيب الطيب، انفرد بإخراجه مسلم وثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان يحب الطيب، ومن المعلوم بالعادة المستمرة بين العرب والعجم استعماله واستطابة ريحه واستحسانه في الجاهلية والإسلام لا يستقذره أحد من العقلاء ولا ينهى عن استعماله أحد من العلماء حتى قال القاضي أبو الفضل نقل بعض أئمتنا الإجماع على طهارته غير أنه قد ذكر عن العمرين كراهته. قال ولا يصح ذلك فإن عمر قد قسم ما غنم منه بالمدينة. وقال أبو عبد الله المازري قد قال قوم بنجاسته [ولم يُعيّنهم] واللّه أعلم. قال أصحابنا وغيرهم وهذا مستثنى من القاعدة المعروفة أن ما أبين من حي فهو ميت اهـ.\nفائدة حقيقة المسك دم يجتمع في سرة الظبية في وقت معلوم من السنة بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء [وهذه] السرر جعلها اللّه تعالى معدنا للمسك فهي تثمر في كل سنة كالشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها هاذا حصل ذلك الورم مرضت [لها] الظباء إلى أن [تتكامل] ويقال أن أهل البيت يضربون لها أوتادا في البرية تحتكّ بها تسقط عندها وفي مشكل الوسيط لابن الصلاح عن ابن عقيل البغدادي أن النافجة في جوف الظبية كالإنفحة في جوف الجذي وأنه سافر إلى بلاد المشرق حتى حمل هذه\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقال أبو عبد اللّه المازري قد قال قوم بنجاسته] ولم يُعيّنهم] واللّه أعلم)، وهو خطأ.","vol":"12","page":258},{"text":"الدابة إلى بلاد المغرب لخلاف جرى فيها ونقل عن علي بن مهدي الطبري أحد أئمة أصحابنا أنها تلقيها من جوفها كما تلقي البيضة الدجاجة والمشهور أنها ليست مودعة في الظبية بل هي خارجة [ملتحمة] في سرّتها كما تقدم واللّه أعلم. وقال في تاريخ كنز الدرر وذكرت العلماء بأخبار الهند والصين أن المسك من غزلان الصين وأن التبتي أذكى المسك للمراعي وعلامة غزلان التبت أن لها أنيابا بارزة كأنياب الفيل من الفكين نحو شبر فتنصب لها الأشراك وترمي بالسهام فيوجد في [سُرَرها] (^١) المسك وهو دم مجتمع في نافجتها فإذا أخذت قبل أن تنضجه الطبيعة وقطع منها وجد فيه زهوكة فيبقى زمانا حتى تذهب عنه تلك الزهوكة وأما المسك الخالص فإن الغزال يأتي وقد استحكم في سرته المسك ودفعته الطبيعة إلى نافجته وهي سرته وقد فلق منها فتحتك بالصخر فتنفتح وتسيل على رءوس الأحجار المحددة كما يسيل الدمل و[ينفجر] إذا [نضح] فتفرغ ما في نافجتها والنافجة بالفارسية [السرة]، فلما يخرج الصيادون وقد أعدوا له الأوعية الصيني فيأخذونه إمن على الصخور ويجمعونه ويودعونه الأوعية وذلك أفضل المسك وأطيبه ولا يكون له سهوكة ويهدونه للملوك، اهـ. تنبيه فارة المسك غير مهموزة بخلاف غيرها فإنه مهموز، ويجوز ترك الهمز في فأرة الحيوان. وقال الجوهري وابن مكي (^٢) كتبت مهموزة وهو شذوذ منهما واللّه أعلم. فرع:\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (صرارها).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٧٧٧) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٧٢).","vol":"12","page":259},{"text":"وفي نافجة المسك طريقان أصحهما أنها إن انفصلت [بعد موتها فتحسبه كاللبن، وفي وجه بعيد طاهرة] كالبيض المتصلب وإن انفصلت في حياتها فطاهرة لأنها تنفصل بالطبع فأشبهت الجنين ولأنها لو كانت نجسة لنجس ما فيها. وفي محاسن الشريعة كون المسك فيها يفيدها معنى الجفاف كالدباغ ونقل عن القفال الشاشي أنها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر كطاهرة المدبوغات واللّه أعلم. مذكور في حياة الحيوان (^١) للشيخ كمال الدين الدميري.\nفرع آخر: والزباد أيضا طاهر [يجوز بيعه] لأنه عرق سنّور بري، وفي البحر والحاوي أنه لبن سنور يجري وهو وهم، وينبغي الاحتراز عما فيه من شعره لأن الأصح نجاسته.\nفرع آخر: واختلفوا في العنبر أيضا فمنهم من قال أنه نجس لأنه مستخرج من بطن دويبة لا يؤكل لحمها، ومنهم من قال إنه طاهر لأنه ينبت في البحر ويلفظه، واللّه أعلم. قاله الدميري في شرح المنهاج. (^٢)\nقوله -ﷺ- فحامل المسك إما أن يحذيك بالذال المعجمة أي يعطيك تقول منه [١٥٦/ أ] استحذيته فأحذاني واستعطيته فأعطاني. قوله وإما أن تبتاع منه أي تشتري منه، والنجس لا يصح بيعه، فدل على طهارة المسك. ولم يزل المسلمون على استعماله وجواز بيعه، بوب عليه النووي فقال في باب\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٤٥).\n(^٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (١/ ٤١٣) انظر: بحر المذهب للروياني (٣/ ١٤٤).","vol":"12","page":260},{"text":"استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء ثم قال [ففي] هذا استحباب مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع وأهل العلم والأدب وأنها تنفع في الدنيا والآخرة والنهي عن مجالسة الفساق وأهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر مجونه وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المتقدمة. وقال ابن عطية (^١) في تفسير سورة غافر سمحت أبي يقول سمحت ابن الجوهري على المنبر يقول وقد سئل أن يتكلم في فضل الصحابة فأطرق قليلا ثم رفع رأسه وأنشد:\nعن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي\nإذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع ردي\n\n٤٦٣٩ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- مثل الجليس الصَّالح كمثل صَاحب الْمسك إِن لم يصبك مِنْهُ شَيْء أَصَابَك من رِيحه وَمثل الجليس السوء كمثل صَاحب الْكِير إِن لم يصبك من سوَاده أَصَابَك من دخانه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢).\n\n٤٦٤٠ - وعن حذيفة -﵁- أن رسول اللّه -ﷺ- لعن من جلس وسط الحلقة.\nرواه أبو داود (^٣).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٤/ ٥٥٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٢٩) و(٤٨٣١). وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٣٠٦٥).\n(^٣) سنن أبي داود (٤٨٢٦) ومن طريقه للبيهقي السنن الكبرى (٣/ ٣٣٢)، وقال النووي في المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٨٠) رواه أبو داود بإسناد حسن.","vol":"12","page":261},{"text":"٤٦٤١ - وعن أبي مجلز أن رجلا قعد وسط حلقة. قال حذيفة: ملعون على لسان محمد -ﷺ- أو لعن اللّه على لسان محمد -ﷺ- من جلس وسط الحلقة. رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (^٢) بنحوه، وقال: صحيح على شرطهما.\nقوله وعن حذيفة هو ابن اليمان تقدم. قوله إن رسول اللّه -ﷺ- لعن من جلس وسط الحلقة وفي حديث أبي مجلز أن رجلا قعد وسط حلقة، قال حذيفة ملعون على لسان محمد -ﷺ- الحديث. الحلقة بفتح الحاء وسكون اللام هذه اللغة الفصيحة المشهورة ويقال أيضا بفتح اللام في لغة قليلة حكاها ثعلب والجوهري (^٣) وغيرهما. حلقة العلم وحلقة الحديد والجمع مثل قصعة وقصع.\nوقوله وسط حلقة بسكون السين لأنه طرف غير متصل فأما إذا كان الوسط منه متصلا فهو بالفتح كاتصال الفتحة بالفتحة فيه كما يقال احتجم\n_________\n(^١) الترمذي (٢٩٥٦) وأخرجه أحمد (٢٣٤٠٦)، ٢٣٢٦٣)، (٢٣٣٧٦)، وقال شعبة: لم يدرك أبو مجلز، حذيفة، والبزار= البحر الزخار (٢٩٥٧)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٨٩)، وأبو داود الطيالسي (٤٣٦، ٤٣٧) ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى (٣/ ٣٣٢)، والقطيعي في جزء الألف دينار (١١٩)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (٢٦٦).\n(^٢) الحاكم (٤/ ٢٨١) وقال: صحيح على شرط الشيخين وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٣٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٩٨، ١٧٩٩).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٤٦٢).","vol":"12","page":262},{"text":"وسط رأسه وقيل كل موضع يحص أن يكون مكان وسط كلمة بين فهو بالسكون على وزن بين وكل موضع لا يصلح فيه بين فهو بالفتح يقال لكل ما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب وغيرهما فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح، وقيل كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه الأشبه. وهذا الحديث [يتأول] فيمن يأتي حلقة قوم فيتخطى رقابهم ويقعد وسطها ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس، فلعن للأذى لأنه إذا جلس في وسطها استدبر بعضهم بظهره فحال بين الوجوه وحجب بعضهم عن بعض فيؤذيهم بذلك فيسبونه ويلعنونه ويذمونه ومنه الحديث لا حمى إلا في ثلاث، وذكر منها حلقة القوم أي لهم أن يحموها حتى لا يتخطاهم أحد ولا يجلس في وسطها، ذكره في النهاية (^١).\nقال الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي في تهذيب السنن (^٢)، يحتمل أن يكون قد عرف منه نفاقا وأنه إنما فعل ذلك قصدا إلى ترك الحشمة وقلة المبالاة بأهل الحلقة وهذا تأويل لا يقوم عليه دليل، وقد عدّ ابن قيم الجوزية الجلوس في] وسط الحلقة] من الكبائر، وذكر أن إسناد حذيفة حسن واللّه أعلم.\nقوله في رواية الترمذي عن أبي مجلز أن رجلا قعد وسط الحلقة الحديث. أبو مجلز بكسر الميم وإسكان الجيم وفتح اللام السدوسي لاحق بن حميد مشهور باسمه وكنيته روى له الجماعة [ليس له في رواة\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٢٠).\n(^٢) انظر: سنن البيهقي الكبرى (٣/ ٢٣٤) الآداب للبيهقي (١/ ٣٢٦).","vol":"12","page":263},{"text":"الكتب الستة من أول اسمه لام سواه، قال الجوهري: أبو مجلز] بكسر الميم، قال يعقوب هو مشتق من جلز النسيان وهو أغلظه ومن جلز السوط وهو مقبضه والجلواز الشرطي والجمع الجلاوزة اهـ. قاله في الديباجة.\n\n٤٦٤٢ - وعن الشريد بن سويد -﵁- قال: مر بي رسول اللّه -ﷺ-، وأنا جالس وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على ألية يدي فقال رسول اللّه -ﷺ-: لا تقعد قعدة المغضوب عليهم. رواه أبو داود (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢). وزاد قال ابن جريج: وضع راحتيك على الأرض.\nقوله وعن الشريد بن سويد الثقفي أبو عمرو الصحابي والشريد بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المشددة كان اسمه مالك وفد على النبي -ﷺ- وبايع بيعة الرضوان وقيل أنه قتل رجلا من قومه ثم لحق بمكة فحالف نفرا من ثقيف فسماه رسول اللّه -ﷺ- الشريد وهو زوج ريحانة بنت أبي العاص بن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٤٨) ومن طريقه البيهقي في السنن (٣/ ٢٣٦)، والآداب (٣١٣).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٥٦٧٤)، وأخرجه أحمد (١٩٤٥٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٣١٦/ ٧٢٤٢)، والحاكم (٤/ ٢٦٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٣٥)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٤٠٢)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال النووي في المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٧٤) رواه أبو داود بإسناد صحيح وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٦٦)، وجلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة (ص: ١٩٧). لكن أخرجه مرسلا: عبد الرزاق (٣٠٥٧) وأحمد (١٩٦٨٧)، (١٩٧٠٢) عن إبراهيم بن ميسرة، أنه سمع عمرو بن الشريد يخبر، عن النبي -ﷺ- أنه كان يقول في وضع الرجل شماله إذا جلس في الصلاة: هي قعدة المغضوب عليهم، لم يقل عمرو بن الشريد: عن أبيه.","vol":"12","page":264},{"text":"أمية وله عند ابن ماجه أربعة أحاديث واللّه أعلم.\nقوله -ﷺ- لا تقعد قعدة المغضوب عليهم، الحديث. القِعدة بالكسر كالجِلسة الضرب من القعود من باب الهيئة.\n\n٤٦٤٣ - وعن ابن عمر -﵄- قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقام له رجل عن مجلسه، فذهب ليجلس فيه، فنهاه رسول اللّه -ﷺ-. رواه أبو داود (^١).\n\n٤٦٤٤ - وفي رواية له (^٢) عن سعد بن أبي الحسن قال: جاء أبو بكرة في شهادة، فقام له رجل من مجلسه، فأبى أن يجلس فيه، وقال: إن النبي -ﷺ- نهى عن ذا.\nقوله وعن ابن عمر تقدم. قوله جاء رجل إلى رسول اللّه -ﷺ- فقام له رجل عن مجلسه فذهب ليجلس فيه فنهاه رسول اللّه -ﷺ-، وفي رواية قال جاء أبو بكرة في شهادة فقام له رجل عن مجلسه فأبى أن يجلس فيه، وقال [إن] النبي -ﷺ- نهى عن ذا فدل على أن الرجل المجهول في الحديث الأول هو أبو بكرة\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤٨٢٨)، وأخرجه بنحوه وبأطول منه الطيالسي (١٩٥٠)، وأحمد في مسنده (٥٥٦٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٣٣).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٨٢٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٣/ ٢٣٣). وأخرجه الطيالسي (٨٧١)، وابن أبي شيبة (٣٦٩٠)، وأحمد في مسنده (٢٠٤٥٠)، والبزار في مسنده (٣٦٩٠)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (١٦٣٠) و(١٦٣١)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٧٢، والمزي في تهذيب الكمال (٣٤/ ٣٣ - ٣٤). وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٦٨)، وقال في (٣٠٦٧): حسن لغيره.","vol":"12","page":265},{"text":"ولهذا فسره في الرواية الثانية فهذا من باب الورع وليس بحرام لحديث ابن عمر أنه كان إذا قام له رجل من مجلسه [لم] يجلس فيه وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى.\n\n٤٦٤٥ - وعن ابن عمر أيضا -﵄- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا يفسح اللّه لكم.\n\n٤٦٤٦ - وفي رواية قال: وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله وعن ابن عمر أيضا تقدم. قوله -ﷺ- لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا الحديث. هذا النهي للتحريم فمن سبق إلى موضع مباح من المسجد يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غيرها أو خان أو منزل مسافر فهو أحق به ويحرم على غيره إقامته منه لهذا الحديث إلا أن أصحابنا استثنوا منه ما إذا ألف من المسجد موضعا يفتي فيه أو يقرأ فيه قرآنا أو غيره من العلوم الشرعية فهو أحق به واذا حضر لم يكن لغيره أن يقعد فيه وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد الأسواق [لمعاملة] واللّه أعلم.\nفرع: ما يفعله بعضهم إذا جاء إلى مكانه المعتاد لصلاة فيه أو إلى المكان الذي تميل إليه نفسه من المسجد ووجد فيه أحدا قد سبقه إليه فإنه يقيمه هو أو يقيمه من معه من المماليك والخدم وذلك حرام لا يجوز لأنه قد استحق\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٢٦٩ - ٦٢٧٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٧) (٢١٧٧).","vol":"12","page":266},{"text":"المكان الذي جلس فيه بسبقه إليه، اهـ.\nقوله وفي رواية قال وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه، فهذا ورع منه وليس قعوده فيه حراما أما إذا قام برضاه لكنه تورع عنه لوجهين: أحدهما أنه ربما استحيى منه إنسان فقالم له من مجلسه من غير طيب قلبه فسدّ ابن عمر الباب [ليسلم] من هذا. والثاني أن الإيثار بالقُرَب مكروه أو خلاف الأولى فكان ابن عمر يمتنع من ذلك لئلا يرتكب أحد بسببه مكروها أو خلاف الأولى بأن يتأخر عن موضعه من الصف الأول ويؤثره به وشبه ذلك. قال بعض أصحابنا وإنما يحمد الإيثار بحظوظ النفوس وأمور الدنيا دون القُرَبِ واللّه تعالى أعلم.\n\n٤٦٤٧ - وعن جابر بن سمرة -﵄- قال: كنا إذا أتينا النبي -ﷺ- جلس أحدنا حيث ينتهي. رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (^٣).\n_________\n(^١) أبو داود (٤٨٢٥)، وقال النووي في المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٨٠): رواه أبو داود بإسناد حسن، وأخرجه الطيالسي (٧٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٠٦٢)، وأحمد (٢٠٨٥٥، ٢١٠٤٠) وابنه عبد اللِّه في زوائده على المسند (٢٠٩٢٩)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٤١)، والنسائي في الكبرى (٥٨٩٩)، وزهير بن حرب في العلم (١٠٠)، والمعافى بن عمران في الزهد (١٣٢)، وأبو جعفر المصيصي لوين في جزئه (٢٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٢٢٩/ ١٩٥١)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٨) (٥/ ٣٤) والبيهقي (٣/ ٢٣١)، وأبو نعيم في ذكر أخبار أصبهان (٢٩٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٧٢٥)، وقال: حسن صحيح غريب، وقال الألباني: حسن لغيره.\nصحيح الترغيب (٣٠٧٥)، والصحيحة (٣٣٠).\n(^٣) ابن حبان (٦٤٣٣).","vol":"12","page":267},{"text":"قوله وعن جابر بن سمرة تقدم. قوله كنا إذا أتينا النبي -ﷺ- جلس أحدنا حيث ينتهي به المجلس، هكذا كان تواضع رسول اللّه -ﷺ- وأصحابه - ﵃ -.\n\n٤٦٤٨ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللّه -ﷺ- قال: لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما. رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن.\n\n٤٦٤٩ - وفي رواية لأبي داود (^٣): لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما.\nقوله وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد اللّه بن عمرو العاصي السهمي كنيته أبو إبراهيم ليس بتابعي بل هو من تابعي التابعين. روى عنه نيف وعشرون من التابعين. قال ابن عدي قال أبو داود قال أحمد بن حنبل أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديثه عن أبيه عن جده وإذا شاءوا تركوه (^٤) وأنكر بعضهم سماع شعيب من جده عبد اللّه بن عمرو وقال إنما سمع أباه محمد بن عبد اللّه بن عمرو [فتكون]\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٤٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٧٢٢٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٧١).\n(^٢) الترمذي (٢٧٥٢)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه أحمد (٦٩٩٩)، والبخاري في الأدب (١١٤٢)، وابن خزيمة (١٧٦٣)، والطبراني في الأوسط (٣٦٥٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٧١)، وصححه في صحيح الجامع (٧٦٥٨).\n(^٣) أبو داود (٤٨٤٤)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٣٢)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٨٢١)، والصحيحة (٢٣٨٥).\n(^٤) سؤالات أبي داود (٢١٦).","vol":"12","page":268},{"text":"رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي -ﷺ- مرسلة. قال النووي (^١) وهذا إنكار ضعيف وأثبت الدارقطني وغيره من الأئمة سماع شعيب من عبد اللّه وقال أبو بكر النيسابوري صح سماع شعيب من جده عبد اللّه، ثم قال النووي واعلم أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه والمهذب قال في كتابه اللمع في الأصول (^٢) لا يجوز الاحتجاج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لاحتمال [أن المراد] جده الأدنى وهو محمد فيكون مرسلا وكذا قال غيره من أصحابنا لا يجوز الاحتجاج به وقد أكثر صاحب المذهب [في] (^٣) المهذب من الاحتجاج به وهذا مما ينكر عليه، وجوابه أن الصحيح المختار صحة الاحتجاج به عن أبيه عن جده كما قال الأكثرون فاختار في المهذب هذا المذهب المختار ووالده شعيب بن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي روى عن أبيه عن جده. وابن عباس وابن عمر ومعاوية وغيرهم وأرسل عن عبادة بن الصامت وعنه ابناه عمرو بن شعيب وعمرو بن شعيب وثابت البناني ونسبه إلى جده وعنه جماعة آخرون واللّه أعلم. قوله -ﷺ- لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما يعني: إذا جلس اثنان متقاربين لا يجوز لأحد أن يفرقهما ويجلس بينهما، لأنه قد يكون بينهما محبة وجريان سر وكلام، فيشق عليهما التفرق.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٩).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":269},{"text":"٤٦٥٠ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللّه -ﷺ- قال: إذا قام أحدكم من مجلس، ثم رجع إليه فهو أحق به. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) وابن ماجه (^٣).\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله إذا قام أحدكم من مجلس ثم رجع إليه فهو أحق به، الحديث. قال أصحابنا هذا الحديث فيمن جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلا ثم فارقه ليعود بأن فارقه ليتوضأ أو يقضي شغلا يسيرا ثم يعود لم يبطل اختصاصه بل إذا رجع فهو أحق به في تلك الصلاة فإن كان قد قعد [فيه] (^٤) غيره فله أن يقيمه [ويجب للقاعد أن يفارق] لهذا الحديث الصريح فيه فهذا هو الصحيح عند أصحابنا وأنه يجب على من قعد فيه مفارقته إذا رجع الأول. وهذا هو الصحيح وهذا هو الصحيح (^٥) عند أصحابنا.\nوقال بعض العلماء: هذا مستحب ولا يجب وهو مذهب مالك والصواب الأول. قال أصحابنا لا فرق [لا] (^٦) بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا فهو أحق به في الحالين. قال أصحابنا وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة [ونحوها] دون غيرها، واللّه أعلم. [وقال المنذري: ذهب\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣١) (٢١٧٩).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٨٥٣).\n(^٣) ابن ماجه (٣٧١٧).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) اللوحة ١٠٨ تكرار للوحة ١٠٧.\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":270},{"text":"بعضهم إلى أن هذا الحديث على الندب، وذلك إذا كانت أوبته قريبة، وإن بعد ذلك حتى يعود ولا أرى ذلك من محاسين الأخلاق. وقال غيره الحديث في معنى مجلس العالم هو أولى به إذا قام لحاجته، فإذا قام تارك له فليس هو بأولى، قاله في شرح الإلمام،.\n\n٤٦٥١ - وعن وهب بن حذيفة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: الرجل أحق بمجلسه، فإذا خرج لحاجته ثم رجع فهو أحق بمجلسه. رواه الترمذي (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله وعن وهب بن أبي جحيفة السوائي تقدم. قوله الرجل أحق بمجلسه الحديث تقدم معناه في الحديث قبله.\n\n٤٦٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سمعت رسول اللّه -ﷺ- يقول: خير المجالس أوسعها. رواه أبو داود (^٣).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٧٥١) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٦٢٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٩٥)، وأحمد (١٥٤٨٣، ١٥٤٨٤)، والبخاري في تاريخه الكبير (٨/ ١٥٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢٧٨)، (١٢٧٩)، والروياني (١٤٩٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٣٥/ ٣٥٩) وابن عدي في الكامل (١٠/ ٢٥٧)، وأبو جعفر المصيصي لوين في جزئه (٥٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٧٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٤٩٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٧٣)، وحسنه في صحيح الجامع (٣٥٤٤).\n(^٣) أبو داود (٤٨٢٠) ومن طريقه البيهقي في الآداب (٣٠٧)، وأخرجه أحمد (١١١٣٧) و(١١٦٦٣)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٣٦) والقضاعي في مسند الشهاب =","vol":"12","page":271},{"text":"قوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم. قوله خير المجالس أوسعها بالنسبة لأهلها ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان والبلدان لأنه أروح للجالس وأمكن في تصرفه من قيامه وقعوده والسير في أداء ما يستحق من التوسعة والإكرام.\n\n٤٦٥٣ - وعن أبي سعيد أيضًا -﵁- أن رسول اللّه -ﷺ- قال: إياكم والجلوس بالطرقات. قالوا: يا رسول اللّه ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها فقال رسول اللّه -ﷺ-: إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول اللّه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣).\nقوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم أيضا. قوله -ﷺ- إياكم والجلوس بالطرقات الحديث. كان من عادة أهل المدينة وغيرهم الجلوس في الطرقات\n_________\n= (١٢٢٢)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٦٤)، والبيهقي في الشعب (٧٨٩١) والحاكم (٤/ ٣٠٠) وصححه، قال ابن عبد البر: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمرة الأنصاري، مدني ثقة؛ يروي عن القاسم بن محمد، وعن عمه عبد الرحمن بن أبي عمرة؛ وله رواية عن أبي سعيد الخدري، وما أظنه سمع منه ولا أدركه، وإنما يروي عن عمه عنه. التمهيد ٢٠/ ٢٥. وقال النووي في المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٨٠): رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٨٥)، والصحيحة (٨٣٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٧٤).\n(^١) صحيح البخاري (٢٤٦٥ - ٦٢٢٩).\n(^٢) صحيح مسلم (١١٤) (٢١٢١).\n(^٣) سنن أبي داود (٤٨١٥).","vol":"12","page":272},{"text":"فحذّرهم رسول اللّه -ﷺ- عنه فلما أبَوْا أمرهم بما ذكر فقال أعطوا الطريق حقه أي واجبه قالوا وما حق الطريق؟ قال غض البصر الحديث. وغض البصر كفّه عن النظر إلى المحرم وكل شيء كففته فقد غضضته فهذا الحديث كثير الفوائد وهو من الأحاديث الجامعة وأحكامه ظاهرة وينبغي أن يجتنب الجلوس في الطرقات لهذا الحديث ويدخل في كف الأذى اجتناب الغيبة وسوء الظن، واحتقار بعض المارين وتضييق الطريق، وكذا إن كان القاعدون ممن يهابهم المارّون أو يخافون منهم ويمتنعون من المرور في أشغالهم بسبب ذلك [لكونهم] لا يجدون طريقا إذا ذلك الموضع. والمقصود من الحديث أنه يكره الجلوس على الطرقات للحديث ونحوه. وقد أشار النبي -ﷺ- إلى علة النهي من التعرض للفتن والإثم بمرور النساء وغيرهن وقد يمتد نظر إليهن أو ذكر فيهن أو سوء ظن فيهن أو في غيرهن من المارين. ومن [آذى] الناس باحتقار من يمر أو عيبِه أو غيرهما أو إهمال رد السلام في بعض الأوقات أو إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك من الأسباب التي لو خلا في بيته سلم منها، ويدخل في الأذى أن يضيق الطريق على المارين أو تمتنع النساء ونحوهن من الخروج في أشغالهن بسبب قعود القاعدين في الطريق أو يجلس بقرب دار إنسان يتأذى بذلك أو حيثما يكشف من أحوال الناس شيئا يكرهونه، واللّه أعلم.","vol":"12","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>الترهيب أن ينام المرء على سطح لا تحجير له أو يركب البعر عند ارتجاجه</span>\n٤٦٥٤ - عن عبد الرحمن بن علي: يعني ابن شيبان عن أبيه -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: من بات على ظهر بيت ليس له حجار فقد برئت منه الذمة. رواه أبو دود (^١).\n[قال الحافظ]: هكذا وقع في روايتنا حجار بالراء بعد الألف، وفي بعض النسخ: حجاب بالباء الموحدة هو بمعناه.\nقوله عن عبد الرحمن بن علي يعني ابن شيبان عن أبيه هو عبد الرحمن بن علي بن شيبان بن عمرو الحنفي اليمامي، تابعي، روي عن أبيه، روى عنه عبد الرحمن بن وثاب، وعبد اللّه بن بدر، وهو قليل الحديث، وحديثه عند أهل اليمامة، ذكره بن حبان في الثقات قلت وأخرج له صحيحه وقال العجلي\n_________\n(^١) أبو داود (٥٠٤١) ومن طريقه البيهقي في الآداب (٦٧٤)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٩٢)، وفي التاريخ الكبير (٦/ ٢٥٩)، وابن عدي (٣/ ١١٨٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٩٥٣)، والمزي (٢١/ ٢٨٦ - ٢٨٧) وقال البخاري في الأدب المفرد: في إسناده نظر ورواه ابن عدي في الكامل في ترجمة سالم بن نوح العطار (٣/ ٣٤٧)، عن طريق سالم بن نوح به بنحوه. وقال: ولسالم بن نوح غير ما ذكرت من الحديث، وحدث عنه من أهل البصرة جماعة، ولم يختلفوا في الرواية عنه، وعنده غرائب وإفرادات، وأحاديثه محتملة متقاربة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١١٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٧٦).","vol":"12","page":274},{"text":"تابعي ثقة ووثقه أيضا أبو العرب التميمي وابن حزم، وأبوه علي بن شيبان بن محرز بن عمرو بن عبد اللّه بن عمرو بن عبد العزي بن سحيم بن مرة بن الدؤل بن حنيفة يكنى أبا يحيى. سكن اليمامة، وفد على النبي -ﷺ-.\nقوله -ﷺ- من بات على ظهر بيت ليس له حجار فقد برئت منه الذمة الحديث. قال الحافظ: هكذا وقع في روايتنا بالراء بعد الألف وفي بعض النسخ حجاب بالباء الموحدة وهو بمعناه اهـ. قاله في التنقيح. والحجار جمع حجر بكسر الحاء، والحجر ما يحجر به من حائط ونحو ذلك ومنه حجر البيت العتيق، وأصل هذه المادة المنع [ومنه] حجر الحاكم، أي ليس عليه سترة تمنعه من السقوط وفي بعض نسخ أبي داود حجاب بالباء وهو الذي يحجب الإنسان من الوقوع، وفي معالم السنن للخطابي من نام على ظهر بيت ليس عليه حجى وهي رواية المصابيح في النسخ المسموعة بوزن حمى وقال الخطابي (^١) في تفسيره أنه يروى بكسر الحاء وفتحها ومعناه فيهما معنى الستر، اهـ واللّه أعلم. وقال في النهاية (^٢) الحجار بالكسر وهو الحائط أو من الحجرة وهي حظيرة الإبل وحجرة الدار أي [أنه] يحجر الإنسان النائم ويمنعه [عن] الوقوع والسقوط.\n_________\n(^١) انظر: جامع الأصول (١١/ ٥٦٦)، مرقاة المفاتيح (٨/ ٥٢٢).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (١/ ٣٤٢).","vol":"12","page":275},{"text":"قوله -ﷺ- فقد برئت منه الذمة، ومعنى براءة الذمة منه لأنه عرّض نفسه للهلاك ومل يحترز لها، اهـ. قاله في النهاية (^١). وقال في التنقيح وغيره معناه واللّه أعلم أن لكل أحد من اللّه [عهدا] أو ذمة بالحفظ والكلاءة فإذا ألقى نفسه إلى التهلكة وفعل ما حرم عليه أو خالف ما أمر به خذلته ذمة اللّه تعالى وانقطع عنه عهده ويجوز أن يكون معناه فقد تصدى للهلاك وأزال العصمة عن نفسه وصار كالمهدر الذي لا دية له فلعله ينقلب في نومه فيستيقظ ويموت بهذا اهـ.\n\n٤٦٥٥ - وروي عن جابر -﵁- قال: نهى رسول اللّه -ﷺ- أن ينام الرجل على سطح ليس بمحجور عليه. رواه الترمذي (^٢)، وقال: حديث غريب.\nقوله وروي عن جابر تقدم. قوله نهى رسول اللّه -ﷺ- أن ينام الرجل على سطح ليس بمحجور عليه، تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\n\n٤٦٥٦ - وروي عن عبد اللّه بن جعفر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: من رمانا بالليل فليس منا، ومن رقد على سطح لا جدار له فمات فدمه هدر. رواه الطبراني (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (١/ ٣٤٢).\n(^٢) الترمذي (٢٨٥٤) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث محمد بن المنكدر عن جابر إلا من هذا الوجه، وعبد الجبار بن عمر يضعف. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٨٤٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٧٧)، والصحيحة (٨٢٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٨٧/ ٢١٧)، وقال الهيثمي: وفيه يزيد بن عياض وهو =","vol":"12","page":276},{"text":"قوله وروي عن عبد اللّه بن جعفر تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ- من رمانا بالليل فليس منا، تقدم الكلام على قوله فليس منا مرارا. كان الناس في زمن النبي -ﷺ- يبيتون على الأسطحة في أيام الصيف فيلعب الصبيان ويترامون بالبنادق فيؤذون بها الناس فشَكَوْا ذلك إلى النبي -ﷺ- فقال من رمانا بالليل فليس منا، الحديث. قوله -ﷺ-: من رقد على سطح لا جدار له فمات فدمه هدى. أي لا دية له ولا قصاص.\nتنبيه: من الصغائر أن ينام الإنسان على سطح لا تحجير له ويحتمل أن تكون كبيرة لأنه تعريض النفس للهلاك.\n\n٤٦٥٧ - وعن أبي عمران الجوني قال: كنا بفارس، وعلينا أمير يقال له: زهير بن عبد اللّه، فأبصر إنسانا فوق بيت أو إجار ليس حوله شيء، فقال لي: سمعت في هذا شيئا؟ قلت: لا. قال: حدثني رجل أن رسول اللّه -ﷺ- قال: من بات فوق إجار، أو فوق بيت ليس حوله شيء يرد رجله، فقد برئت منه الذمة ومن ركب البحر بعدما يرتج فقد برئت منه الذمة. رواه أحمد (^١) مرفوعا\n_________\n= متروك المجمع (٧/ ٢٩٢)، وقال الألباني في الضعيفة (٦٦٨٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٠٠): ضعيف جدًا.\n(^١) مسند أحمد (٢٠٧٤٨ - ٢٠٧٤٩ - ٢٢٣٣٣) ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٤١٨) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٩٤)، وفي التاريخ الكبير (٣/ ٢٦)، وأبو عبيد في غريب الحديث ١/ ٢٧٥)، والبغوي في معجم الصحابة (٢/ ٥١٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٢١٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٩) رواه أحمد =","vol":"12","page":277},{"text":"هكذا وموقوفا ورواتهما ثقات والبيهقي (^١) مرفوعا.\n\n٤٦٥٨ - وفي رواية للبيهقي (^٢) عن أبي عمران أيضا قال: كنت مع زهير الشنوي، فأتينا على رجل نائم على ظهر جدار، وليس له ما يدفع رجليه، فضربه برجله، ثم قال قم، ثم قال زهير: قال رسول اللّه -ﷺ-: من بات على ظهر جدار، وليس له ما يدفع رجليه، فوقع فمات، فقد برئت منه الذمة، ومن ركب البحر في ارتجاجه، فغرق فقد برئت منه الذمة. قال البيهقي: ورواه شعبة عن أبي عمران عن محمد بن أبي زهير، وقيل: عن محمد بن زهير بن أبي علي، وقيل: عن زهير بن أبي جبل عن النبي -ﷺ-، وقيل: غير ذلك.\n[الإجار] بكسر الهمزة وتشديد الجيم: هو السطح. [وارتجاج البحر]: هيجانه.\nقوله وعن أبي عمران الجوني أبو عمران الجوني اسمه عبد الملك بن حبيب البصري روى عن جندب بن عبد اللّه، [و] روى له الجماعة، تُوفي سنة ثمان وعشرين ومائة، اهـ. قوله كنا بفارس اسم مدينة كذا.\nقوله: وعلينا أمير يقال له: زهير بن عبد اللّه، قال ابن النحاس: وزهير هذا\n_________\n= عن شيخه إبراهيم بن القاسم، ولم أعرفه، وقال الهيثمي في (٨/ ٩٩) روأه أحمد مرفوعا وموقوفا وكلاهما رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٧٨): حسن.\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٣٩٨).\n(^٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٣٩٩).","vol":"12","page":278},{"text":"ذكره الحافظ ابن الذهبي في تجريد الصحابة وذكر له هذا الحديث ثم قال أظنه مرسلا، اهـ. وقال الحافظ المنذري: رواه الإمام أحمد مرفوعًا هكذا وموقوفًا. قوله: فأبصر إنسانا فوق بيت أو إجّار ليس حوله شيء الحديث. الإجّار بكسر الهمزة وتشديد الجيم هو السطح، قاله المنذري. والجمع الأجاجير، قاله ابن الأثير (^١). ومعنى الحديث أي ليس حواليه ما يردّ الساقط عنه. قوله فقد برئت منه الذمة، تقدم معنى الذمة.\nقوله -ﷺ- من ركب البحر في ارتجاجه فغرق فقد برئت منه الذمة وارتجاج البحر هيجانه. قاله الحافظ، و[قال] في النهاية (^٢) وغيرها أي اضطرب وهو افتعل من الرجّ وهو الحركة الشديدة أي تلاطمت أمواجه والتج الأمر إذا عظم واختلط، ومنه قوله تعالى ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (^٣)، وروي [ارتج] من الارتجاج الإغلاق [فإن كان] محفوظا [فمعناه] أغلق عن أن يركب وذلك عند كثرة أمواجه، ومنه حديث النفخ في الصور فترتج الأرض بأهلها أي تضطرب ومنه حديث ابن المسيب لما قبض رسول اللّه -ﷺ- ارتجب مكة بصوت عال اهـ. قاله في النهاية (^٤).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٦).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٤/ ٢٣٣).\n(^٣) سورة الواقعة، الآية: ٤.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٩٧).","vol":"12","page":279},{"text":"تنبيه: وإنما يجوز ركوب البحر للجهاد [والحج] وغيرهما إذا غلبت السلامة وأما ركوبه عند هيجانه وندور السلامة فيه فإنه لا يجوز وفاعله عاص، اهـ. قوله: قال البيهقي: ورواه شعبة عن أبي عمران عن محمد بن أبي زهير الحديث، شعبة هو ابن الحجاج بن الوِرد بكسر الواو أبو بسطام العتكي مولاهم بصري الأصلي ومولده ومنشأه بواسط ثم انتقل إلى البصرة، كان إماما من أئمة المسلمين وركنا من أركان الدين حفظ اللّه أكثر الحديث به قال الشافعي لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق وكان شديد [التنقية] للرجال. قال ابن المديني له نحو ألفي حديث. قال أبو داود سمعت منه تسعة آلاف حديث وسمع منه غندر سبعة آلاف.\nقال الذهبي: هذا [مرسل] وأقوال التابعين انفرد عن سفيان بنحو ثلاتين رجلا من أهل الكوفة قال سفيان هو أمير المؤمنين في الحديث قال أبو بحر البكراوي: ما رأيت أعبد منه [لقد] عبد اللّه حتى جف جلده على ظهره وكان أبا الفقراء وأمهم يقول واللّه لولا الفقراء ما جلست إليكم ولما مات قال سفيان مات الحديث وهو أول من تكلم في الرجال. قال الحاكم أبو عبد اللّه هو إمام الأئمة [في معرفة الحديث بالبصرة، ورأى أنسا وعمرو بن سلمة الصحابي، وسمع من أربعمائة] من التابعين ولد سنة اثنين وثمانين وكان ألثغ.\nقال أبو نعيم: سمعته يقول لأن أزني أحب إلي من أدلّس. وهب المهدي له ثلاثين ألف درهم فقسمها وأقطعه ألف جريب بالبصرة فلم تطب له","vol":"12","page":280},{"text":"فتركها. قال الأصمعي لو نر أحدا قط أعلم بالشعر من شعبة. وقال شعبة ما شيء أخوف عندي أن يدخلني النار من الحديث وددت أني وقاد حمام ولا أعرف الحديث وأوصى بغسل كتبه فغسلت وقال في صدري أربع مائة حديث لأبي الزبير واللّه لا أحدث عنه، مات سنة ستين ومائة واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام.","vol":"12","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>الترهيب أن ينام الإنسان على وجهه من غير عذر</span>\n٤٦٥٩ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: مر النبي -ﷺ- برجل مضطجع على بطنه، فغمزه برجله، وقال: إن هذه ضجعة لا يحبها اللّه ﷿. رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢)، واللفظ له، وقد تكلم البخاري في هذا الحديث (^٣).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٨٠٤١)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٦٧٠)، والترمذي (٢٧٦٨)، والبزار= البحر الزخار (٧٩٨٢ - ٧٩٨٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٧١)، والبيهقي في الشعب (٤٣٩٤)، والآداب (٩٧٦). وقال البيهقي في شعب الإيمان: كذا قال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وغلط فيه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٠١): رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٧٩)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٢٧٠).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٥٥٤٩).\n(^٣) ذكر البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٦) طريق محمد بن عمرو هذه، وقال: لا يصح في هذا الحديث اختلاف طويل، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، والأوسط (١/ ١٧٩ - ١٨١)، وأشار له الترمذي عقب الحديث (٢٧٦٨)، وعرض النسائي بعضه في السنن الكبرى (٦٦١٩ - ٦٦٢٢ و٦٦٩٥ - ٦٦٩٧)، والضياء المقدسي في المختارة (٨/ ١٣٩ - ١٤١)، وذكره الدارقطني في العلل (١٧٧٦) فقال: يرويه محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال ذلك حماد بن سلمة، وعيسى بن يونس، والنضر بن شميل، وأبو معاوية، وعبدة بن سليمان، والفضل بن موسى السيناني، وشجاع ابن الوليد، ومحمد بن بشر. ورواه معتمر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة- مرسلا- =","vol":"12","page":282},{"text":"[قوله: \"عن أبي هريرة\"، تقدم الكلام عليه رضي اللّه تعالى عنه.] قوله مر النبي -ﷺ- برجل مضطجع على وجهه فغمزه برجله وقال إن هذه ضجعة لا يحبها اللّه ﷿، الحديث. الضجعة بكسر المعجمة وسكون الجيم وبالعين المهملة الهيئة كالجلسة [والركية]، يقال فلان حسن الضجعة فهي بالكسر الاضطجاع وهو وضع الجنب بالأرض وأما بالفتح فالمرة ولا يقال هنا واللّه أعلم. ففيه تجنب الاضطجاع على البطن والنفرة من ذلك. وفي حديث أبي أمامة قال مر النبي -ﷺ- على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه وقال قم أو اقعد فإنها نومة جهنيمة انفرد به ابن ماجه، فيجوز الاستلقاء في المسجد أي النوم على القفا ووضع الظهر على الأرض ومد الرجل والاتكاء للأحاديث المشهورة.\n[و] في البخاري (^١) من طريق عباد بن تميم عن عمه أنه رآى رسول اللّه -ﷺ-\n_________\n= عن النبي (ص)، وغيره يرويه عن أبي سلمة، عن ابن طهفة الغفاري، عن أبيه، وهو الصواب. اهـ. وقال المزي في تهذيب الكمال (١٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦): طخفة بن قيس الغفاري: صحابي له حديث واحد في النهي عن النوم على بطنه، رواه يحيى بن أبي كثير، وفيه عنه اختلاف طويل عريض- وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (٢١٨٦) قال أبي له علة قلت وما هو قال رواه ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، قال دخلت أنا، وأبو سلمة على ابن طهفة، فحدث عن أبيه، قال مر بي وأنا نائم على وجهي، وهو الصحيح. وأخرجها الطيالسي في مسنده (١٤٣٦)، أحمد (٢٣٦١٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٦)، والأوسط (١/ ١٨٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٠٣)، و(٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، والضياء في المختارة (١٥٣).\n(^١) صحيح البخاري (٤٧٥).","vol":"12","page":283},{"text":"مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى، قال البغوي في شرح السنة (^١) إلا الانبطاح فإن النبي -ﷺ- نهى عنه وقال هذه ضجعة يبغضها الله اهـ، قاله الزركشي.\nتنبيه: النوم على أربعة أنحاء فنوم على القفا وهو نوم الأنبياء يتفكرون في خلق السموات والأرض ونوم عن اليمين وهو نوم العلماء ونوم على الشمال وهو نوم الملوك لهضم الطعام ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين، اهـ قاله في الديباجة.\n\n٤٦٦٠ - وعن يعيش بن طخفة بن قيس الغفاري قال: كان أبي من أصحاب الصفة فقال رسول اللّه -ﷺ-: انطلقوا بنا إلى بيت عائشة، فانطلقنا فقال: يا عائشة أطعمينا فجاءت بحشيشة فأكلنا، ثم قال: يا عائشة أطعمينا، فجاءت بحيسة مثل القطاة فأكلنا، ثم قال: يا عائشة اسقنا، فجاءت بعس من لبن فشربنا، فجاءت بقدح صغير فشربنا، ثم قال: إن شئتم بتم، وإن شئتم انطلقتم إلى المسجد. قال: فبينا أنا مضطجع من السحر على بطني إذ جاء رجل يحركني برجله، فقال: إن هذه ضجعة يبغضها اللّه ﷿. قال: فنظرت، فإذا هو رسول اللّه -ﷺ-. رواه أبو داود (^٢) واللفظ له، ورواه النسائي (^٣)\n_________\n(^١) شرح السنة (٢/ ٣٧٨).\n(^٢) أبو داود (٥٥٤٠)، وأخرجه الحربي في إكرام الضيف (٦٢)، والنسائي في الكبرى (٦٦٩٧).\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٦٦٢٠) (٦٦٢٢).","vol":"12","page":284},{"text":"عن قيس بن طغفة بالغين المعجمة قال: حدثني أبي فذكره وابن ماجه (^١) عن قيس بن طهفة بالهاء عن أبيه مختصرا، ورواه ابن حبان في صحيحه (^٢) عن\n_________\n(^١) ابن ماجه (٧٥٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٢٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٥٥٥٠)، وأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠ و٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧) وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٩٨) وأبو داود (٥٠٤٠) والنسائي في الكبرى (٦٦٢٢) (٦٦٩٥) والحربي (٥٧) (٥٨) و(٦٠) وأبو القاسم البغوي (١٣٧٢) والبخاري في الكبير (٢/ ٢/ ٣٦٦) عن يعيش بن طخفة بن قيس قال: كان أبي ... فذكره ولم يقل عن أبيه.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٨٢٢٧) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤) وفي الصحابة (٣٩٧٣) والطبراني (٨٢٢٨) عن يعيش بن طخفة عن أبيه.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٦٠٧) وأحمد (٣/ ٤٣٠ و٥/ ٤٢٧) وابن ماجه (٧٥٢) والحربي (٦١) والنسائي (٦٦٢١) وأبو القاسم البغوي في الصحابة (١٩٧١) والطبراني في الكبير (٨٢٣٢) وأبو نعيم في الصحابة (٥٧٢٩) والبيهقي في الآداب (٩٧٧) من طرق عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أني يعيش بن قيس بن طخفة عن أبيه.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٨٢٢٩) من طريق يحيى بن درُسْت البصري ثنا أبو إسماعيل القناد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن يعيش بن طهفة أو طخفة عن أبيه.\nورواه لوين في حديثه (١١٧) عن أبي إسماعيل فقال: عن يعيش بن طهفة عن أبيه. أخرجه الطبراني في الكبير (٨٢٣١) من طريق عمر بن يونس ثنا يحيى بن عبد العزيز عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن يعيش الغفاري عن أبيه.\nوأخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٨٧) وفي الكبير (٢/ ٢/ ٣٦٦) عن خلف بن موسى بن خلف ثنا أبي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن يعيش =","vol":"12","page":285},{"text":"قيس بن طغفة بالغين المعجمة عن أبيه كالنسائي، ورواه ابن ماجه (^١) أيضا عن ابن طهفة أو طخفة على اختلاف النسخ عن أبي ذر قال: مر بي رسول اللّه -ﷺ-، وأنا مضطجع على بطني، فركضني برجله، وقال: يا جنيدب إنما هذه ضجعة أهل النار، قال أبو عمر النمري: اختلف فيه اختلافا كثيرا واضطرب فيه اضطرابا شديدا، فقيل طهفة بن قيس بالهاء، وقيل: طخفة بالخاء، وقيل: ضغفة بالغين، وقيل: طقفة بالقاف والفاء، وقيل: قيس بن طخفة، وقيل: عبد اللّه بن طخفة عن النبي -ﷺ-، وقيل: طهفة عن أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ-، وحديثهم كلهم واحد قال: كنت نائما بالصفة، فركضني رسول اللّه -ﷺ- برجله، وقال: هذه نومة يبغضها اللّه. وكان من أهل الصفة، ومن أهل العلم من يقول إن الصحبة لأبيه عبد اللّه، وإنه صاحب القصة انتهى، وذكر البخاري\n_________\n=\nابن طخفة الغفاري أن أباه أخبره\nوأخرجه أحمد (٥/ ٤٢٦) البخاري في الكبير (٢/ ٢/ ٣٦٦)، والحربي (٥٦)، وأبو القاسم البغوي (١٧١٥) و(١٧١٦)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٣٦) عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن قال: بينا أنا جالس مع أبي سلمة بن عبد الرحمن إذ طلع علينا رجل من بني غفار ابن لعبد الله بن طهفة فقال أبو سلمة: ألا تخبرنا عن خبر أبيك قال: حدثني أبي عبد اللّه بن طهفة، وذكر الحديث.\nوقال الدارقطني: ولا يصح عن أبي هريرة، وإنما رواه محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن طهفة أيضا. العلل (١٧٧٦). وقال ابن أبي خيثمة: هذا حديث مختلف فيهتاريخه ٢/ ١/ ٣٣٦، وقال الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٢٧١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٨٥) حسن لغيره.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٧٢٣).","vol":"12","page":286},{"text":"فيه اختلافا كثيرا، وقال طغفة بالغين خطأ، واللّه أعلم.\n[الحيسة] على معنى القطعة من الحيس: وهو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط دقيق.\n[والعس]: القدح الكبير الضخم حرز ثمانية أرطال أو تسعة قوله وعن يعيش بن طخفة بن قيس الغفاري ذكر الحافظ فيه اختلافا كثيرا. قوله: كان أبي من أصحاب الصفة تقدم الكلام على أصحاب الصفة في الجهاد وغيره. قوله: فقال يا عائشة أطعمينا فجاءت بجَشيشة فأكلنا الجَشيشة بفتح الجيم وبعدها شين معجمة مكسورة ثم ياء مثناة تحت ثم شين معجمة مفتوحة وتاء تأنيث هي أن [تطحن] الحنطة أو غيرها طحنا جليلا ثم يجعل في القدر ويلقى عليها لحم أو تمر ويطبخ ويقال لها أيضا دشيشة بالدال المهملة. قاله في النهاية (^١).\nوقوله أيضا: ثم قال: يا عائشة أطعمينا فجاءت بحيسة مثل القطاة. الحيسة قال الحافظ: على معنى القطعة من الحيس وهو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن وقد يجعل عوض الأقط دقيق [انتهى.\nقال بعض العلماء: الحيسة بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة أخلاط من التمر والأقط والسمن، وقد تجعل عوض الأقط الدقيق] والفتيت.\nفائدة: الحساء هو بالفتح والمد طبيخ يتخذ من دقيق وماء [و] دهن وقد\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٧٣).","vol":"12","page":287},{"text":"يُحلّى ويكون رقيقا يُحسى قاله في النهاية (^١).\nوقوله أيضًا: ثم قال: يا عائشة اسقنا فجاءت بعسّ من لبن، الحديث.\nالعسّ القدح الكبير الضخم حزر ثمانية أرطال أو تسعة اهـ. قاله الحافظ، وقال بعضهم: العس بضم العين وتشديد السين المهملتين والجمع عساس وأعساس، وفي الحديث أنه كان -ﷺ- يغتسل في عس حزر ثمانية أرطال أو تسعة، قاله في النهاية (^٢).\nفائدة يختم بها [الكتاب] التبْن بكسر وسكون الباء قدح وهو أعظم الأقداح يكاد يروي العشرين ثم الصحن يروي العشرة ثم العس يروي الثلاثة والأربعة ثم القدح يروي الرجلين ثم القعب يروي الرجل ثم الغمر وهو أصغرها، اهـ، قاله ابن الأثير (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٨٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٣٦).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨١).","vol":"12","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>الترهيب من الجلوس بين الظل والشمس والترغيب في الجلوس مستقبل القبلة</span>\n٤٦٦١ - عن أبي عياض عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- أن النبي -ﷺ- نهى أن يجلس الرجل بين الضح والظل، وقال: مجلس الشيطان. رواه أحمد (^١) بإسناد جيد، والبزار (^٢) بنحوه من حديث جابر، وابن ماجه (^٣) بالنهي\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٥٤٢١)، والحديث؛ أخرجه ابن أبي عاصم، في الآحاد والمثاني (٢٩٠٥) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٧١)، وقال عقبه: صحيح الِإسناد، ولم يخرجاه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٠): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير كثير بن أبي كثير وهو ثقة.، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ١٢٠) رواه أحمد بن حنبل بإسناد جيد ورواه الحاكم من طريق أبي عياض، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- ... فذكره. وله شاهد من حديث جابر رواه البزار في مسنده، ورواه ابن ماجه من حديث بريدة بن الحصيب، ورواه أبو داود والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٨١)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٦٨٢٣)، والصحيحة (٨٣٨).\n(^٢) البزار (كشف الأستار-٢٠١٤)، وقال البزار: إسماعيل لين الحديث، ولم يتابع عليه، وقد روى عنه الأعمش والثوري وغيرهما. وأخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٣٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٠) رواه البزار، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو متروك.\n(^٣) ابن ماجه (٣٧٢٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٢١٨)، وأبو داود (٦٣٦) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٢٢)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٦٣٦ - ١٦٣٧ و١٦٣٧). والحاكم (٤/ ٢٧٢) والطبراني في الأوسط (١٩٦٠)، والبيهقي (٢/ ٢٣٦)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ١١٦): هذا إسناد حسن.","vol":"12","page":289},{"text":"وحده من حديث بريدة.\n[الضح] بفتح الضاد المعجمة وبالحاء المهملة: هو ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض. وقال ابن الأعرابي: هو لون الشمس.\nقوله عن أبي عياض واسمه عمرو ويقال له عمير بن الأسود العنسي بالمهملتين والنون، الزاهد.\nقوله نهى رسول اللّه -ﷺ- أن يجلس الرجل بين الضح والظل الحديث. وفي حديث آخر (^١) إذا كان أحدكم في الفيء فقلص عنه فصار بعضه في الشمس فليقم فإنه مجلس الشيطان. يروى هذا الحديث مرفوعا وروي موقوفا على أبي هريرة. وأضاف المجلس إلي الشيطان لأنه الباعث عليه. الضح بفتح الضاد المعجمة وبالحاء المهملة هو ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض، وقال ابن الأعرابي هو لون الشمس، اهـ. قاله الحافظ، ومعنى الحديث أن يكون نصفه في الشمس ونصفه في الظل، قاله في النهاية.\n\n٤٦٦٢ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللّه -ﷺ- قال: إذا كان أحدكم في الفيء، وفي رواية: في الشمس، فقلص عنه الظل، فصار بعضه في الشمس، وبعضه في الظل فليقم. رواه أبو داود (^٢)، وتابعيه مجهول، والحاكم (^٣) وقال:\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه.\n(^٢) سنن أبي داود (٤٨٢١) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٣٥) أحمد (٨٩٧٦) الحميدي (١١٧٢)، والفاكهي في أخبار مكة (٦٦٦)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ١١٩) ورواه أبو داود في سننه وتابعيه مجهول.\n(^٣) المستدرك للحاكم (٤/ ٣٠٢) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"12","page":290},{"text":"صحيح الإسناد، ولفظه: نهى رسول اللّه -ﷺ- أن يجلس الرجل بين الظل والشمس.\nقوله: وعن أبي هريرة الدوسي والدوسي هو أبو هريرة المشهور وليس في الصحابة أبو هريرة إلا شخص واحد، قاله الكرماني. قوله -ﷺ- إذا كان أحدكم في الفيء وفي رواية: في الشمس تقلص عنه الظل فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم، وأصل الفيء الرجوع ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال فيء لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق، ومعنى قلص ارتفع، يقال قلص الشيء يقلص قلوصا يعني ارتفع.\n\n٤٦٦٢ - وعن أبي هريرة أيضا -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن لكل شيء سيدا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة. رواه الطبراني (^١) بإسناد حسن.\nقوله: وعن أبي هريرة أيضا تقدم. قوله -ﷺ-: إن لكل شيء سيدا وإن سيد المجالس قبالة القبلة، الحديث أى مقدمها وأشرفها لأن القبلة أشرف موضع وحديث ابن عمر وابن عباس اللذين بعده هما بمعناه.\n\n٤٦٦٣ - وروي عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللّه -﵁-: أكرم المجالس ما استقبل به القبلة. رواه الطبراني في الأوسط (^٢).\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٢٣٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٥٩): رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٤٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٨٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٣٦١)، أبو يعلى الموصلي إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ١٠٠)، وللخرائطي مكارم الأخلاق (٧٤٩)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧٦)، وقال =","vol":"12","page":291},{"text":"٤٦٦٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- إِن لكل شَيْء شرفا وَإِن أشرف الْمجَالِس مَا اسْتقْبل بهِ الْقبْلَة رَوَاهُ الطَّبَرانِيّ وَفِيه أَحَادِيث غير هَذِه لا تسلم من مقَال (^١).\n_________\n=\nالهيثمي في المجمع (٨/ ٥٩)، والسخاوي في المقاصد (١/ ١٤٢): فيه حمزة بن أبي حمزة متروك. وانظر التقريب (١٥١٩). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٢٤)، وقال في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٠٣): ضعيف جدًا.\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٨٩ رقم ١٠٧٨١) وفى الشاميين (١٤٣٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠). وصححه الحاكم وقال الذهبى: فيه هشام بن زياد، وهو متروك، ومحمد بن معاوية كذبه الدارقطني فبطل الحديث. وضعفه الألبانى في الضعيفة (٢٧٨٦).","vol":"12","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>الترهيب من سفر الرجل وحده أو مع آخر فقط وما جاء في خير الأصحاب</span>\n٤٦٩٧ - عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده. رواه البخاري (^١) والترمذي (^٢) وابن خزيمة في صحيحه (^٣).\nقوله: عن ابن عمر تقدم. قوله -ﷺ-: لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده، الحديث. ما في الوحدة [أي] من الشر والمعنى في ذلك أن التفرد من فعل الشيطان [إذ الشيطان] (^٤) يهمّ بالواحد أي يعزم عليه وبالاثنين دون الثالث، ثم المنفرد في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله ودفنه وتجهيزه ولا عنده من يوصي إليه ويحمل تركته إلى أهله ولا يكون له من يعينه في الحمولة فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا وتناوبوا في الحراسة وغيرها، وأحرزوا فضيلة الصلاة في الجماعة.\nوذكر في الإحياء أن الجماعة ينبغي أن لا ينقصوا عن أربعة ولا يزيدوا عليها، أما الثلاثة فقد مرّ ذكرها وأما الرابع فإنهم يحتاجون إلى من يحتطب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٩٩٨).\n(^٢) سنن الترمذي (١٦٧٣).\n(^٣) صحيح ابن خزيمة (٢٥٦٩).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":293},{"text":"ويمضي إلى البلدة لابتغاء مقاصد السفر وفيما زاد عن الأربعة يفضي الحال إلى التشاحن والتنافس واللّه أعلم.\n\n٤٦٩٨ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: لعن رسول اللّه -ﷺ- مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال، وراكب الفلاة وحده. رواه أحمد (^١) من رواية الطيب بن محمد، وبقية رواته رواة الصحيح.\nقوله: وعن أبي هريرة تقدم. قوله: لعن رسول اللّه -ﷺ- مخنث الرجال. الحديث المخنث هو من فيه التثني والتكسر كما يفعله النساء لا الذي يأتي الفاحشة الكبرى، وقد مرّ ذلك. قوله في آخر الحديث وراكب الفلاة وحده.\nقال بعضهم: التفرد والذهاب في الأرض وحده من فعال الشيطان، أو هو شيء يحمله عليه الشيطان. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في رجل سافر وحده: أرأيتم إن مات من أسأل عنه وقد جاء في الخبر عن النبي -ﷺ- أنه نهى أن ينام الرجل في بيت وحده أو يسافر وحده.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٨٥٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٦٣ البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٢)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٣٢، والبيهقي في الشعب (٤٧٢٨)، والخطيب في تاريخه ٤/ ٣٢٧.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٥١)، (٨/ ١٠٣): رواه أحمد، وفيه الطيب بن محمد؛ وثقه ابن حبان، وضعفه العقيلي، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١١١٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٢٥٨).","vol":"12","page":294},{"text":"وروى سعيد بن المسيب (^١) عن النبي -ﷺ- أنه قال: الشيطان يهمّ بالواحد وبالاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم قال [الفقيه] هذا نهي -عبارة غير واضحة- وليس [بنهي تحريم لأن] الواحد ربما يستقبله العدو فلو كانوا جماعة فإنهم يتعاهدون فأما إذا كان يأمن على نفسه فلا يأمن لأن النبي -ﷺ- بعث دحية الكلبي إلى قيصر ملك الروم وحده ويقال الاجتماع قوة والافتراق هلكة.\nوذكر في قول اللّه تعالى في قصة موسى -﵇- حكاية عن السحرة ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ (^٢)، فأمرهم [-ﷺ- بالاجتماع] وقال بعض أهل التفسير اتفقوا فتغلبوا ولا تختلفوا فتخيبوا، ويقال رأي الواحد كالسلك السحيل ورأي الاثنين كخيطين مبرمين ورأي الثلاثة حبال لا تنقطع، اهـ قاله أبو الليث السمرقندي.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٧٨/ ٣٦)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٥/ ٢٥٧، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٨)، والاستذكار (٨/ ٥٢٩)، وقال في التمهيد: لم يختلف الرواة للموطأ في إرسال هذا الحديث وقد رواه ابن أبي الزناد مسندا عن أبي هريرة وهذا أخرجه البزار (٧٨٣٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٨).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١٥) رواه البزار، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ضعيف، وقد وثق، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٨٢)، وفي السلسلة الضعيفة (٣٧٦٧). وانظر: الدارقطني في العلل (١٧١٤)، والمقاصد الحسنة (ص: ٢٨٣).\n(^٢) سورة طه، الآية: ٦٤.","vol":"12","page":295},{"text":"تنبيه: قال الطبري (^١): نهيه -ﷺ- عن سفر الرجل وحده والاثنين نهي أدب وإرشاد لما يخشى على فاعل ذلك من الوحشة بالوحدة، وذلك نظير نهيه عن الأكل من وسط الطعام وعن الشراب من فيّ الشقاء والنهي عن المبيت [على السطح غير المحجر، وكل ذلك تأديب لأمته -ﷺ-، وتعريفا لهم منه ما فيه خطرهم وصلاحهم لا شريعة ودين خير جرت بتضييعه وترك العمل به، فالعامل يحتاط لنفسه من مكروه يلحقه إن ضيعه، وذلك أن السائر في البلاد وحده، والنائم في بيت وحده إذا كان ذا قلب ضعيف وفكر رديء لم يؤمن أن يكون ذلك سببا لفساد عقله، والنائم على سطح غير محجور عليه غير مأمون الخوار ما خفي استكانه من النوام القاتلة في السقاء، فيهلك أيضا، وكذلك المسافر مع آخر قد يخشى من غائلته ولا يأمن مكره، فإذا كانوا ثلاثة أمن ذلك في الأغلب، وهذا وما أشبهه من تأديبه ﵊ لأمته. وأما من كان الغالب عليه الشجاعة والقوة ولم يكن إن شاء اللّه تعالى حرجا ولا آثما في سفره، ومن كان الغالب عليه الهلع وفي نفسه الخور خشيت عليه من سفره وحده الإثم والحرج، انتهى. واللّه تعالى أعلم. قوله: \" ... \".\n\n٤٦٩٩ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قدم من سفر، فقال له رسول اللّه -ﷺ-: من صحبت؟ قال: ما صحبت أحدا، فقال رسول اللّه -ﷺ-: الراكب شيطان (٥)، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب (٦). رواه\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥/ ٥٥).","vol":"12","page":296},{"text":"الحاكم (^١) وصححه، وروى المرفوع منه مالك (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤) وحسنه والنسائي (^٥)، وابن خزيمة في صحيحه (^٦)، وبوب عليه باب النهي عن سير الاثنين، والدليل على أن ما دون الثلاثة من المسافرين عصاة إذ النبي -ﷺ- قد أعلم أن الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، ويشبه أن يكون معنى قوله شيطان: أي عاص كقوله: شياطين الإنس والجن معناه عصاة الإنس والجن انتهى.\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ١٠٢) وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n(^٢) أخرجه مالك (٢/ ٩٧٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ١٨٦ و٢١٤)، والطوسي في مختصر الأحكام (١٤١٩)، والبيهقي في الآداب (٩٤٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٦)، والخطيب في التاريخ (٥/ ٣٨٣)، والبغوي في شرح السنة (٢٦٧٥) وابن الجوزي في التلبيس (ص ٣٣٥).\n(^٣) أبو داود (٢٦٠٧).\n(^٤) الترمذي (١٦٧٤)، وقال: حديث حسن.\n(^٥) النسائي في الكبرى (٨٨٤٩)، وأخرجه البيهقي في الكبرى (٥/ ٢٥٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٦)، والاستذكار (٨/ ٥٢٩)، والخطيب البغدادي في تاريخه (٥/ ٣٨٣)، والبغوىِ في شرح السنة (٥/ ٣٢٠)، وقال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٥٣): حديث صحيح الإسناد.، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٣/ ٤١): رواه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح، والحاكم وصححه وعنه البيهقي في الكبرى، وروى المرفوع منه مالك، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي بأسانيد صحيحة وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه الحاكم وصححه وقال النووي في رياض الصالحين (ص: ٣٠٥): قال الترمذي: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٢٤)، وحسنه في الصحيحة (٦٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٠٨).\n(^٦) ابن خزيمة (٢٥٧٠).","vol":"12","page":297},{"text":"قوله: \"عن عمرو بن شعيب\"، تقدم الكلام عليه رحمه اللّه تعالى قريبا، واللّه تعالى أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"الراكب شيطان ... \"، قال الخطابي (^١) رحمه اللّه تعالى: معناه واللّه تعالى أعلم أن التفرد والذهاب في الأرض وهذه من فعل الشيطان أو هو شيطان أي يحكم عليه الشيطان، فقيل: على هذا أن فاعله شيطان. واسم الشيطان عند أكثرهم من الشطون وهو البعد الخير إلا عند أبي زيد البلخي، قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وبوّب عليه ابن خزيمة رحمة اللّه تعالى عليه: باب النهي عن سير الاثنين، وقال في آخره: ويشبه أن يكون معنى قوله -ﷺ-: شيطان، أي عاص لقوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (^٢)، معناه عصاة الإنس والجن، انتهى.\n\n٤٧٠٠ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللّه -ﷺ- قال: الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب. رواه الحاكم (^٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم.\nقوله: \"عن أبى هريرة\"، تقدم الكلام عليه رضي اللّه تعالى عنه. قوله -ﷺ-: \"الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب\"، الحديث يعني أن\n_________\n(^١) معالم السنن (٣/ ٨٠).\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١١٢.\n(^٣) أخرجه الحاكم (٢/ ١٠٢) وقال: صحيح على شرط مسلم ورواه تمام في الفوائد (٩٥٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧١٤٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٠٩).","vol":"12","page":298},{"text":"الانفراد والذهاب في الأرض على سبيل الوحدة من فعل الشيطان أو شيء يحمله على الشيطان، وكذلك الراكبان، وهو حث على اجتماع الرفقة في السفر. قال علماء السادة الصوفية رضي اللّه تعالى عنهم: هذا في سفر آحاد الناس عامة، أما سفر الأولياء والصالحين والفقراء المجردين الصادقين والصديقين ممن تجمعهم راية الاصطفاء فرادى فذلك في حقهم غير منهي عنه هل هو مندوب لهم لما يجدون في الانفراد من الصفاء والأنس باللّه ﷿، وقوة اليقين والقرب منه تعالى وحصول التمكين عند البعد من الخلائق أجمعين، فهذا في حقهم غير منه عنه، واللّه تعالى أعلم.\nفائدة: قال أبو الفرج بن الجوزي رحمة الله تعالى عليه في كتابه تلبيس إبليس (^١): قد لبَّس إبليس على خلق كثير من الصوفية فأوهمهم أن التوكل ترك الزاد، وهذا القول فاسد، وحمقى القصاص يحكون ذلك عنهم على سبيل المدح لهم به فتضمن ذلك تحريض المبتدئين على مثل ذلك وبأفعال أولئك ومدح هؤلاء فسدت الأحوال، وخفيت على العوام الصوفية والإخبار عنهم بذلك كثيرة، قال أبو نعيم الأصبهاني (^٢): سمعت محمد بن الحسن بن علي القبيطي يقول: حضرت أبا عبد اللّه بن الجلاء، وقيل له: هؤلاء القوم يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة يزعمون أنهم متوكلة فيموتون. فقال هذا فعل رجال الحق، فإن ماتوا فالدية على القاتل. قال المصنف: قلت هذه فتوى\n_________\n(^١) تلبيس إبليس (١/ ٣٦٥).\n(^٢) طبقات الصوفية (١/ ١٤٦)، وتاريخ مدينة دمشق (٦/ ٩٠)، وتلبيس إبليس (١/ ٣٦٦).","vol":"12","page":299},{"text":"جاهل بالشرع إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز دخول البادية بغير زاد، وأن من فعل ذلك فمات بالجوع فإنه عاص للّه ﷾ مستحق لدخول النار، وكذلك إذا تعرض بما غالبه العطب فإن اللّه ﷿ جعل النفوس وديعة عندنا. وقال ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (^١)، ولو لم يكن للمسافر ولو لم يكن للمسافر زاد إلا أنه خالف أمر اللّه ﷿ وتعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ (^٢)، وقد اعتذر لهم أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى، فقال: \"يجوز دخول المفازة بغير زاد بشرطين: أحدهما أن يكون الإنسان قد راض نفسه بحيث يمكنه الصبر عن الطعام، أسبوعا ونحوه والثاني أن يمكنه التقوت بالحشيش ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدمي بعد الأسبوع أو تنتهي إلى حله أو حشيش يرجى فيه قوته. قلت: أقبح ما في هذا القول أنه صدر من فقيه فإنه قد لا يلقى أحدا وقد يضل ويقد يمرض فلا يصلح له الحشيش، وقد يلقى من لا يطعمة ويتعرض لمن لا يضيفه وتفوته الجماعة قطعا، وقد يموت فلا ينتبه أحد. قال: أحمد بن الحسين بن حسان أن أبا عبد اللّه أحمد بن حنبل رحمه اللّه تعالى سئل عن الرجل يدخل المفازة بغير زاد فأنكره إنكارا شديدا، وقال: أفّ أفّ لا لا، ومدّ بها صوته إلا بزاد ورفقاء وقافلة، انتهى (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٢٩.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(^٣) الحث على التجارة والصناعة (١/ ٩٠)، وتلبيس إبليس (١/ ٣٦٨).","vol":"12","page":300},{"text":"٤٧٠١ - وعن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة. رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٦١١)، والحاكم (١/ ٦١١، ٢/ ١١٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٧٨)، لكنه عدل عن القول بصحة الحديث لأسباب ذكرها في السلسلة الصحيحة (٩٨٦). انظر: التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٧/ ١٠٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨١٤).\n(^٢) الترمذي (١٥٥٥)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٩٤)، وعبد بن حميد (٦٥٢)، وأبو داود (٢٦١١)، والدارمي (٢٤٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ١٥٧)، وقال أبو داود: والصحيح أنه مرسل. وقال البيهقي: تفرد به جرير بن حازم موصلا ورواه عثمان بن عمر عن يونس عن عقيل عن الزهري عن النبي -ﷺ- منقطعا قال أبو داود أسنده جرير بن حازم وهو خطأ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روى هذا الحديث عن الزهرى، عن النبى -ﷺ- مرسلا. وقد رواه حبان بن علي العنزي، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-، ورواه الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي -ﷺ-، مرسلا. ورواية حبان علي العنزي أخرجها أبو يعلى (٢٧١٤)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٢٧) والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٣٩)، ورواه القضاعي (١٢٣٧) عن مندل وحبان معا به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٨): رواه أبو يعلى وفيه حبان بن على وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات.\nقال ابن عدي: وهذا عن الزهري عن عبيد اللّه عن بن عباس يرويه عقيل ويونس عن عقيل حبان بن علي وعن يونس جرير بن حازم. قال أبو حاتم في العلل (١/ ٣٤٧): المرسل أشبه لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي -ﷺ- ...). قال النووى في الرياض (١/ ٣٠٦): قال الترمذى: حديث حسن.","vol":"12","page":301},{"text":"وابن خزيمة (^١)، وابن حبان في صحيحهما (^٢)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ولا يسنده كبير أحد، وذكر أنه روي عن الزهري مرسلا (^٣).\nقوله: \" ... \"، تقدم الكلام عليه رضي اللّه تعالى عنه وعن أبيه. قوله -ﷺ-: \" ... \"، الصحابة بمعنى الصحبة. قوله -ﷺ-: \" ... \"، السرايا جمع السرية وهي التي تسري بالليل. قوله صلى اللّه عليه وسلك: \" ... \"، الجيوش جمع جيش، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة، زاد أبو يعلى الموصلي (^٤): \"إذا صبروا وصدقوا. زاد العسكري: وخير الطلائع أربعون.\n_________\n(^١) ابن خزيمة (٢٥٣٨).\n(^٢) ابن حبان (٤٧١٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود في المراسيل (٣١٣) و(٣١٤)، وسعيد بن منصور (٢٣٨٧)، وعبد الرزاق (٩٦٩٩)، وقال أبو داود: قد أسند هذا، ولا يصح، أسنده جرير بن حازم، وهو خطأ.\n(^٤) أبو يعلى (٢٥٨٧).","vol":"12","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-458>ترهيب المرأة أن تسافر وحدها بغير محرم</span>\n٤٧٠٢ - عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو ابنها، أو ذو محرم منها. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤) وابن ماجه (^٥).\n\n٤٧٠٣ - وفي رواية للبخاري (^٦) ومسلم (^٧): لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها.\nقوله: \"عن أبي سعيد\"، هو الخدري تقدم الكلام عليه -﵁-. قوله -ﷺ-: \" ... \"، الحديث، جاء في رواية ثلاثة أيام، وفي رواية: ثلاثة ليال، وفي رواية: يومين، وفي رواية: يوما، وفي رواية: ليلة، وفي رواية: بريدا، وهذه الأحاديث كلها ليس فيها تناقض ولا تعارض بل الأقل داخل في محكم الأكثر وأفراد فرد لا تخصيص، والجمع بين الكل أن يقال يختلف ذلك باختلاف\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٠٨٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٢٣) (١٣٤٠).\n(^٣) سنن أبي داود (١٧٢٦).\n(^٤) سنن الترمذي (١١٦٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٥) سنن ابن ماجه (٢٨٩٨).\n(^٦) صحيح البخاري (١١٩٧).\n(^٧) صحيح مسلم (٤١٥) (٨٢٧).","vol":"12","page":303},{"text":"الأحوال. قال النووي (^١): قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين أو اختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد.\nقال البيهقي رحمه اللّه تعالى (^٢): لأنه -ﷺ- سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم فقال: لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال: لا. وسئل عن سفرها يوما، فقال: لا. وكذلك البريد فقال لا، فأدّى كل منهم ما سمعه وما جاء منهما مختلفا عن راو واحد فسمع في مواطن فروى تارة هذا وتارة هذا، وكله صحيح وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر. ولم يرد -ﷺ- تحديد أقل ما يسمى سفرا، فالحاصل أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو بريدا أو غير ذلك لرواية ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما المطلقة وهي إحدى رواية مسلم: لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم. وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا.\nقال بعضهم: إنما سمي السفر سفرا] (^٣) [شرح لقوله -ﷺ- لا يحل لامرأة الحديث:] (^٤) لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، والحديث خاص بالنساء عام في الأسفار فيستدل به على أنه لا يجب الحج على المرأة إلا إذا\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ١٠٣).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ١٠٣)، ومواهب الجليل (٢/ ٥٢٥).\n(^٣) هذا اللوح مثبت من النسخة الهندية، وسقط من الأصل.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":304},{"text":"وجدت من يخرج معها من عبد أو زوج أو محرم. قال أصحابنا: أو نسوة ثقات، ولا بد من ثلاث نسوة غيرها لأنها إذا خرجت مع المرأتين أدى ذلك إلى الانفراد في أثناء الطريق عن بعضهن للحاجة فإذا كن أربعا ذهبت امرأتان وبقي امرأتان، ولا يلزمها أجرة النسوة ليخرجن معها ويلزمها أجرة المحرم والزوج إذا لم يخرج إلا بها، والفرق أن مؤنة النسوة تعظم بخلاف المحرم ولو لم تجد إلا امرأة واحدة جاز لها الخروج معها إلى فرض الحج ولا يجب ذلك وفي جواز سفر النسوة الخلص إلى ما سوى فرض الحج والعمرة وجهان أصحهما يحرم، والحديث يدل بعمومه على شمول الحكم للشابة والكبيرة غير المشتهاة.\nقال بعض المالكية: هذا عندي في الشابة فأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت، وخالفه بعض المتأخرين من الشافعية من حيث أن المرأة مظنة الطمع ومظنة الشهوة وإن كانت كبيرة والذي قاله المالكية تخصيص للعموم بالمعنى.\nقال الشيخ تقي الدين: وقد اختار هذا الشافعي أن المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة، وهذا مخالف لظاهر الحديث.\nقال: والمحرم عام في محرم النسب كأبيها وأخيها وابن أختها وخالها وعمها ومحرم الرضاع ومحرم المصاهرة كابن زوجها، واستثنى بعضهم ابن زوجها. قال: يكره سفرها معه لغلبة الفساد في الناس بعد العصر الأول وأن","vol":"12","page":305},{"text":"كثيرا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة محارم النسب، والمرأة فتنة إلا فيما جبل اللّه النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب وعبد المرأة يكون محرما لها لقوله تعالى ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^١)، وهذا بشرط كونه ثقة مأمونا، فإن كان فاسقا فغير محرم.\nفائدة: واعلم أن حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها والخلوة بها والمسافرة بها كل من حرم عليه نكاحها [عليه] على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فقولنا على التأبيد احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنهما يحرمان على التأبيد وليس محرمين لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة لكنه ليس [بفعل] مكلف واحتراز أيضًا من أخت الزوجة وعمة المرأة وخالتها، وقولنا لحرمتها احتراز من الملاعنة فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح وليس محرما لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظا، اهـ. ذكره ابن العماد في شرح العمدة.\n\n٤٧٠٤ - وعن ابن عمر -﵄- أن رسول اللّه -ﷺ- قال: لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر ثلاثا إلا ومعها ذو محرم منها. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٣.\n(^٢) صحيح البخاري (١٠٨٦ - ١٠٨٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٤١٤) (١٣٣٨).\n(^٤) سنن أبي داود (١٧٢٧).","vol":"12","page":306},{"text":"قوله: وعن ابن عمر تقدم. قوله: لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر الحديث. وقوله في الرواية الأخرى مع ذي محرم منها، ذو المحرم من لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجري مجراهم، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في الحديث قبله.\n\n٤٧٠٥ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: لا يحل لامرأة تؤمن اللّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها وفي رواية: مسيرة يوم، وفي أخرى: مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها. رواه مالك (^١) والبخاري (^٢) ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤) والترمذي (^٥) وابن ماجه (^٦) وابن خزيمة في صحيحه (^٧). وفي رواية لأبي داود (^٨) وابن خزيمة (^٩): أن تسافر تسافر بريدا.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ-: لا يحل لامرأة تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها الحديث يحتج بهذا الحديث من لا يوجب\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩٧٩/ ٣٧).\n(^٢) صحيح البخاري (١٠٨٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٤٢٢) (١٣٣٩).\n(^٤) سنن أبي داود (١٧٢٣).\n(^٥) سنن الترمذي (١١٧٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٦) سنن ابن ماجه (٢٨٩٩).\n(^٧) صحيح ابن خزيمة (٢٥٢٣ - ٢٥٢٤، ٢٥٢٥).\n(^٨) سنن أبي داود (١٧٢٥).\n(^٩) صحيح ابن خزيمة (٢٥٢٦).","vol":"12","page":307},{"text":"الحج على المرأة إلا عند وجود المحرم أو الزوج وإليه صار بعض الشافعية، والمشهور من مذهبه [أنه] يجب عليها أن تحج مع نسوة ثقات. وقال بعض أصحابه: يجب عليها أن تحج مهما أمنت على نفسها وإن لم يكن معها نسوة، ويتمسك هذا القائل بعموم قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ (^١) الآية، فإنه يعم الرجل والمرأة، لكنه معارض بقوله -ﷺ- لا تسافر المرأة إلا ومعها حرمة، فإنه يعم الحج وغيره من الأسفار. والظاهرية أوجبوا عليها الحج مع غير محرم محتجين بقوله -ﷺ- (^٢) لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه وهذا ضعيف، ضعيف، فإن غايته تمسك بعموم فيعارض بالعموم الاخر واللّه أعلم، ذكره ابن عقيل في شرح الأحكام.\nوقوله: وفي رواية مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها، الحديث، يحتمل أن يريد محرما لها وأن يريد لها أوله أيضًا، والحديث مخصوص بالزوج فإنه لو كان معها زوجها [لكان] كالمحرم، وأولى بالجواز، والمحرم هم الأقارب، ويقع على كلّ من يجمع بينك وبينه نسب ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء يقال ذو رحم ومحرم وهو من لا يحل نكاحه كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة، قاله ابن الأثير (^٣)، ففيه دلالة لمذهب لمذهب الشافعي، والجمهور أن جميع المحارم سواء في ذلك، ويجوز لها\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.\n(^٢) صحيح البخاري (٩٠٠)، وصحيح مسلم (١٣٦) (٤٤٢) عن ابن عمر.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢١٠).","vol":"12","page":308},{"text":"المسافرة مع محرمها بالنسب ومع محرمها بالرضاع [كأخيها] من الرضاع وابن أختها منه [ونحوهم] ومع محرمها من المصاهرة وكذا يجوز لكل هؤلاء الخلوة بها والثظر إليها من غير حاجة، ولكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم، هذا مذهب الشافعي والجمهور.\nوتقدم الكلام عليه مبسوطًا. قوله -ﷺ- في رواية أبي داود وابن خزيمة: لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر بريدا، الحديث. والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام، وقيل الميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا والإصبع ست شعيرات بطون بعضها إلى ظهر بعض والشعيرة ست شعرات من شعر ذنب البرذون واللّه أعلم.\n[فائدة] يختم بها الباب في الجمع في السفر جمع النبي -ﷺ- بين المغرب والعشاء يجمع، وفيه حديث [ورد] (^١) ففيه دلالة على استحباب تأخير المغرب إلى العشاء ليصليها جميعا بالمزدلفة وعلى استحباب المبادة بصلاة المغرب والعشاء أول قدومه المزدلفة ويجوز [تأخيرهما] إلى قبل طلوع الفجر ومذهب الشافعي أنه إذا جمع جمع تقديم لم يجز إلا بشروط ثلاثة تقديم الأولى على الثانية والموالاة بأن لا يطول بينهما فصل ولا يضر الفصل بالإقامة ولا بالتيمم على الصحيح.\nوالشرط الثالث: نية الجمع وإذا جمع جمع تأخير لم يجب الترتيب بينهما\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":309},{"text":"بل له تقديم الظهر على العصر وعكسه، وكذلك يجوز له التفريق بينهما لأنه جاء في بعض الروايات أنه -ﷺ- فصل بين هاتين الصلاتين بحط الرحال، والمفهموم من قوله ولم يسبح بينهما أنه يسبح بعدهما وإلا لم يكن للتقييد بالبينيّة معني، ومذهبنا استحباب السنن الراتبة أن يفعلها بعدهما لا بينهما ويفعل سنة الظهر التي قبلها قبل الصلاتين وللجمع شروط آخر مذكورة في كتب الفقه فمن أراد ذلك فليطالع مظانها، واللّه تعالى أعلم بالصواب.","vol":"12","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>الترغيب في ذكر اللّه تعالى لمن ركب دابة</span>\n٤٧٠٦ - عن أبي لاس الخزاعي -﵁- قال: حملنا رسول اللّه -ﷺ- على إبل من إبل الصدقة بلح، فقلنا: يا رسول اللّه ما نرى أن تحملنا هذه؟ فقال: ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم اللّه ﷿ إذا ركبتموها كما أمركم اللّه، ثم ض امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل اللّه ﷿. رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢) وابن خزيمة في صحيحه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٩٣٨، ١٧٩٣٩)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٩٧)، وابن ابي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٢٨)، وابن مَعين - رواية الدوري - (٢١٦)، والدولابي في الكنى والأسماء (٣١١)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٦٤٣٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٣٠٢)، والحاكم (١/ ٤٤٤)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٥٢)، في الآداب (٦٤١)، والمزي في التهذيب (٣٤/ ٣٩٨)، وذكره البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢٤٠٧).\nوقال: رواه أبوبكر بن أبي شيبة واللفظ له، وأبويعلي، والبخاري (حدّث به) تعليقًا، والحاكم، وعنه البيهقي بسند ضعيف، لتدليس محمد بن إسحاق. وله شاهد من حديث ابن مسعود، رواه البيهقي في الكبرى. وقال ابن حجر في تغليق التعليق (٣/ ٢٥): وإنما لم يجزم به -يعني البخاري- لعنعنة ابن إسحاق واللّه أعلم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣١) رواه أحمد، والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق، وقد صرح بالسماع في إحداهما. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٩٩)، والصحيحة (٢٢٧١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١١٣).\n(^٢) الطبراني في معجمه الكبير (٢٢/ ٣٣٤/ ٨٣٧).\n(^٣) ابن خزيمة (٢٣٧٧ و٢٥٤٣).","vol":"12","page":311},{"text":"[قوله: بلح] هو بضم الموحّدة وتشديد اللام بعدها حاء مهملة، ومعناه أنها قد أعيت وعجزت عن السير. يقال: بلح الرجل بتخفيف اللام وتشديدها: إذا أعيا، فلم يقدر أن يتحرك، واسم أبي لاس بالسين المهملة عبد اللّه بن غنمة، وقيل: زياد له حديثان عن النبي -ﷺ- أحدهما هذا.\nقوله عن أبي لاس الخزاعي، واسم أبي لاس بالسين المهملة عبد اللّه بن غنيمة وقيل زياد، [و] له حديثان عن النبي -ﷺ- أحدهما هذا، قاله الحافظ.\nقوله حملنا رسول اللّه -ﷺ- على إبل من إبل الصدقة بلح الحديث. قد ضبطه الحافظ وفسره ومعناه أنا أقد، (^١) أعيت وعجزت عن السير تقول بلح الرجل بتخفيف اللام وتشديدها إذا أعيي فلم يقدر أن يتحرك اهـ. قوله فقلت يا رسول اللّه ما نرى أن تحملنا هذه أي ما نظن. قوله: ما من بعير إلا في ذروته شيطان، والذروة أعلى سنام البعير وذروة كلّ شيء أعلاه، ومنه الحديث على ذروة كلّ بعير شيطان، قاله في النهاية. (^٢)\n\n٤٧٠٧ - وعن محمد بن حمزة عن عمرو الأسلمي أنه سمع أباه يقول: سمعتُ رسول اللّه -ﷺ- يقول: على كلّ بعير شيطان، فإذا ركبتموها، فسموا اللّه ﷿، ولا تقصروا عن حاجاتكم رواه أحمد (^٣) والطبراني (^٤) وإسنادهما جيد.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٥٩).\n(^٣) أحمد (١٦٠٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣١): رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح غير محمد بن حمزة، وهو ثقة.\n(^٤) الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ١٦٠/ ٢٩٩٤)، وفي الأوسط (١٩٢٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧٢٣)، والدارمي (٢٧٠٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٢٦٥)، وابن خزيمة =","vol":"12","page":312},{"text":"قوله وعن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي روى عن أبيه وعنه أسامة بن زيد وكثير بن زيد قال ابن القطَّان: لا يعرف حاله وضعفه ابن حزم.\nقوله -ﷺ- على كلّ بعير شيطان معناه قال في البحر: إن معناه أن الإبل خلقت من الجن وإذا كانت من جنس الجن جاز كونها هي من مراكبها والشيطان من الجن قال تعالى ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (^١) فهما من جنس واحد ويجوز كون الخبر بمعنى العز والفخر والكبر والعجب لأنها من أجل أموال العرب ومن كثرت عنده لم يؤمن عليه الإعجاب والعجب سبب الكبر وهو صفة الشيطان فالمعنى على ظهر كلّ بعير سبب يتولد منه الكبر.\n\n٤٧٠٨ - وروي عن ابن عباس -﵄- أن رسول اللّه -ﷺ- أردفه على دابته فلما استوى عليها كبر رسول اللّه -ﷺ- ثلاثًا وحمد اللّه ثلاثًا، وسبح اللّه ثلاثًا، وهلل اللّه واحدة، ثم استلقى عليه فضحك، ثم أقبل عليه فقال: ما من امرئ يركب دابته، فصنع ما صنعت إلا أقبل اللّه ﷿ إليه، فضحك إليه. رواه أحمد (^٢).\nقوله وروي عن ابن عباس تقدم. قوله أن رسول اللّه -ﷺ- أردفه على دابته الحديث. يجوز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة ولا يجوز إذا لم تطقه\n_________\n= (٢٥٤٦)، وابن حبان (١٧٠٣ و٢٦٩٤)، والحاكم (١/ ٤٤٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٣١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١١٤).\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٥٠.\n(^٢) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨١٥).","vol":"12","page":313},{"text":"ففيه إباحة [ركوب] (^١) نفسين على دابة وهذا مما لا خلاف في جوازه إذا أطاقت الدابة ذلك، ويجوز ركوب ثلاثة على دابة وبذلك ترجم البخاري في صحيحه (^٢) وأسند عن ابن عباس (^٣).\nقال: لما قدم النبي -ﷺ- مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحد بين يديه وآخر خلفه، وأخرج مسلم في صحيحه (^٤) قال: حدّثنا إياس عن أبي قال لقد قدت بنبي اللّه -ﷺ- والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي -ﷺ- هذا قدامه وهذا خلفه، وإياس هو ابن سلمة بن الأكوع صاحب رسول اللّه -ﷺ-. وفيه أيضًا من الفقه إباحة الارتداف، وذلك من التواضع وأن الجليل من الرجال جميل به الارتداف وقد فعله الملوك والأشراف والأنفة منه تكبر وتجبر. [وقد] روي أن بعض الملوك المتكبرين أحوجه اللّه إلى الردفاة على من كان احتقره من ضعفاء المسلمين، اهـ.\nوفي الصحيحين (^٥): عن أسامة بن زيد أن النبي -ﷺ- أردفه حين دفع من عرفات إلى المزدلفة ثم أردف الفضل بن عباس من مزدلفة إلى منى وأنه -ﷺ- أردف معاذا على الرحل وأردفه على حمار يقال له عمير وأمر عبد الرحمن\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (ركوع)، ولعله خطأ.\n(^٢) صحيح البخاري (٧/ ١٦٩) باب الثلاثة على الدابة.\n(^٣) صحيح البخاري (٥٩٦٥).\n(^٤) صحيح مسلم (٦٠) (٢٤٢٣).\n(^٥) صحيح البخاري (١٥٤٤)، وصحيح مسلم (٢٦٦) (١٢٨٠).","vol":"12","page":314},{"text":"بن أبي بكر أن يعمر أخته عائشة من التنعيم (^١) فأردفها وراءه على راحلته وأردف -ﷺ- صفية أم المؤمنين وراءه حين تزوجها بخيبر وإذا أردف صاحب الدابة فهو أحق بصدرها ويكون الرديف وراءه إلا أن يرضى صاحبها بتقديمه لجلاله أو غير ذلك.\nوأفاد الحافظ ابن مندة (^٢): أن الذين أردفهم النبي -ﷺ- ثلاثة وثلاثون نفسا ولم يذكر فيهم عقبة بن عامر الجهني، ولم يذكر أحد من علماء الحديث والسير أن النبي -ﷺ- أردفه.\nقوله: فلما استوى عليها أي استقر على ظهرها خارجا إلى السفر الحديث. وفيه تنبيه على أن السفر الأعظم الذي بصدده الإنسان هو الرجوع إلى اللّه تعالى فهو أهمّ أن يهتم به ويشتغل بالاستعداد له قبل نزوله. [قوله:] كبر رسول اللّه -ﷺ- ثلاثًا وحمد اللّه تعالى ثلاثًا وسبح اللّه تعالى ثلاثًا الحديث. وفي آخره إلا أقبل اللّه تعالى إليه فضحك وضحك اللّه تعالى هو رضاه بفعل عبده ومحبته له.\nفرع: يستحب أن يقول عند ركوب الدابة ما رواه الحاكم (^٣)\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٥٦١)، وصحيح مسلم (١١١) (١٢١١).\n(^٢) انظر: كتابه: معرفة أسامي أرداف النبي -ﷺ-، وهو مطبوع.\n(^٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٩٩) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأخرجه الطيالسي (١٣٢)، وعبد الرزاق (١٩٤٨٥)، وأبو داود (٢٦٥٢) وأحمد (٧٥٣)، والبخاري في التاريخ الأوسط (١/ ٣٢٦). والترمذي (٣٤٤٦) والنسائي في الكبري، (٨٧٩٩)، (٨٨٠٠) وعبد بن حميد (٨٨ و٨٩). والبزار (٧٧٣ - البحر =","vol":"12","page":315},{"text":"والترمذي (^١) وصححه عن علي بن ربيعة قال شهدت علي بن أبي طالب أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم اللّه فلما استوى على ظهرها قال الحمد للّه ثلاث مرات ثم قال اللّه أكبر ثلاث مرات ثم قال سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك، فقيل يا أمير المؤمنين من أي شيء تضحك قال رأيتُ النبي -ﷺ- فعل كما فعلت فقلت يا رسول اللّه من أي شيء ضحكت قال إن ربك تعالى يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري، [هذا لفظ أبي داود].\nوفي الطبراني (^٢) أيضًا: عن أبي الدرداء أن النبي -ﷺ- قال: من قال إذا ركب دابة باسم اللّه الذي لا يضر مع اسمه شيء سبحانه [إنه] (^٣) ليس له سميّ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون والحمد\n_________\n= الزخار). وأبو يعلى (٥٨٦). وابن حبان (٢٦٩٧ و٢٦٩٨). الطبراني في الدعاء (٧٨٤)، (٧٨١)، (٧٨٢)، (٧٨٦)، (٧٨٧) والمحاملي في الدعاء (١٦ - ٢٠). وابن السني (٤٩٦). وابن عدي في الكامل (٥/ ١٢١). والدارقطني في العلل (٤/ ٦٢). والبيهقي في السنن (٥/ ٢٥٢). وفي الأسماء والصفات (٢/ ٢١٩). والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٢٤٠). والضياء في المختارة (٦٧٦ و٦٧٧). وغيرهم.\n(^١) الترمذي في السنن (٣٤٤٦) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الكلم الطيب (١٣٨) وصحيح الترمذي (٣/ ٤٢٠)، وصحيح سنن أبي داود (٢/ ١٢٣).\n(^٢) الدعاء للطبراني (٧٧٦) انظر: حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٤٧).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":316},{"text":"للّه رب العالمين وصلى اللّه على محمد وعليه السَّلام، قالت الدابة بارك اللّه عليك من مؤمن خففت عن ظهري وأطعت ربك وأحسنت إلى نفسك بارك اللّه لك في سفرك وأنجح حاجتك. وروى ابن أبي الدنيا (^١) عن محمد بن إدريس عن أبي النضر الدمشقي عن إسماعيل بن عيَّاش عن عمرو بن قيس الملائي أنه قال إذا ركب الرجل الدابة قالت اللهم اجعله بي رفيقا رحيما فإذا لعنها قالت أعصانا للّه لعنه اللّه.\nفرع أيضًا: يكره دوام الوقوف على الدابة لغير حاجة وترك النزول عنها للحاجة لما في سنن أبي داود (^٢) والبيهقي (^٣) من حديث أبي مريم عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن اللّه ﷿ إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم في الأرض فاقضوا عليها حاجاتكم الحديث. وفي حديث آخر (^٤) لا\n_________\n(^١) الصمت وآداب اللسان (٣٨٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٥٦٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٩١)، والصحيحة (٢٢).\n(^٣) أخرجه البيهقي في الشعب (١١٠٨٣)، وفي السنن (٥/ ٢٥٥) والحديث أخرجه الطبراني، في مسند الشاميين (٨٦٧)، والبغوي (٢٦٨٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٧/ ٢١٢، وقال المناوي في فيض القدير ٣/ ١٣٤ قال ابن القطَّان: ليس مثل هذا الحديث يصح لأن فيه أبا مريم مولى أبي هريرة ولا يعرف له حال ثم قيل هو رجل واحد وقبل رجلان وكيفما كان فحاله أو حالهما مجهولة فمثله لا يصح.\n(^٤) أخرجه أحمد (١٥٦٥٠)، وابن حبان (٥٦١٩)، والطبراني في معجمه الكبير (٢٠/ ١٩٣/ ٤٣١، ٤٣٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٤٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢٥٥، =","vol":"12","page":317},{"text":"تتخذوا الدواب كراسي لأحاديثكم في الطرقات فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا للّه منه. ويجوز الوقوف على ظهرها للحاجة ريثما تقضى لما روى مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والنسائي (^٣) عن أم الحصين الأحمسية قالت حججت مع رسول اللّه -ﷺ- حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي -ﷺ- والآخر رافع ثوبه من الحر، حتى رمى جمرة العقبة. وكذلك رواه أحمد (^٤) والحاكم وابن حبان في صحيحه (^٥).\nقال الشيخ عز الدين في الفتاوى الموصلية: النهي عن ركوب الدواب، وهي واقفة محمول على ما إذا كان لغير غرض صحيح، وأما الركوب الطويل في الأغراض الصحيحة، فتارة يكون مندوبًا، كالوقوف بعرفة، وتارة يكون واجبًا، كوقوف الصفوف في قتال المشركين، وقتال كلّ\n_________\n= وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٣١٣): أخرجه أحمد من حديث سهل بن معاذ بسند ضعيف ورواه الحاكم وصححه من رواية معاذ بن أنس عن أبيه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٠٧): رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، غير سهل بن معاذ بن أنس، وثقه ابن حبان وفيه ضعف.، وصححه الألباني في الصحيحة (٢١ و٢٢)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٢٧٠/ ١٦٨١).\n(^١) أخرجه مسلم (٣١١) (١٢٩٨).\n(^٢) سنن أبي داود (١٨٣٤).\n(^٣) النسائي في (٥/ ٢٦٩)، وفي الكبرى (٤٠٥٢).\n(^٤) أحمد (٢٧٢٥٩).\n(^٥) ابن حبان (٤٥٦٤).","vol":"12","page":318},{"text":"من يجب قتاله، وكذلك الحراسة في الجهاد، إذا خيف هجمة العدو، وهذا لا خلاف فيه (^١). اهـ.\nفرع أيضًا: أوصى بدابة حُمل على فرس وبغل وحمار لأنها في اللغة اسم لما دبّ على وجه الأرض ثم قصرها على العرف على ذوات الأربع والوصية تنزل على العرف وإذا ثبت عرف في بلد عم جميع البلاد، كما لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنثما، واللّه سماه دابة وكما لو احلف لا يأكل خبزا حنث بأكل خبز الأرز في طبرستان على الأصح هذا هو المنصوص (^٢). وقال ابن سريج (^٣). إنما ذكر الشافعي هذا، على عرف أهل مصر، في ركوبها جميعا، واستعمال لفظ الدابة فيها. أما حيث لا يستعمل إلا في الفرس كالعراق، فإنه لا يعطي سواها، وقيل: إن قاله بمصر لم يعط إلا حمارا؛ قاله في البحر ويدخل في لفظ الدابة الكبير والصغير، والذكر والأنثى والسليم والمعيب، وقال المتولي: إلا ما يمكن ركوبه. واللّه أعلم.\n\n٤٧٠٩ - وعن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: ما من راكب يخلو في مسيره باللّه وذكره إلا ردفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه إلا ردفه شيطان. رواه الطبراني (^٤) بإسناد حسن.\n_________\n(^١) حياة الحيوان (١/ ٤٥٢).\n(^٢) حياة الحيوان (١/ ٤٥٢).\n(^٣) انظر: حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٥٢).\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٣٢٤/ ٨٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣١): رواه الطبراني، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة =","vol":"12","page":319},{"text":"قوله وعن عقبة بن عامر تقدم. قوله -ﷺ- ما من راكب يخلو في سفره للّه تعالى وذكره إلا ردفه ملك ولا يخلو بشعر ونحوه إلا ردفه شيطان. وروى أبو القاسم الطبراني في كتاب الدعوات (^١) عن عطاء عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال إذا ركب [العبد] الدابة فلم يذكر اسم اللّه تعالى ردفه الشيطان فقال تغن فإن كان لا يحسن الغناء قال له تمنّه فلا يزال في أمنيته حتى ينزل.\n_________\n= (٦٦٨٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨١٦).\n(^١) الدعاء للطبراني (٧٨٨).","vol":"12","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>الترهيب من استصحاب الكلب والجرس في سفر وغيره</span>\n٤٧١٠ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والترمذي (^٣).\n\n٤٧١١ - وفي رواية لأبي داود (^٤): ولا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر. ذكرها في اللباس.\nقوله عن أبي هريرة تقدم. قوله -ﷺ- لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس، وفي رواية لأبي داود: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر، الحديث. الرفقة بضم الراء وكسرها الجماعة رافقتهم في السفر، وسبب كون الملائكة لا يصحبون رفقة فيها كلب أو جرس نجاسة الكلب وكون الجرس مفرق الملائكة، والجرس بفتح الجيم وفي الراء وجهان الفتح والسكون.\nوروي الحديث بالوجهين شبه ناقوس صفيرًا [وسطل] في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسًا على البعير فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فتحصل صلصلة والعامة تقول جرص بالصاد، اهـ. قاله الكرماني (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠٣) (٢١١٣).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٥٥٥).\n(^٣) سنن الترمذي (١٧٠٣)، وقال: وهذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) سنن أبي داود (٤١٣٠).\n(^٥) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٢٧).","vol":"12","page":321},{"text":"وقيل: إنما كرهه لأنه يدلّ على أصحابه بصوته، وكان ﵊ يحب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة. ففيه كراهة استصحاب الكلب والجرس في الأسفار وأن الملائكة لا تصحب رفقة فيها أحدهما، والمراد بالملائكة ملائكة الرحمة والاستغفار لا الحفظة والموكولون بقبض الأرواح وتقدم ذلك. وقيل سبب منافرة الملائكة له أنه شبيه بالنواقيس [أو] لأنه من المعاليق المنهي عنها.\nوقِيل: سبب كراهة صوتها ويؤيده في رواية مزامير الشيطان، وهذا الذي ذكرناه من كراهة الجرس على الإطلاق وهو مذهبنا ومذهب مالك وآخرين، وهي كراهة تنزيه. وقال جماعة من متقدمي علماء الشام: ويكره الجرس الكبير دون الصغير واللّه أعلم. وقوله لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر.\nقال ابن الصلاح في الفتاوى (^١): جلد النمر نجس كلّه قبل الدباغ سواء كان مذكى أم لا فيمتنع استعماله امتناع استعمال النجس العين، ومعنى هذا أنه يحرم استعماله قطعا فيما يجب فيه مجانبة النجاسة من صلاة وغيرها، وهل يحرم على الإطلاق؟ فيه وجهان وأما بعد دباغه فثفس الجلد طاهر والشعر الذي عليه نجس ولأجل أنه غالب ما يستعمل منه ورد الحديث بالنهي عنه مطلقا، وفي حديث آخر، وفي حديث آخر (^٢) لا تركبوا النمور وفي حديث\n_________\n(^١) فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٤٧٣).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٩٦).","vol":"12","page":322},{"text":"آخر (^١) أنه نهى عن جلود السباع أن تفرش، ولا شك أن النمر من السباع فهذه الأحاديث قوية معتمدة، والتأويل المتطرق إليها غير قوي، وإذا وجد الموفق مثل هذا عن رسول اللّه -ﷺ- في مثل هذا المضطرب [المطلب] فهو ضالته ومستروحه لا يرى عنه معدلا، اهـ، واللّه أعلم. والنمر بفتح النون وكسر الميم ويجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها كنظائرها، ضرب من السباع فيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه منقط الجلد [نقطا سوداء وهو] أخبث من الأسد لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يقتل نفسه.\nوفي [الطبراني (^٢) عن] عائشة أن النبي -ﷺ- قال أن موسى - ﵇ - قال يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك فقال الذي يسرع إليّ هواي أسرع من [السير] إلى هواه والذي يألف عبادي الصالحين كما يألف الصبي الناس والذي يغضب إذا انتهكت محارمي كغضب النمر لنفسه، كان النمر إذا غضب لا يبالي أقل الناس أم كثروا واللّه أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٧٠٦)، والدارمي (١٩٨٣)، وأبو داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧٠ م) و(١٧٧١)، والنسائي (٧/ ١٧٦) وابن الجارود (٨٧٥)، والحاكم (١/ ١٤٤)، وقال: صحيح الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٩٥٣).\n(^٢) المعجم الأوسط (١٨٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٦) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن عبد اللّه بن يحيى بن عروة وهو متروك.","vol":"12","page":323},{"text":"٤٧١٢ - وعنه -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: الجرس مزامير الشيطان. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والنسائي (^٣) وابن خزيمة في صحيحه (^٤).\nقوله وعنه أيضًا -﵁- تقدم. قوله -ﷺ- الجرس مزامير الشيطان تقدم معناه.\n\n٤٧١٣ - وعن أم سلمة -﵂- قالت: سمعتُ النبي -ﷺ- يقول: لا تدخل الملائكة بيتا فيه جرس، ولا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس. رواه أبو داود (^٥) والنسائي (^٦).\nقوله: وعن أم سلمةَ -﵂- بفتح اللام أم المؤمنين اسمها هند بنت أبي أمية على الأصح المخزومية هاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة ولدت له بها زينب ثم سلمة ويقال أن أم سلمة أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة فلما رجعا إلى المدينة مات أبو سلمة ومات أبو سلمة سنة أربع فتزوجها رسول\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠٤) (٢١١٤).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٥٥٦).\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (٨٧٦١).\n(^٤) صحيح ابن خزيمة (٢٥٥٤).\n(^٥) عزوه لأبي داود وهم.\n(^٦) أخرجه النسائي في المجتبى (٨/ ١٥٧)، وفي الكبرى (٨٨١٣)، (٩٥٥٦)، وخرجه البخاري في الكبير (٢/ ٢/ ٤)، وأبو يعلى (٦٩٤٥) وفي معجمه (٨٣)، والخرائطي في المساوئ (٨٥٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٨٩٨/ ٣٧٩)، (٢٣/ ٤٠٢/ ٩٦١)، وفي مسند الشاميين (١٧٨٥)، وأبو الشيخ في حديث أبي الزبير عن غير جابر (٥٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٣٥)، والخطيب في التاريخ (١٠/ ١١٠ - ١١١) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨١٨).","vol":"12","page":324},{"text":"اللّه -ﷺ-. قاله الكرماني (^١) وتقدم الكلام عليها مبسوطا.\nقوله -ﷺ- لا تدخل الملائكة بيتا فيه جرس ولا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس، الحديث. والجرس هو الذي يعلق في عنق الدواب وأصله الصوت الخفي.\nقال أبو الليث: قد [أجاز] العُلماء جرس الدواب إذا كان فيه منفعة والخبر إنما ورد في الذي هو للهو وأما إذا كان فيه منفعة ومصلحة فلا بأس به، اهـ. وحكي عن مالك قال: إنما ذلك إذا جعل للعير وأما إذا جعل للجمال والزينة فلا بأس به اهـ.\nفائدة: قال الحافظ ابن الصلاح في مناسكه في قوله -ﷺ- لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس: فإن وقع ذلك من جهة غيره ولم يستطع إزالته فليقل اللهم إني أبرأ إليك مما فعله هؤلاء فلا تحرمني ثمرة صحبة ملائكتك وبركتهم ومعونتهم أجمعين، اهـ.\n\n٤٧١٤ - وعن أم حبيبة -﵂- عن النبي -ﷺ- قال: لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس. رواه أبو داود (^٢) والنسائي (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، ولفظه:\n_________\n(^١) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (١/ ١٥١).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٥٥٤).\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (٨٧٦٠).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٤٧٠٠ - ٤٧٠٥)، وأخرجه عبد الرزاق (١٩٦٩٨)، وابن أبي شيبة في المُصَنِّف (٣٢٥٩١)، وأحمد (٢٦٧٧٧، ٢٧٤٠١، ٢٧٤٠٠، ٢٧٤٠١)، والدارمي =","vol":"12","page":325},{"text":"قال: إن العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة.\nقوله وعن أم حبيبة -﵂-. في بفتح الحاء المهملة أم المؤمنين اسمها رملة [أبفتح الراء] (^١) على الأصح بنت أبي سفيان صخر [الأموي] هاجرت مع زوجها عبيد اللّه بن جحش بتقديم الجيم على المهملة إلى الحبشة فتوفي عنها فتزوجها رسول اللّه -ﷺ- وهي هناك سنة ست من الهجرة وكان النجاشي أمهرها من عنده عن رسول اللّه -ﷺ- وبعثها إليه وكانت - ﵂ - من السابقات إلى الإسلام، توفيت سنة أربع وأربعين بالمدينة على الأصح، قاله الكرماني، وتقدم الكلام عليها مبسوطا.\nقوله -ﷺ- لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس بإسكان الراء، وفي البخاري: الجرَس والجرس واحد وهو الصوت الخفي وهذا صحيح، واختار ابن الأنباري الفتح إذا لم يتقدمه حس فإن تقدمه فالكسر، وقال: هذا\n_________\n= (٢٨٧٩) وإسحاق في مسنده (٢٠٦٦) (٢٠٦٧) (٢٠٦٩)، والبخاري في الكنى (ص ١٩)، وأبو يعلى (٧١٢٥)، (٧١٣٣)، (٧١٣٦)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٨٣٣)، والطبراني في المعجم الأوسط (٧٠٤٤)، وفي المعجم الكبير (٢٣/ ٢٤٠/ ٤٧٩ - ٤٧٦ - ٤٧٥)، وفي مسند الشاميين (١٠٧)، والجوهري، في مسند الموطأ (٧٢٦). والبيهقي (٥/ ٢٥٤)، والخطيب في التاريخ (١٠/ ١١٠ - ١١١)، والخليلي في الإرشاد (٣٠)، والمزي (٣٣/ ١٨٤ - ١٨٥)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٧/ ١٠٠/ ٤٦٨٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١١٧)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٣٤٢)، والصحيحة ١٨٧٣، وصحيح أبي داود (٢٢٢٧).\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":326},{"text":"كلام فصحاء العرب. قاله [عياض (^١)] اهـ. قال مالك فيما ورد من النهي عن جعل الجرس في أعناق الجمال: إنما ذلك إذا جعل للعير وأما إذا جعل للجمال والزينة فلا بأس به، كذا قال الحافظ يعني أبا الحسن المقدسي.\n\n٤٧١٥ - وعن عائشة -﵂- أن رسول اللّه -ﷺ- أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر، رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله وعن عائشة -﵂- تقدم الكلام عليها. قوله أن رسول اللّه -ﷺ- أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر وفي كراهيته والنهي عنه أحاديث تقدم ذكرها وإنما كره فيما أرى لأنه يدلّ على أصحابه بصوته وكان -﵇- يحب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة فإن كان أراد هذا فلا يكره إذا كان الحال على غير ذلك واللّه أعلم، قاله صاحب المغيث (^٣)، وتقدم ذلك واللّه أعلم.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٤٥).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٤٦٩٩، ٤٧٠٢)، وأخرجه أحمد (٢٥١٦٦)، وإسحاق بن راهويه (١٣١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٧٥٨) والخرائطى في المساوئ ص ٢٨٨، والطبراني في مسند الشاميين (٢٧٢٠) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٦٧): وهذا على شرط الصحيحين. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٧٤) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١١٨)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٧/ ٩٧).\n(^٣) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ٣٢٠).","vol":"12","page":327},{"text":"٤٧١٦ - وعن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- أمر بقطع الأجراس. رواه ابن حبان في صحيحه (^١) أيضًا.\nقوله وعن أنس تقدم. قوله أن رسول اللّه -ﷺ- أمر بقطع الأجراس تقدم الكلام على الأجراس.\n\n٤٧١٧ - وعن عامر بن عبد اللّه بن الزبير أن مولاة لهم ذهبت بابنة الزبير إلى عمر بن الخطاب -﵁-، وفي رجليها أجراس، فقطعها عمر وقال: سمعتُ رسول اللّه -ﷺ- يقول: إن مع كلّ جرس شيطانا. رواه أبو داود (^٢)، ومولاة لهم مجهولة، وعامر لم يدرك عمر بن الخطاب.\nقوله وعن عامر بن عبد اللّه بن الزبير، هو عامر بن عبد اللّه بن الزبير أبو الحارث الأسدي المدني أخو ثابت وحمزة وخبيب بضم الخاء وعباد وعمر وموسى كان عابدا فاضلًا كبير القدر وثّقه أحمد وابن مَعين وكان يغتسل كلّ يوم ويواصل يومين وليلة كثير الدعاء وربما اشتغل به حتى يصلي الصبح بوضوء العتمة واشترى نفسه من اللّه تعالى ست مرات وقيل سبعة مات قبل هشام بن عبد الملك أو بعده بقليل (^٣)، اهـ. قاله في شرح الإلمام.\n_________\n(^١) ابن حبان (٤٧٠١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١١٩)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٥٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٢٣٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩٨٠)، والمشكاة (٤٣٩٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨١٩).\n(^٣) تهذيب الكمال (١٤/ ٥٧ - ٦٠ ترجمة ٣٠٤٩).","vol":"12","page":328},{"text":"قوله مولاة لهم ذهبت بابنة الزبير إلى عمر بن الخطاب -﵁- وفي رجليها أجراس فقطعها عمر وقال: سمعتُ رسول اللّه -ﷺ- يقول إن مع كلّ جرس شيطانا الحديث. لأن الجرس مفرق الملائكة لما روي أن جارية دخلت على عائشة وفي رجليها جلاجل فقالت أخرجوا عني مفرق الملائكة.\n\n٤٧١٨ - وعن بنانة مولاة عبد الرحمن بن حيان الأنصاري أنها كانت عند عائشة -﵂- إذ دخل عليها جارية وعليها جلاجل يصوتن، فقالت: لا تدخلنها علي إلا أن تقطعن جلاجلها، وقالت: سمعتُ رسول اللّه -ﷺ- يقول: لا تدخل الملائكة بيتا فيه جرس. رواه أبو داود (^١).\n[بنانة]: بضم الباء الموحّدة ونونين.\n\n٤٧١٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ لا تصْحَب الْمَلَائِكَة رفْقَة فِيهَا جلجل.\n\n٤٧٢٠ - وَفِي رِوَايَة قَالَ أَبُو بكر بن أبي شيخ كنت جَالِسا مَعَ سَالم فَمر بِنَا ركب لأم الْبَنِينَ مَعَهم أَجْرَاس فَحدّث سَالم عَن أَبِيه أَن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ لا تصْحَب الْمَلَائِكَة ركبا مَعَهم جلجل كلم ترى مَعَ هَؤُلاءِ من جلجل رَوَاهُ\nالنَّسَائِيّ (^٢).\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤٢٣١)، وإخرجه أحمد (٢٦٠٥٢)، وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (٤٢٣١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٢٠): حسن لغيره.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٧ (٤٨١١)، والنسائي في الكبرى (٩٤٨٠) و(٩٤٨١) و(٩٤٨٢) والمجتبى ٨/ ١٥٥ (٥٢٦٣) و٨/ ١٥٦ (٥٢٦٤) و٨/ ١٥٧ (٥٢٦٥). وصححه الألبانى في الصحيحة (١٨٧٣) وصحيح الترغيب (٣١٢١).","vol":"12","page":329},{"text":"قوله وعن بنانة مولاة عبد الرحمن بن حيان الأنصاري أنها كانت عند عائشة إذ دخل عليها جارية وعليها جلاجل يصوتن الحديث. الجلجل كلّ شيء علق في عنق دابة أو رجل صبي [يصوت]، قاله صاحب المغيث، وحديث ابن عمر بمعناه.","vol":"12","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>الترغيب في الدلجة وهو السّير بالليل والترهيب من السفر أوله ومن التعريس في الطرق والافتراق في المنزل والترغيب في الصلاة إذا عرس الناس</span>\n٤٧٢١ - عن أنس -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل. رواه أبو داود (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥٧١)، وأخرجه البزار (٦٣١٥ مسنده)، (١٦٩٤، ١٦٩٦ - كشف) وأبو يعلى (٣٦١٨) وفي المعجم (١٥٩)، وابن خزيمة (٢٥٥٥)، وابن الأعرابي في المعجم (٢٧٠)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٥٤)، والطحاوي في المشكل (١١٣)، والحاكم (١/ ٤٤٥)، (٢/ ١١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٠)، وابن بشران في الفوائد (٦٣١)، والبيهقي (٥/ ٢٥٦) والخطيب في التاريخ (٨/ ٤٢٩) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٥٩)، والضياء في المختارة (٢٦٢٩)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٧) رواه البزار ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٦٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٢٢)، و(الصحيحة) (٦٨١). لكنه معل قال الترمذي في العلل الكبير (ص ١٣١) سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: إنما روي هذأ الحديث عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي (وإنما ذكر فيه: (عن أنس)، رولم بن يزيد هذا. قلت له: فإنهم ذكروا عن محمد بن أسلم، أنه روي هذا الحديث عن قبيصة، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس. فلم يعرفه محمد، وجعل يتعجب من هذا.\nوقال ابن أبي حاتم في العلل (٢٢٥٦): قال أحمد بن سلمة النيسابوري: ذاكرت بهذا الحديث مسلم بن الحجَّاج فقال: أخرج إليّ عبد الملك بن شعيب بن الليث كتاب جدّه فرأيت في كتاب الليث على ما رواه قتيبة. =","vol":"12","page":331},{"text":"قوله عن أنس تقدم. قوله -ﷺ- عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل، الحديث. والدلجة قال ابن الأثير (^١): هو سير الليل يقال أدلج بالتخفيف إذا سار أول الليل وادلج بالتشديد إذا سار من آخره من آخره والاسم منهما الدلجة والدلجة بالضم والفتح ومنهم من جعل الإدلاج الليل كلّه وكأنه المراد في هذا الحديث لأنه عقبه بقوله فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار أي تقطع مسافتها لأن الإنسان في الليل أنشط منه في النهار وأقدر على المشي والسير لعدم الحر وغيره ولم يفرق -ﷺ- بين أول الليل وآخره.\nوقال عياض (^٢) في قوله فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار: أي تقطع وشرع المشي فيها لرقة هواء الليل وعدم الحر يعين على السير وينشط الدواب [ويخفف] الحمل بخلاف حر النهار ولهب الهواجر وأنشدوا لعليّ:\nاصبر على السير والإدلاج في السحر ... وفي الرّواح على الحاجات والبُكَر\nفجعل الإدلاج في السحر. وفي حديث السفر اطو لنا الأرض أي قرّبها لنا وسهل السير فيها حتى لا تطول علينا فكأنها طويت، قاله في النهاية (^٣).\n_________\n= وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحد رواه عن الليث عن عقيل، عن الزهري، عن أنس إلا رويم وكان ثقة ورواه غيره، عن الزهري مرسلا. وقال الدَّارقُطْنِي في العلل (٢٦٠٤): والمحفوظ: عن ليث، عن عقيل، عن الزُّهْرِي مرسلًا.\n(^١) انظر: العين (٦/ ٨٠)، والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ٣١٥)، ومشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٥٧).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٣).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٢٩).","vol":"12","page":332},{"text":"٤٧٢٢ - وعن جابر، وهو ابن عبد اللّه - ﵄ - قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: لا ترسلوا مواشيكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء، فإن الشياطين تبعث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والحاكم (^٣)، ولفظه: احبسوا صبيانكم حتى تذهب فوعة العشاء، فإنها ساعة تخترق فيها الشياطين. وقال: صحيح على شرط مسلم.\nقوله وعن جابر وهو ابن عبد اللّه تقدم. قوله -ﷺ- لا ترسلوا فواشيكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء الحديث، قال أهل اللغة (^٤):\nالفواشي جمع الفاشية الماشية وجمعها مواشي والفواشي كلّ شيء منتشر من [المال] (^٥) كالإبل والبقر والغنم السائمة وسائر البهائم وغيرها لأنها تفشوا أي تنتشر في الأرض، وقد أفشى الرجل إذا كثرت مواشيه. وقوله حتى تذهب فحمة العشاء، قال أبو عبيد (^٦): المحدّثون يسكِّنون حاءه والصواب فتحها، وقال غيره فحَمة وفحْمة العشاء ظلمتها وسوادها شبه سوادها بالفحم وفسرها بعضهم هنا بإقباله وأول ظلامه وهو أشد الليل سوادا وكذا\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩٨) (٢٠١٣).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٦٠٤).\n(^٣) الحاكم (٤/ ١٤٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٢٣)، والصحيحة (٣٤٥٤).\n(^٤) انظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٢٤١).\n(^٥) هكذا هذه العبارة في الأصل؛ وفي النسخة الهندية: (الماء)، ولعلها خطأ.\n(^٦) غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام (١/ ١٤٦).","vol":"12","page":333},{"text":"ذكره صاحب نهاية الغريب قال ويقال للظلمة التي بين صلاتي المغرب والعشاء الفحمة وللتي بين العشاء والفجر العسعسة ومنه ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (^١) ١ هـ.\nقوله في رواية الحاكم: احبسوا صبيانكم حتى تذهب فزعة العشاء وفي رواية: وكفوا صبيانكم بدل احبسوا وتفسيره أي امنعوهم من الخروج ذلك الوقت. وقوله فإن الشيطان يحبثما الحديث، أي جنس الشيطان، ومعناه أنه يخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين لكثرتهم حينئذ واللّه أعلم.\n\n٤٧٢٣ - وعنه -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: أقلوا الخروج إذا هدأت الرجل. إن اللّه ﷿ يبث في ليله من خلقه ما يشاء. رواه أبو داود (^٢) وابن خزيمة في صحيحه (^٣)، واللفظ له، والحاكم (^٤) وقال: صحيح على شرط مسلم.\n_________\n(^١) سورة التكوير، الآية: ١٧.\n(^٢) أبو داود (٥١٠٣) (٥١٠٤).\n(^٣) ابن خزيمة (٢٥٥٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٠٦) وأحمد (١٤٢٨٣) والبخاري في الأدب المفرد (١٢٣٣)، (١٢٣٤)، (١٢٣٥)، والنسائي في اليوم والليلة (٩٤٢)، وعبد بن حميد (١١٥٧)، وأبو يعلى (٢٢٢١ و٢٣٢٧)، وابن خزيمة (٢٥٥٩)، وابن حبان (٥٥١٧ و٥٥١٨)، والطبراني في الدعاء (٢٠٠٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ١٨١)، وفي الاستذكار (٩/ ٣٣٣)، والبغوي في شرح السنة (٣٠٦٠) وقال البغوي: حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٠)، وفي الصحيحة (١٥١٨)، وصحيح سنن أبي داود (٣/ ٢٥٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٢٤).\n(^٤) الحاكم (١/ ٤٤٥ و٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.","vol":"12","page":334},{"text":"قوله وعنه -﵁-: تقدم.\nقوله -ﷺ-: أقِلّوا الخروج إذا هدأت الرجل الحديث، أي إذا سكنت [أي ضعفت يعني] إذا دخل الليل، وقل تردد الناس في الطرق والأسواق فأقلوا الخروج. قوله فإن اللّه يبثّ في ليله من خلقه ما شاء، يبث أي يفرق من الجن والشياطين والحيوان المضرة فلا تخرجوا من بيوتكم [كيلا] يصل إليكم منهم ضرر.\n\n٤٧٢٤ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في الجدب، فأسرعوا عليها السير، وبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها طريق الدواب. ومأوى الهوام بالليل. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤).\n[نقيها] بكسر النون وسكون القاف بعدها ياء مثناة تحت: أي مخها: ومعناه أسرعوا حتى تصلوا مقصدكم قبل أن يذهب مخها من ضنك السير والتعب.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧٨) (١٩٢٦).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٥٦٩).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٨٥٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) السنن الكبرى للنسائي (٨٧٦٣).","vol":"12","page":335},{"text":"قوله -ﷺ- إذا سافرتم في الخصب الحديث. والخصب بكسر الخاء المعجمة [هو] كثرة العشب والمرعى. يقال أخصبت الأرض وأخصب القوم ومكان مخصب وخصيب وهو ضد الجذب قوله فأعطوا الإبل حظها من الأرض أي من نبات الأرض أي ارفقوا بها في السير [لترعي] في حال سيرها [ما يمسك قواها ويرد شهوتها].\nقوله وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا عليها السير وبادروا بها نقيها، ونقيها بكسر النون وسكون القاف بعدها ياء مثناة تحت أي مخها ومعنى أسرعوا حتى تصلوا مقصدكم قبل أن يذهب مخها من ضنك السير والتعب. قال الحافظ وقيل معناه بادروا بها علفها لتقوى على السير، ومن الناس من يصحف فيقول: نقبها، بالباء المنقوطة بواحدة ويرى أن الضمير راجع إلى الأرض ويفسر النقب بالطريق وليس ذلك بشيء، كذا في الميسر.\nوإنما أمر بالإسراع بها في الجدب لتقرب مدّة سفرها فتبقى قوتها الأولى فإنه إن رفق بها طال سفرها فهزلت وضعفت إذ لا تجد مرعى تتقوى به وإلى هذا أشار ﵊ بقوله بادروا بها نقيها.\nوبوّب عليه النووي في شرح مسلم (^١) باب مراعاة مصلحة الدواب والنهي عن التعريس في الطريق.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣/ ١٥٢٥) ٥٤ - باب مراعاة مصلحة الدواب في السير، والنهي عن التعريس في الطريق. انظر: شرح النووي على مسلم (١٣/ ٦٨).","vol":"12","page":336},{"text":"قوله وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، التعريس هو نزول المسافر آخر الليل ليستريح، قاله الحافظ، وقال أهل اللغة التعريس النزول في آخر الليل للنوم والراحة، وهذا قول الخليل والأكثرين وقال أبو زيد هو النزول أي وقت كان من ليل أو نهار.\nقوله فاجتنبوا الطريق فإنها طريق الدواب ومأوى الهوام بالليل، الحديث. والهوام بالتشديد جمع هامّة وهي تطلق على المخوف من الأجناس كالحيات وكل ذي سم يقتل، قاله في شرح مشارق الأنوار.\nومعنى الحديث الحث على الرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها. فإن سافروا في الخصب قللوا السير وتركوها ترعى في بعض النهار وفي أثناء السير فتأخذ حظها من الأرض بما ترعاه منها، وإذا سافروا في القحط أعجلوا السير ليصلوا المقصد، وفيها بقية من قوتها، ولا تقللوا السير فيلحقها الضرر لأنها لا تجد ما ترعى فتضعف ويذهب نقيها وربما كلّت [ووقفت] وقد جاء في أول هذا الحديث في رواية مالك في الموطأ أن اللّه رفيق يحب الرفق، وهذه الأوامر التي أمر بها ﷺ من باب الإرشاد إلى [المصالح] والندب إليها.\nوفيه من الفقه: الإحسان إلى البهائم ومراعاة حقوقها والشفقة عليها وتعليل الأحكام على سبيل التفضل إظهارا للحكمة فيها والتسبب في دفع المضار والتحرز منها واللّه أعلم.","vol":"12","page":337},{"text":"٤٧٢٥ - وعن جابر بن عبد اللّه - ﵄ - قال: قال رسول اللّه ﷺ: إياكم والتعريس على جواد الطريق، والصلاة عليها، فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة عليها، فإنها الملاعن. رواه ابن ماجه (^١)، ورواته ثقات.\n[التعريس]: هو نزول المسافر آخر الليل ليستريح.\nقوله وعن جابر تقدم.\nقوله -ﷺ- إياكم والتعريس على جواد الطريق والصلاة عليها فإنها مأوى الحياة والسباع، الحديث. والجواد الطرق واحدها جادة وهي سواء الطريق [وأوسطه وتقدم معنى هذا الحديث في كتاب الطهارة، [وقيل هي الطريق الأعظم الذي يجمع الطريق ولا بد من المرور] (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٢٩)، وقال البوصيرى في مصباح الزجاجة (١/ ٤٩): إسناده ضعيف أخرجه أبو عبيد في الغريب (٢/ ٦٩)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٩٧)، وأحمد (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢)، وأبو داود (٢٥٧٠)، وابن ماجه (٣٧٧٢)، والنسائي في اليوم والليلة (٩٥٥)، وأبو يعلى (٢٢١٩)، وابن خزيمة (٢٥٤٨)، (٢٥٤٩)، وابن السني في اليوم والليلة (٥٢٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٦٨)، وقال ابن خزيمة: إنْ صح الخبر فإنّ في القلب من سماع الحسن من جابر.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فمن جعل السفر دأبه فقد جمع بين تضييع العمر وتعذيب النفس وكلاهما مقصود فاسد، اهـ.).","vol":"12","page":338},{"text":"والمراد بهذا الحديث هو الأدب وهذا أدب من آداب السير والنزول أرشد إليه ﷺ لأن الحشرات والدواب من ذوات السموم والسباع وغيرها تمشي في الليل على [الطرق] لسهولتها ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، وما تجد أفيها من رِمَّة، ونحوها فإن عرّس الإنسان في الطريق ربما مرّ به منها ما يؤذيه فينبغي أن يتباعد عن الطريق واللّه أعلم. وقد جمع النووي في شرح المهذب في باب السفر اثنين وستين أدبا [ذكرها] بأدلتها.\nتنبيه ورد في الحديث السفر قطعة من العذاب (^١)، فمن جعل السفر دأبه فقد جمع بين تضييع العمر وتعذلمجما النفس وكلاهما مقصود فاسد، اهـ.\n\n٤٧٢٦ - وعن أبي ثعلبة الخشني -﵁-: قال: كان الناس إذا نزلوا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول اللّه -ﷺ-: إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان، فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض.\nرواه أبو داود (^٢) والنسائي (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٨٠٤)، وصحيح مسلم (١٧٩) (١٩٢٧).\n(^٢) أبو داود (٢٦٢٨)، وأخرجه أحمد (١٧٧٣٦)، وابن حبان (٢٦٩٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٢١٩/ ٥٨٦)، وفي مسند الشاميين (٧٨٤)، والحاكم (٢/ ١١٥)، والبيهقي (٩/ ١٥٢)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٣٥٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٢٧).\n(^٣) النسائي في الكبرى (٨٨٠٥).","vol":"12","page":339},{"text":"قوله وعن أبي ثعلبة الخشني واسمه جرثوم بن ناشر تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله كان الناس إذا نزلوا تفرقوا في الشعاب والأودية، الحديث. كان الصحابة -﵃- مع النبي -ﷺ- إذا نزلوا منزلا انضم بعضهم إلى بعض حتى لو بسط عليهم [ثوب] لعمَّهم.\n\n٤٧٢٧ - وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ثلاثة يحبهم اللّه، وثلانة يبغضهم اللّه. أما الذين يحبهم اللّه: فقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إلى أحدهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملقني ويتلوا آياتي. فذكر الحديث. رواه أبو داود والترمذي (^١)\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٦٨). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح وهكذا روى شيبان عن منصور نحو هذا وهذا أصح من حديث أبي بكر بن عيَّاش. وذهب البخاري إلى ذلك كما في علل الترمذي للقاضي (ص ٣٣٧) فقد سأله الترمذي عن طريق أبي بكر بن عيَّاش عن الأعمش عن منصور عن ربعي بن حراش عن عبد اللّه، وطريق شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر.\nفقال البخاري: الصحيح هو هذا حديث أبي ذر وذكره الدَّارقُطْنِي في العلل (٥/ ٥٠/ ٦٩٦) وقال جرير عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان أو غيره عن أبي ذر وهو المحفوظ. وأعاده في موضع آخر في العلل (٦/ ٢٤١/ ١١٠٣).\nورواه الأعمش عن منصور عن ربعي عن عبد الله بن مسعود عن النبي فيو قال ذلك وأبو بكر بن عيَّاش عن الأعمش ووهم. والصواب حديث زيد بن ظبيان.\nوضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٦/ ٦٨)، والمشكاة (١٩٢٢)، =","vol":"12","page":340},{"text":"والنسائي (^١) وابن خزيمة (^٢) وابن حبان (^٣) في صحيحهما. وتقدم في صدقة السر بتمامه.\nقوله وعن أبي ذر تقدم وتقدم معنى الحديث في قيام الليل.\n_________\n= وضعيف الجامع الصغير (٢٦١٠)، وضعيف الترمذي (٢٧٠٥)، وضعيف سنن الترمذي (٤٧١/ ٢٧٠٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٥٣٢).\n(^١) النسائي في سننه المجتبى (٥/ ٨٤)، وفي السنن الكبرى (٢٣٦٢).\n(^٢) ابن خزيمة في صحيحه (٢٤٥٦).\n(^٣) ابن حبان (٣٣٤٩)، (٣٣٥٠)، وأخرجه ابن أبي شيية في المُصَنِّف (١٩٣٥٥) وابن أبي عاصم في الجهاد (١٢٩)، والبزار في مسنده (٤٠٢٧)، (٤٠٢٨)، ومحمد بن نصر في قيام الليل (ص ١٧٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤١٦ - ٤١٧)، وابن حزم في المحلى (١١/ ٢٢٨)، وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".","vol":"12","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-462>الترغيب في ذكر اللّه تعالى لمن عثرت دابته</span>\n٤٧٢٨ - عن أبي المليح عن أبيه -﵁-: قال: كنت رديف النبي -ﷺ-، فعثر بعيرنا فقلت: تعس الشيطان فقال لي النبي -ﷺ-: لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت، ويقول: بقوتي، ولكن قل: بسم اللّه، فإنه يصغر حتى يصير مثل الذباب. رواه النسائي (^١) والطبراني (^٢) والحاكم (^٣)، وقال: صحيح الإسناد.\nقوله عن أبي المليح وأبو المليح هذا هو [أبو] أسامة الهذلي واسمه عامر بن أسامة بن عمير ويقال زيد بن أسامة بن عامر بن عمير وقيل غير ذلك وقال [الفلاس] اسمه أسامة بن عامر بن أسامة وقيل اسمه زيد بن أسامة وهو ثقة باتفاقهم.\n_________\n(^١) النسائي في السنن الكبرى (١٠٣٨٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٢٨).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٩٤/ ٥١٦)، والدعاء (٢٠١٠) - ومن طريقه أبو زكريا يحيى بن منده في معرفة أسامي أرداف النبي -ﷺ- (ص ٦٥)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٦٨) - ومن طريقه ابنُ الأثير في أسد الغابة (١/ ٨٢) -، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٦٨)، الحاكم (٤/ ٢٩٢) والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٤١٢) والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (٧٤٠١)، وفي صحيح أبي داود (٣/ ٢٢٤) برقم (٤٩٨٢)، والكلم الطيب برقم (٢٣٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٢١١).\n(^٣) الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٥).","vol":"12","page":342},{"text":"تنبيه: هذا الحديث قال الحافظ رواه النسائي والطبراني والحاكم عن أبي المليح عن أبيه، اهـ. ورواه أبو داود أيضًا عن أبي المليح عن رجل، قال كنت رديف النبي -ﷺ- فعثرت دابته الحديث. وكلا الروايتين صحيحة، فإن الرجل المجهول في رواية أبي داود صحابي والصحابة كلهم عدول لا تضر الجهالة بأعيانهم. وقال الذهبي الرجل المبهم أبو عزة، واللّه أعلم.\nقوله كنت رديف النبي -ﷺ- فعثر بعيرنا فقلت تعس الشيطان الحديث. وفي هذا الحديث إباحة ركوب نفسين على دابة وهذا مما لا خلاف في جوازه إذا أطاقت الدابة ذلك.\nوقد ورد النهي عن ركوب ثلاثة على دابة في حديث مرسل، فإن صح حمل على ركوب ثلاثة رجال فإن الثلاثة يشق عليها حملهم بخلاف رجل وصغيرين وفيه أيضًا إباحة الارتداف وذلك من التواضع وأن الجليل من الرجال جميل به الارتداف وقد فعلته الملوك والأشراف، والأنفة منه تكبر وتجبر وقد رأينا أن بعض الملوك المتكبرين أحوجه اللّه تعالى إلى الرفادة على من كان احتقره من ضعفاء المسلمين وتقدم ذلك.\nقوله فقلت تعس الشيطان الحديث، هو بكسر العين وفتحها والفتح أشهر ولم يذكر الجوهري غيره قيل معناه هلك وقيل سقط وقيل عثر وقيل لزمه الشر وهو دعاء عليه بالهلاك ومنه الحديث تعس عبد الدينار والدرهم.\nقوله فإنه يصغر حتى يصير مثل الذباب يعني الشيطان إذا ذل وامحق","vol":"12","page":343},{"text":"ويجوز أن يكون من الصغر والصغار وهو الذل والهوان، قاله في النهاية (^١).\n\n٤٧٢٩ - وعن أبي تميمة الهجيمي عمن كان ردف النبي -ﷺ- قال: كنت ردفه على حمار، فعثر الحمار، فقلت: تعس الشيطان، فقال لي النبي -ﷺ-: لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم في نفسه، وقال: صرعته بقوتي، وإذا قلت: بسم اللّه تصاغرت إليه نفسه حتى يكون أصغر من ذباب رواه أحمد (^٢) بإسناد جيد والبيهقي (^٣)، والحاكم (^٤) إلا أنه قال: وإذا\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٢٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٥٩)، (٥/ ٣٦٥)، وأخرجه أبو داود (٤٩٨٢)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠٣١٢)، وفي عمل اليوم والليلة (٣٧٣ و٣٧٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٦٩)، ويحيى بن منده في معرفة أسامي أرداف النبي -ﷺ- (ص ٦٧) -، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٣١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥١٨٤). قال النسائي: الصَّواب: عندنا حديث عبد الله بن المبارك، وهذا عندي خطأ؛ يعني هذا.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٥٩ و٧١)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠٣١٣)، والبيهقي (٥١٨٣)، وأبو يعلى في مسنده؛ كما في إتحاف الخيرة المهرة (٦١٤٧) -، والبغوي في شرح السنة (٣٣٨٤)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٤١٣)، (١٤١٤) عن أبي تميمة الهجيمي عن رديف النبي -ﷺ- به. بإسقاط أبي المليح. وهذه خطأها النسائي. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٢) رواه أحمد بأسانيد، ورجالها كلها رجال الصحيح. وقال في (١٠/ ١٣٢) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن حمران، وهو ثقة. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٤٣٢): رواه أحمد بن حنبل في مسنده بإسناد جيد صحيح الترغيب والترهيب (٣١٢٨)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٤٠١)، والكلم الطيب ٢٣٧.\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٥١٨٣، ٥١٨٤).\n(^٤) الحاكم (٤/ ٢٩٢).","vol":"12","page":344},{"text":"قيل: بسم اللّه خنس حتى يصير مثل الذباب. وقال: صحيح الإسناد.\nقوله وعن أبي تميمة الهجيمي، أبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد وثّقه ابن مَعين وغيره. قال أبو نصر الكلاباذي: كان رجلًا من أهل اليمن فباعه عمه فأغلظت له مو لاته، فقال: ويحك، إني رجل من العرب فلما جاء زوجها قالت: ألا ترى ما يقول طريف! فسأله، فأخبره، فقال خذ هذه الناقة فاركبها والحق بقومك. قال: لا، واللّه لا ألحق بقوم باعوني أبدًا، فكان ولاؤه لبني الهجيم حتى مات. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة خمس وتسعين وقيل: سنة سبع وتسعين في خلافة عبد الملك اهـ، قاله في الديباجة.\nقوله وإذا قلت باسم اللّه تصاغرت إليه نفسه حتى يكون أصغر من ذباب، وفي رواية الحاكم وإذا قيل باسم اللّه خنس أي تأخر.\nقوله حتى يصير مثل الذباب الحديث، الذباب معروف واحده ذُبابة ولا تقل ذبانة وجمعه في القلة إذِبَّة وفي الكثرة ذباب بكسر الذال وتشديد الباء مثل غراب وإغربّة وغربان. وفي مسند أبي يعلى الموصلي (^١) من حديث أنس أن\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٤٢٣١)، وابن عدي (٣/ ١٣٠١)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٦٦) وقال: لا يصح، سكين قال النسائي: ليس بالقويوقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٥٠): أخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعًا عمر الذباب أربعون ليلة والذباب كلّه في النار إلا النحل وسنده لا بأس به وأخرجه ابن عدي دون أوله من وجه آخر ضعيف، وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٦٥/ ١١٥٥٨) عن ابن عباس، وفي الأوسط (١٥٧٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٤٢).","vol":"12","page":345},{"text":"النبي -ﷺ- قال عُمُر الذباب أربعون ليلة، والذباب كلّه في النار إلا النحل قيل كونه في النار ليس بعذاب له بل ليعذب به أهل النار بوقوعه عليهم. وفي شفاء الصدور وتاريخ ابن النجار (^١) مسندا أن النبي -ﷺ- كان لا يقع على جسده ولا ثيابه ذباب أصلا، -ﷺ-.\nوروى الطبراني (^٢) وابن أبي الدنيا (^٣) من حديث أبي أمامة أن النبي -ﷺ- قال وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون ما لم يقدر عليه فمن ذلك سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب في اليوم الصائف وما لو بدا لكم لرأيتموه على كلّ سهل وجبل كلهم باسط يده فأغرفاه وما لو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين.\n[تنبيه: حدّث] يحيى بن معاذ (^٤) أن أبا جعفر المنصور كان [جالسا] فألح على وجهه ذباب حتى أضجره فقال انظروا [من] (^٥) بالباب فقالوا مقاتل بن سليمن فقال على به، فلما دخل عليه قال له هل تعلم لماذا خلق اللّه الذباب؟\n_________\n(^١) انظر: كتاب الشفا (١/ ٢٧٣)، والمقاصد الحسنة (١/ ١٢٢).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٦٧/ ١٨/ ٧٧٠٤)، وأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٧)، وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٤/ ١٩٠) وبهذا الإسناد رواه الثعلبي في تفسيره وهو معلول بعفير، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩١٧): أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان والطبراني في المعجم الكبير بإسناد ضعيف.\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٨٩).\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٩١).\n(^٥) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (ما)، ولعلها خطأ.","vol":"12","page":346},{"text":"قال نعم، ليذل به الجبابرة، فسكت منصور. وفي مناقب الشافعي -﵁- (^١) أن المأمون سأله فقال لأي علة خلق اللّه تعالى الذباب، فقال مذلة للملوك، فضحك المأمون وقال رأيته قد سقط منك بموضع لا يناله منك أحد، فتح اللّه لي [بالجواب]، فقال للّه درّك، اهـ، ذكره في منافع الحيوان.\nفائدة: يختم بها الباب في كامل ابن عدي (^٢) في ترجمة عباد بن كثير الثقفي وكان شعبة لا يستغفر له أنه روى عن طاوس عن أبيه عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال اضربوا الدواب على النفار ولا تضربوها على العثار، اهـ.\n_________\n(^١) الجليس الصالح والأنيس الناصح (١/ ٣٠٩)، وفتح الباري (١٠/ ٢٥٠)، وسبل الهدى والرشاد (١٢/ ١٣٢)، تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) (١/ ١٣٣).\n(^٢) الكامل (٤/ ٣٣٥)، وممِزان الاعتدال (٤/ ٣٩)، وحياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٤٧).","vol":"12","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>الترغيب في كلمات يقولوهن من نزل منزلا</span>\n٤٧٣٠ - عن خولة بنت حكيم -﵂- قالت: سمعتُ رسول اللّه -ﷺ- يقول: من نزل منزلا، ثم قال: أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك. رواه مالك (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) وابن خزيمة في صحيحه (^٤).\nقوله عن خولة بن حكيم هي خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة الأوقص بن مرة بن هلال بن [مالج] بن ثعلبة بن ذكوان بن امرئ القيس السلمية امرأة عثمان بن مظعون كنيتها أم شريك وهي من اللواتي وهبن أنفسهن للنبي -ﷺ-، لها في الكتب [الستة] ثلاثة أحاديث، هذا أحدها.\nقوله -ﷺ-: من نزل منزلا ثم قال أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك، [الحديث]، وكلمات اللّه التامات القرآن، ومعنى تمامها أن لا يدخلها نقص ولا عيب كما يكون ذلك في كلام الآدميين. [قال: و] بلغني عن الإمام أحمد بن حنبل (^٥) [أنه] كان يستدل\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩٧٨/ ٣٥).\n(^٢) صحيح مسلم (٥٤) (٢٧٠٨).\n(^٣) سنن الترمذي (٣٤٣٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(^٤) صحيح ابن خزيمة (٢٥٦٦ - ٢٥٦٧).\n(^٥) الجامع لعلوم الإمام أحمد (٤/ ٤٨).","vol":"12","page":348},{"text":"بذلك على أن القرآن غير مخلوق، وذكر الإمام أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (^١) عن سعيد بن المسيب أنه قال بلغني أن من قال حين يمسي سلام على نوح في العالمين لم تلدغه عقرب.\nوقال الشيخ أبو العبَّاس القرطبي (^٢) [قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم: \"فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه\"] هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا دليله دليلا [وتجربة]، فإني منذ سمعتُ هذا الخبر عملت به فلم يضرني شيء إلى أن تركته فلدغني عقرب بالمهدية ليلا فتفكرت في نفسي فإذا أنا أقد نسيت] أن أتعوذ بتلك الكلمات فقلت لنفسي ذامّا لها ومُوبِّخا ما قال -ﷺ- (^٣) للرجل الملدوغ أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق لم يضرك [شيء،] فيستحب للمسافر إذا نزل منزلا أن يقول هذا الدعاء.\n\n٤٧٣١ - وعن عبد اللّه بن بسر -﵁- قال: خرجت من حمص، فأواني الليل إلى البيعة، فحضرني من أهل الأرض، فقرأت هذه الآية من الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (^٤) إلى آخر الآية. فقال بعضهم لبعض: احرسوه الآن حتى يصبح، فلما أصبحت ركبت دابتي. رواه\n_________\n(^١) ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٤١).\n(^٢) انظر: فيض القدير (١/ ٤٤٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٥٥ - ٢٧٠٩).\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ٥٤.","vol":"12","page":349},{"text":"الطبراني (^١) ورواته رواة الصحيح إلا المسيب بن واضح.\nقوله: وعن عبد اللّه بن بسر تقدم. قوله: خرجت من حمص فآواني الليل إلى البيعة فحضرني من أهل الأرض فقرأت هذه الآية من الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (^٢) إلى آخر الآية، فقال بعضهم لبعض احرسوه الآن حتى يصبح، الحديث. قوله حمص اسم مدينة تقدم الكلام عليها، وعلى فضائلها في باب الحمام في أوائل [هذا التعليق]. والبيعة اسم موضع.\nفائدة: روى أبو داود (^٣) والنسائي (^٤) والحاكم (^٥) وصححه عن عبد اللّه بن\n_________\n(^١) أخرجه في الآحاد والمثاني (١٣٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٤) رواه الطبراني، وفيه المسيب بن واضح، وهو ضعيف، وقد وثق. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢١).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٤.\n(^٣) أبو داود (٢٦٠٣).\n(^٤) أخرجه النسائي في الكبرى (٧٨١٣)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٦٣).\n(^٥) الحاكم (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧ و٢/ ١٠٠)، وأخرجه أحمد (٦١٦١) وأبو داود (٢٦٠٣) والخرائطي في المكارم (٢/ ٧٩٧) والمحاملي في الدعاء (٥٧)، (٥٨)، والطبراني في الدعاء (٨٣٤)، وفي مسند الشاميين (٩٦٢)، والبيهقي (٥/ ٢٥٣)، وفي الدعوات (٤١٦)، والبغوي في شرح السنة (١٣٤٩)، وفي الشمائل (١١٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٨٧ و٣٥٧)، وعبد الغني المقدسي في الدعاء (١٢٢)، والمزي في التهذيب (٩/ ٣٣٢).\nوقال النسائي: الزبير بن الوليد شامي ما أعرف له غير هذا الحديث وقال الذهبي في الميزان: تفرد عنه شريح بن عبيد. فهو مجهول. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وله طريق أخرى =","vol":"12","page":350},{"text":"عمر قال كان النبي -ﷺ- إذا سافر فأقبل الليل قال يا أرض ربي وربك اللّه، أعوذ باللّه من شرّك وشرّ ما فيك وشر ما خلق فيك وشرّ ما يدب عليك وأعوذ بك من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن شر والد وما ولد. [قال الخطابيي (^١) ساكن البلد هم الجن [الذين هم سكان الأرض والبلد من الأرض ما كان مأوى للحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل. قال: ويحتمل أن المراد بالوالد إبليس وما ولد الشياطين، هذا كلام الخطابي؛ والأسود الشخص، فكل شخص سمي أسود].\nفائدة: هذه الآيات تعرف بآيات [الحروز]، روينا عن قاضي القضاة عز الدين بن عبد [العزيز] بن جماعة قال أنبأنا الشيخ الإمام العالم شرف الدين أبو العبَّاس أحمد بن [إبراهيم بن] سباع الفزاري خطيب دمشق قال أنبأنا الشيخ الإمام زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي بقراءتي عليه قال أنبأنا الإمام العالم الحافظ شهاب الدين ناصر السنة محدّث الشام أبو محمد القاسم بن الحافظ بن أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة اللّه [بن عساكر]\n_________\n= أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٨٦) عن عثمان بن صالح السهمي ثنا ابن لَهيعة ثني عمرو بن دينار عن ابن عمر أنْ رسول الله -ﷺ- كان إذا أدركه الليل وهو في أرض عدو أو مخافة قال: يا أرض ربي وربك الله، اَمنت بالذي خلقك وسوّاك، أعوذ باللّه من شرّ إنسك وجنك، ومن شرّ كلّ حية وأسد وعقرب وأسود، ومن ساكن البلد، ومن شرِّ والد وما ولد، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٨٣٧)، وصحيح وضعيف سنن أبي داود (٢٦٠٣).\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":351},{"text":"قراءة عليه وأنا أسمع قال رويت بالإسناد وذكر إسناده إلى الإمام الحجة التابعي الجليل محمد بن سيرين قال (^١) نزلنا بنهر تيري فأتانا أهل ذلك المنزل فقالوا ارحلوا فإنه لم ينزل هذا المنزل أحد إلا أخذ متاعه فرحل أصحابي وتخلفت فلما أمسينا لم أنم حتى رأيتُ قوما قد [جاؤوا] إلى جهتي أكثر من ثلاثين مرّة [و] قد جرّدوا سيوفهم فلم يصلوا إليّ، فلما أصبحت رحلت فلقيني شيخ على فرس ومعه قوس عربية فقال لي يا هذا إنسي أنت أم جني؟ فقلت بل أنا من بني آدم. قال فما بالك لقد أتيناك في هذه الليلة أكثر من سبعين مرة وفي كلّ ذلك يحال بيننا وبينك بسور من حديد. قلت حدّثني ابن عمر عن رسول اللّه -ﷺ- أنه قال (^٢): من قرأ في ليلة ثلاثًا وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة لص [طارئ] ولا سبع ضاري وعوفي في نفسه وأهله وماله حتى يصبح. قال فنزل [الشيخ] (^٣) عن فرسه وكسر قوسه وأعطى اللّه تعالى عهدا أن لا يعود [إلى هذا] الْأَمر (^٤). وهذه أول الآيات ﴿الم (١) ذَلِكَ\n_________\n(^١) ذيل تاريخ بغداد ج ١٨ ص ٢٥٣)، والمستطرف في كلّ فن مستظرف (٢/ ٥٤٠.\n(^٢) ذيل تاريخ بغداد (١٨/ ٢٥٤)\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) ذيل تاريخ بغداد (١٨/ ٢٥٤)، والمستطرف في كلّ فن مستظرف (٢/ ٥٣٩): وعن الشيخ كمال لدين الدميري قال روينا عن قاضي القضاة عز الدين ابن جماعة قال أنبأنا الشيخ شرف الدين أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم ابن مناع الفزاري خطيب دمشق أنبأنا الشيخ زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي بقراءتي عليه قال أنبأنا الحافظ بهاء الدين ناصر السنة محمد بن الإمام أبي محمد بن الحافظ أبي القاسم علي بن الحُسين بن هبة اللّه.","vol":"12","page":352},{"text":"الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١) وآية الكرسي إلى ﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٢)، و﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ (^٣) إلى آخر السورة، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٤) ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (^٥) إلى آخر سبحان، ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ إلى ﴿طِينٍ لَازِبٍ﴾ (^٦)، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ (^٧)، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة (^٨)، (وَأَنَّهُ وتَعَكَ ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ إلى قوله ﴿شَطَطًا﴾ (^٩).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآيات: ١ - ٥.\n(^٢) سورة البقرة، الآيتان: ٢٥٥ - ٢٥٧.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.\n(^٤) سورة الأعراف، الآيتان: ٥٤ - ٥٦.\n(^٥) سورة الإسراء، الآيتان: ١١٠ - ١١١.\n(^٦) سورة الصافات، الآية: ١ - ١٠.\n(^٧) سورة الرحمن، الآيات: ٣٣ - ٣٥.\n(^٨) سورة الحشر، الآيات: ٢١ - ٢٤.\n(^٩) سورة الجن، الآيات: ٣ - ٥.","vol":"12","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-464>الترغيب في دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب سيما المسافر</span>\n٤٧٣٢ - عن أم الدرداء -﵂- قالت: حدّثني سيدي أنه سمع رسول اللّه -ﷺ- يقول: إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة: ولك بمثل. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) واللفظ له.\n[قال الحافظ]: أم الدرداء هذه هي الصغرى تابعية، واسمها هجيمة، ويقال: جهيمة بتقديم الجيم، ويقال: جمانة ليس لها صحبة إنما الصحبة لأم الدرداء الكبري، واسمها خيرة وليس لها في البخاري ولا مسلم حديث قاله غير واحد من الحُفَّاظ.\nقوله عن أم الدرداء، قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: أم الدرداء هذه هي الصغري، تابعية واسمها هجيمة ويقال لها جهيمة بتقديم الجيم ويقال لها جمانة ليس لها صحبة إنما الصحبة لأم الدرداء الكبرى واسمها خيرة وليس لها في البخاري ولا مسلم إلا حديث قاله غير واحد من الحُفَّاظ. قوله إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة ولك بمثل ذلك الحديث، ظهر الغيب معناه في غيبة المدعو له وفي سرّ لأنه أبلغ في الإخلاص. هذا فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة ولو دعا لجملة المسلمين فالظاهر حصولها وكان\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٦) (٢٧٣٢).\n(^٢) سنن أبي داود (١٥٣٤).","vol":"12","page":354},{"text":"بعض السلف إن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة لأنها تستجاب ويحصل له مثلها (^١).\n\n٤٧٣٣ - وروي عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول اللّه -ﷺ-: دعوتان ليس بينهما وبين اللّه حجاب: دعوة المظلوم، ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب. رواه الطبراني (^٢).\nقوله روي عن ابن عباس تقدم. قوله: دعوتان ليس بينهما وبين اللّه حجاب دعوة المظلوم ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن أبي الدرداء أن رسول اللّه -ﷺ- كان يقول دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثلٍ، والتنوين في بمثل للعوض كذا رويناه بكسر الميم وسكون الثاء وبفتحها أيضًا أي لك من الأجر بدعائك مثل ما دعوت به قوله، (^٣) قال محمد بن سيرين (^٤) فذكرت [هذا الحديث لشعيب] بن حرب فقال كنا نسميها آيات الحرز، ويقال أن فيها شفاء من مائة داء فعدّ عليَّ\n_________\n(^١) شرح النووى على مسلم (١٧/ ٤٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١١٩/ ١١٢٣١)، وأخرجه قوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٠٩٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٢): رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٩٨٦)، والضعيفة (٣٦٠٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٣٥٠).\n(^٣) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.\n(^٤) ذيل تاريخ بغداد (١٨/ ٢٥٥)، والمستطرف في كلّ فن مستظرف (٢/ ٥٤٠).","vol":"12","page":355},{"text":"الجذام والبرص وغير ذلك، قال محمد بن علي: قرأتها على شيخ لنا قد فلج حتى أذهب اللّه عنه ذلك.\nقال الحافظ أبو محمد القاسم بن عساكر: وكان [والدي] ﵀ يقرأ هذه الآيات كلّ ليلة وكنت أنا أداوم عليها فرأيت كأن قائلا يقول لي إن أردت أن تحفظ فاقرأها عند الصباح وعند المساء فأنا أداوم على قراءتها بكرة وعشيا، قال بعض المتأخرين ومما يدلّ على ذلك ما رواه ابن مسعود عن النبي -ﷺ- أنه قال من قرأ الآيتين من [آخر] سورة البقرة في ليلة كفتاه، [و] رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقال العُلماء معنى كفتاه أجزأتاه عن قيام الليل، وقيل كفتاه من كلّ شيطان فلا يقربه وقيل كفتاه [ما يكون من الآفات] تلك الليلة وقيل يحتمل أن يكون المراد الجميع وهاتان الآيتان هما من جملة الآيات المتقدمة وأولهما من ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ (^٣) إلى آخر السورة، وقد قال اللّه تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ [وَرَحْمَةٌ] لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤)، وفضل اللّه تعالى أوسع [من ذلك]، ا هـ. فائدة أخرى: ورأيت في كتاب لمعات الأنوار ونفحات الأزهار للغافقي وهو كتاب [حسن يرويه] الشيخ [أثير] الدين أبو حيان رواية ذلك\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٠٠٨ - ٥٠٠٨ - ٥٠٠٩ - ٥٠٤٠ - ٥٠٥١).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٥٥) (٨٠٧) عن أبي مسعود الأنصاري.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.\n(^٤) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.","vol":"12","page":356},{"text":"أيضًا عن ابن سيرين عن عبد اللّه بن عمر (^١) ولفظه أن من قرأ في ليلة ثلاثين آية لم يضره في تبك الليلة لص طارق ولا سبع ضار وعوفي في نفسه وأهله وماله حتى يصبح، والثلاثون خمس من أول البقرة إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٢)، وآية الكرسي [ويقرؤها] إلى ﴿خَالِدُونَ﴾ (^٣)، [وثلاث آيات من آخر سورة البقرة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخرها، (^٤) وثلاث آيات من الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله تعالى: فيه ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٥)، وآخر بني إسرائيل ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ إلى آخرها (^٦)، وعشر آيات من أول الصافات إلى قوله [تعالى:] ﴿لَازِبْ﴾ (^٧)، وآيتان من سورة الرحمن: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾\n_________\n(^١) ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٨/ ٢٥٣) من طريق محمد بن علي المطلبي عن خطاب بن سنان عن قيس بن الربيع عن ثابت بن ميمون عن محمد بن سيرين قال: نزلنا يسيرى فاتانا أهل ذلك المنزل فقالوا: ارحلوا فإنه لم ينزل عندنا هذا المنزل أحد إلا اتخذ متاعه فرحل أصحابي وتخلفت للحديث الذي حدّثني ابن عمر من قرأ في ليلة ثلاثًا وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة سبع ضارى ولا لص طاري، وعوفي في نفسه وأهله وماله حتى يصبح، فلما أمسينا لم أنم حتى رأيتهم قد جاؤا أكثر من ثلاثين مرة مخترطين سيوفهم.\n(^٢) سورة البقرة، الآيات: ١ - ٥.\n(^٣) سورة البقرة، الآيتان: ٢٥٥ - ٢٥٧.\n(^٤) سورة البقرة، الآيات: ٢٨٤ - ٢٨٦.\n(^٥) سورة الأعراف، الآيتان: ٥٤ - ٥٦.\n(^٦) سورة الإسراء، الآيتان: ١١٠ - ١١١.\n(^٧) سورة الصافات، الآية: ١ - ١٠.","vol":"12","page":357},{"text":"وَالْإِنْسِ﴾ إلى ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ (^١)، وآخر الحشر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ إلى آخرها (^٢)، ومن أول: ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ إلى قوله: ﴿شَطَطًا﴾ (^٣)، قال: وكنا نسميها [آيات] الحرز ويقال أن فيها شفاء من مائة داء فعدّ عليَّ الجذام والبرص فلم أحفظ. قال محمد [بن علي] قرأتها على شيخ لنا قد فلج حتى أذهب الله ﷿ عنه ذلك اهـ. وقال البوني هذه الآيات [شربها مشهور وفضلها مذكور] (^٤) لا ينكرها إلا غبي أو غوي، وقد جرّبها المشايخ وعرف بها من له في العلم القدم الراسخ والقدر الشامخ وهي على ما رويناه بل على ما رأيناه أولها الفاتحة ثم سورة البقرة.\nغريبة: قال [أبو] عمرو بن العلاء شيخ [القراء] في زمانه: حدثنا أبو [محمد] (^٥) بكر محمد بن سيرين قال كنت ليلة من الليالي في منزلي أقرأ حزبي فلما بلغت إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ (^٦)، سمعتُ صوتا من بعض البيوت أيُّ القرآن الذي إذا قرأته جعل الله بينك وبين الذين لا يؤمنون حجابا مستورًا، فركعت وسجدت ثم قلت لا أدري، قيل لي هي ثلاث آيات في\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآيات: ٣٣ - ٣٥.\n(^٢) سورة الحشر، الآيات: ٢١ - ٢٤.\n(^٣) سورة الجن، الآيات: ١ - ٤.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٦) سورة الإسراء، الآية: ٤٥.","vol":"12","page":358},{"text":"كتاب الله تعالى آية في النحل وآية في الكهف وآية في الجاثية، أما التي في النحل [قوله] تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (^١) الآية، وأما التي في الكهف فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (^٢) الآية، وأما التي في الجاثية فقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (^٣) الآية، قال أبو عمرو وجربتها ثلاث مرات في سفر اعترضني اللصوص في كل مرة أقرأها وأخرج عليهم فلم يروني، [والثاني] (^٤) في إقبالي إلى الأندلس فإن صاحب القيروان أرسل الأعوان في طلب فقرأتها فأخذ الله [على] أبصارهم عني وركبت البحر وخرجت إلى الأندلس أنا ووالدي وسلمني الله تعالى منهم بحوله وقوته، اهـ قاله في الديباجة [والله ﷾ أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ١٠٨.\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ٥٧.\n(^٣) سورة الجاثية، الآية: ٢٣.\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (والثالث)، ولعلها خطأ.","vol":"12","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>[الترغيب في دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب سيما المسافر]</span>\n٤٧٣٢ - عَن أم الدَّرْدَاء - ﵂ - قَالَت حَدثنِي سَيِّدي أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِذا دَعَا الرجل لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب قَالَت الْمَلَائِكَة وَلَك بِمثل. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) واللفظ له.\n[قال الحافظ]: أم الدرداء هذه هي الصغرى تابعية، واسمها هجيمة، ويقال: جهيمة بتقديم الجيم، ويقال: جمانة ليس لها صحبة إنما الصحبة لأم الدرداء الكبرى، واسمها خيرة وليس لها في البخاري ولا مسلم حديث قاله غير واحد من الحفاظ.\nقوله عن أم الدرداء، قال الحافظ رحمه الله تعالى: أم الدرداء هذه هي الصغرى تابعية واسمها: هجيمة ويقال لها: جهيمة بتقديم الجيم ويقال لها: جمانة ليس لها صحبة إنما الصحبة لأم الدرداء الكبرى واسمها خيرة وليس لها في البخاري ولا مسلم إلا حديث قاله غير واحد من الحفاظ.\nقوله إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة ولك بمثل ذلك، الحديث. ظهر الغيب معناه في غيبة المدعو له وفي سره لأنه أبلغ في الإخلاص وفي هذا فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة له، ولو دعا لجماعة من المسلمين\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٦) (٢٧٣٢).\n(^٢) سنن أبي داود (١٥٣٤).","vol":"12","page":360},{"text":"فالظاهر حصولها أيضًا، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة لأنها تستجاب ويحصل له مثلها (^١).\n\n٤٧٣٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - دعوتان لَيْسَ بَينهمَا وَبَين الله حجاب دَعْوَة الْمَظْلُوم ودعوة الْمَرْء لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب. رواه الطبراني (^٢).\nقوله وروي عن ابن عباس تقدم.\nقوله دعوتان ليس بينهما وبين الله حجاب، دعوة المظلوم ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب، وفي رواية أخرى في صحيح مسلم (^٣) عن أبي الدرداء أن رسول الله - ﷺ - كان يقول دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثلٍ كذا رويناه بكسر الميم وسكون الثاء وبفتحها أيضًا أي لك من الأجر بدعائك والتنوين في بمثل للعوض أي مثل ما دعوت له فيه ورغبت، قاله عياض (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١١٩/ ١١٢٣١)، وأخرجه قوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٠٩٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٢): رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٩٨٦)، والضعيفة (٣٦٠٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٣٥٠).\n(^٣) صحيح مسلم (٨٨) (٢٧٣٣).\n(^٤) إكمال المعلم (٨/ ٢٢٨) وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٤٩).","vol":"12","page":361},{"text":"قوله بظهر الغيب أي في حال غيبته والظهر مقحم (^١) والغيب ما غاب عن العيون سواء كان محصلا في القلوب أو غير محصل (^٢) والله أعلم.\n\n٤٧٣٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن أسْرع الدُّعَاء إِجَابَة دَعْوَة غَائِب لغَائِب. رواه أبو داود (^٣) والترمذي (^٤) كلاهما من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وقال الترمذي: حديث غريب.\nقوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي تقدم.\nقوله - ﷺ -: إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب، تقدم معناه.\nقوله من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي: قال أحمد: ليس بشيء نحن لا نروي عنه شيئًا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات ويدلس عن محمد بن سعيد المصلوب، وفيما قاله نظر ولم يذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وكان يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث،\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٥/ ١٧٠٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٩٩).\n(^٣) أبو داود (١٥٣٥).\n(^٤) الترمذي (١٩٨٠) والحديث؛ أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧٦٩)، وعبد بن حميد (٣٢٧) (٣٣١)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٢٣)، والطبراني المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٦٢) (١٤٦٥٨ و١٤٦٥٩)، (١٣/ ٣٣/ ٧٤، ٧٥)، وفي الدعاء (١٣٢٩)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٧٨٣)، (٧٨٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٣٢٩)، (١٣٣٠)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ١٩٨): وروي بإسناد غريب، وقال النووي في الأذكار (ص: ٤٠٠) ضعّفه الترمذي، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢٣): ضعيف جدًا، وضعيف الجامع الصغير (٨٤١).","vol":"12","page":362},{"text":"وقال الدارقطني: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن سعيد، وروى عباس عن يحيى بن معين ليس به بأس وقد ضعف، هو أحب إليّ من أبي بكر بن أبي مريم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو داود قلت لأحمد بن صالح أتحتج به يعني بعبد الرحمن بن زياد قال نعم.\n\n٤٧٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ ثَلَاث دعوات مستجابات لَا شكّ فِيهِنَّ دَعْوَة الْوَالِد ودعوة الْمَظْلُوم ودعوة الْمُسَافِر رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) في موضعين وحسنه في أحدهما والبزار (^٣)، ولفظه قال: ثلاث حق على الله أن لا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله ثلاث دعوات مستجابات لا شك دعوة\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١٥٣٦)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٣٥٩)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣١٣٢)، وصحيح الجامع الصغير (٣٠٣١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٣٠)، وفي الصحيحة (٥٩٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٩٠٥، ٣٤٤٨)، وقال: هذا حديث حسن، وأبو جعفر الرازي هذا الذي روى عنه يحيى ابن أبي كثير يقال له أبو جعفر المؤذن، وقد روى عنه يحيى بن أبي كثير غير حديث ولا نعرف اسمه،، وأخرجه الطيالسي (٢٥١٧)، وابن ماجه (٣٨٦٢)، وأحمد (٧٥١٠)، وعبد بن حميد (١٤٢١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٢)، (٤٨١)، والعقيلي في الضعفاء ١/ ٧٢، وابن حبان (٢٦٩٩)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢٤)، والبغوي (١٣٩٤).\n(^٣) البزار = البحر الزخار (٨١٤٨). وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا أبو هريرة بهذا الإسناد. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ٢٩٣): ضعيف جدًا.","vol":"12","page":363},{"text":"الوالد ودعوة المظلوم ودعوة المسافر، تقدم الكلام على ذلك في كتاب الصوم وغيره.\n\n٤٧٣٦ - وَعَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ ثَلَاث مستجاب دعوتهم الْوَالِد وَالْمُسَافر والمظلوم. رواه الطبراني (^١) في حديث بإسناد جيد.\nوكذلك تقدم حديث عقبة بن عامر الجهني بمعناه [والله ﷾ أعلم بالصواب].\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٤٠/ ٩٣٩، ٩٤٠)، ورواه عبد الرازق في مصنفه (١٩٥٢٢) صحيح ابن خزيمة (٢٤٧٨). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٤٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٢٢٧).","vol":"12","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>الترغيب في الموت في الغربة</span>\n٤٧٣٧ - عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ مَاتَ رجل بِالْمَدِينَةِ مِمَّن ولد بهَا فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله - ﷺ - ثمَّ قَالَ يَا ليته مَاتَ بِغَيْر مولده قَالُوا وَلم ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ إِن الرجل إِذا مَاتَ بِغَيْر مولده قيس بَين مولده إِلَى مُنْقَطع أثره فِي الْجنَّة. رواه النسائي (^١)، واللفظ له، وابن ماجه (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣).\n\n٤٧٣٨ - وَرُوِيَ (^٤) عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - موت غربَة\n_________\n(^١) النسائي في المجتبى (٤/ ٧)، وفي السنن الكبرى (١٩٧١).\n(^٢) ابن ماجه (١٦١٤) ورواه أحمد (٦٦٥٦)، والآجري في الغرباء (٤٧ و٤٨) (٤٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٣٩/ ٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٤٢١) وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٣٤)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (١٦١٦): حسن.\n(^٣) ابن حبان (٢٩٣٤).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١٦١٣)، وأبو يعلى (٢٣٨١)، والطبراني المعجم الكبير (١١/ ٢٤٦) (١١٦٢٨)، والدولابي في الكنى والأسماء (٣/ ١٠٦٨)، وابن الأعرابي المعجم (١٩٥٦)، والآجري في الغرباء (٥٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٢٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٤٢٦)، وقال البيهقي: أشار البخاري إلى تفرد الهذيل بن الحكم بهذا قال: وهو منكر الحديث وقد رويناه من حديث إبراهيم بن بكر الكوفي، عن ابن أبي رواد، وزعم ابن عدي، أنه سرقه من الهذيل والله أعلم، وروي من وجه أضعف من هذا. وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٢٢١ وقال: هذا لا يصح، أما إبراهيم بن بكر، =","vol":"12","page":365},{"text":"شَهَادَة رواه ابن ماجه.\n\n٤٧٣٩ - وروى الطَّبَرَانِيّ (^١) من طَرِيق عبد الْملك بن هَارُون بن عنترة وَهُوَ\n_________\n= فقال ابن عدي: كان يسرق الحديث، وقال أبو الفتح الأزدي: تركوه، وأما عبد الله بن أيوب فقال الدارقطني: متروك.\nقال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين، عن الهذيل بن الحكم. فقال: قد رأيته بالبصرة وكتبت عنه، ولم يكن به بأس، قلت: ما روى عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -؛ موت الغريب شهادة؟ قال يحيى: هذا حديثه الذي كان يسأل عنه، ليس هذا الحديث بشيء، هذا حديث منكر. سؤالاته (٢٣٦).\nوقال البخاري: الهذيل بن الحكم أبو المنذر قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن ابن عباس، رفعه؛ موت الغريب شهادة، منكر الحديث، سمع منه محمد بن كثير. التاريخ الأوسط (٩٢٣).\nوأخرجه العقيلي في الضعفاء ٦/ ٢٩٧ و٢٩٨، في ترجمة هذيل بن الحكم، وقال: حدّثنيه جدي، قال: حدثنا معلى بن أسد العمي، قال: حدثنا هذيل بن الحكم الأزدي، قال: حدثنا الحكم بن أبان، عن وهب، عن طاووس اليماني، يرفعه إلى رسول الله - ﷺ -، قال: موت الغريب شهادة. وقال: حديث معلى أولى، يعني صوابه الإرسال، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٥٤) هذا إسناد فيه الهذيل بن الحكم قال فيه البخاري منكر الحديث وقال ابن عدي: لا يقيم الحديث وقال ابن معين هذا الحديث منكر ليس بشيء وقد كتبت عن الهذيل ولم يكن به بأس انتهى رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن الهذيل بن الحكم به وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٤/ ١١٣)، المشكاة (١٥٩٤)، الضعيفة (٤٢٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢٥).\n(^١) أخرجه الطبراني كما في اللآلئ (٢/ ١٣٣) وقال الحافظ: لا يصح التلخيص ٢/ ١٤٢. وقال في بذل الماعون (ص ١٨٥): وعبد الملك متروك قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٠١) رواه الطبراني. وعبد الملك متروك. قال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣٦٩) =","vol":"12","page":366},{"text":"مَتْرُوك عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - ذَات يَوْم مَا تَعدونَ الشَّهِيد فِيكُم قُلْنَا يَا رَسُول الله من قتل فِي سَبِيل الله قَالَ إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد والمتردي شَهِيد وَالنُّفَسَاء شَهِيد وَالْغَرق شَهِيد والسل شَهِيد والحريق شَهِيد والغريب شَهِيد قَالَ الْحَافِظ وَقد جَاءَ فِي أَن موت الْغَرِيب شَهَادَة جملَة من الْأَحَادِيث لَا يبلغ شَيْء مِنْهَا دَرَجَة الْحسن فِيمَا أعلم (^١).\nقوله عن عبد الله بن عمرو بن العاصي تقدم الكلام عليه.\n_________\n= رواه الطبراني وأبو موسى الأصبهاني في معرفة الصحابة، وعبد الملك (ووالده) ضعيفان، وجده لم يذكره في الصحابة إلا الطبراني وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢٦): ضعيف جدًا.\n(^١) قلت: وهو كما قال. روي من حديث ابن عباس ومن حديث عنترة وقد تقدما، ومن حديث علي ومن حديث أبي هريرة ومن حديث أنس، فأما حديث علي: فأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ١٦٦) عن عامر الشعبي أن عليًا.\nوأما حديث أبي هريرة فأخرجه العقيلي (٢/ ٢٨٨) والآجري في الغرباء (٥١) والقضاعي (٣٤٩) وابن بشران (١٠٥٩) وابن الجوزي في العلل (١٤٨٧)، وقال العقيلي: أبو رجاء منكر الحديث، وفي هذا رواية من غير هذا الوجه شبيهة بهذه في الضعف وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، قال أحمد بن حنبل: هو حديث منكر.\nوأما حديث أنس فأخرجه أبو طاهر المخلص في فوائده كما في اللآلئ (٢/ ١٣٣) والقاسم بن علي الدمشقي (٨٤) عن أنس مرفوعًا من مات غريبا مات شهيدا وأخرجه ابن عساكر في أماليه كما في اللآلئ وقال: تفرد به نعيم بن حماد قلت: وهو مختلف فيه، وفيه المولى الذي لم يسم فالإسناد ضعيف.","vol":"12","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>الترغيب في سكنى الشام وما جاء في فضلها</span>\n٤٦٦٦ - عَن ابْن عمر - ﵄ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي شامنا وَبَارك لنا فِي يمننا. فقَالُوا وَفِي نجدنا قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي شامنا وَبَارك لنا فِي يمننا قَالُوا وَفِي نجدنا قَالَ هُنَاكَ الزلازل والفتن وَبهَا أَو قَالَ مِنْهَا يخرج قرن الشَّيْطَان. رواه الترمذي (^١)، وقال حديث حسن غريب.\nقوله عن ابن عمر تقدم.\nقوله - ﷺ - اللهم بارك لنا في شامنا الحديث، الشام هو الإقليم المعروف والشأم بهمزة ساكنة مثل رأس ويجوز تخفيفه بحذفها كما في راس وشبهه وفيه لغة أخرى شئام بالمد حكاها جماعة، والشين مفتوحة بلا خلاف، قال صاحب المطالع: [وأباها] أكثرهم إلا في النسب والمشهور تذكيره.\nقال الجوهري (^٢): يذكر ويؤنث وقال ابن السمعاني: الشام هي بلاد من الجزيرة والغور إلى [الساحل]؛ وأما حد الشام فالمشهور أنه من العريش إلى الفرات طولا وقيل إلى نابلس وأما العرض فمن أجا وسلمى إلى بحر الروم، وفي بعض الكتب من أيلة إلى بحر الروم وما سامت ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٩٥٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث ابن عون، وهو في صحيح البخاري (١٠٣٧)، ومسلم (٤٥) (٢٩٠٥).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ١٩٥٧).","vol":"12","page":368},{"text":"فائدة: قال ابن عساكر (^١): إن الشام دخله عشرة [آلاف عين] رأت النبي - ﷺ - وهو ديار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [وبظاهر] دمشق أماكن مباركة منها مقبرة [باب الفراديس كان] كعب الأحبار يقول يبعث الله منها سبعين ألف شهيد يشفعون في سبعين ألف إنسان (^٢) وقد دخله نبينا محمد - ﷺ - مرتين قبل النبوة مرة مع عمه أبي طالب وهو ابن ثنتي عشرة سنة حتى بلغ بصرى وهو حين لقيه الراهب بحيرا والتمس الردّ إلى مكة ومرة في تجارة لخديجة إلى سوق بصرى وهو ابن خمس وعشرين سنة مع غلامها ميسرة وميسرة لا نعرف له إسلاما، والظاهر أنه مات قبل النبوة، ومرتين بعد النبوءة إحداهما ليلة الإسراء والصحيح أنه يقظة وهو من مكة والثانية في غزوة تبوك وهو من المدينة، قاله السهيلي وغيره (^٣). اهـ.\nفائدة قال أبو الحُسين بن المنادي (^٤): الشامات خمس كور الأولى قنسّرين، ومدينتها العظمى حلب، وقنّسرين أقدم منها، وبينهما أربع فراسخ، وبها آثار الخليل - ﵇ - ومقامه، وقد نزلها أكابر الملوك. وأما الثانية فهي حمص وأعمالها [وكانت] مركز الملوك من الروم ومن سواحلها\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (١/ ٣٢٧) عن الوليد بن مسلم، وقال النووي: وروينا في تاريخ دمشق وغيره أن الشام دخله عشرة آلاف عين رأت رسول الله - ﷺ - تهذيب الأسماء (٣/ ١٦٢).\n(^٢) تاريخ دمشق (٢/ ٤١٠).\n(^٣) الكواكب الدرارى (١/ ٥٣).\n(^٤) بغية الطلب (١/ ٧٢).","vol":"12","page":369},{"text":"طرابلس وما والاها وقد نزلها خلق من الصحابة - ﵃ - (^١)، وقال كعب الأحبار (^٢) بحمص ثلاثون قبرا من قبور الأنبياء، وأما الشام الثالثة وهي الغوطة ومدينتها دمشق، قال كعب الأحبار (^٣) وبدمشق [خمسمائة] قبر من قبور الأنبياء وبالسواحل ألف نبي وببيت المقدس ألف نبي وبالعريش عشرة.\nوروى مكحول عن ابن عباس قال: من أراد أن ينظر إلى قبور الأنبياء فعليه بالشام، وقال ابن الكلبي: دمشق كورة من كور الشام. ومن أعمالها البلقاء [منسوبة] إلى بالق واختلفوا في الذي [بناها] يعني دمشق على أقوال [فمنهم] من قال نوح لما خرج من السفينة أقام [بثمانين] مدة ثم جاء إلى الشام فأشرف من جبال الغوطة عليها فأعجبته فشرع في بنائها. [واتخذها دارا، وهي أول مدينة خطت بعد الطوفان، قاله النضر بن شميل والقول الثاني: بيوراسب، وبنى بعدها صُورَ بالساحل. قاله مجاهد.\nوالقول الثالث: عاد بن عوص، وأنها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ (^٤). قاله كعب الأحبار.] والرابع: ذو القرنين الاسكندر [الأول]\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١/ ٦٢).\n(^٢) تاريخ دمشق (٢/ ٤١١) قال كعب وبالثغور وأنطاكية قبر حبيب النجار وبحمص ثلاثون قبرا وبدمشق خمس مائة قبر وببلاد الأردن مثل ذلك، وعن كعب فذكره وزاد فيه وبالثغور وبسواحل الشام من قبور الأنبياء ألف قبر وقال بعد وببلاد الأردن مثل ذلك وبفلسطين مثل ذلك وببيت المقدس ألف قبر وبالعريش عشرة وقبر موسى بدمشق.\n(^٣) تاريخ دمشق (٢/ ٤١١).\n(^٤) سورة الفجر، الآية: ٧.","vol":"12","page":370},{"text":"لما عاد من المشرق [وبنى مكان الجامع معبدا لله تعالى] به فلم تزل فيه العبادة من ثمّ وقيل غلام الخليل يقال [العازر] وهبه له نمرود لما خرج من النار سالما حكاه وهب بن منبه، وقيل سليمان بن داود وقيل غير ذلك (^١). ودمشق قصبة الشام (^٢).\nوأما الشام الرابعة الأردن ومدينة طبرية على [ساحل] البحيرة. وأما الشام الخامسة الرملة ومدينتها فلسطين وبيت المقدس [وعسقلان وغزة والبلاد الساحلية]. ولهذا أشار [الجوهري] إلى ما ذكر ابن المنادى فإنه قال الشام خمسة [أجناد] دمشق وحمص وقنسرين وأردن [وفلسطين، يقال لكل مدينة منها جند] اهـ قاله في تاريخ كنز الدرر (^٣)، والله أعلم.\n[قوله:]- ﷺ - وفي يمننا، اليمن إقليم معروف سمي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ على القياس، ويَمَانٍ بالألف على غير قياس.\n[قوله - ﷺ -:] وفي نجدنا قال هناك الزلازل والفتن الحديث، [والفتن الحروب، والأشبه أنه على وجهه من زلازل الأرض وحركتها، و] نجد بفتح النون وإسكان الجيم وآخره دال مهملة ونجد من بلاد العرب هو خلاف\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١/ ٦٢)، وكنز الدرر (١/ ١١١).\n(^٢) مرآة الزمان (١/ ٦٤)، وكنز الدرر (١/ ١١٣).\n(^٣) كنز الدرر (١/ ١٢٠).","vol":"12","page":371},{"text":"الغور والغور هو تهامة، قال في الصحاح (^١) وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق [فهو نجد]، اهـ.\nوقال في المشارق (^٢): ما بين جرش إلى سواد الكوفة [وحدها] مما يلي المغرب الحجاز وعن يسار الكعبة اليمن، قال و[من] (^٣) نجد كلها من عمل اليمامة، وقال في النهاية (^٤): النجد ما ارتفع من الأرض وهو اسم خاص دون الحجاز مما يلي العراق، اهـ. قاله العراقي في شرح الأحكام (^٥).\nقوله ومنها يخرج قرن الشيطان، اختلف العلماء في المراد بقرن الشيطان على أقوال كثيرة، قاله الهروي (^٦) قيل: قرناه [ناحيتا رأسه، والمراد التمثيل، معناه أنه حينئذ يتحرك الشيطان وشيعته ويتسلطون (^٧)، وهذا هو الأقوى.] وقيل شيعته من الكفار وقيل قوته وغلبته وانتشار [فساده]، وقيل حزبه [وأتباعه، و] قيل غير ذلك والراجح عند جماعة من المحققين على ظاهره وهو أن المراد جانبا [الرأس] ومعناه أنه يدني رأسه إلى اليمن في هذه الأوقات ليكون الساجد لها من الكفار [كالساجدين] له في\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٤٢).\n(^٢) مشارق الأنوار (٢/ ٣٤).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٩).\n(^٥) طرح التثريب في شرح التقريب (٥/ ٩).\n(^٦) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص ٧٢).\n(^٧) رياض الصالحين (ص ١٦٧)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١١٢).","vol":"12","page":372},{"text":"الصورة وحينئذ يكون له ولشيعته تسلط ظاهر ويمكن أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها كما كرهت في الأماكن التي هي مأوى الشياطين (^١)، اهـ.\n\n٤٦٦٧ - وَعَن ابْن حِوَالَة وَهُوَ عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - سيصير الْأَمر أَن تَكُونُوا أجنادا مجندة جند بِالشَّام وجند بِالْيمن وجند بالعراق. قَالَ ابْن حِوَالَة خر لي يَا رَسُول الله إِن أدْركْت ذَلِك فَقَالَ عَلَيْك بِالشَّام فَإِنَّهَا خيرة الله من أرضه يجتبي إِلَيْهَا خيرته من عباده فَأَما إِن أَبَيْتُم فَعَلَيْكُم بيمنكم واسقوا من غدركم فَإِن الله توكل وَفِي رِوَايَة تكفل لي بِالشَّام وَأَهله. رواه أبو داود (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣) والحاكم (^٤)، وقال: صحيح الإسناد.\nقوله وعن ابن حوالة، وابن حوالة بالحاء المهملة اسمه عبد الله له صحبة،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١١٢).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٤٨٣).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٧٣٠٦).\n(^٤) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٥٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٩٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١١٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٩٢ و٣٣٧ (٢٥٤٠)، و٣٥١٥)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٣ - ٤، وفي الدلائل (٤٧٨)، وأبو عمرو الداني في الفتن (٥٥٠) والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٢٦ و٣٢٧)، وضياء الدين المقدسي في المختارة (٢٣١)، والمزي في تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٦١)، وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١٠٠١) قال أبي: هو صحيح حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٦٥٩).","vol":"12","page":373},{"text":"سكن الأردن وقيل سكن دمشق، كنيته أبو عبد الله، وقيل كنيته أبو حوالة، وقيل أن عبد الله بن حوالة قدم مصر مع مروان بن الحكم وقال [سعيد بن عبد العزيز:] وكان ابن حوالة رجلًا من الأردن وكان مسكنه الأردن وكان إذا تحدث بهذا الحديث يعني حديث سكنى الشام قال وما تكفل الله به فلا ضيعة عليه، هذا آخر كلامه اهـ. قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] سيصير الأمر أن يكونوا أجنادا مجندة جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق الحديث، والجند العسكر والجمع أجناد وجنود، وفي الحديث الأرواح جنود مجندة (^١) أي جموع مجمعة وقيل أجناس [مختلفة] مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة ومعناه الإخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها الأجساد أي أنها خلقت أول خلقها على قسمين من ائتلاف واختلاف كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة والاختلاف في مبدأ الخلق يقول أن الأجساد التي هي الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه لهذا ترى الخيِّر يحبّ الأخيار ويميل [إليهم] والشرير يحب الأشرار ويميل إليهم، والله أعلم.\nلطيفة: لها تعلق بالمعنى: قال عبد الواحد بن زيد (^٢) سألت الله ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة فقيل لي يا عبد الواحد رفيقك ميمونة السوداء،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٣٦)، وصحيح مسلم (١٥٩) (٢٦٣٨).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٦٠).","vol":"12","page":374},{"text":"فقلت وأين هي؟ قيل في بني فلان بالكوفة، فذهبت إلى الكوفة أسأل عنها فإذا هي ترعى غنما فأتيت إليها فإذا غنمها ترعى مع الذئاب وهي قائمة تصلى فلما فرغت من صلاتها قالت يا ابن زيد ليس هذا الموعد إنما الموعد ثَمَّ، فقلت لها وما أدراك أني ابن زيد؟ قالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، قلت لها عظيني. قالت يا عجبا من واعظ يوعظ، قلت لها مالي أرى أغنامك مع الذئاب قال إني أصلحت ما [بيني] وبين الله فأصلح [الله] (^١) ما بين غنمي والذئاب، اهـ.\nقوله - ﷺ - فعليكم بيمنكم واسقوا من غدركم الحديث، والغدر بضم الغين المعجمة وضم الذال المهملة جمع غدير وهي القطعة من الماء يغادرها السيل وهو فعيل بمعنى فاعل لأنه يغدر بأهله أي ينقطع عند شدة الحاجة إليه (^٢) والله أعلم. قاله المنذري في الحواشي على مختصر سنن أبي داود.\nقوله - ﷺ - فإن الله تكفل لي بالشام وأهله وفي رواية: [فتوكل] لي الكفالة الضمان.\n\n٤٦٦٨ - وَعنهُ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله خر لي بَلَدا أكون فِيهِ فَلَو أعلم أَنَّك تبقى لم أختر عَن قربك شَيْئا فَقَالَ عَلَيْك بِالشَّام فَلَمَّا رأى كراهيتي للشام قَالَ أَتَدْرِي مَا يَقُول الله فِي الشَّام إِن الله جلّ وَعز يَقُول يَا شام أَنْت صفوتي من بلادي أَدخل فِيك خيرتي من عبَادي إِن الله تكفل لي بِالشَّام وَأَهله. رواه\n_________\n(^١) سقطت لفظ الجلالة من النسخة الهندية.\n(^٢) الصحاح (٢/ ٧٦٦ - ٧٦٧).","vol":"12","page":375},{"text":"الطبراني (^١) من طريقين إحداهما جيدة.\nقوله وعنه - ﵁ - تقدم. قوله يا شام أنت صفوتي من بلادي، الحديث. الصفوة مأخوذ من الاصطفاء وهو الاختيار ومنه قوله [تعالى:] ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ (^٢).\n\n٤٦٦٩ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَامَ يَوْمًا فِي النَّاس فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس توشكون أَن تَكُونُوا أجنادا مجندة جند بِالشَّام وجند بالعراق وجند بالْيمن فَقَالَ ابْن حِوَالَة يَا رَسُول الله إِن أدركني ذَلِك الزَّمَان فاختر لي قَالَ إِنِّي أخْتَار لَك الشَّام فَإِنَّهُ خيرة الْمُسلمين وصفوة الله من بِلَاده يجتبي إِلَيْهَا صفوته من خلقه فَمن أَبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره فَإِن الله قد تكفل لي بِالشَّام وَأَهله. رواه الطبراني (^٣)، ورواته ثقات، ورواه البزار (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني فيما ذكر ابن حجر في الإصابة (٦/ ١١٤) من طريق صالح بن رستم مولى بني هاشم، عَن عَبد الله ابن حوالة الأزدي أنه قال يا رسول الله خر لي. . . الحديث. وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٦٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٩): أبو داود باختصار كثير، رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير صالح بن رستم، وهو ثقة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٠٥)، وقال في الضعيفة (٦٧٧٥): منكر بهذا السياق.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ٣٣.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥١/ ٦٢٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٧٨). وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (٢٧٦٢): وسألت أبي عن حديث رواه عمرو بن عثمان، عن ابن حمير، عن فضالة بن شريك، عن خالد بن معدان، عن العرباض بن سارية. . . قال أبي قد دخل له حديث في حديث حديث ابن حوالة في حديث سعيد بن عبد العزيز. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٩): رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٨٨)\n(^٤) مجمع الزوائد (١٠/ ٥٨).","vol":"12","page":376},{"text":"والطبراني (^١) أيضًا من حديث أبي الدرداء بنحوه بإسناد حسن.\nقوله وعن العرباض بن سارية تقدم. قوله توشكن أن تكونوا أجنادا مجندة الحديث، أي [تسرعون]، وتقدم الكلام على بقية ألفاظ هذا الحديث.\n\n٤٦٧٠ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يجند النَّاس أجنادا جند بِالْيمن وجند بِالشَّام وجند بالمشرق وجند بالمغرب. فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله خر لي إِنِّي فَتى شَاب فلعلي أدْرك ذَلِك فَأَي ذَلِك تَأْمُرنِي قَالَ عَلَيْك بِالشَّام. رواه الطبراني (^٢) من طريقين إحداهما حسنة.\n\n٤٦٧١ - وَفِي رِوَايَة عَنهُ (^٣) قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول لِحُذَيْفَة بن الْيَمَان ومعاذ بن جبل وهما يستشيرانه فِي الْمنزل فَأَوْمأ إِلَى الشَّام ثمَّ سألاه فَأَوْمأ إِلَى الشَّام قَالَ عَلَيْكُم بِالشَّام فَإِنَّهَا صفوة بِلَاد الله يسكنهَا خيرته من\n_________\n(^١) الطبراني في مسند الشاميين (٢٢١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٨): رواه البزار والطبراني، وقال: فليلحق بيمنه، وليسق من غدره. وفيهما سليمان بن عقبة، وقد وثقه جماعة، وفيه خلاف لا يضر، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٨٩).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٥٥/ ١٣٠)، وفي مسند الشاميين (٣٣٨٦)، وأخرجه البغوي في معجم الصحابة (٤/ ٢٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٩): رواه الطبراني بأسانيد كلها ضعيفة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٠٩٠).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٥٨/ ١٣٧، ١٣٨)، وفي مسند الشاميين (٣٣٨٧، ٣٣٨٨).","vol":"12","page":377},{"text":"خلقه فَمن أَبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره فَإِن الله تكفل لي بِالشَّام وَأَهله.\nقوله وعن واثلة بن الأسقع تقدم. قوله - ﷺ - تجند الناس، فذكر الحديث إلى أن قال جند بالمشرق والمغرب اختلافا كثيرا اتفق الناس على أن أرض مصر حد ما بين المشرق والمغرب فما كان من مصر [من] جهة مطلع الشمس فهو مشرق فيتناول الحجاز والشام واليمن والعراق وما بعدهما والمصر في اللغة الحد قالت المشارقة لا يظهر الرجال من عندنا ولا يأجوج ومأجوج ولا سائر الفتن ولا أشار النبي - ﷺ - إلى [بلدنا] فقال الفتنة من ههنا.\n\n٤٦٧٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول سَتَكُون هِجْرَة بعد هِجْرَة فخيار أهل الأَرْض ألزمهم مهَاجر إِبْرَاهِيم وَيبقى فِي الأَرْض شرار أَهلهَا تلفظهم أرضوهم وتقذرهم نفس الله وتحشرهم النَّار مَعَ القردة والخنازير. رواه أبو داود (^١) عن شهر عنه، والحاكم (^٢) عن أبي هريرة\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٤٨٢)، وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (١٣٠٨) وعبد الرزاق (٢٠٧٩٠)، والطيالسي (٢٢٩٣)، وأحمد (٦٨٧١ - ٦٩٥٢)، وأحمد (٥٥٦٢/ ٢) (٦٨٧١)، والطبراني في الأوسط (٦٧٩١)، وفي مسند الشاميين (٢٧٦١)، والحاكم ٤/ ٥٣٣ والحاكم ٤/ ٤٨٦، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٥٣ - ٥٤)، (٦/ ٦٦)، والبغوي (٤٠٠٨) وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٤٥٨ رواه أحمد في حديث طويل في قتال أهل البغي وفيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف. وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٣٨٠): أخرجه أحمد وسنده لا بأس به، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١١٨) ورواته ثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٢٠٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٥٩١).\n(^٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٥١٠ - ٥١١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه فقد اتفقا جميعًا على أحاديث موسى بن علي بن رباح اللخمي ولم يخرجاه. قلت: في إسناده عبد الله كاتب الليث في حفظه شيء، ولم يحتج به البخاري لكن علق له.","vol":"12","page":378},{"text":"عنه، وقال: صحيح على شرط الشيخين كذا قال.\nقوله: وعن عبد الله بن عمرو تقدم. قوله - ﷺ - ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم - ﵇ -، الحديث. قال الخطابي (^١): الهجرة الثانية هي الهجرة إلى الشام يرغب فيها خيار الناس لأن إبراهيم ﵊ لما خرج من أرض العراق مضى إلى الشام وأقام بها وإذا أطلق في الحديث [الهجرتان] فإنهما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة. قوله فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، المهاجر بفتح الجيم موضع المهاجرة ويريد به الشام وبالشام ينزل عيسى بن مريم ﵊ في آخر الزمان وهو المبشر بمحمد ﵊ فيقرر عند نزوله دين محمد - ﷺ - ولا يقبل من أحد غير دينه فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويصلي خلف إمام المسلمين ويقول إن هذه الأمة أئمة بعضهم لبعض إشارة إلى أنه متبع لدينهم غير ناسخ له والشام في آخر الزمان أرض المحشر والمنشر أي موضع النشور وهي الأرض المقدسة من الشام يحشر الله الموتى إليها يوم القيامة وهي أرض المحشر فيحشر الناس إليها قبل القيامة من أقطار الأرض فيهاجر خيار أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم ﵊ وهي أرض الشام طوعا كما تقدم أن خيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم.\n_________\n(^١) الأسماء والصفات (٣/ ٢).","vol":"12","page":379},{"text":"[تنبيه:] (^١) المحشر مفعل من الحشر وهو موضع الجمع يعني يوم القيامة فإذا فتحت الشين فهو المصدر وأما الموضع فهو بالكسر.\nقال الجوهري (^٢): المحشر بالكسر والفتح الموضع الذي يحشر [فيه] الناس والمنشر موضع النشر وهو قيام الموتى من قبورهم قاله الزركشي (^٣) [وقال أبو أمامة] بن - ﵁ - (^٤): لا تقوم الساعة حتى [ينتقل] خيار أهل العراق إلى الشام وشرار أهل الشام إلى العراق وقد ثبت في الصحيحين (^٥) عن النبي - ﷺ - أنه قال لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز فتضيء لها أعناق الإبل ببصرى وقد خرجت هذه النار بالحجاز بقرب المدينة ورئيت أعناق الإبل من ضوئها في سنة أربع وخمسين ستمائة وعقبيها جرت واقعة بغداد وقتل بها [الخليفة] وعامة من كان ببغداد وتكامل خراب أرض العراق على أيدي التتار وهاجر خيار أهلها إلى الشام من حينئذ فأما\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٦٣٠).\n(^٣) قال الجوهري: المحشر بالكسر موضع الحشر. انتهى. وذكر صاحب مختصر العين أن المحشر بالكسر والفتح الموضع الذي يحشر إليه الناس والمنشر موضع النشور وهو قيام الموتى من قبورهم. سبل الهدى والرشاد (٣/ ١٠٩).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٧٥٠)، وأحمد (٢٢١٤٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٩٧)، والبخاري تعليقًا في التاريخ الكبير (٨/ ٤٤٦ - ٤٤٧) عن أبي أمامة وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٧١٢).\n(^٥) صحيح البخاري (٧١١٨)، وصحيح مسلم (٤٢) (٢٩٠٢).","vol":"12","page":380},{"text":"شرار الناس فتخرج نار في آخر الزمان تسوقهم إلى الشام قهرا حتى يجتمع الناس كلهم بالشام قبل قيام الساعة وفي سنن أبي داود (^١).\nوعن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام وسيأتي الكلام على هذا الحديث في آخر الباب إن شاء الله تعالى. قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم الحديث، أي [تقذفهم] وترميهم وقد لفظ الشيء يلفظه [لفظا] إذا رماه قاله في النهاية (^٢).\nوقال شارح الأربعين الودعانية (^٣): تلفظهم أي تلقيهم ومنه سمي اللفظ لأنه يلفظ من الفم أي يلقى، وقال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ (^٤) أي ما يلقي الإنسان من قول.\n[قوله: صلى الله تعالى عليه وسلم:] وتقذرهم نفس الله وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، [الحديث]. تقذرهم بفتح التاء ثالث الحروف وذال معجمة مفتوحة.\n_________\n(^١) سيأتي.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٨) تلفظهم أرضوهم وتقذرهم نفس الله ﷿ أي يكره خروجهم إلى الشام ومقامهم بها، فلا يوفقهم لذلك، كقوله تعالى: كره الله انبعاثهم فثبطهم يقال: قذرت الشيء أقذره إذا كرهته واجتنبته.\n(^٣) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢٨٣ ح ٣٢).\n(^٤) سورة ق، الآية: ١٨.","vol":"12","page":381},{"text":"قال الخطابي رحمه الله تعالى (^١): تأويله أن الله ﷿ يكره خروجهم إليها ومقامهم بها أي إلى الشام فلا يوفقهم لذلك فصاروا [بالرد] وترك القبول في معنى الشيء الذي تقذره نفس الإنسان فلا تقبله، يقال قذرت الشيء أقذره إذا كرهته واجتنبته، اهـ. وذكر النفس هنا مجاز واتساع في الكلام، وهذا يشبه معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ (^٢)، الآية. قاله الخطابي (^٣).\n\n٤٦٧٣ - وَعنهُ - ﵁ - عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنِّي رَأَيْت كأَن عَمُود الْكتاب انتزع من تَحت وِسَادَتِي فَأَتْبَعته بَصرِي فَإِذا هُوَ نور سَاطِع عمد بِهِ إِلَى الشَّام أَلا وَإِن الْإِيمَان إِذا وَقعت الْفِتَن بِالشَّام رواه الطبراني في الكبير (^٤)\n_________\n(^١) وقال أبو سليمان الخطابي، وقوله - ﷺ -: تقذرهم نفس الله تعالى. تأويله أن الله يكره خروجهم إليها ومقامهم بها، فلا يوفقهم لذلك، فصاروا بالرد وترك القبول في معنى الشيء الذي تقذره نفس الإنسان، فلا تقبله. وذكر النفس ههنا مجاز واتساع في الكلام، وهذا شبيه بمعنى قوله تعالى: ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (٣).\nقلت: والحديث تفرد به شهر بن حوشب - ﵁ -، وروي من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - ما موقوفًا عليه في قصة أخرى بهذا اللفظ، ومعناه ما ذكره أبو سليمان من كراهيته للمذكورين فيه، والله أعلم. الأسماء والصفات (٣/ ٢).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٤٦.\n(^٣) معالم السنن (٢/ ٢٣٦).\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٦٢٣/ ١٤٥٤٥)، (١٣، ١٤/ ٦٣٧/ ١٤٥٦١)، وفي مسند الشاميين (٣٠٨)، (٣٠٩) (٣١٠)، (٢١٩٦)، (١١٩٨) ورواه أحمد (٢١٧٣٣)، وفي فضائل الصحابة (١٧١٧)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٣٠٠ و٣٠٠ - ٣٠١)، (٢/ ٥٢٣)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ١٧٦)، =","vol":"12","page":382},{"text":"والأوسط (^١)، والحاكم (^٢)، وقال: صحيح على شرطهما.\n\n٤٦٧٤ - وَفِي رِوَايَة للطبراني (^٣): إِذا وَقعت الْفِتَن فالأمن بِالشَّام. ورواه أحمد (^٤) من حديث عمرو بن العاصي.\n\n٤٦٧٥ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - بَينا أَنا نَائِم رَأَيْت عَمُود الْكتاب احْتمل من تَحت رَأْسِي فَعمد بِهِ إِلَى الشَّام أَلا وَإِن الإِيمَان حِين تقع الْفِتَن بِالشَّام رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٥).\n_________\n= والحارث في مسنده (بغية الباحث ٢/ ٩٤٤)، والبزار (٣٣٣٢/ كشف الأستار)، وتمام في فوائده (١٢٧٨)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٥٢)، (٦/ ٩٨)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٤٤٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ١٠٦)، وأبو سعد السمعاني في فضائل الشام (١٥)، والذهبي في السير (٨/ ٣٣)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث ابن حلبس لم نكتبه إلا من هذا الوجه ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٨)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد، وفي أحدها ابن لهيعة؛ وهو حسن الحديث، وقد توبع على هذا، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٧١٠).\n(^٢) الحاكم (٤/ ٥٠٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٦٨٩)، وفي المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٥٩٨/ ١٤٥١٤) ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ١١٠).\n(^٤) أخرجه أحمد (١٧٧٧٥) وأخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٢٣)، والطبراني في مسند الشاميين (١٣٥٧)، وقال الهيثمي: وفيه عبد العزيز بن عبيد الله وهو ضعيف المجمع (١٠/ ٥٧).\n(^٥) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٨ (٢١٧٣٣)، والبزار (٣٣٣٢/ كشف الأستار)، والطبراني في الشاميين (١١٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٨ - ٩٩). قال البزار: لا نعلمه رواه إلا أهل =","vol":"12","page":383},{"text":"قوله وعنه تقدم. قوله - ﷺ -: رأيت كأن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا نور ساطع عمد به إلى الشام أي قصد به. [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:] ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام، الحديث. وفي آخر الزمان يستقر العلم والإيمان بالشام فيكون نور النبوءة فيها أظهر منه في سائر بلاد الإسلام، والله أعلم.\n\n٤٦٧٦ - وَعَن عبد الله بن حِوَالَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي عمودا أَبيض كَأَنَّهُ لؤلؤة تحمله الْمَلَائِكَة. قلت مَا تحملون فَقَالُوا عَمُود الْكتاب أمرنَا أَن نضعه بِالشَّام وَبينا أَنا نَائِم رَأَيْت عَمُود الْكتاب اختلس من تَحت وِسَادَتِي فَظنَنْت أَن الله ﷿ تخلى من أهل الْأَرْض فَأَتْبَعته بَصرِي فَإِذا هُوَ نور سَاطِع بَين يَدي حَتَّى وضع بِالشَّام، فَقَالَ ابْن حِوَالَة يَا رَسُول الله خر لي، قَالَ عَلَيْك بِالشَّام. رواه الطبراني (^١)، ورواته ثقات.\n_________\n= الشام، عبد الله بن بسر، وأبو الدرداء، ووحشي بن حرب، وهذا أحسن أسانيده، عن أبي الدرداء، وروي عنه من غير وجه. قال أبو نعيم: غريب من حديث ثور لم نكتبه إلا من حديث يحيى بن حمزة.\nقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٨٩: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن عامر الأنطاكي وهو ثقة. وقال في ١٠/ ٥٧ - ٥٨: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٩٤).\n(^١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٦٠١) جامع المسانيد والسُّنَن (٥/ ١٧٥/ ٦٢٩١) إلى الطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٨) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير صالح بن رستم، وهو ثقة. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٤٠٣) وأخرج الطبراني أيضًا بسند حسن عن عبد الله بن حوالة وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٢٨٠) =","vol":"12","page":384},{"text":"قوله وعن عبد الله بن حوالة بالحاء المهملة ولو يرو لعبد الله هذا من أصحاب الكتب الستة غير أبي داود، تقدمت ترجمته في أوائل الباب، وتقدم أيضًا معنى الحديث في الحديثين قبله.\n\n٤٦٧٧ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الشَّام صفوة الله من بِلَاده إِلَيْهَا يجتبي صفوته من عباده فَمن خرج من الشَّام إِلَى غَيرهَا فبسخطه وَمن دَخلهَا من غَيرهَا فبرحمته. رواه الطبراني (^١) والحاكم (^٢) كلاهما من رواية عفير بن معدان، وهو واه عن سليم بن عامر عنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد كذا قال.\nقوله وعن أبي أمامة تقدم وتقدم لحديثه أيضًا نظائر.\nقوله من رواية عفير بن معدان عن سليم بن عامر [عفير بن معدان الحمصي مشهور ضعفوه وقال أبو حاتم لا يشتغل بحديثه، سليم بن عامر هو أبو يحيى، سليم الخبايري الكلاعي. شامي، من أهل حمص، يعد في الطبقة الثانية من تابعي الشام، كثير الحديث، سمع أبا أمامة، سمع منه معاوية بن أبي صالح، ويزيد بن خمير].\n_________\n= ١٨٠٦)، والضعيفة (٦٧٧٥)، وفضائل الشام (ص ٢٧).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٧١/ ٧٧١٨).\n(^٢) الحاكم (٤/ ٥٥٥)، وصححه على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي بقوله: كلا، وعفير هالك. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥٩) رواه الطبراني، وفيه عفير بن معدان، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٤٢٥)، وقال في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٠٧)، والضعيفة (٣٧٥٣): ضعيف جدًا.","vol":"12","page":385},{"text":"٤٦٧٨ - وَعَن خَالِد بن معدان أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ نزلت عَليّ النُّبُوَّة من ثَلَاثَة أَمَاكِن مَكَّة وَالْمَدينَة وَالشَّام فَإِن أخرجت من إِحْدَاهُنَّ لم ترجع إلَيْهِنَّ أبدا. رواه أبو داود في المراسيل (^١) من رواية بقية.\nقوله وعن خالد بن معدان هو أبو عبد الله الشامي الكلاعي بفتح الكاف من أهل حمص، قال لقيت سبعين صحابيا وكان من ثقات الشاميين، روى عن معاوية والمقداد بن معدي كرب [وأبي أمامة] وعبد الله بن عمر وغيرهم وكان من أعيان فقهاء التابعين وكان [الأوزاعي يعظمه] وكانت الدنيا لا تذكر عنده هيبة له وكان يشتاق إلى النبي - ﷺ - والصحابة ويقول هم أصلي وفصلي وإليهم يحنّ قلبي طال إليهم شوقي فعجل يا رب قبضي إليك، يقول ذلك كل ليلة حتى يغلبه النوم، وكان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ، فلما مات وضع ليغسل جعل بإصبعه يحركها يعني بالتسبيح، توفي سنة ثلاث ومائة وقيل أربع وقيل ثمان والله أعلم (^٢). قاله في شرح الإلمام.\nقوله ﷺ: \"نزلت علي النبوة من ثلاث أماكن مكة والمدينة والشام\"، تقدم الكلام على فضل مكة والمدينة وأيهما أفضل، وأما الشام كذا كذا.\n_________\n(^١) ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٠٨)، وقال: ولم أجد الحديث في مطبوعة المؤسسة لـ المراسيل.\n(^٢) تهذيب الكمال (٨/ ١٦٧ - ١٧٣ ترجمة ١٦٥٣).","vol":"12","page":386},{"text":"٤٦٧٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - أهل الشَّام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم إِلَى مُنْتَهى الجزيرة مرابطون فَمن نزل مَدِينَة من الْمَدَائِن فَهُوَ فِي رِبَاط أَو ثغرا من الثغور فَهُوَ فِي جِهَاد. رواه الطبراني (^١) وغيره عن معاوية بن يحيى أبي مطيع، وهو حسن الحديث عن أرطاة بن المنذر عمن حدثه عن أبي الدرداء، ولم يسمه.\nقوله وعن أبي الدرداء تقدم. قوله - ﷺ - أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون، الحديث. قد جاء في الحديث أن أهل الشام مرابطون وأنهم منصورون أبدًا لهذا الحديث قال الشيخ شهاب الدين بن النحاس في كتابه الذي ألفه في الجهاد وهو كتاب نفيس نحو كتاب أذكار النووي أو الرياض: وقد خرج من مكة والمدينة من الصحابة والتابعين وتابعيهم خلق لا يعلمهم إلا الله ونزلوا بسواحل الشام مرابطين إلى أن ماتوا وأكرمهم الله تعالى بالشهادة وكان في زمن عثمان - ﵁ - الشام كلها أرض رباط يتوقع نزول العدو في كل موضع منها، وأما الآن فمحل الرباط منها الثغور وما قرب منها كعسقلان، اهـ والله أعلم.\nقوله في آخر الحديث: عن معاوية بن يحيى أبي مطيع الأطرابلسي\n_________\n(^١) عزاه ابن كثير في جامع المسانيد والسُّنَن (٩/ ٣٦٠/ ١٢٠٥٦) للطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٠) رواه الطبراني من رواية أرطاة بن المنذر، عمن حدثه، عن أبي الدرداء، ولم يسمه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٠٩).","vol":"12","page":387},{"text":"الدمشقي قال يحيى بن معين ودحيم وأبو داود والنسائي: ليس به بأس، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق مستقيم الحديث وقال أبو زرعة: هو ثقة، وضعفه البغوي والدارقطني وقال ابن عدى: في بعض رواياته مالا يتابع عليه.\n\n٤٦٨٠ - وَعَن زيد بن ثَابت - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا وَنحن عِنْده طُوبَى للشام إِن مَلَائِكَة الرَّحْمَن باسطة أَجْنِحَتهَا عَلَيْهِ. رواه الترمذي (^١) وصححه وابن حبان في صحيحه (^٢) والطبراني (^٣) بإسناد صحيح، وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - وَنحن عِنْده طُوبَى للشام. قُلْنَا مَا لَهُ يَا رَسُول الله قَالَ إِن الرَّحْمَن لباسط رَحمته عَلَيْهِ.\nقوله وعن زيد بن ثابت هو أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو خارجة، زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان، بفتح اللام وإسكان الواو وبذال معجمة، ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجارى المدنى الفرضى الكاتب، كاتب الوحى والمصحف،\n_________\n(^١) الترمذي (٣٩٥٤).\n(^٢) ابن حبان (١١٤، ٧٣٠٤).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (٥/ ١٥٨/ ٤٩٣٣: ٤٩٣٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المسند (١٣٩)، وفي المصنف (١٩٤٤٨)، وأحمد (٢١٦٠٧)، وفي فضائل الصحابة (١٧٢٨)، والفسوى في التاريخ (٢/ ٣٠١)، والحاكم (٢/ ٢٢٩ و٢/ ٦١١)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٧)، وفي شعب الإيمان (٢١٠٩)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٢٠)، والصحيحة (٥٠٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٩٥).","vol":"12","page":388},{"text":"وكان عمره حين قدم رسول الله - ﷺ - إلى المدينة إحدى عشرة سنة، وحفظ قبل قدوم رسول الله - ﷺ - المدينة مهاجرا ست عشرة سورة، وقتل أبوه ولزيد بن ثابت ست سنين، واستصغره النبي - ﷺ - يوم بدر فرده، وشهد أحدا، وقيل: لم يشهدها، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، وأعطاه النبي - ﷺ - يوم تبوك راية بنى النجار، وقال: \"القرآن مقدم وزيد أكثر أخذا للقرآن\"، وكان يكتب الوحى لرسول الله - ﷺ -، ويكتب له أيضًا المراسلات إلى الناس، وكان يكتب لأبي بكر، وعمر بن الخطاب في خلافتهما، وكان أحد الثلاثة الذين جمعوا المصحف، أمره بذلك أبو بكر، وعمر، ﵄، وكان عمر يستخلفه إذا حج، وكان معه حين قدم الشام، وهو الذي تولى قسم غنائم اليرموك، وكان عثمان - ﵁ - أيضًا يستخلفه إذا حج، ورمى يوم اليمامة بسهم فلم يضره، قال ابن أبي داود وآخرون: كان زيد أعلم الصحابة بالفرائض؛ للحديث: \"أفرضكم زيد\". قالوا: وكان من الراسخين في العلم، وكان على بيت المال لعثمان - ﵁ -، وأحواله كثيرة مشهورة. روى له عن رسول الله - ﷺ - اثنان وتسعون حديثًا، اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بحديث، روى عنه جماعات من الصحابة، منهم ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو هريرة، وسهل بن أبي حثمة، وعبد الله بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو سعيد الخدري، وسهل بن سعد، ﵃. وروى عنه خلائق من كبار التابعين، منهم ابن المسيب، وسليمان وعطاء ابنا يسار، والقاسم بن محمد،","vol":"12","page":389},{"text":"وأبان بن عثمان، وقبيصة بن ذؤيب، وابناه خارجة وسليمان ابنا زيد، وآخرون، توفى بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل: ست وخمسين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة ثلاث وأربعين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: ثلاث وخمسين، وقيل: خمس وخمسين، وروى البخاري في تاريخه بإسناده الصحيح، عن عمار بن أبي عمار، قال: لما مات زيد بن ثابت جلسنا إلى ابن عباس، فقال: هذا ذهاب العلماء، دفن اليوم علم كثير. ومن الغرائب المنقولة عن زيد بن ثابت ما حكيته عنه من أنه كان يقول بصحة الدور في المسألة السريجية، وأنه لا يقع الطلاق (^١).\nقوله طوبى للشام إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه الحديث. طوبى اسم للجنة وقيل اسم شجرة فيها وأصلها فعلى من الطيب فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوا وفي حديث الشام هذا طوبى للشام المراد بطوبى ههنا فعلى من الطيب لا الجنة ولا الشجرة قاله في النهاية (^٢).\n\n٤٦٨١ - وَعَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سيخرج عَلَيْكُم فِي آخر الزَّمَان نَار من حضر موت تحْشر النَّاس. قَالَ قُلْنَا بِمَا تَأْمُرنَا يَا رَسُول الله قَالَ عَلَيْكُم بِالشَّام رواه أحمد (^٣)\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٠ - ٢٠٢ ترجمة ١٨٦).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٣/ ١٤١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٨ و٥٣ و٦٩ و٩٩ و١١٩)، وإبراهيم بن طهمان في مشيخته (٢٠١)، وابن أبي شيبة (١٥/ ٧٨)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣ و٣٠٣)، وأبو يعلى (٥٥٥١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٥٧)، وأبو سعد السمعاني في فضائل =","vol":"12","page":390},{"text":"والترمذي (^١)، وابن حبان في صحيحه (^٢)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقوله: وعن سالم بن عبد الله هو أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوى المدنى التابعي، الإمام، الفقيه، الزاهد، العابد.\nسمع أباه، وأبا أيوب الأنصاري، ورافع بن خديج، وأبا هريرة، وعائشة، ﵃، وسمع جماعات من التابعين. روى عنه جماعات من التابعين، منهم عمرو بن دينار، ونافع مولى أبيه، والزهري، وموسى بن عقبة، وحميد الطويل، وعبيد الله العمري، وصالح بن كيسان، وغيرهم من التابعين، وخلائق من تابعى التابعين. وأجمعوا على إمامته، وجلالته، وزهادته، وعلو مرتبته، وعن سعيد بن المسيب، قال: كان عبد الله بن عمر أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به. وروينا عن مالك بن أنس الإمام، قال: لم يكن أحد أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد والعيش من سالم، كان يلبس الثوب بدرهمين، وعن إسحاق بن راهوية،\n_________\n= الشام (١٤)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٠٧)، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح المجمع (١٠/ ٦١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٦٠٩)، والصحيحة (٢٧٦٨)، وتخريج فضائل الشام (ص ٣١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٩٦).\n(^١) الترمذي (٢٢١٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.\n(^٢) ابن حبان (٧٣٠٥).","vol":"12","page":391},{"text":"قال: أصح الأسانيد كلها الزهري، عن سالم، عن أبيه، وفى هذه المسألة خلاف سبق في ترجمة ابن سيرين، وعن محمد بن سعد، قال: كان سالم كثير الحديث، عاليا من الرجال، ورعا. وفى تاريخ ابن أبي خيثمة، أن ابن عمر كان يلقى ابنه سالما فيقبله، ويقول: ألا تعجبون من شيخ يقبل شيخا. وعن ابن المبارك أنه عد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، فجعل سالما أحدهم، وقد سبق بيانهم والاختلاف فيهم في ترجمة خارجة بن زيد، قال أبو نعيم الفضل بن دكين، والبخاري: توفى سالم سنة ست ومائة. وقال الأصمعى: سنة خمس. وقال الهيثم: سنة ثمان بالمدينة، - ﵁ - (^١).\nقوله سيخرج عليكم في آخر الزمان نار من حضر موت تحشر الناس الحديث. وأرض حضر موت هي شرق اليمن [وأرض اليمن وهي تقابل أرض البربر وأرض الزنج وبينهما عرض البحر، واليمن على ساحل بحر القلزم من الغرب]، وهي بلاد أصحاب الرس وكانت لهم مدينة عظيمة اسمها الرس سميت باسم [نهرها] وهو نهر [الرس] ومن مدن أرض حضر موت المشهورة سبأ التي ذكرها الله تعالى في القرآن وكانت مدينة عظيمة وكان لها طوائف كثيرة من أهل اليمن وأهل عمان وتسمى مدينة [مأرب، هو] اسم ملك لتلك البلاد وبها كان السد المسمى بسيل العرم.\n\n٤٦٨٢ - وَعَن خريم بن فاتك - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول أهل الشَّام سَوط الله فِي أرضه ينْتَقم بهم مِمَّن يَشَاء من عباده وَحرَام على منافقيهم\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨ ترجمة ١٩٦).","vol":"12","page":392},{"text":"أَن يظهروا على مؤمنيهم وَلَا يموتوا إِلَّا هما وغما. رواه الطبراني (^١) مرفوعًا هكذا وأحمد (^٢) موقوفا، ولعله الصواب، ورواتهما ثقات، والله أعلم.\nوعن خريم بن فاتك هو أبو يحيى، وقيل: أبو أيمن خريم، بضم الخاء وفتح الراء، ابن فاتك بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك بن القليب، بضم القاف، ابن عمرو بن أسد بن خزيمة الأسدى. شهد هو وأخوه سبرة بدرا، وقيل: لم يشهدها، والصحيح الأول، وبه قال البخاري والأكثرون، وهو معدود في الشاميين، وقيل: في الكوفيين، نزل الرقة. روى عنه ابنه أيمن، والمعرور بن سويد، والربيع بن عميلة، بضم العين، وآخرون (^٣).\nقوله - ﷺ - أهل الشام سوط الله في الأرض، الحديث.\nالمراد بسوط الله تعالى: الشدة لما علم أن الضرب بالسوط أعظم ألما من غيره.\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٤/ ٢٠٩/ ٤١٦٣) وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٠) رواه الطبراني، وأحمد موقوفًا على خريم، ورجالهما ثقات. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٥٨) ورواه الطبراني مرفوعًا ورواته ثقات. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨١١).\n(^٢) مسند أحمد (١٦٠٦٥)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٤٨)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٥٨): رواه أبو يعلى الموصلي موقوفًا بسند ضعيف لتدليس الوليد بن مسلم. ومن طريقه رواه أحمد بن حنبل.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٥ ترجمة ١٤٥).","vol":"12","page":393},{"text":"٤٦٨٣ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول فِي الملحمة الْكُبْرَى فسطاط الْمُسلمين بِأَرْض يُقَال لَهَا الغوطة فِيهَا مَدِينَة يُقَال لَهَا دمشق خير منَازِل الْمُسلمين يَوْمئِذٍ. رواه الحاكم (^١)، وقال: صحيح الإسناد.\n[قوله: فُسطاط المسلمين] بضم الفاء: أي مجتمع المسلمين.\nقوله وعن أبي الدرداء تقدم. قوله: أنه سمع رسوله الله - ﷺ - يقول في الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق الحديث. دمشق من خير مدائن الشام، والملحمة هي الوقعة العظيمة، [قيل:] والجمع الملاحم كأنه مأخوذ من اللحم لكثرة القتلى فيها واللحيم القتيل وقيل الملحمة مأخوة من اللحمة إذ اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاختلاط لحمة الثوب بالسّدا، والله أعلم] (^٢). استلحم الرجل إذا احتوشه العدو في القتال فلم يجد مخلصا، والملحمة حرب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٧٢٥)، وأبو داود (٤٢٩٨)، البزار = البحر الزخار (٤١٢٧)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٩٠، والطبراني في مسند الشاميين (٥٨٩)، (١٣١٣)، وفي الأوسط (٣٢٠٥)، والحاكم (٤/ ٥٣٢)، وقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ١٠٣ و١٠٤)، والبيهقي في البعث والنشور (٦٩) وقال البزار: وهذا الحديث قد روي نحو كلامه عن النبي - ﷺ - من غير هذا الوجه فذكرنا حديث أبي الدرداء لحسن إسناده ولم نعده عن غيره إلا أن يزيد كلاما فيكتب من أجل الزيادة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢٠٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٩٧).\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة، وقال أبو داود هذا أصح).","vol":"12","page":394},{"text":"عظيمة بين أهل الشام والروم.\nوعن عبد الله بن بسر (^١) أن رسول الله - ﷺ - قال: بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة، وقال أبو داود هذا أصح. [قوله - ﷺ -:] فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة بضم الفاء أي مجتمع المسلمين، قاله المنذري.\nوقال بعض العلماء فسطاط (^٢) المسلمين بضم الفاء وكسرها والفسطاط المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط، ويكون الفسطاط مجتمع أهل الكورة حول جامعها ومنه فسطاط مصر وقيل هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق [وبه] سميت المدينة ويقال أيضًا: [للبصرة الفسطاط]، قاله الزمخشري (^٣)، والفسطاط أيضًا بيت من الشعر. والغوطة بضم الغين المعجمة وسكون الواو وفتح الطاء المهملة وآخره تاء تأنيث اسم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٦٩١) والبخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٤٣١، وأبو داود (٤٢٩٦)، والطبراني في مسند الشاميين (١١٧٩) وأخرجه أبو عمرو الداني في الفتن (٤٨٨) و(٦١٣) و(٦١٤) وأبو داود (٤٢٩٦) وابن ماجه (٤٠٩٣) والبغوي في شرح السنة (٤٢٥٣) قال أبو داود: هذا أصح من حديث عيسى أي ابن يونس راوي حديث معاذ. قلت: يريد حديث معاذ بن جبل عن النبي - ﷺ - قال: الملحمة الكبرى وفتح قسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٣٦١). العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (وفيه)، ولعلها خطأ.\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١١٥٠).\n(^٣) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٤٤٥)، وانظر: تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٨)، ومشارق الأنوار (٢/ ١٦٣)، ومعجم البلدان (٤/ ٢٦٣)، ولسان العرب (٧/ ٣٧١).","vol":"12","page":395},{"text":"البساتين والمياه التي حول دمشق وهي غوطتها (^١). [ودمشق عربية وقيل معربة] (^٢)، فالغوطة موضع بالشام كثير الماء والشجر وهي غوطة دمشق ودمشق عربية وقيل معربة والله أعلم [بالصواب].\n* * *\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٣٩٦).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>الترغيب في التوبة والمبادرة بها</span>\nتقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في مواضع من هذا التعليق.\nالترغيب في التوبة والمبادرة بها، وأصل التوبة في اللغة الرجوع، يقال تاب وثاب بالمثلثة وآب وأناب بمعنى رجع، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الذنب، ولها ثلاثة أركان الإقلاع والندم على فعل تلك المعصية والعزم على أن لا يعود إليها [أبدا، فإن كانت] المعصية [بحق] آدمي [فلها ركن] رابع وهو التحلل من صاحب ذلك الحق وأصلها الندم وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، والله أعلم.\nووجوبها عند أهل السنة بالشرع وعند المعتزلة بالعقل، ولا يجب على الله تعالى قبولها إذا وجدت بشروطها عقلا عند أهل السنة لأنه ﷾ قبلها [منّة وفضلا]، وتصح التوبة من الذنب وإن كان مصرا على ذنب آخر [إذا تاب] توبة صحيحة بشروطها ثم عاود ذلك كتب عليه الذنب الثاني ولم تبطل توبته، وهذا مهذب أهل السنة في المسألتين وخالفت المعتزلة فيهما. قال أصحابنا ولو تكررت التوبة ومعاودة الذنب صحت، وتوبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها وما [سواها] من سائر أنواع","vol":"12","page":397},{"text":"التوبة فهل قبولها مقطوع به أو مظنون فيه، فيه خلاف لأهل السنة. [واختار إمام الحرمين أنه مظنون فيه، وهو الأصح (^١)، انتهى. قاله في الديباجة].\n\n٤٧٤٠ - عن أبي موسى - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم (^٢) والنسائي (^٣).\nقوله عن أبي موسى واسمه عبد الله بن قيس الأشعري تقدم ذكره.\nقوله - ﷺ - أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، الحديث هو إشارة إلى نشر رحمته وكثرة عطائه وإجابته وإسباغ نعمته (^٤)، فبسط اليد مجاز [عن الجود و] حتى قيل للملك الذي يطلق [عطاياه بالأمر] والإشارة مبسوط اليد وإن كان لم يعط منها شيئًا بيده ولا بسطها به البتة، ومنه قوله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (^٥)، فإن المراد به الجود والإنعام لا غير من غير تصوير يد ولا بسطها لأن قولهم مبسوط اليد وجواد معبران عن معنى واحد والمعنى أن الله جواد بالغفران يقبل التوبة من المسيئين نهارا وليلا حتى تطلع الشمس من مغربها ولا يختص قبولها بوقت\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٣١) (٢٧٥٩).\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (١١١١٦).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٩).\n(^٥) سورة المائدة، الآية: ٦٤.","vol":"12","page":398},{"text":"وبسط اليد استعارة في قبول التوبة واليد [قد تطلق] في اللغة على النعمة وهذا المعنى المشهور [في] اللسان [يقارب] ما قلناه [لأن ما يفعله] ﷾ من قبول توبة عباده [من إحدى نعمه عليه، وكذلك ما يفعله من] النعم بالتائبين (^١).\nوقال الإمام المازري (^٢) المراد قبول التوبة [على التائب] (^٣) وإنما ورد لفظ بسط اليد لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه. وأما يد الجارحة فمستحيلة على الله ﷾. والقبض والبسط من صفات الأجسام. قوله - ﷺ - حتى تطلع الشمس من مغربها. غاية لهذا الأمر إذا التوبة بعدها لا تقبل والله أعلم.\n[تنبيه: وفي حديث آخر (^٤) أن الله تعالى واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء النهار ليتوب بالليل، أراد بالوضع ها هنا البسط وقد صرح به في الرواية الأخرى أن الله باسط يده ليتوب مسيء الليل وهو مجاز في البسط واليد كوضع أجنحة الملائكة، وقيل أراد بالوضع الإمهال وترك [المعاجلة] بالعقوبة يقال وضع يده عن فلان إذا كفّ عنه وتكون اللام بمعنى عن أي\n_________\n(^١) انظر الفائق (١/ ١٠٨)، وإكمال المعلم (٨/ ٢٦١)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٦).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ج ١٧ ص ٧٦).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) غريب الحديث للخطابي (١/ ٦٨٤)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١/ ٣٢٢)، وظلال الجنة (٦١٤).","vol":"12","page":399},{"text":"يضعها عنه أو لام أجل أي يكفها لأجله والمعنى في الحديث أنه يتقاضى المذنبين بالتوبة ليقبلها منهم (^١) والله أعلم.\n\n٤٧٤١ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه. رواه مسلم (^٢).\nقوله عن أبي هريرة تقدمت ترجمته. قوله - ﷺ - من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه، الحديث. التوبة [الرجوع] من الذنب وأما كيفية طلوع الشمس من مغربها فروي في حديث مطول معروف قال العلماء هذا حد لقبول التوبة وقد جاء في الحديث الصحيح أن للتوبة بابا مفتوحا فلا تزال مقبولة حتى [يغلق] فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق وامتنعت التوبة على من لم يكن تاب قبل ذلك، وهو معنى قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (^٣) الآية، ومعنى قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] تاب الله عليه، قبل توبته ورضيها. قاله النووي في شرح مسلم (^٤). وقيل بمعنى وفقه للتوبة فتاب العبد لقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (^٥)، ومعنى التوبة عود الإنسان إلى الطاعة، اهـ] (^٦).\n_________\n(^١) النهاية (٥/ ١٩٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٣) (٢٧٠٣).\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٥).\n(^٥) سورة النور، الآية: ١١٨.\n(^٦) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (قوله وعن صفوان بن عسال تقدم الكلام على مناقبه في كتاب العلم).","vol":"12","page":400},{"text":"وفي الحديث عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (^١)، رواه الجماعة إلا الترمذي (^٢)، معنى هذا أنها إذا طلعت ورآها الناس آمن من على وجه الأرض وصدّقوا تصديقا ضروريا بأمور الآخرة الذي لا [يكلف] به ولا ينفع صاحبه لكون أمور الآخرة معاينة وإنما كان طلوع الشمس مخصوصا [بذلك لأنه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى]. وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه فإذا كان [ذلك و] طبع على كل قلب بما فيه من كفر أو إيمان أخرج الله تعالى الدابة تُعرِّف بما في بواطن الناس من إيمان أو كفر فتكلمهم بذلك [وتَسِمُ] وجوههم به حتى يتعارف الناس بذلك فيقول المؤمن للكافر بكم سلعتك يا كافر، ويقول الكافر للمؤمن بكم سلعتك يا مؤمن، تم يبقى الناس على ذلك ما شاء الله ثم يرسل الله تعالى ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد على وجه الأرض ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا [قبضته] كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو، والله أعلم. قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.\n(^٢) صحيح البخاري (٤٦٣٥ - ٤٦٣٦ - ٦٥٠٦)، وصحيح مسلم (٢٤٨) (١٥٧)، وابن ماجه (٤٠٦٨)، وأبو داود (٤٣١٢)، والنسائي في السنن الكبرى (١١١١٢ - ١١١١٣) عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"12","page":401},{"text":"٤٧٤٢ - وعن صفوان بن عسال - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: إن من قبل المغرب لبابا مسيرة عرضه أربعون عاما أو سبعون سنة فتحه الله ﷿ للتوبة يوم خلق السموات والأرض فلا يغلقه حتى تطلع الشمس منه. رواه الترمذي (^١) في حديث والبيهقي (^٢)، واللفظ له، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n\n٤٧٤٣ - وفي رواية له (^٣) وصححها أيضًا، قال: زر، يعني ابن حبيش: فما برح يعني صفوان يحدثني حتى حدثني أن الله جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (^٤) الآية. وليس في هذه الرواية ولا الأول تصريح برفعه كما صرح البيهقي، وإسناده صحيح أيضًا. للجنة ثمانية أبواب، الحديث.\nقوله وعن صفوان بن عسال تقدم الكلام على مناقبه في كتاب العلم. قوله - ﷺ - إن من قبل المغرب لَبَابًا مسيرة عرضه أربعون عاما أو سبعون سنة فتحه\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٣٥٣٥)، وأخرجه في الشعب (٥/ ٤٠٠/ ٧٠٧٦) مرفوعًا. وقوله: (أو سبعون سنة) شك من بعض الرواة، وأكثر الرواة على (أربعون عاما) كما حققته في الضعيفة تحت لفظ ثالث منكر تحت رقم (٦٩٥١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٣٧)، وفي صحيح الجامع (٤١٩١).\n(^٢) شعب الإيمان (٧٠٧٦).\n(^٣) سنن الترمذي (٣٥٣٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٤٢٣).\n(^٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.","vol":"12","page":402},{"text":"الله ﷿ للتوبة، الحديث. التوبة أحد قواعد الإسلام وهي أول مقامات سالكي طريق الآخرة. قال العلماء ولها شروط ثلاثة سيأتي ذكرها في الأحاديث بعد هذا إن شاء الله تعالى.\n\n٤٧٤٤ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: للجنة ثمانية أبواب: سبعة مغلقة، وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه. رواه أبو يعلى (^١) والطبراني (^٢) بإسناد جيد.\nقوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم. قوله في الحديث وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه الحديث. قال كثير بن مرة ويزيد بن شريح وغيرهما من السلف إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على القلوب بما فيها وترفع الحفظة والعمل وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا، وقال سفيان الثوري إذا طلعت الشمس من مغربها طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها، فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر\n_________\n(^١) أبو يعلى (٥٠١٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١٠/ ٢٥٤/ ١٠٤٧٩)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٢١)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٦٩)، وسكت عليه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٨) رواه أحمد، والطبراني، وإسناده جيد، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٣٠) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني والحاكم وصححه. وله شاهد من حديث صفوان بن كسال رواه الترمذي وصححه والبيهقي. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٣٢٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢٧).","vol":"12","page":403},{"text":"عليها ويحال بينه وبينها إما بمرض أو بموت أو تدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه وتمني الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية، والله أعلم. قاله ابن رجب الحنبلي (^١).\n\n٤٧٤٥ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: لو أخطأتم حتى تبلغ السماء، ثم تبتم لتاب الله عليكم. رواه ابن ماجه (^٢) بإسناد جيد.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم، الحديث. قال العلماء التوبة واجبة من كل ذنب والتوبة قسمان توبة من الله تعالى على العبد وتوبة من العبد إلى الله تعالى فتوبة الله تعالى على العبد أن يحبب له الطاعة ويكره إليه المعصية ويوفقه للعمل بما حبب الله إليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^٣) الآية. فهذه [هي] التوبة من الله تعالى على العبد وعن هذه التوبة تنشأ توبة العبد، قال الله تعالى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (^٤)، أي تاب عليهم لأجل أن يتوبوا وما لم يتب الله على العبد لم تقع من العبد التوبة وهذا معنى قولهم العناية قبل الولاية والسعادة قبل\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ٣٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٤٨)، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ٤)، والألباني في صحيح الجامع (٥٢٣٥)، والصحيحة (٩٠٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٣٨).\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ٧.\n(^٤) سورة النور، الآية: ١١٨.","vol":"12","page":404},{"text":"الولادة [واللواحق] مبنية على السوابق، وشاهد ذلك من القرآن قوله تعالى ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ (^١)، أي يصرف عن الإيمان والقرآن وسماعه وفهمه من صرف في القدم [وقضي عليه بالشقاوة والحرمان] قبل أن يخلق وللتوبة من العبد شروط فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي [فلها] شروط الأول الندم على ما سلف منه في الماضي [أي وقع منه سواء ندم بعد الإقلاع أو قبله] (^٢).\nالثاني الإقلاع عنه في الحال [أي] بقلبه عن الذنب الذي هو عليه والإقلاع عن الأمر هو الكف عنه والإمساك، يقال أقلع فلان عما كان عليه أي فرغ قلبه منه.\nالثالث العزم على أن لا يعاوده في المستقبل أبدًا كما لا يعود اللبن إلى الضرع، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. [في الحاشية:] هذا محل قوله بالورقة بعده ما نصه: فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي إلى قوله في السطر الثامن: ولو قذف و] (^٣) [يعفو لئلا يضع حقه، وهذه الشروط الأربعة مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ (^٤)، وبيان ذلك أن العبد المسلم إذا أذنب فذكر الله تعالى ندم على ما فعل، وأما الإقلاع والعزم على ترك العودة\n_________\n(^١) سورة الذاريات: الآية: ٩.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.","vol":"12","page":405},{"text":"[ورد الظلامة] فمأخوذ من قوله [تعالى:] ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١) لأن من لم يقلع عن الذنب فهو مصر عليه ومن أقلع عنه وعزم على العود إليه فقد أصر على العود إليه ومن أقلع وعزم على ترك العود إلى الغصب مثلا لكنه أمسك ما غصبه فقد أصر على ما فعل، وعلى هذا فلا تصح توبة المكاس حتى يرد أموال الناس إليهم، وكذلك لا [تقبل] توبة سائر الظلمة والسارق حتى يرد أموال الناس إليهم.\nالخامس أن يكون الإقلاع [والعزم] على ترك العود [خوفًا من] الله تعالى [فإن كان لأجل الخوف على سقوط منزلته عند الناس أو خوفا على عزلة من ولاية ونحوها لم تصح التوبة].\nالسادس أن يكون إقلاعه مع القدرة على العود [فإن عجز] على العود كالزاني إذا جبّ ذكره فتاب لأجل فقد ذكره [وذهاب] جماعه لم يتحقق بذلك صحة توبته كما ذكره الغزالي ونقله عن ابن التلمساني.\nالسابع شرط جماعة من الصوفية وقاله الزمخشري: [أن يفارق موضع المعصية]، وقال بعضهم والثياب التي عصى الله تعالى فيها، وقد استحسنه الشيخ في [التنبيه] حيث قال في كتاب الحج: ويستحب أن يغير ما [في المكان الذي جامعها فيه. قال الرافعي: وإنما] استحب ذلك لأن [معهد الوصال] مشوق. [والثامن:] أن لا تطلع الشمس من مغربها [لقوله]\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.","vol":"12","page":406},{"text":"تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (^١) الآية، وفي الآية دليل على أن المكلف يرتفع عنه التكليف بطلوع الشمس وأن الناس لا يكلفون العمل بعد طلوعها وأن من عمل عملا لا يثاب عليه بدليل رد التوبة التي هي من أفضل الأعمال، وذكر بعضهم أن من طلعت عليه الشمس وهو مجنون قبلت توبته بعد طلوع الشمس.\nالتاسع أن لا تبلغ الروح الحلقوم، فإذا انتهت إلى هذه الحالة لم تقبل التوبة لقوله تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى قوله ﴿الْآنَ﴾ (^٢). وقال النبي - ﷺ - تقبل توبة العبد ما لم يغرغر. وكذلك لو أخرجت حشوته وقطع بموته أو حصل في بحر يعلم أنه ينجو منه، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (^٣).\nالعاشر شرط [القاضي أبو بكر الباقلاني أنه لا يعود إلى الذنب المستقبل، فإن عاد بطلت توبته السابقة وانتقضت]، وخالفه النووي وصحح [في الروضة] أنها تقبل وتظهر فائدة الخلاف فيمن تاب وعقد له النكاح ثم عاد إلى الذنب فعلى قول القاضي يتبين بطلان النكاح لظهور الفسق حال العقد.\nالحادي عشر شرط بعضهم أن يجدد التوبة كلما [ذكر الذنب] والصحيح خلافه والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٨.\n(^٣) سورة غافر، الآية: ٨٥.","vol":"12","page":407},{"text":"الثاني عشر أن يكون أهلا للعبادة فإن لم يكن أهلا للعبادة كالسكران لم تصح توبته لأن الإقلاع والندم والعزم على ان لا يعود لا يتأتي منه في حال السكر وهذا بخلاف ما لو أسلم فإنه [يصح] لأن التلفظ بالإسلام لا يحتاج إلى النية، اهـ قاله ابن العماد في كتابه تسهيل المقاصد [لزوار المساجد (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب] (^٢)\n[الرابع] فإن كانت المعصية تتعلق بآدمي [فشروطها أربعة]، الثلاثة المذكورة، ورد الظلامة إلى صاحبها أو طلب عفوه عنها والإبراء منها فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه. [ويرد العين المغصوبة على مالكها حتى لو تلفت عنده وكان مفلسا وجب عليه الكسب والأداء لتصح التوبة كما نقله ابن الرفعة عن أبي الفضل الفزاري]. ومثله ما قاله النووي في الأذكار (^٣) أن من اغتاب إنسانا وجب عليه أن يعلمه بما قال عليه ولا يكفي أن يقول اغتبتك بل لا بد أن يبين له ما قال عنه لأن الشخص قد يسمح بالقليل دون الكثير وبعيب دون آخر والعرض كالمال ولو فرض أن إنسانا أتلف على غيره ماله وهو لا يعلمه وجب على المتلف إعلامه [بذلك لئلا يضيع حقه].\nقال الرافعي: ولو قذف [إنسان إنسانا بحضرة الحاكم، وجب على\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٩٩ - ١٠٢/ الأزهرية).\n(^٢) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال الرافعي ولو قذف [إنسان إنسانا بحضرة الحاكم، وجب على الحاكم إعلامه فيبعث إلى المقذوف ويخبره ليقتص أو]).\n(^٣) الأذكار للنووي (ص: ٣٤٦).","vol":"12","page":408},{"text":"الحاكم إعلامه فيبعث إلى المقذوف ويخبره ليقتص أو]، وإن كان حدّ القذف ونحوه مكّنه منه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي الباقي هكذا ذكره النووي، والله أعلم.\n\n٤٧٤٦ - وعن جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من سعادة المرء أن يطول عمره، ويرزقه الله الإنابة. رواه الحاكم (^١)، وقال: صحيح الإسناد.\nقوله وعن جابر تقدم. قوله من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله تعالى الإنابة، الإنابة هي الرجوع إلى الله، يقال أناب إلى الله تعالى أي أقبل وتاب، قال الله تعالى ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (^٢)، الآية، والإنابة إنابتان، إنابة لربوبيته وهي إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر\n_________\n(^١) الحاكم ٤/ ٢٤٠، وقال: إسناده صحيح ولم يخرجاه، والحديث، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٤٢١)، وأحمد (١٤٥٦٤)، وفي الزهد (ص ٢٩)، وعبد بن حميد (١١٥٣)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٢٤٠)، (٣٤٢٢)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٠٦) والبيهقي في الشعب (١٠١٠٥).\nوقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، وإسناده حسن وقال في ١٠/ ٣٣٤: رواه أحمد والبزار، وإسنادهما جيد. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٢٠) رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن حنبل، والحاكم وصححه، والبيهقي. قال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٣): وفي إسناده ضعيف واضطراب، وبيانه في الضعيفة (٤٩٧٩). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٠٦). في السلسلة الضعيفة (٨٨٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢٨).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٥٤.","vol":"12","page":409},{"text":"والفاجر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ (^١) الآية (^٢)، فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر كما قال تعالى في حق هؤلاء ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ (^٣) فهذا حالهم بعد إنابتهم.\nوالإنابة الثانية إنابة [الأولياء] وهي إنابة لإلهيته عبودية ومحبة وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم فالمنيب إلى الله المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه ثم نزل القلب منه منزلة التذكير (^٤) اهـ.\nفائدة: الناس في التوبة على أقسام، فمنهم من لا يوفق لتوبة نصوح بل [يتيسر له عمل السيئات] من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصرا عليها، وهذه حالة الأشقياء وأقبح من ذلك من يُسِّر له من أول عمره عمل الطاعات ثم ختم له بعمل سيء حتى مات عليه كما في الحديث الصحيح (^٥): إن أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة الحديث. وقسم يفني عمره في الغفلة والبطالة ثم يوفق لعمل صالح فيموت عليه وهذه [حالة] من عمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة\n_________\n(^١) سورة الروم، الآية: ٣٣.\n(^٢) سورة الروم، الآية: ٣٣.\n(^٣) الروم: ٣٣ - ٣٤.\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ٤٣٣).\n(^٥) صحيح البخاري (٧٤٥٤)، وصحيح مسلم (١) (٢٦٤٣).","vol":"12","page":410},{"text":"فيدخلها، الأعمال بالخواتيم، إذا أراد الله بعبد خيرا عسله، قالوا وما عسّله؟ قال يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه، وبقي ها هنا قسم آخر وهو أشرف الأقسام وأرفعها وهو من يفني عمره في الطاعة ثم ينبّه على قرب الأجر ليجدّ في التزود ويتهيأ للرحيل بعمل يصلح [للقاء] ويكون خاتمة للعمل، قال ابن عباس - ﵄ - (^١) لما نزلت على النبي - ﷺ - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ (^٢) نعيت لرسول الله - ﷺ - نفسه فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة، قالت أم سلمة - ﵂ - (^٣) كان النبي - ﷺ - في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال سبحان الله وبحمده، فذكرت ذلك له فقال إني أمرت بذلك، وتلى هذه السورة. إذا كان سيد المحسنين يؤمر أن يختم عمره بالزيادة والإحسان فكيف يكون حال المسيء، اهـ، قاله ابن رجب (^٤).\n\n٤٧٤٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب. رواه أبو يعلى (^٥)، ورواته رواة\n_________\n(^١) النسائي في الكبرى (١١٧١٢)، وانظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٤).\n(^٢) سورة النصر، الآية: ١.\n(^٣) أخرجه الثعلبي في التفسير ج ١٠ ص ٣٢١)، وعزاه في الدر المنثور ج ٨ ص ٦٦٣) لابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة، وانظر: أطراف الغرائب والأفراد ج ٥/ ص ٣٩١) ابن جرير (تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٤)، وقال: غريب.\n(^٤) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٠١).\n(^٥) أخرجه أبو يعلى (٤٩٢٩)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الورع (ص ٤١)، وفي التوبة (ص ٣٢)، وابن المبارك في الزهد (٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤٠٠)، وفي أخبار أصبهان (٢/ ١١٩)، والبيهقي في الشعب (٦٩٢٨ - ٦٩٢٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد =","vol":"12","page":411},{"text":"الصحيح إلا يوسف بن ميمون.\n[الدائب]: بهمزة بعد الألف: هو المتعب نفسه في العبادة المجتهد فيها.\nقوله وعن عائشة تقدم الكلام عليها. قوله من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب قوله من سره أن يسبق الدائب، قال الحافظ بهمزة مكسورة بعد الألف هو المتعب نفسه في العبادة المجتهد فيها.\n\n٤٧٤٨ - وروي عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: المؤمن واه راقع، فسعيد من هلك على رقعه. رواه البزار (^١) والطبراني في\n_________\n= (١٠/ ٢٠٠) رواه أبو يعلى، وفيه يوسف بن ميمون، وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح. إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤١٧) رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف يوسف بن ميمون. قال البيهقي: تفرد به يوسف بن ميمون، وهو منكر الحديث. قال أبو نعيم في الحلية: غريب، تفرد به يوسف عن عطاء. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٣٨)، والضعيفة (٤٥٣٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢٩) وقال: ضعيف جدًا. وروي عن عائشة ﵂، موقوفا، أخرجه ابن المبارك (ص ٢٢) وكيع (٢/ ٥٣٥)، وعنه ابن أبي شيبة (١٣/ ٣٦٠)، وأحمد في الزهد (ص ٢٤١)، وهناد (٢/ ٤٥٢)، وابن أبي الدنيا في الورع (ص ٤١)، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: من سره أن يسبق الدائب المجتهد، فليكف نفسه عن الذنوب، فإنكم لن تلقوا الله بشيء خير لكم من قلة الذنوب. وإسناده ضعيف لانقطاعه، إبراهيم هو النخعي لم يثبت سماعه من عائشة ﵂، (انظر المراسيل ص ٩).\n(^١) البزار في مسنده (٣٢٣٦/ كشف الأستار)، وقال: لا نعلمه يروى عن النبي (ص) إلا من هذا الوجه، وسعيد فلم يكن بالقوي، وإنما نكتب من حديثه ما ليس عند غيره وأخرجه الحربي في غريب الحديث (٣/ ١٠٣٠)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٢٤)، والبيهقي في الشعب (٦٧٢١). وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١٩٥٤): قال أبي: =","vol":"12","page":412},{"text":"الصغير (^١) والأوسط (^٢) وقال: معنى واه: مذنب، وراقع يعني تائب مستغفر.\nقوله وروي عن جابر تقدم. قوله - ﷺ - المؤمن واه راقع، قال الحافظ معنى واه يعني مذنب وراقع بمعنى تائب مستغفر، اهـ. وقال بعض العلماء المؤمن واه راقع أي مذنب تائب [شبَّهَه] بمن يهي فيرقعه وقد وهى الثوب يهي وهيا إذا بلى وتخرق والمراد بالواهي ذو الوهي ويروي المؤمن مُوهٍ راقع كأنه يوهي دينه بمعصيته ويرقعه بتوبته من رقعت الثوب إذا رممته والله أعلم. والظاهر أنه في النهاية (^٣).\n\n٤٧٤٩ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته، وإن المؤمن يسهو ثم يرجع، فأطعموا طعامكم الأتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين. رواه ابن حبان (^٤) في صحيحه.\n_________\n= هذا حديث منكر، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠١) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، والبزار، وقال الطبراني: ومعنى واه: يعني مذنب، وراقع: يعني تائب مستغفر. وفيه سعيد بن خالد الخزاعي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣٠).\n(^١) الطبراني في الصغير (١٧٩) وضعفه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ٣٠٧). والعراقي في المغني عن حمل الأسفار (٣٣٢٨/ تخريج أحاديث الإحياء).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (١٨٥٦ و١٨٦٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٥١).\n(^٤) ابن حبان (٦١٦)، وأخرجه أحمد (١١٣٥٥)، (١١٥٤٧)، (١١٥٤٦)، وأبو يعلى (١١٠٦)، (١٣٣٢)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٥٠)، والبيهقي =","vol":"12","page":413},{"text":"[الآخية] بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة بعدها ياء مثناة تحت مشددة: هي حبل يدفن في الأرض مثنيا، ويبرز منه كالعروة تشد إليها الدابة، وقيل: هو عود يعرض في الحائط تشد إليه الدابة.\nقوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم. قوله - ﷺ - مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل فرس في آخيته يجول وثم يرجع الحديث. قال الحافظ الآخية بمد الهمزة وكسر الخاء المعجمة بعدها ياء مشددة مثناة [تحت] هي حبل يدفن في الأرض [مثنيا] ويبرز منه كالعروة [وتشدّ إليه] الدابة. وقيل هو عود يعرض في الحائط تشد إليه الدابة، اهـ. معنى الحديث أنه يبعد عن ربه بالذنوب وأصل إيمانه ثابت فيقرب بالآخية إليه بالندم والتوبة ويتلافى تقصيره والله أعلم. قاله في النهاية (^١).\n\n٤٧٥٠ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. رواه الترمذي (^٢) وابن ماجه (^٣)\n_________\n= في شعب الإيمان (١٠٤٦٠ و١٠٤٦١)، والبغوي (٣٤٨٥)، والأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠١): رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح غير أبي سليمان الليثي، وعبد الله بن الوليد التجيبي، وكلاهما ثقة. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٦٣٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣١).\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٩).\n(^٢) الترمذي (٢٤٩٩).\n(^٣) ابن ماجه (٤٢٥١).","vol":"12","page":414},{"text":"والحاكم (^١) كلهم من رواية علي بن مسعدة، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nقوله وعن أنس تقدم. قوله - ﷺ - كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، الحديث. يقال رجل خطاء إذا كان ملازما للخطايا غير تارك لها، والله أعلم.\n\n٤٧٥١ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: إن عبدا أصاب ذنبا، فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفره، فقال له ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر، وربما قال، ثم أذنب ذنبا آخر، فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا آخر فاغفره لي. قال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له، ثم مكث ما شاء\n_________\n(^١) الحاكم (٤/ ٢٤٤)، وتعقبه الذهبي بقوله: علي لين. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٢١٦)، وأحمد (١٣٠٤٩)، وعبد بن حميد (١١٩٧)، والدارمي (٢٧٦٩)، وأبو يعلى (٢٩٢٢)، والبزار (٧٢٣٦)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ١١١)، والروياني (١٣٦٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٧٢٥)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٧٧٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٢١/ ١٣١)، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. المنتخب من كتاب العلل للخلال (٣٧)، وأخرجه ابن عدي، في الكامل ٦/ ٣٥٤، في ترجمة علي بن مسعدة، وقال: ولعلي بن مسعدة غير ما ذكرت عن قتادة، وكلها غير محفوظة. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٩)، وصحيح سنن ابن ماجه (٣٤٢٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٣٩)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٤٥١٥)، وأخرجه أحمد بن حنبل الزهد (ص ١٢١) عبد الوهاب الخفاف، أنبأنا سعد، عن قتادة، قال الخفاف: وسمعت موسى الأسواري أيضًا قال: أوحى الله ﵎ إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل ﵈: إن كل بني آدم خطاءون، وخير الخطائين التوابون.","vol":"12","page":415},{"text":"الله، ثم أصاب ذنبا آخر، وربما قال، ثم أذنب ذنبا آخر فقال: يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به، فقال ربه: غفرت \"٦\" لعبدي فليعمل ما شاء. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n[قوله: فليعمل ما شاء] معناه والله أعلم: أنه ما دام كلما أذنب ذنبا استغفر وتاب منه، ولم يعد إليه بدليل.\nقوله: ثم أصاب ذنبا آخر فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره، لا أنه يذنب الذنب، فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعاوده، فإن هذه توبة الكذابين.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله - ﷺ - إن عبدا أصاب ذنبا فقال يا رب إني أذنبت ذنبا فاغفر لي فقال له ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ثم مكث ما شاء الله فذكر الحديث وفي آخره: فليعمل ما شاء اهـ.\nوفي رواية اعمل ما شئت فقد غفرت لك، معناه ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك. قوله فليعمل ما شاء.\nقال الحافظ: معناه والله أعلم: أنه ما دام كلما أذنب ذنبا استغفر وتاب منه ولم [يعد] إليه بدليل قوله ثم أصاب ذنبا آخر فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره لا لأنه يذنب الذنب فيستغفر منه بلسانه من غير إقلاع ثم يعود إليه فإن هذه توبة الكذابين، اهـ.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٥٠٧).\n(^٢) مسلم (٢٧٥٨).","vol":"12","page":416},{"text":"وقال ابن رجب (^١): والمعنى ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر، والظاهر والله أعلم أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، ولهذا في حديث أبي بكر عن النبي - ﷺ - ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة وخرجه أبو داود (^٢)\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٥).\n(^٢) أبو داود (١٥١٤)، وأخرجه أبو سعيد الأشج في حديثه (١٨٦)، والبزار (١/ ٢٠٥) وابن أبي الدنيا في التوبة (١٧٢)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (١٢١ و١٢٢)، وأسلم في تاريخ واسط (ص ٥٧)، والطبري في تفسيره (٤/ ٩٨)، وأبو يعلى (١٣٧ و١٣٨ و١٣٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥)، وابن السني في اليوم والليلة (٣٦١)، وابن شاهين في الترغيب (١٨٢)، والقضاعي (٧٨٨) والبيهقي (١٠/ ١٨٨) وفي الشعب (٦٣٣ و٦٦٩٧) وفي الدعوات (١٤٣) والواحدي في الوسيط (١/ ٤٩٤) والبغوي في شرح السنة (١٢٩٧) وفي تفسيره (١/ ٤٢٢)، والمزي (٣٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، والذهبي في معجم الشيوخ (٢/ ٣١١)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة، وليس إسناده بالقوي وقال البزار: رأيت في هذا الإسناد رجلين مجهولين فتركت ذكر هذا الحديث البحر الزخار (١/ ١٧١ - ١٧٢).\nوقال أيضًا: وهذا الحديث لا نحفظه عن النبي - ﷺ - من وجه من الوجوه إلا عن أبي بكر بهذا الطريق، وعثمان بن واقد مشهور حدث عنه أبو معاوية وأبو يحيى الحِمّاني وغيرهما، وأبو نصيرة ومولى أبي بكر فلا يعرفان، ولكن لما كان هذا الحديث لا يعرف إلا من هذا الوجه لم نجد بدا من كتابته وتبيين علته ١/ ٢٠٥ وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٠٤). الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٤٧٤).\nوقال ابن حجر في فتح الباري (١/ ١١٢) وللترمذي عن أبي بكر الصديق مرفوعا ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة إسناد كل منهما حسن، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٣٧١) أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر وقال غريب وليس إسناده بالقوي. وفي الباب: حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الدعاء =","vol":"12","page":417},{"text":"والترمذي (^١) والله أعلم.\nتنبيه: وأصل الغفران التغطية، يقال غفر الله لك، والمغفرة إلباس الله تعالى المغفرة للمذنبين فالمستحب للعبد أن [يكثر] الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار وحقيقة الاستغفار طلب المغفرة وهو ستر الله تعالى على العبد وإذا ستره رحمه.\nوروى ابن السني (^٢) وشيخه النسائي في عمل اليوم والليلة (^٣) عن [مسلم]\n_________\n= (١٧٩٧) به مرفوعا.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (١٧٣) به بلفظ لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.\nوقال الذهبي في الميزان: أبو شيبة الخراساني أتى بخبر منكر. ثم ذكر له هذا الحديث.\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٥٤).\n(^٢) ابن السني، في عمل اليوم والليلة (٣٧١).\n(^٣) سنن النسائي الكبرى (١٠٢٩٥)، وعمل اليوم والليلة (٤٦١) (٤٦٣) معجم الصحابة للبغوي (٥/ ٣١٣)، وهذا حديث معلول بالإرسال، والمرسل هو الصواب كما ذكر ذلك المزي في تحفة الأشراف (٣٥٢١)، وقال ابن حجر في الإصابة (٦/ ٣٥٨): مسلم بن السائب بن خباب مختلف في صحبة أبيه وأما هو فأرسل شيئا وذكره البغوي في الصحابة وقال لا أحسب له صحبة قال وقد قيل إنه روى عن أبيه عن النبي - ﷺ - انتهى وله رواية أيضًا عن أمه وعن أم رافع وحديثه المذكور أخرجه النسائي والبغوي وغيرهما من رواية سليمان بن يسار عنه قال قالوا يا رسول الله كيف نستغفر فذكر الحديث ووقع في رواية النسائي عن سليمان عن مسلم بن السائب عن خباب بن الأرت وقوله بن الأرت خطأ والصواب حذفه ويكون الحديث لخباب جد مسلم وإليه أشار البغوي وقال أبو حاتم الرازي روى عن النبي - ﷺ - مرسلا وهو من التابعين وأدخله بعضهم في الحصابة ظنا منهم =","vol":"12","page":418},{"text":"بن السائب عن خباب بن الأرت قال: سألت النبي - ﷺ - فقلت يا رسول الله كيف [نستغفر؟ قال: قل اللهم اغفر] لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.\nتنبيه: هل يشترط في صحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط؟ شرط بعض الناس عدم معاودة الذنب، وقال متى عاد إليه تبينا أن توبته كانت باطلة غير صحيحة، والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط وأنه إذا أقلع عن الذنب وندم وعزم على ترك العود عزما جازما صحت توبته فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة واحتج لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ (^١)، قال المفسرون يعلم أنهم يعودون إلى الذنب، ولكنه تعالى قبل توبتهم لأنهم تابوا توبة صحيحة بشرائطها. قالوا والله تعالى أكرم من أن يغفر لعبد ثم يعود في مغفرته. وفي المسند (^٢) مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - إن الله يحب العبد\n_________\n= أن له صحبة وليس كذلك وقال أبو أحمد العسكري حديثه مرسل وذكره بن حبان في ثقات التابعين وقال يروي المراسيل وكذا ذكره البخاري وغير واحد في التابعين\n(^١) سورة الشورى، الآية: ٢٥.\n(^٢) عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٦٠٥)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٣/ ١٧٨ - ١٧٩ وأخرجه أبو يعلى (٤٨٣)، والدولابي في الكنى والأسماء (٢/ ٨٤٠) قال أحمد: هذا حديث منكر، وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٣٣٨): سند ضعيف، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٠): رواه =","vol":"12","page":419},{"text":"المفتن التواب (^١)، اهـ.\nوهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوبا للرب ولكان ذلك أدعى إلى مقته، قالوا وقد علّق الله تعالى قبول التوبة بالاستغفار وعدم الإصرار دون المعاودة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ (^٢)، والإصرار عقد القلب على ارتكاب الذنب متى [ظفر] (^٣) به فهذا الذي يمنع مغفرته (^٤)، اهـ. قاله في تهذيب النفوس.\nتنبيه أيضًا: هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ فيه قولان لأهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل ولم يطلع على الخلاف من حكى الإجماع على صحتها كالنووي وغيره وسرّ المسألة أن التوبة هل تتبعض كالمعصية وقال بعض [العلماء:] والذي عندي أن التوبة لا تصح من\n_________\n= عبد الله، وأبو يعلى، وفيه من لم أعرفه. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٠٨): رواه الحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند.\nوله شاهد من حديث أنس بن مالك رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٩٦): موضوع.\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٢٨٦ - ٢٩٢) باختصار.\n(^٢) سور آل عمران، الآية: ٣٥.\n(^٣) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (ظهر)، ولعله خطأ.\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ٢٩٢).","vol":"12","page":420},{"text":"ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه وأما توبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه تصح كما إذا تاب من الزنا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الزنا صحيحة وأما إذا تاب من ربا النسيئة ولم يتب من ربا الفضل أو بالعكس أو تاب عن الحشيشة وأصرّ على الخمر أو بالعكس فهذا لا تصح توبته، وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها أو عن شرب مسكر عصير العنب وهو مصر على غيره من الأشربة المسكرة فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب وإنما عدل من نوع إلى نوع بخلاف من عدل إلى جنس آخر إما لأن وزره أخف أو لغلبة دواعي الطبع أو لغير ذلك والله أعلم. قاله في تهذيب النفوس (^١).\nفائدة: وفي بعض الآثار أن العبد إذا أذنب فقال يا رب هذا قضاؤك وأنت قدرته عليّ وأنت حكمت عليّ وأنت كتبت عليّ فيقول الله تعالى وأنت عملت وأنت جنيت وأنت أردت واجتهدت وأنا أعاقبك عليه، وإذا قال يا رب أنا أخطأت وأنا اعتديت وأنا فعلت يقول الله ﷿ أنا قدرت عليك وقضيت وكتبت وأنا أغفر لك وإذا عمل حسنة فقال يا رب أنا عملتها وأنا تصدقت وأنا صليت وأنا أطعت يقول الله تعالى وأنا أعنتك وأنا وفقتك وإذا قال يا رب أنت أعنتني وأنت وفقتني وأنت مننت علي يقول الله تعالى وأنت عملتها وأنت أردتها وأنت كسبتها (^٢) اهـ.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٢٠٢).","vol":"12","page":421},{"text":"٤٧٥٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب، ونزع، واستغفر صقل \"٥\" منها، وإن زاد زادت (٦) حتى يغلف بها قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: [كلا بل ران على قلوبهم]. رواه الترمذي (^١) وصححه النسائي (^٢)، وابن ماجه (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) والحاكم (^٥)، واللفظ له من طريقين قال في أحدهما: صحيح على شرط مسلم. ولفظ ابن حبان وغيره: إن العبد إذا أخطأ خطيئة ينكت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه الحديث.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٣٣٣٤).\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي (١٠١٧٩ - ١١٥٩٤).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤٢٤٤).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٩٣٠، ٢٧٨٧).\n(^٥) الحاكم في المستدرك (١/ ٤٥)، وقال: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين وقد احتج مسلم بأحاديث القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، وأخرجه في (٢/ ٥٦٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأخرجه أحمد (٧٩٥٢)، وابن أبي الدنيا في التوبة (١٩٨)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٥٥)، والآجري في الشريعة (٢١٢)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٩٧٤ - ١١٢١)، وتمام في فوائد (١٢٩٤)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣١٦)، وفي شعب الإيمان (٦٨٠٨)، وفي الآداب (٨٣٧)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٣٧٠) أخرجه الترمذي وصححه والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه وابن حبان والحاكم. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٤١): حسن.","vol":"12","page":422},{"text":"قوله عن أبي هريرة تقدم. قوله - ﷺ - إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه الحديث. تقدم الكلام على النكتة في الاستغفار وأنها بالتاء المثلثة وأنه شبه [الوسخ] في المرآة.\n\n٤٧٥٣ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قالت قريش للنبي - ﷺ -: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فإن أصبح ذهبا اتبعناك، فدعا ربه فأتاه جبريل - ﵇ - فقال: إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة. رواه الطبراني (^١)، ورواته رواة الصحيح.\nقوله عن ابن عباس تقدم. قوله قالت قريش للنبي - ﷺ - ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فإن أصبح ذهبا اتبعناك الحديث. قريش اسم قبيلة، أبوهم النضر ولقبه قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، قال\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٥٢/ ١٢٧٣٦)، وأخرجه أحمد (٢١٦٦)، وعبد بن حميد (٧٠٠)، والبزار (كشف الأستار -٢٢٢٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٧٢)، وفي السنن الكبرى (٩/ ١٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٢٠)، (٢/ ٣١٤)، (٤/ ٢٤٠)، وقال: هذا حديث صحيح محفوظ من حديث الثوري، عن سلمة بن كهيل وعمران بن الحكم السلمي تابعي كبير محتج به، وإنما أهملا هذا الحديث - والله أعلم - لخلاف وقع من يحيى بن سلمة بن كهيل في إسناده ويحيى كثير الوهم على أبيه -، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ١٣١): إسناد جيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٦): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٨٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٤٢).","vol":"12","page":423},{"text":"الجوهري (^١): سميت قريشا، وكنانة حمسا، والحمس جمع الأحمس لأنهم تحمسوا في [دينهم] أي تشددوا [وتصلبوا] والحماسة الشدة لأنه كانوا لا [يستظلون] أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وغير ذلك، اهـ. والصفا جبل بمكة متصل بأبي قبيس بالقرب من باب الحرم ومن المسعى.\n\n٤٧٥٤ - وعن عبد الله بن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. رواه ابن ماجه (^٢) والترمذي (^٣) وقال حديث حسن.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٧/ ٣١). غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٢٤٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٤٠)\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٣) كذا رواه ابن ماجه، وفيه: عبد الله بن عمرو وهو ابن العاص، ولذا أورده البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٤٩). وقال الذهبي: وعند القزويني، يعني ابن ماجه: عن عبد الله بن عمرو، فلم يصنع شيئا، صوابه: ابن عمر. سير أعلام النبلاء (٥/ ١٦٠) - وقال المزي، بعد أن ذكر رواية ابن ماجه: وهو وهم. تحفة الأشراف (٦٦٧٤)، وأخرجه أحمد (٢/ ١٣٢ و١٥٣)، وأبو يعلى (٥٦٠٩ و٥٧١٧) وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٣٥٢٩)، والخرائطي في اعتلال القلوب (ص ٥٦) وابن حبان (٦٢٨) والطبراني في مسند الشاميين (١٩٤ و٣٥١٩) وابن عدي (٤/ ١٥٩٢) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٩٠) والحاكم (٤/ ٢٥٧) وأبو محمد البغوي في شرح السنة (١٣٠٦) والذهبي في السير (٥/ ١٦٠) وقال الحاكم: صحيح الإسناد وقال الذهبي: هذا حديث عال صحيح الإسناد، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٤٩): هذا إسناد ضعيف لتدليس مكحول الدمشقي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٤٣)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (١٩٠٣)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٥٩)، وتخريج المشكاة (٢٣٤٣).\n(^٣) الترمذي (٣٥٣٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب.","vol":"12","page":424},{"text":"[يغرغر] بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراء مكررة: معناه ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به.\nقوله وعن عبد الله بن عمرو تقدم. قوله أن الله ﷿ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر الحديث، ويغرغر بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراءين مهملتين أي ما لم تبلغ روحه حلقومه فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم [ويردد] إلى أصل الحلق ولا يبلع، قاله في النهاية (^١)، أي وعند الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان ولا ينفع حينئذ توبة ولا إيمان كما قال في محكم البيان ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (^٣)، فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح والملائكة وذلك عند غرغرته بالروح وإنما يغرغر به إذا قطع الوتين فشخص من الصدر إلى الحلق فعندها المعاينة وعندها حضور الموت فاعلم ذلك، قاله القرطبي في التذكرة (^٤). دلّ هذا الحديث على قبول توبة الله لعبده ما دامت روحه في جسده ما لم تبلغ روحه الحلقوم والتراقي، وروى\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٦٠).\n(^٢) سورة غافر: ٨٥.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ١٨.\n(^٤) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٢١٢).","vol":"12","page":425},{"text":"ابن أبي الدنيا (^١) بإسناده عن الحسن قال أشد ما يكون الموت على العبد إذا بلغت الروح التراقي، قال فعند ذلك يضطرب ويعلو نفسه ثم بكى الحسن وقد دل القرآن على مثل [ذلك] أيضًا، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (^٢)، وعمل السوء إذا انفرد يدخل فيه جميع السيئات صغيرها وكبيرها والمراد بالجهالة الإقدام على السوء وأما التوبة من قريب [فالجمهور] على أن المراد بها التوبة من قبل الموت فالعمر كله قريب والدنيا كلها قريب ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ومن مات ولم يتب فقد بعد كل البعد كما قيل:\nفهم جِيرةُ الأحياء أما مزَارُهم ... فدانٍ وأمّا الملتقى فبعيد\nفالحي قريب والميت بعيد من الدنيا على قربه منها فإن جسمه في الأرض يبلى وروحه عند الله تنعم أو تعذب ولقاؤه لا يرجى في الدنيا، فمن تاب قبل أن يغرغر فقد تاب من قريب فتقبل توبته، وروي عن ابن عباس - ﵄ - (^٣) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، قال قبل المرض والموت، وهذا إشارة إلى أفضل أوقات التوبة وهو أن يبادر الإنسان بالتوبة في صحته قبل نزول المرض به حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح، وأيضا\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٣٧).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٧.\n(^٣) تفسير القرطبي (٥/ ٩٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٢١٢). لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٣٥).","vol":"12","page":426},{"text":"فالتوبة في الصحة ورجاء الحياة تشبه الصدقة بالمال في الصحة ورجاء البقاء والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصدقة بالمال عند الموت فكأن من لا يتوب إلا في مرضه قد استفرغ صحته وقوته في شهوات نفسه وهواه ولذات دنياه فإذا أيس من الدنيا والحياة فيها تاب حينئذ وترك ما كان عليه فأين توبة هذا من توبة من يتوب وهو صحيح قوي قادر على المعاصي فيتركها خوفا من الله ﷿ ورجاء لثوابه وإيثارا لطاعته على معصيته.\nدخل قوم على بشر الحافي (^١) وهو مريض [فقالوا] له ماذا عزمت؟ قال عزمت أني إذا عوفيت تبت، فقال له رجل منهم فهلا تبت الساعة، فقال يا أخي أما علمت أن الملوك لا تقبل الأمان ممن في رجله القيد وفي رقبته الغل، إنما يقبل الأمان ممن هو راكب الفرس والسيف مجرد بيده، فبكى القوم جميعا، ومعنى هذا [أن] التائب في صحته بمنزلة من هو راكب على متن جواده وبيده سيف مشهور فهو يقدر على الكرّ والفرّ والقتال والهرب من الملك وعصيانه فإذا جاء على هذه الحال إلى بين يدي الملك ذليلا له طالبا [لأمانه] صار بذلك من خواص الملك وأحبابه لأنه جاء طائعا مختارا له راغبا في قربه وخدمته وأما من هو في أسر الملك وفي رجله قيد وفي رقبته غل فإذا طلب الأمان من الملك فإنما طلبه خوفا على نفسه من الهلاك وقد لا يكون محبا للملك ولا مؤثرا لرضاه فهذا مثل من لا يتوب إلا في مرضه عند\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٣٦).","vol":"12","page":427},{"text":"موته والأول بمنزلة من يتوب في صحته وقوته وشبيبته لكن ملك الملوك [ﷻ وعزّ سلطانه] أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وكل خلقه أسير في قبضته لا يعجزه هارب ولا يفوته ذاهب ومع هذا فكل من طلب من عذابه من عباده أمنه على أي حال كان إذا علم منه الصدق في طلبه. شعر:\nالأمان الأمان وزري ثقيل ... وذنوبي إذا عددت تطول\nأوبقتني وأوثقتني ذنوبى ... فتُرى لي إلى الخلاص سبيل\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^١) الآية، المراد بالتوبة عند الموت التوبة عند انكشاف الغطاء ومعاينة المحتضر أمور الآخرة ومشاهدة الملائكة فإن الإيمان والتوبة وسائر الأعمال إنما تنفع بالغيب فإذا كشف الغطاء وصار الغيب شهادة لم ينفع الإيمان ولا التوبة في تلك الحال.\nوروى ابن أبي الدنيا (^٢) بإسناده عن علي - ﵁ - قال لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ. وبإسناده عن الثوري قال: قال ابن عمر (^٣) التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت، وعن الحسن - ﵁ - قال التوبة معروضة لابن آدم ما لم يأخذ الموت بكظمه، وعن بكر المزني قال (^٤) لا تزال التوبة للعبد مبسوطة ما لم\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٨.\n(^٢) محمد بن مفلح المقدسي الفروع وتصحيح الفروع (٤/ ٤٩٧).\n(^٣) محمد بن مفلح المقدسي الفروع وتصحيح الفروع (٤/ ٤٩٧).\n(^٤) عزاه السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص ٩٦). لابن أبي الدنيا.","vol":"12","page":428},{"text":"تأته الرسل فإذا عاينهم انقطعت المعرفة، وعن أبي مجلز (^١) قال لا يزال العبد في توبة ما لم يعاين الملائكة، وروي أيضًا في كتاب الموت بإسناده عن أبي موسى الأشعري قال إذا عاين الميت الملك ذهبت المعرفة، وعن حصين قال بلغني أن ملك الموت إذا غمز وريد الإنسان حينئذ يشخص بصره ويذهل عن الناس، وخرج ابن ماجه حديث أبي موسى الأشعري (^٢) مرفوعًا قال سألت النبي - ﷺ - متى تنقطع معرفة العبد من الناس قال إذا عاين وفي إسناده مقال [والموقوف] أشبه وقد قيل أنه إنما منع من التوبة حينئذ لأنه إذا انقطعت معرفته وذهل عقله لم يتصور منه ندم ولا عزم فإن الندم والعزم إنما يصح مع حضور العقل وهذا ملازم لمعاينة الملائكة كما دلت عليه الأخبار، والله أعلم. وقد أحسن محمود الوراق حيث يقول:\nقدّم لنفسك توبة مذخورة ... قبل الممات وقبل حبس الألسن\n_________\n(^١) الزهد لأبي حاتم الرازي (١/ ٧٢)، وعزاه السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص ٩٦). لابن أبي الدنيا.\n(^٢) سنن ابن ماجه (١٤٥٣)، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٤٠٨). وقال ابن رجب في لطائف المعارف (ص: ٣٣٧) وفي إسناده مقال والموقوف أشبه، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٢٣) هذا إسناد ضعيف نصر بن حماد كذبه ابن معين وغيره واتهم بالوضع.\nوأخرجه عبد الرزاق (٦٠٦٨) عن الثوري، عن محمد بن قيس، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي موسى الأشعري، قال: إذا عاين المريض الملك، ذهبت المعرفة، يعني معرفة الناس. موقوف. والحديث؛ أخرجه الخطيب، في المتفق والمفترق (٥٧٥). وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٣/ ٤٥٣): ضعيف جدا.","vol":"12","page":429},{"text":"بادر بها فوت النفوس فإنها ... ذخر وغنم للمنيب المحسن (^١) اهـ\nتنبيه: توبة الشاب أحسن وأفضل من توبة الشيخ في حديث مرفوع خرجه ابن أبي الدنيا (^٢): أن الله يحب الشاب التائب، قال عمير بن هاني (^٣) تقول التوبة للشاب أهلًا ومرحبًا وتقول للشيخ نقبلك على ما كان منك، الشاب ترك المعصية مع قوة الداعي إليه والشيخ قد ضعفت [قوته] (^٤) شهوته وقل داعيه فلا يستويان. في بعض الآثار (^٥) يقول الله تعالى: أيها الشاب التارك\n_________\n(^١) لطائف المعارف (ص ٣٣٧).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في التوبة (ص ٣١٣)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٩٨٣) ابن أبي الدنيا في التوبة وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أنس بسند ضعيف.\n(^٣) أبو علي عبد الجبار بن عبد الله الخولاني تاريخ داريا (١/ ٧٦)، وتاريخ مدينة دمشق (٤٦/ ٥٠٢).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ٣٩٧)، وعنه الجرجاني (٣٣٢) عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وقال ابن عدي: سعد بن سعيد يلقب سعدويه كان رجلًا صالحًا حدث عن الثوري وغيره بما لا يتابع عليه، ولم يكن ذلك من تعمد منه فيها أو ضعف في نفسه، إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحون، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما وهو من أهل بلدنا ونحن أعرف به.\nقلت: قال الذهبي عقب الحديث: فهذا موضوع على سفيان. وأقره الحافظ في اللسان. رواه ابن المبارك في الزهد (٥٧٥)، وأحمد الزهد (ص ١٣٢)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٣٧) عن يزيد بن ميسرة قال:. . . فذكره، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٢٧٤) أخرجه ابن عدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٤٦). وروى أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٣٨) عن يحيى بن أيوب، عن عبد الجبار بن وهب، عن عبد الله السلمي عن شريح، قال: حدثني البدريون منهم عمر بن =","vol":"12","page":430},{"text":"شهوته المبتذل شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي، قال عمر - ﵁ - إن الذين يشتهون المعاصي ولا يعملون بها أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. الشيخ قد تركته الذنوب فلا حمد له على تركها، كما قيل:\nتاركَك الذنب فتاركته ... بالفعل والشهوة في القلب\nفالحمدُ للذنب على تركِه ... لا لكَ في تركِك للذنب\nمات شيخ كان مفرطا فرُئي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ قال قال لي لولا أنك شيخ لعذبتك. وقف شيخ بعرفة والناس يجضّون بالدعاء وهو ساكت ثم قبض على لحيته وقال يا رب شيخ يا رب شيخ (^١) اهـ.\n\n٤٧٥٥ - وعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله أوصني؟ قال: عليك بتقوى الله ما استطعت، واذكر الله عند كل حجر وشجر، وما عملت من سوء فأحدث له توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية. رواه الطبراني (^٢)\n_________\n= الخطاب أن رسول الله - ﷺ - قال: ما من شباب يدع لذة الدنيا ولهوها ويستقبل بشبابه طاعة الله تعالى إلا أعطاه الله تعالى أجر اثنين وسبعين صديقا، ثم قال: يقول الله تعالى: أيها الشاب التارك شهوته من أجلي، المبتذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي، وقال أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٣٨): غريب من حديث شريح، تفرد به يحيى. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٣٣) وهذا حديث غريب.\n(^١) لطائف المعارف (ص ٣٤٧).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ١٥٩/ ٣٣١)، وأخرجه ابن حنبل في الزهد (ص ٢٦) والكلاباذي في بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار (١/ ٣٦٣) عن عطاء بن يسار أن النبي - ﷺ - بعث معاذا.","vol":"12","page":431},{"text":"بإسناد حسن إلا أن عطاء لم يدرك معاذا، ورواه البيهقي (^١)، فأدخل بينهما رجلا لم يسم.\nقوله: وعن معاذ بن جبل تقدم. قوله - ﷺ -: عليك بتقوى الله ما استطعت واذكر الله عند كل حجر وشجر وما عملت من سوء فأحدث له توبة السرّ بالسرّ والعلانية بالعلانية اهـ. قال الله تعالى ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٣)، واعلم أن التقوى هو الاتقاء مأخوذ من وقاية الشيء وهو أن يجعل نفسه وقاية نفسه فيجتنب\n_________\n(^١) البيهقي في الشعب (٥٤٤)، وابن السري في الزهد (١٠٧٥) عن الحسن عن معاذ، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٣٢٥) من طريق أبي معاوية قال قال معاذ بن جبل. قلت: وهو معضل شديد.\nوأخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٩٥٦)، ومن طريقه ابن عساكر (٥٨/ ٤٠٨)، وقال البيهقي: ورواه أسد بن موسى عن سلام بن سليم عن إسماعيل بن رافع عن ثعلبة الحمصي عن معاذ بن جبل - ﵁ - قلت: ورواه في الحلية (١/ ٢٤٠) من طريق إبراهيم بن عيينة، عن إسماعيل بن رافع، عن ثعلبة بن صالح، عن رجل من أهل الشام، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه.\nقلت: ثعلبة بن صالح هو الحمصي قال الأزدي نقله النباتي غير حجة لا يصح إسناد حديثه انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٣٧١) لسان الميزان (٢/ ٨٣). وأخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٩٥٧) عن محمد بن جبير - ﵁ - قال بعث رسول الله - ﷺ - معاذا إلى اليمن وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٢٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٤٤).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.","vol":"12","page":432},{"text":"هواه ومناه في الحال ليصل إلى راحته في المآل، وأول التقوى تقوى الشرك والكفر [بالله ﷿] عقدا وقولا وذلك أول باب في الهداية، ثم تقوى البدع كلها عقدا وقولا واتباع السنن قولا وفعلا ثم تقوى المحرمات كلها وقيل حقيقة التقوى مجانبة كل ما بعّدك عن الله ﷿، وقيل حقيقتها الوقوف عند الشبهات والفرار من المحظورات، اهـ. قاله الهروي، ولما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى إما بترك المأمورات أو بارتكاب بعض المحظورات فأمره بأن يفعل ما يمحو به السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^١)، الآية. قيل الطرفان الصبح والمغرب، قاله ابن عباس والحسن ورجحه الطبري والمراد بالحسنات الصلوات الخمس وإليه ذهب عثمان بن عفان وهو مذهب مالك وقال مجاهد الحسنات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهذا كله من جهة المثال في الحسنات، وقد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة وقد ورد ذلك صريحا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا (^٢) من مراسيل محمد بن جبير أن النبي - ﷺ - لما بعث معاذا - ﵁ - إلى اليمن قال يا معاذ اتق الله ما استطعت واعمل بقوتك لله ﷿ ما أطقت واذكر الله عند كل شجرة وحجر وإن أحدثت ذنبا فأحدث\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(^٢) البيهقي في الزهد الكبير (٩٥٧).","vol":"12","page":433},{"text":"عنده توبة إن سرا فسرّ وإن علانية فعلانية. وقال قتادة (^١) قال سلمان إذا أسأت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة وإذا أسأت سيئة في علانية فأحسن [حسنة] في علانية لكي تكون هذه بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم منها، قاله ابن رجب في شرح النواوية (^٢).\nلطيفة فيها تنبيه: قوله في الحديث السر بالسر والعلانية بالعلانية، مراده بالسر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يروه، فإن من علم أن الله تعالى يراه حيث كان وأنه مطلع على ظاهره وباطنه وسره وعلانيته واستحضر ذلك في خلواته أوجب ذلك ترك المعاصي في السر وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن (^٣) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٤) اهـ.\n\n٤٧٥٦ - وروي عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله ﷿ حفظته ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله يوم القيامة وليس عليه شاهد من الله بذنب. رواه الأصبهاني (^٥).\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا التوبة (ص ٢٦٠).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (ص ٤١١ - ٤١٦) باختصار.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (ص ٤٠٧ - ٤٠٨).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١.\n(^٥) الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٧٧٨) وابن عساكر في التوبة (١٢)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٤١٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣٢).","vol":"12","page":434},{"text":"قوله: وعن أنس تقدم. قوله - ﷺ - إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله تعالى حفظته ذنوبه، المراد بالحفظة الذين يكتبون الحسنات والسيئات ولا يفارقون الإنسان في حال من الأحوال. وتقدم الكلام على التوبة وشروطها في أوائل الباب.\n\n٤٧٥٧ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله، وسوء عمله، وإنما الأعمال بخواتيمها، والليل والنهار مطيتان، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف، فإن الموت يأتي بغتة، ولا يغترن أحدكم بحلم الله ﷿، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (^١). رواه الأصبهاني (^٢) من رواية ثابت بن محمد الكوفي العابد.\n_________\n(^١) سورة الزلزلة، الآية: ٧ - ٨.\n(^٢) الترغيب والترهيب لقوام السنة (٧٧٩)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٣٠)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٣٦)، والطبراني في المعجم الصغير (٥٢٠)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٦)، وتمام في الفوائد (١٦٣٤)، وابن بشران في الأمالي (٩٩٦)، (١٥٨٦)، والثقفي في الأربعين (ص ١٩١) والشجري في أماليه (١/ ١٦٧)، وقال ابن حبان: إسحاق بن بشر الكاهلي كنيته أبو حذيفة القرشي أصله من بلخ ومنشأه ببخارى سكن بغداد مدة وحدثهم بها كان يضع الحديث على الثقات ويأتي بما لا أصل له عن الاثبات مثل ذلك وغيره روى عنه البغداديون وأهل خراسان لا يحل كتب حديثه إلا على جهة =","vol":"12","page":435},{"text":"قوله وعن ابن عباس تقدم. قوله - ﷺ - والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، الحديث. [المطيتان تثنية] (^١) مطية وهي الناقة التي تصلح للركوب، سميت بذلك لأنه يركب مطاها وهو ظهرها، وقال الأصمعي (^٢) المطية التي تمطو في سيرها أي تمُدّ فهي مشتقة من المطو وهو المد وجمعها مطايا ومطيّ اهـ، ولما رأى الشيخ أبو الفضل الجوهري مدينة النبي ﷺ أنشد:\nرُفع الحجاب لنا فلاح [لناظري] ... قمر تقطّع دونه الأوهام\n[وإذا المطيّ بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام]\nقربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام\nالذمام بالذال المعجمة، الحرمة.\nقوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] فأحسنوا السير عليهما إلى [آخره] يعني أن الليالي والأيام تسير بالإنسان إلى الآخرة وهو غافل عن ذلك كما قال بعض الحكماء مثل العبد في عمره مثل رجل في سفينة تسير وهو قاعد والليل والنهار يبليان كل جديد.\n_________\n= التعجب فقط. قال ابن عدي: هذا بهذا الإسناد منكر، وقال الثقفي: حديث غريب فرد عن سفيان عن أبيه، ما كتبنا إلا من هذا الوجه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٩): رواه الطبراني في الصغير، وفيه مطرف بن مازن، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٧٢٢)، (٥٢٥٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣٣).\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (٩/ ٢٤٨)، ولسان العرب (١٥/ ٢٨٥).","vol":"12","page":436},{"text":"قوله يبليان أي يخلقان وقد نظم ابن دريد هذا المعنى فقال:\nإذا استوليا على جديد أدنياه للبلى ... والجديدان الليل والنهار\nقاله شارح الأربعين الودعانية.\nقوله واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترنّ أحدكم بحلم الله الحديث، التسويف هو التأخير من وقت إلى وقت والبغتة الغفلة.\nقوله - ﷺ - فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله شراك النعل معروف وهو السير الذي يكون على ظهر القدم.\nقوله رواه الأصبهاني من رواية ثابت بن محمد الكوفي العابد صدوق احتج به البخاري وغيره وفيه مقال.\n\n٤٧٥٨ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. رواه ابن ماجه (^١) والطبراني (^٢) كلاهما من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه، ورواة الطبراني رواة\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٠).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٥٠/ ١٠٢٨١) وعنه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٠)، وأخرجه الدارقطني في العلل (٥/ ٢٩٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ٣٩٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٨)، والبيهقي (١٠/ ١٥٤)، والخطيب في الموضح (١/ ٢١٠)، والشجري في أماليه (١/ ١٩٨)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد الكريم لم يصله عن معمر إلا وهيب قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٠): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٧١) وسنده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٠٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٤٥)، والضعيفة تحت الحديث (٦١٥ - ٦١٦).","vol":"12","page":437},{"text":"الصحيح، ورواة ابن أبي الدنيا والبيهقي (^١) مرفوعًا أيضًا من حديث ابن عباس، وزاد: والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، وقد روي بهذه الزيادة موقوفا، ولعله أشبه.\nقوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم.\nقوله - ﷺ -: الموت غنيمة والمعصية مصيبة والفقر راحة و[الغنى] عقوبة والعقل هدية من الله والجهل ضلالة والظلم ندامة والطاعة قرة العين والبكاء من خشية الله النجاة من النار والضحك هلاك [البدن] والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وتقدم الكلام على التوبة وشروطها.\n\n٤٧٥٩ - وعن حميد الطويل قال: قلت لأنس بن مالك - ﵁ -: أقال النبي - ﷺ -: الندم توبة؟ قال: نعم. رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (٨٥)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦٧٨٠)، وفي الكبرى (١٠/ ١٥٤)، وقال البيهقي: هذا إسناد فيه ضعف وقال السخاوي: وسنده ضعيف فيه من لا يعرف، وروي موقوفا قال المنذري: ولعله أشبه. بل هو الراجح انظر: الأجوبة المرضية (١/ ٧٧ - ٧٨)، المقاصد (ص ١٥٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٩٨)، والضعيفة (٦١٦).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٦١٣)، وأخرجه البزار (كشف ٣٢٣٩)، وابن عدي (١/ ٢٠٣)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ٧٣)، والحاكم (٤/ ٢٧٢)، والبيهقي في الشعب (٧٠٢٨) وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا رواه عن حميد إلا يحيى، وعمرو حدّث عن ابن وهب بأحاديث ذكر أنّه سمعها بالحجاز، وأنكر أصحاب الحديث أن يكون حدّث بها إلا بالشام أو بمصر، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي فقال: قلت: هذا من مناكير يحيى قال العراقي في المغني عن حمل =","vol":"12","page":438},{"text":"قوله وعن حميد الطويل هو أبو عبيدة، وقيل: أبو عبيد حميد بن أبي حميد، واسم أبى حميد تيرويه، وقيل: تير، وقيل: ذا ذويه، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: داود، وهو تابعى بصرى، سمع أنس بن مالك، وسمع جماعات من التابعين. روى عنه يحيى الأنصاري التابعى، وعبيد الله العمرى، ومالك، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، وهشيم، والحمادان، وابن المبارك، وابن علية، ويحيى القطان، وخلائق، قيل: إنه كان قصيرًا، طويل اليدين، فقيل: حميد الطويل، قيل: كان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه رأسه والأخرى رجليه. قال البخاري: قال الأصمعى: رأيت حميدا لم يكن طويلا، لكن طويل اليدين، وهو مولى طلحة الطلحات الخزاعي، وقيل: كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير، فقيل له: حميد الطويل؛ ليتميز. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة (^١).\nقال النبي - ﷺ -: الندم توبة قال نعم الحديث الندم هو أحد أركان التوبة وأعظمها لقوله - ﷺ - الحج عرفة (^٢).\n_________\n= الأسفار (ص: ١٣٣٧) ورواه ابن حبان والحاكم من حديث أنس وقال صحيح على شرط الشيخين. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٩) رواه البزار عن شيخه: عمرو بن مالك الرواسي، وضعفه غير واحد، ووثقه ابن حبان، وقال: يغرب ويخطئ، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٨٠١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٤٦).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن سعد (٢/ ١٧٩) وأحمد (٤/ ٣٠٩ و٣١٠) وعبد بن حميد (٣١٠) والدارمي (١٨٩٤) ومسلم في التمييز (٧٦)، (٧٧)، والحميدي (٨٩٩) وابن أبي شيبة في المسند =","vol":"12","page":439},{"text":"قال الجوهري (^١) يقال [ندم على] ما فعل ندما وندامة وتندم مثله وأندمه الله تعالى فندم ورجل ندمان أي نادم.\n\n٤٧٦٠ - وعن عبد الله بن معقل قال: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود - ﵁ - فقال له أبي: سمعت النبي - ﷺ - يقول: الندم توبة؟ قال: نعم. رواه الحاكم (^٢)، وقال: صحيح الإسناد.\n_________\n= (٧٣١) والبخاري في الكبير (١/ ٢/ ١١١ و٣/ ١/ ٢٤٣) وأبو داود (١٩٤٩) وابن ماجه (٣٠١٥) والترمذي (٨٨٩ و٨٩٠ و٢٩٧٥) وابن أبي عاصم في الآحاد (٩٥٧) والنسائي (٥/ ٢٠٦ و٢١٤) وفي الكبرى (٤٠١١ و٤٠١٢ و٤٠٥٠) وابن خزيمة (٢٨٢٢) وابن حبان (٣٨٩٢) والحاكم (٢/ ٢٧٨)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث بكير بن عطاء. وقال الترمذي (٣/ ٢٣٨): وقال بن أبي عمر سفيان بن عيينة وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري. . . قال أبو عيسى: قال وكيع: هذا الحديث أم المناسك. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٤/ ٢٩٤) هذا حديث أشرف ولا أحسن من هذ ونقل البيهقي في معرفة السنن والآثار (٧/ ٣٧٥) ٣٢٠٦ - قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري: ليس عندكم بالكوفة حديث أشرف من هذا. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣١٧٢).\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ٢٠٤٠).\n(^٢) الحاكم (٤/ ٢٤٣) وأخرجه الحميدي (١٠٥)، وابن أبي شيبة (٩/ ٣٦١) وفي المسند (١٧٩) أحمد (١/ ٣٧٦) (١/ ٤٢٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤) وابن ماجه (٤٢٥٢)، والحسين بن الحسن المروزي في زيادات الزهد لابن المبارك (١٠٤٤) والبزار (١٩٢٦) وأبو يعلى (٤٩٦٩ و٥١٢٩) والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٩١) وفي المشكل (١٤٦٥)، وأبو القاسم البغوي في الصحابة (٢١٦١) والحاكم (٤/ ٢٧١) والقضاعي (١٣) والبيهقي في الشعب (٦٦٢٩) وفي الآداب (١١٦٤) =","vol":"12","page":440},{"text":"قوله وعن عبد الله بن معقل هو عبد الله بن معقل بالعين المهملة والقاف ابن مقرن أبو الوليد، قال أحمد العجلي: كوفي ثقة من خيار التابعين، وقال ابن الأثير في جامع الأصول: يعدّ في الطبقة الثانية من تابعي الكوفة، قال ابن حبان: مات سنة بضع وثمانين بالبصرة، فأسند عنه [أنه] صلى بالناس في شهر رمضان فأرسل إليه بحُلّة وخمسمائة فردها، وقال إنا لا نأخذ على القرآن أجرا (^١)، اهـ.\nقوله: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود فقال له إني سمعت النبي - ﷺ - يقول الندم توبة، قال نعم، وتقدم لهذا الحديث نظائر في الأحاديث قبله وكذلك حديث عائشة الذي بعده.\n\n٤٧٦١ - وعن عائشة - ﵂ - عن رسول الله - ﷺ - قال: ما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره منه. رواه الحاكم (^٢) من رواية\n_________\n= والخطيب في الموضح (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، والمزي في تهذيب الكمال (٩/ ٥١١)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٣٣٧) أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن مسعود. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٤٨) هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٧١): حديث حسن من حديث بن مسعود أخرجه بن ماجه وصححه الحاكم وأخرجه بن حبان من حديث أنس وصححه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٨٠٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٤٧).\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٦٨٠).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥٣)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي في التلخيص: بل هشام بن زياد متروك، والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في =","vol":"12","page":441},{"text":"هشام بن زياد، وهو ساقط (^١)، وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: رواه الحاكم من رواية هشام بن زياد أبو المقدام بن أبي هشام البصري، أخو الوليد بن أبي هشام، مولى آل عثمان بن عفان ضعفوه قال النسائي وغيره متروك.\n\n٤٧٦٢ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل. رواه مسلم (^٢).\nقوله: وعن ابن مسعود تقدم. قوله - ﷺ - ليس أحد أحبّ إليه المدح من الله تعالى من أجل ذلك أثنى على نفسه الحديث، وفي حديث آخر لا أحد [أحبذ] إليه المدحة من الله، المدحة [الثناء و] الذكر الحسن، بكسر الميم فإذا أزلت التاء فتحت الميم فقلت المَدح ومعنى ذلك أنه يريدها ويأمر بها\n_________\n= الشكر (٤٧)، والخرائطي في فضيلة الشكر لله (٤٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢٦٧٦ - ٤٥٠٣)، وأبو بكر الشافعي في الفوائد الشهير بالغيلانيات (٧٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٦٩ - ٤٠٧٠)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٩٩): رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، في أحدهما بزيع بن حسان أبو الخليل، وفي الآخر سليمان بن داود المنقري، وكلاهما ضعيف. وأورده الألباني في ضعيف الجامع (٥١١٠)، والضعيفة (٣٢٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣٥)، وقال: موضوع.\n(^١) انظر ميزان الاعتدال (٧/ ٨٠)، والمغني في الضعفاء (٢/ ٧١٠)، والكاشف (٢/ ٣٣٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٥) (٢٧٦٠).","vol":"12","page":442},{"text":"ويثيب، هذا ما قاله عياض (^١) وحقيقة هذا مصلحة للعباد لأنهم يثنون عليه ﷾ فيثيبهم فينتفعون وهو ﷾ عن العالمين لا ينفعه مدحهم ولا يضره تركهم ذلك وفيه تنبيه على فضل الثناء عليه سبحانه وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الأذكار. قوله - ﷺ - ليس أحد أغير الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، الحديث.\nقال العلماء: الغيرة بفتح الغين وأصلها المنع، والرجل الغيور على أهله أي يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر أو حديث أو غيره والغيرة صفة كمال وما يدخل في الغيرة قوله تعالى ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ (^٢)، وقال السري لأصحابه تدرون ما هذا الحجاب، حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله، إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته [﷿ فجعل] بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا له والغيرة منزلة شريفة عظيمة المقدار وتنقسم قسمين غيرة من الشيء وغيرة عليه فالغيرة من الشيء كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك والغيرة على الشيء هي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوزيَّة ثم الغيرة نوعان غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربه فأما غيرة الرب ﷾\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٧٥).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٤٥.","vol":"12","page":443},{"text":"على عبده فهي أن لا يجعله للخلق بل يجعله لنفسه [عبدا ولا يجعل له فيه شركاء متشاكسين بل يفرده لنفسه] (^١) [ويضن به] على غيره وهذا أعلى الغيرتين والغيرة في حق الله تعالى [فقد] فسرها في حديث عمر - ﵁ - بقوله ﷺ غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه أي غيرة منعه وتحريمه والله أعلم. قوله - ﷺ - ليس أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل الحديث يعني أنه ليس أحد أحب إليه الإعذار من الله فالعذر هنا بمعنى الإعذار والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة ولهذا بعث المرسلين كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٢) وبه يصح المعنى فقد جاءت المعاذير في الكتاب والسنة بمعنى الإعذار فوجب قبوله وهو جمع معذور بمعنى العذر، فالمعذور على هذا مصدر فكذا المعذور بمعنى العذر فالمعاذير جمع معذور، قاله النووي (^٣). وقال القاضي عياض (^٤) يحتمل أن يكون المراد به الإعذار أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم وتوبتهم من معاصيهم فيغفر لهم كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (^٥) اهـ.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ١٥.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٨).\n(^٥) سورة الشورى، الآية: ٢٥.","vol":"12","page":444},{"text":"٤٧٦٣ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم. رواه مسلم (^١) وغيره.\nقوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله - ﷺ - والذي نفسي بيده الحديث، هذا قسم من النبي - ﷺ -.\nقوله - ﷺ - لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم الحديث، والظاهر والله أعلم أن مراده بالاستغفار الاستغفار المقرون بعدم الإصرار على الذنب كما تقدم ذكره عن الشيخ زين الدين بن رجب ويؤيده أيضًا ما رواه ابن أبي الدنيا (^٢) والبيهقي (^٣) مرفوعا إلى النبي - ﷺ - من حديث ابن عباس، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه ﷿، تقدم هذا الحديث أيضًا والله أعلم.\n\n٤٧٦٤ - وعن عمران بن الحصين - ﵁ - أن امرأة من جهينة أتت رسول الله - ﷺ -، وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حدا، فأقمه علي، فدعا نبي الله - ﷺ -، وليها فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل، فأمر بها\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١١) (٢٧٤٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (٨٥).\n(^٣) البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٤)، وفي الشعب (٦٧٨٠)، وقال البيهقي: هذا إسناد فيه ضعف وقال السخاوي: وسنده ضعيف فيه من لا يعرف، وروي موقوفا قال المنذري: ولعله أشبه. بل هو الراجح الأجوبة المرضية (١/ ٧٧ - ٧٨)، المقاصد (ص ١٥٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٩٨)، والضعيفة (٦١٦).","vol":"12","page":445},{"text":"نبي الله - ﷺ -، فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله، وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ﷿. رواه مسلم (^١).\nقوله وعن عمران بن الحصين كنيته: أبو نُجَيد بضم النون وفتح الجيم الخزاعي تقدم ذكره. قوله أن امرأة من جهينة أتت النبي - ﷺ - وهي حبلى من الزنا فقالت يا رسول الله أصبت حدا فأقمه عليّ فدعا رسول الله - ﷺ - فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ففعل الحديث.\nوفي لفظ لمسلم (^٢) أن النبي - ﷺ - بعد أن رجم ماعزا الذي أقرّ عنده بالزنا بثلاثة أيام جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي واستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنا، فقال أنت؟ قالت نعم. فقال لها حتى تلدي، فلما ولدت أتت بالصبي في خرقة قالت ها قد ولدته قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت يا نبي الله ها قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فرماها خالد بحجر في رأسها فنضح بالدم على وجهها فسبَّها فسمع النبي - ﷺ - سبّه\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٤) (١٦٩٦).\n(^٢) صحيح مسلم (١٦٩٥).","vol":"12","page":446},{"text":"إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة [لو تابها] صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلى [عليها] ودفنت هذه المرأة الغامدية وغامد بطن [من] جهينة وغامد بغين معجمة ودال مهملة والغامدية قيل اسمها سبيعة وقيل آمنة بنت فرح حكاهما الخطيب وغيره.\nوروى [البيهقي (^١) أن] عمر أمر برجم حامل من الزنا [فقال له علي رضي الله تعالى عنه:] لا سبيل لك على ما في بطنها فقال عمر لولا عليّ [لهلك] عمر، وقيل القائل ذلك لعمر معاذ بن جبل فتحبس الحامل في القصاص إلى أن يمكن الاستيفاء ولو كان عليها الرجم أو غيره من حدود الله تعالى لم تحبس على الصحيح لأنه مبني على التخفيف، وقيل [تحبس] كالقصاص، [وتؤخر] أيضًا وجوبا إلى أن يسقى الولد اللبأ لأنه لا يعيش بدونه غالبا.\nقال ابن الرفعة: [ولا بد] بعد الولادة من انقضاء [النفاس] أيضًا ثم إن كان هناك غيرها يرضع فلا كلام وإن لم يوجد إلا هي فعن ابن خيران أنها تقتل ولا يبالى بالطفل كما [لو] كان للقاتل عيال [يضيعون] ظاهرا بموته [والصحيح أنها تؤخر] إلى أن توجد مرضع تتم رضاعه أو ما يعيش به ولد البهيمة لكن الأولى أن يؤخر الاستيفاء لأن الولد يتضرر باختلاف اللبن عليه وبشرب لبن البهائم [ويخالف] الرجم فإنه يؤخر حتى يوجد من يكفل ولدها لأن الرجم مختص بحق الله تعالى وليس [في] تأخيره\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية (٦/ ٤١).","vol":"12","page":447},{"text":"ضرر وهنا بخلاف ذلك (^١) قاله في الديباجة.\nوفيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب [الموبقات] وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده وتكرر ذلك منه [وانتهاكه] للناس [وأخذ] أموالهم بغير حقها وصرفها في غير وجهها. وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا وكذا حكم حد السرقة والشرب وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك، والثاني أنها تسقط ذلك (^٢)، والله أعلم.\nقوله من جهينة بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتانية وبالنون اسم قبيلة، وغامد هي بطن من جهينة. قولها أصبت حدا فأقمه علي، أي أصبت ذنبا أوجب علي حدا أي عقوبة. قوله فدعا رسول الله - ﷺ - وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها، الحديث. هذا الإحسان له سببان:\nأحدهما الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها فأوصى بالإحسان إليها [تحذيرا لهم من ذلك.\nوالثاني أمر صلى الله تعالى عليه وسلم بح رحمة لها إذ قد تابت، وحرّض على الإحسان إليها] لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها [وإسماعه] الكلام المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن هذا كله (^٣).\nقوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] فإذا وضعت فأتني بها الحديث، وفي\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٨/ ٤٢٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠٥).","vol":"12","page":448},{"text":"هذا الحديث أن من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع، وهذا مجمع عليه، ثم لا ترجم الحامل الزانية ولا يقتص منها بعد وضعها حتى يسقى ولدها اللباء ويستغني عنها بلبن غيرها.\nقوله فأمر بها نبي الله - ﷺ - فشدت عليها ثيابها، أي جمعت. وقال أبو غالب بن هارون معناه أرسلت عليها ثيابها [أي جمعت]. قاله صاحب المغيث (^١)، وفي بعض النسخ فشكت عليها ثيابها أي جمعت عليها ولفت لئلا تنكشف كأنها نظمت وزرت عليها بشوكة أو خلال، وقيل معناه أرسلت عليها ثيابها، والشكّ الاتصال [واللصوق]، قاله ابن الأثير (^٢). وفي هذا استحباب جمع ثيابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرر اضطرابها (^٣). واتفق العلماء على أن المرأة لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل فجمهور العلماء على أنه يرجم قائما. وقال مالك قاعدا، وقال غيره يتخير الإمام بينهما (^٤).\nقوله ثم أمر بها فرجمت، وفيه أن المرأة ترجم إذا زنت وهي محصنة كما يرجم الرجل الحديث، وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن وفيه أن الحبلى لا ترجم حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو\n_________\n(^١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ٢١٥).\n(^٢) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٤٩٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠٥).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠٥).","vol":"12","page":449},{"text":"غيره وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع، وفيه أن الحمل يعرف ويحكم به، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، واعلم أن مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من مذهب مالك أنها لا ترجم حتى تجد من يرضعه فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه ثم رجمت. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه إذا وضعت رجمت ولا تنتظر حصول من يرضعه (^١)، والله أعلم.\nقوله: فرجمت ثم صلى عليها اختلف العلماء في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك والإمام أحمد للإمام وأهل الفضل دون باقي الناس، [قالا: ويصلي عليه غير الإمام وغير أهل الفضل]، وقال الشافعي وآخرون يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم والخلاف بين الشافعي ومالك إنما هو في الإمام وأهل الفضل فأما غيرهم فاتفقا على أنه يصلي وبه قال جماهير العلماء، قالوا فيصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة وغيرهم. وقال الزهري لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه، وقال قتادة لا يصلى على ولد الزنا، واحتج الجمهور بهذا الحديث وفيه دلالة [للشافعي] أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم (^٢) وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا، وكذا حكم حد السرقة والشرب وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك، والثاني أنها تسقط\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠٤).","vol":"12","page":450},{"text":"ذلك وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتسقط حد المحاربة بلا خلاف عندنا. وعن ابن عباس وغيره أنها لا تسقط (^١)، [وفيه أن الحمل يعلم ويحكم به [وهذا هو الصحيح في مذهبنا (^٢)] (^٣). قوله فأمر بها فرجمت، كذا في بعض الروايات وفي بعضها فأمر الناس فرجموها.\nتتمة: فإن قيل فما بال ماعز والغامدية وهذه المرأة التي [من جهينة التي] (^٤) أتت رسول الله - ﷺ - وهي حبلى من الزنا لم يقنعوا بالتوبة وهي [محصلة] لغرضهم وهو سقوط الإثم بل أصروا على الإقرار واختاروا الرجم؟ فالجواب: أن تحصيل البراءة بالحد وسقوط الإثم متيقن على كل حال لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي - ﷺ - وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحا وأن يخل بشيء من شروطها فتبقى المعصية وإثمها دائما عليه فأرادوا حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يتطرق إليه احتمال (^٥)، والله أعلم.\n\n٤٧٦٥ - وعن ابن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات، ولكن سمعته أكثر، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠١).\n(^٣) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (وكذا حكم حد السرقة والشرب وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٩).","vol":"12","page":451},{"text":"فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك أكرهتك؟ قالت لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا، وما فعلته قط، اذهبي فهي لك، وقال: لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: إن الله قد غفر للكفل. رواه الترمذي (^١) وحسنه، واللفظ له، وابن حبان في صحيحه (^٢) إلا أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - أكثر من عشرين مرة يقول: فذكر بنحوه، والحاكم (^٣) والبيهقي (^٤) من طريقه\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٤٩٦).\n(^٢) ابن حبان (٣٨٧).\n(^٣) المستدرك (٤/ ٢٨٣)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه والحديث؛ أخرجه الضبي في الدعاء (١٤٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٢٠٩)، وأحمد (٤٧٤٧)، والبزار (٥٣٨٨)، وأبو يعلى الموصلي (٥٧٢٦)، والخرائطي في اعتلال القلوب (١٠٤)، وابن الأعرابي في المعجم (٢٢٩٥)، والطبراني (١٣٩٤٢ و١٣٩٤٣)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم أسامي شيوخه (١/ ٣٦٥)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٢٩٨) وقال: غريب من حديث سعيد لم يروه عنه إلا الأعمش، ولا عنه إلا أبو بكر بن عياش وأسباط. ورواه غيرهما عن الأعمش، فقال بدل سعيد: عن سعد مولى طلحة، وقال الترمذي في العلل الكبير (٦١٨): سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: بعض أصحاب الأعمش رووا هذا الحديث فأوقفوه، وأكثرهم رفعوه. والصحيح أنه مرفوع. قلت له: روى أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر. فقال: أبو بكر بن عياش يهم فيه، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣٦)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤١٥٠)، وضعيف سنن الترمذي (٤٤٨).\n(^٤) البيهقي في شعب الإيمان (٦٧٠٦ و٦٧٠٧).","vol":"12","page":452},{"text":"وغيرها، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nقوله عن ابن عمر تقدم. قوله كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله. الكفل قال بعضهم أنه النبي الذي ذكر الله وكبرت كلمة وهذا فاسد من أوجه \"الأول\" أن هذا الكفل وذاك ذو الكفل \"الثاني\" أن ذلك نبي وهذا رجل أدركته توبة بعد اقتحام الذنب \"الثالث\" أن هذا رجل متهم في الذنوب وهذه الأوجه تحل عندها مرتبة النبوة فإن قيل كانت النبوة بعد التوبة قلنا لا يصح سمعًا أن يكون بمثل هذه الصفة نبي \"الرابع\" أن هذا الحديث قد كشف القناع بقوله إن الله غمر للكفل ولو كانت نبوة لكان الفضل في أن يكون بدله أن الله قد نبأ الكفل وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب - ﵇ - وتقدم هذا الحديث في الزنا، وتقدم الكلام على بعض ألفاظه والله أعلم.\n\n٤٧٦٦ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: كانت قريتان إحداهما صالحة، والأخرى ظالمة، فخرج رجل من القرية الظالمة يريد القرية الصالحة، فأتاه الموت حيث شاء الله، فاختصم فيه الملك والشيطان، فقال الشيطان: والله ما عصاني قط فقال الملك: إنه قد خرج يريد التوبة، فقضي بينهما أن ينظر إلى أيهما أقرب، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فغفر له. قال معمر: وسمعت من يقول: قرب الله إليه القرية الصالحة. رواه الطبراني (^١) بإسناد\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٩٠/ ٨٨٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٣) رواه الطبراني موقوفا، ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٦٩٠): منكر جدا بذكر: (اختصام الشيطان)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣٧).","vol":"12","page":453},{"text":"صحيح، وهو هكذا في نسختي غير مرفوع.\nقوله وعن ابن مسعود تقدم. قوله فاختصم فيه الملك والشيطان، الحديث. الاختصام الاختلاف.\n\n٤٧٦٧ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن نبي الله - ﷺ - قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم من يحول بينه وبين التوبة. انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق، فأتاه ملك الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة.\nوفي رواية: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها.\nوفي رواية: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له.\nوفي رواية: قال قتادة قال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت نأى","vol":"12","page":454},{"text":"بصدره نحوها. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وابن ماجه (^٣) بنحوه.\nقوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم. قوله كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلّ على راهب فأتاه فقال أنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال أنه قتل مائة نفس فهل له من توبة، فقال نعم، من يحول بينك وبين التوبة. الراهب واحد رهبان النصارى وهو الخائف والمتعبد والراهب مأخوذ من الرهبة وهي الخوف قال الشيخ أبو العباس القرطبي (^٤) قول الراهب لقاتل التسعة والتسعين أنه لا توبة له دليل على قلة علم ذلك الراهب وعدم فطنته حيث لم يُصِب وجه الفتيا ولا [سلك] طريق التحرز على نفسه ممن كان له القتل عادة معتادة فقد صار مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه فكان حقه أن لا يشافهه [لمنع التورية] مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يُدارى الأسد الضاري، لكنه أعان على نفسه فإنه لما أيأسه من التوبة قتله [بحُكم سبْعِيَّته] ويأَّسه من رحمة الله تعالى وتوبته عليه ولما لطف الله به بقي في نفسه الرغبة على السؤال عن حاله فما زال يبحث إلى أن ساقه الله تعالى إلى هذا الرجل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٤٧٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٦) (٢٧٦٦).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٢٦٢٢).\n(^٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٢/ ١٢٨).","vol":"12","page":455},{"text":"العالم الفاضل فلما سأله نطق بالحق والصواب فقال له ومن يحول بينك وبينها ثم إنه دلّه على ما [ينفعه] وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة ولقومه الذين كانوا يعينونه على ذلك ويحملونه عليه وبهذا يعلم فضل العلم على العبادة فإن الأول غلبت عليه الرهبانية واغتر بوصف الناس له بالعلم فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك [غيره، والثاني] كان مشتغلا بالعلم ومعتنيا به فوفق للحق فأحياه الله وفي نفسه وأحيا به، اهـ.\nأجمع أهل العلم على صحة توبة القاتل عمدا ولم يخالف فيه إلا ابن عباس وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر والتورية لا أنه يعتقد بطلان توبته وهذا الحديث ظاهر فيه وهو وإن كان شرعا لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا موضع الخلاف وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك، وقد ورد به شرعنا وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (^١) الآية، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (^٢) الآية فالصواب من معناها أن جزاءه جهنم وقد يجازى [به] وقد يجازى بغيره وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل متعمدا مستحلا له بغير\n_________\n(^١) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٩٣.","vol":"12","page":456},{"text":"حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع وإن كان غير مستحل بل متعمدا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا [فيها] لكن [بفضل] الله ﷾ أخبر أنه [لا يخلد] في النار من مات موحدا فيها فلا يخلد هذا وقد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلا وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار هذا هو الصواب في معنى الآية ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء وليس للآية إخبار بأنه يخلد في جهنم وإنما فيها أنها جزاؤه أي يستحق أن يجازى بذلك، وقيل المراد من قتل مستحلا وقيل وردت الآية في رجل بعينه وقيل المراد بالخلود طول المدة لا الدوام.\nوقيل معناها هذا جزاؤه لمن جازاه وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية وأما [هذا القول] فإنه شائع على ألسنة كثير من الناس وهو فاسد لا [يقتضي] أنه إذا عفا عنه خرج عن كونها كانت جزاء وهي جزاء [له] لكن ترك الله ﷾ مجازاته عفوا عنه وكرما، فالصواب ما قدمناه والله أعلم. قوله: \"انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله\" الحديث.\nقال العلماء - ﵃ -: في هذا استحباب مفارقة التائب البلدة التي أصاب فيها الذنوب والأخلاء المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين","vol":"12","page":457},{"text":"ومن يقتدي به وينتفع بصحبته وتتأكد بذلك توبته والله أعلم.\nقوله: \"فانطلق حتى إذا نصف الطريق\" وهو بتخفيف الصاد أي بلغ نصفها، قوله: \"أدركه الموت\"، أي في الطريق، والمراد إدراك أمارات الموت، قوله: \"فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم\" أي حكما، قوله: \"قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له\" أي أقرب. قوله: \"فقاسوا فوجوده أدنى إلى الأرض التي أراد\" أي أقرب. قوله: \"وفي رواية: فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي\" الحديث، والمراد بهذه أولا القرية المتوجه إليها وبهذه ثانيا القرية المتوجه منها، وقوله: \"تقربي\" أي إلى الميت، وتباعدي أي عنه، فانظر يا أخي بصَّرك الله تعالى إلى اتساع فضل الله ورحمته وتب إلى الله ﷾ فإن التوبة تجبّ ما قبلها وابسط رجاءك وعلّق أطماعك بمنة الله ﷾ فهو الذي منّ عليك بالإيمان وهداك إلى الإسلام ويسّر لك خصالا من الخير جعلها أسبابا لفكاكك من النار وسلامتك من أهوال يوم القيامة وسلما لدخول الجنة والظفر بما أعد الله فيها من النعيم المقيم فهذا هو الفوز العظيم ولمثل هذا فليعمل العاملون.\n[قوله:] قال قتادة وقال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت ناء بصره نحوها الحديث، أي نهض وتقدم ليقرب بذلك القدر من الأرض الصالحة، ويجوز في نآى تقديم الهمزة على الألف وعكسه وتقدم مثل ذلك في حديث الغار في أول هذا التعليق. وهذا الحديث دال على أن توبة القاتل عمدا","vol":"12","page":458},{"text":"مقبولة. وقول ابن عباس لا تقبل توبة قاتل النفس هذا محمول منه على الاقتداء بسنة الله تعالى في التغليظ والتشديد وإلا فكل ذنب قابل للتوبة.\n\n٤٧٦٨ - وعن أبي عبد ربه أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: إن رجلا أسرف على نفسه فلقي رجلا فقال: إن الآخر قتل تسعة وتسعين نفسا كلهم ظلما، فهل تجد لي من توبة؟ فقال: إن حدثتك أن الله لا يتوب على من تاب كذبتك، ههنا قوم يتعبدون، فأتهم تعبد الله معهم، فتوجه إليهم، فمات على ذلك فاجتمعت ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب فبعث الله إليهم ملكا فقال: قيسوا ما بين المكانين، فأيهم كان أقرب فهو منهم، فوجدوه أقرب إلى دير التوابين بأنملة فغفر له. رواه الطبراني (^١) بإسنادين أحدهما جيد، ورواه (^٢) أيضًا بنحوه بإسناد لا بأس به عن عبد الله بن عمرو، فذكر الحديث إلى أن قال: ثم أتى راهبا آخر فقال: إني قتلت مائة نفس فهل تجد لي من توبة؟ فقال: لقد أسرفت وما أدري، ولكن ههنا قريتان قرية يقال لها: نصرة، والأخرى يقال لها: كفرة، فأما أهل\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٩/ ٨٦٧)، وفي مسند الشاميين (٦٠٦)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الديات (ص ١٨٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ١٦٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢١١)، ثم قال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، غير أبي عبد رب، وهو ثقة، ورواه أبو يعلي بنحوه كذلك.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٧٣٦١)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤١٢): رواه أبو يعلى الموصلي والطبراني بإسنادين أحدهما جيد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣٨).","vol":"12","page":459},{"text":"نصرة فيعملون عمل أهل الجنة لا يثبت فيها غيرهم، وأما أهل كفرة، فيعملون عمل أهل النار لا يثبت فيها غيرهم، فانطلق إلى أهل نصرة، فإن ثبت فيها، وعملت عمل أهلها، فلا شك في توبتك، فانطلق يؤمها حتى إذا كان بين القريتين أدركه الموت، فسألت الملائكة ربها عنه، فقال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب، فاكتبوه من أهلها، فوجدوه أقرب إلى نصرة بقيد أنملة فكتب من أهلها.\nقوله: \"وعن أبي عبد ربٍّ\" الدمشقي الزاهد، ويقال: أبو عبد ربه، ويقال: أبو عبد رب العزة، مولى ابن غيلان الثقفي، ويقال: مولى بني عذرة، قيل: اسمه عبد الجبار بن عبيد الله بن سلمان، وقيل: عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وقيل: قسطنطين، وقيل: فلسطين، وليس بشيء ال أبو زرعة الدمشقي عن أبي مسهر كان روميا اسمه قسطنطين فلما أسلم سمي عبد الرحمن روى عن معاوية وفضالة بن عبيد واويس القرني وتبيع الحميري وأبي الأحوص مولى خالد بن يزيد وأم الدرداء الصغرى وعنه ثابت بن ثوبان وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وعبد الله بن بجير ومحمد بن عمر الطائي الحربي وسعيد بن عبد العزيز قال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن أبي عبد رب الزاهد لو أن بردا سأل ذهبا وفضة ما أتيتها لآخذ منها شيئا ولو قيل لي من احتضن هذا العمود مات لقمت إليه حتى احتضنته قال سعيد ونحن نعلم أنه صادق وقال أبو حفص التنيسي عن سعيد بن عبد العزيز خرج أبو عبد رب من عشرة آلاف دينار ومن مائة ألف وقال أبو مسهر عن سعيد مات قبل الجراح ومات","vol":"12","page":460},{"text":"مكحول بعد الجراح وقال معاوية بن صالح عن أبي مسهر مات سنة اثنتي عشرة ومائة قلت وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من أيسر أهل دمشق فخرج من ماله كله.\nقوله: \"أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث\" معاوية كذا. قوله: \"أن رجلا أسرف على نفسه\" أي أخطأ وأكثر من الذنوب وجاوز القصد في ذلك، والسرف الخطأ، والسرف مجاوزة الحد. قوله: \"فلقي رجلا فقال إن الآخر قتل تسعة وتسعين نفسا كلهم ظلما\" الحديث، الآخر هو بهمزة مقصورة وخاء مكسورة، هكذا رويناه عن كافة شيوخنا وبعض المشايخ يمد الهمزة وهو خطأ وكذا فتح الخاء هنا خطأ ومعناه الأرذل والأبعد والأدنى على الذم، وقيل اللئيم، وقيل الشقي، وكله متقارب، ومرداه نفسه فحقّرها وعابها لا سيما وقد فعل هذه الفاحشة، وقيل إنها كناية يكني بها عن نفسه وغيره إذا أخبر عنه بما يستقبح والله أعلم.\nقوله: \"قيسوا ما بين المكانين فأيهم كان أقرب فهو منهم\" الحديث، وأما قياس الملائكة ما بين القريتين وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك فهذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه أمره عليهم أو اختلافهم فيه أن يُحكِّموا رجلا ممن يمرّ بهم فمر الملك في صورة رجل فحكم بذلك، قاله القرطبي (^١). وفيه على أن الأرض فيها الطيب والخبيث والصالح وضده وبذلك جاءت السنة.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨٤).","vol":"12","page":461},{"text":"قوله: \"فوجوده أقرب إلى دير التوابين بأنملة\"، وفي الرواية الأخرى: بقيد أنملة، \"فغفر له\"، أي بقدر أنملة والأنملة طرف الإصبع والله أعلم. مسألة لها تعلق بحديث قاتل النفس: اختلف العلماء هل في الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا؟ فقال الجمهور التوبة تأتي على كل ذنب وتقبل، وقالت طائفة لا تقبل توبة القاتل، وهذا مذهب ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقد ناظر ابن عباس (^١) في ذلك أصحابه فقالوا له أليس قد قال الله تعالى في سورة الفرقان ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (^٢)، فقال: كانت هذه الآية في الجاهلية وذلك أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (^٣) إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ (^٤)، فهذه في أولئك، وأما التي في سورة النساء وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (^٥) الآية، فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم. وقال زيد بن ثابت (^٦) لما نزلت التي في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٥٣٢)، وصحيح مسلم (١٢٢)، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (١/ ٤٢٣)، ومدارج السالكين (١/ ٣٩٣).\n(^٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.\n(^٤) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.\n(^٥) سورة النساء، الآية: ٩٣.\n(^٦) الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (١/ ٤٢٧)، وتفسير البغوي (١/ ٤٦٥).","vol":"12","page":462},{"text":"الفرقان عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية، آية النساء، وباللينة آية الفرقان. قال ابن عباس - ﵄ - (^١) آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية نزلت ولم ينسخها شيء، قال هؤلاء: ولأن التوبة من قتل النفس عمدا متعذرة إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله أو إعادة نفسه التي فوتها عليه إذ التوبة من حق الآدمي لا تصح إلا بأحدهما وكلاهما متعذر على القاتل فكيف تصح توبته من حق آدمي لم يصل إليه ولم يستحله منه وقد تعذر. واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (^٢) الآية، فهذه الآية في حق التائب، وبقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣)، فهذه في حق غير التائب لأنه لا فرق بين الشرك وما دونه وعلّق المغفرة بالمشيئة [فخصّص] وعلق وفي التي قبلها عمَّم وأطلق، وبقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ (^٤)، فإذا تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحًا فالله ﷿ غفار له. قالوا: وقد صح عن النبي - ﷺ - حديث الذي قتل مائة نفس ثم تاب\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٩٣)، وحياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٢٢)، ونيل الأوطار (٧/ ٢١٠).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٥٣.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٤) سورة طه، الآية: ٨٢.","vol":"12","page":463},{"text":"فنفعته توبته وألحق بالقرية الصالحة التي خرج [إليها] وصح عنه - ﷺ - من حديث عبادة بن الصامت (^١) أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا [تسرقوا] ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك. وفي حديث الشفاعة (^٢): أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل، وفيه: فيقول الله ﷿ وعزتي وجلالي لأخرجنّ من النار من قال لا إله إلا الله. وأضعاف هذه النصوص كثيرة تدل على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. قالوا: وأما هذه الآية التي في النساء فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ (^٣) الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (^٤) الآية، وقوله - ﷺ -: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده، الحديث. ونظائره كثيرة، وقد اختلف العلماء في هذه النصوص على طرق: أحدها: القول بظاهرها\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٨).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٢، ٦٥٦٠)، وصحيح مسلم (٣٠٤) (١٨٤) عن أبي سعيد الخدري.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ١٤.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٠.","vol":"12","page":464},{"text":"وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار، وهو قول الخوارج والمعتزلة. ثم اختلفوا: فقالت الخوارج هم كفار لأنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وقالت المعتزلة ليسوا بكفار بل فسّاق ومخلدون في النار. هذا كله إذا لم يتوبوا. وقالت فرقة: هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وأما من فعلها لا يعتقد تحريمها لم يلحقه هذا الوعيد، وعيد الخلود، اهـ.\nمسألة ثانية: واختلف العلماء أيضًا فيما إذا تاب القاتل وسلم نفسه فقتل قصاصا هل يبقى عليه للمقتول يوم القيامة حق؟ فقالت طائفة: لا يبقى عليه شيء لأن القصاص حده والحدود كفارة لأهلها، وقد استوفى ورثة المقتول حق موروثهم وهم قائمون مقامه في ذلك فكأنه قد استوفاه بنفسه إذ لا فرق بين استيفاء الرجل حقه بنفسه أو بنائبه ووكيله. وقالت طائفة: المقتول قد ظلم وفاتت نفسه ولم يستدرك ظلامته، والوارث إنما أدرك ثأر نفسه وشفى غيظ نفسه وأي منفعة حصلت له ذلك وأي ظلامة استوفاها من القاتل، قالوا: فالحقوق في القتل ثلاثة: حق لله، وحق للمقتول، وحق للوارث. فحق الله لا يزول إلا بالتوبة، وحق الوارث قد استوفاه بالقتل وهو مخير بين ثلاثة أشياء من القصاص والعفو مجَّانا أو إلى مال فلو أحلّه وأخذ منه مالا لم يسقط حق المقتول بذلك فكذلك إذا [اقتص] منه لأنه أحد الطرق الثلاثة في استيفاء حقه فكيف يسقط حق المقتول بواحد منها دون الآخرين؟ قالوا: ولو قال القتيل لا تقتلوه لأطالبه بحقي يوم القيامة فقتلوه لكان يسقط حقه ولم يسقطه فإن قلتم يسقط فباطل لأنه لم يرض بإسقاطه، وإن قلتم لا","vol":"12","page":465},{"text":"يسقط فكيف تسقطونه إذا اقتص منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه، وهذه حجج كما ترى [قوية] لا تندفع إلا بأقوى منها وأمثالها.\nفالصواب والله أعلم أن يقال: إذا تاب القاتل وسلم نفسه طوعا إلى الوارث يستوفي منه حق مورِّثه سقط عنه الحقان [وبقي] حق الموروث لا يضيعه الله ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويض المقتول فإن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله والتوبة تهدم ما قبلها فيعوض هذا عن مظلمته ولا يعاقب هذا لكمال توبته وصار هذا كالكافر المحارب [لدين] (^١) [لله تعالى] ورسوله إذا قتل مسلمًا في الصف ثم أسلم وحسن إسلامه فإن الله ﷾ يعوض هذا الشهيد المقتول ويغفر للكافر بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد [فعفا] عنه الولي وتاب القاتل توبة نصوحا فإن الله يقبل توبته ويعوض هذا المقتول، فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده والحكم بعد ذلك لله، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (^٢)، وهاتان المسألتان ذكرهما المسعودي الحنفي في كتابه تهذيب النفوس.\n\n٤٧٦٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة النمل، الآية: ٧٨.","vol":"12","page":466},{"text":"أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول. رواه مسلم (^١)، واللفظ له، والبخاري (^٢) بنحوه.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"قال الله ﷿ أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني\"، قوله: \"أنا عند ظن عبدي بي\"، قال القرطبي (^٣): قيل معناه ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن قبول الأعمال عند فعلها على [شروطها] تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله، [قال:] ويؤيده قوله - ﷺ -: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ويغفر ذنبه فإنه ﷾ قد وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظن [أنّ] الله تعالى لا يقبلها وأنها لا تنفعه فذلك هو القنوط من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله تعالى، وهو من أعظم الكبائر.\nوقال النووي (^٤): أنا عند ظن عبدي بي: قال القاضي معناه بالغفران له إذا استغفرني والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلبها، وقيل\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢) (٢٦٧٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٧٤٠٥).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٢/ ٦٧).\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ٢).","vol":"12","page":467},{"text":"المراد به الرجاء وتأميل [العفو] وهذا وضح.\nقوله: \"وأنا معه حين يذكرني\" أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، وأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^١)، فمعناه بالعلم [والإحاطة]، وفي [حديث آخر: فإن] ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، قال المازري النفس تطلق في اللغة على معان منها الدم ومنها نفس الحيوان وهما مستحيلان في حق الله تعالى ومنها الذات والله تعالى له ذات حقيقة وهو المراد بقوله تعالى في نفسي ومنها الغيب وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (^٢) أي ما في غيبي فيجوز أيضًا أن يكون مراد الحديث أي إذا ذكرني [غالبا أثابه] الله وجازاه بما [سبق] مما لا يطلع عليه أحد.\nقوله: \"وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم\"، هذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على [الأنبياء، صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، واحتجوا أيضًا بقوله تعالى:] ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية إلى قوله ﴿تَفْضِيلًا﴾ (^٣)، [فالتقييد] بالكثير احتراز من الملائكة ومذهب أصحابنا وغيرهم أن الأنبياء ﵈ أفضل من الملائكة لقوله\n_________\n(^١) سورة الحديد، الآية: ٤.\n(^٢) سورة المائدة، الآية: ١١٦.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٧٠.","vol":"12","page":468},{"text":"تعالى في بني إسرائيل ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (^١)، ويتأولون هذا الحديث على أن [الناكرين غالبا] يكونون طائفة [لا] نبي فيهم فإذا ذكر الله تعالى في خلائق [من الملائكة] كانوا خيرًا [من تلك الطائفة] اهـ، قاله في الديباجة. قوله - ﷺ -: \"والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة\" الحديث، اللام في لله هي لام الابتداء.\nقال النووي (^٢): قال العلماء: فرح الله تعالى هو رضاه، فالفرح ها هنا وفي أمثالها كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى، والمعنى لله أرضى بالتوبة وأقبل لها. قال الإمام المازري (^٣): الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تقريره.\nقوله: \"يجد ضالته بالفلاة\"، والفلاة الأرض الفضاء التي لا ماء بها.\n[تتمة: قال الزمخشري (^٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (^٥): هذا دليل على أن الرجل إذا كان ببلد لا يتمكن\n_________\n(^١) سورة الجاثية، الآية: ١٦.\n(^٢) انظر: النهاية في غريب الأثر (٣/ ٤٢٤)، ولسان العرب (٢/ ٥٤١).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ٦٠).\n(^٤) الكشاف (١/ ٥٨٧).\n(^٥) سورة النساء، الآية: ٩٧.","vol":"12","page":469},{"text":"فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب والعوائق من عليه الدين، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى وأدوم على العبادة حقت عليه الهجرة. وعن النبي - ﷺ - (^١): \"من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة وكان رفيق إبراهيم ونبيه محمد\"، وقال في آخر سورة العنكبوت في قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٢)، معنى الآية: أن المؤمن إذا لم تتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمشى له أمر دينه كما يجب فليهاجر عنه إلى بلد آخر يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا، ولعمري أن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرّب أولونا فلم يجدوا فيما درنا وداروا أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب المتلتفت وأجم وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله تعالى وجوار بيت الله تعالى، فلله الحمد على ما سهّل ذلك وقدر ورزق من الصبر وأورع من الشكّ، انتهى] (^٣).\nقوله: \"ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت به باعا\"، [الحديث، هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره، ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي. و] الباع والبوع [بضم الباء\n_________\n(^١) أخرجه الثعلبي في تفسير الثعلبي (٣/ ٣٧٢) عن الحسن مرسلا انظر: تخريج الأحاديث والآثار (١/ ٣٥١)، (٣/ ٥٠).\n(^٢) سورة العنكبوت، الآية: ٥٦.\n(^٣) سقطت هذه الفقرة من الأصل، وأثبتت من النسخة الهندية.","vol":"12","page":470},{"text":"والبوع بفتحها، كله بمعنى] سواء هو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، قال الباجي: هو قدر أربعة أذرع، وهو ها هنا مثل لقرب ألطاف الله من العبد إذا تقرّب إليه بالإخلاص والطاعة، قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه هرولة\" الهرولة المشي [والعدو] وهو كناية عن سرعة إجابة الله تعالى وقبول توبة العبد ولطفه ورحمته ومعنى الحديث: من تقرّب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي، [وتوفيقي وعنايتي]، وإن زاد زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي صببت عليه رحمتي وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، اهـ، قاله النووي في الرياض (^٢). [والمراد أنّ جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقرّبه].\n\n٤٧٧٠ - وعن يزيد بن نعيم قال: سمعت أبا ذر الغفاري - ﵁ -، وهو على المنبر بالفسطاط يقول: سمعت النبي - ﷺ - يقول: من تقرب إلى الله ﷿ شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، ومن أقبل إلى الله ﷿ ماشيا أقبل إليه مهرولا، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل. رواه أحمد (^٣) والطبراني (^٤)، وإسنادهما حسن.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٦٢).\n(^٢) رياض الصالحين (ص: ١٥٨).\n(^٣) أحمد (٢١٣٧٤) وأخرجه البغوي في معجم الصحابة (٢/ ٥٠٥)، وقال: ولم يرو زياد الغفاري فيما أعلم غير هذا.\n(^٤) الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٥٥/ ١٦٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٧) رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٤٠).","vol":"12","page":471},{"text":"قوله: \"وعن يزيد بن نعيم\" هو زياد بن ربيعة بن نعيم بن ربيعة بن عمرو الحضرمي قال ابن يونس: وينسب إلى جده روى عن زياد بن الحارث الصدائي وحبان بن بح الصدائي وأبي ذر وأبي أيوب وابن عُمر وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وبكر بن سوادة والحارث بن يزيد الحضرمي ويزيد بن عمرو المعافري قال العجلي: تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات قال ابن يونس: عن الحسن بن العدّاس مات سنة خمس وتسعين كذا قال قلت حديثه في زياد بن الحارث ووثقه يعقوب بن سفيان أيضًا.\nقوله: \"سمعت أبا ذر الغفاري وهو على المنبر بالفسطاط\" وأبو ذر تقدم الكلام عليه، توفي: بالربذة وهي قرية معروفة بها [قبر أبي ذر، منها إلى المدينة مسيرة تلاثة أيام، والله تعالى أعلم]، والفسطاط تقدم الكلام عليه في فضل سُكنى الشام قوله: \"من تقرب إلي شبرا\" الحديث، تقدم الكلام عليه.\n\n٤٧٧١ - وعن شريح هو ابن الحرث قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي - ﷺ - يقول: قال النبي - ﷺ -: قال الله ﷿: يا ابن آدم قم إلي أمش إليك، وامش إلي أهرول إليك. رواه أحمد (^١) بإسناد صحيح.\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٥٩٢٥)، ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٤٢٤)، وأخرجه المخلصيات (٢٢٥٤) (٩٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٢٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٦): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن الحارث، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٤٠)، والصحيحة (٢٢٨٧)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣١٥٣)، وأخرجه مسدد موقوفا - كما في إتحاف الخيرة =","vol":"12","page":472},{"text":"قوله: \"وعن شريح\" هو ابن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة الكندي الكوفى التابعى، ويقال: شريح بن شرحبيل، ويقال: ابن شراحيل، ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، والصحيح الأول. أدرك النبي - ﷺ - ولم يلقه، وقيل: لقيه، والمشهور الأول. قال يحيى بن معين: كان في زمن النبي - ﷺ - ولم يسمع منه، روى عن عمر بن الخطاب، وعلى، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعروة البارقى، ﵃.\nوروى عنه قيس بن أبي حازم، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، ومرة، والنخعى، والشعبي، وآخرون، قال الأكثرون: استقضاه عمر بن الخطاب، ﵁، على الكوفة، وأقروه بعده، فبقى على قضائها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة. قالوا: وولى القضاء لعمر - ﵁ -، من سنة ثنتين وعشرين. روى عن حفص بن عمر، قال: قضى شريح ستين سنة.\nوروى ميسرة، عن شريح، قال: وليت القضاء لعمر، وعثمان، وعلى، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ولعبد الملك إلى أيام الحجاج، فاستعفيت الحجاج، وكان له يوم استعفائه مائة وعشرون سنة، وعاش بعد استعفائه سنة، وقال على بن المديني: ولى شريح البصرة سبع سنين في زمن زياد،\n_________\n= المهرة (٧٣٣٢) موقوفا، والمطالب العالية (٣١٤٦) عن شريح، حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قبل تلاطخ هذه الأحاديث، أنه قال: قال الله ﵎: يا ابن آدم، قم إلي امش إليك، [وامش] إلي، أهرول إليك.","vol":"12","page":473},{"text":"وولى الكوفة ثلاثا وخمسين سنة. وقال على بن أبي طالب لشريح، ﵁: أنت أقضى العرب. وقال أبو الشعثاء: قدم علينا شريح البصرة، فقضى فينا سنة، فما رأينا مثله قبل ولا بعد، وقال ابن قتيبة في المعارف، والشيخ أبو إسحاق في طبقاته: ولى شريح القضاء خمسا وسبعين سنة. وروى البيهقي في كتابه في مناقب الشافعي في باب الجرح والتعديل، أن الشافعي قال: لم يكن شريح قاضيا لعمر بن الخطاب.\nقال البيهقي: وقد اختلفوا فيه. قال: وبهذا قال جماعة من أهل العلم، وأنكر آخرون قول الشافعي. قالوا: وتوليته القضاء لعمر فمن بعده مشهور، واتفقوا على توثيق شريح، ودينه، وفضله، والاحتجاج برواياته، وذكائه، وأنه أعلمهم بالقضاء (^١). وتقدم معنى هذا الحديث أيضًا.\n\n٤٧٧٢ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله بأرض فلاة. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n\n٤٧٧٣ - وفي رواية لمسلم (^٤): لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت عنه، وعليها طعامه وشرابه،\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٣٠٩).\n(^٣) صحيح مسلم (١) (٢٦٧٥).\n(^٤) صحيح مسلم (٧) (٢٧٤٧).","vol":"12","page":474},{"text":"فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم. . . بأرض فلاة\"، [أي فقده وأضاعه ولم يجده بموضعه، رباعي، وضللت الشيء بفتح اللام وكسرها نسيته، والفتح أشهر. وفي الرواية الأخرى: \"كان على راحلته بأرض فلاة\"، والفلاة المفازة أي أن الله تعالى أرضى بتوعيده من واجد ضالته بالفلاة، قاله الكرماني (^١)]، الحديث، الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال النجيب التام الخلق الحسن المنظر [المدرّب على الركوب والسير والحمل ومثاله في الإبل قلبك، وكذلك النجيب، وقد سمي الجمل أيضًا راحلة، قاله عياض (^٢)]، وقال ابن [قتيبة (^٣)]: الراحلة النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في الإبل عرفت وسميت الراحلة لأنها ترحل أي يجعل عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة.\nوقال الأزهري: الراحلة عند العرب الجمل النجيب والناقة النجيبة والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة كما يقال نسابة وعلامة [حق الله\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٢/ ١٢٧).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٨٥).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٠١).","vol":"12","page":475},{"text":"تعالى]. قوله: \"فأخذ بخطامها\": الخطام ما يقاد به الدابة. قوله: \"ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح\".\nفائدة: في شعب البيهقي (^١): عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: تعبَّد رجل في صومعة فمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حمارا يرعى فقال يا رب لو كان لك حمار رعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من أنبياء بني إسرائيل فأراد أن يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه إنما أجازي العباد على قدر عقولهم، اهـ.\n\n٤٧٧٤ - وعن الحارث بن سويد عن عبد الله - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله تعالى: قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n_________\n(^١) شعب الإيمان (٤٦٤٠)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ١٦٥)، وقال: هذا حديث منكر لا يرويه بهذا الإسناد غير أحمد بن بشير قال يحيى بن معين: أحمد بن بشير متروك. انظر: الموضوعات (١/ ١٢١)، واللآلئ المصنوعة (١/ ١٢٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٣٠٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٣) (٢٧٤٤).","vol":"12","page":476},{"text":"[الدوية] بفتح الدال المهملة، وتشديد الواو والياء جميعا: هي الفلاة القفر والمفازة\nقوله: \"وعن الحارث بن سويد\" هو أبو عائشة الحارث بن سويد التيمي الكوفي من تيم الرباب. من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم. قال أحمد بن حنبل - وقد سئل عنه -: مثل هذا يسأل عنه، يعني الجلالة قدره وعلو منزلته. روى عن ابن مسعود، روى عنه: إبراهيم التيمي، مات في آخر أيام عبد الله بن الزبير (^١).\nقوله: \"لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دَويَّة مُهلِكة\" الحديث. قال العلماءُ: فرح الله تعالى رضاه، قال المازري (^٢): الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد الضالة بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا للمعنى في نفس السامع ومبالغة في تقريره. وأما الدوية فقال الحافظ بفتح الدال المهملة وتشديد الواو والياء جميعا هي الفلاة القفر والمفازة، اهـ. قال العلماء: الأرض القفر هي الخالية لا ماء به والجمع قفار بالكسر، والقفار بالفتح أيضًا، القفر، وأقفر فلان من [أهله] والمكان من سكانه والجسد من اللحم والرأس من الشعر إذا انفرد وخلا، قاله صاحب المغيث. وقال الإمام القرطبي (^٣) في قوله: في أرض دوية مهلكة،\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٣٠٠).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ٦٠).\n(^٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ٦١).","vol":"12","page":477},{"text":"أما دوية فاتفق العلماء على أنها بفتح الدال وبتشديد الواو والياء جميعا كما ذكره الحافظ، وذكر مسلم في الرواية وهي رواية أبي بكر بن أبي شيبة أرض داوية بزيادة ألف وهي بتشديد الياء أيضًا وكلاهما صحيح. قال أهل اللغة: الدوية الأرض القفر والفلاة الخالية.\nوقال الخليل: هي المفازة. قالوا: ويقال دوية وداوية فأما الدوية فمنسوبة إلى الدو بتشديد الواو وهي التربة التي لا نبات بها وأما الداوية فهي على إبدال إحدى الواوين ألفا كما قيل في النسب إلى طيء طائي وأما المهلكة فهي بفتح الميم وبفتح اللام وكسرها وهي موضع خوف الهلاك ويقال لها مفازة وقيل أنه من [قولهم] فوز الرجل إذا هلك، اهـ. [ومهلكة أي يهلك سالكها بغير زاد ولا ماء ولا راحلة].\n\n٤٧٧٥ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي. رواه الطبراني (^١) بإسناد حسن.\nقوله: \"وعن أبي ذر\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى\" الحديث، يعني من أحسن فيما بقي من عمره بالطاعات وكثرة الخيرات غفر له ما مضى من ذنوبه السالفات. قوله: \"ومن أساء فيما بقي\"\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٨٠٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٢) رواه الطبراني في الأوسط، واسناده حسن. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٨٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٥٦).","vol":"12","page":478},{"text":"أي من عمره أي بكثرة المعاصي القبيحات، \"أخذ بما مضى وما بقي\" أي حوسب على ما مضى من ذنوبه وما سيفعله من الخطيئات.\n\n٤٧٧٦ - وعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن مثل الذي يعمل السيئات، ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى، فانفكت أخرى حتى تخرج إلى الأرض. رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢) بإسنادين، رواة أحدهما رواة الصحيح.\nقوله: \"وعن عقبة بن عامر\" تقدم. قوله: \"إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة\"، الحديث. الدرع واحدة الدروع وهي قميص النساء وهو أيضًا لبوس الحديد.\n\n٤٧٧٧ - وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال يا رسول الله: أوصني. قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئا، قال: يا رسول الله زدني، قال: إذا أسأت فأحسن وليحسن خلقك. رواه ابن حبان في صحيحه (^٣)،\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٧٣٠٧).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٢٨٤/ ٧٨٣ و٧٨٤)؛ وأخرجه نعيم بن حماد في زياداته على الزهد لعبد الله بن المبارك (١٧٠)، والروياني (١٦٥)، والبغوي في شرح السنة (٤١٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٢) أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٥٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٥٧)، وصحيح الجامع الصغير (٢١٩٢).\n(^٣) ابن حبان (١٩٢٢).","vol":"12","page":479},{"text":"والحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد.\n\n٤٧٧٨ - ورواه الطبراني (^٢) بإسناد، ورواته ثقات: عن أبي سلمة عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة السر بالسر، والعلانية بالعلانية. وأبو سلمة لم يدرك معاذا.\n_________\n(^١) المستدرك (٤/ ٢٧٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وعنه رواه البيهقي في الشعب (٨٠٢٧)، وأخرجه الدولابي في الكنى والأسماء (١١٢٧)، والخرائطي في المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها (٤)، والطبراني في الأوسط (٨٧٤٧)، والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٩٥).\nوقال ابن حجر في الأمالي الحلبية (ص ٣٧): \"هذا حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح بهذا الإسناد ورواته مصريون موثوقون لكن في عبد الله بن صالح مقال ولم ينفرد به وله شاهد من حديث أبي ذر أخرجه الترمذي ولفظه اتق الله حيث كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن\". قلت: هذه المتابعة رواها البيهقي في الشعب (٨٠٢٨). وقال الهيثمي (٨/ ٢٣): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن صالح وقد وثق وضعفه جماعة وأبو السميط سعيد بن أبي مولى المهري لم أعرفه. قلت: سعيد بن أبي سعيد مولى المهري يكنى أبا السميط بمهملتين مصغر مصرى، روى عنه حرملة بن عمران التجيبي قال بن يونس لم يحدث عنه غيره كذا قال وقد ذكر البخاري وابن حبان في الثقات أنه روى عنه أيضًا أسامة بن زيد وأخرج حديثه المذكور الحاكم وصححه قلت وهذا أحد الأربعة التي ذكر بن عبد البر أنها لا توجد لها أصل من بلاغات مالك. انظر: لسان الميزان (٣/ ٣١).\n(^٢) الطبراني (٢٠/ ١٧٥/ ٢٧٤)، وأخرجه هناد (١٠٩٢)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٢) والهيثم بن كليب (١٤٠٠). وقال العراقي: رجاله ثقات وفيه انقطاع تخريج أحاديث الإحياء (٤/ ١٦٣٠).","vol":"12","page":480},{"text":"ورواه البيهقي في كتاب الزهد (^١) من رواية إسماعيل بن رافع المدني عن ثعلبة بن صالح عن سليمان بن موسى عن معاذ قال: أخذ بيدي رسول الله - ﷺ -، فمشى قليلا، ثم قال يا معاذ: أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحم اليتيم، وحفظ الجوار، وكظم الغيظ، ولين الكلام، وبذل السلام، ولزوم الإمام والتفقه في القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم مسلما، أو تصدق كاذبا، أو تكذب صادقا، أو تعصي إماما عادلا، وأن تفسد في الأرض. يا معاذ اذكر الله عند كل شجر وحجر، وأحدث لكل ذنب توبة. السر بالسر، والعلانية بالعلانية.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله: \"أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال يا رسول الله أوصني، قال: إذا أسأت فأحسن، وليحسن خلقك\"، الحديث. وقد جعل النبي - ﷺ - حسن الخلق أحسن خلق الإيمان كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا.\n_________\n(^١) البيهقي في الزهد الكبير (٩٥٦)، ومن طريقه ابن عساكر (٥٨/ ٤٠٨) قال البيهقي: ورواه أسد بن موسى عن سلام بن سليم عن إسماعيل بن رافع عن ثعلبة الحمصي عن معاذ بن جبل - ﵁ - قلت: ورواه في الحلية (١/ ٢٤٠) من طريق إبراهيم بن عيينة، عن إسماعيل بن رافع، عن ثعلبة بن صالح، عن رجل من أهل الشام، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، قلت: ثعلبة بن صالح هو الحمصي قال الأزدي نقله النباتي غير حجة لا يصح إسناد حديثه انظر: ميزان الاعتدال (١/ ٣٧١)، لسان الميزان (٢/ ٨٣).","vol":"12","page":481},{"text":"وأخبر النبي - ﷺ - (^١) أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم. [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:] \"اعبد الله كأنك تراه\" هذا من جوامع الكلم التي أوتيها - ﷺ - لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه ﷾ لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به فقال - ﷺ - اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله ﷾ عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد فينبغي أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك.\nقوله: \"واعدد نفسك في الموتى\" أي اقطع أطماعك في الدنيا وأهلها واخمل ذكرك واخف شأنك كما أن الموتى قد انقطعت أطماعهم من الدنيا وأهلها واشهد مشاهد القيامة وعد نفسك ضيفا في بيتك وروحك عارية في بدنك خاشع القلب متواضع النفس بريء من الكبر تنظر إلى الليل والنهار\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ٦٤ و٩٠ و١٣٣ و١٨٧) وأبو داود (٤٧٩٨) وابن حبان (٤٨٠) والحاكم (١/ ٦٠) والبيهقي في الشعب (٧٦٣١ و٧٦٣٢ و٧٦٣٣) وفي الآداب (٢٠٥) والخطيب في الموضح (٢/ ٢٨٥) والبغوي في شرح السنة (٣٥٠٠ و٣٥٠١) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٢٠١)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٦٤٣)، والصحيحة (٥٢٢، ٧٩٥).","vol":"12","page":482},{"text":"فتعلم أنها في هدم عمرك ومن عقد قلبه على ذلك استراح من الهموم وانزاحت عنه الغموم.\nقوله: \"يا معاذ أوصيك بتقوى الله تعالى\" الحديث، فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله تعالى وحقوق عباده، فإنّ حقّ الله على عباده أن يتقوه حق تقاته، والتقوى وصية الله للأولين والآخرين، وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله ﷿ لقوله ﴿وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (^١).\nوفيها آيات كثيرة فإذا أضيفت التقوى إليه ﷾ فالمعنى اتقوا سخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي. وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، فهو سبحانه أهل أن يُخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده حتى يعبدوه ويطيعوه لما يستحقه من الإجلال والإكرام وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش وشدة البأس وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله [و] إلى مكانه كالنار أو إلى زمانه كيوم القيامة، قاله ابن رجب الحنبلي (^٢).\n_________\n(^١) سورة المجادلة، الآية: ٩.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٩).","vol":"12","page":483},{"text":"قوله - ﷺ -: \"اذكر الله ﷿ عند كل حجر وعند كل شجرة وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة\" تقدم الكلام على ذلك.\n\n٤٧٧٩ - وعن أبي ذر ومعاذ بن جبل - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - قال: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث حسن.\n\n٤٧٨٠ - وروى أحمد (^٢) بإسناد جيد عن أبي ذر ومعاذ بن جبل - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - قال: ستة أيام، ثم اعقل يا أبا ذر ما يقال لك بعد، فلما كان اليوم السابع قال: أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن،\n_________\n(^١) الترمذي (١٩٨٧)، وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، أحمد (٢١٣٥٤)، والدارمي (٢٧٩١) والخرائطي في مكارم الأخلاق (٣)، والطبراني في مكارم الأخلاق (٣٩)، والحاكم ١/ ٥٤، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٣٧٨، والبيهقي في الشعب (٨٠٢٦)، وفي الزهد الكبير (٨٦٩)، (٨٧٤)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١١٨٤)، السمعاني في أدب الإملاء (٣٧) والقضاعي في مسند الشهاب (٦٥٢)، وابن الآبار في معجم أصحاب أبي علي (٢٤) وصححه الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين [١/ ٥٤]، وأقره الذهبي في التلخيص، وكان قد حسنه في المهذب، أما أبو نعيم فقال في الحلية: غريب من حديث ميمون، عن أبي ذر.\nورواه أحمد (٢١٩٨٨)، والترمذي (١٩٨٧) من حديث معاذ. والحديث حسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥٥، ٣١٦٠)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٩٧).\n(^٢) مسند أحمد (٢١٥٧٣ و٢١٥٧٤)، وأخرجه ابن زنجويه، في الأموال (٣/ ١١٠٩)، وابن الحكم في فتوح مصر والمغرب (ص: ٣١٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٣) رواه كله أحمد، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٤٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٦١) وقال: حسن لغيره.","vol":"12","page":484},{"text":"ولا تسألن أحدا شيئا، وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة.\nقوله: \"وعن أبي ذر ومعاذ بن جبل\" تقدم الكلام عليهما - ﵄ -. قوله - ﷺ -: \"اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها\" الحديث، قال بعض السلف لمن ودعه للحج: أوصيك بما وصى به النبي - ﷺ - معاذا حين ودعه: اتق الله حيث ما كنت، الحديث. وهذه وصية جامعة [لخصال] البر كلها، لأبي الدرداء [شعر]:\nيريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا\nيقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا\nقاله ابن رجب (^١).\nقوله: \"وأتبع السيئة الحسنة تمحها\"، ظاهر الحديث أن السيئات تمحى بالحسنات وأن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملها بعدها، قال عطية العوفي: بلغني أن من بكى على خطيئته محيت عنه وكتبت له حسنة فإن الإنسان إذا أتى بسيئة بقلبه أو لسانه أو جارحته أتبعها بحسنة من صلاة ركعتين أو صدقة وإن قلت أو ذكر الله ﷿ ولو أن يقول سبحان الله وبحمده فإنه أحب الكلام إلى الله ﷿، والحمد لله تملأ الميزان، وفي الصحيح (^٢): كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده [سبحان الله العظيم]، فلا تعجزن عن إتباع\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٣٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٤٠٦ - ٦٦٨٢)، وصحيح مسلم (٣١) (٢٦٩٤).","vol":"12","page":485},{"text":"السيئة بنحو هذا الكلام المبارك تمحها إن شاء الله تعالى فإن كانت السيئة صغيرة كفاها الحسنة اليسيرة والذكر اليسير وإن كانت السيئة كبيرة فأكثِر مما يمحوها من ذلك والله أعلم. قوله: \"وخالق الناس بخلق حسن\" هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده فنص له بالأمر بإحسان العشرة للناس فإن معاذا كان بعثه النبي - ﷺ - إلى اليمن معلِّما لهم ومفقها وقاضيا ومن كان كذلك فإنه [يحتاج] إلى مخالقة الناس بخلق حسن [مما] لا يحتاج إليه غيره ممن لا حاجة للناس به؛ والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصديقين، ذكره ابن رجب (^١).\n\n٤٧٨١ - وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله: أوصني. قال: إذا عملت سيئة، فأتبعها حسنة تمحها. قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: هي أفضل الحسنات. رواه أحمد (^٢) عن شمر بن عطية عن\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٥٤).\n(^٢) مسند أحمد (٢١٤٨٧)، وفي الزهد (٢٧)، وأخرجه هناد في الزهد (١٠٧١)، والطبري التفسير (٨/ ٨١)، وابن أبي حاتم (٥٧٢ و١٢١٥)، والطبراني في الدعاء (١٤٩٨: ١٥٠١)، والحاكم (١/ ٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ١٨٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨١) رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن شمر بن عطية حدث به عن أشياخه، عن أبي ذر، ولم يسم أحدا منهم. قوله: (وعن أبي الدرداء) إنما هو أبو ذر انظر: إتحاف المهرة (١٧٦٨٣) إطراف المسند =","vol":"12","page":486},{"text":"بعض أشياخه عنه.\nقوله: \"وعن أبي الدرداء\" تقدم، وتقدم أيضًا معنى الحديث. قوله: \"وعن شمر بن عطية\"، شمر بن عطية هو الأسدي الكاهلي الكوفي روى عن خريم بن فاتك ولم يدركه وزر بن حبيش وأبي وائل وشهر بن حوشب والمغيرة بن سعيد بن الأخرم وأبي حازم البياضي وسعيد بن جبير وغيرهم روى عنه أبو إسحاق السبيعي وهو أكبر منه والأعمش وعاصم بن بهدلة وفطر بن خليفة وعمرو بن مرة وغيرهم قال الآجري: قلت لأبي داود كان عثمانيًا قال جدًّا وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. قلت: وسمى جده عبد الرحمن وقال: مات في ولاية خالد على العراق وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير وابن معين والعجلي (^١).\n\n٤٧٨٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: إن رجلا أصاب من امرأة قبلة وفي رواية: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض في ما شئت، فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك. قال: ولم يرد عليه النبي - ﷺ - شيئا،\n_________\n= المعتلي (٨١٣٦)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (١٦١٨)، وفي السلسلة الصحيحة (١٣٧٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٦٢).\n(^١) تهذيب التهذيب (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥).","vol":"12","page":487},{"text":"فقام فانطلق، فأتبعه النبي - ﷺ - رجلا فدعاه، فتلا عليه هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ (^١). فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. رواه مسلم (^٢) وغيره.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"أن رجلا أصاب من امرأة قبلة\"، وفي رواية: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال إني عالجت امرأة في أقصا المدينة وإني أصبتها منها ما دون أن أمسّها، الحديث. والقبلة معروفة.\nوقوله: \"إني عالجت امرأة في أقصى المدينة\"، معنى عالجها أي تناولها واستمتع بها ولكن بمدافعة ومشقة، والمعالجة المسارعة.\n[وقال عياض (^٣): المعالجة الملاطفة في المراودة بالقول والفعل، ومعالجة المريض بالدواء حتى يقبل عليه، انتهى.\nوفي رواية: \"عافست امرأة\" الحديث، المعافسة المعالجة والممارسة والملاعبة، قاله في النهاية (^٤)].\nوقوله: \"وإني أصبت منها ما دون أن أمسها\" المراد به الجماع، يريد أنه لم يجامعها، ومعناه [استمتاع] بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إلى الجماع والمس والمساس الجماع. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(^٢) صحيح مسلم (٤٢) (٢٧٦٣).\n(^٣) انظر: عمدة القاري (١/ ٧١).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٦٣).","vol":"12","page":488},{"text":"طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (^١)، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (^٢): يقال مسستُ الشيء أمسّه مسًّا إذا لمسته بيدك ثم استعير للأخذ والضرب لأنهما باليد واستُعير للجماع لأنه لمس وللمجنون كأن الجنّ لمسته يقال به مس من جنون، اهـ. قاله في النهاية (^٣).\nقوله: \"فقام الرجل فانطلق فاتبعه النبي - ﷺ - فدعاه فتلى عليه هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^٤). الآية\". المراد بقوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ صلاة الصبح والظهر والعصر، والمراد بقوله ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء، وقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والثالث العصر والرابع المغرب والعشاء، وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر، قاله الحسن وقتادة والضحاك، وقيل الطرفان الصبح والمغرب، قاله ابن عباس والحسن ورجّحه الطبري. [واختلف الناس في] (^٥) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فعن جماعة من الصحابة والتابعين أن المراد بالحسنات الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٧.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨٠).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٢٩).\n(^٤) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":489},{"text":"وقال مجاهد هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر. ويحتمل أن المراد الحسنات مطلقًا، وفي هذا الحديث تصريح بأنّ الحسنات تكفر السيئات. تنبيه: وفي حديث آخر جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله أصبتُ حدا فأقمه عليّ وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله - ﷺ - وفيه أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء ثم شهدت الصلاة معنا، فقال في آخر الحديث فقد غفر لك.\nقال النووي (^١) فقوله: أصبت حدا أي أصبت معصية من المعاصي الموجبة للتعزير وهي هنا من الصغائر [لأنها] كفرتها الصلاة وليس المراد أنه أتى بما يوجب الحدّ كالزنا وشرب الخمر ونحوهما فإنّ هذه الحدود لا تكفرها الصلاة، فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحد لا تسقط حدودها بالصلوات، هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث، ولا يجوز للإمام أن يدعها كذا قال العلماء في هذا الحديث، فقد جاء مبينا في غير هذا الحديث، فالمراد تكفير الصغائر دون الكبائر كما هو مبين في الحديث الصحيح (^٢) من قوله - ﷺ -: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن ما لم يغش الكبائر، انتهى. قاله الحافظ الدمياطي وغيره.\nتنبيه: الرجل المذكور في الحديث هو عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري [الخزرجي] والد الحجاج بن عمرو بن غزية [هكذا قاله] ابن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨١).\n(^٢) صحيح مسلم (١٦) (٢٣٣).","vol":"12","page":490},{"text":"عباس وقيل أنه [نبهان] اليمان وهو مروي عن ابن عباس [أيضًا]، وقيل [نزلت في] أبي اليسر [كعب بن عمرو وقيل] اسمه [كذا] والله أعلم.\n[وحكى] (^١) القاضي عياض (^٢) عن بعضهم: أن المراد به الحد المعروف. قال: وإنما لم يحد لأنه لم يفسر موجب الحد ولم يستفسره النبي - ﷺ - عنه إيثارا للستر بل استحب تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحد صريحا بقوله لعلك قبلت أو لمست مبالغة في الستر على المسلمين فقد كان بهم رءوفا رحيما صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. قاله في الحواشي.\nقوله في حديث أبي هريرة فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. قال الجوهري (^٣): والكافة الجميع من الناس يقال لقيتهم كافة أي كلهم وذكر أنها خففت في الشعر ضرورة. وقال الهروي: ومعنى كافة في اللغة الإحاطة ولا تثنى كافة ولا تجمع، اهـ. وقال غيره وهكذا تستعمل كافة حالا أي كلهم ولا [تضاف] فيقال كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم.\n\n٤٧٨٣ - وعن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: أرأيت من عمل الذنوب كللها، ولم يترك منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها، فهل لذلك من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨١).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٤٢٢).","vol":"12","page":491},{"text":"لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال: تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيرات كلهن. قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى.\nرواه البزار (^١) والطبراني (^٢) واللفظ له، وإسناده جيد قوي، وشطب قد ذكره غير واحد في الصحابة (^٣) إلا أن البغوي ذكر في معجمه (^٤) أن الصواب عن عبد\n_________\n(^١) البزار (كشف الأستار ٣٢٤٤).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٣١٤) (٧٢٣٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣٨٠٩) - ومن طريقه ابن حجر في الأمالي المطلقة (ص ١٤٤) - وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٥٢٤).\nوأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧١٨) ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٣٧٢)، والبغوي في معجم الصحابة (٣/ ٣٢٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣٤٩)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٢٥٤)، والخطيب في تاريخه ٣/ ٣٥٢ والحديث صححه ابن منده كما في الإصابة (٢/ ١٥٢)، وعلي بن سعيد العسكري، فيما ذكر ابن حجر في الأمالي المطلقة قال: هذا حديث حسن صحيح غريب وقال في الإصابة (٣/ ٣٥٠): هو على شرط الصحيح.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٢) رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط، وهو ثقة.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٢) رواه الطبراني، والبزار بنحوه، إلا أنه قال: تعمل الخيرات، وتسبر السبرات. ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط، وهو ثقة. وأورده الألباني في الصحيحة (٣٣٩١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٦٤).\n(^٣) معجم الصحابة لابن قانع (١/ ٣٤٩).\n(^٤) معجم الصحابة (٣/ ٣٢٢) قال أبو القاسم: روى هذا الحديث عن محمد بن هارون عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير: أن رجلا أتى النبي - ﷺ - طويل شطب الممدود وأحسب أن محمد بن هارون صحف فيه والصواب ما قال غيره.","vol":"12","page":492},{"text":"الرحمن بن جبير بن نفير مرسلا. أن رجلا أتى النبي - ﷺ - طويل شطب. والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل، والله أعلم.\nقوله: \"وعن طويل شطب الممدود\"، وشطب قد تكلم الحافظ عليه فقال: قد ذكره غير واحد في الصحابة إلى آخره. قوله: \"أرأيت من عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئًا وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها\" الحديث. هكذا جاء في رواية بالتشديد. قال الخطابي (^١): الحاجّة القاصدون البيت، والداجّة الراجعون، والمشهور [التخفيف] وأراد بالحاجة الحاجة الصغيرة وبالداجة الحاجة الكبيرة. قاله ابن الأثير، ومعناه ما تركت شيئا دعتني نفسي إليه من المعاصي إلا وقد ركبته وداجة اتباع لحاجة والألف فيها منقلبة عن الواو، قاله في النهاية (^٢).\nقوله: \"وغدراتي وفجراتي\"، الغدرات جمع غدرة وهي نقض العهد. والفجرات جمع فجرة وهي الميل إلى الفساد وقيل الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور.\n_________\n(^١) غريب الحديث (١/ ٢٥٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٠١).","vol":"12","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>الترغيب في الفراغ للعبادة والإقبال على الله تعالى والترهيب من الاهتمام بالدنيا والإقبال عليها</span>\n٤٧٨٤ - عن معقل بن يسار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقول ربكم: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يدك رزقًا. يا ابن آدم لا تباعد مني أملأ قلبك فقرًا، واملأ يدك شغلًا. رواه الحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"عن مع معقل بن يسار\" هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو على معقل بن يسار بن عبد الله بن معبر بن حُراق بن لأى بن كعب بن عبد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزني البصري، ومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٣٦٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه الطبراني في معجمه الكبير (٢٠/ ٢١٦/ ٥٠٠)، وعنه: أبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٣٠٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٠١)، وعنه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٤٠) وقال أبو نعيم: غريب تفرد به عن معاوية زيد وعنه سلام ورواه عن النبي - ﷺ - غير معقل جماعة. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح قال يحيى: سلام وزيد العمي ليسا بشيء. وقال الهيثمي (١٠/ ٢٨٣): فيه سلام الطويل وهو متروك. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٦٥)، وفي الصحيحة (١٣٥٩).","vol":"12","page":494},{"text":"ونزل البصرة، وبها توفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله - ﷺ - أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصري (^١).\nقوله: \"يا ابن آدم لا تباعد مني\" الأصل لا تتباعد مني بتاءين مثناتين من فوق، والبعد عبارة عن المعاصي والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ العاجلة والشهوات الحاضرة لا على الوجه المشروع.\n\n٤٧٨٥ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: تلا رسول الله - ﷺ -: من كان يريد حرث الآخرة الآية. قال: يقول الله: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك. رواه ابن ماجه (^٢) والترمذي (^٣)، واللفظ له، وقال: حديث حسن، وابن حبان في صحيحه (^٤) باختصار إلا أنه قال: ملأت يدك شغلا، والحاكم (^٥) والبيهقي في كتاب الزهد (^٦)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٦).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٤١٠٧).\n(^٣) الترمذي (٢٤٦٦) وقال: حسن غريب.\n(^٤) ابن حبان في صحيحه (٣٩٣).\n(^٥) المستدرك (٢/ ٤٤٣).\n(^٦) البيهقي في الزهد الكبير (٩٨٨)، وفي الشعب (١٠٣٣٩)، وفي الآداب (٨٠٣). وأخرجه أحمد (٨٦٩٦)، وفي الزهد (ص ٣٦)، ومن طريقه المزي في التهذيب (٩/ ٢٧٩) وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٦٩٩) موقوفا. قال ابن القطان في بيان الوهم =","vol":"12","page":495},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"تلى رسول الله - ﷺ - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الآية. (^١)، المراد بالحرث العمل والكسب. ومنه قول عبد الله بن عمر: واحرث لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. ومنه سمي الرجل حارثا. والمعنى: أي من طلب بما رزقناه حرثا لآخرته، فأدى حقوق الله وأنفق في إعزاز الدين، فإنما نعطيه ثواب ذلك للواحد عشرا إلى سبعمائة فأكثر. \"ومن كان يريد حرث الدنيا\" أي طلب بالمال الذي آتاه الله رئاسة الدنيا والتوصل إلى المحظورات، فإنا لا نحرمه الرزق أصلا، ولكن لا حظ له في الآخرة من ماله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾.\nوقيل: \"نزد له في حرثه\" نوفقه للعبادة ونسهلها عليه. وقيل: حرث الآخرة الطاعة، أي من أطاع فله الثواب. وقيل: \"نزد له في حرثه\" أي نعطيه الدنيا مع الآخرة. وقيل: الآية في الغزو، أي من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثواب، ومن\n_________\n= والإيهام (٤/ ٦٤٢): ووالد أبي خالد لا يعرف، فأما أبو خالد: هرمز فلا بأس به. وزائدة بن نشيط لا تعرف حاله. وتعقبه الذهبي في الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام (ص ٥٢) حديث (٦٧) قال: قلت: وثق. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٥٩)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (١٩١٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٦٦).\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١٨ - ١٩.","vol":"12","page":496},{"text":"أراد بغزوه الغنيمة أوتي منها. قال القشيري: والظاهر أن الآية في الكافر، يوسع له في الدنيا، أي لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا لا تبقى. وقال قتادة: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا.\n\n٤٧٨٦ - وعن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبيﷺ - قال: ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان إنهما يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفا، وعجل لممسك تلفًا. رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحة (^٢) والحاكم (^٣)، واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد، ورواه البيهقي (^٤) من طريق الحاكم، ولفظه: قال رسول الله\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢١٧٢١)، وفي الزهد (ص ١٩) وأخرجه مختصرًا أبو نعيم في الحلية (٩/ ٦٠).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٣٣٢٩).\n(^٣) المستدرك للحاكم (٢/ ٤٨٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\n(^٤) شعب الإيمان (٣١٣٩، ٩٨٨٨)، وأخرجه الطيالسي (٩٧٩)، وابن أبي شيبة في المسند (٣٦)، وعبد بن حميد (٢٠٧)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس (٤٤٣)، (٤٤٤)، وفي التفسير (١٥/ ٦٠)، وابن السني في القناعة (٢٢) و(٢٣) و(٢٤)، والطبراني في معجمه الأوسط (٢٨٩١)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٣١١)، وابن بشران في الفوائد (٥٥٢)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٢٦، والقضاعي في مسند الشهاب (٨١٠)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٤٥)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٥٤٣ =","vol":"12","page":497},{"text":"- ﷺ -: ما من يوم طلعت شمسه إلا وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه ما خلق كلهم غير التقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم. إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت الشمس إلا وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا، وأنزل الله ﷿ في ذلك قرآنا في قول الملكين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم في سورة يونس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وأنزل الله في قولهما: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾.\nقوله: \"وعن أبي الدرداء\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"ما طلعت الشمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين\" الحديث، تقدم في الإنفاق في وجوه الخير، وتقدم الكلام على غريب ألفاظه.\n\n٤٧٨٧ - وروي عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله ﷿ له أموره، وجعل غناه في قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله ﷿ إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله ﷿ إليه بكل خير\n_________\n= و٢٠٧٥)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٤٣)، و(٩٢٠) والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٥/ ٢٣٢/ ٣٣١٩)، تخريج فقه السيرة (٤٤٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٧٠٦).","vol":"12","page":498},{"text":"أسرع. رواه الطبراني في الكبير (^١) والأوسط (^٢) والبيهقي في الزهد (^٣).\nوروي عن أبي الدنيا قوله - ﷺ -: فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته وجعل فقره بين عينيه الحديث، أي [كثّر] عليه معاشه ليشغله عن [الآخرة] (^٤).\nقوله: \"وما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفِد إليه بالود والرحمة\" - والمراد بالإقبال إلى الله تعالى بالقلب هو إزالة الخواطر والشواغب والوساوس الملهية الشاغلة.\nقوله: \"تفد إليه بالود\" المراد بذلك تسرع إليه بالود والرحمة والمعنى أن من تفرغ من هموم الدنيا أقبل قلبه على الله بكليته أي حبا ومعرفة وخوفا فدل على أن هذا الإقبال ممكن وثمرته عاجلة أن يجعل الله تعالى له محبة ورحمة في قلوب خواص عباده ثم بين أثر ذلك بقوله تفد إليه بالود أي تقبل على\n_________\n(^١) جامع المسانيد والسُّنَن (٩/ ٣٧٦/ ١٢١١٤).\n(^٢) المعجم الأوسط (٥٠٢٥)، وأخرجه أبو يعلى (المطالب العالية (٣٢٨٠)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٦٧)، وابن الأعرابي في المعجم (١٨٠٤)، والقضاعي في الشهاب (٦٩٦)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٢) رواه أبو يعلى الموصلي والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في الزهد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٧) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه محمد بن سعيد بن حسان المصلوب، وهو كذاب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٦٧)، وقال في الضعيفة (١٠١٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٤٢): موضوع.\n(^٣) البيهقي في الزهد (٨١٣).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":499},{"text":"مهماته وخدمته محبة له ثم أكد ذلك بغاية المنى فقال: \"وكان الله تعالى بكل خير إليه أسرع\" أي إلى حبه وكفايته ومعونته من جميع عباده ليعرف بركة فراغ قلبه ومن الخير الذي يسرع الله به إليه ما قال المصطفى - ﷺ - من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هموم الدنيا والآخرة ومن كانت الدنيا أكبر همه تخوف بأحوالها وتقلبها ورغب في الجمع والمنع وذلك سم قاتل فمن رفض ذلك انكشف له الغطاء فوجد الله كافيا له في كل أمر فرفع باله عن التدبير لنفسه وأقبل على ملاحظة تدبير الله واستراح وسخر إليه الناس وأفاض عليه الخير بغير حساب ولا قياس.\n\n٤٧٨٨ - وعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. رواه ابن ماجه (^١)، ورواته ثقات،\n_________\n(^١) ابن ماجه (٤١٠٥)، وأخرجه أحمد (٢١٦٣٠)، وأبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، والنسائي في السنن الكبرى (٥٨٤٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٤)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ١١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٢٣٢)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (١٦٤)، وتمام في فوائده (١٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٦٠٦)، وابن عبد البر في الجامع (١/ ٤٦)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٢٤)، وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة بنحوه ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق أبان بن عثمان عن زيد بن ثابت وله شاهد عن حديث أبي =","vol":"12","page":500},{"text":"والطبراني (^١)، ولفظه: قال رسول الله - ﷺ -: إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويشتت عليه ضيعته، ولا يؤتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته، وتأتيه الدنيا، وهي راغمة. رواه في حديث بإسناد لا بأس به، ورواه ابن حبان في صحيحه (^٢) بنحوه، وتقدم لفظه في العلم.\n[قوله: شتت عليه ضيعته] بفتح الضاد المعجمة، وإسكان المثناة تحت: معناه فرق عليه حاله وصناعته ومعاشه، وما هو مهتم به، وشعبه عليه ليكثر كده، ويعظم تعبه.\nقوله: \"وعن زيد بن ثابت\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه\" الحديث، فمن كان فقره بين عينيه لم يزل خائفا من الفقر لا يستغني قلبه بشيء ولا يشبع من الدنيا، فإن الغنا غنا القلب، والفقر فقر النفس. وفي حديث خرجه الطبراني مرفوعا الغنا في القلب والفقر في القلب ومن كان الغنا في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له منها إونما يضر نفسه. وعن عيسى عليه\n_________\n= هريرة رواه الترمذي في الجامع وابن ماجه. (مصباح الزجاجة ٢/ ٣٢١). وقال الحافظ العراقي. إسناد جيد (تخريج الأحياء ٦/ ٢٣٨٧ وعزاه الهيثمي إلى الطبراني في (الأوسط) ثم قال: ورجاله وثقوا (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٤٧). وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه ٢/ ٣٩٣)، وفي السلسلة الصحيحة (٩٥٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٦٨).\n(^١) الطبراني في معجمه الكبير (٥/ ١٥٨/ ٤٨٩٠، ٤٨٩١، (٥/ ١٧٢/ ٤٩٢٥).\n(^٢) ابن حبان (٦٧).","vol":"12","page":501},{"text":"[وعلى نبينا] أفضل الصلاة والسلام قال: مثل طالب الدنيا كشارب البحر كلما زاد شربا منه زاد عطشا حتى يقتله.\nقال يحيى بن معاذ: من كان غناه في قلبه لم يزل غنيا ومن كان غناه في كسبه لم يزل فقيرا ومن قصد المخلوقين لحوائجه لم يزل محروما، ويشهد لهذا كله الحديث الصحيح (^١) عن النبي - ﷺ -: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. لو فكر الطامع في عاقبة الدنيا لقنع ولو تذكر [الجائع] إلى فضولها مآلها لشبع. شعر:\nهب أنك قد ملكت الأرض طُرًّا ... ودان لك العبادُ فكان ماذا\nأليس مصيرك جوف تُرْبٍ ... [ويحثي الترب] هذا ثم هذا\n[ذكره ابن رجب (^٢) في شرح النواوية (^٣)، [وقال في] الديباجة، روى الترمذي الحكيم في نوادره (^٤) عن [دريد] بن نافع المدني أن النبي - ﷺ - قال: إن الله أنزل في بعض ما أنزل من الكتب قسما يقسم به يقول: وعزتي وجلالي وجمالي وعلوي ودنوي وارتفاع مكاني من آثر هواي على هواه لأجمعنّ له شمله ولأكفينّه ما أهمّه ولأجعلنّ غناه في قلبه ولأضمننّ السموات والأرض\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٣٦)، وصحيح مسلم (١١٦) (١٠٤٨).\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣١٢).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٤/ ٢٥).","vol":"12","page":502},{"text":"رزقه ولأتجرنّ له من وراء تجارة كل تاجر، ومن آثر هواه على هواي لأشتتن عليه أمره ولأجعلن فقره بين عينيه ولأحضرنّه همومه الحاضر منها والغائب والقديم منها [والحادث] حتى لا يدري من أين تجيئه ومن أيت تأخذه. قال الغزالي حجة الإسلام (^١): [اعلم] أن ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما الذي ينبغي أن يجتنب منها؛ [ثم قال:] دنياك وأخراك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك [فالقريب] الداني منها يسمى دنيا وهو كل ما قبل الموت، [والمتراخي] المتأخر يسمى آخرة وهو [ما بعد] الموت فكل مالك [فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة] ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ [فليس] مذموم بل هو ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول ما يصحبك في الآخرة ويبقى معك [ثمرته] بعد الموت [و] هو العلم والعمل فقط، وأعني (^٢) بالعلم العلم بالله وصفاته [وأفعاله] وملائكته وكتبه ورسله وملكوت سماواته وأرضه والعلم بشريعة نبيه - ﷺ -، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله تعالى.\nوالقسم الثاني وهو كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورة والحاجة [الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة]\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٢١٩).\n(^٢) اللوحة ١٣٧ تكرار للوحة ١٣٦.","vol":"12","page":503},{"text":"من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث [والغلمان والجواري و] الحيوان والمواشي والقصور [والدور] ورفيع الثياب ولذيذ الأطعمة [فحظ] العبد [من ذلك] كله من الدنيا المذمومة.\nوالقسم الثالث وهو متوسط بين [الطرفين، كل حظ معجل يعين على أعمال الآخرة كالقوت من الطعام والقميص الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتى للإنسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل، فإن كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا، ولا يبقى مع العبد عند الموت] إلا ثلاث صفات طهارة القلب عن أدناس الدنيا وأنسه بذكر الله تعالى وحبه لله تعالى وهذه الصفات الثلاث [هي المنجيات] المسعدات بعد الموت [وهي] الباقيات الصالحات. وسالك طريق الآخرة هو المواظب على هذه الصفات الثلاث، فالقدر الذي لا بد منه لهذه الثلاث إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا [وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، وإن أخذ ذلك لحظ النفس وعلى قصد التنعم كما من أبناء الدنيا] (^١) والراغبين في حظوظها ثم أطال في تقرير ذلك ﵀ ورضي عنه، قاله صاحب الديباجة [ذكره ابن رجب في شرح النواوية].\nقوله - ﷺ -: \"وأتته الدنيا وهي راغمة\" الحديث، راغمة معناه كارهة، قوله: \"وشتت عليه ضيعته\"، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: معناه وفرق عليه حاله وصناعته ومعاشه وما هو مهتمّ به وشعَّبه عليه ليكثر كدّه ويعظم تعبه، اهـ.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":504},{"text":"وتقدم في حديث آخر: من كانت الدنيا همه، وفي حديث: هرمه وسدمه أي بغيته وشهوته، هكذا رواه بعضهم والمحفوظ: همه [وسدمه]، قاله في النهاية (^١). والسدم بفتح المهملتين الهم والحرص على الشيء واللهج به.\n\n٤٧٨٩ - وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له. رواه الترمذي (^٢) عن يزيد الرقاشي عنه، ويزيد قد وثق، ولا بأس به في المتابعات، ورواه البزار (^٣)، ولفظه: قال رسول الله - ﷺ -: من كانت نيته الآخرة\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٥٥)، (٥/ ٢٥٢).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٤٦٥)، والحديث؛ وكيع (٢/ ٦٣٨)، وعنه هناد، في الزهد (٦٦٩)، وابن أبي عاصم، في الزهد (١٦٤)، والحربي في غريب الحديث (٣/ ١٠٧٦)، وابن الأعرابي في الزهد (ص ٤٧)، الحارث: كما في بغية الباحث (ص ١٣٠٢)، وابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٣٥٣)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٨٥)، (٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٧)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٠٣)، والبغوي (٤١٤٢)، وابن الجوزي في العلل (٢/ ٣١١)، والشجري في الأمالي (٢/ ١٥٥، ١٦٥)، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. قال ابن المديني: لا يكتب حديث إسماعيل بن مسلم. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال المؤلف: وقد روى نحو هذا داود عن همام، عن قتادة. قال ابن حبان: وداود كان يضع الحديث على الثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٤٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٦٩).\n(^٣) ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٧)، ونسبه للبزار، وقال: فيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.","vol":"12","page":505},{"text":"جعل الله ﵎ الغنى في قلبه، وجمع له شمله. ونزع الفقر من بين عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة، فلا يصبح إلا غنيا، ولا يمسي إلا غنيا، ومن كانت نيته الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه، فلا يصبح إلا فقيرا، ولا يمسي إلا فقيرا. رواه الطبراني (^١) بلفظ تقدم في الاقتصاد.\nقوله: \"وعن أنس\"، تقدم معنى الحديث. قوله: \"وعن يزيد الرقاشي\"، ويزيد الرقاشي كذا.\n\n٤٧٩٠ - وعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: من انقطع إلى الله ﷿ كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها. رواه أبو الشيخ بن حيّان (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط: كما في المجمع (١٠/ ٢٤٧) وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (ص ١٢١)، وابن الأعرابي في الزهد (ص ٤٧)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٨٧)، وابن عدي (٣/ ١٠٠) وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٧)، ثم قال: رواه الطبراني في الأوسط بسندين، في أحدهما: داود بن المحبر، وفي الآخر: أيوب بن خوط، وكلاهما ضعيف جدا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٢٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٦٠) - وكما في ابن كثير في التفسير - (٨/ ١٤٨) والطبراني في معجمه الأوسط (٣٣٥٩)، وفي معجمه الصغير (٣٢١)، وأبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين في التصوف (١/ ٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ١٩٦)، وإسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٦١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٩٣ و٤٩٥ و٤٩٦)، (٤٩٧)، والشجري في الأمالي الخميسية (١/ ٣٨٠)، وأبو نعيم الأصبهاني في الأربعون (١١) ابن عساكر في معجمه (١٣٧٠)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٣٨)، وقال =","vol":"12","page":506},{"text":"والبيهقي (^١) من رواية الحسن عن عمران، واختلف في سماعه منه.\nقوله: \"وعن عمران بن حصين\" تقدم، قوله - ﷺ -: \"من انقطع إلى الله ﷿ كفاه الله مؤنته\" الحديث، تقدم في طلب الرزق وتقدم باقي أحاديث الباب في أماكن متفرقة.\n\n٤٧٩١ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من جعل الْهم هما وَاحِدًا كَفاهُ الله هم دُنْيَاهُ وَمن تشعبته الهموم لم يبال الله فِي أَي أَوديَة الدُّنْيَا هلك رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه وَغَيرهَا وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد (^٢) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي حَدِيث عَن ابْن مَسْعُود.\n_________\n= ابن الجوزي: قال الطبراني تفرد به إبراهيم بن الأشعث الخراساني وقد قدح فيه أبو حاتم الرازي وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب، ويخطئ، ويخالف. وبقية رجاله ثقات. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٦٠٢) أخرجه الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في الشعب من رواية الحسن عن عمران بن حصين ولم يسمع منه، وفيه إبراهيم بن الأشعث تكلم فيه أبو حاتم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٣) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن الأشعث صاحب الفضيل، وهو ضعيف، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب ويخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٨٥٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٠٦١).\n(^١) البيهقي في الشعب (١٣٥١ - ١٣٥٢ - ١٠٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد (١٦٦)، والحاكم (٢/ ٤٤٣) و(٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، والبيهقي في الآداب (٨٠٤) والزهد (١٦) والشعب (١٢/ ٥٤١ - ٥٤٢ رقم ٩٨٥٧).\nوقال الذهبي معقبا على تصحيح الحاكم: يحيى بن المتوكل ضعفوه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٧٠).","vol":"12","page":507},{"text":"٤٧٩٢ - وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا قَالَ سَمِعت نَبِيكُم - ﷺ - يَقُول من جعل الهموم هما وَاحِدًا هم الْمعَاد كَفاهُ الله هم دُنْيَاهُ وَمن تشعبت بِهِ الهموم أَحْوَال الدُّنْيَا لم يبال الله ﷿ فِي أَي أوديته هلك (^١).\n\n٤٧٩٣ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أصبح وهمه الدُّنْيَا فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\n\n٤٧٩٤ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من أصبح حَزينًا على الدُّنْيَا أصبح ساخطا على ربه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣). قَالَ الْحَافِظ وَتقدم فِي الاقتصاد فِي طلب الرزق وَغَيره غير مَا حَدِيث يَلِيق بِهَذَا الْبَاب وَيَأْتِي فِي الزّهْد إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَحَادِيث أخر.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٤٥) والمصنف (٣٤٣١٣)، وأحمد في الزهد (١١٩)، وابن ماجه (٢٥٧) و(٤١٠٦)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢٧٤)، والبزار (١٦٣٨)، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ٣٠٩). قال أبو حاتم في العلل (١٨٥٩): هذا حديث منكر، ونهشل بن سعيد متروك الحديث. وصححه الألباني في المشكاة (٢٦٣) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٧١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٥١ رقم ٤٧١). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرد به: يزيد بن ربيعة. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٨): فيه يزيد بن ربيعة الرحبي، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٣١٠) وضعيف الترغيب (١٠٦٢ و١٨٤٤ و١٨٨٦).\n(^٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ٧٥)، والطبراني في الصغير (٢/ ٣٠ رقم ٧٢٦)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤ رقم ٩٥٧١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٤٨: رواه الطبراني في الصغير، وفيه وهب بن راشد البصري صاحب ثابت، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٨٤٥ و١٨٨٧).","vol":"12","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان</span>\n٤٧٩٥ - عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني قال: قلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: [عليكم أنفسكم]؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله - ﷺ - فقال: ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، وح عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله.\nرواه ابن ماجه (^١) والترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود (^٣)،\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٠١٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٠٥٨)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\n(^٣) أبو داود (٤٣٤١)، وأخرجه أبو عبيد في الناسخ (٥٢٤) البخاري في خلق الأفعال (٢٢٤) وفي التاريخ الكبير (٤/ ٢/ ٤٢٦)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٤١)، وفي الصبر (٢) وفي الأمر بالمعروف (٢) وابن أبي عاصم في الزهد (٢٦٦) وأبو القاسم البغوي في الصحابة (٣٨٣)، والطحاوي في المشكل (١١٧١) (١١٧٣) وابن أبي حاتم في التفسير (٦٩١٥) ابن حبان (٣٨٥) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢٠/ ٥٨٧) في مسند الشاميين (٧٥٣) (٧٥٤) والداني في الفتن (٢٩٣) والحاكم (٤/ ٣٢٢) وابن بطة في الإبانة (٧٤٦) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠) والبيهقي (١٠/ ٩١ - ٩٢) وفي الشعب (٧١٤٨) (٩٢٧٨) وفي الآداب (٢٠٢) وفي الاعتقاد (ص ٢٥٢ - ٢٥٣) والواحدي في الوسيط (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٦٠٥) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣١٦) =","vol":"12","page":509},{"text":"وزاد: قيل يا رسول الله: أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم.\nقوله: \"عن أبي أمية الشعباني\"، أبو أمية الشعباني اسمه يحمد وقال أبو أحمد العسكري: ويحمد، الياء مضمومة والحاء ساكنه غير معجمة والميم مكسورة، هكذا يقول المحصلون من أصحاب الحديث، ومن يتسامح يقول بفتح الميم، وكذلك قيده أبو نصر بن ماكولا بضم الياء وكسر الميم. ووجد بخط الحافظ أبي عبد الله الصوري بفتح الياء وكسر الميم، وقيل: إن اسمه عبد الله بن أخامر ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم أدرك الجاهلية.\nقال: \"سألت أبا ثعلبة الخشني\"، قال أبو داود: واسم أبي ثعلبة جرثوم، هذا آخر كلامه، وفي اسم ثعلبة اختلاف كثير، قيل جرثوم، وقيل جرهم، وقيل عمرو، وقيل الأشتر. قوله: \"قلت: يا أبا ثعلبة. . . في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^١) [الحديث] أي الزموا حفظ أنفسكم لا يضركم معاصي غيركم وإنما لا يضر الرجل معاصي غيره إذا عجز عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاغترار والإعجاب [والمذكورات]: فدعهم\n_________\n= البغوي في شرح السنة (٤١٥٦) وفي التفسير (٢/ ١٠١)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٧٨٣) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجه. ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ١٣٥) ضعيف - المشكاة (٥١٤٤)، تيسير الانتفاع/ عمرو بن جارية لكن فقرة (أَيام الصبر) ثابتة، الصحيحة (٤٩٤ و٩٥٧) والمزي (٢١/ ٥٦٣).\n(^١) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.","vol":"12","page":510},{"text":"ولا تأمرهم، واشتغل بإصلاح نفسك كي لا تقع معهم في المحارم والشبهات. قوله: \"ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا\" الحديث، فهذا قد ورد فيما يستدل به على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عدم القبول والانتفاع به.\nقوله: \"حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا\"، والشح المطاع هو الذي يطيعه صاحبه في منع الحقوق التي أوجبها الله عليه أو [ندب] إليها كمنع الزكاة [والنفقة] الواجبة وصدقة التطوع وما أشبه ذلك (^١).\nقوله: \"وهوى متبعا\"، الهوى المتبع هو الذي يتبعه صاحبه (^٢).\nقوله: \"ودنيا مؤثرة\" أي مختارة مقدمة على الآخرة، ويحرصون على جمع الأموال ويتركون الأعمال الصالحات (^٣).\nقوله: \"وإعجاب كل ذي رأي برأيه\"، يعني يجد كل أحد فعل نفسه حسنا وإن كان قبيحا ولا يراجع العلماء فيما فعل بل يفتي نفسه، وقيل المغتر بأفعاله فعله القبيح حسنا، معناه عليك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن رأيت (^٤).\nقوله: \"عليك نفسك\"، هو اسم فعل أي الزم نفسك. قوله - ﷺ -: \"فإن وراءكم أيام الصبر فيهن مثل القبض على الجمر\" الحديث، أي فإن [قدامكم\n_________\n(^١) شرح السنة (١٤/ ٣٤٧)، والمفاتيح (٥/ ٢٦٤) وشرح المصابيح (٥/ ٣٦٩).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٢٦٤) وشرح المصابيح (٥/ ٣٦٩).\n(^٣) المفاتيح (٥/ ٢٦٤) وشرح المصابيح (٥/ ٣٦٩).\n(^٤) المفاتيح (٥/ ٢٦٤) وشرح المصابيح (٥/ ٣٦٩).","vol":"12","page":511},{"text":"أياما صعابا شديدة] على المؤمنين الصبر فيها أفضل، فمن صبر في تلك الأيام عن القبائح والمعاصي واشتغل بعبادة الله تعالى [استحق] بمشقة الصبر ما يستحق القابض جمرة من النار بمشقته في إمساكها من الثواب، اهـ.\n[الصبر] فيهن: [مثل القبض على الجمر الحديث، الصابر فيهن] يعني على العبادة [و] مخالفة ما الناس عليه والقيام بالعبادات كأنما قبض على الجمر [والجمر هو الحطب المحترق قبل أن يخمد تارة، يعني كما أن أخذ النار بالكف الشديد، فكذلك الصبر مع أهل ذلك للزمان] للمشقة الحاصلة بسبب ذلك والله أعلم. قوله - ﷺ -: \"للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله\"، وزاد أبو دواد: قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم. الحديث. ولهذا جعل له إذا تمسك بدينه أجر خمسين من الصحابة، وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس والتمسك بالسنة بين ظلم هؤلاء المخالفين وأهوائهم وآرائهم، فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله تعالى بصيرة في دينه وفقها في سنة رسوله وفهما في كتابه، وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم [عن] الصراط المستقيم فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه وازدرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم كما كان الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه فهناك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدعة، غريب في صلاته لسوء ضلالتهم. وبالجملة فهو غريب","vol":"12","page":512},{"text":"في [أمور] دنياه وآخرته، لا يجد مساعدا ولا معينا فهو عالم بين قوم جهال، صاحب سنة بين أهل البدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف (^١)، اهـ. قاله في تهذيب النفوس.\nفائدة: وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا، رواه الترمذي (^٢). وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد. قلت رجاله ثقات سوى نعيم بن حماد [المذكور]، فوثقه أحمد وابن معين وأبو زكرياء وغيرهم وضعفه أبو داود والنسائي وغيرهما، ذكره الحافظ الدمياطي.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٨٩).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٢٦٧)، ومن طريقه الذهبي في تذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٨)، وقال: هذا حديث غريب، والطبراني في الصغير (١١٥٦)، ومن طريقه ابن حجر في الأمالي المطلقة ص (١٤٦)، وابن عدي في الكامل (٧/ ١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٦)، وتمام في فوائده (١٧٢١)، والسهمي في تاريخ جرجان ص (٤٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٢/ ٣٦٢)، وقال ابن حجر في النكت الظراف (١٣٧٢١): قرأت بخط الذهبي: لا أصل له ولا شاهد، ونعيم منكر الحديث مع إمامته. قلت [أي: ابن حجر]: بل وجدت له أصلا، أخرجه ابن عيينة في جامعه عن معروف الموصلي عن الحسن البصري به مرسلا، فيحتمل أن يكون نعيم دخل له حديث في حديث اهـ. وانظر التاريخ الكبير (٧/ ٤١٥)، وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (٢٧٩٤): قال: سمعت أبي يقول هذا عندي خطأ، رواه جرير، وموسى بن أعين، عن ليث، عن معروف، عن الحسن، عن النبي - ﷺ -، مرسل، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٣٨)، والضعيفة (٦٨٤).","vol":"12","page":513},{"text":"٤٧٩٦ - وعن معقل بن يسار - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: قال: عبادة في الهرج كهجرة إلي. رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢) وابن ماجه (^٣).\nقوله: \"وعن معقل بن يسار\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"العبادة في الهرج كهجرة إليّ\"، الحديث. قال الحافظ الهرج هو الاختلاف والفتن، وقد فسّر في بعض الأحاديث بالقتل لأن الفتن والاختلاف من أسبابه فأقيم المسبب مقام السبب، اهـ. وخرجه الإمام أحمد ولفظه: العبادة في الفتنة كالهجرة إليّ. وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله - ﷺ - مؤمنًا [به] متبعا لأوامره مجتنبًا لنواهيه، اهـ قاله [الحافظ] ابن رجب (^٤).\nوقال النووي (^٥): المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا الأفراد، [قال الشيخ أبو العباس القرطبي: المستمسك بالعبادة في ذلك\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٣٠) (٢٩٤٨).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٢٠١)، وقال: هذا حديث صحيح غريب إنما نعرفه من حديث حماد بن زيد، عن المعلى.\n(^٣) سنن ابن ماجه (٣٩٨٥).\n(^٤) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٣٢).\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم (١٨/ ٨٨).","vol":"12","page":514},{"text":"الوقت والمنقطع إليها والمعتزل عن الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه ﷿، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه تعالى، وفرّ من جميع خلقه، [انتهى]، والله تعالى أعلم.\nفائدة يختم بها الباب: قال عبد الواحد بن زيد استبطأ معاذ بن جبل - ﵁ - نفسه في الطاعة لله ﷿ فغضب يوما على نفسه وخرج إلى البقيع فاتزر وألقى ثيابه وجعل [يتقلب] في الرمضاء وهو يبكي ويقول: ذوقي يا نفس جيفة بالليل بطالة بالنهار، فنزل جبريل - ﵇ - فقال: يا محمد من هذا الذي باهى الله به الملائكة من أصحابك في هذا اليوم؟ فقال: ما أدري. قال: فانطلق معي أركه، فجاء به إلى بقيع الغرقد فلما بصُر بهما [لبس] ثيابه وجعل يعتذر إليهما، فقال له النبي - ﷺ -: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله إن نفسي أعيتني فأردت أن أذكرها عذاب الله ﷿، قال: فإن الله ﷿ قد باهى بك الملائكة فلك عند الله دعوة مستجابة فادع لإخوانك. فقال: اللهم اجمع على الهدى أمرنا. فقال رسول الله - ﷺ -: زدهم. فقال: اللهم اجعل التقوى زادنا. قال: زدهم. قال: اجعل الجنة مآبنا. قال: آمين آمين وجبت (^١)، ذكره أيضًا صاحب تهذيب النفوس [والله تعالى أعلم بالصواب].\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٥٧).","vol":"12","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>الترغيب في المداومة على العمل</span>\n٤٧٩٧ - عن عائشة - ﵂ - قالت: كان لرسول الله - ﷺ - حصير، وكان يحجزه بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه فجعل الناس يثوبون إلى النبي - ﷺ - فيصلون بصلاته حتى كثروا فأقبل عليهم فقال: يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل (^١).\n\n٤٧٩٨ - وفي رواية (^٢): وكان آل محمد إذا عملوا عملا وأثبتوه.\n\n٤٧٩٩ - وفي رواية (^٣) قالت: إن رسول الله - ﷺ - سئل أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قل.\n\n٤٨٠٠ - وفي رواية (^٤): أن رسول الله - ﷺ - قال: سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. رواه البخاري (^٥) ومسلم (^٦). ولمالك (^٧) والبخاري (^٨) أيضًا: قالت: كان أحب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٨٦١)، وصحيح مسلم (٢١٥) (٧٨٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٢١٥) (٧٨٢).\n(^٣) صحيح مسلم (٢١٦) (٧٨٢).\n(^٤) صحيح مسلم (٧٨) (٢٨١٨).\n(^٥) صحيح البخاري (٦٤٦٤).\n(^٦) صحيح مسلم (٧٨) (٢٨١٨).\n(^٧) موطأ مالك (١/ ١٧٤/ ٩٠).\n(^٨) صحيح البخاري (٦٤٦٢).","vol":"12","page":516},{"text":"الأعمال إلى الله ﷿ الذي يدوم عليه صاحبه. ولمسلم (^١): كان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وكانت عائشة - ﵂ - إذا عملت العمل لزمته.\nورواه أبو داود (^٢)، ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - قال اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وكان إذا عمل عملا أثبته.\n\n٤٨٠١ - وفي رواية له (^٣) قال: سألت عائشة - ﵂ - كيف كان عمل رسول الله - ﷺ - هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله - ﷺ - يستطيع. ورواه الترمذي (^٤) ولفظه: كان أحب الأعمال إلى رسول الله - ﷺ - ما ديم عليه.\n\n٤٨٠٢ - وفي رواية له (^٥): سئلت عائشة وأم سلمة - ﵄ -: أي العمل كان أحب إلى رسول الله - ﷺ - قالا: ما ديم عليه وإن قل. [يحجره]: أي يتخذه حجرة وناحية ينفرد عليه فيها.\n[يثوبون]: بثاء مثلثة ثم واو ثم باء موحدة: أي يرجعون إليه، ويجتمعون عنده. أحب العمل ما داوم عليه العبد.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢١٨) (٧٨٢).\n(^٢) سنن أبي داود (١٣٦٨).\n(^٣) سنن أبي داود (١٣٧٠).\n(^٤) سنن الترمذي عقب (٢٨٥٦)، وقال: هذا حديث صحيح.\n(^٥) سنن الترمذي (٢٨٥٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"12","page":517},{"text":"قوله: \"عن عائشة\"، تقدمت ترجمتها. قولها: \"كان لرسول الله - ﷺ - حصير وكان يحجزه بالليل فيصلي عليه\" الحديث، يحجزه: قال صاحب النهاية (^١) أو غيره: بضم الياء وفتح الحاء وكسر الجيم المشددة، اهـ، أي يتخذه [حجزة] وناحية ينفرد عليه فيها كذا فسره المنذري. وفي رواية كان لرسول الله - ﷺ - حصير يبسطه بالنهار ويحجزه بالليل وفي رواية يحتجزه أي بجعله لنفسه دون غيره ومنه يقال حجرت الأرض واحتجرتها إذا ضربت عليها منارا تمنعها به عن غيرك ومنه حجر القاضي على المفلس وغيره وأصله المنع، ذكره ابن الأثير، وكذا صاحب المغيث (^٢)، وفيه إشارة إلى ما كان عليه رسول الله - ﷺ - من الزهادة في الدنيا والإعراض عنها والإجزاء من متاعها ما لا بد منه.\nقوله: \"فجعل الناس يثوبون إلى النبي - ﷺ - يصلون بصلاته\"، ضبطه الحافظ وفسره فقال أي يرجعون إليه ويجتمعون عنده، اهـ. قوله - ﷺ -: \"خذوا من الأعمال ما تطيقون\" الحديث، أي ما تطيقون من الدوام عليه بلا ضرر وفيه دليل على الاقتصاد في العبادة واجتناب التعمق، وليس الحديث مختصا بالصلاة بل هو عام في جميع أعمال البر.\nقوله: \"فإن الله لا يمل حتى تملوا\"، هو بفتح الميم فيها، وفي الرواية الأخرى: لا يسأم حتى تسأموا، وهما بمعنى قال العلماء: الملل والسآمة\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤١)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ٤٠٣).","vol":"12","page":518},{"text":"المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى فيجب تأويل الحديث، قال المحققون معناه لا يعاملكم معاملة المالّ فيقطع عنكم ثوابه وجزاءه وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا [أعمالكم]، وقيل معناه لا يمل إذا مللتم، قاله ابن قتيبة وغيره. [وفي هذا الحديث كمال شفقته - ﷺ - ورأفته بأمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر فتكون النفس أنشط والقلب منشرحا فتثمر العبادة بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشقّ فإنه بصدد أن يتركه كله أو بعضه أو يفعله بكلفة أو بغير انشراح القلب فيفوته خير عظيم، وقد ذمّ الله ﷾ من اعتاد عبادة ثم فرط فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (^١).\nوقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاصي على تركه قبول رخصة رسول الله - ﷺ - في تخفيف العبادة، [و] مجانبة التشديد بقوله يا ليتني قبلت رخصة رسول الله - ﷺ -] (^٢).\nفإن قلت الملال لا يصح لا على الله تعالى فما وجهه. قلت الملال كناية عن عدم القبول أي فإن الله يقبل طاعتكم حتى تملوا فإنه لا يقبل ما يصدر منكم على سبيل الملالة وأطلق الملال على طريقة المشاكلة وقال\n_________\n(^١) سورة الحديد، الآية: ٢٧.\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقال الخطابي: هو كناية عن الترك، أي لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل، قاله الكرماني).","vol":"12","page":519},{"text":"الخطابي: هو كناية عن الترك، أي لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل، قاله الكرماني (^١).\nقوله - ﷺ -: \"إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما دام وإن قلّ\"، [وفيه] الحث على المداومة على العمل وأن قليله خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرا من الكثير المنقطع لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق ﷾ ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة والله أعلم.\nقوله: \"وكان آل محمدا إذا عملوا عملًا أثبتوه\"، [أي لازموه وداوموا عليه] (^٢)، والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته وخواصه - ﷺ - من أزواجه وقرابته ونحوهم.\nقوله: \"وفي رواية قالت: أن رسول الله - ﷺ - سئل أيّ العمل أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قلّ\"، قال بعض السلف: أدركت من أصحاب النبي - ﷺ - أكثر من سبعين فما رأيت قوما أهون سيرة ولا أقلّ تشديدا منهم. والمعنى [في] ذلك أن النفس [بدوام] العبادة على وجه القلة تألف ولا يحصل لها ملال وسآمة يفضي إلى ترك تلك العبادة فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول عمره [من] قوته وضعفه استقام سيره ومن حمل ما لا يطيق فإنه قد يحدث\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢١/ ٩٦).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":520},{"text":"له مرض يمنعه من العمل بالكلية وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل فيصير كالمنبت فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.\nقوله: \"في رواية أبي داود: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون\"، اكلفوا بفتح اللام معناه خذوا وتحملوا، يقال كلفت بهذا الأمر أكلف به إذا [أولعت] وأحببته، قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"فإن الله لا يمل حتى تملوا\"، الملال فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء فيوجب الكلال والإعراض عنه، فمعنى الحديث والله أعلم: اعملوا حسب طاقتكم فإن الله تعالى لا يعرض عنكم إعراض الملول ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط فإذا فترتم فاقعدوا فإنكم إذا مللتم عن العبادة وأتيتم بها على فتور كانت معاملة الله معكم حينئذ معاملة الملول عنكم والداعي إلى [هذا] التجوز قصد الازدواج وله في القرآن نظائر، ومعناه فإن الله لا يمل أبدا وإن مللتم فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم والله أعلم.\nقوله: \"كان عمله ديمة\"، بكسر الدال وإسكان الياء [أي يدوم عليه ولا يقطعه والديمة المطر الدائم في سكون] (^٢)، شبهت عمله في دوامه مع الاقتصاد، [بديمة] المطر الدائم، ومنه حديث حذيفة، وذكر الفتن فقال: إنها\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٩٦).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":521},{"text":"لآتيتكم [ديمة] (^١)، ديما أي أنها تملأ الأرض في دوام ودِيَم جمع ديمة المطر والله أعلم.\n\n٤٨٠٣ - وعن أم سلمة قالت: ما مات رسول الله - ﷺ - حتى كان أكثر صلاته، وهو جالس، وكان أحب العمل ما داوم عليه العبد وإن كان شيئا يسيرا رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: \"وعن أم سلمة\": تقدمت ترجمتها. قولها: \"ما مات رسول الله - ﷺ - حتى كان أكثر صلاته وهو جالس\" الحديث.\nفرع: قال العلماء: يجوز فعل النوافل قاعدا مع القدرة على القيام بالإجماع لقوله - ﷺ -: من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد، رواه البخاري (^٣) ولمسلم (^٤) نحوه. [ولحديث أم سلمة هذا قيد عند النسائي وهو قولها إلا المكتوبة - وفي رواية:\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) ابن حبان (٢٥٠٧)، والحديث؛ أخرجه وكيع، في الزهد (٢٣٨)، والطيالسي (١٧١٤)، وإسحاق بن راهوية (١٩٢٠ و١٩٢١)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٢١ و٢٢٢) وفي الكبرى (١٣٦٢ - ١٣٦٣)، وابن ماجه (١٢٢٣) و(٤٢٣٧)، وأحمد (٢٦٥٤٤) (٢٦٥٩٩) و(٢٦٧٠٩) و(٢٦٧١٨) (٢٦٦٠٥) (٢٦٧٠٩) و(٢٦٧٣٠) (٢٦٧٢٦)، وأبو يعلى (٦/ ٢٥٧)، والمروزى في قيام الليل (ص ٨٥)، والحارث بن أبي أسامة، بغية الباحث (٢٣٩)، والطبراني (٢٣/ ٢٥٢/ ٥١٣: ٥١٦)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٣٥٩٧)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٤/ ٢٢٢)، مختصر الشمائل (٢٣٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٥).\n(^٣) صحيح البخاري (١١١٦).\n(^٤) صحيح مسلم (١٢٠) (٧٣٥).","vol":"12","page":522},{"text":"إلا الفريضة -] وفي جوازه مضطجعا ومومئا وجهان أصحهما لا يجوز مؤمئا ويجوز مضطجعا إذا أتى بالركوع والسجود. ونقل الخطابي وابن عبد البر الإجماع على منع الاضطجاع فيها وهو غريب فقد جوزه الحسن البصري كما حكاه الترمذي عنه ولا فرق بين الرواتب وغيرها. وقال ابن كج لا يصلي العيد والكسوف والاستسقاء قاعدا كالجنازة (^١) [والله تعالى أعلم بالصواب].\n_________\n(^١) المجموع (٣/ ٢٧٥)، والنجم الوهاج (٢/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"12","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم</span>\n٤٨٠٤ - عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا ينجو منها إلا كل مخف. رواه البزار (^١) بإسناد حسن.\nقوله: \"عن أبي الدرداء\" تقدم الكلام عليه. قوله - ﷺ -: \"إن بين أيديكم عقبة كؤودا\" الحديث، العقبة الكئود بفتح الكاف وبعدها همزة مضمومة هي العقبة الصعبة. قاله الحافظ المنذري. وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في المتجر الرابح: الكئود هي العقبة الوَعِرة الصعبة المرتقى. قوله: \"لا ينجو منا إلا كلّ مخف\"، المخف الخفيف الحال يقال أخف الرجل إذا خفت حاله.\n\n٤٨٠٥ - وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء - ﵄ - قال: قلت له: مالك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان؟ قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن وراءكم عقبة كؤودا لا يجوزها المثقلون فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة. رواه الطبراني (^٢) بإسناد صحيح.\n_________\n(^١) مختصر زوائد مسند البزار (٢٢٩٧)، وقال البزار: هذا إسناد صحيح، لا نعلمه إلا من هذا الوجه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٦)، وفي السلسلة الصحيحة (٢٤٨٠).\n(^٢) معجم ابن الأعرابي (٥١٥)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٥٣١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٢٦)، والحاكم (٤/ ٦١٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٧): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٧).","vol":"12","page":524},{"text":"[الكؤود] بفتح الكاف وبعدها همزة مضمومة: هي العقبة الصعبة.\nقوله: \"وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء\"، أم الدرداء هي خيرة بفتح الخاء المعجمة بنت أبي حدرد الأسلمية من فاضلات الصحابيات وعاقلاتهن وعابداتهن، ماتت بالشام في خلافة عثمان - ﵁ -. قاله الكرماني (^١). وتقدم الكلام على ترجمة أبي الدرداء.\nقوله - ﷺ -: \"إنّ من وراءكم عقبة كئودا\" أي أمامكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (^٢)، لأن العقبة إذا كانت أمام المسافر وقدامه هي التي يخافها لأنه يحتاج إلى أن يقطعها فأما التي تكون خلفه فإنه لا يبالي بها. والكئود الشاقة [الصعبة]، وتقدم ذلك. قاله شارح الأربعين الودعانية.\nقوله: \"لا يجوزها المثقلون\"، الحديث، وفي حديث آخر خففوا أثقالكم الحديث الأثقال جمع ثقل بفتحتين وهو متاع المسافر ومتاع البيت وجمع ثِقْل أيضًا بوزن حِمل. قال الله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ (^٣)، والمراد بها في الحديث الخطايا والأوزار، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (^٤)، والمراد بتخفيف الأثقال تقليل الذنوب والخطايا والله أعلم. قوله:\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ٤٠).\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ٧٩.\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٧.\n(^٤) سورة العنكبوت، الآية: ١٣.","vol":"12","page":525},{"text":"\"فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة\" الحديث. يقال أخف الرجل فهو مُخِف وخفّ وخفيف إذا خفت حاله ودابته وإذا كان قليل الثقل يريد به المخف من الذنوب وأسباب الدنيا وعلقها ومنه الحديث الآخر: نجا المخفّون، ومنه حديث ابن مسعود أنه كان خفيف ذات اليد، أي فقيرا قليل المال والحظّ من الدنيا، ويجمع الخفيف على أخفاف، اهـ، قاله في النهاية (^١).\n\n٤٨٠٦ - وروي عن أنس - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - يوما وهو آخذ بيد أبي ذر، فقال: يا أبا ذر: أعلمت أن بين أيدينا عقبة كؤودا لا يصعدها إلا المخفون. قال رجل: يا رسول الله أمن المخفين أنا أم من المثقلين؟ قال: عندك طعام يوم؟ قال: نعم، وطعام غد. قال: وطعام بعد غد؟ قال: لا. قال: لو كان عندك طعام ثلاث كنت من المثقلين. رواه الطبراني (^٢).\nقوله: \"وروي عن أنس\"، تقدم. قوله: \"خرج رسول الله - ﷺ - يوما وهو آخذ بيد أبي ذر\"، وفي الحديث ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر، الحديث. الخضراء: السماء، والغبراء: الأرض. توفي - ﵁ - بالربذة وهي بلدة معروفة على ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق، وتقدمت ترجمته - ﵁ -. وتقدم الكلام على حديثه في الحديثين قبله.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٤).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٤٨٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٣) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جنادة بن مروان قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وبقية رجاله ثقات، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٤٧)، والضعيفة (٦٦٩٢): ضعيف جدًا.","vol":"12","page":526},{"text":"٤٨٠٧ - وعن أبي أسماء أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء مشنعة ليس عليها أثر المحاسن، ولا الخلوق، فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، وإن خليلي - ﷺ - عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة، وإنا أن تأتي عليه، وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه، ونحن مواقير. رواه أحمد (^١)، ورواته رواة الصحيح.\n[الدحض] بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين، وبفتح الحاء أيضًا، وآخره ضاد معجمة: هو الزلق.\nقوله: \"وعن أبي أسماء\" اسمه عمرو بن مرثد الرحبى الشامى الدمشقى قال ابن سميع: اسم أبيه أسماء روى عن ثوبان وأبي ذر وشداد بن أوس ومعاوية بن أبي سفيان وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني وعمرو البكالي وأبي الأشعث الصنعاني إن كان محفوظا روى عنه أبو الأشعث الصنعاني وأبو قلابة الجرمي وشداد بن عمار ومكحول الشامي وراشد بن داود الصنعاني ويحيى بن الحارث الذماري وربيعة بن يزيد القصير وصالح بن جبير. قال\n_________\n(^١) أحمد (٢١٤١٦)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٦)، والحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (١٠٨٧)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٨) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٦): رواه أبو بكر بن أبي شيبة والحارث بن أبي أسامة. وأحمد بن حنبل بسند الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٨).","vol":"12","page":527},{"text":"العجلي: شامي تابعي ثقة ذكره بن حبان في الثقات وقال ابن زبر: الرحبي نسبة إلى رحبة دمشق قرية من قراها بينه وبين دمشق ميل رأيتها عامرة قلت وذكر أبو سعد بن السمعاني أنه من رحبة حمير وقال: مات في خلافة عبد الملك بن مروان ويروي عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرحبي عبد الله.\nقوله: \"أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة سوداء مشنعة ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلوق\" الحديث. المشنعة القبيحة، يقال: منظر شنيع وأشنع ومشنع، قاله ابن الأثير في النهاية (^١)، وفي بعض نسخ الترغيب: وعنده امرأة سوداء شعثة، ولعله تصحيف، والشعثة بكسر العين المهملة الشعثاء وهي المغبرة الرأس المنتشرة الشعر، قاله الكرماني (^٢).\nقوله: \"ليس عليها أثر المجاسد\" هي جمع مجسد بضم الميم وهو المصبوغ المشبع بالجسد وهو الزعفران أو العصفر. قاله في النهاية (^٣). وقال صاحب المغيث (^٤) المجاسد هي جمع مجسد بضم الميم وهو الثوب المصبوغ المشبع بالجساد وهو الزعفران والعصفر أيضًا والمجسد بكسر الميم الثوب الذي يلي الجسد، اهـ. وقال بعضهم أيضًا المجاسد الثياب الحمر واحدها مجسد، اهـ. والخلوق بفتح الخاء المعجمة طيب يخلط\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٥).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٩/ ١٧٣).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٧١).\n(^٤) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ٣٢٨).","vol":"12","page":528},{"text":"بزعفران. قوله: \"ألا تنظرون إلى ما تأمرني هذه السويداء\" يعني امرأته، \"تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم\" الحديث. السويداء تصغير السوداء، والعراق إقليم معروف. كذا قوله: \"وإن خليلي - ﷺ - عهد إلي أنّ دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة\" الحديث، عهد إليّ: أوصاني.\nوقوله: \"طريقا ذا دحض ومزلة\" الدحض بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين، وبفتح الحاء أيضًا، وآخره صاد معجمة، هو الزلق، قاله الحافظ. والمزلة بفتح الميم وفي الزاي لغتان مشهورتان بالكسر والفتح، هو المكان الذي لا تثبت عليه القدم إلا زلت.\nقوله: \"وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير\" الحديث.\nقوله: وأحرى، بالحاء المهملة، مقصورا معناه أولى وأوجب والمواقير جمع موقر وهو الذي حمل فوق طاقته، قاله الحافظ الدمياطي، والوِقر بكسر الواو الحمل وأكثر ما يستعمل في حمل البغل والحمار، والله أعلم.\n\n٤٨٠٨ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: إن الله ﷿ ليحمي (١١) عبده المؤمن الدنيا، وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب (١٢). رواه الحاكم (^١)، وقال: صحيح الإسناد.\n_________\n(^١) الحاكم (٤/ ٢٠٨). وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٨١٤)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٩).","vol":"12","page":529},{"text":"قوله: \"وعن أبي سعيد\" تقدم. قوله: \"إنّ الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب\" الحديث، أي كما تمنعون مريضكم الطعام والشراب، والحمية المنع، فأشار إلى الحمية والحمية الدينية، الحمية أصلها من حميته حماية أي دافعت [عنه]، تقول حميت المريض الطعام حمية وحموة واحتميت من الطعام احتماء.\nقال الشيخ أبو عبد الله القرطبي (^١)، في شرح الأسماء الحسنى: حكي أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن حسين ليس في كتابكم من علم الطيب شيء، والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له علي: قد جمع الله الطب في نصف آية من كتابنا، فقال: ما هي؟ فقال: قوله ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (^٢)، فقال النصراني: لا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب؟ فقال علي: رسولنا - ﷺ - جمع الطيب في كلمات يسيرة، قال: ما هي؟ قال: المعدة بيت الأدواء والحِمْيَة رأس الدواء، وأعطِ كل جسد ما عودته. فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. ثم قال: قال علماؤنا: يقال أن معالجة المريض نصفان نصف دواء ونصف حمية، فإن اجتمعا فكأنك بالمريض قد برئ وصح وإلا فالحمية به أولى إذ لا ينفع دواء مع ترك الحمية وقد تنفع الحمية مع ترك الدواء، ويقال أن الهند جل معالجتهم بالحمية؛ [يمتنع] المريض عن الأكل والشرب والكلام عدة [عدة\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٧/ ١٩٢).\n(^٢) سورة المسرفين، الآية: ٣١.","vol":"12","page":530},{"text":"أيام، فيبرأ و] يصح، وقال بعض الحكماء أكبر الدواء تقدير الغذاء وقد بين النبي - ﷺ - هذا المعنى بيانًا شافيًا يغني عن كلام الأطباء فقال: ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، الحديث.\nقال العلماء: لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه، وقالوا ليس للبطنة أنفع من جوعة [تتبعها]، اهـ. قاله في الديباجة.\n\n٤٨٠٩ - وعن رافع بن خديج - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أحب الله ﷿ عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء. رواه الطبراني (^١) بإسناد حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه (^٢)، والحاكم (^٣) بلفظ\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٤/ ٢٥٢) ٤٢٩٦)، وأخرجه أحمد بن منيع (المطالب العالية ١٣/ ٦٢٨)، والطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (٤٨٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٦٦١، ٢٦٦٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٩٦٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٣٩٧)، والشجري في الأمالي (٢/ ١٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٥) رواه الطبراني، وإسناده حسن. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣١) رواه أحمد بن منيع. ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه عن قتادة بن النعمان مرفوعًا. . . فذكره. وله شاهد من حديث أبي سعيد رواه الحاكم وصححه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٠).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٦٦٩)، وأخرجه الترمذي (٢٠٣٦)، وقال: وهذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث، عن محمود بن لبيد، عن النبي - ﷺ -، مرسلا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٨١).\n(^٣) المستدرك (٤/ ٢٣٠)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وشيوخ هذا الحديث وبيانه فيما أمر به عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"12","page":531},{"text":"من حديث أبي قتادة وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن رافع بن خديج\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"إذا أحبّ الله عبدا حماه الدنيا\" تقدم معناه في الحديث قبله.\n\n٤٨١٠ - وعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢)، ورواه أحمد (^٣) بإسناد جيد من حديث عبد الله بن عمرو إلا أنه قال فيه: واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدمت ترجمته. قوله - ﷺ -: \"اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء\" الحديث، الاطلاع عبارة كذا.\n\n٤٨١١ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: إن موسى صلوات الله وسلامه عليه قال: أي رب عبدك المؤمن تقتر عليه في الدنيا؟ قال: فيفتح له باب من الجنة فينظر إليها، قال له: يا موسى: هذا ما أعددت له، فقال موسى: أي رب وعزتك وجلالك لو كان أقطع اليدين والرجلين يسحب على\n_________\n(^١) علقه البخاري (٦٤٤٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٩٤) (٢٧٣٧).\n(^٣) مسند أحمد (٦٦١١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (المطالب العالية ١٨/ ٦٢٨) ابن حبان في صحيحه (٧٤٨٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦١) رواه أحمد، وإسناده جيد، وقال ابن حجر: هذا إسناد حسن. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٨٠٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٢)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٩١١).","vol":"12","page":532},{"text":"وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره لم ير بؤسا قط. قال: ثم قال موسى: أي رب عبدك الكافر توسع عليه في الدنيا؟ قال: فيفتح له باب من النار، فيقال له: يا موسى! هذا ما أعددت له. فقال موسى: أي رب وعزتك وجلالك لو كان له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره كأن لم ير خيرا قط. رواه أحمد (^١) من طريق ابن لهيعة عن دراج.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"عن موسى - ﷺ - أنه قال أي رب عبدك المؤمن تقتر عليه في الدنيا\" الحديث، التقتير عبارة عن التضييق في الرزق، ضد التوسع في الرزق. قوله: \"لم ير بؤسا قط\" البؤس والبأس هو الشدة. قوله في آخر الحديث: \"من طريق ابن لهيعة\" وابن لهيعة اسمه عبد الله تقدم الكلام عليه.\nتنبيه: قال ابن عباس - ﵄ -: شكى نبي من الأنبياء إلى ربه ﷿ فقال: يا رب أطيعك وأجتنب معاصيك وتزوي عني الدنيا وتعرض لي البلاء، والكافر يعصيك وتبسط له الدنيا. فأوحى الله تعالى إليه: إن العباد لي والبلاد لي وكل يسبح بحمدي فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوي عنه الدنيا وأعرض له البلاء فيكون كفارة لذنوبه وزيادة في درجاته ويكون للكافر حسنات فأبسط له الدنيا وأزوي عنه البلاء جزاء بحسناته وزيادة\n_________\n(^١) مسند أحمد (١١٧٦٧) ومن طريقه أبو نعيم في صفة الجنة (٤١) والحديث؛ أخرجه أبو نعيم، في صفة الجنة (٤٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٧) رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، ودراج، وقد وثقا على ضعف فيهما، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٤٩).","vol":"12","page":533},{"text":"في درجاته، اهـ. تنبيه: قال القاضي عياض (^١): انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم والله أعلم كذا كذا كذا.\n\n٤٨١٢ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ﷿؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله ﷿ لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادا يعبدوني، ولا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار رواه أحمد (^٢) والبزار (^٣)، ورواتهما ثقات، وابن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٨٧).\n(^٢) مسند أحمد (٦٥٧٠).\n(^٣) البزار (٣٦٦٥)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل (٥٧)، وعبد بن حميد في المنتخب (٣٥٢)، والطبري في التفسير (٧/ ٤٩١)، والآجري في الغرباء (٥٢)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٧، وفي صفة الجنة (٨١)، والبيهقي في البعث (٤١٤)، وفي الشعب (١٠٣٨٠)، وابن عساكر الأربعون في الجهاد (١/ ٩٠)، وإسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٨٣٧)، وعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي في التوحيد لله ﷿ - (ص ١١٠)، وقال =","vol":"12","page":534},{"text":"حبان في صحيحه (^١).\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"هل تدرون أو من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الفقراء المهاجرون\" الحديث، وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه أفضل الصلاة والسلام إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنا مقبلا إليك فقل ذنب عجلت عقوبته.\nفائدة: مراد القوم وهم السادة الصوفية بالفقر تحقيق العبودية والافتقار إلى الله تعالى في كل حالة وهذا الفقر الذي يشيرون إليه لا تنافيه الجِدَة ولا الأملاك فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذورته مع جدتهم وملكهم كإبراهيم الخليل ﵊ كان أبا الضيفان وكانت له المواشي والأموال وكذلك كان سليمان - ﵇ - وكذلك داود وكذلك نبينا - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ (^٢) فكانوا أغنياء في فقرهم، فقراء في غناهم،\n_________\n= الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٩): قلت: له حديث في الصحيح غير هذا. رواه أحمد، والبزار، والطبراني، وزاد بعد قول الملائكة: وسكان سماواتك: وإنك تدخلهم الجنة قبلنا. ورجالهم ثقات.، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٧٠) رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر، وعبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، والبزار، وأبو يعلى، وعنه ابن حبان في صحيحه. ورواه أحمد بن منيع مختصرا،، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ٤٠٥) ٧٣٧٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٣).\n(^١) ابن حبان (٧٤٢١).\n(^٢) سورة الضحى، الآية: ٩.","vol":"12","page":535},{"text":"فالفقر الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله تعالى في كل حال وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه. وقيل: أركان الفقر أربعة: ذكر يؤنسه وورع يحجزه ويقين يحمله وعلم يسوسه. وقال الشبلي: حقيقة الفقر أن لا تستغني بشيء دون الله (^١)، قاله في تهذيب النفوس.\nقوله: \"المهاجرون\" المهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله - ﷺ - حين هاجر إلى المدينة لإظهار دين الله تعالى. قوله: \"تُسدّ بهم الثغور\"، [الثغور] جمع ثغر وهو الموضع الذي يكون حدا فاصلا بين بلاد المسلمين والكفار؛ وهو موضع المخافة من أطراف البلاد.\nقوله: \"وتتقى بهم المكاره\" جمع مكره وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والكره بالضم والفتح: المشقة.\n\n٤٨١٣ - وعن ثوبان - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن حوضي ما بين عدن إلى عمان أكوابه عدد النجوم، ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، وأكثر الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين. قلنا: يا رسول الله صفهم لنا قال: شعث الرؤوس دنس الثياب الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد الذين يعطون ما عليهم، ولا يعطون ما لهم. رواه الطبراني (^٢)،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٤١٠ - ٤١٢).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٩٩/ ١٤٣٧)، (٢/ ١٠٠/ ١٤٤٣)، وفي الشاميين (٩٠٤) و(١٢٠٦) و(١٤١١) و(١٦٢٥)، وفي الأوسط (٣٩٦)، وفي الأوائل (٣٩) أخرجه =","vol":"12","page":536},{"text":"ورواته رواة الصحيح، وهو في الترمذي (^١) وابن ماجه (^٢) بنحوه. [السدد] هنا: هي الأبواب.\nقوله: \"وعن ثوبان\" هو مولى رسول الله - ﷺ -، تقدم الكلام عليه. قوله - ﷺ -: \"إن حوضي ما بين عدن إلى عمان\" الحديث، عدن بلدة معروفة في اليمن مما يلي البحر سميت برجل من حمير عدن بها أي أقام وهي مدينة لطيفة وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى [البحرين].\nومنها تسافر مراكب الهند والسند والصين وإليها [تجلب] بضائع هذه الأقاليم ويحيط بها من شمالها جبل دائر [من] البحر إلى البحر [وفي طرفيه نقبان] كالبابين يدخل منهما ويخرج وبينهما [وبين] البابين مدينة [الزنج] مسيرة أربعة أيام وعمّان البلقاء بتشديد الميم وفتح العين [فهي] قرية من عمل دمشق بالشام وسميت بعمّان بن لوط بن هاران كان سكنها فيما ذكروا وسيأتي الكلام على ذلك في أحاديث الحوض أبسط من هذا.\n_________\n= أحمد (٥/ ٢٧٥)، والحاكم (٤/ ١٨٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٠) رواه الطبراني.- وفي رواية عنده: وأكثر الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين. بدل: أول من يرده. ورجال الرواية الثانية رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٠٦٠). (٣١٦٢) وانظر: الصحيحة (١٠٨٢)، صحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٤).\n(^١) الترمذي (٢٤٤٤)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي، وأبو سلام الحبشي اسمه: ممطور، وهو شامي ثقة.\n(^٢) ابن ماجه (٤٣٠٣)","vol":"12","page":537},{"text":"قوله: \"أكوابه عدد النجوم\" [الأكواب] جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وسيأتي الكلام على ذلك في أحاديث الحوض.\nتنبيه: قال النووي (^١): الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدا بالقسم وقال القاضي عياض (^٢) هذا إشارة إلى كثرة العدد وغاية الكثرة من باب قوله - ﷺ -: لا يضع العصى عن عاتقه والله، وسيأتي ذلك في أحاديث الحوض، والله أعلم. قوله: \"قلنا يا رسول الله صفهم لنا. قال: شعث الرءوس دنس الثياب\"، الحديث، الشعب بضم الشين المعجمة جمع أشعث وهو البعيد العهد بدهن رأسه وغسله وتسريح شعره، والدنس ثيابا بضم الدال والنون جمع دنس وهو الوسخ. قوله: \"ولا تفتح لهم السّدد\" قال الحافظ: السدد هنا هي الأبواب، اهـ، أي لا تفتح لهم الأبواب لعدم الاكتراث بهم.\n\n٤٨١٤ - وعن أبي سلام الأسود أنه قال لعمر بن عبد العزيز: سمعت ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأوانيه عدد النجوم، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا، الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المنعمات، ولا تفتح لهم السدد. قال عمر: لكني قد نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٦).","vol":"12","page":538},{"text":"وفتحت إلي السدد، لا جرم أني لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ. رواه الترمذي (^١)، وابن ماجه (^٢) والحاكم (^٣)، واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي سلام الأسود\" كذا. قوله: \"أنه قال لعمر بن عبد العزيز\" الحديث. وعمر بن عبد العزيز هو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس الأموي التابعي الخليفة الراشد وهو أشج [بني أمية]، أجمع على جلالته وفضله ووفور علمه وزهده وعدله وشفقته على المسلمين، صلى أنس بن مالك خلف قبل خلافته ثم قال ما رأيت أحدا\n_________\n(^١) الترمذي (٢٤٤٤) قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي - ﷺ -.\n(^٢) ابن ماجه (٤٣٠٣).\n(^٣) الحاكم (٤/ ١٨٤)، والحديث؛ أخرجه الطيالسي (١٠٨٨)، وأحمد (٢٢٣٦٧)، وابن أبي عاصم، في السنة (٧٠٦) و(٧٠٧) و(٧٤٧) و(٧٤٩)، وفي الآحاد والمثاني (٤٥٩) و(٤٦٠)، وفي الأوائل (١٨٦)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (٣)، والبزار (٤١٦٧)، والروياني (٦٥٣)، والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (٦٣)، (٦٤)، (٦٥)، والدولابي في الكنى ٢/ ٧٧، وتمام في فوائده (١٧٦٠)، والآجري في الشريعة ص ٣٥٣، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٣٨٥)، والبيهقي في البعث والنشور (١٣٥)، وفي الشعب (١٠٠٠٣).\nوقال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله - ﷺ - بوجه من الوجوه متصلا بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه عن ثوبان وإسناده حسن محمد بن مهاجر ثقة والعباس بن سالم ليس به بأس، وأبو سلام مشهور. وانظر: الصحيحة (١٠٨٢)، صحيح سنن ابن ماجه برقم (٣٤٧٢)، ضعيف سنن ابن ماجه برقم (٩٣٧).","vol":"12","page":539},{"text":"أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى، تولى الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما نحو خلافة الصديق - ﵁ - فملأ الأرض قسطا وعدلا ولي الأمر بعهد من سليمان بن عبد الملك له وذلك أنه لما توفي سليمان [صاح النساء عليه، تحيَّر الناس]، فخرج [إليهم] (^١) رجاء بن حيوة ومعه ابن معبد فقال رجاء إن سليمان مات وقد أعلمتكم في حياته [أنه قد عهد] عندي عهدا وها هو [ففضّ] فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله سليمان أمير المؤمنين إلى أمة محمد - ﷺ - سلام عليكم، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على محمد - ﷺ -، وقد استخلفت عليكم عمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك من بعده اسمعوا لهما وأطيعوا، والسلام.\nبكى عمر بن عبد العزيز يوما فبكت زوجته فاطمة لبكائه وبكت أهل الدار معهما ثم قالت له زوجته يا أمير المؤمنين [مم] بكيت؟ قال: يا فاطمة ذكرت منصرف القوم بين يدي الله ﷿ فريق في الجنة وفريق في السعير ثم خر وغشي عليه.\nوقال - ﵁ - لها: تمت حجة الله على ابن الأربعين فمات لها عمر لعشر [ليال] بقين من رجب وقيل لست سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر. وتوفي بدير سمعان من أرض حمص وقبره هناك، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك. وقال رجاء بن حيوة قومت ثياب عمر بن عبد\n_________\n(^١) هكذا في الأصل وهو الأصوب، وفي النسخة الهندية: (الناس) ولعله سبق قلم.","vol":"12","page":540},{"text":"العزيز وهو خليفة اثنا عشر درهما. صفته: كان [أسمر] نحيفا حسن الوجه غائر العينين حسن اللحية بجبهته أثر شجة من دابة، فلذلك قيل أشج بني أمية، وخطه الشيب، اهـ.\nقوله - ﷺ -: \"حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا\" الحديث، الظمأ مقصور مهموز هو العطش. قوله: قال عمر بن عبد العزيز لكني نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك، هي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وتقدم الكلام على غريب ألفاظ هذا الحديث في الأحاديث قبله والله أعلم.\n\n٤٨١٥ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، فقيل: صفهم لنا؟ قال: الدنسة ثيابهم الشعثة رؤوسهم الذين لا يؤذن لهم على السدات، ولا ينكحون المنعمات توكل بهم مشارق الأرض ومغاربها يعطون كل الذي عليهم، ولا يعطون كل الذي لهم. رواه الطبراني في الكبير (^١)\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣١٥/ ١٣٢٢٣)، وفي مسند الشاميين (٦٤٩) وأخرجه أحمد (٦١٦٢)، والإسماعيلي في معجمه (٤٥) ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٠٣٨١)، وقال ابن أبي حاتم (العلل ٢/ ١٣٣): وسألت أبي عن حديث؛ رواه قتادة بن الفضيل، عن أبي حاضر، عن الوضين بن عطاء، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا الحديث.\nقال أبي: هذا حديث باطل بهذا الإسناد، يروون هذا الحديث عن أبي سلام، عن ثوبان، عن النبي - ﷺ -، ولا يشبه أن يكون هذا من حديث سالم. قلت: ما حال قتادة بن الفضل؟ =","vol":"12","page":541},{"text":"والأوسط (^١)، ورواته ثقات. ورواه مسلم (^٢) مختصرًا: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن فقراء أمتي المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا. رواه ابن حبان في صحيحه (^٣) مختصرا أيضًا، وقال: بأربعين عامًا.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا\"، تقدم الكلام على الفقراء المهاجرين، وأما الخريف فهو الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء ويؤيد به هنا أربعين سنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة فإذا انقضى\n_________\n= قال: شيخ هو رهاوي.\nقلت: أبو حاضر من هو قال: مجهول قال الهيثمي: أبو حاضر عبد الملك بن عبد ربه منكرُ الحديث (المجمع) (١/ ١٧٠) قال الذهبي في (الميزان) (٤/ ٥١٢): (مجهول) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٦) قلت: حديث ابن عمر في الصحيح بغير هذا السياق، وهذا على الصواب موافقا لرواية الناس، والذي في الصحيح: كما بين جربى وأذرح. وهما قريتان إحداهما إلى جنب الأخرى. وقال بعض مشايخنا - وهو الشيخ العلامة: صلاح الدين العلائي -: إنه سقط منه، وهو: كما بينكم وبين جربى وأذرح. وإنه وقع بها سمعت هذا منه. رواه أحمد، والطبراني من رواية عمرو بن عمر الأحموسي، عن المخارق بن أبي المخارق، واسم أبيه: عبد الله بن جابر، وقد ذكرهما ابن حبان في الثقات، وشيخ أحمد: أبو المغيرة من رجال الصحيح. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٠) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات.، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٦).\n(^١) الأوسط (٣٤٧٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٧٩) عن عبد الله بن عمرو.\n(^٣) ابن حبان (٦٧٨) عن عبد الله بن عمرو.","vol":"12","page":542},{"text":"أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة ومنه الحديث أن أهل النار يدعون مالكا أربعين خريفا، قاله في النهاية (^١). قال أبو طالب المكي (^٢) إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا، كذلك أغنياء الكفار يدخلون النار قبل فقرائهم بأربعين خريفا، اهـ.\n\n٤٨١٦ - وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: يجتمعون يوم القيامة، فيقال: أين فقراء هذه الأمة؟ قال: فيقال لهم: ماذا عملتم؟ فيقولون: ربنا ابتلينا فصبرنا، ووليت الأموال والسلطان غيرنا، فيقول الله جل وعلا: صدقتم. قال: فيدخلون الجنة قبل الناس، ويبقى شدة الحساب على ذوي الأموال والسلطان. قالوا: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: يوضع لهم كراسي من نور ويظلل عليهم الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار. رواه الطبراني (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤).\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله: \"توضع كراسي من نور\" الكراسي جمع كرسي كذا.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٥).\n(^٢) الديلمي عن أبي برزة، وفيه: نفيع بن الحارث متروك كنز العمال (٦/ ٢٠٣).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١٣، ١٤/ ٥٥٣/ ١٤٤٤٥)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٠٦) عن الطبراني، وقال أبو نعيم: غريب من حديث شعبة، تفرد به عنه مسكين بن بكير، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٧) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير أبي كثير الزبيدي، وهو ثقة، وقال الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ٤٠٥) حسن - التعليق الرغيب (٤/ ٨٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٧).\n(^٤) ابن حبان (٧٤١٩).","vol":"12","page":543},{"text":"٤٨١٧ - وعن عبد الرحمن بن سابط قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى سعيد بن عامر: إنا مستعملوك على هؤلاء تسير بهم إلى أرض العدو، فتجاهد بهم. قال فذكر حديثا طويلا قال فيه: قال سعيد: وما أنا بمتخلف عن العنق الأول بعد إذ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن فقراء المسلمين يزفون كما تزف الحمام فيقال لهم: قفوا للحساب، فيقولون: والله ما تركنا شيئا نحاسب به، فيقول الله ﷿: صدق عبادي، فيدخلون الجنة قبل الناس بسبعين عاما. رواه الطبراني (^١) وأبو الشيخ بن حيّان في الثواب، ورواتهما ثقات إلا يزيد بن أبي زياد.\nقوله: \"وعن عبد الرحمن بن سابط\" هو عبد الرحمن بن سابط بن أبي حميضة بن عمرو بن أهيب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي المكي ذكره الهيثم عن عبد الله بن عياش في الفقهاء من أصحاب ابن عباس. قال الواقدي وغير واحد: مات سنة ثماني عشرة ومائة وقال ابن سعد: أجمعوا على ذلك وكان ثقة كثير الحديث. له في صحيح مسلم حديث واحد في الفتن\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٥٩/ ٥٥١١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٤٦)، المعافى بن عمران في الزهد (٤٢)، والبيهقي في البعث والنشور (٤١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٤٥)، وابن الجوزي في المنتظم (٤/ ٣٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦١) رواه الطبراني. - وذكر بعده عن سعيد بن عامر، عن النبي - ﷺ - قال مثله. وفي إسناديهما يزيد بن أبي زياد، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهما ثقات. ورواه البزار، عن سعيد بن عامر بنحوه كذلك. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٥٠).","vol":"12","page":544},{"text":"قلت: وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين يقول: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط ومن قال عبد الرحمن بن سابط فقد أخطأ وكذا ذكره البخاري وأبو حاتم وابن حبان في الثقات وغير واحد كلهم في عبد الرحمن بن عبد الله وقال تابعي ثقة.\nقوله: \"أرسل عمر بن الخطاب إلى سعيد بن عامر إنا مستعملوك على هؤلاء تسير بهم إلى أرض العدو فتجاهد بهم\"، سعيد بن عامر قال أبو الفرج بن الجوزي: أسلم قبل خيبر وشهدها مع رسول الله - ﷺ -، أرسل إليه عمر بن الخطاب (^١): إنا مستعملوك على هؤلاء تسير بهم إلى أرض العدو ولما أتى أمير عمر [إلى] الشام طاف بكُوَرها ثم نزل بحمص فأمر أن يكتب له فقراؤهم فكتب له فلما رفع إليه الكتاب إذا فيه سعيد بن عامر أمير حمص، [قال] (^٢) فعجب عمر، قال: كيف يكون أميرهم فقيرا، أين عطاؤه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين لا يمسك شيئا. فبكى عمر ثم عمد إلى ألف دينار فصرَّها وبعث بها إليه، وقال أقرِه مني السلام [وقولوا] بعث بهذه إليك لتستعين بها على حاجتك، فلما وصلت إليه نظرها فإذا هي دنانير فجعل يسترجع، فقالت له امرأته ما شأنك يا فلان؟ مات أمير المؤمنين؟ [قال:] بل أعظم من ذلك. قالت: [فما] شأنك؟ قال: الدنيا أتتني، الفتنة دخلت عليّ، قالت: فاصنع بها ما شئت، قال: فأخذ [ذريعة] له فصرّ الدنانير فيها صررا ثم جعلها في مخلاة\n_________\n(^١) صفة الصفوة (١/ ٦٦٤)، والزهد لابن حنبل (ص ١٨٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":545},{"text":"ثم دفعها إلى جيش من جيوش المسلمين فأمضاها كلها.\nوفي رواية أخرى: أنه تصدق بها على الأرامل واليتامى والمساكين، ثم قال لامرأته دفعناها إلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها. قال الواقدي: توفي سنة عشرين قاله في مجمع الأحباب. قوله: \"إن فقراء المسلمين يزفون كلما يزف الحمام\" وفي حديث آخر: فيجيء فقراء المسلمين يزفون كما تزف العروس، الحديث. قول سعيد: وما أنا بمتخلف عن العنق الأول، المراد بالعنق الأول الطائفة أو الجماعة من الناس، هذا هو الذي يظهر من قوله العنق، ومنه الحديث يخرج عنق من النار، الحديث.\n\n٤٨١٨ - وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: كنت عند رسول الله - ﷺ - يوما، فطلعت الشمس فقال: يأتي قوم يوم القيامة نورهم كنور الشمس قال أبو بكر: نحن هم يا رسول الله؟ قال: لا، ولكم خير كثير، ولكنهم الفقراء المهاجرون الذين يحشرون من أقطار الأرض. فذكر الحديث. رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢) وزاد ثم قال: طوبى للغرباء. قيل: من الغرباء؟ قال: أناس\n_________\n(^١) أحمد (٦٦٥٠)، (٧٠٧٢)، وأخرجه ابن المبارك في المسند (٢٣)، وزهده ص ٢٦٧ ومن طريقه الآجري في الغرباء (٦)، والفسوى في التاريخ (٢/ ٥١٧)، وابن وضاح في البدع والنهى عنها (ص ٦٤)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢٠٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤١/ ٣٢٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٣٦٣/ ١٤٧٨ و١٤١٧٩)، وفي المعجم الأوسط (٨٩٨٥ و٨٩٨٦)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٨)، وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وقال: أناس صالحون قليل، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، =","vol":"12","page":546},{"text":"صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم. وأحد إسنادي الطبراني رواته رواة الصحيح.\nقوله: \"وعن عبد الله ابن عمرو\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"يأتي قوم يوم القيامة نورهم كنور الشمس\" الحديث، الشمس تجمع على شموس كأنهم جعلوا كل واحدة [منها] شمسا، وهي في السماء الرابعة وهي أفضل من القمر، قاله الدميري (^١).\n\n٤٨١٩ - وعن أبي الصديق الناجي عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - أنه قال: يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بأربعمائة عام. قال: فقلت: إن الحسن يذكر أربعين عاما؟ فقال: عن أصحاب النبي - ﷺ - أربعمائة عام حتى يقول المؤمن الغني: يا ليتني كنت عيلا. قال: قلت يا رسول الله: سمهم لنا بأسمائهم؟ قال: هم الذين إذا كان مكروه بعثوا إليه، وإذا كان نعيم بعث إليه سواهم، وهم الذين يحجبون عن الأبواب. رواه أحمد (^٢) من رواية زيد بن الحواري عنه.\n_________\n= وفي (١٠/ ٢٥٨ - ٢٥٩) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير، وزاد في الكبير: ثم قال: طوبى للغرباء، طوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، وفي رواية: فقال أبو بكر وعمر: نحن هم؟ وله في الكبير أسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٢١)، والصحيحة (١٦١٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٨).\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٩).\n(^٢) مسند أحمد (٢٣١٠٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٠) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير زيد بن أبي الحواري، وقد وثق على ضعفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٥١).","vol":"12","page":547},{"text":"قوله: \"عن أبي الصديق الباجي\"، [بكسر الصاد مثل أبي الصديق، وسمي أبو بكر الصديق بذلك مبالغة من الصدق والتصديق، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (^١)، واسمه بكر من عمر، وقاله شارح مشارق الأنوار]، ويقال: بكر بن قيس، قاله [في] الديباجة. روي عن أبي سعيد الخدري وغيره ثقة روى له الجماعة، والباجي بالباء المنقوطة بواحدة وبالجيم بعد الألف هذه النسبة إلى ثلاثة مواضع أحدها إلى باجة مدينة بالأندلس منها أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي أديب شاعر فقيه متكلم رحل إلى المشرق وسمع بمكة من أبي ذر الهروي وبالعراق من جماعة ودرس الكلام بالموصل ومن شعره:\nإذا كنتُ أعلم علمًا يقينًا ... بأنّ جميع حياتي كساعة\nفلم لا أكون ضنينًا بها ... واجعلها في صلاح وطاعة\nوالثاني باجة قرية من إفريقية على مرحلتين أو ثلاثة من تونس والثالث قرية من قرى أصبهان تسمى باجة وكل واحدة منها خرج منها علماء ينسبون إليها، قاله في الأنساب. توفي سنة ثمان ومائة والله أعلم. [والصديق بكسر الصاد مثل أبي بكر الصديق وسمي أبو بكر الصديق بذلك مبالغة من الصدق والتصديق، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (^٢)، قاله عياض (^٣). واسمه بكر بن عمرو، قاله شارح مشارق الأنوار] (^٤).\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٣٣.\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٣٣.\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ٥٣).\n(^٤) سقطت هذه الفقرة من هذا الموضع في النسخة الهندية، وتقدم نظيرها قريبا.","vol":"12","page":548},{"text":"قوله - ﷺ -: \"يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بأربعمائة عام حتى يقول المؤمن الغني يا ليتني كنت عيِّلا\" أي فقيرًا، وفيه تفضيل الفقر على الغنا، وقد سبقت المسألة في الاختلاف في ذلك بين العلماء في باب العزلة، وفيه تفضيل الفقراء والضعفاء.\n\n٤٨٢٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام. رواه الترمذي (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n[قال الحافظ]: ورواته محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن ماجه (^٣) بزيادة من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.\n_________\n(^١) الترمذي (٢٣٥٣) (٢٣٥٤)، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤٣) (٢/ ٢٩٦ و٤٥١)، وهناد في الزهد (٥٨٩) والنسائي في الكبرى (١١٣٤٨)، وأبو يعلى (٦٠١٨)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٢٤٦) وابن المقرئ في المعجم (٢٤٠) وابن بشران (٨٤) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٩١) والبيهقي في البعث (٤٠٨) وفي الشعب (٩٨٩٧)، وابن عبد البر في الجامع (١٣٥٢)، والخطيب في التاريخ (٥/ ٣٤) (٧/ ٢٢٥) وفي الموضح (٢/ ٢٠٩) وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nوقال أيضًا: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢١٢) بلفظ: بمائة عام، وقال الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٢/ ١١٩) حسن صحيح - وصححه في المشكاة (٥٢٤٣)، التعليق على كشف الأستار (ص ١٠٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٩).\n(^٢) ابن حبان (٦٧٦).\n(^٣) ابن ماجه (٤١٢٢).","vol":"12","page":549},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم\" وهو خمسمائة عام، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي قلت: [قد] (^١) تقدم في حديث عبد الله بن عمرو أن الفقراء يسبقون الأغنياء بأربعين خريفا، أي سنة. وفي حديث سعيد بن عامر: بسبعين عاما. وفي حديث أبي الصديق الباجي: بأربعمائة عام، وفي حديث أبي هريرة: بخمسمائة عام، و[لا اختلاف] (^٢) بين هذه الأحاديث والذي في الصحيح أن سبقهم لهم بأربعين خريفا فإما أن يكون هو المحفوظ وإما أن يكون [كلاهما] محفوظًا والجمع بين الأحاديث [ممكن] (^٣) ولكن الظاهر أنهم [متفاوتون] في مدة السبق بحسب تفاوتهم في درجات الفقر والرضا به وبحسب تفاوتهم في رتب الصلاح ونحوه، ويحتمل وجوها أخر والله أعلم، اهـ.\nوقال صاحب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (^٤): وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، فمنهم من يسبق بأربعين ومنهم من يسبق بخمسمائة كما يتأخر مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب جرائمهم والله أعلم، ولكن ها هنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أنه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول، والدليل على هذا أن في الأمة من يدخل\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (والاختلاف).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) حادي الأرواح (١/ ٨١).","vol":"12","page":550},{"text":"الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفا وقد يكون بعض من يحاسب أفضل من أكثرهم والغني إذا حوسب على غناه فوجد قد شكر الله فيه وتقرب إليه بأنواع البر والخير والصدقة والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول ولم تكن له تلك الأعمال ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله هو وزاد عليه فيها، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (^١). فالمزية مزيتان: مزية سبق ومزية رفعة، وقد يجتمعان وقد ينفردان، فيحصل لواحد السبق والرفعة ويعدمهما آخر. ويحصل لآخر السبق دون الرفعة ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المقتضى للأمرين أو لأحدهما وعدمه، وبالله التوفيق. اهـ.\n\n٤٨٢١ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: التقى مؤمنان على باب الجنة: مؤمن غني، ومؤمن فقير كانا في الدنيا، فأدخل الفقير الجنة، وحبس الغني ما شاء الله أن يحبس، ثم أدخل الجنة، فلقيه الفقير فقال: يا أخي ماذا حبسك؟ والله لقد حبست حتى خفت عليك، فيقول: يا أخي إني حبست بعدك محبسا فظيعا كريها ما وصلت إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير كلها أكلة حمض النبات لصدرت عنه رواء. رواه أحمد (^٢) بإسناد جيد قوي.\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٣٠.\n(^٢) رواه أحمد (٢٧٧٠) في الزهد (ص ٤٧٣ - ٤٧٤) قال الإمام أحمد: هذا حديث منكر المنتخب لابن قدامة من العلل للخلال (٦). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٨٢) وفيه دريد غير منسوب يحتاج إلى معرفته قال الهيثمي في مجمع الزوائد =","vol":"12","page":551},{"text":"[الحمض]: ما ملح وأمر من النبات.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم. قوله: \"التقى مؤمنان على باب الجنة مؤمن غني ومؤمن فقير\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"فيقول - يعني الغني للفقير - يا أخي إني حبست بعدك محبسا فظيعا\" الحديث، الفظيع هو الشنيع المهول. قوله: \"حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير كلها آكلة حمض لصدرت عنه رواء\" الحمض ما ملح وأمرّ من النبات، قاله الحافظ المنذري. ولقد صحّف هذه اللفظة بعض الوعاظ فقال: [أكلة] الحمص، بالصاد المهملة بدل الضاد المعجمة وقد فسره الحافظ فقال مؤلفه عفا الله عنه: ولقد أخبرني بعض عرب البادية أن عندهم بالبحيرة بالوادي نباتا أخضر يقال له الباقل مرا ومالح طول قامة الإنسان وهو جالس تسرح إليه الإبل فتأكل منه أكلا بليغا فإذا شبعت منه طلبت الماء فشربت منه شربا بليغا حتى تكاد [تنقد حتى يخرج الماء] من أفواهها ومناخرها، اهـ.\nقوله: \"التقى مؤمنان مؤمن فقير ومؤمن غني\" الحديث، اعلم أن الفقر على ثلاثة أقسام [والغنا على ثلاثة أقسام] (^١) فأحد أقسام الفقر هو فقر الخلق إلى ربهم الحق، كما قال تعالى: ﴿[يَاأَيُّهَا النَّاسُ] أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى\n_________\n= (١٠/ ٢٦٣) رواه أحمد، وفيه دويد غير منسوب، فإن كان هو الذي روى عن سفيان فقد ذكره العجلي في كتاب الثقات، وإن كان غيره لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح غير مسلم بن بشير، وهو ثقة. وقال الألباني في الضعيفة (٦٧٧٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٥٢): منكر.\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":552},{"text":"اللَّهِ﴾ (^١)، وحقيقة هذا الفقير الصادق في فقره أن يكون صابرًا محتسبًا في اختيار الله له الفقر صائنًا لدين [كاتمًا] لفقره مستغنيًا بربه في فقره لا يغنيه شيء دون ربه ولا يرى معه غيره، يعد الفقر رحمة منه عليه يخاف على زواله كما يخاف الغني على زوال غناه فإذا كان بهذه الصفة دخل الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، كما قال المصطفى - ﷺ -. والقسم الثاني من أقسام الفقر هو عدم الجدات والأملاك من أعراض الدنيا، وهذا الفقير يستغني بوجود دنياه.\nوالقسم الثالث فقر وهو الذي استعاذ منه النبي - ﷺ -، وهذا الفقير لا يغنيه شيء ولا يستغني [بوجوده] شيء وهو ما قال النبي - ﷺ - لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا، الحديث. وأما أحد أقسام الغنا فالغنا بالله ﷿ والاستغناء به عن جميع ما في الدارين وهذا [الغنا يناله] بالافتقار إليه فإذا صح الافتقار إليه [كان] الغنا به [﷿]. والثاني غنا النفس وهو الذي غناه بالدين لا بالدنيا لا يستأنس بوجود الدنيا ولا يستوحش من فقدها، وكان في غناه مفتقرا إلى ربه ﷿ في فقره [مستغنيًا] به. والثالث الغنا بالمال وهذا الغنا يحصل بوجود شيء من أعراض الدنيا وهو غنا [مجاز] لأن الفقر لا [يزايله].\n\n٤٨٢٢ - وعن عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - على أصحابه أجمع ما كانوا، فقال: إني رأيت الليلة منازلكم في الجنة، وقرب منازلكم، ثم إن رسول الله - ﷺ - أقبل على أبي بكر - ﵁ -، فقال يا أبا بكر: إني\n_________\n(^١) سورة فاطر، الآية: ١٥.","vol":"12","page":553},{"text":"لأعرف رجلا أعرف اسمه، واسم أبيه وأمه لا يأتي بابا من أبواب الجنة إلا قالوا: مرحبا مرحبا، فقال سلمان: إن هذا: المرتفع شأنه يا رسول الله؟ قال: فهو أبو بكر بن أبي قحافة، ثم أقبل على عمر - ﵁ - فقال: يا عمر لقد رأيت في الجنة قصرا من درة بيضاء لؤلؤه أبيض، مشيد بالياقوت، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لفتى من قريش، فظننت أنه لي، فذهبت لأدخله، فقال: يا محمد هذا لعمر بن الخطاب، فما منعني من دخوله إلا غيرتك يا أبا حفص، فبكى عمر وقال: بأبي وأمي عليك أغار يا رسول الله؟ ثم أقبل على عثمان - ﵁ -، فقال يا عثمان إن لكل نبي رفيقا في الجنة، وأنت رفيقي في الجنة، ثم أخذ بيد علي - ﵁ -، فقال يا علي: أوما ترضى أن يكون منزلك في الجنة مقابل منزلي، ثم أقبل على طلحة والزبير - ﵄ -، فقال: يا طلحة ويا زبير: إن لكل نبي حواري، وأنتما حواري، ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، فقال: لقد بطأ بك عنا من بين أصحابي حتى خشيت أن تكون هلكت، وعرقت عرقا شديدا، فقلت: ما بطأ بك؟ فقلت: يا رسول الله من كثرة مالي ما زلت موقوفا محاسبا أسأل عن مالي من أين اكتسبته، وفيما أنفقته، فبكى عبد الرحمن، وقال: يا رسول الله هذه مائة راحلة جاءتني الليلة من تجارة مصر، فإني أشهدك أنها على فقراء أهل المدينة وأيتامهم لعل الله يخفف عني ذلك اليوم. رواه البزار (^١)، واللفظ له\n_________\n(^١) مسند البزار = البحر الزخار (٣٣٤٣)، وقال: وعمار بن سيف صالح وعبد الرحمن المحاربي ثقة وابن أبي مواتية صالح، وسائر الإسناد لا يسأل عنه لثقتهم وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله بن أبي أوفى إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.","vol":"12","page":554},{"text":"والطبراني (^١) ورواته ثقات إلا عمار بن سيف، وقد وثق.\n[قال الحافظ]: وقد ورد من غير وجه، ومن حديث جماعة من الصحابة عن النبي - ﷺ -: أن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - يدخل الجنة حبوا لكثرة ماله، ولا يسلم أجودها من مقال، ولا يبلغ منها شيء بانفراده درجة الحسن، ولقد كان ماله بالصفة التي ذكر رسول الله - ﷺ -: نعم المال الصالح للرجل الصالح، فأنى تنقص درجاته في الآخرة، أو يقصر به دون غيره من أغنياء هذه الأمة؟ فإنه لم يرد هذا في حق غيره إنما صح سبق فقراء هذه الأمة أغنياءهم على الإطلاق، والله أعلم.\nقوله: \"وعن عبد الله بن أبي أوفى\" اسمه: علقمة الأسلمي المدني من أصحاب بيعة الرضوان، روى له خمسة وتسعون حديثًا للبخاري خمسة عشر مات وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين. قوله: \"فقلت لمن هذا؟ فقيل: لفتى من قريش\"، قريش قبيلة [من قبائل العرب]، أبوهم النضر ولقبه قريش بن كنانة وتقدم الكلام على قريش قريبا.\nقوله: \"فقال بأبي وأمي أعليك أغار\" الغيرة معروفة في حق الآدمي. قوله: \"ثم أقبل على طلحة والزبير فقال: يا طلحة ويا زبير إن لكل نبي حواري\n_________\n(^١) حلية الأولياء (١/ ٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٥) رواه البزار والطبراني بنحوه، وفيه: عمار بن سيف، ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود ووثقه العجلي وغيره، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٥٩٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٥٣): موضوع.","vol":"12","page":555},{"text":"وأنتما حواريّ\" الحديث. ومثله الحديث الآخر: ما من نبي إلا كان له حواريون وأصحاب يهتدون بهديه، الحواري بتخفيف الواو وتشديد الياء لفظ مفرد.\nقال القاضي (^١): اختلف في ضبطه [فضبطه] (^٢) جماعة من المحققين بفتح الياء من الثاني كمصرخي وضبطه أكثرهم بكسرها. والحواري معناه الناصر، وقيل: [الخاص] الصافي، [وإذا أضيف إلى ياء المتكلم فقد تحذف الياء وحينئذ ضبطه جماعة بفتح الياء وأكثرهم بكسرها.\nقالوا: القياس الكسر لكنهم [استثقلوا] الكسر وثلاث ياءات حذفوا ياء المتكلم وأبدلوا من الكسرة فتحه وقد قرئ في الشواذّ ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ (^٣) بالفتح اهـ قاله الكرماني (^٤).\nوفي حديث آخر: قال رسول الله - ﷺ -: الزبير ابن عمتي وحواري من أمتى أي خاصتي من أصحابي وناصري ومنه الحواريون أصحاب المسيح - ﵇ - أي خلصانه وأنصاره وأصله من التحوير التبييض، قيل أنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها. وقال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتأويله الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب، اهـ.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٨٨).\n(^٢) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (فضبط).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٩٦.\n(^٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٢/ ١٣٥).","vol":"12","page":556},{"text":"فإن قلت: الصحابة كلهم أنصار رسول الله - ﷺ - خلصا له فما وجه التخصيص؟ قلت: هذا قاله حين قال يوم الأحزاب: من يأتيني بخبر القوم؟ فقال: أنا. وهكذا قال مرة ثالثة ولا شك أن في ذلك الوقت هو نصر نصرة زائدة على [غيره]، قاله الكرماني (^١)] (^٢). والحواريون جمع حواري وهم خلصان الأنبياء الناصرون لهم الذين أخلصوا في محبتهم وخلصوا من كل عيب، وحُوارَى الدقيق الذي نُخِل، قاله الأزهري. وقال ابن الأنباري: هم المختصون المفضلون، وسمي خبز الحُوارى لأنه أشرف الخبز. وقيل في حوارى عيسى أنهم كانوا بيض الثياب وقيل مبيضون لها وقيل مجهادون وقيل صيادون.\nقال ابن عطية في قوله تعالى [عن نوح ﵊]: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (^٣) أن الياءات لما اجتمعت [استثقلت] اجتماع المماثلة فخفف ذلك الاستثقال بالفتح إذ هو أخف الحركات، هذا مذهب سيبويه وعلى هذا حمل قول عليه [الصلاة و] السلام حواري الزبير، اهـ. قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٥/ ٦).\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (هذا مذهب سيبويه وعلى هذا حمل قول عليه [الصلاة و] السلام حواري الزبير، اهـ. قاله في الديباجة).\n(^٣) سورة هود، الآية: ٤٢.","vol":"12","page":557},{"text":"قوله - ﷺ - في حق عبد الرحمن بن عوف (^١): \"نعم المال الصالح للرجل الصالح\" وهو الذي يأخذه بحقه ويضع في حقه فهذا يوصله ماله إلى الله تعالى فمن أخذ من المال بحق ما يقويه على طاعة الله تعالى ويستعين به عليها كان أخذه طاعة ونفقته طاعة فما أخذ من الدنيا بنية التقوي على طلب الآخرة فهو داخل في قسم إرادة الآخرة والسعي لها في إرادة الدنيا والسعي لها. قال بعض العارفين: كل ما أصبت من الدنيا ما تريد به الدنيا فهو مذموم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٧٦٣) وفي فضائل الصحابة (١٧٤٥) والبخاري في الأدب المفرد (٢٩٩) وابن أبي شيبة (٧/ ١٧ - ١٨) وفي مسنده (إتحاف الخيرة ٦٣٤٤) وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٤٣) وأبو يعلى (٧٣٣٦) والطحاوي في المشكل (٦٠٥٦)، (٦٠٥٧) وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ١٦٣)، وأبو بكر الخلال في الحث على التجارة (٥٤) وابن قانع في الصحابة (٢/ ٢١٣ - ٢١٤) وابن حبان (٣٢١٠) (٣٢١١) وأبو محمد الفاكهي في حديثه (١٤) وأبو نعيم في الصحابة (٤٩٩٥) والطبراني في الأوسط (٣٢١٣ و٩٠٠٨) والقضاعي (١٣١٥) والبغوي في شرح السنة (٢٤٩٥).\nوالحاكم (٢/ ٢) (٢/ ٢٣٦)، قال: صحيح على شرط مسلم. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٣٨) أخرجه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند صحيح بلفظ نعما وقالا للمرء قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٤٤٦) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث عمرو بن العاص بسند جيد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦٤) ورواه أبو يعلى بنحوه، ورجال أحمد، وأبي يعلى رجال الصحيح.\nوقال ابن حجر في الإصابة (٧/ ٤١٣) أَحمد بسند حسن، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (١/ ٤٥٠) صحيح - المشكاة (٣٧٥٦).","vol":"12","page":558},{"text":"وكل ما أصبت منها تريد به الآخرة فليس من الدنيا، اهـ. قاله ابن رجب (^١).\nقوله: قال الأئمة أن المال ليس بمذموم لذاته بل قد منّ الله به علينا ونهانا عن دفعه إلى السفهاء وذكر أن به [قوام] أمورنا وإنما يذم المال لما قد يجر إليه مما لا يرضي الرب ﷻ. وقد قال النبي - ﷺ - (^٢): نعم العون على تقوى الله المال. قال الإمام أبو العباس الإقليشي في شرح الشهاب من أنفق ماله فيما له خمس خلال فقد نال طريق الكمال إحداها كون المال حلالا، [والثاني] أن يقول به في عباد الله هكذا وهكذا. [والثالث] أن يضعه [في] موضعه، الرابعة أن لا يشوب عطيته رياء ولا منة ولا محبة ثناء ولا سبب من الأسباب المحبطة لأجر العطية [أو] القادحة بل تكون لوجه الله تعالى خالصا. [و] الخامسة أن لا يشغله ماله عن الله تعالى، فهذا هو المال الصالح للرجل الصالح.\nوأما إن كان المال حراما أو كان حلالا إلا أنه وضعه في غير موضعه أو وضعه في موضعه إلا أنه شابه شائبة من الرياء أو محبة الثناء أو غيرهما من قوادح الأشياء أو شغله ماله عن الله تعالى فهذا مال مشئوم وصاحبه مَلوم ولنفسه ظلوم.\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣١٢).\n(^٢) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٤٤٦) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من رواية محمد بن المنكدر عن جابر. ورواه أبو القاسم البغوي من رواية ابن المنكدر مرسلا: ومن طريقه رواه القضاعي في مسند الشهاب هكذا مرسلا. الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٠٤٢) وهو في مسند الشهاب (٢/ ٢٦٠/ ١٣١٧)","vol":"12","page":559},{"text":"فإن قلت: فإذا تقرّر بما ذكرت أن المال ليس مذموما لذاته وإنما يذم إذا لم تؤد زكاته فما معنى ما ثبت في الصحيح. (^١)\nعن أبي ذر، قال انتهيت إلى النبي - ﷺ -، وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال هم الأخسرون ورب الكعبة الحديث. وعن أبي ذر (^٢) أنه كان يقول بيضاء أو حمراء أكوى به يوم القيامة. وفي مسند البزار (^٣) عن عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٣٨)، وصحيح مسلم (٣٠) (٩٩٠).\n(^٢) اللباب في علوم الكتاب (١٠/ ٨١)، وتفسير البغوي (٢/ ٢٨٨).\n(^٣) أخرجه البزار في مسنده - البحر الزخار (١٠٠٥) وقال: لا يثبت في هذا شيء، وقد شهد عبد الرحمن بن عوف بدرا، وشهد - ﷺ - له بالجنة، وهو أحد العشرة، فلا تلتفت إلى أحاديث ضعيفة، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ١٣١) الطبراني في مسند الشاميين (١٦١٦) وعنه: أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٣٣٤)، وفي (١/ ٩٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٢٥) وعنه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٢٦٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٠٦٤) ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥١/ ٢١٦) وابن زنجويه في الأموال (٢/ ٧٨٩/ ١٣٦٦) والحاكم (٣/ ٣١١)، وقال: صحيح الإسناد. ورده الذهبي بقوله: قلت: خالد ضعفه جماعة، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الحافظ: ضعيف مع كونه فقيها، وقد اتهمه ابن معين.\nوقال ابن عدي: وهذا عن يزيد بن أبي مالك عن عطاء يرويه عنه ابنه خالد، ولا أعلم يرويه عن ابنه خالد غير سليمان بن عبد الرحمن ولم أكتبه بعلو إلا، عن أبي قصي.\nوقال أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٣٣٤): هذه الأحاديث هي عندي راويها يزيد بن أبي مالك واسم أبي مالك هانئ ومن رآه عبد الله بن موهب فهو واهم عندي.\nوقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٧٣): أخرجه البزار من حديث أنس بسند ضعيف والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عوف يا ابن عوف إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفا وقال صحيح الإسناد قلت: بل ضعيف فيه خالد بن أبي مالك ضعفه الجمهور. وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٥٥) رواه البزار، وفيه: خالد بن يزيد بن أبي مالك، =","vol":"12","page":560},{"text":"عوف قال: قال رسول الله - ﷺ - يا عبد الرحمن إنك من الأغنياء وإنك لن تدخل الجنة إلا زحفا فأقرض الله يطلق قدميك فقال عبد الرحمن - ﵁ -، ما الذي أقرض أو أخرج؟ وخرج عبد الرحمن، فبعث إليه رسول الله - ﷺ - فقال: مُرْ عبد الرحمن فليضف الضيف وليطعم المسكين وليعط السائل، فإن ذلك يجزيه من كثير ما هو فيه، فالجواب أن جمع المال لا يخلوا عن فتنة ما، فإذًا طريق التخلص منه بإنفاقه [بكثرة] الطاعات.\n[قوله]: فبكى عبد الرحمن بن عوف وقال يا رسول الله هذه مائة راحلة جاءتني الليلة من تجارة مصر فإني أشهدك أنها على فقراء أهل المدينة وأيتامهم، الحديث. وقيل أن عائشة بينما هي في بيتها إذ سمعت صوتا رجت له المدينة فقالت: ما هذا؟ قالوا عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف من الشام، وكانت سبع مائة راحلة، فقالت عائشة أما إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا، فبلغ ذلك عبد الرحمن فأتاها فسألها عما بلغه فحدثته فقال إني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله ﷿، وباع أرضا من عثمان بأربعين ألف دينار فقسم ذلك في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة [بمال من ذلك]. فقالت عائشة أما إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول (^١): لن\n_________\n= وضعفه الجمهور، ولا يثبت في دخوله زحفا حديث. الألباني في السلسلة الضعيفة (١٧٧٢): ضعيف جدا، وفي (٦٥٩٣): منكر جدا، بل موضوع.\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ١٣٣)، وأحمد (٢٤٧٢٤)، (٢٥٠٣٢)، وفي فضائل الصحابة (١٢٤٩ - ١٢٥٠)، وفي الزهد (ص: ١٦٢) وإسحاق (١٧٥٥)، =","vol":"12","page":561},{"text":"يحنوا عليكن بعدي إلا الصالحون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة وكان له من الولد ثمانية وعشرون ولدا ذكورا وإناثا وتوفي في سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان. وصلى عليه علي، وقيل الزبير، لأنه كان قد هجر عثمان بسبب تأمير أقاربه فلما قال له الناس هذا فعلك، دخل عليه ولامه وقال [إنما قدمتك] ووليتك لتسير بسيرة الشيخين وقد خالفتهما، وقد [وقد أوطنت أهل] بيتك على رقاب المسلمين فقال عثمان: [كان عمر] يقطع\n_________\n= والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٥٦٦)، والطبراني في المعجم الأوسط (٩١١٥) وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٩٨) والحاكم (٣/ ٣١٠ - ٣١١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٢٨٣) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٥٥): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ١٣٢) وأحمد (٢٦٥٥٩) (٢٦٥٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤١٢) والبغوي في معجم الصحابة (٤/ ٤٠٨)، والطبراني (٢٣/ ٣٧٨/ ٨٩٦)، وابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة (١٦٥) والحاكم (٣/ ٣١٠ - ٣١١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٧٧)، وفي فضائل الخلفاء الراشدين (١١٨) ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٢٨٥) وفي كتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين (ص: ١٠٤) عن أم سلمة، وقال ابن عساكر في الأربعين: غريب من حديث عوف بن الحارث. . . تفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن محمد بن عبد الرحمن التميمي.\nوقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٢٢٣): رواه أبو بكر بن أبي شيبة والحارث بن أبي أسامة واللفظ له وأحمد بن حنبل بسند ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق. وله شاهد من حديث عائشة رواه ابن حبان في صحيحه. وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٥٥): وعن أم سلمة. . . . رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٩٤).","vol":"12","page":562},{"text":"أقاربه في الله ﷿ وأنا [أوصلهم] في الله ﷿، فقال عبد الرحمن عليّ نذر أن لا أكلمك أبدا، فلم يكلم عثمان وكان - ﵁ - فيما ترك من الذهب بعد هذه الصدقات العظيمة ما قطع بالفئوس حتى مجلت منه أيدي الرجال وترك أربع نسوة صولحت امرأة من ثمنها بثمانين ألفا. ومناقبه كثيرة مشهورة. قاله في مجمع الأحباب. قوله في عبد الرحمن بن عوف: \"إنه يدخل الجنة حبوا\" فسر في الحديث زحفا قال ابن دريد [الزحف] المشي على الإست مع إشرافه بصدره. قال الحربي: حبا الصبي مشى على يديه، والاحتباء أن ينصب ساقيه [ويدير عليهما ثوبه] أو يعقد يديه على ركبتيه معتمدا على ذلك، والاسم الحبوة بالضم والكسر، والحبية بالياء، اهـ. قاله عياض (^١). وأما ما نقل عن أبي ذر فهذا كان مذهبه بخلاف مذاهب [كثير] من الصحابة، اهـ. ولعل هذا مذكور في تهذيب النفوس.\n\n٤٨٢٣ - وعن أسامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n[الجد]: بفتح الجيم: هو الحظ والغنى.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ١٧٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٥١٩٦ - ٦٥٤٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٩٣) (٢٧٣٦).","vol":"12","page":563},{"text":"قوله: \"وعن أسامة\"، هو أسامة بن زيد الصحابي، مولى رسول الله - ﷺ -، و[ابن] مولاه وحبه وابن حبِّه، كنيته أبو محمد وقيل أبو زيد وقيل أبو يزيد وقيل أبو خارجة، أسامة بن زيد، وأمه أم أيمن بركة، وتقدم الكلام على مناقبها - ﵂ -، رُوِي لأسامة عن رسول الله - ﷺ - مائة وثمانية وعشرون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديثين، ولّاه رسول الله - ﷺ - إمارة الحبشة وفيهم عمر بن الخطاب، وعقد له اللواء، وتوفي رسول الله - ﷺ - وله عشرون سنة وقيل تسع عشرة وقيل ثمان عشرة، توفي أسامة بالمدينة، وقيل بوادي القرى وحمل إلى المدينة سنة أربع وخمسين وقيل تسع وخمسين وقيل سنة أربعين بعد علي بقليل.\nقال ابن عبد البر وغيره: الصحيح سنة أربع وخمسين والله أعلم. تنبيه: كانت الجاهلية [تقدح] في نسب أسامة بن زيد لكونه وزيد أبيض فمرّ بهما مجزّز المدلجي بفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشددة، وهما تحت قطيفة وقد بدت من تحتها أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض فلما قضى هذا القائف بإلحاق نسبه وكان العرب تعتمد قول القائف ويعترفون بحقية القيافة فرح رسول الله - ﷺ -[لكونه] زجرًا لهم عن الطعن في النسب وكانت أم أسامة اسمها بركة حبشية سوداء واختلف العلماء في العمل بقول القائف فأثبته الشافعي لأنه عليه الصلاة لا يظهر الفرح ولا يقرره إلا فيما كان حقا ونفاه أبو حنيفة والمشهور عن مالك إثباته في [الإماء] ونفيه في الحرائر،","vol":"12","page":564},{"text":"اهـ. قاله الكرماني (^١).\nتنبيه: القائف هو الذي يلحق الفروع بالأصول بالشّبه والعلامات ويراد به هنا مجزز المدلجي كما تقدم. قوله - ﷺ -: \"قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين\" الحديث عامة بالنصب خبر كان واسمه المساكين ودخلها بمعنى دخل فيها مثل [دخلت] الدار [أي في الدار] على الأصح. قوله - ﷺ -: \"وأصحاب الجد محبوسون\"، قوله: محبوسون أي ممنوعون عن دخول الجنة موقوفون للحساب أو حتى يدخلها الفقراء بدليل قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] وأما أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار أي من استحق النار منهم بكفره أو بمعصيته وبقي غيرهم للحساب أو للتأخر عن منزلة الفقراء [والجد] بفتح الجيم هو الحظ والغنا. قاله المنذري. وقال بعض العلماء الصحيح المشهور الجد بالفتح وهو الحظ والغنا والعظمة والسلطان وأصحاب الجد هم أصحاب البخوت والحظوظ الدنيوية بالمال [والجياه]، ويحتمل أن يريد الملوك المعظمين، وروي بالكسر وهو الاجتهاد والمعنى لا ينفع ذا الحظ في الدنيا حظه في العقبى إنما ينفعه طاعتك، وقال بعضهم أيضًا قيل المراد به أصحاب البخت والحظ في الدنيا والغنا والوجاهة بها.\nوقيل: المراد أصحاب الولايات، يعني أصحاب الأمر والسلطنة من قوله: تعالى جد ربنا، أي عظمته وسلطانه، والله أعلم. ومعناه محبوسون للحساب\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٤٢).","vol":"12","page":565},{"text":"أو لسبقهم الفقراء بخمسمائة عام كما جاء في الحديث. وقيل: محبوسون أي لم يؤذن لهم بعد في دخول الجنة.\nقوله: \"غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار\" وغير بالنصب وهو بمعنى الاستثناء المنقطع ومعناه من استحق من أهل الغنا النار بكفره أو معاصيه. قوله: \"وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء\" ومعنى قمت أي وقفت فنظرت وهذا القيام إما ليلة أسري به، أو حين خسفت الشمس. وفي الحديث تفضيل الفقر على الغنا، وقد سبق الخلاف في ذلك في العزلة، وفي فضيلة الفقراء والضعفاء.\n\n٤٨٢٤ - وعن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: رأيت أني دخلت الجنة، فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين، وذراري المؤمنين، وإذا ليس فيها أحد أقل من الأغنياء والنساء، فقيل لي: أما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الأحمران: الذهب والحرير. الحديث. رواه أبو الشيخ ابن حيّان وغيره (^١) من طريق عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عنه.\n_________\n(^١) أحمد بن منيع (إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٣٥٥) وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف مطرح بن يزيد، ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني وغيرهم، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ١٥٩) رواه أحمد بن منيع. . . بسند ضعيف لضعف مطرح بن يزيد والحارث بن أبي أسامة وفي سنده علي بن يزيد وهو ضعيف ورواه أحمد بن حنبل مطولا. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٢٥٥): ضعيف جدًا.","vol":"12","page":566},{"text":"قوله: \"وعن أبي أمامة\" واسمه صدي بن عجلان الباهلي، تقدم. قوله: \"وأما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون\" التمحيص هو عبارة عن التخليص، ومنه تمحيص الذنوب، أي إزالتها أي يخلصون بعضهم من بعض، كما يخلص ذهب المعدن من التراب، وقيل: يختبرون كما يختبر الذهب؛ لتعرف جودته من رداءته.\nقوله: \"عبيد الله بن زحر\" قال ابن معين ليس بشيء.\nوقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن زيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد عبيد الله وعلي بن زيد والقاسم بن عبد الرحمن لم يكن ذلك الحديث غلا مما عملت أيديهم.\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة الرازي: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به وحسن الترمذي غير ما حديث له عن علي بن زيد عن القاسم.\n\n٤٨٢٥ - وروي عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة، فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا يا عائشة لا تردي مسكينا، ولو بشق تمرة. يا عائشة حبي المساكين وقربيهم، فإن الله يقربك يوم القيامة. رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث غريب، وتقدم في صلاة\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٥٢)، والبيهقي (٧/ ١٢)، وفي الشعب (١٣٨٠ و١٠٠٢٥)، والخطيب في المتفق والمفترق (٤٥٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٢)، =","vol":"12","page":567},{"text":"الجماعة حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: أتاني الليلة آت من ربي، وفي رواية: ربي في أحسن صورة. فذكر الحديث إلى أن قال: قال يا محمد. قلت: لبيك وسعديك. فقال: إذا صليت، قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون. الحديث. رواه الترمذي (^١) وحسنه.\n\n٤٨٢٦ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: اللهم أحيني مسكينا، وتوفني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة. رواه ابن ماجه (^٢) إلى\n_________\n= والذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٥١) قال الترمذي: هذا حديث غريب وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٣٩) أخرجه الترمذي من حديث أنس وابن ماجه والحاكم وصحح إسناده من حديث أبي سعيد. وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٢٧٤): ضعيف. وصححه الألباني في إرواء الغليل (رقم ٨٥٣) السلسلة الصحيحة (٣٠٨)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٩٢): حسن لغيره.\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٢٣٣) (٣٢٣٤)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. والحديث؛ أخرجه أحمد (٣٤٨٤)، وعبد بن حميد (٦٨٣)، وابن أبي عاصم، في السنة (٤٦٩)، والبزار (٤٧٢٧)، أبو يعلى (٢٦٠٨)، وابن خزيمة، في التوحيد (٣١٩)، (٣٢٠) والطبراني في الدعاء (١٤٢٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٤٠٨).\n(^٢) ابن ماجه (٤١٢٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة كما في مصباح الزجاجة (٤/ ٢١٨)، والبخاري في الكنى (ص ٧٥)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٠٠٣)، وأبو سعيد الأشج في حديثه (٧٥) والطبراني، في الدعاء (١٤٢٥ و١٤٢٦)، والبيهقي (٧/ ١٣)، والخطيب في التاريخ (٤/ ١١١)، وابن عساكر في معجم الشيوخ (١١٩٠)، وابن الجوزي في الموضوعات =","vol":"12","page":568},{"text":"قوله: المساكين، والحاكم (^١) بتمامه، وقال صحيح الإسناد.\nورواه أبو الشيخ والبيهقي (^٢) عن عطاء بن أبي رباح سمع أبا سعيد يقول: يا أيها الناس: لا تحملنكم العسرة على طلب الرزق من غير حله، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: اللهم توفني فقيرا، ولا توفني غنيا، واحشرني في زمرة المساكين، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا، وعذاب الآخرة. قال أبو الشيخ: زاد فيه غير أبي زرعة عن سليمان بن عبد الرحمن: ولا تحشرني في زمرة الأغنياء.\nقوله: \"وروي عن أنس\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين\" الحديث، فإن قيل: فقد جاء في الترمذي\n_________\n= (٣/ ١٤١)، والذهبي في معجم الشيوخ (٢/ ٣٠٢)، وفي الميزان (٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩)، وقال ابن عساكر: هذا حديث غريب، وأبو المبارك لا يعرف له اسم، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، قال أبو حاتم: أبو مبارك رجل مجهول، وقال ابن معين: يزيد بن سنان ليس بشيء، وقال ابن المديني: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث ووافقه الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (ص: ١٧٣)، وقال: يزيد واه وشيخه مجهول. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٤/ ٢١٨: هذا إسناد ضعيف، أبو المبارك لا يعرف اسمه، وهو مجهول، ويزيد بن سنان التيمي أبو فروة ضعيف.\n(^١) الحاكم (٤/ ٣٢٢)، وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه الطبراني في الدعاء (١٤٢٦)، وفي الأوسط كما في المجمع (١٠/ ٢٦٧)، وابن عدي (٣/ ٨٨٤) وابن بشران (٤١٢)، والبيهقي (٧/ ١٣)، وفي الشعب (١٠٠٢٤)، وابن عساكر في معجم الشيوخ (١٥٥٥)، وقال ابن عساكر: غريب. انظر: إرواء الغليل (رقم ٨٥٣).\n(^٢) شعب الإيمان (٥١١١).","vol":"12","page":569},{"text":"هذا اللفظ قلنا ضعيف ولئن سلمنا صحته على ما قاله الحاكم حمل على مسكنة التواضع لا القلة، قاله في شرح الإلمام أراد [به] (^١) - ﷺ - التواضع والإخبات وأن لا يكون من الجبارين والمتكبرين وقد تكرر في الحديث ذكر المسكين والمساكين والمسكنة والتمسكن وكلها يدور معناها على الخضوع والذلة وقلة المال والحال السيئة، واستكان إذا خضع، والمسكنة فقر النفس وتمسكن إذا تشبه بالمساكين وهم جمع المسكين وهو الذي لا شيء له، وقيل هو الذي له بعض الشيء وقد تقع المسكنة على [الضعيف] والله أعلم، قاله في النهاية (^٢).\nقوله: \"لا تردي مسكينا ولو بشق تمرة\"، تقدم الكلام على المسكين وشق التمرة نصفها أو جانبها.\nوقد تقدم حديث ابن عباس في صلاة الجماعة وفيه أتاني ربي في أحسن صورة، [وفي حديث: رأيت ربي في أحسن صورة] قد ثبت وتقرر أن الله تعالى لا مناسبة بينه وبين العالم المحدث من كل وجه من الوجوه، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣) الآية، ولو تمسكنا بظاهر هذا الخبر وما يشبهه لجعلناه مثل العالم المحدث ولم نكن عاملين بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فيجب أن يكون لهذه الأخبار معانٍ الله ورسوله ثم العلماء أعلم\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٨٥).\n(^٣) سورة الشورى، الآية: ١١.","vol":"12","page":570},{"text":"بمعانيها فيجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات ولا يوصف بالصورة والتحول والانتقال، [وإذا رأينا آية مشكلة أو خبرا مشكلا يقتضي التشبيه والتحول والانتقال] كقوله: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، لا يغير اعتقادنا عما هو عليه ونكل معناه إلى الله و[إلى] رسوله ثم العلماء. فقوله - ﷺ -: \"رأيت ربي في أحسن صورة\" [عائد] على النبي - ﷺ - كأنه قال رأيت ربي وأنا في أحسن صورة لأن الإنسان أحسن ما يكون وجهه إذا رأى أسرّ الأشياء وأفضلها عنده. قاله الإمام المحاسبي في عقيدته. (^١)\n\n٤٨٢٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: أحبوا الفقراء، وجالسوهم وأحب العرب من قلبك، وليردك عن الناس ما تعلم من نفسك. رواه الحاكم (^٢)، وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"أحبّوا الفقراء وجالسوهم للمحبة\" [المحبة] هي ميل القلب إلى من يحبه. قال الشيخ أبو عثمان المقرئ الصوفي العظيم القدر ووفاته سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة: من آثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله تعالى بموت القلب. وفي الترمذي من حديث\n_________\n(^١) انظر: النهاية في غريب الأثر (٣/ ٥٩)، الإنصاف للبطليوسي (١/ ١٨٤)، وجامع الأصول (٩/ ٥٤٩).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه إن كان عمر الرياحي سمع من حجاج بن الأسود، ووافقه الذهبي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٧٥) والسلسلة الضعيفة (١٨٣٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٥٧).","vol":"12","page":571},{"text":"عائشة أن النبي - ﷺ - قال: إياكم ومجالسة الموتى، قيل: ومن الموتى؟ قال الأغنياء. ضعَّفه الترمذي لكن رواه الحاكم وصحح إسناده. (^١)\n\n٤٨٢٨ - وعن عائذ بن عمرو: أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر - ﵁ -: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، فأتى النبي - ﷺ - فأجاره، فقال: يا أبا بكر: لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم (^٢) وغيره.\nقوله: \"وعن عائذ بن عمرو\" وعائذ بن عمرو وهو بالعين المهملة وبعد الألف ياء آخر الحروف ثم ذال معجمة، المزني الصحابي، وكنيته أبو هبيرة،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٧٨٠)، وفي ترتيب علل الترمذي الكبير (٥٤٤)، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، وسمعت محمدا، يعني البخاري، يقول: صالح بن حسان منكر الحديث، وصالح بن أبي حسان الذي روى عنه ابن أبي ذئب ثقة والحديث؛ أخرجه أبو يعلى (٤٦١٠)، والطبراني في الأوسط (٥١٢٨)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٥٧٧٠ و٩٩١٣ و٩٩١٤)، والبغوي (٣١١٥)، والحاكم (٤/ ٣٤٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرجه ابن عدي، في الكامل ٥/ ٧٩، في ترجمة صالح بن حسان، وقال: هذا رواه بعضهم، عن أبي يحيى الحماني، عن صالح بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ومن قال: عن صالح، عن عروة أصح. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٦٦٩) أخرجه الترمذي وضعفه والحاكم وصحح إسناده، وقال: الألباني: ضعيف جدا.\n(^٢) صحيح مسلم (١٧٠) (٢٥٠٤).","vol":"12","page":572},{"text":"كان - ﵁ - ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة، توفي - ﵁ - في إمرة عبد الله بن زياد وأيام يزيد بن معاوية. قوله: \"أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر\" الحديث، والنفر من ثلاثة إلى تسعة، والفرق بين الرهط والنفر أن النفر من الثلاثة إلى التسعة كما تقدم، والرهط من الثلاثة إلى العشرة. قاله الكرماني (^١).\nوأما أبو سفيان فاسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي، وأما سلمان فهو الفارسي مولى رسول الله - ﷺ -، وسئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، وقصته أنه كان مجوسيًا فهرب من أبيه يطلب الحق فلحق براهب ثم بجماعة رهابين واحدًا بعد واحد يصحبهم إلى وفاتهم حتى دله الراهب الأخير على الذهاب إلى الحجاز وأخبره بظهور نبي آخر الزمان فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به فباعوه في وادي القرى ليهودي ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة فقدم به المدينة، فأقام مدة حتى قدمها رسول الله - ﷺ - فأتاه بصدقة فلم يأكلها ثم أتي بهدية فأكل منها ثم رأى خاتم النبوة وكان الراهب وصف له هذه العلامات الثلاث للنبي - ﷺ - وأجلسه رسول الله - ﷺ - بين يديه وحدثه بشأنه كله فأسلم وصار من علماء الصحابة وزهادهم.\nوروي أن رسول الله - ﷺ - اشتراه على العتق، والمشهور أنه - ﵇ - قال له يا سلمان كاتب عن نفسك فكاتبه على أن يغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية\n_________\n(^١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٩٣).","vol":"12","page":573},{"text":"من ذهب، فغرس رسول الله - ﷺ - له بيده المباركة الكل، وقال أعينوا أخاكم فأعانوه حتى أدى الذهب كله، وقال - ﵇ - (^١): سلمان منا أهل البيت، حتى تنازع الأنصار والمهاجرون فيه إذ قسم رسول الله - ﷺ - حفر الخندق عليهم، فقال الأنصار سلمان منا وقال المهاجرون سلمان منا. فإن قلت: كيف أمره رسول الله - ﷺ - بالكتابة وهو حر؟\nقلت: أراد بالكتابة صورة الكتابة لا حقيقتها فكأنه قال افد نفسك من ظلمه، ولاه عمر - ﵁ - العراق وكان يعمل الخوص بيده [فيأكل] منه، عاش مائتين وخمسين سنة بلا خلاف وقيل ثلاثمائة وخمسين، ومات سنة ست وثلاثين بالمدائن، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا.\nوأما صُهيب فهو بضم الصاد المهملة ابن سنان الرومي وأصله من العرب من النمر بن قاسط بالقاف وكانت منازل قومه بأرض الموصل فأغارت\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٨٢) و(٧/ ٣١٨)، والطبري في التفسير (١٩/ ٣٩)، وفي تاريخ الرسل والملوك (٢/ ٥٦٧)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (١/ ٢٠٥) الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٢١٢) (٦٠٤٠)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٨٠)، وفي معرفة الصحابة (٣٣٤٧)، والحاكم (٣/ ٥٩٨)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٤١٨)، والبغوي في التفسير (٦/ ٣٢٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٠٨) وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٥٤٠): سنده ضعيف. وأعله الذهبي في السير، فقال: كثير متروك. وقال ابن كثير جامع المسانيد (٣/ ٤٩٥): فيه نظر.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٣٠): رواه الطبراني، وفيه كثير بن عبد الله المزني، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٧٠٤): ضعيف جدا.","vol":"12","page":574},{"text":"الروم على تلك الناحية فسَبَت صهيبا وهو غلام صغير فابتاعه [منهم] (^١) كلب، ابتاعه بمعنى اشتراه، ثم قدم به مكة واشتراه عبد الله بن جُذعان بضم الجيم فأعتقه وأسلم قديما، من المستضعفين المعذبين في الله ثم هاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وهو من السابقين الأولين، وقال صهيب لم يشهد رسول الله - ﷺ - مشهدا قط إلا كنت حاضره ولا غزى غزاة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، ولم [يسر] سرية إلا كنت حاضره، قيل إن صهيبا هو ابن عم حمران مولى عثمان بن عفان، وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول فأدرك النبي - ﷺ - بقباء قبل أن يدخل المدينة وتوفي بها سنة ثمان وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، وكان أحمر [شديد] الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير كثير الشعر وأما بلال فهو ابن رباح الحبشي، اشتراه الصديق - ﵁ - من بني جمح بضم الجيم وسكون المهملة الأولى، فأعتقه وهؤلاء [الثلاثة] كانوا مأسورين تحت حكم الكفار ممن عُذِّبوا في الإسلام كثيرا، اهـ. قاله الكرماني (^٢).\nقوله: \"فقالوا ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها\" الحديث، ضبطوا مأخذها بوجهين: أحدهما: [فتح الخاء مأخذها] بالقصر والثاني بالمد وكسرها وكلاهما صحيح أي لم تستوف حقها من عنقه لسوء فعاله، وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهُدنة بعد صلح الحديبية. وفي\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (منه) ولعله خطأ.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦٩).","vol":"12","page":575},{"text":"هذا الحديث فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقته هؤلاء، وقال بعضهم أيضًا في هذا الحديث إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يلين القول للفقراء والمساكين والضعفاء والسائل واليتيم ونحوهم والتواضع معهم وعدم انتهارهم وكان بلال خازن سيدنا رسول الله - ﷺ - على بيت ماله روى عنه أبو بكر وعمر وابنه عبد الله وأسامة بن زيد وغيرهم من الصحابة وكبار التابعين، اهـ. وفيه مراعاة قلوب الضعفاء وأهل الدين وإكرامهم وملاطفتهم.\nقوله: \"فأتاهم أبو بكر فقال يا إخوتاه أغضبتكم؟ فقالوا: لا يغفر الله تعالى لك يا أخي\"، أما [قوله] يا أُخيّ فضبطوه بضم الهمزة على التصغير وهو تصغير تحبيب وترفيق وملاطفة وفي بعض النسخ بفتحها، اهـ.\nوقال النووي (^١): يا أخي روي بفتح الهمزة وكسر الخاء وتشديد الياء، اهـ. قال القاضي قد روي عن أبي بكر أنه نهى عن مثل هذه الصيغة وقال: قل عافاك الله، رحمك الله، لا تزد. أي لا تقل قبل الدعاء لا فتصير صورته صورة نفي الدعاء، [وقد] قال بعضهم قل لا ويغفر الله لك.\nقوله: \"وعن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد\" وأمية هذا لم يخرّج له أصحاب الكتب يعني الستة شيئا كذا.\nقوله: \"كان رسول الله - ﷺ - يستفتح بصعاليك المسلمين\"، وفي رواية يستنصر بصعاليك المسلمين أي يفتتح بهم القتال تيمّنا بهم وفعل يستنصر\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٦٦).","vol":"12","page":576},{"text":"بهم من قوله تعالى ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (^١)، ومنه حديث الحديبية: هو فتح، أي نصر. قاله في النهاية (^٢).\n\n٤٨٢٩ - وَعَن أُميَّة بن عبد الله بن خَالِد بن أسيد قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يستفتح بصعاليك الْمُسلمين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَهُوَ مُرْسل وَفِي رِوَايَة يستنصر بصعاليك الْمُسلمين (^٣).\n\n٤٨٣٠ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: كان ليعقوب أخ مؤاخ في الله تعالى، فقال ذات يوم: يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك؟ قال: البكاء على يوسف. قال: ما الذي قوس ظهرك؟ قال الحزن على بنيامين، فأتأه جبريل فقال: يا يعقوب! إن الله يقرئك السلام. ويقول: أما تستحي أن تشكوني إلى غيري؟ قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٤)، فقال جبريل: الله أعلم بما تشكو يا يعقوب، ثم قال يعقوب: أي رب أما ترحم الشيخ الكبير! أذهبت بصري، وقوست ظهري، فاردد علي ريحانتي أشمه شمة قبل الموت، ثم اصنع بي ما أردت، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أبشر، وليفرح قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين\n_________\n(^١) سورة الأنفال، الآية: ١٩.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٠٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢٩٢ رقم ٨٥٧ و٨٥٨ و٨٥٩)، وأبو نعيم في المعرفة (٩٧٥). قال الهيثمي ١٠/ ٢٦٢: رواه الطبراني، ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٨٥٨).\n(^٤) سورة يوسف، الآية: ٤٦.","vol":"12","page":577},{"text":"لنشرتهما، فاصنع طعامًا للمساكين فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين، وتدري لم أذهبت بصرك وقوست ظهرك، وصنع إخوة يوسف بيوسف ما صنعوا؟ إنكم ذبحتم شاة، فأتاكم مسكين يتيم، وهو صائم، فلم تطعموه منه شيئا. قال: فكان يعقوب - ﵇ - بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى: ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب، وإن كان صائما أمر مناديا فنادى: ألا من كان صائمًا من المساكين فليفطر مع يعقوب - ﵇ -. رواه الحاكم (^١) ومن طريقه البيهقي (^٢) عن حفص بن عمر بن الزبير عن أنس قال\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٣٧٨)، وقال: هكذا في سماعي بخط يد حفص بن عمر بن الزبير وأظن الزبير وهما من الراوي فإنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك فإن كان كذلك فالحديث صحيح.\n(^٢) شعب الإيمان (٣١٣١ - ٣١٣٢)، وقال: ورواه الحسين بن عمرو بن محمد القرشي، عن أبيه، عن زافر، عن يحيى بن عبد الملك، عن رجل، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ -، وأخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٥٤)، وفي الفرج بعد الشدة (٤٣) ومن طريق أبو علي التنوخي (١/ ٢٥٦)، والحديث اختلف فيه على يحيى بن عبد الملك، مما يزيده وهنا:\n\n١ - فقيل: عن يحيى بن عبد الملك عن أنس عن النبي - ﷺ - نحوه أخرجه إسحاق بن راهويه في تفسيره - كما في الترغيب والترهيب (٣/ ٢٣٨).\n\n٢ - وقيل عنه: عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، عن أنس. ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢١٨٨) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٤٨)، وقال عقبه: وهذا حديث غريب فيه نكارة.\n\n٣ - وقيل عنه: عن حصين بن عمر عن أبي الزبير عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال كان ليعقوب، خرجه الطبراني في الأوسط (٦١٠٥)، وفي الصغير (٨٥٧)، والحاكم (٣٣٢٨)، وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٤٠)، ورواه أبان بن أبي عياش وهو متهم، عن أنس، أخرجه محمد بن يحيى ابن أبي عمر، في مسنده - كما في المطالب العالية، (١٤/ ٢٥٢)، وإتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٥٦).","vol":"12","page":578},{"text":"الحاكم: كذا في سماعي عن حفص بن عمر بن الزبير، وأظن الزبير وهم، وأنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة، فإن كان كذلك فالحديث صحيح، وقد أخرجه إسحق بن راهويه في تفسيره (^١) قال: أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا زافر بن سليمان عن يحيى بن عبد الملك عن أنس عن النبي - ﷺ - بنحوه.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله: \"كان ليعقوب أخ مواخ في الله تعالى، فقال له ذات يوم يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك؟ قال: البكاء على يوسف. قال: ما الذي قوّس ظهرك؟ قال: الحزن على بنيامين\" الحديث.\nلطيفة تتعلق بذلك في حبس بنيامين عند عزيز مصر حين قالوا سرق: قيل: لما دخل إخوة يوسف على يوسف - ﵇ - شكوا إليه حالهم وما حصل عند أبيهم يعقوب - ﵇ - من فراق ولده بنيامين وأعطوه كتابا بعثه إلى يعقوب ففتحه فإذا فيه: باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر [المظهر] العدل الموفي في الكيل، أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء فأما جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه ألقي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلامًا. وأما [أبي] إسحاق فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه ليذبح ففداه الله بذبح عظيم. وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البرية وأتوني بقميصه [ملطخا] بالدماء وقالوا [قد] أكله\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٣٧٨) وقد أخرج الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي هذا الحديث في التفسير مرسلًا.","vol":"12","page":579},{"text":"الذئب فبكيت عليه حتى ذهبت عيناي، وكان لي ابن هو أخوه من أمه وكنت أتسلى به فقالوا إنه سرق وأنك حبسته لذلك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فارحم ترحم واردد عليّ ولدي فإن فعلت فالله يجزيك وإن لم تفعل وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك. فلما قرأ يوسف - ﵇ - الكتاب بكى وعيل صبره وأدركته الرأفة ورق لشكواهم وباح لهم بما كان يكتمه من شأنه ثم رفع التاج عن رأسه وكان فيه علامة مثل الشامة لأبيه يعقوب مثلها فحين رأوها قالوا: أئنك لأنت يوسف؟ قال أنا يوسف وهذا أخي بنيامين قد منّ الله علينا بأن جمع شملنا بعدما فرق الله بيننا. اهـ. (^١)\nلطيفة أخرى تتعلق بذلك: (^٢) قيل زار ملك الموت يعقوب - ﵇ - ليلة، فقال له: ألا أعلمك دعاء؟ قال: بلى. قال: قل يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا [و] لا يحصيه غيرك أحدا اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا وارزقني من حيث لا أحتسب. فدعا بها يعقوب - ﵇ -[حتى جاء البشير يهودا إلى يعقوب ﵊] وألقى القميص على وجهه فارتد بصيرا بعدما كان أعمى وقوي بعد أن كان ضعيفا، وما أحسن قول الشاعر:\nجاء البشير مبشرا بقدومه ... فمليت من سمعي إليه سرورا\nفكأنني يعقوب من شغفي به ... إذ عاد من شم القميص بصيرا\n_________\n(^١) انظر: تفسير الثعلبي (٥/ ٢٥٢)، وتفسير البغوي (٢/ ٤٤٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٣٨) ومن طريقه أبو علي التنوخي (١/ ٢٥٤)، وأخرجه الدينوري في المجالسة (١٢٢) عن إبراهيم الحربي عن المثنى بن عبد الكريم به.","vol":"12","page":580},{"text":"[و] ذكر هذين اللطيفتين ابن الفرات الحنفي في تاريخه.\n[قوله] في الحديث، \"فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام\" يقال: أقرئ فلانا السلام واقرأ - ﵇ -، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده، وإذا قرأ الرجل القرآن أو الحديث على الشيخ يقول: أقرأني فلان: أي حملني على أن أقرأ عليه.\nقوله في الحديث: \"أبشر وليفرح قلبك فوعزتي لو كان ميتين لنشرتهما\" الحديث، النشر عبارة عن الإحياء، قالى الله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (^١) قال ابن عرفة: كيف نعلي بعفر العظام على بعض، أي كيف نركبها بعضا على بعض. وقال الأزهري: كيف نجعل العظام بعد بلائها ناشرة بعضها إلى بعض أي ترفع وتتحرك مأخوذ من النشر وهو ما ارتفع من الأرض ويقال: نشز الرجل ينشز إذا كان قاعدا فينهض قائما فهو ينشر وينشز.\n\n٤٨٣١ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ أَوْصَانِي خليلي رَسُول الله - ﷺ - بخصال من الْخَيْر أَوْصَانِي أَن لا أنظر إِلَى من هُوَ فَوقِي وَأنْظر إِلَى من هُوَ دوني وأوصاني بحب الْمَسَاكِين والدنو مِنْهُم وأوصاني أَن أصل رحمي وَإِن أَدْبَرت الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٩.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٥٩ (٢١٤١٥) و٥/ ١٧٣ (٢١٥١٧)، والنسائي في الكبرى (١٠١١٤)، وابن حبان (٤٤٩)، والطبراني في الدعاء (١٦٤٨ - ١٦٥٢) والأوسط (٧/ ٣٦٤ - ٣٦٥ رقم ٧٧٣٩). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٦٣: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط بنحوه، وأحد إسنادي أحمد ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢١٦٦) =","vol":"12","page":581},{"text":"٤٨٣٢ - وعن حارثة بن وهب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف لو يقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وابن ماجه (^٣).\n[العتل] بضم العين والتاء وتشديد اللام: هو الجافي الغليظ. [والجواظ] بفتح الجيم وتشديد الواو وآخره ظاء معجمة: هو الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، وقيل الجموع المنوع.\nقوله: \"وعن حارثة بن وهب\" حارثة بن وهب الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، ومعبد بن خالد الجهني.\nقوله: \"ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف متضعّف\" الحديث، [يعني ضعيفا في أمور الدنيا، قويا في أمر دينه، فأما من كان ضعيفا في أمور دينه لا يعبؤ بها فمذموم وذلك من صفات أهل النار. قاله القرطبي (^٤) في التذكرة] (^٥).\n_________\n= وصحيح الترغيب (٢٥٢٥) و(٣١٩٥).\n(^١) صحيح البخاري (٤٩١٨).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٦) (٢٨٥٣).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤١١٦).\n(^٤) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٨٠٧).\n(^٥) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: ([ومنه حديث الجنة: (ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء؟)، قيل هم الذين يبرءون من الحول والقوة. فمراد الحديث الضعيف]).","vol":"12","page":582},{"text":"[ضبطوا متضعف] بفتح العين وكسرها المشهور الفتح ولم يذكر الأكثرون غيره، ومعناه يستضعفه الناس ويستحقرونه ويتجبرون [عليه] لضعف حاله في الدنيا يقال تضعفه واستضعفه، وأما رواية الكسر [فمعناه] (^١) متواضع متذلل خامل واضع من نفسه.\nقال القاضي (^٢): وقد يكون الضعف هنا رقة القلوب ولينها وإخباتها للإيمان، والمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء كما أن معظم أهل النار القسم الآخر؛ وليس المراد الاستيعاب في الطرفين [ومنه حديث الجنة: \"ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء؟ \"، قيل هم الذين يبرءون من الحول والقوة. فمراد الحديث الضعيف].\nقوله: \"لو أقسم على الله لأبره\" يعني لأبرّ قسمه أي لو حلف على وقوع شيء أوقعه الله تعالى إكراما له لإجابة سؤاله وصيانة له من الحنث في يمينه. قوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر\" العتل هو الجافي الغليظ. قاله الحافظ.\nوالجواظ قد ضبطه الحافظ وفسره، فقال: الضخم المختال في مشيته، وقيل القصير البطين، وقيل الجموع المنوع، اهـ.\n\n٤٨٣٣ - وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٨٧).","vol":"12","page":583},{"text":"المغلوبون. رواه أحمد (^١) والحاكم (^٢)، وقال: صحيح على شرط مسلم.\n[الجعظري] بفتح الجيم وإسكان العين المهملة وفتح الظاء المعجمة قال ابن فارس: هو المنتفخ بما ليس عنده.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم، قوله - ﷺ -: \"أهل النار كل جعظري جواظ\" الحديث، الجعظري قد ضبطه الحافظ [وفسره]، فقال: قال ابن فارس: هو المنتفخ بما ليس عنده. قوله: \"وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون\" المغلب الذي يغلب كثيرا، وشاعر مغلب أي كثيرا ما [يغالب]، والمغلب أيضًا الذي يحكم له بالغلبة، والمراد الأول، قاله في النهاية (^٣).\n\n٤٨٣٤ - وعن حذيفة - ﵁ - قال: كنا مع النبي - ﷺ - في جنازة فقال: ألا أخبركم بشر عباد الله؟ الفظ المستكبر. ألا أخبركم بخير عباد الله: الضعيف\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٥٨٠ - ٧٠٠٩ و٧٠١٠)، وأخرجه ابن قتيبة في الغريب (١/ ٢٥٦) وابن أبي الدنيا في التواضع (٢٢٠)، والحارث (بغية الباحث ١٠٩٨)، وأبو محمد الفاكهي في حديثه (١٢)، والبيهقي في الشعب (٧٨٢٢)، وإسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (١٠٣١)، وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (٨٦ و٨٧)، وقال ابن القيم في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٢١) وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٥) رواه الطبراني، ورجاله وثقوا. وقال في (١٠/ ٣٩٣) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢١٤) رواه الحارث، ورواته ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٤١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٩٧).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٤٩٩)، وقال: صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٧٦).","vol":"12","page":584},{"text":"المستضعف ذو الطمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. رواه أحمد (^١) ورواته رواة الصحيح إلا محمد بن جابر.\n[الطمر] بكسر الطاء: هو الثوب الخلق.\nقوله: \"وعن حذيفة\" وابن اليمان، تقدم. قوله: \"ألا أخبركم بخيار عباد الله الضعيف المستضعف\" تقدم تفسير ذلك.\nقوله [صلى الله تعالى عليه وسلم]: \"ذو الطمرين لا يؤبه له\" وذو بمعنى صاحب والطمر الثوب الخلِق وجمعه أطمار، قاله في النهاية (^٢). \"لا يؤبه له\" أي لا يبالى به ولا يلتفت إليه. قال ابن السكيت: يقال ما وبَهتُ له بفتح الباء وكسرها أي ما فطنت له ولم أوْبَه به وبْهًا وَوَبَهًا، قاله صاحب المغيث. وقال غيره: يعني لا يلتفت إليه لحقارته في محفل ولا في غيره.\n\n٤٨٣٥ - وعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - ألا أخبركم عن ملوك الجنة؟ قلت: بلى قال: رجل ضعيف مستضعف ذو طمرين لا يؤبه له\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٣٤٥٧)، وابنه عبد الله في السنة (١٤٦٢)، وتمام (١٤٨١)، والبيهقي في عذاب القبر (١١٥) وابن الجوزي في الموضوعات (١٧٦٧)، وقال الحافظ في القول المسدد ص ٣٥: وأبو البختري اسمه سعيد بن فيروز لم يدرك حذيفة، ولكن مجرد هذا لا يدل على أن المتن موضوع، فإن له شواهد كثيرة لا يتسع الحال لاستيعابها. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٤) رواه أحمد، وفيه محمد بن جابر، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال العراقي: سنده ضعيف تخريج الإحياء ٤/ ٤٨٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٩٨)، وفي السلسلة الصحيحة (١٧٤١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٣٨).","vol":"12","page":585},{"text":"لو أقسم على الله لأبره. رواه ابن ماجه (^١)، ورواة إسناده محتج بهم في الصحيح إلا سويد بن عبد العزيز.\nقوله: \"وعن معاذ بن جبل\" تقدم. قوله: \"ألا أخبركم عن ملوك الجنة؟ قلت: بلى، قال: رجل ضعيف مستضعف\" يريد الذي يتضعفه الناس ويتجبرون عليه في الدنيا لفقره ورثاثة حاله.\n\n٤٨٣٦ - وعن سراقة بن مالك بن جعشم - ﵁ -. أن رسول الله - ﷺ - قال: يا سراقة ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار قلت: بلى يا رسول الله. قال: أما أهل النار، فكل جعظري جواظ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون. رواه الطبراني في الكبير (^٢) والأوسط (^٣)، والحاكم (^٤) وقال: صحيح على شرط مسلم.\n_________\n(^١) ابن ماجه (٤١١٥) والحديث؛ أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١١٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٠٦). وقال أبو حاتم في العلل (٢/ ١٠٦): هذا حديث خطأ؛ إنما يروي عن أبي إدريس كلامه فقط. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٥٠) سند جيد وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٩/ ١١٥)، والتعليق الرغيب (٤/ ٩٢)، والصحيحة تحت الحديث (١٧٤١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٠)، وضعيف الجامع (٢١٥٦).\n(^٢) خرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٢٩/ ٦٥٨٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٧٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٥): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن.\n(^٣) الأوسط (٣١٥٧).\n(^٤) الحاكم (١/ ٦٠ - ٦١)، (٢/ ٤٩٩)، (٣/ ٦١٩)، وأخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣١٧)، والبيهقي في الشعب (٧٨٢٠)، (٧٨٢١)، وقال الحاكم: صحيح على شرط =","vol":"12","page":586},{"text":"قوله: \"وعن سراقة بن مالك بن جعشم\" بضم الجيم وبالعين المهملة الساكنة وقيل بفتح الشين، حكاه الجوهري الكناني المدلجي الحجازي، روي له عن رسول الله - ﷺ - تسعة عشر حديثا، روى البخاري منها واحدا وهو الذي لحق النبي - ﷺ - وأبا بكر في الهجرة فاتفق لفرسه ما اتفق وكان ينزل قديدا وقال له رسول الله - ﷺ -: كيف بك إذا لبست سواري كسرى، فلما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه دعا سراقة فألبسه السوارين وقال ارفع يديك وقل: الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيا من بني مدلج. ورفع [عمر] صوته بذلك. مات - ﵁ - أول خلافة عثمان سنة أربع وعشرين. قاله الكرماني (^١). قوله: \"ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار\" فذكره إلى أن قال: \"أما أهل النار فكل جعظري جواظ\" تقدم تفسيرهما وضبطهما.\n_________\n= مسلم قلت: هو معلول بالإنقطاع: وقوله: على شرط مسلم لا يصح لما يلي: وسنده منقطع علي بن رباح لم يسمع من سراقة بن مالك توفي سنة ٢٤ هـ. كما يستنتج مما ذكره العلائي في جامع التحصيل (ص ٢٤٠ رقم ٥٤١) علي بن رباح اللخمي عن أبي بكر وعن علي ﵄ وذلك مرسل قاله أبو زرعة.\nوعلي استشهد سنة (٤٠)، وقال ابن حجر في الإتحاف (٩/ ٥٩٦): ليس على شرطه فإن عُليا لم يسمع من سراقة بلاشك في ذلك. وقد رواه أحمد من طريقه قال: بلغنى عن سراقة. أخرجه أحمد (١٧٥٨٥) ومن طريقه أخرجه عبد الغني المقدسي في ذكر النار (٩٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٠٣)، وفي صحيح الجامع (٢٥٢٩)، وفي السلسلة الصحيحة (١٧٤١).\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٨٣).","vol":"12","page":587},{"text":"٤٨٣٧ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء المسلمين ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله: \"احتجت الجنة والنار\" الحديث، أي تخاصمتا، قال في الصحاح: التّحاجّ التخاصم، وقال ابن عطية صاحب التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ (^٢) يقال المحاجة التحارب بالحجة والخصومة، اهـ. والظاهر أن المراد بتحاج الجنة والنار تخاصمهما في الأفضل منهما وإقامة كل منهما الحجة على أفضليته، فاحتجت النار بقهرها للمتكبرين والمتجبرين، واحتجت الجنة بكونها مأوى الضعفاء في الدنيا عوضهم الله تعالى من ضعفهم الجنة فقطع الله ﷾ التخاصم بينهما وبيّن أن الجنة رحمته أي نعمته على الخلق إن جُعلت الرحمة صفة [فعلى] أو أقر إرادته الخير لمن يشاء إن جعلتها صفة ذات، وأن النار عذابه الناشئ عن غضبه وإرادة انتقامه جل وعلا. قوله: \"الضعفاء\" قال أبو العباس القرطبي (^٣): الضعفاء جمع ضعيف يعني به\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨٤٧).\n(^٢) سورة غافر، الآية: ٤٧.\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ١٧١).","vol":"12","page":588},{"text":"الضعفاء في أمر الدين ويحتمل أن يريد به هنا الفقراء، وحمله على الفقراء أولى من حمله على الأول. وقيل معنى الضعفاء هنا وفي الحديث الآخر أهل الجنة كل ضعيف متضعف أنه الخاضع لله تعالى المذل نفس له ﷾ ضد المتجبر المستكبر، اهـ، قاله العراقي في شرح الأحكام (^١). وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث (^٢): سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي - ﷺ - تحاجت الجنة والنار، فقالت هذه يدخلني الضعفاء من الضعف، قال الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة. وأما المساكين فالمراد بهم المتواضعون وهم المشار إليهم في قوله - ﵇ -: اللهم أحييني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين، ومعنى احتجت الجنة والنار أي [حجت] كل واحدة صاحبتها وخاصمتها، ذكره القرطبي (^٣).\n\n٤٨٣٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. رواه البخاري (^٤) ومسلم (^٥).\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ١٧١).\n(^٢) معرفة علوم الحديث (١/ ٨٤).\n(^٣) يقظة أولي الاعتبار (١/ ١٠٩).\n(^٤) صحيح البخاري (٤٧٢٩).\n(^٥) صحيح مسلم (١٨) (٢٧٨٥).","vol":"12","page":589},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة\" الحديث، قال العلماء: معنى هذا الحديث [أنه] لا ثواب لهم وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار.\nوقال أبو سعيد الخدري: يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا [يوزن] عند الله شيئا. وقيل يحتمل أن المراد المجاز والاستعارة كأنه قال لا قدر لهم عندنا يوم القيامة، وفيه من الفقه ذم السمن لمن تكلفه وتعاطاه لما في ذلك من تكلف المطاعم [والاشتغال بها عن المكاره بل يدل على تحريم كثرة] (^١) [الزائدة] على قدر الكفاية، وقد قال النبي - ﷺ -: إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين، اهـ، قال في التذكرة (^٢). قوله: \"لا يزن عند الله جناح بعوضة\"، قال الجوهري: والبعوض البق؛ [الواحدة] بعوضة. وقال الماوردي (^٣): [والبعوضة] من صغار سميت بعوضة لأنها كبعض [البق] لصغرها. وقال ابن عطية (^٤): والبعوضة فعولة: من بعض إذا قطع اللحم. يقال: بعض وبضع بمعنى وعلى هذا حملوا قول الشاعر:\nلنعم البيت بيت أبي دثار ... إذا ما خاف بعض القوم بعضا\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧١٧).\n(^٣) النكت والعيون تفسير الماوردي (١/ ٨٧).\n(^٤) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ١١١).","vol":"12","page":590},{"text":"وقرئ بعوضةٌ بالرفع، قال الراغب: والبعوض بُني لفظه من بعض وذلك لصغر جسمه بالإضافة إلى سائر الحيوانات، اهـ. وفي الإحياء (^١) في الباب السادس من أبواب العلم أن النبي - ﷺ - قال: إن العبد [لينتشر] له من الثناء ما بين المشرق والمغرب ولا يزن عند الله جناح بعوضة. قال وهب بن منبه (^٢): لما أرسل الله تعالى البعوض على النمرود اجتمع [منه] في عسكره ما لا يحصى عددا فلما عاين النمرود ذلك انفرد عن جيشه ودخل بيته وأغلق الأبواب وأرخى الستور ونام على قفاه مفكرا فدخلت بعوضة في أنفه وصعدت إلى دماغه [فبعدت في دماغه] أربعين يوما إلى أن كان يضرب برأسه الأرض وكان أعز الناس عنده من يضرب رأسه ثم أسقطت منه كالفرخ وهو [يقول: كذلك] يسلط الله رسله على من يشاء من عباده. ثم هلك حينئذ. اهـ.\nفائدة: ورد في الحديث (^٣): يكون في آخر الزمان قوم يتسمنون أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدّعون ما ليس لهم من الشرف. وقيل: أراد جمعهم الأموال. وقيل: يحبون التوسع في المآكل والمشارب وهي من أسباب السمن، ومنه الحديث الآخر (^٤): ويظهر فيهم السمن. وفيه: ويل [للمسمنات] يوم القيامة\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٦٢).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (١/ ١٨٧).\n(^٣) الغريبين في القرآن والحديث (٣/ ٩٣٥)، الفائق في غريب الحديث (٢/ ١٩٨)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٠٥).\n(^٤) صحيح البخاري (٢٦٥١)، وصحيح مسلم (٢١٤) (٢٥٣٥).","vol":"12","page":591},{"text":"من فترة في العظام، أي اللاتي يستعملن السمنة وهو دواء يتسمن به النساء، وقد سمنت فهي مسمنة. اهـ. قاله ابن الأثير في النهاية (^١)، والله أعلم.\n\n٤٨٣٩ - وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: مر رجل على النبي - ﷺ - فقال لرجل عنده جالس. ما رأيك في هذا؟ قال رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله - ﷺ -، ثم مر رجل، فقال رسول الله - ﷺ -: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين. هذا أحرى إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله - ﷺ - هذا خير من ملء الأرض مثل هذا. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) وابن ماجه (^٤).\nقوله: \"وعن سهل بن سعد الساعدي\" تقدم. قوله: \"هذا أحرى إن خطب أن ينكح\" الحديث، حري بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وتشديد الياء أي حقيق وجدير يقال فلان حري بكذا وحرى بكذا والحري أن يكون كذا أي جدير وخليق والمثقل يثنى ويجمع ويؤنث يقال حريان وحريّون والحريّة والمخفف يقع على الواحد والاثنين والجميع والمذكر والمؤنث على حالة واحدة لأنه مصدر، والتحري القصد والاجتهاد في الطلب في العزم على\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٠٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٠٩١ - ٦٤٤٧).\n(^٣) لعله وهم منه.\n(^٤) سنن ابن ماجه (٤١٢٠).","vol":"12","page":592},{"text":"تخصيص الشيء بالفعل والقول. قاله في النهاية (^١).\n[قوله: \"فقال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا أحرى إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال لا يسمع لقوله\" الحديث. قال في الإحياء (^٢) في أول كتاب الفقر: الفقر عبارة عن [فقد] ما هو محتاج إليه، أما فقد ما لا حاجة إليه [فلا يسمى فقرا] وإن كان المحتاج إليه مقدورا [عليه] موجودا لم يكن المحتاج فقيرا.\nوروي (^٣) أن عيسى ﵊ مرّ في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة فأيقظه فقال يا نائم قم فاذكر الله، فقال ما تريد مني؟ إني تركت الدنيا لأهلها. قال: نم إذن حبيبي نم [فقد فقت العابدين]. ومرّ موسى - ﵇ - برجل نائم على التراب وتحت رأسه لبنة ووجهه ولحيته في التراب وهو متزر بعباءة فقال موسى [﵊]: يا رب عبدك هذا في الدنيا ضائع، فأوحى الله إليه: يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى عبدي بوجهي [كله] زويت [عنه] الدنيا كلها.\nوقال نبينا - ﷺ -: \"الفقر أزين للمؤمن من العذار على خد الفرس\"، رواه الطبراني (^٤) من حديث شداد بن أوس [بإسناد ضعيف]. وقال\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٧٦).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٤/ ١٩٠).\n(^٣) قوت القلوب (١/ ٤٣٨).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٩٤/ ٧١٨١)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٤٧) رواه الطبراني من حديث شداد بن أوس بسند ضعيف والمعروف أنه من =","vol":"12","page":593},{"text":"كعب الأحبار: قال الله تعالى لموسى - ﵇ - (^١): إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين. وقال عطاء الخراساني: مرّ نبي من الأنبياء بساحل [فإذا هو] برجل يصطاد حيتانا فقال: باسم الله، وألقى [شبكته] فلم يخرج فيها حوت واحد، ثم مر بآخر فقال باسم الشيطان، وألقى [شبكته] فخرج فيها من الحيتان ما كان يتقاعس عن كثرتها، فقال النبي: يا رب ما هذا فقد علمت أن ذلك كله [منك]، فقال الله تعالى للملائكة: اكشفوا لعبدي عن منزلتيهما فلما رأى ما [أعده] الله تعالى لهذا من الكرامة ولهذا من الهوان قال: رضيت. وروي أن النبي - ﷺ - قال (^٢): يقول الله ﷾: بني آدم وعزتي وجلالي لئن رضيت بما قسمته لك أرحتك وأنت محمود وإن لم ترض بما قسمته لك سلطت عليك الدنيا [تركض] فيها كركض الوحش [ثم] لا يكون لك إلا ما قسمت وأنت مذموم، اهـ] (^٣).\n_________\n= كلام عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، رواه ابن عدي في الكامل هكذا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٠٢٩)، والضعيفة (٥٦٤).\n(^١) الزهد لابن أبي الدنيا (٥٠)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٥)، (٦/ ٣٧)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٤٨) أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من رواية مكحول عن أبي الدرداء ولم يسمع منه قال: قال رسول الله - ﷺ - أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى. . . الحديث فذكره بزيادة في أوله. ورواه أبو نعيم في الحلية من قول كعب الأحبار غير مرفوع بإسناد ضعيف.\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٣٥).\n(^٣) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ولم يرد - ﷺ - أنه أصدق لهجة من أبي بكر وعمر ولكنه على اتساع الكلام المعنى أنه متناه في الصدق، اهـ).","vol":"12","page":594},{"text":"قوله: \"وعن أبي ذر عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبه عيسى ابن مريم\"، الخضراء السماء والغبراء الأرض، ولم يرد - ﷺ - أنه أصدق لهجة من أبي بكر وعمر ولكنه على اتساع الكلام المعنى أنه متناه في الصدق. اهـ.\n\n٤٨٤٠ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: يا أبا ذر: أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب، ثم سألني عن رجل من قريش قال: هل تعرف فلانا؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فكيف تراه أو تراه. قلت: إذا سأل أعطي، وإذا حضر أدخل. قال: ثم سألني عن رجل من أهل الصفة، فقال: هل تعرف فلانا؟ قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله، فما زال يجليه وينعته حتى عرفته، فقلت: قد عرفته يا رسول الله، قال: فكيف تراه أو تراه؟ قلت: هو رجل مسكين من أهل الصفة. فقال: هو خير من طلاع الأرض من الآخر.\nقلت: يا رسول الله أفلا يعطى من بعض ما يعطى الآخر؟ فقال: إذا أعطي خيرا فهو أهله، وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة. رواه النسائي (^١) مختصرا\n_________\n(^١) رواه النسائي في السنن الكبرى (١١٧٨٥) مختصرًا، والطبراني في مسند الشاميين (٢٠٢٠)، والحاكم (٤/ ٣٢٧)، والبيهقي في الشعب (١٠٣٤٤)، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٥٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٨٢٧)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٨٧/ ٢١٣٨).","vol":"12","page":595},{"text":"وابن حبان في صحيحه (^١) واللفظ له.\nقوله - ﷺ -: \"يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنا؟ قلت: نعم\" الحديث، معنى: أترى أتظن وهي بضم التاء المثناة من فوق.\n\n٤٨٤١ - وعنه - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: انظر أرفع رجل في المسجد قال: فنظرت، فإذا رجل عليه حلة، قلت: هذا، قال: قال لي: انظر أوضع رجل في المسجد، قال: فنظرت، فإذا رجل عليه أخلاق، قال: قلت: هذا، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: لهذا عند الله خير يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا. رواه أحمد (^٢) بأسانيد رواتها محتج بهم في الصحيح، وابن حبان في صحيحه (^٣).\nقوله: \"وعنه\" - ﵁ - تقدم [ذكره والثناء عليه]. قوله: \"انظر أرفع رجل في\n_________\n(^١) ابن حبان (٦٨٥).\n(^٢) رواه أحمد (٢١٣٩٥)، وفي الزهد (ص ٣٦)، والحديث؛ أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣٠٦)، وكيع في الزهد (١٤٤) وهناد في الزهد (٨١٥)، والبزار في مسنده (٤٠١٨) و(٤٠١٩)، والحارث بن أبي أسامة، بغية الباحث (١١٠٢)، والبيهقي، في شعب الإيمان (١٠٤٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١١٥ - ١١٦)، وقال أبو نعيم: ثابت مشهور من حديث الأعمش وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٨: رواه الإمام أحمد بأسانيد، ورجالها رجال الصحيح. وقال في (١٠/ ٢٦٥): رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط بأسانيد، ورجال أحمد، وأحد إسنادي البزار والطبراني رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٠٤)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٥٠٢/ ٢١٧٤).\n(^٣) ابن حبان (٦٨١).","vol":"12","page":596},{"text":"المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه حلة\" الحديث، الحلة عند العرب ثوبان فوق ثوب لأن أحدهما حل على الآخر وأرفع رجل معناه أشرف.\n\n٤٨٤٢ - وعن مصعب بن سعد قال: رأى سعد - ﵁ - أن له فضلا على من دونه، فقال رسول الله - ﷺ -: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم. رواه البخاري (^١) والنسائي (^٢)، وعنده: فقال النبي - ﷺ -: إنما تنصر هذه الأمة بضعيفيها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم.\nقوله: \"وعن مصعب بن سعد\" مصعب بن سعد ليس من الصحابة ولم يصرح في هذا الحديث بأن [أباه] حدثه فليس بمتصل ولذلك قال الحميدي بعد ذكره الحديث: هكذا أخرجه البخاري منقطعا مرسلًا من رواية سليمان بن حرب والله أعلم. قوله - ﷺ -: \"ابغوني ضعفاءكم فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم\" قال في النهاية (^٣): ابغوني هو بهمزة القطع والوصل، يقال: بغى يبغي بغيا بالضم أي اطلبوني، والبغاء الطلب، وأبغيتك أعنتك على البغاء وهذا تعليم منه ﷺ أمر لنا بمجالسة الضعفاء.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٨٩٦). وقال النووي في رياض الصالحين (ص ٣٣٩) رقم (٢٧١)، ورواه الحافظ أبو بكر البرقاني في صحيحه متصلًا عن مصعب عن أبيه - ﵁ -، وانظر قول الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٣٦٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٠٥)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٠٣٤).\n(^٢) النسائي (٦/ ٤٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٤٣).","vol":"12","page":597},{"text":"٤٨٤٣ - وَعَن أبي الدرداء - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول ابغوني فِي ضعفائكم فَإنَّمَا ترزقون وتنصرون بضعفائكم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).\n\n٤٨٤٤ - وعن واثلة بن الأسقع - ﵁ - قال: كنت في أصحاب الصفة فلقد رأيتنا وما منا إنسان عليه ثوب تام، وأخذ العرق في جلودنا طرقا من الغبار والوسخ إذ خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: ليبشر فقراء المهاجرين، إذ أقبل رجل عليه شارة حسنة، فجعل النبي - ﷺ - لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه أن يأتي بكلام يعلو كلام النبي - ﷺ -، فلما انصرف قال: إن الله ﷿ لا يحب هذا وضربه يلوون ألسنتهم للناس لي البقر بلسانها المرعى كذلك يلوي الله ﷿ ألسنتهم ووجوههم في النار. رواه الطبراني (^٢) بأسانيد أحدها صحيح.\nقوله: \"وعن واثلة بن الأسقع\" تقدم. قوله: \"كنت في أصحاب الصفة\" الحديث وأصحاب الصفة هم الفقراء المساكين الغرباء الذين يسكنون صفة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥٩٤)، والترمذي (١٧٠٢)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٤٠٠ (٣٢٠٣)، وابن حبان (٤٧٦٧). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٣٣٥)، الصحيحة (٧٧٩) وصحيح الترغيب (٣٢٠٦).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٧٠/ ١٧٠)، وفي مسند الشاميين (١٢٠٣، ١٢٠٤)، وأخرجه ابن وهب في الجامع (٣٣٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٣٤١)، (٢/ ٢١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٦١٩ - ٩٨٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦١) رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٠٧)، والصحيحة (٣٤٢٦).","vol":"12","page":598},{"text":"مسجد رسول الله - ﷺ -. قوله: \"إذ أقبل رجل عليه شارة حسنة\" الشارة بالشين المعجمة وتخفيف الراء وهي الجمال الظاهر في الهيئة والملبس. قاله النووي في الرياض (^١).\nوقال ابن الأثير (^٢): ويقال: له أيضًا الشورة بالضم الجمال والحسن كأنه من الشور وهو عرض الشيء وإظهاره ومنه الحديث أن رجلا أتاه وعليه شارة حسنة وألفها مقلوبة عن الواو، ومنه حديث عاشوراء كانوا يتخذونه عيدا ويلبسون نساؤهم فيه حليهم وشارتهم أي لباسهم الحسن الجميل، اهـ.\n\n٤٨٤٥ - وعن العرباض بن سارية - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - يخرج إلينا في الصفة، وعلينا الحوتكية، فقال: لو تعلمون ما ادخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم، ولتفتحن عليكم فارس والروم. رواه أحمد (^٣) بإسناد لا بأس به.\n[الحوتكية] بحاء مهملة مفتوحة ثم واو ساكنة ثم تاء مثناة فوق، قيل: هي عمة يتعممها الأعراب يسمونها بهذا الاسم، وقيل: هو مضاف إلى رجل يسمى حوتكا كان يتعممها، والحوتك: القصير، وقيل: هي خميصة منسوبة\n_________\n(^١) رياض الصالحين (ص: ١١٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٧١٦١)، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٦٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٨٨٢ و٨٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٠): رواه أحمد، ورجاله وثقوا. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢١٦٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٠٨).","vol":"12","page":599},{"text":"إليه وإلى القصر، وهذا أظهر، والله أعلم.\nقوله: \"وعن العرباض بن سارية تقدم\"، قوله: \"كان النبي - ﷺ - يخرج إلينا في الصفة وعليه الحوتكية\" الحديث، تقدم الكلام على الصفة في مواضع من هذا التعليق، والحوتكية قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي عمة تعممُها الأعراب يسمونها بهذا الاسم، وقيل هو مضاف إلى رجل يسمى حوتكا كان يتعممها والحوتك القصير، وقيل هي خميصة منسوبة إليه أو إلى القصر وهذا أظهر والله أعلم، اهـ. وفي حديث أنس: جئت إلى النبي - ﷺ - وعليه [خميصة] حوتكية هكذا جاء في بعض نسخ صحيح مسلم، والمعروف خميصة جونية فإن صحت الرواية فتكون منسوبة إلى هذا الرجل، قاله ابن الأثير (^١).\n\n٤٨٤٦ - وعن فضالة بن عبيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: اللهم من آمن بك، وشهد أني رسولك، فحبب إليه لقاءك، وسهل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا، ومن لم يؤمن بك، ويشهد أني رسولك، فلا تحبب إليه لقاءك، ولا تسهل عليه قضاءك، وكثر عليه من الدنيا. رواه ابن أبي الدنيا (^٢) والطبراني (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، وأبو الشيخ ابن حيّان في الثواب.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (١/ ٣٣٨).\n(^٢) لعله وهم.\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٣١٣/ ٨٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٦): رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n(^٤) صحيح ابن حبان (٢٠٨)، وأخرجه ابن أبي عاصم في الزهد (٢١١)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٣٤٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣١١)، والصحيحة (١٣٣٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٠٩).","vol":"12","page":600},{"text":"ورواه ابن ماجه (^١) من حديث عمرو بن غيلان الثقفي وهو مختلف في صحبته قال: قال رسول الله - ﷺ -: اللهم من آمن بي وصدقني، وعلم أن ما جئت به الحق من عندك، فأقلل ماله وولده، وحبب إليه لقاءك، وعجل له القضاء، ومن لم يؤمن بي، ولم يصدقني، ولم يعلم أن ما جئت به الحق من عندك، فأكثر ماله وولده، وأطل عمره.\nقوله: \"وعن فضالة بن عبيد\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"اللهم من آمن بك وشهد أني رسولك\" الحديث. قوله: \"ورواه ابن ماجه من حديث عمرو بن غيلان الثقفي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: اللهم من آمن بك وصدقني وعلم أن ما جئت به الحق من عندك الحديث\" وليس لعمر بن غيلان في الكتب الستة سواه، وقد اختلف في صحبته وعداده في أهل الشام وكان من ساكني البصرة، روى عن النبي - ﷺ - هذا الحديث ولا تصح صحبته، وأبو غيلان له صحبة وهو الذي أسلم على عشر نسوة. فإن قيل: هذا معارض لما رواه البخاري (^٢) عن أنس: قال: دخل النبي - ﷺ - على أم سُليم يعني أمه فأتته بتمر وسمن\n_________\n(^١) ابن ماجه (٤١٣٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٦٧٤) ويعقوب بن سفيان في المعرفة (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد (١٦٠٧)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣١)، وفي مسند الشاميين (١٤٠٦)، وأبو نعيم في الصحابة (٥١٠٧ و٥١٠٨ و٥١٠٩)، والبيهقي في الشعب (٩٩٦١)، وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ٢٦١)، والمزي (٢٢/ ١٨٧ - ١٨٨)، وقال ابن عبد البر: عمرو بن غيلان حديثه عند أهل الشام ليس بالقوي الاستيعاب (٨/ ٣٤٩).\n(^٢) صحيح البخاري (١٩٨٢).","vol":"12","page":601},{"text":"فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم [في وعائه] ثم قام إلى ناحية البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت يا رسول الله إن لي خويصة. قال: ما هي؟ قالت؟ خادمك أنس. فما [ترك] خير دنيا ولا آخرة إلا دعا له بها، اللهم ارزقه ما لا وولدا وبارك له. قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالا ودفن لصلبه مائة وبضعا وعشرين ولدا. واتفق العلماء على [مجاوزة] عمره مائة سنة. قال ابن [قتيبة] في المعارف (^١) ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا حتى رأى كل واحد منهم مائة ذكر من صلبه: أنس بن مالك وأبو بكرة وخليفة بن بدر. فالجواب لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى. الإيمان في اللغة التصديق وَفِي الشَّرْعِ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وشهد بمعنى علم.\n\n٤٨٤٧ - وعن محمود بن لبيد - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: اثنتان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب. رواه أحمد (^٢) بإسنادين رواة أحدهما محتج بهم في الصحيح، ومحمود له رؤية، ولم يصح له سماع فيما أرى، وتقدم الخلاف في صحبته في باب الرياء وغيره، والله أعلم.\n_________\n(^١) المعارف (١/ ٣٠٨).\n(^٢) مسند أحمد (٢٣٦٢٥)، (٢٣٦٢٦). وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٥٢٥)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢١) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال في (١٠/ ٢٥٧) رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٩)، والسلسلة الصحيحة (٨١٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢١٠).","vol":"12","page":602},{"text":"قوله: \"وله عن محمود بن لبيد\" محمود بن لبيد مختلف في صحبته وتقدم الخلاف في صحبته في باب الرياء. قوله - ﷺ -: \"اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب\" ولهذا كان طاوس بن كيسان يقول: اللهم احرمني كثرة المال والولد وارزقني الإيمان والعمل. قال شارح البخاري معنى الفتنة في كلام العرب الاختبار والابتلاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (^١) أي اختبرناك. وقد أخبر الله تعالى عن الأموال والأولاد أنها فتنة وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (^٢) وخرج لفظ الخطاب على العموم لأن الله تعالى فطر العباد على حب المال والولد (^٣)، اهـ. قاله شارح الديباجة.\n\n٤٨٤٨ - وروي عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قل ماله، وكثرت عياله، وحسنت صلاته، ولم يغتب المسلمين جاء يوم القيامة، وهو معي كهاتين. رواه أبو يعلى (^٤) والأصبهاني (^٥).\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ٤٠.\n(^٢) سورة التكاثر، الآية: ١.\n(^٣) شرح الصحيح لابن بطال (١٠/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٩٩٠).\n(^٥) قوام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٢٥٣)، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٥٩)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٣١٩)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٩): رواه أبو يعلى الموصلي والأصبهاني. وله شاهد من حديث أبي الدرداء، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٦)، ولم ينسبه إلى مخرجه. قال =","vol":"12","page":603},{"text":"قوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"من قلّ مال وكثرت عياله وحسنت صلاته ولم يغتب المسلمين جاء يوم القيامة وهو معي كهاتين\" تقدم هذا المعنى الأخير في كفالة اليتيم والمراد بقوله وحسنت صلاته إتمام ركوعها وسجودها. وتقدم الكلام على الغيبة.\n\n٤٨٤٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره\" وفي حديث آخر منهم البراء بن مالك. البراء بن مالك هذا هو أخو أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ -، شهد أحدا وما بعدها، وقد صح عنه من غير ما طريق أنه قتل مائة مبارز. قوله: \"أشعث أغبر\" الحديث، والأشعث المتبلد الشعر متغيره الذي لا [يدهنه] ولا [يكثر غسله]، المغبر غير مدهون ولا مرجل.\nومدفوع بالأبواب: أي لا قدر له عند الناس فهم يدفعونه عن أبوابهم ويطردونه عنهم ويحجبونه احتقارا له، وقيل أنه يدفع عنه الدخول باليد أو\n_________\n= ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال أحمد: عبد الرحمن بن يزيد ضعيف، وقال النسائي: متروك.\nوأخرجه الطبري في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس - (١/ ٢٩١)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٥٢٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٢): موضوع.\n(^١) مسلم (٢٦٢٢، ٢٨٥٤).","vol":"12","page":604},{"text":"باللسان. وقوله: \"لو أقسم على الله لأبره\" أي لو حلف على وقوع شيء أوقعه الله تعالى إكراما له لإجابة سؤاله وصيانة له من الحنث في يمينه وهذا العظم منزلته عند الله تعالى وإن كان حقيرا عند الناس، وقيل معنى القسم هنا الدعاء، وإبراره إجابته، والله أعلم.\n\n٤٨٥٠ - وعن أنس - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره. رواه الطبراني في الأوسط (^١)، ورواته رواة الصحيح إلا عبد الله بن موسى التيمي.\nقوله: \"رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره\" مصفح أي معرض عنه لا يؤذن له بل يحجب ويطرد [ولحقارته] عند الناس وخموله فمعناه لا يحنث لكرامته [عليه] يعني لو حلف يمينا طمعا في كرم الله بإبراره لأبره وقيل لو دعاه لأجابه وقيل معناه لو دعاه بدعاء المؤمنين فإنه يجيبه ويبر يمينه وإنما أجرى دعاءه مجرى القسم لأنه يذكر فيها اسم الله تعالى فيقول أسألك بأنك الإله [الواحد] الحي القيوم ذو الجلال والإكرام أن تنجيني من شدائد الدنيا وعذاب الآخرة ونحو ذلك، فصار بمنزلة القسم.\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٨٦١)، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٣٦)، والطحاوي في المشكل (١/ ٢٩٣)، والبيهقي في الشعب (١٠٤٨٢)، والضياء في المختارة (١٨٨١ و١٨٨٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٤): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن موسى التيمي، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٤٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢١٢).","vol":"12","page":605},{"text":"٤٨٥١ - وعن ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن من أمتي من لو جاء أحدكم يسأله دينارا لم يعطه، ولو سأله درهما لم يعطه، ولو سأله فلسا لم يعطه، فلو سأل الله الجنة أعطاها إياه، ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. رواه الطبراني (^١)، ورواته محتج بهم في الصحيح.\nقوله: \"ذو طمرين لا يؤبه له\"، الطمر: الثوب الخَلِق.\n\n٤٨٥٢ - وعن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على ذلك، ثم نقر بيده فقال: عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه. رواه الترمذي (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٥٤٨) وأخرجه البيهقي في الشعب (١٠٤٤٧)، والشجري في الأمالي (٢/ ٢٠٥)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٤): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. وقال العراقي في المغني (٣٣٦٩): ورواه الطبراني في الأوسط من حديث ثوبان بإسناد صحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٤٣)، لكنه ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٥٣٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٣). والحديث؛ رواه مرسلًا أحمد بن حنبل الزهد (ص ١٨ - ١٩)، وهناد في الزهد (٥٨٧)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (١)، والحارث كما في بغية الباحث (ص ١٣١٢).\n(^٢) الترمذي (٢٣٤٧)، وقال: هذا حديث حسن، والقاسم هو ابن عبد الرحمن، ويكنى أبا عبد الرحمن، ويقال أيضًا: يكنى أبا عبد الملك، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية، وهو شامي ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، ويكنى أبا عبد الملك، وأخرجه ابن المبارك في الزهد - زوائد نعيم (١٩٦)، ووكيع في الزهد (١٣٣). الحميدي (٩٠٩) أحمد (٢٢١٦٧)، وفي الزهد (ص ١١)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (١٣)، والطبراني في الكبير (٧٨٢٩)، والحاكم ٤/ ١٢٣، والشجري في أماليه ٢/ ٢٠١، =","vol":"12","page":606},{"text":"من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أمامة ثم قال: وهذا الإسناد عن النبي - ﷺ - قال: عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يومًا، أو قال: ثلاثا، أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن.\n\n٤٨٥٣ - وروى ابن ماجه (^١) والحاكم (^٢) الحديث الأول إلا أنهما قالا: أغبط الناس عندي. والباقي بنحوه. قال الحاكم: صحيح الإسناد كذا قال.\n_________\n= الآجري في الغرباء (ص ٤٧)، وابن عدي في الكامل ٥/ ١٨٦٥، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٣٥١) والبغوي في شرح السنة (٤٠٤٤)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٨٥): أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسنادين ضعيفين. قال ابن حزم في المحلى (٩/ ٤٤١): \"هذا حديث موضوع، وبيان وضعه أنه لو استعمل الناس ما فيه من ترك النسل، لبطل الإسلام، والجهاد وغلب أهل الكفر\" أ. هـ. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢١٥) إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان قال فيه أبو حاتم مجهول وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها صدقه بن عبد الله متفق على تضعيفه اهـ كلام الزوائد قلت حديث أبي أمامة رواه الترمذي بزيادة بإسناد آخر قد حسنه، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٥/ ٣٤٧)، والمشكاة (٥١٨٩/ التحقيق الثاني)، وضعيف الجامع الصغير (١٣٩٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٤).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤١١٧)، والحديث؛ أخرجه الطيالسي (١٢٢٩)، والروياني (١٢٠٥ و١٢١٩)، والطبراني (٧٨٢٩ و٧٨٦٠)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٦٣٩٥ و٩٨٧٣)، والبغوي (٤٠٤٤).\n(^٢) الحاكم (٤/ ١٢٣).","vol":"12","page":607},{"text":"[قوله: خفيف الحاذ] بحاء مهملة وذال معجمة مخففة: خفيف الحال قليل المال.\nقوله: \"وعن أبي أمامة\" اسمه صُدى بن عجلان، تقدم. قوله: \"إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ\" الحديث، الحاذ بحاء مهملة، وذاله معجمة مخففة، معناه خفيف الحال قليل المال، قاله الحافظ، وقال في النهاية (^١) الحاذ والحال واحد وأصله الحاذ طريقة المتن أي الظهر وهو ما يقع عليه اللبد من ظهر الفرس أي خفيف الظهر من العيال ومنه الحديث [الآخر] (^٢): ليأتين على الناس زمان يغبط فيه الرجل بخفه الحاذ كما يغبط اليوم أبو العشرة ضربه مثلا لقلة المال والعيال. قال الجوهري (^٣): خفيف الحاذ بالذال المعجمة وهو الخفيف الظهر. وأما حديث خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد، فرواه أبو يعلى الموصلي (^٤)\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٥٧).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٦٣).\n(^٤) أبو يعلى - كما في المطالب العالية (٤٣٥٩) - وابن الأعرابي في الزهد ص (٩٤)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٦٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٧٦ - ١٧٧)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٤٧١/ منتخبه)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٩٧ - ١٩٨) و(١١/ ٢٢٥) وفي الجامع لأخلاف الراوي (٦٢)، وفي الفوائد المنتخبة (٤٥)، والبيهقي في الشعب (٩٨٦٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ٥٥) و(١٨/ ٢١١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٠٥١ و١٠٥٢)، والذهبي في السير (١٣/ ١٤). قال العقيلي: باطل، وقال الخليلي: وهذا لا يعرف من حديث سفيان إلا من هذا الوجه، وقد خطؤوه فيه، ورواه =","vol":"12","page":608},{"text":"من حديث حذيفة ورواه الخطابي (^١) في كتاب العزلة من حديثه وحديث أبي أمامة وكلاهما ضعيف، اهـ. قوله: \"يغبط فيه الرجل\"، تقول غبطت الرجل أغبطه غبطا إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله وأن يدوم عليه ما هو فيه، والخسران أن يكون لك ماله وأن يزول عنه ما هو فيه، ومنه حديث المتحابون في الله على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء، رواه الترمذي. وقال بعضهم أيضًا أغبط أفعل التفضيل ومعنى أغبط أي أحق ومعناه أن أولياء الله كلهم مقرب لكن أفضلهم موصوفون بالصفات المذكورة.\nقوله: \"ذو حظ من صلاة\" الحديث، أي ذو قربة من صلاة وصيام، أي مع حضور القلب [والحظ] (^٢) النصيب.\n[وقوله: \"وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع\"] (^٣) [فمعنى\n_________\n= إبراهيم بن الهيثم البلدي، عن شيخ مجهول لا يعرف يقال له: الحسن بن حماد الخراساني، عن سفيان، مثله، وزاد: لأن يربي أحدكم بعد المئتين جرو كلب خير له من أن يربي ولدا من صلبه وهذا منكر جدا. اهـ. وقال الخطيب في الفوائد المنتخبة: هذا حديث غريب ... تفرد بروايته أبو عصام رواد بن الجراح عن الثوري، وقد رواه - أيضًا - عنه غيره.\nوقال الذهبي في السير: غريب جدا، تفرد به رواد. وقال في المغني: خبر منكر. علل الحديث (١٨٩٠): قال أبي هذا حديث باطل. وقال الألباني في الضعيفة (٣٥٨٠): باطل.\n(^١) الخطابي في العزلة (ص ١٢٠).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":609},{"text":"الحديث أي] ذو حظ من صلاة أي مكثر منها مداوم عليها بحيث تكون غالب [أعماله] [وخصها] (^١) بالذكر لأنها أفضل عبادات البدن كما تقدم. ولأنها صلة بين العبد وبين ربه فاصلة بينه وبين ذنبه، اهـ. قوله: \"وكان غامض في الناس لا يشار إليه بالأصابع\" أي [لا يعرف موضعه ولا يؤبه له] (^٢) مغمورا غير مشهور [أي مستور الحال] (^٣) [والمغموص الغامص] في الناس المحتقر الذي لا [يرونه] شيئا، وقد فسر في الحديث بأنه الذي لا يؤبه له. قوله: \"وكان رزقه كفافا\" أي لا يفضل على ما لا بد له منه، والكفاف الذي لا يفضل عن الإنسان أو يكون بقدر الحاجة إليه. قال عمر (^٤) وددت أني سلمت من الخلافة كفافا لا عليّ ولا لي، وهو منصوب على الحال، وقيل أراد مكفوفا عن شرها، وقيل معناه أن لا تنال مني ولا أنال منها أي تكف عني وأكفّ عنها. وفي هذا الحديث تفضيل حالة الكفاف على [حالتي] الغنا والفقر مع الصبر وهو الذي ذهب إلى الشيخ أبو علي الدقاق مستدلا بقوله - ﷺ - (^٥): اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا، وفي رواية [قوتا] أي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم، اهـ. قوله: \"فصبر على ذلك\" أي على الكفاف،\n_________\n(^١) هكذا العبارة في الأصل وهو الأصوب، وفي النسخة الهندية: (وبعضها).\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (أي مغمورا غير مشهور).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٦٢).\n(^٥) صحيح مسلم (١٢٦) (١٠٥٥).","vol":"12","page":610},{"text":"فإن الصبر تجرع المرارات مع الرضا بالقدر. قوله: \"ثم نقر بيده\" يعني النبي - ﷺ -، أي ضرب، من قولهم نقرت [رأسه] بإصبعي أي ضربته، يقال نقر الطائر الحب إذا كان يلتقطه واحدا بعد واحد وأريد هنا ضرب الأنملة على الأنملة أو ضربها على الأرض كالمنقر [للشيء] كما يفعل المتعجب والمتفكر. قال ابن الأثير (^١): هو مثل النقر ويروى بالراء والضرب على هذه الهيئة [يفعل للتعجب] من الشيء وبالراء رواه الترمذي. قوله: \"فقال: عجلت له منيته\" أي لقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى الآخرة، فإن الموت راحة لكل مؤمن. والمنية الموت، قال الشاعر:\nومن كتبت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها.\n[والمنية الموت]، سمي الموت منية لأنها مقدرة بوقت مخصوص وجمعه منايا، والمراد ما يؤدى إلى الموت من أسبابه. قوله: \"قلّت بواكيه\" [أي قلت له نساء باكيات لقلة عياله وقلة ميراثه لأن الميت يعذب ببكاء أهله، فالمؤمن من قلت بواكيه وشكرت مساعيه وأطلق الله الألسنة بالثناء عليه] (^٢)، والبواكي النساء اللاتي يبكين. قوله: \"قل تراثه\" والتراث الميراث، أي لم يخلّف مالا يورث عنه، قال الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾ (^٣)، قال في النهاية (^٤) في حديث الدعاء:\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٤).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سورة الفجر، الآية: ١٩.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٦).","vol":"12","page":611},{"text":"وإليك مآبي ولك تراثي. التراث ما يخلفه الرجل لورثته، والتاء فيه بدل من الواو [ولما كان] الميت يسأل عما [يخلف] ولا تزول قدماه يوم القيامة حتى [يسأل] عن أربع، الحديث. فاز المُخِفّون جعلنا الله منهم بمنه وكرمه [إنه على ما يشاء قدير]. وذكرنا هنا على ظاهر لفظه. تنبيه: في الحديث: إذا أحب الله عبدا اقتناه: فلم يترك له مالا ولا ولدا، أي اتخذه واصطفاه، يقال قناه يقنوه واقتناه إذا اتخذه لنفسه دون البيع، اهـ، قاله في النهاية (^١). [رواه الخطيب البغدادي عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال (^٢): إذا أحب الله عبدا اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد، اهـ] (^٣). قال العلماء: محبة الله تعالى لعبده هي إرادته الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته. [وبغضه] إرادة عقابه وشقاوته ونحوه، ومحبة الملائكة للعبد يحتمل وجهين أحدهما استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم.\nوالثاني أن محبتهم على ظاهرها المعروف في المخلوقين وهو ميل القلب إليه واشتياقه إلى لقائه، وسبب حبهم إياه كونه مطيعا لله تعالى محبوبا له والله\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١١٧).\n(^٢) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥) موقوفا لكن أخرجه من طريقه ابن الجوزي، الموضوعات (٢/ ٢٧٨) هذا حديث موضوع على رسول الله - ﷺ -. قال الدارقطني: إسحاق بن وهب كذاب متروك حدث بالأباطيل. ووافقه الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (ص: ١٣٦) رواه صاحب الحلية عن عبد الملك بن يزيد ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعًا ولا أدري من هو عبد الملك فلعله واضعه.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":612},{"text":"أعلم. قوله - ﷺ -: عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب ولكن أجوع يوما وأشبع يوما، الحديث. المراد باليوم هنا الوقت. قوله: \"وإذا شبعت شكرتك وحمدتك\".\nتنبيه: حقيقة الشكر في العبودية وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناء واعترافا وعلى قلبه شهودا ومحبة وعلى جوارحه انقيادا وطاعة والشكر مبني على خمس قواعد خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته والثناء [عليه] بها وأن لا يستعملها فيما يكره فهذه الخمسة هي أساس الشكر وثناؤه عليها فمتى عدم منها واحدة اختل من قواعد الشكر قاعدة وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور، فقيل [حده] أنه الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وقيل الثناء على المحسن بذكر إحسانه، وقيل هو عكوف القلب على محبة المنعم والجوارح على طاعته وجريان اللسان بذكره والثناء عليه وشكر العامة على المطعم والملبس وقوت الأبدان وشكر [من] (^١) الخاصة على التوحيد والإيمان وقوت القلوب.\nوقال داود - ﵇ - (^٢): يا رب كيف أشكرك وشكري نعمة عليّ من عندك تستوجب بها شكرا فقال الآن شكرتني يا داود.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) تفسير السلمي (١/ ٣٤١)، النكت والعيون تفسير الماوردي (٣/ ١٢٣)، مدارج السالكين (٢/ ٢٤٥).","vol":"12","page":613},{"text":"وفي خبر آخر إسرائيلي أن موسى - ﵇ - قال (^١): يا رب خلقت آدم بيديك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء وفعلت وفعلت فكيف أطاق شكرك؟ فقال: الله ﷿ علم أن ذلك مني فكانت معرفته بذلك شكرا لي. وفي أثر إلهي يقول الله تعالى (^٢): أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب، اهـ. والله أعلم. قوله: \"وحمدتك\" تقدم الكلام على الحمد مبسوطا في خطبة هذا التعليق، ولله الحمد على ما أنعم وألهم وله الثناء الحسن الجميل وهو حسبي ونعم الوكيل كذا\n\n٤٨٥٤ - وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر - ﵁ - خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله - ﷺ - يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من رسول الله - ﷺ - قال: اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا. قلوبهم مصابيح الدجى يخرجون من كل غبراء مظلمة. رواه ابن ماجه (^٣)\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٣٩٨٩) وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأولياء (٦)، وفي التواضع والخمول (٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٧٩٨)، (١٧٩٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٢١)، (٢٠/ ٣٢٢)، وتمام الرازي في فوائده (١٦٧٣)، وأبو نعيم في الحلية =","vol":"12","page":614},{"text":"والحاكم (^١) واللفظ له، وقال: صحيح، ولا علة له.\nقوله: \"وعن زيد بن أسلم\" كذا كذا\nقوله: \"إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء\" الأبرار جمع بر بمعنى الإحسان وهو كثيرا ما يخص بالأولياء والزهاد والعباد قوله: \"قلوبهم مصابيح الدجا\" الدجا عبارة عن الظلمة.\nقوله: \"يخرجون من كل غبراء مظلمة\" الحديث، الغبراء بالمد هي التي لا يهتدى للخروج منها.\nوتقدّم هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.\n_________\n= ١/ ٥، والبيهقي في الشعب (٦٨١٢)، وفي الأسماء والصفات (ص ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(^١) الحاكم (١/ ٤)، (٤/ ٣٢٨).","vol":"12","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>الترغيب في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل والترهيب من حبها والتكاثر فيها والتنافس وبعض ما جاء في عيش النبي - ﷺ - وأصحابه في المأكل والملبس والمشرب ونحو ذلك</span>\n٤٨٥٥ - عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس. رواه ابن ماجه (^١)، وقد حسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بعد لأنه من رواية خالد بن\n_________\n(^١) ابن ماجه (٤١٠٢)، وأخرجه العقيلي (٢/ ١١) وابن حبان في روضة العقلاء (ص ١٤١)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٩٣/ ٥٩٧٢)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤٤٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣ و٧/ ١٣٦) وفي أخبار أصبهان (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥) والقضاعي في مسند الشهاب (٦٤٣) والبيهقي في الشعب (١٠٠٤٣) وابن الجوزي في العلل (١٣٥٢)، وقال العقيلي: ليس له من حديث الثوري أصل. وقال البيهقي: خالد بن عمرو هذا ضعيف.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ورده الذهبي فقال: قلت: خالد وضاع. وقال السخاوي في المقاصد (ص ٥٢): وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد، وليس كذلك فخالد مجمع على تركه بل نسب إلى الوضع لكن قد رواه غيره عن الثوري. وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث أبي حازم لم يروه عنه متصلا مرفوعا إلا سفيان الثوري. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢١٠): هذا إسناد ضعيف. ثم ذكر كلام النقاد في خالد بن عمرو وخالف في ذلك النووي فقال: حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة =","vol":"12","page":616},{"text":"عمرو القرشي الأموي السعيدي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل، وخالد هذا قد ترك واتهم، ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفا أن يكون النبي - ﷺ - قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني (^١) عن سفيان، ومحمد هذا قد وثق على ضعفه وهو أصلح حالا من خالد، والله أعلم.\nقوله: \"عن سهل بن سعد الساعدي\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"ازهد في الدنيا\n_________\n= في الأربعون النووية (حديث ٣١)، وتعقبه ابن رجب الحنبلي فقال: وفي ذلك نظر فإنّ خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه أحمد: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة يروي أحاديث بواطيل، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال مرة: كان كذابا يكذب، حدّث عن شعبة أحاديث موضوعة في جامع العلوم (٢/ ١٧٤ - ١٧٥). وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٤/ ٢١٥): سنده ضعيف.\n(^١) أخرجه ابن عدي (٣/ ٩٠٢)، والصيداوي في معجم الشيوخ (ص ٣١٢)، والبيهقي في الشعب (١٠٠٤٤) والبغوي في شرح السنة (٤٠٣٧) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٤٩٩)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٤٧٩)، وقال ابن عدي: ولا أدري ما أقول في رواية ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث فإنّ ابن كثير ثقة وهذا الحديث عن الثوري منكر. وقال العقيلي: لعل مُحَمَّدْ بن كثير أخذه عن خالد بن عمرو ودلسه لأنّ المشهور به خالد هذا. وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث مُحَمَّدْ بن كثير فقال: هذا أيضًا حديث باطل. يعني بهذا الإسناد العلل ٢/ ١٠٧\nقلت: لم ينفرد خالد بن عمرو به بل تابعه غير واحد عن سفيان الثوري به، منهم: أبو قتادة عبد الله بن واقد الحرّاني الحِمّاني. أخرجه البيهقي في الشعب (١٠٠٤٥). علي بن مُسْهِر القرشي. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٤٤).","vol":"12","page":617},{"text":"يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس\" الحديث. قال النووي (^١): هو حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، قال أبو أيوب السجستاني: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث الثابت منها أربعة آلاف حديث وهي ترجع إلى أربع أحاديث وعُدّ منها هذا الحديث، وقال [ابن] (^٢) الفاكهاني في شرح هذا الحديث. قال العلماء: الدنيا عبارة عما حواه الليل والنهار وأظلته السماء وأقلته الأرض، هذه ذاتها وحقيقتها، وأما المزهود فيه منها فنقل الحارث بن أسد المحاسبي في ذلك ثلاثة أقوال:\nأحدها: الدينار والدرهم.\nوالثاني: المطعم والمشرب والملبس والمسكن.\nوالثالث: الحياة [فكانوا يزهدون في الحياة] (^٣). ثم قال الشارح: والذي أعتقده ولا أرتاب فيه أن دنيا كل إنسان بحاله حتى أن كلام الفقيه بين طلبته وكلام الشيخ بين تلامذته وكلام الأمير بين أجناده وما أشبه ذلك دنيا بالنسبة إليهم إلا أن يقصد بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة، وهذا لا [يكاد] يصح إلا من [موقن] قد لاح له من علم الآخرة [لائح] فاشتاق إلى لقاء مولاه وغلب شيطانه وهواه فصرف نفسه عن الدنيا وتقمص لباس التقوى، كما قال\n_________\n(^١) رياض الصالحين (ص: ١٧٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":618},{"text":"جابر للنبي - ﷺ - (^١): أصبحت مؤمنا حقا، فقال له النبي - ﷺ -: إن لكل حق حقيقة، ما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتنعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون، فقال حارثة عرفتَ فالزم\nخليليّ لا والله ما أنا منكما ... إذا عَلَمٌ من آل ليلي بَدَا لِيَا\nفمثل هذا تكون الدنيا له سجنا ومقامه فيها هما وغما، كما قال النبي - ﷺ - (^٢) الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فنسأل الله تعالى التوفيق والهداية إلى أقوم طريق بمنه وكرمه.\nواعلم: أن الزهد في اللغة هو الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمة عنه، مأخوذ من قولهم شيء زهيد أي قليل، وفي الحديث إنك لزهيد، أما في الحكم فهو على أقسام:\nأحدها: الزهد في الحرام وهو الزهد الواجب العام.\n_________\n(^١) رواه الطبراني (٣/ ٢٦٦/ ٣٣٦٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٤٢٥)، والسلمي في الأربعين الصوفية (١٠)، وأبو نعيم في الأربعين (٤٤)، والشجري في الأمالي (١/ ٣١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠١٠٧)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٧٥): أخرجه البزار من حديث أنس، والطبراني من حديث الحارث بن مالك، وكلا الحديثين ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٧) رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه. وقال ابن حجر في الإصابة (١/ ٢٩٠): فيه يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف جدا، وقال الألباني في الإيمان لابن أبي شيبة (١١٥): معضل وله طرق أخرى مرسلة وبعضها موصول.\n(^٢) صحيح مسلم (١) (٢٩٥٦).","vol":"12","page":619},{"text":"الثاني: الزهد في الشبهات والأشبه وجوبه لأنه وسيلة إلى [إيقاع] الوقوع في الحرام لقوله - ﷺ -: [و] من وقع في الشبهات وقع في الحرام، الحديث. واجتناب الحرام واجب ووسيلة [الواجب واجب] فالزهد في الشبهات واجب.\nالثالث الزهد فيما عدا الضرورات من المباحات؛ وهو المراد من هذا الحديث ظاهر وهو زهد الخواص العارفين بالله تعالى.\nالرابع: الزهد فيما سوى الله تعالى من دنيا وجنة وغير ذلك فلا قصد لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إلى الله ﷿ والقرب منه وهو زهد المقربين فلا جرم لما حصل لهم مقصودهم واندرج في ضمنه كل مقصود لغيرهم [عفوا] من غير طلب ولا قصد له ولا جعلوه ثمن عبادتهم وكل الصيد في جوف القرى، قاله الطوفي في شرح الأربعين النووية.\nوقد أكثر الناس الكلام في الزهد وكل أشار إلى ذوقه ونطق عن حاله وشاهده فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم والكلام بلسان العلم أوضع من الكلام بلسان الذوق وأقرب إلى الحجة والبرهان، فالزهد عند أهل الحقيقة بغض الدنيا والإعراض عنها، وقيل هو ترك راحة الدنيا طلبا لراحة الآخرة، وقال الجنيد. (^١)\nوخلو اليد من الدنيا وخلو القلب من طلبها [وقيل هو ترك كل ما يشغل عن الله تعالى] (^٢) وقيل هو ترك كل ما سوى الله تعالى، وقال سفيان الثوري\n_________\n(^١) نهاية الأرب في فنون الأدب (٥/ ٢٦٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":620},{"text":"[وأحمد بن حنبل وغيرهما. (^١)\nالزهد قصر الأمل في الدنيا، وزاد سفيان الثوري] (^٢) ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء. وقيل حقيقة الزهد في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (^٣) فالزاهد هو الذي لا يفرح بموجود من الدنيا ولا يحزن على مفقود منها. وقال الإمام أحمد مرة قصر [الأمل] [في الدنيا] (^٤) واليأس والإعراض عنها، اهـ.\nوقال الجنيد: سمعت سريًّا يقول (^٥): إن الله تعالى سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب [أهل] وداده لأن لم يرضها لهم. وقال يحيى بن معاذ (^٦) الزهد يورث السخاء بالملك والحبّ يورث السخاء بالروح.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل (^٧): الزهد عدم فرحه بإقبال الدنيا وحزنه على إدبارها فإنه - ﵁ - سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدا؟\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٤/ ٢٤٢)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (٥/ ٢٦٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سورة الحديد، الآية: ٢٣.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) البيهقي الزهد الكبير (١/ ٧٦)، وتاريخ مدينة دمشق)،، وقال النووي في (٢٠ ص ١٧٩)، الرسالة القشيرية (١/ ١٥٢).\n(^٦) نهاية الأرب في فنون الأدب (٥/ ٢٦٥).\n(^٧) مدارج السالكين (٢/ ١١).","vol":"12","page":621},{"text":"فقال: نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا أنقصت. وقال ابن المبارك (^١): الزهد هو الثقة بالله تعالى مع حب الفقر، وقال عبد الواحد بن زيد (^٢) ترك الدينار والدرهم.\nوقال أبو سليمان الداراني: ترك ما يشغل عن الله تعالى. وقال يحيى بن معاذ لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى تكون فيه ثلاث خصال: عملا بلا علاقة وقول بلا طمع وعز بلا رياسة. وقال الإمام أحمد بن حنبل (^٣): الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث ترك ما يشغل عن الله تعالى وهو زهد العارفين، والذي أجمع عليه العارفون أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة ومتعلقه أشياء لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها وهي المال والصورة والرياسة والناس والنفس وكل ما دون الله تعالى وليس المراد رفضها من الملك فقد كان سليمان وداود عليهما [الصلاة والسلام] من أزهد [أهل زمانهما، ولهما من المال والنساء والملك ما لهما، وكان نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أزهد] البشر على الإطلاق وله تسع نسوة وكان عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير من الزهد [بمكان] مع ما لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي من\n_________\n(^١) الإمتاع والمؤانسة (١/ ٢٩٥).\n(^٢) انظر: الزهد الكبير (١/ ٧٩).\n(^٣) الرسالة القشيرية (١/ ١٥٥)، والآداب الشرعية (٢/ ٢٣١).","vol":"12","page":622},{"text":"الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من أئمة الزهاد مع [ما له من] مال كثير، وكذلك الإمام الليث بن سعد وسفيان من أئمة الزهاد وكان له رأس مال يقول لولا هو لتمندل بنا هؤلاء. ومن أحسن ما قيل في الزهد قول الحسن (^١) أو غيره ليس الزهد في الدنيا تحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون في المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك [فيما] لو لم تصبك فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه، وقد روي مرفوعا وقال ابن الجلاء الزهد [هو] النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها.\nوقال إبراهيم بن [آدم] (^٢) الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض وزهد فضلة وزهد سلامة، فالزهد الفرض الزهد في الحرام والزهد الفضل الزهد في الحلال والزهد السلامة الزهد في الشبهات. وقد اختلف الناس هل يستحق اسم الزهد من زهد في الحرام خاصّة ولم يزهد في فضول المباحات أم لا على قولين: أحدهما [أنه] يستحق اسم الزهد بذلك وهو قول الزهري وابن عيينة وغيرهما.\n_________\n(^١) يروى عن يونس بن ميسرة الجبلاني انظر: الزهد (١/ ١٠٨)، الزهد وصفة الزاهدين (١/ ٢٠)، مدارج السالكين (٢/ ١٣).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في الزهد (ص ١٢٦)، والمجالسة وجواهر العلم (٩٠٥)، والزهد وصفة الزاهدين (١٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨ ص ٢٦).","vol":"12","page":623},{"text":"والثاني: لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباح وهو قول طائفة من العارفين وغيرهم. وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا علينا في الزهد بالعراق، فذكروا فيه اختلافا كثيرا، قال: وأنا أذهب إلى [أن] (^١) الزهد في ترك ما شغلك عن الله ﷿ وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه، قاله ابن رجب (^٢). قال القاضي أبو الوليد بن رشد وغيره: الزهد راحة القلب والبدن وفي الدنيا والآخرة، فالزهاد هم الملوك في الحقيقة وهم العقلاء لإيثارهم الباقي على الفاني. وقد قال الإمام الشافعي وأصحابه (^٣): لو أوصى لأعقل الناس صرف إلى الزهاد فكم بين من شغله الله وبين من شغلته الدنيا، شتّان ما بين الشغلين.\n[تشاغل قوم بدنياهم] وقوم تخلوا لمولاهم\nفألزمهم باب مرضاته وعن سائر الخلق أغناهم. (^٤)\nوقال سفيان بن عيينة (^٥): الزهد ثلاثة أحرف زاي وهاء ودال فالزاي ترك الزينة والهاء ترك الهوى والدال ترك الدنيا بجملتها.\nوالزهد في اللغة خلاف الرغبة، يقال زهد في الشيء وعن الشيء زهدا\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٨٦).\n(^٣) انظر: روضة الطالبين (٦/ ١٦٩)، وكفاية الأخيار (١/ ٣٤٤).\n(^٤) انظر: فيض القدير (٤/ ٢٨٢).\n(^٥) البيهقي في الزهد الكبير (٦٠) أبا بكر الخراش يقول سئل أبو بكر الوراق عن الزهد فقال الزهد ثلاثة أحرف أما الزاي فترك الزينة وأما الهاء فترك الهوى وأما الدال فترك الدنيا.","vol":"12","page":624},{"text":"وزهادة. وأما حقيقته الشرعية فاختلف فيها اختلافا كثيرا يطول ذكره والراجح عند بعضهم أنه استصغار الدنيا بجملتها واحتقار جميع شأنها لتصغير الله لها وتحقيره إياها وتحذيره من غرورها في غير ما آية من كتاب الله تعالى كقوله ﷾: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (^١)، وكقوله ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (^٢) فالزاهد هو المستصغر للدنيا المحتقر لها الذي انصرف قلبه عنها لصغر قدرها عنده فلا يفرح بشيء منها ولا يحزن على فقد ولا يأخذ منها إلا ما [أمر] بأخذه مما يعينه على طاعة ربه ويكون مع ذلك دائم الشغل بذكر الله تعالى وذكر الآخرة وهذا هو أرفع أحوال الزهد لأن من بلغ إلى هذه الرتبة فهو في الدنيا بشخصه وفي الآخرة بروحه وعقل، اهـ قاله في الديباجة.\nفائدة: وقد اختلف الناس في الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة؟ فقال أبو حفص (^٣): الزهد لا يكون إلا في الحلال ولا حلال في الدنيا فلا زهد وخالفه الناس في هذا وقالوا بل الحلال موجود أو على تقدير أن لا يكون فيها الحلال فهذا أدعى إلى الزهد فيها وتناول ما تناوله المضطر فيها كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير، ثم اختلف هؤلاء في متعلق الزهد فقالت طائفة الزهد إنما هو في الحلال لأن ترك الحرام فريضة، وقالت [فرقة] بل الزهد لا\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٧٧.\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ٣٣.\n(^٣) الرسالة القشيرية (١/ ١٥٤).","vol":"12","page":625},{"text":"يكون إلا في الحرام وأما الحلال فنعمة من الله على عبده والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فشكره على نعمه والاستعانة بها على طاعته واتخاذها طريقا إلى جنته أفضل من الزهد فيها والتخلي عنها ومجانبة أسبابها والتحقيق أنها شغلته عن الله تعالى فالزهد فيها أفضل وإن لم تشغله عن الله بل كان شاكرا لله فيها فحاله أفضل، والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها والطمأنينة إليها والله أعلم.\n[قوله - ﷺ -: \"ازهد في الدنيا يحبك الله\" الحديث، فأمّا كون الزهد في الدنيا سببا لمحبة الله تعالى فلأن الله ﷿ يحب من أطاعه ويبغض من عصاه وطاعة الله ﷿ لا تجتمع مع محبة الدنيا، عرف ذلك بالنصوص والنظر والتجربة والطبع والتواتر. وأما كون [الزهد] (^١) فيما عند الناس [سببٌ] لمحبة الناس فلأن الناس يتهافتون على الدنيا بطباعهم إذ الدنيا ميتة والناس كلابها فمن زاحمهم عليها أبغضوه ومن زهد فيها ووفرها عليهم أحبّوه، وعدوّ المرء من يعمل عمله. ومما يروى من شعر الشافعي في هذا المعنى:\nوما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همُّهنَّ اجتذابها\nفإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها\nوقد تكاثرت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بالأمر بالاستعفاف [عن مسألة] الناس والاستغناء عنهم فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه لأن المال محبوب لنفوس بني آدم فمن طلب منهم [مما] يحبّونه كرهوه لذلك.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":626},{"text":"وأما من زهد فيما في أيدي الناس وعف عنهم فإنهم يحبونه ويكرمونه لذلك ويسود به عليهم كما قال أعرابي لأهل البصرة من سيد هذه القرية؟ قالوا: الحسن. قال: [بم] سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى عن دنياهم. قاله ابن رجب (^١)، فهذا الحديث يدل على أن الله تعالى يحب الزاهدين في الدنيا.\nقال بعض السلف: قال [الحواريون] لعيسى - ﵇ -: يا روح الله علمنا عملا واحدا يحبنا الله ﷿ عليه. قال: ابغضوا الدنيا يحبكم الله ﷿ وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة. وقال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ (^٣)، والمراد حب المال [فإذا] ذم من أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها بل يرفضها ويتركها. اهـ. قاله ابن رجب (^٤)] (^٥). قوله: \"يحبك الله\" هو بفتح الياء المشددة والأصل يحببك الله بكسر الباء الأولى وسكون الثانية مجزوم على جواب الأمر الذي هو ازهد في الدنيا فأسكنت الباء الأولى عند إرادة الإدغام\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) سورة الفجر، الآية: ٢٠.\n(^٣) سورة العاديات، الآية: ٨.\n(^٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٠٢).\n(^٥) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقد يقع لي ذلك مع بعضهم كانوا يتوددون إليّ بالكلام في بعض الليالي زمن الانقطاع والتوجه لا في هذا الوقت فالله تعالى المسئول في حسن العاقبة إنه كريم جواد، اهـ. قاله في الديباجة).","vol":"12","page":627},{"text":"بنقل حركتها إلى الساكن قبلها وهو الحاء فاجتمع ساكنان فحرك الآخر لالتقاء الساكنين بالفتح تخفيفا. ثم قال: ولا بد من ذكر حقيقة المحبة هنا بالنسبة إلى الله تعالى، فنقول: قال أبو عبد الله المازري: الباري ﷾ لا يوصف بالصفة المعهودة [فينا] لأنه مقدس عن أن يميل أو يمال بالصفات المعهودة في غيره وإنما محبته ﷾ للخلق إرادته لثوابهم وتنعمهم ومعنى محبة المخلوقين له إرادتهم أن ينعمهم ويحسن إليهم ويدفع المضارّ عنهم كما قال ﵊ جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها ولا [إحسان] في الحقيقة إلا الله تعالى خالق المحسنين وإحسانهم فهو الحقيق بالمحبة دون من سواه ومن محبته محبة من أحبه من نبي وملك وولي وغير ذلك ومن ذلك محبته أيضًا وامتثال أمره واجتناب نهيه واتباع سنة [رسوله]- ﷺ - ولا [تصح] حقيقة المحبة إلا بذلك ولقد أحسن من قال:\nتعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع\nلو كان حبّك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع\nولذلك قال سهل بن عبد الله التستري: المحبة ملازمة الطاعة ومباينة المخالفة، وقال أبو علي الرودباري المحبة الموافقة وقال يحيى بن معاذ ليس بصادق من ادّعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.\nقوله - ﷺ -: \"وازهد فيما في أيدي الناس\" الحديث، سبب ذلك والله أعلم أن القلوب مجبولة مطبوعة على حب الدنيا غالبا ومن نازع إنسانا في محبوبه","vol":"12","page":628},{"text":"كرهه وقلاه ومن لم يعارضه فيه أحبه واصطفاه، قال الشارح ولا [يبعد عندي] أن الزاهد تحبه الإنس والجن أخذا بعموم لفظ الناس. قال: وقد يقع لي ذلك مع بعضهم كانوا يتوددون إليّ بالكلام في بعض الليالي زمن الانقطاع والتوجه لا في هذا الوقت فالله تعالى المسئول في حسن العاقبة إنه كريم جواد، اهـ. قاله في الديباجة.\n\n٤٨٥٦ - وعن إبراهيم بن أدهم قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله دلني على عمل يحبني الله عليه، ويحبني الناس عليه؟ فقال: أما العمل الذي يحبك الله عليه فالزهد في الدنيا، وأما العمل الذي يحبك الناس عليه، فانبذ إليهم ما في يديك من الحطام. رواه ابن أبي الدنيا (^١) هكذا معضلا، ورواه بعضهم عنه عن منصور عن ربعي بن حراش قال: جاء رجل. فذكره مرسلا (^٢).\nقوله: \"وعن إبراهيم بن أدهم\" وليس لإبراهيم بن أدهم في الكتب الستة ذكر إلا في هذا المحل. وإبراهيم، قال الإمام أبو الحسن\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في مداراة الناس (٣٣)، وفي الزهد (١١٨)، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ١٧٧) وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢١٤) حسن لغيره.\n(^٢) قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ١٧٧): خرجه أبو سليمان بن زبر الدمشقي في مسند إبراهيم بن أدهم وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٤١ من طريق إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن مجاهد، عن أنس، به؛ لكن وصله خطأ، قال أبو نعيم عقب الحديث: \"ذكر أنس في هذا الحديث وهم من عمر أو أبي أحمد، فقد رواه الأثبات عن الحسن بن الربيع فلم يجاوزوا فيه مجاهدا\"، ثم ساقه مرسلا من طريق مجاهد.","vol":"12","page":629},{"text":"الماوردي صاحب الحاوي معناه بالسّريانية أب رحيم، قال [الفضل] بن موسى حجّ أدهم أبو إبراهيم بن أدهم بأم إبراهيم وكانت به حبلى فولدت إبراهيم بمكة فجعلت تطوف به على الخلق في المسجد ادعوا لابني أن يجعله الله رجلا صالحا.\nوقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في الرسالة (^١) كان إبراهيم بن [آدم] من كورة بلخ وكان من أبناء الملوك فخرج يوما متصيدا فأثار ثعلبا أو [أرنبا] وهو في طلبه فهتف به هاتف ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به من قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فنزل عن دابته وصادف راعيا لأبيه فأخذ جبة الراعي من الصوف فلبسها وأعطاه فرسه وما معه ثم إنه دخل البادية تم دخل مكة وصحب بها سفيان الثوري والفضيل بن عياض، ودخل الشام ومات بها وكان يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين وغير ذلك وأنه رأى في البادية رجلا علمه اسم الله الأعظم [فدعا به بعده فرأى الخضر ﵊، وقال: إنما علمك أخي داود اسم الله الأعظم]، أخبرني بذلك الشيخ أبو عبد الله السلمي.\nوقال [خادمه] أبو سعيد الخراساني إبراهيم بن بشار وكان من كبار مشائخ الصوفية صحبت إبراهيم بن [آدم] فقلت أخبرني عن بدء أمرك هذا، وكان إبراهيم بن [آدم] [كبير الشأن] (^٢) في باب الورع يحكى عنه أنه قال أطب\n_________\n(^١) الرسالة القشيرية (١/ ٢٢).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":630},{"text":"مطعمك ولا عليك أن لا تقوم بالليل ولا تصوم بالنهار؛ وقيل كان عامة دعائه اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك. وقال أبو حاتم الرازي سمعت أبا نعيم يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: إبراهيم بن [آدم] كان يشبه إبراهيم الخليل ولو كان في أصحاب رسول الله - ﷺ - لكان رجلا فاضلا، اهـ.\nقوله: \"جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال يا رسول الله دلني على عمل يحبني الله عليه وتحبني الناس عليه. فقال: أما العمل الذي يحبك الله عليه فالزهد في الدنيا، وأما العمل الذي تحبك الناس عليه فانبذ إليهم ما في يديك من الحطام\"، الحديث. النبذ الطرح، والحطام الدنيا.\nقوله: \"معضلا\" الحديث المعضل في اصطلاح المحدثين هو الذي سقط من رواته [راويين] فأكثر أو كما ذكر وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين، إحداهما الزهد في الدنيا فإنه مقتض لمحبة الله ﷿ لعبده، والثانية الزهد فيما في أيدي الناس فإنه مقتض لمحبة الناس، فأما الزهد في الدنيا فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه وإلى ذم الرغبة في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾ (^١)، الآية. وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^٢)، والآيات في ذلك كثيرة.\nوقد ذمّ الله تعالى من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته، [و] الأحاديث في ذم الدنيا [وحقارتها عند الله تعالى] كثيرة، قاله ابن رجب (^٣).\n_________\n(^١) سورة الأعلى، الآية: ١٦.\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ٦٧.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٧٨).","vol":"12","page":631},{"text":"قوله في الحديث في الكلام عليه \"عن ربعي بن حراش\": ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر المهملة وتشديد الياء، وحراش بكسر المهملة وبالراء الخفيفة وبالشين المنقطة وليس في الصحيحين حراش بالحاء المهملة سواه، ابن جحش بالجيم المفتوحة والميم المهملة الساكنة وبالمعجمة العبسي بالمهملة المفتوحة الموحدة الساكنة وبالمهملة الكوفي الأعور العابد الورع، يقال له لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان على الحجاج فقيل للحجاج إن أباهما لم يكذب كذبة قط، لو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه فقال هما في البيت، فقال قد عفونا عنهما بصدقك، وحلف أنه لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أو النار، فما ضحك إلا بعد موته.\nوله أخوان مسعود وهو الذي تكلم بعد الموت وربيع وهو أيضًا حلف أن لا يضحك حتى يعرف [إلى] الجنة أم لا فقال غاسله إنه لم يزل [متبسما] على سريره حتى فرغنا.\nوقال ابن المديني ولم يرو عن مسعود شيء إلا كلامه بعد الموت. والربعي بحسب اللغة المنسوب إلى الربع والحراش جمع الحرش هو الأثر، اهـ، قاله الكرماني (^١).\nوقال الحافظ أبو نعيم (^٢): عن ربعي بن حراش أسند عن عمر بن الخطاب\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٠٩).\n(^٢) أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦٧).","vol":"12","page":632},{"text":"وعلي بن أبي طالب وحذيفة وغيرهم [فمن ما] رواه عن حذيفة (^١) قال: قال رسول الله - ﷺ - سيأتي عليكم زمان لا يكون فيه شيء أعز من ثلاثة: أخ يستأنس به أو [درهم حلال أو] سنة يعمل بها حديث [غريب، و] قال أبو الفرج، قال: فلقد أخبر [غاسله] أنه لم يزل مبتسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا منه، توفي سنة أربع ومائة والله أعلم. [قوله:] فذكره مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.\nلطيفة: عن عاصم الأحول (^٢) قال: بلغني أن ابن عمر سمع رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر، فقال عن هؤلاء فسل. [انتهى.\n\n٤٨٥٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: الزهد في الدنيا يريح القلب والجسد. رواه الطبراني (^٣)، وإسناده مقارب.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٧٠ و٧/ ١٢٧)، وقال أبو نعيم: غريب؛ تفرد به روح بن صلاح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٢) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه روح بن صلاح، ضعفه ابن عدي، وقال الحاكم: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجاله موثقون .. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٩٦)، والضعيفة (٣٧١٣).\n(^٢) الزهد لابن السري (٥٦٣)، وحلية الأولياء (١/ ٣٠٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦١٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٦): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أشعث بن نزار ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم. وابن عدي في الكامل (١/ ٣٧٥)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٣٧) عن أبي هريرة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣١٩٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٧).","vol":"12","page":633},{"text":"قوله:] \"وعن أبي هريرة\" تقدم قوله - ﷺ - \"الزهد في الدنيا يريح القلب والجسد\". تقدم الكلام على الزهد في الدنيا.\n\n٤٨٥٨ - وعن الضحاك - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله من أزهد الناس؟ قال: من لم ينس القبر والبلى، وترك فضل زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يعد غدا في أيامه، وعد نفسه من الموتى. رواه ابن أبي الدنيا (^١) مرسلا وستأتي له نظائر في ذكر الموت إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"وعن الضحاك\" هو بن مزاحم الهلالي أبو القاسم ويقال أبو محمد الخراساني روى عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وزيد بن أرقم وأنس بن مالك وقيل لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة وعن الأسود بن يزيد النخعي وعبد الرحمن بن عوسجة وعطاء وأبي الأحوص الجشمي والنزال بن سبرة وعنه جماعة قال عبد الله بن أحمد عن أبيه ثقة مأمون وقال ابن معين وأبو زرعة ثقة وقال أبو قتيبة عن شعبة قلت لمشاش الضحاك سمع من ابن عباس قال ما رآه قط وقال سلم بن قتيبة أبو داود عن شعبة حدثني عبد الملك بن ميسرة قال الضحاك لم يلق ابن عباس إنما لقي سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير وقال أبو أسامة عن المعلى عن شعبة عن عبد الملك قلت للضحاك سمعت من ابن عباس قال لا قلت فهذا الذي\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في الزهد (١٠٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٣١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٨١) عن الضحاك بن مزاحم، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٨)، وفي السلسلة الضعيفة (١٢٩٢): ضعيف مرسل.","vol":"12","page":634},{"text":"تحدثه عمن أخذته قال عن ذا وعن ذا وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد كان شعبة لا يحدث عن الضحاك بن مزاحم وكان ينكر أن يكون لقي ابن عباس قط وقال علي عن يحيى بن سعيد كان الضحاك عندنا ضعيفا وقال البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن حكيم بن الديلم عن الضحاك يعني بن مزاحم قال سمعت ابن عمر يقول ما طهر كف فيها خاتم من حديد وقال لا أعلم أحدا قال سمعت ابن عمر إلا أبو نعيم وقال أبو جناب الكلبي عن الضحاك جاورت ابن عباس سبع سنين وذكره ابن حبان في الثقات وقال لقي جماعة من التابعين ولم يشافه أحدا من الصحابة ومن زعم أنه لقي ابن عباس فقد وهم وكان معلم كتاب ورواية أبي إسحاق عن الضحاك قلت لابن عباس وهم من شريك وقال ابن عدي عرف بالتفسير وأما روايته عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنه ففي ذلك كله نظر وإنما اشتهر بالتفسير قاله الحسين بن الوليد مات سنة ١٠٦ وقال أبو نعيم مات سنة خمس ومائة.\nقوله: \"من أزهد الناس؟ قال: من لم ينس القبر والبِلَا\" الحديث، سيأتي الكلام عليه في ذكر الموت إن شاء الله تعالى.\n\n٤٨٥٩ - وروي عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله ﷿ ناجى موسى بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام الرب ﷿، وكان فيما ناجاه ربه أن قال: يا موسى إنه لم يتصنع لي المتصنعون بمثل","vol":"12","page":635},{"text":"الزهد في الدنيا، ولم يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم، ولم يتعبد إلي المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي قال موسى: يا رب البرية كلها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإكرام: ماذا أعددت لهم، وماذا جزيتهم؟ قال: أما الزهاد في الدنيا، فإني أبحتهم جنتي يتبوؤون منها حيث شاؤوا، وأما الورعون عما حرمت عليهم فإنه إذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إلا ناقشته وفتشته إلا الورعون فإني أستحييهم وأجلهم وأكرمهم، فأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما البكاؤون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه. رواه الطبراني (^١) والأصبهاني (^٢).\nقوله: \"وروي عن ابن عباس\" تقدم. قوله: \"إن الله ناجى موسى ﵊ بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام\"، الحديث. موسى هذا هو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب كظيم الله بن إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله [وهارون أخوه لأبيه وأمه، واسم أمهما،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٩٣٧)، وفي المعجم الكبير (١٢/ ١٢٠/ ١٢٦٥٠).\n(^٢) الأصبهاني في الترغيب (٢٢٧)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٤٥ - ١٠٩٩)، وابن أبي الدنيا في الزهد (١٩٨)، والآجري في الشريعة (٦٩٣)، وابن شاهين في جزء من حديثه (١٧)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٤٨١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٤٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٣): رواه الطبراني، وفيه جويبر وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٢٥٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٩).","vol":"12","page":636},{"text":"وقيل: يوحاند. قال ابن إسحاق: اسمها نجيبة، وولد موسى بعد هارون ثلاث سنين. قال في تاريخ كنز الدرر]. سؤال: لِمَ لَمْ يكلم الله سائر الأنبياء مشافهة إلا موسى - ﵇ -؟ قيل: لأنه لم يكن لنبي من الأنبياء من الأعداء ما لموسى - ﵇ - كفرعون واليهود وقارون ولم يكن قوم أسوأ أدبا وأقسى قلبا من قومه فخصه الله بكلامه ليحتمل ما امتحن به من البلاء، وأيضا كان موسى - ﵇ - في مدرجة الشوق فلو لم يسمعه كلامه بعدما منعه الرؤية لمات قلبه، فإن قال قائل: بأي شيء علم موسى أنه كلام الله؟ قيل: لأنه لم ينقطع كلام بالنفس، ويقال: لأنه سمع الكلام من الجوانب الستة ويقال لأن جميع جوارحه صارت كسمعه ووجد اللذة لها من كلامه كما وجد بسمعه، ويقال: كلام الله في نفسه معجزة يعرف بمعنى الكلام [أنه كلام الله] (^١)، فإن قيل لم منعه الرؤية، قيل لأن الرؤية غاية الكرامة [وغاية الكرامة] (^٢) تُعطى لأكرم الخلق وهو محمد - ﷺ -، ويقال لو أراه لوجب عليه شكره ولو شكر لاستحق الزيادة ولا مزيد على الرؤية فلذلك حرمه وهذا هو المعنى في قوله - ﷺ - أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، والله أعلم. قاله ابن العماد، قوله: فلما سمع كلام الآدميين مقتهم، الحديث. المقت هو أشد البغض وتقدم ذلك.\nتنبيه: كلام الله تعالى يباين كلام البشر من ثلاثة أوجه: أحدها أنه يسمع\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":637},{"text":"من غير حرف ولا صوت، وكذلك سمعه موسى - ﵇ -. الثاني: أنه لا تقطيع فيه ولا تنفس لأنه لا يكون بجارحة. الثالث أنه لا يسمع بالأذن وحدها بل يسمع بسائر البدن من سائر الجهات، وتحصل اللذة بسماعه لأنه تعالى ليس في جهة وكذلك سمعه موسى - ﷺ -، قاله الكرماني.\nوروى الحاكم في المستدرك (^١) من أحاديث أبي معشر واسمه نجيح [السندي] المدني صاحب أبي هريرة وصاحب المغازي مرفوعا، قال: مكث موسى بعد أن كلمه الله أربعين يوما لا يراه أحد إلا مات وأبو معشر ضعفه الأكثرون، وقال ابن عدي مع ضعفه يكتب حديثه وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه ويضحك إذا ذكره ويتعجب من جرأته على وضع الأحاديث على رسول الله - ﷺ -.\nقوله: \"أما الزهاد في الدنيا\" الحديث، الزهاد جمع زاهد وتقدم الكلام على الزهد مبسوطا، وأما الورعون فهم جمع ورع، تقدم الكلام على الورع في\n_________\n(^١) المستدرك (٢/ ٦٢٩)، وأخرجه ابن معين في تاريخه - رواية الدوري (٣/ ١٨٣)، ومن طريقه: ابن عدي في الكامل (٤/ ٣١٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٥٤) وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٤٣ و١٠٩٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٥٥٨/ ٨٩٢٦)، و(٩/ ٢٩٧٣/ ١٦٨٨٣) وأورده السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٥٣٦)، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وقال الذهبي في التلخيص: إسناده لين. وأبو مَعْشَرٍ هو نجيح المدني، ضعيف، وذكره الذهبي في الميزان (٤/ ٢٤٧) في ترجمته ضمن الأحاديث التي أنكرت عليه. وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية من صغار التابعين، وهو متكلم فيه.","vol":"12","page":638},{"text":"بابه. وأما البكاءون فهم جمع باكٍ وسيأتي الكلام على البكاء في بابه. قوله - ﷺ - \"فأولئك لهم الرفيق الأعلى\" الحديث، والمراد بالرفيق الأعلى من ذكرهم الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (^١)، ومعنى الآية أنه يكون مع النبيين في الجنة لا تفوته رؤيتهم ولا مجالستهم، فالرفيق الأعلى جماعة الأنبياء الذين يسكنون في أعلى عليين وهو اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق والخليط والرفيق المرافق في الطريق.\nتنبيه: وفي الحديث أن النبي - ﷺ - قال عند الموت (^٢): اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى أي الملائكة أصحاب الملأ الأعلى.\nفإن قلت: هذا فيه التمني للموت إذ لا يمكن الإلحاق [بهم] إلا بالموت. قلت: هذا ليس تمنيا للموت غايته أن يكون مستلزما لذلك، والمنهي ما هو المقصود بذاته أو المنهي هو المقيد وهو ما يكون من ضر أصابه، وهذا ليس منه بل للاشتياق إليهم.\nقال ابن بطال (^٣): فإن قيل: قول النبي - ﷺ -: ألحقني تمني للموت، أجيب بأنه قال ذلك بعد أن علم أنه ميت في يومه ذلك ورأى الملائكة المبشرة له عن ربه ﷿ بالسرور الكامل، ولهذا قال النبي ﷺ لفاطمة\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(^٢) صحيح البخاري (٤٤٤٠)، وصحيح مسلم (٨٥) (٢٤٤٤).\n(^٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٣٨٨).","vol":"12","page":639},{"text":"- ﵂ - (^١) لا كرب على أبيك بعد اليوم، وكانت نفسه مسرعة في اللحاق بكرامة الله تعالى وسعادة الأبد، وكان ذلك خيرا له من كونها في الدنيا، وبهذا أمر - ﷺ - أمته حيث قال: فليقل اللهم توفني ما كانت الوفاة خيرا لي، انتهى. قاله الكرماني (^٢). وقيل معنى ألحقني بالرفيق الأعلى، أي بالله تعالى، فقال الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، وهو فعيل بمعنى فاعل. فقوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] الرفيق الأعلى، قال الخطابي (^٣) والصاحب المرافق وهو هنا بمعنى الرفقاء، يعني الملائكة والظاهر أنه معهود من قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (^٤)، أي أدخلني في جملة أهل الجنة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اهـ.\nففيه دليل على أنه - ﷺ - خيّر بين الحياة والموت فاختار القدوم على ربه ﷿. وعن عائشة - ﵂ - (^٥) أنها لما سمعت ذلك قالت: إذا لا يختارنا.\nويروى أن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة قال أجلسوني، فأجلسوه فقال (^٦): أنا الذي أمرتني فقصّرت ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأبدّ النظر ثم قال إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن ثم قُبض رضي الله تعالى عنه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٤٦٢).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٠/ ٢٠١).\n(^٣) عمدة القاري (١٨/ ٦٤).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(^٥) صحيح البخاري (٦٣٤٨)، وصحيح مسلم (٨٧ - ٢٤٤٤).\n(^٦) حلية الأولياء (٥/ ٣٣٥).","vol":"12","page":640},{"text":"٤٨٦٠ - وروي عن عمار بن ياسر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ما تزين الأبرار في الدنيا بمثل الزهد في الدنيا. رواه أبو يعلى (^١).\nقوله: \"وروي عن عمار بن ياسر\"، ياسر ضد العاسر، دعا له رسول الله - ﷺ - بأمانه من الشيطان، [وأمّه سمية جارية لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجها ياسر، فولدت له عامر فأعتقه أبو حذيفة فهو مولاه، قاله الكرماني (^٢)، والله تعالى أعلم] فهو عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس بن [الحصين العنسي] بالنون، الشامي الدمشقي كان من السابقين إلى الإسلام، وكان هو وأبوه وأمه سمية ممن أسلم أولا، وكان إسلام عمار وصهيب في وقت واحد، كان النبي - ﷺ - في دار الأرقم، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلا وكان هو وأبوه وأمه يعذبون في الله ﷿ على إسلامهم ويمر بهم النبي - ﷺ - فيقول: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. وقتل أبو جهل سمية - ﵂ - فهي أول [قتيلة] في الإسلام [وأبوه ياسر أول مقتول في الإسلام] (^٣)، وقتل عمار بصفين مع علي بن أبي طالب في شهر ربيع الأول،\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى الموصلي (١٦١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٦): رواه أبو يعلى، وفيه سليمان الشاذكوني، وهو متروك. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٣٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٧٠): موضوع.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ٧٥) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٧).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":641},{"text":"وقيل الآخر سنة سبع وثلاثين وهو ابن بضع وتسعين سنة، وأوصى أن يدفن بثيابه فدفنه علي بها ولم يغسله، وقال قبل أن يقتل ايتوني بشربة لبن فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن، وفي الصحيحين (^١) أن النبي - ﷺ - قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، الفئة الباغية هي الظالمة الخارجة عن طاعة الإمام، وأصل البغي مجاوزة الحد، وكان الصحابة يوم صفين يتبعونه حيث توجّه لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة لهذا الحديث، واستعمله عمر على الكوفة، [وفي] حديث علي بن أبي طالب أنه قال: كنت جالسا عند النبي - ﷺ - فاستأذن عمار فقال: مرحبا بالطيب المطيب، رواه أحمد (^٢) والحاكم (^٣) والترمذي (^٤) وزاد في الرواية الأخرى أنه ملئ إيمانا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٤٧ - ٢٨١٢)، وصحيح مسلم (٧٠) (٢٩١٥) عن أبي سعيد الخدري.\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٩٩ - ١٠٠ و١٢٥ - ١٢٦ و١٣٠)، وفي الفضائل (١٥٩٩)، والبخاري في الأدب المفرد (١٠٣١) وفي التاريخ الكبير (٤/ ٢/ ٢٢٩)، وابن ماجه (٤١٦)، والبزار (٧٣٩) (٧٤١)، وأبو يعلى (٤٠٣)، (٤٩٢ و٤٩٣)، والآجري في الشريعة (١٩٧٢)، (١٩٧٣)، والطبراني في الصغير (٢٣٨)، والدارقطني في العلل (٤/ ١٥٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٠ و٧/ ١٣٥)، والخطيب في التاريخ (١/ ١٥١)، (٦/ ١٥٥)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٥٩٤)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ١٦٩) صحيح لغيره - المشكاة (٦٢٢٦)، الصحيحة (٢/ ٤٦٦)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٣٧٥/ ١٨٩٨).\n(^٣) الحاكم (٣/ ٣٨٨) وقال: صحيح الإسناد.\n(^٤) الترمذي (٣٧٩٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"12","page":642},{"text":"من قرنه إلى قدمه. ومعنى الطيب المطيب الطاهر المطهر لأنه مطهر من الشرك ومن الغلّ والحسد والأخلاق الذميمة. وقال الحاكم كان عمار وأبوه وأمه أهل بيت إسلام، وكان بنو المخزوم يعذبونهم [وأمّه سمية جارية لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي وزوَّجها يسارا فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فهو مولاه. قاله الكرماني (^١) وغيره والله أعلم] (^٢). قوله - ﷺ -: \"ما تزين الأبرار بمثل الزهد في الدنيا\" الأبرار جمع بار وهو الذي يكثر بره ويتسع إحسانه ويتجنب العقوق والعصيان وتقدم الكلام على الزهد في الدنيا.\n\n٤٨٦١ - وروي عن عبد الله بن جعفر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا رأيتم من يزهد في الدنيا فادنوا منه، فإنه يلقى الحكمة. رواه أبو يعلى (^٣).\nقوله: \"وعن عبد الله بن جعفر\" هو ابن أبي طالب، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"إذا رأيتم من يزهد في الدنيا فادنوا منه\"، الدنو القرب. قوله: \"فإنّه يُلقَّن الحكمة\" تقدم الكلام على الحكمة في كتاب العلم. وروي عن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ٧٥) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٧).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية من هذا الموضع، وتقدمت قريبة عند ابتداء شرح الحديث.\n(^٣) مسند أبي يعلى الموصلي (٦٨٠٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٦): رواه أبو يعلى، وفيه عمر بن هارون البلخي، وهو متروك. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٧١).","vol":"12","page":643},{"text":"أبي ذر - ﵁ - (^١) قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما زهد عبد في الدنيا إلا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصّره عيب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام.\n\n٤٨٦٢ - وعن عبد الله بن عمر - ﵄ - لا أعلمه إلا رفعه قال: صلاح أول هذه الأمة بالزهادة واليقين، وهلاك آخرها بالبخل والأمل. رواه الطبراني (^٢)، وإسناده محتمل للتحسين، ومتنه غريب.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمر\" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: \"لا أعلمه إلا رفعه إلى النبي - ﷺ -\" ليس شكا في ذلك لأن لفظة العلم تنافي الشك بل جزم\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٠٥٣٢ و١٠٥٣٣)، والديلمي - كما في اللآلئ المصنوعة (٢/ ٢٧٧) قلت: هذا موضوع، بشير بن زاذان: ضعفه الدارقطني، ووصفه ابن الجوزي بالتدليس عن الضعفاء وقال ابن معين: ليس بشيء. قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن حبان: شيخ من أهل الكوفة ... غلب الوهم على حديثه حتى بطل. انظر: لسان الميزان (٢/ ٣٧)، ضعفاء العقيلي (١/ ١٤٤)، المجروحين (١/ ١٩٢)، الكامل (٢/ ٢٠). وقال البيهقي: وعمر بن صبح، ضعيف بمرة.\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٧٦٥٠)، وأخرجه أحمد في الزهد (ص ١٦)، وابن أبي الدنيا في اليقين (٣)، وابن عدي (٦/ ٢١٣٩)، وابن بشران (٥٣٦ و٩٠٧)، والبيهقي في الشعب (١٠٠٤٦)، (١٠٣٥٠)، (١٠٣٥١)، والخطيب في التاريخ (٧/ ١٨٦)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٥): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عصمة بن المتوكل، وقد ضعفه غير واحد، ووثقه ابن حبان. وقال في (١٠/ ٢٨٦): رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم. وحسنه لغيره الألباني في ضعيف الجامع (٦٧٤٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣٣٩).","vol":"12","page":644},{"text":"[برفعه] إلى النبي - ﷺ -، اهـ. قوله: \"صلاح أول هذه الأمة الزهادة\" وفي نسخة: \"بالزهد واليقين\" تقدم الكلام على الزهد.\n\n٤٨٦٣ - وروي عن أنس - ﵁ - يرفعه قال: ينادي مناد: دعوا الدنيا لأهلها، دعوا الدنيا لأهلها، دعوا الدنيا لأهلها. من أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه أخذ حتفه، وهو لا يشعر. رواه البزار (^١)، وقال: لا يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم، وقوله: \"ينادي مناد دعوا الدنيا لأهلها، دعوا الدنيا لأهلها\" الحديث، قيل: دخل قوم إلى الحسن فشكوا الشيطان إليه، قال قد خرج من عندي الساعة وشكى منكم، وقال: قل لهم يتركوا دنياي حتى أترك لهم دينهم، اهـ. قوله: \"من أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر\" الحديث، الحتف الموت، ولا يشعر أي لا يعلم.\n\n٤٨٦٤ - وعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: خير الذكر الخفي. وخير الرزق أو العيش ما يكفي، الشك من ابن\n_________\n(^١) البزار = البحر الزخار (٦٤٤٤)، وقال: هذه الأحاديث لا نعلم تروى، عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، عن أنس وعبد الله بن سليمان قد حدث بأحاديث لا يتابع عليها عن المقبري وعن غيره، ولا نعلم روي هذه الأحاديث عنه إلا هانيء بن المتوكل وإنما ذكرناها لأنا لا نحفظها من حديث غيره. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٣٦) أخرجه البزار من حديث أنس وفيه هانئ بن المتوكل ضعفه ابن حبان. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٤) رواه البزار، وفيه هانئ بن المتوكل، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٩٨٠)، والضعيفة (١٦٩١)، (٣٥٩٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٧٢)، وضعيف الجامع الصغير (٢٩٨٠).","vol":"12","page":645},{"text":"وهب. رواه أبو عوانة (^١) وابن حبان في صحيحيهما (^٢) والبيهقي (^٣).\nقوله: \"وعن سعد بن أبي وقاص\" تقدم. قوله: \"خير الذكر الخفي\" الحديث، تقدم الكلام عليه في كتاب الذكر والدعاء.\n\n٤٨٦٥ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء. رواه مسلم (^٤) والنسائي (^٥). وزاد: فما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء.\n_________\n(^١) أبو عوانة في الرقاق كما في إتحاف المهرة (٥/ ١٢٢/ ٥٠٣٨)، وأخرجه وكيع في الزهد (١١٨ و٣٣٩) ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٦٥٤ و٣٤٣٦٦)، وأبو يعلى في مسنده (٧٣١)، وأحمد في المسند (١٤٧٧)، (١٤٧٨)، (١٥٥٩)، (١٦٢٣)، وفي الزهد (ص ١٦)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٤٥)، وأبو سعيد الأعرابي في الزهد وصفة الزاهدين (ص ٩١)، وعبد بن حميد في مسنده (١٣٧)، والشاشي في مسنده (١٨٣)، والطبراني في الدعاء (١٨٨٣)، والدورقي في مسند سعد (٧٤)، والقضاعي في مسنده (١٢٢٠)، وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٨١: رواه الإمام أحمد وأبو يعلى، وفيه: محمد بن عبد الرحمن بن لبية وقد وثقه ابن حبان وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص. قلت: وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح ا. هـ. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٨٧)، وضعيف الترغيب (١٠٦٠)، (١٨٧٣).\n(^٢) ابن حبان في صحيحه (١٨٣).\n(^٣) البيهقي في الشعب (٥٥٠).\n(^٤) مسلم (٢٧٤٢).\n(^٥) النسائي في الكبرى (٩٢٢٤)، وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (٣٢١٦).","vol":"12","page":646},{"text":"قوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله: \"إن الدنيا خضرة حلوة\" الحديث، ومعناه يحتمل أن المراد به شيئان أحدهما حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن النفوس تطلبها طلبا حثيثا فكذا الدنيا، والثاني سرعة فنائها كالفاكهة الخضراء فإنها سريعة الذهاب فشبه الدنيا بالشيء الأخضر في هذين الوصفين الدنيا في الحال حلوة خضرة وفي المآل مرة كدرة، [فنعمت] المرضعة وبئست الفاطمة، \"شعر\":\nإنما الدنيا نهار ضوءُهُ ضوء مُعارُ ... بينما عيشك غضٌّ ناعمٌ فيه اخضرارُ\nإذ رمَاه زمَنَاهُ فإذا فيه اصفرارُ ... وكذلك الليل يأتي ثم يمحوه النهارُ\nالذي بشّر أمته بفتح الدنيا عليهم حذّرهم من الاغترار بزهرتها وخوفهم من خضرتها وحلاوتها وأخبرهم بخرابها وفنائها وأن بين أيديهم دارا لا تنقطع خضرتها وحلاوتها فمن وقف مع زهرة هذه العاجلة انقطع وهلك ومن لم يقف معها وسار إلى تلك وصل ونجا، قاله ابن رجب (^١).\nقوله - ﷺ -: \"وإن الله مستخلفكم فيها\"، الحديث، أي جعلكم خلفا من القرن الذي قبلكم فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم وقيل معنى مستخلفكم فيها جاعلكم فيها أي جاعلكم خلفاء في الدنيا تملكونها وتتصرفون فيها وقيل استخلافهم فيها هو ما أورثهم الله منها مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارس والروم وحذرهم من فتنة الدنيا وفتنة النساء خصوصا فإن النساء أول ما ذكره الله تعالى من شهوات الدنيا ومتاعها في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣١٠).","vol":"12","page":647},{"text":"حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (^١) الآية.\nتنبيه: في بعض الأحاديث: فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، هكذا في جميع النسخ، فاتقوا الدنيا ومعناه اجتنبوا الافتتان بها وبالنساء، ويدخلن في النساء الزوجات وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن والله أعلم]. (^٢)\nوفي الحديث تنبيه على التحذر من الدنيا ومن خداعها. قال معاوية - ﵁ - (^٣): أما أبو بكر الصديق فلم يرد الدنيا ولم ترده وأما عمر - ﵁ - فقد أرادته ولم يُردها وأما عثمان فقد نالها ونالت منه وأما نحن فقد تمرغنا فيها ظهرا لبطن فلا أدري إلى ما يصير الأمر والله أعلم.\n\n٤٨٦٦ - وعن عمرة بنت الحارث - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بارك الله له فيها، ورب متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة. رواه الطبراني (^٤) بإسناد حسن.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٤.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) تاريخ الطبري (٣/ ٢٦٧).\n(^٤) الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٣٤٠/ ٨٥٠ - ٨٥١)، وأخرجه البخاري في الكبير (١/ ١/ ١٩٠)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٥٤)، والقضاعي (١١٤٤)، والبيهقي في الشعب (٩٨٢٤)، وابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ٢٠٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (١٦٠٨)، وانظر الصحيحة (١٥٩٢).","vol":"12","page":648},{"text":"قوله: \"وعن عمرة بنت الحارث\" بن أبي ضرار الخزاعي أخت أم المؤمنين جويرية.\nقوله: \"إن الدنيا خضرة حلوة\" الحديث، خضرة أي غضة ناعمة طرية، أراد صورة الدنيا ومتاعها حسن المنظر يعجب الناظر وقيل الدنيا حلوة خضرة أي الدنيا حلوة خضرة في ظاهر البصر، مرّة خبيثة في باطن البصيرة، فهي كالحية، مسّها ليّن وسمها قاتل. قوله: \"فمن أخذها بحقها بورك له فيها\" الحديث، ثم ضرب مثل المال ومثل من يأخذه بحقه ويصرفه في حقه، ومن يأخذه من غير حقه ويصرفه في غير حقه، فالمال في حق الأول خير وفي حق الثاني شر، فتبين بهذا أن المال ليس بخير مطلق بل هو خير مقيد، فإن استعان به المؤمن على ما ينفعه في آخرته كان خيرا له وإلا كان شرًّا له. قوله - ﷺ -: \"ورب متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة\" الحديث، [ومال الله بيت المال والزكاة والغنيمة والفيء] (^١). وأصل الخوض المشي في الماء وتحريكه ثم يستعمل في التلبس بالأمر والتصرف فيه والتخوض بفعل منه أي رب متصرف في مال الله تعالى بما لا يرضاه. وقيل هو [التخليط] (^٢) في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن، وفي حديث آخر يتخوضون في مال الله، والمراد بمال الله ورسوله الأموال التي يجب على ولاة الأمور حفظها\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قوله: (ورب متخوّض فيما اشتهت نفسه، وموضعها في الأصل هو الأصوب.\n(^٢) هكذا هذه العبارة في الأصل ولعله الصواب، وفي النسخة الهندية: (التمليط).","vol":"12","page":649},{"text":"وصرفها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم ويتبع ذلك مال الخراج والجزية، وكذلك أموال الصدقات التي تصرف للفقراء والمساكين كمال الزكاة والوقف ونحو ذلك؛ وفي هذا تنبيه على أن من يخوض من الدنيا في الأموال المحرم أكلها كمال الربا ومال الأيتام والذي من أكله أكل نارا أو المغصوب والسرقة والغش في البيوع والخداع والمكر وجحد الأمانات والدّعاوى الباطلة ونحوها من الحيل المحرّمة أولى أن يتخوض صاحبها في نار جهنم غدا، فكل هذه الأموال وما أشبهها يتوسع بها أهلها في الدنيا ويتلذذون بها ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمرا من جمر جهنم في بطونهم فما تفي لذتها بتبعتها كما قيل:\nتفنى اللذاذة [ممن] نال لذتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار\nتبقى عواقب سوء من مغبّتها ... لا خير في لذة من بعدها النار\nقاله ابن رجب (^١).\n\n٤٨٦٧ - وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بارك الله له فيها، ورب متخوض فيما اشتهت نفسه ليس له يوم القيامة إلا النار. رواه الطبراني في الكبير (^٢). ورواته ثقات.\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٠٩).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٣، ١٤/ ٤١٧/ ١٤٢٥٧)، وفي (١٩/ ٣٥٠/ ٨١٦)، وأخرجه في المعجم الأوسط (٨٣٥٩)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٩)، وقال: رواه =","vol":"12","page":650},{"text":"قوله: \"عن عبد الله بن عمرو\" تقدم، قوله - ﷺ -: \"الدنيا خضرة حلوة\" الحديث، وخضرتها بهجة منظرها وحلاوتها طيب طعمها، فلذلك تشتهيها النفوس وتسارع إلى طلبها، وتقدم معنى ذلك مبسوطا في حديث أبي سعيد المتقدم. قوله: \"ورب متخوّض فيما اشتهت نفسه\"، وتقدم معنى التخوض في الحديث قبله مبسوطا.\n\n٤٨٦٨ - وعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قضى نهمته في الدنيا حيل بينه وبين شهوته في الآخرة، ومن مد عينيه إلى زينة المترفين كان مهينا في ملكوت السموات، ومن صبر على القوت الشديد صبرا جميلا أسكنه الله من الفردوس حيث شاء. رواه الطبراني في الأوسط (^١) والصغير (^٢) من رواية إسماعيل بن عمرو البجلي، وبقية رواته رواة الصحيح، ورواه الأصبهاني (^٣) إلا أنه قال: كان ممقوتا في ملكوت السموات، والباقي مثله.\n_________\n= الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، وفي (١٠/ ٢٤٦) وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤١٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢١٩).\n(^١) المعجم الأوسط (٧٩١٢).\n(^٢) المعجم الصغير (١٠٧١). وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩٢٧١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٨٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٨) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي، وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٧٤).\n(^٣) الترغيب والترهيب لقوام السنة (١٤٥٥).","vol":"12","page":651},{"text":"قوله: \"وعن البراء بن عازب\"، البراء بالمد على المشهور، وقيل بالقصر وهو أبو عُمارة بضم العين ويقال: أبو [عمرو] ويقال: أبو الطفيل بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي الحارثي المدني نزل الكوفة وتوفي بها في أيام مصعب بن الزبير وأبوه عازب بالعين المهملة وبالزاي صحابي أيضًا على الأشهر، قاله الكرماني (^١).\nقوله - ﷺ -: \"من قضى نهمته من الدنيا\" والنهمة بفتح النون وإسكان الهاء أي شهوته ورغبته والنهمة بلوغ الهمة في الشيء. قوله - ﷺ -: \"ومن مدّ عينيه إلى زينة المترفين كان مهينا في ملكوت السماوات والأرض\" الحديث. المترفين جمع مترف وهو المنهمك في طيبات الدنيا ولذاتها، وقيل المترفون هم المتنعمون المتوسعون في ملاذ الدنيا وشهواتها ومنه الحديث أن إبراهيم - ﵇ -[فرّ به من جبار مترف] وملكوت السموات والأرض عبارة عن خلق السماوات والأرض.\nقال مجاهد: ظهرت له السماوات إلى العرش حتى نظر إليها، وظهرت له الأرضون حتى نظر إليها.\nقوله: \"أسكن الله من الفردوس حيث شاء\" الفردوس أعلى الجنة، وقوله في رواية الأصبهاني: كان ممقوتا في ملكوت السموات والأرض، المقت هو أشد البغض وتقدم معناه مرارا.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٦٣).","vol":"12","page":652},{"text":"٤٨٦٩ - وعن ابن عمر - ﵄ - قال: لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريما. رواه ابن أبي الدنيا (^١)، وإسناده جيد، وروي عن عائشة مرفوعا، والموقوف أصح.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم أنه عبد الله بن عمر حيث أطلق، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا في أول حديث الغار من هذا التعليق، وتقدم الكلام على العبادلة منهم. قوله: \"لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته\" الحديث، قال الفقيه أبو الليث السمرقندي من أصاب شيئا من الدنيا من حلال فلا يكون آثما في أخذه [وإن] تركه كان أنفع لآخرته، لهذا الحديث، وهو قوله: \"من أصاب شيئا من الدنيا نقص من درجاته وإن كان على الله كريما\".\nتنبيه: في بعض الأحاديث: فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، هكذا في جميع النسخ، فاتقوا الدنيا ومعناه اجتنبوا الافتتان بها وبالنساء، ويدخلن في النساء الزوجات وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن والله أعلم.\n\n٤٨٧٠ - وروي عن ثوبان - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله، ما يكفيني من الدنيا؟ قال ما سد جوعتك، ووارى عورتك، وإن كان لك بيت يظلك فذاك\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٣٢٧)، وفي الزهد (٢٩٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٦٢٨) وهناد في الزهد (٥٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠١٩٤)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١٤٤٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٢٠).","vol":"12","page":653},{"text":"وإن كانت لك دابة فبخ. رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: \"وعن ثوبان\" هو مولى رسول الله - ﷺ -، تقدم الكلام عليه. قوله: \"وإن كان لك دابة فبخ\" الحديث، بخ كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرر للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإن وصلت جررت ونونت فقلت بخ بخ، وربما شددت. وبخبخت الرجل، إذا قلت له ذلك. ومعناها تعظيم الأمر وتفخيمه. وقد كثر مجيئها في الحديث.\n\n٤٨٧١ - وعن أبي عسيب - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - ليلا فمر بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر ﵀ فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر ﵀ فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: أطعمنا، فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب فقال: لتسألن عن هذا يوم القيامة. قال: فأخذ عمر ﵀ العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله - ﷺ -، ثم قال: يا رسول الله إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: نعم إلا\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٩٣٤٣)، وأخرجه ابن أبي عمر (المطالب العالية ١٣/ ٦٦٥)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٤٢)، (٣/ ٤٤٣)، (١٠/ ٣٢٤)، والشجري في الأمالي (٢/ ١٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٦٩: ٩٨٧٢)، وقال: قال أبو أحمد بن عدي: الهيثم بن عدي ضعيف جدا، وهذا لا يعرف إلا بالحسن بن عمارة، عن عدي بن ثابت، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٧): رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر والطبراني بسند ضعيف منقطع. وقال الألباني في الضعيفة (٥٣٥١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٢٧٣): ضعيف جدا.","vol":"12","page":654},{"text":"من ثلاث: خرقة كف بها عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يدخل فيه من الحر والقر. رواه أحمد (^١)، ورواته ثقات.\nقوله: \"وعن أبي عسيب\"، أبو عسيب اسمه أحمر ووقع في الاستيعاب أحمر بن عسيب، مولى رسول الله - ﷺ -.\nقوله: \"فانطلق حتى دخل حائطا\" الحديث، الحائط هو البستان إذا كان [له] سياج دائر. قوله: فجاء بعذق، العذق بكسر العين العرجون بما فيه من الشماريخ، وهو العود الأصفر الذي فيه الشماريخ، والشمراخ الذي عليه البسر، وأما العذق بفتح العين هو النخلة. قوله: \"لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة\" سيأتي الكلام على هذا السؤال قريبا إن شاء الله تعالى.\n\n٤٨٧٢ - وعن عثمان بن عفان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء. رواه الترمذي (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٠٧٦٨) والحديث؛ أخرجه ابن أبي الدنيا في الجوع (٢٧٢)، والطبري ٢٤/ ٦٠٨، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٦٨، ٤٦٩)، والحاكم (٤/ ٣١٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٦١)، (٢/ ٢٨)، وفي معرفة الصحابة (٦٩٢٠)، وفي أخبار أصبهان (١/ ٢٥٤)،، والطبراني في الكبير (١/ ٩١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٨١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٨٣)، وابن الجوزي في العلل (٢/ ٣١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٧) رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٢١): حسن.\n(^٢) الترمذي (٢٣٤١)، وقال: هذا حديث صحيح والحديث؛ أخرجه الطيالسي (٨٣)، وأحمد (٤٤٠)، وعبد بن حميد (٤٦)، والبزار (٤١٤)، والطبراني (١٤٧)، والضياء في =","vol":"12","page":655},{"text":"والحاكم (^١) وصححاه والبيهقي (^٢)، ولفظه: قال رسول الله - ﷺ -: كل شيء فضل عن ظل بيت، وكسر خبز، وثوب يواري عورة ابن آدم فليس لابن آدم فيه حق. قال الحسن. فقلت لحمران: ما يمنعك أن تأخذ؟ وكان يعجبه الجمال، يا أبا سعيد إن الدنيا تقاعدت بي.\n[الجلف]: بكسر الجيم وسكون اللام بعدهما فاء: هو غليظ الخبز وخشنه، وقال النضر بن شميل: هو الخبز ليس معه إدام.\nقوله: \"وعن عثمان بن عفان\" يجوز في عفان الصرف وعدمه وعثمان كنيته أبو عمرو ويقال أبو عبد الله ويقال أبو ليلى، وتقدم الكلام على مناقب عثمان مبسوطا. قوله: \"ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يكنه وثوب\n_________\n= المختارة (٣٢٩)، وقال حنبل بن إسحاق: سألت أبا عبد الله، عن حريث بن السائب؟ قال: ما كان به بأس؛ إلا أنه روى حديثا منكرا، عن عثمان، عن النبي - ﷺ -؛ وليس هو عن النبي - ﷺ -، يعني هذا الحديث. المنتخب من كتاب العلل للخلال (٣).\nوأخرجه العقيلي، في الضعفاء (٢/ ١١٦)، وقال: حريث بن السائب، عن الحسن، ولا يتابع على حديثه. وقال الدارقطني في العلل (٢٦٥): كذا رواه حريث بن السائب، عن الحسن، عن حمران، عن عثمان، عن النبي - ﷺ -، ووهم فيه. والصواب: عن الحسن، عن حمران، عن بعض أهل الكتاب. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وحريث قد ضعفه الساجي، ثم ذكر كلام الدارقطني السابق، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٣٥)، والسلسلة الضعيفة (١٠٦٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٧٦).\n(^١) الحاكم (٤/ ٣١٢) وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٢) البيهقي، في شعب الإيمان (٥٧٦٨ و٥٧٦٩ و٩٨٨٢).","vol":"12","page":656},{"text":"يواري عورته وجلف الخبز والماء\"، أراد بالحق هنا ما لا يعيش بدونه، فينبغي للإنسان أن لا يضيع عمره في تحصيل المال إلا ما لا بد منه ولو ثوب يكسو به عورته وبيت يسكن فيه يقيه من الحر والبرد وجلف خبز، الحديث، فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر كان القلب منصرفا إلى تدبيرها ولا يتفرغ للعبادة. قال الحافظ: الجلف بكسر الجيم وسكون اللام بعدها فاء هو غليظ الخبز وخشنه، وقال النضر بن شميل هو الخبز ليس معه إدام. قاله المنذري في الأصل. وقال الترمذي (^١) سمعت أبا داود سليمان بن مسلم البلخي يقول سمعت النضر بن شميل يقول: الجلف الخبز ليس معه إدام. وعن الحسن (^٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثلاث لا يحاسب العبد بهنّ كسرة يشدّ بها صلبه، وثوب يواري عورته، وظل حصن يستظل به. وعن المطلب بن عبد الله قال (^٣): لقد دخلت خير نساء العرب على سيد المرسلين أوّل العشاء عروسا وقامت آخر الليل تطحن، وهي أم سلمة - ﵂ -.\nفائدة: النضر بن شميل المذكور بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شُميل بضم الشين المعجمة المازني أبو الحسن البصري من تابع التابعين، الساكن بمرو. قال ابن المبارك: هو أحد الأحَدَين وهو إمام في العربية\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٤/ ٥٧١).\n(^٢) مسند ابن الجعد (٣٢٠٨)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩٨٨٣)، وقال: هكذا جاء مرسلا، وهو مرسل جيد في هذا المعنى، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢١٣٤).\n(^٣) الطبقات الكبرى (٨/ ٩٢)، والمنتخب من كتاب أزواج النبي (١/ ٤٣)، والمستدرك (٤/ ١٩).","vol":"12","page":657},{"text":"والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمَروْ وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، مات سنة ثلاث أو أربع ومائتين. [يروى] أنه دخل على المأمون ووقع بينهما محادثة مآلها إلى الفرق بين السداد بفتح السين الذي هو القصد في الدين وبكسرها الذي هو البلغة، فوصل إليه بهذا الحرف ثمانون ألف دينارا أنعاما والله أعلم، قاله الكرماني (^١). وهذه الحكاية مذكورة مبسوطة في كتاب الزكاة في باب السؤال. وقال في النهاية (^٢): الجلف الخبز وحده لا أدم معه، وقيل الخبز الغليظ اليابس، ويروى بفتح اللام جمع جلفة وهي الكسرة من الخبز.\nوقال الهروي: الجلف ههنا الظرف مثل الخرج والجوالق يريد ما يترك فيه الخبز، اهـ. وفي النهاية (^٣) أيضًا: جرف الخبز أي كسره، الواحدة جرفة بالراء، وهذا التقييد يدل على أن الرواية المأثورة بتسكين اللام. وقال يحيى بن معاذ الرازي للإنسان في ماله عند موته مصيبتان عظيمتان يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله. اهـ.\n\n٤٨٧٣ - وعن أبي عبد الرحمن الجبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألست من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال:\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٩٨).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٦٢).","vol":"12","page":658},{"text":"فأنت من الأغنياء. قال: فإني لي خادما؟ قال: فأنت من الملوك. رواه مسلم (^١) موقوفا.\nقوله: \"عن أبي عبد الرحمن البجلي\" هو منسوب إلى بني [البجلى] (^٢) والمشهور في استعمال المحدثين ضم الباء منه والمشهور عند أهل العربية فتحها ومنهم من سكّنها والله أعلم. والحديث واضح، وتقدّم الكلام على الحديث الموقوف.\n\n٤٨٧٤ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما فوق الإزار، وظل الحائط، وحر الماء فضل يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه. رواه البزار (^٣)، ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم، وحديثه جيد في المتابعات.\nقوله: \"وعن ابن عباس تقدم\" وحديثه واضح أيضًا.\nقوله: \"إلا ليث بن أبي سليم\" فيه خلاف، وقد حدث عنه الناس وضعفه يحيى بن معين والنسائي.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٧) (٢٩٧٩).\n(^٢) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (الجبل)، ولعله سبق قلم.\n(^٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٣٦٤٣)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٠)، وقال: غريب من حديث يزيد. لم نكتبه إلا من حديث أبي حمزة عن ليث، وأبو حمزة هو السكري المروزي واسمه محمد بن ميمون، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٧) رواه البزار، وفيه ليث بن أبي سليم، وقد وثق على ضعف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح غير القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، وهو ثقة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥١١٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٧٧).","vol":"12","page":659},{"text":"وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، وقال مؤمل بن الفضل: سألت عيسى بن يونس عن ليث فقال: قد رأيته، وكان قد اختلط وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار، وهو على المنارة يؤذن. وقال الدارقطني: كان صاحب سنة إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، ووثقه ابن معين في رواية.\n\n٤٨٧٥ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح لك جسمك \"٦\"، وأروك من الماء البارد. ورواه ابن حبان في صحيحه (^١) والحاكم (^٢)، وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة يقال له ألم أصح لك جسمك وأروك الماء البارد\" الحديث. قال ابن\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٧٣٦٤). وأخرجه ابن الجنيد في سؤالات ابن معين (ص ٢٠٠ و٣١٠) والعباس الدوري في التاريخ (٢/ ٧٢٩ و٣/ ١٩)، والترمذي (٣٣٥٨)، وابن أبي عاصم في الأوائل (٨٥ و١٥٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (ص ٤٠)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ٢٨٨)، والخرائطي في الشكر (٥٤)، والدينوري في المجالسة (٧٥ و٣٠١٨) والطبراني في الأوسط (٦٢)، وفي مسند الشاميين (٧٧٩)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٥٦٦)، وابن بشران (٣٤ و٩٩٧)، والبيهقي في الشعب (٤٢٨٧)، والخطيب في التاريخ (٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥ و١١/ ٩٢ و١٢/ ٣٣٩)، والبغوي في شرح السنة (٤١٢٠)، وفي التفسير (٧/ ٢٨٦)، وابن عساكر (٧/ ٦٦)، وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (٢٠ و٢١)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.\n(^٢) الحاكم (٤/ ١٣٨)، وفي معرفة علوم الحديث (ص ١٨٧)، وقال: صحيح الإسناد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٣٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٢٣).","vol":"12","page":660},{"text":"بطال (^١): قال المهلب والحكمة في شرب الماء البارد لاستلذاذه ببرودته ولا سيما في اليوم الحار.\nوفي الحديث (^٢): أن رسول الله - ﷺ - دخل على رجل من الأنصار وهو يحول الماء في حائطه فقال: إن كان عندك ماء بات في شن فاسقنا. قال عندي ماء بت في شن، فانطلق وانطلقنا معه إلى العريش فجلب لنا شاة على ماء بات في شن فشرب. رواه البخاري. [وكذلك] صب [له] (^٣) اللبن على الماء [ليقوى] برده فيجتمع برد اللبن مع برد الماء البائت. وفيه أنه لا بأس بطلب [الماء] (^٤) البارد في سموم الحرّ فإنها من جملة نعم الله تعالى كما [قاله] في أول الحديث: ألم أصح جسمك وأروك من الماء البارد، اهـ.\n\n٤٨٧٦ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه. رواه الترمذي (^٥) والحاكم (^٦) والبيهقي (^٧) من\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦/ ٦٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٦٢١).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) أخرجه الترمذي (١٧٨٠)، وفي العلل الكبير (٥٤٤)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، وسمعت محمدا، يعني البخاري، يقول: صالح بن حسان منكر الحديث، وصالح بن أبي حسان الذي روى عنه ابن أبي ذئب ثقة.\n(^٦) الحاكم (٤/ ٣١٢)، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٣٧٩)، وفي الزهد (٩٥)، وابن السني في القناعة (٥٤)، (٥٥)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٧٠)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٣٩ - ١٤٠)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٨٩)، والبغوي في شرح السنة (٣١١٥)، وقال ابن الجوزي عقبه: هذا حديث لا يصح، قال يحيى بن معين: صالح بن حيان (كذا، والصواب: حسان) ليس حديثه بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وتعقبه السيوطي في اللآليء (٢/ ٣٢٣) بقوله: قلت: الحديث أخرجه الترمذي من طريقه، وهو ضعيف، لكن لم يتهم بكذب. وانظر علل الترمذي (١/ ٢٩٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٨٨) وقال في الضعيفة (١٢٩٤): ضعيف جدًا.\n(^٧) البيهقي في الشعب (٥٧٧٠)","vol":"12","page":661},{"text":"طريقها وغيرها كلهم من رواية صالح بن حسان، وهو منكر الحديث عن عروة عنها، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وذكره رزين فزاد فيه:\nقال عروة: فما كانت عائشة تستجد ثوبا حتى ترقع ثوبها وتنكسه، ولقد جاءها يومًا من عند معاوية ثمانون ألفًا، فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلا اشتريت لنا منه لحما بدرهم؟ قالت: لو ذكرتني لفعلت.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام عليها. قوله - ﷺ - لعائشة: \"وإياك ومجالسة الأغنياء\"، ومعنى قوله: \"وإياك ومجالسة الأغنياء\" هو نحو [ما روى] أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: من رآى من فُضل عليه في الخلق والرزق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل هو عليه [أجدر أن لا يزدري نعمة الله عليه]. قال أبو معاوية: رواه مسلم (^١) [في آخر مائة] والترمذي في\n_________\n= وقال البيهقي: تفرد به صالح بن حسان، وليس بالقوي.\n(^١) صحيح مسلم (٨) (٢٩٦٣).","vol":"12","page":662},{"text":"الزهد (^١)، وقال حديث صحيح. هذا حديث جامع لأنواع من الخير لأن الإنسان إذا رآى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه وهذا هو الموجود في غالب الناس.\nوأما إذا نظر في أمر الدنيا إلى من هو دونه فيها ظهرت له نعمة الله تعالى فشكرها وتواضع حصل له الخير كله والله أعلم. ويروى عن عون بن عبد الله بن عتبة قال (^٢): صحبت الأغنياء فلم أر أحدًا أكثر هما مني أرى دابة خيرا من دابتي وثوبا خيرا من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت، [انتهى]، قاله الترمذي. وعقّب [هذا] البغوي في شرح السنة بقوله: قال أنس (^٣): رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين قد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبّد بعضها فوق بعض، وعن الحسن (^٤) قال خطب عمر وهو خليفة وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة، اهـ. وتقدم أحاديث نحو هذا في كتاب اللباس والله أعلم.\nقوله - ﷺ -: \"ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه\" تستخلفي، روي بالقاف أي لا تعدينه خلقا، وروي بالفاء من استخلفه أي طلب له خلفا أي عوضا، والله\n_________\n(^١) علقه عقب (١٧٨٠) ووصله في (٢٥١٣)، وقال: هذا حديث صحيح.\n(^٢) سنن الترمذي (٤/ ٢٤٥)، وحلية الأولياء (٤/ ٢٤٢)، وشرح السنة (١٤/ ٢٩٥).\n(^٣) موطأ مالك (١٦٣٨)، والطبقات الكبرى (٣/ ٣٢٧)، الزهد لأبي داود (ص ٦٠).\n(^٤) الزهد لابن المبارك (٩٦٤)، والطبقات الكبرى (٣/ ٣٢٨).","vol":"12","page":663},{"text":"أعلم. قوله: \"قال عروة فما كانت عائشة تستجد ثوبا حتى ترقع ثوبها وتنكسه\" التنكيس عبارة عن كذا.\nقوله: \"ولقد جاءها يومًا من معاوية ثمانون ألفًا فما أمسى عندها درهم\" الحديث. وقال عروة أيضًا: وبعث معاوية إلى عائشة بمائة ألف فما قامت من مجلسها حتى وزعتها، فدخل عليها الخادم فقال لو حبست علينا درهما نشتري به لحما، فقالت [هل] ذكرتِ قبل أن أفرقها، وكانت ترقع قميصا لها، وكان معاوية [رضي الله تعالى عنه] يلقى الحسين بن علي بن أبي طالب [رضي الله تعالى عن الثلاثة الأول] فيقول (^١): مرحبا بابن رسول الله - ﷺ -، فيأمر له بثلاثمائة ألف درهم ويلقى ابن الزبير فيقول: مرحبا بابن عمة رسول الله - ﷺ - فيأمر له بمائة ألف درهم.\nتنبيه: معاوية هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي، أسلم في فتح مكة، أحد كتّاب الوحي، ولما بعث أبو بكر الجيش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد فلما مات يزيد استخلفه على عمله فأقره عمر ثم عثمان وكان فيها أيضًا زمان خلافة علي ثم سلم إليه الحسن الأمر حتى مات بدمشق سنة ستين، قاله الكرماني (^٢).\n\n٤٨٧٧ - وعن أبي سفين عن أشياخه قال: قدم سعد على سلمان يعوده قال: فبكى، فقال سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ توفي رسول الله - ﷺ -، وهو\n_________\n(^١) الشريعة (٥/ ٢٤٦٨).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٥/ ٢٨).","vol":"12","page":664},{"text":"عنك راض، وترد عليه الحوض، وتلقى أصحابك. فقال: ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا عهدا قال: لتكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، وحولي هذه الأساود، قال: وإنما حوله إجانة وجفنة ومطهرة، فقال: يا سعد: اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند يديك إذا قسمت، وعند حكمك إذا حكمت. رواه الحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد كذا قال: [قوله: وهذه الأساود حولي] قال أبو عبيد: أراد الشخوص من المتاع، وكل شخص سواد من إنسان أو متاع أو غيره.\nقوله: \"وعن أبي سفيان، قال: قدم سعد على سلمان يعوده، قال: فبكى، فقال سعد: وما يبكيك يا أبا عبد الله\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"ولكن رسول الله - ﷺ - إلينا [عهد إلينا عهدا] \" [الحديث، المراد بقوله: \"عهد إلينا عهدا\"] أي أوصانا وصية عامة.\nقوله: \"قال لتكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب\" الحديث، البلغة الكفاية، البلغة ما يتبلغ به من العيش، أي يكتفى به على قلّته. قاله الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية. وقال صاحب المغيث (^٢): أي حياة أحدكم.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٣١٧)، وعنه البيهقي في الشعب (٩٩١٠)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٦٨)، وابن أبي شيبة (٣٤٣١٢)، وفي المسند (٤٦٠)، وأحمد في الزهد (ص ٢٢١)، وهناد (١/ ٣١٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٥)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٢٤): حسن\n(^٢) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ١٨٦).","vol":"12","page":665},{"text":"قوله: \"وحولي هذه الأساود\"، قال أبو عبيد (^١): أراد الشخوص من المتاع، وكل شخص سواد من إنسان أو متاع أو غيره، اهـ. قاله الحافظ. وقال ابن الأثير في النهاية (^٢) يريد الشخوص من المتاع الذي كان عنده وكل شخص من إنسان أو غيره سواد ويجوز أن يريد الحيات جمع أسود شبهها بها [لاستضرارها] بمكانها. وفيه أي الحديث: أنه قال لعمر انظر إلى هؤلاء الأساود حولك أي الجماعات المتفرقة، يقال مرّ بنا أساود من الناس واسوِدات [كأنها] جمع اسْوِدة واسودة جمع قلة لسواد وهو الشخص لأنه يرى من بعيد أسود، اهـ. والإجّانة التي يغسل فيها الثياب، ويقال لها القصرية، والإجانة شبه المخضب، وقد جاء في الحديث، فأتي بمخضب من حجارة وأجلسوني في مخضب. وفي الرواية الأخرى فصغر أن يبسط يده وهذا يدل أيضًا أنه قد يسمى به ما صغر من ذلك كالتور والقدح كما جاء في هذا الحديث نفسه، فأتي بقدح رحراح أي واسع، اهـ قاله عياض (^٣). والجفنة معروفة والمطهرة بفتح الميم وكسرها هي الإناء الذي يتطهر به وقيل: بالكسر: الإناء، وبالفتح: المكان.\n\n٤٨٧٨ - وعن أنس - ﵁ - قال: اشتكى سلمان فعاده سعد فرآه يبكي فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله - ﷺ -، أليس، أليس؟\n_________\n(^١) غريب الحديث لابن سلام (٤/ ١٣٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤١٩).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٢٤٣).","vol":"12","page":666},{"text":"قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين ما أبكي ضنا على الدنيا، ولا كراهية الآخرة، ولكن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا عهدا ما أراني إلا قد تعديت. قال: وما عهد إليك؟ قال عهد إلينا أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب، ولا أراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد فاتق الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت: وعند همك إذا هممت. رواه ابن ماجه (^١) ورواته ثقات احتج بهم الشيخان إلا جعفر بن سليمان فاحتج به مسلم وحده.\n[قال الحافظ]: وقد جاء في صحيح ابن حبان (^٢) أن مال سلمان - ﵁ - جمع، فبلغ خمسة عشر درهما، وفي الطبراني (^٣): أن متاع سلمان بيع، فبلغ أربعة عشر درهما، وسيأتي إن شاء الله.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" دعا له رسول الله - ﷺ - بكثرة المال والولد وقد استجاب الله دعاءه في حقه وأكثره ماله بحيث يحكى أنه كان له بستان\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٣٢٨)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٢٧٥)، والطبراني (٦٠٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٣/ ٣١٨ - ٣١٩)، وقال أبو حاتم الرازي: يقول سنان في هذا الحديث: عن جعفر، عن ثابت، أحسبه عن أنس، وقال مرة: عن ثابت، عن أبي عثمان، وخلط فيه، وهذا أشبه مرسلًا. علل الحديث (١٩١٢). وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٣٢٠): هذا إسناد فيه مقال؛ جعفر بن سليمان الضبعي أخرج له مسلم في صحيحه عن ثابت، عن أنس عدَّة أحاديث، ووثقه ابن معين. والحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٢٥)، وفي الصحيحة (٤/ ٢٩٥).\n(^٢) رواه ابن حبان (٧٠٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣).\n(^٣) الطبراني (٦/ ٢٦٨/ ٦١٨٢).","vol":"12","page":667},{"text":"بالبصرة يثمر في كل سنة مرتين وأكثر ولده فكان يطوف بالبيت ومعه من ذريته أكثر من سبعين نفسا. قالت أم أنس الرميصاء بالراء والمهملة الأنصارية المشهورة بأم سليم [السالم رضي الله تعالى عنها] [تصغير السلم] (^١): ادع لخادمك. وقد استجاب الله دعاءه فيه بحيث صار أكثر أصحابه مالا وولدا، كان يطوف بالبيت ومعه أكثر من سبعين نفسا من نسله، قاله الكرماني (^٢). قوله: \"اشتكى سلمان\" [أي مرض، فعاده سعد فرآه يبكي، الحديث] (^٣). سلمان هو الفارسي. رُوي عن ابن عباس (^٤) عن سلمان أنه قال: كنت من أصبهان من قرية يقال لها جثى بفتح الجيم وشدة الياء، وكان أبي دهقانها، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا في غير ما موضع. قوله: \"ما أبكي ظنا على الدنيا\" أي بخلا بها. قوله: \"عهد إلينا عهدا\" العهد عبارة عن كذا قوله: \"ما أراني إلا قد تعديت\" أراني بضم الهمزة.\n\n٤٨٧٩ - وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم. فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. رواه أحمد (^٥) في حديث تقدم، ورواته رواة الصحيح وابن حبان في صحيحه (^٦)\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٢/ ١٤٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) الطبقات الكبرى (٤/ ٧٥)، تهذيب الأسماء (١/ ٢١٨ تهذيب الكمال ج ١١ ص ٢٤٧).\n(^٥) مسند أحمد (٢١٧٢١) وفي الزهد (ص ١٩).\n(^٦) صحيح ابن حبان (٣٣٢٩).","vol":"12","page":668},{"text":"والحاكم (^١)، وقال: صحيح الإسناد.\n\n٤٨٨٠ - وروى الطبراني (^٢) من حديث فضالة عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير؟\n[النجد] هنا: الطريق، ومنه قوله تعالى: وهديناه النجدين: أي الطريقين: طريق الخير، وطريق الشر.\nقوله: \"وعن أبي الدرداء\" تقدم. قوله: \"ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان\" الحديث، تقدم الكلام عليه في الإنفاق في وجوه الخير.\n_________\n(^١) المستدرك (٢/ ٤٨٢)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرجه الطيالسي (٩٧٩)، وابن أبي شيبة في المسند (٣٦)، وعبد بن حميد (٢٠٧)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند ابن عباس (٤٤٣)، (٤٤٤)، وفي التفسير (١٥/ ٦٠) وابن السني في القناعة (٢٢) و(٢٣) و(٢٤)، والطبراني في معجمه الأوسط (٢٨٩١)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٣١١)، وابن بشران في الفوائد (٥٥٢)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٢٦، والقضاعي في مسند الشهاب (٨١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣١٣٩، ٩٨٨٨)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٤٥)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٥٤٣ و٢٠٧٥)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٤٣)، (٩٢٠)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٥/ ٢٣٢/ ٣٣١٩)، وتخريج فقه السيرة (٤٤٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٧٠٦).\n(^٢) المعجم الكبير (٨/ ٢٦٢/ ٨٠٢٠).","vol":"12","page":669},{"text":"٤٨٨١ - وعن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: طوبى لمن هدي للإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع. رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (^٢)، وقال: صحيح على شرط مسلم.\nقوله: \"وعن فضالة بن عبيد\" كذا.\nقوله: \"طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع\" الحديث، أي ما أطيب عيشه دنيا وأخرى، ولا مرغب في الكفاف كهذا، وإياك والفضول، إياك ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ [وَلَا] أَوْلَادُهُمْ﴾ (^٣) الآية، والكفاف الذي ليس فيه فضل عن الكفاية. وروى أبو الشيخ ابن حيّان في كتاب الثواب عن سعيد بن عبد العزيز أنه سئل ما الكفاف من الرزق؟ فقال: شبع يوم وجوع يوم، اهـ. قاله المنذري. وقال بعض العلماء: الكفاف ما يكف عن الحاجات ويدفع\n_________\n(^١) الترمذي (٢٣٤٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٥٣) ومن طريقه النسائي في الكبرى (١١٣٦٣)، والقضاعي في مسنده (٦١٦، ٦١٧)، وابن حبان (٦٩٤، ٧٠٥) وأحمد (٦/ ١٩) وفي الزهد (ص ١٤) وابن السني في القناعة (٧ و٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠٥/ ٧٨٦)، (١٨/ ٣٠٦/ ٧٨٧)، وابن السني في القناعة (٦) وابن شاهين في الترغيب (٣٠٤)، والبيهقي في القضاء والقدر (٣١٩)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٤٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٣٨). (٣٩٣١)، وفي السلسلة الصحيحة (١٥٠٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٨٣٠).\n(^٢) الحاكم (١/ ٣٤ - ٣٥)، (٤/ ١٢٢) وقال الحاكم في الموضع الأول: صحيح على شرط مسلم وقال في الموضع الثاني: صحيح الإسناد.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٥٥.","vol":"12","page":670},{"text":"الضرورات والفاقات ولا يلحق بأهل الترفّهات، ومعنى هذا الحديث أن من فعل تلك الأمور واتصف بها فقد حصل على مطلوبه [وظفر] بمرغوبه في الدنيا والآخرة. قاله القرطبي (^١). ففيه تعريف من حصل له ذلك، فما أعظم ذلك من نعمة سعادة الدين بإسلامه والدنيا بكفاية المئونة [وإراحة] القناعة لباله وما أجمع قوله: \"قد أفلح\".\n\n٤٨٨٢ - وعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه. رواه مسلم (^٢) والترمذي (^٣) وابن ماجه (^٤).\n[الكفاف] الذي ليس فيه فضل عن الكفاية.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله: \"قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه\" الحديث. الفلاح الفوز والبقاء، ففيه فضيلة هذه الأوصاف، وقد يحتج به لمذهب من يقول الكفاف أفضل من الفقر ومن الغنا، وقد تقدم أن هذا مذهب أبي علي الدقاق شيخ القشيري. وقال بعضهم الكفاف حالة متوسطة بين الغنا والفقر. وقد قال النبي - ﷺ -: خير الأمور أوسطها (^٥) وهو حالة سليمة من آفات الغنا المطغي وآفات الفقر المدقع التي\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٢٧٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٥٤).\n(^٣) الترمذي (٢٣٤٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٩).\n(^٤) ابن ماجه (٤١٣٨).\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الصحابة (٧٢٩٦)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة =","vol":"12","page":671},{"text":"كان يتعوذ منها النبي - ﷺ - فكانت أفضل منهما، ثم إن صاحب الكفاف حالته حالة الفقر إذ لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها، فكانت حالته إلى الفقر أقرب، فقد حصل له ما حصل للفقراء من الثواب على الصبر وكفي مرارته ومأثمه، وعلى هذا فأهل الكفاف هم أهل العفاف إن شاء الله صدر [كنية] الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام لأنهم وسطهم والوسط العدل كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (^١) أي عدلا خيارا وليسوا من الأغنياء كما ذكرنا، ذكره الإمام القرطبي في التذكرة (^٢). [وهذا يدل على زهد النبي - ﷺ - في الدنيا وعلى تقلله منها] (^٣). وحجة [من] قال أن الكفاف أفضل من الفقر والغنا. و[قد] ذكر في الإحياء (^٤) هذا الحديث الذي نحن فيه ثم عقبه بقوله: وقال - ﵇ - (^٥) يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا، ثم ذكر أن النبي\n_________\n= (٣٩٤٠): موضوع والموقوف أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ١٤٢) قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت قال قال مطرف خير الأمور أوساطه.\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٧٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ١٩٩).\n(^٥) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٥٢) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة، وهو ضعيف جدا، فيه أحمد ابن الحسن بن أبان المصري متهم بالكذب ووضع الحديث. قال ابن السبكي: (٦/ ٣٦٨) لم أجد له إسنادًا.","vol":"12","page":672},{"text":"- ﷺ - قال (^١): يقول الله تعالى يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي؟ فيقول الملائكة: من هم يا ربنا؟ فيقول: فقراء المسلمين القانعون بعطائي، [أي] (^٢) الراضون بقدري، ادخلوا الجنة، فيدخلونها فيأكلون ويشربون والناس في الحساب يترددون. ثم قال: وهذا في القانع الراضي، ثم قال قال: ولا يخفى أن القناعة مضادّة للطمع، وقد قال [عمر رضي الله تعالى عنه: (^٣) إنّ] الطمع فقر واليأس غنى وإنه [من] يئس عما في أيدي الناس وقنع بما في يده، استغنى عنهم. وقال ابن مسعود (^٤): ما من يوم إلا وملك ينادي من تحت العرش يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك. وقيل لبعض الحكماء: ما الغنا؟ قال: قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك. وقيل: كان إبراهيم ابن أدهم من أهل النعم بخراسان فبينما هو مشرف من قصر له ذات يوم إذ نظر إلى رجل في فناء القصر وبيده رغيف يأكله، فلما أكله نام، فقال إبراهيم لبعض غلمانه: إذا قام من نومه جئتني به، فلما قام جاء به، فقال له إبراهيم: أيّها الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع. قال نعم. قال فشبعت. قال نعم. قال ثم نمت طيبا. قال: نعم. فقال إبراهيم في نفسه: فما أصنع أنا بالدنيا والنفس تقنع بهذا\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٧٥) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٥٢) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس. قال ابن السبكي: (٦/ ٣٦٨) لم أجد له إسنادًا.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) الزهد لابن المبارك (٦٣١)، الزهد لوكيع (١/ ٢٠٣).\n(^٤) إحياء علوم الدين (٣/ ٢٣٩).","vol":"12","page":673},{"text":"القدر. ومرّ رجل بعامر بن قيس وهو يأكل بقلا بملح، فقال له: يا عبد الله أرضيت من الدنيا بهذا. فقال: ألا أدلك على من رضي بدون هذا؟ قال: بلى. قال: من رضي بالدنيا عوضا عن الآخرة. وكان محمد بن واسع يخرج خبزا يابسا فيبله بالماء ويأكله بالملح ويقول: من رضي من الدنيا بهذا لم يحتج إلى أحد. قال: [ويروى] في بعض كتب الله المنزلة: يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن منها إلا القوت، فإذا أنا أعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن، وقيل في القناعة:\nاضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإن العزّ في الياس\nواستغن عن كل ذي قربى وذي رحم ... إن الغني من استغنى عن الناس\n[لكان أكثر من المعتاد وإسرافا في حق من لم يكن بتلك المنزلة من التوكل وذوق الطاعة، ولذلك يختلفون الناس في كثرة العيال وقلته فقوت كل أحد يتعلق بقدر عياله، اهـ والله أعلم].\n\n٤٨٨٣ - وروى أَبُو الشَّيْخ ابْن حيان فِي كتاب الثَّوَاب عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز أَنه سُئِلَ مَا الكفاف من الرزق قَالَ شبع يَوْم وجوع يَوْم (^١).\n\n٤٨٨٤ - وعن نقادة الأسدي - ﵁ - قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى رجل يستمنحه ناقة، فرده، ثم بعثني إلى رجل آخر يستمنحه، فأرسل إليه بناقة، فلما أبصرها رسول الله - ﷺ - قال: اللهم بارك فيها وفيمن بعث بها. قال نقادة: فقلت\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي (٨٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٦)، والبيهقي في الزهد (٤٠٥).","vol":"12","page":674},{"text":"لرسول الله - ﷺ -: وفيمن جاء بها؟ قال: وفيمن جاء بها، ثم أمر بها فحلبت فدرت، فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم أكثر مال فلان للمانع الأول، واجعل رزق فلان يومًا بيوم للذي بعث بالناقة. رواه ابن ماجه (^١) بإسناد حسن.\nقوله: \"وعن نقادة الأسدي\"، ونقادة هو ابن عبد الله بن خلف الأسدي له صحبة، عداده في أهل الحجاز، سكن البادي، روى عن النبي - ﷺ - هذا الحديث الواحد، خرّج ابن أبي الدنيا (^٢) من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده. قوله: \"بعثني النبي - ﷺ - إلى رجل يستمنحه ناقة فرده\" الحديث،\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه ٤١٣٤ والحديث؛ أخرجه الطيالسي (١٣٤٧)، وابن أبي شيبة في المسند (٦٤٠)، وأحمد (٢٠٧٣٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٢٦ - ١٢٧)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٦٦، ١٦٧)، وابن أبي عاصم، في الآحاد والمثاني (١٠٦١)، والروياني (١٤٦٢)، والطبراني في الدعاء (٢٠١٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٩٦٢)، وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ٤٢)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٢٢): ليس لنقادة عند ابن ماجه سوى هذا الحديث وليس له رواية في شيء من الخمسة الأصول وإسناد حديثه فيه مقال البراء ذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي مجهول وباقي رجال الإسناد ثقات. وقال في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٤٠) رواه أبو داود الطيالسي بإسناد حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٦٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٨٠).\n(^٢) الدينوري في المجالسة (٢٩٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٤٠٠)، وقال: عبد الله بن سعيد المقبري غير قوي في الحديث، وأخرجه ابن شاهين الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك (٣١٢)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٣٥٠).","vol":"12","page":675},{"text":"المنحة هي أن يعطى الرجل الرجل ناقة أو شاة ليأكل لبنها أو ينتفع بصوفها ثم يردها إليه، أو أرضا ليزرعها أو ما أشبه ذلك.\n\n٤٨٨٥ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. وفي رواية: كفافا. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) وابن ماجه (^٤).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا\" الحديث، أي بقدر الحاجة، قال أهل اللغة والغريب معنى قوتا، أي كفايتهم من غير إسراف، وهذا هو الظاهر وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى كفافا وقيل ما يسد الرمق من الطعام، اهـ. أي ما يسمك رمق الإنسان وهو [البلغة من العيش، القيقة] وهو [البلغة] من العيش. وقال بعض العلماء: معنى قوله: قوتا، أي ما يقوتهم ويكفيهم بحيث لا يشوشهم الجهد ولا ترهقهم الفاقة ولا تذلهم المسكنة [ولا] الحاجة ولا يكون أيضًا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا والركون إليها وهذا يدل على زهد النبي - ﷺ - في الدنيا وعلى تقلله منها والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك وهو ﵊ لا يسأل إلا أفضل الأحوال وأسنى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٦٠).\n(^٢) صحيح مسلم (١٢٦) (١٠٥٥).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٣٦١)، وقال هذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) سنن ابن ماجه (٤١٣٩).","vol":"12","page":676},{"text":"المقامات والأعمال. شعر:\nخذ من الرزق ما كفى ... ومن العيش ما صفا\nكل هذا سينقضي ... كسراج إذا انطفا\n[و] قد علم بهذا الحديث أن القوت لا بد منه والأقل منه مذموم عند بعض الناس والأكثر منه أيضًا مذموم عند الناس، فالنبي - ﷺ - بيّن ما هو [الأصلح] للعوام والخواص، فهذا الحديث يدخل فيه جميع الناس لأن القوت عبارة عما يحتاج إليه الإنسان والناس يختلفون في القوت فبعضهم اعتاد الأكل في [كل] عشرة أيام يومًا ومنهم من اعتاد فوق ذلك فإذا بلغ الرجل الوقت الذي كان يعتاد فيه الأكل وعلم أنه لو لم يأكل للحقه ضرر فقوته يدفع عن نفسه الضرر في ذلك الوقت، فإن طلب ذلك الشخص [أكثر] (^١) مما كان يعتاده من القوت لكان طلبه أكثر من المعتاد إسرافا في حق من لم يكن بتلك المنزلة من التوكل وذوق الطاعة، ولذلك يختلفون الناس في كثرة العيال وقلته فقوت كل أحد يتعلق بقدر عياله، اهـ والله أعلم.\n\n٤٨٨٦ - وروي عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا. رواه ابن ماجه (^٢).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤١٤٠) وأخرجه وكيع في الزهد (١١٧)، وأحمد (١٢١٦٣)، وعبد بن حميد (١٢٣٥)، وهناد في الزهد (٥٩٩)، وأبو يعلى (٣٧١٣) و(٤٣٣٩)، (٤٣٤١)،، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٦٩ - ٧٠) والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٣٧٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٣١)، وقال ابن حجر في =","vol":"12","page":677},{"text":"قوله: \"وعن أنس بن مالك\"، تقدم. قوله - ﷺ -: \"ما من غني ولا فقير إلا ودّ يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا\" أي تمنى والقوت القدر الذي يمسك الرمق من الطعام، وتقدم الكلام على القوت مبسوطا في الأحاديث قبله.\n\n٤٨٨٦ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا من غَنِي وَلا فَقير إِلَّا ود يَوْم الْقِيَامَة أَنه أُوتِيَ من الدُّنْيَا قوتا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).\n\n٤٨٨٧ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يتبع الْمَيِّت ثَلَاث أَهله وَمَاله وَعَمله فَيرجع اثْنَان وَيبقى وَاحِد يرجع أَهله وَمَاله وَيبقى عمله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. (^٢)\n\n٤٨٨٨ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مَا من عبد وَلا أمة إِلَّا وَله ثَلَاث أخلاء فخليل يَقُول أَنا مَعَك فَخذ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت فَذَلِك مَاله وخليل يَقُول أَنا مَعَك فَإِذا أتيت بَاب الْملك تركتك فَذَلِك خدمه وَأَهله وخليل يَقُول أَنا مَعَك حَيْثُ دخلت وَحَيْثُ خرجت فَذَلِك عمله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَرَوَاهُ فِي الْأَوْسَط وَلَفظه قَالَ\n_________\n= فتح الباري (١١/ ٢٧٥): نفيع وهو ضعيف. وأخرجه ابن عدي، في الكامل ٨/ ٣٢٩، في ترجمة نفيع، وقال: سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: نفيع أبو داود كذاب، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٨٦٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٨١): ضعيف جدًا.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤١٤٠). وضعفه الألباني جدا الضعيفة (٤٤٧٤ و٤٨٦٩) وضعيف الترغيب (١٨٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥١٤) ومسلم (٥ - ٢٩٦٠).","vol":"12","page":678},{"text":"رَسُول الله - ﷺ - مثل الرجل وَمثل الْمَوْت كَمثل رجل لَهُ ثَلاثة أخلاء فَقَالَ أحدهم هَذَا مَالِي فَخذ مِنْهُ مَا شِئْت وَأعْطِ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك أخدمك فَإِذا مت تركتك وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك أَدخل مَعَك وَأخرج مَعَك إِن مت وَإِن حييت فَأَما الَّذِي قَالَ هَذَا مَالِي فَخذ مِنْهُ مَا شِئْت ودع مَا شِئْت فَهُوَ مَاله وَالْآخر عشيرته وَالْآخر عمله يدْخل مَعَه وَيخرج مَعَه حَيْثُ كَانَ (^١)\n\n٤٨٨٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مثل ابْن آدم وَمَاله وَأَهله وَعَمله كَرجل لَهُ ثَلَاثَة إخْوَة أَو ثَلَاثَة أَصْحَاب فَقَالَ أحدهم أَنا مَعَك حياتك فَإِذا مت فلست مِنْك وَلست مني وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك فَإِذا بلغت تِلْكَ الشَّجَرَة فلست مِنْك وَلست مني وَقَالَ الآخر أَنا مَعَك حَيا وَمَيتًا. رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٢٧٢)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٤٤ رقم ٧٣٩٦)، والحاكم (١/ ٧٤ - ٧٥ و١/ ٣٧٢). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥١ - ٢٥٢: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورواه البزار بنحوه، وأحد أسانيده في الكبير رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٢٣١)\n(^٢) أخرجه البزار (٨٣٥٦)، وأبو الشيخ في أمثال الحديث (٣٠٩)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٨٥ رقم ٩٩٩٣). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٢: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في الإتحاف -خ- (٣/ ٨٩ ب) مختصر: سند صحيح. قلت: إسناده حسن، ابن عجلان هو محمَّد، قال الإمام الذهبي في المغني (٢/ ٦١٣): هو حسن الحديث. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٢٣٢).","vol":"12","page":679},{"text":"٤٨٩٠ - وعن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى ما سوى ذلك، فهو ذاهب، وتاركه للناس. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فاقتنى\" أي أعطى ما يقتني الحديث هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة، فاقتنى بالتاء ومعناه ادخره لآخرته أي ادخر ثوابه، وفي بعض النسخ فأقنى بحذف التاء أي أرضى، قاله النووي في شرح مسلم (^٢). قوله: \"وما سوى ذلك\" بمعنى غير، تقول هذا سوى زيد أي غيره، هذا إذا استعمل لغير الاستثناء، أما إذا استعمل فيه كان ظرفا بدليل وقوعه صلة الموصول في قولك جاء [من] الذي سواك أي مكانك، إذ هو كقولك جاءني الذي أمامك. قال أبو العتاهية (^٣):\nاسعد بمالك في الحياة فإنما ... يبقى وراءك مصلح أو مفسد\nفإذا تركت لمفسد لم يبقه ... وأخو الصلاح قليله يتزيّد\nفإن استطعت فكن لنفسك وارثا ... إن المورث نفسه لمسدد\n[ولمنصور الفقيه بيت:] (^٤) كل ما ليس للبر من أيدي باذِليه -\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤) (٢٩٥٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٩٤).\n(^٣) تفسير القرطبي (٢/ ٧٤).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":680},{"text":"-- فهو للوارث والوزر على مكتَسِبيه.\n\n٤٨٩١ - وعن عبد الله بن الشخير - ﵁ -، قال: أتيت النبي - ﷺ -، وهو يقرأ: ألهاكم التكاثر قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣)، وتقدم أحاديث من هذا النوع في الصدقة وفي الإنفاق.\nقوله: \"وعن عبد الله بن الشخّير\" [هو بشين وخاء معجمتين مكسورتين، والخاء فيه مشددة، الصحابي، هو أبو عبد الله بن الشّخير] بن عوف بن كعب بن وفدان بن الجريش وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرسي البصري وهو والد مطرف ويزيد، روى له مسلم في صحيحه حديثين في ذكر جماعة من الصحابة المشهور بالكنا. قوله في الحديث: \"أو تصدقت فأمضيت\"، الحديث، معناه أي أنفذت فيه عطاءك ولم تتوقف فيه. قاله في النهاية (^٤).\n\n٤٨٩٢ - وعن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مر بالسوق، والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت: فتناوله بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا بدرهم؟\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣) (٢٩٥٨).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٣٤٢ - ٣٣٥٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) سنن النسائي (٦/ ٢٣٨).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٣٩).","vol":"12","page":681},{"text":"فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا لكان عيبا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: والله للدنيا أهون على الله ﷿ من هذا عليكم. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن جابر\"، هو ابن عبد الله، تقدم. قوله: \"أن النبي - ﷺ - مرّ بالسوق كنفتيه\" أي جانبيه. قاله المنذري. وفي بعض النسخ: كنفيه، ومعناه جانبه، ذكره النووي. قوله: \"فمرّ بجدي أسك ميّت فتناوله بأذنه\" الحديث. الأسك ضبطه الحافظ وفسره فقال هو الصغير الأذن، اهـ. وقال بعضهم الأذنين الضيق [صماخيهما]، وقيل هو الذي لا يسمع.\nوقال ابن الأثير (^٢) أسك أي مصطلم الأذنين مقطوعهما. وقال ابن الأثير في موضع آخر (^٣): أصك ميت، بالصاد، الصكك أن تضرب إحدى الركبتين الأخرى [عند] العدو فيؤثر فيهما أثرا كأنه لما رآه ميتا قد تقلصت ركبتاه وصفه بذلك أو كان شعر ركبتيه قد ذهب من الاصطكاك وانجرد فعرفه به. ويروى بالسين وتقدم، اهـ. قوله: \"فقال والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم\" الدنيا وزنها فُعلى وألفها للتأنيث وهي من الدنو بمعنى القرب، وهي صفة لموصوف محذوف كما قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (^٤)، غير أنه قد [أُكثِر] استعماله استعمال الأسماء، فاستغنى عن\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢) (٢٩٥٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٨٤).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٢).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.","vol":"12","page":682},{"text":"[وصفها] كما جاء في الحديث، والمراد الدار الدنيا التي تقابلها الدار الأخرى أو الحياة الأخرى، ومعنى هوان الدنيا على الله ﷾ أنه لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقة موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء وإنما جعلها دار رحلة وبلاء وأنه ملّكها في الغالب الكفرة والجهال وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال. وقد أوضح النبي - ﷺ - هذا المعنى بقوله لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى [كافرا منها شربة] ماء وحسبك بها هوانا أن الله تعالى [قد] صغرها وحقرها وذمّها وأبغضها وأبغض أهلها ومحبيها ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها والتأهب للارتحال عنها، اهـ. ويكفيك من ذلك ما رواه أبو عيسى الترمذي (^١) عن النبي - ﷺ - أنه قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم. وقال حديث حسن غريب.\n\n٤٨٩٣ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: مر النبي - ﷺ - بشاة ميتة قد ألقاها أهلها فقال: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها. رواه أحمد (^٢) بإسناد لا بأس به.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٣٢٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال الألباني: حسن.\n(^٢) أحمد في المسند (٣٠٤٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٢٣٦)، وابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٣)، وابن أبي عاصم في الزهد (٦٠)، (١٣٢)، والبزار (٣٦٩١ - كشف الأستار)، وأبو يعلى (٢٥٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٨٩) قال الإمام أحمد: هو عندي خطأ المنتخب لابن قدامة من العلل للخلال (٤).\nوقال أبو حاتم وأبو زرعة في العلل على هذا الحديث (١٨٩٧) مثل ما قال الإمام أحمد - =","vol":"12","page":683},{"text":"قوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها\" تقدم معنى هوانها على الله تعالى في الحديث قبله.\n\n٤٨٩٤ - وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: مر النبي ﷺ بدمنة قوم فيها سخلة ميتة فقال: ما لأهلها فيها حاجة؟ قالوا: يا رسول الله لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها، فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذه السخلة على أهلها فلا ألفينها أهلكت أحدًا منكم. رواه البزار (^١) والطبراني في\n_________\n= يعني: إنه خطأ - وقالا: إنما هو أن النبي - ﷺ - مر بشاة ميتة فقال: ما على أهل هذِه لو انتفعوا بإهابها فقلت لهم - أي: ابن أبي حاتم - الوهم ممن هو؟ قالا: من القرقساني.\nوقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن الأوزاعي إلا محمد بن مصعب، ولا نعلم أحدًا تابعه عليه. كشف الأستار (٣٦٩١). وقال أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٨٩) غريب من حديث الأوزاعي عن الزهري، وقال الهيثمي (١٠/ ٢٨٧): رواه أحمد، وأبو يعلى والبزار وفيه محمد بن مصعب وقد وثق على ضعفه وبقية رجالهم رجال الصحيح.\nوقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٢٧): رواه أبو يعلى الموصلي وأحمد بن حنبل بإسناد حسن وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٨٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٣٦)\n(^١) مسند البزار= البحر الزخار (٤١١٣)، وقال: وهذا الحديث قد روي نحو كلامه عن رسول الله - ﷺ - من وجوه وأعلى من يروى ذلك عنه أبو الدرداء بهذا الإسناد وإسناده صحيح من حديث أهل الشام وفي حديث أبي الدرداء زيادة على سائر الأحاديث: فلا ألفينها أهلكت أحدًا منكم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٧) رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٣٧)، وفي الصحيحة =","vol":"12","page":684},{"text":"[الكبير] (^١) من حديث ابن عمر بنحوه، ورواتهما ثقات، ورواه أحمد (^٢) من حديث أبي هريرة ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - مر بسخلة جرباء قد أخرجها أهلها، فقال: أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها.\n\n٤٨٩٥ - وفي رواية للطبراني (^٣) من حديث ابن عمر أيضًا نحوه، وزاد فيه: ولو كانت تعدل عند الله مثقال حبة من خردل لم يعطها إلا لأوليائه وأحبابه من خلقه.\n[الدمنة] بكسر الدال: هي مجتمع الدمن، وهو السرجين الملبد بعضه على بعض [والسخلة] الأنثى من ولد الضأن.\n[وقوله: فلا ألفينها] بالفاء وتشديد النون: أي فلا أجدنها.\nقوله: \"وعن أبي الدرداء\" تقدم. قوله: \"مرّ النبي - ﷺ - بدمنة قوم فيها سخلة ميتة\" الحديث، الدمنة، هي مجتمع الدمن وهو السرجين الملبّد\n_________\n= (٣٣٩٢).\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٣٤٨/ ١٣٣١٠)، وفي المعجم الأوسط (٢٩١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٧): هكذا رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله ثقات.\n(^٢) أحمد (٨٤٦٤)، والدارمي (٢٧٧٩)، وهناد في الزهد (٥٧٩)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٣٤): البزار (٣٦٩٣)، والقضاعي (١٤٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٧) رواه أحمد، وفيه أبو المهزم، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٣٩).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٣٤٨/ ١٣٣١٠).","vol":"12","page":685},{"text":"بعضه على بعض، انتهى، قاله المنذري. وقال في النهاية (^١) الدمنة مجتمع الدمن وهو ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها أي تُلبده في مرابضها وهو السرجين والسرقين بكسر السين وفتحها عجمي معرب وهو الزبل. قوله: \"فيها سخلة ميتة\" الحديث، السخلة الأنثى من ولد الضأن، اهـ. قاله الحافظ، وقال بعض العلماء السخلة ولد الشاة من المعز والضأن ذكرًا كان أو أنثى، والجمع سخل وسخلة وسخال. قال الشاعر:\nفللموت تعدو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن\nوقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة تضعها من الضأن والمعز جميعًا ذكرًا كان أو أنثى سخلة ثم هي بهمة بفتح الباء الموحدة للذكر والأنثى وجمعها بهم فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها فما كان من أولاد المعز فهي جفار واحدها جفر والأنثى جفرة فإذا رعى وقوي فهو عريض وعتود. فرع له تعلق بالسخلة الجلالة: بمعنى السخلة المربّاة بلبن كلبة لها حكم الجلالة يكره أكلها كراهة تنزيه على الأصح، وقال ابن إسحاق والقفال كراهة تحريم ورجحه الإمام والغزالي وسئل سحنون المالكي عن خروف أرضعته خنزيرة فقال لا بأس بأكله. قال الطبري (^٢): العلماء مجمعون على أن الجدي إذا اغتذى بلبن كلبة أو خنزيرة لا يكون حراما ولا خلاف أن ألبان الخنازير نجسة كالعذرة وسواء كانت الجلالة من الإبل أو البقر أو الغنم أو\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٣٤).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٦).","vol":"12","page":686},{"text":"الدجاج والأصح أنه لا اعتبار بالكثرة بل بالرائحة فإذا علقت مدة إلى أن زال نتنها فلا كراهة وإن لم تعلق لم يزل المنع بغسل اللحم ولا بالطبخ وإن زالت الرائحة، ويكره الركوب عليها من غير حائل بين الراكب وبينها ويطهر جلدها بالدباغ والأصح أنه كاللحم لا يطهر بالذكاة عند القائل بالتنجيس والله تعالى أعلم. قوله: \"لو كان لأهلها فيها حاجة فانبذوها\" الحديث، النبذ الطرح. قوله: \"فقال والله للدنيا أهون على من هذه السخلة على أهلها\"، الحديث. قال الإمام القرطبي (^١): قال علماؤنا معنى هوان الدنيا على الله تعالى هو أنه لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه كما تقدم، ومع هوانها لا بد للإنسان منها لأنه السبيل المقصود والطريق المقصود. قال - ﷺ -: لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشرّ، وذم رجل الدنيا عند علي - ﵁ - فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها. وقال محمود الوراق (^٢):\nلا تتبع الدنيا وأيامها ذما ... وإن دارت بك الدائرة\nمن شرف الدنيا ومن فضلها ... أن بها تستدرك الآخرة\nقوله: \"لا ألفينها\" ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي فلا أجدنها.\n\n٤٨٩٦ - وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - لو كانت الدنيا\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٢/ ١٤٠).\n(^٢) أدب الدنيا والدين (١/ ١٥٨).","vol":"12","page":687},{"text":"تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. رواه ابن ماجه (^١) والترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن صحيح.\nقوله: \"وعن سهل بن سعد\"، تقدم قوله - ﷺ -: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، الحديث. قال الشاعر:\nإذا كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوضة عند من أنت عبده\n[وأشغل جزء منه كلك ما الذي ... يكون على ذا الحال قدرك عنده\nوأنشدوا في معناه] (^٣):\nتمتع من الدنيا إن كنت حازما ... فإنك منها بين ناه وآمر\nإذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما مات من شيء فليس بضائر\nوإن تعدل الدنيا جناح [بعوضة] ... ولا وزن [زق] من جناح لطائر\n[فما رضي الدنيا ثوابًا لمؤمن ... ولا رضي الدنيا جزاء لكافر] (^٤)\nفائدة: والبعوض على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء منه فإن الفيل أربعة أرجل وخرطومان وذنبا وله مع هذه الأعضاء رجلان [زائدتان] وأربعة\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤١١٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠) وقال: حديث صحيح غريب، والحديث؛ أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٦)، والروياني (١٠٥٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٤٨/ ٥٨٤٠ و٥٩٢١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٩٩٨١ و٩٩٨٢)، والبغوي (٤٠٢٧). والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٠) وصححه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٩٢)، والصحيحة (٩٤٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٤٠).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":688},{"text":"أجنحة وخرطوم الفيل مصمَت وخرطومه مجوف نافد الجوف فإذا طعن جسد الإنسان [استقر] الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم فلذلك اشتدّ عضّها وقويت على خرق الجلود الغلاظ. قال الراجز:\nمثل السقاة دائما طنينها ... ركب في خرطومها [سكينها]\nوالبعوضة على صغر جرمها قد أودع الله في مقدّم دماغها قوة الحفظ وفي وسطه قوة الفكر وفي مؤخره قوة الذكر وخلق لها حاسة البصر وحاسة اللمس وحاسة الشم وخلق لها منفذا للغذاء ومخرجا للفضلة وخلق لها جوفا وأمعاء وعظاما، فسبحان من قدر فهدى ولم يخلق شيئًا من المخلوقات سدى. أنشد الزمخشري في تفسير سورة البقرة:\nيا من يرى مدّ البعوض جناحه ... في ظلمة الليل البهيم الأليل\nويرى مناط عروقها من لحمها ... والمخ من تلك العظام النّحّل\nامنن عليّ بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول\n[وقال الزمخشري:] ونقل ابن خلكان (^١) عن بعض الفضلاء أنّ الزمخشري أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره، وتوفي في ليلة عرفة [سنة] ثمان وثلاثين وخمسمائة، و[قد] (^٢) تكلم في الإحياء في باب المحبة على خلق البعوضة وصفتها وما أودعه الله فيها من الأسرار، اهـ. قاله في حياة\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ١٨٨).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":689},{"text":"الحيوان (^١).\nلطيفة: روى البخاري في الأدب (^٢) والترمذي (^٣) في مناقب الحسن والحسين - ﵄ - من حديث عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كنت عند ابن عمر فسأله رجل عن دم البعوض فقال فمن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال: انظروا إلى هذا [يسألني] عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله - ﷺ -. وسمعته - ﷺ - يقول: هما ريحانتاي من الدنيا. وقال: ولم يكن أحد أشبه برسول الله - ﷺ - من الحسن والحسين، وروى ابن حبان (^٤) والترمذي (^٥) عن علي - ﵁ - قال: كان الحسن أشبه برسول الله - ﷺ - ما بين الصدر إلى الرأس، والحسن أشبه بالنبي - ﷺ - ما كان أسفل من ذلك اهـ، قاله\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ١٨٨).\n(^٢) البخاري (٥٩٩٤)، وفي الأدب المفرد (٨٥).\n(^٣) الترمذي (٣٧٧٠)، وقال: هذا حديث صحيح.\n(^٤) ابن حبان (٦٩٧٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٧٦) رواه الطبراني، وإسناده جيد. وقال الألباني في ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ١٧٥/ ٢٧٥): ضعيف انظر: المشكاة (٦١٦١).\n(^٥) الترمذي (٣٧٧٩)، وقال: هذا حديث حسن غريب وأخرجه الطيالسي (١٣٠)، وأحمد (٢٧٧٤)، (٨٥٤)، وفي فضائل الصحابة (١٣٦٦)، والبغوي في معجم الصحابة (٢/ ١١)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٩٥/ ٢٧٦٨: ٢٧٧٢)، والآجري في الشريعة (١٦٣١)، وابن أبي عاصم الآحاد والمثاني (٤٠٧)، والدولابي في الذرية الطاهرة (١٠٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢٧٣٩ - ٢٧٤٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٧٦٨)، والبيهفي في دلائل النبوة (١/ ٣٠٧).","vol":"12","page":690},{"text":"في حياة الحيوان (^١).\n\n٤٨٩٧ - وَعَن سلمَان - ﵁ - قَالَ جَاءَ قوم إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ لَهُم ألكم طَعَام قَالُوا نعم قَالَ فلكم شراب قَالُوا نعم قَالَ وتبردونه قَالُوا نعم قَالَ فَإِن معادهما كمعاد الدُّنْيَا يقوم أحدكُم إِلَى خلف بَيته فَيمسك أَنفه من نَتنه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٢).\n\n٤٨٩٨ - وعن الضحاك بن سفيان - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال له: يا ضحاك: ما طعامك؟ قال: يا رسول الله اللحم واللبن. قال: ثم يصير إلى ماذا؟ قال: إلى ما قد علمت. قال: فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا. رواه أحمد (^٣)، ورواته رواة الصحيح إلا علي بن زيد بن جدعان.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ١٩٠).\n(^٢) أخرجه يحيى بن صاعد في زوائد الزهد (٤٩٢)، والطبراني في الكبير ٦/ ٢٤٨ (٦١١٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٨٨: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٤١).\n(^٣) مسند أحمد (١٥٧٤٧). وأخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (٢١٠)، وفي الجوع (١٦٤)، والبغوي في معجم الصحابة (٣/ ٣٨٨)، وأبن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٩)، والطبراني (٨/ ٢٩٩/ ٨١٣٨) والبيهقي في شعب الإيمان (٥٢٦٦ و٩٩٨٩). قال علي بن المديني: حديث بصري، إسناده منقطع، لأن الحسن لم يسمع من الضحاك، فكان الضحاك يكون بالبوادي، ولم يسمع منه. العلل (٩٧). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٢٦) رواه أبو يعلى وأحمد بن حنبل بسند ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٨): رجاله رجال الصحيح غير علي بن زيد بن جدعان وقد وثق. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٦). صحيح الترغيب =","vol":"12","page":691},{"text":"\"وعن الضحاك بن سفيان\" هو أبو سعيد، الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة الكلابي العامري. عداده في أهل المدينة وكان ينزل بنجد، وولاه النبي - ﷺ - على من أسلم من قومه، وهو الذي كتب إليه النبي - ﷺ - ليورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.\nروى عنه ابن المسيب، والحسن البصري، ويقال: إنه كان لشجاعته يعد بمائة فارس، وكان يقوم على رأس النبي - ﷺ - بالسيف.\nقوله - ﷺ -: \"فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا\" لخستها وحقارتها فالمطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته وتطييبه وتحسينه يعود إلى حال يستقذر فكذا الدنيا المحروص على عمارتها ونظم أسبابها ترجع إلى خراب وإدبار وقال الحسن قد رأيتهم يطيبونه بالأفاويه والطيب ثم يرمون به حيث رأيتم وقد قال الله ﷿ فلينظر الإنسان إلى طعامه قال ابن عباس إلى رجيعه وقال رجل لابن عمر إني أريد أن أسألك وأستحي قال فلا تستحي واسأل قال إذا قضى أحدنا حاجته فقام ينظر إلى ذلك منه قال نعم إن الملك يقول له انظر إلى ما بخلت به انظر إلى ماذا صار وكان بشر بن كعب يقول انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم.\n_________\n= والترهيب (٢١٥١).","vol":"12","page":692},{"text":"٤٨٩٩ - وعن أبي بن كعب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه، فانظر إلى ما يصير؟ رواه عبد الله بن أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢).\n[قوله: قزحه] بتشديد الزاي: هو من القزح، وهو التابل يقال: قزحت القدر: إذا طرحت فيها الأبزار. [وملحه] بتخفيف اللام: معروف.\nقوله: \"عن أبي بن كعب\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله - ﷺ -: \"إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزّحه وملحه\" الحديث. قزّحه بتشديد الزاي من [القزح] وهو [التبائل، انتهى قاله المنذري، وقال ابن الأثير في النهاية (^٣): أي توبَّله] الذي يطرح في القدر أي [يطيّبه] بالأبازير [كالكمون والكزبرة ونحو ذلك، يقال قزحت القدر إذا تركت فيها الأبازير] (^٤)، اهـ. وملحه بتخفيف\n_________\n(^١) أحمد (٥/ ١٣٦)، والحديث؛ أخرجه ابن المبارك، في الزهد (٤٩٣ و٤٩٤)، وابن أبي عاصم، في الزهد (٢٠٥)، والشاشي (١٥٠١ و١٥٠٢)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٥٦٥١ و٥٦٥٢ و١٠٤٧٣)، والطبراني في الكبير (١/ ١٩٨/ ٥٣١).\nوقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١١٩): الشطر الأول منه غريب وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٨) رواه عبد الله، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح غير عتي، وهو ثقة.\nوحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢١٩٥)، والصحيحة (٣٨٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢١٥٠).\n(^٢) ابن حبان (٧٠٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٥٨).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":693},{"text":"اللام وهو معروف، اهـ. قاله المنذري. قال في النهاية (^١): وملحه، أي ألقى فيه الملح بقدر الإصلاح، يقال منه ملحت القدر بالتخفيف وأملحتها وملّحتها إذا أكثرت ملحها حتى تفسد، اهـ. قوله: \"وضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلا\" الحديث، فأما تمثيل النبي - ﷺ - بما يخرج من الإنسان فبيّن المعنى وقد مثّل الدنيا بعض الفضلاء بالجيفة التي تجتذبها الكلاب. للقرطبي فقال:\nما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب هَمُّهُنَّ اجتذابها\nفطوبى لنفس أوطنت قعر دارها ... مغلّقة الأبواب مرخى حجابها\nوالمعنى أن المطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته [وتطييبه] (^٢) فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها وثظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار. قاله في النهاية (^٣).\n\n٤٩٠٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم أو متعلم. رواه ابن ماجه (^٤) والبيهقي (^٥) والترمذي (^٦)، وقال: حديث حسن.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٥٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٥٨).\n(^٤) سنن ابن ماجه (٤١١٢).\n(^٥) شعب الإيمان (١٥٨٠).\n(^٦) سنن الترمذي (٢٣٢٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٤١٤). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٦٠٩)، وصححه في الصحيحة (٢٧٩٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٧٤).","vol":"12","page":694},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه\" قيل معناه ما تابعه من اتباع أمره ونهيه، قيل وسُئل سهل عن هذا الحديث فقال: المراد بذكر الله هنا الزهد في الحرام وهو أنه إذا استقبله حرام يذكر الله تعالى ويعلم أنه مطلع عليه فيجتنب ذلك الحرام. قوله: \"وعالم أو متعلم\" في كثير من النسخ بالرفع والوجه النصب نسقا على ذكر الله والله أعلم. فقوله: \"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها\" الحديث، هو حديث حسن غريب. قال أبو العباس القرطبي (^١): لا يفهم من هذا الحديث إباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا لما رويناه من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي - ﷺ - قال: لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، [وفي حديث أبي موسى هذا:] إن العبد إذا قال لعن الله الدنيا، قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه؛ خرّجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشمي، ورواه الطبراني في الدعوات (^٢) من حديث ابن مسعود إلى قوله: وبها ينجو من الشر. فقال: وبها ينجو من النار. وقال علي - ﵁ - (^٣): لا تسبوا الدنيا فيها تصلون وفيها تصومون وفيها تعملون، فشبّه الدنيا بالمطيّة\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٢/ ١٤١).\n(^٢) الدعاء للطبراني (٢٠٥٢)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٥٠٢)، والشاشي (٣٨٣)، والضياء في حديث أبي نصر العكبري وغيره (٤٥)، وقال الألباني في الضعيفة (٥٤٢٠): موضوع.\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (١/ ١٨٦).","vol":"12","page":695},{"text":"لأن المؤمن مسافر عليها إلى الآخرة، وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها. فإن قيل كيف الجمع بينهما.\nقال العلماء: [وجه] الجمع بينهما أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن الله وشاغلا عنه، كما قال بعض السلف كل ما شغلك عن الله من مال أو ولد فهو عليك مشئوم، وهو الذي نبّه ﷾ على ذمه بقوله: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ (^١)، الآية. وأما ما كان من الدنيا يقرب من الله تعالى ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان والمحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يُسبّ بل يرغّب فيه ويُحبّ وإليه الإشارة بالاستثناء، حيث قال: \"إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم\" وهو المصرح به [في] قوله: نعم مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين والله أعلم.\n\n٤٩٠١ - وعن المستورد أخي بني فهر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم اصبعه في هذه اليم، وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة، فلينظر بم يرجع؟ رواه مسلم (^٢).\nقوله: \"وعن المستورد أخي بني فهد\" المستورد هو ابن شدّاد بن عمرو القرشي الفهري له ولأبيه صحبة، سكن الكوفة روى عنه البصريون والكوفيون والمصريون وغيرهم، استشهد به البخاري في الصحيح، [وروى]\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ٣٦.\n(^٢) صحيح مسلم (٥٥) (٢٨٥٨).","vol":"12","page":696},{"text":"له في الأدب وروى له الباقون. قوله - ﷺ -: \"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم - وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة - فلينظر بم يرجع\" الحديث. وفي رواية لمسلم: وأشار إسماعيل بالإبهام؛ وإسماعيل هو ابن أبي خالد، هكذا هو في نسخ بلادنا. بالإبهام وهي الإصبع العظمى المعروفة، مؤنثة، والجمع الأباهيم، قاله الجوهري (^١). [وقال] القاضي عياض (^٢): رواية السبابة أظهر من رواية الإبهام، وأشبه بالتمثيل لأن العادة الإشارة بها لا بالإبهام، ويحتمل أنه أشار بهذه مرة وبهذه مرة، قاله النووي في شرح مسلم، وفي رواية له أيضًا وأشار يحيى بن سعيد بالسبّابة ويحيى بن سعيد هو أحد رواة هذا الحديث، عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن المستورد. قوله: \"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم\" الحديث، [اليم] هو البحر الذي لا يدرك قعره، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (^٣)، وقيل هو لجة البحر ومعظم مائه، اهـ. قوله: \"فلينظر بم يرجع\" ضبطوا ترجع بالمثناة فوق جعلوا الفعل للإصبع وهي مؤنثة، ورواه أهل البصرة بالمثناة تحت جعلوا الفعل لليم والأول أشهر، فمن رواه بالمثناة تحت أعاد الضمير إلى أحدكم ومن رواه بالمثناة فوق أعاد الضمير إلى الأصبع وهو الأضهر، ومعناه لا يَعلقُ بها شيء كثير من الماء.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ١٨٧٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٩٢).\n(^٣) سورة القصص، الآية: ٧.","vol":"12","page":697},{"text":"[معنى] الحديث ما الدنيا بالنسبة [إلى الآخرة] في قصر مدتها وفناء لذتها ودوام الآخرة ودوام لذتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي اليم، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (^١). وقال في سلاح المؤمن، معنى الحديث: إنما قدر الدنيا في الآخرة في المساحة، والقدر والقلة في جنب الآخرة وكثرة خيرها إذ قد يُعطى الواحد من أهل الجنة وهو أدناهم منزلة مثل الدنيا وعشرة أمثالها إلى ما ورد من [غير] (^٢) هذا وقد يكون ذلك تمثيلا لزوال الدنيا وفنائها وحقارة لذتها الفانية في جنب أمر الآخرة ونعيمها الدائم ولذاتها الباقية، اهـ. قال [بعض العلماء وهو] صاحب تهذيب النفوس الحنفي: قلت: لا شيء في تحقير الدنيا يبلغ هذا المبلغ وما أحسن عقل من نوّر الله من نوّر الله قلبه ووسّع عليه عقله وفتح بصيرته حتى يعرف هذه النسبة التي نسبها الذي لا ينطق عن الهوى فتظهر له حقارة الدنيا وخسّتها ونفاسة الآخرة وشرفها وعلوها، وقال عمر بن الخطاب - ﵁ - (^٣) والله ما الدنيا من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام فرأى في منامه شيئا عجبا فاستيقظ فإذا هو لا شيء، قال الشاعر:\nإنما الدنيا كظل زائل ... أو كضيف بات ليلًا فارتحل\nأو كنوم قد رآه حالم ... فإذا ما ذهب النوم بطل\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ١٩٢).\n(^٢) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (هذا)، ولعله سبق قلم.\n(^٣) الدر المنثور (٢/ ٥٩٤). عن الحسن","vol":"12","page":698},{"text":"يصبح الإنسان فيها فرحا ... ربما أمسى إلى القبر انتقل\n\n٤٩٠٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم، وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع. رواه البخاري (^١)، وتقدم مع شرح غريبه في الرباط.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم\" تقدم الكلام على غريب هذا الحديث، ومعناه في الجهاد والله أعلم.\n\n٤٩٠٣ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى. رواه أحمد (^٢) ورواته ثقات، والبزار (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) والحاكم (^٥)\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٨٨٦ - ٢٨٨٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٦٩٧)، (١٩٦٩٨).\n(^٣) مسند البزار= البحر الزخار (٣٠٦٧).\n(^٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢٤٧٣) وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا إسماعيل بن جعفر في أحاديثه (٣٦٤)، وعبد بن حميد المنتخب من مسند (٥٦٨)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٦٢)، والروياني (٥٧٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٥١٧)، وفي الشعب (١٠٣٣٧)، وفي الآداب (٩٩٣).\n(^٥) الحاكم (٤/ ٣٠٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين! ورده الذهبي في تلخيصه فقال: قلت: فيه انقطاع. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٠٢) أخرجه أحمد =","vol":"12","page":699},{"text":"والبيهقي في الزهد (^١) وغيره، كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي موسى وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.\n[قال الحافظ]: المطلب لم يسمع من أبي موسى (^٢)، والله أعلم.\nقوله: \"وعن أبي موسى الأشعري\" الصحابي واسمه عبد الله بن قيس هاجر من اليمن إلى مكة ثم هاجر منها إلى الحبشة ثم هاجر من الحبشة إلى المدينة ثلاث هجرات، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. قوله - ﷺ -: \"من أحب دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه\" الحديث، وفي الأثر (^٣):\n_________\n= والبزار والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٩): رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجاله ثقات. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٩٥) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد بن حنبل والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي كلهم من طريق المطلب بن عبد لله بن حنطب عن أبي موسى وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. قال الحافظ المنذري: المطلب لم يسمع من أبي موسى.\nوله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود رواه الحاكم وصححه، وصححه الألباني في الصحيحة (٣٢٨٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٤٧). ولكنه ضعفه في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٢/ ١٣٨)، والضعيفة (٥٦٥٠)، وضعيف الجامع (٥٣٤٠).\n(^١) الزهد الكبير للبيهقي (٤٥١).\n(^٢) المطلب بن عبد الله - وهو ابن حنطب - لا يعرف له سماع من الصحابة، فيما نقل الترمذي في العلل الكبير ٢/ ٩٦٤ عن البخاري. وقال أبو حاتم في المراسيل (ص ٦٤): عامة روايته مرسل.\n(^٣) الرسالة القشيرية (١/ ٣٥٦).","vol":"12","page":700},{"text":"أوحى الله تعالى إلى داود ﵊: يا داود إني حرمت على القلوب أن يدخلها حبي وحب غيري. وقال [﷿]: يا داود إن كنت تزعم أنك تحبني فأخرج حبّ الدنيا من قلبك فإن حبّها وحبي لا يجتمعان. قوله في الكلام على الحديث \"المطلب بن عبد الله بن حنطب\" هو أبو الحكم المطلب بن عبد الله بن حويطب، هكذا جاء في نسخ \"الموطأ\" وهو غلط، والصواب ابن حنطب. كذا أصلحه ابن وضاح، وقال: وهو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، وقيل: هو المطلب بن عبد الله بن حنطب.\nيُعد في أهل الحجاز. قال البخاري: وقال بعضهم: هو عبد الله بن المطلب، وكان من وجوه قريش. سمع عمر بن الخطاب، وأبا هريرة. روى عنه محمد بن عباد بن جعفر الأوزاعي. والذي ذهب إليه ابن وضاح هو الصحيح والمشهور في الكتب.\n\n٤٩٠٤ - وعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين ليبلغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة. رواه الحاكم (^١)، وقال:\n_________\n(^١) الحاكم (٤/ ٣١١)، وأخرجه أحمد (٢٢٨٩٩)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٥٨)، والبغوي في معجم الصحابة (٥/ ١١٤)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٩١/ ٣٤٣٨)، وفي الشاميين (٥٦٣)، والبيهقي في الشعب (١٥٣٣٦) قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٩) رواه أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات. وقال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير (١٠١٦): إسناد صحيح. =","vol":"12","page":701},{"text":"صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي مالك الأشعري\" تقدم. قوله: \"حلوة الدنيا مرّة الآخرة ومرّة الدنيا حلوة الآخرة\" معناه لا تجتمع الرغبة فيها والرغبة في الله والآخرة بها ولا يسكن هاتان الرغبتان في محل واحد إلا طردت إحداهما الأخرى واستبدت بالمسكن فإن النفس واحدة والقلب واحد فإذا اشتغلت بشيء انقطع عن ضده قال الإمام الرازي: الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله يمكن المكلف من تحصيل أيهما شاء فإذا أشغله بتحصيل أحدهما فقط فقد فوت الأجر على نفسه.\n\n٤٩٠٥ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أشرب حب الدنيا التاط منها بثلاث: شقاء لا ينفد عناه، وحرص لا يبلغ غناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، فالدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الدنيا طلبته الآخرة حتى يدركه الموت فيأخذه، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه رواه الطبراني (^١) بإسناد حسن.\n_________\n= اهـ. وصححه الألباني في الصحيحة (١٨١٧)، وفي صحيح الجامع (٣١٥٥).\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢٠١/ ١٠٣٢٨)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١١٩ - ١٢٥)، والشجري في الأمالي (٢/ ١٦٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٤١)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث فضيل والأعمش وحبيب، لم نكتبه إلا من حديث جبرون عن يحيى. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٧٨) أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود بسند حسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٩) رواه الطبراني عن شيخه: جبرون بن عيسى المقرئ، عن يحيى بن =","vol":"12","page":702},{"text":"قوله: \"وعن عبد الله بن مسعود\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"من أُشرب حبّ الدنيا\" الحديث. ومعنى أشرب حب الدنيا دخل فيه دخولا تاما وحلّ منه محل الشراب، ومنه قوله تعالى ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (^١) أي حبّ العجل، ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرة أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها. قوله: \"التاط منها بثلاث\" الحديث، معناه التصق [قلبه من حب الدنيا بثلاث، يقال لاط الشيء بقلبه يلوط لوطا، ويليط ليطا، أي التصق]، واللوط والليط الحب اللازق بالقلب. قوله: \"شقاء لا ينفد عناه وحرص لا يبلغ غناه وأمل لا يبلغ منتهاه\" يجوز في شقاء وحرص وأمل الجر على أنها عطف بيان والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أخذها شقاء. قوله - ﷺ -: \"فالدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الدنيا طلبته الآخرة\" الحديث.\nقوله: \"إن الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان\" يعني أن الدنيا تطلب أبناء الآخرة ويطلبها أبناؤها، فصارت أيضًا طالبة [ومطلوبة، والآخرة تطلب أبناء الدنيا ويطلبها أبناؤها، فصارت أيضًا طالبة ومطلوبة]، اهـ.\n_________\n= سليمان الحفري، عن فضيل بن عياض، ولم أعرف جبرون، وأما يحيى فقد ذكر الذهبي في الميزان في آخر ترجمة يحيى بن سليمان الجعفي فقال: فأما سميه يحيى بن سليمان الحفري فما علمت به بأسا، ثم ذكر بعده يحيى بن سليمان القرشي، قال أبو نعيم: فيه مقال، وذكره ابن الجوزي، فإن كانا اثنين فالجفري ثقة والحديث صحيح على شرط الخطبة، والله أعلم، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٨٢)، وفي الضعيفة (٦٦٥٠).\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٩٣.","vol":"12","page":703},{"text":"قاله شارح الأربعين الودعانية (^١).\n\n٤٩٠٦ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢) (^٣). قال: في الدنيا رواه ابن حبان في صحيحه (^٤) وهو في مسلم (^٥) بمعناه في آخر حديث يأتي إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"عن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله: \" ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ (^٦)، قال في الدنيا، وتقدم.\n\n٤٩٠٧ - وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه. رواه الترمذي (^٧) وقال: حديث حسن صحيح وابن\n_________\n(^١) شرح الأربعين الودعانية (ص ٢٩٥).\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٩٣.\n(^٣) صحيح ابن حبان (٦٥٢)، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ١٨٠/ ١٤٦٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٧٠٩).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٦٥٢)، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ١٨٠/ ١٤٦٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٧٠٩).\n(^٥) مسلم (٤٠) (٢٨٤٩). وأخرجه البخاري (٤٧٣٠).\n(^٦) سورة مريم، الآية: ٣٩.\n(^٧) أخرجه الترمذي (٢٣٧٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣٨٠)، وفي المسند (٤٩٨)، وأحمد (١٥٧٨٤)، وابن المبارك في الزهد (١٨١) - زيادات نعيم بن حماد - والدارمي ٢/ ٣٠٤، والطبراني في الكبير (١٩/ ٩٦/ ١٨٩)، والبيهقي في الآداب (٩٧٤)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٥٤). =","vol":"12","page":704},{"text":"حبان في صحيحه (^١).\nقوله: \"وعن كعب بن مالك\" تقدم. قوله: \"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه\"، الذئبان مثنى الذئب، والذئب يهمز ولا يهمز ويسمى الخاطف والسيد والسرحان والسمسام وكنيته أبو مذقة لأن لونه كذلك، قال الشاعر:\nحتى إذا جنّ الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط\nومن كناه الشهيرة أبو جعدة. قوله: \"على المال والشرف لدينه\" وقد نص الله تعالى على ذم الحرص بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (^٢)، وتقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب البيوع مبسوطًا.\nلطيفة: وروى ابن عدي (^٣) عن عمرو بن خليف الحتاوي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال أدخلت الجنة فرأيت فيها ذئبا، فقلت: أذئب في الجنة؟ قال: أكلت ابن شرطي. قال ابن عباس: هذا وإنما أكل ابنه فلو أكله رفع في عليين، ثم رأيته كذلك، [بنيسابور] للحاكم، وهو حديث موضوع قاله في حياة\n_________\n= وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٧١٠)، وصحيح الجامع الصغير (٥٦٢٠)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢٠٩٢).\n(^١) ابن حبان (٣٢٢٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٩٦.\n(^٣) ابن عدي في الكامل (٨/ ١٦)، وقال: وهذا الحديث بهذا الإسناد وبغير هذا الإسناد باطل، لم يروه غير عَمرو بن خليف، وأيوب بن سويد وإن كان فيه ضعف، فلا يحتمل هذا كله، وقال الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (ص: ١٦٢): رواه ابن قتيبة العسقلاني وغيره عن عمرو بن خليف وهو الآفة ثنا أيوب بن سويد واه.","vol":"12","page":705},{"text":"الحيوان (^١)، الشرطي هو الواحد من أعوان الظلمة، وحديث ابن عمرو حديث أنس بعده بمعناه.\n\n٤٩٠٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"مَا ذئبان ضاريان جائعان باتا فِي زريبة غنم أغفلها أَهلهَا يفترسان ويأكلان بأسرع فِيهَا فَسَادًا من حب المَال والشرف فِي دين الْمَرْء الْمُسلم\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو يعلى بِنَحْوِهِ وإسنادهما جيد (^٢).\n\n٤٩٠٩ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - مَا ذئبان ضاريان فِي حَظِيرَة يأكلان ويفسدان بأضر فِيهَا من حب الشّرف وَحب المَال فِي دين الْمَرْء الْمُسلم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^٣).\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٥٠١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (١٥) و(١٦) والإشراف (٤١١) والزهد (٣٣٦) وذم الدنيا (٣٥٧)، وأبو يعلى (٦٤٤٩)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٣٦ رقم ٧٧٢) والصغير (٢/ ١٤٩). وقال أبو زرعة وأبو حاتم في العلل (١٧٩٩): جميعًا (يعني حديث أبي هريرة وابن عمر) واهيان، والصحيح: عن الثوري، أنه بلغه عن النبي - ﷺ -. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٠: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الملك زنجويه، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وقد وثقا. وقال البوصيرى في الاتحاف ٧/ ٤٢٨ - ٤٢٩: رواه أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٥١).\n(^٣) أخرجه البزار (٦١٢٩)، والطبراني في الصغير (٢/ ١٤٩)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٨٩)، وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٢٦)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٦٧). قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر، إلا من هذا الوجه. وقال أبو نعيم: =","vol":"12","page":706},{"text":"٤٩١٠ - وَرُوِيَ عَن أنس يرفعهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أحد يمشي على المَاء إِلَّا ابتلت قدماه قَالُوا لا يَا رَسُول الله قَالَ كَذَلِك صَاحب الدُّنْيَا لا يسلم من الذُّنُوب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد (^١).\n\n٤٩١١ - وعن كعب بن عياض - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال. رواه الترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن\n_________\n= تفرد به قطبة عن الثوري، واختلف فيه على الثوري من غير وجه. وقال البيهقي: تفرد به قطبة عن الثوري، واختلف فيه على الثوري في إسناده. وقال الترمذي (٤/ ٥٠٨): ويروى في هذا الباب عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - ولا يصح إسناده. وقال أبو زرعة وأبو حاتم في العلل (١٧٩٩): جميعًا (يعني حديث أبي هريرة وابن عمر) واهيان، والصحيح: عن الثوري، أنه بلغه عن النبي - ﷺ -.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٠): رواه البزار، وفيه قطبة بن العلاء، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٥٢).\n(^١) أخرجه البيهقي في الزهد (٢٥٧) والشعب (١٣/ ٧٣ - ٧٤ رقم ٩٩٧٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٧٤١) وضعيف الترغيب (١٨٨٣).\n(^٢) الترمذي (٢٣٣٦) والحديث؛ أخرجه أحمد (١٧٤٧١) والبخاري في الكبير (٤/ ١/ ٢٢٢)، وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (١٣)، وابن أبي عاصم، في الآحاد والمثاني (٢٥١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٧٩٥)، وأبو القاسم البغوي في الصحابة (٢٠٢٠ و٢٠٢١)، والطحاوي في المشكل (٤٣٢٥)، وابن قانع في الصحابة (٢/ ٣٧٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٠٢٧)، وفي الأوسط (٣٣١٩)، وفي الكبير (١٩/ ١٧٩/ ٤٠٤)، وأبو نعيم في الصحابة (٥٨٢٦)، والقضاعي (١٠٢٢ و١٠٢٣) والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٢٧) وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ٤٨٥) والمزي في التهذيب (٢٤/ ١٨٧ - ١٨٨ و١٨٨) والذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٨٣)، وقال =","vol":"12","page":707},{"text":"صحيح، وابن حبان في صحيحه (^١)، والحاكم (^٢) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن كعب بن عياض\" ذكره البخاريّ، وقال: له صحبة، عداده في أهل الشّام، وقال ابن السّكن: له صحبة، وقال مسلم: تفرد عنه جبير بن نفير بالرواية، وتبعه ابن السّكن والأزديّ، وأفاد ابن عبد البرّ أن جابر بن عبد الله روى عنه. وقال البغويّ: ما له غير حديث واحد.\nقوله - ﷺ -: \"لكل أمة فتنة\"، [الحديث، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: قال علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم:] هذا خبر منه - ﷺ - بأن كل الأمم افتتنت فأمم منهم افتتنوا عن توحيده بالأصنام فعبدوها وقوم بالشمس وقوم بالقمر قوم بالكواكب وقوم بنبي كان فيهم وهم اليهود عبدوا عزيرا، وقالوا هو ابن الله و[منهم] من افتتن بالعجل فعبدوه والنصارى افتتنوا بعيسى فقال قوم منهم هو إله وآخرون منهم قالوا هو ابن الله، وجعل فتنة هذه الأمة المال في حب الدرهم والدينار فغلب على أكثرهم حب المال فكدّر عليهم عبودية الكبير المتعال كما غلب على أكثر الأمم فتنة شرك الأسباب في توحيد رب الأرباب، فالمال إذا شغل عن ذكر الله تعالى وعن القيام [بحقوقه] فبئس\n_________\n= الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب إنما نعرفه من حديث معاوية بن صالح، وقال ابن عبد البر: وهو حديث صحيح الاستيعاب (٩/ ٢٥١)، وقال الذهبي: إسناده صالح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢١٤٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٥٣)، والصحيحة (٥٩٢).\n(^١) ابن حبان (٣٢٢٣)\n(^٢) الحاكم (٤/ ٣١٨) وقال: صحيح الإسناد.","vol":"12","page":708},{"text":"المال وإذا لم يمنع من ذلك فنعم المال كما قال ﵊: نعم المال الصالح للرجل الصالح. لكن لما كانت سلامة الدين مع ذلك نادرة والفتن والآفات من ذلك غالبة تعيّن التقليل منه والفرار وأن لا يأخذ المرء منه إلا ما يكفيه عند الحاجة والإضرار، وقد قال أرباب الفهوم كل ما يشغلك عن الله من أهل ومال فهو عليك مَشُوم قاله في كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة (^١) والله أعلم.\n\n٤٩١٢ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له. رواه أحمد (^٢) والبيهقي (^٣).\nوزاد: ومال من لا مال له. وإسنادهما جيد.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدمت ترجمتها، قوله - ﷺ -: \"الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له\" الحديث، وروي أن جبريل ﵊ نزل على النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله يقرأ\n_________\n(^١) قمع الحرص (ص ١٩٠ - ١٩١).\n(^٢) مسند أحمد (٢٤٤١٩).\n(^٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٠١٥٤)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٢٤٠)، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (٤٩٤): رجاله ثقات! قال الإمام أحمد: هذا حديث منكر المنتخب لابن قدامة من العلل للخلال (٥). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٠٣): وإسناده جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٨): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير دويد، وهو ثقة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠١٢)، وفي السلسلة الضعيفة (٦٦٩٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٨٤).","vol":"12","page":709},{"text":"عليك السلام ويقول لك: أتحب أن أجعل لك هذه الجبال ذهبا وفضة وتكون معك حيث ما كنت؟ فأطرق ساعة ثم قال: يا جبريل إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له يجمع لها من لا عقل له، فقال له جبريل ﵊: يا محمد ثبتك الله بالقول الثابت. روى بعضه الترمذي وبعضه الإمام أحمد في مسنده (^١). قاله في الديباجة] (^٢). شعر:\nألا يا جامع الأموال حرصا ... على الدنيا ألم تَخَفِ السؤالا\nأتجمعها وتكسبها حراما ... وتتركها لوارثها حلالا\nفيسعد من جمعت له وتشقى ... ألا أقبِحْ بذاكَ المالِ مالَا\nتنبيه: فحب الدنيا رأس كل خطيئة، والله لا يحب الخطايا ولا أهلها وإن الدنيا لعب ولهو، والله تعالى لا يحب اللهو واللعب، ولأن القلب بيت الرب ﷿، [والله ﷿] (^٣) لا شريك له فلا [يحب] أن يشركه في بيته حب الدنيا، وبالجملة [فنحن] نعلم قطعا أن محب الدنيا مبغوض عند الله ﷿ فالزاهد فيها الراغب عنها محبوب له ﷿، ومحبة الدنيا المكروهة\n_________\n(^١) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٤٧) هذا ملفق من حديثين فروى الترمذي من حديث أبي أمامة عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا الحديث وقال. حسن ولأحمد من حديث عائشة الدنيا دار من لا دار له. . . الحديث.\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول هذا مالنا عاد إلينا، سعد به قوم وشقي به قوم آخرون. ذكره الطوفي).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":710},{"text":"هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يشغل عن الله تعالى، أما محبتها لفعل الخير وتقديم الأجر بها عند الله ﷿ ونحو ذلك فهي عبادة، لقوله - ﷺ - (^١): نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به رحما ويصنع [فيه] معروفا، أو كما قال.\nوفي الأثر إذا كان يوم القيامة جمع الله ﷿ الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول هذا مالنا عاد إلينا، سعد به قوم وشقي به قوم آخرون.\n_________\n(^١) أخرجه وأبو عبيد في الغريب (١/ ٩٣ - ٩٤) وابن أبي شيبة (٧/ ١٧ - ١٨) وفي مسنده (إتحاف الخيرة ٦٣٤٤) أحمد (١٧٧٦٣) وفي فضائل الصحابة (١٧٤٥) والبخاري في الأدب المفرد (٢٩٩) وابن أبي الدنيا في إصلاح المال (٤٣) وأبو يعلى (٧٣٣٦) والطحاوي في المشكل (٦٠٥٦) (٦٠٥٧) وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ١٦٣) وأبو بكر الخلال في الحث على التجارة (٥٤) وابن حبان (٣٢١٠) (٣٢١١) وابن قانع في الصحابة (٢/ ٢١٣ - ٢١٤) وأبو محمد الفاكهي في حديثه (١٤) والحاكم (٢/ ٢) وأبو نعيم في الصحابة (٤٩٩٥) والطبراني في الأوسط (٣٢١٣ و٩٠٠٨) والحاكم (٢/ ٢٣٦) والقضاعي (١٣١٥) والبغوي في شرح السنة (٢٤٩٥) والضياء المقدسي في حديث أبي عبد الرحمن المقري (٣١) قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٣٨) أخرجه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند صحيح بلفظ نعما وقالا للمرء قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٤٤٦) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث عمرو بن العاص بسند جيد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٦٤) ورواه أبو يعلى بنحوه، ورجال أحمد، وأبي يعلى رجال الصحيح.، وقال ابن حجر في الإصابة (٧/ ٤١٣) أَحمد بسند حسن، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (١/ ٤٥٠) صحيح - المشكاة (٣٧٥٦).","vol":"12","page":711},{"text":"ذكره الطوفي (^١).\n\n٤٩١٣ - وعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: من انقطع إلى الله ﷿ كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها. رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب (^٢) من رواية الحسن عن عمران، في إسناده إبراهيم بن الأشعث ثقة، وفيه كلام قريب.\nقوله: \"وعن عمران بن حصين\" هو الخزاعي البصري، كانت الملائكة تسلم عليه حتى اكتوى فتركوا السلام عليه، ثم ترك الكيّ فعادوا إلى السلام، قاله الكرماني (^٣). قوله - ﷺ -: \"ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها\" الحديث،\n_________\n(^١) التعيين (ص ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٣٥٩، وفي الصغير (٣٢١)، ومن طريقه: الخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ١٩٦) وأخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٢٦)، ومن طريقه: البيهقي في الشعب (١٠٤٤)، (١٢٨٩)، (١٢٩٠)، وأبو العباس العصمي في جزئه (٢٤)، والسلمي في الأربعين الصوفية (١٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٩٧)، وابن عساكر في المعجم (١٣٧٠)، والشجري في الأمالي (٢/ ١٦٠ - ١٦١)، وقال أبو العباس العصمي: غريب من حديث الحسن عن عمران، غريب من حديث الفضيل عن هشام بن حسان عن الحسن. لم يروه عنه إلا إبراهيم خادم الفضيل. وقال ابن عساكر: غريب. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٣): رواه الطبراني في الأوسط وفيه إبراهيم بن الأشعث صاحب الفضيل وهو ضعيف وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب ويخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٨٥٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٠٦١).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٠/ ٢١٨).","vol":"12","page":712},{"text":"وكله هو بالتخفيف أي صرف أمره إليها، وتقدم هذا الحديث.\n\n٤٩١٤ - وروي عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا. رواه الطبراني (^١)، وتقدم في العدل حديث أبي الدحداح عن النبي - ﷺ -، وفيه: ومن كانت همته الدنيا حرم الله عليه جواري، فإني بعثت بخراب الدنيا، ولم أبعث بعمارتها. رواه الطبراني (^٢).\nقوله: \"وعن أبي ذر\" تقدم. قوله - ﷺ -: \"من أصبح وهمّه الدنيا فليس من الله في شيء\" الحديث، وفي أثر إلهي: ما لأوليائي وللهمّ بالدنيا، إن الهمّ يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، وقيل: أكثر الناس هما بالدنيا أكثرهم هما في الآخرة، وأقلّهم هما بالدنيا أقلّهم هما في الآخرة. قوله: \"ومن [أعطى] (^٣) الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا\" أي ليس على طريقتنا وسنتنا وليس مثلنا، وهذا لقول الأب لولده إذا أنكر منه أخلاقا وأعمالا لستَ مني وكأنه\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٤٧١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٨): رواه الطبراني، وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي، وهو متروك، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٣١٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٠٦٢): ضعيف جدا.\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٠١/ ٧٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٠)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢١١) رواه الطبراني عن شيخه جبرون بن عيسى، عن يحيى بن سليمان الجفري ولم أعرفهما، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٦٣) (٦٦٥١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٣٣٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":713},{"text":"من باب نفي الشيء لانتفاء ثمرته مبالغة وليس المراد نفيه عن الملة.\n\n٤٩١٥ - وروي عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه تعالى، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو الله ﷿، ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط الله ﷿، ومن أعطي القرآن فدخل النار فأبعده الله. رواه الطبراني في الصغير (^١)، ورواه أبو الشيخ في الثواب من حديث أبي الدرداء إلا أنه قال في آخره: ومن قعد أو جلس إلى غني فتضعضع له لدنيا تصيبه ذهب ثلثا دينه، ودخل النار.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم، قوله - ﷺ -: \"ومن تضعضع لغني لينال مما في يديه أسخط الله ﷿\". ولبعض الفضلاء:\nلا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذلك [وهنٌ] منك في الدين\n_________\n(^١) المعجم الصغير للطبراني (٧٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٨) رواه الطبراني في الصغير، وفيه وهب بن راشد البصري صاحب ثابت، وهو متروك. وأخرجه ابن عدي في الكامل (١٠/ ٢٥٠)، والشجري في الأمالي (٢/ ١٦٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٥٧١)، وقال البيهقي: تفرد به وهب بن راشد بهذا الإسناد، وروي ذلك بإسناد آخر ضعيف قال ابن عدي: لا أعلم أحدًا يرويه عن مالك بن دينار غير وهب بن راشد.، وقال في المقاصد الحسنة (ص: ٦٤٠) وهما واهيان جدا، حتى أن ابن الجوزي ذكرهما في الموضوعات، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٤٥): ضعيف جدًا، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٣٦٦) وأعله بوهب بن راشد.","vol":"12","page":714},{"text":"واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما الرزق بين الكاف والنون\nواستغن بالدين في الدنيا ... كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين\nلم ذا أذل لمخلوق على طمع ... هلا سألت الذي أعطاه يعطيني\nفكسرة من جريش العيش تشبعني ... وشربة من قداح الماء ترويني\nوخرقة من خشين الثوب تسترني ... إلى الممات وتكفيني لتكفيني\n\n٤٩١٦ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ رحم الله من سمع مقالتي حتى يبلغها غيره: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم، إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره بين عينيه، ويشتت عليه ضيعته، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته، وتأتيه الدنيا وهي راغمة. رواه ابن ماجه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٣٠)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٣٢): هذا إسناد فيه ليث بن أبي سليم وقد ضعفه الجمهور، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٧) روى ابن ماجه بعضه. رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا.","vol":"12","page":715},{"text":"وتقدم لفظه وشرح غريبه في الفراغ للعبادة، والطبراني (^١) واللفظ له وابن حبان في صحيحه (^٢)، وتقدم لفظه في سماع الحديث.\nقوله: \"وعن زيد بن ثابت\" هو أبو أسامة زيد بن حارثة، بالحاء، ابن شراحيل، بفتح الشين، ابن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر ابن عبد الله بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة بن الحاف بن قضاعة الكلبى نسبا، القريشى الهاشمى بالولاء، الحجازى، ﵁، ويقع في نسبه اختلاف\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ١٤٣/ ٤٨٩٠)، (٥/ ١٥٤/ ٤٩٢٤)، والمعجم الأوسط (٧٢٧١).\n(^٢) ابن حبان (٦٧ و٦٨٠)، وأخرجه الطيالسي (إتحاف الخيرة ٤٥٥) ومسدد (إتحاف الخيرة ٤٥٦) وأحمد (٥/ ١٨٣) وفي الزهد (ص ٤٢ - ٤٣) والدارمي (٢٣٥) وأبو داود (٣٦٦٠) والترمذي (٢٦٥٦) وابن أبي عاصم في السنة (٩٤) والطحاوي في المشكل (١٦٠٠) وابن أبي حاتم في الجرح (١/ ١١) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٣ و٤) والحاكم في المدخل إلى الصحيح (ص ٨٤ - ٨٥) والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٤٥ - ٢٤٦) وفي الأربعين الصغرى (١) وفي الآداب (١١٨٩) وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، وفي الجامع (١٨٤ و١٨٥ و١٨٧)، والخطيب في الفقيه (٢/ ٧١) وفي شرف أصحاب الحديث (١٩) والشجري في أماليه (١/ ٦٤) والقاضي عياض في الإلماع (ص ١٢ - ١٣) والمزي (١٤/ ١٢٧ - ١٢٨)، وابن حجر في تخريج أحاديث المختصر (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨) قال الترمذي: حديث حسن قال ابن حجر: هذا حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (١/ ١٢٠)، وتخريج فقه السيرة (٣٩)،، والصحيحة (٩٥٠)، والتعليق الرغيب (١/ ٦٤).","vol":"12","page":716},{"text":"وتغيير وزيادة ونقص، وهو مولى رسول الله - ﷺ - أشهر مواليه، ويقال له: حب رسول الله - ﷺ - وأبو حبه.\nكان أصابه سباء في الجاهلية؛ لأن أمه خرجت به تزور قومها، فأغارت عليهم بنو القين بن جسر، فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، ﵂، فوهبته للنبي - ﷺ - قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، وقيل: رآه النبي - ﷺ - ينادى عليه بالبطحاء، فذكره لخديجة، فقالت له يشتريه، فاشتراه من مالها لها، ثم وهبته للنبي - ﷺ - فأعتقه وتبناه. قال ابن عمر، ﵄: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾ (^١) الآية.\nوآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين جعفر بن أبي طالب، ﵄، وكان من أول من أسلم، حتى أن الزهري قال في رواية عنه: أنه أول من أسلم، وقال غيره: أولهم إسلاما خديجة، ثم أبو بكر، ثم على، ثم زيد، ﵃، وفى المسألة خلاف مشهور، ولكن تقديم زيد على الجميع ضعيف.\nوهاجر مع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وشهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المؤمنين يوم بدر، وكان من الرماة المذكورين، وزوجه رسول الله - ﷺ - مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، وتزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين، ﵂، ثم طلقها،\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٥.","vol":"12","page":717},{"text":"ثم تزوجها رسول الله - ﷺ -، وقصته في القرآن العزيز (^١).\nقوله - ﷺ -: \"ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله\" الحديث، تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق.\n\n٤٩١٧ - وعن عمرو بن عوف الأنصاري - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح - ﵁ - إلى البحرين يأتي بجزيتها فقدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله - ﷺ -، فلما صلى رسول الله - ﷺ - انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله - ﷺ - حين رآهم ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ قالوا: أجل يا رسول الله، قال: أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nقوله: \"وعن عمرو بن عوف الأنصاري\" هو أبو عبد الله عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضًا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزني.\nكان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله - ﷺ -، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى:\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٣١٥٨ - ٤٠١٥).\n(^٣) صحيح مسلم (٦) (٢٩٦١).","vol":"12","page":718},{"text":"﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (^١). توفي في آخر خلافة معاوية. له عن النبي - ﷺ - أحاديث. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (^٢).\n[قوله: \"أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها\" الحديث. أبو عبيدة بن الجراح هو الإمام أمير الشام أبو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضمنة بن الحارث بن فهر بن مالك، يجتمع مع النبي - ﷺ - في الأب السابع وهو فهر بن مالك القرشي، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الرجلين الذين عينهما أبو بكر يوم السقيفة للخلافة والآخر عمر، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم [واحد] (^٣) على يدي الصديق، ولما [هاجروا آخى] رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن معاذ وقد شهدا بدرا والمشاهد كلها وثبت مع رسول الله - ﷺ - يوم أحد، وقال رسول الله - ﷺ -: إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، ثبت ذلك في الصحيح (^٤). وقال أنس بن مالك (^٥): إن أهل اليمن لما قدموا على رسول الله - ﷺ - سألوه أن يبعث\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٣).\n(^٣) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (أحد) وهو خطأ.\n(^٤) صحيح البخاري (٣٧٤٤)، وصحيح مسلم (٥٣ - (٢٤١٩).\n(^٥) صحيح مسلم (٥٤) (٢٤١٩).","vol":"12","page":719},{"text":"معهم رجلا يعلّمهم السنة والإسلام فأخذ بيد أبي عبيدة وقال: هذا أمين هذه الأمة؛ وفتح الله تعالى على يد أبي عبيدة بلادا كثيرة وله مع المشركين غزوات كثيرة ووقعات [شهيرة] منها وقعة حمص الأولى. توفي بالطاعون عام عمواس وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عمتا وعلى قبره من الجلالة ما هو لائق به، وصلى عليه معاذ بن جبل فنزل في قبره هو وعمرو بن العاصي والضحاك بن مزاحم. قاله في مجمع الأحباب] (^١). [قوله: \"إلى البحرين\"، البحران هو اسم لبلاد معروفة وإقليم مشهور يشتمل على مدن قاعدتها هجر، وهكذا يطلق البحرين بلفظ التثنية والنسبة إليه بحراني، والله أعلم] (^٢). قوله: \"فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله - ﷺ -\"، أي جاءوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة لأنهم أرهقتهم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها لا الحرص على الدنيا ولا الرغبة فيها ولذلك قال لهم رسول الله - ﷺ -: أبشروا وأمِّلوا ما يسركم. وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة و[إشارة] لهم بتعجيل الفتح عليهم. قوله: \"فتبسم رسول الله - ﷺ -\" الحديث، التبسم هو ظهور الأسنان عند التعجب بلا صوت، وإن كان مع الصوت فهو إمّا بحيث يسمع جيرانه أم لا [فإن] (^٣) كان فهو\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة و[إشارة] لهم بتعجيل الفتح عليهم).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":720},{"text":"القهقهة وإلا فهو الضحك، اهـ. قاله الكرماني (^١). قوله: \"أجل يا رسول الله\" معناه: نعم.\nقوله: \"فوالله ما الفقر أخشى عليكم\"، [الفقر منصوب على أنه مفعول مقدم بيخشى، ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وفيه ما يدل على أن الفقر أقرب للسلامة والاتساع في الدنيا أقرب إلى الفتنة، نسأل الله تعالى الكفاف والعفاف بمنه وكرمه]، قوله: \"ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها\" الحديث، كان النبي - ﷺ - يتخوف على أمته من فتح الدنيا عليهم فيخاف عليهم الافتتان بها. قوله: \"فتنافسوها\" أي فتتنافسوها، فحذفت إحدى التاءين، ومعنى تنافسوها [والتنافس] من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وقيل التنافس التباغض والتحاقد مأخوذ من الشيء النفيس الجيد في نوعه، ونافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه، ونفس بالضم نفاسة أي صار مرغوبا فيه، ونفست به بالكسر أي بخلت، ونفست عليه الشيء نفاسة إذا لم يره له أهلا والله أعلم.\nوقال بعض العلماء أيضًا: التنافس المسابقة إلى الشيء وكراهة أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد. وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها، فمعنى ذلك أي يتحاسدون فيها [فيختلفون] ويتقاتلون فيهلك بعضهم بعضا كما قد ظهر ذلك ووجد. وقد سمى في هذا الحديث التحاسد تنافسا توسعا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢١/ ٢١٣).","vol":"12","page":721},{"text":"لقرب ما بينهما، وقال بعضهم أيضًا معناه أي [فترغبون] فيها أي في الدنيا فتكثر أشغالكم في جمعها وتقل طاعتكم وتحصل بينكم العداوة بسبب المال فيقتل بعضكم بعضا وتقعوا في المعاصي. قوله - ﷺ -: \"فتهلككم كما أهلكتهم\"، ومعناه تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم، اهـ.\n\n٤٩١٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكن أخشى عليكم التعمد. رواه أحمد (^١)، ورواته محتج بهم في الصحيح وابن حبان في صحيحه (^٢)، والحاكم (^٣) وقال: صحيح على شرط مسلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٨٠٧٤)، (١٠٩٥٨).\n(^٢) ابن حبان (٣٢٢٢).\n(^٣) الحاكم في (المستدرك ٢/ ٥٣٤)، وعنه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٣١٤)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه البزار في مسنده - البحر الزخار (٩٣٧٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٩)، والحديث ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٣٣/ ١٨٩٨)، من هذا الوجه، وعرض الخلاف فيه، وقال: سألت أبي عن أحاديث يرويها أبو نعيم عن جعفر عن ابن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة لولا أنكم تذنبون فتستغفرون فيغفر لكم لأتى الله بقوم فذكر الحديث موقوف. وبهذا الإسناد قال والله ما أخشى عليكم الفقر ولكني أخشى عليكم التكاثر وبهذا الإسناد عن أبي هريرة موقوف. ليس الغنى عن كثرة العرض الحديث قلت لأبي أليس الجزريون يسندون هذه الليلة الأحاديث قال نعم قلت فأيهما أصح قال كما يقول أبو نعيم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢١) (١٠/ ٢٣٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٢٣)، والصحيحة (٢٢١٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٥٦).","vol":"12","page":722},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"ما أخشى عليكم الفقر ولكن أخشى عليكم التكاثر\" الحديث، والفقر منصوب بأخشى، وتقدم معنى الحديث في الحديث قبله.\n\n٤٩١٩ - وعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: يجاء بابن آدم كأنه بذج فيوقف بين يدي الله، فيقول الله له: أعطيتك وخولتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته، فتركته أكثر ما كان، فارجعني آتك به، فيقول له: أين ما قدمت؟ فيقول: يا رب جمعته وثمرته، فتركته أكثر ما كان، فارجعني آتك به، فإذا عبد لم يقدم خيرا، فيمضى به إلى النار. رواه الترمذي (^١) عن إسماعيل بن مسلم، وهو المكي رواه عن الحسن وقتادة، وقال: رواه غير واحد عن الحسن ولم يسندوه.\n[قوله: البذج] بباء موحدة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة وجيم: هو ولد\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٢٧)، وقال: وقد روى هذا الحديث غير واحد، عن الحسن، قوله، ولم يسندوه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث. والحديث أخرجه ابن المبارك في مسنده (٩٨)، وفي الزهد والرقائق زوائد نعيم بن حماد (٢/ ١١٧)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٥)، وأبو يعلى (٧/ ١٥١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٠)، والبغوي (٤٠٥٨). وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢١): رواه أبو يعلى، وفيه مدلسون. وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٥/ ٤٢٧)، وضعيف، التعليق الرغيب (٣/ ١١)، وضعيف الجامع الصغير (٦٤١٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٠٦٥). أخرجه أسد بن موسى، في الزهد (٨٣)، قتادة، عن أنس، قال: يوقف ابن آدم، فذكره موقوفًا. وأخرج المروزي في زوائد زهد المبارك (ص ٣٥٧)، وقال: أخبرنا الفضل بن موسى قال: أخبرنا حزم بن مهران قال: سمعت الحسن، ذكر عن النبي - ﷺ - قال: فذكر معناه.","vol":"12","page":723},{"text":"الضأن، وشبه به من كان هذا عمله لما يكون فيه من الصغار والذل والحقارة والضعف يوم القيامة.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم، قوله: \"يُجاء بابن آدم كأنه بذج\"، الحديث. البذج، [وقد ضبطه الحافظ وفسّره، فقال: هو ولد الضأن، وشبّه به من كان هذا عمله لما يكون فيه من الصغار والذل والحقارة والضعف يوم القيامة، انتهى. وقال بعض العلماء (^١) البذخ] بالذال المعجمة من أولاد الضأن، بمنزلة العتود من أولاد المعز، وجمعه بذجان، والعتود بفتح العين الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول، والجمع أعتدة و[عدّات] وأصله عتدان فأدغم، ومعناه أنه يأتي وعليه ذل وليس له منعة كولد الضأن الصغير وهو ضد البذخ بالخاء المعجمة فإنه الفخر والتطاول، اهـ.\n\n٤٩٢٠ - وعن عوف بن مالك - ﵁ - قال: قام رسول الله - ﷺ - في أصحابه، فقال: الفقر تخافون أو العوز أم تهمكم الدنيا؟ فإن الله فاتح عليكم فارس والروم، وتصب عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغكم بعد أن زغتم إلا هي. رواه الطبراني (^٢) وفي إسناده بقية.\n_________\n(^١) غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ١٦٥). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ٢٩٩). النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١١٠). حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٥٧).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٥٢/ ٩٣)، وفي مسند الشاميين (١١٥٠ - ٢٥٢٧)، وأخرجه أحمد (٢٣٩٨٢)، وابن أبي عاصم الزهد (١٧٣ - ٢١٠)، والبزار= البحر الزخار (٢٧٥٨)، وأبو نعيم الأصبهاني دلائل النبوة (٤٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٥) رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجاله وثقوا إلا أن بقية مدلس، وإن =","vol":"12","page":724},{"text":"[العوز] بفتح العين والواو: هو الحاجة.\nقوله: \"وعن عوف بن مالك\" هو أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفانى. أول مشاهده مع النبي - ﷺ - خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه راية أشجع، نزل الشام، وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق. روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وستون حديثا، روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة.\nروى عنه أبو أيوب الأنصاري، والمقدام بن معدى كرب، وأبو هريرة. وروى عنه من التابعين جماعات منهم أبو مسلم، وأبو إدريس الخولانيان، وجبير بن نفير، ومسلم ابن قرضة، وشداد أبو عمار، وراشد بن سعد، ويزيد بن الأصم، وسليم بن عامر، وسالم أبو النضر، وأبو بردة بن أبي موسى، وشرح بن عبيدة، وضمرة بن حبيب، وكثير ابن مرة، وخلق سواهم، واتفقوا على أنه توفى بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان (^١).\nقوله: \"قام رسول الله - ﷺ - في أصحابه\" الحديث، معناه: قام فيهم خطيبا يعظهم. قوله - ﷺ -: \"فقال: الفقر تخافون أم العوز أم تهمكم الدنيا\" الحديث. العوز قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو الحاجة، اهـ. قوله: \"فإن الله فاتح\n_________\n= كان ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٨٨)، وصحيح الجامع الصغير (٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٥٧).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٠).","vol":"12","page":725},{"text":"عليكم فارس والروم\" الحديث، ومراده - ﷺ - ما يفتح على أمته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم التي يخرج منها زروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم وغير ذلك مما يخرج من بركات الأرض، [و] هذا من أعظم المعجزات وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارس والروم وأموالهم وديارهم ووقع ما أخبر به النبي - ﷺ -.\n\n٤٩٢١ - وروي عن أبي مالك الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك نورا، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن أعدى عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك. رواه الطبراني (^١).\nقوله: \"عن أبي مالك الأشعري\" تقدمت ترجمته، قوله - ﷺ -: \"قال ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك نورا وإن قتلك دخلت الجنة\" الحديث، الأعداء على أقسام منها: الشيطان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (^٢)، ومنها النفس أيضًا عدوة لأنها الأمارة بالسوء إلا ما رحم الله،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٩٤/ ٣٤٤٥)، وفي الشاميين (١٦٦٨)، قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٥): رواه الطبراني وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٨٩١)، والضعيفة (٤٣٧٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٠).\n(^٢) سورة فاطر، الآية: ٦.","vol":"12","page":726},{"text":"ومنها الزوجات والأولاد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (^١)، ومنها المال، لقوله - ﷺ - في الحديث: أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك، وبقية الأعداء كثيرة تذكر في كتب الوعظ والرقائق.\n\n٤٩٢٢ - وعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: قال الشيطان لعنه الله: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث: أغدو عليه بهن وأروح: أخذه من غير حله، وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه، فيمنعه من حقه. رواه الطبراني (^٢) بإسناد حسن.\nقوله: \"وعن عبد الرحمن بن عوف\" تقدمت ترجمته. قوله: \"قال الشيطان: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث أغدو عليه بهن وأروح\" الحديث، الغُدوُّ هو والرواح هو.\nقوله: \"إنفاقه في غير حقّ\" أي في المعاصي المهلكات. قوله: \"وأحببه إليه فيمنعه من حقه\" أي من الزكاة والطاعات.\n_________\n(^١) سورة التغابن، الآية: ١٤.\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٣٦/ ٢٨٨) وقد أخرجه ابن المبارك (ص ١٩٢)، والبزار= البحر الزخار (١٠٣٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٥): رواه الطبراني، وإسناده حسن. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٤) رواه الطبراني بإسناد حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩١)، وفي الضعيفة (٤٨٧٠).","vol":"12","page":727},{"text":"٤٩٢٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَنه كَانَ يُعْطي النَّاس عطاءهم فَجَاءَهُ رجل فَأعْطَاهُ ألف دِرْهَم ثم قَالَ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ الدِّينَار وَالدِّرْهَم وهما مهلكاكم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^١).\n\n٤٩٢٤ - وَعَن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - اطَّلَعت فِي الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْفُقَرَاء واطلعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْأَغْنِيَاء وَالنِّسَاء رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nوتقدم معنى حديث ابن مسعود وعبد الله بن عمر اللذين بعده.\n\n٤٩٢٥ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر، وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤) في حديث.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١٦١٢) و(١٦١٣)، وابن الأعرابى (٩٠٣)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٩٥ رقم ١٠٠٦٩). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه. قال الدارقطني في العلل (٥/ ١٥٩): الصحيح وقفه.\nقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٢٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن المنذر، وهو ضعيف. وقال في ١٠/ ٢٣٧: رواه البزار، وإسناده جيد. وكذلك قال البوصيرى في الاتحاف: ٧/ ٤٧١. وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٠٣) وصحيح الترغيب (٣٢٥٨).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٥٩ (٦٦١١). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٦١: رواه أحمد، وإسناده جيد. وقال ابن حجر في المطالب ١٨/ ٦٢٨: هذا إسناد حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٨٠٠) وضعيف الترغيب (١٨٤٨) و(١٨٩٢).\n(^٣) صحيح البخاري (١٤٦٥).\n(^٤) صحيح مسلم (١٢٣) (١٠٥٢).","vol":"12","page":728},{"text":"قوله: \"عن أبي سعيد الخدري\" تقدمت ترجمته. قوله - ﷺ -: \"إن مما أخاف عليكم ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها\" الحديث. الزهر والزهرة البياض النير، وهو أحسن الألوان مأخوذ من زهرة الأشجار وهو ما يصفرّ من نوارها، والنور هو الأبيض منه، هذا قول ابن الأعرابي، وحكى أبو حنيفة أن النور والزهر سواء، وقد فسّرها ﵊ بأنها بركات الأرض أي ما تزهر به الأرض من الخيرات والخصب، اهـ. قاله القرطبي (^١). وزهرة الدنيا حسنها وبهجتها وكثرة خيرها، ففي الحديث التحذير من الاغترار بالدنيا والنظر إليها والمفاخرة بها.\n\n٤٩٢٦ - وعن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب - ﵁ - وعنده نفر من المهاجرين الأولين، فأرسل عمر إلى سفط أتي به من قلعة العراق، فكان فيه خاتم فأخذه بعض بنيه، فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه، ثم بكى عمر - ﵁ -، فقال له من عنده: لم تبكي، وقد فتح الله عليك، وأظهرك على عدوك، وأقر عينك؟ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله ﷿ بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأنا أشفق من ذلك. رواه أحمد (^٢) بإسناد حسن والبزار (^٣)\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٩/ ٦٣).\n(^٢) مسند أحمد (٩٣).\n(^٣) البزار (٣١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٦) رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى في الكبير، وإسناده حسن. وقال ابن كثير في مسند الفاروق (٣/ ٥٥) هذا إسناد جيد، لأن ابن لهيعة قد صرح فيه بالتحديث فزال محذور تدليسه، لكن قال الإمام علي ابن =","vol":"12","page":729},{"text":"وأبو يعلى (^١). [السفط] بسين مهملة وفاء مفتوحتين: هو شيء كالقفة أو كالجوالق.\nقوله: \"وعن أبي سنان الدّؤلي\" اسمه يزيد بن أمية ويقال: اسمه ربيعة، روى عن علي وابن عباس وأبي واقد الليثي وعنه زيد بن أسلم ونافع والزهري قال أبو زرعة ثقة وقال أبو حاتم: ولد زمن أحد وذكره ابن حبان في الثقات وقال أراده هشام بن إسماعيل على أن يسب عليا فأبى له في السنن حديثه عن ابن عباس في الحج قلت: وما حكاه ابن حبان ذكره البخاري في تاريخه الكبير بإسناده وذكره في الأوسط في فصل من مات ما بين الثمانين إلى التسعين وذكره ابن عبد البر في أسماء الصحابة.\nقوله: \"أنه دخل على عمر بن الخطاب وعنده نفر من المهاجرين الأولين\" الحديث. تقدم الكلام على النفر في مواضع وأنهم من الثلاثة إلى التسعة، والمهاجرون الأولون هم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين هاجروا قبل بيعة الرضوان أو الذين شهدوا بدرا.\nقوله: \"فأرسل عمر إلى سفط أتي به من قلعة العراق\"، الحديث. [السفط] قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو شيء كالقفة أو كالجُوالق اهـ، والجُوالق\n_________\n= المديني: الحسن بن موسى إنما سمعه من ابن لهيعة بآخره، وإنما يروى حديث ابن لهيعة ممن سمع منه قبل أن يصاب بكتبه، مثل ابن المبارك وأبي عبد الرحمن. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٨٧١)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٣).\n(^١) أبو يعلى في الكبير كما في المقصد العلي (٤/ ٤٧٤/ ١٩٧١).","vol":"12","page":730},{"text":"هو الوعاء من جلدو وثياب وغيرها، وهو فارسي معرب، وأصله: كواله، والجمع: الجوالق، بفتح الجيم والجواليق بزيادة الياء آخر الحروف.\nوقوله: \"أتي به من قلعة العراق\" والقلعة بفتح اللام، لا يجوز سوى ذلك والجمع قلاع (^١)، ومنه عند أهل النحو سماعا وقياسا رقبة ورقاب وعقبة وعقاب، والذي حكى [الجمع] جماعة من اللغويين منهم الإمام الثقة أبو زيد وكان ابن الأعرابي يقول (^٢) إن القلعة لا تجمع قلاعا، والذي قاله من جهة السماع والقياس معا، قال: وإنما تجمع قلعا. والقلعة في اللغة أيضًا السحابة العظيمة، فشبهت بها. قوله - ﵁ -: \"وأنا أشفق من ذلك\"، الإشفاق الخوف.\n\n٤٩٢٧ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال: بينما النبي - ﷺ - جالس إذ قام أعرابي فيه جفاء فقال: يا رسول الله أكلتنا الضبع؟ فقال النبي - ﷺ -: غير ذلك أخوف عليكم حين تصب عليكم الدنيا صبابا، فيا ليت أمتي لا تلبس الذهب، رواه أحمد (^٣) والبزار (^٤)، ورواة أحمد رواة الصحيح.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١٢٧١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١٢٧١).\n(^٢) الجليس الصالح والأنيس الناصح (١/ ٨٥)، وتاريخ مدينة دمشق (٥٨/ ٢٣١).\n(^٣) رواه أحمد ٥/ ١٧٨، والحديث؛ أخرجه الطيالسي (٤٤٨)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٧٤)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٧٥)، والطبراني في الأوسط (٣٩٦٤)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٩٨٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٤٧)، (١٠/ ٢٣٧): رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤١٥٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٤).\n(^٤) البزار في مسنده (٣٩٨٤ و٣٩٨٥)، (٣٩٨٦).","vol":"12","page":731},{"text":"[الضبع] بضاد معجمة مفتوحة وباء موحدة مضمومة: هي السنة المجدبة.\nقوله: \"وعن أبي ذر\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"إذ قام أعرابي فيه جفاء\" الحديث، الأعرابي هو مفرد الأعراب، وهم سكان البادية من جيل العرب، قاله الكرماني (^١). قوله: \"أكلنا الضبع\" الضبع ضبطه الحافظ وفسره فقال هي السنة المجدبة، اهـ. وقال في النهاية (^٢) يعني السنة المجدبة وهي في الأصل الحيوان المعروف [كنى به عن سنة الجدب] [والعرب تكني عن سنة الجدب] (^٣) ومنه حديث عمر - ﵁ - خشيت أن [يأكله] الضبع. قوله - ﷺ -: \"فيا ليت أمتي لا تلبس الذهب\" وفي رواية: \"الديباج\"، والديباج هو الثياب المتخذة من الإبريسم فارسي معرب، وسيأتي الكلام عليه قريبا.\n\n٤٩٢٨ - وعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - لأنا لفتنة السراء أخوف عليكم من فتنة الضراء إنكم ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وإن الدنيا حلوة خضرة. رواه أبو يعلى (^٤) والبزار (^٥)، وفيه راو لم يسم وبقية رواته رواة الصحيح.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢١/ ٥٨).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٧٣).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) أبو يعلى في مسنده (٧٨٠)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٩٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٢٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٦٤٨)، وفي السلسلة الضعيفة (٤٢٩٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٥).\n(^٥) أخرجه البزار في مسنده (١١٦٨).","vol":"12","page":732},{"text":"قوله: \"وعن سعد بن أبي وقاص\" تقدمت ترجمته. قوله: \"وإن الدنيا خضرة حلوة\" الحديث، [فأما المال فإنه خضرة حلوة] (^١) وقد وصف المال والدنيا بهذا الوصف في أحاديث كثيرة تقدم الكلام عليها، ومعنى خضرة غضة ناعمة طرية، أي أن هذا المال شيء كالخضرة أو كالبقلة الخضرة كذا في الميسّر.\n\n٤٩٢٩ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال: كنت أمشي مع النبي - ﷺ - في حرة بالمدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليه ثالثة، وعندي منه دينار إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول في عباد الله: هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه، وعن شماله، وعن خلفه، ثم سار فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقليل ما هم، ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك، الحديث. رواه البخاري (^٢) واللفظ له ومسلم (^٣)، وفي لفظ لمسلم (^٤) قال: انتهيت إلى النبي - ﷺ - وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة. قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت فقلت يا رسول الله: فداك أبي وأمي\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٣٨٨، ٦٢٦٨، ٦٤٤٤).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٢) (٩٤).\n(^٤) صحيح مسلم (٣٠) (٩٩٠).","vol":"12","page":733},{"text":"من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالا إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا وهكذا من يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم، الحديث.\nالأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، ورواه ابن ماجه (^١) مختصرا: الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا، وكسبه من طيب قوله: \"وعن أبي ذر\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"كنت أمشي مع النبي - ﷺ - في حرة بالمدينة\" الحديث، الحرة أرض تركبها حجارة سود. قوله: \"فاستقبلنا أحد\" أحد اسم جبل بالمدينة [قوله]- ﷺ -: ما يسّرني أن عندي مثل أحد ذهبا تمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار\" [إلا شيء أرصده لدين، الحديث. الحرة أرض تركبها حجارة سود، وقوله: \"فاستقبلنا أحد\"، أحد اسم جبل بالمدينة. قوله: \"ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار\"] (^٢)، وإنما قيّد ذلك بالثلاث لأنه لا يتأتى تفريق جبل الذهب في أقل من ثلاث ولو استغرق في ذلك أوقاته واستعان بكل أحد. قوله: \"إلا شيء أرصده لدين\" ومعنى أُرصِده بضمّ الهمزة أي أُعِدُّه من أرصدت كذا العقوبة\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤١٣٠). والحديث؛ أخرجه البزار (٤٠٧١)، وابن حبان (٣٣٣١)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٢٠): إسناده صحيح ورجاله ثقات. وقال الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٥/ ٢٣٤): صحيح دون زيادة: وكسبه من طيب؛ فإنها منكرة - الصحيحة (١٧٦٦ - التحقيق الثاني)، وقال في ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ٥٧): هو في الصحيح غير قوله: وكسبه من طيب. ضعيف بهذه الزيادة، صحيح بدونها -. انظر: صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦٠).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":734},{"text":"إذا أعددتها له وحقيقته [إذا] جعلتها على طريقه كالمترقبة له كذا في كتاب النهاية (^١)، وفيه دليل على تقديم وفاء الدين على الصدقة، ثم يحتمل أن يكون المراد إرصاده لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذ دينه ويحتمل أن يكون المراد إرصاده لوفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفيه، اهـ. وفيه أنه لا ينبغي للمؤمن أن يستغرق في كثير الدين خشية العجز عن أدائه، قاله الكرماني (^٢). قوله: \"فقال إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة\" أي أن الأكثرين مالا [هم] (^٣) الأقلون ثوابًا إلا من تصدق بماله في مرضات الله يمينا وشمالا وبين يديه.\nقوله: \"إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم\"، والأحاديث من هذه الأنواع كثيرة جدا والمقصود أن من وثق بوعد الله تعالى وتحقق بالتوكل على الله وأيقن بالخلف من الله فيما ينفقه لله فلا يضره إنفاق جميع ماله في سبيل الله كما فعل سيدنا أبو بكر الصديق وبخ بخ ما أعظمها عند الله تعالى من فعلة وما أجلّ ثوابها وأجزل أجرها، ولكن ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وأما من كان ضعيف التوكل واهي اليقين فليترك لعياله بعض ما قال النبي - ﷺ - لكعب بن مالك حين قال له (^٤):\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٢٦).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٩٥).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) صحيح البخاري (٢٧٥٧)، وصحيح مسلم (٥٣) (٢٧٦٩).","vol":"12","page":735},{"text":"إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال له رسول الله - ﷺ - أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، وكذلك قال لسعد (^١): إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس.\nفإن قلت: فهلا يدل هذا على أن النبي - ﷺ - استشعر منهما ضعف التوكل كما قدمت.\nقلت: الواجب أن لا يتوهم مثل هذا في الصحابة وحاشاهم من ذلك - ﵃ -، والظاهر [أنّ] النبي - ﷺ - إنما أمرهما بذلك ليتأسّى بفعلهم ضعفاء التوكل خشية أن يقتدوا بأفعال الأقوياء مع ضعفهم فيقعوا في الندم بعد الإنفاق فتنقص أجورهم أو تحبط فأصحاب النبي - ﷺ - كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، فمن كان عنده ضعف في التوكل واليقين فلينفق البعض ويترك البعض اقتداء بمن ذكر ومن قوي توكله فلينفق كيف شاء كما فعل الصديق الأكبر وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وأما ترك الإنفاق بالجملة مع القدرة فهو إلقاء باليد إلى التهلكة ولا رخصة فيه البتة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قاله ابن النحاس.\nقوله في الحديث: \"ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك\" أي الزم مكانك وفي تتمة الحديث، \"ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى. فسمعت صوتا قد ارتفع فتخوفت أن يكون أحد عَرض لرسول الله - ﷺ - فأردت أن آتيه فذكرت قوله لا تبرح حتى آتيك فلم أبرح حتى أتاني فقلت: لقد سمعت صوتا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٢٩٥)، وصحيح مسلم (٥) (١٦٢٨).","vol":"12","page":736},{"text":"تخوفت، فذكرت، فقال: وهل سمعت له؟ قلت: نعم. فقال: ذاك جبريل - ﵇ - أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق\" رواه البخاري في الرقائق (^١) ومسلم في الزكاة (^٢) عن أبي ذر.\nقوله في [الحديث]: فلم أتقارَّ أن قمت، أي [لم] ألبث؛ الحديث. أي لم يمكني القرار والثبات. وأصله: أتقارَرُ فأدغمت الراء في الراء. قوله - ﷺ -: \"قال هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا\" الحديث. فيه الحث على الصدقة في وجوه الخير وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر بل ينفق [في كل وجه من وجوه الخير يمكنه، وأما إشارته - ﷺ - إلي قدام ووراء والجانبين فمعناها ما ذكرناه أنه ينبغي أن ينفق] متى حضر أمر مهم. وقال بعض العلماء إنما خص الجهات الأربع ولم يذكر فوقه وتحته موافقة لقوله تعالى حكاية عن إبليس ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ (^٣).\nقوله - ﷺ - في رواية ابن ماجه \"إلا من قال هكذا وهكذا وكسبه من طيب\" المراد بالطيب الحلال.\nفائدة تتعلق بالتوكل: فإنه تقدم الكلام على بعض معناه. قال الله تعالى:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٢٣٧).\n(^٢) صحيح مسلم (١٥٣) (٩٤).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٧.","vol":"12","page":737},{"text":"﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^١)، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٢). (^٣) ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٤)، وقال [تعالى لرسوله]- ﷺ - ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ (^٥)، والآيات في ذلك كثيرة جدا.\nوقال أبو ثور: سمعت الشافعي - ﵁ - يقول (^٦): نزه الله تعالى نبيه ورفع قدره فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (^٧)، وذلك أن الناس في التوكل على أحوال شتى، متوكل على نفسه أو على ماله أو على جاهه أو على سلطانه أو على صناعته أو على غلته أو على الناس وكل مستند إلى حي يموت أو إلى ذاهب يوشك أن ينقطع، فنزّه الله تعالى نبيه عن ذلك وأمره أن يتوكل على الحي الذي لا يموت، اهـ. وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي السعي في الأسباب فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له والتوكل بالقلب عليه إيمان به. قال سهل\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٢٣.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٥١.\n(^٣) اللوحة ١٦٨ تكرار للوحة ١٦٧ ومن اللوحة ١٦٩ - ١٨٩ مكررة.\n(^٤) سورة الطلاق، الآية: ٣.\n(^٥) سورة إبراهيم، الآية: ١٢.\n(^٦) أحكام القرآن للشافعي (٢/ ١٨٠).\n(^٧) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.","vol":"12","page":738},{"text":"التستري: من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي - ﷺ -، والكسب سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته، قاله ابن رجب (^١). وقال ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس (^٢): ظن بعضهم أن التوكل قطع الأسباب وإخراج الأموال.\nقلت: لو فهم هؤلاء معنى التوكل وأنه ثقة القلب لله ﷿ لا إخراج صور المال ما قالوا هذا، ولكن قلَّ فهمهم وقد كان سادات الصحابة والتابعين يتَّجرون ويجمعون الأموال، وما قال مثل هذا أحد منهم، وقد روي عن أبي بكر الصديق أنه قال حين أمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة فمن أين أطعم عيالي، اهـ. وقال أهل الحقيقة: اعلم أن معنى التوكل على الله هو الثقة بما عند الله تعالى واليأس عما في أيدي الناس، وقيل التوكل الاعتماد على الحق والتخلي من الخلق، وقيل التوكل الثقة بالوعد وترك التدبير لغد، وقال بعضهم التوكل هو انطراح القلب بين يدي الله تعالى كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، وقال سهل التوكل الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد ومنهم من يفسره بالرضى فيقول هو الرضا بالمقدور. وقال بشر الحافي رحمة الله عليه (^٣): يقول أحدهم توكلت\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٣٧).\n(^٢) تلبيس إبليس (١/ ٢٢٧).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ١١٥).","vol":"12","page":739},{"text":"على الله يكذب على الله، لو توكل على الله رضي بما يفعل الله. وسئل يحيى بن معاذ (^١): متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلا. والذي يقوي التوكل ثلاث خصال: حسن الظن بالله تعالى، والثاني نفي التهم عن الله ﷿.\nوالثالث: الرضا عن الله ﷿ فيما [جرى] به التقدير، ولا تنال هذه المنزلة إلا باليقين، فإن اليقين إذا تمّ سمى تمامه توكلًا، قاله الهروي.\nوقد مدح الله تعالى التوكل وحثّ عليه في كتابه العزيز وقال النبي - ﷺ - (^٢): التوكل نصف العبادة، وروى ابن ماجه (^٣) والترمذي (^٤) والحاكم (^٥) وصححه عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: لو توكلتم على تعالى حق توكله لرزقكم كما\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١١٥).\n(^٢) ابن ماجه (٤١٦٤).\n(^٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٥٩) وابن أبي الدنيا في التوكل (١) والنسائي في الكبرى (تحفة ٨/ ٧٩) أحمد (١/ ٣٠) وفي الزهد (ص ٢٥) وعبد بن حميد (١٠) ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٤٨٨) والبزار (٣٤٠) وأبو يعلى (٢٤٧) وابن حبان (٧٣٠) وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٦٩) والبيهقي في الآداب (١٠٨٩) وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٦٩) والقضاعى (١٤٤٤)، والخطيب في المتفق (١٧١٠) والبغوي في شرح السنة (٤١٠٨)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٦٥٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٥٤)، والصحيحة (٣١٠).\n(^٤) الترمذي (٢٣٤٤) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو تميم الجيشاني اسمه عبد الله بن مالك.\n(^٥) الحاكم (٤/ ٣١٨) وقال: صحيح الإسناد.","vol":"12","page":740},{"text":"يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا، معناه تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار ممتلئة البطون. قال الإمام أحمد بن حنبل (^١) ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد والله أعلم لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وكسبهم، وهذا خلاف التوكل.\nوفي الإحياء (^٢) في أوائل كتاب أحكام الكسب قيل للإمام أحمد ما تقول في الذي يجلس في بيته أو [مسجده] ويقول لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال الإمام أحمد (^٣): هذا رجل جهل العلم، [أما] سمع قول النبي - ﷺ -: (^٤)\n_________\n(^١) شعب الإيمان (٢/ ٦٦)، حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٣٦).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٦٣).\n(^٣) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٣٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٦٢٩ و٣٣٥٦١)، وأحمد (٥١١٤ و٥١١٥ و٥٦٦٧)، وأبو داود (٤٠٣١)، وعبد بن حميد (٨٤٨) وأبو داود (٤٠٣١) والدينوري في المجالسة (١٤٧) وابن الأعرابي في معجمه (١١٣٧) والطبراني في مسند الشاميين (٢١٦) وتمام في فوائده (٨٤٣)،، والهروي في ذم الكلام وأهله (٤٧٦)، والخطيب في الفقيه (٢/ ٧٣) وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٧٦) والبيهقي في شعب الإيمان (١١٥٤)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٧٦٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨) وابن الجوزي في التلبيس (ص ٢١٢) والمزي في التهذيب (٣٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥) والذهبي في سير الأعلام (١٥/ ٥٠٩) والبخاري تعليقًا كتاب الجهاد والسير باب ما قيل في الرماح (٣/ ١٠٦٧)، =","vol":"12","page":741},{"text":"إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي. وقوله - ﷺ - (^١) حيث ذكر الطير تغدو خماصا وتروح بطانا، وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم، اهـ. والله أعلم.\n_________\n= وقال ابن حجر في تغليق التعليق (٣/ ٤٤٥) عن ابن عمر مرفوعًا قال الذهبي: إسناده صالح، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٥٠٥) رواه أحمد من حديث ابن عمر جعل رزقي تحت ظل رمحي وإسناده صحيح. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٧) رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وثقه ابن المديني وأبو حاتم وغيرهما وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٩) رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وثقه ابن المديني، وغيره، وضعفه أحمد، وغيره، وبقية رجاله ثقات. إتحاف الخيرة المهرة (٥/ ٢٠٣) روى أبو داود في كتاب اللباس منه ومن تشبه بقوم فهو منهم دون باقيه، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به، وسكت عليه، فهو عنده حديث صالح للعمل به والاحتجاج. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٨٣١).\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٥٩) أحمد (١/ ٢٠٥ - ٣٧٠ - ٣٧٣) وفي الزهد (ص ٢٥) وعبد بن حميد (١٠) الترمذي (٢٣٤٤) ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٤٨٨) وابن أبي الدنيا في التوكل (١) والبزار (٣٤٠) والنسائي في الكبرى (١١٨٠٥)، وأبو يعلى (٢٤٧) وابن حبان (٧٣٠) والحاكم (٤/ ٣١٨) وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٦٩) والقضاعى (١٤٤٤) والبيهقي في الآداب (١٠٨٩)، وفي شعب الإيمان (١١٣٩)، والخطيب في المتفق (١٧١٠) والبغوي في شرح السنة (٤١٠٨) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٦٥٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو تميم الجيشاني اسمه عبد الله بن مالك.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٥٤)، والصحيحة (٣١٠).","vol":"12","page":742},{"text":"٤٩٣٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كنت أمشي مع النبي - ﷺ - في نخل لبعض أهل المدينة فقال: يا أبا هريرة هلك المكثرون إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرات حثا بكفيه عن يمينه، وعن يساره، ومن بين يديه، وقليل ما هم، الحديث. رواه أحمد (^١)، ورواته ثقات وابن ماجه (^٢) بنحوه.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\"، تقدم. قوله: \"حثى بكفيه عن يمينه وعن شماله\" الحديث. قال أهل اللغة: يقال حثيت أحثي حثيا وحثوت أحثو حثوا لغتان، والحثو هو الحفن باليدين، وقد جاءت اللغتان، قاله صاحب التنقيح.\n\n٤٩٣١ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، وإن الأكثرين هم الأسفلون إلا من قال: هكذا وهكذا عن يمينه، وعن يساره، ومن خلفه، وبين يديه، ويحسي بثوبه. رواه ابن حبان في صحيحه (^٣).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٨٠٨٥، ١٠٧٩٥)، والحديث؛ أخرجه الطيالسي (٢٥٧٨)، وعبد الرزاق (٢٠٥٤٧)، وإسحاق بن راهوية (٢٦٦: ٣٦٨)، والبزار (٩٦٣٥)، والمعافى بن عمران الموصلي في الزهد (١)، والطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (٤٠٩)، والطبراني في الدعاء (١٦٣٥: ١٦٣٧)، والحاكم (١/ ٥١٧)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٦٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٠): رواه أحمد، وروى الترمذي منه حديث: لا حول ولا قوة إلا بالله، وله عند ابن ماجه: الأكثرون هم الأقلون ورجاله ثقات أثبات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٦٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦١).\n(^٢) ابن ماجه (٤١٣١).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٣٢١٧)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٤١) رواه أبو =","vol":"12","page":743},{"text":"ورواه ابن ماجه (^١) باختصار. وقال في أوله: ويل للمكثرين.\n[قال الحافظ]: وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تدور على هذا المعنى اختصرناها.\nقوله وعن ابن مسعود تقدم الكلام عليه. قوله - ﷺ -: \"وإن الأكثرين هم الأسفلون\" قال أبو نصر [هو من الحنيفية:] إن كان [الغني] مسلما فهو أسفل درجة في الجنة وإن كان كافرا فهو أسفل درجة في النار. قوله: \"إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه ويحثي بثوبه\"، تقدم الكلام على معنى هذا الحديث. دل الحديث على كراهية إمساك المال وما أحسن ما قال بعض الفضلاء:\nإذا جادت الدنيا عليك فجُد بها ... على الناس طُرًّا قبل أن تتفلّت\nفلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا البخل يبقيها إذا هي ولَّت\n\n٤٩٣٢ - وروي عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: من سأل عني، أو سره أن ينظر إلي فلينظر إلى أشعث شاحب مشمر لم يضع لبنة على لبنة،\n_________\n= بكر بن أبي شيبة بسند ضعيف لضعف الهجري وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٦٦)، (٢٤١٢)، التعليق الرغيب (٤/ ١٠٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦٢).\n(^١) سنن ابن ماجه (٤١٢٩)، والحديث؛ أخرجه هناد في الزهد (٦٠٩)، وعبد بن حميد (٨٨٨)، وأحمد (١١٢٥٩)، وأبو يعلى (١٠٨٣)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٢٠): هذا إسناد ضعيف لضعف عطية والراوي عنه رواه الإمام أحمد في مسنده عن محمد بن عبيد عن الأعمش عن عطية به ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده هكذا، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧١٣٧)، وفي السلسلة الصحيحة (٢٤١٢).","vol":"12","page":744},{"text":"ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، اليوم المضمار وغدا السباق، والغاية الجنة أو النار. رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدمت ترجمتها. قوله - ﷺ -: \"من سأل عني أو سرّه أن ينظر إليّ فلينظر إلى أشعث أغبر شاحب مشمر\" الحديث. [الأشعث] الأغبر هو البعيد العهد بتسريح شعره ودهنه.\nقوله: \"شاحبا\" [الشاحب المتغير اللون والجسم لعارض من مرض أو جزع أو سفر أو نحوهما، وقد شحب يشحب شحوبا، ومنه حديث ابن الأكوع: رآني رسول الله - ﷺ - شاحبا] شاكيا؛ وحديث الحسن: لا تلقى المؤمن إلا شاحبا، لأن الشحوب من آثار الخوف وقلة المأكل والتنعم. قاله ابن الأثير في النهاية (^٢).\nقوله: مشمر، التشمير كناية عن الاجتهاد في العبادة.\nقوله - ﷺ -: \"لم يضع لبنة على لبنة\" الحديث، اللبنة [الطوبة] التي يبني بها، وفيها لغتان: إحداهما فتح اللام وكسر [الهاء] وجمعها لبن بإسقاط الهاء كنبقة ونبق. الثانية كسر اللام وسكون الباء وجمعها لبن بكسر اللام وفتح\n_________\n(^١) في المعجم الأوسط (٣٢٤١)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٠)، وقال في المجمع (١٠/ ٢٥٨): رواه الطبراني في الأوسط وفيه سليمان بن أبي كريمة وهو ضعيف. وأورده الألباني في الضعيفة (١٠/ ٤٧٧)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١١٧): وللطبراني في الأوسط من حديث عائشة بسند ضعيف، وصححه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٦).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٤٨).","vol":"12","page":745},{"text":"الباء كسدرة و[سِدَرَ ذكره] القاضي عياض (^١) وأبو العباس القرطبي (^٢). قلت وفيها لغة ثالثة وهي بفتح اللام وإسكان الباء كنظائرها، و[قد] ذكرها النووي والله أعلم.\n\n٤٩٣٣ - وعن عبد الله بن الشخير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: أقلوا الدخول على الأغنياء، فإنه أحرى أن لا تزدروا نعم الله ﷿. رواه الحاكم (^٣)، وقال: صحيح الإسناد.\n\"وعن عبد الله بن الشخير\" هو عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان بن الجريش، وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرشي البصري، وهو والد مطرف، ويزيد. روى له مسلم في صحيحه عن رسول الله - ﷺ - حديثين. روى عنه ابناه (^٤).\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٢١).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٤/ ٧٣)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٩/ ٢٦).\n(^٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٣١٢)، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٢٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٤٤)، والبيهقي في الشعب (٩٨٠٦). وقال ابن عدي: هذا الحديث بهذا الإسناد غير محفوظ، وقال العقيلي (٣/ ٣٢٧) في ترجمة عمار بن زربي أبي المعتمر الضرير. فيه الغالب على حديثه الوهم ولا يعرف إلا به، وقال الذهبي في الميزان (٥/ ١٩٩) وقد سمع من عمار بن زربى عبدان الأهوازي، وتركه ورماه بالكذب. وقال الألباني في ضعيف الجامع (١٠٨٠)، والضعيفة (٢٨٦٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٧): ضعيف جدًّا.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٢).","vol":"12","page":746},{"text":"قوله - ﷺ -: \"أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أحرى أن لا تزدروا نعم الله تعالى\" الحديث. أحرى معناه أجدر \"تزدروا\" تحتقروا. قال ابن جرير وغيره هذا حديث جامع لأنواع من الخير، لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، وإذا نظر إلى من دونه فيها ظهرت له نعمة الله تعالى عليه فشكرها وتواضع وفعل ما فيه الخير.\n[تتمة: عقّب الغزالي في الإحياء (^١) هذا الحديث؛ [فقال: مثال للدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيم الدنيا، وغفلتهم عن الدنيا وحسراتهم العظيمة بسببها بقوله: اعلم أن أهل الأرض في غفلتهم مثلهم مثل قوم] ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم المقام وخوفهم مرور السفينة واستعجالها فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم الحاجة وبادروا إلى السفينة فصادفوا المكان خاليا [فأخذوا] أوسع الأماكن [وأثبتها] وأوفقها لمرادهم.\nوبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أنوارها وأزهارها العجيبة وغياضها الملتفة ونغمات [أطيارها] [الطيبة] (^٢) وألحانها الموزونة الغريبة وصار يلحظ من تربتها وأحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال الحسنة المنظر العجيبة الألوان السالبة أعين الناظرين بحسن زخرفها\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٣/ ٢١٧).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":747},{"text":"وعجائب صورها ثم تنبه [لخطر] (^١) [لفوات] السفينة فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا فاستقر فيه. وبعضهم أكب على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها ولم تسمح نفسه بإهمالها فاستصحب منها جملة فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا وزادته الأحجار ضيقا وصارت ثقلا عليه ووبالا فندم على أخذها ولم يقدر على رميها ولم يجد مكانا لها فحملها في السفينة على رقبته وهو يتأسف على [أخذها] ولم ينفعه التأسف. وبعضهم تولج الغياض ونسي المركب وبعد في متفرجه ومتنزهه [منه] (^٢) حتى لم يبلغه نداء الملاح لاشتغاله بأكل تلك الثمار والتشمم لتلك الأنوار والتفرج بين تلك الأشجار وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع وغير خال عن السقطات والنكبات ولا ينفك عن شوك ينشب بثيابه وعصاه يجرح بدنه وشوكه يدخل في رجله وصوت هائل يفزع منه وعوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته ويمنعه عن الانصراف لو أراده فلما بلغهم نداء [أهل] (^٣) الملاح انصرف بعضهم مثقلا بما معه ولم يجد في المركب موضعا فبقي [على] الشط حتى مات جوعا. وبعضهم لم يبلغه النداء وسارت السفينة فمنهم من افترسته السباع ومنهم من تاه [فهام] (^٤) على وجهه حتى هلك\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"12","page":748},{"text":"ومنهم من مات في الأوحال ومنهم من نهشته الحيات فتفرقوا كالجيف المنتنة. وأما من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه من الحجارة المزبرجة فقد استرقّه وشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها وقد ضيقت عليه مكانه فلم يلبث أن خمدت ألوان تلك الأحجار وذبلت تلك الأزهار وظهر نتن رائحتها [فصار متأذيا برائحتها] مع كونها مضيقة عليه فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هربا منها وقد أثر فيه ما أكل منها فلم ينته إلى الموطن إلا بعد أن ظهر عليه من الأسقام بتلك الروائح ما [أوفقه] فبلغ سقيما عليلا. ومن رجع قريبا فما فاته إلا سعة المحل فتأذى بضيق المكان مدة ولكن لما وصل إلى الموطن استراح. ومن رجع أولا وجد المكان [واسعا] ووصل إلى الوطن سالما فهذا [مثال أوصاف] أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة [أمرهم] وما أقبح [بمن] يزعم أنه بصير عاقل أن تغره أحجار الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبت وهي زينة الدنيا وشيء منه لا يصحبه عند الموت بل يصير كلا ووبالا عليه وهو في الحال شاغل له بالحزن والخوف عليه وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله تعالى. اهـ] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه الصحائف في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله في ما سبق:\nيصبح الإنسان فيها فرحًا ... ربما أمسى إلى القبر انتقل","vol":"12","page":749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>فصل في عيش السلف</span>\n٤٩٣٤ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: ما شبع آل محمد - ﷺ - من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض. (^١)\n\n٤٩٣٥ - وفي رواية قال أبو حازم: رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارا يقول: والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله - ﷺ - ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدمت ترجمته. قوله: \"ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض\" الحديث، آل محمد هو زوجاته وأهل بيته [ونفى الشبع لا يثبت الجوع، والتوسط هو الاختيار] (^٤)، والمراد بالطعام الحنطة وهو البرّ فإن البرّ كان بالمدينة قليلًا وكان الغالب عليهم الشعير والتمر، فكان - ﷺ - يؤثر قوت أهل بلده ويكره أن يخص نفسه بما لا سبيل للمسلمين إليه، وهذا هو الأشبه بأخلاقه - ﷺ -. قوله: \"وفي رواية، قال أبو حازم: رأيت أبا هريرة يشير بإصبعه مرارا، والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله ثلاثة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٣٧٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٣٧٤).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٢) (٢٩٧٦).\n(^٤) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ويكره أن يخص نفسه بما لا سبيل للمسلمين إليه، وهذا هو الأشبه بأخلاقه - ﷺ -).","vol":"13","page":5},{"text":"أيام تباعا من خبز حنطة حتى قبض\" أبو حازم اسمه سلمة بن دينار الأعرج المدني، مولى الأسود بن سفيان المخزومي القاص. من عباد أهل المدينة، وثقاتهم، والمشهورين من تابعيهم.\nروى عن: سهل بن سعد، وابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح.\nروى عنه: مالك، والثوري، وابن عيينة، وحماد بن زيد.\nمات سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة أربعين ومائة.\n\n٤٩٣٦ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يبيت الليالي المتتابعة وأهله طاويا لا يجدون عشاء، وإنما كان أكثر خبزهم الشعير. رواه الترمذي (^١) وقال: حديث حسن صحيح.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدمت ترجمته، قوله: \"كان رسول الله - ﷺ - يبيت\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٦٠) وفي الشمائل (١٣٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن سعد (١/ ٤٠٠)، وأحمد (١/ ٢٥٥ و٣٧٣ - ٣٧٤)، وفي الزهد (ص ٣٨)، وعبد بن حميد (٥٩٢) وابن ماجه (٣٣٤٧)، والبزار (٤٨٠٥) وابن حبان في المجروحين (٣/ ٨٧)، والطبراني في الكبير (١١٩٠٠)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٤٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٤٢)، والبيهقي في الشعب (٩٩٣٤)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٧٧)، وفي الشمائل (٤٣٨)، والشجري في أماليه (٢/ ٢٠٧) وقال ابن حبان: هلال بن خباب كان ممن اختلط في آخر عمره فكان يحدث بالشيء على التوهم، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وأمّا فيما وافق الثقات فإن احتج به محتج أرجو أن لا يجرح في فعله ذلك وقال أبو نعيم: غريب من حديث عكرمة لم يروه عنه فيما أعلم إلا هلال وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٨٩٥)، والصحيحة (٢١١٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦٤).","vol":"13","page":6},{"text":"الليالي المتتابعة هو وأهله طاويا\" الحديث، المراد بالأهل الزوجات، وتقدم، وقوله: \"طاويا\" المراد بذلك أنهم لا يجدون شيئًا يأكلونه، وفيه أن تأخير الوقت ورداءة النوع لا ينافي الكفاف الممدوح.\n\n٤٩٣٧ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله - ﷺ -. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n\n٤٩٣٨ - وفي رواية لمسلم (^٣) قالت: لقد مات رسول الله - ﷺ -، وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين.\n\n٤٩٣٩ - وفي رواية للترمذي (^٤) قال مسروق: دخلت على عائشة، فدعت لي بطعام، فقالت: ما أشبع، فأشاء أن أبكي إلا بكيت. قلت: لم؟ قالت: أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله - ﷺ - الدنيا، والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم.\n\n٤٩٤٠ - وفي رواية للبيهقي (^٥) قالت: ما شبع رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٤١٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٢) (٢٩٧٠).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٩) (٢٩٧٠).\n(^٤) سنن الترمذي (٢٣٥٦)، وقال: هذا حديث حسن. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٩٨): منكر.\n(^٥) البيهقي في شعب الإيمان (١٣٩٦)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٩٦٥) وإسناده معضل.","vol":"13","page":7},{"text":"قوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها - ﵂ -. [قوله: \"وفي رواية الترمذي قال مسروق: دخلت على عائشة\" الحديث، مسروق هو أبو عائشة بن الأجدع بالجيم والمهملتين الهمداني التابعي الكوفي، قيل: ما ولدت همدانية مثل مسروق، وسمي به [لأنه] سرق في صغره ثم وجدوه، فغلب عليه ذلك، وقال له عمر - ﵁ -، ما اسمك؟ قال: فقلت: مسروق بن الأجدع، فقال سمعت النبي - ﷺ - يقول (^١): الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن، فأثبت اسمه في الديوان بابن عبد الرحمن، والأجدع كان أفرس فارس باليمن وهو ابن أخت عمرو بن معدي كرب، مات مسروق سنة اثنين أو ثلاث وستين، قاله الكرماني (^٢)، قوله ولكنه كان يؤثر على نفسه. الإيثار على النفس هو أن تقدم الناس على نفسك في مصالحهم. مثل أن تطعمهم وتجوع. وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين. ومثل أن تؤثرهم بمالك وتقعد كلا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٢١١)، وأبو داود (٤٩٥٧)، وابن ماجه (٣٧٣١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٩٠٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١١)، والبزار في المسند (٣١٩)،، وقال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٥٤٠) مجالد بن سعيد. وقد تكلموا فيه، ولكنه أخرج له مسلم في المتابعات. وقد رواه علي ابن المديني، عن أبي النضر به، وقال: هذا الحديث صالح الإسناد وليس بالصافي، وهو حديث كوفي، لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وأبو عقيل: ضعفه أبو أسامة. انتهى كلامه ﵀. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٧١)، وضعيف أبي داود (١٠٥٥).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٥٠).","vol":"13","page":8},{"text":"مضطرا، مستشرفا للناس أو سائلا. وكذلك إيثارهم بكل ما يحرمه على المؤثر دينه. فإنه سفه وعجز. يذم المؤثر به عند الله وعند الناس.\n\n٤٩٤١ - وَعَن أنس بن مَالك - ﵁ - قَالَ إِن فَاطِمَة - ﵂ - ناولت النَّبِي - ﷺ - كسرة من خبز شعير فَقَالَ لَهَا هَذَا أول طَعَام أكله أَبوك مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَزَاد فَقَالَ مَا هَذِه فَقَالَت قرص خبزته فَلم تطب نَفسِي حَتَّى أَتَيْتُك بِهَذِهِ الكسرة فَقَالَ فَذكره رواتهما ثِقَات (^١).\n\n٤٩٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ أُتِي رَسُول الله - ﷺ - بِطَعَام سخن فَأكل فَلَمَّا فرغ قَالَ الْحَمد لله مَا دخل بَطْني طَعَام سخن مُنْذُ كَذَا وَكَذَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).\n\n٤٩٤٣ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - حَتَّى دخل بعض حيطان الْأَنْصَار فَجعل يلتقط من التَّمْر وَيَأْكُل فَقَالَ لي يَا ابْن عمر مَا لَك لَا تَأْكُل قلت لَا أشتهيه يَا رَسُول الله قَالَ وَلَكِنِّي أشتهيه وَهَذِه صبح رَابِعَة مُنْذُ لم أذق طَعَاما وَلَو شِئْت لَدَعَوْت رَبِّي ﷿ فَأَعْطَانِي مثل ملك\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٢١٣ (١٣٢٢٣) والزهد (٢١٠)، وابن أبي الدنيا في الجوع (١٥)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٢٤)، وابن الأعرابى (١٩٧٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٥٨ رقم ٧٥٠)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٨٣٢). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٢: رواه أحمد، والطبراني، وزاد: فقال: ما هذه؟ فقالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة. ورجالهما ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٧٣) وضعيف الترغيب (١٨٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤١٥٠)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٥٧ رقم ١٤٦٣٠). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٥٥٥)، وضعيف الترغيب (١٩٠٠).","vol":"13","page":9},{"text":"كسْرَى وَقَيْصَر فَكيف بك يَا ابْن عمر إِذا بقيت فِي قوم يخبئون رزق سنتهمْ ويضعف الْيَقِين فوَالله مَا برحنا حَتَّى نزلت ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠]، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله لم يَأْمُرنِي بكنز الدُّنْيَا وَلَا بِاتِّبَاع الشَّهَوَات فَمن كنز دنيا يُرِيد بهَا حَيَاة بَاقِيَة فَإِن الْحَيَاة بيد الله ﷿ أَلا وَإِنِّي لا أكنز دِينَارا وَلَا درهما وَلَا أخبأ رزقا لغد رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب (^١).\n\n٤٩٤٤ - وَعَن أبي أُمَامَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ عرض عَليّ رَبِّي ليجعل لي بطحاء مَكَّة ذَهَبا قلت لَا يَا رب وَلَكِن أشْبع يَوْمًا وأجوع يَوْمًا وَقَالَ ثَلَاثًا أَو نَحْو هَذَا فَإِذا جعت تضرعت إِلَيْك وذكرتك وَإِذا شبعت شكرتك وحمدتك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَنهُ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٢).\n\n٤٩٤٥ - وعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا، ولم يشبع هو ولا أهله من خبز الشعير. رواه البزار (^٣) بإسناد حسن.\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (٨١٦)، وابن أبي الدنيا في الجوع (٣٠٧)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٨٧٩). وذكره القرطبي في التفسير (٧/ ٥٠٧٥)، ثم قال: هذا ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٧٤) وضعيف الترغيب (١٩٠١).\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٤ (٢٢١٩٠)، والترمذي (٢٣٤٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٨٦٥) و(١٩٠٢) المشكاة ٥١٩٠/ التحقيق الثاني.\n(^٣) مسند البزار = البحر الزخار (١٠٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١٢): رواه البزار، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦٦).","vol":"13","page":10},{"text":"قوله: \"وعن عبد الرحمن بن عوف\" تقدم] (^١). قوله: \"خرج رسول الله - ﷺ - ولم يشبع هو ولا أهله من خبز الشعير\" فإن ذلك لم يكن منه في كل أحواله ولا لضيق وكيف يكون ذلك وقد كان الله تعالى أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها، ونقل إليه الخراج من بعض بلاد العجم كاملة والبحرين وهجر ولكن كان بعضه للإثيار نوائب حقوق الله تعالى وبعضه كراهة منه للشبع وكثرة الأكل فإنه كان يكرهه ويؤدب أصحابه به كما قال في الحديث عن أبي جحيفة (^٢) أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقال الفضل خصلتان تفسدان القلب: كثرة الأكل وكثرة الكلام).\n(^٢) أخرجه البزار = البحر الزخار (٤٢٣٦) وخيثمة الأطرابلسي في جزء من حديثه (٤٥)، ومن طريقه: تمام في الفوائد (٦٤٣) وأخرجه ابن أبي الدنيا في الجوع (١٩)، وابن جرير في تهذيب الآثار/ مسند علي (٢/ ٧١٦ - ٧١٧ رقم ١٠٣٥/ مسند عمر بن الخطاب)، والطبراني في الأوسط (٨٩٢٩)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٧٥)، والبيهقي في الشعب (٥٢٥٦)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٧٨٨) الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٣٢/ ٣٥١) والأوسط (٣٧٤٦) والحاكم (٤/ ١٢١) البيهقي في الشعب (٥٢٥٥) وابن أبي الدنيا في الجوع (١٩) أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٢٥٦ والبيهقي في الآداب (٧٠٠) والشعب (٥٢٥٦) وابن بشكوال في الغوامض (٣١٥) أخرجه الطبري في تهذيب الآثار (مسند عمر ٢/ ٧١٦ - ٧١٧) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ورده الذهبي بقوله: قلت: فهد قال ابن المديني: كذاب، وعمر هالك، وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١٨٦١): وسمعت أبي وذكر حديثا كان في كتاب عمرو بن مرزوق - ولم يحدّث به - عن مالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه؛ قال: تجشأت عند النبي (ص) فقال: أطولكم شبعا في الدنيا أطولكم جوعا في الآخرة. =","vol":"13","page":11},{"text":"القيامة، فلما سمع منه أبو جحيفة ذلك لم يأكل ملء بطنه حتى فارق الدنيا، كان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى. وكذلك حديث جابر (^١) أن عمر لقيه ومعه حمال يحمل له لحما فسأله عن ذلك فقال اشتهينا اللحم فاشتريته للصبيان والنساء، فقال له عمر لا يشتهي أحدكم شيئًا إلا اشتراه، أين تذهب عنكم هذه الآية، ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٢)، وقال ابن عمر: (^٣) ما شبعت منذ أربعة أشهر وأنا واجدٌ للطعام ولكني عهدت قوما يشبعون مرة ويجوعون مرة. وقال الفضيل (^٤) خصلتان تفسدان القلب: كثرة الأكل وكثرة الكلام.\n_________\n= فسمعت أبي يقول: هذا حديث باطل، ولم يبلغني أن عمرو بن مرزوق حدث به قط. قال مهنا: سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث فذكره من رواية علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة؟ فقالا: ليس بصحيح، كما في المنتخب من العلل لابن قدامة (ص ٤٧). وقال أحمد: كان عمرو بن مرزوق يحدث به، عن مالك بن مغول، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، ثم تركه بعد. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٧٩): ... وحديث أبي جحيفة، وفي أسانيدها كلها مقال. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٣): وعن أبي جحيفة، قال: أكلت ثريدا رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٣١): رواه الطبراني في الأوسط، والكبير بأسانيد، وفي أحد أسانيد الكبير محمد بن خالد الكوفي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٣) صحيح الترغيب والترهيب (٢١٣٦).\n(^١) أبو داود الزهد (ص ٦٦) تهذيب الآثار مسند عمر بن الخطاب (١٠٣٨).\n(^٢) سورة الأحقاف، الآية: ٢٠.\n(^٣) الورع لابن حنبل (١/ ١٠٠) الزهد لابن حنبل (١/ ١٨٩، والزهد لأبي داود (١/ ٣٣٦).\n(^٤) طبقات الصوفية (١/ ٢٦).","vol":"13","page":12},{"text":"٤٩٤٦ - وروي عن ابن عمر - ﵄ - قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حتى دخل بعض حيطان الأنصار، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: يا ابن عمر مالك لا تأكل؟ قلت: لا أشتهيه يا رسول الله. قال: ولكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما، ولو شئت لدعوت ربي ﷿، فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم، ويضعف اليقين، فوالله ما برحنا حتى نزلت: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات، فمن كنز دنيا يريد بها حياة باقية، فإن الحياة بيد الله ﷿، ألا وإني لا أكنز دينارا، ولا درهمًا، ولا أخبأ رزقا لغد. رواه الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب (^١).\nقوله: \"وروي عن ابن عمر\" تقدمت ترجمته مرارا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في أخلاق النبي - ﷺ - (ص ٣٠٣ - ٣٠٤)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٦١): رواه عبد بن حميد وأبو الشيخ بن حيان في كتاب الثواب بسند فيه راو لم يسم. والحديث؛ أخرجه عبد بن حميد المنتخب من مسند (٨١٤)، وابن أبي الدنيا في الجوع (٣٠٧)، وابن أبي حاتم، في تفسيره (٩/ ٣٠٧٨) وقال ابن الجوزي الموضوعات (٢/ ٢٨٢) روى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: كيف بك يا ابن عمر إذا غبرت في قوم يحبون رزق سنتهم. قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا حديث موضوع. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٣٢): أخرجه ابن مردويه في التفسير والبيهقي في الزهد من رواية رجل لم يسم عن ابن عمر، قال البيهقي: هذا إسناد مجهول، والجراح بن منهال ضعيف. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٨٧٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٠١): ضعيف جدًا.","vol":"13","page":13},{"text":"قوله في الحديث: \"خرجنا مع رسول الله - ﷺ - حتى دخل بعض حيطان الأنصار\" الحديث، الحيطان جمع حائط وهو البستان إذا كان عليه سياج دائر، والأنصار هم الذين نصروا رسول الله - ﷺ - حين هاجر إلى المدينة ﵃ أجمعين. قوله - ﷺ -: \"ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر\" الحديث، وكسرى بكسر الكاف وفتحها اسم لمن ملك الفرس والنسب إليه كسروى وكسرواني وأرضه العراق وكل من ملك الفرس لقب بكسرى وكل من ملك الروم لقب بقيصر وكل من ملك الحبشة لقب بالنجاشي والنجاشي بخفة الجيم وأما الياء فقد جاء تخفيفها وتشديدها، وكل من ملك مصر لقب بالعزيز وكل من ملك القبط لقب بفرعون وكل من ملك حمير لقب بتُبَّع وكل من ملك الترك لقب بخاقان. اهـ.\nقوله: \"وقيصر\"، قيصر غير منصرف للعجمة، [وهو] لقب على كل من ملك الروم كما تقدم، وكان اسمه هرقل كما دل عليه الحديث، وأرضه الشام، اهـ. واسم قيصر مشتق في لغتهم من القطع لأن أحشاء أمه قطعت حتى أخرج منها، وذلك أنها ماتت حين اشتدّ بها الطلق قبل أن تلد فبقي الولد يضطرب في جوفها، فشقّوا جوفها وأخرجوه، وكان شجاعا جبارا مقداما في الحروب. قاله ذو النسبين في كتابه العلم المشهور وهو كتاب نفيس.\nفائدة: كسرى المذكور في الحديث هو جد الإمام أبي حنيفة - ﵁ -، وهو الذي أرسل إليه رسول الله - ﷺ - رسوله بكتابه فأخذ الكتاب ومزَّقه فبلغ ذلك إلى النبي - ﷺ - فقال مزق الله ملكه فلم يأت على ملكه شهر حتى أهلكه الله،","vol":"13","page":14},{"text":"[و] وَلِيَت بعده ابنته فأخبر النبي - ﷺ - فقال: لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة. (^١) وقال لأصحابه: [إنكم] (^٢) ستفتحون بلاد كسرى ففتحوا بلاده ومزق الله ملكه وأمواله وذخائره وملّك الله المسلمين بلاده إلى يومنا هذا وكان كسرى بعد تمزيق الكتاب [في تلك الليلة] رآى في النوم قائلا يقول له سلم ما في يديك لصاحب الهرواة، فأصبح مرعوبا من شدة الخوف وهول المنام، فأصبح استدعى المعبرين ليعبّروا الرؤيا فقالوا له صاحب الهراوة هو النبي المبعوث في آخر الزمان هذا الذي أرسل إليك كتابه فهاله ذلك وعظم عنده الأمر فلم يتمّ له شهر حتى أهلكه الله. وكان لكسرى قيل خمسون ألف فرس واثنا عشر ألف زوجة وقيل ثلاثة آلاف زوجة، وكان يدعى في زمانه ملك الملوك، وكانت ملوك الأرض تحمل إليه الخراج والعمالات عمالات البلاد، وكان قيصر من جملة من يحمل إليه الخراج والمقوقس صاحب مصر كان يحمل الخراج إلى صاحب قيصر وقيصر يبعث ذلك [إليه] سمعا وطاعة له، فأهلك الله كسرى وقيصر، وقد قال ﵊ (^٣): إذا [أهلك] الله كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتُنفقَّن كنوزهما في سبيل الله. وبعث رسول الله - ﷺ - كتبه إلى جماعة من ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام فلم يجب منهم أحد سوى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٤٢٥ - ٧٠٩٩).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) صحيح البخاري (٣١٢٠)، وصحيح مسلم (٧٥) (٢٩١٨).","vol":"13","page":15},{"text":"النجاشي والنجاشي اسمه بالعربية عطية ذكر ذلك السهيلي وغيره، وهو الذي زوّج النبي - ﷺ - أم حبيبة بنت أبي سفيان وأصدقها النجاشي أربع مائة دينار، وكان أبو سفيان إذ ذاك كافرا فبلغه تزوجيها من النبي - ﷺ - فقال ذاك الفحل الذي لا يجدع أنفه، وكسرى هذا قتله بنوه، وأنشد بعضهم:\nوكسرى إذ تقسّمه بنوه ... بأسياف كما انقسم اللحام\nتمخضت المنون له [بريب] ... أتى ولكل حافلة تمام اهـ\nذكره جمال الدين البساطي في شرح البردة، وهو شرح نفيس فيه فوائد جمّة.\n\n٤٩٤٧ - وعن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا. قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا، وأجوع يومًا، وقال ثلاثًا، أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك. رواه الترمذي (^١) من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٤٧) وقال الترمذي: هذا حديث حسن، والقاسم هو ابن عبد الرحمن شامي ثقة، وعلي بن يزيد ضعيف الحديث وأخرجه ابن المبارك في الزهد (زوائد نعيم بن حماد ص ٥٤)، وابن سعد (١/ ٣٨١)، وأحمد (٥/ ٢٥٤)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي (٨٤٣) (٨٤٤)، والروياني (١٢٢٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٠٧/ ٧٨٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٣)، والبيهقي، في شعب الإيمان (١٣٩٤ و٩٩٢٥)، والبغوي (٤٠٤٤)، وفي الشمائل (٤٢٧)، والشجري في أماليه (٢/ ٢٠٨)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٨٨٩) وقال ابن القطان في الوهم والإيهام (٣/ ٦٠٦ - ٦٠٧): الحديث ضعيف لأنه من رواية يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب =","vol":"13","page":16},{"text":"القاسم عنه، وقال: حديث حسن.\nقوله: \"وعن أبي أمامة\" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: - ﷺ -: عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، تقدم هذا الحديث قريبًا. وبطحاء مكة موضع مشهور بمكة.\nفائدة: فإن قال قائل ما الحكمة في اختيار الله تعالى الفقر لنبيه - ﷺ - واختياره الفقر لنفسه؟ فالجواب عنه من وجوه:\nأحدها: أنه لو كان غنيا لقصده قوم طمعا في الدنيا فاختار الله الفقر له حتى أن كل من قصده علم الخلائق أنه قصده طلبا للعُقبى.\nالثاني: ما قيل أن الله ﷿ اختار الفقر له نظرا لقلوب الفقراء حتى يتسلى الفقير بفقره كما يتسلى الغني بماله.\nالثالث: أن المال لا يخلو من أحد أمرين حرام أو حلال فحرامه عذاب وحلاله حساب وقد نزهه الله تعالى عن الحرام والعذاب ولو كان حلالا لكان مشتغلا بالحساب يوم القيامة ولم [يتفرغ] إلى شفاعة أمته فأفقره الله تعالى في الدنيا ليكون فارغا في القيامة إلى شفاعة أمته - ﷺ -.\nالرابع: ما قيل إن فقره دليل على هوان الدنيا على الله عز وعلا وهو ما قال - ﷺ -: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. (^١)\n_________\n= (١٩٠٢)، و(ضعيف - المشكاة ٥١٩٠/ التحقيق الثاني)، وقال في ضعيف الجامع الصغير (٣٧٠٤): ضعيف جدًا.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤١١٠)، والترمذي (٢٣٢٠) وقال: حديث صحيح غريب، وأخرجه =","vol":"13","page":17},{"text":"الخامس: فيه دليل على تفضيل الفقر على الغنا إذا كان الفقر حال أفضل الخلائق وهو النبي - ﷺ - فعلم بذلك أن الفقر أفضل والله أعلم. اهـ.\n\n٤٩٤٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية فدعوه، فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير. رواه البخاري (^١) والترمذي (^٢). [مصلية]: أي مشوية.\n\n٤٩٤٩ - وَرُوِيَ عَن سهل بن سعد - ﵁ - قَالَ مَا شبع رَسُول الله - ﷺ - فِي يَوْم شبعتين حَتَّى فَارق الدُّنْيَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٣).\n\n٤٩٥٠ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - قَالَ: وَالله مَا شبع رَسُول الله - ﷺ - من غداء وعشاء حَتَّى لَقِي الله ﷿ (^٤).\n_________\n= العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٦)، والروياني (١٠٥٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٠) وصححه، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٤٨/ ٥٨٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي، في شعب الإيمان (٩٩٨١ و٩٩٨٢)، والبغوي (٤٠٢٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٩٢)، والصحيحة (٩٤٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٤٠).\n(^١) صحيح البخاري (٥٤١٤).\n(^٢) لعله وهم، انظر: صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦٧).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٤٠٧)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٦٠ رقم ٥٨٤٨). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٣: رواه الطبراني، وفيه عبد الحميد بن سليمان، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٦٨).\n(^٤) أخرجه البزار (٣٦٠٦)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٣٩ رقم ٣٩١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٣: رواه الطبراني، وفيه عمرو بن عبيد، وهو متروك. وضعفه الألباني جدًا في ضعيف الترغيب (١٩٠٣).","vol":"13","page":18},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدمت ترجمته. قوله - ﵁ -: \"أنّه مرّ بقوم بين أيديهم شاة مصليّة فدعوه فأبى أن يأكل\" الحديث، مصلية هو بفتح الميم وإسكان الصاد المهملة وكسر اللام وتشديد الياء المثناة تحت، [اهـ.] (^١) أي مشوية، قاله الحافظ. وقال في النهاية (^٢): [يقال] (^٣) صليت اللحم بالتخفيف أي شويته، فهو مصلي فأما إذا أحرقته وألقيته في النار قلتَ صلّيتَه بالتشديد وأصليته وصليت العصي بالنار أيضًا إذا لينتها وقوّمتها وفيه من المسهلات الاتباع والاقتداء وفيه روائح ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (^٤) الآية.\nفائدة: في سنن أبي داود (^٥) وغيرها أن النبي - ﷺ - أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية سمتها فأكل منها وأكل رهط من أصحابه فمات بشر بن الوراء (^٦) بن معرور فأرسل إلى اليهودية فقال ما حملك على صنعت؟ فقالت: قلت: إن كان نبيا فلن يضره وإن لم يكن نبيًّا استرحنا منه. فأمر بها رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٥٠).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١٢٠.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٥١٠)، والدارمي (٦٩) والبيهقي (٨/ ٤٦) وفي الدلائل (٤/ ٢٦٢)، وقال الخطابي في معالم السنن (٤/ ٦): حديث جابر ليس بذاك المتصل لأنَّ الزهري لم يسمع من جابر شيئًا). قال علي بن المديني: سمعت سفيان يقول: كأن عمرو بن دينار أكبر من الزهري، سمع من جابر، والزهري لم يسمع منه. المراسيل لابن أبي حاتم (٦٩٥). وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (٤٥١٠).\n(^٦) هكذا هذه العبارة في الأصل وفي النسخة الهندية، ولعله سبق قلم، والصواب: (البراء).","vol":"13","page":19},{"text":"فقتلت، كذا رواه وهو مرسل فإن الزهري لم يسمع من جابر شيئًا والمحفوظ أنه - ﷺ - قيل له ألا تقتلها فقال لا كذا رواه البخاري ومسلم (^١) وجمع البيهقي بينهما بأنه لم يقتلها في الابتداء فلما مات بشر أمر بقتلها وهي زينب بنت الحارث بن سلام. وقال ابن إسحاق إنها أخت مرحب اليهودي، وروى معمر بن راشد عن الزهري أنها أسلمت، اهـ. (^٢) وحديث سهل بن سعد وحديث عمران بن حصين اللذين بعده تقدم معناهما.\n\n٤٩٥١ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: ما كان يبقى على مائدة رسول الله - ﷺ - من خبز الشعير قليل ولا كثير. رواه الطبراني (^٣) بإسناد حسن.\n\n٤٩٥٢ - وفي رواية له: ما رفعت مائدة رسول الله - ﷺ - من بين يدي رسول الله - ﷺ - وعليها فضلة من طعام قط. رواه ابن أبي الدنيا (^٤) إلا أنه قال: وما رفع بين يديه كسرة فضلًا حتى قبض.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام عليها. قوله: \"ما كان يبقى على مائدة رسول الله - ﷺ - من خبز الشعير لا قليل ولا كثير\" وفي رواية: \"ما رفعت مائدة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠).\n(^٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٨/ ٣٣٥)، وحياة الحيوان الكبرى (٢/ ٦٠).\n(^٣) المعجم الأوسط (١٥٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١٣): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦٩).\n(^٤) البزار كما في كشف الأستار (٣٦٦٨)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١٣): وروى البزار بعضه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٦٩).","vol":"13","page":20},{"text":"رسول الله - ﷺ -\" الحديث، المائدة قيل هي الخِوان الذي يؤكل عليه، وقيل لا يقال لها مائدة إلا إذا كان عليها طعام. وقال أبو حاتم: هو اسم الطعام نفسه، وقاله ابن [قتيبة (^١)]، وفي حديث آخر: ما أكل على خوان قط، فالمراد بالمائدة هنا السّفر وأشباهها مما يوضع عليه الطعام ويصان عن الأرض من سفرة ومنديل [وشبههما] ولا يقال للخوان مائدة إلا إذا كان عليه طعام [لا خوان الخشبة المعد لذلك، قاله عياض (^٢) ﵀ ﵎].\n\n٤٩٥٣ - وللترمذي وَحسنه من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ مَا كَانَ يفضل عَن أهل بَيت النَّبِي - ﷺ - خبز الشّعير (^٣).\n\n٤٩٥٤ - وعن كعب بن عجرة - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - فرأيته متغيرا فقلت: بأبي أنت، مالي أراك متغيرا؟ قال: ما دخل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث. قال: فذهبت فإذا يهودي يسقي إبلا له، فسقيت له على كل دلو بتمرة، فجمعت تمرا، فأتيت به النبي - ﷺ - فقال: من أين لك يا كعب؟ فأخبرته، فقال النبي - ﷺ -: أتحبني يا كعب؟ قلت: بأبي أنت نعم. قال: إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى معادنه، وإنه سيصيبك بلاء، فأعد له تجفافا. قال: ففقده النبي - ﷺ - فقال: ما فعل كعب؟ قالوا: مريض، فخرج\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٩١).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٤٨).\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٤٠١)، وأحمد ٥/ ٢٦٧ (٢٢٢٩٦)، والترمذي (٢٣٥٩) وفي الشمائل (١٤٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٧٠).","vol":"13","page":21},{"text":"يمشي حتى دخل عليه، فقال له: أبشر يا كعب، فقالت أمه: هنيئا لك الجنة يا كعب، فقال النبي - ﷺ -: من هذه المتألية على الله ﷿؟ قلت: هي أمي يا رسول الله. قال: ما يدريك يا أم كعب لعل كعبا قال ما لا ينفعه، ومنع ما لا يغنيه. رواه الطبراني (^١)، ولا يحضرني إسناده إلا أن شيخنا الحافظ أبا الحسن ﵀ كان يقول: إسناده جيد.\nقوله: \"وعن كعب بن عجرة\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"وإنه سيصيبك بلاء فأعدّ له تجفافا\" الحديث. التجفاف بكسر التاء المثناة فوق وإسكان الجيم وبالفاء المكررة ما جلل به الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح وفرس مجفف عليه تجفاف والجمع التجافيف والتاء فيه زائدة وإنما ذكرناه ها هنا حملا على لفظه، اهـ. قاله ابن الأثير (^٢).\nوقال النووي في الرياض (^٣) بعد معنى ما ذكر: وقد يلبسه الإنسان اهـ، والتجفاف يقال له بالفارسية بُركشتُوان. وقال بعض العلماء: التجفاف في قوله: فأعدّ له تجفافا أي آلة تدفع بها عن دينك ضرره من الصبر والقناعة والرضا أي فارفض الدنيا وازهد فيها واصبر على الفقر والتقلل وكفى بالتجفاف عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر التجفاف البدن. قوله: \"من\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧١٥٧)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١٤): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٧١): حسن.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٢).\n(^٣) رياض الصالحين (ص: ١٧٨).","vol":"13","page":22},{"text":"هذه المتألّية على الله\" تقدم الكلام على ذلك قريبًا.\n\n٤٩٥٥ - وعن أنس - ﵁ - قال: لم يأكل النبي - ﷺ - على خوان حتى مات، ولم يأكل خبزًا مرققًا حتى مات. وفي رواية: ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط. رواه البخاري (^١).\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات\" الحديث، [والخوان هو بكسر الخاء وضمها لغتان، الكسر أفصح والجمع أخونة وخون] (^٢). قال الجوهري (^٣): الخوان الذي يُؤكل عليه معرب. وقال في النهاية (^٤): الخوان الذي يوضع عليه الطعام عند الأكل [والأكل] عليه لم يزل من آداب المتكبرين وصنع الجبارين لئلا يفتقروا إلى التَّطأطئ عند الأكل، [وقوله: \"لم يأكل النبي - ﷺ - على خوان حتى مات\" الحديث]، وليس المراد بهذا الخوان ما نفاه في الحديث المشهور في قوله: ما أكل رسول الله - ﷺ - على خوان قط، بل شيء نحو من السّفرة، اهـ. وفي حديث آخر: ما أكل رسول الله - ﷺ - على خوان ولا في سُكُرّجة ولا خبز له مرقق، قيل لقتادة على ما تأكلون؟ قال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٤٢١).\n(^٢) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (وليس المراد بهذا الخوان ما نفاه في الحديث المشهور ...).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ٢١١٠).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠).","vol":"13","page":23},{"text":"على السفر. رواه البخاري في الأطعمة (^١) والترمذي (^٢) وابن ماجه من حديث قتادة عن أنس بن مالك.\nقوله: \"على السفر\"، والسفر جمع سفرة والسفرة الطعام الذي يتخذه المسافر، وأكثر ما عمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به كما سميت المزادة راوية والسكرجة بضم الأحرف الثلاثة الأول، الثلاثة مع تشديد الراء، هكذا ضبطه الحفاظ. وقال ابن مكي: صوابه بفتح الراء وهي قصاع صغار يؤكل فيها وليست بعربية لأن الأكل منها علامة [على] (^٣) البخل وفيها كبير وصغير، فالكبيرة محمل قدر ست أواق والصغيرة قدر ثلاثة أواق، ومعنى ذلك أن العجم كانت تستعملها في الكوامخ وما أشبهها من الجوارشات على الموائد حول الأطعمة للتّشهي والهضم، فأخبر أن النبي - ﷺ - لم يأكل على هذه الصفة قط.\nتتمة: قال في الإحياء (^٤) من آداب الأكل أن يوضع الطعام على الأرض في سفرة فهو أقرب إلى فعل رسول الله - ﷺ - من رفعه على المائدة. كان رسول الله - ﷺ - إذا أُتي بطعام وضعه على الأرض (^٥) وهو أقرب إلى التواضع، فإن لم\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٣٨٦ - ٥٤١٥ - ٦٤٥٠).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٣٦٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأخرجه ابن ماجه (٣٢٩٢).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) إحياء علوم الدين (٢/ ٣).\n(^٥) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٤٣٣): أخرجه أحمد في كتاب الزهد من =","vol":"13","page":24},{"text":"يضعه الآكل على الأرض اقتدى بالنبي - ﷺ - وضعه على السفرة فإنه تذكر السفر ويتذكر من السفر سفر الآخرة وحاجته فيه إلى زاد التقوى، وقيل أربعة أحدِثت بعد النبي - ﷺ -: الموائد والمناخل والأشنان والشبع، اهـ. [قوله في الحديث: \"ولم يأكل خبزا مرققا حتى مات\"] (^١) قال في النهاية (^٢): الرقاق والمرقق من الخبز هي الأرغفة الواسعة الرقيقة، ويقال لها الرقاق، يقال رقيق ورقاق كطويل وطوال. انتهى.\nلطيفة: ورد في الحديث: من أكل وتحتم دخل الجنة، [والتحتم] أكل الحتامة وهي فتات الخبز الساقط على الخوان، اهـ. قاله في النهاية (^٣).\nفائدة: روى أصحاب الكتب الستة (^٤) عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان يحب الحلواء ويشرب العسل. قال العلماء: المراد بالحلواء هنا كل حلو وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومزيته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام والحلواء بالمد وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق، وأن ذلك\n_________\n= رواية الحسن مرسلا ورواه البزار من حديث أبي هريرة نحوه وفيه جماعة وثقه أحمد وضعفه الدارقطني.\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٥٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٣٨).\n(^٤) صحيح البخاري (٥٤٣١ - ٥٥٩٩ - ٦٩٧٢)، وصحيح مسلم (٢٢١) (١٤٧٤)، وابن ماجه (٣٣٢٣)، وأبو داود (٣٧١٥)، والترمذي (١٨٣١)، والنسائي في السنن الكبرى (٧٥١٩).","vol":"13","page":25},{"text":"لا ينافي الزهد والمراقبة، لا سيما إذا حصل اتفاقا، وفي تاريخ أصبهان (^١) في ترجمة أحمد بن الحسن عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: أوّل نعمة ترفع من الأرض العسل؛ وفي أحاديث الحجاج بن يوسف أنه كتب إلى عامله بفارس ابعث لي من عسل خلار من النحل الأبكار ومن الدّستَسْقار الذي لم تمسّه النار، يريد بالأبكار أفراخ النحل لأن عسلها أطيب وأصفى، [والخلار] موضع بفارس، والدستسقار كلمة فارسية معناها ما عصرته الأيدي، اهـ. قوله: \"ولا رأى شاة سميطا بعينه قط\" الحديث، أي مشوية، فعيل بمعنى مفعول الشاة الواحدة من الغنم تقع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز وأصلها شاهة لأن تصغيرها شويهة والجمع شياه، وقوله سميطا وأصل السمط أن تنزع صوف الشاة المذبوحة بالماء الحار وإنما يفعل بها ذلك في الغالب لتشوى، قاله في النهاية (^٢). وكذا الجوهري وابن [مندة].\nقال ابن بطال (^٣): في البخاري عن عمرو بن أمية الضمري أنه رأى النبي - ﷺ - يجتزّ من كتف شاة يأكل منها ودُعِي إلى الصلاة فطرح السكين وصلى فلم يتوضأ فكيف يجمع هذا مع قول أنس أن النبي - ﷺ - ما رأى شاة سميطا\n_________\n(^١) تاريخ أصبهان (١/ ١٥٢)، وابن عدي في الكامل (٨/ ١٤٢)، وقال: وعلي بن عروة هذا كما قال يَحيى بن مَعين: ليس حديثه بشَيءٍ، وهو ضعيف عن كل من روى عنه، وله غير ما ذكرت من الحديث. حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٧٢) تنزيه الشريعة (٢/ ٢٣٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٠٠).\n(^٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٤٨٧).","vol":"13","page":26},{"text":"بعينه قط، [وحديث] أم سلمة (^١).\nأنها قربت النبي - ﷺ - جنبا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ؛ قال الترمذي حديث صحيح غريب ثم أجاب بأن قول أنس يحتمل تأويلين أحدهما أن يكون النبي - ﷺ - لم يتفق له قط أن [سمط] له شاة بكمالها لأنه قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب أخرى وذلك لحم غير مسموط لا محالة، والثاني أن أنسا قال لا أعلم ولم يقطع بأن النبي - ﷺ - لم يأكل لحما مشويا فأخبر بما علم وأخبر عمرو بن أمية وأم سلمة وغيرهما أنهم رأوه - ﷺ - يحتز من الكتف والجنب المشوي، وكل واحد أخبر بما علم وليس قول أنس برافع لقول من علم لأن من علم حجة على قول من لم يعلم لأنه زاد [عليه] فوجب قبول الزيادة والمسموطة المشوية بجلدها، قاله في الديباجة، يقال سمطت الجدي أسمطه سمطا إذا نظفته من الشعر بالماء الحار لتشويه فهو\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٨٢٩)، وفي الشمائل (١٥٥)، النسائي (١/ ٩٠)، وفي الكبرى (١٨٨)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٢٤)، وأبو يعلى (٦٩٨٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٦٥)، والبيهقي (١/ ١٥٤)، والبغوي في شرح السنة (٢٨٤٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٢٩): حديث صحيح، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقال ابن عبد البر: حديث صحيح، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٨٤٢): الترمذي وصححه، وقال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٥٥٢): أخرجه الترمذي وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٤/ ٣٢٩)، وصحيح مختصر الشمائل (١٣٨).","vol":"13","page":27},{"text":"سميط ومسموط لأن فيه تنعما.\nفائدة: سمط الغنم والماعز وذلك بدعة لأن النبي - ﷺ - لم ير بعينه شاة سميطا قط كما ذكر في الحديث السّابق، وهو مباح لو سُمط على الوجه الشرعي لكنهم يذبحون الشاة فيخرج الدم المسفوح وتتخبط فيه الذبيحة ثم يلقونها بنجاستها في الدست فيتنجس الماء بتخلل الدم فيه، ثم يخرجون الذبيحة وهي متنجسة فيضعونها في ماء طاهر فإن كان دون القلتين تنجس بها وبأيديهم فيصير الماء نجسا ثم يخرجونه ويبيعونه ويطبخ في الأسواق من غير نكير في ذلك مع أنه لو غسل بعد السمط بماء طاهر لكان في حله وطهارته خلاف، فذهب كثير من العلماء [إلى] (^١) أنه لا يطهر بالغسل؛ وقال الرافعي وغيره في ذلك وجهين أحدهما يغسل ثم يعصر كالبساط، والثاني يشترط بماء طهور وقطع به القاضي حسين والمتولي واختار الشاشي [الاكتفاء] بالغسل وهو المنصوص فكيف وهو يباع من غير تطهير ويطبخ كذلك عند الشرايحي وعند كثير من الناس، وكثير من الناس لا يغسل اللحم السليخ قبل طبخه سيما من قصد شيّه أو دقّه فإنّه لا يبلّه البتة فيصير نجسا لا يجوز أكله ويتنجس ما يوضع فيه من القدر والأوعية، ومن صلى عقيب أكله قبل أن يغسل فمه منه [فسدت صلاته وإذا بلع ريقه وهو صائم، قبل أن يغسل فمه منه فسد صومه لابتلاع] ريقه المتنجس إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تخفى فيجب على القادر إنكار ذلك ومنع من\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":28},{"text":"يسمط على هذا الوجه والله أعلم، ذكره [ابن النحاس] (^١) في [كتاب] التنبيه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^٢) وهو كتاب نفيس فيه فوائد جمّة والله أعلم.\nفائدة تتعلق بالحديث: قال ابن بطال (^٣): أكل المرقق مباح ولم يجتنب النبي - ﷺ - أكله إلا زهدا في الدنيا وتركا للتنعم وإيثارا لما عند الله تعالى كما ترك كثيرا مما كان مباحا له وكذلك الأكل على الخوان مباح أيضًا وليس نفي أنس أن النبي - ﷺ -[يأكل] (^٤) لم يأكل على خوان ولا أكل شاة مسموطة يرد قول من روى عن النبي - ﷺ - أنه أكل على خوان وأنه أكل [شواء] وإنما أخبر كل بما علم وهذا ابن عباس يقول (^٥) في الضب أنه أكل على مائدة رسول الله - ﷺ - فأثبت له مائدة وقد أنزل الله تعالى على قوم عيسى بن مريم المائدة حين سألوه إياها والمرقق والشاة المسموطة داخل في قول الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^٦)، فجميع الطيبات حلال أكلها إلا أن يتركها تارك زهدا وتواضعا وشحا على طيباته في\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٤٤٩ - ٤٥٠).\n(^٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٤٦٩).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) صحيح البخاري (٢٥٧٥ صحيح مسلم (٤٦) (١٩٤٧).\n(^٦) سورة الأعراف، الآية: ٣٢.","vol":"13","page":29},{"text":"الآخرة أن ينتقصها في الدنيا كما فعل النبي - ﷺ - وذلك مباح له (^١)، اهـ. والله أعلم. قاله في الديباجة.\n\n٤٩٥٦ - وعن الحسن - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يواسي الناس بنفسه حتى جعل يرقع إزاره بالأدم، وما جمع بين غداء وعشاء ثلاثة أيام ولاء حتى لحق بالله ﷿. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (^٢) مرسلًا.\nقوله: \"وعن الحسن\" هو البصري. قوله: \"كان رسول الله - ﷺ - يواسي الناس بنفسه حتى جعل يرقع إزاره بالأدم\" الحديث، المواساة للناس هو معاونة الأصدقاء والمستحقين ومشاركتهم في الأموال والأقوات والإزار هو الذي تستر به العورة ويجوز عقده ليستمسك على عورته ويثبت عليها والأدم هو الجلد.\n\n٤٩٥٧ - وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: ما رأى رسول الله - ﷺ - النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله، فقيل: هل كان لكم في عهد رسول الله - ﷺ - منخل؟ قال: ما رأى رسول الله - ﷺ - منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله، فقيل: فكيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه. رواه البخاري (^٣).\n_________\n(^١) التوضيح (٢٦/ ١٢٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٢٧٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٠٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٤١٣).","vol":"13","page":30},{"text":"[النقي]: هو الخبز الأبيض الحواري. [ثريناه] بثاء مثلثة مفتوحة وراء مشددة بعدها ياء مثناة تحت ثم نون: أي بللناه وعجناه.\nقوله: \"وعن سهل بن سعد\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"ما رأى رسول الله - ﷺ - النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه\" الحديث، [قوله:] النقي هو الخبز الأبيض الحواري، قاله الحافظ، والحوارى الذي نُخل مرة بعد أخرى قاله في النهاية (^١).\nوالحُوارى بالضم وتشديد الواو والراء مفتوحة ما حور من الطعام أي ابيّض وهذا دقيق حواري وحورته [واحوَرَّ أي ابيض، قاله الجوهري (^٢)] (^٣).\nوحديث أبي هريرة (^٤): خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا وما شبع من خبز الشعير، الحديث، وما في معناه. قال ابن بطال: قال الطبري (^٥): إن قال قائل ما وجه هذه الأخبار ومعانيها وقد علمنا صحة الخبر عن النبي - ﷺ - أنه كان يدفع مما أفاء الله عليه من بني النضير قوته وقوت عياله قوت سنة ثم يجعل ما فضل في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله وأنه قسم بين أربعة أنفس [زهاء]\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٥٨).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٦٤٠).\n(^٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فغير مستنكر عليهم ضيق يحتاجون معه إلى الاستلاف وإلى طي الأيام اهـ، قاله في الديباجة).\n(^٤) سبق.\n(^٥) تهذيب الآثار مسند عمر بن الخطاب (٢/ ٧١٢ - ٧١٣).","vol":"13","page":31},{"text":"ألف بعير [من نصيبه] (^١) [مما] أفاء الله عليه من أموال هوازن وأنه ساق في حجة الوداع مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين وأنه كان يأمر للأعرابي بالقطيع من الغنم وهذا شيء يكثر تعداده من عطاياه التي لا يذكر مثلها [عن من] تقدم قبله من ملوك الأمم [السالفة] مع أنه كان بين أرباب الأموال الجسام كأبي بكر وعمر وعثمان مع [بذلهم] مهَجَهم [وأولادهم وأموالهم] وخروج أحدهم من ماله تقربا إلى الله تعالى فكيف بإنفاقها على رسول الله - ﷺ - وبه إليها الحاجة [العظمى].\nفالجواب: أن كل هذه الأخبار صحاح ولا شيء منها يدفع غيره [ولا يعارضه] (^٢)، فأما حديث سعد (^٣) وهو قوله لقد رأيتني سابع سبعة مع النبي - ﷺ - ما لنا طعام إلا ورق الحبلة أو الحبلة حتى يضع أحدنا كما تضع الشاة، الحديث، كما سيأتي أيضًا في الأحاديث بمعناه فإن ذلك في الحين بعد الحين [لأن] من كان له منهم مال كانت تستغرق نوائب [الحقوق] ماله وكذلك مواساة الضيفان [ووفود] العرب إذا قدموا عليهم وكيف لا يكون كذلك فقد أمر النبي - ﷺ - بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصف ماله وعثمان جهّز جيش العسرة بألف بعير إلى غير ذلك فإنما كان تعرض له الحاجة في بعض الأحوال؛ وبان بهذا خطأ قول القائل كيف يجوز أن يرهن النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) صحيح مسلم (١٥) (٢٩٦٧).","vol":"13","page":32},{"text":"درعه عند يهودي بوسق الشعير وفي الصحابة من أهل الغنا والسعة من لا يُجهل موضعه أم كيف يجوز أنه كان يطوي الأيام ذوات العدد خميصا وأصحابه يَهَبون أموالهم لمن دونه من أصحابه و[من] كان كذلك هو وأصحابه فغير مستنكر عليهم ضيق يحتاجون معه إلى الاستلاف وإلى طي الأيام اهـ، قاله في الديباجة.\nقوله: \"وما رآى رسول الله - ﷺ - منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه\" الحديث، وبعث رسول الله - ﷺ - رسولا إلى الناس كافة وهو ابن أربعين سنة وقيل أربعين سنة ويوم وإقامته بمكة بعد النبوءة ثلاث عشرة سنة وقيل عشرا وقيل خمس عشرة ثم هاجر إلى المدينة فأقام به عشر سنين بلا خلاف وقدم المدينة يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول.\nقال الحاكم: وبدأ الوجع برسول الله - ﷺ - في بيت ميمونة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، وقبض - ﷺ - ضحى يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ومنها ابتدئ التاريخ. ودفن - ﷺ - يوم الثلاثاء حين زالت الشمس وقيل [ليلة] الأربعاء، وتوفي - ﷺ - وله ثلاث وستون سنة، وقيل خمس وستون سنة، وقيل ستون، والأول أصح وأشهر. وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح. قال العلماء: وجه الجمع بين الروايات أن من روى ثلاثًا وستين لم يعدّ منها الكسور ومن روى خمسا وستين عدّ سنتي المولد والوفاة ومن روى ستين لم يعدهما والصحيح ثلاث وستون كما تقدم والله أعلم. قوله بها الحديث: \"فيطير ما طار وما بقى ثريناه\"","vol":"13","page":33},{"text":"الحديث، ثرّيناه بثاء مثلثة مفتوحة وراء مشددة بعدها ياء مثناة تحت ونون أي بللناه وعجناه (^١)، اهـ. قاله الحافظ. أي عجنّاه بالماء وأصله من الثري وهو التراب النديّ.\n\n٤٩٥٨ - وروي عن أم أيمن - ﵂ - أنها غربلت دقيقا، فصنعته للنبي - ﷺ - رغيفا، فقال: ما هذا؟ قالت: طعام نصنعه بأرضنا، فأحببت أن أصنع لك منه رغيفا، فقال: رديه فيه، ثم اعجنيه. رواه ابن ماجه (^٢) وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (^٣) وغيرهما.\nقوله: \"عن أم أيمن\" أم أيمن حاضنة النبي - ﷺ - يقال اسمها بركة وكنيت به لأنها كانت أوّلا تحت عبيد الحبشي ولدت له أيمن، وفي صحيح مسلم أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله - ﷺ - كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر - ﷺ - فأعتقها وزوجها مولاه زيد بن حارثة فولدت له أسامة، قال أبو عمر: كان النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٢٩)، والبغوي في شرح السنة (١١/ ٢٩٢).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٣٣٣٦).\n(^٣) الجوع لابن أبي الدنيا (١٧٤). والحديث؛ أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٢/ ٥٥)، وابن أبي عاصم، في الآحاد والمثاني (٣٢١٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ٨٧/ ٢٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٦٨)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٨): هذا إسناد ضعيف لضعفه ابن عطاء واسمه عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني وله شاهد من حديث أنس رواه البخاري في صحيحه وغيره، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٨٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٧٤).","vol":"13","page":34},{"text":"يزورها وكذلك فعل أبو بكر وعمر بعد النبي - ﷺ -.\nوفي حديث آخر عن ثابت عن أنس (^١) قال أبو بكر بعد موت النبي - ﷺ - لعمر انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها [كما كان النبي - ﷺ - يزورها] (^٢)، قال: فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله. قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله ولكن أبكي لأن الوحي انقطع من السماء. قال فهيّجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها، وتوفيت بعدما توفي رسول الله - ﷺ - بخمسة أشهر، هذا كلام الزهري. وذكر ابن الأثير (^٣) أم أيمن فقال: أسلمت قديما من أول الإسلام وهاجرت إلى [الحبشة] وإلى المدينة وبايعت رسول الله - ﷺ - وهي التي شربت بول النبي - ﷺ - وقيل الذي شربته بركة جارية أم حبيبة، وإنما كنيت أم أيمن بابنها أيمن بن عبيد، تزوجها زيد بن حارثة بعد عبيد الحبشي، كان رسول الله - ﷺ - يقول: أم أيمن أمي بعد أمي، وكان يزورها في بيتها كما تقدم.\nقوله: \"ما رآى رسول الله - ﷺ - منخلا\" الحديث، والمنخل الغربال بضم الميم والخاء. قوله: \"أنها غربلت دقيقا فصنعته للنبي - ﷺ - رغيفا\" الحديث، غربلة الدقيق هو نخله بالمنخل.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠٣) (٢٤٥٤).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) أسد الغابة (٦/ ٣٠٣).","vol":"13","page":35},{"text":"٤٩٥٩ - وَرُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ - قَالَ لم يكن ينخل لرَسُول الله - ﷺ - الدَّقِيق وَلم يكن لَهُ إِلَّا قَمِيص وَاحِد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط (^١).\n\n٤٩٦٠ - وعن النعمان بن بشير - ﵄ - قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم - ﷺ -، وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه. رواه مسلم (^٢) والترمذي (^٣).\n\n٤٩٦١ - وفي رواية لمسلم (^٤) عن النعمان قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه.\n[الدقل] بدال مهملة وقاف مفتوحتين: هو رديء التمر.\nقوله: \"وعن النعمان بن بشير\" هو ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤١٤٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣١ رقم ٥٧٠٤) وابن السنى في القناعة (٤٣). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أحد من أصحاب النبي - ﷺ - بهذا اللفظ إلا عن أبي الدرداء بهذا الإسناد وسعيد بن ميسرة قد حدث عنه يونس بأحاديث لم يتابع عليها، وقد احتملها أهل العلم على ما فيها. وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء، إلا بهذا الإسناد، تفرد به يونس بن بكير. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢١٢: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيهما سعيد بن ميسرة، وهو ضعيف. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (١٩٠٥).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٤) (٢٩٧٧).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٣٧٢)، وقال: وهذا حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٨٤٤).\n(^٤) صحيح مسلم (٣٦) (٢٩٧٧).","vol":"13","page":36},{"text":"أبو عبد الله المدني الأمير وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة على رأس أربعة عشر شهرا منها، روى عن النبي - ﷺ - وعن خاله وعمر وعائشة وروى عنه ابنه محمد ومولاه وكاتبه حبيب بن سالم وحميد بن عبد الرحمن وجمع ولِي إمرة الكوفة تسعة أشهر وقضاء دمشق بعد فضالة بن عبيد وحمص ليزيد وكان من أخطب الناس؛ ومن كلامه (^١): إن للشيطان مصالي وفخوخا وإن من مصاليه وفخوخه البطر بنعم الله والفخر بعطاء الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله. قال ابن معين (^٢): أهل المدينة يقولون: لم يسمع من النبي - ﷺ - وأهل العراق يصححون سماعه منه، مات سنة أربع وستين وقيل: أول سنة خمسين، خرج من حمص فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي فقتله، اهـ.\nقوله: \"لقد رأيت نبيكم - ﷺ - وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه\" الحديث، الدقل بدال مهملة وقاف مفتوحتين هو ردئ التمر، قاله الحافظ. فالدقل أردى التمر كما تقدم، [والبردي] أجوده، وأدقل النخل إذا أتمر الدقل وجمعه دقل كان أصله دقول فحذفت واوه، قاله صالب المغيث (^٣) أبي القاسم الأصبهاني. وقيل الدقل هو تمر الروم [و] هو يشبه النخل وله حب كبير فيه نوى كبير عليه لحيمة عفصة تؤكل رطبة فإذا يبست صارت تشبه\n_________\n(^١) الأدب المفرد (٥٥٣).\n(^٢) تاريخ الدوري: ٢/ ٦٠٧. انظر تهذيب الكمال (٢٩/ ٤١١).\n(^٣) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ٦٦٧).","vol":"13","page":37},{"text":"الليف، قاله عياض (^١).\n\n٤٩٦٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: إن كان ليمر بآل رسول الله - ﷺ - الأهلة ما يسرج في بيت أحد منهم سراج، ولا يوقد فيه نار إن وجدوا زيتا ادهنوا به وإن وجدوا ودكا أكلوه. رواه أبو يعلى (^٢)، ورواته ثقات إلا عثمان بن عطاء الخراساني وقد وثق.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"إن كان لتمرّ بآل رسول الله - ﷺ - الأهلة ما يسرج في بيت أحد منهم سراج\" إلى قوله: \"وإن وجدوا ودَكًا أكلوه\" الحديث. المراد بآل رسول الله - ﷺ - هم زوجاته وأهل بيته - ﷺ -، وتقدم الكلام على الآل في الخطبة وغيرها. الودك هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.\n\n٤٩٦٣ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت أرسل إِلَيْنَا آل أبي بكر بقائمة شَاة لَيْلًا فَأَمْسَكت وَقطع النَّبِي - ﷺ - أَو قَالَت فَأمْسك رَسُول الله - ﷺ - وَقطعت قَالَ فَتَقول للَّذي تحدثه هَذَا على غير مِصْبَاح رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَالطَّبَرَانِيّ وَزَاد فَقلت يَا أم الْمُؤمنِينَ على مِصْبَاح قَالَت لَو كَانَ عندنَا دهن\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٦٢).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦٤٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٥) رواه أبو يعلى، وفيه عثمان بن عطاء الخراساني، وهو ضعيف، وقد وثقه دحيم، وبقية رجاله ثقات. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٦٤): رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف عثمان بن عطاء الخراساني. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٠٦).","vol":"13","page":38},{"text":"غير مِصْبَاح لأكلناه (^١).\n\n٤٩٦٣ - وعن عروة عن عائشة - ﵂ - أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله - ﷺ - نار. قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله - ﷺ - جيران من الأنصار: وكانت لهم منايح فكانوا يرسلون إلى رسول الله - ﷺ - من ألبانها فيسقيناه. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nقوله: \"وعن عروة عن عائشة\"، وعروة هو ابن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى القريشى الأسدى المدنى التابعى الجليل. فقيه المدينة، أحد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة قال ابن شهاب: كان عروة بحرا لا يكدر. وقال ابنه هشام: والله ما تعلمنا منه جزء من ألفى جزء من\n_________\n(^١) أخرجه إسحاق (١٦٨٢) و(١٧٣٣)، وأحمد ٦/ ٩٤ (٢٤٦٣١) و٦/ ٢١٧ (٢٥٨٢٥) والزهد (١٦١)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٦٠ رقم ٨٨٧٢).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يونس بن عبيد إلا عدي بن المفضل، تفرد به: أسد بن موسى وروى هذا الحديث سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن عائشة. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٢١ - ٣٢٢: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، وزاد: فقلت: يا أم المؤمنين، على مصباح؟! قالت: لو كان عندنا دهن مصباح لأكلناه. ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٧٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٥٦٧ - ٦٤٥٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٨) (٢٩٧٢).","vol":"13","page":39},{"text":"حديثه. وقال ابن عيينة: كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم، وعروة، وعمرة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، فقيها، عالما، مأمونا، ثبتا، ومناقبه كثيرة مشهورة، وهو مجمع على جلالته، وعلو مرتبته، ووفور علمه. قال الجمهور: توفى سنة أربع وتسعين. وقال البخاري: سنة تسع وتسعين، ﵀.\nقوله: \"إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين\"، الحديث، فنفي الشبع في الأول دليل على تقلل المأكول ونفي الإيقاد دال على خشونة العيش، والله أعلم. قوله: \"قلت يا خالة فما كان يغنيكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء\" الحديث.\nوفي حديث آخر (^١): \"توفي رسول الله - ﷺ - وما شبع من الأسودين\" أي ما كنا نشبع من التمر والماء من التضرع [والتقوى]. وروى الترمذي في التفسير من جامعه (^٢) عن عبد الله بن الزبير بن العوام عن أبيه قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ\n_________\n(^١) لم أجده والمشهور غيره انظر: البخاري (٦٤٥٥)، ومسلم (٢٩) (٢٩٧٤).\n(^٢) سنن الترمذي (٣٣٥٦)، وقال: هذا حديث حسن والحديث؛ أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٩٣)، والحميدي (٦١)، ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٣١) وأحمد (١٤٠٥)، وابن ماجه (٤١٥٨)، وابن أبي الدنيا في الإشراف في منازل الأشراف (٢١٤)، والبزار (٩٦٣)، والطبراني (١٤٨٨٧)، وأبو يعلى (٦٧٦)، والطبري في التفسير (٣٠/ ٢٨٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٤٦١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٦١) والواحدي في الوسيط (٤/ ٥٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٢) رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن بشار الرمادي، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله =","vol":"13","page":40},{"text":"لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ (^١)، قال الزبير: وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون، اهـ. فالأسودان التمر والماء لأن الغالب على تمر المدينة [السواد فأطلق عليه وعلى الماء من باب التغليب كالقمرين والعمرين، اهـ] (^٢). وقيل الأسودان الشرب للماء والسواد للتمر [دون الماء] (^٣)، فوصفا بوصف واحد والعرب تفعل ذلك [في التسامي باسم واحد، والأسودان أطلق على التمر والماء من باب التغليب كالقمرين والعمرين، لأن الغالب على تمر المدينة السواد، انتهى]، [تسمي الشيئين باسم واحد] (^٤).\nفائدة: روى ابن عدي (^٥) بسند فيه عصمة بن محمد بن فضالة عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدود.\n_________\n= ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٠).\n(^١) سورة التكاثر، الآية: ٨.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) ابن عدي في الكامل (٨/ ٥٢٧)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٥)، وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -. قال يحيى بن معين: عصمة بن محمد كذاب يضع الحديث. وقال العقيلي: حدث بالبواطيل عن الثقاة.\nوقال الدارقطني: متروك. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٠٠)، والضعيفة (٢٣٢): موضوع.","vol":"13","page":41},{"text":"٤٩٦٤ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، فلما افتتح رسول الله - ﷺ - قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك. رواه ابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله: \"وعن عائشة تقدم الكلام على مناقبها\"، قوله: \"فلما افتتح رسول الله - ﷺ - قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك\" الحديث. قريظة بضم القاف وفتح الراء وسكون التحتانية وبالمنقطة قبيلة عظيمة من يهود خيبر.\n\n٤٩٦٥ - وعن أبي طلحة - ﵁ - قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - الجوع، ورفعنا ثيابنا عن حجر حجر على بطوننا، فرفع رسول الله - ﷺ - عن حجرين. رواه الترمذي (^٢).\nقوله: \"وعن أبي طلحة\"، أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي، شهد المشاهد، وقال رسول الله - ﷺ -: لصوتُ أبي طلحة في الجيش خير من\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٨٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٢٧٨)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٩١/ ٢١٤٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٧١)، وفي الشمائل (٣٧١)، والحديث؛ أخرجه البغوي (٤٠٧٩)، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nقال أبو زرعة، وأبو حاتم، الرازيان: هذا خطأ، إنما هو عن أنس، عن النبي - ﷺ -، ليس فيه: عن أبي طلحة. قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: الوهم ممن هو؟ قال: من سيار. وقلت لأبي زرعة: الوهم من سيار؟ فقال: سيار يقول هكذا. علل الحديث (١٨٠٥). وضعفه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦١٥)، وضعيف سنن الترمذي (ص: ٢٦٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٠٧).","vol":"13","page":42},{"text":"مائة رجل، وقتل يوم حُنين عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وكان يجثو بين يدي رسول الله - ﷺ - في الحرب ويقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوفاء، ثم ينثر كنانته بين يديه وكان عليه [الصلاة والسلام] يرفع رأسه من خلفه ليرى مواقع النبل فكان - ﵁ - يتطاول بصدره ليقي به رسول الله - ﷺ -، اهـ. قاله الكرماني (^١).\nقوله: \"شكونا إلى رسول الله - ﷺ - الجوع ورفعنا ثيابنا عن حجر حجر على بطوننا فرفع رسول الله - ﷺ - عن حجرين\" الحديث. قال بعض العلماء قلت رواه الترمذي في الزهد، وقال ابن حبّان (^٢) في الكلام على حديث: إني لست كأحدكم إني أُطعم وأُسقى. هذا الحديث دليل على أن الأخبار التي فيها ذكر وضع النبي - ﷺ - الحجر على بطنه كلها [أباطيل] (^٣) وإنما معناها الحجز بالزاي المعجمة لا الحجر والحُجز طرف الإزار إذا الله جلّ وعلا كان يطعم رسول الله - ﷺ - ويسقيه إذا واصل فكيف يتركه جائعا مع عدم الوِصال حتى يحتاج إلى شد حجر بطنه [الشريف] وما يغني الحجر عن الجوع، اهـ. وما قاله متعقب من وجوه منها: أن الجوهري (^٤) وابن الأثير (^٥)\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ٨٢).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٨/ ٣٤٤) عقب الحديث (٣٥٧٩)، وانظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٤/ ١٣٣).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ٨٧٢).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤٤).","vol":"13","page":43},{"text":"قالا أن الحجزة موضع شد الإزار وتجمع على حجز فقياس ما قالا أن تكون تثنية حجزة حجزتين وهو خلاف الرواية.\nومنها أنه قد جاء في صحيح مسلم (^١) عن أنس قال جئت رسول الله - ﷺ - يوما فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة فقلت لأصحابه لم عصب رسول الله - ﷺ - بطنه قالوا من الجوع وسيأتي هذا الحديث بعد هذا.\nسؤال: فإن قيل ما الحكمة في أنه - ﷺ - كان يشد الحجر على بطنه من الجوع؟ فالجواب عنه من وجوه:\nأحدها: أنه كان يستر حاله في الجوع والضعف عن الأعداء بشد الحجر حتى كان يقيم صلبه من الانحناء.\nالثاني: ما روي أنه كان حجرا من الجنة فكان يشده على بطنه ليأنس به لا للجوع.\nالثالث: كما أن حجر المغناطيس يجذب الحديد إلى نفسه بخاصية له [كذلك ذاك] الحجر يجذب الجوع إلى نفسه بخاصية له.\nالرابع: أن أصل الأحجار الجبال وقد جعل الله الجبال أوتادا فهو في ذلك يعلم من ربه فجعل الحجر الذي هو بعض الجبال عمادا لنفسه وكان الحجر عماد نفسه والحق عماد قلبه.\nالخامس: دفع الله ﷿ ببركته إمطار الحجارة عن عصاة أمته فجعل الشكر\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦).","vol":"13","page":44},{"text":"على ذلك أن شد وسطه بالحجر لئلا ينسى شكر ربه على ذلك في كل حال.\nالسادس: أن الله ﷿ وصف بعض الحجارة بالخشية فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (^١) فتبرك بالخشية من غير المكلف فكان يربط ذلك ليكون [برًّا] على الخشية. السابع: ما روي أنه - ﷺ -، قال (^٢): كان حجر يسلِّم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن، فيحتمل أنه اتخذه عدّة لوقت الشدّة، اهـ. والله أعلم. ذكره [الثعلبي] في المسائل التي التقطها من الكتب والتفاسير.\n[قوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام عليه.\nعن عائشة، أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله - ﷺ - نار، قال: قلت: يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت: \"الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله - ﷺ - جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله - ﷺ - من ألبانها، فيسقيناه\". (^٣)\nقوله في بقية الحديث: \"إلا أنه قد كان لرسول الله - ﷺ - جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله - ﷺ - من ألبانها فسقيناه المنائح\" جمع منيحة، والمنيحة الناقة أو الشاة أو الأرض يستعيرها الإنسان\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٧٤.\n(^٢) صحيح مسلم (٢) (٢٢٧٧).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٥٦٧)، وصحيح مسلم (٢٨) (٢٩٧٢).","vol":"13","page":45},{"text":"ليأكل لبنها أو يزرعها ثم يردها لمالكها. والله أعلم. فالمنيحة هي تمليك المنافع لا تمليك الرقاب، والسنة أن يرد المنحة إلى صاحبها إذا استغنى عنها كما ردّ رسول الله - ﷺ - والمنحة من باب الصلات لا من باب الصدقات وإلا لكانت عليه صلة الله عليه وسلم حراما فلا يجوز له قبولها] (^١).\n\n٤٩٦٦ - وعن أنس - ﵁ - قال: جئت رسول الله - ﷺ - يوما فوجدته جالسا، وقد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله - ﷺ - بطنه؟ فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، وهو زوج أم سليم، فقلت: يا أبتاه قد رأيتُ رسول الله - ﷺ - عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من شيء؟ فقالت: نعم عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله - ﷺ - وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قل عنهم. فذكر الحديث رواه البخاري ومسلم (^٢).\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"جئت رسول الله - ﷺ - فوجدته جالسا وقد عصب بطنه بعصابة فقلت لبعض أصحابه لم عصَّب رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا: من الجوع\" الحديث، يقال: عصَّب وعصَب بالتشديد والتخفيف. قوله: \"فذهبت إلى أبي طلحة وهو زوج أم سُليم\" تقدم الكلام على أبي طلحة واسمه زيد وأم سليم أم أنس بن مالك بن ملحان النجارية الأنصارية، اسمها سهلة أو رُميلة أو رُميثة بالراء فيهما وبالمثلثة في الثاني، أو\n_________\n(^١) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.\n(^٢) صحيح مسلم (٦).","vol":"13","page":46},{"text":"مليكة أو الغميصاء أو الرميصاء، بالصاد المهملة فيهما. تزوجها مالك بن النضر بالضاد المعجمة، أبو أنس بن مالك، فولدت له أنسا ثم قتل عنها مشركا، فأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الإسلام فأسلم فقالت إني أتزوجك ولا [آخذ] منك صداقا لإسلامك فتزوجها أبو طلحة. روي لها عن رسول الله - ﷺ - أربعة عشر حديثا، خرّج البخاري منها ثلاثة، وهي من فاضلات الصحابيات - ﵂ -، قاله الكرماني (^١). وتقدم الكلام عليها. وفي هذا الحديث دليل على حصول الجوع له تعظيما واختيارا منه وإيثار الثواب الآخرة، والله أعلم.\nومنها ما جاء في الصحيح من خروج أبي بكر في الهاجرة وفيه قول النبي - ﷺ -: والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (^٢) لكنه قد يجاب عن ذلك بأنه يجوز أن يقال أن الجوع في الحديث أشار به إلى الجوع الذي لحقهم. وبالجملة فالجوع إن قيل به في حقه - ﷺ - فهو اختياري لا اضطراري، وكان صلى الله لم يقدر على دفعه لكنه يؤثر ذلك وهو في حقه أفضل، ويشبع في وقت آخر وهو في حقه أفضل باختلاف الحالات التي اختارها - ﷺ -. والله أعلم.\n\n٤٩٦٧ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - ذات يوم، وجبريل - ﵇ - على الصفا، فقال رسول الله - ﷺ - يا جبريل: والذي بعثك بالحق ما أمسى\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٥٩).\n(^٢) ابن حبان (٥٢١٦) من حديث ابن عباس، وقال: خبر غريب.","vol":"13","page":47},{"text":"لآل محمد سفة من دقيق ولا كف من سويق فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته فقال رسول الله - ﷺ -: أمر الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا ولكن أمر إسرافيل، فنزل إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمردًا وياقوتًا وذهبًا وفضة فعلت، فإن شئت نبيًّا ملكًا، وإن شئت نبيًّا عبدًا فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: بل نبيا عبدا ثلاثا. رواه الطبراني (^١) بإسناد حسن والبيهقي في الزهد (^٢) وغيره.\n\n٤٩٦٨ - ورواه ابن حبان في صحيحه (^٣) مختصرًا من حديث أبي هريرة، ولفظه قال: جلس جبريل إلى النبي - ﷺ -، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك أملكا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد، فقال رسول الله - ﷺ -: لا، بل عبدا رسولًا.\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) الطبراني في الأوسط (٦٩٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١٥): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعدان بن الوليد، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الزهد (٤٤٧)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٠٤٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٠٨).\n(^٣) ابن حبان (٦٣٦٥)، وأخرجه أحمد (٧١٦٠)، وابن أبي الدنيا في التواضع (١٢٥)، والبزار (كشف ٢٤٦٢)، وأبو يعلى (٦١٥٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٠)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٣٢١)، والتعليق الرغيب (٣/ ١١٢)، الصحيحة (١٠٠٢).","vol":"13","page":48},{"text":"ذات يوم وجبريل على الصفا\"، [الحديث، الصفا] موضع معروف بمكة، تقدم. قوله: \"فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض\" الخزائن المعادن، والمراد البلدان التي فيها أو المراد هو الممالك التي فتحت لأمته [فغنموها، كذا في جمل الغرائب، وقيل أراد ما سهل الله له ولأمته] (^١) من افتتاح البلاد المتعذرات واستخراج الكنوز الممتنعات، كذا في النهاية (^٢). وفي حديث آخر: أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّت في يدي أي ألقيت، وقيل التل الصب فاستعاره للإلقاء، يقال تل يتل إذا صب، وتل يتل إذا سقط، وأراد ما فتحه الله لأمته بعد وفاته من خزائن ملوك الأرض، قاله في النهاية أيضًا (^٣). [قوله: \"وأوتيت خزائن الأرض\"، وفي رواية \"مفاتيح\". قال العلماء: هذا محمول على سلطانها وملكها وفتح بلادها وأخذ خزائن ملوكها وأموالها وقد وقع ذلك كله ولله الحمد. وفي الحديث أنه - ﷺ - (^٤): زويت له مشارق الأرض ومغاربها، وقال: سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها، وإنكم ستفتحون مصر وهي أرض فيها القيراط، وإن عيسى سينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق. زويت معناه جمعت. يقال زويته أزويه زيا والله أعلم] (^٥).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٠٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٩٥).\n(^٤) صحيح مسلم (١٩) (٢٨٨٩).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":49},{"text":"قوله: \"فأومأ إليه جبريل أن تواضع، فقال: بل نبيا عبدًا، قالها ثالثا\" لما خيّر النبي - ﷺ - بين أن يكون ملكا نبيا ونبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا لعلمه - ﷺ - بشرف العبودية لله ﷿ وقد تقدم الكلام على العبودية في الخطبة مبسوطًا، واعلم أن لنبينا محمد - ﷺ - أسماء كثيرة نحو الألف أو كما ذكر وأن أشرفها عبد الله وذلك أنه - ﷺ - لم يُدع بهذا الاسم إلا في أشرف مقاماته وهي مقام الإسراء ونحوه، ومقالم الاحتجاج على رسالته بمعجزات القرآن ومقام دعاء المكلفين إلى الإيمان بتلاوة القرآن، ففي المقام الأول وهو مقام الإسراء دعي بـ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^١)، الآية، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ (^٢).\nوفي المقام الثاني وهو مقام الاحتجاج، قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (^٣)، الآية.\nوفي المقام الثالث [وهو مقام] (^٤) دعاء المكلفين إلى الإيمان بتلاوة القرآن ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (^٥)، الآية. يعني الجن لما دعاهم إلى الإيمان، وفي هذا المعنى قال القائل:\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١.\n(^٢) سورة النجم، الآية: ١٠.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) سورة الجن، الآية: ١٩.","vol":"13","page":50},{"text":"يا قوم قلبي عند زهرا ... يعرفه السامع والرائي\nلا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي\nوالسبب في ذلك أن الإلهية والسيادة والربوبية إنما هي في الحقيقة لله ﷿ لا غير، والعبودية في الحقيقة لمن دونه فإذا كان في مقام العبودية فهو في رتبة الحقيقية والرتب الحقيقية أشرف المراتب إذ ليس بعد الحقيقة إلا المجاز ولا بعد الحق إلا الضلال، اهـ. قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^١).\n\n٤٩٦٩ - وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندس رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: \"وعن جابر بن عبد الله\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله - ﷺ -: \"أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيعة من سندس\" الحديث، المقاليد المفاتيح، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣)، [والقطيفة\n_________\n(^١) التعيين (ص ٨ - ٩).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٦٣٦٤) والحديث؛ أخرجه أحمد (١٤٥١٣)، وابن أبي عاصم، في الزهد (٢٠٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٣٢)، وفي السلسلة الضعيفة (١٧٢٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٠٩).\n(^٣) الزمر: ٦٣ والشورى: ١٢.","vol":"13","page":51},{"text":"كساء أبيض كبير] والخميصة كساء مربع له أعلام والسندس مارق من الديباج ورفُع، قاله ابن الأثير (^١).\n\n٤٩٧٠ - وروي عن عائشة - ﵂ - قالت: أتي رسول الله - ﷺ - بقدح فيه لبن وعسل فقال: شربتين في شربة، وأدمين في قدح، لا حاجة لي به، أما إني لا أزعم أنه حرام، ولكن أكره أن يسألني الله ﷿ عن فضول الدنيا يوم القيامة، أتواضع لله، فمن تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله، ومن اقتصد أغناه الله، ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله، رواه الطبراني في الأوسط (^٢).\nقوله: \"وروي عن عائشة\" تقدم الكلام على ترجمتها - ﵂ -. قوله: \"وفي الحديث: ومن اقتصد أغناه الله\" الاقتصاد هو التوسط.\n\n٤٩٧١ - وعن سلمى امرأة أبي رافع قالت: دخل علي الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس - ﵃ - فقالوا: اصنعي لنا طعاما مما كان يعجب النبي - ﷺ - أكله، فقالت: يا بني إذا لا تشتهونه اليوم، فقمت فأخذت شعيرا فطحنته ونسفته وجعلت منه خبزة، وكان أدمه الزيت، ونثرت عليه الفلفل فقربته إليهم وقلت: كان النبي - ﷺ - يحب هذا. رواه الطبراني (^٣)\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٠٩).\n(^٢) المعجم الأوسط (٤٨٩٤)، وأخرجه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (١٥٩ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٥): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نعيم بن مورع العنبري، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه غير واحد، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩١٠): ضعيف جدًا.\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٩٩/ ٧٥٩)، وأخرجه الترمذي في الشمائل =","vol":"13","page":52},{"text":"بإسناد جيد.\nقوله: \"وعن سلمى امرأة أبي رافع\" وأبو رافع من الموالي واسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، شهد مع رسول الله - ﷺ - أحدا، والخندق، والمشاهد بعدها، وزوجه رسول الله - ﷺ - مولاته سلمى، فولدت له عبيد الله بن أبي رافع، وشهد أبو رافع فتح مصر، وتوفى بالمدينة قبل قتل عثمان، وقيل: بعده، وكان أبو رافع مملوكا للعباس، فوهبه لرسول الله - ﷺ -، فلما أسلم العباس أعتقه رسول الله - ﷺ - (^١).\nقولها: قالت دخل عليّ الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس - ﵃ -، الحسن بن علي هو سبط رسول الله - ﷺ -، كان شبيها به ﵊، قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات فيتصدق بنفسه حتى كان يؤثر بنعل ويمسك نعلا، وخرج من ماله كله مرتين، وكان غاية في الورع حتى ترك الدنيا والخلافة لله تعالى، كان سبعة أشهر خليفة للمسلمين فترك الأمر لمعاوية [رضي الله تعالى عنهما]، وظهر بذلك معجزة لرسول الله - ﷺ - فيما\n_________\n= (١٧٨)، والقفال في شمائل النبوة (٤٠٨)، والبغوي في الأنوار (٢/ ٦٢٥)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٤/ ٢٩٧): أبو يعلى الموصلي رواه الطبراني بإسناد جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٥): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير فايد مولى ابن أبي رافع، وهو ثقة. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٨٨٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩١١).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٣٠).","vol":"13","page":53},{"text":"قال (^١): إن ابني هذا سيد لعل الله تعالى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وفضائله لا تُعدُّ ومناقبه لا تُحدّ، وُلِد - ﵁ - سنة ثلاث ومات سنة خمسين، قاله الكرماني (^٢). وعبد الله بن جعفر وابن عباس [فقد] تقدم الكلام على مناقبهما. قوله: \"فقالوا اصنعي لنا طعامًا مما كان يعجب النبي - ﷺ - أكله. قالت يا بُني إذا لا تشتهونه اليوم\" الحديث.\n\n٤٩٧٢ - وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: لقد أخفت \"١\" في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت (٢) في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد (٣) إلا شيء يواريه إبط بلال. رواه الترمذي (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٧٠٤).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٣٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٧٢) وفي الشمائل (٣٧٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣١٧٠٤ و٣٦٥٦٦)، وأحمد (١٢٢١٢/ ١٢٢١٣ و١٤٠٥٥)، وعبد بن حميد (١٣١٧) وحماد بن إسحاق في تركة النبي (ص ٥٩)، وابن ماجه (١٥١)، والبزار (٣٢٠٥)، وأبو يعلى (٣٤٢٣)، وابن حبان (٦٥٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥٠ و٢٥٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥١٦)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٨٠)، وفي الشمائل (٤٤٤). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥١٢٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨١)، ومختصر الشمائل (١١٦).\n(^٤) ابن حبان (٦٥٦٠).","vol":"13","page":54},{"text":"[ومعنى هذا الحديث] حين خرج رسول الله - ﷺ - هاربا من مكة، ومعه بلال إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمل تحت إبطه، انتهى.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله - ﷺ -: \"لقد أخفتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيتُ في الله تعالى وما يؤذى أحد\" [الحديث]، معنى أخفت في الله أي في دين الله فإنهم منعوه من إمضاء دين الله.\nقوله - ﷺ -: \"ولقد أتت عليّ ثلاثون من يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال\"، ومعنى هذا الحديث حين خرج رسول الله - ﷺ - هاربا من مكة ومعه بلال إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمل تحت إبطه، اهـ. قاله الحافظ.\n\n٤٩٧٣ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه. قلنا يا رسول الله: لو اتخذنا لك وطاء؟ فقال: مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها. رواه ابن ماجه (^١) والترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) ابن ماجه (٤١٠٩).\n(^٢) الترمذي (٢٣٧٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحديث؛ أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق لنعيم بن حماد (٢/ ٥٤)، ووكيع في الزهد (٦٤)، والطيالسي (٢٧٥)، وابن أبي شيبة (٣٥٤٤٤)، وفي المسند (٢٧٠)، وأحمد (٣٧٠٩)، (٤٢٠٨)، في الزهد (ص: ١١)، (ص: ١٤)، وهناد بن السري الزهد (٢/ ٣٨٢)، وابن أبي الدنيا في الزهد (٧٨ - ٣٤١)، وفي قصر الأمل (١٢٦)، وابن أبي عاصم الزهد (١٨١، ١٨٣)، والبزار (١٥٣٣)، وأبو يعلى (٤٩٩٨) (٥٢٢٩) (٥٢٩٢)، والشاشي (٣٤٠ - ٣٤١)، وأبو =","vol":"13","page":55},{"text":"والطبراني (^١) ولفظه قال: دخلت على النبي - ﷺ -، وهو في غرفة كأنها بيت حمام، وهو نائم على حصير قد أثر بجنبه، فبكيت، فقال: ما يبكيك يا عبد الله؟ قلت: يا رسول الله كسرى وقيصر يطؤون على الخز والديباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك؟ قال: فلا تبك يا عبد الله، فإن لهم الدنيا، ولنا الآخرة وما أنا والدنيا، وما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل راكب نزل تحت شجرة، ثم سار وتركها. ورواه أبو الشيخ في كتاب الثواب بنحو الطبراني.\n[قوله: كأنها بيت حمام] هو بتشديد الميم: ومعناه أن فيها من الحر والكرب كما في بيت الحمام.\n_________\n= الشيخ الأصبهاني في أخلاق النبي (٥٠٠ - ٨٥٤ - ٨٥٥)، وفي أمثال الحديث (٢٩٧)، والرامهرمزي في أمثال الحديث (ص: ٥٧)، وتمام في الفوائد (٩١٢)، وابن جميع الصيداوي معجم الشيوخ (ص: ١٧٤)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٩٢٨، ٩٩٢٩، ٩٩٣٠)، وفي دلائل النبوة و(١/ ٣٣٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٣٨٤)، والبغوي (٤٠٣٤)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١١٧): أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث ابن مسعود بنحوه ورواه أحمد والحاكم وصححه من حديث ابن عباس. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٦) رواه الطبراني، وفيه عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، وقد وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٦٨)، والصحيحة (٤٣٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٢).\n(^١) الطبراني في الأوسط (٩٣٠٧).","vol":"13","page":56},{"text":"قوله: \"وعن عبد الله بن مسعود\"، عبد الله بن مسعود هذا كان صاحب سواك رسول الله - ﷺ - ومطهرته ووسادته والمشهور بدل الوسادة السرار بكسر المهملة أي السرار أي [المساررة]، قاله الكرماني (^١). قوله: \"قلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: مالي وللدنيا\" الحديث. الوطاء هو الفرش.\nقوله: \"كأنها بيت حمام\" هو بتشديد الميم، ومعناه أن فيها من الحر والكرب كما في بيت الحمام. قاله الحافظ. قوله: \"قلت كسرى وقيصر يطؤون على الخز والديباج والحرير\" الحديث. كسرى بكسر الكاف وفتحها. والأصمعي يقول بالكسر وينكر الفتح. وكسرى اسم ملك الفرس صاحب العراق، وكسرى بن هرمز الكافر كان عظيم الفرس ملك العراق.\nقال ابن الجواليقي: الكسر أفصح؛ وهو فارسي معرب وجمعه أكاسرة، والنسبة إليه كسروي بفتح الكاف، وكل من ملك الفرس يقال له كسرى، وكان ملك كسرى سبعا وأربعين سنة وسبعة أشهر، وأما قيصر فهو عظيم الروم في الشام وهو لقب لكل من ملك الروم وكان اسم قيصر الذي كان بالشام وكتب إليه النبي - ﷺ - كتابه هرقل بكسر الهاء، هذا هو المشهور وهو لا ينصرف للعلمية والعجمة. وتنازع [ابنا] عبد [الحكم] في أنه كان يقال له هرقل أو قيصر وترافعا إلى الشافعي رحمه الله تعالى فقال هو: هرقل وهو\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٢/ ١٠٩).","vol":"13","page":57},{"text":"قيصر. هرقل اسم علم له وقيصر لقب له. وفي الصحيح (^١) أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده. قال الشافعي في مختصر المزني (^٢) معناه لا قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق، قال وسبب الحديث أن قريشا كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارات في الجاهلية فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإسلام، فأجابهم النبي - ﷺ - على حسب حاجتهم، فقال لا قيصر ولا كسرى بعدهما في هذين الإقليمين فلا ضرر عليكم. وكان كما قال - ﷺ - فلم يكن قيصر بعده في الشام إلى الآن، ولا يكون كسرى بعده في العراق ولا يكون.\nوقال - ﷺ - (^٣): والذي نفسي بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله، فكان كذلك، فتحت الصحابة الإقليمين في زمن عمر بن الخطاب، اهـ. [وأما الخز فهو ثياب تنسج من صوف وإبريسم] (^٤) وأما الديباج فهو الثياب المتخذة من الإبريسم فارسي معرب، وقد تفتح داله ويجمع على دبابيج، ودبابيج بالياء والباء لأن أصله دبَّاج، والله أعلم. قاله في النهاية (^٥). وأمّا الحرير فمعروف مشهور.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣١٢٠)، وصحيح مسلم (٧٥) (٢٩١٨).\n(^٢) مختصر المزني (٨/ ٣٨٣).\n(^٣) صحيح البخاري (٣١٢٠)، وصحيح مسلم (٧٥) (٢٩١٨).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٩٧).","vol":"13","page":58},{"text":"٤٩٧٤ - وعن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - دخل عليه عمر، وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال: مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها. رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢) والبيهقي (^٣).\nقوله: \"وعن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه\" قوله: لو اتخذت فرشا أوثر من هذا أي أوطأ وألين.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٧٤٤)، وفي الزهد (ص ٤٦ - ٤٧)، وأخرجه عبد بن حميد (٥٩٩) وحمّاد بن إسحاق في تركة النبي (ص ٥٣)، وابن أبي الدنيا في قصر الأمل (١٢٧)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٨٢)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٢٧/ ١١٨٩٨)، وأبو الشيخ الأصبهاني في أمثال الحديث (٢٩٨)، والحاكم (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٤٢) والخطيب في الموضح (٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، والشجري في أماليه (٢/ ٢٠٨)، والقاسم بن الفضل الثقفي في الأربعين (ص ٢٠٢)، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وقال أبو نعيم: هذا حديث ثابت من غير وجه، رواه ابن مسعود وغيره عن النبي - ﷺ - وهو من حديث عكرمة غريب، تفرد به عنه هلال، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٣٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٣)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٦٦٩)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٩٠/ ٢١٤٣).\n(^٢) ابن حبان (٦٣٥٢).\n(^٣) البيهقي في الشعب (٩٩٣٢)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١١٧) أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث ابن مسعود بنحوه ورواه أحمد والحاكم وصححه من حديث ابن عباس. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٦): ورجال أحمد رجال الصحيح غير هلال بن خباب، وهو ثقة.","vol":"13","page":59},{"text":"٤٩٧٥ - وعنه - ﵁ - قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو على حصير قال: فجلست، فإذا عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ في ناحية في الغرفة، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يا بن الخطاب؟ فقال: يا نبي الله ومالي لا أبكي! وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك. قال: يا بن الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ رواه ابن ماجه (^١) بإسناد صحيح، والحاكم (^٢) وقال: صحيح على شرط مسلم.\nولفظه قال عمر - ﵁ -: استأذنت على رسول الله - ﷺ - فدخلت عليه في مشربة وإنه لمضطجع على خصفة إن بعضه لعلى التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، وإن فوق رأسه لإهابا عطنا، وفي ناحية المشربة قرظ فسلمت عليه فجلست، فقلت: أنت نبي الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال: أولئك عجلت لهم طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنا قوم أخرت لنا طيباتنا في آخرتنا. رواه ابن حبان في\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤١٥٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٤). وأخرجه مسلم (١٤٧٩) (٣٠)، وأخرجه بنحوه ضمن حديث مطول البخاري (٢٤٦٨) و(٥١٩١)، (٤٩١٣)، ومسلم (١٤٧٩) (٣٤)، (١٤٧٩) (٣١).\n(^٢) المستدرك للحاكم (٤/ ١١٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.","vol":"13","page":60},{"text":"صحيحه (^١) عن أنس أن عمر دخل على النبي - ﷺ - فذكر نحوه.\n[المشربة] بفتح الميم، والراء وبضم الراء أيضًا: هي الغرفة. [وشيكة الانقطاع]: أي سريعة الانقطاع.\nقوله: \"وعنه\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"بقبضة من الشعير نحو الصاع\" الحديث. الصاع مكيال معروف، والقرظ هو ثمرة السُّنط وهي قرون فيها حب، والقرظ هو الذي يدبغ به الجلد، قوله: \"وإذا إهاب معلّق\"، الإهاب هو الجلد المدبوغ. وقيل كذا قوله: \"فابتدرت عيناي بالدموع\" أي سالتا بالدموع، يقال ابتدر كذا قوله في رواية الحاكم: قال عمر استأذنت على رسول الله - ﷺ -، فدخلت عليه في مشربة الحديث، المشربة بفتح الميم والراء وبضم الراء أيضًا هي الغرفة. قاله الحافظ. وقال الجوهري في الصحاح (^٢) وصاحب المحكم (^٣) والنهاية (^٤) والخليل (^٥): المشربة في بفتح الميم وإسكان الشين المعجمة وضم الراء [أيضا هي] الغرفة، [قاله] الحافظ، [وقال الجوهري في الصحاح وصاحب المحكم والنهاية والخليل: المشربة بفتح الميم وإسكان الشين المعجمة وضم الراء وفتحها الغرفة، كما ذكر الحافظ]،\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٤١٨٨).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة (١/ ١٥٣).\n(^٣) المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٥٥).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٥٥).\n(^٥) العين (٦/ ٢٥٧).","vol":"13","page":61},{"text":"[وأما بالفتح فهي الموضع الذي يشرب فيه كالمشرعة (^١)، قاله صاحب الإلمام، والغرفة العلية بضم العين وكسرها والجمع العلالي، قاله في النهاية (^٢)] (^٣).\nوقال بعض العلماء: المشرفة الغرفة المرتفعة عن الأرض وفيها خزانة المتاع. وقال في المشارق كالغرفة يخزن فيها الطعام وغيره. وقال الطبراني كالخزانة فيها الطعام والشراب وبه سميت مشربة والخزانة بكسر الخاء المعجمة واحدة الخزائن وهي اسم [للموضع] الذي يخزن فيه الشيء، اهـ. وشبه بالمشربة ضروع المواشي لأنها تخزن اللبن لأربابها، والضروع جمع الضرع. قال الخطابي رحم الله تعالى (^٤): المشربة شبه الغرفة، وفيه إثبات القياس وهو ردّ الشيء إلى نظيره لأنه شبَّه حفظ اللبن في الضرع بحفظ المتاع في المشربة، أما المشربة بمعنى الموضع الذي وهي المشرعة فهي بفتح [الراء فقط، والمشربة بكسر الميم وفتح الراء فهو إناء يشرب فيه، انتهى. قوله رضي الله تعالى عنه في رواية الحاكم: \". . .\"، الخصفة بفتح] الخاء والصاد الخصف خلال التمر وهي أوعية من الخوص يدخر فيها وهي بمعنى الحصير، والله أعلم. قوله في الحديث: \"وتحت رأسه وسادة\" الوسادة\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٤٥٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٩٥).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (١/ ٣٦٢)، معالم السنن (٢/ ٢٦٥).","vol":"13","page":62},{"text":"[المخدة]. قوله: \"محشوة ليفا\" وليف المقل هو الذي يخرج في أصول سعف النخل لأول خروجه [تحشى] بها الوسائد في الفرش ويفتل منها الحبال، اهـ. قاله عياض (^١).\nقوله: \"وإن فوق رأسه لإهاب عطن\" الحديث، المعطون المنتن المتمزق الشعر، وفي بعض النسخ وإن فوق رأسه لإهاب شن. قال أهل اللغة (^٢): الشن بفتح المعجمة هو وعاء الماء إذا كان من أدم فأخلق فالشن القربة اليابسة التي قربت للبلى أي الخلق.\nوفي رواية أخرى: شن معلقة [بالتأنيث] فتأول بالقربة، وجمعه شنان فالشنان الأسقية الخلقة، واحدها سنن وشنة، وفي المثل لأتقعقع بالشن بكسرها وهو أشدّ [تبريدا] للماء من الجرد، ومنه الحديث في قيام الليل فقام إلى شن معلقة أي قربة وفي حديث آخر هل عندكم ماء بات في شنة. فإن قلت: في الحديث: فتوضأ من سنن معلقة وضوءا خفيفا بتذكير وصف الشن فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: الشن يذكر باعتبار لفظه وباعتبار [الأدمي] والجلد ويؤنث باعتبار القربة، قاله ابن الأثير (^٣) والكرماني (^٤)، وتقدم الكلام على الإهاب وعلى كسرى وقيصر وعلى الديباج.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٦٩).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٣/ ٢٥)، (٧/ ٨١).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٦).\n(^٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٧٦).","vol":"13","page":63},{"text":"قوله: \"فقال أولئك: عجلت لهم طيباتهم\"، وفي حديث آخر: في الحياة الدنيا، الحديث. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^١): هذا مما يحتج به من يفضل الفقير على الغني لما في مفهومه أن بمقدار ما يتعجل من طيبات الدنيا يفوته من الآخرة فما كان مدخرا له لو لم يتعجله قال: وقد يتأوله الآخرون بأن المراد أن حظ الكفار هو ما نالوه من نعيم الدنيا ولا حظ لهم في الآخرة. قاله الكرماني (^٢). قوله: \"وهي وشيكة الانقطاع\" أي سريعة الانقطاع، قاله الحافظ.\n\n٤٩٧٦ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: كان لرسول الله - ﷺ - سرير مزمل بالبردي عليه كساء أسود قد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه، فإذا النبي - ﷺ - نائم عليه، فلما رآهما استوى جالسا فنظرا فإذا أثر السرير في جنب رسول الله - ﷺ - فقال أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما: يا رسول الله ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر على فراش الحرير والديباج؟ فقال - ﷺ -: لا تقولا هذا، فإن فراش كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة. رواه ابن حبان في صحيحه (^٣) من رواية\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٩٢).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١١/ ١٤٠).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٧٠٤) والحديث؛ أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٨١)، والطبراني، في المعجم الأوسط (٦٢٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٧): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد العزيز بن يحيى المدني نزيل نيسابور، وهو كذاب. وقال الألباني في ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ٢١١) منكر، والتعليق الرغيب (٤/ ١١٤)؛ وهو في الصحيحين عن عمر باختصار.","vol":"13","page":64},{"text":"الماضي بن محمد.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على ترجمتها. قوله: \"كان لرسول الله - ﷺ - سرير مرمل بالبردى\" المرمل بضم الميم الأولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما، ويقال مرمول ومرمل بفتح الراء والتشديد، والمرمل هو ما ينسج من سعف النخل ونحوه بالحبال ويشدّ بشريط ونحوه ليضطجع عليه، والمراد أن السرير كان قد نسخ بأغصان النخيل ولم يكن على السرير وطاء، كذا في النهاية (^١). والبردى هو بالضم نوع من جيد التمر.\n\n٤٩٧٧ - وعنها - ﵂ - قالت: إنما كان فراش رسول الله - ﷺ - الذي ينام عليه أدما حشوه ليف (^٢).\n\n٤٩٧٨ - وفي رواية: كان وساد رسول الله - ﷺ - الذي يتكئ عليه من أدم حشوه ليف. رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤) وغيرهما.\n\n٤٩٧٩ - وعنها - ﵂ - قالت: دخلت علي امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله - ﷺ - قطيفة مثنية، فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف، فدخل علي رسول الله - ﷺ - فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: قلت يا رسول الله: فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلي بهذا، فقال: رديه يا\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٦٥).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٨) (٢٠٨٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٦٤٥٦).\n(^٤) صحيح مسلم (٣٧) (٢٠٨٢).","vol":"13","page":65},{"text":"عائشة. فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة. رواه البيهقي (^١) من رواية عباد بن عباد المهلبي عن مجالد بن سعيد.\n\n٤٩٨٠ - ورواه أبو الشيخ في الثواب عن ابن فضيل عن مجالد عن يحيى بن عباد عن امرأة من قومهم لم يسمها قالت: دخلت على عائشة - ﵂ -، فمسست فراش رسول الله - ﷺ -، فإذا هو خشن، وإذا داخله بردي أو ليف، فقلت: يا أم المؤمنين إن عندي فراشا أحسن من هذا وألين. فذكره أطول منه (^٢).\nقوله: \"وعنها\" - ﵂ -، تقدم الكلام عليها. قولها: \"إنما كان فراش رسول الله - ﷺ - الذي ينام عليها أدما حشوه ليف\" والأدم هو الجلد، في هذا ما كان النبي - ﷺ - عليه من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها وشهواتها [وفاخر لباسها، ونحوه، [والاجتزاء] بما تحصل به أدنى [التجزئة] في ذلك كله وفيه\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الدلائل (١/ ٣٤٥) وفي الشعب (١٣٩٥)، وأخرجه ابن سعد (١/ ٤٦٥) وأحمد في الزهد (ص ٢٠) والحسن بن عرفة في جزئه (٢٠)، وحماد بن إسحاق في تركة النبي (ص ٧٢) والقفال في شمائل النبوة (٣٦٠)، والخطيب في التاريخ (١١/ ١٠٢) والبغوي في الشمائل (٤٢٩)، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري في المشيخة الكبرى (٤٧٧) والذهبي في سير الأعلام (٨/ ٢٦٣) وفي تذكرة الحفاظ (١/ ٢٦١)، وقال الذهبي في سير الأعلام (٦/ ٢٨٧) في ترجمة مجالد: من أنكر ما له في جزء ابن عرفة حديثه عن عامر عن مسروق عن عائشة مرفوعًا: فذكر الحديث وقال في التذكرة: غريب جدًا، ومجالد ليس بحجة وعده من أشد منكراته (الميزان ٣/ ٤٣٨)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٨٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٧): حسن.\n(^٢) أبو الشيخ في أخلاق النبي (ص ١٥٦).","vol":"13","page":66},{"text":"الندب للاقتداء به - ﷺ - في هذا وغيره، وفي هذا الحديث أن فراش النبي - ﷺ - الذي كان ينام عليه من أدم حشوه ليف، وفي رواية وسادة بدل فراش، وفي نسخة وساد، وفيه جواز اتخاذ الفرش والوسائد والنوم عليها للارتفاق بها وجواز الحشو وجواز اتخاذ [ذلك] من الجلود وهي الأدم، اهـ قاله في الديباجة.\nقوله: \"وعنها أيضًا\" تقدم الكلام عليها. قوله: \"قطيفة\"، القطيفة كساء أبيض كبير.\n\n٤٩٨١ - وعن أنس - ﵁ - قال: لبس رسول الله - ﷺ -: الصوف واحتذى المخصوف، وقال: أكل رسول الله - ﷺ - بشعا ولبس حلسا خشنا. قيل للحسن: ما البشع؟ قال: غليظ الشعير، ما كان النبي - ﷺ - يسيغه إلا بجرعة من ماء. رواه ابن ماجه (^١) والحاكم (^٢) كلاهما من رواية يوسف بن أبي كثير وهو\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٤٨ و٣٥٥٦)، وقال البوصيري في الزوائد (٤/ ٢٩ - ٣٠): هذا إسناد ضعيف، نوح بن ذكوان متفق على ضعفه.\nقال الحاكم أبو عبد الله: يروى عن الحسن على معضلة. أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣/ ٤٧)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ - (ص ١٢٢)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٨/ ٢٩٩) في ترجمة نوح بن ذكوان، وقال: وهذه الأحاديث، عن الحسن، عن أنس، ليست بمحفوظة.\nوقال الدارقطني: غريب من حديث الحسن، عن أنس، تفرد به نوح، ولم يروه عنه غير يوسف بن أبي كثير، وتفرد به بقية بن الوليد، عنه. أطراف الغرائب والأفراد (٧٨٥).\n(^٢) المستدرك (٤/ ٣٢٦)، وقال: صحيح. ورده الذهبي: قلت لم يصح، فيه نوح بن ذَكْوان، واه، ويوسف بن أبي كثير مجهول. وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٧/ ٣٤٨)، والتعليق الرغيب (٣/ ١٠٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٢٦٢).","vol":"13","page":67},{"text":"مجهول، عن نوح بن ذكوان، وهو واه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعنده خشنا موضع بشعا.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"لبس رسول الله - ﷺ - الصوف واحتذى المخصوف\" الحديث، احتذى يحتذي إذا انتعل والمخصوف المخروز، والمعنى أنه كان يخرزها من الخصف وهو خرزها طاقة على أخرى، وأصل الخصف [هو] الضم والجمع. قوله: \"وأكل رسول الله - ﷺ - بشعا ولبس حلسا خشنا\" الحلس الكساء الذي يجعل البعير، وتقدم الكلام عليه في اللباس.\n\n٤٩٨٢ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: خرج رسول الله - ﷺ - ذات غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والترمذي (^٣)، ولم يقل: مرحل.\n[المرط] بكسر الميم وإسكان الراء: هو كساء من صوف أو خز يؤتزر به.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٤٢٤/ ٦١)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٢١٠٢)، وإسحاق بن راهويه (١٢٧١)، وأحمد (٦/ ١٦٢)، والطبري في التفسير (٢٠/ ٢٦٣)، والآجري في الشريعة (١٦٩٣ و١٦٩٤)، والحاكم (٣/ ١٥٩)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٤١٩) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nقلت: فيه نظر، فمصعب بن شيبة، لم يخرج له البخاري شيئًا، وقد خرجه مسلم كما هو واضح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٨).\n(^٢) أبو داود (٤٠٣٢).\n(^٣) الترمذي (٢٨١٣)، وفي الشمائل (٦٩).","vol":"13","page":68},{"text":"[والمرحل] بتشديد الحاء المهملة مفتوحة: هو الذي فيه صور الرحال.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها. قوله: \"خرج رسول الله - ﷺ - ذات غداة وعليه مرط مرحل\" الحديث، المرط بكسر الميم وإسكان الراء هو كساء من صوف أو خز يُؤتز به والمرحل بتشديد الحاء المهملة مفتوحة هو الذي فيه صور الرحال، ذكره المنذري.\n\n٤٩٨٣ - وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: أخرجت لنا عائشة - ﵂ - كساء ملبدا وإزارا غليظا قالت. قبض رسول الله - ﷺ - في هذين. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤) وغيرهم.\n[قوله: ملبدا]: أي مرقعا، وقد لبدت الثوب بالتخفيف، ولبدته بالتشديد، يقال للرقعة التي يرقع بها صدر القميص اللبدة، والرقعة التي يرقع بها قب القميص القبيلة.\nقوله: \"وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري\" واسمه عامر، هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور، وقال يحيى بن معين: اسمه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣١٠٨).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٥) (٢٠٨٠).\n(^٣) سنن الترمذي (١٧٣٣)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٤) أبو داود (٤٠٣٦)، وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٦٢٤)، وإسحاق (١٣٦٤)، وأحمد (٢٤٠٣٧)، (٢٤٩٩٧)، وابن حبان (٦٦٢٤)، وأبو عوانة في المستخرج (٨٥٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٤)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٢٧٦)، وفي شعب الإيمان (١٣٨٧، ٥٧٥٥)، وقال أبو نعيم: صحيح ثابت، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٠٧٥).","vol":"13","page":69},{"text":"الحارث. وفي رواية عنه: عامر، كقول الجمهور، وهو تابعي كوفي، ولى قضاء الكوفة فعزله الحجاج، وجعل أخاه أبا بكر مكانه، واتفقوا على توثيقه وجلالته.\nقوله: \"كساء ملبدا\" أي مُرَّقَّعا وقد لبدت الثوب بالتخفيف ولبدته بالتشديد، قاله المنذري. ففائدة تقلل السادات سُلوة الضعيف وانجبار المكسور وقد قال الأئمة: حرمت أواقي النقدين لكسر قلوب الفقراء. قاله في الحدائق (^١).\n\n٤٩٨٤ - وعن أسماء بنت أبي بكر - ﵂ - قالت: صنعت سفرة لرسول الله - ﷺ - في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة فلم يجد لسفرته، ولا لسقائه ما يربطهما به، فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي؟ قال: فشقيه باثنين واربطي بواحد السقاء، وبواحد السفرة، ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين. رواه البخاري (^٢).\n[النطاق] بكسر النون: شيء تشد به المرأة وسطها لترفع به ثوبها عن الأرض عند قضاء الأشغال.\nقوله: \"وعن أسماء بنت أبي بكر\" أسماء بفتح الهمزة وبالمد هي أخت عائشة وهي أكبر من عائشة بعشر سنين، روي [لها عن] رسول الله - ﷺ - ستة وخمسون حديثا، أسلمت بمكة قديما ثامنة ثمانية عشر إنسانا وتزوجها\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥٣٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٩٧٩ - ٣٩٠٧).","vol":"13","page":70},{"text":"الزبير بمكة ثم طلقها بالمدينة. قيل أن ابنه عبد الله يومًا وقف بالباب فلما جاء أبوه الزبير ليدخل البيت منَعه فسأله عن ذلك فقال ما أدعُك تدخل تطلق أمي فامتنع عليه وأبى إلا طلاقها فسُئل عن السبب فقال مثلي لا يكون له أم توطأ، وطلقها الزبير وقيل ضربها الزبير فصاحت بابنها عبد الله، فأقبل فلما رآه قال أمّك طالق إن دخلت فقال له أتجعل أمي عرضة ليمينك واقتحم عليه فخلصها منه، فبانت منه، وبقيت إلى أن قتله الحجاج، ماتت بمكة سنة ثلاث وسبعين بعدما أنزل ابنها عن الخشبة بليال يسيرة ولها قريب من مائة سنة وقط ما أخرت شيئا لغد وابنها [وأبوها] وجدها أربعة صحابيون؛ وكانت من أعبر الناس للرؤيا وتعلمته من أبيها [أبي بكر الصديق] رضي الله تعالى عنه، ذكره الكرماني (^١).\nقولها: \"ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي\" الحديث، النطاق هو بكسر النون شيء تشد به المرأة وسطها لترفع به ثوبها عن الأرض عند قضاء الأشغال، اهـ. قاله الحافظ. وقال بعض العلماء النطاق أن تلبس المرأة ثوبها ثم تشدّ وسطها بشيء وترفع وسط ثوبها وترسله على الأسفل تفعل ذلك عند معاناة الأشغال لئلا تعثر في ذيلها. قيل: سميت أسماء ذات النطاقين لأنها كانت [تطارق] نطاقا فوق نطاق، والأصح أنها سميت بذلك لأنه شقت نطاقها الواحد نصفين فجعلت إحداهما نطاقا صغيرا واكتفت به والآخر لسفرة النبي - ﷺ - وأبي بكر - ﵁ - كما صرحت به في هذا الحديث هنا، والله أعلم.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ٦٧).","vol":"13","page":71},{"text":"٤٩٨٥ - وعن عائشة - ﵂ -: أن رجلًا دخل عليها، وعندها جارية لها عليها درع ثمنه خمسة دراهم فقالت: ارفع بصرك إلى جاريتي انظر إليها، فإنها تزهو على أن تلبسه في البيت، وقد كان لي منهن درع على عهد رسول الله - ﷺ - فما كانت امرأة تقين بالمدينة إلا أرسلت إلي تستعيره. رواه البخاري (^١)\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على ترجمتها، قوله: \"وعندها جارية لها عليها درع من خمسة دراهم\" الدرع واحد الدروع وهو القميص.\nقوله: \"فإنها تزهو علي أن تلبسه في البيت\" الحديث، تزهو أي تترفع عنه ولا ترضاه، والله أعلم. قوله: \"فما كانت امرأة تقين في المدينة إلا أرسلت إلي تستعيره\"، تقين أي تتقين، أي تتزيّن لزفافها، والتقيّن التزيين، وقيل تجلى لزوجها، والتقين إصلاح [الشعث]، وفي البخاري تقين تزين لزوجها، ومنه قيل للماشطة مقينة وقد قينت العروس تقينا زينتها. وقال أبو عمر [أصله] (^٢) من اقتان النبت إذا حسُن، قاله صاحب المغيث في غريب القرآن والحديث (^٣).\nقوله: \"انظر إليها\"، انظر بلفظ الأمر، وتزهى بفتح الهاء وكسرها من الزهو وهو الكبر، يقال زهى الرجل بلفظ المبني للمفعول وحكى ابن دريد زهى بلفظ المبني للفاعل والغرض أن الجارية تتكبر من لبسها له وتستحقره (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٦٢٨).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ٧٧٤).\n(^٤) الكواكب الدرارى (١١/ ١٤٩).","vol":"13","page":72},{"text":"٤٩٨٦ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: توفي رسول الله - ﷺ -، وليس عندي شيء يأكله ذو كلبد إلا شطر شعير في رق لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣).\nقوله: \"وعنها أيضًا\" تقدم الكلام عليها. قولها: \"توفي رسول الله - ﷺ - وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلته حتى طال عليّ فكِلته ففني\" [و] الشطر هنا معناه شيء من شعير، كذا فسره الترمذي، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^٤)، قال ابن أبي حازم: معناه نصف وسق، وقيل الشطر من شعير نصف مكوك وقيل نصف وسق، يقال: شطر وشطير، مثل نصف ونصيف، ومنه الحديث: الطهور شطر الإيمان، ومنه حديث عائشة كان عندنا شطر من شعير، وقولها: \"في رف لي\"، الرف قال النووي بفتح الراء وبالفاء المشددة هو خشب يرفع عن الأرض في البيت إلى جنب الجدار يوقى به ما يوضع عليه وجمعه رفوف ورفاف، قاله ابن الأثير في النهاية (^٥) والحربي قولها: \"فكلته ففني\"] (^٦).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٠٩٧ - ٦٤٥١).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٧) (٢٩٧٣).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٤٧٢) عن أنس، وقال: هذا حديث حسن صحيح\n(^٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٥١).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٤٥).\n(^٦) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فلما كالته علمت مدة بقائه ففني عند تمام ذلك الأمر).","vol":"13","page":73},{"text":"قال ابن بطال (^١): كان الشعير الذي عند عائشة غير مكيل [فكانت] البركة فيه من أجل جهلها بكيله، وكانت تظن كل يوم أنه سيفنى لقلة كانت [تتوهمها]، فلذلك طال عليها فلما كالته علمت مدة بقائه ففني عند تمام ذلك الأمر. قال القاضي عياض (^٢): وفي هذا الحديث أن البركة أكثر ما تكون في المجهولات، وأما الحديث الآخر الذي رواه البخاري في الأطعمة من حديث المقدام بن معدي كرب: \"كليلوا طعامكم يبارك لكم فيه\" فقالوا المراد أن يكيله بشرط أن يبقي الباقي مجهولا ويكيل ما يخرجه لئلا يخرج أكثر من الحاجة أو أقل، هكذا ذكره النووي في شرح مسلم (^٣).\n[فائدة: في الحديث أن النبي - ﷺ - كان يدخر نفقة أهله سنة، الحديث. ففيه جواز ادخار قوت سنة وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل. وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان [في بيته]، كما جرى للنبي - ﷺ -، وأما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره لقوت عياله فإن كان في وقت [ضيق] الطعام لم يجز بل يشتري ما لا يضيق على المسلمين لقوت أيام أو شهر وإن كان في وقت [سعة اشترى قوت سنته] وأكثر هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقا، والله أعلم، ذكره المنذري في الحواشي] (^٤). وفي هذا الحديث من الفقه استحباب الكيل\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥/ ٢٦١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٠٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٠٧).\n(^٤) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فلما [كالته] =","vol":"13","page":74},{"text":"عند البيع وعند الشراء [وكراهة] ذلك جزافا للنهي عنه، وفي الحديث: إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل. قال المهلب (^١): وكتاب الله يشهد لذلك، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ (^٢) الآية، فينبغي إذا اشترى أن يكيل له غيره، وإذا باع أن يكيل لغيره وليس الأمر هنا للوجوب لقرينة البركة فدل على الأفضلية ولأن المشاهدة كافية فيصح بيع الجزاف كما صح: فيما لا يؤكل يكال ولا يوزن، قال ابن بطال والذي عليه الفقهاء أن الكيل والوزن فيما يكال أو يوزن على البائع وكذلك الآن كذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي وأبي ثور و[قصة] يوسف [تدل] له في قوله [تعالى عنه]: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ (^٣)، وقال - ﵇ - لجابر (^٤): كِلْ للقوم.\nفائدة أخرى: وفي حديث عائشة: فكلته ففني، وذلك بأن الأمر بالكيل إنما هو عند البيع أو الشراء، وأما في النفقة فلا يكال ولا يحصى لقوله - ﵇ -: لا تحصي فيحصى عليك، ولا توكي فيوكى عليك بأن [تنفق] بغير حساب فإن الله يخلف ويبارك فيه، وكذلك جرى لبعض الصحابة أعطاه ﵊ [شعيرا] فما زال يأكل منه حتى كاله ففني فقال [صلى الله\n_________\n= علمت المدة التي يبلغ إليها ففني عند انقضائها لأن الكيل وكد فيه أن يفنى فلا تعارض بينهما، اهـ).\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦/ ٢٥٢).\n(^٢) سورة المطففين، الآية: ١.\n(^٣) سورة يوسف، الآية: ٥٩.\n(^٤) صحيح البخاري (٢٠٢٠).","vol":"13","page":75},{"text":"تعالى عليه وسلم] لو لم تكله لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، أي [لبركة] الإنفاق من غير إحصاء توكلا على الله. قال ابن بطال (^١): ويؤخذ من قوله: كيلوا طعامكم، أن الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله وندب النبي - ﷺ - أمته [إليه] يدل على البركة فيه.\nقال المهلب: [ويحمل] أنهم كانوا يأكلون بلا كيل فيزيدون في الأكل فلا يبلغ لهم الطعام إلى المدة التي كانوا يقدرونها فقال لهم: كيلوا، أي أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله من البركة في [مُدِّ] أهل المدينة بدعوته - ﵇ -. أجاب عن قول عائشة: فكلته ففني بأنها كانت تخرج قوتها بلا كيل وهي متقوتة باليسير فبورك لها فيه مع بركته - ﵇ - الباقية عليها في بيتها فلما أكالته، علمت المدة التي يبلغ إليها ففني عند انقضائها لأن الكيل وكد فيه أن يفنى فلا تعارض بينهما (^٢). اهـ.\n\n٤٩٨٧ - وعن عمرو بن الحارث - ﵁ - قال: ما ترك رسول الله - ﷺ - عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة. رواه البخاري (^٣).\nقوله: \"وعن عمرو بن الحارث\" هو [عمرو بن الحارث بن أبي ضرار\nالمصطلقي الخزاعي، له ولأبيه صحبة، روى عن النبي - ﷺ - وابن مسعود،\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦/ ٢٥٥).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٧٣٩ - ٢٨٧٣ - ٤٤٦١).","vol":"13","page":76},{"text":"عداده في أهل الكوفة، هو] أخو جويرية بنت الحارث زوج النبي - ﷺ - وليس له في البخاري إلا هذا الحديث ولم يخرجه مسلم ولا أخرج عن عمرو بن الحارث هذا شيئًا. [وعند مسلم نحوه عن عائشة وزاد فيه ولا شاة ولا بعيرا ولا وصى بشيء. وفي هذا الحديث تقلله - ﵇ - من الدنيا وإن كان قد فتح الله عليه الفتوح فإنه لم يدخر شيئًا لغد إلا قوت عائلته سنة تطييبا لقلوبهن، ولقد مات ودرعه مرهونة كما ورد في الحديث الذي سيأتي. وقال إني عرض عليّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، أجوع يومًا وأشبع يومًا، الحديث، تقدم.\nفائدة: قال ابن فارس في السيرة: ترك رسول الله - ﷺ - يوم مات ثوبي حبرة وإزارا عمانيا وثوبين صحاريين وآخر سحوليا وجبة يمانية وكساء أبيض وقلانس صغارا لاطئة ثلاثا أو أربعا وإزارا طوله خمسة أشبار وخميصة وملحفة مورسة (^١)، ووجه الجمع بين ذلك وما تقدم من حديث عمرو وعائشة أنها [فينا] ما يتمول خلاف السنة فإنه مما يتبرك فلا يُعدّ مالا وأما ما كان له من الإماء في الحياة فسلمى أم رافع ورضوى وأميمة وربيحة وقيل هي ريحانة السُّرية وسائبة ومارية وأختها قيصر وأم ضميرة (^٢). قال أبو عبيدة وكانت له سرية جميلة أصابها في سبي وسرية أخرى وهبتها له زينب (^٣)، وأما\n_________\n(^١) عيون الأثر (٢/ ٣٨٧).\n(^٢) عيون الأثر (٢/ ٣٨١).\n(^٣) الإشارة إلى سيرة المصطفى (ص ٣٨١).","vol":"13","page":77},{"text":"الموالي فجماعة [عدتهم خمسة وستون شخصا، ومن الخيل اثنان وعشرون، ومن البغال سبعة. وأما السلاح فقد كان للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم درع يقال له فضة والسغدية بالسين المهملة والعين المعجمة (^١). قال الحافظ الدمياطي: السغدية درع داود ﵊ التي لبسها حين قتل جالوت، وكان له درع أخرى يقال لها ذات الفضول، سميت بذلك لطولها، وهي التي رهنها عند اليهودي وفكّها منه أبو بكر، وكان له درع يقال لها البتيراء لقصرها، وذات - الوشاح - وذات الحواشي، ودرع يقال لها الخرنق، والخرنق ولد الذئب، فهذه سبعة أدرع كانت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، انتهى]. قوله: \"ما ترك رسول الله - ﷺ - عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة\"] (^٢). وفي حديث آخر إلا بغلته الشهباء التي كان يركبها بدل البيضاء والشهبة البياض الذي غلب [عليه] السواد، قاله المنذري. وقال ابن الأثير (^٣): الشهبة البياض وفي حديث حليمة [رضي الله تعالى عنها] خرجت في سنة شهباء أي ذات قحط وجذب والشهباء الأرض التي لا خضرة فيها لقلة المطر فسميت سنة الجدب بها،\n_________\n(^١) عيون الأثر (٢/ ٣٨٦).\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فسميت سنة الجدب بها، والله أعلم، وهذا الحديث ذكره الحافظ المنذري هنا أنه رواه البخاري فقط).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥١٢).","vol":"13","page":78},{"text":"والله أعلم، وهذا الحديث ذكره الحافظ المنذري هنا أنه رواه البخاري فقط.\nفائدة في ترجمة البخاري: فهو الإمام العالم العلامة المحدث العابد الزاهد أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المغيرة ابن بردزبة بفتح الموحدة وإسكان الراء وكسر الدال المهملة وتسكين الزاي الموحدة الجُعفي بضم الجيم وسكون العين المهملة وبالباء البخاري، أسلم المغيرة وكان مجوسيا على يد اليمان الجعفي وأبوه والي بُخارا [وأبو إسماعيل كان من خيار الناس وأمه كانت مجابة الدعوة وكان البخاري] (^١) قد ذهب بصره وهو صغير فرأت أمه في المنام إبراهيم الخليل ﵊ فقال: يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة دعائك أو بكائك فأصبح بصيرا، ولد ببخارى سنة أربع [وتسعين] ومائة، وألهم حفظ الحديث في صغره وهو ابن عشر سنين أو أقلّ ثم حجّ به أبوه فرجع أبوه وهو أقام بمكة المكرمة في طلب العلم وذلك سنة ثمان عشرة من عمره ورحل رحلات [واسعات] في طلب الحديث إلى أمصار الإسلام وكتب عن شيوخ متوافرات وأئمة متكاثرات قال كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث كلهم كانوا يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص حتى صار إمام أئمة الحديث والمقتدى [به] في هذا الشأن وأجمع المحققون على أن كتابه أصح كتاب بعد القرآن [العظيم]، وروى عنه خلائق كثيرون نحو من مائة ألف أو يزيدون أو ينقصون وعظمه العلماء غاية التعظيم ولزمه الفضلاء نهاية الإجلال\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":79},{"text":"والتكريم حتى أن مسلما صاحب الصحيح كلما دخل عليه يسلم ويقول: دعني أقبل رجليك يا طبيب الحديث في علله ويا أستاذ الأستاذين ويا سيد المحدثين.\nوقال أبو عيسى الترمذي: لم أر مثله، وجعله الله زين هذه الأمة، وقال أبو نعيم: إنه فقيه هذه الأمة، وقال محمد بن بشار بإعجام الشين: وكان علماء مكة يقولون هو إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان، وقال ابن خزيمة مصغر الخزمة بالمعجمة والزاي ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه وأحفظ.\nوقال بعضهم: هو آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض، ونحو ذلك، وكان في سعة من الدنيا قد ورث من أبيه مالا وكان يتصدق به وربما كان يأتي عليه نهار ولا يأكل فيه وإنما يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثا وكان يختم في كل ثلاث ليال وكان حفظه في غاية الكمال. قال خرجت هذا الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وقال: ما وضعت في كتابي هذا حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، وقيل كان ذلك بمكة المشرفة، والغسل بماء زمزم والصلاة خلف المقام، وقيل كان بالمدينة صلوات الله على صاحبها، وترجم أبوابه في الروضة المباركة، وصلى لكل ترجمة ركعتين، وقيل صنف الجامع في ست عشرة سنة، والله أعلم بذلك، ودخل بغداد مرات وانقاد أهلها له فيه بلا منازعة وله معهم حكايات مشهورة في امتحانهم له بقلب الأسانيد والمتون فصحح كلها في الساعة وحين وقعت الفتنة واشتدت المحنة في مسألة خلق القرآن رجع من بغداد إلى بُخارى فتلقاه أهلها في","vol":"13","page":80},{"text":"تجمل عظيم ومقدم كريم وبقي مدة يحدثهم في مسجده فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الدبيلي يتلطف معه ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم به في قصره فامتنع البخاري من ذلك وقال لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فحصلت وحشة بينهما فأمره الأمير بالخروج [عن] بلده، ويقال أن البخاري دعا عليه فلم يأت شهر حتى ورد أمر دار الخلافة بأن ينادى على خالد في البلد فنودي عليه على أتان وحبس إلى أن مات، ولما خرج من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخبطونه إلى بلدهم فسار إليهم فلما كان بقرية خَرْتَنَك بفتح المعجمة وإسكان الراء وفتح الفوقانية وسكون النون وهي على فرسخين من سمرقند بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة فقوم يريدون دخوله وقوم يكرهونه فأقام بها حتى ينجلي الأمر فضجر ليلة فدعا وقد فرغ من صلاة الليل: (^١) اللهم قد ضاقت [علي الأرض بما رحبت] فاقبضني إليك فمات في ذلك الشهر سنة ست وخمسين مائتين وعمره اثنان وستون سنة.\nفإن قلت: كيف استجاز الدعاء بالموت وقد خرج هو في صحيحه (^٢) لا يتمنيّن أحدكم الموت لضر نزل به. قلت: نصوا بأن المراد بالضر هو الدنيوي؛ وأما إذا نزل ضر ديني فإنه يجوز تمنيه خوفا من تطرق الخلل في الدين. ولما دفن فاح من تراب قبره رائحة الغالية أطيب المسك وظهر سوار بيض في السماء مستطيلة حذاء القبر وكانوا يرفعون التراب منه للتبرك حتى\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (١/ ١٠١)\n(^٢) صحيح البخاري (٥٦٧١).","vol":"13","page":81},{"text":"ظهرت الحفرة للناس ولم يكن يقدر على حفظ القبر [بالحراس] فنصب على القبر خشب مشبكات فكانوا يأخذون ما حواليه من التراب والحصيات [ودام] ريح الطيب أياما كثيرة حتى تواتر عند جميع أهل تلك البلاد وأمثال هذه الكرامات الإلهية لا تستعظم بالنسبة إلى أمثال هؤلاء العبّاد رفع الله ذكره الشريف، وقد فعل وجعل له لسان صدق في الآخرين وقد جعل وعدد الأحاديث المسندة فيه سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا، والمكررات منه قريب النصف فأحاديثه بدون التكرار تقارب أربعة آلاف وعدد مشايخه الذين خرج عنهم فيه مائتان وتسعة وثمانون والله أعلم. ذكر ذلك الكرماني في شرحه (^١).\n\n٤٩٨٨ - وعن علي بن رباح قال: سمعت عمرو بن العاص - ﵁ - يقول: لقد أصبحتم وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله - ﷺ - يزهد فيه، أصبحتم ترغبون في الدنيا، وكان رسول الله - ﷺ - يزهد فيها، والله ما أتت على رسول الله - ﷺ - ليلة من دهره إلا كان الذي عليه أكثر من الذي له قال: فقال بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -: قد رأينا رسول الله - ﷺ - يستسلف. رواه أحمد (^٢)\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٢).\n(^٢) مسند أحمد (١٧٨١٧)، وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ٢٥٠)، وابن أبي الدنيا في الزهد (١٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٤٠ و١٠٢١٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١٥): رواه كله أحمد والطبراني، وروى حديث عمرو فقط، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٩٤)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٣٢٢/ ١٧٩٥).","vol":"13","page":82},{"text":"ورواته رواة الصحيح، والحاكم (^١) إلا أنه قال: ما مر به ثلاث من دهره إلا والذي عليه أكثر من الذي له، وقال: صحيح على شرطهما. ورواه ابن حبان في صحيحه (^٢) مختصرا: كان نبيكم - ﷺ - أزهد الناس في الدنيا، وأصبحتم أرغب الناس فيها.\nقوله: \"وعن علي بن رباح\" هو بضم العين وفتح اللام، على المشهور، وقيل: بفتحها وكسر اللام، وكان يكره الضم. وكان أهل بلده وهو بمصر يقولونه بالفتح وغيرهم بالضم، وقيل: بالفتح اسم وبالضم لقب. هو أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى على بن رباح بن قصير بن رباح بن المقتشب بن ينبع، بضم المثناة تحت وفتح النون، ابن أردة بن حجر بن جزيلة بن لخم اللخمى المصرى التابعى.\nسمع عمرو بن العاص، وابنه عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر، وفضالة بن عبيد، وأبا قتادة، وأبا هريرة، ومعاوية، وغيرهم من الصحابة، ﵃. روى عنهم ابنه موسى، والحارث بن يزيد، ويزيد بن أبي حبيب، وآخرون. واتفقوا على توثيقه. روى له مسلم في صحيحه.\nقال أحمد بن عبد الله، ومحمد بن سعد: كان ثقة، ولد سنة خمس عشرة من الهجرة عام اليرموك، توفى بإفريقيا سنة أربع عشرة ومائة، وقيل: سنة سبع\n_________\n(^١) المستدرك للحاكم (٤/ ٣١٥)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.\n(^٢) صحيح ابن حبان (٦٣٧٩).","vol":"13","page":83},{"text":"عشرة، وكان من أهل الوجاهة، وكان يفد لأهل مصر إلى عبد الملك بدمشق (^١).\nقوله: \"سمعت عمرو بن العاصي يقول: لقد أصبحتم وأمسيتهم ترغبون فيما كان رسول الله - ﷺ - يزهد فيه، أصبحتم ترغبون في الدنيا، وكان رسول الله - ﷺ - يزهد فيها\" الحديث. تقدم الكلام على مناقب عمرو بن العاصي مبسوطا، وأما الزهد في الدنيا فالزهد في الشيء الإعراض عنه [لاستقلاله] واحتقاره وارتفاع الهمة عنه. يقال شيء زهيد أي قليل حقير، وقد تكلف السادات رضى الله [عنهم] ومن بعدهم بها تفسير الزهد في الدنيا وتنوعت عباراتهم عنه وتقدم الكلام على ذلك في أوائل الباب والله أعلم.\n\n٤٩٨٩ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: توفي رسول الله - ﷺ -: ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) والترمذي (^٤).\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها. قولها - ﵂ -: \"توفي رسول الله - ﷺ - ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير\" الحديث، الصاع مكيال معروف، قال صاحب العلم المشهور ذو النسبين: ذكر اسم اليهودي خاصة أصحاب الغوامض والمبهمات، وذكره الحافظ المحدث\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٥٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٩١٦، ٤٤٦٧) عن عائشة ﵂.\n(^٣) صحيح مسلم (١٢٤) (١٦٠٣).\n(^٤) سنن الترمذي (١٢١٤) عن ابن عباس، وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"13","page":84},{"text":"أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في كتاب الأسماء [المبهمة] له وهو عندي في مجلد: أن رسول الله - ﷺ - رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني ظفر، وروى الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن مردويه في تفسيره بإسناد ضعيف من حديث أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - (^١) أنه نزل برسول الله - ﷺ - ضيف فقال له: قل لفلان اليهود أنه نزل بي ضيف فأسلفني شيئًا من الدقيق إلى رجب، فقال اليهودي: والله لا أسلفه إلا برهن، قال: فأخبرت النبي - ﷺ -، فقال: والله [إني] لأمين من في السماء وأمين من في الأرض ولو أسلفني لأدّيته فاذهب بدرعي فارهنها عنده. [ومما] يستشكل قديما أن النبي - ﷺ - أجلى اليهود قبل موته من المدينة فلم يكن بها قبل موته بسنين يهودي وكيف يجتمع مع هذا رهن الدرع عند اليهودي إلا أن يقال: إنّ هذا اليهودي قدمها تاجرا في ذلك الوقت فاستلف منه النبي - ﷺ -. ثم قيل إن النبي - ﷺ - افتكه قبل موته لما تقدم من قوله - ﷺ -: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه،\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٨٦٣)، والروياني (٦٩٥)، والطبراني (١/ ٣٣١/ ٩٨٩). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٤٤٤): رواه إسحاق بن راهويه في مسنده والخرائطي في مكارم الأخلاق وابن مردويه في التفسير بإسناد ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٢٦): رواه الطبراني في الكبير، والبزار، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٣٥٥): ورواه ابن أبي شيبة وعنه أبو يعلي الموصلي وإسحاق بن راهويه والبزار في مسانيدهم كذلك سندا ومتنا وزادوا فيه اذهب بدرعي الحديد إليه وكذلك رواه الطبري وابن مردويه في تفسيره والواحدي في أسباب النزول وسكت البزار عنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٣٧).","vol":"13","page":85},{"text":"والنبي - ﷺ - منزه عن ذلك، والأصح أنه - ﷺ - لم يفكه لقول ابن عباس (^١): مات النبي - ﷺ - ودرعه مرهونة، وذلك لحديث محمول على من مات ولم يخلف وفاء، اهـ.\nتنبيه: الرهن في اللغة الثبوت، يقال: رهن بالمقام، أي أقام به وثبت فيه، وفي الشرع جعل عين مال وثيقة بدين ليُستوفى منها عند تعذر استيفائه ممن عليه. وجمع الرهن رهان كحبل وحبال، ويقال رُهُن بضم الهاء، وهل هو جمع رهن أم جمع رهان فيكون جمع الجمع. قال الأكثرون: جمع رهان، وقال أبو عمرو بن العلاء جمع رهن كسقف وسُقُف، يقال رهنت [وارتهنت]، والمشهور الأول ومنهم من منع الثاني، ويقال في الرهن رهين والأنثى رهينة، وقد نطق الكتاب العزيز بجواز الرهن في قوله [تعالى:] ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^٢)، قال في العلم المشهور (^٣): وأما الأموال التي كانت له [صلى الله تعالى عليه وسلم] تستخرج من الخمس وغير ذلك فإنه كان يؤثر بها على نفسه وأهله مساكين الصفة والطارئين [عليه] من غيرهم وفي قضاء ديون الموتى من أمته حتى يبيت ما عنده قرص مع كثرة المال لو أحبّ جمعه، وإنما آثر الدار الآخرة وعلم فناء هذه الدار [فأفضل] على الأصحاب ونهج مناهج الإيثار على ما ثبت عنه [- ﷺ -]، من صحيح الآثار\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٩١٦، ٤٤٦٧) عن عائشة ﵂.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.\n(^٣) العلم المشهور (مخ ٢١٤ أدب/ لوحة ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"13","page":86},{"text":"صلى الله عليه وعلى آله صلاة تتصل بدوام الليل والنهار، وفي حديث رهن [الدرع سنين] كثيرة وأحكام استنبطت من فعله وقوله - ﷺ -: الأولى مُداينته لليهود ومعاملته لهم مع أنهم يشربون الخمور [ويبيعونها] ويأكلون الربا وقد نهوا كما قال الله ﵎: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (^١) الآية، فدل ذلك من فعل رسول الله - ﷺ - الذي وكل الله ﷿ [له] تبيين القرآن فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٢)، فعفا الله تعالى لنا عما يعتقدونه وجعله في حقنا حلالا وإن كان في حقهم [حراما] بانتقاله إلينا منهم بالوجه الجائز بيننا وبينهم. والانتقالات في الملكيات يخالف ما بين المحللات والمحرمات [كشاة] بريرة لما انتقلت من الصدقة التي هي حرام على رسول الله - ﷺ - إلى الهدية حلّت لرسول الله - ﷺ - على ما ثبت عنه بإجماع أهل النقل.\nالثانية رهنه لدرعه - ﷺ - فيه دليل على جواز رهن آلة الحرب في بلد الجهاد وعند الحاجة إلى الطعام، وفيه من أصول الفقه أنه إذا تعارض أمران قدم الأهم فالحاجة إلى قوت رسول الله - ﷺ - وقوت عياله أهم، فقُدِّمت، وفيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة والحكم بثبوت أملاكهم على ما في أيديهم. وفيه بيان ما كان عليه - ﷺ - من التقلل من الدنيا وملازمة الفقر وإيثاره على الغنا، وفيه جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة وجواز الرهن في الحضر وبه قال\n_________\n(^١) النساء: ١٦٠.\n(^٢) النحل: ٤٤.","vol":"13","page":87},{"text":"الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا مجاهدا وداود الظاهري فإنهما قالا لا يجوز إلا في السفر تعلقا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (^١) الآية. واحتج الجمهور بهذا الحديث وهو مقدم على دليل خطاب الآية، [وأما اشتراء] النبي - ﷺ - الطعام من اليهودي ورهن عنده دون الصحابة فقيل فعله بيانا لجواز لذلك، وقيل لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عنده، وقيل لأن الصحابة لا يأخذون رهنه - ﷺ - ولا [يقبضونه] الثمن فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد من الصحابة. وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معه لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحا وآلة حرب ولا ما يستعينون به في إقامة دينهم ولا بيع المصحف ولا العبد المسلم لكفار مطلقا، اهـ.\nوفيه [بيان] ما يؤدى إليه من الدين والرهن، والدين عديل الكفر كما جاء في الحديث مع تشديدات فيه شهيرة والله أعلم. قاله صاحب حدائق الأولياء (^٢).\nوفي الحديث أحكام منها: جواز معاملة الكفار، ومنها الاستدانة لمصلحة، ومنها جواز الرهن في الحضر، وقد وقع التصريح به في غير هذه الرواية، واتفق العلماء على جواز الرهن في السفر عند عدم الكاتب، وقال\n_________\n(^١) البقرة: ٢٨٣.\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٣٦ - ٥٣٧).","vol":"13","page":88},{"text":"مجاهد لا يجوز إلا في هذه الصورة لظاهر الآية وجوزه الباقون في الحضر والسفر، وقالوا أنه خرج الكلام فيها على الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط، والحديث بمجموع طرقه يدلّ على جوازه مطلقا من غير سفر ولا عند عدم كاتب. ومنها جواز الشراء بالثمن [المؤجل] (^١) المؤخر قبضه لأن الرهن إنما يحتاج إليه حيث يكون الثمن مؤجلا وحيث لا يتأتى إقباضه في الحال غالبا. ومنها جواز رهن السلاح، ومنها جواز رهنه عند الكفار من أهل الذمة والمعاهدين. ومنها ما كان - ﵇ - عليه من التقلل من الدنيا والزهد فيها مع تمكنه منها وعرضها عليه وإعراضه عنها (^٢).\nفإن قيل ما الحكمة في أنه رهن عند يهودي ولم يرهن عند مسلم؟ قلت: الفوائد منها أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم حتى أن له أخذ طعام المضطر فكيف من غيره. ومنها أنه لو رهن من المسلم [ربما] ظن أنه له منة عليه والمنة لله ورسوله فحملته ﵊ الرأفة والشفقة على المسلم أن يقع له ذلك. ومنها أن أخذ الرهن منه [﵊] لا يجوز لأحد من المسلمين لأنه الموثق وكل مسلم واثق به ولا يقال يحتمل الجواز [لتقدم] به على من لا رهن له لأن الله تعالى يصون نبيه من شغل ذمته بديون لا توفى عنه. ومنها إباحة القرض ممن أكثر ماله حرام لما علم من فشو الربا فيهم وبيع الخمر. ومنها صحة معاملتهم فيما بينهم فيما يعتقدونه.\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (المؤجر)، ولعله سبق قلم.\n(^٢) العدة (٣/ ١١٨٧).","vol":"13","page":89},{"text":"فائدة: قدر المرهون به جاء فيه روايات منها: ثلاثون وسق شعير ومنها عشرون ومنها [غير] ذلك، وكان أخذه [صلى الله تعالى عليه وسلم] لأهله لا لنفسه، وكان أخذه أولا عشرين ثم أخذ شيئًا آخر ثم آخر بحسب الحاجة حتى تكمل ثلاثين فذكر هذا مرة وهذا مرة والله أعلم.\n\n٤٩٩٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر - ﵄ -، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا والذي نفسي بيده أخرجني الذي أخرجكما، قوموا فقاموا معه، فأتوا رجلًا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله - ﷺ - وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، وقال: كلوا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله - ﷺ -: إياك والحلوب، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر - ﵄ -: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة.\nرواه مالك (^١) بلاغا باختصار ومسلم (^٢)، واللفظ له والترمذي (^٣) بزيادة،\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢٦٩٣).\n(^٢) صحيح مسلم (١٤٠) (٢٠٣٨).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٣٦٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.","vol":"13","page":90},{"text":"والأنصاري المبهم: هو أبو الهيثم بن التيهاني بفتح المثناة فوق وكسر المثناة تحت وتشديدها، كذا جاء مصرحا به في الموطأ والترمذي، وفي مسند أبي يعلى (^١) ومعجم الطبراني (^٢) من حديث ابن عباس أنه أبو الهيثم وكذا في المعجم أيضًا من حديث ابن عمر (^٣)؛ وقد رويت هذه القصة من حديث جماعة من الصحابة مصرح في أكثرها بأنه أبو الهيثم، وجاء في معجم الطبراني الصغير (^٤) والأوسط (^٥) وصحيح ابن حبان (^٦) من حديث ابن عباس وغيره\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٥٠)، وأخرجه البزار (٢٠٥)، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٠٣)، وابن عدي (٤/ ١٥٦٥)، والمخلص في المخلصيات (١/ ٢٤٣)، والحاكم (٣/ ٢٨٦)، (٤/ ١٤٦)، وقال ابن عدي: وهذا الحديث لا أعلم رواه عن يونس بهذا الإسناد غير عبد الله بن عيسى وقال أبو زرعة في علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٠٤): هذا حديث منكر - يعني بهذا الإسناد - وقال الحاكم (٤/ ١٤٦) على شرط البخاري ومسلم، وقال ابن كثير في التفسير (٤/ ٥٨٣): غريب من هذا الوجه. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣١٦)، ثم قال: رواه البزار، وأبو يعلى باختصار قصة الغلام، والطبراني كذلك، وفي أسانيدهم كلها عبد الله بن عيسى أبو خلف، وهو ضعيف.\n(^٢) الطبراني، ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣١٦).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٥٤/ ٥٦٩)، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣١٩)، ثم قال: رواه الطبراني، وفيه بكار بن محمد السيريني، وقد ضعفه الجمهور، ووثقه ابن مَعين، وبقية رجاله ثقات.\n(^٤) الطبراني في الصغير (١٨٥)، وأخرجه ابن بشكوال في الغوامض (٦٢٩).\n(^٥) الطبراني في الأوسط (٢٢٦٨)، وقال الهيثمي: وفيه عبد الله بن كيسان المروزي وقد وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح المجمع (١٠/ ٣١٨).\n(^٦) أخرجه ابن حبان (٥٢١٦) وقال: خبر غريب. وقال العراقي: وأما حديث قصدهم منزل =","vol":"13","page":91},{"text":"أنه أبو أيوب الأنصاري، والظاهر أن هذه القصة اتفقت مرة مع أبي الهيثم، ومرة مع أبي أيوب. والله أعلم، وتقدم حديث ابن عباس في الحمد بعد الأكل.\n[العذق] هنا بكسر العين وهو الكباسة والقنو، وأما بفتح العين فهو النخلة.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه - ﵁ -. قوله: \"خرج رسول الله - ﷺ - ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر - ﵄ - فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قال: الجوع\" الحديث. قال النووي في شرح مسلم (^١): حديث أبي هريرة هذا مشتمل على أنواع من الفوائد: هذا الحديث فيه ما كان عليه النبي - ﷺ - وكبار أصحابه - ﵃ - من التقلل من الدنيا وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات وقد زعم بعض الناس أن هذا كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم، وهذا زعم باطل، فإن راوي الحديث أبو هريرة، ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر فإن قيل: لا يلزم من كونه رواه أن يكون أدرك القضية، فلعله سمعها من النبي - ﷺ - أو غيره، فالجواب: أن هذا\n_________\n= أبي أيوب، فرواها الطبراني في المعجم الصغير من حديث ابن عباس بسند ضعيف. (المغني مع الإحياء ٢/ ١٠). وأخرجه ابن حجر في نتائج الأفكار: كما في الفتوحات الربانية (٥/ ٢٣١)، ثم قال: هذا حديث حسن، فيه غرابة من وجهين: أحدهما: ذكر أبي أيوب، والثاني: ما في آخره من التسمية والحمد وقصة فاطمة، والمشهور في هذا قصة أبي الهيثم بن التيهان.\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢١١ - ٢١٢).","vol":"13","page":92},{"text":"خلاف الظاهر ولا ضرورة إليه، بل الصواب خلافه، وأن [النبي]- ﷺ - لم يزل يتقلب في اليسار وفي القلة حتى توفي - ﷺ -، فتارة يوسر، وتارة ينفد ما عنده، كما ثبت في الصحيح (^١) عن أبي هريرة قال: \"خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير\"، وتوفي - ﷺ - ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله، وغير ذلك مما هو معروف، فكان - ﷺ - في وقت يوسر به، ثم بعد قليل ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله في وجوه البر، وإيثار المحتاجين، وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك، وهذا كان خلق صاحبيه - ﵄ - بل أكثر أصحابه، وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار مع برهم له - ﷺ - وإكرامهم إياه وإتحافه بالطرف وغيرها، ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت [بإيثاره]، ومن علم ذلك منهم ربما كان ضيِّق الحال في ذلك الوقت كما جرى لصاحبيه، ولا نعلم أحد من الصحابة علم حاجة النبي - ﷺ -، وهو متمكن من إزالتها لكن كان - ﷺ - يكتمها عنهم إيثارا لتحمل المشاق، وحملا عنهم، وقد بادر أبو طلحة - حين قال: سمعت صوت النبي - ﷺ - أعرف فيه الجوع - إلى إزالة تلك الحاجة، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣). [وأشباه هذا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٤١٤).\n(^٢) الحشر: ٩.\n(^٣) الفتح: ٢٩.","vol":"13","page":93},{"text":"كثير في الصحيح مشهور، وكذلك كانوا]. قوله في الحديث: \"فقال ما أخرجكما من بيوتكما\" بضم الباء وكسرها لغتان قرئ بهما في السبع. وأما قولهما - ﵄ -: \"أخرجنا الجوع\".\nوقوله: \"وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما\"، قيل معناه أنهما - ﵄ - لما كانا عليه من مراقبة الله تعالى ولزوم طاعته والاشتغال به فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ويقلقهما ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة وتمام التلذذ بها سعيا في إزالته بالخروج في جلب سبب مباح يدفعانه به وهذا [من] أكمل الطاعات وأبلغ أنواع المراقبات، [وقيل] نهى عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين [وبحضرة طعام تتوق النفس إليه، وفي ثوب له أعلام وبحضرة المحدثين]، ونُهي القاضي عن القضاء في حالة غضبه وجوعه وهمه وشدة فرحه وغير ذلك مما يشغل قلبه ويمنعه كمال التفكر والله أعلم. [وفيه جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم الجوع لا على سبيل التشكي وعدم الرضا، بل للتسلية والتصبر لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم هنا، ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض، وهذا كله ليس بمذموم إنما يُذمّ ما كان تشكيا وتسخطا وتجزعا، والله تعالى أعلم]. وقوله - ﷺ -: \"وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما\" هكذا هو في جميع النسخ، فأنا بالفاء وفي بعضها بالواو والبغوي في المصابيح رواه بإسقاطهما. قوله - ﷺ -: \"قوموا فقاموا\"، هكذا في الأصول بواو الجمع [على الصحيح] وهو جائز بلا خلاف لكن الجمهور يقولون إطلاقه على الاثنين مجاز، وآخرون يقولون","vol":"13","page":94},{"text":"حقيقة وفيه جواز الحلف من غير استحلاف.\nقوله: \"فأتوا رجلًا من الأنصار فإذا هو ليس في البيت\"، وهذا الأنصاري المبهم هو أبو الهيثم بن التيهان بفتح التاء المثناة فوق وكسر المثناة تحت وتشديدها، قاله الحافظ، اهـ.\nوقال بعض العلماء: هو أبو الهيثم بن التيهان وهو مالك بن التيهان واسم التيهان أيضًا مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم فذكر نسبه إلى أن قال ابن الأوس الأنصاري حليف بني عبد الأشهل، كان أحد النقباء ليلة العقبة ثم شهد بدرا واختلف في وقت وفاته، فأصح ما قيل فيها أنه شهد مع علي - ﵁ - صفين وقتل فيها. قال السهيلي وقد وجدت في شعر عبد الله بن رواحة حين أضاف أبو الهيثم رسول الله - ﷺ - في منزله ومعه أبو بكر وعمر، فقال ابن رواحة في ذلك شعر فمنه:\nفلم أر كالإسلام عزا لأهله ... ولا مثلَ أضياف الأراشي مَعْشَرا\nوالأراشي منسوب إلى أراشة [من] خزاعة أو إلى راش بن جبار بن الغوث، فالله أعلم أهو أنصاري الحلف أم بالنسب المذكور، وقد قيل أنه بلوى من بني أراشة بن فاران بن عمرو بن بلى. والهيثم في اللغة فرخ العقاب، والهيثم أيضًا ضرب من العشب فيما ذكر أبو حنيفة، وبه سمي الرجل هيثما (^١)، والله أعلم.\nوفيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به واستتباع جماعة إلى بيته\n_________\n(^١) الروض الأنف (٤/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"13","page":95},{"text":"وفيه منقبة لأبي الهيثم إذ جعله النبي - ﷺ - أهلا لذلك وكفى به شرفا ذلك. قوله: \"فلما رأته المرأة قالت مرحبا وأهلا\" هاتان الكلمتان معروفتان للعرب، ومعناه: صادفْتَ رُحبًا [وسعة] وأهلا تأنس بهم، وفيه استحباب إكرام الضيف بهذا القول وشبهه، وقد قال النبي - ﷺ -: من كان يؤمن بالله وإليوم الآخر فليكرم ضيفه، وفيه جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها الكلام للحاجة، وفيه جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علما محققا أنه لا يكره ذلك بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة (^١).\n[قولها]: \"ذهب يستعذب لنا الماء\"، الحديث، أي يأتينا بماء عذب، وهو الطيب الذي لا مُلوحة فيه، وذلك لأن أكثر مياه المدينة كانت [مالحة]، ففيه دليل على جواز الميل طبعا إلى المستطاب، وفيه جواز استعذابه وتطييبه. قوله: \"ثم قال الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني\" [وهذا] قول صدق ومقال حق إذ لم تقلّ الأرض ولا أظلت السماء في ذلك الوقت أفضل من أضيافه فقابل هذه النعمة لـ[بعظيم] الشكر فقال: الحمد لله.\nقال النووي (^٢): هذا الحديث يشتمل على أنواع من الفوائد، منها استحباب حمد الله تعالى عند ظهور نعمة ظاهرة، وكذلك يستحب عند اندفاع نقمة كانت متوقعة وفي غير ذلك من الأحوال، ومنها [استحباب] إظهار البِشر والفرح بالضيف في وجهه وحمد الله تعالى وهو يسمع على\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢١٢ - ٢١٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٢١٣).","vol":"13","page":96},{"text":"حصول هذه النعمة والثناء على ضيفه إذا لم يخف عليه فتنة فإن خاف لم يُثنِ عليه في وجهه، وهذا طريق الجمع بين الأحاديث الواردة بجواز ذلك ومنعه، [ومنها] دلالة كمال فضيلة هذا الأنصاري وبلاغته وعظيم معرفته لأنه أتى بكلام مختصر بديع في الحسن في هذا الموطن - ﵁ -. قوله: \"فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر ورطب\"، فقال: كلوا. الحديث، العذق هنا بكسر العين وهو الكباسة والقنو فأما بفتح العين فهو النخلة، اهـ. قاله الحافظ، والكباسة هي الغصن من النخل وهي من التمر بمنزلة العنقود من العنب ويسمى العذق أيضًا عثكالا وكل غصن من أغصانه شمراخ وهو الذي عليه البسر، قاله ابن الأثير (^١) والكرماني (^٢) وإنما أتى بهذا العذق الملون ليكون أظرف وليجمعوا بين أكل الأنواع فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم هذا ولبعضهم هذا، وفيه دليل على استحباب تقديم أكل الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر وإكرامه بعده بطعام يصنعه له لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام، وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل وقد يشق عليه انتظار ما يصنع له لاستعجاله للانصراف.\nوقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٠).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤/ ٧٨).","vol":"13","page":97},{"text":"السرور بالضيف وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئًا يعرف الضيف أنه من حاله يشق عليه وأنه تكلفه فيتأذى الضيف لشفقته عليه، وكل هذا مخالف لقوله - ﷺ -، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، لأن أكمل إكرامه إراحة خاطره وإظهار السرور به، والله أعلم. قوله: \"وأخذ المدية، فقال له رسول الله - ﷺ -: إياك والحلوب\"، والمدية بضم الميم وكسرها وفتحها، وهي السكين، سميت بذلك لأنها تقطع مدى حياة الإنسان. قوله: \"السكين\" سميت بذلك لأنها تسكن حركته، تذكر وتؤنث، والحلوب أي ذات اللبن، فعول بمعنى مفعولة كركوب ونحوه. يقال ناقة حلوب: أي هي مما يحلب، وقيل الحلوب والحلوبة سواء، وقيل الحلوب الاسم والحلوبة الصفة، وقيل الواحدة والجماعة، ومنه حديث أم معبد ولا حلوبة في البيت، أي شاة تحلب. قاله في النهاية (^١).\nوأما فعل الأنصاري - ﵁ - وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغناما بل جمالا وأنفق أموالا في ضيافة رسول الله - ﷺ - وصاحبيه كان مسرورا بذلك مغبوطا فيه، والله أعلم. قوله: \"فلما أن شبعوا ورَوُا\"، الحديث فيه دليل على جواز الشبع وما جاء [في كراهة] الشبع فهو محمول على المداومة عليه لأنه يقسي القلب وينسي أمر المحتاجين.\nقوله: \"والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة\" الحديث فيه جواز الحلف من غير استحلاف، بل هو مستحب إذا كان فيه مصلحة كتوكيد\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٢٢).","vol":"13","page":98},{"text":"أمر مهم وتحقيقه ونفي المجاز عنه ليكون أوقع في النفس، وقد ذكرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول الله - ﷺ - في هذا الشيء لهذا المعنى والله أعلم.\nوأما السؤال عن هذا النعيم فقال ابن جبير (^١) هو كل ما يتلذذ به من طعام وشراب، روي عنه - ﷺ - أنه قال (^٢): النعيم المسئول عنه يوم القيامة الماء البارد في الصيف. وقال من أكل خبز البرّ وشرب الماء البارد في ظل فذلك النعيم الذي يسأل عنه، وقال بيت يُكنِّك وخرقة تواريك وكسرة تشد صلبك، وما سوى ذلك فهو نعيم. قال - ﵇ - كل نعيم مسئول عنه إلا نعيم في سبيل الله.\nوقال الزمخشري (^٣): فإن قيل ما النعيم الذي لا يسأل عنه الإنسان ويعاقب عليه، فما من أحد إلا وله نعيم؟ قلت: هو نعيم من عكف نفسه على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو والطرب [وينسى أمر المحتاجين] لا نعيما بالعلم والعمل ولا [يحمل] نفسه مشاقها، وأما من تمتع بنعيم الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعبادة وتقوى بها على دراية العلم والقيام بالعمل وكان ناهضا بالشكر فهو من ذلك بمعزل. وإليه [إشارة] رسول الله - ﷺ - بقوله فيما يُروى أنه أكل وأصحابه تمرا وشربوا\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٥/ ٥١٩).\n(^٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٥/ ٥١٩).\n(^٣) الكشاف (٤/ ٧٩٩).","vol":"13","page":99},{"text":"عليه ماء، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا [وجعلنا مسلمين].\nوقال القاضي عياض (^١): [والمراد] السؤال عن القيام بحق شكره والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة، والله أعلم، وتقدم الكلام على ذلك أطول من هذا.\nقوله: رواه مالك، يعني في الموطأ بلاغا، والبلاغ في اصطلاح المحدّثين هو عبارة أن يروى المحدث الخبر بقوله بلغنى عن فلان.\n\n٤٩٩١ - وعن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: كنا مع أبي بكر - ﵁ - فاستسقى، فأتي بماء وعسل، فلما وضعه على يده بكى وانتحب حتى ظننا أن به شيئًا، ولا نسأله عن شيء فلما فرغ قلنا: يا خليفة رسول الله ما حملك على هذا البكاء؟ قال: بينما أنا مع رسول الله - ﷺ - إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئًا، ولا أرى شيئًا، فقلت: يا رسول الله ما الذي أراك تدفع عن نفسك، ولا أرى شيئًا قال: الدنيا تطولت لي، فقلت: إليك عني، فقالت: أما إنك لست بمدركي. قال أبو بكر. فشق ذلك علي، وخفت أن أكون قد خالفت أمر رسول الله - ﷺ -، ولحقتني الدنيا. رواه ابن أبي الدنيا (^٢) والبزار (^٣)، ورواته ثقات إلا عبد الواحد\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٣/ ٢١٤).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في الزهد (١١)\n(^٣) البزار = البحر الزخار (٤٤) (١/ ١٩٦) رواه الحاكم (٤/ ٣٠٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٣٩)، وصححه، ورده الذهبي فقال: قلت: عبد الصمد تركه البخاري وغيره، وقال البزار في (٤٤): وعبد الواحد بن زيد رجل من أهل البصرة كان متعبدا =","vol":"13","page":100},{"text":"بن زيد، وقد قال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا كان فوقه ثقة، ودونه ثقة، وهو هنا كذلك.\nقوله: \"وعن زيد بن أرقم\" هو أبو عمرو، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو أنيسة، زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن ثعلبة الأنصاري الخزرجى المدنى.\nغزا مع رسول الله - ﷺ - سبع عشرة غزوة، استصغره يوم أحد، وكان يتيما في حجر عبد الله بن رواحة، وسار معه في غزوة مؤتة. روى له عن رسول الله - ﷺ -\n_________\n= وأحسبه كان يذهب إلى القدر مع شدة عبادته وأسلم الكوفي لا نعلم روى عنه غير عبد الواحد ومرة الطيب فمشهور، روى عنه غير واحد، والحديثان فلا نعلم أحدا رواهما عن زيد بن أرقم، عن أبي بكر إلا بهذا الإسناد، وحديث ملعون من ضار مسلما أو غره فقد رواه فرقد عن مرة، عن أبي بكر، ومرة فلم يدرك أبا بكر.\nوقال البزار في (١/ ١٩٦) وأسلم الكوفي رجل ليس بمعروف لا نعلم روى عنه إلا عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد بن زيد لم يكن بقوي في الحديث وكان رجلا متعبدا من أهل البصرة، لم يكن عند أهل العلم بالحافظ، وإنما ذكرنا هذا الحديث على ما فيه من علة لأنا لم نجد له عن النبي - ﷺ - طريقا يروى عنه إلا من هذا الوجه فلذلك كتبناه، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١١٠٢) أخرجه البزار بسند ضعيف بنحوه والحاكم وصحح إسناده وابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقة بلفظه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٤) رواه البزار، وفيه عبد الواحد بن زيد الزاهد، وهو ضعيف عند الجمهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يعتبر حديثه إذا كان فوقه ثقة، ودونه ثقة، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٧٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩١٧).","vol":"13","page":101},{"text":"سبعون حديثًا، اتفقا على أربعة، وللبخارى حديثان، ولمسلم ستة. روى عنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخلائق من التابعين.\nنزل الكوفة، وتوفى بها سنة ست وخمسين. وقال محمد بن سعد وآخرون: سنة ثمان وستين. وله مناقب، منها ما روينا في صحيحى البخاري ومسلم في قصة إخباره بقول المنافقين: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، فقرأ عليه رسول الله - ﷺ - الآية، وقال: \"إن الله قد صدقك\" (^١).\nقوله: \"استسقى أبو بكر - ﵁ -\" أي طلب الشرب.\nقوله: \"إن الدنيا تطولت لي فقلت: إليك عني\"، الحديث. تطولت بمعنى استظهرت واستشرفت.\n\n٤٩٩٢ - وَعَن زيد بن أسلم قَالَ استسقى عمر فجيء بِمَاء قد شيب بِعَسَل فَقَالَ إِنَّه لطيب لكني أسمع الله ﷿ نعى على قوم شهواتهم فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٢) فَأَخَاف أَن تكون حَسَنَاتنَا عجلت لنا فَلم يشربه ذكره رزين وَلم أره.\nقوله: \"استسقى عمر فجيء بما قد شيب بعسل. فقال: إنه لطيب\". شيب بمعنى خلط بعسل، والشوب الخلط.\nقوله: \"لكني أسمع الله ﷿ نعى على قوم شهواتهم\" الحديث، أي عاب، يقال: نعيت على الرجل أمرا إذا عِبته وذكرته به ووبخته عليه ونعى\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٩).\n(^٢) سورة الأحقاف، الآية: ٢٠.","vol":"13","page":102},{"text":"عليه ذنبه أي شهره به، اهـ. قاله في النهاية (^١) و[كذا] وصاحب المغيث (^٢).\n\n٤٩٩٣ - وعن ابن عمر - ﵄ - أن عمر رأى في يد جابر بن عبد الله درهمًا فقال: ما هذا الدرهم؟ قال: أريد أن أشتري به لأهلي لحما قرموا إليه، فقال: أكل ما اشتهيتم اشتريتم، ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لابن عمه وجاره أين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٣) رواه الحاكم (^٤) من رواية القاسم بن عبد الله بن عمر، وهو واه، وأراه صححه مع هذا، ورواه مالك (^٥) عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب أدرك جابر بن عبد الله فذكره، وتقدم حديث جابر في الترهيب من الشبع.\n[قوله: قرموا إليه] أي اشتدت شهواتهم له، والقرم: شدة الشهوة للحم حتى لا يصبر عنه.\nقوله: \"وعن ابن عمر - ﵄ -\" المراد بابن عُمر: عبد الله بن عمر بن\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٥/ ٨٤).\n(^٢) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٣/ ٣٢٣).\n(^٣) سورة الأحقاف، الآية: ٢٠.\n(^٤) المستدرك (٢/ ٤٥٥) والبيهقي في شعب الإيمان (٥٢٨٤)، وقال ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٤٧٧) ولم يتكلم عليه، وفي سنده القاسم بن عبد الله العمري وهو واه. وقال الذهبي: فيه القاسم بن عبد الله وهو واه. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٢)، وقال: أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٣٠٠).\n(^٥) موطأ مالك (٢/ ٩٣٦).","vol":"13","page":103},{"text":"الخطاب، فحيث أطلق ابن عمر فالمراد عبد الله وتقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق. قوله: \"قرموا إليه\" أي اشتدت شهوتهم إليه، والقرم شدة الشهوة للحم حتى لا يصبر عنه، اهـ قاله الحافظ المنذري. قوله: \"ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لابن عمه وجاره، فأين تذهب منكم هذه الآية\" الحديث، أي يجمع نفسه ويؤثر جاره بطعامه، قاله في النهاية (^١).\n\n٤٩٩٤ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ رَأَيْت عمر وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقد رقع بَين كَتفيهِ برقاع ثَلَاث لبد بَعْضهَا على بعض رَوَاهُ مَالك (^٢).\n\n٤٩٩٥ - وعن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة، وريطة كوفية ممشقة ضرب اللحم، طويل اللحية حسن الوجه. رواه الطبراني (^٣) بإسناد حسن، وتقدم في اللباس مع شرح غريبه.\nقوله: \"وعن عبد الله بن شداد بن الهاد\"، وهو الليثي، واسم الهاد أسامة، سمي به لأنه كان يوقد النار للأضياف ولمن يسلك الطريق فقد ليلة دجيل مصغر دجلة بالجيم في قتال الحجاج سنة اثنتين وثمانين، والأصل فيه الهادي\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٤٦).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢٦٦٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٨٢).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١/ ٧٥/ ٩٢)، وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٢٤)، وفي الحلية (١/ ٦٠)، والحاكم (٣/ ١٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٧٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ١٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٠): رواه الطبراني، وإسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٠٠).","vol":"13","page":104},{"text":"لكنّ المحدثين يقولونه بحذف الياء تخفيفا، قاله الكرماني. قوله: \"رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني\" الحديث، عدني منسوب إلى عدن، وتقدم الكلام على تفسير غريب هذا الحديث.\n\n٤٩٩٦ - وعن محمد بن كعب القرظي قال: حدثني من سمع علي بن أبي طالب يقول: إن الجلوس مع رسول الله - ﷺ - في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفروة، فلما رآه رسول الله - ﷺ - بكى للذي كان فيه من النعيم، والذي هو فيه اليوم. ثم قال رسول الله - ﷺ -: كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة، وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة، ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كلما تستر الكعبة؟ قالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير منا اليوم: نتفرغ للعبادة، ونكفى المؤونة، فقال رسول الله - ﷺ -: لأنتم اليوم خير منكم يومئذ. رواه الترمذي (^١) من طريقين تقدم لفظ أحدهما مختصرا، ولم يسم فيهما الراوي عن علي، وقال: حديث حسن غريب، ورواه أبو يعلى (^٢) ولم يسمه أيضًا، ولفظه: عن علي - ﵁ - قال: خرجت في غداة شاتية، وقد\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٧٣ و٢٤٧٦)، وأخرجه إسحاق في مسنده (المطالب ٣١٧٣)، ويونس بن بكير في المغازي (ص ١٩٣ - ١٩٤)، وهناد في الزهد (٧٥٨)، وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ١٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١٤): روى الترمذي بعضه. رواه أبو يعلى، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٢١).\n(^٢) أبو يعلى (٥٠٢).","vol":"13","page":105},{"text":"أوبقني البرد فأخذت ثوبا من صوف كان عندنا، ثم أدخلته في عنقي، وحزمته على صدري أستدفئ به، والله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي - ﷺ - شيء لبلغني، فخرجت في بعض نواحي المدينة، فانطلقت إلى يهودي في حائط فاطلعت عليه من ثغرة في جداره، فقال: مالك يا أعرابي هل لك في دلو بتمرة. قلت: نعم، افتح لي الحائط، ففتح فدخلت فجعلت أنزع الدلو ويعطيني تمرة حتى ملأت كفي، قلت: حسبي منك الآن، فأكلتهن، ثم جرعت من الماء، ثم جئت إلى رسول الله - ﷺ -، فجلست إليه في المسجد، وهو مع عصابة من أصحابه، فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرفوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة، وأرهفه عيشا، فلما رآه النبي - ﷺ - ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال رسول الله - ﷺ -: أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم، وريح عليه بأخرى، وغدا في حلة، وراح في أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قلنا: بل نحن يومئذ خير نتفرغ للعبادة. قال: بل أنتم اليوم خير.\nقوله: \"وعن محمد بن كعب القرظي\" منسوب إلى بني قريظة، وفي الحديث أنه قال يخرج من الكاهنين رجل يقرأ القرآن لا يقرأ أحد قراءته. قيل: أنه محمد بن كعب القرظي، وكان [يقال] (^١) لقريظة والنظير الكاهنان، وهما قبيلا اليهود بالمدينة، وهم أهل كتاب وفهم وعلم، وكان محمد بن كعب من أولادهم والعرب تسمي كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا. ومنهم\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":106},{"text":"من يسمى المنجم والطبيب كاهنا، قاله الكرماني (^١).\nقوله: \"حدثني من سمع علي بن أبي طالب يقول: إن الجلوس مع رسول الله - ﷺ - في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير ما عليه إلا بردة مرقوعة بفروة\" الحديث، البردة شملة مخططة من صوف تلبسها الأعراب، وتقدم الكلام على علي بن أبي طالب مرارا رضي الله تعالى عنه، وأما مصعب بن عمير مصغر عمر القرشي العبدري، يكنى بأبي عبد الله، كان من جلة الصحابة، بعثه رسول الله - ﷺ - إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقهم في الدين في أول الهجرة، وكان يأتي الأنصار ويدعوهم إلى الإسلام فيسلم الرجل والرجلان حتى فشا الإسلام فيهم فكتب إلى النبي - ﷺ - يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له، هو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة.\nقال الحافظ أبو نعيم (^٢) عن ابن شهاب قال: بايع أهل العقبة رسول الله - ﷺ - فرجعوا إلى قومهم فدعوهم سِرًّا وأخبروهم برسول الله - ﷺ - والذي بعثه الله ﷿ وتلوا عليهم القرآن وبعثوا إلى رسول الله - ﷺ -: أن ابعث إلينا رجلًا من قبلك فليدع الناس بكتاب الله ﷿، فبعث إليهم رسول الله - ﷺ - مصعب بن عمير فلم يزل عندهم يدعو ويهدي على يده حتى قلّ دار من دور الأنصار إلا وقد أسلم أشرفهم وأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم وكان المسلمون أعزّ أهل المدينة ورجع مصعب بن عمير إلى المدينة، وكان يُدعى المقرئ. دخل على رسول الله - ﷺ - في دار الأرقم فأسلم وكتم إسلامه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٨٣).\n(^٢) حلية الأولياء (١/ ١٠٧).","vol":"13","page":107},{"text":"وكان يختلف إلى رسول الله - ﷺ -، فلما علموا [بإسلامه] حبسوه فلم يزل محبوسا حتى هاجر إلى أرض الحبشة. وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشا وألينهم لباسا وأحسنهم جمالا، فلما أسلم زهد في الدنيا وتقشف [فتخشف جلده تخشف الجبة]، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (^١)، وكان حامل لواء رسول الله - ﷺ -، فقطع المشركون [إحدى] يديه فأمسكه بالأخرى، قتل يوم أحد شهيدا، وكانت أمّه شديدة الكلف به وكان يبيت وقعب الحيس عند رأسه، يستيقظ فيأكل. فلما أسلم أصابه من الشدة ما غيّر لونه وأذهب لحمه [ونهكت] جسمه حتى كان رسول الله - ﷺ - ينظر إليه وعليه فروة وقد رقعها فيبكي لما كان يعرف من نعمته. قالت له أمه: والله لا ألبس خمارا ولا أستظل أبدًا ولا آكل ولا أشرب حتى تدع ما أنت عليه، وكانت امرأة مليئة، أي ذات مال، فكانت تقف للشمس حتى تستيقظ مغشيا عليها، وكان رسول الله - ﷺ - يذكره فيقول: ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلية ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير. [قوله: \"وسترتم بيوتكم. قالوا: بل نحن يومئذ خير نتفرغ للعبادة ونكفى المئونة\" أي [يدفع] منا تحصيل القوت، أي ليس الأمر كما تظنون، بل أنتم اليوم خير لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني، لأن الغني يشتغل بدنياه ولم يكن له فراغ للعبادة مع مرارة اشتغاله] (^٢).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قوله في حديث علي: (خرجت في غداة باردة وقد أوبقني البرد) أي أهلكني البرد).","vol":"13","page":108},{"text":"قوله في حديث علي: \"خرجت في غداة باردة وقد أوبقني البرد\" أي أهلكني البرد. قوله: \"في حائط\" الحائط البستان إذا كان عليه سياج دائر وتقدم تكراره مرارا.\n[قوله: \" ... \" نزع الدلو هو رفعه. قوله: \"قلت حسبي منك .. \" أي يكفيني].\nقوله: \"وهو مع عصابة من أصحاب الحديث\"، العصابة [من الجماعة] من العشرة إلى الأربعين.\nقوله: \"فطلع علينا مصعب بن عمير\"، تقدم الكلام عليه.\n\n٤٩٩٧ - وعن فاطمة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- أتاها يوما فقال: أين ابناي؟ يعني حسنا وحسينا، قالت: أصبحنا، وليس في بيتنا شيء يذوقه ذائق، فقال: علي: أذهب بهما، فإني أتخوف أن يبكيا عليك، وليس عندك شيء، فذهب إلى فلان اليهودي، فتوجه إليه النبي -ﷺ-، فوجدهما يلعبان في شربة بين أيديهما فضل من تمر، فقال: يا علي ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحر؟ قال: أصبحنا وليس في بيتنا شيء فلو جلست يا رسول الله حتى أجمع لفاطمة فضل تمرات، فجلس رسول الله -ﷺ- حتى اجتمع لفاطمة فضل من تمر، فجعله في خرقة، ثم أقبل، فحمل النبي -ﷺ- أحدهما، وعلي الآخر حتى أقلبهما. رواه الطبراني (^١) بإسناد حسن.\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤٢٢/ ١٠٤٠)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٣٨٢)، والدولابي في الذرية الطاهرة (ص ٦٦)، والحاكم (٣/ ١٦٥)، وقال الحاكم: محمد بن موسى هذا هو ابن مشمول مديني ثقة، وعون هذا هو ابن محمد بن عبيد الله بن =","vol":"13","page":109},{"text":"قوله: \"وعن فاطمة\"، فاطمة هي بنت رسول الله -ﷺ-، تقدم الكلام عليها، وكم روت من الأحاديث، في كتاب اللباس.\nقوله: \"فقال أين أبنائي\" يعني حسنا وحسينا.\nقوله: \"فوجدهما يلعبان في شربة\" الحديث، الشربة هي كذا فقال: \"يا علي ألا تقلب ابنيّ قبل أن يشتد الحرّ\"، يعني: ألا ترجع بهما، والانقلاب الرجوع.\n\n٤٩٩٨ - وروي عن جابر -﵁- قال: حضرنا عرس علي وفاطمة، فما رأينا عرسا كان أحسن منه، حشونا الفراش، يعني من الليف، وأوتينا بتمر وزيت فأكلنا، وكان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش. رواه البزار (^١).\nقوله: \"وعن جابر\" تقدم. قوله: \"حضرنا عرس علي وفاطمة\" الحديث. وتقدم الكلام عليه مبسوطا. قوله: \"وكان فراشها إهاب كبش\"، الإهاب الجلد، والجمع أُهُب بضم الهمزة والهاء وفتحهما، وإنما سمي بها لأنه أهبة\n_________\n= أبي رافع، هو، وأبوه ثقتان، وأم جعفر هي: ابنة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وجدتها: أسماء بنت أبي بكر الصديق -﵃-، وكلهم أشراف ثقات. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١٦) رواه الطبراني، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٢٢).\n(^١) البزار (كشف الأستار ١٤٠٨)، وقال: لا نعلم رواه هكذا إلا عمر، ولم يكن بالحافظ، ولم يتابع عليه، وعنده أحاديث يتفرد بها. وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٤٤١)، والقفال في شمائل النبوة (٣٦٦)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٥١٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٥٠): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف، وقد وثق. وقال في (٩/ ٢٠٩): رواه البزار، وفيه عبد الله بن ميمون القداح، وهو ضعيف. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٢٧٢): ضعيف جدًا موقوف.","vol":"13","page":110},{"text":"الحي [وتقدم الكلام عليه مبسوطا].\n\n٤٩٩٩ - وعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: لما جهز رسول الله -ﷺ- فاطمة إلى علي بعث معها بخميل قال عطاء: ما الخميل؟ قال: قطيفة ووسادة من أدم حشوها ليف، وإذخر وقربة كانا يفترشان الخميل ويلتحفان بنصفه. رواه الطبراني (^١) من رواية عطاء بن السائب، ورواه ابن حبان في صحيحه (^٢) عن عطاء بن السائب أيضا عن أبيه عن علي -﵁- قال: جهز رسول الله -ﷺ- فاطمة في خميلة ووسادة أدم حشوها ليف.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله: \"لما جهز رسول الله -ﷺ- فاطمة إلى علي بعث معهما بخميلة\" الحديث، تقدم الكلام على غريب هذا الحديث في الأذكار خلف الصلوات مبسوطا.\nقوله: \"وعن سعيد بن أبي راشد أن يعلى بن مرة حدثهم أنهم خرجوا مع النبي -ﷺ- إلى طعام دعوا له فإذا حسين يلعب في السكة. قال: فتقدم النبي -ﷺ- أمام القوم وبسط يديه فجعل الغلام يفر ها هنا وها هنا ويضاحكه النبي صلى\n_________\n(^١) الطبراني في الدعاء (٢٣٠)، (٢٣١)، (٢٣٢)، وفي المعجم الكبير (١٣/ ٥٦٥/ ١٤٤٦٣ - ١٤٤٦٤).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٦٩٤٧)، وأخرجه أحمد (٦٤٣ - ٧١٥ - ٨١٩ - ٨٥٣)، وفي الزهد (ص: ١٥)، وفي فضائل الصحابة (٢/ ٦٩٩)، وابن ماجه (٤١٥٢)، والنسائي (٦/ ١٣٥)، وفي السنن الكبرى (٥٥٤٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٦١)، وفي شعب الإيمان (٩٩٥٤)، والضياء في المختارة (٤٦٦، ٤٦٧)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٠١).","vol":"13","page":111},{"text":"الله عليه وسلم حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فاس رأسه فقبله. وقال: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط\" رواه الترمذي (^١) وقال [حسين] ويعلى بن مرة هو الثقفي ويقال العامري. كنيته أبو المرازم، وهو يعيى بن سيابة وهي أمّه في قول يحيى بن مَعين، وزعم أبو حاتم أنهما اثنان. وقوله: \"سبط من الأسباط\" أي أمة من الأمم في الخير، والأسباط أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل.\nوقوله في حديث آخر: الحسن والحسين سبط رسول الله -ﷺ-. أي طائفتان وقطعتان منه. وقيل: الأسباط أولاد الأولاد خاصة، وقيل أولاد البنات.\n\n٥٠٠٠ - وعن سهل بن سعد -﵁- قال: كانت منا امرأة تجعل في مزرعة لها سلقا، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدر، ثم تجعل قبضة من شعير تطحنه، فتكون أصول السلق عرقه، قال سهل: كنا ننصرف إليها من صلاة الجمعة فنسلم عليها فتقرب ذلك الطعام إلينا، فكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك.\nوفي رواية: ليس فيها شحم ولا ودك، وكنا نفرح بيوم الجمعة. رواه البخاري (^٢).\nقوله: \"وعن سهل بن سعد الساعدي\" هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى\n_________\n(^١) ليس في الترغيب.\n(^٢) صحيح البخاري (٩٣٨ - ٥٤٠٣ - ٦٢٤٨)، وأخرجه مسلم (٨٥٩).","vol":"13","page":112},{"text":"سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدني، كان اسمه حزنا، فسماه النبي -ﷺ- سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله -ﷺ- في المتلاعنين.\nقال الزهري: سمع من النبي -ﷺ-، وكان له يوم وفاة النبي -ﷺ- خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي -ﷺ- بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما (^١).\nقوله: \"كانت امرأة منا تجعل في مزرعة سلقا فإذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السِّلق فتجعله في قدر ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنه فتكون أصول السلق عرقة\" الحديث، السلق نبات معروف له ساق، والعرقة العرق المرق. قال الجوهري (^٢) والعُرقة بالضم مثل الشربة من اللبن وغيره والجمع عرق، وفي رواية أخرى: فصارت غرقة، وقد رواه بعضهم: غرفة، بالفاء، أي مما يغرف. قاله في النهاية (^٣). قوله: ليس فيها شحم ولا ودك، الودك هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٥٣٦).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٦٢).","vol":"13","page":113},{"text":"٥٠٠١ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: والذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر بي أبو بكر فسألته عن آية في كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فمر فلم يفعل ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني، ثم مر أبوا القاسم -ﷺ- فتبسم حين رآني، وعرف ما في وجهي، وما في نفسي، ثم قال: يا أبا هريرة قلت: لبيك يا رسول الله قال: ألحق ومضى فأتبعته، فاستأذن فأذن له فدخل، فوجد لبنا في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة قال: يا أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ألحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاؤوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله، وطاعة رسول الله -ﷺ- بد فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت قال: يا أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروي، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي -ﷺ- وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فتبسم فقال يا أبا هريرة! فقلت: لبيك يا رسول الله","vol":"13","page":114},{"text":"قال: بقيت أنا وأنت؟ قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق لا أجد مسلكا قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله تعالى وسمى وشرب الفضلة. رواه البخاري (^١) وغيره، والحاكم (^٢) وقال: صحيح على شرطهما.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فمر فلم يفعل\" أي ليقول لي اتبعني إلى منزله ليطعمني، كذا للكافة، وهو المعروف، ولابن السكن والنسفي والحموي والبلخي ليشبعني، والأول أشبه بمساق الكلام. قاله عياض (^٣).\nقوله -ﷺ- لأبي هريرة: \"الحق بأهل الصفة فادعهم لي\" الحديث. تقدم الكلام على الصفة وأهلها في الجهاد وغيره. قوله إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، الحديث. الفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة إعطاء لثواب الآخرة وهي حرام على رسول الله -ﷺ-[لأنها] أوساخ الناس، والنبي -ﷺ- منزه عن ذلك. والهدية إعطاء لإكرام المنقول إليه فلهذا كان يأكل منها\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٥٢).\n(^٢) الحاكم (٣/ ١٧)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة.\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ١١٩).","vol":"13","page":115},{"text":"ويعطي أهل الصفة. قوله في آخر الحديث: \"قال اقعد فاشرب، فشربت\" فذكره إلى أن قال: \"قلت والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا\" الحديث، وفي الحديث عن أبي قتادة (^١) قال: قال رسول الله -ﷺ-: ساقي القوم آخرهم شربا. قال النووي (^٢): هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما.\nوفي معناه ما يُفرّق على الجماعة من المأكول كلحم وفاكهة مشموم وغير ذلك فيكون المفرق آخرهم تناولا منه لنفسه. وفي الصحيح (^٣) حديث أبي هريرة هذا، لما قال له النبي -ﷺ-: ادع إليّ أهل الصفة لما حضروا وشربوا ثم بعد شربهم شرب أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، اهـ. [و] في هذا الحديث بيان ما يؤدي إليه بعض ذلك من الشدة والألم والذلة والتعوق عن الخير وأنواع من الهلع. والهلع هو أشد الجزع. وقيل هو الضجر [والمنافسة ونحو ذلك] (^٤)، فأي شدّة كموجب وضع الكبد على الأرض والاعتماد بها عليها، وأيّ ألم كموجب شدّ الحجر على البطن، وأي ذلة وتشاغل كالقعود على طريق المارة للاستطعام، وأي [هلع] كقوله فساءني ذلك، وأي منافسة كقوله: كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها، فلله در همة بصائر مثل هذا من أهل صحبة نبي الله واقتباس دين الله والحرص على مراضي الله، ولقد\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣١١) (٦٨١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٨٩).\n(^٣) صحيح البخاري (٦٢٤٦، ٦٤٥٢).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":116},{"text":"شكر العظيم له ذلك فجبر كسره ورفع قدره وأعلى ذكره ورزقه [الإمرة] مع أنه -﵁- كان قادرا على التكسب بالزرع والصفق في الأسواق كغيره [أراد بذلك صفق الأكف عند البيع، كانوا إذا تصافقوا بالأكف كان ذلك أمارة الملك وانبرام البيع]، لكنه آثر الصحبة لو جرى ما جرى. قاله [في] حدائق الأولياء (^١).\n\n٥٠٠٢ - وعن أبي هريرة أيضا -﵁- قال: إن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله -ﷺ- لشبع بطني حين لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي لكي ينقلب بي فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها. رواه البخاري (^٢) والترمذي (^٣)، ولفظه: قال: إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله -ﷺ- عن الآيات من القرآن، أنا أعلم بها منه، ما أسأله إلا ليطعمني شيئا، وكنت إذا سألت جعفر ابن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعمينا، فإذا أطعمتنا أجابني، وكان جعفر يحب المساكين. ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه وكان\n_________\n(^١) حدائق الأولياء (١/ ٥٣٦).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٧٠٨).\n(^٣) سنن الترمذي (٣٧٦٦)، وقال: هذا حديث غريب. وقال الألباني: ضعيف جدا.","vol":"13","page":117},{"text":"رسول الله -ﷺ- يكنيه بأبي المساكين.\nقوله: \"إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة الحديث\"، أي من رواية الحديث وهو من باب حكاية كلام الناس. وفي حديث آخر [مرّ] في الصلاة والوضوء (^١): ولولا آيتان من كتاب الله [فقال:] ما حدثت. والمراد بالآيتين ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٢) الآية، ومعناه لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدثتكم أصلا، لكن لما كان الكتمان حراما وجب الإظهار والتبليغ فلهذا حصل مني الإكثار لكثرة ما عندي منه. قوله: \"وإني كنت لألزم رسول الله -ﷺ- لشبع بطني حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلان\" الحديث، أي كان يلازم النبي -ﷺ- قانعا بالقوت لا مشتغلا بالتجارة ولا بالزراعة، يحضر ما يحضرون من أحوال رسول الله -ﷺ- ويحفظ ما لا يحفظون من أقواله، وهذا إشارة إلى المسموعات، وذلك إلى المشاهدات.\nفائدة: وفي حديث آخر (^٣): أن الناس كان يشغلهم [الصفق] بالأسواق، السفق يروى بالسّين والصاد، يريد صفق الأكف عن البيع والشراء، يضع يده في يد الآخر كما يفعل المتبايعان، وهي المرة من التصفيق باليدين، والسين والصاد في الصفق يتعاقبان مع القاف والفاء إلا أن بعض الكلمات تكثر في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١١٨ - ٢٠٤٧ - ٢٣٥٠)، وصحيح مسلم (٢٤٩٣).\n(^٢) البقرة: ١٧٤.\n(^٣) صحيح البخاري (١١٨ - ٢٠٤٧ - ٢٣٥٠)، وصحيح مسلم (٢٤٩٣).","vol":"13","page":118},{"text":"الصاد وبعضها يكثر في السين وهكذا [يروي]. قاله ابن الأثير (^١) والله أعلم.\nقوله -﵁-: \"وكنت ألصق بطني بالحصا من الجوع\" الحديث. وفائدة إلصاق البطن بالحصا انكسار حرارة شدة الجوع ببرودة الحجر. قوله: \"وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب\"، وفي رواية الترمذي: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله -ﷺ- يكنيه بأبي المساكين.\nقال في المرصع (^٢): أبو المساكين جعفر بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب كناه بذلك رسول الله -ﷺ- لأنه كان حفيا بالمساكين محسنا إليهم وأم المساكين زينب بنت خزيمة زوجة رسول الله -ﷺ- كناها بذلك لحبها المساكين ورحمتها لهم. وفي البخاري عن الشعبي أن ابن عمر كان إذا سلم على جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين وهو ذو الجناحين وذو الهجرتين الجواد أبو الجواد، هاجر إلى الحبشة وكان هو [وأصحابه] سبب إسلام النجاشي وارتفق المسلمون بجعفر هناك وكان جعفر أميرهم في الهجرة، وهاجرت معه أسماء بنت عميس فولدت له هناك عبد الله بن جعفر وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، وقضية جعفر [مع] النجاشي في أول اجتماعه به وقراءته عليه سورة مريم مشهورة معروفة. ثم قدم من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين ومن دخل في الإسلام هناك، وجاءوا\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٧٦).\n(^٢) المرصع في في الآباء والأمهات (٢٤٩) لابن الأثير.","vol":"13","page":119},{"text":"في سفينتين في البحر فقدموا على رسول الله -ﷺ- في خيبر فأسهم لهم [منها] ولم يسهم لمن لم [يحضرها] غير أهل السفينة، وحديث قصتهم في الصحيح مشهورة ثم سكن المدينة ثم أمره النبي -ﷺ- على جيش غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة فاستشهد هو وزيد فيها في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة فأخبر بوفاته رسول الله -ﷺ- على المنبر في المدينة حال وفاته، واستغفر له وأمر المسلمين بالاستغفار له، ووجدوا به يومئذ أربعا وخمسين ضربة بالسيف في مقدمه، وقبره وقبر صاحبيه مشهورات بأرض مؤتة على نحو مرحلتين من بيت المقدس، والله أعلم. [وكان] عبد الله ولده [فهو] (^١) الصحابي ابن [الصحابية]، قيل لم يكن في الإسلام أسخى منه، مات سنة ثمانين على الأصح.\nقال ابن بطال (^٢) شارح البخاري في هذا الحديث: حفظ العلم والمواظبة على طلبه وفيه فضيلة أبي هريرة وفضل التقلل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال، وفيه جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر إلى ذلك. وأقول: وجواز إكثار الأحاديث وجواز التجارة والعمل وجواز الاقتصار على الشبع، وقد تكون مندوبات وقد تكون واجبات بحسب الأشخاص والأوقات، ا هـ.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ١٩٤).","vol":"13","page":120},{"text":"٥٠٠٣ - وعن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة -﵁-، وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فمخط في أحدهما، ثم قال: بخ بخ يمتخط أبو هريرة في الكتان لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله -ﷺ- وحجرة عائشة من الجوع مغشيا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي الجنون، وما هو إلا الجوع. رواه البخاري (^١) والترمذي (^٢) وصححه.\n[المشق] بكسر الميم: المغرة، وثوب ممشق: مصبوغ بها.\nقوله: \"وعن محمد بن سيرين\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"كنت عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان\" الحديث، أي مصبوغان بالمغرة، قاله الحافظ. قوله: \"بخ بخ\" تقدم معناه مرارا. قوله -﵁-: \"لقد رأيتني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله -ﷺ- وحجرة عائشة من الجوع مغشيا عليّ\" الحديث، وفيه بيان ما هو أشد من ذلك من زوال العقل وسقوط القوى رأسا.\n\n٥٠٠٤ - وعن فضالة بن عبيد -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة، وهم أصحاب الصفة، حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين أو مجانون، فإذا صلى رسول الله -ﷺ- انصرف إليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة. رواه الترمذي (^٣)، وقال: حديث صحيح، وابن حبان في صحيحه (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٣٢٤).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٣٦٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٣٦٨)، والحديث؛ أخرجه أحمد (٢٤٤٣٥)، والبزار (٣٧٥٠ و٣٧٥١)، والطبراني المعجم الكبير (١٨/ ٣١٠ / ٧٩٨: ٨٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٣٤ و٩٩٥٦ و٩٩٥٧). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٦٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣٠٦)، والصحيحة (٢١٦٩)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٩٥/ ٢١٥٣).\n(^٤) ابن حبان (٧٢٤).","vol":"13","page":121},{"text":"[الخصاصة] بفتح الخاء المعجمة وصادين مهملتين: هي الفاقة والجوع.\nقوله: \"وعن فضالة عن عبيد\" كذا.\nقوله: \"إن رسول الله -ﷺ- كان إذا صلى الناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة، وهم أهل الصفة\" الحديث، الخصاصة بفتح الخاء المعجمة وصادين مهملتين، هي الفاقة والجوع، اهـ. قاله الحافظ. ومعنى الحديث: يخر رجال أي من الجوع والضعف، وأهل الخصاصة [الفقر] والحاجة إلى الشيء، قاله في النهاية (^١). قوله: \"حتى تقول الأعراب هؤلاء مجانين أو مجانون\" الحديث، المجانين جمع تكسير لمجنون وأما مجانون فشاذ كما شذ شياطون في شياطين، وقد قرئ \"واتبعوا ما تتلوا الشياطون\".\nفي شعر الفرزدق يمدح علي بن الحسين زين العابدين في:\nكفه جنهى ريحه عبق ... من كف أورع في في عرنينه شمم\nالجنهى الخيزران، ويروى في كفه خيزارن، قاله في النهاية (^٢)، وفيه بيان مرتبة الخصاصة المتحملة من أجل الله ومن عظيم شأنها وجب إبهامها فلم\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠٩).","vol":"13","page":122},{"text":"يعبر عنها إلا [بقوله]: لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة والله أعلم.\n\n٥٠٠٥ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: أتت علي ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة فجعلت أسقط، فجعل الصبيان يقولون: جن أبو هريرة، قال: فجعلت أناديهم وأقول: بل أنتم المجانين حتى انتهينا إلى الصفة، فوافقت رسول الله -ﷺ- أتي بقصعتين من ثريد، فدعا عليها أهل الصفة، وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني حتى قام القوم، وليس في القصعة إلا شيء في نواحي القصعة، فجمعه رسول الله -ﷺ- فصارت لقمة فوضعه على أصابعه فقال لي: كل باسم الله، فوالذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت رواه ابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على ترجمته، قوله -﵁-: \"أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم، جئت أريد الصفة\" الحديث، لم أطعم أي لم آكل، والصفة موضع معروف بمسجد رسول الله -ﷺ- تقدم الكلام عليه في الجهاد وغيره.\n\n٥٠٠٦ - وعن عبد الله بن شقيق قال: أقمت مع أبي هريرة -﵁- بالمدينة سنة فقال لي ذات يوم ونحن عند حجرة عائشة: لقد رأيتنا وما لنا ثياب إلا الأبراد الخشنة وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاما يقيم به صلبه حتى\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٥٣٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٢٦)، وضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ١٦٠/ ٢٦٠).","vol":"13","page":123},{"text":"إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشد به على أخمص بطنه ثم يشده بثوبه ليقيم صلبه. رواه أحمد (^١) وراوته رواة الصحيح.\nقوله: \"وعن عبد الله بن شقيق\" هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن شقيق العقيلي البصري، من بني عقيل بن كعب. وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم.\nسمع عليا، وعثمان، وعائشة، ومن بعدهم.\nقوله: \"وما لنا ثياب إلا البراد المفتقة\" البراد جمع بردة. قوله: \"حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشدّ به على أخمص بطنه\". الحديث. أخمص البطن هو الموضع الذي كذا.\n\n٥٠٠٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ نظر رَسُول الله -ﷺ- إِلَى الْجُوع فِي وُجُوه أَصْحَابه فَقَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُم زمَان يغدى على أحدكُم بالقصعة من الثَّرِيد وَيرَاح عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا قَالُوا يَا رَسُول الله نَحن يَوْمئِذٍ خير قَالَ بل أَنْتُم الْيَوْم خير مِنْكُم يَوْمئِذٍ رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n\n٥٠٠٨ - وعن أبي برزة -﵁- قال: كنا في غزاة لنا فلقينا أناسا من المشركين، فأجهضناهم عن ملة لهم، فوقعنا فيها فجعلنا نأكل منها، وكنا\n_________\n(^١) أحمد (٨٣٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢١) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٠٧).\n(^٢) أخرجه البزار (١٩٤١). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن مجالد إلا محمد بن فضيل، ولا عن ابن فضيل إلا محمد بن جعفر هذا ولم يتابع عليه. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٣٢٣: رواه البزار، وإسناده جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٤١) و(٣٣٠٨).","vol":"13","page":124},{"text":"نسمع في الجاهلية أنه من أكل الخبز سمن، فلما أكلنا ذلك الخبز جعل أحدنا ينظر في عطفيه هل سمن؟ رواه الطبراني (^١) رواته رواة الصحيح.\nقوله: \"وعن أبي برزة\" أبو برزة اسمه نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه.\nقوله: \"كنا في غزاة فلقينا أناسا من المشركين فأجهضناهم عن ملة لهم\" الحديث، أجهضناهم أي أزلناهم عنها وأعجلناهم، قاله الحافظ المنذري.\nقوله: \"جعل أحدنا ينظر في عطفيه هل سمن\" عطفا الإنسان جانباه.\n\n٥٠٠٩ - وعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: بعثنا رسول الله -ﷺ-، وأمر علينا أبا عبيدة -﵁- نلتقي عير قريش وزودنا جرابا من تمر لم نجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، فقيل: كيف كنتم تصنعون بها؟ قالوا: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله فنأكله، فذكر الحديث. رواه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٣)، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (٢٤٣٧٧ و٣٢٦٧٥)، وأحمد بن منيع -كما في إتحاف الخيرة المهرة (٤/ ٩٦) - والحربي في غريب الحديث (١/ ٣٢٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٥٩)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٥٥٧٨)، وفي الكبرى (٩/ ٦٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٩٦)، والحاكم (٢/ ١٤٦)، وقال. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٤): رواه كله الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري: رواته رواة الصحيح، رواه الطبراني. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٢٧): ضعيف موقوف.\n(^٢) صحيح مسلم (١٧) (١٩٣٥).","vol":"13","page":125},{"text":"قوله: \"وعن جابر بن عبد الله\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"وأمّر علينا أبا عبيدة\" يعني ابن الجراح واسمه عامر أحد العشرة المبشرين بالجنة. [قاله] النووي (^١) في هذا الحديث: إن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها وينقادون لأمره ونهيه وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم أو من أفضلهم، قالوا: ويستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له. وسرية أبي عبيدة هذه يقال له سرية الخبط وكانت في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وفيها كان عمر بن الخطاب وقيس بن [سعد] مع أبي عبيدة، وحديثها رُوِي في الغيلانيات (^٢) أن النبي -ﷺ- بعث أبا عبيدة في سرية فيها المهاجرون والأنصار ثلاثمائة رجل وفيها وجد الحوت العظيم الذي يقال له العنبر بعد المجاعة التي حصلت لهم فأوجبت أكل الخبط.\n[قوله: \"نلتقي عير قريش\" والعير هي الإبل التي تحمل الطعام. وفي هذا الحديث جواز [رصد] أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ ما لهم واغتنامه. قوله: \"وزودنا جرابا من تمر\" الجراب بالكسر والفتح لغتان والكسر أفصح وأشهر. قال الجوهري (^٣): والعامة تفتحه وهو وعاء من جلد، وفي رواية من هذا الحديث: ونحن أزوادنا على رقابنا، وفي هذا بيان ما كان\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٥٩)، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢١/ ١٥).\n(^٢) الفوائد الشهير بالغيلانيات لأبي بكر الشافعي (١٠٩١).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ٩٨).","vol":"13","page":126},{"text":"الصحابة رضي الله تعالى عنهم عليه من الزهد في الدنيا والتقلل منها والصبر على الجوع وخشونة العيش وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال. قوله: \"فكان أبو عبيدة يعطينها تمرة تمرة\" الحديث. أما إعطاء أبي عبيدة إياهم تمرة تمرة فإنما كان في [الحال] الثاني بعد أن فني زاهدهم وطال لبثهم كما هو مفسر في بعض الروايات، فالرواية [لا عن] أوله والظاهر عن آخر الأمر والظاهر أن قوله [رضي الله تعالي]: تمرة تمرة، إنما كان بعد أن قسم عليهم قبضة قبضة، فلما قلّ تمرهم قسمه تمرة تمرة، [ثم فرغ وفقدوا التمرة] (^١)، ووجدوا ألما لفقدها، وأكلوا الخبط إلى أن فتح الله عليهم بالعنبر وهو حوت أكلوا منه نصف شهر، والله أعلم. قاله النووي في شرح مسلم (^٢)] (^٣). [وفيه: \"فانطلقنا] على ساحل البحر [فرفع لنا على ساحل البحر] كهئية الكثيب فأتينا فإذا هي دابة [وهي] العنبر\" وفي رواية: فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه فمر الراكب تحته، رواه البخاري (^٤). فقال أبو عبيدة ميتة ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله -ﷺ- وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا، فأقمنا\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٨٥).\n(^٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فإن قيل: لا حجة [في حديث] العنبر لأنهم كانوا مضطرين قلت: الاحتجاج بأكل النبي -ﷺ- منه في المدينة من غير [ضرورة] اهـ).\n(^٤) صحيح البخاري (٤٣٦١).","vol":"13","page":127},{"text":"عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، وفي آخر الحديث (^١): فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله -ﷺ- وذكرنا ذلك له فقال: هو زرق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، قال: فأرسلنا إلى النبي -ﷺ- فأكله.\nتنبيه: قال في المفهم (^٢) في الدابة التي تسمى العنبر، [و] لعلها سميت بذلك لأنها الدابة التي تلقي العنبر، وكثيرا ما يوجد العنبر على سواحل البحر، وقد وُجِد عندنا منه على ساحل البحر بقادس من الأندلس قطعة كبيرة كالكويم حصل لواجديه فيه أموال عظيمة، اهـ. قوله: \"فقال أبو عبيدة ميتة، ثم قال لا\" الحديث، كذا قاله أولا باجتهاده أنها ميتة والميتة حرام ثم تغير اجتهاده وقال: بل هي حلال لكم وإن كانت ميتة لأنكم في سبيل الله وقد اضطررتم، وقد أباح الله الميتة، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ (^٣). قوله [رضي الله تعالى عنه] في الحديث: كهيئة الكثيب، بالثاء المثلثة، الرمل المستطيل المحدود ب.\nتنبيه: السمك الطافي هو الذي يموت في البحر بلا سبب، مذهب الشافعي إباحته وهو قول الجمهور من علماء الصحابة فمن بعدهم منهم أبو بكر الصديق وأبو أيوب وعطاء ومكحول والنخعي ومالك وأحمد وأبو ثور وداود وغيرهم. وقال جابر بن عبد الله وجابر بن زيد وطاوس وأبو حنيفة لا\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧) (١٩٣٥).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٦/ ١٢٥).\n(^٣) المائدة: ٣.","vol":"13","page":128},{"text":"يحل. دليلنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (^١)، قال ابن عباس والجمهور: صيده ما صدتموه، وطعامه ما قذفه، ويدل لذلك أيضا قوله -ﷺ- (^٢): هو الطهور ماؤه الحل ميتته، وهو حديث صحيح.\nوحديث أبي عبيدة هذا وهو حديث العنبر رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤)\n_________\n(^١) المائدة: ٩٦.\n(^٢) ورد من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي بكر الصديق ومن حديث علي ومن حديث جابر ومن حديث ابن عباس ومن حديث ابن عمرو ومن حديث أنس ومن حديث الفراسي ومن حديث العركي فأما حديث أبي هريرة فأخرجه مالك (١/ ٢٢)، والشافعي في الأم (١/ ٢)، وأبو عبيد في الطهور (٢٢٠) وابن أبي شيبة (١٣٧٢) وأحمد (٢/ ٢٣٧ و٣٦١) والبخاري في الكبير (٢/ ١/ ٤٧٨) والدارمي (٧٣٥ و٢٠١٧) وأبو داود (٨٣) وابن ماجه (٣٨٦ و٣٢٤٦) والترمذي (٦٩) والنسائي (١/ ٤٤ و١٤٣ و٧/ ١٨٣) وفي الكبرى (٥٨ و٤٨٦٢) وابن الجارود (٤٣) وابن خزيمة (١١١) وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٦٠) وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٤٧) والطحاوي في المشكل (٤٠٢٩ و٤٠٣٠) وابن حبان (١٢٤٣ و٥٢٥٨) والدارقطني (١/ ٣٦)، والحاكم (١/ ١٤٠ - ١٤١) في المعرفة (ص ٨٧) والبيهقي (١/ ٣) وفي معرفة السنن (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) قال الترمذي: حديث حسن صحيح وقال ابن المنذر: ثابت وقال ابن حبان: صحيح المجروحين ٢/ ٢٩٩). وهو أصح ما ورد، وصححه البخاري، والترمذي، والبيهقي، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وقال ابن عبد البر: هو عندي صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول له، والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء ينظر أقوالهم في: علل الترمذي الكبير ١/ ١٣٦، وجامع الترمذي ١/ ١٠١، والمعرفة ١/ ١٣٨، والمجموع ١/ ٨٢، ومجموع الفتاوى ٢١/ ٢٦، وزاد المعاد ٤/ ٣٩٤، والتمهيد ١٦/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(^٣) صحيح البخاري (٤٣٦١).\n(^٤) صحيح مسلم (١٧) (١٩٣٥).","vol":"13","page":129},{"text":"وأبو داود (^١) والنسائي (^٢) وابن ماجه (^٣) ففيه إباحة ميتات البحر كلها سواء في ذلك ما مات بنفسه أو باصطياد، وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك. قال أصحابنا: ويحرم [الضفدع للحديث (^٤)] في النهي عن قتلها. قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه أصحها يحل جميعه لهذا الحديث، والثاني لا يحل، والثالث يحل ما له نظير مأكول في البرذون ما لا يؤكل نظيره فعلى هذا يؤكل خيل البحر وغنمه وظباؤه دون كلبه وخنزيره و[حماره]. قال أصحابنا: والحمار وإن كان في البر منه مأكول وغيره لكن المغلب غير المأكول، هذا تفصيل مذهبنا، وممن قال بإباحة جميع حيوان البحر إلا الضفدع أبو بكر\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٨٤٠).\n(^٢) سنن النسائي (٧/ ٢٠٧).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤١٥٩).\n(^٤) أبو داود (٣٨٧١)، (٥٢٦٩)، والنسائي (٧/ ١٨٥)، وفي الكبرى (٤٨٦٧)، وأخرجه الطيالسي (١٢٧٩)، وابن أبي شيبة (٢٣٧٠٩) وأحمد (١٥٧٥٧ - ١٦٠٦٩)، وعبد بن حميد (٣١٣)، والدارمي (٢٠٠٤)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (١/ ٢٨٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٧٧٩ - ١٧٨٠)، وأبو القاسم البغوي في الصحابة (١٨٨٧) وابن قانع في الصحابة (٢/ ١٦٠)، والحاكم (٤/ ٤١٠ - ٤١١)، وأبو نعيم في الصحابة (٤٥٩٦)، والبيهقي السنن الكبرى (٩/ ٤٣٤)، وفي معرفة السنن والآثار (١٣/ ٤٦٧)، والخطيب في التاريخ (٥/ ١٩٩ و١٩٩ - ٢٠٠)، والمزي (١٠/ ٤٠٦)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد وقال النووي في المجموع شرح المهذب (٩/ ٣١) رواه أبو داود بإسناد حسن والنسائي بإسناد صحيح، وصححه الألباني في المشكاة (٤٥٤٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٩٩١).","vol":"13","page":130},{"text":"الصديق وعمر وعثمان وابن عباس [رضي الله تعالى عنهم] وأباح مالك الضفدع [والجميع] وقال أبو حنيفة لا يحل غير السمك، فإن قيل: لا حجة [في حديث] العنبر لأنهم كانوا مضطرين قلت: الاحتجاج بأكل النبي -ﷺ- منه في المدينة من غير [ضرورة] اهـ. قوله: \"قيل كيف تصنعون بها؟ قالوا: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء\" الحديث، نمصها هو بفتح الميم على اللغة المشهورة وهو أفصح وحكي ضمها. قوله: \"وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله فنأكله\" الحديث، الخبط هو بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة اسم لما يخبط فيتساقط من ورق الشجر، وبسكون الباء المصدر ولا يختص ذلك بوق السنط كما هو مشهور في بلادنا بل هو أعم من ذلك. فإن قلت: كيف يتأتى أكل الخبط وكيف ينساغ في الحلق وإنما هو من مأكول البهائم؟\nقلت: كانوا [يبلونه] بالماء كما هو مذكور في الحديث، \"ثم نبلّه فنأكله\" وإذا بُلّ لان للمضغ، وذلك حين فقدوا التمرة [التمرة] (^١) الموزعة عليهم، وفيه بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من الجهد والاجتهاد والصبر على الشدائد العظام والمشقات الفادحة لإظهار الدين وإطفاء كلمة المشركين. قاله في شرح الأحكام (^٢)، وفيه معنى قوله تعالى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) طرح التثريب في شرح التقريب (٦/ ١٠).","vol":"13","page":131},{"text":"مِنْ سَعَتِهِ﴾ (^١) الآية، فأبو عبيدة لما قدر عليه رزقه صرف تمرة تمرة فمصت فلما وسع عليهم بالعنبر أكلوا منه حتى سمنوا وتزودوا، فالتقلل مراتب ولكل مرتبة أحوال تناسبها.\n\n٥٠١٠ - وعن أبي هريرة -﵁-: أنه أصابهم جوع وهم سبعة، قال: فأعطاني النبي -ﷺ- سبع تمرات لكل إنسان تمرة. رواه ابن ماجه (^٢) بإسناد صحيح.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام عليه، وتقدم معنى الحديث.\n\n٥٠١١ - وعن محمد بن سيرين -﵁- قال: إن كان الرجل من أصحاب النبي -ﷺ- يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد شيئا يأكله، فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها، فإذا لم يجد شيئا أخذ حجرا فشد صلبه. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (^٣) بإسناد جيد.\nقوله: \"وعن محمد بن سيرين\" [وسيرين] يكني بأبي عمرة وقيل أنه\n_________\n(^١) الطلاق: ٧.\n(^٢) ابن ماجه (٤١٥٧)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٢٨): شاذ قلت: لكن في رواية البخاري أنه أعطى لكل إنسان سبع تمرات، وهي المحفوظة، كما بينته في الأصل، فرواية ابن ماجه شاذة. وأخرجه البخاري (٥٤١١)، والترمذي (٢٤٧٤)، والنسائي في الكبرى (٦٦٩٨)، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث صحيح.، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٤/ ٣٠٧) أبو بكر بن أبي شيبة هذا إسناد رجاله ثقات.\n(^٣) الجوع لابن أبي الدنيا (٦١)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣١٠): حسن موقوف.","vol":"13","page":132},{"text":"معرب شيرين بالشين المعجمة أي الحلو وكان عبدا لأنس بن مالك وكاتبه على عشرين ألفا فأدى نجوم الكتابة وأم محمد اسمها صفية مولاة الصديق -﵁-، وأدرك محمد بن سيرين ثلاثين من الصحابة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وهو ممن لا يجوِّز نقل الحديث بالمعني، وكان يحدث بالحديث على حروفه وهو ثقة رفيع المرتبة إمام في العلوم، ورع في فقهه، فقيه في ورعه، مشهور بعلم العبارة وكان بزّازّا وحبس بدين كان عليه، قيل سبب حبسه أنه اشترى زيتا بأربعين ألف درهم فوجد في زق منه فأرة فقيل الفأرة كانت في المعصرة، فصب الزيت كله، فانكسر عليه ثمنه، وكان به صمم وهو أخو معبد وأنس ويحيى بني سيرين وإذا أطلق ابن سيرين فالمراد به محمد هذا. وروى محمد عن يحيى عن أنس وهو من [المستظرف] لكونه ثلاثة إخوة [يروي] بعضهم عن بعض، مات بالبصرة سنة عشرة ومائة بعد الحسن بمائة يوم والله أعلم. قاله الكرماني (^١) تقدم معنى الحديث.\n\n٥٠١٢ - وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزوا مع رسول الله -ﷺ- ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، وهذا السمر حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٨٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٧٢٨ - ٥٤١٢ - ٦٤٥٣).\n(^٣) صحيح مسلم (١٢) (٢٩٦٦).","vol":"13","page":133},{"text":"[الحبل] بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة.\n[والسمر] بفتح السين المهملة وضم الميم: كلاهما من شجر البادية.\nقوله: \"وعن سعد بن أبي وقاص\" هو أبو إسحاق سعد بن مالك ابن وهب، ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى القريشى الزهري المكى المدنى. أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله -ﷺ- بالجنة، وتوفى وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب، ﵁، أمر الخلافة إليهم.\nقوله: \"إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله\" الحديث. فيه منقبة عظيمة ظاهرة له وجواز مدح الإنسان نفسه عند الحاجة. قوله: \"ولقد كنا نغزو مع رسول الله -ﷺ- ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر\"، ورق الحُبلة بضم المهملة وإسكان الموحدة، والسمر بفتح السين وضم الميم كذا هو عند التميمي والطبري [وهذا السمر و] عند البخاري ورق السمر. قال [ابن] الأعرابي: الحبلة [ثمر] السمر يشبه اللوبيا. وقيل ثمر العضاه والأول هو المعروف. وفي مسلم ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهو السمر، [و] كذا عند عامة الرواة، والحبلة والسمر كلاهما من شجر البادية، قاله الحافظ المنذري، وكذا قال أبو عبيد وآخرون. وقيل الحبلة ثمر العضاة، وبهذا يظهر من رواية البخاري: إلا الحبلة، وورق العضاة. وقال ابن الأثير في النهاية (^١)، الحبلة وورق السمر، الحبلة ثمر السمر يشبه اللوبيا وقيل هو ثمر العضاه\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٣٤).","vol":"13","page":134},{"text":"وقال أيضا السمر هو ضرب من شجر الطلع، الواحدة سمرة ومنه الحديث: يا أصحاب السمرة، هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية، اهـ. والسمر هو شجر أم غيلان، والبرم ثمر السمر.\nقوله: \"حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط\" الحديث، أي لا يخالط شيء من ثُفل الطعام غيره أي لا يختلط نجوهم بعضهم ببعض لجفافه ويبسه فإنهم كانوا يأكلون خبز الشعير وورق الشجر لفقرهم وحاجتهم يعني كان يخرج بعرا ليُبسه من أكلهم ورق السمر وعدم الغذاء المألوف، اهـ، قاله في النهاية (^١)، فيه بيان لما كانوا عليه من الزهد في الدنيا والتقلل منها والصبر في طاعة الله تعالى على المشاق الشديدة؛ وفيه أن اعتياد الخشونة تسهل الغربة في طلب محاب الله ومراضيه، وأما الترفه فاعتياده مضيع لكثرة الخيرات ومتى تصل الفاقة إلى تقوت ورق الحبلة والسمر ثم متى [يقصد] مثله، والله أعلم، قاله في الحدائق.\n\n٥٠١٣ - وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان -﵁- وكان أميرا بالبصرة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم، فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا، والله لتملأن، أفعجبتم؟ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٩٨).","vol":"13","page":135},{"text":"الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم، وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله -ﷺ- ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا. رواه مسلم (^١) وغيره.\n[آذنت] بمد الألف: أي أعلمت.\n[بصرم] هو بضم الصاد وإسكان الراء: بانقطاع وفناء.\n[حذاء] هو بحاء مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة مشددة ممدودا، يعني سريعة.\n[والصبابة] بضم الصاد: هي البقية اليسيرة من الشيء.\n[يتصابها] بتشديد الموحدة قبل الهاء: أي يجمعها.\n[والكظيظ] بفتح الكاف وظاءين معجمتين: هو الكثير الممتلئ.\nقوله: \"وعن خالد بن عمير العدوي\" من المخضرمين. أدرك الجاهلية. وسمع عتبة بن غزوان، حديثه في البصريين، روى عنه حميد بن هلال.\nقوله: \"خطبنا عتبة بن عزوان وكان أميرا بالبصرة فحمد الله أثنى عليه\" الحديث. عتبة بن غزوان كنيته أبو عبد الله وقيل أبو غزوان عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نُسيب بضم النون بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤) (٢٩٦٧).","vol":"13","page":136},{"text":"ابن مازن بن منصور بن عكرمة بن خفصة بن قيس بن عيلان بالعين المهملة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المازني حليف بني عبد شمس، أسلم قديما هاجر إلى الحبشة وهو ابن أربعين سنة ثم عاد إلى رسول الله -ﷺ- وهو بمكة فأقام معه حتى هاجر إلى المدينة مع المقداد وكانا من السابقين إلى الإسلام وشهد بدرا وبيعة الرضوان وما بعدها، رُويَ له عن رسول الله -ﷺ- أربع أحاديث، روى مسلم أحدها، قال محمد بن سعد: كان رجلا طُوالا [جميلا]، هو قديم الإسلام، أسلم بعد ستة رجال [و] هو سابعهم، وكان أول من نزل البصرة وهو أول من اختطّها، وكان من الرماة المذكورين، توفي بطريق البصرة وقيل [في الربذة] سنة سبع عشرة من الهجرة وقيل سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة وهو ابن سبع وخمسين سنة والله أعلم.\nقوله: \"وكان أميرا بالبصرة\" و[البصرة] بكسر الباء وفتحها وضمها ثلاث لغات والمشهور الفتح ويقال لها قبة الإسلام [و] خزانة العرب بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب سنة سبع عشرة من الهجرة وسكنها الناس سنة [ثمان] عشرة ولم يُعبد صنم قط على أرضها وهي داخلة في أرض سواد العراق. قوله: \"إن الدنيا قد آذنت بصرم\" الحديث، آذنت بمد الألف أي أعلمت، قاله الحافظ، بصرم أي بانقطاع وفناء. قاله الحافظ أيضا.\nقوله: \"وولت حذاء\" أي سريعة، قاله الحافظ أيضا، وقال في النهاية (^١) أي: خفيفة سريعة. قوله: \"ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء\" والصبابة هي\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٥٦).","vol":"13","page":137},{"text":"البقية اليسيرة من الشيء، قاله المنذري. قوله: \"يتصابها صاحبها\" أي يجمعها. قوله: \"شفير جهنم\" تقدم الكلام على شفير جهنم في كتاب القضاء. قوله: \"إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة\" الحديث، المصراعان [جانبا] الباب. قوله: \"وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ من الزحام\" الكظيظ وهو الكبير الممتلئ. قاله المنذري. قوله: \"حتى قرحت أشداقنا\" أي صار فيها قروح وجراح من خشونة الورق الذي نأكله وحرارته. تنبيه: وفيه فائدة رابعة: وهو ما يشعر به الجوع من معنى [تعالى:] ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ (^١) فلو لم تقرح أشداقهم ما صاروا أمراء الأمصار، فمصير أهل الفاقة [يُملَّكون] مفاتيح الخير، والصبر مفتاح الفرج، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) الآية، قاله في الحدائق.\nتنبيه أيضا: خطب النبي -ﷺ- يوما أصحابه والشمس على رءوس الجبال فقال (^٣): إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما\n_________\n(^١) سورة القصص، الآية: ٥.\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ٢٦.\n(^٣) سنن الترمذي (٢١٩١)، وقال: وهذا حديث حسن. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد (٣٤٩)، وفي قصر الأمل (١١٩)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٨٩) أبو الشيخ في الأمثال (٢٨٣) قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٦٧) رواه أبو داود الطيالسي والحميدي وأبو يعلي، ومدار أسانيدهم على علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.، وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي: ضعيف، لكن بعض فقراته صحيح. =","vol":"13","page":138},{"text":"مضى منه، والله أعلم.\nقوله: \"فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك\" البردة الشملة، والعرب تسمي الكساء الذي يلتحف به بردة. قوله: \"فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار\" المصر البلد الكبير كالبصرة والكوفة ونحوهما، ويكون فيه نائب السلطان، اهـ.\n\n٥٠١٤ - وعن أبي موسى -﵁- قال: لو رأيتنا ونحن مع نبينا -ﷺ- لحسبت أنما ريحنا الضأن، إنما لباسنا الصوف، وطعامنا الأسودان: التمر والماء. رواه الطبراني في الأوسط (^١)، ورواته رواة الصحيح، وهو في الترمذي (^٢) وغيره دون قوله: إنما لباسنا إلى آخره، وتقدم في اللباس.\nقوله: \"وعن أبي موسى\" اسمه عبد الله بن قيس الأشعري، تقدم، قوله: \"لو رأيتنا ونحن مع نبينا -ﷺ- إنما ريحنا ريح الصنان\" بضم الصاد المشددة\n_________\n= فانظر مثلا ابن ماجه (٤٠٠٠) الرد على بليق (٨٦)، ضعيف سنن ابن ماجه (٨٦٥).\n(^١) المعجم الأوسط (١٩٤٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٢٥): رواه أبو داود باختصار. رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٢٩).\n(^٢) الترمذي (٢٤٧٩)، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، والحديث؛ أخرجه الطيالسي (٥٢٧)، وابن في سعد الطبقات الكبرى (٤/ ٨١)، وأحمد (١٩٧٥٨) (١٩٧٥٩)، وأبو داود (٤٠٣٣) والبزار (٣١٣٤ و٣١٣٥)، والروياني (٤٥٥)، وأبو يعلى (٧٢٦٦)، وابن عدي في الكامل (٩/ ٣٦٣)، والحاكم (٤/ ١٨٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٨٨)، والبغوي في شرح السنة (٣٠٩٨)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.","vol":"13","page":139},{"text":"[والنون] المفتوحة، كذا رأيته مضبوطا، وتقدم في كتاب اللباس.\nقوله: \"وطعامنا الأسودان التمر والماء\" [الأسودان هما التمر والماء]، أما التمر فأسود وهو الغالب على تمر المدينة فأضيف الماء إليه ونُعت بنعته اتباعا والعرب تفعل ذلك في الشيئين [يصطحبان معا فيسميان] باسم الأشهر منهما كالقمرين والعمرين.\n\n٥٠١٥ - وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: هاجرنا مع رسول الله -ﷺ- نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا رسول الله -ﷺ- أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) وأبو داود (^٤) باختصار.\n[البردة]: كساء مخطط من صوف، وهي النمرة. [أينعت] بياء مثناة تحت بعد الهمزة: أي أدركت ونضجت. [يهدبها] بضم الدال المهملة وكسرها بعدها باء موحدة: أي يقطعها ويجنيها.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٢٧٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٤) (٩٤٠).\n(^٣) سنن الترمذي (٣٨٥٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي (٤/ ٣٨).\n(^٤) سنن أبي داود (٣١٥٥).","vol":"13","page":140},{"text":"قوله: \"وعن خباب بن الأرتّ\" وهو بفتح الخاء المعجمة وبعدها باء موحدة مفتوحة مشددة وبعد الألف باء موحدة، والأرث بفتح الهمزة وبعدها راء مفتوحة مهملة وتاء ثالث الحروف، كنيته أبو عبد الله ويقال أبو محمد ويقال أبو يحيى واختلف في نسبه فقيل خزاعي مولاهم وقيل تميمي، [هذا] النسب حليف لبني زهرة والصحيح أنه تميمي النسب لحقه [سبيا] في الجاهلية فأسرته امرأة من خزاعة فأعتقته وكانت من حلفاء بني زهرة فهو تميمي النسب خزاعي الولاء زهري الحلف، كان سادس ستة في الإسلام، كان يعذب في الله ﷿، قال: أُوقِدت النار ثم وُضعتُ عليها فما أطفاها إلا ودَك ظهري، اكتوى سبعا في بطنه لوجع كان فيه.\nفإن قلت: قد نهي عن الكي؟ قلت: ذلك لمن [يعتقد] أنّ الشفاء من الكي أو ذلك للقادر على مداواة أخرى. توفي -﵁- بالكوفة سنة سبع وثلاثين وله [ثلاث وسبعون] سنة.\nقوله: \"هاجرنا مع رسول الله -ﷺ- نلتمس وجه الله\"، [المراد بوجه الله تعالى أي ذات الله] أي جهة الله لا جهة الدنيا، الله أعلم. قوله: \"فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا\" معناه لم توسع عليه الدنيا أي منا من مات على الحال التي هاجر عليها من الفقر ومجانبة زهرة الدنيا وطيباتها فذاك الذي سلم له أجر عمله كله ومعناه لم يعجل له شيء من جزاء عمله فرآى أن نيل طيبات الدنيا نقص من ثواب الأعمال الصالحة فيها. وقد قال البخاري في هذا الحديث: لقد خشيت أن [يكون] عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا.","vol":"13","page":141},{"text":"وقال الكرماني (^١) معنى قوله: لم يأكل من أجره شيئا يعني لم يكسب من الدنيا ولا اقتناه وقصر نفسه عن سؤالها لينالها موفرة في الآخرة، ومنا من كسب المال ونال من عرض الدنيا. اهـ.\nقوله: \"منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد\" تقدم الكلام على مصعب بن عمير في أماكن من هذا التعليق مبسوطا. قوله: \"فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه إذا غطينا بها رجليه خرج رأسه\" الحديث، البردة كساء مخطّط من صوف وهي النمرة تلبسها الأعراب، وتقدم تفسيرها مرارا في الأحاديث المتقدمة، [و] تكفينه في البردة دليل على أن الاقتصار على ثوب واحد يجوز في حالة الضرورة وهذا كفن الضرورة، وقد يستدل بهذا الحديث على أن الكفن من رأس المال وأنه مقدم على الديون لأنه -ﷺ- أمر بتكفينه في نمرته ولم يسأل هل عليه دين مستغرق أم لا ولا يبعد من حال من لا يكون له إلا نمرة أن يكون عليه دين. [و] استثنى أصحابنا من الديون الدين المتعلق بعين المال [فيُقدَّم] على الكفن وكذا العبد الجاني والمرهون والمال الذي تعلقت به زكاة أو حق [بائعه] بالرجوع بالإفلاس ونحو ذلك.\nقوله: \"فأمرنا رسول الله -ﷺ- أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر\" الحديث، الإذخر هو بكسر الهمزة والخاء وهو حشيش معروف عريض الورق طيب الرائحة، وفي [هذا] الحديث دليل [على أن ستر جميع بدن الميت واجب، وفي الحديث دليل] على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ٧٥).","vol":"13","page":142},{"text":"جميع البدن فلم يوجد غيره جعله مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين، وستر الرأس إكراما للوجه وسترا لما يظهر عليه من تغير محاسنه فإن ضاق عن ذلك [سترت]، العورة فإن ضاق عن العورة سترت السوأتان لأنهما أهم وهما الأصل في العورة، وقد يستدل بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن ولو كان ستر جميع البدن واجبا لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه إن لم يكن له قريب تلزمه نفقته فإن كان وجب عليه، فإن قيل كانوا عاجزين عن ذلك لأن القصة كانت يوم أحد وقد كثرت القتلى من المسلمين واشتغلوا [بهم] وبالخوف من العدو عن ذلك؛ فجوابه أنه يبعد من حال الحاضرين المتولين دفنه أن لا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب ونحوها، والله أعلم.\nوفي هذا الحديث وجوب تكفين الميت وهو واجب بإجماع المسلمين ويجب في ماله فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته فإن لم يكن ففي بيت المال فإن لم يكن وجب على المسلمين يوزعه الإمام على أهل اليسار. والله أعلم.\nفائدة: قال العلماء في كتب الفقه ويستحب أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب أي فقط إزار وهو يؤتز به العورة ولفافتين أي تلف كل واحدة منهما على جميع البدن لأن الخبر دل على ثلاثة أثواب. وقيل الثلاث أثواب كلها تكون [سوابغ] لجميع البدن وهذا هو الأصح، ولو كفن في خمسة قال الشافعي جاز ولم يكره لأن ابن عمر كان يفعله ويكون الرابع والخامس قميصا","vol":"13","page":143},{"text":"وعمامة كما أشار إليه الشافعي في الأم (^١)، والزيادة على الخمس تكره لأنه سرف والواجب من ذلك في حق الرجل والمرأة ثوب واحد أي ساتر للعورة لأن مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له إلا نمرة فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه الحديث، فلم [يأمر صلى الله تعالى عليه وسلم] بأن يكفن في غيرها مع أنها لم تستر جميع بدنه ولأنه يجب من ستره ما كان يجب ستره في حياته والله أعلم.\nقوله: \"ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها\" أي أدركت ونضجت وطابت والينع إدراك الثمار ونضجها، يقال: ينعت وأينعت والينع جمع يانع فهو المدرك البالغ، اهـ. ويهدبها أي يقطعها ويجنيها، اهـ. قاله المنذي، أي يخترف منها يقال أينع الثمر وينع يونع وينيع فهو مونع ويانع إذا أدرك ونضج وأينع أكثر استعمالا ومنه خطبة الحجاج إني أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، شبّه رءوسهم لاستحقاقهم القتل بثمار قد أدركت وحان أن تقطف وهذا استعارة [إشارة] إلى ما فتح الله عليهم من الدنيا بعد وفاة رسول الله -ﷺ- وتمكنوا فيها، وفيه بيان ما كان عليه صدر هذه الأمة، وفيه أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار، فإن قلت إذا كانت الهجرة لوجه الله فأجره هو ثواب الآخرة فكيف جعل الدنيا أجره؟ قلت: الأجر شامل لخبر الدارين وحسنة المنزلتين، والمراد من الأجر ثمرته، قاله الكرماني (^٢).\n_________\n(^١) الأم للشافعي (١/ ٣٠٣)، (١/ ٣٢١).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ٧٥).","vol":"13","page":144},{"text":"٥٠١٦ - وعن إبراهيم، يعني ابن الأشتر أن أبا ذر حضره الموت، وهو بالربذة فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: أبكي فإنه لا يد لي بنفسك، وليس عندي ثوب يسع لك كفنا، قال: لا تبكي، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين، قال: فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، فلم يبق منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق، فإنك سوف ترين ما أقول، فإني والله ما كذبت ولا كذبت. قالت: وأنى ذلك، وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق. قال: فبينا هي كذلك إذا هي بالقوم تخب بهم رواحلهم كأنهم الرخم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها فقالوا: مالك؟ فقالت: امرؤ من المسلمين تكفنوه وتؤجروا فيه؟ قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه، فقال: أبشروا، فإنكم النفر الذين قال رسول الله -ﷺ- فيكم ما قال، ثم أصبحت اليوم حيث ترون، ولو أن لي ثوبا من ثيابي يسع كفني لم أكفن إلا فيه، فأنشدكم بالله لا يكفنني رجل منكم كان عريفا أو أميرا أو بريدا فكل القوم قد نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار، وكان مع القوم قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي من غزل أمي وأحد ثوبي هذين اللذين علي. قال: أنت صاحبي. رواه أحمد (^١)، واللفظ له،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢١٤٦٧)، (٢١٣٧٣)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٨٤)، وابن حبان (٦٦٧٠)، (٦٦٧١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٩)، ومعرفة الصحابة (١٥٦٧)، =","vol":"13","page":145},{"text":"ورجاله رجال الصحيح، والبزار (^١) بنحوه باختصار.\n[العيبة] بفتح العين المهملة وإسكان المثناة تحت بعدها موحدة: هي ما يجعل المسافر فيها ثيابه.\nقوله: \"وعن إبراهيم\" يعني ابن الأشتر واسمه مالك بن الحارث النخعي عن أبيه وعمر وعنه ابنه مالك ومجاهد وغيرهما ذكره بن حبان في الثقات كان من أعيان الأمراء بالكوفة وكان شجاعا وهو الذي قتل عبيد الله بن زياد الأمير في وقعة الخازر سنة سبع وستين وكان إبراهيم في جيش المختار حينئذ ثم أنه بغى على المختار مع مصعب بن الزبير حتى قتل المختار وقتل إبراهيم بن الأشتر بعد ذلك مع مصعب بن الزبير في أول سنة اثنين وسبعين.\nقوله: \"أن أبا ذر حضره الموت وهو بالربذة\" تقدم الكلام على أبي ذر وعلى الربذة في مواضع كثيرة من هذا التعليق. قوله: \"ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين\" الحديث، تقدم الكلام على الفلاة من الأرض. وقوله: \"تشهده عصابة\" أي تحضره والعصابة بكسر\n_________\n= والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٤٠١)، وابن عساكر في تاريخه (١٩/ ٤١)، وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٢١٥). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٣٢) رواه أحمد من طريقتين أحدهما هذه، والأخرى مختصرة عن إبراهيم بن الأشتر عن أم ذر، ورجال الطريق الأولى رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه باختصار. وضعفه الألباني في ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ١٨٢) ضعيف مضطرب السند، والضعيفة تحت الحديث (٦٤٨٧)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣١٤): حسن.\n(^١) البزار (٤٠٦٠).","vol":"13","page":146},{"text":"العين الجماعة من الناس لا واحد لها وهو ما بين العشرة إلى الأربعين وأخذ إما من العصب الذي بمعنى الشد كأنه لشد بعضهم بعضا ومنه العصابة أي الخرقة تشد على الجبهة ومنه العصب [لأنه] شد الأعضاء، وأما من العصب الذي بمعنى الإحاطة، يقال عصب فلان بفلان إذا أحاط به، قاله الكرماني (^١). قوله: \"فإذا هي بالقوم تحثهم رواحلهم كأنه الرخم\" الحديث، القوم هم الرجال دون النساء، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (^٢) ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ (^٣)، قال الشاعر: أقَوْمٌ آلُ حصنٍ أم نساء.\nوقد تدخل النساء فيه على سبيل التبع لأن قوم كل نبي رجال ونساء وجمعه أقوام وجمع الجمع أقاوم، اهـ. وقوله: \"تحثهم رواحلهم\" هكذا هو في الترغيب، وفي نسخة تحث بهم، وقي كتاب النهاية (^٤) تخِدّ بهم رواحلهم، الوخد ضرب من سير الإبل سريع، يقال وخد يخد وخدًا، والرواحل جمع راحلة والراحلة هي المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثي، اهـ. قوله: \"معي ثوبان في عيبَتي من غزل أمي\"، العيبة هي ما يجعل المسافر فيه ثيابه، قاله الحافظ. قوله: \"أبشروا فأنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله -ﷺ- ما قال\" الحديث.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١٠٥).\n(^٢) سورة الحجرات، الآية: ١١.\n(^٣) سورة الحجرات، الآية: ١١.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٦٣).","vol":"13","page":147},{"text":"فائدة: الفرق بين الرهط والنفر أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة أو من السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة ولا تخفى مخالفته لما في صحاح الجوهري والله أعلم. قوله: \"فأنشدكم بالله\" معناه الحلف.\n\n٥٠١٧ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء: إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. رواه البخاري (^١) والحاكم (^٢) مختصرًا، وقال: صحيح على شرطهما.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزاء وإما كساء، الحديث، تقدم الكلام على الصفة وعلى أهلها كم عددهم وفيه بيان سهولة الأمر مع القوت فأي محذور نال أهل الصفة في فقدهم الأردية بعد أن وجدوا سدادا من عيش، قاله في الحدائق (^٣).\n\n٥٠١٨ - وعن عتبة بن عبد السلمي ﵁ قال: استكسيت رسول الله -ﷺ- فكساني خيشين، فلقد رأيتني وأنا أكسى أصحابي. رواه أبو داود (^٤)\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٤٢).\n(^٢) المستدرك للحاكم (٣/ ١٨)، قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٣) حدائق الأولياء (١/ ٥٣٧).\n(^٤) أبو داود (٤٠٣٢) وأخرجه أحمد (١٧٦٥٦)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٥٠، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٣٦٢)، والطبراني في المعجم الكبير =","vol":"13","page":148},{"text":"من رواية إسماعيل بن عياش.\n[الخيشة] بفتح الخاء المعجمة وإسكان المثناة تحت بعدهما شين معجمة: هو ثوب يتخذ من مشاقة الكتاب يغزل غليظًا وينسج رقيقًا.\nقوله: \"وعن عتبة بن عبد السلمي\" هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر.\nوقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. وهذا عتبة كان اسمه عتلة، فسماه النبي -ﷺ- عتبة. شهد خيبر روى عنه ابنه يحيي، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة، وخالد بن معدان، وغيرهم، مات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي.\nقوله: \"استكسيت رسول الله -ﷺ- فكساني خيشين\" الحديث، الخيشة هو ثوب يتخذ من مشاقة الكتاب يغزل غزلا غليظا وينسج رقيقا، قاله الحافظ، وتقدم. قوله: \"فلقد رأيتني وأنا أكسى أصحابي\" أي أعظمهم وأعلاهم كسوة.\n_________\n= (١٧/ ١٢٤ / ٣٠٧)، وفي الشاميين (١٦١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥)، ومعرفة الصحابة (٥٣٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٧٧١)، والآداب (٤٩٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٢٧٧)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٠٨٠): حسن.","vol":"13","page":149},{"text":"٥٠١٩ - وعن يحيى بن جعدة قال: عاد خبابا ناس من أصحاب رسول الله -ﷺ- فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله ترد على محمد -ﷺ- الحوض فقال: كيف بهذا؟ وأشار إلى أعلى البيت وأسفله، وقد قال رسول الله -ﷺ- إنما يكفي أحدكم كزاد الراكب. رواه أبو يعلى (^١) والطبراني (^٢) بإسناد جيد.\nقوله: \"وعن يحيى بن جعدة\" هو يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي روى عن جدته أم أبيه أم هانئ بنت أبي طالب وعن أبي الدرداء وزيد بن أرقم وخباب بن الأرت وابن مسعود وأبي هريرة وكعب بن عجرة وغيرهم وعنه حبيب بن أبي ثابت وعمرو بن دينار وأبو الزبير وهلال بن خباب ومجاهد وثوير بن أبي فاختة وعلي بن زيد بن جدعان وغيرهم قال أبو حاتم: والنسائي ثقة وذكره بن حبان في الثقات.\nقلت: قال الحربي في العلل: لم يدرك بن مسعود. وقال أبو حاتم: لم يلقه. وقال علي بن المديني: لم يسمع من أبي الدرداء.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٤/ ١٧٢٩ - ١٧٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٤): رواه أبو يعلى والطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير يحيى بن جعدة، وهو ثقة.، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٦٩): رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي والطبراني، والحميدي واللفظ له بإسناد جيد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٤٦٩)، وفي السلسلة الصحيحة (١٧١٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣١٧).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٣٦٩٥) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٦٠).","vol":"13","page":150},{"text":"قوله: \"دعا خبابا ناس من أصحاب النبي -ﷺ-\" كذا\n\n٥٠٢٠ - وعن أبي وائل قال: جاء معاوية إلى أبي هاشم بن عتبة وهو مريض يعوده فوجده يبكي، فقال: يا خال ما يبكيك، أوجع يشئزك أم حرص على الدنيا؟ قال: كلا، ولكن رسول الله -ﷺ- عهد إلينا عهدا لم نأخذ به، قال: وما ذاك؟ قال: سمعته يقول: إنما يكفي من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله، وأجدني اليوم قد جمعت. رواه الترمذي (^١) والنسائي (^٢)، ورواه ابن ماجه (^٣) عن أبي وائل عن سمرة بن سهم عن رجل من قومه لم يسمه، قال: نزلت على أبي هاشم بن عتبة فجاءه معاوية، فذكر الحديث بنحوه.\nورواه ابن حبان في صحيحه (^٤) عن سمرة بن سهم قال: نزلت على أبي هاشم بن عتبة وهو مطعون، فأتاه معاوية فذكر الحديث. وذكره رزين، فزاد فيه: فلما مات حصر ما خلف فبلغ ثلاثين درهما وحسبت فيه القصعة التي\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٧)، وقال ابن حجر في الإصابة (١٣/ ٢٣) وروى حديثه التِّرمِذيّ وغيره بسند صحيح وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٣٨٦)، وصححه في صحيح الجامع (٥٤٦٤)، والصحيحة (٢٢٠٢). التعليق الرغيب (٤/ ١٢٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣١٨)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٧٠/ ٢٠٩٩).\n(^٢) النسائي (٨/ ٢١٨)، وفي السنن الكبرى (٩٧٢٤).\n(^٣) ابن ماجه (٤١٠٣).\n(^٤) ابن حبان (٦٦٨) وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢١٩)، وهناد في الزهد (٥٦٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٥٩)، والدولابي في الكنى (١/ ٦٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٣٠٢/ ٧١٩٩)، وابن عبد البر في الاستيعاب (١٢/ ١٦٦)، وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٣١٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٤/ ٣٦٠ - ٣٦١).","vol":"13","page":151},{"text":"كان يعجن فيها وفيها يأكل.\n[يشئزك] بشين معجمة ثم همزة مكسورة وزاي: أي يقلقك، وزنه ومعناه.\nقوله: \"عن أبي وائل\" هو شقيق بن سلمة الأسدي، أسد خزيمة الكوفى التابعى المخضرم، أدرك زمن رسول الله -ﷺ- ولم يره. وروى عن أبي بكر، وسمع عمر، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، وعمارا، وحبابا، وحذيفة، وأبا موسي، وأسامة، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا الدرداء، وأبا مسعود البدري، والبراء، والمغيرة، وجريرا البجلي، وكعب بن عجرة، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة، ﵃ أجمعين.\nوسمع خلائق من كبار التابعين. روى عنه الشعبي، وعاصم الأحول، والحكم، والسبيعي، والأعمش، وخلائق غيرهم من التابعين، حكوا عنه أنه قال: بعث النبي -ﷺ- وأنا ابن عشر سنين أرعى إبلا لأهلي، وقال: أتانا مصدق رسول الله -ﷺ-. وروى عنه أنه قال: أدركت سبع سنين من سنى الجاهلية. قالوا: وتوفى سنة تسع وتسعين. واتفقوا على توثيقه وجلالته.\nقوله: \"جاء معاوية إلى أبي هاشم بن عتبة وهو مريض يعوده فوجده فبكى أبو وائل\" الحديث، أبو وائل تقدم، وأما معاوية فهو معاوية بن أبي سفيان وأبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى القرشي الأموى وأما أبو هاشم فهو ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي [العبسي] خال معاوية بن أبي سفيان له صحبة وهو أخو أبي حذيفة بن عتبة لأبيه وأخو مصعب بن عمير لأمه قيل اسمه خالد [و] قيل","vol":"13","page":152},{"text":"اسمه كنيته وقيل هشام وقيل هشيم وقيل مهشم وقيل شيبة، أسلم يوم الفتح وسكن الشام وتوفي في خلافة عثمان كان فاضلا ﵀، [و] كان أبو هريرة -﵁- إذا ذكر أبا هاشم [قال: ذاك الرجل الصالح، ووقع في نسخ المصابيح المسموعة الصحيحة: عن أبي هاشم] بن عبيد والصواب عتبة، روى حديثه أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي عن سمرة بن سهم رجل من قومه عنه. قوله: \"يشئزك\"، أي يقلقك وزنه ومعناه، اهـ. قاله المنذري، يقال شيز و[شئز] فهو مشئوز وأشازه غيره وأصله الشأز وهو الموضع الغليظ الكثير الحجارة، قاله في النهاية (^١) والله أعلم.\n\n٥٠٢١ - وعن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير -﵁- حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزع، فقالوا: ما يجزعك يا أبا عبد الله؟ وقد كانت لك سابقة في الخير، شهدت مع رسول الله -ﷺ- مغازي حسنة وفتوحا عظاما. قال: يجزعني أن حبيبنا -ﷺ- حين فارقنا عهد إلينا، قال ليكف المرء منكم كزاد الراكب، فهذا الذي أجزعني، فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر درهما. رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٣٦).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٧٠٦)، وأخرجه الطبراني المعجم الكبير (٦/ ٢٦٨/ ٦١٨٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٧)، وابن السني في القناعة (ص ٥٣)، وقال الألباني في صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (٢/ ٤٧١/ ٢١٠٢): حسن صحيح، وصححه في صحيح الترغيب (٣٣١٩)، والصحيحة (١٧١٦).","vol":"13","page":153},{"text":"قوله: \"وعن عامر بن عبد الله\" كذا كذا قوله: \"فقالوا ما يجزعك يا أبا عبد الله\" الجزع هو.\n\n٥٠٢٢ - وعن علي بن بديمة قال: بيع متاع سلمان -﵁- فبلغ أربعة عشر درهما. رواه الطبراني (^١)، وإسناده جيد إلا أن عليا لم يدرك سلمان.\nقوله: \"وعن علي بن بذيمة\" بذيمة بفتح الباء وكسر الذال المعجم الجزري الحراني، قال [أحمد: صالح] الحديث لكنه كان رأس في [التشيع] معلنا به. قوله: \"بيع متاع سلمان\" الحديث، جمعه أمتعة ومتاع الرجل هو كذا.\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٦/ ٢١٤)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٤): رواه الطبراني، وإسناده جيد، إلا أن علي بن بذيمة لم يدرك سلمان، فإن كانت تركته تأخرت فهو متصل. وقال الهيثمي في (١٠/ ٣٢٥): رواه الطبراني، وإسناده منقطع. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٣٠).","vol":"13","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>الترغيب في البكاء من خشية الله تعالى</span>\n٥٠٢٣ - عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وغيرهما.\nقوله: \"عن أبي هريرة\"، تقدم وتقدم الكلام أيضا على السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله في عدة مواضع من هذا التعليق.\n\n٥٠٢٤ - وعن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة. رواه الحاكم (^٣) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أنس\" هو ابن مالك تقدم. قوله: \"من ذكر الله ففاضة عيناه من خشية الله\" الحديث، فيض العين هو دمعها من البكاء.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٠ - ١٤٢٣ - ٦٤٧٩ - ٦٨٠٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٩١) (١٠٣١).\n(^٣) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦٠)، وأخرجه الطبراني في الأوسط (١٦٦٣) و(٦١٦٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٥٨٣)، والضعيفة (٤٥٩٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٣١).","vol":"13","page":155},{"text":"٥٠٢٥ - وعن أبي ريحانة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، وذكر عينا ثالثة. رواه أحمد (^١) واللفظ له والنسائي (^٢) والحاكم (^٣) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي ريحانة\" تقدم الكلام عليه وعلى معنى الحديث في الجهاد مبسوطا.\n\n٥٠٢٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول عينان لَا تمسهما النَّار عين بَكت من خشيَة الله وَعين باتت تحرس فِي سَبِيل الله رَوَاهُ\n_________\n(^١) أحمد (٤/ ١٣٤ - ١٣٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٩٥٥٠)، وفي المسند (٧٣٣)، والدارمي (٢٤٠٠)، والبخاري في الكبير (٤/ ٢٦٤)، وابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (٣)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٤٤) (١٤٥)، وفي الآحاد (٢٣٢٥)، (٢٣٢٦)، والطبراني في الأوسط (٨٧٣٦) والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٥٧٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٨)، والبيهقي السنن الكبرى (٩/ ٢٥١)، والمزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٥٦٦).\n(^٢) النسائي (٦/ ١٣ - ١٤) وفي الكبرى (٤٣٢٥) (٨٨٦٩).\n(^٣) الحاكم (٢/ ٨٣)، وقال: صحيح الإسناد قلت: محمد بن سمير ويقال: شمير ذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته، وقال ابن القطّان الفاسي: لا يعرف حاله (الوهم والإيهام ٤/ ٣٤٧)، وقال الذهبي في الميزان: لم يَرو عنه سوى عبد الرحمن بن شريح، وقال في الديوان: مجهول. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٧) روى النسائي طرفا منه. قلت: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٧٠٦)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٢١): حسن لغيره.","vol":"13","page":156},{"text":"التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب.\n\n٥٠٢٧ - وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ حرم على عينين أَن تنالهما النَّار عين بَكت من خشيَة الله وَعين باتت تحرس الْإِسْلَام وَأَهله من الْكفْر رَوَاهُ الْحَاكِم وَفِي مُسْنده انْقِطَاع.\n\n٥٠٢٨ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-. لا يلج النار رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار \"٢\" في سبيل الله ودخان جهنم. رواه الترمذي (^١) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (^٢) والحاكم (^٣) وقال: صحيح الإسناد.\n[لا يلج] أي لا يدخل.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" أيضا تقدم. قوله -ﷺ-: \"لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع\" الحديث، الولوج هو الدخول، أي لا يدخل النار. والضرع بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء لكل ذي ظلف أو\n_________\n(^١) الترمذي (١٦٣٣ و٢٣١١).\n(^٢) سنن النسائي (٦/ ١٢).\n(^٣) الحاكم (٤/ ٢٦٠)، وأخرجه الطيالسي (٢٥٦٥)، وأحمد (٢/ ٥٠٥)، وهناد في الزهد (٤٦٥) وابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (١)، وابن بشران (١٤٩٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩ و٧٨٠)، والبغوي في شرح السنة (٢٦٢٠)، وفي معالم التنزيل (٤/ ١٨٩)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٥٠٩)، والذهبي في معجم الشيوخ (١/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٢٦٩).","vol":"13","page":157},{"text":"خف، ومعنى الحديث لا يدخل النار أبدًا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (^١)، علقه على [المحال]، معناه لا يدخلون الجنة أبدا.\n\n٥٠٢٩ - وروي عن أبي هريرة -﵁- قال: لما نزلت [أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون] بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله -ﷺ- حسهم بكى معهم فبكينا ببكائه، فقال رسول الله -ﷺ-: لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصر على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم. رواه البيهقي (^٢).\nقوله: \"وروي عن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"لما نزلت هذه الآية ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم\" الحديث، وتقدم الكلام على أصحاب الصفة وعلى موضع الصفة مرارا في الجهاد وغيره.\n\n٥٠٣٠ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: عينان لا تمسهما النار: عين باتت تكلأ في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله. رواه أبو\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٤٠.\n(^٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٧٧).\nوقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٦٩٥): موضوع بفقرة (الإصرار)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٣٢): ضعيف.","vol":"13","page":158},{"text":"يعلى (^١) ورواته ثقات والطبراني في الأوسط (^٢) إلا أنه قال: عينان لا تريان النار.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله: \"عينان لا تمسهما النار أبدا عين باتت تكلؤ في سبيل الله\" الحديث، أي تحفظ وتحرس.\n\n٥٠٣١ - وَرُوِيَ عَن زيد بن أَرقم -﵁- قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله بِمَ أتقي النَّار قَالَ بدموع عَيْنَيْك فَإِن عينا بَكت من خشيَة الله لَا تمسها النَّار أبدًا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا والأصبهاني.\n\n٥٠٣٢ - وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ثَلَاثَة لَا ترى أَعينهم النَّار عين حرست فِي سَبِيل الله وَعين بَكت من خشيَة الله وَعين كفت عَن محارم الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن أَبَا حبيب العنقري لَا يحضرني الْآن حَاله.\n\n٥٠٣٣ - وَعَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول عينان لَا تمسهما النَّار عين بَكت فِي جَوف اللَّيْل من خشيَة الله وَعين\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٤٣٤٦)، وأخرجه البخاري في الكبير (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢)، ابن أبي عاصم في الجهاد (١٤٧)، وابن عدي (٣/ ١٠٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١١٩)، والضياء في المختارة (٢١٩٨) وقال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري لم نكتبه إلا من حديث زافر قال الهيثمي (٥/ ٢٨٨): رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بنحوه إلا إنه قال لا يريان النار ورجال أبي يعلى ثقات. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٥/ ١٢٥): هذا إسناد رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤١١١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣٢٥).\n(^٢) الطبراني في الأوسط (٥٧٧٥).","vol":"13","page":159},{"text":"باتت تحرس فِي سَبِيل الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عُثْمَان عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي وَقد وثق.\n\n٥٠٣٤ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كل عين باكية يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا عين غضت عَن محارم الله وَعين سهرت فِي سَبِيل الله وَعين خرج مِنْهَا مثل رَأس الذُّبَاب من خشيَة الله ﷿. رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ.\n\n٥٠٣٥ - وعن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ما من مؤمن يخرج من عينيه دموع، وإن كان مثل رأس الذباب من خشية الله، ثم تصب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار. رواه ابن ماجه (^١) والبيهقي (^٢) والأصبهاني (^٣)، وإسناد ابن ماجه مقارب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤١٩٧) والحديث؛ أخرجه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (٢)، والبزار (١٧٦٠)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٦٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٧/ ٩٧٩٩)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٤٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٦٦)، وقال: غريب من حديث عون، تفرد به محمد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم الزرقي المدني ويعرف بحماد بن أبي حميد .. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥١١) أخرجه الطبراني والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٣٥): هذا إسناد ضعيف حماد بن أبي حميد اسمه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف رواه أحمد بن منيع في مسنده بإسناده ومتنه، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥١٩٦)، والضعيفة (٤٤٩٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٣٦).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٨٠٢).\n(^٣) قوام السنة في الترغيب والترهيب (٥٠٦).","vol":"13","page":160},{"text":"قوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"ما من مؤمن يخرج من عينيه دموع وإن كان مثل رأس الذباب من خشية الله ثم يصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار\"، الحديث. حرّ الوجه هو ما أقبل عليك وبدا لك منه، وحر كل أرض ودار وسطها وأطيبها وحر البقل والفاكهة والطين جيدها، قاله في النهاية (^١). وبقية أحاديث الباب تقدم الكلام عليها في أماكن متفرقة من هذا التعليق.\nتنبيه: في بعض الحديث الدموع خفر العيون الخفر جمع خفرة وهي الذمة أي أن الدموع التي تجري خوفا من الله تعالى تجير العيون من النار، قاله في النهاية (^٢).\n\n٥٠٣٦ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- لَيْسَ شَيْء أحب إِلَى الله من قطرتين وأثرين قَطْرَة دموع من خشيَة الله وقطرة دم تهراق فِي سَبِيل الله وَأما الأثران فأثر فِي سَبِيل الله وَأثر فِي فَرِيضَة من فَرَائض الله ﷿ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٣).\n\n٥٠٣٧ - وعن مسلم بن يسار قال: قال رسول الله -ﷺ-: ما اغرورقت عين بمائها إلا حرم الله سائر ذلك الجسد على النار، ولا سالت قطرة على خدها\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٦٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٦٦٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٠٨)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٣٥ رقم ٧٩١٨). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٢٦) و(١٣٧٦) و(٣٣٢٧).","vol":"13","page":161},{"text":"فيرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، ولو أن باكيا بكى في أمة من الأمم رحموا وما من شيء إلا له مقدار وميزان إلا الدمعة، فإنه تطفأ بها بحار من نار. رواه البيهقي (^١) هكذا مرسلا، وفيه راو لم يسم، وروى عن الحسن البصري، وأبي عمران الجوني، وخالد بن معدان غير مرفوع وهو أشبه.\nقوله: \"وعن مسلم بن يسار\" هو أبو عبد الله مسلم بن يسار البصرى الفقيه، قيل: هو مولى عثمان بن عفان، وقيل: مولى طلحة بن عبيد الله، وقيل: مزنى. روى عن أبيه، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبى الأشعث الصنعانى. روى عنه ابنه عبد الله، وأبو قلابة، وابن سيرين، وثابت البناني، وأيوب، وغيرهم.\nقال خليفة بن خياط: كان مسلم يعد خامس خمسة من فقهاء البصرة. وقال محمد بن سعد: كان ثقة، فاضلا، ورعا، عابدا. وقال ابن عون: كان لا يفضل أحد في ذلك الزمان. وقال ابن معين: هو ثقة، رجل صالح. وقال أحمد بن حنبل، وأحمد بن عبد الله: هو ثقة. وقال ابن سعد: توفى سنة مائة أو سنة إحدى ومائة. وقال خليفة: سنة مائة (^٢).\nقوله: \"لا سالت قطرة على خدها فيرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة\" أي لا يغشى ذلك الوجه قتر ولا ذلة، والقتر جمع قترة بالقاف المفتوحة الغبار\n_________\n(^١) البيهقي في شعب الإيمان (٧٩٠)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٣٧): مرسل وضعيف جدًا.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"13","page":162},{"text":"الأسود، قوله: ولا ذلة أي هوان، وقال قتادة كآبة. وفي حديث آخر: ما اغرورقت عين بمائها أي [امتلأت] بالدموع ولم تفض. قوله -ﷺ-: \"ولو أن باكيا بكى في أمة من الأمم رحموا وما من شيء إلا له مقدار وميزان إلا الدمعة فإنه يطفؤ بها بحار من نار\" الحديث.\nفائدة فيها بشرى: روي عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سليمان وهو غير التيمي، عن عبيدة بن حسان، عن النضر بن سعيد (^١) قال: قال رسول الله -ﷺ-: لو أن عبدا بكى في أمة من الأمم [لأنجي] الله تلك الأمة من النار ببكاء ذلك العبد، وما من عمل إلا له وزن وثواب إلا الدمعة فإنها تطفئ بحورا من النار. الحديث.\nوروي عن صالح المري (^٢) قال من بكى خوفا من الله تعالى من ذنب غفر له ذلك الذنب ومن بكى اشتياقا إلى الله تعالى أباحه الله تعالى النظر إليه متى شاء، وروي عن هارون بن رئاب (^٣) أنه قال: إن البكاء مثاقيل لو وزن بالمثقال الواحد منها [مثل] جبال الدنيا لرجح به البكاء وإن الدمعة لتنحدر فتطفئ البحور من النار، وما بكى عبد مخلصا في ملأ إلا غفر لهم جميعا ببركة بكائه، وروى عبد الوهاب عن خالد بن معدان (^٤) قال: ما بكى عبد من خشية الله تعالى إلا خشعت لذلك جوارحه وكان مكتوبا في الملأ الأعلى\n_________\n(^١) الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا (١٤).\n(^٢) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٢/ ٢٠٢) لكن فيه عن كعب.\n(^٣) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٢/ ٢٠٢).\n(^٤) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٢/ ٢٠٠).","vol":"13","page":163},{"text":"باسمه فلان بن فلان منوّر قلبه بذكر الله تعالى. وروي عن حزم القلعي، قال: سمعت مالك بن دينار (^١) يقول الباكي من خشية الله تعالى تهتز له البقاع التي يبكي عندها وتغمره الرحمة ما دام باكيا. ورى ابن السماك قال: سمعت عمر بن ذر (^٢) يقول إن البكاء من خشية الله تعالى [تبذل] بكل قطرة أو دمعة تخرج من عينيه أمثال الجبال من النور في قلبه ويزاد في قوته للعمل [ويطفئ] بذلك المدامع بحور من النار، والله أعلم.\nقوله في آخر حديث مسلم بن يسار، وروي عن الحسن البصري وأبي عمران الجوني وخالد بن معدان غير مرفوع وهو أشبه. الحسن البصري هو الإمام المشهور المجمع على جلالته في كل فن، أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار التابعى البصري، بفتح الباء وكسرها، الأنصاري، مولاهم مولى زيد بن ثابت، وقيل: مولى جميل بن قطبة، وأمه اسمها خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، ﵂. ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عُمر بن الخطاب -﵁-. قالوا: فربما خرجت أمه في شغل فيبكى فتعطيه أم سلمة، ﵂، ثديها فيدر عليه، فيرون أن تلك الفصاحة والحكم من ذلك، وعن محمد بن سعد، قال: كان الحسن جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، جميلا، وسيما. وقدم مكة فأجلسوه على سرير، واجتمع الناس إليه، فيهم طاووس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن\n_________\n(^١) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٢/ ٢٠٠).\n(^٢) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٢/ ٢٠٠).","vol":"13","page":164},{"text":"شعيب، فحدثهم، فقالوا، أو قال بعضهم: لم ير مثل هذا قط. وقال بكر بن عبد الله: الحسن أفقه من رأينا. ومناقبه كثيرة مشهورة. توفى سنة عشر ومائة.\nومن حكم الحسن ما ذكره الشافعي، ﵁، في المختصر في قول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (^١)، قال الحسن: كان غنيا عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستن به الحكام بعده. وقال في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^٢) الآية: لولا هذه الآية لرأيت الحكام هلكوا، ولكن أثنى على هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده.\nوأبو عمران الجوني هو عبد الملك بن حبيب الأزدي وقيل الكندي أحد العلماء رأى عمران بن حصين روى عن جندب بن عبد الله البجلي وأنس وأبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي وغيرهم وعنه ابنه عبيد وسليمان التيمي وابن عون وأبو عامر الخزاز وشعبة وأبان وآخرون قال ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: صالح وقال النسائي: ليس به بأس وقال عمرو بن علي: مات سنة ثمان وعشرين ومائة واسمه: عبد الرحمن كذا قال وقال غيره: سنة تسع وقال ابن حبان في الثقات: مات سنة ثلاث وعشرين. قلت: ثم قال: وقد قيل سنة ثمانية وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث وفي الطبراني بإسناد صحيح عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني قال بايعت بن الزبير على أن أقاتل أهل الشام فاستفتيت جندبا، وخالد بن معدان هو أبو عبد الله خالد بن معدان\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٥٩.\n(^٢) سورة الأنبياء: ٧٩.","vol":"13","page":165},{"text":"ابن أبي كريب الشامي الكلاعي. من أهل حمص. قال: لقيت سبعين رجلا من أصحاب النبي -ﷺ- وكان من ثقات الشاميين، مات بأنطرطوس سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ثلاث.\n\n٥٠٣٨ - وعن ابن أبي مليكة قال: جلسنا إلى عبد الله بن عمرو -﵄- في الحجر فقال: ابكوا، فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا، لو تعلموا العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته. رواه الحاكم (^١) مرفوعا وقال: صحيح على شرطيهما.\nقوله: \"وعن ابن أبي مليكة\" هو أبو محمد، وقيل: أبو بكر، عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة -واسم أبي مليكة زهير- بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي القرشي الأحول المكي. من مشاهير التابعين وعلمائهم، وكان قاضيا على عهد عبد الله بن الزبير، قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -ﷺ-، سمع ابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، روى عنه ابن جريج، وخلق سواه، مات سنة سبع عشرة ومائة.\nقوله: \"جلسنا إلى عبد الله بن عمر في الحجرة وقال: ابكوا فإن لم تجدوا بكاء فتباكَوا\" الحديث، والتباكي هو تعاطي أسباب البكاء وإظهار الحزن،\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧٨ - ٥٧٩)، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٠٧ - زوائد المروزي)، ووكيع في الزهد (٢٠)، وهناد في الزهد (٤٥٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٢٨).","vol":"13","page":166},{"text":"أي تكلفوا ذلك واجتهدوا فيه وبكت السحابة استرخت عزاليها ويمكن أن يكون البكاء منه. قاله صاحب المغيث (^١).\n\n٥٠٣٩ - وعن مطرف عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي ولصدره أزير كأزيز الرحا من البكاء. رواه أبو داود (^٢) واللفظ له، والنسائي (^٣) وابن خزيمة (^٤) وابن حبان (^٥) في صحيحيهما، وقال بعضهم:\n_________\n(^١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ١٨٣).\n(^٢) أبو داود (٩٠٤)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٩)، والترمذي في الشمائل (٣٠٥) أبو عبيد في فضائل القرآن (ص ٦٤)، وأحمد (٤/ ٢٥ و٢٦)، وعبد بن حميد (٥١٤) والحربي في الغريب (٣/ ٩٧٩)، وأبو يعلى (١٥٩٩)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٥٥)، وأبو الشيخ الأصبهاني في أخلاق النبي -ﷺ- وآدابه (٥٣٥)، والقطيعي في جزء الألف دينار (٨١)، والحاكم (١/ ٢٦٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٢١٧)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢٦٣)، والبيهقي (٢/ ٢٥١) وفي الشعب (٧٥٦ و١٨٨٩)، وفي دلائل النبوة (١/ ٣٥٧)، والبغوي في شرح السنة (٧٢٩)، وفي الشمائل (٢٧٩)، والضياء في المختارة (٤٣٦ - ٤٣٧ - ٤٤٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وقال الحافظ في الفتح (٢/ ٢٠٦): رواه أبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وإسناده قوي وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم ووهم من زعم أن مسلما أخرجه. وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (٤/ ٢٤٥) وهذا الإسناد على شرط مسلم. وقال النووي في الرياض (١/ ١٦٨): رواه أبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٥٤٤)، وصحيح أبي داود (٨٤٠)، وصلاة التراويح (ص: ١١٩).\n(^٣) النسائي (٣/ ١٢)، وفي الكبرى (٥٤٤ و١١٣٥).\n(^٤) ابن خزيمة (٩٠٠).\n(^٥) ابن حبان (٦٦٥ و٧٥٣).","vol":"13","page":167},{"text":"ولجوفه أزير كأزيز المرجل.\n[قوله: أزيز كأزيز الرحا]: أي صوت كصوت الرحا، يقال: أزت الرحا إذا صوتت، والمرجل: القدر، ومعناه أن لجوفه حنينا كصوت غليان القدر إذا اشتد.\nقوله: \"وعن مطرف بن عبد الله عن أبيه\" تقدم الكلام عليه وعلى مناقبه في الخشوع في الصلاة. قوله: \"رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي ولصدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء\" الحديث، أي صوت كصوت الرحي، يقال: أزّت الرحى إذا صوّتت والمرجل القدر [ومعناه أن لجوفه خنينا كصوت غليان القدر] (^١) إذا اشتد، قاله الحافظ. [والخنين بكاء بصوت فيه غنة] (^٢).\n\n٥٠٤٠ - وعن علي -﵁- قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله -ﷺ- تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. رواه ابن خزيمة في صحيحه (^٣).\nقوله: \"وعن علي -﵁-\"، كنيته: أبو الحسن فهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي المكي المدني الكوفي أمير\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) ابن خزيمة (٨٩٩) والحديث؛ أخرجه الطيالسي (١١٨)، وأحمد (١٠٢٣)، والنسائي في الكبرى (٨٢٥)، وأبو يعلى (٢٨٠)، (٣٠٥)، وابن حبان (٢٢٥٧)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٩ و٤٩)، وقال ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٨٠) رواه النسائي بإسناد حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٥٤٥).","vol":"13","page":168},{"text":"المؤمنين ابن عم رسول الله -ﷺ-. واسم أبي طالب: عبد مناف على المشهور وأم علي اسمها فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف وكنيته أبو الحسن كما تقدم، وكناه رسول الله -ﷺ- أيضًا أبا تراب، وهو أخو رسول الله -ﷺ- بالمواخاة، قال له أنت أخي في الدنيا والآخرة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وأول هاشمي ولد بين هاشميين وأول خليفة من بني هاشم وأحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله -ﷺ- وهو عنهم راض وأحد الخلفاء الراشدين وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين وأحد السابقين إلى الإسلام، واستخلفه النبي -ﷺ- حين هاجر من مكة أن يقيم بها أياما حتى يؤدي عنه أمانته ثم يلحقه بأهل وشهد مع رسول الله -ﷺ- المشاهد إلا تبوك فإنه ﵊ استخلفه فيها على المدينة وهو القائل: يا رسول الله [لا] (^١) تخلفني على النساء والصبيان. وقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أن لا نبي بعدي. وأصابته يوم أحد ستة عشر ضربة وأعطاه الراية يوم خيبر وأخبر أن الفتح يكون على يده. روى البخاري (^٢) ومسلم (^٣) عن سلمة بن الأكوع، قال: أرسلني رسول الله -ﷺ- إلى علي يوم خيبر وهو أرمد. فقال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) صحيح البخاري (٤٢٠٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٥) (٢٤٠٧).","vol":"13","page":169},{"text":"ويحبه الله ورسوله، قال: فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به النبي -ﷺ- فبصق في عينه فبرئ وأعطاه الراية. قال: فبرز مرحب وأنشد أبياتا معروفة في مواضعها، فبرز له علي -﵁- وهو يقول: أنا الذي سمتني أم حيدرة. الشعر [المشهور]. قال السهيلي (^١): ذكر قاسم بن ثابت في تسميته حيدرة ثلاثة أقوال: الأول أنه اسمه في الكتب القديمة أسد والأسد هو حيدرة.\nوالثاني: أن أمه فاطمة بنت أسد حين ولدته كان أبوه غائبا فسمته باسم أبيها أسد فقدم أبوه فسماه عليا. والثالث أنه كان يلقب في صغره بحيدرة لأن الحيدرة الممتلئ لحما العظيم البطن وقيل لغلظ رقبته وكذلك كان علي -﵁-، وكان مرحب رآى في المنام كأن أسدا افترسه فأراد علي أن يذكره بأنه هو الأسد الذي يقتله فكاشفه بذلك فلما سمعه أرعد [بتذكره] المنام فضرب علي مرحبا ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح على يده، وبهذا الفعل استدل على جواز المبارزة في الحرب بشرط أن لا يتضرر المسلمون بقتل المبارزة فإن طلب المبارزة كافر استحب الخروج إليه وأحوال علي -﵁- من الشجاعة مشهور.\nوأما علمه رضي الله تعالى عنه فكان من العلوم بالمحل الأعلي، وتقدم الكلام على بعض مناقبه في أماكن متفرقة من هذا التعليق والله أعلم.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٣٨٥).","vol":"13","page":170},{"text":"قوله في الحديث: \"ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد\" والمقداد هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك الكندي الهمداني أبو عمرو ويقال أبو معبد المكي حليف الأسود بن عبد يغوث الزهري وكان الأسود قد تبناه أي ربّاه وحالفه في الجاهلية أو تزوج بأمه فقيل ابن الأسود ويقال كان في حجره، ويقال كان عبدا حبشيا أسود فتبناه، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان فارس المسلمين يوم بدر بالاتفاق، وكان المقداد من الرماة المذكورين وهو أحد الستة الذين أظهروا إسلامهم وكان من الفضلاء النجباء الكبار من خيار الصحابة.\nوقال النبي -ﷺ- وهو يدعو على المشركين لا نقول لك كما قال موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (^١) ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك. فسُرّ النبي -ﷺ- بذلك.\nوفي آخر كتاب الشفاء (^٢) أن عمر بن الخطاب قطع لسان ولده لما شتم المقداد بن الأسود، وقالى: ذرني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحد بعده أصحاب النبي -ﷺ-.\nوروى الترمذي (^٣) أن رسول الله -ﷺ- قال: إن الله أمرني بحب أربعة\n_________\n(^١) المائدة: ٢٤.\n(^٢) كتاب الشفا (٢/ ٢٥٤).\n(^٣) الترمذي (٣٧١٨)، ومن طريقه: ابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٢٤٢)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك. وأخرجه ابن ماجه (١٤٩)، وأحمد =","vol":"13","page":171},{"text":"وأخبرني [بأنه] يحبهم، قيل يا رسول الله سمّهم لنا. قال: علي والمقداد وأبو ذر وسلمان [رضي الله تعالى عنهم وعن بقية الصحابة أجمعين].\nواعلم أنه يقال له المقداد بن عمرو بن الأسود منسوبا إلى الأب الحقيقي، والأب الادعائي كما يقال محمد بن علي بن الحنفية منسوبا إلى أبيه وأمه جميعا، فعلى هذا ينبغي أن ينون علي ويكتب ابن الحنفية بالألف ويكون إعرابه إعراب محمد لأنه وصف له لا لعلي وقس عليه نظائره.\nقوله: \"ولقد رأيتنا وما فينا قائم إلا رسول الله -ﷺ- تحت شجرة يصلي ويبكي\" الحديث. المراد بالقيام صلاة الليل وتقدم الكلام على ذلك.\n\n٥٠٤١ - وروي عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن الله ﷿ ناجى موسى -﵇- بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، وكان فيما ناجاه به أن قال. يا موسى. إنه لم يتصنع إلي المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم. ولم يتعبد إلي المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي، فذكر الحديث إلى أن قال: وأما البكاؤون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه. رواه\n_________\n= (٢٣٣٥٦) (٢٣٤٠٢) والبخاري في التاريخ الكبير (ص ٣١ - الكنى) والطبري في تاريخه (١١/ ٥٥١)، والآجري في الشريعة (١٤٩٥)، وابن المغازلي في مناقب علي (٣٣١)، (٣٣٣) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٧٢) والحاكم (٣/ ١٣٠)، وقال: على شرط مسلم. وتعقبه الذهبي بقوله: ما خرج مسلم لأبي ربيعة الأيادي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٥٦٦) والسلسلة الضعيفة (١٥٤٩).","vol":"13","page":172},{"text":"الطبراني (^١) والأصبهاني (^٢)، وتقدم بتمامه.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن الله ناجى موسى -﵇- بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة\" الحديث، تقدم الكلام عليه في الزهد.\n\n٥٠٤٢ - وعن عقبة بن عامر -﵁- قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. رواه الترمذي (^٣)\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٣٩٣٧)، وفي المعجم الكبير (١٢/ ١٢٠/ ١٢٦٥٠)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد (١٩٨)، وابن شاهين في حديثه (١٧) و(١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٤٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٣) رواه الطبراني، وفيه جويبر وهو ضعيف جدا. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٦) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جويبر بن سعيد، وهو ضعيف. وقال الألباني في الضعيفة (٥٢٥٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٣٨): ضعيف جدا.\n(^٢) الترغيب والترهيب لقوام السنة (٤٩٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٠٦)، وقال: حديث حسن. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٢٤)، وأحمد (٥/ ٢٥٩)، وفي الزهد (ص ٢٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (٣)، وابن عدي (٤/ ١٦٣٢) (٥/ ١٨١٣) (٧/ ٢٦٧٢)، والروياني (١٥٨)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٧٠/ ٧٤١)، وفي مسند الشاميين (٢٥٣)، والخطابي في العزلة (ص ٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٩ و٨/ ١٧٥) وأبو عمرو الداني في الفتن (١١٩) والشجري في أماليه (٢/ ١٥٥ - ١٥٦) وأبو سعد الماليني في الأربعين في شيوخ الصوفية (ص ١٩٣ - ١٩٤) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٧١٣ و١٧٣١)، والخطيب في التاريخ (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١) والسلفي في معجم السفر (٣٦٣) وابن قدامة في المتحابين (١٤٤) وقال الترمذي: حديث حسن وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٣٠٩) أخرجه الترمذي وحسنه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٤١)، والصحيحة (٨٨٨).","vol":"13","page":173},{"text":"وابن أبي الدنيا (^١) والبيهقي (^٢)، كلهم من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عنه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nقوله: \"وعن عقبة بن عامر الجهني\" الصحابي الشريف المقرئ الفرضي الفصيح، وهو كان البريد إلى عمر بن الخطاب بفتح دمشق ووصل إلى المدينة في سبعة أيام ورجع إلى الشام في يومين ونصف بدعائه عند قبر رسول الله -ﷺ- بذلك أي بتقريب الطريق عليه، وتقدم الكلام على بعض مناقبه في أماكن متفرقة.\n\n٥٠٤٣ - وعن ثوبان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: طوبى لمن ملك نفسه، ووسعه بيته، وبكى على خطيته. رواه الطبراني في الأوسط (^٣) والصغير (^٤) وحسن إسناده.\nقوله: \"وعن ثوبان\" هو مولى رسول الله -ﷺ-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"طوبى لمن ملك لسانه\" الحديث، تقدم الكلام على طوبي، والحديث.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (١٦٩) وفي الصمت (٢) وفي العزلة (١).\n(^٢) البيهقي في الشعب (٧٨٤ و٤٥٨٢) (٧٥٨٧) (٧٧٢٣)، وفي الزهد (٢٣٦) وفي الآداب (٤٠٠).\n(^٣) المعجم الأوسط (٢٣٤٠).\n(^٤) الطبراني في الصغير (٢١٢)، وفي مسند الشاميين (٥٤٨)، وأخرجه أحمد في الزهد (ص/ ٢٩)، وابن أبي عاصم الزهد (٣٤)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٢٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٧٤٠).","vol":"13","page":174},{"text":"٥٠٤٤ - وعن الهيثم بن مالك أنه قال: خطب رسول الله -ﷺ-، فبكى رجل بين يديه فقال النبي -ﷺ-: لو شهدكم اليوم كل مؤمن عليه من الذنوب كأمثال الجبال الرواسي لغفر لهم ببكاء هذا الرجل، وذلك أن الملائكة تبكي وتدعو له، وتقول: اللهم شفع البكائين فيمن لم يبك. رواه البيهقي (^١) وقال: هكذا جاء هذا الحديث مرسلا.\nقوله: \"وعن الهيثم بن مالك\" كذا\nقوله: \"لو شهدكم اليوم كل مؤمن عليه من الذنوب كأمثال الجبال الرواسي\" الحديث، شهدكم معناه حضركم.\nقوله: هكذا جاء الحديث مرسلا، تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.\n\n٥٠٤٥ - وعن ابن عباس -﵄- قال: لما أنزل الله ﷿ على نبيه -ﷺ- هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^٢) تلاها رسول الله -ﷺ- ذات يوم على أصحابه فخر فتى مغشيا عليه، فوضع النبي -ﷺ- يده على فؤاده، فإذا هو يتحرك، فقال رسول الله -ﷺ-: يا فتى قل: لا إله إلا الله، فقالها فبشره بالجنة، فقال أصحابه: يا رسول الله أمن بيننا؟ فقال: أوما سمعتم قوله تعالى: [ذلك لمن خاف مقامي وخاف\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٨٩)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٧/ ١٠٢) ٣١٠٣): منكر جدًّا، وقال في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٣٩): مرسل موضوع.\n(^٢) سورة التحريم، الآية: ٦.","vol":"13","page":175},{"text":"وعيد]. رواه الحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد كذا قال.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"يا فتى قل لا إله إلا الله، فقالها، فبشره بالجنة\" وروي في سنن أبي داود (^٢) وغيره عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله -ﷺ-: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.\nوفي حديث: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. رواه مسلم (^٣) وزاد ابن أبي\n_________\n(^١) المستدرك (٢/ ٣٥١)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧٢٠) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٠) وقال ابن رجب في التخويف من النار (ص: ٣٠): وقد روي هذا عن ابن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وخرجه من هذا الوجه الحاكم وصححه. ولعل المرسل أشبه.، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٩٥) عن عبد العزيز بن أبي رواد مرسلًا.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣١٦) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٥١ و٥٠٠). وفي معرفة علوم الحديث (١٠٦). وأحمد (٥/ ٢٢٣ و٢٤٧)، والبزار (٢٦٢٦ - البحر الزخار). والهيثم بن كليب الشاشي (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١/ ١٣٧٢ و١٣٧٣)، والطبراني في الكبير (١٢٠/ ١١٢/ ٢٢١)، وفي الدعاء (١٤٧١)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٦٧٨)، وابن منده في التوحيد (١٨٧)، والبيهقي في الشعب (٩٤) و(٩٢٣٤ و٩٢٣٧)، وفي الاعتقاد (٣٧)، وفي الأسماء والصفات (١/ ١٧١)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٣٦). وفي الموضح (٢/ ١٨٦). وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٣٥ - ٣٦)، والمزي في تهذيب الكمال (١٣/ ٧٤) و(١٩/ ١٠١ - ١٠٢)، والذهبي في السير (١٣/ ٨٥)، وفي التذكرة (٢/ ٦٢٠)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وحسنه الألباني في الإرواء (٦٨٧)، وصححه في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٢٧٩).\n(^٣) صحيح مسلم (١) (٩١٦).","vol":"13","page":176},{"text":"الدنيا (^١): فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته إلا كانت زاده [إلى الآخرة، وما أحسن ما] اتفق للحافظ أبي زرعة الرازي (^٢) عبد الله بن عبد الكريم لما حضرته الوفاة كان عنده أبو حاتم الرازي ومحمد بن مسلمة فاستحييا أن يلقناه فتذاكرا التلقين فارتج عليهما فبدا أبو زرعة وهو في النزع فذكر إسناده إلى أن قال: قال رسول الله -ﷺ-: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ثم خرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول دخل الجنة، ونقل في الروضة عن الجمهور الاقتصار على لا إله إلا الله. وعن جماعة من الأصحاب أنه يضيف محمد رسول الله لأن المقصود ذكر التوحيد والمراد موته مسلما وهو لا يسمى مسلما إلا بهما والأول أصح [أما] لا إله إلا الله إذا كان المحتضر كافرا فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين لأنه لا يصير مسلما إلا بهما. قالوا: وينبغي أن يكون الملقن غير وارث حتى لا يتهمه باستعجال موته فإن لم يكن عنده إلا الورثة لقّنه أبرّهم به وأحبهم إليه. ومعنى قوله: \"لقنوا موتاكم\" أي [قولوا] لهم ذلك. وذكروهم به عند الموت، وسماهم موتى لأن الموت قد حضرهم، وتلقين الموتى هذه الكلمة سنة مأثورة عمل بها المسلمون ليختم لهم بالسعادة فيدخلوا الجنة.\n_________\n(^١) في المحتضرين (٥).\n(^٢) روي الحديث بهذه القصة جماعة منهم: ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٣٤٥). والحاكم في المعرفة، والبيهقي في الشعب، والخطيب في تاريخه وابن عساكر في تاريخه، والذهبي في السير وتذكرة الحفاظ. انظر: العزو في الحاشية السابقة رقم (١).","vol":"13","page":177},{"text":"قال العلماء: فإن لم يقل هو لا إله إلا الله لقّنه من حضره، ويلقنه برفق مخافة من أن [يضجر فيردها، وإذا قالها مرة لا يعيدها عليه إلا أن] (^١) يتكلم بكلام آخر [ولا يلح على التلقين كما تقدم لئلا يضجر فيمتنع من ذلك، ولا يقول له: قل لا إله إلا الله، بل يقول بحضرته ذلك، حتى يسمع ليتفطن فيقولها، فإن تكلم بعدها أعيد التلقين ليختم له بها أقواله. وقيل للجنيد عند الموت: قل لا إله إلا الله، فقال: ما نسيته فأذكره، انتهي].\n\n٥٠٤٦ - وروي عن أنس -﵁- قال: تلا رسول الله -ﷺ- هذه الآية: [وقودها الناس والحجارة] فقال: أوقد عليها ألف عام حتى احمرت وألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهيبها قال: وبين يدي رسول الله -ﷺ- رجل أسود فهتف بالبكاء فنزل عليه جبريل -﵇- فقال: من هذا الباكي بين يديك؟ قال: رجل من الحبشة، وأثنى عليه معروفا، قال: فإن الله ﷿ يقول: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي لا تبكي عين عبد في الدنيا من مخافتي إلا أكثرت ضحكها في الجنة، رواه البيهقي (^٢) والأصبهاني.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم. قوله: \"قال رجل من الحبشة\" الحبشة اسم إقليم\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (١٠٨٤)، وفي شعب الإيمان (٧٧٨) وأخرجه ابن مردويه (ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ١٢٣)، وقال ابن رجب في التخويف من النار (ص: ٩١): خرجه البيهقي، والكديمي ليس بحجة.","vol":"13","page":178},{"text":"مشهور وهي أرض واسعة شمالها الخليج البربري، وجنوبها البر، وشرقها الزنج، وغربها البجة. الحر بها شديد جدًا، وسواد لونهم لشدة الاحتراق، وأكثر أهلها نصارى يعاقبة، والمسلمون بها قليل. وهم من أكثر الناس عددًا وأطولهم أرضًا، لكن بلادهم قليلة وأكثر أرضهم صحارى لعدم الماء وقلة الأمطار، وطعامهم الحنطة والدخن، وعندهم الموز والعنب والرمان، ولباسهم الجلود والقطن.\n\n٥٠٤٧ - وروي عن العباس بن عبد المطلب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها. رواه أبو الشيخ ابن حيّان في الثواب والبيهقي (^١) واللفظ له.\n\n٥٠٤٨ - وفي رواية له (^٢) قال: كنا جلوسا مع رسول الله -ﷺ- تحت شجرة\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (٧٨٢)، وأخرجه البزار (١٣٢٢)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٧٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٠٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٥٦)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٢٨٨)، والماليني في الأربعين (٨) وقال الهيثمي في المجمع: (١٠/ ٣١٠) فيه أم كلثوم بنت العباس ولم أعرفها وبقية رجاله ثقات، وأورده الحافظ في الإصابة (٨/ ٢٩٥) وعزاه لسمويه، إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٧٠) رواه أبو يعلى الموصلي والبيهقي بلفظ واحد بسند ضعيف. ورواه البزار وأبو الشيخ بن حيان في كتاب الثواب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣١٩)، وفي السلسلة الضعيفة (٢٣٤٣).\n(^٢) البيهقي في الشعب (٧٨٣).","vol":"13","page":179},{"text":"فهاجت الريح، فوقع ما كان فيها من ورق نخر وبقي ما كان من ورق أخضر فقال رسول الله -ﷺ-: ما مثل هذه الشجرة؟ فقال القوم: الله ورسوله أعلم فقال: مثل المؤمن إذا اقشعر من خشية الله ﷿ وقعت عنه ذنوبه، وبقيت له حسناته.\nقوله: \"وروي عن العباس بن عبد المطلب\" العباس هو أحد أعمام رسول الله -ﷺ- وأعمامه حمزة والعباس والحارث وأبو طالب عبد مناف وأبو لهب عبد العزى والزبير وعبد الكعبة وضرار وقثم والمقوم والمغيرة ولقبه حجل والغيداق واسمه مصعب وقيل نوفل [وزاد بعضهم العوام، أسلم منهم حمزة والعباس -﵄-، وأسنّهم الحارث، وأصغرهم سنا العباس، وجعل بعضهم عبد الكعبة والمقوم واحدا، وبعضهم الغيداق وحجلا واحدا، والله تعالى أعلم]. قوله: \"فهاجت الريح فوقع ما كان فيها من ورق نخر وبقي ما كان من ورق أخضر\". الحديث. النخر هو الناشف.","vol":"13","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>الترغيب في ذكر الموت وقصر الأمل</span>\nوالمبادرة بالعمل، وفضل طول العمر لمن حسن عمله، والنهي عن تمني الموت.\n\n٥٠٤٩ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت. رواه ابن ماجه (^١) والترمذي (^٢) وحسنه، ورواه الطبراني في الأوسط (^٣) بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه (^٤) وزاد: فإنه ما ذكره أحد\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٠٧) وقال: حسن غريب وأخرجه نعيم بن حماد في زياداته على الزهد لابن المبارك (١٤٦)، وأحمد (٧٩٢٥)، والنسائي (٤/ ٤)، وابن أبي الدنيا في ذكر الموت (١٥٣)، وابن عدي (٥/ ٢٢٢)، والحاكم (٤/ ٣٢١)، والبيهقي في الزهد الكبير (ص ٢٦٦، ٢٦٧)، وفي شعب الإيمان (١٠٠٧٥ - ١٠٠٧٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١/ ٣٨٤)، (٩/ ٤٧٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٦٩)، (٦٦٨) و(٦٧٠) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٢٧): أخرجه الترمذي وقال حسن والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وقد تقدم. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢١٠) صحيح سنن ابن ماجه (٣٤٣٤)، صحيح سنن النسائي (١٧٢٠)، صحيح سنن الترمذي (١٨٧٧)، وفي الإِرواء (٦٨٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣٣٣).\n(^٣) المعجم الأوسط (٨٥٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٩): رواه الترمذي، وغيره باختصار. رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.\n(^٤) ابن حبان (٢٩٩٢).","vol":"13","page":181},{"text":"في ضيق إلا وسعه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه.\nقوله: \"عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه\". قوله -ﷺ-: \"أكثروا من ذكر هاذم اللذات\" يعني الموت، والهاذم بالذال المعجمة القاطع، [وهذا كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة ومنعه من تمنيها في المستقبل وزهده فيما كان منها مؤمل ولكن النفوس الراكدة والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعظ وتزويق الألفاظ وإلا ففيما ذكرته من قوله -﵇-: أكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت ما يلقى السامع له ويشغل الناظر فيه.\nوقال أبو الدرداء (^١): من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده. وكان ابن سيرين إذا ذكر عنده الموت مات كل عضو منه على حدته وقال [التيمي] شيئان قطعا عني لذاذة الدنيا: ذكر الموت وذكر الوقوف بين يدي الله تعالى. وقال عمر بن عبد العزيز (^٢): لو فارق ذكر الموتي قلبي ساعة لفسد وقال لعنبسة: أكثر ذكر الموت فإن كنت واسع العيش ضيقه عليك وإن كنت ضيق العيش وسعه عليك. وكان يزيد الرقاشي يقول (^٣): أيها الناس ألا تبكون ألا تنوحون على أنفسكم باقي حياتكم، من الموت موعده والقبر بيته والثرى فراشه والدود أنيسه وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف يكون\n_________\n(^١) الزهد لابن المبارك (١٤٩) حلية الأولياء (١/ ٢٢٠).\n(^٢) الزهد لابن المبارك (٢٦٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٥٤٣١) عن الربيع بن أبي راشد.\n(^٣) المجالسة وجواهر العلم (٧٣٠).","vol":"13","page":182},{"text":"حاله. ويروى أن عيسى كان إذا ذكر عنده الموت والقيامة يقطر جسده دما (^١).\nوعن داود -﵇- أنه كان إذا ذكر عنده الموت والقيامة وبكى حتى تنخلع أوصاله (^٢)، وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة (^٣)، وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير (^٤) أن هذا الموت نغص على أهل النعيم نعيمهم [فطلبوا] نعيما لا موت فيه، فكيف ووراءه يوم يعدم فيه الجواب وتدهش فيه الألباب وتفنى في شرحه الأقلام والكُتاب ويترك النظر فيه والاهتمام به الأولياء [والأحباب]. واعلم أن كثرة ذكر الموت تردع عن المعاصي وتلين القلب القاسي ويذهب الفرح في الدنيا وتهون المصائب فيها، اهـ.\nقاله في كتاب العاقبة لعبد الحق الإشبيلي (^٥).\nفائدة في ذكر الموت: هو مفارقة الروح الجسد. قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار وهو من أعظم المصائب، وقد سماه الله تعالى مصيبة في قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ (^٦)،\n_________\n(^١) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).\n(^٢) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).\n(^٣) تاريخ مدينة دمشق (ج ٤٥ ص ٢٣٩) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).\n(^٤) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).\n(^٥) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٦).\n(^٦) سورة المائدة: ١٠٦.","vol":"13","page":183},{"text":"فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى وأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره وقلة التفكر فيه وترك العمل له وإن فيه وحده عبرة لمن اعتبر وفكرة لمن افتكر، فقد قال النبي -ﷺ-: لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا. فيستحب للإنسان كثرة ذكر الموت لأنه أزجر عن المعاصي وأدعى إلى فعل الطاعات] (^١)، وفي رواية ابن حبان فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه وما ذكره في سعة إلا ضيّقها [عليه] (^٢)، الحديث.\nوفي حديث ابن عمر الذي رواه الطبراني (^٣) فإنه ما كان في كثير إلا قلله ولا قليل إلا جزاه، أي في كثير من الأمل وقليل من العمل. وقد أمر النبي -ﷺ- بكثرة ذكر الموت فقال: أكثروا ذكر هاذم اللذات، وفي حديث مرسل (^٤) أنه\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الصحيفة من النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وفي حديث ابن عمر الذي رواه الطبراني فإنه ما كان في كثير إلا قلله ولا قليل إلا جزاه، أي في كثير من الأمل وقليل من العمل).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) المعجم الأوسط (٥٧٨٠)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٩): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٣)، وضعفي الجامع الصغير وزيادته (١١١٢).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت مرسلًا كما في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٢٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٤٠٩). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٢٨): أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت هكذا مرسلا ورويناه في أمالي الجلال من حديث أنس ولا يصح. انظر: لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٩٩)، والعاقبة في ذكر الموت (ص: ٣٨).","vol":"13","page":184},{"text":"-ﷺ-: مرّ بمجلس قد استعلاه الضحك فقال: شوبوا مجلسكم بذكر مكدِّر اللذات الموت.\nوفي الإكثار من ذكر الموت فوائد منها: أن يحث على الاستعداد له قبل نزوله، ومنها أن يقصر الأمل، ومنها أن يرضى بالقليل من الرزق، ومنها أن يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، ومنها أن يهون مصائب الدنيا، ومنها أن يمنع من الأشر والبطر، ومنها أن يمنع من التوسع في لذات الدنيا، اهـ. قاله ابن رجب (^١).\n\n٥٠٥٠ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَكْثِرُوا ذكر هاذم اللَّذَّات يَعْنِي الْمَوْت فَإِنَّهُ مَا كانَ فِي كثير إِلَّا قلله وَلَا قَلِيل إِلَّا جزأه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n\n٥٠٥١ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- مر بِمَجْلِس وهم يَضْحَكُونَ فَقَالَ أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات أَحْسبهُ قَالَ فَإِنَّهُ مَا ذكره أحد فِي ضيق من الْعَيْش إِلَّا وَسعه وَلَا فِي سَعَة إِلَّا ضيقه عَلَيْهِ رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٩٩).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٥٦ رقم ٥٧٨٠)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ١٣٧ - ١٣٨ رقم ١٠٠٧٤). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا أبو عامر الأسدي، تفرد به منجاب، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠٩: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٤٣).","vol":"13","page":185},{"text":"بِاخْتِصَار (^١) وَتقدم فِي بَاب التَّرْهِيب من الظُّلم حَدِيث أبي ذَر وَفِيه قلت يَا رَسُول الله فَمَا كَانَت صحف مُوسَى -﵇- قَالَ كَانَت عبرا كلهَا عجبت لمن أَيقَن بِالْمَوْتِ ثمَّ هُوَ يفرح عجبت لمن أَيقَن بالنَّار ثمَّ هُوَ يضْحك عجبت لمن أَيقَن بِالْقدرِ ثمَّ هُوَ ينصب عجبت لمن رأى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبهَا بِأَهْلِهَا ثمَّ اطْمَأَن إِلَيْهَا وَعَجِبت لمن أَيقَن بِالْحِسَابِ غَدا ثمَّ لَا يعْمل رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره.\n\n٥٠٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: دخل رسول الله -ﷺ- مصلاه فرأى ناسا كأنهم يكتشرون فقال: أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات أشغلكم عما أرى الموت فأكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة وأنا بيت التراب وأنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا أما إن كنت أحب من يمشي على ظهري أي فإذ وليتك اليوم فسترى صنيعي بك قال فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر فقال له القبر: لا مرحبا ولا أهلا أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك قال: فيلتئم عليه حتى تلتقي عليه وتختلف أضلاعه قال: فأخذ رسول الله -ﷺ- بأصابعه، فأدخل\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٩٨٧)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧ رقم ٨٠٢) و(٦/ ٤٧٤ رقم ٤٤٩٣). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة إلا مؤمل. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٣٤).","vol":"13","page":186},{"text":"بعضها في جوف بعض قال: ويقيض له سبعون تنينا لو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه حتى يفضى به إلى الحساب قال رسول الله -ﷺ-: إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. رواه الترمذي (^١) واللفظ له والبيهقي (^٢) كلاهما من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو واه، عن عطية وهو العوفي عن أبي سعيد، وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" هو الخدري تقدم. قوله: \"دخل رسول الله -ﷺ- مصلاه فرآى ناسا كأنهم يكتشرون\" الحديث، [يكتشرون هو بالشين المعجمة، قال ابن الأثير: الكشر ظهور الأسنان عند الضحك، أي يبتسمون] يقال كشر أي كشف عن أسنانه، الاكتشار انكشاف الأسنان عند الضحك وكاشره إذا ضحك في وجهه وابتسم [في وجهه] (^٣). قوله: \"فقال: أما إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى الموت\" أي من الضحك. قوله -ﷺ-: \"فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة وأنا بيت الدود\" الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٦٠)، وقال: قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ٢٨٠): (ضعيف جدا)، وفي الضعيفة (٤٩٩٠): لكن جملة هاذم اللذات صحيحة، فانظر الحديث (٢٤٠٩)، وضعيف الجامع الصغير (١٢٣١). وضعفه في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٤).\n(^٢) البيهقي في الشعب (٨٠٣).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":187},{"text":"لطيفة: روى البيهقي في الشعب (^١) عن صدقة بن يسار قال: كان داود -﵇- في محرابه فأبصر دودة صغيرة قال ففكر في خلقها وقال: ما يعبؤا الله جل ذكره بخلق هذه، قال: فأنطقها الله ﷿ فقالت يا داود تعجبك نفسك لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر له منك على ما آتاك الله، قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (^٢)، اهـ، [قوله في القبر: \"فإذ وليتك وصرتَ إليّ فسترى صنيعي بك\" الحديث، الصنيع الفعل الحسن، وقوله: وصرت إلي أي مقهورا تحت أمري، ولم تبق قوة وقدرة لك] (^٣). قوله: \"فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه\" الحديث، أي تختلط، وهذا صريح في أن البدن يعذب، قاله ابن القيم الجوزية (^٤).\nقوله: \"ويقيض له سبعون تنينا لو أنّ واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا\" الحديث، يقيض معناه كذا والتنين ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها وهو أيضا نوع من السمك. وقال القزويني: أنه شر من الكوسج في فمه أنياب مثل أسنة الرماح وهو طويل كالنخلة السحوق أحمر\n_________\n(^١) البيهقي في الشعب (٤٥٨٠)، وانظر: تاريخ مدينة دمشق (١٧/ ٩٥).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.\n(^٣) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (قوله -ﷺ-: (فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة وأنا بيت الدود) الحديث، لطيفة: روى البيهقي).\n(^٤) الروح (ص ٥٥).","vol":"13","page":188},{"text":"العينين [مثل الدم واسع الفم والجوف براق العينين] (^١) يبتلع كثيرا من الحيوان، تخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لشدة قوته، فأول أمره يكون حية متمردة يأكل من دواب البر ما ترى فإذا كثر فسادها احتملها ملك وألقاها في البحر فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعل بدواب البر فيعظم بدنها فيبعث الله ملكا يحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج. وروى عن بعضهم أنه رآى تنينا طوله نحو من فرسخين ولونه مثل لون النمر مفلسا مثل فلوس [السمك] بجناحين عظيمين على هيئة جناحي السمك ورأسه كرأس الإنسان لكنها كالتل العظيم وأذناه طويلتان وعيناه مدورتان كبيرتان جدا، اهـ، قاله صاحب حياة الحيوان (^٢). قوله: \"حتى يفضي به إلى الحساب\" أي يوصل.\nقوله -ﷺ-: \"القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار\" الحديث. قال الإمام القرطبي في التذكرة (^٣): قلنا هذا محمول عندنا على الحقيقة لا على المجاز وإن القبر يملأ على المؤمن خضرا أي نعما غضة خضرا ومنه الحديث (^٤): إن الدنيا حلوة خضرة أي غضة ناعمة طرية وهو العشب من النبات وقد عيّنه عبد الله بن عمرو بن العاصي فقال: هو الريحان\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٣٨).\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٧٧).\n(^٤) صحيح مسلم (٩٩) (٢٧٤٢).","vol":"13","page":189},{"text":"كما في حق الكافر يفرش له لوحان من نار وقد حمله بعض علمائنا على المجاز، والمراد خفة السؤال على المؤمن وسهولته عليه وأمنه فيه وطيب عيشه ووصفه بأنه جنة تشبيها بالجنة، والنعيم بالرياض، يقال فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة فالمؤمن يكون في قبره في روح وراحة وطيب عيش وقد رفع الله عن عينيه الحجاب حتى يرى مدّ بصره كما في الخبر، وأراد بحفرة النار ضغطة القبر وشدة المسائلة والخوف والأهوال التي تكون فيها على الكفرة وبعض أهل الكبائر، والأول أصح لأن الله ﷾ يقص الحق ولا استحالة تلزم من ذلك اهـ، والله أعلم.\n\n٥٠٥٣ - وروي عن أبي هريرة -﵁- قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- في جنازة، فجلس إلى قبر منها فقال: ما يأتي على هذا القبر يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلق طلق: يا ابن آدم نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه، ثم قال رسول الله -ﷺ-: القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلق طلق يا ابن آدم نسيتني\"\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٦١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٦): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن أيوب بن سويد، وهو ضعيف. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٥): موضوع.","vol":"13","page":190},{"text":"الحديث، ذلق بالذال المعجمة، قال الجوهري (^١) في صحاحه لسان طلق ذلق وطليق ذليق وطُلُق ذلُق وطُلَق ذُلَق أربع لغات، اهـ. قوله: \"يقول القبر يا ابن آدم نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق. الحديث.\nوفي كتاب العاقبة (^٢) عن أبي الحجاج الثمالي قال: قال رسول الله -ﷺ-: يقول القبر للميت إذا وضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الدود، ما غرّك إذ كنت تمر بي متبخترا؟ قال: فإن كان مصلحا أجاب عنه مجيب القبر فيقول: أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ فيقول القبر: فإني أعود عليه خضرا ويعود جسده نورا وتصعد روحه إلى رب العالمين، ذكر هذا الحديث الحاكم في كتاب الكني، وروى ابن المبارك (^٣) أن أول ما يُكلم الميت قبره فيقول: ماذا أعددت لي؟ اهـ.\n[لطيفة: قد ورد أن الميت يجد ألم الموت في قبره، ولعل ذلك خاص ليس بعام، فروى ابن أبي الدنيا (^٤) بإسناد وفيه نظر: عن كعب أنه قال: لا يذهب عن الميت ألم الموت ما دام في قبره، وإنه لأشد ما يمر على المؤمن\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٥١٧).\n(^٢) العاقبة في ذكر الموت (ص: ١٨٩).\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٠٠٧) عن عبيد بن عمير.\n(^٤) حلية الأولياء (٦/ ٤٤) أبو نعيم عن كعب شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (١/ ٣٨).","vol":"13","page":191},{"text":"وأهون ما يصيب الكافر.\nوعن الأوزاعي (^١) قال: بلغنا أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره، أو قال ما لم يبعث في قبره.\nفائدة: قال مجاهد (^٢): البرزخ هو ما بين الموت إلى البعث.\nوقال عطاء الخراساني (^٣): البرزخ مدة ما بين الدنيا والآخرة. وصلى أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه على جنازة، فلما وضعت في لحدها قال أبو أمامة: هذا برزخ إلى يوم يبعثون. وقيل للشعبي (^٤): مات فلان. فقال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة، هو في برزخ. وسمعت رجلا يقول: مات فلان فأصبح من أهل الآخرة. فقال: لا تقل من أهل الآخرة، ولكن قل من أهل القبور] (^٥).\n\n٥٠٥٤ - وعن ابن عمر -﵄- قال: أتيت النبي -ﷺ- عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت (^٦). والطبراني في\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٤/ ٤٦٣) شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (١/ ٣٨).\n(^٢) الزهد لابن السري (٣١٤) تفسير الطبري (ج ١٨ ص ٥٣).\n(^٣) تفسير القرطبي (ج ١٢ ص ١٥٠).\n(^٤) تفسير القرطبي (ج ١٢ ص ١٥٠).\n(^٥) سقطت هذه الفقرة من الأصل وأُثبِتت من النسخة الهندية.\n(^٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٣).","vol":"13","page":192},{"text":"الصغير (^١) بإسناد حسن، ورواه ابن ماجه (^٢) مختصرا بإسناد جيد، والبيهقي في الزهد (^٣)، ولفظه: أن رجلا قال للنبي -ﷺ-: أي المؤمنين أفضل؟ قال أحسنهم خلقا. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده استعدادا، أولئك الأكياس، وذكره رزين في كتابه بلفظ البيهقي من حديث أنس، ولم أره.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله: \"يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس\" الحديث. أي [من] (^٤) أعقل الناس وأحزم الناس الناس من الحزم وهو ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة من قوله حزمت الشيء أي شددته، وقيل الحزم إحكام الرأي وأصله من الحِزَام. قوله: أكثرهم\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٦٤٨٨)، وفي المعجم الصغير (١٠٠٨)، وفي المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٤١٧/ ١٣٥٣٦).\n(^٢) ابن ماجه (٤٢٥٩)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٣٤٨): هذا إسناد ضعيف، فروة بن قيس مجهول، وكذا الراوي عنه، وخبره باطل. وأخرجه الروياني (١٤٢٣)، والدولابي الكنى والأسماء (٣/ ١٠٧٦)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٣)، وأخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٦٧)، ثم قال: فذكر - أي عبيد الله بن سعيد- حديثا طويلا ليس من حديث مالك، ولا من حديث أبي سهيل، ولا من حديث ابن عمر.، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٢٨): أخرجه ابن ماجه مختصرا وابن أبي الدنيا بكماله بإسناد جيد. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٦): منكر.\n(^٣) البيهقي في الزهد الكبير (٤٥٦)، وفي شعب الإيمان (١٠٠٦٥).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":193},{"text":"استعدادا للموت، الاستعداد للشيء التهيؤ له بإحضار ما يعين عليه، قاله الكمال الدميري (^١).\n\n٥٠٥٥ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ -﵁- قَالَ مَاتَ رجل من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- فَجعل أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- يثنون عَلَيْهِ ويذكرون من عِبَادَته وَرَسُول الله -ﷺ- سَاكِت فَلَمَّا سكتوا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- هَل كَانَ يكثر ذكر الْمَوْت قَالُوا لَا قَالَ فَهَل كَانَ يدع كثيرا مِمَّا يَشْتَهِي قَالُوا لَا قَالَ مَا بلغ صَاحبكُم كثيرا مِمَّا تذهبون إِلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسنَاد حسن (^٢) وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس قَالَ ذكر عِنْد النَّبِي -ﷺ- رجل بِعبَادة واجتهاد فَقَالَ كَيفَ ذكر صَاحبكُم للْمَوْت قَالُوا مَا نَسْمَعهُ يذكرهُ قَالَ لَيْسَ صَاحبكُم هُنَاكَ (^٣).\n\n٥٠٥٦ - وروي عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ: على المنبر والناس حوله: أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء، فقال رجل: يا رسول الله إنا لنستحيي من الله تعالي، فقال: من كان منكم مستحييا فلا يبيتن ليلة إلا وأجله بين عينيه، وليحفظ البطن وما وعي، والرأس\n_________\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ١٨٥ رقم ٥٩٤١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٩: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٥٠٧) وضعيف الترغيب (١٩٤٧).\n(^٣) أخرجه الختلى في الديباج (٥٣)، والبزار (٣٦٢٢/ كشف الأستار). قال البزار: لا نعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا يوسف. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٩: رواه البزار، وفيه يوسف بن عطية، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٩٤٨).","vol":"13","page":194},{"text":"وما حوي، وليذكر الموت والبلي، وليترك زينة الدنيا. رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: \"وروي عن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها. قوله: \"استحيوا من الله حق الحياء\" إلى قوله \"وليترك زينة الدنيا\" وفي حديث ابن مسعود (^٢): ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، الحديث. قوله: \"ليحفظ البطن وما وعى والرأس وما حوى\" أي ما جمع فيه من الطعام والشراب حتى يكونا من حلهما، [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا\"]، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾، وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، الآية، [و] قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٧٣٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٤) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو متروك. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٢٦٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٤٩): موضوع.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣، ٣٤٣٢٠) وفي مسنده (٣٤٣) وأحمد (٣٦٧١) والترمذي (٢٤٥٨) وابن أبي الدنيا في الورع (٥٩) والبزار (٢٠٢٥) وابن نصر في الصلاة (٤٥٠) وأبو يعلى (٥٠٤٧) والكلاباذي في معاني الأخبار (ص ١٦٦) والحاكم (٤/ ٣٢٣) وابن بشران (٣٥٨) والبيهقي في الآداب (١١٥٥) وفي الأربعين الصغرى (٣٥) وفي الشعب (٧٣٣٤ و١٠٠٧٧) والبغوي في شرح السنة (٤٠٣٣) قال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد وقال البزار: الصباح بن محمد ليس بالمشهور وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال وضعفه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٧٢٤)، والروض النضير (٦٠١)، والمشكاة (١٦٠٨): حسن لغيره.","vol":"13","page":195},{"text":"وَالْبَنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^١)، ونظير هذا من السنة قوله: \"إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها\"، الحديث.\nوقوله أيضا ﵊ (^٢): \"إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال بركات الأرض\". والمعنى أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالتمر المستحلى المعجب المرأى فابتلى الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملا أي من أزهد الناس فيها وأترك لها ولا سبيل للعباد إلى بغض ما زينه الله إلا بمعونة على ذلك، ولهذا كان عمر -﵁-. فيما ذكر البخاري (^٣): اللهم لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه، [فدعا الله تعالى أن يعينه على الفاقة في حقه]، وهذا معنى قوله -﵇- (^٤): فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع، وهذا هو المكثر من الدنيا، لا يقنع بما يحصل له منها بل همه جمعها وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله، فإن الفتنة معها حاصلة وعدم السلامة غالبة كما تقدم، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه، اهـ، قاله القرطبي (^٥).\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٤.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٨٤٢)، وصحيح مسلم (١٢١) (١٠٥٢).\n(^٣) علقه البخاري (٨/ ٩٣) كتاب الرقاق، باب قول النبي -ﷺ-: هذا المال خضرة حلوة.\n(^٤) صحيح البخاري (٦٤٤١)، وصحيح مسلم (٩٦) (١٠٣٥).\n(^٥) تفسير القرطبي (١٠/ ٣٥٤).","vol":"13","page":196},{"text":"٥٠٥٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء قَالَ قُلْنَا يَا نَبِي الله إِنَّا لنستحيي وَالْحَمْد لله قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِن الاستحياء من الله حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا وعى وَتحفظ الْبَطن وَمَا حوى ولتذكر الْمَوْت والبلى وَمن أَرَادَ الْآخِرَة ترك زِينَة الدُّنْيَا فَمن فعل ذَلِك فقد استحيا من الله حق الْحيَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد قَالَ الْحَافِظ أبان والصباح مُخْتَلف فيهمَا وَقد قيل إِن الصَّباح إِنَّمَا رفع هَذَا الحَدِيث وهما مِنْهُ وَضعف بِرَفْعِهِ وَصَوَابه مَوْقُوف (^١) وَالله أعلم.\n\n٥٠٥٨ - وعن الضحاك -﵁- قال: أتى النبي -ﷺ- رجل فقال: يا رسول الله من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس القبر والبلي، وترك فضل زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفني، ولم يعد غدا من أيامه، وعد نفسه من الموتى رواه ابن أبي الدنيا (^٢)، وهو مرسل.\n[قوله: وعن الضحاك: تقدم. قوله: من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس القبر والبلى وترك أفضل زينة الدنيا، الحديث، وفي آخره: وعد نفسه من الموتي، يعني أنه لا يغتر بالبقاء في دار الفناء فإن الحياة فيها في الحقيقة كزيارة\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣٤٣)، والترمذي (٢٤٥٨)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاف (٩٠) والبزار (٢٠٢٥). وضعفه الألباني في المشكاة (١٦٠٨) وحسنه في صحيح الترغيب (١٧٢٤) و(٢٦٣٨) و(٣٣٣٧).\n(^٢) في الزهد (١٠٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٥٠).","vol":"13","page":197},{"text":"طيف أو سحاب صيف، والله أعلم] (^١).\n\n٥٠٥٩ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ كفى بِالْمَوْتِ واعظا وَكَفى بِالْيَقِينِ غنى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ.\n\n٥٠٦٠ - وَعَن الْبَراء -﵁- قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- فِي جَنَازَة فَجَلَسَ على شَفير الْقَبْر فَبكى حَتَّى بل الثرى ثمَّ قَالَ يَا إخْوَانِي لمثل هَذَا فأعدوا رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن.\n\n٥٠٦١ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَرْبَعَة من الشَّقَاء جمود الْعين وقسوة الْقلب وَطول الأمل والحرص على الدُّنْيَا. رَوَاهُ الْبَزَّار.\n\n٥٠٦٢ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- لَا أعلمهُ إِلَّا رَفعه قَالَ صَلَاح أول هَذِه الْأمة بالزهادة وَالْيَقِين وهلاك آخرهَا بالبخل والأمل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسْنَاده احْتِمَال للتحسين وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا والأصبهاني كِلَاهُمَا من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- نجا أول هَذِه الْأمة بِالْيَقِينِ والزهد وَيهْلك آخر هَذِه الْأمة بالبخل والأمل.\n\n٥٠٦٣ - وَرُوِيَ عَن أم الْوَليد بنت عمر قَالَت اطلع رَسُول الله -ﷺ- ذَات عَشِيَّة فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أَلا تستحيون قَالُوا مِم ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ تجمعون مَا لَا تَأْكُلُونَ وتبنون مَا لَا تعمرون وتأملون مَا لَا تدركون أَلا تستحيون من ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ.\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة من النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه، اهـ، قاله إلى هنا انتهى اللوح ٣٧٩ القرطبي).","vol":"13","page":198},{"text":"٥٠٦٤ - وروي عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر فسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت قدحا إلى في، فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب قصر الأمل (^١)، وأبو نعيم في الحلية (^٢)، والبيهقي (^٣) والأصبهاني (^٤).\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"اشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار\" الحديث، تقدم الكلام على أسامة بن زيد والوليدة الجارية. قوله: \"ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفريّ لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي\" الحديث، [شفريّ مثنى شفر] والأشفار جمع شفر وهو بالضم، وقد يفتح. حرف [جفن] العين الذين ينبت عليه الشعر.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٦).\n(^٢) أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩١). وقال: غريب من حديث عطاء وأبي بكر تفرد به محمد بن حمير.\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٨٠)، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٠٥)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٣١): أخرجه ابن أبي الدنيا ... بسند ضعيف. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٩٧٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٥٤).\n(^٤) قوام السنة في الترغيب والترهيب (١٧٥).","vol":"13","page":199},{"text":"٥٠٦٥ - وعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: أخذ رسول الله -ﷺ- بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري (^١) والترمذي (^٢) ولفظه: قال: أخذ رسول الله -ﷺ- ببعض جسدي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك في أصحاب القبور، وقال لي: يا ابن عمر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا ورواه البيهقي (^٣) وغيره نحو الترمذي.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمر\" يعني ابن الخطاب، تقدمت ترجمته. قوله: \"أخذ رسول الله -ﷺ- بمنكبي\" المنكب بفتح الميم وكسر الكاف مجمع العضد والكتف. قال ابن الفاكهاني [وروايتي] في الحديث، منكبيّ على التثنية، وفيه مسّ المعلم أعضاء المتعلم عند التعليم، والموعوظ عند الوعظ، وهذا عندي كقول ابن مسعود علمني رسول الله -ﷺ- التشهد كفي بين كفيه وذلك للتأنيس والتنبيه والتذكير إذ محال في العادة أن ينسى عبد الله من عمر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤١٦).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٣٣٣).\n(^٣) السنن الكبرى (٣/ ٥١٦)، وفي شعب الإيمان (٩٧٦٣ - ٩٧٦٤ - ٩٧٦٥ - ٩٧٦٦ - ١٠٠٥٩)، وفي الآداب (٨٠٨)، وفي الزهد الكبير (٤٦٥).","vol":"13","page":200},{"text":"أو ابن مسعود -﵄- مس النبي -ﷺ- لهما [ولا يتذكراه و] (^١) لا يكاد الإنسان يفعل ذلك بها الغالب إلا بمن يميل قلبه إليه، فذلك دليل على محبته -ﷺ- لهما، وفي الحديث الابتداء بالنصيحة والإرشاد لمن يطلب ذلك، وفيه حرصه -ﷺ- على أصل الخير لأمته -ﷺ- إذ كان هذا الكلام لا يخص ابن عمر في الحقيقة بل ذلك مخاطبة لجميع الأمة من حيث المعنى.\nقوله: \"فقال كن في الدنيا كأنك غريب\" أي كالغريب لا يستقر في دار الغربة ولا يسكن إليها بل لا يزال مشتاقا إلى وطنه عازما على السفر إليه، [أي] لا تركن [إليها أي] الدنيا ولا تتخذها وطنا ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب بها غير وطنه ولا يشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله ولا شك أن الإنسان إنما خلق ليمتحن بالطاعة والمعصية ليكون من أهل الثواب أو العقاب ومن أصحاب اليمين أو من أصحاب الشمال بدليل قوله ﷿: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وحينئذ هو كعبد أرسله سيده في حاجة إلى بلد غريبة فهو فيها غريب [عابر سبيل] فشأنه أن يبادر [بقضاء] ما أرسله فيه ثم يعود إلى وطنه.\nفمعنى الحديث: اعمل في حياتك ما تلقى نفعه بعد موتك، وبادر أيام صحتك فإن المرض قد يطرأ فيمنعك من العمل فتقدم المعادَ بغير زاد ومن\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":201},{"text":"قدر في نفسه أنه يعيش عشر سنين أو عشرين سنة فإنه يصير عبدا لهذه الأوصاف الذميمة فما أجمع هذا الحديث لمعاني الخير وأشرفه. فهذا الحديث أصل في الفراغ عن الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها بالاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا فيطمئن منها ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يهيئ جهازه للرحيل وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم. قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾، فكأن النبي -ﷺ- يقول: ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، اهـ. قاله ابن رجب (^١). لما كانت الدنيا دار مجاز إلى الآخرة فينبغي للمؤمن أن يكون فيها كالغريب المجتاز الذي لا يحدث نفسه في منزل نزله أو مرحلة حل فيها بأن يبني فيها دارا بل يكفيه فيها مبيت ليلة ثم إن الغريب نازع إلى الوطن ماد عينيه إلى أهله شاخص أمله إلى وقت الارتحال متى ينادى بالرحيل فيرتحل، فكلما قطع مرحلة هاج شوقه ينتظر نهاية المسافة فإذا بلغ آخر مرحلة قلق وضاع ذرعا فإذا وقع بصره على وطنه رق ودمعت عيناه من طول الغربة ومقاساة الشدة ثم بكى فرحا بوصوله إلى الوطن ونظره إلى الأحباب، قاله صاحب شرح مشارق الأنوار.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٧٩).","vol":"13","page":202},{"text":"قوله: \"أو عابر سبيل\" ومنه المسافر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ هو في أحد الوجهين، السبيل هو الطريق، والمسافر في الطريق يمر صادقا، كل عزمه وقصده إلى بلوغ مقصده غير ملتفت إلى [جزئيات] الطريق ولا معرّج عليها، اهـ.\nقوله ﷺ لابن عمر \"فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدا\" أي لا تعلم اسمك غدا حي فتقدر على العمل وتستدرك فيه ما فاتك بالأمس أو اسمك ميت [فتقع] في الحسرة والندامة التي لا آخر لها. اهـ. [وقال ابن رجب. (^١)\nمعناه: يعني لعلك غدا من الأموات دون الأحياء. وقد روي معنى هذه عن النبي -ﷺ-، قال (^٢): نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ. وقال بعض العلماء أبياتا في المعني، وهو ابن قيم الجوزية:\nوحيّ على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيّم\nولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلّم\nوأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم\nوقد زعموا أن الغريب إذا نئا ... وشطّت به أوطانه ليس يُنعّم\nفمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة ... من العمر إلا بعدها يتألم\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٤١٢).","vol":"13","page":203},{"text":"وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا وهو على جناح سفر لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور، فهو مسافر في صورة قاعد:\nما هذه الأيام إلا مراحل ... يحث بها داع إلى الموت قاصد\nوأعجب شيء لو تأملت أنها ... منازل تطوى والمسافر قاعد\nوالغريب في الناس كما قال القائل:\nتسترت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني\nفلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني\nوقد قال بعض الأدباء كلاما منظوما في وصف زماننا هذا كأنه شاهده:\nذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر\nوبقيت خلف يزكي بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور\nأبُنَيّ إن من الرجال بُهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر\nفطن بكل مصيبة في ماله ... فإذا أصيب بدينه لم يشعر\nفسل اللبيب تكن لبيبا مثله ... من يسع في علم بلبّ يظفر (^١). اهـ]\nقول ابن عمر: إذا أمست فلا تنتظر الصباح، الحديث فيه الحض على تقصير الأمل لأنه المصلح للعمل والمنجي من آفات التواني والكسل فإن من طال أمله ساء عمله وقصر الأمل هو حقيقة الزهد في الدنيا، كذا قالوه، والحق أنه سبب للزهد لا الزهد [هو] (^٢) نفسه لأن من قصر أمله زهد في هذه الدار\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال ابن الجوزي: إذا رأيت قبرا فتوهمه قبرك، وعد باقي الحياة ربحك).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":204},{"text":"الفانية وطول الأمل يتولد منه أربعة أشياء أحدها ترك الطاعة والكسل فيها، والثاني التسويف بالتوبة، والثالث الرغبة في الدنيا، والرابع القسوة في القلب والنسيان للآخرة لأنك إذا أملت العيش الطويل نسيت الموت والقبر والثواب والعقاب وأحوال الآخرة وزلازلها وأهوالها وأقبلت على أسباب الدنيا وصحبة [الخلق] فيقسو القلب ضرورة فإنما رقة القلب وصفاؤه بذكر الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^١)، وقال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، وقال علي (^٣): ارتحلت الدنيا مدبرة وأقبلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل. قوله: \"وخذ من صحتك لمرضك\" الحديث، أي اغتنم العمل حال الصحة فإن المرض مانع منه إذ لا قوة تعين عليه حينئذ فاستسلف وبادر قبل هجومه ففيه حض على اغتنام أيام الصحة فيمهد فيها لنفسه خوفا من مرض يمنعه من العمل، وكذلك قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم]: خذ من حياتك لموتك؛ فبالموت ينقطع العمل، فينبغي للإنسان أن يقدر أنه مات ثم يبعث فينظر كيف كان عمله، ففيه تنبيه على اغتنام أيام الحياة ولا يمر عمره باطلا في سهو\n_________\n(^١) سورة الحديد: ١٦.\n(^٢) سورة الحجر: ٣.\n(^٣) علقه البخاري (٨/ ٨٩) كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله.","vol":"13","page":205},{"text":"وغفلة لأن من مات فقد انقطع عمله وفاته أمله وحضره على تفريطه ندمه. قال ابن الجوزي: إذا رأيت قبرا فتوهمه قبرك، وعد باقي الحياة ربحك.\n\n٥٠٦٦ - وَعَن معَاذ -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَاذْكُر الله عِنْد كل حجر وَعند كل شجر وَإِذا عملت سَيِّئَة فاعمل بجنبها حَسَنَة السِّرّ بالسر وَالْعَلَانِيَة بالعلانية. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَن فِيهِ انْقِطَاعًا بَين أبي سَلمَة ومعاذ (^١).\n\n٥٠٦٧ - وعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: مر بي النبي -ﷺ- وأنا أطين حائطا لي أنا وأمي فقال: ما هذا يا عبد الله؟ فقلت: يا رسول الله وهى فنحن نصلحه فقال: الأمر أسرع من ذلك.\n\n٥٠٦٨ - وفي رواية قال: مر علينا رسول الله -ﷺ-، ونحن نعالج خصا لنا وهي، فقال: ما هذا؟ فقلنا: خص لنا وهي، فنحن نصلحه فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك. رواه أبو داود (^٢) والترمذي (^٣) وقال: حديث حسن\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد ٢/ ٥٣١ حدثنا عبدة، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٢)، والشاشى (١٤٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٥٩ رقم ٣٣١)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٧٨ رقم ٥٤٤). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢١٨: رواه الطبراني، وأبو سلمة لم يدرك معاذا، ورجاله ثقات. وقال في ١٠/ ٧٤: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٤٧٥) وصحيح الترغيب (٣١٤٤) و(٣٣٤٢).\n(^٢) أبو داود (٥٢٣٥) (٥٢٣٦).\n(^٣) رواه الترمذي (٢٣٣٥) وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٣٠٨)، وأحمد (٦٥٠٢)، وفي الزهد (ص ٣٧ - ٣٨) وهناد في الزهد (٥١٥) والبخاري في =","vol":"13","page":206},{"text":"صحيح وابن ماجه (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: وعن عبد الله بن عمر تقدم. قوله: \"مرّ بي رسول الله -ﷺ- ونحن نعالج خصا لنا وَهَي، فقال ما هذا يا عبد الله قلنا نعالج خصى لنا وَهَى فنحن نصلحه\" الحديث، الخصّ بيت يعمل من الخشب والقصب مثل الأزج وجمعه خصاص وقال الزهري جمعه أخصاص وخصوص سمى به لما فيه من الخصاص وهي الفرج والأنقاب ومنه الحديث أن أعرابيا أتى باب النبي -ﷺ-[فألقم عينه خصاصة الباب أي فرجته، فبصر به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم]، فقام إليه بمشقص الحديث، قاله في النهاية (^٣)، يريد عليه الصلاة\n_________\n= الأدب المفرد (٤٥٦) البزار = البحر الزخار (٢٤٣٦)، وحماد بن إسحاق في تركة النبي (ص ٥٣) والعباس الدوري في التاريخ (٢/ ٣٢٣) ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٣/ ٧٨) وابن أبي الدنيا في قصر الأمل (٢٤٢) والخلال في العلل (المنتخب لابن قدامة ٢) وابن حبان (٢٩٩٦ و٢٩٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٥٢٠/ ١٤٤٠٢)، والبيهقي في الآداب (١٠١٩) وفي الشعب (١٠٢٢٠) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٢٣٠٧) وابن بشكوال في الغوامض (٩٠٣)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٣٠)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، قال الحافظ في الفتح (١١/ ٩٣): صححه الترمذي وابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٢٦)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٤٣)، وصحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: ٢) (٥٢٣٦)، وصحيح وضعيف سنن الترمذي (٥/ ٣٣٥) (٢٣٣٥)، والمشكاة (٥٢٧٥).\n(^١) ابن ماجه (٤١٦٠).\n(^٢) وابن حبان (٢٩٩٦) و(٢٩٩٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٧).","vol":"13","page":207},{"text":"والسلام تعجيل الأمر [وتقريبه] وخوف نفسه والحذر من نجاته، وقيل للحسن البصري: يا أبا سعيد ألا تغسل ثوبك، فقال الأجل أعجل من ذلك، وكان الحسن البصري قصير الأمل طويل الخوف. [قوله: \"وَهَى\" أي خرب أو كاد. قوله: \"ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك\"] (^١) وقصر الأمل بناؤه على أمرين تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها ثم تقايس بين الأمرين وتؤثر أولاهما بالإيثار، اللهم ارزقنا قلوبا واعية نعقل بها دوام الآخرة وانقضاء الدنيا ونعمل لكل منهما على ما يليق بها إنك على كل شيء قدير.\n\n٥٠٦٩ - وعن ابن مسعود -﵁- قال: خط النبي -ﷺ- خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط فقال: هذا الإنسان وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا. رواه البخاري (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤) وابن ماجه (^٥). وهذا صورة ما خط -ﷺ- ص ٣٦٧ - ٢ ... ع\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) صحيح البخاري (٦٤١٧).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٤٥٤)، وقال: هذا حديث صحيح.\n(^٤) السنن الكبرى للنسائي (١١٧٦٤).\n(^٥) سنن ابن ماجه (٤٢٣١).","vol":"13","page":208},{"text":"قوله: \"عن عبد الله بن مسعود\" تقدم. قوله: \"خط النبي -ﷺ- خطا مربعا وخط خطا في الوسط خارجا منه وخطّ خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من .. \" [الحديث]، يريد ﵇ أن الإنسان قد أحاط به أجله وأنه دائر به فحيث ما توجّه لقيه وإن محن الدنيا [وفتنتها] تعترضه وتنتهشه وتتلقاه وتستقبله وهو مع ذلك بعيد الأمل مصروف البصر إليه. واعلم أن طول الأمل داء عضال ومرض مزمن ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه [واشتدّ] علاجه ولم يفارقه داء ولا ينجع فيه دواء بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء.\nوقد ورد في طول الأمل وذمه وفي التحريض على العمل والترغيب فيه ما في بعضه الكفاية وما بأقل منه يوصل إلى المقصود [مع عون] الله ﷿. قوله: \"فإن أخطاه هذا\" أي فإن تجاوزه، وقوله: \"نهشه هذا\" أي لدغه، قوله: \"وهذا أمله\" الأمل [لرجاء]، يقال أمل خيره يأمله أملا وكذلك التأميل.\nقوله: \"خط النبي -ﷺ- خطا مربعا وخط خارجا من الخط المربع، فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا الإنسان الخط المربع، وخط خارجا من الخط وهذه الخطوط إلى جانبه الأعراض تنهشه من كل مكان فإن أخطاه هذا أصابه هذا والخط المربع الأجل المحيط والخط الخارج الأمل\". قال ابن بطال (^١): مثّل النبي -ﷺ- في هذا الحديث أمل ابن آدم وأجله وإعراض الدنيا التي لا تفارقه بالخطوط فجعل أجله الخط المحيط\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١٥٠).","vol":"13","page":209},{"text":"وجعل أمله وأعراضه خارجة عن ذلك الخط، ومعلوم في العقول أن ذلك الخط المحيط به وهو أجله أقرب إليه من الخطوط الخارجة منه ألا ترى قوله -ﷺ- في حديث أنس بن مالك فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأول يريد أجله، وفي هذا تنبيه من النبي -ﷺ- لأمته على تقصير الأمل واستشعار للأجل خوف بغتة ومن غُيّب عنه أجله فهو حريّ بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال غرة وغفلة ونعوذ بالله من ذلك، فليُرض المؤمن نفسه على استشعار ما نبه عليه ويجاهد أمله وهواه ويستعين بالله على ذلك فإن ابن آدم مجبول على الأمل كما قال عليه [الصلاة والسلام: لا] يزال قلب الكبير شابا على حب الدنيا وطول الأمل.\nوقال الطبري (^١) في قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ (^٢)، يعني ذر المشركين يا محمد يأكلوا في هذه الدنيا ويتمتعوا من شهواتها ولذاتها إلى أجلهم الذي أجلت لهم ويلهيهم الأمل عن الأخذ بطاعة الله تعالى فيها وتزودهم لمعادهم منها بما يقربهم لربهم فسوف يعلمون غدا إذا وردوا عليه وقد هلكوا بكفرهم بالله حين يعاينوا عذاب الله أنهم كانوا في تمتعهم بلذات الدنيا في خسار وضلال، اهـ.\n\n٥٠٧٠ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ خطّ رَسُول الله -ﷺ- خطا وَقَالَ هَذَا الأَمَلُ وَخط إِلَى جنبه خطا وَقَالَ هَذَا أَجله وَخط آخر بَعيدا مِنْهُ فَقَالَ هَذَا الأمل\n_________\n(^١) تفسير الطبري (ج ١٤ ص ٥) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١٥٠).\n(^٢) سورة الحجر: ٣.","vol":"13","page":210},{"text":"فَبَيْنَمَا هُوَ كذَلِك إِذْ جَاءَهُ الْأَقْرَب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ (^١).\n\n٥٠٧١ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- هَذَا ابْن آدم وَهَذَا أَجله وَوضع يَده عِنْد قَفاهُ ثمَّ بسطها وَقَالَ وَثمّ أمله وَثمّ أمله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَابْن مَاجَه بِنَحْوهِ (^٢).\n\n٥٠٧٢ - وَعَن بُرَيْدَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- هَل تَدْرُونَ مَا مثل هَذِه وَهَذِه وَرمى بحصاتين قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ هَذَا الأمل وَذَاكَ الْأَجَل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٣).\n\n٥٠٧٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اقْتَرَبت السَّاعَة وَلَا نزداد مِنْهُم إِلَّا بعدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اقْترَبت السَّاعَة وَلَا يزْدَاد النَّاس على الدُّنْيَا إِلَّا حرصا وَلَا تزدادون من الله إِلَّا بعدا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤١٨)، والنسائي في الكبرى (١١٧٦٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٣٢)، والترمذي (٢٣٣٤)، والنسائي في الكبرى (١١٧٦٢)، وابن حبان (٢٩٩٨). وصححه الألباني في المشكاة (٥٢٧٧/ التحقيق الثاني) وصحيح الترغيب (٣٣٤٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٨٧٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٤٧).\n(^٤) أخرجه ابن أبى الدنيا في العقوبات (٢٨٦)، والدولابى في الكنى (٨٦٨)، والشاشى (٧٦٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٣ رقم ٩٧٨٧) والحاكم (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٤٢، ٨/ ٣١٥)، والإسماعيلي في معجمه (٢٠٦)، وتمام في فوائده (١٠٨١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٩٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: قلت: هذا منكر، وفيه بشير بن زاذان ضعفه الدارقطني، واتهمه ابن الجوزي. وقال =","vol":"13","page":211},{"text":"٥٠٧٤ - وعن عبد الله عن النبي -ﷺ- قال: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك. رواه البخاري (^١) وغيره.\n[قوله: \" ... \" ابن مسعود، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \" ... \"، الحديث الشراك بكسر الشين وهو أحد سيور النعل، وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم.].\n[قوله: \"وهذا أمله\" الأمل بفتح الميم هو ما يحدّث به الإنسان نفسه مما يدركه من أمور الدنيا ويبلغه ويحرص عليه. قاله عياض (^٢)] (^٣).\n\n٥٠٧٥ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص -﵁- قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أوصني قَالَ عَلَيْك بالإياس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس وَإِيَّاك والطمع فَإِنَّهُ الْفقر الْحَاضِر وصل صَلَاتك وَأَنت مُودع وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَقَالَ الْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٤).\n_________\n= الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٥٥: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٥١٠)، وصحيح الترغيب (٣٣٤٨). وضعف الألباني لفظ الحاكم في ضعيف الترغيب (١٩٥٥).\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٨٨).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، والبيهقي في الزهد (١٠١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٥٦) والضعيفة (٣٨٨١).","vol":"13","page":212},{"text":"٥٠٧٦ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ أَتَى رجل إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول الله حَدثنِي بِحَدِيث واجعله موجزا فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- صل صَلَاة مُودع فَإنَّك إِن كنت لَا ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك وايأس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس تكن غَنِيا وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ (^١).\n\n٥٠٧٧ - وروى الطَّبَرَانِيّ عَن رجل من بني النخع قَالَ سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء حِين حَضرته الْوَفَاة قَالَ أحدثكُم حَدِيثا سمعته من رَسُول الله -ﷺ- سمعته يَقُول اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَإِيَّاك ودعوة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا تستجاب الحَدِيث (^٢).\n\n٥٠٧٨ - وعن عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا من المدائن على فرسخ، فلما جاءت الجمعة حضرنا فخطبنا حذيفة فقال: إن الله ﷿ يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق،\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٥٨ رقم ٤٤٢٧)، والمخلص في المخلصيات (١١٢١) و(٣٠٧٣)، والقضاعى (٩٥٢). قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفهم. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٩١٤) وصحيح الترغيب (٣٣٥٠).\n(^٢) أخرجه مسدد كما في المطالب العالية (٣١٣٠/ ١)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ١٢٧ - ١٢٨ رقم ١٠٠٦٠). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٤٠: رواه الطبراني في الكبير والرجل الذي من النخع لم أجد من ذكره وسماه جابرا. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٤٧٤) وصحيح الترغيب (٤١٨) و(٣٣٥١).","vol":"13","page":213},{"text":"فقلت لأبي: أيسبق الناس غدا؟ قال: يا بني إنك لجاهل، إنما يعني: العمل اليوم والجزاء غدا، فلما جاءت الجمعة الأخرى حضرنا فخطبنا حذيفة فقال: إن الله يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة. رواه الحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي عبد الرحمن السّلمي\" هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي. تابعي، ولأبيه حبيب صحبة. وهو أحد أعلام التابعين وثقاتهم. صحب علي بن أبي طالب، وسمع منه، ومن عثمان بن عفان، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى، وروى عنه أبو إسحاق الهمداني، وسعيد بن عبيدة، وزيد بن عطاء، وإبراهيم النخعي، يقال: صام ثمانين رمضان. حديثه عند الكوفيين. مات سنة خمس ومائة، وله تسعون سنة قال أبو إسحاق السبيعي اقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة وقال العجلي كوفي تابعي ثقة وقال أبو داود كان أعمى وقال النسائي ثقة وقال عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن صمت لله ثمانين رمضان قلت: ذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين وقال روى عن أبيه وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ليس تثبت روايته عن علي فقيل له سمع من عثمان قال روى\n_________\n(^١) الحاكم (٤/ ٦٠٩). وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (٥٢٨٥)، وابن أبي الدنيا في الزهد (٢١٩)، والطبري في تفسيره (٢٧/ ٨٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٥٢).","vol":"13","page":214},{"text":"عنه ولم يذكر سماعا وقال إسحاق بن منصور عن أبي معين لم يسمع من عمر وقال البخاري في تاريخه الكبير سمع عليا وعثمان وابن مسعود وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث وقال غيره عن الواقدي: شهد مع علي صفين ثم صار عثمانيًا ومات في سلطان الوليد بن عبد الملك وكان من أصحاب بن مسعود وقال ابن عبد البر هو عند جميعهم ثقة.\nقوله: \"نزلنا من المدائن على فرسخ\" الحديث، المدائن اسم بلدة كانت دار مملكة الأكاسرة والفرسخ ثلاثة أميال هاشمية منسوبة إلى هاشم جد النبي -ﷺ- والميل اسم لمسافة معلومة والله أعلم. قوله: \"ألا إن الدنيا قد آذنت بفراق\" الحديث، آذنت بمد الهمزة أي أعلمت.\n\n٥٠٧٩ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلمة\"، ومعنى المبادرة بالأعمال الانكماش في الأعمال الصالحة والاهتمام بها قبل وقوعها، وقطع الليل المظلمة طائفة منه وقطعة وجمع القطعة قطع أراد فتنة مظلمة سوداء تعظيما لشأنها. وفي حديث آخر: إن بين يدي الساعة أهوالا وأمورا شدادا، أي الحديث، أي أمامها وقبلها، والأهوال\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٨٦) (١١٨).","vol":"13","page":215},{"text":"الأفزاع، والمراد بالأمور الشداد والأهوال العظام ما يحدث في آخر الزمان من الفتن والبدع وفساد الناس، قاله شارح الودعانية.\nقوله في الحديث: \"يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا\" الحديث. معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر ووصف -ﷺ- نوعا من شدائد تلك الفتن وهو أنه يمسي مؤمنا ثم يصبح كافرا أو عكسه شك الراوي وهذا لعظم الفتن ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب والله أعلم.\n\n٥٠٨٠ - وعنه -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعنه\" تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها\" تقدم في كتاب التوبة. قوله: \"أو الدخان\" فأما الدخان فقد سئل رسول الله -ﷺ- عنه فقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخره وأذنيه ودبره. وعن علي -﵁- أنه قال: يأتي من السماء، قاله شارح مشارق الأنوار. [وروى حذيفة عن النبي -ﷺ- (^٢) أن الدخان يمكث في\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢٨) (٢٩٤٧).\n(^٢) الدخان لعله تصحيف.","vol":"13","page":216},{"text":"الأرض أربعين يوما ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين الآثار، فروى حذيفة أيضا عن النبي -ﷺ- أن من أشراط الساعة دخانا يمكث في الأرض أربعين يوما. قال الشيخ: ويؤيد هذا في الآية: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (^١) قاله في الديباجة] (^٢).\nقوله: \"أو الدجال\"، والدجال هو المذكور في الحديث وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدعي الإلهية وفعال من أبنية المبالغة أي يكثر منه الكذب والتلبيس، قاله في النهاية (^٣). وعن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأنّ وجوههم المجان المطرقة. رواه الترمذي (^٤) وقال: حديث حسن غريب. وقد رواه عبد الله بن شوذب عن أبي التياح ولا يعرف إلا من حديثه، قاله النووي.\n_________\n(^١) سورة الدخان: ١٢.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٠٢).\n(^٤) الترمذي (٢٢٣٧)، وقال: وهذا حديث حسن غريب وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٨٦٥٥)، وأحمد (١٢، ٣٣)، وعبد بن حميد في المسند (٤)، وابن ماجه (٤٠٧٢)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (٥٧)، والبزار (٤٦: ٤٨)، وأبو يعلى (٣٣)، والطبراني في مسند الشاميين (١٢٨٥)، والضياء في المختارة (٣٤)، (٣٥)، (٣٦)، (٣٧)، والحاكم (٤/ ٥٢٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٠٣)، وفي السلسلة الصحيحة (١٥٩١).","vol":"13","page":217},{"text":"خراسان إقليم عظيم معروف وهو موطن الكثير أو الأكثر من علماء المسلمين. قال أبو الفتح الهمداني، ويقال له أيضا خرسان بحذف الألف وإسكان الراء. قوله: \"أو الدابة\"، والدابة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، الآية. قال المفسرون: قيل إنها دابة عظيمة طولها ستون ذراعا ذات قوائم ووبر. وقيل: هي مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات [ينصدع] (^١) جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع والناس سائرون إلى منى فهذه الدابة روي أنها تخرج من جبل الصفا بمكة، قاله عبد الله بن عمر، وكان يقول: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وعن قتادة أنها تخرج من تهامة، وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح ﵇، وروى بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنها تخرج ثلاث خرجات وروي أنها دابة كثيرة الشعر. وعن ابن عمر أنها على هيئة الآدميين رأسها في السحاب وقوائمها في الأرض، وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، وعن عمرو بن العاصي أنها الجساسة المذكورة في حديث الدجال والجساسة بفتح الجيم وتشديد السين الأولى قيل سمت نفسها بذلك لتجسسها أخبار الدجال والفحص عنه ومنه الجاسوس، وعن ابن عباس أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفه العقاب، وقد اختلف في صورتها وفي أي موضع تخرج منه على أقوال كثيرة وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع. وقال بعض المتأخرين من\n_________\n(^١) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (تصدع).","vol":"13","page":218},{"text":"المفسرين، الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. وأما كيفية صفتها وخلقتها وبماذا تكلمهم فالله أعلم بذلك. قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ-: \"وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم\" وفي رواية من \"قعرة عدن\" وهكذا هو في الأصول بالهاء والقاف مضمومة ومعناه من أقصى عدن، وفي رواية من أرض الحجاز وعدن، مدينة مشهورة باليمن، قال الماوردي: سميت عدنا من العدون وهي الإقامة لأن تبعا كان يحبس فيها أصحاب الجرائم، وهذه النار الخارجة من قعر عدن واليمن هي الحاشرة الناس كما صرح به الحديث.\nقال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان تحشران الناس أو يكون [ابتداء خروجها] من اليمن وظهورها من الحجاز، اهـ. وقيل تخرج من الحجر وقيل من أرض الطائف؛ وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان ﵉ لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، تضرب المؤمن بالعصى وتكتب في وجهه مؤمن وتطبع الكافر [بالخاتم] وتكتب في وجهه كافرا، كذا رواه الحاكم في آخر المستدرك، وفي رواية فتسم المؤمن بين عينيه وتكتب مؤمن وتسم الكافر بين عينيه وتكتب كافر، وفي رواية معها عصى موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصى وتخطم أنف الكافر بالخاتم حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقولون هذا يا مؤمن وهذا يا كافر.","vol":"13","page":219},{"text":"وروي عن ابن الزبير أنه وصفها فقال: رأسها رأس الثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن أيل والأيل هو التيس الجبلي وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، وفي رواية اثنا عشر ذراعا بذراع آدم ﵇، وعن أبي هريرة فيها من كل لون وما بين قرنيها فرسخ للراكب. وروي لا يخرج إلا رأسها ورأسها يبلغ الحساب. وعن الحسن لا يتم خروجها إلا بعد ثلاتة أيام، وسئل النبي -ﷺ- من أي [مكان] تخرج الدابة فقال من أعظم المساجد، يعني المسجد الحرام.\nقال السدي: أنها تكلم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وروى السهيلي أن النبي ﷺ سأل ربه ﷿ أن يريه الدابة التي تكلم الناس فأخرجها الله له من الأرض فرآى منظرا هاله وأفزعه فقال أي رب ردها فردها.\nوروي: أنها تخرج حين ينقطع الخير ولا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ولا يبقى منيب ولا تائب. وفي الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط ولم يعين الأول منهما وكذلك الدجال، وظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها، والظاهر أن الدابة التي تخرج [هي] (^١) واحدة، وروي أنها تخرج من كل بلد دابة مما هو [مبثوث نوعها] في الأرض وليست بواحدة فيكون قوله: ﴿دَابَّةٍ﴾ اسم جنس. وعن ابن عباس أنها الثعبان\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":220},{"text":"الذي كان في جوف الكعبة واختطفه العقاب حين أرادت قريش بناء البيت الحرام، وأن الطائر حين اختطفها ألقاها بالجون فالتقمتها الأرض فهي الدابة التي تخرج تكلم الناس وتخرج عند الصفا. وفي الميزان للذهبي عن جابر الجعفي أنه كان يقول: دابة الأرض علي بن أبي طالب، قال: وكان جابر الجعفي شيعيا يرى بالرجعة أي أن عليا يرجع إلى الدنيا، اهـ.\nتنبيه: الرجعة مذهب قوم من العرب في الجاهلية معروف عندهم ومذهب طائفة من فرق المسلمين من أولي البدع والأهواء يقولون أن الميت يرجع إلى الدنيا ويكون فيها حيا كما كان ومن جملتهم طائفة من [الرافضة] يقولون أن علي بن أبي طالب مستتر في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي مناد من السماء اخرج مع فلان، ويشهد لهذا المذهب السوء قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (^١) الآية. يريد الكفار، نحمد الله على الهداية والإيمان. قاله في النهاية (^٢).\nقوله في الحديث: \"أو خاصة أحدكم\" وفي حديث آخر: \"أو خويصة أحدكم\" يعني الموت يعني نفسه وهو تصغير خاصة ويروى خاصة أحدكم، قيل يريد موته بهذا فسره هشام الدستوائي، وكذا قوله إن خويصة أي خاصة أي خاصة صغرها ومعناها [ههنا] أي ما يختص به، اهـ. قاله عياض (^٣)،\n_________\n(^١) سورة المؤمنون: ٩٩.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٠٢).\n(^٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٤٣).","vol":"13","page":221},{"text":"والصاد مشددة وسكون الياء لأن ياء التصغير لا تكون إلا ساكنة وهي التي [اختصصت] لنفسك والمراد منها حادثة الموت التي تخص المرء وصغرت لاستصغارها في جنب سائر الحوادث العظام من البعث والحساب وغيرهما، ويجوز أن يكون صغرت للتعظيم.\nوقوله: يعني الموت، هو من قول هشام الدستوائي كذا في الفائق، وذكر في الميسر: لو قيل هي ما يختص به الإنسان من الشواغل المقلقة في نفسه وماله وما يهتم به فله وجه بل أوجه. وقال في النهاية (^١) وخويصة أحدكم يريد به حادثة الموت التي تخص كل إنسان وهي تصغير خاصة وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك. وفي تأنيث البيت إشارة إلى أنها مصائب، ودواه ومنه حديث أم سليم وخويصتك أنس، أي الذي يختص بخدمتك وصغرته لصغر سنه يومئذ. اهـ.\nقوله: \"أو أمر العامة\" يريد به -ﷺ- القيامة الكبرى لأنها تعم الخلق بالموت أي بادروا بالأعمال موتَ أحدكم والقيامة. قاله في النهاية (^٢).\nوكان قتادة يقول (^٣): إذا قال وأمر العامة قال: أي أمر الساعة، رواه مسلم من طريق زياد بن رياح بكسر الراء وبالمثناة وهو زياد بن رياح [العبسي]، وقاله البخاري بالمثناة وبالموحدة وقال الجماهير: بالمثناة لا غير، وهو تابعي ثقة\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٧).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٠٢).\n(^٣) صحيح مسلم (١٢٩) (٢٩٤٧).","vol":"13","page":222},{"text":"ذكره ابن حبان في الثقات، رواه مسلم والنسائي وابن خزيمة، اهـ.\n\n٥٠٨١ - وعنه -﵁- أن رسول الله -ﷺقال: بادروا بالأعمال سبعا: هل تنظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا أو موتا مجهزا، أو الدجال، فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر. رواه الترمذي (^١) من رواية محرر، ويقال: محرز بالزاي، وهو واه عن الأعرج عنه وقال: حديث حسن.\n[قوله: \"وعنه أيضا\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا\" الحديث، الفقر المنسي أي لشدة فقره ينسى طاعة ربه. قوله: \"أو غنى مطغيا\" الطغيان مجاوزة الحد وأطغاه المال إذا جعله طاغيا من البطر والغرور.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٠٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث الأعرج، عن أبي هريرة، إلا من حديث محرز بن هارون. وقد روى بشر بن عمر وغيره عن محرز بن هارون هذا. وقد روى معمر هذا الحديث عمن سمع سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- نحوه. وقال: تنتظرون. وأخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (١٠٩)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٣٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨٤٩٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٤٢)،، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٧٢) والثعلبي في التفسير (٩/ ١٧٠)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٧/ ٢٧٤)، وقال العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٣٠): وقد روي هذا الحديث بغير هذا الإسناد من طريق أصلح من هذا، وقال ابن حبان في المجروحين (٣/ ٢٠): كان ممن يروي عن الأعرج ما ليس من حديثه وعن غيره ما ليس من حديث الأثبات لا تحل الرواية عنه ولا الاحتجاج به. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٣١٥)، والضعيفة (١٦٦٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٥٧).","vol":"13","page":223},{"text":"قوله: \"أو مرضا مفسدا\" والمرض المفسد الذي يفسد بدنه. وقوله: \"أو هرما مفندا\" والهرم الكبر، وقد هرم يهرم فهو هرم، والفند ضعف الرأي من الهرم، قاله الجوهري (^١). وقال في النهاية (^٢): الهرم المفند من أخوات قولهم نهاره صائم، جعل المفند الهرم والفند في الأصل الكذب وأفند تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ إذا هرم قد أفند لأنه يتكلم بالمحرّف من الكلام عن سَنَن الصحة، وأفنده الكبر إذا أوقعه في الفند، ومنه حديث أم معبد (^٣): لا عابس\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٢٠).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٧٥).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٤٨) (٣٦٠٥) وفي الأحاديث الطوال (٣٠) والآجري في الشريعة (١٠٢٠) والحاكم (٣/ ١١) واللالكائي السنة (١٤٣٣) وأبو نعيم في الصحابة (٢٢٦٦ و٧٠٠٢) وفي الدلائل (٢٣٨) والبيهقي في الدلائل (١/ ٢٧٧ - ٢٨٠ و٢٨١) وابن عبد البر في الإستيعاب (١٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠) وأبو محمد البغوي في شرح السنة (٣٧٠٤) وفي الشمائل (٤٥٦) وإسماعيل الأصبهاني في الدلائل (٥٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق (السيرة النبوية ١/ ٢٨٠ و٢٨٢ - ٢٨٤) وأبو نعيم في الصحابة (٢٢٦٥) والطبري في المنتخب (١١/ ٥٧٧ - ٥٨٠) وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (١١٤٠) واللالكائي (١٤٣٦).\nوالبيهقي (١/ ٢٧٧ - ٢٨٠) وابن عبد البر (١٣/ ٢٩٠ - ٢٩٨) وإسماعيل الأصبهاني (٥٥ و٥٦) حديث أبي نصر العكبري وغيره للضياء (٥٤) وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٤٥١ - ٤٥٢) والعلائي في الفرائد المسموعة (ص ٧١٤ - ٧١٧) وقال العلائي: هذا حديث حسن محفوظ من رواية حزام بن هشام، والكلام على ما يتعلق بإسناده وتحقيق ألفاظه ووجوه معانيها ليس هذا موضعه، وقد كتبت ذلك كله في جزء مفرد، وبالله التوفيق. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٥٨) رواه الطبراني، وفي إسناده جماعة لم =","vol":"13","page":224},{"text":"ولا مفند، أي لا فائدة في كلامه لكبر أصابه، اهـ. [والمفند] الكلام المنحرف لأنه إذا هرم تكلم على غير سنين الصحة.\nقوله: \"أو موتا مجهزا\" أي موتا سريعا [بغرق] أو هدم، يقال: أجهز عليه الجرح يجهز إذا أسرع قتله [وخوره]. قوله: \"والدجال فشر غائب ينتظر\" تقدم الكلام على الدجال في الحديث قبله وسيأتي الكلام عليه أيضا مبسوطا. قوله: \"أو الساعة فالساعة أدهى وأمر\"، أي علامة الساعة أدهى [إذ هي] أشق [أي] أعظم بلية وأمرّ من عذاب الدنيا، والمراد من هذا أن هذه الأشياء كلها تعوق عن الأعمال فبعضها يشغل عنه أما في خاصة الإنسان كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته وبعضها عام كقيام الساعة وخروج الدخال وكذا الفتن المزعجة كما جاء في حديث آخر (^١): \"بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم\"، وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (^٢) الآية. قاله ابن رجب (^٣)، فهذا الحديث يقتضي إنهاض الهمم إلى معاملة الله والحث على المبادرة إلى طاعته ومسابقة العوارض والقواطع قبل ورودها، قاله ابن عطاء الله، وقال\n_________\n= أعرفهم. الغريبين في القرآن والحديث (٥/ ١٤٧٧) وفي حديث أم معبد: (لا عابس ولا مفند) قال ابن الأنباري: هو الذي لا فائدة في كلامه لخرف أصابه.\n(^١) صحيح مسلم (١٨٦) (١١٨) عن أبي هريرة.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨٥).","vol":"13","page":225},{"text":"بعضهم معنى الحديث: يقول الرجل في الدنيا واقع في الحالات المذكورات وبعد ما هو أشد وأمر وهو الساعة الموعودة، فالسعيد من اشتغل بأداء فرائضه وسننه قبل [وقوع وقعته] (^١). ومن أشراط الساعة أيضا إذا وسد الأمر إلى غير أهله أي أسند وجعل إليه وقلدوه يعني الإمارة يعني إذا سُوِّد وشُرف غير المستحق للسيادة والشرف وقيل هو من الوسادة أي إذا وضعت وسادة الملك والأمر والنهي لغير مستحقيها وتكون إلى بمعنى اللام. قاله في النهاية (^٢). زمنها تقارب الزمان، قيل تقارب الزمان استواء ليله ونهاره في وقت الاعتدال فعبر بالزمان عن ذلك لأنه وقت من السنة معلوم وأهل العبادة [يقولون:] تقارب أمر انقضاء الدنيا ودنت الساعة وهو أولى لقوله في حديث آخر [وتقدم:] إذا كان آخر الزمان، وقد يتناول هذا على زمن الخريف، وفي أشراط الساعة تقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، فقيل المراد ظاهره أي تقصر مدته وقيل لطييه، وفي الحديث: يتقارب الزمان وتكثر الفتن، قيل على ظاهره [بقرب] الساعة، وقيل المراد أهل الزمان تقصر أعمارهم وقيل هو تقارب أهله وتساويهم في الأحوال [والأخلاق السيئة] والتمادي على الباطل، ومنها (^٣): لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شر منه،\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (البخس ما يأخذه الولاة باسم العشر والمكوس يتأولون فيه الزكاة والصدقة).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٨٣).\n(^٣) صحيح البخاري (٧٠٦٨).","vol":"13","page":226},{"text":"سئل الحسن عنه فقال (^١): ما بال زمن عمر بن عبد العزيز بعد زمان الحجاج، فقال: لا بد من للناس من تنفيس [يعني أن الله تعالى ينفس عن عباده وقتا ما ويكشف البلاء عنهم، وفيه أنّ لهذا القرآن شرة، ثم للناس عنه فترة. الشرة: النشاط والرغبة (^٢)، ومنه الحديث الآخر (^٣): لكل عابد شرة، ومنها (^٤): \"لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع\" يعني لئيم بن لئيم، ولكع بضم اللام وفتح الكاف، ويراد بلكع الذمّ أيضا]. ومنها (^٥): يأتي على الناس زمان [يستحل] فيه [الربا] بالبيع والخمر [بالنبيذ] والبخس بالزكاة، البخس ما يأخذه الولاة باسم العشر والمكوس يتأولون فيه الزكاة والصدقة. قوله في الكلام على الحديث: رواه الترمذي من رواية محرر بن هارون، ومحرر براءين مهملتين، وسماه ابن أبي حاتم محرز بزاي وهو واه، عن\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٢١)، والنهاية في غريب الأثر (٢/ ٤٥٨).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٥٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦٧٦٤ - ٦٤٧٧)، والنسائي في المجتبى (٤/ ٢٠٩)، والكبرى (٢٦٩٦) ابن خزيمة (٢١٠٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢٣٧)، وفي شرح معاني الآثار (٢/ ٨٧) وابن حبان (١١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦). وأخرجه البخاري (٥٠٥٢) دون قوله: لكل عابد شرة.\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٣٣٠٣)، والترمذي (٢٢٠٩)، وقال. هذا حديث حسن، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٣٩٢، والبغوي (٤١٥٤) من حديث حذيفة بن اليمان، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٤٣١).\n(^٥) أخرجه الديلمي في الفردوس (٤٤٤)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٦٢)، والضعيفة (٢٣٧٢): موضوع.","vol":"13","page":227},{"text":"الأعرج، والأعرج اسمه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج تابعى مدنى قريشى، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويقال: مولى عمر بن ربيعة. سمع أبا هريرة، وأبا سعيد، وابن بحينة، وسمع جماعة من التابعين. روى عنه الزهري، ويحيى الأنصارى، ويحيى بن أبى كثير، ومحمد بن يحيى بن حبان، وأبو الزناد، وهو مكثر عنه. واتفقوا على توثيقه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، توفى بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: سنة عشر، والصحيح الأول.\n\n٥٠٨٢ - وروي عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا. رواه ابن ماجه (^١).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (١٠٨١)، وأخرجه عبد بن حميد (١١٣٦)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٩٧)، وأبو يعلى (١٨٥٦)، والبيهقي، (٣/ ١٧١)، وقال ابن أبي حاتم في العلل (١٨٧٨): قال أبي: هذا حديث منكر. قلت لأبي: فما حال عبد الله بن محمد العدوي. قال: شيخ مجهول. قال أبي: وحدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، عن الوليد بن بكير، عن عبد الله بن محمد العدوي، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي -ﷺ-، بهذا الحديث. قلت: ما حال الوليد. قال: شيخ. قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٤/ ٢٤) وكذلك رواه البيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم في الحلية في ترجمة بشر الأمي والدارقطني في علله ورواه ابن عدي في الكامل وأسند إلى وكيع أنه قال عبد الله بن محمد العدوي يضع الحديث وإلى البخاري أنه قال منكر الحديث ووافقهم وقال إن هذا الحديث معروف به انتهي وقال ابن حبان منكر الحديث جدا على قلة روايته لا =","vol":"13","page":228},{"text":"قوله: \"وروي عن جابر بن عبد الله\" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: \"بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا\" الحديث، تقدم الكلام عليه في كتاب الجمعة.\n\n٥٠٨٣ - وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ- لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك. رواه الحاكم (^١) وقال:\n_________\n= يحل الاحتجاج بخبره ثم ذكر له هذا الحديث قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٢٩) هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبد الله بن محمد العدوي وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٤٤٤)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٠٨١، ٦٣٨٦).\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٣٠٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٥٥)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (١٠٧٧)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٩٢) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما، وأخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (١١١)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٩٧٦٧)، وقال: هكذا وجدته في كتاب قصر الأمل، وكذلك رواه غيره، عن ابن أبي الدنيا وهو غلط، وإنما المعروف بهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ وأما المتن الأول فعبد الله بن المبارك إنما رواه في كتاب الرقاق عن جعفر بن برقان، عن زياد بن الجراح، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال رسول الله -ﷺ- لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك فذكره عقيب الحديث الذي رواه عن عبد الله بن سعيد باللفظ المعروف: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس.","vol":"13","page":229},{"text":"صحيح على شرطهما.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك\" الحديث، الهرم هو الكبر تقدم الكلام عليه، قوله: \"وصحتك قبل سقمك\" السقم المرض، يعني اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها [السقم، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \" ... \" يعني اغتم الأعمال الصالحة قبل أن يحول بينك وبينها الموت]، وفي الحديث أيضا: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، أي لا يعرف قدرهما كثير من الناس، يعني لا يعملون في حال الصحة والفراغ من الأعمال الصالحة ما يحتاجون إليه في معادهم حتى تتبدل الصحة بالمرض والفراغ بالاشتغال فحينئذ يندمون على تضييع أعمالهم ولا ينفعهم الندم، اهـ.\n\n٥٠٨٤ - وعن شداد بن أوس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله. رواه ابن ماجه (^١) والترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٠) وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٧١)، وأحمد (٤/ ١٢٤) وفي الزهد (ص ٤٧٢) وابنه في زيادات الزهد (١/ ٦٩)، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (١) والبزار (٣٤٨٩)، والطبراني في الكبير (٧١٤٣) وفي مسند الشاميين (١٤٨٥) وابن عدي (٢/ ٤٧٢) والحاكم (١/ ٥٧ و٤/ ٢٥١) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٧ و٨/ ١٧٤) والبيهقي في الشعب (١٠٠٦٢) وفي السنن (٣/ ٣٦٩) والقضاعي (١٨٥) والخطيب في التاريخ (١٢/ ٥٠) والبغوي في شرح السنة (٤١١٦)، (٤١١٧)، وابن عساكر في معجم الشيوخ (٣٥٤)، وقال الحاكم في الموضع الأول: صحيح على شرط البخاري وتعقبه الذهبي فقال: قلت: لا والله أبو بكر واه، وقال في الموضع الثاني: صحيح الإسناد وذكر الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ١٧٦): وقال قال ابن طاهر وهو حديث مداره على أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٣١٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٥٩)، ومشكاة المصابيح (٥٢٨٩)، وضعيف سنن الترمذي (٤٣٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وقال الترمذي: هذا حديث حسن.","vol":"13","page":230},{"text":"قوله: \"وعن شداد بن أوس\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت\" الحديث، والكيس العاقل، ودان نفسه، قال أبو عبيد (^١): دان نفسه أي [أذلها أي قهرها واستعبدها]، يقال دنت القوم أدينهم إذا فعلت ذلك بهم، والمراد ذل النفس وتواضعها وانقيادها لصحابها إلى كل خير وتكرها التجبر والتكبر والعزة والأخلاق الردية، وقيل حاسبها. قاله في النهاية (^٢).\nوقال في شرح السنة (^٣): معناه أنه يحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة. قال عمر -﵁-: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من يحاسب نفسه في الدنيا. ويروى عن ميمون بن مهران (^٤) أنه قال: لا يكون العبد تقيا حتى يحاسب\n_________\n(^١) غريب الحديث لابن سلام (٣/ ١٣٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٤٨).\n(^٣) البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٩).\n(^٤) علقه الترمذي عقب (٢٤٥٩).","vol":"13","page":231},{"text":"نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"والعاجز من أتبع نفسه هواها\" الحديث، والعاجز ضد الكيس وهو الأحمق والعاجز المقصر في الأمور فهو مع تقصيره في طاعة ربه واتباع شهوات نفسه متمن على الله أن يغفر له وهذا هو الاغترار فإن الله تعالى أمره ونهاه.\nقال الحسن يعني البصري (^١): إن أقواما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلى قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ (^٢) الآية، وقال سعيد بن جبير: الغرّة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية ويتمنى على الله المغفرة والله أعلم، ذكره القرطبي في \"التذكرة\" (^٣).\n\n٥٠٨٥ - وعن مصعب بن سعد عن أبيه، قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن رسول الله -ﷺ- قال: التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة. رواه أبو داود (^٤)\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٥/ ٣٥٣).\n(^٢) سورة فصلت: ٢٣.\n(^٣) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٢٣).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٨١٠)، ومن طريقه البيهقي في الزهد الكبير (٧١٥)، والدورقي في مسند سعد (٦٩)، وأبو يعلى (٧٩٢). وأخرجه موقوفا، عن عمر: وكيع، في الزهد (٢٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٦١٩)، وأحمد في الزهد (ص ١١٩) عن مالك بن الحارث قال: قال عمر -﵁-: التؤدة في كل شيء خير إلا ما كان من أمر الآخرة.","vol":"13","page":232},{"text":"والحاكم (^١) والبيهقي (^٢)، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.\n[قال الحافظ]: لم يذكر الأعمش فيه من حدثه، ولم يجزم برفعه.\n[التؤدة] بفتح المثناة فوق وبعدها همزة مضمومة ثم دال مهملة مفتوحة وتاء تأنيث هي التأني والتثبت وعدم العجلة.\nقوله: \"وعن مصعب بن سعد عن أبيه\" هو مصعب بن سعد بن أبى وقاص الزهري، وهو مدنى سمع أباه، وعلى بن أبى طالب، وابن عمر. روى عنه مجاهد، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وآخرون. واتفقوا على توثيقه. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. توفى سنة ثلاث ومائة (^٣).\nقوله: \"قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن رسول الله -ﷺ-\" الأعمش اسمه كذا قوله -ﷺ-: \"التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة\" الحديث. التؤدة هي التأني والتثبت وعدم العجلة. قاله الحافظ، ومعنى الحديث أن التأني في\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ١٣٢)، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي قلت: إنه على شرط مسلم لأن مالك بن الحارث ليس من رجال البخاري.، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٥٢) رواه مسدد موقوفا بسند صحيح. وله شاهد مرفوع من حديث سعد بن أبي وقاص رواه أبو داود في سننه والحاكم وصححه والبيهقي. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٠٩)، والصحيحة (١٧٩٤). صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٥٦).\n(^٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٩٤)، وفي الزهد الكبير (٧١٤)، وفي شعب الإيمان (٨٠٥٤).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٦).","vol":"13","page":233},{"text":"كل شيء مستحسن إلا في عمل الآخرة.\nقال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة مواضع فإنها من سنة رسول الله -ﷺ-: إطعام الطعام في حق الضيف قد قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (^١) أن إكرامهم كان بتعجيل الطعام لهم وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين والتوبة من الذنب، والله أعلم.\n\n٥٠٨٦ - وروي عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ما من أحد يموت إلا ندم. قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع. رواه الترمذي (^٢) والبيهقي في الزهد (^٣).\nقوله: \"وروي عن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"ما من أحد يموت إلا ندم، قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسنا ندم\n_________\n(^١) سورة الذاريات: ٢٤.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٤٠٣)، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة، وهو يحيى بن عبيد الله بن موهب، مدني.\n(^٣) الزهد الكبير للبيهقي (٧١٦)، والحديث؛ أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣)، وابن عدي في الكامل (٩/ ٣٤)، والبغوي (٤٣٠٩)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٨)، وقال: غريب من حديث يحيى لم نكتبه إلا من حديث ابن المبارك وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥١٤٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٠)، وضعيف سنن الترمذي (ص: ٢٧٠) (ضعيف جدا)، والمشكاة (٥٥٤٥).","vol":"13","page":234},{"text":"أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع\"، وفي حديث آخر (^١): ندم أن لا يكون استعتب، الحديث. إذا كان المحسن يندم عند موته على ترك الزيادة فكيف يكون حال المسيء؟ غاية أمنيّة الموتى في قبورهم حياة ساعة يستدركون بها ما فاتهم من توبة وعمل صالح وأهل الدنيا يفرطون في حياتهم فتذهب أعمارهم في الغفلة [ضياعا]، ومنهم من يقطعها بالمعاصي. قال بعض السلف: أصبحتم في أمنية ناس كثير، يعني أن الموتى كلهم يتمنون حياة ساعة ليتوبا فيها ويجتهدوا في الطاعة، ولا سبيل لهم إلى ذلك. شعر:\nلو قيل لقوم ما مناكم طلبوا ... حياة يوم ليتوبوا فاعلم\nويحك يا نفس ألا تيقظ يقع ... قبل أن تزل قدمي\nمضى الزمان في توان وهوى ... فاستدركي ما قد بقي واغتنمي\nفإذا كان الأمر على هذا [فيتيعن] على المؤمن اغتنام ما بقي من عمره، ولهذا قيل إن بقية عمر المؤمن لا قيمة له. وقال سعيد بن جبير (^٢) كل يوم يعيشه المؤمن [غنيمة]. وقال بكر المزني (^٣): ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي. ولمحمود الوراق:\nمضى أمسك الماضي شهيدا معدلا ... وأعقبه يوما عليك جديد\nفإن كنت بالأمس اقترفت إساءة ... فثَنِّ بإحسان وأنت حميد\n_________\n(^١) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٤).\n(^٢) قصر الأمل (١٤٥)، وحلية الأولياء (٤/ ٢٧٦).\n(^٣) الزهد لابن أبي الدنيا (ص ٤٥٣)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٣٨٦).","vol":"13","page":235},{"text":"فيومك إن اغتنمته عاد نفسه ... عليك وماضٍ بالأمس ليس يعود\nولا ترج فعل الخير يوما إلى غد ... لعل غدا يأتي وأنت فقيد\nوتقدم معنى قوله نزع وهو مذكور في الاستغفار. وأما قوله: \"ندم أن لا يكون استعتب\" أي رجع عن الإساءة وطلب الرضى واستعتب طلب أن يرضى عنه كما تقول استرضيته فأرضاني ومنه الحديث ولا بعد الموت مستعتب أي بعد الموت من استرضاء لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانها وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل اهـ. [ومنه] الحديث لا يعاتبون في أنفسهم، يعني لعظم ذنوبهم وإصرارهم عليها، وإنما يعاتب من [ترجى] عنده العتبى أي الرجوع عن الذنب والإساءة، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة. فقوله: \"فإن كان مسيئا فلعله أن يستعتب\" أي يطلب العتبى وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنب فقد قال الله تعالى [في حق الكافرين]: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (^١)، وقد قال النبي -ﷺ-: لك العتبى حتى ترضى.\n\n٥٠٨٧ - وَعَن أنس -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا اسْتَعْملهُ قيل كَيفَ يَسْتَعْمِلهُ قَالَ يوفقه لعمل صَالح قبل الْمَوْت رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا.\n\n٥٠٨٨ - وعن عمرو بن الحمق -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إذا أحب الله عبدا عسله. قالوا: ما عسله يا رسول الله؟ قال: يوفق له عملا صالحا بين\n_________\n(^١) سورة فصلت: ٢٤.","vol":"13","page":236},{"text":"يدي رحلته يرضى عنه جيرانه، أو قال: من حوله رواه ابن حبان في صحيحه (^١) والحاكم (^٢) والبيهقي (^٣) من طريقه وغيرهما.\n[عسله] بفتح العين والسين المهملتين من العسل: وهو طيب الثناء، وقال بعضهم: هذا مثل، أي وفقه الله لعمل صالح يتحفه به كما يتحف الرجل أخاه إذا أطعمه العسل.\nقوله: \"وعن عمرو بن الحمق\" هو عمرو بن الحمق بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي هاجر إلى النبي -ﷺ- بعد الحديبية، وقيل: بل أسلم عام حجة الوداع، والأول أصح، صحب النبي -ﷺ- وحفظ عنه أحاديث، وسكن الكوفة، وانتقل إلى مصر، قاله أبو نعيم، وقال أبو عمر: سكن الشام، ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها، والصحيح أنه انتقل من مصر إلى الكوفة، روى عنه:\n_________\n(^١) ابن حبان (٣٤٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٨٦٢)، وأحمد (١٧٢١٧ - ٢١٩٤٩)، وعبد بن حميد (٤٨١)، وابن أبي عاصم في الأحاد والمثاني (٢٣٤١)، (٢٣٤٢)، والبزار= البحر الزخار (٢٣٠٩)، (٢٣١٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٣٢٩٨)، وفي مسند الشاميين (١٨٣، ١١٥٢، ٣٥٢٦)، (٢٠٢٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٦٤٠ - ٢٦٤١)، والخرائطي مكارم الأخلاق (٢٦٣)، وأبو نعيم معرفة الصحابة (٤٨٩٨ - ٥٠٤٤ - ٥٠٤٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٣٩٠)، وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ١٥٥)، وضعفه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٥٨).\n(^٢) المستدرك للحاكم (١/ ٤٩٠).\n(^٣) البيهقي في الزهد (٨١٤)، وفي الأسماء والصفات (٣١٣)، وفي القضاء والقدر (١٦٣).","vol":"13","page":237},{"text":"جبير بن نفير، ورفاعة بن شداد القتباني، وغيرهما (^١).\nقوله -ﷺ-: \"إذا أحب الله عبدا عسله. قالوا: وما عسله يا رسول الله؟ قال: يوفق له عملا صالحا\" الحديث. عسله بفتح العين والسين المهملتين وهو طيب الثناء مأخوذ من العسل، يقال عسل الطعام يعسله إذا جعل فيه العسل شبه ما رزقه الله من العمل الصالح الذي طاب به ذكره بين قومه بالعسل الذي يجعل في الطعام فيحلو به ويطيب، ومنه الحديث: إذا أراد الله بعبد خيرا عسله في الناس. أي طيب ثناءه فيهم. وفي الحديث أن النبي -ﷺ- قال (^٢) لامرأة رفاعة القرظي: حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا.\nوقال ابن قتيبة (^٣): تقول عسلت الطعام أعسِله وأعسُله إذا جعلت فيه العسل، وكذلك سمنته أسمُنه بالضم لا غير إذا جعلت فيه السمن، فهو طعام مربوب ومسمون إذا جعل فيه ذلك، والمعنى والله أعلم [عسله] جعل فيه كالعسل من العمل الصالح كما يعسل الطعام إذا جعل فيه العسل، اهـ. وقال بعضهم: هذا مثل، أي يوفقه الله لعمل صالح يتحفه به كما يتحف الرجل أخاه بالعسل إذا أطعمه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) أسد الغابة (٤/ ٢٠٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٦٣٩)، وصحيح مسلم (١١١) (١٤٣٣).\n(^٣) غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٣٠٢).","vol":"13","page":238},{"text":"٥٠٨٩ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة. رواه البخاري (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: \"أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة\" الحديث، قال البخاري في باب من بلغ الستين فقد أعذر، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (^٢)، يعني الشيب، ثم روى الحديث المتقدم: أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة. قال ابن بطال (^٣): قال علي وابن عباس وأبو هريرة: العمر الذي يتذكر فيه من تذكر [ستون] سنة. قال النووي في رياضه (^٤): قال العلماء معناه لم يترك له [عذرا] إذا أمهله هذه المدة، اهـ. وقال بعض العلماء أيضا: يريد والله أعلم قطع معذرته إن اعتذر بجهل لأنه عمر ما يجوز أن يعلم فيه [ويعمل] (^٥). وقال ابن الأثير (^٦): أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر. يقال: أعذر الرجل إذا بلغ أقصى الغاية في العذر، اهـ. ومنه يقال: أعذر من أنذر.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤١٩).\n(^٢) سورة فاطر: ٣٧.\n(^٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١٥٢).\n(^٤) رياض الصالحين (ص: ٥٧).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٦) النهاية في غريب الحديث والأتر (٣/ ١٩٦).","vol":"13","page":239},{"text":"٥٠٩٠ - وعن سهل مرفوعا: من عمر من أمتي سبعين فقد أعذر الله إليه في العمر. رواه الحاكم (^١) وقال: صحيح على شرطهما.\n[قوله: \"وعن سهل\" كذا قوله -ﷺ-: \"من عمّر من أمتي سبعين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر\" تقدم معنى أعذر الله إليه في العمر في الحديث قبله] (^٢). وقال بعضهم أيضا أعذر الله إلى امرئ: أي أظهر حجته عليه ولم يبق له عذرا يتمسك به، اهـ. وقال بعضهم أيضا: أي أعذر الله غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك المنايا وهي سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله تعالى وترقب المنية ولقاء الله ﷾ فهذا إعذار بعد إعذار في عمر ابن آدم لطفا من الله تعالى بعباده حين نقلهم من حالة الجهل\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٢٨)، وأخرجه إسحاق في مسنده -كما في المطالب العالية (٣١١٤)، وابن منده في التوحيد (١٠٣)، والروياني في مسنده (١٠٥١)، والطبراني في معجمه الكبير (٦/ ١٨٣/ ٥٩٣٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ٢٦٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٢٣) وعند الروياني وفي حلية الأولياء: عن سهل بن سعد أو غيره رفعه، وقال ابن حجر: وهذا إسناد صحيح، ولكن له علة، رواه غير واحد عن أبي حازم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁- ومن هذا الوجه علقه البخاري، فإن كان حماد بن زيد حفظه فيحتمل على أن يكون سمعه من وجهين. وقال ابن حجر في تغليق التعليق (٥/ ١٦٠): رواه الحاكم في المستدرك من طريقه وصححه على شرط الشيخين وهو كما قال لأن علته غير قادحة. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ١٢٣): رواه إسحاق والروياني بإسناد صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٦٠)، وفي صحيح الجامع (٦٣٩٧).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":240},{"text":"إلى حالة العلم وأعذر إليهم مرة بعد أخرى ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج الظاهرة وإن كانوا قد جبلوا على حب الدنيا وطول الأمل فلم يتركهم مهملين دون إعذار وتنبيه وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم [والخلف و] السلف في النذير، فقيل محمد -ﷺ-، قاله علي.\nوعن ابن عباس أنه الشيب، وحجة الأول أن الله بعث الرسل مبشرين ومنذرين إلى عباده قطعا لحجتهم بقوله [تعالى:] ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^١)، فأعذر الله ﷾ إلى عباده ثلاث مرات: الأولى ببعثة النبي -ﷺ-، والمرتان في الأربعين وفي الستين لتتم حجته عليهم وهذا أصل الإعذار من الحاكم إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى، اهـ، قاله في الديباجة.\n\n٥٠٩٠ - م- وعن سهل مرفوعا: من عمر من أمتي سبعين فقد أعذر الله إليه في العمر. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما.\nقوله: \"وعن سهل\" هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنا، فسماه النبى -ﷺ- سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله -ﷺ- في المتلاعنين، قال الزهري: سمع من النبى -ﷺ-، وكان له يوم وفاة النبى -ﷺ- خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١٥.","vol":"13","page":241},{"text":"أصحاب النبي -ﷺ- بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيره (^١).\nقوله -ﷺ-: \"من عمّر من أمتي سبعين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر\" تقدم معنى أعذر الله إليه في العمر في الحديث قبله، وفي الترمذي: أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك، وفي رواية حصاد أمتي من بلغ الخمسين فقد تنصف المائة فماذا ينتظر. شعر:\nلهفي على خمسين عاما مضت ... كانت أمامي ثم خلفتها\nلو كان عمري مائة هدّني ... تذكري أني تنصفتها\nفي بعض الكتب السالفة (^٢) أن لله مناديا ينادي كل يوم أبناء الخمسين زرع دنا حصاده، أبناء الستين هلموا إلى الحساب، أبناء السبعين ماذا قدمتم وماذا أخرتم، أبناء الثمانين لا عذر لكم. وفي حديث مرفوع (^٣) إن لكل شيء حصادا وحصاد أمتي ما بين الستين إلى السبعين:\nوما حالاتنا إلا ثلاث ... شباب ثم شيب ثم موت\nوآخر ما يسمى المرء شيخا ... ويتلوه من الأسماء ميت\nوقال وهيب (^٤): إن لله مناديا ينادي في السماء الرابعة كل صباح أبناء\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨).\n(^٢) حلية الأولياء (ج ٨ ص ١٥٨) عن وهب بن منبه.\n(^٣) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٠٢).\n(^٤) حلية الأولياء (ج ٨ ص ١٥٨) عن وهب بن منبه.","vol":"13","page":242},{"text":"الأربعين زرع دنا حصاده، أبناء الخمسين ماذا قدمتم وماذا أخرتم؟ أبناء الستين لا عذر لكم. وفي حديث أن الله تعالى يقول للحفظة ارفقوا بعبدي ما دامت حداثته فإذا بلغ الأربعين حقّقا وتحفظا فكان بعض روايته يبكي عند روايته ويقول: حين كبرت السنّ ورقّ العظم وقع التحفظ. وقال مسروق: إذا أتتك الأربعون فخذ حذرك. قال النخعي (^١) كان يقال لصاحب الأربعين احتفظ بنفسك، وكان كثير من السلف إذا بلغ الأربعين تفرغ للعبادة، اهـ. قاله ابن رجب الحنبلي في كتابه اللطائف (^٢).\n\n٥٠٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا أنبئكم بِخَيْرِكُمْ قَالُوا نعم قَالَ خياركم أطولكم أعمارا وَأَحْسَنُكُمْ أعمالا. رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^٣). وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث جَابر وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٤).\n\n٥٠٩٢ - وعن أبي بكرة -﵁- أن رجلا قال: يا رسول الله: أي الناس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله. قال: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٦/ ٢٧٧).\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٠٢).\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٥ (٧٢١٢) و٢/ ٤٠٣ (٩٢٣٥)، وابن حبان (٤٨٤) و(٢٩٨١)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٥٢٠ رقم ٦٥٢٨). وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٩٨) وصحيح الترغيب (٢٦٥١) و(٣٣٦١).\n(^٤) أخرجه عبد بن حميد (١٠٨٤)، والحاكم (١/ ٣٣٩). وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٩٨) وصحيح الترغيب (٣٣٦٢).","vol":"13","page":243},{"text":"وساء عمله. رواه الترمذي (^١) وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني (^٢) بإسناد صحيح والحاكم (^٣) والبيهقي في الزهد (^٤) وغيره.\nقوله: \"وعن أبي بكرة\" أبو بكرة اسمه نفيع مصغر النفع، وكني به لأنه تدلى من حصن الطائف إلى النبي -ﷺ- ببكرة وكان أسلم في الحصن وعجز عن الخروج منه إلا بهذا الطريق وتسور الحائط أي تسلقه. قاله الكرماني (^٥).\nوتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قوله -ﷺ-: \"خيركم من طال عمره وحسن عمله\" الحديث، وهذان قسمان من\n_________\n(^١) الترمذي (٢٣٣٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الطيالسي (٨٦٤)، وأحمد (٢٠٤١٥ - ٢٠٤٤٣ - ٢٠٤٤٤ - ٢٠٤٨٠ - ٢٠٤٨١ - ٢٠٤٨٢ - ٢٠٤٩١ - ٢٠٤٩٢ - ٢٠٥٠٠ - ٢٠٥٠١ - ٢٠٥٠٤)، والدارِمِي (٢٧٨٤)، (٢٧٨٥)، والبزار= البحر الزخار (٣٦٢٣)، وأبو بكر الشافعي في كتاب الفوائد (الغيلانيات) (٤٥٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٥٢)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٩٤)، وقال البزار: وهذا الحديث قد روي عن النبي -ﷺ- من غير وجه وهذا من أحسن الأسانيد التي تروى في ذلك إن شاء الله.\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٥٤٤٩)، وفي معجمه الصغير (٨١٨).\n(^٣) الحاكم في المستدرك (١/ ٣٣٩)، وعنه أخرجه البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٧١)، وفي الزهد (٦٢٧، ٦٢٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٣): رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وإسناده جيد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٩٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣٦٣).\n(^٤) الزهد الكبير للبيهقي (٦٢٧ - ٦٢٨).\n(^٥) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٦/ ١٥٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٩٨).","vol":"13","page":244},{"text":"أربعة طرفان بينهما وواسطة لأن الإنسان إما طويل العمر أو قصيره وعلى التقديرين إما حسن العمل أو سيئه فطويل العمر حسن العمل وطويل العمر سيء العمل طرفان شرهما الثاني وقصير العمر حسن العمل وقصير [العمر] سيء العمل واسطتان خيرهما الأول، قاله في شرح مشارق الأنوار (^١).\n\n٥٠٩٢ - وَعَن عبد الله بن بسر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خير النَّاس من طَال عمره وَحسن عمله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٢).\n\n٥٠٩٣ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا أنبئكم بخياركم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ خياركم أطولكم أعمارا إِذا سددوا\nرَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن (^٣).\n\n٥٠٩٤ - وعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن لله عبادا يضن بهم عن القتل، ويطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء. رواه الطبراني (^٤)، ولا يحضرني الآن إسناده.\n_________\n(^١) كشف المناهج (٤/ ٤٠٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني الصحيحة (١٨٣٦)، المشكاة (٥٢٨٥)، الروض النضير (٩٢٦) وصحيح الترغيب (٣٣٦٤).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٣٤٩٦). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠٣: رواه أبو يعلى، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٤٩٨) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٩٦١).\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٦/ ١٠٣٧١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد =","vol":"13","page":245},{"text":"قوله: \"وعن عبد الله بن مسعود\" تقدم. قوله: \"إن لله عبادا يضن بهم عن القتل ويطيل أعمارهم في حسن العمل\" الحديث، يضن بالضاد المعجمة معناه يبخل ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ على إحدى القراءتين، وتقدم هذا الحديث، وكذلك حديث أبي هريرة الذي بعده وحديث عبد الله بن شداد في الصلاة.\n\n٥٠٩٦ - وَعَن أبي هُريْرَة -﵁- قَالَ كَانَ رجلَانِ من بلي حَيّ من قضاعة أسلما مَعَ رَسُول الله -ﷺ- فاستشهد أَحدهمَا وَأخر الآخر سنة قَالَ طَلْحَة بن عبد الله فَرَأَيْت الْمُؤخر مِنْهُمَا أَدخل الْجنَّة قبل الشَّهِيد فتعجبت لذَلِك فَأَصْبَحت فَذكرت ذَلِك للنَّبِي -ﷺ- فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلَيْسَ قد صَامَ بعده رَمَضَان وَصلى سِتَّة آلاف رَكْعَة وَكَذَا وَكَذَا رَكْعَة صَلَاة سنة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم عَن طَلْحَة بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَزَاد ابْن مَاجَه وَابْن حبَان في آخِره فَلَمَّا بَينهمَا أبعد مِمَّا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض (^٢).\n_________\n= (١٠/ ٢٠٣) رواه الطبراني، وفيه جعفر بن محمد الواسطي الوراق ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في ضعيف الجامع (١٩٥٠)، والضعيفة (٣١٩٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٢). ضعيف جدًا.\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٣٣ (٨٣٩٩ و٨٤٠٠). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠٤: رواه أحمد، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٢) و(٣٣٦٥).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ١٦١ (١٣٨٩) و١/ ١٦٣ (١٤٠٣)، وابن ماجه (٣٩٢٥)، وابن حبان (٢٩٨٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٣) و(٣٣٦٦).","vol":"13","page":246},{"text":"٥٠٩٧ - وَعَن عبد الله بن شَدَّاد أَن نَفرا من بني عذرة ثَلَاثَة أَتَوا النَّبِي -ﷺ- فأسلموا قَالَ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- من يكفيهم قَالَ طَلْحَة أَنا قَالَ فَكَانُوا عِنْد طَلْحَة فَبعث النَّبِي -ﷺ- بعثا فَخرج فِيهِ أحدهم فاستشهد ثمَّ بعث بعثا فَخرج فِيهِ آخر فاستشهد ثمَّ مَاتَ الثَّالِث على فرَاشه قَالَ طَلْحَة فَرَأَيْت هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذين كَانُوا عِنْدِي فِي الْجنَّة فَرَأَيْت الْمَيِّت على فرَاشه أمامهم وَرَأَيْت الَّذِي اسْتشْهد أخيرا يَلِيهِ وَرَأَيْت أَوَّلهمْ آخِرهم قَالَ فداخلني من ذَلِك فَأتيت النَّبِي -ﷺ- فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ وَمَا أنْكرت من ذَلِك لَيْسَ أحد أفضل عِنْد الله ﷿ من مُؤمن يعمر فِي الْإِسْلَام لتسبيحه وتكبيره وتهليله رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى ورواتهما رُوَاة الصَّحِيح وَفِي أَوله عِنْد أَحْمد إرْسَال كَمَا مر وَوَصله أَبُو يعلى بِذكر طَلْحَة فِيهِ (^١).\n\n٥٠٩٨ - وعن أم الفضل -﵂- أن النبي -ﷺ- دخل على العباس وهو يشتكي فتمنى الموت فقال: يا عباس عم رسول الله -ﷺ- لا تتمن الموت إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئا، فإن تؤخر تستعتب من إساءتك خير لك، لا تتمن الموت. رواه أحمد (^٢) والحاكم (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ١/ ١٦٣ (١٤٠١)، وعبد بن حميد (١٠٤)، والبزار (٩٥٤)، والنسائي (١٠٦٠٦)، وأبو يعلى (٦٣٤). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠٤: رواه أحمد فوصل بعضه، وأرسل أوله، ورواه أبو يعلى والبزار فقالا: عن عبد الله بن شداد عن طلحة، فوصلاه بنحوه، ورجالهم رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٥٤) وصحيح الترغيب (٣٣٦٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٦٨٧٤)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣)، والحارث (١٠٨٢ - زوائد الهيثمي)، وأبو يعلى (٧٠٧٦)، والطبراني (٢٥/ ٢٨/ ٤٤)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٢١) رواه أبو بكر بن أبي شيبة ورجاله ثقات، والحارث، وأبو يعلى وأحمد بن حنبل، والحاكم وصححه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٢) رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير هند بنت الحارث.\nفإن كانت هي القرشية أو الفراسية فقد احتج بها في الصحيح، وإن كانت الخثعمية فلم أعرفها، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٦٨)، وفي أحكام الجنائز (ص ١٢).\n(^٣) الحاكم (١/ ٣٣٩)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"13","page":247},{"text":"واللفظ له، وهو أتم وقال: صحيح على شرطهما.\nقوله: \"وعن أم الفضل\" واسمها لبابة بنت الحارث فأم الفضل هي زوجة العباس بن عبد المطلب، وأنشد الشيخ شرف الدين الدمياطي فيها:\nما ولدت نجيبة من فحل ... بجبل نعلمه وسهل\nكسته من بطن أم الفضل ... عم النبي المصطفي ذي الفضل\nوخاتم الرسل وخير الرسل ... أكرم بها من كهلة وكهل\nقوله أن النبي -ﷺ- دخل على العباس وهو يشتكي فتمنى الموت، الحديث. يشتكي معناه في مرضه الذي توفي فيه.\nقوله -ﷺ- للعباس: \"لا يتمنى الموت\" الحديث. احتجت الشافعية بهذا الحديث على كراهة تمني الموت، وإنما نهى عن تمني الموت لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله تعالى في أمر ينفعه في آخرته، والحكمة في ذلك أن الإنسان إما أن يكون مطيعا أو عاصيا فإن كان مطيعا [توجب له الزيادة في","vol":"13","page":248},{"text":"الحسنات، وإن كان عاصيا] (^١) فلعله يتوب قبل أن يموت، فأما الدعاء بالموت فلم تظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد.\nأشار النبي -ﷺ- إلى المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به وهو انقطاع الأعمال بالموت ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال ولو لم يكن إلا استمرار الإيمان فأي عمل أعظم منه فما دام معه الإيمان فالحياة خير له، واستثنى العلماء من تمني الموت لفتنة في الدين فمتى خشي على نفسه أن يفتتن فلا كراهة في تمني الموت والحالة هذه وتمني الموت يقع على وجوه منها: تمنيه لضر دنيوي ينزل بالعبد فينهى حينئذ عن تمني الموت، ووجه كراهيته في هذا الحال أن المتمني للموت لضر نزل به إنما يتمناه تعجيلا للاستراحة من ضره [وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت فلعله إلى خبر أعظم من ضرّه] فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.\nوفي الحديث عن النبي -ﷺ- قال (^٢): إنما يستريح من غفر له، فلهذا لا ينبغي\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٤٧١٣)، والحارث بن أبي أسامة، بغية الباحث (٢٥٧)، والبزار كشف الأستار (٧٨٩). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٩٠)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث ابن لهيعة، تفرد به المعافى، فيما قاله سليمان.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٣٠) رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وقال الهيثمي في (٢/ ٣٣٠) رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧١٠).","vol":"13","page":249},{"text":"له أن يدعو بالموت إلا أن يشترط أن يكون خيرا له عند الله ﷿، ومنها [تمنيه] (^١) خوف فيجوز حينئذ، وقد تمناه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام، وفي حديث المنام: وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، ومنها تمني الموت عند حضور أسباب الشهادة اغتناما لحصولها يجوز ذلك أيضا، وسؤال الصحابة الشهادة وتعرضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهور، وكذلك سؤال معاذ لنفسه وأهل بيته الطاعون لما وقع بالشام، ومنها تمنيه لمن وثق بعمله شوقا إلى لقاء الله ﷿ فهذا يجوز أيضا وقد فعله كثير من السلف. قال أبو الدرداء (^٢) أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وقد دل على ذلك قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٣) الآية.\nقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ (^٤) إلى قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾، فدل ذلك على أن أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنونه ثم أخبر أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم فدل على أنه إنما يكره الموت من له ذنوب يخاف\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حلية الأولياء (١/ ٢١٧)، وشرح السنة (١٤/ ٢٥٠)، وصفة الصفوة (١/ ٦٣٦)، ولطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٦).\n(^٣) البقرة: ٩٤.\n(^٤) الجمعة: ٦.","vol":"13","page":250},{"text":"القدوم عليها، ومنها تمني الموت على غير الوجوه المتقدمة [فقد] (^١) اختلف العلماء في كراهيته واستحبابه، وقد رخص فيه جماعة من السلف وكرهه آخرون. اهـ، قاله ابن رجب (^٢).\n[قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: وإن كان مسيئا فلعله أن يستعتب، أي يطلب العتبى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع من الذنب، فقد قال الله تعالى في حق الكافرين: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، وقد قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: \"لك العتبى حتى ترضى\"].\n[قوله في الحديث: \"وإن كنت مسيئا فأن تؤخر تستعتب من إساءتك\" الحديث، تستعتب بفتح التاء أي ترجع عن الإساءة وتطلب الرضى، يقال استعتب إذا طلب أن يرضى عنه، كما تقول استرضيته فأرضاني [فالاستعتاب الاسترضاء، وهو طلب أن يرضى عنه كما تقول: استرضيته فأرضاني، فالاستعتاب الاسترضاء وهو طلب الرضا والعفو، والاستعتاب أيضا الاستقالة، يقال استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني] أي فرضي عني أو استقلته فأقالني.\nومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ (^٣) الآية، أي وإن يسترضوا أو يستقيلوا فما هم من المرضيين ولا من المقالين، يقال عتبة يعتبه عتبا، والأمم المعتبة\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٧).\n(^٣) فصلت: ٢٤.","vol":"13","page":251},{"text":"بالفتح والكسر من الموحدة والغضب والعتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة وأعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي والمقصود أن يطلب رضى الله تعالى بالتوبة ورد المظالم] (^١). [قال سهل بن عبد الله التستري (^٢): لا يتمنى الموت إلا ثلاثة: رجل جاهل بما بعد الموت أو رجل يفر من أقدار الله عليه أو مشتاق محب للقاء الله. روي أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم الخليل ﵊ ليقبض روحه فقال إبراهيم: يا ملك الموت هل رأيت خليلا يقبض روح خليله؟ فعرج ملك الموت إلى ربه تعالى، فقال قل له: هل رأيت خليلا يكره لقاء ربه؟ فرجع إليه، فقال:\n[فاقبض] روحي الساعة ... جزى الله عنا الموت خيرا لأنه\nأبرّ منا من والدينا وأرأف ... تعجّل راحات النفوس من الردى\nويدني [لي] (^٣) إلى الدار التي هي أشرف اهـ\nقاله في الديباجة] (^٤).\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (أبرّ منا من والدينا وأرأف -- تعجّل راحات النفوس من الردى ... ويدني [لي] إلى الدار التي هي أشرف، اهـ. قاله في الديباجة).\n(^٢) تفسير القرطبي (٩/ ٢٦٩)، وشرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (١/ ٢٣).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) تكررت هذه الفقرة في النسخة الهندية في موضعين، هذا الموضع، والآخر حيث: حصل تقديمها، وأدرجت قبل قوله: (قوله: (وعن عمرو بن الحمق) كذا قوله -ﷺ-: (إذا أحب الله عبدا عسله. قالوا: وما عسله يا رسول الله؟ قال: يوفق له عملا صالحا) الحديث).","vol":"13","page":252},{"text":"٥٠٩٩ - وعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا تتمنوا الموت، فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، ويرزقه الله الإنابة. رواه أحمد (^١) بإسناد حسن والبيهقي (^٢).\nقوله: \"وعن جابر\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"لا تتمنوا الموت\" تقدم الكلام على النهي عن تمني الموت في الحديث قبله. قوله -ﷺ-: \"فإن هول المطلع\" بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام وهو موضع الاطلاع من الإشراف إلى [الإنجذاب]، شبه ذلك به والمطلع بفتح الميم واللام موضع الطلوع وبكسر اللام وقت الطلوع، وقيل بالوجهين فيهما، قاله عياض؛ وهول المطلع هو ما يكشف للميت عند حضور الموت من أهوال الآخرة وشدائدها التي لا عهد له بشيء منها في الدنيا، يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف من أمر الآخرة من رؤية الملائكة ورؤية أعماله من خير\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٤٥٦٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٥٦٢)، وعبد بن حميد (١١٥٣)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٢٤٠)، (٣٤٢٢)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٠٦)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٣٣٨)، والحاكم (٤/ ٢٤٠)، وقال الحاكم: إسناده صحيح ولم يخرجاه. وقال الهيثمي: في (١٠/ ٣٣٤): رواه أحمد والبزار، وإسنادهما جيد.، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٢٠) رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن حنبل، والحاكم وصححه، والبيهقي. قال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٣): كذا قال، وتبعه الهيثمي ١٠/ ٢٠٣ وفي إسناده ضعيف واضطراب، وبيانه في الضعيفة (٤٩٧٩).\n(^٢) البيهقي في الشعب (١٠١٠٥).","vol":"13","page":253},{"text":"أو شر وما يبشر به عند ذلك من الجنة أو النار مع ما يلقاه من شدة الموت وكربه وغصصه فشبه بالموضع الذي يشرف عليه من موضع عال. جزع الحسن بن علي -﵄- عند موته وقال: أريد أن أشرف على ما لم أشرف عليه قط، وبكى الحسن البصري عند موته، وقال: نفيسة ضعيفة وأمر هول عظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قط وأسلك طريقا ما سلكته قط وأزور سيدي ومولاي وما [رأيته] قط وأشرف على أهوال ما شاهدتها قط فهذا كله من هول المطلع الذي قطع قلوب الخائفين حتى قال عمر عند موته (^١): لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع، ومن هول المطلع ما يكشف للميت عند نزوله قبره من فتنة القبر، فإن الموتى يفتنون بالمسألة في قبورهم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال وما يكشف لهم في قبورهم عن منازلهم من الجنة والنار وما يلقون من ضمة القبر وضيقه وهوله وعذابه إن لم يعاف الله من ذلك. رئي بعض الصالحين في المنام بعد موته فسئل عن حاله فأنشأ يقول:\nوليس يعلم ما في القبر داخله ... إلا الإله وساكن الأجداث\n[قوله صلى الله تعالى عليه وسلم] في الحديث (^٢) وإن من السعادة أن\n_________\n(^١) المحتضرين (٤٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٢١)، وأحمد (١٤٥٦٤)، وعبد بن حميد (١١٥٦)، والبزار كشف الأستار (٣٢٤٠ و٣٤٢٢)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٠٦)، والبيهقي في شعب =","vol":"13","page":254},{"text":"يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة الحديث، الإنابة الرجوع والتوبة من ذنوبه السالفة والاجتهاد في العمل الصالح فإذا تمنى الموت فقد تمنى انقطاع عمله الصالح فلا ينبغي له ذلك. وروي إبراهيم الحربي من رواية ابن لهيعة عن ابن الهاد عن ابن المطلب عن أبيه (^١) أن النبي -ﷺ- قال: السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله تعالى.\nقال الكرماني (^٢): قلت: المراد بطوله الممدوح ما لم ينتكس ويبقى على عمله ويقوى على طاعته، اللهم اجعلنا من السعداء، اهـ. وقد روي معنى الحديث عن النبي -ﷺ- من وجوه متعددة ففي صحيح البخاري (^٣) عن أبي\n_________\n= الإيمان (١٠١٠٥)، والحاكم (٤/ ٢٤٠)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٢٠): رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن حنبل، والحاكم وصححه، والبيهقي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٠٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢٨).\n(^١) أخرجه الخطيب في تاريخه (٦/ ١٦)، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٦٧٩) أخرجه إبراهيم الحربي في كتاب ذكر الموت من رواية ابن لهيعة عن ابن الهاد عن المطلب عن أبيه عن النبي -ﷺ- قال السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله ووالد المطلب عبد الله بن حوطب مختلف في صحبته ولأحمد من حديث جابر إن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة والترمذي من حديث أبي بكرة: أن رجلا قال يا رسول الله أي الناس خير؟ قال من طال عمره وحسن عمله قال هذا حديث حسن صحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٦٦)، والضعيفة (٣٠٠٨).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٢/ ١٦٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٦٧٣).","vol":"13","page":255},{"text":"هريرة عن النبي -ﷺ-: لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، الحديث.\nوفي مسند الإمام أحمد (^١) عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله -ﷺ- فذكّرنا ورقّقنا فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مت. فقال النبي -ﷺ-: يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك، وفي هذا المعنى أحاديث وكلها تدل على النهي عن تمني الموت بكل حال وأن طول عمر المؤمن خير له فإنه يزداد فيه خيرا، وهذا قيل أنه يدخل فيه تمنيه للشوق إلى لقاء الله تعالى.\nفائدة: واختلف السالكون أيما أفضل من تمني الموت شوقا إلى لقاء الله أو من تمني الحياة رغبة في طاعة الله أو من فوض الأمر إلى الله ورضي باختياره له ولم يختر لنفسه شيئا، واستدل طائفة من الصحابة على تفضيل الموت على الحياة بقوله ﷿: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (^٢)، ولكن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٢٩٣)، وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٤٧٧ والطبراني في المعجم الكبير الكبير (٨/ ٢١٧/ ٧٨٧٠) قال الإِمام أحمد: يروي عنه -يعني: القاسم- علي بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلَّا من قبل القاسم، وإنما ذهبت رواية جعفر بن الزبير؛ لأنه إنما كانت روايته عن القاسم، ربما حدث بشر بن نمير عن القاسم. قال شعبة: ألحقوه به. انظر: العلل المتناهية ٢/ ٣٣٤.، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٣) رواه أحمد، والطبراني، وزاد فيه: وإن كنت خلقت للنار، فبئس الشيء تتعجل إليه.، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ١٣٠) سند لين.\n(^٢) آل عمران: ١٩٨.","vol":"13","page":256},{"text":"الأحاديث الصحيحة تدل على أن عمر المؤمن كلما طال ازداد بذلك مما له عند الله من الخير فلا ينبغي له أن يتمنى انقطاع ذلك، اللهم إلا أن يخشى الفتنة على دينه فإنه إذا خشي الفتنة على دينه فقد خشي أن يفوته ما عند الله من الخير ويتبدل ذلك بالشر عياذا بالله من ذلك والموت خير من الحياة على هذه الحال.\nقال ميمون بن مهران (^١): لا خير في الحياة إلا لتائب أو رجل يعمل في الدرجات يعني أن التائب يمحو بالتوبة ما سلف من السيئات والعامل يجتهد في علو الدرجات ومن عداهما فهو خاسر كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (^٢) السورة كلها، فأقسم الله تعالى أن كل إنسان خاسر إلا من اتصف بهذه [الأوصاف] الأربعة: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر على الحق، فهذه السورة ميزان للأعمال يزن المؤمن [به] نفسه [فيبين] له بها ربحه من خسرانه و[لهذا] قال الإمام الشافعي -﵁- لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم، اهـ. قاله ابن رجب (^٣).\nفائدة أخرى: قال الحسن (^٤) لو علم ابن آدم أن له في الموت راحة وفرحا لشق عليه أن يأتيه الموت لما يعلم من فظاعته وشدته وهوله، فكيف وهو لا\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٩).\n(^٢) العصر: ١ - ٥.\n(^٣) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٠٠).\n(^٤) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٨).","vol":"13","page":257},{"text":"يعلم ما له في الموت نعيم دائم أو عذاب مقيم؟\nبكى النخعي عند احتضاره وقال: أنتظر ملك الموت لا أدري يبشرني بالجنة أو النار، فالمتمني للموت كأنه يستعجل [حلول] البلاء وإنما أمرنا بسؤال العافية، وسمع ابن عمر رجلا يتمنى الموت فقال: لا تتمن الموت فإنك ميت ولكن سل الله العافية.\nقال إبراهيم بن أدهم (^١): إن للموت كأسا لا يقوى عليها إلا خائف وجل مطيع لله كان يتوقعها. وقال أبو العتاهية (^٢):\nألا للموت كأس أي كأس ... وأنت لكأسه لا بد حاسي\nإلى كم والممات إلى قريب ... تذكّر بالممات وأنت ناسي\n\n٥١٠٠ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. رواه البخاري، واللفظ له (^٣) ومسلم.\n\n٥١٠١ - وفي رواية لمسلم (^٤): لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدعوا به من قبل أن يأتيه، وإنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٨).\n(^٢) ديوان أبو العتاهية (ص ٧٢) انظر: لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٦٧٣ - ٧٢٣٥).\n(^٤) صحيح مسلم (١٣) (٢٦٨٢).","vol":"13","page":258},{"text":"قوله -ﷺ-: \"لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد\" الحديث. إما محسنا هو بكسر الهمزة على أنها عاطفة ومحسنا إما خبر كان المحذوفة أي إما أن يكون محسنا أو حال تقديره إما أن يتمناه محسنا. وقوله: \"يستعتب\" بفتح الياء أي يرجع عن الإساءة ويطلب الرضى. يقال: استعتب إذا طلب أن يرضى عنه، وتقدم الكلام على الاستعتاب في حديث أم الفضل وقبله.\nقوله: \"وفي رواية لمسلم لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه\" الحديث. أشار بقوله من قبل أن يأتيه إلى أن في الدعاء بالموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للمقدور والمحتوم. فإن قلت: وسائر الأدعية كذلك لأنها إما مقدرة فلا فائدة في سؤالها لوقوعها لا محالة أو غير مقدرة ففي سؤالها اعتراض ومراغمة للقدر، هذا يؤدي إلى سدّ باب الدعاء وهو باطل. قلت: أما الدعاء بالمغفرة والرحمة والأمور الأخروية ففيه إظهار الافتقار والمسكنة والخضوع والتذلل والاحتياج.\nوأما الدعاء بالموت فلم يظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد. أشار النبي -﵇- إلى المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به، اهـ. قاله العراقي في شرح الأحكام (^١).\nقوله ﷺ في الحديث أنه إذا مات انقطع عمله، قال النووي رحمه الله تعالى (^٢) هكذا هو في بعض نسخ مسلم وفي كثير منها\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٣/ ٢٣٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨).","vol":"13","page":259},{"text":"أمله وكلاهما صحيح، والأول أجود وهو المذكور في الأحاديث.\n\n٥١٠٢ - وعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤) والنسائي (^٥).\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به\" الحديث، قال النووي (^٦) في هذا الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به ومطلق الضر يتناول الدنيوي والأخروي لكن المراد إنما هو الضرر الدنيوي من مرض أو فاقة أو محنة من عدو ونحو ذلك من مشاق الدنيا كما هو مبين في رواية النسائي وابن حبان فقال: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا، وهو الذي أراده أيوب ﵊ في قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (^٧) وإخوة يوسف ﵇ في قولهم: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، فأما إذا خاف ضررا في دينه أو فتنة فيه فالظاهر أنه لا بأس معه بالدعاء بالموت،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٥١) (٥٦٧١) و(٧٢٣٣).\n(^٢) صحيح مسلم (١٠) (٢٦٨٠).\n(^٣) أبو داود (٣١٠٨).\n(^٤) الترمذي (٩٩٣).\n(^٥) النسائي (٤/ ٣).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٧).\n(^٧) الأنبياء: ٨٣.","vol":"13","page":260},{"text":"[وتمنيه لمفهوم] هذا الحديث وغيره ويدل لذلك قوله ﷺ في الحديث: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه وليس به الدين إلا البلاء، وقد فعل هذا [الثاني] (^١) خلائق من الصحابة والسلف عند خوف الفتنة في أديانهم، وفيه أنه إن [خالف] ولم يصبر على حاله في بلواه بالمرض ونحوه فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، الدعاء المذكور في الحديث، [والأفضل] الصبر والسكون للقضاء، قاله في شرح الأحكام.\nفائدة: فإن قيل الآجال مضروبة قد فرغ منها فكيف يردد السؤال [في أمر] فرغ منه، وكيف ينهى عن تمنيه مع أنه لا يفيد القطع بأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.\nقلنا: فائدة الدعاء برفع الآفات وطلب المسرات وقد وقع من ذلك كثير من خوارق العادات وفيه ربط الأسباب بالمسببات وفائدة التمني وقوع المخالف في الإثم وجعل الآخر للمبتلى وفائدة التمني المحبوب حصول الثواب والانتظام في سلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اهـ. قاله في شرح الإلمام.\nتنبيه: يختم به الباب: قوله في الحديث: \"فإن كان لا بد فاعلا\" هو حال وتقديره إن كان أحدكم فاعلا كونه لا بد له من ذلك.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":261},{"text":"فإن قلت كيف جاز الفعل بعد النهي؟ قلت: موضع الضرورة مستثنى من جميع الأحكام، والضرورات تبيح المحظورات أو النهي عن الموت معينا، وهذا تجويز في أحد الأمرين لا على التعيين أو النهي إنما هو فيما إذا كان منجِّزا مقطوعا به وهذا معلق لا منجز. اهـ، قاله الكرماني في شرح البخاري (^١).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٢/ ١٥٣).","vol":"13","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>الترغيب في الخوف وفضله</span>\n٥١٠٣ - عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فذكرهم إلى أن قال: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢)، وتقدم بتمامه.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" تقدم الكلام على هذا الحديث في مواضع كثيرة من هذا التعليق.\n\n٥١٠٤ - وعن ابن عمر -﵄- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما أرادها على نفسها ارتعدت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عملته، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال تفعلين أنت هذا من مخافة الله، فأنا أحرى اذهبي فلك ما أعطيتك، ووالله ما أعصيه بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوب على بابه: إن الله قد غفر للكفل فعجب الناس من ذلك. رواه الترمذي (^٣) وحسنه،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٦٠ - ١٤٢٣ - ٦٤٧٩ - ٦٨٠٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٩١) (١٠٣١).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٤٩٦).","vol":"13","page":263},{"text":"والحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" حيث أطلق ابن عمر فالمراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب، وتقدم الكلام على مناقبه في مواضع من هذا التعليق أيضا. قوله: \"كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله\" الحديث، الكفل كذا وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ﵇. قوله: \"فقال: وتفعلين أنت هذا من مخالفة الله فأنا أحرى\" أي فأنا أولى وأحق بهذا الخوف منك.\n\n٥١٠٥ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: خرج ثلاثة فيمن كان قبلكم يرتادون لأهلهم فأصابتهم السماء فلجؤوا إلى جبل فوقعت\n_________\n(^١) المستدرك للحاكم (٤/ ٢٨٣)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه والحديث؛ أخرجه الضبي في الدعاء (١٤٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٢٠٩)، وأحمد (٤٧٤٧)، والبزار (٥٣٨٨)، وابن حبان (٣٨٧)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم أسامي شيوخه (١/ ٣٦٥)، وأبو يعلى الموصلي (٥٧٢٦)، والخرائطي في اعتلال القلوب (١٠٤)، وابن الأعرابي في المعجم (٢٢٩٥) والطبراني (١٣٩٤٢ و١٣٩٤٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٢٩٨) وقال: غريب من حديث سعيد لم يروه عنه إلا الأعمش، ولا عنه إلا أبو بكر بن عياش وأسباط. ورواه غيرهما عن الأعمش، فقال بدل سعيد: عن سعد مولى طلحة.\nوقال الترمذي في العلل الكبير (٦١٨): سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: بعض أصحاب الأعمش رووا هذا الحديث فأوقفوه، وأكثرهم رفعوه. والصحيح أنه مرفوع. قلت له: روى أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر .. فقال: أبو بكر بن عياش يهم فيه.\nوضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٣٦)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤١٥٠)، وضعيف سنن الترمذي (٤٤٨).","vol":"13","page":264},{"text":"عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر، ووقع الحجر، ولا يعلم بمكانكم إلا الله، فادعوا الله بأوثق أعمالكم، فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت امرأة تعجبني فطلبتها فأبت علي فجعلت لها جعلا، فلما قربت نفسها تركتها، فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا فزال ثلث الحجر، وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما، فإذا أتيتهما وهما نائمان قمت حتى يستيقظا، فإذا استيقظا شربا، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا فزال ثلث الحجر، وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا يوما فعمل لي نصف النهار، فأعطيته أجرا فسخطه ولم يأخذه فوفرتها عليه حتى صار من ذلك المال، ثم جاء يطلب أجره فقلت: خذ هذا كله، ولو شئت لم أعطيه إلا أجره الأول، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا، فزال الحجر وخرجوا يتماشون. رواه ابن حبان في صحيحه (^١)، ورواه البخاري (^٢)\n_________\n(^١) ابن حبان (٩٧١)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في مجابي الدعوة (١٣)، والبزار (كشف ١٨٦٩) والروياني (١٣٥٩)، والخرائطي في اعتلال القلوب (ص ٧٣ - ٧٤)، والطبراني في الدعاء (١٩٣) وفي الأوسط (٢٤٧٥) والقطيعي في جزء الألف دينار (١٨٦)، وأبو سعيد النقاش (٤٠)، وقال أبو حاتم: الحديث صحيح العلل (٢/ ٤٤٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٤٩٨)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٢/ ٢٥١)، والضعيفة تحت حديث (٦٥٠٥).\n(^٢) البخاري (٢٢١٥) (٢٣٣٣) (٣٤٦٥) (٥٩٧٤) عن عبد الله بن عمر.","vol":"13","page":265},{"text":"ومسلم (^١) وغيرهما من حديث عمر بنحوه وتقدم.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"خرج ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يرتادون لأهليهم\" الحديث، النفر من الثلاثة إلى التسعة بخلاف الرهط فإن الرهط من الثلاثة إلى العشرة وتقدم الكلام على ذلك مرارا مبسوطا ومختصرا. قوله: \"فلجئوا إلى جبل\" الحديث، معناه انضموا إليه. قوله: \"عفا الأثر ووقع الحجر\" معنى عفا الأثر تقدم، وتقدم الكلام على بقية غريب هذا الحديث في أول الكتاب في حديث الغار، وتقدم لفظ هذا الحديث أيضا بحروفه في بر الوالدين أيضًا.\n\n٥١٠٦ - وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: كان رجل يسرف على نفسه لما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فاحرقوني ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك ففعلت، فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك، فغفر له.\n\n٥١٠٧ - وفي رواية: أن رسول الله -ﷺ- قال: قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مت فحرقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا به ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر أن يجمع ما فيه، ثم قال: لم\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٠٠) (٢٧٤٣) عن عبد الله بن عمر.","vol":"13","page":266},{"text":"فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله تعالى له. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢)، ورواه مالك (^٣) والنسائي (^٤) ونحوه.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"كان رجل يسرف على نفسه\" الحديث، أي أخطأ وأكثر من الذنوب وجاوز القصد في ذلك، وقال القرطبي (^٥) السرف مجاوزة الحد، يقال أسرف أي بالغ في السرف وغلا في المعاصي.\nقوله في الحديث: \"فلما حضره الموت قال لبنيه\" أي لأولاده \"إذا متّ\" الحديث.\nقوله: \"فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح\"، الحديث، ذروني بالذال المعجمة، يقال: ذرته الريح وأذرته الريح تذروه وتُذريه إذا [أطارته] الريح ومنه تذرية الطعام. قال ابن الأثير: وقال في الصحاح ذريته طيّرته وأذهبته وذرت الريح الترابَ وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا أي سفته ومنه قوله ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (^٦) بالذال المعجمة. وإنما أوصى بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لعصيانها وإسرافها رجاء أن يرحمه الله تعالى.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٤٨١، ٧٥٠٦).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٤) (٢٧٥٦).\n(^٣) موطأ مالك (١/ ٢٤٠/ ٥١).\n(^٤) سنن النسائي (٤/ ١١٢).\n(^٥) تفسير القرطبي (١٥/ ١٧)، وانظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٢).\n(^٦) الكهف: ٤٥.","vol":"13","page":267},{"text":"قوله: \"فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا\" الحديث، اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة لا يصح حمل هذا الحديث على أنه أراد نفي قدرة الله تعالى إحيائه وإعادته كما هو ظاهر الحديث، فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر مع كون الحديث يدل على إسلامه من وجهين: أحدهما إخباره بأنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى. والثاني إخباره ﵊ بأن الله غفر له والكافر لا يغفر له. قالوا: هؤلاء فيكون للحديث تأويلان: أحدهما أن معناه لئن قدر الله علي العذاب وعدم العفو أي [حكم] وقضى، يقال منه قدر بالتخفيف وقدّر بالتشديد بمعنى واحد.\nوالثاني إن قدر هنا بمعنى ضيّق عليّ، فقوله: لئن قدر الله علي أي لئن ضيّق، ومنه قوله تعالى ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ (^١)، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (^٢)، وقالت طائفة اللفظ على ظاهره وذكروا له تأويلات: أحدها أن هذا الرجل قال هذا الكلام وهو غير ظابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف والجزع الشديد بحيث ذهب تيقظه وتدبره ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته فقال: أنت عبدي وأنا ربك أخطأ\n_________\n(^١) الفجر: ١٦.\n(^٢) الأنبياء: ٨٧.","vol":"13","page":268},{"text":"من شدة الفرح ولم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو الثاني من التأويلات أن هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^١) فصورته صورة شك والمراد به اليقين، وسماه بعضهم تجاهل العارف فصورته صورة شك والمراد به اليقين.\nالثالث من [التأويلات] أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء -﵃- في تكفير جاهل الصفة فمن كفره بذلك [محمد] بن جرير الطبري؛ وقال به الشيخ أبو الحسن الأشعري أولا وقال آخرون لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو موسى الأشعري وعليه استقر قوله، ونقل هذا القول عن الأشعري أنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة وعليه قيل:\nعباراتنا شتى وحسنك [واحد] ... وكل إلى ذاك الجمال يشيرُ\nفليس أحد منهم إلا ويدّعى بما قام عليه من الدليل [وشبهة] الدليل أنه على الحق مع اتفاقهم على التوحيد وهذا لا يقتضي الخروج عن الملة الإسلامية والله أعلم.\nالرابع من التأويلات أنه كان في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا\n_________\n(^١) سبأ: ٢٤.","vol":"13","page":269},{"text":"مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^١).\nالخامس من التأويلات: أنه يجوز أنه كان متمسكا بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر وإن كان ذلك غير جائز في شرعنا وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (^٢) وغير ذلك من الأدلة. السادس من التأويلات: إن قلت في الصحيحين (^٣) من حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- عن الله تعالى أنه قال: أنا عند ظن عبدي بي، وهذا قد ظن بربه تعذيبه وعدم المغفرة فكيف غفر له؟ قلت: قد اختلفوا في معنى الحديث، فقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو وقيل معناه بالغفران له إذا استغفر فإن قلنا بالثاني فالجمع بينهما واضح لأن هذا قد ندم على ما فرط منه ولولا ندامته لما أمر أن يفعل به ذلك [لكان تائبا تقبل توبته وغفر له. وإن قلت بالأول] (^٤) فقد حكى القاضي عياض والنووي في شرح مسلم (^٥) أنه إنما رضي بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لها لعصيانها وإسرافها رجاء أن يرحمه الله كما تقدم، فهو حينئذ قد رجى العفو وأمّله فكان الله عند ظنه به فعفا عنه، اهـ. قاله العراقي في شرح الأحكام (^٦).\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ١٥.\n(^٢) النساء: ٤٨ و١١٦.\n(^٣) صحيح البخاري (٧٤٠٥ - ٧٥٠٥)، وصحيح مسلم (٢) (٢٦٧٥).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٢)، وطرح التثريب في شرح التقريب (٣/ ٢٦٩).\n(^٦) طرح التثريب في شرح التقريب (٣/ ٢٦٩).","vol":"13","page":270},{"text":"قوله في الحديث: \"فقال مما حملك على ما صنعت\" أي على هذه الوصية. قوله: \"قال خشيتك يا رب\" الحديث، خشيتك مرفوع بأنه مبتدأ محذوف [الخبر] أو بالعكس وفي بعضها بالنصب على نزع الخافض أي لخشيتك. فائدة جليلة فيها بشرى: فإذا تقرر ما ذكر في معنى الحديث وتقرر هذا فتأمل رحمك الله كيف حصلت المغفرة لعبد لم يعمل حسنة قط بسبب وجود خوفه من الله تعالى، فليت شعري هل يخلو مسلم من حسنة من خوف الله ﷾، ومن ذا الذي لا يخاف عذاب الله ويرجو رحمته سبحانه، اهـ، قاله صاحب حادي القلوب، وفي رواية أن رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مت فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر. اذروا بكسر الذال المعجمة وضم الراء مخففة أي ألقوا ويجوز في همزة الوصل والقطع، قاله العراقي (^١).\nقوله: \"نصفه في البر ونصفه في البحر\" أي فرقوني فيه مقابل الريح لتنتشر أجزاؤه وتتبدد. يقال [ذريت] الشيء وذروته ذريا وذروا [أو أذريته] أيضا رباعي وذريته مشددا أي بدّدته وفرّقته؛ وقيل إذا طرحته مقابل الريح لذلك ومنه نسفته، قاله عياض (^٢).\nقوله في الحديث: فوالله لئن قدر الله عليه، الحديث. وليس المراد أنه يشك في قدرة الله تعالى عليه فإن ذلك كفر والكفر لا يغفر، وتقدم الكلام على ذلك\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٣/ ٢٦٦).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٦٩).","vol":"13","page":271},{"text":"مبسوطا في أول الحديث. تنبيه: قال الخطابي رحمه الله تعالى (^١): فإن قلت كيف يغفر له وهو منكر للقدرة على الإحياء؟ قلت: ليس بمنكر إنما هو رجل جاهل ظن أنه إذا فعل به هذا الصنع ترك فلم ينشر ولم يعذب، وحيث قال من خشيتك علم منه أنه رجل مؤمن فعل ما فعل خشية من الله تعالى، ولجهله حسب أن هذه الحيلة تنجيه مما يخافه، اهـ قاله الكرماني (^٢).\n\n٥١٠٨ - وعن أبي سعيد -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا خير أب. فإني لم أعمل خيرا قط فإذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في ريح عاصف ففعلوا فجمعه الله فقال: ما حملك؟ فقال: مخافتك، فتلقاه برحمته؛ رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤).\n[رغسه] بفتح الراء والغين المعجمة بعدهما سين مهملة. قال أبو عبيدة: معناه أكثر له منه وبارك له فيه.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله: \"إن رجلا ممن كان قبلكم رغسه الله مالا\" قال أبو عبيد معناه أكثر له منه وبارك فيه، قاله الحافظ. وقال صاحب المحكم (^٥) الرغس النماء والبركة والكثرة ورغسه الله مالا وولدا\n_________\n(^١) عمدة القاري (١٦/ ٦٢)، والكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٠٨).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٠٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٤٧٨ - ٦٤٨١).\n(^٤) صحيح مسلم (٢٧) (٢٧٥٧).\n(^٥) المحكم والمحيط الأعظم (٥/ ٤٣٠).","vol":"13","page":272},{"text":"أعطاه كثيرا منه. وقال الكرماني (^١) رغسه الله مالا أي أعطى وأنمى وقيل أكثر له وبارك فيه. وفي رواية لمسلم: \"راشه الله\" بالراء والمعجمة من الريش وهو المال. قوله: \"فقال لبنيه لما حضر\" أي لأولاده لما حضر، يقال: احتُضر فلان وحضر إذا دنا موته.\nقوله: \"ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف\" أي دقوني إذا أحرقتموني بدليل بقية الحديث ليذرى رماده في الريح كما قال فإذا كان يوم ريح عاصف فاذروني فيها، وتقدم معنى الحديث في الأحاديث قبله.\n\n٥١٠٩ - وعن أنس -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: يقول الله ﷿: أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام. رواه الترمذي (^٢) والبيهقي (^٣)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٠٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٩٤) والحديث؛ أخرجه ابن أبي عاصم، في السنة (٨٣٣)، والبزار (٧٤٥٥)، وابن خزيمة، في التوحيد (٤٥١: ٤٥٣)، وعبد الله في زوائد الزهد لابن حنبل (ص ٣٦٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ١٦، والحاكم في المستدرك ١/ ٧٠، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٢٠٦٧). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال ابن القيم في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٣٨١) وقد ثبت في حديث أنس -﵁-. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٣٥) أخرجه الترمذي من حديث أنس وقال غريب، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٥)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦٤٣٦)، وضعيف سنن الترمذي (ص: ٣٠٩)، والظلال (٨٣٣)، والتعليق الرغيب ٤/ ١٣٨، والمشكاة (٥٣٤٩).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٧٢٦) وفي الاعتقاد (ص ٢٠١).","vol":"13","page":273},{"text":"قوله: \"عن أنس\" تقدم. قوله: \"أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام\" الحديث، هذا بشرط أن يكون مؤمنا بنبينا محمد -ﷺ- أو بنبي آخر قبل نسخ دينه. وعن لقمان أنه قال لابنه: يا بني خف الله خوفا يحول بينك وبين الرجاء، وارجه رجاء يحول بينك وبين الخوف، قال: فقال أي أبَتِ إنّ لي قلبا واحدا إن ألزمته الخوف شغله عن الرجاء وإن ألزمته الرجاء شغله عن الخوف. قال: أي [ابني] إن المؤمن له قلب كقلبين يرجو الله بأحدهما ويخافه بالآخر. اهـ.\n\n٥١١٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ يَقُول الله ﷿ إِذا أَرَادَ عَبدِي أَن يعْمل سَيِّئَة فَلَا تكتبوها عَلَيْهِ حَتَّى يعملها فَإِن عَملهَا فاكتبوها بِمِثْلِهَا وَإِن تَركهَا من أَجلي فاكتبوها لَهُ حَسَنَة الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْإِخْلَاص وَفِي لفظ لمُسلم إِن تَركهَا فاكتبوها لَهُ حَسَنَة إِنَّمَا تَركهَا من جراي أَي من أَجلي (^١).\n\n٥١١١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- فِيمَا يروي عَن ربه جلّ وَعلا أَنه قَالَ وَعِزَّتِي لَا أجمع على عَبدِي خوفين وأمنين إِذا خافني فِي الدُّنْيَا أمنته يَوْم الْقِيَامَة وَإِذا أمنني فِي الدُّنْيَا أخفته فِي الْآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (٢٠٣ و٢٠٤ و٢٠٥ - ١٢٨).\n(^٢) أخرجه البزار (٨٠٢٩)، وابن حبان (٦٤٠). قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٣٠٨: رواه البزار، عن شيخه: محمد بن يحيى بن ميمون، ولم أعرفه، وبقية رجال المرسل رجال =","vol":"13","page":274},{"text":"٥١١٢ - وعن أبي هريرة أيضا -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. رواه الترمذي (^١) وقال: حديث حسن.\n[أدلج] بسكون الدال: إذا سار من أول الليل؛ ومعنى الحديث: أن من خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة، والمبادرة بالأعمال الصالحة خوفا من القواطع والعوائق.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"من خاف أدلج\" الحديث، الخوف من أجل المنازل وأنفعها للقلب وهو فرض على كل أحد، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ (^٢) وقال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (^٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (^٤) الآية، وفي\n_________\n= الصحيح، وكذلك رجال المسند غير محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث. وقال الألباني: حسن صحيح الصحيحة (٧٤٢) وصحيح الترغيب (٣٣٧٦).\n(^١) الترمذي (٢٤٥٠)، وقال: هذا حديث حسن غريب والحديث؛ أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١١١)، وعبد بن حميد (١٤٦١)، وابن أبي الدنيا في قصر الأمل (١١٥)، والعقيلي في الضعفاء (٦/ ٣٢٥)، والحاكم (٤/ ٣٠٨)، والقضاعي (٣٣/ ١) وأبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة (٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٥ و١٠٠٩٢)، والبغوي (٤١٧٣). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٢٢)، والصحيحة (٢٣٣٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣٧٧).\n(^٢) آل عمران: ١٧٥.\n(^٣) البقرة: ٤١.\n(^٤) المؤمنون: ٦٠.","vol":"13","page":275},{"text":"المسند (^١) والترمذي (^٢) عن عائشة -﵂- قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه.\nقال الحسن رحمة الله عليه: عملوا الله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن من جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا. وقال الجنيد رحمت الله عليه (^٣): الخوف يوقع العقوبة على مجاري الأنفاس، وقال أبو سليمان (^٤): ما فارق الخوف قلبا إلا خرب، وقال إبراهيم بن سفيان (^٥): إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥٢٦٣ و٢٥٧٠٥).\n(^٢) الترمذي (٣١٧٥) والحديث؛ أخرجه إسحاق بن راهوية (١٦٤٣)، والحميدي (٢٧٥) وابن ماجه (٤١٩٨)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٣٣ و٣٤) والكلاباذي في معاني الأخبار (ص ٣٩ - ٤٠)، وابن بطة في الإبانة (١١٧٥)، والحاكم (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤) والبيهقي في الشعب (٧٤٧) والبغوي في تفسيره (٥/ ٣٩ - ٤٠).\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥١١) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد.\nقلت: بل منقطع بين عائشة وبين عبد الرحمن بن سعد بن وهب. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٢).\n(^٣) الرسالة القشيرية (١/ ١٦٣)، ومدارج السالكين (١/ ٥١٢).\n(^٤) الرسالة القشيرية (١/ ١٦٣)، ومدارج السالكين (١/ ٥١٣).\n(^٥) الرسالة القشيرية (١/ ١٦٥)، وشعب الإيمان (٨٨٦).","vol":"13","page":276},{"text":"وطرد الدنيا عنه. وقال ذو النون رحمة الله عليه (^١): الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق. وقال آدم: لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقي فيها آدم ما لقي، ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي، ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعوراء لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم. ولا تغتر بلقاء الصالحين فلا شخص أصلح من النبي -ﷺ- ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون. والقلب في سيره إلى الله تعالى بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى عدم الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف -﵃- استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف هذه طريقة [أبي] سليمان وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف فإذا كان الغالب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب والرجاء حاد، والخوف سابق، والله الموصل بمنه وكرمه، اهـ.\nقوله: \"أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل\"، وأدلج بسكون الدال [أي ذهب في أول الليل أي] سار [في] أول الليل [وأدلج أي سار في آخر الليل، والدلجة والدلج سير الليل، وأدلج إذا سار من أول الليل]، قاله المنذري [والمراد\n_________\n(^١) الرسالة القشيرية (١/ ١٦٤)، ومدارج السالكين (١/ ٥١٣).","vol":"13","page":277},{"text":"التشمير في الطاعة]، ومعنى الحديث أن من خاف الله ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة والمبادرة بالأعمال الصالحة خوفا من القواطع والعلائق وفي بعض النسخ العوائق. اهـ. قاله الحافظ.\nوقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح، معنى الحديث: أن من خاف الله شمّر في طاعته وسار إليه عجلا مع السابقين السالكين فإذا مضى ليل المجاهدة وأفجر فجر الآخرة ورآى ما قطعه في سرى ليله من المفاوز والمخاطر وشاهد قرب منزلته من الحبيب وانقطاع من أقعده الكسل وغرّه الأمل أنشد لسان حاله عند الصباح يحمد القوم السّرى. اهـ.\nقوله: \"ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة\" الغالية [أي] رفيعة [القيمة] ضد الرخيصة أي سلعة الله الجنة وهي عزيزة لا يليق بثمنها إلا بذل النفس، وفي كتاب صفة الجنة لأبي نعيم (^١) من حديث أبان عن أنس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: ما ثمن الجنة؟ قال: لا إله إلا الله. وشواهد هذا الحديث كثيرة جدا، والله تعالى أعلم.\n\n٥١١٣ - وعن سهل بن سعد -﵁- أن فتى من الأنصار دخلته خشية الله فكان يبكي عند ذكر النار حتى حبسه ذلك في البيت فذكر ذلك لرسول الله -ﷺ- فجاءه في البيت، فلما دخل عليه اعتنقه النبي -ﷺ- وخر ميتا فقال النبي -ﷺ-:\n_________\n(^١) صفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني (٥١)، وأبان -وهو ابن أبي عياش- متروك. الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٤٥٧): ضعيف. انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٨٦).","vol":"13","page":278},{"text":"جهزوا صاحبكم فإن الفرق فلذ كبده. رواه الحاكم (^١) والبيهقي (^٢) من طريقه وغيره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين (^٣)، والأصبهاني (^٤) من حديث حذيفة، وتقدم حديث ابن عباس في البكاء قريبا من معناه، وحديث النبي أيضًا.\n[الفرق] بفتح الفاء والراء: هو الخوف.\n[وفلذ كبده] بفتح الفاء واللام وبالذال المعجمة: أي قطع كبده.\nقوله: \"وعن سهل بن سعد\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"جهزوا صاحبكم فإن الفرق فلذ كبده\" الحديث، الفرق بفتح الفاء والراء هو الخوف وفلذ [كبده] (^٥) بفتح\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٣/ ٤٩٤)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه فيه نظر، وقد تعقبه الذهبي في التلخيص، بقوله: والخبر شبه موضوع، وقال ابن حجر في اللسان (١/ ٣٦٠، ترجمة ١١٠٨ إسحاق بن حمزة): رواه ابن أبى الدنيا في الخوف عن محمد بن إسحاق بن حمزة عن أبيه به، قال الذهبي في غير الميزان: الحديث شبه الموضوع، وإسحاق وابنه لا يدرى من هما. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٦٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٦). وقال في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٧): ضعيف جدًا.\n(^٢) البيهقي في الشعب (٩٣٦).\n(^٣) خرجه ابن أبي الدنيا عن حذيفة والمرسل أصح وخازم بن جبلة، قال ابن مخلد الدوري الحافظ، لا يكتب حديثه. انظر: التخويف من النار (ص: ٤٢). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٣٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في الخائفين من حديث حذيفة، والبيهقي في الشعب من حديث سهل بن سعد بإسنادين فيهما نظر.\n(^٤) أخرجه إسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٥٠٥).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":279},{"text":"الفاء واللام وبالذال المعجمة أي قطع كبده، اهـ، قاله الحافظ، ومعنى الحديث أن خوف النار قطع كبده، والأفلاذ جمع فلذة والفلذ جمع فلذة وهي القطعة المقطوعة طولا والله أعلم. قاله في النهاية (^١).\n\n٥١١٤ - وعن بهز بن حكيم قال: أمنا زرارة بن أوفى -﵁- في مسجد بني قشير فقرأ المدثر، فلما بلغ نقر في الناقور خر ميتا. رواه الحاكم (^٢) وقال: صحيح الإسناد (^٣).\nقوله: \"وعن بهز بن حكيم\" تقدم. قوله: \"قال: أمَّنا زرارة بن أبي أوفى في مسجد بني قشير فقرأ المدثر فلما بلغ فإذا نقر في الناقور خرّ ميتا\"، قال بهز بن حكيم: فكنت فيمن حمله. وروي أنه لما قرأ فإذا نقر في الناقور صعق ومات في محرابه. والناقور هو الصور الذي ينفخ فيه لقيام الساعة، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع قارئا يقرأ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ (^٤)، فصاح صيحة خر مغشيا عليه، فحمل إلى أهله فلم يزل مريضا شهرا، وسمع الشافعي رضي الله تعالى عنه قارئا يقرأ: ﴿هَذَا يَوْمُ\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٣/ ٤٧٠).\n(^٢) الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٦) وعنه: البيهقي في الشعب (٩٣٩). وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٥٠)، ووكيع في أخبار القضاة (١/ ٢٩٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٧٨).\n(^٣) ليس في النسخة المطبوعة من المستدرك هذا التصحيح، ولا حكاه السيوطي في الدر عنه، ولا ابن حجر في إتحاف المهرة (١٨/ ٥٨١/ ٢٤٢٠١).\n(^٤) الطور: ٧.","vol":"13","page":280},{"text":"لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (^١)، فخر مغشيا عليه، [وسمع لي بن الفضيل قارئا يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢) فسقط مغشيا عليه] (^٣)، وأحوال السلف في ذلك كثيرة يطول ذكرها، أعاد الله علينا من بركاتهم.\n\n٥١١٥ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته. رواه مسلم (^٤).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد\" الحديث، من في من العقوبة للتبيين. وقوله: \"ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد\" والرحمة من الله تعالى إنعام وإفضال والقنوط أشد اليأس، يقال قنط يقنط وقَنَط يقنِط، اهـ.\n\n٥١١٦ - وعن أبي كاهل -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: يا أبا كاهل ألا أخبرك بقضاء قضاه الله على نفسه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: أحيا الله قلبك، ولا يمته يوم يموت بدنك. اعلم يا أبا كاهل أنه لم يغضب رب العزة على من كان في قلبه مخافة، ولا تأكل النار منه هدبة اعلم يا أبا كاهل أنه من\n_________\n(^١) المرسلات: ٣٥ - ٣٦.\n(^٢) المطففين: ٦.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) صحيح مسلم (٢٣) (٢٧٥٥).","vol":"13","page":281},{"text":"ستر عورته حياء من الله سرا وعلانية كان حقا على الله أن يستر عورته يوم القيامة. اعلم يا أبا كاهل أنه من دخل حلاوة الصلاة قلبه حتى يتم ركوعها وسجودها كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة. اعلم يا أبا كاهل أنه من صلى أربعين يوما وأربعين ليلة في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كان حقا على الله أن يكتب له براءة من النار. اعلمن يا أبا كاهل أنه من صام من كل شهر ثلاثة أيام مع شهر رمضان كان حقا على الله أن يرويه يوم العطش. اعلمن يا أبا كاهل أنه من كف أذاه عن الناس كان حقا على الله أن يكف عنه عذاب القبر. اعلمن يا أبا كاهل أنه من بر والديه حيا وميتا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة، قلت: كيف يبر والديه إذا كانا ميتين؟ قال: برهما أن يستغفر لوالديه، ولا يسبهما، ولا يسب والدي أحد فيسب والديه. اعلمن يا أبا كاهل أنه من أدى زكاة ماله عند حلولها كان حقا على الله أن يجعله من رفقاء الأنبياء. اعلمن يا أبا كاهل أنه من قلت عنده حسناته، وعظمت عنده سيئاته كان حقا على الله أن يثقل ميزانه يوم القيامة. اعلمن يا أبا كاهل أنه من يسعى على امرأته ووالده، وما ملكت يمينه يقيم فيهم أمر الله يطعمهم من حلال كان حقا على الله أن يجعله مع الشهداء في درجاتهم. اعلمن يا أبا كاهل أنه من صلى علي كل يوم ثلاث مرات حبا لي، وشوقا إلي كان حقا على الله أن يغفر له بكل مرة ذنوب حول. رواه الطبراني (^١)، وهو بجملته منكر، وتقدم في\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٣٦١/ ٩٢٨)، وأخرجه العقيلي الضعفاء (٥/ ٨٨)، ومن طريقه ابن الجوزي الموضوعات (٣/ ١٦٢)، وقال العقيلي: والفضل بن عطاء عن =","vol":"13","page":282},{"text":"مواضع من هذا الكتاب ما يشهد لبعضه، والله أعلم بحاله.\nقوله: \"وعن أبي كاهل\" أبو كاهل هذا أحمسي يحكى له صحبة، قيل [اسمه] قيس بن عائذ وقيل عبد الله بن مالك وقيل عبد الله بن غنيمة وليس في الكتب الستة سوى هذا الحديث، ومن غريب أحاديثه ما رواه الطبراني عنه بإسناد ضعيف أنه قال: وقع بين رجلين من أصحاب النبي -ﷺ- كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت ما لك ولفلان، قد سمعته يحسن الثناء عليك ولقيت الآخر فقلت مثل ذلك حتى اصطلحا، ثم قلت: أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين، فأخبرت النبي -ﷺ- فقال: يا أبا كاهل أصلح بين الناس ولو يُعنى ولو بالكذب، فاكتفى -ﷺ- ببعض الكلمة، ونظير ذلك قوله -ﷺ-\n_________\n= الفضل بن شعيب إسناد مجهول لا يعرف إلا من هذا الوجه. قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤٠١): ... الحاكم أبو أحمد في كناه ثم قال: أبو كاهل هذا له صحبة، وإسناده ليس بالمعتمد عليه. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٢٩) رواه الطبراني ولم يصح. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٩) رواه الطبراني، وفيه الفضل بن عطاء ذكره الذهبي، وقال: إسناده مظلم.، وقال ابن حجر في الإصابة (١٢/ ٥٥٥) ذَكَرَهُ ابنُ السَّكَن في الصحابة وقال هو غير الأحمسي وكذا فرق بينهما أَبو أَحمد الحاكم وغيره وقال لا يروي حديثه من وجه يعتمد. قال أَبو عمر ذكر له حديث طويل منكر فلم اذكره، وقد ساقه أَبو أَحمد والعقيلي في الضعفاء، وابن السَّكَن وقال الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (ص: ١٨٠) رواه العقيلي في الضعفاء وثنا الفضل بن جعفر ثنا جدي محمد بن عبيد الله ثنا يونس بن محمد المؤدب ثنا الفضل بن عطاء عن الفضل بن شعيب عن منظور عن أبي معاذ عن أبي كاهل وهؤلاء مجهولون. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٧٠١٨): موضوع. وقال في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٨): منكر.","vol":"13","page":283},{"text":"لسعد كفى [بالسيف] شا أي شاهدا. وتقدم الكلام على أبي كاهل أيضا في الصلاة على النبي -ﷺ- وعلى حديث المطول المذكور هنا وفي إسناده الفضل بن عطاء، ذكره الذهبي (^١) وقال إسناده مظلم. اهـ.\n\n٥١١٧ - وعن أبي الدرداء -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، ولخرجتم إلي الصعدات تجأرون إلى الله لا تدرون تنجون أو لا تنجون. رواه الحاكم (^٢) وقال: صحيح الإسناد.\n_________\n(^١) المغني في الضعفاء (٢/ ٥١٢) انظر: ميزان الاعتدال (٥/ ٤٢٩).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٠)، والحديث؛ أخرجه أبو داود في الزهد (٢٠٤)، والبزار (٤١٢٤)، عبد بن حميد (٢١٠)، وابن أبي حاتم في علل الحديث (١٧٩٢)، وابن الأعرابي في المعجم (١١٢٣) والبيهقي، في شعب الإيمان (٧٧٢).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٦٠٢) أبو داود في الزهد عقب (٢٠٤) عن أبي الدرداء موقوفا.\nوقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١٧٩٢) وحدثنا أبو عمر الحوضي، عن شعبة، عن يزيد بن خمير، عن سليمان، عن ابن ابنة أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: لو تعلمون موقوفا. قال أبي: وهذا أشبه، وموقوف أصح، وأصحاب شعبة لا يرفعون هذا الحديث. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي الدرداء إلا من هذا الوجه، وقد روي عن غير أبي الدرداء عن النبي -ﷺ- من وجوه أصح من هذا، وإنما كتبنا هذا الحديث عن أبي الدرداء وإن كان غيره أصح إسنادا منه، لأن فيه زيادة في كلامه. وقال: ولا نعلم هذا الحديث أسنده عن شعبة إلا مسلم، وقد رواه جماعة غير مسلم، عن شعبة فأوقفوه عن أبي الدرداء. مسنده (٤١٢٤).\nوأخرجه العقيلي، في الضعفاء (٢/ ٥٤٢) في ترجمة سليمان بن مرثد، وقال: روى عن أبي الدرداء ولا يثبتن فيه السماع، وأتبع العقيلي هذا الحديث بالرواية الموقوفة، وقال: هذا أولى. وقال الذهبي: سليمان بن مرثد، عن عائشة، وأبي الدرداء، لا يعرف له سماع =","vol":"13","page":284},{"text":"[تجأرون] بفتح المثناة فوق وإسكان الجيم بعدهما همزة مفتوحة: أي تضجون وتستغيثون.\nقوله: \"وعن أبي الدرداء\" أبو الدرداء اسمه عامر وإذا صغر قلت [عُوَيمر]، آخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين سلمان الفارسي، وتقدم الكلام على مناقبهما مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قوله -ﷺ-: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا\" الحديث، قيل معناه: لو تعلمون من عظيم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وكُربها وأحوالها وما بعدها كما علمته وترون النار كما رأيت في مقامي هذا [و] في غيره لبكيتم كثيرا ولقلّ ضحككم لتفكركم فيما علمتموه. فإن قيل: قد وصفت لكم النار وأحوال أهلها والأوصاف تفيد العلم. قيل: ليس الخبر كالمشاهدة فإن من شاهد الجنة وما أعد الله فيها لم يطق الصبر عنها ومن شاهد النار وتفاوت أهلها فيها وشاهد ما [أنتم] عليه من أنواع العقوبة والبلاء لم يطق الصبر عليها واشتغل بالبكاء عما رآى، هذا معنى ما ذكره شراح الحديث، وذكر الغزالي في بعض كتبه [سؤالا] فقال في قوله -ﷺ-: لو تعلمون ما أعلم. فقال: [هل] بيّن ذلك الذي علمه لهم. قيل: هذا من السّر الذي لم يؤذن له في\n_________\n= منهما. ميزان الاعتدال (٢/ ٢٢٢)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٣٦٩) رواه عبد بن حميد والبزار والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وأصله في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٦٢). وضعفه في الضعيفة (٤٣٥٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٩).","vol":"13","page":285},{"text":"إفشائه، وذكر القشيري في الرسالة أن النبي ﷺ لما قال ذلك للصحابة وحزنوا فأنزل الله تعالى على نبيه -ﷺ-: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^١) الآية، فقرأها عليهم فانبسطت نفوسهم، اهـ. ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. وفي هذا الحديث ترجيح جانب الخوف وشدة أمر الآخرة وعظمه، وفي صحيح مسلم (^٢) من حديث أنس أن النبي -ﷺ- قال: والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله. قال: رأيت الجنة والنار. فجمع الله تعالى لنبيه -ﷺ- بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية واستحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، ولهذا قال -ﷺ- لأصحابه: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا، وهو في الصحيحين من حديث عائشة (^٣). قاله العراقي في شرح الأحكام (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"ولخرجتم إلى الصُّعُدات\" الصعدات بضم الصاد والعين المهملتين هي الطرقات، اهـ. قاله المنذري. وقال في النهاية (^٥) وغيرها: الصعدات هي الطرق، وهي جمع صُعُد بضمتين وصعيد جمع صعيد وهو التراب كطريق وطرق وطرقات وقيل هي جمع صعدة كظلمة، وقوله:\n_________\n(^١) الحجر: ٤٩.\n(^٢) صحيح مسلم (١١٢) (٤٢٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٠).\n(^٤) طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ١٤٦).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٩).","vol":"13","page":286},{"text":"\"تجئرون لى الله\" ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي يضجون ويستغيثون، اهـ. والجئار هو رفع الصوت بالدعاء.\n\n٥١١٨ - وعن أبي ذر -﵁- قال: قرأ رسول اللهﷺ-: [هل أتى على الإنسان حين من الدهر] حتى ختمها ثم قال: إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون. أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلي الصعدات تجأرون إلى الله، والله لوددت أني شجرة تعضد. رواه البخاري (^١) باختصار والترمذي (^٢) إلا أنه\n_________\n(^١) البخاري لم يخرجه عن أبي ذر، وإنما رواه مختصرا جدا من حديث أبي هريرة (٦٤٨٥)، وأنس (٦٤٨٦)، بلفظ: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.\n(^٢) الترمذي (٢٣١٢)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٧٣)، وابن ماجه (٤١٩٠)، والبزار (٣٩٢٤ و٣٩٢٥) وابن نصر في الصلاة (٢٥١ و٢٥٢)، والطحاوي في المشكل (١١٣٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٠٧)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٦٠)، وفي الحلية (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، والبيهقي (٧/ ٥٢)، وفي الشعب (٧٦٤)، والبغوي في شرح السنة (٤١٧٢)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٥٢٦)، وعبد الغني المقدسي في التوحيد (٨٢)، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن أبي ذر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم له طريقا غير هذا الطريق، وأحسب أنّ هذا الكلام الأخير من قول أبي ذر أعني: لوددت أني شجرة تعضد.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ويُروى من غير هذا الوجه أنّ أبا ذر قال: لوددت أني كنت شجرة تعضد، وقال أبو نعيم: أرسل مورق العجلي غير حديث عن عدة من الصحابة منهم أبو ذر وسلمان الحلية ٢/ ٢٣٦. وقال أبو زرعة والدارقطني: لم يسمع مورق من أبي ذر شيئًا.","vol":"13","page":287},{"text":"قال: ما فيها موضع أربع أصابع، والحاكم (^١) واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد.\n[أطت] بفتح الهمزة وتشديد الطاء المهملة من الأطيط: وهو صوت القتب والرحل ونحوهما إذا كان فوقه ما يثقله، ومعناه أن السماء من كثرة ما فيها من الملائكة العابدين أثقلها حتى أطت.\n[والصعدات] بضم الصاد والعين المهملتين: هي الطرقات.\nقوله: \"وعن أبي ذر\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط\" الحديث، من الأطيط وهو صوت القتب والرحل ونحوهما إذا كان فوقه ما يثقله أي صاحت وأنّت من خشية الله.\n_________\n(^١) الحاكم (٢/ ٥١٠ - ٥١١ و٤/ ٥٤٤ و٥٧٩) وعنه: البيهقي في الكبرى (٧/ ٥٢)، وفي الشعب (٧٨٣). وقال الحاكم: صحيح الإسناد وقال أيضًا: صحيح الإسناد على شرط الشيخين وأخرجه أحمد (٥/ ١٧٣)، وابن ماجه (٤١٩٠)، والترمذي (٢٣١٢) وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢٥١ - ٢٥٢)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣/ ١٦٨)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٣/ ٩٨٢/ ٥٠٧)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٢٣٦)، والبغوي في شرح السنة (٤١٧٢)، وفي التفسير (٥/ ٢٣)، وإسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (١/ ٢٦/ ٥٢٦)، وعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي في التوحيد (١/ ٩٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٤٤٩)، والمشكاة (٥٣٤٧)، والصحيحة (١٠٥٩، ١٠٦٠، ١٧٢٢)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٨٠): حسن.","vol":"13","page":288},{"text":"[قال في الإحياء (^١) في الشكر في الطرف الثامن منه الملائكة تنحصر جملتها في ثلاث طبقات الملائكة الأرضية والسماوية وحملة العرش وكُلُّهم [وَكَّلَهُم] الله بك فيما يرجع [إلى] (^٢) الأكل والشرب والغداء والهداية والإرشاد وغير ذلك وكل جزء من أجزاء النبات موكل به سبعة أملاك من الملائكة وهو أقله إلى عشرة إلى مائة إلى ما وراء ذلك، والملائكة الأرضية مددهم من الملائكة السماوية على ترتيب معلوم لا يحيط بكنهه إلا الحي القيوم، ومرد الملائكة السماوية من حملة العرش والمنعم على جميعهم بالتأييد والهداية والتسديد الملك القدوس المهيمن المنفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت جبار السماوات والأرض مالك الملك ذو الجلال والإكرام، والأخبار الواردة في الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض وأجزاء الحيوانات والنبات حتى كل قطرة من المطر أكثر من أن تحصى. اهـ.\nقوله: \"ما فيها موضع قدم إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله\"، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٣) من حديث جابر أن النبي -ﷺ- قال: ما في\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٤/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٨٤) (١٧٥١) والأوسط (٣٥٩٢)، وأبو نعيم في الصحابة (١٤٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٢) رواه الطبراني في الكبير، وفيه عروة بن مروان قال الدارقطني: كان أميا ليس بالقوي. وقال في (١٠/ ٣٥٨): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عروة بن مروان. قال الدارقطني: ليس بقوي في الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"13","page":289},{"text":"السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك [ساجد أو ملك راكع، فإذا] كان يوم القيامة قالوا جميعا: ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا. دلّ هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السماوات السبع إلا وهو مشغول بالملائكة وهم صفوف من العبادة منهم من هو قائم أبدا ومنهم من هو راكع أبدا ومنهم من هو ساجد أبدا ومنهم من هو من [صنوف] أخر الله أعلم بها وهم دائمون في عبادتهم وتسبيحهم وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها ولهم منازل عند ربهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (^١)، اهـ] (^٢). ومعناه أن السماء من كثرة ما فيها من الملائكة العابدين قد أثقلتها حتى أطّت، اهـ. قاله المنذري.\nوقال ابن الأثير في النهاية (^٣): الأطيط صوت الأقتاب وأطيط الإبل أصواتها وخنينها يعني أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلتها حتى أطّت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثمّ أطيط أي خنين ونقيض وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى. اهـ.\n_________\n(^١) الصافات: ١٦٤ - ١٦٦.\n(^٢) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثمّ أطيط أي خنين ونقيض وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى. اهـ).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٥٤).","vol":"13","page":290},{"text":"قوله: \"والله لوددت أني شجرة تعضد\" هذا مدرج في الحديث من كلام أبي ذرّ وبيّنه البزار في روايته [ووصله] هكذا، قاله الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر في حاشية نسخته والله أعلم.\nوقوله: \"تعضد\" أي تقطع، يقال عضدت الشجر أعضده عضدا والعضد بالتحريك المعضود والعضد ما قطع من الشجر، والله أعلم.\n\n٥١١٩ - وعن أنس -﵁- قال: خطب رسول الله -ﷺ- خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فغطى أصحاب رسول الله -ﷺ- وجوههم لهم خنين. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n\n٥١٢٠ - وفي رواية (^٣): بلغ رسول الله -ﷺ- عن أصحابه شيء فخطب فقال: عرضت عاي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فما أتى على أصحاب رسول الله -ﷺ- يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين.\n[الخنين] بفتح الخاء المعجمة بعدها نون: هو البكاء مع غنة بانتشار الصوت من الأنف.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدَّم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا\" الحديث، الجواب عنه من وجوه: أحدها أن\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٦٢١ - ٦٤٨٦).\n(^٢) صحيح مسلم (١٣٤) (٢٣٥٩).\n(^٣) صحيح مسلم (١٣٤) (٢٣٥٩).","vol":"13","page":291},{"text":"في اللغة قد توضع الرؤية موضع العلم ويوضع العلم موضع الرؤية لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (^١) معناه لنرى ويجوز أن يرى الله بعد أن لم ير ولا يجوز أن يعلم بعد أن لم يعلم. [نظير] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ (^٢) الآية. يعني: ليرين الله الذين صدقوا، وفيه آيات أخر، فهذه الآيات كلها تدل على أن العلم قد يكون بمعنى الرؤية فهكذا قول النبي -ﷺ-: لو تعلمون ما أعلم، يعني لو ترون ما أرى، وكان -ﷺ- يرى أشياء لا يراها من حضره لأن له عين اليقين وهو رائى وعالم ونحن علمنا ولم نر.\nالثاني لو تعلمون ما أعلم يعني لو رأيتم ما رأيت ليلة المعراج لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.\nالثالث: لو تعلمون أحوالكم حين خروجي من بين أظهركم وما يظهر من الاختلاف إذا لضحكتم قليلا، اهـ. قاله النعيمي.\nقوله: \"فغطى أصحاب رسول الله -ﷺ- وجوههم لهم خنين\" الحديث. وفي رواية قال أنس -﵁-: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل رجل لافّ رأسه في ثوبه يبكي. الخنين بفتح الخاء المعجمة بعدها نون هو البكاء مع غنة بانتشار الصوت من الأنف، اهـ. قاله المنذري.\n_________\n(^١) البقرة: ١٤٣.\n(^٢) العنكبوت: ٣.","vol":"13","page":292},{"text":"وقال في النهاية (^١) الخنِين ضرب من البكاء دون الانتحاب وأصل الخنين خروج الصوت من الأنف كالخنين من الفم، اهـ. قوله: \"ولهم خنين\" بالحاء المهملة للقابسي والعذري وللكافة بالخاء المعجمة وهو الصواب وهو تردد في البكاء بصوت أغن من الأنف وبالحاء المهملة تردده من الصدر. قاله عياض (^٢).\nقال الإمام العلامة العارف بالله أبو العباس القرطبي (^٣) هذه حالة العارفين بالله تعالى الخائفين من سطوته وعقوبته لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة من الزعيق والزئير ومن النهيق الذي يشبه نهيق الحمير فيقال لمن [يتعاطى] ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع أنه لم يبلغ حالك أن تساوي حال رسول الله -ﷺ- ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى وحده والخوف منه والتعظيم لجلاله ومع ذلك فكانت حالهم عند الموعظة الفهم عن الله تعالى والبكاء خوفا من الله والوقار حياء من الله، وكذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة به فقال: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية، فصدّر الله الكلام في هذه الآية بإنما الحاصرة لما بعدها المحققة له فكأنه قال: المؤمنون على التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم،\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٢/ ٨٥) انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٣٥).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢٠٤).\n(^٣) تفسير القرطبي (٧/ ٣٦٦).","vol":"13","page":293},{"text":"وكذلك وصف الله في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (^١) الآية، فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، اهـ. والله أعلم.\n\n٥١٢١ - وَرُوِيَ عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا اقشعر جلد العَبْد من خشيَة الله تحاتت عَنهُ ذنُوبه كَمَا يتحات عَن الشَّجَرَة الْيَابِسَة وَرقهَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n\n٥١٢٢ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- تَحت الشَّجَرَة فهاجت الرّيح فَوَقع مَا كَانَ فِيهَا من ورق نخر وَبَقِي مَا كَانَ من ورق أَخْضَر فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا مثل هَذِه الشَّجَرَة فَقَالَ الْقَوْم الله وَرَسُوله أعلم فَقَالَ مثل الْمُؤمن إِذا اقشعر من خشيَة الله ﷿ وَقعت عَنهُ ذنُوبه وَبقيت لَهُ حَسَنَاته (^٣).\n_________\n(^١) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(^٢) أخرجه البزار (١٣٢٢)، والترمذي في نوادر الأصول (٥٠٤ و٧٣١)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٢٨٨)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ رقم ٧٨٢).\nقال البزار: وهذا الكلام لا نحفظه بهذا اللفظ عن رسول الله -ﷺ- إلا عن العباس عنه، ولا نعلم له إسنادا عن العباس إلا هذا الإسناد. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٠: رواه البزار، وفيه أم كلثوم بنت العباس ولم أعرفها، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٣٤٢) وضعيف الترغيب (١٩٤٢) و(١٩٧٠).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٦٧٠٣)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ رقم ٧٨٣) قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٠: رواه أبو يعلى من رواية هارون بن أبي الجوزاء، عن العباس، ولم أعرف هارون، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في محمد بن عمر بن الرومي، ووثقه ابن =","vol":"13","page":294},{"text":"٥١٢٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: لما أنزل الله ﷿ على نبيه -ﷺ- هَذِه الْآيَة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^١) تَلَاهَا رَسُول الله -ﷺ- ذَات يَوْم على أَصْحَابه فَخر فَتى مغشيا عَلَيْهِ فَوضع النَّبِي -ﷺ- يَده على فُؤَاده فَإِذا هُوَ يَتَحَرَّك فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا فَتى قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَهَا فبشره بِالْجنَّةِ فَقَالَ أَصْحَابه يَا رَسُول الله أَمن بَيْننَا قَالَ أَو مَا سَمِعْتُمْ قَوْله تَعَالَى ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد إِبْرَاهِيم ٤١ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد كَذَا قَالَ (^٢).\n\n٥١٢٤ - وروي عن واثلة بن الأسقع -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: من خاف الله ﷿ خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء. رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب (^٣) ورفعه منكر.\n_________\n= حبان. وقال البوصيري في الإتحاف ٧/ ٣٧٠: رواه أبو يعلى الموصلي والبيهقي بلفظ واحد بسند ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٤٢) و(١٩٧٠).\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٥١)، وعنه البيهقي في الشعب (٢/ ١٩٧ رقم ٧٢٠). قال الذهبي: قلت: فيه محمد بن يزيد. قال أبو حاتم: شيخ صالح كتبنا حديثه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٤٠) و(١٩٧١).\n(^٣) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٥٩٧) وروى أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب من حديث واثلة بن الأسقع ... وللعقيلي في الضعفاء نحوه من حديث أبي هريرة وكلاهما منكر. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٨٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٧٢).","vol":"13","page":295},{"text":"قوله: \"وعن واثلة بن الأسقع\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"من خاف الله ﷿ خوّف الله منه كل شيء\" الحديث، يروى (^١) أن ابن عمر -﵄- كان سائرا من المدينة إلى مكة وكان في آخر القافلة، قال: فرآى الناس قد قامت فيهم رجّة فقال: ما هذا؟ فقيل: إن أسدا تعرض في الطريق فأتى إليه ابن عمر فأخذ بأذنه فأخرجه من الطريق وقال: لقد صدق رسول الله إذ يقول: من خاف الله خوّف الله منه كل شيء، اهـ.\n_________\n(^١) طبقات الصوفية (ص ٢١٧)، والتدوين في أخبار قزوين (٢/ ١٨٧)، والعجالة في الأحاديث المسلسلة (١/ ١١٥).","vol":"13","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>الترغيب في الرجاء وحسن الظن بالله سيما عند الموت</span>.\n٥١٢٥ - عن أنس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة. رواه الترمذي (^١) وقال: حديث حسن.\n[قراب الأرض] بكسر القاف وضمها أشهر: هو ما يقارب ملأها.\nقوله: \"عن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والحديث؛ أخرجه البزار (٦٧٦٠)، والطبراني، في الأوسط (٤٣٠٥). وعنه: أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٣١). وكذا أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٩٦) وَلَمْ يسق المتن. والضياء في المختارة (١٥٧١ و١٥٧٢).\nقال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس، إلا من هذا الوجه، ولا رواه عن بكر، عن أنس إلا سعيد بن عبيد، وسعيد بن عبيد، قد قالوا: سعيد بن عبيد، وقالوا: سعيد بن عبيد الله، وليس به بأس.\nوقال الدارقطني: تفرد به كثير بن فائد، عن سعيد بن عبيد الهنائي، وهناءة حي من الأزد، كما قال ابن صاعد، وليس بالجبيري، وتفرد به أبو عاصم، عنه، مرفوعا. ورواه أبو قتيبة، عن سعيد، ولم يرفعه. أطراف الغرائب والأفراد (٦٦٥). وصححه الألباني.","vol":"13","page":297},{"text":"كان منك ولا أبالي\" الحديث. قال الحليمي (^١): رحمه الله تعالى: الرجاء على وجوه أحدها رجاء الظفر بالمطلوب والوصول إلى المحبوب والثاني رجاء دوامه بعدما حصل.\nوالثالث: رجاء دفع المكروه وصرفه كيلا يقع. والرابع: الدفع والإماطة لما وقع وكل ذلك حسن جميل فلا خائف إلا وهو راجي ولا راجي إلا وهو خائف ولتناسب الأمرين قرن الله بينهما في غير ما آية في كتابه [العزيز] فقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (^٢) فالخوف الإشفاق والطمع الرجاء، اهـ.\nوأخبرني الشيخ الإمام أبو القاسم عن علي -﵁- (^٣) قال: قال رسول الله -ﷺ- يقول الله ﵎: من رجى غيري لم يعرفني ومن لم يعرفني لم يعبدني ومن لم يعبدني فقد استوجب سخطي ومن خاف غيري حلت به نقمتي، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"يا ابن آدم [لو بلغت ذنوبك] عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك\"، عنان السماء هو السحاب، والمعنى لو كانت ذنوبك أجراما فملأت ما بين السماء والأرض ثم استغفرتني غفرت لك وهذا مثال للمتناهي في الكثرة والكرم والفضل أكثر منه لأن كرمه وفضله وإحسانه وجود وامتنانه وعفوه وغفرانه ورحمته الشاملة وجميع صفاته ﷿ لا نهاية لها وكيف تتصور\n_________\n(^١) المنهاج (١/ ٥١٧)، وشعب الإيمان (٢/ ٣١٤).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.\n(^٣) انظر: الفتوحات المكية (٤/ ٥٢٦).","vol":"13","page":298},{"text":"المفاضلة بين المتناهي وغير المتناهي (^١).\nقوله -ﷺ-: \"يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا\" الحديث، ومعنى لقيتني لا تشرك بي شيئا أي مت معتقدا توحيدي مصدّقا برسولي محمد -ﷺ- وبما جاء به (^٢) وهو كما في قوله -ﷺ-: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن مات على التوحيد أجمع العلماء على خلوده في الجنة، وإن كان عاصيا كما أجمعوا على أن من مات كافرا مخلد في النار (^٣)، اهـ، قاله في الديباجة، وتقدم الكلام [أيضًا] على حديث أنس، هذا مبسوطا في الاستغفار أو الدعاء [على الشك] (^٤).\n\n٥١٢٦ - وعن أنس أيضا -﵁- أن النبي -ﷺ- دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله، وإني أخاف ذنوبي فقال رسول الله -ﷺ-: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف. رواه الترمذي (^٥)، وقال: حديث غريب وابن\n_________\n(^١) المعين على تفهم الأربعين (ص ٤٤٢).\n(^٢) السراج المنير (٣/ ٤٠٩).\n(^٣) انظر: شرح النووي على مسلم (١/ ٢١٧).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٩٨٣) وفي العلل الكبير (٢٤٤)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت، عن النبي -ﷺ-، مرسلًا. وقال في العلل الكبير: سألت محمدا، يعني ابن إسماعيل البخاري، عن هذا الحديث، فقال: إنما يروى هذا الحديث، عن ثابت؛ أن النبي -ﷺ- دخل على شاب. والحديث؛ أخرجه لأحمد بن حنبل الزهد (ص: ٢٤)، والبزار (٦٨٧٤)، والنسائي السنن الكبرى (١٠٨٣٤)، وعبد بن حميد =","vol":"13","page":299},{"text":"ماجه (^١) وابن أبي الدنيا (^٢) كلهم من رواية جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس.\n[قال الحافظ]: إسناده حسن، فإن جعفرا صدوق صالح احتج به مسلم، ووثقه النسائي وتكلم فيه الدارقطني وغيره.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم. قوله: \"أن رسول الله -ﷺ- دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. الحديث، اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفا راجيا\n_________\n= (١٣٧٠)، وأبو يعلى الموصلي (٣٣٠٣)، (٣٤١٧) وعنه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٣٩)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (١٠٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٩٢)، والبيهقي في الآداب (٨٢٨)، وقال: وروي عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبيد بن عمير عن النبي -ﷺ-، مرسلا، وفي الأربعون الصغرى (٣١).\nوفي شعب الإيمان (١٠٠١ و١٠٠٢)، وقال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي، عن حديث رواه سيار، عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، عن النبي -ﷺ-، أنه دخل على مريض ... الحديث. فقال: حدثنا أبو الظفر، عن جعفر، عن ثابت، عن النبي -ﷺ-، مرسل، ولم يذكر أنسا، وهو أشبه. علل الحديث (١٨٠٦).\nوقال أبو الحسن الدارقطني: يرويه جعفر بن سليمان، عن ثابت، واختلف عنه؛ فأسنده سيار بن حاتم، عن جعفر، عن ثابت، عن أنس. ورواه أبو الربيع الزهراني، عن جعفر، عن ثابت، مرسلا، وهو المحفوظ. العلل (٢٣٦٨).\n(^١) ابن ماجه (٤٢٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣٤٣٦) وغيرهما، وانظر الصحيحة (١٠٥١)، والمشكاة (١٦١٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٣٨٣).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في المحتضرين (١٧)، وفي حسن الظن بالله (٣١).","vol":"13","page":300},{"text":"ويكون خوفه ورجاؤه سواء في حال المرض يتمحض الرجاء وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك، قاله النووي في رياضه (^١) فحسن الظن بالله تعالى ينبغي أن يكون أغلب على العبد عند الموت منه في حال الصحة وهو أن الله تعالى يرحمه ويتجاوز عنه ويغفر له وينبغي لجلسائه أن يذكروه بذلك حتى يدخل في قوله تعالى: \"أنا عند ظن عبدي [بي] فليظن بي ما شاء\"، قاله في التذكرة (^٢). وقال بعضهم:\nحسن ظني بك يا رب جرّاني عليكا ... فارحم [اللهم] عبدًا صار رهنًا في يديكا\nوكيف لا يرجو المؤمن رحمة الله ومغفرته وهو موقن بقدرته ﷾ على كل شيء، وفي الحديث أن النبي -ﷺ- أخبر أن الله ﷾ يقول (^٣): من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا فليطب المؤمن نفسا وليقرّ عينا فوالله ليكونن من رحمة ﷾ للمؤمنين وعفوه عن ذنوبهم وستره لفضائحهم وإكرامه لهم ورفع درجاتهم وإرضاء نبيهم -ﷺ- بما يمنحهم أكثر مما يتعلق به الرجاء ومن\n_________\n(^١) رياض الصالحين (ص: ١٦٨).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٧٤).\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد (٦٠٢)، والسراج في حديثه (٢٦٠٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٤١) (١١٦١٥)، والحاكم (٤/ ٢٩١)، واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١١٣٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٤٧)، والبغوي في شرح السنة (٤١٩١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٣٠).","vol":"13","page":301},{"text":"ذا الذي يحيط بسعة رحمة الله ﷾، اهـ. قاله في حادي القلوب لابن الميلق (^١).\n\n٥١٢٧ - وعن معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله ﷿ للمؤمنين يوم القيامة وما أول ما يقولون له؟ قلنا: نعم يا رسول الله قال: إن الله ﷿ يقول للمؤمنين هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا، فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك ومغفرتك، فيقول: قد وجبت لكم مغفرتي. رواه أحمد (^٢) من رواية عبيد الله بن زحر.\nقوله: \"وعن معاذ بن جبل\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله في الحديث: \"فيقولون رجونا عفوك ومغفرتك\" الحديث، الرجاء حادي يحدو القلوب إلى الله والدار الآخرة ويطيب لها السير. وقيل: هو الاستبشار بوجود فضل الرب والارتياح لمطالعة كرمه وقيل هو الثقة يجود الرب والفرق بينه وبين\n_________\n(^١) حادى القلوب إلى علام الغيوب لابن بنت الميلق (مخ ٤٢٨٣ تشستربيتى/ لوحة ٢٦).\n(^٢) مسند أحمد (٢٢٠٧٢)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٧٦)، ومن طريقه الطيالسي (٥٦٤)، وابن أبي الدنيا في حسن الظن (١٠)، وابن أبي عاصم في الأوائل (١٢٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ١٢٥) (٢٥١)، وفي الأوائل (٦٦)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٩)، والبغوي في شرح السنة (١٤٥٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢١) روأه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه عبيد الله بن زحر وهو ضعيف. وقال في (١٠/ ٣٥٨) رواه الطبراني بسندين أحدهما حسن. وضعفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٤/ ٢٥٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٩٤)، وفي السلسلة الضعيفة (٦١٢٥)، والترغيب والترهيب (١٩٧٣).","vol":"13","page":302},{"text":"التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الاجتهاد وحسن التوكل فالأول كحال من تمني أن تكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها والثاني كحال من شق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع. ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل والرجاء ثلاثة أنواع نوعان محمودان ونوع غرور مذموم فالأولان رجاء رجل عمل بطاعة الله تعالى على نور من الله فهو راج لثوابه ورجل أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله تعالى فهو راج لمغفرته. والثالث رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله تعالى بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب وللسّالك نظران نظر إلى نفسه وعيوبه [وآفات عمله] يفتح عليه باب الخوف ونظر إلى سعة رحمة الله وفضله وكرمه وبره يفتح عليه باب الرجاء، ولهذا قيل في حد الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله تعالى.\nوقال أبو علي الرّودباري (^١) رحمت الله عليه الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتمّ طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت. واختلفوا [أي] الرجائين أكمل رجاء المحسن ثواب إحسانه أو رجاء المذنب المسيء التائب مغفرة ربه وعفوه، [فطائفة] رجحت رجاء المحسن لقوة أسباب الرجاء معه وطائفة رجحت أسباب رجاء المذنب لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل مقرون\n_________\n(^١) شعب الإيمان (١٠٢٧).","vol":"13","page":303},{"text":"بذلة رؤية الذنب، قال يحيى بن معاذ (^١) يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب على رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أحرزه وأنا بالآفات معروف وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف، اهـ.\n\n٥١٢٨ - وعن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني الحديث. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"قال الله ﷿ أنا عند ظني عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني\" الحديث، وقع في النسخ حيث يذكرني بالثاء المثلثة وروي في الصحيحين: وأنا معه حين يذكرني بالنون، وكلاهما من رواية أبي هريرة وبالنون هو المشهور وكلاهما صحيح ظاهر المعنى، اهـ، قاله النووي (^٤): فقوله: أنا عند ظني عبدي بي\" الحديث، فمعنى الحديث أنا محقق له ما يظنه بي من الخير ويرجوه عندي من الفضل وإذا حقق الله ﷾ لعبده ذلك المرجو له من الفضل حصل له البشر والطمأنينة، اهـ. قاله في حادي القلوب.\n_________\n(^١) الكشكول (٢/ ٤٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٧٤٠٥ - ٧٥٠٥).\n(^٣) صحيح مسلم (٢) (٢٦٧٥).\n(^٤) رياض الصالحين (ص: ١٦٧).","vol":"13","page":304},{"text":"وقال القاضي عياض (^١) قيل معناه بالغفران له إذا استغفرني والقبول إذا تاب إليّ والإجابة إذا دعاني والكفاية إذا استكفاني لأن هذه الصفات لا تظهر من العبد إلا إذ حسن ظنه بالله وقوي يقينه.\n\n٥١٢٩ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"حسن الظن من حسن العبادة\". رواه أبو داود (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣) واللفظ لهما والترمذي (^٤) والحاكم (^٥) ولفظهما قال: \"إن حسن الظن من حسن عبادة الله\".\nقوله: \"وعنه -﵁-\" تقدم. قوله: \"حسن الظن من حسن العبادة\"، قيل معناه: إن حسن الظن بالله تعالى من جملة حسن العبادة، وفائدة الحديث الإعلام أن حسن الظن عبادة من العبادات الحسنة ويحتمل أن يكون معناه من حسنت عبادته حسن ظنه كما قيل في قوله -ﷺ-: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿\" [أي أنه يرحمه ويغفر له.\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٢٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٩٩٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٧٩٥٦)، (٨٠٣٦) و(٨٧٠٩) و(٩٢٨٠) و(١٠٣٦٤)، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (٩٧٣)، وعبد ابن حميد في المسند (١٤٢٥).\nقال الألباني في ضعيف أبي داود (١٠٦٠) ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧١٩)، والضعيفة (٣١٥٠)، المشكاة (٥٠٤٨/ التحقيق الثاني)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٩٧٤).\n(^٣) ابن حبان في صحيحه (٦٣١).\n(^٤) الترمذي (٣٦٠٤/ ٥).\n(^٥) الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٩٦) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.","vol":"13","page":305},{"text":"٥١٣٠ - وعن جابر -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) وابن ماجه (^٣).\nقوله رحمه الله تعالى: \"وعن جابر\"، هو ابن عبد الله تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله: \"أنه سمع النبي -ﷺ- قبل موته بثلاثة أيام يقول: ... ألا وهو يحسن الظن بالله ﷿\" الحديث، معناه أنه يموت وهو ظان أن يرحمه، قال العلماء: هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة (^٤) ﵊ [سمعها] عند الموت.\nوقال عن ربه تعالى: أنا عندي ظن عبدي بي وهو من الأحاديث الإلهية التي قال الله تعالى ومعنى ذلك أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه وينبغي أن يكون خوفه في حال الصحة أشد من رجائه ورجاؤه عند الموت أعظم من خوفه أو يكونان [في الصحة] سواء كما جاء [لو] وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا، والحكمة في تقوية الرجاء أو تمحيصه عند الموت أن الخوف سبب لانكفافه عن المعاصي والحرص على الطاعات وقد تعذر ذلك عند الموت فلم يبق إلا إحسان الظن والافتقار إلى الله تعالى ليموت\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨١) (٢٨٧٧).\n(^٢) سنن أبي داود (٣١١٣).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤١٦٧).\n(^٤) هنا بياض في الأصل.","vol":"13","page":306},{"text":"على ذلك فيبعث عليه كما في الحديث يبعث كل عبد على ما مات عليه ويكون ذلك دليل سعادته، ففي صحيح ابن حبان (^١): \"إذا أراد الله بعبد خيرًا عسّله\". قالوا: وما عسله يا رسول الله؟ قال: \"يوفقه لعمل صالح قبل الموت\" وتقدم، اهـ.\nقاله في شرح الإلمام، فهذا الحديث في الحقيقة حث على الأعمال الصالحة المفضية إلى حسن الظن، فإن العمل الصالح سبب لاستحضار الرحمة، وفيه تنبيه على تأميل العفو وتحقيق الرجاء.\nقال الخطابي (^٢) إنما يحسن بالله ظن من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن بالله ظنكم فإن من ساء عمله ساء ظنه. وقد يكون [تحسين] الظن أيضا من [باب] الرجاء وتأميل العفو والله جواد كريم.\nوقال أبو العباس القرطبي (^٣) قيل معناه ظن الإجابة عند الدعاء [وظن] (^٤) القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله. قال: ويؤيده قوله ﵇ (^٥): ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، ولذلك ينبغي للتائب والمستغفر\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) شرح السنة (٥/ ٢٧٢).\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٢٠).\n(^٤) هكذا هذه العبارة في الأصل، وفي النسخة الهندية: (وقيل).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) والخرائطي في اعتلال القلوب (ص ٣٨ - ٣٩) وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٧٢) والطبراني في الدعاء (٦٢) والأوسط (٥١٠٥) وابن عدي في =","vol":"13","page":307},{"text":"والعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ويغفر ذنبه فإن الله قد وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، فأما لو عمل الأعمال وهو يعتقد أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها وأنها لا تنفعه فذلك هو القنوط من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله وهو من أعظم الكبائر، ومن مات على ذلك وصل إلى ما ظن منه كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي عبدي ما شاء، فأما ظن الرحمة والمغفرة مع الإصرار على المعصية فذلك محض الجهل [والغرور] وهو يجر إلى مذهب المرجئة.\nوقد قال ﵊: الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله، [فليحذر الغافل أن يعدّ نفسه من الراجين مع إصراره على المعاصي فذلك غرور كما نبه عليه الغزالي وغيره وإنما الراجي من يندم على ما مضى ويطمع نفسه ويرجو العفو عنه ولذلك يعترف بالتقصير ويرجو رحمة الله وفضله فهو على كل\n_________\n= الكامل (٤/ ١٣٨٠) والكلاباذي في معاني الأخبار (ص ٣٢) والحاكم (١/ ٤٩٣) والخطيب في التاريخ (٤/ ٣٥٦ و١٤/ ٢٣٧)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال الحاكم: هذا حديث مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد البصرة.\nوتعقبه الذهبي فقال قلت: صالح متروك، وقال النووي: إسناده فيه ضعيف الأذكار (ص ٣٥٦)، والحديث حسنه الألباني في الصحيحة (٥٩٤)، وفي صحيح الترمذي (٣/ ٤٣٤)، وفي صحيح الجامع (٢٤٥) وفي صحيح الترغيب والترهيب (١٦٥٣).","vol":"13","page":308},{"text":"شيء قدير. اهـ] (^١). وفيه ترجيح جانب الرجاء وأن الإنسان إذا أمّل عفو الله وصفحه أعطاه الله أمله وعفا عنه، اهـ.\nوقال النووي في شرح مسلم (^٢) قال العلماء: هذا الحديث تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة، قال العلماء: معنى إحسان الظن بالله تعالى أن يظن أن الله تعالى يرحمه ويعفو عنه، قالوا وفي حال الصحة يكون خائفا راجيا ويكونان سواء، وقيل يكون الخوف [أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه لأن المقصود من الخوف] الانكفاف عن المعاصي والقبائح والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال [الصالحات]، وقد تعذر في ذلك أو معظمه في هذا الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له ويؤيده الحديث: يبعث كل عبد على ما مات عليه، قال العلماء: معناه يبعت على الحالة التي مات عليها. ومثله الحديث الآخر: ثم بعثوا على نيّاتهم، انتهى.\n\n٥١٣١ - وعن حيان أبي النضر قال: خرجت عائدا ليزيد بن الأسود فلقيت واثلة بن الأسقع وهو يريد عيادته فدخلنا عليه فلما رأى واثلة بسط يده وجعل يشير إليه فأقبل واثلة حتى جلس فأخذ يزيد بكفي واثلة فجعلهما على وجهه، فقال له واثلة: كيف ظنك بالله؟ قال: ظني بالله والله حسن. قال: فأبشر، فإني\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ٢٠٩).","vol":"13","page":309},{"text":"سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: قال الله جل وعلا: أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فله، وإن ظن شرا فله. رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢) والبيهقي (^٣).\nقوله: \"وعن حيّان أبي النضر\" كذا قوله: \"خرجت عائدًا ليزيد بن الأسود فلقيت واثلة بن الأسقع وهو يريد عبادته\" الحديث، عيادة المريض معروفة مستحبة.\nقوله: \"فلما رآى واثلة بسط يده وجعل يشير إليه فأقل واثلة حتى جلس فأخذ يزيد بكفّي واثلة فجعلهما على وجهه\" الحديث. فائدة في وضع اليد على المريض تأنيس له و[تصرّف لشدّة] مرضه ليدعُوَ له العائد على حسب ما يبدو له وربما ينتفع به العليل إذا كان عائده صالحا يتبرك به، اهـ، قاله الكرماني (^٤). [قوله في الحديث: قال الله ﷿] (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٦١١٢)، (١٦١١٣)، (١٧١٠٤)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٢٠): رواه أبو بكر بن أبي شيبة وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه والبيهقي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٨٦)، والصحيحة (١٦٦٣)، وصحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (١/ ٣٢٠/ ٥٩٤).\n(^٢) ابن حبان (٦٣٣)، (٦٣٤)، (٦٣٥)، (٦٤١).\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان (٩٧٥)، والحديث؛ أخرجه وابن أبي الدنيا المحتضرين (١٦)، وحسن الظن بالله (٢)، والطبراني (٢٢/ ٢٠٩: ٢١١).\n(^٤) هذا كلام ابن بطال، انظر: فتح الباري (١٠/ ١٢٠).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":310},{"text":"[فروع:] ويستحب لمن حضر عند المحتضر أن يحسن ظنه ويقرأ عنده آيات الرجاء وحكايات الصالحين عند الموت، [ولا بأس بالجزع من الذنوب، ولا يجزع من الموت، ويستحب أن -يكون- شاكرًا الله تعالى بقلبه، ولسانه] ويستحب طلب الموت في بلد شريف وطلب الدعاء من المريض وليحافظ على الصلوات واجتناب النجاسات ويجتهد في ختم عمره بأكمل الحالات (^١) انتهى (^٢).\nقوله في الحديث: قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فله وإن ظن شرا فله الحديث، وفي الصحيح أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء الظن في الشرع ينقسم إلى: واجب ومندوب وحرام ومباح فالواجب حسن الظن بالله تعالى والحرام سوء الظن به ﷾: قال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ (^٣) الآية، وكذلك كل من ظاهره العدالة من المسلمين وعلى هذا حمل قوله -ﷺ- (^٤): إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، أي الظن بالمسلم غير سبب والمندوب حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين والمباح هو الجائز كقول الصديق لعائشة إنما هما أخواك وأختاك فاستجاز الظن لما وقع في قلبه أن الذي في\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ١٤).\n(^٢) إلى هنا انتهى المخطوط من النسخة الهندية.\n(^٣) سورة فصلت، الآية: ٢٣.\n(^٤) صحيح البخاري (٥١٤٣)، وصحيح مسلم (٢٨) (٢٥٦٣).","vol":"13","page":311},{"text":"بطن امرأته أنثى ومن هذا القسم الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الذنب والمجاهرة بالخبائث فلا يحرم سوء الظن به لأنه قد دل على نفسه فمن ستر على نفسه لم يظن به الأخير ومن دخل مداخل السوء ومن هتك نفسه ظننا به السوء ومن الظن الجائز بإجماع المسلمين ما يحصل بظن الشاهدين من التقويم وأرش الجنايات والبينات عند الحكام وما يحصل بخبر الواحد في الأحكام بالإجماع ويجب العمل به قطعًا (^١)، اهـ. قاله في الديباجة.\nتنبيه: ذكر الغزالي عن أبى العباس بن سريج رحمه الله تعالى أنه (^٢) رأى في مرض موته في منامه كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه يقول أين العلماء قال فجاءوا ثم قال ما عملتم فيما علمتم؟ قالوا: قصّرنا وأسأنا. قال: فأعاد السؤال فقالوا كذلك. فقلت: أما أنا فليس في صحيفتي شرك وقد وعدت أن تغفر ما دونه، فقال اذهبوا به فقد غفرت لكم ثم مات بعد ثلاث ليال رحمة الله عليه (^٣).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) حاشية الجمل على شرح المنهج (٢/ ١٣٨ - ١٣٩): وفي الدميري وعن ابن شريح أنه رأى في مرض موته في المنام أن القيامة قامت والله تعالى يقول أين العلماء فجاءوا فقال ما عملتم فيما علمتم فقالوا أسأنا وقصرنا ثم أعاد السؤال فقالوا كذلك فقلت أما أنا فليس في صحيفتي شرك وقد وعدت أن تغفر ما دون ذلك فقال اذهبوا فقد غفرت لكم ثم مات بعد ثلاثة أيام اهـ.\n(^٣) إحياء علوم الدين (٤/ ١٥٤)، والنجم الوهاج (٣/ ١٣).","vol":"13","page":312},{"text":"٥١٣٢ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره لَا يحسن عبد بِالله الظَّن إِلَّا أعطَاهُ ظَنّه ذَلِك بِأَن الْخَيْر فِي يَده رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا أَن الْأَعْمَش لم يدْرك ابْن مَسْعُود (^١).\n\n٥١٣٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"أَمر الله ﷿ بِعَبْد إِلَى النَّار فَلَمَّا وقف على شفتها الْتفت فَقَالَ أما وَالله يَا رب إِن كانَ ظَنِّي بك لحسن فَقَالَ الله ﷿ ردُّوهُ أَنا عِنْد حسن ظن عَبدِي بِي\" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن رجل من ولد عبَادَة بن الصَّامِت لم يسمه عَن أبي هُرَيْرَة (^٢).\nقال مؤلفه: تم الجزء الخامس ويتلوه كتاب الجنائز ووافق الفراغ منه في سابع عشر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وثماني مائة وكتبه مؤلفه حسن بن علي الفيومي المقيم بالجامع الزاهي بالمقسم وحسبنا الله وكفى، انتهى على يد الفقير إلى عفو الله وأحوجهم إلى رحمته عبيد ربه وأسير ذنبه محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الدلائي غفر الله له\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٣٣)، وابن أبى شيبة في المصنف (٣٤٥٦٤)، وابن أبى الدنيا في حسن الظن (٨٣)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٤ رقم ٨٧٧٢) من طريق الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عبد الله. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٤٨: رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح إلا أن الأعمش لم يدرك ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٧٥).\n(^٢) أخرجه أبو حاتم في الزهد (١٥)، والبيهقي في الشعب (٩٨٤ و٩٨٥) و(٨٧٩٩). وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦١٥٠) وضعيف الترغيب (١٩٧٦).","vol":"13","page":313},{"text":"ولوالديه ولسائر المسلمين بجاه سيد المرسلين (^١)، اللهم صلى عليه بدوام رب العالمين والحمد لله رب العالمين. صبيحة يوم الجمعة تاسع وعشرين من جمادى الأولى عام ستة وعشرين ومائتين وألف رزقنا الله خيره وخير ما بعده وختم لنا ولمن دعا لنا بالرحمة والمغفرة بالحسنى ثم الحمد لله رب العالمين وهو حسبي ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وأستغفره وأتوب إليه إنه هو الغفور الرحيم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) لا يجوز التوسل بجاهه -ﷺ- ولا بجاه غيره من الأنبياء والصالحين لأن ذلك بدعة لم ينقل عنه -ﷺ- ولا عن أصحابه ﵃ فلا يجوز التوسل إلا بما قرره الدليل، ولو كان التوسل بجاه النبي -ﷺ- جائزًا، لأمرنا به، وحثَّنا عليه، كيف وهو لم يترك شيئًا يقربنا إلى الله إلا ودلَّنا عليه.\n(^٢) سقطت هذه الصحيفة الأخيرة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":314},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>كتاب الجنائز وما يتقدمها</span>\nالكتاب في اللغة مأخوذ من الكتب وهو الجمع، يقال: تكتّبت بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة، وللكتابة بالقلم كتابة لاجتماع الحروف، وتقدم الكلام على ذلك، والله تعالى أعلم.\nوالجنائز، بفتح الجيم والمد، جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح، وقيل: بالفتح للميت وبالكسر للنعش الذي عليه الميت، وقيل عكسه، حكاه صاحب المطالع (^٢)، والجنازة مشتقة من جنز تجنّز يجنز بكسر النون إذا ستر، قاله ابن فارس (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب.\n_________\n(^١) جاءت العبارة التالية في بداية النسخة الهندية: كتاب الجنائز وما يتقدمها بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على مولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا، السادس وهو آخر جزء من شرح الترغيب للحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، والشرح المذكور للشيخ المحدّث بدر الدين الحسن بن علي الفيومي نزيل سيدي أحمد الزاهد بالمقسم رحمه الله تعالى ونفع بعلمه.\n(^٢) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٥٠).\n(^٣) مجمل اللغة لابن فارس (ص: ٢٠٠).","vol":"13","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>التَّرْغِيب فِي سُؤال الْعَفو والعافية</span>\n٥١٣٣ - عَن أنس -﵁- أَن رجلًا جَاءَ إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء أفضل قَالَ سل رَبك الْعَافِيَة والمعافاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْم الثَّانِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء أفضل فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك قَالَ فَإِذا أَعْطَيْت الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وأعطيتها فِي الْآخِرَة فقد أفلحت. رواه الترمذي (^١) واللفظ له وابن أبي الدنيا (^٢) كلاهما من حديث سلمة بن وردان عن أنس، وقال الترمذي: \"حديث حسن\" (^٣).\nقوله: \"أنس -﵁-\" هو ابن مالك، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥١٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان.\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) وأخرجه أحمد ٣/ ١٢٧ (١٢٢٩١)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٣٧)، وابن ماجه (٣٨٤٨)، والطبراني في الدعاء (١٢٩٨)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٢٨٦)، وقال المناوي في كشف المناهج والتناقيح (٢/ ٣٤٧): وسلمة بن ورد ضعفه أحمد، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦١): سلمة ضعيف، لكن الجملة الأولى في سؤال العافية والمعافاة لها شاهد من حديث أبي بكر الصديق -﵁- بسند صحيح، مخرج في الروض (٩١٧) وغيره، وانظر: ضعيف سنن الترمذي (ص: ٤٥٨)، وضعيف ابن ماجه (برقم ٨٣٩)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته برقم (٣٢٦٩)، ومشكاة المصابيح (٢٤٩٠).","vol":"13","page":316},{"text":"قوله -﵁-: \"أن رجلًا جاء إلى النبي -ﷺ- فقال يا رسول الله أي الدعاء أفضل قال سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا\" الحديث قاله البيهقي في الشعب (^١). قال الحليمي رحمهما الله تعالى (^٢): \"ومن جوامع الكلم الذي أوتيه النبي -ﷺ- قوله للرجل الذي سأله أن يعلمه ما يدعو به: \"سل ربك العافية\"، وفي حديث آخر: \"سل ربك اليقين والعافية\"، وذلك أنه ليس من شيء مما يعمل للآخرة يتلقى بالنقص وليس شيء من أمر الدنيا يهيأ إلا مع العافية وهي الأمن والصحة وفراغ القلب، فجمع أمر الآخرة كله في كلمة، وأمر الدنيا في كلمة أخرى\". والمراد بجوامع الدعاء الكلمات اليسيرة الجامعة المعاني الكبيرة، ولهذا قال -ﷺ-: \"أعطيت جوامع الكلم\"، (^٣) بجوامع الكلم\" (^٤).\nقال الهروي (^٥) جوامع الكلم القرآن جمع الله تعالى في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة، وكلامه -ﷺ- كان قليل اللفظ كثير المعاني. وفي\n_________\n(^١) شعب الإيمان (٣/ ٣٩).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ٧٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥) (٥٢٣) عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون\".\n(^٤) أخرجه مسلم (٦ - ٥٢٣) عن أبي هريرة.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٥/ ٥).","vol":"13","page":317},{"text":"سنن أبي داود (^١) رحمه الله تعالى بإسناد جيد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك.\nقوله -ﷺ-: \"سل ربك العافية\" العافية أن يسلم من الأسقام والبلايا، وهي الصحة، ضد المرض، ونظيرها الثاغية الراغية، من الثغاء والرغاء. \"والمعافاة في الدنيا والآخرة\" هي أن يعافيك الله تعالى من الناس ويعافيهم منك أي يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل هي مفاعلة من العفو، وهو أن يعفو عن الناس ويعفو هم عنه، قاله في نهاية الغريب (^٢)، وهو كلام نفيس عجيب، ومنه الحديث: \"تعافوا عن الحدود فيما بينكم\" (^٣)، أي تجاوزوا عنها، \"ولا ترفعوها إليّ، فإنّي متى علمتها أقمتها\"،\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٤٩١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ١٩٩)، وأحمد في مسنده ٦/ ١٤٨ (٢٥١٥١) و٦/ ١٨٨ (٢٥٥٥٥)، وأبو داود (١٤٨٢) والطحاوي في مشكل الآثار (٦٠٢٩)، وابن حبان (٨٦٧)، والطبراني في الأوسط (٤٩٤٦)، وفي الدعاء (٥٠)، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٣٩، والبيهقي في الدعوات (٢٧٦) وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي انظر: الأذكار (ص ٨٩٣)، ورياض الصالحين (١٤٦٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٩٤٩). وقال النووي في الأذكار والرياض: إسناده جيد. قال الألباني صحيح أبي داود (١٣٣٢): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم.\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٦٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٣٧٦)، ومن طريقه: البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٣١)، وأخرجه النسائي (٨/ ٧٠)، وفي السنن الكبرى (٧٣٧٢، ٧٣٧٣)، والطبراني في الأوسط (٦٢١٢)، والدارقطني في السنن (٣/ ١١٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٨٣). =","vol":"13","page":318},{"text":"انتهى، قاله ابن الأثير في النهاية (^١).\nقوله رحمه الله تعالى في الكلام على الحديث: \"رواه الترمذي واللفظ له وابن أبي الدنيا كلاهما من حديث سلمة بن وردان عن أنس، وقال الترمذي: حديث حسن\"، سلمة بن وردان ضعف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، عامة ما عنده عن أنس منكر، وقال معاوية بن صالح عن يحيى ليس حديثه بذاك وحسن الترمذي حديثه.\n\n٥١٣٤ - وَعَن أبي بكرٍ -﵁- أَنه قَامَ على الْمِنْبَر ثمَّ بَكَى فَقَالَ: قَامَ فِينَا رَسُول الله -ﷺ- عَام أول على الْمِنْبَر ثمَّ بَكَى فَقَالَ: سلوا الله الْعَفو والعافية فَإِن أحدًا لم يُعْط بعد الْيَقِين خيرا من الْعَافِيَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^٢) من رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٣) من طرق وَعَن\n_________\n= وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والبيهقي في سننه (٨/ ٣٣١)، وقال الحافظ في الفتح (١٢/ ٨٧): سنده إلى عمرو بن شعيب صحيح - قلت: لكن قال البخاري: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب. \"ترتيب علل الترمذي الكبير\" (١٨٦). وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٣٨)، وقال في صحيح الجامع الصغير وزيادته (١/ ٥٦٨) (حسن). انظر: المشكاة (٣٥٦٨).\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٦٥).\n(^٢) وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩١٨٢)، وأحمد ١/ ٣ (٦)، والترمذي (٣٥٥٨)، والبزار (٣٤)، وأبو يعلى (٨٦)، (٨٧) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٢٤) وقال: حسن صحيح، وضعيف سنن الترمذي (٣٥٥٨).\n(^٣) أخرجه الحميدي (٢) و(٧)، وأحمد (١/ ٣ و٥ و٧ و٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٤)، وابن ماجه (٣٨٤٩)، والبزار (١/ ٢٠٢) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٧٩) =","vol":"13","page":319},{"text":"جمَاعَة من الصَّحَابَة وَأحد أسانيده صَحِيح (^١).\nقوله: \"وعن أبي بكر -﵁-\"، هو أبو بكر بن أبي قحافة (^٢)، وأبو بكر اسمه عبد الله، وأبو قحافة بضم القاف، اسمه عثمان بن عامر التيمي، أسلم يوم\n_________\n= (٨٨٠) وفي (٨٨١). وفي (٨٨٢) وفي (٨٨٣) وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذه الألفاظ عن النبي -ﷺ- إلا عن أبي بكر عنه، وهذا الإسناد من أحسن إسناد يروى عن أبي بكر في ذلك عنه.\n(^١) وله طرق عن أبي بكر:\n\n١ - عن أبي هريرة، قال: قام أبو بكر ... خرجه أحمد (١/ ٤) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٨٦) عن أبي هريرة، فذكره.\n\n٢ - عن الحسن، أن أبا بكر خطب الناس أخرجه أحمد (١/ ٨) وهو مرسل كما هو ظاهر.\n\n٣ - عن جبير بن نفير، قال: قام أبو بكر أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٨٨٤) وهو مرسل أيضا كما هو ظاهر.\n\n٤ - عن أبي عبيدة، قال: قام أبو بكر بعد وفاة رسول الله -ﷺ- بعام، فقال أخرجه أحمد (١/ ٨ و١١) عن سفيان، حدثنا عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، فذكره. وهو مرسل كما هو ظاهر.\n\n٥ - عن عمر، قال: إن أبا بكر ... أخرجه أحمد (١/ ٩)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٨٥) عن حميد بن عبد الرحمن، أن عمر قال، فذكره.\n\n٦ - عن يحيى بن جعدة قال: قال أبو بكر: سمعت رسول الله -ﷺ- عام الأول، والعهد قريب يقول: سلوا الله اليقين والعافية. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٩٣) ورجاله ثقات لكنه مرسل كما هو ظاهر.\n(^٢) هو عبد الله بن عثمان وهو أبو قحافة، بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مره القرشي التيمي، أبو بكر الصديق خليفة رسول الله -ﷺ-، وصاحبه في الغار. انظر: تهذيب الكمال (١٥/ ٢٨٢ ت ٣٤١٨)، وحلية الأولياء: ١/ ٢٨ - ٣٨، والاستيعاب: ٣/ ٩٦٣، وأسد الغابة: ٣/ ٢٠٥، والإصابة: ٢/ الترجمة ٤٨١٧.","vol":"13","page":320},{"text":"الفتح، وعاش إلى خلافة عمر، وله سبع وتسعون سنة، وليس في الصحابة من في نسله ثلاثة بطون صحابيون إلا هو، قاله الكرماني (^١)، وتقدم الكلام عليهما مبسوطا في كتاب الجمعة وغيره.\nقوله -ﷺ-: \"سلوا الله العفو والعافية\" الحديث، العفو هو محو الذنب من كتاب الحفظة، والعافية تقدم ذكره في الحديث. وروى سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دنيار عن يحيى بن جعدة رحمهم الله تعالى: قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله -ﷺ- في الصيف عام أول والعهد قريب يقول: \"اسألوا الله العفو والعافية\" (^٢). وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت أبا بكر رضي الله تعالى عنه على المنبر يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في هذا اليوم عام أول، واستعبر أبا بكر فبكى ثم قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: لم يُؤتَوا بعد كلمة الإخلاص مثل العافية، فسلوا الله العافية (^٣). وسأله العباس: علِّمني شيئا أسأل الله ﷿. قال: \"سل الله العافية في الدنيا والآخرة\"، رواه الترمذي وقال حسن صحيح (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٤/ ١٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٩٣)، عن يحيى بن جعدة قال: قال أبو بكر: سمعت رسول الله -ﷺ- عام الأول، والعهد قريب يقول: سلوا الله اليقين والعافية. ورجاله ثقات لكنه مرسل كما هو ظاهر.\n(^٣) أخرجه أحمد ١/ ٤ (١٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٨٦) عن أبي هريرة، فذكره.\n(^٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٢٦)، والترمذي (٣٥١٤). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، وعبد الله بن الحارث بن نوفل قد سمع من العباس بن عبد المطلب. =","vol":"13","page":321},{"text":"قوله في الكلام على الحديث: \"رواه الترمذي من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وقال: حديث حسن غريب، ورواه النسائي من طرق، وعن جماعة من الصحابة. وأحد أسانيده صحيح\"، وعبد الله بن محمد بن عقيل ضعفه ابن معين وقال ابن خزيمة: لا أحتج به، وقال أبو حاتم وغيره: لين الحديث، وقال الترمذي: صدوق تكلم فيه من قبل حفظه واحتج به أحمد وإسحاق والحميدي وغيرهم.\n\n٥١٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من دَعْوَة يَدْعُو بهَا العَبْد أفضل من اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَفو والعافية (^١).\n\n٥١٣٦ - وَفِي رِوَايَة اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك المعافاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (^٢).\nقوله: \"وعن أبي هريرة -﵁-\"، وفي اسمه اختلاف كثير وأشهره عبد الرحمن بن صخر (^٣). تقدم الكلام عليه مبسوطا رضي الله تعالى عنه.\n_________\n= وصححه الألباني في المشكاة (٢٤٩٠/ التحقيق الثاني)، الصحيحة (١٥٢٣).\n(^١) لم أجد هذا اللفظ عند ابن ماجه. وإنما أخرجه (٢٩٥٧) عن أبى هريرة بلفظ: وكل به سبعون ملكا، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قالوا: آمين. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (٢٥٩٠)، وضعيف الترغيب (٧٢١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٥١) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١١٣٨) وصحيح الترغيب (٣٣٨٨).\n(^٣) عبد الرحمن بن صخر الدوسي أبو هريرة. هو مشهور بكنيته. وهذا أشهر ما قيل في اسمه =","vol":"13","page":322},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ما من دعوة يدعو بها العبد أفضل من اللهم إني أسألك العفو والعافية\"، الحديث. \"قوله العفو والعافية فإن\"، الشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة لتضمنها دوام العافية، فالعافية من أجلّ نعم الله تعالى على عبده، فيتعين مراعاتها وحفطها، وطريق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أكمل الطرق، وحاله أكمل الأحوال -ﷺ- (^١).\n\n٥١٣٧ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ عَن أَبِيه أَن رجلا أَتَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول الله كيفَ أَقُول حِين أسأَل رَبِّي قَالَ قل اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وَعَافنِي وارزقني وَيجمع أَصَابِعه إِلَّا الْإِبْهَام فَإِن هَؤُلَاءِ تجمع لَك دنياك وآخرتك رواه مسلم (^٢).\n_________\n= واسم أبيه، إذ قال النووي: إنه أصح. والذي اجتمع في اسم أبيه خمسة عشر قولا: ... وعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة ومزجها من جهة صحة النقل إلى ثلاثة: عمير، وعبد الله، وعبد الرحمن الأولان محتملان في الجاهلية والإسلام، وعبد الرحمن في الإسلام خاصة. وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا. وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر. والمعتمد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة. وقد تردد البخاري فيه، فقال: مات سنة سبع وخمسين. انظر: طبقات ابن سعد: ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤ و٤/ ٣٢٥، ٣٤١ الاستيعاب: ٤/ ١٧٦٨، حلية الأولياء: ١/ ٣٨٥ - ٣٧٦، أسد الغابة: ٦/ ٣١٨، سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٧٨)، الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٢٦٧ ت ٥١٥٦)، (٧/ ٣٤٨ ت ١٠٦٨٠).\n(^١) الآداب الشرعية (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٦ - ٢٦٩٧).","vol":"13","page":323},{"text":"قوله: \"الأشجعي\" (^١)، تقدم الكلام على ترجمته رضي الله تعالى عنه.\nقوله: \"اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني\"، هذا الذكر يقال بين السجدتين، وزاد في رواية: \"واهدني\"، كما روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: \"وارزقني\"، رواه أبو داود في سننه (^٢)، وروى غير ذلك.\nقال أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى: وأيّ شيء قال من الذكر فحسن (^٣)، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) هو: طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي الأشجعي انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد: ٦/ ٣٧، وتاريخ البخاري الكبير: ٤/ الترجمة ٣١١٣، والجرح والتعديل: ٤/ الترجمة ٢١٢٦، وثقات ابن حبان: ٢/ ٢٠٢، وأسد الغابة: ٣/ ٤٨، والاستيعاب: ٢/ ٧٤٥،، أسد الغابة (٢/ ٤٥١) - الإصابة في تمييز الصحابة (٥/ ٣٧٩).\n(^٢) سنن أبي داود (٨٥٠) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي -ﷺ- كان يقول بين السجدتين: \"اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني\". وأخرجه ابن ماجه (٨٩٨)، والترمذي (٢٨٤) و(٢٨٥)، البزار (٥١٢٨)، والطبراني (١٢٣٤٩ و١٢٣٦٣)، وابن المنذر في الأوسط (١٤٨١)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٦٩٥)، والحاكم ١/ ٢٦٢ و٢٧١، والبيهقي ٢/ ١٢٢، والبغوي (٦٦٧) من طريق حبيب بن أبي ثابت، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وهكذا روي عن علي، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق: يرون هذا جائزا في المكتوبة والتطوع. وقال النووي في الخلاصة (١٣٣٤ - ١٣٣٥): رواه أبو داود، والترمذي، وآخرون بإسناد حسن. وقال الحاكم: هو صحيح الإسناد. وقال البدر المنير (٣/ ٦٧٢) هذا الحديث صحيح وقال الألباني في تخريج الكلم الطيب (٩٨) (إسناده جيد)، وقال في صحيح أبي داود (٧٩٦): حسن.\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ١٥٢).","vol":"13","page":324},{"text":"٥١٣٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قالَ قَالَ النَّبِي -ﷺ-: يَا عَبَّاس يَا عَم النَّبِي -ﷺ- أَكثر من الدُّعَاء بالعافية.\nرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (^١) وَالْحَاكِم (^٢) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^٣)\nقوله: \"ابن عباس -﵄-\" (^٤)، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطا رضي الله تعالى عنهما.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"يا عباس يا عم النبي -ﷺ- أكثر من الدعاء بالعافية\" الحديث، تقدم الكلام على أعمامه صلى الله تعالى عليه وسلم كم هم قريبا، وأن أصغرهم سنا العباس، وأسنهما الحارث، وأسلم منهم حمزة والعباس، وتقدم أيضا الكلام على العافية في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أول الباب، والله تعالى أعلم. وحديث أنس (^٥) الذي بعده\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في الشكر (١٥٣).\n(^٢) الحاكم (١/ ٥٢٩).\n(^٣) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٣٣٠ رقم ١١٩٠٨)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٢٣٦). وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وقد روي بلفظ آخر. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٢٣) وصحيح الترغيب (٣٣٩٠).\n(^٤) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٦٥، الاستيعاب: ٩٣٣، أسد الغابة ٣/ ٢٩٠، سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١)، تاريخ الإسلام ٣/ ٣٠، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٧، الإصابة ٢/ ٣٣٠.\n(^٥) وعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة. قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة. أخرجه الترمذي (٣٥١٢)، وابن ماجه (٣٨٤٨)، وقال الترمذي: حديث حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٦٩). وسبق تخريجه.","vol":"13","page":325},{"text":"وحديث ابن عمر (^١) رضي الله تعالى عنهم تقدم معناهما في الأحاديث التي تم تفسيرها والله تعالى أعلم.\n\n٥١٣٩ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الدُّعَاء لَا يرد بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة قَالُوا فَمَاذَا نقُول يَا رَسُول الله قَالَ سلوا الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن (^٢).\n_________\n(^١) وحديث ابن عمر ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: ما سئل الله شيئًا أحب إليه من العافية. رواه الترمذي وقال: حديث غريب، وابن أبي الدنيا والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.\n[قال الحافظ]: رووه كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، وهو ذاهب الحديث عن موسى بن عقبة عن نافع عنه. أخرجه الترمذي (٣٥١٥ و٣٥٤٨)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبى بكر وهو ضعيف في الحديث ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه.\nوقال بشار عواد: ولم نجد لهذا الحديث في هذا الموضع من جامع الترمذي أثرا في شيء من النسخ والشروح التي بين أيدينا، ولا ذكره المزي هنا، وإنما موضعه عقيب الحديث (٣٥٤٨) وهو حديث (٣٥٤٩) من طبعتنا فراجعه. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩١٦٨)، ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٢٩٦)، والترمذي (٣٥١٥ و٣٥٤٨) والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٣٢٤)، والدينوري في المجالسة وجواهر العلم (١٥٦٧) وابن عدي في الكامل: (٤/ ١٦٠٥)، والحاكم (١٨٣٣). والبيهقي في الدعوات الكبير (٢٨٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: \"ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية\" وقال العقيلي: لا يتابع عليه، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٧٩): ضعيف).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٩٤). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٩٧٨).","vol":"13","page":326},{"text":"٥١٤٠ - وَعَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: مَا سُئِلَ الله شَيْئا أحب إِلَيْهِ من الْعَافِيَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْحَاكِم فِي حَدِيث وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\nقَالَ الْحَافِظ: رَوَوْهُ كلهم من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْمليكِي وَهُوَ ذَاهِب الحَدِيث عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَنهُ.\n\n٥١٤١ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن علمت لَيْلَة الْقدر مَا أَقُول فِيهَا قَالَ: قولي اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فَاعْفُ عني. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^٢) وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم (^٣) وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٤٨) و(٣٥٤٩)، والحاكم (١/ ٤٩٨). وقال الحاكم: صحيح وتعقبه الذهبي فقال: فيه عبد الرحمن المليكي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠١٣) و(١٩٧٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥١٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١٩٤٢) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وفيه نظر لما سيأتي من الكلام على سنده ..\n(^٤) وأخرجه أحمد (٦/ ٢٥٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٧٧)، والطبراني في الدعاء (٩١٦) عن الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، فذكره. وفي رواية أحمد: عن ابن بريدة ولم يسمه.\nوهذا السند معل فقد ذكره الدارقطني في العلل (٣٨٦٠) وقال وخالفه إسحاق الأزرق: عن الثوري، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة.، وقول الأزرق أصح. وروي عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة؛ أخرجه أحمد (٦/ ١٧١ و٦/ ١٨٣ و٦/ ٢٠٨)، وابن =","vol":"13","page":327},{"text":"قوله: \"عن عائشة\" (^١)، تقدم الكلام على مناقبها مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قولها رضي الله تعالى عنها: \"اللهم إنك عفو تحب العفو\n_________\n= ماجه (٣٨٥٠)، والترمذي (٣٥١٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٧٢). وفي (٨٧٣)، وابن راهويه (١٣٦١)، والبيهقي في الشعب (٣٧٠٠) عن كهمس بن الحسن. وأخرجه أحمد (٦/ ١٨٢ و٦/ ١٨٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٧٥) وفي (٨٧٦) والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٧٤)، والبيهقي في الشعب (٣٧٠١) عن الجريري كلاهما عن عبد الله بن بريدة، فذكره. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٨٧٤) والبغوي في التفسير (٨/ ٤٩١) من طريق المعتمر. قال: سمعت كهمسا، عن ابن بريدة؛ إن عائشة قالت: يا نبي الله ... وهذا صورته سورة المرسل.\nقال الدارقطني في كتاب الطلاق من سننه (٣/ ٢٣٣): عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة، والموقوف: رواه النسائي في الكبرى (١٠٧١٤) وفي عمل اليوم والليلة (٨٧٨) عن مسروق عن عائشة قالت: لو علمت أي ليلة ليلة القدر لكان دعائي فيها أن أسأل الله العفو والعافية. ورواه البيهقي في السنن (٦/ ٢١٩).\nوقال ابن علان في كتاب الفتوحات الربانية (٤/ ٣٤٦): قال الحافظ: وابن بريدة هذا هو سليمان كما جزم به المزي وغيره، وقد جاء من طريق أخيه عبد الله وهي أشهر .... قال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم من الوجهين وصححه وفي ذلك نظر فإن البيهقي جزم في كتاب الطلاق من السنن بأن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة. وقال الحافظ في \"البلوغ\" (١/ ١٤١): صححه الترمذي والحاكم.\nوقال النووي في \"الأذكار\" (١/ ١٦٢) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة (٣٣٣٧).\n(^١) طبقات ابن سعد: ٨/ ٥٨ - ٨١، حلية الأولياء: ٢/ ٤٣، الاستيعاب: ٤/ ١٨٨١، أسد الغابة: ٧/ ١٨٨، سير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٥)، تاريخ الإسلام: ٢/ ٢٩٤، الإصابة: ١٣/ ٣٨.","vol":"13","page":328},{"text":"فاعف عني\"، الحديث.\nالعفو: من أسمائه تعالى وهو المتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده ويحب من عباده أن يعفوَ بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه وعفوه أحبّ إليه من عقوبته. وكان النبي -ﷺ- يقول: أعوذ برضاك من سخطك وعفوك من عقوبتك. قال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الناس عليه. يشير إلى أنه ابتلى كثيرا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب ليعاملهم بالعفو، فإنه ﷾ يحب العفو. قال بعض السلف الصالح: لو علمت أحب الأعمال إلى الله تعالى لأجهدت نفسه فيه. فرأى قائلا يقول له في منامه: إنك تريد ما لا يكون، إن الله تعالى يحب أن يعفو ويغفر، وإنما أحبّ أن يعفو ليكون العباد كلهم تحت عفوه، ولا يدل على أحد منهم بعمل.\nوقد جاء في حديث ابن عباس مرفوعا إلى النبي -ﷺ-: \"إن الله ينظر ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فيعفو عنهم ويرحمهم إلا أربع: مدمن خمر وعاقا ومشاحنا وقاطع رحم\". (^١) لمَّا عرف\n_________\n(^١) أخرجه قوام السنة الترغيب والترهيب (١٧٦٨)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٨٨٠) من طريق القاسم بن الحكم العرني، عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن الجنة لتنجد وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها: المثيرة\"، فذكر حديثًا طويلًا فيه الشاهد. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ١٠١): رواه الشيخ =","vol":"13","page":329},{"text":"العارفون جلاله خضعوا، ولما سمع المذنبون بعفوه طمعوا، ما ثمَّ إلا عفو الله ﷿ أو النار، لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم \"ق: ٥\" باليأس من الرحمة ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه كان بعض المتقدمين يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي قد عظمت فجلت عن الصفة وإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني وقال آخر منهم:\nجرمي عظيم وعفوك كثير ... فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم\nيا كبيرالذنب عفو ... الله من ذنبك أكبر\nأكبر الأوزار في ... جنب عفو الله يصغر\nوإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الإجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر قال يحيى بن معاذ:\nليس بعارف من لم يكن ... غاية أمله من الله العفو\nإن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنك عفو عن الذنب\nكان مطرف يقول في دعائه: اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في\n_________\n= ابن حيان في كتاب الثواب، والبيهقي، وليس في إسناده من أجمع على ضعفه. وتعقبه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٥٩٤) قال: نعم لكنه منقطع؛ بين الضحاك بن مزاحم وابن عباس، والراوي عنه لين، وآثار الوضع والصنع عليه لائحة، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٩١).","vol":"13","page":330},{"text":"العفو ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة.\nيا رب عبدك قد أتا ... ك وقد أساء وقد هفا\nيكفيه منك حياؤه ... من سوء ما قد أسلفا\nحمل الذنوب على الذنو ... ب الموبقات وأسرفا\nوقد استجار بذيل عفو ... ك من عقابك ملحفا\nرب اعف وعافه ... فلأنت أولى من عفا\nانتهى، قاله ابن رجب في كتابه اللطائف (^١) رحمه الله تعالى وغفر لنا وله وعفا عنا وعنه].\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"13","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يقولهن من رأى مبتلى</span>\n٥١٤٢ - عَن عمر وَأبي هُرَيْرَة -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من رأى صَاحب بلَاء فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي عافاني مِمَّا ابتلاك بِهِ وفضلني على كثير مِمَّن خلق تَفْضِيلًا لم يصبهُ ذَلِك الْبلَاء، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^١) وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٢) من حَدِيث ابْن عمر وَرَوَاهُ الْبَزَّار (^٣) وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير (^٤) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحده وَقَالَ فِيهِ فَإِذا قَالَ ذَلِك شكر تِلْكَ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٤٣١)، وقال: هذا حديث غريب، وعمرو بن دينار، قهرمان آل الزبير، هو شيخ بصري، وليس هو بالقوي في الحديث، وقد تفرد بأحاديث عن سالم بن عبد الله بن عمر. صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٢٦) صحيح لغيره ورواه البزار والطبراني في الصغير من حديث أبي هريرة وحده، وقال فيه: فإذا قال ذلك شكر تلك النعمة. وإسناده حسن.\n(^٢) وابن ماجه (٣٨٩٢).\n(^٣) أخرجه البزار (٦٢١٧)، (٩١٠٦)، وقال: وهذا الحديث لا نعلم يروى عن أبي هريرة -﵁-، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وعبد الله بن عمر قد احتمل أهل العلم حديثه. وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٠٢)، وقال: وهذا لا أعلم يرويه عن عبد الله بن عمر غير أبي مصعب مطرف هذا. انظر: السلسلة الصحيحة (٦٠٢)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٢٦): بل هو ضعيف، فيه (عبد الله بن عمر العمري) المكبر، وبه أعله الحافظ، والمحفوظ: لم يصبه ذلك البلاء، وهو المذكور أعلاه.\n(^٤) وابن أبي الدنيا في الشكر (١٨٧) بنحوه وفيه: \"وفضلني عليك وعلى جميع من خلق تفضيلا؛ فقد أدى شكر تلك النعمة\". والخرائطي في فضيلة الشكر (٣). والطبراني في =","vol":"13","page":332},{"text":"النِّعْمَة وَإِسْنَاده حسن.\nقوله: \"عن ابن عمر وأبي هريرة -﵄-\" تقدم الكلام عليهما مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق.\nقوله -ﷺ-: \"من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا لم يصبه ذلك البلاء\" اهـ، [وروى الترمذي] عن عمر بن الخطاب أن رسول الله -ﷺ- قال: من رأى صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا إلا عوفي من ذلك البلاء كائنا ما كان ما عاش. وقال الترمذي (^١) وقد\n_________\n= الصغير (٦٧٥). وفي الدعاء (٧٩٩) بنحوه وفيه: \"وفضلني عليك وعلى كثير من خلقه تفضيلا؛ عافاه الله ﷿ من ذلك البلاء كائنا ما كان\". وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٣)، والبيهقي في الشعب (٤٤٤٣) و(١١١٤٨، ١١١٤٩) من طريق عبد الله بن عمر العمري عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به مرفوعا.\nوالحمل فيه على عبد الله بن عمر العمري؛ فإنه ضعيف لسوء حفظه، إلا أنني وجدت له متابعا: فقد روي الطبراني في الدعاء (٨٠٠) بإسناد حسن إلى عبد الله بن جعفر المدني عن سهيل به إلا أنه قال: \"وفضلني عليك وعلى كثير ممن خلق تفضيلا؛ فقد أدى شكر تلك النعمة\".\nوعبد الله بن جعفر هو: ابن نجيح السعدي: متفق على ضعفه، إلا أنه مع ضعفه يكتب حديثه ويعتبر به في الشواهد والمتابعات. انظر: التهذيب (٤/ ٢٥٩). الميزان (٢/ ٤٠١). وعلى هذا فالحديث حسن، والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٤٨) والصحيحة (٦٠٢). وصححه في صحيح الترمذي برقم (٣٤٣٢).\n(^١) سنن الترمذي (٣٤٣١)، وقال: \"هذا حديث غريب\" وفي الباب عن أبي هريرة وعمرو بن دينار قهرمان آل الزبير هو: شيخ بصري، وليس هو بالقوي في الحديث، وقد تفرد =","vol":"13","page":333},{"text":"روي عن أبي جعفر محمد [عليه رحمة الله تعالى] أنه قال: إذا رأى صاحب بلاء يتعوذ ويقول ذلك في نفسه ولا يسمع صاحب البلاء. قال النووي في أذكاره (^١): قلت: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم ينبغي أن يقول هذا الذكر سرا بحيث يسمع نفسه ولا يسمعه المبتلى لئلا يتألم قلبه بذلك إلا أن تكون بليّته معصية فلا بأس أن يسمعه ذلك إن لم يَخف من ذلك مفسدة، اهـ.\nقال: يُسنّ لمن رأى صاحب بلاء سواء كان البلاء في البدن والدين أن يحمد الله تعالى على العافية ويقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، إلى آخره، ويُستحب أن يسجد [شكرا لله على سلامته في بدنه، وكذلك إذا رأى مبتلى في الدين أن يقول ذلك وأن يسجد شكرا لله تعالى على سلامة دينه]، فقد روى الحاكم في المستدرك: (^٢) أن النبي -ﷺ- سجد مرة لرؤية زَمِنٍ،\n_________\n= بأحاديث عن سالم بن عبد الله بن عمر وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي، أنه قال: إذا رأى صاحب بلاء يتعوذ، يقول ذلك في نفسه، ولا يسمع صاحب البلاء\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ٤٧٥).\n(^٢) أخرجه الحاكم (١٠٢٥)، (٧٧٨٩) عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة قال سمعت أبي يحدث عن أبي بكرة -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا أتاه أمر يسره أو يسر به خر ساجدا شكرا لله ﷿. وقال في الموضع الأول: \"هذا حديث صحيح وإن لم يخرجاه فإن بكار بن عبد العزيز: صدوق عند الأئمة وإنما لم يخرجاه لشرطهما في الرواية كما ذكرناه فيما تقدم وليس لعبد العزيز بن أبي بكرة رواة غير ابنه فقال: صالح الحديث.\nولهذا الحديث شواهد يكثر ذكرها: منها: أنه -ﷺ- رأى القرد فخر ساجدًا ومنها: أنه -ﷺ- رأى رجلا به زمانة فخر ساجدًا، ومنها: أنه -ﷺ- أتاه جعفر بن أبي طالب عند فتح خيبر فخر ساجدًا. ومنها: أنه -ﷺ- رأى نغاشا فخر ساجدًا\". =","vol":"13","page":334},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال في الموضع الثاني: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وشاهده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد (٥/ ٤٥)، وأبو داود (٢٧٧٤)، وابن أبي الدنيا في الشكر (١٣٥)، والدارقطني (١/ ٤١١/ ٣)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٧٠)، والطبراني في معجمه الأوسط (٤٢٥)، وفوائد ابن ماسي (٢٧)، والبزار (٣٦٨٢)، أبو بكر بن أبي شيبة - كما ذكره البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٩٦١) كلهم عن أبي بكرة، بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، قال: سمعت أبي يحدث، فذكره. قال الذهبي في التنقيح (ص ١٩٢): وبكار فيه لين. انظر: ابن الملقن في تحفة المحتاج (١/ ٣٩٠) وابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٤٥٧، ١/ ٤٥٩) والنووي في الخلاصة (٢/ ٦٢٨).\nوفي الباب: عن أنس بن مالك؛ أن النبي -ﷺ- بشر بحاجة، فخر ساجدًا. أخرجه ابن ماجه (١٣٩٢) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١١): هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة. عن ابن عباس: أخرجه أبو داود (١١٩٧) وعنه البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٤٣)، الترمذي (٣٨٩١) عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: ماتت فلانة بعض أزواج النبي -ﷺ- فخر ساجدًا فقيل له أتسجد هذه الساعة فقال قال رسول الله -ﷺ- إذا رأيتم آية فاسجدوا وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي -ﷺ-. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nقال النووي في الخلاصة (٢/ ٨٦٦) رواه أبو داود، والترمذي في كتاب المناقب بإسنادين صحيحين. قال الترمذي: حديث حسن. عن جابر: رفعه قال: مر رجل بجمجمة إنسان، فحدث نفسه فخر ساجدًا، فقيل له: ارفع رأسك فأنت أنت، وأنا أنا. قال البزار: لا نعلمه عن جابر إلا من هذا الوجه، ولم أحسب جعفر بن سليمان سمع ابن المنكدر، ولا روى عنه إلا هذا على أنه روى عن من هو دونه، مثل: بشر بن المفضل، وعبد الوارث.\nعن الباقر: أخرجه عبد الرزاق (٥٩٦٠) عن الثوري عن جابر عن محمد بن علي قال مر رسول الله -ﷺ- برجل نغاش يقال له زنيم فخر ساجدا ثم رفع فقال اسأل الله العافية. منقطع، وفيه جابر هو الجعفي وهو رافضي متهم. وعده متواترا الكتاني في نظم المتناثر (ص ١٠٨) حيث ذكره من مسانيد أبي بكرة، والبراء بن عازب، وعبد الرحمن ابن عوف، =","vol":"13","page":335},{"text":"ومرّ به أبو بكر -﵁- فنزل وسجد شكرًا لله تعالى، ومرّ به عمر -﵁- فنزل وسجد شكرا لله تعالى. وكان رسول الله -ﷺ- إذا رأى القرد سجد لله شكرًا.\nورأى النبي -ﷺ- رَجُلًا نُغاشِيًّا فَخَرَّ ساجِدًا ثم قال: أسأل الله العافية، رواه البيهقي مرسلًا (^١)، وله شواهد تؤكده، [والنغّاش] بضم النون والغين والشين المعجمتين، قيل هو الناقص الخلق الضعيف الحركة (^٢)، وقيل المبتلى، وقيل المختلط العقل (^٣)؛ لكن لا يُظهر السجدة للمبتلى في بدنه لأنه معذور فإن رأى مبتلا في دينه فالأقرب أن يظهر له السجود لعله ينتهي ولا يعود (^٤)، اهـ.\n_________\n= وأبي جعفر محمد بن الباقر مرسلا، وجابر وابن عمر. وأنس وجرير. وأبي جحيفة.، وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل.، وعبد الرحمن بن أبي بكر وسعد بن أبي وقاص.\n(^١) انظر: ما سبق.\n(^٢) النهاية (٥/ ٨٦)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٨٢).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٢).\n(^٤) المفاتيح (٢/ ٣٦٧)، وشرح المشكاة (٤/ ١٣١٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣).","vol":"13","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>التَّرْغِيب فِي الصَّبْر سِيمَا لمن ابْتُلِيَ فِي نَفسه أَو مَاله وَفضل الْبلَاء وَالْمَرَض والحمى وَمَا جَاءَ فِيمَن فقد بَصَره</span>\n٥١٤٣ - عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الطّهُور شطر الْإِيمَان وَالْحَمْد لله تملأ الْمِيزَان وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله تملآن أَو تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَالصَّلَاة نور وَالصَّدَقَة برهَان وَالصَّبْر ضِيَاء وَالْقُرْآن حجَّة لَك أَو عَلَيْك كل النَّاس يَغْدُو فبائع نَفسه فمعتقها أَو موبقها. رَوَاهُ مُسلم (^١).\nقوله: \"عن أبي مالك الأشعري\" اختلف في اسمه فقيل الحارث وقيل عبيد وقيل عبد الله وقيل عمرو وقيل كعب وهو معدود من الشاميين، توفي في خلافة عمر وتقدم الكلام عليه في الوضوء وغيره مبسوطًا.\nقوله -ﷺ-: \"الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان\" الحديث، الطهور بفتح الطاء هو ما يُتطهر به من مائع وجامد وهو [المراد] هنا.\nوقال النووي المراد بالطهور الوضوء (^٢). قال الطوفي (^٣) وهو أعمّ من ذلك إذ يشمل الوضوء والغسل وغيرهما ثم في قوله: \"الطهور شطر الإيمان\" أقوال كثيرة تقدم ذكرها في الوضوء.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١) (٢٢٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٠).\n(^٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٧٤).","vol":"13","page":337},{"text":"قوله: \"والحمد لله تملأ الميزان\" [معناه] عظيم أجرها يملأ الميزان وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الميزان وخفتها فإذا حمد الله تعالى حامد [مستحضرا] معنى الحمد في قلبه [امتلأ] ميزانه من الحسنات.\nقوله -ﷺ-: \"والصبر ضياء\"، قال النووي (^١): أي الصبر المحبوب، وهو الصبر على طاعة الله تعالى والبلاء ومكاره الدنيا وعن المعاصي، ومعناه لا يزال صاحبه مستضيئا مستمرًّا على الصواب\nقال الطوفي (^٢): [قلت] يحتمل وجهين: أحدهما: أن ثواب الصبر ضياء ونور في الآخرة، والثاني أن الصبر على الطاعات وعن المعاصي نوّر القلب واستضاءته بالحق، وشاهده بقياس العكس ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (^٣) أي: أن المعاصي سودت قلوبهم وصيرتها مظلمة. اهـ. وتقدم الكلام على ألفاظ هذا الحديث مبسوطًا في الوضوء وغيره والله أعلم.\n\n٥١٤٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ وَمن يتصبر يصبره الله وَمَا أعطي أحد عَطاء خيرًا وأوسع من الصَّبْر رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٤)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).\n(^٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٧٨).\n(^٣) سورة المطففين، الآية: ١٤.\n(^٤) صحيح البخاري (١٤٦٩، ٦٤٧٠).","vol":"13","page":338},{"text":"وَمُسلم (^١) فِي حَدِيث تقدم فِي الْمَسْأَلَة، وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مُخْتَصرًا: مَا رزق الله عبدًا خيرًا لَهُ وَلَا أوسع من الصَّبْر. وَقَالَ: صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).\n_________\n(^١) مسلم (١٢٤) (١٠٥٣).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٥٥٢) عن أبي هريرة -﵁-، مرفوعًا به، وقال: قد اتفق الشيخان على إخراج هذه اللفظة في آخر حديثه بهذا الإسناد: أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله -ﷺ-. الحديث بطوله، وفي آخره هذه اللفظة ولم يخرجاه بهذه السياقة التي عند إسحاق بن سليمان وهذا سند منكر، ولا علاقة لأبي هريرة بالحديث، وهو مشهور عن أبي سعيد الخدري وعن مالك أيضًا.\nأخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٩٧)، وأحمد (٣/ ٩٣) عن إسحاق بن سليمان عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره، وتوبع إسحاق بن سليمان: هو الرازي أبو يحيى على هذا السند: فأخرجه الدارمي (١٦٤٦) عن الحكم بن المبارك. والبخاري (١٤٦٩) عن عبد الله بن يوسف. ومسلم (١٠٥٣)، والنسائي (٥/ ٩٥)، وفي الكبرى (٢٣٨٠) عن قتيبة بن سعيد. والنسائي في الكبرى، عن ابن القاسم. وأبو داود (١٦٤٤) عن عبد الله بن مسلمة. والترمذي (٢٠٢٤) عن معن. كلهم: عن مالك، فذكره. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nورواه أحمد (٣/ ٩٣)، ومسلم (١٠٥٣) عن معمر. والبخاري (٦٤٧٠) عن شعيب. كلاهما عن ابن شهاب الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، فذكره. وأخرجه أحمد (٣/ ١٢ و٣/ ٤٧) عن هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدري فذكره.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٢٧)، وصحيح الجامع الصغير وزياداته (٥٦٢٦) عن أبي هريرة. والصحيحة (٤٤٨)، والتعليق الرغيب (٢/ ١١)، وصحيح أبي داود (١٤٥١)، وصحيح الترمذي (٢١١٠).","vol":"13","page":339},{"text":"قوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"ومن يتصبر\" الحديث، أي يستعمل الصبر. وقوله: \"يصبره الله\" أي يقويه ويمكّنه من نفسه حتى تنقاد له [ويذعن] لتحمّل الشدائد وعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه ويوصله إلى مرغوبه. قاله القرطبي في شرح مسلم (^١)، والمراد منه تعاطي أسباب الصبر وما وعد الله عليه من الأجر والصبر ترك الشكوى من ألم البلوى (^٢)، وقيل: هو تجرّع المرارة من غير [تعبيس] (^٣)، وقيل: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة (^٤)، قاله شارح الأربعين [الودعانية] (^٥).\nقال الإمام أحمد بن حنبل -﵁-: ذكر الله تعالى الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا وهو واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر وهو في القرآن على ستة عشر نوعًا (^٦).\nوالصبر في اللغة هو الحبس ومنه ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي﴾ (^٧)، أي احبسها معهم فالصبر حبس النفس عن الجزع\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٩/ ٦٦).\n(^٢) التعريفات (ص ١٣٤).\n(^٣) قاله الجنيد كما في الرسالة (١/ ٣٢٢).\n(^٤) قاله الخواص كما في الرسالة (١/ ٣٢٣).\n(^٥) شرح الأربعين الودعانية (لوحة ٢٠).\n(^٦) مدارج السالكين (٢/ ١٥١).\n(^٧) سورة الكهف، الآية: ٢٨.","vol":"13","page":340},{"text":"والسَّخط وحبس اللّسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على امتحان الله فالأولان صبر على ما يتعلق بالكسْب والثالث صبرٌ على ما لا كسب للعبد فيه (^١)، اهـ.\nقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: فَازَ الصَّابِرُونَ بِعِزِّ الدَّارَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ نَالُوا مِنَ اللهِ مَعِيَّتَهُ. فَإِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ (^٢). وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (^٣). إِنَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى. فَالصَّبْرُ دُونَ الْمُصَابَرَةِ. وَالْمُصَابَرَةُ دُونَ الْمُرَابَطَةِ وَالْمُرَابَطَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وَهُوَ الشَّدُّ. وَسُمِّي الْمُرَابِطُ مُرَابِطًا لِأَنَّ الْمُرَابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْفَزَعَ. ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطَاعَةٍ يَنْتَظِرُهَا: مُرَابِطٌ (^٤). وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ. وَصَابِرُوا بِقُلُوبِكُمْ عَلَى الْبَلْوَى فِي اللهِ. وَرَابِطُوا بِأَسْرَارِكُمْ عَلَى الشَّوْقِ إِلَى اللهِ.\nوَقِيلَ: اصْبِرُوا فِي اللهِ. وَصَابِرُوا بِالله. وَرَابِطُوا مَعَ اللهِ. وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلَى النَّعْمَاءِ. وَصَابِرُوا عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَرَابِطُوا فِي دَارِ الْأَعْدَاءِ. وَاتَّقَوْا إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي دَارِ الْبَقَاءِ (^٥). اهـ.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٢) الرسالة (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، ومدارج السالكين (٢/ ١٥٨).\n(^٣) سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠.\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ١٥٨).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ١٥٩).","vol":"13","page":341},{"text":"قوله -ﷺ-: \"وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر\" الحديث، هكذا هو في جميع النسخ [خبر] مرفوع وهو صحيح وتقديره هو خيرٌ كما وقع في رواية البخاري (^١)، وإذا حصل الوسع فأيّ ضيق وأي ضَيْم يُوجد معه (^٢)، ففي هذا الحديث الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا (^٣).\nوسئل الفضيل عن الصبر فقال: هو الرضى بقضاء الله. قيل: وكيف [ذلك]؟ قال: الراضي لا يتمنى فوق منزلته (^٤). وقيل: الصبر الجميل أن لا يُعرَف صاحب المصيبة من غيره ولا يخرجه عن حد الصابرين توجّع القلب ولا فيضان العين بالدمع على الميت فإن ذلك مُقتضى البشرية ولذلك لما مات إبراهيم ولد رسول الله -ﷺ-[فاضت عيناه]، فقيل له: أما نهيتنا عن هذا؟ فقال: إن هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء (^٥)، بل ذلك أيضا لا يخرج عن مقام الرضى (^٦).\nتنبيه: الرضا على قسمين: رضا عام وهو أن لا يجد غير الله ربا ولا غير\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٤٥).\n(^٢) حدائق الأولياء (١/ ٧٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٤٥).\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢٨٤) و(٥٦٥٥) و(٦٦٥٥) و(٧٣٧٧) و(٧٤٤٨)، ومسلم (١١ - ٩٢٣) عن أسامة.\n(^٦) إحياء علوم الدين (٤/ ٧٣).","vol":"13","page":342},{"text":"الإسلام دينا ولا غير محمد -ﷺ- رسولًا، وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم إذا لا يصح التديّن بدين الإسلام إلا بذلك، وهو المراد بقوله -ﷺ-: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -ﷺ- رسولا، رواه مسلم وغيره (^١). ورضًا خاصٌ وهو الذي تكلّم [فيه] أرباب القلوب وأحسن عبارة فيه ما قاله النوري: هو سرور القلب بمر القضاء وهو غاية الرضا، فيُظهر [للعبد] التحمّل عند الصّدمة الأولى [ويرضى] بثواب الله عوضا عما أخذ منه ولا يسخط شيئا يَرِدُ القضاء به (^٢).\nقال شقيق (^٣): اشتريت بطيخة لأمي فلما قطعتها سخِطت. فقلت: [يا] أمّاه على من تسخطين، [هل تردين] القضاء أو تلومين حارثها أو مشتريها أو خالقها؟ فأما حارثها ومشتريها فوالله ما كان لهما ذنب، ولودّا أن تكون من أطيب البطيخ، ولا أراك تلومين إلا خالقها فاتقي الله ولا تلوميه، فوالله ما سمعت أمي كلاما أنفع [من ذلك، انتهى].\nقال الغزالي (^٤): الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين وهو خاص بالإنسان لا يتصور في البهائم ولا في الملائكة، أما في البهائم فلنقصانها وأما في الملائكة فلكمالها، وقد وصف الله الصابرين بأوصاف\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥٦) (٣٤) عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله -ﷺ-، يقول: \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولًا\".\n(^٢) المفهم (١/ ١٢٨).\n(^٣) الامتاع والمؤانسة (ص ٢٣٦) وقمع الحرص (ص ١٦١).\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ٦٢).","vol":"13","page":343},{"text":"وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (^١)، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ﴾ (^٣)، وقال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (^٤)، وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٥)، فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلى الصبر، والصبر على البلاء أعلى مقامات الصبر.\nقال ابن عباس (^٦): الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٣٧.\n(^٣) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(^٤) سورة القصص، الآية: ٥٤.\n(^٥) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(^٦) قوت القلوب (١/ ٣٣٢) والإحياء (٤/ ٧٢)، وهذا قد روي مرفوعا من حديث علي -﵁- أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر (٢٤) وأبو الشيخ في الثواب ومن طريقه ومن طريق آخر الديلمي في مسند الفردوس (١٩٧٥) كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن زيرك عن عمر بن علي عن عمر بن يونس اليماني عن مدرك بن محمد السدوسي عن رجل يقال له علي عن علي -﵁- رفعه الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجتين كما بين تخوم الأرض إلى منتهى الأرضين ومن صبر عن المعصية =","vol":"13","page":344},{"text":"فرائض الله تعالى فله ثلاثمائة درجة، وصبر عن محارم الله فله ستمائة درجة، وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة، ومعنى الصدمة الأولى يعني الصبر الشاق الكامل الصعب على النفس الذي يعظم عليه الثواب الجزيل لكثرة المشقة فيه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها فإنه يدل على قوة النفس وتثبيتها وتمكنها في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر، إذ الصدم أصله الضرب على الشيء الصلب، ثم استُعير لمن فجأته المصيبة. قاله القرطبي (^١).\nوقال بعضهم: أيضًا أصل الصدم الضرب في شيء صلب ثم استعمل مجازا في كل مكروه حصل بغتة. وفضيلة الصبر ومدح الصابرين أشهر من أن يذكر والله أعلم.\nوقد روي أيضًا بإسناد ضعيف من حديث علي مرفوعًا إلى النبي ﷺ أن الصبر على المصيبة يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة وأن الصبر على الطاعة يكتب له به ستمائة درجة وأن الصبر عن المعاصي يكتب له به تسعمائة درجة وقد خرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير الطبري. قاله ابن رجب الحنبلي (^٢).\n_________\n= كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجتين كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش مرتين. انظر: الدر المنثور (١/ ١٥٩).\n(^١) المفهم (٨/ ٥٦) وقمع الحرص (ص ١٦١).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٦).","vol":"13","page":345},{"text":"٥١٤٥ - وَعَن أنس -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: \"أَربع لَا يصبن إِلَّا بعجب الصَّبْر وَهُوَ أول الْعِبَادَة والتواضع وَذكر الله وَقلة الشَّيْء\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١) وَالْحَاكِم (^٢) كِلَاهُمَا من رِوَايَة الْعَوام بن جوَيْرِية وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد وَتقدم فِي الصمت (^٣).\nقوله: \"وعن أنس\" هو ابن مالك تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أربع لا يصبن إلا بعجب الصبر وهو أول العبادة والتواضع وذكر الله وقلة الشيء\" الحديث، رواه الطبراني، تقدم الكلام على الصبر وعلى التواضع في بابه، وعلى [ذكر] الله في بابه أيضا، وعلى قلة الشيء أيضا في كتاب الصمت.\n\n٥١٤٦ - وروى التِّرْمِذِيّ عَن أنس -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"الزهادة فِي الدُّنْيَا لَيست بِتَحْرِيم الْحَلَال وَلَا إِضَاعَة المَال وَلَكِن الزهادة فِي الدُّنْيَا أَن لَا تكون بِمَا فِي يدك أوثق مِنْك بِمَا فِي يَد الله وَأَن تكون فِي ثَوَاب الْمُصِيبَة إِذا\n_________\n(^١) في المعجم الكبير (١/ ٢٥٦/ ٧٤١).\n(^٢) الحاكم في المستدرك (٧٨٦٤) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".\n(^٣) رواه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٨٥)، وابن عدي في الكامل (١/ ٨١)، وتمام في الفوائد (٩٧٤)، والبيهقي في الآداب (٢٩٩)، وفي شعب الإيمان (٤٦٢٨، ٧٨٠٠) من طريق العوام بن جويرية، عن الحسن، عن أنس، -﵁-. قال: قال رسول الله -ﷺ-: ورواه موقوفا: ابن أبي الدنيا في الصمت (٥٥٦)، وابن أبي عاصم في الزهد (٤٨)، وابن شاهين في الترغيب (٣٩٢)، وتمام في الفوائد (١٦٩٦) عن العوام بن جويرية. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/ ١٩٧/ ٧٨١): موضوع.","vol":"13","page":346},{"text":"أَنْت أصبت بهَا أَرغب فِيهَا لَو أَنَّهَا أبقيت لَك\" قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب (^١).\nقوله -ﷺ- في رواية الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما يدك أوثق بما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها أبقيت لك، الحديث.\nفي هذا الحديث سبب الزهد لا حقيقته، وذلك أنه إذا وثق بما في يد الله تعالى هذا الوثوق وكان ذلك سببا لترك فضول الدنيا والحرص عليها والشدة فيها، اهـ.\nوقال ابن رجب (^٢): فسّر النبي -ﷺ- الزهد في الدنيا بشيئين من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح: ولهذا كان أبو سليمان لا يشهد لأحد\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٣٤٠)، وأخرجه ابن ماجه (٤١٠٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٧٩٥٤)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ٣٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٢٨٩) من طريق عمرو بن واقد. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وأبو إدريس الخولاني اسمه: عائذ الله بن عبد الله، وعمرو بن واقد منكر الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٦) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن واقد، وقد ضعفه الجمهور، وقال محمد بن المبارك: كان صدوقا، وبقية رجاله ثقات، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣١٩٤): ضعيف جدا. انظر: ضعيف سنن ابن ماجه برقم (٨٩٤)، المشكاة (٥٣٠١/ التحقيق الثاني)، ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٣١٩٤). الصحيح وقفه، فقد رواه أحمد في كتاب الزهد (٩٦).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٨٠ - ١٨٢).","vol":"13","page":347},{"text":"بالزهد، فإن الزهد في القلب، أحدهما: أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته فإن الله ضمِن أرزاق عباده وتكفّل بها كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^١)، والآيات في ذلك كثيرة، والثاني أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال أو ولد أو غير ذلك أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له وهذا أيضا ينشأ من كمال اليقين ومن علامات الزهد في الدنيا [و] قلة الرغبة فيها كما قال علي -﵁-: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب (^٢)، وروي من حديث ابن عباس -﵄- مرفوعا قال: من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده (^٣). اهـ.\nفقوله: \"الزهادة في الدنيا ليس بتحريم الحلال ولا إضاعة المال\" الحديث.\nقال هشام: قال أبو إدريس الخولاني: مثل هذا الحديث بين الأحاديث كمثل الإبريز في الذهب؛ رواه الترمذي. وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله بن عبد الله القشيري. في الرسالة قال أحمد بن حنبل الزهد على ثلاثة أوجه: الأول ترك الحرام وهو زهد العوام؛ والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو\n_________\n(^١) سورة هود، الآية: ٦.\n(^٢) حديث مجاعة بن الزبير (١٠١)، وابن أبى الدنيا في الزهد (٩٢).\n(^٣) أخرجه: أبو عبيد في الخطب (١٢٣)، وعبد بن حميد (٦٧٥)، وابن أبى الدنيا في مكارم الأخلاق (٥)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢١٨ - ٢١٩، والقضاعي في مسند الشهاب (٣٦٧) و(٣٦٨) من حديث عبد الله بن عباس. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٤٢١).","vol":"13","page":348},{"text":"زهد الخواص؛ والثالث: ترك ما يشغل عن الله تعالى وهو زهد العارفين (^١). وقال الفضيل بن عياض جعل الله تعالى [الشرّ كله] في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الله الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد فيها. واختلفت عبارة العلماء في حد الزهد: فقال مالك: الزهد التقوى (^٢). وقال أحمد وسفيان الثوري وغيرهما: الزهد قصر الأمل (^٣).\nوقال ابن المبارك: الزهد الثقة بالله. وقال عبد الواحد بن [زيد]: [الزهد ترك الدينار والدرهم. وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: الزهد ترك ما يشغل عن الله تعالى (^٤).\nوقال سفيان بن عيينة:] الزهد أن يزهد فيما [حرّمه] الله، فأما ما أحل فقد أباحه لك (^٥). وقال الزهري: هو الصبر [على] الشهوات.\nوقال سفيان الثوري أيضا: الزهد قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بلبس الخشن (^٦). وقال الفضيل: هو ترك الدنيا كلها أحبّ تركها أم كرِه (^٧). وقال بشر بن الحارث: الزهد في لقاء الناس فإن من أحب الدنيا أحب لقاء\n_________\n(^١) الرسالة (١/ ٢٤٣).\n(^٢) الرسالة (١/ ٢٤٤).\n(^٣) الرسالة (١/ ٢٤١).\n(^٤) الرسالة (١/ ٢٤١).\n(^٥) الحلية (٧/ ٢٩٧)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٤٦٩).\n(^٦) الرسالة (١/ ٢٤٠).\n(^٧) تفسير القرطبي (١٠/ ٣٥٥).","vol":"13","page":349},{"text":"أهلها (^١). وقال إبراهيم بن أدهم: لا يكون العبد زاهدا حتى يكون ترك الدنيا أحب إليه من أخذها (^٢). وقال رجل للحسن إن فقهاءنا يقولون كذا. فقال الحسن: [وهل] رأيت فقيها؟ الفقيه الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه (^٣). وتقدم الكلام على الزهد في الدنيا أبسط من ذلك.\nتتمة: والزهد أيضا كان حال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وتميم الداري ومن ماثلهم وما أكثر الزهادة في الصحابة، وعبد الرحمن بن عوف والزبير زاهدان -﵄-[وعمن سبقهما]، ولا التفات إلى رواية من روى أنه يدخل الجنة حبوا فإنه حديث باطل (^٤)، والذي انتهى إليه الزهد من التابعين ثمانية الأسود وأويس والحسن والرّبيع بن [خثيم] وعامر بن عبد قيس ومسروق وهَرِم بن حيان وأبو مسلم الخولاني واسمه عبد الله بن ثوب (^٥)، اهـ، قاله في الديباجة.\n\n٥١٤٧ - وَعَن عَلْقَمَة قَالَ قَالَ عبد الله الصَّبْر نصف الْإِيمَان وَالْيَقِين الْإِيمَان كُله. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَهُوَ مَوْقُوف وَقد رَفعه بَعضهم (^٦).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٠/ ٣٥٥).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٠/ ٣٥٥).\n(^٣) الزهد لأحمد (١٥١٣)، وأخلاق العلماء (ص ٧٣)، والحلية (٢/ ١٤٧) و(٦/ ١٧٨).\n(^٤) قمع الحرص (ص ١٥٨).\n(^٥) الحلية (٢/ ٨٧).\n(^٦) رواه الطبراني في الكبير (٩/ ١٠٧/ ٨٥٤٤) من طريق محمد بن علي الصائغ، عن سعيد =","vol":"13","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة قال: قال عبد الله ... موقوفا، وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، خلا شيخ الطبراني، وهو ثقة، وصححه الحاكم (٢/ ٤٤٦) ووافقه الذهبي. ذكر البخاري بعضه تعليقا في الإيمان، باب: قول النبي -ﷺ-: بني الإسلام على خمس. بقوله: وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله، وأخرجه أبو نعيم (٥/ ٣٤)، والبيهقي في الشعب (٤٨) وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٢٧) صحيح موقوف وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٥٣٦)، وفي السلسلة الضعيفة (٤٩٩): منكر. وقال البيهقي في الآداب (ص ٤٠٤): والموقوف أصح. وقد رفعه بعضهم: أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٣٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٢٦)، والبيهقي في الزهد برقم (٩٨٤)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٦٤)، والحافظ في لسان الميزان ٥/ ١٥٢، والقضاعي في مسند الشهاب ١/ ١٢٦ برقم (١٥٨) من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، حدثنا محمد بن خالد المخزومي، أخبرنا سفيان الثوري، عن زبيد اليامي، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي -ﷺ- قال: ... وقال الخطيب: تفرد بروايته عن سفيان الثوري محمد بن خالد المخزومي.\nوقال البيهقي: تفرد به يعقوب بن حميد، عن محمد بن خالد، والصحيح المعروف أن هذا من قول ابن مسعود. ثم أخرجه موقوفا برقم (٩٨٥) وقال: هذا هو الصحيح، موقوف. ومحمد بن خالد المخزومي ذكره ابن حبان في الثقات ٩/ ٥٩ وقال: ربما رفع وأسند.\nونقل الحافظ عن أبي علي النيسابوري قوله: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث زبيد، ولا من حديث الثوري ثم تعقبه بقوله: قلت: وأما الموقوف الذي علقه البخاري، فأسند الطبراني في المعجم الكبير من رواية الأعمش، عن أبي ظبيان -تحرفت في لسان الميزان إلى: ابن طيان- عن علقمة، عن عبد الله، وقد أشبعت القول فيه، في تعليق التعليق.\nوقال أبو نعيم: ورواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن جرير، عن النهدي، عن رجل من بني سليم، عن النبي -ﷺ-.\nوقال الحافظ في الفتح ١/ ٤٨: هذا التعليق طرف من أثر وصله الطبراني بسند صحيح، =","vol":"13","page":351},{"text":"قوله: \"وعن علقمة\" علقمة هو (^١) أبو شبل، علقمة بن قيس بن مالك، من بني بكر بن النخع النخعي، روى عن عمر، وعبد الله بن مسعود، روى عنه إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين. وهو تابعي مشهور كبير، اشتهر بحديث ابن مسعود وصحبته، وهو عم الأسود النخعي، وأجمعوا على جلالته، وعظم محله، ووفور علمه، وجميل طريقته قال إبراهيم النخعي: كان علقمة يشبه بابن مسعود. وقال أبو إسحاق السبيعي: كان علقمة من الربانيين. وقال أحمد بن حنبل: علقمة ثقة من أهل الخير، مات سنة إحدى وستين (^٢).\nقوله: \"قال عبد الله: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله\" الحديث، حيث أطلق عبد الله في اصطلاح المحدثين فالمراد به ابن مسعود -﵁-، وتقدم الكلام على الصبر. قوله: \"واليقين الإيمان كله\" واليقين هو روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح. وهو حقيقة الصديقية. وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره، واليقين قرين التوكل. ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين، والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته. ولهذا حسن اقتران الهدى\n_________\n= وبقيته: والصبر نصف الإيمان. وأخرجه أبو نعيم في (الحلية)، والبيهقي في (الزهد) من حديثه مرفوعا ولا يثبت رفعه .... وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ٢٣١): أخرجه أبو نعيم في الحلية، والخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود بسند حسن.\n(^١) طبقات ابن سعد ٦/ ٨٦، تاريخ البخاري ٧/ ٤١، المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٥٢،، الحلية ٢/ ٩٨، تاريخ بغداد ١٢/ ٢٩٦، سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٤/ ٥٣) تاريخ الإسلام ٣/ ٥٠، تذكرة الحفاظ ١/ ٤٥، الإصابة ت ٦٤٥٤.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٢ - ٣٤٣).","vol":"13","page":352},{"text":"به، قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (^١) فالحق: هو اليقين. وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ (^٢)، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا. وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، وهم وغم. فامتلأ محبة لله. وخوفا منه ورضا به، وشكرا له، وتوكلا عليه، وإنابة إليه. فهو مادة جميع المقامات والحامل لها، وعند أهل الحقيقة هو رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبرهان، وقيل هو مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب وملاحظة الأسرار بمخاطبة الأفكار، وقيل هو زوال الشبه والمعارضات.\nقوله: \"وهو موقوف\" المراد بالحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين أن يكون من قول الصحابي غير مرفوع إلى النبي -ﷺ- (^٣). وقد رفع بعضهم هذا الحديث إلى النبي -ﷺ- (^٤) اهـ.\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ٧٩.\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ١٢.\n(^٣) كشف المناهج والتناقيح (١/ ٥٦).\n(^٤) أخرجه ابن الأعرابى في المعجم (٥٩٢)، وابن شاهين في الترغيب (٢٧١)، وتمام في الفوائد (١٠٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٤)، والبيهقي في الشعب (٧/ ١٢٣ رقم ٩٢٦٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٢٦)، القضاعي في مسند شهاب (١/ ٢٦: ١٥٨) وابن الجوزي في العلل (٢/ ٣٣٠: ١٣٦٤) به مرفوعا.\nوقال البيهقي في الشعب، والمحفوظ عن ابن مسعود من قوله غير مرفوع، وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٨): ولا يثبت رفعه وقال الألباني في الضعيفة برقم (٤٩٩): منكر.","vol":"13","page":353},{"text":"٥١٤٨ - وَعَن جَعْفَر بن أبي طَالب -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الصَّبْر معول الْمُسلم (^١). ذكره رزين الْعَبدَرِي وَلم أره.\n\n٥١٤٩ - وَعَن صُهَيْب الرُّومِي -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- عجبا لأمر الْمُؤمن إِن أمره لَهُ كُله خير وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إِلَّا لِلْمُؤمنِ إِن أَصَابَته سراء شكر فَكَانَ خيرا لَهُ وَإِن أَصَابَته ضراء صَبر فَكَانَ خيرا لَهُ (^٢).\nقوله: \"وعن صُهيب الرومي\" (^٣) تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه].\nقوله -ﷺ-: \"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر وكان خيرا له\" الحديث، الضراء الحالة التي تضر من الفقر والشدة والعذاب وهي نقيض السراء وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما كذا في النهاية (^٤). وقال الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية (^٥): الضراء الشدة والمراد بها كل شدة\n_________\n(^١) أخرجه هناد في الزهد (٣٩٣) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٤٢) عن عمر بن عبد العزيز قوله. ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^٢) صحيح مسلم (٦٤) (٢٩٩٩) من طريق ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب.\n(^٣) طبقات ابن سعد: ٣/ ٢٢٦، التاريخ الكبير: ٤/ ٣١٥، الاستيعاب: ٥/ ١٤٧، أسد الغابة: ٣/ ٣٦، تهذيب الكمال: ٦١٣، سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٢/ ١٧)، تاريخ الإسلام: ٢/ ١٨٥، ١٨٦، تهذيب التهذيب: ٤/ ٤٣٨ - ٤٣٩، الإصابة: ٥/ ١٦٠.\n(^٤) النهاية (٣/ ٨٢).\n(^٥) شرح الودعانية (لوحة ٣٤).","vol":"13","page":354},{"text":"تصيب المؤمن في جنب الله وكأنه يقلب ضرها نفعا وأعظم بذلك رصفا ووصفا.\n\n٥١٥٠ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم -ﷺ- يَقُول إِن الله ﷿ قَالَ يَا عِيسَى إِنِّي باعث من بعْدك أمة إِن أَصَابَهُم مَا يحبونَ حمدوا الله وَإِن أَصَابَهُم مَا يكْرهُونَ احتسبوا وصبروا وَلَا حلم وَلَا علم فَقَالَ يَا رب كَيفَ يكون هَذَا قَالَ أعطيهم من حلمي وَعلمِي. رَوَاهُ الْحَاكِم (^١) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (^٢).\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٣٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ (٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، والحاكم (١/ ٣٤٨)، وأحمد (٦/ ٤٥٠)، والبزار (٤٠٨٨)، والطبراني، في \"الأوسط\" (٣٢٥٢)، والبيهقي، في \"شعب الإيمان\" (٤١٦٥ و٩٤٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٢٧)، (٥/ ٢٤٣): من طرق عن معاوية بن صالح، عن أبي حلبس يزيد بن ميسرة قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت أبا القاسم -ﷺ- ما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها - يقول: فذكره. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وأقول: كلا؛ فإن ابن صالح؛ لم يرو له البخاري في الصحيح، وإنما في جزء القراءة.\nويزيد بن ميسرة؛ لم يخرج له أصلا لا هو ولا غيره من الستة، ثم إنه مجهول الحال، فإنه لم يرو عنه غير معاوية هذا وصفوان بن عمرو كما في تاريخ البخاري، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكذلك صنع ابن أبي حاتم (٤/ ٢/ ٢٨٨). وأما ابن حبان فذكره في الثقاث! وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٦٧): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط. ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار، وأبي حلبس يزيد بن ميسرة، وهما ثقتان. أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٠)، والطبراني في الأوسط (٣٢٥٢)، والحاكم (١/ ٣٤٨)، والبيهقي في الشعب (٩٩٥٣)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٨٨)، وقال الألباني =","vol":"13","page":355},{"text":"قوله وعن أبي الدرداء تقدم الكلام على مناقبه ﵁.\nقوله: \"سمعت أبا القاسم -ﷺ- يقول: إن الله ﷿ قال يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله ﷿\" الحديث. قوله: \"سمعت أبا القاسم\" قال العلماء: العَلمُ إما أن يكون مُشْعِرا بمدح أو ذم وهو اللقب وإما أن لا يكون فإما أن يُصدّر بنحو الأب والابن وهو الكنية أو لا وهو الاسم، فاسمه -ﷺ- محمد وكنيته أبو القاسم ولقبه رسول الله -ﷺ- (^١).\nواختلف العلماء في هذه المسألة (^٢)، فقيل: لا يحل التكني بأبي القاسم لمن اسمه محمد أي لا يجوز الجمع بينهما وقيل لا يحل مطلقا سواء كان اسمه محمدا أم لا، وقيل يباح مطلقا، وقيل التسمية بمحمد ممنوعة مطلقة والغرض فيه توقيره وجلالة قدره -ﷺ-، [أو] هذا كان في زمن رسول الله -ﷺ- لئلا يلتبس به، اهـ، قاله الكرماني (^٣). وعيسى صلوات الله عليه وسلامه آخر أنبياء بني إسرائيل. قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أن عيسى بن مريم ﵊ قال: إن أحب الأمم إلى الله ﷿ لأمة أحمد. قيل له: وما فضلهم الذي تذكر؟ قال: لم تذلل لا إله إلا الله على ألسن أمة من\n_________\n= في السلسلة الضعيفة (٤٠٣٨، ٤٩٩١): ضعيف، وقال في ضعيف الجامع (٤٠٥٢): موضوع.\n(^١) الكواكب الدرارى (٢٢/ ٤٥).\n(^٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١٤/ ١١٣)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٧/ ١٢٦).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٢/ ٤٥ - ٤٦).","vol":"13","page":356},{"text":"الأمم تذليلها على ألسنتهم. قاله ابن رجب (^١).\n\n٥١٥١ - وَرُوِيَ عَن سَخْبَرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أعطي فَشكر وابتلي فَصَبر وظلم فَاسْتَغْفر وظلم فغفر ثمَّ سكت فَقَالُوا يَا رَسُول الله مَا لَهُ قَالَ أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).\nسَخْبَرَة: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة بعدهمَا بَاء مُوَحدَة وَيُقَال إِن لَهُ صُحْبَة وَالله أعلم.\nقوله: \"وروي عن سخبرة\" تقدم، يقال أن له صحبة (^٣).\nقوله: \"من ابتلي فصبر\" إلى قوله: \"أولئك لهم الأمن وهم مهتدون\" أي\n_________\n(^١) تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٤٢٥) ولطائف المعارف لابن رجب (ص: ٨٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧/ ١٦٣/ ٦٦١٣ - ٦٦١٤)، وابن أبي الدنيا في \"الصبر والثواب عليه\" (٣٣)، والخرائطي في \"فضيلة الشكر لله على نعمته\" (٣٦)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٧٦)، وفي \"معرفة الصحابة\" (٣٦٥٣)، (٣٦٥٤) من طريق محمد بن المعلى، عن زياد بن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، عن سخبرة، أن النبي -ﷺ- ..، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٤): رواه الطبراني، وفيه أبو داود الأعمى، وهو متروك، ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٠) وفي سنده أبو داود الأعلمي أحد المتروكين. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦٤): ضعيف جدًا.\n(^٣) سَخْبَرَةَ: بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح الموحدة صحابي في إسناد حديثه ضعف وعند الترمذي عن سخبرة وليس بالأزدي وقال غيره هو الأزدي انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٣٠) الجرح والتعديل (٤/ ٣١٩) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣/ ١٤٤٠)، أسد الغابة (٢/ ١٧٥)، معجم الصحابة للبغوي (٣/ ٢٦٩) تقريب التهذيب (ص: ٢٢٩) (٢٢١٣)، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٤).","vol":"13","page":357},{"text":"لهم الأمن في الأرض وهم مهتدون أي في الدنيا، والصبر مشتق من الأصبار وهو الغرض للسهام وكذلك الصابر ينصب نفسه غرضا لسهام القضاء فإن ثبت لها فهو صابر والصبر ثبات القلب بين يدي الرب. قاله في مِنن اللطائف لابن عطاء (^١).\n[٥١٥٢ - وَعَن كَعْب بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مثل الْمُؤمن كَمثل الخامة من الزَّرْع تفيئها الرّيح تصرعها مرّة وتعدلها أُخْرَى حَتَّى تهيج (^٢).\nقوله: \"وعن كعب بن مالك\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح تصرعها\" الحديث، \"مثل المؤمن\" قال [الجوهري] (^٣): مثل كلمة تسوية، يقال هذا مِثْله ومَثَله، كما يقال شِبْهه وشَبَهه بمعنى ومثل الشيء أيضا صفته والرواية هنا مثل بفتح المثلثة انتهى.\nقوله: \"كخامة الزرع [تتكفّأها] الريح\" والمؤمن يتكفأ بالبلاء، معنى ذلك تميلها يمينا وشمالا كما في الحديث الآخر تميلها، وكذلك البلاء بالمؤمن يصيبه مرة ويتركه أخرى [ليكفّر] خطاياه، والخامة من الزرع بالخاء المعجمة\n_________\n(^١) لطائف المنن (ص ١١٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٩) (٢٨١٠) وفيه زيادة: \" ... ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يفيئها شيء، حتى يكون انجعافها مرة واحدة\".\n(^٣) الصحاح (٥/ ١٨١٦).","vol":"13","page":358},{"text":"وتخفيف الميم وهي الطاقة الغضة اللينة من الزرع (^١). وقال القاضي عياض (^٢): قال بعضهم الخامة من الزرع أول ما ينبت. قوله -ﷺ-: \"تفيئها الريح\" [بضم] التاء وتُميلها بمعنى واحد، ومعناه تحركها وتميلها يمينا وشمالا. قوله: \"مرة تصرعها\" أي تميلها وترميها من جانب إلى جانب (^٣) كمن صرع في الأرض (^٤).\nقوله: \"وتعدلها أخرى\" بفتح التاء وكسر الدال، أي ترفعها فتعتدل قائمة على سوقها (^٥). قوله: \"حتى تهيج\" الحديث، ومعنى تهيج تيبس وتصفر، يقال هاج [النبت] هياجا إذا يبس واصفّر وأهاجته الريح، قاله في النهاية (^٦).\n\n٥١٥٣ - وَفِي رِوَايَة حَتَّى يَأْتِيهِ أَجله وَمثل الْكَافِر كَمثل الأرزة المجدبة على أَصْلهَا لَا يُصِيبهَا شَيْء حَتَّى يكون انجعافها مرّة وَاحِدَة رَوَاهُ مُسلم (^٧).\nقوله -ﷺ-: \"مثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها\" الحديث، الأرزة بفتح الهمزة وسكون الراء كذا الرواية، قيل هي إحدى شجر الأرز\n_________\n(^١) النهاية (٢/ ٨٩).\n(^٢) إكمال المعلم (٨/ ٣٤٣).\n(^٣) النهاية (٣/ ٢٤).\n(^٤) إكمال المعلم (٨/ ٣٤٤).\n(^٥) إكمال المعلم (٨/ ٣٤٤).\n(^٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٨٦).\n(^٧) أخرجه مسلم (٦٠) (٢٨١٠) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-.","vol":"13","page":359},{"text":"وهو الصنوبر ويقال له [الأرزن] أيضا، قال أبو [عبيدة] وهو شجر معروف بالشام وقد رأيته يقال له الأَرْزُ، واحدتها أرزة، وهي التي تسمى بالعراق الصنوبر، والصنوبر ثمر الأرز، والله أعلم. قاله عياض (^١). قوله: \"المجذبة على أصلها\"، والمجذبة بميم مضمومة ثم جيم ساكنة ثم ذال معجمة مكسورة وهي النابتة في الأرض المنتصبة. قوله: \"لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة\" الحديث، والانجعاف الانقلاع، يقال جعفت الرجل إذا صرعته، يقال: جعَفه فانجعف، أي قلعته فانقلع، وقال في الإكمال (^٢): الانجعاف الانقلاع، وانجعافها بالنون والجيم والعين والفاء، انتهى. قاله النووي (^٣).\n\n٥١٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مثل الْمُؤمن كَمثل الزَّرْع لَا تزَال الرِّيَاح تفيئه وَلَا يزَال الْمُؤمن يُصِيبهُ بلَاء وَمثل الْمُنَافِق كمثل شَجَرَة الْأرز لَا تهتز حَتَّى تستحصد. رَوَاهُ مُسلم (^٤) وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح.\nالْأرز بِفَتْح الْهمزَة وتضم وَإِسْكَان الرَّاء بعدهمَا زَاي هِيَ شَجَرَة الصنوبر وَقيل شَجَرَة الصنوبر الذّكر خَاصَّة وَقيل شَجَرَة العرعر وَالْأول أشهر.\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٨/ ٣٤٣).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٣٤٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٣).\n(^٤) صحيح مسلم (٥٨) (٢٨٠٩)، والترمذي (٢٨٦٦) وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".","vol":"13","page":360},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه]\nقوله -ﷺ-: \"مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الرياح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه بلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حت تستحصد\" الحديث. قوله: \"الأرزة\" بفتح ويضم، وإسكان الراء بعدهما زاي هي شجرة الصنوبر الذكر خاصة، وقيل شجرة العرعر والأول أشهر، اهـ. قاله الحافظ المنذري.\nوقال النووي في شرح مسلم (^١): وقد قال أهل اللغة والغريب [الأرزة] شجر معروف يقال له الأرزن يشبه الصنوبر بفتح الصاد، يكون بالشام وبلاد الأرمن. قوله: \"حتى تستحصد\" بفتح التاء وكسر الصاد، كذا ضبطناه وكذا نقله القاضي عياض عن رواية [الأكثرين]، وضبطه بعض شيوخنا على ما لم يسم فاعله، والأول أجود أي لا تتغير حتى تنقطع مرة واحدة كالزرع الذي انتهى يبسه.\nقال العلماء: معنى الحديث أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو ماله أو أهله وذلك مكفِّر لسيئاته ورافع لدرجاته. وأما الكافر فقليلها وإن وقع به شيء لم يكفر شيئا من سيئاته بل يأتي بها يوم القيامة كاملة، والله أعلم، اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٣).","vol":"13","page":361},{"text":"٥١٥٥ - وَعَن أم سَلمَة -﵂- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا ابتلى الله عبدا ببلاء وَهُوَ على طَريقَة يكرهها إِلَّا جعل الله ذَلِك الْبلَاء كَفَّارَة وَطهُورًا مَا لم ينزل مَا أَصَابَهُ من الْبلَاء بِغَيْر الله ﷿ أَو يَدْعُو غير الله فِي كشفه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات (^١) وَأم عبد الله ابْنة أبي ذئاب لَا أعرفهَا (^٢).\n\n٥١٥٦ - وَعَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي النَّاس أَشد بلَاء قَالَ الأنبياء ثمَّ الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فَإِن كانَ دينه صلبا اشْتَدَّ بلاؤه وَإِن كانَ فِي دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه فَمَا يبرح الْبلَاء بِالْعَبدِ حَتَّى يمشي على الأَرْض وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة\nرواه ابن ماجه (^٣) وابن أبي الدنيا (^٤) والترمذي (^٥) وقال: حديث حسن صحيح (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٤٣). وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥٠٠) وصحيح الترغيب (٣٤٠١) وقال الضعيفة (١١٣٦): موضوع. ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٤٣) و(٢٠٥). وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥٠٠) وصحيح الترغيب (٣٤٠١)، وقال في الضعيفة (١١٣٦): موضوع. ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) ابن ماجه (٤٠٢٣).\n(^٤) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٣).\n(^٥) الترمذي (٢٣٩٨).\n(^٦) وأخرجه البزار (١١٥٤)، وأبو يعلى (٨٣٠)، وابن حبان (٢٩٠١)، والبغوي (١٤٣٤)،=","vol":"13","page":362},{"text":"٥١٥٧ - وَلابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) من رِوَايَة الْعَلَاء بن الْمسيب عَن أَبِيه عَن سعد قَالَ سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- أَي النَّاس أَشد بلَاء قَالَ الْأَنْبِيَاء ثمَّ الأمثل فالأمثل يبتلى النَّاس على حسب دينهم فَمن ثخن دينه اشْتَدَّ بلاؤه وَمن ضعف دينه ضعف بلاؤه وَإِن الرجل ليصيبه الْبلَاء حَتَّى يمشي فِي النَّاس مَا عَلَيْهِ خَطِيئَة (^٢)\n_________\n= والحاكم (١٢١)، وعنه البيهقي في الشعب (٩٧٧٥)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٣٦٨) كلهم من طرق عن عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قلت لرسول الله -ﷺ-، به. وقال: الترمذي: حسن صحيح، وقال الألباني في: صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٢٩) صحيح، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٩٩٢)، والصحيحة (١٤٣).\n(^١) أخرجه ابن حبان (٢٩٢٠).\n(^٢) رجال ثقات إلا أنه منقطع المسيب -وهو ابن رافع- لم يسمع من سعد. أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٩٩/ ١٢٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٠) صحيح، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (١/ ٢٣١)، والصحيحة (١٤٤)، وقال الدوري في \"تاريخه\" (٢٩٣٠): سمعت يحيى بن معين، يقول: لم يسمع المسيب بن رافع من أحد من أصحاب النبي -ﷺ-، إلا البراء بن عازب، وقال الحاكم في المستدرك (٥٤٦٣): قد صحت الرواية من أوجه عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم العلماء، ثم الأمثل فالأمثل\" قلت: قوله: صحيح على شرط الشيخين هو كما قال وحصل فيه اختلاف على مصعب لكنه لا يضر الحديث، فأخرجه ابن حبان (٢٩٢٠)، والمحاملي في الأمالي (١٥١) عن جرير بن عبد الحميد، والضياء في المختارة (١٠٥٣) عن عبيدة بن حميد. كلاهما عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن سعد بن أبي وقاص، ونقل الضياء عن =","vol":"13","page":363},{"text":"قوله: \"وعن مصعب بن سعد عن أبيه\" تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه].\nقوله: \"قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه\" الحديث، وفيه جواز المرض على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والحكمة فيه تكثير أجورهم وتسلية الناس بهم ولئلا يفتتن الناس بهم فيعبدوهم، اهـ، قاله الكرماني (^١).\nتنبيه: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء أحباب الله وأنبياؤه ورسله فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة وهو ﷾ قادر أن يخفف عنهم أجمعين؟\nالجواب: أن أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء كما في الحديث، فأحب الله ﷾ أن يبتليهم تكميلا لفضائلهم لديه ورفعة لدرجاتهم عنده وليس ذلك في حقهم نقصا ولا عذابا بل هو كمال رفعة مع رضاهم بجميل ما يجريه الله عليهم، فأراد الحق ﷾ أن يختم لهم بهذه الشدائد مع\n_________\n= الدارقطني قال: ورواه القاسم بن مالك والمحاربي عن العلاء بن المسيب عن عاصم بن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن أبيه وصوّبه.\n(^١) الكواكب الدراري (٢٠/ ١٨٠) فإن قلت: الحديث كيف دل على الترجمة قلت يقاس سائر الأنبياء على سيدنا محمد -ﷺ- والأولياء أيضا هم بهذه النسبة وأما العلة فيه فهي أن البلاء في مقابلة النعمة فمن كانت نعم الله تعالى عليه أكثر كان بلاؤه أشد ولهذا ضوعف حدود الأحرار على العبيد.","vol":"13","page":364},{"text":"إمكان التخفيف والتهوين عليهم ليرفع منازلهم ويعظم أجورهم قبل موتهم كما ابتلى إبراهيم ﵊ بالنار وموسى ﵊ بالخوف الأسفار وعيسى ﵊ بالصحاري والقفار ونبينا -ﷺ- بالفقر في الدنيا ومقابلة الكفار، كل ذلك رفعة في أحوالهم وكمال في درجاتهم ولا يفهم من هذا أن الله شدّد عليهم أكثر مما شدّد على العصاة المخلِّطين فإنّ ذلك عقوبة ومؤاخذة على أجرامهم فلا نسبة بينه وبين هذا، اهـ، قاله في التذكرة (^١)، والله أعلم.\nقوله في الحديث: \"ثم الأمثل فالأمثل\" الحديث، أي الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة، وأماثل الناس خيارهم (^٢). وعن أبي سليمان قال: مرّ موسى -ﷺ- على رجل في متعبّد له ثم مرّ به بعد ذلك وقد مزّقت السباع لحمه فرأس [ملقاة] وفخذ ملقاة وكبد ملقى. فقال موسى: يا رب عبدك كان يطيعك فابتليته، فأوحى الله تعالى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله فابتليته بهذا لأبلِّغه تلك الدرجة (^٣). والله أعلم.\nتتمة: وقد يجهل بعض الناس فيظن أن شدة البلاء وكثرته إنما ينزل بالعبد لهوانه وهذا لا يقوله إلا من أعمى الله قلبه [بل العبد يبتلى على حسب دينه كما قاله المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم. قال سفيان الثوري ﵀\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٦٢).\n(^٢) النهاية (٤/ ٢٩٦).\n(^٣) شعب الإيمان (١٢/ ٢٧٦ رقم ٩٣٩٠)، وربيع الأبرار (ص ٦٣٣).","vol":"13","page":365},{"text":"تعالى: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة (^١)]، [بل البلاء نعمة والرخاء مصيبة]، ولقد ابتلي خلق كثير [من أولياء الله تعالى] بأنواع من الأذى فبعضهم ضرب وبعضهم حبس وبعضهم نفي وبعضهم قتل مظلوما شهيدا [هذا أمير المؤمنين عثمان بن عفان] دخل عليه جماعة من الفجرة قتلوه وهو صابر محتسب وكذلك علي بن أبي طالب وكذلك ولده الحسين قتل مظلوما شهيدا، وكذلك عبد الله بن الزبير قتل مظلوما شهيدا قتله الحجاج وصلبه، وكذلك سعيد بن جبير وكان من سادات التابعين. قال الترمذي في جامعه (^٢): أحصي من قتله الحجاج بن يوسف صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا، وهذا سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين جلد بالسياط في أيام [عبد الملك بن مروان] وطافوا به في ثياب من شعر وعزّروه وحبسوه ومنعوا الناس من مجالسته، والإمام أبو حنيفة عُهد إليه بالقضاء فلم يقبل فضُرِب وحبس ومات في السجن، والإمام مالك بن أنس جردوه وضربوه بالسياط وجُبِذت يده حتى انخلعت من كتفه وسفيان الثوري أمر بصلبه فاختفى مدة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي آجر سفيان الثوري نفسه\n_________\n(^١) الشكر (٨١) لابن أبى الدنيا، وشعب الإيمان (١٢/ ٣٨٩ رقم ٩٦٠٦).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٢٢٠) الفضل بن موسى، عن شريك بن عبد الله، عن عبد الله بن عصم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: في ثقيف كذاب ومبير: يقال: الكذاب المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف حدثنا أبو داود سليمان بن سلم البلخي، قال: أخبرنا النضر بن شميل، عن هشام بن حسان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل.","vol":"13","page":366},{"text":"من جمّال إلى مكة فأمروه أن يعمل خبزة فلم تجيء جيدة فضربه الجمال، فلما قدموا مكة دخل الجمال فإذا سفيان قد اجتمع حوله الناس فقالوا هذا سفيان الثوري. فلما انفض عنه الناس أتاه الجمال وقال [ألم] أعرفك يا أبا عبد الله، فقال سفيان من يفسد طعام الناس يصيبه أكثر من [هذا]. والإمام أحمد بن حنبل امتحن محنته المشهورة على أن يقول القرآن مخلوق فلم يقل بل قال [إنّ] كلام الله منزل غير مخلوق فضرب بالسياط حتى غشي عليه ثم قطع بعد ذلك من لحمه بالسكين وهو في جميع ذلك صابر، وقد ضرب في محنة القول بخلق القرآن جماعة من العلماء والأخيار وقيدوا وحبسوا فمنهم من مات في قيوده ودفن بها ومنهم نعيم بن حماد شيخ البخاري أوصي أن يدفن في قيوده ليخاصم بها عند الله يوم القيامة، ومنهم أبو يعقوب البويطي أجل أصحاب الشافعي حمل من مصر إلى بغداد في أربعين رطلا من حديد ومات في قيده مسجونا. قال الرّبيع بن سليمان كان البويطي أبدا يحرّك شفتيه بذكر الله تعالى ولقد رأيته على بغل في عنقه غل وفي رجليه قيد وبينه وبين البغل سلسلة فيها لبنة وزنها أربعون رطلا وهو يقول إنما خلق الله الخلق بكن فإذا [كانت \"ركن\"] مخلوقة فكأنّ [مخلوقا خلق] لمخلوق، [وكان] الإمام مسهر بن عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي (^١) شيخ [أهل الشام] في وقته وأحد\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٣٦)، التاريخ الكبير ٦/ ٧٣، الجرح والتعديل ٦/ ٢٩، تاريخ بغداد ١١/ ٧٢ - ٧٥، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٨١، الكاشف ٢/ ١٤٧، تهذيب التهذيب ٦/ ٩٨.","vol":"13","page":367},{"text":"شيوخ البخاري، عُرض على السيف ليقول القرآن مخلوق فأبى ثم قال ذلك كرها فأمر بحبسه إلى أن مات.\nقال أبو داود (^١): رحم الله أبا مسهر لقد كان من الإسلام بمكان، حمل على المحنة وحمل على السيف فمدّ رأسه وجُرّد السيف فأبى فلما رأوا ذلك منه حملوه إلى السجن فمات فيه. والإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري تُعُصِّب عليه ونفي من بلده بُخارا وكان يقول اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، فما جاء عليه شهر منذ قال هذا الكلام حتى مات (^٢)، اهـ[رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ورضي عنا بهم].\nسؤال: لِم شدِّد البلاء على الأفاضل؟ قيل: لأنّ الله تعالى يُبغض الدنيا فامتحن الأولياء فيها كيلا يميلوا إليها فهي مبغوضة وأيضا لتكثير الأجر لهم.\nفإن قيل: [لم] حجب عنهم الدنيا؟ قيل: ليتفرغوا لطاعته ولا يشتغلوا بها عنه فتحملهم على المعصية فإن النعمة قد تكون سبب المعصية لقوله تعالى:\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١١/ ٧٤. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٣٦) قال أحمد بن علي بن الحسن البصري: سمعت أبا داود السجستاني -وقيل له: إن أبا مسهر كان متكبرا في نفسه- فقال: كان من ثقات الناس، رحم الله أبا مسهر، لقد كان من الإسلام بمكان، حمل على المحنة فأبى، وحمل على السيف فمد رأسه، وجرد السيف فأبى، فلما رأوا ذلك منه، حمل إلى السجن، فمات.\n(^٢) هذا كلام الدميري كما نقله عنه العلقمى في شرح الجامع الصغير (مخ رقم ٢٤٢ تيمورية الجزء الأول/ لوحة ٢٤٢ - ٢٤٣).","vol":"13","page":368},{"text":"﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ (^١) (^٢).\n\n٥١٥٨ - وَعَن أبي سعيد -﵁- أَنه دخل على رَسُول الله -ﷺ- وَهُوَ موعوك عَلَيْهِ قطيفة فَوضع يَده فَوق القطيفة فَقَالَ مَا أَشد حماك يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّا كذَلِك يشدد علينا الْبلَاء ويضاعف لنا الْأجر ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله من أَشد النَّاس بلَاء قَالَ الْأَنْبِيَاء قَالَ ثمَّ من قَالَ الْعلمَاء قَالَ ثمَّ من قَالَ الصالحون كَانَ أحدهم يبتلى بالقمل حَتَّى يقْتله ويبتلى أحدهم بالفقر حَتَّى مَا يجد إِلَّا العباءة يلبسهَا ولأحدهم كَانَ أَشد فَرحا بالبلاء من أحدكُم بالعطاء. رواه ابن ماجه (^٣) وابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات (^٤) والحاكم (^٥) واللفظ له وقال صحيح على شرط مسلم وله شواهد كثيرة (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٤٤.\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ٧).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤٠٢٤).\n(^٤) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١).\n(^٥) المستدرك (١١٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بهشام بن سعد، ثم له شواهد كثيرة ولحديث عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه طرق يتبع ويذاكر بها، وقد تابع العلاء بن المسيب عاصم بن بهدلة على روايته عن مصعب بن سعد\".\n(^٦) وعن الحاكم أخرجه البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٧٢)، وفي شعب الإيمان (٩٣١٧) وفي الآداب (١٠٥١)، والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥١٠)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٢٠٨)، وأبو يعلى (١٠٤٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥/ ٤٥٩)، وأبو العرب التميمي في المحن (ص ٣٠٠) عن عبد الله بن وهب عن هشام =","vol":"13","page":369},{"text":"قوله: \"وعن أبي سعيد\" هو الخدري. تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه].\nقوله: \"أنه دخل على رسول الله -ﷺ- وهو مَوْعُوك عليه قطيفة\" الحديث، الوعك بإسكان العين قيل هو الحمى، وقيل ألمها ومغثها، وقد وُعك الرجل يوعك فهو مَوْعوك. والقطيفة كساء من صوف له خمل يؤتزر به.\nقوله: \"ثم قال من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء. قال: ثم من؟ قال: العلماء\" الحديث، وفي الرواية الأخرى: ثم الأمثل فالأمثل، [وقيل] الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى. وقيل الأفضل فالأفضل في الرتبة والمنزلة [وأماثل الناس وخيارهم] (^١). [قال العلماء والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل] أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ومعرفة أن ذلك نعمة من الله عليهم ليتمّ لهم الخير ويتضاعف لهم الأجر ويظهر صبرهم ورضاهم (^٢). وتقدم أيضا حكمة غير هذه والله أعلم.\nقوله في الحديث: \"قال: ثم من؟ قال: الصالحون، كان أحدهم يبتلى\n_________\n= بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار.\nوخالفه معمر، فقال عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبي سعيد الخدري. أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)، وعبد بن حميد (٩٦٠)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٦٢٦) عن معمر. وهو ضعيف لإيهام الراوى عن أبى سعيد، وقال الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٩٩٥)، والترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٠): صحيح.\n(^١) النهاية (٤/ ٢٩٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٩).","vol":"13","page":370},{"text":"بالقمل حتى يقتله\" القمل بفتح القاف وإسكان الميم معروف، واحدته قملة، والقمل جمع قملة، والقمل يتولد من العرق والوسخ. قال الجاحظ (^١): وربما كان الإنسان قمل الطباع وإن تنظف وتعطر وبدلّ الثياب كما عرض لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام حين استأذنا رسول الله -ﷺ- في لباس الحرير فأذن لهما فيه، ولولا أنهما كانا في حدّ ضرورة لما أذن لهما مع ما قد جاء في ذلك من التشديد فيجوز لبس الثوب الحرير لدفع القمل لأنه لا يقمل بالخاصيّة ولذلك رخّص رسول الله -ﷺ- لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبسه لذلك لما تقدم، والأصح أنه لا يختص بالسفر، وفي وجه اختاره الجُوَيني وابن الصلاح يختص لأن الرواية مقيّدة بذلك (^٢).\nوقال مالك ﵀: لا يجوز لبسه مطلقا لأن وقائع الأحوال عنده لا تعم وهو وجه بعيد عندنا (^٣) والله أعلم. قال -يعني الجاحظ- ومن طبع القمل أن يكون في شعر الرأس الأحمر أحمر وفي الشعر الأسود أسود وفي الرأس الأبيض أبيض ومتى تغيّر الشعر تغيّر إلى لونه. قال: وهو من الحيوان الذي إناثه أكبر من ذكوره. وقيل: أن ذكوره الصِّبيان. وقيل أن الصِّبيان بيضه والقمل يسرع إلى الدجاج والحمام ويعرض للقردة (^٤).\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٥٣).\n(^٢) حياة الحيوان (٢/ ٣٥٧).\n(^٣) حياة الحيوان (٢/ ٣٥٧).\n(^٤) حياة الحيوان (٢/ ٣٥٤).","vol":"13","page":371},{"text":"تنبيه: وأما القمل والبرغوث فقال أكثر أصحابنا لا يؤكل طعام مات فيه شيء منهما لأنهما نجسان وهما من الحيوان الذي عيشه من دم حيوان لا عيش لهما غير الدم فهما نجسان ولهما دم.\nوكان سليمان بن سالم القاضي الكندي من أهل إفريقية يقول: إن ماتت القملة في ماء طرح ولم يشرب وإن وقعت في دقيق ولم تخرج في الغربال لم يؤكل الخبز وإن ماتت في شيء جامد طرحت وما حولها كالفأرة. وقال غيره من أصحابنا [وغيرهم] من القمل كالذباب سواء [وإذا ألقيت القملة حية أورثت النسان، كذا رواه ابن عدي في كامله (^١) في ترجمة عبد الله بن الحكم بن عبد الله الأيلي أنه روى بإسناد صحيح: أن النبي -ﷺ- قال: ست منها النسيان: سؤر الفأر، وإلقاء القملة وهي حية، والبول في الماء الراكد، وقطع الفطير، ومضغ العلك، وأكل التفاح الحامض؛ قاله في حياة الحيوان (^٢)].\nفائدة: اختلف العلماء في القمل المرسل على بني إسرائيل المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ (^٣) الآية. فقال ابن عباس\n_________\n(^١) ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٨٣) في ترجمة الحكم بن عبد الله بن سعد بن عبد الله الأيلي. قال: الحكم بن عبد الله بن سعد ليس بثقة، ولا مأمون. قال ابن عدي: وبهذا الإسناد ... غير ما ذكرت أكثر من خمسة عشر حديثا كلها مع ما ذكرتها موضوعة، وما هو منها معروف المتن فهو باطل بهذا الإسناد، وما أمليت للحكم عن القاسم بن محمد والزهري وغيرهم كلها والمتن الروايات غير ما ذكرته ها هنا فكلها مما لا يتابعه الثقات عليه، وضعفه بين على حديثه.\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٥٨).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٣٣.","vol":"13","page":372},{"text":"-﵄- (^١): هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد [والسّدي] وقتادة والكلبي الجراد الطيّار الذي له أجنحة، وقال الدبا الصغار الذي لا أجنحة له، وقال عكرمة بنات الجراد (^٢). وقال ابن زيد: البراغيث (^٣). وقال الحسن وسعيد بن جبير دواب سود صغار. وقال عطاء الحراساني: روي أن موسى ﵊ مشى بعصاه إلى كثيب أهيل فضربه به فانتشر كله قملا في مصر، ثم إنهم قالوا: ادع لنا ربك في كشف هذا عنا، فدعا فكشفه عنهم، فرجعوا إلى طغيانهم فبعث الله عليهم الضفادع فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم، وإذا همّ الرجل أن يتكلم دخل الضفدع في فيه وتلقي نفسها في القدر [وهي تغلي] قالوا ادع لنا ربك يكشفها عنا، فدعا فرجعوا إلى كفرهم فبعث الله عليهم الدم فرجع ماؤهم الذي يشربونه دما فكان الرجل منهم إذا استسقى من البئر وارتفع إليه الدلو عاد دما. وقيل سلط عليهم الرعاف (^٤).\nفائدة أخرى: إذا رأى المصلي في ثوبه قملة أو برغوثا، قال الشيخ أبو حامد الغزالي (^٥): الأوْلى أن يتغافل عنها فإن ألقاها بيده أو أمسكها حتى يفرغ فلا بأس وإن قتلها في الصلاة عفي عن دمها دون جلدها فإن قتلها وتعلق جلدها بظفره أو ثوبه بطلت صلاته. قال: ولا بأس بقتلها في الصلاة كما لا\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٠/ ٣٨٣).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٣٨٣ - ٣٨٥).\n(^٣) تفسير الطبري (١٠/ ٣٨٤).\n(^٤) انظر: السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٥٢١).\n(^٥) نقله عنه في حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٣٥٧).","vol":"13","page":373},{"text":"بأس بقتل الحية والعقرب، فإن ألقى القملة بيده فلا بأس. قال القمولي: ينبغي أن يختص جواز إلقائها بغير المسجد، والذي قاله صحيح لقوله -ﷺ-: إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرّها في ثوبه حتى يخرج من المسجد. رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح (^١).\nوفي المسند أيضا عن شيخ من أهل مكة قال: وجد رجل في ثوبه قملة فأخذها ليطرحها في المسجد، فقال له رسول الله -ﷺ-: لا تفعل صُرَّها في ثوبك حتى تخرج من المسجد؛ وإسناده صحيح أيضا]. (^٢) وفي فتاوى قاضي خان: لا بأس أن [تطرح] القملة حية والأدب أن يقتلها (^٣).\n_________\n(^١) أحمد (٢٣٤٨٥) وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٦٨، وأبو داود في المراسيل (١٦)، والبيهقي ٢/ ٢٩٤ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٨٠)، وابن الأثير في أسد الغابة ٦/ ٣٨٠ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله -ﷺ- قال: إذا وجد أحدكم القملة في ثوبه فليصرها ولا يلقها في المسجد رجاله ثقات، إلا أن الحضرمي بن لاحق لا يروي إلا عن التابعين، ولم يثبت له لقاء أحد من الصحابة، فإن كان الرجل الأنصاري صحابيا، فهو منقطع، وإلا فهو مرسل. قال البيهقي: وهذا مرسل حسن في مثل هذا.\nوأخرجه عبد الرزاق (١٧٤٤) من طريق يحيى بن أبي كثير، بلاغا عن النبي -ﷺ- وفيه: فلا يقتلها في المسجد.\n(^٢) أحمد (٢٣٥٥٨) إسناده ضعيف، ابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٠،: رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن محمد بن إسحاق عنعنه، وهو مدلس ..\n(^٣) فتاوى قاضى خان (٣/ ٢٥٢).","vol":"13","page":374},{"text":"فرع: قال الترمذي الحكيم: إذا وجد الجالس على الخلاء قملة لا يقتلها بل يدفنها، فقد روي أن من قتل قملة وهو على رأس خلائه بات معه في شعاره شيطانة تنسيه ذكر الله تعالى أربعين صباحا (^١).\nتنبيه: نهى النبي -ﷺ- أن تقصع القملة بالنواة أي تقتل، والقصع الدلك بالظفر وإنما خص النواة لأنهم كانوا يأكلونه عند الضرورة (^٢). وقيل لأن النواة مخلوقة من فضلة طينة آدم -﵇- (^٣). وفي الحديث: أكرموا النخلة فإنها عمتكم. (^٤) وفي حديث آخر: نعمت العمة لكم النخلة. وقيل: لأن النوى قوت الدواب. وقال الجوهري في الحديث أنه نهى عن قصع الرطبة وهو عصرها [لتقشر] (^٥)، اهـ. [فجميع ما ذكر في القمل] منقول من حياة الحيوان.\n\n٥١٥٩ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يود أهل الْعَافِيَة يَوْم الْقِيَامَة حِين يعْطى أهل الْبلَاء الثَّوَاب لَو أَن جُلُودهمْ كَانَت قرضت\n_________\n(^١) حياة الحيوان (٢/ ٣٥٧).\n(^٢) النهاية (٤/ ٧٣).\n(^٣) الفائق (١/ ٢٧٣).\n(^٤) أخرجه أبو يعلى (٤٥٥)، والعقيلي في \"الضعفاء\" ٤/ ٢٥٦ و٦/ ١٣١، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٤٤، ٤٥)، والرامهرمزي في الأمثال (١١١/ ١١٢: ٣٥)، أبو الشيخ في الأمثال (٣٠٩، ٣١٠: ٢٦٣)، وابن عدي، في \"الكامل\" ٦/ ٤٣١ و٨/ ١٣٨، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٣/ ١١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣)، وابن عساكر (٧/ ٣٨٢)، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي نعيم (٣٨٥). وقال الألباني: موضوع السلسلة الضعيفة (٢٦٣)، وضعيف الجامع (١١٣٦).\n(^٥) حياة الحيوان (٢/ ٣٥٧).","vol":"13","page":375},{"text":"بِالْمَقَارِيضِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مغراء وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرانِيّ فِي الْكَبِير عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَفِيه رجل لم يسم (^٢).\n\n٥١٦٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يُؤْتى بالشهيد يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقف لِلْحسابِ ثمَّ يُؤْتى بالمتصدق فينصب لِلْحسابِ ثمَّ يُؤْتى بِأَهْل الْبلَاء فَلا ينصب لَهُم ميزَان وَلَا ينصب لَهُم ديوَان فَيصب عَلَيْهِم الْأجر صبا حَتَّى إِن أهل الْعَافِيَة لَيَتَمَنَّوْنَ فِي الْموقف أَن أَجْسَادهم قرضت بِالْمَقَارِيضِ من حسن ثَوَاب الله. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة مجاعَة بن الزبير وَقد وثق (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤٠٢)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٠٢)، والطبراني في الصغير (١/ ١٥٦ رقم ٢٤١)، والبيهقي في السنن (٣/ ٥٢٦ رقم ٦٥٥٣)، وفي الشعب (١٢/ ٣١٦ رقم ٩٤٥١). وحسنه الألباني في المشكاة (١٥٧٠) وصحيح الترغيب (٣٤٠٤)، والصحيحة (٢٢٠٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٥٥ رقم ٨٧٧٧ و٨٧٧٨). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣/ ٣٣١).\n(^٣) أخرجه الطبراني (١٢/ ١٨٢ - ١٨٣/ ١٢٨٢٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ٩١) من طريق مجاعة بن الزبير، وهو في حديثه (١٠٠)، وقال أبو نعيم عقبه: هذا حديث غريب من حديث جابر بن زيد وقتادة تفرد به مجاعة اهـ. وسكت عليه الحافظ في \"تخريج الكشاف\" (٤/ ١١٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٥): رواه الطبراني في الكبير، وفيه مجاعة بن الزبير وثقه أحمد وضعفه الدارقطني.\nوله طريق آخر: أخرجه عفان بن مسلم في أحاديثه (٦٥) حدثنا محمد بن طلحة، عن الأعمش، عن مسروق قال: ليودن أهل البلاء يوم القيامة أن جلودهم قرضت =","vol":"13","page":376},{"text":"قوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه].\nقوله -ﷺ-: \"ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان فيصبّ عليهم الأجر صبا\" الحديث. وروي عن الحسين بن علي -﵄- قال: قال لي جدي -ﷺ-: يا بني عليك بالقناعة تكن من أغنى الناس وأداء الفرائض تكن من أعبد الناس، يا بني: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يُقَالُ لَهَا شَجَرَةُ الْبَلْوَى يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يُرْفَعُ لَهُمْ دِيوَانٌ وَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ صَبًّا\" وَقَرَأَ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^١)، ذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتاب: روضة المشتاق (^٢).\nوعن قتادة (^٣) قال: ابتلي أيوب -﵇- سبع سنين ملقى على كناسة بيت المقدس، هو أيوب النبي -ﷺ-، المبتلى الصابر من ولد روم بضم الراء بن\n_________\n= بالمقاريض. وله شاهد واه: رواه الثعلبي في تفسيره ورواه أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب ورواه ابن مردويه في تفسيره عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ٢٠٠)، وقال: بكر ابن حبيش وضرار والرقاشي كلهم ضعاف، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦٤): ضعيف، وصححه في السلسلة الصحيحة (٢٢٠٦)، وحسنه في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٠) صحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٤٨٤).\n(^١) سورة الزمر، الآية ١٠٠.\n(^٢) وروى ابن الجوزي في الموضوعات (٢٠٢/ ٣) ومن طريقه ابن النجار في تاريخه (كما في اللآلئ ٣٣٣/ ٢). وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣/ ٩٢ - ٩٣ (٢٧٦٠)؛ قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٥: فيه سعد بن طريف؛ وهو ضعيف جدًّا.\n(^٣) المستدرك للحاكم (٤١١٧).","vol":"13","page":377},{"text":"العيص بكسر المهملة ابن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم وكان عمره ثلاثا وستين سنة، ومدة بلائه سنة أو سنتين. قاله الكرماني (^١).\nوقال الحسن (^٢): لقد كان أيوب -﵇- ملقى على الكناسة وما على الأرض أكرم على الله تعالى منه، والله أعلم.\nوعن ابن عباس -﵄- (^٣) أن امرأة أيوب قالت له: قد والله نزل بي الجهد والفاقة ما إن بعت قرني برغيف فأطعمك فادع الله أن يشفيك. قال: ويحك كنا في النعماء سبعين عاما فنحن في البلاء سبع سنين. وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن أمتى أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب إنما عذابها في الدنيا الزلازل والقتل والبلاء (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٣/ ١٤٢).\n(^٢) تفسير الطبري (١٨/ ٥٠١).\n(^٣) المستدرك للحاكم (٤١١٤) وعنه: البيهقي في الشعب: (٩٧٩٤)، وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٦٤).\n(^٤) أخرجه محمد بن فضيل الضبي في الدعاء (١٢)، وعنه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٨ - ٣٩) والحاكم (٤/ ٣٥٣ - ٢٥٤). وأخرجه أحمد (١٩٩١٤)، وعبد بن حميد (٥٣٦)، وأبو داود (٤٢٧٨)، وأبو يعلى (٧٢٧٧) عن أبي بردة بن أبي موسى، فذكره قال الدوري في \"تاريخه\" (٢٦٣٣): سمعت يحيى بن معين يقول: حرملة بن قيس، عن أبي بردة؛ \"عذاب أمتي\" قال يحيى: من لم يسنده أكيس ممن أسنده .. وللحديث شواهد: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ- إن هذه أمة مرحومة، عذابها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة، دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين، فيقال هذا فداؤك من النار. أخرجه ابن ماجه (٤٢٩٢) قلت: وسنده تالف جبارة بن المغلس متروك. وقال أبو يعلى =","vol":"13","page":378},{"text":"٥١٦١ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا أحب الله عبدا أَو أَرَادَ أَن يصافيه صب عَلَيْهِ الْبلَاء صبا وثجه عَلَيْهِ ثَجًّا، فَإِذا دَعَا العَبْد قَالَ يَا رباه قَالَ الله لبيْك يَا عَبدِي لَا تَسْأَلنِي شَيْئا إِلَّا أَعطيتك إِمَّا أَن أعجله لَك وَإِمَّا أَن أدخره لَك. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (^١).\nقوله: \"وروي عن أنس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إذا أحب الله عبدا أو أراد أن يصافيه صبّ عليه البلاء صبا وسحّه عليها سحّا\" الحديث، محبة الله تعالى لعبده هي إرادة الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته؛ وبغضه لعبده إرادة عقابه أو شقاوته والله أعلم. قوله: \"وسحّه عليها سحّا\": السحُّ الصبُّ المتتابع.\n\n٥١٦٢ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال من يرد الله به خيرا يصب منه رواه مالك والبخاري (^٢) يصب منه أي يوجه إليه مصيبة ويصيبه ببلاء.\n_________\n= كما في المطالب العالية (٤٥٥٦) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري، حدثنا ابن أبي زائدة، عن سعد بن طارق، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: \"إن هذه الأمة أمة مرحومة، لا عذاب عليها إلا ما عذبت هي أنفسها\". قال: قلت: وكيف تعذب أنفسها؟ قال: \"أما كان يوم الجمل عذابًا؟ أما كان يوم صفين عذابًا؟ أما كان يوم النهر عذابًا\"، سنده صحيح لكنه موقوف. انظر: السلسلة الصحيحة (٩٥٩).\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٢٠) وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٤٧٧): وبكر بن خنيس والرقاشي ضعيفان. ورواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب (١/ ٣٣٣ برقم: ٥٦١) بتمامه وأدخل بين بكر وبين الرقاشي ضرار بن عمرو وهو أيضًا ضعيف، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٩٩٣): ضعيف.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٥٨٥)، والبخاري (٥٦٤٥).","vol":"13","page":379},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"من يرد الله به خيرا يُصِب منه\" الحديث، ضبطوا يصب منه بفتح الصاد وكسرها، قاله النووي في أذكاره، ومعناه: يوجه إليه مصيبة [تصيبه] ببلاء، اهـ. قاله المنذري. وقال في النهاية: أي [ابتلاه] بالمصائب ليثيبه عليها. يقال مصيبة ومصوبة ومصابة والجمع مصاب ومصاوب، والمصيبة هي الأمر المكروه ينزل بالإنسان. [يقال] أصاب الإنسان من المال وغيره أي أخذ وتناول. ومنه الحديث: يصيبون ما أصاب الناس، أي ينالون ما نالوا. اهـ.\n\n٥١٦٣ - وَعَن مَحْمُود بن لبيد أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا أحب الله قوما ابْتَلَاهُم فَمن صَبر فَلهُ الصَّبْر وَمن جزع فَلهُ الْجزع رواه أحمد (^١) ورواته ثقات ومحمود بن لبيد رأى النبي -ﷺ- واختلف في سماعه منه (^٢).\n_________\n(^١) أحمد (٥/ ٤٢٧ و٤٢٨ و٤٢٩).\n(^٢) أخرجه الشجري في أماليه (٢/ ١٨٩)، والبيهقي في الشعب (٩٣٢٧) مرفوعًا، وقال البيهقي: مرسل الآداب (ص: ٤٦١)، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٩١): رجاله ثقات. وأما محمود بن لبيد فقد اختلف في صحبته. فذكر ابن أبي حاتم عن البخاري أنه قال: له صحبة. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين (٥/ ٤٣٤ - ٤٣٥) وقال: يروي المراسيل عن رسول الله -ﷺ-، وقد ذكرناه في كتاب الصحابة لأن له رؤية. وقال في الصحابة من الثقات (٣/ ٣٩٧): له صحبة، وأكثر ما يروي سمعه من أصحاب رسول الله -ﷺ-. وقال الترمذي: رأى النبي -ﷺ- وهو غلام صغير. وخالف في ذلك مسلم وابن سعد ويعقوب بن سفيان فذكروه في التابعين. وقال أبو حاتم: لا يعرف له صحبة الجرح (٤/ ١/ ٢٩٠). ووثقه ابن سعد ويعقوب بن سفيان وأبو زرعة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة (الثقات ص ٤٢١)، =","vol":"13","page":380},{"text":"٥١٦٤ - وَعَن أنس -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن عظم الْجَزَاء مَعَ عظم الْبلَاء وَإِن الله تَعَالَى إِذا أحب قوما ابْتَلَاهُم فَمن رَضِي فَلهُ الرِّضَا وَمن سخط فَلهُ السخط رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب (^١).\n_________\n= وقال الذهبي: ولد بالمدينة في حياة رسول الله -ﷺ- وروى عنه أحاديث يرسلها سير الأعلام (٣/ ٤٨٥). وفي التهذيب: روى عن النبي -ﷺ- أحاديث، ولم تصح له رؤية ولا سماع منه، قال ابن عبد البر: قول البخاري أولى وقد ذكرنا من الأحاديث ما يشهد له وهو أولى بأن يذكر في الصحابة من محمود بن الربيع فإنه أسن منه وذكره مسلم في الطبقة الثانية منهم فلم يصنع شيئا ولا علم منه ما علم غيره الاستيعاب (١٠/ ٥٠).\nوقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ١٠٨): ورواته ثقات إلا أن محمود بن لبيد اختلف في سماعه من النبي -ﷺ- وقد رآه وهو صغير وله شاهد من حديث أنس عند الترمذي وحسنه. انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته (١/ ٣٥١)، والصحيحة (١٤٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠٣١)، والترمذي (٢٣٩٦)، وأبو يعلى (٤٢٥٣)، وابن بشران (٢٤٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٢١) والبيهقي في الآداب (١٠٣٥) وفي الشعب (٩٣٢٥)، (٩٣٢٦)، والشجري في أماليه (٢/ ٢٨٢) والبغوي في شرح السنة (١٤٣٥)، وفي التفسير (١/ ١٣٠) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس مرفوعًا به وقال الترمذي: حسن غريب. سعد بن سنان مختلف فيه والأكثر على تضعيفه.\nوله عن أنس طرق: أخرجه البيهقي في الآداب (١٠٣٦)، وفي الشعب (٩٣٢٨) عن عبد الله بن بكر السهمي ثنا سنان الحضرمي عن أنس مرفوعا إذا أراد الله بقوم خيرا ابتلاهم. وقال: سنان هذا هو ابن ربيعة أبو ربيع الحضرمي. واختلف فيه، وسمع السهمي منه بعد ما خرف. قاله ابن معين (التاريخ الكبير ٢/ ٢/ ١٦٤). ولم ينفرد السهمي به بل تابعه حماد بن سلمة عن سنان بن ربيعة عن أنس به. ذكره الدارقطني في العلل معلقا. ومن طريقه أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١١٢٠). أخرجه أبو يعلى (٤٢٢٢) ووقع =","vol":"13","page":381},{"text":"قوله: \"وعن أنس\" تقدمت ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحبّ قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط\" الحديث، فالبلاء دليل إرادة الخير أو عقوبة الذنب، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الأخرى. من عظم بلاؤه عظم أجره وهو دال على محبة الله تعالى لعبده إذ عجّل عقوبته في الدنيا وآجره في العقبى، ودليل ذلك أيضا ما روي عن عبد الله بن مغفّل أن امرأة كانت بغيّا في الجاهلية فمرّ بها رجل فبسط يده إليها [فقالت]: مَه إن الله ذهب بالشرك وجاء بالإسلام، فتركها وولى وجعل ينظر إليها حتى أصاب وجهه الحائط، فأتى النبي -ﷺ- فذكر ذلك له، فقال: أنت عبد أراد الله بك خيرا، إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا عجّل له عقوبة ذنبه (^١).\n_________\n= عنده: سليمان الحضرمي وهو تصحيف. وتابعه الحسين بن الحسن المروزي ثنا السهمي به. أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٧٩) ووقع عنده: سنان عن الحضرمي، وهو خطأ.\nالثالث: يرويه الطبراني في الأوسط (٣٢٥٢) عن ابن لهيعة ثنا إسحاق عن عيسى الإسكندراني عن أنس مرفوعا إذا أحب الله قوما ابتلاهم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩١): رواه الطبراني في الأوسط، فيه ابن لهيعة وفيه كلام.\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٨٧)، وابن حبان (٢٩١١)، والحاكم في مستدركه (١٢٩١ - ٨١٣٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣١٥) وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩١): رواه أحمد والطبراني ... ورجال أحمد رجال الصحيح وكذلك أحد إسنادى الطبراني. ورواه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ١٠٣) عن عبد الله بن مغفل -﵁- نحوه. =","vol":"13","page":382},{"text":"وعن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ (^١)، قال: المصيبة في الدنيا لعلهم يرجعون لعلهم يتوبون (^٢). قوله في الحديث: \"إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم\" وتقدم معنى محبة الله لعبده.\n_________\n= قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧٢٢٧): رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وأبو يعلى وعنه ابن حبان في صحيحه. وله شاهد من حديث أنس رواه الترمذي والحاكم.\nوله شاهد من مرسل الحسن: أخرجه هناد بن السري في الزهد (٤٢٧) حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن قال: نحوه.\nوآخر موصول: أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (٥٣١٥) عن طريق هشام بن لاحق المدائني عن عاصم الأحول عن أبي تميمة الهجيمي قال بينا انا في ... قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٥): رواه الطبراني في الأوسط وفيه هشام بن لاحق ترك أحمد حديثه وضعفه ابن حبان وقال الذهبي: قواه النسائي.\nوفي الباب: عن أنس: أخرجه أبو يعلى (٤٢٥٤)، والحاكم (٨٧٩٩) عنه مرفوعا إن الله إذا أراد بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبد شرا أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه يوم القيامة.\nعن ابن عباس: أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١١/ ص ٣١٣/ ١١٨٤٢) عن عباد بن يعقوب الأسدي ثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي عن شيبان عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس نحوه.\nوروي من طريق آخر عن ابن عباس أخرجه ابن عدي الكامل (٥/ ١٨٩) عن علي بن ظبيان وقال: ولعلي بن ظبيان غير ما ذكرت من الحديث والضعف على حديثه بيِّن.\n(^١) سورة السجدة، الآية: ٢١.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٢ - ٢٧٩٩).","vol":"13","page":383},{"text":"قوله في الحديث: \"فمن رضي فله الرضا\" الحديث، [وفي الأثر: إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه]. وفي أثر آخر عن النبي -ﷺ-: من أحب أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث ينزله العبد من نفسه (^١).\nوسئل ابن شمعون عن الرضا فقال: أن ترضى به مدبِّرا ومختارا\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١١٠٧)، وأبو يعلى (١٨٦٥ و٢١٣٨)، ومن طريقه ابن حبان في الضعفاء (٢/ ٨١)، وكذا البزار (٣٠٦٤)، وعبد بن حميد في المنتخب من المسند (٥٤/ ١١٠٥)، والطبراني في الأوسط (٢٦٧٤)، وفي الدعاء (١٨٩١)، والحاكم (١٨٢٠)، والبيهقي في الشعب (١/ ٣٩٧/ ٥٢٨)، وابن بشران في الفوائد (٥٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ١٩٤)، (٥٦/ ٧٩) من طريق عمر بن عبد الله، مولى غفرة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧): فيه عمر بن عبد الله مولى غفرة وقد وثقه غير واحد وضعفه جماعة وبقية رجالهم رجال الصحيح.\nوقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأخبار ويروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره في الكتب إلا على سبيل الاعتبار.\nوترجم له الذهبي في الميزان (٣/ ٢١٠) وقال: قال أحمد: ليس به بأس، لكن أكثر حديثه مراسيل. وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وكذا ضعفه النسائي. وقال ابن حبان: روى عنه الليث بن سعد، والناس. كان ممن يقلب الأخبار، ويروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات، لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره في الكتب إلا على جهة الاعتبار. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٢٦١): والحديث حسن والله أعلم. رواه الإمام أحمد في الزهد (ص ٢٤٢). وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٤٢٧): ضعيف.","vol":"13","page":384},{"text":"وترضى عنه قاسما ومعطيا ومانعا وترضاه إلها ومعبودا وربا (^١). وقال بعض العارفين: الرضا ترك الاختيار وسرور القلب فالراضي واقف مع اختيار الله له معرض عن اختياره لنفسه (^٢). وقيل: الراضي من لم يندم على فائت من الدنيا ولم يتأسف عليها (^٣)، ولبعض الناس:\nالْعَبْدُ ذُو ضَجَرٍ. وَالرَّبُّ ذُو قَدَرٍ ... وَالدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ. وَالرِّزْقُ مَقْسُومُ\nوَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا ... وَفِي اخْتِيَارِ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشُّومُ (^٤)\nاجتمع وُهيب بن الوَرْد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط، فقال الثوري: قد كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم فوددت أني ميت، فقال له يوسف ولم؟ فقال: لما أتخوف من الفتنة. فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء. فقال الثوري: ولم [تكره] الموت؟ قال: لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل [فيه] صالحا. فقيل لوهيب: يعني ابن الورد، أي شيء تقول أنت؟ فقال: أنا لا أختار شيئا أحبّ ذلك إليّ أحبه إلى الله تعالى. فقبّل الثوري بين عينيه وقال: روحانية ورب الكعبة، فهذا حال عبد قد استوت عنده حالة البقاء والموت، ووقف مع اختيار [الله تعالى] له منهما (^٥)، اهـ.\n_________\n(^١) الشعب (١/ ٣٩٦ رقم ٢٣٠)، ومدارج السالكين (٢/ ٢١٦).\n(^٢) الشعب (١/ ٣٩٦ رقم ٢٣١)، ومدارج السالكين (٢/ ٢١٦).\n(^٣) الشعب (١/ ٣٩٧ رقم ٢٣٢)، ومدارج السالكين (٢/ ٢١٦).\n(^٤) الشعب (١/ ٤٠٥)، ومدارج السالكين (٢/ ٢١٦).\n(^٥) مدارج السالكين (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"13","page":385},{"text":"٥١٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الرجل ليَكُون لَهُ عِنْد الله الْمنزلَة فَمَا يبلغهَا بِعَمَل فَمَا يزَال يَبْتَلِيه بِمَا يكره حَتَّى يبلغهُ إِيَّاهَا رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيقه وَغَيرهمَا (^١).\n\n٥١٦٦ - وَرُوِيَ عَن بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت النَّبِي -ﷺ- يَقُول مَا أصَاب رجلا من الْمُسلمين نكبة فَمَا فَوْقهَا حَتَّى ذكر الشَّوْكَة إِلَّا لإحدى خَصْلَتَيْنِ إِمَّا ليغفر الله لَهُ من الذُّنُوب ذَنبا لم يكن ليغفره لَهُ إِلَّا بِمثل ذَلِك أَو يبلغ بِهِ من الْكَرَامَة كَرَامَة لم يكن ليبلغها إِلَّا بِمثل ذَلِك رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٦٠٩٥) و(٦١٠٠)، وابن حبان (٢٩٠٨)، والحاكم (١/ ٣٤٤) وصححه. وتعقبه الذهبي فقال: قلت: يحيى، وأحمد ضعيفان، وليس يونس بالحجة. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٢: روه أبو يعلى، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٥٩٩) و(٢٥٩٩) وقال في صحيح الترغيب (٣٤٠٨): حسن صحيح. ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٥٠)، ومن طريقه: البيهقي في شعب الإيمان (١٢٩٣٩١) من طريق أبي حمزة السكري، عن جابر، حدثنا من سمع بريدة الأسلمي، يقول: سمعت النبي -ﷺ- يقول، فذكره. وهذا إسناد ضعيف لجهالة الرجل الذي حدث جابرا: فإنه لم يسم. وجابر، وهو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف،\" قال في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦٥): ضعيف. رواه أبو بكر بن أبي شيبة كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" (٣٨٥٠/ ٢)، وقال البوصيري: وهذا إسناد ضعيف لجهالة الرجل الذى حدث جابرا فإن لم يسم وجابر هو ابن يزيد الجعفى وهو ضعيف.\nوله شواهد:\n\n١ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن الرجل تكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل فلا يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه ذلك. أخرجه أبو يعلى (٦٠٩٥)، (٦١٠٠)، =","vol":"13","page":386},{"text":"قوله: \"وروي عن بريدة الأسلمي\" هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. روى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث،\n_________\n= وعنه ابن حبان (٢٩٠٨)، والحاكم (١٢٧٤) ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٩٣٩٢) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: يحيى وأحمد ضعيفان. وأحمد بن عبد الجبار وهو ضعيف لكنه توبع ويونس: لا بأس به كما قال ابن حجر وحديثه حسن كما قال الذهبي في الميزان وهو حسن الحديث ويحيى لا بأس به كما قال ابن حجر. وهذا إسناد حسن من أجل يونس بن بكير. ويصح بشواهده.\n\n٢ - ابن مسعود: أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٤٠٥)، وإسحاق في \"المسند\" كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" (٣٨٥٠/ ١) ابن السري في الزهد (٤٠٠).\n\n٢ - أخرج ابن سعد (٧/ ٥٠٨)، والبخاري في التاريخ (٤/ ١/ ٢٦٦)، وإسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة في \"المسند\" كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" (٣٨٤٩/ ١ - ٢) عن مسلم بن عقيل مولى الزرقيين، قال: دخلت على عبد الله بن إياس بن أبي فاطمة، فقال: يا أبا عقيل، حدثني أبي، أن أباه أخبره، قال: بينما رسول الله -ﷺ- جالس، إذ قال، فذكره. وفيه محل الشاهد\nقلت: مسلم بن عقيل لم يذكر فيه جرح ولا تعديل وعبد بن إياس وأبوه لم أجد لهما ترجمة. وأبو فاطمة جد عبد الله بن إياس هو الضمرى فذكره ابن حجر في الإصابة القسم الأول وساق له هذا الحديث ولم يزد.","vol":"13","page":387},{"text":"وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (^١).\nقوله -ﷺ-: \"ما أصاب رجلا من المسلمين نكبة فما فوقها\" الحديث، النكبة بفتح النون وإسكان الكاف وفتح الباء الموحدة، قال القاضي عياض وتبعه النووي مثل العثرة يعثرها الإنسان برجله تدمي الرجل منها وربما جرحت أصبعه وأصله من النكب وهو القلب والكبّ والعاثر قد نكب غالبا. قاله عياض (^٢). ويحتمل أن يراد بالنكبة المصيبة وهو معناها المشهور (^٣).\n\n٥١٦٧ - وَعَن مُحَمَّد بن خَالِد عَن أَبِيه عَن جده وَكَانَت لَهُ صُحْبَة من رَسُول الله -ﷺ- قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول إِن العَبْد إِذا سبقت لَهُ من الله منزلَة فَلم يبلغهَا بِعَمَل ابتلاه الله فِي جسده أَو مَاله أَو فِي وَلَده ثمَّ صَبر على ذَلِك حَتَّى يبلغهُ الْمنزلَة الَّتِي سبقت لَهُ من الله ﷿. رواه أحمد (^٤) وأبو داود (^٥) وأبو يعلى (^٦) والطبراني في الكبير (^٧) والأوسط (^٨) ومحمد بن خالد لم يرو عنه\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣).\n(^٢) إكمال المعلم (٨/ ٤٤) والمشارق (٢/ ١٢)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٠ - ١٣١).\n(^٣) طرح التثريب (٣/ ٢٤١).\n(^٤) أحمد (٢٢٣٣٨).\n(^٥) سنن أبي داود (٣٠٩٠)، ومن طريقه: البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٥٢٤).\n(^٦) وأبو يعلى (٩٢٣).\n(^٧) المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣١٨/ ٨٠١).\n(^٨) المعجم الأوسط (١٠٨٥).","vol":"13","page":388},{"text":"عنه غير أبي المليح الرقي ولم يرو عن خالد إلا ابنه محمد والله أعلم (^١).\nقوله: \"وعن محمد بن خالد عن أبيه عن جده\" هو محمد بن خالد بن زيد بن جارية (^٢) وقيل اسم جده اللجلاج بن حكيم أورده ابن مندة في ترجمة اللجلاج بن حكيم السلمي، وزعم أنه أخو الجحّاف بن حكيم، وأنه في أهل الجزيرة (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ماله أو في ولده ثم صبّره على ذلك\" الحديث، أي إذا قدر الله تعالى لعبد منزلة ودرجة رفيعة ولم يقدر ذلك العبد أن يبلغ تلك المنزلة بالعمل الصالح أصابه الله تعالى ببلاء ورزقه صبرا على ذلك البلاء حتى يبلغ تلك المنزلة بما حصل له من ثواب ذلك البلاء وصبره عليه، اهـ. وتقدم معنى الابتلاء أنه الامتحان، وتقدم الكلام على [الصبر] مبسوطًا.\n_________\n(^١) وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٧٧)، والدولابي في الكنى (١/ ٧٦)، وابن أبي الدنيا في المرض (٣٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤١٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٩٣٣)، والبيهقي في الشعب (٩٣٨٩) كلهم من طريق محمد بن خالد السلمي، عن أبيه، عن جده، وقال: الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩٢): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحمد وفيه قصة ومحمد بن خالد وأبوه: لم أعرفهما والله أعلم. ومحمد بن خالد السلمي قال في التقريب (ص ٤٧٦). مجهول. وأبوه، قال في التقريب (ص ١٩٠): مجهول. وقال الألباني في الصحيحة (٢٥٩٩): صحيح، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٢) صحيح لغيره.\n(^٢) رواه ابن شاهين كما في الإصابة (٢/ ٤٩٣).\n(^٣) المستخرج (٢/ ٣٠٨)، وأسد الغابة (٤/ ٤٨٧).","vol":"13","page":389},{"text":"٥١٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله ﷿ ليقول للْمَلَائكَة انْطَلقُوا إِلَى عَبدِي فصبوا عَلَيْهِ الْبلَاء صبا فيحمد الله فيرجعون فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا صببنا عَلَيْهِ الْبلَاء صبا كَمَا أمرتنا فَيَقُول ارْجعُوا فَاِنِّي أحب أَن أسمع صَوته. رَوَاهُ الطَّبَرانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\nقوله: \"وروي عن أبي أمامة\"، أبو أمامة اسمه صديّ بن عجلان الباهلي، [تقدمت] ترجمته (^٢).\n\n٥١٦٩ - وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضا عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله ليجرب أحدكُم بالبلاء كَمَا يجرب أحدكُم ذهبه بالنَّار فَمِنْهُ مَا يخرج كالذهب الإبريز فَذَاك الَّذِي حماه الله من الشُّبُهَات وَمِنْه مَا يخرج دون ذَلِك فَذَلِك الَّذِي يشك بعض الشَّك وَمِنْه مَا يخرج كالذهب الْأسود فَذَاك الَّذِي افْتتن (^٣).\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٨/ ١٦٦/ ٧٦٩٧)، ومن طريقه الشجري في ترتيب الأمالي الخميسية (٢٨٧٠)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (٢٣٤٥) (١٩٠)، والبغوي في شرح السنة (١٤٢٥) من طريق عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩١) رواه الطبراني في الكبير، وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف. وقال الألباني في \"الضعيفة\" (٤٩٩٤): ضعيف، وفي الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦٥): ضعيف جدا.\n(^٢) طبقات ابن سعد ٧/ ٤١١، التاريخ الكبير ٤/ ٣٢٦، الجرح والتعديل ٤/ ٤٥٤، الاستيعاب: ٧٣٦، أسد الغابة ٣/ ١٦، و٦/ ١٦، سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٥٩) تاريخ الإسلام ٣/ ٣١٣، الإصابة ٢/ ١٨٢، تهذيب التهذيب ٤/ ٤٢٠.\n(^٣) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٢٧)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٦٦ رقم ٧٦٩٨)، والحاكم (٤/ ٣١٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع =","vol":"13","page":390},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إن الله ليجرّب أحدكم بالبلاء كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنه مما يخرج كالذهب الإبريز\" الحديث، الإبريز هو الخالص (^١).\n\n٥١٧٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْمُصِيبَة تبيض وَجه صَاحبهَا يَوْم تسود الْوُجُوه. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٢).\n\n٥١٧١ - وَعَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا يُصِيب الْمُؤمن من نصب وَلَا وصب وَلَا هم وَلَا حزن وَلَا أَذَى وَلَا غم حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها إِلَّا كفر الله بهَا من خطاياه. رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤) ولفظه ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته ورواه ابن أبي الدنيا (^٥) من حديث أبي هريرة وحده.\n_________\n= ٢/ ٢٩١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٤٩٩٨) وضعيف الترغيب (١٩٨٩).\n(^١) النهاية (١/ ١٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩١): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن رقاع وهو منكر الحديث، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٩٣٧)، والضعيفة (٤٦٧٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٣) صحيح البخاري (٥٦٤١).\n(^٤) صحيح مسلم (٥٢) (٢٥٧٣).\n(^٥) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٣٨)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٢): صحيح.","vol":"13","page":391},{"text":"٥١٧٢ - وَفِي رِوَايَة لَهُ مَا من مُؤمن يشاك بشوكة فِي الدُّنْيَا يحتسبها إِلَّا قصّ بهَا من خطاياه يَوْم الْقِيَامَة.\nالنصب التَّعَب (^١) النصب التعب الوصب المرض.\nقوله: \"وعن أبي سعيد وأبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبهما -﵄-. قوله -ﷺ-: \"ما يصيب المؤمن نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن\" الحديث، النصب التعب والوصب المرض، قالهما الحافظ. وقال بعض العلماء: النصب التعب، وقد نصب ينصب نصبا كفرح يفرح فرحا، ونصبه غيره وأنصبه لغتان مشهورتان. والوصب الوجع [ملازم]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ (^٢) أي [لازم ثابت].\nوقوله: \"ولا هم ولا حزن\"، قال بعضهم: هما لفظان متغايران فالهم يختص بما هو آت والحزن بما مضى، والحزن بضم الحاء وسكون الزاي وبفتحهما معا لغتان. قوله: \"وفي رواية مسلم: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته\"، تقدم تفسير النصب والوصب والحزن. وأما السقم فهو بضم السين وإسكان القاف وبفتحها معا لغتان: المرض. قوله -ﷺ-: حتى الهم يهمه، الحديث. والهمّ لما يستقبل ويهمه. قال القاضي عياض هو بضم الياء وفتح الهاء على\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٨) (٢٥٧٢) عن عائشة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تصيب المؤمن شوكة فما فوقها، إلا قص الله بها من خطيئته\".\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ٩.","vol":"13","page":392},{"text":"ما لم يسمّ فاعله، وضبطه غيره يهمه بفتح الياء وضم الهاء أي يغمّه وكلاهما صحيح (^١). المؤمن يجزى بالسوء في الدنيا بالنصب والتعب والوصب والحزن والغم، ومن [هنا] قيل إن المرض إذا كان عقوبة لا يقبل الدواء لأنه [جزاء سيئة] في الدنيا، وإذا كان عقوبة فلا دواء له حتى تنقضي مدة العقوبة وينزل العفو هكذا ذكر صاحب نوادر الأصول (^٢) والله أعلم. قوله في الحديث: \"إلا كفر به من سيئاته\" وفي رواية لابن أبي الدنيا: إلا [قُصّ] بها من خطاياه. و[للعذري] في حديث [ابن نمير] نقص بها من خطاياه، ولغيره قُصّ، أي كُفِّر عنه وحوسب بها وحط مثلها من خطاياه كما [جاء] بلفظ حط في الحديث الآخر، وهو أوجه، والرواية الأخرى إليه يرجع معناها إن صحت، اهـ. قاله عياض (^٣).\nوفي رواية: ما يصيب المؤمن من مرض أو وجع إلا كان كفارة لذنبه. ظاهر قوله [-ﷺ-]: إلا كان كفارة لذنبه ترتب تكفير جميع الذنوب على مطلق المرض والوجع للعموم الذي في [قوله -ﷺ-: كذنبه] فإنه مفرد مضاف، لكن العلماء لم يقولوا بذلك في الكبائر بل قالوا: إن تكفيرها لا يكون إلا بالتوبة، وطردوا ذلك في سائر المكفرات من الأعمال والمشاق وأصلهم في ذلك قوله -ﷺ-: الصلوات خمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٠).\n(^٢) نوادر الأصول (٣/ ٩٦).\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ٢٦)، ومطالع الأنوار (٤/ ٢١٢).","vol":"13","page":393},{"text":"مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، والقول بتكفير المرض وإن خف والوجع وإن خف لجميع الصغائر فيه بعد، وقد عرفتَ أن الذي في الصحيح كفر الله بها عنه ولم يذكر تكفير جميع الذنوب بل قوله -ﷺ- في رواية مسلم: قص الله بها من خطيئته صريح في تكفير البعض. وورد في رواية أخرى أن المكفّر خطيئة واحدة. وفي رواية أخرى ضعيفة: عشر سيئات، فيحمل لفظ الرواية وهي قوله إلا كان كفارة لذنبه من طريق الإمام أحمد على أن معناه أن المرض صالح لتكفير الذنوب فيكفر الله به ما يشاء منها، ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدّة المرض وخفته، والمراد بتكفير [الذنوب] ستره ومحو [أثرها] المرتّب [عليها] [من استحقاق العقوبة.\nقال في الصحاح: التكفير في المعصية كالإحباط في الثواب، أي أن معنى تكفير المعصية محو أثرها المرتب عليها] وهو الثواب [والله تعالى أعلم بالصواب] (^١)، وظاهره يعني الحديث ترتب تكفير الذنوب على مجرد المرض أو الوجع سواء انظم إليه صبر أم لا واعتبر أبو العباس القرطبي في حصول ذلك وجود الصبر فقال: لكن هذا كله إذا صبر المصابُ واحتسب وقال ما أمره الله به في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ (^٢)، الآية، فإن كان كذلك وصل إلى ما وعده الله ورسوله من\n_________\n(^١) طرح التثريب (٣/ ٢٣٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٥٥ - ١٥٦.","vol":"13","page":394},{"text":"ذلك (^١)، اهـ. وهو مطالب بالدليل على ذلك (^٢) والله أعلم.\n\n٥١٧٣ - وَعَن أبي بردة -﵁- قَالَ كنت عِنْد مُعَاوِيَة وطبيب يعالج قرحَة فِي ظَهره وَهُوَ يتَضَرَّر فَقلت لَهُ لَو بعض شبابنا فعل هَذَا لعبنا ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ مَا يسرني أَنِّي لَا أَجِدهُ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من مُسلم يُصِيبهُ أَذَى من جسده إِلَّا كَانَ كَفَّارَة لخطاياه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (^٣) وروى الْمَرْفُوع مِنْهُ أَحْمد (^٤) بِإِسْنَاد رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من شَيْء يُصِيب الْمُؤمن فِي جسده يُؤْذِيه إِلَّا كفر الله بِهِ عَنهُ من سيئاته وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٥) وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٦).\n_________\n(^١) المفهم (٢١/ ٨٩) وعنه العراقى في طرح التثريب (٣/ ٢٣٩).\n(^٢) طرح التثريب (٣/ ٢٣٩).\n(^٣) ابن أبي الدنيا في الكفارات (٦٩ و٨٠)، صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٣) حسن صحيح.\n(^٤) أحمد (١٦٨٩٩).\n(^٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠١): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه قصة، ورجال أحمد رجال الصحيح ..\n(^٦) أخرجه الحاكم (١٢٨٥) من طريق طلحة بن يحيى عن ابن بريدة عن معاوية قال: سمعت رسول الله -ﷺ- وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: ابن بريدة صوابه عن أبي بردة، وسنده حسن.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المسند\" كما في \"إتحاف الخيرة المهرة\" (٣٨٢٦/ ١) وهو في مصنف ابن أبي شيبة (١٠٨٠٩)، وأحمد (٤/ ٩٨)، وعبد بن حميد (٤١٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٣٥٩/ ٨٤١) من طريق طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، فذكره.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠١): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وفيه =","vol":"13","page":395},{"text":"قوله: \"وعن أبي بردة\" هو أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى، واسم أبى موسى عبد الله بن قيس، ويأتى تمام نسبه في ترجمته، واسم أبى بردة عامر، هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور، وقال يحيى بن معين: اسمه الحارث. وفى رواية عنه: عامر، كقول الجمهور، وهو تابعى كوفى، ولى قضاء الكوفة فعزله الحجاج، وجعل أخاه أبا بكر مكانه، روى عن الزبير بن العوام، وعوف بن مالك، وسمع أباه، وعلى بن أبى طالب وابن عمر، والأغر المزنى، وعبد الله بن سلام، وعائشة، ﵃، وسمع خلائق من التابعين روى عنه جماعات من التابعين وغيرهم، واتفقوا على توثيقه وجلالته (^١).\nقوله: \"كنت عند معاوية وطبيب يعالج قرحة في ظهره\" الحديث، تقدم الكلام على معاوية بن أبي سفيان (^٢)، والقرحة تقدم الكلام عليها في الصدقة\n_________\n= قصة ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال المناوى في التيسير (٢/ ٧٠١): وإسناده صحيح. وله شاهد: عن أبي سعيد الخدري أخرجه ابن عساكر (٧/ ٣٣١) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن زينب بنت كعب عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال ما من شيء يصيب المؤمن في جسده إلا كفر الله عنه به من الذنوب، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٧٢٤)، والصحيحة (٢٢٧٤).\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٨).\n(^٢) طبقات ابن سعد ٣/ ٣٢ و٧/ ٤٠٦، التاريخ الكبير ٧/ ٣٢٦، المعرفة والتاريخ ١/ ٣٠٥، الجرح والتعديل ٨/ ٣٧٧، الاستيعاب: ١٤١٦، تاريخ بغداد ١/ ٢٠٧، أسد الغابة ٤/ ٣٨٥، سير أعلام النبلاء (٣/ ١١٩)، تاريخ الإسلام ٢/ ٣١٨ الإصابة ٣/ ٤٣٣، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٠٧.","vol":"13","page":396},{"text":"بالماء وهى حبات تخرج في بدن الإنسان (^١)، وقيل: القرحة كالدمل والورم.\n\n٥١٧٤ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُصِيبَة تصيب الْمُسلم إِلَّا كفر الله عَنهُ بهَا حَتَّى الشَّوْكة يشاكها. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n\n٥١٧٥ - وَفِي رِوَايَة: لمُسلم لَا يُصِيب الْمُؤمن شَوْكة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا نقص الله بهَا من خطيئته. وَفِي أُخْرَى: إِلَّا رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة (^٤). وفي أخرى: إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة (^٥).\nوفي رواية: له ما من مؤمن يشاك بشوكة في الدنيا يحتسبها إلا قص بها من خطاياه يوم القيامة (^٦).\n\n٥١٧٦ - وَفِي أُخْرَى: لَهُ قَالَ دخل شباب من قُرَيْش على عَائِشَة -﵂- وَهِي بمنى وهم يَضْحَكُونَ فَقَالَت مَا يُضْحِككُمْ قَالُوا فلَان خر على طُنب فسطاط فَكَادَتْ عُنُقه أَو عينه أَن تذْهب فَقَالَت لَا تَضْحَكُوا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: مَا من مُسلم يشاك بشوكة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا كتبت لَهُ بهَا دَرَجَة ومحيت عَنهُ بهَا خَطِيئَة (^٧).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٢٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٦٤٠).\n(^٣) صحيح مسلم (٤٩) (٢٥٧٢).\n(^٤) صحيح مسلم (٤٦) (٢٥٧٢).\n(^٥) صحيح مسلم (٤٧) (٢٥٧٢).\n(^٦) صحيح مسلم (٤٦) (٢٥٧٢).\n(^٧) صحيح مسلم (٤٦) (٢٥٧٢).","vol":"13","page":397},{"text":"قوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله -ﷺ-: \"ما حق مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله عنه بها حتى الشوكة يشاكها\" الحديث، الشوكة بالجر عطفا على لفظ مصيبة وبالرفع عطفا على محل الجار والمجرور.\nقوله -ﷺ-: \"إلا رفعه الله بها درجه وحط عنه خطيئة\" وفي حديث عائشة: \"رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة\" (^١) وهو إما شكّ من الراوي وإما تنويع من النبي -ﷺ- باعتبار الناس، فالمذنب تحط عنه خطيئة ومن لا ذنب له كالأنبياء ومن [عصم] الله تعالى [ترفع له الدرجة] الدرجة.\nوفي رواية الأسود عند الطبراني: كتابة عشر حسنات وتكفر عنه عشر سيئات ورفعه له عشر درجات، وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها، وإن قلَّت مشقتها، وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء. وحكى القاضي عن بعضهم أنه تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة ولا تكتب حسنة (^٢). اهـ. قال يعني القاضي (^٣) وروي نحوه عن ابن مسعود. قال الوجعُ لا يكتب به أجر لكن تكفر به الخطايا، واعتمد في ذلك على الأحاديث التي فيها تكفير الخطايا فقط ولم تبلغه هذه الأحاديث التي ذكرها\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٧) (٢٥٧٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٨).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٤٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٩).","vol":"13","page":398},{"text":"مسلم المصرحة برفع الدرجات وكتب الحسنات، اهـ.\nتنبيه: في هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلّ أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور (^١).\nقوله -ﷺ- في حديث عائشة -﵂-: \"قالوا: فلان خرّ على طُنُب فسطاط فكادت عنه أو عينه أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا\" الحديث، خرّ بمعنى سقط، والطنب هو الحبل الذي يشدّ به الفسطاط (^٢)، والفسطاط الخيمة [الكبيرة وتسمى بمدينة مصر الفسطاط] (^٣)، والطنب أحد أطناب الخيمة [وهي الخيمة] وهي الخِباء بكسر الخاء المعجمة وبالمدّ [يكون] من وبر أو صوف ولا تكون من الشعر وهي على عمودين أو ثلاثة وتجمع على أخبية نحو الحمار والأحمرة (^٤)، اهـ.\nففي هذا الحديث النهي عن الضحك من مثل هذا إلا أن تحصل غلبة لا يمكن دفعه وأما تعمد الضحك فمذموم لأن فيه إشماتا بالمسلم وكسرا لقلبه (^٥)، انتهى.\n\n٥١٧٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا يزَال الْبلَاء بِالْمُؤمنِ والمؤمنة فِي نَفسه وَولده وَمَاله حَتَّى يلقى الله تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٨).\n(^٣) عمدة القارى (٦/ ٢٩٢).\n(^٤) الكواكب الدرارى (٩/ ١٦٧) و(١٢/ ١٥٠).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٨).","vol":"13","page":399},{"text":"رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (^١) والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (^٢).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة\" الحديث، أي حتى يموت وقد زال ذنبه في الدنيا، هذا الحديث دليل لمن يقول المصائب تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة ولا تكتب حسنة والجمهور على خلاف ذلك (^٣) كما تقدم.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٣٩٩).\n(^٢) الحاكم في مستدركه (٧٨٧٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وأخرجه ابن أبى شيبة وأحمد (٢/ ٢٨٧)، (٢/ ٤٥٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٩٤)، وابن السري في الزهد (٤٠٢)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٤٠)، وأبو يعلى (٥٩١٢)، (٦٠١٢)، وابن حبان (٢٩٢٤)، والبيهقي الكبرى (٣/ ٣٧٤) وفى الشعب وفى الآداب (٩٠٩)، وابن شاهين في فضائل الأعمال (٤٦١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٨٠)، والحاكم في مستدركه (٧٨٧٩)، والبغوي في شرح السنة (١٤٣٦) من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، فذكره. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ووافقه النووي في الرياض (ص/ ٣٢)، وفي خلاصة الأحكام (٢/ ٨٩٨)، وكذا قال البغوى في شرح السنة (١٤٣٦)، وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٨٠): .. وروي في هذا المعنى عن النبي -ﷺ- جماعة من أصحابه.\nوفي الباب: عن أبي هريرة أخرجه مالك في الموطأ (٥٥٨) بلاغا: أنه بلغه عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته حتى يلقي الله وليست له خطيئة.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٨٠): هكذا جاء هذا الحديث في الموطأ عند عامة رواته. قال أبو عمر: لا أحفظه لمالك عن ربيعة عن أبي الحباب إلا بهذا الإسناد وأما معناه فصحيح محفوظ عن أبي هريرة من وجوه.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"13","page":400},{"text":"تتمة: [ليُعلَم] أن الآلام والأسقام كلها مكفرة للذنوب، فإن فرضنا أنه بقي على المسلم بقية كفرها الموت، وقد صح كما قال القرطبي (^١) أن النبي -ﷺ- قال: الموت كفارة لكل مسلم، اهـ. وروى الحافظ أبو نعيم والقاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين، وقال حديث حسن صحيح عن أنس أن النبي -ﷺ- قال: الموت راحة لكل مسلم وإنما كان كفارة لما يلقاه الميت في مرضه من الآلام والأوجاع (^٢) ومما يقوي رجاء المؤمن في سعة رحمة الله وعفوه وإكرامه له وبره كون هذا العبد المؤمن من أمة سيد ولد آدم خاتم الأنبياء والمرسلين وأكرمهم [صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] ولو لم يكن لهذا من أسباب نجاته إلا هذا لكان كافيا [فيندفع بالموت على الإسلام من الضرر العام ضرر الذنوب والآلام، فإن الموت يكفرها كما سبق وصح من قول النبي ﵊، وإذا اندفع ألم الآثام حصلت السلامة من أنواع العذاب وأهوال يوم المآب وما يكون من تفاضل ذلك مما يتدبره أولوا الألباب، قاله ابن الملقن]، اهـ.\n\n٥١٧٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"من أُصِيب بمصيبة بِمَالِه أَو فِي نَفسه فكتمها وَلم يشكها إِلَى النَّاس كانَ حَقًا على الله أَن يغْفر لَهُ\" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ (^٣).\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٦٨).\n(^٢) التذكرة (ص ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٣٧)، وفي الكبير (١١/ ١٨٤) (١١٤٣٨)، ومن طريقة: =","vol":"13","page":401},{"text":"قوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من أصيب بمصيبة بماله أو في نفسه فكتمها ولم يشكها إلى الناس كان حقا على الله أن يغفر له\" الحديث، الشكوى إلى الله ﷿ لا تنافي الصبر، فإن يعقوب ﵊ وعد بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يخلف، ثم قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^١)، وكذلك أيوب -﵇- أخبر الله أنه وجده صابرًا مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٢)، وإنما ينافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إليه كما رآى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة فقال: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ثم أنشده:\nوَإِذَا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فَاصْبِرْ لهَا ... صَبْرَ الْكَرِيمِ فَإِنَّهُ بِكَ أَعْلَمُ\nوَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى ابْنِ آدَمَ إِنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ؟\n_________\n= الشجري في الأمالي (٢/ ٢٨٠، ٢٨٥) عن بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٦): رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا. قال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١٨٧١): قال أبي: هذا حديث موضوع لا أصل له، وكان بقية يدلس، فظنوا هؤلاء أنه يقول في كل حديث حدثنا ولا يعتقدون الخبر منه، وفي (٢٠٢٨) قال: هذا حديث باطل، وقال: الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦٦) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٣٥)، وقال في الضعيفة (١٩٨)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥٤٣٥): موضوع.\n(^١) سورة يوسف، الآية: ٤٦.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.","vol":"13","page":402},{"text":"وفي أثر إسرائيلي: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه: أنزلت بعبدي بلائي فدعاني فما طلته بالإجابة فشكاني فقلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك (^١). اهـ.\n\n٥١٧٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ أَتَى رَسُول الله -ﷺ- شَجَرَة فهزها حَتَّى تساقط وَرقهَا مَا شَاءَ الله أَن يتساقط ثمَّ قَالَ للمصيبات والأوجاع أسْرع فِي ذنُوب ابْن آدم مني فِي هَذِه الشَّجَرَة رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى (^٢).\n\n٥١٨٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ-. مَا من شَيْء يُصِيب الْمُؤمن من نصب وَلَا حزن وَلَا وصب حَتَّى الْهم يهمه إِلَّا يكفر الله عَنهُ بِهِ سيئاته رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٣).\n\n٥١٨١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول وصب الْمُؤمن كَفَّارَة لخطاياه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٤).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٦٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٨٨)، وأبو يعلى (٤٢٩٩). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠١: رواه أبو يعلى وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٩٩٦) وضعيف الترغيب (١٩٩٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٩٦٦)، وابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (١٢٧). وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٤١٥)، الصحيحة (٢٥٠٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٤) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٥٨) و(١٣١)، والبزار (٩٩٨٩)، والحاكم (١/ ٣٧٤). قال البزار: ولا نعلم رواه، عن عبد الله بن المختار، عن محمد، عن أبي هريرة -﵁-، إلا إسرائيل. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم =","vol":"13","page":403},{"text":"٥١٨٢ - وروي عن بشير بن عبد الله بن أبي أيوب الأنصاري عن أبيه عن جده قال: عاد رسول الله -ﷺ- رجلا من الأنصار فأكب عليه فسأله، فقال: يا نبي الله ما غمضت منذ سبع، ولا أحد يحضرني، فقال رسول الله -ﷺ-: أي أخي اصبر أي أخي اصبر حتى تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها. قال: وقال رسول الله -ﷺ-: ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا. رواه ابن أبي الدنيا (^١).\nقوله: وروي عن بشير بن عبد الله بن أبي أيوب الأنصاري (^٢) عن أبيه عن جده بشير ذكره ابن حبان في الثقات وقال: روى عنه فضال بن جبير، وفضال لا شيء وأبوه عبد الله لم يرو عنه إلا ابنه وجده أبو أيوب خالد بن زيد بن ثعلبة النجاري الخزرجي الأنصاري شهد بدرا، والعقبة الثانية، والمشاهد كلها. وهو ممن غلبت عليه كنيته. وكان مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها.\nومات بالقسطنطينية مرابطا سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة خمسين.\n_________\n= يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٤١٠) وصحيح الترغيب (٣٤١٦). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٣٤) وتمام في الفوائد (٢٠٧) وتلخيص المتشابه في الرسم (١/ ١٤٥). وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٩٣).\n(^٢) بشير بن عبد الله بن أبي أيوب. عن أبيه، عن جده. وعنه فضال بن جبير. مجهول. انظر: تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ١٤٥) ولسان الميزان لابن حجر (٢/ ٣٢٤).","vol":"13","page":404},{"text":"قوله: \"عاد رسول الله -ﷺ- رجلا من الأنصار فأكب عليه فسأله، فقال: يا نبي الله ما غمضت من سبع ولا أحد يحضرني\" الحديث، عيادة المريض معروفة مستحبة، والأنصار قبيلتان: الأوس والخزرج وهم الذين نصروا رسول الله -ﷺ- حين قدم من مكة إلى المدينة مهاجرا.\n\n٥١٨٣ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا كثرت ذنُوب العَبْد وَلم يكن لَهُ مَا يكفرهَا ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عَنهُ. رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا لَيْث بن أبي سليم رواه أحمد (^١). ورواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ١٥٧ (٢٥٢٣٦)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن (٣)، والبزار (٤/ ٨٧/ ٣٢٦٠ - الكشف)، وأبو الشيخ في تاريخ أصبهان (٢٨٣)،، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٨٥٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٨٩ و٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩) من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة مرفوعا. وقال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا زائدة، ولا عنه إلا حسين. وأورده الهيثمي في المجمع ٣/ ٢٩١، وقال: رواه أحمد، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات، وأورده أيضا ١٠/ ١٩٢ وقال: رواه أحمد والبزار، وإسناده حسن وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٧٨) والسلسلة الضعيفة (٢٦٩٥).\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (١٧٠)، وفي الهم والحزن (٨١) من طريق إسماعيل بن علية، عن ليث، عن الحكم، قال: \"إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له من العمل ما يكفرها عنه، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه\". ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) وهو ضعيف انظر الكاشف (٤٦٩٢) والتقريب (٥٦٨٥).","vol":"13","page":405},{"text":"٥١٨٤ - وَعَن عَائِشَة أَيْضا -﵂- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا اشْتَكَى العَبْد الْمُؤمن أخلصه الله من الذُّنُوب كَمَا يخلص الْكِير خبث الْحَدِيد. رواه ابن أبي الدنيا (^١) والطبراني (^٢). واللفظ له وابن حبان في صحيحه (^٣).\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على فضائلها -﵂-.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٩٠) من طريق ابن أبي فديك، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-.\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٤١٢٣)، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا ابن أبي ذئب، تفرد به: ابن أبي فديك\". وفيه نظر، فقد أخرجه هو في المعجم الأوسط (٥٣٥١)، (١٩٠٠) من طريق عبد الله بن نافع .. وقال لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا ابن أبي ذئب، ولا عن ابن أبي ذئب إلا عبد الله بن نافع. وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠٢): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلا أني لم أعرف شيخ الطبراني.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد (١٤٨٨). وابن حبان (٢٩٣٦)، والبزار (١٢٣) عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، فذكره. وروي بزيادة في سنده: زاد فيه: \"جبير بن أبي صالح\".\nأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٩٧) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٣٥)، والشجري ترتيب الأمالي الخميسية (٢٨٦٦) من طريق عيسى بن المغيرة، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٣٥) من طريق عثمان بن طلحة، كلاهما عن ابن أبي ذئب ..\nوقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا ابن أبي ذئب، وقد اختلف على ابن أبي ذئب. فرواه ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة. ورواه غير ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ﵂. وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (١٢٥٧).","vol":"13","page":406},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إذا اشتكى المؤمن خلصه الله من الذنوب كما يخلص الكير خبث الحديد\" الحديث، الكير هو زق أو جلد غليظ للحدادين ينفخون فيه على الحديد، وأما المبني من الطين فهو الكورُ (^١)، والخَبث مفتوح الخاء والباء ويروى مضموم الخاء ساكن الباء ما تلقيه النار من وسخ الحديد والنحاس والفضة وغير ذلك، وقذره الذي تخرجه النار منه إذا أذيب (^٢).\n\n٥١٨٥ - وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ قَالَ لي ابْن عَبَّاس أَلا أريك امْرَأَة من أهل الْجنَّة فَقلت بلَى قَالَ هَذِه الْمَرْأَة السَّوْدَاء أَتَت النَّبِي -ﷺ- فَقَالَت إِنِّي أصرع وَإِنِّي أتكشف فَادع الله لي قَالَ إِن شِئْت صبرت وَلَك الْجنَّة وَإِن شِئْت دَعَوْت الله أَن يعافيك فَقَالَت أَصْبِر فَقَالَت إِنِّي أتكشف فَادع الله لي أَن لَا أتكشف فَدَعَا لَهَا. رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤).\nقوله: \"وعن عطاء بن أبي رباح\" (^٥) هو أبو محمد، عطاء بن أبي رباح -واسم أبي رباح أسلم- مولى فهر، أو جمح المكي. كان جعد الشعر، أسودا، أفطسا، أشلا، أعورا، ثم عمي، وكان من أجلاء الفقهاء، وتابعي مكة، قال الأوزاعي:\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٩/ ٦٤).\n(^٢) النهاية (٢/ ٥)، والكواكب الدراري (٩/ ٦٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٦٥٢).\n(^٤) صحيح مسلم (٥٤) (٢٥٧٦).\n(^٥) طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٧، تاريخ البخاري ٦/ ٤٦٣، الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٠، سير أعلام النبلاء (٥/ ٧٨)، تاريخ الإسلام ٤/ ٢٧٨، ميزان الاعتدال ٣/ ٧٠، تهذيب التهذيب ٧/ ١٩٩.","vol":"13","page":407},{"text":"مات يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس، ومات سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: سنة أربع عشرة، وله ثمان وثمانون سنة، سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وجابرا، وابن عمر، وعائشة، روى عنه عمرو بن دينار، والزهري، وحبيب بن أبي ثابت، وابن جريج، وقيس بن سعد وقال إبراهيم بن عمر بن كيسان: أذكرهم في زمان بنى أمية يأمرون في الحاج صائحا يصيح: لا يفتى الناس إلا عطاء بن أبى رباح. واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته (^١).\nقوله: \"قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه السوداء، أتت النبي -ﷺ- فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي\" الحديث، هذه المرأة السوداء هي أم زفر (^٢)، وفي هذا الحديث دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب (^٣) والله أعلم.\n\n٥١٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ جَاءَت امْرَأَة بهَا لمَم إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَت يَا رَسُول الله ادْع الله لي فَقَالَ إِن شِئْت دَعَوْت الله فشفاك وَإِن شِئْت صبرت وَلَا حِسَاب عَلَيْك قَالَت بل أَصْبِر وَلَا حِسَاب عَليّ. رواه البزار (^٤)\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\n(^٢) أم زفر -بضم الزاي وفتح الفاء-، جاء ذلك في رواية البخاري، وقيل: هي سعيرة الأسدية. انظر: فتح الباري (١٠/ ١١٩)، الإصابة (٧/ ٧٠٠ و٨/ ٢١٠)، تنبيه المعلم (ص ٢٣٠، رقم ١٠٥٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣١).\n(^٤) أخرجه البزار (٧٩٨٠) (٧٧٢ - كشف الأستار). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٧): رواه البزار وإسناده حسن.، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٥٠٢).","vol":"13","page":408},{"text":"وابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله: \"جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله ادع الله لي\" الحديث. قال أهل اللغة: اللمم [طرف] من الجنون يلمّ بالإنسان أي يقرب منه ويعتريه. قاله في النهاية (^٢)، ومنه حديث أعوذ بكلمات الله التامة من شر كل عين لامّة، أي ذات لمَم ولذلك لم يقل ملمّة، اهـ.\n\n٥١٨٧ - وَعَن معَاذ بن عبد الله بن حبيب عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ لأصحابه أتحبون أَن لَا تمرضوا قَالُوا وَالله إِنَّا لنحب الْعَافِيَة فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَمَا خير أحدكم أَن لَا يذكرهُ الله. رواه ابن أبي الدنيا (^٣) وفي إسناده إسحاق بن محمد الفروي (^٤).\n_________\n(^١) ابن حبان (٢٩٠٩). وأخرجه أحمد (٩٦٨٩)، والبغوي في شرح السنة (١٤٢٤)، وهناد في الزهد (٢٨٨)، والبزار، وابن حبان (٢٩٠٩)، والحاكم ٤/ ٢١٨ من طرق عن محمد بن عمرو، به. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٠٢)، والبيهقي في الشعب (٩٩٦٩) من طريق قرة بن حبيب، عن إياس بن أبي تميم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة - ضمن قصة مطولة.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٧٢).\n(^٣) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٤٣)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦٧): ضعيف.\n(^٤) صدوق، كف فساء حفظه، انظر: تقريب التهذيب (ص: ١٠٢ ت ٣٨١)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٤٨ ت ٤٦٦).","vol":"13","page":409},{"text":"قوله: \"وعن معاذ بن عبد الله بن خبيب\" (^١) روى عن: أبيه، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أنيس، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وغيرِهم.\nوعنه: بكير بن الأَشَجّ، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم.\nقال ابن معين: من الثقات وقال أبو داود: ثقة، وروى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة ثماني عشرة ومئة (^٢).\nقوله: \"إن رسول الله -ﷺ- قال لأصحابه أتحبون أن لا تمرضوا؟ قال: والله أنا لنحب العافية\" الحديث، تقدم الكلام على المرض في هذا الكتاب، وعلى العافية في كتاب الجنائز.\nقوله: \"في إسناده إسحاق بن محمد القروي\" إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، واسمه عبد الرحمن بن الأسود بن سوادة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش، ويقال: كيسان، القرشي الأموي، أبو سليمان المدني، مولى آل عثمان بن عفان، تركوه، تكلم فيه مالك والشافعي وتركاه (^٣).\n_________\n(^١) معاذ بن عبد الله بن خبيب بالمعجمة مصغر الجهني المدني صدوق ربما وهم. انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ١٩١) تهذيب الكمال (٢٨/ ١٢٥) تقريب التهذيب (ص: ٥٣٦/ ٦٧٣٦). وعبد الله بن خبيب بمعجمة وموحدتين مصغرا الجهني [ويقال: الأسلمي] حليف الأنصار مدني له صحبة. انظر: معجم الصحابة للبغوي (٤/ ١٦٥) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣/ ١٦٣٠)، أسد الغابة (٣/ ١١٩)، تهذيب التهذيب (٥/ ١٩٧) الإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ١٢٣).\n(^٢) تهذيب الكمال (٢٨/ ترجمة ٦٠٣١).\n(^٣) تهذيب الكمال (٢/ ترجمة ٣٦٧).","vol":"13","page":410},{"text":"٥١٨٨ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا ضرب على مُؤمن عرق قطّ إِلَّا حط الله بِهِ عَنهُ خَطِيئَة وَكتب لَهُ حَسَنَة وَرفع لَهُ دَرَجَة رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد حسن وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n\n٥١٨٩ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا مرض العَبْد أَو سَافر كتب لَهُ مثل مَا كَانَ يعْمل مُقيما صَحِيحًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاود (^٢).\n[٥١٩٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من أحد من النَّاس يصاب ببلاء فِي جسده إِلَّا أَمر الله ﷿ الْمَلَائِكَة الَّذين يَحْفَظُونَهُ قَالَ اكتبوا لعبدي فِي كل يَوْم وَلَيْلَة مَا كَانَ يعْمل من خير مَا كَانَ فِي وثاقي. رواه أحمد. (^٣) واللفظ له، والحاكم (^٤). وقال: صحيح على شرطهما.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٢٠٧)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٥٦ - ٥٧ رقم ٢٤٦٠)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠ رقم ٩٣٩٤). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٤: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٥٦) وضعيف الترغيب (١٩٩٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٩٦)، وأبو داود (٣٠٩١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه أحمد (٦٤٨٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٣): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٨)، وعنه: البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٩٤٦٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠٨٠٤)، وفي \"المسند\" - كما في \"إتحاف الخيرة المهرة (٣٨٤٤/ ١) ومن طريقه: ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٨/ ٤٠٧)، وفي \"التمهيد\" (٥/ ٤٩)، والدارمي في \"السنن\" (٢٧٧٠). البخاري في الأدب المفرد (٥٠٠) وهناد بن =","vol":"13","page":411},{"text":"٥١٩١ - وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد قَالَ رَسُول الله -ﷺ - إِن العَبْد إِذا كَانَ على طَريقَة حَسَنه من الْعِبَادَة ثمَّ مرض قيل للْملك الْمُوكل بِهِ اكْتُبْ لَهُ مثل عمله إِذا كَانَ طليقا حَتَّى أطلقهُ أَو أكفته إِلَيّ وَإِسْنَاده حسن (^١).\n_________\n= السري في \"الزهد\" (٤٣٨). ابن أبي الدنيا في \"المرض والكفارات\" (٧٦) أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٦/ ٨٣) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٧/ ٢١ - ٢٢) والشجري في الأمالي الخميسية (٢٩٠٣). كلهم عن علقمة بن مرثد، عن القاسم بن مخيمرة، فذكره. وتابع: علقمة بن مرثد: أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي، وعاصم: أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٠٥) والدولابي في \"الكنى والأسماء\" (١/ ٣٧٣) والبزار في \"المسند\" (٢٤١٣) (٧٥٩ - كشف الأستار) وابن أبي الدنيا في \"المرض والكفارات\" (٧٦) وأحمد في المسند (٢/ ١٩٤)، ومن طريقه: أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٧/ ٢٤٩) كلهم عن أبي حصين.\nوأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٠٥)، والدولابي في \"الكنى والأسماء\" (١/ ٣٧٣) عن عاصم، كلهم (علقمة بن مرثد، وأبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي، وعاصم) عن القاسم بن مخيمرة، فذكره. قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". قال ضياء الدين المقدسي: \"رجاله على شرط الصحيحين. \"الأمراض أو الطب النبوي\" (٢٦). قال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٣) قلت: الحديث منقطع، قال ابن حبان في \"مشاهير علماء الأمصار\" (١٤٤٧): القاسم بن مخيمرة الهمداني أبو عروة كان مولده بالكوفة مات سنة مائة لا يصح له من صحابي لقى.\nولم يخرج له الشيخان شيئا عن أي صحابي انما اخرجا له عن شريح بن هانيء وأبي بردة بن أبي موسى.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٠٨)، ومن طريقه: أحمد في \"المسند\" (٦٨٩٥)، وابن أبي الدنيا في \"المرض والكفارات\" (٢٦)، والبزار في \"المسند\" (٧٦٠ - كشف الأستار) والبيهقي في =","vol":"13","page":412},{"text":"قَوْله: أكفته إِلَيّ -بكاف ثمَّ فَاء ثمَّ تَاء مثناة فَوق- مَعْنَاهُ أضمه إِلَيّ وأقبضه. قوله أكفته إلي بكاف ثم فاء ثم تاء مثناة فوق معناه أضمه إلي وأقبضه.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم الكلام عليه. [قوله صلى الله تعالى عليه وسلم]: \"إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة فيمرض قيل للملك الموكل به اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا\" [أي صحيحا]. قوله: \"حتى أطلقه أو أكفته إليّ\" الحديث. قوله: \"أكفته\" بكاف ثم فاء ثم تاء مثناة فوق معناه أضمه إلي وأقبضه. اهـ، قاله المنذري. وقال في النهاية (^١): أي أضمّه إلى القبر، ومنه قيل للأرض [كفاة]. وقال ابن عطية (^٢): الكفات: السِّتر والوِعاء الجامع للشيء بإجماع. فقوله كفتَ الرجل شعره إذا جمعه بخرقة، وقرأ ابن مسعود وقد دفن قملة في المسجد ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا\n_________\n= \"السنن الكبرى\" (٣/ ٥٢٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤٢٩)، وفي \"التفسير\" (١٨٦١). عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٣) رواه أحمد وإسناده صحيح. قال ابن حجر: \"أخرجه عبد الرزاق وأحمد وصححه الحاكم\". فتح الباري (٦/ ١٣٧).\nوروي موقوفا عن عبد الله بن عمرو: أخرجه ابن أبي الدنيا في \"المرض والكفارات\" (٩٧) حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن أبي النجود، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمرو، قال: إذا مرض المسلم مرضا فذكره.\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٨٤).\n(^٢) تفسير ابن عطية (٥/ ٤١٩).","vol":"13","page":413},{"text":"(٢٥)﴾ (^١). قال أبو محمد (^٢): ولما كان القبر كفاتا كالبيت قطع من سرق منه، فالأرض تكفت الأحياء على ظهرها وتكفت الأموات في بطنها. وأصل الكفت الستر والضم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ (^٣) أي تضمهم على ظهرها وفي بطنها. قاله عياض (^٤).\n\n٥١٩٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"إِذا ابتلى الله ﷿ العَبْد الْمُسلم ببلاء فِي جسده قَالَ الله ﷿ للْملك اكْتُبْ لَهُ صَالح عمله الَّذِي كَانَ يعْمل وَإِن شفَاه غسله وطهره وَإِن قَبضه غفر لَهُ ورحمه، رواه أحمد ورواته ثقات (^٥).\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده\" فذكر الحديث وفي\n_________\n(^١) سورة المرسلات، الآية: ٢٥.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) سورة المرسلات، الآية: ٢٥.\n(^٤) إكمال المعلم (٨/ ٣١٠ - ٣١١).\n(^٥) أخرجه أحمد (١٢٥٠٣) و(١٣٥٠١) و(١٣٧١٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٠١) وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٦٠) و(١٧٨)، وأبو يعلى الموصلي (٤٢٣٣) و(٤٢٣٥) والعقيلي الضعفاء الكبير (٢/ ١٧٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٢١٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٤٦٥). قال أبو جعفر العقيلي: وفي هذا الباب أحاديث من غير هذا الطريق بأسانيد جياد. قال البيهقي: سنان بن ربيعة هو أبو ربيعة وفي هذا دلالة على أنه لم يسمعه من أنس بن مالك، والله أعلم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٤): رواه أبو يعلى وأحمد، ورجاله ثقات.","vol":"13","page":414},{"text":"آخره \"وإن قبضه غفر له ورحمه\" تقدم أن الابتلاء هو الامتحان.\nتنبيه: المغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة الخيرات، فالأول عبارة عن الزحزحة عن النار، والثاني إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم (^١).\nلطيفة: قال الجنيد بِتُّ عند [السري] ليلة فقال لي أنائم أنت؟ قلت: لا. قال: أوقفني الحق بين يديه وقال: أتدري لم خلقت الخلق؟ قلت: لا. قال: خلقتهم فادّعوا محبتي فخلقت الدنيا فاشتغل بها من [العشرة] آلاف تسعة آلاف وبقي ألف، فخلقت الجنة فاشتغل بها تسع مائة وبقيت مائة فسلطت عليهم شيئا من بلائي فاشتغل تسعون وبقي عشرة، فقلت لهم لا الدنيا وأردتم ولا في الجنة رغبتم ولا من البلاء هربتم فماذا تريدون؟ قالوا: إنك لتعلم ما نريد، فقلت إني سأنزل عليكم من البلاء ما لا تطيقه الجبال أفتثبتون؟ قالوا: ألست أنت الفاعل؟ قد [رضينا بك ونحمل] ذلك بك وفيك ولك، فقلت لهم: أنتم عبادي حقا (^٢). [شعر]:\nنفس إليكِ بِكُلِّهَا قَدْ أَجْمَعَتْ ... لَوْ كَانَ فِيكِ هَلاكُهَا مَا أَقْلَعَتْ\nتَبْكِي عَلَيْكَ ببعضها في بعضها ... حَتَّى يُقَالُ مِنَ الْبُكَاءِ تَقَطَّعَتْ\nانْظُر إِلَيْهَا نظرة بتعطف ... فلطالما متّعتها فتمتّعت (^٣)\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٢/ ١٣٨).\n(^٢) شعب الإيمان (٢/ ٢٦ - ٢٧).\n(^٣) قاله أبو علي الروذباري انظر: طبقات الصوفية (ص ٢٧٢) للسلمى، انظر: عقلاء المجانين (ص ١٠١).","vol":"13","page":415},{"text":"٥١٩٣ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: مَا من عبد يمرض مَرضا إِلَّا أَمر الله حافظه أَن مَا عمل من سَيِّئَة فَلَا يَكْتُبهَا وَمَا عمل من حَسَنَة أَن يَكْتُبهَا عشر حَسَنَات وَأَن يكْتب لَهُ من الْعَمَل الصَّالح كَمَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح وَإِن لم يعْمل رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن أبي الدُّنْيَا (^١).\n\n٥١٩٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- عجب لِلْمُؤمنِ وجزعه من السقم وَلَو كانَ يعلم مَا لَهُ من السقم أحب أَن يكون سقيما الدَّهْر ثمَّ إِن رَسُول الله ﷺ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَضَحِك فَقيل يَا رَسُول الله مِم رفعت رَأسك إِلَى السَّمَاء فَضَحكت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عجبت من ملكَيْنِ كَانَا يلتمسان عبدا فِي مصلى كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فَلم يجداه فَرَجَعَا فَقَالَا يَا رَبنَا عَبدك فلَان كُنَّا نكتب لَهُ فِي يَوْمه وَلَيْلَته عمله الَّذِي كَانَ يعْمل فوجدناه حَبسته فِي حبالك قَالَ الله ﵎ اكتبوا لعبدي عمله الَّذِي كانَ يعْمل فِي يَوْمه وَلَيْلَته وَلَا تنقصوا مِنْهُ شَيْئا وَعلي أجره مَا حَبسته وَله أجر مَا كَانَ يعْمل رواه ابن أبي الدنيا (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٢٣٨)، وأبو يعلى (٦٦٣٨). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٤: رواه أبو يعلى وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٩٩٨) وضعيف الترغيب (١٩٩٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٢) وفي رواية: عن عبد الله، قال: كنا عند النبي -ﷺ- فتبسم فقلنا: يا رسول الله مم تبسمت؟ قال: \"عجبت للمؤمن وجزعه من السقم ولو يعلم ما في السقم أحب أن يكون سقيما حتى يلقى الله ﷿\" لفظ الطيالسي في \"المسند\" (٣٤٥) أخرجه أبو داود الطيالسي في \"المسند\" (٣٤٥، ٣٤٦)، ومن طريقه: أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، =","vol":"13","page":416},{"text":"والطبراني في الأوسط (^١) والبزار (^٢) باختصار\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"عجب للمؤمن وجزعه وجزعه من السقم\" تقدم الكلام على السقم.\n\n٥١٩٥ - وَعَن أبي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ أَنه رَاح إِلَى مَسْجِد دمشق وهجر الرواح فلقي شَدَّاد بن أَوْس والصنابحي مَعَه فَقلت أَيْن تريدان يرحمكما الله\n_________\n= والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٩٤٦٨ - ٩٤٦٩)، وإسحاق بن راهويه في \"المسند\"، كما في المطالب العالية (٢٤٥١)، وإتحاف الخيرة المهرة (٣٨٤٢/ ١) والبزار في \"المسند\" (١٧٦١)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢٣١٧) ابن أبي الدنيا في \"المرض والكفارات\" (٧٥) وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٥٧٠) كلهم عن محمد بن أبي حميد، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، فذكره. وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني في الأوسط والبزار باختصار وفيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف جدا. مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٤)، وقال البوصيري: \"مدار حديث ابن مسعود هذا على محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف. إتحاف الخيرة المهرة (٣٨٤٢/ ٢). قال ابن حجر: \"\"هذا حديث ضعيف الإسناد. المطالب العالية\" (٢٤٥١/ ٢).\nاختلف فيه على محمد بن أبي حميد: فروي عنه، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود -﵁-: بدون: \"عن أبيه\".\nأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٢٦٧) عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي حميد، أن عون بن عبد الله أخبره، عن ابن مسعود، قال: تبسم رسول الله -ﷺ- ...\nقال أبو نعيم: \"تفرد به محمد عن عون. ورواه الليث بن سعد عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي حميد عن عون، ولم يقل عن أبيه.\n(^١) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٣١٧).\n(^٢) البزار في المسند (١٧٦١).","vol":"13","page":417},{"text":"تَعَالَى فَقَالَا نُرِيد هَهُنَا إِلَى أَخ لنا من مُضر نعوده فَانْطَلَقت مَعَهُمَا حَتَّى دخلا على ذَلِك الرجل فَقَالَا لَهُ كيفَ أَصبَحت فَقَالَ أَصبَحت بِنِعْمَة فَقَالَ شَدَّاد أبشر بكفارات السَّيِّئَات وَحط الْخَطَايَا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الله يَقُول إِذا ابْتليت عبدا من عبَادي مُؤمنا فحمدني على مَا ابتليته فأجروا لَهُ كمَا كُنْتُم تجرون لَهُ وَهُوَ صَحِيح. رواه أحمد (^١) من طريق إسماعيل بن عياش عن راشد الصنعاني والطبراني في الكبير والأوسط (^٢) وله شواهد كثيرة (^٣).\nقوله: \"وعن أبي الأشعث الصنعاني\" هو أبو الأشعث، شراحيل بن أدة، قاله يحيى بن معين وغيره، ويقال: شراحيل بن كليب بن ادة. ويقال:\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٧١١٨).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢٧٩/ ٧١٣٦)، والمعجم الأوسط (٤٧٠٩)، ومسند الشاميين (١٠٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٠٩)، وأبو يعلى في \"المسند\" كما في المطالب العالية (٢٤٥٤) كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، به.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٣) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط كلهم من رواية إسماعيل بن عياش عن راشد الصنعاني وهو ضعيف في غير الشاميين. وتعقبه الألباني في الصحيحة (٤/ ١٤٤) وقال: فيه ذهول، وهذا -ابن الصنعاني- ليس نسبة إلى صنعاء اليمن، وإنما هو منسوب إلى صنعاء دمشق كما في التقريب، فهو شامي، وإسماعيل صحيح الحديث عنهم، فثبت الحديث، والحمد لله. اهـ. وهذا سند جيد. حسنه الألباني في ضعيف الجامع (٤٣٠٠)، والصحيحة (٢٠٠٩). صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٧) حسن صحيح الجامع الصغير وزيادته (٤٣٠٠).\n(^٣) انظر الصحيحة (١٦١١)، (٢٠٠٩).","vol":"13","page":418},{"text":"شراحيل بن شراحيل. ويقال: شرحبيل بن شرحبيل. والأول أشهر، وهو من صنعاء الشام وكانت قرية بالقرب من دمشق وهي الآن أرض فيها بساتين غربي دمشق بينها وبين الربوة، وقيل: أنه من صنعاء اليمن، ويحتمل أنه كان من صنعاء اليمن ثم لما قدم الشام سكن صنعاء دمشق. تابعي مشهور، روى عن عبادة بن الصامت، وثوبان، روى عنه مسلم بن يسار، وأبو قلابة، ثقة شهد فتح دمشق (^١).\nقوله: \"أنه راح إلى مسجد دمشق فهجر الرواح\" الحديث، التهجير هو التبكير إلى الصلاة.\nقوله: \"فلقي شداد بن أوس والصنابحي معه\" الحديث، هو شداد بن أوس بن المنذر بن حزام، فذكره إلى أن قال ابن مالك بن النجار وكنيته أبو محمد وقيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو يعلى وشداد بن أوس ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر، ونزل البيت المقدّس وسكنه وكان إمامه (^٢).\nوقال ابن أبي الدنيا: رئي على سور البيت المقدّس الشرقي وهو ينظر إلى وادي جهنم ويبكي فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله\n_________\n(^١) تهذيب الكمال (١٢/ ترجمة ٢٧١٢).\n(^٢) طبقات ابن سعد: (٧/ ٤٠١)، التاريخ الكبير: ٤/ ٢٢٤، تاريخ الفسوي: ١/ ٣٥٦، ٢/ ٣٢٠، ٧١٩، الجرح والتعديل (٤/ ٣٢٨) الاستيعاب: ٢/ ٦٩٤، تهذيب الكمال ٥٧٤، تاريخ الإسلام: ٢/ ٢٩١، العبر: ١/ ٦٢، تهذيب التهذيب: ٤/ ٣١٥، الإصابة: ٥/ ٥٢، معجم الصحابة للبغوي (٣/ ٢٨٣) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣/ ١٤٥٩) أسد الغابة (٢/ ٣٥٥) تهذيب التهذيب (٤/ ٣١٥).","vol":"13","page":419},{"text":"-ﷺ- أنه رأى جهنم (^١). وقال: كان شداد إذا أوى إلى فراشه كأنه حبّة على [مَقْل] فيقول: اللهم إن النار قد أسهرتني ثم يقوم إلى الصلاة. وفي رواية أن جهنم لا تدع أحدا ينام (^٢).\nوقال ابن سعد (^٣) بإسناده عن محمد بن مسلم قال: قال شداد بن أوس وكانت له صحبة: زوجوني. فإن رسول الله -ﷺ- أوصاني أن لا ألقى الله عزبا، واسم أمّه صريمة من بني عدي بن النجار، وتقدم الكلام على مناقبه وتقدم الكلام على الصنابحي.\nقوله: \"رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش عن راشد الصنعاني\" راشد بن داود الصنعاني الدمشقي: قال الدارقطني: ضعيف لا يعتبر به، وقال البخاري: فيه نظر ووثقه دحيم وابن معين وغيرهما.\n\n٥١٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الله ﵎ إِذا ابْتليت عَبدِي الْمُؤمن فَلم يشكني إِلَى عواده أطلقته من إساري ثمَّ أبدلته لَحْمًا خيرا من لَحْمه ودما خيرا من دَمه ثمَّ يسْتَأْنف الْعَمَل. رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما (^٤).\n_________\n(^١) كذا قال سبط ابن الجوزى في مرآة الزمان (٧/ ٣٦٣)، وأخرجه ابن حبان (٧٤٦٤)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٦٠٣ - ٦٠٤، عن عبادة بن الصامت.\n(^٢) الطبقات ٥/ ٣٢٢، ومرآة الزمان (٧/ ٣٦٣).\n(^٣) طبقات ابن سعد: ٧/ ٤٠١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢١٥)، والحاكم (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٧٢)، وصحيح الترغيب (٣٤٢٤).","vol":"13","page":420},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"إذا ابتليتُ عبدي فلم يشكني لعُوّاده أطلقته من أسري\" الحديث.\nوعن علقمة قال: دخلنا على ابن مسعود فقلنا: يا أبا عبد الرحمن ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قلنا: ما تشتهي: قال أشتهي المغفرة. فقالا: أنا [نأتيك] بطبيب؟ قال: الطبيب أنزل في ما تَرْون. قال: ثم بكى عبد الله، ثم قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: إن العبد إذا مرض يقول الرب ﵎ عبدي في وثاقي فإن كان نزل به المرض وهو في [اجتهاده] قال اكتبوا له من الأجر قدر ما كان يعمل في اجتهاده وإن كان نزل به المرض وهو في فترة منه قال: اكتبوا له من الأجر قدر ما كان في فترته. فأنا أبكي أنه نزل بي المرض في فترة، ولوددت أنه كان في اجتهاد مني (^١).\nوعن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن العبد إذا مرض أوحى الله ﷿ إلى ملائكته: يا ملائكتي أنا قيدت عبدي بقيد من قيودي فإن أقبضه أغفر له وإن أعافيه فجسد مغفور له لا ذنب له (^٢). اهـ.\n\n٥١٩٧ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَا يمرض مُؤمن وَلَا مُؤمنَة وَلَا مُسلم وَلَا مسلمة إِلَّا حط الله بِهِ خطيئته وَفِي\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ رقم ٩٤٦٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٢٥)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٦٧ رقم ٧٧٠١)، والحاكم (٤/ ٣١٣). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه عفير بن معدان واه. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦١١).","vol":"13","page":421},{"text":"رِوَايَة إِلَّا حط الله عَنهُ من خطاياه رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ إِلَّا حط الله بذلك خطاياه كَمَا تنحط الورقة عَن الشَّجَرَة (^١).\n\n٥١٩٨ - وَعَن أَسد بن كرز -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول الْمَرِيض تحات خطاياه كَمَا يتحات ورق الشّجر رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد (^٢) فِي زوائده وَابْن أبي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٤٦ (١٤٧٢٥) و٣/ ٣٨٦ (١٥١٤٦) و٣/ ٤٠٠ (١٥٢٩٧)، والبزار (٧٥٨ - كشف الأستار)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٢٢٢)، وأبو يعلى (٢٣٠٥)، وابن حبان (٢٩٢٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٠١: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٢٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه عبد الله بن أحمد (١٦٦٥٤) وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٤٣) و(٢٧٩٣)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٣٥) رقم (٦٠٨٦)، والضياء في المختارة (١٤٢٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٩٣) من طريق سلم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن إسماعيل بن أوسط، عن خالد بن عبد الله، عن جده أسد بن كرز، سمع النبي -ﷺ-. وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه بين خالد بن عبد الله -وهو ابن يزيد بن أسد القسري- وبين جده، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ١١٠) وفي تعجيل المنفعة (١/ ٢٩٧). -في ترجمة أسد بن كرز- وقال أيضا: أسد بن كرز بن عامر البجلي القسري، له صحبة ورواية، روى عنه حفيده خالد بن عبد الله القسري الأمير، ورواية خالد حفيده، عنه منقطعة، وهو خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد، فأسد جد أبيه. قال أبو حاتم الرازي: أسد بن كرز، له صحبة. \"الجرح والتعديل\" ٢/ ٣٣٧.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٣٠١: إسناده حسن، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٩٢٨)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٨): صحيح لغيره.","vol":"13","page":422},{"text":"الدُّنْيَا بِإِسْنَاد حسن (^١).\nقوله: \"وعن أسد بن كرز\" (^٢) هو أسد بن كرز بن عامر بن عبد الله بن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ البجلي القسري، جد خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري أمير العراق، عداده في أهل الشام، صحب النبي -ﷺ-، ولأبيه يزيد أيضا صحبة.\nروى عنه مهاجر بن حبيب، وضمرة بن حبيب، وحفيده: خالد بن عبد الله، وأهدى للنبي قوسا، فأعطاها قتادة بن النعمان (^٣).\n\n٥١٩٩ - وَعَن أم الْعَلَاء وَهِي عمَّة حَكِيم بن حزَام وَكَانَت من المبايعات -﵂- قَالَت عادني رَسُول الله -ﷺ- وَأَنا مَرِيضَة فَقَالَ يَا أم الْعَلَاء أَبْشِرِي فَإِن مرض الْمُسلم يذهب الله بهِ خطاياه كَمَا تذْهب النَّار خبث الْحَدِيد وَالْفِضَّة. رواه أبو داود (^٤).\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (ص: ١٦٦) كتب إلي عقبة بن مكرم، حدثنا سلم بن قتيبة، عن يونس، عن إسماعيل بن أوسط، عن خالد بن عبد الله، عن جده أسد بن كرز، سمع النبي -ﷺ- يقول: المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر.\n(^٢) الجرح والتعديل (٢/ ٣٣٧) أسد معرفة الصحابة لابن منده (ص: ١٩٨) أسد معرفة الصحابة لأبي نعيم (١/ ٢٦٨)، أسد الغابة (١/ ٨٥) الإصابة (١/ ١١٠)، تعجيل المنفعة (١/ ٢٩٧).\n(^٣) أسد الغابة (١/ ٢٠٣).\n(^٤) أبو داود (٣٠٩٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ١٤١/ ٣٤٠) المنتخب من مسند عبد بن حميد (١٥٦٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٩٩٥) والمزي في تهذيب الكمال =","vol":"13","page":423},{"text":"قوله: \"وعن أم العلاء\" [أم العلاء بالمد وهي عمة حكيم بن حزام [الأنصارية]. قال الحافظ [القسطلاني]: صوابه: حزام بن حكيم [الأنصارية]، وكانت من المبايعات، واسمها (^١) كنيتها.\nقوله في الحديث: \"فإن مرض المسلم يُذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الفضة والحديد\" الحديث، الخبث هو ما تبديه النار وتميزه من رديء الفضة والحديد وتنقيه إذا أذيبا (^٢). وتقدم الكلام على مثل هذا قريبا في الباب.\n\n٥٢٠٠ - وَعَن عَامر الرام أخي الْخضر -﵁- قَالَ أَبُو دَاوُد قَالَ النُّفيْلِي هُوَ الْخضر وَلَكِن كَذَا قَالَ قَالَ إِنِّي لببلادنا إِذْ رفعت لنا رايات وألوية فَقلت مَا هَذَا قَالُوا هَذَا رَسُول الله -ﷺ- فَأَتَيْته وَهُوَ تَحت شَجَرَة قد بسط لَهُ كسَاء وَهُوَ جَالس عَلَيْهِ وَقد اجْتمع إِلَيْهِ أَصْحَابه فَجَلَست إِلَيْهِ فَذكر رَسُول الله -ﷺ- الأسقام فَقَالَ إِن الْمُؤمن إِذا أَصَابَهُ السقم ثمَّ أَعْفَاهُ الله مِنْهُ كَانَ كفَّارَة لما مضى من ذنُوبه وموعظة لَهُ فِيمَا يسْتَقْبل وَإِن الْمُنَافِق إِذا مرض ثمَّ أعفي كَانَ كالبعير\n_________\n= (٣٥/ ٣٧٦) عن عبد الملك بن عمير، عن أم العلاء،. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧١٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٤٢٧)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٣٧ - ١٤).\n(^١) أم العلاء عمة حزام بن حكيم صحابية لها حديث وروى عبد الملك بن عمير عن أم العلاء امرأة منهم فكأنها أخرى، تقريب التهذيب (ص: ٧٥٧) ٨٧٥٢ - تهذيب الكمال (٣٥/ ٣٧٦)، أسد الغابة (٦/ ٣٧٠) الإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ٤٤٠).\n(^٢) النهاية (٢/ ٥).","vol":"13","page":424},{"text":"عقله أَهله ثمَّ أَرْسلُوهُ فَلم يدر لم عقلوه وَلم يدر لم أَرْسلُوهُ فَقَالَ رجل مِمَّن حوله يَا رَسُول الله وَمَا الأسقام وَالله مَا مَرضت قطّ قَالَ قُم عَنَّا فلست منا. رواه أبو داود وفي إسناده راو لم يسم (^١)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٠٨٩)، ومن طريقه: البيهقي في شعب الإيمان (٦٧٢٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٥٧) وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧٦٧). قال ابن أبي حاتم الرازي: روى محمد بن إسحاق، عن أبي منظور الشامي، عن عمه، عن عامر الرام أخي الخضر، قال: جلست إلى النبي -ﷺ-. روى ابن أبي أويس، عن أبيه، عن ابن إسحاق، فأدخل بينه وبين أبي منظور الحسن بن عمارة. \"الجرح والتعديل\" ٦/ ٣٢٩.\nإسناده ضعيف لجهالة أبي منظور وعمه، وقد روى هذا الحديث ابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ١٢١)، فقال: عن أبي منظور، عن عمه، عن عامر الرامي، وكذلك رواه المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٨٦ - ٨٧) من طريق عبد الله بن محمد النفيلي، قال الحافظ في النكت الظراف ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧: ليس بين الروايتين اختلاف، إلا أن ظاهر الرواية أنه عن أبي منظور: عن عمه، عن عمه، مرتين، وليس ذلك المراد، وإنما المراد أن الراوي بعد أن قال: عن عمه، بالعنعنة بين أن عمه صرح له بالحديث، فقال: حدثني عمي، بعد أن قاله بلفظ: عن عمه.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (٢٠)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧، والبيهقي في شعب الإيمان (٧١٣٠)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٥٨، والبغوي في شرح السنة (١٤٤٠)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ١٢١)، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ٨٦ - ٨٧) من طريق محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.\nوأخرجه البخاري معلقا في التاريخ الكبير ٦/ ٤٤٦ عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، حدثني الحسن بن عمارة، عن أبي منظور، عن عمه، عن عامر الخضر الرام. قال الحافظ في الإصابة ٣/ ٦٠٦: هذا يدل على وهم أبي أويس، أو يكون ابن إسحاق سمعه من الحسن، عن أبي منظور. وفي باب أن الأمراض والبلاء فيهما تكفير =","vol":"13","page":425},{"text":"قوله: \"وعن عامر الرام أخي الخُضْر\" (^١) الخُضْر بضم الخاء وإسكان الضاد المعجمتين فرد من الأسماء. عامر الرام أخو الخضر والخضر قبيلة من قيس عيلان، ثم من محارب بن حصفة بن قيس عيلان، وهم ولد مالك بن طريف بن خلف بن محارب. قيل لمالك وأولاده: الخضر، لأنه كان آدم، وكان عامر أرمى العرب له رؤية ورواية روى عنه أبو منظور (^٢).\nقوله: \"إني لببلادنا إذ رُفعتْ لنا رايات وأعلام\" الحديث، أي ظهرت لأبصارنا رايات وأعلام. قوله: \"إن المؤمن إذا أصابه السّقم ثم أعفاه الله منه\" تقدم الكلام على ضبط السقم وتفسيره. قوله: \"وإن المنافق إذا مرض ثم أعفي كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه ولم يدر لم أرسلوه\" الحديث. أعفي المريض بمعنى عُوفي. قوله: \"فقال رجل ممن حوله: يا رسول الله وما الأسقام؟ والله ما مرضت قط؟ فقال: قم عنا فلست\n_________\n= للذنوب عن عدد من الصحابة، منها: عن أنس بن مالك عند الترمذي (٢٥٥٩)، وابن ماجه (٤٠٣١) رفعه، ولفظه: إن عظم الجزاء مع عظم النبلاء، فإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وحسنه الترمذي. ونحو هذا اللفظ عن محمود بن لبيد عند أحمد (٢٣٦٢٣).\nوضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٦٧٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٦٩)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٧٦٧).\n(^١) التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٤٤٦) الجرح والتعديل (٦/ ٣٢٩) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ٢٠٦٤) الاستيعاب (٢/ ٧٨٩) أسد الغابة (٣/ ١٧) الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٤٩١) تقريب التهذيب (ص: ٢٨٩/ ٣١١٤)، تهذيب التهذيب (٥/ ٨٤).\n(^٢) جامع الأصول (١٢/ ٥٥٨) وأسد الغابة (٣/ ١١٨).","vol":"13","page":426},{"text":"منا\" أي لست ممن اهتدى بهدينا وعملنا وحسن طريقتنا.\n\n٥٢٠١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (^١) فَقَالَ إِنَّا لنجزى بِكُل مَا عَملنَا هلكنا إِذا فَبلغ ذَلِك رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ نعم يجزى بِهِ فِي الدُّنْيَا من مُصِيبَة فِي جسده مِمَّا يُؤْذِيه. رواه ابن حبان في صحيحه (^٢).\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٢٣.\n(^٢) قوله: وعن أبي هريرة، لعله وهم فهو بهذا اللفظ مروي عن عائشة: انظر: إتحاف المهرة (٢١٩٤٧) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٣٩) عن عائشة ﵂: وهو في (الموارد) برقم (١٧٣٦) وقد أورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٥٨) ط الحلبي نقلا عن كتاب سعيد بن منصور عن ابن وهب بسنده إلى عائشة. ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٢٧) إلى ابن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه، وأبي يعلى، وابن جرير، والبيهقي في شعب الإيمان -بسند صحيح- عن عائشة، رواه ابن حبان في صحيحه. وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٤/ ٤٦٦) - التعليق الرغيب (٤/ ١٥٢)، الروض (٨١٩).\nرواه أبو يعلى الموصلي في \"المسند\" كما في إتحاف الخيرة المهرة (٥٦٧٣/ ٢) وله شاهد من حديث أنس بن مالك.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٦٥)، وسعيد بن منصور (رقم ٦٩٩). والبخاري في التاريخ (٨/ ٣٧١). وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٣٥٤). والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٥١)، كلهم من طريق بكر بن سوادة، عن يزيد بن أبي يزيد، عن عبيد بن عمير، عن عائشة ﵂، قالت: .. وهذا إسناد رجاله ثقات إلا يزيد، فذكره البخاري في التاريخ وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٨)، وابن حجر في في تعجيل المنفعة (٤٥٤) وقد روى عنه جمع ولم يوثقه إلا ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٣١).","vol":"13","page":427},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"قال أبو هريرة لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله -ﷺ-: قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها\" (^١) الحديث.\nالمقاربة هي القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير وهو القريب من الطاعة الذي لا مشقة فيه ومنه قوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ (^٢) غير شاق، والسدّاد الاستقامة والإصابة والنكبة تقدم الكلام عليها قريبا، ويُنكَبها بضمّ الياء وفتح الكاف مبنيا للمفعول، ويحتمل أن يُراد بالنكبة هنا المصيبة وهو معناها المشهور. قال الجوهري (^٣) والنكبة واحدة نكبات الدهر. والله أعلم.\n\n٥٢٠٢ - وَعَن أبي بكر الصّديق -﵁- أَنه قَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ الصّلاح بعد هَذِه الْآيَة ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (^٤) وكل شَيْء عَمِلْنَاهُ جزينا بِهِ فَقَالَ غفر الله لَك يَا أَبَا بكر أَلَسْت تمرض أَلَسْت تحزن أَلَسْت يصيبك اللأواء قَالَ فَقلت بلَى قَالَ هُوَ مَا تُجْزونَ\n_________\n(^١) هذا ليس لفظ حديث الترغيب وإنما هو حديث آخر لأبى هريرة بلفظ: لما نزل: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] شق ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى النبي -ﷺ- فقال: \"قاربوا وسددوا، وفي كل ما يصيب المؤمن كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها\". أخرجه مسلم (٢٥٧٣) م، والترمذي (٣٠٣٨).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٤٢.\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ٢٢٨).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٢٣.","vol":"13","page":428},{"text":"بِهِ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا (^١).\nواللأواء بِهَمْزَة سَاكِنة بعد اللَّام وهمزة فِي آخِره ممدودة هِيَ شدَّة الضّيق.\n\n٥٢٠٣ - وَعَن أُمَيْمَة أَنَّهَا سَأَلت عَائِشَة عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ (^٢) الْآيَة وَ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَت عَائِشَة مَا سَأَلَني أحد مُنْذُ سَأَلت رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ لي النَّبِي -ﷺ- يَا عَائِشَة هَذِه مبايعة الله العَبْد بِمَا يُصِيبهُ من الْحمى والنكبة والشوكة حَتَّى البضاعة يَضَعهَا فِي كمه فيفقدها فَيفزع لَهَا فيجدها فِي ضبنه حَتَّى إِن الْمُؤمن ليخرج من ذنُوبه كَمَا يخرج الذَّهَب الْأَحْمَر من الْكِير رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من رِوَايَة عَليّ بن يزِيد عَنهُ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٩٨) و(٩٩) و(١٠٠) و(١٠١)، وابن حبان (٢٩١٠) و(٢٩٢٦) والحاكم (٣/ ٧٤ - ٧٥). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن، الروض (٨١٩)، وصححه في صحيح الترغيب (٣٤٣٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.\n(^٣) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٠١)، والقاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ (٥١٣)، وإسحاق بن راهويه (١٤١٣)، والطيالسي (١٦٨٩)، والترمذي (٢٩٩١)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٥٦٠) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية، أنها سألت عائشة.\nوقال القاسم بن سلام في الناسخ (٥١٣) عن أمة، أو قال: عن أمية شك أبو عبيد عن عائشة وقال الترمذي (٢٩٩١)، وإسحاق بن راهويه (١٤١٣) أمية، أبي داود الطيالسي (١٦٨٩) قال: عن أمية بنت عبد الله، وقال قوام السنة (٥٦٠) أمينة وقال الترمذي (٢٩٩١) \"هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة\". =","vol":"13","page":429},{"text":"الضبن بضاد مُعْجمَة مَكْسُورَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة سَاكنة ثمَّ نون هُوَ مَا بَين الْإِبِط والكشح وَقد أضبنت الشَّيْء إِذا جعلته فِي ضبنك فأمسكته.\nقوله: \"وعن أميمة\" هي أميمة بنت عبد الله ويقال أمية وعنها ربيبها علي بن زيد بن جدعان وقيل عن علي عن أم محمد وهي امرأة أبيه واسمها أمينة قال ابن كثير: علي بن زيد بن جدعان، ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه -أم محمد بنت عبد الله-، عن عائشة، وليس له عنها في الكتب سواه (^١).\nقوله: \"أنها سألت عائشة ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ (^٢) الآية، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية\"، فذكر الحديث.\nقوله -ﷺ-: \"يا عائشة هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة\" إلى آخره. قال بعض المحققين: وقع في بعض النسخ: [يتابع] الله العبدَ، ولا معنى له، والصواب معاتبة الله العبد، ومعنى المعاتبة هنا أن\n_________\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٢): \"رواه أحمد، وأمينة لم أعرفها قال ابن حجر في تعجيل المنفعة (١٦٢٨) أمينة بالتصغير عن عائشة رضى الله تعالى عنها وعنها سليمان التيمي لا تعرف. أظنها أم محمد امرأة زيد بن جدعان والد علي بن زيد بن جدعان روى عنها علي بن زيد أحاديث يقول في بعضها عن أم محمد وفي بعضها عن امرأة أبيه وفي بعضها عن أمه وفي بعضها عن آمنة ومنهم من قال أمية بالتصغير وبالتحتانية الثقيلة والجميع واحدة فيما أحسبه فإن يكن كذلك فهي معروفة.\n(^١) تهذيب الكمال (٣٥/ ١٣٢ - ١٣٣)، وتفسير ابن كثير (١/ ٣٤٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤.","vol":"13","page":430},{"text":"يؤاخذه بما أصابه من الذنوب (^١)، اهـ.\nوالإشارة إلى مفهوم الآية المسئول عنها، أي محاسبة الله تعالى عباده ومجازاتهم بما يبدون وما يخفون من الأعمال هو بما يصيبهم من الدنيا من الآفات (^٢) والله أعلم.\nوقوله: \"حتى البضاعة يضعها في كمّه\" فذكره إلى أن قال: \"فيجدها في ضبنه\"، أي لو وضع متاعه في كمه وسقط، والضبن قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو ما بين الإبط والكشح، وقد أضبنت الشيء إذا جعلته في ضبنك فأمسكته.\n[قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي تظهروا ما في قلوبكم من السوء وعملتم به أو تخفوه بمعنى أو تسِرّوه يعني ما جرى في خواطركم من قصد الذنوب يحاسبكم به الله ولكن جزاؤه ما يصيب الرجل من الحزن والمرض وغير ذلك. هذا قول عائشة، وفي قول هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٣) [ودفع ما جرى في الخاطر ليس بمقدور الإنسان]، والمعاتبة جريان العتاب بين الصديقين يظهر أحد الخليلين من نفسه الغضب على خليله إذا ظهر منه سوء أدب مع أن في قلبه محبة، يعني ليس معنى الآية أن يعذّب الله المؤمنين بجميع ذنوبهم يوم\n_________\n(^١) الميسر (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) تحفة الأبرار (١/ ٤٢٥).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.","vol":"13","page":431},{"text":"القيامة، بل معناه أنه يلحقهم الجوع والعطش والمرض والحزن وغير ذلك من المكاره حتى إذا خرجوا من الدنيا خرجوا في حال صيرورتهم متطهرين برآء من الذنوب، لأن مكاره الدنيا كفارة لذنوب المؤمنين (^١)].\n\n٥٢٠٤ - وَعَن عَطاء بن يسَار -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا مرض العَبْد بعث الله إِلَيْهِ ملكَيْنِ فَقَالَ انْظُرُوا مَا يَقُول لعواده فَإِن هُوَ إِذا جاؤوه حمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ رفعا ذَلِك إِلَى الله وَهُوَ أعلم فَيَقُول لعبدي عَليّ إِن توفيته أَن أدخلهُ الْجنَّة وَإِن أَنا شفيته أَن أبدله لَحْمًا خيرا من لَحْمه ودما خيرا من دَمه وَأَن أكفر عَنهُ سيئاته رَوَاهُ مَالك مُرْسلا (^٢) وَابْن أبي الدُّنْيَا (^٣) وَعِنْده فَيَقُول الله ﷿\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) مالك في الموطأ (١٦٨٢).\n(^٣) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٣)، وروي موصولا: أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٣٩٢) عن سليمان بن سليم عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله -ﷺ- به. وتوبع سليمان بن سليم على وصله، تابعه عباد بن كثير فرواه البيهقي في الشعب (٩٩٤٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٤٧) عن عباد بن كثير عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: به. وعند البيهقي قرنه مع سليمان هذا في السند. وهذا معل.\nفرواه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٣) حدثنا ابن جميل حدثنا عبد الله حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي -ﷺ- نحوه. وهو أصح ومالك في الموطأ (١٦٨٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٩٤١) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله -ﷺ- قال به. هذا مرسل وهو المحفوظ عن مالك، راجع للتفصيل الدارقطني في العلل (١٠/ ٩٧).","vol":"13","page":432},{"text":"إِن لعبدي هَذَا عَليّ إِن أَنا توفيته أدخلته الْجنَّة وَإِن أَنا رفعته أَن أبدله لَحْمًا خيرا من لَحْمه ودما خيرا من دَمه وأغفر لَهُ.\nقوله: \"وعن عطاء بن يسار\" (^١) بالياء المثناة التحتانية والمهملة، كنيته أبو محمد المدني، مولى ميمونة أم المؤمنين، وكان عطاء قاصّا ويرى القدر، مات سنة أربع وتسعين على الأشبه. قاله الكرماني (^٢). قوله: \"رواه مالك مرسلا\" تقدم الكلام على الحديث المرسل أنه الذي يرويه التابعي عن النبي -ﷺ- من غير أن يذكر الصحابي.\n\n٥٢٠٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ دخلت على النَّبِي -ﷺ- فمسسته فَقلت يَا رَسُول الله إِنَّك توعك وعكا شَدِيدا فَقَالَ أجل إِنِّي أوعك كمَا يوعك رجلَانِ مِنْكُم قلت ذَلِك بِأَن لَك أَجْرَيْنِ قَالَ أجل مَا من مُسلم يُصِيبهُ أَذَى من مرض فَمَا سواهُ إِلَّا حط الله بهِ سيئاته كمَا تحط الشَّجَرَة وَرقهَا رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤).\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم.\nقوله: \"دخلت على النبي -ﷺ- فمسِسته\" بكسر السين الأولى.\n_________\n(^١) طبقات ابن سعد ٥/ ١٧٣، تاريخ البخاري ٦/ ٤٦١، تاريخ الإسلام ٤/ ٣٤ و١٥٥، تذكرة الحفاظ ١/ ٨٤، تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٧، تقريب التهذيب (ص: ٣٩٢) ٤٦٠٥ تهذيب الكمال (٢٠/ ١٢٥) سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٨) تاريخ الإسلام (٣/ ١٠٤).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢/ ٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٥٦٤٧).\n(^٤) صحيح مسلم (٤٥) (٢٥٧١).","vol":"13","page":433},{"text":"قوله: \"فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا\" الوعك الحمى. قاله المنذري، وقيل: الوعك حرارة الحمى وشدتها والرعدة فيها (^١)، وقد وعكه المرض وعكا فهو موعوك (^٢).\nقوله: \"فقال: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم\" الحديث. أجَل رُوي بسكون الجيم وفتح اللام بمعنى من أجل وبفتح الجيم وسكون اللام مخففة، ومعناها نعم، وهي تقع في جواب الخبر تحقيقا له وتصديقا للخبر يقال لك قد كان أو يكون فتقول أجل، ولا تصلح في جواب الاستفهام، وأما نعم فمحققة لكل كلام، كذا في كتاب الفائق (^٣) أي [يصيبني] سَوْرة الحمى وحدّتها ضعف ما يصيبه رجل منكم. وقال بعضهم أيضا: أجل إنما هو جواب مثل نعم من حروف الإيجاب (^٤)، اهـ.\n\n٥٢٠٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رجلا من الْمُسلمين قَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت هَذِه الْأَمْرَاض الَّتِي تصيبنا مَا لنا بهَا قَالَ كفَّارَات قَالَ أبي يَا رَسُول الله وَإِن قلت قَالَ وَإِن شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا فَدَعَا على نَفسه أَن لَا يُفَارِقهُ الوعك حَتَّى يَمُوت وَأَن لَا يشْغلهُ عَن حج وَلَا عمْرَة وَلَا جِهَاد فِي سَبِيل الله وَلَا صَلَاة مَكْتُوبَة فِي جمَاعَة قَالَ فَمَا مس إِنْسَان جسده إِلَّا وجد حرهَا حَتَّى\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٤٢٢).\n(^٢) النهاية (٥/ ٢٠٧).\n(^٣) الفائق في غريب الحديث (٢/ ١١).\n(^٤) الصحاح (٤/ ١٦٢٢).","vol":"13","page":434},{"text":"مَاتَ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه الوعك الْحمى (^١).\n\n٥٢٠٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الصداع والمليلة لَا تزَال بِالْمُؤمنِ وَإِن ذَنبه مثل أحد فَمَا تَدعه وَعَلِيهِ من ذَلِك مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل.\n\n٥٢٠٨ - وَفِي رِوَايَة مَا يزَال الْمَرْء الْمُسلم بِهِ المليلة والصداع وَإِن عَلَيْهِ من الْخَطَايَا لأعظم من أحد حَتَّى تتركه مَا عَلَيْهِ من الْخَطَايَا مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل. رواه أحمد واللفظ له وابن أبي الدنيا والطبراني (^٢) وفيه ابن لهيعة وسهل بن معاذ.\nالمليلة بفتح الميم بعدها لام مكسورة هي الحمى تكون في العظم.\nقوله: \"وعن أبي الدرداء\" اسمه عامر تقدمت ترجمته.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٣ (١١١٨٣)، وابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (١٠)، وأبو يعلى (٩٩٥)، وابن حبان (٢٩٢٨)، والحاكم (٤/ ٣٠٨). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٢: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجاله ثقات. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٣٤٣٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٨ (٢١٧٢٨) و٥/ ١٩٩ (٢١٧٣٦)، وابن أبى الدنيا (٤١)، والحارث (٢٤٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٩٩ رقم ٦٣٤) و(٣/ ٢٧١ رقم ٣١١٩) والشاميين (٣٥١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠١: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٤٣٣) وضعيف الترغيب (٢٠٠١).","vol":"13","page":435},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إن الصداع والمليلة لا يزال بالعبد وإن ذنبه مثل أحد\" الحديث. الصداع معروف وهو وجع في الرأس، والمليلة قد ضبطها الحافظ وفسّرها فقال: هي الحمى تكون في العظم، اهـ. وقال في النهاية (^١): المليلة حرارة الحمى ووهجها، وقيل: هي الحمى التي تكون في العظام كما قاله المنذري.\nفائدة: يكتب للصداع: بسم الله الرحمن الرحيم ذلك تخفيف من ربكم ورحمة بسم الله الرحمن الرحيم يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا بسم الله الرحمن الرحيم الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا بسم الله الرحمن الرحيم [حم] عسق بسم الله الرحمن الرحيم وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان بسم الله الرحمن الرحيم ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا بسم الله الرحمن الرحيم وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم هذا ما وجد [منقولا] في حجر في كنيسة قبل أن يبعث النبي -ﷺ- بسبعمائة عام، انتهى ذكره في حياة الحيوان (^٢).\nفائدة أخرى: [تكتب] للصداع: قال الحافظ ابن عساكر: ويكتب للصداع بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص حم عسق كم لله من نعمة على عبد شاكر\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٦٢).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٦٩).","vol":"13","page":436},{"text":"وغير شاكر وكم من نعمة لله في كل قلب خاشع وغير خاشع وكم من نعمة لله في كل عرق ساكن وغير ساكن اذهب أيها الصداع بعِزِّ عز الله بنور وجه الله وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، تكتب وتجعل على الرأس، وذكر لها خبرا اتفق لهارون الرشيد مع بعض الروم ذكر أيضا في حياة الحيوان (^١).\n\n٥٢٠٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تزَال المليلة والصداع بِالْعَبدِ وَالْأمة وَإِن عَلَيْهِمَا من الْخَطَايَا مثل أحد فَمَا تدعهما وَعَلَيْهِمَا مِثْقَال خردلة رواه أبو يعلى (^٢) ورواته ثقات.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولا وكان له هرة فكني بها، وتقدم الكلام عليه مبسوطا. قوله: \"لا تزال المليلة والصداع بالعبد\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٦٩).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦١٥٠) عن ضمام، عن موسى بن وردان، فذكره - وعنه أخرجه ابن عدي، في \"الكامل\" (٥/ ١٦٦) في ترجمة ضمام بن إسماعيل، وقال: وهذه الأحاديث التي أمليتها لضمام بن إسماعيل لا يرويها غيره، وله غيرها الشيء اليسير. والحديث: أخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث (١/ ٣٣٠)، والبيهقي، في \"شعب الإيمان\" (٩٤٣٤ و٩٤٣٥) من طريق ضمام به. إتحاف الخيرة المهرة (٤/ ٤٠٤) هذا إسناد رجاله ثقات، رواه الترمذي في الجامع وصححه بغير هذا اللفظ. ونحوه قال الهيثمي (٢/ ٣٠١). وضعفه الألباني في الترغيب والترهيب (٢/ ٣٧٠).","vol":"13","page":437},{"text":"٥٢١٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من صدع رَأسه فِي سَبِيل الله فاحتسب غفر لَهُ مَا كَانَ قبل ذَلِك من ذَنْب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^١).\n\n٥٢١١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ صداع الْمُؤمن وشوكة يشاكها أَو شَيْء يُؤْذِيه يرفعهُ الله بهَا يَوْم الْقِيَامَة دَرَجَة وَيكفر عَنهُ بهَا ذنُوبه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\n\n٥٢١٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الله ليبتلي عَبده بِالسقمِ حَتَّى يكفر ذَلِك عَنهُ كل ذَنْب رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (٢٤٢٥)، وعبد بن حميد (٣٢٩)، والبزار (٢٤٣٧)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٤٥ رقم ١٤٦٣٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٢: \"رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن\". وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٦١٥) وضعيف الترغيب (٢٠٠٣). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (١٨٠) ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦ رقم ٩٤٠٩). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٣٤). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه الحاكم (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، وتمام (١٦٢٥)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٨٠ - ٢٨١ رقم ٩٣٩٧). وصححه الحاكم وسكت الذهبي عليه في تلخيصه. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣٩٣) وصحيح الترغيب (٣٤٣٥) وقال: حسن صحيح. ولم يدرج المصنف تحته شرحا.","vol":"13","page":438},{"text":"٥٢١٣ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الرب ﷾ يَقُول وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أخرج أحدا من الدُّنْيَا أُرِيد أَغفر لَهُ حَتَّى أستوفي كل خَطِيئَة فِي عُنُقه بسقم فِي بدنه وإقتار فِي رزقه ذكره رزين ولم أره (^١).\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم.\nقوله: \"إن الرب يقول: وعزتي وجلالي لا أخرج أحدا من الدنيا أريد أن أغفر له حتى أستوفي كل خطيئة في عنقه بسقم في بدنه وإقتار في رزقه\" الحديث، تقدم الكلام على السقم، والإقتار التضييق على الإنسان في الرزق. يقال: أقتر الله رزقه، أي ضيقه وقلله. وقد أقتر الرجل فهو مُقتر وقتِر فهو مقتور عليه. ومنه الحديث: موسع عليه في الدنيا ومقتور عليه في الآخرة. وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ \"فأَقْتَرَ أبوَاهُ حَتَّى جَلَسا مَعَ الأوْفاض\" (^٢) أَيِ افْتَقَرا حَتَّى جَلسَا مَعَ الْفُقَرَاءِ. اهـ. قاله في النهاية (^٣).\n\n٥٢١٤ - وَعَن يحيى بن سعيد أَن رجلا جَاءَهُ الْمَوْت فِي زمن رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ رجل هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَلم يبتل بِمَرَض فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَيحك مَا يدْريك لَو أَن الله ابتلاه بِمَرَض يكفر عَنهُ من سيئاته رَوَاهُ مَالك عَنهُ مُرْسلا (^٤).\n\"وعن يحيى بن سعيد\" هو: أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو\n_________\n(^١) لم أجده. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٠٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٣٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٢٩): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٢).\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢٧١٤). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٠٥).","vol":"13","page":439},{"text":"بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري المديني.\nسمع أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وأبا أمامة سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وأبا سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم، روى عنه هشام بن عروة، ومالك بن أنس، وابن جريج، وشعبة، والثوري، والحمادان، والليث بن سعد، وابن عيينة، وابن المبارك، ويزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد القطان، وهشيم. كان يتولى القضاء بمدينة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- زمن بني أمية، وأقدمه المنصور العراق، وولاه القضاء بالهاشمية، وذكر غير واحد من أهل العلم أنه ولي القضاء بمدينة السلام، قال الخطيب: وليس ذلك ثابتا عندي، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وقيل: سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة ست وأربعين بالهاشمية، وكان إماما من أئمة الحديث والفقه عالما ورعا صالحا زاهدا مشهورا بالثقة والدين، وهو أخو عبد ربه، وسعد (^١).\nقوله: \"فقال رسول الله -ﷺ- ويحك ما يدريك لو أن الله ابتلاه بمرض لكفر عنه من سيئاته\" الحديث، ويحك كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على المصدر.\nوقد ترفع، وتضاف ولا تضاف. يقال. ويح زيد، وويحا له، وويح له (^٢).\n_________\n(^١) جامع الأصول (١٢/ ١٠٠٦).\n(^٢) النهاية (٥/ ٢٣٥).","vol":"13","page":440},{"text":"قوله: \"رواه مالك عنه مرسلا\" تقدم الكلام على الحديث المرسل.\n\n٥٢١٥ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من عبد يصرع صرعة من مرض إِلَّا بَعثه الله مِنْهَا طَاهِرا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n\n٥٢١٦ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- دخل على أم السَّائِب أَو أم الْمسيب فَقَالَ مَا لَك تزفزفين قَالَت الْحمى لَا بَارك الله فِيهَا فَقَالَ لَا تسبي الْحمى فَإِنَّهَا تذْهب خَطَايَا بني آدم كَمَا يذهب الْكِير خبث الْحَدِيد رواه مسلم (^٢).\nتزفزفين روي براءين وبزاءين ومعناهما متقارب وهو الرعدة التي تحصل للمحموم\nقوله: \"وعن جابر بن عبد الله\" تقدم.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال ما لك تزفزفين قالت الحمى لا بارك الله فيها فقال لا تسبي الحمى\" الحديث.\nأم السائب أو المسيب اسمها لا يعرف، ذكرها ابن كعب في قبائل العرب\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٢٣)، والرويانى (١٢٧٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ٩٧ رقم ٧٤٨٥) والشاميين (١٥٩٥). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٢: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٧٧) وصحيح الترغيب (٣٤٣٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) صحيح مسلم (٥٣ - ٢٥٧٥).","vol":"13","page":441},{"text":"بين المهاجرين والأنصار (^١).\nوتزفزفين برائين وبزائين ومعناهما متقارب وهي الرعدة التي تحصل للمحموم، قاله الحافظ. وقال بعضهم هو بزائين معجمتين وفائين والتاء مضمومة وفتح الزاي الأولى (^٢). وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^٣): هذا هو الصحيح المشهور في ضبط هذه اللفظة، أي ترعدين. والزفزفة الرعدة، وادّعى القاضي أنها رواية جميع رواة مسلم، ووقع في بعض نسخ بلادنا بالراء والفاء، [ورواه] بعضهم في غير مسلم بالراء والفاء اهـ، ورواه بعضهم أيضا بالراء والقاف. قال أبو مروان بن سراج وهما صحيحان يعني الزاي والراء [انتهى] ومعناه تتحركين حركة شديدة [معه] أي ترعدين ومعناه ترتعد، اهـ.\nقوله: \"فقال: لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبت الحديد\" الحديث، الكير بالكسر كير الحداد [وهو] المبني بالطين وقيل الزق الذي ينفخ به النار والمبني الكور (^٤)، اهـ. وتقدم أيضا الكلام عليه قريبا، ومعنى الخبث.\n_________\n(^١) الإصابة (٨/ ٣٩٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣١).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٤٤).\n(^٤) النهاية (٤/ ٢١٧).","vol":"13","page":442},{"text":"٥٢١٧ - وَعَن أم الْعَلَاء -﵂- قَالَت عادني رَسُول الله -ﷺ- وَأَنا مَرِيضَة فَقَالَ أَبْشِرِي يَا أم الْعَلَاء فَإِن مرض الْمُسلم يذهب الله بِهِ خطاياه كَمَا تذْهب النَّار خبث الْفضة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\n\n٥٢١٨ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِنَّمَا مثل العَبْد الْمُؤمن حِين يُصِيبهُ الوعك والحمى كحديدة تدخل النَّار فَيذْهب خبثها وَيبقى طيبها رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n\n٥٢١٩ - وَعَن فَاطِمَة الْخُزَاعِيَّة -﵂- قَالَت عَاد النَّبِي -ﷺ- امْرَأَة من الْأَنْصَار وَهِي وجعة فَقَالَ لَهَا كَيفَ تجدينك فَقَالَت بِخَير إِلَّا أَن أم ملدم قد بَرحت بِي فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- اصْبِرِي فَإِنَّهَا تذْهب خبث ابْن ادم كَمَا يذهب الْكِير خبث الْحَدِيد رواه الطبراني (^٣) ورواته رواة الصحيح.\n_________\n(^١) أخرجه عبد بن حميد (١٥٦٤)، وأبو داود (٣٠٩٢)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٤١ رقم ٣٤٠). وصححه الألباني في الصحيحة (٧١٤) وصحيح الترغيب (٣٤٢٧) و(٣٤٣٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٢٤)، والبزار (٧٥٦ - كشف الأستار)، والحاكم (١/ ٧٣) و(١/ ٣٤٨) و(٣/ ٤٣١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٧١٤) وصحيح الترغيب (٣٤٣٩). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٤٠٥/ ٩٨٤) أخرجه عبد الرزاق، (٢٠٣٠٦)، ومن طريقه: البيهقي في شعب الإيمان (٩٣٨٠)، وفيه: عن الزهري، قال: حدثتني فاطمة الخزاعية - وكانت قد أدركت عامة أصحاب رسول الله -ﷺ-. وأخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٠٤) عن الزهري به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٧): رواه =","vol":"13","page":443},{"text":"قوله: \"وعن فاطمة الخزاعية\" روى عنها الزهري وقالوا كانت قد أدركت عامة أصحاب النبي -ﷺ-. ذكرها أبو بكر بن أبي عاصم في الوحدان، وأوردها الطبراني أيضا في الصحابيات.\nقوله: \"عاد النبي -ﷺ- امرأة من الأنصار وهي وجعة فقال لها: كيف تجدينك؟ فقالت: بخير إلا أن أم مِلدم قد برّحت بي\" الحديث، أم ملدم هي كنية الحمى، والميم الأولى مكسورة زائدة وألدمت [عليَّ] الحمى أي دامت وبعضهم يقولها بالذال المعجمة اهـ. والحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب وبنبت منه في جميع البدن [فيشتعل] اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية، قاله الكرماني (^١). وقولها برَّحت بي [أو بنا] معناه أي كشفت أمرنا وأظهرته. قاله عياض (^٢).\n_________\n= الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. قلت: فاطمة هذه ليست صحابية، ولا هي من رواة الصحيح.\nوله شاهد آخر من حديث خالد بن يزيد عن أبى الزبير عن جابر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَادَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ\"، فَقَالَ لَهَا: \"أَهِيَ أُمُّ مِلْدَمٍ؟ \" قَالَتْ: نَعَمْ. فَلَعَنَهَا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"لَا تَسُبِّيهَا، فَإِنَّهَا تَغْسِلُ ذُنُوبَ الْعَبْدِ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ\" أخرجه الحاكم (١/ ٣٤٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم وإنما أخرجه بغير هذا اللفظ من حديث حجاج بن أبي عثمان عن أبى الزبير ووافقه الذهبي. وصححه لغيره الألباني في الترغيب والترهيب (٣/ ٣٤٣).\n(^١) الكواكب الدراري (٢١/ ١٧١).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٨٣).","vol":"13","page":444},{"text":"٥٢٢٠ - وَعَن الْحسن -﵁- رَفعه قَالَ إِن الله ليكفر عَن الْمُؤمن خطاياه كلهَا بحمى لَيْلَة رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا (^١) من رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن عمر بن الْمُغيرَة الصَّنْعَانِيّ عَن حَوْشَب عَنهُ وَقَالَ قَالَ ابْن الْمُبَارك هَذَا من جيد الحَدِيث.\nقوله: \"وعن الحسن يرفعه\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله ليكفّر عن المؤمن من خطاياه كلها بحمّى ليلة\" الحديث. وأخبرنا الشيخ [أبو علي] بن الحسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: من حُمَّ ثلاث ساعات فتصبّر فيها شاكرا حامدا له باهى الله به الملائكة فقال: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي وصبره على بلائي، اكتبوا لعبدي براءة من النار، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم براءة لفلان بن فلان أن قد أمّنتك من ناري وأوجبت لك\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٨)، ومن طريقه: البيهقي في شعب الإيمان (٩٤٠٠) عن حوشب، عن الحسن، وقال العراقي في طرح التثريب في شرح التقريب (٣/ ٢٣٨): لكن مرسلات الحسن غير محتج بها عند أهل الحديث. المقاصد الحسنة (ص: ٣١٥) وقال ابن المبارك عقب روايته له: إنه من جيد الحديث ومن جهة هشام عن الحسن قال: كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة لما مضى من الذنوب، وشواهده كثيرة وبعضها يؤكد بعضا. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٦١٤٤): منكر.\nوروي من قول الحسن أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩٣٩٩) عن عمر بن مغيرة، عن حوشب، عن الحسن، إنه ليكفر عن العبد خطاياه كلها بحمى ليلة.\nوروي من قول شيوخه أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩٤٠١) عن هشام، عن الحسن قالوا: كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة لما مضى من الذنوب.","vol":"13","page":445},{"text":"جنتي فادخلها بسلام. (^١).\n\n٥٢٢١ - وَعنهُ -﵁- قَالَ كَانُوا يرجون فِي حمى لَيْلَة كفَّارَة لما مضى من الذُّنُوب رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا أَيْضا وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\n\n٥٢٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من وعك لَيْلَة فَصَبر وَرَضي بهَا عَن الله ﷿ خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الرِّضَا وَغَيره. (^٣).\n\n٥٢٢٣ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ اسْتَأْذَنت الْحمى على رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ من هَذِه قَالَت أم ملدم فَأمر بهَا إِلَى أهل قبَاء فَلَقوا مِنْهَا مَا يعلم الله فَأتوهُ فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ فَقَالَ مَا شِئْتُم إِن شِئْتُم دَعَوْت الله فكشفها عَنْكُم وَإِن شِئْتُم أَن تكون لكم طهُورا قَالُوا أو تفعل قَالَ نعم قَالُوا فدعها رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة\n_________\n(^١) انظر: الفردوس بمأثور الخطاب (٥٩٨٨).\n(^٢) ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٢٩)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٨٢ رقم ٩٤٠١). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٤١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج ٤/ ص ٣٣٦)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٤٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٧٣) من طريق إياس بن أبي تميمة قال حدثنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال ما وجع أحب الى من الحمى لأنها تعطي كل مفصل فسطه من الوجع.\nقال ابن حجر في فتح الباري (ج ١٠/ ص ١١٢): ومثله حديث أبي هريرة عند أحمد وبن أبي شيبة بلفظ: لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة قال أبو هريرة ما من وجع يصيبني أحب إلي من الحمى أنها تدخل في كل مفصل من بن آدم وأن الله يعطي كل مفصل قسطه من الأجر. ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":446},{"text":"الصَّحِيح وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث سلمَان وَقَالَ فِيهِ فشكوا الْحمى إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ مَا شِئْتُم إِن شِئْتُم دَعَوْت الله فَدَفعهَا عَنْكُم وَإِن شِئْتُم تَرَكْتُمُوهَا وأسقطت بَقِيَّة ذنوبكم قَالُوا فدعها يَا رَسُول الله (^٢).\n\n٥٢٢٤ - وَعَن مُحَمَّد بن معَاذ بن أبي بن كَعْب عَن أَبِيه عَن جده أَنه قَالَ يَا رَسُول الله مَا جَزَاء الْحمى قَالَ تجْرِي الْحَسَنَات على صَاحبهَا مَا اختلج عَلَيْهِ قدم أَو ضرب عَلَيْهِ عرق قَالَ أبيّ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك حمى لَا تمنعني خُرُوجًا فِي سَبِيلك وَلَا خُرُوجًا إِلَى بَيْتك وَلَا مَسْجِد نبيك قَالَ فَلم يمس أبي قطّ إِلَّا وَبِه حمى. رواه الطبراني في الكبير (^٣) والأوسط (^٤) وسنده لا بأس به محمد\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٣١٦ (١٤٣٩٣)، وابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٢٤٥)، وأبو يعلى (١٨٩٢)، وابن حبان (٢٩٣٥). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٠٦: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٤٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ١٤٦ رقم ٦١١٢). وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠٦): فيه هشام بن لاحق تركه أحمد وقواه النسائي، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٤٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٠٠/ ٥٤٠).\n(^٤) المعجم الأوسط (٤٤٥) وعنه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٥)، وقال الطبراني: لم يرو هذين الحديثين عن معاذ بن محمد بن أبي، إلا محمد بن عيسى الطباع، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٥): رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب عن أبيه وهما مجهولان كما قال ابن معين، قلت: ذكرهما ابن حبان في الثقات. وقال =","vol":"13","page":447},{"text":"وأبوه ذكرهما ابن حبان في الثقات وتقدم حديث أبي سعيد بقصة أبيّ أيضا.\nقوله: \"وعن محمد بن معاذ بن أبيّ بن كعب عن أبيه عن جده\" ومحمد هذا وأبوه ذكرهما ابن حبان في الثقات (^١). قاله الحافظ (^٢).\nقوله: \"أنه قال يا رسول الله: ما جزاء الحمى؟ قال: تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق\" الحديث. وقال قتادة (^٣): ذكر لنا أن نبي الله -ﷺ- قال: لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر، اهـ. الاختلاج التحرك وأصل الاختلاج الحركة والاضطراب. قاله في النهاية (^٤).\n\n٥٢٢٥ - وَعَن أبي رَيْحَانَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْحمى من فيح جَهَنَّم وَهِي نصيب الْمُؤمن من النَّار رواه ابن أبي الدنيا (^٥) والطبراني (^٦) كلاهما\n_________\n= الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٣٨٧): ضعيف؛ معاذ بن محمد وأبوه وجده مجاهيل.\nقال ابن المديني: لا نعرف محمدا هذا، ولا أباه، ولا جده في الرواية، وهذا إسناد مجهول. وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٤٤): حسن لغيره.\n(^١) الثقات لابن حبان (٧/ ٣٧٨)، (٥/ ٤٢٢).\n(^٢) يعني المنذري.\n(^٣) تفسير عبد الرزاق (٢٧٤١)، تفسير الطبري (٧/ ٢٤١)، شعب الإيمان (٩٣٥٨).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٦٠).\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢١).\n(^٦) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٩٣) (٧٤٦٨)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٦٣) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢١٧)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٣٤٥)، وأبو نعيم معرفة الصحابة (٤٥٢٦) والبيهقي في شعب الإيمان (٩٣٨٦) وابن عبد البر في =","vol":"13","page":448},{"text":"من رواية شهر بن حوشب عنه.\nقوله: \"وعن أبي ريحانة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"الحمى من فيح جهنم\" وهي نصيب المؤمن من النار، الحديث. فيح جهنم بفتح الفاء وإسكان الياء المثناة من تحت وآخره حاء مهملة هو شدة حرِّها ولهبها وانتشارها. قال أبو العباس القرطبي (^١).\nقوله الحمى من فيح جهنم: [فيح جهنم] شدة حرارتها وأصله من فاحت القدر إذا غلت وجهنم اسم علم من أسماء [نار جهنم]. وفي الحديث دليل على أن جهنم مخلوقة الآن موجودة وهو مذهب أهل السنة والجماعة، ويروى من فوح جهنم وهما سواء، يُروى الحمى من فور جهنم بالراء أي من انتشار حرّها ومنه فور الماء وحمى تفور، والظاهر أنه على حقيقته ولهذا كان ابن عمر يقول (^٢): اللهم أذهب عنا الرجز، ويحتمل أنه مجاز على طريق التشبيه بحرّ جهنم، والله أعلم. ذكره العراقي في شرح الأحكام. ومما\n_________\n= التمهيد (٦/ ٣٦٠) من طريق عصمة بن سالم، عن أشعث الحداني، عن شهر بن حوشب، عن أبي ريحانة الأنصاري.، وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٣٣٥): قال أبو طاهر هذا إسناد فيه جماعة من الضعفاء، وأبو ريحانة اسمه شمعون، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٦): رواه الطبراني في الكبير، وفيه شهر بن حوشب وفيه كلام ووثقه جماعة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣١٩٠)، وفي السلسلة الصحيحة (١٨٢٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٤٥)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٣١٩٠).\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٥٨٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٧٢٣).","vol":"13","page":449},{"text":"يدل في الدنيا على وُجود النار الحمى التي تصيب بني آدم وهي نار باطنة فمنها نفحة من نفحات سَموم جهنم ومنها نفحة زمهريرها.\nوقد رُوي في حديث: أنها حظ المؤمن من النار. وعن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه عاد مريضا ومعه أبو هريرة من وعك كان به فقال رسول الله -ﷺ-: أبشر فإن الله تعالى يقول: هي ناري أسلِّطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة.\nانفرد به ابن ماجه (^١)، والمراد أن الحمى تكفر ذنوب المؤمن [وتنقيه منها] كما ينفي الكير خبثَ الحديث، وتقدم ذلك، وإذا [طهر] المؤمن من ذنوبه في الدنيا لم يجد حرّ النار إذا مرّ عليها يوم القيامة، لأنّ وُجْدان [الناس] لحرّها [عند] المرور عليها بحسب ذنوبهم فمن [طهر] من الذنوب ونقي منها في الدنيا جاز على الصراط كالبرق الخاطف والريح ولم يجد شيئا من حر النار ولم يحسّ بها فتقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي (^٢)، وفي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٨٠٢)، وأخرجه أحمد في المسند (٩٦٧٦)، وهناد في الزهد (٣٩١)، وابن ماجه (٣٤٧٠)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٩)، والطبراني في مسند الشاميين (٥٦١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٦/ ٨٦، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٤٥، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٨٤٤)، وفي السنن ٣/ ٣٨١ - ٣٨٢.\nوالحديث حسنه النووي في خلاصة الأحكام (٣٢٣٨)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٥٧)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٣٢).\n(^٢) أخرجه: الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١١٠/ ٦٦٨)، وابن عدي في الكامل (٩/ ٦٥٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء =","vol":"13","page":450},{"text":"حديث جابر (^١). المرفوع في مسند الإمام أحمد أنهم يدخلونها فتكون عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم -﵇- حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، اهـ. قاله ابن رجب الحنبلي (^٢).\nفائدة: ورد في الحديث: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، بهمزة الوصل وضم الراء يقال بردَ الماء حرارة جوفي، وحكى الجوهري فتح الهمزة وكسر الراء وهو ضعيف، قاله في النهاية. وورد في الحديث أيضا: إذا حُمَّ أحدكم فليَشُنّ عليه الماء (^٣).\n_________\n= ٩/ ٣٢٩، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٠٣)، (٩/ ٢٣١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٠): رواه الطبراني، وفيه سليم بن منصور بن عمار، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٤١٣)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٤٧٤).\n(^١) أخرجه: أحمد (١٤٥٢٠)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (١١٢٧)، وعبد بن حميد (١١٠٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٠)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٩٩، ٩٩١). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦١٥٦).\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٢٥)، تحقيق كلمة الإخلاص (ص: ٤٠) جامع العلوم والحكم (ص: ٢١١).\n(^٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٧٥٦٦) وأبو يعلى (٣٧٩٤)، والحاكم (٧٤٣٨)، (٨٢٢٦)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥١٧٤)، والمقدسي في المختارة (٢٠٤٣) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nقال أبو حاتم الرازي في \"علل الحديث\" (٢٥٣٥): رواه موسى بن إسماعيل وغيره، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن النبي -ﷺ-، وهو أشبه. =","vol":"13","page":451},{"text":"أي فيرشّه عليه رشّا متفرّقا، الشنّ الصب المنقطع والسنّ الصب المتصل، ومنه حديث ابن عمر (^١): كان يسُنُّ على وجهه [ولا يشنّه أي يجريه ويفرّقه]، اهـ.\nفائدة أيضا: عن عبد الله الأسلمي (^٢). قال: أصابتني الحمى المثلثة اثنين وثلاثين سنة إلى أن هلكت منها، فرأيت النبي -ﷺ- في المنام فقال: خذ دواةً وقرطاسا واكتب: بسم الله الرحمن الرحيم صرخ صارخ من وجه النار نور الله يطفئ النار يا نار كوني بردا وسلاما كما كنت على إبراهيم الخليل أيتها الحمى اخرجي من العظم إلى اللحم ومن اللحم إلى الجلد ومن الجلد إلى الأرض فامكثي ما شاء الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فكتبتها وبلعتها فعوفيت من وقتي، اهـ.\nتتمة: عن ابن عباس: (^٣) أن النبي -ﷺ- كان يعلمهم من الحمى والأوجاع كلها أن يقولوا: بسم الله الكبير أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن\n_________\n= وقال أبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو حميد، عن الحسن، عن النبي -ﷺ-، وهو الصحيح، وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (٤٩٧) والسلسلة الصحيحة (١٣١٠).\n(^١) في رواية أبي يعلى: \"فليسن\" بالمهملة، والشن: الصب المنقطع، والسن: الصب المتصل. \"النهاية في غريب الحديث\" ٢/ ٥٠٦.\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ٣٠٠)، ومعمر بن راشد (١٩٧٧١)، والترمذي (٢٠٧٥)، وابن ماجه (٣٥٢٦)، والطبراني في الدعاء (١٠٩٧)، والحاكم (٤/ ٤١٤)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ٢٣٣)، وفي ضعيف الجامع الصغير (٤٥٨٧) وفي المشكاة (١٥٥٤).","vol":"13","page":452},{"text":"شرّ حرّ النار. قال أبو عامر أما الناس في هذا [فأقول] نعار رواه الترمذي في الطب نعر العرق بالدم إذا ارتفع وجرح [نعار] ونعورا إذا صوّت دمُه عند خروجه، اهـ. وقال بعضهم النعار غليانُ الدم، وقال بعضهم أيضا: العرق النعار الصباب [للدم] هو الذي دمُه من غلبة الدم، يُقال نعر العرق بالدم إذا ارتفع دمُه، ويقال: ما كانت فتنة إلا نَعَر فيها فلان أي نهض، اهـ. وقوله: \"باسم الله\" المراد هنا بالاسم المسمى كأنه قال الله يبرئك كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (^١) أي سبح ربك، ولفظ الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدالة على المسمى، والمسمى هو مدلولها غير أنه قد يتوسع فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة فتدبر فإنه موضع كثر فيه الغلط وموضع استيفائه علم الكلام. قال القرطبي فيه دليل على استحباب الرقية بأسماء الله تعالى بالعُوَذ الصحيحة المعنى وأن ذلك أيضا [نصّ] التوكل على الله ولا ينقصه إذ لو كان شيء من ذلك لكان النبي -ﷺ- أحق الناس بأن يجتنب ذلك فإن الله لم يزل يُرقِّي نبيه -ﷺ- في المقامات الشريفة والدرجات الرفيعة إلى أن قبضه على أرفع مقام وأعلى حال وقد رقى في أمراضه حتى في مرض موته والله أعلم. أبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو العقدي البصري الحافظ توفي سنة أربع ومائتين. قال يحيى بن معين ثقة. وقال أبو حاتم صدوق.\n_________\n(^١) سورة الأعلى، الآية: ١.","vol":"13","page":453},{"text":"قال ابن السمعاني: العقدي نسبة إلى بطن من بَجِيلةَ وقيل من قيس كان إسحاق بن راهويه يُسميه الثِّقة الأمين، روى له الجماعةُ، وعن جُنادة بن أمية قال: سمعت عُبادة بن الصامت يقول: أتى جبريل النبي -ﷺ- وهو يُوعَك فقال: [بسم] الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من حسد حاسد ومن كل عين الله يشفيك، انفرد به ابن ماجه. (^١).\nفائدة: عن عائشة أن النبي -ﷺ- قال: الحُمّى من فيح جهنم فأبردوها بالماء. [رواه مسلم] (^٢). وعن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: الحمى كير من كير جهنم فنحّوها عنكم بالماء البارد (^٣).\nوشبّه النبي -ﷺ- نار الحمى بنار الكير والبدن بالحديد وفضول البدن بخبث الحديد، والذي صرّح به في الحديث أنها تنقي الذنوب لأنها كفارة\n_________\n(^١) ابن ماجه (٣٥٢٧)، وأحمد (٢٢٧٦٠)، والبزار (٢٦٨٤)، والطبراني في مسند الشاميين للطبراني (٢٢٣)، والحاكم (٨٢٦٨) وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال البوصيري في الزوائد إسناده حسن. لأن ابن ثوبان اسمه عبد الرحمن بن ثابت. وابن ثوبان مختلف فيه. وباقي رجال الإسناد ثقات. وأخرجه أحمد (٢٢٧٥٩)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠٧٧٦)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٥٣) عن عاصم الأحول، عن سلمان، رجل من أهل الشام عن ابن أخي عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت.\n(^٢) صحيح مسلم (٢٢١٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٧٥)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٢٠)، والطبراني في المعجم الأوسط (٣٩٩٠). قال أيوب السختياني: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (١٠٦). وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٣١٨٩) عن أبي هريرة. الصحيحة ١٨٢٢.","vol":"13","page":454},{"text":"[السيئات] تمحو المكفر عنه وحينئذ يكون قد شبه المعقول بالمحسوس [للمريض ليتذكر العقبى]. والمريض [يتذكر العقبى] ويندم على ما مضى ويستغفر من الخطايا فيعود كمن لا ذنب له بمنزلة الملائكة. [وقد] روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: دعاء المريض كدعاء الملائكة (^١).\nقال: قوله: \" [فأبردوها] بالماء البارد\" [وصوابه] بوصل الألف لأنه من قولهم بردَ الماء حرارة جوفي وهو ثلاثي وقد أخطأ من قال أبردوها بقطع الهمزة، وفي الرواية الأخرى [فأطفئوها بالهمزة] رباعيا من [أطفأ]، [قاله القرطبي (^٢)].\nقال بعضهم: أبردوها بالماء يُروى بضم الراء وبالقطع وكسر الراء، قال القرطبي (^٣): ليس كل حمى يجوز إبرادها بالماء البارد بل الحمايات [المحترقة] التي ليس معها ورم وكثيرا ما تعرض الحمايات التي يوافقها الماء في أرض العرب وكل بلد حار يابس، فجاء الحديث على هذا النمط والأطباء يُسلِّمون أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرودة ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد وعلى هذا فلا يبعُد أنه -ﷺ- أراد هذا النوع هو المقصود بالحديث والله أعلم. ولئن سلمنا أنه أراد جميع جسد المحموم\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٤٤١) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٥٧) عن عمر بن الخطاب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٨٧) وفي مشكاة المصابيح (١٥٨٨) وفي السلسلة الضعيفة (١٠٠٤).\n(^٢) المفهم (١٨/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٣) المفهم (١٨/ ٧٩ - ٨٠).","vol":"13","page":455},{"text":"فجوابه أنه يريد بذلك استعماله بعد أن تقطع الحمى وتسكن حرارتها ويكون ذلك في وقت مخصوص [وبعدد] مخصوص فيكون ذلك من باب الخواص التي أطلع الله تعالى عليها نبيه -ﷺ-، اهـ.\nوقال الخطابي (^١): تبريد الحميات الصفراوية بسقي الماء البارد ووضع أطراف المحموم فيه من أنفع العلاج وأسرعه على إطفاء نارها وعلى هذا الوجه [أَمَرَ] رسول الله -ﷺ- بتبريد الحمى بالماء دون الانغماس فيه. قال (^٢): وبلغني عن ابن الأنباري أنه كان يقول معنى [قوله -ﷺ-]: \"فأبردوها بالماء\"، أي تصدقوا بالماء [على] المريض يشفيه الله ﷿ لما روي أن أفضل الصدقة سقي الماء.\nقلت: وهذا كله تكلف [والجواب] يردّه ما سيأتي في مسند أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا أتِيت بالمرأة قد حُمّت تدعوا لها أخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها، وقالت: كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا أن نبردها بالماء، وذكر حديث سمرة بن جندب (^٣) أن رسول الله -ﷺ- قال: الحمى قطعة من النار [فأبردوها] عنكم بالماء البارد، وكان رسول الله -ﷺ- إذا حُمّ دعا بقربة من ماء فأفرغها\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٣/ ٢١٢٤).\n(^٢) كشف المشكل (٢/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٨٥٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢٢٧/ ٦٩٤٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣٥٨١)، والحاكم في المستدرك (٨٢٢٩) فيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف جدا. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٩٤) رواه الطبراني، والبزار، وفيه إسماعيل بن مسلم، وهو متروك.","vol":"13","page":456},{"text":"على قرنه فاغتسل، فهذا على خلاف ما قاله الخطابي، وابن الأنباري والصحابة أعرف بمقصود الرسول -ﷺ- في خطابه، وإنما الوجهُ ما أخبرتُك به من عادات العرب في بلادهم، وقد قال إبراهيم الحربي في قوله: فأبردوها بالماء، قال هذا لأهل المدينة لو كان رجل بخراسان في الشتاء كان يصب عليه الماء فهذا يصدق ما ذهبتُ إليه والله أعلم، اهـ.\nوقال بعضهم أيضا في قوله -ﷺ-: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، فقوله: من فيح جهنم يعني من اشتعال حرارة الطبيعة وهو يُشبه نار جهنم في كونه معذّبا ومذيبا للجسد (^١).\nوقوله: فأبردوها بالماء، أي اسقوا المحموم الماء البارد (^٢).\nقال الإمام التوربشتي (^٣): قد وجدت [في كلام بعض الأطباء] المتدينين أن الماء من أنفع الأدوية في التبريد عن الحميات الحادة لأن الماء ينساغ بسهولة فيصل إلى أماكن العلة ويدفع حرارتها من غير حاجة إلى معاونة الطبيعة فلا تشتغل بذلك عن معاونة العلة، [والله أعلم بالصواب].\nلطيفة يختم بها ذكر الحمى: قال ابن أبي حاتم (^٤): حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن\n_________\n(^١) المفاتيح (٥/ ٧٥).\n(^٢) الميسر (٣/ ١٠٠٣).\n(^٣) الميسر (٣/ ١٠٠٣ - ١٠٠٤).\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٣١).","vol":"13","page":457},{"text":"النبي -ﷺ- قال: لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه وكيف نطمئن أو تطمئن المواشي ومعنا الأسد، فسلّط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت الأرض فهو لا يزال محموما، ثم شكوا الفأرة فقالوا الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها، وهذا مرسل.\nوفي الحلية (^١) في ترجمة وهب بن منبه أنه قال: لما أمر نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين قال: رب كيف أصنع بالأسد والبقرة وكيف أصنع بالعناق والذئب وكيف أصنع بالحمام والهرّ، قال من ألقى بينها العداوة؟ قال: أنت يا رب. قال: فإني أؤلف بينهم فلا يتضررون، اهـ، [قاله] في حياة الحيوان (^٢).\n\n٥٢٢٦ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْحمى كير من جَهَنَّم فَمَا أصَاب الْمُؤمن مِنْهَا كَانَ حَظه من جَهَنَّم رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ.\n\n٥٢٢٧ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْحمى حَظّ كل مُؤمن من النَّار رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (^٣).\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٤/ ٤٣).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٢).\n(^٣) أخرجه البزار (٧٦٥ - كشف الأستار). قال البزار: لا نعلم أسنده عن هشيم إلا عثمان. وقال الدارقطني: المحفوظ موقوفا. قال الهيثمى في المجمع ٢/ ٣٠٦: رواه البزار وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٤٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":458},{"text":"٥٢٢٨ - عَن أنس -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الله ﷿ قَالَ إِذا ابْتليت عَبدِي بحبيبتيه فَصَبر عوضته مِنْهُمَا الْجنَّة يُرِيد عَيْنَيْهِ. البخاري (^١) والترمذي (^٢) ولفظه قال رسول الله -ﷺ- يقول الله ﷿ إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة.\n\n٥٢٢٩ - وَفِي رِوَايَة لَهُ من أذهبت حبيبتيه فَصَبر واحتسب لم أَرض لَهُ ثَوابًا دون الْجنَّة (^٣).\n\"عن أنس بن مالك\" [تقدمت ترجمته رضي الله تعالى عنه].\nقوله -ﷺ-: \"إن الله ﷿ يقول إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة\" الحديث، الابتلاء هو الامتحان وبحبيبتيه معناه بذهاب بصره، حبيبتيه وهما عيناه، اهـ، قاله شارح مشارق الأنوار (^٤)، [اهـ].\nوالحبيبتان أي المحبوبتان يعني العينين وسميتا بذلك لأنهما أحب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٦٥٣).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٤٠٠) من طريق أبي ظلال، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-، وفي الباب عن أبي هريرة، وزيد بن أرقم وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأبو ظلال اسمه: هلال.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٤٠١)، وأحمد (٧٥٩٧)، والدارمي (٢٧٩٥)، والنسائي في الكبرى (١١٤٤٦)، وهناد بن السري في الزهد (٣٨٠)، وابن حبان (٢٩٣٢) عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٤٦) صحيح لغيره صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢/ ١٣٥٢) (صحيح). الروض النضير (١٥١).\n(^٤) حدائق الأزهار شرح مشارق الأنوار للأرزنجاني (لوحة ٢٦٩/ مخ ٨٧٧٨١ كتبخانة).","vol":"13","page":459},{"text":"الأشياء إلى الشخص (^١).\nوقوله: \"فصبر\" أي على الابتلاء شاكرا عليه راضيا بقضاء الله تعالى، وليس ابتلاء الله تعالى العبدَ بالعمى لسخَطه عليه بل لدفع مكروه يكون بسبب البصر ولتكفير ذنوب سلفت منه [وليبلغه] إلى أجر لم يبلغه بعمله ونعمة [الصبر] وإن كانت أجلّ نعم الله تعالى على العبد في الدنيا [انتهى قاله الكرماني (^٢)] فعوّض الله له [بكفِّه] عليها أعظم العوضين وأفضل النعمتين كالبقاء مدة الالتذاذ بالبصر وضعفه وبقاء الالتذاذ الجنة وقوته فمن ابتلي بالعمى أو بفقد جارحة ليتلقّ ذلك بالصبر لتحصل له الجنة التي من صار إليها [فقد ربحت تجارته، انتهى] [والله أعلم. انتهى، قاله الكرماني] (^٣).\nقوله -ﷺ- في رواية الترمذي: \"يقول الله ﷿ إذا أخذت كريمتي عبد في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة\" الحديث، ويروى [كريمته] يريد عينيه أي جارحتيه أي الكريمتين عليه، وكل شيء مكرم عليك فهو كريمُك وكريمتُك، ومنه الحديث: أنه أكرمَ جرير بن عبد الله لما ورد عليه فبسط له رداءه وعمّمه بيده وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (^٤)، أي كريم قوم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٠/ ١٨٣).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٠/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٠/ ١٨٤).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٣٧١٢) قال البوصيري (٤/ ١١١) وهذا إسناد ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، (٢٩٩١). وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٧٩) عن ابن عمر، والطبراني في الأوسط (٥٢٦١) (٦٢٩٠) وفي المعجم الكبير (٢/ ٣٠٤) (٢٢٦٦) (٢/ ٣٢٥) =","vol":"13","page":460},{"text":"وشريفهم، والهاء للمبالغة (^١). وقوله في الرواية الأخرى: \"من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب\" الحديث، تقدم الكلام على الصبر والمراد بالاحتساب ها هنا الرضا والله أعلم.\n\n٥٢٣٠ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- يَعْنِي عَن ربه ﵎ أَنه قَالَ إِذا سلبت من عَبدِي كريمتيه وَهُوَ بهما ضنين لم أَرض لَهُ ثَوابًا دون الْجنَّة إِذا هُوَ حمدني عَلَيْهِمَا رواه ابن حبان (^٢) في صحيحه\n_________\n= (٢٣٥٨). والبيهقي في الشعب (١٠٩٩٧) وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٥٦) عن أبي هريرة. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٩٢) عن جابر، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٠٤) (١١٨١) وفي الأوسط (٥٥٨٢) وانظر مجمع الزوائد (٨/ ١٦) عن ابن عباس. والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ١٦٠) رقم (٤٢٢) عن عيينة بن بدر الفزاري، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٤٠) و(٢٠٢) عن معاذ بن جبل، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٦) رواه الطبراني وشهر لم يدرك معاذ وعبد الله بن خراش ضعيف. وابن عساكر (٢٢/ ١٨٤) عن عائشة. ذكره الحافظ ابن حجر هذا الحديث في الإصابة (٤/ ١٣٥) وقال: قال ابن منده: عبد الله بن ضمرة عداده في أهل البصرة وإسناده مجهول.\nوابن عساكر (٤٠/ ٧٧) والقضاعي (٧٦٠)، عن عدي بن حاتم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٩)، والسلسلة الصحيحة (١٢٠٥) وانظر: المقاصد الحسنة (٥٠).\n(^١) النهاية (٤/ ١٦٧).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (المطالب العالية ٢٤٦٤)، وابن حبان (٢٩٣١)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٤) (٦٣٣)، (٦٣٤). وأخرجه البزار (٧٧١) والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٧) (٦٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠٣) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن العرباض، وقال: لا نعلمه عن العرباض بأحسن من هذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩)،: رواه البزار، والطبراني في الكبير، وفيه أبو =","vol":"13","page":461},{"text":"قوله: \"وعن العرباض بن سارية\" تقدم الكلام عليه. قوله في الحديث: \"إذا سلبتُ من عبدي كريمتيه\" وهو بمهملتين \"لم أرضَ له ثوابا\"، السلب هو الأخذ بسرعة، وضنين بهما بالضاد المعجمة أي بخيل بهما.\n\n٥٢٣١ - وَعَن عَائِشَة بنت قدامَة قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- عَزِيز على الله أَن يَأْخُذ كرِيمَتي مُؤمن ثمَّ يدْخلهُ النَّار. قَالَ يُونُس يَعْنِي عَيْنَيْهِ رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢) من رواية عبد الرحمن بن عثمان الحاطبي (^٣).\nقوله: \"وعن عائشة بنت قدامة\" هى عائشة بنت قدامة بن مظعون\n_________\n= بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. وحسنه لغيره الألباني في صحيح الجامع الصغير (٤٣٠٥). وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٤٦)، والصحيحة (٢٠١٠).\nوفي الباب: عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يقول الله ﵎: إذا أخذت كريمتي عبدي، فصبر واحتسب، لم أرض له ثوابا دون الجنة\" أخرجه أبو يعلى (٢٣٦٥)، وفي المعجم (٣٣١)، وابن حبان (٢٩٣٠)، والطبراني المعجم الكبير (١٢/ ٥٤/ ١٢٤٥٢).\n(^١) أحمد (٢٧٠٦٣) من طريق عبد الرحمن بن عثمان الحاطبي، قال: وحدثني أبي، عن أمه عائشة بنت قدامة، قالت: قال رسول الله -ﷺ-.\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ٣٤٣/ ٨٥٦) من طريق عبد الرحمن بن عثمان الحاطبي، به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٨): رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه عبد الرحمن بن عثمان الحاطبي ضعفه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٧١٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٧٢)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٣٧١٠).\n(^٣) قال ابن أبي حاتم: عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب الجمحي، سألت أبي عنه، فقال: روى عنه ابنه عبد الرحمن أحاديث منكرة. \"الجرح والتعديل\" ٦/ ١٤٤.","vol":"13","page":462},{"text":"القرشية الجمحية هي وأمها رائطة بنت سفيان الخزاعية من المبايعات (^١).\nقوله: \"عزيز على الله أن يأخذ كريمتي مؤمن ثم يدخله النار\" الحديث، عزيز على الله بمعنى حق على الله.\nوتقدم الكريمتين. قال يونس يعني عينيه.\nقوله في الحديث: \"من رواية عبد الرحمن بن عثمان الحاطبي\" عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب روى عن أبيه عن ابن عمر وعمه روى عنه سعيد بن سليمان وزكريا بن يحيى بن صبيح وأبو معمر وعثمان بن أبي شيبة قال أبو حاتم: ضعيف الحديث يهولني كثرة ما يسند (^٢).\nتنبيه: فيه بشرى للمكفوفين، في الصحيح أن أوّل ما يقضي الله فيه الدماء وأول ما يُعطي الله أجورهم الذين ذهبت أبصارهم ثم ينادي يوم القيامة بالمكفوفين فيقال لهم أنتم أحرى أي أحقّ من ينظر إليهم ربهم ثم يستحيي الله ﷾ منهم ويقول لهم اذهبوا إلى ذات اليمين، وتعقد لهم راية وتجعل بيد شعيب -﵇- فيصير أمامهم ومعهم من ملائكة النور [وما] لا يحصي عددهم إلا الله تعالى يزفونهم كما تزف العروس فيمرّ بهم على الصراط كالبرق الخاطف، وصفة أحدهم الصبر والحلم، كابن عباس ومن ضاهاه من الأئمة، اهـ قاله صاحب الدرة الفاخرة (^٣).\n_________\n(^١) أسد الغابة (٧/ ١٩١).\n(^٢) الجرح والتعديل (٥/ ٢٦٤).\n(^٣) الدرة الفاخرة في علوم الآخرة (ص ٦٣) للغزالى.","vol":"13","page":463},{"text":"فائدة: نقل القرطبي (^١) في تفسير قوله تعالى ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (^٢) عن المكي والقشيري أن عبد الله بن زيد المؤذن الذي رأى الأذان في منامه وقصه على رسول الله -ﷺ-[لما توفي النبي -ﷺ-] قال: اللهم اعمنى حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي من ساعته، وكان رؤياه الأذان في السنة الأولى من الهجرة. قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: لا نعرف له إلا حديث الأذان (^٣).\nقال النووي (^٤): قد رُويت له أحاديث وذكر بعضها في تهذيب الأسماء. اهـ.\nفائدة أخرى: ولما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة وقد كُف بصره جعل الناس يُهرعون إليه ليدعو لهم [فجعل يدعو لهم]، قال عبد الله بن السائب فأتيته [وأنا] غلام فتعرفت إليه فعرفني فقلت يا عم أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك لردّ الله عليك بصرك. فتبسّم ثم قال: يا بني قضاء الله عندي\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٧/ ٢٥٣).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٦٩.\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٨٩) وقال: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح. وعبد الله بن زيد هو ابن عبد ربه، ويقال: ابن عبد رب. ولا نعرف له عن النبي -ﷺ- شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان.\n(^٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٨) قال: قد روينا في مسند أبى يعلى الموصلى، عن الموصلى، عن محمد ابن المثنى، عن عبد الوهاب، عن عبيد الله بن بشير بن محمد، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، أنه تصدق على أبويه، ثم توفيا، فرده إليه رسول الله -ﷺ- ميراثا. وروينا في تاريخ دمشق، عن ابنه محمد، عن أبيه عبد الله بن زيد حديثا في حلق النبى -ﷺ- رأسه بمنى، وقسمة شعره، وهو في طبقات ابن سعد، وإسناده جيد.","vol":"13","page":464},{"text":"أحب إلي من بصري، اهـ (^١).\nخاتمة يختم بها الباب: اعلم أن العميان من الأنبياء إسحاق ويعقوب وشعيب ومن الأشراف عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وزهرة بن كلاب ومطعم بن عدي ومن الصحابة سواء كان أعمى في عهده أو حدث له بعد وفاته ﵊ البراء بن عازب وجابر بن عبد الله وحسان بن ثابت والحكم بن أبي العاص وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن يربوع وصخر بن حرب أبو سفيان والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمير وعبد الله بن أبي أوفى وعتبان بن مالك وعتبة بن مسعود الهذلي وعثمان بن عامر أبو قحافة وعقيل بن أبي طالب وعمرو بن أم مكتوم المؤذن و[قتادة] بن النعمان، هذا ما جاء في حديث أن [عينيه] أصيبتا وهذا قد لا يُعدّ لأنه ﵊ ردّهما (^٢) ومثله حبيب بن فديك لأنه -﵇- دعا له وهو أعمى مبيضة عيناه فأبصر وكان يدخل الخيط في الإبرة، مختلف في حديثه (^٣)، وسبب ما جرى [بعينه] قال له ﵊ كنت أمرِّن جملا لي فوقفت على بيض حية فأصيب بصري فنفث رسول الله -ﷺ- في عينيه فأبصر (^٤). وكعب بن مالك\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٤/ ٣٥٠)، مدارج السالكين (٢/ ٢١٧).\n(^٢) الطبقات (٣/ ٤٥٣)، التاريخ الكبير (٢/ ٦٥٢) لابن أبى خيثمة.\n(^٣) أسد الغابة (١/ ٦٧٩).\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٥٥٦) والمعرفة (٢١٨١).","vol":"13","page":465},{"text":"ومالك بن ربيعة أبو أسيد الساعدي ومخرمة بن نوفل وورقة على القول بأنه صحابي وهو الظاهر، وأما حديث عثمان بن حُنيف الأنصاري أن رجلا ضريرا أتى النبي -ﷺ- يحتمل أن يكون فيمن تقدم. ومن التابعين [عطاء بن أبي رباح] وأبو بكر بن عبد الرحمن وقتادة بن دعامة وأبو عثمان السلمي وأبو هلال الراسبي (^١) والله تعالى أعلم.\n\n٥٢٣٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا يذهب الله بحبيبتي عبد فيصبر ويحتسب إِلَّا أدخلهُ الله الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه.\n\n٥٢٣٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الله إِذا أخذت كَرِيمَتي عَبدِي فَصَبر واحتسب لم أَرض لَهُ ثَوابًا دون الْجنَّة.\nرَوَاهُ أَبُو يعلى وَمن طَرِيقه ابْن حبَان فِي صَحِيحه.\n\n٥٢٣٤ - وَعَن زيد بن أَرقم -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا ابْتُلِيَ عبد بعد ذهَاب دينه بأشد من ذهَاب بَصَره وَمن ابْتُلِيَ ببصره فَصَبر حَتَّى يلقى الله لَقِي الله ﵎ وَلَا حِسَاب عَلَيْهِ رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ (^٢).\n\n٥٢٣٥ - وَعَن بُرَيْدَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لن يبتلى عبد بِشَيْء أَشد عَلَيْهِ من الشّرك بِالله وَلنْ يبتلى عبد بِشَيْء بعد الشّرك بِالله أَشد عَلَيْهِ من ذهَاب\n_________\n(^١) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(^٢) أخرجه البزار (٤٣٤٢)، قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٨: قال الهيثمي: رواه البزار، وفيه جابر الجعفي، وفيه كلام كثير وقد وثق. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٢٠٠٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":466},{"text":"بَصَره وَلنْ يبتلى عبد بذهاب بَصَره فيصبر إِلَّا غفر الله لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة جَابر أَيْضا (^١).\n\n٥٢٣٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أذهب الله بَصَره فَصَبر واحتسب كَانَ حَقًا على الله وَاجِبا أَن لَا ترى عَيناهُ النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط (^٢).\n\n٥٢٣٧ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- عَن جِبْرِيل -﵇- عَن ربه ﵎ قَالَ يَا جِبْرِيل مَا ثَوَاب عَبدِي إِذا أخذت كريمتيه إِلَّا النّظر إِلَى وَجْهي والجوار فِي دَاري قَالَ أنس فَلَقَد رَأَيْت أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- يَبْكُونَ حوله يُرِيدُونَ أَن تذْهب أَبْصَارهم، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤٣٨٨) والمحاملى في الأمالى (٤١٠) والدينوري في المجالسة (١٧٨١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٨: رواه البزار، وفيه جابر الجعفي وفيه كلام كثير وقد وثق. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٤٤٢٤) وضعيف الترغيب (٢٠١٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٩٣ رقم ١٢٤) والأوسط (٢/ ٣٥١ رقم ٢٢٠٢) و(٦/ ١٩٠ - ١٩١ رقم ٦١٥٦). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٠٩: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه وهب بن حفص الحواني وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٢٠١١)، ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه الدولابي في الكنى (١١٥٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٥٤ رقم ٨٨٥٥). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أشرس بن الربيع ولم أجد من ذكره وأبو ظلال ضعفه أبو داود والنسائي وابن عدي ووثقه ابن حبان. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٧٧٣) وضعيف الترغيب (٢٠١٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يقولهن من آلمه شَيْء من جسده</span>\n٥٢٣٨ - عَن عُثْمَان بن أبي العَاصِي -﵁- أَنه شكا إِلَى رَسُول الله -ﷺ- وجعا يجده فِي جسده مُنْذُ أسلم فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- ضع يدك على الَّذِي يألم من جسدك وَقل بِسم الله ثَلَاثًا وَقل سبع مَرَّات أعوذ بِالله وَقدرته من شَرّ مَا أجد وأحاذر رواه مالك (^١) والبخاري (^٢) ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤) والترمذي (^٥) والنسائي (^٦) وَعند مَالك (^٧) أعوذ بعزة الله وَقدرته من شَرّ مَا أجد قَالَ فَفعلت ذَلِك فَأذْهب الله مَا كَانَ بِي فَلم أزل آمُر بهَا أَهلِي وَغَيرهم وَعند التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد مثل ذَلِك وَقَالا فِي أول حَدِيثهمَا أَتَانِي رَسُول الله -ﷺ- وَبِي وجع قد كَاد يهلكني فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- امسح بيمينك سبع مَرَّات ثمَّ قل أعوذ بعزة الله وَقدرته الحَدِيث.\nقوله: \"عن عثمان بن أبي العاصي\" [تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى\n_________\n(^١) موطأ مالك (٢/ ٩٤٢/ ٩).\n(^٢) هذا وهم، انظر: تحفة الأشراف (٧/ ٢٤٠/ ٩٧٧٤).\n(^٣) صحيح مسلم (٦٧) (٢٢٠٢).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٨٩١).\n(^٥) سنن الترمذي (٢٠٨٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٦) في السنن الكبرى (١٠٧٧١).\n(^٧) موطأ مالك (٢/ ٩٤٢/ ٩).","vol":"13","page":468},{"text":"عنه] ورأيت في بعض الأحاديث أن الذي شكى إلى رسول الله -ﷺ- عثمان بن عاصم الثقفي.\nقوله: \"أنه شكى إلى رسول الله -ﷺ- وجَعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله -ﷺ-: ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر\" الحديث. [في رواية مالك: أعوذ بعزة الله وقدرته، والعزة في الأصل [القوة] والشدة والغلبة. يقول عزّ يعِزّ بالكسر إذا صار عزيزا وعَزَّ يعَزّ بالفتح إذا اشتد، وفي أسماء الله تعالى المعِزّ وهو الذي يهَب العِزّ لمن يشاء من عباده، وفي الأشباه والنظائر (^١): والعزة في القرآن على سبعة أوجه:\nأحدها الحمية كقوله تعالى في البقرة: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ (^٢) وفي ص: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ (^٣).\nوالثاني: المنعة، كقوله في النساء: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٤).\nوالثالث: القدرة كقوله في يونس: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (^٥)، وفي\n_________\n(^١) انظر الوجوه والنظائر (ص ٣٤٢ - ٣٤٣) للعسكرى، والوجوه والنظائر (ص ٣٣٣ - ٣٣٤) للدامغاني، والوجوه والنظائر لمقاتل (ص ٨٥ - ٨٦).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٦.\n(^٣) سورة ص، الآية: ٢.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٣٩.\n(^٥) سورة يونس، الآية: ٦٥.","vol":"13","page":469},{"text":"الملائكة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (^١)، وفي الصافات: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ [رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)]﴾ (^٢).\nوالرابع: العظمة كقوله في الشعراء: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ (^٣)، وفي ص: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٤).\n[والخامس]: القوة كقوله في يس: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (^٥).\nوالسادس الغلبة، كقوله في ص: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (^٦).\nوالسابع: الحجة، كقوله في المنافقين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٧)].\nقال أبو العباس القرطبي (^٨): قوله: ضع يدك على الذي تألم من جسدك هذا الأمر على جهة التعليم والإرشاد إلى ما ينفع من وضد يد الراقي على المريض ومسحه بها وأن ذلك لم يكن مخصوصا بالنبي -ﷺ- بل ينبغي أن يفعل ذلك كل راق، وقد تأكد أمر ذلك بفعل النبي -ﷺ- وأصحابه ذلك بأنفسهم وبغيرهم فلا ينبغي للراقي أن يعدل عنه للمسح بجريدة ولا بغيرها،\n_________\n(^١) سورة فاطر، الآية: ١٠.\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ١٨٠.\n(^٣) سورة الشعراء، الآية: ٤٤.\n(^٤) سورة ص، الآية: ٨٢.\n(^٥) سورة يس، الآية: ١٤.\n(^٦) سورة ص، الآية: ٢٣.\n(^٧) سورة المنافقون، الآية: ٨.\n(^٨) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٨/ ٧٠).","vol":"13","page":470},{"text":"وكذلك تكرار التسمية ثلاثا وتكرار العوذ سبعا كما جاء في هذا الحديث فينبغي للراقي أن يحافظ عليه إذ قد علّمه النبي -ﷺ- وأمر به فكل ذلك فيه أسرار يدفع الله بها الأضرار، وبوب النووي على هذا الحديث باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، [المقصود] من الحديث أنه [يستحب] وضع يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء [المذكور في الحديث (^١)]، اهـ.\nقوله: \"من شر ما أجد\" من الوجدان أي الذي أجده من الألم أو من الوجد يقال وجدت من الحزن وجدا والتقدير أجد منه.\nوقوله: \"وأحاذر\" [ومعنى] أحاذر أخاف، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ (^٢) أي خائفون، فاستعاذ بالله من شر ما يجد من الألم ومن شر شر ما يخاف ومن استعاذ بالله أعاذه. قاله في الديباجة ومعناه أتحرّز من الحَذَر وهو التحرّز، دلّ الحديث على جواز الرقية بأسماء الله تعالى وصفاته، قاله في شرح مشارق الأنوار (^٣).\n\n٥٢٣٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من اشْتكَى مِنْكُم شَيْئا أَو اشتكاه أَخ لَهُ فَلْيقل رَبنَا الله الَّذِي فِي السَّمَاء تقدس اسْمك وأمرك فِي السَّمَاء وَالْأَرْض كَمَا رحمتك فِي السَّمَاء فَاجْعَلْ رحمتك\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٨٩).\n(^٢) سورة الشعراء، الآية: ٥٦.\n(^٣) وذكر مثله في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٨١).","vol":"13","page":471},{"text":"فِي الأَرْض اغْفِر لنا حوبنا وخطايانا أَنْت رب الطيبين أنزل رَحْمَة من رحمتك وشفاء من شفائك على هَذَا الوجع فَيبرأ رواه أبو داود (^١).\nقوله: \"وعن أبي الدرداء\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا\" الحديث، حوبنا بفتح الحاء المهملة وضمها أي إثمنًا. وقيل الفتح يعني فتح الحاء من حوبنا لغة الحجاز والضم لغة تميم، اهـ. قاله في النهاية (^٢).\nقال الخطابي (^٣): الحوب الإثم ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (^٤).\nوقوله: \"خطايانا\" الصغائر. قوله في الحديث: \"أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ\" الحديث، يقال: شفاه الله يشفيه، وهو شفاء، البُرءُ من المرض. وقوله: \"على هذا الموضع\" ضبطه بعض العلماء بكسر الجيم وهو مَن به وجع، والفتح هو الأصل.\n\n٥٢٤٠ - وَعَن مُحَمَّد بن سَالم قَالَ قَالَ لي ثَابت الْبنانِيّ يَا مُحَمَّد إِذا اشتكيت فضع يدك حَيْثُ تَشْتَكِي ثمَّ قل بِسم الله أعوذ بعزة الله وَقدرته من شَرّ\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٨٩٢). وضعفه الألباني في المشكاة (١٥٥٥). وفي ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٧٤): ضعيف جدًا.\n(^٢) النهاية (١/ ٤٥٥).\n(^٣) معالم السنن (٤/ ٢٢٨).\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٢.","vol":"13","page":472},{"text":"مَا أجد من وجعي هَذَا ثمَّ ارْفَعْ يدك ثمَّ أعد ذَلِك وترا فَإِن أنس بن مَالك حَدثنِي أَن رَسُول الله -ﷺ- حَدثهُ بذلك. رواه الترمذي (^١).\nقوله: \"وعن محمد بن سالم قال: قال لي ثابت البُناني: يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي ثم قل: باسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا ثم ارفع يدك ثم أعد ذلك وترا\" محمد بن سالم هذا هو محمد بن سالم الربعى البصرى قال أبو حاتم: لا بأس به وثابت البناني هو أبو محمد ثابت بن أسلم البناني. تابعي من أعلام أهل البصرة وثقاتهم. اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك وصحبه أربعين سنة، وروى عن ابن عمر، وابن الزبير وغيرهما، روى عنه: شعبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل: سنة سبع وعشرين، وله ست وثمانون سنة.\nففي حديث عثمان أوّل الباب أنّه يقول باسم الله ثلاثا وأعوذ بعزة الله وقدرته سبع مرات، وفي حديث محمد بن سالم هذا أنه يقول هذا [المذكور] وترًا ولم يذكر سبعًا، والوتر يطلق على الثلاث والخمس والسبع والتسع والله أعلم.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٣٥٨٨) من طريق محمد بن سالم عن ثابت البناني،، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٥٥)، والطبراني في المعجم الصغير (٥٠٤)، وفي الدعاء (١١٢٧) والحاكم (٧٥١٥)، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\" ومحمد بن سالم هذا شيخ بصري وقال الضياء: سئل أبو حاتم عنه؟ فقال: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات (٢/ ٢٦٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٤٧).","vol":"13","page":473},{"text":"خاتمة تتعلق بالباب: روى ابن بشكوال في كتاب المستغيثين بالله (^١) عن عبد الله بن المبارك قال: خرجت إلى الجهاد ومعي فرس فبينا أنا في الطريق صرع الفرس فمرّ بي رجل حسن الوجه طيب الرائحة فقال: تحب أن تركب فرسك؟ قلت نعم. فوضع يده على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخره وقال: أقسمت عليك أيتها العلة بعزّة الله وبعظمة الله وبجلال الله وبقدرة قدرة الله وسلطان سلطان الله وبلا إله إلا الله وبما جرى به القلم من عند الله وبلا حول ولا قوة إلا بالله إلا انصرفت، فانتفض الفرس وأخذ الرجل بركابي وقال: اركب. فركبت ولحقت بأصحابي، فلما كان من غداة غدٍ [وظهرنا] بالعدو فإذا هو بين أيدينا فقلت: ألستَ صاحبي بالأمس. قال: بلى. فقلت: سألتك بالله من أنت. فوثب قائما فاهتزت الأرض تحته خضراء وإذا هو الخضر ﵇. [قال ابن المبارك: فما قلت هذه الكلمات على عليل إلا شفي بإذن الله تعالى] قاله في حياة الحيوان (^٢).\n_________\n(^١) ابن بشكوال في المستغيثين بالله تعالى عند المهمات والحاجات (ص: ١٢٠) وحياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٩٨).\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٩٨).","vol":"13","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>التَّرْهِيب من تَعْلِيق التمائم والحروز</span>\n٥٢٤١ - عَن عقبَة بن عَامر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول من علق تَمِيمَة فَلَا أتم الله لَهُ وَمن علق ودعة فَلَا ودع الله لَهُ رواه أحمد وأبو يعلى (^١) بإسناد جيد والحاكم وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"عن عقبة بن عامر\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من علّق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له\" الحديث. التميمة يقال أنها خرزة كانوا يعلِّقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، واعتقاد هذا الرأي جهل وضلالة إذ لا مانع ولا دافع غير الله تعالى، اهـ. قاله الحافظ المنذري. وقال بعض العلماء: التميمة تجمع على تمائم وهي خرزات كانت العرب تعلِّقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم (^٢) ويعتقدون تأثيرها بنفسها.\nوقال بعضهم [تعلقها] النساء بعنق أولادهن ويزعمون أنها تدفع العين فأبطلها الإسلام، واعتقاد هذا الرأي ضلال بل كفر ولا دافع ولا مانع إلا الله تعالى، ومنه الحديث: \"من علق تميمة فلا أتم الله له\"، وسمَوْها تمائم لأنهم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٤٠٤) وأبو يعلى (١٧٥٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢١٦). وصحح الحاكم إسناده. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٠٣): رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، ورجالهم ثقات. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٢٦٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٧٥)، وغاية المرام (ص: ١٨٠).\n(^٢) النهاية (١/ ١٩٧).","vol":"13","page":475},{"text":"كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء.\nوقوله في الحديث بعده: \"ومن علق فقد أشرك\" وإنما جعلها شركا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى [من غير الله الذى] هو دافعه (^١)، اهـ.\nقوله: [\"ومن علق ودعة فلا ودع الله له\"، الحديث] \"الودع\" بفتح الدال وسكونها جمع ودعة وهو شيء أبيض مجوف يجلب من البحر يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم وإنما نهى عنها لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين (^٢).\nوقوله: \"فلا ودع الله له\" الحديث أي لا جعله الله في ودعة وحفظ وسكون. وقيل: هو لفظ مبني على الودعة ومعناه لا خفف الله تعالى عنه ما يخافه، مأخوذ من وَدَعَه يدَعُه أي تركه، [قّل] ما يستعمل الماضي منه إلا كقول الشاعر: نما له في الحبّ حتى وَدَعَه، وفي الحديث أنه وَادَعَ بني فلان، أي سَالَم وصالح على أن يترك كل واحد صاحبَه من الحرب والأذى، اهـ. قاله في الروضة. (^٣).\n\n٥٢٤٢ - وَعَن عقبَة أَيْضا -﵁- أَنه جَاءَ فِي ركب عشرَة إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَبَايع تِسْعَة وَأمْسك عَن رجل مِنْهُم فَقَالُوا مَا شَأْنه فَقَالَ إِن فِي عضده تَمِيمَة فَقطع الرجل التميمة فَبَايعهُ رَسُول الله -ﷺ- ثمَّ قَالَ من علق فقد أشرك رواه\n_________\n(^١) النهاية (١/ ١٩٨).\n(^٢) المجموع المغيث (٣/ ٣٩٩)، والنهاية (٥/ ١٦٨).\n(^٣) المجموع المغيث (٣/ ٣٩٩).","vol":"13","page":476},{"text":"أحمد (^١) والحاكم (^٢) واللفظ له ورواة أحمد ثقات التميمة يقال إنها خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات واعتقاد هذا الرأي جهل وضلالة إذ لا مانع إلا الله ولا دافع غيره ذكره الخطابي (^٣).\nقوله: \"وعن عقبة بن عامر أيضا\" تقدم.\nقوله: \"أنه جاء في ركب عشرة إلى رسول الله -ﷺ- فبايع تسعة وأمسك عن رجل منهم فقالوا: ما شأنه؟ فقال: إن في عضده تميمة. فقطع الرجل التميمة، فبايعه رسول الله -ﷺ-\" الحديث. المراد بالمبايعة المعاهدة وهي مأخوذة من البيع لأن كل واحد من المتابيعين كان يمدّ يده إلى صاحبه وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء بقوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^٤) (^٥)، اهـ. قاله في الديباجة. والعضُد\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧٤٢٢)، والحارث بغية الباحث (٥٦٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٨٨٥) من طريق يزيد بن أبي منصور، به، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٠٣) رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات.\n(^٢) الحاكم (٧٥١٣) من طريق يزيد بن أبي منصور، به. قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٩٢) من علق تميمة فقد أشرك.\n(^٣) نقله القاضي في إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٦٠٦) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٣)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣/ ٨٩).\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ١١١.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).","vol":"13","page":477},{"text":"هو من رأس الكتف إلى المرفق. وتقدم تفسير التميمة في الحديث قبله.\n\n٥٢٤٣ - وَعَن عِيسَى بن حَمْزَة قَالَ دخلت على عبد الله بن عكِيم وَبِه حمرَة فَقلت أَلا تعلق تَمِيمَة فَقَالَ نَعُوذ بِالله من ذَلِك قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من علق شَيْئا وكل إِلَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ إِلَّا أَنه قَالَ فَقُلْنَا أَلا تعلق شَيْئا فَقَالَ الْمَوْت أقرب من ذَلِك رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) إلا أنه قال: فقلنا: ألا تعلق شيئا؟ فقال: الموت أقرب من ذلك. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.\n[قوله: \"وعن عيسى بن حمزة\" هو عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى الأنصارى الكوفى، والد عبد الله بن عيسى، وأخو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى قاضى الكوفة قال ابن معين ثقة وذكره ابن حبان في الثقات.\nقوله: \"دخلت على عبد الله بن عكيم\" هو أبو معبد عبد الله بن عكيم الجهني من جهينة بن زيد بن ليث أحد المخضرمين جاهلي إسلامي، أدرك زمن النبي -ﷺ-، ولا يعرف له رؤية ولا رواية، وقد خرجه غير واحد من أصحاب المعارف في عداد الصحابة، والصحيح أنه تابعي، سمع عمر، وابن\n_________\n(^١) لعله وهم منه، ففي تحفة الأشراف (٦٦٤٣) [ت] حديث: من تعلق شيئا وكل إليه (ت) في الطب (٢٤: ١) عن محمد بن مدويه، عن عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلت على ابن عكيم ... فذكره. و(٢٤: ٢) عن ابن بشار، عن يحيى، عن ابن أبي ليلى نحوه. وقال: إنما نعرفه من حديث ابن أبي ليلى.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٠٧٢). وحسنه الألباني في غاية المرام (٢٩٧). صحيح الترغيب والترهيب (٣٤٥٦) حسن لغيره.","vol":"13","page":478},{"text":"مسعود، وحذيفة بن اليمان، روى عنه زيد بن وهب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو فروة الجهني، وهلال الوزان. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: سكن الكوفة، وقدم المدائن في حياة حذيفة، وكان ثقة حديثه في الكوفيين.\nقوله: \"وبه حمرة. فقلت: ألا تعلِّق تميمة. فقال: أعوذ بالله من ذلك\". وفي رواية الترمذي فقلت: ألا تعلق شيئًا؟ فقال: الموت أقرب من ذلك. الحمرة: قال في المحكم (^١) الحمرة داء يعتري الناس فيحمر موضعها. وفي النهاية (^٢): أن النبي -ﷺ- كوى أسعد بن زرارة من الشوكة وهي حمرة تعلو الوجه والجسد يُقال منه شيك الرجل فهو مشوك ولعل هذه الحمرة المذكورة في الحديث والله أعلم.\nوقوله -ﷺ-: \"من علق شيئا وكل الله\" الحديث فقد نهى أن يعلق الإنسان على نفسه أو ولده التمائم وهو أن يعلق خرزة كي لا تصيبه الآفة من الجن وخرزة كي يذهب عنه الحمى وخرزة كذا وكذا وأن العبد إذا اتكل على شيء وكله الله إليه وخذله وأعطاه مناه، استدراجا، فقد كره العلماء كل شيء يُعلّق وكل شيء يعقد مثل الوتر والأعواد التي تنقطع فيمسكها الإنسان للقروح، والحديد والفولاذ الذي يجعل في العضد كي لا تصيبه آفة الجن فهذا وأشباهه غواية الشيطان ومن أجل هذا كره العلماء كثيرًا من التعويذات والعزائم وأشباهها معتقدًا أنها تجلب إليه نفعا أو تدفع عنه سوءًا (^٣)، اهـ.\n_________\n(^١) المحكم والمحيط الأعظم (٣/ ٣٣٢).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥١٠).\n(^٣) المنهيات (ص ٦٥).","vol":"13","page":479},{"text":"٥٢٤٤ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- أبْصر على عضد رجل حَلقَة أرَاهُ قَالَ من صفر فَقَالَ وَيحك مَا هَذِه قَالَ من الواهنة قَالَ أما إِنَّهَا لَا تزيدك إِلَّا وَهنا انبذها عَنْك فَإنَّك لَو مت وَهِي عَلَيْك مَا أفلحت أبدا. رواه أحمد وابن ماجه دون قوله: انبذها إلى آخره، وابن حبان في صحيحه وقال: فإنك لو مت وهي عليك وكلت إليها. والحاكم وقال: صحيح الإسناد (^١).\nقَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن مبارك بن فضَالة عَن الْحسن عَن عمرَان وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا بِنَحْوِهِ عَن أبي عَامر الخزاز عَن الْحسن عَن عمرَان وَهَذِهِ جَيِّدَة إِلَّا أَن الْحسن اخْتلف في سَمَاعه من عمرَان وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ وَغَيره لم يسمع مِنْهُ وَقَالَ الْحَاكم أَكثر مَشَايِخنَا على أَن الْحسن سمع من عمرَان وَالله أعلم (^٢).\nقوله: \"وعن عمران بن حصين\" تقدمت ترجمته.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- أبصر على عضد رجل حلقة أُراه قال من صفر فقال: ويحك ما هذه؟ فقال: من الواهنة. قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهنا، انبذهما عنك\" الحديث. وفي رواية: خاتم من صفر. فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة. تقدم الكلام على العضد في حديث عقبة بن عامر، والحلقة بسكون اللام تقدم الكلام عليها في مواضع كثيرة من هذا التعليق وأُراه بضم الهمزة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٥/ ٤٤٥ (٢٠٢٤٢) ابن ماجه (٣٥٣١)، والبزار (٣٥٤٥)، (٣٥٤٧)، وابن حبان (٦٠٨٨)، والحاكم (٤/ ٢١٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٠٢٩) ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠١٥) غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (٢٩٦).\n(^٢) المستدرك للحاكم (٤/ ٢١٦).","vol":"13","page":480},{"text":"معناه أظنّه والصفر النحاس وتقدم معنى ويح.\nقال في النهاية: والواهنة عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها.\nوقيل: هو مرض يأخذ في العضد وربما علق عليها جنس من الخرز يقال لها خرز الواهنة وهي تأخذ الرجال دون النساء، وإنما نهاه عنها لأنه إتما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، وكانت عنده في معنى التمائم المنهي عنها، اهـ. قاله في النهاية (^١).\n\n٥٢٤٥ - وَعَن ابْن أُخْت زَيْنَب امْرَأَة عبد الله عَن زَيْنَب -﵂- قَالَت كَانَت عَجُوز تدخل علينا ترقي من الْحمرَة وَكَانَ لنا سَرِير طَوِيل القوائم وَكَانَ عبد الله إِذا دخل تنحنح وَصَوت فَدخل يَوْمًا فَلَمَّا سَمِعت صَوته احْتَجَبت مِنْهُ فجَاء فَجَلَسَ إِلَى جَانِبي فمسني فَوجدَ مس خيط فَقَالَ مَا هَذَا فَقلت رقي لي فِيهِ من الْحمرَة فَجَذَبَهُ فَقَطعه فَرمى بِهِ ثمَّ قَالَ لقد أصبح آل عبد الله أَغْنِيَاء عَن الشّرك سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الرقى والتمائم والتولة شرك قلت فَإِنِّي خرجت يَوْمًا فأبصرني فلَان فَدَمَعَتْ عَيْني الَّتِي تليه فَإِذا رقيتها سكنت دمعتها وَإِذا تركتهَا دَمَعَتْ قَالَ ذَلِك الشَّيْطَان إِذا أطعته تَركك وَإِذا عصيته طعن بِأُصْبُعِهِ فِي عَيْنك وَلَكِن لَو فعلت كَمَا فعل رَسُول الله -ﷺ- كَانَ خيرا لَك وأجدر أَن تشفي تنضحي فِي عَيْنك المَاء وتقولي أذهب الْبَأْس رب النَّاس واشف أَنْت الشافي لَا شِفَاء إِلَّا شفاؤك شِفَاء لَا يُغَادر سقما رواه ابن ماجه، واللفظ له وأبو داود باختصار عنه إلا أنه قال: عن ابن أخي زينب، وهو كذا في\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٣٤).","vol":"13","page":481},{"text":"بعض نسخ ابن ماجه، وهو على كلا التقديرين مجهول، ورواه الحاكم (^١) أخصر منهما، وقال: صحيح الإسناد: قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ الْمنْهِي عَنهُ من الرقى مَا كَانَ بِغَيْر لِسَان الْعَرَب فَلَا يدرى مَا هُوَ وَلَعَلَّه قد يدْخلهُ سحر أَو كفر فَأَما إِذا كَانَ مَفْهُوم الْمَعْنى وَكَانَ فِيهِ ذكر الله تَعَالَى فَإِنَّهُ مُسْتَحبّ متبرك بِهِ وَالله أعلم.\nقوله: \"وعن ابن أخت زينب امرأة عبد الله عن زينب\" ابن أخت زينب اسمه عبد الله بن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار بن المصطلق الخزاعي المصطلقي، ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود، وقيل عمرو بن الحارث، وقيل الراوى عن زينب غير عمرو بن الحارث قال ابن حجر: كأنه صحابي ولم أره مسمى (^٢) روى عنه يحيى بن الجزار (^٣)، وزينب هذه هي الثقفية امرأة بن مسعود ولها صحبة، وقيل اسمها رابطة وهي بنت معاوية. وقيل بنت أبي معاوية، وقيل بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب بن الأسعد. روت عن النبي -ﷺ- وعن زوجها عبد الله بن مسعود، وروى عنها ابن أخيها\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٥٣٠)، وأبو داود (٣٨٨٣)، وابن حبان (٦٠٩٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢١٦ - ٢١٧) و(٤/ ٤١٧ - ٤١٨). وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣١ و٢٩٧٢)، غاية المرام (٢٩٩)، تخريج الإيمان لابن سلام (٨٧/ ٨١).\n(^٢) تهذيب الكمال (١٥/ ترجمة ٣٤٤٨)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٣٣٥ و١٢/ ٣١٨) والتقريب (ص ٤١٩ وص ٧٠٤).\n(^٣) تهذيب الكمال (٣٤/ ٤٨٦).","vol":"13","page":482},{"text":"هذا الحديث (^١).\nقوله: \"كانت عجوز تدخل علينا ترقى الحمرة\" الحديث إلى آخره. وفي رواية لأبي داود (^٢): وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فيرقيني فإذا رقاني سكنت. فقال عبد الله: إنما ذلك الشيطان ينخسها بيده فإذا رقاها كفّ عنها، إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله -ﷺ- يقول: أذهب البأس رب الناس. إلى آخره. وعن حذيفة أنه دخل على رجل مريض يعوده فلمس عضده فإذا فيه خيط فقال: ما هذا؟ قال شيء رقي فيه فقطعه وقال: لو متّ وهو عليك ما صليت عليك (^٣).\n_________\n(^١) أسد الغابة (٧/ ١٣٦)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ترجمة ٧٨٤٩).\n(^٢) سنن أبي داود (٣٨٨٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٧٢)، والخلال في السنة (١٤٨٢)، (١٦٢٤)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (١٠٣٠)، (١٠٣١) من طريق الأعمش عن أبي ظبيان حصين بن جندب الكوفي قال: دخل حذيفة على رجل من عبس يعوده فمس عضده فإذا فيه خيط، قال: ما هذا؟ قال: شيئا رقي لي فيه، فقطعه، وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك\" ا. هـ.\nقلت: رجاله رجال الشيخين. وقال ابن أبي حاتم في المراسيل: قال أبي: حصين بن جندب أبو ظبيان قد أدرك ابن مسعود ولا أظنه سمع منه، ولا أظنه سمع من سلمان حديث العرب الذي يرويه، والذي يثبت له ابن عباس وجرير بن عبد الله، ولا يثبت له سماع من علي -﵁-.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٧٣) من طريق زيد بن وهب، قال: انطلق حذيفة إلى رجل من النخع يعوده، فانطلق وانطلقت معه، فدخل عليه ودخلت معه، فلمس عضده، فرأى فيه خيطا، فأخذه فقطعه، ثم قال: لو مت وهذا في عضدك ما صليت عليك.\nأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٢٠٨) من طريق عاصم الأحول، عن عزرة قال: =","vol":"13","page":483},{"text":"قوله: \"سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك\" الحديث، أما الرقى فقال الحافظ المنذري قال أبو سليمان الخطابي (^١) المنهي عنه من الرقى ما كان بغير لسان العرب فلم ندر ما هو إلى آخر كلامه في الترغيب. وأما التمائم فتقدم الكلام عليها في أول الباب. وأما التولة فقال الحافظ بكسر المثناة فوق وبفتح الواو شيء شبيه السحر أو من أنواعه تفعله المرأة ليحببها إلى زوجها، اهـ.\nجعله من السحر لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه واعتقدوا أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى (^٢). وقال الخليل: التولة بكسر التاء وضمها ضرب من السحر (^٣).\nوقوله: \"شرك\" جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل بخلاف قدرة الله ﷿ (^٤). قوله في حديث زينب: \"ولكن لو فعلتِ كما فعل رسول الله -ﷺ- كان خيرًا لك وأجدر أن تشفي تنضحي في عينك الماء\" الحديث، وأجدر معناه أحق والنضح المراد به رش الماء في العين.\n_________\n= دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه أو انتزعه، ثم قال: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون). عزرة: هو ابن عبد الرحمن الخزاعي، روايته عن حذيفة مرسلة. والأثر بمجموع هذه الطرق ثابت إن شاء الله.\n(^١) معالم السنن (٤/ ٢٢٦).\n(^٢) النهاية (١/ ١٩٨).\n(^٣) الصحاح (٤/ ١٦٤٥).\n(^٤) كشف المناهج (٤/ ١٠٤).","vol":"13","page":484},{"text":"قوله في الحديث: \"أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما\" الحديث.\nوقوله: \"أذهب البأس\" أي شدة المرض، والبأس هو الشدة والعذاب والحزن (^١). وقال بعضهم: البأس الافتقار وشدة الحاجة، \"وربَّ الناس\" بنصب الرب على حذف حرف النداء. قال بعضهم هو منادى مضاف (^٢).\nوقوله: \"ولا شفاء إلا شفاؤك\" لأن الدواء لا ينفع إذا لم يخلق الله فيه الشفاء (^٣)، و\"شفاء لا يغادر سقما\" تكميل لقوله: \"اشف\" والتنكير في سقما للتوكيد.\nوقوله: \"لا يغادر سقما\" بغين معجمة ودال مهملة أي لا يترك سقما والمغادرة الترك والسقم بفتحتين وبضم السين وإسكان القاف لغتان، وتقدم ذلك وهو المرض. قاله الكرماني (^٤).\nفائدة: وقد رقى رسول الله -ﷺ- جبريل ﵇ وأذن في الرقية وقال لا بأس بها ما لم يكن فيها شرك. واستأذنوه فيها فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه (^٥). وهذا يدل على أنها نفع وإحسان وذلك مستحب مطلوب لله ورسوله\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٠/ ٢٠١).\n(^٢) الكواكب الدراري (٢٠/ ٢٠١).\n(^٣) الكواكب الدراري (٢٠/ ٢٠١).\n(^٤) الكواكب الدراري (٢٠/ ٢٠١).\n(^٥) صحيح مسلم (٢١٩٩) عن جابر، قال: نهى رسول الله -ﷺ- عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله -ﷺ- فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، =","vol":"13","page":485},{"text":"فالراقي محسن والمسترقي سائل راج نفع الغير (^١) وقد رقت عائشة رسول الله -ﷺ- وجبريل قد رقاه أيضًا كما تقدم فإذا كانت بالقرءان وبإسماء الله تعالى فهي مباحة وإنما جاءت الكراهة منها لما كان بغير لسان العرب فإنه ربما كان كفرًا (^٢).\nقال: ويحتمل أن يكون الذي كرهه من الرقية ما كان على مذاهب الجاهلية من العوذ التي كانوا يتعاطونها ويزعمون أنها تدفع عنهم الآفات ويعتقدون أنها من قبل الجن ومعونتهم. قاله الخطابي (^٣).\nفائدة أيضا في رقية النملة وغيرها، فعن أنس أن النبي -ﷺ- أرخص في الرقية من الحمة والعين والنملة (^٤). الحُمَة بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم هي سم العقرب وشبهها والمراد من] ذي حمة كالعقرب وشبهها (^٥) أي لا رقية إلا من لدغ ذي حمة واللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة، وأما العين فهو إصابة العائن غيره بعينه والعين حق (^٦).\n_________\n= وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: \"ما أرى بأسا من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه\".\n(^١) حادى الأرواح (ص ١١١).\n(^٢) أعلام الحديث (٣/ ٢١١٦).\n(^٣) أعلام الحديث (٣/ ٢١١٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (٥٧ و٥٨ - ٢١٩٦)، وابن ماجه (٣٥١٦)، والترمذي (٢٠٥٦). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه والترمذي.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٣).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٣).","vol":"13","page":486},{"text":"قال الخطابي (^١): ومعنى الحديث: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين وذي الحمة. وقد رقى النبي -ﷺ- ورقي وأمر بها فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى فهي مباحة (^٢). وأما النملة -بفتح النون وإسكان الميم- فهي تخرج في الجنب (^٣). وقال بعضهم أيضا: النملة بثور صغار مع ورم يسير [ثم يتقرح، سمتها] الأطباء الذباب (^٤).\nروى أبو داود (^٥) والحاكم وصححه (^٦) أن النبي -ﷺ- قال للشفاء بنت عبد عبد الله: علِّمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة، وفي صحيح مسلم (^٧) أن النبي -ﷺ- أرخص في الرقية من النملة وذلك أن رقية النملة شيء كانت تستعمله النساء يعلم كل من سمعه أنه لا يضر ولا ينفع.\nقال الشيخ كمال الدين الدميري: ورأيت في بعض الكتب [خط] بعض الحفاظ أن رقية النملة يصوم راقيها ثلاثة أيام متوالية ثم يرقيها بكرة كل يوم\n_________\n(^١) أعلام الحديث (٣/ ٢١١٥)، وإكمال المعلم (١/ ٦٠٦)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٩٣) والكواكب الدراري (٢٠/ ٢١٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٣).\n(^٣) إكمال المعلم (٧/ ١٠٢).\n(^٤) الصحاح (٥/ ١٨٣٦).\n(^٥) أبو داود (٣٨٨٧).\n(^٦) أخرجه أبو داود (٣٨٨٧)، والحاكم (٤/ ٤١٤). وقال: صحيح على شرط الشيخين. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٦٥٠ - ١٢٣٦)، الصحيحة ١٧٨.\n(^٧) صحيح مسلم (٤٥٧ - ٢١٩٦) عن أنس بن مالك، في الرقى قال: \"رخص في الحمة والنملة والعين\".","vol":"13","page":487},{"text":"من الثلاثة عند طلوع الشمس فيقول: اقْشَطْرِي وابترجي فقدنوه بنُوه بَرْبَطش دَبْيقت اشف أيها الجرب بألف لا حول ولا قوة إلا [بالله العلي العظيم]، [ويتفل] على الموضع عقب الرقية ويكون في أصبعه زينب طيب يسمح به عليها، قاله في حياة الحيوان (^١).\nفائدة أيضا في الرقية على الصغير: في صحيح البخاري (^٢) عن ابن عباس -﵄- قال: كان النبي -ﷺ- يعوِّذ الحسن والحسين -﵄-: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ويقول: إن أباكما كان يعوِّذ بهما إسماعيل وإسحاق صلى الله عليهم أجمعين وسلم. الهامة بتشديد الميم وهي ذات سم تقتل كالحية وغيرها والجمع الهوام. [قال العلماء:] وقد تقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات ومنه حديث كعب بن عجرة: أتؤذيك هوام رأسك؟ أي القمل. وأما العين اللامّة فهي بتشديد الميم وهي التي تصيب ما نظرت إليه بشرّ. قاله النووي في أذكاره، اهـ. (^٣)\nخاتمة في رقية اللديغ بفاتحة الكتاب: روى البخاري ومسلم (^٤) عن أبي سعيد الخدري قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله -ﷺ- في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٠٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٧١) عن ابن عباس ﵄.\n(^٣) الأذكار للنووي (ص: ٢٣٠)، وشرح النووي على مسلم (٨/ ١٢٢).\n(^٤) صحيح البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١).","vol":"13","page":488},{"text":"سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم بعض شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحدكم من شيء. قال بعضهم: إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيّفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق [يتفل] عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَة أي وجَع، فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. وقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي يرقى لا تفعلوا حتى نأتي النبي -ﷺ- فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا فقدموا على النبي -ﷺ- فذكروا له فقال: وما يدريك أنها رقية. [ثم قال]: قد أصبتم، [اقسموا واضربوا] لي معكم سهما، وضحك النبي -ﷺ-، الحديث. وفي رواية: فأمر له بثلاثين شاة، والراقي هو أبو سعيد، هكذا [جاءت] في بعض الروايات صريحًا.\nوقوله في الحديث: اضربوا لي بسهم، إنما قال اضربوا تطييبا لقلوبهم ومبالغة في أنه حلال لا شبهة فيه (^١). وفي الحديث التصريح بأن الفاتحة رقية يستحب أن يُقرأ بها على اللديغ والمريض وسائر الأسقام. فإن قلت جاء في الحديث في الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا يرقون ولا يسترقون، فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: الرقى المذمومة هي التي [من كلام] الكفار أو التي لا يُعرف معناه المحتملة أن [تكون] كفرا أو قريبا منه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٨٨).","vol":"13","page":489},{"text":"[كالتي] بالعبرانية وأما غيرها فلا مذمة فيها بل قد تكون ممدوحة كالرقا [بآيات القرآن] والأذكار المشهورة، وقد نقلوا الإجماع على جوازه بالآيات وأسماء لله تعالى وقد يجمع بينها بأن المدح في ترك الرقا للأفضلية وبيان التوكل والذي أذن فيه هو لبيان الجواز مع أن تركها أفضل وبأن النهي إنما هو لقوم كانوا يعتقدون نفعها وتأثيرها بطبعها كما كانت الجاهلية يزعمون في أشياء كثيرة (^١).\nقال ابن بطال فيه أن في القرآن ما يخص الرقى وإن كان القرآن كله مرجو البركة ولكن إذا كان في الآية تعوذ بالله تعالى أو دعاء كان أخص بالرقية فأراد رسول الله -ﷺ- بقوله: \"وما يدريك\" أن يختبر علمه بذلك، والموضع الذي فيه الرقية هو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (^٢) لأن الاستعانة به على كشف الضر وسؤال الفرج والإقرار بالحاجة إلى عونه هو في معنى الدعاء، ويحتمل أنه إنما رقى بالحمد لما علم أنه ثناء على الله تعالى فاستفتح رقيته بالثناء رجاء الفرج، اهـ. قاله الكرماني. (^٣)\nتتمة في الشفاء من الأمراض: عن علي قال: قال رسول الله -ﷺ- خير الدواء القرآن، انفرد به ابن ماجه (^٤)، وعلى تقدير صحته هو محمول على الاسترقاء\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (١٠/ ١١٠).\n(^٢) سورة الفاتحة، الآية: ٥.\n(^٣) الكواكب الدراري (١٠/ ١١١).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٣٥٣٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٦٥)، والقضاعي في مسند =","vol":"13","page":490},{"text":"كما في الصحيح من حديث الرقية بالفاتحة، وقال -ﷺ-: إنها لرقيا؛ أو محمول على قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١)، وعلى قوله تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (^٢)، فهو دواء للقلوب والأبرار، وقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن عطية وهذه الآية إحدى آيات الشفاء، وهي ست. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (^٣)، ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (^٤)، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، ومما جُرِّب نفعه للاستشفاء أن تكتب هذه الآيات الست ثم [يُكتب] بسم الله الرحمن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ إي والله إي والله إي والله ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ إي والله إي والله إي والله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ لا والله لا والله لا والله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ لا والله لا والله لا والله، رب الناس أذهب البأس أنت أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما،\n_________\n= الشهاب (٢٨) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٨٥)، وفي السلسلة الضعيفة (٣٠٩٣).\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.\n(^٢) سورة يونس، الآية: ٥٧.\n(^٣) سورة يونس، الآية: ٥٧.\n(^٤) سورة النحل، الآية: ٦٩.","vol":"13","page":491},{"text":"وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم؛ [يكتب] في إناء نظيف ويسقى [للمريض] (^١) قاله في الديباجة.\nفائدة: كان النبي -ﷺ- إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتدّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها، رواه البخاري ومسلم (^٢). قال القرطبي (^٣): النفث نفخ يسير مع ريق يسير وهو أقل من التفل، قال وحكمة مسح النبي -ﷺ- بيمينه عند الرقا التبرك بها وفيه دليل على جواز ذلك وأن ذلك غاية [ممكن] الراقي فكأنّه مدّ يده لأخذ المرض وإزالته. ومن حكمته إظهار عجز الراقي عن الشفاء وصحة تفويضه ذلك إلى الله تعالى، [ولذلك] كان النبي -ﷺ- يقول عند ذلك: لا شفاء إلا شفاؤك. قال القاضي (^٤): وفائدة [التفل] التبرك بتلك الرطوبة [أو الهواء] والنفس المباشر [للرقية] والذكر الحسن كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى، اهـ. قاله في الديباجة.\nفائدة: كان إذا اشتكى الإنسان [للشيء] يجده منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي -ﷺ- بإصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا (^٥)، هذا من فعله\n_________\n(^١) نقله في الكوكب المنير شرح الجامع الصغير (لوحة ٣٥٥/ مخ ٢٤٢ ج ٣ التيمورية).\n(^٢) البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٨/ ٦٤).\n(^٤) إكمال المعلم (٧/ ١٠١).\n(^٥) البخاري (٥٧٤٥)، ومسلم (٢١٩٤) عن عائشة، ﵂: أن النبي -ﷺ- كان يقول =","vol":"13","page":492},{"text":"ﷺ. حقيقة الطب مع التبرك باسم الله تعالى والتشفي به وذلك أن تراب الأرض لبرده ويبسه يقوي في الموضع الذي به [الألم] ويمنع انصباب المواد إليه بيبسه وتجفيفه مع منفعته في تجفيف الجراح [واندمالها] واختصاص بعض الأرضين بتحليل الأورام والريق مختص بالتحليل والإنضاج والإدمال وإبراء [الجراحات] والأورام والقوابي والثآليل والجراحات لا سيما من الصائم والجائع ومن بعُد عهده بالأكل والشرب وذلك بانفراده في الأجسام الرخصة. وأما في القوة فقد يضاف إليها في علاج الأورام الحنطة الممضوغة وأشباهها من المحلالات المنضجات، وذهب بعضهم إلى تخصيص قوله \"أرضنا\" بالمدينة تبركا بتربتها لفضلها والصواب ما ذكرناه، حكاه في الإكمال (^١)، والله تعالى [أعلم بالصواب].\n\n٥٢٤٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- أَنه دخل على امْرَأَته وَفِي عُنُقهَا شَيْء مَعْقُود فَجَذَبَهُ فَقَطعه ثمَّ قَالَ لقد أصبح آل عبد الله أَغْنِيَاء عَن أَن يشركوا بِالله مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الرقى والتمائم والتولة شرك قَالُوا يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن هَذِه الرقى والتمائم قد عرفناهما فَمَا التولة قَالَ شَيء تَصنعهُ النِّسَاء يتحببن إِلَى أَزوَاجهنَّ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي\n_________\n= للمريض: \"بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا\"\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٩٧).","vol":"13","page":493},{"text":"صَحِيحه وَالْحَاكِم بِاخْتِصَار عَنهُ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١) التولة بِكَسْر الْمُثَنَّاة فَوق وبفتح الْوَاو شَيْء شَبيه بِالسحرِ أَو من أَنْوَاعه تَفْعَلهُ الْمَرْأَة ليحببها إِلَى زَوجهَا.\n\n٥٢٤٧ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت لَيْسَ التميمة مَا تعلق بِهِ بعد الْبلَاء إِنَّمَا التميمة مَا تعلق بِهِ قبل الْبلَاء رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٠٩٠)، والحاكم (٤/ ٢١٦ - ٢١٧) و(٤/ ٤١٧ - ٤١٨). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٧٢)، وصحيح الترغيب (٣٤٥٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٤١١٨) والبيهقي في الكبرى (٩/ ٥٨٩ رقم ١٩٦٠٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٥٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>[التَّرْغِيب فِي الْحجامَة وَمَتى يحتجم]</span>\n٥٢٤٨ - عَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن كانَ فِي شَئ من أدويتكم خير فَفِي شرطة محجم أَو شربة من عسل أَو لدغة بِنَار وَمَا أحب أَن أكتوي رواه البخاري ومسلم (^١).\nقوله: \"عن جابر بن عبد الله\" تقدمت ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار وما أحب أن أكتوي\" الحديث، وفي حديث آخر: وأنا أنهى أمتي عن الكي. فقوله: \"شرطة محجم\" هو هنا المشرط من الحديد، قاله عياض (^٢) أي ما يضرب على موضع الحجامة ليخرج منه الدم (^٣)، والشرطة المرة منه، [والمراد بالمحجم هنا الحديدة التي يشرط بها وهي المعنية هنا (^٤)] والمحجم هو بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم، [وهي الآلة التي تمص ويجمع بها موضع الحجامة (^٥)] والمحجمة قارورة الحجام وهو الوعاء الذي يجمع فيه موضع الحجامة [وهي الآلة التي تمص موضع الحجامة (^٦)].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥٦٨٣)، ومسلم (٢٢٠٥).\n(^٢) مطالع الأنوار (٢/ ٢٣٧) وشرح المشكاة (٩/ ٢٩٥٤).\n(^٣) مبارق الأزهار (١/ ٤٢٧) وشرح المصابيح (٥/ ٩٢).\n(^٤) إكمال المعلم (٧/ ١٢١) والمشارق (١/ ١٨٢).\n(^٥) شرح السيوطي على مسلم (٥/ ٢٢٠).\n(^٦) مبارق الأزهار (١/ ٤٢٧) وشرح المصابيح (٥/ ٩٢).","vol":"13","page":495},{"text":"وقوله: \"أو لذعة بنار\" اللذع [الطفيف] من إحراق النار، والمراد به ها هنا الكيّ وهو من العلاج الذي تعرفه الخاصة وأكثر العامة (^١)، والكيّ أن يحمى حديد ويوضع على عضو معلول ليحترق ويحتبس دمه ولا يخرج منه الدم [أو لأن] ينقطع العرق [لئلا] تنتشر منه العلة (^٢)، وقد جاء النهي عن الكي والرخصة أيضا لبيان جوازه حيث لا يقدر الرجل على أن يُداويَ العلة بدواء آخر، والنهي لأن الكي فيه تعذيب بالنار ولا يجوز ولأنه يبقى من الكي أثر فاحش ولأن أهل الجاهلية يعتقدون الشفاء منه فنهاهم [لأن] الشفاء من الله تعالى (^٣)، اهـ.\nوقوله في الحديث: \"إن كان في شيء من أدويتكم خير\"، قال القرطبي (^٤): يعني بالخير الشفاء. وجاء هذا الحديث هنا بصيغة الاشتراط من غير تحقيق الأخبار. وقد جاء في حديث ابن عباس: الشفاء في ثلاث وذِكرها محقق الخبر. قال بعض علمائنا: أشار -ﷺ- إلى جميع ضروب المعاناة القياسية وذلك أن العلل منها ما يكون مفهوم السّبب ومنها ما لا يكون كذلك، فالأول كغلبة أحد الأخلاط التي هي الدم والبلغم والصفراء والسوداء، فمعالجة ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق من تلك الأمور المذكورات في الحديث، فمنها ما\n_________\n(^١) معالم السنن (٤/ ٢١٨).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٧٢).\n(^٣) المفاتيح (٥/ ٧٢).\n(^٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٨/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"13","page":496},{"text":"يستفرغ بإخراج الدم بالشرط وفي معناه الفصد والبط والعلق، ومنها ما يُستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية المسهلة ومنها ما يستفرغ بالكي فإنه يخفف رطوبات موضع المرض وهو آخر الطبّ. وأما ما كان من العلل عن ضعف قوة من القوى فعلاجه ما يقوِّي تلك القوة من الأشربة، ومن أنفعها في ذلك العسل إذا استعمله على وجهه. وأما ما كان من العلل غير مفهوم السبب كالسحر والعين ونظرة الجن فعلاجه بالرّقا والكلام الحسن وأنواع من الخواصّ مغيبة [السرّ] ولهذا القسم أشار رسول الله -ﷺ- فيما روي عنه أنه زاد في هذا الحديث أو آية من كتاب الله زيادة على ما ذكر فيما تقدم منه [قال] الشيخ، هذا معنى ما قاله علماؤنا، ويمكن أن يقال أنّ هذه المذكورات في هذا الحديث إنما خُصّت [بالذكر] لأنها كانت [غالب] أدويتهم وأنفع لهم من غيرها. [بحكم] اعتيادهم لها ومناسبتها لغالب أمراضهم ولا يلزم أن تكون كذلك في حق غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم وعاداتهم وأهويتهم ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف [العلاجات في الأدوية] بحسب اختلاف البلاد والعادات وإن اتحدت أسباب الأمراض، والله أعلم.\nقوله: \"وما أحب أن أكتوي\" وفي لفظ البخاري: وأنا أنهى أمتي عن الكي، إنما كان ذلك لشدة ألم الكي فإنه يربي على ألم المرض ولذلك لا يُرجَع إليه إلا عند العجز عن الشفاء بغيره من غير الأدوية وأيضا فلأنه شبّه التعذيب بعذاب الله الذي نهي عنه (^١)، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) المفهم (١٨/ ٧٥).","vol":"13","page":497},{"text":"وفي الحديث أن رسول الله -ﷺ- قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (^١).\nوقال: لكل داء دواء فإذا أصيب الداء الدواء برأ بإذن الله تعالى (^٢)، الداء والدواء ممدودان والداء العيب والمرض ويقال دواء بفتح الدال وكسرها صحيحان (^٣).\n[فقوله]: \"ما أنزل الله داءً\" أي ما خلق الله داء.\nوقوله: \"إلا أنزل الله له شفاء\" أي خلق.\nوقوله: \"برأ\" أي شفي.\nوقوله: \"بإذن الله\" أي [برأ] بأمر الله، انتهى.\nوالعرب [تستعمله] كثيرا فيما يعرض لها من الأدواء وفي أمثالهم: آخر الدواء الكيّ (^٤)، اهـ.\nوليس الشفاء محصورا في هذه [الثلاثة] بل إنما ذكرت على عادة العرب لتداويهم بتلك.\nقال النووي (^٥): فهذا الحديث من بديع الطب عند أهله لأن الأمراض الامتلائية دموية أو صفراوية أو سوداوية أو بلغمية، فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم، وإن كانت من الثلاثة الباقية فشفاؤها [بالمسهل] اللائق بكل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦٧٨)، وابن ماجه (٣٤٣٩) عن أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٩ - ٢٢٠٤) عن جابر.\n(^٣) المشارق (١/ ٢٦٣).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ٢١٨).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٩٢).","vol":"13","page":498},{"text":"خلط منها [فكأنه -ﷺ- نبّه] بالعسل على المسهلات وبالحجامة على إخراج الدم بها وبالفصد ووضع العلق وغيرها [مما في معناها] وذكر الكي لأنه يستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة ونحوها، فآخر الطب الكي. قوله -ﷺ-: \"وما أحب أن أكتوي\" إشارة إلى تأخير العلاج بالكي حتى يُضطر إليها لما فيه من استعمال الألم في دفع قد يكون أضعف من ألم [الكي] والكلام في الفرق بين الطب والكي يطول، وقد أباحهما النبي -ﷺ- وأثنى عليهما لكن أذكر منه نكتة تكفي وهو أنه -ﷺ- تطبب في نفسه وطبّب غيره ولم يكتو وكوى غيره ونهى أمته عن الكي وقال: \"ما أحب أن أكتوي\" فأما تطبب النبي -ﷺ- ففعله ليبين الجواز والله أعلم.\nوفي الحديث (^١). أن النبي -ﷺ- كوى سعد بن معاذ لينقطع دم جرحه، والكي بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض وقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن الكي فقيل إنما [هو] نهى عنه من أجل أنهم كانوا يعظِّمون أمره ويرون أنه يحسم الداء، وإذا لم يكو [العضو] عطب وبطل فنهاهم إذا كان على هذا الوجه وأباحه إذا كان سببا للشفاء لا علة له فإن الله هو الذي يبريه ويشفيه لا الكي والدواء، فنهاهم عن ذلك إذا كان على هذا الوجه وهذا أمر يكثر فيه شكوك الناس يقولون لو شرب الدواء لم يمت ولو أقام ببلده لم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٥ - ٢٢٠٨)، وأبو داود (٣٨٦٦)، وابن ماجه (٣٤٩٤)، وأحمد (١٤٣٤٣) و(١٤٧٧٣)، والطيالسي (١٧٤٥، ١٧٤٦)، وابن الجعد (٣٣٢٠) من طريق حماد عن أبى الزبير عن جابر أن النبى -ﷺ- كوى سعد بن معاذ من رميته.","vol":"13","page":499},{"text":"يقتل. وقيل: يحتمل أن يكون نهيه عن الكي إذا استُعمل على سبيل الاحتراز من حدوث المرض. وقيل: الحاجة إليه، وذلك مكروه، وإنما أبيح التداوي والعلاج عند الحاجة ويجوز أن يكون النهي عنه من قبيل التوكل لقوله: \"هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون\"، والتوكل درجة أخرى غير الجواز، اهـ. قاله في النهاية (^١).\nففي الحديث دليل على جواز التداوي، والناس في ذلك على ثلاث طبقات، فالطبقة الأولى: هم الأنبياء والأولياء، يتداوون وقلوبهم مع خالق الدواء وينتظرون الشفاء من الله تعالى. والطبقة الثانية: هم الذين لم يأمنوا خيانة أنفسهم أن تطمئن إلى الدواء وتركن إليه فنفروا من ذلك فكلما عرض لهم دواء فوضوا الأمر في ذلك إلى الله تعالى وتوكلوا عليه وتركوا التداوي من ضعف نفوسهم خوفا على قلوبهم أن تطمئن إلى الدنيا، والطبقة الثالثة أهل تخليط قلوبهم مع الأسباب لا ينفكون منها فهم محتاجون إلى التداوي ولا يصبرون على تركها وهم العامة والأولى أعلى وأقوى، قاله في نوادر الأصول (^٢).\nفائدة: واختلف العلماء هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه [لم] حقق التوكل على الله، وفيه قولان مشهوران وظاهر كلام الإمام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل ومن رجح التداوي قال أنه حال النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢١٢).\n(^٢) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (١/ ٤٠٤).","vol":"13","page":500},{"text":"الذي كان يداوم عليه وهو لا يفعل إلا الأفضل، اهـ، قاله الشيخ زين الدين ابن رجب. (^١).\n\n٥٢٤٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن كَانَ فِي شَيْء مِمَّا تداويتم بِهِ خير فالحجامة. رواه أبو داود وابن ماجه. (^٢)\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن كان في شيء مما تداويتم به خير فالحجامة\" تقدم ذلك.\n\n٥٢٥٠ - وَعنهُ -﵁- قَالَ أَخْبرنِي أَبُو الْقَاسِم -ﷺ- أَن جِبْرِيل أخبرهُ أَن الحجم أَنْفَع مَا تداوى بِهِ النَّاس. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما (^٣) قوله: \"وعنه\" تقدم الكلام عليه.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٠١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٧٦)، وأبو داود (٣٨٥٧) صحيح الترغيب والترهيب (٣٤٦٠ - حسن صحيح صحيح ابن ماجه (٣٤٧٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢١٣)، وإسحاق بن راهويه في \"المسند\" (٢٥١) الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٠٩)، وأبو زرعة الدمشقي في \"الفوائد المعللة\" (١٠٤) والطبري في \"تهذيب الآثار مسند ابن عباس\" (٨٠٥) (٨٠٦) والطبراني في الأوسط \"مجمع البحرين\" (٤١٧٢) وأبو أحمد الحاكم الكبير في \"الأسامي والكنى\" (٤/ ١٠) الخطيب في \"المتفق والمفترق\" (١/ ٢٧٥)، وفي تاريخ بغداد (٣/ ١٩٦). وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٩١) رواه أبو داود، وابن ماجه، خلا ذكر جبريل ﵇. رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن قيس النخعي، ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في (الصحيحة ١١٧٦) صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢١٨) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠١٧)، والضعيفة (٣٩٠٠).","vol":"13","page":501},{"text":"قوله: \"أخبرني أبو القاسم -ﷺ- أن جبريل أخبره أن الحجامة أنفع ما تداوى به الناس\" فكنيته -ﷺ- المشهورة أبو القاسم وكناه جبريل -﵇- أبا إبراهيم ونهي عن التكني بأبي القاسم، فمذهب الشافعي أن ذلك لا يحل ومذهب مالك يجوز، وجعل النهي خاصا بحياة النبي -ﷺ- لئلا يقع الاشتباه حال النداء ونحوه.\nوقوله: \" [إن الحجامة أنفع ما يداوى به الناس] الحديث، فيستحب أن لا يحتجم في أيام الصيف في شدة الحر وكذلك في أيام الشتاء [وشدة] البرد وخير زمانه الربيع وخير أوقاته من الشهر إذا أخذ في النقصان بعد نصف الشهر قبل أن ينتهي إلى آخره ويكره في آخر الشهر من المحاق ويكره في أول الشهر ويقال الحجامة في الكفين نافع وتكره الحجامة في نقرة القفا ويقال يورث النسيان وفي وسط الرأس نافع (^١).\nوعن بكير بن عبد الله (^٢) أن الأقرع بن حابس دخل على النبي -ﷺ- وهو محتجم في وسط الرأس فقال له أتفعل هذا برأسك؟ فقال له: يا ابن حابس إنه ينفع من وجع الرأس والأضراس والنعاس والجذام والبرص والجنون ولا ينبغي أن يدوم على ذلك يضر به، اهـ.\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٧٣).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٤٤٧) أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث يعني ابن سعد، عن الحجاج بن عبد الله الحميري، عن بكير بن الأشج قال: بلغني أن الأقرع بن حابس، دخل على النبي -ﷺ- وهو يحتجم في القمحدوة فقال: يا ابن أبي كبشة لم احتجمت وسط رأسك؟ فقال رسول الله -ﷺ-: \"يا ابن حابس إن فيها شفاء من وجع الرأس والأضراس والنعاس والمرض وأشك في الجنون ليت يشك\".","vol":"13","page":502},{"text":"تنبيه: روي في كتاب ابن السني عن علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- من قرأ بآية الكرسي عند الحجامة كانت منفعة حجامته (^١) ..\n\n٥٢٥١ - وَعَن مَالك بلغه أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن كَانَ دَوَاء يبلغ الدَّاء فَإِن الْحجامَة تبلغه. ذكره في الموطأ هكذا. (^٢)\nوله: \"وعن مالك رحمه الله تعالى\" تقدم الكلام على بعض مناقب الإمام مالك.\nقوله -ﷺ-: \"إن كان دواء يبلغ الداء فإن الحجامة تبلغه\" [ذكره في الموطأ]، الداء هو المرض.\n\n٥٢٥٢ - وَعَن سلمى خَادِم رَسُول الله -ﷺ- قَالَت مَا كَانَ أحد يشتكي إِلَى رَسُول الله -ﷺ- وجعا فِي رَأسه إِلَّا قَالَ احْتجم وَلَا وجعا فِي رجلَيْهِ إِلَّا قَالَ اخضبهما. رواه أبو داود (^٣) وابن ماجه (^٤) والترمذي وقال: حديث غريب إنما\n_________\n(^١) عمل اليوم والليلة لابن السني (١٦٧).\n(^٢) موطأ مالك (٢/ ٩٧٤/ ٢٧).\n(^٣) أبو داود (٣٨٥٨)، وأخرجه الترمذي (٢١٧٩) و(٢١٨٠) ابن ماجه (٣٥٠٢)، أحمد (٢٧٦١٧) و(٢٧٦١٨)، والبيهقي (٩/ ٣٣٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٩٨) (٧٥٥) والطبري في تهذيب الآثار ١/ ٥٠٩ (مسند ابن عباس)، الحاكم في المستدرك (٨٢٤٦) عن فائد مولى ابن أبي رافع، عن علي بن عبيد الله بن أبي رافع، عن جدته سلمى، به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٤٦١) حسن، المشكاة (٤٥٤٠/ التحقيق الثاني)، الصحيحة (٢٠٥٩) ..\n(^٤) ابن ماجه (٣٥٠٢).","vol":"13","page":503},{"text":"نعرفه من حديث فائد (^١).\nقَالَ الْحَافِظ إِسْنَاده غَرِيب. فائد هُوَ مولى عبيد الله بن عَليّ بن أبي رَافع يَأْتِي الْكَلام عَلَيْهِ وعَلى شَيْخه عبيد الله بن عَليّ.\nقوله: \"وعن سلمى خادم رسول الله -ﷺ-\".\nقوله: \"ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله -ﷺ- وجعا في رأسه إلا قال احتجم ولا وجعا في رجليه إلا قال اخضبهما\" أي بالحناء، الحديث، فالخضب بالحناء جائز للرجال للضرورة وخضبه للتزين حرام على الرجال دون النساء، وسلمى هذه أمّ رافع وهي زوجة أبي رافع مولى رسول الله -ﷺ- وكانت مولاة للنبي -ﷺ- ويقال مولاة صفية بنت عبد المطلب عمة النبي -ﷺ- روت عن النبي -ﷺ- وعن فاطمة الزهراء. روى عنها ابنها عبيد الله بن علي بن أبي رافع (^٢)، قال أبو عمر بن عبد البر (^٣): وسلمى هذه هي التي كانت قابلة إبراهيم ابن رسول الله -ﷺ- وكانت قابلة أولاد فاطمة ابنة رسول الله -ﷺ-، وهي التي غسلت فاطمة مع زوجها علي بن أبي طالب ومع أسماء بنت عميس وشهدت أسماء هذه خيبر مع رسول الله -ﷺ-.\nروى الأئمة عن عائشة (^٤). قالت: أتت سلمى مولاة النبي -ﷺ- إلى رسول\n_________\n(^١) الترمذي (٢١٨٠).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٧).\n(^٣) الاستيعاب (٤/ ١٨٦٢).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٦٣٣٩)، ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ١٤٨) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٠١/ ٧٦٥) البزار (٢٨٠ - كشف الأستار) الترمذي في العلل (٤٢) ابن =","vol":"13","page":504},{"text":"الله -ﷺ- لتستعدِيَه على أبي رافع فقال رسول الله -ﷺ-: ما لك ولها يا أبا رافع. قال: تؤذيني يا رسول الله. قال: لم آذيتيه؟ قالت: والله يا رسول الله ما آذيته بشيء ولكنه أحدثَ وهو يصلي، فقلت: يا أبا رافع إن رسول الله -ﷺ- قد أمر المسلمين إذا خرجت من أحدهم ريح أن يتوضأ، فقام يضربني، فجعل رسول الله -ﷺ- يضحك ويقول: يا أبا رافع إنها لم تأمرك إلا بخير، وجعل النبي -ﷺ- يضحك ويتمزح إلى أبي رافع. روى لها أبو داود والترمذي وابن ماجه فلها عند ابن ماجه هذا الحديث، اهـ. قاله في الديباجة.\nوعن سلمى أم رافع مولاة رسول الله -ﷺ-: [قالت: كان لا يصيب النبي -ﷺ-] قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء (^١).، هذا بعض حديث. قال عبد\n_________\n= العديم الحلبي في بغية الطلب في تاريخ حلب (١٠/ ٤٤٤٨) من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\nقال البزار: لا نعلم رواه إلا ابن إسحاق. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٣): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن فيه محمد بن إسحاق، وقد قال: حدثني هشام بن عروة. والله أعلم. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٠٧٠).\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٠٥٤) وابن ماجه (٣٥٠٢) من طريق فائد، مولى لآل أبي رافع، عن علي بن عبيد الله، عن جدته سلمى، وكانت تخدم النبي -ﷺ-، وقال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث فائد، وروى بعضهم هذا الحديث، عن فائد، وقال: عن عبيد الله بن علي، عن جدته سلمى، وعبيد الله بن علي أصح، ويقال: سلمى حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا زيد بن حباب، عن فائد، مولى عبيد الله بن علي، عن مولاه عبيد الله بن علي، عن جدته، عن النبي -ﷺ-، نحوه بمعناه، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٨٦٠). والصحيحة ٢٠٥٩.","vol":"13","page":505},{"text":"اللطيف البغدادي: الحناء مركب من جوهر ناري [نافع] صابغ حار باعتدال وجوهره أرضي بارد قابض مجفف بلا أذى ويردع ويحلل وينفع من حرق النار إذا صب طبيخه على الموضع، ومن خاصيته التبريد والترطيب والتلبيس وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به سكنت أوجاعه وفيه قبض يشد الأعضاء وإذا عجن بالسمن وضمد به الجرب المتقرح الزمن أبرأه وينفع من الأورام الحارة ضمادا ومن قروح الفم وإذا خلط بشمع ودهن ورد وضمد به نفع من أوجاع الجنب والوهن وينفع من الجراحات الطرية وإذا خلط بقيرطي وضمد به العظام المكسورة جبرها وينفع من أوجاع العصب وهو ينبت الشعر ويقويه ويحسنه ويقوي الرأس [وكونه] ناري محبوب يهيج قوى المحبة وفي رائحته عطرية مع قبض (^١)، اهـ.\nوفي الحديث عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن أبيه أن النبي -ﷺ- قال: (^٢).\n_________\n(^١) الطب في الكتاب والسنة (ص ٩٦ - ٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٠) وابن أبي الدنيا في الحلم (٦) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٠٨) ومن طريقه أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة (١/ ١٢٧٣) والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (٥٠٠) والدولابي في الكنى والأسماء (٢٦٤) والطبري في تهذيب الآثار -مسند ابن عباس- (٨١٦) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٩٣) (٧٤٩) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٩٢٧) والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧١٧) من طريق عمر بن محمد الأسلمي، عن مليح بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد الله بن بدر الخطمي، عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: خمس من سنن المرسلين: الحياء، والحلم، والحجامة، والسواك، والتعطر. وقال الحافظ العراقي: إسناده ضعيف. المغني (٣١١٩) وقال الهيثمي: رواه البزار، ومليح وأبوه وجده لم أجد من ترجمهم. مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٦) وقال: فيه محمد بن عمر الأسلمي قال الذهبي: مجهول، =","vol":"13","page":506},{"text":"خمس من سنن المرسلين الحناء والحلم والحجامة والسواك والتعطر، وإسناده حسن، والله أعلم. وروي في الحديث أيضا (^١).: أربع من سنن\n_________\n= قال: وروى له الحاكم في المستدرك، وروى عنه غير واحد. مجمع الزوائد (٥/ ١٥٢). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٨٥٨) وله شاهد عن ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٥٩/ ٧٣٢١) العقيلي في الضعفاء (١/ ٨٣). الطبري في تهذيب الآثار - مسند عمر (٧٧٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٥١) البيهقي في شعب الإيمان (٧٣٢١)، وأبو عثمان البحيري في السابع من فوائده (١٢٨). وابن منده في مجلس من أماليه (٧٢) من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: خمس من سنن المرسلين: الحياء، والحلم، والحجامة، والتعطر، والنكاح وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٥٧)، والضعيفة (٤٥٢٣).\n(^١) وأخرجه الترمذي (١٠٨٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٣) (٤٠٨٥)، وفي مسند الشاميين (٣٥٩٠) من طريق حفص بن غياث، والترمذي بإثر (١٠٨٠)، والطبراني في الكبير (٤٨٠٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧١٩) من طريق عباد بن العوام، كلاهما عن الحجاج بن أرطاة، عن مكحول، عن أبي الشمال بن ضباب، عن أبي أيوب. قال الترمذي: حديث أبي أيوب حديث حسن غريب!\nقال الترمذي: روى هذا الحديث هشيم ومحمد بن يزيد الواسطي وأبو معاوية وغير واحد، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب، ولم يذكروا فيه عن أبي الشمال، وحديث حفص بن غياث وعباد بن العوام أصح .. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٣) قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا. ابن أبي شيبة في مصنفه (١٨١٣). وعبد بن حميد (٢٢٠)، وأحمد (٢٣٥٨١) عن يزيد بن هارون، وأحمد (٢٣٥٨١) قال: ثنا محمد بن يزيد. وأخرجه عبد الرزاق (١٠٣٩٠) عن يحيى بن العلاء، هناد في الزهد (١٣٤٨) قال: حدثنا أبو معاوية. كلهم عن الحجاج بن أرطاة، عن مكحول،، قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله -ﷺ-: أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والحياء ومكحول =","vol":"13","page":507},{"text":"المرسلين: الحناء والتعطر والسواك والنكاح، ولم يذكر الحلم والحجامة فيما تقدم [انتهى.\nوفي حديث] أنه -ﷺ- احتجم وهو محرم من شقيقة كانت به (^١). الشقيقة نوع من صداع يعرض للإنسان في مقدم الرأس وإلى أحد جانبيه، قاله في النهاية.\n\n٥٢٥٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ حدث رَسُول الله -ﷺ- عَن لَيْلَة أسرِي بِهِ أَنه لم يمر على ملإ من الْمَلَائِكَة إِلَّا أَمرُوهُ أَن مر أمتك بالحجامة. رواه الترمذي (^٢).\n_________\n= عن أبي أيوب مرسل، بينهما في هذا الحديث -كما سبق- أبو الشمال بن ضباب، وهو مجهول (الكاشف ٢/ ٤٣٤، وتقريب التهذيب ١/ ٦٤٨). وقال الدارقطني في العلل (١٠٢٢): والاختلاف فيه من حجاج بن أرطأة، لأنه كثير الوهم. (ضعيف - المشكاة ٣٨٢، الإرواء ٧٥، الرد على الكتاني ص ١٢ (ضعيف الجامع الصغير وزيادته ٧٦٠.\n(^١) علقه البخاري في الطب، باب الحجم من الشقيقة والصداع (٥٧٠١)، ورواه أبو نعيم الأصبهاني في الطب النبوي (٢٣٩) والحافظ في تغليق التعليق (٥/ ٤١) عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ-: احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به.\n(^٢) أخرجه الترمذي في \"السنن\" (٢٠٥٢)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن مسعود .. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٤٦٢).\nوفي الباب: عن أنس بن مالك يقول: قال رسول الله -ﷺ-: ما مررت ليلة أسري بي بملإ، إلا قالوا: يا محمد، مر أمتك بالحجامة. أخرجه ابن ماجه في \"السنن\" (٣٤٧٩)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٣١٧٦)، وقال الهيثمي رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٥/ ٩٢).\nوأخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (١/ ٤٤٨) سلام بن سلم الطويل، عن زيد =","vol":"13","page":508},{"text":"وقال: حديث حسن غريب.\nقَالَ الْحَافِظ عبد الرَّحْمَن لم يسمع من أَبِيه عبد الله بن مَسْعُود وَقيل سمع.\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" [المراد بابن مسعود] عبد الله بن مسعود.\nقوله: \"حدث رسول الله -ﷺ- عن ليلة أسري به أنه لم يمر بملأ من الملائكة إلا أمروه أن مر أمتك بالحجامة\" الحديث.\nقوله: \"أن مُرْ أمتك بالحجامة أو عليك بالحجامة\" أي بإلزام الحجامة.\nقال ابن الأثير: الملأ أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدِّموهم الذين يُرجع إلى قولهم، فالملأ أشراف الملائكة ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم وجمعه أملاء.\nومنه الحديث، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى (^١)؟ يريد الملائكة\n_________\n= العمي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: ليلة أسري بي ما مررت بملإ من الملائكة إلا قالوا: يا محمد مر أمتك بالحجامة.\nوأخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢٠٨١) حدثنا أحمد قال: نا عبد القدوس بن محمد العطار قال: نا عمرو بن عاصم الكلابي قال: نا همام قال: نا قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما مررت ليلة أسري بي على ملإ من الملائكة إلا أمروني بالحجامة\"، وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٥/ ٩١).\n(^١) الترمذي (٣٢٣٤) البزار (٤٧٢٧)، ابن أبي عاصم في السنة (٤٦٩)، وأبو يعلى (٢٦٠٨) الطبراني في الدعاء (١٤٢٠) والدارقطني في الرؤية (١٨٩ - ١٩٠)، وابن خزيمة في التوحيد (٣١٩) عن معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن بن عباس عن النبي -ﷺ- قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا =","vol":"13","page":509},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الوجه وتوبع قتادة عليه: أخرجه الآجري في الشريعة (١/ ٤٦٥) عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج أن عبد الله بن عباس ﵄ حدثه: أن رسول الله -ﷺ- غدا يوما على أصحابه مستبشرا، يعرفون في وجهه السرور، فقال لهم: إن ربي ﷿ أتاني الليلة في أحسن صورة.\nورواه أحمد (١/ ٣٦٨)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والترمذي (٣٢٣٣)، وابن خزيمة في التوحيد (٣٢٠) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن بن عباس قال أبو عيسى وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين بن عباس في هذا الحديث رجلا وقد رواه قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن بن عباس قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٠/ ٢٦) سألت أبي عن حديث رواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس عن النبي رأيت ربي ﷿ وذكر الحديث في إسباغ الوضوء ونحوه قال أبي: هذا رواه الوليد بن مسلم وصدقه عن ابن جابر قال كنا مع مكحول فمر به خالد بن اللجلاج فقال مكحول يا أبا ابراهيم حدثنا فقال حدثني ابن عايش الحضرمي عن النبي.\nقال أبي: وهذا أشبه، وقتادة، يقال: لم يسمع من أبي قلابة إلا أحرفا؛ فإنه وقع إليه كتاب من كتب أبي قلابة، فلم يميزوا بين عبد الرحمن بن عايش، وبين ابن عباس.\nقال أبي: وروى هذا الحديث جهضم بن عبد الله اليمامي وموسى بن خلف العمى عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي عبد الرحمن السكسكي عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل عن النبي ... قال أبي: وهذا أشبه من حديث ابن جابر. ابن خزيمة في التوحيد (٣٢١) حدثناه أبو موسى، قال: حدثنا معاذ بن هانئ أبو هانئ، قال: حدثنا جهضم بن عبد الله القيسي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام أنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي قال أبو موسى وهو ابن عائش بالحديث على ما أمليته.\nثم خرج حديث ابن عباس (٣١٩ و٣٢٠) وقال أبو بكر رواية يزيد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر أشبه بالصواب حيث قالا عن عبد الرحمن بن عائش من رواية قال عن عبد الله بن عباس ﵄، فإنه قد روي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام أنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي وهو ابن عائش إن شاء الله تعالى حدثنا مالك بن يخامر =","vol":"13","page":510},{"text":"المقربين، قاله في النهاية. (^١).\n\n٥٢٥٤ - وَعَن عِكْرِمَة قَالَ كَانَ لِابْنِ عَبَّاس -﵄- غلمة ثَلَاثَة حجامون وَكَانَ اثْنَان مِنْهُم يغلان عَلَيْهِ وعَلى أَهله وَوَاحِد يحجمه ويحجم أَهله قَالَ وَقَالَ ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ نَبِي الله -ﷺ- نعم العَبْد الْحجام يذهب الدَّم ويخف الصلب ويجلو عَن الْبَصَر وَقَالَ إِن رَسُول الله -ﷺ- حَيْثُ عرج بِهِ مَا مر على ملإ من الْمَلائِكَة إِلَّا قَالُوا عَلَيْك بالحجامة وَقَالَ إِن خير مَا تحتجمون فِيهِ يَوْم سبع عشرَة وَيَوْم تسع عشرَة وَيَوْم إِحْدَى وَعشْرين وَقَالَ إِن خير مَا تداويتم بِهِ السعوط واللدود والحجامة وَالْمَشْي وَأَن رَسُول الله -ﷺ- لده الْعَبَّاس وَأَصْحَابه فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لدني فكلهم أَمْسكُوا فَقَالَ لَا يبْقى أحد مِمَّن فِي الْبَيْت إِلَّا لد غير عَمه الْعَبَّاس.\nقَالَ النَّضر اللدود الوجور. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^٢) وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب لَا\n_________\n= السكسكي أن معاذ بن جبل.\nوله طريق آخر عن ابن عباس أخرجه الطبري في التفسير (٢٢/ ٥٠٧) من طريق سعيد بن زربى عن عمرو بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -ﷺ-: رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا يا رب فوضع يده بين كتفي.\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٥١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢١٧٨)، وابن ماجه (٣٤٧٧) من طريق عباد بن منصور، عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله -ﷺ- قال: ما مررت ليلة أسري بي بملإ من الملائكة، إلا كلهم يقول لي: عليك يا محمد بالحجامة وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عباد بن منصور. وعباد بن منصور ضعيف وقد دلس في إسناد هذا الخبر، ففي =","vol":"13","page":511},{"text":"نعرفه إِلَّا من حَدِيث عباد بن مَنْصُور يَعْنِي النَّاجِي\nقوله: \"وعن عكرمة\" عكرمة (^١). هو المفسر القرشي، كنيته أبو عبد الله، أصله من البربر من أهل المغرب، كان العنبري قاضي البصرة فوهبه لابن عباس حين جاء واليا على البصرة لعلي -﵁-، ولما مات ابن عباس كان عكرمة رقيقا فباعه ولده علي من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار [فأتى عكرمة عليا رضي الله تعالى عنه فقال: ما خبر لبك بعت غلاما لأبيك، أو قال: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار] فاستقاله فأقاله وأعتقه. مات سنة خمس ومائة، ولما مات قال الناس مات أعلم الناس وأشعر الناس وأحد\n_________\n= الضعفاء للعقيلي ٣/ ١٣٦، ونقله عنه المزي في ترجمة عباد من التهذيب عن يحيى بن سعيد القطان قال: قلت لعباد بن منصور الناجي: سمعت ما مررت بملإ من الملائكة، والنبي -ﷺ- كان يكتحل ثلاثًا؟ (يعني من عكرمة)، فقال: حدثني ابن أبي يحيى عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس. فبين هنا أن بينه وبين عكرمة اثنين: ابن أبي يحيى، وهو إبراهيم بن محمد الأسلمي، وهو متروك، وداود بن حصين وهو ضعيف في عكرمة خاصة. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٦٧٢ - ١٨٣٥)، والمشكاة ٤٥٤٤، الصحيحة ٢٢٦٤.\n(^١) طبقات ابن سعد ٥/ ٢٨٧، التاريخ الصغير ١/ ٢٥٧، ٢٥٨ و٢/ ١١٩، مقدمة فتح الباري: ٤٢٤، ٤٢٩، تاريخ الفسوي ٢/ ٥، الجرح والتعديل ٧/ ٧، حلية الأولياء ٣/ ٣٢٦ - ٣٤٧، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٤٠، وفيات الأعيان ٣/ ٢٦٥، تهذيب الكمال: ٩٥٤، ٩٥٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٩٥، ميزان الاعتدال ٣/ ٩٣، العبر ١/ ١٣١، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٢)، تاريخ الإسلام ٤/ ١٥٦، تهذيب التهذيب ٧/ ٢٦٣.","vol":"13","page":512},{"text":"أوعية العلم (^١)، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في صلاة التسبيح.\nقوله: \"قال نبي الله -ﷺ- نعم العبد الحجام يذهب الدم ويخف الصلب ويجلو البصر\" الحديث، والصلب [الطين] وجمعه أصلاب.\nقوله -ﷺ-: \"إن خير ما تداويتم به السّعوط واللدود والحجامة والمشي\" الحديث، السّعوط بفتح السين وقد يروى بضمها أيضا، يقال سعطته واستعطتّه فاستعط والاسم السّعوط بالفتح وهو ما يجعل من الدواء في الأنف، قاله في النهاية (^٢). وأما اللدود فقال أهل اللغة بفتح اللام هو الدواء الذي يُصبّ في أحد جانبي فم المريض ويسقاه للمداواة ويدخل هناك بإصبع وغيرها ويحنّك به ويقال منه لددته ألدُّه. وحكى الجوهري أيضا ألددته رباعيا والتددت أنا ويقال للدود لديدٌ أيضا مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه ولديدا الفم جانباه، يقال لددته إذا سقيته ذلك، قال النضر اللدود الوجود والوجود الدواء يوجد في وسط فم المريض، قاله الجوهري في صحاحه (^٣)، وأما الحجامة فقد تقدم ذكرها.\n[قوله: \"أن طبيبًا سأل النبي -ﷺ- عن ضفدعٍ يجعلها في دواءٍ، فنهاهُ عن قتلها\"، الحديث، الضفدع دويبة يقال لها الورغ نهى عن قتلها لأنه لم ير التداوى بها إما لنجاستها وحرمتها إذا لم يجز التداوي بالمحرمات أو\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١٠/ ٤٠٤ - ٤٠٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٦٨).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٣٥).","vol":"13","page":513},{"text":"لاستقذار الطبع وتنفره عنها، أو لأنه رأى فيها من المضرة أكثر مما يرى الطبيب فيها من النفع (^١)] وأما المشي فهو بكسر الشين وتشديد الياء ويجوز فتح الميم وضمها وكسر الميم وهو [ما يشرب] أو يؤكل لإطلاق البطن [وإسهاله] (^٢) يقال شربت مشيا ومشوا وهو الدواء المسهل الذي يحمل شاربه على المشي والتردد إلى الخلاء ومنه حديث أسماء -﵂- قال لها: بم تستمشين؟ أي بم تسهلين بطنك؟ ويجوز أن يكون أراد المشي الذي يعرض عند شرب الدواء إلى المخرج، اهـ. قاله في النهاية أيضا (^٣).\nقوله: \"وإن رسول الله لده العباس وأصحابه فقال رسول الله -ﷺ-: من لدّني، فكلهم أمسكوا، فقال: لا يبقى أحد ممن في البيت إلا لُدّ غير عمه العباس\" الحديث. قال الحافظ: قال النضر: اللدود الوجود والوجود الدواء يوجد في وسط الفم. قاله في الجوهري في صحاحه (^٤)، وإنما أمر النبي -ﷺ- بلدِّهم عقوبة لهم حين خالفوه بإشارته إليهم لا تلدوني، ففيه أن الإشارة المفهمة كصريح العبارة في نحو هذه المسألة، وفيه تعزير المعتدي بنحو من فعله الذي تعدى به إلا أن يكون فعلا محرما (^٥)، اهـ.\nلما كان -ﷺ- في مرض موته لما أرادوا أن يلدوه قال: لا تلدوني قلنا كراهية\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (٣/ ١٧٩).\n(^٢) المفاتيح (٥/ ٥٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٣٥).\n(^٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٣٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٩٩ - ٢٠٠).","vol":"13","page":514},{"text":"المريض للدواء، فلما غشي عليه -ﷺ- لدوه. فلما أفاق قال: ما قلت لكم لا تلدوني، لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ وأنا شاهد إلا العباس، حتى أن زينب بنت جحش أمر بها فلدت وكانت صائمة ولا تدري هل كان صومها فرضا أو نفلا وهل نقل أفطرت بذلك أم لا؟ فيه تردد فليتأمل، وفعل النبي -ﷺ- ذلك عقوبة لهم لأنهم لدوه بغير إذنه. فإن قيل: لم منع التداوي مع أمره به وحثِّه عليه بقوله: عليكم بكذا وكذا، منع التداوي في هذه الحالة قلنا: يحتمل أمرين: أحدهما أن اللدود إنما يداوى به لذات الجنب وقد قال -ﷺ-: إن الله عافاني من ذات الجنب فلم يقدِّره عليّ.\nوالثاني: أن المريض إذا رجي له الشفاء استحب له التداوي لأنه أسرع لتخلصه من المرض وإلا فيكره له التداوي لأن فيه [إضرارَ المريض] وإضاعة مال. قال حجة الإسلام الغزالي (^١): إن أبا بكر الصديق ترك التداوي في مرض موته وقد اقتدى به في ذلك جماعة من الصحابة ومن التابعين أيضا، ولا شك أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل بل هو رتبة الكاملين فيه ولهذا إن رسول الله -ﷺ- تداوى وأمر بالتداوي، والصديق إنما تركه لأنه كوشف بانتهاء أجله فعلم حينئذ أن التداوي لا ينفع ومكاشفات الصديق وكراماته كثيرة لا تنحصر والله أعلم، قاله في مجمع الأحباب (^٢).\n_________\n(^١) الإحياء (٤/ ٢٨٧).\n(^٢) مجمع الأحباب (لوحة ٣٦).","vol":"13","page":515},{"text":"فإن قيل أنه -ﷺ- ما كان ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله تعالى، وقد انتقم في هذه الحالة بقوله -ﷺ- لا يبقى في البيت أحد إلا لدّ، أي سقي. فالجواب أنه -ﷺ-: إنما انتقم لله ﷿ لأنهم لما تجرءوا على منصب النبوءة والرسالة وأكرهوه على ذلك بإدخال أصابعهم في فمه الشريف انتقم وانتصر لله ﷿ ويؤخذ من هذا أن الخصم إذا وقع منه في مجلس الشرع إساءة كان للقاضي أن يعزره على ذلك لحق الله تعالى لا لحق نفسه وقد ورد في بعض حديت أنس في بعض طرقه في قوله: \"ولا يقتص لنفسه\" ثم قال: وإذا غضب لله تعالى تتطاير الناس من حوله كما يتطاير الصوف من ظهر الغنم إذا أصابه العاصف من الريح، اهـ، قاله الشريف النسابة في مصنفه في قتل الإمام عمر (^١) -﵁- وهو كتاب نفيس فيه مسائل كثيرة تتعلق بالفقه والرؤيا وقد قرأته عليه أيده الله تعالى ونفع به وأجازني بذلك في بيته في الحسينية بقرب جامع ابن معروف.\n\n٥٢٥٥ - وروى ابْن مَاجَه مِنْهُ أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي بملاء من الْمَلَائِكَة إِلَّا كلهم يَقُول لي عَلَيْك يَا مُحَمَّد بالحجامة وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِتَمَامِهِ مفرقا فِي ثَلَاثَة أَحَادِيث وَقَالَ فِي كل مِنْهَا صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n_________\n(^١) كتابه اسمه نبذة من الخبر في تعبير رؤيا أمير المؤمنين عمر.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٧٧)، والترمذي (٢٠٥٣)، والحاكم (٤/ ٢٠٩ و٤٠٩). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: لا. وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٤٧)، وصحيح الترغيب (٣٤٦٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":516},{"text":"٥٢٥٦ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- يحتجم فِي الأخدعين والكاهل وَكَانَ يحتجم لسبع عشرَة وتسع عشرَة رواه الترمذي (^١) وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود ولفظه: أن النبي -ﷺ- احتجم ثلاثا في الأخدعين والكاهل. قال معمر: احتجمت فذهب عقلي حتى كنت ألقن فاتحة الكتاب في صلاتي، وكان احتجم على هامته.\n[الهامة]: الرأس. [والأخدع]: بخاء معجمة ودال وعين مهملتين. قال أهل اللغة: هو عرق في سالفة العنق. [والكاهل]: ما بين الكتفين. من احتجم لسبع عشرة من الشهر كان له شفاء من كل داء.\nقوله: \"عن أنس\" تقدم.\nقوله: \"كان رسول الله -ﷺ- يحتجم في الأخدعين والكاهل\"، [الأخدعان] تثنية الأخدع وهو عرق خلف العنق. وقال الحافظ: قال أهل اللغة: هو عرق في سالفة العنق (^٢)، والكاهل ما بين الكتفين، قاله المنذري. وقال عياض الكاهل من الإنسان ما بين كتفيه (^٣). وقيل: موصل العنق في الصلب وهو\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٨٣)، وأبو داود (٣٨٦٠)، والترمذي (٢٠٥١)، وفي \"الشمائل\" (٣٦٤)، وأبو يعلى (٣٠٤٨)، وابن حبان (٦٠٧٧)، والبيهقي ٩/ ٣٤٠، والبغوي (٣٢٣٤) من طريق جرير بن حازم عن قتادة عن أنس، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٩٢٧) صحيح الترغيب والترهيب (٣٤٦٤)، وصححه في الصحيحة (٩٠٨). وصححه الألباني في المشكاة (٤٥٤٦).\n(^٢) مجمل اللغة (ص ٢٧٩)، ومقاييس اللغة (٢/ ١٦١).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٨).","vol":"13","page":517},{"text":"الكتد (^١). وقال الخليل: هو مقدم أصل الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى، فيه ست فقارات (^٢)، انتهى. وقيل: الأخدعان عرقان في جانبي العنق، قاله في النهاية (^٣).\nوقال الجوهري (^٤): الأخدع عرق في موضع المِحْجمتين وهو شعبة من الوريد وهما أخدعان وربما وقعت الشرطة على أحدهما [فيبرأ] صاحبه.\nوقولهم فلان شديد [الأخدع] أي شديد موضع الأخدع، وكذلك شديد الأبهر. والكاهل من الإنسان ما بين كتفيه إلى مستوى ظهره، والجمع كواهل، قاله ابن سيدة (^٥).\nقوله: \"وكان احجتم على هامته\" الهامة الرأس. قال ابن بطال (^٦): روى طاوس عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: الحجامة في الرأس شفاء من سبع: من الجنون والجذام والبرص والصداع والنعاس وظلمة العينين ووجع الأضراس (^٧).\n_________\n(^١) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٨).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٤).\n(^٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١٢٠٢).\n(^٥) المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ١٤٢).\n(^٦) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٤٠١).\n(^٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٩/ ١٠٩٣٨)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٤٠١) (٧/ ٤٠١) من طريق عمر بن رباح، ثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال =","vol":"13","page":518},{"text":"قال عبد اللطيف (^١): [وتستحب الحجامة من وسط الرأس. قال: والحجامة على النقرة مقام الفصد في الأكحل، وتنفع من ثقل الحاجبين] [ويجتنب الجفن] [وتنفع] من جرب الجفن ومن البخَر. وأما الحجامة على الكاهل فتنوب عن فصد الباسليق و[تنفع] من وجع المنكب والحلق. والحجامة على الأخدعين تنوب عن فصد القيفان [وتنفع من ارتعاش الرأس ومن أمراض الوجه والأسنان والحلقوم وتنقي الرأس والكفين. والحجامة على الفطر نافعة من] من دماميل الفخذ وجربه و[بثوره] ومن النقرس والبواسير وداء القبل وأرياح المثانة والرحم ووضع المحاجم على المقعدة يجذب من جميع البدن ومن الرأس وينفع الأمعاء ويشفي من فساد الحيض. قال: ومنافع الحجامة أضعاف ما ذكرناه. وإنما ذكرنا منه اليسير وهي في البلاد الحارة أفضل من الفصد وآمن غائلة وقد تغني عن كثير من الأدوية [انتهى].\n\n٥٢٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من احْتجم لسبع عشرَة من الشَّهْر كانَ لَهُ شِفَاء من كل دَاء رَوَاهُ الْحَاكِم (^٢) فَقَالَ صَحِيح على شَرط\n_________\n= رسول الله -ﷺ-: \"الحجامة في الرأس شفاء من سبع إذا ما نوى صاحبها: من الجنون، والجذام، والبرص، والنعاس، ووجع الضرس، والصداع، وظلمة يجدها في عينيه\". وقال ابن عدي: ولعمر بن رياح غير ما ذكرت من الحديث، وهو مولى ابن طاووس، ويروي عن ابن طاووس البواطيل ما لا يتابعه أحد عليه، والضعف بين على حديثه. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٥١٣): موضوع.\n(^١) الطب في الكتاب والسنة (ص ٤٥ - ٤٨).\n(^٢) وأخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦٢٢)، والحاكم ٤/ ٢١٠، وقال والحاكم: (صحيح =","vol":"13","page":519},{"text":"مُسلم. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١) أطول مِنْهُ قَالَ من احْتجم لسبع عشرَة وتسع عشرَة وَإِحْدَى وَعشْرين كانَ شِفَاء من كل دَاء.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدمت ترجمته.\nقوله في رواية أبي داود: \"من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء\" الحديث. قال عبد اللطيف (^٢) تستحب الحجامة في وسط الشهر وبُعيد الوسط لا في أول الشهر ولا في آخره بل في الربع الثالث من أرباع الشهر لأن الأخلاط في أول الشهر لم تكن بعد قد هاجت وتبيّغت وفي آخره تكون قد سكنت. وأما في وسطه وبُعيده [فتكون] في نهاية التزايد.\nقوله: \"وفيه ساعة لا يرقأ\" بفتح الياء وهمز الألف، يقال رقا الدم والدمع والعرق ويرقأ رقوءا بالضم إذا سكن وانقطع، والاسم الرقْؤ، ومنه حديث عائشة -﵂-: فبتّ ليلتي لا يرقأ لي دمع. قاله في النهاية (^٣).\n\n٥٢٥٨ - وَفِي رِوَايَة ذكرهَا رزين وَلم أرها إِذا وَافق يَوْم سبع عشرَة يَوْم الثُّلاثاء كانَ دَوَاء السّنة لمن احْتجم فِيهِ وَقد روى أَبُو دَاوُد من طَرِيق أبي بكرَة\n_________\n= على شرط مسلم ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي.\n(^١) سنن أبي داود (٣٨٦١)، ومن طريقه البيهقي في السنن الصغير (٣٠٩٢)، والسنن الكبرى (٩/ ٥٧٢). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٩٦٨)، والصحيحة (٦٢٢). صحيح الترغيب والترهيب (٣٤٦٥).\n(^٢) الطب في الكتاب والسنة (ص ٤٥ - ٤٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٤٨).","vol":"13","page":520},{"text":"بكار بن عبد الْعَزِيز عَن كَبْشَة بنت أبي بكرَة عَن أَبِيهَا أَنه كانَ ينْهَى أَهله عَن الْحجامَة يَوْم الثُّلَاثَاء وَيَزْعُم عَن رَسُول الله -ﷺ- أَن يَوْم الثُّلَاثَاء يَوْم الدَّم وَفِيه سَاعَة لَا يرقأ.\nقوله في آخر الحديث: وقد روى أبو داود (^١) من طريق أبي بكرة بكار بن عبد العزيز عن كبشة بنت أبي بكرة عن أبيها أنه كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء ويزعم عن رسول الله -ﷺ- أن يوم الثلاثاء يوم الدم أي يوم يكثر فيه الدم وفيه ساعة لا يرقأ، الحديث. أي لا ينقطع إذا احتجم أو فصد، وربما يهلك الإنسان بعد انقطاع الدم. وروى أنس (^٢) أن النبي -ﷺ- سئل عن يوم الثلاثاء فقال: يوم الدم، أي يوم كان فيه الدم [فيه] حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم أخاه يعني قتل قابيل هابيل. قال مقاتل (^٣): وكان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم فلما قتل قابيل هابيل هربت منه الطير والوحش وشاكت الأشجار وحمضت الفواكه وملحت المياه واغبرت الأرض، اهـ.\n\n٥٢٥٩ - وَعَن نَافِع أَن ابْن عمر -﵄- قَالَ لَهُ يَا نَافِع تبيغ بِي الدَّم فالتمس لي حجاما واجعله رَفِيقًا إِن اسْتَطَعْت وَلَا تَجْعَلهُ شَيخا كَبِيرا وَلَا صَبيا صَغِيرا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الْحجامَة على الرِّيق أمثل وفيهَا شِفَاء وبركة\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) علقه الثعلبي في التفسير (٤/ ٥٣).\n(^٣) تفسير السمرقندي (١/ ٣٨٥)، تفسير القرطبي (٦/ ١٣٩).","vol":"13","page":521},{"text":"وتزيد فِي الْعقل وَفِي الْحِفْظ واحتجموا على بركَة الله يَوْم الْخَمِيس وَاجْتَنبُوا بالحجامة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَالْجُمُعَة والسبت والأحد تحريا واحتجموا يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء فَإِنَّهُ الْيَوْم الَّذِي عافى الله فِيهِ أَيُّوب وضربه بالبلاء يَوْم الْأَرْبَعَاء فَإنَّهُ لَا يَبْدُو جذام وَلَا برص إِلَّا يَوْم الْأَرْبَعَاء وَلَيْلَة الْأَرْبَعَاء رواه ابن ماجه\nعن سعيد بن ميمون -ولا يحضرني فيه جرح ولا تعديل- عن نافع.\nوعن الحسن بن أبي جعفر عن محمد بن جحادة عن نافع. ويأتي الكلام على الحسن ومحمد. ورواه الحاكم (^١) عن عبد الله بن صالح: حدثنا عطاف بن خالد عن نافع.\n\"قال الحافظ\": \"عبد الله بن صالح هذا كاتب الليث، أخرج له البخاري في صحيحه، واختلف فيه، وفي عطاف، ويأتي الكلام عليهما\". [يعني في آخر كتابه].\n\"تبيغ به الدم\": إذا غلبه حتى يقهره. وقيل: إذا تردد فيه مرة إلى هنا، ومرة إلى هنا فلم يجد مخرجا، وهو بمثناة فوق مفتوحة ثم موحدة ثم مثناة تحت مشددة ثم غين معجمة.\nقوله: \"وعن نافع أن ابن عمر قال له: يا نافع تبيّغ بي الدم\" الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٨٧) و(٣٤٨٨)، والبزار في (٥٩٦٨) و(٥٩٦٩)، والطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (٨١٢) و(٨٤٢) و(٨٤٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢١١) وأبو بكر الإسماعيلي في \"معجم شيوخه\" (٢/ ٦٧٥). وحسنه الألباني في الصحيحة (٧٦٦) وصحيح الترغيب (٣٤٦٦).","vol":"13","page":522},{"text":"نافع هو أبو عبد الله نافع بن هرمز، ويقال: ابن كاوس، ذكر القولين الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور. قال الحاكم: قال البخاري، والحسن بن الوليد: هو من سبى نيسابور. وقال عبد العزيز بن أبى رواد: هو من سبى خراسان، سبى وهو صغير، فاشتراه ابن عمر، وقيل: من سبى كابل، وقيل: من سبى إيران شهر وهى نيسابور، كذا ذكرها الحاكم أبو عبد الله في مواضع من أول تاريخه، وقيل: من سبى العرب، وقيل: من سبى جبال الطالقان.\nوهو تابعى جليل، وأجمعوا على توثيقه وجلالته (^١).\nوابن عمر المراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب تقدم الكلام عليه.\nوقوله: \"تبيَّغ بي الدم\" الحديث، تبيغ به الدم إذا غلبه حتى يقهره. وقيل إذا تردد فيه مرة إلى هنا ومرة إلى هنا فلم يجد مخرجا، اهـ. قاله المنذري. وقد ضبطه الحافظ بالحروف وقال في النهاية (^٢): يقال تبيغ به الدم إذا تردد فيه ومنه تبيّغ الماء وتحيّر في مجراه ويقال فيه تبوغ بالواو، وقيل أنه من المقلوب أي لا يبغي عليه الدم فيقتله من البغي مجاوزة الحد، والأول الوجهُ. قوله: \"فالتمس لي حجَّاما واجعله رفيقا ولا تجعله شيخا ولا صبيا صغيرا\"، ومنه حديث ابن عمر: ابغني خادما لا يكون قحما فانيا ولا صغيرا ضرعا فقد تبيغ بي الدم، اهـ.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٢٣ - ١٢٤).\n(^٢) النهاية (١/ ١٧٤).","vol":"13","page":523},{"text":"قوله: \"والحجامة على الريق أمثل وفيها شفاء وبركة\"، الحديث. وقال في النهاية (^١): الحجامة على الريق فيها شفاء وبركة فمن احتجم فيوم الأحد والخميس ويوم الاثنين والثلاثاء، اهـ. فالحجامة على الفطر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وتبوره ومن النقرس والبواسير وداء القُبل وأرياح المثانة والرحم ووضع المحاجم على المقعدة يجذب من جميع البدن ومن الرأس وينفع الأمعاء ويشفي من فساد الحيض. قال: ومنافع الحجامة أضعاف ما ذكرناه، وإنما ذكرنا منه اليسير وهي في البلاد الحارة أفضل من الفصد وآمن غائلة وقد يُغني عن كثير من الأدوية. قوله: \"في العقل وفي الحفظ\" فتستحب الحجامة على الريق لهذا الحديث.\nوقوله -ﷺ-: \"فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء\" وفي آخر حديث: كذباك، قال في النهاية (^٢).\nقوله: كذباك معناه عليك بها، يعني اليومين المذكورين وهما الأحد والخميس (^٣).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٥٧) \"الحجامة على الريق فيها شفاء وبركة، فمن احتجم فيوم الأحد والخميس كذباك، أو يوم الاثنين والثلاثاء\" معنى كذباك أي عليك بهما. يعني اليومين المذكورين.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٥٧).\n(^٣) قال الزمخشري في الفائق في غريب الحديث (٣/ ٢٥٠) كذباك أي عليك بهما. ومنه حديث عمر رضي الله تعالى عنه: كذب عليكم الحج كذب عليكم العمرة كذب عليكم الجهاد. ثلاثة أسفار كذبن عليكم. وعنه -﵁-: إن رجلا أتاه يشكو إليه النقرس. فقال: كذبتك الظهائر. أي عليك بالمشي في حر الهواجر وابتذال النفس.","vol":"13","page":524},{"text":"قال الزمخشري (^١): هذه كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم ولذلك لم تتصرف ولزمت طريقة واحدة في كونها فعلا ماضيا معلقا بالمخاطب وحده وهي في معنى الأمر كقولهم في الدعاء: رحمك الله أي ليرحمك الله.\nقوله: \"واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء فإنه اليوم الذي عافى الله فيه أيوب\" الحديث.\nتنبيه: تكره الحجامة في يوم الخميس، رُوي أنه -ﷺ- قال: لا تحتجموا يوم الخميس فمن احتجم يوم الخميس فناله مكروه فلا يلومنَّ إلا نفسه، الحديث (^٢).\nقال محمد بن حمدون بن إسماعيل قال: سمعت المعتصم بالله يحدّث عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده ابن عباس عن النبي -ﷺ- أنه قال: من احتجم يوم الخميس، الحديث. قال أبي: فدخلت يوم الخميس على المعتصم وهو يحتجم فلما رأيته وقفت فقال: ما لك لعلك ذكرت الحديث في الحجامة يوم الخميس؟ فقلت: نعم. فقال: إني ما ذكرت ذلك إلا بعدما شرط الحجام، ولو كنت ذكرت ذلك لامتنعت. قال\n_________\n(^١) الفائق في غريب الحديث (٣/ ٢٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن عساكر (٨/ ٣٠٣)، وأخرجه الديلمي في المسند -كما في الغرائب الملتقطة من مسند الفردوس لابن حجر- خ - (٢٨٦٩)، وابن حيان في طبقات المحدثين (٤/ ٢٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٤٨)، والضعيفة (١٤٠٩) وقال: منكر جدا.","vol":"13","page":525},{"text":"فحم بعقب الحاجمة ومات، خرّجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس وفي حديث آخر: فحم من غشيته، وكان المرض الذي مات فيه (^١).\nقوله -ﷺ-: \"فإنه لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء وليلة الأربعاء\"، تقدم الكلام على ضبط الأربعاء في كتاب الصوم.\nقوله في آخر الحديث: \"رواه الحاكم عن عبد الله بن صالح\" قال الحافظ: وعبد الله بن صالح هذا كاتب الليث بن سعد أخرج له البخاري في صحيحه (^٢).\nتنبيه: الليث (^٣) هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري، اتفق العلماء على وصفه بالأمانة والجلالة والعبادة وغير ذلك من المكارم الظاهرات والمحاسن الباهرات ووصفه الشافعي رحمه\n_________\n(^١) طبقات المحدثين (٤/ ٢٢) وبغية الطلب (٢/ ٨٣٦).\n(^٢) التاريخ الكبير ٥/ ١٢١، الضعفاء والمتروكين للنسائي: ٦٣، الجرح والتعديل ٥/ ٨٦ - ٨٧، المجروحين ٢/ ٤٠ - ٤٣، تاريخ بغداد ٩/ ٤٧٨ - ٤٨١، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٨٨، ٣٩٠، العبر ١/ ٣٨٧، ميزان الاعتدال ٢/ ٤٤٠، ٤٤٧، الكاشف ٢/ ٩٦ - ٩٧، المغني في الضعفاء ١/ ٣٤٣، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٠٥)، تهذيب الكمال (١٥/ ٩٨)، تقريب التهذيب (٣٣٨٨) تهذيب التهذيب (٥/ ٢٥٦) مقدمة فتح الباري ٤١١ - ٤١٣.\n(^٣) طبقات ابن سعد: ٧/ ٥١٧، التاريخ لابن معين: ٥٠١، التاريخ الكبير: ٧/ ٢٤٦، التاريخ الصغير: ٢/ ٢٠٩، الجرح والتعديل: ٧/ ١٧٩ - ١٨٠، مشاهير علماء الأمصار: (١٥٣٦): ١٩١، الحلية: ٧/ ٣١٨، تاريخ بغداد: ١٣/ ٣، تهذيب الكمال للمزي: ١١٥٢، سير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٦)، تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٢٤ - ٢٢٦، ميزان الاعتدال ٣/ ٤٢٣، العبر للذهبي: ١/ ٢٦٦، تهذيب التهذيب: ٨/ ٤٥٩.","vol":"13","page":526},{"text":"الله بكثرة الفقه وقال: إلا أنه ضيّعه أصحابه، يعني لم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنها، ففات الناس معظم علمه. قال ابن بكير: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، كان فقيه البدن عربي اللسان وما زال يعقد خصالا جميلة حتى عقد عشرة.\nوقال قتيبة: كان دخلُ الليث كل سنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط وجميل جلالته كثير مشهور، ويكفي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين الشافعي وابن بكير أن الإمام الليث أفقه من الإمام مالك فهذان صاحبا مالك وهما بالمنزلة المعروفة من إجلال الإمام مالك وكيف وجلالة مالك وغزارة [فقهه] \"لا تخفى. فقال الإمام أحمد: ما أصحّ حديثه وقال ابن بكير الليث أفقه من مالك ولكن كانت الحظوة لمالك وكان أهل بيته يقولون نحن من الفرس من أصبهان وقدم بغداد وعرض عليه المنصور ولاية مصر فأبى واستعفاه. ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفي في [شعبان سنة] خمس ومائة، ومناقبه كثيرة مشهورة. قاله الكرماني (^١).\nتتمة: عن أبي الزبير عن جابر أن أم سلمة استأذنت النبي -ﷺ- في الحجامة فأمر أبا طيبة أن يحجمها، قال حسبت أنه قال كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم.\nقال في المفهم (^٢): فيه دليل على أن المرأة لا ينبغي لها أن تفعل في نفسها\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ٩٢).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٨/ ٧٦).","vol":"13","page":527},{"text":"شيئا من التداوي أو ما يشبهه إلا بإذن زوجها لإمكان أن يكون ذلك الشيء مانعا له من حقه ومنقصا لغرضه منها وإذا كانت لا تشرع في شيء من التطوعات التي تتقرب بها إلى الله تعالى إلا بإذن منه كان أحرى وأولى أن لا تتعرض لغير القُرَب إلا [بإذنه]، اللهم إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة من خوف موت أو مرض شديد فهذا لا يحتاج فيه إلى أذى لأنه قد التحق بقسم الواجبات المتعينة وأيضا فإن الحجامة وما يتنزل [منزلها ما يحتاج] فيها إلى محاولة الغير فلا بد فيها من استئذان الزوج لنظره فيمن يصلح وفيما يحل من ذلك، ألا ترى أنه -ﷺ- أمر [أبا طيْبة] أن يحجمها لمّا علم ما بينهما من السبب المبيح كما قال الراوي: حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة أو غلاما لم يحتلم ولا شك في مراعاة هذا هي الواجبة متى وجد ذلك فإن لم يوجد من يكون كذلك وقعت الضرورة إلى معالجة الكبير الأجنبي جاز دفعا لأعظم الضررين وترجيحا لأخف الممنوعين وفيه من الفقه ما يدل على [أنّ] ذا المحرم يجوز أن يطلع من ذاتِ محرمه على بعض ما يحرم على الأجنبي وكذلك الصبي فإن الحجامة غالبا إنما تكون من بدن المرأة فيما لا يجوز للأجنبي الاطلاع عليه كالقفا والرأس والساقين، اهـ. وللشافعي في المسألة خلاف والراجح جواز نظره إلى ما يبدو في المهنة، والله أعلم.\nخاتمة: قال أبو الليث السمرقندي في كتابه بستان العارفين (^١) وإذا أراد الإنسان الحجامة يستحب له أن لا يقرب النساء من قبل ذلك بيوم وليلة\n_________\n(^١) بستان العارفين (ص ٣٧٢).","vol":"13","page":528},{"text":"وبعده مثل ذلك وكذلك إذا أراد الفصد وإذا أراد أن يحتجم في الغد يستحب له في يومه أن يتعشى عند العصر فإنه أنفع وإذا كان الرجل به [مِرَّة] فليذق شيئا ثم ليحتجم كي لا يغلبه على عقله ولا ينبغي أن يدخل الحمام في يومه [ذلك].\nوقال بعض الأطباء: من احتجم وجامع ودخل الحمام في يوم واحد عجيب منه إن لم يمت. وإذا احتجم الرجل وافتصد لا ينبغي له أن يأكل على إثره مالحا فإنه يخاف منه القروح والجرب ويستحب على إثره الخل ليسكن ما به ثم يحسو شيئا من المرقة ويتناول شيئا من الحلاوة إن قدر عليها ولا ينبغي أن يأكل في يومه لبنا حليبا أو رائبا أو نحو ذلك ويقل من شرب الماء في يومه ذلك، اهـ.\n\n٥٢٦٠ - وَعَن معمر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من احْتجم يَوْم الأَرْبَعَاء أَو يَوْم السبت فَأَصَابَهُ وضح فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد هَكَذَا وَقَالَ قد أسْند وَلَا يَصح (^١).\nالوضح بِفَتْح الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة جَمِيعًا بعْدهَا حاء مُهْملَة وَالْمرَاد بِهِ هُنَا البرص.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٤٥١) مرسلا عن الزهري. وأخرجه البزار (٧٨٠٠) والحاكم (٤/ ٤٠٩ - ٤١٠) عن أبى هريرة. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه سليمان بن أرقم متروك. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٥٢٤) وضعيف الترغيب (٢٠٢٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":529},{"text":"٥٢٦١ - وَعَن أنس -﵁- عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا اشْتَدَّ الْحر فاستعينوا بالحجامة لَا يتبيغ الدَّم بأحدكم فيقتله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبّان في المجروحين (٣/ ٢٨٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢١٢)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٣٣١) وقال موضوع في ضعيف الترغيب (٢٠٢٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>[التَّرْغِيب فِي عِيَادَة المرضى وتأكيدها وَالتَّرْغِيب فِي دُعَاء الْمَرِيض]</span>\n٥٢٦٢ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس رد السَّلَام وعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَإجَابَة الدعْوَة وتشميت الْعَاطِس. رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه (^١).\n\n٥٢٦٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل وَمَا هن يَا رَسُول الله قَالَ إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ وَإِذا دعَاك فأجبه وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ وَإِذا عطس فَحَمدَ الله فشمته وَإِذا مرض فعده وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ ورواه الترمذي والنسائي (^٢) بنحو هذه.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"حق المسلم على المسلم خمس\" أي واجب المسلم على المسلم كذا.\nقوله: \"رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس\" الحديث، وفي رواية لمسلم حق المسلم على المسلم ست، فالسادسة: [وإذا] استنصحك فانصح له، وتقدم الكلام على النصح مبسوطا و[تقدم الكلام] على [رد السلام في بابه، وأما رد] السلام فهو فرض\n_________\n(^١) البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢)، وابن ماجه (١٤٣٥)، وأبو داود (٥٠٣٠).\n(^٢) مسلم (٢١٦٢)، والترمذي (٢٧٣٧)، والنسائي (٤/ ٥٣).","vol":"13","page":531},{"text":"بالإجماع فإن كان السلام على واحد كان الردّ فرض عين [عليه] وإن كان على جماعة كان فرض كفاية في حقهم إذا ردّ [بعضهم] سقط الحرج عن [الناس (^١)، انتهى، وتقدم الكلام على رد السلام في بابه مبسوطا].\nقوله: \"وعيادة المريض\"، أما عيادة المريض فسنة بالإجماع وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي (^٢) ومنهم من جعلها فرض كفاية مطلقا و[قد] أوجبها أبو حنيفة وهذا في المريض المسلم، واختلف العلماء في الأوكد والأفضل منهما فإن لم يكن عند المريض من يتعهده وجبت (^٣).\nوقال صاحب الحاوي (^٤) وغيره يستحب أن يعمّ بعيادته الصديق والعدو ومن يعرفه ومن لا يعرفه لعموم الأحاديث.\nوالسنة في عيادة المريض التخفيف (^٥) وتكره إطالة القعود عنده لما فيه من إضجاره والتضييق عليه ومنعه من بعض تصرفاته (^٦) ولا فرق في المرض بين قليله وكثيره ومن تمام العيادة وضع اليد في يد المريض (^٧) والسؤال عن حاله والدعاء له بالشفاء والبسط له في أجله وإن رآى علامات الموت نبهه على\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣١).\n(^٣) أعلام الحديث (١/ ٦٦١)، وشرح السنة (٥/ ٢١٢)، وإكمال المعلم (٧/ ٤٦)، والاعلام (١٠/ ٢٤٠).\n(^٤) الحاوي الكبير (٣/ ٤).\n(^٥) التمهيد (١/ ١٩٧).\n(^٦) المجموع (٥/ ١١٢).\n(^٧) شرح الصحيح (٩/ ٢٨١).","vol":"13","page":532},{"text":"الوصية والتحلل والذكر بلطف وقتا بعد وقت ولقنّه من الذكر ما ورد أن من قاله في مرض موته غفر له ونحو ذلك (^١).\nوفي مروج الذهب (^٢) عن فقير بن مسكين قال: دخلت على الشافعي أعوده في مرض موته فقلت له: كيف أصبحت [يا أبا عبد الله؟] قال: أصبحت من الدنيا [راحلا] ولإخواني مفارقا وبكأس المنية شاربا ولا أدري إلى الجنة تصير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزّيها، وأنشد يقول:\nولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت [الرجا] مني لعفوك سلما\nتعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما\nقال بعضهم: وللزيارة آداب منها: تطييب قلب المريض والدعاء له قبل الانصراف وأن لا يأكل ولا يضحك عنده بل يظهر له التضجر ولا يطيل الجلوس عنده إلا أن يعلم من حال المريض أنه يشتهي ذلك، ففي الحديث عيادة المريض قدر فواق ناقة وهو قدر ما بين الحلبتين من الراحة وتضم فاؤها وتفتح، قاله في النهاية (^٣)، ويحمل معه شيئا يناسب حال المريض من فاكهة ومشموم ونحوهما، واختلفوا في استحباب الزيارة للمرأة، اهـ. قاله ابن العماد في شرح العمدة (^٤).\n_________\n(^١) عمدة السالك (ص ٨٩).\n(^٢) مروج الذهب للمسعودي (٢/ ٤٦)، وفقير بن مسكين لم أجد له ترجمة.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٧٩).\n(^٤) وهو شرح مفقود.","vol":"13","page":533},{"text":"وأما اتباع الجنائز فسنة بالإجماع وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه وقريبه وغيرهما (^١)، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه، وأما إجابة الدعوة [والمراد بإجابة الدعوة إلى] وليمة ونحوها [من الطعام]، وتقدم الكلام على إجابة الدعوة مبسوطا في بابها. وأما تشميت العاطس فهو أن يقول له يرحمك الله ويقال [تشميت العاطس] بالشين المعجمة والسين المهملة لغتان مشهورتان (^٢)، الدعاء بالخير والبركة والمعجمة أعلاهما (^٣). والأصل فيه السين المهملة فقلبت شينا معجما.\nوقال صاحب المحكم (^٤): تسميت العاطس معناه هداك الله إلى السمت، قال: وذلك لما في العطاس من الانزعاج والقلق، وقال أبو عبيد وغيره بالشين المعجمة أعلى اللغتين وتشميت العاطس سنة على الكفاية إذا فعله بعض الحاضرين سقط الأمر عن الباقين وشرطه أن يسمع قول العاطس الحمد لله (^٥)، وفي الحديث عن أنس بن مالك (^٦) قال: عطس رجلان عند النبي -ﷺ- فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال إنّ هذا حمد الله تعالى وإن هذا لم يحمد الله، رواه الجماعة إلا النسائي، وتشميت العاطس\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣١).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٩/ ١٢٤).\n(^٤) المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٤٧١).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣١ - ٣٢).\n(^٦) صحيح البخاري (٦٢٢١)، ومسلم (٢٩٩١).","vol":"13","page":534},{"text":"بالشين المعجمة والمهملة لغتان كما تقدم (^١). قال ثعلب: معناه بالمعجمة أبعد الله عنك الشماتة وبالمهملة هو من السمت وهو القصد والهدى، وأجمعت الأمة على أنه مشروع ثم اختلفوا في إيجابه فأوجبه أهل الظاهر وابن مريم من المالكية على كل من سمعه لظاهر قوله في الحديث: فحقّ على كل من سمعه أن يُشمته (^٢).\nقال القاضي: والمشهور من [مذهبه] أنه فرض كفاية وبه قال جماعة من العلماء كردّ السلام، ومذهب الشافعي وأصحابه وآخرين [أنّه] سنة وأدب وليس بواجب، وحملوا الحديث على الندب والأدب، كقوله ﵇: حق على كل مسلم أن يغسِل في كل سبعة أيام. قال القاضي (^٣): واختلف العلماء في كيفية الحمد والرد واختلفت فيه الآثار فقيل: يقول الحمد لله، وقيل: يقول الحمد لله رب العالمين، وقيل: يقول الحمد لله على كل حال، وقال ابن جرير: هو مخيّر بين هذا كلّه، وهذا هو الصحيح، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد وأما لفظ المشمت فقيل: يقول يرحمك الله، وقيل: يقول يرحمنا الله وإياكم. قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت فقيل: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيل: يقول يعفو الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يتخير بين هذين، هذا هو الصواب، فقد صحت الأحاديث بهما. قال: ولو تكرّر\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٠).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٥٤١)، وشرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"13","page":535},{"text":"العطاس فقال مالك يشمته ثلاثا ثم يسكت.\nوقوله: \"إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه\" هذا تصريح بالأمر بالتشميت إذا حمد العاطس وتصريح بالنهي عن تشميته إذا لم يحمد الله فيكره تشميته إذا لم يحمد فلو حمد الله ولم [يسمع] الإنسان لم يشمته. وقال مالك: لا يشمته حتى يسمع حمدَه. قال القاضي: قال بعض شيوخنا: وإنما أمر بالحمد لما حصل له عن المنفعة بخروج ما اختنق في دماغه من الأبخرة (^١)، اهـ. قاله في الديباجة.\n[فأما من روى التسميت] [فأما] بالسين المهملة [من] السمت والسمت الدعاء، وقيل اشتقاق تسميت العاطس من السمت وهو الهيئة الحسنة أي جعلك الله على سمت حسن لأن هيئته تنزعج للعطاس ومنه حديث عمر: فينظرون إلى سمته وهديه أي حسنه هيئته ومنظره في الدين وليس من الحسن والجمال. وقيل: هو من السمت الطريق، يقال الزم هذا السمت وفلان حسن السمت أي حسن القصد. وأما من رواه بالشين المعجمة فيقال شمت فلان وشمتُّ عليه تشميتا فهو مُشمت واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم [فإنه] دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى، وقيل معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنّبك ما يشمت به عليك، قاله في النهاية (^٢). والله أعلم].\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢١).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٠).","vol":"13","page":536},{"text":"[تنبيه: في الحديث من سبق العاطس بالحمد أمن من الشَّوْص واللَّوْص والعِلَّوْص]. الشوص وجع الضرس، [وقيل] الشوصة وجع في البطن من ريح ينعقد تحت الأضلاع، وقيل التخمة. [قاله في النهاية] (^١). واللّوص قيل هو وجع في الرأس، والعلوص قيل هو وجع في القلب، كذا سمعناه من بعض الفضلاء. [وقال أبو الليث: الشوص وجع الضرس واللوص وجع الأذن والعلوص وجع البطن، اهـ].\nفائدة في التثاؤب: قال الجوهري (^٢): لا يقال تثاؤب وأما حدّ التثاؤب فهو التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المختنقة في عضلات الفك، وهو إنما ينشأ [عن] امتلاء المعدة وثقل البدن ويورث الكسل وسوء الفهم والغفلة فإذا جرى له ذلك فليضع يده على فمه لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخوله فمه وضحكه منه، وإنما قال من الشيطان وأضاف إليه لأنه هو الذي يدعو الإنسان إلى إعطاء النفس شهوتها من الطعام ويزين له ذلك وإنما قال يعني إذا بالغ في التثاؤب ضحك الشيطان فرحا بذلك. وقيل لم يتثاوب نبي قط. اهـ قاله الكرماني (^٣).\n\n٥٢٦٤ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله ﷿ يَقُول يَوْم الْقِيَامَة يَا ابْن آدم مَرضت فَلم تعدني قَالَ يَا رب كَيفَ أعودك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ أما علمت أَن عَبدِي فلَانا مرض فَلم تعده أما علمت أَنَّك لَو\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٩).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ٢٠٥).\n(^٣) الكواكب الدراري (١٣/ ٢٠٦).","vol":"13","page":537},{"text":"عدته لَوَجَدْتنِي عِنْده يَا ابْن آدم استطعمتك فَلم تطعمني قَالَ يَا رب كيفَ أطعمك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ أما علمت أَنه استطعمك عَبدِي فلَان فَلم تطعمه أما علمت أَنَّك لَو أطعمته لوجدت ذَلِك عِنْدِي يَا ابْن آدم استسقيتك فَلم تَسْقِنِي قَالَ يَا رب وَكَيف أسقيك وَأَنت رب الْعَالمين قَالَ استسقاك عَبدِي فلَان فَلم تسقه أما إِنَّك لَو سقيته وجدت ذَلِك عِنْدِي رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعنه\" تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده\" الحديث، قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه ﷾ والمراد العبد تشريفا وتقريبا له، قالوا: ومعنى وجدتني عنده أي وجدت ثوابي وكرامتي ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث: \"لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ولو سقيته لوجدت ذلك عندي\" أي ثوابه والله أعلم (^٢).\n\n٥٢٦٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- عودوا المرضى وَاتبعُوا الْجَنَائِز تذكركم الْآخِرَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٣) (٢٥٦٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٢٦).\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٨ (١١٤٤٥) و(١١٤٤٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٥١٨)، والبزار (٨٢٢ و٨٢٣/ كشف الأستار)، وابن حبان (٢٩٥٥). وقال الألباني: حسن =","vol":"13","page":538},{"text":"٥٢٦٦ - وَعنهُ -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه الله من أهل الْجنَّة من عَاد مَرِيضا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاح إِلَى الْجُمُعَة وَأعْتق رَقَبَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n٥٢٦٧ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خمس من فعل وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنا على الله ﷿ من عَاد مَرِيضا أَو خرج مَعَ جَنَازَة أَو خرج غازيا أَو دخل على إِمَام يُرِيد تعزيره وتوقيره أَو قعد فِي بَيته فَسلم النَّاس مِنْهُ وَسلم من النَّاس. رواه أحمد (^٢) والطبراني واللفظ له (^٣) وأبو يعلى\n_________\n= صحيح - \"أحكام الجنائز\" (٨٦) وصحيح الترغيب (٣٤٩٧) والصحيحة (١٩٨١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^١) أخرجه أبو يعلى (١٠٤٣) و(١٠٤٤)، وابن حبان (٢٧٧١) وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٩) رجاله ثقات. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٢٣)، - صحيح الترغيب (٦٨٦) و(١٨٩٩) و(٣٤٧٠) و(٣٤٩٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أحمد في مسنده (٢٢٠٩٣)، والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢٥٧) الأموال لابن زنجويه (٤٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٧) (٥٥)، وفي الأوسط (٨٦٥٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٤٩٠)، والحاكم (١/ ٢١٢، ٢/ ٩٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩٩): رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.\nقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤١٦) رواه أبو يعلى، وأحمد بن حنبل، والطبراني واللفظ له، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما. ورواه أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة.\nوقال الحاكم: هذا حديث رواته مصريون، ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٥٣). صحيح الترغيب والترهيب (٣٤٧١).\n(^٣) الطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٧) (٥٥).","vol":"13","page":539},{"text":"وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (^١)، وروى أبو داود نحوه من حديث أبي أمامة (^٢)، وتقدم في الأذكار.\nقوله: \"وعن معاذ بن جبل\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنا على الله تعالى\"، وذكر منهن: \"من عاد مريضا\" الحديث، ضامن بمعنى صاحب ضمان يعني أنه في رعاية الله تعالى. قوله: \"أو دخل على إمام يعزره ويوقره\" الحديث، يعزره التعزير ها هنا: الإعانة والتوقير والنصر مرة بعد مرة. وأصل التعزير: المنع والرد، فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزير، لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب. يقال: عزرته، وعزرته، فهو من الأضداد (^٣).\n\n٥٢٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أصبح مِنْكُم الْيَوْم صَائِما فَقَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من أطْعم مِنْكُم الْيَوْم مِسْكينا فَقَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من تبع مِنْكُم الْيَوْم جَنَازَة فَقَالَ أَبُو بكر أَنا قَالَ من عَاد مِنْكُم الْيَوْم\n_________\n(^١) ابن خزيمة (١٤٩٥) وابن حبان (٣٧٢).\n(^٢) سنن أبي داود (٢٤٩٤) عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله -ﷺ- قال: ثلاثة كلهم ضامن على الله ﷿: رجل خرج غازيا في سبيل الله، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله ﷿ وصححه الألباني.\n(^٣) النهاية (٣/ ٢٢٨).","vol":"13","page":540},{"text":"مَرِيضا قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا اجْتمعت هَذِه الْخِصَال قطّ فِي رجل إِلَّا دخل الْجنَّة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).\n\n٥٢٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من عَاد مَرِيضا ناداه مُنَاد من السَّمَاء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الْجنَّة منزلا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢) كلهم من طَرِيق أبي سِنَان وَهُوَ عِيسَى بن سِنَان الْقَسْمَلِي عَن عُثْمَان بن أبي سَوْدَة عَنهُ.\nوَلَفظ ابْن حبَان عَن النَّبِي -ﷺ- إِذا عَاد الرجل أَخَاهُ أَو زَارَهُ قَالَ الله تَعَالَى طبت وطاب ممشاك وتبوأت منزلا فِي الْجنَّة.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله: \"طبتَ وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا\". قوله: \"من عاد مريضا\" أي زاره وافتقده. سميت عيادة لأن الناس يتكررون عليه أي يرجعون، ويقال عدت المريض عودا وعيادة. ومعنى تبوأت اتخذت من الجنة منزلا.\nقوله: \"القِسملي\" بكسر القاف واسمه عيسى بن سلمان وقيل عيسى بن سنان الشامي سكن البصرة في القسامل فنسب إليها، [فالقسمل] من الأزد].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥١٥)، ومسلم (١٢ و٨٧ - ١٠٢٨)، وابن خزيمة (٢١٣١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٤٣)، والترمذي (٢٠٠٨)، وابن حبان (٢٩٦١). وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص: ١٣٨)، وتحقيق رياض الصالحين للألباني (ص: ١٨٧).","vol":"13","page":541},{"text":"٥٢٧٠ - وَعَن ثَوْبَان -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْمُسلم إِذا عَاد أَخَاهُ الْمُسلم لم يزل فِي خرفة الْجنَّة حَتَّى يرجع قيل يَا رَسُول الله وَمَا خرفة الْجنَّة قَالَ جناها. رواه أحمد ومسلم واللفظ له والترمذي (^١) خرفة الْجنَّة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبعدهَا رَاء سَاكِنة هُوَ مَا يخْتَرف من نخلها أَي يجتنى.\n[قوله: \"وعن ثوبان\" هو مولى رسول الله -ﷺ-، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع\" الحديث، خرفة الجنة بضم الخاء هو ما يخترف من نخلها أي يجتنى، اهـ. قاله المنذري.\nقال الأصمعي (^٢): المخارف واحدها مخرف وهو [جنا النخل] لأنه يخترف أي [يجتنى] قال بعض العلماء: أي يئول به ذلك إلى الجنة واجتناء ثمارها، واتفق العلماء على فضل عيادة المريض، وفي هذا الحديث [ذكر] فوائد العيادة عاجلا وآجلا وما أطيب وأكثر خرفة الجنة وخرفة الجنة جناها والجنا اسم ما يجتنى من [الثمر] قاله في [الحقائق] (^٣).\n\n٥٢٧١ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من تَوَضَّأ الْوضُوء وَعَاد أَخَاهُ الْمُسلم محتسبا بوعد من جَهَنَّم سبعين خَرِيفًا قلت يَا أَبَا حَمْزَة مَا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٤٠٧)، مسلم (٢٥٦٨)، الترمذي (٩٦٧) وقال: \"حديث ثوبان حديث حسن\"، انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته (١٩٤٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٥٨) صحيح.\n(^٢) غريب الحديث (١/ ٨١)، وإكمال المعلم (٨/ ٣٧)، ومشارق الأنوار (١/ ٢٣٣).\n(^٣) حدائق الأولياء (٢/ ٥٨).","vol":"13","page":542},{"text":"الخريف قَالَ الْعَام رواه أبو داود (^١) من رواية الفضل بن دلهم القصاب.\nقوله: \"وعن أنس\" كنيته أبو حمزة.\nقوله: \"من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم مسيرة سبيعن خريفا. قلت: يا أبا حمزة وما الخريف؟ قال: العام\" الحديث. يستحب لعائد المريض أن يكون على وضوء وتقدم الكلام على إحسان الوضوء في كتاب الطهارة.\nقوله: \"روى أبو داود من رواية الفضل ابن دَلْهَم القصاب\"، الفضل بن دلهم القصاب: قال ابن معين: ضعيف، وقال مرة صالح: وقال أحمد: لا يحفظ، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أبو داود: ليس بالقوي ولا الحافظ،\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٠٩٧) من طريق محمد بن خالد، عن الفضل بن دلهم الواسطي، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك. وقال أبو داود: (والذي تفرد به البصريون منه العيادة وهو متوضئ)، وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٤/ ٢٧٧: (في إسناده الفضل بن دلهم القصاب، بصري وقيل: واسطي، قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وقال مرة: حديثه صالح، وقال الإمام أحمد: لا يحفظ، وذكر أشياء مما أخطأ فيها، وقال مرة: ليس به بأس، وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ، فلم يفحش خطؤه حتى يبطل الاحتجاج به، ولا اقتفى أثر العدول فيسلك سنتهم، فهو غير محتج به إذا انفرد)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٥٥٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٨١)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥٥٣٩)، وقال الألباني: ضعيف، ضعيف أبي داود (٦٨٢) وأخرجه الطبراني فىِ الأوسط (٩٤٤١) عن يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي، عن أبي جعفر النفيلي، عن أبي سفيان المعمري محمد بن حميد، عن معمر بن رائد، عن ثابت، عن أنس. ويعقوب بن إسحاق شيخ الطبراني لم نقع له على ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.","vol":"13","page":543},{"text":"وقال ابن حبان: هو غير محتج به إذا انفرد].\nفائدة: الصواب أن عيادة الذمي مستحبة أو جائزة والقربة موقوفة على نوع حرمة [تقترن] بها من جوار أو قرابة ففي صحيح البخاري (^١) عن أنس بن مالك قال: كان غلام يهودي يخدم النبي -ﷺ- فمرض فأتاه النبي -ﷺ- يعوده فقعد عند رأسه فعرض عليه الإسلام وقال: أسلم. فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم. فأسلم. فخرج النبي -ﷺ- وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار. ففي هذا الحديث إشارة إلى جواز عيادة المسلم مرضى أهل الذمة، وفيه أيضا إشارة إلى أنه ينبغي لعائد الذمي أن يرغِّبه في الإسلام ويبين له محاسنه ويحثّه عليه ويحرضه على معاجلته قبل أن يصير إلى حال لا ينفعه فيها توبته. وينبغي لإنسان إن دعا لذمي دعا له بالهداية ونحوها.\nتتمة: لا فرق في المرض بين قليله وكثيره فتستحب العيادة ولنا وجه أن الأرمد لا يُعاد، ونقل عن المالكية، والصواب خلافه فتستحب العيادة من وجع العين لأن النبي -ﷺ- عاد زيد بن الأرقم من رمد كان به، رواه أبو داود والحاكم والبيهقي بإسناد صحيح رجاله ثقات (^٢).\n_________\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٧٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٣٢)، وأبو داود (٣١٠٢) والحارث في \"المسند\" (٢٤٧ - الزوائد):، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٩٨)، والطبراني في معجمه الكبير (٥/ ١٩٠/ ٥٠٥٢)، والحاكم (١٢٦٥)، وعنه البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٨١) عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله -ﷺ- من وجع كان بعيني. =","vol":"13","page":544},{"text":"وقال ابن الصلاح في رحلته (^١): لا تسن عيادة الأرمد، وهذا الحديث حجة عليه ويقاس عليه وجع [الضرس والرّمد] ونحوهما.\nوأما ما رواه الطبراني في [معجمه] الكبير أن النبي -ﷺ- قال: ثلاثة ليس لهم عيادة العين و[الرمد] والضرس، فقال البيهقي: الصحيح وقفه على يحيى بن أبي كثير. (^٢) قال: وأما ما رواه جابر مرفوعا لا غمّ إلا غمّ الدين ولا وجع إلا وجع العين فحديث منكر (^٣).\n_________\n= وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد صحيح من حديث أنس بن مالك وأخرجه الحاكم (١٢٦٦) من طريق الزبير بن عدي عن أنس قال: عاد رسول الله -ﷺ- زيد بن أرقم من رمد كان به والحديث صححه النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٩٠٩)، وقال الألباني: حسن. صحيح أبي داود (٢٦٥٩) وله طريق آخر أخرجه أحمد (٣/ ١٦١)، (٣/ ١٥٦)، وعبد بن حميد (٢٧٠)، وابن الجعد (٢٢٤٤) عن جابر عن خيثمة عن زيد بن أرقم أن النبي -ﷺ- أتاه يعوده وهو يشتكى عينيه فقال أرأيت أن كان عيناك لما بهما أو نحوا من هذا كيف تصنع قال إذا اصبر واحتسب قال لو كان عيناك لما بهما لقي الله من غير ذنب.\nقلت: وجابر هو الجعفي المتهم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٨) وقال: رواه البزار وفيه جابر الجعفي وفيه كلام كثير وقد وثق.\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٩).\n(^٢) عمدة القاري (٢١/ ٢١٣) قال: روى البيهقي والطبراني مرفوعا: ثلاثة ليس لهم عيادة: العين والدمل والضرس. قلت: صحيح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير،.\n(^٣) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٧٤٦): موضوع. رواه ابن حبان في الضعفاء (١/ ٣٤٦) والطبراني في الأوسط (٦٨/ ١ و١٤٥/ ١) وفي الصغير (ص ١٧٦) وعنه القضاعي (٧٢/ ٢) وابن عدي (١٨٨/ ١).","vol":"13","page":545},{"text":"وروي عن عبد الله بن وهب أنه عاد حرملة بن يحيى وهو أرمد فقال: إني لم أعدك للرمد ولكنك من أهلي، وفي الرحلة أيضا: عن أبي عبد الله الفراوي أن العيادة تستحب في الشتاء ليلا وفي الصيف نهارا، وفي كتاب الأحياء إنما يعاد المريض بعد ثلاثة أيام ويدل له (^١) ما رواه ابن ماجه (^٢) عن أنس قال: كان النبي -ﷺ- لا يعود المريض إلا بعد ثلاثة أيام، اهـ.\n\n٥٢٧٢ - وَعَن عَليّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من مُسلم يعود مُسلما غدْوَة إِلَّا صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يُمْسِي وَإِن عَاد عَشِيَّة إِلَّا صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يصبح وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^٣) وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَقد رُوِيَ عَن عَليّ مَوْقُوفا انْتهى وَرَوَاهُ\n_________\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٩).\n(^٢) ابن ماجه (١٤٣٧)، وأخرجها بن أبي الدنيا المرض والكفارات (٥٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (٣٦٤٢)، وفي المعجم الصغير (٤٨٤)، وابن عدي في الكامل (٩/ ٤٧٨)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي -ﷺ- ص ٢٣٦.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩٥) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نصر بن حماد وهو متروك، وضعفه جماعة وقال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٤٩٩)، والضعيفة (١٤٥، ١٤٦): موضوع.\n(^٣) سنن الترمذي (٩٦٩)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٧١٨)، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٠٨٣٥، وأحمد (١/ ٨١)، (١/ ٩١)، وأبو داود (٣٠٩٩)، وابن ماجه (١٤٤٢)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٨٩)، والنسائي في الكبرى (٧٤٩٤)، وأبو يعلى (٢٦٢)، والطبراني في معجمه الأوسط (٧٤٦٤)، والحاكم (١٢٦٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن علي هذا الحديث من غير وجه منهم من وقفه ولم =","vol":"13","page":546},{"text":"أَبُو دَاوُد (^١) مَوْقُوفا على عَليّ ثمَّ قَالَ وَأسْندَ هَذَا عَن عَليّ من غير وَجه صَحِيح عَن النَّبِي -ﷺ- ثمَّ رَوَاهُ مُسْندًا بِمَعْنَاهُ (^٢).\nوَلَفظ الْمَوْقُوف مَا من رجل يعود مَرِيضا ممسيا إِلَّا خرج مَعَه سَبْعُونَ ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يصبح وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة وَمن أَتَاهُ مصبحا خرج مَعَه سَبْعُونَ ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِي وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة وَرَوَاهُ بِنَحْوِ هَذَا أَحْمد وَابْن مَاجَه مَرْفُوعا (^٣).\nوَزَاد فِي أَوله إِذا عَاد الْمُسلم أَخَاهُ مَشى فِي خرافة الْجنَّة حَتَّى يجلس فَإِذا جلس غمرته الرَّحْمَة.\n_________\n= يرفعه، وقال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لأن جماعة من الرواة أوقفوه عن الحكم بن عتيبة ومنصور بن المعتمر عن ابن أبي ليلى عن علي -﵁- من حديث شعبة عنهما وأنا على أصلي في الحكم لراوي الزيادة وقال الألباني: صحيح موقوف الصحيحة (١٣٦٧).\n(^١) سنن أبي داود (٣٠٩٨) وقال الألباني: صحيح موقوف. أخرجه أحمد ١/ ١٢٠ - ١/ ١٢١، وأبو داود (٣٠٩٨)، (٣١٠٠)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٨٢ و٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٣٨١) عن الحكم، عن عبد الله بن نافع، هذا موقوف والصواب الرفع.\n(^٢) سنن أبي داود (٣٠٩٩)، وقال الألباني: صحيح مرفوع. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٠٨٣٥)، وأحمد (١/ ٨١)، وابن ماجه (١٤٤٢)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٨٩)، والنسائي في الكبرى (٧٤٩٤)، وأبو يعلى (٢٦٢)، والطبراني في معجمه الأوسط (٧٤٦٤)، وابن عبد البر في الاستذكار (٩/ ٣٨٤)، والضياء المقدسي في المختارة (٦٣٧، ٦٣٨)، وابن عساكر في المعجم (١٤٣٦).\n(^٣) سنن ابن ماجه (١٤٤٢).","vol":"13","page":547},{"text":"الحَدِيث وَلَيْسَ عِنْدهمَا وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مَرْفُوعا أَيْضا وَلَفظه مَا من مُسلم يعود مُسلما إِلَّا يبْعَث الله إِلَيْهِ سبعين ألف ملك يصلونَ عَلَيْهِ فِي أَي سَاعَات النَّهَار حَتَّى يُمْسِي وَفِي أَي سَاعَات اللَّيْل حَتَّى يصبح رَوَاهُ الْحَاكِم مَرْفُوعا بِنَحْوِ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا قَوْله فِي خرافة الْجنَّة بِكَسْر الْخَاء أَي فِي اجتناء ثَمَر الْجنَّة.\nيُقَال خرفت النَّخْلَة أخرفها فَشبه مَا يحوزه عَائِد الْمَرِيض من الثَّوَاب بِمَا يحوزه المخترف من الثَّمر.\nهَذَا قَول ابْن الْأَنْبَارِي.\nقوله: \"وعن علي\" تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك\" فذكر الحديث إلى قوله: \"وكان له خريف في الجنة\" الخريف التمر المخروف أي المجتنى، وما أبهج هذا وأعلاه وأعظم [اعتناءه] [وفيه تنبيه على المبادرة إلى العيادة أول النهار وأول الليل فكلما كانت صلاة الملائكة أكثر كانت أبهج وأكسب، اهـ، قاله في حدائق الأولياء].\nوقوله: \"مشى في خرافة الجنة\" وخرفة الجنة وخرافتها الحائط من النخل.\nويروى: عائد المريض [في مخارف الجنة] [كأنه يخترف] ثمارها. وقيل: المخرفة الطريق أنه على طريق تؤديه إلى الجنة، ومعنى غمرته الرحمة أي عمَّته، وفي هذا الحديث استحباب عيادة المريض صباحا ومساء. وقال أبو عبد الله الفراوي من أصحابنا: تستحب العيادة في الشتاء ليلا وفي الصيف","vol":"13","page":548},{"text":"نهارا (^١)، وفي إسناده الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي مولى امرأة من كندة، كان قاضيا بالكوفة، كان من كبار العلماء وساداتهم، إذا قدم مدينة النبي -ﷺ- أخلَوا له سارية النبي -ﷺ- يصلي إليها، وكان صاحب عبادة وفضل وكان فيه تشيع ظهر بعد موته، مات سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة (^٢)، انتهى.\nفائدة: من البدع [التي أحدثت] ترك العيادة بالليل وكراهة ذلك والتطير به وهذا بدعة وقد لا يصبح المريض [فيفوته] ثواب العيادة. وقد حض النبي -ﷺ- على عيادة المريض ولم يمنع منها في ليل ولا نهار بل قال -ﷺ-: ما من مسلم يعود مسلما في غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة، الحديث (^٣). فانظر [رحمك الله] كيف رغّب رسول الله -ﷺ- في [العيادة] ليلا ونهارا فألقى الشيطان عندهم كراهتها بالليل ويوم السبت ليؤخروها إلى النهار أو إلى الأحد عسى أن يكون التأخير سببا لتفويتهم هذا الأجر الجزيل في العيادة، فربما شفي المريض أو مات أو حدث للعائد ما يمنعه من العيادة في غد ونحو ذلك، اهـ. قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٤).\nفائدة أيضا: ومن البدع التي أحدثت في العيادة أنه لا يعاد المريض يوم\n_________\n(^١) التوضيح (٢٧/ ٢٧٥).\n(^٢) مرآة الزمان (١٠/ ٤٠٤)، وتهذيب الكمال (٧/ ترجمة ١٤٣٨).\n(^٣) سنن الترمذي (٩٦٩)، وسبق تخريجه.\n(^٤) تنبيه الغافلين (ص ٤٧٨ - ٤٧٩).","vol":"13","page":549},{"text":"السبت ومن عاده تطيروا به وشق ذلك عليهم وهذه بدعة في الدين ومخالفة لسنة سيد المرسلين إذ لم يوقت في العيادة يوما دون يوم ولا وقتا دون وقت. وقد ذكر بعضهم أن أصل هذه البدعة أن يهوديا كان طبيبا لملك من الملوك فمرض الملك مرضا شديدا فكان اليهودي لا يفارقه فجاء يوم الجمعة فأراد اليهود أن يمضي إلى سبته فمنعه الملك فما قدر اليهودي أن يستحل سبتَه وخاف من سفك دمه فقال له اليهودي إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت فتركه الملك ومضى لسبته ثم شاعت هذه البدعة بعد ذلك [واتخذها] كثير من الجهال سنة والله أعلم. قاله ابن النحاس أيضا (^١).\nفائدة أخرى: ومن البدع أيضا أنه لا بد أن العائد يأتي معه بشيء للمريض سواء كان غنيا أو فقيرا فإن لم يفعل [تُكُلِّمَ] فيه وقُدح [بالبخل] والنذالة وقلة المروءة ونحو ذلك وهذه بدعة لم ترد بها السنة وهذا المريض لا يخلو من حالين إما أن يكون فقيرا محتاجا احتياجه فرض كفاية على كل قادر من المسلمين لا يختص ذلك بوقت العيادة ولا غيرها وإن كان غنيا فلا وجه لذم عائده على ترك الهدية [إليه] في حال الضعف ولا في غيره لعدم الاحتاج مع أن الغالب في مثل هذا إنما يكون على سبيل المعاوضة لا على سبيل الهدية والإعانة وقد يكون العائد إذ ذاك ضيق اليد فيحتاج إلى كلفة في تحصيل ما يأتي به إلى المريض أو يترك العيادة خوفا من الملامة ويعتذر عن ذلك بما أمكنه من كذب أو تعريض ونحو ذلك، وقد يؤدي ذلك إلى [قطيعة] بين\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٧٨ - ٤٧٩).","vol":"13","page":550},{"text":"الإخوان والأقارب و[المجازاة] بترك العيادة عمدا ولا يخفى ما في ذلك من المفاسد الدينية والدنيوية مع أن المطلوب إنما هو نفس العيادة ليس إلا فإن أتى معه بشيء على سبيل الهدية والمساعدة لكون الضعيف قد حصل له ما يمنعه من الاكتساب أو شراء الحاجة ونحو هذا فلا بأس بذلك بشرط صحة القصد والله أعلم، قاله ابن النحاس أيضا (^١).\nقوله في الحديث: \"وقد روي عن علي موقوفا\" الحديث الموقوف (^٢) في اصطلاح المحدثين هو ما قاله الصحابي ولم يرفعه إلى النبي -ﷺ-.\nقوله: \"ثم رواه مسندا بمعناه\".\nفائدة: الحديث المسند (^٣) في اصطلاح المحدثين هو ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن رسول الله -ﷺ- دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم. قال ابن عبد البر (^٤): الحديث المسند ما رُفع إلى النبي\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٧٩ - ٤٨٠).\n(^٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص: ٤٦)، معرفة علوم الحديث: ١٩، والكفاية: (٥٨)، والتمهيد ١/ ٢٥، والاقتراح: ١٩٤، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٦٤، والموقظة: ٤١، واختصار علوم الحديث: ٤٥، والمقنع ١/ ١١٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٢٩، ونزهة النظر: ١٥٤، وفتح المغيث ١/ ١٠٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي ١٤٦، وفتح الباقي ١/ ١٢٣، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٦١،.\n(^٣) انظر التفصيل في (علوم الحديث) (ص ١١) و(الباعث الحثيث) (١/ ٩٩) وعلوم الحديث (ص ١١).\n(^٤) في التمهيد (١/ ٢١، ٢٣).","vol":"13","page":551},{"text":"-ﷺ- خاصة، وقد يكون متصلا مثل مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- وقد يكون منقطعا مثل مالك عن الزهري عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- فهذا مسند لأنه قد أسند إلى رسول الله -ﷺ- وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس والله أعلم، قاله صاحب التنقيح على المصابيح (^١).\nقوله -ﷺ- في الحديث في رواية الإمام أحمد وابن ماجه: \"إذا عاد المسلم أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس\" الحديث، خرافة الجنة بكسر الخاء أي [في] اجتناء ثمرة الجنة، يقال خرفت النخلة أخرفها فشبّه ما يحوزه عائد المريض من الثواب إلى آخر ما ذكره الحافظ، وقال في النهاية (^٢): يقال خرفت النخلة أخرفها خرفا وخِرافا وفي حديث آخر: عائد المريض على خرفة الجنة، الخرفة بالضم اسم ما يخترف من النخلة حين تدرك، اهـ.\nوفي حديث آخر: عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع، المخارف جمع مخرف بالفتح وهو الحائط من النخل أي أن العائد فيما يحوزه من الثواب كأنه على نخل الجنة يخترف ثمارها وقيل المخارف جمع مخرفة وهي سكة بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء أي يجتني، وقيل المخرفة الطريق، أي أنه على طريق تؤديه إلى طرق الجنة، اهـ. قاله في النهاية (^٣):\n_________\n(^١) كشف المناهج والتناقيح (١/ ٥٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٤).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٤).","vol":"13","page":552},{"text":"٥٢٧٣ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من عَاد مَرِيضا وَجلسَ عِنْده سَاعَة أجْرى الله لَهُ عمل ألف سنة لَا يعْصى الله فِيهَا طرفَة عين رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات ولوائح الْوَضع عَلَيْهِ تلوح (^١).\n\n٥٢٧٤ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة -﵃- قَالَا من مَشى فِي حَاجَة أَخِيه الْمُسلم أظلهُ الله بِخَمْسَة وَسبعين ألف ملك يدعونَ لَهُ وَلم يزل يَخُوض فِي الرَّحْمَة حَتَّى يفرغ فَإِذا فرغ كتب الله لَهُ حجَّة وَعمرَة وَمن عَاد مَرِيضا أظلهُ الله بِخَمْسَة وَسبعين ألف ملك لَا يرفع قدما إِلَّا كتب لَهُ بِهِ حَسَنَة وَلَا يضع قدما إِلَّا حط عَنهُ سَيِّئَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة حَتَّى يقْعد فِي مَقْعَده فَإِذا قعد غمرته الرَّحْمَة فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى إِذا أقبل حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى منزله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَيْسَ فِي أُصَلِّي رَفعه (^٢).\n\n٥٢٧٥ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول أَيّمَا رجل يعود مَرِيضا فَإِنَّمَا يَخُوض فِي الرَّحْمَة فَإِذا قعد عِنْد الْمَرِيض غمرته الرَّحْمَة قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله هَذَا للصحيح الَّذِي يعود الْمَرِيض فَمَا للْمَرِيض قَالَ تحط عَنهُ ذنُوبه رَوَاهُ أَحْمد وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٥٩). وقال الألباني موضوع ضعيف الترغيب (٢٠٢٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٤٧ رقم ٤٣٩٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جعفر بن ميسرة الأشجعي وهو ضعيف. وقال الألباني منكر ضعيف الترغيب (١٥٧٤) و(٢٠٢٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":553},{"text":"والأوسط (^١).\n\n٥٢٧٦ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من عَاد مَرِيضا لم يزل يَخُوض فِي الرَّحْمَة حَتَّى يجلس فَإِذا جلس اغتمس فِيهَا رواه مالك بلاغا (^٢) وأحمد (^٣) ورواته رواة الصحيح والبزار (^٤) وابن حبان في صحيحه (^٥) ورواه الطبراني (^٦) من حديث أبي هريرة بنحوه ورواته ثقات.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ١٧٤ (١٢٧٨٢)، وابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٦١)، والطبراني في الصغير (٥١٩) والأوسط (٨/ ٣٥٣ رقم ٨٨٥١). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٧: رواه أحمد والطبراني في الصغير والأوسط وزاد: فقال رسول الله -ﷺ-: \"إذا مرض العبد ثلاثة أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" وأبو داود ضعيف جدا، وفي إسناد الطبراني إبراهيم بن الحكم بن أبان وهو ضعيف أيضا. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٢٠٢٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أورده مالك، في \"الموطأ\" (٢٧٢٣)؛ أنه بلغه، عن جابر بن عبد الله، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٩/ ٣٨٤) حديث جابر هذا محفوظ عن النبي من رواية أهل المدينة.\n(^٣) أحمد (١٤٢٦٠).\n(^٤) البزار (٧٧٥ - كشف الأستار) وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٣٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٢٢)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٨٤)، والحارث (الهيثمي ٢٥٠) (الزوائد)، وابن حبان (٢٩٥٦)، والحاكم (١٢٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٣٨٠)، وفي شعب الإيمان (٩١٧٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٧٤)، وفي الاستذكار (٩/ ٣٨٤) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩٧) رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٥) وابن حبان (٢٩٥٦).\n(^٦) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (ق ٥٢ أ)، وفي الصغير (١٣٩).\nورجاله ثقات إلا شيخ الطبراني وهو أحمد بن الحسن الأبلي، قال عنه في الميزان =","vol":"13","page":554},{"text":"قوله: \"وعن جابر\" هو ابن عبد الله، تقدمت ترجمته.\nقوله: \"من عاد مريضا لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس فإذا جلس اغتمس فيها\" الحديث، رواه مالك بلاغا. تقدم الكلام على الإمام مالك إمام دار الهجرة أعاد الله علينا [وعلى المسلمين] من بركاته.\nوالبلاغ (^١) في اصطلاح المحدثين هو نوع من التعليق وهو قول الراوي بلغني عن فلان.\nفائدة: نهي عن إكراه المرضى على الطعام والشراب لما روي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم. رواه الترمذي وحسّنه (^٢)،\n_________\n= (١/ ٨٩): قال ابن عدي: كان يسرق الحديث. وقال ابن حبان: كذاب دجال، يضع الحديث على الثقات. فالإسناد موضوع.\n(^١) البلاغ: هي الأحاديث التي يقول فيها بلغني. مقدمة ابن الصلاح (ص: ١٣٦) وذكرَ أبو نصرٍ السِّجْزيُّ الحافظُ قولَ الراوي: بلغني\". نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: للمملوك طعامه وكسوته .. الحديث وقال: أصحاب الحديث يسمونه المعضل.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٤)، والترمذي (٢٠٤٠)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات ٢٠٠، وابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٤٢)، والروياني (٢٠٣)، وأبو يعلى (١٧٤١)، والطبراني في معجمه الكبير (١٧/ ٢٩٣/ ٨٠٧)، والأوسط (٦٢٦٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣١)، والحاكم (١٢٩٦)، البيهقي في الشعب (٩٢٢٩) وفي الآداب (٧٠٢)، وفي الكبرى (٩/ ٣٤٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٥٣) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال النووي في خلاصة الأحكام =","vol":"13","page":555},{"text":"وابن ماجه (^١).\n\n٥٢٧٧ - وَعَن كَعْب بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من عَاد مَرِيضا خَاضَ فِي الرَّحْمَة فَإِذا جلس عِنْده استنقع فِيهَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^٢) وَرَوَاهُ فيهمَا أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن حزم -﵁- وَزَاد فيه وَإِذا قَامَ من عِنْده فَلَا يزَال يَخُوض فِيهَا حَتَّى يرجع من حَيْثُ خرج وَإِسْنَاده إِلَى الْحسن أقرب (^٣).\n_________\n= (٢/ ٩٢١) رواه الترمذي، وابن ماجه بإسناده ضعيف جدا. وادعى الترمذي أنه حسن وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢٢١٦): قال أبي: هذا حديث باطل، وبكر هذا: منكر الحديث. وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال البيهقي: تفرد به بكر بن يونس بن بكير عن موسى بن علي وهو منكر الحديث قاله البخاري. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٥٢): هذا إسناد حسن بكر بن يونس مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات، والحديث ضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٨١٨) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٧٤٣٩)، وصحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٧/ ٤٤٤،) حسن، وصححه الألباني في الصحيحة (٧٢٧)، المشكاة (٤٥٣٣/ التحقيق الثاني).\n(^١) ابن ماجه (٣٤٤٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٦٠ (١٥٧٩٧)، وابن أبى الدنيا في المرض (٢١٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٧٧ رقم ٩٠٣) والكبير (١٩/ ١٠٢ رقم ٢٠٤) و(١٩/ ١٥٩ رقم ٣٥٣). قال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٧: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٧٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد (٢٨٨)، وابن أبى الدنيا في المرض (٢٣٢)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٧٣ رقم ٥٢٩٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٧: رواه الطبراني في الكبير =","vol":"13","page":556},{"text":"٥٢٧٨ - عَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا دخلت على مَرِيض فمره يَدْعُو لَك فَإِن دعاءه كدعاء الْمَلَائِكَة رواه ابن ماجه (^١) ورواته ثقات مشهورون إلا أن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر.\nقوله: \"عن عمر بن الخطاب\" تقدم.\nقوله: \"إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك\" الحديث، فيه استحباب طلب الدعاء من المريض لأنه مضطر ودعاؤه [أسرع] إجابة [من غيره، ففي السنة أقرب] الدعاء إلى الإجابة دعوة المضطر، ويستحب وعظ المريض عند عافيته ويذكره الوفاء بما عاهد الله عليه من التوبة وغيرها من الخير وينبغي له هو المحافظة على لذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ\n_________\n= والأوسط، ورجاله موثقون. وضعفه الألباني في صحيح الترغيب هامش الحديث السابق. ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٤٤١) وأخرجه أبو بكر ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٥٧)، وقال النووي في خلاصة الأحكام (٣٢٤٠): رواه ابن ماجه، وهو منقطع، ولد ميمون بعد وفاة عمر بنحو ثمان عشرة سنة. وقال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٢٢٨): إسناد حسن ولكن ميمون بن مهران لم يدرك عمر بن الخطاب.\nوقال العلائي في المراسيل والمزي في التهذيب: إن رواية ميمون بن مهران عن عمر مرسلة، وقال ابن الجوزي في العلل (٤٥٥): لا يصح. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٢١): إسناده صحيح ورجاله ثقات. إلا أنه منقطع. قال العلائي في المراسيل والمزي في رواية ميمون بن مهران عن عمر بن الخطاب ثلمة.\nوقال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٢٢): إسناده منقطع. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٤٨٧) وفي السلسلة الضعيفة (١٠٠٤)، وقال في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٨٢): ضعيف جدًا.","vol":"13","page":557},{"text":"كَانَ مَسْئُولًا﴾.\nفرع يستحب للمريض الرضا بقضاء الله والصبر على بلائه فإنما يثاب عليهما لا على المصائب نفسها، وكره بعض الأصحاب [للمريض الأنين والتأوّه] وكثرة الشكوى لأن ذلك يدل على ضعف اليقين ويورث شماتة الأعداء، فلو سأله طبيب أو قريب له أو صديق أو نحوهم عن حاله فأخبره بالشدة التي هو فيها لا [على] صورة الجزع فلا بأس. قال المتولي (^١): ويكره له التأوه والأنين، و[كذلك] قال القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وغيرهم من الأصحاب أن طاوسا كره ذلك.\nقال النووي (^٢): الذي قالوه من كراهة التأوه [والأنين] ضعيف أو باطل فإن المكروه هو الذي [ثبت] فيه نهي مقصود ولم يثبت في هذا نهي، بل في صحيح البخاري (^٣) عن القاسم قال: قالت عائشة: وارأساه، فقال النبي -ﷺ-: بل أنا وارأساه. فالصواب أنه لا كراهة فيه، ولكن الاشتغال بالتسبيح ونحوه أولى، فلعلهم أرادوا بالكراهة هذا. وينبغي [للزائر أن يطيب] نفس المريض و[لا يطيل] المكث عنده و[يواصل] الزيارة للقريب والصديق ويجعلها [للأجنبي] غبا.\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٥/ ١٢٨).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (٥/ ١٢٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٧٢١٧).","vol":"13","page":558},{"text":"تتمة: [ويقرأ] عند الموت سورة يس لما روى أبو داود (^١) والنسائي (^٢) وابن حبان (^٣) عن معقل بن يسار أن النبي -ﷺ- قال: اقرءوا على موتاكم يس. قال ابن الرفعة ويستحب أن يقرأ عند المريض مطلقا ففي رباعيات أبي بكر الشافعي [لعله الشاشي] أن النبي -ﷺ- قال: ما من مريض يقرأ عنده يس إلا مات ريّانا وأدخل قبره ريّانا وحشر يوم القيامة ريّانا. وروى الآجري في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦ و٢٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٥٧)، وأبو داود (٣١٢١)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص ١٣٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٠٩٥٨) وعنه ابن ماجه (١٤٤٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٤) (١٠٧٥)، والبغوي في شرح السنة (١٤٦٤) وفي التفسير (٧/ ٣٠) وابن حبان (٣٠٠٢)، والطيالسي (٩٣١). قلت: لهذا الحديث ثلاث علل: ١ - الاضطراب. ٢ - جهالة أبي عثمان. وأيضا فقد قال ابن المديني: ٣ - جهالة أبيه. قال الدارقطني كما في تلخيص الحبير (٢/ ١٠٤): هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، لا يصح في الباب حديث. وأعله ابن القطان بالاضطراب والوقف، وبجهالة حال أبي عثمان. انظر: بيان الوهم (٥/ ٤٩)، وتلخيص الحبير (٢/ ١٠٤)، وقال النووي في الأذكار (ص ١١٧) والخلاصة (٣٢٧٨): إسناده ضعيف؛ فيه مجهولان، لكن لم يضعفه أبو داود. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ٨٦) هذا إسناد ضعيف؟ لجهالة التابعي. وقال أبو بكر بن العربي المالكي في \"عارضة الأحوذي\" (١١/ ١٧): \"حديثها ضعيف (يعني سورة يس) فلم نقبل عليه. وللناس فيها رواء وآراء وروايات وتأويلات وذلك كله لا أصل له. وقد روى أبو داود: \"اقرؤا يس على موتاكم\" ولم يصح\". انظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٧٤ - ٧٥ وميزان الاعتدال ٤/ ت ١٠٤٠٩. كنى البخاري (ص ٥٧) الجرح والتعديل (٩/ ٤٠٨) جامع التحصيل (ص ٣١٣). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٠٧٢).\n(^٢) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٤).\n(^٣) ابن حبان (٣٠٠٢).","vol":"13","page":559},{"text":"النصيحة (^١) عن أم الدرداء أن النبي -ﷺ- قال: [ما من ميت يقرأ] عنده يس إلا هون [الله عليه.\nوروى] الحارث بن أبي أسامة (^٢) أن النبي -ﷺ- قال: من قرأها وهو خائف أمن أو جائع شبع أو عطشان سقي أو عار كسي أو مريض شفي حتى ذكر خلالا كثيرة.\nواستحب أبو الشعثاء التابعي الكبير قراءة سورة الرعد وكأنّ ذلك، والله أعلم لقوله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية.\nفرعان: أحدهما: قال الحليمي يستحب تجريع المحتضر ماء فإن العطش يغلب من شدة الفزع فيخاف منه إزلال الشيطان إذ ورد أنه يأتي بماء زلال\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ١٨٨ من طريق مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبي الدرداء مرفوعا.\n(^٢) في \"المسند\" بغية الباحث (٤٦٩)، والمطالب العالية (٣٦٩٢)، وإتحاف الخيرة المهرة (٣٠٠٤) وقال العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٢٦٤): ضعفه البوصيري في الإتحاف: \"هذا إسناد مسلسل بالضعفاء، السري وحماد وعبد الرحيم ضعفاء.\nوعزاه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١/ ٣١٠) لأبي منصور المظفر بن الحسين الغزنوني في فضائل القرآن. ثم قال: وهو منكر. وكذا ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٥/ ١٥٤): قال القاري: وروى مرفوعا: إن من قرأها وهو خائف أمن، أو جائع شبع، أو عارٍ كُسِي، أو عاطش سُقِي في خلال كثيرة.\nوروى الحارث بن أبي أسامة: في سنده نظر لكن يشهد له أنه -ﷺ- في ليلة اجتماع قريش على قتله خرج وهو يقرأ أوائلها، وذر عليهم التراب، مع أن الحديث يعمل به في الفضائل.","vol":"13","page":560},{"text":"يقول له: قال لا إله غيري حتى أسقيك، نسأل الله الثبات عند الممات (^١).\nالثاني في الرونق واللباب: لا يجوز للحائض أن تحضر المحتضر وهو في النزع وكأن السبب في ذلك أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة ولا جنب، (^٢) اهـ\n\n٥٢٧٩ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- عودوا المرضى ومروهم فَلْيَدعُوا لكم فَإِن دَعْوَة الْمَرِيض مستجابة وذنبه مغْفُور. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣).\n\n٥٢٨٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا ترد دَعْوَة الْمَرِيض حَتَّى يبرأ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات (^٤).\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ١٢).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ١٢ - ١٣).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٤٠ رقم ٦٠٢٧) والدعاء (١١٣٦). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٩٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الرحمن بن قيس العمري وهو متروك الحديث. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار ٤/ ٢٤٤: قلت: وهو الزعفراني الضبي، تركه الجمهور، وكذبه عبد الرحمن بن مهدي وأبو زرعة الرازي وغيرهما. وقال الألباني موضوع الضعيفة (١٢٢٢) وضعيف الترغيب (٢٠٣٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٤) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (٧٠). وقال الألباني موضوع في ضعيف الترغيب (٢٠٣١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>[التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يدعى بِهن للْمَرِيض وكلمات يقولهن الْمَرِيض]</span>\n٥٢٨١ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من عَاد مَرِيضا لم يحضر أَجله فَقَالَ عِنْده سبع مَرَّات أسأَل الله الْعَظِيم رب الْعَرْش الْعَظيم أَن يشفيك إِلَّا عافاه الله من ذَلِك الْمَرَض رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ.\nقَالَ الْحَافِظ فِيمَا دَعَا بِهِ النَّبِي -ﷺ- للْمَرِيض أَو أَمر بِهِ أَحَادِيث مَشْهُورَة لَيست من شَرط كتَابنَا أضربنا عَن ذكرهَا.\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض\"، قال النووي في أذكاره (^١): قلت يشفيك بفتح أوله والله أعلم.\nفائدة: وفي الباب عن علي -﵁- (^٢) بلفظ: ما من مريض لم يقض أجله\n_________\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ٢٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (١٩)، والطبراني في الدعاء (١١١٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٦/ ١٨)، وله شاهد أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٣٦) وأحمد (١/ ٢٣٩)، و(١/ ٢٤٣)، والترمذي (٢٠٨٣) وأبو داود (٣١٠٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٨٤)، (١٠٨٨٧)، والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٤٤٨/ ١٢٢٧٢)، (١١/ ٤٥٠/ ١٢٢٧٧)، (١٢/ ١٥٠/ ١٢٧٣١)، وفي معجمه الصغير =","vol":"13","page":562},{"text":"تعوذ بهذه الكلمات إلا خفف الله عنه باسم الله العظيم أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيني سبع مرات، رواه في الجزء الثاني من الأول الكبير من حديث سماك قاله الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر في حاشية نسخته.\nفائدة: أيضا في كلمات يقولهن العائد للمريض من السنة قال رسول الله -ﷺ-: تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده فيسأله كيف هو كيف أصبحت كيف أمسيت اللهم رب الناس أذهب البأس [أي الشدة والمرض] اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، بيدك الشفاء لا كاتب له إلا أنت أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبعا، اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا أو يمشي لك إلى صلاة، بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد من شر ما يجد باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك لا بأس طهور إن شاء الله تعالى شفى الله سقمك وغفر ذنبك وعافاك في دينك وجسمك إلى مدة\n_________\n= (٣٥)، والحاكم (١٢٦٩)، وابن عساكر (١٣/ ٣٦)، والضياء في المختارة (٣٩٤ - ٣٩٥ - ٣٩٦ - ٣٩٧ - ٣٩٨)، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمرو. وقال الحاكم (١٢٦٩): هذا حديث شاهد صحيح غريب من رواية المصريين، عن المدنيين، عن الكوفيين لم نكتبه عاليا إلا عنه، وقد خالف الحجاج بن أرطأة الثقات في هذا الحديث عن المنهال بن عمرو. الحديث صححه النووي في الأذكار ج ١/ ص ١٠٧/ ٣٨٩.","vol":"13","page":563},{"text":"أجلك. [قوله: \"أذهب البأس\" أي الشدة والمرض.\nقوله: \"ينكأ لك عدوا\" هو بفتح أوله وآخره همزة ومعناه يؤلمه ويوجعه، قاله النووي في أذكاره (^١)]. وفي البخاري (^٢) ومسلم (^٣) عن عائشة قالت كان رسول الله -ﷺ- إذا أتى إلى المريض فدعا له قال: أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما.\nقال النووي (^٤): في هذا الحديث استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه دعوات كثيرة صحيحة [جمعتها] في كتاب الأذكار وهذا المذكور هنا من أحسنها ومعنى لا يغادر سقما [ومعنى] لا يترك والسقم بضم السين وإسكان القاف وبفتحهما لغتان، اهـ. ومن أسماء الله تعالى الشافي ولم يرد به القرآن [اسما] لكن ورد فعلا في هذا الحديث وغيره. قال الحليمي (^٥): ويجوز أن يقال في الدعاء يا شافي يا كافي لأن الله ﷿ يشفي الصدور من الشبّه والشكوك والحسد والغل والأبدان من الأمراض والآفات ولا يقدر على ذلك غيره ولا يدعى بهذا الاسم سواه ومعنى الشفاء دفع ما يؤذي أو يؤلم البدن فيجب على كل مكلف أن يعلم أن لا شافي على الإطلاق إلا الله وحده وقد بيّن ذلك رسول الله -ﷺ- بقوله لا شافي إلا أنت، فيعتقد\n_________\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ١٣٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٥٦٧٥).\n(^٣) صحيح مسلم (٢١٩١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٨٠).\n(^٥) الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ٢١٩).","vol":"13","page":564},{"text":"الشفاء له ومنه وبه، وأن الأدوية المستعملة لا توجب شفاء وإنما هي أسباب ووسائط يخلق الله عندها فعله وهي الصحة التي [لا] يخلقها أحد سواه فكيف ينسبها عاقل إلى جماد من الأدوية أو سواها ولو شاء ربك لخلق الشفاء دون سبب ولكن لما كانت الدنيا دار أسباب جرت السنة فيها بمقتضى الحكمة على تعليق الأحكام [بالأسباب] وإلى هذا المعنى أشار جبريل -ﷺ- على رسول الله -ﷺ- بقوله: باسم الله أرقيك الله يشفيك؛ فبيّن أن الرقية منه وهي سبب لفعل الله تعالى وهو الشافي. اهـ.\nفائدة: أيضا وينبغي لمن عاد مريضا أن يذكره التوبة والاستغفار فلا أحسن من تمام الأعمال بالتوبة والاستغفار فإن كان العمل سيئا كان كفارة له وإن كان حسنا كان كالطابع عليه وليكثر في مرضه من ذكر الله ﷿ خصوصا كلمة التوحيد فإنه من كانت آخر كلامه دخل الجنة. ورُوي من حديث حذيفة (^١) عن النبي -ﷺ- من خُتم له بقول لا إله إلا الله دخل الجنة ومن خُتم\n_________\n(^١) رواه البزار (٢٨٥٤)، وأبو بكر ابن أبي شيبة في مسنده المطالب العالية (٩٧٢)، وأحمد في مسنده (٦/ ٣٩١) وذكره البوصيري في الإتحاف (١/ ١١٣)، وعزاه لأحمد وابن أبي شيبة وصححه. وسنده صحيح. وقال الساعاتي في الفتح الرباني (٧/ ٤٢): وسنده جيد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٢٤)، وفي الجنائز (ص ٤٣)، والسلسلة الصحيحة (٤/ ٢٠١).\nوروى البزار -كما في الكشف (١٠٣٨) - عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي، عن حذيفة مرفوعا: من ختم له بصيام يوم يبتغي به وجه الله قبل موته دخل الجنة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٤)،: رواه أحمد، وروى البزار طرفا منه في الصيام فقط ورجاله =","vol":"13","page":565},{"text":"له بصيام يوم أراد به وجه الله أدخله الله الجنة ومن ختم له بإطعام مسكين أراد به وجه الله أدخله الله الجنة كان السلف -﵁- يرون أن من مات [عقب] عمل صالح كصيام رمضان أو [عقب] حج أو عمرة يرجى له أن يدخل الجنة، اهـ. قاله ابن رجب (^١).\nتنبيه: [مما ينبغي] أن يذكر عند المريض مرضا يخاف منه الموت ما يقصد به بسط رجائه وترغيبه في لقاء الله ﷾، وتسليته عن الدنيا [وتشجيعه] على ملاقاة صدمات سكرات الموت بالصبر الجميل وبسط أمنيته بالعافية والتعرض لمن بلغ في المرض أشدّ من مبلغه ثم شفي\n_________\n= موثقون. اهـ.\nقلت: بل الحسن بن أبي جعفر، الراجح تضعيفه. قال ابن حجر في التقريب (١٢٢٢): ضعيف الحديث. لكنه يتقوى بالطريق الأولى. ورواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٠٨) من طريق نعيم بن أبي هند، عن أبي سهل، عن حذيفة قال: دخلت على النبي -ﷺ- في مرضه الذي توفي فيه، وعلي يسنده إلى صدره. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله كيف تجدك؟ قال: صالح. فقلت لعلي: ألا تدعني فأسند رسول الله -ﷺ- إلى صدري فإنك قد جهدت وأعييت. فقال رسول الله -ﷺ-: لا، هو أحق بذلك يا حذيفة. ادن مني، فدنوت منه فقال: يا حذيفة من ختم له بصدقة أو بصوم يبتغي وجه الله أدخله الله الجنة. قلت: بأبي وأمي وأعلن أم أسر. قال: بل أعلن.\nقال أبو نعيم: مشهور من حديث نعيم، غريب من حديث عطاء، تفرد به داود. وله طرق أخرى لا تخلو من الضعف تكلم عليها الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٤٥). ورواه الحارث بن أبي أسامة بغية الباحث (٢/ ٣٤١): عن ابن عجلان، عن حذيفة نحو لفظ أبي نعيم. وسنده ضعيف جدا، فيه الحسن بن قتيبة وهو متروك الحديث.\n(^١) لطائف المعارف (ص ٣٤٥).","vol":"13","page":566},{"text":"والكشف عن بعض ما في المرض من الحِكم والفوائد العاجلة والآجلة فمن ذلك تكفير السيئات وتضعيف الحسنات ورفع الدرجات وتلطيف كثائف البشرية وصفاء الروحانية والخلوة عن موارد الفتن الدينية والدنوية. فإذا تقرر ذلك ظهر أن المرض أثر من آثار الرحمة ونوع من أنواع النعمة وإن كان في الظاهر صوّره نقمة وليعلم أن الآلام والأسقام كلها مكفرة للذنوب فإن فرضنا أنه بقي على المسلم بقيّة كفّرها الموت، وقد صح كما قال القرطبي (^١) أن النبي -ﷺ- قال: الموت كفارة لكل مسلم، ومما يقوّي رجاء المؤمن في سعة رحمة الله وعفوه وإكرامه له وبرّه كون هذا العبد [المؤمن] من أمة سيد ولد آدم خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم ولو لم يكن لهذا المؤمن من أسباب نجاته إلا هذا لكان كافيا: ثم يقال للمريض فطب نفسا وقرّ عينا وأحسن ظنك بربك ولا تدع خوفك يحول بينك وبين الرجاء فإن كنت يا حبيبي قد خفت ذنوبك وخشيت عاقبتها يوم القيامة فاعلم أن خوفك من ذنوبك الآن في مثل هذه الحالة من الدليل على المغفرة ومن أقوى البراهين على أن الله تعالى أراد بك الخير، وفي الحديث (^٢) أن النبي -ﷺ- دخل على\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٦٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٠٠٤)، وابن ماجه (٤٢٦١) والنسائي في الكبرى (١٠٨٣٤)، وإسناده ضعيف، لضعف سيار -وهو ابن حاتم العنزي البصري-، وقد خالفه عبد السلام بن مطهر -وهو ثقة- فرواه مرسلا، وهو الصواب. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي -ﷺ- مرسلًا.\nأخرج المرسل أبو حاتم في العلل ٢/ ١٠٥، والبغوي في شرح السنة (١٤٥٦)، وقال أبو =","vol":"13","page":567},{"text":"شاب يعوده في مرضه فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال -ﷺ-: ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا دخل الجنة. قوله: \"كيف تجدك\"، أي كيف تجد نفسك وقلبك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة أطيبا أم مغموما.\nتنبيه: وإذا حضر النزع [للمريض] فليكثر من قول لا إله إلا الله ليكون آخر كلامه. ففي سنن أبي داود (^١) وغيره عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله -ﷺ-: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة. وتقدم ذلك، قال العلماء -﵃- فإن لم يقل هو لا إله إلا الله لقنه من حضره ويلقنه برفق مخافة أن\n_________\n= حاتم: وهو أشبه .. قال الترمذي: سألت محمدا، يعني ابن إسماعيل البخاري، عن هذا الحديث، فقال: إنما يروى هذا الحديث، عن ثابت؛ أن النبي -ﷺ- دخل على شاب. \"ترتيب علل الترمذي الكبير\" (٢٤٤). وقال أبو الحسن الدارقطني: ورواه أبو الربيع الزهراني، عن جعفر، عن ثابت، مرسلا، وهو المحفوظ. \"العلل\" (٢٣٦٨). وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٥١) أحكام الجنائز ص (٣)، والمشكاة (١٦١٢)، والصحيحة (١٠٥١).\n(^١) سنن أبي داود (٣١١٦) وأخرجه أحمد (٢٢٥٣٤)، والبزار في مسنده (٢٦٢٥) و(٢٦٢٦)، والهيثم بن كليب في مسنده (١٣٧٢) و(١٣٧٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣١٢) والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ١١٢) (٢٢١)، وفي الدعاء (١٤٧١)، والحاكم (١/ ٣٥١ و٥٠٠ - ٥٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٤) و(٩٢٣٧)، وفي الأسماء والصفات (ص: ١٦٠)، والخطيب في تاريخ بغداد ١٥/ ٣٣٥، قال ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٠٣): [وأعله ابن القطان بصالح بن أبي عريب وأنه لا يعرف، وتعقب بأنه روى عنه جماعة. وذكره ابن حبان في الثقات]، وقد حسنه الألباني أيضا في إرواء الغليل (٣/ ١٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٧٩).","vol":"13","page":568},{"text":"يضجر فيردها وإذا قالها مرة لا يعيدها عليه إلا أن يتكلم بكلام آخر. قال أصحابنا: ويستحب أن يكون الملّقن غير متّهم لئلا يحرج الميت ويتهمه.\nواعلم أن جماعة من أصحابنا قالوا يلقن ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله واقتصر الجمهور على قول لا إله إلا الله، اهـ. قاله النووي في أذكاره (^١).\n\n٥٢٨٢ - وَعَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة -﵄- أَنَّهُمَا شَهدا على رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر صدقه ربه فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَأَنا أكبر وَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده قَالَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنا وحدي وَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ قَالَ يَقُول صدق عَبدِي لَا إِلَه إِلَّا أَنا وحدي لَا شريك لي وَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد قَالَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنا لي الْملك ولي الْحَمد وَإِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله قَالَ لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِي وَكَانَ يَقُول من قَالَهَا فِي مَرضه ثمَّ مَاتَ لم تطعمه النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم (^٢).\n\n٥٢٨٣ - وَفِي رِوَايَة للنسائي عَن أبي هُرَيْرَة وَحده مَرْفُوعا من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا شريك لَهُ لَا إِلَه إِلَّا الله لَهُ\n_________\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ١٤٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٧٩٤)، والترمذي (٣٤٣٠)، والنسائي في الكبرى (٩٧٧٧)، وابن حبان (٨٥١)، والحاكم (١/ ٥٠١). قال الألباني: صحيح لغيره - المشكاة (٢٣١٠ / التحقيق الثاني)، الصحيحة (١٣٩٠) وصحيح الترغيب (٣٤٨١).","vol":"13","page":569},{"text":"الْملك وَله الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله يعقدهن خمْسا بأصابعه ثمَّ قَالَ من قالهن فِي يَوْم أَو فِي لَيْلَة أَو فِي شهر ثمَّ مَاتَ فِي ذَلِك الْيَوْم أَو فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أَو فِي ذَلِك الشَّهْر غفر لَهُ ذَنبه (^١).\nقوله: \"وعن أبي سعيد وأبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبهما -﵄-.\nقوله -ﷺ-: \"من قال لا إله إلا الله والله أكبر\" فذكره إلى أن قال: \"ولا حول ولا قوة إلا بي\"، قال أبو إسحاق ثم قال الأغر شيئا لم أفهمه. قال: فقلت لأبي جعفر ما قال. قال: من رزقهن عند موته لم تمسّه النار، اهـ.\nقوله: \"وفي رواية للنسائي عن أبي هريرة وحده مرفوعا هذا، رواه النسائي في سننه الكبرى\".\nتنبيه: ورد في الحديث (^٢) من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في مرضه الذي يموت فيه أمن من فتنة القبر، وروى الحاكم (^٣) في المستدرك أنه -ﷺ-: كان\n_________\n(^١) النسائي في الكبرى (٩٧٧٣). وصححه الألباني لغيى في صحيح الترغيب (٣٤٨١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٤٢٨) -مجمع البحرين- وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٢١٣)، والخلال في فضائل سورة الإخلاص (٥٠) وآفة السند: نصر بن حماد الوراق؛ فإنه كذاب كما قال ابن معين. وفي الإسناد جهالة مالك بن عبد الله الأزدي، والعباس بن الفضل القرشي، واكتفى الهيثمي ﵀ في مجمع الزوائد (٧/ ٢٥٠ - ٢٥١) بقوله: (وفيه نصر بن حماد الوراق، وهو متروك) وقال الألباني في الضعيفة (٣٠١): (موضوع، المتهم به نصر هذا).\n(^٣) الحاكم (٨٢٧٤)، وأخرجه أحمد (٢٧٢٩)، وابن ماجه (٣٥٢٦)، والترمذي (٢٠٧٥)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٤٣)، وقال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وإبراهيم يضعف في الحديث ويروى: \"عرق =","vol":"13","page":570},{"text":"يعلّمهم من الأوجاع والحمى أن يقول باسم الله الكبير [نعوذ] بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار. والعرق النعار هو الفوار بالدمّ، وفي ظني أن الحديث في الترمذي أيضا.\nقوله: \"في حديث أبي سعيد وأبي هريرة من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار\" الحديث. تطعمه النار هو بفتح المثناة من فوق وسكون الطاء وفتح العين المهملتين ومعناه لم تأكله النار.\n\n٥٢٨٤ - وَعَن سعد بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ فِي قَوْله: لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين الأنبي ٧٨ أَيّمَا مُسلم دَعَا بهَا فِي مَرضه أَرْبَعِينَ مرّة فَمَاتَ فِي مَرضه ذَلِك أعطي أجر شَهِيد وَإِن برأَ برأَ وَقد غفر لَهُ جَمِيع ذنُوبه. رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ رَوَاهُ أَحْمد بن عَمْرو بن أبي بكر السكْسكِي عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن زيد عَن ابْن الْمسيب عَنهُ (^١).\n\n٥٢٨٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا أَبَا هُرَيْرَة أَلا أخْبرك بِأَمْر هُوَ حق من تكلم بِهِ فِي أول مضجعه من مَرضه نجاه الله من النَّار قلت بلَى بِأبي وَأمي قَالَ فَاعْلَم أَنَّك إِذا أَصبَحت لم تمس وَإِذا أمسيت لم تصبح وَأَنَّك إِذا قلت ذلِك فِي أول مضجعك من مرضك نجاك الله من النَّار\n_________\n= يعار\"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٥٨٧).\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٢٠٣٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":571},{"text":"أَن تَقول لَا إِلَه إِلَّا الله يحيي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت وَسُبْحَان الله رب الْعباد والبلاد وَالْحَمْد لله كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ على كل حَال. الله أكبر كَبِيرا كبرياء رَبنَا وجلاله وَقدرته بِكُل مَكَان اللَّهُمَّ إِن أَنْت أمرضتني لتقبض روحي فِي مرضِي هَذَا فَاجْعَلْ روحي فِي أَرْوَاح من سبقت لَهُ مِنْك الْحسنى وأعذني من النَّار كَمَا أعذت أولياءك الَّذين سبقت لَهُم مِنْك الْحسنى فَإِن مت فِي مرضك ذَلِك فَإلَى رضوَان الله وَالْجنَّة وَإِن كنت قد اقترفت ذنوبا تَابَ الله عَلَيْك. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات وَلَا يحضرني الْآن إِسْنَاده (^١).\n\n٥٢٨٦ - وَرُوِيَ عَن حجاج بن فرافصة أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من مَرِيض يَقُول سُبْحَانَ الْملك القدوس الرَّحْمَن الْملك الديَّان لَا إِلَه إِلَّا أَنْت مسكن الْعُرُوق الضاربة ومنيم الْعُيُون الساهرة إِلَّا شفَاه الله تَعَالَى. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي آخر كتاب الْمَرَض وَالْكَفَّارَات هَكَذَا معضلا (^٢).\nقوله: \"وروي عن حجاج بن قرافصة\" هو حجاج بن فرافصة الباهلي البصري العابد عن ابن سيرين وعطاء وعنه سفيان ومعتمر قال أبو زرعة: ليس بالقوي وقال أبو حاتم: شيخ صالح متعبد، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال ضمرة، عن ابن شوذب: رأيت حجاج بن فرافصة واقفا\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في المرض والكفارات (١٥٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٣٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٢٥٦) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٨٥) معضل وضعيف.","vol":"13","page":572},{"text":"بالسوق عند أصحاب الفاكهة، فقلت: ما تصنع؟ قال: أنظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة.\nقوله -ﷺ-: \"ما من مريض يقول سبحان الملك الرحمن الملك الديان\" الحديث وفي آخره رواه ابن أبي الدنيا معضلا، الحديث المعضل (^١) في اصطلاح المحدثين: ما سقط من رواته راويان أو ثلاثة.\nخاتمة: دخل النبي -ﷺ- على علي وهو مريض فقال له: قل اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك وصبرا على بليتك وخروجا من الدنيا إلى رحمتك فإنك ستعطي أجرين، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات (^٢) من حديث أنس بإسناد ضعيف والله أعلم.\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث (ص: ٣٦ - ٣٧). الكفاية (ص: ٥٨). جامع التحصيل (ص: ١٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات (٣٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٧٠)، والشجري في الأمالي (٢/ ٢٨٨) قلت: فيه يوسف بن عطية متروك. وضعفه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٦٧٢).","vol":"13","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>[التَّرْغِيب فِي الْوَصِيَّة وَالْعدْل فِيهَا والترهيب من تَركهَا أَوالمضارة فِيهَا وَمَا جَاءَ فِيمَن يعْتق ويَتَصَدَّق عِنْد الْمَوْت]</span>\nقال الأزهري (^١): الوصية مشتقة من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته وسميت وصية لأنه وصل ما كان في حياته بما كان بعده، ويقال وصّى وأوصى أيضا. والاسم الوصية والوصاة فالوصية فعيلة من وصى يصي إذا وصل لأن أصل الإيصاء في اللغة الإيصال والاسم الوصاية بالكسر والفتح. والوصية في الشرع تبرّع بحق أو تفويض تصرف خاص مضافين إلى ما بعد الموت. [وكانت] في أول الإسلام واجبة لجميع الأقربين ثم نسخت بآية المواريث إلا في حق الله تعالى أو الآدمين من زكاة أو حج أو كفارة أو رد وديعة أو دين فيجب أن يوصي إذا لم يعلم به غيره [ممن] يثبت به بعد موته وهي الآن جائزة في ثلث ماله الباقي بعد [دفنه] ومئونة تجهيزه وقضاء دينه مستحبة في الجملة.\n[٥٢٨٧] عَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا حق امرئ مُسلم لَهُ شَيْء يُوصي فِيهِ يبيت فِيهِ لَيْلَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة ثَلَاث لَيَال إِلَّا ووصيته مَكْتُوبَة عِنْده قَالَ نَافِع سَمِعت عبد الله بن عمر يَقُول مَا مرت عَليّ لَيْلَة مُنْذُ سَمِعت\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (١٢/ ١٨٧).","vol":"13","page":574},{"text":"رَسُول الله -ﷺ- يَقُول ذَلِك إِلَّا وَعِنْدِي وصيتي مَكْتُوبَة رواه مالك (^١) والبخاري (^٢) ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤) والترمذي والنسائي (^٥) وابن ماجه (^٦).\nقوله: \"ما حق امرئ\" الحديث أي لا ينبغي [لا] أنه حق عليه وإنما هو حق له ويؤيده رواية: له شيء يريد أن يوصي فيه؛ فعلقه على الإرادة وهذا حجة العامد في [أنّ] الوصية غير واجبة اهـ. قاله المنذري. قوله: \"شيء\" هو الذي رواه الأثبات. قلنا: لا فرق فإن المال أيضا يطلق على القليل والكثير، ورواية نافع: لا يحل لامرئ مسلم له مال. قال ابن عبد البرّ (^٧): هكذا قال: لا يحل، ولم يتابع على هذا اللفظ، وهذا الأمر عام في الصحيح والمريض وخصّه بعضهم بالمريض.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين [] وفي رواية: ثلاث ليال - إلا وصيته مكتوبة عنده\" الحديث.\nفي هذا الحديث الحث على الوصية وقد أجمع المسلمون على الأمر بها\n_________\n(^١) وفي الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٢٩٨٨).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٧٣٨).\n(^٣) صحيح مسلم (١) (١٦٢٧).\n(^٤) سنن أبي داود (٢٨٦٢).\n(^٥) سنن الترمذي (٢١١٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.، والنسائي (٦/ ٢٣٨).\n(^٦) سنن ابن ماجه (٢٦٩٩).\n(^٧) ابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٢٩١).","vol":"13","page":575},{"text":"لكن مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والجمهور أنها مندوبة لا واجبة، وذهب داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر إلى وجوبها لهذا الحديث ولا دلالة لهم فيه وليس فيه تصريح بإيجابها.\nوقال ابن عبد البر (^١): اختلف السلف والخلف في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية أو تجب عند من أوجبها، فروي عن علي أنه قال: ستمائة درهم أو سبعمائة درهم [ليس] بمال فيه وصية، ورُوي عنه أنه قال: ألف درهم مال فيه وصية، وهذا الذي تقدم من حمل الأمر بالوصية على الاستحباب هو في غير الحقوق الواجبة، أما إذا كان عند الإنسان وديعة أو في ذمته [حق لله] تعالى كزكاة أو حج أو كان عليه دين لآدمي فإنه يجب عليه أن يوصي به ومحل هذا ما إذا لم يعلم به غيره. فأما إذا علم به غيره فلا تجب الوصية بذلك، كذا عبّر به الرافعي من أصحابنا.\nوقال النووي (^٢) المراد إذا لم يعلم به من يثبت بقوله، وقصد بذلك إخراج الكافر والفاسق والصبي والعبد والمرأة فإنه لا يكفي علمهم مع دخولهم في [تعبير] الرافعي.\nفإن قلت: فقد توفي رسول الله -ﷺ- وعليه دين ليهودي فكيف لم يوص به وقد قدّرتم أن الوصية بالديون واجبة. قلت: كانت درعه ﵊ مرهونة عند اليهودي فكان الرهن حجة لليهودي فلم يحتج\n_________\n(^١) في التمهيد (١٤/ ٢٩٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٧٤).","vol":"13","page":576},{"text":"للوصية به مع أن علم ذلك لم يكن مختصا به فقد علمه بعض أصحابه، ولهذا أخبرت عائشة -﵂- والمعتبر فيمن تصح وصيته العقل والحرية فلا تصح وصية مجنون وعبد وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف جوّزها مالك إذا عقل القربة ولم يخلّط، والإمام أحمد بن حنبل إذا جاوز العشر وفي [قول]، عنه إذا جاوز السبع ومنعها أبو حنيفة وهو أظهر قولي الشافعي وبه قال أكثر أصحابه وهو رواية عن الإمام أحمد وعن الشافعي قول آخر أن وصيته صحيحة.\nوأما المحجور عليه بالسفه فوصيته صحيحة عند الجمهور ومنهم الشافعي. قال الشافعي ﵀: معنى الحديث: الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. وقال في النهاية أي ما الأحزم له والأحوط [والاحتياط] (^١) إلا هذا. وقيل: ما المعروف في الأخلاق الحسنة إلا هذا إلا من جهة الفرض وقيل معناه أن الله حكم على عباده بوجوب الوصية مطلقا ثم نسخ الوصية للوارث فبقي حق الرجل في ماله أن يوصي لغير الوارث وهو ما قدره الشارع -ﷺ- بثلث ماله، اهـ. فيستحبّ تعجيل الوصية وأن يكتبها في صحيفة ويشهد عليه فيها ويكتب فيها ما يحتاج إليه فإن [تجدّد] له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقهُ بها، قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزءيات الأمور المتكررة. قال ابن عبد البر (^٢): أجمع العلماء\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) ابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٢٩١).","vol":"13","page":577},{"text":"على أن من لم يكن عنده إلا اليسير [التافه] من المال أنه لا يندب إلى الوصية. قال: والحث عليها والتأكيد محمول على الندب لا على الإيجاب عند الجميع لا يختلفون في ذلك. وقد أجمع العلماء على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا من عليه تعلقات [كما تقدم]. اهـ.\nوأما قوله -ﷺ-: [ووصيته] مكتوبة عنده فمعناه مكتوبة، وقد أشهد عليه فيها لا أنه يقتصر على الكتابة فإنّ الكتابة لا يعمل بها ولا تنفع إلا إذا كان قد أشهد [بها]، هذا مذهب الشافعي ومذهب الجمهور.\nوقال الإمام العلامة محمد بن نصر المروزي من أصحابنا: تكفي الكتابة من غير إشهاد لظاهر الحديث وكأن السبب في ذلك أن نصر بن أحمد أحد أمراء خراسان أراد أن يوصي ولا يطلع على وصيته أحدا فشاور العلماء فلم يفت له بذلك إلا محمد بن نصر فإنه قال يكفي الإشهاد عليه بها. ونقل عنه أنه قال: تكفي الكتابة المجردة، واحتج بهذا الحديث.\nقال الإمام السّبكي: فإن وجد مع الوصية شهادة أن هذه وصيته أو أنها بخطّه صح [وإن] (^١) لم يعلم ما فيها عند محمد بن نصر واختار له من ذلك والمشهور من المذهب أن الكتابة كناية فإذا كتب وقال نويت الوصية لفلان أو اعترف ورثته به بعد الموت وجب أن يصح كذا ذكره الرافعي [كما] ونقل عن المتولي أنه إذا قال وصيت لزيد بكذا لم يصح إن كان ناطقا. قال في المطلب وهو المشهور: وقيل يصح بالكتابة مطلقا لظاهر الحديث: أما إذا\n_________\n(^١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.","vol":"13","page":578},{"text":"اعتقل لسانه فإنه يصحّ إيصاؤه بالإشارة كما روي أن أمامة بنت أبي العاصي أصمِتَت فقيل لها لفلان كذا ولفلان كذا، فأشارت أن نعم فجعل ذلك وصيته كذا استدل به الشافعي وغيره وهو غريب، اهـ. قال مالك: وليُقدِّم التشهد قبل الوصية وقد فعله الصالحون ويوصي أهله بالتقوى فيها وإصلاح ذات البين وبما أوصي به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ الآية، وأخذ المالكية العمل بالخطّ من هنا قلنا المراد الخط المشهود عليه بدليل من خارج، اهـ. قاله في شرح الإلمام.\nتتمة: قال الغزالي في الإحياء (^١) في ترتيب أوراد الليل: آداب النوم عشرة: الأول الطهارة والسواك. والثاني: أن يُعدّ عند رأسه سواكه وطهوره وينوي القيام للعبادة عند التيقظ. الثالث: أن لا يبيت من له شيء يوصي فيه إلا [ووصيته] مكتوبة عنده فإنه لا يأمن القبض في النوم، يقال: إن من مات من غير وصية لم يؤذن له في الكلام بالبرزخ إلى يوم القيامة، ويتزاور الأموات ويتحدثون وهو لا يتكلم، فيقول بعضهم لبعض هذا المسكين مات من غير وصية، وذلك مستحب خوفا من موت الفجأة وموت الفجأة تخفيف إلا لمن ليس مستعدا للموت لكونه مثقل الظهر بالمظالم ثم ذكر بقية الآداب العشرة، اهـ.\nقوله: \"قال نافع: سمعت عبد الله بن عمر يقول: ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ذلك\".\nنافع هو أبو عبد الله نافع بن هرمز، ويقال: ابن كاوس، ذكر القولين\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٣٤٣).","vol":"13","page":579},{"text":"الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور. قال الحاكم: قال البخاري، والحسن بن الوليد: هو من سبى نيسابور. وقال عبد العزيز بن أبى رواد: هو من سبى خراسان، سبى وهو صغير، فاشتراه ابن عمر، وقيل: من سبى كابل، وقيل: من سبى إيران شهر وهى نيسابور، كذا ذكرها الحاكم أبو عبد الله في مواضع من أول تاريخه، وقيل: من سبى العرب، وقيل: من سبى جبال الطالقان. وهو تابعى جليل، وأجمعوا على توثيقه وجلالته.\n\n٥٢٨٨ - وَرُوِيَ عَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من مَاتَ على وَصِيَّة مَاتَ على سَبِيل وَسنة وَمَات على تقى وَشَهَادَة وَمَات مغفورا لَهُ رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).\n\n٥٢٨٩ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ كُنَّا عِنْد رَسُول الله -ﷺ- فَجَاءَهُ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله مَاتَ فلَان قَالَ أَلَيْسَ كَانَ مَعنا آنِفا قَالُوا بلَى قَالَ سُبْحَانَ الله كَأَنَّهَا أَخْذَة على غضب المحروم من حرم وَصيته. رواه أبو يعلى (^٢) بإسناد حسن. ورواه ابن ماجه (^٣) مُخْتَصرا قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- المحروم من حرم وَصيته\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٠١). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٣٥) المشكاة (٣٠٧٦/ التحقيق الثاني). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أبو يعلى (٤١٢٢).\n(^٣) وأخرجه الطيالسي (٢١١٢)، وابن ماجه (٢٧٠٠)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٩٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٤٦١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٨٩)، والمزي في تهذيب الكمال (٨/ ٤٨٥)، وقال البوصيري في الزوائد، وإتحاف الخيرة المهرة (٣/ ٤٢٣): مدار حديث أنس بن مالك على يزيد بن أبان الرقاشي، وهو =","vol":"13","page":580},{"text":"قوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدمت ترجمته مرارا.\nقوله: \"كنا عند رسول الله -ﷺ- فجاءه رجل فقال: يا رسول الله مات فلان، قال: أليس كان معنا آنفا. قالوا: بلى. قال: سبحان الله كأنها أخذة على غضب\" الحديث، آنفا أي قريبا، وروي أن رسول الله -ﷺ- قال: أكره موتا كموت الحمار، وقيل: ما موت الحمار؟ قال: موت الفجأة. الفجأة: يقال بالمدّ مع ضم الفاء وبالقصر مع فتح الفاء وهي البغتة. دون تقدم مرض ولا سبب. ويروى أن موت الفجأة أخذة على [الأسف]. والأسف بفتح السين الغضب والأسِف بكسر الغضبان. وقد روي الحديث بهما والمعنى واحد يعني أن موت الفجأة أخذة من الأسف يعني أثر غضب الله على العبد، وروي أن رسول الله -ﷺ- استعاذ من موت الفجأة، وروي عن أبي السكن الهجري أن إبراهيم وداود وسليمان عليهم الصلاة والسلام [ماتوا فجأة] ويقال أنه موت الصالحين، وحمل الجمهور الأول على من له تعلقات يحتاج إلى الإيصاء أما المنقطعون المستعدّون فإنه تخفيف ورفق بهم. وعن ابن مسعود وعائشة أن موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة غضب للفاجر،\n_________\n= ضعيف. ومع ذلك فقد حسن إسناده الحافظ المنذري، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٠٩). ولحديث أنس طريقان آخران ضعيفان: أخرجهما ابن الجوزي في العلل المتناهية (٣/ ٤١١)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٦/ ٢٠٠)، وضعيف، التعليق الرغيب (٤/ ١٦٦)، وضعيف الجامع (٥٩١٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٣٦).","vol":"13","page":581},{"text":"قاله الكمال الدميري في شرح المنهاج (^١). ويروى أنه -ﷺ- قال: موت الفجأة أخذة أسَف أو أخذة أسِف. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، يقال أسف أسفا إذا اشتد غضبه وآسفونا منقول منه ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي وكذبوا موسى فاستحقوا شدة غضب الله عليهم والغضب [إما] الانتقام فيكون من صفات الفعل [وإما] إرادته فيكون من صفات الذات، اهـ. وقيل إنما كره [موت] الفجأة لئلا يلقى المؤمن ربه ﷿ على غفلة من غير أن يقدّم لنفسه عذرا و[يجدّد] توبة [ويردّ مظالمه] (^٢) ويستعدّ للآخرة [ولم] يمرض [ليكون] المرض كفارة لذنوبه.\n\n٥٢٩٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ ترك الْوَصِيَّة عَار فِي الدُّنْيَا ونار وشنار فِي الْآخِرَة. رواه الطبراني في الصغير (^٣) والأوسط (^٤).\nقوله: وروي عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله: \"ترك الوصية عار في الدنيا ونار وشنار في الآخرة\" الحديث. الشنار بفتح الشين المعجمة وبالنون. قال صاحب العباب: ومن أصله بخطِّه نقلت:\n_________\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ١٢٣).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) المعجم الصغير (٨٠٩).\n(^٤) المعجم الأوسط (٥٤٢٣)، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- إلا بهذا الإسناد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٠٩) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه جماعة لم أعرفهم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٢٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٣٧).","vol":"13","page":582},{"text":"الشنارُ هو العار والعيب. وقال شمر الشّنار الأمر المشهور بالقبح والشنعة. وقال في النهاية (^١) الشنار العيب والعار. وقيل: هو العيب الذي فيه عار، اهـ. ورجل شنير كثير الشنار. قال النخعي (^٢) إذا تطيبت المرأة ثم خرجت كان ذلك شنارا فيه نار.\n\n٥٢٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الرجل ليعْمَل أَو الْمَرْأَة بِطَاعَة الله سِتِّينَ سنة ثمَّ يحضرهما الْمَوْت فيضاران فِي الْوَصِيَّة فَتجب لَهما النَّار ثمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة -﵁- من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين غير مضار حَتَّى بلغ وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْخَيْر سبعين الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الشَّرّ سبعين سنة فيعدل فِي وَصيته فيختم لَهُ بِخَير عمله فَيدْخل الْجنَّة (^٣).\n[٥٢٩٢] وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْإِضْرَار فِي الْوَصِيَّة من الْكَبَائِر ثمَّ تَلا تِلْكَ حُدُود الله النِّسَاء سنة فَإِذا أوصى حاف فِي وَصيته فيختم لَهُ بشر عمله فَيدْخل النَّار وَإِن رواه النسائي (^٤).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٤).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٤)، وأبو داود (٢٨٦٧)، والترمذي (٢١١٧). وضعفه الألباني في المشكاة (٣٠٧٥) وضعيف الترغيب (٢٠٣٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٤) أخرجه النسائي في تفسيره (١١٢)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ٦٥). عن ابن عباس، موقوفا. ورواه عمر بن المغيرة المصيصي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس =","vol":"13","page":583},{"text":"قوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"الإضرار في الوصية من الكبائر\". المضارّة في الوصية وهي أن يقصد حرمان الوارث أو تنقيصه بوصيته أو إقرار أو نحوهما لما عنده من بغضه والحقد عليه.\n[٥٢٩٣] وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من فر بميراث وَارثه قطع الله مِيرَاثه من الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة. رواه ابن ماجه (^١).\n_________\n= مرفوعا. أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٨٧٨٨) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٩). والدارقطني في سننه (٤/ ١٥١) وابن مردويه في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (١/ ٢١٣) والبيهقي في سننه (٦/ ٢٧١). قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٦١): قال ابن جرير: \"والصحيح الموقوف\". وقال العقيلي: \"هذا رواه الناس عن داود موقوفا، لا نعلم رفعه غير عمر بن المغيرة\". وقال البيهقي: \"هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفا، وروى من وجه آخر مرفوعا ورفعه ضعيف\". وقال ابن حجر في التهذيب (١/ ٢٢٠) في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الفراديسي الدمشقي: \"روى له الأزدي في الضعفاء حديثا عن عمر ابن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس رفعه: الضرار في الوصية من الكبائر، قال الأزدي: المحفوظ من قول ابن عباس لا يرفعه. قلت -القائل ابن حجر-: عمر ضعيف جدا، فالحمل فيه عليه، وقد رواه الثوري وغيره عن داود موقوفا\" اهـ، والله أعلم.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٣). وقال البوصيري في الزوائد في إسناده زيد العمى. وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (١١٢٨) أورده الديلمي بلا سند عن أنس مرفوعا، ولا يصح. وقد أخرجه ابن ماجه فقال: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن أنس رفعه: من فر عن ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة، وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٢٣). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٤٠).","vol":"13","page":584},{"text":"قوله: \"وروي عن أنس\" تقدمت ترجمته. قوله: \"من فرّ بميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة\".\nوفي حديث آخر وهو أرجى حديث في الجنة عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: ما منكم من واحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ إن هذه الوراثة تختلف باختلاف الوارثين فمنهم من يرث بلا حساب ومنهم من يرث بحساب ومناقشة ومنهم من يرث بعد الخروج من النار على حسب اختلاف الناس.\nوقيل يحتمل أن يسمى الحصول في الجنة وراثة من حيث حصولها عن غيرهم بغير تعب وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي أرض الجنة التي كانت لأهل النار، اهـ.\n[٥٢٩١] وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الرجل ليعْمَل أَو الْمَرْأَة بِطَاعَة الله سِتِّينَ سنة ثمَّ يحضرهما الْمَوْت فيضاران فِي الْوَصِيَّة فَتجب لَهما النَّار ثمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ من بعد وَصِيَّة يوصى بهَا أَو دين غير مضار حَتَّى بلغ وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم رواه أبو داود (^١)\n_________\n(^١) وأخرجه أبو داود (٢٨٦٧).\nومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٤٤٤)، وابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٦٦)، وفي (١٤/ ٣٠٥).","vol":"13","page":585},{"text":"والترمذي (^١) وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه (^٢)، وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الْخَيْر سبعين الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل الشَّرّ سبعين سنة فيعدل فِي وَصيته فيختم لَهُ بِخَير عمله فَيدْخل الْجنَّة.\n[قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله: \"إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة\" الحديث. وفي الحديث الآخر: إن الرجل ليعمل عمل أهل الخير، الحديث.\nوقوله في الحديث الأول: \"ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [إلى قوله تعالى: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾] \" وهذه الآية قال ابن عطية فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارة إلى القسمة المتقدمة في المواريث. واتخذ [الحجر المانع] لأمر ما إما أن يدخل على غيره أو يدخل عليه غيره ومن هذا قولهم للبواب حدّاد لأنه يمنع، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها من الزينة.\nوقوله: \"من تحتها\" يريد من تحت بنائها وأشجارها الذي من أجله سميت جنة لأن أنهار الجنة إنما هي على وجه الأرض في غير أخاديد. وحكى\n_________\n(^١) الترمذي (٢١١٧). وقال: هذا حديث حسن! غريب من هذا الوجه.\n(^٢) أحمد (٧٧٤٢)، وعبد الرزاق في المصنف (١٦٤٥٥)، وإسحاق ابن راهويه (١٤٧)، وابن ماجه (٢٧٠٤)، وابن المنذر في الأوسط (٧٠١٦)، والطبراني في المعجم الأوسط (٣٠٠٢). المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٣٨٢) وشهر مختلف فيه. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٦١٤/ ٢٨٦٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٣٨)، وضعيف سنن الترمذي (ص: ٢٤١)، وضعيف ابن ماجه (برقم ٥٩١، مشكاة المصابيح ٣٠٧٥، ضعيف الجامع الصغير ١٤٥٧.","vol":"13","page":586},{"text":"الطبري أن الحدود هنا شروط الله، وعن ابن عباس: طاعة الله، [وعند بعضهم: سنة الله] (^١).\nوعند بعضهم: فرائض الله، وهذا كله معنى واحد والعبارة مختلفة وهاتان آيتا وعد ووعيد والسبب في ذلك أن العرب أنكرت هذه القسمة. وقد كلّم النبي -ﷺ- فيها عيينة بن حصن وغيره.\nقال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر. ورواه عن النبي -ﷺ-، كذا رواه أحمد في مسنده عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورأيت في [رحلة] ابن الصلاح [التي بخطه] (^٢) أن من مات بغير وصية لا يتكلم في البرزخ وأن الأموات يتزاورون سواه فيقول بعضهم لبعض ما بال هذا فيقال أنه مات بغير وصية لم يؤذن [لهم] في الكلام مع الموتى. قيل: يا رسول الله وهل يتكلمون؟ قال: نعم ويتزاورون. أخرجه الحافظ أبو موسى، اهـ. قاله في الديباجة] (^٣).\n[٥٢٩٤] وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا قَالَ أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح تخشى الْفقر وَتَأمل الْغنى وَلَا تمهل حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم قلت لفُلَان كَذَا وَلفُلَان\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) وقع تأخير لما بين المعقوفين في النسخة الهندية، وأدرج فيما سيأتي بعد قوله: (وصيته كثير الثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح والله تعالى أعلم).","vol":"13","page":587},{"text":"كَذَا وَقد كَانَ لفُلَان كَذَا رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والنسائي (^٣) وابن ماجه (^٤) بنحوه، وأبو داود (^٥) إِلَّا أَنه قَالَ أَن تصدق وَأَنت صَحِيح حَرِيص تَأمل الْبَقَاء وتخشى الْفقر قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدمت ترجمته.\nقوله: \"جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنا\" الحديث.\nقال الخطابي ﵀: الشح أعظم من البخل وكأن الشح جنس والبخل نوع وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور والشح عام كالوصف اللازم وما هو من قبل الطبع. قال: فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة ورآى مصير المال لغيره فإن [صدقته] حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حال الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف الفقر اهـ. فالحكمة [فيه أن] الإنسان ما دام حيا فهو ضنين بما له شديد المحبة له فإخراج الصدقة في صحته يؤذن بقهره نفسه وسخاوته والله أعلم، وفيه من العفة أن الصحيح يضع ماله حيث شاء من المباح وله أن يشح به على من لا يلزمه فرضه وفيه المنع من الإضرار بالوصية عند الموت، اهـ. قوله: وتأمل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٤١٩).\n(^٢) صحيح مسلم (١٠٣٢).\n(^٣) سنن النسائي (٥/ ٦٨).\n(^٤) سنن ابن ماجه (٢٧٠٦).\n(^٥) وأبو داود (٢٨٦٥).","vol":"13","page":588},{"text":"الغنا بضمّ الميم أي تطمع فيه.\nقوله: \"ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم\" بمعنى بلغت الحلقوم أي قاربت الروح بلوغ الحلقوم فهو إشارة إلى تأخير الصدقة إلى وقت حصول الموت وليس المراد حقيقة بلوغ الحلقوم إذ لو بلغته حقيقة لم تصح [منه] (^١) وصية ولا صدقة ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء وهي الحالة التي آمن فيها فرعون فلم ينفعه إيمانه، اهـ. قاله ابن عقيل وغيره. والحلقوم هو البلعوم، قاله ابن بطال (^٢)، وهو مجرى النفس إلى الرئة والمريء مجرى الطعام والشراب إلى المعدة فيتصل بالحلقوم وهو أدق منه وأضيق وهو تحت المعدة. قاله صاحب المغيث وغيره. قوله في الحديث: \"قلتَ لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان كذا\" الحديث. قال الخطابي ﵀ (^٣): المراد به الوارث، وقال غيره: المراد به سبق القضاء به للموصى له ويحتمل أن يكون المعنى أنه قد خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من التصرف فليس له في وصيته كثير الثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح والله تعالى أعلم. وفي قوله: \"وقد كان لفلان\" دليل على أنه إذا أضرّ في الوصية فإن للورثة أن يبطلوها لأنها حينئذ [مالهم] ألا تراه يقول: وقد كان لفلان يريد الوارث.\n_________\n(^١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ١٩٦).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٦٥)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٣).","vol":"13","page":589},{"text":"[٥٢٩٥] وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لِأَن يتَصَدَّق الْمَرْء فِي حَيَاته وَصِحَّته بدرهم خير لَهُ من أَن يتَصَدَّق عِنْد مَوته بِمِائَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا عَن شُرَحْبِيل بن سعد عَن أبي سعيد. (^١)\n[٥٢٩٦] وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مثل الَّذِي يعْتق عِنْد مَوته كَمثل الَّذِي يهدي إِذا شبع. رواه أبو داود (^٢) والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (^٣)، وابن حبان في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٨٦٦)، وابن حبان (٣٣٣٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٢١)، ضعيف أبي داود (٤٩٤) وضعيف الترغيب (٢٠٤١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) سنن أبي داود (٣٩٦٨). إسناده ضعيف لجهالة أبي حبيبة الطائي، فقد قال ابن معين في رواية عباس الدوري: لا أدري من هو. ومع ذلك صحح حديثه الترمذي، وابن حبان والحاكم، وحسنه ابن حجر في الفتح (٥/ ٣٧٤).\n(^٣) الترمذي (٢١٢٣)، (٢٢٥٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (٦/ ٢٣٨)، وفي الكبرى (٤٨٧٣ و٦٤٠٨)، والطيالسي (٩٨٠) وعبد الرزاق (١٦٧٤٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٣٣٠)، وابن أبي شيبة في \"المسند\" (٢٣)، وأحمد (٥/ ١٩٦ و١٩٧ و٦/ ٤٤٨)، وعبد بن حميد (٢٠٢)، والدارمي (٣٢٢٦) وابن الأعرابي في معجمه (١٨٧٢)، وابن حبان (٣٣٣٦)، والطبراني في معجمه الأوسط (٥٤٩٧)، وأبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال في الحديث (٣٢٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٥٢٩٤)، والحاكم (٢٨٤٦)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ١٩٠)، (١٠/ ٢٧٣)، وفي الشعب (٤٣٤٧)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. قال الحافظ في الفتح (٥/ ٣٧٤): إسناده حسن وصححه ابن حبان. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٢٤٠)، والضعيفة (١٣٢٢). وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٤٢).","vol":"13","page":590},{"text":"صحيحه (^١) إِلَّا أَنه قَالَ مثل الَّذِي يتَصَدَّق عِنْد مَوته مثل الَّذِي يهدي بَعْدَمَا يشْبع. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعِنْده قَالَ أوصى رجل بِدَنَانِير فِي سَبِيل الله فَسئلَ أَبُو الدَّرْدَاء فَحدث عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مثل الَّذِي يعْتق وَيتَصَدَّق عِنْد مَوته مثل الَّذِي يهدي بعد مَا شبع.\nقوله: \"وعن أبي الدرادء\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"مثل الذي يتصدق عند موته أو يعتق مثل الذي يهدي بعدما يشبع\" يعني أن الذي يطعم عند الجوع يكون على النفس أشد فثوابه كثير والذي يطعم عند الشبع لا يكون شديدا على النفس فلم يكن ثوابه كثيرا، وكذا التفاوت بين الصدقة في حال الصحة والمرض.\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٣٣٣٦).","vol":"13","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>التَّرْهِيب من كَرَاهِيَة الْإِنْسَان الْمَوْت وَالتَّرْغِيب في تلقيه بالرضى وَالسُّرُور إِذا نزل حبا للقاء الله ﷿</span>\n[٥٢٩٧] عَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه فَقلت يَا نَبِي الله أكراهية الْمَوْت فكلنا يكره الْمَوْت قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِن الْمُؤمن إِذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لِقَاء الله فَأحب الله لقاءه وَإِن الْكَافِر إِذا بشر بِعَذَاب الله وَسخطه كره لِقَاء الله وَكره الله لقاءه رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤).\nقوله: \"عن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها -﵂-.\nقوله -ﷺ-: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" الحديث.\nقال العلماء -﵃-: محبة الله تعالى لعبده هي إرادته الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته، وبغضه إرادته عقابه وشقاوته ونحو ذلك، حكاه عنهم النووي في شرح مسلم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٠٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٦٨٤).\n(^٣) الترمذي (١٠٦٧). ابن ماجه (٤٢٦٤).\n(^٤) النسائي (٤/ ١٠).","vol":"13","page":592},{"text":"وقوله -ﷺ-: \"من كره لقاء الله كره الله لقاءه\" الحديث. قال العلماء: معنى هذا الحديث عند الاحتضار والمعاينة فحينئذ يكشف الغطاء، فأهل السعادة يبشرون بما أعدّ الله لهم وأراده فيهم وهو معنى محبته لقاءهم فيغتبطون ويُسرّون بذلك ويحبّون الموت لتحصيل تلك الكرامة وأهل الشقاوة كشف لهم عن حالهم فكرهوا الورود على ربهم لما تيقنوا من تعذيبه لهم والله تعالى قد أبعدهم عنه وأراد بهم العذاب وهو معنى كراهيته لقاءهم فمن هنا خبرية غير شرطية كأنه قال: من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله فهو الذي كره الله لقاءه. قولها -﵂-: \"فقلت يا نبي الله الكراهية الموت فكلنا يكره الموت. قال: ليس ذلك\" الحديث. قال ابن عبد البر. قال أبو عبيد: ليس وجه قوله -ﷺ- ومن كره لقاء الله أن يكره الموت وشدّته لأنّ هذا أمر لا يكاد يخلو منه أحد وبلغنا عن غير واحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه [كره] حين نزل به ولكن المكروه من ذلك ما كان إيثارا للدنيا على الآخرة وركونا إلى الحظوظ العاجلة وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة، وقد عاب الله تعالى قوما حرصوا على ذلك فقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (^١).\nقوله -ﷺ-: \"ولكن المؤمن إذا بشّر برحمة الله ورضوانه وجنته أحبّ لقاء الله فأحب الله لقاؤه\" الحديث، فالحبّ ها هنا هو الذي يقتضيه الإيمان بالله تعالى والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلّة.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية ك ٩٦.","vol":"13","page":593},{"text":"فائدة فيها بشرى: فما يجلبه الموت على الإسلام من المنافع المتقدمة عليه وقوع البشرى عند الموت برحمة الله تعالى وجنته، وقد قال الله ﷾: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^١)، قال بعض المفسرين: البشرى في الحياة الدنيا هي البشرى الواقعة عند الموت.\nوقيل غير ذلك، وقد جاء في البشرى عند الموت عن محمد بن كعب القرظي (^٢) قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاء ملك الموت فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم قرأ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾، وممن نص على تسليم الملائكة على المؤمن عند الموت عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وغيرهما. وعن مجاهد أن المؤمن يُبَشّر بصلاح ولده من [بعده] لتقرّ عينه.\nواعلم أن البشرى تتكرر للمؤمنين في الحياة الدنيا وفي البرزخ ويوم البعث وفي الجنة، والبشرى العامة لهم من الله تعالى قد نطق بها القرآن في غير موضع كما في قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ (^٣)، [وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ\n_________\n(^١) سورة يونس، الآيتان: ٦٣ - ٦٤.\n(^٢) الزهد لابن المبارك (٤٤٢)، وتفسير الطبري (١٤/ ١٠١)، والعظمة (٤٣٨).\n(^٣) سورة النحل، الآية: ١٠٢.","vol":"13","page":594},{"text":"الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (^١)] (^٢). وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣). قال ابن عباس: أي للموحدين.\nوانظر كيف شملت البشرى المذكورة في هذه الآيات الثلاث أرباب المراتب الثلاث من أهل دين الإسلام وهم المسلمون والمؤمنون والمحسنون، وكيف لا يبشّرون كلهم وقد ثبت لهم الاصطفاء بمن فيهم من ظالم لنفسه ومقتصد وسابق [بالخيرات بإذن الله] كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، قاله صاحب [حادي] القلوب إلى لقاء المحبوب وهو كتاب نفيس في التشجيع على الموت ينبغي أن لا يخلو الإنسان من مطالعته وسماعه لما فيه من فوائد الموت ونتائجه ولقد قال بهذا القول بعض العباد الزاهدين المتصوفين نفعنا الله ببركاتهم.\nتنبيه: قول محمد بن كعب القرظي: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن أي اجتمعت في فيه تريد الخروج كما يُستنقع الماء في قراره وأراد بالنفس الروح، قاله في النهاية (^٤).\n_________\n(^١) سورة النحل، الآية: ٨٩.\n(^٢) سقطت هذه الآية من النسخة الهندية.\n(^٣) سورة الأحقاف، الآية: ١٢.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٨).","vol":"13","page":595},{"text":"تنبيه أيضا في قوله: واعلم أن البشرى تتكرر للمؤمنين في الحياة الدنيا وفي البرزخ، روى هناد بن السري قال حدثنا محمد بن فضيل ووكيع عن بكر قال سألت مجاهدا عن قول الله ﷿: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قال: هو ما بين الموت إلى البعث، وقيل للشعبي: مات فلا، قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة، هو في البرزخ، اهـ، قاله القرطبي في التذكرة (^١).\n[٥٢٩٨] وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه قُلْنَا يَا رَسُول الله كلنا يكره الْمَوْت قَالَ لَيْسَ ذَلِك كَرَاهِيَة الْمَوْت وَلَكِن الْمُؤمن إِذا حضر جَاءَهُ البشير من الله فَلَيْسَ شَيْء أحب إِلَيْهِ من أَن يكون قد لَقِي الله فَأحب الله لقاءه وَإِن الْفَاجِر أَو الْكَافِر إِذا حضر جَاءَهُ مَا هُوَ صائر إِلَيْهِ من الشَّرّ أَو مَا يلقى من الشَّرّ فكره لِقَاء الله فكره الله لقاءه. رواه أحمد (^٢) ورواته رواه الصحيح، والنسائي (^٣) بإسناد جيد، إِلَّا أَنه قَال قيل يَا رَسُول الله وَمَا منا أحد إِلَّا يكره الْمَوْت قَالَ إِنَّه لَيْسَ بكراهية الْمَوْت إِن الْمُؤمن إِذا جَاءَهُ الْبُشْرَى من الله ﷿ لم يكن شَيْء أحب إِلَيْهِ من لِقَاء الله وَكانَ الله للقائه أحب وَإِن الْكَافِر إِذا جَاءَهُ مَا يكره لم\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٧٧).\n(^٢) مسند أحمد (١٢٠٤٧).\n(^٣) النسائي في السنن الكبرى (١١٧٥٨). وأخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٩٧١)، والدارمي (٢٧٩٨)، وأبو يعلى الموصلي (٣٨٧٧)، والطبراني في المعجم الأوسط (٣١٥٥) عن حميد، عن أنس.","vol":"13","page":596},{"text":"يكن شَيْء أكره إِلَيْهِ من لِقَاء الله وَكَانَ الله للقائه أكره.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدمت ترجمته -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه\" الحديث، قال صاحب النهاية (^١): المراد بلقاء الله المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض [به] الموت لأنّ كلا يكرهه، اهـ. وتقدم معنى محبة الله تعالى لعبده وبغضه له. وقوله -ﷺ-: \"من كره لقاء الله كره الله لقاءه\" الحديث. قال في شرح مسلم (^٢): هذا الحديث يفسّر آخره أوله ويبين المراد [باقي] الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبة ولا غيرها فحينئذ يبشّر كل إنسان بما هو صائر إليه وما أعد الله له ويكشف له عند ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعدّ لهم ويحب الله لقاءهم أي فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاء الله لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أي يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم وهذا معنى كراهيته سبحانه لقاءهم وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك ولا أنّ حبّه لقاء الآخرين حبهم ذلك بل هو صفة لهم والله أعلم.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٦٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٩).","vol":"13","page":597},{"text":"لطيفة جليلة: قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال لأنكم عمرتم دنياكم و[أخربتم] أخراكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال: كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: يا أمير المؤمنين أما المحسن [فكالغائب] يأتي أهلها فرحا مسرورا وأما المسيء فكالعبد الآبق يأتي مولاه خائفا محزونا.\nوقال أحمد بن أبي الحواري: قال أبو سليمان الداراني: رحمة الله عليه الناس رجلان رجل أحب الله وأحب الموت شوقا إلى الله ورجل أحب البقاء لإقامة حق الله. قال: فوثب غلام لم يحتلم فقال: ورجل ثالث أو قال ورجل آخر. فقال أبو سليمان: ومن هو؟ فقال: من لم يختر هذا ولا هذا اختار ما اختار الله ﷿ له. فقال أبو سليمان احتفظوا بالغلام فإنه صدّيق، اهـ. قاله صاحب العاقبة (^١). قوله في حديث أنس: \"ولكن المؤمن إذا حُضر جاءه البشير من الله ﷿\" الحديث.\nفائدة: لما احتضر عامر بن عبد الله (^٢) بكى وقال لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك من جميع ذنوبي لا إله إلا الله، ثم لم يزل يردّدها حتى مات.\nوقال عمرو بن العاصي عند موته (^٣): اللهم أمرتنا فعصينا ونهيتنا فركبنا\n_________\n(^١) العاقبة في ذكر الموت (ص ٣٣)، والروضة الريا فيمن دفن بداريا (١/ ٩٢).\n(^٢) المحتضرين لابن أبي الدنيا (١٧٦).\n(^٣) المستطرف في كل فن مستظرف (ج ٢/ ص ٥٧٤)، وشذرات الذهب (ج ١/ ص ٥٣)، والنجوم الزاهرة (ج ١/ ص ١١٥).","vol":"13","page":598},{"text":"ولا يسعنا إلا عفوك، لا إله إلا الله، [ثم] (^١) رددها حتى مات.\nوقال عمر بن عبد العزيز عند موته (^٢): أجلسوني فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكن لا إله إلا الله ثم رفع رأسه فأحدّ النظر فقالوا: إنّك تنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين. قال: أتاني حضرة ما هم بإنس ولا جنّ، ثم قبض، رحمت الله عليه. وسمعوا تاليا يتلو: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا [لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾]، اهـ.\nوعن شهر بن حوشب (^٣) قال: لما حضر عمرو بن العاصي الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه: إنك لتقول لنا ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت حتى يصف لي ما [يجد] وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت. قال: يا بني [كأن] نفسي في تخت وكأنني أتنفس من سمّ إبرة وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي، ثم أنشأ يقول:\nليتني كنت ما قد بدا لي ... في رءوس الجبال أرعى الوعولا\nقاله في حياة الحيوان (^٤).\n_________\n(^١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٢) المحتضرين لابن أبي الدنيا (٩٠).\n(^٣) المحتضرين لابن أبي الدنيا (١٠٣).\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٥٥٠).","vol":"13","page":599},{"text":"فائدة: الإنسان إذا [احتضر] هل الأفضل كثرة المعالجة أو عدمها؟ الجواب: أنه إذا انتهى إلى حركة المذبوح فترك المعالجة أولى وإلا فالعلاج مشروع وربّك على كل شيء قدير. قاله شيخ الإسلام ابن حجر في بعض فتاويه.\nفائدة أيضا: روى مسلم في صحيحه (^١) [عن] أم سلمة واسمها هند قالت: دخل رسول الله -ﷺ- على أبي سلمة وقد شُقّ بصره فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضجّ ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، الحديث. قوله: \"شق بصره\" هو بفتح الشين وبصره [برفع] الراء فاعل شق هكذا الرواية فيه. قال صاحب الأفعال: يقال شق بصر الميت وشق الميت بصره إذا شخص. قاله النووي في أذكاره (^٢).\nوفي حديث آخر (^٣): إذا شخص البصر وحشرج الصدر فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، الحديث. الحشرجة الغرغرة عند الموت وتردد النفس فشخوص البصر ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه. يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص به كأنه رفع من الأرض لقلقه وانزعاجه ومنه شخوص المسافر خروجه عن منزله. اهـ، قاله صاحب\n_________\n(^١) مسلم (٩٢٠).\n(^٢) الأذكار للنووي (ص: ٢٤٨)، المجموع شرح المهذب (٥/ ١٢٧)، شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٢٢).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٦٨٥).","vol":"13","page":600},{"text":"النهاية (^١). فقوله: إن الروح إذا قبض تبعه البصر معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرا أين يذهب وفيه دليل لمذهب أصحابنا المتكلمين ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متحللة في البدن وتذهب الحياة من الجسد بذهابها وليس عرضا كما قاله آخرون ولا دما كما قاله آخرون وفي ذلك كلام متسع للمتكلمين والله أعلم.\nفائدة أيضا: قال أبو حامد الغزالي في الدرة الفاخرة (^٢): فإذا دنت منية الإنسان فحينئذ نزل عليه أربعة من الملائكة تجذب النفس من قدمه اليمنى وملك يجذب النفس من قدمه اليسرى وربما كشف له وملك يجذبها من يده اليمنى وملك يجذبها من يده اليسرى وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر فيعاين أولئك الملائكة على حقيقة عمله على ما يتحيزون إليه من عالمهم فإن كان لسانه منطلقا حدث بوجودهم أو وجود بعضهم وربما استخف الميت نفسه وأعاد على نفسه الحديث بما [رآى وهم] يجذبونها من أطراف البنان ورءوس الأصابع والنفس تنسل انسلال القذاة من السقاء والفاجر تنسل روحه كالسفود من الصوف المبلول كما في الحديث، والميت يظن أن بطنه مُلئت شوكا كأنما نفسه تخرج من ثقب إبرة أو كأنما السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما، ولهذا سئل كعب رضي الله عن الموت فقال: كغصن شوك أدخل في جوف رجل فجذبه إنسان ذو قوة\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٥٠).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٢٣٩).","vol":"13","page":601},{"text":"فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى وآخر ما [يفقد] من الميت السمع لأن الروح إذا فارقت القلب بأسرها فسد البصر وأما السمع فلا يفقده حتى تقبض النفس ولهذا قال ﵊: لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا رأيت المحتضر جافّ الفم كأنه يضحك منطلق الوجه مكسورة عينه فاعلم أنه مستبشر بما يلقاه في الآخرة من السرور وكشف له عن حقيقة كرامته فإذا قبض الملك النفس السعيدة تناولها ملكان حسنا الوجهين عليهما أثواب حسنة ولهما رائحة طيبة فيلفّانها في حريرة من حرير الجنة وهي على قدر [نسمة النحلة] شخص إنساني ما فقد من عقله ولا من عمله المكتسب في دار الدنيا شيئا فيفرحون به في الهواء فلا يزال يمرّ بالأمم السالفة والقرون الخالية كأمثال الجراد المنتشر منهم من يعرف ومنهم من لا يعرف حتى ينتهي إلى سماء الدنيا [فيقرع] الأمين الباب فيقال للأمين من أنت فيقول أنا [صلصائيل] وهذا فلان معي بأحسن أسمائه [وأحبها] إليه فيقولون له نعم الرجل كان فلان وكانت عقيدته غير شاك غير شاك ثم ينتهي إلى السماء الثانية فيقرع الباب فيقال له من أنت؟ فيقول مقالته الأولى فيقولون: أهلا وسهلا [بفلان كان محافظا على صلاته بجميع فرائضها، فذكر الحديث إلى أن قال: حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى فيقرع الباب فيقال: من أنت؟ فيقول الأمين كدأبه في مقالته فيقال: أهلًا وسهلًا بفلان، كان عمله عملًا صالحًا لوجه الله ﷿، ثم يفتح له فيمر في بحر من نار، ثم يمر في بحر من نور، ثم يمر في بحر من ظلمة، ثم يمر في بحر من","vol":"13","page":602},{"text":"ماء. ثم يخترق الحجب المضروبة على عرش الرحمن، وهي ثمانون ألفًا من السرادقات، فذكره إلى أن قال: فحينئذ يُنادي من الحضرة القدسية من وراء أولئك السرادقات: من هذه النفس التي جئتم بها؟ فيقال: فلان ابن فلان فيقول الجليل ﷻ: قرّبوهُ فنعم العبد كنت يا عبدي، فإذا أوقفه بين يديه الكريمتين أخجله ببعض اللوم والمعاتبة حتى يظن أنه قد هلك ثم يعفو عنه ﷾. ومن الناس من إذا انتهى إلى الكرسي سمع النداء: ردوه، فمنهم من يرد من الحجب، وإنما يصل إلى الله عارفوه ﷾، ولا يقف بين يديه إلا أهل العام الرابع فصاعدا انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>فائدة فيها بشرى:</span>\nروى جعفر بن محمد عن أبيه قال: نظر رسول الله -ﷺ- إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له رسول الله -ﷺ-: ارفق بصاحبي فإنه مؤمن. وما من أهل بيت إلا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، ولو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يكون الله تعالى هو الآمر بقبضها.\nقال جعفر بن محمد: بلغني أنه يفصحهم عند مواقيت الصلاة، انتهى. وفي الخبر: إذا مات المؤمن على الإسلام تقول الملائكة: كيف نجا هذا من دنيا فسد فيها خيارنا.\n\n٥٢٩٨ - م ١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الله ﷿ إِذا أحب عَبدِي لقائي أَحْبَبْت لقاءه وَإِذا كره لقائي كرهت لقاءه. رواه","vol":"13","page":603},{"text":"مالك (^١) والبخاري واللفظ له (^٢) ومسلم (^٣) والنسائي (^٤).\nقوله: \" ... \"، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الله تعالى قال: \" ... \"، الحديث فالموت هو دون لقاء الله تعالى، قال أبو سليمان الخطابي (^٥): يعني بالكراهة كراهة النقلة عن الدنيا إلى الآخرة مخافة العقوبة لما قدمت أيديهم. والمكروه من ذلك هو الإيثار للدنيا والركون إليها كما تقدم من أن يصير إلى الله تعالى والدار الآخرة، فهو يؤثر المقام في الدنيا. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: \"يا رسول الله كلنا يكره الموت\"، انتهى.\n\n٥٢٩٨ - م ٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ تحفة الْمُؤمن الْمَوْت رواه الطبراني بإسناد جيد (^٦).\n_________\n(^١) موطأ مالك (٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٧٥٠٤).\n(^٣) لم أجده في المطبوع.\n(^٤) سنن النسائي (٤/ ١٠).\n(^٥) الاستذكار (٣/ ٩٣).\n(^٦) أخرجه عبد بن حميد (٣٤٧)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٩٤١٨ و٩٧٣٠)، والبغوي شرح السنة (١٤٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٨٥)، والحاكم في المستدرك (٧٩٠٠) والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٥)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد الله بن عمرو لم يروه عنه إلا الختلي وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، لكن تعقَّبه الذهبي فقال: (قلت: ابن زياد -هو الافريقي-: ضعيف)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٠) رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار =","vol":"13","page":604},{"text":"قوله: \"عن عبد الله بن عمرو\" تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنهما.\nقوله -ﷺ-: \"تحفة المؤمن الموت\"، أصل التحفة طرفة الفاكهة، والجمع التحف، كأنّ التحفة يقصد بها قصد المتحف، وأراد بالحديث ما يصيب المؤمن في الدنيا من الأذى وما له عند الله ﷿ من الخير الذي لا يصل إليه إلا بالموت. ولهذا قال الشاعر:\nقد قلت إذ مدحوا الحياة وأكثروا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف\nمنها أمان عذابه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف\nويشبهه الحديث الآخر: الموت راحة المسلم. قاله صاحب المغيث أبو القاسم الأصفهاني.\n\n٥٢٩٨ - م ٣ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن شِئْتُم أنبأتكم مَا أول مَا يَقُول الله ﷿ للْمُؤْمِنين يَوْم الْقِيَامَة وَمَا أول مَا يَقُولُونَ لَهُ قُلْنَا نعم يَا رَسُول الله قَالَ إِن الله ﷿ يَقُول للْمُؤْمِنين هَل أَحْبَبْتُم لقائي فَيَقُولُونَ نعم يَا رَبنَا فَيَقُول لم فَيَقُولُونَ رجونا عفوك ومغفرتك فَيَقُول قد وَجَبت لكم مغفرتي رواه أحمد من رواية عبيد الله بن زحر (^١).\n_________\n= (ص: ١٨٢٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمر مرسلا بسند حسن.، وقال البوصيري إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٢٨) رواه عبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم كلهم من طريق عبد الرحمن الإفريقي، وهو ضعيف. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. كذا قال. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٤٠٤)، وفي السلسلة الضعيفة (١٤/ ٩١٠) (٦٨٩٠)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٤٤).\n(^١) مسند أحمد (٢٢٠٧٢)، وإسناده ضعيف، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢١) رواه =","vol":"13","page":605},{"text":"قوله: \"عن معاذ بن جبل\" تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه.\nقوله -ﷺ-: \"إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله ﷿ ... \"، فذكر الحديث إلى أن قال: \" ... \" الحديث، قال بعضهم: مضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل، وغفرانها رحمة.\n_________\n= أحمد والطبراني في الكبير، وفيه عبيد الله بن زحر وهو ضعيف. وهو في الزهد لابن المبارك (٢٧٦)، ومن طريقه أخرجه الطيالسي (٥٦٤)، وابن أبي الدنيا في حسن الظن (١٠)، وابن أبي عاصم في الأوائل (١٢٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ١٢٥) (٢٥١)، وفي الأوائل (٦٦)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٧٩، والبغوي في شرح السنة (١٤٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٨) رواه الطبراني بسندين أحدهما حسن. وضعفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٤/ ٢٥٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٢٩٤)، وفي السلسلة الضعيفة (٦١٢٥)، والترغيب والترهيب (١٩٧٣).","vol":"13","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>[التَّرْغِيب فِي كَلِمَات يقولهن من مَاتَ لَهُ ميت]</span>\n[٥٢٩٩] عَن أم سَلمَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا حضرتم الْمَرِيض أَو الْمَيِّت فَقولُوا خيرا فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ قَالَت فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة أتيت النَّبِي -ﷺ- فَقلت يَا رَسُول الله إِن أَبَا سَلمَة قد مَاتَ قَالَ قولي اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَله وأعقبني مِنْهُ عُقبى حَسَنَة فَقلت ذَلِك فأعقبني الله من هُوَ خير لي مِنْهُ مُحَمَّدًا -ﷺ- رواه مسلم هكذا بالشك (^١)، وأبو داود (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤) وابن ماجه (^٥): الميت، بلا شك.\nقوله: \"عن أم سلمة\"، تقدم أن اسمها هند، وتقدم الكلام على مناقبها مبسوطا -﵂-.\nقوله -ﷺ-: \"قولي اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة\"، الحديث.\nقال العلماء: هذا أمر ندب وتعليم لما يقال عند المريض أو الميت من الدعاء والاستغفار وله طلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه، وفيه إخبار عن دعاء من هناك، ولهذا استحب أن يحضر الميت الصالحون وأهل الخير\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩١٩).\n(^٢) أبو داود (٣١١٥).\n(^٣) الترمذي (٩٩٩).\n(^٤) والنسائي ٤/ ٤.\n(^٥) ابن ماجه (١٤٤٧).","vol":"13","page":607},{"text":"حالة موته ليذكروه ويدعو له ولمن يخلفه فينتفع بذلك الميت ومن يصاب به ومن يخلفه. وسبب حضور الملائكة المحتضر، قال صاحب الرونق واللباب: لا يجوز للحائض أن تحضر المحتضر وهو في النزع لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه حائض أو جنب، انتهى.\n[٥٣٠٠] وعنها -﵂- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من عبد تصيبه مُصِيبَة فَيَقُول إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون اللَّهُمَّ آجرني فِي مصيبتي واخلف لي خيرا مِنْهَا إِلَّا آجره الله تَعَالَى فِي مصيبته وأخلف لَهُ خيرا مِنْهَا قَالَت فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة قلت أَي الْمُسلمين خير من أبي سَلمَة أول بَيت هَاجر إِلَى رَسُول الله -ﷺ- ثمَّ إِنِّي قلتهَا فأخلف الله لي خيرا مِنْهُ رَسُول الله -ﷺ-. رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢) والنسائي (^٣) والترمذي (^٤)، وَلَفظه قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا أصَاب أحدكُم مُصِيبَة فَلْيقل إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون اللَّهُمَّ عنْدك أحتسب مصيبتي فأجرني بهَا وأبدلني خيرا مِنْهَا فَلَمَّا احْتضرَ أَبُو سَلمَة قَالَ اللَّهُمَّ اخلفني فِي أَهلِي خيرا مني فَلَمَّا قبض قَالَت أم سَلمَة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عِنْد الله أحتسب مصيبتي فأجرني فِيهَا. رواه ابن ماجه (^٥) بنحو الترمذي.\nقوله: \"وعنها\"، تقدم الكلام عليها رضي الله تعالى عنها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩١٨).\n(^٢) أبو داود (٣١١٩).\n(^٣) النسائي (٦/ ٨١).\n(^٤) الترمذي (٣٨٢٠).\n(^٥) سنن ابن ماجه (١٥٩٨).","vol":"13","page":608},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيرا منها\"، الحديث، المصيبة كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه من بلية وغيرها. والمصيبة البلاء والمكروه الذي يصيب الإنسان. قوله -ﷺ-: \"فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون\" فالاسترجاع عند البلاء تسليم وإذعان، والاسترجاع هو قولك: \"إنا لله وإنا إليه راجعون\". روي أنه طفئ سراج رسول الله -ﷺ- فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل: أمصيبة هو؟ قال: نعم، كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة.\nوعن أبي هريرة -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع فإنه من المصائب. الشِّسع تقدم الكلام عليه في السلام وغيره. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: انقطع شسع نعلي فسآني ثم استرجع وقال: كل ما ساءك فهو مصيبة. قوله -ﷺ- في الحديث: \"آجرني في مصيبتي\" قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^١): يقال آجرني بالمد وكسر الجيم، ويقال بالقصر أيضا، حكاهما صاحب الأفعال. وقال الأصمعي وأكثر أهل اللغة هو مقصور لا يمدّ، وكذا نقله القاضي أيضا عن أهل اللغة.\nقوله -ﷺ- في الحديث: \"وأخلف لي خيرا\"، الحديث. قال النووي هو بقطع الهمزة وكسر اللام. قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله: أخلف الله تعالى عليك أو لك، أي ردّ الله تعالى\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٩).","vol":"13","page":609},{"text":"عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله غالبا بأن ذهب ملك ولد أو أم أو عم لمن لا جد أو أخ ولا والد له، قيل له: خلف الله تعالى عليك بغير ألف أي كان الله خليفة والدك أي من فقدته عليك، وقيل يقال: خلف الله تعالى عليك إذا مات لك ميت أي كان الله خليفته عليك وأخلف الله تعالى عليك أي أبدلك. ومنه الحديث: تكفل الله تعالى للغازي بأن يخلف نفقته، وحديث أم سلمة: اللهم أخلف لي خيرا منه.\nقوله -ﷺ-: \" ... \"، ومعنى آجره الله تعالى أي أعطاه الله تعالى أجره وجزاء صبره. وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: يقول الله تعالى: ابن آدم إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرض لك ثوابا دون الجنة، انفرد به ابن ماجه (^١).\nوفي الحديث أيضا (^٢): إنما الصبر عند الصدمة الأولى، معناه الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل لكثر المشقة فيه. وأصل الصدم الضرب في شيء صلب بمثله، ثم استعمل مجازا في كل مكروه حصل بغتة. ومعنى عند الصدمة الأولى قال الأزهري (^٣) معناه عند فورة المصبية وحموتها، ومعناه أن كل ذي رزية قصاراه الصبر، أي آخر أمره أو منتهاه،\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (١٥٩٧) قال البوصيري في الزوائد: إسناد حديث أبي أمامة صحيح ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في سنن ابن ماجه (١٥٩٧)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٨١٤٣)، المشكاة (١٧٥٨).\n(^٢) صحيح البخاري (١٢٨٣)، وصحيح مسلم (١٤) (٩٢٦).\n(^٣) تهذيب اللغة (١٢/ ١٠٥).","vol":"13","page":610},{"text":"ولكنه إنما يحمد ويثباب عند الصدمة الأولى وهي فورة الرزية فإن الرزية إذا طالت الأيام عليها سليّ المصاب وصار الصبر طبعا فلم يؤجر، انتهى. وتقدم الكلام على شيء من ذلك قريبا. \" ... \" إذا بلغ الإنسان موت صاحبه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه عندك] (^١) في المحسنين واجعل كتابه في عليين [واخلفه في أهله في الغابرين ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده] (^٢)، رواه ابن السني عن ابن عباس (^٣). قال: قال رسول الله -ﷺ-: [للموت] فزع، فإذا بلغ أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلى آخره.\n[٥٣٠١] وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- فِي قَوْله تَعَالَى الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون الْبَقَرَة ٦٥١ قَالَ أخبر الله ﷿ أَن الْمُؤمن إِذا سلم لأمر الله وَرجع فَاسْتَرْجع عِنْد الْمُصِيبَة كتب لَهُ ثَلَاث خِصَال من الْخَيْر الصَّلَاة من الله وَالرَّحْمَة وَتَحْقِيق سَبِيل الْهدى وَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- من اسْترْجع عِنْد\n_________\n(^١) وسقط هذا اللوح ونصف من الأصل.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) عمل اليوم والليلة لابن السني (٥٦١)؛ وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٧/ ١٢٤٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٣١): رواه الطبراني في الكبير، وفيه قيس بن الربيع الأسدي، وفيه كلام، وقال الحافظ ابن حجر؛ كما في الفتوحات الربانية (٤/ ١٢٤): هذا حديث غريب ... وفي سنده قيس بن الربيع، وهو صدوق؛ لكنه تغير في الآخر، ولم يتميز؛ فما انفرد به يكون ضعيفًا.","vol":"13","page":611},{"text":"الْمُصِيبَة جبر الله مصيبته وَأحسن عقباه وَجعل لَهُ خلفا يرضاه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير شَيْئا لم يُعْطه أحد من الْأُمَم عِنْد الْمُصِيبَة إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون.\n[٥٣٠٢] وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَعْطَيْت أمتِي (^١).\n[٥٣٠٣] وَرُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن عَن أَبِيهَا -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أُصِيب بمصيبة فَذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وَإِن تقادم عهدها كتب الله لَهُ من الْأجر مثله يَوْم أُصِيب رواه ابن ماجه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٠ رقم ١٢٤١١) و(١٢/ ٢٥٥ رقم ١٣٠٢٧). وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٣٠: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن خالد الطحان وهو ضعيف. وقال في ٢/ ٣٣١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه علي بن أبي طلحة وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٤٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) سنن ابن ماجه (١٦٠٠). وأخرجه أحمد (١٧٣٤)، وأبو يعلى (٦٧٧٧) و(٦٧٧٨)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٨٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٥٩)، والطبراني في الكبير (٣/ ١٣١) (٢٨٩٥) وفي الأوسط كما في المجمع (٢/ ٣٣١)، والحارث كما في بغية الباحث (ح ٢٥٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٢٦٣)، وإسناده ضعيف جدا، هشام بن زياد -وهو ابن أبي هشام- متروك، وأمه لا يعرف حالها. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٣٤)، والضعيفة (٤٥٥١) وقال: ضعيف جدًّا. ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٩٢). وله شاهد من حديث ابن عباس، وله عنه طريقان: الأولى: أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٥٥) عن ابن عباس مرفوعا: من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه. وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٣١) وقال: فيه علي بن أبي طلحة وهو ضعيف. الثانية: عن ابن عباس مرفوعا: أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون. أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٠). وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٣٠)، وقال: فيه محمد بن خالد الطحان وهو ضعيف.","vol":"13","page":612},{"text":"قوله: \"وروي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها\" هي فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية المدنية، أخت علي بن الحسين زين العابدين وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تزوجها ابن عمها حسن بن حسن بن علي، فولدت له عبد الله، وإبراهيم، وحسنا، وزينب، ثم مات عنها، فخلف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان -ويقال له: المطرف لجماله- فولدت له القاسم، ومحمدا، وهو الديباج؛ سمي بذلك لجماله، ورقية؛ بني عبد الله بن عمرو، ومات عبد الله عنها. وكان زوجه بها ابنها عبد الله بن حسن بن حسن وذكرها ابن حبان في كتاب \"الثقات\" وتوفيت فاطمة في سنة سبع عشرة ومئة، وقيل: في سنة أربع عشرة، وست عشرة ومئة. وكانت وفاتها بالمدينة (^١).\nقوله: \"من أصيب بمصيبة\" فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب\" الحديث، وفي لفظ: [جدّد] الله له أجرها مثل ما كان له يوم أصابته. قوله: \"فأحدث استرجاعا\" أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.\nتنبيه: جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للمحسنين لما جمعت من المعاني المباركة فإن قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ توحيد وإقرار بالعبودية للملك. وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار [بالمِلك] على أنفسنا والبعث من قبورنا واليقين، لأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١١/ ٦٩ - ٧١)، وتهذيب الكمال (٣٥/ ترجمة ٧٩٠١).","vol":"13","page":613},{"text":"سعيد بن جبير: لم يعط الله هذه الكلمات نبيا قبل نبينا -ﷺ-، [أيضا ولو عرَّفَنا] يعقوب -﵇- لما قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، اهـ.\n[٥٣٠٤] وَعَن أبي مُوسَى -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا مَاتَ ولد العَبْد قَالَ الله تَعَالَى لملائكته قبضتم ولد عَبدِي فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول قبضتم ثَمَرَة فُؤَاده فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول مَاذَا قَالَ عَبدِي فَيَقُولُونَ حمدك واسترجع فَيَقُول الله تَعَالَى ابْنُوا لعبدي بَيْتا فِي الْجنَّة وسموه بَيت الْحَمد رواه الترمذي (^١) وحسنه وابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: \"وعن أبي موسى\"، أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس الأشعري، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟\n_________\n(^١) الترمذي (١٠٢١). أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٢/ ٢٧)، والطيالسي (٥١٠)، وأحمد (١٩٧٢٥) وفي (١٩٧٢٦)، وعبد بن حميد (٥٥١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٨١) والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١١٣)، وفي الآداب (٧٥٦)، وفي شعب الإيمان (٩٢٤٩/ ٩٢٥٠) والبغوي (١٥٤٩).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، واسم أبي سنان عيسى بن سنان. قال أبو حاتم الرازي: ضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، ويقال: ابن عرزم، وعرزب أصح، روى عن أبي موسى الأشعري، مرسل. \"الجرح والتعديل\" ٤/ ٤٥٩. والحديث؛ صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٠١٢)، وحسنه في صحيح الجامع (٧٩٥) والسلسلة الصحيحة (١٤٠٨).\n(^٢) ابن حبان (٢٩٤٨).","vol":"13","page":614},{"text":"فيقولون: نعم. فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع\" الحديث. أي قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون. وفي معنى هذا الحديث ما روي في صحيح البخاري (^١) عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة. وفي الأثر: أن موسى ﵊ قال: يا رب أي خلقك أحبّ إليك، قال: من إذا أخذت منه محبوبه سالمني. قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في أمر فإذا قضيت له سخط قضائي.\nوفي أثر إسرائيلي: أن موسى ﵊ سأل ربه ﵎ عما يدني من رضاه فقال: إن رضاي في رضاك بقضائي، انتهى. الشيطان إنما يظفر بالإنسان غالبا عند السخط والشهوة فهناك يصطاده ولا سيما إذا استحكم سخطه، وذكر مسلم بن الحجاج (^٢) عن أسامة بن زيد -﵁- قال: كنا عند النبي -ﷺ- فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت. فقال للرسول ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب. فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينّها. قال: فقام رسول الله -ﷺ- فقام معه سعد بن عبادة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٢٤).\n(^٢) صحيح مسلم (١١) (٩٢٣)، وصحيح البخاري (١٢٨٤).","vol":"13","page":615},{"text":"ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم، فرُفع الصبي إليه ونفسه تقعقع كأنها في شنّة ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.\nقوله: \"ونفسه تقعقع\" أي تتحرك وتضطرب بصوت متدارك. قال أبو علي: كل ما سمعت له عند حركته صوتا فهو قعقعة كالسلاح والجلود اليابسة، اهـ. اعلم أنّ هذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه والآداب والصبر على النوازل كلها والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض، ومعنى لله ما أخذ أن العالم كله ملك لله ﷿، فلم يأخذ ما هو لكم بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية ومعنى وله ما أعطى أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه بل هو له ﷾ يفعل فيه ما يشاء وكل شيء عنده بأجل مسمى فلا تجزعوا فإن من قبضه قد انقضى أجله المسمى [فمحال] تقدمه أو تأخره عنه فإذا علمتم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم. اهـ. وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، ذكر الحديث، وفيه فدعا النبي -ﷺ- بالصبي فضمّه إليه وقال: ما شاء الله أن يقول. قال أنس: لقد رأيته وهو يكيد [نفسه] يعني يموت بين يدي رسول الله -ﷺ- فدمعت عينا رسول الله -ﷺ- فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون، وفي الحديث أن الله لا يُعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب وإنما يعذب بهذا وأشار إلى لسانه، اهـ.","vol":"13","page":616},{"text":"وفي صحيح البخاري ومسلم (^١) عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- عادَ سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فبكى رسول الله -ﷺ-، فلما رآى القوم بكاء رسول الله -ﷺ- بكوا. فقال: ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا ويرحم، وأشار إلى لسانه. وفي صحيح البخاري (^٢) عن أنس أن رسول الله -ﷺ- دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله -ﷺ- تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون، والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة والله أعلم.\nومعنى يجود بنفسه أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به يريد أنه كان في النزع وسياق الموت، وفلان يجاد للحتف أي يساق إليه، وقيل: يجود بنفسه أي يتحرك في الفراش لكونه في النزع والغرغرة فموت البنين من العوارض التي توجب للعبد التسخط على القدر فأخبر -ﷺ- أنه لا يقول في مثل هذا المقال الذي يسخطه أكثر الناس فيتكلمون بما لا يرضي الله ﷿ ويفعلون ما لا يرضيه إلا ما يرضي ربه ﵎ ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رئي في الجنازة ضاحكا، فقيل تضحك وقد مات ابنك؟ فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه. فأنكرت\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (١٢) (٩٢٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٠٣).","vol":"13","page":617},{"text":"طائفة هذا على الفضيل وقالوا: رسول الله -ﷺ- قد بكى يوم مات ابنه، وأخبر أن القلب يحزن والعين تدمع وهو في أعلا مقامات الرضى فكيف يعدّ هذا في مناقب الفضيل! والتحقيق أن قلب رسول الله -ﷺ- اتسع لتكميل المراتب من الرضى عن الله تعالى والبكاء رحمة للصبي فكان له مقام الرضى ومقام الرحمة ورقة القلب، والفضيل لم يستع لذلك فغيّبه مقام الرضى عن مقام الرحمة فلم يجتمع له الأمران، والناس في ذلك على أربع مراتب: أحدها: من اجتمع له الرضى بالقضاء ورحمة الطفل فدمعت عيناه رحمة والقلب راضٍ، الثاني من غيّبه الرضى عن الرحمة فلم يتسع للأمرين. الثالث من غيبته الرحمة والرقة عن الرضى فلم يشهده. الرابع من لا رضى عنده ولا رحمة وإنما كان حزنه لفوات حظه من الميت وهذا حال أكثر الخلق فلا إحسان ولا رضى عن الرحمن والله المستعان، انتهى.\nفائدة: في دفن البنات في أمثال العسكري عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- لما عُزّي في ابنته رقية قال: الحمد لله دفن البنات من المكرمات (^١)\n_________\n(^١) أخرجه ابن المقرئ في المعجم (٤٠٨)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ١٥٩)، والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٣٦٧/ ١٢٠٣٥)، وفي مسند الشاميين (٢٤٠٨)، وابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٥٩٥)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٧٣٥١)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٧١) (٦/ ١٩٣)، ومن طريقه: ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٣٦) والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٦٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ١٥٠) و(٢٧/ ٧) (٤٠/ ١٦٥) و(٤٠/ ١٦٦) و(٥٦/ ١٠٤)، القضاعي في مسند الشهاب (١/ ١٧٤/ ٢٥٠) وقال الهيثمي (٣/ ١٢): وفيه عثمان بن عطاء الخراساني، وهو =","vol":"13","page":618},{"text":"وروى البيهقي (^١) وغيره أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا حتى امتنع من الطعام والشراب فبلغ ذلك محمد بن إدريس الشافعي فكتب [إليه] أما بعد فعزِّ نفسك بما تعزي به غيرك واستقبح من نفسك ما تستقبحه من فعل غيرك:\nواعلم أن أشد [المصائب] ... فقد سرور مع حرمان أجر\nفكيف إذا اجتمعا ... على اكتساب وزر\nإني معزّيك لأني على ثقة ... من الحياة ولكن سنة الدين\nفما المعزَّي بباق بعد صاحبه ... ولا المعزِّي ولو عاشا إلى حين اهـ\nفائدة أيضا: في التعزية غريبة: قال الحسن البصري من الأدب ألا يُعزّى الرجل في زوجته (^٢)، وروي أن [عبيد] الله بن زياد سأل أبا بكرة نفيع بن الحارث عن موت الأهل فقال: موت الأب قاصمة الظهر وموت الولد صدع في الفؤاد وموت الأخ قص الجناح وموت الزوجة حزن ساعة، اهـ (^٣).\n_________\n= ضعيف.\nوانظر الموضوعات (٣/ ٢٣٥)، وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ١٢٢ رقم ١٨١). لا يصح، وجزم ابن حجر ببطلانه. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٩٢)، ضعيف الجامع (٢٩٩٠)، والضعيفة (١٨٥) (١٨٦): موضوع.\n(^١) مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٩٠).\n(^٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٧). تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ١٧٩) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٤٢).\n(^٣) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٧). تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٣/ ١٧٩) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٤٢).","vol":"13","page":619},{"text":"خاتمة يختم بها الباب لها مناسبة أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم -﵇-: إنّ لي أمَة ترافقك في الجنة ودل عليها فإذا بامرأة عمياء مشلولة الأطراف، فعجب منها وسألها فقالت لو كان لي يدان ربّما جمعت بهما الحرام فشهدتا عليّ أو رجلان ربما مشيت بهما في معصية أو عينان ربما أبصرت بهما زخارف الدنيا وحوسبت لأجلهما، قال: فما حاجتك؟ قالت: المغفرة وليست لك لكن لي ابن يتولى وضوئي وصلاتي أسأل الله تعالى أن يعطيني أجره. قال: فلما انفصل لقي شبانا يبكون وقالوا: كان لهذه المرأة ابن واحد يخدمها فأكله الذئب، فرجع إليها عيسى -﵇- فقال: قد أحسن الله عزاءك في ابنك فقد أكله الذئب. فقالت: الحمد لله الذي رفع عني مئونة مواراته مع ضعفي عن ذلك. فقال عيسى: حقّ لك أن تكوني رفيقتي في الجنة. [فقالت]: من أين لك هذا؟ فأخبرها عن الله تعالى، فشهقت شهقة عظيمة وخرّت ميتة فواراها التراب وانصرف، رحمة الله عليها.","vol":"13","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>[التَّرْغِيب فِي حفر الْقُبُور وتغسيل الْمَوْتَى وتكفينهم]</span>\n[٥٣٠٥] عَن رَافع -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من غسل مَيتا فكتم عَلَيْهِ غفر الله لَهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَة وَمن حفر لِأَخِيهِ قبرا حَتَّى يجنبه فَكَأَنَّمَا أسْكنهُ مسكنا حَتَّى يبْعَث. رواه الطبراني في الكبير (^١)، ورواته محتج بهم في الصحيح، والحاكم (^٢) وقال: صحيح على شرط مسلم، وَلَفظه من غسل مَيتا فكتم عَلَيْهِ غفر الله لَهُ أَرْبَعِينَ مرّة وَمن كفن مَيتا كسَاه الله من سندس وإستبرق فِي الْجنَّة وَمن حفر لمَيت قبرا فأجنه فِيهِ أجْرى الله لَهُ من الْأجر كَأَجر مسكن أسْكنهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ورواه الطبراني في الأوسط (^٣) من حديث جابر، وفي سنده الخليل بن مرة، وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من حفر قبرا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة\n_________\n(^١) الطبراني في معجمه الكبير (١/ ٣١٥/ ٩٢٩). وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢١): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في الدراية (١/ ٢٣٠): إسناده قوي،، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٤٩) [شاذ]، وفي السلسلة الضعيفة (٦٧٨١) (من غسل ميتا فكتم عليه؛ غفرالله له أربعين كبيرة ...). شاذ بلفظ: كبيرة. وانظر السلسلة الصحيحة (٢٣٥٣).\n(^٢) والحاكم في (١٣٠٧، ١٣٤٠). وأخرجه البيهقي في الكبرى (٣/ ٣٩٥)، والشعب (٩٢٦٥) ومعرفة السنن والآثار ٢١٥٣، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٦١٧٢) وقال النووي في الرياض ١/ ٢٩٦: قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأبو رافع مولى النبي -ﷺ- مختلف في اسمه، فقيل: اسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: صالح.\n(^٣) أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (٩٢٩٢).","vol":"13","page":621},{"text":"وَمن غسل مَيتا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه وَمن كفن مَيتا كَسَاه الله من حلل الْجنَّة وَمن عزى حَزينًا ألبسهُ الله التَّقْوَى وَصلى على روحه فِي الْأَرْوَاح وَمن عزى مصابا كَسَاه الله حلتين من حلل الْجنَّة لَا تقوم لَهما الدُّنْيَا وَمن تبع جَنَازَة حَتَّى يقْضى دَفنهَا كتب الله لَهُ ثَلَاَثَة قراريط القيراط مِنْهَا أعظم من جبل أحد وَمن كفل يَتِيما أَو أرملة أظلهُ الله فِي ظله وَأدْخلهُ الْجنَّة.\nقوله: \"عن أبي رافع\" أبو رافع اسمه أسلم وقيل إبراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز وقيل غير ذلك، توفي في خلافة علي رضي الله تعالى عنه.\nقوله -ﷺ-: \"من غسل ميتا فكتم عنه غفر الله له أربعين كبيرة\" الحديث، يغسّل الميت لقوله -ﷺ-: ما من ميت يموت إلا يجنب عند الموت، أورده النيسابوري. وقال بعض أصحاب القفال: اختلفوا في معناه فقيل أنه من شدة النزع ينزل وقيل إن الميت إذا فارقته الروح وارتاح من شدة النزع التذ فأنزل والله أعلم.\nواعلم أن غسل الميت وتكفينه ودفنه فرض على الكفاية أي على كل من علم حاله من المسلمين بالإجماع وهذا إذا كان مسلما فإن كان كافرا فلا يجب، قاله في هادي النبيه (^١).\nوقال -ﷺ- في المحرم الذي وقص به بعيره فاندقّ عنقه اغسلوه بماء وسدر، الحديث. فخاطب به الجمع، وروي أنه -ﷺ- قال: فرض على أمتي غسل موتاها والصلاة عليها ودفنها فإذا تركه من علمه أثموا جميعا، لكن هل يأثم أقاربه الذين هم أولى بغسله أَغُلظ أم لا؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي فقال:\n_________\n(^١) هادي النبيه (لوحة ٦٨/ مخ ٢١٢١ ظاهرية).","vol":"13","page":622},{"text":"أحدهما أن جميع المسلمين في غسله أسوة فعلى هذا لا يجوز لمن علمه من الأقارب وغيرهم تركه حتى يقوم به أحدهم، والثاني أقاربه أحق به وإثم تركه عليهم أغلظ فعلى هذا للأجانب تفويض أمره للأقارب فإن أمسك عنه الأقارب شاركهم في فرضه الأجانب ولو لم يعلم بالميت إلا واحد وتعين عليه فرضه فإن أخبر به غيره بقي فرض كفاية حتى يواريه أحدهما. قال الماوردي والتكفين والصلاة والدفن كذلك، قاله في مختصر الكفاية (^١).\nفرع: الأطفال من الذكور والإناث يغسلهم النساء والرجال. قال الرافعي والمراد بالصغير من لا يُشتهى مثله وكلام أبي زيد يقتضي أن المناط ما دون البلوغ. وفي التتمة أن ذلك في [صغيرة لا تُشتهى] وصغير لم يبلغ حد من يجامع (^٢)، وقال بعضهم ذلك فيما دون سن التمييز والمميز الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب ولا يضبط ذلك بسن بل يختلف باختلاف الأفهام، كذا قاله الفقهاء (^٣).\nتنبيه: شرط من يتولى الغسل أن يكون مسلما فإن كان كافرا فكالمعدوم وأن لا يكون قاتلا فإن قتل بحق بني على إرثه منه. قاله في هادي النبيه (^٤). (^٥)\n_________\n(^١) الكفاية (٥/ ١٤)، ومختصر الكفاية (لوحة ٣٢/ مخ ٣١٧٦ ظاهرية).\n(^٢) كفاية النبيه (٥/ ٢١ - ٢٢).\n(^٣) المجموع (٧/ ٢٨)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٣٤).\n(^٤) هادي النبيه (لوحة ٦٨ و٦٩/ مخ ٢١٢١ ظاهرية).\n(^٥) مخطوط وهناك رسالة ماجستير: دراسة وتحقيق جزء من مخطوطة (هادي النبيه إلى تدريس التنبيه) للإمام ابن الملقن (ت ٨٠٤) من أول باب الخلع إلى آخر باب الرضاع.","vol":"13","page":623},{"text":"فائدة: قال العلماء يستر الميت في الغسل عن العيون كما في حال الحياة، أي عيون الأجانب بأن يجعل في بيت ويرخى على بابه شيء خشية أن يكون به عيب كان يكتمه فيظهر أو قد اجتمع في موضع من بدنه دم أو التوى عنقه لعارض فيظن من لا يعرف أنه عقوبة وسوء عاقبة ويستحب أن يكون بقربه مجمرة حتى إذا كانت له رائحة لم تظهر كل ذلك طلبا للستر والأولى أن يستر من جهة السماء كسقف وغيره في الأصح. وقيل: بل غسله تحت السماء أحب لتنزل عليه الرحمة. أما أولياء الميت فقال البندنيجي وأبو الطيب وغيرهما أنهم يدخلون لأنه يوثق بهم ولا ينظر الغاسل يعني من غير العورة إلا إلى ما لا بد منه فيغض بصره ما أمكن، والذي يعاون الغاسل في معنى الغاسل إذا لم يستغن عنه فإن استغنى عنه فيستحب أن لا يستعين فإن نظرا إلى ما لهما منه بد كُره كغيرهما من الأجانب. وأما العورة فنظرها حرام مطلقا لقوله -ﷺ- لعلي -﵁-، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت، رواه أبو داود، اهـ. قاله في تسهيل الهداية (^١).\n_________\n(^١) لأحمد بن لؤلؤ بن عبد الله الرومي، أبو العباس، شهاب الدين ابن النَّقِيب الشافعي (٧٠٢ - ٧٦٩ هـ = ١٣٠٢ - ١٣٦٨ م): فقيه شافعيّ مصري مولده ووفاته بالقاهرة كان أبوه روميا من نصارى أنطاكية. رباه أحد الأمراء وأعتقه وجعله نقيبا فتصوف في البيبرسية بالقاهرة. ونشأ ولده صاحب الترجمة فكان أولا بزيّ الجند، ثم حفظ القرآن وتفقه وتأدب وجاور بمكة والمدينة مرات. قال ابن حجر: كان مع تشدده في العبادة، حلو النادرة كثير الانبساط والدعابة. ومات بالطاعون. من كتبه (تسهيل الهداية وتحصيل الكفاية - خ) أجزاء منه، في شستربتي والأزهرية ودار الكتب، اختصر به (الكفاية) في فروع =","vol":"13","page":624},{"text":"فرع: الأفضل عند مالك وأبي حنيفة أن يغسل الميت مجردا إلا أنه تستر عورته. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: الأفضل أن يغسل الميت في قميص اقتداء بما فعل برسول الله -ﷺ- (^١) كما صححه الحاكم لما روى بريدة قال: لما أخذوا في غسل رسول الله -ﷺ- ناداهم مناد داخل البيت لا تنزعوا عن رسول الله -ﷺ- قميصه، رواه ابن ماجه والحاكم وأبو داود بمعناه (^٢)، وقال المزني إن ذلك خاص بالنبي -ﷺ- لجلالته وعظم قدره (^٣).\nفإن قيل: معتمد الشافعي والأصحاب في استحباب الغسل في القميص هذا الحديث وهو مخصوص بالنبي -ﷺ- كما قاله المزني، فالجواب: [أنما ثبت] كونه سنة في حقه -ﷺ- فهو سنة في حق غيره حتى يثبت التخصيص، والذي فُعل بالنبي -ﷺ- هو الأكمل والأفضل (^٤)، والحديث يتضمن أن القميص الذي غسّل فيه النبي -ﷺ- نزع عنه عند تكفينه وهذا هو الصواب\n_________\n= الشافعية، للجاجرمي، و(السراج في نكت المنهاج - خ) للنووي، في شستربتي و(الترشيح المذهب في تصحيح المهذب للشيرازي - خ) في دار الكتب، و(عمدة السالك وعدة الناسك - ط). انظر: معجم المؤلفين (٢/ ٥٥)، الأعلام للزركلي (١/ ٢٠٠).\n(^١) الشافى شرح مسند الشافعي (٢/ ٣٨٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٦٦) والحاكم ١/ ٣٥٤ و٣٦٢، والبيهقي ٣/ ٣٨٧ عن بريدة. وقال الألباني: منكر وأخرجه أبو داود (٣١٤١) وابن حبان (٦٦٢٧) و(٦٦٢٨) عن عائشة. وقال الألباني حسن صحيح الأحكام (ص ٤٩).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ١٨).\n(^٤) المجموع (٥/ ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"13","page":625},{"text":"الذي لا يتجه غيره لأنه لو بقي من رطوبته لأفسد الأكفان (^١) والله أعلم.\nولم يثبت التخصيص فيندب الغسل في القميص للاقتداء لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في غسله -ﷺ- هل نجرده أو نغسله في ثيابه فغشيهم النعاس وسمعوا هاتفا يقول: لا تجردوا رسول الله -ﷺ-. وفي رواية: غسِّلوه في قميصه الذي مات فيه فغسل في القميص (^٢).\n[وقيل الأولى أن يجرّد وعلى الأول ينبغي أن يكون القميص خليعا أو رقيقا ينزل الماء عنه إلى البدن ثم إن كان واسع الكمين أدخل يده منهما وإلا الشقّ الدخاريص وأدخل يده، وكلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي يفهم أن القميص يلبسه حال غسله وهو الأصح وبه صرح المسعودي وغيره، وقال الإمام والغزالي يغسل في قميصه الذي مات فيه ولا ينزع عنه حين موته بل يترك ليغسل فيه كما فعل به -ﷺ-، قاله في مختصر الكفاية (^٣)] (^٤).\nفرع: يستحب أن يغطي وجه الميت بخرقة من أول ما يوضع على المغتسل، نقله المزني عن الإمام الشافعي، واستحب هو إعادة الوضوء في كل غسلة ويندب أن يظفر شعر المرأة وأن يجعل ثلاثة قرون كما في\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٨).\n(^٢) الكفاية (٥/ ٢٦).\n(^٣) الكفاية (٥/ ٢٧)، ومختصر الكفاية (لوحة ٣٤ و٣٥/ مخ ٣١٧٦ ظاهرية).\n(^٤) وقع تأخير لهذا الموضع في النسخة الهندية، وأدرج قبل قوله: (فرع: ما أحدثه الغسال من القراءة ...).","vol":"13","page":626},{"text":"الحديث، قاله الكمال الدميري (^١).\nفرع: ما أحدثه الغسال من القراءة والأذكار على الميت عند كل عضو فذلك بدعة لم ترد عن السلف مع أنك ترى الغاسل يقرأ القرآن ويده تباشر إزالة النجاسة عن بدن الميت وفي ذلك ما فيه، انتهى، قاله ابن النحاس في كتابه التنبيه في الأمر بالمعروف (^٢) وهو كتاب نفيس.\nفرع أيضا: يندب أن يوضع الميت حال غسله على لوح وتكون جهة رأسه أعلى لينحدر الماء عنه ويكون على ظهره ورجلاه إلى القبلة وللجنب والحائض غسل الميت لكن يكره ولو ماتا غسلا غسلا واحدا، اهـ. قاله أيضا في مختصر الكفاية (^٣).\nتنبيه: والواجب من الغسل النية لأنه غسل واجب لا لإزالة عين كغسل الجنابة فينوب الغاسل عن الميت فيها كما أشار إليه الإمام، وهذا أخذ من نص الشافعي أن الغريق يغسل، وقيل لا تجب النية وهو الأصح لأن الشافعي -﵁- صحح غسل الذمَية زوجها ولأن القصد منه التنظيف لا رفع الحدث، والواجب أيضا الغسل مرة واحدة كغسل الجنابة وهذا لا خلاف فيه بخلاف طهارة الحي، اهـ. قاله أيضا في مختصر الكفاية (^٤).\n_________\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٢٣).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٥ - ٤٨٦).\n(^٣) الكفاية (٥/ ٣٨).\n(^٤) مختصر الكفاية (لوحة ٣٦ و٣٧/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).","vol":"13","page":627},{"text":"فائدة: مما اعتاده كثير من الناس إعطاء ما على الميت للغاسل وهم قسمان قسم يخشى من هذه العادة فيجرده حتى ربما لا يبقي عليه ما يستر عورته من قميص رفيع أو مهلهل ونحوه خشية أن يترك عليه ما له قيمة فيأخذه الغاسل، والقسم الثاني يتركون ما عليه وربما زادوه من أفخر ثيابه ثم يعطون ذلك للغاسل رياء ومفاخرة، وعلى كلا التقديرين فإن كان في الورثة صغير أو غائب حرم على من يتولى ذلك أن يعطي الغاسل [شيئا من ذلك] زائدا على قدر أجرته وإن كان الورثة كبارا حاضرين بأجمعهم وطابت أنفسهم بإعطاء الغاسل ذلك من غير رياء ولا مفاخرة جاز وهذه صورة نادرة لا تكاد توجد وكثير من الغسال يأخذ ذلك بيده من غير استئذان لاحتقاره أهل الميت أو توهمه أنهم لا يسمحون له إذا استأذنهم [وهذه كلها بدع محرّمة يجب إنكارها على كل قادر عليها، قاله ابن النحاس في كتابه التنبيه (^١)] (^٢).\n[فرع: لو حفر قبرا فوجد فيه [عظما] أعاد القبر ولم يتم الحفر. قال الشافعي: فإن فرغ من القبر فظهر شيء من العظام جاز أن يجعل في جانب القبر ويدفن الثاني معه، ذكره الرافعي (^٣).\nفرع آخر: دفن الاثنين جميعا يكره إلا للضرورة ولا يحرم على الصحيح\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٧ - ٤٨٨).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٤).","vol":"13","page":628},{"text":"نعم لا يجمع بين الرجال والنساء إلا عند شدة الحاجة، وصرّح في شرح المهذب (^١) بأن ذلك حرم حتى في الأم وولدها وأباح بعضهم من كان بينهما زوجية أو محرمية (^٢).\nتنبيه: ومن البدع أن يدفن في قبر ميت قبل أن يبلى الأول ويذهب أثره من غير ضرورة وهذه بدعة محرمة شائعة في الناس من غير نكير ولا فرق في ذلك بين أن يكون الميت الأول أباه أو أمه أو ابنه أو أجنبيا منه حتى أن بعضهم يوصي أن يدفن على أبيه أو ابنه أو قرابته وذلك لا يجوز لأن نبش القبر والكشف عن الميت حرام وموضعه مختص به لا يجوز لأحد أن يدفن معه فيه إلا أن يفنى ولم يبق له أثر فيجب على كل قادر إنكار ذلك والمنع منه فإن كان عاجزا فيجب عليه أن لا يحضر ذلك لأن حضور الدفن سنة وإنكار ذلك واجب وليس له أن يتعرض لترك واجب بارتكاب سنة والله أعلم، قاله ابن النحاس في تنبيه (^٣)] (^٤).\nغريبة: ذكر أبو [حاتم] الأندلسي في كتاب تحفة الألباب (^٥) أن في آخر بلاد الإسلام في الشمال بلد بلغار يكون النهار عندهم في الصيف عشرين ساعة\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٨٥).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٤).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٤).\n(^٤) حصل تأخير لما بين المعقوفين في النسخة الهندية، وأدرج بعد قوله: (فلم أستطع دفنه إلا بعد ثلاثة أشهر وبقي في البيت كالحجر، اهـ).\n(^٥) تحفة الألباب ونخبة الإعجاب (ص ١٣٨) لأبى حامد الغرناطي.","vol":"13","page":629},{"text":"والليل أربع ساعات ويشتد البرد فيها حتى لا يقدر أحد أن يدفن الميت ستة أشهر من شدة البرد لأن الأرض تصير كالحديد لا يمكن أن يحفر فيها قبر، قال: ولقد مات لي ولد بها في آخر الشتاء فلم أستطع دفنه [إلا بعد] ثلاثة أشهر وبقي في البيت كالحجر، اهـ. قاله في الديباجة.\nقوله -ﷺ-: \"من غسل ميتا فكتم عليه\" قال النووي (^١): يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء للميت في حال غسله وتكفينه. قال أصحابنا: وإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه من استنارة وجهه وطيب ريحه وتبسمه ونحو ذلك استحب له أن يحدث الناس بذلك لا سيما إن كان الميت ممن ينسب إلى صلاح وخير وإذا رأى من الميت ما يكره من سواد وجه وتغير الخلقة ونتن عضو وانقلاب صورة ونحو ذلك حرم عليه أن يحدّث أحدا به واحتجوا بما روي في سنن أبي داود والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- قال: اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم (^٢) وجملة القول أن الغاسل\n_________\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ١٥٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٩٠٠)، والترمذي (١٠١٩)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ٣٠٨)، وابن حبان (٣٠٢٠)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢٣٥)، والطبراني في المعجم الأوسط (٣٦٠١)، وفي المعجم الصغير (الروض الداني ٤٦١)، والحاكم (١٤٢١)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٧٥)، قال الترمذي: هذا حديث غريب. سمعت محمدا يقول عمران بن أنس المكى منكر الحديث وروى بعضهم عن عطاء عن عائشة. قال وعمران بن أبى أنس مصرى أقدم وأثبت من عمران بن أنس المكى. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وفي ترجمته ذكره الذهبي في ميزان =","vol":"13","page":630},{"text":"يستحب له إن رآى خيرا ذكره ليكون ذلك أدعى إلى كثرة المصلين عليه والدعاء له وإن رآى غير ذلك حرم عليه ذكره [لأنه] غيبة لمن لا يتأتى الاستحلال منه.\nوفي صحيح مسلم (^١): [من ستر مسلما] (^٢) ستره الله في الدنيا والآخرة.\nلطيفة: مرّ بي عن بعض التواريخ أن امرأة كانت في زمن بني إسرائيل ملكت قومها مدة طويلة وقتلت اثني عشر ألف نبي، فقاتلها ملك آخر فقتلها وألقى جيفتها للكلاب فأكلوا جميع جسدها إلا رأسها ويديها فسأل الملك عن ذلك فقال: إنها كانت تفلي ثياب اليتامى وتسرح شعورهم، اهـ.\nثم [إن] (^٣) جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرته، [أي ...] (^٤) اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم]. وقال أبو الخير اليمني صاحب البيان منهم لو كان الميت مبتدعا مظهرا للبدعة أو ظالما متجاهرا بظلمه ورأى الغاسل منه ما يكره فالذي يقتضيه القياس أن يتحدث به في الناس ليكون ذلك زجرا للناس عن البدعة والظلم (^٥) والله أعلم. اهـ.\n_________\n= الاعتدال (٥/ ٢٨٣) قال البخاري منكر الحديث وقال العقيلي لا يتابع على حديثه والحديث ضعفه النووي في الخلاصة (٢/ ٩٤٤) في الأذكار (١/ ١٣١)، والسخاوي في المقاصد الحسنة (١/ ٩٨). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٧٣٩).\n(^١) صحيح مسلم (٢٦٩٩).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٤) كلمة غير واضحة.\n(^٥) البيان (٣/ ٣٨).","vol":"13","page":631},{"text":"قوله: \"غفر الله له أربعين كبيرة\" تقدم الكلام على حد الكبيرة واختلاف العلماء فيها.\nفائدة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: من غسل ميتا فليغتسل، رواه الترمذي (^١) وحسّنه وصححه ابن حبان (^٢) ومال ابن حزم إلى تصحيحه (^٣) وكذلك صاحب الإلمام، وقال الماوردي خرج بعضهم لصحته مائة وعشرين طريقا، وقال علي بن المديني وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي لا يصح في الباب شيء (^٤). وقال البخاري (^٥) الأشبه وقفه على\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦١١١)، وعنه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٢)، ومن طريقه ابن شاهين في ناسخ الحديث (٣٣ و٢٩٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٦٢٦)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٥٦). وأخرجه ابن ماجه (١٤٦٣). والترمذي (٩٩٣)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٦٢٥). والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٠٠) وابن حبان في صحيحه (١١٦١) وقال الترمذي عقب الحديث: حديث أبي هريرة حديث حسن وقد روي هذا عن أبي هريرة موقوفا. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤١٧٦).\n(^٢) وابن حبان في صحيحه (١١٦١).\n(^٣) أخرجه أبو داود في السنن (٣١٦١)، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (٢/ ٢٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٠٣)، وفي الخلافيات (١٠٠٤).\n(^٤) قال ابن حجر: وقال الذهلي فيما حكاه الحاكم في تاريخه ليس في: من غسل ميتا فليغتسل حديث ثابت. انظر: فتح الباري (٣/ ١٢٧).\n(^٥) قال النووي، والزيلعي: ضعفه الجمهور. انظر: خلاصة الأحكام (٢/ ٩٤١)، ونصب الراية (٢/ ٢٠٣). قال النووي: وليس في الغسل من غسل الميت شيء صحيح. انظر: المجموع (٢/ ٢٣٣). قال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٦) عقب الحديث: لا يصح.","vol":"13","page":632},{"text":"أبي هريرة. وقال البيهقي (^١): أنه الصحيح. وقال الرافعي في شرح المسند (^٢): أنه لم يصححه الأئمة فيُسنّ الغسل لغاسل الميت سواء كان الميت كبيرا أو صغيرا مسلما كان أو كافرا لعموم هذا الحديث على تقدير صحته، وصرفنا عن الوجوب (^٣).\nقوله: \"ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه\"، قال الحاكم (^٤):\n_________\n(^١) قال البيهقي: ابن لهيعة، وحنين بن أبي حكيم لا يحتج بهما والمحفوظ من حديث أبي سلمة ما أشار إليه البخاري موقوف من قول أبي هريرة.\nانظر: السنن الكبرى (١/ ٣٠٢). قال ابن دقيق العيد: البكراوي هو عبد الرحمن بن عثمان طرح الناس حديثه كما قاله أحمد وقال علي بن المديني ذهب حديثه وقال أبو حاتم ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به وقال يحيى والنسائي ضعيف، وقال ابن حبان يروي المقلوبات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به.\nانظر: الإمام لابن دقيق العيد (٢/ ٣٧٩)، والبدر المنير (٢/ ٥٣٠ - ٥٣١). وقال البيهقي: الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم والصحيح عن أبي هريرة من قوله موقوفا غير مرفوع. السنن الكبرى (١/ ٣٠٣)، والإمام لابن دقيق العيد (٢/ ٣٧٨).\n(^٢) شرح مسند الشافعي (٤/ ٣٤٥).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٤٨٧).\n(^٤) الحاكم (١٤٢٦) وعنه البيهقي في الكبرى (١/ ٣٠٦)، وخرجه الدارقطني (٢/ ٧٦/ ٤). وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وفيه رفض لحديث مختلف فيه على محمد بن عمرو بأسانيد من غسل ميتا فليغتسل.\nوقال البيهقي: هذا ضعيف والحمل فيه على أبي شيبة إبراهيم بن عبد الله كما أظن وروى بعضه من وجه آخر بن عباس مرفوعا. والحديث اختلف في رفعه خرجه البيهقي (١/ ٣٠٦) وفي (٣/ ٣٩٨) عن بن عباس قال ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه إن ميتكم =","vol":"13","page":633},{"text":"صحيح على شرط البخاري وبهذا قال المزني وقواه في شرح المهذب وقال الشافعي في القديم بوجوب الغسل من [غاسل] الميت لظاهر الأمر به ثم اختلفوا فيه فقيل أنه تعبّد وقيل لنجاسة الميت عند القائل به (^١)، ولهذا قال الرافعي وجماعة أنه آكد الأغسال لأنه مختلف في وجوبه بخلاف غسل الجمعة وقيل هما سواء.\n[وقال] الشافعي في القديم آكدّها غسل الجمعة ولذلك قال النووي: إن القديم أظهر (^٢)، وصححه الأكثرون وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح وتظهر فائدة القولين: فيما إذا أوصى بماء [لا حق للناس] به فحضره مريد الجمعة ومن يغسل ميتا أيهما يستحقه (^٣)، اهـ، من الديباجة.\n_________\n= لمؤمن طاهر وليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم. وقال البيهقي: وروي هذا مرفوعا ولا يصح رفعه.\nورواه عبد الرزاق (٦١٠١)، وابن أبي شيبة في الصنف (٣/ ٢٦٧): عن ابن عباس به موقوفا مختصرا بلفظ: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتا. قلت: وهذا إسناد صحيح.\nوقال ابن حجر في التلخيص (١/ ١٣٨): أبو شيبة -هو: إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة- احتج به النسائي، ووثقه الناس، ومن فوقه احتج بهم البخاري؛ فالإسناد حسن. قلت: وفيه نظر فقد جاء مسمى، والسند ليس مما يحتج به لما سيق ذكره وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٤٠٨).\n(^١) النجم الوهاج (٢/ ٤٨٧).\n(^٢) المجموع (٥/ ١٨٥ - ١٨٦) والمنهاج (ص ٤٩)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٨٩).\n(^٣) النجم الوهاج (٢/ ٤٨٩).","vol":"13","page":634},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ومن حفر لأخيه قبرا حتى يجنبه فكأنما أسكنه مسكنا حتى يبعث\" الحديث حتى يجنبه معناه حتى يستره. [في الحديث أيضا عن هشام بن عامر قال: قال رسول الله -ﷺ-: احفروا وأحسنوا، رواه أبو داود والترمذي. وفي رواية النسائي: احفروا وأحسنوا وأعمقوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد. والظاهر أن هذا عند الضرورة].\nفرع: أقل القبر حفرة تمنع الرائحة والسبع والأولى أن يعمق ويوسع قدر قامة وبسطة (^١) لأن عمر -﵁- أوصى بذلك ولم ينكره أحد ولأنه أبلغ في المقصود والزيادة عليه غير مأثورة والمراد قامة رجل معتدل.\nوقيل: رجل ربع، والبسطة أن يرفع الرجل يديه [من] فوق رأسه ما أمكنه وهو قائم، وقدر مجموع ذلك على الأصح عند النووي تبعا للجمهور أربعة أذرع ونصف، وجزم الرافعي تبعا للمحاملي أنه ثلاثة أذرع ونصف (^٢).\nقال النووي (^٣): وقد غلط المحاملي فيه وهو شاذ مردود، والعجب من جزم الرافعي به وإعراضه عما جزم به الجمهور وهو أربعة أذرع ونصف، هذا هو الأكمل، [وعن الجويني أن السنة أن يعمق قدر قامة فقط وهو ثلاثة أذرع\n_________\n(^١) المنهاج (ص ٦١).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٧٥).\n(^٣) الأم (١/ ٣١٣) ولفظه خلاف ما نقل عنه الشارح إلا أن تكون كلمة سقطت لفظة لا قبل كلمة أحب حيث قال في الأم: وقد يجعلونه في الصندوق ويفضون به إلى الكافور، ولست أحب هذا، ولا شيئا منه.","vol":"13","page":635},{"text":"وقيل فيه غير ذلك والله أعلم. قاله في مختصر الكفاية (^١).\nفرع أيضا: قال الشافعي في الأم (^٢): أحّب أن يجعل الميت في صندوق أي تابوت. قال البندنيجي: فيستحب ترك التابوت لأنه -ﷺ- وأصحابه لم يدفنوا فيه. وقال الرافعي والقاضي حسين والرافعي: يكره أن يدفن الميت في التابوت إلا أن تكون الأرض رخوة أو نديّة ولو أوصى به لم تنفذ وصيته في مثل هذه الحالة ويكون التابوت من رأس المال (^٣)، اهـ.\nفرع أيضا: ومن البدع نقل الميت من بلد إلى بلد وذلك بدعة محرمة يجب إنكارها وممن نص على تحريمه القاضي حسين وأبو الفرج الدارمي وصاحب التتمة ولو أوصى بذلك لم تنفذ وصيته اهـ وقيل نقله مكروه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيستحب نقله إليها، نص عليه الشافعي وعلى هذا إنما يباح قبل الدفن ويشترط أن يؤمن الانفجار وتغيّره فإن كان قد دفن حرم نبشه إلى مكة وغيرها، والله أعلم. قاله ابن النحاس (^٤)] (^٥).\n_________\n(^١) مختصر الكفاية (لوحة ٥١/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٢) الحاوي الكبير (٣/ ٢٣).\n(^٣) المجموع (٥/ ٢٨٧) و(٥/ ٢٩٣) والروضة (٢/ ١٣٥)، وكفاية النبيه (٥/ ١٣٨)، والنجم الوهاج (٣/ ١٠٨).\n(^٤) تنبيه الغافلين (ص ٤٩٠).\n(^٥) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":636},{"text":"تتمة: لو لحق الأرض نداوة أو سيل، [قال الزبيري] (^١) يجوز نقله منهما ومنعه غيره (^٢). قال النووي (^٣): قول الزبيري أصح واستدل له بما روى البخاري عن جابر عن عبد الله أنه دفن أباه مع رجل آخر في قبر، قال: ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كهيئته يوم وضعته، وجعلته في قبر على حدة (^٤).\nقال النووي (^٥): وهذا الحديث يقتضي جواز النبش والنقل لهذا الغرض وهو مشكل، وهذا النبش كان في حياة النبي -ﷺ- ولا شك أن جابرا إنما فعل ذلك بعد استئذان النبي -ﷺ- فإما أن يكون للأصحاب جواب عنه وإما أن يقال أن النقل لمصلحة الميت جائز مطلقا.\nفرع: وإذا تهدم القبر فيتخير أولياء الميت بين أن يتركوه بحاله وبين أن ينبشوه ويصلحوه وبين أن ينقلوه إلى غيره، قاله الكمال الدميرى (^٦).\nفائدة: ومن البدع ما يفعله بعضهم من الفرش تحت الميت والمخدة تحت رأسه وهذه بدعة شنيعة، وكذلك ما يفعله بعضهم من إلباس الميت أفخر ثيابه من الحرير والذهب ونحو ذلك مع الكفن وهذا حرام لأنه إضاعة\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ١١٨).\n(^٣) المجموع (٥/ ٢٦٥).\n(^٤) البخاري (١٣٥١ و١٣٥٢).\n(^٥) النجم الوهاج (٣/ ١١٨).\n(^٦) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ١١٩).","vol":"13","page":637},{"text":"مال من غير ضرورة وللورثة مطالبة من فعل ذلك به والله أعلم، قاله ابن النحاس (^١).\nقوله -ﷺ-: \"من كفن ميتا كساه الله من حلل الجنة\" الحديث، وتكفين الميت فرض على الكفاية كما تقدم لقوله ﷺ كفنوه في توبيه فخاطب به الجمع وأيضا فهو إجماع وهل أقاربه فيه وغيرهم سواء فيه ما تقدم وهذا في المسلم وكذا الذمي على الأصح [لا الحربي] قطعا، قاله في هادي النبيه (^٢).\nفرع: تكره المغالاة في الكفن لقوله ﷺ: لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب [سلبا سريعا] رواه أبو داود، [وعن] علي ولم يضعِّفه وفهم من التقييد بالمغالاة أن تحسينه لا يكره وهو كذلك بل يستحب، ففي صحيح مسلم (^٣) إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه أي يتخذه أبيض لطيفا سابغا، وفي كامل ابن عدي (^٤) عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: حسّنوا أكفان\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٥).\n(^٢) هادى النبيه (لوحة ٦٩/ مخ ٢١٢١ ظاهرية).\n(^٣) صحيح مسلم (٩٤٣).\n(^٤) ابن عدي في الكامل (٤/ ٢٣٧)، وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث عن ابن سيرين لا أعلم أعلم يرويه عنه غير سليمان بن أرقم. وقد خولف فيه كما في المنامات لابن أبي الدنيا (١٦٢) وشعب الإيمان. (٩٢٦٨) من وجهين عن: مسلم بن إبراهيم الأزدي قال أنبأنا عكرمة بن عمار عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي قتادة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون في قبورهم\". ورواه الترمذي =\n=","vol":"13","page":638},{"text":"موتاكم فإنهم يتزاورون في قبورهم، اهـ.\nتنبيه: ويستحب أن يكفن الرجل وكذا الصبي في ثلاثة أثواب إزار ولفافتين بيض (^١) لحديث عائشة -﵂-، وقال -ﷺ- (^٢): ألبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم، رواه الترمذي، والإزار ما يؤتزر به العورة، واللفافتان أن [تلف] كل منهما على جميع البدن لأن الخبر دل على\n_________\n= (٩٩٥) وابن ماجه (١٤٧٤) عن عمر بن يونس حدثنا عكرمة بن عمار عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي قتادة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه\". بدون الزيادة في التزاور قلت: وعمر بن يونس ثقة، وقد خالفه مسلم بن إبراهيم الأزدي - كذا جاء في المنامات وهو تصحيف بل هو سلم أوله سين وهو مكذب. وإسماعيل بن سنان في الطريق قبله الرقاشي السيء الحفظ، فلا شك في رجحان طريق عمر بن يونس، أما ثانيًا: فقد خولف في رفعه عكرمة فقد روى عبد الرزاق (٦٢٠٨) عن الثوري عن هشام عن بن سيرين قال: \"كان يقال من ولى أخاه فليحسن كفنه وإنه بلغني أنهم يتزاورون في أكفانهم\". ولا شك في رجحان الثوري على عكرمة بن عمار سيما وقد توبع: كما في مصنف ابن أبي شيبة (١١١٣١) حدثنا بشر بن مفضل عن سلمة بن علقمة عن بن سيرين قال: كان يحب حسن الكفن ويقال أنهم يتزاورون في أكفانهم.\n(^١) المجموع (٥/ ١٩٤ و١٩٥).\n(^٢) أخرجه: الشافعي في مسنده (٥٦٦)، وعبد الرزاق (٦٢٠٠)، وأحمد ١/ ٢٤٧، وأبو داود (٣٨٧٨)، وابن ماجه (٣٥٦٦)، والترمذي (٩٩٤) وقال: حديث حسن صحيح.، وأبو يعلى (٢٤١٠)، وابن حبان (٥٤٢٣)، والحاكم ١/ ٣٥٤، والبيهقي ٣/ ٢٤٥ وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٥٥)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (١٢٣٦)، وصحيح ابن ماجه (١٤٧٢ و٣٥٦٦)، وصحيح وضعيف سنن أبي داود (٣٨٧٨).","vol":"13","page":639},{"text":"ثلاثة أثواب وهذه الهيئة أولى به والأصح أن الثلاثة سوابغ (^١) نعم لو كفن من بيت المال حيث يجب فلا يزاد على ثوب واحد لتأدي الواجب به والمحرم لا يزاد على إزار ورداء كما قاله ابن سراقة في تلقينه (^٢) وتكفن المرأة في خمسة أثواب إزار ودرع وهو القميص وخمار ولفافتين بيض اقتداء بفعله -﵇- بأم كلثوم (^٣) والواجب ثوب واحد لأن ما دونه لا يسمى كفنا، والأصح في الروضة أنه ما يستر العورة، وقيل البدن (^٤).\nفرع: قال صاحب التقريب: الثوب الواحد حق لله تعالى والثاني والثالث حق للميت فلو أوصى بأن يكفن بثوب واحد كفن بثوب سابغ وقد رضي بإسقاط حقه من الثلاث، ولو قال رضيت بما يستر العورة فلا أثر لوصيته ويجب تكفينه بسابغ واستحسنه الإمام، وفي جزمه بعدم [نفوذ] وصيته نظر فإنه قد نقل عن الشافعي أن الزائد على ستر العورة حق للميت فينبغي أن ينفذ بإسقاطه كالثوبين (^٥)، والله أعلم.\nفائدة: قال الصيمري وغيره: لا يستحب للإنسان أن يعد لنفسه كفنا في حياته لئلا يحاسب عليه (^٦).\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٥/ ٤٣).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٣١).\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ٤٤).\n(^٤) المهذب (ص ٢٤٢)، وروضة الطالبين (٢/ ١١٠)، وكفاية النبيه (٥/ ٤٩).\n(^٥) المجموع (٥/ ١٩٥)، وكفاية النبيه (٥/ ٥٢).\n(^٦) روضة الطالبين (٢/ ١١٤).","vol":"13","page":640},{"text":"قال النووي (^١): الذي قاله الصيمري صحيح إلا أن يقطع [بحله] أو يكون من أثر أهل الخير كالعلماء والعباد ونحو ذلك فإن ادخاره حسن وقد صح عن بعض الصحابة فعله [ويحمل قول من قال من أصحابنا أنه يكره أن يتخذ لنفسه كفنا لئلا يحاسب عليه على كفن لا يكون من آثارهم، قال ابن الرفعة (^٢) وفي كلام الصيمري نظر إذا كان الواجب تكفينه من ماله فإنه يحاسب عليه بكل حال، اهـ. قاله في مختصر الكفاية (^٣)] (^٤)، [والذي قاله مردود فإن أمواله كلها يحاسب عليها] وأشار بقوله: وقد صح عن بعض الصحابة إلى ما رواه البخاري (^٥) عن سهل بن سعد أن النبي -ﷺ- كانت عليه جبة فطلبها منه فأعطاه إياها فأعدّها [ذلك] لنفسه كفنا، وروي أن سعد بن أبي وقاص لما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة من صوف فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وهي علي وإنما كنت أخبأها لهذا، ولما حضر معاوية الوفاة قال لابنه يزيد: يا بني إني صحبت رسول الله -ﷺ- فخرج يوما لحاجته فاتبعته بإداوة فكساني أحد ثوبيه اللذين كانا على جلده فخبأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله -ﷺ- من أظفاره وشعره فأخذته وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مت فاجعلوا ذلك القميص [فيما] يلي جسدي واجعلوا الشعر\n_________\n(^١) روضة الطالبين (٢/ ١١٤).\n(^٢) كفاية النبيه (٥/ ٤٠).\n(^٣) لم أجده في المختصر.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) صحيح البخاري (٢٠٩٣).","vol":"13","page":641},{"text":"والأظفار في فمي وعلى عيني ومواضع السجود مني فإن نفع شيء فذاك، وإلا فإنّ الله غفور رحيم (^١)، اهـ.\nفرع: قال بعضهم يكره إعداد الكفن كما تقدم لمسلم من حسابه بخلاف حفر القبر (^٢) والله أعلم.\nفرع: محل الكفن أصل التركة (^٣) فإن مات إنسان ولم يوجد هناك ما يكفن به إلا ثوب مع مالك له غير محتاج إليه لزمه بذله بقيمته كالطعام للمضطر (^٤) والأصح عندنا أن كفن الزوجة على الزوج وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال [الشعبي] ومحمد بن الحسن وأحمد في مالها، وروي عن مالك (^٥).\nتتمة: يستحب أن يبخر الكفن (^٦) بالعود إذا لم يكن الميت محرما، وقال الإمام [والغزالي] أنه أولى من تطييبها بالمسك وخالفهما ابن الصلاح لأنه أطيب الطيب وأوصى [عليّ رضي الله تعالى عنه] أن يحنط بمسك كان عنده من فضل حنوط رسول الله -ﷺ-، وأفتى أيضا بعدم جواز كتابة شيء من القرآن على الكفن صيانة له عن صديد [الموتى] وفيمن عنده قماش يكريه لتجهيز\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ٤٠).\n(^٢) قاله الصيمري كما في الكفاية (٥/ ٤٠).\n(^٣) المجموع (٥/ ١٨٨).\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ٣٦).\n(^٥) المجموع (٥/ ١٩١).\n(^٦) بحر المذهب للروياني (٢/ ٥٤١).","vol":"13","page":642},{"text":"الموتى من ألوان الحرير وغيرها أنه لا يجوز كراؤها لأنه يقصد به الزينة ولا بأس [بما] المقصود به ستر الميت وصيانته، وكره الغزالي التجارة في أكفان الموتى وحنوطهم وما يتعلق بذلك (^١)، اهـ.\nقوله -ﷺ-: ومن عزّى حزينا ألبسه الله التقوى (^٢)، وفي الحديث الآخر: عزى مصابا كساه الله [حلتين] من حلل الجنة (^٣) واعلم أن التعزية هي التصبر، وذكر ما يسلي صاحب الميت وتخفف حزنه وتهوّن مصيبته وهي مستحبة فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أيضا داخلة في قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٤)، وهذا من أحسن ما يستدل يستدل به في التعزية، واعلم أن التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده. قال أصحابنا: يدخل وقت التعزية [بعد ثلاثة أيام لأن التعزية] من حين الموت وتبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن وتكره التعزية بعد ثلاثة أيام لأن التعزية لتسكين قلب المصاب والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن،\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٩٢٩٢)، ومكارم الأخلاق (١٠١)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٣٨) ورواه الطبراني في الأوسط من حديث جابر، وفي سنده الخليل بن مرة، ولفظه: قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١). رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الخليل بن مرة، وفيه كلام. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٠٠٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٩٣).\n(^٣) هو جزء من الحديث السابق.\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٢.","vol":"13","page":643},{"text":"هكذا قاله الجماهير من أصحابنا. قال أصحابنا: والتعزية بعد الدفن أفضل منها قبله لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم ير منهم جزعا شديدا فإن رآه قدّم التعزية ليسكِّنهم، ويستحب أن يعم بالتعزية جميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار، الرجال والنساء إلا أن تكون امرأة شابة فلا يعزّيها إلا محارمها. قال الشافعي -﵁- وأصحابنا: يكره الجلوس للتعزية، قالوا: ويعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فيعزّى من وُجِد منهم في مصلاه وفي سوقه وفي طريقه ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملي ونقله عن نص الشافعي، وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة كما هو الغالب منها في العادة كان ذلك حراما من قبائح المحرمات فإنه محدث. وثبت في الحديث الصحيح أن كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة والإعانة عليه مكروه، اهـ. قاله النووي (^١).\nفرع: إذا كان المعزِّي أو المعزَّى غائبا فإنها مستحبة وإن كانت بعد الثلاث (^٢) لأن الحزن يبقى فيها فيحتاج إلى التصبر، وجعل النبي -ﷺ- الثلاثة نهاية التحزين (^٣)، فقال -ﷺ-: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد\n_________\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ١٤٩)، والمجموع شرح المهذب (٥/ ٣٠٥).\n(^٢) الأذكار (ص ٢٥٥) وروضة الطالبين (٢/ ١٤٤).\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ١٧١).","vol":"13","page":644},{"text":"على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، (^١) اهـ.\nفائدة: يقال في تعزية المسلم: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك لأنه لائق الحال، قال الشافعي ﵀ (^٢) وأحب أن يقول مثل ما عزى به أهل بيته -ﷺ- ثم يترحم على الميت ويدعو له ولمن خلف وأشار بذلك إلى ما روت عائشة -﵂- (^٣) لما توفي رسول الله -ﷺ- سمعنا هاتفا في البيت يسمع صوته ولا يرى شخصه يقول: السلام عليكم أهل [البيت] ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب، فقيل: إن هذا هو الخضر -﵇-، وقال القاضي حسين: جلس الصحابة -﵃- في المسجد للتعزية فدخل شيخ فسلم ثم قال: إن في الله عزاء إلى آخره، فقال علي إنه الخضر -﵇-.\n_________\n(^١) البخاري (١٢٨٠)، ومسلم (٥٨) (١٤٨٦).\n(^٢) كفاية النبيه في شرح التنبيه (٥/ ١٧٤).\n(^٣) الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٧) وعنه: البيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٦٨). ورواه الشافعي (ص ٣٦١)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٤/ ٦٠)، وفي دلائل النبوة (٧/ ٢٦٨) وقال البيهقي: وقد روي معناه من وجه آخر عن جعفر عن أبيه عن جابر ومن وجه آخر عن أنس بن مالك، وفي أسانيده ضعف والله أعلم. وقال في دلائل النبوة: هذان الإسنادان، وإن كانا ضعيفين، فأحدهما يتأكد بالآخر، ويدلك على أن له أصلا من حديث جعفر. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وضعفه الألباني في أحكام الجنائز (١/ ٢٥٥)، والسلسلة الضعيفة (٥٣٨٤).","vol":"13","page":645},{"text":"[٥٣٠٦] وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من غسل مَيتا فكتم عَلَيْهِ طهره الله من ذنُوبه فَإِن كَفنه كَسَاه الله من السندس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١).\n[٥٣٠٧] وَرُوِيَ عَن عَليّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من غسل مَيتا وكفنه وحنطه وَحمله وَصلى عَلَيْهِ وَلم يفش عَلَيْهِ مَا رأى خرج من خطيئته مثل مَا وَلدته أمه رواه ابن ماجه (^٢).\nورُوي عن علي، تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"من غسل ميتا وكفنه وحنطه وحمله وصلى عليه ولم يفش ما رآى\" الحديث، [وتقدم الكلام على غسل الميت وتكفينه] (^٣).\nتتمة: غسلت امرأة بالمدينة في زمن مالك امرأة فالتصقت يدها على فرجها فتحير الناس في أمرها هل تقطع يد الغاسلة أو فرج الميتة، فاستفتي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٨١ رقم ٨٠٧٨)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامى والكنى (٥/ ٢٣٦)، وأبو القاسم الحرفى في فوائده (٥٢)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٤٥٨ رقم ٨٨٢٩). قال الحرفى: حديث غريب من حديث معتمر مسندا ورواه أحمد بن حنبل ﵀ عن معتمر موقوفا على أبي أمامة وهو الصحيح. قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٢١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو عبد الله الشامي، روى عن أبي خالد، ولم أجد من ترجمه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٦٩٥٢) وقال في ضعيف الترغيب (٢٠٥١): ضعيف. ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٦٢). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٢٠٥٢).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":646},{"text":"مالك فقال: سلوها ما قالت لما وضعت يدها عليها. فسألوها فقالت: قلت طالما عصى هذا الفرج ربه ﷿. فقال مالك: هذا قذف، اجلدوها ثمانين جلدة تتخلص يدها، فجلدوها ذلك فتخلصت يدها، فمن ثَمَّ قيل: لا يُفتى ومالك بالمدينة (^١)، اهـ.\nفرع: روى أحمد في مسنده (^٢) عن أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- قال: الميت يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يدليه في قبره.\nوقال صالح المرى (^٣): بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم كيف كان مأواك وفي أي جسد كنت [في] طيب أو خبيث؟ وقال عبيد بن عمير: أهل القبور [يتوكفون] الأخبار فإذا أتاهم الميت قالوا: ما فعل فلان ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟ ألم يقدم عليكم؟ فيقولون: لا، فيقال إنا لله وإنا إليه راجعون، سُلك به غير سبيلنا، اهـ.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٢) أحمد ٣/ ٣ (١٠٩٩٧) و٣/ ٦٢ (١١٦٠٠)، وابن أبي الدنيا في المنامات (٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٢٠٨)، والطبراني في المعجم الأوسط ٧/ ٢٥٧ (٧٤٣٨)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٢١: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، وفيه رجل لم أجد من ترجمه. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٨١): رواه أحمد من رواية رجل عنه اسمه معاوية أو ابن معاوية نسبه عبد الملك بن حسن. وقال البوصيري إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٥٧): رواه مسدد وأحمد بن حنبل بسند ضعيف لجهالة بعض رواته، وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (١٧٩٤) وفي \"الضعيفة\" (٣١٥٢).\n(^٣) الروح (ص ١٩)، وأهوال القبور (ص ٢٥ - ٢٦).","vol":"13","page":647},{"text":"[وتقدم الكلام على غسل الميت وتكفينه] وأما حنوطه فقال العلماء: والمستحب أن يذرّ الحنوط والكافور في الأكفان (^١).\nقال الماوردي (^٢): وهذا لم يذكره غير الشافعي ﵀ من الفقهاء، وكيفية ذلك أن يبسط أولا أحسن الثياب وأوسعها ويمدد عليه ذلك ثم يفرش فوقها الذي يليها في الحسن والسعة ويذر عليها ثم يفرش الثالثة ويستحب أن يكون ذلك بعد أن تبخر الأكفان ثلاث بالند والعود ثم يحمل الميت مستورا بثوب ويوضع على الكفن مستلقيا على ظهره والحنوط بفتح الحاء طيب يخلط للميت خاصة ويدخل فيه الكافور والصندل ودريرة القصب.\nتنبيه: والحكمة في الكافور في غسل الميت أنه يطيب ويصلب بدن الميت ويمنع إسراع فساده ويمنع عنه الهوام ويتضمن كرامة الميت (^٣) وفي استعماله تفاؤل بتكفير ذنوب الميت، وفيه دليل على استحباب تكثير الكافور فإن لم يوجد الكثير منه فشيئا منه كما هو مذكور في غسل ابنة النبي -ﷺ- في قوله: واجعلن في الأخيرة كافورا (^٤)، وسيأتي الكلام على حمل الميت والصلاة عليه قريبا إن شاء الله تعالى. [.. (^٥): يبادر بغسل الميت إذا تيقن موته. حكى\n_________\n(^١) التنبيه (ص ٥٠)، والبيان (٣/ ٤٥)، وكفاية النبيه (٥/ ٥٣).\n(^٢) كفاية النبيه في شرح التنبيه (٥/ ٥٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٣)، ورياض الأفهم (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٥٣) و(١٢٥٤) و(١٢٥٨) و(١٢٦١) و(١٢٦٣)، ومسلم (٣٦ و٤٠ - ٩٣٩).\n(^٥) بياض في أصل النسخة الهندية بمقدار ثلاث كلمات وما بعده منها.","vol":"13","page":648},{"text":"ابن عساكر (^١) أن يعقوب الماجشون جد عبد الملك صاحب مالك رحمه الله تعالى مات ووضع على السرير واجتمع الناس للصلاة عليه فوجد الغاسل عرقا تحت رجله يتحرك، فقال الغاسل: أرى أن يؤخر غسله إلى غد. فلما أصبحوا واجتمع الناس للصلاة عليه وغسله وجده الغاسل كذلك فصرف عنه الناس، ثم كذلك في اليوم الثالث. ثم إنه استوى جالسا وقال: اسقوني سويقا، فسقوه وسألوه عن حاله فقال: عرج بروحى إلى السماء الدنيا ففتح لها الباب ثم كذلك إلى السماء السابعة، فقيل للملك الذي عرج به من معك؟ قال: الماجشون. قال: إنه بقي من عمره كذا كذا شهرا وكذا كذا يوما وكذا كذا ساعة. قال ثم هبط بي فرأيت النبي -ﷺ- وأبا بكر عن يمينهن وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه. فقلت للملك الذي معي: إنه لقريب المنزلة من رسول الله -ﷺ-. فقال إنه عمل بالحق في زمن الجور، وإنما عملا بالحق في زمن الحق، انتهى قاله الدميري في شرح المنهاج (^٢)] (^٣).\n[٥٣٠٨] وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من غسل مَيتا فَأدى فِيهِ الْأَمَانَة وَلم يفش عَلَيْهِ مَا يكون مِنْهُ عِنْد ذَلِك خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رواه أحمد والطبراني من رواية جابر الجعفي. (^٤)\n_________\n(^١) حاشية الجمل على شرح المنهج (٢/ ١٤٢).\n(^٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ١٧).\n(^٣) وسقطت هذه الفقرة من الأصل.\n(^٤) أحمد (٢٤٨٨١ - ٢٤٩١٠) وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٥٧٥)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٢٩) (١٠/ ٦١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٩٢)، وقوام السنة الترغيب والترهيب =","vol":"13","page":649},{"text":"قوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها -﵂-.\nقوله -ﷺ-: \"من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" يعني لا ذنب له، تقدم الكلام على غسل الميت، وأما قوله فأدّى فيه الأمانة أي أتى بما يتعلق بغسله من واجبات الغسل وستر ما يراه أي كتم ما يشاهده في جسده من عيوب غفرت له ذنوبه، وذكر بعض المتأخرين من الشافعية أن الغاسل إذا رأى تغيرا في وجه الميت من زرقة أو سواد فينبغي أن يكتم ذلك لاحتمال أن يكون سبب ذلك اجتماع الدم في ذلك الموضع (^١)، قال: إلا أن يكون الميت مشهورا بالبدعة فإن تغير وجهه يدل على خبث باطنه فينبغي للغاسل والحالة هذه إظهار ذلك وإشاعته تنبيها على سوء ما كان عليه من البدعة لينزجر بذلك من كان موافقا له وليمتنع غيره من التأسي به في ذلك (^٢)، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام،\n_________\n= (٣/ ١٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٩٦)، وفي الشعب (٩٢٦٦)، وقال الدارقطني في العلل (٣٦٩٨): ولعل هذا الاضطراب من جابر، والله أعلم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢١) رواه أحمد، والطبراني في الأوسط، وفيه جابر الجعفي، وفيه كلام كثير. وقال البوصيري إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٥٤): ومدار إسناد حديث عائشة هذا على جابر الجعفي. وقال الذهبي في المهذب (٣/ ٣٧٣): هذا حديث منكر سمعه إبراهيم بن الحجاج من سلام، وجابر الجعفي واه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٥٣)، وفي السلسلة الضعيفة (١٢٢٥).\n(^١) انظر المجموع (٥/ ١٥٤ - ١٥٥) والأذكار (ص ٢٧٨)، والنجم الوهاج (٣/ ٩٧).\n(^٢) البيان (٣/ ٣٨)، والأذكار (ص ٢٧٨).","vol":"13","page":650},{"text":"وتقدم شيء من ذلك في معناه قريبا.\nخاتمة: خرج البرقاني (^١) في كتاب الروضة من حديث عمرو بن شمر وهو ضعيف جدا عن جابر الجعفي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن كان بُشِّر برَوْح وريحان وجنة ونعيم أن يعجِّله وإن بُشِّر بنزل من حميم وتصلية جحيم أن يحبسه (^٢) والله أعلم.\n[٥٣٠٩] وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- زر الْقُبُور تذكر بهَا الْآخِرَة واغسل الْمَوْتَى فَإِن معالجة جَسَد خاو موعظة بليغة وصل على الْجَنَائِز لَعَلَّ ذَلِك أَن يحزنك فَإِن الحزين فِي ظلّ الله يتَعَرَّض كل خير رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ رُوَاته ثِقَات (^٣).\n_________\n(^١) كذا في الأصل وإنما هو محمد بن أحمد بن البراء أبو الحسن العبدى الثقة الصدوق المقرئ تاريخ بغداد (١/ ٢٨١)، أخبار أصبهان (٢/ ٢٢٧)، المنتظم (١٣/ ٢٨)، تاريخ الإسلام (٢٢/ ٢٤١)، معرفة القراء (٢/ ٥٢٦)، غاية النهاية (٢/ ٥٦)، الشذرات (٣/ ٣٨٥).\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣٩) لابن مردويه عن ابن عباس ﵄. أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٢٣١٧) وانظر أهوال القبور (ص ٤٤ - ٤٥).\n(^٣) أخرجه ابن شاهين في الترغيب (٤٧٠)، والحاكم (١/ ٣٧٥) و(٤/ ٣٣٠). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: لكنه منكر، ويعقوب هو القاضي أبو يوسف حسن الحديث، ويحيى لم يدرك أبا مسلم فهو منقطع، أو أن أبا مسلم رجل مجهول. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٦٣) وضعيف الترغيب (٢٠٥٤) و(٢٠٧٤). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.","vol":"13","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>[التَّرْغِيب فِي تشييع الْمَيِّت وَحُضُور دَفنه]</span>\n[٥٣١٠] عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- حق الْمُسلم على الْمُسلم سِتّ قيل وَمَا هن يَا رَسُول الله قَالَ إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ وَإِذا دعَاك فأجبه وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ وَإِذا عطس فشمته وَإِذا مرض فعده وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣) وابن ماجه (^٤).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"حق المسلم على المسلم ست، إذا لقيه فسلم عليه\" أما إفشاؤه فهو إشاعته وإكثاره وأن يبذله لكل مسلم (^٥). قال النبي -ﷺ-: \"وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" (^٦)، وأما ردّه فهو فرض بالإجماع، وتقدم شيء من ذلك.\nقوله: \"وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له\" تقدم الكلام على الدعوة وعلى النصيحة قريبا.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢١٦٢).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٧٣٧).\n(^٣) سنن النسائي (٤/ ٥٣).\n(^٤) سنن ابن ماجه (١٤٣٥) صحيح البخاري (١٢٤٠) سنن أبي داود (٥٠٣٠).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢).\n(^٦) البخاري (١٢) و(٢٨) و(٦٢٣٦)، ومسلم (٦٣ - ٣٩) عن عبد الله بن عمرو.","vol":"13","page":652},{"text":"قوله: \"وإذا عطش فشمّته\" ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله (^١).\nقال الخطابي (^٢) معنى جب العطاس وكراهية التثاؤب وذمّه أن العطاس إنّما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من المطعم [انتهى وهو أمر مندوب إليه لأنه يضعف الشيطان ويسهل الطاعة (^٣).\nوأما التثاؤب بضد ذلك مما وإنما يكون مع] ثقل البدن وامتلائه وعند استرخائه للنوم وميله إلى الكسل (^٤) وذلك مما يفرح به الشيطان من الإنسان الإنسان فصار العطاس محمودا لأنه يعين على الطاعات والتثاؤب مذموما لأنه يثنيه أي يميله عن الخيرات (^٥)، فالمحبة والكراهة تنصرف إلى الأسباب الأسباب الجالبة لهما وإنما أضيف إلى الشيطان لأنه هو الذي زيّن للنفس شهوتها (^٦)، اهـ.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٢٢٣).\n(^٢) معالم السنن (٤/ ١٤١)، وشرح السنة (١٢/ ٢٠٧)، والمفاتيح (٥/ ١٤٨).\n(^٣) الأذكار (ص ٤٢٦) والمجموع (٤/ ٦٢٤).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ١٤١)، وشرح السنة (١٢/ ٢٠٧)، والمفاتيح (٥/ ١٤٨).\n(^٥) معالم السنن (٤/ ١٤١)، وشرح السنة (١٢/ ٢٠٧)، والمفاتيح (٥/ ١٤٨).\n(^٦) أعلام الحديث (٣/ ١٥١٧)، وشرح السنة (١٢/ ٢٠٧)، والكواكب الدراري (٢٢/ ٦٩) =","vol":"13","page":653},{"text":"تنبيه: التشميت المشهور استحبابه على الكفاية وأوجبه بعض المالكية والحنفية على كل من سمعه، وقيل هو فرض كفاية (^١) وهذا إن سمعه حمد الله تعالى وإلا فلا يشمت كما صح في الحديث، ويستحب في أول مرة فإن تكرر فهو مزكوم، فقيل يقول: أنت مزكوم بعد الثالثة، وجاء بعد الثالثة وعندي أنه يدعى له بالعافية (^٢). وأما الذمي فيدعى له الهداية دون الرحمة والفرق أن الدعاء بالهداية يشعر بما هو عليه من الضلالة بخلاف الرحمة فإنها تشعر بأهليته للدعاء بها، اهـ. قاله في شرح الإلمام (^٣).\n[٥٣١١] وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- كَانَ يَقُول الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَيَقُول وَالَّذِي نَفسِي بِيَدهِ مَا تواد اثْنَان فَيُفَرق بَينهمَا إِلَّا بذنب يحدثه أَحدهمَا وَكَانَ يَقُول للْمُسلمِ على الْمُسلم ستّ يشمته إِذا عطس ويعوده إِذا مرض وينصحه إِذا غَابَ أَو شهد وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ويجيبه إِذا دَعَاهُ ويتبعه إِذا مَاتَ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٤).\n[٥٣١٢] وَعَن أبي أَيُّوب -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول للْمُسلمِ\n_________\n= (٢٢/ ٦٩).\n(^١) انظر إكمال المعلم (٨/ ٥٤١)، والمفهم (٢١/ ١٤٥ - ١٤٦)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢) و(١٨/ ١٢٠) والأذكار (ص ٤٢٨).\n(^٢) انظر المفهم (٢١/ ١٤٧)، والأذكار (ص ٤٣١).\n(^٣) شرح الإلمام (٢/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٤) أخرجه أحمد ٢/ ٦٨ (٥٣٥٧). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٤: رواه أحمد وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٩٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":654},{"text":"على أَخِيه الْمُسلم سِتّ خِصَال وَاجِبَة فَمن ترك خصْلَة مِنْهَا فقد ترك حَقًا وَاجِبا فَذكر الحَدِيث بِنَحْوِ مَا تقدم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب ورواتهما ثِقَات إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم (^١).\n\n٥٣١٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه الله من أهل الْجنَّة من عَاد مَرِيضا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاح إِلَى الْجُمُعَة وَأعْتق رَقَبَة رواه أحمد (^٢) والبزار (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، وتقدم هو وغيره في العيادة.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة\" الحديث، يُندب أن يعمّ بعيادته جميع المرضى ولا يخص بها قريبا من بعيد ولا صديقا\n_________\n(^١) أخرجه الحارث في المسند (٩١٠)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٨٠ رقم ٤٠٧٦). وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٥: رواه الطبراني، وعبد الرحمن وثقه يحيى القطان وغيره وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (٢٠٥٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (١٠٤٣) و(١٠٤٤)، وابن حبان (٢٧٧١)، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٩) رجاله ثقات. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٢٣)، - صحيح الترغيب (٦٨٦) و(١٨٩٩) و(٣٤٧٠) و(٣٤٩٦).\n(^٣) البزار (٨٢١)، (٨٢٢ زوائد).\n(^٤) ابن حبان (٢٩٥٥).","vol":"13","page":655},{"text":"من عدو حتى الأرمد (^١) لما روى أبو داود عن زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله -ﷺ- من رمد أصابني (^٢)، لكن شرط ابن الصباغ في عيادة المريض أن يكون مسلما وفيه نظر (^٣) لأنه -ﷺ- عاد غلاما يهوديا، الحديث (^٤). وقال الشاشي: الصواب عندي أن عيادة الكافر جائزة فإن اقترن بها نوع حرمة كقرابة أو جوار كانت قربة، ولم يورد الرافعي والنووي غير ذلك، فقا لا: عيادة الذمي جائزة ولا تستحب إلا لقرابة وجوار ويندب أن تكون العيادة غبا ولا يواصلها في جميع الأيام (^٥). قال -ﷺ-: أغبّوا عيادة المريض أو اربعوا، اهـ. قاله في مختصر الكفاية (^٦).\nقوله -ﷺ-: \"واتبعوا الجنائز\" الحديث، واتباع الجنائز بالتشديد.\n\n٥٣١٤ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- عودوا المرضى وَاتبعُوا الْجَنَائِز تذكركم الْآخِرَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٧) وَتقدم\n_________\n(^١) الحاوى (٣/ ٤) كفاية النبيه (٥/ ٦)، ومختصر الكفاية (لوحة ٣٠/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٢) سبق.\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ٦) ومختصر الكفاية ا (لوحة ٣٠/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٣٥٦).\n(^٥) كفاية النبيه (٥/ ٦) ومختصر الكفاية (لوحة ٣٠/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٦) المجموع شرح المهذب (٥/ ١١٢) ومختصر الكفاية (لوحة ٣٠/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٧) أخرجه أحمد ٣/ ٤٨ (١١٤٤٥) و(١١٤٤٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٥١٨)، والبزار (٨٢٢ و٨٢٣/ كشف الأستار)، وابن حبان (٢٩٥٥). وقال الألباني: حسن صحيح - \"أحكام الجنائز\" (٨٦) وصحيح الترغيب (٣٤٩٧) والصحيحة (١٩٨١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":656},{"text":"هُوَ وَغَيره فِي العيادة.\n[٥٣١٥] وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان قيل وَمَا القيراطان قَالَ مثل الجبلين العظيمين رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (^١). وفي رواية لمسلم وغيره: أصغرهما مثل أحد (^٢).\n[٥٣١٦] وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابا وَكَانَ مَعَه حَتَّى يصلى عَلَيْهَا ويفرغ من دَفنهَا فَإِنَّهُ يرجع من الأجر بقيراطين كل قِيرَاط مثل أحد وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قبل أَن تدفن فَإِنَّهُ يرجع بقيراط (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان\" الحديث. وفي رواية لمسلم وغيره: أصغرهما مثل أحد، الشهود الحضور، والمراد بذلك أن يكون معها من حين يخرج بها من بيتها وإلا فلا يحصل القيراط بمجرد الصلاة (^٤)، نبّه على ذلك شيخنا العلامة العلامة تقي الدين السبكي نعم له أجر الصلاة وهذا قيراط الصلاة أصغرهما،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧) و(١٣٢٥)، ومسلم (٥٢ - ٩٤٥)، وابن ماجه (١٥٣٩)، وأبو داود (٣١٦٨)، والترمذي (١٠٤٠)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٣٢ (٢٠١١) و(٢٠١٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٥٣ - ٩٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٧)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٣٣ (٢٠١٣) و٤/ ١٣٤ (٢٠١٤).\n(^٤) قاله ابن العطار في العدة (٢/ ٧٩١).","vol":"13","page":657},{"text":"كما رجحه الطوفي وعلله بما في اتباعها للدفن من المشقة [أو تعظيما] لشأن الصلاة وهو الظاهر (^١)، اهـ.\nوالجنازة بالجيم المفتوحة والمكسورة والكسر أفصح وهي مشتقة من جنز إذا ستر ويقال أنه بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت ويقال عكسه أيضا (^٢). قال الجوهري (^٣): الجنازة بالكسر [وهو الغالب] والعامة يقولون بالفتح والمعنى للميت على السرير وإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش ويصلى عليها بكسر اللام وفتحها.\nقوله: \"فله قيراطان\" أي فله تمام قيراطين، قاله الكرماني (^٤). وقال الشيخ شهاب الدين بن العماد في شرح العمدة في هذا الحديث دليل على الحث على الصلاة على الجنازة واتباعها ومصاحبتها حتى تدفن (^٥).\nفائدة: لصلاة الجنازة أركان عدها الجمهور سبعة وجعلها الغزالي تسعة فجعل التكبيرات الأربع أربعة أركان:\nأحدها: النية ووقتها كغيرها ولا يجب تعيين النية.\nالثاني: أربع تكبيرات فيها تكبيرة الإحرام.\nوالثالث: السلام لأنه صلاة وقال -ﷺ-: تحريمها التكبير وتحليلها التسليم.\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر (١/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢) المفهم (٨/ ٨١).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ٨٧٠).\n(^٤) الكواكب الدراريص (١/ ١٨٦) و(٧/ ١١٠).\n(^٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٧٣).","vol":"13","page":658},{"text":"الرابع: القيام إن قدر لأنها صلاة مفروضة. والخامس: قراءة الفاتحة لأن النبي -ﷺ- قرأها وقراءة الفاتحة فيها فرض بلا خلاف، واتفقوا على استحباب التأمين عقب الفاتحة كما في سائر الصلوات، وفي دعاء الاستفتاح وجهان، أصحهما أن المستحب تركه وفي التعوذ وجهان أصحهما استحبابه (^١)، والسادس الصلاة على النبي -ﷺ- والصحيح أن الصلاة على الآل لا تجب ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقب الصلاة على النبي -ﷺ- (^٢) وفي استحباب الحمد قبل الصلاة على النبي -ﷺ- وجهان أصحهما نعم والثاني وهو مقتضى كلام الأكثرين لا يستحب والركن السابع الدعاء للميت بما يقع عليه الاسم لأنه المقصود الأعظم من صلاته اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا إلى آخره، والمستحب أن يقدم هذا الدعاء ثم يعقّبه بقوله اللهم هذا عبدك وابن عبدك إلى آخره (^٣)، وهذا الدعاء نقله المزني في المختصر عن الشافعي وليس منقولا هكذا عن النبي -ﷺ- ولا عن أحد من الصحابة وإنما أخذه الشافعي من مجموع أحاديث واستحسنه الأصحاب واستحبوه (^٤) اهـ.\nوقوله: \"ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان\" هل هما غير قيراط الصلاة\n_________\n(^١) بحر المذهب (٢/ ٥٨٦)، هادى النبيه (لوحة / ٧٠ مخ ٢١٢١ ظاهرية).\n(^٢) هادى النبيه (لوحة ٧٠/ مخ ٢١٢١ ظاهرية)\n(^٣) بحر المذهب (٢/ ٥٨٦)، وهادى النبيه (لوحة ٧٠ و٧١/ مخ ٢١٢١ ظاهرية)، وكفاية الأخبار (ص ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ٤٨).","vol":"13","page":659},{"text":"أو به نعم يؤيد الثاني الرواية الأخرى: من شهد جنازة وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها رجع بقيراطين وهذا صريح في ذلك (^١)، اهـ.\n[ومعناه] [على هذا] (^٢) قيراط [من] الصلاة وقيراط بالدفن لا أنه يكون المجموع ثلاثة قراريط كما زعم أهل الظاهر لأن العرب تضيف الثاني إلى الأول ونظير ذلك حديث من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام الليل كله [ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله] أي تتمة الليل [نصفا] للعشاء [ونصفا] للصبح وخالف البيهقي فاختار أن الصبح في جماعة بقيام ليلة فإن كانت العشاء جماعة كان له نصف آخر وقالت الظاهرية يكتب له ليلة ونصف ويرد هذا رواية أبي داود فإن صلى العشاء والصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله (^٣).\nوقوله: \"ومن شهدها حتى تدفن\" أي ويفرغ من دفنها، كما في رواية في الصحيحين فهو الصحيح. وقيل: يحصل القيراط الثاني بمجرد ستره باللبن وإن لم يتم دفنه، وقيل بمجرد الوضع والحكمة في شهود الجنائز ومعالجة الموتى حصول الاعتبار بذلك وفيه الحث على الاجتماع لها والتنبيه على فضل الله تعالى فيما شرعه ورتب عليه الأجور.\n[وفي قوله -ﷺ-: \"ومن شهدها حتى تدفن\" فيه] دليل على أن القيراط الثاني\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) انظر: الأشباه والنظائر (١/ ١٣٧)، والأعلام (٤/ ٥٣١ - ٤٣٢).","vol":"13","page":660},{"text":"إنما يحصل بالفراغ من دفنها. قال النووي (^١): وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وقد جاء مصرحا به في حديث عبد الأعلى حتى يفرغ من دفنها. قال: وقال بعض أصحابنا يحصل القيراط الثاني إذا سُتر الميت في القبر باللبن ولم يلق عليه التراب ويدل عليه رواية عبد الرزاق في مسلم حتى يوضع في القبر لكنه مؤوَّل على أن المراد حتى يوضع في القبر ويفرغ من إهالة التراب بدليل الرواية الأخرى وقد يستدل بالحديث على أن من شهدها حتى دفنت ولم يصل عليها على حصول القيراط كما لو صلى عليها ولم يشهد دفنها حتى لو مر بجنازة تدفن فيشهد حصل له القيراط لكن في الرواية الأخرى من تبع الجنازة ما يقتضي خلاف ذلك، وقد ورد في الحديث اتباعها من عند أهلها وسيأتي هذا الحديث في أواخر الباب والقيراط مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى. وهذا الحديث يدل على عدم مقدراه في هذا الموضع ولا يلزم منه أن يكون هو القيراط المذكور فيمن اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط وفي رواية قيراطان بل ذلك قدر معلوم يجوز أن يكون مثل هذا أو أقل أو أكثر.\nقال الروياني في البحر (^٢): اختلفوا في المراد بنقص منه، فقيل ينقص بما مضى من عمله وقيل من مستقبله. قال: واختلفوا في محل نقص القيراط فقيل ينقص قيراط من عمل النهار وقيراط من عمل الليل، وقيل قيراط من\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣ - ١٥).\n(^٢) بحر المذهب للروياني (٢/ ٥٥٣).","vol":"13","page":661},{"text":"عمل الفرض وقيراط من عمل [النفل]. وأما قيراط الصلاة على الجنازة فقال بعض المالكية أنه جزء منسوب إلى بقية سائر عمل الميت حتى أن الشخص لو قام بسائر عمل الميت من تلقينه الشهادة وتغميضه وتوجيهه القبلة وغسله وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه كتب له أجر تجهيز الميت كاملا ومن صلى عليه كتب له قيراط من ذلك الأجر الكامل ومن صلى وشهد الدفن كتب له قيراطان وإذا كان القيراطان كالجبلين العظيمين فما ظنك بالأجر الكامل.\nوقال في النهاية (^١): أما القيراط في الجنائز وفي اقتناء الكلب هو اسم لمقدار معلوم في الفرق وهو جزء من أربعة وعشرين جزءًا [هذا] وقد يراد به الجزء مطلقا ويكون عبارة عن الحظ والنصيب فيكون تمثيلا لجزء من الأجر ومقدار منه ألا [ترى] أنه قال مثل الجبلين العظيمين أو مثل أحد وهذا من مجاز التشبيه فإنه شبه المعنى العظيم بالجزء العظيم والمقصود من الحديث أن من صلى على جنازة كان له جزء عظيم من الثواب والأجر فإن صلى عليها واتبعها حتى تدفن كان له حظان عظيمان من ذلك إذ قد عمل عملين أحدهما صلاته والثاني كونه معه إلى أن يدفن، اهـ.\nوفي هذا الحديث ما يدل على أن الله تعالى استأثر بعلمه ومقدار فضله وأن الملائكة لا تحصي ذلك وأنها تكتبه مبهما وهذا كما أن ثواب الصوم لا يحصيه إلا الله تعالى والملائكة تكتبه مبهما والله تعالى يضاعف لمن يشاء.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٤٢).","vol":"13","page":662},{"text":"وقوله في القيراطين أنهما مثل الجبلين العظيمين فيه تنبيه على أن هذه القراريط لا توزن بموازين الدنيا كما يوزن قراريطها وإنما [توزن] بموازين الآخرة وفيه دفع لما يسبق إليه وَهْمُ السامع من كون القيراطين من قراريط الدنيا (^١).\nوقوله: \"أصغرهما مثل أحد\" [لم] (^٢) يبين فيه الأصغر هل هو قيراط الصلاة أو قيراط الدفن والظاهر أن الأصغر هو قيراط الدفن لأن قيراط الصلاة مرتب على واجب وهو الصلاة وقيراط الدفن مرتب على مستحب وثواب الواجب يفضل على ثواب المستحب بسبعين درجة كما ورد في رواية ويمكن حمل الرواية الأولى على من [تعين عليه] شهود الدفن [فيستوي] قيراطه مع قيراط الصلاة لاستوائهما في الموجب (^٣)، اهـ. والله أعلم.\n[وفي الحديث وجوب الصلاة والحمل والدفن وفيه أداء الحقوق الميت بالصلاة عليه ومواراته وغير ذلك اهـ.\nوفي رواية للبخاري من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها] (^٤)، الحديث، يفرغ من دفنها ضبط بضم الياء وفتح الراء وعكسه والأول أحسن وأعم ففي هذه الرواية (^٥) أتبع وفي رواية تبع، ظاهر هذه\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٥٣).\n(^٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٣) كشف الأسرار (لوحة ٥٤).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٥).","vol":"13","page":663},{"text":"الرواية يقتضي المشي وراء الجنازة (^١) وهو قول علي بن أبي طالب، ومذهب الأوزاعي وأبي حنيفة [وأما] جمهور الصحابة والتابعين وجماهير العلماء (^٢)، وأما الأئمة الثلاثة الأخر فقالوا هو قُدامَها أفضل وحملوا الاتباع على المعنى العرفي إذ لو تقدم عليها أو حاذاها أو تأخر بحيث ينسب إلى الجنازة ويعدُّ من مشيعيها كان له حكم الاتباع عرفا ورجحوا القُدَّام (^٣) لما روى أبو دواد (^٤) بإسناد صحيح [عن ابن عمر قال كان رسول الله -ﷺ- قال: يمشي أمامها وأبو بكر وعمر وعثمان، من جهة المعنى أنهم شفعاء وحق الشافع أن يتقدم وحد القرب أن يكون بحيث لو التفت لرآها اللهم إلا أن يكثر الحاضرون (^٥)]، وبما روي أن النبي -ﷺ- والشيخين كانوا يمشون أمامها أي ركبانا ومشاة كما رواه أبو داود والترمذي والمشي أفضل من الركوب لأنه -ﷺ- لم يركب في عيد ولا جنازة بل قال الماوردي: الركوب مكروه لمخالفة السنة إلا أن يعجز أو يبعد الموضع فلا يكره (^٦).\nوروى الترمذي أنه -ﷺ- رآى أناسا ركبانا في جنازة فقال: ألا تستحيون أن الملائكة على أقدامهم وأنتم على ظهر الدواب، ولا يكره الركوب في العَوْد لأنه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (١/ ١٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (١/ ١٨٥).\n(^٤) سنن أبي داود (٣١٧٩).\n(^٥) النجم الوهاج (٣/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٦) النجم الوهاج (٣/ ٣٨).","vol":"13","page":664},{"text":"-ﷺ- ركب فرسا في عوده من جنازة أبي الدحداح كما رواه مسلم (^١)، وروى أبو داود (^٢) أنه -ﷺ- أتي [بدابة] وهو مع جنازة فلم يركبها فلما انصرف ركب وقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن راكبا وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت.\nوأيضا المشيعون للجنازة كالشفعاء لها ولهذا يقولون في الدعاء: وقد جئناك شفعاء له ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع له. وقال الثوري وطائفة [معه] (^٣) الكل على السواء لا ترجيح فيه (^٤)، يعني أن قدام الجنازة ووراءها.\nفائدة: قال القاضي عياض وفي إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف عن اتباع الجنازة بعد دفنها إلى استئذان وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو المشهور عن مالك. وحكى عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلا بإذن وهو قول جماعة من الصحابة\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩٦٥).\n(^٢) سنن أبي داود (٣١٧٧)، وأخرجه ابن ماجه (١٤٨٠)، والترمذي (١٠٣٣)، والبزار في مسنده كما في مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤/ ٣١٤، والحاكم ١/ ٣٥٥، وعنه البيهقي (٤/ ٢٣)، وصححه الحاكم وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ثوبان بهذا الإسناد، وهو حسن الإسناد، ولا نعلم كلاما جاء به أحد غيره بإسناد متصل. وقد رواه عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير مرسلا، لم يقل عن أبي سلمة ولا ثوبان. ومعمر أثبت من عامر بن يساف.\n(^٣) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٤) الكواكب الدراري (١/ ١٨٥).","vol":"13","page":665},{"text":"والله تعالى أعلم بالصواب (^١).\nفرع: ولا يكره لمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر لقوله -ﷺ- لعلي رضي الله عليه وقد مات أبوه أبو طالب اذهب فواره (^٢).\nقوله -ﷺ- في رواية البخاري (^٣): حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، الحديث، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط، والانصراف عن الميت أحوال. أحدها: عقيب الصلاة فله قيراط، والثاني بعد وضعه في القبر ونصب اللبن وقبل إهالة التراب فهل يحصل له القيراطان فيه وجهان: اختيار الإمام الحصول، وصحح الماوردي أنه لا يحصل واختاره النووي لظاهر الحديث. والثالث بعد الفراغ من الدفن فله قيراطان بلا خلاف، والرابع أن يدعو للميت ويستغفر له بعد الدفن وهو أكمل الأحوال، قاله في مختصر الكفاية، ثمّ في الحديث تنبيه على مسألة أخرى وهو أن القيراط الثاني مقيد لمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني وكذا\n_________\n(^١) إكمال المعلم (٣/ ٤٠٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ١/ ١٣١ (٧٥٩) وأبو داود (٣٢١٤) والنسائي (١/ ١١٠)، (٤/ ٦٥) وفي الكبرى (١٩٥ و٢١٣٣) وفي خصائص علي (١٤٩)، وأبو يعلي (٤٢٣) وأبو يعلى في معجمه (٢٣٩) وفي مسنده (٤٢٣)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧١٧)، وفي السلسلة الصحيحة (١٦١)، وأحكام الجنائز (١/ ١٣٤)\n(^٣) صحيح البخاري (٤٧).","vol":"13","page":666},{"text":"لو حضر الدفن ولم يصل أو تبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له إنما حصل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة لكن له أجر في الجملة وفاته فضيلة المتابعة للميت، والله أعلم.\nسؤال في قوله -ﷺ-: من صلى جنازة فله قيراط، الحديث، لأيِّ معنى عبّر بالقيراط ولأي شيء أبهم القيراط ولأيّ جملة نسب القيراط ولم شبّه أصغرهما بأحد قيل: قال فله قيراط ولم يقل فله عشر قراريط على مقتضى القاعدة في أنّ الحسنة بعشر أمثالها. قيل يحتمل والله أعلم أنه عبّر بالقيراط لأنه أول المقادير التي يخبر بها ويوزن وهو أول الأعداد فعبر بالقيراط لأنه أول المراتب ثم بيّن -ﷺ- أن هذا القيراط ليس معادلا للقيراط الذي ألفوه في موازين الدنيا بل هو قيراط عظيم ليس في موازين الدنيا ما يحمله وإنما يمكن وزنه في موازين القيامة وبيّن أن أصغر القيراطين كأحد لأنه أكبر [جبل] عندهم وإلا ففي الدنيا جبال أكبر من أحد وقيل أكبر جبل في الدنيا لأنه يبلغ إلى الأرض السفلى فلهذا ذكره النبي -ﷺ-، والقيراط الآخر أبهمه لعظمه لأن عطاء الله واسع فلا يحد والله يضاعف لمن يشاء وإنما عبر بالقيراط ولم يعبر بعشرة لأن الحسنة الواحدة قد ترجح على حسنات كثيرة وهذا كما قيل عمر حسنة من حسنات أبي بكر الصديق (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الحسن بن عرفة في جزء ابن عرفة (٣٥) وعنه: أبو يعلى الموصلي في المسند (١٦٠٣) ومن طريقه: أبو بكر القطيعي في الزوائد على فضائل الصحابة (٦٧٨)، والآجري في الشريعة (١٣٩٣)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٣٦٠)، وابن شاهين في شرح =","vol":"13","page":667},{"text":"وأما إبهام الأجر فلم يبين في الحديث الآخر المنسوب إليه هذا القيراط فيحتمل أن يكون ذلك الأجر هو أجر الصائمين وأن هذا قيراط منه ويحتمل أن يكون أجر الجهاد أو أجر الحج لكن ذلك غير مراد لأن هذه أنواع من الخير من غير الجنس والمقادير إنما تنسب وتضاف إلى أجناسها وما يناسبها.\nوقد حكي عن بعض المالكية أن القيراط ها هنا مضاف إلى مقدار الأجر الحاصل لمن قام بسائر أعمال الميت والقول متعين وتقدم هذا وعلى هذا لو فرضنا أن إنسانا قام بتجهيز الميت من لدن مات إلى مواراته في التراب حصّل الأجر المرتّب على تجهيز الميت كله فلو صلى معه إنسان على الميت حصل له قيراط منسوب إلى جملة ما حصل لمن أتى بفرض الكفاية كله وليس القيراط منسوبا إلى أربعة وعشرين بل إلى الأعمال التي تتعلق بالميت من تغميضه وتقبيله إلى القبلة وشد لحييه بعصابة ونزع ثيابه التي مات فيها ووضعه على سرير وتغسيله وتكفينه وحمله والمشي معه والصلاة عليه\n_________\n= مذاهب أهل السنة (١٢٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢٤٣١)، والحنائي في الفوائد (٢/ ١١٩٢)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٧/ ٣٥)، وقوام السنة الأصبهاني في سير السلف الصالحين (١/ ١٢٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ١٢٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٣٢١)، وفي العلل المتناهية (١/ ١٨٩)، قال الحنائي: هذا حديث غريب من حديث أبي إسماعيل حماد بن أبي سليمان، قال ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث موضوع ولا أعرف إسماعيل قال الهيثمي: فيه الوليد بن الفضل العنزي، وهو ضعيف جدا، مجمع الزوائد (٩/ ٦٨).","vol":"13","page":668},{"text":"[وحضور دفنه وحفر القبر ووضعه فيه وسدّه عليه] (^١) وإهالة التراب. فهذه خمسة عشر فمن أتى بالصلاة فله قيراط من خمسة عشر قيراطا والخمسة عشر هي جملة الأجر ومن حضر الدفن فله قيراط آخر وهذه القراريط بعضها أفضل من بعض لأن بعض هذه الأعمال أفضل فالصلاة عليه أفضل من حضور دفنه لأن الصلاة عليه فرض وحضور الدفن سنة ولهذا قال -ﷺ-: أصغرهما، فيحتمل أن يراد به قيراط شهود الدفن لما تقدم ولموافقته القواعد لأن ثواب الواجب يزيد على ثواب الندب بسبعين درجة وإنما أبهمه -ﷺ- ليحرص الإنسان على الإتيان بالقيراطين لأنه لو بيّن [لما] يترتب على أصغر القيراطين لربما تكاسل عند الناس ورغبوا في فعل ما ترتب عليه القيراط الأكبر ويحتمل أن يكون القيراط الأكبر مرتبا على شهود الدفن ولا يبعد أن يزيد ثواب المندوب على ثواب الواجب كما إن الإبراء من الدين أفضل من الإنظار مع أنه مستحب والإنظار واجب وابتداء السلام أفضل من الرد ولو صلى إنسان على جنائز دفعة حصل له بكل ميت قيراط لأنه شفع ودعا لهم ولأن الفعل الواحد إذا عمّ نفعه تعدّد الأجر بعدد أفراد ما عمّه النفع، قال الله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال الزجاج في تفسيره: إنما كان كذلك لأن من أحيا نفسا أو أحسن إليها أو علّمها علما فقد أحسن إلى جنس بني آدم وكأنه أدخل السرور على كل واحد منهم بإحسانه إلى أخيهم فأعطي بكل [نسمة حسنة ومن قتل نفسا\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":669},{"text":"فكأنه أساء إلى سائر الجنس وإلى كل فرد من أفراده فأعطى بكل] نسمة سيئة فكما يكون الإحسان على المرة كذلك تكون العقوبة على الإساءة وأيضا فقوله -ﷺ-: \"من صلى على جنازة\" نكرة في سياق الشرط فيعم كلّ جنازة فوجب أن تتضاعف له القراريط بعدد الأموات (^١)، والله أعلم.\n[٥٣١٧] وَعَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص -﵁- أَنه كَانَ قَاعِدا عِنْد ابْن عمر -﵄- إِذْ طلع خباب صَاحب الْمَقْصُورَة فَقَالَ يَا عبد الله بن عمر أَلا تسمع مَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة -﵁- يَقُول إِنَّه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من خرج مَعَ جَنَازَة من بَيتهَا وَصلى عَلَيْهَا واتبعها حَتَّى تدفن كَانَ لَهُ قيراطان من الْأجر كل قِيرَاط مثل أحد وَمن صلى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أحد فَأرْسل ابْن عمر إِلَى عَائِشَة -﵂- يسْأَلهَا عَن قَول أبي هُرَيْرَة ثمَّ يرجع إِلَيْهِ فيخبره بِمَا قَالَت وَأخذ ابْن عمر قَبْضَة من حَصى الْمَسْجِد يقلبها فِي يَده حَتَّى يرجع فَقَالَ قَالَت عَائِشَة صدق أَبُو هُرَيْرَة فَضرب ابْن عمر بالحصى الَّذِي كَانَ فِي يَده الأَرْض ثمَّ قَالَ لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة رواه مسلم (^٢).\nقوله: \"وعن عامر بن سعد بن أي وقاص أنه كان قاعدا عند ابن عمر إذ طلع خبّاب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع إلى ما يقول أبو هريرة؟ يقول إنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: من خرج مع جنازة من بيتها فصلى عليها واتبعها حتى تدفن فله قيراطان\" فذكر الحديث إلى قوله:\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ٥٣ و٥٤ و٥٥).\n(^٢) صحيح مسلم (٩٤٥).","vol":"13","page":670},{"text":"\"فأرسل ابن عمر خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع فيخبره الحديث، وإنما بعث ابن عمر إلى عائشة يسألها بعد إخبار أبي هريرة لأنه خاف على أبي هريرة النسيان والاشتباه فلما وافقته عائشة علم أنه حفظ وأتقن -﵁- (^١).\nقوله: \"وأخذ بن عمر قبضة من حصى المسجد يقلّبها في يده حتى يرجع. فقال: قالت عائشة صدق أبو هريرة\" الحديث، الحصى مقصور جمع حصاة وهكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها حصباء بالباء والمد عكس الأول وكلاهما صحيح، والحصباء هو الحصى وفيه أنه لا بأس بمثل هذا الفعل (^٢).\nقوله -﵁-، فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. أي ضيّعنا حيث قصّرنا في اتباع الجنازة في قراريط كثيرة وفيه ما كانت الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات حين تبلغهم والتأسف على ما يفوتهم فيها وإن كانوا لا يعلمون عظم موقعه (^٣) وفرطت إشارة إلى ما ورد في القرآن ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، ومعناه ضيّعت من أمر الله، وذكره البخاري مناسبة لقوله فرّطنا (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٦ - ١٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٥).\n(^٤) الكواكب الدراري (٧/ ١١٠).","vol":"13","page":671},{"text":"تنبيه: قول الحافظ رواه مسلم. قال الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر قلت: ورواه أبو داود (^١) أيضا هكذا ذكره على حاشية نسخته.\n\n٥٣١٨ - وَعَن ثَوْبَان -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان القيراط مثل أحد رواه مسلم (^٢). وابن ماجه (^٣) أيضا من حديث أبي بن كعب وَزَاد فِي آخِره وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ القيراط أعظم من أحد هَذَا.\nقوله: \"وعن ثوبان\"، هو مولى رسول الله -ﷺ-، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"من صلى على جنازة فله قيراط\" وفي آخر الحديث: القيراط مثل أحد، وفي رواية ابن ماجه: والذي نفسي بيده القيراط أعظم من أحد، هذا وفي رواية قالوا: يا رسول الله مثل قراريطنا هذه؟ قال: لا بل مثل أحد وأعظم من أحد، رواه أحمد. أحد منصرف وهو الجبل الذي يجنب المدينة على نحو ميلين منها، والقيراط لغة نصف دانق وأصله قرّاط بتشديد الراء لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي التضعيف كما في الدينار فالقيراط اسم لمقدار\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣١٦٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٩٤٦).\n(^٣) سنن ابن ماجه (١٥٤١) وأخرجه ابن أبي شيبة (١١٦١٤)، وأحمد (٢١٢٠١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢٦٧) قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٥٠٢): هذا إسناد ضعيف لتدليس حجاج بن أرطأة. الطبراني في الأوسط (٥٨)، ومن طريقه الضياء في المختارة (١١٦٧) و(١١٧٠). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٤/ ٤١)، والتعليق الرغيب (٤/ ١٧٢).","vol":"13","page":672},{"text":"معلوم في العرف وأهل الشام يجعلونه جزءا من أربعة وعشرين جزءا، قاله الكرماني. فهذه الأحاديث تدل على عظم مقدراه، ومقصود الحديث أن من صلى على جنازة كان له حظ عظيم من الثواب والأجر فإن صلى عليها واتبعها كان له حظان عظيمان من ذلك إذ قد عمل عملين أحدهما صلاته والثاني كونه معه إلى أن يدفن، اهـ. قاله الإمام القرطبي (^١).\n\n٥٣١٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من تبع جَنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا فَإِن لَهُ قيراطا فَسئلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن القيراط فَقَالَ مثل أحد.\nوَفِي رِوَايَة قَالُوا يَا رَسُول الله مثل قراريطنا هَذِه قَالَ لَا بل مثل أحد أَو أعظم من أحد. رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^٢).\n\n٥٣٢٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من أَتَى جَنَازَة فِي أَهلهَا فَلهُ قِيرَاط فَإِن اتبعها فَلهُ قِيرَاط فَإِن صلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط فَإِن انتظرها حَتَّى تدفن فَلهُ قِيرَاط رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح إِلَّا معدي بن سُلَيْمَان.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدمت ترجمته.\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٨/ ٨٢).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٦ (٤٦٥٠) و(٢/ ٣١ - ٣٢) (٤٨٦٧) و(٦٣٠٥)، والترمذي في \"العلل الكبير\" (٢٥٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ١٨٠ رقم ١٣٨٨٤) و(١٣/ ٢٢٥ رقم ١٣٩٥٣). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٠: رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، إلا أنه قال في الكبير: عن رسول الله -ﷺ-: \"من تبع جنازة حتى يصلي عليها ثم يرجع فله قيراط، ومن صلى عليها ثم مشى معها حتى يدفنها فله قيراطان\" قيل: يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال: \"مثل أحد\". والبزار بنحوه، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٠٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.","vol":"13","page":673},{"text":"قوله -ﷺ-: \"من أتى جنازة في أهلها فله قيراط فإن اتبعها فله قيراط فإن صلى عليها فله قيراط فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط\" فهذا الحديث فيه التصريح بأربعة قراريط إذا أتى جنازة في أهلها وحضرها إلى أن تدفن.\nقوله: \"ورواته رواة الصحيح إلا معدي بن سليمان\" قال أبو زرعة واهي الحديث. وقال النسائي ضعيف ووثقه أبو حاتم وغيره وصحح له الترمذي.\n\n٥٣٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أصبح مِنْكُم الْيَوْم صَائِما قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من أطْعم مِنْكُم الْيَوْم مِسْكينا قَالَ أَبُو بكر أَنا قَالَ من عَاد مِنْكُم الْيَوْم مَرِيضا فَقَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ من تبع مِنْكُم الْيَوْم جَنَازَة قَالَ أَبُو بكر أَنا فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا اجْتمعت هَذِه الْخِصَال قطّ فِي رجل إِلَّا دخل الْجنَّة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه (^١).\n\n٥٣٢٢ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن أول مَا يجازى بِهِ العَبْد بعد مَوته أَن يغْفر لجَمِيع من اتبع جنَازَته رواه البزار (^٢)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥١٥)، ومسلم (١٢ و٨٧ - ١٠٢٨)، وابن خزيمة (٢١٣١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه البزار في المسند (٥٨٥٥) وقال البزار: لا نعلم رواه إلا معدي. أخرجه مسلم في التمييز (٨٣) قال مسلم: فهذه الرواية، المتقنون من أهل الحفظ على خلافها، وإنّهم لم يذكروا في الحديث إلا قيراطين، قيراط لمن صلى عليها، ثم يرجع، ولمن انتظر دفنها قيراطان. كذلك روى أصحاب أبي هريرة عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، ويروى عن غير أبي هريرة عن النبي -ﷺ- بوجوه ذوات عدد سنذكرها إن شاء الله.\nفأما حديث معدي بن سليمان في روايته من ذكر أربعة قراريط، فلم يواطأ عليه من وجه من الوجوه المعروفة، وخولف في إسناده عن ابن عجلان والحديث ذكره الهيثمي في =","vol":"13","page":674},{"text":"ورواته رواة الصحيح إلا معدي بن سليمان (^١).\nوروي عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: إن أول ما يجازى به العبد بعد موته أن يغفر لجميع من اتبع جنازته. رواه البزار (^٢).\nقوله: \"وروي عن ابن عباس \" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إن أول ما يجازى به العبد بعد موته أن يغفر لجميع من اتبع جنازته\" فهذا الحديث فيه بشرى لمتبع الجنازة [بغفران] ذنوبه الصغائر دون\n_________\n= مجمع الزوائد ٣/ ٣٣ وقال: رواه البزار وفيه معدي بن سليمان صحح له الترمذي ووثقه أبو حاتم وغيره وضعفه أبو زرعة والنسائي وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٣٠٩) ومعدي فيه مقال.\n(^١) معدي بن سليمان أبو سليمان صاحب الطعام ضعيف وكان عابدا تهذيب الكمال (٢٨/ ٢٥٨). تقريب التهذيب (ص: ٥٤٠ ت ٦٧٨٨).\n(^٢) أخرجه البزار (٤٧٩٦ و٥١٦٠)، البزار في مسنده -كما في كشف الأستار (١/ ٣٨٨) -، وعبد بن حميد في المنتخب (١/ ٥٣٩)، والعقيلي، في \"الضعفاء\" (٦/ ٤١)، وابن عدي، في \"الكامل\" ٨/ ١١٩، والبيهقي، في \"شعب الإيمان\" (٨٨٢٠)، وقال البزار: وقد روى عن مروان: محمد بن الزبرقان وعبد المجيد، وهو مع ذلك لين الحديث. وقال العقيلي: \"مروان بن سالم الجزري، ... أحاديثه مناكير، لا يتابع عليها إلا من طريق يقاربه.\nوقال ابن عدي: \"ولمروان بن سالم غير ما ذكرت من الحديث، وعامة حديثه مما لا يتابعه الثقات عليه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٩)، وقال: فيه مروان بن سالم الشامي وهو ضعيف.\nوقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٥١) فيه مروان بن سالم الجزري، وهو ضعيف.\nوضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٢٣). ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٥٧).","vol":"13","page":675},{"text":"الكبائر كما ذكر في غيره. [فروع يختم بها الباب.\nالفرع الأول: لا يقدح في نقص الأجر من القيراط كون الإنسان يتبع الجنازة لأجل أقاربها لأن ذلك مأمور به فلا يداخله الرياء كما توهمه بعضهم. وقد روينا في الحلية لأبي نعيم عن ابن سيرين أنه سئل عن ذلك فقال: إن فيه صلة الحي والميت أي فيكون ذلك أعظم أجرا (^١) والله أعلم. ذكره ابن العماد في شرح العمدة.\nالفرع الثاني: [إذا مر عليه بالجنازة فالمنصوص وقول الأكثرين أنه لا يستحب له القيام لها بل قالوا يكره. قال وفي زوائد الروضة وانفرد المتولي باستحبابه واختار في شرح المهذب مقالة المتولي (^٢) والله تعالى أعلم.\nفيستحب خفض الصوت في السير بالجنازة ومعها وأن لا يشتغل بشيء عن التفكر فيما هو لاقيه وصائر إليه (^٣).\nقال سعيد بن معاذ (^٤): ثلاثة أشياء قويت عليها ما مشيت في جنازة قط إلا وكنت متفكرا فيما يقال لها وما به يجيب، ولا صليت صلاة فحدثت فيها\n_________\n(^١) الحلية (٢/ ٢٦٤) ولفظه: عن يحيى بن عتيق، قال: قلت لمحمد بن سيرين: الرجل يتبع الجنازة لا يتبعها حسبة يتبعها حياء من أهلها له في ذلك أجر قال: \"أجر واحد بل له أجران أجر لصلاته على أخيه وأجر لصلته الحي\".\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ٤١).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٩٢).\n(^٤) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٩٢).","vol":"13","page":676},{"text":"نفسي بشيء من أمور الدنيا ولا بلغتني سنة عن النبي ﷺ إلا عملت بها] (^١).\nمن البدع ما يفعله بعضهم من حضور القراء على باب الميت أو قريبا من داره ويبسط لهم [الحصر] والبسط على الطريق المشتركة وذلك بدعة، وهم غاصبون لطريق المسلمين التي جلسوا فيها من غير ضرورة شرعية، وقد نهى النبي -ﷺ- عن الجلوس على الطرقات (^٢) فيجب إنكار ذلك على كل قادر (^٣) والله أعلم.\nالفرع الثالث من البدع قراءة المقرئين أمام الجنازة على ما يعهد من تمطيطهم القراءة وتلحينهم وزيادتهم في الحروف وهذا بدعة محرمة يجب إنكارها على كل قادر وقد استفتي النووري ﵀ فقيل له هذه القراءة التي يقرءونها الجهال على الجنائز بدمشق بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف زائدة ونحو ذلك ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم هل هو مذموم أم لا\nأجاب ﵀: بل هذا منكر ظاهر فاحش وهو حرام بإجماع العلماء وقد نقل الإجماع فيه الماوردي وغير واحد وعلى ولي الأمر وفقه الله تعالى\n_________\n(^١) وسقطت هذه الفقرة من الأصل.\n(^٢) صحيح البخاري (٢٤٦٥)، ومسلم (٢١٢١).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٦).","vol":"13","page":677},{"text":"زجرهم عنه وتعزيرهم واستتابتهم ويجب إنكاره على كل [مسلم] تمكن من إنكاره، اهـ، فإن كانت القراءة على وجهها من غير تمطيط ولا إلحان كان ذلك بدعة مكروهة لأن ذلك لم يرد فعله عن النبي ﷺ ولا عن أحد ممن يقتدى به من السلف وكذلك الذكارين مع الجنازة بدعة مكروهة (^١) والله أعلم.\nالفرع الرابع: ومن البدع ما ابتدعه بعضهم وهو أنهم يحملون أمام الجنازة الخبز والزيت والملح والغنم على رءوس الحمالين فإذا أتوا إلى القبر ذبحوا الغنم وفرّقوا لحمها مع الخبز ويقع بسبب ذلك زحمة وضراب [ولغط] ونهب وأكثر ذلك يصل إلى من لا يستحقه وربما نهبوا ذلك قبل وصوله إلى القبر والضعيف على المزاحمة والضراب لا [يصل] إليه شيء وهذا إن كان من مال التركة وفيها يتيم أو غائب فذلك حرام وإن كان الميت قد أوصى بذلك أو تبرّع به الورثة الجائز تبرعهم ففيه ما فيه من المفاخرة والرياء والسمعة والمباهاة إذ لو كان القصد بهذه الصدقة وجه الله تعالى وأيضا الأجر إلى الميت لكانوا يصرفونها سرا وجهرا في غير الجنازة مع قصد المستحقين للصدقة وأما الذبح عند القبر وإن سلِم من المقاصد الفاسدة فهو بدعة مكروهة من أعمال الجاهلية. وقد روى أبو داود (^٢) عن أنس أن النبي\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٨١).\n(^٢) سنن أبي داود (٣٢٢٢)، وأخرجه الترمذي (١٦٠١) وفي العلل (٢/ ٦٨٤) والنسائي ٤/ ١٦، وعبد الرزاق في المصنف (٦٦٩٠)، وأحمد (١٣٠٣٢)، وعبد بن حميد =","vol":"13","page":678},{"text":"-ﷺ- قال: لا عقر في الإسلام، والمراد بالعقر ما كانت الجاهلية يفعلونه من الذبح عند القبر (^١)، اهـ.\nالفرع الخامس: ومن البدع ما يفعل على القبر بالصندوق والدربزين وذلك بدعة مخالفة للسنة وأكثر ما يفعلون ذلك في قبور الصالحين الذين هم أولى الناس باتباع السنة (^٢)، والله أعلم. ذكر هذه الفروع ابن النحاس في كتابه التنبيه ومنه نقلت] (^٣).\nتتمة: استحب القاضي حسين والشيخ نصر المقدسي وغيرهما تلقين الميت بعد الدفن مستدلين بأن النبي -ﷺ- لقّن ولده إبراهيم وهو غريب، قالوا: ولم يزل أهل الشام على العمل به فيعقد الملقن عند رأس القبر ويقول: يا عبد الله ابن أمة الله اذكر العهد الذي فارقتنا عليه شهادة أن لا إله إلا\n_________\n= (١٢٥٣)، وابن حبان (٣١٤٦)، والبيهقي (٤/ ٥٧ و٩/ ٣١٤)، والضياء في المختارة (١٧٨٥، ١٧٨٦) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنسوقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: لا أعرف هذا الحديث إلا من حديث عبد الرزاق، لا أعلم أحدا رواه عن ثابت غير معمر وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٧٥٣٥)، والصحيحة (٢٤٣٦)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٥/ ١١٥) (٣١٣٦)، وأحكام الجنائز (١/ ٢٠٣).\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٨ - ٤٨٩).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٩).\n(^٣) وقع تأخير لهذه الصحيفة [] في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله فيما سيأتي: (وليس المراد المقبرة الموقوفة للدفن فإن هذه يحرم البناء فيها قطعا والله أعلم، قاله في الديباجة).","vol":"13","page":679},{"text":"الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق والساعة لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -ﷺ- نبيا وبالقرآن إمام وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، رواه أبو عوانة والطبراني في الكبير (^١) وله شواهد كثيرة يعضد بعضها بعضا. وفي زوائد الروضة أن الطفل ونحوه لا يلقن، وحكى ابن الصلاح وجهين في أن التلقين قبل إهالة التراب أو بعده، قال والمختار الأول، وقال ابن عبد السلام في فتاويه التلقين بدعة لم يصح فيه شيء، اهـ (^٢).\nتنبيه: روى البيهقي (^٣) من حديث عامر بن ربيعة أنه رأى النبي -ﷺ- يحثو\n_________\n(^١) أكبر (معاجمه) [٨/ ٢٤٩].\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٥٧٥)، والبزار = البحر الزخار (٩/ ٢٧٣)، ومعجم ابن المقرئ (ص: ٣٩٣)، وقال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣١٦ - ٣١٧) وهذا حديث ضعيف، القاسم بن عبد الله واه، قال أحمد: كان يكذب ويضع الحديث، ترك الناس حديثه. وأما عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر فضعفه مالك وغيره، وأما علي بن حفص فقد أخرج له م، ووثقه د وس، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. وأجمل البيهقي القول في تضعيفه فقال لما رواه: إسناده ضعيف، إلا أن له شاهدا من جهة جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي -ﷺ- مرسلًا.\nقلت: رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر به، قال البيهقي: ويروى عن أبي هريرة مرفوعا. قلت: ورواه أبو داود في \"مراسيله\" عن أحمد بن منيع، عن حماد بن خالد، عن هشام بن سعد، عن [زياد]، عن أبي المنذر: \"أنه -﵇- حثى في قبر ثلاثًا\". وذكر هذا ابن أبي حاتم في \"مراسيله\"، وقال: قال أبي: أبو المنذر والذي قبله مجهولان.","vol":"13","page":680},{"text":"بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم على قبر عثمان بن مظعون وفي رواية ابن ماجه (^١) أن النبي -ﷺ- حثى عليه من قبل رأسه ثلاثا فيكون الحثو من جهة الرأس مستحبا فيستحب لكل من دنا من القبر أن يحثي ثلاث حثيات من التراب باليدين جميعا بعد الفراغ من شفير اللحد، هذا هو المنصوص المتفق عليه، وقال القاضي حسين والمتولي وآخرون يستحب أن يقول في الحثية الأولى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (^٢)، وكذلك رواه أحمد في مسنده، ثم يهال التراب بعد ذلك بالمساحي (^٣)، قاله في الديباجة.\nتتمة: يستحب أن يوضع رأس الميت عند [رجل] القبر وهو طرفه الذي يكون فيه رجل الميت وأن يُسجّى القبر بثوب عند الدفن سواء كان الميت رجلا أو امرأة، وفي وجه يختص ذلك بالمرأة واختاره أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا وهو مذهب أبي حنيفة ثم يسلّ من قبل رأسه سلا رفيقا ويقال [عند ذلك] باسم الله [وبالله] وعلى سنة رسول الله -ﷺ-، رواه أبو داود، وفي رواية للترمذي باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله -ﷺ-، ولابن ماجه باسم\n_________\n(^١) وقال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣١٦ - ٣١٧) ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة -﵁- \"أن رسول الله -ﷺ- حثى من قبل رأس الميت ثلاثًا\". إسناده لا بأس به، وخالف أبو حاتم الرازي فقال: إنه حديث باطل، وفيه زيادة لطيفة وهي: \"من قبل رأسه\". فيكون الحثي من قبل الرأس مستحبا وضعفه الألباني في إرواء الغليل (٧٥٢).\n(^٢) سورة طه: ٥٥.\n(^٣) المجموع (٥/ ٢٩٣)، وروضة الطالبين (٢/ ١٣٦)، والنجم الوهاج (٣/ ٧٩ - ٨٠).","vol":"13","page":681},{"text":"الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله -ﷺ-، والمراد بالملة والسنة هنا الدين والشريعة (^١).\nقال الطوفي: والملة والسنة في الأصل واحدة (^٢)، وأما في الاصطلاح فالملة أخص لأنها عبارة عن التوحيد أصلا وفرعا اعتقادا وقولا والسنة عبارة عن الأحكام الفرعية ولهذا يقال: التوحيد من الملة ولا يقال من السنة إلا إن أراد بها الملة (^٣). وفي الحديث استحباب قول ذلك لما فيه من التبرك باسمه الكريم لعل قائله ينجو ببركته من الأهوال ويسأل الله له التثبيت.\nقال الشافعي في المختصر: ويستحب أن يقال: اللهم سلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمه وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول به إن عاقبته فبذنب وإن عفوت فأهل العفو أنت وأنت غني عن عذابه وهو فقير إلى رحمتك الله اشكر حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر واجمع له الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين (^٤) ويستحب أن يوسّد رأسه بلبنة أو حجر أو نحوها ويفضي بخده إلى القبلة [وإلى التراب] ومعناه أن ينحي الكفن عن\n_________\n(^١) المجموع (٥/ ٢٩١) وكفاية النبيه (٥/ ١٣٩).\n(^٢) البيان (٣/ ١٠٥).\n(^٣) الأحكام (٤/ ١٤٦) للآمدى.\n(^٤) مختصر المزنى (٨/ ١٣٣).","vol":"13","page":682},{"text":"خده ويوضع على التراب ويستحب أن يجعل خلفه شيء من لبن أو غيره يسنده ويمنعه أن يقع على قفاه (^١). اهـ.\nتتمة أيضا: السنة أن يجعل عند رأس الميت علامة [شاخصة] من حجر أو خشبة أو غيرهما، هكذا قاله الشافعي وسائر الأصحاب إلا صاحب الحاوي فإنه قال يستحب علامتان إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، قال: لأن النبي -ﷺ- جعل حجرين كذلك على قبر عثمان بن مظعون (^٢) كذا قال، والمعروف في الحديث حجر واحد (^٣)، ويستحب أن يوضع على القبر حصى وهو الحصى الصغار كما فعل النبي -ﷺ- بقبر ولده إبراهيم -ﷺ- (^٤)، قاله في الديباجة.\nفائدة: اتفقوا على أن البناء في المقبرة المسبّلة يهدم لأنه يضيق على الناس، وجزم النووي في شرح المهذب (^٥) بتحريم البناء على القبر وذكر نحوه في شرح مسلم (^٦). قال الشافعي: رأيت من الولاة عندنا بمكة من يهدم ما بني في المقبرة المسبلة ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك، ولا فرق بين أن\n_________\n(^١) المجموع (٥/ ٢٩٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢٠١)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤١٢)، وقال ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٣٣): إسناده حسن. وصححه الألباني صحيح أبي داود (٢٧٤٥).\n(^٣) المجموع (٥/ ٢٩٨).\n(^٤) الأم (٣/ ١٠٧) والنجم الوهاج (٣/ ١١٢).\n(^٥) المجموع شرح المهذب (٥/ ٢٩٦).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢٧).","vol":"13","page":683},{"text":"يكون ذلك بيتا أو مسجدا أو غير ذلك، فمن المسبّل قرافة مصر، قال ابن عبد الحكم ذكر في تاريخ مصر (^١) أن عمرو بن العاصي أعطاه المقوقس فيها مالا جزيلا وذكر أنه وجد في الكتاب الأول أنها تربة الجنة فكاتب أمير المؤمنين عمر في ذلك فكتب إليه إني لا أعرف تربة الجنة إلا لأجساد المؤمنين فاجعلها لموتاهم، وقد أفتى الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين الجميزي وتلميذه الظهير [التزمنتي بهدم ما بني بها والمراد بالمسبلة التي جرت عادة أهل البلد] بالدفن فيها وليس المراد المقبرة الموقوفة للدفن فإن هذه يحرم البناء فيها قطعا (^٢) والله أعلم، قاله في الديباجة.\nتتمة: يكره تجصيص القبور والكتابة عليها، كرهها الجمهور سواء كان المكتوب اسم صاحبه أو غيره وسواء كان في لوح أو ثوب وضع عليه أو غير ذلك وهذا لا خلاف فيه عندنا وبه قال الإمام مالك والإمام أحمد وداود وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يكره ودليلنا الأحاديث الصريحة في النهي (^٣) لكن الجمهور صرحوا بأن وضع الحجر ليعرف به الميت مستحب فإذا كانت الكتابة طريقا إلى ذلك ينبغي أن لا يكره هذا إذا كان بقدر الحاجة إلى الإعلام فقط (^٤).\n_________\n(^١) ذكره الدميرى في النجم الوهاج (٣/ ١١١) وهو في فتوح مصر (ص ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٢) النجم الوهاج (٣/ ١١١).\n(^٣) المجموع (٥/ ٢٩٧).\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ١١٠).","vol":"13","page":684},{"text":"وقال الشيخ أبو زيد: إذا خشي من نبش القبر يجصص ويبني عليه حتى لا يقدر النابش عليه ويظهر أن يكون مثله إذا خشي عليه نبش الضبع ونحوه، والتجصيص التبييض بالجص وهو النورة البيضاء وهو الجير ويروى التقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة هو الجص وفيه من جهة المعنى أنه زينة وهي لا تناسب حال الميت بخلاف التطيين فإنه لا بأس به (^١)، ونقل أبو عيسى الترمذي عن الشافعي أنه قال: لا يكره التطيين أيضا وهو الصحيح ويكره أيضا أن يجعل على القبر قبة أو مظلة لأن عمر -﵁- رآى قبة على قبر فنحاها وقال: نحوه يظله عمله (^٢).\nوفي صحيح البخاري (^٣): مات الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فضربت امرأته على قبره قبة سنة ثم رفعت فسمعوا صائحا يقول: هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا، اهـ.\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٢/ ٩٥) وانظر التذهيب (٢/ ٤٤٦) والنجم الوهاج (٣/ ١١٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٢/ ٨٨) معلقا.","vol":"13","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>التَّرْغِيب فِي كَثرَة الْمُصَلِّين على الْجِنَازَة وَفِي التَّعْزِيَة</span>\n٥٣٢٣ - عَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من ميت يُصَلِّي عَلَيْهِ أمة من الْمُسلمين يبلغون مائَة كلهم يشفعون لَهُ إِلَّا شفعوا فِيهِ رواه مسلم (^١) والنسائي (^٢) والترمذي (^٣)، وعنده: مائة فما فوقها.\nقوله: \"عن عائشة\" تقدم الكلام على فضائلها -﵂-.\nقوله ﷺ: \"ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه\" الحديث، وعند الترمذي مائة فما فوقها. الأمة الجماعة، وفي رواية: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه (^٤) وفي حديث آخر: ثلاثة صفوف. رواه أصحاب السنن (^٥)، قال القاضي عياض ﵀\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩٤٧).\n(^٢) سنن النسائي (٤/ ٧٥).\n(^٣) سنن الترمذي (١٠٢٩)، وقال: \"حديث عائشة حديث حسن صحيح، وقد أوقفه بعضهم ولم يرفعه\".\n(^٤) صحيح مسلم (٩٤٨).\n(^٥) ابن ماجه (١٤٩٠)، وأبو داود (٣١٦٦)، والترمذي (١٠٢٨)، وأحمد (١٦٧٢٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (١١٦٢٥)، وابن أبي عاصم، في \"الآحاد والمثاني\" (٢٨١٦)، والروياني (١٥٣٧)، والحاكم (١٣٤١)، وقال الترمذي: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن هكذا رواه غير واحد، عن محمد بن إسحاق، وروى إبراهيم بن سعد، عن محمد =","vol":"13","page":686},{"text":"تعالى (^١): قيل: هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله. هذا كلام القاضي عياض ويحتمل أن يكون النبي -ﷺ-[أخبر بقبول] شفاعة مائة فأخبر به ثم عن قبول شفاعة أربعين فأخبر به ثم عن ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به (^٢).\nقلت: وهكذا رتّب ابن ماجه أحاديث الباب فقدّم حديث المائة ثم الأربعين ثم الثلاثة صفوف فكأنه والله أعلم يميل إلى هذا الجواب. قال النووي وغيره: ويحتمل أيضا أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين فلا يلزم من الإخبار بقبول شفاعة المائة منع قبول ما دون ذلك وكذا في الأربعين مع ثلاث صفوف، وحيئنذ كل الأحاديث معمول بها وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من [الثلاثة الصفوف والأربعين] والله أعلم (^٣).\nواعلم أنه يشترط في الصلاة على الميت أن يكون مسلما أما الكافر فلا تحلّ الصلاة عليه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (^٤)، وهي فرض على الكفاية لقوله -ﷺ-: فرض على أمتي غسل موتاها والصلاة\n_________\n= ابن إسحاق هذا الحديث، وأدخل بين مرثد، ومالك بن هبيرة رجلا، ورواية هؤلاء أصح عندنا.، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧).\n(^٤) سورة التوبة: ٨٤.","vol":"13","page":687},{"text":"عليها ودفنها (^١).\nوقال -ﷺ- (^٢): صلوا على من قال لا إله إلا الله، فظاهره الوجوب وليس فرض عين اتفاقا فتعين أنه فرض كفاية وهذا كله مجمع عليه (^٣) وفيما يسقط به فرض الصلاة أربعة أوجه أصحها عند أكثر أصحابنا تسقط بصلاة رجل واحد والثاني يشترط اثنان والثالث ثلاثة والرابع أربعة (^٤) سواء صلوا جماعة أو فرادى لأن الصحابة صلوا على النبي -ﷺ- أفرادا كما رواه مسلم (^٥) وإنما\n_________\n(^١) لم أجده إلا في كتب الشافعية، ولم أعثر عليه في المصنفات الحديثية.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٤٧/ ١٣٦٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣٢٠)، والدارقطني ٢/ ٥٦، وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٧٨) و(٦/ ٣٠١)، وابن حبان في المجروحين ٢/ ٢٧٩، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٧١٢) و(٧١٣) و(٧١٥) و(٧١٦) وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٩٦): الدارقطني من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عمر وعثمان كذبه يحيى بن معين ومن حديث نافع عنه وفيه خالد بن إسماعيل عن العمري به وخالد متروك ووقع في الطريق عن أبي الوليد المخزومي فخفي حاله على الضياء المقدسي وتابعه أبو البختري وهب وهو كذاب ومن طريق مجاهد عن ابن عمر وفيه محمد بن الفضل وهو متروك وهو في الطبراني أيضا وله طريق أخرى من رواية عثمان بن عبد الله العثماني عن مالك عن نافع عن ابن عمر وعثمان رواه ابن عدي بالوضع وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٦٧): رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن الفضل بن عطية وهو كذاب. وانظر الإرواء (٢/ ٣٠٦) وانظر الميزان (٥/ ٥٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٤٨٣).\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ٥٩).\n(^٤) كفاية النبيه (٥/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٥) هذا وهم وإنما أخرجه ابن ماجه (١٦٢٨) وأبو يعلى (٢٢). وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه.","vol":"13","page":688},{"text":"فعلوا ذلك تعظيما له. وقال الشافعي للتنافس في ذلك حتى تنعقد الخلافة لأحد أما النساء الخلّص فالانفراد أفضل لهن وتجوز الجماعة وقيل [تستحب في] جنازة المرأة (^١)، وأما كيفية هذه الصلاة فهي أن ينوي عند التحرم كسائر الصلوات فيقول: أصلي فرض الجنازة مأموما أو إماما لتحصل له فضيلة الجماعة يعني للإمام ولا يشترط ذلك في الإمامة وفي التعرض للفرضية والإضافة إلى الله تعالى الخلاف كما في غيرها من الصلوات فلا يجب التعرض لكونها فرض كفاية في أصح الوجهين بل يكفي مطلق الفرض (^٢) ويكبر أربع تكبيرات لا يزيد ولا ينقص لدوامه ﵇ عليها من موت النجاشي إلى أن توفي كما قاله القاضي عياض (^٣)، وانعقد عليه الإجماع في زمن عمر -﵁- (^٤)، فإن أخلّ بواحدة من التكبيرات لم تصح صلاته وإن زاد خامسة ففي بطلان صلاته وجهان لأصحابنا الأصح لا تبطل ولو كان مأموما فكبر إمامه خامسة فإن قلنا أن الخامسة تبطل الصلاة فارقه المأموم كما لو قام إلى ركعة خامسة وإن قلنا بالأصح أنها لا تبطل لم يفارقه ولا يتابعه على الصحيح والمشهور. وإذا قلنا بالمذهب الصحيح أنه لا يتابعه فهل ينتظره ليسلم معه أم يسلم في الحال؟ فيه وجهان الأصح ينتظره، قاله\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٥/ ٦٢).\n(^٢) كفاية النبيه (٥/ ٧٤ - ٧٥)، والنجم الوهاج (٣/ ٤١ - ٤٢).\n(^٣) إكمال المعلم (٣/ ٤١٦).\n(^٤) كفاية النبيه (٥/ ٧٦).","vol":"13","page":689},{"text":"النووي في أذكاره (^١)، ويرفع في التكبير اليدين حذو المنكبين كما رواه ابن عباس عن النبي -ﷺ- وكان ابن عمر وأنس -﵄- يفعلانه ويندب أن يجمع يديه بينهما ويضعهما تحت صدره ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة (^٢) وهل يشرع دعاء الاستفتاح والتعوذ قبل القراءة فيه أوجه أصحها يشرع التعوذ دون الاستفتاح لأن صلاة الجنازة مبناها على التخفيف وهذا التعليل يقتضي أنه لو صلى على غائب استحب دعاء الاستفتاح لأن طلب الإسراع [بالميت] مفقود ها هنا (^٣) والله أعلم.\nذكر هذا التعليل ابن العماد في شرح العمدة ولا تشرع قراءة السورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة على النص، وجزم به جماعة وفي وجه يقرأ سورة قصيرة لأنه صح عن ابن عباس أنه قرأ بعد الفاتحة سورة جهرا. وقال: فعلت ذلك لتعملوا أنها سنة (^٤).\nوبعد الثانية يصلي على النبي -ﷺ- وأقله اللهم صل على محمد ويستحب أن يقول: وعلى آل محمد ولا يجب ذلك عند جماهير أصحابنا، اهـ. قاله النووي في أذكاره (^٥) ولا يفعله كما يفعله كثير من العوام قراءتهم ﴿إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١) الأذكار (ص ١٥٥).\n(^٢) كفاية النبيه (٥/ ٧٩)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٧).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٤٨).\n(^٤) أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ١٢٧ (٢٠٠٣) والكبرى (٢١٢٥)، وأبو يعلى (٢٦٦١). وصححه الألباني في صفة الصلاة (٢/ ٥٥٤) والإرواء (٣/ ١٧٩).\n(^٥) الأذكار (ص: ١٥٥).","vol":"13","page":690},{"text":"وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^١) الآية، فإنه لا تصح صلاته إذا اقتصر عليه ويندب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقب الصلاة على النبي -ﷺ- على الأصح تقريبا للإجابة، وهل يستحب الحمد قبل الصلاة على النبي -ﷺ- فيه وجهان أرجحهما في الروضة نعم وثانيهما لا وهو مقتضى كلام الأكثرين ولا يشترط ترتيب هذه الثلاثة لكنه أولى، قاله في هادي النبيه (^٢). وبعد الثالثة يدعو للميت لخبر أبي أمامة وهذا هو المقصود الأعظم منها، وما قبله مقدمات (^٣)، والواجب منه ما يقع عليه اسم الدعاء كقوله: ﵀ أو غفر الله له أو اللهم اغفر له وارحمه أو الطف به ونحو ذلك (^٤) وبعد الرابعة يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله (^٥)، رواه أبو هريرة عنه -ﷺ- في آخر ما دعا به (^٦) وهذا ما نقله البويطي عن الشافعي (^٧)، وحكى [ابن] أبي\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: ٥٦.\n(^٢) هادى النبيه (لوحة ٧٠/ مخ ٢١٢١ ظاهرية).\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ٨٢)، وهادى النبيه (لوحة ٧٠ و/ ٧١ مخ ٢١٢١ ظاهرية)، والنجم الوهاج (٣/ ٤٧).\n(^٤) الأذكار (ص ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٥) الأذكار (ص ١٥٩)، وهادى النبيه (لوحة ٧١/ مخ ٢١٢١ ظاهرية)، والنجم الوهاج (٣/ ٥٠).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (١٤٩٨)، وأبو داود (٣٢٠١)، والبيهقي ٤/ ٤١، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٥٨، والنسائي في الكبرى (١٠٨٥٢). وقال الألباني: صحيح الأحكام (١٢٤)، المشكاة (١٦٧٥).\n(^٧) الأذكار (ص ١٥٩).","vol":"13","page":691},{"text":"أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ (^١) (^٢) ثم يسلم يمينا وشمالا كما في غيرها من الصلوات، وأما ذكر الرابعة فلا يجب بعدها ذكر أصلا ولكن يستحب الدعاء والمختار أنه يطول في الدعاء وفي الرابعة خلاف ما يعتاده أكثر الناس (^٣).\nفرع: وأركان صلاة الجنازة أحد عشر ركنا: القيام على المذهب إن قدر ونية الفرضية والتكبير وقراءة الفاتحة والصلاة على النبي -ﷺ- بعد الثانية والصحيح أن الصلاة على الآل لا تجب والدعاء للميت بعد الثالثة أو الرابعة وأربع تكبيرات والسلام (^٤)، اهـ. وزاد في هادي النبيه (^٥): تقديم الغسل الغسل وطهارة الحدث والخبث والستر والاستقبال.\nفرع: إذا اجتمع جنائز قُدِّم إلى الإمام أفضلهم فيقدم الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة فإن اتحد النوع قدم إليه أفضلهم وعند التساوي يقدم بالتراضي أو القرعة هذا إذا حضرن معا فإذا حضرن مرتبا فلا ينحى السابق وإن كان مفضولا سوى الأنثى والخنثى للذكر ويفارق الصبي حيث لا ينحى للرجل على الأصح فإنه قد يقف معه في الصف بخلافهما.\nفرع آخر: يضع الموتى أمامه صفوفا هكذا.\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٠١.\n(^٢) الأذكار (ص ١٥٩)، وكفاية النبيه (٥/ ٨٧).\n(^٣) انظر هادى النبيه (لوحة ٧١/ مخ ٢١٢١ ظاهرية)، والنجم الوهاج (٣/ ٥٠).\n(^٤) المنهاج (ص ٥٨ - ٥٩).\n(^٥) هادى النبيه (لوحة ٧١/ مخ ٢١٢١ ظاهرية).","vol":"13","page":692},{"text":"وقيل صفا رأس كل إنسان عند رجل الآخر ويكونون عن يمينه هكذا ويقف الإمام عند رأس الرجل وعند عجيزة المرأة هذا هو المذهب. وبه جزم جماعة لأن أنسا -﵁- وقف عند رأس رجل وكبر أربعا وعند عجيزة المرأة (^١)، فقيل له هكذا كان -ﷺ- يفعل يكبر أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة، فقال: نعم، رواه أبو داود (^٢) وروى البخاري (^٣) ومسلم (^٤) أنه -ﷺ- صلى على امرأة فقام وسطها، وروي أن أنسا فعله وعزاه إلى النبي -ﷺ- وهذا الخلاف في الأولى وإلا فلو وقف وهي أمامه كيف شاء جاز اهـ.\nفرع آخر: الخنثى كالمرأة (^٥).\nفرع: واختلفوا في عدد الذين يسقط بهم فرض صلاة الجنازة فقيل واحد وهو الأصح عند أكثر أصحابنا (^٦) وقيل اثنان وقيل ثلاثة وروي أن النبي -ﷺ- صلى على ابن [لأبي] طلحة في منزلهم [فتقدّم] وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم، حكاه البغوي في شرح\n_________\n(^١) هادى النبيه (لوحة ٧٠/ مخ ٢١٢١ ظاهرية).\n(^٢) سنن أبي داود (٣١٩٤)، وأخرجه الترمذي (١٠٣٤) وقال: حديث حسن. وابن ماجه (١٤٩٤)، وأحمد (٣/ ١١٨، و١٥١) مختصرًا، وقد صححه ابن الملقن في البدر المنير ٥/ ٢٥٧. وصححه الألباني إلا قوله (فحدثوني أنه إنما ...) صحيح أبي داود (٢٧٣٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣٢).\n(^٤) صحيح مسلم (٨٧) (٩٦٤).\n(^٥) هادى النبيه (لوحة ٧٠/ مخ ٢١٢١ ظاهرية).\n(^٦) قاله النووي كما في شرح مسلم (٧/ ٢١) والمنهاج (ص ٦٠).","vol":"13","page":693},{"text":"السنة (^١)، وقيل أربعة سواء صلوا جماعة أو فرادى (^٢) ومحل هذه الفروع في الترتيب أن تقدم على الصلاة لكن حصل سهو عن الترتيب.\n\n٥٣٢٤ - وَعَن كريب أَن ابْن عَبَّاس -﵄- مَاتَ لَهُ ابْن بِقديد أَو بعسفان فَقَالَ يَا كريب انْظُر مَا اجْتمع لَهُ من النَّاس قَالَ فَخرجت فَإِذا نَاس قد اجْتَمعُوا فَأَخْبَرته فَقَالَ تَقول هم أَرْبَعُونَ قَالَ قلت نعم قَالَ أَخْرجُوهُ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من رجل مُسلم يَمُوت فَيقوم على جنَازَته أَرْبَعُونَ رجلا لَا يشركُونَ بِالله شَيْئا إِلَّا شفعهم الله فِيهِ رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه رواه مسلم (^٣) وأبو داود (^٤) وابن ماجه (^٥).\nقوله: \"وعن كريب -﵁-\" كريب هو مولى ابن عباس تابعي أدرك عثمان وزيد بن ثابت وغيرهما، وهو كريب بن أبي مسلم أبو رشدين المدني، روى عن مولاه ابن عباس وعائشة وأم هانئ وميمونة وثقه ابن معين والنسائي [وكان عنده حمل بعير] من كتب ابن عباس، [توفي سنة ثمان وتسعين بالمدينة] (^٦)، والله أعلم.\n_________\n(^١) البغوي في شرح السنة (٥/ ٣٨٢).\n(^٢) المجموع (٥/ ٢١٣).\n(^٣) صحيح مسلم (٩٤٨).\n(^٤) سنن أبي داود (٣١٧٠).\n(^٥) ابن ماجه (١٤٨٩).\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"13","page":694},{"text":"قوله: \"أن ابن عباس مات له ابن بقديد أو بعسفان\" الظاهر أنه كان بالغا لأنه طلب له شفاعة المصلين فدل على الخوف عليه من جهة التكليف فإن الصبي لا خوف عليه ويحتمل أن يكون صبيا وتكون الشفاعة إما لرفع الدرجات وإما أن شدة الخوف تقتضي ذلك فإن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، ومذهب أهل السنة أن [له] تعالى تعذيب الطائع وتنعيم العاصي (^١) والله أعلم.\nوقوله: \"ما من رجل مسلم\" يدل للأول، وقد جاء: ما من ميت، وهذا يدل على الثاني لعمومه في الكبير والصغير والذكر والأنثى، إلا أن الظاهر حمله على البالغ للرواية الأخرى، والله أعلم.\nقوله: \"قديد\" بضم القاف وفتح الدال ثم ياء ساكنة ثم دال على مرحلة من عسفان وعسفان بضم العين وسين ساكنة مهملتين قرية جامعة بها منبر وهي\n_________\n(^١) نقل هذا المذهب عن الأشاعرة الماتريدى كما في تفسيره (١/ ١٧٢ - ١٧٣) وكذلك الشاطبي في الموافقات (٢/ ٤٨٦) وقال الأشاعرة بجوازه عقلا وامتناعه شرعا وقال الماتريدي بامتناعه شرعا وعقلا والاختلاف بينهما على مسألة الحكمة من التصرف ويقول ابن تيمية في منهاج السنة (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥): وأما قوله: ويثيب المطيع لئلا يكون ظالما فقد قدمنا [أن] للمثبتين للقدر في تفسير الظلم الذي يجب تنزيه الله عنه قولين أحدهما: أن الظلم [هو] الممتنع لذاته وهو المحال لذاته، وإن كان ما يمكن أن يكون فالرب قادر عليه، وكل ما كان قادرا عليه لا يكون ظالما. وهذا قول الجهم والأشعري وموافقيهما، وقول كثير من السلف والخلف، أهل السنة والحديث، ويروى عن إياس بن معاوية قال: ما ناظرت بعقلي كله إلا القدرية، قلت لهم: أخبروني عن الظلم ما هو؟ قالوا: التصرف في ملك غيره. قلت: فلله كل شيء. وهذا قول كثير من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم.","vol":"13","page":695},{"text":"بين مكة والمدينة على نحو مرحلتين من مكة، وأما قول صاحب المطالع بينهما ستة وثلاثون ميلا فليس بمقبول. قال مالك في الموطأ بينهما أربعون [بُردا] (^١) وهذا صحيح (^٢) والله أعلم. [وروى عن ابن عباس وغيره رضي الله تعالى عنهم، توفي سنة ثمان وتسعين بالمدينة، والله تعالى أعلم].\nقوله -ﷺ-: \"ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه\" الحديث، هذا الحديث شريف كبير ولهذا شرطه الشافعية في انعقاد الجمعة. وجاء في أبي داود ثلاثة صفوف وهي في الغالب تكون نحو ذلك لكنها تصدق على اثنين فما زاد في كل صف ولكنه بعيد فقد جاء: ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون فيه [إلا شفعوا فيه] (^٣) وهي في مسلم، [فلعل] المائة ذكرت أولا ثم خفف لأنه قد يعسر اجتماعهم فاكتفي بأربعين ثم خفف فاكتفي بثلاثة صفوف من غير حصر للعدد (^٤).\nقوله: \"تقول هم أربعون\" أي تظن ذلك.\nوقوله: \"أربعون رجلا\" خرج مخرج الغالب فلو كانوا رجالا ونساء أو نساء ليس فيهم رجل فكذلك.\n_________\n(^١) كذا في الأصل والصواب أربعة برد كما في الموطأ (٣٩٨) وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٥٦) التى نقل عنها الشارح.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٥٦).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧).","vol":"13","page":696},{"text":"قوله: \"لا يشركون بالله شيئا\" أي لا يشترط لقبولهم إلا التوحيد فلو كانوا عصاة أو بعضهم فإنه لا يردّون وصلاتهم صحيحة مسقطة للفرض، اهـ. فيستحب كثرة اجتماع الناس له لهذا الحديث، فهذا مقصود الصلاة على الميت وهو الدعاء له والاستغفار والشفاعة فيه ومعلوم أنه في قبره أشدّ حاجة منه على نعشه فإنه حينئذ معرّض للسؤال وغيره وقد كان رسول الله -ﷺ- يقف على القبر بعد الدفن فيقول: سلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل، فعلم أنه محتاج إلى الدعاء بعد الدفن فإذا كنا على جنازته ندعو له فلأن ندعو له ونشفع له لا [نستشفع] به فبعد الدفن [أولى] وأحرى (^١).\nفائدة: هل الأولى تأخير الصلاة عليه ليجتمع له هذا العدد أو الإسراع به وإن لم يجتمعوا لقوله -ﷺ-: أسرعوا بالجنازة (^٢)، الظاهر الثاني ويُرجى ببركة امتثال السنة بالإسراع أن يعطى أفضل ما يعطاه من شفع له [أولئك مع] تأخيره ولذلك قدم الإسراع به يوم الجمعة على انتظار الصلاة عليه من المصلين في الجمعة على ما بينه العلماء وحثوا عليه خلافا لما يفعله كثير من الجهال بل أفتى شيخ الإسلام بن عبد السلام بسقوط الجمعة عن الحمالين ونحوهم كذلك (^٣) والله أعلم قاله في شرح الإلمام (^٤).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٥٠ و٥١ - ٩٤٤) عن أبى هريرة.\n(^٣) نقله عنه الدميرى في النجم الوهاج (٢/ ٥٦٧).\n(^٤) لم أجده في المطبوع.","vol":"13","page":697},{"text":"٥٣٢٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من رجل يُصَلِّي عَلَيْهِ مائَة إِلَّا غفر الله لَهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه مُبشر بن أبي الْمليح لَا يحضرني حَاله (^١).\n\n٥٣٢٦ - وَعَن الحكم بن فروخ قَالَ صلى بِنَا أَبُو الْمليح على جَنَازَة فظننا أَنه قد كبر فَأقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ أقِيمُوا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم قَالَ أَبُو الْمليح حَدثنِي عبد الله عَن إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَهِي مَيْمُونَة زوج النَّبِي -ﷺ- قَالَت أَخْبرنِي النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من ميت يُصَلِّي عَلَيْهِ أمة من النَّاس إِلَّا شفعوا فِيهِ فَسَأَلت أَبَا الْمليح عَن الْأمة قَالَ أَرْبَعُونَ رواه النسائي (^٢).\nقوله: \"وعن الحكم بن فروخ\" هو أبو بكار الحكم بن فروخ الغزال البصري، سمع عكرمة، وأبا المليح، روى عنه: يحيى القطان، ومحمد بن سواء. حديثه في البصريين، وثقه النسائي وابن المدينى وقال أحمد: صالح الحديث (^٣).\nقوله: \"صلى بنا أبو المليح على جنازة\" فذكر الحديث، إلى أن قال: \"ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس إلا شفعوا فيه فسألت أبا المليح عن الأمة\" قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١٣/ ٢٨٣ رقم ١٤٠٤٦) وعنه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٩١). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٦: رواه الطبراني في الكبير، وفيه مبشر بن أبي المليح، ولم أجد من ذكره. قلت: مبشر قال الدارقطني: مبشر بن أبي المليح، عن أبيه، لا بأس به، ويحتج بحديثه، وأخواه زياد ومحمد يحدثان عن أبيهما أيضًا، يعتبر بهما. [سؤالات البرقاني: ٤٨٦] وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٠٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) سنن النسائي (٤/ ٧٦)، وقال الألباني حسن صحيح.\n(^٣) الاستغناء (١/ ٤٨٢) لابن عبد البر، وتهذيب الكمال (٧/ ترجمة ١٤٤١).","vol":"13","page":698},{"text":"أربعون الحديث، والشفاعة السؤال في التجاوز عن الذنوب. قال النيسابوري: والحكمة في الأربعين أنه لم يجتمع قط أربعون إلا ولله تعالى فيهم عبد صالح (^١): قيل: [سبب] هذا الاختلاف اختلاف السؤال وذلك أنه سئل -ﷺ- مرة عمن صلى عليه مائة واستشفعوا له فقال: شفعوا وسئل مرة أخرى عمن صلى عليه أربعون فأجاب بذلك ولو سئل عن أقل من ذلك لقال ذلك والله أعلم، [إذ] قد يستجاب دعاء الواحد ويقبل استشفاعه وقد روى عنه ﵊ أنه قال: من صلى عليه ثلاثة صفوف شفعوا فيه ولعلهم يكونون أقل من أربعين قاله القرطبي (^٢). وتقدم كلام القاضي عياض في ذلك.\n\n٥٣٢٧ - وَعَن مَالك بن هُبَيْرَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من مُسلم يَمُوت فَيصَلي عَلَيْهِ ثَلَاثَة صُفُوف من الْمُسلمين إِلَّا أوجب وَكَانَ مَالك إِذا اسْتقْبل أهل الْجِنَازَة جزأهم ثَلَاثَة صُفُوف لهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن قَوْله أوجب أَي وَجَبت لَهُ الْجنَّة. رواه أبو داود (^٣) واللفظ له وابن ماجه (^٤) والترمذي (^٥) وقال: حديث حسن.\n_________\n(^١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٩)، والخادم (ص ٤٩٥/ رسالة علمية).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٨/ ٨٢).\n(^٣) أبو داود (٣١٦٦).\n(^٤) ابن ماجه (١٤٩٠).\n(^٥) الترمذي (١٠٢٨) وقال: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن هكذا رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق وروى إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق هذا الحديث وأدخل بين مرثد ومالك بن هبيرة رجلا ورواية هؤلاء أصح عندنا. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه =","vol":"13","page":699},{"text":"[قوله: أوجب]: أي وجبت له الجنة.\nقوله: \"وعن مالك بن هبيرة\" هو مالك بن هبيرة بن خالد بن مسلم الكندي، وقيل: السكوني، قال ابن عبد البر كنيته أبو سعيد وقيل أبو سليمان له صحبة سكن مصر وقيل أنه شهد الفتح قال: ابن عبد البر معدود من الشاميين ومنهم من يعده من المصريين ومنهم من يعده من [الحسينيين] وأنه وليها لمعاوية وكان أميرا لمعاوية على الجيوش وغزو الروم روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني [له حديث واحد] في الصف على الجنازة لا\n_________\n= (١١٦٢٥)، وأحمد (٤/ ٧٩) والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٠٣)، والروياني (١٥٣٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٨١٦) وأبو يعلى (٦٨٣١)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٤٤)، والطبراني في معجمه الكبير (١٩/ ٢٩٩/ ٦٦٥)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (٥٤٣١) تاريخ دمشق (٥٦/ ٥١٠) تهذيب الكمال (٢٧/ ١٦٦) وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٥٥)، والحاكم (١٣٤١)، وعنه البيهقي في الكبرى (٤/ ٣٠) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والحديث مما حسنه أو صححه جمع غفير من الحفاظ فأصابوا، وعلى رأسهم الإمام أحمد، وذلك فيما ذكره ابن رجب في فتح الباري (٥/ ٢٩٦)، وابن التركماني في الجوهر النقي (٣/ ١٨٠)، وقال ابن حجر في الفتح ٣/ ١٨٧: وفي الإصابة (٥/ ٧٥٦): حسنه الترمذي وصححه الحاكم. قال النووي في الخلاصة (٢/ ٩٦٢) وفى الرياض ١/ ٢٩٨: قال الترمذي: حديث حسن. ضعيف صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: ٢) ضعيف، وضعيف الجامع الصغير (٥٢٢٠)، المشكاة (١٦٨٧) ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٥٨) (ضعيف - ابن ماجه ١٤٩٥ (برقم ٣٢٧ مع اختلاف في اللفظ وضعيف الجامع ٥٠٨٧ و٥٦٦٨ وأحكام الجنائز ١٠٠).","vol":"13","page":700},{"text":"يعرف له سواه وليس في الصحابة من اسمه مالك بن هبيرة سواه (^١) والله أعلم. قوله -ﷺ-: \"ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب\" الحديث أوجب معناه وجبت له الجنة، قاله المنذري، وقيل معناه غفر له وكذا رواه أحمد والحاكم بلفظ غفر له فيستحب جعل الصفوف في الصلاة على الميت ثلاثة، قال ابن العماد: سمعت شيخنا ولي الدين الملَّوي يحكي عن بعض مشائخه إن ذلك من باب التوسع في الرجاء كأنهم يقولون جئناك ثلاثة صفوف شافعين فلا تردنا وهذا مثل تكثير الخطا إلى المساجد فإنه يستحب تقصير الخطا في المشي إلى المسجد لأنه يكتب له بكل خطوة حسنة ويحط عنه سيئة ويرفع له درجة فهو من باب التوسع في الرجاء وإذا استحب جعل الصفوف ثلاثا فالظاهر أنهم في الفضيلة سواء ولا مزية حيئنذ للصف المقدم ولأنهم مأمورون بالتأخر (^٢)، اهـ.\n\n٥٣٢٨ - وَرُوِيَ عَن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من عزى مصابا فَلهُ مثل أجر صَاحبه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا رواه الترمذي (^٣).\n_________\n(^١) الاستيعاب (٣/ ١٣٦١ - ١٣٦٢).\n(^٢) ذكره الزركشي في الخادم (ص ٤٩٤/ رسالة علمية).\n(^٣) الترمذي (١٠٧٣). أخرجه ابن ماجه (١٦٠٢)، والعقيلي (٣/ ٢٤٧)، والطبراني في الدعاء (١٢٢٣) والشاشي في المسند (٤٤٠ و٤٤١) والبيهقي في الكبرى (٤/ ٥٩)، وفي الآداب (رقم/ ٢٧٩) والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢٤٤)، وعنه: ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٢٣) القضاعي في مسند الشهاب (٣٧٨) وتمام الرازي في الفوائد (١٢١٧) والبزار =","vol":"13","page":701},{"text":"وقال: حديث غريب، وقد روي موقوفا.\nقوله: وروى عن عبد الله، تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\n_________\n= في المسند - البحر الزخار (١٦٣٢) وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث علي بن عاصم وروى بعضهم عن محمد بن سوقة، بهذا الإسناد مثله، موقوفا، ولم يرفعه، ويقال: أكثر ما ابتلي به علي بن عاصم بهذا الحديث نقموا عليه. وقال العقيلي: لم يتابعه عليه ثقة.\nاقتصر على تضعيفه النووي في الخلاصة (٢/ ١٠٤٦)، وفي المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٠٥). ونقل الخطيب عن يعقوب بن شيبة قال: هذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على علي بن عاصم، وتكلموا فيه.\nوذكر ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ١٣٨)، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة (١/ ٤٢٣) إنكار يحيى بن سعيد القطان عليه هذا الحديث، وقال أبو داود: يخطئ في أحاديث يرويها، منها حديث ابن مسعود: من عزى مصابا، وإنما هو حديث منقطع، فوصله علي بن عاصم، فعاتبه يحيى، فقال: أصحابك الذين سمعوا معك ما أسندوه، وأنت تسنده؟ فأبى أن يرجع، فسبه يحيى.\nوقال ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٣٢٧): ومما أنكر على علي بن عاصم روايته يعني هذا، وقد تابعه عليه قوم من الضعفاء. وقال البزار: وهذا الحديث رواه غير واحد موقوفا، وأسنده علي بن عاصم، وعبد الحكيم وتوبع علي، متابعات، لكنها غير محفوظة، ولم يغفل عنها العلماء، لكنهم لم يعدوها شيئا، لذا عصبوا الحديث برقبته هو دونهم.\nقال الخطيب (١١/ ٤٥٣ - ٤٥٤): وقد روى حديث ابن سوقة: عبد الحكيم بن منصور مثل ما رواه علي بن عاصم، وروي كذلك عن سفيان الثوري، وشعبة، وإسرائيل، ومحمد بن الفضل بن عطية، وعبد الرحمن بن مالك بن مغول، والحارث بن عمران الجعفري. كلهم عن ابن سوقة، وقد ذكرنا أحاديثهم في مجموعنا لحديث محمد بن سوقة، وليس شئ منها ثابتا.","vol":"13","page":702},{"text":"قوله: من عزّى مصابا فله مثل أجر صاحبه، الحديث. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام (^١) معناه فله مثل أجر صبره فإن المصيبة ليست من فعله حتى يؤجر عليها، وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فلا أجر ولا جزاء إلا بمكتسب في نفسه أو مكتسب بسببه فالتعزية لم يبيّن ما هي وهي في اللغة التسلية عن المصيبة والصبر عليها وهي في الشرع التصبر، يقال: عزيته أي أمرته بالصبر والعزاء بالمد الصبر.\nوقال في المهذب (^٢): الأولى فيها تعزية [الخضر] ومن خواص هذه الأمة القول عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد روى البيهقي أن النبي -ﷺ- عزّى رجلا بولد له مات (^٣)، وروى شيخه الحاكم عن معاذ أنه مات له ابن فكتب إليه النبي -ﷺ- يعزيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد -ﷺ- إلى معاذ بن جبل سلام عليك فإني أحمد [إليك] الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا من مواهب الله ﷿ الهنيّة وعواريه المستردّة متّعك الله به في غبطة وسرور وقبضه منك بأجر والصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته فاصبر ولا [يحبط] جزعك أجرك فتندم واعلم أن الجزع لا يردّ شيئا ولا\n_________\n(^١) الامام في بيان أدلة الأحكام (ص ١٧٦)، وقواعد الأحكام (١/ ١٣٦).\n(^٢) المهذب (١/ ٢٥٧) وزاد: وهو يقول: إن في الله سبحانه عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل هالك ودركًا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب.\n(^٣) السنن الكبرى (٤/ ٩٩ رقم ٧٠٩٢) عن أبى خالد يعنى الوالبى وقال: وهذا مرسل.","vol":"13","page":703},{"text":"يدفع حزنا وما هو نازل فكأن قَدْ والسلام (^١).\n[ويتأكد] استحباب التعزية قبل الدفن لأنه وقت شدة الجزع وقد قال النبي -ﷺ-: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. قال الرافعي (^٢): وتأخيرها إلى ما بعد الدفن حسن وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام لأن الغالب أن الحزن بعدها يسكن فتكره حينئذ لأنها [تجدد] الحزن وابتداؤها من الدفن. قاله في شرح المهذب (^٣).\nوقيل: من الموت. قاله الماوردي وصححه في الكافي، والثلاثة تقريب كل هذا إذا كان المعزِّي والمعزَّى حاضرين فإن كانا غائبين امتد الاستحباب إلى ما بعد الثلاث (^٤).\n[قال الشاعر:\nإِذا النَّائباتُ بَلَغْنَ النُّهَى ... وكَادَتْ بهِنَّ تَذوبُ الْمُهْجُ\nوحَلَّ الْبَلاءُ وقَلَّ الْعَزَا ... فَعِنْدَ التَّنَاهِي يَكُونُ الْفُرَجُ] (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٥٥ رقم ٣٢٤) والأوسط (١/ ٣٣ رقم ٨٣) والدعاء (١٢١٦)، والحاكم (٣/ ٢٧٣). قال الحاكم: غريب حسن. وقال الذهبي: ذا من وضع مجاشع. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه مجاشع بن عمرو، وهو ضعيف. وقال الألباني: موضوع أحكام الجنائز (١/ ٢٥٥).\n(^٢) العزيز شرح الوجيز (٢/ ٤٥٩)، والنجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٥).\n(^٣) المجموع (٥/ ٣٠٦) والنجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٥).\n(^٤) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٥).\n(^٥) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٥)، وقع تأخير هذا القول في النسخة الهندية، وأدرج بعد قوله فيما سيأتي: (جلس يعرف في وجهه الحزن).","vol":"13","page":704},{"text":"وقال الشيخ محب الدين الطبري: يُعزّى الغائب بعد قدومه لما روي أن أبا بكر لما قدم مكة بعد [وفاة] رسول الله -ﷺ- بأشهر جاءه أهل مكة يعزّونه، وقيل: لا أمد للتعزية (^١). وقال أبو حنيفة: يُعزّى قبل الدفن لا بعده، والمستحب أن يعم بالتعزية أهل البيت الكبير والصغير والرجال والنساء، لكن لا يُعزّي الشابة إلا محرم لها (^٢) ويكره الجلوس لها، قيل: [وأول من] جلس لها عبد الله بن المبارك لما ماتت أخته دخل عليه بعض جيرانه فقال: حق العاقل أن يفعل في أول يوم ما يفعله الجاهل بعد ثلاثة أيام، فأمر عبد الله بطيّ البساط وتذكّر التعزية. وقال ابن الفركاح: لا كراهة في الجلوس لها لأن النبي صلى عليه وسلم لما جاءه نعي زيد وجعفر وابن رواحة جلس يعرف في وجهه الحزن (^٣).\n[٥٣٢٩] وروى الترمذي (^٤) أيضًا عن أبي بررة عن النبي -ﷺ- قال: من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة، وقال: حديث غريب.\n_________\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٥).\n(^٢) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٥).\n(^٣) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٣/ ٨٨).\n(^٤) أخرجه الترمذي (١٠٧٦)، وقال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، أخرجه أبو يعلى (٧٤٣٩)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨٨٤٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ص: ١٢١)، و(المشكاة ١٧٣٨)، وضعيف الجامع الصغير (٥٦٩٥)، والإرواء (٧٦٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٦٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٦٩٥).","vol":"13","page":705},{"text":"وقوله في رواية الترمذي: من عزَّى ثكلى كُسِي بردا في الجنة، ثكلى بفتح الثاء المثلثة وسكون الكاف وهي المرأة الفاقدة لولدها.\n\n٥٣٣٠ - وروى ابْن مَاجَه عَن عَمْرو بن حزم عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من مُؤمن يعزي أَخَاهُ بمصيبة إِلَّا كَسَاه الله من حلل الْكَرَامَة يَوْم الْقِيَامَة (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٦٠١). وحسنه الألباني في الإرواء (٧٦٤)، وصحيح الترغيب (٣٥٠٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":706},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>[التَّرْغِيب فِي الْإِسْرَاع بالجنازة وتعجيل الدّفن]</span>\n٥٣٣١ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَسْرعُوا بالجنازة فَإِن تَكُ صَالِحَة فَخير تقدمونها إِلَيْهِ وَإِن تَكُ سوى ذَلِك فشر تضعونه عَن رِقَابكُمْ رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤) والنسائي (^٥) وابن ماجه (^٦).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدِّمونها إليه وإن تكُ سوى ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم\"، الحديث. أسرعوا بالجنازة أي أسرعوا بحملها إلى قبرها في مشيكم، [المراد] الإسراع في المشي بالميت إلى الدفن يدل عليه قوله في آخر الحديث: فخير تقدمونها إليه أو شر تضعونه عن رقابكم. وقيل يعني به الإسراع بتجهيزها بعد موتها لئلا تتغير (^٧) وهذا القول باطل مردود بقوله: فشر تضعونه عن رقابكم. قاله عياض (^٨).\n_________\n(^١) البخاري (١٣١٥).\n(^٢) مسلم (٩٤٤).\n(^٣) أبو داود (٣١٨١).\n(^٤) الترمذي (١٠١٥).\n(^٥) سنن النسائي (٤/ ٤١).\n(^٦) سنن ابن ماجه (١٤٧٧).\n(^٧) المفهم (٨/ ٨٠).\n(^٨) إكمال المعلم (٣/ ٤١٠) وعنه النووي في شرح مسلم (٧/ ١٣) والتعليق للنووى وليس للقاضى كما يوهم كلام الشارح.","vol":"13","page":707},{"text":"قال القرطبي (^١): قلت: والأول أظهر والجمع بينهما أولى ولكن شرطه في المشي أن لا يزري بالميت بل يكون متوسطا وما كرهه بعض السلف من الإسراع محمول على ما جاوز ذلك (^٢)، وقال ابن عباس في ميمونة لما ماتت: ماتت: لا تُزعزعوها ولا تزلزلوها (^٣)، والخطاب خاص بالرجال لضعف النساء عن الحمل (^٤)، وفيه المبادرة بإكرام أهل الخير لينالوا جزاء ما قدموه من فضل الله (^٥) فإن قيل: فإذا كان الإسراع مطلوبا لذلك فكيف أُخِّر دفن النبي -ﷺ- يوما [ومساء]؟ قلنا لأنّهم شكّوا في موته فإنه كان ينزل عليه الوحي فربما كان ذلك من جنس ما كان يأخذه فاحتاطوا حتى تيقنوا موته، والاحتياط في ذلك واجب بكل وجه وأيضا فاختلفوا في موضع ذلك.\nوالجنازة: بفتح الجيم وكسرها لغتان والكسر أفصح قاله القتبي (^٦)، ويقال ويقال الكسر للنعش وبالفتح للميت (^٧) إلا على الأعلى والأسفل للأسفل (^٨) نظير ما ذكروه في المايح والماتح فالمايح بالياء المثناة تحت\n_________\n(^١) المفهم (٨/ ٨٠) والتذكرة (١/ ٢٦٩).\n(^٢) العدة (٢/ ٧٧٨)، والاعلام (٤/ ٤٧١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٦٧).\n(^٤) العدة (٢/ ٧٧٨)، والاعلام (٤/ ٤٧٠)، وطرح التثريب (٣/ ٢٩٣).\n(^٥) العدة (٢/ ٧٧٩)، الاعلام (٤/ ٤٧٢).\n(^٦) المفهم (٨/ ٨١).\n(^٧) قاله ابن الأعرابي انظر إكمال المعلم (٣/ ٤٠٢)، والمفهم (٨/ ٨١).\n(^٨) إحكام الأحكام (١/ ٣٧٠)، وشرح الإلمام (٢/ ١٩)، وحاشية ابن القيم على أبي داود =","vol":"13","page":708},{"text":"للذي هو أسفل البئر والماتح بالتاء المثناة فوق للذي هو أعلاها (^١)، وتقدم الكلام على الجنازة [مرارا] (^٢)، ففي هذا الحديث دليل [على] استحباب المبادرة إلى تجهيز الميت بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه (^٣).\nقال الشيخ نصر المقدسي في تهذيبه: إلا أن يكون عليه دين فيبدأ بوفائه فإن كثر فليتحمله عنه بعض الورثة وفيه دليل على أنه لا يجوز تأخير دفن الميت بغير عذر.\nقال النووي (^٤): قال أصحابنا وغيرهم: يستحب الإسراع بالمشي بها [ما لم] ينته إلى حد يخاف انفجارها أو نحوه وإنما يستحب الإسراع بشرط أن لا يخاف من شدته انفجارها أو نحوه، وجاء عن بعض السلف كراهة الإسراع وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه انفجارها [أو خروج شيء منها. وحمل الجنازة فرض كفاية. قال أصحابنا: ولا يجوز حملها على الهيئات المزرية أو على] هيئة يخاف معها سقوطها، قالوا ولا يحملها إلا الرجال وإن كان الميت امرأة لأنهم أقوى لذلك، والنساء ضعيفات وربما انكشف من الحامل بعض بدنه وهذا الذي ذكرناه من\n_________\n= (٧/ ٢٨٧).\n(^١) معالم السنن (٢/ ٣٠٧)، والنهاية (٤/ ٢٩١).\n(^٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٣) انظر تفسير القرطبي (٤/ ٢٩٨)، والشرح الكبير (٦/ ٢١)، والمدخل (٣/ ٢٣٦ و٢٤٠).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢ - ١٣).","vol":"13","page":709},{"text":"استحباب الإسراع بالمشي بها وأنه مراد الحديث هو المطلوب الذي عليه جماهير العلماء، اهـ، قاله ابن العماد في شرح العمدة وغيره (^١).\nويؤخذ من قوله: \"أسرعوا بالجنازة\" استحباب التخفيف في صلاة الجنازة وإن آثر المأمومون التطويل وأنه لو حضر جنائز صلى عليهم دفعة واحدة (^٢) لكن أصحابنا قالوا: الأفضل أن يصلى على كل شخص وحده إذا لم يخش التغير ويحتاجون إلى الجواب عن ذلك (^٣).\nومنها: لو حضر عند القبر من لم يصل على الميت لم يترك له الميت حتى يصلى عليه بل يدفن ويصلي على القبر (^٤).\nفقوله: \"فخير تقدمونها إليه\" يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها (^٥).\nفائدة: فيها بشرى: قال في الروضة (^٦) في قوله -ﷺ-: فإن تك صالحة فخير تقدِّمونها إليه: يُستنبط من الحديث أن الصالح لا يُعذّب في قبره ولا يهوله سؤال الملائكة ولا تلحقه ضغطة القبر عملا بقوله -ﷺ- فخير تقدمونها إليه، ويمكن تخصيصه بحديث سعد بن معاذ -﵁- ويمكن أن يكون هذا ناسخا\n_________\n(^١) العدة (٢/ ٧٧٨).\n(^٢) التهذيب (٢/ ٤٣٠).\n(^٣) النجم الوهاج (٣/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٤) بحر المذهب (٢/ ٥٧٧).\n(^٥) المفاتيح (٢/ ٤٢٩)، وشرح المشكاة (٤/ ١٣٩٠)، والكواكب الدراري (٧/ ١٠٥).\n(^٦) لم أجده في المطبوع.","vol":"13","page":710},{"text":"لضغطة القبر لأنه متأخر عن حديث سعد بن [معاذ] ويحمل [قوله]-ﷺ- أن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة وأن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم على تلك القبور المشار إليها خاصة والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم\" أي معناه أنها بعيدة من الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة وغير الصالحين والتقرب منهم (^١).\nتنبيه: يستحب للإنسان أن يدفن عند أمواته من هو مشهور بالصلاح لما روي أنه لما مات كرز بن الحارث رآى رجل فيما يرى النائم كأن أهل القبور جلوس على قبورهم وعليهم ثياب جرد فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: إن أهل القبور كسُوا ثيابا جردا لقدوم كرز عليهم (^٢). وذكر أبو الفرج بن الجوزي: أن بعضهم رآى في منامه معروفا الكرخي لما دفن في قبره شفع في أربعين ألفا من كل جانب من جوانبه فأعتقوا من النار وعكس هذا من يتأذى جيرانه من الموتى بعذابه كما روي أن زبيدة امرأة هارون الرشيد رئيت في المنام وأخبرت أنه غفر لها وكان على وجهها أثر صفرة فسئلت عن ذلك فقالت: دفن عندنا بشر المريسي فزفرت جهنم زفرة فأصابنا من ذلك (^٣). [قوله في الحديث: \"ولو سمعها الإنسان لصعق\" ويصعق الناس الصاعقة والصعقة\n_________\n(^١) الكواكب الدرارى (٧/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٢) الحلية (٥/ ٨١)، وأهوال القبور (ص ٧٥).\n(^٣) أهوال القبور (ص ٧٥).","vol":"13","page":711},{"text":"الموت، وقيل: كل عذاب مهلك والصاعقة والصعقة أيضا الغشية تعتري الإنسان من خوف وفزع من سماع هول كالرعد ونحوه، يقال: صعق بفتح الصاد وصعق بضمها، وقيل: لا يُقال بضمها، والصاعقة العذاب: كيف كان ومنه: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (^١)، وأصله صوت النار وصوت الرعد الشديد الذي يُغشى منه (^٢)، اهـ] (^٣).\n\n٥٣٣٢ - وَعَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه أَنه كَانَ فِي جَنَازَة عُثْمَان بن أبي العَاصِي -﵁- وَكُنَّا نمشي مشيا خَفِيفا فلحقنا أَبُو بكرَة -﵁- فَرفع صَوته قَالَ لقد رَأَيْتنَا وَنحن مَعَ رَسُول الله -ﷺ- نرمل رملا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. رواه أبو داود (^٤) والنسائي (^٥).\n_________\n(^١) سورة فصلت: ١٣.\n(^٢) إكمال المعلم (٧/ ٣٥٦)، ومطالع الأنوار (٤/ ٢٩٥).\n(^٣) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.\n(^٤) أبو داود (٣١٨٢)، ومن طريقه: البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٣).\n(^٥) النسائي (١٩١٢). وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٧٧) الحاكم (٥٨٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٢)، وقال الألباني: صحيح، لكن قوله: عثمان بن أبي العاص شاذ، والمحفوظ: عبد الرحمن بن سمرة. قال البخاري في التاريخ الأوسط (١/ ١٢٧): \"وقال شعبة، عن عيينة، عن أبيه: جنازة عثمان بن أبي العاص، وعثمان وهم\". والمحفوظ من رواية جماعة عن عيينة، وفيه: \"في جنازة عبد الرحمن بن سمرة\" وهو الصحيح. وقال ابن أبي حاتم في \"علل الحديث\" (٣/ ٥٧٨/ ١١٠٢): \"وسمعت أبي وذكر حديثا رواه مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه؛ قال: شهدت جنازة ابن عبد الرحمن بن سمرة، فجعل رجال من مواليه وأهله يمشون =","vol":"13","page":712},{"text":"قوله: \"وعن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاصي\"، هو عثمان بن أبي العاصي واسمه: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان - وقيل: عبد دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن سيار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف الثقفي. قدم على رسول الله -ﷺ- في وفد ثقيف، واستعمله النبي -ﷺ- على الطائف، ثم أقره أبو بكر وعمر، ﵄.\nروى له عن رسول الله -ﷺ- تسعة أحاديث، روى مسلم ثلاثة منها. روى عنه ابن المسيب، ونافع بن جبير، وغيرهما، والحسن البصرى.\nوقيل: لم يسمعه. واستعمله عمر على عمان والبحرين، ثم نزل البصرة.\nقال ابن قتيبة: قطعه عثمان بن عفان اثنى عشر ألف جريب. توفى في خلافة معاوية، وله عقب كثير أشراف (^١).\nقوله: \"قال لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله -ﷺ- نرمُل رمَلا\"، الرمل بفتح الراء والميم إسراع المشي مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو وهو الخبب (^٢). قال الشافعي -﵁- في مختصر المزني: الرمل هو الخبب (^٣)، يقال\n_________\n= أمام السرير على أعقابهم، ويقولون: رويدا! بارك الله وقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٢٩٠) عن النووي في الخلاصة - وهو في خلاصة الأحكام (٣٥٦٠): \"بأسانيد صحيحة\".\n(^١) أسد الغابة (٣/ ٥٧٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٧)، والمجموع (٨/ ٤٠) وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٥٢).\n(^٣) مختصر المزنى (٨/ ١٦٤).","vol":"13","page":713},{"text":"رمَل يرمُل بضم اللام ورملا ورملانا (^١). قال أهل اللغة: الرمل والرملان الهرولة (^٢). والله أعلم.\n\n٥٣٣٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ سَأَلنَا نَبينَا -ﷺ- عَن الْمَشْي مَعَ الْجِنَازَة فَقَالَ مَا دون الخبب إِن يكن خيرا فَعجل إِلَيْهِ وَإِن يكن غير ذَلِك فبعدا لأهل النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود إِلَّا من هَذَا الْوَجْه يَعْنِي من حَدِيث يحيى إِمَام بني تيم الله عَن أبي ماجد عَن عبد الله قَالَ الْحَافِظ يحيى هَذَا هُوَ ابْن عبد الله بن الْحَارِث الجابر الْكُوفِي التَّيْمِيّ قَالَ أَحْمد لَيْسَ بِهِ بَأْس وَقَالَ ابْن معِين وَالنَّسَائِيّ ضَعِيف وَقَالَ ابْن عدي أَحَادِيثه مُتَقَارِبَة وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ وَأَبُو ماجد فِي عداد من لَا يعرف وَقَالَ البُخَارِيّ ضَعِيف وَقَالَ النَّسَائِيّ مُنكر الحَدِيث وَالله أعلم، الخبب بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة وباءين موحدتين ضرب من الْعَدو وَقيل هُوَ الرمل رواه أبو داود (^٣) والترمذي (^٤)، وقال: حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن\n_________\n(^١) المجموع (٨/ ٤٠) وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٥٢).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٧١٣)، جمهرة اللغة ٢/ ٨٠١، والمطلع (ص ٢٢٧).\n(^٣) أبو داود (٣١٨٤) وضعفه أبو داود قال أبو داود: وهو ضعيف، هو يحيى بن عبد الله، وهو يحيى الجابر قال أبو داود: وهذا كوفي، وأبو ماجدة بصري ..\n(^٤) أخرجه الترمذي (١٠١١)، وفي ترتيب علل الكبير (٢٤٩)، وابن ماجه (١٤٨٤)، وأحمد (١/ ٣٧٨، ٣٩٤). وأخرجه أحمد (٣٧٣٤)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٩، وأبو داود (٣١٨٤)، والترمذي (١٠١١)، وابن ماجه (١٤٨٤)، وأبو يعلى (٥٠٣٨) و(٥١٥٤) و(٥٤٠٤)، وابن عدي في الكامل (١٠/ ٥٣٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٣)، =","vol":"13","page":714},{"text":"مسعود إلا من هذا الوجه، يعني من حديث يحيى إمام بني تيم الله عن أبي ماجد عن عبد الله، [قال الحافظ] يحيى هذا هو ابن عبد الله بن الحارث الجابر الكوفي التيمي. قال أحمد (^١): ليس به بأس، وقال ابن معين (^٢)\n_________\n= (٤/ ٣٨)، وقال الترمذي وفي ترتيب علل الكبير (٢٤٩) سألت محمدا عن حديث شعبة، عن يحيى، إمام بني تيم الله، عن أبي ماجد، عن عبد الله، قال: سألنا رسول الله -ﷺ- عن المشي خلف الجنازة فقال: \"ما دون الخبب\" الحديث. فقال: أبو ماجد منكر الحديث وضعفه جدا. قال أبو عيسى: ويحيى إمام بني تيم الله وهو ابن الحارث يكنى: أبا الحارث. وهو الكوفي، ويقال له: يحيى الجابر والمجبر، وروى عنه سفيان الثوري، وابن عيينة وأبو الأحوص وغيرهم.\nوقال الترمذي (١٠١١) وقال: هذا حديث لا يعرف من حديث عبد الله بن مسعود إلا من هذا الوجه، قال سمعت محمد بن إسماعيل يضعف حديث أبي ماجد هذا، وقال محمد: قال الحميدي، قال ابن عيينة قيل ليحيى من أبو ماجد هذا؟ قال طائر طار فحدثنا، وقال البيهقي هذا حديث ضعيف، يحيى بن عبد الله الجابر ضعيف، وأبو ماجد، وقيل أبو ماجد مجهول، وقال النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٩٩٧) رواه أبو داود، والترمذي وغيرهما، واتفقوا على ضعفه، وأن أبا ماجدة مجهول منكر الحديث.، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (١٦٩/ ١٠٢٢)، وضعيف سنن ابن ماجه برقم (٣٢٤)، ضعيف الجامع الصغير (٥٠٦٦)، المشكاة (١٦٦٩)، ضعيف أبي داود (٦٩٨/ ٣١٨٤) ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٦١).\n(^١) قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، عن يحيى بن عبد الله الجابر. فقال: ليس به بأس، حدث عنه شعبة بحديث عن أبي ماجد، وأبو ماجد رجل مجهول لا يعرف. \"العلل\" (٨٠٤). انظر: تهذيب الكمال (٣١/ ٤٠٤).\n(^٢) الجرح والتعديل (٩/ ١٦١).","vol":"13","page":715},{"text":"والنسائي (^١) ضعيف، وقال ابن عدي (^٢) أحاديثه متقاربة، وأرجو أنه لا بأس به، وأبو ماجد (^٣) في عداد من لا يعرف، وقال البخاري (^٤): ضعيف، وقال النسائي، منكر الحديث (^٥)، والله أعلم.\n[الخبب] بخاء معجمة مفتوحة وباءين موحدتين: ضرب من العدو، وقيل: هو الرمل.\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" هو عبد الله بن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"سألنا رسول الله -ﷺ- عن المشي مع الجنازة فقال: دون الخبب\" الحديث، الخبب قد ضبطه الحافظ ﵀ وفسّره فقال: هو ضرب من العدو، وقيل هو كالرمل والله أعلم.\nهذا الحديث ذكره أبو عمر (^٦) وقال: والذي عليه جماعة من أهل العلم في ذلك الإسراع فوق السجيّة قليلا والعجلة أحبّ إليهم من الإبطاء ويكره الإسراع الذي يشقّ على ضعفة من يتبعها. قال (^٧): والسجية العادة، اهـ.\n_________\n(^١) الضعفاء والمتروكون للنسائي (٦٢٣).\n(^٢) ابن عدي في الكامل (١٠/ ٥٣٥).\n(^٣) الجرح والتعديل (٧/ ١٦) تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٤١) وَقَال علي ابن المديني: مجهول لا يعرف (المعرفة ليعقوب: ٢/ ٥٨٠). وَقَال الجوزجاني: غير معروف (الترجمة ٧١).\n(^٤) البخاري في الكنى ص ٧٣، والتاريخ الصغير ١/ ٢٦٧. الضعفاء الصغير للبخاري (٤٤٢).\n(^٥) الضعفاء والمتروكون للنسائي (٦٥٥).\n(^٦) الاستذكار (٣/ ١٢٢)، والقرطبي في التذكرة (ص ٢٧٠ - ٢٧١) نفلا عن ابن عبد البر.\n(^٧) القائل هو القرطبي كما في التذكرة (ص ٢٧١).","vol":"13","page":716},{"text":"نعم لو خيف تغير الميت زيد في الإسراع ولو خيف انفجارها ترفق به، نص عليه الشافعي (^١). ولا يزلزل حال الحمل، قاله في مختصر الكفاية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>فوائد يختم بها الباب:</span>\nالفائدة الأولى: في الحديث الصحيح إذا حملت الجنازة وكانت صالحة قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير ذلك قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق (^٣)، [الحديث. قوله: \"ولو سمعها الإنسان لصعق \" ويصعق الناس الصاعقة [والصعقة الموت، وقيل: كل عذاب مهلك والصاعقة] (^٤) والصعقة أيضا الغشية [تعتري] (^٥) الإنسان من خوف وفزع من سماع هول كالرعد ونحوه، يقال: صعق بفتح الصاد وصعق بضمها، وقيل: لا يُقال بضمها، والصاعقة العذاب: كيف كان ومنه: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، وأصله صوت النار وصوت الرعد الشديد الذي يُغشى منه (^٦)، اهـ] (^٧).\n_________\n(^١) الكفاية (٥/ ١٢٣)، ومختصر الكفاية (لوحة ٥٠/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٢) مختصر الكفاية (لوحة ٥٠/ مخ ٢١٧٩ ظاهرية).\n(^٣) البخاري (١٣١٤) و(١٣١٦) و(١٣٨٠) عن أبى سعيد.\n(^٤) سقطت هذه الجملة من النسخة الهندية.\n(^٥) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٦) الزاهر (٢/ ٣١٨ - ٣١٩)، والإبانة (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، وإكمال المعلم (٧/ ٣٥٦)، ومطالع الأنوار (٤/ ٢٩٥)، وشرح الأبي على مسلم (٦/ ١٦٧).\n(^٧) وقع تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت فيما سيأتي قبل الفائدة الثانية مباشرة =","vol":"13","page":717},{"text":"قوله: \"يا ويلها\" معناه يا حزني احضر فهذا أوانك، فإن قلت: كأن القياس أن يقال يا ويلي. قلت: أضاف إلى الغائب حملا على المعنى كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة [نفر عنها] وجعلها كأنه غيره أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه (^١).\nقوله: \"قالت قدموني\" قال ابن بطال (^٢) قدموني أي إلى العمل الصالح الذي عملته [يعني] إلى ثوابه، وفي لفظ: يسمع صوتها كل شيء، دلالة أن القول ها هنا حقيقة لا مجاز وأنه تعالى يحدث النطق في الميت إذا شاء، وقالت: يا ويلها لأنها تعلم [أنها] لم تقدِّم خيرا [وأنها] تَقْدُم على ما يسوءها فتكره القدوم عليه، والضمير في: لو سمعه، راجع إلى دعائه بالويل على نفسها أي تصيح بصوت منكر لو سمعه الإنسان لأغشي عليه، اهـ قاله الكرماني (^٣).\nالفائدة الثانية في حمل الجنازة: واعلم أن حمل الجنازة فرض كفاية إن احتيج إليه وإلا سقط (^٤).\nقال الشافعي -﵁-: وليس في حمل الجنازة دناءة ولا إسقاط مروءة بل ذلك مكرمة وثواب وبر وفعل أهل الخير، فعله رسول الله -ﷺ- ثم الصحابة\n_________\n= مباشرة.\n(^١) الكواكب الدراري (٧/ ١٠٤) وعبارته: معناه يا حسرتي احضري فهذا أوانك.\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ١٠٤).\n(^٣) الكواكب الدراري (٧/ ١٠٥).\n(^٤) المجموع (٥/ ٢٧٠).","vol":"13","page":718},{"text":"-﵁- والتابعون (^١)، اهـ.\nفينبغي فعله ولو لحظة من الطريق فإنه من الواجبات على الكفاية، ومن أراد التبرك بحملها من جوانبها الأربع فليبدأ بالعمود الأيسر من مقدمها على عاتقه الأيمن ثم ينتقل إلى الأيسر من مؤخرها ثم يتقدم فيعترض بين يديها لئلا يمشي خلفها فيأخذ العمود الأيمن من [مقدمها على عاتقه الأيسر ثم ينتقل إلى الأيمن من] (^٢) مؤخرها، هذا نص الشافعي (^٣).\nقال الرافعي (^٤): وهذا إنما يتأتي في هيئة التربيع [والثاني التربيع أفضل لأنه أصون للميت، بل حكى في النهاية عن الشيخ أبي علي وجوبه لأن ما دونه [إزراء] بالميت (^٥).\nوالثالث هما سواء لحصول المقصود بكل كيفية كذا هذا إذا أريد الاقتصار على إحدى الكيفيتين والأفضل الجمع بينهما بأن يحمل تارة كذا وتارة كذا [فهذا بالنسبة إلى الجنازة (^٦)] (^٧) [أما] في هيئة بين العمودين فليبدأ بالمقدمة\n_________\n(^١) الحاوي (٣/ ٤٠)، وبحر المذهب (٢/ ٥٧١)، والمجموع (٥/ ٢٧٠)، وكفاية النبيه (٥/ ١٢٢)، والنجم الوهاج (٣/ ٣٨).\n(^٢) سقطت هذه الجملة من النسخة الهندية.\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ١٢٢)، ومختصر الكفاية (لوحة ٤٩ و٥٥/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٤) العزيز شرح الوجيز (٥/ ١٤٢).\n(^٥) النجم الوهاج (٣/ ٣٧).\n(^٦) النجم الوهاج (٣/ ٣٧).\n(^٧) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية -وهو الصواب-، وأدرجت بعد قوله: (أن =","vol":"13","page":719},{"text":"فيحملها على كاهله ثم ينتقل إلى المؤخرة اليسرى ثم يدور بين يديها إلى المؤخرة اليمنى، قاله في التتمة هكذا هو في مختصر الكفاية (^١) والأصح حملها بين العمودين أفضل من التربيع كما فعل بعثمان وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة، وروى البيهقي في [المعرفة] أن النبي -ﷺ- حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين (^٢).\n[الثالثة: ما يفعله كثير من الجهال وهو يمشي مع الجنازة من الحديث في أمور الدنيا وما لا ينبغي، وربما ارتفعت أصواتهم بالضحك والقهقهة أو تشاجروا أو تسابّوا وهذه كلها بدع إذ السنة أن يمشي الإنسان مع الجنازة ساكنا مطرقا معتبرا متفكرا فيما يقال للميت وما يحبب به كذا كان السلف -﵃- حتى كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات له به فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على رد السلام شيئا، وكره جماعة من العلماء قول المنادي مع الجنازة استغفروا له، [قاله] ابن المنذر: ونحن نكره [كما] كرهوه (^٣). اهـ. ولقد روي عن ابن مسعود أنه سمع رجلا يقول في الجنازة جهرا: استغفروا لأخيكم فقال له: لا غفر الله لك. فإذا كان هذا قوله لمن لم يقل إلا خيرا فما ظنك بما يقوله المدرا بالصوت العالي من التزكية والكذب الصراح\n_________\n= النبي -ﷺ- حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين).\n(^١) كفاية النبيه (٥/ ١٢٢)، ومختصر الكفاية (لوحة ٥٠/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٢) معرفة السنن (٥/ ٢٦٤)، والنجم الوهاج (٣/ ٣٧).\n(^٣) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٧).","vol":"13","page":720},{"text":"ونحو ذلك.\nقال في شرح المهذب (^١): والمختار بل الصواب ما كان عليه السلف -﵃- من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما بل يشتغل بالتفكر في الموت وما يتعلق به، اهـ. قاله ابن النحاس في تنبيهه] (^٢).\nتنبيه في المشي أمام الجنازة: عن ثوبان مولى رسول الله -ﷺ- قال (^٣): رآى رسول الله -ﷺ- ناسا ركبانا على دوابهم في جنازة فقال: ألا تستحيون أن ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم ركبانا، رواه الترمذي. السنة ألا يركب مشيّع الجنازة لأن النبي -ﷺ- ما ركب في عيد ولا في جنازة فإن ركب في\n_________\n(^١) الأذكار للنووي (ص: ٢٧١).\n(^٢) تنبيه الغافلين (ص ٤٨٧)، وقع تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية وأدرجت قبل قوله (الفائدة الرابعة).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٤٨٠) والترمذي (١٠١٢)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (٤٧٦ و١٤٥٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ١١٨)، والحاكم (١٣١٥)، والبيهقي السنن الكبرى (٤/ ٣٥) قال أبو عيسى الترمذي: حديث ثوبان قد روي عنه موقوفا. قال محمد (يعني البخاري): الموقوف منه أصح والبيهقي كذلك رواه جماعة عن عيسى، ورواه ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد موقوفا، عن ثوبان وفي ذلك دلالة على أن الموقوف أصح وكذا قاله البخاري وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (٣/ ٤٨٠)، والأحكام ص (٧٥)، المشكاة (١٦٧٢).","vol":"13","page":721},{"text":"الانصراف لم يكره (^١).\nالفائدة الرابعة في شأن الروح وأين تصير حين تخرج من الجسد؟: قال أبو الحسن القابسي (^٢): الصحيح من المذهب والذي عليه أهل السنة أنها ترفعها الملائكة حتى ترفعها بين يدي الله تعالى فيسألها فإن كانت من أهل السعادة قال سيروا بها وأروها مقعدها من الجنة فيسيرون بها في الجنة على قدر ما يُغسل الميت فإذا غسل الميت وكفن رُدّت وأدرجت بين كفنه وجسده فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام [الناس] من تكلم بخير ومن تكلم بشر فإذا وصل إلى قبره وصليّ عليه ردّت فيه الروح وأقعد ذا روح وجسد ودخل عليه الملكان الفتّانان على ما يأتي.\nقال الإمام القرطبي (^٣): وأما روح الكافر ففي الحديث أنها لا تفتح لها أبواب السماء وأنها ترسل من السماء على ما سيذكر في الحديث، وقد قيل إن الروح ترفرف فوق النعش وتتكلم، وروي عن عمرو بن دينار قال: ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك ينظر إلى جسده كيف يغسل وكيف يُكفن وكيف يمشى به فيجلس في قبره. قال داود وزاد في هذا الحديث: قال يقال له وهو على سريره اسمع ثناء الناس عليك، ذكره أبو نعيم الحافظ في باب عمر\n_________\n(^١) المجموع (٥/ ٢٧٩).\n(^٢) التذكرة (ص ٢٣٦ - ٢٣٨).\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٢٣٨).","vol":"13","page":722},{"text":"وقاله في التذكرة (^١).\nوفي الدرة الفاخرة للغزالي (^٢) فإذا ردت النفس إلى الجسد ووجدته قد أخذ في غسله فتقعد عند رأسه حتى يغسل فيكشف الله عن بصر من يشاهده من الصالحين فينظرها على صورتها الدنيوية فإذا أدرج الميت في أكفانه صارت ملتصقة بالقلب من خارج الصدر ولها خوار وعجيج تقول: أسرعوا بي إلى رحمة الله أي رحمة لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه.\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٢٣٨).\n(^٢) الدرة الفاخرة (ص ١٧)، والتذكرة (ص ٢٣٨ وص ٢٤٥ - ٢٤٦).","vol":"13","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>[التَّرْغِيب فِي الدُّعَاء للْمَيت وإحسان الثَّنَاءعَلَيْهِ والترهيب من سوي ذَلِك]</span>\n٥٣٣٤ - عَن عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- قَالَ كَانَ النَّبِي -ﷺ- إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم واسألوا لَهُ بالتثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل رواه أبو داود (^١).\nقوله: \"عن عثمان بن عفان\" عفان يحتمل الصرف وعدمه وتقدم الكلام على مناقبه -﵁-. قوله: \"كان النبي -ﷺ- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل\" هذا الحديث لا يدل على وجوب تلقين الميت عند الدفن كما هو عادة بعض الناس، وأورد الغزالي في الإحياء (^٢) والإمام الطبري في كتابه المسمى بكتاب الأدعية حديثا\n_________\n(^١) أخرجه: أبو داود (٣٢٢١)، وأخرجه أيضا عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (١٤٢٥)، وفي زياداته على فضائل الصحابة لأبيه (٧٧٣)، والبزار (٤٤٥)، وابن المنذر في الأوسط ٥/ ٤٥٨، الحاكم (١٣٧٢) والبيهقي (٤/ ٥٦) والضياء المقدسي في المختارة (٣٨٨)، والمزي في تهذيب الكمال ٣٠/ ١٤٧ - ١٤٨ وقال الحاكم: صحيح الإسناد. والحديث حسنه النووي في الخلاصة (٢/ ١٠٢٨) في الأذكار ١٤٧. قال ابن الملقن في الخلاصة (١/ ٢٧٤) رواه البزار وأبو داود والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن عفان قال الحاكم صحيح الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٧٦٠)، وأحكام الجنائز (١/ ١٥٦)، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٥/ ٨٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٥١١).\n(^٢) لم أجده في المطبوع.","vol":"13","page":724},{"text":"في تلقين الميت عند الدفن ولم يصححه بعض المحدثين (^١) وسيأتي ذكره.\nوأما قوله ﵇ لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله، المراد عند الموت لا بعد الموت، فلو لقّن أحد الميت عند الدفن لم يكن فيه حرج لأنه ليس فيه إلا ذكر الله وعرض الاعتقاد على الميت والحاضرين ودعاء الميت والمسلمين وفيه إرغام [لمنكري] البعث والحشر وكل ذلك معنى حسن (^٢)، اهـ.\nقال النووي ﵀: ورُوِّينا عن عمرو بن العاصي -﵁- قال: إذا دفتنموني فأقيموا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويفرق لحمها حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع رسل ربي، أخرجه مسلم (^٣). قال الإمام الشافعي في الأم والقديم (^٤): ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختم القرآن كله كان حسنا. وقال الآجري في كتاب النصيحة يستحب الوقوف بعد الدفن قليلا والدعاء للميت مستقبل وجهه بالتفات فقال: اللهم هذا عبدك وأنت أعلم به منا ولا نعلم منه إلا خيرا وقد أجلسته لتسأله اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا، اللهم ارحمه وألحقه بنبيه محمد -ﷺ- ولا تضلنا بعده ولا تحرمنا أجره، اهـ، قاله في التذكرة (^٥).\nواستحب القاضي حسين والمتولي ونصر المقدسي وغيرهم تلقين الميت\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٣٥).\n(^٢) المفاتيح (١/ ٢٣٥).\n(^٣) صحيح مسلم (١٢١).\n(^٤) الأم للشافعي (١/ ١٢٣).\n(^٥) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٣٥).","vol":"13","page":725},{"text":"بعد الدفن لأنه -ﷺ- لقن ولده إبراهيم ولم يزل أهل الشام على العمل بالتلقين ويقعد الملقِّن عند رأس القبر ولا يُلقّن ميت طفل فيقول يا عبد الله بن أمة الله أو يا فلان ابن حواء اذكر ما خرجت عليه أو اثبت على ما كنت عليه من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -ﷺ- نبيا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، لأن الخبر ورد بذلك (^١) وهو ما روى الطبراني (^٢) عن أبي أمامة الباهلي قال: أمرنا رسول الله -ﷺ- فقال: إذا مات\n_________\n(^١) كفاية النبيه (٥/ ١٤٨).\n(^٢) الدعاء للطبراني (١٢١٤)، والمعجم الكبير للطبراني (٨/ ٢٤٩/ ٧٩٧٩)، والربعي ابن زبر وصايا العلماء عند حضور الموت (ص: ٤٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٤)، (٣/ ٤٥) رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٢٧٠) وإسناده صالح. وقد قواه الضياء في أحكامه وضعفه الألباني في إرواء الغليل (٧٥٣) وقال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٥٠٤) فهذا حديث لا يصح رفعه، ولكن قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل، ويقول: يا فلان بن فلانة، اذكر ما فارقت عليه الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله. فقال ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقال ذلك، وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه، وكان ابن عياش يروي فيه.\nقلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش، هذا الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة. وقد ذكر سعيد بن منصور في سننه عن راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحكيم بن عمير، قالوا: إذا سوي على الميت قبره، وانصرف الناس عنه، فكانوا يستحبون أن يقال للميت عند =","vol":"13","page":726},{"text":"أحد من إخوانكم فسوّيتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان بن فلانة فيستوي قاعدا ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته ويكون الله حجيجه دونهما. فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه، قال ينسبه إلى أمه حواء، إسناده صحيح وقد قوّاه [الضياء] في أحكامه، قال النووي في الروضة (^١): والخبر في التلقين ضعيف لكن أحاديث الفضائل يُتسامح فيها، وقد اعتضد بشواهد صحيحة والله أعلم. التلقين عن القاضي حسين والمتولي في مختصر الكفاية (^٢).\n_________\n= قبره: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات، يا فلان! قل: ربي الله وديني الإسلام، نبيي محمد، ثم ينصرف ..\n(^١) المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٠٤)، فتاوى النووي (ص: ٧٥)، وقال: رواه الطبراني في معجمه وهو حديث ضعيف، ولكن يُستأنس به، وقد اتفق علماء الحديث وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد بسطتُ هذا بشواهد من الأحاديث بينتها في شرح المهذب، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يُقتدى به إلى الآن وهذا التلقين إِنما هو في حق الميت المكلف وأما الصبي فلا يلقن، والله أعلم.\n(^٢) مختصر الكفاية (لوحة ٥٣/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).","vol":"13","page":727},{"text":"فائدة: ذكر الإمام القرطبي أن أبا حامد الغزالي قال في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة (^١): وقد روي عن ابن مسعود -﵁- (^٢) أنه قال: يا رسول الله [ما أول] ما يلقى الميت إذا دخل قبره: قال يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت: فأول من يناديه ملك اسمه رومان [يجوس] خلال المقابر فيقول يا عبد الله اكتب عملك فيقول: ليس معي دواة ولا قرطاس، فيقول: هيهات كفنك قرطاسك ومدادك ريقك وقلمك إصبعك فيقطع له قطعة من كفنه ثم يجعل العبد يكتب وإن كان غير كاتب في الدنيا فيذكر [حينئذ] حسناته وسيئاته كيوم واحد ثم يطوي الملك تلك الرقعة ويعلقها في عنقه. قال رسول الله -ﷺ- (^٣): قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ أي عمله فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتانا القبر وهما ملكان أسودان يخرقان الأرض [بأنيابهما] لهما شعور مسدولة يجرّانها على الأرض كلامهما كالرعد القاصف وأعينهما كالبرق الخاطف ونفسهما كالريح العاصف بيد كل واحد منهما مقمع من حديد، الحديث. فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت وولت هاربة فتدخل في منخر الميت فيحيى الميت من الصدر ويكون [كهيئته] عند الغرغرة ولا يقدر على حراك غير أنه يسمع وينظر. قال فيسألانه بعنف وينهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء حيث ما تحرك انفسح فيه، [ووجد\n_________\n(^١) الدرة الفاخرة (ص ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٥٣).\n(^٣) لم أجده.","vol":"13","page":728},{"text":"فرجة]، فيقال له: من ربك وما دينك ومن نبيك وما قبلتك؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت فيقول لهما: من وكلكما علي ومن أرسلكما إلي، وهذا لا يقوله إلا علماء الأحبار، فيقول أحدهما للآخر: صدق وكفي شرّنا، ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه ثم يفرشان له من حريرها ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة ويسأل متى تقوم الساعة فليس إليه شيء أحب إليه من قيامها، اهـ.\nفائدة أخرى: جاء في حديث البخاري (^١) ومسلم (^٢) سؤال الملكين وكذلك في حديث الترمذي ونصّ على اسميهما ونعتيهما، وجاء في حديث في أبي داود سؤال ملك واحد ولا تعارض في ذلك والحمد لله بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص، فرب شخص يأتيانه جميعا ويسألانه جميعا في حال واحدة عند انصراف الناس عنه ليكون السؤال عليه أهون والفتنة في حقه أشد وأعظم وذلك بحسب ما اقترف من الآثام واقترف من سيء الأعمال. وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، آخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والمراجعة والجواب لما عمل من صالح الأعمال. وقد يحتمل حديث أبي داود وجها آخر وهو أن الملكين يأتيانه جميعا ويكون السائل أحدهما وإن تشاركا في الإتيان، فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره لأنه لم يقل في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٦٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٧٤) (٢٨٧١).","vol":"13","page":729},{"text":"الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلا ملك واحد ولو قاله هكذا صريحا لكان الجواب عنه ما قدمناه من أحوال الناس والله تعالى أعلم.\nوقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما ولا يأتيه أحد منهما. واختلفت الأحاديث أيضا في كيفية السؤال والجواب وذلك بحسب اختلاف أحوال الناس فمنهم من يقتصر على سؤاله عن بعض اعتقاداته ومنهم من يسأل عن كلها فلا تناقص ووجه آخر وهو: أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال فيكون الإنسان مسؤولا عن الجميع كما جاء في حديث البراء وسيأتي ذلك في غير هذا الباب؛ قاله القرطبي (^١). وهو أن السؤال في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو يختص باسم المنافق؟ فقال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب التمهيد (^٢): والآثار الدالة على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق ممن كان منسوبًا إلى أهل القبلة ودين الإسلام بظاهر الشهادة.\nوأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام، فيثبت الله الذين آمنوا ويرتاب المبطلون. والقرآن والسنة تدل على خلاف هذا القول وأن السؤال للكافر والمسلم، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٣٥٧ - ٣٥٨).\n(^٢) ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٥٢).","vol":"13","page":730},{"text":"الْآخِرَةِ﴾، وقد ثبت في الصحيح (^١) أنها نزلت في عذاب القبر حين يسأل من ربك وما دينك وما نبيك؟ ويؤيد ذلك ما في الأحاديث. وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل. فيقول: لا أدري، الحديث. قاله ابن قيم الجوزية (^٢) ....\nفي قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ هل يكشف له حتى يرى النبي -ﷺ-؟ فالجواب: أن هذا لم يرد في حديث صحيح وإنما ادعاه بعض من لا يحتج به بغير مستند إلا من جهة قوله: في هذا الرجل، وأن الإشارة هنا تكون للحاضر، وهذا لا معنى له لأنه حاضر في الذهن والله تعالى أعلم. قاله الحافظ العسقلاني الشهير ابن حجر (^٣).\nأيضا هل يسمع الميت التلقين؟ فالجواب: نعم لوجود الاتصال لأن لكل روح اتصال بجسدها وهو اتصال معنوى لا يشبه الاتصال في الحياة، بل أشبه شئ به حال النائم وإن كان هو أشد حالا من حال النائم انفصالا، ولا يقاس على حال الحي إذا كان في قعر بئر مردوم مثلا فإنه لا يسمع كلام من هو على البئر والله تعالى أعلم. قاله الحافظ العسقلاني أيضا (^٤).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (١/ ٤٣).\n(^٢) الروح (ص ٥٤).\n(^٣) إرشاد السارى (٢/ ٤٦٤).\n(^٤) فتاوى ابن حجر (ص ٢١ - ٢٢)، وشرح الصدور (ص ٢٣٩).","vol":"13","page":731},{"text":"وكان على هذا السؤال عند تلقين الميت لكن [...] (^١) وفي كل خير والله تعالى أعلم ....\nأجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية، وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها، وبالأحاديث المشهورة كقوله -ﷺ-: (^٢) \"اللهم اغفر لحينا وميتنا\" وغير ذلك (^٣).\nواختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصل، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل ثواب قراءة القرآن فالمختار أن قول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان، والله تعالى أعلم. قاله النووي (^٤). وتقدم في هذا المعنى وفي الصدقة أبسط من هذا.\nروى الإمام أحمد في كتاب الزهد (^٥) أنه قال: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعة أيام فكانوا يستحيون أن يطعم عنهم تلك الأيام، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) عبارة غير واضحة.\n(^٢) سبق.\n(^٣) الأذكار (ص ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٤) الأذكار (ص ١٦٥).\n(^٥) أخرجه أحمد في الزهد كما في المطالب العالية (٨٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١١) من طريق الإمام أحمد.","vol":"13","page":732},{"text":"٥٣٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ مروا على النَّبِي -ﷺ- بِجنَازَة فَأَثْنوا عَلَيْهَا خيرا رواه أبو داود واللفظ له وابن ماجه (^١).\nقوله رحمه الله تعالى: \"عن أبى هريرة\" تقدمت ترجمته.\nقوله -ﷺ- \"وجبت\" أي الجنة، \"وجبت\" أي النار. قال أهل اللغة الثناء بتقديم الثاء وبالمد يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر. وفيه لغة شاذة أنه يستعمل في الشر أيضا. وأما النثاء بتقديم النون وبالقصر فيستعمل في الشر خاصة. وإما استعمل الثناء الممدود هنا في الشر مجازا لتجانس الكلام كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (^٢)، وما أحسن ما صنع مسلم بإلحاق هذا الحديث بحديث أبي قتادة -﵁- (^٣) أن النبي -ﷺ- مر عليه بجنازة فقال: \"مستريح ومستراح منه\". فقالوا: يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه؟ فقال: \"العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب\"، ومعنى هذا الحديث أن\n_________\n(^١) ابن ماجه (١٤٩٢)، وأبو داود (٣٢٣٣).\nوقال البوصيري في المصباح (٢/ ٣٠): هذا إسناد صحيح رجاله محتج بهم في الصحيحين، وأخرجه النسائي (٤/ ٥٠)، وأحمد (٧٥٥٢) و(١٠٠١٣)، وابن حبان (٣٠٢٤) والطيالسي (٣١٤: ٢٣٨٨).\nوالبزار في مسنده - كما في كشف الأستار (٨٦٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٧٦) (٣٥١٢)، وصحيح وضعيف سنن أبي داود (٣٢٣٣)\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٦٥١٢)، ومسلم (٦١) (٩٥٠).","vol":"13","page":733},{"text":"الموتى قسمان: مستريح ومستراح منه، ونصب الدنيا تعبها. وأما استراحة العباد من الفاجر فمعناه اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون بوجوه منها: ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات. فإن أنكروها قاسوا مشقة من ذلك، وربما نالهم ضرورة وإن سكتوا عنه أثموا. واستراحة الدواب منه كذلك لأنه يؤذيها بضربها ويحملها ما لا تطيقه ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك. واستراحة العباد والشجر قيل لأنها تمنع القطر بمعصيته، قاله الداودي. وقال الباجي: يغصبها ويمنعها حقها من الشرب وغيره (^١)، قاله في الديباجة.\n\n٥٣٣٦ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ مر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا خير فَقَالَ نَبِي الله -ﷺ- وَجَبت وَجَبت وَجَبت وَمر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا شَرّ فَقَالَ نَبِي الله -ﷺ- وَجَبت وَجَبت وَجَبت فَقَالَ عمر فدَاك أبي وَأمي مر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا خير فَقلت وَجَبت وَجَبت وَجَبت وَمر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا شَرّ فَقلت وَجَبت وَجَبت وَجَبت فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أثنيتم عَلَيْهِ خيرا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن أثنيتم عَلَيْهِ شرا وَجَبت لَهُ النَّار أَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه رواه البخاري ومسلم واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجه (^٢).\nقوله: \"عن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢٠ - ٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٦٠ - ٩٤)، وابن ماجه (١٤٩١)، والترمذي (١٠٥٨)، والنسائي ٤/ ٨٢ (١٩٤٨).","vol":"13","page":734},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ما هذه الجنازة؟ \" فذكر الحديث إلى قوله: \"وجبت وجبت وجبت\" الحديث، هكذا وقع الحديث في الأصول: وجبت ثلاثا. قوله -ﷺ-: \"فأثنى عليها خير وأثنى عليها شر\" هكذا وقع في بعض الأصول مرفوع ووقع في بعض الأصول: \"خيرا وشرا\"، بالنصب بإسقاط الجار أي فأثنى بخير وبشر، ففي هذا الحديث استحباب توكيد الكلام المهتم بتكراره ليحفظ ويكون أبلغ (^١). وأما معنى الحديث: قال النووي (^٢): ففيه قولان للعلماء: أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل والصدق والعدالة وكان ثناؤهم مطابقا لأفعاله فيكون من أهل الجنة لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخل في الحديث. وكذلك لو كان القائل فيه عدوا له وإن كان فاضلا لأن شهادته عليه في حياته كانت غير مقبولة وإن كان عدلا. وكذلك الحكم في الآخر على ما تقدم. وقيل ذلك فيمن علم الله تعالى أنه لا يحمله الحسد والعداوة أو فرط المحبة وكثرة الإطراء والغلو المذموم فيقول ما ليس فيه من خير أو شر. ولكن إنما ذلك لمن وفق الله ممن يريد بقوله .. وقال بعضهم: في تكرار \"أنتم شهداء الله في الأرض\" ثلاثا إشارة إلى القرون الثلاثة الذي قال ﵊ فيهم: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\"، والأظهر فيه التأكيد على ما تقرر، وأنه -ﷺ- كان] (^٣)\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٩).\n(^٣) هكذا في النسخة الهندية وسقط هذان اللوحان من الأصل.","vol":"13","page":735},{"text":"إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، اهـ.\nقال النووي (^١): والثانى هو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة بل هو في خطر المشيئة (^٢) فاذا ألهم الله ﷿ الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه ﷾ قد شاء المغفرة له وبهذا تظهر فائدة الثناء وإلا فلا فائدة له وقد أثبت رسول الله -ﷺ- له فائدة.\nفإن قيل كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري وغيره في قوله لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا (^٣) وبقوله -ﷺ- اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم (^٤) فالجواب عنه من وجوه ذكرها الإمام القرطبي (^٥):\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٩ - ٢٠).\n(^٢) في الحاشية: المشيئة مهموزة الإرادة وفد شئت الشئ أشاؤه قاله ابن الأثير. النهاية (٢/ ٥١٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٩٣) و(٦٥١٦).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٩٠٠)، والترمذي (١٠١٩)، وابن حبان (٣٠٢٠). وضعفه الألباني في المشكاة (١٦٧٨)، الروض (٤٨٥).\n(^٥) المفهم (٨/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"13","page":736},{"text":"أحدهما: أن هذا الذي تحدث عنه بالشر كان مستظهرا به ومشهورا به، فيكون ذلك من باب \"لا غيبة في فاسق\".\nوثانيها: أن محل النهي إنما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله فمسوغ؛ ليتعظ به الفساق، وهذا كما يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلنين بالبدع والكبائر.\nوثالثها: أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشر يحتمل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال النبى -ﷺ-: \"أوجبت له النار\"، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار عياض.\nوهذا هو الصواب في الجواب.\nورابعها: أن يكون النهي عن سب الأموات متأخرا عن هذا الحديث، فيكون ناسخا والله تعالى أعلم.\nقوله في الحديث: \"فقال عمر: فداك أبي وأمي، مر بجنازة، فأثني عليها خيرا\" الحديث الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور قاله الكرمانى (^١).\n\n٥٣٣٧ - وَعَن أبي الْأسود قَالَ قدمت الْمَدِينَة فَجَلَست إِلَى عمر بن الْخطاب -﵁- فمرت بهم جَنَازَة فَأَثْنوا على صَاحبهَا خيرا فَقَالَ عمر -﵁- وَجَبت ثمَّ مر بِأُخْرَى فَأَثْنوا على صَاحبهَا خيرا فَقَالَ عمر وَجَبت ثمَّ مر بالثالثة\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٢٢/ ٤٣).","vol":"13","page":737},{"text":"فَأَثْنوا على صَاحبهَا شرا فَقَالَ عمر وَجَبت قَالَ أَبُو الْأسود فَقلت مَا وَجَبت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ قلت كَمَا قَالَ النَّبِي -ﷺ- أَيّمَا مُسلم شهد لَهُ أَرْبَعَة نفر بِخَير أدخلهُ الله الْجنَّة قَالَ فَقُلْنَا وَثَلَاثَة فَقَالَ وَثَلَاثَة فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).\nقوله: \"وعن أبي الأسود الدؤلي\" اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلبس، بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة وإسكان اللام بينهما، ابن نفاثة، بضم النون وتخفيف الفاء وبثاء مثلثة، ابن على بن الدول، ويقال: اسمه ظالم بن عمرو بن ظالم، وقيل: اسمه عمرو بن ظالم، وقيل: عثمان بن عمرو، وقيل: عمرو بن سفيان.\nوقال الواقدي: اسمه عويمر بن ظويلم، وهو بصرى، كان قاضى البصرة. سمع عمر ابن الخطاب، وعليا، والزبير، وأبا ذر، وعمران بن الحصين، وأبا موسى الأشعرى، وابن عباس، وولى البصرة. قال يحيى بن معين، وأحمد بن عبد الله: هو ثقة. روى له البخاري ومسلم، وهو أول من تكلم في النحو (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"أيما مسلم شهد له أربعة نفر بخير أدخله الله الجنة. قال فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قال فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد\"، الحديث.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٦٨).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٥ - ١٧٦).","vol":"13","page":738},{"text":"أعلى البينات الأربع في إقامة حدّ خاص فمتى شهد لمسلم أربعة من المسلمين أدخله الله الجنة لأنهم شهداء الله تعالى في أرضه، ثم لما سألوه عن الاثنين وهي البينة الوسطى أجابهم إلى ذلك لأن الأموال تثبت بها وثواب الجنة جزاء الأعمال فهي بمنزلة المال ولم يسألوه [عن الواحد] إذ لا يثبت لنا شيء بشهادة الواحد بل يثبت علينا كصيام شهر رمضان (^١) والله أعلم.\nقال: أبو محمد عبد الحق صاحب العاقبة (^٢): وهذا الحديث مخصوص والله أعلم، والذي قبله وهو قوله مر بجنازة فأثنى عليها خير الحديث يعطي العموم كما تقدم وأن من كثرت شهوده وانطلقت ألسنة الناس فيه بالخير والثناء الصالح كانت له الجنة وغير مستنكر إذا أحب الله عبدا أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه وفي قلوبهم المحبة له قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (^٣)، تفسيرها كما قال [﵊: \"إذا أحب الله عبدا دعا جبريل ﵇ فقال: إن الله ﷿ يحب فلان فأحبوه. قال فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض\". وذكر في البغضاء مثل ذلك، رواه مسلم (^٤) وغيره.\n_________\n(^١) انظر عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٠٤٣ - ١٠٤٤)، والتوضيح (١٠/ ١٤٧)، وعمدة القارى (٨/ ١٩٧).\n(^٢) العاقبة في ذكر الموت (ص ١٥٧ - ١٥٩).\n(^٣) سورة مريم: ٩٦.\n(^٤) صحيح مسلم (١٥٧ - (٢٦٣٧).","vol":"13","page":739},{"text":"قال:] (^١) الحافظ عبد الحق وقد شوهد رجال من المسلمين علماء وصالحون كثر الثناء عليهم فصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم ومنهم من كثر المشيعون لجنازته وكثر الحاملون لها والمشتغلون بها وربما كثر الله الخلق من الجن والإنس أو غيرهم ويكونوا في صور الناس، ثم روي بإسناده أنه لما مات عمرو بن قيس [الملائي] بناحية فارس اجتمع لجنازته من الخلق ما لا يُحصى كثرة فلما دفن نظروا فلم يجدوا واحدا وكان سفيان الثوري يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس وهو ممن روى له مسلم والأربعة ولما مات الإمام أحمد صلى عليه ما لا يحصى عددا فأمر المتوكل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض فوجد موقف ذلك ألفي ألف وثلاثمائة ألف ونحوها، وصلى على قبره ما لا يحصى عددا ولما مات الأوزاعي صلى عليه ما لا يحصى عددا وروي أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة ثلاثون ألفا لما رأوا من كثرة الخلق في جنازته ولما رأوا من العجب ذلك اليوم، ولما مات سهل بن عبد الله التستري انكبّ الناس على جنازته وحضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله، ورئيت فيها الملائكة تنزل من السماء تتمسح بجنازته ويقال أن الكعبة لم تخل من طائف يطوف بها إلا يوم مات المغيرة بن حكيم فإنها خلت لانحشار الناس تبركا بها ورغبة في الصلاة عليها وقد شوهد من جنائز الصالحين من تشيعه الطير وتسير معها حيث سارت حدّث بذلك الثقات ذو النون المصري وغيره اهـ.\n_________\n(^١) وسقطت هذه الفقرة من الأصل.","vol":"13","page":740},{"text":"٥٣٣٨ - وَعَن أنس -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من مُسلم يَمُوت فَيشْهد لَهُ أَرْبَعَة أهل أَبْيَات من جِيرَانه الأدنين إِنَّهُم لَا يعلمُونَ إِلَّا خيرا إِلَّا قَالَ الله قد قبلت علمكُم فِيهِ وغفرت لَهُ مَا لَا تعلمُونَ رَوَاهُ أَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقوله: \"عن أنس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ما من مسلم يموت يشهد له أربعة أهل أبيات\" الحديث، يستحب ذكر الميت بما يعلمه فيه من الخير لعله يغفر له بشهادتهم فيه كما في هذا الحديث، والحكمة في ذكر من تقدم من الكفار [بما] وقع منهم ليكون ذلك تخويفا لنا بأن الأصفياء وقعت مؤاخذتهم بالقليل فكيف نبارز بالعظائم منا وإذا مات أحدنا [لا يدري] ما ختم له وأيضا فقد علم أنهم مغفور لهم فلا نقص فيهم والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٤٢ (١٣٥٤١) وأبو يعلى (٣٤٨١) وفي المعجم (٨٦) وعنه ابن حبان (٣٠٢٦) والحاكم (١/ ٣٧٨) وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٢) والبيهقي في الشعب (٩١٢١) قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤) رواه أحمد وأبو يعلى ... ورجال أحمد رجال الصحيح، قلت لأنس حديث في الصحيح غير هذا. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ١٣١) رواه أبو يعلى وعنه ابن حبان في صحيحه وهو في الصحيح والسنن الأربعة بغير هذا اللفظ، ورواه البخاري وغيره من حديث عمر بن الخطاب. وقال الحافظ في فَتح البَاري (٣/ ٤٧٤): رواه أحمد وابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعا، ولأحمد من حديث أبي هريرة نحوه وقال: ثلاثة بدل أربعة، وفي إسناده من لم يسم، وله شاهد من مراسيل بشير بن كعب أخرجه أبو مسلم الكجي حسن، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٥١٥) حسن لغيره.","vol":"13","page":741},{"text":"٥٣٣٩ - وروى أَحْمد عَن شيخ من أهل الْبَصْرَة لم يسمه عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- يرويهِ عَن ربه ﷿ مَا من عبد مُسلم يَمُوت فَيشْهد لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات من جِيرَانه الأدنين بِخَير إِلَّا قَالَ الله ﷿ قد قبلت شَهَادَة عبَادي على مَا علمُوا وغفرت لَهُ مَا أعلم (^١).\n\n٥٣٤٠ - وَرُوِيَ عَن عَامر بن ربيعَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا مَاتَ العَبْد وَالله يعلم مِنْهُ شرا وَيَقُول النَّاس خيرا قَالَ الله ﷿ لملائكته قد قبلت شَهَادَة عبَادي على عَبدِي وغفرت لَهُ علمي فِيهِ. رواه البزار (^٢).\nقوله: \"عن عامر بن ربيعة\" هو عامر بن ربيعة ابن مالك بن عامر بن ربيعة بن حجر بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رفيدة بن عنز بن وائل بن عبد الله العنزي العدوي، حليف الخطاب بن نفيل والد عمر بن الخطاب، وقال ابن سعد: ولما حالف الخطاب تبناه، فكان يقال: عامر بن الخطاب؛ حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (^٣) فرجع عامر إلى نسبه، فقيل عامر بن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٤ (٨٩٨٩) و٢/ ٤٠٨ (٩٢٩٥). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٤: رواه أحمد، وفيه راو لم يسم. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥١٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه البزار في مسنده (٨٦٥)، والضياء المقدسي في المنتقى من مسموعاته بمرو (ق ١٣٠/ ١). وقال الهيثمي (٣/ ٥): رواه البزار، وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري، وهو متروك الحديث. وقال الألباني ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٣٩٨): ضعيف جدًا، وفي السلسلة الضعيفة (٦٤٤٨): موضوع.\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥.","vol":"13","page":742},{"text":"ربيعة، وعامر من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديما قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وكانت معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية، وهاجر إلى المدينة، فلم يقدمها أحد قبله إلا أبو سلمة بن عبد الأسد، وزوجة عامر أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة، وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين يزيد بن المنذر الأنصاري، وشهد عامر بدرًا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-، وقدم مع عمر الجابية في سنة ست عشرة، وعقد عمر لواءه ودفعه إلى عامر أسند عامر بن ربيعة عن رسول الله -ﷺ- الحديث، فأخرج له أحمد في \"المسند\" أحد عشر حديثا، وأخرج عنه في \"الصحيحين\" حديثان متفق عليهما، وروى عامر عن أبي بكر وعمر، وروى عنه ابن عمر، وابنه عبد الله بن عامر، وابن الزبير عبد الله وغيرهم، وليس في الصحابة من اسمه عامر بن ربيعة غيره.\nقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان موت عامر بن ربيعة بعد قتل عثمان بأيام، وكان قد لزم بيته فلم يشعر الناس إلا بجنازته وقد أخرج، وقيل: إنه مات قبل قتل عثمان بأيام (^١).\nقوله -ﷺ-: \"إذا مات العبد والله يعلم منه شرا ويقول النار خيرا، قال الله لملائكته: قد قبلت شهادة عبادي على عبدي وغفرت له علمي فيه\" وفي الحديث أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: أهل الجنة من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس خيرًا وهو يسمع وأهل النار من ملأ الله أذنيه من ثناء\n_________\n(^١) مرآة الزمان (٦/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"13","page":743},{"text":"الناس شرا وهو يسمع\"، انفرد به ابن ماجه (^١) وأبو نعيم (^٢)، اهـ. [قال ﵊: إذا أحب الله عبدا دعا جبريل ﵇ فقال: إن الله ﷿ يحب فلانا فأحبّوه، قال: فيحبّه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، وذكر في البغضاء مثل ذلك. رواه مسلم (^٣) وغيره] (^٤).\n\n٥٣٤١ - وَعَن أبي قَتَادَة -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا دعِي إِلَى جَنَازَة سَأل عَنْهَا فَإِن أثني عَلَيْهَا خير قَامَ فصلى عَلَيْهَا وَإِن أثني عَلَيْهَا غير ذَلِك قَالَ لأَهْلهَا شَأْنكُمْ بهَا وَلم يصل عَلَيْهَا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٥).\n\n٥٣٤٢ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اذْكروا محَاسِن مَوْتَاكُم وَكفوا عَن مساويهم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٢٢٤).\n(^٢) وأخرجه الطبراني (١٢٧٨٧)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٨٠، والبيهقي في الزهد الكبير (٨٠٨)، والمزي في تهذيب الكمال ٢٠/ ١٩٢، وقال أبو نعيم: غريب من حديث أبي الجوزاء، لم يرفعه ولم يسنده إلا مسلم عن أبي هلال، وقال البوصيري في الزوائد إسناده صحيح رجاله ثقات. وأبو الجوزاء هو أويس بن عبد الله الربعي. وأبو هلال هو محمد بن سليم. وقال الألباني: حسن صحيح.\n(^٣) صحيح مسلم (١٥٧) (٢٦٣٧).\n(^٤) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية في هذا الموضع وتقدم قريبا موضعها.\n(^٥) أخرجه أحمد ٥/ ٢٩٩ (٢٢٥٥٥) و٥/ ٣٠٠ (٢٢٥٥٦)، وابن حبان (٣٠٥٧)، والحاكم (١/ ٣٦٤). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٤: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في أحكام الجنائز (١/ ٨٤)، وصحيح الترغيب (٣٥١٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"13","page":744},{"text":"كلهم من رِوَايَة عمرَان بن أنس الْمَكِّيّ عَن عَطاء عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ يَقُول عمرَان بن أنس مُنكر الحَدِيث قَالَ الْحَافِظ وَتقدم حَدِيث أم سَلمَة الصَّحِيح قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا حضرتم الْمَيِّت فَقولُوا خيرا فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا تَقولُونَ رواه أبو داود (^١) والترمذي (^٢). حديث غريب، سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: عمران بن أنس منكر الحديث.\n[قال الحافظ] وتقدم حديث أم سلمة الصحيح قالت: قال رسول الله -ﷺ-: إذا حضرتم الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون (^٣).\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-. قوله -ﷺ-: \"اذكروا محاسن موتاكم وكفّوا عن مساويهم\" الحديث، فيه الأمر بالكف عن سب الأموات. قال العلماء: لا يجوز غيبة الميت، وقد ورد في بعض الأخبار أن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٠)، والترمذي (١٠١٩)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ٣٠٨)، وفي البيهقي الكبرى (٤/ ٧٥)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢٣٥) والطبراني في المعجم الأوسط (٣٦٠١)، وفي المعجم الصغير (الروض الداني ٤٦١)، وابن حبان (٣٠٢٠)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. سمعت محمدا يقول عمران بن أنس المكى منكر الحديث وروى بعضهم عن عطاء عن عائشة. قال وعمران بن أبى أنس مصرى أقدم وأثبت من عمران بن أنس المكى. وفي ترجمته ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (٥/ ٢٨٣) قال البخاري منكر الحديث وقال العقيلي لا يتابع على حديثه، والحديث ضعفه النووي في الخلاصة (٢/ ٩٤٤).\n(^٢) الترمذي (١٠١٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٩١٩).","vol":"13","page":745},{"text":"من اغتاب ميتا فكأنما اغتاب نبيا، وقد روى البخاري أن رسول الله -ﷺ- قال: (^١) لا تسبّوا الموتى فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا، وروى غيره أن رسول الله -ﷺ- قال: لا تسبّوا الموتى فتؤذوا الأحياء (^٢).\n\n٥٣٤٣ - وَعَن مُجَاهِد قَالَ قَالَت عَائِشَة -﵂- مَا فعل يزِيد بن قيس لَعنه الله قَالُوا قد مَاتَ قَالَت فأستغفر الله فَقَالُوا لَهَا مَا لَك لعنته ثمَّ قلت أسْتَغْفر الله قَالَت إِن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا تسبوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُم أفضوا إِلَى مَا قدمُوا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ دون ذكر الْقِصَّة وَلأبي دَاوُد إِذا مَاتَ صَاحبكُم فَدَعوهُ لَا تقعوا فِيهِ رواه ابن حبان في صحيحه (^٣)، وهو عند البخاري\n_________\n(^١) البخاري (١٣٩٣).\n(^٢) مسند أحمد (١٨٢٠٩)، (١٨٢١٠) وأخرجه الترمذي (١٩٨٢) وقد اختلف أصحاب سفيان في هذا الحديث، فروى بعضهم مثل رواية الحفري، وروى بعضهم، عن سفيان، عن زياد بن علاقة، قال: سمعت رجلا يحدث عند المغيرة بن شعبة، عن النبي -ﷺ-، نحوه.، وأخرجه ابن حبان (٣٠٢٢) والطبراني في المعجم الكبير للطبراني (٢٠/ ٤٢٠/ ١٠١٣)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٣٥٠)، وهئاد في الزهد (٢/ ٥٥٩)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٩٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٨١)، والحاكم (١/ ٣٨٥)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ١٠٣٩) رواه الترمذي بإسناد حسن أو صحيح.، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠١٥): ورجاله ثقات إلا أن بعضهم أدخل بين المغيرة وبين زياد بن علاقة رجل لم يسم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧٦): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٣١٢). في السلسلة الصحيحة (٢٣٧٩)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٥/ ٤٣) (٣٠١١)، والروض النضير (٣٥٧)، والتعليق الرغيب (٤/ ١٣٥).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٣٠٢١)، وأخرجه النسائي (٤/ ٥٣)، وصححه الألباني في صحيح =","vol":"13","page":746},{"text":"دون ذكر القصة (^١). ولأبي داود: إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه (^٢).\nقوله: \"وعن مجاهد\" هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومي، مولاهم مولى عبد الله بن أبى السائب، ويقال: مولى السائب ابن أبى السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وغيرهم من الصحابة، ﵃. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبى ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين.\nروى عنه طاووس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن أبى نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث.\nقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثماثين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل:\n_________\n= الترغيب والترهيب (٣٥١٨)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٣١١)، والروض النضير (١/ ٤٣٧)، والصحيحة (٢٣٩٧)، والتعليق الرغيب (٤/ ١٧٥).\n(^١) صحيح البخاري (١٣٩٣)، (٦٥١٦).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٨٩٩) وأخرجه الطيالسي في مسنده (١٤٤٦)، والدارمي في سننه (٢٢٦٠)، والترمذي (٤٢٣٣)، وابن حبان (٣٠١٨) (٣٠١٩) و(٤١٧٧).","vol":"13","page":747},{"text":"سنة ثلاث ومائة (^١).\nقوله -ﷺ-: \"لا تسبّوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا\"، وفي رواية أبي داود: إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه (^٢)، الحديث.\nالإفضاء الإسراع فمعنى أفضوا أي وصلوا أو صاروا إلى ما قدموا من خير وشر فإن كانوا من أهل السعادة فقد صاروا إليها فينبغي عليكم تبعة من سبّهم وإن كانوا من أهل الشقاء فتتحملون من أوزارهم بالسبّ. وفي الحديث النهي عن سبّ الأموات كالأحياء، وهو حرام فيهما، وإنما خصص الأموات لأنهم في محل أن يرحموا وليس في محل المؤاخذة لانقطاع حياتهم وخراب أيديهم وأيضا فإن مجازاتهم على أعمالهم لا تزيد بسب الأحياء لهم فإنه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، وهذا معنى قوله: فإنهم أفضوا إلى ما قدّموا، أي من خير وشر.\nومن أسباب النهي أيضا: أن الأحياء يتأذون بذلك كما جاء: لا تسبّوا الموتى فتؤذوا الأحياء فيقع الإنسان بسبّهم في إثمين إثم لأذى الحي وإثم لذكر الميت بالسب والأذى. فقوله: \"لا تسبّوا الأموات\" عام مخصوص [بذلك، وممن] يغلب شره [لوحظ به الفساق]، [نعم] إن كان الميت كافرا فيجوز ذلك لأنه عدو لله وللمؤمنين وعذابه في ازدياد إلى أبد الآبدين والله\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٩٩)، والترمذي (٣٨٩٥)، وابن حبان (٣٠١٨) و(٣٠١٩) عن عائشة. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٥).","vol":"13","page":748},{"text":"أعلم. قاله في شرح الإلمام (^١).\nقال النووي في أذكاره (^٢): قال العلماء: يحرم سب الميت المسلم الذي ليس معلنا بفسقه وأما الكافر [والمعلم] بفسقه من المسلمين ففيه خلاف للسلف وجاءت فيه نصوص متقابلة وحاصله أنه ثبت في النهي عن سب الأموات أحاديث صحيحة مشهورة معروفة، وجاء في [التخصيص] في سبّ الأشرار أشياء كثيرة منها ما قصه الله علينا في كتابه العزيز وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته، ومنها أحاديث كثيرة في الصحيح كالحديث الذي ذكر فيه النبي -ﷺ- عمرو بن لحي وقصة أبي رغال الذي كان يسرق الحاج بمحجنه وقصة ابن جذعان وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح المذكور في الجنازة لما مرت فأثنوا عليها شرا فلم ينكر عليهم النبي -ﷺ- بل قال: وجبت. وتقدم الكلام على ذلك. قاله في الأذكار (^٣). واختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال أصحها وأظهرها [أموات الكفار] يجوز ذكر مساويهم، وأما ذكر أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما فيجوز ذكرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم والتنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما فعلوه وإن لم تكن حاجة لم يجز، وعلى هذا التفصيل تنزل النصوص، وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من\n_________\n(^١) لم أجده في المطبوع.\n(^٢) الأذكار للنووي (ص: ٢٩٥).\n(^٣) الأذكار للنووي (ص: ٢٩٥).","vol":"13","page":749},{"text":"الرواة (^١)، اهـ. ولهذا ما زال المحدثون يذكرون الرواة بما فيهم من الكذب وسوء الحفظ وغيره ولا يكون ذلك حراما والله أعلم.\nخاتمة: روى الطبراني في كتاب الدعاء (^٢) من حديث أنس رفعه إلى النبي -ﷺ-: من رأى جنازة فقال: الله أكبر صدق الله ورسوله هذا ما وعد الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا وتسليما كتب له عشرون حسنة. ومن حديث نافع (^٣) قال: كان ابن عمر -﵁- إذا رآى جنازة قال: هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما.\nقال البندنيجي والقاضي الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه البحر: ويستحب لمن مرت به جنازة أن يدعو لها وأن يثني عليها بالخير إن كانت أهلا للثناء ولا يجازف في ثنائه وأن يقول من رآها سبحان الحي الذي لا يموت أو سبحان الملك القدوس، اهـ. قاله في هادي النبيه (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٢٩٥).\n(^٢) الدعاء للطبراني (١١٦١). السيوطي الزيادات على الموضوعات (٢/ ٦١١) سليمان بن عمرو أبو داود النخعي كذاب.\n(^٣) الدعاء للطبراني (١١٦٠).\n(^٤) هادى النبيه (لوحة ٧٤/ مخ ٢١٢١).","vol":"13","page":750},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>التَّرْهِيب من النِّيَاحَة على الْمَيِّت والنعي وَلَطم الخد وخمش الْوَجْه وشق الجيب</span>\n٥٣٤٤ - عَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْمَيِّت يعذب فِي قَبره بِمَا نيح عَلَيْهِ. رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي (^١)، وقال: بالنياحة عليه.\nقوله: \"عن عمر\" تقدم الكلام على مناقبه وسبب قتله مبسوطا في أوائل هذا التعليق. قوله -ﷺ-: \"الميت يعذب في قبره بما نيح عليه \" وفي رواية: ما نيح عليه (^٢). وفي النسائي: بالنياحة عليه (^٣). وعن ابن عمر (^٤) مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه. قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة [فقالت]: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله -ﷺ- أن [الله يعذب المؤمن] ببكاء أهله عليه ولكن رسول الله -ﷺ- قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، وقالت: حكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٥)، فما قال ابن عمر شيئًا. وعنها أنه قيل لها: أن ابن عمر يقول الميت يعذب ببكاء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٩٢)، ومسلم (١٦ - ٩٢٧)، وابن ماجه (١٥٩٣)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٣٠ (١٨٦٩).\n(^٢) مسند أبي يعلى (١٧٩).\n(^٣) سنن النسائي (٤/ ١٦).\n(^٤) صحيح البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٧، ٩٢٨، ٩٢٩).\n(^٥) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.","vol":"14","page":5},{"text":"الحي. فقالت يغفر الله لأبي عبد الرحمن إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، وقرأت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقالت: إنما مرّ رسول الله -ﷺ- على يهودية يبكى عليها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذّب في قبرها. رواه البخاري ومسلم (^١) فهذه الأحاديث وشبهها تدل على تعذيب الميت. واختلف العلماء في أحاديث [تعذيب الميت بالبكاء] (^٢) فتأولها [المزني وأصحابنا و] (^٣) الجمهور فقالوا: ليست على ظاهرها وإطلاقها، واختلفوا في تأويلها على أقوال أظهرها والله أعلم أنها محمولة على أن يكون للميت سبب في البكاء والنياحة بأن أوصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه سبب منسوب إليه. قالوا: فأما من بكى عليه أهله وناحوا عليه من غير وصية منه فلا يعذب ببكائهم ونوحهم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، الوزر الحمل والثقل وأكثر ما يطلق في الحديث [على الذنب والإثم، قال: وزر يَزِر فهو وازر إذا حمل ما يثقل ظهره من الأشياء المثقلة ومن الذنوب] وجمعه أوزار ومنه الحديث \"قد وضعت الحرب أوزارها\"، أي انقضى أمرها وخفت أثقالها فلم يبق قتال، ومعنى الآية لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى أي لا تؤاخذ نفس بغير ذنبها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٨٩)، ومسلم (٢٧ - ٩٣٢).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":6},{"text":"قال المزني: هذا كان من عادة العرب كان أحدهم إذا احتُضر أوصى بأن يبكى عليه ويناح، ومنه قول طرفة [العبدي]:\nإذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ (^١)\nوقال غيره من العرب:\nفَقُومَا فَقُولَا بِالَّذِي تَعْرِفَانِهِ ... وَلَا تَخْرِقَا جَيْبًا وَلَا تَحْلِقَا شَّعَرْ\nإِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ (^٢)\nقالوا فخرج الحديث مطلقا حملا على ما كان معتادا لهم وكان من عادة العرب الوصية بذلك وقالت طائفة: الأحاديت محمولة على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما فمن أوصى بهما أو لم يوص بتركهما [أو أهمل الوصية بتركهما فيكره أو يحرم، وإن غلب البكاء لم يوصف بكراهة ولكن الأولى أن لا يبكي بحضرة المحتضر ويعذّب] بهما لتفريطه بإهماله الوصية بتركهما فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ومن أهملهما عذِّب بهما. وقالت طائفة معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا يقولون: يا مُرمِل النسوان ومُؤْتِم الولدان ومخرب العمران ومفرق الإخوان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام\n_________\n(^١) معلقة طرفة ابن العبد: ديوان طرفة (ص ٢٩) وشرح المعلقات التسع (ص ٧٨) وشرح المعلقات السبع (ص ١١٧)، وشرح القصائد العشر (ص ٩٨).\n(^٢) البيتان للبيد بن ربيعة العامرى: انظر ديوان لبيد (ص ٥١).","vol":"14","page":7},{"text":"شرعا. وقالت طائفة: معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره.\nقال القاضي عياض (^١): وهو أولى الأقوال: واحتجوا بحديث فيه أن النبي -ﷺ- زجر امرأة عن البكاء على أمها وقال إن أحدكم إذا بكى استعبر له صُوَيحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم (^٢).\nوقالت عائشة: معنى الحديث أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم (^٣). [وذهبت عائشة -﵂- إلى أن هذه الأحاديث في الكفار يعذبون زيادة على كفرهم بسبب ما نيح عليهم (^٤) ثم روت عائشة (^٥) أن رسول الله -ﷺ- مر على قبر يهودية فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذّب في قبرها] (^٦).\nوذهب بعض العلماء إلى أن الميت يسمع بكاء الحي ونياحه فيتألم بذلك، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري وروى فيه حديثًا موافقا لما تأوله (^٧)، وقال بعض أهل العلم هذا في رجل لم يؤدّب أهله ولم يعلمهم ما يحتاجون إليه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٢٩)، المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٠٩).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٢٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٨٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨ - ٩). قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٢: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n(^٣) المجموع (٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٢٩).\n(^٥) سبق.\n(^٦) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.\n(^٧) شرح الصحيح (٣/ ٢٧٤) لابن بطال، والتوضيح (٩/ ٥٢٧).","vol":"14","page":8},{"text":"من الحلال والحرام فإذا مات فصرخوا عليه أو ناحوا كان هذا الفعل المحرم منسوبا إليه حيث لم يسبق منه تعليم مانع من الإقدام على هذا الفعل المحرم ويؤيده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (^١) (^٢)، اهـ. قاله ابن عقيل في شرح الأحكام (^٣).\nقوله: \"بما نيح عليه\" والنياحة رفع الصوت بالندب، والندب تعديد النائحة بصوتها محاسن الميت. [وقيل هو البكاء على الميت مع تعديد محاسنه (^٤)] (^٥) وأصل النياحة اجتماع النساء [وتقابلهن] بعضهن لبعض للبكاء على الميت والتناوح التقابل ثم استعمل في صفة بكائهن وهو البكاء بصوت وندبة (^٦)، وأما البكاء فيمد ويقصر إذا مددت أردت الصوت الذي مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. قال حسان بن ثابت:\nبكَتْ عَيْنِي وحُقَّ لَهَا بُكَاها ... وَمَا يُغْنِي البُكَاءُ وَلَا العَويلُ\nكذا قال الجوهري (^٧) والصواب أن قائل [ذلك] البيت كعب بن مالك لا حسان بن ثابت كما هو في سيرة ابن هشام (^٨) وغيرها فيجوز على الميت قبل\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٢) انظر: التذكرة (ص ٣٣٦ - ٣٣٧) والمفهم (٨/ ٦١)، والكواكب الدراري (٧/ ٧٩).\n(^٣) لم أجده في المطبوع.\n(^٤) الأذكار (ص ٢٥٢).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٦) مشارق الأنوار (٢/ ٣١).\n(^٧) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٢٨٤).\n(^٨) سيرة ابن هشام (٢/ ١٦٢).","vol":"14","page":9},{"text":"الموت بالإجماع لبكاء النبي -ﷺ- على ولده إبراهيم قبل الموت وعلى ولد ابنته قبل الموت، وفي صحيح مسلم (^١) أن النبي -ﷺ- عاد سعد بن عبادة فبكى وقال: إن الله لا يعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذّب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه، رواه مسلم. [وفي الصحيحين (^٢)] عن أسامة بن زيد أن زيد رسول الله الله -ﷺ- رفع إليه ابن لابنته وهو في الموت ففاضت عينا رسول الله -ﷺ- فقال له سعد ما هذا؟ قال: هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.\nويجوز البكاء أيضا بعد الموت لما في صحيح مسلم (^٣) أن النبي -ﷺ- زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وفي الشرح والروضة والشامل وغيره: أن البكاء بعد الموت خلاف الأولى، وينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال القيامة فلا يكره ولا يكون خلاف الأولى وإن كان للجزع [وعدم] التسليم للقضاء فيكره أو يحرم فإن غلب البكاء لم يوصف بكراهة لكن الأولى أن لا يبكي بحضرة المحتضر (^٤). وقوله: \"استعبر له\" (^٥) أي\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٢) (٩٢٤).\n(^٢) صحيح البخاري (١٢٨٤)، وصحيح مسلم (١١) (٩٢٣).\n(^٣) صحيح مسلم (١٠٨ - ٩٧٦).\n(^٤) النجم الوهاج (٣/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٥) هو قطعة من حديث طويل أخرجه أبو عبيد في الأموال (٧٣٠) والبخاري في الأدب المفرد المفرد (١١٧٨) وأبو داود (٣٠٧٠ و٤٨٤٧) والترمذي (٢٨١٤) وفي الشمائل (٦٤ و١٢٠) والحربي في الغريب (٢/ ٣٩٢ و٣/ ٩٣٠) وابن أبي عاصم في الآحاد (٣٤٩٢) والطبراني في الكبير (٣/ ٣٤٣) وفي الأحاديث الطوال (٢٥/ ٧ - ١١) ولفظه قال رسول الله -ﷺ-: \"أيغلب أحدكم أنْ يصاحب صُوَيحبه في الدنيا معروفا وإذا مات استرجع، =","vol":"14","page":10},{"text":"جرت عبرته وفيه دليل على أن الميت يبكي رقّة لبكاء الحي.\nوقوله: \"إن أحدكم إذا بكى\" محمول على بكاء يسمعه الميت، فأما مجرد دمع العين فلا يُعذّب به الميت قطعا لأنه لا يسمعه ولا يشاهده وقد بكى النبي -ﷺ- على ولده إبراهيم وقال: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون. وروى الطبراني في معجمه الكبير (^١) أنه -ﷺ- قال عند موت ولده إبراهيم لولا أنه وعد حق وموعد صدق وأن الأخير لاحق بالأول لحزنا أكثر من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون. ففي هذا الحديث تسلية من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الموت وعد حق كالدين على الإنسان وموعد صدق يعني في الاجتماع في الآخرة، وأن الأخير لا يبقى بعد الأول وعن قريب يلحق به. قال النووي (^٢): والصحيح من هذه الأقوال ما قدّمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم أن المراد\n_________\n= فوالذي نفس محمد بيده إنّ أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم\".\nقال الترمذي: حديث قيلة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسان، وقال ابن السكن: لم يروه غير عبد الله بن حسان، وقال ابن عبد البر: حديث حسن الاستيعاب ١٣/ ١٤٠ قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٢: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٥٨٩)، والطبراني في معجمه الكبير (٢٤/ ١٧١/ ٤٣٢ و٤٣٣) المعجم الأوسط (٨٨٢٩)، وحسن هذا السند البوصيري في زوائد ابن ماجه ٢/ ٤٧، والألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٣٢)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٩٣٢).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٠٩)، شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٢٩).","vol":"14","page":11},{"text":"بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين.\n\n٥٣٤٥ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من نيح عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يعذب بِمَا نيح عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n٥٣٤٦ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير -﵄- قَالَ أُغمي على عبد الله بن رَوَاحَة فَجعلت أُخْته تبْكي واجبلاه واكذا واكذا تعدد عَلَيْهِ فَقَالَ حِين أَفَاق مَا قلت شَيْئا إِلَّا قيل لي أَنْت كذَلِك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَزَاد فِي رِوَايَة فَلَمَّا مَاتَ لم تبك عَلَيْهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن الْأَعْمَش عَن عبد الله بن عمر بِنَحْوِهِ وَفِيه فَقَالَ يَا رَسُول الله أُغمي عَليّ فصاحت النِّسَاء واعزاه واجبلاه فَقَالَ ملك مَعَه مرزبة فَجَعلهَا بَين رجْلي فَقَالَ أَنْت كَمَا تَقول قلت لَا وَلَو قلت نعم ضَرَبَنِي بهَا وَالْأَعْمَش لم يدْرك ابْن عمر رواه البخاري (^٢). وزاد في رواية: فلما مات لم تبك عليه.\nورواه الطبراني في الكبير (^٣) عن الأعمش عن عبد الله بن عمر بنحوه، وفيه: فقال يا رسول الله: أغمي علي فصاحت النساء: واعزاه واجبلاه، فقال ملك\n_________\n(^١) البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٢٨ - ٩٣٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) صحيح البخاري (٤٢٦٧).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني جـ ١٣، ١٤ (ص: ٤١٤/ ١٤٢٥٢ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٤)، وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، والأعمش لم يسمع من عبد الله بن عمرو، ومحمد بن جابر الحنفي فيه كلام\". كذا قال الهيثمي، وبين الأعمش وابن عمرو هنا: أبو صالح.\nوعزاه السيوطي في الخصائص الكبرى (٢/ ١٥٩) للطبراني، وكذا صنع في شرح الصدور (ص ٢٩١)، لكن وقع عنده: \"ابن عمر\" بدل: \"ابن عمرو\" ..","vol":"14","page":12},{"text":"معه مرزبة فجعلها بين رجلي فقال: أنت كما تقول: قلت: لا، ولو قلت نعم ضربني بها. والأعمش لم يدرك ابن عمر.\nقوله: \"وعن النعمان بن بشير\" تقدم ترجمته.\nقوله: \"أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي واجبلاه وا كذا\" فذكره، زاد في رواية: فلما مات لم تبك عليه، الحديث.\nقال صاحب العاقبة: قال بعض العلماء أو أكثرهم إنما يعذب الميت ببكاء الحي عليه إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره أو يكون قد وصى به وهذا أيضا لم يكن من سنة عبد الله بن رواحة ولا ومن اختياره ولا مما وصّى به، اهـ. وقيل: هو محمول على من تبكي عليه وتعدد أفعاله التي تستوجب العذاب من القتل والنهب ونحوهما. وقيل معنى العذاب التوبيخ: فإنهم إذا ذكروه في الندب بخصال حميدة فيقال له: أكنت كذلك؟ فسمى بذلك عذابا، ويؤيده أن عبد الله بن رواحة (^١) أغمي عليه فقالت أخته: واجبلاه واكذا وكذا، فقال: حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي [أنت] كذلك؟ وقيل: معنى العذاب حزنه بسماع بكائهم فإنه يسوءه إتيانهم بما يكره ربه ﷿، فقد روي أن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم فإذا رأوا خيرا فرحوا به وإن رأوا [شرا] كرهوه فعلى هذا التوجيه التعذيب من الحي له لا من الله تعالى. وقال ابن بطال (^٢): كل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه النياحة\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٢٦٧).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٢٧٥)، والكواكب الدراري (٧/ ٨٠).","vol":"14","page":13},{"text":"والله أعلم، قاله الكرماني، اهـ.\nقال النووي (^١): قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى للحديث الصحيح فإذا وجب فلا تبكينّ باكية، وقد نصّ الشافعي والأصحاب على أنه يكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم وتأولوا حديث فلا تبكين باكية على الكراهة فأما البكاء من غير ندب ولا نياحة فقد روي فيه الإباحة وهو بكاء الرحمة والرقة التي لا يكاد يخلو منها البشر ولا يوجد [قلب] إلا وبها منه أثر، وقد قال عمر (^٢): دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة، النقع ارتفاع الصوت واللقلقة تتابع ذلك.\nوقال أبو عبيد (^٣): قال بعضهم يريد عمر بالنقع وضع التراب على الرأس. قال أبو عبيد: وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد واللقلقلة رفع الصوت. وأما حديث النبي -ﷺ- في هذا الباب في إباحة البكاء من غير نياحة ولا صياح فصحيح مشهور تغني شهرته عن ذكره هنا والله أعلم.\nتنبيه: يستحب للمريض أن يوصي أهله بالصبر على مصيبتهم بترك البكاء عليه ويقول لهم: صح عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: (^٤) أن الميت يعذب ببكاء\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٠٧).\n(^٢) علقه البخاري في \"الصحيح\" (٢/ ٨٠) وقال عمر -﵁-: \"دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة\" والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت ووصله ابن أبي شيبة في المصنف (١١٣٤٢).\n(^٣) غريب الحديث للقاسم بن سلام (٣/ ٢٧٦).\n(^٤) سبق.","vol":"14","page":14},{"text":"أهله عليه فإياكم يا أحبابي والسعي في أسباب عذابي ويستحب له استحبابا متأكدا أن يوصي باجتناب ما جرت به العادة من البدع في الجنائز ويؤكد عليهم العهد بذلك (^١)، اهـ.\nلطيفة في المعنى: قال بلال بن سعد: لا ينبغي أن يُبكى على ميت خرج من السجن إلى البستان بل ينبغي أن يبكى على من خرج من البستان إلى السجن. فإن قيل: لم يبكي العارفون على الميت؟ قيل: للفراق والوحشة وللخوف عليه لأنهم لا يدرون عاقبته ولو علموا لما بكوا كما قال بلال -﵁-: لا [تقولوا] واحزناه بل [قولوا] واطرباه.\n\n٥٣٤٧ - وَعَن الْحسن قَالَ إِن معَاذ بن جبل أُغمي عَلَيْهِ فَجعلت أُخْته تَقول واجبلاه أَو كلمة أُخْرَى فَلَمَّا أفاق قَالَ مَا زلت مؤذية لي مُنْذُ الْيَوْم قَالَت لقد كَانَ يعز عَليّ أَن أوذيك قَالَ مَا زَالَ ملك شَدِيد الِانْتِهَار كلما قلت واكذا قَالَ أكذاك أَنْت فَأَقُول لَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْحسن لم يدْرك معَاذًا (^٢).\nقوله في رواية الطبراني: فصا حت النسواة واعِزّاه واجبلاه. قوله: \"واجبلاه\" أي كنت في عزة ومِنعَة من أجلك فكنت لي كالجبل. قاله عياض (^٣).\nوقوله: \"فقال ملك معه مرزبة فجعلها بين رجليّ فقال أنت كما تقول؟ قلت:\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٥ رقم ٥٠). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٥: رواه الطبراني في الكبير، والحسن لم يدرك معاذا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٦٥).\n(^٣) مشارق الأنوار (١/ ١٣٨).","vol":"14","page":15},{"text":"لا، ولو قلت نعم ضربني بها\" الحديث. المرزبة بالتخفيف المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد ويقال لها الأرزبة أيضا بالهمز والتشديد، قاله في النهاية (^١).\n\n٥٣٤٨ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: مَا من ميت يَمُوت فَيقوم باكيهم فَيَقُول واجبلاه واسيداه أَو نَحْو ذَلِك إِلَّا وكل بِهِ ملكان يلهزانه هَكَذَا كنت، رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٢) وَالتِّرْمِذِيّ (^٣) وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب.\n[اللهز]: هو الدفع بجميع اليد في الصدر.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢١٩).\n(^٢) سنن ابن ماجه (١٥٩٤)، والترمذي (١٠٢٤)، وقال النووي في رياض الصالحين (ص: ٤٦٦) رواه الترمذي، وقال: \"حديث حسن\". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٤) رواه الطبراني في الكبير، والأعمش لم يسمع من عبد الله بن عمرو، ومحمد بن جابر الحنفي فيه كلام. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٤٩): هذا إسناد حسن. وذكره الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ٣٢١)، وقال: وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي وتقول واجبلاه واكذا واكذا فلما أفاق قال ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذا فلما مات لم تبك. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٧٩): حسن لغيره. وفي صحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٧٨٨).\n(^٣) وأخرجه مختصرا الترمذي (١٠٢٤) وقال: حديث حسن غريب. وهو في مسند أحمد (١٩٧١٦). وأخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (١١٧٠٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٦١)، والبغوي شرح السنة (٥/ ٤٤٤)، وقال البغوي وروي بإسناد غريب، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله -ﷺ-، قال: ما من ميت يموت، فيقوم باكيهم، فيقول: واجبلاه.","vol":"14","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>إن الميت ليعذب ببكاء الحي</span>\n٥٣٤٩ - وَعنهُ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء الْحَيّ إِذا قَالَت واعضداه وامانعاه واناصراه واكاسياه جبذ الْمَيِّت فَقيل أناصرها أَنْت أكاسيها أَنْت رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد رواه الحاكم (^١) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي موسى\" واسمه عبد الله بن قيس، تقدمت ترجمته. قوله: \"ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فذكره إلى أن قال: إلا وكل به ملكان يلهزانه هكذا كنت\" اللهز هو الدفع بجميع اليد في الصدر، قاله الحافظ.\nوقال الشيخ تقي الدين الحصني: اللهز ضرب الصدر باليد وهي مقبوضه (^٢)، اهـ. وتقدم الكلام على البكاء في الأحاديث المتقدمة والله أعلم.\n\n٥٣٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- اثْنَتَانِ فِي النَّاس هما بهم كفر الطعْن فِي النّسَب والنياحة على الْمَيِّت. رواه مسلم (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"اثنتان هما في الناس كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت\" الحديث، من الكبائر الطعن في\n_________\n(^١) المستدرك للحاكم (٢/ ٥١١) وقال \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب (٣٥٢٣).\n(^٢) كفاية الأخيار (ص ١٦٥).\n(^٣) صحيح مسلم (٦٧).","vol":"14","page":17},{"text":"الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع، كذا عدّه الحافظ الذهبي (^١) والعلامة شمس الدين بن قيم الجوزية (^٢) كما في صحيح مسلم (^٣)، والطعن يقال طعن بالرمح واليد يطعن بالضم وطعنَ في العرض والنسب يطعن، وقيل: هما لغتان فيهما (^٤)، أي هما كفر واقع بهم. والمراد كفر النعمة لأن من أنكر نسبه فقد كفر نعمته، ولهذا قال في الحديث الآخر (^٥): ما من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر. وفي معنى الحديث أقوال أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية. والثاني أنه يؤدي إلى الكفر (^٦). والثالث أنه كفر النعمة والإحسان.\nوالرابع أن ذلك في المستحل فإن حُمل على الكفر الحقيقي فالمراد به أنه من أفعال الجاهلية فأطلق عليه كفرا من باب التشبيه قوله في الرواية الأخرى: ثلاث من عمل الجاهلية. [والجاهلية] ما قبل النبوة، سموا بذلك لكثرة جهلهم.\nقوله: \"والنياحة على الميت\" فهي كفر لنعمة الله فإن المعطي والمانع والرازق والمحيي والمميت هو الله تعالى، فإذا لم يرض العبد بالقضاء وناح\n_________\n(^١) الكبائر للذهبي (ص: ١٨٣).\n(^٢) الصلاة وأحكام تاركها (ص: ٥٤).\n(^٣) صحيح مسلم (١٢١ - ٦٧).\n(^٤) الكواكب الدراري (١٥/ ١٢).\n(^٥) صحيح مسلم (١١٢ - (٦).\n(^٦) تنبيه الغافلين (ص ٢٠٤).","vol":"14","page":18},{"text":"وصاح استحق العذاب، والنياحة الندب وذكر الشمائل بأن يقال واكهفاه واجبلاه، ويُنسب إلى أمور ليس منها شيء، ولهذا جاء الوعيد الشديد في النياحة واستماعها. قال أصحابنا ويحرم رفع الصوت بإفراط في البكاء، وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة فليس بحرام. اهـ، قاله النووي في أذكاره (^١).\n\n٥٣٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ثَلَاثَة من الْكفْر بِالله شقّ الجيب والنياحة والطعن فِي النّسَب رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان ثَلَاثَة هِيَ الْكفْر وَفِي أُخْرَى ثَلَاث من عمل الْجَاهِلِيَّة لَا يتركهن أهل الْإِسْلَام فَذكر الحَدِيث (^٢).\nالجيب هُوَ الْخرق الَّذِي يخرج الْإِنْسَان مِنْهُ رَأسه فِي الْقَمِيص وَنَحْوه.\nقوله في رواية لابن حبان: \"ثلاثة هي الكفر\" وفي رواية أخرى: ثلاث من عمل الجاهلية لا يتركهن أهل الإسلام: شق الجيب والنياحة والطعن في النسب. والجيب هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه في القميص ونحوه، قاله الحافظ، وتقدم الكلام على الطعن في النسب والنياحة والله أعلم. [ففي هذه الأحاديث تغليظ تحريم الطعن في النسب والنياحة] (^٣)، وقد\n_________\n(^١) الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ١٤٧) المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (١٤٦٥) و(٣١٦١)، والحاكم (١/ ٣٨٣). قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٢٥) والصحيحة تحت الحديث (١٨٠١).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":19},{"text":"جاء في كل واحد منهما نصوص معروفة والله أعلم. قاله العراقي في شرح الأحكام (^١).\n\n٥٣٥٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ لما افْتتح رَسُول الله -ﷺ- مَكَّة رن إِبْلِيس رنة اجْتمعت إِلَيْهِ جُنُوده فَقَالَ ايأسوا أَن تردوا أمة مُحَمَّد على الشّرك بعد يومكم هَذَا وَلَكِن افتنوهم فِي دينهم وأفشوا فيهم النوح رواه أحمد بإسناد حسن (^٢).\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"لما افتتح رسول الله -ﷺ- مكة رنّ إبليس رنّة اجتمعت إليه جنوده\" الحديث، وفي تفسير ابن مخلد أن إبليس لعنه الله رنّ أربع رنّات، رنّة حين لعن ورنة حين أهبط ورنة حين ولد النبي -ﷺ- ورنّة حين أنزلت فاتحة الكتاب (^٣)، وكذا ذكره ابن الأنباري بمعناه\n_________\n(^١) قاله النووي في شرح مسلم (٢/ ٥٧).\n(^٢) وهم في العزو المنذري فقال (٤/ ١٧٧): رواه أحمد بإسناد حسن! وأخرجه أبو يعلى الموصلي في \"المسند\" (المطالب العالية ٤٣٥٢)، وإتحاف الخيرة المهرة (٤٦٠٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١١/ ١٢٣١٨)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٦٢)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٢٤٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٦٧) صحيح الترغيب والترهيب (٣٥٢٦) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٠٠٤).\n(^٣) عزاه لبقى ابن مخلد في تفسيره الدميرى في النجم الوهاج (٢/ ١١٢). وأخرجه ابن الأعرابى (٢٣٠١)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٠٠ رقم ٤٧٨٨) عن أبى هريرة موقوفا. وصوب الدارقطني في العلل (٨/ ٢٣٥) وقفه على مجاهد. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٣١١: رواه الطبراني في الأوسط شبيه المرفوع، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"14","page":20},{"text":"فقال في كتاب الرد له: حدثني أبي، إلى أن قال: حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال: إن إبليس لعنه الله رنّ أربع رنّات حين لعن وحين أهبط من الجنة حين بُعِث محمد -ﷺ- وحين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة (^١)، اهـ. الرنة بفتح الراء هي الصوت [وسيأتي الكلام على ذلك] (^٢). قول إبليس لجنوده: ولكن افتنوهم في دينهم وأفشوا فيهم النوح، تقدم الكلام على النياحة.\n\n٥٣٥٣ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- صوتان ملعونان فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مزمار عِنْد نعْمَة وَرَنَّة عِنْد مُصِيبَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقَات (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ٥/ ١٦٧٩ أبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ٢٩٩. عَنْ مُجَاهِدٍ إسناده صحيح -وجرير ثقة صحيح الكتاب، لكن قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه- والأثر من الإسرائليات، والله أعلم.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) أخرجه البزار (٧٥١٣)، والضياء في المختارة ٦/ ١٨٨ - ١٨٩ (٢٢٠٠) و(٢٢٠١). وحسنه الضياء. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣: رواه البزار، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٤٢٧) وصحيح الترغيب (٣٥٢٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.","vol":"14","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-501>لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة</span>\n٥٣٥٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا تصلي الْمَلَائِكَة على نائحة وَلَا مرنة رواه أحمد (^١) وإسناده حسن إن شاء الله.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة\" الحديث، الصلاة في اللغة الدعاء، وهي من الله بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار ومن الآدميين تضرع ودعاء، وتقدم الكلام على معنى الصلاة مبسوطا في مواضع من هذا التعليق. قوله: \"ولا نائحة ولا مرنة\" تقدم الكلام على النوح. وقوله: \"ولا مرنة\" الرنة [هي] الصوت عند البكاء ويشبه أنه الذي فيه [الترجيع] ومثله القلقلة واللقلقة، يقال منه: أرنَّت فهي مُرِنّة ولا يقال رنّت. قال أبو حاتم والعامة تقول: رنت قال ثابت وفي الحديث: لعنتِ الرانة من البقلة (^٢).\n\n٥٣٥٥ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَربع فِي أمتِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة لَا يتركونهن الْفَخر فِي الأحساب والطعن فِي الْأَنْسَاب\n_________\n(^١) مسند أحمد (٨٧٤٦)، والطيالسي (٢٥٧٩)، ومن طريقه أخرجه أبو يعلى (٦١٣٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣) رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه أبو مراية؛ ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله ثقات. قال البوصيري إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٥٠٣): رواه أبو داود الطيالسي وأبو يعلى وأحمد بن حنبل بإسناد صحيح. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٠٠٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٦٦).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).","vol":"14","page":22},{"text":"وَالِاسْتِسْقَاء بالنجوم والنياحة وَقَالَ النائحة إِذا لم تتب قبل مَوتهَا تُقَام يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا. رواه مسلم (^١) وابن ماجه (^٢)، ولفظه: النياحة من أمر الجاهلية قال رسول الله -ﷺ-: النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران، ودرعا من لهب النار.\n[القطران]: بفتح القاف وكسر الطاء، قال ابن عباس: هو النحاس المذاب، وقال الحسن: هو قطران الإبل، وقيل: غير ذلك.\nقوله: \"وعن أبي مالك الأشعري\" تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة\" الحديث، [والمراد بأمر الجاهلية أيام الجاهلية، وهي مدة الفترة التي كانت بين عيسى ورسول الله -ﷺ-، وسميت بها لكثرة جهالاتهم] (^٣).\nفائدة: وكانت الفترة التي لم يبعث الله ﷿ فيها رسولا أربع مائة سنة وأربعا وثلاثين سنة، [وذكر] الكلبي أن بين عيسى ونبينا محمد -ﷺ- خمسمائة سنة وتسعا وستين سنة وبينهما أربعة من الأنبياء واحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان. قال القشيري: ومثل هذا لا يعلم إلا بخبر صدق (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩٣٤).\n(^٢) سنن ابن ماجه (١٥٨١). في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات\n(^٣) وقع تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله في ما سيأتي: (وقوله: (أربع من أمر الجاهلية) أي من شأنهم وخصالهم).\n(^٤) تفسير القرطبي (٦/ ١٢٢).","vol":"14","page":23},{"text":"وقال ابن الجوزي: وقد روينا عن النبي -ﷺ- أنه ذكر عيسى ﵇ فقال: ليس بيني وبينه نبي فظاهر هذا يمنع وجود نبي بينهما ومن الممكن أن يتأول فقال لا نبي يغير حكما فإن عيسى أحل وحرّم ومن بعث بعده دعا إلى دينه ولم يغير (^١).\nوقال قتادة ومقاتل والضحاك [ووهب بن منبه كان بين عيسى ومحمد -ﷺ- ستمائة سنة إلا أن وهبا زاد عشرين سنة وعن الضحاك] (^٢) أيضا أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة (^٣)، اهـ.\nوقوله: \"أربع من أمر الجاهلية\" أي من شأنهم وخصالهم، \"لا يتركوهن\" يعني غالبا، والفخر في الأحساب يعني الافتخار بالآباء والكبراء والرؤساء، وقد قال النبي -ﷺ- (^٤): إن الله أذهب عنكم عبية الجاهية وفخرها بالآباء، الحديث (^٥)، وتقدم الكلام عليه في الكبر.\nقوله: \"والطعن في الأنساب\" استحقارها وعيبها (^٦).\nقوله: \"والاستسقاء بالنجوم\" هو استدعاؤهم السقي من النجوم معتقدين\n_________\n(^١) المنتظم (٢/ ٣٨).\n(^٢) سقطت هذه الجملة من النسخة الهندية.\n(^٣) تفسير القرطبي (٦/ ١٢٢).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٦) - وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٥) المفهم (٨/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٦) المفهم (٨/ ٦٥).","vol":"14","page":24},{"text":"أنّ لها أثرا (^١). قوله: \"والنياحة\" تقدم الكلام عليها.\nوقوله في النائحة: تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران والسربال واحد السرابيل وهي الثياب والقمص يعني أنهن يلطخن بالقطران فيصير لهن كالقمص حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجساد هي أعظم ورائحته أنتن وألمها سبب الجرب أشد (^٢) وكنى به عثمان عن الخلافة في قوله: لا أخلع سربالا سربلنيه الله. وقد تطلق السرابيل على الدروع ومنه قصيد كعب بن زهير:\nشُمُّ العرانينِ أبطالٌ، لَبُوسُهُمُ ... مِنْ نسْج دَاودَ فِي الهيْجَا سَرَابِيلُ\nقاله ابن الأثير (^٣). والقطران قد ضبطه الحافظ وفسّره فقال ابن عباس هو النحاس المذاب، وقال الحسن هو قطران الإبل (^٤).\n\"ودرع من جرب\" ودرع المرأة قميصها، وقد ورد أيضا أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين قميص من جرب وقميص من قطران، والجرب [بثر] يعلو أبدان الناس والإبل (^٥) وسره أن الجرب سريع الألم لتقريحه الجلد والقطران يقوي شعلة النار فيكون عذابها في النار بسبب هذين القميصين أشد العذاب.\n_________\n(^١) المفهم (٨/ ٦٥).\n(^٢) المفهم (٨/ ٦٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٥٧).\n(^٤) تفسير عبد الرزاق (١٤٢٧)، وتفسير الطبري (١٣/ ٧٤٣).\n(^٥) المحكم (٧/ ٤٠٠) ولسان العرب (١/ ٢٥٩).","vol":"14","page":25},{"text":"ففيه دليل على تحريم النياحة وهو مجمع عليه وفيه صحة التوبة ما لم يمت المكلف ولم يصل إلى الغرغرة، وفيه ما يدل على أن ذلك من الكبائر، والأحاديث في وعيد النائحة وعظيم عقابها وما ينالها في الآخرة من سخط الله تعالى وأليم عذابه كثيرة جدًّا (^١). وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- أنه سمع نائحة فأتاها فضربها الدرّة حتى وقع خمارها عن رأسها [فقيل: يا أمير المؤمنين المرأة قد وقع خمارها عن رأسها]. فقال: إنها لا حرمة لها، رواه الثعلبي في تفسيره (^٢).\n\n٥٣٥٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن هَذِه النوائح يجعلن يَوْم الْقِيَامَة صفّين فِي جَهَنَّم صف عَن يمينهم وصف عَن يسارهم فينبحن على أهل النَّار كَمَا تنبح الْكلاب. رواه الطبراني في الأوسط (^٣).\nقوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم صف عن يمينهم وصف عن يسارهم\" الحديث. وفي حديث آخر ينبحن كما [تنبح] الكلاب في\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين (ص ٢٠٦).\n(^٢) تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (٩/ ٢٩٩)، وفيه: أبان بن أبي عياش متهم.\n(^٣) في المعجم الأوسط (٥٢٢٩)، والثقفي في الأربعين (ص ٢٢٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٤) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. وضعفه جدًا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٦٧)، وفي السلسلة الضعيفة (٣٣٨٨)، (٥٠٠٦).","vol":"14","page":26},{"text":"يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة ثم يؤمر بهن إلى النار (^١)، وروى الإمام القرطبي في التذكرة (^٢) عن النبي -ﷺ- قال: تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة الله ودرع من نار يدها على رأسها تقول: يا ويلاه (^٣). أخرجه ابن ماجه (^٤) ومسلم بمعناه (^٥).\nوقال أنس -﵁-: قال النبي -ﷺ-: تخرج النائحة من قبرها شعثاء غبراء مسودة الوجه زرقاء العينين ثائرة الشعر كالحة الوجه عليها جلباب من لعنة الله ودرع من غضب الله إحدى يديها مغلولة إلى عنقها والأخرى قد وضعتها على رأسها وهي تنادي يا ويلاه [ويا] ثبوراه ويا [خزياه] وملك وراءها يقول: آمين آمين، ثم يكون من بعد ذلك حظها النار، اهـ.\n\n٥٣٥٧ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ النائحة والمستمعة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٦) وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ترك\n_________\n(^١) أخرجه الطرسوسى في مسنده (٨) والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٩٨). وقال الذهبي منكر ميزان الاعتدال (٢/ ١٨٩).\n(^٢) التذكرة (ص ٤٩٦).\n(^٣) أخرجه الثعلبى في التفسير (٩/ ٢٩٨) عن أنس.\n(^٤) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٩٦).\n(^٥) صحيح مسلم (٢٩ - ٩٣٤).\n(^٦) أبو داود (٣١٢٨). وأخرجه أحمد (١١٦٢٢)، والبخاري في تاريخه الكبير ١/ ٦٦، والبيهقي (٤/ ١٠٥)، وابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ٢٨١، والبغوي في شرح السنة (١٥٣٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٦/ ٢١٢). قال ابن أبىِ حاتم في العلل ١/ ٣٦٩ رقم ١٠٩٥ عن حديث رواه محمد بن ربيعة عن محمد بن الحسن بن عطية عن أبيه عن جده =","vol":"14","page":27},{"text":"وَرَوَاهُ الْبَزَّار (^١) وَالطَّبَرَانِيّ (^٢) فزادا فِيهِ وَقَالَ لَيْسَ للنِّسَاء فِي الْجِنَازَة نصيب.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"لعن الله النائحة والمستمعة\" وزاد الطبراني فيه، وقال: ليس للنساء في الجنازة نصيب. اعلم أن اللعنة هي البعد من رحمة الله تعالى، والنائحة هي الرافعة صوتها بالندب، والندب تعديد محاسن الميت، وقيل هو البكاء عليه مع تعديد محاسن. وتقدم الكلام على ذلك.\n\n٥٣٥٨ - وَعَن أم سَلمَة -﵂- قَالَت لما مَاتَ أَبُو سَلمَة قلت غَرِيب وَفِي أَرض غربَة لأبكينه بكاء يتحدث عَنهُ فَكنت قد تهيأت للبكاء عَلَيْهِ إِذْ أَقبلت\n_________\n= عن أبي سعيد الخدري قال لعن رسول الله -ﷺ- النائحة والمستمعة، قال أبي: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن بن عطية وأبوه وجده ضعفاء الحديث. وقال التلخيص الحبير (٢/ ٢٧٨): واستنكره أبو حاتم في العلل، ورواه الطبراني والبيهقي من حديث عطاء، عن ابن عمر، ورواه ابن عدي من حديث الحسن، عن أبي هريرة وكلها ضعيفة. وقال النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ١٠٥٣): إسناد ضعيف وقال القاري في مرقاة المفاتيح ٢/ ٣٩٠: (قال ميرك: في سنده محمد بن الحسن بن عطية العوفي، عن أبيه، عن جده، والثلاثة ضعفاء).، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٦٩٠). إرواء الغليل (٧٦٩)، وفي السلسلة الضعيفة (٥٠٠٧).\n(^١) البزار (ص ٨٧ - زوائد).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١١/ ١٤٥/ ١١٣٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣) رواه البزار، والطبراني في الكبير، وفيه الصباح أبو عبد الله، ولم أجد من ذكره.، وذكره في مجمع الزوائد (٣/ ١٤)، وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه الحسن بن عطية؛ ضعيف\". ورواه أبو أمية الطرسوسي في مسند عبد الله بن عمر (٢٠)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٤/ ١٠٥)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٩٩).","vol":"14","page":28},{"text":"امْرَأَة تُرِيدُ أَن تساعدني فَاسْتَقْبلهَا رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَن تدخلي الشَّيْطَان بَيْتا أخرجه الله مِنْهُ فكففت عَن الْبكاء فَلم أبك رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن أم سلمة\" تقدم الكلام على مناقبها.\nقولها: \"لما مات أبو سلمة، قلت: غريب وفي أرض غربة لأبكينّه بكاء يتحدث عنه\" الحديث، أبو سلمة هو زوج أم سلمة واسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي القرشي قوله -ﷺ- لأم سلمة -﵂-: \"أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه. فكففت عن البكاء\" يحتمل ذلك والله أعلم أن يكون ذلك سبب [ذلك] (^٢) صحة إسلام أبي سلمة وحسن هجرته، قاله القرطبي (^٣)، وتقدم الكلام على البكاء.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩٢٢).\n(^٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٨/ ٥١).","vol":"14","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>النهي عن النعي</span>\n٥٣٥٩ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت لما جَاءَ رَسُول الله -ﷺ- قتل زيد بن حَارِثَة وجعفر بن أبي طَالب وَعبد الله بن رَوَاحَة جلس رَسُول الله -ﷺ- يعرف فِيهِ الْحزن قَالَت وَأَنا أطلع منَ شقّ الْبَاب وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ أَي رَسُول الله إِن نسَاء جَعْفَر وَذكر بكاءهن فَأمر أَن ينهاهن فَذهب الرجل ثمَّ أَتَى فَقَالَ وَالله لقد غلبنني أَو غلبننا فَزَعَمت أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ فاحث فِي أفواههن التُّرَاب فَقلت أرْغم الله أَنْفك فوَالله مَا أَنْت بفاعل وَلَا تركت رَسُول الله -ﷺ- من العنا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها -﵂-.\nقولها: \"لما جاء رسول الله -ﷺ- قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله -ﷺ- يُعرف فيه الحزن. قالت: وأنا أطّلع من شق الباب. فأتاه رجل فقال: أي رسول الله إن نساء جعفر، وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن\" الحديث، تقدم الكلام على قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة في الجهاد على مناقبهم أيضًا.\nوقولها: \"وأنا أطلع من شق الباب\" هو بفتح الشين وهو معروف.\nوقوله: \"إن نساء جعفر\" خبره محذوف أي يبكين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٠٥) و(٤٢٦٣)، ومسلم (٣٠ - ٩٣٥).","vol":"14","page":30},{"text":"قوله: \"فأمره أن ينهاهن\" الحديث. والنهي عن البكاء إنما هو إذا كان مع النياحة ونحوها.\nقوله: فذهب الرجل ثم أتى فقال: والله لقد غلبنني أو غلبننا الحديث: معناه: لم يطعن الناهي لهن عن البكاء إما لأنه لم يصرح لهن بأن النبي -ﷺ- نهاهن فظنن منه أنه [كالمتحسب] في ذلك وكالمرشد للمصلحة أو لأنهن غلبن في أنفسهن على سماع النهي لحرارة المصيبة والله أعلم. قاله القرطبي (^١).\nقوله: فاحث في أفواههن التراب، هو بضم الثاء المثلثة وكسرها يقال حثا يحثو أو حثا يحثي لغتان، وهذا يدل على أنهن صرخن إذ لو كان بكاء العين فقط لم يكن لملئ أفواههن بالتراب معنى وليس أمره ﵇ للرجل بذلك ليفعله بهن على كل حال ولكن على طريق أن هذا مما [يسكتهن] لو فعلته، فافعله إن أمكنك، وهو لا يمكنك [وأمره]-ﷺ- بذلك مبالغة في إنكار البكاء عليهن ومنعهن منه ثم تأوّله بعضهم على أنه بكاء بنوح وصياح ولهذا تأكد النهي ولو كان مجرد دمع العين لم ينه عنه لأنه -ﷺ- فعله وأخبر أنه ليس بحرام وأنه رحمة وتأوله بعضهم على أنه كان بكاء من غير نياحة ولا صوت قال: ويبعد أن الصحابيات يتمادين بعد تكرار نهيهن على محرم [وإنما كان أي منهن مجرّد] (^٢) والنهي عنه نهي تنزيه أو أدب لا للتحريم فلهذا أصررن\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٨/ ٦٦).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":31},{"text":"عليه متأولات. قال الكرماني (^١): ويحتمل أن الرجل لم يُسند النهي إلى رسول الله -ﷺ- فلهذا لم يُطعنه. اهـ، وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر إذا لم ينته عوقب وأدِّب إن أمكن ذلك وإلا فالملاطفة فيه أولى إن نفعت، قاله القرطبي (^٢).\nقولها ﵂: \"فقلت: أرغم الله أنفك، فوالله ما أنت بفاعل\" الحديث، أي ألصق بالرغام وهو بفتح الراء وهو التراب وهو إشارة إلى [إذلاله] وإهانته (^٣) دعت عليه عائشة لأنها فهمت أنه أحرج رسول الله -ﷺ- بكثرة تكراره عليه وإخباره ببكائهن، ولذلك قالت له والله ما تفعل ما أمرك رسول الله -ﷺ- به أي لا تقدر على فعله لتعذره عليك ولا تركت رسول الله -ﷺ- من العناء، ولم تُرِد الاعتراض على رسول الله -ﷺ- في أمره، قاله القرطبي (^٤).\nقولها -﵂-: \"ما أنت بفاعل ولا تركت رسول الله -ﷺ- من العناء\" العناء بفتح العين المهملة والمد المشقة والتعب بتردادك عليه وإغرائك إياه، قاله عياض (^٥). قال النووي (^٦): معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٧/ ٩٤).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٨/ ٦٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٣٧).\n(^٤) المفهم (٨/ ٦٧).\n(^٥) إكمال المعلم (٣/ ٢٧٨).\n(^٦) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٣٧).","vol":"14","page":32},{"text":"الإنكار لنقصك وتقصيرك ولا تخبر النبي -ﷺ- بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك وتستريح من العناء، وفي حديث عبد العزيز: ولا تركت رسول الله -ﷺ- من العي، والعيّ بكسر العين المهملة أي التعب وهو بمعنى العناء والله أعلم.\n\n٥٣٦٠ - وَعَن حُذَيفَة -﵁- أَنه قَالَ إِذْ حضر إِذا أَنا مت فَلَا يُؤذن عَليّ أحد إِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- ينْهَى عَن النعي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^١) وَقَالَ حَدِيث حسن وَذكره رزين فَزَاد فِيهِ فَإِذا مت فصلوا عَليّ وسلوني إِلَى رَبِّي سلا وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه (^٢) إِلَّا أَنه قَالَ كَانَ حُذَيْفَة إِذا مَاتَ لَهُ الْمَيِّت قَالَ لَا تؤذنوا بِهِ أحدا إِنِّي أَخَاف أَن يكون نعيا إِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- بأذني هَاتين ينْهَى عَن النعي.\n\n٥٣٦١ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ ينْهَى عَن النعي وَقَالَ إيَّاكمْ والنعي فَإِنَّهُ من عمل الْجَاهِلِيَّة قَالَ عبد الله والنعي أَذَان بِالْمَيتِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا وَقَالَ غَرِيب وَرَوَاهُ من طَرِيق أُخْرَى قَالَ نَحوه وَلم يرفعهُ وَلم يذكر فِيهِ والنعي أَذَان بِالْمَيتِ وَقَالَ وَهَذَا أصح (^٣) وَقد كره بعض أهل الْعلم النعي والنعي عِنْدهم أَن يُنَادى فِي النَّاس أَن فلَانا مَاتَ\n_________\n(^١) الترمذي (٩٨٦): فلا تؤاذنوا بي وفي نسخة: فلا تؤاذنوا بي إلى أحد. وفي نسخة قال: حسن صحيح ..\n(^٢) ابن ماجه (١٤٧٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٩٨٤) مرفوعا و(٩٨٥). وضعفه الألباني في تخريج إصلاح المساجد (١٠٨)، وضعيف الترغيب (٢٠٧٠).","vol":"14","page":33},{"text":"ليشهدوا جنَازَته وَقَالَ بعض أهل الْعلم لَا بَأْس أَن يعلم الرجل أهل قرَابَته وإخوانه انْتهى.\nقوله: \"وعن حذيفة\" هو ابن اليمان، تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله: \"أنه قال: لما حضر إذا أنا متّ فلا تؤذنّ عليّ أحدا إني أخاف أن يكون نعيا، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- نهى عن النعي\" الحديث.\nوفي حديث ابن مسعود بعده أن رسول الله -ﷺ- كان ينهى عن النعي وقال: إياكم والنعي فإنه من عمل الجاهلية، الحديث. والنعي بإسكان العين مخففا وبكسرها وتشديد الياء (^١) هو إشاعة الإخبار بموت الميت (^٢).\nوقال [الهروي]: النعي بسكون العين الفعل والنعي بكسرها الرجل الميت، ويجوز أن يجمع على نعايا مثل صفي وصفايا (^٣).\nفأما النعي المنهي عنه في قوله -ﷺ-: \"إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية\" الحديث، وكان من عادتهم إذا مات فيهم شريف أو قتل بعثوا الركبان إلى أحياء العرب تنعاه إليهم، [يقال]: نعاء فلان أو يا نعاء العرب بكسر الهمزة فيهما والمد أي هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان فيندبون الميت ويثنون عليه بنياحة وبكاء وصراخ وغير ذلك، وذلك هو الذي نهى عنه وعلى ذلك يحمل حديث ابن مسعود إياكم والنعي فإن النعي\n_________\n(^١) الصحاح (٦/ ٢٥١٢)، مطالع الأنوار (٤/ ١٨٥).\n(^٢) المعلم (١/ ٤٩٠)، وإكمال المعلم (٣/ ٤١٢)، والمفهم (٨/ ٨٦).\n(^٣) الغريبين (٦/ ١٨٦٣)، والمعلم (١/ ٤٩٠)، وإكمال المعلم (٣/ ٤١٢).","vol":"14","page":34},{"text":"من عمل الجاهلية (^١).\nقوله: \"قال عبد الله: والنعي أذان بالميت\" أي إعلام بالميت، وقد [ذكر] بعض أهل العلم والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلانا قد مات ليشهدوا جنازته وقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يُعلم الرجل أهل قرابته وإخوانه، اهـ، قاله الحافظ.\nقال العلماء: يجوز نعي الميت وهو الإعلام بموته للصلاة عليه لما يناله من دعائهم له واستغفارهم ورغبتهم إلى الله تعالى [فيهم] وسؤالهم ولما ينالون أيضا من ثواب الصلاة عليه [وعلى ذلك يحمل حديث ابن مسعود: \"وإياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية\" (^٢)].\nوأما إذا كان نعي الميت والإعلام بموته ليجتمع الناس عليه على معنى التعظيم له والمصيبة لفقده والتفاخر بما يجتمع له من الناس ويحضره من الأشراف فهذا لا يجوز وعلى هذا يخرج نهي النبي -ﷺ- عن النهي وهذا هو المقصود من قول حذيفة -﵁- (^٣) إذا مت لا تؤذنوا بي أحدا إني أخاف أن\n_________\n(^١) المفهم (٨/ ٨٦)، والأذكار (ص ٢٦٢).\n(^٢) انظر الأذكار (ص ٢٦٢ - ٢٦٣) والمجموع (٥/ ٢١٦)، وإحكام الأحكام (١/ ٣٦٤)، والعدة (٢/ ٧٦٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥) وأحمد (٥/ ٣٨٥ و٤٠٦) وابن ماجه (١٤٧٦) والترمذي (٩٨٦)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٧٤) ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٢٧) والمزي (٥/ ٣٧٦ - ٣٧٧) قال الترمذي: حديث حسن صحيح وحسنه النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ١٠٥١) (٣٧٥١) وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ١٧)، والشيخ =","vol":"14","page":35},{"text":"يكون نعيا، ذكره صاحب كتاب العاقبة. واعلم أن جماعة من السلف كرهوا الإعلام أيضًا وهو مردود عليهم وقد فعله أبو هريرة وغيره ولا شك أنه من التعاون على البر والتقوى وأما حديث حذيفة ومن وافقه فهو من باب ترك ما لا بأس به خوفا من الوقوع فيما به بأس والله أعلم، قاله في شرح الإلمام (^١).\nفائدة: قال الشيخ شهاب الدين بن العماد: واختلف أصحابنا في نعي الميت والإعلام بموته لأجل الصلاة عليه، فالذي حكاه البندنيجي والشيخ أبو إسحاق وغيرهما الكراهة، وقال في الروضة أنه لا بأس به، وحكى الماوردي فيه ثلاثة أوجه: ثالثها يستحب ذلك في حق الغريب دون غيره، وذكر صاحب الحاوي [في ذلك وجهين لأصحابنا في استحباب الإنذار بالميت] (^٢) وإشاعة موته بالنداء والإعلام فاستحب ذلك بعضهم للميت الغريب والقريب لما فيه من كثرة المصلين عليه والداعين له، وقال بعضهم: يستحب للغريب ولا يستحب لغيره كما تقدم عن الماوردي. قال النووي (^٣): قلت: والصحيح استحبابه مطلقا إذا كان ذلك [بمجرد] إعلام لما روى الشيخان وغيرهما أن النبي -ﷺ- قال في الذي مات ليلا أفلا كنتم آذنتموني به؟ وعلى هذا يحمل نعيه -ﷺ- النجاشي للناس ونعيه جعفر بن أبي\n_________\n= الألباني في أحكام الجنائز (ص ٤٤). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٨٣).\n(^١) لم أجده في المطبوع.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) الأذكار للنووي (ص: ٢٦٣).","vol":"14","page":36},{"text":"طالب وزيد بن حارثة كما تقدم وأما نعي الجاهلية فهو الذي نهى عنه -ﷺ- وهو الذي خاف منه حذيفة فإنهم كانوا يذكرون مآثر الميت ومفاخره. وقال أيضا: قال العلماء المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم يستحب إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقاؤه للأحاديث الواردة في ذلك كما ذكره الحافظ في كلامه عن بعض العلماء والله أعلم.\nقوله في حديث حذيفة: \"فزاد رزين فإذا متّ فصلّوا علي وسلوني إلى ربي سلًّا\" تقدم الكلام في الصلاة على الميت.\nقوله: \"وسلوني إلى ربي سلا\" قال العلماء: ويسل الميت من قبل رأسه لأنه -ﷺ- سُلّ من قبل رأسه كما رواه الشافعي، وينزل على رأسه ويُدلى في اللحد من مقدمه لئلا ينكب على وجهه ويقول الذي يدخله القبر باسم الله وعلى ملة رسول الله -ﷺ- لأنه -ﷺ- كان يقوله عند دفنه الميت (^١). رواه أبو داود (^٢) [قال] (^٣) في المختصر: ويقول مع ذلك اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وقرابته وإخوانه وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب وإن عفوت فأهل العفو أنت. أنت غني عن عذابه وهو فقير إلى\n_________\n(^١) مختصر المزنى (٨/ ١٣٣)، وكفاية النبيه (٥/ ١٣٨)، ومختصر الكفاية (لوحة ٥٢/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢١٣)، والترمذي (١٠٤٦)، والبيهقي ٤/ ٥٥. وصححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.\n(^٣) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.","vol":"14","page":37},{"text":"رحمتك، اللهم اشكر حسنته واغفر سيئاته وأعذه من عذاب القبر واجمع له برحمتك الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين.\nقال الماوردي لأنه مروي عن السلف وأليق بالحال، قاله في مختصر الكفاية (^١) والله أعلم وتقدم شيء من ذلك.\n\n٥٣٦٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- أَن عمر -﵁- لما طعن عولت عَلَيْهِ حَفْصَة فَقَالَ لهَا عمر يَا حَفْصَة أما سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن الْمعول عَلَيْهِ يعذب قَالَت بلَى رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه. (^٢)\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"أن عمر لما طُعن عوّلت عليه حفصة فقال لها عمر يا حفصة أما سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: إن المعول عليه يُعذّب؟ قالت: بلى\" الحديث، أي الذي يُبكى عليه [قال محققو أهل اللغة: يقال عوّل عليه أعول، لغتان. وقال بعضهم لا يقال إلا أعول، وهذا الحديث يرد عليه (^٣). وقال في النهاية: [\"المعول عليه يعذب\" أي الذي يبكى عليه (^٤) من الموتى] (^٥) [يقال: أعول\n_________\n(^١) مختصر المزنى (٨/ ١٣٣)، والحاوى (٣/ ٦٤)، وكفاية النبيه (٥/ ١٤٠) ومختصر الكفاية (لوحة ٥٢/ مخ ٢١٧٦ ظاهرية).\n(^٢) ابن حبان (٣١٣٢) وأخرجه مسلم (١٢٧) (٢١).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٤) سقطت من النسختين وأثبتناها من النهاية.\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":38},{"text":"يعول إعوالا إذا بكى رافعا صوته (^١)، والمعول].\nقال عياض (^٢): [كذا] رويناه بالإسكان ورواه بعضهم المعول وهو المبكي عليه يقال أعولت المرأة تعول إذا بكت بصوت وفيه لغة عوّلت وعلى هذه يقال المعول عليه. وفي مسلم فعوّلت حفصة وعوّل صهيب، ولابن الحذاء: واعولت وأعول والاسم العول والمعول بكسر الميم وسكون العين المهملة الذي يحفر به والله أعلم.\n[قال محققو أهل اللغة يقال:] (^٣)] (^٤) أعول يعول إعوالا إذا بكى رافعا صوته، قيل أراد به [أن] يوصي بذلك، وقيل أراد الكافر وقيل أراد شخصا بعينه علم بالوحي حاله، ولهذا جاء به معرّفا، ويُروى بفتح العين وتشديد الواو من عول للمبالغة ومنه رجز عامر: وبالصياح عولوا علينا. أي أجلبوا واستغاثوا، والعويل صوت الصدر بالبكاء وقيل كل ما كان من هذا الباب فهو معول بـ[التخفيف فأما] (^٥) التشديد فهو من الاستغاثة يقال عولت به وعليه استغثته (^٦) اهـ.\n_________\n(^١) أثبتناها من النسخة الهندية وهى تمام كلام ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٢١).\n(^٢) مشارق الأنوار (٥/ ٥٥).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من هذا الموضع في النسخة الهندية.\n(^٤) وقع تأخير هذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فهو من الاستغاثة يقال عولت به وعليه استغثته اهـ).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٦) النهاية (٣/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"14","page":39},{"text":"٥٣٦٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَيْسَ منا من ضرب الخدود وشق الْجُيُوب ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة. رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (^١).\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية\" الحديث، فقوله: \"ليس منا\" صورته صورة التبرِّي ليكون أبلغ في الزجر والمراد والله أعلم أنه يحتمل ليس على سنتنا وطريقتنا المرضية لا أنه يكفر بذلك ويحتمل نفي الإسلام عن فاعل ذلك إذا فعله مستحلا له وكذا يجب تأويل نظائره كقوله -ﷺ- من غشنا فليس منا وأشباه ذلك (^٢)، اهـ. قاله ابن العماد.\nقوله: \"ضرب الخدود وشق الجيوب\" ضرب الخدود هو اللطم وإنما خص الخدّ لأن في لطمها تعريضا لإذهاب السمع والبصر وقد ورد النهي عن ضرب الوجه لهذا المعنى ويلتحق بضرب الخدود الصدور والرأس ونحوه (^٣)، قاله ابن العماد.\nوقوله: \"وشق الجيوب\" جمع جيب وهو طوق الإنسان الذي يخرج منه رأسه ونحوه من قولك: جبت الشيء إذا قطعته وجابوا الصخر قطعوه. قال الكرماني: فإن قلت اللطم والشق لا يخرج فاعلهما من هذه الأمة فما معنى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٩٤) و(١٢٩٧) و(١٢٩٨) و(٤/ ١٨٤)، ومسلم (١٦٥ و١٦٦ - ١٠٣)، وابن ماجه (١٥٨٤)، والترمذي (٩٩٩)، والنسائى في المجتبى ٤/ ٣٥ (١٨٧٦).\n(^٢) انظر: المفهم (٢/ ٢٠) والاعلام (٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(^٣) انظر: رياض الأفهام (٣/ ٢٧١)، والاعلام (٤/ ٥٢٣).","vol":"14","page":40},{"text":"النفي؟ قلت: هو التغليظ اللهم إلا أن يفسّر دعوى الجاهلية بما يوجب الكفر نحو تحليل الحرام وعدم التسليم لقضاء الله، فحينئذ يكون النفي حقيقة (^١).\nوقوله: \"ودعا بدعوى الجاهلية\" فهو ما كانت العرب تقوله عند موت الميت كقولهم واجبلاه واسنداه واسيداه واكهفاه ونحو ذلك (^٢) فكل ذلك حرام باتفاق الأصحاب، والذي وقع في كلامهم فيه التعبير بالكراهة فمراده كراهة التحريم (^٣).\nقال إمام الحرمين: والإفراط في رفع الصوت في معنى شق الجيب ما لم يكن مغلوبا على ذلك غير مختار (^٤) اهـ.\nوالمراد من الدعوى النداء والمعنى ونادى بمثل نداء الجاهلية وذلك أن الرجل منهم إذا غلب في الخصام ونيل منه نادى بأعلى صوته يا آل فلان مستصرخا قومه فأتاه الصريخ من هنا وهنا [فهو] (^٥) مهرولين نحوه قائمين بنصره ظالما كان أو مظلوما فأعلمهم النبي -ﷺ- أن الذي يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية أنه من أهل جهنم، كذا قاله شارح مشارق الأنوار (^٦)، والمراد بالجاهلية ما كان في الفترة قبل الإسلام، وتقدم الكلام على الفترة.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٧/ ٨٨).\n(^٢) إحكام الأحكام (١/ ٣٧٣)، ورياض الأفهام (٣/ ٢٧٢).\n(^٣) المجموع (٥/ ٣٠٧).\n(^٤) المجموع (٥/ ٣٠٧).\n(^٥) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٦) حدائق الأزهار (لوحة ١٣٩/ مخ ٨٧٧٨١ كتبخانة).","vol":"14","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>ليس منا من حلق ولا خرق ولا صلق</span>\n٥٣٦٤ - وَعَن أبي بردة قَالَ وجع أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ -﵁- وَرَأسه فِي حجر امْرَأَة من أَهله فَأَقْبَلت تصيح برنة فَلم يسْتَطع أَن يرد عَلَيْهَا شَيْئا فَلَمَّا أَفَاق قَالَ أَنا بَرِيء مِمَّن برئ مِنْهُ رَسُول الله -ﷺ- إِن رَسُول الله -ﷺ- برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. رواه البخاري وابن ماجه والنسائي إلا أنه قال: أبرأ إليكم كما برئ رسول الله -ﷺ-: ليس منا من حلق ولا خرق ولا صلق (^١).\n[الصالقة]: التي ترفع صوتها بالندب والنياحة. [والحالقة]: التي تحلق رأسها عند المصيبة. [والشاقة]: التي تشق ثوبها.\nقوله: \"وعن أبي [بردة] \" أبو [بردة] اسمه عامر بن عبد الله بن قيس، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الكوفة وقال ابن عساكر: كان أبو بردة أحول، ولما ولي القضاء كان سعيد بن جبير كاتبه، ولما ولي يزيد بن المهلب خراسان قال: دلوني على رجل جامع لخصال الخير، فدل على أبي بردة، فلما رآه رأى مخبره أفضل من منظره، فقال له: إني موليك على كذا وكذا. قال: أعفني. قال: لا أعفيك. فقال: حدثني أبي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"من ولي عملا وهو يعلم أنه ليس بأهل له فليتبوأ مقعده من النار\". ولست بأهل لهذا. فقال له يزيد: الان حرضتني على نفسك، خذ عهدك واخرج،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٩٦) ومسلم (١٦٧ - ١٠٤) وابن ماجه (١٥٨٦)، والنسائى في المجتبى ٤/ ٣٦ (١٨٧٧).","vol":"14","page":42},{"text":"فإني غير معفيك، فخرج وأقام مدة ثم قدم عليه، فقال: حدثني أبي عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"ملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله\".\nوأنا أسألك بوجه الله أن تعفيني. فأعفاه ومات بالكوفة سنة ثلاث ومئة، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع ومئة روى عن الزبير بن العوام، وعوف بن مالك، وسمع أباه، وعلى بن أبى طالب، روى عنه جماعات من التابعين وغيرهم، منهم الشعبي، وأبو إسحاق السبيعى، وعبد الملك بن عمير، وعمر بن عبد العزيز، واتفقوا على توثيقه وجلالته (^١).\nقوله: \"وجع أبو موسى الأشعري ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنّة فلم يستطع أن يرد عليها\" الحديث، وجع هو بفتح الواو وكسر الجيم وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله: \"ورأسه في حجر امرأة من أهله\" الحجر هو بفتح الحاء وكسرها لغتان (^٢).\nوقوله: \"فأقبلت تصيح برنة\" هو بفتح الراء وتشديد النون. قال صاحب المطالع: الرنة صوت مع البكاء فيه ترجيع كالقلقلة واللقلقة، يقال: أرنت فهي مُرِنة ولا [يقال] رنّت (^٣)، وتقدم ذلك في أحاديث الباب. وقال ثابت في الحديث: لُعنة المرنة، ولعله من نقلة الحديث، هذا كلام صاحب المطالع (^٤) اهـ.\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١٠/ ٣٧٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٢) الكواكب الدراري (٧/ ٩١).\n(^٣) مطالع الأنوار (٣/ ١٦٠).\n(^٤) المصدر السابق وفيه: لعنت الرانة ولعله من النقلة.","vol":"14","page":43},{"text":"قوله: \"فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله -ﷺ-\" كذا هو في هذا الحديث، ممن وروي مما برئ منه رسول الله -ﷺ- كذا هو في الأصول مما وهو صحيح أي من الشيء الذي برئ منه رسول الله -ﷺ- (^١).\nقوله: \"إن رسول الله -ﷺ- برئ من الصالقة والحالقة والشاقة\" الحديث، والمراد بالتبري المبالغة في الزجر وليس المراد التبري من الدين والخروج منه كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (^٢) فإن الشرك كفر والمعاصي سواه ليست بكفر عند أهل السنة (^٣).\nقال النووي (^٤): ويجوز أن يرد به ظاهره وهو البراءة من فاعلة هذه الأمة ولا يقدر فيه حذف ومن قدر فيه حذفا قال أنا بريء من فعلهن أو ما يستوجبن من العقوبة وأصل البراءة الانفصال وهذا التقدير هو كلام القاضي عياض (^٥) فالصالقة التي ترفع صوتها بالندب والنياحة اهـ، قاله الحافظ وقال بعض العلماء: الصالقة بالصاد والسين أصلها السالقة بالسين المهملة والسلق رفع الصوت بالعويل والندب عند المصيبة وقريبا منه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ (^٦) والصاد قد تبدل من السين وهما لغتان السلق\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٠).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٣.\n(^٣) الاعلام بفوائد عمدة الأحكام (٤/ ٤٨٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١١).\n(^٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٣٧٧).\n(^٦) سورة الأحزاب، الآية: ١٩.","vol":"14","page":44},{"text":"والصلق، هذا هو المشهور عند أهل اللغة.\nوقال ابن الأعرابي (^١) الصلق ضرب الوجه ويجوز أن يراد التي تلطم وجهها، وقيل: الصالقة هي الشديدة الصوت، وقيل: الصلق الولولة والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، اهـ، قاله الحافظ وفي معناه قطعه وحرقه، والشاقة التي تشق ثوبها، اهـ. قاله الحافظ.\nقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك التي تصبغ ثيابها بما يفسد ماليتها من سواد ونحوه، ففي هذا الحديث دليل على تحريم هذه الأفعال القبيحة الدالة على التسخط وعدم الرضى بما قضاه الله تعالى، والمعنى في تحريم ذلك أنه يشبه التظلم ممن ظلمه والاستعانة من ذلك وذلك عدل من الله العزيز الحكيم، اهـ. قاله الشيخ تقي الدين الحصني (^٢).\nومتى حصل شيء من هذه الأشياء فإثمه على فاعله خاصة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٣)، وما أحسن قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:\nولو جاز فرط الحزن لم يستفد به ... فما بالنا لا نستفيد ونأثم\nوفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان التبري من أهل هذه البدع\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١١٠)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٤/ ٤٨٤) وحكى القاضي عياض: عن ابن الأعرابي: أن الصلق ضرب الوجه وهو غريب، والمشهور المعروف ما أسلفناه. وقال ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٦٦) الصلق ضرب الوجه حكاه صاحب المحكم والأول أشهر.\n(^٢) كفاية الأخيار (ص ١٦٥ - ١٦٦).\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.","vol":"14","page":45},{"text":"والمعاصي (^١)، اهـ.\n\n٥٣٦٥ - وَعَن أسيد بن أبي أسيد التَّابِعِيّ عَن امْرَأَة من المبايعات قَالَت كَانَ فِيمَا أَخذ علينا رَسُول الله -ﷺ- فِي الْمَعْرُوف الَّذِي أَخذ علينا أَن لَا نخمش وَجها وَلَا نَدْعُو ويلا وَلَا نشق جيبا وَلَا ننشر شعرًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).\nقوله: \"وعن أسيد بن أبي أسيد التابعي\" هو أبو سعيد أسيد بن أسيد البراد، أسيد وأبو أسيد: بفتح الهمزة، وكسر السين فيهما، واسم أبي أسيد يزيد، من أهل المدينة، روى عن عبد الله بن أبي قتادة، روى عنه ابن أبي ذئب، وسليمان بن بلال. وهو صالح الحديث (^٣).\nقوله: \"عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله -ﷺ- في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننشر شعرا\" الحديث، المبايعة مأخوذة من البيع وهو أخذ العهد، وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (^٤) أي لا يشققن جيوبهن ولا يخمشن\n_________\n(^١) النجم الوهاج (٣/ ٩٠).\n(^٢) أخرجه: أبو داود (٣١٣١)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٦٤)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ١٨٤)، وقال النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ١٠٥٤) ورواه أبو داود ولم يضعفه وقال في رياض الصالحين (ص: ٤٦٦): رواه أبو داود بإسناد حسن وصححه الألباني صحيح أبي داود (٢٦٨٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٥٣٥)، وأحكام الجنائز (١/ ٣٠).\n(^٣) جامع الأصول (١٢/ ١٨٠).\n(^٤) سورة الممتحنة، الآية: ١٢.","vol":"14","page":46},{"text":"وجوههن ولا ينشرن شعورهن ولا يدعون ويلا، قيل هو دعوى الجاهلية، قاله الكرماني (^١)، فبعث الله تعالى محمد -ﷺ- بمحو آثار الجاهلية وكان من شأنهم إذا مات لهم ميت أن يخمشوا الوجوه وينتفوا الشعور ويشقوا الجيوب ويخربوا البيوت فزجرهم -ﷺ- عما كانوا يفعلون (^٢)، اهـ.\n\n٥٣٦٦ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- لعن الخامشة وَجههَا والشاقة جيبها والداعية بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه. (^٣)\nقوله: \"وعن أبي أمامة\" واسمه صدي بن عجلان الباهلي تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور\" الحديث، أجمعت الأمة على تحريم النياحة والدعاء بدعوى الجاهلية والدعاء بالويل والثبور عند المصيبة (^٤) وتقدم الكلام على خمش الوجه وشق الجيب وعلى اللعن والله أعلم.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري (٧/ ٨٩).\n(^٢) نوادر الأصول (١/ ١٤٢).\n(^٣) ابن حبان (٣١٥٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١٣٤٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٣٠/ ٧٥٩١)، و(٨/ ١٨٧/ ٧٧٧٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٠٩٢)، والسلسلة الصحيحة (٢١٤٧)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣٥٣٦).\n(^٤) الأذكار (ص ٢٥١).","vol":"14","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>التَّرْهِيب من إحداد الْمَرْأَة على غير زَوجهَا فَوق ثَلَاث</span>\n٥٣٦٧ - عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة قَالَت دخلت على أم حَبِيبَة زوج النَّبِي -ﷺ- حِين توفّي أَبوهَا أَبُو سُفْيَان بن حَرْب فدعَتْ بِطيب فِيهِ صفرَة خلوق أَو غَيره فدهنت مِنْهُ جَارِيَة ثمَّ مست بعارضيها ثمَّ قَالَت وَالله مَا لي بالطيب من حَاجَة غير أَنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ - يَقُول على الْمِنْبَر لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا قَالَت زَيْنَب ثمَّ دخلت على زَيْنَب بنت جحش -﵂- حِين توفّي أَخُوهَا فدعَتْ بِطيب فمست مِنْهُ ثمَّ قَالَت أما وَالله مَا لي بالطيب من حَاجَة غير أَنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول على الْمِنْبَر لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا. (^١)\nقوله: عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت علي أم حبيبة زوج النبي -ﷺ- حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها\" الحديث، وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القريشى المخزومي، كان قديم الإسلام، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة بأم سلمة،\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٢٢٩٩)، والترمذي (١١٩٤، ١١٩٥)، وسنن النسائي (٦/ ١٨٨)، وأحمد (٢٦٧٥٤).","vol":"14","page":48},{"text":"وشهد بدرا وأحدا، وجرح بها، واندمل جرحه ثم انتقض جرحه فمات منه، هكذا ذكره ابن عبد البر، وهو والد عمر بن أبى سلمة (^١).\nقولها: \"دخلت على أم حبيبة زوج النبي -ﷺ-\" وأم حبيبة هي أم المؤمنين واسمها رملة بنت أبي سفيان بن حرب أخت معاوية ماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين (^٢) والله أعلم.\nقوله: \"فدعت\" يعني أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره هو برفع خلوق وبرفع غيره أي فدعت بصفرة وهي خلوق أو غيره والخلوق بفتح الخاء المعجمة هو طيب مخلوط (^٣).\nقوله: \"ثم مست بعارضيها\" العارضان هما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما دون الأذن وإنما فعلت هذا لترفع صورة الإحداد، وفي هذا الذي فعلته أم حبيبة وزينب مع الحديث المذكور دلالة لجواز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام فما دونها (^٤).\nقوله: \"ثم قالت أم حبيبة والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا\" الحديث. قال أهل اللغة: الإحداد مشتق من الحد وهو المنع، فالمرأة تمنع نفسها [مما] كانت\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٠).\n(^٢) جامع الأصول (١٢/ ١٠٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٣).","vol":"14","page":49},{"text":"تتهيأ به لزوجها من تطييب وتزيين يقال أحدّت المرأة على زوجها وحدت إذا امتنعت من الزيثة والخضاب تحدّ إحدادا وحدّت تحد بضم الحاء وتُحد بكسرها حدا، كذا قال الجمهور أنه يقال أحدّت وحدّت (^١).\nوقال الأصمعي: لا يقال إلا أحدت رباعيا ويقال امرأة حادّ ولا يقال حادة (^٢)، وقيل للبواب حداد لمنعه الداخل والخارج إلا بإذن وسمي الحديد حديدا للامتناع به أو لامتناعه على من يحاوله (^٣) وأما الإحداد في الشرع فهو ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والحلي كله والطيب ولبس المصبغات ما عدا الأسود والأزرق ونحوهما وهو واجب عليها في عدة الوفاة عند عامة [أهل العلم] فلا تلبس الحلي ولا تتطيب ولا تختضب ولا ترجل الشعر ولا تكتحل بالإثمد والصبر لقوله -ﷺ- في حديث أم عطية: لا تكتحل (^٤) ففيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا (^٥).\n_________\n(^١) الصحاح (٢/ ٤٦٣)، والمجموع (١٨/ ١٨٣)، وشرح مسلم (١٠/ ١١١)، والكواكب الدراري (٣/ ١٧٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١١).\n(^٣) المعلم (٢/ ٢٠٧)، وإكمال المعلم (٥/ ٦٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣١٣) و(٥٣٤١) و(٥٣٤٢)، ومسلم (٦٦ - ٩٣٨) عن أم عطية: أن رسول الله -ﷺ- قال: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا، إلا إذا طهرت، نبذة من قسط أو أظفار.\n(^٥) انظر: شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٤)، ورياض الأفهام (٥/ ١٦)، وعمدة السالك (ص ٢٢٣)، والنجم الوهاج (٨/ ١٥٩ - ١٦٢).","vol":"14","page":50},{"text":"وأم عطية الأنصارية اسمها نسيبة بضم النون وفتح السين [ومنهم] من قال نَسيبة بفتح النون وكسر السين والمختار الأول وهي بنت كعب وقيل بنت الحارث روي لها عن النبي -ﷺ- أربعون حديثا اتفق الشيخان منها على ستة وانفرد كل منهما بحديث (^١). كانت من كبار نساء الصحابة وكانت تغزو كثيرا مع رسول الله -ﷺ- تُمرِّض المرضى وتداوي الجرحى وغسلت ابنة رسول الله -ﷺ- وحديثها أصل في غسل الميت وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت (^٢).\nقال ابن الجوزي: ونسيبة أم عطية بنت كعب ونسيبة بنت رافع بن المعلى ونسيبة بنت نيار بن الحارث فهؤلاء الثلاثة بضم النون وفتح السين وأما نسيبة بنت ثابت بن عصمة ونسيبة بنت سماك بن النعمان ونسيبة بنت كعب أم عمارة الأنصارية فهؤلاء الثلاث بفتح النون وكسر السين وكلهن صحابيات (^٣)، اهـ. وسيأتي الكلام على أم عطية [محرر هذا وذاك، ويكتب ما يحرر].\nوجاء في حديث آخر في الموطأ (^٤) وغيره من حديث أم سلمة اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار، ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل لها وإن احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه فإن\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٤).\n(^٢) الاستيعاب (٤/ ١٩٤٧).\n(^٣) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٢٤٨).\n(^٤) موطأ مالك (١٠٥).","vol":"14","page":51},{"text":"فعلته مسحته بالنهار فحديث الإذن فيه لبيان أنه بالليل للحاجة غير حرام وحديث النهي محمول على عدم الحاجة (^١).\nوقد اختلف العلماء -﵃- في [اكتحال] المعتدة فقال سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار ومالك في رواية عنه يجوز إذا خافت على عينها بكحل لا طيب فيه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وعند الشافعي تكتحل ليلا إن احتاجت إليه وغسلت بالنهار وجوزه بعضهم عند الحاجة وإن كان فيه طيب (^٢)، وللإحداد تفاصيل مشهورة في كتب الفقه فمن أرادها فليراجع مظانها والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت\" الحديث، ففيه دليل على وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها وهو مجمع عليه في الجملة وإن اختلفوا في تفصيله فيجب على كل معتدة من وفاة سواء المدخول بها وغيرها والصغيرة والكبيرة والبكر والثيب والحرة والأمة والمسلمة والكافرة وهذا مذهب الشافعي وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين وأبو ثور وبعض المالكية لا يجب الإحداد على الزوجة الكتابية بل يختص بالمسلمة لقوله ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر فخص ذلك بالمؤمنة ودليل الجمهور أن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشارع -ﷺ- وينتفع به وينقاد له فلهذا قيّد به،\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٤).","vol":"14","page":52},{"text":"وقال أبو حنيفة أيضا لا إحداد على الصغيرة ولا على الزوجة الأمة وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد ولا الأمة إذا توفي عنها سيدها ولا على الزوجة الرجعية، واختلفوا في المطلقة ثلاثا فقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعي وابن المنذر لا إحداد عليها وقال الحكم وأبو حنيفة والكوفيون وأبو ثور وأبو عبيد عليها الإحداد وهو قول ضعيف للشافعي وحكى القاضي قولا عن الحسن البصري أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفى عنها زوجها وهو شاذ غريب، ودليل من قال لا إحداد في المطلقة ثلاثا (^١).\nقوله -ﷺ-: \"إلا على ميت\" فخص الإحداد بالميت بعد تحريمه في غيره والله أعلم (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا\" فالمراد به وعشرة أيام بلياليها هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى عن أبي كثير والأوزاعي أنها أربعة أشهر وعشر ليال وأنها تحل في اليوم العاشر، وعندنا وعند الجمهور لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر (^٣). واعلم أن التقييد بأربعة أشهر وعشرا خرج على غالب المعتدات أنها تعتد بالأشهر [أما إذا] كانت حاملا فعدتها بالحمل ويلزمها الإحداد في جميع العدة سواء قصرت المدة أم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٢).","vol":"14","page":53},{"text":"طالت فإذا وضعت فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء لا يلزمها الإحداد أربعة أشهر وعشرا وإن لم تضع الحمل (^١) والله أعلم.\nفائدة: قال العلماء: والحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق لأن الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه فنهيت عنه ليكون الامتناع من ذلك زاجرا عن النكاح لكون الزوج ميتا لا يمنع معتدته من النكاح ولا يراعيه ناكحها ولا يخاف منه بخلاف المطلق الحي فإنه يُستغنى بوجوده عن زاجر آخر، ولهذه العلة وجبت العدة على كل متوفى عنها زوجها وإن لم يكن مدخولا بها بخلاف الطلاق فاستظهر للميت بوجوب العدة وإنما توقتت بأربعة أشهر [وعشرا] لأن الأربعة أشهر فيها ينفخ الروح في الولد [إن] كان لأن ظهور الولد يوجد إذن إذ أربعون يوما نطفة وأربعون علقة وأربعون مضغة وبعد ذلك ينفخ فيه الروح وزيادة العشر للاحتياط. قاله الكرماني (^٢) وغيره والله أعلم، وفي هذه المدة يتحرك الولد في [الباطن] قالوا ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء ويجعل بالإقرار كالطلاق [لما] ذكرناه من الاختيار للميت ولما كانت الصغيرة من الزوجات نادرة ألحقت بالغالب في حكم وجوب العدة والإحداد (^٣) [والله تعالى أعلم].\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٢ - ١١٣).\n(^٢) الكواكب الدراري (١٩/ ٢٣٨)، وفيه: ظهور الولد يكون فيها إذ هو أربعون يوما نطفة.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٠/ ١١٣).","vol":"14","page":54},{"text":"تنبيه: أم عطية المذكورة في حديث الاكتحال اسمها نُسيبة مصغر النسبة البصرية الأنصارية الصحابية الجليلة ونسيبة بضم النون وفتح السين المهملة بعدها ياء ساكنة آخر الحروف ثم باء موحدة ثاني الحروف. وقيل: نُبيشة بنون وباء موحدة ثم مثناة تحت وشين معجمة. وقال ابن معين هو بفتح النون وكسر السين وكانت تغزو مع رسول الله -ﷺ- فتمرض المرضى وتداوي الجرحى (^١). روي لها عن رسول الله -ﷺ- أربعون حديثا للبخاري منها سبعة (^٢). واختلف في اسم أبيها فقيل الحارث وقيل كعب قاله الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وكانت من فاضلات الصحابيات وكانت غاسلة للميتات وقد غسّلت ابنة النبي -ﷺ- زينب، هكذا قاله الجمهور، توفيت في السنة الثامنة من الهجرة (^٣) والله أعلم.\nقوله: \"قالت زينب\" يعني بنت أبي سفيان المذكورة في أول الباب \"ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر\" الحديث فذكرت نحو ما ذكرته أم حبيبة [زوج النبي -ﷺ-] زينب بنت جحش الأسدية زوج النبي -ﷺ-.\n_________\n(^١) انظر إحكام الأحكام (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، والاعلام (٤/ ٢٤٧ - ٢٤٩)، والتوضيح (٤/ ٢١٥ - ٢١٧).\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٤).\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٦٤).","vol":"14","page":55},{"text":"قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١): قالت عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال لنا: أسرعكن بي لحوقا أطولكن [باعا]، فكنا إذا اجتمعنا نمد أيدينا في الجدار نتطاول حتى توفيت زينب وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي -ﷺ- إنما أراد بطول اليد الصدقة وكانت زينب امرأة صناعة كانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله (^٢). قالت عائشة: لم تكن امرأة خيرا منها أصدق حديثا وأوصل للرحم وأكثر صدقة وكانت -﵂- تفتخر بأن الله زوجني من فوق عرشه، [حيث قال ﷿]: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (^٣)، ماتت بالمدينة سنة عشرين وأجمع أهل السير على أنها أول نساء رسول الله -ﷺ- موتا بعده، وتقدم الكلام على مناقبها مبسوطا والله أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٥).\n(^٢) صحيح البخاري (١٤٢٠)، صحيح مسلم (١٠١) (٢٤٥٢).\n(^٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.","vol":"14","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>[التَّرْهِيب من أكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق]</span>\n٥٣٦٨ - عَن أبي ذَر -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَهُ يَا أَبَا ذَر إِنِّي أَرَاك ضَعِيفا وَإِنِّي أحب لَك مَا أحب لنَفْسي لَا تؤمرن على اثْنَيْنِ وَلَا تلين مَال يَتِيم رَوَاهُ مُسلم (^١) وَغَيره (^٢).\nقوله: \"عن أبي ذر\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ- لأبي ذر: \"يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرنّ على اثنين ولا تلينّ مال يتيم\" تقدم هذا الحديث في كتاب القضاء، وتقدم الكلام عليه، وكذلك تقدم الكلام على حديث أبي هريرة الذي بعده والذي بعده أيضا وعلى حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في مواضع من هذا التعليق.\n\n٥٣٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا هن قَالَ الشّرك بِالله وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٨٢٦).\n(^٢) أبو داود (٢٨٦٨)، والنسائي (٦/ ٢٥٥)، وأحمد (٢١٥٦٣)، والبزار = البحر الزخار (٤٠٤٥)، وأبو عوانة في المستخرج (٧٠٢٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٦)، وابن حبان (٥٥٦٤)، والحاكم (٧٠١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٨٤)، وقال أبو داود: \"تفرد به أهل مصر\"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢١٧٧).","vol":"14","page":57},{"text":"إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْكَبَائِر سبع أولهنَّ الْإِشْرَاك بِالله وَقتل النَّفس بِغَيْر حَقّهَا وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم (^١) وفرار يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات والانتقال إِلَى الْأَعْرَاب بعد هِجْرَة الموبقات المهلكات.\n\n٥٣٧٠ - وَعنهُ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَربع حق على الله أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن الْخمر وآكل الرِّبَا واكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق والعاق لوَالِديهِ رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن خثيم بن عرَاك وَقد ترك عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).\n[٥٣٧١] وَعَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي -ﷺ- كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ وَإِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة الْإِشْرَاك بِالله وَقتل النَّفس المؤمنة بِغَيْر الْحق والفرار فِي سَبِيل الله يَوْم الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَرمي المحصنة وَتعلم السحر وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦) و(٦٨٥٧)، ومسلم (١٤٥ - ٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٢٣٢ (٣٦٩٧). والبزار (٨٦٩٠) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٣٨) و(١٨٤٨) و(٣٥٤٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧)، وعنه البيهقي في الشعب (٧/ ٣٦٩ - ٣٧٠ رقم ٥١٤٢). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه إبراهيم بن خثيم قال النسائي متروك. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١١٥٨) و(١٤١١) و(١٤٨٣) و(٢٠٧١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":58},{"text":"فَذكر الحَدِيث وَهُوَ كتاب طَوِيل فِيهِ ذكر الزَّكَاة والديات وَغير ذَلِك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\n\n٥٣٧٢ - وَعَن أبي بَرزَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة قوم من قُبُورهم تأجج أَفْوَاههم نَارا فَقيل من هم يَا رَسُول الله قَالَ ألم تَرَ أَن الله ﷿ يَقُول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، رَوَاهُ أبُو يعلى (^٢) وَمن طَرِيقه ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣) من طَرِيق زِيَاد بن الْمُنْذر أبي الْجَارُود عَن نَافِع بن الْحَارِث وهما واهيان متهمان عَن أبي بَرزَة.\nقوله: \"وعن أبي برزة\" واسمه نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور فى اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: ثضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٥٥٩). وصححه الألبانى في \"الإرواء\" (١٢٢)، \"المشكاة\" (٤٦٥)، وصحيح الترغيب (١٣٤١) و(٢٥١٠) و(٢٨٠١) و(٣٠٤٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٧٤٤٠)، وأبن عدي في الكامل (٥/ ٦٥)، وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (١/ ٢٩٠): ورواه ابن عدي في كتابه الكامل وأعله بزياد بن المنذر ونقل عن أحمد أنه قال فيه: متروك الحديث وعن أبن معين أنه قال فيه: كذاب، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢): رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه زياد بن المنذر وهو كذاب. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٥٦٥٥/ ١): هذا إسناد ضعيف، فيه زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، وهما واهيان متهمان. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة ٥٤٥٨: موضوع، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٠٧٢).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٥٥٦٦).","vol":"14","page":59},{"text":"نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وقال: نيار شيطان.\nوأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديما، وشهد مع رسول الله -ﷺ- فتح مكة. روى له عن رسول الله -ﷺ- ستة وأربعون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على حديثين، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدى، والأزرق بن قيس، وغيرهم.\nنزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفى بها، وقيل: توفى بخراسان فى خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة -﵁- (^١).\nقوله -ﷺ-: \"يبعث الله يوم القيامة قوما من قبورهم تأجّج أفواههم نارا. فقيل من هم يا رسول الله؟ قال: ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (^٢) الحديث، التأجج هو الاشتعال والالتهاب حتى يسمع للنار صوت.\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٩ - ١٨٠).\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٠.","vol":"14","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>التَّرْغِيب فِي زِيَارَة الرِّجَال الْقُبُور والترهيب من زِيَارَة النِّسَاء واتباعهن الْجَنَائِز</span>\n٥٣٧٣ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ زار النَّبِي -ﷺ- قبر أمه فَبكى وأبكى من حوله فَقَالَ اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لهَا فَلم يُؤذن لي واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها فَأذن لي فزوروا الْقُبُور فَإِنَّهَا تذكر الْمَوْت رَوَاهُ مُسلم (^١) وَغَيره (^٢).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله: \"زار النبي -ﷺ- قبر أمه فبكى وأبكى من حوله\" الحديث، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (^٣) عن عمر بن الخطاب قال: خرجنا مع النبي -ﷺ- إلى المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه فبكى وبكيت فقال: ما يبكيكم؟ قلنا: بكينا لبكائك. قال: هذا قبر أمي آمنة بنت وهب استأذنت ربي\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩٧٦).\n(^٢) وأخرجه أبو داود (٣٢٣٤)، والنسائي (٤/ ٩٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (١١٨٠٧)، وأحمد (٩٦٨٨)، والطحاوي في المشكل (٢٤٨٩) وابن حبان (٣١٦٩) والحاكم (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) والبيهقي (٤/ ٧٦) وفي الدلائل (١/ ١٩٠) والبغوي في شرح السنة (١٥٥٤) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٥٤١) والحازمي في الاعتبار (ص ١٣٢) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وقال البغوي والحازمي: هذا حديث صحيح.\n(^٣) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٦٧): رواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور من حديث ابن مسعود وفيه ذكر لعمر بن الخطاب، وآخره عند ابن ماجه مختصرا وفيه أيوب بن هانئ ضعفه بن معين وقال أبو حاتم صالح ..","vol":"14","page":61},{"text":"في زيارتها فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فأبى فأدركني ما يدرك الولد من الرقة، اهـ.\nهذا تعليم للأمة في قضاء حق الآباء والأمهات والأقارب أي لم أترك قضاء حقها مع أنها كانت كافرة فلا تتركوا الزيارة (^١) اهـ.\nويقال: كان قبر أمه -ﷺ- بالأبواء فمرّ به عام الحديبية والأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد هو جبل بين مكة والحديبية عنده بلد [تنسب] إليه، وقد روي أنه -ﷺ- زار قبر أمه في ألف فارس مقنع (^٢) أي [لابس] السلاح (^٣) وأمّه -ﷺ- آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وماتت أمّه آمنة وعمره -ﷺ- يومئذ أربع سنين وقيل ثمان سنين (^٤) وقيل ست سنين (^٥) وقيل سبع (^٦) وقيل تسع وقيل خمس\n_________\n(^١) المفاتيح (٢/ ٤٦٧).\n(^٢) أخرجه البزار (٤٣٧٥)، وابن عدى في الكامل (١٠/ ٦١٥)، والحاكم (١/ ٣٧٥، ٢/ ٦٠٥). وأخرجه البزار (٤٣٧٦) مرسلا. قال البزار: وهذا الحديث رواه جماعة، عن يحيى بن اليمان عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن أبيه، ولا نعلم أحدا رواه، عن يحيى موصلًا ممن يحتج بحديثه، وإنما يروى عن سفيان، عن علقمة بن مرثد مرسلًا. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى.\n(^٣) شرح السنة (٥/ ٤٦٣).\n(^٤) كنز الدرر (٣/ ١١). والأربع قول ابن حبان في السيرة (ص ٥٧)، والثمان هو قول محمد بن حببب كما نقله عنه ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٣٤).\n(^٥) وهو قول الزهرى وابن إسحاق كما في الطبفات الكبرى ١/ ٩٥، وعيون الأثر (١/ ٤٧).\n(^٦) نقله ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٣٤).","vol":"14","page":62},{"text":"وقيل [اثنتي] عشرة [سنة] [وشهر وعشرة أيام] (^١) وقيل عشرة، [هذا] (^٢) جملة ما اختلفوا فيه (^٣) وكفله بعد موت أبيه جده عبد المطلب [ثم توفي وهو ابن ثمان سنين] (^٤) وحملت به أمه أيام التشريق في شعب أبي طالب ووُلد -ﷺ- في دار محمد بن يوسف أخي الحجاج وقيل [بل] في شعب بني هاشم وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول عام الفيل، وقيل لثمان خلون منه، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وقيل لعشر خلون منه (^٥). ومات أبوه عبد الله وله من العمر خمس وعشرون سنة وقيل ثلاثون ورسول الله -ﷺ- في بطن أمه وقيل أنه مات بالمدينة ولرسول الله -ﷺ- شهران وقيل سبعة أشهر وقيل غير ذلك (^٦).\nوأقام في بني سعد خمس سنين، والمتفق عليه أن عبد الله لم يره وكفله بعد موت أبيه بخمسة أيام جده عبد المطلب فلما حضرته الوفاة أوصى به أبا طالب عمّه وعمره -ﷺ- يومئذ ثمان سنين وقيل أكثر وقيل أقل، فأحسن تربيته إلى أن ملك نفسه -ﷺ- وانفرد عنه وكان أبو طالب خرج إلى الشام تاجرا ورسول الله -ﷺ- معه فرآه بحيرا الراهب فعرفه بعلامة النبوة والصفة التي\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٣) الإشارة إلى سيرة المصطفى (ص ٧٣)، والمواهب اللدنية (١/ ١٠١).\n(^٤) عيون الأثر (١/ ٥٠)، والإشارة (ص ٧٤).\n(^٥) الاستيعاب (١/ ٣٠)، وعيون الأثر (١/ ٣٣).\n(^٦) الاستيعاب (١/ ٣٣ - ٣٤)، وعيون الأثر (١/ ٣٢)، والإشارة (ص ٦٣ - ٦٤).","vol":"14","page":63},{"text":"كانت عنده فقال لعمه أتحبّ هذا الغلام؟ قال: نعم. فقال: والله لئن [عاينوه] اليهود ليقتلونه فإنه عدوهم وأشار إلى عمه بردّه إلى مكة فردّه، وأقام بها إلى أن بلغ خمسا وعشرين سنة ثم خرج إلى الشام لتجارة خديجة بنت خويلد ثم عاد إلى مكة فتزوجها بعد ذلك بشهرين وتزوجها وله من العمر خمس وعشرون سنة [وشهرين] وعشرة أيام وهي يومئذ ابنة [ثمان] وعشرين سنة، فلما بلغ خمسا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة ورضيت قريش بحكمه وكان -ﷺ- يدعى بينهم بالأمين فلما بلغ أربعين سنة بعثه الله تعالى لكافة الخلق أجمعين بالقرآن والرسالة، فدعا إلى الدين فأجابه [السباقون] مثل علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وأبي بكر وعثمان وسعد بن أبي وقاص ﵃ أجمعين وتوفيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام ثم خرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة بعد ثلاثة أشهر من موت خديجة فأقام بها شهرا [ثم رجع] إلى مكة في جوار المطعم بن عدي فلما أتت له خمسون سنة قدم عليه جنّ نصيبين فأسلموا فلما [أتى] له إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر أسري به -ﷺ- وعاش ثلاثا وستين سنة ونحر في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة وأعتق ثلاثا وستين رقبة -ﷺ- (^١) اهـ.\nقال النووي (^٢): قوله: فبكى وأبكى من حوله، وبكاؤه ﵇ على قبر أمه إنما كان لما فاتها من إدراك أيامه ومن الإيمان به.\n_________\n(^١) كنز الدرر (٣/ ٣٥ - ٤٦) باختصار.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٦).","vol":"14","page":64},{"text":"قوله -ﷺ-: \"فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي\" الحديث يحتمل أن يكون هذا الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (^١) الآية. ويحتمل أن يكون بعد ذلك وارتجى [خصوصية] أمه بذلك وهذا التأويل الثاني أولى والله أعلم، قاله القرطبي (^٢).\nوقال ابن عقيل في شرح الأحكام وغيره، في هذا الحديث جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (^٣) وفيه المنع من الاستغفار للكفار (^٤)، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. وقد صرّح جماعة من العلماء بتحريم الدعاء بالمغفرة والرحمة للكفار، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت\"، قال القاضي عياض رحمه لله (^٥) سبب زيارته -ﷺ- قبر أمه أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها ويؤيد ذلك.\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١٣.\n(^٢) المفهم (٨/ ١٠٨).\n(^٣) سورة لقمان، الآية: ١٥.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٥).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٥).","vol":"14","page":65},{"text":"قوله -ﷺ- في آخر هذا الحديث: \"فزورو القبور فإنها تذكر الموت\"، وفي حديث أبي سعيد (^١) بعده: فزوروها فإن فيها عبرة، [قال] (^٢) وفي حديث ابن مسعود (^٣): فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة. وخرج الإمام\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤/ ٨٩)، ومالك في الموطأ (٢/ ٤٨٥)، وأحمد (١١٦٠٦) وفي الأشربة (٢٣١) وعبد بن حميد (٩٨٥) والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ١٨٦) وفي المشكل (٤٧٤٤) وأبو الفضل الزهري في حديثه (٣٧٢) وابن شاهين في الناسخ (٥٤٧) والحاكم (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥) والبيهقي (٤/ ٧٧) وفي معرفة السنن (٥/ ٣٥١) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قلت: إسناده حسن، محمد والواسع ثقتان، وأسامة حسن الحديث، وخالفه أبو الزناد فرواه عن محمد بن يحيى بن حبان عن النبي -ﷺ- مرسلا، والصواب حديث أسامة. قاله الدارقطني في العلل (١١/ ٣١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٨): رواه البزار، وإسناده حسن، رجاله رجال الصحيح. قال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٢١٤): لم يسمع ربيعة من أبي سعيد الخدري وهذا الحديث يتصل من غير حديث ربيعة ويستند إلى النبي -ﷺ- من طرق حسان من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد وبريدة الأسلمي وجابر وأنس وغيرهم وهو حديث صحيح، وثبته في الاستذكار (١/ ١٨٢) قال: وقد ثبت عن النبي -﵇- أنه قال: \"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا فإنها تذكر الآخرة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٧٨٩).\n(^٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٥٧١ و٣٣٨٨ و٣٤٠٦) وأبو يعلى (٥٠٧٩)، وابن وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠٠٥١) والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ١٨٥ و٢٢٨)، وفي المشكل (٢٤٨٧) حبان (٩٨١) (٥٤٠٩) والهيثم بن كليب (٣٩٧)، والحاكم (١/ ٣٧٥)، (٢/ ٣٣٦)، والبيهقي (٤/ ٧٧ و٨/ ٣١١)، وفي الدلائل (١/ ١٨٩ - ١٩٠) والواحدي في أسباب النزول (ص ١٥١ - ١٥٢) وفي الوسيط (٢/ ٥٢٨) وأبو نعيم في أخبار أصبهان =","vol":"14","page":66},{"text":"أحمد [من] حديث أنس (^١) أن النبي -ﷺ- قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي فيها أنها [تزكي] القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجرا. الهجر الكلام الفاحش.\nفائدة: إذا زار الإنسان القبور [فقال] السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، إلخ. وإذا قال ذلك يقرأ بعده الفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثلاث مرات وإن قرأها اثنتي عشر مرة كان حسنا ثم يدعو [له]. روى حسن البصري عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ-، قال: من دخل المقابر فقرأ يس خفف الله عنهم العذاب يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات (^٢) هكذا نقل هذا الحديث\n_________\n= (٢/ ١٧ - ١٨) قال الحاكم: صحيح على شرطهما وتعقبه الذهبي فقال: قلت: أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٤٢ و٤/ ٤٠: هذا إسناد حسن، أيوب بن هانئ مختلف فيه، تفرد ابن جُريج بالرواية عنه، قاله الذهبي، وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٧٩).\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٩٤١)، وعنه أبو يعلى (٣٧٠٥)، وأحمد (٣/ ٢٣٧)، وابن بشران في الفوائد (٣٥١)، والحاكم (١/ ٥٣٢)، قال ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣٤٣): رواه الحاكم في \"مستدركه\"، وفيه يحيى الجابر، وقد ضعفوه. ثم رواه الحاكم من طريق آخر جيد، عن أنس بلفظ: \"نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكركم الآخرة، ولا تقولوا هجرا\". ورواه أحمد بنحوه. وانظر التلخيص الحبير (٢/ ١٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٥٨٤). وحسنه في أحكام الجنائز (ص/ ١٨٠).\n(^٢) أخرجه الثعلبي في تفسيره (٣/ ١٦١/ ٢) وضعفه الألباني في تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات (ص: ٩١): وهو حديث موضوع كما بينته في الضعيفة برقم (١٢٤٦) =","vol":"14","page":67},{"text":"الإمام أبو الفتح العجلي في تفسيره (^١) ومعنى خفف أزال.\nوقوله: \"بعدد [من فيها\"، أي بعدد] (^٢) كل ميت في المقابر، نقل ذلك في شرح [المظهر (^٣)] على المصابيح (^٤) وفي سلامه - ﷺ - على [أهل القبور] حجة لمن يقول الأرواح باقية لا تفنى بفناء الأجساد.\nوقد جاء في الحديث أن الأرواح تزور القبور (^٥).\nوفي قوله السلام عليكم هذا يدل على أن التسليم على [الأموات كالتسليم على الأحياء] (^٦).\n_________\n= انظر: أحكام الجنائز (١/ ٢٥٩): لا أصل في شيء من كتب السنة، والسيوطي لما أورده في (شرح الصدور) (ص ١٣٠) لم يزد في تخريجه على قوله: (أخرجه عبد العزيز صاحب الخلال بسنده عن أنس)! ثم وقفت على سنده فإذا هو إسناد هالك كما حققته في (الأحاديث الضعيفة) (١٢٤٦).\n(^١) المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ٤٦٩).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) الحسين بن محمود بن الحسن، مظهر الدين الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ المشهورُ بالمُظْهِري (المتوفى: ٧٢٧ هـ). انظر: معجم المؤلفين (٤/ ٦٠)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٩).\n(^٤) المفاتيح (٢/ ٤٦٩).\n(^٥) انظر في هذا ما ذكره السيوطي في كتابه: شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور في باب زيارة القبور وعلم الموتى بزوارهم ورؤيتهم لهم. منها أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله -ﷺ-: ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده ألا استأنس ورد عليه حتى يقوم شرح الصدور (ص ٨٤).\n(^٦) المفاتيح (٢/ ٤٦٨).","vol":"14","page":68},{"text":"وروي أن الأرواح تعلم بزوار قبورها عشية ليلة الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت قبل طلوع الشمس لفضل يوم الجمعة وعظمه (^١). وقال الضحاك (^٢) من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته.\nوقال قيس بن منصور: لما كان زمن الطاعون [وكان رجل] (^٣) يختلف إلى الجبانة فيشهد الصلاة على الجنائز فإذ أمسى وقف على باب المقابر فقال آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن سيئتكم لا يزيد على هذه الكلمات، قال الرجل: فأمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، فبينا أنا نائم إذا بخلق كثير جاءوني، قلت ما أنتم وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر. قلت: ما جاء بكم؟ قالوا: إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك. قلت وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بهن. قلت: فإني لا أدعهن لذلك، فما تركتهن بعد. وكان بشار بن غالب البحراني [يقول] (^٤): رأيت رابعة العدوية العابدة في منامي وكنت أدعو لها [فقالت] لي: يا بشار بن غالب هداياك تأتينا في أطباق من نور مخمرة بمناديل الحرير. قلت: وكيف ذاك؟ قالت: وهكذا دعاء المؤمنين [الأحياء إذا] دعوا للموتى فاستجيب لهم الدعاء يجعل ذلك الدعاء على\n_________\n(^١) أهوال القبور (ص ٧٨).\n(^٢) شعب الإيمان (٨٨٦٣).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.","vol":"14","page":69},{"text":"أطباق النور وخمر بمناديل الحرير ثم أتي به الميت فيقال هذه هدية فلان إليك (^١).\nقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتابه آداب زيارة القبور: [الزائر يختار] إن شاء زار قائما وإن شاء قعد كما يزور الرجل أخاه فربما جلس عنده وربما زاره قائما ومارا ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله على هذا مضت السنة (^٢). قال: واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرت شرعا ينبغي أن يجتنب فعلها وينهى فاعلها فإن ذلك فعل النصارى. قال: ومن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه فإن أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة. قال الحافظ أبو موسى ويستحب للزائر أن يستقبل الميت مستدبر القبلة (^٣)، اهـ.\n[٥٣٧٤] وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِنِّي نَهَيْتكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها فَإن فِيهَا عِبْرَة رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^٤).\n_________\n(^١) شعب الإيمان (٨٨٥٩)، والاحياء (٤/ ٤٩١)، والعاقبة (ص ٢١٦ - ٢١٧)، وأهوال القبور (ص ١٣٤) وفى الجميع عن بشر بن منصور.\n(^٢) المجموع (٥/ ٣١١).\n(^٣) المجموع (٥/ ٣١١).\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٣٨ (١١٣٢٩)، وعبد بن حميد (٩٨٥)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٧٤٤)، والحاكم (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥). وصححه الحاكم. وقال الهيثمى في المجمع ٣/ ٥٨: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٣٥٤٣). ولم يذكر الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":70},{"text":"٥٣٧٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروا الْقُبُور فَإِنَّهَا تزهد فِي الدُّنْيَا وتذكر الآخِرَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^١).\n\n٥٣٧٦ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- زر الْقُبُور تذكر بهَا الآخِرَة واغسل الْمَوْتَى فَإِن معالجة جَسَد خاو موعظة بليغة وصل على الْجَنَائِز لَعَلَّ ذَلِك أَن يحزنك فَإِن الحزين فِي ظلّ الله يتَعَرَّض كل خير رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ رُوَاته ثِقَات (^٢) وَتقدم قَرِيبا.\n\n٥٣٧٧ - وَعَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قد كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فقد أذن لمُحَمد فِي زِيَارَة قبر أمه فزوروها فَإِنَّهَا تذكر الآخِرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^٣) قَالَ الْحَافِظ قد كَانَ النَّبِي -ﷺ- نهى عَن زِيَارَة الْقُبُور نهيا عَاما للرِّجَال وَالنِّسَاء ثمَّ أذن للرِّجَال فِي زيارتها\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٦٧١٤)، وابن ماجه (١٥٧١)، والشاشى (٩٣٧)، وابن حبان (٩٨١)، والحاكم ١/ ٣٧٥. وضعفه الألبانى في المشكاة (١٧٦٩)، ضعيف الترغيب (٢٠٧٣)، الأحكام (١٨٠).\n(^٢) أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٥). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: لكنه منكر، ويعقوب هو القاضي أبو يوسف حسن الحديث ويحيى لم يدرك أبا مسلم فهو منقطع، أو أن أبا مسلم رجل مجهول. وضعفه الألبانى في ضعيف الترغيب (٢٠٧٤). ولم يذكر الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه الترمذى (١٠٥٤). وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٣٥٤٢). ولم يذكر الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":71},{"text":"وَاسْتمرّ النَّهْي فِي حق النِّسَاء وَقيل كَانَت الرُّخْصَة عَامَّة وَفِي هَذَا كَلَام طَوِيل ذكرته فِي غير هَذَا الْكتاب وَالله أعلم.\nقوله: \"وعن ابن بريدة عن أبيه\" اسمه بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى.\nسكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. روى له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على حديث، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (^١).\nقوله -ﷺ-: \"قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة\" الحديث. قال الحافظ رحمه الله تعالى: قد كان النبي -ﷺ- نهى عن زيارة القبور نهيا عاما للرجال والنساء ثم أذن للرجال في زيارتها واستمر النهي في حق النساء. وقيل: كانت الرخصة عامة، وفي ذلك كلام طويل ذكره الحافظ في غير هذا الكتاب، اهـ.\nحديث ابن بريدة هذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارة القبور وأجمعوا على أن زيارتها مندوب إليها وقد أمر النبي -ﷺ- بذلك (^٢).\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٧/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"14","page":72},{"text":"ونقل النووي في شرح المهذب (^١) الإجماع على استحبابها والمختار أن النساء لا يدخلن في ضمير الرجال، وأما النساء فقد اختلف العلماء في زيارتهن القبور على ثلاثة أقوال في مذهب الشافعي: قول بالمنع وقول بالجواز على ما يعلم في الشرع من التستر والتحفظ وعكس ما يفعل اليوم، والثالث الفرق بين العجوز والشابة فيجوز للعجوز وتمنع الشابة. واعلم أن الخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في فساد ذلك الزمان وكن على ما يعلم من عادتهن في الاتباع على ما تقدم وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجواز ذلك، فإن وقعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما يعلم في الشرع من الستر كما تقدم لا على ما يعلم من عادتهن الذميمة في هذا الزمان.\nتنبيه: بعث الله تعالى رسوله محمدا -ﷺ- بمحو آثار الجاهلية وكان من شأنهم إذا مات لهم ميت أن يخمشوا الوجوه وينتفوا الشعور ويشقوا الجيوب ويخربوا البيوت فزجرهم -ﷺ- عما كانوا يفعلون ونهاهم عن زيارة القبور لحداثة عهدهم بالكفر لما في زيارة القبور من الفتنة حتى استحكم إسلامهم وصاروا أهل يقين وصارت القبور لهم معتبرا بعد أن كانت مفتتنا خلي عنهم، وقال: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن لكم فيها معتبرا، وسكت عن ذكر النساء لضعفهن ورقتهن [وسرعة افتتانهن فلم يبح لهن\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٧)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (٧/ ١٢).","vol":"14","page":73},{"text":"الخروج إلى زيارة القبور (^١)، وقد رأى النبي -ﷺ- نسوة في جنازة]، فقال: ارجعن مأزورات غير مأجورات (^٢)، وقد رأى ابن مسعود -﵁- نساء في جنازة فطردهن وقال: والله لَا أرجع إن لم ترجعن، وحصبهن بالحجارة، فعلى هذا ليس لهن نصيب في حضور الجنائز (^٣)، قاله في تهذيب النفوس.\nتنبيه: يستثنى من ذلك قبر سيد المرسلين - ﷺ - فزيارته من أعظم القربات للرجال والنساء واستثنى بعض المتأخرين قبور الأولياء والصالحين والشهداء والله أعلم.\n\n٥٣٧٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- لعن زائرات الْقُبُور والمتخذين عَلَيْهَا الْمَسَاجِد والسرج رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٤) وَالتّرمِذِيّ (^٥) وَحسنه وَالنَّسَائِيّ (^٦) (^٧) وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس.\n_________\n(^١) نوادر الأصول (١/ ١٤٢ - ١٤٨).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٨) عن علي وقال البوصيري (٢/ ٤٤): هذا إسناد مختلف فيه من أجل دينار وإسماعيل بن سليمان. وأبو يعلى في المسند (٤٠٥٦) عن أنس، وقال الهيثمي (٣/ ٢٨): الحارث بن زياد قال الذهبي: ضعيف، وانظر العلل المتناهية (٢/ ٩٠٢) حيث قال في طريق علي: جيد الإسناد. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٧٧٣) والأحاديث الضعيفة (٢٧٤٢).\n(^٣) المدخل (١/ ٢٥١).\n(^٤) أبو داود (٣٢٣٦).\n(^٥) الترمذي (٣٢٠) وقال حديث حسن.\n(^٦) والنسائي (٤/ ٩٤).\n(^٧) سنن ابن ماجه (١٥٧٥).","vol":"14","page":74},{"text":"قَالَ الْحَافِظ وَأَبُو صَالح هَذَا هُوَ باذام وَيُقَال باذان مكي مولى أم هانئ وَهُوَ صَاحب الْكَلْبِيّ قيل لم يسمع من ابْن عَبَّاس وَتكلم فِيهِ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا.\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسّرج\" الحديث.\nوفي حديث آخر المتخذين عليها المساجد والسرج رواه الإمام أحمد (^١) وأهل السنن (^٢)، وفي حديث آخر في الصحيح (^٣) لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد أي معابد يتعبدون عندهم ويترددون إلى زيارته، ففي هذا الحديث دليل على جواز لعن اليهود والنصارى على العموم\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٠٣٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٥)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي ٤/ ٩٤ - ٩٥، وابن حبان (٣١٧٩) و(٣١٨٠)، والبغوي (٥١٠) وقال الترمذي: حديث حسنو أخرجه الطيالسي (٢٧٣٣)، والحاكم ١/ ٣٧٤، والبيهقي ٤/ ٧٨. أخرجه أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، وقال حديث حسن، والنسائي (٤/ ٩٤)، والحاكم (١/ ٣٧٤) وقال: أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به وإنما هو باذان ولم يحتج به الشيخان لكنه حديث متداول فيما بين الأئمة وأقره الذهبي في التلخيص، وأحمد في مسنده (١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٣٣٧). وضعفه الألباني في ضعمِف الجامع (٤٦٩١).\nإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٣/ ٢١٢)، وفي السلسلة الضعيفة (٢٢٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٣).\n(^٣) صحيح البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (٥٣١).","vol":"14","page":75},{"text":"من غير تخصيص وإن كان الأفضل ترك اللعن (^١).\nوأما لعن الكافر المعين فإن كان مقطوعا له بالنار كالشيطان وأبي جهل وفرعون وأبي لهب جاز لعنه كما يجوز لعن الكفرة على العموم وإن لم يكن مقطوعا له بالنار كآحاد اليهود والنصارى [لم] يجز لعنه على الخصوص لأنه قد يكون مسلما في العاقبة فلا يكون مستحقا للعن (^٢).\nوأما لعن المسلم المتصف بما يجوز لعنه فلا يجوز لعنه على الخصوص ويجوز لعنه بالوصف من غير تعيين (^٣)، وقد لعن رسول الله -ﷺ- الواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة (^٤) ولعن من كمّه أعمى عن الطريق (^٥) أي حيّره، وقال -ﷺ-: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده (^٦).\nوأما المخاطبة باللعن فلا تجوز فلا يقال لمسلم متصف بذلك لعنه الله ويجوز في حق الكافر المقطوع له بالنار، وقد ثبت في صحيح مسلم (^٧) أنه -ﷺ-\n_________\n(^١) العدة في شرح العمدة (٢/ ٧٨٩)، ورياض الأفهام (٣/ ٢٦٢).\n(^٢) رياض الأفهام (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣).\n(^٣) رياض الأفهام (٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، والأعلام بفوائد عمدة الأحكام (٤/ ٥٠٩ - ٥١١).\n(^٤) صحيح البخاري (٢٢٣٨)، ومسلم (٢١٢٤).\n(^٥) أخرجه أحمد (١٨٧٥) وعبد بن حميد (٥٨٩)،، وأبو يعلى (٢٥٢١)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٧٥)، والطبراني (١١٥٤٦)، والحاكم ٤/ ٣٥٦، والبيهقي في السنن ٨/ ٢٣١، وفي الشعب (٥٣٧٣)، وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٦٢).\n(^٦) صحيح البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧).\n(^٧) صحيح مسلم (٤٠) (٥٤٢).","vol":"14","page":76},{"text":"-ﷺ- خاطب الشيطان باللعن في الصلاة فقال: أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله، اهـ. قاله ابن العماد في شرح العمدة (^١).\n[قال النووي (^٢): جاءلت لعنة زوارالت القبور بأسانيد صحيحة عن النبي -ﷺ-، فلذلك قال صاحب المهذب والبيان من أصحابنا: لا يجوز للنساء زيارة القبور لظاهر هذا النهي، قال النووي: وقولهما شاذ في المذهب والذي قطع به الجمهور أنها مكروهة كراهة تنزيه، ذكر الروياني في البحر فيها وجهين أحدهما [أنها تكره] الثاني لا [تكره]، [قال وهو] (^٣) [والأصح] عندي إذا أمن الافتتان. وقال صاحب المستظهري: إن كانت زيارتهن لتجديد النوح والحزن والتعديد [والبكاء] (^٤) [فحرام] وعليه يحمل حديث لعن زوارات القبور وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة كثيرة إلا أن تكون عجوزا لا تشتهى فلا يكره كحضور الجماعة في المسجد، قال وهذا الذي قاله حسن ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة لظاهر الحديث. واختلف العلماء هل هذا النسخ عام للرجال والنساء أم خاص بالرجال وبقي حكم النساء على المنع والأول أظهر وقد دل على صحة ذلك أنه ﵇ رآى امرأة تبكي عند قبر فلم ينكر عليها الزيارة وإنما\n_________\n(^١) هذا الشرح أكثر المؤلف الأخذ عنه وهو في عداد المفقود.\n(^٢) المجموع شرح المهذب (٥/ ٣١٠ - ٣١١).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه اللفظة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":77},{"text":"أمرها بالصبر وقال: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة وذلك يحتاج إليه كل أحد على أن حديث نهي النساء مختلف في صحته (^١).\nوأما قوله: \"كنت نهيتكم\" فقد استدل بعضهم على تقدم النهي للرجال أيضا ثم هذا النهي إنما هو للمكثرات من الزيارة لأن زوارات للمبالغة ويقال أن النساء إنما منعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهوة والتضييع [بمن] يلازم القبور لتعظيمها ولا يخاف من الصراخ والنواح وغير ذلك من المفاسد على هذا يفرق بين الزائرت [والزوار] والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء كما تقدم (^٢)] (^٣).\nوفي صحيح مسلم (^٤) عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله -ﷺ- قال: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها، وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة فهذا أبعد شيء عن [مقاصد] الرسول -ﷺ- ألا ترى أن قبور الأنبياء من أطهر البقاع فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم وإنما أراد ﵊ المنع [بفتنتها] كما افتتن قوم نوح ومن بعدهم ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن [فاعله] لكونه وسيلة إلى\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٥/ ٣١١) والمفهم (٨/ ١٠٧).\n(^٢) المفهم (٨/ ١٠٨).\n(^٣) وقع تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسى قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين به على [دوائه]).\n(^٤) صحيح مسلم (٩٧ - ٩٧٢).","vol":"14","page":78},{"text":"تعظيمها وجعلها [نصبا يوفض] إليه المشركون كما هو الواقع فهكذا اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها (^١).\nوقال ابن [العماد]: قال العلماء: فإذا كان هذا في حالط من سجد لله في مسجد على قبر فكيف حالط من سجد للقبر نفسه أو لمن فيه، قالوا: وإنما أكد الزجر عن الصلاة في المسجد الذي على القبر وغلظ في أمره [باللعن والوعيد] تحذيرا من التشبيه بعبدة الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين وسد الذرية وسد الذريعة خوفا من أن يعبد مع لله تعالى غيره (^٢)، وظاهر الحديث يقتضي تحريم اتخاذ المسجد على [القبر] وإن كان في ملك الباني [سواء كان الميت مشهورًا بالصلاح أم لا، والأصحاب فصلوا في البناء على القبر، فقالوا: إن كان في ملك الباني] فمكروه وإن كان في مقبرة مسبّلة فحرام، نص عليه الشافعي والأصحاب (^٣).\nقال الشافعي في الأم (^٤): ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى وهذا في بناء غير المسجد والمعنى فيه تضييق المقبرة بالبناء على غيره (^٥) وأما بناء المسجد فينبغي تحريمه مطلقا وإن كان في ملك الباني (^٦)، [ويحتمل أن قول\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^٢) الجواب الكافى (ص ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢٧).\n(^٤) الأم (١/ ٣١٦)، وانظر الحاوى (٣/ ٢٧)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢٧).\n(^٥) وإليه أشار الشافعى في الأم (١/ ٣١٦).\n(^٦) العدة (٢/ ٧٨٦).","vol":"14","page":79},{"text":"الشافعي (^١):] وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس على كراهة الحرمة (^٢)، وفي الحديث دليل على امتناع اتخاذ قبر النبي -ﷺ- مسجدا ومنه يفهم امتناع الصلاة على قبره -ﷺ-، ومن الفقهاء من استدل بعدم صلاة المسلمين على قبره -ﷺ- على عدم الصلاة على القبر جملة، وأجيب عن ذلك بأن قبر النبي -ﷺ- مخصوص على هذا بما فهم من الحديث من النهي عن اتخاذ قبره [مسجدا (^٣) وقد قال -ﷺ-] (^٤): اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد إنما [هلك] بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، الحديث (^٥). وبعض العلماء أجاز الصلاة على قبر النبي -ﷺ- كجوازها على قبر غيره ونقله في الروضة عن أبي الوليد النيسابوري (^٦)، ا هـ.\n_________\n(^١) الأم (١/ ٣١٧).\n(^٢) الاعلام (٤/ ٤٩٩)، والنجم الوهاج (٣/ ١١٠).\n(^٣) العدة شرح العمدة (٢/ ٧٨٨).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) أخرجه الحميدي (١٠٥٥). وأحمد (٧٣٥٢). وأبو يعلى (٦٦٨١). وأخرجه البخاري في الكبير (٢/ ١/ ٤٧)، وابن سعد (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٧) وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٤٤) وقال البوصيري: رجاله ثقات الإتحاف ٤/ ١٦٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢) رواه أبو يعلى، وفيه إسحاق بن أبي إسرائيل، وفيه كلام لوقفه في القرآن، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في أحكام الجنائز (١/ ٢١٧)، وغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (ص: ٩٨).\n(^٦) روضة الطالبين (٢/ ١٣١).","vol":"14","page":80},{"text":"وقال ابن قيم الجوزية (^١): قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا بالصلاة في تلك البقعة عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ووخو أن الصلاة عند القبر منهي عنها فمن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها فقد تواترت النصوص عن النبي -ﷺ- بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوئف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وخرّج أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة والذي ينبغي أن تحمل الكراهة على التحريم إحسانا للظن بالعلماء وأن لا يظن بهم أنهم يجيزون فعل ما تواتر عن رسول الله -ﷺ- لعن فاعله والنهي عنه وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه. قال أبو محمد المقدسي ولو أبيح اتخاذ [إيقاد] السرج عليها لم يلعن من فعله، ولأن فيه تضييعا للمال من غير.\nفائدة: قال ابن القيم (^٢) أن المساجد المبنيية على القبور حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تساوي الأرض وهو أولى بالهدم من مسجد الضرار، وكذلك القباب التي على القبور ويجب هدمها كلها لأنها أسست على معصية الرسول -ﷺ- لأنه -ﷺ- قد نهى عن البناء على القبور فالبناء قد أسس\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٢١٠).\n(^٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٢١٠).","vol":"14","page":81},{"text":"على معصيته ومخالفته بناء غير محترم وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا. وقد أمر النبي -ﷺ- بهدم القبور المشرفة فهدم القباب والمساجد التي بنيت عليها أولى وأحرى لأنه لعن متخذي المساجد عليها ونهى عن البناء عليها فتجب المبادرة والمسارعة إلى هدم مما لعن رسول الله -ﷺ- فاعله ونهى عنه وكذلك تجب إزالة كل قنديل أو سرج أسرج على القبور فإن فاعل ذلك ملعون وقد صرح الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية في [كتابه] إغاثة اللهفان (^١) بأن اتخاذ المساجد على القبور وإيقاد السرج عليها من الكبائر وعلله بأن كل ما لعنه رسول الله -ﷺ- فهو من الكبائر لقوله -ﷺ- لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، اهـ.\n\n٥٣٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- لعن زوارات الْقُبُور\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة عمر بن أبي سَلمَة وَفِيه كَلَام عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صحِيح. (^٢)\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ١٩٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٧، ٣٥٦)، والترمذي (١٠٥٦)، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وقد رأي بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي -ﷺ- في الزيارة فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، وأخرجه ابن ماجه (١٥٧٦)، والبيهفي في السنن (٤/ ٧٨)، والطيالسي (٢٣٥٨). وله شاهد عن ابن عباس تقدم تخريجه في الحديث السابق، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥١٠٩).","vol":"14","page":82},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- لعن زوارات القبور\" الحديث. القبور جمع قبر والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها ولم يأت في القرآن ذكر المقابر وزيارتها إلا في قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ (^١) وزيارة القبور من أعظم الدواء للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها (^٢) ولا شيء أنفع لمداواة القلوب القاسية من زيارة القبور، وعلى أصحاب القلوب القاسية أن يعالجوها بأربعة أشياء:\nالأول: الإقلاع عما هم عليه بحضور مجالس الذكر والعلم والوعظ والتذكير والتخويف والترغيب والترهيب وأخبار الصالحين.\nوالثاني ذكر الموت [فإنه] هادم اللذات ومفرق الجماعات ومؤتم البنين والبنات (^٣). وروي أن امرأة شكت إلى عائشة قساوة قلبها، فقالت لها: أكثري من ذكر الموت يرق قلبك (^٤).\n_________\n(^١) سورة التكاثر، الآية: ١ - ٢.\n(^٢) التذكرة (ص ١٣٣ - ١٣٤)، وتفسير القرطبى (٢٠/ ١٧٠).\n(^٣) التذكرة (ص ١٣٣ - ١٣٤)، وتفسير القرطبى (٢٠/ ١٧١).\n(^٤) ذكر ابنُ أبي الدُّنْيَا بإسناده، عن منصور بن عبد الرحمن، عن صفية أنَّ امرأة أتت عائشة لتشكو إليها القسوة. فقالت: أكثري ذكر الموت، يرق قلبك وتقدرين عَلَى حاجتك. قالت: ففعلت، فاَنست من قلبها رشدًا، فجاءت تشكر لعائشة -﵂-.\nانظر: مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٢٦٥)، والظاهر أن ابن أبي الدنيا روى الأثر المذكور في =","vol":"14","page":83},{"text":"والثالث مشاهدة المحتضرين (^١).\nوالرابع: زيارة القبور فإنها تبلغ في إزالة القسوة ما لا يبلغه الأول والثاني والثالث، فإن النبي -ﷺ- قال: ليس الخبر كالمعاينة، رواه عنه ابن عباس ولم يروه غيره (^٢). فإذا تأمل الزائر حال من مضى من إخوانه وكيف انقطع عنهم\n_________\n= كتاب ذكر الموت وهو من كتبه المفقودة، ولم أر هذا الأثر في ما جمعه مشهور بن حسن آل سلمان من نصوص كتاب ذكر الموت لابن أبي الدنيا، والله تعالى أعلم.\n(^١) التذكرة (ص ١٣٣ - ١٣٤) وتفسير القرطبى (٢٠/ ١٧١).\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٢١٥، ٢٧١)، والبزار (٥٠٦٢ و٥١٥٥)، والطبراني في معجمه الكبير (١٢/ ٥٤/ ١٢٤٥١)، وفي معجمه الأوسط (٢٥)، والحاكم (٢/ ٤١٢) وعنه: البيهقي في الزهد الكبير (٩٩٣)، وابن حبان (٦٢١٤)، والخطيب (٦/ ٥٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٨٢ و١١٨٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١١١٤ و١١١٥)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٧٦٦)، وعلي بن عمر الحربي في الفوائد المنتقاة (٨٦)، وابن عدي في الكامل (٧/ ١٣٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ١٥٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٥٦)، وفي تلخيص المتشابه (١/ ٢٢٥)، وابن بشران في الفوائد (٤٥٧)، وأبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال في الحديث (٥)، والضياء في المختارة (١٠/ ٨١/ ٧٤ و٧٥ و٧٦) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأورده الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٣ ونسبه لأحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط وقال: رجاله رجال الصحيح، وصححه ابن حبان. وصححه ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣٣٤)، وكذا السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٥٥٩) وقال: وقد صحح هذا الحديث ابن حبان والحاكم وغيرهما وقول ابن عدي إن هشيما لم يسمعه من أبي بشر وإنما سمعه من أبي عوانة عنه فدلسه لا يمنع صحته، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٣٧٤).","vol":"14","page":84},{"text":"الأهل والأحباب وكيف انقطعت عنهم أموالهم فلم تنفعهم أموالهم ومحى التراب محاسن وجوههم وترمل من بعدهم نساؤهم وتيتّمت أبناؤهم وأن حاله ستئول إلى حالهم ومآله كمآلهم أقبل على طاعة الله ورق قلبه وخشع. قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات ومؤتم البنين والبنات ويواظب على مشهدة المحتضر وزيارة قبور أموات المسلمين فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسى قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين به على [دوائه] (^١).\nوتقدم الكلام على زيارة [النساء القبور] فإن أتت امرأة قبرا لترَمَّهُ أو تدعو أو تسلم أو تعتبر وقد ماتت [شِرَتها] وانقطعت فتنتها فهي خارجة عن النهي، وعن فاطمة -﵂- (^٢) أنها كانت [تأتي] (^٣) قبر حمزة في كل عام فترمه وتصلحه (^٤)، وأما مرّمة القبر فلئلا يندرس أثره فينبش عليه لأنه إذا ذهب أثره\n_________\n(^١) التذكرة (ص ١٣٣ - ١٣٤)، وتفسير القرطبى (٢٠/ ١٧١).\n(^٢) في تفسير القرطبي: (ج ١٠ ص ٣٨١)، وفيه: (عن أبي بكر الأثرم قال حدثنا مسدد حدثنا نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال: كانت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة وعلمته بصخرة، ذكره أبو عمر). وفي مصنف عبد الرزاق الصنعاني: ح ٦٧١٣: (عبد الرزاق عن ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت فاطمة بنت رسول الله تزور قبر حمزة كل جمعة)، والحكيم الترمذى في نوادر الأصول (٩٦).\n(^٣) سقطت هذه اللفظة من النسخة الهندية.\n(^٤) نوادر الأصول (١/ ١٤٨).","vol":"14","page":85},{"text":"حفر عليه لميت آخر، ولأن المسلِّم على الأموات وزائرها [يخفى] عليه إذا ذهب رسمه فتبطل الزيارة وهي حق من الحقوق (^١)، اهـ.\nوينبغي للزائر أن يدنو من القبر بقدر ما كان يدنو من صاحبه في الحياة لو زاره، وأن يقول الزائر: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون اللهم لَا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم (^٢). زاد القاضي: اللهم رب الأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحا منك وسلاما مني، الله برِّد عليهم مضاجعهم واغفر لهم (^٣)، اهـ.\nفقد كان رسول الله -ﷺ- يخرج إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون الحديث، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (^٤). فقوله إن شاء الله محمول على التبرك وامتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^٥)، وقيل بمعنى إن كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ (^٦)، وقيل معناه اللحوق في تلك البقعة (^٧).\n_________\n(^١) نوادر الأصول (١/ ١٤٩).\n(^٢) روضة الطالبين (٢/ ١٣٩).\n(^٣) كفاية النبيه (٥/ ١٦٦)، والنجم الوهاج (٣/ ١١٤).\n(^٤) مسلم (١٠٢ - ٩٧٤).\n(^٥) سورة الكهف، الآية: ٢٣ - ٢٤.\n(^٦) سورة الأعلى، الآية: ٩.\n(^٧) النجم الوهاج (٣/ ١١٤).","vol":"14","page":86},{"text":"ويستحب للزائر الإكثار من قراءة القرآن والذكر والدعاء لأهل تلك المقبرة ولسائر الموتى والمسلمين أجمعين، ويستحب الإكثار من الزيارة وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل (^١) ويقرأ ويدعو لرجاء الإجابة ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة (^٢). فقد روى البيهقي في شعبه عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو أخ أو صديق فإذا لحقته كانت أجما إليه من الدنيا وما فيها وإن الله ﷿ ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم (^٣).\nقال ابن عبد البر (^٤): ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: ما من مسلم يمر بقبر أخيه أخيه كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇، ويروى هذا من حديث أبي هريرة مرفوعا (^٥)، وكان رسول الله -ﷺ- إذا أتى\n_________\n(^١) الأذكار (ص ٢٨٢).\n(^٢) روضة الطالبين (٢/ ١٣٩).\n(^٣) الشعب (١٠/ ٣٠٠ - ٣٠١ رقم ٧٥٢٧).\n(^٤) انظر: الاستذكار (١/ ١٨٥)، والمفهم لما أشكل من تلخمِص كتاب مسلم (٣/ ١٢٧).\n(^٥) أخرجه ابن حبان في المجروحين: ٢/ ٥٨، وتمام الرازي في فوائده (١٣٩) من حديث أبي هريرة، كما رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية: ٢/ ٩١١ وقال: هذا حديث لا يصح.، وفي تفسير ابن كثير ج ٣/ ص ٤٣٩ قال: روى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم\" وروي عن أبي هريرة -ﷺ- قال: إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد ﵇ وروى ابن أبي الدنيا.","vol":"14","page":87},{"text":"المقابر قال: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، الحديث، وفي آخره: أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله العافية لنا ولكم. وكان ﵊ يعلمهم مثل هذا أن يقولوه إذا دخلوا المقابر، فهذا نص يدل على أن الميت يعرف سلام من يسلم عليه ودعاء من دعا له. وقد شرّع النبي -ﷺ- لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول السلام عليكم الحديث. وهذا خطاب لمن يسمع أو يعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الأخبار عنهم بأن الميت يعرف [زيارة] الحي [له] ويستبشر به (^١).\nويروى من حديث عائشة أنها قالت: قال رسول الله -ﷺ-: ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم. (^٢)\nوحدثنا محمد بن الحسين فذكره إلى أن قال: حدثني رجل من آل عاصم الجحدري قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته بسنتين فقلت: أليس قد متّ. قال: بلى. قلت: فأين أنت؟ قال: إنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة\n_________\n(^١) الروح (ص ٥).\n(^٢) انظر: أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور (ص: ٧٨)، وعزاه ابن كثير في التفسير (ج ٣/ ص ٤٣٩) لابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله -ﷺ- ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم وروي عن أبي هريرة -﵁- قال إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد ﵇.","vol":"14","page":88},{"text":"وصبحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلقى أخباركم. قال قلت: أجسادكم أم أرواحكم. قال: هيهات قد بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح (^١). قال: فقلت: هل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعم نعلم بها عشية الجمعة [ويوم] الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس. قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته (^٢).\nوحدثني محمد بن الحسين إلى أن قال: حدثني الفضل بن الموفق [بن] خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبي جزعت عليه جزعا شديدا فكنت آتي قبره كل يوم ثم إني قصرت عن ذلك ما شاء الله ثم أتيته يوما فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيني فنمت، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج وكأنه قاعد في قبره متوشحا أكفانه عليه شجية الموتى. قال: فكأني بكيت لما رأيته. قال: [يا بني] (^٣) ما بطاؤك عني؟ قلت: وإنك لتعلم مجيئي؟ قال: ما جئت مرة إلا علمتها وقد كنت تأتيني فأسرّ بك ويسر من حولي بدعائك. قال: فكنت آتي إليه بعد ذلك كثيرًا. (^٤)\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسن بن علي العجلي [فذكره] (^٥) إلى أن\n_________\n(^١) المنامات لابن أبى الدنيا (٥٨)، وأهوال القبور (ص ٧٨).\n(^٢) الزيادة من أهوال القبور (ص ٧٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) انظر: الروح (ص ٦)، وأهو ال القبور وأحوال أهلها إلى النشور (ص: ٨٨) تفسير ابن كثير ج ٣/ ص ٤٣٩).\n(^٥) سقطت هذه اللفظة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":89},{"text":"قال: حدثنا أبو قلابة قال: أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت منزلا فتطهرت وصليت ركعتين بليل ثم وضعت رأسي على قبر فنمت ثم انتبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول: قد آذيتثي منذ الليلة ثم قال: إنكم تعملون ولا أتعلمون، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ثم قال: الركعتين اللتين ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ثم قال: جزى الله أهل الدنيا خيرا أقرئهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال (^١).\nوصح عن عمرو بن دينار أنه قال: ما من ميت يموت إلا وهو يعلم ما يكون في أهله بعده وأنهم ليغسلونه ويكفنونه وإنه لينظر إليهم. وصح عن مجاهد أنه قال: إن الرجل ليُبشّر في قبره بصلاح ولده من بعده. (^٢)\nوروى ابن أبي الدنيا (^٣) من طريق أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم. وروى ابن المبارك (^٤) عن أبي أيوب موقوفا وخرجه الطبراني بنحوه عنه\n_________\n(^١) الروح (ص ٨)، وأهوال القبور (ص ٣٧).\n(^٢) انظر: الروح (ص ٨)، وأهوال القبور (ص ٩٠)، وتفسير ابن كثير ج ٣/ ص ٤٣٩).\n(^٣) انظر: أهوال القبور (ص: ٧٧).\n(^٤) الزهد والرقائق (١/ ١٤٩) ٤٤٣)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٣) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٥٨)، وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٤/ ١٢٩ / ٣٨٨٧) الطبراني في معجمه الأوسط (١٤٨)، وفي مسند الشاميين (١٥٤٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد- (ج ٢/ ص ٣٢٧): رواه الطبراني في الكبير والاوسط وفيه مسلمة بن علي وهو ضعيف. وله طريق آخر: الطبراني في معجمه الكبير (٤/ ١٣٠/ ٣٨٨٩) حدثنا =","vol":"14","page":90},{"text":"مرفوعا قال: تُعرض أعمال الأحياء على الموتى فإذا رأوا حسنًا فرحوا واستبشروا وإذا رأوا شرًّا قالوا: اللهم راجع به.\nوروى ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبد الله بن أوس أنه قال لسعيد بن جبير: هل يأتي الأموات أخبار الأحياء؟ قال: نعم، ما من أحد له حميم إلا ويأتيه أخبار أقاربه فإن كان خيرًا سُرَّ به وإن كان شرا أحزنه (^١).\nوأخرج البخاري في تاريخه من حديث النعمان بن بشير رفعه في أثناء حديث قال: الله الله في إخوانكم من أهل القبور فإن أعمالكم تعرض عليهم (^٢)، قاله صاحب كتاب الروح (^٣).\nوروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (^٤) له من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن أبيه عن جدّه قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت عليه أمّه وجدا شديدا فقالت: يا رسول الله لا يزال يموت ميت في بني سلمة\n_________\n= عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش تنا أبي ثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال كان عبد الرحمن بن سلامة يحدث أن أبا رهم حدثهم أن أبا أيوب حدثهم ... فذكره مختصرا. وذكره الألباني في الضعيفة - (٨٦٤) وقال: ضعيف جدا ..\n(^١) الزهد (٤٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٨)، وابن أبى الدنيا (١)، والدولابى في الكنى (٥١٩)، والحاكم (٤/ ٣٠٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه مجهولان. وضعفه الألبانى في الضعيفة (٤٤٣).\n(^٣) الروح (ص ٦).\n(^٤) أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور (ص: ٧٨).","vol":"14","page":91},{"text":"فهل تتعارف الموتى فأحمل إلى بشر سلام؟ قال: نعم يا أم بشر إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير فكانت إذا احتضر أحد من بني سلمة جاءت إليه فقالت: أقرأ بشرا السلام.\nوروى الطبراني (^١) من وجه آخر أن أم مبشر وهي هذه جاءت إلى كعب بن مالك عند موته فقالت: أقرأ مبشرا السلام وهو شاهد قوي لحديث [ابن] لبيبة. وقال سفيان بن عيينة في جامعه: حدثنا عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: إن أهل القبور يتوكفون الأخبار، أي يتوقعونها، فإذا أتاهم الميت قالوا: ما فعل فلان، فيقول صالح. فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟ فيقولون: لَا. فيقول: إنا للّه هانا إليه راجعون سُلك به غير طريقنا، وهذا موقوف على عبيد ابن عمير أحد كبار التابعين والإسناد صحيح إليه ومثله لا يقال من قبل الرأي فهو من قبيل المرسل وقد أخرج النسائي من حديث أبي هريرة نحوه مرفوعا وفي آخره فيقول ذهب به إلى أمه الهاوية. (^٢)\nوروى الطبراني في المعجم الكبير (^٣) من حديث أبي أيوب مرفوعا أن نفس المؤمن إذا قُبضت تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا فيقولون انظروا صاحبكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد ثم يسألون\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٦٣/ ١١٩).\n(^٢) رواه النسائي (٤/ ٨)، وابن حبان (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٥٠٤). وقال: سنده صحيح، وقال العراقي في تخريج الإحياء (٥/ ٢١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ..\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (٤/ ١٣٠) ٣٨٨٩.","vol":"14","page":92},{"text":"ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانة هل تزوجت؟ فإذا سألوه عن الرجل مات قبله قال: هيهات قد مات قبلي، فيقولون: إنا لله هانا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية، ففي هذه الأخبار أن أرواح الموتى تتلاقى وتتحادث، وأما كون حالهم في ذلك شبيها بحال الدنيا فلا يظن ذلك من له اطلاع على أن حال البرزخ مغاير لحال الدنيا فلا يلزم من استواء الطائفتين في الإدراك أن يستوي إدراكهما والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر (^١).\nتنبيه: قوله في الحديث الذي ذكره ابن عبد البر: [أنه -ﷺ-] قال: ما من مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يرد ﵇. أما معرفة الميت بمن يزوره وسماع كلامه فهو متفرع عن مسألة مشهورة وهي أين مستقر الأرواح بعد الموت؟ فجمهور أهل الحديث على أن الأرواح على أفنية قبورها، نقله ابن عبد البر وغيره، والأفنية جمع فناء بكسر الفاء والمد وهو ما بين أيدي المنازل والدور [وفي تفسير] (^٢) وهو حريم الدار ونحوها وما كان في جوانبها وقريبا منها فإن الأرواح مأذون لها في التصرف ونوزع في إطلاق ذلك فإن أرواح الشهداء قد ورد فيها أخبار ظاهرها بخلاف ذلك ولا شك أن الأنبياء أعظم قدرا من الشهداء فلا شك أن لأرواحهم من الفضيلة فوق ما للشهداء، وأما سائر الناس فمؤمن وكفر فروح الكافر في غم وضيق وحبس وكرب وتعذيب وروح المؤمن إما في غم [إن]\n_________\n(^١) الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (ص: ٨٨).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":93},{"text":"كان عاصيا لكنه دون غمّ الكافر، وإما في بشر وسرور إذا كان مطيعًا، والذي تقتضيه ظواهر الأحاديث الصحيحة أن أرواح المؤمنين في عليين وأرواح الكفار في سجين ولكن لكل منهما اتصال بجسدها وذلك الاتصال إما معنوي لا يشبه الاتصال الذي بالحياة الدنيا وأقرب ما يشبه به النوم فإن روح النائم قد فارقت جسدها لكن ليس فراقا كليا لكن بقي لها به اتصال ما وبه يقع إدراك بدن المؤمن [للتنعيم] وإدراك بدن الكفار للتعذيب لأن التنعيم يقع لروح هذا والعذاب يقع لروح هذا ويدرك ذلك البدن على ما هو المذهب المرجح عند أهل السنة وهو أن النعيم والعذاب يقع على الروح أو على الجسد والجواب أنه عليهما معا لكن حقيقته على الروح [ويألم] الجسد مع ذلك وينعم لكن لَا يظهر أثر ذلك لمن يشاهد من أهل الدنيا، ولهذا لو نبش عن الميت لوجد كهيئته يوم وضع، اهـ. قاله الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر (^١)، والله أعلم.\n\n٥٣٨٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي -﵄- قَالَ قبرنا مَعَ رَسُول الله -ﷺ- يَعْنِي مَيتا فَلَمَّا فَرغْنَا انْصَرف رَسُول الله -ﷺ- وانصرفنا مَعَه فَلَمَّا حَاذَى رَسُول الله -ﷺ- بَابه وقف فَإِذا نَحن بِامْرَأَة مقبلة قَالَ أَظُنهُ عرفهَا فَلَمَّا ذهبت إِذا هِيَ فَاطِمَة -﵂- فَقَالَ لَهَا رَسُول الله -ﷺ- مَا أخرجك يَا فَاطِمَة من بَيْتك قَالَت أتيت يَا رَسُول الله أهل هَذَا الْمَيِّت فرحمت إِلَيْهِم ميتهم أَو عزيتهم بِهِ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَعَلَّك بلغت مَعَهم الكدا فَقَالَت معَاذ الله وَقد سَمِعتك تذكر\n_________\n(^١) فتاوى ابن حجر في العقيدة (ص ٢٠ - ٢٣).","vol":"14","page":94},{"text":"فِيهَا مَا تذكر قَالَ لَو بلغت مَعَهم الكدا فَذكر تشديدا فِي ذَلِك قَالَ فَسَأَلت ربيعَة بن سيف عَن الكدا فَقَالَ الْقُبُور فِيمَا أَحسب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١) وَالنَّسَائِيّ (^٢) بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره فَقَالَ لَو بلغتهَا مَعَهم مَا رَأَيْت الْجنَّة حَتَّى يَرَاهَا جد أَبِيك وَرَبِيعَة هَذَا من تَابِعِيّ أهل مصر فِيهِ مقَال لَا يقْدَح فِي حسن الإِسْنَاد.\nالكدا بِضَم الْكَاف وبالدال الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ الْمَقَابِر.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله ﷺ لفاطمة -﵂-: \"لعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر\" الحديث. قال الحافظ: الكدى بضم الكاف وبالدال المهملة مقصور هو المقابر.\nوقال في النهاية (^٣): أراد المقابر وذلك لأنها كانت مقابرهم في مواضع\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣١٢٣).\n(^٢) سنن النسائي (٤/ ٢٧)، وقال: \"ربيعة ضعيف\". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد (٢/ ١٦٨ - ١٦٩) وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ١٧٠) وأبو داود (٣١٢٣) والبزار (٢٤٤٠) والنسائي (٤/ ٢٣) وفي الكبرى (٢٠٠٧) وأبو يعلى (٦٧٤٦) والطحاوي في المشكل (٢٧٨) والحكيم الترمذي في المنهيات (ص ٨٥ - ٨٦) وابن حبان (٣١٧٧) والطبراني في الكبير (١٣/ حديث رقم ٤٥ و٤٦) والحاكم (١/ ٣٧٣ و٣٧٤) والبيهقي (٤/ ٦٠ و٧٧ - ٧٨) وفي الدلائل (١/ ١٩٢) والضياء المقدسي في حديث أبي عبد الرحمن المقرئ (٢٠) والمزي في التهذيب (٩/ ١١٤ - ١١٥)، وقال الألباني: ضعيف. ضعيف أبي داود (٦٨٤).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٥٦).","vol":"14","page":95},{"text":"صلبة والكدى هي جمع كدية وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة من الأرض لئلا تنهار. أقولها: \"قالت معاذ الله\" أي عياذة بالله أن يكون ذلك قولها وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر وهو [يدل] على عذر لجاهل [بهذا] وموآخذة [اللوم] (^١) و[هذا] في جاهل قريب العهد أما من نشأ بين المسلمين ولم يسأل عن أمر دينه فغير معذور.\nقوله: \"لعلك بلغتِ معهم الكُدى؟ \" تعظيم لأمر اتباع المرأة\nالجنازة [وفعل] هذا حين كان [محرما] ولهذا لعن زوارات القبور ثم نسخ، ولا شك أن هذا يختلف باختلاف [أحوال] المرأة. وأما من حيث الفتنة فيحرم عليها ولذلك المتزوجة يحرم عليها الخروج بإذن زوجها إلا للتعزية القريبة التي لا تضر] (^٢). [ويروى الكرى بالراء وهي المقابر أيضا جمع كرية أو كروة من كريت الأرض وكرؤخمها إذا حفرتها كالحفرة من حفرت [انتهى]، وكذا ذكره السهيلي الكرى بالراء في الروض الأنف (^٣)] (^٤).\n[قوله: \"لو بلغت\" يدل على جواز فرض المسائل وبيان ما عليها على\n_________\n(^١) هكذا في النسخة الهندية، وفي الأصل: (العالم)، وهو أقرب للصواب.\n(^٢) وقع تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (المعزى أو المعزى غائبا وتقدم الكلام على التعزية مبسوطا في بابه).\n(^٣) الروض الأنف (٤/ ٢٩).\n(^٤) وقع تقديم لهذين السطرين في النسخة الهندية، وأدرجا بعد قوله قبل هذا الموضع: (هي جمع كرية وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة من الأرض لئلا تنهار).","vol":"14","page":96},{"text":"الفرض والتقدير لمصلحة إما تخويف الغير أو تعظيم التحذير] (^١).\n[قوله: \"فذكر (^٢) عن الأمور التي تتعلق بالأكابر على سبيل التعظيم وتصريحه في الرواية الأخرى دليل على جواز ذلك لمصلحة] (^٣).\nقوله: \"فلما حاذى رسول الله -ﷺ- بابه\" المحاذاة المقابلة.\nقوله: \"فماذا نحن بامرأة مقبلة، قال أظنه عرفها فلما ذهبت إذا فاطمة\" [وتقدم الكلام عليها،] ففيه جواز تأمل المرأة ليعرف هل هي قريبته أم غيرها ومشي المرأة قريبا بحيث يعرفها الرجال والإنكار على المرأة خروجها من البيت لغير حاجة أو لجنازة ونحوها.\nقوله: \"ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به\"، فيه استحباب التعزية والدعاء للميت بالرحمة وهو معنى فرحمت إليهم ميتهم وهي مستحبة من أهل البيت قبل الدفن وبعده. [وقال أبو حنيفة: لا تستحب بعده. قال أصحابنا: وهي تمتد إلى ثلاثة أيام ثم تحرم لما فيها من إيلام القلب وتجديد الحزن بذكر الميت لأهله إلا أن يكون المعزى أو المعزى غائبا وتقدم الكلام على التعزية مبسوطا في بابه] (^٤).\n_________\n(^١) وقع تأخير لهذه الفقرة فِى النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ولذلك المتزوجة يحرم عليها الخروج بإذن زوجها إلا للتعزية القريبة التي لا تضر).\n(^٢) بياض في المخطوط.\n(^٣) وقع تأخير لهذه الجملة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: ().\n(^٤) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":97},{"text":"قوله -ﷺ- في رواية النسائي: لو بلغتها معهم [] يعني القبور [] ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك، الحديث [يدل على جواز فرض المسائل وبيان ما عليها على الفرض والتقدير لمصلحة إما تخويف الغير أو تعظيم التحذير] (^١). قال قتيبة: الكدى القبور ونراه أنه في بدء الأمر ولا نعلم ذلك يحرم الجنة لكن معناه أن من فعل ذلك كان يخاف عليه أن يسلبه الله ﷿ الإسلام فلم ير الجنة أبدا، وأعظم نعمة الله تعالى على عبده الإسلام والإسلام منار كمنار الطريق فإذا عمل عملا يكون فيه إحياء سنن الجاهلية التي [أطفأها] الله تعالى بسيف رسول الله -ﷺ- فقد كفر منة الإسلام والكفور ممقوت غير مأمون عليه السلب فغلظ رسول الله -ﷺ- الزجر لتموت تلك السنن كذا في نوادر الأصول (^٢)، قاله في شرح مشارق الأنوار.\nوقال السهيلي (^٣) في قوله: ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ولم يقل جدك يعني أباه فيه تقوية للحديث الضعيف إن الله تعالى أحيا أمّه وأباه وآمنا به، والله أعلم. ويحتمل أن يكون أراد تخويفها بقوله: حتى يدخلها جد أبيك فيتوهم أنه الجد الكفار ومن جدوده -ﷺ- إبراهيم وإسماعيل لأن قوله -ﷺ- حق وبلوغها معهم الكدى لا أيوجب، خلودا في النار فهذا من لطيف الكناية فافهمه، والله أعلم. ذكره السهيلي في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (^٤).\n_________\n(^١) سقطت هذه الجملة من النسخة الهندية.\n(^٢) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (١/ ١٢٦).\n(^٣) الروض الأنف (٤/ ٣٠).\n(^٤) الروض الأنف (٤/ ٣٠).","vol":"14","page":98},{"text":"وقال في شرح الإلمام في قوله: ما رأيت الجنة، محمول على عدم رؤيتها مع أول الرائين [فإنه] يرده حتى يراها جد أبيك لأنه لا يراها أبدا فإن عبد المطلب مات قبل البعثة فيحمل على المبالغة والتحذير وهذا بناء على صحة الحديث وربما تعلق بهذا من قال أن والديه أحياهما الله له حتى أسلما كما ورد في حديث ضعيف جدا لأنه لم يذكر أباه. وجوابه [إن صح هذا] مفهوم لقب وليس بحجة خلافا للدقاق وفي البخاري (^١) أنه ﵇ دعا الذي سأله عن أبيه فأخبره أنه في النار، وقال له إن أبي وأباك في النار، ولهذا لم يُؤذن له في استغفاره لأمه وعلى هذا إنما ذكر الأب لشهرته وعظمته عندهم، اهـ.\nتنبيه: قول السهيلي: إن الله أحيا أباه وأمه وآمنا به أنه حديث ضعيف ولقد استُفتي شيخ الإسلام العسقلاني الشهير بابن حجر عنه فقال: [أنه حديث مرفوع واللّه تعالى أعلم].\n[قوله] سألت ربيعة بن سيف عن الكدى، قال الحافظ وربيعة هذا من تابعي أهل مصر وفيه مقال لا يقدح في حسن الإسلام، اهـ. وربيعة بن سيف المعافري الاسكندري روى عن عبد الله بن عمرو ولا يعرف [ربيع] سماعا من ابن عمرو [وقال] ابن عساكر قال ابن يونس توفي قريبا من سنة عشرين ومائة وليس له في أبي داود والنسائي سوى هذا الحديث وله في الترمذي حديث واحد وهو ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر وهو منقطع إنه حديث موضوع والله أعلم] (^٢).\n_________\n(^١) لعله وهم، والحديث في صحيح مسلم (٣٤٧) (٢٠٣).\n(^٢) أدرجت هذه الفقرة في النسخة الهندية في حاشية الصحيفة السابقة.","vol":"14","page":99},{"text":"٥٣٨١ - وَرُوِيَ عَن عَليّ -﵁- قَالَ: خرج رَسُول الله -ﷺ- فَإِذا نسْوَة جُلُوس قَالَ مَا يجلسكن قُلْنَ نَنْتَظِر الْجِنَازَة قَالَ هَل تغسلن قُلْنَ لَا قَالَ هَل تحملن قُلْنَ لَا قَالَ هَل تدلين فِيمَن يُدْلِي قُلْنَ لَا قَالَ فارجعن مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى (^٢) من حَدِيث أنس.\nقوله: \"وروي عن علي\" تقدم الكلام على مناقبه وسبب قتله في كتاب النكاح. قوله: \"خرج رسول الله -ﷺ- فإذا نسوة جلوس قال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة\" الحديث. قوله: \"ارجعن مأزورات غير مأجورات\" أي غير آثمات وقياسه [موزورات] يقال: وزر فهو موزور وإنما قال: مأزورات للازدواج بمأجورات (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٧٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٤٢٠) وقال البوصيري (٢/ ٤٤): هذا إسناد مختلف فيه من أجل دينار وإسماعيل بن سليمان.، وقال الذهبي: ضعيف، وانظر العلل المتناهية (٢/ ٩٠٢) حيث قال في طريق علي: جيد الإسناد. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٩)، وعزاه لأبي يعلى وقال: فيه الحارث بن زياد وهو ضعيف. وأورده البوصير في الإتحاف وعزاه لأبي يعلى وقال: سنده ضعيف لجهالة التابعي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٧٧٣) والأحاديث الضعيفة (٢٧٤٢). ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٥).\n(^٢) وأبو يعلى في المسند (٤٠٥٦) عن أنس إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٨٤) رواه أبو يعلى بسند ضعيف لجهالة التابعي. وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب رواه ابن ماجه بإسناد حسن.\n(^٣) النهاية (٥/ ١٧٩ - ١٨٠).","vol":"14","page":100},{"text":"وعن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (^١)، الحديث معناه نهانا رسول الله -ﷺ- عن ذلك نهي كراهة تنزيه لا نهي عزيمة تحريم (^٢) وهو معنى قولها ولم يعزم علينا فإن العزيمة دالة على التأكد (^٣) فأما نهي العزم فهو الحرام ومنه قول أم عطية ولم يعزم علينا أي لم ينهنا نهي عزم بل نهي كراهة وفيه دليل على أن النهي يطلق على الحرام وعلى المكروه وهو كذلك عن الأصوليين وأصل النهي المنع، والمنع قد يكون منع تحريم وقد يكون [منع] كراهة.\nقال النووي: ومذهب أصحابنا أنه مكروه وليس بحرام لهذا الحديث. (^٤)\nقال القاضي (^٥): قال جمهور العلماء يمنعن من اتباعها واختاره علماء المدينة.\nقال ابن [العطار]: فإن اقترن باتباعهن لها محرم أو جرًّا إلى مفسدة كان حراما شديد التحريم (^٦) وأجازه مالك وكرهه للشابة (^٧)، وقد رآى ابن مسعود مسعود نساء في جنازة فطردهن، وقال: والله لا أرجع إن لم ترجعن وحصبهن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٣٤ و٣٥ - ٩٣٨).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٧/ ٢).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٣٦٩).\n(^٤) المجموع شرح المهذب (٥/ ٣١٠) وشرح النووى على مسلم (٧/ ٢).\n(^٥) إكمال المعلم (٣/ ٣٨٢).\n(^٦) العدة (٢/ ٧٧٧).\n(^٧) المدونة الكبرى (١/ ١٨٨).","vol":"14","page":101},{"text":"بالحجارة (^١)، فعلى هذا فليس للنساء نصيب في حضور الجنائز (^٢) والله أعلم.\nوالمعتمد في المذهب كراهة اتباعهن الجنازة وأما قول الشيخ أبي نصر المقدسي لا يجوز للنساء اتباع الجنازة فمحمول على كراهة التنزيه فإن أراد التحريم فهو مردود مخالف لقول الأصحاب (^٣) ثم قال وما ذكرناه من كراهة كراهة الاتباع هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء كافة حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة ومسروق وأحمد وإسحاق وبه قال الثوري وغيرهم ولم يكرهه مالك إلا لشابة (^٤) [كما تقدم]، [وتقدم الكلام على خروج النساء مع الجنازة في أوائل هذا الباب] (^٥).\n_________\n(^١) المصنف لعبد الرزاق (٦٣٠٠)، والمصنف (١١٢٩٣) لابن أبى شيبة.\n(^٢) المدخل (١/ ٢٥١).\n(^٣) المجموع (٥/ ٢٧٧).\n(^٤) المجموع (٥/ ٢٧٨).\n(^٥) حصل تقديم لهذه الجملة في النسخة الهندية وأدرجت قبل قوله: (والمعتمد في المذهب كراهة اتباعهن الجنازة).","vol":"14","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>التَّرْهِيب من الْمُرُور بقبور الظَّالِمين وديارهم ومصارعهم مَعَ الْغَفْلَة عَمَّا أَصَابَهُم وَبَعض مَا جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر ونعيمه وسؤال مُنكر وَنَكير ﵉</span>\n[٥٣٨٢] عَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لأصْحَابه يَعْنِي لما وصلوا الْحجر ديار ثَمُود لَا تدْخلُوا على هَؤُلاءِ الْمُعَذَّبين إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِن لم تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تدْخلُوا عَلَيْهِم لَا يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n[٥٣٨٣] وَفِي رِوَايَة قَالَ لما مر النَّبِي -ﷺ- بِالْحجرِ قَالَ لَا تدْخلُوا مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم أَن يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ ثمَّ قنع رَأسه وأسرع السّير حَتَّى أجَاز الْوَادي (^٢)\nقوله: \"عن ابن عمر\" المراد بابن عمر عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على مناقبه في أولى هذا التعليق.\nقوله: \"أن رسول الله -ﷺ- قال لأصحابه\" يعني لما وصلوا الحجر ديار ثمود \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين\" الحديث، الحجر بكسر الحاء اسم لأرض ثمود أي بلاد ثمود قوم صالح ﵇. قال أبو عمرو بن العلاء سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، [وكان] مساكن ثمود\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٣) و(٣٣٨٠ و٣٣٨١) و(٤٤٢٠) و(٤٧٠٢)، ومسلم (٣٨ و٣٩ - ٢٩٨٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٤٤١٩).","vol":"14","page":103},{"text":"[الحجر بين] الحجاز والشام عند وادي القرى (^١) وكانوا عربا وكان صالح -ﷺ- من أفضلهم نسبهم فبعثه الله تعالى إليهم رسولا وهو شاب فدعاهم حتى شمط ولم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون ولما طال دعاؤه اقترحوا أن يخرج إليهم الناقة آية فكان من أمرها وأمرهم ما ذكر الله ﷿ في كتابه العزيز (^٢). قال: قالوا: وكان عقر الناقة يوم الأربعاء وانتقل صالح ﵇ بعد هلاك قومه إلى الشام بمن أسلم معه فنزلوا رملة فلسطين ثم انتقل إلى مكة فتوفي بها صالح ﵇ وهو ابن ثمان وخمسين سنة وكان أقام في قومه عشرين سنة (^٣) والله أعلم.\nقوله -ﷺ- لأصحابه: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، الحديث. المعذبين بفتح الذال المعجمة يعني ديار هؤلاء وهم أصحاب الحجر قوم ثمود وأمثالهم (^٤) المعذبون بعذاب الصيحة وهلاكهم بها دفعة واحدة (^٥).\nقوله: \"إلا أن تكونوا باكين\" استثناء من عامة أحوال [المخاطبين] أي لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا في حال من الأحوال إلا في حال البكاء، خشي -ﷺ- على أصحابه -﵃- أن يجتازوا على تلك الديار غير\n_________\n(^١) تفسير الثعلبى (٤/ ٢٥١)، والتفسير الوسيط (٢/ ٥٨٠)، وتفسير البغوى (٢/ ٢٠٦)، وبصائر ذوى التمييز (٦/ ٩٩).\n(^٢) بصائر ذوى التمييز (٦/ ٩٩).\n(^٣) بصائر ذوى التمييز (٦/ ٩٩).\n(^٤) الكواكب الدرارى (٤/ ٩٤).\n(^٥) الكواكب الدرارى (١٦/ ٢٣٠).","vol":"14","page":104},{"text":"متّعظين بما أصاب أهل تلك الديار وقد أمرهم الله تعالى بالانتباه والاعتبار في مثل تلك المواطن (^١).\nقال أبو سليمان الخطابي ﵀ (^٢): معنى الحديث أن الداخل في ديار قوم أهلكوا بخسف أو عذاب إذا لم يكن باكيا إما شفقة عليهم وإما خوفا من حلول مثلها به فهو قاسي القلب قليل الخشوع غير مستشعر للخوف والوجل فلا يأمن إذا كان هذا حاله أن يصيبه ما أصابهم، اهـ.\nقال الكرماني (^٣): وفي هذا الحديث دلالة على أن ديار هؤلاء لا تُسكن بعدهم ولا تتّخذ وطنا لأن المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكيا أبدا، وقد نهي أن يدخل دورهم إلا بهذه الصفة، وفيه المنع من المقام بها والاستيطان، اهـ.\nقال ابن بطال شارح البخاري رحمه الله تعالى (^٤): هذا إنما هو من جهة التشاؤم بالبقعة التي نزل بها السخط، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٥) الآية، في مقام التوبيخ على السكون فيها، فيها، وقد تشاءم -ﷺ- بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلى\n_________\n(^١) الميسر (٣/ ١٠٩٤)، وشرح المصابيح (٥/ ٣٥٨) لابن ملك.\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٣٩٤).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤/ ٩٥).\n(^٤) شرح الصحيح (٢/ ٨٧) لابن بطال، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤/ ٩٥).\n(^٥) سورة إبراهيم، الآية: ٤٥.","vol":"14","page":105},{"text":"فكراهة الصلاة في موضع الخسف أولى إلا أن إباحته -ﷺ- الدخول فيها على وجه البكاء والاعتبار يدل أن من صلى هناك لا تفسد صلاته لأن الصلاة موضع بكاء واعتبار، وزعم الظاهرية أن من صلى في بلاد ثمود وهو غير باك فعليه سجود السهو إن كان ساهيا وإن تعمد ذلك بطلت صلاته، اهـ.\nوقال النووي في شرح مسلم (^١) في هذا الحديث: الحث على المراقبة عند المرور بديار الظالمين ومواضع العذاب ومثله الإسراع في وادي محسّر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك، فينبغي للمار في مثل هذه المواضع المراقبة والخوف والبكاء والاعتبار بهم ومصارعهم وأن يستعيذ بالله من ذلك.\n[قوله: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، نبّه -ﷺ- على أن الإنسان لا ينبغي له السكنى في أماكن الظلمة مخافة أن يصيبهم بلاء فيصاب به أو تسرق طباعه من طباعهم ولو كانت خالية منهم لأن آثارهم مُذكِّرة بأحوالهم وربما أورثت قسوة وجبروتا في قلوبهم] (^٢).\n[فائدة: بعث الله صالح بن عبيد بن أسد بن أرم بن سام بن نوح إلى قومه وهم [ثمود] بن [عاثر] بن أرم، قال وهب بن منبه بعثه الله حين راهق الحلم وكان يمشي حافيا ولا يتخذ حذاء (^٣). وقال ابن مسعود: بُعث وله أربعون سنة ولم يبدث نبي إلا بعد الأربعين، وكانت آيته ناقة خرجت من هضبة من\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١١).\n(^٢) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.\n(^٣) كنز الدرر (٢/ ٢٠٩).","vol":"14","page":106},{"text":"الأرض يتبعها فصيل لها وكانت تنفجح لهم فيحلبون ريّهم وتشرب ذلك اليوم جميع مياههم وهم يشربون الماء في اليوم الثاني ولا تأتهم فلما طال عليهم أمرها ملّوها فاجتمع تسعة رهط من شرارهم على عقرها (^١)] (^٢).\nقوله -ﷺ- في الرواية الأخرى: \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم\" الحديث، كونهم ظلموا أنفسهم هو أنهم كذبوا نبيهم صالح بن عبيد ﵊، [وعقروا] ناقته.\nقوله في الرواية الأخرى: \"لا يصيبكم\" بالرفع لأنه استئناف كلام وقوله في الرواية الثانية: \"أن يصيبكم ما أصابهم\" هو بفتح الهمزة من أن أي خشية أن يصحيبكم أو حذر أن يصيبكم كما صرح بذلك في بعض الروايات، وكان هذا في غزوة تبوك، قاله النووي (^٣).\nقوله: \"ثم قنّع رسول الله -ﷺ- رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي\" الحديث، أي رفع رأسه إلى السماء حيرة وتعوذا مما جرى عليهم. قال بعض العلماء: يحتمل أنه -ﷺ- أخذ قناعا على رأسه أي ستره بقناع شبه الطيلسان ويجوز أن يكون مبالغة من الإقناع أي أطرق رأسه فلم يلتفت في كلتا الحالتين يمينا ولا شمالا لئلا يقع بصره عليها (^٤)، والله أعلم.\n_________\n(^١) كنز الدرر (٢/ ٢٠٩).\n(^٢) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية وأدرجت قبل قوله: (قوله: (إلا أن تكونوا باكين) استثناء من عامة أحوال).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١١).\n(^٤) الميسر (٣/ ١٠٩٥).","vol":"14","page":107},{"text":"[٥٣٨٤] عَن عَائِشَة -﵂- أَن يَهُودِيَّة دخلت عَلَيْهَا فَذكرت عَذَاب الْقَبْر فَقَالَت لَهَا أَعَاذَك الله من عَذَاب الْقَبْر قَالَت عَائِشَة فَسَأَلت رَسُول الله -ﷺ- عَن عَذَاب الْقَبْر. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها.\nقوله: \"إن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت أعاذك الله من عذاب القبر. قالت عائشة: فسألت رسول الله -ﷺ- عن عذاب القبر فقال نعم، عذاب القبر حق\" الحديث، قاله الكرماني (^٣).\nقال النووي (^٤): [مذهب] أهل السنة إثبات عذاب القبر لأن العقل لا والشرع ورد به فوجب قبوله ولا يمنع منه تفرق الأجزاء. فإن قلت: نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يُسأل ويقعد ويُضرب، فالجواب أنه غير ممتنع كالنائم فإنه يجد ألما ولذة ونحن لا نحسّه وكذا كان جبريل ﵊ يتكلم مع النبي -ﷺ- ولم يدركه الحاضرون. وأما الإقعاد فيحتمل أن يكون مختصا بالقبر ولا امتناع في أن يوسع له في قبره فيقعد ويضرب بالمطرقة، اهـ. وقد صحت الأخبار عن النبي -ﷺ- في عذاب القبر على الجملة [ولا] مطعن فيها ولا معارض لها. وجاء في الآثار أن الكافر\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٠٤٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٨) (٩٠٣).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١١٨).\n(^٤) شرح النووى على مسلم (١٧/ ٢٠٠ - ٢٠١).","vol":"14","page":108},{"text":"يفتن في قبره ويسأل ويهان ويعذب. قال أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في العاقبة (^١): واعلم أن عذاب القبر ليس مختصا بالكافرين ولا موقوفًا على المنافقين بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين وكل على حاله من عمله وما استوجب من خطئيته وزلله وإن كانت تلك النصوص المتقدمة في عذاب القبر في الكافر والمنافق وعذاب المؤمن لا يكون كعذاب الكافر والحمد للّه قد يكون عذاب المؤمن في ضمة القبر أو ضيقه أو صعوبة مثظره أو بما يصيبه من الروعات عند [مشاهدته] تلك الزلات.\nقوله: قالت يعني عائشة: \"فما رأيتُ رسول اللّه -ﷺ- بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر\" الحديث. [التعوذ طلب الدفع من الشيء مخافة الوقوع فيه]، وفي الصحيح أن رسول اللّه -ﷺ- كان يتعوذ باللّه من أربع وذكر منها: عذاب القبر. وقد ثبت عنه -ﷺ- أنه كان يدعو به، ومن المعلوم أنه -ﷺ- معصوم مما ذكر فيه من الفتنة وعذاب القبر ولكنه دعا به لأمرين: أحدهما إظهار العبودية والتذلل والإذعان لقضاء اللّه تعالى وقدره. والثاني: ليُشرِّع -ﷺ- ذلك لأمته حتى يقتدوا به فإنهم إذا علموا أن المعصوم -ﷺ- يدعو به فالمعرض له أولى بذلك (^٢). وقد ورد في عذاب القبر أحاديث منها: الضرب إما بمطارق من حديد أو غيره لما روي عن أبي أمامة قال: أتى النبي -ﷺ- بقيع الغرقد فوقف على قبرين فقال: [أو دفنتم] هاهنا فلانًا وفلانة أو فلانًا وفلانا.\n_________\n(^١) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٤٦).\n(^٢) شرح الصحيح (٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥).","vol":"14","page":109},{"text":"قالوا نعم. فقال: قد أقعد فلان الآن يضرب. ثم قال: والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع ولقد تطاير [نارا] (^١)، ومنها تسليط العقارب والحيات عليه لقوله -ﷺ- في الحديث: والذي نفسي بيده ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا (^٢)، وسيأتي الكلام على التنين [قريبا]، ومنها رض رأس الميت بحجر أو [بشق] شدقه ونحو ذلك. وقد ورد ذلك في حديث سمرة بن جندب عن النبي -ﷺ- في ترك الصلاة مطولا (^٣). ومنها: ضيق القبر على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه، وقد سبق ذلك في أحاديث متعددة. ومنها ما خرج الخلال بإسناد ضعيف عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- أنه قال في الكافر: \"يضيق عليه قبره حتى يخرج دماغه من بين أظفاره ولحمه\". وقد ورد ما يدلّ على أن التضييق عام للمؤمن والكافر وصرح بذلك طائفة من العُلماء منهم ابن بطة وغيره فروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن عائشة عن النبي -ﷺ- قال: \"إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيا منها لنجا منها سعد بن معاذ\" وخرجه الإمام أحمد (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرى في صريح السنة (٤٠). قال ابن رجب في أهوال القبور: وفي هذا الإسناد ضعف. وضعفه الألبانى في ضعيف الترغيب (١٦٩٣).\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٨ (١١٣٣٤)، وعبد بن حميد (٩٢٩)، وأبو يعلى (١٣٢٩)، وابن حبان (٣١٢١) عن أبي سعيد. قال الهيثمى في المجمع ٣/ ٥٥: رواه أحمد، وأبو يعلى موقوفًا، وفيه دراج، وفيه كلام وقد وثق.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٨٦).\n(^٤) ما سبق ذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ٥٢ - ٥٦) باختصار. والحديث أخرجه =","vol":"14","page":110},{"text":"تتمة: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟ والجواب: أنه نوعان نوع دائم بدليل قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (^١)، وفي حديث البخاري (^٢) عن جابر بن سمرة في رؤيا النبي -ﷺ- الرجل الذي يشدخ رأسه بحجر والذي يشد شدقه إلى قفاه، وفيه: فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة. وفي حديث العبَّاس (^٣) في حديثي القبر: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا [فجعل] التخفيف [قيد المدة] رطوبتهما فقط. وفي الصحيح (^٤) في قصة الذي لبس بُردين وجعل يمشي ويتبختر فخسف اللّه به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة والنوع التاني إلى مدّة تنقطع وهو بعض العصاة الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدّة ثم يزول عنه العذاب وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء أو صدقة واستغفار أو ثواب [حج أو عمرة] تصل إليه من بعض [أقاربه] أو غيرهم [وهذا] كما يشفع الشافع في المعذب في الدنيا فيخلصمن العذاب بشفاعته، وقد روى ابن أبي الدنيا (^٥) عن محمد بن موسى الصائغ عن عبد اللّه بن نافع قال: مات رجل من أهل المدينة فرآه رجل كأنه من أهل النار فاغتم لذلك ثم\n_________\n= أحمد ٦/ ٥٥ (٢٤٢٨٣) و٦/ ٩٨ (٢٤٦٦٣)، وابن حبان (٣١١٢). وصححه الألبانى في الصحيحة (١٦٩٥).\n(^١) سورة غافر، الآية: ٤٦.\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٨٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٢١٨)، وصحيح مسلم (١١١) (٢٩٢).\n(^٤) صحيح مسلم (٥٠) (٢٥٨٨).\n(^٥) القبور لابن أبي الدنيا (١٣٩).","vol":"14","page":111},{"text":"أنه بعد سابعة أو ثامنة رآه كأنه من أهل الجنة فقال: [لم أتكن قلت أنك] من أهل النار؟ قال: قد كان [كذلك] إلا أنه دفن عندنا رجل من الصالحين فشفع في أربعين من جيرانه فكنت منهم.\nقال ابن أبي الدنيا (^١): وحدّثني أحمد بن يحيى قال: حدّثني بعض أصحابنا قال: مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت: ما كان حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: أتاني آت بشهاب من نار فلولا أن داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. وقال [عمرو] بن جرير: إذا دعا العبد لأخيه الميت أتى بها ملك إلى قبره فقال: يا صاحب القبر الغريب هذه هدية من أخ عليك شفيق (^٢). قال ابن أبي الدنيا: وحدثني عبد اللّه بن بجير قال حدّثني بعض أصحابنا قال: رأيتُ أخا لي في النوم بعد موته فقلت: أيصل إليكم دعاء الأحياء، قال: إي واللّه، انتهى (^٣):\n\n٥٣٨٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- عَن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ إِن الْمَوْتَى ليعذبون فِي قُبُورهم حَتَّى إِن الْبَهَائِم لتسمع أَصْوَاتهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسنرواه الطبراني في الكبير (^٤) بإسناد حسن.\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم الكلام على مناقبه.\n_________\n(^١) أهوال القبور (ص: ١٦).\n(^٢) الروح (ص ٩٠)، وأهوال القبور (ص ١٣٤).\n(^٣) ما سبق ذكره ابن القيم في الروح (ص ٨٩ - ٩٠)، وابن رجب في أهوال القبور (ص: ١٣٣).\n(^٤) المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٢٠٠/ ١٠٤٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٦) رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن.، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٩٦٥)، والصحيحة (١٣٧٧).","vol":"14","page":112},{"text":"قوله -ﷺ-: \"إن الموتى ليعذبون في قبورهم\" الحديث. والعذاب هو العقوبة وإنما لم يسمعه من يعقل من الجن والإنس لقوله في الحديث الآخر: لولا أن تدافنوا لدعوت اللّه أن يسمعكم عذاب القبر، وسيأتي الحديث بعد [فكتمه] اللّه ﷾ عنا حتى نتدافن بحكمته الإلهية ولطائفه الربانية لغلبة الخوف عند سماعه فلا يقدر على القرب من القبر [للدفن] أو يهلك الحي عند سماعه إذ لا يُطاق سماع شيء من عذاب اللّه في هذه الدار لضعف هذه القوى ألا ترى أنه إذا سمع الناس صوت صعقة الرعد القاصف أو [الزلازل] الهائلة هلك كثير من الناس وأين صعقة الرعد من صيحة الذي تضربه الملائكة بمطارق الحديد التي يسمعها كلّ من يليه، وقد قال -ﷺ- في الجنازة: لو سمعها إنسان لصعق. قلت: هذا وهو على رؤوس الرجال من غير ضرب ولا هوان فكيف إذا حل به الخزي والنكال واشتد عليه العذاب والوبال فنسأل اللّه تعالى معافاته ومغفرته وعفوه ورحمته بمنه وكرمه. قاله القرطبي في التذكرة. (^١)\nقوله -ﷺ-: حتى أن البهائم لتسمع أصواتهم، الحديث.\nفائدة: قال بعض أهل العلم، ولهذا السبب [تذهب] الناس بدوابهم إذا مغِلتْ إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين. قالوا: فإذا سمعتُ الخيل عذاب القبر أحدّث ذلك فزعا وحرارة تذهب المغل (^٢).\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٠٨).\n(^٢) الروح (ص ٥٣).","vol":"14","page":113},{"text":"وقد قال عبد الحق الإشبيلي (^١): حدّثني الفقيه أبو الحكم بن برجان وكان من أهل العلم والعمل أنهم دفنوا ميتا بقريتهم في شرف إشبيلية فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدّثون ودابة ترعى قريبا منهم فإذا بالدابة أقبلت مسرعة إلى القبر فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولّت فارة فعلت ذلك مرة بعد أخرى. قال أبو الحكم فذكرت عذاب القبر وقول النبي -ﷺ-: إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم، ثم ذكر لنا هذه الحكاية ونحن نسمع عليه في كتاب مسلم لما انتهى القارئ إلى قول النبي -ﷺ-: إنهم ليعذبون عذبا تسمعه البهائم، وهذا السماع واقع على أصوات المعذبين، اهـ. ذكره ابن قيم الجوزية في كتاب الروح. (^٢)\n[٥٣٨٦] وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ لَوْلا أَن لا تدافنوا لَدَعَوْت اللّه أَن يسمعكم عَذَاب الْقَبْر رَوَاهُ مسلم. (^٣)\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه ﵁.\nقوله -ﷺ-: لولا أن [لا] تدافنوا لدعوت اللّه أن يُسمعكم عذاب القبر، الحديث فيه إطلاع اللّه تعالى لنبيه ﵊ على ما شاء من الغيب ومعنى الحديث أن لا يدفن بعضكم بعضا لما تشاهدونه من الهول العظيم وقيل لموتكم أجمعين من شدة سماع العذاب فلا تجدون من\n_________\n(^١) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٤٧).\n(^٢) الروح (ص: ٥٣).\n(^٣) صحيح مسلم (٦٨) (٢٨٦٨).","vol":"14","page":114},{"text":"يدفنكم وقيل معناه أي لولا مخافة عدم دفنكم الموتى والمعنى السابق إلى الفهم من قوله -ﷺ-: لولا أن لا تدافنوا، [إلى آخره] هو أنهم لو سمعوا ذلك لتركوا التدافن حذرا من عذاب القبر، وفي هذا المعنى نظر لأن المؤمن لا يليق به ذلك، بل يجب عليه أن يعتقد أن اللّه تعالى إذا أراد تعذيب أحد عذبه ولو في بطن الحيتان وإنما المعنى في ذلك هو أن الناس لو سمعوا ذلك لأهم كلّ واحد خُوَيصة نفسه حتى أفضى بهم إلى ترك التدافن أو أنهم لو سمعوا صياح المعذبين لكان فيهم من [تحمله] العصبية وخوف الفضيحة في ذويه وقرابته على أن ينبذهم بالعراء لئلا يخبر عن حالهم مخبر كذا في الميسّر في شرح مشارق الأنوار (^١).\n[٥٣٨٧] وَعَن هانئ مولى عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ كَانَ عُثْمَان -﵁- إِذا وقف على قبر يبكي حَتَّى يبل لحيته فَقيل لَهُ تذكر الْجنَّة وَالنَّار فَلَا تبْكي وتذكر الْقَبْر فتبكي فَقَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول الْقَبْر أول منزل من منَازِل الآخِرَة فَإِن نجا مِنْهُ فَمَا بعده أيسر وَإِن لم ينج مِنْهُ فَمَا بعده أَشد قَالَ وَسمعت رَسُول اللّه -ﷺ- يَقُول مَا رَأَيْت منْظرًا قطّ إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَزَاد رزين فِيهِ مِمَّا لم أره فِي شَيْء من نسخ التِّرْمِذِيّ قَالَ هانئ وَسمعت عُثْمَان ينشد على قبر فَإِن تنج مِنْهَا تنج من ذِي عَظِيمَة وَإِلَا فَإِنِّي لَا أخالك.\n_________\n(^١) الميسر (١/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"14","page":115},{"text":"قوله: \"وعن هانئ مولى عثمان بن عفان\" المولى له معان متعددة لكن المراد به هاهنا العتيق ليناسب العبد. فإن قلت المولى جاء بمعنى المعتق والعتيق وابن العم والناصر والجار والحليف لا بمعنى السيد. قلت: جاء أيضًا بمعنى الولي والمتصرف في الْأَمر والموالي العبيد لأن الصحابة كانوا استرقوا طائفة من العجم فصاروا عبيدا، وتقدّم الكلام على مناقب عثمان بن عفان، وعفان يحتمل الصرف وعدمه، قاله الكرماني. (^١)\nقوله -ﷺ-: ما رأيتُ منظرا قط إلا والقبر أفظع منه، [أفظع بمعنى أشنع،] والفظيع الشنيع الشديد المجاوز المقدار. قال الخطابي (^٢) وهو يحتمل وجهين أن يكون بمعنى الفظيع كأنه قال لم أر منظرا [قط] (^٣) فظيعا كاليوم قط، اهـ.\nوالقبر واحد القبور في الكثرة وأقبر في القلة واختلفوا في أول من سنّ القبر فقيل الغراب لما قتل قابيل هابيل وقيل بنو إسرائيل وليس بشيء، وقيل: كان قابيل يعرف الدفن ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به فبعث اللّه غرابا يبحث في الأرض ليدفنه فقال عند ذلك: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ (^٤)، الآية، وعلى هذا لم يكن ندمه ذاك توبة بل ندم على فقده لا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٣/ ١٠٥).\n(^٢) أعلام الحديث (١/ ٣٩٢)، والكواكب الدرارى (٤/ ٩٣).\n(^٣) سقطت هذه اللفظة من النسخة الهندية.\n(^٤) سورة المائدة، الآية: ٣١.","vol":"14","page":116},{"text":"على قتله فكان [دفن] قابيل لهابيل سنة باقية في بني آدم وفي التنزيل ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ (^١) أي جعل له قبرا يوارى فيه إكراما له ولم يجعله مما [يلقى علي] وجه الأرض تأكله الطير والوحش والسباع (^٢)، وللّه در القائل:\nولدتك إذ ولدتك أمك باكيا ... والقوم حولك يضحكون سرورا\nفاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا (^٣)\nوكان يزيد الرقاشي يقول: أيها المقبور في حفرته المختلى في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله المتباعد عن آماله وأمواله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أقوالك اغتبطت ثم يبكي، وكان إذا نظر إلى القبر بكى كما يخار الثور، اهـ (^٤).\nقول عثمان -﵁- في البيت الذي ذكره: وإلا فإني لا إخالك ناجيا، ومعنى إخالك أظنك. قال الجوهري: إخالك بكسر الهمزة هو الأفصح وبنو أسد يقولون أخالك بالفتح وهو القياس (^٥)، اهـ.\nوقال ابن الأثير في النهاية (^٦): يقال خلت إخال بالكسر والفتح والكسر أفصح وأكثر استعمالًا.\n_________\n(^١) سورة عبس، الآية: ٢١.\n(^٢) التذكرة (ص ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(^٣) التذكرة (ص ٣٠٧).\n(^٤) التذكرة (ص ٣٠٨).\n(^٥) الصحاح (٤/ ١٦٩٢).\n(^٦) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٩٣).","vol":"14","page":117},{"text":"[٥٣٨٨] وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ إِن أحدكم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار فَيُقَال هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك اللّه يَوْم الْقِيَامَة رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤) وأبو داود (^٥) دون قوله: قوله: فيقال إلى آخره.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي\" الحديث [في التنزيل حق الكافرين ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (^٦) فأخبر اللّه تعالى أن الكافرين يعرضون على النار كما أن أهل السعادة يعرضون على الجنان للخبر الصحيح في ذلك] (^٧) معناه إن كان من أهل الجنة فيعرض عليه مقعد من مقاعد أهل الجنة. قال القرطبي في\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٧٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٦٥) (٢٨٦٦).\n(^٣) سنن الترمذي (١٠٧٢) وقال: وهذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) سنن النسائي (٤/ ١٠٧).\n(^٥) لم أجده. ولعله وهم منه.\n(^٦) سورة غافر، الآية: ٤٦.\n(^٧) وقع تأخير هذه الفقرة من النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والأرواح المنعمة مشغولة بما هي فيه، وقد ذهب إلى ذلك طوائف من الناس والمشهور أخلافه]، اهـ، قاله ابن حجر).","vol":"14","page":118},{"text":"شرحه هذا منه -ﷺ- إخبار عن غير الشهداء فإنه قد تقدم أن أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وتأكل من ثمارها وغير الشهداء إما مؤمن وإما غير مؤمن وهو الكافر، فهذا يرى مقعده من النار غدوا وعشيا، وهذا هو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (^١) الآية، وأما المؤمن المؤاخذ بالذنب فله مقعدان مقعد في النار زمن تعذيبه ومقعد في الجنة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يعرضا عليه بالغداة والعشي إلا إذا قلنا أنه أراد بأهل الجنة كلّ من يدخلها كيف ما كان فلا يحتاج إلى ذلك التفسير وهذا الحديث وما في معناه يدلّ على أن الميت ليس بعدم وإنما هو انتقال من حال إلى حال ومفارقة الروح البدن ويجوز أن يكون هذا العرض [على الروح وحده وأن تكون] (^٢) على الروح مع جزء من البدن والغداة والعشي إنما هو بالنسبة إلى الحي لا بالنسبة إلى الميت إذ لا يتصور في حقه شيء من ذلك (^٣) واللّه أعلم، اهـ، قاله في الديباجة.\nوقال بعض العُلماء: هذا الحديث يدلّ على أن [الأرواح] ليست في الجنة وإنما تعرض عليها بكرة وعشيا [وكذا ذكر ابن عطية وغيره] (^٤)، وهذا لا حجة لهم فيه لوجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون العرض بكرة وعشيا\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٤٦.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) التذكرة (ص ٤٢٦ - ٤٢٧).\n(^٤) سقط هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":119},{"text":"على الروح المتصلة بالبدن، فالروح وحدها في الجنة فيكون [الإشارة] والتخويف للجسد في هاتين الوقتين باتصال الروح به، وأما الروح فيه أبدًا في تنعم أو عذاب، والوجه الثاني أن الذي يعرض بالغداة والعشي هو مسكن ابن آدم الذي يستقر فيه في الجنة أو النار وليست الروح مستقرة فيه في مدّة البرزخ وإن كانت في الجنة أو النار، ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب أن المؤمن إذا فتح له في قبره باب إلى الجنة وقيل له هذا منزلك فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي (^١) وسيأتي الحديث قريبا بتمامه (^٢). وأما السَّلام على أهل القبور فلا يدلّ على استقرار أرواحهم على أفنية قبورهم فإنه يسلم على قبور الأنبياء والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين ولكن لها مع ذلك اتصال سريع بالجسد ولا يعلم كنه ذلك وكيفيته على الحقيقة إلا اللّه تعالى ويشهد لذلك الأحاديث المرفوعة والموقوفة أن النائم يعرج بروحه إلى العرش هذا مع أتعلقها، ببدنه وسرعة عودها إليه عند استيقاظه فأرواح الموتى المتجردة عن أبداخهم أولى بعروجها إلى السماء وعودها إلى القبر في مثل تلك السرعة واللّه أعلم (^٣)، اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، والرويانى (٣٩٢)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٣٨). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألبانى في المشكاة (١٦٣٠) والجنائز (١٥٥) وصحيح الترغيب (٣٥٥٨).\n(^٢) أهوال القبور (ص ١١٦).\n(^٣) أهوال القبور (ص ١١٦ - ١١٧).","vol":"14","page":120},{"text":"قوله: \"فيقال هذا مقعدك\" أي هذا مستقر وما تصير إليه يوم بعثك (^١)، اهـ. تنبيه: هل العذاب على الروح أو على الجسد؟ فالجواب: أنه عليهما معا لكن حقيقته على الروح [ويألم] الجسد [مع] ذلك وينعم لكن لا يظهر أثر ذلك [إلا] لمن يشاء من أهل الدنيا ولهذا لو نبش على الميت لوُجد كهيئته يوم وضع [انتهي]. وإذا تقرر ذلك فمن قال إن التنعيم والعذاب يقع على الروح والبدن معا يقول إن الميت يعرف من يزوره ويسمع من [يقرأ] عنده إذ لا مانع من ذلك، ومن قال إن [التنعيم] والعذاب يقع على الروح فقط لا يمنع ذلك أيضًا إلا من [زعم] منهم أن الأرواح المعذبة مشغولة بما هي فيه والأرواح المنعمة مشغولة بما هي فيه، وقد ذهب إلى ذلك طوائف من الناس والمشهور [خلافه]، اهـ، قاله ابن حجر (^٢).\nوهل كلّ مؤمن يعرض على الجنان؟ فقيل: ذلك مخصوص بالمؤمن\nالكامل الإيمان ومن أراد اللّه إنجاءه من النيران، وأما من أنفذ اللّه تعالى أعليه، وعيده من المخلصين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فله مقعدان يراهما جميعا كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبيحًا وحسنًا، وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة كلّ من يدخلها كيف كان (^٣) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٥/ ٣٨٨).\n(^٢) فتاوى ابن حجر (ص ٢٠ - ٢٣).\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٢٦ - ٤٢٧).","vol":"14","page":121},{"text":"قال أبو العباس القرطبي رحمه اللّه تعالى (^١): ثم قيل هذ العرض إنما هو على الروح وحده ويجوز أن يكون مع جزء من البدن واللّه أعلم بحقيقة ذلك، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد فترد إليه الروح كما ترد عند المساءلة حين يقعده الملكان ويقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللّه به مقعدا من الجنة. قلت: ظاهر الحديث هذا ولا مانع من إعادة الروح إلى الجسد أو إلى البعض الي يدرك منه حالة العرض.\nفإن قلت: وهل في القبر غداة وعشي وليل أو نهار. قلت المراد وقت الغداة والعشي عند الأحياء ويحتمل أن يمثل له وقت الغداة والعشي في حال عرض المقعد عليه وقد ورد في سؤال الملكين أنه يمثل له وقت صلاة العصر ودنو الشمس للغروب وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى العرض هنا الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند اللّه تعالى فإن قيل فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره فكيف يسأل ويقعد ويضرب بمطارق من حديد ويعذب ولا يظهر له أثر؟\nفالجواب: أن ذلك غير ممتنع بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وآلاما لا نحس نحن شيئا منها، وكذ يجد اليقظان لذة وألما لما يسمعه أو يتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه وكذا كان جبريل ﵊ يأتي النبي -ﷺ- فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون وكان هذا ظاهر جلي واللّه أعلم. وتقدم مثل هذا من كلام الكرماني، لكن هذا أوضح ففي هذا\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٢٧).","vol":"14","page":122},{"text":"الحديث أن الميت يعرض عليه في قبره بالغداة والعشي مقعده من الجنة كما دل عليه الحديث وفي هذا تنعيم لمن هو من أهل الجنة وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما أعد له وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود ويوافق هذا في أحد الشقين قوله تعالى: ﴿[النَّارُ] يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (^١) الآية، ويُروى من حديث ليث عن أبي قيس عن [هذيل] عن عبد اللّه بن مسعود -﵁- قال (^٢): أرواح آل فرعون الذين يعرضون على النار غدوا وعشيا في أجواف طير سود فيعرضون على النار كلّ يوم مرتين فيقال لهم هذه داركم، فذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ (^٣) الآية، وعنه أيضًا أن أرواحهم في جوف طير سود تغدوا على جهنم وتروح كلّ يوم مرتين فذلك عرضها، [وسيأتي الكلام على الروح ومستقرها واختلاف العُلماء في ذلك قريبا إن شاء اللّه تعالي] (^٤). قال ابن أبي الدنيا (^٥): حدّثنا حمَّاد بن محمد الفزاري قال: بلغني عن الأوزاعي أنه سأله رجل بعسقلان من الساحل فقال له: يا أبا عمرو إنا نرى طيرا أسود تخرج من البحر فإذا كان العشي عاد مثلها بيضا، قال:\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٤٦.\n(^٢) تفسير عبد الرزاق (٢٦٨٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٦٧).\n(^٣) سورة غافر، الآية: ٤٦.\n(^٤) وقع تأخير لهذه الجملة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فذلك دأبها حتى تقوم الساعة، فيقال: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ اهـ).\n(^٥) من عاش بعد الموت لابن أبي الدنيا (٤٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٩١) لابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير.","vol":"14","page":123},{"text":"فطنتم لذلك؟ [قالوا]: نعم. قال: تلك طير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار فلتفحها فيسود ريشها ثم تلقي ذلك الريش ثم تعود إلى أوكارها فتلفحها النار، فذلك دأبها حتى تقوم الساعة، فيقالط: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (^١) اهـ.\n[٥٣٨٩] وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- يُسَلط على الْكَافِر فِي قَبره تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا تنهشه وتلدغه حَتَّى تقوم السَّاعَة فَلَو أَن تنينا مِنْهَا نفخت. رواه أحمد (^٢) وأبو يعلى (^٣)، ومن طريقه ابن حبان في صحيحه (^٤)، كلهم من طريق دراج عن أبي الهيثم.\nيسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا الخ\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة\" الحديث، التنين الحية الكبيرة، وقيل التنين نوع من الحيات كثير\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٤٦.\n(^٢) مسند أحمد (١١٣٣٤).\n(^٣) أبو يعلى (١٣٢٩).\n(^٤) ابن حبان (٣١٢١). وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ١٧٥، وعبد بن حميد في المنتخب (٩٢٩)، والآجري في الشريعة ص ٣٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٥): رواه أحمد، وأبو يعلى موقوفًا، وفيه دراج، وفيه كلام وقد وثق. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٦)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٥/ ١٠٢)، والتعليق الرغيب (٤/ ١٨٢).","vol":"14","page":124},{"text":"السم وذكرها إما للتأكيد أو لبيان أنواع العذاب. قوله: \"تنهشه\" النهش واللدغ معناهما واحد في اللغة، وذكر كلا اللفظين هنا، إما للتأكيد، أو لبيان أنواع العذاب، لأنه ربما يكون النهش أشد ألما من اللدغ أو بالعكس (^١).\nقوله: \"وتلدغه\" اللدغ بالدال المهملة هو ضرب أو عض ذات السم.\nقوله: \"فلو أن تنينا منها سحب في الأرض ما أنبتت خضرا يصف شدّة سمه وحرارة فمه\" يعني احترقت الأرض بوصول حرارة فمه إليها (^٢) واللّه أعلم.\nفائدة: ما الحكمة في تخصيص العدد بتسعة وتسعين؟ قال العُلماء: يحتمل وجوها أحدها: أن يكون توقيفيا [موكولا إلى النبي بطريق الوحي] وليس مستقلا من اكتساب العقل كتخصيص عدفى ركعات الصلاة ومقادير الزكوات وغيرهما مما لا مجال للعقل في معرفة كميتها وانما هو لحكمة علمها النبي -ﷺ- بطريق الوحي. والثاني أن يقال: إن للّه تعالى تسعة وتسعين اسما كلّ اسم منها دال على صفة يجب [الإيمان] بها كالرحمن والرحيم وغيرهما، فلما أنكر [المعرض] ولم يؤمن [بها] لا جملة ولا تفصيلا وأعرض عنها في الدنيا سلط عليه في الآخرة عددها من الحيات. والثالث أن يكون مقابلا لما أعد اللّه تعالى لعباده في الآخرة من الرحمات وهي تسع وتسعون رحمة أعد اللّه للكافرين تسعة وتسعين تنينا (^٣).\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٣٦).\n(^٢) شرح المصابيح (١/ ١٤٥).\n(^٣) الميسر (١/ ٧٥ - ٧٦) والمفاتيح (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"14","page":125},{"text":"[٥٣٩٠] وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ إِن الْمُؤمن فِي قَبره لفي رَوْضَة خضراء فيرحب لَهُ قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا وينور لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر أتدْرُونَ فِيمَا أنزلت هَذِه الآيَة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (^١) قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمَعيشَة الضنك قَالُوا اللّه وَرَسُوله أعلم قَالَ عَذَاب الْكَافِر فِي قَبره وَالَّذِي نَفسِي بِيَد إِنَّه يُسَلط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا أَتَدْرُونَ مَا التنين سَبْعُونَ حَيَّة لكل حَيَّة سبع رُؤُوس يلسعونه ويخدشونه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رواه أبو يعلى (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣) واللفظ له، كلاهما من طريق دراج عن ابن حجيرة عنه.\nقوله -ﷺ-: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء فيرحب له قبره سبعون ذراعا\" الحديث، أما نعيم القبر فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ١٢٤.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦٦٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٥): رواه أبو يعلى وفيه دراج وحديثه حسن واختلف فيه. وصحح ابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعًا في قوله ﴿معيشة ضنكا﴾ قال: عذاب القبر، أورده من وجهين مطولا ومختصرًا وأخرجه البزار (٢٢٣٣)، والطبري (١٦/ ٢٢٨) ووالآجري في الشريعة (ص ٣٥٨) والبيهقي في عذاب القبر (٦٨) والواحدي في الوسيط (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٦٧: رواه البزار وفيه من لم أعرفه. وأخرجه ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير ٣/ ١٦٩)، وقال ابن كثير: رفعه منكر جدًا.\n(^٣) ابن حبان (٣١٢٢).","vol":"14","page":126},{"text":"الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (^١)، [والروضة] معروفة ويرّحب له قبره أي يوسع والرحب هو المكان الواسع.\nقوله أتدرون ما المعيشة الضنك؟ الضنك الشقاء وإنما هو شدة الضيق والشدة وإن كان المعنى متقاربا شيئًا وقد جاء في حديث أنه عذاب القبر، هذا قاله عياض (^٢)، وقد اختلف في وقت هذه المعيشة الضنك متى هي فقالت فرقة هي في الدنيا ومعنى ذلك عندهم أن الكافر وإن كان متسع الحال والمال فمعه الحرص والأمل والتعذيب بأمور الدنيا والرغبة وامتناع صفاء العيش لذلك ما يصير معيشته ضنكى (^٣).\nوقالت فرقة المعيشة الضنك في البرزخ وهي أن يرى مقعده من النار غدوة وعشيا وما يكون من الأهوال في مدّة البرزخ وحمل هذه الفرقة على هذا التأويل أن الآية تقتضي أن المعيشة الضنك هي قبل يوم القيامة بقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (^٤)، وبقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (^٥)، وقالت فرقة: بل المعيشة الضنك في الآخرة، وهي عذابهم في جهنم وأكلهم الزقوم وما ذكره من الوعيد لهم (^٦)، اهـ، قاله في الديباجة.\n_________\n(^١) سورة الواقعة، الآية: ٨٨ - ٨٩.\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٦٠).\n(^٣) تفسير ابن عطية (٦/ ١٤١ - ١٤٢)، والبحر المحيط (٧/ ٣٩٤).\n(^٤) سورة طه، الآية: ١٢٤.\n(^٥) سورة طه، الآية: ١٢٧.\n(^٦) تفسير ابن عطية (٦/ ١٤٢).","vol":"14","page":127},{"text":"سؤال: ما الحكمة في القبر؟ قال بعضهم ستر المؤمن وأحواله لأن سائر الأديان لا يدفنون موتاهم فيكون فيه كشف موتاهم وأيضًا يكون سجنا للكافر وحصنا للمؤمن. وقال القبر: روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، اهـ. قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (^١).\nوتقدم الكلام على التنين وعلى تسعة وتسعين والحكمة في ذلك في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم.\n[٥٣٩٢] وَعَن عبد اللّه بن عمر - ﵄ - أَن رَسُول اللّه -ﷺ- ذكر فتان الْقَبْر فَقَالَ عمر أترد علينا عقولنا يَا رَسُول اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه -ﷺ- نعم كهيئتك الْيَوْم فَقَالَ عمر بِفِيهِ الْحجر. رواه أحمد (^٢) من طريق ابن لهيعة والطبراني (^٣) بإسناد جيد.\nقوله: \"وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي\" تقدم الكلام على مناقبهما -﵄-.\nقوله: \"أن رسول اللّه -ﷺ- ذكر فتّان القبر فقال عمر أترد علينا عقولنا يا رسول اللّه؟ \" فقال رسول اللّه -ﷺ- نعم كهيئتك اليوم. الحديث.\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ١٥).\n(^٢) أحمد (٦٦٠٣) ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٥٠)، وابن حبان (٣١١٥)، والآجري في الشريعة (٨٦٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٧)، وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح\". وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٩٢): رواه أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي وعنه ابن حبان في صحيحه.\nوحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٩٣).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١٣/ ٤٤/ ١٠٦).","vol":"14","page":128},{"text":"[وفتنة القبر هو الضلال عن صواب إجابة الملكين وهما منكر ونكير، وعذاب القبر ضرب من لم يوفق الجواب بمطارق الحديد، وتعذيبه إلى يوم القيامة (^١)]، جاء في حديث البخاري ومسلم سؤال ملكين وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما ونعتيهما، وجاء في حديث أبي داود وغيره سؤال ملك واحد ولا تعارض في ذلك والحمد للّه بل كلّ ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيانه جميعا ويسألانه جميعا في حال واحدة وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد فيكون ذلك أخف في السؤال وأقل في المراجعة والجواب (^٢)، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا بما فيه شفاء واللّه أعلم.\nقوله: \"فقال عمر بفيه الحجر\" معناه أن عمر لم يهب السؤال لما علم أن الشهيد لا يفتن والصديق أجل خطرًا وأحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء.\n[٥٣٩٢] وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قلت يَا رَسُول اللّه تبتلى هَذ الأمة فِي قبورها فَكيف بِي وَأَنا امْرَأَة ضَعِيفَة قَالَ يثبت اللّه الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة إِبْرَاهِيم رواه البزار (^٣)، ورواته ثقات.\n_________\n(^١) المفهم (٢٢/ ٩٠).\n(^٢) التذكرة (ص ٣٥٧ - ٣٥٨)، وعنه نقله ابن ناجى في شرحه على متن الرسالة (١/ ٥٨ - ٥٩)، وشرح الصدور (ص ١٤٤).\n(^٣) كما في كشف الأستار (٨٦٨)، ورواه ابن الأعرابي في المعجم (٨١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٣): قلت: لها حديث غير هذا في الصحيح. رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (٣/ ٣٩٣).","vol":"14","page":129},{"text":"قوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها -﵂-.\nقولها: \"قالت قلت يا رسول اللّه تبلى هذه الأمة في قبورها، فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ \" الحديث، الابتلاء هو الاختبار ويكون بالخير والشر والمراد [به] هاهنا هو الثاني وهو نظير الفتنة في قوله -ﷺ-: أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، الحديت، فالفتنة الابتلاء والامتحان. يقال فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته بها، [وفتنة القبر هو الضلال عن صواب إجابة الملكين وهما منكر ونكير وعذاب القبر ضرب من لم يوفق الجواب بمطارق الحديث وتعذيبه إلى يوم القيامة (^١)] (^٢).\nفائدة: السؤل في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو يختص بالمسلم والمنافق؟ قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد (^٣): الآثار الثابتة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق فمن كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القباء ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة؛ وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام واللّه أعلم. فيثبت اللّه الذين آمنوا ويرتاب المبطلون، والقرآن والسنة يدلان على خلاف هذا القول وأن السؤال للكافر والمؤمن. قال اللّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي\n_________\n(^١) المفهم (٢٢/ ٩٠).\n(^٢) سقطت هذه الجملة من النسخة الهندية.\n(^٣) ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٥٢) والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤١٤).","vol":"14","page":130},{"text":"الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (^١)، وثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر حين يسأل من ربك وما دينك ومن نبيك، وفي الصحيحين (^٢) عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- أنه قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم وذكر الحديث، زاد البخاري (^٣): وأما الكافر والمنافق [فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري؛ الحديث. وسيأتي قريبا، هكذا ذكره البخاري. وأما المنافق] والكافر بالواو وورد كذلك عدة أحاديث.\nوقول أبي عمر بن عبد البر: إن الكافر الجاحد ليس ممن يسأل [عن ربه ودينه] (^٤) فيقال له: ليس كذلك بل هو من جملة [المشركين] وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر اللّه تعالى في كتابه أنه يسأل الكفار يوم القيامة. قال اللّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ (^٥)، وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ (^٦)، وقال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ (^٧)، فإذا سئلوا يوم\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٣٨)، وصحيح مسلم (٧٠) (٢٨٧٠).\n(^٣) صحيح البخاري (١٣٣٨).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) سورة القصص، الآية: ٦٥.\n(^٦) سورة الحجر، الآية: ٩٢ - ٩٣.\n(^٧) سورة الأعراف، الآية: ٦.","vol":"14","page":131},{"text":"القيامة فكيف لا يسألون في قبورهم، اهـ. قال ابن عبد البر (^١) في حديث زيد بن ثابت عن النبي -ﷺ- أنه قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها: [ومنهم] من يروى تسأل وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك وهو أمر لا يقطع به.\nقوله -ﷺ- في حديث عائشة: قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^٢)، والقول الثابت هو كلمة التوحيد لأنها راسخة في قلب المؤمن، وتثبيتهم في الدنيا أنهم إذا فتنوا لم يزلوا عنها، وفي الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب واللّه أعلم. قاله الكرماني (^٣).\n[٥٣٩٣] وَعَن أنس -﵁-: أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه وَإنَّهُ ليسمع قرع نعَالهمْ إِذا انصرفوا آلاهُ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا النَّبِيّ مُحَمَّد فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول أشهد أَنه عبد اللّه وَرَسُوله فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار أبدلك اللّه بِهِ مقْعدا من الْجنَّة قَالَ النَّبِيّ -ﷺ- فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق فَيَقُول لا أَدْرِي كنت أقول مَا يَقُول النَّاس فِيهِ فَيُقَال لا دَريت وَلَا تليت ثمَّ يضْرب بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد ضَرْبَة بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ إِلَّا الثقلَيْن رواه\n_________\n(^١) ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٥٣).\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٤٦).","vol":"14","page":132},{"text":"البخاري (^١) واللفظ له ومسلم (^٢).\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا\" الحديث القرع الصوت، والضمير في نعالهم لأصحاب الميت وقيل أن أهل القبور يؤذيهم صوت النعال. وفي حديث آخر: وإنه ليسمع خفق نعالهم وخفق النعل هو صوتها عند دوسها على الأرض، قاله الكرماني (^٣) وغيره.\nفرع: ولا يكره المشي على المقابر بالنعلين على المشهور لقوله -ﷺ-: إنه ليسمع خفق نعالهم، وما ورد من الأَمر بإلقاء السبتين في أبي داود (^٤) والنسائي (^٥) بإسناد حسن [ويحتمل] أن يكون لأنهما من لباس المترفين أو أنه كان فيهما نجاسة والنعال الستبية بكسر السين المدبوغة بالقرظ، اهـ. قاله الكمال الدميري في شرح المنهاج (^٦)] (^٧) [وكذا رواه] ابن ماجه (^٨) وصححه\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١٣٣٨).\n(^٢) صحيح مسلم (٧٠) (٢٨٧٠).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١١٧).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٢٣٠).\n(^٥) سنن النسائي (٤/ ٩٦).\n(^٦) النجم الوهاج (٣/ ٩٢).\n(^٧) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (نظر رسول اللّه -ﷺ- إلى رجل يمشي في نعليه بين المقابر فقال: يا صاحب السبتية اخلع نعليك، اهـ).\n(^٨) ابن ماجه (١٥٦٨).","vol":"14","page":133},{"text":"وصححه ابن حبان (^١) من حديث بشر بن الخصاصية في أثناء حديث قال فيه فإذا برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال: يا صاحب السبتين ألق سبتتيك فنظر فلما عرف رسول اللّه -ﷺ- خلع نعليه. وقال البيهقي لما أخرجه لا يعرف هذا الحديث إلا بهذا الإسناد. وروى الطبراني (^٢) من حديث عصمة بن مالك قال نظر رسول اللّه -ﷺ- إلى رجل يمشي في نعليه بين المقابر فقال: يا صاحب السبتية اخلع نعليك، اهـ.\nمسألة: قال شيخ الإسلام ابن حجر: كيف يمكن الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^٣) وبين قوله -ﷺ-: \"إن الميت إذا وضع في في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا\"، [وإذا] تقرر ذلك فللعلماء في الجمع بين الحديث والآية مذاهب فمنهم من أول الآية وحمل الحديث على ظاهره وعمّمه في جميع الموتى ومن هؤلاء من خصه ببعض الموتى ومنهم من خصه ببعض أحوال الموتى ومنهم من أوّل الحديث وحمل الآية على ظاهرها وعمومها، والمسألة مشهورة جدًا وقد حررتها في شرح البخاري (^٤)، واللّه أعلم، انتهى.\nقوله -ﷺ-: \"أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا النبي\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٣١٧٠).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ١٨٥/ ٤٩٥).\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ٢٢.\n(^٤) فتاوى ابن حجر (ص ٥٧ - ٦٥)، وفتح البارى (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"14","page":134},{"text":"محمد\" الحديث، سؤال: ما الحكمة في سؤال منكر ونكير ﵉، قيل الحكمة فيه أن إبراهيم ﵊ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى عيانا، فأراه ليزداد يقينا، كذلك يحيى المؤمن في القبر ليزداد يقينا با لإحياء وأيضًا أراد أن ينبسط العبد مع الرب حتى إذا سأله في القيامة لا يخاف كما أنه أمر موسى بإلقاء عصاه [فصارت] حية ثم قال خذها ولا تخف كيلا يخاف عند مناظرته لفرعون من العصى. قاله ابن العماد في كشف الأسرار (^١).\n[سؤال أيضًا: وهو أن [هل] سؤال منكر ونكير ﵉ [هل هو] (^٢) مختص بهذه الأمة أم يكون لها ولغيرها [فهذا موضع قد تكلم فيه الناس] (^٣)، [قال] أبو عبد اللّه الترمذي [في نوادر الأصول] (^٤): إنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبَوْا كفّت الرسل واعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب فلما بعث اللّه تعالى محمدا -ﷺ- بالرحمة أمانا للخلق كما قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (^٥) أمسك عنهم العذاب وأعطاه السيف حتى يدخل في الإسلام ومن دخل لمهابة السيف ثم يرسخ الإسلام في قلبه فأمهلوا فمن هاهنا ظهر أمر\n_________\n(^١) كشف الأسرار (لوحة ١٥).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٣/ ٢٢٧) ابن حجر في فتح الباري (٣/ ٢٤٠).\n(^٥) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.","vol":"14","page":135},{"text":"النفاق فكانوا يُسرّون الكفر ويعلنون الإيمان فكانوا بين المسلمين في ستر فلما ماتوا قيّض اللّه لهم فتاني القبر ليُستخرج سرّهم بالسّؤال وليميز اللّه الخبيث من الطيب فيثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا [وفي الآخرة]، ويضل اللّه الظالمين، اهـ[قاله القرطبي (^١)] وخالف في ذلك آخرون منهم عبد الحق الإشبيلي والقرطبي وقال السؤال لهذه الأمة ولغيرها وتوقف آخرون في ذلك منهم أبو عمر بن عبد البر] (^٢) وقد احتج من خصّه بهذه الأمة بقوله -ﷺ-: إن هذه الأمة تبلى في قبورها [وظاهر هذا الاختصاص بهذه الأمة في ذلك كلام يطول] (^٣)، والظاهر واللّه أعلم أن كلّ نبي مع أمته، كذلك وأنهم معذّبون في قبورهم بعد السؤال لهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذّبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة واللّه سبحانه أعلم، قاله ابن قيم الجوزية في كتابه الروح. سؤال أيضًا: لقد سئل شيخ الإسلام ومحدّث الأنام ابن حجر هل يسأل الميت وهو قاعد أو يسأل وهو راقد، فأجاب [] عفا اللّه عنه []: أنه يسأله الملكان وهو قاعد كما جاء في حديث البراء المشهور الذي صححه أبو عوانة (^٤) وأخرجه أحمد (^٥) ففيه التصريح بذلك وكذلك حديث\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (٣/ ٢٤٠).\n(^٢) حصل تكرار لما بين [] في النسخة الهندية، فأدرج بعد قوله في ما سبق: (وقال: فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾، فإذا سئلوا يوم القيامة فكيف لا يسألون في قبورهم، اهـ.)، وأدرج ثانية في هذا الموضع.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) وأبو عوانة -كما في إتحاف المهرة- (٢/ ٤٥٩).\n(^٥) مسند أحمد (١٨٥٣٤)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٣٧ - ٣٨، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٢١٤٠)،","vol":"14","page":136},{"text":"أنس هذا فيه أيضًا التصريح بذلك.\nوسئل هل تلبس الروح الجتة كما كانت أولا؟ فأجاب: نعم [تلبس الروح الجثة كما كانت]، لكن ظاهر الخبر أن الروح تحل في نصفه الأعلى كذا قال رحمه اللّه تعالى (^١)، اهـ.\nسؤال: هل تقيم الروح بعد السؤال؟ الجواب: أن روح المؤمن في عليين وروح الكافر في سجين ولكل روح اتصال بجسدها، وهو اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة بل أشبه شيء به حال النائم [وان كان هو أشد من حال النائم] (^٢) انفصالا وهذا يجمع ما افترق من الأخبار من أن محل الأرواح في عليين وفي سجين وتكون الأرواح عند أفنية القبور كما نقله ابن عبد البر عن الجمهور (^٣)، اهـ.\nسؤال آخر: هل يسمع الميت التلقين؟ الجواب: نعم يسمع لوجود الاتصال الذي أشرنا إليه أولا ولا يقالس ذلك على حال الحي إذا كان في قعر\n_________\n= والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٢١) (٤٤)، وفي شعب الإيمان (٣٩٥)، وقال البيهقي في الشعب: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال ابن منده: هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء، وكذلك رواه عدة عن الأعمش، وعن المنهال ابن عمرو، والمنهال بن عمرو: هو الأسدي، مولاهم، الكوفي، أخرج عنه البخاري ما تفرد به، وزاذان أخرج عنه مسلم، وهو ثابت على رسم الجماعة.\n(^١) فتاوى ابن حجر (ص ٧٣).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) فتاوى ابن حجر (ص ٢١ - ٢٣).","vol":"14","page":137},{"text":"بئر [مردوم مثلا فإنه لا يسمع كلام منه هو على البئر] (^١).\nمسألة: وهي أن الأطفال هل يمتحنون في قبورهم؟ اختلف الناس في ذلك على قولين هما وجهان لأصحاب أحمد وحجة من قال أنهم يسألون بمشروعية الصلاة عليهم والدعاء لهم [وسؤال اللّه أن يقيهم عذاب القبر وفتنة القبر كما ذكر مالك في موطئه] (^٢) [وفي موطأ مالك] عن أبي هريرة أن رسول اللّه -ﷺ- صلى على جنازة صبي فسمع من دعائه: اللهم قِهِ عذاب القبر، واحتجوا بما رواه [علي بن] (^٣) معبد عن عائشة -﵂- أنه مر عليها بجنازة صبي صغير فبكت. فقيل لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ فقالت: هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر. قالوا: واللّه تعالى يكمّل لهم عقولهم ليعرفوا بذلك منزلتهم ويلهمون الجواب كما يسألون عنه قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الكثيرة التي فيها أنهم يمتحنون في الآخرة، وحكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث فإذا امتُحِنوا في الآخرة لم يمتنع امتحانهم في القبور (^٤).\nوقال آخرون السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول والمرسل فيُسأل هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا، وأما الطفل الذي لا تمييز له بوجه فكيف يتوجه\n_________\n(^١) الروح (ص ١٣).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) الروح (ص: ٨٨).","vol":"14","page":138},{"text":"إليه السؤال ولو رد عليه عقله في القبر فإنه لا يُسأل عما لم يتمكن من معرفته والعلم به ولا فائدة لهذا السؤال، وهذا بخلاف امتحانهم في الآخرة. وأما حديث أبي هريرة فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل على ترك طاعته أو فعل معصميته قطعا فإن اللّه لا يعذب أحدا بلا ذنب عمله [بل عذاب القبر قد يراد به الألم واللّه أعلم، قاله ابن قيم الجوزية (^١)] (^٢). وإنما المراد الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره وإن لم يكن عقوبة على عمل عمله، ومنه الحديث: أن الميت ليُعذّب ببكاء أهله عليه أي يتألبم بذلك ويتوجع منه لا أنه يُعاقب بذنب الحي، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٣)، وهذا كقوله -ﷺ-: السفر قطعة من العذاب (^٤)، [فالعذاب] أعم من [العقوبة] ولا ريب أن في القبر من الألم والهموم والغموم والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم به فيشرع للمصلي عليه أن يسأل اللّه تعالى أن يقيه ذلك العذاب، اهـ. قاله في الديباجة.\nمسألة أيضًا: هل يعذب العاصي في قبره إلى يوم القيامة أو لا يعذب إلا عند مجيء منكر ونكير ﵉؟ فجواب ذلك يختلف باختلاف كبر\n_________\n(^١) الروح (ص: ٨٨).\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى أن يقيه ذلك العذاب، اهـ. قاله في الديباجة).\n(^٣) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.\n(^٤) صحيح البخاري (١٨٠٤)، وصحيح مسلم (١٧٩) (١٩٢٧).","vol":"14","page":139},{"text":"المعصية وصغرها وحصول العفو عن بعض الموتى دون بعض فقد لا يعذّب بعض الصلاة أصلا وقد يستمر التعذيب على بعض العصاة وقد يرتفع عن بعض وشواهد ذلك من الأحاديث [موجودة] واللّه أعلم، قاله قاضي القضاة ابن حجر (^١).\n[٥٣٩٤] وَفِي رِوَايَة أَن رَسُول اللّه -ﷺ- قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا وضع فِي قَبره آلاهُ ملك فَيَقُول لَهُ مَا كنت تعبد فَإِن اللّه هداه قَالَ كنت أعبد اللّه فَيَقُول لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول هُوَ عبد اللّه وَرَسُوله فَمَا يسْأَل عَن شَيْء بعْدهَا فَينْطَلق بِهِ إِلَى بَيت كَانَ لَهُ فِي النَّار فَيُقَال لَهُ هَذَا كَانَ لَك وَلَكِن اللّه عصمك فأبدلك بِهِ بَيْتا فِي الْجنَّة فيراه فَيَقُول دَعونِي حَتَّى أذهب فأبشر أَهلِي فَيُقَال لَهُ اسكن قَالَ وَإِن الْكَافِر أَو الْمُنَافِق إِذا وضع فِي قَبره أَتَاهُ ملك فينتهره فَيَقُول لَهُ مَا كنت تعبد فَيَقُول لا أَدْرِي فَيُقَال لا دَريت وَلَا تليت فَيُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس فيضربه بمطراق بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا الْخلق غير الثقلَيْن رواه البخاري (^٢) واللفظ له ومسلم (^٣).\n[قوله: \"عن أنس\" تقدم. قوله: \"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا\" الحديث، وفي حديث: خفق\n_________\n(^١) فتاوى ابن حجر في العقيدة (ص ٤٤ - ٤٥).\n(^٢) صحيح البخاري (١٣٣٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٧٠) (٢٨٧٠).","vol":"14","page":140},{"text":"نعالهم، وضبطه بعضهم خفيق، وهو صوت [ضربها] الأرض ولا يستعمل ذلك إلا في الضرب بالشيء العريض، ومنه سميت الدرة مخفقة. وفي حديث عمر: وضربه بالمخفقة، والخافقان منتهى الأرض [والسماء] وقيل المشرق والمغرب، قاله عياض (^١).\nقوله: \"أتاه ملكان فيقعدانه فيقول ما كنت تقول في هذا النبي محمد؟ \" الحديث، [وهذا يدلّ على أن الروح تتعلق بالبدن في القبر عند السؤال]. سؤال: وهو هل يكشف للميت حتى يرى النبي -ﷺ- في قوله: ما كنت تقول في هذا النبي محمد؟ الجواب: إن هذا لم يرد في حديث صحيح وإنما ادعاه بعض من لا يحتج به بغير مستند إلا من جهة قوله في هذا الرجل كما هو مذكور في حديث آخر وإن الإشارة بلفظ هذا تكون للحاضر وهذا لا معنى له لأنه حاضر في الذهن واللّه أعلم، قاله الحافظ العسقلاني] (^٢).\nقوله -ﷺ- في حديث أنس: وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه، الحديث [فهذا يدلّ على أن الروح تتعلق بالبدن في القبر عند السؤال] (^٣) [المنافق] هو غير المصدّق بقلبه لنبوّته -ﷺ- وهو في مقابلة المؤمن أو المرتاب أي الشاك وهو في مقابلة الموقن. قوله: \"فيقال لا\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٤٥).\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال الأزهري: ويروى أتليت يدعو عليه أن لا تتلو إبله أي لا يكون لها أولاد تتلوها، اهـ).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":141},{"text":"دريت ولا تليت\" الحديث، قال الخطابي ﵀ هكذا يقول المحدثون وهو غلط (^١). وقال القتبيي وفيه قولان: بلغني عن يونس البصري أنه قال: لا أتليت ساكن التاء يدعون عليه [أن] لا تتلى إبله أي [لا يكون أولاد يتلوها] يقال للناقة قد أتلت فهي متلية وتلاها ولدها إذا تبعها. قال: وقال غيره وهو لا اتليت افتعلت من قولهم ما ألوت هذا ولا [استطعته] كأنه يقول لا دريت ولا استطعت [أي] تدري. وقيل معناه تلوت أي لا قرأت حوّلوا الواو ياء على موافقة دريت (^٢)، اهـ.\nوقال النحويون: الأصل في هذه الكلمة الواو أي ولا تلوت إلا أنها قلبت بالتتبع بياء دريت وقد جاء من حديث البراء لا دريت ولا تلوت على ما رواه الإمام أحمد أي لم تدر ولم تتل القرآن أي فلم تنفع بدرايتك ولا تلاوتك (^٣).\n[وقال ابن بطال (^٤): الكلمة من بنات الواو لأنها من تلاوة القرآن لكنه لما كان مع دريت تكلم به الياء ليزدوج الكلام ومعناه الدعاء عليه أي لا كنت داريا ولا تاليا، اهـ. قال الأزهري: ويروى أتليت يدعو عليه أن لا تتلو إبله أي لا يكون لها أولاد تتلوها، اهـ] (^٥). وقيل معناه: لا تبعت الحق، قاله الداوودي،\n_________\n(^١) أعلام الحديث (١/ ٦٩٤).\n(^٢) شرح السنة (٥/ ٤١٦).\n(^٣) التوضيح (١٠/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١١٨).\n(^٥) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ثم استعمل كما استعمل غيره من أدعية العرب اهـ.).","vol":"14","page":142},{"text":"وقال ابن الأنباري: تليت غلط والصواب أتليت بفتح [الألف يدعو] عليه بأن لا تتلى إبله أي لا يكون أولاد تتلوها أي تتبعها وهذا مذهب يونس بن حبيب قال ابن السراج: وهذا بعيد من دعاء الملكين للميت وأي مال له، [قاله] القاضي لعل ابن الأنباري رآى أن هذا أصل الدعاء ثم استعمل كما استعمل غيره من أدعية العرب (^١) اهـ.\nقوله -ﷺ-: ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إذا الثقلين، الحديث. الثقلان هما الجن والإنس لأنهما قطان الأرض، ويقال لكل خطير نفيس ثقل فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما، قاله في النهاية (^٢).\nوقال في النهاية أيضًا: وإنما يكون الإنس والجن عن سماع ذلك بمعزل لأنهما قطان الأرض لقيام التكليف ومكان الابتلاء ولو سمعوا ذلك لارتفع الابتلاء والامتحان وصار الإيمان به ضروريا فأخفى عنهم ذلك لئلا يفوتهم حظهم من الإيمان بالغيب ولئلا يبطل معاشهم بالإعراض عن التدابير والصناعات ونحوها مما يتوقف عليها (^٣) [واللّه تعالى أعلم].\n[٥٣٩٥] وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت جَاءَت يَهُودِيَّة استطعمت على بَابي فَقَالَت أَطْعمُونِي أعاذكم اللّه من فتْنَة الدَّجَّال وَمن فتْنَة عَذَاب الْقَبْر قَالَت فَلم\n_________\n(^١) مطالع الأنوار (٢/ ١٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢١٦).\n(^٣) الميسر (١/ ٧١).","vol":"14","page":143},{"text":"أزل أحبسها حَتَّى جَاءَ رَسُول اللّه -ﷺ- فَقلت يَا رَسُول اللّه مَا تَقول هَذِه الْيَهُودِيَّة قَالَ وَمَا تَقول قلت تَقول أعاذكم اللّه من فتْنَة الدَّجَّال وَمن فتْنَة عَذَاب الْقَبْر قَالَت عَائِشَة فَقَامَ رَسُول اللّه -ﷺ- وَرفع يَدَيْهِ مدا يستعيذ بِاللّه من فتْنَة الدَّجَّال وَمن فتْنَة عَذَاب الْقَبْر ثمَّ قَالَ أما فتْنه الدَّجَّال فَإِنَّهُ لم يكن نَبِي إِلَّا حذر أمته وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيث لم يحذرهُ نَبِي أمته إِنَّه أَعور وَإِن اللّه لَيْسَ بأعور مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ كَافِر يقرأه كلّ مُؤمن فَأَما فتْنَة الْقَبْر فَبِي يفتنون وعني يسْأَلُون فَإِذا كانَ الرجل الصَّالح أَجْلِس فِي قَبره غير فزع وَلَا مشعوف ثمَّ يُقَال لَهُ فَمَا كنت تَقول فِي الْإِسْلَام فَيُقَال مَا هَذَا الرجل الَّذِي كانَ فِيكُم فَيَقُول مُحَمَّد رَسُول اللّه جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد اللّه فَصَدَّقْنَاهُ فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَا وقاك اللّه ثمَّ تفرج لَهُ فُرْجَة إِلَى الْجنَّة فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا وَيُقَال على الْيَقِين كنت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ اللّه وَإِذا كانَ الرجل السوء أَجْلِس فِي قَبره فَزعًا مشعوفا فَيُقَال لَهُ فَمَا كنت تَقول فَيَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فَقلت كلمَا قَالُوا فيفرج لَهُ فُرْجَة إِلَى الْجنَّة فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَا صرف اللّه عَنْك ثمَّ يفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا وَيُقَال هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا على الشَّك كنت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ اللّه ثمَّ يعذب، رواه أحمد (^١) بإسناد صحيح.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٥٠٨٩)، وفي السنة (١٤٤٨)، وأخرجه إسحاق (١١٧٠)، والطبري في تهذيب الآثار (مسند عمر ٨٨٥)، والخلال في السنة (١١٧٩) وابن منده في الإيمان =","vol":"14","page":144},{"text":"قوله غير مشعوف هو بشين معجمة بعدها عين مهملة وآخره فاء قال أهل اللغة الشعف هو الفزع حتى يذهب بالقلب.\nقوله: \"وعن عائشة -﵂-\" تقدم الكلام على مناقبها.\nقولها -﵂-: \"جاءت يهودية استطعمت على بابي فقالت أطعموني أعاذكم اللّه من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر\" الحديث، ومن آكد الأدعية المأثورة ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: إذا تشهد أحكم فليستعذ باللّه من أربع: يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وعذاب النار ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال (^١)، ولذلك أوجب بعض العُلماء هذا الدعاء وأمر طاوس من صلى ولم يقله أن يعيد الصلاة (^٢) وذهب الظاهرية إلى وجوبه والأمر بالاستعاذة من هذه الأشياء في كلّ صلاة مما يدلّ على الاعتناء بالدعاء بها والاستعاذة منها لعظم الأَمر فيها وشدة البلاء في وقوعها (^٣) وفتنة المحيا والممات، قيل أراد بفتنة المحيا والممات ما يعتري الإنسان حال حياته من البلايا والمحن وفتنة الممات\n_________\n= (١٠٦٧) والبيهقي في عذاب القبر (٢٩) وعبد الغني في أخبار الدجال (٩٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٩) رواه أحمد. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٥١٧) مسند صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٩٥).\n(^١) مسلم (١٢٨ و١٣٠ و١٣٢ - ٥٨٨).\n(^٢) قاله مسلم عقب حديث (١٣٤ - ٥٩٠).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"14","page":145},{"text":"شدة سكرات الموت وسؤال القبر وعذابه (^١) وقيل أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر وترك متابعة طريق الهدى وبفتنة الممات سؤال منكر ونكير مع الحياة وما في القبر من الأهوال والشدائد (^٢) ويجوز أن يراد به الفتنة عند الموت لقربها منه (^٣) يقال: إن الشياطين يأتون المحتضر على صورة أقاربه وإخوانه الذين سبقوا فيقولون له مت يهوديا مت نصرانيا فإنه الدين المقبول (^٤) عند اللّه تعالى: قال اللّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (^٥) [فنعوذ باللّه من سوء الخاتمة وسوء العاقبة] (^٦).\nوفتنة [المحيا] ما يستميل قلب الإنسان من حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وطلب الجاه وطلب المنزلة والتطاول على الناس (^٧). قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (^٨)، وقال -ﷺ-: ما ذئبان جائعان أو\n_________\n(^١) تحفة الأبرار (١/ ٣١٠).\n(^٢) قاله السهروردى كما في شرح المشكاة (٣/ ١٠٤٩ - ١٠٥٠).\n(^٣) إحكام الأحكام (١/ ٣١١).\n(^٤) التذكرة (ص ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٥) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٦) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (كالذي يستنيب في الوظائف الدينية كالإمامة ونحوه بغير عذر، اهـ).\n(^٧) أخرجه البخاري (٥٢) و(٢٠٥١)، ومسلم (١٠٧ و١٠٨ - ١٥٩٩).\n(^٨) سورة الأنفال، الآية: ٢٨.","vol":"14","page":146},{"text":"أو ضاريان في غنم بأفسد لها من حب الرياسة والمال لدين الرجل (^١)، وأصل الفتنة الامتحان (^٢) فالشخص [ممتحن] بزينة الدنيا، يمتحن بالسبيكة الفضة في النار فمن أعرض عن زينة الدنيا دل على صفاء جوهره وصحة إيمانه وسلامته من الغش ومن اشتغل بزينة الدنيا كان على الضد من ذلك والى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ (^٣)، قيل: أكثر زهدا في الدنيا، ولما كان حب الشهوات يدعو إلى تناول الشبهات ويفتح على الشخص باب التأويلات قال -ﷺ-: فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (^٤).\nقال مالك بن دينار: اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العُلماء، يعني الدنيا تسحر قلوبهم حتى يقعوا في تأويل الحرام ويأكلونه بالتأويلات البعيدة الفاسدة كالذي يستنيب في الوظائف الدينية بما لإمامة ونحوه بغير عذر، اهـ.\nويجوز أن يراد بفتنة الممات فتنة القبر عند سؤال الملكين ويستدل بالحديث على أن التكليف لا ينقطع بموت العبد وإلا لما كان امتحانه في القبر بقول الملائكة له في القبر من ربك وما دينك ومن نبيك؟ (^٥) قال -ﷺ-:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٢٣٧٦) وابن حبان (٣٢٢٨). وصححه الألبانى في الروض النضير (رقم ٥ - ٧).\n(^٢) معالم السنن (١/ ٢٠٠).\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ٧.\n(^٤) الزهد (١٨٦٣) لأحمد.\n(^٥) أخرجه مسلم (٧٣ - ٢٨٧١).","vol":"14","page":147},{"text":"\"تفتنون في قبوركم كمثل أو أعظم من فتنة المسيح الدجال\" (^١) وأصل الفتنة الامتحان والمسيح الدجال سمي به لأن عينه الواحدة ممسوحة وقيل أنه يمسح الأرض أي يقطعها وقيل غير ذلك، والمسيح بالحاء المهملة ويقال المسيخ بالخاء المعجمة أيضًا وأما المسيح عيسى ابن مريم -ﷺ- فبالحاء المهملة ليس إلا، سُمي مسيحا قيل لأنه ممسوح بالبركة كما أن الدجال ممسوح من البركة، وقيل ما مسح صاحب عاهة إلا [برئ]، وقيل غير ذلك وسمي دجالا لتمويهه على الناس، يقال: دجّل بالتشديد إذا لبّس، وتلبيسه بما جعل اللّه على يديه من خرق العوائد ومن صفته أنه يأتي معه جنة ونار.\nقال الشاعر:\nفَنَاط جَنَّة طُوْبَي لِدَاخِلِه ... وَزُوْرُجَنّتِهِ نَارٌ مِنَ السُّعُرِ (^٢)\nيخرج في القحط الشديد يقول أنا ربكم [ويقتل] إنسانا ويحييه فمن آمن به أدخله الجنة فيقع في جهنم، ومن كفر به ألقاه في النار فيدخل الجنة ويأتي إلى الشخص من أعراب البادية فيقول له: أرأيت إن أحييت لك أباك وأمك وإخوانك الذين سلفوا أتؤمن بي؟ فيقول: نعم، فيأمر الشياطين فتتمثل له صورهم ويأمرونه بالإيمان به أعاذنا اللّه تعالى منه بمنه وكرمه. قال -ﷺ- في نعت الدجال: إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وسمي مسيحا لأنه\n_________\n(^١) البخاري (٨٦) عن عائشة.\n(^٢) بيت من قلادة الدر المنثور في ذكر البعث والنشور لابن الوردى انظر خريدة العجائب (ص ٤٧٤).","vol":"14","page":148},{"text":"يمسح الأرض كلها إلا مكة والمدينة أي يطأها واختلفوا في معناه على ثلاثة وعشرين قولا، حكاه ابن دحية، ويمكمث في الأرض أربعين يومًا، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا مكتوب بين عينه ك ف ر، وإثه يتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة وإن عيسى ﵊ ينزل من السماء فيقتل الدجال بباب لد البلدة المحروسة بقرب بيت المقدس وكل هذه ألفاظ ثابتة عن رسول اللّه -ﷺ- في صحيح مسلم وبعضها في البخاري والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة جدًا وكان السلف يستحبون أن يلقن الصمبيان أحاديث الدجال ليتحفظونها وتترسخ في نفوسهم وتتوارثها الناس، اهـ.\nتنبيه: فإن قلت رسول اللّه -ﷺ- آمِنٌ [من] الفتنة الدجال ونحوها فما الفائدة فيه. قلت: نفس الدعاء عبادة كقوله: اللهم اغفر لي مع كونه مغفورا له أو هو لتعليم الأمة، قاله الكرماني (^١).\nقوله -ﷺ-: ومن فتنة عذاب القبر، وفي الحديث دليل على أن عذاب القبر تابت وتقدم أيضًا الدليل عليه في قوله -ﷺ- في صاحبي القبر إنهما ليعذبان (^٢) ويدل على القطع بثبوته قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي في البزرخ، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، يقال لهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٥٠).\n(^٢) البخاري (٢١٦) و(٢١٨) و(١٣٦١) و(١٣٧٨) و(٦٠٥٢) و(٦٠٥٥)، ومسلم (١١١ - ٢٩٢).","vol":"14","page":149},{"text":"الْعَذَابِ﴾ (^١).\nسؤال: ما الحكمة في عذاب القبر؟ قيل: تخويف للمؤمن حتى يتعوذ باللّه منه وأيضًا جعله اللّه تطهيرا للمؤمن فإن اللّه تعالى جعل قدام المؤمن خمسة أنهار يغسله بها تطهيرا له أولها الاستغفار والصلاة على الميت والثاني هو الصدقة عن الميت والثالت نهر القبر والرابع نهر القيامة والخامس نهر النار ليطهر بها المؤمن. قاله النيسابوري، هكذا ذكره ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (^٢).\nقوله -ﷺ- في الدجال: \"إنه لأعور وإن اللّه ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كلّ مؤمن\" الحديث، وسمي مسيحا لأنه ممسوح العين، جاء في الصحيح أنه أعور العين اليمني، وفي رواية مسلم أنه أعور العين اليسري، والجمع بين الروايتين أن عينه الأخرى عليها ظفرة، وجاء كأنّ عينه عنبة طافية (^٣)، وورد أن عينه خضراء كالزجاجة، روى ذلك أبو نعيم في التاريخ (^٤).\nقوله -ﷺ-: \"وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعنّي تسألون\" وأصل الفتنة الامتحان كما تقدم، ومعنى تفتنون تمتحنون أي تمتحنون بي في قبوركم\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ٤٦.\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ١٥).\n(^٣) انظر شرح النووى على مسلم (٢/ ٢٣٥).\n(^٤) أخرجه أحمد ٥/ ١٢٤ (٢١١٤٦) و(٢١١٤٧)، والبخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٧٨ - ٧٩، والشاشي (١٤٠٢)، وأبو الشيخ في طبقات المحدّثين بأصبهان (٥٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٧٤). وصححه الألبانى في الصحيحة (١٨٦٣).","vol":"14","page":150},{"text":"[ويتعرف] إيمانكم بنبوتي، يريد مساءلة منكر ونكير من الفتنة والامتحان والاختبار فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول المؤمن: هو رسول اللّه، ويقول المنافق: سمعت الناس تقول شيئًا فقلته، هكذا جاء مفسرا في الصحيح، وقد كثرت استعاذته -ﷺ- من فتنة القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات وغير ذلك، وتقدم الكلام على ذلك، ومنه حديث الحسن ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^١) قال: فتنوهم بالنار، أي امتحنوهم وعذّبوهم، قاله في النهاية (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره من غير فزع ولا مشعوف\" الحديث، الشعف بالشين والعين المهملة. قال الحافظ: قال أهل اللغة الشعف هو الفزع حتى يذهب بالقلب، اهـ. وقال ابن الأثير في النهاية (^٣): الشعف: شدة [الفزع حتى يذهب بالقلب، والشعف شدة] (^٤) الحب وما يغشى قلب صاحبه، اهـ.\nقوله: فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ الحديث، وإنّما عبر بعبارة الرجل الذي ليس فيها تعظيم امتحانا للمسئول لئلا يتلقن منهما إكرام الرسولو -ﷺ- ورفع مرتبته فيعظمه [هو] تقليدا لهما لا اعتقادا (^٥) واللّه أعلم.\n_________\n(^١) سورة البروج، الآية: ١٠.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤١٠).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٨١).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) شرح النووى على مسلم (١٧/ ٢٠٣)، والكواكب الدرارى (٧/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"14","page":151},{"text":"قوله: \"فيقول محمد رسول اللّه جاءنا بالبينات من عند اللّه فصدقناه\" الحديث، بالبينات أي بالمعجزات الدالة على نبوته.\nقوله -ﷺ-: \"فيفرج له فرجة قبل النار\" الحديث، الفرجة بضم الفاء وفتحها معروفة.\nقوله: \"يحطم بعضها بعضا\" الحديث، الحطم هو الكسر أي تندفع فيدفع بعضها بعضا لشدة اشتعالها وتلهبها.\nوبها التذكرة (^١) دخل عليها فتانا القبر وهما ملكان أسودان يحرثان الأرض بأنيابهما لهما شعور مسدولة يخدانها على الأرض كلامهما كالرعد القاصف [وأعينهما كالبرق الخاطف] ونفسهما كالريح العاصف بيد كل واحد منهما مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان الإنس والجن ما رفعاه ولو ضرب بيده أعظم جبل لجعله دكا فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت وولت هاربة فتدخل بها منخر الميت فيحيى الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة فلا يقدر على حراك غير أنه يسمع وينظر فيبتدرانه بعنف وينتهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء حيث ما تحوّل انفسخ فيه ووجد فرجة فيقولان له من ربك ومن نبيك وما قبلتك فمن وفقه اللّه تعالى وثبّته بالقول الثابت قال: ومن وكلكما ومن أرسلكما إليّ؟\nوهذا لا يقوله إلا العُلماء الأخيار، فيقول أحدهما للاخر صدق كفي شرّنا ثم يفتحان له بابا إلى الجنة ويدخل عليه من نسيمها ويأتيه عمله بها صورة أحب\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٥٤).","vol":"14","page":152},{"text":"الأشخاص إليه فيؤنِسه ويملأ قبره نورا فلا يزال في مرح وسرور حتى تقوم الساعة، ومن الناس من أعجم في مسألته فإن كانت عقيدته مختلة امتنع أن يقول اللّه ربي ويأخذ في غيرها من الألفاظ فيضربانه ضربة فيشتعل [بها القبر نارا ومن الناس من يعسر عليه أن يقول الإسلام ديني لشك كان يتوهمه أو فتنة تقع به عند الموت فيضربانه ضربة فيشتعل] (^١) عليه قبره نارا، ومن الناس من يعسر عليه أن يقول [القرآن إمامه] لأنه كان يتلوه ولا يتعظ به ولا يعمل بأوامره ولا ينتهي بنواهيه يطوف عليه دهره ولا يعطي نفسه منه خيره فيفعل به مثل ما فعل بالأولين ومن الناس من يستحيل عمله جروا يُعذب به في قبره على قدر جرمه.\nوفي الأخبار أن من الناس [من يستحيل عمله خنوصا وهو ولد الخنزير، ومن الناس] (^٢) من يمتنع عليه أن يقول نببي محمد لأنه كان ناسيا لسنته ومن الناس من يعسر عليه أن يقول الكعبة قبلتي لقلة تحرّزه في صلاته [إما لخلل] في وضوئه أو التفات في صلاته أو اختلال في ركوعه وسجوده ويكفي في ذلك ما روي أن اللّه تعالى لا يقبل صلاة من عليه صلاة ومن عليه ثوب حرام، وأما الفاجر فيقولان له من ربك فيقول لا أدري. فيقول: لا دريت ولا عرفت، ثم يضربانه بتلك المقامع [حتى يتجلجل في الأرض السابعة تنفضه الأرض في قبره ثم يضربانه سبع مرات] (^٣)، [والمقامع] واحدها مقمعة بالكسر وهي\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وهي سياط تعمل من حديد رؤوسها معوجة، قاله في النهاية، واللّه أعلم).","vol":"14","page":153},{"text":"واحدة المقامع وهي سياط تعمل من حديد رؤوسها معوجة، قاله في النهاية (^١)، واللّه أعلم.\nوقال في الدرة الفاخرة للغزالي (^٢): وأما في وصف الفاجر فتؤخذ نفسه عنها عنفا فإذا قبضها عزرائيل ناولها زبانية قباح الوجوه سود الثياب منتني الرائحة بأيديهم مسوح من شعر فيلفّونها فتستحيل شخصا إنسانيا على قدر الجرادة، فإن الكافر أعظم جِرما من المؤمن يعني الجسم في الآخرة كما في الصحيح أن ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد فيعرج به حتى ينتهي به إلى باب سماء الدنيا فيقرع الأمين الباب فيقال من أنت؟ فيقول: أنا دنيائيل، [لأن اسم الملك الموكل على زبانية العذاب: دنيائيل] (^٣)، فيقال: من معك؟ فيقول: فلان بن فلان بأقبح أسمائه وأبغضها إليه في دار الدنيا، فيقال: لا أهلا ولا سهلا ولا يفتح له باب السماء، فإذا سمع الأمين هذه المقالة طرحها من يده فتهوي به الريح في مكان سحيق أي بعيد، اهـ.\nويختلف أحوال الناس في التعذيب وبالجملة فلكلٍّ تعذيب بما كان يخافه في الدنيا. قال بعض علماء السلف: كان في بلدنا نبّاش أي سراق الأكفان، وكان في ذلك البلد قاض صالح قد نصب نفسه لتنفيذ مراسيم النبوءة وقمع مراسيم النفس الأمارة ومراسيم الشيطان فلما قربت وفاته دعا ذلك النباش\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١١٠)].\n(^٢) الدرة الفاخرة (ص ٢٠).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":154},{"text":"وقال له: قد بلغني عنك أنك تسرق الأكفان وقد دنت وفاتي في وقت كذا تسمع نعيي وقد أعددت قيمة كفني فخذه الآن ولا تهتكني في قبري، فأجابه النباش إلى ذلك، فلما كان الوقت الذي ذكر القاضي أنه ينعى فيه سمع النباش الناعي فقال: إنه رجل صالح فلأخبرنّ زوجتي بخبري معه فلما أخبرها قالت احذره، فلما دفن ثار في نفسه أنه يسرق كفنه. فقالت له زوجته لا تفعل. فلم يلتفت إليها: فلما حفر القبر ودخل فيه وإذا بالميت قد أجلس وقال أحد الملكين للآخر شم رجله، فشمها فقال ليس فيها شيء إنه لم يسع بها معصية قط، فقال فيها خيرا، ثم قال شم [عينيه]، فقال: إنه لم ينظر إلى محرم قط، فقال شم سمعه فشم أحد سمعيه فلم يجد شيئًا ثم شم السمع الآخر فوقف، فقال: ما وجدت؟ فقال بعض نتن، فقال أتدري مم هذا النتن؟ إنه أصغى بأحد سمعيه إلى أحد الخصمين [أكثر] من الآخر فانفخ فيه فنفخ فيه فامتلأ القبر نارا فلحق بصر النباش فعمي فإذا كان حال هذا القاضي فكيف حال من شأنه يتبرطل لأجل الحقوق وعدم إقامة الحدود وغير ذلك من المفاسد لقد أوقع نفسه هذا المسكين في أشر موقع وليست شؤمه يقتصر عليه بل يتعدى شره إلى غيره. قال اللّه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^١) الآية، اهـ. قاله الشيخ تقي الدين الحصني بها بعض كتبه (^٢).\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٢) قمع النفوس ورقية المأيوس (لوحة ٣٨ و٣٩/ مخ ٦٠٢ برلين).","vol":"14","page":155},{"text":"[٥٣٩٦] وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول اللّه -ﷺ- فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلما يلْحد بعد فَجَلَسَ رَسُول اللّه -ﷺ- وَجَلَسْنَا حوله كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير وَبِيَدِهِ عود ينكت بِهِ فِي الْأَرْض فَرفع رَأسه فَقَالَ تعوذوا بِاللّه من عَذَاب الْقَبْر مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا زَاد فِي رِوَايَة وَقَالَ إِن الْمَيِّت يسمع خَفق نعَالهمْ إِذا ولوا مُدبرين حِين يُقَال لَهُ يَا هَذَا من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك وَفِي رِوَايَة ويأتيه ملكان فيجلسانه فَيَقُولانِ لَهُ من رَبك فَيَقُول رَبِّي اللّه فَيَقُولانِ لَهُ وَمَا دينك فَيَقُول ديني الْإِسْلَام فَيَقُولانِ لَهُ مَا هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول هُوَ رَسُول اللّه فَيَقُولانِ لَهُ وَمَا يدْريك فَيَقُول قَرَأت كتاب اللّه وَآمَنت وصدقت زَاد فِي رِوَايَة فَذَلِك قَوْله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^١) فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن صدق عَبدِي فافرشوه من الْجنَّة وألبسوه من الْجنَّة وافتحوا لَهُ بَابا إِلَى الْجنَّة فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح لَهُ فِي قَبره مد بَصَره وَإِن الْكَافِر فَذكر مَوته قَالَ فتعاد روحه فِي جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فَيَقُولانِ من رَبك فَيَقُول هاه هاه لا أَدْرِي فَيَقُولانِ مَا دينك فَيَقُول هاه هاه لا أَدْرِي فَيَقُولانِ لَهُ مَا هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول هاه هاه لا أَدْرِي فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن قد كذب فافرشوه من النَّار وألبسوه من النَّار وافتحوا لَهُ بَابا إِلَى النَّار فيأتيه من حرهَا وسمومها ويضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه زَاد فِي رِوَايَة ثمَّ يقيض لَهُ أعمى أبكم مَعَه مرزبة من حَدِيد لَو ضرب بهَا جبلا لصار تُرابا\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.","vol":"14","page":156},{"text":"فيضربه بهَا ضَرْبَة يسْمعهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب إِلَّا الثقلَيْن فَيصير تُرابا ثمَّ تُعَاد فِيهِ الرّوح رواه أبو داود ورواه أحمد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١) وَرَوَاهُ أَحْمد (^٢) بِإِسْنَاد رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح أطول من هَذَا وَلَفظه قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول اللّه -ﷺ- فَذكر مثله إِلَى أَن قَالَ فَرفع رَأسه فَقَالَ استعيذوا بِاللّه من عَذَاب الْقَبْر مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ إِن العَبْد الْمُؤمن إِذا كَانَ فِي انْقِطَاع من الدُّنْيَا وإقبال من الآخِرَة نزل إِلَيْهِ مَلَائِكَة من السَّمَاء بيض الْوُجُوه كَأَن وُجُوههم الشَّمْس مَعَهم كفن من أكفان الْجنَّة وحنوط من حنوط الْجنَّة حَتَّى يجلسوا مِنْهُ مد الْبَصَر وَيَجِيء ملك الْمَوْت -﵇- حَتَّى يجلس عِنْد رَأسه فَيَقُول أيتها النَّفس الطّيبَة اخْرُجِي إِلَى مغْفرَة من اللّه ورضوان قَالَ فَتخرج فتسيل كَمَا تسيل القطرة من فِي السقاء فيأخذها فَإِذا أَخذهَا لم يدعوها فِي يَده طرفَة عين حَتَّى يأخذوها فيجعلوها فِي ذَلِك الْكَفَن وَفِي ذَلِك الحنوط وَيخرج مِنْهُ كأطيب نفحة مسك وجدت على وَجه الْأَرْض قَالَ فيصعدون بهَا فَلَا يَمرونَ\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣٢١٢).\n(^٢) مسند أحمد (١٨٥٣٤). وأخرجه أبو عوانة - كما في إتحاف المهرة (٢/ ٤٥٩). وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٣٧ - ٣٨، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٢١٤٠)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٢١) (٤٤)، وفي شعب الإيمان (٣٩٥)، وقال البيهقي في الشعب: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال ابن منده: هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء، وكذلك رواه عدة عن الأعمش، وعن المنهال ابن عمرو، والمنهال بن عمرو: هو الأسدي، مولاهم، الكوفي، أخرج عنه البخاري ما تفرد به، وزاذان أخرج عنه مسلم، وهو ثابت على رسم الجماعة.","vol":"14","page":157},{"text":"على ملاء من الْمَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرّوح الطّيب فَيَقُولانِ فلَان ابْن فلَان بِأَحْسَن أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسمى بهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى ينْتَهوا بهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فيستفتحون لَهُ فَيفتح لَهُ فيشيعه من كلّ سَمَاء مقربوها إِلَى السَّمَاء الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى ينتهى بهَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَيَقُول اللّه ﷿ اكتبوا كتاب عَبدِي فِي عليين وأعيدوه إِلَى الْأَرْض فِي جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فَيَقُولانِ من رَبك فَيَقُول رَبِّي اللّه فَيَقُولانِ مَا دينك فَيَقُول ديني الْإِسْلَام فَيَقُولانِ مَا هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول هُوَ رَسُول اللّه فَيَقُولانِ مَا يدْريك فَيَقُول قَرَأت كتاب اللّه وَآمَنت بِهِ وصدقته فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن قد صدق عَبدِي فأفرشوه من الْجنَّة وافتحوا لَهُ بَابا إِلَى الْجنَّة قَالَ فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح لَهُ فِي قَبره مد بَصَره قَالَ ويأتيه رجل حسن الْوَجْه حسن الثِّيَاب طيّب الرّيح فَيَقُول أبشر بِالَّذِي يَسُرك هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد فَيَقُول من أَنْت فوجهك الْوَجْه الْحسن يَجِيء بِالْخَيرِ فَيَقُول أَنا عَمَلك الصَّالح فَيَقُول رب أقِم السَّاعَة رب أقِم السَّاعَة حَتَّى أرجع إِلَى أَهلِي وَمَالِي وَإِن العَبْد الْكَافِر إِذا كَانَ فِي انْقِطَاع من الدُّنْيَا وإقبال من الآخِرَة نزل إِلَيْهِ مَلَائِكَة سود الْوُجُوه مَعَهم المسوح فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مد الْبَصَر ثمَّ يَجِيء ملك الْمَوْت حَتَّى يجلس عِنْد رَأسه فَيَقُول أيتها النَّفس الخبيثة اخْرُجِي إِلَى سخط من اللّه وَغَضب فَتفرق فِي جسده فينتزعها كَمَا ينتزع السفود من الصُّوف المبلول فيأخذها فَإِذا أَخذهَا لم يدعوها فِي يَده طرفَة عين حَتَّى يجعلوها فِي تِلْكَ المسوح وَتخرج مِنْهَا كأنتن جيفة وجدت على وَجه الْأَرْض فيصعدون بهَا فَلَا يَمرونَ","vol":"14","page":158},{"text":"بهَا على ملاء من الْمَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا مَا هَذِه الرّيح الخبيثة فَيَقُولُونَ فلَان ابْن فلَان بأقبح أَسْمَائِهِ الَّتِي كانَ يُسمى بهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى ينتهى بهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فيستفتح لَهُ فَلَا يفتح لَهُ ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله -ﷺ- (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (^١) فَيَقُول الله ﷿ اكتبوا كتَابه فِي سِجِّين فِي الأرْض السُّفْلى ثمَّ تطرح روحه طرحا ثمَّ قَرَأَ (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (^٢) فتعاد روحه فِي جسده ويأتيه ملكانه فيجلسانه فَيَقُولَانِ لَهُ من رَبك فَيَقُول هاه هاه لَا أَدْرِي قَالَ فَيَقُولانِ لَهُ مَا دينك فَيَقُول هاه هاه لَا أَدْرِي قَالَ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول هاه هاه لَا أَدْرِي فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن كذب فأفرشوه من النَّار وافتحوا لَهُ بَابا إِلَى النَّار فيأتيه من حرهَا وسمومها ويضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه ويأتيه رجل قَبِيح الْوَجْه قَبِيح الثِّيَاب منتن الرّيح فَيَقُول أبشر بِالَّذِي يسوؤك هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد فَيَقُول من أَنْت فوجهك الْوَجْه الْقَبِيح يَجِيء بِالشَّرِّ فَيَقُول أَنا عَمَلك الْخَبيث فَيَقُول رب لَا تقم السَّاعَة وَفِي رِوَايَة لَهُ بِمَعْنَاهُ وَزَاد فيأتيه آتٍ قَبِيح الْوَجْه قَبِيح الثِّيَاب منتن الرّيح فَيَقُول أبشر بهوان من الله وَعَذَاب مُقيم فَيَقُول بشرك الله بِالشَّرِّ من أَنْت فَيَقُول أَنا عَمَلك الْخَبيث كنت بطيئا عَن طَاعَة الله سَرِيعا فِي مَعْصِيَته فجزاك الله بشر ثمَّ يقيض لَهُ أعمى أَصمّ\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٤٠.\n(^٢) سورة الحج، الآية: ٣١.","vol":"14","page":159},{"text":"أبكم فِي يَده مرزبة لَو ضرب بهَا جبل كَانَ تُرَابا فيضربه ضَرْبَه فَيصير ترابا ثمَّ يُعِيدهُ الله كَمَا كَانَ فيضربه ضَرْبَة أُخْرَى فَيَصِيح صَيْحَة يسمعهُ كل شَيْء إِلَّا الثقلَيْن قَالَ الْبَراء ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من النَّار ويمهد لَهُ من فرش النَّار قَالَ الْحَافِظ هَذَا الحَدِيث حَدِيث حسن رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح كَمَا تقدم وَهُوَ مَشْهُور بالمنهال بن عَمْرو عَن زَاذَان عَن الْبَراء كَذَا قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ ﵀ والمنهال روى لَهُ البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا.\nوَقَالَ ابْن معِين الْمنْهَال ثِقَة وَقَالَ أَحْمد الْعجلِيّ كُوفِي ثِقَة وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل تَركه شُعْبَة على مُحَمَّد قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم لِأَنَّهُ سمع من دَاره صَوت قِرَاءَة بالتطريب وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل سَمِعت أبي يَقُول أَبُو بشر أحب إِلَيّ من الْمنْهَال وزاذان ثِقَة مَشْهُور ألانه بَعضهم وروى لَهُ مُسلم حديثين فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْمنْهَال بِنَحْوِ رِوَايَة أَحْمد ثمَّ قَالَ وَهَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَقد رَوَاهُ عِيسَى بن الْمسيب عَن عدي بن ثَابت عَن الْبَراء عَن النَّبِي -ﷺ- وَذكر فِيهِ اسْم الْملكَيْنِ فَقَالَ فِي ذكر الْمُؤمن فَيرد إِلَى مضجعه فيأتيه مُنكر وَنَكِير يثيران الأَرْض بأنيابهما ويلجفان الأَرْض بشفاههما فيجلسانه ثمَّ يُقَال لَهُ يَا هَذَا من رَبك فَذكره وَقَالَ فِي ذكر الْكَافِر فيأتيه مُنكر وَنكير يثيران الأرْض بأنيابهما ويلجفان الأَرْض بشفاههما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه ثمَّ يُقَال يَا هَذَا من رَبك فَيَقُول لَا أَدْرِي فينادى من جَانب الْقَبْر لَا دَريت ويضربانه بمرزبة من حَدِيد لَو اجْتمع عَلَيْهَا من بَين الْخَافِقين لم يقلوها يشتعل مِنْهَا قَبره","vol":"14","page":160},{"text":"نَارا ويضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف أضلاعه\nقَوْله هاه هاه هِيَ كلمة تقال فِي الضحك وَفِي الإبعاد وَقد تقال للتوجع وَهُوَ أليق بِمَعْنى الحَدِيث وَالله أعلم. (^١)\nقوله: \"وعن البراء بن عازب\" تقدم الكلام على مناقبه -ﷺ-.\nقوله: \"خرجنا مع رسول الله -ﷺ- في جنازة رجل من الأنصار\" الأنصار هم\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (٧٥٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١١٥٢٣)، (١٢٠٥٩)، (١٢٠٣٢)، وأحمد (١٨٥٣٤)، (١٨٧٣٥)، (١٨٥٥٧)، (١٨٥٥٨)، (١٨٨٢٨)، وأبو داود (٣٢١٢)، (٤٧٥٣)، (٤٧٥٤)، والطبري في تهذيب الاثار (٧١٨)، (٧١٩)، (٧٢٠)، (٧٢١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٧)، (١/ ١٢٠)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٢١٤٠)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٢٠)، (٢١)، (٢٥)، (٢٦)، (٢٧)، (٤٤)، وفي شعب الإيمان (٣٩٥) عن الأعمش عن منهال بن عمرو، عن زاذان، البراء فذكره. وتوبع الأعمش، فأخرجه أبو داود (١٥٤٩)، والنسائي (٤٧٨)، وفي الكبرى (٢١٣٩)، والطبري في تهذيب الآثار (مسند عمر بن الخطاب) (٧٢٢) عن عمرو بن قيس، عن منهال بن عمرو، وقال البيهقي في الشعب: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال ابن منده: هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء، وكذلك رواه عدة عن الأعمش، وعن المنهال ابن عمرو، والمنهال بن عمرو: هو الأسدي، مولاهم، الكوفي، أخرج عنه البخاري ما تفرد به، وزاذان أخرج عنه مسلم، وهو ثابت على رسم الجماعة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٠): هو في الصحيح وغيره باختصار. رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٣٩٧)، وفي صحيح الجامع (١٦٧٦). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٨٣): أخرجه أبو داود والحاكم بكماله وقال صحيح على شرط الشيخين وضعفه ابن حبان ورواه النسائي وابن ماجه مختصرا. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٣٨): رواه أبو داود الطيالسي بسند الصحيح.","vol":"14","page":161},{"text":"الذين نصروا رسول الله -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة.\nقوله: فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد معناه لم يلحد.\nقوله: \"فجلس رسول الله -ﷺ- وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير\" الحديث، الطير بالنصب اسم كأن أي رأس كل واحد الطير يريد سيده فلا يتحرك وهذه كانت صفة فجلس رسول الله -ﷺ- إذا تكلم أطرق وجلساؤه كأنما على رءوسهم الطير يريد أنهم يسكتون فلا يتكلمون وصفهم بالسكون والوقار وأنهم لم يكن فيهم طيش ولا خفة لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن (^١).\nوقال الجوهري: قوله: كأن على رءوسهم الطير إذا سكتوا من هيبته وأصله أن الغراب إذا وقع على رأس البعير فيلقط منه [الحبة أو الجمانة] فلا يحرّك البعير رأسه لئلا ينفر عنه الغراب (^٢)، اهـ.\nقوله: \"وبيده عود ينكت به في الأرض\" ينكث معناه يحفر لأنه يقال نكث في الأرض إذا أثر فيه بقضيب أو نحوه، ونكث بالحصا إذا ضرب به في الأرض كما يفعل المتفكر المهتم (^٣).\nقوله: \"فرفع رأسه فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا\" الحديث، تقدم الكلام على عذاب القبر في أحاديث الباب.\n_________\n(^١) الغريبين (٤/ ١١٩٦)، والنهاية (٣/ ١٥٠).\n(^٢) الصحاح (٢/ ٧٢٨).\n(^٣) مشارق الأنوار (٢/ ١٢) ومطالع الأنوار (٤/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"14","page":162},{"text":"وقوله -ﷺ-: \"إن الميت يسمع خفق نعالهم\" وفي حديث أنس الذي تقدم: إنه ليسمع قرع نعالهم، تقدم معنى القرع والخفق في الحديث المذكور.\nقوله: \"ويأتيه ملكان فيجلسانه\" تقدم معنى ذلك.\nقوله: \"فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي\" أي صدق بما يقول فإنه كان في الدنيا على هذا الاعتقاد الخالص فابسطوا له بساطا من بُسط الجنة [واكسوه] من الجنة، وإن تفسيرية أي صدق عبدي ويجوز أن تكون مصدرية وهي وما بعدها مجرور والجار محذوف ويكون علة لما بعده تقديره لئن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة. وكذلك قوله: أن كذب. وقال في المؤمن: صدق عبدي، فذكره بالعبودية وأضافها إليه ولم يقل في الكافر شيئا من ذلك تشريفا للمؤمن دون الكافر والله أعلم.\nوقوله: فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة بألف القطع هكذا الرواية، أي اجعلوا له فرشا من فرش الجنة أو ابسطوا له فيكون أفرش بمعنى فرش أو أعطوا له فراشا (^١).\nقوله: \"فيأتيه من رَوحها\" هو بفتح، \"فيفسح له في قبره مدّ بصره\" أي الغاية التي ينتهي إليها إدراك بصره والمراد به رفع الحجاب قدامه فيرى ما يمكنه أن يراه (^٢)، اهـ.\nقوله: \"فيأتيه من روحها\" هو بفتح الراء، [أي] من رائحة الجنة ولذتها،\n_________\n(^١) الميسر (١/ ٧٥)، وتحفة الأبرار (١/ ١١٦).\n(^٢) الميسر (١/ ٧٥).","vol":"14","page":163},{"text":"فيأتيه روحها على مذهب الأخفش، أو بعض روحها أو شيء من روحها، فلم يؤت به إلا ليفيد أنه مما لا يقادر قدره ولا يوصف كنهه (^١).\nقوله: \"فتعاد روحه في جسده\" الحديث، الروح مؤنث وتذكر وهي أجسام لطيفة متخللة في البدن تذهب الحياة بذهابها وليس عرضا كما قاله قوم ولا دما كما قاله آخرون، وفيها أقوال كثيرة للعلماء (^٢).\nقال الشيخ الكمال الدميرى: أخبرني الشيخ أبو [هريرة] زين الدين ابن النقاش عن قاضي القضاة إبراهيم برهان الدين بن جماعة قال: وقفت على مؤلف في الروح [للناس] (^٣) فيه ألف قول اهـ، وليس هذا ببعيد لأنه ذكر الناس في [حكم التصوف] ما يزيد على ألف قول (^٤) اهـ.\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٥): اعلم أن الروح والنفس شيء واحد وهو الذي يُقبض بالموت وأنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة يحدث ويخرج وفي أكفانه يلف ويُدرج وبه إلى السماء يعرج لا يموت ولا يفنى وهو مما له أول وليس له آخر وهي بعينين ويدين وأنه ذو ريح طيب وخبيث، وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض. وقد اختلف الناس في الروح اختلافا كثيرا، أصح ما قيل فيه ما ذكرناه لك، وهو مذهب أهل السنة\n_________\n(^١) شرح المشكاة (٢/ ٥٩٥).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (٦/ ٢٢٣).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) انظر رياض الأفهام (٢/ ٥١٧)، والاعلام (٣/ ٥٠١).\n(^٥) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٦٧) شيء.","vol":"14","page":164},{"text":"أنه جسم، وقد قال الله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) (^١). قال أهل التأويل: يريد الأرواح، وقال تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣» (^٢) يعني النفس عند خروجها من الجسد، وهذه [صفة الجسم ولم يجر لها ذكر في الآية لدلالة الكلام عليه انتهى.\nقوله -ﷺ-: \"فتعاد روح في جسده\" هذه] حياة أخرى غير الحياة المألوفة في دار الدنيا بل [هي حياة أخرى بل] تعاد الروح إلى الجسد إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا يُسأل ويمتحن في قبره فهذا حق وقد دل عليه النص الصريح وهو قوله: \"فتعاد روحه إلى جسده\" فهذا لا يدل على حياة مستقرة، وإنما تدل على إعادة لها إلى البدن وتعلق به والروح لم تزل متعلقة ببدنها وإن بَلِي وتمزق، وسر ذلك أن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام.\nأحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينا.\nالثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.\nالثالث: تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه وتفارقه من وجه.\nالرابع: تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته [وتجردت عنه فإنها لم تفارقه] (^٣) فراقًا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة. وقد ذكرنا من\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٤٢.\n(^٢) سورة الواقعة، الآية: ٨٣.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":165},{"text":"الأحاديث والآثار ما يدل على ردها إليه وقت سلام المسلم على الميت وهذا الردّ إعادة خاصة لا توجب حياة البدن قبل يوم القيامة.\nالخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا، قاله في كتاب الروح (^١).\nوقال أبو عمر بن عبد البر (^٢): أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة المتقين على أفنية قبورهم. وقال ابن عبد البر في شرح حديث ابن عمر: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، الحديث. قال: وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصح ما ذُهب إليه في ذلك والله أعلم. إن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا وأثبت نقلا من غيرها. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها لا على أنها تلزم ولا تفارق أفنية القبور.\nوقال مالك رحمه الله تعالى أنه بلغنا أن الأرواح تسرح حيث شاءت.\n[قال:] وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور: سبعة أيام من دفن الميت لا [تفارق] ذلك، قاله صاحب كتاب الروح (^٣).\nوقوله -ﷺ- في حديث البراء: هاه هاه لا أدري، الحديث]. [قال الحافظ:\n_________\n(^١) الروح (ص: ٤٤).\n(^٢) ابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ١٠٩).\n(^٣) الروح (ص: ٩٢).","vol":"14","page":166},{"text":"هي كلمة تقال في الضحك وفي الإيعاد. وقد يقال للتوجع وهو أليق بمعنى الحديث واللّه أعلم. اهـ. وقال بعض العلماء: هاه هاه، هذه كلمة تقال في الإيعاد وفي حكاية الضحك وقد يقال للتوجع فتكون الهاء في الأولى مبدلة من همزة آه وهو الأليق بمعنى هذا الحديث يقال: تأوّه وتهوّه آهة وهاهة، اهـ. قاله في النهاية. (^١)\nوقال القرطبي (^٢): هاه هاه هي حكاية صوت المبهور من تعب أو جري ثقيل، اهـ.\nوقال بعضهم: هاه هاه بسكون الهاء بعد الألف كلمة يقولها المتحير في الكلام من الخوف أو من عدم الفصاحة وليس لها معنى لكن إذا صدرت هذه الكلمة من شخص علم أنه لا يقدر على الجواب، اهـ.\nقوله: \"ويضيق عليه في قبره حتى تختلف فيه أضلاعه\" الحديث] (^٣)، [أي يتجاوز أضلاعه من كل جنب إلى جنب الآخر وفي حديث آخر فيقال للأرض التئمي عليه أي اجتمعي فتلتئم أي فتجتمع عليه. وخرج الخلال بإسناد ضعيف عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- أنه قال في الكافر: يضيق عليه قبره حتى يخرج دماغه من بين أظفاره ولحمه. وقد ورد ما يدل على أن التضييق\nعام للمؤمن والكافر، وصرّح بذلك طائفة من العلماء منهم ابن بطة وغيره.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٨٤).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٥٨).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":167},{"text":"فروى شعبة سعد بن إبراهيم عن نافع عن عائشة عن النبي -ﷺ- قال: إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناج منها لنجا منها سعد بن معاذ. خرّجه الإمام أحمد (^١). وفي الحديث فإنه لو نجا منه أحد نجا [منها] سعد بن معاذ [ولكنه] لم يزد على ضمه، خرجه الطبراني (^٢).\nوفي حديث آخر عن أنس أن النبي -ﷺ- دفن صبيا أو صبية وقال: لو نجى أحد من ضمة القبر لنجا منه هذا الصبي. خرجه الخلال، والطبراني (^٣)،\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٤٢٨٣)، والحديث أخرجه إسحاق بن راهوية (١١١٤)، والحارث بن أبي أسامة، \"بغية الباحث\" (٢٧٩)، والطبري في تهذيب الآثار (٨٩٧) (مسند عمر بن الخطاب)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٠٦)، وعلي بن الجعد - كما في الجعديات (١٥٦٦) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٧٤) و(٢٧٥)، وابن حبان (٣١١٢) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٠٧)، وفي \"شعب الإيمان \" (٣٩٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٦): رواه أحمد، عن نافع، عن عائشة، وعن نافع، عن إنسان، عن عائشة، وكلا الطريقين رجالها رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٣٠٦)، والصحيحة (١٦٩٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٥٩٣)، والكبير (١٠/ ٣٣٤/ ١٠٨٢٧)، ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢)، والضياء في المختارة (١٨٢٤ - ١٨٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٧) رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله موثقون. ورواه الطبراني (٤/ ١٢١/ ٣٨٥٨) من حديث أبي أيوب، وصحح الألباني هذه الرواية في: الصحيحة (٢١٦٤).\n(^٣) المعجم الأوسط (٢٧٥٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٠)، وقال ابن عدي: ولثمامة عن أَنَس أحاديث وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبة من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن أَنَس عندي. ميزان الاعتدال (١/ ٣٧٢) هذا منكر. وقال ابن رجب في أهوال القبور (ص: ١٠٢): خرجه =","vol":"14","page":168},{"text":"وخرج ابن أبي الدنيا (^١). عن عبيد الله بن محمد التيمي قال: سمعت أبا بكر التيمي شيخا من قريش كان يقال: أن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضم الوالدة إذا غاب عنها ولدها ثم قدم عليها فمن كان مطيعا ضمته برأفة ورفق ومن كان لله عاصيا ضمته بعنف سخطا منها عليه لربها وقد يرفع عذاب القبر أو بعضه في بعض الأشهر الشريفة، فروي بإسناد ضعيف عن أنس بن مالك أن عذاب القبر يرفع عن الموتى في شهر رمضان، وكذلك فتنة القبر عمن مات يوم الجمعة وليلة الجمعة، والله أعلم، قاله ابن رجب (^٢) في كتابه في زيارة الموتى] (^٣).\n[قوله في الحديث: \"ثم يقيض له أعمى\" ويقيض يقدر من القيض أصله وهو القشر الأعلى من البيض فقولك قيّض الله لي فلانا أي أباحه واستولى عليّ استيلاء القيض على البيض (^٤) ويقيض بضم الياء الأولى وفتح الثاني أي يقدر\n_________\n= الخلال والطبراني وقد اختلف فيه على حماد فرواه جماعة عن عثمان مرسلا والمرسل هو الصحيح عند أبي حاتم الرازي والدارقطني. وأخرجه أبو يعلى كما في \"المطالب العالية\" (رقم: ٤٥٣٢) وصحّح إسناده الحافظ ابن حجر. وانظر \"الصحيحة\" (٥/ ١٩٦).\n(^١) انظر: أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور (ص: ٥٩) لابن رجب\n(^٢) أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور (ص: ٥٩) تفسير ابن رجب الحنبلي (٢/ ٣٧٣).\n(^٣) حصل تقديم لهذه الصحيفة في النسخة الهندية وأدرجت في حاشية اللوح ١١٥ من النسخة الهندية.\n(^٤) الميسر (١/ ٧٥).","vol":"14","page":169},{"text":"ويوكل عليه الزبانية، لا عين له حتى يرى عجزه وجريان دمعه فيرحمه (^١).\nقوله: \"أبكم\" وفي رواية أصم، لا يسمع عويله فيرق له.\nقوله: \"معه مرزبة من حديد\" المسموع في الحديث بتشديد الباء ولكن في (^٢) اللغة بتخفيف الباء وهو الشيء الذي يكسر به المدر والإرزبة مثلها (^٣) ولكن الباء من الإرزبة بتشديد الباء بخلاف المرزبة، وفي مواضع أخر قال يرويها المحدثون بتشديد الياء والصواب تخفيفه وتشديد الباء إذا أبدلت الميم بالهمزة (^٤) والله أعلم.\nقوله: \"لو ضرب بها جبلا لصار ترابا فيصير ترابا ثم يعاد فيه الروح \" معناه أن العذاب لا ينقطع عنهم بإفنائهم مرة بل تعاد فيهم الروح مرة أخرى بعد إفنائهم (^٥)، ا هـ.\nقوله: \"فيضربه بها ضربة يسمعها من بين المشرق والمغرب إلا الثقلين\" تقدم الكلام على الثقلين في مواضع.\nقوله: \"فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض في جسده\" الحديث، قد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخترق\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٣٣).\n(^٢) المفاتيح (١/ ٢٣٣).\n(^٣) المفاتيح (١/ ٢٣٣).\n(^٤) الميسر (١/ ٧٥).\n(^٥) شرح المصابيح (١/ ١٤٢).","vol":"14","page":170},{"text":"السبع الطباق وتسجد لله تعالى بين يدي العرش ثم ترد إلى جسده في أيسر زمان، وكذلك روح النائم الميت تصعد بها الملائكة حتى تجاوز السبع السماوات وتقف بين يدي الله فتسجد له وتقضي فيها قضاءه ويريها الملك ما أعد الله لها في الجنة ثم تهبط فتشهد غسله وحمله ودفنه، وقد تقدم في حديث البراء هذا: اكتبوا كتاب عبدي في عليين ثم أعيدوه إلى الأرض، فتعاد إلى القبر وذلك في مقدار تجهيزه وتكفينه، فقد صرح بذلك في حديث ابن عباس حيث قال: فيبسطون به على قدر فراغهم من غسله وإكفانه فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه.\nوقد ذكر أبو عبد الله بن مندة من حديث عيسى بن عبد الرحمن فذكره إلى أن قالى: حدثنا عامر بن سعد عن إسماعيل بن طلحة عن عبيد الله عن أبيه قالى: أردت مالي بغابة فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حزام فسمدت قراءة من القبر لم أسمع أحسن منها فجئت إلى رسولى الله -ﷺ- فذكرت ذلك له فقال: ذلك عبد الله، ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت وعلقها وسط الجنة، فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم التي كانت به، ففي هذ الحديث بيان سرعة انتقال أرواحهم من العرش إلى الثرى ثم انتقالها من الثرى إلى مكانها والله أعلم، قاله في كتاب الروح (١).","vol":"14","page":171},{"text":"مسألة: هل تعاد الروح إلى الميت في قبره وقت السؤال أم لا تعاد؟ فقد كفانا رسول الله -ﷺ- أمر هذه المسألة وأغنانا عن أقوال الناس حيث صرح بإعادة الروح إليه في حديث البراء المطول قال: فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه. وذهب إلى هذا القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث من سائر الطوائف والله أعلم، قاله في كتاب الروح (^١).\nقوله: \"فيقول الله ﷿: اكتبوا كلتاب عبدي في عليين\" الحديث.\nقال ابن عباس لكعب الأحبار: فقال يا كعب كل ما في القرآن قد عرفت غير أربعة أشياء فأخبرني عنهم ما سجين وما عليون وما سدرة المنتهى وما قول الله ﷿ لإدريس ورفعناه مكانا عليا. قال: أما عليون فالسماء السابعة فيها أرواح المؤمنين وأما سجين فالأرض السابعة السفلى وأرواح الكفار تحت خد إبليس فذكره (^٢) هذا على قول من قال إن أرواح المؤمنين في عليين في السماء وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة، فهذا قول قد قاله جماعة من السلف والخلف ويدل عليه قوله -ﷺ- عند موته: اللهم الرفيق الأعلى (^٣)، وتقدم حديث أبي هريرة أن الميت إذا خرجت روحه عرج بها إلى\n_________\n(^١) الروح (ص: ٤١).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٢٣)، وابن وهب في التفسير (٦٢) و(١٥١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٤٣٦) و(٤٤٣٧) و(٤٤٣٨) و(٤٤٤٩) و(٤٤٥١) و(٤٤٦٣) و(٦٣٤٨) و(٦٥٠٩) و(٦٥١٠)، ومسلم (٨٧ - ٢٤٤٤) عن عائشة.","vol":"14","page":172},{"text":"السماء حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة التي فيها الله ﷿ (^١).\nوتقدم قوله في حديث البراء وفيه ورواه أحمد وفيه أن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع] (^٢) من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، الحديث. وخرّج ابن أبي الدنيا من طريق يونس عن الحسن قال: إذا احتضر المؤمن حضره خمسمائة من الملائكة فيقبضون روحه فيعرجون به إلى سماء الدنيا فتلقاهم أرواح المؤمنين الماضين فيريدون أن يستخبروه فتقول الملائكة ارفقوا به فإنه خرج من كرب عظيم، فيسأله الرجل عن أخيه وعن صاحبه فيقول هو كما عهدت حتى يستخبروه عن الرجل الذي قد مات قبله فيقول: ما أتى عليكم؟ فيقولون: أوَ قد مات؟ فيقول: إي والله. فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذُهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية (^٣)، انتهى.\nوفي الحلية في ترجمة وهب بن منبه أنه قال: إن لله تعالى في السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين (^٤) الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦٤ (٨٧٦٩)، وابن ماجه (٤٢٦٢)، والنسائى في المجتبى ٤/ ١٦ (١٨٤٩)، والكبرى (١١٣٧٨) و(١١٩٢٥)، وحسنه الألبانى في المشكاة (١٦٢٧)، وانظر الروح (ص ١٠٥ و١٠٧).\n(^٢) سقط هذا اللوح [] من النسخة الهندية.\n(^٣) أهوال القبور (ص ٢٦ - ٢٧).\n(^٤) حلية الأولياء (٤/ ٦٠)، وأهوال القبور (ص ٢٧).","vol":"14","page":173},{"text":"قوله: \"إلا قالوا ما هذا الروح الطيب\" هذا في وصف المؤمن ذكر الروح مذكرا والروح يذكر ويؤنث وكذلك في قوله: \"انطلقوا به\" أي بالروح، قوله: \"رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي\" الحديث، أي فأخبرهم بأن حال طيب ليفرحوا (^١)، اهـ.\nقوله: \"فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الريح الخبيث؟ \" الحديث، الملأ الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء والمصير إليهم (^٢).\nقوله: \"ثم قرأ رسول الله -ﷺ-: (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (^٣) \" الآية، سم الخياط بفتح السين وضمها وكسرها، الفتح أشهر وبه قرأ القراء السبعة وهو ثقب الإبرة، وكل ثقب ضيق فهو سم والجمع السموم ومسام الإنسان هي [ثقبه المتسعة]، [ومعناه لا يدخلون الجنة أبدًا كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة أبدا، ذكره النووي (^٤) في شرح مسلم] (^٥)، [والجمل] (^٦) أراد به الحيوان المعروف لأنه أعظم الحيوان المتداولة للإنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع.\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٢٧).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (١/ ٢٥٣).\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٤٠.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٢٥).\n(^٥) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وهو جمل السفينة، قرأه ابن عباس، حكاه الجوهري).\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":174},{"text":"قال الشاعر:\nلقد عَظُمَ البعيرُ بغيرِ لُبٍّ ... فَلَمْ يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البعيرُ (^١)\nوقُرئ الجمل وهو جمل السفينة، قرأه ابن عباس، حكاه الجوهري. قوله: فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، تقدم في حديث كعب ذكر سجين. قال القرطبي (^٢): وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، قيل في الأرض السابعة وقيل تحتها وقيل في سجين وهي صخرة سوداء على شفير جهنم أعاذنا الله منها بمنه وكرمه.\nقوله: \"ثم تطرح روحه طرحما، ثم قرأ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (^٣) \" والسحيق البعيد من سحق بالضم إذا بعد ومنه قيل للثوب الخلق البالي السحق لأنه بعد عن الانتفاع.\nوقوله: \"فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين \" تقدم معنى الثقلين في الباب. قول الحافظ: حديث البراء حديث حسن وهو مشهور بالمنهال بن عمرو، عن زادان، عن البراء، كذا قال أبو موسى الأصبهاني إلى آخر ترجمته. والمنهال هو ابن عمرو الأسدي الكوفي، روى عنه كبار التابعين، روى له الجماعة سوى مسلم، وحديث منهال رواه أحمد والنسائي وابن ماجه ورواه أبو عوانة الإسفرايني في صحيحه وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث\n_________\n(^١) العباس بن مرداس، ديوانه ٥٨.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٢٨).\n(^٣) سورة الحج، الآية: ٣١.","vol":"14","page":175},{"text":"جميع أهل السنة، اهـ. وزادان من الثقات روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره، وروى له مسلم في صحيحه.\n[قوله: \"المنهال بن عمرو تفرد بهذه الزيادة\" وهي قوله: تعاد روحه في جسده، وضعفه، فالمنهال أحد الثقات العدول. قال ابن معين المنهال ثقة وأعظم ما قيل فيه أنه سمع من بيته صوت غناء وهذا لا يوجب القدح في روايته وإطراح حديثه. وقال بعضهم تركه شعبة عمدا بسبب أنه سمع من بيته طبنبورا فرجع ولم يسمع منه] (^١).\nقال الحاكم: هذا الحديث فيه شواهد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة وقد تكلم ابن حزم في المنهال ولم يحتج بحديثه الطويل في عذاب القبر ولا يلتفت لكلام ابن حزم فيه بعد احتجاج الشيخين به، ولما رآى ابن حزم (^٢) حديثه هذا رادا على معتقده في إنكار تعذيب الأجساد في قبورها طعن فيه وطعنه مردود والحديث صحيح دال على أن عذاب القبر يلحق الجسد على الكيفية التي علمها الله سبحانه، اهـ، قاله القرطبي في كتاب التذكار (^٣).\nقوله في الترغيب في حديث عيسى بن المسيب: \"ويضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم يقلوها\"، [وقوله: لم يقلّوها]، أي لم يرفعوها.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) انظر المحلى لابن حزم (١/ ٢٢).\n(^٣) انظر: كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (١/ ١٢١).","vol":"14","page":176},{"text":"[٥٣٩٧] وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا قبض أَتَتْهُ مَلَائِكَة الرَّحْمَة بحريرة بَيْضَاء فَيَقُولُونَ اخْرُجِي إِلَى روح الله فَتخرج كأطيب ريح الْمسك حَتَّى إِنَّه ليناوله بَعضهم بَعْضًا فيشمونه حَتَّى يَأتُوا بِهِ بَاب السَّمَاء فَيَقُولُونَ مَا هَذِه الرّيح الطّيبَة الَّتِي جَاءَت من الأَرْض وَلَا يأْتونَ دَمَاء إِلَّا قَالُوا مثل ذَلِك حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَلهم أَشد فَرحا بِهِ من أهل الْغَائِب بغائبهم فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان فَيَقُولُونَ دَعوه حَتَّى يستريح فَإِنَّهُ كَانَ فِي غم الدُّنْيَا فَيَقُول قد مَاتَ أما أَتَاكُم فَيَقُولُونَ ذهب بِهِ إِلَى أمه الهاوية وَأما الْكَافِر فيأتيه مَلَائِكَة الْعَذَاب بمسح فَيَقُولُونَ اخْرُجِي إِلَى غضب الله فَتخرج كأنتن ريح جيفة فَيذْهب بِهِ إِلَى بَاب الأَرْض رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَهُوَ عِنْد ابْن مَاجَه بِنَحْوِهِ بِإِسْنَاد صَحِيح.\n_________\n(^١) ابن حبان (٣٠١٣)، (٣٠١٤)، وأخرجه النسائي ٤/ ٨، وفي الكبرى (١٩٧٢ و١١٩٢٦)، (١١٩٢٧)، والطبراني في معجمه الأوسط (٧٤٢) وقال أبو نعيم في الحلية: بعد أن ذكر رواية القاسم بن الفضل الحدانى رواه هشام عن قتادة. وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: قال أبو نعيم وراوه موسى وبندار عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة مثله مرفوعا. ومن أصحاب قتادة من رواه موقوفا ورواه همام عن قتادة عن أبى الجوزاء عن أبى هريرة مرفوعا نحوه. قلت: رواه والطيالسي (٢٣٨٩) ابن حبان (٣٠١٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٥٢) وقال هذه الأسانيد كلها صحيحة، وشاهدها حديث البراء بن عازب. قال أبو حاتم ابن حبان: هذا الخبر رواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن قسامة بن زهير عن أبي هريرة نحوه مرفوعا. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٠): والكل صحيح وشاهدها حديث البراء قلت: وأصله عند مسلم (٢٨٧٢) بنحوه مختصرا عن أبي هريرة فذكره وقال في آخره فرد رسول الله -ﷺ- ريطة كانت عليه على أنفه هكذا.","vol":"14","page":177},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله في حديثه: \"حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون ما فعل فلان؟ فيقولون دعوه حتى يستريح \" الحديث، وذكر معاوية بن يحيى عن عبد الرحمن بن سلمة أن إبراهيم المسمعي حدثه أن أبا أيوب الأنصاري. (^١)\nحدثه أن رسول الله -ﷺ- قال: إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٤/ ١٢٩/ ٣٨٨٧)، وفي معجمه الأوسط (١٤٨)، وفي مسند الشاميين: ١٥٤٤، والكامل لابن عدي (٣/ ٣٠٢)، وعنه ابن الجوزي في العلل المتناهية ١٥٢٢، وفي التبصرة (١/ ٢٩٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣٩).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٧)، رواه الطبراني في الكبير والاوسط وفيه مسلمة بن علي وهو ضعيف. وقال ابن عدي (٣/ ٣٠٢)، ثنا محمد بن عيسى بن سميع عن ثور بن يزيد عن أبي رهم السمعي عن أبي أيوب نحوه ولم يرفعه ولم يذكر في الإسناد خالد بن معدان.\nقال ابن عدي، وهذا الحديث جاء توصيله إلى النبي -ﷺ- من رواية سلام عن ثور بن يزيد ألا ترى ابن سميع رواه عن ثور فأسقط من الإسناد خالدا وأوقفه ولم يرفعه ولسلام أحاديث صالحة غير ما ذكرته وعامة ما يرويه عمن يرويه عن الضعفاء والثقات لا يتابعه أحد عليه. وروي من طريق آخر عن أبي أيوب: أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٤/ ١٣٠/ ٣٨٨٩) نحوه باختصار.\nقلت: فيه عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي لم أجد له ترجمة. وابن سلامة كذلك. ومحمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه ومحمد ضعيف. وقد تابعه مسلمة كما تقدم لكن مسلمة متروك. وفي الباب مرسل الحسن: أخرجه الحاكم في مستدركه ج ٢/ ص ٥٨٢ حديث رقم: ٣٩٦٨، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة ٢١٦٦.\nوقال الحاكم: هذا حديث مرسل صحيح الإسناد فإني لم أجد لهذه السورة تفسيرا على شرط الكتاب فأخرجته إذ لم أستجز إخلاءه من حديث.","vol":"14","page":178},{"text":"الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير في الدنيا، فيقولون: أنظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد فيسألونه ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانة هل تزوجت فلانة؟ فإذا سألوه عن رجل مات قبله قال: إنه قد مات قبلي، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية. قاله في كتاب الروح (^١)، وفي الحلية (^٢) في ترجمة وهب بن منبه أنه قال: إن لله تعالى في السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح يسألونه عن أرواح الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم.\n[٥٣٩٨] وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ شَهِدنَا جَنَازَة مَعَ نَبِي الله -ﷺ- فَلَمَّا فرغ من دَفنهَا وَانْصَرف النَّاس قَالَ نَبِي الله -ﷺ- إِنَّه الْآن يسمع خَفق نعالكم أَتَاهُ مُنكر وَنَكِير أعينهما مثل قدور النّحاس وأنيابهما مثل صياصي الْبَقر وأصواتهما مثل الرَّعْد فيجلسانه فيسألانه مَا كانَ يعبد وَمن كانَ نبيه فَإِن كانَ مِمَّن يعبد الله قَالَ أعبد اللّه ونبيي رواه الطبراني في الأوسط (^٣) وقال تفرد به ابن لهيعة.\nقال الحافظ ابن لهيعة حديثه حسن في المتابعات وأما ما انفرد به فقليل من يحتج به والله أعلم صياصي البقر قرونها.\n_________\n(^١) الروح (ص: ٢٠).\n(^٢) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٤/ ٦٠).\n(^٣) المعجم الأوسط (٤٦٢٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٤): رواه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به ابن لهيعة، قلت: وفيه كلام. الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٣٨٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٧).","vol":"14","page":179},{"text":"قوله: \"وعنه -﵁-\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"شهدنا جنازة مع نبي الله - ﷺ\" شهدنا بمعنى حضرنا، وتقدم الكلام على الجنازة وعلى قوله: إنه الآن يسمع خفق نعالكم.\nقوله: \"أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس\" المنكر والنكير كلاهما ضد المعروف، سميا بذلك لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما.\nقوله: \"وأنيابهما مثل صياصي البقر\" أي [قرونها]. قاله الحافظ، وقال بعض العلماء: صياصي البقر قرونها، واحدها صيصة بالتخفيف.\nقوله: \"جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه \" أي جاءنا بالمعجزات الدالة على نبوته والهدى أي الدلالة الموصلة إلى البغية واتبعناه فيما جاء به إلينا اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.\nقوله: \"ويسلط عليه عقارب وتنانين\" جمع تنين. تتمة: قال سهيل بن عمار: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أتاني في قبري ملكان فظان غليظان فقالا لي: ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت: أَلِمثلي يقال هذا وقد علَّمتُ الناس جوابكما ثمانين سنة فذهبا وقالا أكتبت عن حريز بن عثمان. قلت: نعم. فقالا: إنه كان يبغض عليا فأبغضه الله تعالى (^١)، اهـ. قاله في الديباجة، وتقدم الكلام على ذلك.\n[٥٣٩٩] وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا قبر الْمَيِّت أَو قَالَ أحدكُم أَتَاهُ ملكان أسودان أزرقان يُقَال لأَحَدهمَا الْمُنكر وَللْأَخر\n_________\n(^١) شرف أصحاب الحديث (٢٢٦).","vol":"14","page":180},{"text":"النكير فَيَقُولانِ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول مَا كَانَ يَقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُولَانِ قد كنَّا نعلم أنَك تَقول هَذَا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي سبعين ثمَّ ينور لَهُ فِيهِ ثمَّ يُقَال لَهُ نم فَيَقُول أرجع إِلَى أَهلِي فَأخْبرهُم فَيَقُولَانِ نم كنومة الْعَرُوس الَّذِي لا يوقظه إِلَّا أحب أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك وَإِن كَانَ منافقا قَالَ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فَقلت مثله لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول ذَلِك فَيُقَال للْأرْض التئمي عَلَيْهِ فتلتئم عَلَيْهِ فتختلف أضلاعه فَلَا يزَال فِيهَا معذبا حَتَّى يَبْعَثهُ الله من مضجعه ذَلِك. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^١) وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).\nالْعَرُوس يُطلق على الرجل وعَلى الْمَرْأَة مَا داما فِي أعراسهما.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"إذا قبر الميت أو قال أحدكم: أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير\" الحديث، قال صاحب [الغريبين] (^٣) يقال\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١٠٧١).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٣١١٧)، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٨٦٤)، والأجري في الشريعة (ص ٣٦٥)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٥٦)، واللالكائي (٢١٣٧ و٢١٣٨) وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٨) (ص: ١٨٨٧) أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٣٩١)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٠٢)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٢٤).\n(^٣) غريب القرآن لابن قتيبة (ص: ٤٣٩).","vol":"14","page":181},{"text":"قبرته أي دفنته وأقبرته أي جعلت له قبرا، وقوله في الملكين أسودان قيل أراد به سواد منظرهما وأزرقان أراد به زرقة أعينهما لما في سواد اللون وزرقة العين من الهول والزرقة أبغض ألوان العيون إلى العرب لأن الروم أعداؤهم وهم زرق العيون ولذلك قالوا في صفة العدو أنه أصفر اللون أزرق العين ويحتمل أن يكون المراد بالسواد قبح المنظر وفظاظة الصورة، يقال كلمت فلانا [فما رد] علي [سوداء] ولا بيضاء أي فما أجابني بكلمة قبيحة ولا حسنة وبالزرقة تقليب البصر وتحديد النظر، يقال زرقت عينه إذا انقلبت وظهر بياضها وهي كناية عن شدة الغضب فإن الغضبان ينظر إلى المغضوب عليه شزرا بحيث تنقلب عينه ويحتمل أن يراد بالزرقة العمى فإن العين إذا ذهب نورها تزرقت.\nقال الله تعالى: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) (^١) أي عميا عيونهم لا نور لها، ويؤيد هذا قوله في الحديث: فيقيض له أعمى وإنما أتاه الملكان على هذه الصورة المذكورة ليكون خوفهما أشد على الكفار ليتحيروا في الجواب، والمؤمنون لا يخافون منهما بأن ينطق الله ألسنتهم بجوابهما مكافأة لخوفهم من الله سبحانه في الدنيا وهذه الصورة نعم المؤمن والكافر والصالح والطالح لقوله: إذا قُبر الميت (^٢). قيل يسمى المنكر والنكير ملكي الكفار فأما ملكا المؤمنين فسميا بالمبشر والبشير (^٣).\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ١٠٢.\n(^٢) المفاتيح (١/ ٢٢٦).\n(^٣) فتح البارى (٣/ ٢٣٧).","vol":"14","page":182},{"text":"قوله: [لهما] منكر ونكير كلاهما ضد المعروف [يقول] لمن يعرفه معروف ولمن لا يعرفه منكر ونكير سميا به لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورتهما ومثلهما (^١).\nقوله: \"فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا\" الحديث، أي إما بإخبار الله تعالى إياهما ومشاهدة أثر السعادة عليه لجوابه المطابق لرضى الله تعالى. قوله: \"ثم ينور له \" أي يجعل له في قبره نور وضياء، فالقبر منزل من منازل الآخرة يعني للآخرة منازل أولها القبر ومنها عرصة القيامة ومنها الوقوف عند العرض ومنها الوقوف عند الميزان ومنها المرور على الصراط ومنها الجنة والنار.\nقوله: \"فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل؟ \" يعني بالرجل النبي -ﷺ-، وإنما يقوله بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانا للمسئول لئلا يتلقن تعظيمه من عبارة السائل ثم يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت (^٢). وتقدم أيضا مثل هذا.\nقوله: \"فيقولان له نم كنومة العروس \" يطلق على الرجل وعلى المرأة ما داما في أعراسهما، قاله الحافظ: وإنما مثل استراحة الميت بنومة العروس لأنه أعز أحوال الإنسان وأرغده في الاستراحة، اهـ. فالعروس عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله [لميتُه] غداة ليلة وفاته وإنما ضرب المثل بنومة العروس لأن الإنسان أعز ما يكون في أهله وذويه وأرغد وأنعم ليلة الأعراس وفي\n_________\n(^١) المفاتيح (١/ ٢٢٦).\n(^٢) شرح النووى على مسلم (١٧/ ٢٠٣).","vol":"14","page":183},{"text":"أمثالهم كاد العروس أن يكون أميرا (^١)، اهـ.\nقوله: \"حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك \"، المضجع بفتح الجيم، وتقدم الكلام عليه في أذكار النوم.\n\n٥٤٠٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْمَيِّت إِذا وضع فِي قَبره إِنَّه يسمع خَفق نعَالهمْ حِين يولوا مُدبرين فَإِن كَانَ مُؤمنا كَانَت الصَّلَاة عِنْد رَأسه وَكَانَ الصّيام عَن يَمِينه وَكَانَت الزَّكَاة عَن شِمَاله وَكَانَ فعل الْخيرَات من الصَّدَقَة وَالصَّلَاة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس عِنْد رجلَيْهِ فَيُؤتى من قبل رَأسه فَتَقول الصَّلَاة مَا قبلي مدْخل ثمَّ يُؤْتى عَن يَمِينه فَيَقُول الصّيام مَا قبلي مدْخل ثمَّ يُؤْتى عَن يسَاره فَتَقول الزَّكَاة مَا قبلي مدْخل ثمَّ يُؤْتى من قبل رجلَيْهِ فَيَقُول فعل الْخيرَات من الصَّدَقَة وَالْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس مَا قبلي مدْخل فَيُقَال لَهُ اجْلِسْ فيجلس قد مثلت لَهُ الشَّمْس وَقد دنت للغروب فَيُقَال لَهُ أرأيتك هَذَا الَّذِي كَانَ قبلكُمْ مَا تَقول فِيهِ وماذا تشهد عَلَيْهِ فَيَقُول دَعونِي حَتَّى أُصَلِّي فَيَقُولُونَ إِنَّك ستفعل أخبرنَا عَمَّا نَسْأَلك عَنهُ أرأيتك هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ قبلكُمْ مَاذَا تَقول فِيهِ وماذا تشهد عَلَيْهِ قَالَ فَيَقُول مُحَمَّد أشهد أَنه رَسُول الله -ﷺ- وَأَنه جَاءَ بِالْحَقِّ من عِنْد اللّه فَيُقَال لَهُ على ذَلِك حييت وعَلى ذَلِك مت وعَلى ذَلِك تبْعَث إِن شَاءَ الله ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا وَمَا أعد الله لَك فِيهَا فَيَزْدَاد غِبْطَة وسرورا ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من أَبْوَاب النَّار فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك وَمَا أعد الله لَك\n_________\n(^١) الميسر (١/ ٧٤).","vol":"14","page":184},{"text":"فِيهَا لَو عصيته فَيَزْدَاد غِبْطَة وسرورا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا وينور لَهُ فِيهِ ويعاد الْجَسَد كمَا بَدَأَ مِنْهُ فتجعل نسمته فِي النسيم الطّيب وَهِي طير تعلق فِي شجر الْجنَّة فَذَلِك قَوْله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) (^١) الآيَة وَإِن الْكَافِر إِذا أُتِي من قبل رَأسه لم يُوجد شَيْء ثمَّ أُتِي عَن يَمِينه فَلَا يُوجد شَيْء ثمَّ أُتِي عَن شِمَاله فَلَا يُوجد شَيْء ثمَّ أُتِي من قبل رجلَيْهِ فَلَا يُوجد شَيْء فَيُقَال لَهُ اجْلِسْ فيجلس مَرْعُوبًا خَائفًا فَيُقَال أرأيتك هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم مَاذَا تَقول فِيهِ وماذا تشهد عَلَيْهِ فَيَقُول أَي رجل وَلَا يَهْتَدِي لاسمه فَيُقَال لَهُ مُحَمَّد فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس قَالُوا قولا فَقلت كَمَا قَالَ النَّاس فَيُقَال لَهُ على ذَلِك حييت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من أَبْوَاب النَّار فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك من النَّار وَمَا أعد الله لَك فِيهَا فَيَزْدَاد حسرة وثبورًا ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة وَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا وَمَا أعد الله لَك فِيهَا لَو أطعته فَيَزْدَاد حسرة وثبورا ثمَّ يضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه فَتلك الْمَعيشَة الضنكة الَّتِي قَالَ الله: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) رواه الطبراني في الأوسط (^٢)، وابن حبان في صحيحه (^٣) واللفظ له وزاد الطبراني قال أبو عمر يعني الضرير.\n_________\n(^١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٢) المعجم الأوسط (٢٦٣٠)، وأخرجه عبد الرزاق (٦٧٠٣)، وهناد بن السري في الزهد (٣٣٨)، والطبري في جامع البيان (١٣/ ٢١٥ - ٢١٦)، والحاكم (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠) والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٢٠ - ٢٢٢)، وفي إثبات عذاب القبر (٦٧) وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٥١ - ٥٢): رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٩١): رواه أحمد بن منيع، ورجاله ثقات، وابن حبان في صحيحه بنحوه .. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٠٣).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٣١١٣).","vol":"14","page":185},{"text":"قلت لحماد بن سَلمَة: كَانَ هَذَا من أهل الْقبْلَة قَالَ نعم قَالَ أَبُو عمر كَانَ شهد بِهَذِهِ الشَّهَادَة على غير يَقِين يرجع إِلَى قلبه كَانَ يسمع النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فيقوله.\n\n٥٤٠١ - وَفِي رِوَايَة للطبراني يُؤْتى الرجل فِي قَبره فَإِذا أُتِي من قبل رَأسه دَفعته تِلَاوَة الْقُرْاَن وَإِذا أُتِي من قبل يَدَيْهِ دَفعته الصَّدَقَة وَإِذا أُتِي من قبل رجلَيْهِ دَفعه مَشْيه إِلَى الْمَسَاجِد الحَدِيث.\nالنَّسمَة بِفَتْح النُّون وَالسِّين هِيَ الرّوح.\nقَوْله تعلق بِضَم اللَّام أَي تَأْكُل.\nقَالَ الْحَافِظ: وَقد أملينا فِي التَّرْهِيب من إِصَابَة الْبَوْل الثَّوْب وَفِي النميمة جملَة من الْأَحَادِيث فِي أَن عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل والنميمة لم نعد من تِلْكَ الْأَحَادِيث هُنَا شَيْئا وَالْأَحَادِيث فِي عَذَاب الْقَبْر وسؤال الْملكَيْنِ كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَالله الْمُوفق لَا رب غَيره.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه","vol":"14","page":186},{"text":"وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات عند رجله. قال: فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل، وكذلك يقول الصيام وكذلك الزكاة وكذلك فعل الخيرات\"، الحديث. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: هذا لمن أخلص في عمله لله ﷿ وصدق الله في قوله وفعله وأحسن نيته له في سره وجهره فهو الذي تكون أعماله حجة له ودافعة عنه فلا تعارض بين هذا الحديث وبين ما تقدم من الأحاديث فإن الناس مختلفوا الحال في خلوص الأعمال، اهـ. قاله في التذكرة (^١).\nقوله: \"فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دنَت للغروب\" وفيه: \"فيقول دعوني حتى أصلي\" الحديث، ولعل هذا ممن وقي فتنة القبر فلا تعارض والحمد لله قاله في التذكرة (^٢). أيضا قوله -ﷺ-: \"ويعاد الجسد لما بدئ منه فتجعل نسمته في النسم الطيب \" الحديث. قال الحافظ رحمه الله تعالى: النسمة الروح وهي بفتح النون والسين، اهـ. ويدل على ذلك قوله -ﷺ- في الحديث نفسه حتى يرجعه الله إلى جسده ثم يبعثه، [انتهى]. وقال أبو عمر بن عبدالبر (^٣): فالنسمة [هنا] الروح. وقال: وقيل النسمة الروح والنفس والبدن وأصل هذه اللفظة أعني النسمة الإنسان بعينه وإنما قيل للروح نسمة والله أعلم لأن حياة الإنسان بروحه فإذا فارقته عُدِم أو صار [كالمعدوم]،\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٠٥).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٢٣).\n(^٣) ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٥٨).","vol":"14","page":187},{"text":"والدليل على أن النسمة الإنسان قوله -ﷺ-: \"من أعتق نسمة مؤمنة\" (^١)، وقوله علي -﵁-: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة (^٢). وقال الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، وقال: النسمة نفس الروح والنسيم هبوب الريح (^٣)، اهـ.\nوقال في شرح مشارق الأنوار (^٤): النسمة هي النفس أخذت من النسيم وهي الريح اللينة الطيبة إذ حياة النفوس بالأنفاس وقد نسمت الريح نسما ونسيما، اهـ.\nقوله في النسيم والنسم بفتح النون والسين واحدته نسمة وهي نفس الإنسان والمراد أرواح بني آدم، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وقيل في الأرض السابعة وقيل تحتها وأرواح المؤمنين منعمة في الجنة. قاله في التنقيح (^٥).\nقوله: \"وهي طير يعلق في شجر الجنة\" ولم يقل في جوف طائر، قال أبو عمر بن عبد البر (^٦) يحتمل أن تكون الروح في صور طير وهذا اختيار أبي محمد بن حزم [وأبي عمر بن عبد البر، وأما ابن حزم] فإنه قال: معنى قوله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٢/ ١١٨ (١٢٦٣٤)، والنسائى في الكبرى (٤٨٥٧)، والطبرانى الأوسط (٤/ ١١٠ رقم ٣٧٣٨) والكبير (١/ ١٠٩ رقم ١٨٦) عن على بن أبى طالب. قال الضياء في المختارة (٢/ ٣٢٥): إسناده منقطع.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣١ - ٧٨).\n(^٣) العين (٧/ ٢٧٥).\n(^٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٦).\n(^٥) كشف المناهج والتناقيح (٥/ ١٨٤).\n(^٦) ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٩١) والتمهيد (١١/ ٦٤).","vol":"14","page":188},{"text":"-ﷺ- نسمة المؤمن طائر يعلق، الحديث هو على ظاهره لا على ظن أهل الجهل وإنما أخبر -ﷺ- أن نسمة المؤمن طائر يعلق بمعنى أنها تطير في الجنة لا أنها [تمسخ] في صور الطير وهذا الذي قاله في غاية الفساد لفظا ومعنى فإن حديث نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة غير حديث أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، والذي ذكره يحتمل في الحديث الأول وأما الحديث الثاني فلا يحتمله بوجه من الوجوه فإنه -ﷺ- أخبر أن أرواحهم في حواصل طير خضر وأن تلك تسرح في الجنة تأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش هي لها كالأوكار للطائر (^١)، اهـ. [وهذا] في الشهداء وقد ثبت أن أرواحهم في الجنة تسرح حيث شاءت وعلم من هذا أن الأمر يختلف بحسب حال الأرواح في القوة والضعف والكبر والصغر فللروح العظيمة الكبيرة من ذلك ما ليس لمن هو دونها (^٢) والله أعلم.\nقوله: \"يعلق في شجر الجنة\" بضم اللام أي يأكل. قاله الحافظ، وقال في كتاب الروح (^٣) يعلق يروى بفتح اللام وهو الأكثر ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعي. يقول: يأكل من ثمار الجنة ويسرح بين أشجارها والعلوقة [والمعلاق] والعلوق الرعي، تقول العرب: ما ذاق اليوم علوقا أي طعاما، ومنه قول عائشة -﵁-: والنساء إذ ذاك خفاف لم يغشهن\n_________\n(^١) الروح (ص ١١٢).\n(^٢) الروح (ص ١٠٢).\n(^٣) الروح (ص: ٩٥).","vol":"14","page":189},{"text":"اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، وأصل اللفظة من التعلق وهو ما يعلق القلب والنفس من الغداء. قال: واختلف العلماء في معنى هذا الحديث أيضا، فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله في الجنة شهداء كانوا أو غير شهداء إذ لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم. قال: واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخص فيه شهيدا من غير شهيد واحتجوا أيضًا بما روي عن أبي هريرة (^١) أن أرواح الأبرار في عليين وأرواح الفجار في سجين، وعن عبد الله بن عمر [مثل] ذلك.\nقال أبو عمر بن عبد البر (^٢) وهذا قول يعارضه من السنة ما لا مدفع في صحة نقله وهو قوله -ﷺ-: \"إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي\"، الحديث. قلت: لا تعارض بين قوله -ﷺ-: نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، وبين قوله -ﷺ-: [إن أحدكم إذا مات] عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، وهذا الخطاب يتناول [الميت على فراشه والشهيد كما أن قوله نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة يتناول] (^٣) الشهيد وغيره ومع كونه يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ترد روحه أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وأما المقعد الخاص به والبيت الذي أُعدّ له فإنما يدخله يوم القيامة ويدل عليه أن منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعد الله لهم\n_________\n(^١) الروح (ص: ٩٥).\n(^٢) ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٦٠).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":190},{"text":"ليست هي تلك القنادي التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعا فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك، اهـ قاله في كتاب الروح (^١).\nوقال آخرون: إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرهم لأن القرآن والسنة مما يدلان على ذلك. أما القرآن فقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) (^٢) الآية، وأما الآثار فقوله -ﷺ-: \"جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها\"، [وروى الطبراني (^٣) وابن أبي شيبة في مصنفه (^٤). عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: أرواح المؤمنين في جوف طير خضر كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة والزرزور بضم الزاي طائر من نوع العصفور وسمي بذلك لزرزرته أي تصويته. وقال\n_________\n(^١) الروح (ص: ٩٧).\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني (١٣، ١٤/ ٣٤٩/ ١٤١٦٧)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٤٦) (٤٠٧/ زوائد نعيم بن حماد)، وأبو عبيد في غريب الحديث (٥/ ٣٨٢)، وابن أبي شيبة (٣٦٤٣٩)، وهناد في الزهد (٢٣١)، والطبري في تفسيره (١٥/ ٥٩٢) أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠) (٥/ ٢١٢)، وفي صفة الجنة (١٣٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٦٣ - ٦٤)، والجورقاني في الأباطيل (٣٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٩): رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن يونس ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٧/ ٤٧٣): رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٩٧٨).","vol":"14","page":191},{"text":"المنذري] (^١) وتأوي إلى قناديل من ذهب مكللة في ظل العرش، وغير ذلك من الأحاديث الواردة بمثل ذلك. قال أبو عمر (^٢) وهذه الآثار كلها تدل على أنهم الشهداء دون غيرهم، وفي بعضها في صور طير وفي بعضها في أجواف طير وفي بعضها كطير. قال: والذي عندي والله أعلم أن يكون القول قول من قال كطير وصور طير لمطابقته لحديثنا المذكور وهو حديث كعب بن مالك وأنه قال فيه: نسمة المؤمن طائر ولم يقل في [أجواف] طائر لكن الذي في صحيح مسلم (^٣) أجواف طير خضر. قال أبو عمر: فعلى هذا التأويل كأنه -ﷺ- قال: إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر يعلق في شجر الجنة (^٤). اهـ.\nوأما قول من قال إن حديث كعب في الشهداء دون غيرهم فتخصيص ليس في اللفظ ما يدل عليه وهو حمل اللفظ [العام] على أقل مسمياته فإن الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين قليل جدا، والنبي -ﷺ- علق الخبر بوصف الإيمان [فهو المقتضي] له ولم يُعلقه بوصف الشهادة، ألا ترى أن الحكم الذي اختص بالشهيد علق بوصف الشهادة (^٥).\nقلت: وهذا أصل لمسألة عظيمة مهمة وهي [أين] (^٦) مستقر الأرواح ما\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٦٥) انظر: الروح (ص: ٩٧).\n(^٣) صحيح مسلم (١٢١) (١٨٨٧).\n(^٤) التمهيد (١١/ ٦٤).\n(^٥) الروح (ص ٩٧ - ٩٨).\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":192},{"text":"بين الموت إلى القيامة؟ هل هي في السماء أم في الأرض، وهل هي في الجنة والنار أو لا؟ وهي مما اختلف فيه الناس قديما، فقال قائلون أرواح المؤمنين في الجنة شهداء كانوا أو غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وهذا مذهب أبي هريرة وعبد الله بن عمر (^١) واحتجوا بحديث كعب بن مالك وبقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (^٢) فإن هذا ذكره الله تعالى عقب ذكر خروجها من البدن بالموت، وقسم الأرواح إلى ثلاثة أقسام: مقربين في الجنة منعمين، وأصحاب يمين، وحكم له بالسلامة من العذاب، ومكذبة ضالة فلهم نزل من حميم وتصلية جحيم. واحتجو أيضا بقوله تعالى: (يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧» (^٣) الآية.\nوقد قال جماعة من الصحابة والتابعين: أن هذا يُقال لها عند خروجها من الدنيا يبشرها الملك بذلك ولا ينافي ذلك قول من قال أن هذا يقال لها في الآخرة فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث.\nالمذهب الثاني قول مجاهد: ليس هي في الجنة ولكنهم في فنائها يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها (^٤) فيدل له ما رواه أحمد (^٥) عن ابن عباس أن\n_________\n(^١) الروح (ص ٩٠)، وتسلية أهل المصائب (ص ٢١٠ - ٢١١).\n(^٢) سورة الواقعة، الآية: ٨٨ - ٨٩.\n(^٣) سورة الفجر، الآية: ٢٧.\n(^٤) تفسير ابن المنذر (١١٧٩)، والروح (٩٠)، وتسلية أهل المصائب (ص ٢١١).\n(^٥) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢٦٦)، والطبراني في الأوسط (١٢٣)، والحاكم (٢/ ٨٤)، وقال: صحيح على شرط مسلم. وانظر قول الهيثمي في (٥/ ٢٩٤)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٧٤٢)، والترغيب والترهيب (٢/ ١٤٢).","vol":"14","page":193},{"text":"النبي -ﷺ- قال: الشهداء على بارق نهر على باب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم من الجنة رزقهم بكرة وعشيا وهذا لا ينافي كونهم في الجنة ورزقهم يجري عليهم فهم في الجنة ولكن لم [يصلوا] مقاعدهم منها. المذهب الثالث أنهم في أفنية القبور (^١).\nقال مالك: بلغني أن أرواح المؤمنين مرسلة تذهب حيث شاءت وإلى هذا ذهب جماعة منهم أبو عمر بن عبد البر مستدلا بقوله -ﷺ-: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، وأشباهه مثل أحاديث السلام على أهل القبور (^٢).\nوالجواب أن للروح شأنا آخر تكون في أعلا عليين ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلم على الميت رد السلام وهي في الملأ الأعلى وإنما يغلط كثير من الناس في هذ الموضع حيث يعتقد أن الروح من [جنس] ما يعهد من الأجسام الذي إذا شغلت مكانا لا يمكن أن تكون في غيره وهذا غلط محض بل الروح تكون في السماوات السبع وتعلم بالمسلم على القبور وترد ﵇، فروح النبي -ﷺ- في الأفق لأعلى ويردها الله ﷾ إلى القبر فترد السلام على من سلم عليه، وقد رأى رسول الل -ﷺ- موسى قائما يصلي في قبره وراءه في السماء السادسة، فإما أن تكون سريعة الحركة والانتقال كلمح البصر وإما أن يكون المتصل منهما بالقبر [بمنزلة] شعاع الشمس\n_________\n(^١) الروح (ص ٩٠)، وتسلية أهل المصائب (ص ٢١٢).\n(^٢) الاستذكار (٣/ ٩٢)، والروح (ص ٩١ و١٠٠)، وأهوال القبور (ص ١١٦).","vol":"14","page":194},{"text":"وجرمها في السماء [السابعة] (^١) وكذلك روح المؤمن الميت تصعد إلى السموات السبع وتقف بين يدي الله تعالى ويقضي فيها قضاءه ويريها الملك ما أعد الله لها في الجنة ثم تهبط فتشهد غسله وحمله ودفنه ولهذا قال مالك وغيره: إن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت، وأما السلام على أهل القبور وخطابهم فلا يدل على أن أرواحهم ليست في الجنة وأنها على أفنية القبور فهذا سيد ولد آدم [صلى الله عليه وعلى أبيه وبقية إخوانه الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين وسلم] الذي روحه في أعلا عليين مع الرفيق الأعلى عند قبره وترد السلام (^٢)، قاله في الديباجة. (^٣)\nتنبيه: وإنما تدخل أرواح الشهداء والمؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستوجب بها العقوبة أو حقوق الآدميين حتى يبرأ منها ففي الحديث عن سمرة بن جندب (^٤) قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- فقال:\n_________\n(^١) هكذا هو في الأصل، والمثبت في النسخة الهندية: (الرابعة)، ولعله خطأ.\n(^٢) الروح (ص ١٠٠ - ١٠٢).\n(^٣) انظر: الروح (ص: ٩٧).\n(^٤) أخرجه الطيالسي (٨٩١) (٨٩٢)، أحمد (٥/ ٢٠)، والطبراني في معجمه الكبير (٧/ ١٧٨ / ٦٧٥٠) و٧/ ١٧٩/ ٦٧٥٤) الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٥) وعند الطيالسي (٨٩١) حدثنا شعبة قال أخبرني فراس قال سمعت الشعبي قال سمعت سمرة بن جندب، ولكن هذا التحديث تكلم فيه، فقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٨١/ ٥٥٠): سمعت أبي يقول: هكذا رواه أبو داود وعمرو بن مرزوق عن شعبة عن فراس عن الشعبي قال سمعت سمرة، والشعبي لم يسمع من سمرة. روى سعيد بن مسروق عن الشعبي عن سمعان بن مشنج عن سمرة عن النبي. =","vol":"14","page":195},{"text":"ها هنا أحد من بني فلان فلانا فلم يجبه أحد ثم أجابه رجل فقال: إن فلانا الذي توفي [احتبس] عن الجنة من أجل الدين الذي عليه فإن شئتم فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله. وروى الطبراني (^١) وابن أبي شيبة في مصنفه (^٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: أرواح المؤمنين في جوف طيور خضر كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة. الزرزور بضم الزاي طائر من نوع العصفور سمي بذلك لزرزرته أي تصويته. وقال المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود وهذا الحديث صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة ومنه حديث كعب بن مالك عن النبي -ﷺ- أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة، اهـ. قول الحافظ: وقد روي عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-: ما من مسلم يموت يوم\n_________\n= وقال الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٥) - هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف فيه من سعيد بن مسروق. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣٥٣)، وأحكام الجنائز (ص/ ١٥).\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٣، ١٤/ ٣٤٩/ ١٤١٦٧)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٤٦) (٤٠٧/ زوائد نعيم بن حماد)، وأبو عبيد في غريب الحديث (٥/ ٣٨٢)، وابن أبي شيبة (٣٦٤٣٩)، وهناد في الزهد (٢٣١)، والطبري في تفسيره (١٥/ ٥٩٢) أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠) (٥/ ٢١٢)، وفي صفة الجنة (١٣٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٦٣ - ٦٤)، والجورقاني في الأباطيل (٣٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٩) رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن يونس ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٧/ ٤٧٣) رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٩٧٨).","vol":"14","page":196},{"text":"الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر، (^١) اهـ. قال العلماء هذا من الأحاديث التي عدّها بعض العلماء أنه ينجي من عذاب القبر، وخرّجه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن المنكدر عن جابر (^٢) قال: قال رسول الله -ﷺ-: من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء، غريب من حديث جابر ومحمد، تفرد به عمر بن موسى الوجيه وهو مدني فيه ابن عن محمد بن جابر.\nقال الإمام القرطبي (^٣): اعلم أن هذا الباب لا يعارض ما تقدم من الأبواب بل يخصصها ويبين من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه ممن يجري عليه السؤال ويقاسي تلك الأهوال هذا ما [تقتضيه] ظواهر الأخبار في هذا الباب وهو مما ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد صلى الله عليه وعلى آله إلى يوم التناد. وقد روى ابن ماجه (^٤) عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: إذا دخل الميت في قبره مثلت له\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٦٩)، وأبو بكر المروزي، في \"الجمعة وفضلها\" (١٢)، والترمذي (١٠٧٤)، وقال الترمذي: حديث غريب، وليس إسناده بمتصل. وانظر الترغيب والترهيب (٤/ ٢٠١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٧٧٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٠٥).\n(^٢) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٣/ ١٥٦).\n(^٣) التذكرة (ص ٤٢٣).\n(^٤) سنن ابن ماجه (٤٢٧٢)، وأخرجه ابن أبي عاصم (٨٩٣)، وابن حبان (٣١١٦) قال البوصيري: هذا إسناد حسن إن كان أبو سفيان واسمه طلحة بن نافع سمع من جابر،","vol":"14","page":197},{"text":"الشمس عند غروبها فيجلس يسمح عينيه ويقول: دعوني أصلي، ولعل هذا ممن وقي فتنة القبر فلا تعارض والحمد لله، وتقدم ذلك أيضا في حديث أبي هريرة المطول الذي فيه ذكر النسمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>فوائد يختم بها الباب:</span>\nالفائدة الأولى: الأجساد إذا بليت وفنيت وأراد الله تعالى إعادتها كما هي كانت أولا هل تعاد بالأجساد الأول أم يخلق الله تعالى أجسادا غيرها.\nالجواب: أن الذي يعيده الله تعالى الأجساد الأول لا غيرها، وهذا هو الصحيح بل الصواب ومن قال غيره فقد أخطأ فيه لمخالفته ظاهر القرآن والحديث، اهـ. قاله شيخ الإسلام ابن حجر (^١).\nالفائدة الثانية: إذا نقل الميت من مكان إلى مكان هل تنقل روحه إلى القبر الثاني أم لا؟ الجواب: أن الروح هان لم تكن داخلة في جسد الميت لكن لها به اتصال فأي موضع نقل ذلك الاتصال تستمر وتقدم شيء في معنى ذلك، [قاله] ابن حجر أيضا.\nالفائدة الثالثة: هل إذا دفنت رقبة الميت في مكان والجثة في مكان أين تكون الروح من المكانين. الجواب: كذلك كما في الفائدة التي قبله والله أعلم.\n_________\n= وإسماعيل بن حفص مختلف فيه المصباح (٤/ ٢٥٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٠٣).\n(^١) فتح الرحمن (٦/ ٣٨٠).","vol":"14","page":198},{"text":"[٥٤٠٢] وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمرو -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة أَو لَيْلَة الْجُمُعَة إِلَّا وَقَاه الله فتْنه الْقَبْر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب وَلَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٩ (٦٥٨٢) و٢/ ١٧٦ (٦٦٤٦) و٢/ ٢٢٠ (٧٠٥٠)، والترمذى (١٠٧٤). وحسنه الألبانى المشكاة (١٣٦٧)، الأحكام (٣٥)، وصحيح الترغيب (٣٥٦٢). ولم يذكر الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>[التَّرْهِيب من الْجُلُوس على الْقَبْر وَكسر عظم الْميِّت]</span>\n[٥٤٠٣] عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لِأَن يجلس أحدكُم على جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى جلده خير من أَن يجلس على قبر رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (^١).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر\" الحديث. قال النووي في شرح مسلم (^٢): في هذا الحديث حجة لمن رآى تحريم القعود على القبر والمراد بالقعود الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء وقد صرح بعض الشافعية بكراهة ذلك ومما يوضحه قوله -ﷺ-: \"لا تجلسوا على القبور\" فلذلك قال أصحابنا: تجصيص القبور مكروه والقعود عليها حرام. قال النووي في شرح المهذب (^٣): المشهور من مذهبنا أنه لا يكره المشي بين المقابر بالنعلين ونحوهما وممن صرح بذلك الخطابي والعبدري [وآخرون، ونقله العبدري] (^٤) عن أكثر\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٦ - ٩٧١)، وأبو داود (٣٢٢٨)، وابن ماجه (١٥٦٦)، والنسائى في المجتبى ٤/ ١٦٤ (٢٠٦٢).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢٧).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٥/ ٣١٢).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":200},{"text":"العلماء، وقال أحمد: يكره، واحتج أصحابنا بحديث أنس وفيه: قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم وحجتهم لباسه -ﷺ- النعال السبتية وفيه الإسوة الحسنة ولو كان لباسها بين المقابر لا يجوز لبيّن ذلك لأمته، وأجابوا عن حديث [ابن الخصاصية] (^١) وفيه فرآى رجلا يمشي بين المقابر في نعليه فقال يا صاحب السبتتين ألقهما، بوجهين:\nأحدهما وبه أجاب الخطابي أنه يشبه أنه كرههما لمعنى فيهما لأن النعال السبتية لباس [لأهل] الرفاهية والتنعيم فنهى عنهما لما فيهما من الخيلاء، والثاني لعله كان فيهما نجاسة وبهذا يجمع بين الحديثين. وفي الحديث وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودلائله من الكتاب والسنة مشهورة، والنعال السبتية هي المدبوغة بالقرظ قال أبو عبيدة ذكرت السبتية لأن أكثرهم في الجاهلية كان يلبسها غير مدبوغة إلا أهل السعة منهم، وقال آخرون لا بأس بذلك، وحكي عن مالك في الموطأ أنه حمل الحديث على الجلوس على القبر لقضاء الحاجة من البول والغائط وهذا تأويل ضعيف، وظاهر هذا الحديث يأبى ذلك لاسيما [وقد] حمل كثير من الصحابة الحديث على الجلوس لغير ما ذكره مالك منهم أبو هريرة وابن مسعود وابن عمر وحجة مالك أن عليا كان يتوسد القبور ويضطجع عليها وإذا جاز ذلك جاز المشي والقعود وبه قال زيد بن ثابت والعلة في ذلك أن الموتى يجب الاستحياء منهم كما يجب من الأحياء وذلك والله أعلم أن\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":201},{"text":"الأرواح بأفنية القبور ولهذا أمرنا بالسلام عليهم. قال القرطبي في شرح الموطأ وقد قيل أن النهي عن القعود عليها أن يضرب عليها خباء أو فسطاطا وقيل مباح القعود [عليها] (^١) مطلقا، اهـ. وقيل: أراد للإحداد [للنساء] والحزن وهو ملازمتهن [والمبيت] والمقيل على القبور، [وقيل] (^٢) بل هو على ظاهره [لما فيه من التهاون بالميت والموت، وقيل:] [أراد به] (^٣) احترام الميت وتهويل الأمر في القعود عليه تهاونا بالميت، قاله في النهاية (^٤)، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس ومما يوضحه الحديث الآخر لا تجلسوا على القبور.\nوقال أصحابنا يعني الشافعية: تجصيص القبر مكروه، والتجصيص التبييض بالجص وهو النورة ومن جهة المعنى أن ذلك زينة وهي لا تناسب حال الميت بخلاف التطيين فإنه لا بأس به. وقال الإمام الغزالي أنه كالتجصيص وفيه بعد والله أعلم. قاله الكمال الدميري في شرحه (^٥). والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه كالجلوس كما نقله النووى في زوائد الروضة عن الأصحاب، وكذا الاتكاء عليه، وجزم في أواخر كتاب الجنائز من شرح مسلم بتحريم جميع ذلك (^٦). وأما البناء عليه فإن كان في ملك الباني فمكروه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٨٦).\n(^٥) النجم الوهاج (٣/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٦) النجم الوهاج (٣/ ٨٣).","vol":"14","page":202},{"text":"وإن كان في مقبرة مسبّلة فحرام نص عليه الشافعي والأصحاب. قال الشافعي في الأم (^١) ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما ينبى ويؤيد الهدم قوله في الحديث: ولا قبرا مشرفا إلا سويته.\nوقوله: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ففيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر. قال الشافعي وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس وتقدم الكلام في زيارة القبور أبسط من هذا على ذلك.\n[٥٤٠٤] وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لِأَن أَمْشِي على جَمْرَة أَو سيف أَو أخصف نَعْلي برجلي أحب إِلَيّ من أَن أَمْشِى على قبر. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n[٥٤٠٥] وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ لِأَن أَطَأ على جَمْرَة أحب إِلَيّ من أَن أَطَأ على قبر مُسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَلَيْسَ فِي أُصَلِّي رَفعه (^٣).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٧/ ٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٦٧). وصححه الألبانى في الإرواء (٦٣)، الأحكام (٤٠٩)، وصحيح الترغيب (٣٥٦٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه الطبرانى في الكبير (٩/ ١٩٧ رقم ٨٩٦٦) و(٩/ ٣٢١ رقم ٩٦٠٥). وقال الهيثمى في المجمع ٣/ ٦١: روأه الطبراني في الكبير، وفيه عطاء بن السائب، وفيه كلام. وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٣٥٦٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":203},{"text":"[٥٤٠٦] وَعَن عمَارَة بن حزم -﵁- قَالَ رَآنِي رَسُول الله -ﷺ- جَالِسا على قبر فَقَالَ يَا صَاحب الْقَبْر انْزِلْ من على الْقَبْر لَا تؤذي صَاحب الْقَبْر وَلَا يُؤْذِيك، رواه الطبراني في الكبير (^١) من رواية ابن لهيعة.\nقوله: \"وعن عمارة\" عمارة بن حزم الأنصاري بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم من بني النجار، أخو عمرو بن حزم، وأمه خالدة بنت أنس بن سنان بن وهب بن لوذان. كان من السبعين الذين بايعوا رسول الله -ﷺ- ليلة العقبة في قول الجميع، وآخى رسول الله -ﷺ- بينه، وبين محرز بن نضلة.\nشهد بدرا ولم يشهدها أخوه عمرو، وشهد عمارة أيضا أحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ- وكانت معه راية بني مالك بن النجار يوم الفتح، وشهد قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد، وقتل يوم اليمامة شهيدا (^٢).\nقوله: \"رآني رسول الله -ﷺ- جالسا على قبر فقال: يا صاحب القبر انزل من على القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك\" الحديث. قال العلماء: ينبغي أن يعامل الميت بالاحترام والإكرام بعد موته كما كان يعامل بذلك في حال حياته. قال: وينبغي لزائره إذا أتى لزيارته أن يأتي من قبل وجهه فيجعل القبلة\n_________\n(^١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٦١): رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وقد وثق. والحديث ليس في المطبوع من معجم الطبراني الكبير وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٠٦).\n(^٢) أسد الغابة (٤/ ١٢٩).","vol":"14","page":204},{"text":"وراء ظهره وحاصل ذلك معاملته بما كان يعامل به حيا (^١).\nوقد روي أن عائشة -﵁- لما دفن عندها عمر بن الخطاب كانت تتخمر أي تتغطى بالخمار وكانت بعد موت رسول الله -ﷺ- وموت أبيها لا تفعل ذلك فقيل لها في ذلك فقالت:\nوَإِنِّي لأَسْتَحْيِيهِ وَالتُّرْبُ بَيْنَنَا ... كمَا كُنْتُ أَسْتَحْيِيهِ وَهُوَ يَرَانِي\nذكره ابن عقيل في شرح الأحكام.\n[٥٤٠٧] وَرُوِيَ عَن عَائِشَة -﵁- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كسر عظم الْمَيِّت ككسره حَيا، رواه أبو داود (^٢) وابن ماجه (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤).\n_________\n(^١) انظر شرح المشكاة (٤/ ١٤٣٧).\n(^٢) سنن أبي داود (٣٢٠٧) ومن طريقه ابن حزم في المحلى (١١/ ٤٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٦١٦)، وأحمد ٦/ ٥٨، ١٠٥، ومالك (٥٦٣)، وعبد الرزاق (٦٢٥٦)، والبخاري في التاريخ ١/ ١٤٩، وهناد في الزهد (١١٦٩)، والبيهقي في سننه (٤/ ٥٨)، وابن الجارود في المنتقى ١/ ١٤٣، وابن عدي في الكامل ٣/ ٣٥٢ وقال: ولسعد بن سعيد أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة ولا أرى بأسا بمقدار ما يرويه.\n(^٤) ابن حبان (٣١٦٧)، وأخرجه عبد الرزاق (٦٢٥٦) (١٧٧٣٢) (١٧٧٣٣) ومن طريقه أحمد في المسند (٦/ ١٦٨ - ١٦٩ - ٢٠٠)، وإسحاق بن راهويه (٤٦٣)، وهناد بن السري في الزهد (١١٦٩). وأحمد (٦/ ٢٦٤). وابن الجارود في المنتقى (رقم ٥٥١) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩) وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٥٣)، الدارقطني في السنن (٣/ ١٨٨) والدارقطني في العلل (١٤/ ٤٠٨ رقم ٣٧٥٦) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٨٦) والبيهقي (٤/ ٥٨) وابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٤٣) وقال ابن. عدي: (وهذا مداره على سعد بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، رواه ابن جريج، والثوري وغيرهما)، وقال أبن حزم: (هذا لا يسند إلا من طريق سعد بن سعيد الأنصاري ..). وقد =","vol":"14","page":205},{"text":"قوله: \"وعن عائشة -﵂-\" تقدم الكلام على مناقبها، قوله -ﷺ-: \"كسر عظم الميت ككسره حيا\" الحديث، روى البيهقي عن الشافعي -﵁- أنه قال يعني في الإثم (^١)، ففي هذا الحديث أن من كسر عظم ميت عوقب عليه لكن قال العلماء لا قصاص عليه ولا دية ولكن يعزر لإتيانه\n_________\n= رجح الدارقطني الرفع عن سعد بن سعيد فقال في العلل (١٤/ ٤١٠): (والصحيح عن سعد بن سعيد، وعن حارثة -وليس بالقوي-، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي -ﷺ-).\nوقد صحح الحديث مرفوعا ابن حبان كما تقدم، وحسنه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٢١٢)، وقال النووي في المجموع (٥/ ٣٠٠) عن الحديث: (رواه أبو داود بإسناد صحيح إلا رجلا واحدا وهو سعد بن سعيد الأنصاري أخو يحيى بن سعيد الأنصاري؛ فضعفه أحمد بن حنبل، ووثقه الأكثرون، وروى له مسلم في صحيحه وهو كاف في الاحتجاج به، ولم يضعفه أبو داود مع قاعدته التي قدمنا بيانها)، وقال ابن حجر في بلوغ المرام (ص ١١٤): (رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم) وقد ألمح البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٥٠) إلى أن الموقوف أرجح فقال: (وغير المرفوع أكثر)، والله أعلم. وللحديث شاهد من حديث أم سلمة ﵂، وله طريقان: رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أمه، عنها- أخرجه ابن ماجه في السنن، (٦١١٧)، عن أم سلمة عن النبي -ﷺ- قال: (كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم).\nقال البوصيري في الزوائد (٥٩٦): (فيه عبد الله بن زياد مجهول، ولعله عبد الله بن زياد بن سمعان المدني أحد المتروكين فإنه في طبقته). رواه أبو همام، عن ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم سلمة مرفوعا، قال الدارقطني في العلل (١٤/ ٤١٠) عن هذا الطريق: اليس محفوظا)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٧٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٠٧).\n(^١) معرفة السنن (٥/ ٣٣٥).","vol":"14","page":206},{"text":"المعصية، [فكأنه يشير إلى أن كسر العظم غالبا إنما يكون من نبش القبور، وقد لعن رسول الله -ﷺ- النباش،] ووقع في الإلمام عزو هذا الحديث إلى مسلم وهو سبق قلم وغلط ابن حزم فقال في محلاه: هذا الحديث لا يسند إلا من طريق سعد بن سعيد وهو ضعيف جدا لا يحتج به بلا خلاف، واختلف أهل الحديث في أن هذا من فتيا عائشة موقوفا عليها أم هو مرفوع إلى النبي -ﷺ- وادعى بعض العلماء أن رفعه ثابت وسكوت الحافظ عن رفعه فيه دلالة ظاهرة على أنه رواه مرفوعا والله تعالى أعلم، قاله ابن عقيل أيضا، وفي الحديث من الفقه احترام الميت وتحريم نبشه لما فيه من هتك حرمته ويجوز [للعذر كما إذا] دفن بغير غسل أوإلى غير القبلة أو وقع في القبر شيء [له قيمة] خلافا لأبي حنيفة ولا ينبش لأجل الصلاة بل يصلى على قبره خلافا لأحمد (^١) وفيه تحريم كسر عظمه وكذا قطع شيء من جسده وعلى الحفار إذا وجد عظم الميت في الحفر أن ينتقل عنه ومن احترامه أن لا يجلس على قبره ولا يطؤه، اهـ قاله في شرح الإلمام.\n* * *\n_________\n(^١) انظر روضة الطالبين (٢/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"14","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>كتاب البعث وأهوال يوم القيامة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>فصل في النفخ في الصور وقيام الساعة</span>\n٥٤٠٨ - عَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي -﵁- قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ مَا الصُّور قَالَ قرن ينْفخ فِيهِ. رواه أبو داود (^١) والترمذي وحسنه (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣).\nقوله: \"عن عبد الله بن عمرو بن العاصي \" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"جاء أعرابي إلى النبي -ﷺ- فقال: ما الصور قال قرن ينفخ فيه \"، الصور هو\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٢)، وأبو داود (٤٧٤٢)، وأخرجه الترمذي (٢٤٣٠) و(٣٢٤٤) هذا حديث حسن وقد روى غير واحد عن سليمان التيمي، ولا نعرفه إلا من حديثه.، والنسائي في الكبرى (١١٢٥٠) و(١١٣١٧) و(١١٣٩٢) الأهوال لابن أبي الدنيا (٤٧ والحاكم (٢/ ٥٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٨٦٣)، والصحيحة (١٠٨٠).\n(^٢) والترمذي (٢٤٣٠).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٧٣١٢)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٩٩)، وفي المسند (٩١) الدارمي (٢٨٤٠) البزار (٢٤٨٢)، والطبري في تفسيره (١٥/ ٤١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧٤٨٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٣٤٩)، والحاكم (٢/ ٥٠٦)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢١٨٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٤٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٤)، وقال الحافظ في الفتح ١١/ ٣٦٨: حسنه الترمذى وصححه ابن حبان والحاكم. وقال البوصيري- كما في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٥٣) حديث عبد الله بن عمرو رواه أبوداود والترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه.","vol":"14","page":208},{"text":"القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ عند بعث الموتى إلى المحشر. وقال بعضهم إن الصور جمع صورة يريد صورة الموتى ينفخ فيها الأرواح، والصحيح الأول إلا أن الأخبار تعاضدت عليه تارة بالصور وتارة بالقرن، قاله في النهاية (^١)، وفي حديث أبي هريرة (^٢) أنه قال: يا رسول الله وما الصور؟ قال: القرن. قلت: وكيف هو. قال: هو عظيم، والذي نفسي بيده إن عظم دائرة فيه كعرض السموات والأرض ينفخ فيه ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين وهو حديث\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٦٠).\n(^٢) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسند أبي هريرة (١٥)، وابن أبي الدنيا في الأهوالى (٥٥ و٦٥ و٧٣ و١٣٠ و١٩٨ و٢٢٢ و٢٣٤)، وأبو يعلى (النهاية لابن كثير ص ١٣٦ - ١٤١)، والطبري في تفسيره (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ و١٣/ ٢٥٢ و١٦/ ٣٠ و١٦/ ٣٠ و١٧/ ١١٠ - ١١١ و٢٠/ ١٨ - ١٩ و٢٣/ ١٣٢ و٢٤/ ٣٠ و٦١ و٤١/ ٢٩ - ٤٢ و٣٠/ ٢٦ و٣١ - ٣٢ و١٨٦ - ١٨٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٦٦٢١ و١٦٦٢٧ و١٦٦٢٨ و١٦٦٢٩ و٦٦٣٦ أو ١٦٦٤٨ و١٧٠٣٧).\nوالطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٨٦) (٣٨٧)، وابن عدي (٦/ ٢٢٧٠)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٨٧)، والبيهقي في البعث (ص ٣٣٦ - ٣٣٧) وفي الشعب (٣٤٧).\nوقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنّه يكتب حديثه في جملة الضعفاء قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدا، ويقال: إنّه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقا واحدا فأنكر عليه بسبب ذلك، قال أبن كثير: وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنّه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث التفسير.","vol":"14","page":209},{"text":"طويل رواه الطبراني. قال الإمام القرطبي (^١): وقد اختلف في عدد النفخات فقيل ثلاث نفخة الفزع لقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (^٢) الآية، ونفخة الصعق ونفخة البعث لقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ (^٣)، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وقيل هما نفختان ونفخة الفزع هي نفخة الصعق لأن الأمرين لا زمان لهما أي فزعوا فزعا ماتوا فيه، وحديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو يدل على أنهما نفختان لا ثلاث وهو الصحيح.\nقال عبد الله بن عمرو: ينفخ في الصور من باب إيلياء الشرقي، والنفخة الثانية من الباب الآخر. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (^٤) قال: يؤمر إسرافيل أن ينفخ في الصور من صخرة بيت المقدس فإذا نفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى وهو الناقور الذي قال الله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠» (^٥) لم يبق على الأرض حي إلا مات ثم تبقى الخلق في تلك الرقدة أربعين كما ورد في الحديث مبهما في قوله: أبيت، وورد في غير مسلم مفسرًا\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٩٠).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٤) سورة ق، الآية: ٤١.\n(^٥) سورة المدثر، الآية: ٨ - ١٠.","vol":"14","page":210},{"text":"بأربعين سنة ثم يأمر الله تعالى إسرافيل ﵇ بعد تمام هذه الأربعين فينفخ النفخة الثانية، قال الله تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (^١) فالنفخة للإماتة والثانية للإحياء.\nوقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول الله -ﷺ- بين النفختين أربعون سنة: الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيي بها كل ميت فالنفخة الأولى للفناء وهي نفخة الصعق ويكون معها نقر لقوله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨» (^٢) أي في الصور، فإذا نفخ فيه للإصعاق [حيِيَ] بين النقر والنفخ لتكون الصيحة [أهدَّ] وأعظم فلا يسمعها أحد إلا أصغى وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه إبله قال فيصعق ويصعق الناس ثم يمكث الناس أربعين عاما ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرًا من السماء مثل الطل كمني الرجل فتنبت الأجساد في القبور كما ينبت البقل، الطل الذي ينزل من السماء في الصحو والطل أيضا أضعف المطر، قاله في النهاية (^٣).\nوقد أخبر الله تعالى أن إنشاء الأجساد مثل إخراج النبات من الأرض، قال اللّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (^٤)، أي كما ينبت نبات الأرض الماء كذلك تنبت الأجساد بهذا\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٢) سورة المدثر، الآية: ٨.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٣٦).\n(^٤) سورة فاطر، الآية: ٩.","vol":"14","page":211},{"text":"الماء فإذا تهيأت الأجساد وكملت نفخ في الصور نفخة البعث من غير نقر لأن المراد إرسال الأرواح من [نقب] الصور إلى أجسادها لا تنفيرها من أجسادها فالنفخة الأولى للنفير وهي نظير صوت الرعد الذي قد يقوى فمات منه ونظير الصيحة الشديدة الذي يصيحها الرجل بصبي فيفزع منه فيموت، فإذا نفخ إسرافيل ﵇ خرجت الأرواح من المحال كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض فيأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله تعالى كل ذلك في لحظة كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^١) ولقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (^٢)، يروى عن رسول الله -ﷺ- قال: يقول الله تعالى وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى أجسادها فتدخل في الخياشم حتى تمشي مشي السم في اللديغ والمنادي ينادي على صخرة بيت المقدس يا أيتها العظام البالية ويا أيتها الأشعار المتمرطة ويا أيتها الأعضاء المتهمشة ويا أيتها الجلود المتمزقة قوموا إلى موقف الحساب والعرض الأكبر فينشيء الله الأجساد على عجب الذنب إذ هو مما لا تأكله الأرض فإذا أحيا الله العظام وهي رميم جاءت كل روح واتصلت ببدنها فعاد الخلق كما كانوا أول مرة لا ينقص منهم مثقال ذرة حتى أن الغرلة التي قطعها الختان تعاد فيخرجون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم فيحشر المؤمنون وجوههم ضاحكة\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ٢٨.","vol":"14","page":212},{"text":"مستبشرة ويحشر الكافرون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة، يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (^١) ثم يتبع جميع البشر صوت المنادي إلى المحشر فيسيرون حفاة عراة، الحديث، قاله في الدرة الفاخرة. [وعند] أهل السنة أن تلك الأجساد الدنياوية تعاد بأعيانها وأعراضها بلا خلاف بينهم. قال بعضهم بأوصافها فيعاد الوصف أيضا كما يعاد الجسم واللون، قال ابن العربي: وذلك جائز في حكمة الله تعالى وقدرته وهين عليه جميعه ولكن لم يرد بإعادة الوصف خبر. قال القرطبي: قلت فيه أخبار كثيرة والله أعلم وجميع ما ذكر أعلاه ذكره القرطبي (^٢) وصاحب العاقبة عبد الحق الإشبيلي (^٣).\n\n٥٤٠٩ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كيفَ أنعم وَقد الْتَقم صَاحب الْقرن الْقرن وحنى جَبهته وأصغى سَمعه ينْتَظر أَن يُؤمر فينفخ فَكَأَن ذَلِك ثقل على أَصْحَابه فَقَالُوا فَكيف نَفْعل يَا رَسُول الله أَو نقُول قَالَ قُولُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل على الله توكلنا وَرُبمَا قَالَ توكلنا على الله رواه الترمذي (^٤) واللفظ له وقال حديث حسن وابن حبان في\n_________\n(^١) سورة يس، الآية: ٥٢.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٨٧).\n(^٣) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٧٤).\n(^٤) الترمذي في سننه (٢٥٤٨) (٣١٩٤)، وأخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد (١٥٩٧)، والحميدي في مسنده (٧٥٤)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٥٤٠)، وأحمد في المسند (٣/ ٧) وعبد بن حميد في مسنده (٨٨٦/ المنتخب)، وأبو يعلى في مسنده (١٠٨٤)، والطبراني في معجمه الصغير (١/ ٢٤)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (١/ ٤٢٧ - ٤٢٨). =","vol":"14","page":213},{"text":"صحيحه (^١) ورواه أحمد (^٢) والطبراني من حديث زيد بن أرقم ومن حديث ابن عباس أيضًا.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"كيف أنعم \" الحديث، أي كيف أتنعم من النعمة بالفتح وهي المسرة والفرح (٦٨/ أ) [والترفه، قاله في النهاية (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"وصاحب القرن\" الحديث، حكى عن مجاهد رحمه الله تعالى أنه قال: القرن كهئية البوق، وصاحب القرن هو إسرافيل ﵊، وهو قرن من نور محيط بالسموات والأرضين، وإن إسرافيل عليه\n_________\n= وأبو الشيخ في العظمة (٣٩٦)، (٣٩٧)، والدولابي في الكنى والإسماء (٢/ ٥٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٠)، (٧/ ٣١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٦)، والبغوي في شرح السنة (٤٢٩٨)، (٤٢٩٩)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه هذا الحديث عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي -ﷺ- نحوه.\nوقال البغوي: هذا حديث حسن. قال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري، لا أعلمه رواه غير أبي حذيفة قال الحاكم: لم نكتبه من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، ولولا أن أبا يحيى التيمي على الطريق، لحكمت للحديث بالصحة على شرط الشيخين ﵄ فتعقبه الذهبي بقوله: أبو يحيى واه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٧٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٠٨).\n(^١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٨٢٣).\n(^٢) أحمد في المسند (٣/ ٧)، وفي (٤/ ٣٧٤) والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٢٢ / ٥٠٧٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٨٣).","vol":"14","page":214},{"text":"الصلاة والسلام إذا أخذ في التسبيح عطل على الملائكة تسبيحهم بحسن صوته وطيب نغمته، فالصور قرن من نور له أربع عشرة دارة الدارة الواحدة كاستدارة السماء والأرض، فيها ثقب بعدد أرواح البرية فتخرج البرايا لها دوي كدوي النحل فتملأ ما بين الخافقين، ثم تذهب كل نسمة إلى جثتها، فسبحان ملهمهم إياها، حتى الوحش والطير وكل ذي روح فإذا الكل كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ (^٢)، والزجرة الصيحة العظيمة، والله تعالى أعلم، وفي الحديث أن إسرافيل ﵊ له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والعرش على عاتقه، وإنه ليتضاءل أحيانا لعظمة الله تعالى حتى يصير مثل الوضع يروى بفتح الضاد وسكونها.\nوقال ابن الأثير: أنه أصغر من العصفور، والجمع وُضعان، وفي أول التعريف والإعلام للسهيلي أن أول من سجد من الملائكة لآدم إسرافيل ﵊، ولذلك جوزي بولاية اللوح المحفوظ، قاله محمد بن الحسن النقاش، والله تعالى أعلم.\nقوله: \"حَسبنَا الله وَنعم الْوَكيل على الله توكلنا وَرُبمَا\"، توكلنا على الله، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: التوكل عمل القلب، ومعنى ذلك أنه ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم في الإدراكات. وقال\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٢) سورة النازعات، الآية: ٦٣.","vol":"14","page":215},{"text":"بعضهم: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الله تعالى كانطراح الميت بين يدي الغاسل، يقلّب كيف يشاء. وقال سهل: التوكل الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد، وتقدم الكلام على معنى التوكل والله تعالى أعلم.\n\n٥٤١٠ - وَعَن عبد الله بن الْحَارِث قَالَ كنت عِنْد عَائِشَة -﵁- وَعِنْدهَا كَعْب الْأَحْبَار فَذكر إسْرَافيل فَقَالَت عَائِشَة يَا كعْب أَخْبرنِي عَن إسْرَافيل فَقَالَ كعْب عنْدكُمْ الْعلم قَالَت أجل قَالَت فَأَخْبرنِي قَالَ لَهُ أَرْبَعَة أَجْنِحَة جَنَاحَانِ فِي الْهَوَاء وَجَنَاح قد تسربل بِهِ وَجَنَاح على كَاهِله والقلم على أُذُنه فَإِذا نزل الْوَحْي كتب الْقَلَم ثمَّ درست الْمَلَائِكَة وَملك الصُّور جاث على إِحْدَى رُكبَتَيْهِ وَقد نصب الْأُخْرَى فالتقم الصُّور يحني ظَهره وَقد أَمر إِذا رأى إسْرَافيل قد ضم جنَاحه أَن ينْفخ فِي الصُّور فَقَالَت عَائِشَة هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن (^١).\nقوله: \"وعن عبد الله بن الحارث\" هو أبو الوليد، عبد الله بن الحارث بن سراقة البصري. نسيب محمد بن سيرين، قيل: هو ختنه على أخته، وهو والد\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٩٢٨٣)، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٨٥) وقال الهيثمي والسيوطي: إسناده حسن انظر: المجمع ١٠/ ٣٣١ - الدر المنثور ٧/ ٢٥٣) قلت: بل ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، وقد خولف في شيخه كما سيأتي. واختلف فيه على مؤمل، فقال نوح بن حبيب القُوْمَسي: ثنا مؤمل ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الله بن الحارث به. أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٨٦) ولم ينفرد مؤمل به بل تابعه عفان بن مسلم البصري ثنا حماد بن سلمة به. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٤٧ - ٤٨)، وقال: غريب من حديث كعب لم يروه عنه إلا عبد الله بن الحارث وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٨٩٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤٠٩).","vol":"14","page":216},{"text":"يوسف بن عبد الله، تابعي، ثقة، روى عن نفر من الصحابة، منهم عائشة، وابن عباس، روى عنه عاصم الأحول، وخالد.\nقوله: \"كنت عند عائشة، وهذا كعب الأخبار\" الحديث، تقدم الكلام على مناقب أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنه. \"وعندها كعب الأحبار\"، هو كعب بن ماتع بالميم وبالتاء المتناة فوق، وبعدها عين مهملة، الرعيني، من آل ذي رعين من حمير، كني أبا إسحاق. والأحبار العلماء، وأحدهم حبر بفتح الحاء وكسرها لغتان، أي كعب العلماء، قاله ابن قتيبة وغيره. وقال أبو عبيد سمي كعب الأحبار لكونه صاحب كتب الأحبار، جمع حبر وهو ما يكتب به، وهو مكسور الحاء، أسلم في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وقيل في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو رحمه اللّه تعالى من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، وقد روى عنه جماعة من الصحابة، وكان أعلم أهل زمانه بالتوراة، وكان لهم فهم ودين، ومن أكبار أحبار يهود، توفي في خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين، قيل مقتل عثمان بعام، ذكر ذلك ابن عباس، ابن محمد الدوري عن يحيى بن معين، وقيل توفي سنة اثنتين وثلاثين وقد بلغ مائة سنة وأربعا وستين سنة، ذلك ذلك عالم أصبهان الحافظ أبو القاسم إسماعيل ابن الفضل في كتاب سير السلف، له فيما حدثني غير واحد من أصحابه عنه، وفيه من الفقه الإباحة قي الحديث عن التوراة لأهل العلم بها وسماع ذلك مباح، فقد سمع ذلك النبي -ﷺ- على ما ثبت في غير ما حديث.","vol":"14","page":217},{"text":"قوله رضي الله تعالى عنه: \"قالت: أجل\" الحديث، \"أجل \" حرف معناه تصديق المخبِر بقول القائل، قد كان كذا، تقول: أجل، قوله رضي الله تعالى عنه: \" ... \"، الكاهل، ما بين الكتفين. قوله: \"وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور يحني ظهره\"، الحديث، إسرافيل ﵊ هو مبلغ الأوامر ونافخ الأرواح في الأجساد، وصاحب الصور، وصوره كهيئة البوق له أربع أجنحة أحدهما يسد به المشرق والآخر يسد به المغرب والثالث يسد فيه من السماء إلى الأرض والرابع التئم به من عظمة الله تعالى، ورأسه تحت قوائم العرش، وقدماه تحت الأرض السابعة، وبين عينه لوح من جوهر، إذا أراد الله تعالى أن يحدث أمرا أمر القلم أن يكتب في اللوح ثم أولى اللوح إلى إسرافيل ﵊ فيكون بين عينيه، ثم ينتهي إلى ميكائيل.\nقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لما فرغ الله تعالى من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخ. قيل: يا رسول الله: وما الصورة. قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع يفزع منها أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره الله تعالى أن يديمها ويطولها، وهو قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^١)، والثانية نفخة الصعقة يصعق فيها أهل السماوات\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٦٨.","vol":"14","page":218},{"text":"والأرض إلا من شاء الله، وهو قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وبين النفختين أربعون سنة، والثالثة نفخة البعث وهو القيام لرب العالمين، قاله في مختصر عجائب المخلوقات. قال الجوهري (^١): إسرافيل اسم أعجمي كأنه مضاف إلى إيل، وقال الأخفش: ويقال إسرافين بالنون، مثل: جبرين ونحوه، وروى مجاهد عن ابن عباس (^٢) أنه قال: إن زاوية من زوايا العرش على كاهله ورأسه قد مرق من السماء السابعة. قال: ولما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم ﵊ أول من سجد إسرافيل ﵊ فأثابه الله تعالى] (^٣) أن كتب القرآن في جبهته.\nوقد روي [موقوفًا] عن عمر بن عبد العزيز قال: ومنذ خلقت النار لم تجف له دمعة ومن يخلق من الملائكة إنما يخلق من دموع إسرافيل وهو صاحب اللوح المحفوظ والصور وصاحب النفخة. وقال ابن عباس: ينفخ النفخة لأولى فيموت الخلق وتسير الجبال وتكور الأرض والشمس والقمر ثم ينفخ الثانية لقيام الخلق من القبور.\n[فإسرافيل ﵊ من أعظم الملائكة خلقا، وهو في السماء السابعة، تحت قائمة من قوائم العرش، واللوح المحفوظ بين يديه\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٣٧٣).\n(^٢) تفسير الثعلبي (٨/ ٢٦٦)، وحلية الأولياء (٦/ ٦٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٢٧٦) لأبي الشيخ في العظمة.\n(^٣) (١)، وسقط هذا اللوح وزيادة من الأصل.","vol":"14","page":219},{"text":"القلم وراء شحمة أذنه وسعة ما بين منكبيه مسيرة خمس مائة عام، ورأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرضين السابعة، نصفه نار ونصف من ثلج، فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار، وهو يقول: اللهم كما ألفت بين بارد وحار ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين، انتهى. والصور قرن ينفخ فيه، قال مجاهد كهيئة البوق، كما تقدم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (^١): الناقور الصور. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ (^٢)، أي نفخ في الصور، والملك الذي وكل به بهذه النفخة وجعل على يده هذه الصعقة قد استعد لها وتهيأ لإمضائها. وذكر أبو الحسن بن صخر في فوائده من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: مازال صاجط الصور منذ وكل به مستعدًا ينظر نحو العرش أن يؤمر فينفخ قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عيناه كوكبان دريان. وفي مسند البزار عن أبي سعيد -﵁- قال: ذكر رسول الله -ﷺ- صاحب الصور فقال: عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل صلى الله تعالى وسلم عليهم. ذكره صاجط العاقبة (^٣). وذكر كعب الأحبار أن أقرب الملائكة إلى الله تعالى إسرافيل ﵊ وله أربع أجنحة، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وقد تسربل بالثالث والرابع، وبينه وبين اللوح حجاب، فإذا أراد الله أمرا أن يوجبه جاء اللوح حتى يصفق جبهة إسرافيل\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٣/ ٤٢٠).\n(^٢) سورة المدثر، الآية: ٨.\n(^٣) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٢٥٦).","vol":"14","page":220},{"text":"فينظر، فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل ثلاث مرات بكذا وكذا فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتي يقول جبريل الحق من عند الحق، فينزل إلى النبي -ﷺ- فيوحي إليه (^١)؛ من كتاب العظمة] (^٢).\n\n٥٤١١ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- تطلع عَلَيْكُم قبل السَّاعَة سَحَابَة سَوْدَاء من قبل الْمغرب مثل الترس فَلَا تزَال ترْتَفع فِي السَّمَاء وتنتشر حَتَّى تملأ السَّمَاء ثمَّ يُنَادي مُنَاد يَا أَيهَا النَّاس أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الرجلَيْن ينشران الثَّوْب فَلَا يطويانه وَإِن الرجل ليمدر حَوْضه فَلَا يسْقِي مِنْهُ شَيْئا أبدا وَالرجل يحلب نَاقَته فَلَا يشربه أبدا رواه الطبراني بإسناد جيد (^٣) رواته ثقات مشهورون.\nمدر الحوض أي طينه لئلا يتسرب منه الماء.\nقوله: \"وعن عقبة بن عامر\" تقدم الكلام عليه.\nقوله -ﷺ-: \"يطلع الله عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس\"، والساعة اسم للوقت الذي تقوم فيه القيامة، سمي بها لأنها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم. قاله الزجاج، أو لوقوعها بغتة لسرعة\n_________\n(^١) أصول السنة (٦١) لابن أبى زمنين.\n(^٢) (١)، وسقط هذا اللوح من الأصل.\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٣٢٥/ ٨٩٩)، أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣١): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة، وهو ثقة، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٠٠٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٠).","vol":"14","page":221},{"text":"حسابها أو على العكس لطولها أو لأنها عند الله تعالى على طولها كساعة من الساعات عند الخلق والله تعالى أعلم. واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته [لأنها] قيامة صغرى وقيامة كبرى فالصغرى هي ما تقوم على الإنسان في خاصيته من خروج روحه وفراق أهله وانقطاع سعيه وحصوله على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والقيامة الكبرى هي التي تعم الناس وتأخذهم أخذة واحدة والقيامة التي تعم الأرض بمرة إنما تأتيتهم بغتهم وتأطرهم على غفلة لكنها تقوم في يوم جمعة في غير شهر معروف ولا سنة معروفة. قوله -ﷺ-: \"فوالذي نفسي بيده إن الرجلين ينشران الثوب فلا يطويانه وإن الرجل ليمدر حوضه فلا يسقى منه شيئا\" الحديث، قال الحافظ رحمه الله تعالى: مدر الحوض أي طيَّنه لئلا يتسرب منه الماء، اهـ. والمقصود من الحديث إعلام الأمة بقرب الساعة [ليكونوا] على حذر وإصلاح حال.\n\n٥٤١٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لتقوم السَّاعَة وثوبهما بَينهمَا لا يبايعانه وَلَا يطويانه ولتقوم السَّاعَة وَقد انْصَرف بِلَبن لقحته لَا يطعمهُ ولتقوم السَّاعَة يلوط حَوْضه لَا يسْقِيه ولتقوم السَّاعَة وَقد رفع لقمته إِلَى فِيهِ لَا يطْعمهَا رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢).\n_________\n(^١) أحمد ٢/ ٣٦٩.\n(^٢) صحيح ابن حبان (٦٨٤٥). وأخرجه والبخاري (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤) في حديث نحوه دون الجملة الأخيرة. وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٩/ ٤٦٨)، والتعليق الرغيب (٤/ ١٩١): خ، م؛ لكن ليس عنده الجملة الأخيرة.","vol":"14","page":222},{"text":"لاطه بالطاء المهملة بمعنى مدره.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-، قوله -ﷺ-: \"لتقومن الساعة وثوبهما بينهما لا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقوم الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته لا يطعمه\" الحديث. الساعة هنا الصعقة الثانية التي للموت والأولى هي صعقة الفزع كما تقدم. قوله: \"وقد انصرف الرجل بلبن لقحته لا يطعمه \" أي لا يأكله، واللقحة بالكسر والفتح لغتان مشهورتان والكسر أشهر، والجمع لقح كبركة وبرَك وهي الناقة الغزيرة اللبن. وقيل القريبة العهد من النتاج وثاقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن وجمع لقح بكسر اللام وفتحها.\nوقوله -ﷺ-: \"وهو يلوط حوضه لا يسقيه\" الحديث، وفي رواية: يليط حوضه. قال الحافظ: لاطه بالطاء المهملة بمعنى مدره أي يطينه ويصلحه، وتقدم فأخبر -ﷺ- أنه يعاجله من أمر الساعة ما يمنع من تمام فعله وأقرب من ذلك رفع الأكلة وهي اللقمة إلى فيه فتقوم الساعة دون بلوغها إليه وكذلك القول في [المتبايعين] من نشر الثوب وطيه فاعلمه. ٥٤١٣ - وَعَن أبي مرية عَن النَّبِي -ﷺ- أَو عَن عبد الله بن عَمْرو -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ النافخان فِي السَّمَاء الثَّانِيَة رَأس أَحدهمَا بالمشرق وَرجلَاهُ بالمغرب أَو قَالَ رَأس أَحدهمَا بالمغرب وَرجلَاهُ بالمشرق ينتظران مَتى يؤمران أَن ينفخا فِي الصُّور فينفخان. رواه أحمد (^١) بإسناد جيد هكذا على\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ١٩٢) ومن طريقه أخرجه عبد الغني المقدسي في ذكر النار (١٨) وقال =","vol":"14","page":223},{"text":"الشك في إرساله أو اتصاله. (^١)\nقوله: \"وعن أبي مُرَية\" ويقال أبو مراية العجلى قال ابن سعد: \"اسمه: عبد الله بن عمرو، وكان قليل الحديث \"، وذكره ابن حِبَّان في \"الثقات \" روى عن أبي موسى الأشعري، وسلمان الفارسي. وعنه أسلم العجلي.\nقال الآجري: \"سمعت أبا داود -يعني السجستاني- يقول: أبو مُراية لم يرَ سلمان قط\"، وقال البرقاني، عن الدارقطني: \"يُعتبر به\"، وقال البيهقي في كتاب \"القدر\": \"فيه نظر\"، قال إسماعيل بن عُلية: \"كان التيمي يقول: عن أبي مُرَيَّة، وقتادة يقول: عن أبي مُراية\".\nقوله -ﷺ-: \"النافخان في السماء الثانية ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخان\" الحديث، تقدم الكلام على النفخ في الصور وهو القرن في أول الباب.\n\n٥٤١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا بَين النفختين أَرْبَعُونَ قيل أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَبيت قَالَ أَرْبَعُونَ شهرا قَالَ أَبيت قَالَ أَرْبَعُونَ سنة قَالَ أَبيت ثمَّ ينزل من السَّمَاء مَاء فينبتون كَمَا ينْبت البقل وَلَيْسَ من الْإِنْسَان شَيءْ لَا يبْلى إِلَّا عظم وَاحِد وَهُوَ عجب الذَّنب مِنْهُ يركب الْخلق\n_________\n= الهيثمي: رواه أحمد على الشك فإن كان عن أبي مرية فهو مرسل ورجاله ثقات، وإن كان عن ابن عمرو فهو متصل مسند ورجاله ثقات المجمع ١٠/ ٣٣٠) وقال ابن كثير: وأبو مرية هذا اسمه عبد الله بن عمرو العجلي وليس بالمشهور الفتن ص ١٣٦ وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٧٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٠).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٧٣).","vol":"14","page":224},{"text":"يَوْم الْقِيَامَة. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n\n٥٤١٥ - وَلمُسلم قَالَ إِن فِي الإِنْسَان عظما لا تَأْكُله الأَرْض أبدا فِيهِ يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا أَي عظم هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ عجب الذَّنب.\nورواه مالك (^٣) وأبو داود (^٤) والنسائي (^٥) باختصار، قال: كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب.\n[عجب الذنب] بفتح العين وإسكان الجيم بعدها باء أو ميم، وهو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وأصل الذنب من ذوات الأربع.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"ما بين النفختين أربعون \" قيل أربعون يوما. \"قال أبو هريرة: أبيت\"، الحديث، في قوله: أبيت، تأويلان: الأول أي امتنعت من بيان ذلك وتفسيره وعلى هذا كان عنده علم من ذلك سمعه من النبي -ﷺ-. الثاني: أبيت أن أسأل عن ذلك النبي -ﷺ- وعلى هذا لم يكن عنده علم من ذلك والأول أظهر، وإنما لم يبينه لأنه لم ترهق حاجة إلى ذلك ولأنه ليس من البينات والهدى الذي أُمِر بتبليغه، وقد جاء في حديث من رواية غيره في غير\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٨١٤.\n(^٢) صحيح مسلم (١٤١) (٢٩٥٥).\n(^٣) موطأ مالك (٤٨).\n(^٤) سنن أبي داود (٤٧٤٣).\n(^٥) سنن النسائي (٤/ ١١١).","vol":"14","page":225},{"text":"مسلم أن بين النفختين أربعين عاما، اهـ، قاله القرطبي (^١)، [وفي] التحفة: وأبيتُ، يروى بفتح التاء أي أبيت أن تعرفه فإنه غيب لم يرد الخبر ببيانه وبضمها أي أبيت أن أقول ما لم أسمعه. قوله -ﷺ-: \"ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل\"] (^٢)، قال أبو هريرة وابن عباس: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم مطرا كمني الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقي عليهم نومة فينامون في قبورهم ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رءوسهم وأعينهم فعند ذلك يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (^٣)، قاله البغوي في تفسيره [على ذلك] في سورة الأعراف.\nقوله -ﷺ-: \"وليس من الإنسان شيء إلا يبلى\" الحديث، وخص من بني آدم الذين يأكلهم التراب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم كما صرح به الحديث في كتاب الجمعة. وقوله: \" [إلا عظم] واحد وهو عَجْبُ الذنب منه يُركب الخلق يوم القيامة\" الحديث، قال الحافظ عجب الذنب بفتح العين المهملة وإسكان الجيم بعدها باء أو ميم هو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وقال بعضهم عجم\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٥٣).\n(^٢) حصل تأخير لهذه الجملة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قاله البغوي في تفسيره [على ذلك] في سورة الأعراف).\n(^٣) سورة يس، الآية: ٥٢.","vol":"14","page":226},{"text":"الذنب هو العظم بين الإليتين الهابط من الصلب يقال لطرفه العصعص وأصل الذنب من ذوات الأربع، اهـ، وقال القرطبي وغيره: يقال عجم بالميم والباء لغتان وهو جزء لطيف في أصل الصلب عند العجز وهو العسيب من الدواب، وقيل هو رأس العُصعُص كما رواه أبو داود (^١) في كتاب البعث من حديث سعيد الخدري الذي بعد هذا وفيه: قلت يا رسول الله وما هو؟ قال: مثل حبة خردل منه تنشئون منه خلق وفيه يركب أي أول ما خلق من الإنسان هو ثُمّ إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى. وقال المزني (^٢): إن عجب الذنب أيضا يبلى، والحديث يرد عليه. ثم يفتح الله خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة فيمطر به الأرض فإذا [كمني] الرجال فيلقى الأرض عطشى ميتة هامدة [فتحيا] وتهتز ولا يزال يمر عليها حتى يعمها ويكون الماء فوقها أربعين ذراعا فإذا الأجسام تنبت من العصعص الذي هو عجب وهو أول ما يخلق من الإنسان وفي الحديث، الإنسان بدأ من عجب الذنب ومنه يعود، وهو عظم على قدر الحمصة ليس له مخ فمنه تنبت الأجسام في مقابرها كما ينبت البقل حتى يشتبك بعضها في بعض فإذا رأس هذا عند منكب هذا ويد هذا عند جنب هذا وفخذ هذا [عندا] (^٣) على عجز هذا\n_________\n(^١) الصواب ابن أبي داود وهو في كتابه البعث (١٧)، وأخرجه أحمد (١٧/ ٣٣٢)، وابن حبان (٣١٤٠)، والحاكم (٤/ ٦٥١)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه مسند أبي يعلى الموصلي (١٣٨٢).\nوضعفه الألباني في \"التعليق الرغيب\" (٤/ ١٩٢)، وصح دون قوله: \"مثل حبة خردل\".\n(^٢) وقال ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٥٥٣).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":227},{"text":"لكثرة البشرة [في قوله ﷿: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ (^١) فإذا تمت البشرة] (^٢) على حسبها الصبي صبي والشيخ شيخ والكهل كهل والفتى فتى والشاب شاب أمر الجليل ﷻ أن تهب ريح من تحت العرش فيها نار لطيفة [فينشف] ذلك عن الأرض وتبقى الأرض بارزة ليس فيها حدب ولا عوج ولا أمت وقد عادت الجبال رمالا وهو الكثيب المهيل ثم الله تعالى يحيى إسرافيل فينفخ في الصور [من أعلا] (^٣) صخرة بيت المقدس والصور قرن من نور؛ -من كتاب الدرة الفاخرة-، [يعني صخرة] (^٤) وهي أقرب الأرض إلى السماء باثنتي عشر ميلا، قاله الزركشي.\n\n٥٤١٦ - وَعَن أبي سعيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: يَأْكُل التُّرَاب كل شَيْء من الْإِنْسَان إِلَّا عجب ذَنبه قيل وَمَا هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ مثل حَبَّة خَرْدَل مِنْهُ تنشؤون. رواه أحمد (^٥) وابن حبان في\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٤.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) أخرجه أحمد (٣/ ٢٨) وأبو يعلى (١٣٨٢) وابن أبي داود في البعث (١٧) والحاكم (٤/ ٦٠٩) قال الحاكم: صحيح الإسناد وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٢) رواه أحمد، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٠) ضعيف التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٥/ ١١٢) التعليق الرغيب (٤/ ١٩٢)، وصح دون قوله: مثل حبة خردل- وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٤٧) رواه أبو =","vol":"14","page":228},{"text":"صحيحه (^١) من طريق دراج عن أبي الهيثم.\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" تقدم.\nقوله: \"إنه لما حضره الموت دعا ثياب جُدد فلبسها\"، جُدد جمع جديد.\nقوله: \"ثم قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها\" الحديث، يُذكر ما ذُكِر في الترغيب في الكلام على ذلك إلى آخره ويقال بعده: قال ابن عبد البر (^٢): ويحتمل أن كل ميت يبعث على حاله التي مات فيها، قال: ومن قال أن الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم احتج بحديث أبي سعيد الخدري أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، الحديث. قال ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أمر أن يُزمّل بثيابه ويدفن فيها ولا يغسل عنه دمه ولا يغير شيء من حاله بدليل حديث ابن عباس وغيره عن النبي -ﷺ- أنه قال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة، قال ابن عبد البر (^٣): وتأوله بعضهم على أنه يبعث على العمل الذي يختم له به وظاهره على غير ذلك، ويحتمل أن أبا سعيد إنما نزع الثياب التي كانت عليه لنجاسة فيها إما مخففة أو مشكوكة فأراد أن يكون بثياب محققة الطهارة وهذا من جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها ولا سيما عند انختام الآجال فإن\n_________\n= يعلى الموصلي واللفظ له، وأحمد بن حنبل، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه.\nوله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة.\n(^١) ابن حبان (٣١٤٠).\n(^٢) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ٢٠٠).\n(^٣) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ٢٠١).","vol":"14","page":229},{"text":"الإنسان [مختوم] على أن يختم أعماله بالصالحات في جميع الأمور فإن الأعمال بالخواتيم، اهـ. [وتأول بعض العلماء حديث أبي سعيد على غير ذلك، وقال: معنى الثياب العمل الصالح يريد أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو عمل سيء ولم يرد به الثوب نفسه، ولعرب تقول: فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب، وفلان دنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك، والعقل لا يأبى حمله على ما فهمه الراوي فإنه يمكن إعادة ثيابه البالية كما يمكن إعادة العظام النخرة. قال ابن عبد البر: وفيه الأمر بمراعاة الإخوان أحياء وأمواتا والمواساة بمثل ذلك من أموالهم وبأن يكونوا أوصياءهم ويستحب أن يكون الكفن من قطن وأن يكون نظيفا وأن يكون من آثار الصالحين، وقال ابن المبارك أحبّ إلي أن يكون في ثيابه التي كان يصلي فيها] (^١).\nوقال الخطابي (^٢) أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره وقد روي في تحسين الكفن أحاديث، وقال ابن العربي: ليس المراد بتحسين الكفن [علو] القيمة ولا الرفيع وإنما يريد الكثافة والستر فمعنى فليحسن كفنه يحصنه بالستر. قال: وتأوله بعض العلماء على المعنى وأراد به الحالة التي يموت عليها من الخير والشر وعمله الذي يختم له به، يقال فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ (^٣) أي عملك فأصلح، ويقال: فلان دنس\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) معالم السنن (١/ ٣٠١).\n(^٣) سورة المدثر، الآية: ٤.","vol":"14","page":230},{"text":"الثياب إذا كان خبيث الفعل والمذهب. وهذا كالحديث الآخر: يبعث العبد على ما مات عليه (^١)، اهـ.\n\n٥٤١٧ - وَعنه -﵁- أَنه لما حَضَره الْمَوْت دَعَا بِثِيَاب جدد فلبسها ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الْمَيِّت يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي يَمُوت فِيهَا. رَوَاُهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَفِي إِسْنَاده يحيى بن أَيُّوب وَهُوَ الغافقي الْمصْرِيّ احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَله مَنَاكِير وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ أَحْمد سيئ الْحِفْظ وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ (^٢) وَقد قَالَ كل من وقفت على كَلَامه من أهل اللُّغَة إِن المُرَاد بقوله يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي قبض فِيهَا أَي فِي أَعماله قَالَ الْهَرَوِيّ وَهَذَا كحديثه الآخر يبْعَث العَبْد على مَا مَاتَ عَلَيْهِ قَالَ وَلَيْسَ قَول من ذهب إِلَى الأكفان بِشَيْء لِأن الْمَيِّت إِنَّمَا يُكفن بعد الْمَوْت انْتهى.\nقَالَ الْحَافِظ وَفعل أبي سعيد رَاوِي الحَدِيث يدل على إجرائه على ظَاهره وَأَن الْمَيِّت يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي قبض فِيهَا وَفِي الصِّحَاح وَغَيرهَا أَن النَّاس يبعثون عُرَاة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْل بعده إِن شَاءَ الله فَالله سُبْحَانَهُ أعلم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨٣) (٢٨٧٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣١١٤)، وأبن حبان (٧٣١٦). وصححه الألبانى في الصحيحة (١٦٧١) وصحيح الترغيب (٣٥٧٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>فصل في الحشر وغيره</span>\n٥٤١٨ - عن ابن عباس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يخطب على المنبر يقول: إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا. زاد في رواية: مشاة. إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا.\n\n٥٤١٩ - وفي رواية قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- بموعظة فقال: يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا [كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كلنا فاعلين]. ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم ﵇، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول كما قال العبد الصالح: وكنتعليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله: العزيز الحكيم. قال: فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.\nزاد في رواية: فأقول: سحقا سحقا. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢)، ورواه الترمذي (^٣) والنسائي (^٤) بنحوه.\n[الغرل] بضم الغين المعجمة وإسكان الراء: جمع أغرل، وهو الأقلف.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٤٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٥٨) (٢٨٦٠).\n(^٣) الترمذي (٢٤٢٣).\n(^٤) سنن النسائي (٤/ ١١٤).","vol":"14","page":232},{"text":"قوله: \"عن ابن [عباس] \" تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"إنكم ملاقوا الله حفاة عراة غرلا\" زاد في رواية: \"مشاة\" الحديث، قوله: \"حفاة\" الحفاة جمع الحافي وهو الذي لا خف في رجليه ولا نعل، والعراة جمع العاري، والغرل بضم الغين المعجمة وإسكان الراء جمع أغرل وهو الأقلف، اهـ. قاله الحافظ. ورواه بعضهم الأغلف، والقلفة هي الجلدة التي يقطعها الختان من ذكر الصبي ومعناه غير مختونين وبقيت معه غرلته وهي الجلدة في الختان ومثله الأرغل بتقديم الراء، قاله أبو السعادت. وقال الأزهري (^١) وغيره هو الأغرل والأرغل والأغلف بالغين المعجمة في الثلاثة، والأقلف والأعرم بالعين المهملة [وجمعه] (^٢) عرل ورعل وغلف وقلف وعرم.\nقوله: \"مشاة\" المشاة جمع الماشي، حبس الحركة المخصوصة فإذا اشتد فهو سعي فإذا ازداد فهو عدو، اهـ. والمقصود أنهم يحشرون كما خُلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة تكون معهم. قاله النووي في شرح المسلم (^٣) وغيره، والمراد أنهم يُعادون كما خلقوا ويبقون على تلك الحال لأن لذة جماع الأقلف تزيد على لذة جماع المختون. قال ابن عقيل: وذلك أن بشرة حشفة الأقلف [موقاة] بالقلفة فتكون بشرتها أرق\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٨/ ١٠٧).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٩٣).","vol":"14","page":233},{"text":"وموضع الحس كلما كان أرق كان الحس أصدق كراحة الكف إذا كانت [مرفهة [من الأعمال [صلحت] للحس فإذا [كانت] يد قصار أو نجار خشنت فخفي فيها الحس فلما أبانوا في الدنيا تلك البضعة لأجله أعادها ليذيقها من حلاوة فضله ونعيم جنته والسر في الختان مع [كون] القلفة معفوا عما تحتها من النجس أنه سنة إبراهيم ﵇ حيث بُلي بالترويع بذبح الولد فأحبّ أن يحصل لكل والد من أهل ملته ترويعا بقطع عضو وإراقة دم ولده ويبتلي أولادهم بالصبر على إيلام الآباء لهم فتكون هذه الحالة مظهرة للصبر والتسليم لأن الآباء والأولاد أسوة بإبراهيم ﵇، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم ﵇\" الحديث، فيه فضيلة عظيمة لإبراهيم ﵇ وخصوص له كما خص موسى ﵇ بأن النبي -ﷺ- يجده متعلقا بساق العرش مع أن النبي -ﷺ- أول من تنشق عنه الأرض ولا يلزم من هذا أن يكون أفضل منه مطلقا بل هو أفضل من وافى القيامة. قال الكرماني (^١): فإن قلت هذا يدل على أن إبراهيم أفضل، قلت لا يلزم من اختصاص الشخص بفضيلة [كونه] أفضل مطلقا، اهـ. وروي عن عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر قال: إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبي الملبي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم ﵊ خليل الله ثم محمد -ﷺ- ثم النبيئون والرسل عليهم الصلاة والسلام ثم يكسى المؤذنون وتتلقاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١١).","vol":"14","page":234},{"text":"أزمّتها زبرجد أخضر رحالها من الذهب ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر، ذكره الحليمي في منهاجه (^١)، وهذا نص بأن إبراهيم أول من يكسى ثم نبينا بإخباره -ﷺ- فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الموقف من ثياب الجنة فإنه من [لبسه] فقد لبس جُنّة تقيه مكاره المحشر وعرقه وحر الشمس وغير ذلك من أهواله.\nفائدة: ما الحكمة في تقديم إبراهيم ﵊ بالكسوة؟ قال الحليمي: روي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله ﷿ عبد أخوف من إبراهيم ﵇ فيعجل كسوته أمانا له ليطمئن قلبه ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في السترة حفظا لفرجه من أن يُماسّ مصلاه ففعل ما أمر به فيُجزى بذلك أن يكون أول من يُستر يوم القيامة، ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس كما يفعل بمن يراد قتله وكان ما أصابه من ذلك في ذات الله ﷿ فلما صبر واحتسب وتوكل على الله تعالى دفع الله عنه شر النار في الدنيا والآخرة [فجزاه] بذلك العري أن جعله أول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رءوس الأشهاد.\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وهذا أحسن الاحتمالات إن شاء الله تعالى والله أعلم. قال الحليمي: وإذا بُدئ في الكسوة بإبراهيم ﵇ وثني بمحمد -ﷺ- أُتي محمد بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٤٤٦).","vol":"14","page":235},{"text":"فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵇، اهـ، ذكره القرطبي في التذكرة (^١).\nقوله -ﷺ-: \"وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال\" الحديث الشمال بكسر الشين المعجمة ضد اليمين، ويراد بها جهة النار.\nقوله: \"فأقول يا رب أصحابي. وفي رواية: أصيحابي بتصغير الأصحاب، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك\"، فذكر الحديث إلى أن قال: \"فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم\".\nقال البغوي والخطابي وغيرهما: لم يرد بقوله مرتدين الردة عن الإسلام ولذلك قيده بقوله على أعقابهم وإنما يفهم من الارتداد الكفر إذا أطلق من غير تقييد ومعناه التخلف عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها والرجوع عما كان عليه من صدق العزيمة كقولهم: ارتد فلان على عقبه إذا تراجع إلى وراء ولم يرتد بحمد الله تعالى أحد من الصحابة وإنما ارتد قوم من جفاة العرب الذين دخلوا في الإسلام رغبة ورهبة كعيينة بن حصن ونحوه من المؤلفة قلوبهم ممن لا بصيرة له في الدين وذلك لا يوجب قدحا في خواص أصحابه الذين لزموه وعُرفوا بصحبته فقد صانهم الله ﷿ وعصمهم من التبديل وإنما صغر أصيحابي ليدل على قلة عدد من هذا وصفهم.\nقال البيضاوي: وهؤلاء صنفان أحدهما عصاة مرتدون عن الاستقامة لا عن الإسلام مُبدّلون للأعمال الصالحة بالسيئة. والثاني مرتدون عن الدين\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٥٣٣).","vol":"14","page":236},{"text":"إلى الكفر ناكصون على أعقابهم. انتهى، قاله الكرماني (^١).\nقوله -ﷺ-: \"فأقول سحقا سحقا\" هكذا في الروايات: سحقا سحقا، ومعناه بُعدا بُعدا، والمكان السحيق هو البعيد، وفي سحقا سحقا لغتان قُرئ بهما في السبع، إسكان الحاء وضمها. قرأ الكسائي بالضم والباقون بالإسكان ونُصب على تقدير [ألزمهم] الله تعالى سحقا وأسحقهم سحقا. وقال بعضهم: هو منصوب على المصدر والله أعلم.\n\n٥٤٢٠ - وَعَن عَائِشَة -﵁- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول يحْشر النَّاس حُفَاة عُرَاة غرلًا. قَالَت عَائِشَة فَقلت الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا ينظر بَعضهم إِلَى بعض قَالَ الْأَمر أَشد من أَن يهمهم ذَلِك. وَفِي رِوَايَة من أَن ينظر بَعضهم إِلَى بعض. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) والنسائي (^٤) وابن ماجه (^٥).\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"يحشر الناس حفاة عراة غرلا\" الحديث، الحشر الجمع مع سوق لبعث الساعة فإن قيل: فإذا كانت غير مكلفة فلماذا تبعث يوم القيامة؟ قيل: ليس التكليف علة للبعث لأن الأطفال والمجانين يبعثون وكانوا في الدنيا غير مكلفين وإنما يبعثها ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٥٢٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٥٦) (٢٨٥٩).\n(^٤) سنن النسائي (٤/ ١١٤).\n(^٥) سنن ابن ماجه (٤٢٧٦).","vol":"14","page":237},{"text":"ثم يجعل ما شاء ترابا وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه وزينته وقد حكم الله وهو أحكم الحاكمين بإعادة جميع ما أمات وفي جمع البهائم ذلك اليوم وزيادة في تبكيت المكذبين للبعث ليبين الله لهم قدرته على إعادة جميع المخلوقات فاعتبروا يا عباد الله بما في هذا من الإنذار بالعقاب الذي يتمنى الكافر من أجله أنه انقلب إلى حال التراب، اهـ. قوله: \"حفاة عراة غرلا\" أي غير مختونين. قال العلماء -﵁-: يحشر غدًا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع له عضو يرد في القيامة عليه حتى الختان، وقد عارض هذا الباب ما رواه أبو داود (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢) عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، الحديث، تقدم في آخر النفخ في الصور وتقدم الكلام عليه.\nقال أبو عمر: يعني ابن عبد البر (^٣): وقد احتج بهذا الحديث من قال إن الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يُزمّل في ثيابه ويدفن بها ولا يغسل عنه دمه ولا يُغيّر عنه شيء من\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٣١١٤).\n(^٢) وأخرجه ابن حبان (٧٣١٦)، وعبد الرزاق (٦٢٠٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٥٣٩) والبيهقي في الشعب (٣٥٩)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.، وقال النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٩١٩) رواه أبو داود، بإسناد صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤١٠) الصحيحة (١٦٧١).\n(^٣) ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٤).","vol":"14","page":238},{"text":"حاله بدليل حديث ابن عباس وعائشة -﵂- قالوا: ويحتمل أن يكون سمع أبو سعيد الحديث في الشهيد فتأوله على العموم والله أعلم. قلت: ومما يدل على قول الجماعة مما يوافق حديث ابن عباس وعائشة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (^١) الآية، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (^٢)، ولأن الملابس في الدنيا أموال ولا مال في الآخرة زالت [الأموال] بالموت وبقيت الأموال في الدنيا، وذهب أبو حامد الغزالي في كتاب الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة إلى معنى حديث أبي سعيد الخدري وأن رسول الله -ﷺ- قال: بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة. رواه أبو سفيان مسندا، وكذا قال -ﷺ-: يحشر الميت في ثيابه، وهو أليق ما رويناه، قاله في الدرة الفاخرة.\nقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (^٣): هذ الحديث لم أقف عليه فالله أعلم بصحته وإن صح فيكون معناه [إن من] أمتي الشهداء تحشر بأكفانها حتى لا تتناقض الأخبار، اهـ، والله أعلم، وتقدم في الكلام على حديث أبي سعيد شيء من هذا لكن هذا أبسط.\n\n٥٤٢١ - وَعَن أم سَلمَة -﵂- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عُرَاة حُفَاة فَقَالَت أم سَلمَة فَقلت يَا رَسُول الله واسوأتاه ينظر\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ٩٤.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٩.\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٥٣٧).","vol":"14","page":239},{"text":"بَعْضنَا إِلَى بعض فَقَالَ شغل النَّاس قلت مَا شغلهمْ قَالَ نشر الصحائف فِيهَا مَثَاقِيل الذَّر وَمَثَاقِيل الْخَرْدَل. رواه الطبراني في الأوسط (^١) بإسناد صحيح.\nقوله: \"وعن أم سلمة\" تقدم الكلام على مناقبها -﵁-.\nقوله: \"فقالت أم سلمة: فقلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: شغل الناس. قلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل\" الحديث، الذر النمل الصغير وسيأتي الكلام عليه مبسوطا، والخردل معروف. وعن ابن أبي مليكة عن القاسم قال: قالت عائشة: قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: حفاة عراة. قلت: والنساء؟ قال: والنساء. قلت: يا رسول الله فما نستحيي؟ قال: يا عائشة الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض. رواه البخاري في الرقائق (^٢)، فأعظم بيوم تكشف فيه العورات ويؤمن فيه مع ذلك من النظر والالتفات كيف وبعضهم يمشون على بطونهم ووجوهم ولا قدرة لهم على الالتفات إلى غيرهم، اهـ.\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٨٣٣)، وأخرجه البخاري في الكبير (١/ ١/ ٢٣٧) وابن أبي الدنيا في الأهوال (١١٩) وفي القبور (٧٠) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٦٠) رواه أبو بكر بن أبي شيبة والطبراني في الأوسط بإسناد صحيح. وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٤٢٣)، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أم سلمة وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٣١٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١١).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٥٢٧).","vol":"14","page":240},{"text":"٥٤٢٢ - وَعَن سَوْدَة بنت زَمعَة -﵁- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يبْعَث النَّاس حُفَاة عُرَاة غرلًا قد ألجمهم الْعرق وَبلغ شحوم الآذان فَقلت يبصر بَعْضنَا بَعْضًا فَقَالَ شغل النَّاس لكل أمرئ مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه عبس ٧٣. رواه الطبراني (^١) ورواته ثقات.\nقوله: \"وعن سودة بنت زمعة\" بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات.\nقال ابن الأثير: وأكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم، ابن قيس القرشية العامرية أم المؤمنين، أسلمت قديما وبايعت، قيل كنيتها أم الأسود وكانت قبل رسول الله -ﷺ- تحت ابن عمها السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو أسلم معها وهاجرا جميعا إلى الحبشة في الهجرة الثانية ثم قدما مكة فمات بها السكران فتزوجها النبي -ﷺ-.\nقال ابن سعد: تزوج رسول الله -ﷺ- سودة في رمضان سنة عشرة من النبوة بعد وفاة خديجة وقبل عقد عائشة -﵁-، ودخل بها بمكة وهاجر بها إلى المدينة وهكذا قال غيره أن رسول الله -ﷺ- تزوجها قبل عائشة وهو قول ابن إسحاق وقتادة وغيرهما فهي أول امرأة تزوجها رسول الله -ﷺ- بعد خديجة\n_________\n(^١) الطبراني في معجمه الكبير (٢٤/ ٣٥/ ٩١)، وأخرجه البغوي في التفسير (٨/ ٣٤٠)، والحاكم (٢/ ٥٥٩) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ واتفقا على حديث حاتم بن أبي صغيرة عن أبي ملكية عن القاسم عن عائشة مختصرا، وقال الهيثمي (١٠/ ٣٣٣): \"رواه الطبراني، ورجاله رجال \"الصحيح\"؛ غير محمد بن عباس وهو ثقة\". وقال ابن كثير في التفسير (٨/ ٣٢٧): هذا حديث غريب من هذا الوجه جدا. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٦٩).","vol":"14","page":241},{"text":"فلما كبرت أراد طلاقها فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها. روي لها عن رسول الله -ﷺ- خمسة أحاديث للبخاري منها حديثان، توفيت -﵁- آخر خلافة عمر بن الخطاب، هذا قول الأكثرين، وذكر محمد بن سعد عن الواقدي أنها توفيت في شوال سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالمدينة. قال الواقدي: وهذا أثبت عندنا والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"يبعث الناس حفاة عراة غرلا\" تقدم الكلام على هذه الألفاظ في أول الباب. قوله -ﷺ-: \"قد ألجمهم العرق\" الحديث، أي يبلغ أفواههم ويعلو عليها يعني يسيل العرق إلى أفواههم فيصير بمنزلة اللجام على فم الدابة يمنعهم عن الكلام وذلك لإدناء الشمس من العباد في ذلك اليوم فيكونون في العرق على قدر أعمالهم. قوله: \"وبلغ شحوم الآذان\" الحديث، شحمة الأذن موضع خرق القرط أي طرفها وهو ما لان من أسفلها، ومنه حديث الصلاة أنه كان يرفع يديه إلى (٧١/ أ) شحمة أذنيه، قاله في النهاية (^١).\n\n٥٤٢٣ - وَعَن الْحسن بن عَليّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة فَقَالَت امْرَأَة يَا رَسُول الله فَكيف يرى بَعْضنَا بَعْضًا فَقَالَ إِن الْأَبْصَار شاخصة فَرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَقَالَت يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يستر عورتي قَالَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عورتها. رواه الطبراني (^٢)، وفيه سعيد بن\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٤٩).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٣/ ٩٠/ ٢٧٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٣): رواه الطبراني، وفيه سعيد بن المرزبان، وهو ضعيف، وقد وثق. ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١١) ضعيف.","vol":"14","page":242},{"text":"المرزبان وقد وثق.\nقوله: \"وعن الحسن بن علي -﵄-\" ترك الحسن -﵁- الخلافة لله ﷿ لا لعلة ولا لذلة وكان ذلك تحقيقا لمعجزة رسول ال -ﷺ- حيث قال: يصلح الله به وهما طائفته وطائفة معاوية، ومات -﵁- بالمدينة مسموما سنة تسع وأربعين ولم يكن بين ولادته وحمل الحسين إلا طهر واحد، وأما الحسين فقتله سنان بن أنس النخعي يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق، قاله الكرماني (^١)، وتقدم الكلام على الحسن والحسين وعلى أبيهما مبسوطا في مواضع من هذا التعليق.\nقوله -ﷺ-: \"يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة\" تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث المتقدمة.\n\n٥٤٢٤ - وعن سهل بن سعد -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد. وفي رواية قال سهل أو غيره: ليس فيها معلم لأحد. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\n[العفراء] هي البيضاء ليس بياضها بالناصع.\n[والنقي]: هو الخبز الأبيض.\n[والمعلم] بفتح الميم: ما يجعل علما وعلامة للطريق والحدود، وقيل:\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٥/ ٢٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٥٢١).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٨) (٢٧٩٠).","vol":"14","page":243},{"text":"المعلم: الأثر، ومعناه أنها لم توطأ قبل فيكون فيها أثر أو علامة لأحد.\nقوله: \"وعن سهل بن سعد\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفرا كقرصة النقي\" الحديث، تقدم معنى الحشر.\nوقوله: \"على أرض بيضاء عفراء\"، الأرض العفراء هي البيضاء ليس بياضها [بالناصع]، اهـ قاله الحافظ. وقال في شرح مشارق الأنوار: الأرض البيضاء هي الفارغة من الغرس والعفراء البيضاء التي ليست بالشديدة البياض وهي الحمرة قليلا ومنه قيل للعفراء لأنها كذلك، اهـ. قوله: \"كقرصة النقي \" هو الخبز [الأبيض]، اهـ. قاله الحافظ. والنقيّ هو بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحُواريّ الدرمك بضم الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، وهو الأبيض الجيد وسمي بالنقي لنقائه من القشر والنخالة ومنه الحديث الآخر: هل رأيتم في زمان رسول الله -ﷺ- النقي؟ قال: لا. [انتهى]، قال القاضي عياض ﵀ (^١) كأن النار غيرت بياض وجه الأرض إلى الحمرة، اهـ. وإنما ضرب المثل بقرصة النقي لاستدارتها وبياضها واستواء أجزائها وبيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ، اهـ. قوله -ﷺ-: \"ليس فيها علم لأحد\" وفي رواية: ليس فيها معلم لأحد، الحديث، المعلم قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: ما يجعل علما أو علامة للطريق\n_________\n(^١) انظر: إكمال المعلم (٨/ ٣٢٢). كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٥/ ٨).","vol":"14","page":244},{"text":"والحدود. وقيل المعلم الأثر لأنها أرض أخرى ومعناه أنها لم توطأ قبل فيكون فيها أثر أو علامة لأحد، [انتهى]، مثل أعلام الحرم ومعالمه المضروبة [عليه]. وقيل المعلم الأثر والعلم المنار والجبل قاله في النهاية (^١).\nوقال في شرح مشارق الأنوار (^٢) في قوله: ليس فيها علم لأحد، أي علامة يريد ما أحد أحدثه الخلق على وجه الأرض من الأبنية وغيرها فزال عنها بالتسوية وتبديل صفات الأرض. كذا في الميسر. فقوله: \"على أرض بيضاء عفراء ليس فيها معلم لأحد\" قال الراوي: ليس فيها معلم لأحد، متفق عليه من حديث سهل بن سعد. وفصل البخاري. قوله: ليس فيها معلم لأحد فجعلها من قول [سهل] أو غيره وأدرجها مسلم فيه. قال في الإحياء (^٣): ولا يظن أن تلك الأرض مثل أرض الدنيا بل [لا] تساويها إلا في الاسم: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (^٤)، قال ابن عباس: [يزاد] فيها ويُنقص وتذهب أشجارها وجبالها وأوديتها وما فيها وتمد مدّ الأديم العكاظي أرض بيضاء مثل الفضة لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها فانظر يا مسكين في هول ذلك اليوم وشدته فإنه إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٩٢).\n(^٢) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٨٣).\n(^٣) إحياء علوم الدين (٤/ ٥١٣).\n(^٤) سورة إبراهيم، الآية: ٤٨.","vol":"14","page":245},{"text":"نجوم السماء وطمست الشمس والقمر وأظلمت الأرض لخمود سراجها فبينما أنت كذلك والخلائق إذ تزلزلت السماء من فوق رءوسهم وانشقت مع غلظها وشدتها خمسمائة عام والملائكة قيام على أرجائها وحافاتها فيا هول انشقاقها [في] سمعك، اهـ.\n\n٥٤٢٥ - وَعَن أنس -﵁- أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله قَالَ الله على وَجهه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَليْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ على الرجلَيْن فِي الدُّنْيَا قَادر على أَن يمْشِيه على وَجهه قَالَ قَتَادَة حِين بلغه بلَى وَعزة رَبنَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).\n\n٥٤٢٦ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-، يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، وصنفا على وجوههم. قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، رواه الترمذي (^٢) وقال: حديث حسن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٧٦٠) و(٦٥٢٣)، ومسلم (٥٤ - ٢٨٠٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٢) سنن الترمذي (٣١٤٢) وقال حديث حسن وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٢٩٠): ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي والبزار في مسانيدهم قال البزار ولا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد انتهى ومن طريق أبي داود الطيالسي رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور والحديث معناه في الصحيحين وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٩٩) رواه الترمذي وحسنه وفي الصحيحين من حديث أنس وضعفه الألباني في المشكاة (٥٥٤٦/ التحقيق الثاني)، و=","vol":"14","page":246},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف\" صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا على وجوههم. فذكره إلى أن قال: أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، الحديث. قوله: \"كل حدب\"، الحدب بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين ما ارتفع من الأرض، فالحدب كل شيء مرتفع كالأكم والشجر وفي هذا الحديث بيان هوان هذا الصنف وبلوغ هؤلاء القوم إلى حالة جعلوا فيها وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن كل مؤذ وفي المشي إلى المقصد، عاقبهم الله تعالى بهذا في الآخرة لما لم يسجدوا لله تعالى، اهـ. قاله في التذكرة (^١).\n\n٥٤٢٧ - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده -﵁- قال: سمعت رسول الله صلى الله علهي وسلم: يقول: إنكم تحشرون رجالا وركبانا. وتجرون على وجوهكم. رواه الترمذي (^٢) وقال: حديث حسن.\n_________\n= التعليق الرغيب (٤/ ١٩٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٢)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦٤١٧).\n(^١) كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٥/ ١٥).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٤٢٤ و٣١٤٣ و٤/ ٤٨٥)، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١٢٣٦)، وعبد الرزاق (٢٠١١٥)، وأحمد (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧)، (٥/ ٣ و٥)، وفي فضائل الصحابة (١٧١٠)، (١٧١١)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٢٩٦)، والروياني (٩١٤ و٩١٦)، (٩٣٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٤٠٧ - ٤٠٨ و٤٠٨ و٤٠٩)، (١٩/ ٤٢٦)، (١٩/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، والأوسط (٦٣٩٨)، والحاكم (٤/ ٥٦٤)، وأبو سعد السمعاني في =","vol":"14","page":247},{"text":"قوله: \"وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده\" هو بهز بن حكيم بن معاوية القشيري بضم القاف وفتح المعجمة البصري. قال الحاكم: أبو عبد الله كان بهز من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما سقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده لأنها شاذة ولا متابع له فيها. وقال الخطيب حدث عن الزهري ومحمد بن عبد الله الأنصاري وبين وفاتيهما إحدى وتسعون سنة وحكيم تابعي ثقة ومعاوية قال صاحب الكمال أنه صحابي وظاهر لفظ البخاري أيضا مشعر بذلك والله أعلم. قوله -ﷺ-: \"تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم \" تقدم معناه في الحديث قبله.\n\n٥٤٢٨ - وعن أبي ذر -﵁- قال: إن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج فوجا راكبين طاعمين كاسين، وفوجا تسحبهم الملائكة على وجوههم، وتحشرهم النار، وفوجا يمشون ويسعون. الحديث رواه النسائي (^١).\n_________\n= فضائل الشام (٥)، والبيهقي في الشعب (٨٩٣١)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد رواه أبو قَزَعة سويد بنحُجير عن حكيم بن معاوية مثل رواية بهز، على أنّ بهزا أيضا مأمون لا يحتاج في روايته إلى متابع. ثم أخرجه من طريق حماد بن سلمة عن أبي قزعة سويد بن حجير عن حكيم بن معاوية عن أبيه رفعه تحشرون ههنا حفاة عراة مشاة وركبانا وعلى وجوهكم، تعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام، وإنّ أول ما يُعْرب عن أحدكم فخذهو حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤١٤)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٢٣٠٢).\n(^١) سنن النسائي (٤/ ١١٦)، وفي الكبرى (٢٢٢٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٣٩٦)، وأحمد (٥/ ١٦٤)، والطبراني في معجمه الأوسط (٨٤٣٧)، وفي معجمه الصغير =","vol":"14","page":248},{"text":"قوله: \"وعن أبي ذر\" تقدم، وقرأ هذه الآية: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (^١)، ثم قال أبو ذر: حدثني الصادق والمصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين، الحديث، وقرأ هذه الآية: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، الآية، قوله: فوج طاعمين كاسين راكبين. قال البيهقي (^٢): هذا يحتمل أن يكون المراد بالفوج الثاني المسلمين [الذين] خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فيكونون مشاة والأبرار ركبانا وقد قيل:\n_________\n= (١٠٨٤)، وابو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهان (١/ ٤٣٧١)، والبزار في مسنده- البحر الزخار (٣٨٩١)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (١١٥)، (٢٢٢)، والحاكم (٢/ ٣٦٧ و٤/ ٥٦٤) والبيهقي في البعث كما في النهاية لابن كثير (ص ١٤٤ - ١٤٥) وقال الحاكم في الموضع الأول: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: قلت: على شرط مسلم ولكنه منكر وقد قال ابن حبان في الوليد: فحش تفرده حتى بطل الاحتجاج به.\nوقال الحاكم في الموضع الثاني: صحيح الإسناد إلى الوليد بن جميع وقال الذهبي: قلت: الوليد قد روى له مسلم متابعة، واحتج به النسائي. ذكره الزيلعي عن المصنف في تخريج الكشاف (٢/ ٤٦١) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه قال الذهبي الوليد بن جميع روى له مسلم متابعة واحتج به النسائي، وقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (ص ١٣٠) وصح حديث (إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين رأكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم) وضعفه الألباني في المشكاة (٥٥٤٨/ التحقيق الثاني، التعليق الرغيب (٤/ ١٩٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٢)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٨٠١).\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٩٧.\n(^٢) البعث والنشور للبيهقي (ص: ٢٢٨).","vol":"14","page":249},{"text":"بعض الكفار أعتى من بعض فأولئك يسحبون على وجوههم ومن دونهم يحشرون على أقدامهم فهم يمشون ويسعون مع من شاء الله من الفساق وقت حشرهم إلى موقف الحساب، وأراد طهرا أحياها الله تعالى فالأبرار ومن شاء الله من المخلصين لا طهر، اهـ.\n\n٥٤٢٩ - وَرُوِيَ عَن جَابر -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يبْعَث الله يَوْم الْقِيَامَة نَاسا فِي صور الذَّر يطؤهم النَّاس بأقدامهم فَيُقَال مَا هَؤُلاءِ فِي صور الذَّر فَيُقَال هَؤُلَاءِ المتكبرون فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).\n\n٥٤٣٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -ﷺ- قال: يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بؤلس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال. رواه النسائي (^٢) والترمذي (^٣)، وقال:\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٤٢٩/ كشف الأستار). قال البزار: لا نعلمه يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد، والقاسم فليس بالقوي، وقد حدث عنه أهل العلم. وقال الهيثمى في المجمع: رواه البزار، وفيه القاسم بن عبد الله العمري، وهو متروك. وقال الألبانى موضوع في الضعيفة (٥٠١٠) وضعيف الترغيب (٢٠٩٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) والنسائي في السنن الكبرى (١١٨٢٧)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (زوائد نعيم بن حمادص ٥٢)، والحميدي (٥٩٨)، وابن أبي شيبة (٩/ ٩٠)، وأحمد (٢/ ١٧٩) والبخاري في الأدب المفرد (٥٥٧) وابن أبي الدنيا في الأهوال (٢٤٠) وفي التواضع (٢٢٣) وفي صفهّ النار (٤٦)، والدينوري في المجالسة (١٩٥٧) وأبو بكر المقرئ في حديث نافع بن أبي نعيم (٢٦)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٩٠) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٦٢٦ و٢٣٥٧)، وقال البغوي: هذا حديث حسن. وقال الحافظ ابن رجب في التخويف من النار ص ١٢٤ بعد أن نقل تحسين الترمذي له: وروي موقوفا على عبد الله بن عمرو. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ١٠٧)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٨٠٤٠).\n(^٣) الترمذي (٢٤٩٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"14","page":250},{"text":"حديث حسن، وتقدم مع غريبه في الكبير.\nقوله: \"وعن عمرو ابن شعيب\" تقدم،\nقوله -ﷺ-: \"يحشر المكتبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الرجال\" وفي حديث جابر قبله: \"تطؤهم الناس بأقدامهم \" الحديث. قال بعضهم: وليس هم كهيئة الذر غير أن الأقدام عليهم حتى صاروا كالذر في مذلتهم وانخفاضهم. قاله في الدرة الفاخرة. وتقدم الكلام على هذا الحديث وغيره في الكبر والله أعلم.\n\n٥٤٣١ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\n[الطرائق] جمع طريقة: وهي الحالة.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدمت ترجمته. قوله -ﷺ-: \"يحشر الناس يوم\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٢٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٥٩) (٢٨٦١).","vol":"14","page":251},{"text":"القيامة على ثلاثة طرائق\" الحديث. الطرائق جمع طريقة وهي الحالة، اهـ قاله الحافظ. وقال غيره: المراد بثلاث طرائق فرق، ومنه قوله تعالى إخبارا عن الجن: (طَرَائِقَ قِدَدًا) (^١) أي فرقا مختلفة الأهواء. قوله: \"راغبين \" أي طالبين طامعين راجين، يحتمل أن يكون إشارة إلى الأبرار. قوله: وراهبين أي خائفين فزعين إشارة إلى المخلصين الذين هم بين الخوف والرجاء والذين تحشرهم النار هم الكفار ويحتمل أن يكون هذا في وقت الحشر إلى موقف الحساب، والحديث الذي تقدم في حشرهم عراة مشاة في وقت النشر من القبور قبل أن يكسوا ويحتمل أن يكون هذا في وقت حشرهم إلى الجنة بعد الفراغ من الحساب، والحديث الذي تقدم في وقت حشرهم إلى موقف الحساب والأول أولى والله أعلم. قوله: \"راهبين\" [أي خائفين فزعين إشارة إلى المخلصين الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار] والرُهب والرَهب بضم الراء وفتحها وسكون الهاء ويقال بفتحها جميعا الخوف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (^٢) [وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"راغبين راهبين\" طالبين وخائفين] والراهب المتبتل المنقطع عن النساء والدنيا وأصله من الرهب والرهبان جمعه قيل ويقع أيضًا على الواحد وجمعه رهابين ومنه قوله ﵇: \"لا رهبانية\" أي لا تبتل، لا اختصاء، وقيل قوله: \"راغبين راهبين \" أي طالبين راجين وخائفين\n_________\n(^١) سورة الجن، الآية: ١١.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.","vol":"14","page":252},{"text":"[فَزعين]. قاله عياض (^١) والحشر تقدم معناه.\nقال العلماء: هذا الحشر في آخر الدنيا قبل القيامة وهو على أربعة أوجه حشران في الدنيا وحشران في الآخرة. أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ﴾ (^٢) الآية. قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء وكان الله ﷿ قد كتب عليهم الجلاء، فولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشر في الدنيا إلى الشام.\nقال ابن عباس: من شكّ أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وذلك لأن النبي ﷺ قال لهم: اخرجوا، قالوا أين؟ قال إلى المحشر. قال قتادة: هذا أول الحشر. الحشر الثاني، قال قتادة: نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب.\nقال القاضي عياض (^٣): قال العلماء هذا الحشر في آخر الدنيا، قيل القيامة [وقبل] النفخ في الصور بدليل قوله -ﷺ-: وتحشر بقيتهم الثار تبيت معهم حيث باتوا تقيل معهم حيث قالوا، وهذا الحشر آخر أشراط الساعة كما ذكره مسلم بعد هذا في آيات الساعة، قال فيه: وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن أي من أقصا أرضها ترحل الناس.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٩٥).\n(^٢) سورة الحشر، الآية: ٢.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٩٤).","vol":"14","page":253},{"text":"وفي رواية تطرد الناس إلى محشرهم يريد به الشام لأن بها يحشر الناس ليوم القيامة، وفي حديث آخر لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ويدل على أنها قبل القيامة قوله -ﷺ-: تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا، الحديث. وفي بعض الروايات في غير مسلم: فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام كأنه أمر بسبقها إليه قبل إزعاجها لهم، وخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فذكر الحديث إلى أن قال: أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، فقوله: يتقون بوجوههم كل حدب وشوك يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة ذلك على ما ذكر من صفة أرض المحشر والله أعلم. والحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف، قال الله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (^١). والحشر الرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ (^٢) أي ركبانا على النجب. قاله في التذكرة (^٣).\nقوله: \"واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير\" الحديث، يحتمل أن يكون معناه يتعقبون البعير الواحد ويركب بعضهم ويمشي الباقون عقبا فيكون بعضهم راكبًا وبعضهم ماشيًا كما ورد في الحديث الآخر يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، [وهذا كله إخراج\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٤٧.\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٨٥.\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٥٢٠).","vol":"14","page":254},{"text":"وجمع وسوق لا موت ولا فوت] (^١)، أهذا حديث صحيح بإجماع، وبهذا النص أخرجه البخاري في الرقائق، وكذا مسلم في صحيحه، فهو حديث متفق عليه، فدل هذا الحديث المجمع على صحته من حيث منطوقه المخصوص على حشر البعران مع الناس ومن حيث دلالته على حشر البهائم لأنه إذا دل على البعران نصا فعلى البهائم تنبيها ودلالة وهذا لا مراء فيه فإنه قد يُدل بالأدنى على الأعلى وبالأعلى على الأدنى من حيث التنبيه والدلالة، اهـ. وقد اختلف العلماء في حشر البهائم والوحش والطير، فقال الجمهور الجميع تحشر وتبعث، قاله أبو هريرة وعمرو بن العاصي والحسن البصري وغيرهم. وقال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب، وروى الإمام أحمد بسند صحيح أن رسول الله -ﷺ- قال: يُقتص للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة، فإذا كانت البهائم والذر يقتص منها فكيف يغفل العاقل عثها، ثم يقول الله لها: كوني ترابًا. وقال ابن دحية في كتاب الآيات البينات. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري (^٢): لا تجوز المقاصة بين البهائم لأنها غير مكلفة وما ورد في ذلك من الأخبار نحو قوله -ﷺ-: يُقتص للجماء من القرناء ويسأل العود إذا خدش العود فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدّة التقصي في الحساب وأنه لا بد أن يقتص للمظلوم\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الآيات البينات لابن دحية (ص: ٤١) انظر: حسن السلوك الحافظ دولة الملوك ج ١/ ص ١٩١).","vol":"14","page":255},{"text":"من الظالم. قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني يجري القصاص بينهما ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا. قال ابن دحية: وهذا جار على مقتضى العقل والنقل لأن البهيمة تعرف النفع والضر فتنفر من العصى وتقبل العلف وينزجر الكلب وإذا أُشلي استشلى والطير والوحش تفر من الجوارح استدفاعا لشرها. فإن قيل: القصاص انتقام والبهائم ليست بمكلفة. فالجواب أنها ليست بمكلفة لأن الله ﷾ يفعل في ملكه ما أراد كما سلط [عليهم] في الدنيا التسخير لبني آدم والذبح لما يؤكل منها فلا اعتراض عليه ﷾، وأيضًا فإن البهائم إنما يقتص لبعضها من بعض لأنها تطالب بارتكاب نهي ومخالفة أمر لأن هذا مما خص الله تعالى به العقلاء، ولما كثر التنازع رجعنا إلى ما أمرنا به ربنا بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^١) الآية ووجدنا القرآن يدل على الإعادة في الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ (^٣) والحشر في اللغة الجمع لبعث الساعة، اهـ. وقال بعض العلماء أيضا: فإن قيل فإذا كانت- يعني البهائم- غير مكلفة فلماذا تبعث يوم القيامة؟ قيل ليس التكيف علة للبعث لأن الأطفال والمجانين يبعثون وكانوا في الدنيا غير\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٥٩.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٣٩.\n(^٣) سورة التكوير، الآية: ٥.","vol":"14","page":256},{"text":"مكلفين وإنما يبعثها ليُعوِّض ما استحق لعوض منها بإيلام أو ظلم ثم يجعل ما شاء ترابا وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه وزينته، وقد حكم الله وهو أحكم الحاكمين بإعادة جميع ما أمات وفي جمع البهائم ذلك اليوم زيادة في تبكيت المكذبين للبعث ليبين الله تعالى لهم قدرته على إعادة جميع المخلوقات فاعتبروا عباد الله بما في هذا من الإنذار بالعقاب الذي يتمنى الكافر من أجله أنه انقلب إلى حال التراب. قاله صاحب العلم المشهور. قوله -ﷺ- هـ: \"ويحشر بقيتهم النار\" الحديث، أي تجمعهم وتسوقهم إلى المحشر، قاله في النهاية (^١).\n\n٥٤٣٢ - وعنه -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب في الأرض عرقهم سبعين ذراعا، وإنه يلجمهم حتى يبلغ آذانهم. رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة أيضًا\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب في الأرض عرقهم سبعين ذراعا الحديث. العرق بفتح العين المهملة والراء معروف. قال القاضي عياض ﵀ (^٤) يحتمل أن المراد عرق نفسه وعرق غيره ويحتمل عرق نفسه خاصة وسبب كثرة العرق تراكم\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٨٩).\n(^٢) صحيح البخاري (٦٥٣٢).\n(^٣) مسلم (٢٨٦٣).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٩٥).","vol":"14","page":257},{"text":"الأهوال ودنو الشمس من رءوسهم وزحمة بعضهم بعضا اهـ، ومعنى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا أي ينزل ويغوص قوله -ﷺ-: \"وأنه يلجمهم حيث يبلغ آذانهم\" أي يصل العرق إلى فيه فيصير بمنزلة اللجام.\n\n٥٤٣٣ - وعن ابن عمر -﵁- عن النبي -ﷺ- \"يوم يقوم الناس لرب العالمين\" قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢). واللفظ له، ورواه الترمذي (^٣) مرفوعًا وموقوفًا، وصحح المرفوع.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"يوم يقوم الناس لرب العالمين. قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه\" الحديث، الرشح العرق، سمي به لأنه يخرج من البدن شيئا فشيئا كما يرشح الإناء المتحلل الأجزاء، قاله في النهاية (^٤) والله أعلم.\n\n٥٤٣٤ - وعن المقداد -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سليم بن عامر: والله ما أدري ما يعني بالميل مسافة الأرض، أو الميل التي تكحل به العين، قال: فتكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٩٣٨).\n(^٢) صحيح مسلم (٦٠) (٢٨٦٢).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٤٢٢)، (٣٣٣٦) عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- مرفوعا، وقال الترمذي (٢٤٢٢): \"هذا حديث حسن صحيح\" ورواه الترمذي (٣٣٣٥) موقوفا من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: حماد: هو عندنا مرفوع.\n(^٤) ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٦٩٦).","vol":"14","page":258},{"text":"كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، وأشار رسول اللَّه -ﷺ- بيده إلى فيه. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن المقدام\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سُليم بن عامر: واللَّه واللَّه ما أدري ما يعني بالميل مسافة الأرض أو الميل الذي تكتحل به العين\"، الحديث. الدنو القرب، قال الحربي إن كان الميل الذي تكتحل به العين يريد المِرْوَد فطوله معروف وإن كان ميل الأرض فهو ثلث فرسخ وقال النضر الميل القطعة من الأرض ما بين العلمين، وقيل هو مد البصر، قاله صاحب المغيث، وكذا صاحب النهاية (^٢). وقال عياض (^٣) فهو مقدار من الأرض وذلك عشر غلا من جري الخيل وهو ألف باع من أنواع الدواب وقيل ألف ذراع وقيل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، اهـ.\nتنبيه: الفرسخ ثلاثة أميال هاشمية ونسب الرافعي وابن الرفعة الأميال الهاشمية إلى هاشم جد النبي -ﷺ- لأنه قدر أميال البادية والصواب أنها منسوبة إلى بني هاشم فإنهم جعلوا ذلك حين أفضت الخلافة إليهم فإن بني أمية سبقوهم إلى تقديرها بأميال هي أكبر من هذه فغيّروا ذلك التقدير، نبّه عليه ابن الصلاح وغيره، فالبريد على المشهور أربع فراسخ والفرسخ ثلاثة\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦٢) (٢٨٦٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٨٣).\n(^٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٩٢).","vol":"14","page":259},{"text":"أميال هاشمية واللَّه أعلم، قاله الكمال الدميري في شرحه واللَّه أعلم. قوله -ﷺ- في الحديث: \"فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه\" الحديث، الحقو بفتح لحاء وكسرها وسكون القاف وبالواو الخصر ومشد الإزار والحقو أيضًا الإزار هكذا ضبطه النووي في شرح مسلم (^١)، واللَّه أعلم.\n\n٥٤٣٥ - وعن عقبة بن عامر -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسطه، وأشار بيده ألجمها فاه، رأيتُ رسول اللَّه -ﷺ- يشير هكذا ومنهم من يغطيه عرقه: وضرب بيده وأشار وأمر يده فوق رأسه من غير أن يصيب الرأس دور راحتيه يمينا وشمالا. رواه أحمد (^٢) والطبراني (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، والحاكم (^٥) وقال: صحيح الإسناد.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٨٠).\n(^٢) مسند أحمد (١٧٤٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٥) رواه أحمد، والطبراني، وإسناد الطبراني جيد.\n(^٣) والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٢).\n(^٤) ابن حبان (٧٣٢٩).\n(^٥) الحاكم (٤/ ٥٧١) وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (٤١) وقال: صحيح الإسناد وقال عبد الغني المقدسي: إسناده حسن وقال الهيثمي: وإسناد الطبراني جيد المجمع =","vol":"14","page":260},{"text":"قوله: \"وعن عقبة بن عامر\" تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"تدنو الشمس من الأرض\" الحديث، أي تقرب من الأرض. قوله: \"فيعرق الناس\" الحديث، والعرق الرشح من البدن، وتقدم معناه. قوله: \"ومنهم من يبلغ إلى العجز\" والعجز هو الدبر. قوله: \"ومنهم من يبلغ الخاصرة\" الخاصرة معقد الإزار.\n\n٥٤٣٦ - وعن عبد العزيز العطار عن أنس -﵁- لا أعلمه إلا رفعه قال: لم يلق ابن آدم شيئًا منذ خلقه اللَّه ﷿ أشد عليه من الموت، ثم إن الموت أهون مما بعده، وإنهم ليلقون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق حتى إن السفن لو أجريت فيه لجرت. رواه أحمد (^١) مرفوعًا باختصار والطبراني في الأوسط (^٢) على الشك هكذا واللفظ له وإسنادهما جيد.\nقوله: \"وعن عبد العزيز العطار\" وعبد العزيز العطار هذا هو عبد العزيز بن قيس العبدي العطار البصري روى عن ابن عباس وابن عمر وأنس وعنه ابنه\n_________\n= ١٠/ ٣٣٥) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤١٦)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ٣٤٨)، والتعليق الرغيب (٤/ ١٩٥).\n(^١) أخرجه في مسنده (١٢٥٦٦).\n(^٢) والطبراني في الأوسط (١٩٧٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣١٩) رواه أحمد، ورجاله موثقون، وقال الهيثمي في (١٠/ ٣٣٤) رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد، ورواه أحمد باختصار عنه، ولم يشك في رفعه، وإسناده جيد. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٣٣٨)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤٧٦٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٣).","vol":"14","page":261},{"text":"سكين والمثنى بن دينار القطَّان الأحمر وحسن بن خالد قال أبو حاتم مجهول وذكره ابن حبان في الثقات.\nقوله: \"وإنهم ليلقون من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق حتى أن السفن لو أُجرِيت فيه لجرت\" تقدم معنى قوله حتى يلجمهم العرق، والسفن هي مراكب البحر، قال أبو العبَّاس القرطبي: هذا العرق لشدة الضغط وحر الشمس التي على الرءوس بحيث تغلي منها الهوام وحرارة الأنفاس وحرارة النار المحرقة بأرض المحشر ولأنها يخرج منها أعناق تلتقط الناس في الموقف فترشح رطوبة الأبدان من كل إنسان بحسب عمله ثم يجمع عليه ما يرشح منه بعد أن يغوص عرقه في الأرض مقدار سبعين باعا أو ذراعا أو عاما على اختلاف الروايات. فإن قيل: فعلى هذا يكون الناس في مثل البحر من العرق فيلزم أن يسبح الكل فيها سبحا واحدا فكيف يكونون فيه متفاضلين بعضهم إلى عقبيه وبعضهم إلى فيه وما بينهما؟ قلنا: يزول هذا الاستبعاد بأوجه أقربها وجهان: أحدهما أن يخلق اللَّه ارتفاعا في الأرض التي تحت قدم كل إنسان بحسب عمله فيرتفع على الأرض بحسب ارتفاع ما تحته، وثانيهما أن يحشر جماعات في تفرقة فيحشر فيحشر كل من بلغ عرقه إلى كعبيه في جهة وكل من بلغ حقويه في جهة وهكذا، والقدرة صالحة لأن يمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله فلا يتصل بغيره وإن كان بإزائه كما قد أمسك جرية البحر لموسى -﵇- حيث طلب لقاء الخضر ولبني إسرائيل لما تبعهم فرعون واللَّه أعلم بالواقع من هذه الأوجه، والحاصل أن هذا","vol":"14","page":262},{"text":"المقام مقام هائل لا تفي بهوله العبارات ولا تحيط به الأوهام ولا الإشارات وأبلغ ما نطق به من ذلك الناطقون ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ (^١) ا هـ.\n\n٥٤٣٧ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود -﵁-: قَالَ الْأَرْض كلهَا نَار يَوْم الْقِيَامَة وَالْجنَّة من وَرَائِهَا كواعبها وأكوابها وَالَّذِي نفس عبد اللَّه بِيَدِهِ إِن الرجل ليفيض عرقا حَتَّى يسيح فِي الْأَرْض قامته ثمَّ يرْتَفع حَتَّى يبلغ أَنفه وَمَا مَسّه الْحساب قَالُوا مِم ذَلِك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ مِمَّا يرى النَّاس يلقون رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا بِإِسْنَاد جيد قوي (^٢).\n\n٥٤٣٨ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود -﵁- عَن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ إِن الرجل ليلجمه الْعرق يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول يَا رب أرحني وَلَو إِلَى النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَأَبُو يعلى وَمن طَرِيقه ابْن حبَان إِلَّا أَنَّهُمَا قَالا إِن الْكَافِر (^٣)\n_________\n(^١) سورة ص، الآية: ٦٧ - ٦٨.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٥٤ رقم ٨٧٧١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٣٦: رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٩٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٤٩٨٢)، وابن حبان (٧٣٣٥)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٧ رقم ٤٥٧٩) و(٥/ ٣٣٥ رقم ٥٤٧٦) و(٨/ ٣٦٣ رقم ٨٨٨١) والكبير (٩/ ١٥٥ رقم ٨٧٧٩) و(١٠/ ٩٩ رقم ١٠٠٨٣) و(١٠/ ١٠٧ رقم ١٠١١٢). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٣٦: رواهما الطبراني في الكبير بإسنادين، ورواه في الأوسط. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠٤٢) وضعيف الترغيب (٢٠٩٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":263},{"text":"وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَالْحَاكِم من حَدِيث الْفضل بن عِيسَى وَهُوَ واه عَن الْمُنْكَدر عَن جَابر وَلَفظه قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِن الْعرق ليلزم الْمَرْء فِي الْموقف حَتَّى يَقُول يَا رب إرسالك بِي إِلَى النَّار أَهْون عَليّ مِمَّا أجد وَهُوَ يعلم مَا فِيهَا من شدَّة الْعَذَاب وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (^١).\n\n٥٤٣٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^٢) مِقْدَار نصف يَوْم من خمسين ألف سنة فيهون ذَلِك على الْمُؤمن كتدلي الشَّمْس للغروب إِلَى أَن تغرب رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).\n\n٥٤٤٠ - وَعَن أبي سعيد -﵁- عَن رَسُول اللَّه -ﷺ- أَنه قَالَ يَوْمًا كانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة فَقيل مَا أطول هَذَا الْيَوْم قَالَ النَّبِيّ -ﷺ- وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه ليخفف على الْمُؤمن حَتَّى يكون أخف عَلَيْهِ من صَلَاة مَكْتُوبَة رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلهم من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٣٤٢٣/ كشف الأستار)، والحاكم (٤/ ٥٧٧). وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: قلت: الفضل واه. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٣٦: رواه البزار، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف جدًا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٩٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) سورة المطففين، الآية: ٦.\n(^٣) أخرجه أبو يعلى (٦٠٢٥)، وابن حبان (٧٣٣٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٨٩)، الصحيحة (٢٨١٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٤) أخرجه أحمد ٣/ ٧٥ (١١٧١٧)، وأبو يعلى (١٣٩٠)، وابن حبان (٧٣٣٤). وضعفه =","vol":"14","page":264},{"text":"٥٤٤١ - وَعَن عبد اللَّه بن عَمْرو -﵁- عَن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ تجتمعون يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال أَيْن فُقَرَاء هَذِه الأمة ومساكينها فَيقومُونَ فَيُقَال لَهُم مَاذَا عملتم فَيَقُولُونَ رَبنَا ابتليتنا فصبرنا وَوليت الْأَمْوَال وَالسُّلْطَان غَيرنَا فَيَقُول اللَّه ﷿ صَدقْتُمْ قَالَ فَيدْخلُونَ الْجنَّة قبل النَّاس وَتبقى شدَّة الْحساب على ذَوي الأَمْوَال وَالسُّلْطَان قَالُوا فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمئِذٍ قَالَ تُوضَع لَهُم كراسي من نور ويظلل عَلَيْهِم الْغَمَام يكون ذَلِك الْيَوْم أقصر على الْمُؤمنِينَ من سَاعَة من نَهَار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nقَالَ الْحَافِظ وَقد صَحَّ أَن الْفُقَرَاء يدْخلُونَ الْجنَّة قبل الأغْنِيَاء بِخَمْسِمِائَة عَام وَتقدم ذَلِك فِي الْفقر.\n\n٥٤٤٢ - وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- قال يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء قال وينزل اللَّه ﷿ في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي مناد أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل إنسان منكم ما\n_________\n= الألباني في المشكاة (٥٥٦٤)، وضعيف الترغيب (٢٠٩٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^١) أخرجه ابن حبان (٧٤١٩)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥ رقم ١٤٤٤٥). ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٧)، وقال: \"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير أبي كثير الزبيدي؛ وهو ثقة\". وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٨٧) و(٣٥٩٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":265},{"text":"كانوا يعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلا من ربكم قالوا بلى فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر والأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون قال ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن كان يعبد عزيرا شيطان عزير ويبقى محمد -ﷺ- وأمته قال فيتمثل الرب ﵎ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس قال فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه فيقولون إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها قال فيقول ما هي فيقولون يكشف عن ساقه فعند ذلك يكشف عن ساقه فيخر كل من كان مشركًا يرائي لظهره ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ثم يقول ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين أيديهم ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم من يعطى مثل النخلة بيده ومنهم من يعطى أصغْر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلًا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة فإذا أضاء قدمه قدم وإذا أطفئ قام قال والرب ﵎ أمامهم حتى يمر بهم إلى النار فيبقى أثره كحد السيف قال فيقول مروا فيمرون على قدر نورهم منهم من يمر كطرفة العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكواكب ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الفرس ومنهم من يمر كشد الرجل حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يحبو","vol":"14","page":266},{"text":"على وجهه ويديه ورجليه تجر يد وتعلق يد وتجر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها فقال الحمد للَّه الذي أعطاني ما لم يعط أحدا إذ أنجاني منها بعد إذ رأيتها قال فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلل الباب فيقول رب أدخلني الجنة فيقول اللَّه أتسأل الجنة وقد نجيتك من النار فيقول رب اجعل بيني وبينها حجابا حتى لا أسمع حسيسها قال فيدخل الجنة ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأن ما هو فيه بالنسبة إليه حلم فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول لعلك إن أعطيته تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل أحسن منه فيعطاه فينزله ويرى أمام ذلك منزلا كأن ما هو فيه بالنسبة إليه حلم قال رب أعطني ذلك المنزل فيقول اللَّه ﵎ له لعلك إن أعطيته تسأل غيره فيقول لا وعزتك وأي منزل أحسن منه فيعطاه فينزله ثم يسكت فيقول اللَّه جل ذكره ما لك لا تسأل فيقول رب قد سألتك حتى استحييتك فيقول اللَّه جل ذكره ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة قال فيقول الرب جل ذكره لا ولكني على ذلك قادر فيقول ألحقني بالناس فيقول الحق بالناس قال فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة فيخر ساجدا فيقول له ارفع رأسك ما لك فيقول رأيت ربي أو تراءى لي ربي فيقال إنما هو منزل من منازلك قال ثم يأتي رجلًا فيتهيأ للسجود له فيقال له مه فيقول رأيت أنك ملك من الملائكة فيقول إنما أنا خازن من خزانك وعبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على ما أنا عليه","vol":"14","page":267},{"text":"قال فينطلق أمامه حتى يفتح له باب القصر قال وهو من درة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلافها ومفاتيحها منها يستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء فيها سبعون بابا كل باب يفضي إلى جوهرة خضراء مبطنة كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك فيقول لها واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا وتقول له وأنت لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا فيقال له أشرف فيشرف فيقال له ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصرك قال فقال له عمر ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا فكيف أعلاهم قال يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت فذكر الحديث رواه ابن أبي الدنيا (^١) والطبراني (^٢) من طرق أحدها صحيح واللفظ له والحاكم (^٣) وقال صحيح الإسناد.\n_________\n(^١) صفة الجنة لابن أبي الدنيا (٣١).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٣٥٧/ ٩٧٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٣) رواه كله الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني، وهو ثقة. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٥٨) ورواه الحاكم وصححه صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤١٨).\n(^٣) المستدرك للحاكم (٢/ ٤٠٨) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ\"، وأخرجه في (٤/ ٦٣٢) وقال \"رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في الصحيحين لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة فأما الأئمة المتقدمون فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان والحديث =","vol":"14","page":268},{"text":"قوله: \"وعن عبد اللَّه\" يعني ابن مسعود كنيته أبو عبد الرحمن تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله \"يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء\" تقدم قوله: \"وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي\" الحديث، الكرسي فيه لغتان ضم الكاف وكسرها والضم أفصح وجمعه كراسي بتشديد الياء وتخفيفها. قال ابن السكيت كل ما كان من هذا النحو مفرده [مشددة] كعارية وسريّة جاء في جمعه التشديد والتخفيف قاله الكرماني (^١).\nقوله: \"فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر\" الحديث. سؤال: ما الحكمة في أن الشمس والقمر يوم القيامة يطمس نورهما ويلقيان في جهنم؟ قيل: ليظهر لعبدة الشمس والقمر أنهما ليسا آلهة لأنهما لو كانا آلهة لدفعا عن أنفسهما، ولما ذهب ضوءهما وهذا هو حصول السر في ذهاب ضوئهما في الدنيا بالخسوف وإنما ألقيا في جهنم يوم القيامة ليكون حسرة على من يعبد الشمس والقمر لأنه يُنادى يوم القيامة فيقال من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبعونهم في جهنم، اهـ.\nتنبيه: ورد في الحديث أن الشمس [تسجد] تحت العرش وربما أشكل\n_________\n= صحيح ولم يخرجاه وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة\" وتعقبه الذهبي، قال: ما أنكره حديثًا على جودة إسناده.\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٤٢).","vol":"14","page":269},{"text":"الأمر في هذا الحديث [على من لم يتبحر] في العلم فقال: نحن نراها تغيب في الأرض، وقد أخبر القرآن أنها تغرب في عين حمئة فإذا دارت تحت الأرض وصعدت فأين هي من العرش؟ فالجواب: أن الأرضين السبع في ضرب مثال كقطب رحى والعرش لعظم ذاته كالرحى فأين سجدت الشمس؟ سجدت تحت العرش وذلك مستقرها، اهـ قاله في الحواشي. قوله في الحديث: ويبقى محمد وأمته، قال: فيتمثل الرب ﵎ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس الحديث الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان فعبر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا وقيل الإتيان فعل من أفعال اللَّه تعالى سماه إتيانا، وقيل المراد: يأتيهم اللَّه تعالى أي يأتيهم بعض ملائكته.\nقال القاضي عياض (^١): وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث. قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصوة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة على الملك والمخلوق وهذا آخر امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة أنا ربكم رأوا عليه من علامة المخلوق ما ينكرونه ويعلمون به أنه ليس ربهم ويستعيذون باللَّه ﷾ منه. اهـ. قوله: \"فيقولون إن لنا إلها ما رأيناه، فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه علامة إذا رأيناه عرفناه. قال: فيقول ما هي؟ فيقولون: يكشف عن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٥/ ١٤٢). عمدة القاري (ج ٦/ ص ٨٤)، والديباج على مسلم (ج ١/ ص ٢٣٢).","vol":"14","page":270},{"text":"ساقه\" الحديث، كشف الساق عبارة عن معظم الأمر وشدته. قال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة. وقال أبو عبيد: إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل كشف الأمر عن ساقه والأصل أن من وقع في شيء يحتاج إلى الجد شمّر عن ساقه فاستعير الساق، والكشف عنها في موضع الشدة وكذا قال القتيبي ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (^١) هذا من الاستعارات فسمى الشدة ساقا لأن الرجل إذا وقع في الشدة شمّر عن ساقه فاستعيرت في موضع شدة فأما ما روي أن اللَّه تعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة فمعناه: أي يكشف عن العظيم من أموره، وقال الخطابي ﵀ إنما جاء ذكر الكشف عن الساق على معنى الشدة فيحتمل أن يكون معنى الحديث أنه يبرز من أهوال يوم القيامة وشدتها ما يرتفع معه سائر الامتحان فيميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص فيؤذن لهم بالسجود وينكشف الغطاء عن أهل النفاق فتعود ظهورهم طبقا واحدا لا يستطيعون السجود اهـ، قاله في التذكرة (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون\" الحديث، صياصي البقر قرونها، وتقدم الكلام أيضًا بزيادة، [قوله: \"فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم\" الحديث. قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (^٣) الآية،\n_________\n(^١) سورة القلم، الآية: ٤٢.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٤٨).\n(^٣) سورة الحديد، الآية: ١٢.","vol":"14","page":271},{"text":"وهذا النور حقيقة محسوس يُعطاه المؤمنون يوم القيامة منهم من يعطى نوره يضيء له كما بين مكة وصنعاء ومنهم من نروه كالنخلة السحوق ومنهم من يضيء على موضع قدميه ومنهم من نوره على إبهامه فيطفئ مرة [ويقد] أخرى وكل ذلك على قدر أعمالهم وتخصيص هاتين الجهتين لأن السعداء يُؤتون صحف أعمالهم منهما كما أن الأشقياء يؤتون من شمائلهم ووراء ظهورهم.\nقيل: أن قوله ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كناية عن جميع جهاتهم وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم جنات، وهذه البشرى حاصلة لجميع المؤمنين وإن كان فيهم من يدخل النار ويخرج منها على مذهب أهل السنة ويحتمل أن يكون هذا في طائفة خاصة من المؤمنين وهم الذين لا يدخلون النار والقسم الآخر مسكوت عنه والتمسك بعموم لفظ المؤمنين والمؤمنات يشهد للأول، ا هـ، قاله في الديباجة.\nقوله: \"فسقى أثر الصراط كحد السيف\"، وفي حديث: أدق من الشعر. ويُروى أرق، وكلاهما للخشني وهما بمعنى كل دقيق فهو رقيق، اهـ، قاله عياض (^١)] (^٢).\nقوله: \"منهم من يمر كطرفة العين\" وفي حديث كالطرف والطرف بفتح\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٦٢).\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال: والهمزة في أتسخر بي همزة نفي، قال: وهذا كلام منبسط متذلل، اهـ).","vol":"14","page":272},{"text":"الطاء وسكون الراء كذا الرواية وهي صحيحة أي كسرعة وضع الطرف، كما قال تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (^١)، وهو طرف الإنسان بعينه، وهو امتداد لحظِه حيث أدرك، قاله عياض (^٢). وقوله: \"ومنهم من يمرّ كشد الفرس\" وشدّها عَدْوُها البالغ وجريها، ومنه حديث السعي لا يقطع الوادي إلا شدًّا أي عدوا، قاله في النهاية (^٣). ومعنى الحديث أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم.\nقوله: \"حتى يمر الذي يغطي نوره على ظهر قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه\". قال أهل اللغة الحبو المشي على اليدين والرجلين وربما قالوا على اليدين والركبتين، وربما قالوا على يديه ومقعدته، واللَّه أعلم.\nقوله: \"فينطلق به إلى غدير عن باب الجنة\" الحديث، الغدير عبارة عن القطعة من الماء يغادرها السيل، أي: يتركها، هذا قول أبي عبيد، فهو إذا \"فعيل\" في معنى \"مفعول\" على اطراح الزائد.\nوقد قيل: إنه من الغدر، لأنه يخون وراده فينضب عنهم.\nقوله: \"فيرى ما في الجنة من خلل الباب\" خلل الباب عبارة عن الشقوق التي يُرى منها. قوله في الحديث: \"أتهزأ بي وأنت رب العزة\" وفي رواية: \"أتسخر بي\" والهزء والسخرية بمعنى واحد، وأما معنى السخرية هنا ففيه\n_________\n(^١) سورة النمل، الآية: ٤١.\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣١٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٥٢).","vol":"14","page":273},{"text":"أقوال أحدها قاله القاضي عياض (^١): أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل وهو غير ضابط لما قاله عند غلبة الفرح عليه والسرور واستحقاقه إياه ببلوغ ما لم يخطر بباله فلم يضبط لسانه دهشا وفرحا فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق وهذا كما قال النبي -ﷺ- في الرجل الذي غلط ولم يضبط نفسه من الفرح فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح بوجود راحلته، خرجه مسلم. الثاني: أن يكون معناه أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من قلة احتفالي بأعمالي وعدم مبالاتي بها فيكون هذا على جهة المقابلة كما قال اللَّه تعالى مخبرا عن المنافقين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (^٢)، ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (^٣) أي ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم والاستهزاء في اللغة الانتقام، قاله في التذكرة (^٤).\nالثالث: ما قاله المازري (^٥) أنه خرج على المقالة الموجودة في معنى الحديث دون لفظه لأنه عاهد اللَّه ﷾ مرارا أن لا يسأله غير ما سأل ثم غدر فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية فقدر\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٥٩) شرح النووي على مسلم (٣/ ٤٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٤.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ١٥.\n(^٤) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩١٣).\n(^٥) المعلم بفوائد مسلم (١/ ٣٤٠).","vol":"14","page":274},{"text":"الرجل أن قول اللَّه ﷿: ادخل الجنة وتردده إليها وتخييل كونها مملوءة ضرب من الإطماع له والسخرية به جزاء لما تقدم من غدره وعقوبة له فسمى الجزاء على السخرية سخرية، فقال: أتسخر بي أي أتعاقبني بالإطماع.\nالقول الرابع قاله أبو بكر الصوفي أن معناه نفي السخرية التي لا تجوز على اللَّه تعالى كأنه قال: أعلم أنك لا تهزأ بي لأنك رب العالمين وما أعطيتني من جزيل العطاء وأضعاف مثل الدنيا حق ولكن العجب أنك أعطيتني هذا وأنا غير أهل له. قال: والهمزة في أتسخر بي همزة نفي، قال: وهذا كلام منبسط متذلل، اهـ.\nقوله: \"فينطلق يرمل في الجنة\" الرمل هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، قوله: \"ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له، فيقول له: مه\" الحديث، مه كلمة معناها الكف عما يفعله. قوله: \"تحت يدي ألف قهرمان على ما أنا عليه\" القهرمان هو الذي يتولى حفظ ما تحت يديه وهو خادم الشخص القائم بقضاء حوائجه.\nقوله: \"فقال عمر: ألا تسمع ما يحدثنا ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا، فكيف أعلاهم؟ \"، الحديث، ابن أم عبد هو عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.","vol":"14","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>فصل في ذكر الحساب وغيره</span>\n٥٤٤٣ - عن أبي برزة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟ رواه الترمذي (^١) وقال: حديث حسن صحيح.\nقوله: \"عن أبي برزة\" أبو برزة هذا اسمه نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد اللَّه. قوله -ﷺ-: \"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به\" الحديث، وفي حديث معاذ الذي بعده: وعن علمه ماذا عمل فيه. قال الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي. قلت:\n_________\n(^١) الترمذي (٢٤١٧)، وأخرجه الدارمي (٥٤٣)، وأبو يعلى (٧٤٣٤)، والروياني (١٣١٣)، والآجري في أخلاق العلماء (١١٥)، والبيهقي في المدخل (٤٩٤)، والخطيب في اقتضاء العلم العمل (١)، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري في المشيخة الكبرى (٤٢٥)، والمزي في التهذيب (١٠/ ٥١٧ - ٥١٨)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٦) رواه الطبراني في الأوسط وهو عند الترمذي دون قوله: وعن حبنا أهل البيت. وما بعده. وجعل الرابعة: وعلمه ماذا عمل به. وفي إسناد الطبراني الحارث بن محمد الكوفي، ويقال له: المعكوف، قال صاحب الميزان: أتى بخبر باطل، وباقيهم ثقات. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٧٣٠٠)، واقتضاء العلم ١ - ٣، والصحيحة ٩٤٦. وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٢٣).","vol":"14","page":276},{"text":"قوله: \"وعن علمه فيما عمل فيه\" هذا مقام مخوف لأنه لم يقل وعن علمه ما قال فيه وإنما قال ما عمل فيه فلينظر العبد ما عمل فيما علمه هل صدق اللَّه في ذلك وأخلصه حتى يدخل فيمن أثنى عليه بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ (^١) أو خالف علمه [فيدخل] في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ (^٢) الآية. وقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٣) الآية، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ (^٤) الآية، والأخبار بهذا المعنى كثيرة جدًا وتقدم ذلك واللَّه أعلم، قاله في التذكرة (^٥).\n\n٥٤٤٤ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁-. قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- لن تَزُول قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع خِصَال عَن عمره فِيمَا أفناه وَعَن شبابه فِيمَا أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وَفِيمَا أنفقهُ وَعَن علمه مَاذَا عمل فِيهِ رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَاللَّفْظ لَهُ (^٦).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٦٩.\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٤٤.\n(^٤) سورة الصف، الآية: ٢.\n(^٥) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٦٣٢).\n(^٦) أخرجه البزار (٢٦٤٠ و٢٦٤١)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٦٠ رقم ١١١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٤٦: رواه الطبراني، والبزار بنحوه، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير صامت بن معاذ، وعدي بن عدي الكندي، وهما ثقتان. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٩٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":277},{"text":"٥٤٤٥ - وعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال من نوقش الحساب عذب فقلت أليس يقول اللَّه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ (^١) فقال إنما ذلك العرض وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك.\nرواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤) والترمذي (^٥).\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام عليها. قوله -ﷺ-: \"من نوقش الحساب عُذِّب\" الحديث، المناقشة الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء، يقال ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيرًا، يقال انتقشت منه جميع حقي، وقيل المناقشة هو نفس عذابه المراد، يعذب بمحاسبته وقيل بل [إذا] (^٦) نوقش وزنت أعماله وخطراته وهمه وصغائره وكبائره لم يكن يتخلص إن لم يعف اللَّه عنه كما قال -﵇-: لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، الحديث، قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى (^٧) وللحديث معنيان: أحدهما أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو\n_________\n(^١) سورة الإنشقاق، الآية: ٧ - ٩.\n(^٢) صحيح البخاري (٦٥٣٦).\n(^٣) صحيح مسلم (٧٩) (٢٨٧٦).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٠٩٣).\n(^٥) سنن الترمذي (٢٤٢٦) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٧) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٠٨).","vol":"14","page":278},{"text":"التعذيب لما فيه من التوبيخ، والثاني أنه مفض إلى العذاب بالنار، [وتؤيده] الرواية الأخرى وهو حديث ابن الزبير من نوقش الحساب هلك مكان عُذّب، هذا كلام القاضي، وهذا الثاني هو الصحيح ومعناه أن التقصير غالب في العباد فمن استقصى عليه ولم يُسامح هلك وأدخل النار ولكن اللَّه يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء، اهـ، قاله النووي (^١).\nقولها -﵂- فقلت: \"أليس يقول ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ (^٢) \" أي سهلا هينا لا يناقش فيه ولا يعترض فيما يشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال، ووجه المعارضة أن الحديث عام في تعذيب كل من حوسب والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم وهم أصحاب اليمين، وجوابها: أن المراد بالحساب في الآية العرض يعني الإبراز والإظهار. وعن عائشة -﵂-: \"هو أن يُعرّف ذنوبه ثم يتجاوز عنه\" اهـ. وقوله: \"إنما ذلك العرض\" هو بكسر الكاف أي عرض الأعمال لا الحساب.\nقوله -ﷺ-: \"وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك\" أي يحاسب حسابا على سبيل الاستقصاء والمناقشة حتى لا يترك منه شيء، يؤيده قوله -ﷺ-: \"من نوقش الحساب عذب\" وفي رواية: \"هلك\"، كما تقدم، وهذا لمن لم يحاسب نفسه في الدنيا فيناقش بالصغيرة والكبيرة فأما من تاب وحاسب\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢٠٩).\n(^٢) سورة الانشقاق، الآية: ٧ - ٨.","vol":"14","page":279},{"text":"نفسه فلا يناقش واللَّه أعلم. وفي هذا الحديث بيان فضيلة عائشة أم المؤمنين -﵂- وحرصها على التعلم والتحقيق فإن رسول اللَّه -ﷺ- ما كان يتضجر من المراجعة إليه وإثبات الحساب والعرض والعذاب وجواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب وتفاوت الناس في الحساب وغير ذلك واللَّه أعلم.\nتنبيه: في آخر الكتاب باليمين، حكى النووي (^١) عن القاضي عياض في ذلك قولين أحدهما أن جميع المؤمنين من الأمم يأخذون كتبهم بأيمانهم ثم يعذّب اللَّه من [يشاء] من عصاتهم والثاني إنما يأخذ كتابه بيمينه الناجون من النار خاصة، اهـ. قاله الكمال الدميري.\nلطيفة: فيها بشرى: قال أبو عثمان النهدي: إن المؤمن يُؤتى كتابه في ستر من اللَّه تعالى فيقرأ سيئاته فإذا قرأها تغير لونه حتى يمرّ بحسناته فيقرأها فيرجع إليه لونه ثم ينظر فإذا سيئاته بدلت حسنات، فعند ذلك يقرأ ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (^٢) الآية، قاله ابن رجب الحنبلي (^٣).\n\n٥٤٤٦ - وعن ابن الزبير -﵄- قال قال رسول اللَّه -ﷺ- من نوقش الحساب هلك. رواه البزار (^٤) والطبراني في الكبير (١) بإسناد صحيح.\n_________\n(^١) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٢٥٧).\n(^٢) سورة الحاقة، الآية: ١٩.\n(^٣) جامع العلوم والحكم (ج ١/ ص ١١٨)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤١٥)، وقال السيوطي في الدر المنثور ج ٦/ ص ٢٨٠ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي عثمان النهدي.\n(^٤) مسند البزار = البحر الزخار (٢١٩٨).","vol":"14","page":280},{"text":"قوله: \"وعن ابن الزبير\" سيأتي الكلام على ترجمته في الكلام على الحوض إن شاء اللَّه تعالى. قوله -ﷺ-: \"من نوقش الحساب هلك\" تقدم الكلام عليه.\n\n٥٤٤٧ - وَعَن عتبَة بن عبد اللَّه -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ لَو أَن رجلًا يخر على وَجهه من يَوْم ولد إِلَى يَوْم يَمُوت هرما فِي مرضاة اللَّه ﷿ لحقره يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا بَقِيَّة (^٢).\n\n٥٤٤٨ - وَعَن مُحَمَّد بن أبي عميرَة -﵁-: وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِيّ -ﷺ- أَحْسبهُ رَفعه إِلَى النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ لَو أَن رجلًا خر على وَجهه من يَوْم ولد إِلَى يَوْم يَمُوت هرما فِي طَاعَة اللَّه ﷿ لحقره ذَلِك الْيَوْم ولود أَنه رد إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يزْدَاد من الأجر وَالثَّوَاب رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^٣).\n_________\n= (١) الطبراني - جامع المسانيد والسنن (٦٣٨٩) -، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٠): رواه البزار، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال البزار والكبير رجال الصحيح، وكذلك رجال الأوسط غير عمرو بن أبي عاصم النبيل، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٢٤).\n(^٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٥ (١٧٦٤٩)، والبخاري في التاريخ الكبير ١/ ١٥، ويعقوب بن سفيان في المعرفة ١/ ٣٤٠، والطبرأني في الكبير ١٧/ ١٢٢ (٣٠٣) والشاميين (١١٣٨). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٥١: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه بقية وهو مدلس، ولكنه صرح بالتحديث، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٩٦) والصحيحة (٤٤٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٥ (١٧٦٥٠)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٢٤٩ (٥٦٢). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٥١: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٥٩٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":281},{"text":"٥٤٤٩ - وروي عن أنس بن مالك -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من اللَّه عليه فيقول اللَّه ﷿ لأصغر نعمة أحسبه قال في ديوان النعم خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح ثم تنحى وتقول وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح فإذا أراد اللَّه أن يرحم عبدا قال يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك أحسبه قال ووهبت لك نعمي رواه البزار (^١).\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح\" فذكره، إلى أن قال: \"فيقول اللَّه لأصغر نعمة -أحسبه قال في ديوان النعم- خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح\" الحديث أي تأتي عليه والإيعاب والاستيعاب الإستئصال والاستقصاء في كل شيء، قاله في النهاية (^٢).\n\n٥٤٥٠ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَن رجلًا من الْحَبَشَة أَتَى النَّبِيّ -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه فضلْتُمْ علينا بالألوان والنبوة أَفَرَأَيْت إِن آمَنت بِمثل مَا آمَنت بِهِ وعملت بِمثل مَا عملت بِهِ إِنِّي لكائن مَعَك فِي الْجنَّة فَقَالَ النَّبِيّ -ﷺ- نعم ثمَّ\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٤/ ١٦٠) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٧) رواه البزار، وفيه صالح المري، وهو ضعيف. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٥)، وفي السلسلة الضعيفة (٦٦٩٨): موضوع.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٠٥).","vol":"14","page":282},{"text":"قَالَ النَّبِيّ -ﷺ- من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَانَ لَهُ بهَا عهد عِنْد اللَّه وَمن قَالَ سُبْحَانَ اللَّه كتب لَهُ مائَة ألف حَسَنَة فَقَالَ رجل يَا رَسُول اللَّه كيفَ نهلك بعد هَذَا فَقَالَ النَّبِيّ -ﷺ- وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الرجل ليجيء يَوْم الْقِيَامَة بِعَمَل لَو وضع على جبل لأثقله فتقوم النِّعْمَة من نعم اللَّه فتكاد تستنفد ذَلِك كُله لَوْلا مَا يتفضل اللَّه من رَحمته ثمَّ نزلت ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ (^١) فَقَالَ الحبشي يَا رَسُول اللَّه وَهل ترى عَيْني فِي الْجنَّة مثل مَا ترى عَيْنك فَقَالَ النَّبِيّ -ﷺ- نعم فَبكى الحبشي حَتَّى فاضت نَفسه قَالَ ابْن عمر فَأَنا رَأَيْت رَسُول اللَّه -ﷺ- يدليه فِي حفرته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة أَيَّوب بن عتبَة (^٢).\n\n٥٤٥١ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الأَسْقَع -﵁- عَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ يبْعَث اللَّه يَوْم الْقِيَامَة عبدا لا ذَنْب لَهُ فَيَقُول اللَّه أَي الأمريْنِ أحب إِلَيْك أَن أجزيك بعملك أَو بنعمتي عنْدك قَالَ يَا رب إِنَّك تعلم أَنِّي لم أعصك قَالَ خُذُوا عَبدِي بِنِعْمَة من نعمي فَمَا تبقى لَهُ حَسَنَة إِلَّا استغرقتها تِلْكَ النِّعْمَة فَيَقُول رب\n_________\n(^١) سورة الإنسان، الآيات: ١ - ٢٠.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٦١ - ١٦٢ رقم ١٥٨١).\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا أيوب، تفرد به: عفيف، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٥٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أيوب بن عتبة، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٠٩٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":283},{"text":"بنعمتك ورحمتك فَيَقُول بنعمتي ورحمتي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\n\n٥٤٥٢ - وعن جابر -﵁- قال خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- فقال خرج من عندي خليلي جبريل آنفا فقال يا محمد والذي بعثك بالحق إن للَّه عبدا من عباده عبد اللَّه خمسمائة سنة على رأس جبل في البحر عرضه وطوله ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا والبحر محيط به أربعة آلاف فرسخ من كل ناحية وأخرج له عينا عذبة بعرض الأصبع تفيض بماء عذب فيستنقع في أسفل الجبل وشجرة رمان تخرج له في كل ليلة رمانة يتعبد يومه فإذا أمسى نزل فأصاب من الوضوء وأخذ تلك الرمانة فأكلها ثم قام لصلاته فسأل ربه عند وقت الأجل أن يقبضه ساجدا وأن لا يجعل للأرض ولا لشيء يفسده عليه سبيلا حتى يبعثه اللَّه وهو ساجد قال ففعل فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا فنجد له في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي اللَّه فيقول له الرب أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول رب بل بعملي فيقول أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول رب بل بعملي فيقول اللَّه قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسد فضلا عليه فيقول أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار فينادي رب\n_________\n(^١) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٦٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٥٩ رقم ١٤٠) والشاميين (٣٣٩٥). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٤٩: رواه الطبراني، وفيه بشر بن عون، وهو متهم بالوضع. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٢٠٩٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":284},{"text":"برحمتك أدخلني الجنة فيقول ردوه فيوقف بين يديه فيقول يا عبدي من خلقك ولم تك شيئًا فيقول أنت يا رب فيقول من قواك لعبادة خمسمائة سنة فيقول أنت يا رب فيقول من أنزلك في جبل وسط اللجة وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح وأخرج لك كل ليلة رمانة وإنما تخرج مرة في السنة وسألته أن يقبضك ساجدا ففعل فيقول أنت يا رب قال فذلك برحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة أدخلوا عبدي الجنة فنعم العبد كنت يا عبدي فأدخله اللَّه الجنة قال جبريل إنما الأشياء برحمة اللَّه يا محمد رواه الحاكم (^١) عن سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر وقال صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن جابر\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: خرج من عندي خليلي جبريل آنفا\" أي قريبا. قوله: \"وأخرج له عينا عذبة بعرض الأصبع\" أي حلوة والعذب من الماء هو الحلو الطيب. قوله:\n_________\n(^١) الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥٠) - وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: لا واللَّه، وسليمان غير معتمد. ثم الناجي من بعده فقال: كيف وفيه سليمان؟! قال الأزدي: لا يصح حديثه. وقال العقيلي: مجهول، وحديثه غير محفوظ. وأخرجه تمام في الفوائد (١٦٨٨)، وابن طولون في الأربعين في الرحمة (ص ١٠١ - ١٠٤)، وقال ابن طولون: سليمان بن هرم مجهول، قاله العقيلي، وقال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث، وذكر كل منهما حديثه نقلًا عن محمد بن المنكدر بطوله، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٢٢٨) قلت: لم يصح هذا، واللَّه تعالى يقول: ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. ولكنه لا ينجى أحدا عمله من عذاب اللَّه، كما صح، بلي، أعمالنا الصالحة هي من فضل اللَّه علينا ومن نعمه، لا بحول منا ولا بقوة، فله الحمد على الحمد له، وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٨٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٧).","vol":"14","page":285},{"text":"\"تبِضُّ بماء عذب\" تبض معناه قطر وسال واختلفوا في ضبطه هناك فضبطه بعضهم بالمعجمة وبعضهم بالمهملة أي تبرق قوله: \"فأصاب من الوَضوء\" الحديث، الوضوء بالفتح هو الماء الذي يتوضأ به والوُضوء بالضم هو الفعل، وتقدم الكلام على ذلك في باب الوضوء في كتاب الطهارة. [قوله: \"والبحر محيط به أربعة آلاف فرسخ\"، تقدم الكلام على الفرسخ. وقوله: \"وأخرج له عينا عذبة بعرض الإصبع تبضّ بماء عذب\"، تبضّ معناه قطر وسال واختلفوا في ضبطه هناك فضبطه بعضهم بالمعجمة وبعضهم بالمهملة أي تبرق].\n\n٥٤٥٣ - وعن عائشة -﵂- زوج النبي -ﷺ- أنها كانت تقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل أحدا الجنة عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) وغيرهما.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها. قوله -ﷺ-: \"سدّدوا وقاربوا\" أي اطلبوا السداد واعملوا به وإن عجزتم عنه فقاربوا أي اقربوا منه، والسداد الصواب وهو بين الإفراط والتفريط فلا تغلوا ولا تُقصِّروا. قوله: \"فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله\" الحديث، المراد بيان أن النجاة من العذاب والفوز بالثواب بفضل اللَّه ورحمته والعمل غير مؤثر فيهما على سبيل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٦٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٧٨) (٢٨١٨).","vol":"14","page":286},{"text":"الإيجاب بل غايته أنه يُعَدّ للعامل لأن يتفضل عليه وتقرب إليه الرحمة كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^١)، فدخول الجنة بفضل اللَّه ورحمته والنجاة من النار بعفوه ومغفرته وعلى هذا حمل غير واحد ما جاء في الآيات في دخول الجنة فالأعمال كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (^٢) اهـ. قوله: \"ولا أنت يا رسول اللَّه\" الحديث، قال أبو العبَّاس القرطبي: كأنه وقع لهم أن النبي -ﷺ- لعظيم معرفته باللَّه وكثرة عباداته أن يُنجيه عمله فردّ النبي -ﷺ- ذلك وسوّى بينه وبينهم في ذلك المعنى وأخبر أنه عن فضله ورحمته لا يستغني.\nقوله: \"إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته\" أي يلبسني ويغمدني بها ومنه غمدت السيف وأغمدته إذا جعلته في غمده وسترته به أو يحفظني اللَّه برحمته كما يحفظ السيف في غمده، في نوادر الأصول (^٣) الذي سأل رسول اللَّه -ﷺ- فقال: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ كان [أي السائل] (^٤) في عمًى من [هذا الأمر] وأن اللَّه منَّ عليه [ﷺ] بالنبوءة وشرح الصدر وكل ذلك رحمة منه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ (^٥)، اهـ،\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.\n(^٢) سورة الزخرف، الآية: ٧٢.\n(^٣) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (١/ ٩٦).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٥) سورة القصص، الآية: ٨٦.","vol":"14","page":287},{"text":"فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال وأخبر في حديث ثوبان أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصبه يقاربه ومع هذا فأخبرهم أن الاستقامة والمقاربة لا تُنجي يوم القيامة فلا يركن أحد إلى عمله ولا ترى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة اللَّه وعفوه وفضله واللَّه أعلم.\n\n٥٤٥٤ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال قال رسول اللَّه -ﷺ- لن يدخل الجنة أحد إلا برحمة اللَّه قالوا ولا أنت يا رسول اللَّه قال ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته وقال بيده فوق رأسه.\nرواه أحمد (^١) بإسناد حسن ورواه البزار (^٢) والطبراني (^٣) من حديث أبي موسى والطبراني (^٤) أيضًا من حديث أسامة بن شريك والبزار (^٥) أيضًا من\n_________\n(^١) مسند أحمد (١١٤٨٦) وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب (٨٩٢): وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٧)،: رواه أحمد، وإسناده حسن!. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٢٥).\n(^٢) مسند البزار = البحر الزخار (٣١٢١).\n(^٣) المعجم الأوسط (٦٥٥٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٧) رواه البزار، والطبراني في الأوسط والكبير، إلا أنه قال في الكبير: \"ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة. فقال بعض القوم: ولا أنت؟! \" فذكره. وفي أسانيدهم أشعث بن سوار، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهم ثقات.\n(^٤) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٢٥).\n(^٥) المعجم الكبير للطبراني (١/ ١٨٧/ ٤٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٧): =","vol":"14","page":288},{"text":"حديث شريك بن طارق بإسناد جيد. (^١)\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" هو الخدري، تقدم. قوله -ﷺ-: \"لن يدخل الجنة أحد إلا برحمة اللَّه. قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته\" الحديث. يقال تغمده اللَّه برحمته أي غمده بها وسترها بها وألبسه رحمته وإذا اشتملت على شيء فغطته فقد تغمدته أي صارت له كالغمد للسيف، وتقدم الكلام عليه في الحديث قبله.\n[فإن قلت: كل المؤمنين لا يدخلون الجنة إلا تغمدهم بفضله فما وجه تخصيص الذكر برسول اللَّه ﷺ؟ قلت: تغمد اللَّه تعالى له بعينه مقطوع به أو إذا كان له بفضل اللَّه فلغيره بالطريق الأولى أن يكون بفضله لا بعلمه.\nفإن قلت: قال اللَّه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (^٢)، قلت: الباء ليست للسببية -[ويمكن أن تكون سببية وعُبر بالعمل عن الفضل الناشيء عنه العمل إقامة للمسبب مقام سببه ﴿وَاللَّهُ\n_________\n= (١٠/ ٣٥٧): رواه الطبراني، وفيه المفضل بن صالح الأسدي، وهو ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٢٥).\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٣٠٨/ ٧٢١٨)، وأخرجه مسدد وأبو يعلى في \"المسند\" (المطالب العالية ٣٨٥٠ - ٣٨٥١) وقال ابن حجر في المطالب العالية (١٥/ ٦٤٢) هذا حديث صحيح. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٧): رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح.\n(^٢) سورة الزخرف، الآية: ٧٢.","vol":"14","page":289},{"text":"خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (^١)، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ (^٢) الآية، واللَّه أعلم] (^٣) - بل للإلصاق والمصاحبة أي أورثتموها ملابسة أو مصاحبة لثواب أعمالكم اهـ] (^٤).\nتنبيه: واعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب بل ثبوتهما بالشريعة المطهرة حتى لو عذب اللَّه تعالى جميع المؤمنين كان عدلا ولو أدخلهم الجنة فهو فضل لا يجب عليه شيء وكذا لو أدخل الكافرين الجنة لكان له ذلك ولكن أخبرنا بأنه لا يفعل بل يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين. والمعتزلة يُثبتون بالعقل الثواب والعقاب ويجعلون الطاعة سببا للثواب موجبا له، والحديث يردّ عليهم، قاله الكرماني (^٥). أي جميع الكلام على حديث أبي سعيد هذا.\n\n٥٤٥٥ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، رواه مسلم (^٦)\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآية: ٩٦.\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ١٧.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والمعتزلة يُثبتون بالعقل الثواب والعقاب ويجعلون الطاعة سببا للثواب موجبا له، والحديث يردّ عليهم).\n(^٥) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٠/ ١٩٩).\n(^٦) صحيح مسلم (٦٠) (٢٥٨٢).","vol":"14","page":290},{"text":"والترمذي (^١) ورواه أحمد (^٢).\nولفظه: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال يقتص للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة ورواته رواه الصحيح الجلحاء التي لا قرن لها.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة\" الحديث، هو على بناء المفعول، والحقوق مرفوعة وهي الرواية المعتدّ بها، وزعم بعضهم بناءه للفاعل وضم الدال ونصب الحقوق والفعل مسندا إلى الجماعة الذين خوطبوا به والصحيح ما تقدم، واللام جواب قسم مقدر كذا في الميسر وهو كتاب يتعلق بالحديث. قوله -ﷺ-: \"حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء\" الحديث، الجلحاء التي لا قرن لها، قاله الحافظ وقال بعضهم القرناء ضد الجلحاء وهي كناية على العدل بين الخلق. وقوله: \"حتى للذرة من الذرة\" الذرة بالذال المعجمة النملة الحمراء الصغيرة، وسئل ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها، وقيل الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٤٢٠): \"وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح\".\n(^٢) أحمد (٨٧٥٦)، والحديث؛ أخرجه الدينوري، في \"المجالسة وجواهر العلم\" (٣١٠٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٦) وقال الحاكم: قد احتج به مسلم وهو صحيح على شرطه ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٢) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٢٦).","vol":"14","page":291},{"text":"في شعاع الشمس الداخل في النافذة قاله في النهاية (^١)، فهذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها في القيامة كما يُعاد أهل التكليف من الآدميين وكما تُعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغهم دعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ (^٢)، وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره. قال العلماء: وليمس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص من القرناء للجماء فليس هو من قصاص التكليف إذ لا تكليف عليها بل هو قصاص مقابلة واللَّه أعلم، وتقدم شيء من ذلك في الفصل قبله.\nلطيفة لها تعلق بالقصاص في عجائب المخلوقات: عن موسى بن عمران -ﷺ- أنه اجتاز بعين ماء في سفح جبل فتوضأ منها ثم ارتقى ليصلي إذْ أقبل فارس فشرب من ماء العين وترك عندها كيسا فيه دراهم فجاء بعده راعي غنم فرآى الكيس فأخذه ومضى ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس على رأسه حزمة حطب فوضعها هناك واستلقى ليستريح فما كان إلا قليلا حتى عاد الفارس يطلب كيسه فلم يجده فأقبل على الشيخ يطالبه به ولم يزل يضربه حتى قتله. فقال موسى: يا رب كيف العدل في هذه الأمور؟ فأوحى اللَّه تعالى\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٥٧).\n(^٢) سورة التكوير، الآية: ٥.","vol":"14","page":292},{"text":"إليه أن الشيخ كان قتل أبا الفارس وعلى أبي الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس فجرى بينهما القصاص وقضى الدين وأنا حليم عادل، اهـ، قاله الكمال الدميري في منافع الحيوان (^١) واللَّه أعلم [بالصواب].\n\n٥٤٥٦ - وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- ليختصمن كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا رواه أحمد (^٢) بإسناد حسن ورواه أحمد (^٣) أيضًا وأبو يعلى (^٤) من حديث أبي سعيد.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ليختصم كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا\" الحديث، [الخصام هو] الجدل.\n\n٥٤٥٧ - وعن عائشة -﵂- أن رجلًا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- جلس بين يديه فقال يا رسول اللَّه إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم فقال له رسول اللَّه -ﷺ- يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن\n_________\n(^١) حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٦١).\n(^٢) مسند أحمد (٩٠٧٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٩) رواه أحمد، وإسناده حسن. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٦٠٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٢٦).\n(^٣) مسند أحمد (١١٢٣٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٩): رواه أبو يعلى وأحمد بنحوه، وإسناده حسن.\n(^٤) أبو يعلى (١٤٠٠). والحديث؛ أخرجه أسد بن موسى، في \"الزهد\" (٩٩).","vol":"14","page":293},{"text":"كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- ويهتف فقال رسول اللَّه -ﷺ- ما لك ما تقرأ كتاب اللَّه ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الأنبياء ٤٧ فقال الرجل يا رسول اللَّه ما أجد شيئًا خيرًا من فراق هؤلاء يعني عبيده أشهدك أنهم كلهم أحرار رواه أحمد (^١) والترمذي (^٢) وقال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان وقد روى أحمد بن حنبل هذا الحديث عن عبد الرحمن بن غزوان انتهى.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٦٤٠١) والحديث؛ أخرجه البزار (١٠٧)، والبيهقي، في \"شعب الإيمان\" (٨٢٢٣)، وقال البزار: هذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن الليث إلا عبد الرحمن بن غزوان، عن الليث، عن مالك، ولم يتابع.\nوقال ابن أبي حاتم \"علل الحديث\" (٢٣٤٢): عن أبيه قال: وبحثنا من حديث الليث فإذا حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن ابن الهاد، عن زياد مولى ابن عياش؛ أن رجلًا أتى النبي -ﷺ-. وقال الدارقطني \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٤٨): رواه قراد أبو نوح ولم يتابع على هذا الإسناد.\nوخالفه ابن وهب، رواه عن الليث، عن زياد بن عجلان، عن زياد مولى ابن عيَّاش، عن النبي -ﷺ-، مرسلًا، وهو الصَّواب - وقال الدارقطني في \"غرائب مالك\": لم يروه عن مالك، عن الزهري غير قراد، عن الليث، وليس بمحفوظ، وساقه الدارقطني من عدة طرق غير هذه عن قراد كذلك. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٢): حديث عائشة وحده رواه الترمذي. رواه أحمد، وفي إسناد الصحابي الذي لم يسم راو لم يسم أيضًا، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٥٦٥).\n(^٢) سنن الترمذي (٣١٦٥).","vol":"14","page":294},{"text":"قال الحافظ: وإسناد أحمد والترمذي متصلان ورواتهما ثقات عبد الرحمن هذا يكنى أبا نوح ثقة احتج به البخاري وبقية رجال أحمد ثقات احتج بهم البخاري ومسلم.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على مناقبها -﵂-.\nقوله: \"إن لي مملوكين يكذبونني ويخونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم\" الحديث، المراد بالمملوكين هم الأرقاء، والشتم هو السب واللعن. قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (^١) الآية، القسط العدل، وتقدم هذا الحديث في باب الشفقة على خلق اللَّه.\n\n٥٤٥٨ - وعن أم سلمة -﵂- قالت كان رسول اللَّه -ﷺ- في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أو لها حتى استبان الغضب في وجهه فخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهمة فقالت ألا أراك تلعبين بهذه البهمة ورسول اللَّه -ﷺ- يدعوك فقالت لا والذي بعثك بالحق ما سمعتك فقال رسول اللَّه -ﷺ- لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك وفي رواية لولا القصاص لضربتك بهذا السواك رواه أبو يعلى (^٢) بأسانيد أحدها جيد.\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.\n(^٢) أبو يعلى الموصلي في \"المسند\" كما في المطالب العالية (٣٣٢٠)، وإتحاف الخيرة المهرة (٦/ ١٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٣): روى هذا كلّه أبو يعلى، والطبراني بنحوه، وقال: \"دعا وصيفة له، ولم يشك، وقال: لولا مخافة القود يوم القيامة\". وإسناده جيد عند أبي يعلى، والطبراني. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٩٧).","vol":"14","page":295},{"text":"قوله: \"وعن أم سلمة\" هي أم المؤمنين، تقدم الكلام على مناقبها. قولها: \"كان رسول اللَّه -ﷺ- في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أو لها\" الحديث، الوصيفة بفتح الواو وكسر الصاد هي الخادم.\nقوله: \"فخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب بلهمة\" البهمة تقدم الكلام عليها في الباب المذكور أعلاه. قوله: \"فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لولا خشية القود لأوجعتُك بهذا السواك\" القود القصاص.\n\n٥٤٥٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- من ضرب مَمْلُوكه سَوْطًا ظلما اقْتصّ مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^١).\n\n٥٤٦٠ - وعن عبد اللَّه بن أنيس -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول يحشر اللَّه العباد يوم القيامة أو قال الناس عراة غرلا بهما قال قلنا وما بهما قال ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الديان أنا الملك لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة قال قلنا كيف وإننا نأتي عراة غرلا بهما قال الحسنات والسيئات رواه أحمد (^٢) بإسناد حسن.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٩٤٤٦) و(٩٥٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٢٠ رقم ١٤٤٥). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٥٣: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، وإسنادهما حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٢٩١) و(٣٦٠٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٤٩٥) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٧٠) في خلق أفعال العباد (٥٩) وأخرجه أحمد (٣/ ٤٩٥) وابن أبي عاصم في السنة (٥١٤)، وفي =","vol":"14","page":296},{"text":"قوله: \"وعن عبد اللَّه بن أنيس\" وعبد اللَّه بن أنيس مختلف في نسبه قيل الجهني وقيل أنصاري ومختلف في أنهما اثنان أو واحد ومختلف في قدوم جابر عليه هل هو إلى الشام أو إلى مصر. قال الحافظ المقدسي هذا حديث لم يسنده أحد من المشهورين بتخريج السنن الصحاح ولا الحسان كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وإنما ذكره البخاري تعليقًا (^١) بغير إسناد متصل فقال: ويذكر عن جابر بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن أنيس قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"يحشر العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قَرُب\" فاحترز البخاري من أن يضاف إليه تصحيحه بقوله: ويذكر لأنه ليس كل ما يذكر صحيحا ولم\n_________\n= الآحاد والمثاني (٢٥٣٤)، الطبراني في مسند الشاميين (١٥٦) والطبراني في الأوسط (٨٥٨٨)، والحارث بن أبي أسامة (٤٤) (٤٥) زوائد، الحاكم (٤/ ٦١٩) والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٧٨ و٢٧٣، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١٧٤٨)، وفي الرحلة (٣١)، (٣٢) وابن عبد البر في بيان العلم (ص ١٢٢).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥١): وهو عند أحمد، والطبراني في الأوسط بإسناد حسن. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسن الحافظ في الفتح ١/ ١٧٤ إسناد قسم الرحلة منه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٤٢٧). قال البخاري في \"الصحيح\" (١/ ٢٩) -عقب (٧٧) -: ورحل جابر بن عبد اللَّه مسيرة شهر، إلى عبد اللَّه بن أنيس، في حديث واحد.\n(^١) قال البخاري (٩/ ١٧٢) -عقب (٧٤٨٠) -: ويذكر عن جابر، عن عبد اللَّه بن أنيس، قال: سمعت النبي (يقول: يحشر اللَّه العباد فيناديهم بصوت، يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان.","vol":"14","page":297},{"text":"يسم ابن عقيل لأنه ليس من شرط كتابه وذلك من عادته في تخريج حديث من لا يكون على شرطه [لأن في سند] هذا الحديث ابن عقيل، قال الترمذي وعبد اللَّه بن محمد بن عقيل صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قِبل حفظه وسمعت محمد بن [عقيل] يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق [والحميدي] يحتجون بحديثه. قال محمد وهو مقارب الحديث ولفظ مقارب يروى بفتح الراء وكسرها فمن فتح أراد أن غيره يُقاربه في الحفظ ومن كسر أراد أنه يُقارب غيره فهو في الأول مفعول وفي الثاني فاعل والمعنى واحد. قال الشيخ تقي الدين السبكي الترمذي يصحح أحاديث محمد بن عقيل وله حديث يتعلق بالأصول يرده لتفرده به لما في ابن عقيل من الكلام وهو حديث عبد اللَّه بن أنيس في الصوت وقد صنف فيه المقدسي شيخ الحافظ المنذري جزءا فقال: أنبأنا به الحافظ شرف الدين الدمياطي أن جابر بن عبد اللَّه حدثه فقال: بلغني عن رجل من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- حديث سمعه من رسول اللَّه -ﷺ- لم أسمعه قال: فابتعت بعيرًا [فشددت] عليه رحلي وسرت عليه شهرا حتى أتيت الشام فإذا هو عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري. قال: فأرسلت إليه أن جابرا على الباب، قال: فخرج إليّ واعتنقني واعتنقته فقلت له: حديث بلغني عنك سمعته من رسول اللَّه -ﷺ- خشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: يحشر اللَّه العباد أو قال يحشر اللَّه الناس عراة غرلا، الحديث.\nقوله -ﷺ-: \"يحشر العباد يوم القيامة - أو قال الناس، الشك من الرواي\"","vol":"14","page":298},{"text":"قوله: \"عراة غرلا بهما\"، الحديث [وتقدم] الكلام على العراة والغرل. وأما البهم فجمع بهيم وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه يعني ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والعور والعرج والبرص وغير ذلك وإنما هي أجساد مصحّحة لخلود الأبد في الجنة أو النار. وقال بعضهم: روي في تمام الحديث قيل: وما البهم؟ قال: ليس معهم شيء يعني من أعراض الدنيا، وقيل عراة ليس عليهم من متاع الدنيا شيء، وهذا يخالف الأول من حيث المعنى ومنه الحديث في خيل دهم بهم. قوله: \"ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب\" الصوت معلوم ولا يجوز على كلام اللَّه تعالى صفته وأنه لا يحل لمسلم أن يعتقد أن كلام اللَّه تعالى صوت وحرف من طريق العقل والشرع وقد دل الدليل العقلي على استحالة قيام الصوت بالقديم ﷾ لأن الصوت والحرف مخلوقان وكلام اللَّه ﷾ [يجل] عن ذلك كله وأما من طريق الشرع فلأنه لم يرد في وصف كلام اللَّه ﷾ حرف وصوت من طريق صحيحة ولفظ النداء لا يحتاج إلى تأويل بل إطلاقه ورد به الكتاب العزيز، ولفظ الصوت يقبل التأويل ومعناه أنه [تعالى وتقدَّس] يأمر [مناديا] ينادي بصوت أن اللَّه يقول: أنا الملك أنا الدين، فيتفق المعقول مع المنقول. وقال بعضهم أيضًا: معناه يجعل ملكا من ملائكته يناديهم بصوته أو صوت يحدثه اللَّه تعالى يسمع الناس، ومنه رواية أبي [ذر]، [فيُنادي] على ما لم يُسم فاعله واللَّه أعلم. قوله: \"أنا الملك أنا الديان\" الحديث، قيل هو","vol":"14","page":299},{"text":"القهار وقيل الحاكم والقاضي، وهو فعال من دان الناس أي قهرهم على الطاعة، يقال دنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا، [ومنه شعر الأعشى الخزمازي يخاطب النبي -ﷺ-: يا سيّد الناس وديّان العربْ (^١). ومنه حديث أبي طالب قال له -﵇- (^٢): أريد من قريش كلمة تدين لهم بها العرب، أي تطيعهم وتخضع لهم. اهـ، قال في النهاية] (^٣).\nومنه الحديث: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، أي أذلها واستعبدها وقيل حاسبها (^٤)، وفي شرح الأسماء والصفات للبيهقي (^٥) لما أن تكلم على معنى اسمه تعالى الديان، روي من حديث عبد الرزاق عن أيوب\n_________\n(^١) أخرجه عبد اللَّه بن أحمد (٦٨٨٥). وأبو يعلى (٦٨٧١) والحديث؛ أخرجه البخاري، في \"التاريخ الكبير\" ٢/ ٦١، وابن أبي عاصم، في \"الآحاد والمثاني\" (٢٧١١ و٢٨٢٤)، والروياني (١٤٦٥)، والبيهقي ١٠/ ٢٤٠. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٦/ ١٤٩) هذا إسناد صحيح. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٢٨) عبد اللَّه بن أحمد والطبراني وأبو يعلى والبزار وقال: إن اسم الأعشى عبد اللَّه بن الأعور، ورجالهم ثقات.\nوقال الهيثمي في (٤/ ٣٣٢) رواه عبد اللَّه بن أحمد ورجاله ثقات، وقال الهيثمي في (٤/ ٣٣١) رواه عبد اللَّه بن أحمد، والطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٧١٢) وقال ابن حجر: الأعشى المازني، ويقال: الحرمازي، ومازن وحرماز أخوان من بني تميم، اسمه عبد اللَّه بن الأعور، وقيل غير ذلك. \"الإصابة\" (١/ ٢٤٦).\n(^٢) انظر: لسان العرب ج ١٣/ ص ١٦٧.\n(^٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت، ولكن كما شئت كما تدين تدان ثم قال هذا مرسل).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٤٨).\n(^٥) الأسماء والصفات للبيهقي (١٣٢).","vol":"14","page":300},{"text":"عن أبي قلابة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت، ولكن كما شئت كما تدين تدان. ثم قال: هذا مرسل. [فإذا استوى كل واحد على قبره فمنهم العريان والمكسو والأسود والأبيض ومنهم من يكون له نور كالمصباح الضعيف ومنهم من يكون له نور كالمصباح إلى آخر الحديث [إلا أنّ كل] واحد منهم لا يزال مطرقا برأسه ما يدري ما يصنع ألف عام حتى يظهر من [الغرب] نار لها دوي [يساق] فيدهش لها [رءوس] الخليقة إنس وجن ووحش وطير فيأتي كل واحد من الخلق عمله ويقول له: قم فانهض إلى المحشر فمن كان له حينئذ عمل جيد أشخص له عمله بغلا ومنهم من يشخص له حمارا ومنهم من يشخص له عمله كبشا تارة يحمله وتارة [يكفيه] ويجعل لكل واحد منهم نورا [شعاعي بين] يديه وعن يمينه [من الدرة] (^١).\n\n٥٤٦١ - وعن أبي أمامة -﵁- قال قال رسول اللَّه -ﷺ- يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به فما يبرح الذين ظلموا يقصون من الذين ظلموا حتى ينزعوا ما في أيديهم من الحسنات فإن لم يكن لهم حسنات رد عليهم من سيئاتهم حتى يوردوا الدرك الأسفل من النار، رواه الطبراني في الأوسط (^٢)\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: ([وتقدم] الكلام على العراة والغرل. وأما البهم فجمع بهيم).\n(^٢) المعجم الأوسط (٥٩٧٦). أخرجه البخاري في التاريخ (٢/ ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩) - ولم يسق =","vol":"14","page":301},{"text":"ورواته مختلف في توثيقهم.\nقوله: \"وعن أبي أمامة الباهلي\" واسمه صُديّ بن عجلان، تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به\" الحديث. قوله -ﷺ-: \"حتى يورد الدرك الأسفل من النار\" الحديث، الدرك بالتحريك وقد يسكن واحد الأدراك وقد قرئ بالوجهين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (^١)، وهي منازل في النار، والدرك إلى أسفل والدرج إلى فوق، قاله ابن الأثير في النهاية (^٢) واللَّه أعلم.\nتنبيه: أما مظالم العباد فلا بد من استيفائها، ففي معجم الطبراني (^٣) عن\n_________\n= لفظه-، وحسين المروزي في زوائد الزهد (٤٩٩/ ١٤٢٠)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٤) رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١١/ ٤٩٥) (٥٣١٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤١٨).\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٤٥.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١١٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٠)، والحاكم (٤/ ٦١٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٠٢٢). وقال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٥/ ٢٠٩١): رواه أحمد والحاكم وصححه من حديث عائشة وفيه صدقة بن موسى الدقيقي ضعفه ابن معين وغيره وله شاهد من حديث سلمان رواه الطبراني وهو منكر قاله الذهبي انتهى. قلت: ورواه أحمد والحاكم من طريق صدقة بن موسى عن عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس عن عائشة وقد ردَّ الذهبي على الحاكم تصحيحه وقال صدقة بن موسى ضعفه الجمهور =","vol":"14","page":302},{"text":"النبي -ﷺ-: الظلم عند اللَّه تعالى يوم القيامة ثلاث دواوين: ديوان لا يغفر اللَّه منه شيئا وهو الشرك باللَّه ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (^١) الآية، وديوان لا يترك اللَّه منه شميئا وهو مظالم العباد بعضهم بعضا، وديوان لا يعبؤ اللَّه به شيئا وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ومعلوم أن هذا الديوان مشتمل على الكبائر والصغائر لكن مستحقه أكرم الأكرمين وما يعفو عنه من حقه ويهبه أضعاف أضعاف ما يستوفيه وأمره أسهل من الديوان الذي لا يترك منه لعدله وإيصال كل حق إلى صاحبه.\nوقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وأكلوا الأطفال وكانوا يخرجون إلى الجبال ويتضرعون فأوحى اللَّه تعالى إلى أنبيائهم لو مشيتم إليّ بأقدامكم حتى تحفى ركبكم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم عن الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيا ولا أرحم منكم باكيا حتى تردّوا المظالم إلى أهلها، ففعلوا فمطروا من يومهم.\nمسألة فقهية: فأما حقوق العباد فيتصور في مسائل كمن غصب أموالا ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم لجهله بهم أو لانقراضهم فاختلف في ذلك، فقالت طائفة لا توبة إلا بالأداء وقد تعذر فتعذرت التوبة والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا، قالوا\n_________\n= ويزيد بن بابنوس فيه جهالة.\n(^١) سورة النساء، الآية: ٤٨.","vol":"14","page":303},{"text":"لأن هذا حق آدمي لم يصل إليه واللَّه تعالى لا يترك من حقوق عباده شيئًا بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم فلابد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة أو كلمة أو رمية بحجر. وقالت طائفة يدفعها إلى الإمام أو نائبه لأنه وكيل أربابها فيحفظها لهم ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة. وقالت طائفة أخرى بل باب التوبة مفتوح لهذا التائب ولم يُغلق عنه ولا عن مذنب باب التوبة وتبوته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها واللَّه تعالى أعلم.\n\n٥٤٦٢ - وَرُوِيَ عَن زَاذَان قَالَ دخلت على عبد اللَّه بن مَسْعُود وَقد سبق إِلَى مَجْلِسه أَصْحَاب الْخَزّ والديباج فَقلت أدنيت النَّاس وأقصيتني فَقَالَ لي ادن فأدناني حَتَّى أقعدني على بساطه ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول إِنَّه يكون للْوَالِدين على ولدهما دين فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يتعلقان بِهِ فَيَقُول أَنا ولدكما فيودان أَو يتمنيان لَو كَانَ أَكثر من ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).\n\n٥٤٦٣ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁-: قَالَ بَينا رَسُول اللَّه -ﷺ- جَالس إِذْ رَأَيْنَاهُ ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ لَهُ عمر مَا أضْحكك يَا رَسُول اللَّه بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ رجلَانِ من أمتِي جثيا بَين يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا يَا رب خُذ\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢١٩ رقم ١٠٥٢٦). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٥٥: رواه الطبراني، عن عمرو بن مخلد، عن زكريا بن يحيى الأنصاري ولم أعرفهما، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٠٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.","vol":"14","page":304},{"text":"لي مظلمتي من أخي فَقَالَ اللَّه كَيفَ تصنع بأخيك وَلم يبْق من حَسَنَاته شَيْء قَالَ يَا رب فليحمل من أوزاري وفاضت عينا رَسُول اللَّه -ﷺ- بالبكاء ثمَّ قَالَ إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يحْتَاج النَّاس أَن يحمل عَنْهُم من أوزارهم فَذكر الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١) وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْعَفو.\n\n٥٤٦٤ - وعن أبي هريرة -﵁-: قالوا يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة قالوا لا، قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة قالوا لا قال فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما فيلقى العبد ربه فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول فإني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخرلك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثالث فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٦٠٢)، والحاكم (٤/ ٥٧٦). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه عباد بن شيبة الحبطي، عن سعيد، والأول ضعيف، وشيخه لا يعرف. وضعفه الألباني جدًا في ضعيف الترغيب (١٤٦٩) و(٢١٠٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":305},{"text":"أي رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول ههنا إذا ثم يقول الآن نبعث شاهدا عليك فيتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط اللَّه عليه رواه مسلم (^١).\nترأس بمثناة فوق تم راء ساكنة ثم همزة مفتوحة أي تصير رئيسا. وتربع بموحدة بعد الراء مفتوحة معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه وهو ربع المغانم ويقال له المرباع.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"قالوا يا رسول اللَّه هل ترى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليس في سحابة؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا\" الحديث. تضارون، روي بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى التشديد لا تضارون غيركم في حال الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه، ومعنى المخففة لا يلحقكم في رؤيته ضير. قوله [صلى اللَّه تعالى عليه وسلم] في رؤية الشمس في الظهيرة، والظهيرة ساعة الزوال لأن الشمس تظهر في ذلك الوقت أي تعلو غاية ما لها أن تعلو. وقال يعقوب: الظهيرة نصف النهار حتى تكون الشمس حيال رأسك، انتهى.\nقوله: \"فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا؟ \"\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٦) (٢٩٦٨).","vol":"14","page":306},{"text":"وسمى القمر بدرا لأنه يبادر الشمس، شبّه رؤية الباري ﷾ برؤية القمر لذلك إشارة إلى وضوحها وعدم الشك والمشقة والاختلاف فيها، ومذهب جميع أهل السنة أن رؤية اللَّه تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا، [وأجمعوا] على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون ربهم دون الكافرين وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن اللَّه تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا وهذا خطأ صريح وجهل قببيح فقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى إثبات رؤية اللَّه تعالى في الآخرة ولكن الجمهور من السلف والخلف على أنها لا تقع في الدنيا ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها اللَّه تعالى في خلقه ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على جهة الاشتراط ولا يلزم من رؤية اللَّه تعالى إثبات جهة للَّه تعالى عن ذلك بل يراه المؤمنون لا من جهة كما يعلمون لا من جهة. اهـ.\nقوله: \"فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما\" أي ترون ربكم رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة وهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي. [اختلف العلماء] (^١) في رؤية اللَّه تعالى فقال بعضهم لا يُرى الباري ﷾ لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقال\n_________\n(^١) هكذا في النسخة الهندية، والمثبت في الأصل بين المعقوفين: (وقال أو الليث السمرقندي: تكلم الناس).","vol":"14","page":307},{"text":"بعضهم: يراه أهل الجنة في الآخرة بغير تشبيه كما أنهم يعرفونه في الدنيا بغير كيف ولا تشبيه فأهل الجنة يرونه بغير كيف ولا تشبيه كما شاء هو ﷾، فأما من قال بأنه لا يُرى ذهب إلى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (^١)، وقال تعالى: [لموسى ﵊: رضيت؟ قال]: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (^٢) ولفظة لن [تراني] تقتضي [الأبد]. وأما من قال بالرؤية احتج بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٣)، وقال في موضع آخر: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٤)، قال ابن عباس: الزيادة النظر إلى وجهه تعالى، والأحاديث الواردة في الصحاح صريحة بذلك، اهـ] (^٥).\nقوله -ﷺ-: \"فيلقى العبد ربه فيقول: أي فل\" الحديث، أي يا فلان حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم. وقال صاحب النهاية وغيره: أي فل أي حرف ينادى به القريب وفل أي فلان وفُل بضم الفاء وإسكان اللام ومعناه يا فلان كما تقدم وهو ترخيم على خلاف القياس، وقال ابن الأثير ليس ترخيما لفلان لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ترخيما لفتحوا اللام أو\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٠٣.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ١٤٣.\n(^٣) سورة القيامة، الآيات: ٢٢ - ٢٣.\n(^٤) سورة يونس، الآية: ٢٦.\n(^٥) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ولم يُغلق عنه ولا عن مذنب باب التوبة وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها واللَّه تعالى أعلم).","vol":"14","page":308},{"text":"ضموها [وبه] قال سيبويه وقال ليست ترخيما وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء وقد جاء في غير النداء: قال: في [لغةٍ أمسكَ] فلانا عن فُلِ، [بكسر] اللام للقافية. وقال قوم إنها ترخيم فلان فحذفت النون للترخيم والألف لسكونها وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم ومنه حديث أسامة في الوالي الجائر يلقى في النار فتندلق أقتابه فيقال: أي فل أين ما كنت تصف؟ اهـ. قوله: \"ألم أكرمك وأسوِّدك\" بتشديد الواو وكسرها أي أجعلك سيدا في قومك، اهـ، قاله المنذري. قوله: \"وأذرك ترأس\" بمثناة فوق ثم راء ساكنة ثم همزة مفتوحة، أي تصير رئيسا، اهـ، قاله المنذري. وقال ابن الأثير (^١): ترأس القوم يرأسُهم رياسة إذا صار رئيسهم ومقدِّمهم ومعناه رئيس القوم وكبيرهم ومنه الحديث، رأس الكفر من قبل المشرق ويكون إشارة إلى الدجال أو غيره من رؤساء الضلال الخارجين بالمشرق، قاله في النهاية.\nقوله: \"وتربع\" وقد ضبطه المملي بالتاء المثناة فوق والباء الموحدة فقال: معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه وهو ربع المغانم ويُقال له المرباع، اهـ. يقال ربعت القوم أربعهم إذا أخذت ربع أموالهم مثل عشرتهم أعشرهم يريد ألم أجعلك رئيسا مطاعا لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه ويسمى ذلك الربع المرباع وهو الربع من رأس ما غنموه إذا غزى بعضهم بعضا ومنه قوله لعدي بن حاتم: إنا نأكل المرباع وهو لا يحل لك في دينك ومنه شعر وفد تميم: نحن الرءوس وفينا يقسم الربع.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٧٦).","vol":"14","page":309},{"text":"يقال: ربع وربع يريد ربع الغنيمة وهو واحد من أربعة، قاله في النهاية (^١).\nتنبيه: وفي رواية ابن هامان: ترتع بدل تربع بمثناة من فوق بعد الراء ومعناه تتنعّم وقيل تأكل وقيل تلهو وقيل تعيش في سعة، قاله النووي في شرح مسلم (^٢).\nقوله تعالى: \"فإني أنساك كما نسيتني\" أي أمنعك الرحمة كما امتنعت من طاعتي.\nوقال عياض (^٣): قوله: أنساك كما نسيتنِي على طريق المقابلة في الكلام أي أجازيك على نسيانك كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (^٤) أي يعاقبهم عقابا صورته صورة المنسي بتركهم ومنعهم الرحمة والإعراض عنهم حيث نجا غيرهم وفاز، اهـ.\nقوله: \"فيقول أي رب آمنك بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع\" الحديث، أي يتني هذا العبد على نفسه فيقول عملت كذا وكذا.\nقوله: \"فيقول هاهنا إذًا\" ومعنى هاهنا إذا أي اثبت هاهنا أي مكانك حتى تعرف أعمالك. وقال بعضهم قف هاهنا حتى يتحقق لك خلاف ما زعمت\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٨٦).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٥٤).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٥٢١).\n(^٤) سورة التوبة، الآية: ٦٧.","vol":"14","page":310},{"text":"وهما بمعنى واحد.\nتنبيه: \"قوله: إذًا وإذًا\" جواب وجزاء يقول أنا آتيك فتقول إذًا أحسن إليك وتكتب إذًا بالألف [عند الأكثر] لأن الوقف عليها بالألف ومنهم من يكتبها بالنون وهما بأن الألف نون في الوقف. قوله: \"هاهنا إذا\" كذا هو عند أبي بحر وغيره ومعناه اثبت مكانك إذا حتى تفتضح في دعواك. حكى ابن خروف في شرح الحمل أن من العرب من يرفع ما بعد إذًا وإن اجتمعت فيه شروط النصب، فتقول في الجواب: إذًا أكرمُك، حكاه سيبويه، وفي الحديث: إذا يحلفُ ولا يبالي، اهـ. قاله عياض (^١).\nقوله: \"فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه\" وذلك ليعذر من نفسه أي بعث الشاهد عليه ليعذر من نفسه من الإعذار والمعنى ليزيل عذره من نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه وهذا كقوله -ﷺ-: \"لن تهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم\" الحديث، رواه أبو داود يعذروا بكسر الذال وفتحها فأما كسر الذال فهو من أعذر إذا صار ذا ذنب كثير محتاجا إلى العذر من كثرة [ذنوبه يعني لن يهلك الناس حتى تكثر] (^٢) ذنوبهم وأما من فتح الذال فهو من أعذر يعني يجعلهم اللَّه بحيث لا يقدرون على العذر بأن يبعث عليهم الرسل ويبينوا لهم الرشاد من الضلال والحلال من الحرام والحق من الباطل فإذا عرفوا الحق من الباطل ولم\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري (٨/ ٣٨).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":311},{"text":"يؤمنوا أو آمنوا ولكن أكثروا المعاصي ولم يتوبوا فحينئذ أهلكم اللَّه تعالى، ومعنى يعذروا من أنفسهم أي تكثر ذنوبهم ويستوجبوا العقوبة فيكون كمن يعذبهم العذر، يقال أعذر الرجل إعذارا إذا صار ذا عيب وفساد. وقال في الفائق (^١) ويروى بفتح الياء وضمها في يعذروا والمعنى حتى يفعلوا ما يتجه لمحل العقوبة بهم العذر واللَّه علم.\n\n٥٤٦٥ - وعنه أيضًا -﵁- أن الناس قالوا يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول اللَّه قال هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم اللَّه فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم اللَّه فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وسلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا اللَّه تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يخردل ثم ينجو حتى إذا أراد اللَّه رحمة من أراد من أهل النار أمر اللَّه الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد اللَّه فيخرجونهم\n_________\n(^١) الفائق في غريب الحديث (٢/ ٤٠١).","vol":"14","page":312},{"text":"بآثار السجود وحرم اللَّه على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار وقد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ اللَّه من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاها فيقول هل عسيت إن أفعل أن تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك فيعطي اللَّه ما شاء من عهد وميثاق فيصرف اللَّه وجهه عن النار فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء اللَّه أن يسكت ثم قال يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول اللَّه أليس قد أعطيت العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول يا رب لا أكون أشقى خلقك فيقول فما عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غير هذا فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فسكت ما شاء اللَّه أن يسكت فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول اللَّه ويحك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيتني العهود أن لا تسأل غير الذي أعطيت فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك اللَّه منه ثم يأذن له في دخول الجنة فيقول تمن فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال اللَّه تمن من كذا وكذا يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال اللَّه لك ذلك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة -﵄- إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: قال اللَّه لك ذلك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة -﵁- لم أحفظ من رسول اللَّه -ﷺ- إلا قوله لك ذلك ومثله معه قال أبو","vol":"14","page":313},{"text":"سعيد -﵁- أشهد أني سمعته من رسول اللَّه -ﷺ- يقول لك ذلك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة رواه البخاري (^١).\nأي فل أي يا فلان حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم إذ لو كان ترخيما لما حذفت الألف قال الأزهري: ليست ترخيم فلان ولكنها كلمة على حدة توقعها بنو أسد على الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد وأما غيرهم فيثني ويجمع ويؤنث أسودك بتشديد الواو وكسرها أي أجعلك سيدا في قومك السعدان نبت ذو شوك معقف المخردل المرمي المصروع وقيل المقطع يقال لحم خراديل إذا كان قطعا والمعنى أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النار امتحش بضم التاء وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي احترق وقال الهيثم هو أن تذهب النار الجلد وتبدي العظم الحبة بكسر الحاء هي بزور البقول والرياحين وقيل بزر العشب وقيل نبت في الحشيش صغير وقيل جمع بزور النبات وقيل بزر ما نبت من غير بذر وما بذر تفتح حاؤه حميل السيل بفتح الحاء المهملة وكسر الميم هو الزبد وما يلقيه على شاطئه قشبني ريحها أي آذاني ذكاها بذال معجمة مفتوحة مقصورة هو إشعالها ولهبها.\nقوله: \"وعنه أيضًا\" تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"هل تمارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"فإنكم ترونه كذلك\".\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٧٣).","vol":"14","page":314},{"text":"قوله: \"تمارون\" التماري الاختلاف والمنازعة وقوله: \"فإنكم ترونه كذلك\" وقد تخيّل إلى بعض السامعين أن الكاف كاف التشبيه للمرئي وإنما هي للرؤية وهي فعل الرائي ومعناه أنكم ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم القمر ليلة البدر لا ترتابون فيه ولا تمترون، اهـ، قاله في النهاية (^١). [والرؤية تختص بالمؤمن، وقيل يراه منافقوا هذه الأمة وهو قول باطل، والصحيح أنه لا يراه إلا نفس مؤمنة].\nقوله: \"من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس\" الحديث. تنبيه: الشمس تجمع على شموس وهي في السماء الرابعة وهي أفضل من القمر. قال الإمام فخر الدين وهي تقطع في خطوة الفرس في شدة عدوها عشرة آلاف فرسخ، اهـ، قاله الكمال الدميري في شرح المنهاج في المواقيت (^٢).\nقوله: \"ومنهم من يتبع الطواغيت\" الحديث، والطواغيت جمع طاغوت. قال الليث وأبو عبيد والكسائي وجماهير أهل اللغة وهو ما كان يعبد من دون اللَّه تعالى من الأصنام وغيرها. وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي وغيرهم: الشيطان. وقيل هو الأصنام. قال الواحدي: الطاغوت يكون واحدا وجمعا ويُذكر ويؤنث. قال اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (^٣)، وهذا في الواحد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٠٢).\n(^٢) النجم الوهاج (٢/ ٩ - ١٠).\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٦٠.","vol":"14","page":315},{"text":"أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ (^١)، وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (^٢) اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم اللَّه فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا. فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم اللَّه فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم\" الحديث، الإتيان في الجملة كلما جاء في الكتاب وفي أخبار الرسول -ﷺ- من ذكر المجيء والإتيان وغير ذلك لا يُكيّف ولا نجعله كمجيء الأشخاص وإتيانها وفي أمثال القبول والتسليم. وفي الحديث الآخر، فيأتيهم اللَّه في صورة غير [الصورة] التي يعرفونها إلى قوله: \"فيقولون أنت ربنا\"، المراد بالصورة هنا الصفة ومعناه فيتجلى اللَّه ﷾ لهم على الصفة التي يعلمونها ويعرفونه بها وإنما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدمت لهم رؤية له ﷾ [لأنهم يرونه لا يشبه شيئا من مخلوقاته فيعلمون أنه ربهم فيقولون أنت ربنا. والرؤية مختصة بالمؤمن. وقيل: يراه منافقوا هذه الأمة وهو قول باطل والصحيح أنه لا يراه إلا نفس مؤمنة وإنما عبر عن الصفة بالصورة] (^٣) لمشابهتها إياها ولمجانسة الكلام.\nتنبيه: واعلم أن لأهل العلم في أحاديتا الصفات وآيات الصفات قولين: أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ١٧\n(^٣) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":316},{"text":"يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال اللَّه ﷾ مع اعتقادنا الجازم أن اللَّه ﷾ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١) وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز [في جهة] وعن سائر صفات المخلوقات وهذا القول هو قول جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم. والقول الثاني وهو قول معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب موانعها وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع ذا رياضة في العلم، فعلى هذا يقال في قوله -ﷺ-: \"فيأتيهم اللَّه\" أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة أن من غاب عن غيره لا تمكنه رؤيته إلا بالإتيان فعبر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا. وقيل المراد بيأتيهم اللَّه ﷾ أي يأتيهم بعض ملائكته، قال القاضي عياض (^٢): وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث. وقيل غير ذلك.\nقوله: \"ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم\" أي ينصب، وظهراني جهنم هو بفتح الظاء المعجمة المشالة وسكون لهاء وفتح النون أي بين ظهريها والألف والنون زيدتا للمبالغة وظهرانيها أي وسطها ومعناه يمد الصراط علحها. وفي هذا إثبات الصراط ومذهب أهل الحق إثباته وقد أجمع السلف على ذلك وهو جسر على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون ينجون على حسب منازلهم والآخرون يسقطون فيها. قال: وأصحابنا\n_________\n(^١) سورة الشورى، الآية: ١١.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٩).","vol":"14","page":317},{"text":"المتكلمون وغيرهم من السلف يقولون أن الصراط أدق من الشعر وأحدّ من السيف كما ذكره أبو سعيد الخدري [قاله النووي (^١)].\nقوله -ﷺ-: \"فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته\" وفي رواية: يجيز بأمته، ويجيز لغة في يجوز ويجيز هو بضم الياء وكسر الجيم وبالزاي أي أول من يقطع مسافة الصراط، قاله عياض. ومعناه يكون أول من يمضي عليه ويقطعه. يقال: جاز وأجاز بمعنى ويقال أيضًا أجزت الوادي وجُزته لغتان بمعنى. وقال الأصمعي: أجزته قطعته وجزته مشيت فيه، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل\" معناه لشدة الأهوال، والمراد لا يتكلم في الإجازة وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس فيها وتجادل كل نفس عن نفسها ويسأل بعضهم بعضا ويتلاومون ويخاصم التابعون المتبوعين.\nقوله: \"وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم\" الحديا، هذا من كمال شفقتهم ورحمتهم للخلق وفيه أن الدعوات تكون بحسب المواطن فيُدعى في كل موطن بما يليق به واللَّه أعلم. قوله -ﷺ-: \"في جهنم كلاليب مثل شوك السعدان\" الحديث، أما الكلاليب فجمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهي حديدة معوجة الرأس عليها اللحم وترسل في التنور. قال صاحب المطالع (^٢): هي خشبة في رأسها عقافة حديد وقد تكون حديدا كلها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٠).\n(^٢) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٣/ ٣٦٠).","vol":"14","page":318},{"text":"ويقال لها أيضًا كلاب اهـ، وكذا هي آلة الاجتذاب للدلو من البئر ويقال لها أيضًا كلاب بضم الكاف، وأما السعدان فهو نبت ذو شوك معقّف، اهـ، قاله المملى. وقال بعض العلماء هو بفتح السين وإسكان العين المهملتين وهو نبت له شوكة عظيمة مثل الحسك من كل الجوانب واحدتها سعدانة وهو من أفضل مراعي الإبل يضرب به المثل.\nقوله -ﷺ-: \"تخطف الناس بأعمالهم\" هو بفتح الطاء وكسرها، يقال خطف وخطف بكسر الطاء وفتحها والكسر أفصح، ويجوز أن يكون معناه تخطفهم [بسبب أعمالهم القبيحة ويجوز أن يكون معناه تخطفهم] (^١) على قدر أعمالهم، اهـ. قاله الكرماني (^٢) وغيره.\nقوله -ﷺ-: \"فمنهم من يوبق بعمله\" ومعناه الذي أوبقته ذنوبه والموبق بعمله هو المحبوس المعاقب أي يهلك ويحبس بسبب عمله السيّء من أوبَقه إذا حبَسه والإيباق الإهلاك أيضًا. قوله -ﷺ-: \"ومنهم من يخردل ثم ينجو\" الحديث. المخردل المرمي المصروع. وقيل المقطع، يقال لحم خراديل إذا كان قطعًا. والمعنى أنه يقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار، اهـ، قاله المنذري. وقال بعضهم المخردل بالخاء المعجمة والدال المهملة ويقال فيه بالذال المعجمة أيضًا، ورواه بعضهم في البخاري المجردل بالجيم عوضا عن الخاء فأما بالخاء فمعناه المقطع بالكلاليب كما\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٥/ ٤٠).","vol":"14","page":319},{"text":"قال المملى ﵀، وأما المجردل بالجيم [عوضا عن الخاء] (^١) [فمعناه] المشرف على الهلاك والسقوط.\nقوله -ﷺ-: \"حتى إذا أراد اللَّه رحمة من أراد من أهل النار\" الحديث، وهم المؤمنون الخُلص إذ الكافر لا ينجو من النار أبدا ويبقى خالدا فيها أبدا، قاله الكرماني (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان يعبد اللَّه من برا وفاجرًا\" أما البر فهو المطيع، وفي حديث: من كان لا يشرك باللَّه شيئا ممن أراد أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا اللَّه.\nقوله -ﷺ-: \"فيعرفونهم\" أي في النار \"بآثار السجود وقد حرم اللَّه تعالى على النمار أن تأكل أثر السجود\" الحديث. ظاهر هذا الحديث أن النار لا تأكل شيئا من أعضاء السجود السبعة في قوله: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، الحديث. فالسبعة المأمور بالسجود عليها هي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان، فهذا قاله بعض العلماء وأنكره القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى. وقال: المراد بأثر السجود الجبهة خاصة. وقال النووي: المختار الأول، فإن قيل: فقد ذكر مسلم ﵀ في صحيحه (^٣) بعد هذا مرفوعا أن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة،\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ١٦٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٢).","vol":"14","page":320},{"text":"فالجواب أن هؤلاء القوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار فإنه لا يسلم منهم من النار إلا دارات الوجوه وهو جمع دارة وهو ما يحيط بالوجه من جوانبه، أراد لا تأكلها النار لأنها محل السجود وأما غيرهم فيسلم جميع أعضاء السجود منهم عملا بعموم هذا الحديث، فهذا الحديث عام وذاك خاص فيعمل بالعام إلا ما خص واللَّه أعلم. وهذا الحديث أدل دليل على أن أهل الكبائر من أهل التوحيد لا تسود لهم وجوه ولا تزرق لهم عيون ولا يغلون بخلاف الكفار. قال الإمام القرطبي: وقد جاء هذا المعنى منصوصا في حديث أبي هريرة مرفوعًا إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتى ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوههم ولا تزرق أعينهم ولا يغلون بالأغلال ولا [يقرنون] مع الشياطين ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الأدراك منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج وأطولهم مكثا فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة، خرّجه الترمذي الحكيم في نوادره (^١).\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٩٢). أما حديث أبي هريرة فأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول كما في الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف للسيوطي، قال: ثنا صالح بن أحمد بن أبي محمد ثنا يعلى بن هلال عن ليث عن مجاهد عنه مرفوعا إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر. . . الحديث وفيه مثل الدنيا منذ يوم خلقت إلى يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة وإسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم، وصالح بن أحمد ويعلي بن هلال لم أعرفهما. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٦٧٦) وإسناده ضعيف.","vol":"14","page":321},{"text":"تنبيه: قال العراقي في شرح الأحكام قلت: وبتقدير أن يحمل على الجبهة خاصة ففي هذا الحديث وهو قوله: إن قوما يحترقون في النار إلا دارات وجوههم زيادة على الحديث الأول لأن دارات الوجوه أوسع من الجبهة. واللَّه أعلم.\nقوله: \"فيخرجونهم من النار وقد امتُحشوا\" امتُحشوا بضم التاء المثناة فوق وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي احترقوا. وقال الهيثم: هو أن تُذهب النار الجلد وتبري العظم، انتهى. قاله الحافظ وضبطه بعض العلماء بفتحهما أيضًا، هكذا هو في الروايات وكذا نقله القاضي عياض (^١) عن متقنى شيوخهم قال: وهو وجه الكلام وبه ضبط الخطابي والهروي وقالوا في معناه احترقوا [والمحشن] احتراق الجلد وظهور العظم. قال في النهاية (^٢): وقد محشته النار تمحشه محشًا ومنه حديث ابن عباس -﵄-: أتوضأ من طعام أجده حلالا لأنه محشته النار. قاله مُنكِرا على من يوجب الوضوء مما مسته النار، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"فيصب عليهم ماء الحياة\" الحديث، معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه واللَّه أعلم. قوله -ﷺ-: \"فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل\" الحديث. وفي الأصول فينبتون منه بالميم والنون وهو صحيح ومعناه ينبتون بسببه. والحبة بكسر الحاء هي بذور البقول والياحين وقيل بزر\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٥٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٢).","vol":"14","page":322},{"text":"العشب وقيل نبت في الحشيش صغير وقيل بذور جميع النبات وقيل بذر ما نبت من غير بذر وما بُذر، تفتح حاؤه، اهـ. قاله المنذري. وقال بعضهم أما الحبة فبكسر الحاء وتشديد الباء وهي بذر البقول والعشب ينبت بالبراري وجوانب السيول وجمعها حِبَب بكسر الحاء وفتح الباء كقربة وقرب، وقال الجوهري: الحبة بالكسر بزور الصحراء مما ليس بقوت وأما الحبة بالفتح فهي الحنطة والشعير، قاله في النهاية (^١). والحبة الحبوب إذا كانت تختلف أما الحب والحبة فتستعمل في كل شيء حتى يقال حبة عنب من عنب وقيل الحبة اسم جامع [لحبوب البقول] التي [تنتثر إذا هاجت] ثم إذا مطرت من قابل نبتت. وأما حميل السيل فهو بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وفي حديث آخر كما تنبت الحبة في حمائل السيل جمع حميل وهو الزّبد وما يلقيه على شاطئه، قاله المصنف، وقال في النهاية (^٢) هو ما جاء به السيل من طين أو غثاء، والغثاء بالضم والمد ومعناه ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره، وجاء في صحيح مسلم كما تنبت [الغثاة] يريد ما احتمله السيل من البزورات فإذا اتفق أن يكون فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتا فشبه النبي -ﷺ- بها سرعة عَوْد أبدانهم وأجسادهم بعد إحراق النار لها بسرعة نبات تلك الحبة والمراد التشبيه في سرعة النبات وحسنه وطرواته. وفي التنزيل ألم تر أن اللَّه\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٢٦).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٤٣).","vol":"14","page":323},{"text":"أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، [واللَّه تعالى أعلم، وحميل السيل، قال الأصمعي: مما حمله السيل، وكل محمول حميل، كما تقول للمقتول قتيل. قال أبو سعيد العزيز:]. حميل السيل ما جاء به من طين أو غثاء فإذا أنفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتا وإنما أخبر بسرعة نباتهم، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"ثم يفرغ اللَّه من القضاء بين العباد\" الحديث، إسناد الفراغ إلى اللَّه تعالى ليس على سبيل الحقيقة إذ الفراغ هو الخلاص عن المهام واللَّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فالمراد منه إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب، اهـ، قاله الكرماني (^١).\nقوله: \"قد قشبني ريحها\" أي آذاني، قاله الحافظ. وقال بعض العلماء: قشبني بقاف مفتوحة ثم شين معجمة مخففة مفتوحة أي سمّني بالسين وأهلكني وآذاني أي صار ريحها كالسم في أنفي، كذا قاله الجماهير من أهل اللغة والغريب. وقال الداوودي معناه غيّر جلدي وصورتي (^٢).\nوقال في النهاية (^٣): أي سمَّني والقشب السم وكل مسموم قشيب ومقشب. يقال: قشبه الدخان إذا امتلأ خياشيمه من الدخان، ومنه حديث عمر -﵁- أنه وجد من معاوية ريح طيب وهو محرم فقال: من قشبنا، أراد أن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ١٦٣).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٥٧) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٣).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٦٤).","vol":"14","page":324},{"text":"ريح الطيب في هذه الحال مع الإحرام ومخالفة السنة قشب كما أن ريح النتن قشب. يقال: ما أقشب بيتهم أي ما أقذره، والقشب بالفتح خلط السم بالطعام، ا هـ.\nقوله: \"وأحرقني ذكاها\" بذال معجمة مفتوحة مقصور هو اشتعالها ولهبها. وقال بعض العلماء: ذكاؤها بالمد، كذا وقع في جميع روايات الحديث وهو بفتح الذال المعجمة ومعناه لهبها واشتعالها وشدة وهجها فالذكاء شدة ريح النار والأشهر في اللغة ذكاها مقصور كما ذكر الحافظ وذكر جماعات من العلماء أن المد والقصر لغتان، يقال ذكيت النار إذ أتممت إشعالها ورفعتها وذكت النار تذكو [ذكاء] مقصور أي اشتعلت وأذكيتها أنا اهـ. يقال ذكيت أي أشعلتها إشعالا تاما وأصل الذكاء بلوغ كل شيء منتهاه.\n[قوله:] فيقول: هل عسيت أن أفعل أن تسأل غير ذلك الحديث، ومعناه أي رجوت وعسى بمعنى لعل للترجي ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ (^١) بمعنى لعلكم ورجاء لكم وعسيت هو بفتح التاء على الخطاب، ويقال بفتح السين وكسره لغتان قرئ بهما في السبع، قرأ نافع بالكسر والباقون بالفتح وهو الأصح الأشهر في اللغة. قال ابن السكيت: ولا ينطق في عسيت بمستقبل واللَّه أعلم. قوله: \"فإذا أقبل على الجنة ورآى بهجتها سكت ما شاء اللَّه أن يسكت\" الحديث، بهجة الجنة حسنها وما فيها من النعيم. يقال: أبهجني [الشيء] إبهاجا وبهجني بهجا أعجبني والأول أفصح [و[يقال] بهُج\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ٢٢.","vol":"14","page":325},{"text":"الشيء يبهج فهو بهيج وبهج به بالكسر إذا فرح وسُرَّ، قاله في النهاية (^١)] (^٢). والأزهر هو الأبيض المشرب بحمرة أو صفرة ومنه زهرة النجوم والزهرة البياض النير. وقوله في الجنة: \"فرآى زهرتها\" يفسره قوله بعدها: و\"وما فيها من النضرة والسرور\" اهـ، قاله عياض. قوله: \"فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك\" الحديث، أي كافرا، فإن قلت كيف طابق هذا الجواب لفظ أليس قد أعطيت العهود. قلت: كأنه قال يا رب أعطيت لكن كرمك يُطمعني إذ لا ييأس من روح اللَّه إلا القوم الكافرون، قاله الكرماني (^٣).\nقوله: \"فيقول يا رب أدخلني الجنة. فيقول اللَّه تعالى: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك\" الحديث، ويحك منصوب بفعل مضمر نحو الزم اللَّه وويح كلمة رحمة وويل كلمة عذاب، وقيل هما بمعنى واحد وما أغدرك فعل التعجب والغدر ترك الوفاء، انتهى. قاله الكرماني (^٤). قوله: \"فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك\" يعني كافرا كما تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"فيضحك اللَّه تعالى منه الحديث\". قال العلماء: \"الضحك لا يتصور على اللَّه تعالى والمراد به رضي اللَّه تعالى بفعل عبده ومحبته إياه\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٦٥).\n(^٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (يفسره قوله بعدها: و(وما فيها من النضرة والسرور) اهـ، قاله عياض).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ١٦٤).\n(^٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٣/ ٦٢).","vol":"14","page":326},{"text":"وإظهار نعمته عليه وإيجابها له\" قاله النووي في شرح مسلم (^١). وقال الخطابي (^٢): الضحك من اللَّه تعالى مؤول على معنى الرضا لأن الضحك من ذوي التمييز يدل على الرضى والبشر والاستهلال منهم يدل على قبول الوسيلة ومقدمة إنجاح الطلب والكرام يُوصفون عند المسألة بالبشر وحسن اللقاء فيكون المعنى في قوله: \" [فيضحك] اللَّه منه\" أي يجزل له العطاء لأنه موجب الضحك ومقتضاه، اهـ.\nقوله: \"فيقول تمنّ فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال اللَّه تعالى: تمن من كذا وكذا، يُذكره ربه\" معناه يقول تمن من الشيء الفلاني ومن الشيء الفلاني يسمي له [﷾] أجناس ما يتمنى وهذا من عظيم رحمته ﷾ بعباده.\nقوله: \"قال اللَّه تعالى: لك ذلك ومثله معه\" قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: قال اللَّه تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول اللَّه -ﷺ- إلا قوله: لك ذلك ومثله معه. الحديث، قال الكرماني (^٣): فإن قلت ما وجه الجمع بين رواية أبي هريرة وأبي سعيد؟ قلت: أعلم أولا بما في حديث أبي هريرة ثم تكرم اللَّه ﷾ فزادها فأخبر به النبي -ﷺ- ولم يسمعه أبو هريرة وفيه أكرم الأكرمين. قال الغزالي في\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٤).\n(^٢) أعلام الحديث (٢/ ١٣٦٧ و٣/ ١٩٢٢).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٥/ ١٦٥).","vol":"14","page":327},{"text":"الإحياء في أثناء كتاب التوبة (^١): وفي الخبر: آخر من يخرج من النار يعطى [مثل] الدنيا كلها عشرة أضعاف لا يظن أن المراد تقدير المساحة لأطراف الأجسام [بأن] تقابل فرسخ بفرسخين أو بعشرة [فإن هذا جهل] بطريق ضرب المثال بل هو كقول القائل أخذ منه جملا وأعطاه عشرة أمثاله وكان الجمل يساوي عشرة دنانير فأعطاه مائة دينار فإن لم يفهم من المثل إلى المثل في الوزن والثقل فلا يكون مائة دينار لو وضعت في كفة الميزان والجمل في الكفة الأخرى عشرة عشرة بل موازنة معاني الأجسام وأرواحها دون [أشخاصها وهياكلها] فإن [الجمل] لا يقصد لثقله وطوله وعرضه ومساحته بل لماليته [فروحه المالية] وجسمه اللحم والدم ومائة دينار عشرة أمثاله بالموازنة الروحانية لا بالموازنة الجسمانية فهذا صادق عند من يعرف روح المالية من الذهب والإبل بل لو أعطاه جوهرة وزنها متقال وقيمتها مائة دينار وقال أعطيته عشرة أمثاله كان صادقا ولكن لا يدرك صدقه إلا الجوهري فإن روح الجوهر لا يدرك بمجرد البصر بل بفطنة أخرى وراء البصر وكل ذلك يكذب به الصبي والقروي والبدوي ويقول ما هذه الجوهرة إلا حجر وزنه مثقال ووزن الجمل ألف ألف مثقال مضاعفة فقد كذب في قوله أعطيته عشرة أمثاله والكاذب بالتحقيق هو الصبي ولكن لا سبيل إلى تحقيق ذلك عنده إلا بأن ينتظر به البلوغ والكمال وأن يحصل في قلبه النور الذي به يدرك أرواح الأجسام من الجواهر وسائر الأموال فعند ذلك ينكشف\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (٤/ ٢٨).","vol":"14","page":328},{"text":"له الصدق والعارف في صدق هذه الموازنة أن تقول الجنة في السماوات كما ورد به الأخبار والسموات في الدنيا فكيف [يكون] عشرة [أمثال] الدنيا في الدنيا وهذا كما يعجز البالغ عن تفهيم [الصبي] تلك المنزلة [والموازنة وكذلك] يعجز عن تفهيم البدوي [كما] أن الجوهري مرحوم إذا بلي [بالبدوي والقروي في تفهيم تلك الموازنة فكذلك العارف مرحوم إذا بلي] (^١) بالبليد الأبله في تفهيم هذه الموازنة ولذلك قال [﵊]: ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر [وعالما] بين الحمقى والجهال، ا هـ.\n\n٥٤٦٦ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال قلنا يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول اللَّه -ﷺ- نعم فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول اللَّه قال فما تضارون في رؤية اللَّه تعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللَّه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزيرا ابن اللَّه فيقال كذبتم ما اتخذ اللَّه من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":329},{"text":"بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن اللَّه فيقال لهم كذبتم ما اتخذ اللَّه من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر أتاهم اللَّه في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ باللَّه منك لا نشرك باللَّه شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاء نفسه ألا أذن اللَّه له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل اللَّه ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم قيل يا رسول اللَّه وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة يكون بنجد فيها تشويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة للَّه في استيفاء الحق من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار وفي","vol":"14","page":330},{"text":"رواية فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم فيقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبته ثم يقولون ربنا ما بقي فيها ممن أمرتنا به فيقال ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا وكان أبو سعيد يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيقول اللَّه ﷿ شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما من النار لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا يا رسول اللَّه كأنك كنت ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء اللَّه الذين أدخلهم اللَّه الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم","vol":"14","page":331},{"text":"فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول رضاي فلا أسخط عليكم أبدا رواه البخاري (^١) ومسلم واللفظ له. (^٢)\nالغبر بغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مشددة مفتوحة جمع غابر وهو الباقي وقوله دحض مزلة الدحض بإسكان الحاء هو الزلق والمزلة هو المكان الذي لا يشت عليه القدم إلا زلت المكدوش بشين معجمة هو المدفوع في نار جهنم دفعا عنيفا الحمم بضم الحاء المهملة وفتح الميم جمع حممة وهي الفحمة وبقية غريبه تقدم.\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهرية صحوا ليس معها سحاب\" الحديث. أصله تتضارون ووزنه تتفاعون حذفت إحدى التاءين منهما أي هل تتزاحمون عند رؤيته حتى يلحقكم الضرر، وتقدم الكلام على ذلك قريبا أبسط من هذا. قوله -ﷺ-: \"إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد\" تقدم معنى الأمة في أوائل هذا التعليق. قوله: \"حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب\" الحديث، أما البر فهو المطيع وأما الفاجر فالمراد به الكافر واسم الفاجر في عرف القرآن والسنة يتناول الكافر قطعا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٥٨١).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٠٢) (١٨٣).","vol":"14","page":332},{"text":"(١٤)﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ (^٢)، قاله في حادي القلوب. وأما غُبِّر أهل الكتاب فبغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مشددة مفتوحة جمع غابر وهو الباقي، قاله الحافظ. وقال بعضهم: معناها بقاياهم، جمع غابر ويُقال لبقيّة الشيء غبر وجمعه أغبار، وقد جمع على الغبرات. قوله: \"فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار\" الحديث، أما السراب فهو الذي يتراءى للناس في الأرض القفر والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد لامعا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. فأما الكفار فيأتون جهنم عافانا اللَّه منها وسائر المسلمين من كل مكروه وهم عطاش فيحسبونها ماء فيتساقطون فيها وأما يحطم بعضها بعضا فبكسر الطاء فمعناه لشدة إيقادها وتلاطم أمواج لهبها والحطم الكسر والإهلاك والحطمة اسم من أسماء النار لكونها تحطم ما يُلقى فيها، قاله النووي في شرح مسلم (^٣). قوله: \"تدعى النصارى\" الحديث، وسُمُّوا نصارى لنصر بعضهم بعضا أو لأنهم نزلوا موضعا يقال له نصرانة أو نصرة أو ناصرة أو لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٤) وهو جمع نصران. قوله -ﷺ-: \"حتى إذا لم يبق إلا من\n_________\n(^١) سورة الانفطار، الآية: ١٣ - ١٤.\n(^٢) سورة المطففين، الآية: ٧ - ٨.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٦).\n(^٤) سورة آل عمران، الآية: ٥٢.","vol":"14","page":333},{"text":"كان يعبد اللَّه من بر وفاجر أتاهم اللَّه في أدنى من صورته التي رأوه فيها\" الحديث، أي ظهر لهم والإتيان مجاز عن الظهور. وقوله: \"أدنى من صورته\" أي أقربها.\nقال الخطابي: المراد بالصورة الصفة، يقال صورة هذا الأمر كذا أي صفته أو أطلق الصورة على سبيل المشاكلة والمجانسة، اهـ.\nتنبيه: وإنما وجب أن يرى ذلك بالصفة لاستحالة المماثلة والمشابهة على اللَّه تعالى فمن زعم أن المراد من الصورة في هذا الحديث ما يعهد من الصور فقد أعظم الفرقة على اللَّه تعالى فإن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (^١) وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٢) فنحن نؤمن بكل ما جاء عن ربنا على ما علمه ربنا من الوجه اللائق بقدوسيته ﷾، قاله في حادي القلوب، وهذا موضع امتحان ليميز المحق من المبطل، وقال بعضهم: ليقع التمييز بين من عبد اللَّه تعالى وبين من عبد الشمس والقمر والطواغيت وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين والمخلصين زاعمين أنهم منهم وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا اللَّه مثل معرفتهم امتحنهم اللَّه تعالى بأن أتاهم بصورة قالت للجميع أنا ربكم فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك والتعوذ منه لما قد سبق لهم من معرفتهم باللَّه ﷿ وأنه منزه عن صفات هذه الصورة إذ سماتها سمات المحدثات،\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ١١٠.\n(^٢) سورة الشورى، الآية: ١١.","vol":"14","page":334},{"text":"ولهذا قال في الحديث: فنعوذ باللَّه منك لا نشرك باللَّه شيئا مرتين أو ثلاثا حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب، [فقال الخطابي (^١): يحتمل أن تكون هذه الاستعاذة من المنافقين خاصة، وأنكر القاضي عياض هذا، وقال (^٢): لا يصح أن يكون من قول المنافقين ولا يستقيم الكلام فيه، وهذا الذي قاله عياض هو الصواب، ولفظ الحديث مصرح به، وظاهر فيه، وإنما استيفاء منه لما قدمناه من كونهم رأوا سمات المخلوق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.] قال بعض علمائنا: وهذا لمن لم يكن له رسوخ العلماء ولعلهم الذين اعتقدوا الحق وجرموا عليه من غير بصيرة [وكذلك] كان اعتقادهم قابلا للانقلاب واللَّه أعلم. قلت: ويحتمل أن يكونوا المنافقين والمرائين وهو أشبه واللَّه أعلم لأن في الامتحان الثاني يتحقق ذلك لأن في حديث أبي سعيد هذا بعد قوله حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. قاله القرطبي في التذكرة (^٣).\nقوله: \"قالوا يا ربنا فارقنا الناس أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم\" معنى قولهم يا ربنا: التضرع إلى اللَّه تعالى في كشف هذه الشدة عنهم وأنهم لزموا طاعته ﷾ وفارقوا في الدنيا الناس الذين زاغوا عن طاعته ﷾ من قراباتهم وغيرتهم ممن كانوا يحتاجون في معايشهم ومصالح\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٤٨)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٢٠).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٠).\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٤٣).","vol":"14","page":335},{"text":"دنياهم إلى معاشرتهم للارتفاق بهم، اهـ، قاله النووي في شرح مسلم (^١).\nوقال الكرماني (^٢): قوله: أفقر ما كنا، أي أحوج، يعني لم نتبعهم في الدنيا مع الاحتياج إليهم ففي هذا اليوم بالطريق الأولى. قوله: \"فيقول أنا ربكم فيقولون: نعوذ باللَّه لا نشرك باللَّه شيئا مرتين أو ثلاثا\" الحديث.\nقال الكرماني (^٣): فإن قلت ما فائدة قولهم: لا نشرك باللَّه شيئا إذ يوم القيامة ليس [فيه] التكليف. قلت: قالوا استلذاذا وافتخارا بذلك أو تذكارا لسبب النعمة التي وجدوها، اهـ. قوله: \"حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب\" معناه وللَّه أعلم ينقلب عن الصواب ويرجع عند الامتحان الشديد الذي جرى واللَّه أعلم، قاله النووي (^٤).\nقوله: \"فيقول أَهَلْ بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون نعم: فيكشف عن ساق\" الحديث، المراد بالآية العلامة وقوله: \"فيكشف عن ساق\" ضبط يكشف بضم الياء وفتحها وفسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة الساق هنا بالشدة أي يكشف عن شدة وأمور مهولة، وقال بعضهم عن ساق يعني عن شدة عظيمة خارقة للعادة خارجة عن وسع البشر وقيل المراد بالساق هنا نور عظيم وورد ذلك في حديث عن النبي -ﷺ-، وقال ابن فورك معنى ذلك ما\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٧).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٧/ ٧٩).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٧/ ٧٩).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٧).","vol":"14","page":336},{"text":"يتجدد للمؤمنين عند رؤية اللَّه من الفوائد والألطاف، قالوا: وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر ولهذا يقولون: وقامت الحرب على ساق، [وأصله أن الإنسان إذا وقع في شدة يقال شمّر عن ساقه] وكشف عن ساقه للاهتمام بذلك الأمر العظيم، قاله النووي (^١). وزاد الكرماني (^٢) كما يقال: [للأقطع] الشحيح يده مغلولة ولا يد ثَمَّ ولا غُلّ وإنما هو متل في شدة البخل، وكذلك هذا لا ساق هناك ولا كشف، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"ولا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاء نفسه إلا أذن اللَّه له بالسجود\" الحديث، وهذا السجود امتحان من اللَّه تعالى لعباده، قاله النووي (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل اللَّه ظهره طبقة واحدة\" الحديث، والطبقة بفتح الطاء والياء، قال الهروي وغيره الطبق، فقار الظهر أي صار فقارة واحدة كالصفيحة فلا يقدر على الانحناء ولا على السجود، قاله عياض.\nقوله -ﷺ-: \"ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا\" الحديث، أي فيتجلى لهم في صفته التي يعرفونه بها التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي والجمال بعد\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٨) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٢٢).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٢٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٨).","vol":"14","page":337},{"text":"أن يرفع الموانع عن أبصارهم. قال الخطابي (^١): وهذه [الرؤية] التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي في الجنة لكرامة أولياء اللَّه تعالى وإنما هذه للامتحان، اهـ. إذ هي للتمييز بين من عبد اللَّه تعالى ومن عبد غيره، والرؤية المذكورة في الحديث بمعنى يالعلم لأنهم لم يروه قبل ذلك واللَّه أعلم. وفي حديث آخر: فيتبعونه، معناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة أو يتعبون ملائكته ورسله الذين يذهبون بهم إلى الجنة. قوله: \"ثم يضرب الجسر على جهنم\" أي ينصب والجسر بفتح الجيم وكسرها لغتان مشهورتان وهو هاهنا الصراط وأصله القنطرة يعبر عليها، قاله عياض (^٢).\nقوله: \"وتحل الشفاعة\" بكسر الحاء وقيل بضمها، ومعنى تحل أي تقع، [وأصله القنطرة يعبر عليها، قاله عياض]، ويؤذن فيها. قوله: \"قيل يا رسول اللَّه وما الجسر؟ قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد\" الحديث، الدحض بإسكان الحاء هو الزلق قاله المنذري. وقال بعض العلماء: دحض بالدال المفتوحة والحاء الساكنة والتنوين، والمزلة هو المكان الذي لا تثبت عليه القدم إلا زلت، قاله الحافظ، وقال بعضهم مزلة بفتح الميم وفي الزاي لغتان مشهورتان الفتح والكسر، والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل وتزلق فيه الأقدام ولا تستقر إلا من\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٨)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٤٩)، وكشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٥/ ٣٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٩).","vol":"14","page":338},{"text":"عصمه اللَّه تعالى، ومنه دحضت الشمس أي مالت وحجة داحضة أي لا ثبات لها. وأما الخطاطيف فجمع خطاف بضم الخاء في المفرد والكلاليب بمعناه، وتقدم الكلام على الكلوب، وأما الحسك فهو بفتح الحاء والسين المهملتين وهو شوك صلب من حديد وتقدم الكلام على السعدان. قوله -ﷺ-: \"فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب\" الحديث، معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم.\nقوله -ﷺ-: \"فناج مُسلّم\" أي من النار \"ومخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم\" الحديث، معناه أنهم على ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص وقسم مكدوش فيلقى فيسقط في نار جهنم الحديث، المكدوش بشين معجمة هو المدفوع في نار جهنم دفعا عنيفا، وأما المكردس فهو بالسين المهملة هكذا هو في الأصول وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر الرواة أي الموثق الملقى في النار أو الملقى على غيره بعضهم على بعض في النار.\nقال ورواه بعضهم بالشين المعجمة ومعناه السوق، ومعناه كون الأشياء بعضها على بعض ومنه تكردست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها على بعض. وقال في النهاية (^١): المكردس الذي جُمعت يده ورجلاه وألقي إلى موضع.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٦٢).","vol":"14","page":339},{"text":"فائدة: قال القرطبي (^١): روي عن بعض أهل العلم أنه لن يجوز أحد الصراط حتى يُسأل في سبع قناطر: فأما القنطرة الأولى فيسأل فيها عن الإيمان باللَّه تعالى والإيمان هو التصديق بالقلب المطابق مع الإقرار باللسان حتى لو أقر بلسانه من غير علم ومعرفة بربه ﷾ لا يستحق اسم المؤمن وهذا لا نزاع فيه عند العلماء الذين هم حجة اللَّه في أرضه وعبارة بعضهم عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند اللَّه تعالى غيره. واعلم أنه مع ذلك لابد أن يكون الاعتقاد جازما خاليا عن الشّكوك مستمرا على ذلك، فلو طرأ عليه شك كفر، نسأل اللَّه تعالى العافية وقد نص القرآن العظيم على إكفار المنافقين وإن كانوا أظهروا الإتيان بالشهادتين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (^٢) الآية، وإجماع المسلمين على ذلك.\nالقنطرة الثانية: يسأل فيها عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز وتمامها بأن يأتي بمصححاتها ويجتنب مفسداتها، وذلك مذكور في كتب الفقه، ثم للصلاة أمور أخر اعتنى الشارع -ﷺ- بها وحرّض على الإتيان بها منها الخشوع وناهيك به أن اللَّه تعالى قد أثنى على فاعليه فقال ﷾: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (^٣) وقد ذهب بعفر\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٥١).\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٨٤.\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ١ - ٢.","vol":"14","page":340},{"text":"العلماء إلى أن الخشوع لابد منه في الصلاة وإلا فلا تصح والخشوع قطب البدن وما احتوى عليه واتفقوا على أن محله القلب وهو ذبول يرد على القلب عند الوقوف بين يدي الحق، وللناس فيه عبارات مختلفة وتقدم ذلك في بابه.\nالقنطرة الثالثة: يسأل فيها عن صوم شهر رمضان فإن جاء به تاما جاز وله مصحّحات ومفسدات ذكرها العلماء في كتب الفقه وفيه وفي فضله من الأحاديث ما لا يكاد يحصى وتقدم ذلك في بابه.\nالقنطرة الرابعة: يسأل فيها عن الزكاة ووجوبها ثابت بالكتاب والسنة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^١)، فإن أدّاها على الوضع الشرعي جاز العقبة وإن منعها أو منع منها شيئا فقد تسبب لنفسه في عذاب مهول، وتقدمت الأحاديث في ذلك.\nالقنطرة الخامسة: يسأل فيها عن الحج والعمرة والحج أحد أركان الإسلام وهو فرض عين بالإجماع بعد الكتاب والسنة وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة تقدمت.\nالقنطرة السادسة: يسأل فيها عن الوضوء والغسل فإن جاء [بهما] تامّين جاز وإلا فهو محبوس في شدة وعناء زيادة على ما هو على ظهره من أوزاره، والغسل والوضوء واجبان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة عندما يقتضي إيجابهما ولابد من الإتيان بهما على الوجه الشرعي وإلا فهو باق على ما كان\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٥٦.","vol":"14","page":341},{"text":"عليه من الحديث الأكبر والأصغر ولهما شروط وأركان مذكورة في كتب الفقه فيجب على كل مسلم تعلم ذلك ومتى أخّر عصى واستحق العقوبة واللَّه أعلم.\nالقنطرة السابعة: وليس في القناطر أصعب منها: يسأل فيها عن ظلامات الناس. وفي الصحيح أن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط حبسوا على قنطرة يقتص منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا. وقال بعض السلف: إن الرجل يحبس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا، ومظالم العباد كثيرة لا تنحصر حتى لو نظر شخص إلى شخص بعين التهديد أو الاحتقار بغير حق فهو ظلم، والآيات والأخبار في ذلك كثيرة جدا تقدمت، فإذا سلم العبد من هذه القناطر، ومن يسلم منها وأمروا بالمرور على الصراط مرُّوا أفواجا: المرسلون ثم النبيئون ثم الصديقون ثم المحسنون ثم الشهداء تم المؤمنون ثم العارفون وتبقى المسلمون مرورهم على قدر إيمانهم وأعمالهم وسيد المرسلين واقف على الصراط يقول: يا رب سلم سلم فمنهم من يمر كالبرق الخاطف الحديث. قال أبو الفرج بن الجوزي: قال المصطفى -ﷺ- فإذا صار الناس على [طرف] الصراط نادى ملك من تحت العرش يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط وليقف على كل عاص منكم وظالم فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها وما أشد حره.\nتنبيه: فإذا فرغ الخلق من الحساب فيقسم الخلق على أقسام ناج مطلق وهو الذي رجحت حسناته وطاشت سيئاته وقسم قضى اللَّه عليه بالعذاب","vol":"14","page":342},{"text":"مدة وهو من الموحدين [بما] استوجبه ولم يجب عليه الخلود في النار لكونه من أهل الإيمان وقسم وجب عليه الخلود في النار لكونه من الكفار فهؤلاء الأصناف إذا مرّوا على الصراط كان المؤمنون الناجون متباطئين في سرعة الجواز فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح إلى آخره فيقطعون الصراط ويسيرون إلى الحوض، وأما الكفار [فينقطعون] بين الصراط في إدراك النار فلا يقطعون ظهر الصراط حتى يلج الجمل في سم الخياط. وأما عصاة الموحدين الذين قضى اللَّه عليهم مدة بالعذاب في النار فإنهم إذا مروا على الصراط تخطفهم الكلاليب وتجتذبهم إلى النار فمنهم من يغمس فيها غمسا ثم يخرج ومنهم من يبقى فيها ساعة وساعات إلى آخر من يخرج من النار. قوله -ﷺ- في الحديث: \"فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم أشد مناشدة للَّه يوم القيامة في استيفاء الحق من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار\" الحديث، وفي رواية في استقصاء الحق بالصاد للكافة وعند بعضهم بضاد معجمة وعند السمرقندي في استيصاء الحق ولا وجه له [وعند] العذري والشجري، استيفاء الحق كما في رواية الكتاب والأول أولى. [واعلم] أن هذه وهي استيفاء الحق ضبطت على أوجه: أحدها استيضاء بتاء مثناة من فوق ثم مثناة من تحت ثم ضاد معجمة. والثاني بحذف المثناة من تحت، والثالث استيفاء بإثبات المثناة من تحت وبالفاء بدل الضاد. والرابع استقصاء بمثناة من فوق ثم قاف ثم صاد مهملة فالأول موجود في [كثير] من الأصول ببلادنا والثاني هو الموجود في أكثرها والثالث","vol":"14","page":343},{"text":"في بعضها وهو الموجود في الصحيحين لعبد الحق والرابع في بعضها ولم يذكر القاضي غيره، وجميع الروايات التي ذكرناها صحيحة ولكل منها معنى حسن وفيه كلام مطول في تفسير كل رواية واللَّه أعلم. قوله: \"فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرّم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا\" الحديث، أخرجوا من الإخراج خطابا للملائكة، وتقدم الكلام على تحريم الصور على النار وعلى دارات الوجوه وعلى السبعة أعضاء التي أمر بالسجود عليها.\nقوله: \"فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه\" الحديث، فحديث أبي سعيد الخدري هذا بيّن في أن الإيمان يزيد وينقص كما تقدم عن العلماء وهو مذهب أهل السنة فإن قوله: \"أخرجوا من في قلبه مثقال دينار نصف دينار وذرة\" يدل على ذلك.\nوقوله: \"من خير\" يريد به من إيمان أي من أعمال الإيمان التي هي أعمال الجوارح فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١)، وقد قيل أن المراد في هذا الحديث أعمال القلوب كأنه يقول: أخرجوا من عمل عملا بنية من قلبه لقوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات\" [وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير. وقوله تعالى: \"من كان في قلبه ذرة\" هذا\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.","vol":"14","page":344},{"text":"دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب وصحبته نية] (^١). وقال القاضي عياض (^٢): قيل معنى الخير المذكور في الحديث هنا اليقين. قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ وإنما يكون هذا التجزِّي لشيء زائد عليه من عمل صالح أو ذِكر خفيّ أو عمل من أعمال القلب من شفقة على مسكين أو رقة على يتيم أو خوف من اللَّه تعالى، فما هي من أفعال القلب دون الجوارح، وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد ونفي الشرك والإخلاص بقوله: لا إله إلا اللَّه، [ما في] الحديث، ثم هو بعد ذلك يقبض قبضة فيخرج قوما لم يعملوا خيرا قط يريد إلا التوحيد المجرد عن الأعمال، وقد جاء مبينا فيما رواه الحسين عن أنس في حديث مطول في الشفاعة وفيه: فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا اللَّه. قال: ليس ذلك لك أو قال ليس ذاك إليك، وعزتي وكبريائي وعظمتي وكبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا اللَّه [قاله النووي في شرحه] (^٣).\nقوله [أي اللَّه ﷿]: \"ثم يقول ارجعوا\" خطابا للملائكة كما تقدم.\n_________\n(^١) حصل تقديم في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (وقد قيل أن المراد في هذا الحديث أعمال).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٦٦)، شرح النووي على مسلم (٣/ ٣١).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":345},{"text":"وقوله تعالى: \"فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه\" الحديث، وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير. وقوله تعالى: \"من كان في قلبه مثقال ذرة\" هذا دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب وصحبته نية كما تقدم، وفيه دليل أيضًا على زيادة الإيمان ونقصانه كما تقدم أيضًا، وهو مذهب أهل السنة ومثقال الذرة من الخير ما يزن كذا، [والمراد بالذرة واحدة الذر وهو] (^١) [والذر] النمل الصغير الأحمر واحدته ذرة. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (^٢)، وسئل ثعلب عنها فقال: إنّ مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها وليس لها وزن. ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر وستره ثم وزنه فلم يزد شيئا. وهو أصغر ما يكون إذا مر عليها حول لأنها تصغر وتجري كما تفعل الأفعى. وروي عن ابن عباس أنه قال: الذرة رأس النمل.\nوقال صاحب المغيث (^٣): قال بعض العلماء: الشعيرة أربع رزات والرزة أربع سمسمات والسمسمة أربع خردلات والخردلة أربع ورقات نخالة والورقة أربع ذرات، وقد تشبه أجزاء الغبار التي ترى عند طلوع الشمس في الكوة بالذرات والذرة النملة الحمراء. وقال يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها وزن، وتقدم ذلك أيضًا عن ثعلب، وذكر عن بعضهم قال: وضعت\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(^٣) المجموع المغيث (١/ ٦٩٦ - ٦٩٧).","vol":"14","page":346},{"text":"كذا وكذا ذرة في كفة الميزن فلم تترجح [بها]. وقال آخر وضعت خبزا فغشيته النمل بحيث عمّته فوزنته [مع النمل ثم نقيته فوزنته] فما نقص من وزنه شيء، وتقدم ذلك لكن هذه العبارة أوضح. وقيل الذرة ليس [لها] في الدنيا وزن أصلا فأخبر اللَّه تعالى أنه يحاسب في الآخرة بما لا وزن له في الدنيا، اهـ.\nتنبيه: ورد في حديث آخر (^١): أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال حبة [من] (^٢) خردل من إيمان أو كما ذكر، والحبة بفتح الحاء واحدة الحب المأكول من الحنطة ونحوها، والخردل نبات معروف، قال الخطابي (^٣): الحبة من الخردل مثل ليكون عيارا في المعرفة وليس بعيار في الوزن لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، اهـ. ولكن ما يشكل في العقول قد يرد إلى عيار المحسوسات ليعلم ومعنى الحديث أنه يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان؛ والمراد من الخير الإيمان إذ هو أصل [الخيور] ولا خير أعظم منه. قال النووي (^٤): قال العلماء: المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد: وقد جاء في الصحيح بيان ذلك ففي رواية أخرجوا من قال لا إله إلا اللَّه وعمل من خير ما يزن كذا، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرا قط غير التوحيد.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤) عن أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٢) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٣) فتح الباري (١/ ٧٣)، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١١٧).\n(^٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١١٧).","vol":"14","page":347},{"text":"فإن قيل: كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟ [قلنا]: يجعل اللَّه ﷾ علامات يعرفون ذلك بها كما يعلمون كونهم من أهل التوحيد. قال: وفيه أن الأعمال من الإيمان لقوله -ﷺ-: \"خردل من إيمان\" والمراد ما زاد على أصل التوحيد، اهـ. وتقدم معنى ذلك معزُوًّا لغيره.\nقوله في الحديث: \"ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا\" هكذا هو خيرًا بإسكان الياء، أي صاحب خير. قوله: \"فيقول اللَّه ﷿ شفعت الملائكة وشفع النبيئون ولم يبق إلا أرحم الراحمين\" شفعت الملائكة هو بفتح الفاء.\nقال النووي: وإنما ذكرته وإن كان ظاهرا لأني رأيت من يصحفه ولا خلاف فيه، يقال شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع بكسر الفاء الذي يقبل الشفاعة والمشفع بفتحها الذي تقبل شفاعته. قوله: \"فيقبض قبضة من النار\" معناه يجمع جماعة. قوله: \"فيخرج منها قوم من النار لم يعملوا خيرا قط\" فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار، فظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فهذا السياق يدل على ذلك. وفي الحديث الآخر: لأخرجن من قال لا إله إلا اللَّه. قال القاضي عياض (^١): فهؤلاء الذين معهم مجرد الإيمان وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد من العمل على مجرد الإيمان وجعل الشافعين من الملائكة والنبيين دليلا عليه وتفرد اللَّه ﷾ بعلم ما تُكِنُّه\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٦٧)، شرح النووي على مسلم (٣/ ٣١).","vol":"14","page":348},{"text":"القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان، اهـ.\nقوله: \"قد عادوا حُمَما\" ليس بلازم في عادَه أن يصير إلى حالة كان عليها قبل ذلك، بل معنى عادوا صاروا، اهـ. وحمما الحمم بضم الحاء المهملة وفتح الميم جمع حُمَمة وهي الفحمة واحدة الفحم بفتح الحاء. قال ابن دريد: ولا يقال بسكونها وهو الجمر إذا [طفئ] ناره. قال القاضي (^١): وقياس هذا الباب السكون والفتح، اهـ. قاله عياض. قوله: \"فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال لها نهر الحياة\" الحديث، النهر فيه لغتان مشهورتان بفتح الهاء وإسكانها والفتح أجود وبه جاء القرآن العزيز، ونهر الحياة معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه وتقدم ذلك قريبا. وأما الأفواه فجمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها وأفواه الجنة [شرقها] يقال فوهة النهر والطريق أي فمه وأوله كأنه يريد مفتتحات مسالك قصور الجنة ومنازلها. قاله عياض (^٢). قال صاحب المطالع (^٣) كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها.\nقوله: \"فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل\" الحديث. قال [القتيبي] شبه نبات لحومهم بعد إحراقها بنبات الطاقة من النبت حين يطلع يكون صبيغا فما يلي الشمس من أعاليها أخضر وما يلي الظل أبيض، قاله في\n_________\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ٣٢).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٦٥).\n(^٣) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٥/ ٢٧٥).","vol":"14","page":349},{"text":"النهاية (^١). وتقدم الكلام على حميل السيل والحِبة مبسوطا في الحديث قبله. قوله: \"ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أُصَيْفِر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض\" الحديث، أمّا يكون في الموضعين الأولين فتامة ليس لها خبر معناها ما يقع وأصيفر وأخيضر مرفوعان، وإما يكون أبيض [فتكون] ناقصة وأبيض منصوب وهو خبرها.\nلطيفة. قوله: \"أصيفر\"، الاصفرار من جنس ألوان الرياحين ولهذا يسر الناظرين، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ (^٢)، وسيد رياحين الجنة الحناء وهو أصفر وملتوية أي منعطفة منثنية وذلك أيضًا يزيد الريحان حسنا يعني اهتزازه وتميله أي الذي في قلبه مثقال حبة من إيمان يخرج من ذلك الماء نضرا حسنا متنشطا متبخترا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متميلة، انتهى، قاله الكرماني (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم\" الحديث. أما اللؤلؤ فمعروف وفيه أربع قراءات في السبع جهمزتين في أوله وآخر وبحذفهما وبإثبات الهمز في أوله دون آخره وعكسه، وأما الخواتم فجمع خاتم بفتح التاء وكسرها ويقال خيتام وخاتام، قال صاحب التحرير المراد بالخواتيم هنا\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٦٩.\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١١٧).","vol":"14","page":350},{"text":"أشياء من ذهب أو غير ذلك تعلق في أعناقهم علامة يعرفون بها، قال: ومعناه تشبيه صفاتهم وتلألئهم باللؤلؤ واللَّه أعلم. وفي حديث أبي هريرة: يكتب على جباههم عتقاء الرحمن وهذا يعارض. ووجه الجمع بين الحديثين أن يكون بعضهم سيماهم في وجوههم وبعضهم سيماهم في رقابهم وقد يعبر بالرقبة عن جملة الشخص، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^١)، وقال -ﷺ- في حديث الخيل: \"ولم ينس حق اللَّه في رقابها وظهورها\" [فعبر] برقابها عن جملتها. فإن قيل: كيف سألوا محو ذلك ذلك الاسم عنهم وهو اسم شريف لأنه ﷾ أضافهم إليه، وقد جاء في حديث المتاحبون في اللَّه تعالى فيكون في جباههم هؤلاء المتحابون في اللَّه تعالى ولم يسألوا محوه. فالجواب أنهم إنما يسألوا محو ذلك بخلاف المتحابين في اللَّه تعالى لأنه أنِفوا أن يُنسبوا إلى جهنم التي هي دار الأعداء واستحيوا من إخوانهم من أجل ذلك فلما منّ اللَّه عليهم بدخول الجنة أرادوا كمال الامتنان بزوال هذه النسبة عنهم. وروي في حديث: أنهم إذا دخلوا الجنة قال أهل الجنة هؤلاء الجهنميون فعند ذلك يقولون إلهنا لو تركتنا في النار كان أحب إلينا من العار فيرسل اللَّه تعالى ريحا من تحت العرش يقال لها المسرة فتهب على وجوههم فتمحو الكتابة [وتزيدهم] بهجة وجمالا، اهـ، قاله في الديباجة. [تتمة. قال القرطبي (^٢): وذكر الكلابادي أبو بكر محمد بن إبراهيم في بحر\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٩٢.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٨٥).","vol":"14","page":351},{"text":"الفوائد له (^١) قال: حدثنا أبو نصر محمد بن إسحاق الرشادي فذكره إلى أن قال: حدثنا نعيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن أبي قلابة: قال كان لي ابن أخ يتعاطى الشراب فمرض فبعث إليّ ليلا أن ألحق به فأتيته فرأيت أسودين قد دنيا من ابن أخي فقلت إنا للَّه وانا إليه راجعون، هلك ابن أخي فاطلع أبيضان من الكوة التي في البيت فقال أحدهما لصاحبه انزل إليه فلما [تنحى] الأسودان فجاء فشم فاه فقال ما أرى فيه ذكرا ثم شم بطنه فقال ما أرى فيه صوما ثم عاد فشم رجليه فقال ما أرى فيهما صلاة. فقال له صاحبه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون رجل من أمة محمد -ﷺ- ليس له من الخير شيء؟ ويحك عدُ فانظر. فعاد فشم فاه فقال: ما أرى فيه ذكرا ثم عاد فشم بطنه فقال ما أرى فيه صوما ثم عاد فشم رجليه فقال: ما أرى فيهما صلاة فقال ويحك رجل من أمة محمد ليس معه من الخير شيء؟ اصعد حتى أنزل أنا، فنزل الآخر فشم فاه وقال: ما أرى فيه ذكرا ثم شم بطنه فقال ما أرى فيه صوما ثم شم رجليه فقال: ما أرى فيهما صلاة. قال: ثم عاد فأخرج طرف لسانه فشم لسانه ثم قال: اللَّه أكبر، أراه قد كبر تكبيرة بأنْتَاكيِةَ يريد بها وجه اللَّه تعالى. قال: ثم فاضت نفسه وشممت في البيت رائحة المسك، فلما صليت الغداة قلت لأهل المجلس هل لكم في رجل صالح من أهل الجنة، وحدثتهم حديث ابن أخي فلما بلغت ذكر أنتاكية قالوا: ليست بأنتاكية هي أنطاكية. قلت: لا واللَّه لا أسمِّيها إلا كما سمّاها الملك، اهـ. قال: فهذه تكبيرة أراد بها وجه اللَّه زائدة\n_________\n(^١) بحر الفوائد (المشهور بمعاني الأخبار) للكلاباذي (٦٠٩).","vol":"14","page":352},{"text":"على الشهادة التي هي شهادة الحق التي هي الإيمان باللَّه تعالى كما تقرر، فشفاعة النبي -ﷺ- والملائكة والنبيئين والمؤمنين لمن كان له عمل زائد على مجرد التصديق ومن لم يكن معه مع الإيمان خير هو الذي يتفضل اللَّه عليه فيخرجه من النار فضلا وكرما وعدا منه حقا [وكلمة] صدقا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^١)، فسبحان الرءوف بعبده الموفي بعهده، اهـ، قاله في الديباجة] (^٢).\nتنبيه: ورد في الخبر الصحيح أن أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأما عصاة هذه الأمة الذين أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم اللَّه إماتة حتى إذا كانوا حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فيهم فيجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل ويسمى هؤلاء عتقاء اللَّه تعالى، اهـ. فأما قوله: \"الذين أصابتهم النار بذنوبهم\" فمعناه أن المذنبين من المؤمنين يميتهم اللَّه إماتة بعد أن يُعذبوا المدة التي أراد اللَّه ﷾، وهذه الإماتة إماتة حقيقة يذهب معها الإحساس ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم ثم يميتهم ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدرها اللَّه تعالى يخرجون من النار موتى قد صاروا فحما\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ٤٨.\n(^٢) حصل تقديم لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (قوله في الحديث: (ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا) هكذا هو خيرا بإسكان الياء، أي صاحب خير).","vol":"14","page":353},{"text":"فيحملون ضبائر. قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تفرقة. وقوله: \"فبثوا\" هو بالباء الموحدة المضمومة وبعدها ثاء مثلثة ومعناه فرقوا فيحملون كما تحمل الأمتعة ويلقون على أنهار الجنة فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون ثم تشتدّ [قوّتهم] بعد ذلك ويصيرون إلى منازلهم فهذا الظاهر من لفظ الحديث، ومعناه. وحكى القاضي عياض فيه وجهين: أحدهما أنه إماتة حقيقة والثاني ليست بموت حقيقي ولكن يغيب عنهم إحساسهم بالآلام واللَّه أعلم، ويجوز أن تكون آلامهم أخف، هذا كلام القاضي والمختار ما قدمناه. قاله النووي (^١).\nتنبيه أيضًا: قد اختلفت الآثار في مقدار بقاء العصاة في النار، فقال الإمام أبو العباس الإقليشي لم أجد في ذلك حدا في صحيح الآثار غير أن الإمام أبا حامد الغزالي ذكر في الإحياء (^٢) حال عصاة الموحدين فقال أن أقل بقاء العاصي في النار لحظة وأكثره سبعة آلاف عام لما ورد به الإخبار، اهـ.\nتنبيه أيضًا: هذا الحديث حجة لأهل السنة على المرجئة [أي الفرقة الملقبة بالمرجئة، ولقبوا بالمرجئة لأنهم يرجئون العمل أي يؤخرونه، يقال أرجئت الأمر أي أخرته بهمز ولا يهمز، أو لأنهم يعطون الرجاء حيث يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، واللَّه أعلم، قاله في الديباجة،] حيث علم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار إذ\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨٣).\n(^٢) إحياء علوم الدين (٤/ ٢٦).","vol":"14","page":354},{"text":"مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار وحجة على المعتزلة أيضًا حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي في النار واللَّه أعلم.\n\n٥٤٦٧ - وعن أنس -﵁- قال كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- فضحك فقال هل تدرون مم أضحك قلنا اللَّه ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه فيقول يا رب ألم تجرني من الظلم يقول بلى فيقول إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا والكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه ويقول لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل رواه مسلم (^١).\nأناضل بالضاد المعجمة أي أجادل وأخاصم وأدافع.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"عند النبي -ﷺ- فضحك فذكره إلى أن قال: فقال يا رب ألم تجرني من الظلم\" معناه ألم تنقذني من الظلم فإني ما أشركت بك شيئا ولا ارتكبت معصية وتعذيب من هذا صفته ظلم وجنابك المقدس منزه عنه، يقال: أجاره اللَّه من العذاب أي أنقذه. وقوله: \"قال: فيقول بلى\". قال النبي -ﷺ-: يقول اللَّه تعالى بلى أي ارتكبت المعصية. قوله: \"فيقول: إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني\" أي لا أنفذ وأمضي، مِن أجاز أمره يجيزه إذا أمضاه وجعله جائزا، قاله في النهاية (^٢). قوله: \"فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا والكرام الكاتبين شهودا\". قال\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٧) (٢٩٦٩).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١٥).","vol":"14","page":355},{"text":"الزمخشري: فإن قلت لم ذكر الحسيب؟ قلت لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمين لأن هذه الأمور الغالب أن يتولاها الرجال فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم أنصفك من جعلك واللَّه حسيب نفسك. قوله: \"ويقال لأركانه انطقي\" أي [لأعضائه وجوارحه وأركان] كل شيء [جوانبه التي يستند إليها ويقوم بها]، [قوله: \"ثم يخلي بينه وبين الكلام\"، ومعنى يخلي بينه وبينه أي بينه وبين أركانه، قوله: \". . . \"، أي لجوارحه وأركان كل شيء نواحيه،] قوله: \"فيقول بعدا لكُنّ وسحقا\" أي هلاكا، ويجوز أن يكون من البعد ضد القرب. قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"فعنكُنَّ كنت أناضل\" أي أجادل وأخاصم وأدافع، قاله المنذري. وقال بعض العلماء أي أدافع لئلا تُعذَّبن. يقال: فلان يُناضل عن فلان إذا تكلم عنه بعذره ودفع والأصل فيه المراماة، [يقال انتضل القوم وتناضلوا إذا رموا السبق، وناضله إذا رماه] (^٢) فأصله من المناضلة بالسهام.\n\n٥٤٦٨ - وعن أبي هريرة -﵁- قال قرأ رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ الزلزلة ٨ قال أتدرون ما أخبارها قالوا اللَّه ورسوله أعلم قال فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا وكذا رواه ابن حبان في صحيحه. (^٣)\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٤٠).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) صحيح ابن حبان (٧٣٦٠)، وأخرجه ابن المبارك في مسنده (٩٣) وعنه أحمد (٢/ ٣٧٤)، =","vol":"14","page":356},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة تقدم\"، قوله -ﷺ-: \"يوم ندعو كل أناس بإمامهم\"، قال يُدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمدُّ له في جسمه ستون ذراعا ويبيض وجهه، الحديث. وقال ابن عمر: قال رسول اللَّه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (^١) فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والأهواء، ذكره الخطيب أبو بكر الحافظ من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر.\nفائدة يختم بها الباب: ومما يجلبه الموت على الإسلام من المنافع بياض الوجوه يوم القيامة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٢)، فجعل اللَّه ﷾ الذين ابيضت وجوههم قسيما للذين اسودت وجوههم وبيّن أن الذين\n_________\n= والترمذي (٢٤٢٩ و٣٣٥٣) والنسائي في الكبرى (١١٦٢٩)، والبزار في مسنده -البحر الزخار- (٨٥٤٩)، والبغوي في شرح السنة (١٥/ ١١٧)، وفي التفسير (٨/ ٥٠٢)، والحاكم (٢/ ٥٨٠)، والبيهقي في الشعب (٧٢٩٨).\nوقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح ووافقه النووي في الرياض (١/ ١٥٣)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه عبد الحق في الأحكام الكبرى (٣/ ٣٨٩)، (٤/ ٢٤٦) والحديث اختلف فيه فقيل: أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٥٦) (٢/ ٥٣٢)، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٠٤)، والضعيفة (٤٨٣٤)، وضعيف الجامع الصغير (٦٤٥٠).\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.","vol":"14","page":357},{"text":"اسودت وجوههم هم الذي يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم؟ فاقتضى ذلك أن كل مؤمن يبيض وجهه وأن كل من ابيض وجهه خالد في رحمة اللَّه. وأما الكافر فيسود وجهه، فهذا مما يقوّي في نفسك أن سواد الوجوه لا يكون إلا للكافرين فكل مؤمن يبيض وجهه بحمد اللَّه تعالى وبه قال أبي بن كعب واختاره الطبري (^١). وقال الحسن: السود وجوههم هم المنافقون وهو تنصيص على بعض الكفار. وقال مالك بن أنس: هم أهل الأهواء. وقال ابن عباس (^٢): تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وفي الحديث ما يؤيده، والمراد بأهل الأهواء وأهل البدعة من يقدح هواهم [وبدعتهم] في الإيمان. ومما يقوي في نفسك وجوه المؤمنين أيضًا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾ (^٣)، الآية. يريد ﷾ بذلك وجوه المؤمنين، يدل على ذلك قوله ﷾ عقب ذلك: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ (^٤) الآية، وقوله ﷾: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ (^٥) الآية. ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية،\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٥/ ٦٦٦) وقال وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار.\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٥٠)، تفسير الثعلبي (٣/ ١٢٤)، تفسير القرطبي (٤/ ١٦٧)، تفسير ابن كثير (٢/ ٩٢).\n(^٣) سورة عبس، الآية: ٣٨.\n(^٤) سورة عبس، الآية: ٤٠.\n(^٥) سورة يونس، الآية: ٢٦.","vol":"14","page":358},{"text":"وقد ظهر لك من هذه الآية أن المراد بالذين كسبوا السيئات الكفار بدليل ذكر خلودهم في النار واللَّه أعلم.\n\n٥٤٦٩ - وَعنهُ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- فِي قَوْله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (^٢) قَالَ يدعى أحدهم فَيعْطى كتَابه بِيَمِينِهِ ويمد لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعا ويبيض وَجهه وَيجْعَل على رَأسه تَاج من لُؤْلُؤ يتلألأ قَالَ فَينْطَلق إِلَى أَصْحَابه فيرونه من بعيد فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيهم فَيَقُول أَبْشِرُوا فَإِن لكل رجل مِنْكُم مثل هَذَا وَأما الْكَافِر فَيعْطى كتَابه بِشمَالِهِ مسودا وَجهه ويمد لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذرَاعا على صُورَة آدم وَيجْعَل على رَأسه تَاج من نَار فيراه أَصْحَابه فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ اخزه فَيَقُول أبعدكم اللَّه فَإِن لكل رجل مِنْكُم مثل هَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث (^٣).\n_________\n= (١) سورة يونس، الآية: ٢٧.\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٧١.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣١٣٦)، وابن حبان (٧٣٤٩)، والحاكم ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٠٥) و(٢١٦٥) الضعيفة (٤٨٢٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.","vol":"14","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>فصل في الحوض والميزان والصراط</span>\nالحوض مجتمع الماء، يقال استحوض الماء إذا اجتمع، ويجمع أحواضا وحياضًا.\n\n٥٤٧٠ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدًا.\n\n٥٤٧١ - وفي رواية حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله: \"عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي\" تقدمت مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء\" الحديث، وفي رواية: والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وفي رواية: وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء، وغير ذلك من الروايات. قال النووي (^٣): الصواب المختار أن هذا العدد للآنية على ظاهره وأنها أكثر عددا من نجوم السماء ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك بل ورد الشرع به مؤكدا بالقسم كما قال -ﷺ-:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٧٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٧) (٢٢٩٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٦).","vol":"14","page":360},{"text":"والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء. وقال عياض (^١): هذه إشارة إلى كثرة العدد وغاية الكثرة من باب قوله -ﷺ-: \"لا يضع العصى عن عاتقه\" واللَّه أعلم. قوله -ﷺ-: \"من شرب منه لم يظمأ أبدا\" أي يعطش أبدا، والظمأ مهموز مقصور كما ورد به القرآن العزيز وهو العطش. وقال القاضي عياض (^٢): ظاهر هذا الحديث أن الشرب من الحوض يكون بعد الحساب والنجاة من النار، فهذا هو الذي لم يظمأ بعده. قال: وقيل لا يشرب منه إلا من قدر له السلامة من النار، ويحتمل أن من شرب منه من هذه الأمة وقدر عليه [دخول] (^٣) النار لا يعذب فيها بالعطش بل يكون عذابه بغير ذلك لأن ظاهر الحديث أن جميع الأمة تشرب منه إلا من ارتد وصار كافرا. قال: وقد قيل أن جميع المؤمنين من الأمم آخذون كتبهم بأيمانهم ثم يعذب اللَّه من شاء من عصاتهم، وقيل إنما يأخذه بيمينه الناجون خاصة. قال القاضي: وهذا مثله، وقد روي في الحديث: من ورد شرب، فهذا صريح في أن الواردين كلهم يشربون وإنما يمنع منه الذين يذادون ويمنعون الورود لارتدادهم وسيأتي بيان ذلك قريبا في هذا الباب واللَّه أعلم. [قال أبو العباس القرطبي (^٤): ظاهره أن ذلك إنما يكون بعد النجاة من النار وأهوال القيامة\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٦).\n(^٢) انظر: إكمال المعلم (٧/ ٢٥٧). شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٤).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٩/ ٢٨).","vol":"14","page":361},{"text":"لأن الوصول إلى ذلك المحل الشريف والشرب منه والوصول إلى موضع يكون فيه النبي -ﷺ- ولا يمنع [منه] من أعظم الإكرام وأجل الإنعام ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب أو يذوق بعد ذلك [تنكيل] العذاب، فالقول بذلك أوهى من السراب، اهـ، قاله في الديباجة] (^١).\nتنبيه: اعلم أن القرطبي وغيره صححوا أن للنبي -ﷺ- حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثرا والكوثر في كلام العرب الخير الكثير، وذهب صاحب القوت وغيره إلى أن حوض النبي -ﷺ- إنما هو بعد الصراط ومنهم من قال: هو حوض واحد، اهـ. فإذا جاز المؤمنون المخلصون الصراط وردوا حوض النبي -ﷺ-، ولكل نبي حوض ورد ذلك في الترمذي: ترد عليه أمته لكل نبي على [قدره و] قدر تبعه. وقال [البكري] المعروف بابن الواسطي لكل نبي حوض إلا صالحا فإن حوضه ضرع ناقته، اهـ، إلا أن حوض نبينا [محمد] (^٢) -ﷺ- أعظم ماء وأكثر أكوابًا وأعظم واردًا، فإذا شرب المؤمنون منه وجدوا من اللذة والبرد والراحة من ألم الموقف والاستبشار بالخلاص من يوم القصاص والصعق وإلى نعيم الجنان ما تسري لذته في حبة الجَنَان. قال القاضي عياض (^٣): واعلم أن\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فهذا هو الذي لم يظمأ بعده. قال: وقيل لا يشرب منه إلا من قدر له السلامة من النار).\n(^٢) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٣) انظر: إكمال المعلم (٧/ ٢٦٠). شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٣).","vol":"14","page":362},{"text":"أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة ولا يتأول ولا يختلف فيه. قال: وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة وذكره مسلم من رواية ابن عمر وأبي سعيد وسهل بن سعد وجندب وعبد اللَّه بن عمرو بن العاصي وعائشة وأم سلمة وعقبة وابن مسعود وحذيفة وحارثة بن وهب والمستورد وأبي ذر وثوبان وأنس وجابر بن سمرة. ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر وزيد بن الأرقم وأبي أمامة وعبد اللَّه بن زيد وأبي برزة وسويد بن جبلة وعبد اللَّه الصُّنابحى والبراء بن عازب وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس وغيرهم. قال النووي (^١): ورواه البخاري ومسلم أيضًا من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب وعبد اللَّه بن عمر وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرات. قال القاضي (^٢): وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترًا.\nقال أبو العباس القرطبي (^٣): يجب على كل مكلف أن يصدق بأن اللَّه تعالى خص سيد المرسلين بالحوض المورود المصرح باسمه وصفته وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة التي يحصل\n_________\n(^١) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٣).\n(^٢) انظر: إكمال المعلم (٧/ ٢٦٠). شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٣).\n(^٣) لم أجده.","vol":"14","page":363},{"text":"بمجموعها العلم القطعي واليقين التواتري وقد روى ذلك عن النبي -ﷺ- ما يزيد [على] ثلاثين صحابيا منهم في الصحيحين ما يزيد عن عشرين وباقيهم في غيرهما، ورواه من التابعين أمثالهم وقد أنكرته طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وهم ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.\nقوله: \"وفي رواية: حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء\" الحديث. قال العلماء: معناه أي يتسوي طوله [كعرضه] كما قال في حديث أبي ذر عرضه مثل طوله. [قوله -ﷺ-: \"وزواياه\" جمع زاوية أي نواحيه كما قال في الحديث الآخر: ما بين ناحيتيه] (^١). قوله ﷺ ماؤه أشد بياضا من الورق، هكذا هو في جميع النسخ، والورق بكسر الراء الفضة.\n\n٥٤٧٢ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- حَوْضِي من كذَا إِلَى كذَا فِيهِ من الْآنِية عدد النُّجُوم أطيب ريحًا من الْمسك وَأحلى من الْعَسَل وأبرد من الثَّلج وأبيض من اللَّبن من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ أبدا وَمن لم يشرب مِنْهُ لم يرو أبدا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا المَسْعُودِيّ (^٢).\n_________\n(^١) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٢) أخرجه البزار (٧٥٢٦)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٨٥ رقم ٥٠٢٤). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٦١: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، وفيه المسعودي، وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٠٠) وضعيف الترغيب (٢١٠٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":364},{"text":"٥٤٧٣ - وعن أبي أمامة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال إن اللَّه وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب فقال يزيد بن الأخنس واللَّه ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب فقال رسول اللَّه -ﷺ- قد وعدني سبعين ألفا مع كل ألف سبعين ألفا وزادني ثلاث حثيات. قال فما سعة حوضك يا نبي اللَّه قال كما بين عدن إلى عمان وأوسع وأوسع يشير بيده قال فيه مثعبان من ذهب وفضة. قال فماء حوضك يا نبي اللَّه قال أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا ولم يسود وجهه. رواه أحمد (^١) ورواته محتج بهم في الصحيح وابن حبان في صحيحه. (^٢)\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٢١٥٦)، وأخرجه المؤمل بن إيهاب في جزئه (٧) بقي بن مخلد في الحوض والكوثر (٢) أبو موسى المديني في خصائص مسند أحمد (ص ٢٠). ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٢٤٧)، (١٢٤٨). وفي السنة (٥٨٨ و٧٢٩) وابن حبان في صحيحه (٦٤٥٧ و٧٢٤٦) والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٥٩) (٧٦٧٢). (٨/ ١٥٥) (٧٦٦٥)، وفي مسند الشاميين (٩٥٤) (١٩٦٨)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٦٠٧). البيهقي في البعث والنشور (١٣٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٩٣). قال الضياء في صفة الجنة (ص ٥٥): أبو اليمان اسمه عامر بن عبد اللَّه بن لحي ودحيم لقب واسمه عبد الرحمن بن إبراهمِم القاضي شيخ البخاري ومن قبله إلى أبي أمامة من رجال الصحيح إلا الهوزني وما علمت فيه جرحا. وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح. مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥٧): عند الترمذي، وابن ماجه بعضه، رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح إلا أنه قال في الطبراني: فما شرابه؟ قال: شرابه أبيض من اللبن وأحلى مذاقة من العسل. وقال ابن حجر: أخرجه أحمد وسنده صحيح. الإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ٦٤٦). وقال ابن كثير: وهذا إسناد حسن. تفسير ابن كثير (١/ ٣٩٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦١٤).\n(^٢) (٦٤٥٧ و٧٢٤٦).","vol":"14","page":365},{"text":"ولفظه قال عن أبي أمامة أن يزيد بن الأخنس -﵁- قال يا رسول اللَّه ما سعة حوضك قال ما بين عدن إلى عمان وإن فيه مثعبين من ذهب وفضة. قال فماء حوضك يا نبي اللَّه قال أشد بياضًا من اللبن وأحلى مذاقة من العسل وأطيب رائحة من المسك من شرب منه لم يظمأ أبدا ولم يسود وجهه أبدًا المثعب بفتح الميم والعين المهملة جميعا بينهما ثاء مثلثة وآخره موحدة وهو مسيل الماء.\nقوله: \"وعن أبي أمامة\" واسمه صدي بن عجلان تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن اللَّه وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب. فقال يزيد بن الأخنس: واللَّه ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب\" الحديث، والأصهب الذي يعلو لونه صهبة وهي كالشقرة. قاله الخطابي. قال ابن الأثير: والمعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد واللَّه أعلم. ويزيد بن الأخنس [هو يزيد بن الأخنس بن جيب بن حرة بن زغب بن مالك ابن عفاف بن عتبة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم أبو يزيد السلمي وقد قيل غير ذلك في نسبة له ولأبيه ولابنه صحبة].","vol":"14","page":366},{"text":"قوله: \"فقال رسول اللَّه -ﷺ-: قد وعدني سبعين ألفا مع كلل ألف سبعين ألفا وزادني ثلاث حثيات\" الحديث، الحثوة والحثية ما يحثيه الإنسان بيديه من ماء أو تراب أو غيرهما وهو بالثاء المثلثة، والحثيات هنا كناية عن المبالغة في الكثرة ولا كفّ ولا حَثْي جل اللَّه ﷿ عن ذلك.\nتنبيه: يجوز في ثلاث حثيات الرفع عطفا على المبتدأ الذي هو قوله: سبعون ألفا وهو الأقرب، ويجوز النصب عطفا على مفعول [يدخل أي] (^١) يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا [وثلاث] حثيات من ربي، والكثرة في الرفع أكثر من النصب بسبعين واللَّه أعلم بمراد نبيه -ﷺ-. وأصحاب هذه الحثيات هم الذين وقعوا في قبضته الأولى سبحانه يوم القبضتين، فإن قيل: فكيف كانوا أولا قبضة واحدة ثم صاروا ثلاث حثيات [مع العدد المذكور؟ قيل أنه] سبحانه أخرج يوم القبضشين صورهم وأشباحهم. وقد روي أنهم كانوا كالذر [وأمّا] يوم الحثيات بكلتا اليدين واللَّه أعلم. قاله في حادي الأرواح، وقال الطبراني في حديثه (^٢): حدثني عامر بن يزيد أنه سمع عتبة بن عبد اللَّه\n_________\n(^١) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٢) والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ١٢٦) (٣١٢)، (١٧/ ١٢٨) (٣١٣)، والمعجم الأوسط (٤٠٢)، ومسند الشاميين (٢٨٦٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٨٣) بقي بن مخلد في الحوض والكوثر (١٥) الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٩٧ - ١٩٨)، وعثمان الدارمي في نقضه على بشر المريسي (٢٧٦ - ٢٧٧) وابن حبان في الصحيح (٦٤٥٠ و٧٢٤٧ و٧٤١٦)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٤٦) والبيهقي في البعث والنشور (٢٧٤) وابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٢٠) قال الضياء في صفة الجنة (ص ٥٥) لا أعلم =","vol":"14","page":367},{"text":"السلمي قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: إن ربي ﷿ وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، فبكى عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم اللَّه في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم وأرجو أن يجعلني اللَّه في إحدى الحثيات الأواخر.\nقال الطبراني (^١): وحدثني أحمد بن [خليد] فذكره إلى أن قال: عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد اللَّه بن عامر بن قيس الكندي أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: إن ربي ﷿ وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ويشفع [لكل] ألف سبعين ألفا. [قال قيس: فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم؟ قال: نعم بأذني ووعاه قلبي.] قال أبو سعيد الأنماري:\n_________\n= لهذا الإسناد علة، واللَّه أعلم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٥٦) (١٠/ ٧٦٣): رواه الطبراني في الأوسط وفي الكبير وأحمد باختصار عنهما وفيه عامر بن زيد البكالي وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه وبقية رجاله ثقات. قال ابن حجر فتح الباري (١١/ ٤١٠): وفي صحيح ابن حبان أيضًا والطبراني بسند جيد من حديث عتبة بن عبد نحوه بلفظ ثم يشفع كل الف في سبعين الفا ثم يحثى ربي ثلاث حثيات بكفيه وفيه. .\n(^١) والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥) (٧٧١)، (٢٢/ ٣٠٥) (٧٧٢)، وفي المعجم الأوسط (٤٠٤)، وفي مسند الشاميين (١٨٨٩) وفي (٢٨٦٣)، وأخرجه عثمان الدارمي في نقضه على بشر المريسي (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢١١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٨١٧) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٣٧٢ - ٣٧١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٥٦): رواه الطبراني في الأوسط والكبير إلا أنه قال في الأوسط أبو سعيد الأنماري ورجاله ثقات.","vol":"14","page":368},{"text":"فحسب ذلك عند رسول اللَّه -ﷺ- فبلغ أربعمائة ألف ألف وسبعمائة ألف. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إن ذلك يستوعب إن شاء اللَّه مهاجري أمتي، اهـ. قاله في حادي الأرواح. قوله: \"قال فما سعة حوضك يا نبي اللَّه؟ قال: كما بين عدن إلى عمان وأوسع، يشير بيده\" الحديث. وعدن هي بفتح العين والدال المهملتين مدينة لطيفة معروفة باليمن مما يلي البحر وهي أحد حدّي أرض العرب عرضا إلى العذيب من ناحية الكوفة، وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى البحرين ومنها تسافر مراكب الهند والسند والصين وإليها [تجلب] بضائع هذه الأقاليم من الحرير والكيمخت والمسك والعود والطيب والعاج والأبنوس والزبد وثياب الحرير الفاخرة وغير ذلك، اهـ. قال صاحب الحاوي في زكاة المعادن، يقال: عَدَنَ إذا أقام وسميت البلد عدنا لأن تُبَّعا كان يحبس فيها أصحاب الجرائم، اهـ. وأما عُمَانُ فهي اسم لمدينتين بضم العين وتخفيف الميم لا غير فهي مدينة معروفة باليمن بقرب البحرين ولها ذكر في الحديث والمعروف في روايات الحديث وغيرها ترك صرفها، وحكى القاضي عياض (^١) أن منهم من ضبطها بفتح العين وتشديد الميم يعني عَمَّان البلقا وهذا غلط منهم، اهـ. فعُمَان التي ياليمن بقرب البحرين من العروض إليها ينسب العُماني الراجز، سميت بعُمان بن سنان وهو من ولد إبراهيم -ﷺ- فيما ذكروا واللَّه أعلم، وفيه نظر إذ لا يعرف في ولد إبراهيم -ﷺ- لصلبه من اسمه سنان. قاله السهيلي في الروض الأنف على سيرة\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٢٥٩).","vol":"14","page":369},{"text":"ابن هشام. وأما عَمَّان البلقاء التي بالشام فهي بفتح العين وتشديد الميم فهي قرية قديمة من عمل دمشق بالشام سميت بعمّان بن لوط بن هاران، كان سكنها فيما ذكروا واللَّه أعلم، قاله السهيلي أيضًا. قال الفرزدق:\nفحبّك أغشاني بلادا بغيضة ... إليّ وروميا بعمّان اقشرا\nقوله -ﷺ- في الحوض: \"فيه ثعبان من ذهب وفضة\" الحديث، المثعب بفتح الميم والعين المهملة جميعا بينهما ثاء مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء، قاله الحافظ المنذري. قوله في رواية الطبراني في الحوض: فيه أكاويب عدد نجوم السماء، الحديث، والأكاويب جمع كوب وهو كوز لا عروة له. وقيل لا خرطوم له، فإذا كان خرطوم فهو إبريق، قاله الحافظ أيضًا. قوله في رواية الطبراني: \"حوضي كما بين عدن وعمان\" والمراد بعد عدن إبين، ذكره سيبويه بكسر الهمزة على إصبع وجوز فيه الفتح فلذلك يقيد في هذا الكتاب، وقال ابن ماكولا: هو إبين بن زهير بن أيمن بن الهيسع بن حمير سميت به البلدة. وقال الطبراني: وعدنا ابنا عدنان سميت بهما البلدتان، قال ذلك السهيلي. قاله عياض.\nقوله: \"ولا يحضرون السدد\" وهو جمع السدة وهي الباب والسدة الفناء ولا شك في أن الأكواب غير الأباريق فقد غاير اللَّه بينهما بالعطف فقال تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ (^١) ولا شك أن آنية الجنة منها ما هو من ذهب ومنها ما هو من فضة ثم هذه الآنية منها ما هو [للشراب] بأنواعه ومنها ما هو للطعام بأنواعه.\n_________\n(^١) سورة الواقعة، الآية: ١٨.","vol":"14","page":370},{"text":"٥٤٧٤ - وعن ثوبان -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم فسئل عن عرضه فقال من مقامي إلى عمان وسئل عن شرابه فقال أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق رواه مسلم (^١) وروى الترمذي (^٢) وابن ماجه (^٣) والحاكم (^٤) وصححه عن أبي سلام الحبشي قال بعث إلي عمر بن عبد العزيز فحملت على البريد فلما دخلت إليه قلت يا أمير المؤمنين لقد شق علي مركبي البريد فقال يا أبا سلام ما أردت أن أشق عليك ولكن بلغني عنك حديث تحدثه عن ثوبان عن رسول اللَّه -ﷺ- في الحوض فأحببت أن تشافهني به فقلت حدثني ثوبان أن رسول اللَّه -ﷺ- قال حوضي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل وأكوابه عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون المنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد فقال عمر قد أنكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك وفتحت لي أبواب السدد لا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث ولا ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ عقر\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٧) (٢٣٠١).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٤٤٤) وقال \"هذا حديث غريب من هذا الوجه\".\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤٣٠٣).\n(^٤) المستدرك للحاكم (٤/ ٢٠٤) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"14","page":371},{"text":"الحوض بضم العين وإسكان القاف هو مؤخره.\nأذود الناس لأهل اليمن أي أطردهم وأدفعهم ليرد أهل اليمن يرفض بتشديد الضاد المعجمة أي يسيل ويترشش يغت فيه ميزابان هو بغين معجمة مضمومة ثم تاء مثناة فوق أي يجريان فيه جريا له صوت وقيل يدفقان فيه الماء دفقا متتابعا دائما من قولك غت الشارب الماء جرعا بعد جرع الشعث بضم الشين المعجمة جمع أشعث وهو البعيد العهد بدهن رأسه وغسل وتسريح شعره. الدنس بضم الدال والنون جمع دنس وهو الوسخ.\nقوله: \"وعن ثوبان\" ثوبان هو مولى رسول اللَّه -ﷺ- تقدمت ترجمته. قوله -ﷺ-: \"إني لبعقر حوضي أذود الناس عنه لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفضّ عليهم\" الحديث، عقر الحوض بضم العين [وإسكان القاف] هو مؤخره، اهـ. قاله الحافظ. وقال بعض العلماء هو مؤخره حيث تقف الإبل من الحوض إذا وردته وتسكن قافه [وتضم]، فيقال عقر وعقُر كعُسْر وعسُر، قاله الجوهري (^١).\nوقوله: \"أذود الناس عنه لأهل اليمن\" الحديث، أي أطردهم وأدفعهم ليرد أهل اليمن. قاله المنذري، وفي رواية: \"وإني لأصدّ الناس عنه\" أي الكفار، بمعنى [أطردهم] وأمنع. وقال بعضهم: معناه أطرد الناس عنه غير أهل اليمن ليرفض على أهل اليمن وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقديمهم في الإسلام والأنصار من اليمن فيدفع\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٧٥٣).","vol":"14","page":372},{"text":"غيرهم حتى يشربوا كما دفعوا عن النبي -ﷺ- أعداءه والمكروهات، اهـ.\nوقال في النهاية (^١) في قوله: \"أذود الناس عنه لأهل اليمن\" أي أطردهم وأدفعهم، ومنه الحديث: فليُذادن رجال عن حوضي أي ليُطردنّ. ويُروى فلا يُذادنّ أي لا تفعلوا فعلا يوجب طردكم عنه والأول أشبه، اهـ. وقوله: \"حتى يرفض عليهم\" بتشديد الضاد أي يسيل ويترشش، اهـ. قاله الحافظ المنذري وقال بعض العلماء معنى يرفضّ عليهم أي يسيل عليهم، ومنه حديث البراق استصعب حتى ارفض عرقا أي سال عرقه. قال أهل اللغة والغريب: وأصله من الدمع يقال ارفض الدمع إذا سال متفرقا. قوله: \"أضرب بعصاي\" قال القاضي عياض ﵀ (^٢): وعصاه المذكورة في هذا الحديث هي المكنى عنها بالهراوة. [قال أهل اللغة: الهراوة] بكسر الهاء العصى.\nقال النووي (^٣): وهذا الذي قاله في تفسير الهراوة بهذا العصى بعيد أو باطل لأن المراد بوصفه بالهرواة تعرّفُهُ بصفة يراها الناس معه يستدلون بها على صدقه. والصواب في تفسير صاحب الهراوة ما قاله الأئمة المحققون أنه -ﷺ- كان يمسك القضيب بيده كثيرا، وقيل لأنه كان يمشي والعصى بين يديه وتغرز له فيصلي إليها، وهذا مشهور في الصحيح واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٧٢).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٢٦٩) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٦٢).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٦٢).","vol":"14","page":373},{"text":"قوله -ﷺ-: \"يغتّ فيه ميزابان\" يعني الحوض، ومعنى يغتّ يصب. قال الحربي: أي لا ينقطع جريهما، [ويغتّ] بغين معجمة مضمومة ثم مثناة فوق أي يجريان فيه جريا له صوت، وقيل يدفقان فيه الماء دفقا متتابعا دائما من قولك غتّ الشارب الماء جرعا بعد جرع، اهـ. قاله الحافظ. [ومنه كره. . .] وقال بعض العلماء: هو بفتح الياء المثناة تحت وبغين معجمة مضمومة ومكسورة ثم مثناة فوق مشددة وهكذا ذكره ثابت والخطابي والهروي وصاحب التحرير والجمهور، وكذا هو في معظم نسخ بلادنا ونقله القاضي عن الأكثرين.\nقال الهروي: ومعناه يدفقان فيه الماء دفقا متتابعا شديدا. [قاله،] وأصله من إتباع الشيءِ الشيءَ، وقيل يصبّان فيه الماء دائما صبا شديدا. ووقع في بعض نسخ مسلم يعُبُّ بضم العين المهملة وبباء موحدة وحكاه القاضي عياض عن رواية العذري قال: وكذا ذكره الحربي وفسّره بمعنى ما سبق أي لا ينقطع جريانهما. قال: والعبّ الشرب بسرعة في نفَس واحد ومنه كره العبّ في الشرب وهو الشرب بنفس [واحدة، قاله عياض].\nقال القاضي عياض (^١): ووقع في رواية ابن هامان يثعب بمثلثة وعين مهملة أي يتفجر. قوله -ﷺ-: \"يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورِق\" الحديث، يمدانه بفتح الياء وضم الميم أي يزيدانه ويكثرانه، وتقدم معنى الورق في أوائل الباب.\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٢٦٦).","vol":"14","page":374},{"text":"قوله: وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي سلام الحبشي قال: بعث عمر بن عبد العزيز إليّ فحُمِلت على البريد\" الحديث، أبو سلام الحبشي اسمه مسطور الحبشي ويقل النوبي الباهلي الأعرج الدمشقي وقيل أن الحبشي نسبة إلى حي من حمير لا إلى الحبشة وكان من العباد تابعي ثقة روى له الجماعة البخاري في الأدب وذكره ابن حبان في الثقات. وعمر بن عبد العزيز الأموي التابعي الخلفية [الراشدي]، وكان يقال لعمر بن عبد العزيز الأشج لما ضربته دابة في وجهه فشجّته، وكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه لتسجة يملأ الأرض عدلا، و[كانت] أمه أم عاصم بن عمر بن الخطاب، أجمع العلماء على جلالته وفضله ووفور علمه وزهده وعدله وشفقته على المسلمين، صلى أنس بن مالك خلفه قبل خلافته، ثم قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول اللَّه -ﷺ- من هذا الفتى، تولى الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق -﵁-، فملأ الأرض قسطا وعدلا.\nوقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز، ولما تولى قالت رعاء الشاء في رءوس الجبال من هذا الخليفة الصالح الذي قام على الناس؟ فقيل لهم: وما علمكم بذلك؟ فقالو: إنه إذا قام خليفة صالح كفّت الذئاب عن شائنا. وقال أحمد بن حنبل: يروى في الحديث أن اللَّه يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها، فنظرنا في المائة الأولى فإذا عمر بن عبد العزيز. قال النووي في تهذيب","vol":"14","page":375},{"text":"الأسماء واللغات (^١): حمله العلماء في المائة الأولى على عمر [بن عبد العزيز، والثانية على الشافعي والثالثة على ابن سُريج. وقال الحافظ ابن عساكر: هو الشيخ أبو الحسن الأشعري. وفي الرابعة: على أبي سهل الصعلوكي، وقيل القاضي الباقلاني وقيل أبو حامد الإسفرايني. وفي الخامسة على الغزالي ﵀، اهـ. [وفي ذلك] خلاف لكل مذهب وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه. ولد عمر بن عبد العزيز بمصر وتوفي بدير سمعان قرية بحمص يوم الجمعة من رجب سنة إحدى ومائة وأوصى أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر رسول اللَّه -ﷺ- وأظفاره وقال: إذا متّ فاجعلوه في كفني ففعلوا ذلك، وعن يوسف بن ماهك قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر سقط علينا رقّ من السماء فيه مكتوب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: أمان من اللَّه لعمر بن عبد العزيز من النار، ذكره الكرماني (^٢)، وتقدم شيء من بعض مناقبه. قوله ﷺ: \"حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء\" الحديث، تقدم الكلام على عدن و[على] (^٣) عمان البلقاء في أحاديث الباب.\nقوله -ﷺ-: \"أول الناس وُرودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوسا الدنس ثيبا الذين لا ينكحون المنعمّات ولا تفتح لهم أبوب السّدد، فقل عمر: قد أنكحت\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٨).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٧٢).\n(^٣) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.","vol":"14","page":376},{"text":"المنعمات فاطمة بنت عبد الملك\" الحديث. تقدم الكلام على المهاجرين وهم الذين نصروا رسول اللَّه -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة، والشعث بضم الشين المعجمة جمع أشعث وهو البعيد العهد بدهن رأسه وغسله وتسريح شعره، اهـ، قاله الحافظ. والدنس بضم الدال والنون جمع دنس وهو الوسخ.\nقوله: \"ولا تفتح لهم [أبواب] (^١) السدد\" السدد الأبواب، أي لا تفتح لهم الأبواب لعدم الاكتراث بهم.\nقوله: \"فقال عمر\" أي ابن عبد العزيز: \"قد أنكحت المنعّمات فاطمة بنت عبد الملك\" هي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية. قوله: \"لا جرم ولا أغسل رأسي حتى يشعث\" تقدم معنى لا جرم في النكاح وغيره.\n\n٥٤٧٥ - وعن ابن عمر -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك أكوابه مثل نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أول الناس عليه ورودا صعاليك المهاجرين قال قائل من هم يا رسول اللَّه قال الشعثة رؤوسهم الشحبة وجوههم الدنسة ثيابهم لا تفتح لهم السدد ولا ينكحون المنعمات الذين يعطون كل الذي عليهم ولا يأخذون كل الذي لهم رواه أحمد بإسناد حسن (^٢).\n_________\n(^١) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٢) مسند أحمد (٦١٦٢)، والحديث؛ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٣١٢/ ١٤١٠٤)، وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (٣١٥/ ١٢) رقم (١٣٢٢٣)، وفي (الأوسط =","vol":"14","page":377},{"text":"قوله: الشحبة وجوههم بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها باء موحدة هو من الشحوب وهو تغير الوجه من جوع أو هزال أو تعب.\nوقوله لا تفتح لهم السدد أي لا تفتح لهم الأبواب.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدمت ترجمته في أول هذا التعليق. قوله -ﷺ-: \"حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج وأحلى من العسل\" الحديث. وقع في بعض النسخ كما بين عدن بالكاف وفي بعضها لما باللام وكلاهما صحيح. وعدن بفتح العين والدال المهملتين مدينة معروفة باليمن يقال فيها\n_________\n= (٣٤٧٧)، وفي مسند الشامين (٦٤٩) وأخرجه الإسماعيلي في (معجمه) (٤٥)، والبيهقي في الشعب (١٠٣٨١) قال ابن أبي حاتم في (العلل ٢/ ١٣٣): عن أبيه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد، يروون هذا الحديث عن أبي سلام، عن ثوبان، عن النبي -ﷺ-، ولا يشبه أن يكون هذا من حديث سالم. قلت: ما حال قتادة بن الفضل؟ قال: شيخ هو رهاوي. قلت: أبو حاضر من هو قال: مجهول. وقال الذهبي في (الميزان) (٤/ ٥١٢): (مجهول) وقال الهيثمي: أبو حاضر عبد الملك بن عبد ربه منكرُ الحديث (المجمع) (١/ ١٧٠) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٦) قلت: حديث ابن عمر في الصحيح بغير هذا السياق، وهذا على الصواب موافقا لرواية الناس، والذي في الصحيح: كما بين جربى وأذرح. وهما قريتان إحداهما إلى جنب الأخرى. وقال بعض مشايخنا -وهو الشيخ العلامة: صلاح الدين العلائي-: إنه سقط منه، وهو: كما بينكم وبين جربى وأذرح. وانه وقع بها سمعت هذا منه. رواه أحمد، والطبراني من رواية عمرو بن عمر الأحموسي، عن المخارق بن أبي المخارق، واسم أبيه: عبد اللَّه بن جابر، وقد ذكرهما ابن حبان في الثقات، وشيخ أحمد: أبو المغيرة من رجال الصحيح. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٠) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٨٦).","vol":"14","page":378},{"text":"عدن إبين أضيفت إلى إبين رجل من حمير عدَنَ بها أي أقام. قال الحازمي في المؤتلف يقال نسب إلى إبين بن زهير بن أيمن بن الهيسع بن حمير بن سبأ وإبين على وزن أبيض بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ونون هذا هو المشهور في تقييدها، وذكرها سيبويه بكسر الهمزة وجوز فيها الفتح، اهـ. قاله في التنقيح. وعمان تقدم الكلام عليها. قوله -ﷺ-: \"وأكوابه مثل نجوم السماء\" تقدم الكلام على الأكواب وأنها جمع كوب في أول هذا الباب. قوله -ﷺ-: \"أول الناس عليه ورودا صعاليك المسلمين\" جمع صعلوك وهو [الفقير]، قوله: \"الشعثة رءوسهم الشحبة وجوههم\" تقدم الكلام على الشعثة رءوسهم وبقية ألفاظ الحديث. والشحبة وجوههم هو بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها باء موحدة من الشحوب وهو [تغير] الوجه من جوع أو هزال أو تعب، اهـ.\n\n٥٤٧٦ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ حَوْضِي كَمَا بَين عدن وعمان فِيهِ أكاويب عدد نُجُوم السَّمَاء من شرب مِنْهُ لم يظمأ بعْدهَا أبدا وَإِن من يردهُ عَليّ من أمتِي الشعثة رؤوسهم الدنسة ثِيَابهمْ لَا ينْكحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ وَلَا يحْضرُون السدد يَعْنِي أَبْوَاب السُّلْطَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن فِي المتابعات (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١١٩ رقم ٧٥٤٦) والشاميين (٨٠٢). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٦٦: رواه الطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦١٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":379},{"text":"الأكاويب جمع كوب وَهُوَ كوب لَا عُرْوَة لَهُ وَقيل لَا خرطوم لَهُ فَإِذا كَانَ لَهُ خرطوم فَهُوَ إبريق.\n\n٥٤٧٧ - وعن أنس -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال ما بين جنبتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة، وفي رواية مثل ما بين المدينة وعمان (^١). وفي رواية ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء (^٢). زاد في رواية أو أكثر من عدد نجوم السماء (^٣). رواه البخاري (^٤) ومسلم وغيرهما (^٥).\nقوله: \"وعن أنس\" هو ابن مالك تقدم. قوله -ﷺ-: \"ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة\" الحديث. أما صنعاء فهي بفتح الصاد وإسكان النون وبالمد هي صنعاء اليمن قاعدة البحرين ومدينتها العظمى وصاحبها الأسود العنسي بالنون وهي من عجائب الدنيا كما قاله الشافعي -﵁-، والنسب إليها صنعاني بزيادة نون، وإنما قيدتها بصنعاء اليمن لئلا تشتبه بصنعاء دمشق قرية كانت في جانبها الغربي في ناحية الربوة والنسب إليهما واحد وإليها ينسب أبو [الأشعث] الصنعاني وبصنعاء الروم وذكر الحازمي في المؤتلف (^٦) أن صنعاء اليمن يقال لها: أزال بفتح الهمزة والزاي وآخرها\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤٢) (٢٣٠٣).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٣) (٢٣٠٣).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٩) (٢٣٠٣).\n(^٤) صحيح البخاري (٦٥٨٠).\n(^٥) صحيح مسلم (٤١) (٢٣٠٣).\n(^٦) انظر: البدر المنير (٨/ ٤٠٦).","vol":"14","page":380},{"text":"لام يجوز كسرها وضمها، قاله النووي (^١).\nقوله: \"وفي رواية: ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء\" الحديث، قال عياض (^٢): كذا رويناه بضم التاء من تُرى باثنتين فوقها، وقد رواه بعضهم [يرى] (^٣) بفتح الياء باثنتين تحتها وكسر الراء، وصوّبه بعضهم وقال معناه يضيء ويشرق من قولهم إنما أراد العدد وإنها [ترى] (^٤) في الكثرة الكثرة ككثرة النجوم، اهـ. وقع في هذه الرواية كعدد نجوم السماء بالكاف، ووقع في بعض النسخ لعدد نجوم السماء باللام، وكلاهما صحيح.\n\n٥٤٧٨ - وعن أنس -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال أعطيت الكوثر فضربت بيدي فإذا هي مسكة ذفرة وإذا حصباؤها اللؤلؤ وإذا حافتاه أظنه قال قباب تجري على الأرض جريا ليس بمشقوق. رواه البزار (^٥) وإسناده حسن في المتابعات ويأتي أحاديث الكوثر في صفات الجنة إن شاء اللَّه تعالى.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"أعطيت الكوثر فضربت بيدي فإذا مكسة ذفرة\" الحديث، وفي حديث فإذا طينه مسك أذفر، الذفر بالتحريك كل\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٨٢).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٧٧).\n(^٣) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٥) مسند البزار = البحر الزخار (٦٨١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٦): لأنس أحاديث في الصحيح في الحوض بغير هذا السياق. رواه البزار، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦١٩).","vol":"14","page":381},{"text":"ريح ذكية من طيب ونتن. يقال: مسك أذفر بيّن الذفر. الكوثر هو نهر في الجنة، قاله أنس بن مالك، ومعناه الخير الكثير، قاله مجاهد. وقالت عائشة: هو نهر في الجنة ليس أحد يُدخل أصبعيه في أذنيه إلا يسمع خرير ذلك النهر لشبه الخرير بالذي يسمعه حين يدخل أصبعيه في أذنيه. وجاء في التفسير أن الكوثر القرآن والنبوءة والكوثر في غير هذا الرجل الكثير العطاء، قاله في النهاية (^١). قوله: \"فإذا مسكة ذفرة\" أي طيب الريح، والذفر بالتحريك يقع على الطيب والكريه ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به، قاله في النهاية (^٢) أيضًا. فأما [الكوثر] (^٣) الذي أعطيه النبي -ﷺ- فذلك [مما] خص به في الجنة. [ففي] البخاري عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- قال: بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر في الجنة حافتاه الدر المجوف. قلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. فإذا طينه مسك. قوله: \"حافتاه الدر المجوف\" وفي رواية: حافتاه الياقوت المجيب. وفي سنن أبي داود: المجيب أو المجوف بالشك. وفي معا لأصحابهم [السنن]: المجيب أو المجوف بالباء فيهما على الشك. وقال معناه الأجوف. وقوله: \"بينا أنا أسير في الجنة\" أي ليلة المعراج. قوله: \"حافتاه\" أي طرفاه، وفي حديث: قباب الدر جمع قبة. قوله: \"وعن عتبة بن عبد السلمي\" هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٠٨).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٦١).\n(^٣) هكذا في الأصل -وهو الصواب-، والمثبت في النسخة الهندية: (الكثرة) ولعله سبق قلم.","vol":"14","page":382},{"text":"ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر. وقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. وهذا عتبة كان اسمه عتلة، فسماه النبي -ﷺ- عتبة. شهد خيبر.\nروى عنه ابنه يحيى، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة، وخالد بن معدان، وغيرهم.\nمات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي. قوله: \"قام أعرابي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: ما حوضك الذي تحدث عنه\" الحديث، الأعرابي بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية.\nقوله -ﷺ-: \"هو ما بين صنعاء إلى بصرى\" تقدم الكلام على صنعاء اليمن وأما بُصرى فبضم الباء الموحدة مقصورة على صيغة فُعلى أفعل هي مدينة بِحَوْران بفتح الحاء المهملة وبالراء مشهورة ذات قلعة وهي قريبة من طرف [العمارة] البرية التي بين الشام والحجاز وهي أول بلدان الشام فتوحا فتحت سنة ثلاث عشرة صلحا. قوله -ﷺ-: \"ثم يمدني اللَّه فيه بكراع لا يدري بشر ممن خلق أي طرفيه\" الحديث، الكراع بضم الكاف هو الأنف الممتد من الحرة استعير منها، قاله الحافظ، وقال في النهاية (^١) أي طرف من ماء الجنة مشبه بالكراع لقلته وأنه كالكراع من الدابة وكراع جمعه أكرع، اهـ. وقال الجوهري: وإنما جمع على أكرع وهو مختص بالمؤنث لأن الكراع يذكر ويؤنث.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٦٥).","vol":"14","page":383},{"text":"٥٤٧٩ - وَعَن عتبَة بن عبد السّلمِيّ -﵁- قَالَ قَامَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول اللَّه -ﷺ- فَقَالَ مَا حوضك الَّذِي تحدث عَنهُ فَقَالَ هُوَ كَمَا بَين صنعاء إِلَى بصرى ثمَّ يمدني اللَّه فِيهِ بكراع لَا يدْرِي بشر مِمَّن خلق أَي طَرفَيْهِ قَالَ فَكبر عمر رضوَان اللَّه عَلَيْهِ فَقَالَ -ﷺ- أما الْحَوْض فيزدحم عَلَيْهِ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين يقتلُون فِي سَبِيل اللَّه ويموتون فِي سَبِيل اللَّه وَأَرْجُو أَن يوردني اللَّه الكراع فأشرب مِنْهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).\nالكراع بِضَم الْكَاف هُوَ الأنف الممدد من الْحرَّة استعير هُنَا وَاللَّه أعلم.\n\n٥٤٨٠ - وعن أبي برزة -﵁- قال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء مسيرة شهر عرضه كطوله فيه مرزابان ينبعثان من الجنة من ورق وذهب أبيض من اللبن وأبرد من الثلج فيه أباريق عدد نجوم السماء رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه (^٢) من رواية\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٦٤٥٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٢٠) ظلال الجنة (٧١٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) صحيح ابن حبان (٦٤٥٨). أخرجه أحمد (١٩٨٠٤) وابن أبي عاصم في السنة (٧٠٢ و٧٢٠)، (٧٢٢) والبزار (٣٨٤٩ و٤٤٩٦)، والروياني (٧٧٣)، (١٣١٦)، والحاكم (١/ ٧٦) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢١١٣) والبيهقي في البعث (١٥٦)، وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بحديثين عن أبي طلحة الراسبي، عن أبي الوازع، عن أبي برزة وهو غريب صحيح من حديث أيوب السختياني، عن أبي الوازع، ولم يخرجاه\".\nقلت: لم يخرج مسلم رواية أبي طلحة عن أبي الوازع، واختلف فيهما، وثقا وضعفا، ولا ينزل حديثهما عن رتبة الحسن. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٧): رواه أحمد =","vol":"14","page":384},{"text":"أبي الوازع واسمه جابر بن عمرو عن أبي برزة واللفظ لابن حبان.\nقوله: \"وعن أبي برزة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء مسيرة شهر عرضه كطوله\" أما أيلة فهي بفتح الهمزة وإسكان الياء المثناة تحت وفتح اللام وهي مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر من بلاد الشام، قاله أبو عبيدة] (^١) متوسطة بين مدينة رسول اللَّه -ﷺ- ودمشق ومصر بينها وبين المدينة خمسة عشر مرحلة وبينها وبين دمشق نحو ثنتي عشرة مرحلة وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل. قال الحازمي: قيل هي آخر الحجاز وأول الشام مما يلي بحر اليمن. وتقدم الكلام على صنعاء اليمن ومعنى الحديث: أن ما بين طرفي الحوض أزيد من بعد ما بين أيلة إلى صنعاء.\nتنبيه: ورد وأن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، وفي رواية ما بين ناحيتيه كما بين جَرباء وأدرج. قال الداوودي: وهما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، قاله في نهاية الغريب وهذا الذي قاله غلط فإنهما مقاربتان بينهما [عذيرة] سهم وهما بين القدس والكرَك، وتقدم الكلام على أيلة. وأما الجحفة فهي نحو سبع مراحل من المدينة بينها وبين مكة وإما بجيم مفتوحة ثم راء ساكنة ثم باء موحدة ثم ألف مقصورة هذا هو الصواب، [والمشهور]\n_________\n= في أثناء حديث في إماطة الأذى، وقتل ابن خطل، ورجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني واللفظ له بإسنادين، في أحدهما سعيد بن سليمان النشيطي، وفي الأخرى صالح المري، وكلاهما ضعيف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٢١)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٩/ ١٩٦).\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":385},{"text":"أنها مقصورة وكذا [ضبطها] الحازمي في كتاب المؤتلف، وجاءت في البخاري ممدوة، وأما أدرُج فهي قرية بالشام كما تقدم.\nقال النووي (^١): قلت: وليس في القليل من هذه المسافات منع الكثير فالكثير ثابت على ظاهر الحديث بلا معارضة. واللَّه أعلم.\nفائدة: قال أبو عبد اللَّه القرطبي في التذكرة (^٢): ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف من الرواة وليس كذلك وإنما تحدث النبي -ﷺ- بحديث الحوض مرات عديدة وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة العديدة مخاطبا لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها فيقول لأهل الشام ما بين أدرج وجرباء ولأهل اليمن ما بين صنعاء إلى عدن، وهكذا، وتارة يقدر بالزمان فيقول مسيرة شهر، والمعنى المقصود أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا فكان كذلك بحسب من حضره ممّن يعرف تلك الجهات فخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها واللَّه أعلم، ولا يخطر ببالك ويذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض وإنما يكون وجوده في الأرض المبدّلة على مسامتة هذه الأقطار أو في المواضع التي تكون بدلا من هذه المواضع في هذه الأرض وهي أرض بيضاء [نقية] (^٣) كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يظلم على [ظهرها] أحد قط\n_________\n(^١) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٣/ ٢٩٧).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٠٦).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":386},{"text":"تطهر لنزول الجبار لفصل القضاء واللَّه تعالى أعلم.\nتنبيه: ويقال إن على أحد أركان الحوض أبا بكر -﵁- وعلى الثاني عمر -﵁- وعلى الثالث عثمان -﵁- وعلى الرابع عليا -﵁-. وقال الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (^١): وهذا لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع وقد رفعه صاحب الغيلانيات (^٢) من حديث حميد عن أنس -﵁-، [قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: إن على حوضي أربعة أركان، فأول ركن منها في يد أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه] والركن الثاني في يد عمر فذكر مثل ما تقدم إلى أن قال: فمن أحب أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر ومن أحب عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر ومن أحب عثمان وأبغض عليا لم يسقه عثمان ومن أحب عليا وأبغض عثمان لم يسقه علي، فذكر الحديث، اهـ.\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٠٧).\n(^٢) الفوائد الشهير بالغيلانيات لأبي بكر الشافعي (٦٣)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ١٥٧) وكذلك رواه الثعلبي في تفسيره (١٠/ ٣٠٩). وأخرجه ابن الجوزي في (العلل) وقال: هذا حديث لا يصحّ وفيه مجاهيل، وعلي بن عاصم قال فيه يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب. قال ابن حجر في لسان الميزان (٧/ ١٥٦) ترجمة محمد بن سعيد الأزرق الطبري: (روى عن يوسف بن حماد عن يزيد عن حميد عن أنس -﵁- رفعه: إنّ للحوض أربعة أركان؛ فالركن الأول في يد أبي بكر. . . الحديث بطوله). ومحمد بن سعيد الأزرق كذاب. وقال الذهبي: (هذا باطل) تلخيص العلل المتناهية ص ٨٦ - ٨٧ رقم ٢٠٤. وذكره ابن عراف في تنزيه الشريعة (١/ ٤٠٦) رقم ١٧٩ وقال: وفيه محمد بن عون الخراساني؛ قال النَّسائيّ: متروك. ومحمد بن الصباح؛ قال الأزدي: ضعيف. وفيه غير واحد لم أقف لهم على تراجم، واللَّه أعلم.","vol":"14","page":387},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله -ﷺ-: \"بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم. فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه\"، الحديث، الزمرة الجماعة.\nوقوله: \"هلم\" معناه تعالوا. قال أهل اللغة: في هلم لغتان أفصحهما هَلُمَّ للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين بصيغة واحدة وبهذه اللغة جاء القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (^١)، ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (^٢)، واللغة الثانية: هلم يا رجل وهلم يا رجلان وهلموا يا رجال وللمرأة هلمي وللمرأتين هلما وللنسوة هَلْمُمْن. قال ابن السكيت وغيره الأولى أفصح كما قدمناه. قاله النووي (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"فقلت ما شأنهم؟ فقال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري\" الحديث، كان ابن أبي مُليكة إذا روى هذا الحديث أو سمعه يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن في ديننا، وفي رواية أخرى: قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا، الحديث. وفي بعض الأحاديث فأقول: يا رب أمتي، فيقال: إنهم كانوا يمشون بعدك القهقري. قال الأزهري: معناه الارتداد عما كانوا عليه ومنه [قوله]: رجع القهقرى أي رجع الرجوع الذي يعرف\n_________\n(^١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٠.\n(^٢) سورة الأحزاب، الآية: ١٨.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ٩٥).","vol":"14","page":388},{"text":"بهذا الاسم لأنه ضرب من الرجوع كأنهم رجعوا إلى ورائهم، [والقهقرى] هو المشي إلى خلف من غير [أن] يعيد وجهه إلى جهة مشيه. قيل أنه من باب القهر، قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم\" الحديث، والهمل من النعم الضوالّ من الإبل، واحدها هامل.\nقاله الهروي. والهمل الإبل بغير راع وهي الهاملة والهوامل والهمال، وذلك يكون في الليل والنهار، الواحدة هامل، ولا يقال ذلك في الغنم، والهامل أيضًا من الإبل الضال، اهـ. قال الحافظ ومعناه أن الناجي قليل كضالة النعم بالنسبة إلى جملتها، اهـ.\nقوله: \"ارتدوا على أدبارهم\" قال الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (^٢): قال علماؤنا وكل من ارتد عن دين اللَّه أو أحدث فيه ما لا يرضاه اللَّه ولم يأذن به اللَّه فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه [وأشدهم] طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها والروافض على تباين ضلالها والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدّلون وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق [وقتال] أهله وإذلال أهله والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع ثم البعد قد يكون في حال ويقربون بعد المغفرة إن\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٢٩).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧١٠).","vol":"14","page":389},{"text":"كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء يعرفون به ثم يقال لهم سحقًا وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول اللَّه -ﷺ- يُظهرون الإيمان ويسرون الكفر فنأخذهم بالظاهر ثم يكشف لهم الغطاء فيقول: [سحقا] فسحقا. ولا يخلد في النار إلا كافر وجاحد ليس في قلبه حبة من خردل من إيمان واللَّه أعلم، اهـ. قوله -ﷺ- في رواية لمسلم قال: ترد عليّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، الحديث. الذود الدفع ومعناه كما يذود الساقي الناقة الغريبة عن إبله إذا أرادت الشرب مع إبله. قوله: \"قالوا يا رسول اللَّه تعرفنا؟ قال: نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم يردون عليّ غرًّا محجلين من آثار الوضوء\" الحديث، أما السيما فهي العلامة وهي مقصورة وممدوة لغتان ويقال السيمياء بياء بعد الميم مع المدة واستدل جماعة من العلماء في هذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة زادها اللَّه شرفا وتكريما وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في الوضوء.\nقوله -ﷺ-: \"ولتصدن عني طائفة منكم فلا يصلون فأقول يا رب هؤلاء من أصحابي -وفي رواية: أصيحابي- فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك\" وفي حديث تقدم في قيام الساعة فأقول: سحقا سحقا، الحديث وإنما صغر أصيحابي ليدل على قلة عددهم هكذا هو في جميع النسخ الأصول، [فيجيبني ملك، بالباء الموحدة من الجواب، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الرواة إلا ابن أبي جعفر من رواته، فإن عنده]","vol":"14","page":390},{"text":"فيجيئني ملك بالهمزة من المجيء والأول أظهر وللثاني وجه واللَّه أعلم، هذا الحديث مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال: أحدها أن المراد به المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي -ﷺ- للسيما التي عليهم فيقال ليس هؤلاء ممن وعدت بهم إن هؤلاء بدلوا بعدك أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم. والثاني أن المراد من كان في زمن النبي -ﷺ- ثم ارتد بعده فيناديهم النبي -ﷺ- وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه -ﷺ- في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك. والثالث: أن المراد أصحاب المعاصي الكبائر الذين ماتوا على التوحيد أو أصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يُذادون بالنار [بل يجوز أن يُذادوا] (^١) عقوبة لهم ثم يرحمهم اللَّه ﷾ فيدخلهم الجنة من غير عذاب. قال أصحاب هذا القول ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل ويحتمل أن يكونوا كانوا في زمن النبي -ﷺ- وبعده لكن عرفهم بالسيما. قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أهل الأهواء. قال: وكذلك الظلمة المترفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر. قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر، وتقدم مثل ذلك عن القرطبي.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":391},{"text":"٥٤٨١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن لي حوضا مَا بَين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس أَبيض مثل اللَّبن آنيته كعدد النُّجُوم وَإِنِّي لأكْثر الْأَنْبِيَاء تبعا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث زَكَرِيَّا عَن عَطِيَّة وَهُوَ الْعَوْفِيّ عَنهُ (^١).\n\n٥٤٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- قَالَ بَينا أَنا قَائِم على الْحَوْض إِذا زمرة حَتَّى إِذا عرفتهم خرج رجل من بيني وَبينهمْ فَقَالَ هَلُمَّ فَقلت إِلَى أَيْن قَالَ إِلَى النَّار وَاللَّه فَقلت مَا شَأْنهمْ فَقَالَ إِنَّهُم ارْتَدُّوا على أدبارهم الْقَهْقَرَى ثمَّ إِذا زمرة أُخْرَى حَتَّى إِذا عرفتهم خرج رجل من بيني وَبينهمْ فَقَالَ لَهُم هَلُمَّ قلت إِلَى أَيْن قَالَ إِلَى النَّار وَاللَّه قلت مَا شَأْنهمْ قَالَ إِنَّهُم ارْتَدُّوا على أدبارهم فَلَا أرَاهُ يخلص مِنْهُم إِلَّا مثل همل النعم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\n\n٥٤٨٣ - وَلمُسلم قَالَ ترد عَليّ أمتِي الْحَوْض وَأَنا أذود النَّاس عَنهُ كَمَا يذود الرجل إبل الرجل عَن إبِله قَالُوا يَا نَبِي اللَّه تعرفنا قَالَ نعم لكم سِيمَا لَيست لأحد غَيْركُمْ تردون عَليّ غرا محجلين من آثَار الْوضُوء وليصدن عني طَائِفَة مِنْكُم فَلَا يصلونَ فَأَقُول يَا رب هَؤُلاءِ من أَصْحَابِي فيجيبني ملك فَيَقُول وَهل تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بعْدك (^٣).\nهمل النعم ضوالها وَمَعْنَاهُ أَن النَّاجِي قَلِيل كضالة النعم بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُمْلَتهَا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٣٠١). وصححه الألباني في الصحيحة (٣٩٤٩) وصحيح الترغيب (٣٦٢٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٨٥) و(٦٥٨٦) و(٦٥٨٧)، ومسلم (٣٦ - ٢٤٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٧ - ٢٤٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":392},{"text":"٥٤٨٤ - وعن عائشة -﵂- قالت سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول وهو بين ظهراني أصحابه إني على الحوض انظر من يرد علي منكم فواللَّه ليقتطعن دوني رجال فلأقولن أي رب من أمتي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم. رواه مسلم (^١) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nقوله: \"وعن عائشة\" تقدم الكلام على فضائلها. قولها: \"سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول وهو بين ظهراني أصحابه: إني على الحوض أنتظر من يرد عليّ منكم\" معنى ظهراني أصحابه قال الأصمعي وغيره: يقال: بين ظهرانيهم وظهريهم، ومعناه: بينهم وبين أظهرهم. وقال غيره: العرب تضع الاثنين موضع الجميع قوله: \"فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم\" أي راجعين إلى الكفر كأنهم رجعوا إلى ورائهم، قاله في النهاية (^٢). قال القاضي عياض (^٣): هذا دليل لصحة تأويل من تأول أنهم أصحاب الردة ولهذا قال فيهم سحقا سحقا ولا يقول ذلك في مذنبي الأمة بل يشفع لهم ويهتم لأمرهم. قال: وقيل هؤلاء صنفان: أحدهما عصاة مرتدون عن الاستقامة لا عن الإسلام وهؤلاء مبدِّلون للأعمال الصالحة بالسيئة والثاني مرتدون إلى الكفر حقيقة ناكصون على أعقابهم واسم التبديل يشمل الصنفين، واللَّه أعلم. وعنها تقدم الكلام عليها.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٨) (٢٢٩٤).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٦٨).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٦٤).","vol":"14","page":393},{"text":"قوله -ﷺ-: \"أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحدا عند الميزان حتى يعلم أيخفّ ميزانه أم يثقل وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز\"، الحديث. هذا الحديث يشتمل على ثلاث فوائد. الفائدة الأولى في الميزان: فإن قيل الميزان حق. قيل نعم هي حق ولا يكون في حق كل أحد بدليل قوله -ﷺ-: فيقال يا محمد أَدخِل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن.\nوقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ (^١) الآية، وإنما يكون لمن بقي من أهل المحشر ممن خلط عملا صالحًا وآخر سيئًا وقد يكون للكافرين. وقال أبو حامد: والسبعون ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا ترفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا وإنما هي براءة مكتوبة لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، هذه براءة فلان بن فلان قد غفر له وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا فما مرّ عليهم شيء أسرّ من ذلك اليوم.\nقلت: وقد روي عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: تنصب الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيؤتون أجرهم بالموازين ويؤتى بأهل الصيام فيوفون بالموازين، فذكر الحديث إلى أن قال: ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان حتى أن أهل العافية ليتمنّون في الموقف أن\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية: ٤١.","vol":"14","page":394},{"text":"أجسادهم قرضت بالمقاريض، اهـ. قاله في التذكرة (^١).\nالفائدة الثانية في تطاير الصحف: فأول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه، ذكر أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب عن زيد بن ثابت (^٢) قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: أول من يُعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب وله شعاع كشعاع الشمس، فقيل له: فأين أبو بكر يا رسول اللَّه؟ قال: هيهات زفّته الملائكة إلى الجنان. وخرّج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن مندة في كتاب التوحيد له عن معاذ بن جبل أن النبي -ﷺ- قال: إن اللَّه ﵎ ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع، يا عبادي أنا اللَّه لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين، يا عبادي لا خوف عليكم واليوم ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجتكم ويسروا جوابا فإنكم مسئولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب، قاله القرطبي في التذكرة (^٣).\nالفائدة الثالثة في ذكر الصراط: واعلم في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من دخل الجنة بغير حساب أو تلتقطه عنق النار فإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر أي المضروب على النار ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم اللَّه منهم أن القصاص لا\n_________\n(^١) التذكرة (ص ٧١٩ - ٧٢٠).\n(^٢) قال محب الدين الطبري في الرياض النضرة (١/ ٣٣٢): خرجه صاحب الديباج.\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٦١٦).","vol":"14","page":395},{"text":"يستنفذ حسناتهم [كالمفلس والعياذ باللَّه الذي سألهم عنه -ﷺ- فأجابوه بأن المفلس الذي لا مال له ولا متاع بياض هو الصحيح فطرحه في النار، المبيّن في هذا الحديث ظاهر سياق القرطبي هذا أنه الصراط الأول واللَّه أعلم-] (^١) حُبسوا على صراط آخر خاص [بهم] وهو القنطرة التي بين الجنة والنار فيجلسون عليها فيُقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء اللَّه تعالى لأنهم [قد] عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط [من] فيها من أوبقه ذنبه حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة. قال رسول اللَّه -ﷺ-: فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا، اهـ.\nقاله القرطبي (^٢)، وتقدم الكلام على ذكر الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم، حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثيرة.\n\n٥٤٨٥ - وعنها -﵂- قَالَت ذكرت النَّار فَبَكَيْت فَقَالَ رَسُول اللَّه -ﷺ- مَا يبكيك قلت ذكرت النَّار فَبَكَيْت فَهَل تذكرُونَ أهليكم يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أما فِي ثَلَاثَة مَوَاطِن فَلَا يذكر أحد أحدا عِنْد الْمِيزَان حَتَّى يعلم أيخف مِيزَانه أم يثقل وَعند تطاير الصُّحُف حَتَّى يعلم أَيْن يَقع كِتَابه فِي يَمِينه أم فِي شِمَاله أم وَرَاء ظَهره وَعند الصِّرَاط إِذا وضع بَين ظَهْري جَهَنَّم حَتَّى يجوز رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة الْحسن عَن عَائِشَة وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ وَعند الصِّرَاط إِذا وضع بَين\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٦٩).","vol":"14","page":396},{"text":"ظَهْري جَهَنَّم حافتاه كلاليب كَثِيرَة وحسك كَثِيرَة يحبس اللَّه بهَا من يَشَاء من خلقه حَتَّى يعلم أينجو أم لَا الحَدِيث وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا لَوْلَا إرْسَال فِيهِ بَين الْحسن وَعَائِشَة (^١).\n\n٥٤٨٦ - وعن أنس -﵁- قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل إن شاء اللَّه تعالى قلت فأين أطلبك قال أول ما تطلبني على الصراط قلت فإن لم ألقك على الصراط قال فاطلبني عند الميزان قلت فإن لم ألقك عند الميزان قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن. رواه الترمذي (^٢) وقال حديث حسن غريب والبيهقي في البعث (^٣) وغيره.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله: \"سألت رسول اللَّه -ﷺ- أن يشفع لي يوم القيامة فقال: إني فاعل إن شاء اللَّه تعالى. قلت: فأين أطلبك؟ قال: أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطأ هذه الثلاثة مواطن\"\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٥٥). وضعفه الألباني في المشكاة (٥٥٦٠)، وضعيف الترغيب (٢١٠٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٢) سنن الترمذي (٢٤٣٣)، وأخرجه أحمد (١٢٨٢٥)، والكلاباذي في بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار (ص: ٣٠٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢٢٢٠).\n(^٣) البعث والنشور للبيهقي (٣٦٧) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٣٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٢٥).","vol":"14","page":397},{"text":"الحديث. واعلم أن سيد المرسلين [والأولين] والآخرين رسول اللَّه -ﷺ- له ثلاثة مواطن لا يدع الوقوف عليها لعظم أمرها وشدة هولها، وقد جاء بذلك حديث أنس هذا فانظر رحمك اللَّه تعالى ما أشد شفقة نبيك -ﷺ- على أمته يقف في هذه المواطن المهولة خوفا على أمته ويناجي ربه يا رب أمتي أمتي فهو رءوف رحيم حريص علينا من أن نُردي أنفسنا في النار ولم يزل هذا دأبه في الآخرة والأولى يدعو اللَّه بالرفق والرحمة، اهـ، ذكره الشيخ تقي الدين الحصني.\nفائدة: اختلف في الميزان والحوض أيهما قبل [الآخر. فقيل: الميزان قبل وقيل: الحوض. قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل] (^١).\nقال الإمام القرطبي (^٢): والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشا [من] قبورهم كما ذكر فيقدم قبل الميزان والصراط واللَّه أعلم، ففي البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم فقلت إلى أين قال إلى النار واللَّه، قلت ما شأنهم؟ الحديث، تقدم قريبا في الباب. قال القرطبي (^٣) فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط لأن الصراط جسر مضروب على جهنم ممدود يجاز عليه فمن جازه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٠٣).\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٠٢).","vol":"14","page":398},{"text":"سلم من النار وكذلك حياض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تكون في الموقف. وروي عن ابن عباس -﵄- قال: سئل رسول اللَّه -ﷺ- الوقوف بين يدي رب العالمين هل فيه ماء؟ فقال: إي والذي نفسي بيده إن فيه لماء وإن أولياء اللَّه ليردون حياض الأنبياء ويبعث اللَّه ﷾ سبعين ألف ملك بأيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء، اهـ. وقال في تهذيب النفوس للشيخ شمس الدين الحنفي وهو كتاب نفيس نحو أربعة أجزاء قال الإقليشي: وقد قال قوم من النظار أن الحوض قبل الصراط لأنه من جاز الصراط فقد فاز وقال قوم من النظار أن الصراط قبل الحوض لأن الحوض موضوع للراحة واللذة والخلاص من هذا الموقف وهو عند باب الجنة ينصبّ فيه ميزابان من الكوثر الذي في الجنة، اهـ.\n\n٥٤٨٧ - وروي عن أنس يرفعه قال ملك موكل بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا رواه البزار (^١) والبيهقي (^٢).\n_________\n(^١) وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٦٠: ٣٤٤٥)، مسند البزار = البحر الزخار (٦٩٤٢).\n(^٢) البعث والنشور للبيهقي (٣٦٩) وقال إسناد هذا الحديث ضعيف بمرة. وأخرجه الحارث كما في بغية الباحث (١١٠٠)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٧٤). وأخرجه ابن أبي الدنيا كما في النهاية لابن كثير (ص ٢٢٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل =","vol":"14","page":399},{"text":"وروي عن أنس، تقدم الكلام عليه -﵁-. قوله -ﷺ-: \"قال ملك موكل بالميزان: فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يُسمِع الخلائق سعِد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا\" الحديث. [وورد في حديث آخر: \"ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يسعد بعدها أبدا\"، فدل هذا الحديث]، على أن الإنسان يدعى في الآخرة باسمه واسم أبيه، وقد جاء صريحا في حديث أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"تُدْعَون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم\"، الحديث. وورد في الصحيح: يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان. وورد في السنن: تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء أمهاتكم لكن لا يُعادل بما في الصحيح وتقدم الكلام على ذلك وعلى الغدرة واللواء مبسوطًا، واللَّه أعلم.\n\n٥٤٨٨ - وعن سلمان -﵁- عن النبي -ﷺ- قال يوضع الميزان يوم القيامة فلو دري فيه السموات والأرض لوسعت فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول اللَّه لمن شئت من خلقي فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. رواه الحاكم (^١) وقال صحيح على شرط مسلم.\n_________\n= السنة (٢٢٠٥)، ومداره على داود بن المحبر وهو متروك. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٠) رواه البزار، وفيه صالح المري، وهو مجمع على ضعفه. وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤٢٢) (٢١٠٩): موضوع.\n(^١) الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٦)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وروي موقوفًا: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤١٩٥)، وأسد بن موسى في الزهد (٤٣، ٦٦)، وابن الأعرابي في المعجم (١٨٢٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة =","vol":"14","page":400},{"text":"قوله: \"وعن سلمان\" هو الفارسي، تقدمت ترجمته مرارًا -﵁-.\nقوله -ﷺ- في هذا الحديث ويوضع الصراط مثل حد الموسى، وفي حديث ابن مسعود الذي بعده قال: يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف، الحديث، وسواء جهنم بالفتح والمد مثل سوى بالكسر والقصر وسواء الشيء وسطه لاستواء المسافة إليه من الأطراف. وفي الحديث أيضًا: يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، معناه في وسطها ومعظمها، قاله ابن سيدة.\n\n٥٤٨٩ - وَعَن عبد اللَّه بن مَسْعُود -﵁- قَالَ: يوضع الصِّرَاط على سَوَاء جَهَنَّم مثل حد السَّيْف المرهف مدحضة مزلة عَلَيْهِ كلاليب من نَار يخطف بهَا فممسك يهوي فِيهَا ومصروع وَمِنْهُم من يمر كالبرق فَلَا ينشب ذَلِك أَن ينجو ثمَّ كَالرِّيحِ فَلَا ينشب ذَلِك أَن ينجو ثمَّ كجري الْفرس ثمَّ كرمل الرجل ثمَّ كمشي الرجل ثمَّ يكون آخِرهم إنْسَانا رجل قد لوحته النَّار وَلَقي فِيهَا شرا حَتَّى يدْخلهُ اللَّه الْجنَّة بِفضل رَحمته فَيُقَال لَهُ تمن وسل فَيَقُول أَي رب أتهزأ مني وَأَنت رب الْعِزَّة فَيُقَال لَهُ تمن وسل حَتَّى إِذا انْقَطَعت بِهِ الْأَمَانِي قَالَ لَك مَا سَأَلت وَمثله مَعَه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَلَيْسَ فِي أُصَلِّي رَفعه (^١)\n_________\n= (٢٢٢١)، والآجري في الشريعة (٨٩٤، ٨٩٥)، وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص: ٢١٧) وخرجه الحاكم مرفوعًا وصححه ولكن الموقوف هو المشهور، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٢٦)، وفي الصحيحة (٩٤١).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٣ رقم ٨٩٩٢). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٦٠: =","vol":"14","page":401},{"text":"وَتقدم بِمَعْنَاهُ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الطَّوِيل.\nقوله في حديث ابن مسعود: \"مدحضة مزلة عليه كلاليب من نار\" الحديث، المزلة مفعلة من زل يزل إذا زلق والمزلة بفتح الزاي وكسرها وتقدم الكلام على المدحضة وعلى الكلاليب وأنها جمع كلوب.\nقوله: \"ومنهم من يمرّ كالبرق فلا ينشب\" أن ينجو، معنى ينشب أي لم يمكث ولم يحدث شيئا حتى فعل ذلك.\nقوله: \"ثم كرَمَل الرجل\" الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطا وتقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق. قوله -ﷺ-: \"فيقال له تمنَّ وسل. فيقول: أي رب أتهزأ مني وأنت رب العزة. فيقال له: تمنّ وسل حتى إذا انقطعت به الأماني\" الحديث، تقدم الكلام على قوله: \"سل وتمنى\"، وعلى قوله: \"أتهزأ مني\" قريبًا.\n\n٥٤٩٠ - وعن أم مبشر الأنصارية -﵂- أنها سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول عند حفصة لا يدخل النار إن شاء اللَّه من أهل الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها قالت بلى يا رسول اللَّه فانتهرها فقالت حفصة ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١)، فقال النبي -ﷺ- قد قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا\n_________\n= رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عاصم، وقد وثق. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٢٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧١.","vol":"14","page":402},{"text":"جِثِيًّا (٧٢)﴾ (^١) رواه مسلم (^٢) وابن ماجه (^٣).\nقوله: \"وعن أم مبشّر الأنصارية\" قال النووي في شرح مسلم (^٤) في قول مسلم: دخل النبي -ﷺ- على أم مبشّر الأنصارية في نخل لها، هكذا هو في أكثر النسخ دخل على أم مبشر وفي بعضها دخل على أم معبد أو أم مبشر، قال الحافظ المعروف في رواية الليث أم مبشر بلا شك ووقع في رواية غيره أم معبد كما ذكره مسلم بعد هذه الرواية. ويقال فيها أيضًا أم بشير فتحصل لنا على أنه يقال لها أم مُبشر وأم بشير وأم معبد. [وقال] أبو عمر بن عبد البر: قيل اسمها خليدة بضم الحاء ولا يصح وبعض أهل العلم يقول أن أم مبشر هذه امرأة زيد بن حارثة وطائفة تقول أنها غيرها وأم مبشر قيل ابنة البراء بن معرور لها صحبة أسلمت وبايعت روت عن النبي -ﷺ- وعن حفصة بنت عمر بن الخطاب على خلاف. روى عنها جابر بن عبد اللَّه ومجاهد بن جبر.\nقوله: \"أنها سمعت النبي -ﷺ- يقول عند حفصة لا يدخل النار إن شاء اللَّه تعالى من أهل الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها. قالت: بلى يا رسول اللَّه، فانتهرها\" الحديث، حفصة هي بنت عمر بن الخطاب زوجة رسول اللَّه -ﷺ- والمبايعة تحت الشجرة كانت عام الحديبية، بايعوا رسول اللَّه -ﷺ- على\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧٢.\n(^٢) صحيح مسلم (١٦٣) (٢٤٩٦).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤٢٨١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢١٣).","vol":"14","page":403},{"text":"الموت دونه وعلى أن لا ينفروا وقد كان -ﷺ- في ظل شجرة على ظهره غصن من أغصانها والشجرة هي شجرة الرضوان بالحديبية. قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (^١) فلما بايعوا قال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: أنتم اليوم خير أهل الأرض، وكان عددهم ألفا وخمسمائة وعشرين وقيل ألفًا وأربع مائة وقيل ألفا وثلاثمائة. والمبايعة المعاهدة والمحالفة ومبايعتهم إياه -ﷺ- التزام طاعته وبذل الوسع في امتثال أوامره وأحكامه ومبايعته إياهم الوعد بالثواب على ذلك، اهـ.\nتنبيه: الحديبية بضم الحاء المهملة وفتح الدال وتخفيف الياء، كذا قال الشافعي -﵁- وبتشديد الياء عند أكثر النحويين. وقال ابن المديني أهل المدينة يثقلونها وأهل العراق يخففونها وهي قرية سميت ببئر هناك وقيل سميت حَدبا هنالك وكانت الصحابة -﵃- بَايعوا رسول اللَّه -ﷺ-[تحت الشجرة وتسمى بيعة الرضوان كما تقدم] (^٢) وهي على مرحلة من مكة واللَّه أعلم. قوله: \"قالت: بلى\" بلى إيجاب المنفي أي يدخلها أصحاب الشجرة. قوله: \"فانتهرهما رسول اللَّه -ﷺ-\" قال صاحب الغريب: الانتهار الزجر، يقال نهره وانتهره [إذا استقبله بكلام زجره، وقال بعضهم: يقال نهره وانتهره] أي زبره ويجوز أن يقرأ بالزاي المعجمة أي دفعها يقال نهزه ووكزه وهمزه أي ضربه ودفعه، قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله: \"فقالت حفصة\n_________\n(^١) سورة الفتح، الآية: ١٨.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":404},{"text":"﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ \" الحديث، في هذا الحديث فضيلة أهل بدر والحديبية. وقوله -ﷺ-: \"لا يدخل النار إن شاء اللَّه\" الحديث. قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا كما صرح به في حديث حاطب وإنما قال: إن شاء اللَّه للتبرك لا للشك، وأما قول حفصة: ما قالت وقد قال اللَّه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية، فقال -ﷺ-: قال اللَّه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (^١) ففيه دليل للمناضرة والاعتراض، والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا أنها أرادت ردّ مقالتِه -ﷺ-. وقد اختلف أهل العلم في معنى الورود هاهنا: فقال ابن عباس: هو الدخول، والضمير في قوله: واردها للنار وإليه ذهب الأكثرون. وقالوا: النار يدخلها البر والفاجر ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا، الآية، والنجاة إنما تكون بعد الدخول، والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون. وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ (^٢) أي نترك الذين ظلموا في النار جاثين على الرُّكب، أي جالسين عليها.\n\n٥٤٩١ - وعن أبي سمية قال اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعا ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا فلقيت جابر بن عبد اللَّه فقلنا إنا اختلفنا ههنا في الورود فقال تردونها جميعا فقلت له إنا اختلفنا في ذلك فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعا\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧٢.\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٧٢.","vol":"14","page":405},{"text":"فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال صمتا إن لم أكن سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا ويذر الظالمين رواه أحمد (^١) ورواته ثقات والبيهقي بإسناد حسنه (^٢).\nقوله: \"وعن أبي سُميّة\" وأبو سميّة اسمه لا يعرف وانفرد عنه كثير بن زياد قوله: \"إنا اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، ثم ينجي اللَّه الذين اتقوا، فذكر الحديث إلى أن قال:\n_________\n(^١) أحمد (١٤٥٢٠)، وأخرجه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (١١٢٧)، وعبد بن حميد (١١٠٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٠)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٩٩، ٩٩١)، وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٣٣٣) والبيهقي في شعب الإيمان وقال: إسناده حسن وبهذا السند والمتن رواه ابن مردويه في تفسيره ورواه النسائي في كتاب الكنى أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا سليمان به.\nوله طريق آخر رواه الحاكم في مستدركه في كتاب الأهوال. . . وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال البوصيري إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٠٧) رواه عبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي، ومدار أسانيدهم على أبي سمية، وهو مجهول. ورواه الحاكم من وجه آخر وصححه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٦١٥٦).\n(^٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٠) قال البيهقي: هذا إسناد حسن ذكره البخاري في التاريخ وشاهده في الحديث الثابت عن أبي الزبير، عن جابر، عن أم مبشر، عن النبي -ﷺ- مثله، إلا ألْه قال: خامدة قال أبو عبيد: وإنما أراد تأويل قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فيقول ورودها، ولم يصبهم من حرها شيء إلا ليبر اللَّه قسمه.","vol":"14","page":406},{"text":"فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه فقال: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها\"، معناه لم يدخل دخولا تخليديا، ويجب التأويل بمثله جمعا بين الآيات والأحاديث فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن النار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم، الحديث. تقدم الكلام على الاختلاف في الورود في الحديث قبله فلما وجب ورود النار بمقتضى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١)، وكان في القوم من لا يُعذّب اختلفت مراتبهم في ورودها فمنهم من يمر على الصراط المنصوب عليها متعاليا عنه مبعَدًا عنها مع الإسراع كالبرق أو كالريح ونحو ذلك فلا يحسون ألمها بل لا يسمعون حسيسها كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ (^٢) الآية، ومنهم من يُلزم بالمرور على الصراط من غير تجاف عنه لما يقتضيه علمه وحاله إلا أنه يدركه اللطف فيغلب نور إيمانه لهب النار فيطفئه كما جاء في الحديث: إن النار تقول للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ولا يخفى عليك أن هذا القول من النار لا يكون إلا للمؤمن الضعيف البطيء السير فكيف يكون انطفاء النار بنور المؤمن القوي وكيف يكون خمود النار إذا ركَز النبي -ﷺ- حربَتَه على الصراط المنصوب عليها لا جرم أنه جاء في الحديث أن المؤمنين يمرون بالنار\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧١.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ١٠١ - ١٠٢.","vol":"14","page":407},{"text":"ويخلصون منها إلى الجنة فإذا رأوا الجنة قالوا: ليس قد وُعِدنا بورود النار فما لنا ما وردناها، فتقول لهم الملائكة قد وردتم النار ولكن حين وردتموها كانت خامدة فإذا اقتضى اللطف في القضاء الموجب لسكّانها إماتتهم ظهرت عناية اللَّه ﷾ بالمؤمنين ولاح من ذلك أن اللَّه ﷾ لَا يحب أن يعذِّبهم وكيف يعذبهم وقد شفع فيهم نبيهم -ﷺ- فقد ثبت في الحديث أنه -ﷺ- رفع يديه ودعا ثم سجد ثم قام فدعا ثم سجد ثم قام فدعا فسجد ثلاثا فلما سُئل عن ذلك قال: سألت ربي في أمتي فأعطاني ثلثهم ثم سجدت شكرا ثم سألته فيهم فأعطاني الثلث الثاني فسجدت شكرا ثم سألته فيهم فأعطاني الثلث الباقي فسجدت شكرًا.\nقوله: \"لا يبقى بر ولا فماجر إلا دخلها\" تقدم الكلام على البر والفاجر في الباب قبله. قوله -ﷺ-: \"فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم\" الآية، فهذا ميراث ورثه المسلمون من حال إبراهيم ﵊ فنار المحبة في قلوب المؤمنين، تخاف منه جهنم (^١) [قال: الجنيد رحمة اللَّه عليه: قالت النار يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني قال نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى قالت: وهل نار أعظم مني وأعظم قال نعم نار محبتي أسكنها قلوب أوليائي المؤمنين. قاله ابن رجب الحنبلي (^٢).\n_________\n(^١) هنا فقرة لم سقط جلها، والصحيفة الثانية من اللوح بيضاء \"في النسخة الهندية\".\n(^٢) التوحيد لابن رجب (ص: ٤٩)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٧٢٦).","vol":"14","page":408},{"text":"تنبيه فيه بشرى: قال ابن الفرات في تاريخه وهو أربعة أجزاء: إذا كان يوم القيامة تهبّ ريح قدرته على نار جهنم فتصير تحت أقدام أمة محمد -ﷺ-، فيمرون عليها وهي خامدة، ا هـ.\n\n٥٤٩٢ - وعن قيس هو ابن أبي حازم قال كان عبد اللَّه بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته فبكت امرأته فقال ما يبكيك قالت رأيتك تبكي فبكيت قال إني ذكرت قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١) ولا أدري أنجو منها أم لا رواه الحاكم (^٢) وقال صحيح على شرطهما كذا قال.\nقوله: \"وعن قيس\" هو ابن أبي حازم أبو عبد اللَّه، واسم أبي حازم حصين بن عوف، ويقال: عبد عوف بن الحارث، وقيل: عوف بن الحارث من بني أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار الأحمسي البجلي، أدرك الجاهلية، وأسلم وجاء إلى النبي -ﷺ- ليبايعه، فوجده قد توفي، يعد في تابعي الكوفة، وقد ذكر في أسماء الصحابة مع اعترافهم أنه لم ير النبي -ﷺ- روى عن العشرة\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧١.\n(^٢) الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٨) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: فيه إرسال، وأصاب بذلك؛ فإن عبد اللَّه بن رواحة -﵁-، توفي في حياة النبي -ﷺ-، في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة، ورواية قيس بن أبي حازم عنه مرسلة - كما في التهذيب (٥/ ٢١٢). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٠)، ووكيع في الزهد (٣٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٦٥٧٦)، وأحمد في الزهد (ص ٢٤٩)، وهناد في الزهد (٢٢٧)، والبيهقي في البعث والنشور (٤٢٣)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ١١٠) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١١١).","vol":"14","page":409},{"text":"إلا عن عبد الرحمن بن عوف، وروى عن بلال بن رباح، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر وجرير بن عبد اللَّه، وجماعة كثيرة من الصحابة، وليس في التابعين من روى عن تسعة من العشرة إلا هو.\nروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وطارق بن عبد الرحمن، وجماعة كثيرة من التابعين.\nشهد النهروان مع علي بن أبي طالب. قال ابن عيينة: ما كان بالكوفة أروى عن أصحاب النبي -ﷺ- من قيس بن أبي حازم. وطال عمره حتى جاوز المائة بسنين كثيرة، ومات سنة ثمان وتسعين، أو سبع.\nقوله: \"كان عبد اللَّه بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته فبكى فبكت امرأته\" الحديث، هو عبد اللَّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأعز بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي المدني، شهد العقبة، وكان ليلتئذ نقيب بنى الحارث بن الخزرج، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وعمرة القضاء، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه -ﷺ- إلا الفتح وما بعدها، فإنه كان توفى قبلها يوم مؤتة، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وهو خال النعمان بن بشير، وكان أول خارج إلى الغزوات وآخر قادم. وكان أحد الشعراء المحسنين الذين يردون الأذى عن رسول اللَّه -ﷺ- والإسلام والمسلمين، وامرأته اسمها لا يعرف، والحجر بفتح الحاء وكسرها وتقدم الكلام على ذلك.","vol":"14","page":410},{"text":"تنبيه: البكاء يمد ويقصر فإذا مددت أردت الصوت الذي مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها قال كعب بن مالك:\nبكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل\nووهم الجوهري في نسبته لحسان وتقدم ذلك أبسط من هذا في الجنائز واللَّه أعلم. قوله: \"قال إني ذكرت قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١) الحديث، تقدم الكلام على الورود في الحديث قبله.\n\n٥٤٩٣ - وعن حذيفة وأبي هريرة -﵁- قالا قال رسول اللَّه -ﷺ- يجمع اللَّه الناس فذكرا الحديث إلى أن قالا فيأتون محمدا -ﷺ- فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم -ﷺ- قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زاحفا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوش في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفًا. رواه مسلم (^٢) ويأتي بتمامه في الشفاعة إن شاء اللَّه وتقدم حديث ابن مسعود في الحشر وفيه والصراط كحد السيف دحض مزلة قال فيمرون على قدر نورهم\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧١.\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢٩) (١٩٥).","vol":"14","page":411},{"text":"فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالطرف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملا فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل فتصيب جوانبه النار. رواه ابن أبي الدنيا (^١) والطبراني (^٢) والحاكم (^٣) واللفظ له وروى الحاكم (^٤) أيضًا بإسناد ذكر أنه على شرط مسلم عن\n_________\n(^١) صفة الجنة لابن أبي الدنيا (٢٩).\n(^٢) الطبراني في الكبير (٩/ ٤١٦ - ٤٢١/ ٩٧٦٣) (٩/ ٤٢١/ ٩٧٦٤).\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) وقال: \"رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في الصحيحين لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة، فأما الأئمة المتقدمون فكلمهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان، والحديث صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة، وتعقبه الذهبي بقوله: \"ما أنكره حديثا على جودة إسناده، وأبو خالد شيعي منحرف، وكان الحاكم قد أخرج الحديث (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧) من طريق أبي خالد نفسه، ثم قال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ\"، ووافقه الذهبي. ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي كما في النهاية لابن كثير (٢/ ١٧٣ - ١٧٥). وأخرجه الدارقطني في الرؤية (١٦٥) (١٦٦) (١٦٧)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١٢٠٣) والبيهقي في البعث (٤٣٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٤٣): \"رواه كله الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة\".\n(^٤) الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٦) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقد رواه شعبة، عن إسماعيل السدي. أخرجه أحمد (١/ ٤٣٥) وأبو يعلى (٥٢٨٢) والدارمي (٢٨١٣) والترمذي (٣١٥٩) وأبو يعلى (٥٥٨٩) والحاكم (٢/ ٣٧٥ و٤/ ٥٨٦) والواحدي في الوسيط (٣/ ١٩١) وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (٩٨)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه شعبة، عن السدي فلم يرفعه. ورواه شعبة عن إسرائيل فلم يرفعه =","vol":"14","page":412},{"text":"المسيب قال سألت مرة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١) فحدثني أن ابن مسعود حدثهم أن رسول اللَّه -ﷺ- قال يرد الناس ثم يصدرون عنها بأعمالهم وأولهم كلمح البرق ثم كلمح الريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه.\nقوله: \"وعن حذيفة وأبي هريرة\" حذيفة هو ابن اليمان العبسي اليمني ثم الأنصاري صاحب سر رسول اللَّه -ﷺ- أطلعه رسول اللَّه -ﷺ- على المنافقين، وكان عمر -﵁- إذا مات واحد منهم يتبع حذيفة فإن صلى عليه فهو أيضًا يصلي عليه بهالا فلا مات بالمدائن سنة ست وثلاثين، قاله الكرماني (^٢)، وتقدم الكلام على مناقب أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.\nقوله: \"فيأتون محمدًا -ﷺ-، فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا\" الحديث. أما تقومان فبالتاء المثناة من فوق والمؤنثتين الغائبتين تكونان بالتاء المثناة من فوق واللَّه أعلم. وأما جنبتي الصراط بفتح الجيم والنون ومعناهما جانباه، وقيل: ناحيتاه. قال ابن\n_________\n= أخرجه أحمد (١/ ٤٣٣) والترمذي (٥/ ٣١٧) والطبري (١٦/ ١١١) والحاكم (٤/ ٥٨٧) والترمذي (٣١٦٠) قال الترمذي: قال عبد الرحمن قلت لشعبة إن إسرائيل حدثني عن السدي عن مرة عن عبد اللَّه عن النبي -ﷺ-، قال شعبة وقد سمعته من السدي مرفوعا ولكني عمدا أدعه. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٨٠٨١)، والمشكاة ٥٦٠٦، والصحيحة (٣١١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣٠).\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧١.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٥/ ١٨).","vol":"14","page":413},{"text":"الأثير: جنبة الوادي بفتح النون جانبه وناحيته وإما إرسال الأمانة والرحم فهو لعظم أمرهما وكبير موقعهما فتُصوّران مشخّصتين عند الصراط على الصفة التي يريدها اللَّه تعالى: ويقومان بقربه فإنه ممر الصالح وعليه يمر الداني والقاصي يشهد أن للأمين والواصل على الخائن والقاطع واللَّه أعلم. وقال صاحب التحرير في الكلام اختصار والسامع فهم أنهما يقومان ليطالبا كل من يريد الجواز بحقهما، ا هـ. قوله -ﷺ-: \"فيمرّ أولكم كالبرق\" فذكره إلى أن قال: \"ثم كمرِّ الريح ثم كمرِّ الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم\" فهو كالسفير لقوله -ﷺ-: \"فيمر أولكم كالبرق ثم كالريح، معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم (^١) وأما شدّ الرجال فهو بالجيم جمع رجل هذا هو الصحيح المشهور المعروف، ونقل القاضي عياض (^٢) أنه في رواية ابن هامان بالحاء، قال القاضي: وهما متقاربان في المعنى، وشدها عدوها البالغ وجريها. وقوله -ﷺ-: \"حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا\" بسكون الحاء أي مشيا على اليد كمشي الطفل أول أمره، ويقال منه زحف وأزحف وزحفوا إليهم في القتال مشوا إليهم قليلا قليلا تشبيها بذلك ويزحفون على إستاهم في خبر اليهود، قاله عياض. قال ابن دريد وغيره الزحف هو المشي على الإست مع إشرافه بصدره، ا هـ. قوله: \"وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به\"\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٧٢).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٨٥)، وانظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٣/ ١٢٥).","vol":"14","page":414},{"text":"الحديث حافتي الصراط هو بتخفيف الفاء وهم جانباه وتقدم الكلام على الكلاليب وإنها جمع كلوب، قوله: \"مخدوش ناج ومكدوش في النار\" المكدوش هو بالدال ووقع في أكثر الأصول هنا مكردس بالراء ثم الدال وهو قريب من معنى المكدوش وتقدم شيء من ذلك في الباب قبله أو قبل قبله. قوله -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفا\" الحديث، وقع في بعض الأصول لسبعون بالواو وهذا ظاهر وفيه حذف تقديره أن مسيرة قعر جهنم مسيرهُ سبعون سنة ووقع في معظم الأصول والروايات لسبعين بالياء وهو صحيح أيضًا، وهو رواية الكتاب، أما على مذهب من يحذف المضاف ويبقي المضاف إليه على جره فيكون التقدير سير سبعين وأما على أن قعر جهنم لكائن في سبعين خريفا والخريف السنة هكذا ذكره النووي (^١). \"ولا يخفى ما فيها من معاني التكلف وكثرة الحذف وأسهل من ذلك أن نصب الجزءين في باب ليت وأخواتها نطقت بها العرب، قال الشاعر:\nإذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافا إن حراسنا أسدا\nقوله -ﷺ- في حديث ابن مسعود: \"ومنهم من يمر كشد الرجل\" يريد به شدة العدو، ومنه حديث السعي لا يقطع الوادي إلا شدا، أي عدوا. والعدْوُ هو الإسراع في المشي. قوله: \"ويرمل رملا\"] (^٢) تقدم معنى الرمل في أماكن متقدمة من هذا التعليق.\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٧٣).\n(^٢) سقطت هذه الصحيفة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":415},{"text":"قوله: \"ثم كحُضْر الفرس\" وحضر بضم الحاء المهملة وبعدها ضاء معجمة ساكنة العدو. وقوله: \"ثم كالراكب في رحله\" يقال لدار الإنسان ومسكنه ومنزله رحل، واللَّه أعلم.\n\n٥٤٩٤ - وعن عبيد بن عمير -﵁- عن النبي -ﷺ- قال الصراط على جهنم مثل حرف السيف بجنبتيه الكلاليب والحسك فيركبه الناس فيختطفون والذي نفسي بيده وإنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر. رواه البيهقي (^١) مرسلا وموقوفا على عبيد بن عمير أيضًا.\nقوله: \"وعن عبيد بن عمير\" هو عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة. ولد في زمن رسول اللَّه -ﷺ-، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر، وأبا ذر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعائشة. ولم يسمع من أبيه شيئا، ولا يذكره، روى عنه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومجاهد، مات قبل ابن عمر.\nقوله: \"الصراط على جهنم مثل حد السيف بجنبتيه الكلاليب والحسك فيركبه الناس فيختطفون\" الحديث، بجنبتيه بفتح النون وسكونها، وتقدم ضبط ذلك في الإنفاق في وجوه الخير في قوله -ﷺ-: ما طلعت شمس إلا بعث بجنبتيها ملكان، الحديث. وتقدم الكلام على الكلاليب والحسك قريبا. قوله -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده إنه ليُؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر\" الحديث، ربيعة ومضر اسم لقبيلتين من قبائل العرب.\n_________\n(^١) البعث والنشور للبيهقي (٤٠٣)، (٤٠٤).","vol":"14","page":416},{"text":"٥٤٩٥ - وعن أبي هريرة -﵁- قال قال رسول اللَّه -ﷺ- يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول يا أبت أي ابن كنت لك فيقول خير ابن فيقول هل أنت مطيعي اليوم فيقول نعم فيقول خذ بأزرتي فيأخذ بأزرته ثم ينطلق حتى يأتي اللَّه تعالى وهو يعرض بين الخلق فيقول يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت فيقول أي رب وأبي معي فإنك وعدتني أن لا تخزيني، قال فيمسخ اللَّه أباه ضبعا فيهوي في النار فيأخذ بأنفه فيقول اللَّه يا عبدي أبوك هوى فيقول لا وعزتك، رواه الحاكم (^١)، وقال صحيح على شرط مسلم، وهو في البخاري (^٢) إلا أنه قال: يلقى إبراهيم أباه آزر فذكر القصة بنحوه.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن\" وفي البخاري: يلقى إبراهيم أباه آزر، الحديث. وروى البخاري في أحاديث الأنبياء (^٣) وفي التفسير (^٤) عن إسماعيل بن عبد اللَّه قال: حدثثي أخي\n_________\n(^١) الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٩)، وأخرجه البزار = البحر الزخار (٩٨٦٤)، كشف الأستار عن زوائد البزار (٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٨): رواه البزار، ورجاله ثقات. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٩٩): رواه أحمد بن منيع هكذا مرسلا، ورواته ثقات، ثم رواه مرفوعًا بسند صحيح من حديث أبي هريرة نحوه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣١).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٥٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٣٣٥٠).\n(^٤) صحيح البخاري (٤٧٦٩).","vol":"14","page":417},{"text":"عبد الحميد عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: يلقى إبراهيم ﵇ آباه آزر يوم القيامة على وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم يارب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أن يكون أبي في النار. فيقول اللَّه تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ [بقوائمه] ويلقى في النار، ورواه النسائي والبزار (^١) والحاكم (^٢) في آخر المستدرك عن أبي سعيد أن النبي -ﷺ- قال: ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة [يريد] أن يدخله الجنة؟ قال: فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك لأن اللَّه قد حرم الجنة على كل مشرك. قال: فيقول أي رب أبي، فيُحوّل في صورة قبيحة وريح منتنة فيتركه، قال: فكان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يرون أنه إبراهيم ﵊ ولم يزدهم رسول اللَّه -ﷺ- على ذلك ثم قال: صحيح على شرط\n_________\n(^١) أخرجه البزار \"كشف الأستار\" (٩٤ و٩٥). قال البزار: لا نعلم رواه إلا التيمي، ولا عنه إلا ابنه، وهو حديث غريب. \"كشف الأستار\" (٩٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٨) رواه أبو يعلى والبزار، ورجالهما رجال الصحيح. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٢٤) رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه بلفظ واحد، والبزار والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.\n(^٢) الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٠٤٩)، وابن حبان (٢٥٢) (٦٤٥). وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١/ ٣١٤).","vol":"14","page":418},{"text":"الشيخين. قوله في الحديث الأول: فيأخذ بأزرته، الأزرة هي معقد الإزار. وقوله أيضًا في حديث الكتاب: فيمسخ اللَّه أباه ضبُعا، الحديث. والحكمة في كونه مُسخ ضبعا دون غيره من الحيوان أن الضبع أحمق الحيوان ومن حمقه أنه يغفل عما يجب التيقظ له ولذلك قال علي بن أبي طالب -﵁-: لا أكون كالضبع يسمع الكدم فيخرج حتى يُصاد والكدم الضرب الخفيف فلما لم يقبل آزر النصيحة من أشفق الناس عليه وقبل خديعة عدوه الشيطان أشبه الضبع الموصوفة بالحمق لأن الصياد إذا أراد أن يصيدها رمى في جحرها بحجر فتحسبه شيئًا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد عند ذلك، ولأن آزر لو مسخ كلبا أو خنزيرا لكان فيه تشويه لخلقه فأراد اللَّه تعالى إكرام إبراهيم ﵊ بجعل أبيه على هيئة متوسطة. يقال ذيخته أي ذللته. [\"قوله: يقال ذيخته أي ذللته لعله قدمه هنا مخرج المبيضة ومحله عقب قوله قريبا: والأنثى ذيخة، فيضبط الفعل من هذه المادة واللَّه أعلم\"] (^١). فلما خفض إبراهيم لأبيه جناح الذل من الرحمة، فلم يقبل حشر، بصفة الذل يوم القيامة. اهـ، قاله الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان.\nقوله في حديث الأنبياء: \"فإذا هو بـ[ذيخ] متلطخ\" أي فيمسخ إلى صورة [ذيخ]، و[الذيخ] بكسر المعجمة وسكون التحتانية هو ذكر الضباع، والأنثى ذيخة وأراد بالتلطخ التلطخ برجيعه أو بالطين، كما قال في الحديث الآخر بذيخ أمدر أي متلطخ بالمدر ويلقى في النار حيث لا تبقى له صورته التي هي\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":419},{"text":"سبب الخزي فهو عمل بالوعد والوعيد كليهما. تنبيه: فإن قلت إذا أدخل اللَّه أباه النار فقد أخزاه لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (^١) وخزي الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد وأنه محال.\nقلت: لو لم يدخل النار لزم الخلف في الوعيد وهذا هو المراد بقوله: حرم الجنة على [الكافرين]، ا هـ قاله الكرماني (^٢). واللَّه أعلم. وفي حديث الخليل أيضًا ﵊ أنه يحمل أباه ليجوز به الصراط فينظر إليه فإذا هو عيلام أمدر، العيلام ذكر [الضبع] والياء والألف زائدتان، قاله في النهاية (^٣). واللَّه أعلم.\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٢.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٨/ ٣٣).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٩٢).","vol":"14","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>فصل في الشفاعة وغيرها</span>\nقال الحافظ أبو محمد زكي الدين عبد العظيم المنذري رحمه اللَّه تعالى: كان الأولى أن يقدم ذكر الشفاعة على ذكر الصراط لأن وضع الصراط متأخر عن الإذن في الشفاعة العامة من حيث هي ولكن هكذا اتفق الإملاء واللَّه المستعان.\n\n٥٤٩٦ - عن أنس -﵁- قال قال رسول اللَّه -ﷺ- كل نبي سأل سؤالا أو قال لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" هو أنس بن الثضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بالحاء المهملة ثم الراء المهملة أيضًا وجميع ما في الأنصار من الأسماء حرام كذلك وفي قريش بكسر الحاء المهملة والزاي المعجمة. هو خادم رسول اللَّه -ﷺ- يكنى أبا حمزة كناه رسول اللَّه -ﷺ- بذلك، قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة [وهو] ابن عشر سنين فأتت به إليه أم سليم امرأة أبي طلحة فعرضت عليه خدمته فقبِله وخرج في خدمته معه إلى بدر وتوفي رسول اللَّه -ﷺ- وأنس بن مالك ابن عشرين سنة، واختلف في اسم أمه أم سُليم اختلافًا كثيرًا والصحيح أن اسمها مليكة وهو الثابت في الصحيحين وهي بنت ملحان\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٣٠٥).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٤١) (٢٠٠).","vol":"14","page":421},{"text":"بكسر الميم على المشهور وحكى صاحب المطالع عن بعضهم فتحها وكان رسول اللَّه -ﷺ- قد دعا لأنس -﵁- بالبركة في ماله وولده فكان -﵁- قول: إني لمن أكثر الأنصار مالا وولدا، ويقال أنه ولد له ثمانين ولدا ليس فيهم أنثى سوى ابنتين حفصة وأم عمرو وثمانية وسبعون ذكرا ورآى من أولاده وأحفاده أكثر [من] مائة وعشرين منهم لصلبه ثمانون ولدا كما تقدم. وتوفي في حياته من ولده وولد ولده نحو مائة وهو من أكثر الصحابة حديثا وتقدم عددكم روى من الأحاديث وبعض مناقبه أيضًا واللَّه أعلم.\nقوله -ﷺ- في حديث أنس: \"كل نبي سأل سؤال أو قال: لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي\" الحديث. فقوله: كل نبي قد سأل سؤالا، الفرق بين الشفاعة والسؤال والأمر قال أهل اللغة: إن طلب الأدنى من الأعلى لنفسه هو سؤال وإن طلب لغيره فهو شفاعة [ومنه تسمى الصلاة على الميت شفاعة لأنهم يطلبون من اللَّه تعالى له الرحمة وإن طلب الأدنى من الأعلى لنفسه هو أمر وإن طلب لغيره فهو شفاعة] (^١)، ومنه قول بريرة للنبي -ﷺ- حين أمرها بردّ زوجها مغيث: يا رسول اللَّه أتأمر أم تشفع؟ قال: بل أشفع، قال: فلا حاجة لي فيه. وإن طلب المساوي من مثله لنفسه فهو التماس وإن طلب لغيره فهو شفاعة، ا هـ. قوله -ﷺ-: \" [أو قال: لكل نبي] دعوة قد دعاها لأمته\" الحديث، قال النووي (^٢) هذه الأحاديث يفسر بعضها\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٧٥).","vol":"14","page":422},{"text":"بعضا ومعنى الحديث أن لكل نبي دعوة متيقنة الإجابة وهو على يقين من [إجابته]، وأما باقي دعواتهم فهم على طمع من إجابتها وبعضها [مجاب] وبعضها لا يجاب، وهذا القول رجحه النووي وذكر القاضي عياض أنه يحتمل أن يكون المراد لكل نبي دعوة لأمته كما جاء في هذا وغيره.\nقوله -ﷺ-: وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيام. في هذا حديث بيان كمال شفقة النبي ﷺ على أمته ورأفته واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخرّ ﷺ دعوته لأمته إلى أهمّ أوقات [حاجتهم].\nفائدة: قال القاضي عياض (^١): مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعا بصريح قوله ﷿: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (^٣) وأمثالها من الآيات كثيرة. وبخبر الصادق -ﷺ-. وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين وأجمع السلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة من ذلك وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٦٥) شرح النووي على مسلم (٣/ ٣٥).\n(^٢) سورة طه، الآية: ١٥٩.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٨.","vol":"14","page":423},{"text":"شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (^١)، وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (^٢) وهذه الآيات أفي الكفار، على الكبائر. وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار، ا هـ.\n\n٥٤٩٧ - وعن أم حبيبة -﵂- عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال أريت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دماء بعض فأحزنني وسبق ذلك من اللَّه ﷿ كما سبق في الأمم قبلهم فسألته أن يوليني فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل. رواه البيهقي في البعث (^٣) وصحح إسناده.\nقوله: \"وعن أم حبيبة\" أم حبيبة هي أم المؤمنين زوج النبي -ﷺ- واسمها رملة وقيل هند والأولى أشهر، كنيت بابنتها حبيبة بنت عبيد اللَّه بن جحش، وهي -﵂- بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشية\n_________\n(^١) سورة المدثر، الآية: ٤٨.\n(^٢) سورة غافر، الآية: ١٨.\n(^٣) البعث والنشور للبيهقي (٥٤٤) وقال: هذا إسناد صحيح، والحديث؛ أخرجه ابن أبي عاصم، في \"السنة\" (٢١٥ و٨٥٥)، وابن خزيمة، في \"التوحيد\" (٣٩٨)، والطبراني، في \"مسند الشاميين\" (٢٩٩٠). أحمد (٢٧٤١٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٨)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والعلة عندهما فيه أن أبا اليمان حدث به مرتين. فقال مرة: عن شعيب، عن الزهري، عن أنس.\nوقال مرة: عن شعيب، عن ابن أبي حسين، عن أنس. وقد قدمنا القول في مثل هذا أنه لا ينكر أن يكون الحديث عند إمام من الأئمة عن شيخين فمرة يحدث به عن هذا، ومرة عن ذلك. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣٣)، وصحيح الجامع الصغير (٩١٨).","vol":"14","page":424},{"text":"الأموية، وأمها صفية بنت أبي العاصي بن أمية عمة عثمان ابن عفان بن أبي العاص وأخويها لأبيها يزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان وهاجرت أم حبيبة مع زوجها عبيد اللَّه بن جحش إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فولدت له هناك حبيبة وبها كنيت وتنصر زوجها عبيد اللَّه بن جحش بعد أن كان مسلما وارتد عن الإسلام ومات على ذلك بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على الإسلام [وبعث] النبي -ﷺ- عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في المحرم على الأصل وقيل في شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة فخطب أم حبيبة للنبي -ﷺ- فزوجه إياها وأصدق النجاشي أم حبيبة عن رسول اللَّه -ﷺ- أربعمائة دينار على الأصل، وقيل مائتي دينار وقيل أربعة آلاف درهم فزوجها عثمان من رسول اللَّه -ﷺ- وقيل النجاشي زوجها من رسول اللَّه -ﷺ- فلعل واحدا منهما أوجب والآخر قبل عنه -ﷺ- قيل كان الذي أنكحها من رسول اللَّه -ﷺ- وعقد عليها خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية وهذا القول هو الأصح، وأولم عليها عثمان بن عفان لحما وثريدا وجهزها من عنده النجاشي وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة إلى رسول اللَّه -ﷺ-. [وقيل] بعث إليها رسول اللَّه -ﷺ- شرحبيل بن حسنة فجاءه بها وذلك في سنة سبع وقيل في سنة ست من الهجرة وقيل غير ذلك.\nفائدة: اعلم أن نساءه المدخول بهن ثنتي عشرة امرأة ومات -ﷺ- عن تسعة منهن وذكرهن ابن عبد البر خلا ريحانة، وقال هؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهن وهن إحدى عشرة امرأة منهن ست من قريش وواحدة من بني","vol":"14","page":425},{"text":"إسرائيل من ولد هارون وأربع من سائر العرب. توفي في حياته -ﷺ- منهم خديجة بنت خويلد بمكة وزينب بنت خزيمة بالمدينة وتخلف منهن تسعا بعده -ﷺ-، ا هـ.\nوأما من لم يدخل بهن ومن وهبت نفسها له ومن خطبها ولم يتفق تزويجها أو استعاذت منه ففارقها فثلاثون امرأة على اختلاف كثير في بعضهن لا يحصل من ذكره فائدة فتركنا ذلك اختصارًا واللَّه أعلم، قاله ابن الفرات في تاريخه.\nقوله -ﷺ- في حديث أم حبيبة: رأيت ما تلقى أمتي وسفك بعضهم دماء بعض فأحزنني، فذكره إلى أن قال: فسألته أن يوليني فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل. سيأتي الكلام على الشفاعة وتعدادها وما قيل في ذلك.\n\n٥٤٩٨ - وعن عبد اللَّه بن عمرو -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم فقال لهم لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لملئ منه وأحلت لي الغنائم أكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها وكانوا يحرقونها وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم والخامسة هي ما هي قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم","vol":"14","page":426},{"text":"ولمن شهد أن لا إله إلا اللَّه. رواه أحمد (^١) بإسناد صحيح.\nقوله: \"وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"أن رسول اللَّه -ﷺ- عام غزوة تبوك قام يصلي من الليل فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه\" الحديث، غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة وتقدم الكلام على غزوة تبوك في الترغيب في الصدق في حديث كعب بن مالك.\nقوله -ﷺ-: \"لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلِّهم عامة\" وفي رواية: وأرسلت إلى الناس كافة أي جميعا وهو مما يلزمه النصب على الحالية.\nقوله: \"إلى الناس\" يشمل الإنس والجن وطوائف الجن تسمى ناسا كما\nتسمى رجالا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ (^٢)، وبعضهم قال أنه -ﷺ- شملت رسالاته الملائكة عملا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (^٣) وأيضًا فآدم أرسل إلى الملائكة لقوله تعالى: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ (^٤)\n_________\n(^١) مسند أحمد (٧٠٦٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٧) رواه أحمد، ورجاله ثقات. وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١/ ٣٤٩)، واللالكائي في شرح أصول أعتقاد أهل السنة والجماعة (١٤٥١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٤٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣٤).\n(^٢) سورة الجن، الآية: ٦.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٣٣.","vol":"14","page":427},{"text":"فإذا أرسل آدم إلى الملائكة بتعليم اللغات جاز أن يبعث نبينا محمد -ﷺ- بنوع من أنواع العلم أو العبادة، اهـ. قوله -ﷺ-: \"ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لملئ منه\" الحديث، الرعب هو الوجل والخوف والفزع يعني أن اللَّه تعالى أوقع الرعب في قلب عدوه إذا كان بينه وبين العدو مسيرة شهر [هابوه] وفزعوا منه. وفي رواية أوردها القاضي عياض في [الشفاعة]: ونصرت أمتي بالرعب مسيرة شهرين [أي المسافة التي يسافر فيها من الأرض، قاله ابن الأثير] (^١). وقد جاء في مسند الإمام أحمد كذلك [وفي] الطبراني شهرا أمامي [وشهرًا خلفي، وهو تفصيل] حسن يجمع بين الروايات وهذه خصيصة للنبي -ﷺ-.\nتنبيه: يجوز أن يكرم اللَّه تعالى من شاء بذلك من أمته ﵊ [على سبيل التبعية له] وتكون كرامته من المعجزة واللَّه أعلم، قاله في شرح الإلمام. قوله -ﷺ-: \"وأحلت لي الغنائم أكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها\" الحديث، أي أحلت له ولأمته كانت الغنائم قبل الإسلام لا تحل لأحد [كانت حراما على الأمم السابقة، كان يجب عليهم إذا غنموا شيئا قربوه فتنزلت نار بيضاء فتأكله، كما جاء مبينًا في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه في حديث النبي الذي غزا وحبس اللَّه تعالى له الشمس صلى اللَّه تعالى عليه وسلم] ثم أحلت للنبي -ﷺ-. وكانت في صدر الإسلام له -ﷺ- خاصة لأنه كالمقاتلين كلهم بسبب أنه نصر بالرعب\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":428},{"text":"مسيرة شهر والرعب منه وحده لم يشركه فيه أحد من المسلمين ولأن قوته وشجاعته -ﷺ- لم تكن لأحد فهو قائم مقام جميع المقاتلين وكذلك كانت غنائم بدر ثم نسخ ذلك واستقر الأمر على [أن له] منها الصُفيا فيعطى من الغنيمة ما شاء. قال ابن إسحاق وكان المتولي لقسمة غنائم خيبر جبار بن صخر وزيد بن ثابت [من بني النجار] و[كانا] حاسبين [قاسمين] ا هـ، [كانت حراما على الأمم السالفة، كان يجب عليهم إذا غنموا شيئا قربوه فنزلت نار بيضاء فتأكله كما جاء مبينا في الصحيحين من رواية أبي هريرة في حديث الذي غزى وحبس اللَّه تعالى له الشمس] (^١) وكان الكنز حلالا لمن قبلنا وحرم، والمراد بالكنز ما لم تؤد زكاته.\nقال العلماء: والغنيمة ما أخذ من الكفار بقتال وإيجاف خيل وركاب ويقسم خمسها على خمسة وذلك من خمسة وعشرين جزءا. قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (^٢) الآية، وسهم اللَّه تعالى ورسوله واحد، والأسهم الأربعة للغانمين. قال النيسابوري: وأضاف الباري ﷾ خمس الغنيمة إليه لكون الغنائم أطيب الكسب ولم يضف الصدقة إليه بل قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (^٣) الآية، لأن الصدقات\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من هذا الموضع من النسخة الهندية، وتقدم إدراجها في موضعها قريبا.\n(^٢) سورة الأنفال، الآية: ٤١.\n(^٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.","vol":"14","page":429},{"text":"لما كانت أوساخ الناس لم يضفها إليه تنبيها على أنه لا ينبغي للإنسان أن يأكل منها إلا عند الحاجة. وجمع في الحديث الغنائم باعتبار أنواعها أي من أنواع الأموال المأخوذة من الكفار من فضة وذهب ومنقول وعقار وحيوان. وأما الفيء فذكره اللَّه تعالى في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (^١)، والمراد أن خمسه أيضًا يُقسم على خمسة كما سبق [كالغنيمة]. والفيء ما أخذ من الكفار بلا قتال ولا إيجاف خير وركاب فيدخل فيه ما جلى عنه الكفار وتركوه خوفا من المسلمين وتدخل فيه الجزية وعشور التجارة ومال مرتد قتل أو مات ومال ذمي مات بلا وارث، وذكر بعض العلماء أنه لم يكن خاصا بهذه الأمة بل كان حلالا للأمم السالفة. [وهو ظاهر الحديث: \"وأحلت لي الغنائم\"].\nقوله -ﷺ-: \"وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا\"، وطهورًا بفتح الطاء وفي رواية تربتها طهور، رواه مسلم وهذه الرواية مبينة للرواية المطلقة التي فيها جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، واسم التراب يدخل فيه الأصفر والأحمر والأعفر والطين الأرمن الذي يؤكل تداويا والأبيض الذي يؤكل سفها ومعنى الحديث جعلت لي الأرض كلها طهورا لأن الإنسان إذا بال أو تغوط استنجى بالحجارة أو غيرها من أجزاء الأرض سواء وجد الماء أو لم\n_________\n(^١) سورة الحشر، الآية: ٧.","vol":"14","page":430},{"text":"يوجد وتيمم بترابها عند العذر أم عدم الماء فأي موضع يوجد الإنسان من الأرض وجد معه آلة الطهارة من الحدث والخبث ووجد القبلة فلا تسقط الصلاة ولا تترك في حالة من الأحوال وإلى ذلك الإشارة بقوله في الحديث الآخر: فأيما رجل من أمتي أفى ركته الصلاة فليصل: فقوله: فليصل يحتمل فليصل بالطهور وهو التراب وقد جاء في رواية فطهوره [ومسجده] أي فليصل بهما ويحتمل فليصل مطلقا حتى يدخل في ذلك فاقد الطهورين وفي مسألة فاقد الطهورين أربعة أقوال: أصحهما يجب عليه أن يصلي ويعيد الصلاة.\nالقول الثاني لا تجب عليه الصلاة ولكن يستحب ويجب القضاء سواء صلى أو لم يصل.\nوالثالث يحرم عليه الصلاة لكونه محدثا ويجب القضاء.\nوالرابع تجب الصلاة ولا تجب الإعادة وهذا مذهب المزني. قال النووي (^١): وهو أقوى الأقوال دليلا، [ولقد نُظِمت] هذه الأقوال في بيتين لبعض المالكية:\nومن لم يجد ماء ولا متيمَّما ... فأربعة أقوال يحكون مذهبا\nيصلي ويقضي عكس ما قال مالك ... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا\nقوله: \"وكان من قبلي يُعظِمون\" [\"أي يعدونه عظيما في الدين لكونه غير وارد في شرعهم واللَّه أعلم\". وذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٣).","vol":"14","page":431},{"text":"وبيعهم] (^١). الكنيسة بفتح الكاف متعبد النصارى والبيعة بكسر الباء لليهود.\nفائدة في التيمم: قال النووي في شرح مسلم (^٢): اختلف العلماء في كيفية التيمم فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا بد من ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وقد ورد ذلك في حديث التيمم: ضربتان ضربة [للوجه] وضربة لليدين فوجب الأخذ به احتياطًا للعبادة ويجب الترتيب في الضربتين وممن قال بهذا من العلماء -﵃- علي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد اللَّه بن عمر وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي وآخرون ﵃ أجمعين. وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين وهو مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد بن إسحاق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث، وحكى إياس عن ابن سيرين أنه يجب ثلاث ضربات ضربة لوجهه وضربة ثانية لكفيه وضربة ثالثة لذراعيه.\nوأركان التيمم: سبعة: النية والتراب الطاهر ونقل التراب وقصد النقل ومسح الوجه واليدين والترتيب وضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين. وأما شروط التيمم الزائدة على شروط الوضوء فمنها أن يكون بعد الاستنجاء على الصحيح وأن لا يكون على بدنه نجاسة على الأصح وأن يكون بعد دخول الوقت وبعد الطلب الواقع بعد الوقت وأن يتأخر نقل\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ٥٦).","vol":"14","page":432},{"text":"التراب لليد عن نقله للوجه حتى لو نقل بخرقة فمسح ببعضها وجهه وببعضها يديه لم يصح على الأصح وأن لا يحدث بعد نقل التراب وقبل المسح وأن لا يكون في حال رؤية الماء ولا في حالة توهمه في غير مرض وأن يعتمد في تيممه عن المرض على قول طبيب إن لم يكن عارفا بالطب فإن لم يكن عارفًا ولا وجد طبيبًا لم يجب التيمم عند الشيخ وجاز عند البغوي وأن يكون مرضه يزيد باستعمال الماء كالرمد فإن كان مرضه لا يزيد بالماء كالحمى الحارة لم يبح له استعمال الماء [لقوله -ﷺ-: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة، ذكر ذلك صاحب غنية ابن شريح وهو من أصحاب القفال] (^١).\nفرع: مبيحات التيمم تسعة: خوف فوات نفس أو فوات عضو أو فوات منفعة نفس أو فوات منفعة عضو أو حدوث مرض أو زيادة مرض أو زيادة ألم أو بطء برء أو حصول شَين فاحش على عضو ظاهر وليس من الأمراض المبيحة الحمى خلافا لأبي حنيفة (^٢) كما تقدم واللَّه أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"والخامسة هي\"، ما هي؟ \"قيل لي سَلْ فإن كل نبي قد سأل. فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا اللَّه\" الحديث، ففي هذا الحديث دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك باللَّه تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصرًّا على الكبائر وتقدم الكلام\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٨٥)، وعمدة السالك (ص ٢٧).","vol":"14","page":433},{"text":"على ذلك في غير ما موضع من هذا التعليق فلله الحمد على ذلك. وسيأتي الكلام على الشفاعة في الحديث بعده.\n\n٥٤٩٩ - وعن عبد الرحمن بن أبي عقيل -﵁- قال انطلقت في وفد إلى رسول اللَّه -ﷺ- فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه فما خرجنا حتى ما كان في الناس أحب إلينا من رجل دخل عليه فقال قائل منا يا رسول اللَّه ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان قال فضحك ثم قال فلعل لصاحبكم عند اللَّه أفضل من ملك سليمان إن اللَّه لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة منهم من اتخذها دنيا فأعطيها ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها فإن اللَّه أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة. رواه الطبراني (^١) والبزار (^٢) بإسناد جيد.\n_________\n(^١) الطبراني كما في المجمع (١٠/ ٣٧٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، ومن طريقه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٩٣: ٨٢٤)، والآحاد والمثاني (١٦٠٠). والبزار كما في كشف الأستار (٣٤٥٩)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٤١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٩)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٨٨)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده كما في المطالب العالية (١٨/ ٥٨٤)، ولم أجده في مسنده المطبوع ولا في المقصد العلي ولعله في مسنده الكبير، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٢١٥) إسناده غريب قوي، وحديث غريب. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧١) رواه أبو بكر بن أبي شيبة والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي والبزار والطبراني، ورواته ثقات. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٩٠): رواه الطبراني والبزار، ورجالهما ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣٥).","vol":"14","page":434},{"text":"قوله: \"وعن عبد الرحمن بن أبي عقيل\" وأبو عقيل اسمه كنيته وهو عبد الرحمن بن أبي عقيل بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي كذا نسبه هشام بن الكلبي، وهو ابن عم الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل، وقد اختلفوا في نسبه، وأجمعوا على أنه من ثقيف، ولعبد الرحمن صحبة.\nروى عنه: عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، وقد ذكر قوم عبد الرحمن بن علقمة الثقفي بها الصحابة، وصحبة عبد الرحمن بن أبي عقيل صحيحة، ويروى عنه أيضًا: هشام بن المغيرة الثقفي. قوله: \"قال انطلقت في وفد إلى رسول اللَّه -ﷺ- فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا حتى ما كان في الناس أحبّ إلينا من رجل دخلنا عليه\" الحديث، قال صاحب التحرير: الوفد الجماعة المختارة من القول ليتقدموهم في لُقِيّ العظماء والمصير إليهم في المهمات واحدهم وافد ذكره النووي في شرح مسلم. قوله: \"وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه\" الولوج هو الدخول. قوله \"فقال قائل منا يا رسول اللَّه ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان. قال: فضحك رسول اللَّه -ﷺ-\" الحديث. ضحكه -ﷺ- كان تبسما. قوله -ﷺ-: \"وإن اللَّه أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة\" الحديث. اعلم أن المراد بالشفاعة العظمى وهي التي تكون في المحشر [ويفزع] إليه الخلائق [بسببها] بها إراحتهم من طول القيام لتعجيل حسابهم وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا","vol":"14","page":435},{"text":"مَحْمُودًا﴾ (^١) فهذه خاصة بالنبي -ﷺ- لا خلاف فيها ولا تُنكرها المعتزلة وهذه الشفاعة هي العامة التي يحمده عليها الأولون والآخرون وهي خاصة به -ﷺ- كما تقدّم. والنبي -ﷺ- له خمس شفاعات، ذكرها النووي (^٢) وغيره، أحدها هذه الثانية: الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب ولا عقاب، وهذه أيضًا ثابتة له -ﷺ-. الثالثة: الشفاعة لقوم قد استوجوا النار فيشفع فيهم نبينا محمد -ﷺ- ومن يشاء اللَّه تعالى. الرابعة: الشفاعة في إخراج قوم من النار بعد دخولها، فقد صح فيها عدم الاختصاص، فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا محمد -ﷺ- والملائكة وإخوانهم من المؤمنين ثم يخرج اللَّه ﷾ كل من قال لا إله إلا اللَّه كما جاء في الحديث: لا يبقى إلا الكافرون، وتقدم ذلك قريبا. الخامسة: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها وهذه لا ينكرها المعتزلة ولا ينكرون أيضًا شفاعة المحشر الأولى وأثبت القرطبي في التذكرة (^٣) شفاعة سادسة وهي شفاعته -ﷺ- في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه حين يصير في ضحضاح من النار ولولا ذلك لكان في الدرك الأسفل من النار. وأثبت بعضهم شفاعة سابعة وهي شفاعته -ﷺ- في أطفال الكفرة، وروى صاحب الفائق في اللفظ الرائق أنه -ﷺ- يشفع في أقاربه فتكون ثامنة. وذكر بعضهم أن من زاره أو رآى\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٦٠٧).\n(^٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٦٠٨).","vol":"14","page":436},{"text":"قبره تناله شفاعته فتكون تاسعة، قاله القاضي عياض (^١) لحديث الترمذي في ذلك ولشفاعة أخرى عاشرة في صلحاء المؤمنين أن يتجاوز عن تقصيرهم في الطاعات. قال القاضي عياض (^٢): وقد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح شفاعة نبينا -ﷺ- ورغبتهم فيها وعلى هذا لا يلتفت إلى قول من قال إنه يكره يعني للإنسان أن يسأل اللَّه تعالى أن يرزقه شفاعة النبي -ﷺ- لكونها لا تكون إلا للمذنبين فإنها قد تكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات كما تقدم في ذكر [الشفاعة ثم كل عاقل] معترف بالتقصير محتاج إلى [العفو] غير معتد بعلمه مشفق من أن يكون من [الهالكين] ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة لأصحاب الذنوب وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف، ا هـ. وقال في حادي القلوب إلى لقاء المحبوب: ومما يجلبه الموت على الإسلام تكرر الشفاعات من النبي -ﷺ- فيشفع الشفاعة العامة أولا فيشفع وهي الشفاعة في فصل القضاء كما تقدم أولا ثم يشفع -ﷺ- بقية جميع الشفاعات ومنها الشفاعة عند تطاير الكتب ومنها الشفاعة عند الميزان ومنها الشفاعة على الصراط ومنها الشفاعة عند الحوض والشفاعة في المذنبين المستوجبين النار فلا يدخلونها والشفاعة في آخرين دخلوا النار فيخرجون منها ويدخلون الجنة [وشفاعته]-ﷺ- على\n_________\n(^١) انظر: الخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٢١٨)، وفيض القدير (٣/ ٤٣).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٦٦) الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: ٣٨٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ٣٦).","vol":"14","page":437},{"text":"التفصيل لا تحصى كثرة وهذه الشفاعات كلها واقعة بحمد اللَّه تعالى للمؤمنين وإنما شفاعة رسول اللَّه -ﷺ-[لمن أوبق نفسه] (^١) فاشرح صدرك بالرجاء حقق اللَّه لي ولك ما ترجوه وتأمل حالك فأسوأ أحوالك أن تكون من الذين أوبقوا أنفسهم وفيهم يشفع رسول اللَّه -ﷺ- وهو الشفيع المقبول الذي لا ترد شفاعته وللَّه الحمد والمنة على ذلك، ا هـ.\nفائدة: قد ورد حديث الشفاعة من طرق كثيرة وفي كل طريق منها فائدة لم يتضمنه الطريق الآخر فجمع بعض العلماء الطرق وأوردها لفائدتها وهي مخصوصة لسيدنا محمد -ﷺ- ولم يشاركه بها أحد من الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، فمنها المقام المحمود الذي وعده ربه في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^٢) وإن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ-، [ومنها أنه -ﷺ- أول من تنشق عنه الأرض وأن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ-] (^٣) ومنها أنه -ﷺ- أول من يُكسى من حلل الجنة وأن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ- ومنها أنه -ﷺ- أول من يركب البراق وأن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ-] ومنها أنه -ﷺ- أول من يقرع باب الجنة فيفتح له وإن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ-] (^٤) ومنها أنه -ﷺ- أول من ينظر إلى رب العالمين\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":438},{"text":"ﷻ والخلق محجوبون عن رؤيته إذ ذلك وأن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ-. ومنها اختصاصه -ﷺ- لرب العالمين أمام العرش وأن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ-. [ومنها أنه -ﷺ- أول من يؤذن له في الكلام فيتكلم وأن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ-]، ومنها أنه -ﷺ- أول شفيع يشفع وأن ذلك ليس هو لنبي غيره -ﷺ-، ومنها بديع ما يفتح اللَّه عليه في سجوده من تحميد ربه والثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله ولا يفتحه على أحد بعده زيادة في كرامته وقربه -ﷺ-. ومنها كلام اللَّه ﷿ له عليه أفضل الصلاة والسلام: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ولا كرامة تفوق هذا إلا النظر إليه ﷿ وكلامه له بلا واسطة، ومنها تكراره ﵊ في الشفاعة وقرع باب الجنة وقوله فيها وتكراره النظر إلى الجبار ﵎ وسجوده ثانية وثالثة [وتجديد] الثناء على اللَّه ﷿ والتحميد له بما يفتح اللَّه ﵎ عليه من ذلك ويحدثه له في كل سجدة وكلام اللَّه ﵎ له: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فعل المدل على ربه الكريم عليه الرفيع عنده المحب ذلك منه وتشريف له وفضيلة لم يعطها لملك مقرب ولا نبي مرسل، كلامه من غير واسطة ولا حجاب والنظر إليه ﵎ كذلك من غير حجاب وإظهار فضيلته ومنزلته عنده على رءوس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين. ومنها قبول الشفاعة في كل [ما] يشفع فيه يزيده ذلك ﷿ جلالة وتعظيما عند الخلائق أجمعين، ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء [واللَّه ذو","vol":"14","page":439},{"text":"الفضل العظيم]، ومنها قيامه -ﷺ- عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره فيتكلم فيسمعون ويشهدون ويصدقون إذ هو خطيب النبيين وشهيدهم وصاحب شفاعتهم وسيد الأولين والآخرين. ومنها أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأممهم [يأتونه] فيسألونه أن يشفع لهم إلى ربهم ليريحهم من غمهم وعرقهم وطول وقوفهم فيجيبه ﷾ إلى ذلك ويحاسبهم وقد تبرأ منها كل نبي سئلها فيقول: لست هنالك، ويذكر عذره وتبرأ كل نبي إلى من بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حتى يسلِّمها آخرهم إلى سيدنا ونبينا محمد -ﷺ- فيقول: أنا لها، وهي أول شفاعة، فيشفع ويضرب الصراط على متن جهنم ويوضع الميزان ويقضي اللَّه ﵎ بين خلقه. ومنها أن الأنبياء والمرسلين والملائكة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين قد بلغ منهم الأمر منتهاه حتى يقول كل واحد منهم نفسي نفسي لا أملك اليوم غيرها ونبينا محمد -ﷺ- يقول: أمتي أمتي، ومنها شفاعته -ﷺ- في من لا حساب عليه من أمته فيقول اللَّه ﷾: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن ثم هم شركاء الناس فيما سوى ذلك. [ومنها شفاعته -ﷺ- في من يؤمر به إلى النار فيشفع قبل أن يدخلها فلا يدخلها]، ومنها أنه -ﷺ- يشفع فيمن أدخل النار من أمته يشفع في الثلث الأول فيخرجون ثم يشفع في الثلث التاني فيشفع فيخرجون ثم يشفع في الثلث الثالث فيشفع فيخرجون فيخرج منها من عرفت صورته ثم من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان ومثقال ثلثي دينار","vol":"14","page":440},{"text":"ومثقال نصف دينار ومثقال ثلث دينار وقيراط ودانق وشعيرة وحبة وخردلة وبعوضة وذرة وأدنى أدنى أدنى حبة خردل من الإيمان إلى غير ذلك مما لم يذكره وهو ظاهر في موضعه ثم تأمله فقد اجتمع من مجموع هذه الألفاظ وشفاعته -ﷺ- ومقامه المحمود من أول الشفاعات إلى آخرها إلى آخر من يخرج من النار من أمته من أهل لا إله إلا اللَّه وليس هذا كله لملك مقرب ولا نبي مرسل سواه -ﷺ- مع فضائله التي لا يحصيها إلا اللَّه تعالى الذي فضله بها وسِوى معجزاته الخارقة للعادات في كل فن فالحمد للَّه رب العالمين الذي فضلنا بهذه النبي الكريم الرءوف الرحيم ونسأل اللَّه الرب الكريم السميع العليم أن يجعلنا متبعين لسنته عالمين عاملين بما جاء به وأن يميتنا على ذلك غير مبدلين ولا شاكين ولا مرتابين ولا مغيرين آمين آمين آمين يا رب العالمين. ذكر هذه الفضائل ابن الفرات في تاريخه وهو أربع مجلدات فيه فضائل لا تحصر.\n\n٥٥٠٠ - وعن أبي ذر -﵁- قال قال رسول اللَّه -ﷺ- أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي كان قبلي ونصرت بالرعب مسيرة شهر على عدوي وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك باللَّه شيئا. رواه البزار (^١) وإسناده جيد إلا أن فيه انقطاعا والأحاديث من هذا النوع\n_________\n(^١) البزار في مسنده (٤٠٧٧) وأخرجه الطيالسي (٤٧٢)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٤٤٩) أحمد (٢١٤٣٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٩) رواه أحمد، =","vol":"14","page":441},{"text":"كثيرة جدا في الصحاح وغيرها.\nقوله: \"وعن أبي ذر\" أبو ذر -﵁- قد اختلف في اسمه اختلافا شديدا وأصح ما قيل فيه: جندب بن جنادة وقيل: جندب بن عبد اللَّه [وقيل: جند] (^١) بن سكين وقيل غير ذلك وقيل في كنيته: أبو الذر والأشهر: أبو ذر وهو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد [اللَّه] بن حرام بن غفار وأمه اسمها: رملة وهي غفارية أيضًا وهو قديم الإسلام، أسلم رابع أربعة وقيل خامس خمسة ثم انصرف إلى بلاده إلى أن قدم على النبي -ﷺ- المدينة بعد بدر وأحد والخندق فلما رآه قال: أنت أبو نملة.\nقال أبو ذر، قال نعم: أبو ذر، وكان أبو ذر شديد الورع روى عن النبي -ﷺ- أنه قال فيه: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر. وقال له رسول اللَّه -ﷺ-: إني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرَّن على اثنين ولا تليَّن مال يتيم. وكان -﵁- لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، كان -﵁- يقول ما ترك الحق لأبي ذر من صديق. وكان وفاته سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود. وتوفي بعده في ذلك العام وكان يومئذ مقبلا من الكوفة فدعي إلى الصلاة عليه فبكى ثم قال: أخي وخليلي عاش وحده ومات وحده ويبعث وحده طوبى له. قيل: وليَ -﵁- قضاء دمشق لعمر بن\n_________\n= ورجاله رجال الصحيح، وقال الهيثمي في (١٠/ ٣٧١) رواه البزار ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهدا لم يسمع من أبي ذر واللَّه أعلم.\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":442},{"text":"الخطاب ومن كلامه: اطلبوا العلم فإن عجزتم فأحبوا أهله فإن عجزتم فلا تنقصوهم. وقال: وقيل للذي لا يعلم مرة ولو شاء علمه وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات. ومن كلامه أيضًا: إياكم ودعوة اليتيم والمظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام وما تصدق مؤمن بصدقة أحب من موعظة يعظ بها قوما فيفترقون قد نفعهم اللَّه بها. ومن كلامه أيضًا ولعله شعر: ابن آدم [طئ] الأرض [بقدمك] فإنها عن قليل [قبرك] وإنما أنت أيام فكلما ذهب بعضك. وقيل لأبي [الذر]: ما لك لا تشعر فإن الأنصار يشعرون؟ فقال [رضي اللَّه تعالى عنه]:\nيريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى اللَّه إلا ما أرادا\nيقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى اللَّه خير ما استفادا\nوتقدم الكلام على بعض مناقبه رضي اللَّه تعالى عنه. قوله -ﷺ-: \"أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي\" الحديث في ذكر ذلك تعديد للفضائل التي خص النبي -ﷺ- بها دون سائر الأنبياء وهذا من التحدث بنعمة ربه تعالى. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (^١)، وليس ذلك من -إلى هنا انتهى اللوح ٢٠٢ - باب التطاول على الناس فإن العبد إذا نظر إلى نفسه [محتقر] وإذا نظر إلى ربه [مفتخر] وفي [ذكره] لذلك فوائد أخرى منها: إعلام الأمة بعظيم منزلته عند اللَّه تعالى وهذا نظير قوله -ﷺ-: أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي ولا فخر أكمل من ذلك. قيل: تكلم بذلك لتعرف [لأمة] منزلته. قاله أبو محمد النيسابوري. وقيل: قال ذلك للتحدث [بنعمة] ربه. وقيل قال ذلك\n_________\n(^١) سورة الضحى، الآية: ١١.","vol":"14","page":443},{"text":"بحضرة المنافقين ليغيظهم، قاله الزمخشري في الفائق واللَّه أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا\" أي لا تختص الصلاة بموضع فيها دون موضع بل تجوز الصلاة في جميعها إلا في الأماكن التي نهى الشرع عن الصلاة فيها وهي المجزرة والمقبرة والمزلبة وقارعة الطريق والحمام. والنهي في بعض هذه المواضع للتحريم مع عدم الحائل لمباشرة النجاسة ومع الحائل للكراهة لاحتواء الأرض على النجاسة، ووجه الخصوصية لهذه الأمة ثابت فإن الأمم الماضية كانوا لا يصلون إلا في بيوتهم وكنائسهم وبيعهم ولا تباح لهم الصلاة في غير ذلك من بقاع الأرض. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (^١) وأبيحت لأمته -ﷺ- حيث كانوا تخفيفا عليهم، وفيه أن التيمم لم يرخص فيه لأحد من الأمم السالفة وإنما هو خصوصية خص اللَّه بها هذه الأمة تخفيفا عنها ورحمة لها وهو كذلك فله الفضل والمنة على ذلك. وتقدم الكلام على كيفية التيمم وما يتعلق بذلك في أحاديث الباب.\nقوله -ﷺ-: \"وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي كان قبلي\" لاشك في أنها محرمة على الأمم الماضية وكانوا يجمعونها فتأتي نار من السماء فتأكلها وكذلك قربانهم، وأحلها اللَّه لهذه الأمة رفقا بها ورزقا لها لضعفها كما قال ﵇: أي عجزنا وضعفنا، فأحلها اللَّه لنا وأما كونه ﵇ أضاف ذلك إلى نفسه في هذه الرواية والأمة شركاؤه فيه تبعا له فإنه تبع فيه لفظ الآية، ويفهم\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٨٧.","vol":"14","page":444},{"text":"من الحديث تعظيم الأمة وشرفها لشرفه -ﷺ-، وتقدم الكلام على الغنيمة.\nقوله -ﷺ-: \"ونُصرت بالرعب مسيرة شهر\"، ومعناه أن اللَّه تعالى كان يقذف الرعب في قلوب أعدائه لتخذيلهم وورد في بعض طرق الحديث أنه كان يسير الرعب بين يديه شهرًا، معناه إذا توجه إلى وجه من الأرض ألقى اللَّه الرعب على من أمامه إلى مسيرة شهر، قاله العراقي في شرح الأحكام، وقال بعضهم أيضًا: معناه أن العدو يخافني وبيني وبينه مسافة شهر يريد من نصر اللَّه تعالى إياه.\nقوله -ﷺ-: \"وبعثت إلى كل أحمر وأسود\" الحديث، قيل المراد بهم العرب والعجم. وقيل المراد بالأحمر الناس وبالأسود الجن، قد ثبت في الحديث الصحيح أن طائفة من الجن آمنوا به -ﷺ-. ففي البخاري أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: أتاني جن نصيبين ونعم الجن، فذكر الحديث بطوله.\nقوله -ﷺ-: \"وأعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك باللَّه شيئا\" وفي رواية إن شاء اللَّه تعالى. فيه إبطال مذهب المعتزلة القائلين بنفي شفاعة المصطفى -ﷺ- في أهل الكبائر، ففي الترمذي عن أنس -﵁- قال: قال النبي -ﷺ- شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أففيه، دلالة لمذهب أهل الحق أن من مات غير مشرك باللَّه لم يخلد في النار وإن كان عاصيا مصرا على الكبائر. قوله: \"إن شاء اللَّه تعالى\" فهو على جهة التبرك والامتثال لقول اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^١)، وتقدم\n_________\n(^١) سورة الكهف، الآية: ٢٣ - ٢٤.","vol":"14","page":445},{"text":"الكلام على تعداد الشفاعة [مبسوطًا واللَّه تعالى أعلم.\n\n٥٥٠١ - وعن عوف بن مالك الأشجعي -﵁- قال سافرنا مع رسول اللَّه -ﷺ- سفرا حتى إذا كان في الليل أرقت عيناي فلم يأتني النوم فقمت فإذا ليس في العسكر دابة إلا واضع خده إلى الأرض وأرى وقع كُلُّ شيء في نفسي فقلت لآتين رسول اللَّه -ﷺ- فلأكلأنه الليلة حتى أصبح فخرجت أتخلل الرجال حتى خرجت من العسكر فإذا أنا بسواد فتيممت ذلك السواد فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل فقالا لي ما الذي أخرجك فقلت الذي أخرجكما فإذا نحن بغيضة منا غير بعيدة فمشينا إلى الغيضة فإذا نحن نسمع فيها كدوي النحل وكخفيق الرياح فقال رسول اللَّه -ﷺ- ههنا أبو عبيدة بن الجراح قلنا نعم قال ومعاذ بن جبل قلنا نعم قال وعوف بن مالك قلنا نعم فخرج إلينا رسول اللَّه -ﷺ- لا نسأله عن شيء ولا يسألنا عن شيء حتى رجع إلى رحله فقال ألا أخبركم بما خيرني ربي آنفا قلنا بلى يا رسول اللَّه قال خيرني بين أن يدخل ثلثي أمتي الجنة بغير حساب ولا عذاب وبين الشفاعة قلنا يا رسول اللَّه ما الذي اخترت قال اخترت الشفاعة قلنا جميعا يا رسول اللَّه اجعلنا من أهل شفاعتك قال إن شفاعتي لكل مسلم رواه الطبراني (^١) بأسانيد\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٥٨/ ١٠٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٠): روى الترمذي وابن ماجه طرفا منه. رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها ثقات. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٩٦): إسناد جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣٧).","vol":"14","page":446},{"text":"أحدها جيد وابن حبان في صحيحه (^١) بنحوه إلا أن عنده الرجلين معاذ بن جبل وأبا موسى وهو كذلك في بعض روايات الطبراني وهو المعروف وقال ابن حبان في حديثه فقال معاذ -﵁- بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه قد عرفت منزلتي فاجعلني منهم قال أنت منهم. قال عوف بن مالك وأبو موسى يا رسول اللَّه قد عرفت أنا تركنا أموالنا وأهلينا وذرارينا نؤمن باللَّه ورسوله فاجعلنا منهم قال أنتما منهم. قال فانتهينا إلى القوم فقال النبي -ﷺ- أتاني آت من ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فقال القوم يا رسول اللَّه اجعلنا منهم فقال أنصتوا فأنصتوا حتى كأن أحدا لم يتكلم فقال رسول اللَّه -ﷺ- هي لمن مات لا يشرك باللَّه شيئا.\nقوله: \"وعن عوف بن مالك\"، مات عوف هذا بالشام سنة ثلاث وسبعين. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: \"سافرنا مع رسول اللَّه -ﷺ- سفرا حتى إذا كان في الليل أرقت عيناي\"، الأرق هو السهر، وقد أرقت بالكسر أي سهرت. قوله: \"وأرى وقع كل شيء في نفسي\"، أُرى بضم الهمزة ومعناه أظن، ووقع الشيء حسنه،. . . قوله رضي اللَّه تعالى عنه: \"فقلت لآتين رسول اللَّه -ﷺ- فلأكلأنه الليلة\"، الحديث، أكلؤه أي أحفظه وأحرسه، قوله رضي اللَّه تعالى عنه: \"حتى خرجت من العسكر فإذا أنا بسواد فتيممت ذلك السواد\"، أي قصدت ذلك السواد. قوله رضي اللَّه تعالى عنه: \"فخرجت أتخلل\"، أي يصيرون خلالها بينها ووسطها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٧٢٠٧).","vol":"14","page":447},{"text":"خِلَالِهِ﴾ (^١)، ومنه: أرى الفتن خلال بيوتكم، أي أثناءها وما بينها واحدها خلل، قاله عياض رحمه اللَّه تعالى (^٢).\nقوله رضي اللَّه تعالى عنه: \"فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل فقالا لي: ما الذي أخرجك؟ فقلت: الذي أخرجكما\"، تقدم الكلام على مناقبهما رضي اللَّه تعالى عنهما، ومن بعض مناقب معاذ أيضًا قال رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: \"أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل\"، وكان أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم إذا تحدثوا وفيهم معاذ هابوه، وكان يتهجد من الليل ويقول: اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حيّ قيوم، اللهم طلبي من الجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف. وكان رضي اللَّه تعالى عنه كريما جوادا سخيا، ومناقبه كثيرة مشهورة.\nقوله رضي اللَّه تعالى عنه: \"فإذا نحن بغيضة\" الحديث، الغيضة الأجمّة، وهو مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجرة، والجمع غياض وأغياض.\nقوله رضي اللَّه تعالى عنه: \"كدوي النحل\"، دوي الشيء حفيفه، وهو بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء على المشهور، وحكي ضم الدال وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه ومعناه صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل.\nقوله رضي اللَّه تعالى عنه: \"حتى رجع إلى رحله\" الحديث، رحل الإنسان هو منزل الرجل ومأواه.\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٤٣.\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٣٧).","vol":"14","page":448},{"text":"٥٥٠٢ - وعن سلمان -﵁-. قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس. قال: فذكر الحديث، قال: فيأتون النبي -ﷺ- فيقولون: يا نبي اللَّه أنت الذي فتح اللَّه لك، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك، فيقول: أنا صاحبكم، فيخرج يجوس بين الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة، فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب فيقرع الباب فيقول: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح له حتى يقوم بين يدي اللَّه ﷿ فيسجد فينادي: ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع فذلك المقام المحمود. رواه الطبراني (^١) بإسناد صحيح.\nقوله -ﷺ-: \"تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس\" آنفا قريبا، قوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: \"فيأتون النبي -ﷺ- فيقولون: يا نبي اللَّه أنت الذي فتح اللَّه لك، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك\"، تقدم الكلام على الشفاعة، قوله: \"وعن سلمان\"، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطا رضي اللَّه تعالى عنه. ومن بعض مناقبه أيضًا أنه اشترى وسقا من طعام فقال زيد بن حرجان: تفعل\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (٦/ ٢٤٧/ ٦١١٧). وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (المطالب ٤٥٦٧) وفي مصنفه (٣١٦٧٥ - ٣٤٦٨٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٣٤) ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٧٠٦ - ٧٠٧) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح المجمع (١/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٩١): إسناد صحيح وقال ابن حجر عقب ذكره: صحيح موقوف. وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٣٩٤): سند جيد وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣٨).","vol":"14","page":449},{"text":"هذا وأنت صاحب رسول اللَّه -ﷺ-. فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وتفرغت للعبادة ويئس منها الوسواس. قاله ابن الفرات في تاريخه.\nقوله رضي اللَّه تعالى: \"ثم تدنى\"، أي تقرب، والدنوُّ هو القرب. قوله: \"فيقول: أنا صاحبكم\"، الحديث، هذا مما اختلف العلماء في معناه.\nقال القاضي عياض (^١): قيل المتقدم ما كان قبل النبوة، والمتأخر ما عصمك بعدها، يكون المراد الغفران لبعضهم أو سلامتهم من الخلود في النار، وقيل المراد ما وقع منه -ﷺ- عن سهو أو تأويل، حكاه الطبراني واختاره القشيري، وقيل ما تقدم لأبيك آدم ﵊ وما تأخر من ذنوب أمتك، وقيل المراد أنه مغفور ذلك غير مؤاخذ بذنب لو كان، وقيل هو تنزيه له من الذنوب، واللَّه ﷾ أعلم. قوله: \"فيخرج يجوس\"، أي يطؤهم، قوله: \"حتى ينتهي إلى باب الجنة. . . فيقرع الباب فيقول من هذا فيقول: محمد\"، الحديث، تقدم الكلام على إطلاقه في مواضع من هذا التعليق. وقرع الباب هو دقه، وفي رواية: \"فآخذ بحلقة الباب فأقعقعها\"، أي أحركها لتصوت، وهذا تصريح في أنها حلقة حسية تقعقع وتحرك. قوله: \"فينادي ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع فذلك المقام المحمود\" الحديث، اشفع تشفع، أي تقبل شفاعتك.\n\n٥٥٠٣ - وعن أنس -﵁- قال: حدثني رسول اللَّه -ﷺ- قال: إني لقائم أنتظر أمتي تعبر إذ جاء عيسى ﵇ قال: فقال هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٧٥).","vol":"14","page":450},{"text":"يسألون، أو قال: يجتمعون إليك يدعون اللَّه أن يفرق بين جمع الأمم إلى حيث يشاء لعظم ما هم فيه، فالخلق ملجمون في العرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيتغشاه الموت، قال يا عيسى: انتظر حتى أرجع إليك: قال: وذهب نبي اللَّه -ﷺ- فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملك مصطفى، ولا نبي مرسل، فأوحى اللَّه إلى جبريل ﵇ أن اذهب إلى محمد فقل له: ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع. قال: فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنسانا واحدا. قال: فما زلت أتردد على ربي فلا أقوم فيه مقاما إلا شفعت حتى أعطاني اللَّه من ذلك أن قال: أدخل من أمتك من خلق اللَّه من شهد أن لا إله إلا اللَّه يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك. رواه أحمد (^١) ورواته محتج بهم في الصحيح.\nقوله رحمه اللَّه تعالى: \"وعن أنس\" تقدم الكلام عليه رضي اللَّه تعالى عنه. قوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: \"إني لقائم أنتظر أمتي تعبر إذ جاء عيسى ﵇\"، الحديث إلى أن قال: \"أدخل من أمتك من خلق اللَّه من شهد أن لا إله إلا اللَّه يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك\".\n\n٥٥٠٤ - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي -﵄- قال قال رسول اللَّه -ﷺ- يدخل من أهل هذه القبلة النار من لا يحصي عددهم إلا اللَّه بما عصوا اللَّه\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٢٨٢٤). والحديث؛ أخرجه ابن خزيمة، في \"التوحيد\" (٣٥٩). وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٢٠٥) تفرد به أحمد، وقد حكم الترمذي بالحسن لهذا الإسناد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٤) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣٩).","vol":"14","page":451},{"text":"واجترؤوا على معصيته وخالفوا طاعته فيؤذن لي في الشفاعة فأثني على اللَّه ساجدا كما أثني عليه قائما فيقال لي ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع\" رواه الطبراني في الكبير (^١) والصغير بإسناد حسن (^٢).\nقوله: \"وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي\"، تقدم الكلام على ترجمته رضي اللَّه تعالى عنه. قوله -ﷺ-: \"فيؤذن لي في الشفاعة. . . \" الحديث، وفي رواية: \"فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذن لي\". قال القاضي عياض (^٣): معناه واللَّه ﷾ أعلم: فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها والمقام المحمود الذي ادخره تعالى له وأعلمه أنه سبحانه يبعثه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم فيه.\n\n٥٥٠٥ - وعن أبي هريرة -﵁- قال سألت رسول اللَّه -ﷺ- قلت يا رسول اللَّه ماذا رد إليك ربك في الشفاعة قال والذي نفس محمد بيده لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم والذي نفس محمد بيده لما يهمني من انقصافهم على أبواب الجنة أهم عندي من تمام شفاعتي لهم وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا اللَّه مخلصا وأن محمدا\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٣، ١٤/ ٤٥٥/ ١٤٣١٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١٠٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٦) رواه الطبراني في الأوسط، والصغير، واسناده حسن. قال الحافظ في فتح الباري (١٤/ ٢٥٢): ووقع في حديث عبد اللَّه بن عمرو عند الطبراني بسند حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٤٠).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٥٧).","vol":"14","page":452},{"text":"رسول اللَّه يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\"، اختلف في اسمه اختلافا شديدا، حتى أفرد له بعض الحفاظ جزءا نقل فيه أقوال العلماء منسوبا كل قول منها إلى قائله: فقيل فيه: عمير بن عامر، وقيل: عبيد اللَّه بن عامر، وقيل: عبد سهم بن عامل، وقيل عبد اللَّه بن عبد شمس، وقيل عبد اللَّه بن عبد العزى، وقيل: عبد الرحمن بن عمر، وقيل: عبد الرحمن بن صخر، وروي عنه أنه قال: كان اسمي في الجاهلية: عبد شمس، فسميت في الإسلام عبد الرحمن. وقال الحاكم في كتاب الكنى: أصح ما قيل فيه عندنا عبد الرحمن بن صخر، وهذا الذي قاله الحاكم هو أشهر ما قيل فيه، واشتهر بكنيته. روي عنه أنه قال: كنت أحمل هرة في كمي، فرآني رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: ما هذه؟ قيل: هرة. فقال: يا أبا هريرة. وهو دوسي، ودوس هو ابن عدنان، أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول اللَّه -ﷺ-، وكان رجلًا فقيرًا يصحب رسول اللَّه -ﷺ- بشبع بطنه، يدور معه حيث دار، لذلك كثرت روايته رضي اللَّه تعالى عنه،\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٠٧١٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠٤) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير معاوية بن معتب، وهو ثقة.\n(^٢) وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٦٩٦، ٢/ ٦٩٧، ٢/ ٦٩٨)، وابن حبان (٦٤٦٦) والحاكم (١/ ٦٩ - ٧٠) قال أبو بكر ابن خزيمة: رواية الليث أوقع على القلب من رواية عمرو بن الحارث، إنما الخبر -علمي- عن سالم بن أبي سالم كما رواه الليث، لا عن أبي سالم، اللهم إلا أن يكون سالم كنيته أبو سالم أيضًا.","vol":"14","page":453},{"text":"فإنه كان يشهد ما لا يشهده المتاجرون لاشتغالهم بتجاراتهم، وما لا يشهده الأنصار لاشتغالهم بحوائطهم، ويشهد له رسول اللَّه -ﷺ- بالحرص على الحديث، أمره صلى اللَّه تعالى عليه وسلم أن يبسط رداءه ثم قال له: ضُمَّه، قال: فضممته فما نسيت شيئا بعدُ، روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحبٍ وتابعي، انتهى، قاله ابن الفرات في تاريخه. قوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: \"من انقصافهم\" الحديث، أي ازدحامهم ودفعهم، وكله بمعنى الازدحام، يعني استسعادهم بدخول الجنة، وأن يتم لهم ذلك أهم عندي من أن أبلغ أنا منزلة الشافعين المشفعين لأن قبول شفاعته كرامة له فوصولهم إلى مبتغاهم آثر عنده من نيل هذه الكرامة لفرط شفقته على أمته. وفي الحديث: \"أنا والنبيون فراط لقاصفين\"، وفي رواية: \"فراط القاصفين\"، هم الذين يزدحمون حتى يقصف بعضهم بعضا، من القصف: الكسر والدفع الشديد لفرط الزحام، يريد أنهم يتقدمون الأمم إلى الجنة، وهم على أثرهم] (^١) بدارا متتابعين ومزدحمين ومنه الحديث لما يهمني إلخ ذكره في النهاية (^٢) في باب القاف مع الصاد.\n\n٥٥٠٦ - وعن أبي بكر الصديق -﵁- قال أصبح رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم فصلى الغداة ثم جلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول اللَّه -ﷺ- وجلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب كل ذلك لا يتكلم حتى\n_________\n(^١) هذان اللوحان بين [] أثبتا في النسخة الهندية، وسقطا من الأصل.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٧٣).","vol":"14","page":454},{"text":"صلى العشاء الآخرة ثم قام إلى أهله فقال الناس لأبي بكر -﵁- سل رسول اللَّه -ﷺ- ما شأنه صنع اليوم شيئا لم يصنعه قط فقال نعم عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة فجمع الأولون والآخرون بصعيد واحد حتى انطلقوا إلى آدم ﵇ والعرق يكاد يلجمهم فقالوا يا آدم أنت أبو البشر اصطفاك اللَّه اشفع لنا إلى ربك فقال قد لقيت مثل الذي لقيتم انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ (^١) فينطلقون إلى نوح ﵇ فيقولون اشفع لنا إلى ربك فأنت أصطفاك اللَّه واستجاب لك في دعائك فلم يدع على الأرض من الكافرين ديارا فيقول ليس ذاكم عندي فانطلقوا إلى إبراهيم فإن اللَّه اتخذه خليلا فينطلقون إلى إبراهيم ﵇ فيقول ليس ذاكم عندي فانطلقوا إلى موسى فإن اللَّه كلمه تكليما فينطلقون إلى موسى ﵇ فيقول ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فيقول عيسى ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم فإنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة انطلقوا إلى محمد فليشفع لكم إلى ربكم قال فينطلقون إلي وآتي جبريل فيأتي جبريل ربه فيقول ائذن له وبشره بالجنة قال فينطلق به جبريل فيخر ساجدًا قدر جمعة ثم يقول اللَّه ﵎ يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع فيرفع رأسه فإذا نظر إلى ربه خر ساجدا قدر جمعة أخرى فيقول اللَّه يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع فيذهب ليقع ساجدا فيأخذ جبريل بضبعيه ويفتح اللَّه عليه\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ٣٣.","vol":"14","page":455},{"text":"من الدعاء ما لم يفتح على بشر قط فيقول أي رب جعلتني سيد ولد آدم ولا فخر وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر حتى إنه ليرد على الحوض أكثر ما بين صنعاء وأيلة ثم يقال ادعوا الصديقين فيشفعون ثم يقال ادعوا الأنبياء فيجيء النبي معه العصابة والنبي معه الخمسة والستة والنبي ليس معه أحد ثم يقال ادعوا الشهداء فيشفعون فيمن أرادوا فإذا فعلت الشهداء ذلك يقول اللَّه جل وعلا أنا أرحم الراحمين أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئا فيدخلون الجنة ثم يقول اللَّه ﵎ انظروا في النار هل فيها من أحد عمل خيرا قط فيجدون في النار رجلا فيقال له هل عملت خيرا قط فيقول لا غير أني كنت أسامح الناس في البيع فيقول اللَّه اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي ثم يخرج من النار آخر فيقال له هل عملت خيرا قط فيقول لا غير أني كنت أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني بالنار ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل اذهبوا بي إلى البحر فذروني في الريح فقال اللَّه لم فعلت ذلك قال من مخافتك فيقول انظر إلى ملك أعظم ملك فإن لك مثله وعشرة أمثاله فيقول لم تسخر بي وأنت الملك فذلك الذي ضحكت به من الضحى رواه أحمد (^١) والبزار (^٢) وأبو يعلى (^٣)\n_________\n(^١) أحمد (١/ ٤ - ٥).\n(^٢) البزار (٧٦).\n(^٣) أبو يعلى (٥٦ و٥٧)، وأخرجه والبخاري في الكبير (٤/ ٢/ ١٨٥) ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٣/ ٢٥٤) وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية (١٨١ و٢٩٥) وابن أبي عاصم في السنة (٧٦٩ و٨٣٣) وفي الزهد (٢٧١) والمروزي في مسند أبي بكر (١٥ و١٦) ووالدولابي في الكنى (٢/ ١٥٥ - ١٥٦) وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٧٣٥ - ٧٣٧) وأبو عوانة =","vol":"14","page":456},{"text":"وابن حبان في صحيحه (^١) وقال قال إسحاق يعني ابن إبراهيم هذا من أشرف الحديث وقد روى هذا الحديث عدة عن النبي -ﷺ- نحو هذا منهم حذيفة وأبو مسعود وأبو هريرة وغيرهم انتهى.\nالعصابة بكسر العين الجماعة لا واحد له قاله الأخفش وقيل هي ما بين العشرة أو العشرين إلى الأربعين.\nقوله: \"وعن أبي بكر الصديق -﵁-\" هو أبو بكر عبد اللَّه بن أبي قحافة عثمان ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ابن فهر يلتقي مع النبي -ﷺ- في مرة بن كعب. قال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا في اسمه واسم أبيه وإن لقب أبي بكر عتيق وتقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\n_________\n= (١/ ١٧٥ - ١٧٨) والطحاوي في المشكل (٥٥٦) وابن حبان (٦٤٧٦) وابن عدي (٢/ ٧٤١) وابن الجوزي في العلل (١٥٣٩) قال البزار: وهذا الحديث حديث فيه رجلان لا نعلمهما رويا إلا هذا الحديث: أبو هنيدة البراء بن نوفل، فإنا لا نعلم روى حديثا غير هذا، وكذلك والان لا نعلم روى إلا هذا الحديث، على أنّ هذا الإسناد مع ما فيه من الإسناد الذي ذكرنا فقد رواه جماعة من جلة أهل العلم بالنقل واحتملوه وقال ابن حبان: خبر غريب، قال إسحاق بن راهويه: هذا من أشرف الحديث وقال الدارقطني: والان غير مشهور إلا في هذا الحديث، والحديث غير ثابت العلل (١/ ١٩١)، وقال ابن الجوري: والان مجهول لا يعرف وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال، وقد قال ابن معين: بصري ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج حديثه في صحيحه الميزان. وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجالهم ثقات المجمع (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٤١)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٩/ ٢١٢)، والظلال (٧٥١ و٨١٢). .\n(^١) (٦٤٧٦).","vol":"14","page":457},{"text":"قوله: \"حتى صلى الأولى والعصر\"، الأولى هو الظهر وتقدم الكلام عليها. قوله -ﷺ-: \"يجمع اللَّه الأولين والآخرين بصعيد واحد\" الحديث، أما الصعيد فهو الأرض الواسعة المستوية.\nقوله: \"حتى انطلقوا إلى آدم والعرق يكاد يلجمهم، فقلوا: يا آدم أنت أبو البشر اصطفاك اللَّه، اشفع لنا إلى ربك\" الحديث، معنى اصطفاك اللَّه أي اختارك وآثرك بذلك. اصطفى اختار افتعل من الصفوة وهو الخالص من كل شيء.\nقوله: \"انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم نوح\" الحديث، سؤال: فإن قيل لم سمي نوحا؟ فالجواب عنه: أنه سمى نوحا لكثرة ما كان ينوح على نفسه. وقيل سبب نياحته على نفسه أنه كان ذات يوم جالسا في ناحية من الأرض فمر به كلب أجرب قد تناثر شعره وظهر جلده ونحل جسمه فنظر إليه واستقبحه، فقال: ما أقبح هذا الكلب، فناداه بلسان الآدميين: يا نوح إن كنت تحسن أو تقدر أن تخلق أحسن مني فاخلق، تعيب الصورة أو المصور؟ فندم على ذلك واستعظمه وكان ينوح على نفسه من هذه الزلة إلى آخر عمره حتى سمي نوحا لذلك، قاله أبو نصر النعيمي.\nنوح أول رسول بعثه اللَّه تعالى، قال أبو عبد اللَّه المازري قد ذكر المؤرخون أن إدريس ﵇ جد نوح ﵇ فإن قام دليل على أن إدريس أرسل أيضًا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح لإخبار النبي -ﷺ- عن آدم أن نوحا أول رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوه وصح أن يحمل أن","vol":"14","page":458},{"text":"إدريس كان نبيا غير مرسل. قال القاضي عياض (^١): [وقد] قيل إن إدريس هو إلياس وأنه كان نبيا في بني إسرائيل كما جاء في بعض الأخبار مع يوشع بن نون فإن كان هكذا سقط الاعتراض والله أعلم. قاله في الديباجة. قال القاضي عياض (^٢) وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله ولذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض.\nقال القاضي وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى آدم وليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان هذا آخر كلام القاضي ﵀، اهـ. قوله: \"انطلقوا إلى إبراهيم فإن الله اتخذه خليلا\" الحديث، والخُلة بالضم [وقال القاضي عياض (^٣) أصل الخلة الاختصاص [والاستصفاء، وقيل] أصلها الانقطاع إلى من خاللت مأخوذ من الخَلّة وهي الحاجة فسمي إبراهيم بذلك لأنه قصر حاجته على ربه ﷾، هذا كلام القاضي.\nقال ابن الأنباري: الخليل معناه المحب الكامل المحبة والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة اللذان ليس في حبهما نقص ولا خلل. قال\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٧٦).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٧٦).\n(^٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٧٦).","vol":"14","page":459},{"text":"[الواحدي:] هذا القول هو [المختار] لأن الله تعالى خليل إبراهيم -﵇- وإبراهيم -﵇- خليل الله ﷿ ولا يجوز أن يقال الله ﷿ خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة والله أعلم.\n[تنبيه: والخلة] (^١)] (^٢) الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه، والخليل الصديق وإنما قال ذلك لأن خلقه كانت مقصورة على حب الله تعالى فليس فيها لغيره متسع ولا شركة من محاب الدنيا والآخرة وهذه حال شريفة لا ينالها أحد بكسب واجتهاد فإن الطباع غالبة وإنما يخص الله بها من يشاء من عباده مثل سيد المرسلين ومن جعل الخليل مشتقًّا من الخلة وهي الحاجة والفقر أراد إنني أبرأ من الاعتماد والافتقار إلى أحد غير الله تعالى.\nسؤال: فإن قيل [ما] الحكمة في أن الله ﷿ اتخذه خليلًا، فالجواب عنه من وجوه:\nأحدها: أن الله تعالى اتخذه خليلا لما روي في الخبر أنه قال اتخذتك خليلًا لأنك قائم بين يدي وقلبك لا يغفل عني فأنت على كل حال لا تنساني.\nالثاني: اتخذه خليلًا لما روي أن إبراهيم ﵊ قال اتخذني خليلا لثلاثة أشياء أحدها أني [ما] أهتم لما تكفل لي وما خيرت بين شيئين\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ومن جعل الخليل مشتقا من الخلة وهي الحاجة والفقر أراد إنني أبرأ من الاعتماد والافتقار إلى أحد غير الله تعالى).","vol":"14","page":460},{"text":"إلا اخترت ما لله فيه رضى.\nالثالث: ما تغذيت ولا تعشيت إلا مع الضيف.\nالرابع: اتخذه خليلا لأنه ابتلاه بأربعة أشياء، بالنفس والولد والمال والقلب، فسلم نفسه إلى النيران وولده إلى القربان وقلبه إلى الرضوان وماله إلى الضيفان فلذلك اتخذه خليلا.\nالخامس وهو أحسن ما قيل في هذا الباب أنه اتخذه خليلا لأنه لم ينظر بسرّه إلى غيره طرفة عين فأوحى الله إليه أنت خليلي وأنا خليلك، قاله أبو نصر النعيمي أيضًا.\nسؤال أيضًا: فإن قيل ما الفرق بين الحبيب والخليل؟ فالجواب عنه من وجوه:\nالأول أن الحبيب والخليل كلاهما واحد والدليل عليه أن الله ﷿ أول حرف الخليل وأول حرف الحبيب الحاء ثم أثنى على الخليل بحرف الحاء فقال: ﴿لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (^١)، وأثنى على الحبيب بحرف الخاء فقال: ﴿[وَإِنَّكَ] (^٢) لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (^٣)، وأشار بهذا أن الحبيب خليل والخليل حبيب. وقال بعضهم: أن الخلة خاصة والمحبة عامة كما أن النبوءة خاصة والرسالة عامة، فكما أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا فكذلك\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ١١٤.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سورة القلم، الآية: ٤.","vol":"14","page":461},{"text":"كل حبيب خليل وليس كل خليل حبيبًا.\nالثاني: أن يقال الفرق بين الخليل والحبيب أن الخليل أقسم بالله فقال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (^١)، والحبيب أقسم الله به فقال: لعمرك. الثالث: أن الخليل كانت مغفرته في حد الطمع. قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ (^٢)، والحبيب كانت مغفرته في حد اليقين، قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ (^٣).\nالرابع: أن الخليل قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (^٤)، والحبيب الذي قيل له [قبل] السؤال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (^٥).\nالخامس: الذي قال ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ (^٦) سأل وراثة الجنة، والحبيب الذي قيل له ولأمته [قبيل السؤال]: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ (^٧) الآية.\nالسادس: الخليل الذي قال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾ (^٨)، والحبيب\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٥٧.\n(^٢) سورة الشعراء، الآية: ٨٢.\n(^٣) سورة الفتح، الآية: ٢.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦٠.\n(^٥) سورة الروم، الآية: ٥٠.\n(^٦) سورة المؤمنون، الآية: ١٠.\n(^٧) سورة المؤمنون، الآية: ١٠.\n(^٨) سورة الشعراء، الآية: ٨٧.","vol":"14","page":462},{"text":"الذي قيل له ولأمته قبل السؤال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (^١)، السابع: أن الخليل الذي قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (^٢)، سأل من الله تعالى الثبات على الإسلام واستعاذ بالله من عبادة عبادة الأصنام، والحبيب الذي أقرّ الله عينه بثباته وثبات أمته على الإسلام من غير سؤال، قوله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٣) الثَّابِتِ﴾ (^٣) الآية. قاله النعيمي.\nأيضا سؤال أيضا، فإن قيل: ما الحكمة في أن الله ﷿ صرح بخلة إبراهيم ﵊ فقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (^٤) ولم يصرح بمحبة محمد -ﷺ-. الجواب عنه أن يقال: إن الله تعالى وإن صرح بخلة إبراهيم فقد أشار إلى محبته -ﷺ- إشارة زادت على التصريح وهي أنه أخبر أن من بايعك على دينك من يومك هذا إلى يوم القيامة فهو حبيبي لأجلك، وذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ [اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ﴾ (^٥)، وهذا يزيد على تصريح المحبة، لأنه تعالى قال لإبراهيم ﵊: هو خليل خليلك. وقال لمحمد صلى الله تعالى عليه\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٨.\n(^٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣٥.\n(^٣) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ١٢٥.\n(^٥) سورة آل عمران، الآية: ٣١.","vol":"14","page":463},{"text":"وسلم: كل من اتبعك فهو حبيبي لأجلك. الثاني: أن المحبة موجبة للغيرة، فمن أحبه ربه تعالى شهره وناداه عليه، ومن أحب ربه سبحانه كتمه وغار عليه، فلذلك صرح نجله إبراهيم ﵊ وكتم محبة محمد -ﷺ-. واختلف العلماء في عمر إبراهيم ﵊. فقال قوم: مائتا سنة، وقال آخرون: مائة سنة وخمس وتسعون سنة.\nوقال ابن الجوزي: قال جماعة أن إبراهيم ﵊ كان معمره مائة سنة وخمسا وسبعين سنة، وقال القرطبي في تفسيره (^١): قال التستري من وفاة إبراهيم ﵊ ومن مولد النبي -ﷺ- نحو من ألفي سنة وستمائة سنة. انتهى ... فلما أدركت إبراهيم ﵊ الوفاة جمع أولاده، وهم يومئذة ستة: إسماعيل وإسحاق عليهما الصلاة والسلام ودعا بتابوت آدم ﵊ ففتحه فقال لهم: يا بني انظروا إلى هذا التابوت، بيوت بعدد الأنبياء كلهم أجمعين، وآخر الأبيات سيدنا نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، من ياقوتة حمراء، وإذا هو فيه قائم يصلي على يمينه الكهل المطيع مكتوب على جبينه هذا أول من يتبعه من المؤمنين وعن يساره الفاروق مكتوب على جبينه قرن من حديث لا تأخذه في الله لومة لائم، ومن ورائه ذو النورين آخذ بحجزته مكتوب على جبينه بار من البرية، والخلفاء ومن بين يديه علي بن أبي طالب شاهر سيفه وعلى عاتقه مكتوب على جبينه هذا أخوه وابن عمه المؤيد بالنصر من عند\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٢/ ١٣٥).","vol":"14","page":464},{"text":"الله تعالى، وحوله عمومته والخلفاء والنقباء والكبكبة الخضراء التي قد أحدقت بها سلسلسة النصرة، وهم أنصار الله تعالى، وأنصار رسوله -ﷺ-، نور حوافر دوابهم يوم القيامة مثل نور الشمس في دار الدنيا، انتهى. ذكره ابن الفرات في تاريخه، والله تعالى أعلم.\nقوله: \"فانطلقوا إلى موسى فإن الله كلمه تكليما فينطلقون إلى موسى\" الحديث، هو موسى بن عمران ﵊، هذا الكلام بإجماع أهل السنة على ظاهره وأن الله ﷾ كلم موسى ﵊ حقيقة كلاما سمعه بغير واسطة ولهذا أكد بالمصدر والكلام صفة ثابتة لله ﷾ لا يشبه كلام غيره، والله تعالى أعلم. قوله: \"ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم\" الحديث.\nتنبيه: ومريم أم المسيح -﵇- ورضي عنها حملت به ولها ثلاث عشرة سنة، وعاشت بعدما رفع ﵊ ستا وستين سنة، وماتت ولها مائة واثنتا عشرة سنة، وفيه اختلاف. قاله الكرماني (^١).\nقوله: \"فيقول عيسى ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم\" الحديث، وهذا الحديث دليل لفضله -ﷺ- على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل الآدميين لهذا الحديث. وقال الهروي: السيد الذي يفوق قومه في الخير. وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمورهم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ٦١).","vol":"14","page":465},{"text":"ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم. وأما قوله يوم القيامة مع أنهم سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقييد في أن يوم القيامة سؤدده لكل أحد ولا يبقى منازع ولا معاند ونحوه بخلاف الدنيا، فقد نازعه فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين، هذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^١) مع أن الملك له ﷾ قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدّعي الملك أو من يضاف إليها مجازا، فانقطع كل ذلك في الآخرة، انتهى. قوله: \"انطلقوا إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فليشفع لكم إلى ربكم فينطلقون ... \" الحديث، تقدم الإذن في الشفاعة.\nقوله: \"ثم يقول الله ﵎ يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع\"، واشفع تشفع، يعني تقبل شفاعتك.\nفائدة فيها بشرى: ورد في حديث: \"فأقول يا رب ائذن لي في من قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله\"، معناه لأتفضلن عليهم بإخراجهم بغير شفاعة. قوله: \"وكبريائي\"، بكسر الجيم أي عظمتي وسلطاني وقهري. قوله: \"فيأخذ جبريل بضبعيه\" الضبعان بفتح الضاد وسكون الباء العضدان.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"إنه ليرد على الحوض\" تقدم الكلام عليهما في أحاديث الحوض مبسوطا والله تعالى أعلم. قوله: \"ومعه العصابة\" العصابة بكسر العين الجماعة، ولا واحد له من لفظه، قاله الأخفش. وقيل:\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ١٦.","vol":"14","page":466},{"text":"هي ما بين العشرة أو العشرين إلى الأربعين، قاله الحافظ، وتقدم الكلام على بقية الحديث في العرض والخوف. سؤال: ما الحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام؟ الجواب: ألهمهم سؤال آدم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أولا هي إظهار لفضيلته صلى الله تعالى عليه وسلم فإنهم لو سألوه أولا لكان يحتمل أن يقال أن غيره صلى الله تعالى عليه وسلم يقدر على هذا. وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال والأنس، وفيه فضيلته صلى الله تعالى عليه وسلم على جميع المخلوقين من الرسل والملائكة المقربين عليهم الصلاة والتسليم فإن هذا الأمر العظيم وهو الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليها غيره صلى الله تعالى عليه وسلم.\n\n٥٥٠٧ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- إن لكل نبي يوم القيامة منبرا من نور وإني لعلى أطولها وأنورها فيجيء مناد ينادي أين النبي الأمي قال فتقول الأنبياء كلنا نبي أمي فإلى أين أرسل فيرجع الثانية فيقول أين النبي الأمي العربي قال فينزل محمد -ﷺ- حتى يأتي باب الجنة فيقرعه فيقول من فيقول محمد أو أحمد فيقال أوقد أرسل إليه فيقول نعم فيفتح له فيدخل فيتجلى له الرب ﵎ ولا يتجلى لشيء قبله فيخر لله ساجدا ويحمده بمحامد لم يحمده بها أحد ممن كان قبله ولن يحمده بها أحد ممن كان بعده","vol":"14","page":467},{"text":"فيقال له يا محمد ارفع رأسك تكلم تسمع واشفع تشفع فذكر الحديث رواه ابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم الكلام على مناقبه في مواضع رضي الله تعالى عنه. قوله رضي الله تعالى عنه: \"فيجيء مناد فينادي أين النبي الأمي العربي\" الحديث، قال العلماء: الأمي من لا يحسن الكتابة كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: \"إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب\" نسبة إلى الأم، كأنه باق على أصل ولادتها إذ لم يتعلم كتابة الكتابين ولا حساب الحاسبين، وهو من أوصاف النبي -ﷺ-، ومما يمدح به، وهي في غيره نقص بالنسبة إلى غيره، لأن الكتابة والدراسة هي الطرق الموصلة إلى العلوم التي تتشرف بها نفس الإنسان ويعظم بقدرها عادة، ولما خص الله تعالى نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعلوم الأولين والآخرين من غير كتابة ولا مدارسة كان ذلك خارقا للعادة في حقه، ومن أوصافه الخاصة به الدالة على صدقه التي نعت بها في الكتب القديمة، وعرف بها في الأمم السالفة، فقد صارت الأمية في حقه صلى الله تعالى وسلم من أعظم منجزاته وأفضل كراماته، وهي في حق غيره نقص ظاهر، انتهى. وقد ثبت في صحيح البخاري رحمه الله تعالى: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب بيده أو هو من باب المجاز أي أمر\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٦٤٨٠)، وأخرجه الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ٤٠٣)، ونسبه لأبي نعيم في كتاب الرؤية، وقال: هذا حديث غريب جدا. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٤٩١)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١١٤).","vol":"14","page":468},{"text":"بالكتابة، نحو كسو الخليفة الكعبة أي أمر بالكسوة.\nسؤال أيضا: ما الحكمة في تسمية الله ﷿ محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم أميا، فقال ﷿: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (^١)؟ الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن معناه ما ذكره الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (^٢) يعني لم يحسن الكتابة والقراءة. الثاني: لما خص صلى الله تعالى عليه وسلم من بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأم الكتاب وهي سورة الفاتحة، لذلك سمي أميا، يعني أعطيت أم الكتاب، الثالث: سمّاه أميا لأنه كان شفقته على المؤمنين كشفقة الأمهات على] (^٣) الأولاد. الرابع: سماه أميا لأنه كان مبعوثا من أم القرى وهي مكة. قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (^٤) يعني مكة، اهـ.\nقال بعضهم في تسميته بذلك ثلاثة أقوال: أحدها لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم الكتابة [فهو] على جبلته، قاله الزجاج، والثاني لأنه على ما ولدته أمه، والثالث [للنسبة] إلى أمه في الجهل بالكتابة لأن الكتابة كانت في الرجال دون النساء والله أعلم. وقال الرُشاطي في الأنساب عن بعضهم في نسبته -ﷺ- النبي الأمي، أنه منسوب إلى أم القرى مكة والمشهور أنه نسبة إلى أم العرب الذين لا يكتبون، قاله الزركشي، وقال ابن عباس: الأمي هو نبيكم\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.\n(^٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٨.\n(^٣) هذان اللوحان بين [] أثبتا في النسخة الهندية، وسقطا من الأصل.\n(^٤) سورة الشورى، الآية: ٧.","vol":"14","page":469},{"text":"كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب وهو منسوب إلى الأم أي هو على ما ولدته أمه. وقيل هو منسوب إلى أمته، قاله البغوي وإنما لم يكتب لأنه لو كتب لقيل إنه قرأ القرآن في صحف الأولين. وقد [بيّنه] الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (^١).\nقال النيسابوري: إنما لم يكتب ولم يحسب لأنه إذا كتب أو [عقد] بالخنصر يقع ظل أصبعه وقلمه على اسمه تعالى وذكره فلما لم يفعل قال الله تعالى: [لا جرم] بعد ما لم ترد أن يكون ظلك فوق اسمي ولم ترد أن يكون [ظل العلم] على اسمي أمرت الناس أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوتك ولا أدع ظلك يقع على الأرض ذكر القاضي عياض (^٢) أنه إنما لم يقع [له -ﷺ- ظل على الأرض إذا مشى في الشمس لأن نوره صلى الله تعالى عليه وسلم يغلب على نور الشمس. وقال بعض الناس: إنما لم يقع] ظله على الأرض حماية له أن يوطأ ظله بالأقدام. وقال النيسابوري، وقيل: إنما لم يكتب لئلا يشتغل بالكتابة عن الحفظ، وأيضا لو كتب لكان ينظر إلى الأسفل عند القراءة والكتابة، فقال لا تكتب يكون نظرك علويا والله أعلم.\nلطيفة: وكلام أهل الجنة في الجنة بالعربي وذلك أن اللسان الذي نزل به آدم -﵇- من الجنة كان عربيا لأنه كلام الله وكلام ملائكته وكلام أهل الجنة إذا صاروا إليها وكان لسان اثني عشر من الأنبياء بالعربية آدم وشيث وهود\n_________\n(^١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٨.\n(^٢) لم أجده.","vol":"14","page":470},{"text":"وصالح وإسماعيل وشعيب والخضر والثلاثة الذين في سورة يس كذا كذا وخالد بن سنان العبسي وسيدنا ونبينا محمد -ﷺ-، قاله الكرماني (^١).\n\n٥٥٠٨ - وعن حذيفة وأبي هريرة -﵄- قالا قال رسول الله -ﷺ- يجمع الله ﵎ الناس قال فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليما قال فيأتون موسى فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا -ﷺ- فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي وأمي أي شيء كالبرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوش في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفا. رواه مسلم (^٢).\nقوله: \"وعن أبي هريرة وحذيفة\" تقدم الكلام عليهما -﵄-. قوله -ﷺ-:\n_________\n(^١) لم أجده.\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢٩) (١٩٥).","vol":"14","page":471},{"text":"\"يجمع الله ﵎ الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة\" الحديث تزلف بضم التاء وإسكان كذا ضبطه بعض شيوخنا قاله عياض ومعنا تدني وتقرب كما في قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^١) أي قربت. قوله: \"فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا\" فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، فذكره إلى أن قال: اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله. [قال: فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراءَ وراءَ، قال صاحب التحرير هذه كلمة تذكر على سبيل التواضع أي لست بتلك الدرجة الرفيعة. قال: وقد وقع لي معنى مليح فيه: وهو معناه أن المكارم التي أعطيتها كانتن بواسطة سفارة جبريل -ﷺ- ولكن ائتوا موسى صلوات الله وسلام عليه فإنه حصل له سماع الكلام بغير واسطة. قال: وإنما كرّر وراء وراء لكون النبي -ﷺ- حصل له الكلام بغير واسطة وحصلت الرؤية، فقال إبراهيم -﵇-: أنا وراء موسى الذي هو وراء محمد -ﷺ- وعليهم أجمعين، هذا كلام صاحب التحرير. وأما ضبط وراء وراء فالمشهور فيه الفتح فيهما بلا تنوين ويجوز عند أهل العربية بناؤهما على الضم، قاله النووي في شرح مسلم (^٢)] (^٣).\n_________\n(^١) سورة ق، الآية: ٣١.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٧١).\n(^٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وأيضا ليخرج من ظهره في الدنيا الذين لا نصيب لهم في الجنة. انتهى).","vol":"14","page":472},{"text":"وقيل معنى: من وراء وراء أني إنما كنت متأخرا عن غيري إشارة إلى أن كمال الخلة إنما يصح لمن يصح له في ذلك اليوم المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون وذلك لم يصح ولا يصح إلا لنبينا -﵇-.\nسؤال: سأل إبراهيم ربه فقال: يا رب لم أخرجت آدم من الجنة؟ فقال له: أما علمت أن جفاء الحبيب شديد، وأيضًا: أخرج آدم من الجنة لأن الجنة ليست بدار توبة فأراد أن يأتي للدنيا ليتوب ثم [يرده] إلى الجنة وقيل فيه إشارة وهي أن الله تعالى قال: لو [غفرت في الجنة ما تبين كرمي بأن غفرت لنفس واحدة بل أخرجه إلى الدنيا وآتي بمائة ألف عاص حتى أغفر لك ولهم ليتبين كرمي وجودي. وأيضًا علم الله ﷾ أن في أصلابه الأولاد والجنة ليست بدار توالد. وأيضًا ليخرج من ظهره في الدنيا الذين لا نصيب لهم في الجنة. انتهى] (^١).\nقوله: \"اعمدوا إلى الذي كلمه الله تكليما\" أي اقصدوا، وتقدم الكلام على كلام الله تعالى لموسى -﵇- في الحديث قبله. قوله: \"اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه\"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (^٢) قيل له كلمة لأنه وجد بكلمة الله وروح الله لقوله تعالى: ﴿فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ (^٣) ولحصول الروح فيمن\n_________\n(^١) سقطت هذه الفقرة من الأصل، وأثبت في النسخة الهندية.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١٧١.\n(^٣) سورة التحريم، الآية: ١٢.","vol":"14","page":473},{"text":"أحيا من الموتى. قال الزمخشري هو كلمة الله لأنه [قد وجد بمر الله وكلمته من غير واسطة أب ونطفة وروح الله لأنه] (^١) ذو روح وجد من غير جزء ومن ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحي وإنما اخترع اختراعًا من الله تعالى، اهـ. قاله الكرماني (^٢).\nقوله: فيأتون محمدا فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا. تقدم الكلام على الأمانة والرحم [في الحوض] (^٣) مبسوطًا.\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" هو الخدري، تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر\" قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (^٤): قيل السيد هو الذي يفوق قومه، وقيل هو الذي يفوق غيره في [الجود]. وقال قوم آخرون: هو الذي يفزع إليه في الشدائد والنوائب فيقوم بأمورهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم وأما قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم] يوم القيامة مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى منازع ولا معاند ونحوه بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين فهذا التقييد قريب\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٧/ ٥).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ٢٣٧)، ومشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٣٠).","vol":"14","page":474},{"text":"من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^١) مع أن الملك له ﷾ قبل ذلك لكن كان [في الدنيا] (^٢) من يدعي الملك أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك في الآخرة.\nقال العلماء: وقوله -ﷺ-: \"أنا سيد ولد آدم لم يقله فخرًا بل صرح بنفي الفخر في غير صحيح مسلم في الحديث المشهور: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، يعني ولا فخر أكمل ولا أعلى من هذا الفخر، وأيضًا قوله -ﷺ-: \"ولا فخر\" أي على آبائه آدم ونوح وإبراهيم وليس هذا دعوى تعاظم وتطاول منه -ﷺ- على الناس وإنما هو من التحدث بنعمة الله تعالى وذلك أن العبد إذا نظر إلى ربه يفتخر وإذا نظر إلى نفسه يحتقر فالنبي -ﷺ- قال ذلك ناظرًا إلى نعم ربه وفي حديث آخر إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر. وفي رواية: ولا فخر، والروايتان في مسند الإمام أحمد.\nوقال -ﷺ-: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، فإذا كان معنى قوله -ﷺ-: \"ولا فخر\" أكمل من هذا ولا أشرف فما معنى غير فخر هل معناه غير أني أفتخر بذلك؟ قلت: لا يحسن ذلك لمخالفة الرواية الأخرى لأنه -ﷺ- قال ذلك تحدثا بنعمة ربه ومعلما لنا بمقداره وشرفه والعبد إذا نظر إلى [ربه ﷿] يفتخر وإنما المعنى والله أعلم غير أنه فخر عظيم وشرف لا يساويه فخر ولا شرف وهذا من باب الاستثناء [المتمم للأول والمكمل له لا من\n_________\n(^١) سورة غافر، الآية: ١٦.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":475},{"text":"الاستثناء] (^١) المخرج لشيء منه والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: [\"بيدي لواء الحمد ولا فخر\" اللواء] (^٢) الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش يريد به انفراده -ﷺ- بالحمد يوم القيامة وشهرته على رءوس الخلائق. والعرب تضع اللواء موضع الشهرة وأراد -ﷺ- بهذا: الإخبار عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد وإنما قال هذا لوجهين: أحدهما امتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (^٣)، والثاني أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه و-ﷺ- بما تقتضي مرتبته كما أمرهم الله تعالى.\nقوله: \"ولا فخر\" الفخر ادعاء العظمة والكبر والشرف أي لا أقوله تبجحا ولكن شكرا لله تعالى وتحدثا [بنعمه]. قاله في النهاية (^٤). [\"ويحتمل أن النفي في قوله لا فخر في معنى النهي المصروف إلى الأمة أي لا تفاخروا بي الأنبياء مفاخرة تؤدي إلى تنقيص المفضول أو إلى مشاجرة ومحاورة كما وقع للصديق -﵁- مع اليهودي كما في الحديث الصحيح المشهور حسما لمادة الفتنة أو أن يُفضي إلى أنبياء الله وأصفيائه بمكروه، ويحتمل أنه نفي على بابه أدبًا وتواضعًا أو نفي للخبر بمعنى المفاخرة والتطاول والمراءاة والمباهاة\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سورة الضحى، الآية: ١١.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤١٨).","vol":"14","page":476},{"text":"كما هي عادة ذوي الجاهي الدنيوي، قاله كاتبه جعله الله وإياك ممن تناله شفاعة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والله أعلم\"] (^١).\nوفي هذا الحديث دليل [له] (^٢) لتفضيله -ﷺ- على الخلق كلهم لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة وهو -ﷺ- أفضل الآدميين بهذا الحديث وغيره.\n[قوله: \"وبيدي لواء الحمد ولا فخر\" واللواء الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. يحتمل أن يكون بيده لواء حقيقة يسمى لواء الحمد. ويحتمل أن يريد به انفراده يوم القيامة بالحمد وشهرته على رءوس الخلق. والعرب تضع اللواء موضع الشهرة وهو أصلها الذي وضع له، ومنه الحديث: وابعثه المقام المحمود الذي يحمده فيه جميع الخلق لتعجيل الحساب والإراحة من هول الموقف. وقيل هو الشفاعة ويلجئون فيه إليه لا أحد يدعيه ولا يشاركه فيه. وقد سماه الله محمدًا وأحمد ومحمودًا وذلك لمبالغته في حمد ربه فابتدأ كتابه بحمده.\nفائدة: قال ابن سبع في كتاب الخصائص: سأل عبد الله بن سلام رسول الله -ﷺ- على لواء الحمد ما صفته؟ قال: طوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة من ياقوتة حمراء وقبضته أو قال قصبته من فضة بيضاء وزجه من زمردة خضرء له ثلاث ذوائب ذؤابة بالمشرق وذؤابة بالمغرب وذؤابة طرف الدنيا.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":477},{"text":"وفي نسخة: وسط الدنيا، عليه مكتوب ثلاثة أسطر: الأول: بسم الله الرحمن الرحيم.\nوالثاني: الحمد لله رب العالمين. والثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله. طول كل سطر منها مسيرة ألف عام. قال: صدقت يا محمد، اهـ] (^١). وأما الحديث الآخر: لا تفضلوا بين الأنبياء، فجوابه من خمسة أوجه: أحدها أنه -ﷺ- قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما علم أخبر به.\nوالثاني: قاله أدبا وتواضعا. والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقص المفضول. والرابع: إنما نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث.\nوالخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوءة: فلا تفضل فيها وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى. ولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٢)، قاله النووي في شرح مسلم (^٣).\nلطيفة: تقدم أنه -ﷺ- أول من يركب البراق وأن ذلك ليس هو لنبي غيره. وفي حديث مطول قال فيه: فأول من يركب من القوم النبي -ﷺ-. وقد جمع إلى باب قصره في الجنة النبييون والصديقون والشهداء والصالحون حتى\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (على مقدمته لواء الحمد بين يديه وهو يسير في موكبه -ﷺ-).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٣.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٣٨).","vol":"14","page":478},{"text":"يخرج ﵊ من قصره قد لبس تسع حلل خضر خصه الله تعالى بها تاج الوقار على رأسه قضيب الملك بيده آدم وعن يمينه أبو بكر الصديق مما يلي آدم إبراهيم الخليل -﵇- على يساره عمر بن الخطاب مما يلي إبراهيم الخليل عثمان بن عفان من وراء ظهره علي بن أبي طالب على مقدمته لواء الحمد بين يديه وهو يسير في موكبه -ﷺ-. [صفة لواء لحمد: روي أن عبد الله بن سلام سأل رسول الله -ﷺ- على لواء الحمد ما صفته؟ قال ﵊: طوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة من ياقوتة حمراء وقصبته أو قال قبضته من فضة بيضاء وزجه من زمردة خضرء له ثلاث ذوائب ذؤابة بالمشرق وذؤابة بالمغرب وذؤابة في وسط الدنيا، عليه مكتوب ثلاثة أسطر: الأول: بسم الله الرحمن الرحيم. الثاني: الحمد لله رب العالمين. الثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله. طول كل سطر منها مسيرة ألف عام. انتهى] (^١). قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه.\nقوله: \"فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم\" فذكر الحديث، إنما ذلك والله أعلم حين يُؤتى بالنار تجرّ أزمّتها وذلك قبل العرض والحساب على الملك الديّان فإذا نظرت إلى الخلائق فارت ونارت وشهقت إلى الخلائق وزفرت نحوهم ووثبت عليهم غضبا لغضب ربهم فيتساقط [الخلق] حينئذ على ركبهم جثاة حولها قد أسبلوا الدموع من أعينهم، ونادى الظالمون بالويل والثبور ثم تزفر الثانية فازدادوا الرعب والخوف [في القلوب] (^٢) ثم تزفر الثالثة\n_________\n(^١) هذه الفقرة مكررة في الأصل، وتقدم موضعها قريبا في النسخة الهندية، وليست مكررة فيها.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":479},{"text":"فيتساقط الخلائق لوجوههم ويشخصون بأبصارهم ينظرون من طرف خفي خوفا أن تبلغهم ويأخذهم حريقها أجارنا الله منها، قاله في التذكرة.\nقوله: \"قال أنس فكأني أنظر إلى رسول الله -ﷺ-. قال: فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد. فيفتحون لي\" الحديث، أقعقعها أي أحرّكها لتُصوِّت. والقعقعة حكاية حركة لشيء يسمع له صوت. قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"سل تُعطَ واشفع تشفع\" أي تقبل شفاعتك، وتقدم ذلك. قوله في رواية ابن ماجه: \"وأنا أول شافع وأول مشفع\" إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفّع الثاني منهما قبل الأول.\nفائدة: قوله -ﷺ- في أول الحديث: فيأتون آدم فيقولون يا آبانا استفتح لنا الجنة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك، وكذلك يأتون نوحا وإبراهيم وباقي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيطلبون منه شفاعتهم فيقولون [لسنا] هناكم ويذكرون خطاياهم إلى آخره، اعلم أن العلماء من أهل الفقه والأصول وغيرهم اختلفوا في جواز المعاصي على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد لخص القاضي رحمه الله تعالى مقاصد المسألة فقال كلامًا طويلًا وفي آخره قال (^٢): وأما المعاصي فلا خلاف أنهم معصومون من كل كبيرة، وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تزري بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مرءوته،\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٨٨).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٧٣).","vol":"14","page":480},{"text":"واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحجتهم ظواهر القرآن والأخبار.\nوذهب جماعات من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر وأن منصب النبوءة يجل عن مواقعتها وعن مخالفة الله ﷾ عمدا [وهذا] المذهب هو الحق ولأنه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وأقوالهم ولا خلاف في الاقتداء بذلك، وانظر هذه الخطايا التي ذكرت للأنبياء من أكل آدم من الشجرة ناسيًا ومن دعوة نوح على قوم كفار وقتل موسى الكافر الذي لم يُؤمر بقتله ومدافعة إبراهيم الكفار بقول عرّض به هو فيه صادق من وجه، وهذه كلها في حق غيرهم ليست بذنوب لكنهم أشفقوا منها إذ لم تكن عن أمر الله تعالى وعتب على بعضهم فيها لقدر منزلتهم في معرفة الله تعالى، اهـ. وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها وأن الذي ذُكِر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو من إذن من الله ﷾ في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم قبل النبوءة وهذا المذهب هو الحق والله أعلم.\nفائدة أخرى: قوله -ﷺ-: \"فيأتون آدم وكذلك نوح وإبراهيم وباقي الأنبياء\" إلى آخره. ذكر أبو حامد الغزالي ﵀ أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف عام وكذلك بين كل نبي إلى محمد -ﷺ-. وذكر أيضًا أن الناس في الموقف على طبقات مختلفة وأنواع متباينة بحسب جرائمهم كمانع الزكاة","vol":"14","page":481},{"text":"والغالّ والغادر وآخرون قد عظمت فروجهم وهي تسيل صديدا يتأذى [بنتنهم] جيرانهم وآخرون قد صلِّبوا على جذوع النيران وآخرون قد خرجت ألسنتهم على صدورهم أقبح ما يكون وهؤلاء المذكورون هم الزناة واللوطية والكذابون، وآخرون قد عظمت بطونهم كالجبال الرواسي وهم آكلوا الربا وكل ذي ذنب قد يرى سوء ذنبه. قاله في كشف علوم الآخرة. وذكر في آخر [هذا] الكتاب أن الرسل [عليهم الصلاة والسلام] يوم القيامة على المنابر والعلماء والأنبياء على منابر صغار دونهم ومنبر كل رسول على قدره والعلماء العاملون على كراسي من نور والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان من مسك، وهذه الطائفة العاملة أصحاب الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم ونوح حتى ينتهوا إلى رسول الله -ﷺ-[انتهى].\n\n٥٥٠٩ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَنا سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَبِيَدِي لِوَاء الْحَمد وَلَا فَخر وَمَا من نبى آدم يَوْمئِذٍ فَمن سواهُ إِلَّا تَحت لِوَائِي وَأَنا أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَلَا فَخر قَالَ فَيفزع النَّاس ثَلَاث فَزعَات فَيَأْتُونَ آدم فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَيَأْتُوني فأنطلق مَعَهم قَالَ ابْن جدعَان قَالَ أنس فَكَأَنِّي أنظر إِلَى رَسُول الله -ﷺ- قَالَ فآخذ بِحَلقَة بَاب الْجنَّة فأقعقعها فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال مُحَمَّد فيفتحون لي ويرحبون فَيَقُولُونَ مرْحَبًا فَأخر سَاجِدا فيلهمني الله من الثَّنَاء وَالْحَمْد فَيُقَال لي ارْفَعْ رَأسك سل تعطه وَاشْفَعْ تشفع وَقل يسمع لِقَوْلِك وَهُوَ الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي قَالَ الله","vol":"14","page":482},{"text":"﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (^١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وروى ابْن مَاجَه صَدره قَالَ أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر وَأَنا أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَأَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع وَلَا فَخر ولواء الْحَمد بيَدي يَوْم الْقِيَامَة وَلَا فَخر وَفِي إسنادهما عَليّ بن يزِيد بن جدعَان (^٢).\n\n٥٥١٠ - وعن أبي هريرة -﵁- قال كنا مع النبي في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذاك يجمع لله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فقال إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك لله عبدًا شكورًا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا\n_________\n(^١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣٠٨)، والترمذي (٣١٤٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٤٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.","vol":"14","page":483},{"text":"تشفع لنا إلى ربك فيقول إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض شفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس شفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي ذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد شفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد رفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن","vol":"14","page":484},{"text":"من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام عليه.\nقوله: \"كنا مع النبي -ﷺ- في دعوة فدفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة\" الحديث. قال القاضي عياض (^٣): محبته للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى، هذا آخر كلام القاضي. وقد روى الترمذي بإسناده عن عائشة قالت: ما كان الذراع أحبّ إلى رسول الله -ﷺ- ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبّا فكان يعجّل إليها لأنها أعجلها نضجا، والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"فنهس منها نهسة\" هو بالسين المهملة. قال القاضي عياض (^٤) أكثر الرواة رووه بالسين المهملة ووقع لابن هامان بالشين المعجمة وكلاهما صحيح بمعنى واحد أي أخذ بأطراف أسنانه. قال الهروي (^٥): قال أبو العباس: النهس بالمهملة بأطراف الأسنان وبالمعجمة بالأضراس. قال الخطابي:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٤٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢٧) (١٩٤).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٦٥).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٨١).\n(^٥) المعلم بفوائد مسلم (١/ ٣٤٣)، المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٢٤)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٨٢).","vol":"14","page":485},{"text":"وبالمهملة أبلغ منه بالمعجمة. وقال ثعلب: النهس سرعة الأكل، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي\" الحديث، أما الصعيد فهو الأرض الواسعة المستوية. وفي رواية ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي. وأما ينفذهم البصر فهو بفتح الياء وبالذال المعجمة، كذا رواه الأكثرون. وذكر الهروي وصاحب المطالع (^١) وغيرهما أنه روي بضم الياء وبفتحها. قال صاحب المطالع: رواه الأكثرون بالفتح وبعضهم بالضم. وأما معناه فقال الهروي: قال أبو عبيد معناه ينفذهم بصر الرحمن ﵎ حتى يأتي عليهم كلهم. وقال غيره: معناه أنه ينفذهم بصر الناظر لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض وعدم الحجاب، أي ليس فيها ما يستتر به أحد عن الناظر يعني أنها أرض مستوية لا جبل فيه ولا أكمة ولا ربوة وهذا أولى من قول أبي عبيد يأتي عليهم بصر الرحمن لأن رؤية الله تحيط بهم في كل حال في الصعيد المستوي وغيره. هذا قول صاحب المطالع. [وقال] أبو حاتم: أصحاب الحديث يروونه بالذال المعجمة وإنما هو بالمهملة، أي يبلغ أولهم وآخرهم حتى يراهم كلهم ويستوعبهم من قولهم: نفذت الشيء وأنفذته. يقال نفذني بصره إذا بلغني وتجاوزه. وحمل الحديث على بصر الناظرين أولى من حمله على بصر الرحمن فحصل خلاف في فتح الياء وضمها وفي الذال المعجمة والدال المهملة وفي الضمير في ينفذهم والأصح فتح الياء، وبالذال المعجمة وأنه\n_________\n(^١) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٤/ ٢٢٨).","vol":"14","page":486},{"text":"بصر [المخلوق]. قاله العراقي وأبو السعادات (^١).\nقوله: \"وتدنو الشمس أي تقرب منهم\". قوله: \"ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم\" فذكره إلى أن قال: \"أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه\" هو من باب إضافة التشريف. قوله: \"أفلا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيها وما بلغنا\" الحديث، بلغنا هو بفتح الغين المعجمة هذا هو الصحيح المعروف، وضبطه بعض الأئمة المتأخرين بالفتح والإسكان وهذا له وجه والمختار ما قدمناه، ويدل عليه قوله في الحديث قبل هذا: \"ألا ترون مما قد بلغكم\" ولو كان بإسكان الغين لقال بلغتم. اهـ.\nقوله: \"فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله\" الحديث. الغضب في حق الله ﷻ ليس كالغضب في حق المخلوقين إنما هو في حق رب العالمين راجع إلى إرادة العقاب وفعله فإن الله لا يتأثر بشيء ولا تحدث له صفة ولا [يتجدد] له حال، اهـ. وقال النووي (^٢): المراد بغضب الله تعالى ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يرونه من أليم عذابه وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٩١)، شرح النووي على مسلم (٣/ ٦٦) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٨).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٦٨).","vol":"14","page":487},{"text":"مثله فهذا معنى غضب الله تعالى كما أن رضاه [سبحانه بظهور] رحمته ولطفه بمن أراد به من الخير والكرامة لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغير في الغضب والرضى، اهـ، والله أعلم.\nتنبيه: في حديث آخر أنهم يأتون آدم ومن بعده فيقول: لست هناكم. معناه لست بالمكان الذي ترونني فيه، يعني من الشفاعة وأشار بقوله هناكم إلى بعده من ذلك المكان فإن هنا إذا ألحق به كاف الخطاب فإنه للتبعيد عن المكان المشار إليه والله أعلم. قال القاضي عياض (^١)، هذا يقولونه تواضعا وإكبارا لما يسألونه. قال: وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى انتهى الأمر لصاحبه. قال: ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد -ﷺ- معينًا وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد -ﷺ-. قال: وفيه تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور التي لها بال. قال: وأما مبادرة النبي -ﷺ- لذلك [وإجابته] لرغبتهم فلتحققه -ﷺ- أن هذه الكرامة والمقام له -ﷺ- خاصة. اهـ\nقوله: \"نفسي نفسي\" نفسي أي نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها. قوله: \"اذهبوا إلى نوح أول من بعثه الله إلى أهل الأرض\" أي من أولاده، \"فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض\" الحديث، وإنما قالوا\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٥٦)، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٥/ ١٥١).","vol":"14","page":488},{"text":"له أنت أول الرسل لأن آدم ثان.\nفإن قلت: آدم هو أول الرسل، قلت: اختلفوا فيه فقال بعضهم آدم كان نبيا لا رسولا، والأصح خلافه. فالجواب: أنه أول رسول بعثه الله تعالى بالإنذار وإهلاك قومه وآدم رسالته كانت بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد أو أول من يبعث بعد الطوفان أو أنه خرج بقوله: \"إلى أهل الأرض\" فإنه لم يكن لها حينئذ أهل، اهـ، قاله الكرماني (^١) وقال صاحب العلم المشهور في قوله: \"أنت أول الرسل إلى أهل الأرض\" لأن إدريس كان قبله نبيًّا ولم يكن رسولا وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة وكان شيث قبل إدريس نبيا ولم يكن رسولا وأنزل الله على آدم وعليه خمسين صحيفة فهو أول رسول بعث إلى كفار تلك الأرض يعني أرضه التي هو منها ولا خلاف بين العلماء أن شيث بن آدم [كان] (^٢) قبله وقبل أجداده وكان نبيا ولم يكن رسولًا لأن نوحًا عليه الصلاة وسلام هو ابن لابيخ بالخاء على نص التوراة وقال النيسابوري: اسم نوح عبد الغفار وإنما سمي نوحا لنوحه على ذنبه فأقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، اهـ.\nوقال أبو عبد الله المازري: وقد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح -﵇- فإن قام دليل أن إدريس أرسل أيضا لم يصح قول النسابين أنه [قيل] نوح لإخبار النبي -ﷺ- عن آدم أن نوحا أول رسول بعث وإن لم يقم دليل جاز ما\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ٢٣٤).\n(^٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.","vol":"14","page":489},{"text":"قالوه وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل. قال القاضي عياض (^١): وقد قيل أن إن إدريس هو إلياس وأنه كان نبيا في بني إسرائيل كما جاء [في بعض الأخبار] مع يوشع بن نون فإن كان [هذا] سقط الاعتراض. قال القاضي، وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا وإنما أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله ﷾ ولذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح -﵇- فإنها إلى كفار أهل الأرض. قال القاضي عياض: وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذر الطويل ينص على أن آدم وإدريس رسولان. هذا آخر كلام القاضي والله أعلم. قوله: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، فذكره إلى أن قال: وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها: نفسي نفسي نفسي.\nقوله: \"ثلاث كذبات\" بفتح الكاف والذال جمع كذبة بفتح الكاف الواحدة من الكذب وإنما سمى هذا كذبا لكونها في الظاهر على خلاف باطنها. وفي حديث آخر: لم يكذب إبراهيم النبي -ﷺ- إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (^٣)،\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٧٦)، شرح النووي على مسلم (٣/ ٥٥).\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ٨٩.\n(^٣) سورة الأنبياء، الآية: ٦٣.","vol":"14","page":490},{"text":"وواحدة في شأن سارة وهو قوله: إن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام. قال الإمام المازري: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون منه سواء قليله وكثيره. قال القاضي عياض (^١): الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه منهم سواء جوزنا وقوع الصغائر منهم أم لا وسواء قل الكذب أم كثر لأن منصب النبوءة يرتفع عنه وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم.\nوأما قوله -ﷺ-: ثنتين في ذات الله تعالى وواحدة في شأن سارة، فمعناه أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع، وأما في نفس الأمر فليست كذبا مذموما لوجهين: أحدهما أنه ورّى بهذا فقال في سارة: أختي في الإسلام وهو صحيح في باطن الأمر.\nوالوجه الثاني أنه [لو] (^٢) كان كذبا لا تورية فيه لكان جائزًا في دفع الظالم، وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانا مختفيا ليقتله أو يطلب وديعة للإنسان ليأخذها غصبا وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به وهذا كذب جائز بل واجب لكونه في دفع الظالم فنبه -ﷺ- على أن هذه الكذبات ليست داخلة في [مطلق] الكذب المذموم. قال الإمام المازري (^٣) وقد تأول بعضهم هذه الكلمات وأخرجها\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٢٤).\n(^٢) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٣) المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٢٩).","vol":"14","page":491},{"text":"عن كونها كذبا قال: ولا معنى لامتناع من إطلاق لفظ أطلقه رسول الله -ﷺ-.\nقلت: أما إطلاق لفظ الكذب عليها فلا يمتنع لورود الحديث به، وأما تأويلها فصحيح لا مانع منه. قال العلماء: والواحدة التي في شأن سارة هي أيضا في ذات الله تعالى لأنها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة، وقد جاء ذلك مفسرًا في غير مسلم فقال: ما فيها كذبة إلا عاجل بها عن الإسلام. أي يجادل ويدافع. قالوا: وانما خص الثنتين بأنهما في ذات الله، وذكروا في قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (^١) أي سأسقم لأن الإنسان عرضة للأسقام وقيل سقيم بما قدّر علي من الموت وقيل سقيم القلب بما [أشهده] من كفركم وقيل كانت الحمى تأخذه في ذلك الوقت وقيل أن ملكهم أرسل إليه أن غدا عيدنا اخرج معنا فأراد التخلف عنهم فنظر إلى نجم فقال إن هذا النجم لم يطلع قط إلا أسقم وأراد بذلك اعتذارا عن الخروج معهم إلى عيدهم وشهود باطلهم وكفرهم. والسُّقم والسَّقَم المرض. وأما قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (^٢) الآية، فقال ابن قتيبة وطائفة جعل النطق [شرطا] لفعل كبيرهم أي فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون. قاله على طريق التبكيت. وأما قوله [-ﷺ-] في شأن سارة: هي أختي [أعلم أن] أخوة الإسلام ليست كأخوة النسب والولادة كما قال إبراهيم -﵇- للذي أراد أن يأخذ منه زوجته هي أختي يعني في الإيمان لأنه لم يكن أحد مؤمن غيرهما.\n_________\n(^١) سورة الصافات، الآية: ٨٩.\n(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ٦٣.","vol":"14","page":492},{"text":"تنبيه: قال بعض العلماء: قوله: هي أختي فقد بين أنه أراد أخوة الإسلام وعلى هذا إشكال ما زال يختلج في نفسي وهو أن يقال ما معنى توريته عن الزوجة بالأخت، ومعلوم أن ذكرها بالزوجة أسلم لها لأنه إذا قال هي أختي قال زوجنيها، فإذا قال امرأتي سكت هذا إذا كان الملك يعمل بالشرع، فأما إذا كان كما وصف من جوره ومد يده إليها ظلمًا فما يبالي [أكانت] زوجة أو أختا وما زلت أبحث عن هذا وأسأل فلم أجد أحدًا يشفي بجواب إلى أن وقع لي أن القوم كانوا على دين المجوس وفي دينهم أن الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره فكأن الخليل -﵇- أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله الجبار فإذا الجبار لا يراعي جانب دين فنظر الله ﷿ إلى خليله بلطفه فكف يد الفاجر وقد اعترض على هذا فقيل إنما جاء بمذهب المجوس زرادشت وهو متأخر عن زمان الخليل، فالجواب أن لمذهب القوم أصلا قديما فادعاه زرادشت وزاد عليه وقد كان نكاح [الأخوات] جائزا من زمن آدم.\nوقيل إنما حرمه موسى -﵇- ويدل على أن دين المجوس له أصل ما روى أبو داود في سننه أن النبي -ﷺ- أخذ الجزية من مجوس هجر ومعلوم أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو [شبهة] كتاب ثم سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب فقال كان من مذهب القوم أنه من كان له زوجة لا يجوز أن يتزوج بها إلا أن يقتل الزوج فعلم إبراهيم -﵇- هذا فقال عن سارة أختي فكأنه يقول إن كان الملك عادلا فخطبها مني أمكنني منعه وإن كان ظالما","vol":"14","page":493},{"text":"فأخذها خلصت من القتل، قاله عبد الرحمن بن علي، والله أعلم. وسارة هي زوجة إبراهيم الخليل وهي أم إسحاق وهو أصغر من إسماعيل بأربع عشرة سنة فبينما إبراهيم الخليل ﵊ يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلًا فأتى الجبار فقيل له إنه نزل [ههنا] رجل معه امرأة هي من أحسن الناس. قال: فأرسل إليه فأرسل إليه فسأله عنها. فقال: إنها أختي. فلما رجع إليها فقال إن هذا سألني عنك فأنبأته أنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك فإنك أختي في كتاب الله فلا تكذبيني عنده. وساق الحديث، رواه البخاري ومسلم [وغيرهما] وقيل أن الجبار قصد أن يأخذ سارة منه ولم يتمكنا من دفعه فقامت تتوضأ وتصلي وقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلّط علي هذا الكافر، فذكرت القصة وقالت: كف الله يد الكافر وأعطاني خادما يعني هاجر جارية قبطية وهي أم إسماعيل -﵇-.\n[تنبيه] (^١): فإن قلت فما الفائدة في قوله في شأن سارة هي أختي إذ الظالم يريدها أختًا [أو] زوجة أو غيرهما. قلت: كان من عادة هذا الجبار أو من دينه لا يتعرض إلا لذوات الأزواج والله أعلم، قاله الكرماني (^٢).\nفائدة: وهذا الجبار اسمه صادوف، قال السهيلي في الروض الأنف، وكانت هاجر لملك الأردن واسمه صادوف فيما ذكر القتبي دفعها [إلى]\n_________\n(^١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٧٠).","vol":"14","page":494},{"text":"سارة حين أخذها من إبراهيم عجبًا منه [بجمالها] فصرع مكانه. وذكر الطبري أن الملك الذي أراد سارة هو سنان بن علوان وأنه أخو الضحاك، وفي كتاب التيجان لابن هشام أنه عمرو بن امرئ القيس بن نابليون بن [سبأ] وكان على مصر، اهـ. وقيل هو ملك حران بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبالنون، قاله الكرماني (^١).\nقوله في الحديث: \"اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته على الناس\" فذكره إلى أن قال \"وإني قد قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها نفسي نفسي نفسي\". تقدم الكلام على كلام الله تعالى لموسى -﵇-. وأما قتل النفس الذي لم يؤمر بقتلها فهو مذكور في سورة القصص. قوله في الحديث: \"اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك قريبًا، وكلمة الله وروحه [الإضافة] إلى تعالى لتعظيم المضاف وتشريفه كقولهم عبد الخليفة كذا.\nقوله: \"وكلمت الناس في المهد\". قال في كتاب الكشاف عن النبي -ﷺ-: تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وفسر بأنه كان ابن خالة زليخا صبيًا في المهد وصاحب جريج وعيسى ﵊. قال ابن الجوزي: أخبرت نجت فرعون أباها بأن ماشطتها أسلصت فأمر بإلقائها وإلقاء أولادها في النار. فلما بلغت النوبة إلى آخر ولدها وكان\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٦).","vol":"14","page":495},{"text":"مُرضَعا قال: اصبري يا أماه فإنك على الحق، فألقيت مع ولدها، اهـ، قاله الكرماني (^١).\nقوله في الحديث: \"اذهبوا إلى غيري\" إلى أن قال: \"فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي\" الحديث. سؤال: لم سمى الله نبيه -ﷺ- خاتم النبيين؟ قيل: لأن الختم شرف الكتاب كذلك النبي -ﷺ- شرف الخلق وأيضا الختم إذا وضع على الكتاب لا يقدر أحد على فكه فكذلك لا يقدر أحد أن يحيط بالقرآن دون محمد -ﷺ-، اهـ.\nفائدة: قوله -ﷺ-: إن كل واحد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يقول: لست هناكم ولست لها، كما تقدم في الأحاديث. قال القاضي عياض (^٢): هذا يقولونه تواضعا وإكبارا لما يُسألونه. قال: وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره، وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى انتهى الأمر إلى صاحبه. قال: ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد -ﷺ- مُعيِّنا وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد -ﷺ-. قال: وفيه تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأمور التي لها بال. قال: وأما مبادرة النبي -ﷺ- لذلك وإجابته لرغبتهم فلتحققه -ﷺ- أن هذه الكرامة والمقام له -ﷺ- خاصة، هذا كلام القاضي. والحكمة في أنّ الله ﷾ ألهمهم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ٨١).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٧٧)، شرح النووي على مسلم (٣/ ٥٦).","vol":"14","page":496},{"text":"سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا محمد -ﷺ- هي والله سبحانه أعلم إظهار فضيلة نبينا محمد -ﷺ- فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويُحصله وأما إذا سألوا غيره من رسل الله ﷾ وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال والأنس وفيه تفضيله -ﷺ- على جميع المخلوقين من الرسل الآدميين والملائكة فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره -ﷺ- وعليهم أجمعين. اهـ. قوله في الحديث: \"فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب\" الحديث.\nقال أبو العباس القرطبي (^١): من لا حساب عليه يعني به والله أعلم السبعين ألفا الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. والباب الأيمن هو الذي عن يمين القاصد إلى الجنة [بعد] جواز الصراط [وكأنه] أفضل الأبواب.\nقوله -ﷺ-: \"وهم شركاء الناس في سائر الأبواب\" يحتمل أن يعود هذا الضمير إلى الذين لا حساب عليهم وهو الظاهر ويكون معناه أنهم يلجئون إلى الدخول من الباب الأيمن بل من أي باب شاءوا كما في حديث أبي بكر حيث قال: فهل على من دُعِي من تلك الأبواب من ضرورة فقال عليه [الصلاة و] السلام: لا، وأرجو أن تكون منهم، اهـ. فهذا يدل على أنه يشفع\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣/ ٦٢).","vol":"14","page":497},{"text":"فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف فإنه لما أمرنا بإدخال من لا حساب عليه من أمته وغيرهم كان طلب هذه الشفاعة من الناس بإلهام من الله تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه المحمود الذي وعده ولذلك قال كل نبي لست لها حتى انتهى الأمر إلى محمد -ﷺ-. [قوله: \" ... \"، هذا مما اختلف العلماء في معناه، قال القاضي ﵀ (^١): لو قيل المتقدم ما كان قبل النبوة والمتأخر ما عصمته بعدها، وقيل المراد به ذنوب أمته -ﷺ-.\nقال النووي (^٢): قلت: فعلى هذا يكون المراد الغفران لبعضهم أو سلامتهم من الخلود في النار. وقيل: المراد ما وقع منه -ﷺ- عن سهو وتأويل، حكاه الطبري، واختاره القشيري. وقيل: ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك. وقيل: المراد أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب لو كان. وقيل: هو تنزيه له من الذنوب صلى الله تعالى عليه وسلم] قوله -ﷺ-: \"إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر\" أو قال: ما بين مكة وبُصرى، الحديث. المصراعان بكسر الميم جانبا الباب وهجر بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة هي قاعدة البحرين.\nقال النووي (^٣): وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث القلتين وأما بصرى فبضم الباء مقصورة وهي مدينة معروفة بينها وبين دمشق نحو ثلاث\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٥٧).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٥٧).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٦٩).","vol":"14","page":498},{"text":"مراحل وهي بلد بمدينة حوران وبينها وبين مكة شهر وهي أول بلدان الشام فتوحا فتحت سنة ثلاث عشرة صلحًا.\n\n٥٥١١ - وَعَن حُذَيْفَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يَقُول إِبْرَاهِيم يَوْم الْقِيَامَة يَا رباه فَيَقُول الرب جلّ وَعلا يَا لبيكاه فَيَقُول إِبْرَاهِيم يَا رب حرقت بني فَيَقُول أخرجُوا من النَّار من كَانَ فِي قلبه ذرة أَو شعيرَة من إِيمَان رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَا أعلم فِي إِسْنَاده مطعنا (^١) وروى الطَّبَرَانِيّ عَن زيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يشفع الله ﵎ آدم يَوْم الْقِيَامَة من ذُريَّته فِي مائَة ألف ألف وَعشرَة آلَاف ألف (^٢).\n\n٥٥١٢ - وعن عبد الله بن شقيق قال جلست إلى قوم أنا رابعهم فقال أحدهم سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم قلنا سواك يا رسول الله قال سواي نعم فلما قام قلت من هذا قالوا ابن الجدعاء أو ابن أبي الجدعاء. رواه ابن حبان في صحيحه (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٧٣٧٨).\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٤٥).\nولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٥٧ رقم ٦٨٤٠). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٨١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وقال الألباني منكر ضعيف الترغيب (٢١١٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) صحيح ابن حبان (٧٣٧٦)، وأخرجه أحمد (١٥٨٥٧) و(١٥٨٥٨)، والترمذي (٢٦٠٧) وقال: حديث حسن صحيح غريب.","vol":"14","page":499},{"text":"وابن ماجه (^١) إلا أنه قال عن شقيق عن عبد الله بن أبي الجدعاء.\nقوله: \"وعن عبد الله بن شقيق\" هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن شقيق العقيلي البصري، من بني عقيل بن كعب. وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم.\nسمع عليا، وعثمان، وعائشة، ومن بعدهم. قوله: \"قال جلست إلى قوم أنا رابعهم، فقال أحدهم: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم. قلنا سواك يا رسول الله؟ قال: سواي\". فذكره إلى أن قال: \"فلما قام قلت: من هذا؟ قالوا: ابن الجدعاء أو ابن أبي الجدعاء\" الحديث.\n[بنو تميم اسم لقبيلة من قبائل العرب معروفة، وابن أبي الجدعاء هذا عبد الله كما ذكره ابن ماجه [التميمي] ويقال [الكتاني ويقال] العبدي له صحبة عداده من أهل البصرة. وقيل إنه عبد [الله بن أبي الحمساء] والصحيح أنه غيره ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث عند الترمذي وابن ماجه، اهـ. قاله في الديباجة، [وإنما يعرف لعبد الله بن الجدعاء هذا الحديث، انتهى]، وقال صاحب التنقيح: بل له حديث آخر في فضائل النبي\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٣١٦)، وأخرجه الطيالسي (١٣٧٩)، وأحمد (١٥٨٥٧) و(١٥٨٥٨)، والبخاري في التاريخ (٣/ ١/ ٢٦)، والدارمي (٢٨٠٨)، وابن أبي عاصم، في \"الآحاد والمثاني\" (١٢٢٢)، وابن خزيمة، في \"التوحيد\" (٤٦٩ و٤٧٠)، والبيهقي، في \"دلائل النبوة\" (٦/ ٣٧٨)، وفي البعث والنشور (٤٩٢)، ومعجم الصحابة للبغوي (٤/ ١٣٤) ١٦٥٣) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٤٦)، وصحيح الجامع الصغير (٥٣٦٤) والمشكاة ٥٦٠١، الصحيحة (٢١٧٨).","vol":"14","page":500},{"text":"-ﷺ-. [وروى حديث الشفاعة هذا] (^١)] (^٢) [ورواه] الحاكم وقال: صحيح الإسناد ورواه في دلائل النبوة وقال في آخره: قال عبد الوهاب الثقفي: قال هشام بن حسان كان الحسن يقول أنه [-أي الرجل الذي يشفع-] (^٣) أويس القرني. وروى ابن السماك أن الرجل المذكور عثمان بن عفان.\n\n٥٥١٣ - وعن أبي أمامة -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين ربيعة ومضر فقال رجل يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر قال إنما أقول ما أقول. رواه أحمد (^٤) بإسناد جيد.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وروى ابن السماك أن الرجل المذكور عثمان بن عفان).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) مسند أحمد (٢٢٢١٥)، وقال ابن حَجر في فَتح البَاري (١٣/ ٩٤): أخرجه أحمد بسند حسن (أخرجه أحمد بن حنبل (٥/ ٢٥٧ و٢٦١ و٢٦٧) وأحمد بن منيع في مسنده (إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٩٩) والطبراني في الكبير (٧٦٣٨) وفي مسند الشاميين (١٠٧٩) والآجري في الشريعة (ص ٣٥١) واللالكائي في السنة (٢٠٧٨ و٢٠٧٩).\nوقال السيوطي في الحاوي (٢/ ١٦): إسناده حسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨١): رواه أحمد، والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد، وأحد أسانيد الطبراني رجالهم رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ميسرة، وهو ثقة.\nوقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ١٩٩) رواه أحمد بن منيع وأحمد بن حنبل بسند واحد رواته ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٤٧)، وصحيح الجامع الصغير (٥٣٦٣)، والصحيحة (٢١٧٨).","vol":"14","page":501},{"text":"قوله: \"وعن أبي أمامة\" هو الباهي تقدمت ترجمته. قوله ﷺ: \"ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيّين ربيعة ومضر\" الحديث.\nقال ابن السماك: فكان المشيخة يرون ذلك الرجل عثمان بن عفان -﵁-.\nوروى الإمام أحمد في الزهد (^١) عن الحسن البصري أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: يدخل الجنة بشفاعة رجل أكثر من ربيعة ومضر. قال الحسن: هو أويس القرني وهو منسوب إلى قَرَن بفتح الراء قبيلة من مراد [وقيل قبيلة من أشيم بن عدي].\nوذكر القاضي عياض في كتابه الشفاء (^٢) عن كعب أن لكل رجل من الصحابة -﵃- شفاعة. [وذكر] ابن المبارك قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: يكون في أمتي رجل يُقال له صلة بن أشيم. يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا وكذلك أخرجه [أبو موسى].\nوقال في أسد الغابة (^٣) [صِلَة هذا قتل بسجستان] سنة خمس وثلاثين وكان عمره ثلاثين ومائة سنة.\n_________\n(^١) الزهد لأحمد بن حنبل (٦٧١).\n(^٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٥٦).\n(^٣) أسد الغابة (٣/ ٣٥).","vol":"14","page":502},{"text":"٥٥١٤ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة. رواه البزار (^١) ورواته رواة الصحيح.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة\" الحديث. قال في حادي القلوب: ومما يجلبه الموت على الإسلام من المنافع أن يصير المؤمن شافعا لغيره وقد صح أن المؤمنين يشفعون يوم القيامة إلا أنهم مرتبون في الشفاعة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإذا شفع الأنبياء شفع العلماء والشهداء والصديقون على ترتيب [نبيهم] (^٢)، أيضا وفي الحديث يشفع الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء. واعلم أن المؤمن يشفع على قدر عمله كما ثبت في الحديث عن النبي -ﷺ- قال: يقال للرجل قم يا فلان فاشفع فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة ولأهل البيت وللرجل والرجلين على قدر عمله؛ ولقد أخبر [النبي] (^٣) -ﷺ- أن في أمته من يشفع لأكثر من ربيعة ومضر وبيّن أنه عثمان بن عفان -﵁- كما تقدم في الحديث قبله وكذا جاء في الحديث من طرق أن كل واحد من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب يشفع في سبعين ألفا وقد صح في السبعين ألفا الأولين أنهم لا يرقون ولا يسترقون ولا\n_________\n(^١) مسند البزار = البحر الزخار (٦٩٢١)، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (إتحاف المهرة ٧٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٢) رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٤٨).\n(^٢) في حاشية النسخة الهندية علّق على هذه الكلمة بقوله: (لعلّها: بينهم).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":503},{"text":"يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فإذا [ثبتت] الشفاعة في العدد الكثير لأرباب التوكل حتى أن المتوكل الموصوف بهذا الوصف يشفع في سبعين ألفا [فرُبّ ثبوت الشفاعة لغير المتوكلين من أرباب الأخلاق المرضية والأحوال السنيّة بالرضى والمحبة والأنس والمعرفة ونحو ذلك. ثم إن المتوكل الموصوف في الحديث يشفع في سبعين ألفًا] (^١) كما [مقرر] فمن وجد منه التوكل إلا أنه دون المذكور في الحديث لا يكاد يخلو من الشفاعة في عدد يناسب مقدار توكله وهذا معنى ما تقدم من كون المؤمن يشفع على قدر عمله وعلى هذا فلا يكاد مؤمن يخلو من توكل يقع منه في عمره ولو مرة واحدة.\nوبالجملة فالفضل الربّاني جزيل والمؤمن لا يخلو حاله إما أن يكون شافعا أو مشفوعا فيه أو متغمدا بالرحمة مُغاثا بالمغفرة فالحمد لله على ما منّ به من الإيمان وثمراته ونسأله أن يختِم لنا به ويثبتنا عليه ويحقق لنا حقائقه ويوفقنا للعمل بما يحققه ويتقبل منا بفضله وكرمه فابسط يا حبيبي أملك الحسن في رحمة الله تعالى فإنك لا تخيب مع وجود الشفاعات من الأنبياء والمرسلين وعلماء الدين والشهداء والصديقين والخواص الصالحين وعموم المؤمنين بل شفاعة سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد -ﷺ- لمغنية لنا بحمد الله تعالى عن شفاعة غيره، والظاهر أن [شفاعات] المؤمن إنما تكون [إظهارًا] لفخرهم ورفعا لقدرهم. فيشفع النبي -ﷺ- أولا الشفاعة العامة ثم غيرها من الشفاعات المهمات، ويشفع الأنبياء والرسل\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":504},{"text":"عليهم الصلاة والسلام ثم يؤذن لمن سواهم من خواص المؤمنين ثم لمن دونهم من العوام في الشفاعة فإذا أخذوا نصيبهم من الشفاعات وظهرت مقاديرهم وتفضلاتهم شفع النبي -ﷺ- أيضًا فيمن بقي من العصاة على حسب ما يؤذن لي في ذلك ثم يخرج الله ﵎ بعد ذلك من النار من قال لا إله إلا الله كما ثبت في الحديث، ويحثِي سبحانه ثلاث حثيات وهم قوم علم منهم الإيمان ولم يعملوا حسنة قط بحيث لا يوجد لهم شيء يبعث على شفاعة الشافعين. واعلم أن الشفاعات تقع في المذنبين بسبب خصال الخير وإن قلت حتى أن الرجل من أهل الجنة ليطلع على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار هل تعرفني، فيقول: لا والله ما أعرفك، الحديث. وقد تقدم أن الله ﷾ يغفر للعبد بالخصلة الواحدة من خصال الخير فمن حصلت له خصلة واحدة إن فاتته المغفرة ابتداء لم تفُته بواسطة الشفاعة [ولله ﷾ الحمد والمنة]. اهـ.\n\n٥٥١٥ - وروي عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: يوضع للأنبياء منابر من نور يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه أو قال لا أقعد عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعدي فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول الله ﷿ يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول يا رب عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنة برحمته ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي فما أزال أشفع حتى أعطى صكاكا برجال قد بعث بهم إلى النار حتى إن مالكا خازن النار ليقول يا محمد ما","vol":"14","page":505},{"text":"تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة. رواه الطبراني في الكبير (^١)، والأوسط (^٢) والبيهقي في البعث (^٣) وليس في إسنادهما من ترك.\nالصكاك جمع صك وهو الكتاب.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٣١٧/ ١٠٧٧١) وفي الأوسط (٢٩٣٧)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (٦١)، وابن خزيمة في التوحيد (٣٥٠: ٣)، وابن عساكر (٤/ ٩٥) الحاكم في المستدرك (١/ ٦٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد غير أن الشيخين لم يحتجا بمحمد بن ثابت البناني، وهو قليل الحديث يجمع حديثه، والحديث غريب في أخبار الشفاعة ولم يخرجاه. والحديث ضعفه عدد من الحفاظ منهم الحافظ العراقي، قال في المغني عن حمل الأسفار ج ٢/ ص ١٢٤٩ \"الطبراني في الأوسط وفي إسناده محمد بن ثابت البناني ضعيف\".\nوقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٣): \"هذا حديث غريب منكر تفرد به محمد بن ثابت أحد الضعفاء قال البخاري فيه نظر وقال يحيى بن معين ليس بشيء وروى له الترمذي وحده\". قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٠) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه محمد بن ثابت البناني، وهو ضعيف. بينما ذكره قال الحافظ في الفتح (١١/ ٤٣٨): \"وفي حديث ابن عباس من رواية عبد الله بن الحارث عنه عند أحمد فيقول ﷿: يا محمد ما تريد أن أصنع في أمتك فأقول يا رب عجل حسابهم وفي رواية عن بن عباس عند أحمد وأبي يعلى فأقول أنا لها حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى فإذا أراد الله أن يفرغ من خلقه نادى مناد أين محمد وأمته الحديث\". ساكتا عليه.\nقلت: لم أجده في المسند وفي الإتحاف (٧/ ٣٢٨) له عزاه لابن خزيمة والحاكم فقط وأحمد من شرطه فيه فلو كان موجودا فيه كان مما يستدرك عليه. ولم أجده كذلك في أطراف المسند. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٠١٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١١٧).\n(^٢) في الأوسط (٢٩٣٧).\n(^٣) البعث والنشور للبيهقي (٤٦٢).","vol":"14","page":506},{"text":"قوله: \"عن ابن عباس\" تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه.\nقوله: \"يوضع للأنبياء منابر من نور يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه أو قال لا أقعد عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي من بعدي. فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقول الله ﷿: يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك؟ فيقول: يا رب عجل حسابهم\" الحديث. وفيه: \"فما أزال أشفع حتى أُعطى صكاكا برجال بعث بهم إلى النار\" وفي آخره: \"حتى أن مالكا خازن النار ليقول: يا محمد ما تركتَ لغضب ربك في أمتك من نقمة\". الصكاك بكسر الصاد جمع صكّ وهو الكتاب، قاله الحافظ. وقال الجوهري: الصك بتشديد الكاف كتاب وهو فارسي معرب والجمع صِكاك وصُكوك، اهـ.\nفائدة: وفي الحديث أيضا: قال رسول الله -ﷺ-: اللهم أمتي أمتي، وبكى. وفيه: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك فيهم، الحديث. أي لا نحزنك، هذا الحديث يشتمل على أنواع من الفوائد.\nمنها: البشارة العظيمة لهذه الأمة زادها الله شرفا بما وعدها ﷾ بقوله ﷿: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة [أو أرجاها] ومنها بيان عظيم منزلة النبي -ﷺ- عند الله تعالى وعظيم لطفه ﷿ به -ﷺ- والحكمة في إرسال جبريل -ﷺ- لسؤاله النبي -ﷺ- إظهار شرف النبي -ﷺ- وأنه بالمحل الأعلى فيسترضى ويكرم بما يرضيه والله سبحانه أعلم. وهذا الحديث موافق لقوله ﷾:","vol":"14","page":507},{"text":"﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ (^١).\nوأما قوله ﷿: ولا نسوءك [فيهم] (^٢)، فقال صاحب التحرير هو تأكيد للمعنى أي لا نخزيك لأن الإرضاء قد يحصل في البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي النار، فقال الله سبحانه نرضيك ولا ندخل عليك حزنا بل ننجي الجميع، والله أعلم، اهـ.\nفإن قلت مقتضى سياق هذا الحديث أن لا يُعذب الله أحدا من هذه الأمة، وقد تقرر أنه لا بد أن يدخل بعض العصاة النار.\nفالجواب من وجوه منها: أنهم يحصل لهم اللطف في القضاء فيكون من الله في حق الأمة اللطف فيما وجب من القضاء وتخفيف ما لا بد لهم منه من البلاء. ومنها أنه يحتمل أيضًا أنه لولا الشفاعة لكان عذابهم يشبه عذاب عصاة الكفار ولكن الله تعالى خفف عنهم حتى إذا استوجب شارب الخمر المؤمن مثلًا والعياذ بالله التعذيب بالنار لا يبلغ عذابه بها مبلغ تعذيب شارب الخمر الكافر. ومنها أنه يحتمل أيضا أن سؤال النبي -ﷺ- لأمته أفاد عدم خلودهم في النار كالكفار وكل هذه الوجوه راجعة إلى التخفيف ولا شك فيه. وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (^٣) الآية، وإرادة التخفيف في الآية عامة وإن كان السبب خاصًّا، ولقد كان بعض الأولياء\n_________\n(^١) سورة الضحى، الآية: ٥.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سورة النساء، الآية: ٢٨.","vol":"14","page":508},{"text":"يحلف بالله تعالى أن النار على عصاة المؤمنين كماء الحمّام وكلامه محمول على ثبوت مناسبة الكرب الحاصل من جهنم على المؤمن من الكرب الحاصل لداخل الحمام عند استعماله لما يحتاج إليه من مائه، والله أعلم. ومنها أنه يحتمل أيضا أن المشفوع لهم هم الذين لم تقدح معاصيهم في عقائدهم ومما قد يدل عليه من قوله -ﷺ-: ما عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار، ونظائر ذلك بما تقدم ويكون المعذبون من عصاة هذه الأمة في النار أهل البدع والقوادح في العقائد التي لم تبلغ حد الكفر الشرعي والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر لكن لهذه الأمة عناية من الله ﷾ وللإيمان بالله أثر ظاهر في الحماية من العذاب، ففي رواية أن هذه الأمة أمة مرحومة عذابها بأيديها فإذا كان يوم القيامة دُفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين فيقال هذا فداؤك من النار فإذا فُدِي المسلم من النار [وجبت] له الجنة فأي خير يفوته وأي فضل يتجاوزه، اهـ. قاله في حادي القلوب.\n\n٥٥١٦ - وعن علي بن أبي طالب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال أشفع لأمتي حتى يناديني ربي ﵎ فيقول أقد رضيت يا محمد فأقول إي رب قد رضيت. رواه البزار (^١) والطبراني (^٢) وإسناده حسن إن شاء الله.\n_________\n(^١) مسند البزار = البحر الزخار (٦٣٨).\n(^٢) المعجم الأوسط (٢٠٦٢) ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٦٧٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ١٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧): رواه البزار، والطبراني في =","vol":"14","page":509},{"text":"قوله: \"وعن علي بن أبي طالب\" تقدمت مناقبه. قوله -ﷺ-: \"ما أزال أشفع لأمتي حتى يناديني ربي فيقول: أقد رضيت يا محمد؟ فأقول: أي رب رضيت\"، وفي حديث آخر: أوحى الله تعالى إلى النبي -ﷺ- أن أجعل أمر أمتك بيدك. قال يا رب أنت خير لهم مني، فأوحى الله تعالى إليه: إذا لا أخزيك فيهم. قاله في تهذيب النفوس.\n\n٥٥١٧ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^١) وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جَابر (^٢).\n\n٥٥١٨ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ خيرت بَين الشَّفَاعَة أَو يدْخل نصف أمتِي الْجنَّة فاخترت الشَّفَاعَة لِأَنَّهَا أَعم وأكفى أما إِنَّهَا لَيست\n_________\n= الأوسط، وفيه محمد بن أحمد بن زيد المداري، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١١٨)، السلسلة الضعيفة (٦٧٠٣).\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٣١٠)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، والبزار (٦٩٦٣)، وابن حبان (٦٤٦٨)، والطبراني (٤/ ٤٣ رقم ٣٥٦٦) و(٨/ ٢٤١ رقم ٨٥١٩) والصغير (١/ ٢٧٢ رقم ٤٤٨) والكبير (١/ ٢٥٨ رقم ٧٤٩)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٠٢) والكبرى (٨/ ٣٢ رقم ١٥٨٣٨) و(١٠/ ٣٢٠ رقم ٢٠٧٧٤) والشعب (١/ ٤٨٩ رقم ٣٠٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٤٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٤٣٦)، وابن حبان (٦٤٦٧)، والبيهقي في البعث (١) والشعب (١/ ٤٩٠ رقم ٣٠٦). وصححه الألباني في المشكاة (٥٥٩٩)، الروض (٤٥ و٦٥)، الظلال (٨٣٠ - ٨٣٢) وصحيح الترغيب (٣٦٥٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":510},{"text":"للْمُؤْمِنين الْمُتَقَدِّمين وَلكنهَا للمذنبين الْخَطَّائِينَ المتلوثين رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَإِسْنَاده جيد (^١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بِنَحْوِهِ (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ: وَتقدم فِي الْجِهَاد أَحَادِيث فِي شَفَاعَة الشُّهَدَاء وَأَحَادِيث الشَّفَاعَة كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غنية عَن سائرها وَالله الْمُوفق.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٧٥ (٥٤٥٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٩١)؛ والطبراني في الكبير (١٣/ ١٩١ - ١٩٢ رقم ١٣٩٠٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٧٨: رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: أما إنها ليست للمؤمنين المتقين، ولكنها للمذنبين الخاطئين المتلوثين. ورجال الطبراني رجال الصحيح غير النعمان بن قراد، وهو ثقة! وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١١٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٤٣١١). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٥٨٥) وضعيف الترغيب (٢١١٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.","vol":"14","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>كتاب صفة الجنة والنار الترغيب في سؤال الجنة والاستعاذة من النار</span>\n٥٥١٩ - عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. رواه مالك (^١) ومسلم (^٢) وأبو داود (^٣) والترمذي (^٤) النسائي (^٥).\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقوله: \"أن النبي -ﷺ- كان يعلِّمهم هذا الدعاء كما يعلِّمهم السورة من القرآن. قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال\" الحديث، تقدم الكلام على بعض ألفاظ هذا الحديث في عذاب القبر وسؤال منكر ونكير والمشهور في لفظ [المسيح] أنه بفتح الميم وكسر السين مخففة وبالحاء المهملة على لفظ\n_________\n(^١) موطأ مالك (٣٣).\n(^٢) صحيح مسلم (١٣٤) (٥٩٠).\n(^٣) سنن أبي داود (١٥٤٢).\n(^٤) سنن الترمذي (٣٤٩٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(^٥) سنن النسائي (٤/ ١٠٤).","vol":"14","page":512},{"text":"المسيح ابن مريم لا فرق بينهما، هذا حكم التنزيل في ابن مريم فإن الله ﷻ سماه بذلك في القرآن العظيم فقال جل من قائل: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (^١) الآية، وغير ذلك من الآي إلا أن هذا مسيح الهدى وذاك مسيح الضلالة، فأما المسيح الذي هو لقب عيسى ﵊ فأصله مشيحا بالعبرانية وهو المبارك [فعُرِّب] (^٢)، قاله أبو عبيدة أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن [أو] لأن جبريل ﵊ مسحه بجناحه فيكون فعيلا بمعنى مفعول أو لأنه كان يمسح الأرض بالسير أي يقطعها أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ فيكون بمعنى فاعل. وقال ابن الأعرابي: المسيح الصديق وبه سمي عيسى -﵇-، كذا في شرح السنة، وشرح القاضي ناصر الدين البيضاوي والثاني [\"هذا ثان بالنسبة لقوله قبل: والمشهور في لفظ المسيح\"] (^٣) في ضبط المسيح كسر الميم وتشديد السين [وبالحاء المهملة أيضا، والثالث كسر الميم وتشديد السين] وبالخاء المعجمة.\nقال بعضهم: ومن رواه بالخاء المعجمة فقد أخطأ؛ سمي بذلك إحدى عينيه واختلف في الممسوحة فيروى أنها اليمنى ويروى أنها اليسرى، وقد ذكر مسلم الروايتين ووجه الجمع بينهما أن كل واحدة منهما عوراء من أجل أن\n_________\n(^١) سورة النساء، الآية: ١٧١.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":513},{"text":"أصل العور العيب لا سيما ما اختص بالعين فإحداهما عوراء [حقيقة] ذاهبة وهي التي قال فيها ممسوح العين والأخرى معيبة وهي التي قال [عليها] ظفرة وكأنها كوكب وكأنها عنبة طافية، اهـ.\nقوله في الحديث: \"مكتوب بين عينه ك فـ ر\"، [أي] قالوا مكتوب بين عينه هذه الأحرف التي هي إشارة إلى الكفر والصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها وأنها كتابة حقيقة جعلها الله تعالى علامة حسية على بطلانه [ويظهرها] لكل مؤمن كاتبا أو غير كاتب، قاله الكرماني (^١)، وفي لفظ بعضهم: جعلها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه [تظهر] لكل مؤمن كاتب وغير كاتب و[تخفى] عن من أراد الله شقاوته وكفره وقيل هي مجاز وإشارة إلى إثبات الحدوث عليه [واحتج الأول بقوله: يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب] (^٢) وهذا ضعيف. قاله في التنقيح.\nقوله: \" [والمسيح الأعور] وأن الله تعالى ليس بأعور\" معناه أن الله تعالى منزه عن سمات [الحدوث]، وعن جميع النقائص فإن الدجال مخلوق من خلق الله تعالى ناقص الصورة فينبغي لكم أن تعلموا هذا وتعلِّموه للناس لئلا يغتر بالدجال من يرى تخييلاته وما معه من الفتنة. وقيل سمي مسيحا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٤)، شرح النووي على مسلم (١٨/ ٦٠)، كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٤/ ٥٠٩).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":514},{"text":"لمسحه الأرض أي طوافه بها فيقطعها في أيام معدودة. وأما الدجال فقيل معناه الكذاب لكذبه وتمويهه وكل دجال كذاب، وقيل المموِّه بباطله وسحره الملبس به والدجل طلي البعير بالقطران، وقيل هو من التغطية لأنه يُغطي الأرض بجموعه والدجل التغطية ومنه سميت دجلة لتغطية ما فاضت عليه، مأخوذ من دجّل فلان الحق أي غطاه.\n\n٥٥٢٠ - وعن أم حبيبة -﵂- قالت سمعني رسول الله -ﷺ- وأنا أقول اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة لن يعجل شيئا منها قبل أجله ولا يؤخر ولو كنت سألت الله أن يعيذك من النار وعذاب القبر كان خيرا وأفضل. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن أم حبيبة\" أم حبيبة هي إحدى أمهات المؤمنين ﵅، وتقدم الكلام على بعض مناقبها في مواضع. قولها: \"قالت سمعني رسول الله -ﷺ-: وأنا أقول اللهم أمتعني -وفي نسخة: متِّعني- بزوجي رسول الله -ﷺ- وأبي أبي سفيان وبأخي معاوية\" الحديث، يقال: أمتعه الله بكذا ومتَّعه بمعنًى كأنها سألت الله أن تحيى مدة حياتهم. وقال بعضهم: معناه أي أطل أعمارهم زمنا طويلا حتى أتمتع بهم. قوله: \"لقد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة\" الحديث، الآجال الوقت المضروب المحدود في المستقبل.\nقوله: \"لن يعجل الله منها شيئا قبل حله\" ضبط بوجهين فتح الحاء\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٢) (٢٦٦٣).","vol":"14","page":515},{"text":"وكسرها، وذكر القاضي عياض (^١) أن جميع الرواة على الفتح ومراده رواة بلادهم. قال النووي (^٢): وإلا فالأشهر عند رواة بلادنا الكسر وهما لغتان، ومعناه قبل وجوبه وحينه، اهـ. وقال بعضهم: قبل حلوله ونزوله، فيحتمل أنها اختلاف روايات في حله ومعناه وجوبه. يقال: حل الأجل يحل حلا وحِلا أي وجب، وحكاه الإمام أبو عبد الله قبل أجله وبعده. وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأجل فيستحيل زيادتها ونقصها [حقيقة عن ذلك، وحكاه الإمام أبو عبد الله قبل أجله وبعد أجله. قاله النووي في شرح مسلم (^٣)، وروى البيهقي عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- قال: إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى السماء وأهل الأرض، فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر جهنم، [فإن] الله تعالى [يقول] لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار منكِ وإني أشهدك أني قد أجرته. فالجنة تسأل ربها أهلها وأهلها يسألونه إياها والملائكة تسألها لهم والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم ويوم القيامة يقيمهم ﷾ [بين يديه] يشفعون فيها لعباده المؤمنين فالرب ﷾ جواد له الجود كله يحب أن يسأل ويطلب منه ويرغب إليه فخلق من يسأله وألهمه سؤاله وخلق له ما يسأله إياه\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ١٥٣)، شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٣).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢١٣).","vol":"14","page":516},{"text":"فهو خالق الوسائل وسائله ومسئوله وذلك لمحبته لسؤال عباده له ورغبتهم إليه وطلبهم منه وهو [﷾] يغضب إذا لم يُسأل وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالا وهو يحب الملحِّين له في الدعاء وكلما ألحّ العبد عليه في السؤال أحبه وقرّبه وأعطاه. وفي الحديث: من لم يسأل الله يغضب عليه. [وما أحسن قول القائل:\nالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبنَيُّ آدمَ إن سألته يغضب] (^١)\nقاله في حادي الأرواح.\n\n٥٥٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا استجار عبد من النَّار سبع مَرَّات إِلَّا قَالَت النَّار يَا رب إِن عَبدك فلَانا استجار مني فَأَجره وَلَا سَأَلَ عبد الْجنَّة سبع مَرَّات إِلَّا قَالَت الْجنَّة يَا رب إِن عَبدك فلَانا سَأَلنَي فَأدْخلهُ الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\n\n٥٥٢٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار، رواه الترمذي (^٣)\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٦١٩٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٥٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٣) سنن الترمذي (٢٥٧٢) هكذا روى يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، هذا الحديث عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، عن النبي -ﷺ-، نحوه. وقد روي عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس بن مالك، موقوفا أيضًا.","vol":"14","page":517},{"text":"والنسائي (^١) وابن ماجه (^٢) وابن حبان (^٣) في صحيحه ولفظهم واحد والحاكم (^٤) وقال صحيح الإسناد.\nقوله: \"عن أنس\" تقدم. قوله: \"من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة\" الحديث، وفي الحديث أيضا: [من سأل الله الجنة شفعت له الجنة إلى ربها، وقالت: اللهم أدخله الجنة، وفي الحديث:] أن الجنة تفتح في كل سحر ويقال لها: ازدادي طيبا لأهلك فتزداد طيبا، فذلك البرد الذي يجده الناس في السحر. وقد كان جماعة من السلف لا يسألون الله الجنة ويقولون: حسبنا أن يجيرنا من النار منهم أبو الصهباء صلة بن أشيم صلى ليلة إلى السحر ثم رفع يديه وقال: اللهم أجرني من النار أوَ مثلي يجترئ أن يسألك الجنة. ومنهم عطاء السلمي كان لا يسأل الجنة. فقال له صالح المري أن أبان عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: يقول الله ﷿ انظروا في ديوان عبدي فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته ومن استعاذني من النار أعذته. فقال\n_________\n(^١) سنن النسائي (٨/ ٢٧٩).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٤٣٤٠).\n(^٣) ابن حبان (١٠١٤)، (١٠٣٤).\n(^٤) المستدرك للحاكم (١/ ٧١٧) وقال \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\" والحديث؛ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٨٠٨)، وأحمد (١٢٤٣٩، ١٢١٧٠ - ١٢٥٨٥ - ١٣١٧٣)، وهناد بن السري في \"الزهد\" (١٧٣)، والبزار (٧٥٨٢ و٧٥٨٣)، وأبو يعلى الموصلي (٣٦٨٢)، والطبراني، في \"الدعاء\" (١٣١٠، ١٣١٣)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٦٧) والبغوي (١٣٦٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٥٣).","vol":"14","page":518},{"text":"عطاء: كفاني أن يجيرني من النار، ذكره أبو نعيم في الحلية] (^١). قوله: \"ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في القبر\" الحديث، فإن قيل ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بما ذكرناه لزيادة في الدرجات لأنه مفروغ منه وأمرها بالاستعاذة من عذاب القبر وعذاب النار مع أنه مفروغ منه أيضا [كالأجل]، فالجواب أن الجميع مفروغ منه لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار وعذاب القبر ونحوهما عبادة. [\"هذا يقتضي أن سؤال الجنة ليس عبادة وقد علمت ما فيه، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢)، وقد ورد أن الدعاء مخ العبادة على العموم وسؤال الجنة ثابت شرعا وإنما الذي ينبغي في التفرقة أن باب التعوذ أهم وأعرق في باب الأدب وأمسّ بمقام الخوف ولله المثل الأعلى، العبد الآبق من مولاه الأهم له أن يستعطفه بما أمكنه أن يجيره من انتقامه لا أن يتشهى عليه طرف الفواكه وما تطرب له الأرواح وتنعم به الأشباح، ولو عكس المطلب وكان عزوه إلى الحمق أقرب على أن من أعاذه الله من ناره أدخله جنته برحمته إذ لا واسطة والله أعلم .... الحديث، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة بطلب الجنة وسؤالها\"] (^٣). [وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (وفي سنن أبي داود من حديث جابر قصة صلاة معاذ).\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٦.\n(^٣) سقطت هذه المعقوفين من النسخة الهندية.","vol":"14","page":519},{"text":"عما قدره الله تعالى وعلمه في الأجل فيستحيل زيادتها ونقصها] [وقد أمر الشرع بالعبادات التي يصير بها العامل من الفائزين في الدنيا والآخرة، اهـ، قاله في الديباجة] (^١). وفي سنن أبي داود من حديث جابر قصة صلاة معاذ وتطويله أن النبي -ﷺ- قال للفتى الذي شكاه كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ، فقال النبي -ﷺ-: إني ومعاذ حولها ندندن، فالجنة تطلب أهلها وتجذبهم [إليها جذبًا] والنار كذلك وقد أمرنا رسول الله -ﷺ- أن لا نزال نذكرهما ولا ننساهما كما روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: لا تنسوا العظيمين. قلنا: يا رسول الله وما العظيمان؟ قال: الجنة والنار، الحديث.\n\n٥٥٢٣ - وعن أبي هريرة -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- إن لله ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر فذكر الحديث إلى أن قال فيسألهم الله ﷿ وهو أعلم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك. قال فما يسألوني قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي قالوا ويستجيرونك. قال ومما يستجيروني قالوا من نارك يا رب. قال وهل رأوا ناري قالوا لا. قال فكيف لو رأوا ناري. قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا. الحديث رواه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":520},{"text":"البخاري (^١) ومسلم (^٢) واللفظ له وتقدم بتمامه في الذكر.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" أبو هريرة اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولا، وهو أكثر الصحابة -﵃- حديثًا، وتقدم الكلام على مناقبه في عدة مواضع من هذا التعليق. قوله -ﷺ-: \"إن لله ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر\" تقدم الكلام على هذا الحديث في أول كتاب الأذكار مبسوطًا.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٠٨).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٥) (٢٦٨٩).","vol":"14","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>الترهيب من النار أعاذنا الله منها بمنه وكرمه</span>\n٥٥٢٤ - عن أنس -﵁- قال كان أكثر دعاء النبي ﷺ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^١)، رواه البخاري (^٢).\nقوله: \"عن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"كان أكثر دعاء النبي -ﷺ-: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" الحديث، وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي -ﷺ- يكثر منه، وروي أنه كان أكثر دعائه وكان -ﷺ- إذا دعا بدعاء جعله معه فإنه يجمع خير الدنيا والآخرة. قال الحسن: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة. وقال سفيان: الحسنة في الدنيا العلم والرزق الطيب وفي الآخرة الجنة.\n\n٥٥٢٥ - وعن عدي بن حاتم -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: اتقوا النار قال وأشاح ثم قال اتقوا النار ثم أعرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنه ينظر إليها ثم قال اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.\n(^٢) صحيح البخاري (٦٣٨٩).\n(^٣) صحيح البخاري (١٤١٧).\n(^٤) صحيح مسلم (٦٦) (١٠١٦).","vol":"14","page":522},{"text":"أشاح بشين معجمة وحاء مهملة معناه حذر النار كأنه ينظر إليها وقال الفراء المشيح على معنيين المقبل إليك والمانع لما وراء ظهره قال وقوله أعرض وأشاح أي أقبل.\nقوله: \"وعن عدي بن حاتم\" هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، فذكره إلى أن قال: ابن طيء، وكان شريفًا خطيبًا فاضلًا كريمًا حاضر الجواب، يكنى أبا طريف بفتح المهملة وبكسر الراء، وأبوه هو حاتم المشهور بالكرم، روي له عن رسول الله -ﷺ-: ستة وستون حديثا، ذكر البخاري منها ثلاثة وكان إسلامه في سنة [تسع]. وقيل في سنة عشر. روي عنه أنه قال: ما دخلت على رسول الله -ﷺ- قطّ إلا وسَّع وتحرّك ولقد دخلت عليه يوما بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسّع لي حتى جلستُ إلى جنبه. وروي عن عدي أنه قال: ما دخل عليّ وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها، وثبت عدي على الإسلام في الردة أحسن ثبوت. وروى الشعبي أن عدي بن حاتم الطائي قال لعمر بن الخطاب إذ قدم عليه: ما أظنك تعرفني؟ فقال: كيف لا أعرفك وأول صدقة بَيَّضت وجه رسول الله -ﷺ- صدقة طيء، أعرفك آمنتَ إذ كفروا وأقبلت إذ أدبروا ووفيتَ إذ [غدروا] وشهد فتوح العراق زمن عمر وكان يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات لنا ولهن حق، وكان يقال له: الجواد بن الجواد، ونزل عدي الكوفة وشهد مع علي وقعة الجمل وصفين والنهروان، مات بالكوفة زمن المختار الثقفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، وتقدم الكلام على مناقبه في الصدقات.","vol":"14","page":523},{"text":"قوله: \"اتقوا النار. قال: وأشاح ثم قال: اتقوا النار. ثم أعرض وأشاح ثلاثا حتى ظننا أنه ينظر إليها\"، الحديث. أشاح بشين معجمة وحاء مهملة مهملة معناه حذر النار كأنه ينظر إليها، وقال الفراء: المشيحُ على معنيين: المقبل إليك والمانع لما وراء ظهره، قال: وقوله: أعرض وأشاح أي أقبل، انتهى، قاله الحافظ ومعنى أعرض وأشاح هنا أي كأنه كان ناظرا إلى النار التي كان يذكرها قبل، فأعرض عنها [وهو معنى أشار باليد] [حذرا منها وهو معنى أشاح، قاله عياض (^١).\nوقال الخطابي (^٢) أشاح بوجهه إذا صرفه عن الشيء فعل الحَذِر منه الكاره له كأنه -ﷺ- كان يرها ويحذر وهَج سعيرها فنحى وجهه عنها، انتهى] (^٣). والمشيح الحذر والجادّ في الأمر فيجوز أن يكون أشاح لأحد هذه المعاني أي حذر النار كأنه ينظر إليها أو جدّ على الإيصاء باتقائها أو أقبل إليك في خطابه ومنه في صفته إذا غضب أعرض وأشاح، قاله في النهاية (^٤).\n\n٥٥٢٦ - وعن أبي هريرة -﵁- قال لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (^٥) دعا رسول الله -ﷺ- قريشًا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٧٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٣٩).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢١/ ١٧٧).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥١٧).\n(^٥) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤.","vol":"14","page":524},{"text":"النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا. رواه مسلم (^١) واللفظ له والبخاري (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤) بنحوه.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (^٥) دعا رسول الله -ﷺ- قريشا فاجتمعوا فعمَّ وخصّ فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذو أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار\" الحديث، ذكر -ﷺ- أولا جده الأعلى وهو كعب بن لؤي ولؤي بالهمز عند الأكثرين، ثم قال: يا بني عبد شمس وهم بنو جده الأدنى وهو عبد المطلب وعبد المطلب اسمه شيبة الحمد عند الجمهور، وسمي بذلك لأنه لما ولد كانت في رأسه شعرة بيضاء. وقال ابن [قتيبة] اسمه عامر وسمي عبد المطلب لأن عمه المطلب أردفه خلفه حين أتى به من المدينة صغيرا فكان يقال من هذا: فيقول عبدي ثم ذكر [-ﷺ-] [بني] (^٦) هاشم وهم قبيلته وهاشم اسمه عمرو وسمي به لأنه هشم الثريد لقومه في المجاعة ثم ذكر بني عبد المطلب وهم أعمامه وبنو أعمامه ثم ذكر فاطمة وهي ابنته فبدأ [بأصولهم]\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٤٨ - ٢٠٤).\n(^٢) صحيح البخاري (٢٧٥٣).\n(^٣) سنن الترمذي (٣١٨٥) هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ..\n(^٤) سنن النسائي (٦/ ٢٤٨).\n(^٥) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤.\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":525},{"text":"وفصولهم ثم ذكر ما انفصل وهذا معنى العموم والخصوص، اهـ.\nتنبيه في حديث آخر (^١): يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، هكذا وقع في بعض الأصول فاطمة وفي بعضها أو أكثرها يا فاطم بحذف الهاء على الترخيم، وعلى هذا يجوز ضم الميم وفتحها كما عُرف في نظائره فيجوز نصب فاطمة و[صفية] وضمهما والنصب أفصح وأشهر؛ وأما بنت وابن فمنصوب لا غير وهذا وإن كان ظاهرا معروفا [فلا] بأس به بالتنبيه عليه لمن لا يحفظه، قاله النووي (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"فإني لا أملك لكم من الله شيئا\" معناه لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم. قاله النووي أيضا في شرح مسلم. سؤال: فإن قيل ما الحكمة في أن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- بإنذار عشيرته على الخصوص في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (^٣) بعد أن أرسله إلى كافة الخلق؟ الجواب عنه أن يقال: نزهه الله تعالى بذلك عن مواضع التهمة ولولا ذلك لكان للكفرة أن يقولوا: إنما يفعل ما يفعل بقوّة أقربائه فنصره الله تعالى بالأجانب وأمره بإنذار الأقارب من العشيرة إسقاطا للتهمة والله أعلم. [قاله النعيمي].\n\n٥٥٢٧ - وعن النعمان بن بشير -﵄- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يخطب يقول أنذرتكم النار أنذرتكم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣٥٠) (٢٠٥) عن عائشة.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٨٠).\n(^٣) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤.","vol":"14","page":526},{"text":"مقامي هذا حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. رواه الحاكم (^١) وقال صحيح على شرط مسلم.\nقوله: \"وعن النعمان بن بشير\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يخطب يقولن: أنذركم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه\" الحديث. الخميصة كساء أسود مربع له علمان والعاتق وهو ما بين المنكب إلى أصل العنق هذا قول أبي عبيدة وقال الأصمعي وهو موضع [الرداء] [من الجانبين] (^٢).\n\n٥٥٢٨ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها. رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤).\n_________\n(^١) الحاكم (١/ ٢٨٧) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأخرجه الطيالسي (ص ١٠٧) وأحمد (٤/ ٢٦٨ و٢٧٢) والدارمي (٢٨١٥) والبزار (٣٢١٤) وابن حبان (٦٤٤ و٦٦٧) والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢٠٧) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٠٣٢) وأحمد (٤/ ٢٧٢) والواحدي في الوسيط (٤/ ٥٠٥) وابن أبي شيبة (١٣/ ١٥٨) وهناد في الزهد (٢٣٩) وعبد الله بن أحمد في زيادات الزهد (ص ٢٩) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح المجمع ٢/ ١٨٧ - ١٨٨. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٥٩).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) صحيح البخاري (٣٤٢٦).\n(^٤) صحيح مسلم (١٧) (٢٢٨٤).","vol":"14","page":527},{"text":"٥٥٢٩ - وفي رواية لمسلم (^١) إنما مثلي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها. قال فذلكم مثلي ومثلكم وأنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فيغلبوني ويقتحمون فيها.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا فجعل الدواب والفراش يقعن فيها. فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيها\" الحديث. فقوله: \"مثلي ومثل أمتي\" هو بفتح الميم أي صفتي وصفة أمتي. وقوله: \"كمثل رجل استوقد نار\" بمعنى أوقد نارا [وقيل: استوقدها بمعنى أوقد] والسين والتاء زائدتان كما هو مذكور في الحديث الآخر وهو حديث جابر كمثل رجل أوقد نارا. قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (^٢) بمعنى أوقد.\nقوله: \"فجعل الدواب والفراش يقعن فيها\"، الفراش دواب مثل البعوضة واحدتها فراشة وهي التي تطير وتتهافت في السراج أي تسقط فيه بسبب ضعف إبصارها فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار فإذا رأت المسكينة السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء [ما تزال تطلب الضوء وترمي نفسها إلى الكوة فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب الكوة و] لم تقصدها على السداد\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٨) (٢٢٨٤).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٧.","vol":"14","page":528},{"text":"فتعود إليها مرة أخرى حتى تحترق. قال الإمام الغزالي فلعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها، فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الإنسان في الإكباب على الشهوات في التهافت على النار فلا يزال يرمي نفسه فيها إلى أن ينغمس فيها ويهلك هلاكا مؤبدا فليت جهل الآدمي كان كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في [الحال] والآدمي يبقى في النار أبدًا الآباد ومدة مديدة ولذلك كان رسول الله -ﷺ- يقول: \"إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم\". وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ (^١) شبّههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش، اهـ.\nقوله -ﷺ-: \"فأنا آخذ بحجزكم\" قال النووي (^٢): روي بوجهين أحدهما: اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال المعجمة. والثاني: فعل مضارع بضم الخاء بلا تنوين والأول أشهر وهما صحيحان. وقوله: \"بحجزكم\" بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجزة بضم الحاء وإسكان الجيم وهو موضع الإزار والسراويل يقال: تحاجز القوم أخذ بعضهم بحجزة بعض وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه. قوله: \"وأنتم تقتحمون فيها\" أي تلقون أنفسكم فيها، والاقتحام الدخول في الشيء أو في\n_________\n(^١) سورة القارعة، الآية: ٤.\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٠).","vol":"14","page":529},{"text":"الأمر الضيق لجاجا ويعبر به عن الهلاك وإلقاء النفس في المهالك وتعريضها لها قصدا ولجاجا، قاله عياض (^١). قال النووي (^٢): مقصود الحديث أنه -ﷺ- شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه فكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك بجهله. وقال أبو العباس القرطبي (^٣): وهو مثل لاجتهاد نبينا -ﷺ- في نجاتنا وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا ولجهلنا بقدر [ذلك] وغلبة شهواتنا علينا، اهـ. قوله -ﷺ- في رواية مسلم: \"إنما مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب يقعن فيها\" تقدم معنى ذلك.\nوأما قوله: \"فلما أضاءت\" الإضاءة فرط الإنارة من الضوء وأضاء جاء متعديا ولازما. قوله: \"فجعل يحجزهن ويغلبنه\" الحجز المنع. قوله: \"فيتقحمن فيها\" يتقحمن بياء مثناة من تحت ثم مثناة من فوق ثم قاف مفتوحة ثم حاء مهملة مفتوحة مشددة والتقحم الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة بغتة من غير تثبت ولا تروٍ. يقال: اقتحم الإنسان الأمر العظيم\n_________\n(^١) انظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٥/ ٣٠٧) كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (١/ ١٣١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٠).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٩/ ٢٦).","vol":"14","page":530},{"text":"وتقحَّمه إذا رمى نفسه فيه من غير رويّة وتثبت وأكثر ما يستعمل في الشدّة والأهوال المخيفة. قوله: \"هلم عن النار هلم عن النار\" وهلم بفتح الهاء وضم اللام وفتح الميم وتشديدها، هلم من أسماء الأفعال مركبة من ها وَلمَّ من لممت الشيء أي جمعته ويستوي فيه المذكر والمؤنث تقول هلم يا رجل ويا رجلان ويا رجال [ويا امرأة ويا نسوة، أي أقول لكم تعالوا وابعدوا عن النار، انتهى].\n\n٥٥٣٠ - وعن جابر -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي. رواه مسلم (^١).\nالحجز بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجزة وهي معقد الإزار.\nقوله: \"وعن جابر\" هو ابن عبد الله، تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذُبّهن عنها\"، أما الجنادب فهو جمع جندب وفيها ثلاث لغات، جندب بضم الدال وفتحها والجيم مضمومة فيهما والثالث حكاها القاضي عياض (^٢) وجندب بكسر الجيم وفتح الدال والجنادب هذا الصرار الذي يشبه الجراد. وقال أبو حاتم الجندب على خلقة الجراد له أربعة أجنحة كالجرادة وأصغر منها يطير ويصر بالليل صرا شديدا وقيل غيره، وأما\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٩) (٢٢٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥٠).","vol":"14","page":531},{"text":"الفراش فقال الخليل: هو الذي يطير كالبعوض. وقال غيره: ما تراه كصغار البق تطير إلى ضوء الشعلة وتوقع نفسها فيها، واحدها فراشة وتقدم الكلام على الفراش. قوله: \"وهو يذبّهن عنها\" الذبّ الدفع. قوله -ﷺ-: \"وأنا آخذ بحجزكم عن النار\"، الحجز بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجزة [كبُرَق وبُرْقة، والحجزة] معقد الإزار، اهـ. قاله الحافظ، وقال بعض العلماء: الحجز جمع حجزة كبُرق وبرقة والحجزة معقد الإزار والسراويل واستعير الأخذ بالحجزة للمنع الشديد لأن الذي يمنع صاحبه عن الشيء يستمسك به ليكون المنع أقوى مع أن المأخوذ إذا أخذ بحجزته امتنع بما يمتنع منه حذرا من انحلال عقد الإزار وبدء وظهور السوءة. قوله: \"تفتلتون\" وفي نسخة تفلتون، والتفلت التخلص وأصل تفلتون تتفلتون فحذفت التاءين تخفيفا، وروي بوجهين أحدهما فتح التاء والفاء واللام المشددة والثاني ضم التاء وإسكان الفاء وكسر اللام المخففة وكلاهما صحيح، يقال أفلت مني وتفلت إذا نازعك الغلبة والهرب ثم غلب وهرب ومعنى التمثيل [أنكم] (^١) في جرأتكم [على] (^٢) المعاصي الموبقة وجهلكم بما ترتب عليها وعدم التفاتكم إلى صنيعي معكم كالفراش في جرأتها على النار واغترارها بحسن منظرها ولطافة جوهرها وجهلها على ما يعود إليها من مضرتها، اهـ.\n_________\n(^١) هكذا في الأصل وهو الصواب، وفي النسخة الهندية: (أنا).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية، والصواب إثباتها.","vol":"14","page":532},{"text":"٥٥٣١ - وروي عن كليب بن حزن -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم فإن الجنة لا ينام طالبها وإن النار لا ينام هاربها وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة رواه الطبراني (^١).\nقوله: \"وروي عن كليب بن حزن\" هو كليب بن جزي بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل العقيلي وقيل: كليب بن حزن، كذا أخرجه أبو عُمر، وفي بعض نسخ كتابه: كليب بن جرز، بالجيم والراء والزاي.\nقوله \"اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم\" والطلب والهرب شيئان متضادان وهما معروفان والجهد كذا قوله -ﷺ-: \"وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة\"، الحديث. المكاره كل ما شق على النفس فعله ويصعب عليها عمله كالطهارة في السبرات أي في شدة البرد وغيرها من أعمال الطاعات والصبر على المصائب والمصيبات وجميع المكروهات والشهوات كل ما يوافق النفس ويلائمها وتدعو إليه ويوافقها وأصل الجفاف الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يُتخطى فمثّل النبي -ﷺ- المكاره والصبر عليها والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها، قاله القرطبي (^٢).\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٠٠) رقم (٤٤٩) وفي الأوسط (٣٦٤٣)، وعنه أبو نعيم في صفة الجنة (٣٠)، وقال الحافظ ابن حجر: ويعلى بن الأشدق: متروك (الإصابة ٥/ ٦٢٢) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٢٠).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٨٠١)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٣/ ٢٦).","vol":"14","page":533},{"text":"٥٥٣٢ - وروي عن أبي هريرة -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها. رواه الترمذي (^١) وقال هذا حديث إنما نعرفه من حديث يحيى بن عبيد الله يعني ابن موهب التيمي.\nقال الحافظ قد رواه عبد الله بن شريك عن أبيه عن محمد الأنصاري (^٢) والسدي عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه البيهقي (^٣) وغيره.\nقوله: \"وروي عن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها\" تقدم معنى الهرب والطلب.\nقوله: \"من حديث يحيى بن عبيد الله\" يعني ابن موهب التيمي وثقه القطان وضعفه جدا البقية. قوله: \"وأخرجه البيهقي من رواية عبد الرحمن بن شريك\" عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي الكوفي قال أبو حاتم: واهي الحديث. وذكره ابن حبان في \"كتاب الثقات\"، وقال: ربما أخطأ.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٦٠١)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٧) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٧٤) وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٩) وفي الحلية (٨/ ١٧٨) وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٠٣) والبيهقي في الشعب (٣٨٣) والقضاعي في مسند الشهاب (٧٩١) وأخرجه الطبراني في الأوسط (١٦٣٨) عن أنس، وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٣٠)، وحسنه الألباني في الصحيحة (٩٥٣)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٦٢)، وصحيح الجامع الصغير (٥٦٢٢).\n(^٢) مسند البزار = البحر الزخار (٩٧١٩) وهذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي -ﷺ- إلا أبو هريرة -﵁-، ولا نعلم رواه عن السدي، عن أبيه إلا شريك ولا عن شريك إلا عبد الرحمن.\n(^٣) البيهقي في الشعب (٣٨٤) عبد الرحمن بن شريك، حدثنا أبي، عن محمد الأنصاري، والسدي، عن أبيه، عن أبي هريرة قال.","vol":"14","page":534},{"text":"٥٥٣٣ - وعن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه واحذروا مما حذركم الله منه وخافوا مما خوفكم الله به من عذابه وعقابه ومن جهنم فإنها لو كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حلتها لكم ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خبثتها عليكم. رواه البيهقي ولا يحضرني الآن إسناده (^١).\nقوله: \"وعن أنس\" هو ابن مالك تقدم. قوله: \"يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه\" واحذروا مما حذّركم الله منه، وخافوا مما خوفكم الله منه\" المعشر الجماعة، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في النكاح، والرغبة فيما رغب الله فيه هو كذا قوله: \"واحذروا مما حذركم الله منه\" التحذير هو كذا \"وخافوا مما خوفكم الله منه\" الحديث، الخوف هو عدم الإقدام على الشيء. قوله: \"ومن جهنم\" اسم علم لجميع النار سميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جهنام إذا كانت عميقة القعر. وقال بعض اللغويين هي مشتقة من الجهومة وهي الغلظ، سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والله أعلم.\n\n٥٥٣٤ - وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- أتي بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره فسار وسار معه جبريل -﵇- فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف\n_________\n(^١) البعث والنشور للبيهقي (٥٤٦)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٧٠٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٢١).","vol":"14","page":535},{"text":"وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة ثم أتى على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم قال ما هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها قال يا جبريل ما هذا قال هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس لا يستطيع أداءها وهو يريد أن يزيد عليها ثم أتى على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل ما هؤلاء قال خطباء الفتنة ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع قال ما هذا يا جبريل قال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة ووجد ريح مسك مع صوت فقال ما هذا قال صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقريي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ومائي ولبني وخمري ائتني بما وعدتني قال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك بي شيئا ولم يتخذ من دوني أندادًا فهو آمن ومن سألني","vol":"14","page":536},{"text":"أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا خلف لميعادي قد أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين فقالت قد رضيت ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا فقال يا جبريل ما هذا الصوت قال هذا صوت جهنم تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وقد بعد قعري واشتد حري ائتني بما وعدتني قال لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت قد رضيت فذكر الحديث في قصة الإسراء وفرض الصلاة وغير ذلك. رواه البزار (^١) عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أو غيره عن أبي هريرة.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"ثم آتي على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر\" الرضخ عبارة عن كسر رأس الحية، والنوى وما يشبه ذلك وقيل الدق والكسر.\nقوله: \"ثم آتي على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم\" الحديث، الدبر والقبل من الإنسان وغيره معروفان، والضريع نبت بالحجاز له شوك كبار، اهـ. والزقوم بفتح الزاي المعجمة شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها\n_________\n(^١) مسند البزار = البحر الزخار (٩٥١٨) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٧٢): رواه البزار، ورجاله موثقون، إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره. فتابعيه مجهول. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٤٦٧).","vol":"14","page":537},{"text":"كأنه رءوس الشياطين، والرضف الحجارة المحماة، وتقدم الكلام على جهنم في الحديث قبله، والله أعلم. قوله: \"فذكر الحديث في قصة الإسراء وفرض الصلاة\".\nتنبيه: ذكر ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه أن المعراج كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة إلى السماء وأن الإسراء كان ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة إلى بيت المقدس وهذا على قول من فرق بين المعراج والإسراء فجعل المعراج إلى السماء كما ذكر في سورة النجم والإسراء إلى بيت المقدس خاصة كما في سورة سبحان. قاله ابن رجب في اللطائف. وقال في موضع آخر منه، وقيل: كان الإسراء في رجب وضعّفه غير واحد، وقيل كان في ربيع الأول وهو قول إبراهيم الحربي وغيره. وقال في موضع آخر: وذكر كعب أن في الكتب السابقة محمد رسول الله ملكه بالشام فمن مكة بدت نبوة محمد -ﷺ- وإلى الشام ينتهي ملكه ولهذا أُسري به -ﷺ- إلى الشام إلى بيت المقدس كما هاجر إبراهيم من قبله إلى الشام، اهـ. وفرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل بستة عشر شهرا، والله أعلم [بالصواب].\nقوله: رواه البزار عن الربيع بن أنس عن أبي العالية. البزار اسمه أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عُبيد الله العتكي الحافظ والربيع بن أنس هو البكري ويقال: الحنفي البصري ثم الخراساني قال أبو حاتم: صدوق قيل: توفي سنة تسع وثلاثين ومائة وقيل: سنة أربعين. روى عن أنس","vol":"14","page":538},{"text":"بن مالك وأبي العالية والحسن البصري كذا وأبو العالية اسمه رفيع بن مهران الرياحي، مولى آمنة، امرأة من بني رياح، بطن من بني تميم. أسلم بعد موت النبي -ﷺ- بسنتين، روى عن علي، وابن عباس، وابن مسعود، روى عنه قتادة، وخالد بن دينار، مات سنة ثلاث وتسعين.\n\n٥٥٣٥ - وعن أنس -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قالوا وما رأيت يا رسول الله قال رأيت الجنة والنار. رواه مسلم (^١) وأبو يعلى (^٢).\nقوله: \"وعن أنس\" هو ابن مالك، تقدم. قوله: \"والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. قالوا: \"وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار\" الحديث. قال العلماء: مذهب أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقان الآن خلافا للمعتزلة في إنكار ذلك وتقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على ذلك أيضا والله أعلم.\n\n٥٥٣٦ - وروي عن عبد الله بن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ مر بقوم وهم يضحكون فقال تضحكون وذكر الجنة والنار بين أظهركم، قال فما رئي أحد منهم ضاحكًا حتى مات قال ونزلت فيهم ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ (^٣) رواه\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١١٢) (٤٢٦).\n(^٢) مسند أبي يعلى (٣٩٥٢).\n(^٣) سورة الحجر، الآية: ٥٠.","vol":"14","page":539},{"text":"البزار (^١) وليس في إسناده من ترك ولا اتهم.\nقوله: \"وروي عن عبد الله بن الزبير\" الصحابي ابن الصحابي أمير المؤمنين هو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة ولدته أسماء بنت الصديق وأتت به النبي -ﷺ- فوضعه في حجره وكان -﵁- أطلس لا لحية له، روي له عن رسول الله -ﷺ- ثلاثة وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها ستة وهو أحد العبادلة الأربعة [وكان] صواما قوّاما وصُولا للرحم عظيم المجاهدة قسم الدهر ثلاث ليال ليلة يصلي قائمًا وليلة راكعًا وليلة ساجدًا حتى الصباح وغزى إفريقية فأتاهم ملكهم في مائة ألف وعشرين ألفا والمسلمون عشرون ألفا فنظر ابن الزبير ملكهم قد خرج [في] عسكره فأخذ ابن الزبير جماعة وقصده فقتله وكان الفتح على يده، ولما مات يزيد بن معاوية بويع له بالخلافة سنة أربع وستين واجتمع عليه طائفة أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ما عدا الشام وجدّد عمارة الكعبة وجعل لها بابين وحج بالناس ثماني حجج وبقي في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين وحجّ الحجاج بالناس ولم يزل يُحاصره إلى أن أصابته رمية حجر فمات [وصلبت] جثته وحمل رأسه إلى\n_________\n(^١) مسند البزار = البحر الزخار (٢٢١٦) وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه بهذا اللفظ، عن النبي -ﷺ- إلا ابن الزبير، ولا نعلم له طريقا إلا هذا الطريق، ولا نعلم أن مصعب بن ثابت سمع من ابن الزبير وقال ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار (٢/ ٩٢٥): وموسي ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠٧): رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٢٣).","vol":"14","page":540},{"text":"خراسان رضي الله تعالى عنه ورحمه، ذكره الكرماني (^١).\nقوله: \"إن النبي -ﷺ- مرّ بقوم وهم يضحكون فقال: تضحكون، وذكر الجنة والنار بين أظهركم؟ فما رئي أحد منهم ضاحكًا حتى مات\"، الضحك جائز والأفضل الاقتصار على التبسم كما كان يفعل -ﷺ-. قال العلماء: ويكره الإكثار من الضحك وهو في أهل العلم والمراتب أقبح والله أعلم.\n\n٥٥٣٧ - وَعَن ابْن عمر -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- أَنه خطب فَقَالَ لَا تنسوا العظيمتين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ بَكَى حَتَّى جرى أَو بل دُمُوعه جَانِبي لحيته ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو تعلمُونَ مَا أعلم من أَمر الْآخِرَة لمشيتم إِلَى الصَّعِيد ولحثيتم على رؤوسكم التُّرَاب رَوَاهُ أَبُو يعلى (^٢).\n\n٥٥٣٨ - وروي عن عمر بن الخطاب -﵁- قال جاء جبريل إلى النبي -ﷺ- في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه فقام إليه رسول الله -ﷺ- فقال يا جبريل ما لي أراك متغير اللون فقال ما جئتك حتى أمر الله ﷿ بمنافخ النار فقال رسول الله -ﷺ- يا جبريل صف لي النار وانعت لي جهنم فقال جبريل إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء شررها ولا يطفأ لهبها والذي بعثك بالحق لو أن قدر\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١١٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في الرقة (١٠٢) وصفة النار (٢)، وأبو يعلى كما في المطالب (٣٣١٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٢٤) الضعيفة (٦٨٩٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":541},{"text":"ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعا من حره والذي بعثك بالحق لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لأرفضت وما تقارت حتى ينتهي إلى الأرض السفلى فقال رسول الله -ﷺ- حسبي يا جبريل لا ينصدع قلبي فأموت قال فنظر رسول الله -ﷺ- إلى جبريل وهو يبكي فقال تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به فقال وما لي لا أبكي أنا أحق بالبكاء لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس فقد كان من الملائكة وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به هاروت وماروت قال فبكى رسول الله -ﷺ- وبكى جبريل -﵇- فما زالا يبكيان حتى نوديا أن يا جبريل ويا محمد إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصياه فارتفع جبريل -﵇- وخرج رسول الله -ﷺ- فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون فقال أتضحكون ووراءكم جهنم فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما أسغتم الطعام والشراب ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله. رواه الطبراني في الأوسط (^١) وتقدم\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٢٥٨٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٥٧)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١٠٢٩)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ١٢٤): قال الضياء: قال الحافظ أبو القاسم - يعني إسماعيل بن محمد بن الفضل: هذا حديث حسن، وإسناده جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٧) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سلام الطويل، وهو مجمع على ضعفه. وقال الألباني في الضعيفة (٥٤٠١)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٢٥): موضوع.","vol":"14","page":542},{"text":"شرح بعض غريبه في حديث آخر في ذكر الموت.\nقوله: \"وروي عن عمر بن الخطاب\" هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بضم النون بن عبد العزى بن رياح بكسر الراء المهملة ثم الياء المثناة تحت وبعد الألف حاء مهملة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف بن رزاح بفتح الراء المهملة ثم الزاي المعجمة بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، يلتقي مع النبي -ﷺ- في كعب بن لؤي بالهمز وتركه ذكره ابن الفرات في تاريخه وتقدم الكلام عليه مبسوطا في سبب قتله. قوله: \"جاء جبريل إلى النبي -ﷺ- في حينٍ غير حينه الذي كان يأتيه فيه\" الحديث، جبريل عليه [الصلاة و] السلام هو رسول رب العالمين إلى أنبيائه تقدم الكلام عليه مبسوطا في كتاب الجمعة، والحين الوقت ومعناه جاءه في وقت غير وقته الذي كان يأتيه فيه. قوله: \"لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الأرض لمات من في الأرض كلهم\" الحديث، برز بمعنى ظهر. قوله: \"لو أنّ حلقة من حلق أهل النار وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارَّت حتى ينتهي إلى الأرض السفلى\" تقدم الكلام على الحلقة وأنها بسكون اللام. وقوله: \"لارفضت وما تقارت\" معناه كذا قوله: \"حسبي يا جبريل\" معناه كذا قوله: \"ولخرجتم إلى الصعدات تجئرون إلى الله ﷿\" الصعدات الطرقات، وتجأرون معناه تضجون وتستغيثون، وتقدم ذلك.\n\n٥٥٣٩ - وَرُوِيَ عَن عمر أَيْضا -﵁- أَن جِبْرِيل -﵇- جَاءَ إِلَى النَّبِي -ﷺ- حَزينًا لَا يرفع رَأسه فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- مَا لي أَرَاك يَا جِبْرِيل حَزينًا قَالَ إِنِّي","vol":"14","page":543},{"text":"رَأَيْت نفحة من جَهَنَّم فَلم ترجع إِلَيّ روحي بعد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي [الأوسط] (^١)\n\n٥٥٤٠ - وعن أنس بن مالك -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال لجبريل ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا قط قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار رواه أحمد (^٢) من رواية إسماعيل بن عياش وبقية رواته ثقات.\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ- لجبريل: \"ما لي لا أرى ميكال ضاحكا قط\" الحديث، ميكائيل -﵇- هو الملك الموكل كذا قوله: \"رواه أحمد من رواية إسماعيل بن عياش\".\n\n٥٥٤١ - وَرُوِيَ عَن أنس أَيْضا -﵁- قَالَ تَلا رَسُول الله -ﷺ- هَذِه الْآيَة\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٨٨ رقم ٥٣٤٠). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٨٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه علي بن خلف، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٤٠٢) وضعيف الترغيب (٢١٢٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) مسند أحمد (١٣٣٤٣)، وفي الزهد (ص ٨٨) وابن أبي الدنيا في صفة النار (٢١٩) والآجري في الشريعة (ص ٣٩٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٣٨٤) وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٩) وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (١٠٨) م ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (٤٠٨). قد ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٨٥)، ثم قال: رواه أحمد من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين، وهي ضعيفة، وبقية رجاله ثقات. وذكره الدارقطني في الأفراد والغرائب (رسالة المراغي ص ٣٩١)، ثم قال: غريب من حديث ثابت عن أنس، وغريب من حديث عمارة بن غزيه عن حميد بن عبيد، عن ثابت، تفرد به أبو اليمان، عن إسماعيل بن عياش. قال زين الدين العراقي: إنه جيد. انظر: تخريج أحاديث الإحياء (٤/ ٨٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٦٤)، وفي السلسلة الصحيحة (٢٥١١) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٥٠٩١).","vol":"14","page":544},{"text":"وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة التَّحْرِيم ٧ فَقَالَ أوقد عَلَيْهَا ألف عَام حَتَّى احْمَرَّتْ وَألف عَام حَتَّى ابْيَضَّتْ وَألف عَام حَتَّى اسودت فَهِيَ سَوْدَاء مظْلمَة لَا يطفأ لهبها الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني (^١) وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْبكاء.\n\n٥٥٤٢ - وعن أنس بن مالك أيضا -﵁- عن النبي -ﷺ- قال إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما استمتعتم بها وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها.\nرواه ابن ماجه (^٢) بإسناد واه والحاكم (^٣) عن جسر بن فرقد وهو واه عن الحسن عنه وقال صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم\" الحديث، جهنم اسم للنار التي\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهاني في الترغيب (١٠٢٩)، والبيهقي في البعث (٥٠٦) والشعب (٢/ ٢٣٤ رقم ٧٧٨). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (١٩٤١) و(٢١٢٧) و(٢١٣٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) ابن ماجه (٤٣١٨). وقال البوصيري في الزوائد: أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد على شرط الشيخين. وبعضه في الصحيحين من حديث أبي هريرة.\n(^٣) الحاكم (٤/ ٥٩٣)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٥٥)، وهناد في الزهد (٢٣٤) موقوفًا. ونفيع هو ابن الحارث الكوفي قال ابن معين: يضع ليس بشيء، وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة، وكذبه الجوزجاني والساجي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: قلت: جسر واه، وبكر قال النسائي: ليس بثقة وأخرجه البزار (كشف ٣٤٨٩)، من طريق آخر، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٨: رجاله ضعفاء على توثيق لين فيهم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٢٠١٨)، وفي السلسلة الضعيفة (٣٢٠٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٢٨).","vol":"14","page":545},{"text":"يعذب بها في الآخرة، وهو أعجمي عند الأكثرين. وروى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. قالوا: يا رسول الله وإن كانت لكافية، قال: فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا، ومعنى قوله: \"ناركم هذه جزء من سبعين جزءا\" يعني أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها بنو آدم لكان جزءا من أجزاء جهنم المذكورة وبيانه أنه لو جمع حطب الدنيا فأوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءا أشد من حر نار الدنيا.\nتنبيه: معنى الاختصاص بالعدد المذكور راجع إلى علم النبوءة.\n\n٥٥٤٣ - وعن ابن مسعود -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢).\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\" الحديث، ومعنى الحديث أنه يجاء بها من المحل الذي خلقها الله فيه فتدار بأهل المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط كما دل عليه الأحاديث الصحيحة، والزمام ما يُزَمُّ به الشيء أي يشد ويربط. وهذه الأمة التي تُساق جهنم بها أيضا يمنع من خروجها على أهل المحشر فلا يخرج منها إلا\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٩) (٢٨٤٢).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٥٧٣).","vol":"14","page":546},{"text":"الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله أخذه وملائكتها كما وصف الله تعالى: ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ (^١) الآية.\nتنبيه: قال العلماء: إنما خص النبي -ﷺ- بردّها وقمعها وكفها على أهل المحشر دون غيره من الأنبياء لأنه رآها في مسراه وعرضت عليه في صلاته حسبما ثبت في الصحيح. قالوا: وفي ذلك فوائد تسع:\nالأولى: أن الكفار لما كانوا يستهزئون به ويكذبون قوله ويؤذونه أشدّ الأذى أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفين به تطييبا لقلبه وتسكينا لفؤاده.\nالثانية الإشارة في ذلك إلى أن من طيب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام فأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبابه بالتحية والشفاعة والإكرام.\nالثالثة: ويحتمل أنه عرضها عليه ليعلم منة الله تعالى حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته.\nالرابعة: ويحتمل أنه عرضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء نفسي نفسي يقول نبينا وشفيعنا أمتي أمتي وذلك حين تسجر جهنم ولذلك أمر الله تعالى محمدًا -ﷺ- فقال جل من قائل: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (^٢). قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية: [والحكمة] في\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٢) سورة التحريم، الآية: ٨.","vol":"14","page":547},{"text":"ذلك أن تفزع إلى شفاعته أمته ولو لم يؤمنه لكان مشغولًا بنفسه كغيره من الأنبياء.\nالخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئًا منها فإذا [رأوها] شغلتهم أنفسهم عن أممهم فأما نبينا وشفيعنا محمد -ﷺ- فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه مثل ما فزغوا ليقدر على الخطبة وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه في القرآن وثبت في صحيح السنة.\nالسادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار قد خلقهما الله خلافا للمعتزلة المنكرين لخلقهما وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^١)، ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٢) والإعداد دليل الخلق.\nالثامنة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خسة الدنيا في جنب ما أراه فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر حتى يؤديه إلى الجنة فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء وبؤسا لنعمة تؤدي بصاحبها إلى البلاء.\nالتاسعة: ويحتمل أن الله ﷾ أراد ألا يكون لأحد كرامة لا تكون لمحمد -ﷺ- مثلها ولما كان لإدريس -﵇- كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة أراد الله ﷾ أن يكون ذلك لصفيه ونجيه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد -ﷺ- وشرف وكرم وعظم وبجل ووقر، قاله الحافظ ابن دحية في كتاب الابتهاج في أحاديث المعراج، ذكره القرطبي في كتاب\n_________\n(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤.","vol":"14","page":548},{"text":"التذكرة (^١). والله أعلم. قولهم: \"قالوا والله إن كانت لكافية\" الحديث، إن في مثل هذه الموضع مخففة من الثقيلة عند البصريين وهذه اللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة وهي عند الكوفيين بمعنى ما واللام بمعنى إلا، تقديره عندهم ما كانت إلا كافية، وعند البصريين إنها كانت كافية، نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (^٢) أي إنها كافية فأجابهم النبي -ﷺ- بأنها فضلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وتسعين فضلت عليها أيضا في شدة الحر بتسعة وستين ضعفا، اهـ.\nتنبيه: ولا يضر تأكد الكلام وتكرره فإنه ﵊ لما ذكر تفضيل جهنم في الحر بهذه الأجزاء، وقال الصحابة أن حر نار الدنيا كافيا في العقوبة والانتقام أكد النبي -ﷺ- ما أخبر به أوّلا بعد سؤال الصحابة وقال إنها فضلت عليها بهذا القدر في الحر والله أعلم.\nوالإشارة في قوله: \"ناركم هذه\" يحتمل أن يكون التقريب لحضورها ومشاهدتها ويحتمل أن يكون للتقليل والاحتقار وفيه ترجيح جانب الرحمة \"وفي الحديث إن رحمتي تغلب غضبي هو إشارة إلى سعة الرحمة وشمولها الخلق كما يقال غلب على فلان الكرم أي هو أكثر خصاله وإلا فرحمة الله وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادته الثواب والعقاب، وصفاته لا توصف بغلبة إحداهما الأخرى وإنما هو على سبيل المجاز للمبالغة والله أعلم. قاله في\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٨٥٠).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.","vol":"14","page":549},{"text":"النهاية (^١) اهـ\" لأن النار التي هي النقمة المعدة لأهل المخالفة مقدرة قد عرف نسبة زيادتها على نار الدنيا بخلاف الجنة التي هي النعمة المعدة لأهل الطاعة لا تقدير لها ولا نسبة من نعيم الدنيا ولم تحصر في قدر مخصوص كما تقدم والله أعلم، قاله العراقي في شرح الأحكام. فنار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وغسلت بالبحرين مرتين حتى أشرقت [وخف] حرها ولولا ذاك ما انتفع بها أهل الدنيا، وهي تدعو إلى الله أن لا يعيدها إليها ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم النار التي في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ (^٢) يعني أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تُذكر بنار جهنم. مرّ ابن مسعود -﵁- بالحدادين وقد أخرجوا حديدا من النار فوقف ينظر إليه ويبكي.\nورُوي أنه مر على الذين ينفخون الكير فسقط، وكان أويس يقف على الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون ما يصنعون بالحديد فيبكون ويتعوذون بالله من النار. رأى عطاء السلمي امرأة قد سجرت تنورها فغشي عليه. قال الحسن: كان عمر -﵁- ربما توقد له النار ثم يُدني يده منها، ثمّ يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر، وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع إصبعيه ويقول: حسّ ثم يعاتب نفسه على ذنوبه. أجّج\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٧٧).\n(^٢) سورة الواقعة، الآية: ٧٣.","vol":"14","page":550},{"text":"بعض العُبّاد نارا بين يديه وعاتب نفسه فلم يزل يُعاتبها حتى مات. سؤال: نار جهنم خير أم شر؟ الجواب: قال أبو جعفر النحاس في شرح الأسماء الحسنى ليس هو بخير ولا شر بل هو عذاب وحكمة. \"انظر هذا مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ (^١) الآية\".\nسؤال آخر: ما الحكمة في خلق النار؟ قال النيسابوري: [ليكون] الخلق على هيبة وحرمة لأن النبي -ﷺ- علق السوط حيث يراه أهل البيت لئلا يتركوا الأدب. وروي أن الله تعالى قال لموسى ﵊: ما خلقت النار بُخلا مني ولكني أكره أن أجمع أعدائي وأوليائي في دار واحدة، وأيضا خلق النار حتى إذا نجوا منها علموا قدر الجنة لأن من لم يُقاس البلاء لم يدر قدر العافية، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار (^٢).\nتنبيه: نقل ابن الجوزي في أوائل روضة الناقل ونزهة العاقل (^٣) عن الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: [والله] ما خلق الله النار إلا من كرمه جعلها سوطا يسوق به المؤمنين إلى جنته [فيا أيها] الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه عن غده وأمسِه [دع التفكر] فيما أنت مرتحل عنه واصرف الفكر إلى موردك وما أنت ملاقيه فإنك أخبرت أن النار موعد الجميع وأنك قادم على الله وموافيه. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ\n_________\n(^١) سورة ص، الآية: ٥٧.\n(^٢) كشف الأسرار (لوحة ١٨).\n(^٣) تهذيب الأسرار (ص ٩١) للخركوشي.","vol":"14","page":551},{"text":"حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ (^١) الآية، فأنت من الورود على يقين ومن النجاة على الشك فاستشعر في قلبك هول ذلك المولد. قوله: \"وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد\" الحديث، ضربت أي غمست غمستين حتى صارت هكذا. قوله في رواية البيهقي: هي أشد سوادا من القار. القار الزفت كما سيأتي. قوله أيضًا: \"أو نيف وأربعون\" النيف ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني.\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٧١.","vol":"14","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>فصل فِي شدَّة حرهَا وَغير ذَلِك</span>\n٥٥٤٤ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ نَاركُم هَذِه مَا يُوقد بَنو آدم جُزْء وَاحِد من سبعين جُزْءا من نَار جَهَنَّم قَالُوا وَالله إِن كَانَت لكَافِيَة قَالَ إِنَّهَا فضلت عَلَيْهَا بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا كُلهنَّ مثل حرهَا رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَلَيْسَ عِنْد مَالك كُلهنَّ مثل حرهَا وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ فزادوا فِيهِ وَضربت بالبحر مرَّتَيْنِ وَلَوْلا ذَلِك مَا جعل الله فِيهَا مَنْفَعَة لأحد (^١).\n\n٥٥٤٥ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ تحسبون أَن نَار جَهَنَّم مثل نَاركُمْ هَذِه هِيَ أَشد سوادا من القار هِيَ جُزْء من بضعَة وَسِتِّينَ جُزْءا مِنْهَا أَو نَيف وَأَرْبَعين شكّ أَبُو سُهَيْل (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ وَجَمِيع مَا يَأْتِي فِي صفة الْجنَّة وَالنَّار معزوا إِلَى الْبَيْهَقِيّ فَهُوَ مِمَّا ذكره فِي كتاب الْبَعْث والنشور وَمَا كَانَ من غَيره من كتبه أعزوه إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله.\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٢٨٤٢)، وأحمد ٢/ ٣٤٤ (٧٣٢٧) و٢/ ٣١٣ (٨١٢٦) و٢/ ٤٦٧ (١٠٠٣٢) و٢/ ٤٧٨ (١٠٢٠١)، والبخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٣٠ - ٢٨٤٣)، والترمذي (٢٥٨٩)، وابن حيان (٧٤٦٢) و(٧٤٦٣)، والبيهقي في البعث (٥٠٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٦٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٢) أخرجه البيهقي في البعث (٥٠١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٦٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.","vol":"14","page":553},{"text":"٥٥٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضًا -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن هَذِه النَّار جُزْء من مائَة جُزْء من جَهَنَّم رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (^١).\n\n٥٥٤٧ - وَعنهُ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَو كَانَ فِي هَذَا الْمَسْجِد مائَة ألف أَو يزِيدُونَ وَفِيهِمْ رجل من أهل النَّار فتنفس فَأَصَابَهُمْ نَفسه لاحترق الْمَسْجِد وَمن فِيهِ رَوَاهُ أَبُو يعلى وَإِسْنَاده حسن وَفِي مَتنه نَكَارَة وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَو كَانَ في الْمَسْجِد مائَة ألف أَو يزِيدُونَ ثمَّ تنفس رجل من أهل النَّار لأحرقهم (^٢).\n\n٥٥٤٨ - وعن أنس -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- لو أن غربا من جهنم جعل في وسط الأرض لأذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب ولو أن شررة من شرر جهنم بالمشرق لوجد حرها من بالمغرب. رواه الطبراني (^٣) وفي إسناده احتمال للتحسين.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٧٩ (٨٩٢١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٨٧: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٢٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة النار (١٤٦)، والبزار (٣٤٩٩/ كشف الأستار)، وأبو يعلى كما في المطالب (٤٥٩٥/ ١)، والبيهقي في البعث (٦٠٣). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٩١: رواه البزار، وفيه عبد الرحيم بن هارون، وهو ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه، فإن في حديثه من حفظه بعض مناكير، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٠٩) وصحيح الترغيب (٣٦٦٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٦٨١)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٧٥)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٨٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٧): رواه الطبراني في =","vol":"14","page":554},{"text":"الغرب بفتح الغين المعجمة وإسكان الراء بعدهما باء موحدة هي الدلو العظيمة.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"لو أنّ غربا من جهنم جعل في وسط الدنيا لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب\". قال الحافظ: الغرب: بفتح الغين المعجمة وإسكان الراء بعدها باء موحدة هي الدلو العظيم، اهـ. وقال في النهاية (^١) الغرب: بسكون الراء الدلو العظيمة التي [هي] تتخذ من جلد ثور فإذا فتحت الراء فهو الماء السائل بين البئر والحوض ومنه حديث الزكاة وما سقى بالغرب ففيه نصف العشر. وقوله: \"ما بين المشرق والمغرب\"، اختلف العلماء كذا\n\n٥٥٤٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لما خلق الله الْجنَّة وَالنَّار أرسل جِبْرِيل إِلَى الْجنَّة فَقَالَ انْظُر إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعدَدْت لأَهْلهَا فِيهَا قَالَ فجَاء فَنظر إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أعد الله لأَهْلهَا فِيهَا قَالَ فَرجع إِلَيْهِ قَالَ وَعزَّتك لَا يسمع بهَا أحد إِلَّا دَخلهَا فَأمر بهَا فحفت بالمكاره فَقَالَ ارْجع إِلَيْهَا فَانْظُر إِلَى مَا أَعدَدْت لأَهْلهَا فِيهَا قَالَ فَرجع إِلَيْهَا فَإِذا هِيَ قد حفت بالمكاره فَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ وَعزَّتك لقد خفت أَن لَا يدخلهَا أحد وَقَالَ اذْهَبْ إِلَى النَّار فَانْظُر إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعدَدْت لأَهْلهَا فِيهَا قَالَ فَنظر إِلَيْهَا فَإِذا هِيَ يركب بَعْضهَا بَعْضًا فَرجع\n_________\n= الأوسط، وفيه تمام بن نجيح، وهو ضعيف، وقد وثق، وبقية رجاله أحسن حالا من تمام. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٠٢٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٣٠).\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٤٩).","vol":"14","page":555},{"text":"إِلَيْهِ فَقَالَ وَعزَّتك لَا يسمع بهَا أحد فيدخلها فَأمر بهَا فحفت بالشهوات فَقَالَ ارْجع إِلَيْهَا فَرجع إِلَيْهَا فَقَالَ وَعزَّتك لقد خشيت أَن لَا ينجو مِنْهَا أحد إِلَّا دَخلهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).\n\"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة\" فذكر الحديث إلى أن قال: فأمر بها فحفت بالمكاره\" -: حفها بالمكاره أي أحدقها بها- \"وأما بها فحفت بالشهوات\" الحديث، وقع في صحيح مسلم حفت وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة حجبت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات، وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- قال: [احتفت] الجنة والنار وكله صحيح. قال العلماء: هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها -ﷺ- من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره والنار بالشهوات ولذلك هما محجوبتان بهما فمن هتك الحجاب وصل إلى المحبوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، ومعنى حفت النار بالمكاره وحفت النار بالشهوات أي جعلت على حافتها\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٣٠٤ (٣٧٩٦). وقال الألباني: حسن صحيح - تخريج التنكيل (٢/ ١٧٧)، تخريج الطحاوية (٤١٦)، المشكاة (٥٦٩٦) وصحيح الترغيب (٣٦٦٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":556},{"text":"وهي جوانبها وتوهم الناس أنها ضرب فيها المثل فجعلها في جوانبها من خارج ولو كان ذلك لما كان مثلا صحيحا وإنما هي من داخل وهذه صورتها فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها والصبر على مشاقها وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة والإحسان إلى المسيء والصبر عن الشهوات ونحو ذلك، وأما الشهوات التي توجب دخول النار المحفوفة بها فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والنظر إلى الأجنبية والغيبة واستعمال الملاهي ونحو ذلك.\nوأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذا لكن يكره الإكثار منها مخافة أن تجر إلى المحرمة أو تقسي القلب أو تشغل عن الطاعات أو تحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها ونحو ذلك والله أعلم، قاله النووي في شرح مسلم (^١).\n\n٥٥٥٠ - وروي عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى إذا رأتهم ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (^٢) من مسيرة مائة عام وذلك إذا أتي بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشد بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل بر وفاجر ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (^٣). تزفر زفرة ولا تبقى قطرة من دمع إلا ندرت ثم تزفر الثانية فتقطع القلوب من أماكنها تقطع اللهوات والحناجر\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٥).\n(^٢) سورة الفرقان، الآية: ١١٢.\n(^٣) سورة الفرقان، الآية: ١١٢.","vol":"14","page":557},{"text":"وهي قوله ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (^١). رواه آدم بن أبي إياس في تفسيره موقوفا (^٢).\nقوله: \"وروي عن ابن عباس\" تقدمت ترجمته -﵁-[وعن أبيه وبنته وجميع ذريته]. قوله -ﷺ-: \"وذلك إذا أتي بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام\" تقدم الكلام على جهنم وعلى الزمام. قوله -ﷺ-: \"لو تركت لأتت على كل بر وفاجر\" [البر المطيع والفاجر] المراد به الكافر، وتقدم ذلك. قوله: \"تقطع اللهوات والحناجر\" اللهوات جمع لهاة وهى وهي اللحمات في سقف أقصى الفم والحناجر جمع حنجرة وهي رأس الغلصمة حيث تراه ناتئا من خارج الحلق.\nقوله في آخر الحديث: رواه ابن أبي إياس في تفسيره، وهو بكسر الهمزة والياء المثناة من تحت والسين المهملة هو أبو الحسن آدم بن عبد [الرحمن] بن محمد أصله من خراسان نشأ ببغداد وبها طلب الحديث ثم رحل إلى الكوفة والبصرة والحجاز والشام ومصر واستوطن عسقلان الشام. قال أبو حاتم: هو ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله، وكان ورَّاقا. توفي بعسقلان سنة عشرين ومائتين، والله أعلم، قاله الكرماني (^٣).\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ١٠.\n(^٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٣٩) آدم بن أبي إياس في تفسيره عن ابن عباس ﵄.\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٨٧).","vol":"14","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>فصل في ظلمتها وسوادها وشررها</span>\n٥٥٥١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قالَ: أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفُ سَنةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفُ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفُ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي، وقال الترمذي: حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك (^١).\nورواه مالك والبيهقي في الشعب مختصرًا مرفوعًا قال: أَتروْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هذ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنَ الْقَارِ (^٢).\n[والقار]: الزفت. زاد رزين: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَصَابُوا نَارَكُمْ هذ لنَامُوا فِيهَا أَوْ قالَ: لَقَالُوا فِيهَا.\nقوله: \"عن أبي هريرة\"، تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"أوقد على النار ألف سنة حتى احمّرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت\" فذكره إلى أن قال: \"فهي سوداء كالليل المظلم، وفي رواية للبيهقي: أترونها حمراء كناركم هذه، لهي أشد سوادا من القار\" والقار الزفت كما تقدم. ومعنى قوله: \"أترونها\" أي أتظنونها. قوله: \"وزاد رزين: ولو أن أهل النار أصابوا ناركم\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٣٢٠)، والترمذى (٢٥٩١)، والبيهقي في البعث (٥٠٥). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٠٥) وضعيف الترغيب (٢١٣٢).\n(^٢) أخرجه مالك (٢٨٤٣) موقوفا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٧٠).","vol":"14","page":559},{"text":"هذه لناموا فيها أو لقالوا فيها\". قال بعض السلف: لو أخرج أهل النار منها إلى نار الدنيا لقالوا فيها ألفي عام. يعني أنهم كانوا ينامون فيها ويرونها بردا. قال النيسابوري: يُقال: لو أخرج رجل من جهنم وطرح في نار الدنيا لنام فيها عمر الدنيا ولا يستيقظ من وجدان الراحة فيها، وفي النار ظلمة وحرارة وضياء وريح وأذى رطوبة لأنها لو لم يكن فيها رطوبة لما خمدت ولو لم يكن فيها ريح لما التهبت ولو لم يكن فيها الظلمة لما اسودّ بها شيء، ولو لم يكن فيها نور لما أضاءت ولو لم يكن فيها حرارة لما احترق بها شيء، فدل اجتماع هذه المتضادات على جامع جمعها قهرًا وفي النار ضر ونفع فالدخان يضر وضياؤها ينفع، انتهى.\n\n٥٥٥٢ - وَرُوِيَ عَنْ أَسرٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّه ذَكرَ نَارَكُمْ هذه فَقَالَ: إِنَّهَا لَجُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ حَتَّى أَحْسِبَهُ قالَ: نُضِحَتْ مَرَّتَيْنِ بِالمَاءِ لِتُضِيءَ لَكُمْ، وَنَارُ جَهَنَّمَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ. رواه البزار، وتقدم أن الحاكم صححه (^١).\n\n٥٥٥٣ - وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا -﵁- قَالَ: تَلا رَسُول الله -ﷺ- هَذِه الآيَة ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^٢) فَقَالَ أوقد عَلَيْهَا ألف عَام حَتَّى احْمَرَّتْ وَألف عَام حَتَّى\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٦٤٩٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٩٣). قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٣٨٨: رواه البزار، ورجاله ضعفاء على توثيق لين فيهم. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٢١٣٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤.","vol":"14","page":560},{"text":"ابْيَضَّتْ وَألف عَام حَتَّى اسودت فَهِيَ سَوْدَاء مظْلمَة لا يضيء لهبها رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني (^١) وَتقدم.\n\n٥٥٥٤ - وَعَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود -﵁- ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ وَفِي رِوَايَة لا يطفأ لهبها المرسلات ٢٣ قَالَ أما إِنِّي لست أَقُول كالشجرة وَلَكِن كالحصون والمدائن رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ فِيهِ خديج بن مُعَاوِيَة وَقد وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الأصبهانى في الترغيب (١٠٢٩)، والبيهقي في البعث (٥٠٦) والشعب (٢/ ٢٣٤ رقم ٧٧٨). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (١٩٤١) و(٢١٢٧) و(٢١٣٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث (٥٢٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٣٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>فصل في أوديتها وجبالها</span>\n٥٥٥٥ - عن أبي سعيد -﵁- عن النبي -ﷺ- قال ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره رواه أحمد (^١) والترمذي (^٢) إلا أنه قال واد بين جبلين يهوي فيه الكافر سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعره.\nورواه ابن حبان في صحيحه (^٣) بنحو رواية الترمذي والحاكم (^٤) وقال صحيح الإسناد ورواه البيهقي (^٥) من طريق الحاكم إلا أنه قال يهوي فيه\n_________\n(^١) مسند أحمد (١١٧١٢).\n(^٢) سنن الترمذي (٣١٦٤).\n(^٣) ابن حبان (٧٤٦٧).\n(^٤) الحاكم (٤/ ٥٩٦)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٣٤ - زوائد نعيم بن حماد)، وأحمد (٣/ ٧٥)، وعبد بن حميد (٩٢٤) والترمذي (٢٥٧٦ و١٣٦٤ و٣٣٢٦) وأبو يعلى (١٣٨٣)، والطبري (١/ ٣٧٨ و٢٩/ ١٥٥)، وابن أبي حاتم (٨٠٣)، والحاكم (٢/ ٥٥٧) والبيهقي في البعث (٤٦٥) (٤٦٦)، والبغوي في شرح السنة (٤٤٠٩)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد قلت: دراج مختلف فيه، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه الدارقطني وغيره، واختلفوا فيما يرويه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، فقواه ابن معين، وضعفه أحمد وأبو داود. ورواه هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب فأوقفه على أبي سعيد. أخرجه الحاكم (٢/ ٥٣٤)، والبيهقي في البعث (٤٦٤) وقال: والأول أصح. قال ابن كثير: قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد -مرفوعا- منكر، والله أعلم. (التفسير ١/ ٣١٢) وقال أيضا: فيه غرابة ونكارة. (التفسير ٨/ ٢٢٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٣٦ ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦١٤٨).\n(^٥) البعث والنشور للبيهقي (٤٦٤).","vol":"14","page":562},{"text":"الكافر أربعين خريفا قبل أن يفرغ من حساب الناس. قال الحافظ رووه كلهم من طريق عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم إلا الترمذي فإنه رواه من طريق ابن لهيعة عن دراج وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عند دراج.\nقوله: \"عن أبي سعيد\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"ويل في واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره\" الحديث، يهوي معناه يسقط والخريف العام. قوله: \"رووه كلهم من طريق عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم من طريق ابن لهيعة\"، عمرو بن الحارث عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصارى مولاهم، أبو أمية المصرى، مولى قيس بن سعد بن عبادة \"مدنى الأصل\" ثقة فقيه، ودراج هو بن سمعان أبو السمح ضعفه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما وصحح حديثه عن الهيثم الترمذي، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وغيرهم، وأبو الهيثم اسمه: سليمان بن عمرو بن عبد، ويقال: ابن عبيد الليثى العتوارى، أبو الهيثم المصرى، \"صماحب أبى سعيد الخدرى\" وثقه ابن معين وابن لهيعة اسمه عبد الله عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمى الأعدولى، ويقال الغافقى، أبو عبد الرحمن، ويقال أبو النضر، المصرى الفقيه القاضى قال ابن معين وأبو زرعة: لا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف.","vol":"14","page":563},{"text":"وقال ابن مهدي: ما أعتد بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك.\nوقال ابن معين: هو ضعيف قبل أن تحترق كتبه وبعد احتراقها، وقال ابن وهب حدثني الصادق البار والله عبد الله بن لهيعة، وقال زيد بن الحباب: سمعت سفيان يقول كان عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع، وقال قتيبة: حضرت موت ابن لهيعة فسمعت الليث يقول ما خلف مثله، وقال أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة.\n\n٥٥٥٦ - وَعنهُ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ فِي قَوْله ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ (^١) قَالَ جبل من نَار يُكَلف أَن يَصْعَدهُ فَإِذا وضع يَده عَلَيْهِ ذَابَتْ فَإِذا رَفعهَا عَادَتْ وَإِذا وضع رجله عَلَيْهِ ذَابَتْ فَإِذا رَفعهَا عَادَتْ يصعد سبعين خَرِيفًا ثمَّ يهوي كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم من طَرِيق دراج أَيْضًا وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن دراج مُخْتَصرًا قَالَ الصعُود جبل من نَار يتَصَعَّد فِيهِ الْكَافِر سبعين خَرِيفًا ويهوي بِهِ كَذَلِك أبدا وَقَالَ غَرِيب لا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن دراج عَن أبي الْهَيْثَم عَنهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن شريك عَن عمار الدهني عَن عَطِيّة الْعَوْفِيّ عَنهُ مَرْفُوعا أَيْضا وَمن حَدِيث إِسْرَائِيل وسُفْيَان كلَاهُمَا عَن عمار عَن عَطِيَّة عَنهُ مَوْقُوفا بِنَحْوِهِ بِزِيَادَة (^٢).\n_________\n(^١) سورة المدثر، الآية: ١٧.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٧٥ (١١٧١٢) والترمذي (٢٥٧٦) و(٣١٦٤)، وأبو يعلى (١٣٨٣) =","vol":"14","page":564},{"text":"٥٥٥٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ مَرْيَم ٣٦ قَالَ الْحَافِظ رَوَاهُ الْحَاكِم مَرْفُوعًا كمَا تقدم من حَدِيث عَمْرو بن الْحَارِث قَالَ وَاد فِي جَهَنَّم يقذف فِيهِ الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه عبد الله بن مَسْعُود وَلم يسمع مِنْهُ ورواة بعض طرقه ثِقَات (^١).\n\n٥٥٥٨ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ نهر فِي جَهَنَّم بعيد القعر خَبِيث الطّعْم. وَإسْنَاد هَذِه جيد لَوْلا الِانْقِطَاع (^٢).\n\n٥٥٥٩ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- فِي قَوْله ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ الْكَهْف ٣٥ قَالَ وَاد من قيح وَدم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من طَرِيق يزِيد بن دِرْهَم وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ (^٣).\n_________\n= وابن حبان (٧٤٦٧)، والحاكم ٢/ ٥٠٧ و٤/ ٥٩٦، والبيهقي في البعث والنشور (٥١٢) و(٥١٣). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوضعفه الألباني في المشكاة (٥٦٧٧) وضعيف الترغيب (٢١٣٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^١) أخرجه الطبرانى في الكبير (٩/ ٢٢٧ رقم ٩١٠٦ و٩١٠٧ و٩١٠٨ و٩١٠٩ و٩١١٠ و٩١١١ و٩١١٢ و٩١١٣)، والحاكم (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، والبيهقي في البعث (٤٧٠ و٤٧١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٥٥: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها ثقات، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٣٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) البعث (١٧٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٣٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه البيهقى في البعث (٤٧٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٣٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":565},{"text":"٥٥٦٠ - وَعَن عَليّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- تعوذوا بِالله من جب الْحزن أَو وَادي الْحزن قيل يَا رَسُول الله وَمَا جب الْحزن أَو وَادي الْحزن قَالَ وَاد فِي جَهَنَّم تتعوذ مِنْهُ جَهَنَّم كل يَوْم سبعين مرّة أعده الله للقراء المرائين رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن (^١).\n\n٥٥٦١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ تعوذوا بِالله من جب الْحزن قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا جب الْحزن قَالَ وَاد فِي جَهَنَّم تتعوذ مِنْهُ جَهَنَّم كل يَوْم أَرْبَعمِائَة مرّة قيل يَا رَسُول الله من يدْخلهُ قَالَ أعد للقراء المرائين بأعمالهم وَإِن من أبْغض الْقُرَّاء إِلَى الله الَّذين يزورون الأمَرَاء الجورة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^٢) رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس (^٣) عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن فِي جَهَنَّم لواديا تستعيذ جَهَنَّم من ذَلِك الْوَادي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة مرّة أعد للمرائين من أمة مُحَمَّد -ﷺ-.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في البعث (٤٨١). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٤٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥٦)، والترمذى (٢٣٨٣). وضعفه الألباني جدا في المشكاة (٢٣٨٣) وضعيف الترغيب (١٦) و(٢١٤١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه الطبرانى فىِ الكبير (١٢/ ١٧٥ رقم ١٢٨٠٣). وقال الهيثمى في المجمع ١٥/ ٢٢٢: رواه الطبراني عن شيخه: يحيى بن عبد الله بن عبدويه، عن أبيه ولم أعرفهما، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٠٢٣) وضعيف الترغيب (١٧) و(٢١٤٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":566},{"text":"٥٥٦٢ - وعن شفي بن ماتع قال إن في جهنم قصرا يقال له هوى يرمى الكافر من أعلاه أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ وإن في جهنم واديا يدعى أثاما فيه حيات وعقارب فقار إحداهن مقدار سبعين قلة سم والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة تلدغ الرجل ولا يلهيه ما يجد من حر جهنم عن حموة لدغتها فهو لمن خلق له وإن في جهنم واديا يدعى غيا يسيل قيحا ودما وإن في جهنم سبعين داء كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم.\nروه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفًا عليه وفي صحبته خلاف تقدم.\nقوله: \"وعن شفي بن ماتع\" هو أبو سهيل، وقيل: أبو عبيد، شفي بن ماتع الأصبحي المصري. يعد في تابعي المصريين، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه ابنه، قال النسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات قلت وقال العجلي: تابعي ثقة وقال ابن يونس كان عالما حكيما، توفي سنة خمس ومائة، وهو أصح ما قيل في تاريخ وفاته. قوله: \"وإن في جهنم واديا يدعى أثاما فيه حيّات وعقارب فقار إحداهن مقدار سبعين قلة سم والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة تلدغ الرجل ولا يلهيه ما يجد من حر جهنم عن حموة لدغتها فهو لمن خلق له\" الحديت. قوله: \"فقار إحداهن\" الفقار بفتح القاف خرزات الظهر أي مفاصل عظامه، قاله الكرماني (^٢).\n_________\n(^١) صفة النار لابن أبي الدنيا (٣٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٤٣).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٢/ ٢٨).","vol":"14","page":567},{"text":"وقوله: \"مثل البغلة الموكفة\" [الموكفة] هي من أكفت الحمار وأوكفته، أي شددت عليه الأكاف. وقوله: \"تلدغ الرجل\" بالدال كذا والعين كذا كذا وتقدم الكلام على ذكر جهنم.\nقوله: \"عن حموة لدغتها\" صوابه عن حُمَة والحُمةُ بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم أي لدغة كل ذي حمة كالعقرب وشبهها، والحمة فَوْعة السم، وقيل السمّ نفسه، والسمّ مثلث السين والفوعة بفتح الفاء والعين المهملة وسكون الواو وجدته وحرارته، ا هـ.\n\n٥٥٦٣ - وَعَن عَطاء بن يسَار -﵁- قَالَ إِن فِي النَّار سبعين ألف وَاد فِي كل وَاد سَبْعُونَ ألف شعب فِي كل شعب سَبْعُونَ ألف جُحر وَفِي كل جُحر حَيَّة تَأكل وُجُوه أهل النَّار رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن سعيد بن يُوسُف عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلام عَن الْحجَّاج بن عبد الله الثمالِي وَله صُحْبَة أَن نفير بن مُجيب وَكانَ من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- من قدمائهم قَالَ إِن فِي جَهَنَّم سبعين ألف وَاد فِي كل وَاد سَبْعُونَ ألف شعب فِي كل شعب سَبْعُونَ ألف دَار فِي كل دَار سَبْعُونَ ألف بَيت فِي كل بَيت سَبْعُونَ ألف بِئْر فِي كل بِئْر سَبْعُونَ ألف ثعبان فِي شدق كل ثعبان سَبْعُونَ ألف عقرب لا يَنْتَهِي الْكَافِر أَو الْمُنَافِق حَتَّى يواقع ذَلِك كُله. (^١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٢٤) والبيهقي في البعث (٤٧٨) عن الثمالى، وابن أبى الدنيا في صفة النار (٤٥) عن عطاء. وضعفه الألباني مرسلا (٢١٤٤) وقال في الموقوف (٢١٤٥) منكر. ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":568},{"text":"قَالَ الْحَافِظ: سعيد بن يُوسُف وَهُوَ اليمامي الْحِمصِي الرَّحبِي ضعفه يحيى بن معِين وَقَالَ النَّسَائيِّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم لَيْسَ بالمشهور وَلَا أرى حَدِيثه مُنْكرا كَذَا قَالَ فأورد عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث لظُهُور نكارته وَالله أعلم.","vol":"14","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>فصل في بعد قعرها</span>\n٥٥٦٤ - عن خالد بن عمير قال خطب عتبة بن غزوان -﵁- فقال إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا والله لتملأنه أفعجبتم رواه مسلم (^١) هكذا.\n\n٥٥٦٥ - ورواه الترمذي (^٢) عن الحسن قال قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا يعني منبر البصرة عن النبي -ﷺ- قال إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما وما تفضي إلى قرارها وكان عمر يقول أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد، قال الترمذي لا نعرف للحسن سماعا من عتبة بن غزوان وإنما قدم عتبة بن غزوان البصرة في زمن عمر وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر.\nقوله: \"عن خمالد بن عمير\" خالد بن عمير هو خالد بن عمير العدوي البصري، من المخضرمين. أدرك الجاهلية. وسمع عتبة بن غزوان، حديثه في البصريين، روى عنه حميد بن هلال ويقال: إنه أدرك الجاهلية، ذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات \" قوله: \"خطب عتبة بن غزوان \" هو [أبو] (^٣) عبد الله\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤) (٢٩٦٧).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٥٧٥) وقال: لا نعرف للحسن سماعا من عتبة بن غزوان وإنما قدم عتبة بن غزوان البصرة في زمن عمر، وولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر.\n(^٣) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.","vol":"14","page":570},{"text":"وقيل أبو غزوان الصحابي، هو عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن [نُسيْبة] بضم النون ابن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف بن مازن المازني حليف بني عبد شمس، أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة وهو ابن أربعين سنة ثم عاد إلى رسول الله -ﷺ- وهو بمكة فأقام معه حتى هاجر إلى المدينة مع المقداد فنزل على عبد الله بن سلمة العجلاني وكانا من السابقين إلى الإسلام، أسلم -﵁- بعد ستة رجال وهو سابعهم [وشهد بدرا وبيعة الرضوان وما بعدها، روي له عن رسول الله -ﷺ- أربعة أحاديث هذا أشهرها وليس له في الكتب الستة سواه] (^١).\nقال أبو العباس القرطبي: عتبة بن غزوان مازني حليف بني نوفل قديم الإسلام هاجر وشهد مع رسول الله -ﷺ- بدرًا والمشاهد كلها أمّره عمر على جيش فتوجه إلى العراق ففتح الأبلة والبصرة ووليها وبنى [مسجده] الأعظم بالقصب ثم إنه حج فاستعفى عمر عن ولاية البصرة فلم يعفه فقال: اللهم لا تردني إليها، فسقط عن راحلته فمات سنة سبع عشرة وهو منصرف من مكة إلى البصرة [بموضع] يقال له معدن بني سُليم، قاله ابن سعد. ويقال أنه مات بالربذة، قاله المدائني، وروى [حديثه هذا] (^٢) مسلم [أحدها وهو هذا] ولم يخرج البخاري في صحيحه لعتبة بن غزوان شيئًا\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الجملة من النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ويقال أنه مات بالربذة، قاله المدائني).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":571},{"text":"ولذلك عده الحميدي في الصحابة الذين انفرد بهم مسلم، وقال [محمد بن] سعد: كان رجلا طوالا جميلا وكان أول من نزل البصرة وهو الذي اختطها وكان من الرماة المذكورين وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين أبي دجانة وكان خطيبا فصيحًا، توفي بطريق البصرة بمرض البطن. وقيل [في الربذة] (^١) سنة سبع عشرة [من الهجرة، وقيل سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة] (^٢) وهو ابن سبع وخمسين سنة [أو خمس وخمسين] (^٣) وليس في الصحابة من اسمه عتبة بن غزوان غيره، والله أعلم. تقدم غريب ألفاظ خطبته [وتفسيرها] في الزهد في الدنيا وغيره.\nقوله: \"فقال إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك قعرها\" أي ينزل ساقطا يعني أنه ذكر له عن رسول الله -ﷺ- ذلك لأن مثل هذا لا يعرف إلا من جهة النبي -ﷺ- وكأنه لم يسمعه هو من النبي -ﷺ- بل سمعة من غيره فسكت عنه إما نسيانا وإما لأمر شرع له ذلك ويحتمل أن يكون هو سمعه من النبي -ﷺ- وسكت عن رفعه للعلم بذلك. قوله: \"والله لتملأن أفعجبتم\" كذا كذا.\n\n٥٥٦٦ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال لو أن حجرا قذف به في جهنم لهوى سبعين خريفا قبل أن يبلغ\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":572},{"text":"قعرها. رواه البزار (^١) وأبو يعلى (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣) والبيهقي (^٤) كلهم من طريق عطاء بن السائب.\nقوله: \"وعن أبي موسى الأشعري\" أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس تقدم.\nقوله -ﷺ-: \"لو أن حجرا قذف في جهنم لهوى سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعرها\" وفي حديث: لو أن حجرا أرسل في جهنم، فهذا الحديث يدل على أن النار في الأرض وقد نص عليه ابن سلام وقال: كذا هو في التوراة، فإن قيل: ففي حديث المعراج أن النبي -ﷺ- قال: رأيت الجنة والنار ولم يقل رأي النار في السماء.\nقال سبط ابن الجوزي (^٥): أنبأنا جدي بإسناده إلى سعيد بن بشير عن قتادة، وفي رواية عن ابن أبي الدنيا عن شعبة قال: أخبرني من رأى عبادة بن الصامت على حائط بيت المقدس الشرقي يبكي ويقول: من هاهنا أخبرنا رسول الله -ﷺ- أنه رأى جهنم ليلة المعراج، [قال:] ولذلك سمي وادي جهنم [ويحتمل] أن الله\n_________\n(^١) البزار (٣٤٩٤ - كشف الأستار)، والبزار- البحر الزخار (٣٠٩٣).\n(^٢) نسبه ابن حجر في المطالب (٤٥٩٤)، والبوصيري في الإتحاف (٧٧٩٩/ ٨٧٩٧)، والمجمع (١٠/ ٣٨٩) لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار والطبراني.\n(^٣) وابن حبان (٧٤٦٨).\n(^٤) والبيهقي في البعث (٤٨٣). هناد في الزهد (٢٥١)، مسند البزار = البحر الزخار (٣٠٩٣)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١٠١٥)، والروياني (٥١٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٩): رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وفيهما عطاء بن السائب، وقد أختلط وبقية رجالهما ثقات. وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح أبن حبان (١٠/ ٤٤٢)، والصحيحة (١٦١٢ و٢١٦٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٧٢).\n(^٥) مرآة الزمان (١/ ١٤٤).","vol":"14","page":573},{"text":"تعالى أراه إياها في تلك الليلة كما جلى له بيت المقدس وذلك أبلغ في إظهار القدرة ولأن النار حبس والحبس يكون في جهة السفل بخلاف الجنة فإنها بستان والبستان في جهة العلو (^١)، والله أعلم. قوله: \"من طريق عطاء بن السائب\" هو عطاء بن السائب بن يزيد الثقفي، ويقال: ابن السائب بن مالك الكوفي، مات سنة ست وثلاثين ومائة، أو نحوها، روى عن أنس، وأبيه، وابن أبي أوفى، ومرة الطيب، وعمرو بن حريث المخزومي، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن أبي ليلى، وذر بن عبد الله، وعكرمة، ومجاهد، وخلق.\nوعنه شعبة، والسفيانان، والحمادان، وزائدة، وعبيدة بن حميد، ويحيى القطان، وعران بن عيينة، وخلائق قال يحيى: لا يحتج به.\nوقال أحمد: ثقة ثقة رجل صالح من سمع منه قديما كان صحيحا، ومن سمع منه حديتا لم يكن بشيء، وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم لكنه تغير، ورواية شعبة والثوري وحماد بن زيد عنه جيدة وصحح حديثه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم.\n\n٥٥٦٧ - وعن أبي هريرة -﵁- قال كنا عند النبي -ﷺ- فسمعنا وجبة فقال النبي -ﷺ- أتدرون ما هذا قلنا الله ورسوله أعلم قال هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفا فالآن حين انتهى إلى قعرها. رواه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) مرآة الزمان (١/ ١٤٤).\n(^٢) صحيح مسلم (٣١) (٢٨٤٤).","vol":"14","page":574},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"كنا عند النبي -ﷺ- فسمعنا وجبة\" الحديث، الوجبة الهدَّة وهي صوت وقع الشيء الثقيل. قوله: \"فقال هذه صخرة هوت\" أي نزلت وسقطت. قوله: \"من شفير جهنم\" شفير جهنم هو حرفها الأعلى وحرف كل شيء أعلاه وشفيره ومنه شفر العين.\n\n٥٥٦٨ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ سمع رَسُول الله -ﷺ- صَوتا هاله فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا هَذَا الصَّوْت يَا جِبْرِيل فَقَالَ هَذِه صَخْرَة هوت من شَفير جَهَنَّم من سبعين عَاما فَهَذَا حِين بلغت قعرها فَأحب الله أَن يسمعك صَوتهَا فَمَا رئي رَسُول الله -ﷺ- ضَاحِكا ملْء فِيهِ حَتَّى قَبضه الله عزوَجل (^١).\n\n٥٥٦٩ - وعن أبي أمامة -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ- لو أن صخرة وزنت عشر خلفات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفا حتى تنتهي إلى غي وأثام قيل وما غي وأثام قال بئران في جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللتان ذكرهما الله في كتابه ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ مريم ٩٥ وقوله ومن يفعل ذلك يلق أثاما الفرقان ٨٦ رواه الطبراني (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (١/ ٢٤٨ رقم ٨١٥). وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٣٨٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن قيس الأنصاري وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر بهذا التمام الضعيفة (٦٧٠٥) وضعيف الترغيب (٢١٤٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٨/ ١٧٥/ ٧٧٣١)، وفي مسند الشاميين (١٥٨٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٠) وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح. أخرجه =","vol":"14","page":575},{"text":"والبيهقي (^١) مرفوعا ورواه غيرهما موقوفا (^٢) على أبي أمامة وهو أصح الخلفات جمع خلفة وهي الناقة الحامل.\nقوله: \"وعن أبي أمامة\" أبو أمامة اسمه صُدَي بن عجلان الباهلي، تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"لو أن صخرة وزنت عشر خلفات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفا\" الحديث، الخريف السنة والخَلِفات جمع خلفة وهي الناقة الحامل. قاله الحافظ. وقال في النهاية (^٣) الخلفة بفتح الخاء وكسر اللام الحامل من النوق وتجمع على خلفات وخلائف وقد خلفت إذا حملت وأخلفت إذا حالت وقد تكرر ذكرها في الحديث مفردة ومجموعة ومنه الحديث: ثلاث آيات يقرؤهن أحدكم خير له من ثلاث خلفات سمان عظام. ومنه حديث هدم الكعبة لما هدموها ظهر فيها مثل خلائف الإبل، أراد بها صخورًا [عظاما] في أْساسها بقدر النوق الحوامل، اهـ. [وفي عبارة بعضهم هي النوق الحوامل، وقد جاء\n_________\n= محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٦)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (١٧)، والدولابي في الأسماء والكنى (٩١) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٤٧) قلت: فيه ضعيفان، خرجته في الصحيحة تحت الحديث (١٣١٢). وفيه بيان أن الموقوف لا يصح أيضًا.\n(^١) البعث والنشور للبيهقي (٤٧٤).\n(^٢) وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٨٦)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٨٨)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٢٥)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٧).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٦٨).","vol":"14","page":576},{"text":"مفسرا في بطونها أولادها وهي خلفة إلى أن يمضي أمد [نصف] حملها فتكون عشراء. [قاله عياض]. (^١)\n\n٥٥٧٠ - وعن معاذ بن جبل -﵁- أنه كان يخبر أن رسول الله -ﷺ- قال والذي نفسي بيده إن بعد ما بين شفير النار إلى أن يبلغ قعرها لصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن يهوي فيما بين شفير النار إلى أن يبلغ قعرها سبعين خريفا. رواه الطبراني (^٢) ورواته رواة الصحيح إلا أن الراوي عن معاذ لم يسم. قوله: \"وعن معاذ بن جبل\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ: \"إن بعد ما بين شفير جهنم إلى أن يبلغ قعرها كصخرة زنة سبع خلفات بشحومهن ولحومهن وأولادهن\" الحديث، والحكمة في التمثيل بالسبع خلفات لأن ذلك عدد أبواب جهنم والله أعلم. [\"قوله والحكمة إلخ، غير ظاهر من جهة المعنى ويرده أيضا وزنها بعشر خلفات في الحديث قبله، والله أعلم \"] (^٣).\n_________\n(^١) حصل تقديم لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (وقال في النهاية الخلفة بفتح الخاء وكسر اللام الحامل من النوق وتجمع على خلفات وخلائف).\n(^٢) المعجم الكبير للطبراني (٢٠/ ١٦٩/ ٣٦١)، وأخرجه أبن أبي الدنيا في صفة النار (٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٥): وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٧٤).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":577},{"text":"٥٥٧١ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال لسرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة. رواه الترمذي (^١) والحاكم (^٢) وقال صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام على مثاقبه، قوله -ﷺ-: \"السُّرادق النار سبع جدر كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة\" الحديث، السرادق كل ما أحاط بالشيء نحو المضروب والخباء وعبارة بعضهم أيضا كل ما أحاط بشيء من حائط أو خباء. قال في شرح السنة: يقال للحائط المشتمل على الشيء سرادق، وقال الله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ (^٣) اهـ. وقال في النهاية (^٤): السرادق هو الذي [يمد] فوق صحن الدار ويطيف أي يحيط به ويقاربه. وقوله: \"سبع جدر كثف كل جدار\" الكثف جمع كثيف وهو الثخين الغليظ، قاله في النهاية (^٥) أيضًا.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٨٤).\n(^٢) المستدرك للحاكم (٤/ ٦٤٣) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٢/ ٩٠) في المسند (١٣١)، وأحمد (١١٢٣٤)، وأبو يعلى الموصلي (١٣٨٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٤٨)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤٦٧٥).\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ٢٩.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٥٩).\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٥٣).","vol":"14","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>فصل في سلاسلها وغير ذلك</span>\n٥٥٧٢ - عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال قال رسول الله -ﷺ- لو أن رصاصة مثل هذه وأشار مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها. رواه أحمد (^١) والترمذي (^٢) والبيهقي (^٣) كلهم من طريق دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عنه وقال الترمذي إسناده حسن.\nقوله: \"عن عبد الله بن عمرو\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"لو أنّ رضراضة مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض \" والرضراضة براءين مهملتين مفتوحتين وضادين معجمتين الأولى\n_________\n(^١) مسند أحمد (٦٨٥٦).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٥٨٨) وقال: هذا حديث إسناده حسن، وسعيد بن يزيد هو مصري، وقد روى عنه الليث بن سعد، وغير واحد من الأئمة ..\n(^٣) البعث والنشور للبيهقي (٥٢٩)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٦٦/ ١٦٢)، ورواه ابن المبارك في الزهد (٢٩٠/ رواية نعيم بن حماد)، وفي المسند (١٢٤)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٦٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد (ص ٢٦) والبغوي في تفسيره (٤/ ٣٨٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩)، وصححه، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٤٩)، وضعيف الجامع الصغير (٤٨٠٥).","vol":"14","page":579},{"text":"ساكنة والثانية مفتوحة. قال في النهاية (^١) الرضراض الحصى الصغار وكذا قاله الجوهري. قوله: \"وإشار إلى مثل الجمجمة قدح من خشب\"، قوله: \"ولو أنها أرسلت من [رأس] السلسلة لسارت أربعين خريفا\" الحديث، أي من فوق [الصراط] قوله: \"رووه كلهم من طريق دراج بن عيسى بن هلال الصدفي\" دراج هو دراج بن سمعان أبو السمح: ضعفه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بالقوي ووتقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما وصحح حديثه عن الهيثم الترمذي، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وغيرهم. وعيسى بن هلال الصدفي روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص. روى عنه دراج أبو السمح، وعبد الملك بن عبد الله التجيبى، وعياش بن عباس، وكعب بن علقمة، ويزيد بن أبى حبيب المصريون. ذكره ابن حبان في الثقات.\n\n٥٥٧٣ - وعن يعلى ابن منية رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال ينشئ الله سحابة سوداء مظلمة فيقال يا أهل النار أي شيء تطلبون فيذكرون بها سحابة الدنيا فيقولون يا ربنا الشراب فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيد في سلاسلهم وجمرا تلتهب عليهم. رواه الطبراني (^٢)\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٢٩).\n(^٢) المعجم الأوسط (٤١٠٣)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (٦٢)، وتمام في الفوائد (٩٦١)، وابن عدي في الكامل (٩/ ٦٥٢)، والدينوري في المجالسة وجواهر العلم =","vol":"14","page":580},{"text":"وقد روي موقوفا عليه وهو أصح ويعلى ابن منية صحابي مشهور ومنية أمه ويقال جدته وهي بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان وكثيرا ما ينسب إلى أبيه أمعة.\nقوله: \"وعن يعلى بن مُنية\" قال الحافظ يعلى ابن منبه صحابي مشهور ومنية أمه ويقال جدته.\n\"قاله الزبير بن بكار وغلط في ذلك، اهـ من حاشية الأصل\" وهي بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان وكثيرا ما ينسب إلى أبيه أمية، اهـ.\nتنبيه: ويعلى بفتح الياء وسكون العين وفتح اللام وبالقصر، وأمية بضم الهمزة وفتح الميم الخفيفة وتشديد التحانية ويقال له ابن منُية بضم الميم وسكون النون بعدها ياء باثنتين تحتها اسم أمه والأول اسم أبيه فينسب تارة إلى [أبيه] أمية وتارة إلى أمه منية وهما صحيحان. قال [الدارقطني]: منية أمّه وأميّة أبوه. وقال ابن وضاح: منية أبوه وهو وهم، وقد [ذكرناه] في الهمزة. قاله عياض. قتل -﵁- بصفين سنة سبع وثلاثين ويعدّ في الصحابة كما ذكره الحافظ -﵁-.\n\n٥٥٧٤ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال لو أن مقمعا من حديد جهنم وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض. رواه\n_________\n= (٣٤١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٠): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من فيه ضعف قليل ومن لم أعرفه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٤٠٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٥٠).","vol":"14","page":581},{"text":"أحمد (^١) وأبو يعلى (^٢) والحاكم (^٣) وقال صحيح الإسناد.\n\n٥٥٧٥ - وفي رواية لأحمد (^٤) وأبي يعلى (^٥) قالا قال رسول الله -ﷺ- لو ضرب الجبل بمقمع من حديد جهنم لتفتت ثم عاد. وروى هذه الحاكم (^٦) أيضًا إلا أنه قال لتفتت فصار رمادا وقال صحيح الإسناد.\nالمقمع المطرق وقيل السوط.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدمت ترجمته. قوله -ﷺ-: \"لو أن مقمعا من حديد جهنم وضع فاجتمع له الثقلان ما أقلّوه من الأرض\"، الحديث. ما أقلوه أي ما رفعوه والمقمع المطراق. وقيل السوط، اهـ. قاله الحافظ، ويجمع على مقامع. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ (^٧)، والثقلان الجن والإنس، وتقدم الكلام على ذلك في الإنفاق في وجوه الخير وغير ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١١٧٨٦).\n(^٢) أبو يعلى (١٣٧٧) والحديث؛ أخرجه ابن أبي الدنيا \"صفة النار\" (٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٨) رواه أحمد، وأبو يعلى في حديث طويل، ... وفيه ابن لهيعة، وقد وثق على ضعفه. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢١٠): رواه أبو يعلى الموصلي وأحمد بن حنبل والحاكم وصححه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٥١)، والضعيفة (٤٣٤٩ و٤٣٥٠)، وضعيف الجامع (٤٨٠).\n(^٣) الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٠١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٤) مسند أحمد (١١٧٨٦).\n(^٥) مسند أبي يعلى الموصلي (١٣٧٧).\n(^٦) الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٠١).\n(^٧) سورة الحج، الآية: ٢١.","vol":"14","page":582},{"text":"٥٥٧٦ - وعن محمد بن هاشم -﵁- قال لما نزلت هذه الآية ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^١) قرأها النبي -ﷺ- فسمعها شاب إلى جنبه فصعق فجعل رسول الله -ﷺ- رأسه في حجره رحمة له فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم فتح عينيه فقال بأبي أنت وأمي مثل أي شيء الحجر قال أما يكفيك ما أصابك على أن الحجر الواحد منها لو وضع على جبال الدنيا كلها لذابت منه وإن مع كل إنسان منهم حجرًا وشيطانًا. رواه ابن أبي الدنيا (^٢) عن عبد الله بن الوضاح حدثنا عباءة بن كليب عن محمد بن هاشم وعباءة قال أبو حاتم صدوق في حديثه إنكار أخرجه البخاري في الضعفاء يحول من هناك.\nقوله: \"وعن محمد بن هاشم\" هو محمد بن هاشم بن سعيد أبو عبد الله القرشي البعلبكّي قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"، وقال: يغرب، قال عمرو بن دُحيم: مات ببعلبك سنة أربع وخمسين ومئتين، وكان مولده في شهر ربيع الأول سنة سبع وستين ومئة.\nقوله: \"لما نزلت هذه الآية ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^٣) قرأها رسول الله -ﷺ-، فسمعها شاب إلى جنبه فصعق\"، الحديث أي صاح.\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية: ٦.\n(^٢) عزاه ابن رجب في التخويف من النار (ص ١٠٠): لابن أبي الدنيا عن محمد ابن هاشم، فذكره. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٢٦) وعزاه لابن أبي الدنيا وابن قدامة في كتاب البكاء والرقة عن محمد بن هاشم.\n(^٣) سورة التحريم، الآية: ٦.","vol":"14","page":583},{"text":"٥٥٧٧ - وعن ابن مسعود -﵁- في قوله تعالى وقودها الناس والحجارة قال هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين رواه الحاكم (^١) موقوفًا وقال صحيح على شرط الشيخين.\nقوله: \"وعن ابن مسعود\" هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بالغين المعجمة والفاء الهذلي حليف بني زهرة وأمّه أم عبد [ودٍّ] [أسلم] عبد الله بن مسعود بمكة قديما، روى الطبراني (^٢) بإسناده إلى عبد الله بن\n_________\n(^١) الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦١)، (٢/ ٤٩٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه (٢/ ٢٦١ و٤٩٤)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٠٧)، وهناد في الزهد (٢٦٣)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٢٣١)، (٢٣٢)، والطبري في التفسير (١/ ٣٨١ - ٣٨٢)، وابن أبى حاتم في تفسيره (٢٤٤)، والطبراني في معجمه الكبير (٩/ ٢١١/ ٩٠٢٦)، والبيهقي في البعث والنشور (٤٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٢٧): رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد ابن سعيد بن أبى مريم وهو ضعيف. وصححه ابن كثير في التفسير (١/ ٢٠١). وله طريق آخر عن ابن مسعود: أخرجه الطبري في التفسير (١/ ٣٨٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٧٥).\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٦٥/ ٨٤٠٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٢٢٣٣ - ٣٣٨٨٠ - ٣٦٦٠٢)، وعنه: ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني \" (٢٣٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٤٧٥)، وفي \"حلية الأولياء\" (١/ ١٢٦)، البزار في مسنده- البحر الزخار (١٩٨٧)، والبغوي في معجم الصحابة (٣/ ٤٦٠)، وابن حبان (٧٠٦٢)، وأبو الفضل الزهري في \"حديثه\" (١٣٥).\nوابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ٦٨)، والحاكم (٣/ ٣١٣)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبيُّ. وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٨٧)، وقال: رواه البزار والطبراني =","vol":"14","page":584},{"text":"مسعود أنه قال: لقد رأيتني سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا كان سبب إسلامه أنه كان يرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فمر به رسول الله -ﷺ- فقال: يا غلام هل من لبن، قال: نعم. ولكن مؤتمن قال: فهل من شاة حائل لم ينز عليها الفحل فأتاه بها فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناه وشربه وسقى أبا بكر ثم قال للضرع اقلص فقلص، فأسلم وضمه رسول الله -ﷺ- فكان يلج عليه ويلبسه نعليه ويمشي أمامه ومعه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام وكان رسول الله -ﷺ- يقربه ويكرمه ولا يحجبه وقال له إذنك عليّ أن ترفع الحجاب [وأن يسمع] سوادي حتى أنهاك وكان معروفا في الصحابة بصاحب السواك والسواد، وقال فيه رسوله الله -ﷺ- رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد. وروي عن علي (^١) أن\n_________\n= ورجالهما رجال الصحيح. التعليقات وصححه الألباني في الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ١٦٠).\n(^١) أخرجه الطيالسي (٣٥٥)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ١٥٥)، وأحمد (٣٩٩١)، وفي فضائل الصحابة (١٥٥٢)، والفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٤٥)، والبزار في مسنده (١٨٢٧)، وأبو يعلى (٥٣١٠) و(٥٣٦٥)، وابن حبان (٧٠٦٩)، والشاشي (٦٦١)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٧٨/ ٨٤٥٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٧) عن ابن مسعود، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (١٩/ ٥٠٦) تفرد به أحمد، وإسناده جيد قوي، وقال البوصيري: رواته ثقات. (اتحاف الخيرة المهرة ٧/ ١٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٩) رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني من طرق، ... وأمثل طرقها فيه: عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٥٠).","vol":"14","page":585},{"text":"النبي -ﷺ- أمره أن يصعد شجرة فصعد فنظر أصحابه إلى [حموشة] ساقيه فضحكوا فقال ﵊ لَرِجْل عبد الله في الميزان أثقل من أحد. ولاه عمر بن الخطاب قضاء الكوفة فأقام بها حياة عمر وصدرا من خلافة عثمان بن عفان إلى أن بعث إليه يأمره بالخروج إلى المدينة، ذكره ابن الفرات في تاريخه وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا.\nقوله: \"قال هي حجارة من كبري خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا\". الكبريت بكسر الكاف وبالباء الموحدة بعدها راء وياء مثناة تحت وبعدها ثاء مثلثة معروف.\n\n٥٥٧٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الأرْضين بَين كل أَرض إِلَى الَّتِي تَلِيهَا مسيرَة خَمْسمِائَة سنة فالعليا مِنْهَا على ظهر حوت قد التقى طرفاه فِي سَمَاء والحوت على صَخْرَة والصخرة بيد ملك وَالثَّانيَ مسجن الرّيح فَلَمَّا أَرَادَ الله أَن يهْلك عادا أَمر خَازِن الرّيح أَن يُرْسل عَلَيْهِم ريحًا تهْلك عادا قَالَ يَا رب أرسل عَلَيْهِم من الرّيح قدر منخر الثور قَالَ لَهُ الْجَبَّار ﵎ إِذا تكفأ الأرْض وَمن عَلَيْهَا وَلَكِن أرسل عَلَيْهِم بِقدر خَاتم فَهِيَ الَّتِي قَالَ الله فِي كتَابه ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ (^١) وَالثَّالِثَة فِيهَا حجار جَهَنَّم وَالرَّابِعَة فِيهَا كبريت جَهَنَّم قَالُوا يَا رَسُول الله أللنار كبريت قَالَ نعم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن فِيهَا لأودية من كبريت لَو أرسل فِيهَا الْجبَال الرواسِي لماعت وَالْخَامِسَة فِيهَا حيات جَهَنَّم إِن\n_________\n(^١) سورة الذرايات، الآية: ٤٢.","vol":"14","page":586},{"text":"أفواهها كالأودية تلسع الْكَافِر اللسعة فَلَا يبْقى مِنْهُ لحم على وَضم وَالسَّادِسَة فِيهَا عقارب جَهَنَّم إِن أدنى عقرب مِنْهَا كالبغا تضرب الْكَافِر ضَرْبَة تنسيه ضربتها حر جَهَنَّم وَالسَّابِعَة سقر فِيهَا إِبْلِيس مصفد بالحديد يَد أَمَامه وَيَد خَلفه فَإِذا أَرَادَ الله أَن يُطلقهُ لما يَشَاء من عباده أطلقهُ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ تفرد بِهِ أَبُو السَّمْح وَقد ذكرت عَدَالَته بِنَصّ الإِمَام يحيى بن معِين والْحَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ (^١).\nقَالَ الْحَافِظ: أَبُو السَّمْح هُوَ دراج وَقَبله عبد الله بن عَيَّاش الْقِتْبَانِي وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِمَا وَفِي مَتنه نكَارَة وَالله أعلم.\nقَوْله: تكفأ الأرْض مَهْمُوز أَي تقلبها.\nوالوضم: بِفَتْح الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة جَمِيعًا هُوَ كل شَيْء يوضع عَلَيْهِ اللَّحْم وَالْمرَاد هُنَا أَنه لا يبْقى مِنْهُ لحم إِلَّا سقط عَن مَوْضِعه.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\"، وتقدم الكلام على ترجمته. قوله: \"إن الأرضين بفتح الراء\" على اللغة الفضيحة وسكون الراء في لغة قليلة والله أعلم. قوله: \"يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور\" المنخر بكسر الميم وقيل بفتحها وفتح وكسر الخاء وهو ثقب الأنف قوله: \"إذا يكفئ الأرض ومن عليها\" يكفئ مهموز أي يقلبها، يقال كفأت القدر، إذا كببتها\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٩٤). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: بل منكر، فيه عبد الله بن عياش ضعفه أبو داود وعند مسلم أنه: ثقة، ودراج وهو كثير المناكير. وقال الألباني: منكر ضعيف الترغيب (٢١٥٣).","vol":"14","page":587},{"text":"لتفرغ ما فيها. يقال: كفأت الإناء وأكفأته إذا كببته، وإذا أملته.\nقوله: \"ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم\" الخاتم بفتح التاء وكسرها، وقرئ بذلك في السبع وفيه لغات تقدم ذكرها. قوله: \"لو أرسله فيها الجبال الرواسي\" لانماعت أي ذابت.\nقوله: \"فلا يبقى منه لحم على وضم\"، والوضم بفتح الواو والضاد المعجمة جميعا هو كل شيء يوضع عليه اللحم والمراد هنا أنه لا يبقى منه لحم إلا سقط عن موضعه، اهـ، قاله الحافظ.\nتنبيه: اعلم أن لجهنم سبعة أبواب بعدد الأعضاء السبعة التي يعصي بها العبد رب الأرباب [بعضها] فوق بعض، قال الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ (^١) أولها جهنم وهي أعلا الأبواب وهي التي عليها ممر الخلق يوم القيامة، [كما] قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٢)، وروى مجاهد عن ابن عباس (^٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال دركات بعضها فوق بعض، فأولها جهنم كما تقدم ثم لظى ثم السعير ثم الحطمة ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية.\n_________\n(^١) سورة الحجر، الآية: ٤٤.\n(^٢) سورة مريم، الآية: ٧١.\n(^٣) أخرجه الطبري في التفسير (١٤/ ٣٥)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٨) ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم (١/ ١٨٢) عن ابن جريج.\nانظر: التخويف من النار (١/ ٥٠).","vol":"14","page":588},{"text":"قال ابن الجوزي (^١): قرأت على شيخنا أبي اليُمن زيد بن الحسن الكندي قال: قرأت على شيخنا أبي المنصور بن الجواليقي قال: اشتقاق جهنم: [جهنم] من قول العرب ركيّة جهنام بكسر الجيم إذا كانت بعيدة القعر [وكذا] قال في الصحاح (^٢): جهنم من أسماء النار التي يعذب الله بها عباده.\nثانيها: لظى، قال الجوهري (^٣): هي اسم من أسماء النار معروفة لا تنصرف وأصلها من اللهب. ثالثها: الحطمة فهي من الحطم وهو الكسر لأنها تحطم ما يلقى فيها سميت بذلك لأنها تأكل كل شيء.\nرابعها: السعير فمن التسعير وهو التوقد. خامسها: سقر فمن البعد ويوم مستقر ومصقر يعني شديد الحر. سادسها الجحيم وهو اسم من أسماء جهنم وأصله ما اشتد لهبه من النيران، قاله في النهاية (^٤).\nسابعها الهاوية: وهي أسفل النبيران وفيها أشد العذاب للزيادة وهم المثافقون والهاوية لا حدّ لعُمقها كما لا حدّ لعمق شهوات الدنيا فكما لا ينتهي إرب من الدنيا إلا إلى إرب أعظم منه فكذلك لا تنتهي هاوية في جهنم إلا إلى هاوية أعمق منها.\nوقال الحليمي (^٥): ذكر الله تعالى للنار ثمانية أسماء الجحيم والسعير\n_________\n(^١) كشف المشكل (١/ ٣٣٤).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ١٨٩٢).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٤٨٢).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٤١).\n(^٥) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٤٧٢).","vol":"14","page":589},{"text":"وسقر ولظى وجهنم والحريق والحطمة والهاوية، فيحتمل أن يكون ما عدا جهنم اسما لدركاتها المختلفة لاختلاف أحوال أصحابها وأبوابها مشارع إلى تلك الدركات وجهنم [اسما] للجميع كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ (^١)، اهـ. [والله أعلم بالصواب].\n_________\n(^١) سورة الحجر، الآية: ٤٣ - ٤٤.","vol":"14","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>فصل في حيّاتها وعقاربها</span>\n٥٥٧٩ - عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن في النار حيات كأمثال أعناق البخت تلسع إحداهن اللسعة فيجد حرها سبعين خريفا، وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموكفة تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها أربعين سنة. رواه أحمد (^١) والطبراني (^٢) من طريق ابن لهيعة عن دراج عنه، ورواه ابن حبان في صحيحه (^٣)، والحاكم (^٤) من طريق عمرو بن الحارث عن دراج عنه وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nقوله: \"عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي\" هو أبو الحارث، عبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله بن معدي كرب بن عمرو من بني عمرو بن زبيد الزبيدي، حليف بني وداعة السهمي. سكن مصر، وشهد بدرا.\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٧٧١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٠) رواه أحمد، والطبراني، وفيه ضعفاء قد وثقوا. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٧٦).\n(^٢) أسد بن موسى في الزهد (٢٢) ابن أبي الدنيا في صفة النار (٩٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ٢١٩) ..\n(^٣) ابن حبان (٧٤٧١).\n(^٤) الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٣٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه والحديث؛ أخرجه البيهقي، في \"البعث والنشور\" (٥٩٣)، وفي شعب الإيمان (٤٠٧٦)، وابن بشران في الأمالي (١١٣)، والضياء في المختارة (١٩٩)، (٢٢٠) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٤٢٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٧٦).","vol":"14","page":591},{"text":"روى عنه يزيد بن أبي حبيب، وجماعة من المصريين.\nمات سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان وثمانين بمصر.\nقوله: \"إن في النار حيات كأمثال أعناق البخت\" البخت وهي الإبل الغلاظ ذوات الأعناق الطوال ذات سنامين، وتقدم ذكر الخريف وهو السنة. قوله: \"وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموكفة\" تقدم ذكر الموكفة.\n\n٥٥٨٥ - وعن يزيد بن شجرة قال: إن لجهنم لجبابا في كل جب ساحلا كساحل البحر فيه هوام وحيات كالبخاتي وعقارب كالبغال الذل، فإذا سأل أهل النار التخفيف، قيل: اخرجوا إلى الساحل فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم وما شاء الله من ذلك فتكشطها فيرجعون فيبادرون إلى معظم النيران، ويسلط عليهم الجرب حتى إن أحدهم ليحك جلده حتى يبدو العظم فيقال: يا فلان هل يؤذيك هذا؟ فيقول: نعم، فيقال له: ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين. رواه ابن أبي الدنيا (^١).\n[قال الحافظ]: ويزيد بن شجرة الرهاوي مختلف في صحبته، والله أعلم.\nقوله: \"وعن يزيد بن شجرة\" قال الحافظ: يزيد بن شجرة الرهاوي مختلف في صحبته والله أعلم. وتقدم الكلام عليه في الجهاد. قوله -ﷺ-: \"فيه هوام وحيات كالبخاتي وعقارب كالبغال الدل\" وتقدم الكلام على البخاتي،\n_________\n(^١) صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٧٧) وقال: قد رواه الحاكم أيضا في المستدرك (٣/ ٤٩٤)، والبيهقي في البعث (٢٩٨ - ٢٩٩) بسند صحيح عن يزيد بن شجرة، وقد روي عنه بزيادات في أسانيدها مقال، خرجتها في الضعيفة (٣٧٤٠).","vol":"14","page":592},{"text":"وأما الدل فهو هنا الدل بغير ميم ولعله سقط من الكاتب ميم ورأيته في النهاية (^١) بالميم الدلم أي السود جمع أدلم، انتهى. والله أعلم.\n\n٥٥٨١ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- فِي قَوْله تَعَالَى ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ النَّحْل ٨٨ قَالَ زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوَال رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (^٢).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٣١).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى (٢٦٥٩)، والطبرانى في الكبير (٩/ ٢٢٦ رقم ٩١٠٣ و٩١٠٤ و٩١٠٥)، والحاكم (٤/ ٥٩٣ - ٥٩٤) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال الهيثمى في المجمع ٧/ ٤٨: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٦٧٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>فصل في شراب أهل النار</span>\n٥٥٨٢ - عن أبي سعيد -﵁-، عن النبي -ﷺ- في قوله: \"كالمهل \" قال: كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجه سقطت فروة وجهه فيه. رواه أحمد (^١) والترمذي (^٢) من طريق رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث رشدين.\n[قال الحافظ]: قد رواه ابن حبان (^٣) في صحيحه والحاكم (^٤) من حديث ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nقوله: \"عن أبي سعيد\" هو الخدري تقدم الكلام عليه. قوله: \"عن النبي -ﷺ- في قوله تعالى ﴿كَالْمُهْلِ﴾ (^٥) [قال: كعكر الزيت] (^٦)، [فإذا قرب إلى وجهه\n_________\n(^١) مسند أحمد (١١٦٧٢).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٥٨١).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٧٤٧٣)، وضعفه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ٤٤٤)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٥٤).\n(^٤) الحاكم (٢/ ٥٠١ و٤/ ٦٠٤)، وأخرجه أحمد (١١٦٩٥)، وأبو يعلى (١٣٧٥) وأخرجه ابن المبارك في مسنده (١٣٠)، وفي الزهد (٣١٦)، وعنه: الترمذي (٢٥٨٤)، (٢٥٨١ و٣٣٢٢)، وعبد بن حميد (٩٣٠)، والطبري في التفسير (١٨/ ١٢) (٢٢/ ٤٦)، وابن حبان (٧٤٧٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٥٣٥)، والبغوي في شرح السنة (٤٤٠٧)، وفي التفسير (٥/ ١٦٨) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين.\n(^٥) سورة الكهف، الآية: ٢٩.\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":594},{"text":"سقطت فروة وجهه\" الحديث] (^١)، والعكر الرديء، وقيل المهل الرصاص المذاب أو الصفر أو الفضة وكل ما أذيب من هذه الأشياء فهو مهل. وقيل المهل الصديد الذي يسيل من جلود أهل النار، والأصل في فروة الرأس جلدته بما عليها من الشعر فاستعار الفروة من رأس للوجه.\nتنبيه: ويروى في حديث آخر فإذا قرب المهل منه سقط قرقرة وجهه أي جلدة وجهه والقرقر من لباس الثساء شبهت بشرة الوجه به. وقيل: إنما هي رقرقة وجهه وهو ما ترقرق من محاسنه، ويروى فروة وجهه كما تقدم. وقال الزمخشري: أراد ظاهر وجهه وما بدا منه، ومنه قيل للصحراء البارزة [قرقراء] اهـ. قاله في النهاية (^٢).\nقوله: \"من طريق رشدين بن سعد بن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم. رشدين بن سعد هو رشدين بن سعد بن مفلح بن هلال المهرى، أبو الحجاج المصرى، وهو رشدين بن أبى رشدين قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك وقال أبو زرعة ضعيف، وقال أحمد لا يبالي عمن روى، وليس به بأس في الرقائق وقال أيضًا أرجو أنه صالح الحديث وحسن له الترمذي ودراج هو بن سمعان، يقال اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، أبو السمح القرشى السهمى مولاهم المصرى القاص مولى عبد الله بن عمرو،\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقيل المهل الصديد الذي يسيل من جلود أهل النار).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٤٨).","vol":"14","page":595},{"text":"ضعفه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما وصحح حديثه عن الهيثم الترمذي، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وغيرهم، وأبو الهيثم اسمه سليمان بن عمرو بن عبد، ويقال: ابن عبيد الليثى العتوارى، أبو الهيثم المصرى، \"صاحب أبى سعيد الخدرى\" وثقه ابن معين والعجلى والفسوى.\n\n٥٥٨٣ - وعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم، حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان. رواه الترمذي (^١) والبيهقي (^٢) إلا أنه قال: فيخلص فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه. روياه من طريق أبي السمح، وهو دراج عن ابن حجيرة، وقال الترمذي: حديث حسن كريب صحيح.\n[الحميم]: هو المذكور في القرآن في قوله تعالى: وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٨٢)، والحديث، أخرجه عبد الله بن المبارك في \"المسند\" (١٢٨)، والزهد والرقائق (٢/ ٨٩)، وأحمد (٨٨٦٤)، وفي الزهد (ص: ٢٠)، والطبري ١٦/ ٤٩٥،، وابن أبي الدنيا في صفة النار (ص: ٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٨٢)، والبغوي (٤٤٠٦). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٤٣٣)، وقواه في الصحيحة (٣٤٧٠). انظر: تراجعات الألباني (٧٤).\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٥٢٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٨٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.","vol":"14","page":596},{"text":"وروي عن ابن عباس وغيره أن الحميم الحار الذي يحرق. وقال الضحاك: الحميم يغلي منذ خلق الله السموات والأرض إلى يوم يسقونه، ويصمب على رؤوسهم. وقيل: هو ما يجتمع من دموع أعينهم في حياض النار فيسقونه، وقيل غير ذلك.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"إن الحميم ليُصبّ على رءوسهم \" الحديث. الحميم هو المذكور في القرآن. قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (^١) الآية إلخ ما ذكره الحافظ في التفسير.\nقوله: \"فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه ويسلت \"، [الحديث، يخلص أي حتى يصل إلى جوفه ويسلت و] السلمت القطع، أي يقطعه ويستأصله وأصل السلت القطع، قاله في النهاية (^٢). ويمرق أي يخرج والصهر بالصاد المهملة المفتوحة [وسكون الهاء] الإذابة يقال: صهرت الشحم إذا أذبته ومنه الحديث: إن الأسود كان يصهر رجليه بالشحم وهو محرم أي يذيبه ويدهنها به يقال صهر بدنه إذا دهنه بالصهير، اهـ. قاله في النهاية (^٣).\n\n٥٥٨٤ - وعن أبي أمامة -﵁- عن النبي -ﷺ- في قوله تعالى: [ويسقى من ماء صديد يتجرعه] قال: يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، قال الله عز\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ١٥.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٨٨) ..\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٦٣).","vol":"14","page":597},{"text":"وجل: [وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم] ويقول: [وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب]. رواه أحمد (^١) والترمذي (^٢)، وقال: حديث غريب، والحاكم (^٣) وقال: صحيح على شرط مسلم.\nقوله: \"وعن أبي أمامة\" هو الباهلي واسمه صدي بن عجلان. تقدم. قوله: \"عن النبي -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ (^٤) يتجرعه، الحديث، التجرع شرب في عَجلة وقيل هو الشرب قليلا قليلا، أشار به إلى الآية المذكورة، قاله في النهاية (^٥).\n\n٥٥٨٥ - وعن أبي سعيد -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا. رواه الترمذي (^٦) من حديث رشيد عن عمرو\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٢٢٨٥).\n(^٢) سنن الترمذي (١٣/ ٢٥).\n(^٣) الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٨)، (٢/ ٤٥٧) والحديث؛ أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٤)، وفي مسنده (١٢٩)، وأحمد (٥/ ٢٦٥)، وفي الزهد (ص ٢٠)، والترمذي (٢٥٨٣)، والنسائي في الكبرى (١١١٩٩)، والطبري في التفسير (١٦/ ٥٤٩)، (١٨/ ١٤)، (٢٢/ ١٦٨)، الطبراني (٧٤٦٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ١٨٢)، والبيهقي في البعث والنشور (٥٣٤)، والبغوي في التفسير (٤/ ٣٤٢)، وفي شرح السنة (٤٤٠٥) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٠٥)، وفي السلسلة الضعيفة (٦٨٩٧).\n(^٤) سورة إبراهيم، الآية: ١٦.\n(^٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٦١).\n(^٦) سنن الترمذي (٢٥٨٤).","vol":"14","page":598},{"text":"ابن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم، وقال الترمذي: إنما نعرفه من حديث رشدين.\n[قال الحافظ]: رواه الحاكم (^١) وغيره من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" هو الخدري، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"لو أنّ دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا\" الحديث، والغساق بفتح الغين المعجمة وبالسين المهملة يخفف ويشدد. قال الجوهري (^٢): غسقت عينه إذا أظلمت وغسق الجرح إذا سال منه ماء أصفر والغساق الماء البارد المنتن قرأ حفص وحمزة والكسائي بالتشديد والباقون بالتخفيف، اهـ. قال الحافظ ﵀: وقد اختلف في معناه، فقيل: هو ماء يسيل من بين جلد الكافر ولحمه، قاله ابن عباس إلخ ما ذكره الحافظ.\n\n٥٥٨٦ - وعن أبي موسى -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه\n_________\n(^١) الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠١ و٤/ ٦٠١ - ٦٠٢)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (زوائد نعيم ص ٩٠) وأسد بن موسى في الزهد (٣٠) وأحمد (١١٢٣٠ و١١٧٨٦) وابن أبي الدنيا في صفة النار (٧٧) وأبو يعلى (١٣٨١) وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٧٨ و٣٠/ ١٤)، وابن بشران (١٤٤٤) والبيهقي في البعث (٥١٤) والبغوي في شرح السنة (٤٤٠٧) وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (١٠٠) وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٨٠٣).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٥٣٧).","vol":"14","page":599},{"text":"الله جل وعلا من نهر الغوطة قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهم. رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢)، والحاكم (^٣) وقال: صحيح الإسناد.\n[المومسات] بضم الميم الأولى وكسر الثانية: هن الزانيات.\nقوله: \"وعن أبي موسى\" اسمه عبد الله بن قيس. تقدم [الكلام عليه -﵁-. قوله -ﷺ-: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر\" الحديث، هذا الحديث مؤول لا يحمل على ظاهره وتقدم له نظائر.\n\n٥٥٨٧ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد -﵄- أنهَا سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من شرب الْخمر لم يرض الله عَنهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَإِن مَاتَ مَاتَ كَافِرًا فَإِن عَاد كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينه الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ صديد أهل النَّار رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٤) وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من\n_________\n(^١) مسندأحمد (١٩٥٦٩).\n(^٢) ابن حبان (٥٣٤٦)، (٦١٣٧).\n(^٣) الحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٦) وقال هذأ حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والحديث؛ أخرجه الخرائطي، في \"مساوئ الأخلاق\" (٢٧٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٥٧)، وضعيف الجامع الصغير (٢٥٩٨)، والضعيفة (١٤٦٣).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٧٦٠٣)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ١٦٨ - ١٦٩ (٤٢٨) و(٤٢٩). وقال الهيثمى في المجمع ٥/ ٦٩: رواه أحمد، والطبراني، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف، وقد حسن حديثه، وبقية رجال أحمد ثقات. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢٥): منكر وضعفه في (٢١٥٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":600},{"text":"حَدِيث عبد الله بن عَمْرو (^١) أطول مِنْهُ إِلَّا أَنه قَالَ من عَاد فِي الرَّابِعَة كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عصارة أهل النَّار وَتقدم فِي شرب الْخمر وَتقدم أَيْضا فِيهِ حَدِيث أنس من فَارق الدُّنْيَا وَهُوَ سَكرَان دخل الْقَبْر سَكرَان وَبعث من قَبره سَكرَان وَأمر بِهِ إِلَى النَّار سَكرَان فِيهِ عين يجْرِي مِنْهَا الْقَيْح وَالدَّم هُوَ طعامهم وشرابهم مَا دَامَت السَّمَوَات وَالأرْض.\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٥٣٥٧). وصححه الألباني في \"المشكاة\" (٣٦٤٤/ التحقيق الثاني) وصحيح الترغيب (٢٣٨٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>فصل في طعام أهل النار</span>\n٥٥٨٨ - عن ابن عباس -﵁- أن النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فقال رسول الله -ﷺ-: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ رواه الترمذي (^١) والنسائي (^٢) وابن ماجه (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) إلا أنه قال: فكيف بمن ليس له طعام غيره. والحاكم إلا أنه قال\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٨٥).\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي (١١٠٠٤).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٤٣٢٥).\n(^٤) أبن حبان (٧٤٧٠)، وأخرجه الطيالسى (٢٦٤٣)، وأحمد (١/ ٣٠٠ و٣٣٨)، والبزار في مسنده- البحر الزخار (٤٩٣٤) وابن أبى حاتم في تفسيره (٣/ ٧٢٣)، الطبراني في معجمه الكبير (٦٨١/ ٦٨/ ١١٥١)، وفي معجمه الأوسط (٧٥٢٥)، وفي معجمه الصغير (٩١١)، وأبو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهان (١/ ٤٢٤٣)، والبيهقي في البعمث والنشور (٥٢٩)، والبغوي في شرح السنة (٤٤٠٨)، وفي التفسير (٢/ ٧٧)، (٧/ ٢٣٦) وإسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (١٠٢٧)، والضياء في المختارة (١٥٣ و١٠٤ و١٠٥ و١٠٦)، والحديث صححه ابن كثير في التفسير (٢/ ٨٨) (٧/ ٢٠)، وعبد الحق في الأحكام الكبرى (٣/ ٤٣٤)، والحاكم (٢/ ٤٩٠) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٥٩)، وفي التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ٤٤٣)، والتعليق الرغيب (٤/ ٢٣٤)، الضعيفة (٦٧٨٢)، وصحيح الجامع الصغير (٥٢٥٠).","vol":"14","page":602},{"text":"فيه: فقال: والذي نفسي بيده لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الأرض لأفسدت. أو قال: لأمرت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه. وقال: صحيح على شرطهما، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وروي موقوفا (^١) على ابن عباس.\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-. قوله -ﷺ-:\"لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم\" الحديث، الزقوم بفتح الزاي ما وصف الله في كتابه العزيز، فقال أنها شجرة تخرج في أصل الجحيم وهو فعول من الأزقم اللقم الشديد والشرب المفرط ومنه الحديث أن أبا جهل قال: إن محمدا [يخوفنا] شجرة الزقوم هاتوا الزبد والتمر وتزقموا أي كلوا. وقيل: أكل الزبد والتمر بلغة إفريقية الزقوم [قاله في النهاية (^٢). وقال ابن عباس -﵄- (^٣): لما نزلت ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ (^٤) قال أبو جهل: التمر بالزبد نتزقّمه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥٩٩١): البيهقي في البعث والنشور (٥٣٠)، وعبد الله بن أحمد (١/ ٣٣٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٦٤٠) عن أبن عباس موقوفا.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٠٧).\n(^٣) انظر: معاني القرآن (٦/ ٣٢)، تفسير الثعالبي (٢/ ٣٤٩).\n(^٤) سورة الدخان، الآية: ٤٣ - ٤٤.\n(^٥) سورة الصافات، الآية: ٦٤ - ٦٥.","vol":"14","page":603},{"text":"٥٥٨٩ - وعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب فيدفع إليهم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم فيقولون: ادعوا خزنة جهنم. فيقولون: [ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا: بلى قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال] قال: فيقولون: ادعوا مالكا فيقولون: [يا مالك ليقض علينا ربك] قال: فيجيبهم: إنكم ماكثون. قال الأعمش: نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام. قال: فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، فيقولون: [ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون] قال: فيجيبهم: [اخسئوا فيها ولا تكلمون] قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل. رواه الترمذي (^١) والبيهقي (^٢) كلاهما عن قطبة بن عبد العزيز عن الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عنه.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٨٦).\n(^٢) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٢١) قال الدارمي: والناس لا يعرفون هذا الحديث، وإنما روى عن الأعمش عن سمرة بن عطية عن شهر عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قوله. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٦٠)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦٤٤٤).","vol":"14","page":604},{"text":"وقال الترمذي: قال عبد الله بن عبد الرحمن: والناس لا يرفعون هذا الحديث قال: وإنما روي هذا الحديث عن الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قوله وليس بمرفوع، وقطبة بن عبد العزيز ثقة عند أهل الحديث انتهى.\nقوله: \"عن أبي الدرداء\"، اسمه عويمر، مصغر عامر، تقدم ترجمته. قوله: \"يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع\"، الحديث الضّريع نبت مسموم يابس يقال له الشبرق. قال الجوهري (^١): الشبرق بالكسر نبت، وهو رطب الضريع، انتهى. وقيل: الضريع جنس من الشوك إذا كان رطبا فهو شبرق وإذا يبس فهو الضريع. وقيل هو شوك يأخذ بالحلق لا يسمن من أكله ولا يشبع. وقيل: الضريع نبت بالحجاز له شوك كبار، والله تعالى أعلم. قوله -ﷺ-: \"يأخذون في الزفير والحسرة والويل\" الحديث، قال الجوهري (^٢): الزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره، لأن الزفير إدخال النفس والشهيق إخراجه، وسيأتي الكلام على ذلك قريبا من كلام الحافظ.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣/ ١٢٤٩).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٦٧٠).","vol":"14","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>شراب أهل النار</span>\n٥٥٩٠ - وعن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: شوك يأخذ بالحلق ولا يدخل ولا يخرج. رواه الحاكم (^١) موقوفًا عن شبيب بن شيبة عن عكرمة عنه وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن ابن عباس\"، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وإخوته وبنيه وذويه. قوله في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾، قوله: \"رواه الحاكم موقوفا\"، تقدم الكلام على الحديث الموقوف، وشبيب بن شيبة هو شبيب بن شيبة بن عبد الله بن عمروبن الاهتم واسمه سنان بن سمي ابن سنان بن خالد بن منقر التميمي المنقري الاهتمي، أبو معمر البصري الخطيب، ابن عم خالد بن صفوان بن عبد الله بن الأهتم. وإنما قيل له: الأهتم لأنه ضرب بقوس على فيه فهتمت أسنانه بليغ مفوه علامة عن الحسن ومعاوية بن قرة وعنه مسلم ويحيى بن يحيى ضعفوه بقي بعد حماد ابن سلمة.\n_________\n(^١) الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٥) وعنه: البيهقي في البعث والنشور (١/ ٢٩٣/ ٥٣٦)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٨٣)، وابن أبى حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٨١/ ١٩٠٢٣) وقال الذهبي في التلخيص: شبيب بن شيبة ضعفوه وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢/ ٤٥٤) ٢١٦١) وأورده السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣٢٠)، وعزاه إلى الحاكم وصححه عن ابن عباس والحديث ذكره الحافظ في الفتح (٨/ ٦٧٥)، وعزاه إلى الحاكم، ولم يتعقبه بشيء.","vol":"14","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>في عظم أهل النار وقبحهم فيها</span>\n٥٥٩١ - عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: لو أن رجلا من أهل النار أخرج إلى الدنيا لمات أهل الدنيا من وحشة منظره، ونتن ريحه قال: ثم بكى عبد الله بكاء شديدا. رواه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفا، وفي إسناده ابن لهيعة.\nقوله \"عن عبد الله بن عمرو\"، تقدم الكلام عليه -﵄-.قوله -ﷺ-: \"لو أن رجلا من أهل النار أخرج إلى الدنيا لمات أهل الدنيا من وحشة منظر. هـ، ونتن ريحه قال: ثم بكى عبد الله بكاء شديدا\" الحديث، في آخر مشهور عن الحسن أن آخر من يخرج من النار رجل بعد ألف عام ينادي يا حنان يا منان، واسم ذلك الرجل هناد، انتهى. وروي أن إبليس يُخرَجُ من النار بعد كل مائة ألف سنة، ويخرج آدم من الجنة، ويقال لإبليس: هذا آدم اسجد له، فيأبى، فيرد إلى النار. قاله ابن العماد، ولعله في كتابه كشف الأسرار (^٢).\n\n٥٥٩٢ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع. رواه البخاري (^٣) واللفظ له ومسلم (^٤) وغيرهما.\n[المنكب]: مجتمع رأس الكتف والعضد.\n_________\n(^١) ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٦٢).\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) صحيح البخاري (٦٥٥١).\n(^٤) صحيح مسلم (٤٥) (٢٨٥٢).","vol":"14","page":607},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\"، تقدم الكلام على مناقبه -﵁-.\nقولهﷺ-: \"ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع\"، الحديث. المنكب مجتمع رأس الكتف والعضد، قاله المنذري.\n\n٥٥٩٣ - وعنه -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: ضرس الكافر مثل أحد. وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار كما بين قديد ومكة، وكثافة جسده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار. رواه أحمد (^١) واللفظ له ومسلم (^٢).\nولفظه قال: ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث. والترمذي (^٣) ولفظه: قال رسول الله -ﷺ-: ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة.\nوقال: حديث حسن غريب.\n[قوله]: مثل الربذة، يعني كما بين المدينة والربذة، والبيضاء: جبل انتهى.\n\n٥٥٩٤ - وفي رواية للترمذي (^٤) قال: إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة. وقال في هذه: حديث حسن غريب صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه (^٥)، ولفظه قال: جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار، وضرسه مثل\n_________\n(^١) مسند أحمد (٨٤١٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٤) (٢٨٥١).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٥٧٨).\n(^٤) سنن الترمذي (٢٥٧٧).\n(^٥) صحيح أبن حبان (٧٤٨٦).","vol":"14","page":608},{"text":"أحد. رواه والحاكم (^١) وصححه ولفظه، وهو رواية لأحمد (^٢) بإسناد جيد قال: ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان ومقعده من النار ما بيني وبين الربذة. قال أبو هريرة: وكان يقال: بطنه مثل بطن إضم.\n[الجبار]: ملك باليمن له ذراع معروف المقدار، كذا قال ابن حبان وغيره، وقيل: ملك بالعجم.\nقوله: \"وعنه\"، تقدم الكلام عليه -﵁-. قوله -ﷺ-: \"ضرس الكافر مثل أحد\"، الضّرس، واحد الأضراس وهي عشرون ضرسا تلي الأنياب من كل جانب من الفم خمسة من أسفل، وخمسة من فوق، وإنما يصير ضرس الكافر في جهنم مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع، زيادة في عذابه لأنه كلما كان الجسم أكبر كان العذاب أشدّ، والله أعلم. قاله في شرح المشارق (^٣). وأحُد جبل معروف بالمدينة، وتقدم الكلام عليه في الحج في بناء الكعبة. والبيضاء جبل. قاله الحافظ، وضبطه بعضهم فقال: والبيضاء بالباء الموحدة المفتوحة وبالياء آخر الحروف وبالضاد المعجمة جبل معروف. قوله -ﷺ-: \"ومقعده من النار كما بين قديد ومكة\"، قديد اسم مكان، تقدم الكلام في أماكن، ومكة معروفة، ومسيرة ما بينهما، ... قوله -ﷺ-: \"وأربعون ذراعا بذراع الجبار\"، الجبار ملك باليمن له ذراع معروف المقدار\n_________\n(^١) المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤/ ٦٣٧).\n(^٢) مسند أحمد (٨٣٤٥).\n(^٣) لم أقف عليه.","vol":"14","page":609},{"text":"كذا قال ابن حيان وغيره، وقيل ملك بالعجم، انتهى. قاله الحافظ، وقال في النهاية (^١): أراد به هنا الطويل، وقيل: الملك، كما يقال بذراع الملك، قال القتيبي: وأحسبه ملكا من ملوك الأعاجم كان تام الذراع، انتهى.\nقوله في رواية الترمذي: \"إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة\"، ومثل في المواضع المذكورة في الحديث يجوز أن ينصب على نزع الخافض أي كمثل الربذة من المدينة، يعني كما بين المدينة والرّبذة، والرّبذة بالراء المهملة وبعدها باء موحدة مفتوحة وبعدها ذال معجمة، قرية معروفة قرب المدينة بها قبر أبي ذر، ومنها إلى المدينة مسيرة ثلاثة أيام.\nقوله -ﷺ-: \"وفخذه مثل ورقان\"، هو بوزن قطران جبل أسود مشهور بالحجاز وهو شامخ شديد السواد، وفيه أنواع التمر والسماق والرمان والقرظ وهو لعرب مزينة وهم قوم صدق.\nوقال في النهاية (^٢): بين العرج والرويثة، وكان يقال بطنه مثل بطن أضم، الحديث. أضم، هو بكسر الهمزة وفتح الضاد اسم جبل بالحجاز، ذكره الجوهري (^٣)، وقد ذكره الشعراء فقال بعضهم فيه:\nيشي بنا الطيب أحيانا وآونة ... يضيئنا البرق مجتازا على أضم\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٣٥).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٧٦).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ١٨٦٢).","vol":"14","page":610},{"text":"وقيل: اسم موضع، قاله ابن الأثير في النهاية (^١) ... روى أنس بن مالك -﵁- (^٢) قال: قال رسول الله -ﷺ-: فلما تجلى ربه للجبل صار بعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بمكة: وثور وثبير وحراء، وبالمدينة أحد وورقان ورضوى، فهذا الحديث والأحاديث بعده وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق المصدوق -ﷺ- بذلك، فيدل كل منها على عظم جثّة الكافر، وإنما كان كذلك ليعظم عذابه ويتضاعف كما تقدم، وهذا إنما هو في بعض الكفار بدليل أنه قد جاءت أحاديث أخر تدل على أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، ولا شك أن الكفار في عذاب جهنم يتفاوتون كما قد علم من الكتاب والسنة ولأنا نعلم على القطع أن من كفر بالله تعالى وقتل الأنبياء صلى الله تعالى عليهم وسلم، وفتك بالمسلمين وأفسد في الأرض ليس عذابه مساويا بالعذاب من كفر بأبيه فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين، انتهى.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٥٣).\n(^٢) أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة (١/ ٧٩) وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٩٣٩) وابن الأعرأبي في معجمه (١٦٨٢) وابن حبان في المجروحين (١/ ٢١١) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٤ - ٣١٥) والواحدي في الوسيط (٢/ ٤٠٧)، والخطيب في التاريخ (١٥/ ٤٤٠ - ٤٤١) وابن الجوزي في الموضوعات (٢٥٦)، وقال ابن حبان: موضوع لا أصل لهوقال الخطيب: هذا الحديث غريب جدًا لم أكتبه إلا بهذا الإسنادوقال أبو نعيم: غريب من حديث معاولة بن قرة والجلد ومعاولة الضال، تفرد به عنه محمد بن الحسن بن زبَالة المخزوميوقال ابن كثير: وهذا حديث غريب بل منكر التفسير ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥. قال الألباني في الضعيفة (١٦٢): موضوع. وقال في (٥٤٨٨): ضعيف جدًا.","vol":"14","page":611},{"text":"٥٥٩٥ - وعن ابن عمرو -﵄- قال: قال رسول اللهﷺ-: إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس. رواه الترمذي (^١) عن الفضل بن يزيد عن أبي المخارق عنه، وقال: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، والفضل ابن يزيد كوفي قد روى عنه غير واحد من الأئمة، وأبو المخارق ليس بمعروف انتهى. [قال الحافظ]: رواه الفضل بن يزيد.\n\n٥٥٩٦ - عن أبي العجلان قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن الكافر ليجر لسانه فرسخين يوم القيامة يتوطؤه الناس. أخرجه البيهقي (^٢) وغيره، وهو الصواب، وقول الترمذي: أبو\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٨٠).\n(^٢) البيهقي في الشعب (٣٨٩) وفي البعث (٥٦٧)، وأخرجه هناد في الزهد (٣٠١)، وأحمد (٥٦٧١)، وعبد بن حميد في المنتخب (٨٦٠)، وأبن أبي الدنيا في الأهوال (١٢٦)، وأبو نعيم في أخبار أصهان (٢/ ١٢٩)، والخطيب في التاريغ (١٢/ ٣٦٣) وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (٥٩) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٢٢): أخرجه الترمذي من رواية أبي المخارق عن ابن عمر وقال غريب وأبو المخارق لا يعرف. وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٤٢٤): \"سنده ضعيف \". وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٥١٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٦٣)، وفي السلسلة الضعيفة (١٩٨٦). وقد تعقب غير واحد الترمذي في قوله عن أبي المخارق. فقال البيهقي في البعث: وهذا غلط إنما هو أبو العجلان، وذكر المزي هذا الحديث، وقال: هكذا قال، يعني قال: عن أبي المخارق، وهو خطأ، رواه منجاب بن الحارث، عن علي بن مسهر، عن الفضل بن يزيد، عن أبي العجلان المحاربي، عن ابن عمر. وكذلك رواه أبو عقيل الثقفي، ومروان بن معاوية الفزاري، عن الفضل بن يزيد، وهو الصواب، والخطأ في ذلك إما من الترمذي، فيما من شيخه، والله أعلم. انظر =","vol":"14","page":612},{"text":"المخارق ليس بمعروف وهم، إنما هو أبو العجلان المحاربي ذكره البخاري في الكنى، وقال أبو بكر مربع الحافظ: ليس له عن رسول الله -ﷺ- بهذا الإسناد إلا هذا الحديث انتهى.\nقوله: \"عن أبي العجلان قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص\"، تقدم الكلام عليه -﵁- وعن أبيه وذويه. قوله -ﷺ-: \"إن الكافر ليجر لسانه فرسخين يوم القيامة يتوطؤه الناس\"، الحديث، الفرسخ معروف في كتب الفقه، وفي ظني أنه تقدم الكلام عليه في مواضع.\n\n٥٥٩٧ - وعنه أيضا -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد. رواه أحمد (١) والطبراني في الكبير (٢)\n_________\n=\"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ٨١)، وقال الذهبي في الميزان: أبو المخارق لا يعرف، روى عنه الفضل بن يزيد، والصواب بدله عن أبي عجلان وقال ابن حجر في التهذيب: صوابه أبو العجلان المحاربي قلت: وأبو العجلان حكى الحافظ في التهذيب عن العجلي أنّه قال: شامي تابعي ثقة.، وقال في التقريب: مقبول. أي عند المتابعة وإلا فلين الحديث.\nمسند أحمد (٤٨٠٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤١٥٣)، وعبد بن حميد (٨٠٨)، وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (٦٥)، والبيهقي في البعث والنشور (٥٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩١): رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، وفي أسانيدهم أبو يحيى القتات، وهو ضعيف، وفيه خلاف، وبقية رجاله أوثق منه. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ١٣٩): وهذا الحديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد من وجوه أخرى عن أبي هريرة. فالله أعلم.\nالطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠٢/ ١٣٤٨٢).","vol":"14","page":613},{"text":"والأوسط (^١) وإسناده قريب من الحسن.\nقوله: \"وعنه أيضا\"، تقدم الكلام عليه -﵁-. قوله -ﷺ-: \"يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد\"، الحديث، يا حبيبي إذا كان بين عاتقه الذي هو موضع الرداء من المنكب وبين شحمة أذنه مسيرة سبعمائة عام وهو أبعد مما بين السماء والأرض فلا يبعد أن تكون جثته أعظم من السموات والأرض، انتهى.\n\n٥٥٩٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (^٢) قَالَ يدعى أحدهم فَيعْطى كِتَابه بِيَمِينِهِ ويمد لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعا ويبيض وَجهه وَيجْعَل على رَأسه تَاج من نور يتلألأ فَينْطَلق إِلَى أَصْحَابه فيرونه من بعيد فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ آتنا بِهَذَا وَبَارك لنا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيهم فَيَقُول لَهُم أَبْشِرُوا لكل رجل مِنْكُم مثل هَذَا قَالَ وَأما الْكَافِر فيسود وَجهه ويمد لَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعا فِي صُورَة آدم ويلبس تاجا من نَار فيراه أَصْحَابه فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِالله من شَرّ هَذَا اللَّهُمَّ لا تأتنا بِهَذَا فيأتيهم فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ اخزه فَيَقُول أبعدكم الله فَإِن لكل رجل مِنكم مثل هَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي\n_________\n(^١) الأوسط (٢٤١٠) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (١٣٢٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٦٤).\n(^٢) سورة الإسراء، الآية: ٧١.","vol":"14","page":614},{"text":"صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (^١).\n\n٥٥٩٩ - وعن أبي سعيد -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال: مقعد الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام، وكل ضرس مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وجلده سوى لحمه وعظامه أربعون ذراعا. رواه أحمد (^٢) وأبو يعلى (^٣) والحاكم (^٤) كلهم من رواية ابن لهيعة.\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" هو الخدري، تقدمت ترجمته. قوله -ﷺ-: \"مقعد الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام، وكل ضرس مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وجلده سوى لحمه وعظامه أربعون ذراعا\"، تقدم الكلام على ذلك.\n\n٥٦٠٠ - وروى ابن ماجه (^٥) من طريق عيسى بن المختار عن محمد بن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- أنه قال: إن الكافر\n_________\n(^١) أخرجه الترمذى (٣١٣٦)، وابن حبان (٧٣٤٩)، والحاكم (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٢٧) و(٥٠٢٥) وضعيف الترغيب (٢١٦٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) مسند أحمد (١١٢٣٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩١): رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وقد وثق على ضعفه. قال البوصيري: ومدار أسانيدهم على ابن لهيعة، وهو ضعيف (اتحاف الخيرة المهرة ٨/ ٢١٣).\n(^٣) أبو يعلى (١٣٨٧).\n(^٤) قلت: هذا التعميم خطأ لأن الحاكم (٤/ ٥٩٨) لم يروه عن ابن لهيعة، والحديث؛ أخرجه ابن أبي الدنيا \"صفة النار\" (٢٢). والطبراني في المعجم الأوسط (٥٥٠٩). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٨٣)، وفي السلسلة الصحيحة (١١٠٥).\n(^٥) أخرجه أبن ماجه (٤٣٢٢). وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٦١): هذا إسناد ضعيف لضعف عطية والرأوي عنه وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٥١٩).","vol":"14","page":615},{"text":"ليعظم حتى إن ضرسه لأعظم من أحد، وفضيلة جسده على ضرسه كفضيلة جسد أحدكم على ضرسه.\nقوله رحمه الله تعالى: \"وروى ابن ماجه من طريق عيسى بن المختار عن محمد بن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ- أنه قال: إن الكافر ليعظم حتى إن ضرسه لأعظم من أحد، وفضيلة جسده على ضرسه كفضيلة جسد أحدكلم على ضرسه\"، عيسى بن المختار هو عيسى بن المختار بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري قال بن سعد كان سمع مصنف بن أبي ليلى منه وقال ابن شاهين في الثقات: قال ابن معين: صالح وقال الدارقطني: ثقة. ومحمد أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن الكوفي الفقيه قاضي الكوفة صدوق إمام ثقة رديء الحفظ كثيرًا كذا قال الجمهور فيه.\nوقال ابن حبان: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ فكثر المناكثير في حديثه فاستحق الترك تركه أحمد ويحيى كذا قال. وعطية العوفي هو عطية بن سعد العوفي: قال أحمد وغيره: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه ووثقه ابن معين وغيره وحسن له الترمذي غير ما حديث وأخرج حديثه ابن خزيمة في صحيحه، وقال في القلب من عطية شيء.\n\n٥٦٠١ - وعن مجاهد قال: قال ابن عباس -﵄-: أتدري ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: أجل والله والله ما تدري إن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا، تجري فيه أودية القيح والدم. قلت: أنهار؟ قال: لا بل","vol":"14","page":616},{"text":"أودية. رواه أحمد (^١) بإسناد صحيح، والحاكم (^٢) وقال: صحيح الإسناد.\nقوله: \"وعن مجاهد\"، هو مجاهد بن جبر، مولى عبد الله بن السائب المخزومي، من الطبقة الثانية من تابعي مكة، وفقهائها، وقرائها والمشهورين بها، وأحد الأعلام المعروفين. قال حماد: لقيت عطاء، وطاووسا، ومجاهدا، وشاممت القوم فوجدت أعلمهم مجاهدا. قال مجاهد: كان ابن عمر يأخذ لي الركاب، ويسوي علي ثيابي إذا ركبت، سمع ابن عباس، وابن عمر، روى عثه أيوب، وابن عون، ومنصور، والحكم، وابن أبي نجيح. وأخذ عنه القراءة أبو عمرو بن العلاء، مات سنة مائة، وقيل: سنة اثنتين ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة] (^٣) قوله: \"قال ابن عباس أتدي ما سعة جهنم؟ قلت: لا. قال: أجل الحديث. تقدم الكلام على أجل.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٤٨٥٦).\n(^٢) الحاكم (٢/ ٢٧٧). والحديث قسمان: موقوف من قول ابن عباس سيرد ما فيه، ومرفوع. أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٩٨)، وأحمد (٦/ ١١٦)، والترمذي (٣٢٤١)، والنسائي في الكبرى (١١٤٥٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ١٨٣)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٩٦)، والبيهقي في البعث والنشور (٥٥٩)، والبغوي في شرح السنة (٤٤١٥) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه عبد الحق في الأحكام الكبرى (٤/ ٢٠٣) تبعا الترمذي، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ١٣٦) وإنما روى الترمذي، والنسائي المرفوع فقط، وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني فىِ السلسلة الصحيحة (٥٦١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٨٤).\n(^٣) اللوحان ما بين المعقوفين []، أثبتا من النسخة الهندية، وهما ساقطان من الأصل.","vol":"14","page":617},{"text":"قوله: \"تجري فيه أودية القيح والدم\"، [القيح هو الذي يسيل من الجسد، والقيح والصديد دمان مستحيلان إلى دم] [قلت:] (^١) \"وفساد\"،\n\n٥٦٠٢ - وعن أبي سعيد -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: [وهم فيها كالحون] قال: تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. رواه أحمد (^٢) والترمذي (^٣) وقال: حديث حسن صحيح غريب، والحاكم (^٤) وقال: صحيح الإسناد.\n[قال الحافظ] عبد العظيم: وقد ورد أن من هذه الأمة من يعظم في النار كما يعظم فيها الكفار؛ فروى ابن ماجه (^٥) والحاكم (^٦) وغيرهما من حديث\n_________\n(^١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٢) مسند أحمد (١١٨٣٦).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٥٨٧).\n(^٤) الحاكم (٢/ ٢٤٦ و٣٩٥)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (زوائد نعيم ٢٩٢) وفي المسند (١٢٦) وأخرجه أحمد (٣/ ٨٨) وابنه في زيادات الزهد (ص ٢٠) والترمذي (٢٥٨٧ و٣١٧٦) وابن أبي الدنيا في صفة النار (١٠٩) وأبو يعلى (١٣٦٧) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٨٢) وابن بشران (١٤٧٤) والبيهقي في البعث (٤٩٠) والواحدي في الوسيط (٣/ ٢٩٨) والبغوي في شرح السنة (٤٤١٦) وابن عساكر في معجم الشيوخ (٦١١) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد وقال أيضًا: هذا حديث صحيح من إسناد المصريين ولم يخرجاه، وقال ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٤٤٥) وأخرجه الحاكم وصححه وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٦٧).\n(^٥) سنن ابن ماجه (٤٣٢٣) وأحمد بن منيع ومسدد كما في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٦٣).\n(^٦) الحاكم (١/ ٧١ و٤/ ٥٩٣)، وأخرجه ابن المبارك في مسنده (١٠٨) وابن أبي شيبة (٣١٧٠٢، ٣٤١٥٠) وأحمد بن حنبل (١٧٨٥٩) وابنه (٢٢٦٦٥) والبخاري في الكبير =","vol":"14","page":618},{"text":"عبد الله بن قيس قال: كنت عند أبي بردة ذات ليلة فدخل علينا الحارث بن أقيش -﵁-: فحدثنا الحارث ليلتئذ أن رسول اللهﷺ-: إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر، وإن من أمتي من يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها. اللفظ لابن ماجه وإسناده جيد، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وتقدم لفظه فيمن مات له ثلاثة من الأولاد، ورواه أحمد (^١) بإسناد جيد أيضا إلا أنه قال: عن عبد الله بن قيس قال: سمعت الحارث بن أقيش يحدث أن أبا برزة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول فذكره كذا في أصلي، وأراه تصحيفا، وصوابه: سمعت الحارث بن أقيش يحدث أبا بردة كما في ابن ماجه. والله أعلم. (^٢)\n_________\n= (٢/ ٢٦١) وعبد بن حميد في المنتخب (٤٤٣) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٥٥) و(١٠٥٦)، و٢٧٢٤) وأبو يعلى (١٥٨١) وفي المفاريد (٩٤) وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٧٤٢ و٧٤٣) وأبو القاسم البغوي في الصحابة (٤٤٧ و٤٤٨) وابن قانع في الصحابة (١/ ١٨٤) والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٦٦/ ٣٣٦٠ - ٣٣٦٦) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٠٨٧ و٢٠٨٨) البيهقي في البعث والنشور (٥٧٢) قال البخاري: إسناده ليس بذاك المشهور وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلمو قال ابن عبد البر: حديث حسن الاستيعاب ١/ ٢٢٥)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات المجمع ٣/ ٨)، وقال ابن حجر: إسناده صحيح- الإصابة ٢/ ١٤٦)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢١٢) رواه مسدد وعبد بن حميد وأبو يعلى وعبد الله بن أحمد بن حنبل والحاكم وصححه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٨٢٣) انظر: ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٦٨).\n(^١) أحمد بن حنبل (١٧٨٥٨).\n(^٢) يقصد أن الزيادة (أن) غير محفوظة والدليل أنه خرجه في مسند: الحارث بن أقيش انظر: كلام محقق مسند أحمد طبعة الرسالة (٢٩/ ٤٠١).","vol":"14","page":619},{"text":"قوله: \"وعن أبي سعيد\" تقدم الكلام عليه مناقبه، قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (^١) [قال: تشويه النار فتقلص شفته العليا، الحديث، تقلص أي ترتفع ثم تسترخي.\n\n٥٦٠٣ - وَعَن أبي غَسَّان الضَّبِّيّ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة -﵁-: بِظهْر الْحيرَة تعرف عبد الله بن خداش وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول فَخذه فِي جَهَنَّم مثل أحد وضرسه مثل الْبَيْضَاء قلت لم ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ كَانَ عاقا بِوَالِديهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ بِإِسْنَاد لا يحضرني (^٢).\nقوله: وعن أبي غسان الضبي، أبو غسان الضبي، اسمه.\nقوله: \"قال لي أبو هريرة بظهر الحيرة تعرف عبد الله بن خراش؟ قلت: لا. قال: فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: فخذه في جهنم مثل أحد وضرسه مثل البيضاء. قلت لم يا رسول الله؟ قال: كان عاقا لوالديه\" الحديث، الحيرة اسم بلد تقدم الكلام عليها في الشفقة على خلق الله خوف مقرون برحمة، فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي، مع نوع رحمة، بملاحظة جريان القدر عليهم. قوله: \"تعرف عبد الله بن خراش\" عبد الله بن خداش (^٣).\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٤.\n(^٢) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٦٣ رقم ٦٨٥٧). وقال الهيثمى في المجمع ٨/ ١٤٨: رواه الطبراني في الأوسط، وأبو غسان وأبو غنم الراوي عنه لم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٦٩).\n(^٣) لم اهتد إليه.","vol":"14","page":620},{"text":"قوله: \"فخذه في جهنم مثل أحد\" تقدم الكلام على أحد في مواضع من هذا التعليق. قوله: \"وضرسه مثل البيضاء\" البيضاء بلد بينها وبين شيراز منزل، وقيل البيضاء اسم جبل كما تقدم وقيل مدينة من مدائن العرب، وأما العقوق فتقدم الكلام عليه في كتاب البر والصلة مبسوطا والله أعلم.\nفائدة يختم بها الباب في عبد الله بن جُدعان وكان من رؤساء قريش [وكان] اتخذ للضيفان جفنة يُرقى إليها بسُلّم وكان من بني تيم بن مرة أقرباء عائشة -﵂-. قال القاضي عياض (^١) ﵀، وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا يخفف عنهم عذاب لكن بعضهم أشد عذابا من بعفبحسب جرائمهم، اهـ. وجُدعان بضم الجيم وإسكان الدال المهملة وبالعين.\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٩٧).","vol":"14","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>فصل في تفاوته في العذاب وذكر هونهم عذابا</span>\n٥٦٠٤ - عن النعمان بن بشير -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: إن أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) ولفظه:\nإن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا.\nقوله: \"عن النعمان بن بشير\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم\" الحديث. ورواه مسلم ولفظه: \"إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشركان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل\" الحديث، أخمص القدمين هو بفتح الهمزة وهو المتجافي من الرجل من باطنها عن الأرض فلا تمسّه وأصله من الضمور.\nوفي النهاية (^٣): الأخمص من القدم الموضع الذي لا يلتصق بالأرض منها عند الوطئ، اهـ. وهو بمعناه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٦١).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢٣) (٢١٣).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٠٠).","vol":"14","page":622},{"text":"قوله: \"ويغلي منهما دماغه\" الغليان معروف وهو شدة اضطراب [الماء] ونحوه [على] (^١) النار لشدة إيقادها، يقال: غلت القدر تغلي غليا وغليانا وأغليتها أنا.\nقوله: \"كما يغلي المرجل بالقمقم\" والمرجل بكسر الميم وفتح الجيم وهو قدر معروف سواء كان من حديد أو نحاس أو حجارة أو خزف هذا هو الأصح وقيل هو القدر من النحاس يعني خاصة والأول أعرف والميم فيه زائدة كذا في جميع الروايات، [وذكره] ابن الصابوني كما يغلي المرجل والقمقم وهذا بيّن إن ساعدته الرواية. وزعم بعضهم أن الذي في الصحيح مغير ثم تكلف فيه ما يبعد، والقمقم فارسي معرب، [اهـ] (^٢). وفي هذا الحديث وما أشبهه تصريح بتفاوت عذاب أهل النار كما أن [نعيم أهل الجنة متفاوت، والله تعالى أعلم. قوله -ﷺ- في رواية مسلم:] أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار، الحديث، والنعل مؤنثة وهي التي تلبس في الرجل والشراك بكسر الشين وهو أحد سيور النعل وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم [انتهى].\n\n٥٦٠٥ - وعن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: إن أهون أهل النار عذابا رجل منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه مع أجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى كعبيه مع أجزاء العذاب، ومنهم من في النار إلى ركبتيه\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":623},{"text":"مع أجزاء العذاب، ومنهم من قد اغتمر. رواه أحمد (^١) والبزار (^٢) ورواته رواة الصحيح، وهو في مسلم (^٣) مختصرا: إن أدنى أهل النار عذابا منتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حر نعليه.\nقوله: \"وعن أبي سعيد\" هو الخدري، تقدم وتقدم معنى هذا الحديث في الحديث قبله، وكذلك حديث أبي هريرة الذي بعده بمعناه.\n\n٥٦٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن أدنى أهل النَّار عذَابا الَّذِي لَهُ نَعْلَانِ من نَار يغلي مِنْهُمَا دماغه رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ بإسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٤).\n\n٥٦٠٧ - وعن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه. رواه مسلم. (^٥)\nقوله: \"وعن ابن عباس\" تقدمت ترجمته. قوله -ﷺ-: \"إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب\" [الحديث. أبو طالب] اسمه عبد مناف بن عبد المطلب عم\n_________\n(^١) مسند أحمد (١١٧٣٩).\n(^٢) البزار (٣٥٠٢ كشف الأستار)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٥) رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٨٦).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٦١) (٢١١).\n(^٤) أخرجه البزار (٨٣٦٣)، وابن حبان (٧٤٧٢)، والطبرانى في الأوسط (٦/ ٢٣٢ رقم ٦٢٧١)، والحاكم (٤/ ٥٨٠). وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووفقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٨٠) وصحيح الترغيب (٣٦٨٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٥) صحيح مسلم (٣٦٢) (٢١٢).","vol":"14","page":624},{"text":"رسول الله -ﷺ- مات قبل الهجرة ولرسول الله -ﷺ- خمسون سنة إلا ثلاثة أشهر وأياما، قاله الكرماني (^١). وتقدم معنى النعل وثبت في الصحيح أن العباس (^٢) قال لرسول الله -ﷺ- إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل ينفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح. وفي الصحيح أيضا من طريق أبي سعيد (^٣) أنه -ﷺ- قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منهما دماغه. واعلم أن أهل الكفر لا تنفعهم شفاعة الشافعين ونهى عن الاستغفار له ولمثله ولكنه رجى له أن تناله بركته ويخفف عنه بسبب ما كان منه إليه من الحماية والعون على تبليغ الرسالة فيخفف من عذابه فتكون الشفاعة بالحال لا بالمقال. وفي رواية يونس عن أبي إسحاق وهي أنه قال: يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه.\nقوله: \"يحوطك\" هو بفتح الياء وضم الحاء. قال أهل اللغة. يقال حاطه يحوطه حوطا وحياطة إذا صانه وحفظه وذبّ عنه و[توفر] على مصالحه، والضحضاح بفتح الضادين المعجمتين وسكون الحاء المهملة أي شيء قليل كضحضاح الماء وهو [ما] يبقى منه على وجه الأرض، قاله عياض (^٤)، والضحضاح في [الأصل] ما ردق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٥/ ٩٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٥٨) (٢٠٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٦٠) (٢١٠).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٩٦).","vol":"14","page":625},{"text":"وضحضح الشراب إذا رقّ فاستعاره للنار. وفي حديث آخر: إنه لفي ضحضاح من النار ولولاي لكان في الطمطام. الطمطام في الأصل معظم ماء البحر فاستعاره هاهنا لمعظم النار حيث استعار ليسيرها الضحضاح وهو الماء القليل الذي يبلغ الكعبين وأصله من طمّ الشيء إذا عظم وطمّ الماء إذا كثر وهو طام، اهـ. قاله في النهاية (^١). وفيه تفاوت عذاب أهل النار كما تقدم. فإن قلت: أعمال الكفرة هباء منثور لا فائدة فيها.\nقلت: هذا النفع هو ببركة رسول الله -ﷺ- وخصائصه، اهـ. أقاله الكرماني (^٢) في شرح البخاري] (^٣) وفي الصحيح (^٤) أن رسول الله -ﷺ- دخل على عمّه أبي طالب عند موته وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وابن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: أنا على ملة عبد المطلب، وهذا الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك، ووجدت في بعض [نسخ] المسعودي اختلافا في عبد المطلب وأنه قد قيل فيه مات مسلمًا لما رأى من الدلائل على نبوة محمد -ﷺ- وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد، ذكره السهيلي في كتاب الروض الأنف على سيرة بن هشام (^٥).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٧٥) (ضحضح)، (٣/ ١٣٩) (طمطم).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٣/ ٥٥).\n(^٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ذكره السهيلي في كتاب الروض الأنف على سيرة بن هشام).\n(^٤) صحيح مسلم (٣٩) (٢٤).\n(^٥) الروض الأنف (٤/ ١٩).","vol":"14","page":626},{"text":"تنبيه: ومن باب النظر في حكمة الله تعالى ومشاكلة الجزاء\nللعمل أن أبا طالب كان مع رسول الله -ﷺ- بجملته متحزبا له إلا أنه كان مثبتا لقدميه على ملة عبد المطلب [حتى قال عند الموت أنا على ملة عبد المطلب] (^١) فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبته إياهما على ملة آبائه، ثبتنا الله على الصراط المستقيم. ولعل هذا مذكور في الروض الأنف على سيرة ابن هشام. [والله تعالى أعلم].\n\n٥٦٠٨ - وعن عبيد بن عمير -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن أدنى أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان يغلي منهما دماغه كأنه مرجل مسامعه جمر، وأضراسه جمر، وأشفاره لهب النار، وتخرج أحشاء جنبيه من قدميه، وسائرهم كالحب القليل في الماء الكثير فهو يفور. رواه البزار (^٢) مرسلًا بإسناد صحيح.\nقوله: \"وعن عبيد بن عمير\" ابن قتادة الليثي المكي وكنيته أبو عاصم، من الطبقة الأولى من أهل مكة، وقال ابن سعد بإسناده عن ثابت قال: أولى من قص عبيد بن عمير الليثي، على عهد عمر بن الخطاب توفي عبيد بن عمير سنة سبع\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢١٥): رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر مرسلا، ورواته ثقات. ورواه الحافظ المنذري في كتاب الترغيب وقال: رواه مرسلا بإسناد صحيح ولم يعزه لأحد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٧٠) وقال: قوله: (البزار) ملحق من بعض النساخ، فإن الحديث لم يذكره الهيثمي أصلًا في المجمع. وهو في الزهد كما قال (١/ ١٩٣/ ٣٠٩)، وكذا ابن أبي شيبة (١٣/ ١٥٧/ ١٥٩٨) والله أعلم. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٩٧٦).","vol":"14","page":627},{"text":"وسبعين بمكة وأسند عن أبي بن كعب، وأبي ذر، وأبي قتادة، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة -﵃- في آخرين. وروى عنه من كبار التابعين: مجاهد، وعطاء، وأبو حازم. [قال ابن سعد:] وكان ثقة كثير الحديث.\nقوله -ﷺ-: \"إن أدنى أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان يغلي منهما دماغه\" الحديث، تقدم تفسير ذلك في أحاديث الباب. قوله -ﷺ-: \"مسامعه جمر وأضراسه جمر وأشفره جمر\" مسامعه هي جمع مسمع وهو آلة السمع أو جمع سِمَع على غير قياس كمشابه وملامح والمسمع بالفتح [خرقها] ومنه حديث أبي جهل أن محمدا ترك يثرب وأنه حنق عليكم نفيتموه نفي القراد عن المسامع يعني عن الآذان [قاله في النهاية (^١) ..] وتقدم معنى الأضراس والمراد بالأشفار هدب العينين وهو الشعر المستر سل عليهما.\n\n٥٦٠٩ - وعن سمرة بن جندب -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال: منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته. رواه مسلم (^٢).\nوفي رواية له: منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى عنقه.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢) (٢٨٤٥).","vol":"14","page":628},{"text":"قوله: \"وعن سمرة بن جندب\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته\" هو بضم الحاء واسكان الجيم وفتح الزاي المعجمة، وهو معقد الإزار والسراويل ويجمع على حُجَز، ومنه الحديث: فأنا آخذ بحجزكم عن النار، قاله في النهاية (^١).\nقوله -ﷺ-: \"ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته\" والترقوة بفتح التاء وضم القاف وهي العظم الذي بين [ثغرة] النحر والعاتق. وفي حديث آخر ومنهم من تأخذه النار إلى حقويه بفتح الحاء وكسرها أي خاصرتيه وأصله معقد الإزار من الإنسان وهو الخاصرتان وهو بمعنى الحجزة، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه.\n\n٥٦١٠ - وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقتهم فلفحتهم لفحة فلم تدع لحما على عظم إلا ألقته على العرقوب. رواه الطبراني في الأوسط (^٢) والبيهقي (^٣) مرفوعًا، ورواه غيرهما\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٤٤).\n(^٢) المعجم الأوسط (٢٧٨،) (٩٣٦٥)، ومن طريقه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢٧٢)، وفي الحلية (٤/ ٣٦٣)، قال أبو نعيم: لم يروه مرفوعا متصلا عن أبي سنان عن عبدالله إلا محمد بن سليمان بن الاصبهاني ورواه ابن عيينة وابن فضيل وجرير عن أبي سنان فاختلفوا فأوقفه ابن فضيل على أبي هريرة ... ثم خرجه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٩) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن سليمان بن الأصبهاني، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٧١)، والضعيفة (٥٣٠٢).\n(^٣) البيهقي في البعث والنشور (٥١٠).","vol":"14","page":629},{"text":"موقوفا عليه وهو أصح (^١).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقتهم فلفحتهم لفحة لم تدع لحما على عظم إلى ألقته على العرقوب\" الحديث، تقدم الكلام على جهنم أعاذنا الله منها ولفح النار هو حرها ووهجها.\nفائدة في الصحيحين (^٢) من حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ-: \"اشتكت النار إلى ربها فقالت: أي ربي أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفسًا في الشتاء ونفسا في الصيف. فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها وأشد ما تجدون من الحر من سمومها. فقوله: \"فقالت النار\" الظاهر أن ذلك قول حقيقي إذا لا مانع في أن الله تعالى ينطق النار كما روي أنه لما ناجى موسى عليه اللام اعتزل جبريل ﵇ يبكي ويقول: ما أدري ما يناجيه به، فأنطق الله تعالى جبة موسى ﵊ فقالت لجبريل: أنا أقرب منك إلى جسد موسى ولا أدري ما يناجيه به ولا أسمعه. وأبعدَ بعضهم فحمل القول في الحديث على لسان الحال كقول الشاعر:\nشكى إليّ جملي طول السُّرى ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى\nوالمراد بالزمهرير شدة البرد وهو الذي أعده الله عذابا للكفار في الدار الآخرة.\nوروي عن ابن عباس -﵄- قال: يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح\n_________\n(^١) البيهقي في البعث والنشور (٥١١).\n(^٢) البخاري (٥٣٦)، وصحيح مسلم (١٨٥) (٦١٧) عن أبي هريرة.","vol":"14","page":630},{"text":"باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر (^١). وعن مجاهد قال: يهربون إلى الزمهرير فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض (^٢). وعن كعب (^٣) قال: إن في جهنم بردا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى [يستغيثوا] بحر جهنم وعن عبد الملك بن عمير قال (^٤): بلغني أن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فأخرجوا فقتلهم البرد والزمهرير حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوه من البرد.\nوقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (^٥). وقال الله تعلى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ (^٦)، قال ابن عباس (^٧): الغساق الزمهرير البارد الذي يحرق من برده. وقال مجاهد (^٨): هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. وقيل: الغساق البارد المنتن، وتقدم أيضًا ذكر الغساق قريبًا، أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه يا من تتلى عليه أوصاف جهنم ويشاهد تنفّسها كل عام حتى يحس به ويتألم وهو\n_________\n(^١) صفة النار (١٥٢).\n(^٢) صفة النار (١٠٢).\n(^٣) حلية الأولياء ج ٥/ ٣٧٠).\n(^٤) صفة النار (١٥١).\n(^٥) سورة النبأ، الآية: ٢٤ - ٢٥.\n(^٦) سورة ص، الآية: ٥٧.\n(^٧) صفة النار (١٥٣).\n(^٨) تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٣٩٥/ ١٩١٠٠) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣٩٦) لابن المنذر وابن أبي حاتم.","vol":"14","page":631},{"text":"مصر على ما يقتضي دخولها مع أنه يعلم، ستعلم إذا جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام من يندم ألك صبر على سعيرها وزمهريرها، قل وتكلم، ما كان صلاحك يرجى والله أعلم. قاله ابن رجب (^١).\n\n٥٦١١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- فِي قَوْله تَعَالَى فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام الرَّحْمَن ١٤ قَالَ يجمع بَين رَأسه وَرجقَيْهِ ثمَّ يقصف كمَا يقصف الْحَطب رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا (^٢).\n\n٥٦١٢ - وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب -﵁- أَنه قَرَأَ هَذِه الآيَة كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب النِّسَاء ٦٥ قَالَ يَا كعْب أَخْبرنِي عَن تَفْسِيرهَا فَإِن صدقت صدقتك وَإِن كذبت رددت عَلَيْك فَقَالَ إِن جلد ابْن آدم يحرق ويجدد فِي سَاعَة أَو فِي يَوْم مِقْدَار سِتَّة آلاف مرّة قَالَ صدقت رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^٣).\n\n٥٦١٣ - وَرُوِيَ أَيْضا عَن الْحسن وَهُوَ الْبَصْرِيّ قَالَ كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب قَالَ تأكلهم النَّار كلل يَوْم سبعين ألف مرّة كلما أكلتهم قيل لَهُم عودوا فيعودون كمَا كَانُوا (^٤).\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٣٣).\n(^٢) أخرجه البيهقى في البعث (٥٣٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٧٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه البيهقى في البعث (٥٧٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٧٣).\nولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٤) أخرجه البيهقى في البعث (٥٧٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٧٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":632},{"text":"٥٦١٤ - وعن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة. ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك من شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"وعن أنس\" هو ابن مالك تقدم. قوله -ﷺ-: \"يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب\" الحديث، الصبغة بفتح الصاد، ومعنى فيصبغ في النار أي يغمس في النار غمسة كما يغمس الثوب في الصبغ ويجوز أن يكون بمعنى يغير لأنه نقل عن الفراء أنه قال: أصل الصبغ التغيير ونقل الشيء من حال إلى حال. قاله في شرح مشارق الأنوار (^٢)، وفي حديث آخر: [أصبغوا] في النار، قاله في النهاية (^٣).\nقوله -ﷺ-: \"ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة\" الحديث. والبؤس بالهمز هو الشدة وهو ضد النعيم وتقدم الكلام على الصبغ [أنه الغمس] (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٥٥) (٢٨٠٧).\n(^٢) انظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٤/ ٢٥٩).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٠).\n(^٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":633},{"text":"٥٦١٥ - وعن سويد بن غفلة -﵁- قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل للرجل منهم صندوقا على قدره من نار لا ينبض منه عرق إلا فيه مسمار من نار، ثم تضرم فيه النار، ثم يقفل بقفل من نار، ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار ثم يضرم بينهما نار، ثم يقفل بقفل من نار، ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار ثم يضرم بينهما نار ثم يقفل، ثم يلقى أو يطرح في النار فذلك قوله. من فرقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون، وذلك قوله: [لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون] قال: فما يرى أن في النار أحدا غيره. رواه البيهقي (^١) بنحوه من حديث ابن مسعود بإسناد منقطع. [قال الحافظ]: سويد بن غفلة ولد في العام الذي ولد فيه النبي -ﷺ- وهو عام الفيل، وقدم المدينة حين دفنوا النبي -ﷺ- ولم يره، وتوفي في زمن الحجاج وهو ابن خمس وعشرين، وقيل: سبع وعشرين ومائة. قوله: \"وعن سُويد بن غفَلة\" [وغَفَلَة] بغين معجمة وفاء مفتوحتين، ومن قال: عقلة بالعين المهملة والقاف فهو تصحيف ظاهر وخطأ بيّن وهو أبو أمية سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر بن وداع الجعفي الكوفي التابعي المخضرم بفتح الراء، أدرك الجاهلية كثيرا وأسلم في حياة رسول الله -ﷺ- ولم\n_________\n(^١) البيهقي في البعث والنشور (٥٣٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤١٤)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (١٦١) والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٢٤/ ٩٠٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٧٦): وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٧٥) وقال: بل هو مقطوع؛ لأن سويد بن غفلة ليس صحابيًا كما يستفاد من ترجمة المؤلف وغيره إياه، فلو أنه رفع الحديث لكان مرسلًا، فكيف وهو لم يرفعه. بإسناد حسن موقوفًا.","vol":"14","page":634},{"text":"يره وأدّى صدقته إلى مُصدّق رسول الله -ﷺ- ثم قصد المدينة فوصلها في يوم دفن رسول الله -ﷺ-. روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبلال وأبي ذر وغيرهم. قال هشيم بلغ سويد بن غفلة مائة وثمانيا وعشرين سنة وقال ابن نمير: توفي سنة إحدى وثمانين وله مائة وعشرون سنة، وقيل: توفي ابن مائة وإحدى وثلاثين بالكوفة. والله أعلم.\nقوله: \"إذا أراد الله أن ينسى أهل النار جعل للرجل منهم صندوقا على قدره من نار لا ينبض منه عرق إلا فيه مسمار من نار\" الحديث، الصندوق بضم الصاد وفتحها معروف. وقوله: \"لا ينبض منه عرق\" أي لا يتحرك، قوله: \"ثم تضرم بينهما نار\" بضم التاء وإسكان الضاد أي تحرق سريعا. قال أهل اللغة: ضرمت الثار بكسر الراء وتضرمت وأضرمت أي التهبت وأضرمتها أنا وضرمتها.","vol":"14","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>فصل في بكائهم وشهيقهم</span>\n٥٦١٦ - عن عبد الله بن عمرو -﵄-. قال: إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يقول: إنكم ماكثون، ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فلا يجيبهم مثل الدنيا، ثم يقول: [اخسئوا فيها ولا تكلمون]، ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير أولها شهيق وآخرها زفير. رواه الطبراني (^١) موقوفا ورواته محتج بهم في الصحيح، والحاكم (^٢) وقال صحيح على شرطهما.\n[الشهيق] في الصدر.\nو[الزفير] في الحلق، وقال ابن فارس: الشهيق ضد الزفير لأن الشهيق رد النفس، والزفير إخراج النفس.\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٣٥٢/ ١٤١٧)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٦)، وقال: \"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح\". ورواه نعيم بن حماد في روايته للزهد لابن المبارك (٣١٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٠٤٧)، ابن أبي شيبة (٣٥١٢١) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في صفة النار (١٦٨) وهناد في الزهد (٢١٤) والطبري في تفسيره (٢٠/ ٦٤٩ - ٦٥٠)، والبيهقي في البعث والنشور (٦٤٨ و٦٤٩) والدينوري في المجالسة (٢٢٩٣)، والبغوي في شرح السنة (٤٤٢٠).\n(^٢) الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٥) و(٤/ ٥٩٨). وعنه: البيهقي في البعث والنشور (٥٧٧)، وفي الأسماء والصفات (٤٨٠) قال الحاكم -في الموضع الأول-: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه. وفي الموضع الثاني: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٩١).","vol":"14","page":636},{"text":"قوله: \"عن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله: \"إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما\" ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (^١) \"مالك اسمه مشتق من الملك وهو القوة والشدة جث تصرفت حروفه. قال الزمخشري (^٢) في تفسير آخر سورة المؤمنين: \"عن ابن عباس -﵄-: إن لأهل النار ست دعوات إذا دخلوا النار. قالو: ألف سنة ربنا أبصرنا وسمعنا، فينادون -وفي نسخة: فيجابون- حق القول مني. فينادون ألفا سنة ربنا أمتنا اثنتين فيجابون بأنه إذا دعى لله وحده كفرتم فينادون ألفا سنة يا مالك ليقض علينا ربك. فيجابون: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (^٣)، فينادون ألفا سنة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (^٤)، فينادون ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ﴾ (^٥) الآية، فينادون: ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (^٦) فيجابون ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ]﴾ (^٧) الآية، فينادون ألفا سنة ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ (^٨)،\n_________\n(^١) سورة الزخرف، الآية: ٧٧.\n(^٢) الكشاف (٣/ ٢٠٧).\n(^٣) سورة الزخرف، الآية: ٧٧.\n(^٤) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٧.\n(^٥) سورة إبراهيم، الآية: ٤٤.\n(^٦) سورة فاطر، الآية: ٣٦.\n(^٧) سورة فاطر، الآية: ٣٦.\n(^٨) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٧.","vol":"14","page":637},{"text":"فيجابون ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (^١)، وهذا آخر كلام يتكلمون ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير [والعواء كعواء] الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. قلت: وظهر أن الدعوات إنما كانت ستا لأنها لأهل الطبقات الست، أما الطبقة الأولى فإنها للموحدين وهم لا يخلدون بل يخرجون منها وهذه الطبقات الست لكل طبقة دعوة وإجابة ثم لا يتكلمون ولا يجابون. [وانتهى والله تعالى أعلم. والمكث هو اللبث.\nقوله: \"ثم يقول: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (^٢) \"، الحديث] يقال: خسأت الكلب إذا طردته فهو متعد وخسأ الكب بنفسه فهو لازم. وقيل هو زجر للكلب وإبعاد له، قال الله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (^٣) أي أي ابعدوا بُعد الكلاب ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم وكل من عصى الله تعالى سقطت حرمته فجاز خطابه بنحوه من الغلظة والذم ليرجع عن ذلك، قاله الكرماني (^٤). وقال غيره: أي تركهم وأعرض عنهم، والله أعلم. قوله: \"ثم \"ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق\"، الزفير يكون في الصدر والشهيق في الحلق. وقال ابن [فارس]: \"الشهيق ضد الزفير لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس\" اهـ، قاله الحافظ.\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨.\n(^٢) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨.\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨.\n(^٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٢/ ٣٦).","vol":"14","page":638},{"text":"٥٦١٧ - وروى الْبَيْهَقِيّ (^١) عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله لَهُم فِيهَا زفير وشهيق قَالَ صَوت شَدِيد وَصَوت ضَعِيف. قَالَ الْحَافِظ وَتقدم حَدِيث أبي الدَّرْدَاء وَفِيه فَيَقُولُونَ ادعوا مَالِكًا فَيَقُولُونَ يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك قَالَ ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (^٢) قَالَ الأعْمَش نبئت أَن بَين دُعَائِهِمْ وَبَين إِجَابَة مَالك لَهُم ألف عَام قَالَ فَيَقُولُونَ ادعوا ربكُم فَلَا أحد خير من ربكُم فَيَقُولُونَ ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (^٣) قَالَ فَيُجِيبهُمْ ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (^٤) قَالَ فَعِنْدَ ذَلِك يئسوا من كل خير وَعند ذَلِك يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِير والشهيق وَالْويل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^٥).\n\n٥٦١٨ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيها السفن لجرت. رواه ابن ماجه وأبو يعلى، ولفظه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في خدودهم\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في الشعب (٥٩٦)\n(^٢) سورة الزخرف، الآية: ٧٧.\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٤) سورة المؤمنون، الآية: ١٠٨.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٥٨٦). وضعفه الألباني في المشكاة (٥٦٨٦) وضعيف الترغيب (٢١٦٠) و(٢١٧٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":639},{"text":"كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فيسيل يعني الدم فيقرح العيون. وفي إسنادهما يزيد الرقاشي وبقية رواة ابن ماجه ثقات احتج بهم البخاري ومسلم. ورواه الحاكم (^١) مختصرا عن عبد الله بن قيس مرفوعا قال: إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، وإنهم ليبكون الدم مسكان الدمع. وقال: صحيح الإسناد.\n[الأخدود] بالضم: هو الشق العظيم في الأرض.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في خدودهم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع\" الجداول جمع جدول وهو النهر الصغير. قاله الحافظ المقدسي، وقوله: \"إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت\" السفن جمع سفينة وهي المراكب، قوله: \"كهيئة الأخدود\" وقد ذكر الحافظ الأخدود أنه الشق العظيم في الأرض. [والله تعالى أعلم بالصواب].\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٣٢٤)، وأبو يعلى في مسنده (٤١٣٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٠٥)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٧٩)، وفي صحيح الجامع الصغير (٨٠٨٣) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٧٨).","vol":"14","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>الترغيب الجنة ونعيمها ويشتمل على فصول</span>\n٥٦١٩ - عَن أبي بكرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من قتل نفسا معاهدة بِغَيْر حَقّهَا لم يرح رَائِحَة الْجنَّة فَإِن ريح الْجنَّة ليوجد من مسيرَة مائَة عَام، وَفِي رِوَايَة وَإِن لريحها ليوجد من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام. رواه ابن حبان في صحيحه (^١).\nقوله: \"عن أبي بكر الصديق\" هو أبو بكر الصديق بن أبي قحافة -﵄- تقدم الكلام على مناقبه في عدة مواضع من هذا التعليق.\nقوله -ﷺ-: \"من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة\"، المعاهد يجوز أن يكون بكسر الهاء وفتحها على اسم الفاعل والمفعول، وهو في الحديث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد من بينك وبينه عهد وأكثر ما يطلق في\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٤٨٨١، ٤٨٨٢ و٧٣٨٢)، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٨٥٢١، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٩٤٤) (٢٧٩٤٥)، وأحمد (٥/ ٣٦ و٣٨ و٥/ ٥٢)، والبخاري فيالتاريخ الكبير (١/ ٤٢٨) معلقا وأبو داود (٢٧٦٠) والنسائي (٨/ ٢٥)، وفي الكبرى (٦٩٢٤ و٨٦٩٠)، والبزار (٣٦٩٦) (٣٦٧٩) والدارمي (٢٥٠٧) وابن الجارود (٨٣٥ و١٠٧٠)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٠٥) والحاكم (١/ ٤٤) (٢/ ١٤٢) والحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث المختصر (٢/ ١٨٣) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٦٤٥٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٠٠٨)، وفي السلسلة الصحيحة (٢٣٥٦).","vol":"14","page":641},{"text":"الحديث على أهل الذمة وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صُولحوا على ترك الحرب مدة [ما].\nوفي الحديث (^١): أيما رجل أمّن رجلا على ذمة ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافرا، فالغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرا وتقدم الكلام على ضبطه وتفسيره أيضا مبسوطا وذلك مذكور في الترهيب من [الخيانة] والغدر وإنجاز الوعد. وقوله: لم يرح رائحة الجنة، أي لم يشم ريحها، وهو بضم الياء من يرح وكسر الراء عند الكسائي وبفتحها عند أبي عبيد، ومعناهما واحد، وتقدم ذكر ذلك أيضا في أماكن متفرقة من هذا التعليق. قوله ﷺ: \"وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام\" وفي رواية: \"وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام\" وفي حديث جابر الذي بعده: وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة ألف عام، والله لا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم\" وفي صحيح البخاري (^٢): إن ريح الجنة [تنشق] من\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي (١٣٨١ و١٣٨٢)، أحمد (٢١٩٤٦) (٢١٩٤٧)، وابن ماجه (٢٦٨٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٦٨٦) (٨٦٨٧)، وابن حبان (٥٩٨٢) وابن أبي عاصم، في \"الآحاد والمثاني\" (٢٣٤٣: ٢٣٤٥)، والبزار (٢٣٠٦: ٢٣٥٨)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢٥٥١ و٤٢٥٢ و٦٦٤٠ و٦٦٥٥ و٧٥٩٠ و٧٧٨١ و٨٤٢٨)، والبيهقي ٩/ ١٤٢، وفي دلائل النبوة (٦/ ٤٨٣) والبغوي (٢٧١٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٩٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٣٦) إسناد صحيح ورجاله ثقات.\n(^٢) صحيح البخاري (٣١٦٦).","vol":"14","page":642},{"text":"مسيرة أربعين عاما. وفي رواية للترمذي (^١) من مسيرة سبعين خريفا، وغيو ذلك من الأحاديث. وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بوجه ويحتمل هذا الاختلاف أن يكون ذلك بحسب اختلاف إدراك أهل الجنة وتفاوت مراتبهم فمن كان أعلى رتبة نشق من مسيرة ألف عام، ويحتمل غير ذلك، [والله تعالى أعلم]، قاله في حادي القلوب (^٢).\nوقال بعض العلماء: والظاهر والله أعلم أن هذا [الاختلاف] بحسب اختلاف درجات أهل الجنة: فمن كان من أهل الدرجات العلى شمّه من ألفط عام، ومن كان دونه فمن مسيرة خمسمائة عام ثم من مائة ثم من سبعين ثم من أربعين. وقال بعض العلماء: ويحتمل [وجوها أخر]: الوجه الأول أنه أوحي إليه -ﷺ- أن ريح الجنة يوجد من أربعين، ثم أوحي إليه أنه يوجد من سبعين ثم من مائة ثم من خمسائة ثم من ألف، فأخبر كما أوحي إليه. [\"قلت وتخصيص هذه الأعداد بالذكر مما لا تدرك حكمته إلا بتوقيف من الشارع صلى لله عليه وسلم أو بطريق الكشف والله أعلم، وما يأتي للمصنف لا يخفى بعده لمن تأمله والله أعلم\"] (^٣)، [الوجه] الثاني يحتمل أن قاتل المعاهد إذا أراد قتله [وهوانه وتركه خشية من الله سبحانه كان من حسناته] أن يجد ريح الجنة من المدة التي ذكرت واختلاف المدة فيه باعتبار الإيحاء كما تقدم\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١٤٠٣) حديث حسن صحيح.\n(^٢) لم أجده في المخطوط.\n(^٣) سقطت هذه الحاشية من النسخة الهندية.","vol":"14","page":643},{"text":"[في الوجه الذي كتب] (^١)، وكذلك قوله: إذا سألت المرأة [طلاقها] من غير ما بأس، لو تركت [السؤال من غير ما بأس لو تركت السؤال] خشية من الله تعالى ورغبة كان [منزلتها] أنها تجد ريح الجنة من أربعين [عاما] وكذلك من ادعى إلى غير أبيه يجري على هذا المجرى والله تعالى أعلم بمراد رسوله ﷺ. قال في حادي الأرواح (^٢): وقد أشهد الله ﷾ عباده في هذه الدار آثارا من آثار الجنة وأنموذجا منها من الرائحة الطيبة واللذات المشتهاة والمناظر [البهية] والفاكهة الحسنة والنعيم والسرور وقرة العين وغير ذلك.\nوقد روى أبو نعيم (^٣) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: يقول الله ﷿ للجنة طيبي لأهلك فتزداد طيبا فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك كما جعل الله ﷾ [دار] الدنيا وآلامها وغمومها وإحراقها [تذكره بنار الآخرة، قال الله تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ (^٤)، وأخبر النبي -ﷺ-: أن شدة الحر] والبرد من إنفاس جهنم فلابد أن يُشهد عباده أنفاس جنته وما يذكرهم بها والله\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٦٢)\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (ص ١٥)، ومن طريقه أبو نعيم في صفة الجنة (٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٢) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن عبد الغفار، وهو متروك. انظر: السلسلة الضعيفة (٦٧٥٧).\n(^٤) سورة الواقعة، الآية: ٧٣.","vol":"14","page":644},{"text":"المستعان. [قاله في حادي الأرواح (^١)]، وقال بعض شراح البخاري: حديث عبد الله بن عمرو يدل على أن المسلم إذا قتل ذميا لا يقتل به لأن النبي -ﷺ- إنما ذكر هذا الوعيد للمسلم وعظم الإثم فيه في الآخرة ولم يذكر بينهما قصاصًا في الدنيا، فقوله -ﷺلم يرح رائحة الجنة معناه على الوعيد [لا على] التحتم والإلزام وإنما هذا لمن أراد الله تعالى إنفاذ الوعيد عليه: قال: فإن قيل قد جاء في حديث: من ادعى إلى غير أبيه [لم يرح رائحة الجنة و] إن ريحها ليوجد من مسيرة [سبعين عامًا، وفي حديث الموطأ في النساء الكاسيات العاريات: وإن ريحها ليوجد من مسيرة] (^٢) خمسمائة عام، فما الحكمة في اختلاف المدد في وجود ريح الجنة؟ فالجواب: يحتمل والله أعلم أن تكون الأربعون هي أقصى أشد العمر في قول أكثر أهل العلم فإذا بلغ ابن آدم زاد [عمله] ويقينه واستحكمت بصيرته في الخشوع لله تعالى والتذلل [له] والندم على ما سلف فكأنه وجد ريح الجنة التي تبعثه على الطاعة وتمكن من قلبه الأفعال الموصلة إلى الجنة فهذا وجد ريحها من مسيرة أربعين وأما السبعون عاما فإنها آخر [المعترك] وهي أعلى منزلة من الأربعين في الاستبصار ويعرض للمرء عندها من الخشية والندم لاقتراب أجله ما لم يعرض له قبل ذلك وتزداد طاعته بتوفيق الله فيجد ريح الجنة من مسيرة سبعين عامًا وأما وجه الخمسمائة عام فهي فترة ما بين نبي [ونبي] فيكون من\n_________\n(^١) حادي الأرواح (ص: ١٦٢).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":645},{"text":"[جاء] في آخر الفترة واهتدى باتباع [النبي] الذي كان قبل الفترة ولم يضره طولها فوجد ريح الجنة على خمسمائة عام (^١). [\"لعل هذا هو محل قوله حوله، وقال بعض العلماء إلى قوله والله أعلم بمراد رسول الله -ﷺ-.\nوقوله: \"فوجد ريح الجنة على خمسمائة عام\" هذا يقتضي أن أهل الفترة أقوى إدراكا لريح الجنة من آخر هذه الأمة حتى الصحابة فمن عداهم وهذا ومن الصحابة لما حضر أحد قال لصاحبه إذا ذاك إني لأجد ريح الجنة دون أحد، ثم تقدم فقاتل حتى قتل يرحمه الله، خصوا بذلك وإن لم يعيشوا الأربعين والسبعين فضلا عمن أدكرها ويقتضي أيضا قصر ذلك على من عاش هذين السنين من هذه الأمة خاصة ولو شابا نشأ في عبادة الله ولا يخفى ما في ذلك كله والله أعلم\"] (^٢). واعلم أن اسم الجنة شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات [كبيرة] جدًّا كما روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن أم الربيع وهي أم حارثة بن سراقة أنها أتت رسول الله -ﷺ- فذكر الحديث إلى أن قال: يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى منها (^٣)، اهـ.\nوللجنة عدة أسماء الأول الجنة وهو الاسم العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة والبهجة والسرور وقرة الأعين\n_________\n(^١) شرح ابن بطال ٨/ ٥٦٤ - ٥٦٥، والتوضيح ١٨/ ٥٩٦.\n(^٢) سقطت هذه الحاشية من النسخة الهندية.\n(^٣) البخاري (٦٥٦٧، ٦٥٦٨)، وانظر حادى الأرواح (ص: ١٠٢).","vol":"14","page":646},{"text":"واشتقاق هذه اللفظة وهي الجنة التي هي دار النعيم في الدار الآخرة من الاجتثان وهو السّتر والتغطية لتكاثف أشجارها وتظليله بالتفاف أغصانها ومنه سمي البستان جنة لأنه يستر داخله بالأشجار ويغطيه فلا يستحق هذا الاسم إلا موضع كثير الشجر مختلف الأنواع ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه، والجان [لاستتارهم] عن العيون واختفائهم عن الأبصار والمجن لستره ووقايته الوجه والمجنون لاستتار عقله وتواريه عنه والجنّان وهي الحية الصغيرة الدقيقة كما ورد به الحديث، ومنه الحديث أيضا جنّ عليه الليل أي ستره. والجُنة بضم الجيم ما يستر به الرأس من ترس أو غيره. ومنه قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (^١)، ومنه الجنة بالكسر وهم [الجن] كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (^٢)، وذهبت طائفة من المفسرين إلى أن الملائكة يسمون جنة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (^٣)، قالوا: وهذا أنسب بقولهم: الملائكة بنات الله (^٤).\nالاسم الثاني: دار السلام: والسلام في الأصل السلامة. [وقد سماها الله تعالى بهذا الاسم في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٥)، وقوله\n_________\n(^١) سورة المجادلة، الآية: ١٦.\n(^٢) سورة الناس، الآية: ٦.\n(^٣) سورة الصافات، الآية: ١٥٨.\n(^٤) حادى الأرواح (ص ٩٥ - ٩٦).\n(^٥) سورة الأنعام، الآية: ١٢٧.","vol":"14","page":647},{"text":"تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (^١)]. قال قتادة: السلام هو الله ﷿، وداره الجنة وهي أحق بهذا الاسم فإنها دار السلامة من كل بليّة وآفة ومكروه، وهي دار الله واسمه سبحانه السلام الذي سلمها وسلم أهلها وتحيتهم فيها سلام، والرب ﷾ [يسلم عليهم من فوقهم كما قال تعالى:] ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^٢) [و] قيل المراد بالسلام التحية، [سميت الجنة دار السلام] (^٣) لأن أهلها يُحيي بعضهم بعضا بالسلام والملائكة [تسلم] عليهم. قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (^٤) [قاله البغوي]. الاسم الثالث: دار الخلد، وسميت بذلك لأن أهلها لا يظعنون عنها أبدا، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (^٦)، الاسم الرابع: دار المقامة. قال الله تعالى حكاية عن أهلها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٢٥.\n(^٢) سورة يس، الآية: ٥٧ - ٥٨.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سورة الرعد، الآية: ٤٣ - ٤٤.\n(^٥) سورة هود، الآية: ١٠٨.\n(^٦) سورة الرعد، الآية: ٣٥.\n(^٧) سورة فاطر، الآية: ٣٤ - ٣٥.","vol":"14","page":648},{"text":"قال مقاتل: أنزلنا دار الخلود، وأقاموا فيها أبدا لا يموتون ولا يتحولون منها أبدًا. وقال الفراء والزجاج: المقامة محل الإقامة. يقال: أقمت بالمكان إقامة ومقاما. الاسم الخامس: جنة المأوى، وقال الله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (^١)، قال عطاء وابن عباس: هي الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة، وقال مقاتل والكلبي: هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء. وقال كعب جنة المأوى فيها طير خضر ترتعي فيها أرواح الشهدء.\nوقالت عائشة -﵂- وزر بن حبيش: هي جنة من الجنات، والصحيح أنه اسم من أسماء الجنة كما قال تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ [﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾] (^٢) الآية-، وقال في النار ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (^٣) وقال ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ (^٤) الآية. الاسم السادس جنات عدن فقيل هي اسم لجنة من جملة [الجنات] والصحيح أنه اسم لجملة الجنات [فكلها] جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب. وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ (^٦) وهو مشتق من العدون والاشتقاق يدل على أن\n_________\n(^١) سورة النجم، الآية: ١٥.\n(^٢) سورة النازعات، الآية: ٤٠ - ٤١.\n(^٣) سورة النازعات، الآية: ٣٩.\n(^٤) سورة الجاثية، الآية: ٣٤.\n(^٥) سورة الرعد، الآية: ٢٣.\n(^٦) سورة الصف، الآية: ١٢.","vol":"14","page":649},{"text":"جميعها جنات عدن فإنه من الإقامة والدوام يقال عَدَن بالمكان إذا أقام به ومنه سمي [العَدِن] بكسر الدال لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء (^١).\nالاسم السابع دار الحيوان، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (^٢) أي دار الحياة التي لا موت فيها، والمراد الجنة عند أهل التفسير. قالوا: وإن الآخرة يعني الجنة لهي الحيوان لهي الحياة التي لا موت فيها. [فقال الكلبي: هي جنات لا موت فيها]، وقال الزجاج هي دار الحياة الدائمة، وقال أهل اللغة بغير ذلك. الاسم الثامن: الفردوس قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ إلى قوله ﴿الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ (^٤) والفردوس اسم يقع على جميع الجنة ويقال على أفضلها وأعلاها كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنات وأصل الفردوس في اللغة البستان والفراديس البساتين. قال كعب -﵁-: هو البستان الذي فيه الأعناب، وقال الليث الفردوس جنة ذات كروم يقال كرم مفردس أي معرش. وقال الضحاك هي الجنة الملتفة بالأشجار وهو اختيار المبرد وقال الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف والأغلب عليه العنب\n_________\n(^١) حادى الأرواح (ص ٩٦ - ٩٨).\n(^٢) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ١٠ - ١١.\n(^٤) سورة الكهف، الآية: ١٠٧.","vol":"14","page":650},{"text":"وجمعه الفراديس. قال: وبهذا سمى باب الفراديس بالشام. وقال مجاهد هو البستان بالرومية واختاره الزجاج (^١).\nالاسم التاسع جنات النعيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾ (^٢) وهذا أيضا اسم جامع لجميع الجنات لما تضمنته من [الأنعام] التي يتنعم بها من المأكول والمشروب والملبوس والصور والرائحة الطيبة والمنظر البهيج والمساكن الواسعة وغير ذلك من النعيم الظاهر والباطن (^٣).\nالاسم العاشر المقام الأمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ (^٤) فالمقام موضع الإقامة والأمين الأمين من كل سوء وآفة ومكروه وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد والبلد الأمين الذي قد أمن من أهله فيه مما يخاف منه سواهم وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ ووفي قوله ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ (^٥) فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام فلا يخافون\n_________\n(^١) حادى الأرواح (ص ٩٨ - ٩٩).\n(^٢) سورة لقمان، الآية: ٨.\n(^٣) حادى الأرواح (ص ١٠٠ - ١٠١).\n(^٤) سورة الدخان، الآية: ٥١.\n(^٥) سورة الدخان، الآية: ٥٥.","vol":"14","page":651},{"text":"انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرتها وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك وأمن من الموت فلا يخافون فيها موتًا. الاسم الحادي عشر والثاني عشر مقعد الصدق وقدم الصدق قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (^١) فسمى الجنة مقعد صدق لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها كما يقال مودة صادقة إذا كانت ثابتة تامة وفسر قدم الصدق بالجنة وفسر بالأعمال التي تنالى بها الجنة وله تفاسير كثيرة يطول ذكرها (^٢) والله أعلم.\nتنبيه: قوله ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي في مكان مرضي حسن والعرب إذا [بالغت] في مدح شيء أضافته إلى الصدق، كقوله تعالى ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ (^٣) و﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ (^٤)، وقرئ: في مقاعد صدق، والمقعد أحسن من المجلس لأن القعود هو المكث الطويل فهو أخص من الجلوس. قال عطاء: في جوار الرحمن عند مليك مقتدر عظيم الملك والاقتدار لا شيء إلا هو تحت ملكه وقدرته لا يعجزه شيء فأي منزلة أكرم من تلك المنزلة و[أي كلمة] (^٥) عند إشارة إلى الزلفى والكرامة والمعنى في مكان أكرم به أولياءه لا يقدر قدره ولا\n_________\n(^١) سورة القمر، الآية: ٥٤ - ٥٥.\n(^٢) حادى الأرواح (ص: ١٠١).\n(^٣) سورة مريم، الآية: ٥٠.\n(^٤) سورة يونس، الآية: ٢.\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":652},{"text":"يدرك كنه حسنه [إلا الله تعالى] أنالنا الله [واياكم] إياه بفضل منه ورحمة إنه قريب مجيب، اهـ[قاله في حادي الأرواح (^١)].\nفائدة: اختلف الناس في الجنة التي أسكنها الله آدم وأهبط منها هل هي جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة أم جنة أخرى في موضع عال من الأرض؟ قال منذر بن سعيد في تفسيره: وأما قوله تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (^٢) فقالت طائفة أسكن الله آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة. وقال آخرون: هي جنة غيرها جعلها الله له [وأسكنه] إياها ليست جنة الخلد. وقال أبو الحسن الماوردي في تفسيره (^٣): واختلف في الجنة التي أسكناها على قولين: أحدهما: أنها جنة الخلد، الثاني: أنها جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها الله دار جزاء، ومن قال بهذا اختلفوا على قولين: أحدهما أنها في السماء لأنه أهبطهما منها، وهذا قول الحسن. الثاني أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار وهذا قول ابن بحر وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم والله أعلم بصواب ذلك، هذا كلامه. وقال ابن الخطيب في تفسيره المشهور واختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية هل كانت في الأرض أو في السماء وبتقدير أنها كان في السماء فهل هي الجنة\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٣٣٥).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٥.\n(^٣) تفسير الماوردي= النكت والعيون (١/ ١٠٤).","vol":"14","page":653},{"text":"التي هي دار الثواب وجنة الخلد أو جنة أخرى. فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني هذه الجنة في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ (^١) واحتجا عليه بوجوه. القول [الأول]: وهو قول الحماني أن تلك الجنة كافت في السماء السابعة. القول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب. قال أبو القاسم الراغب في تفسيره: واختلف في الجنة التي أسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله الله امتحانا ولم يكن جنة المأوى، وممن ذكر هذا الاختلاف أيضا أبو عيسى الرماني في تفسيره وإخباره أنها جنة الخلد. ثم قال: والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا، وهو قول أبي علي وشيخنا أبي بكر وعليه أهل التفسير واختيار ابن الخطيب التوقف وترك القطع. قال منذر بن سعيد: والقول بأنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد هو قول أبي حنيفة وأصحابه (^٢) [انتهى].\nولنذكر حجة الفريقين فحجة من اختار أنها جنة التي يدخلها الناس يوم القيامة قالوا: قولنا هذا هذا هو الذي فطر الله عليه الناس صغيرهم وكبيرهم لا يخطر بقلوبهم سواه وأكثرهم لا يعلم في ذلك نزاعا. قالوا: وقد روى مسلم في صحيحه (^٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يجمع\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٦٠.\n(^٢) تفسير الراغب (١/ ١٥٤)، وحادى الأرواح (ص ٢٢).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٢٩) (١٩٥).","vol":"14","page":654},{"text":"الله تعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا آدم استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، وذكر الحديث.\nقالوا: وهذا يدل على أن الجنة التي خرج منها هي بعينها التي يطلب منه أن يستفتحها وكذلك قول آدم للمؤمنين وهل أخرجكم من الجنة إلا خطئية أبيكم، وخطيئته لم تخرجهم من جنان الدنيا. قالوا: وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (^١)، فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين: أحدهما من لفظة: ﴿اهْبِطُوا﴾ فإنه نزول من علو إلى أسفل، والتاني من قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ وعقيب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض ثم أكد هذا بقوله في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (^٢).\nولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده والدلائل على هذا كثيرة قالوا وأيضا فهذه القصة في سورة الأعراف ظاهرة جدا في الجنة التي أخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٥ - ٣٦.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٥.","vol":"14","page":655},{"text":"لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾] (^١) الآية، فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنة ولهذا أتى فيه بضمير الجمع. قالوا: وأيضًا فالجنة جنات معرفة بلام التعريف في جميع المواضع، لقوله له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة﴾ (^٢) ونظائره ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة كالمدينة والنجم والبيت والكتاب ونظائرها فحيث ورد لفظها معرفا انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما إن أريد به جنة غيرها فإنها تجيء منكرة أو مقيدة بالإضافة أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض فالأول كقوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ (^٣) والثاني كقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ (^٤) والثالث كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (^٥) (^٦)، اهـ.\nوأما حجة الطائفة الأخرى التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي جنة في الأرض، قالوا: قد أخبر الله ﷾ على لسان جميع رسله أن جنة الخلد إنما يكون الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد وقد\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٣٤.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٣٥.\n(^٣) سورة الكهف، الآية: ٣٢.\n(^٤) سورة الكهف، الآية: ٣٩.\n(^٥) سورة القلم، الآية: ١٧.\n(^٦) حادى الأرواح (ص ٢٢ - ٢٨).","vol":"14","page":656},{"text":"وصفها الله لنا في كتابه بصفاتها ومحالى أن يصف الله سبحانه شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفه بها. قالوا: فوجدنا لله تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بأنها دار المقامة فمن دخلها أقام بها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها ووصفها بأنها جنة الخلد وآدم لم يخلد فيها ووصفها بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلي فيها آدم بأعظم الابتلاء ووصفها بأنها ليست دار خوف ولا حزن وقد حصل للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل فسماها دار السلام ولم يسلم فيها الأبوان من الفتنة، ودار القرار ولم يستقرا فيها، وقال في داخليها: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (^١) وقد أخرج منها الأبوان.\nقال منذر: وقد روي عن النبي -ﷺ- أن آدم نام في جنته وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين فإن النبي ﷺ سئل أينام أهل الجنة في الجنة؟ فقال: لا النوم أخو الموت والنوم وفاة، وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب. قال: ودار [السلام] مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت، قلت: الحديث الذي أشار إليه المعروف أنه موقوف من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد والدلائل على احتجاج هذا الفريق كثيرة اختصرنا ذلك، وعلى احتجاج الفريق الأول وما استدلوا به من الآيات والأحاديث اعتراضات كثيرة ذكرها المصنف صاحب حادي الأرواح (^٢) لم\n_________\n(^١) سورة الحجر، ألآية: ٤٨.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٣٤).","vol":"14","page":657},{"text":"نذكرها والله أعلم.\nتنبيه: وأما نوم آدم في الجنة فهذا إن ثبت النقل فنوم آدم إنما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود حيث لا يموتون وأما قبل ذلك فلا، قاله أيضا صاحب حادي الأرواح (^١).\nتنبيه أيضًا: في الجنة والنار وأين هما: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (^٢) وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء وسميت بذلك لأنه ينتهي إليها ما ينزل من عند الله فيقبض منها وما يصعد إليه فيقبض منها. وروى معمر بن راشد عن محمد بن أبي يعقوب مرفوعًا ثم ساقه إلى أن قال: عن ابن عباس أنه قال الجنة في السماء السابعة ويجعلها حيث شاء يوم القيامة.\nوقال الحافظ بن مندة حدثنا محمد بن إسحاق إلى أن قال عن أبي الزعراء عن عبد الله قال: الجنة في السماء الرابعة، فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء والنار في الأرض السفلي فإذا كان يوم القيامة جعلها الله حيث شاء، وقال مجاهد: قلت لابن عباس أين الجنة؟ قال: فوق سبع سماوات. قلت: فأين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة. رواه ابن مندة (^٣).\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٤٣).\n(^٢) سورة النجم، الآية: ١٣ - ١٥.\n(^٣) حادي الأرواح ص ٤٦.","vol":"14","page":658},{"text":"٥٦٢٠ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- ريح الْجنَّة يُوجد من مسيرَة ألف عَام وَالله لا يجدهَا عَاق وَلا قَاطع رحم رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ (^١) وَتقدم غير مَا حَدِيث فِيهِ ذكر رَائِحَة الْجنَّة فِي أَمَاكِن مُتَفَرِّقَة من هَذَا الْكتاب لم نعدها.\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٦/ ١٨ رقم ٥٦٦٤)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٩٥). قال الهيثمى في المجمع ٥/ ١٢٥: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن كثير الكوفي، وهو ضعيف جدا. وقال في ٨/ ١٤٩: رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن كثير، عن جابر الجعفي، وكلاهما ضعيف جدا. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٣٦٩) وضعيف الترغيب (١٢٤٥) و(١٤٣٧) و(١٤٨٥) و(٢١٨٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>فصل في صفة دخول أهل الجنة الجنة وغير ذلك</span>\n٥٦٢١ - عَن عَليّ -﵁- أَنه سَأل رَسُول الله -ﷺ- عَن هَذِه الأيَة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ (^١) إِلَى آخرهَا قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا الْوَفْد إِلَّا ركب قَالَ النَّبِي -ﷺ- وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم إِذا خَرجُوا من قُبُورهم استقبلوا بِنُوق بيض لَهَا أَجْنِحَة عَلَيْهَا رحال الذَّهَب شرك نعَالهمْ نور يتلألأ كل خطْوَة مِنْهَا مثل مد الْبَصَر وينتهون إِلَى بَاب الْجنَّة فَإِذا حَلقَة من ياقوتة حَمْرَاء على صَفَائِح الذَّهَب وَإِذا شَجَرَة على بَاب الْجنَّة يَنْبع من أَصْلهَا عينان فَإِذا شربوا من أَحدهمَا جرت فِي وُجُوههم بنضرة النَّعيم وَإِذا توضؤوا من الأخْرَى لم تشعث أشعارهم أبدا فيضربون الْحلقَة بالصفيحة فَلَو سَمِعت طنين الْحلقَة يَا عَليّ فَيبلغ كل حوراء أَن زَوجهَا قد أقبل فتستخفها العجلة فتبعث قيمها فَيفتح لَهُ الْبَاب فلولا أَن الله ﷿ عرفه نَفسه لخر لَهُ سَاجِدا مِمَّا يرى من النُّور والبهاء فَيَقُول أَنا قيمك الَّذِي وكلت بِأَمْرك فيتبعه فيقفو أثره فَيَأْتِي زَوجته فتستخفها العجلة فَتخرج من الْخَيْمَة فتعانقه وَتقول أَنْت حبي وَأَنا حبك وَأَنا الراضية فَلَا أَسخط أبدا وَأَنا الناعمة بِلَا أبأس أبدا وَأَنا الخالدة فَلَا أظعن أبدا فَيدْخل بَيْتا من أساسه إِلَى سقفه مائَة ألف ذِرَاع مَبْنيّ على جندل اللُّؤْلُؤ والياقوت طرائق خضر وطرائق صفر مَا مِنْهَا طَريقَة تشاكل صاحبتها فَيَأْتِي الأريكة فَإِذا عَلَيْهَا سَرِير على السرير سَبْعُونَ فراشا على كل\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٨٥.","vol":"14","page":660},{"text":"فرَاش سَبْعُونَ زَوْجَة على كل زَوْجَة سَبْعُونَ حلَّة يرى مخ سَاقهَا من بَاطِن الْحلَل يقْضِي جماعهن فِي مِقْدَار لَيْلَة تجْرِي من تَحْتهم أَنهَار مطردَة أَنهَار من مَاء غير آسن صَاف لَيْسَ فِيهِ كدر وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطُون النَّحْل وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين لم تعصره الرِّجَال بأقدامها وأنهار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه لم يخرج من بطُون الْمَاشِيَة فَإِذا اشتهوا الطَّعَام جَاءَتْهُم طير بيض فَترفع أَجْنِحَتهَا فَيَأْكلُونَ من جنوبها من أَي الألوان شاؤوا ثمَّ تطير فتذهب وفيهَا ثمار متدلية إِذا اشتهوها انْبَعَثَ الْغُصْن إِلَيْهِم فَيَأْكلُونَ من أَي الثِّمَار شاؤوا إِن شَاءَ قَائِما وَإِن شَاءَ مُتكئا وَذَلِكَ قَوْله ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (^١) وَبَين أَيْديهم خدم كَاللُّؤْلُؤِ رواه ابن أبي الدنيا في كتاب صفة الجنة (^٢) عن الحارث، وهو الأعور عن علي مرفوعا هكذا، ورواه ابن أبي الدنيا (^٣) أيضًا والبيهقي (^٤) وغيرهما عن عاصم بن ضمرة عن علي موقوفا عليه بنحوه\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية: ٥١.\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٧)، وابن أبي حاتم (البداية والنهاية ٢٠/ ١٠٤) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ١٠٦) وقد رويناه في الجعديات من كلام علي بن أبي طالب موقوفا عليه، وهو أشبه بالصحة، والله سبحانه أعلم، فقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٧٢٤) وضعفه جدًا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٨١).\n(^٣) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٨).\n(^٤) البيهقي في البعث والنشور (٢٤٦)، وأخرجه إسحاق في مسنده كما في المطالب العالية (١٨/ ٦٤٧)، والبغوي في الجعديات، كما في المطالب، وابن أبي شيبة في المصنف (١٥٨٥١)، ومن طريقه أبو نعيم في صفة الجنة (٢٨٠) (٢٨١) والمروزي في زياداته على =","vol":"14","page":661},{"text":"وهو أصح وأشهر.\nوَلَفظ ابْن أبي الدُّنْيَا قَالَ يساق الَّذين اتَّقوا رَبهم إِلَى الْجنَّة زمرا حَتَّى إِذا انْتَهوا إِلَى بَاب من أَبْوَابهَا وجدوا عِنْده شَجَرَة يخرج من تَحت سَاقهَا عينان تجريان فعمدوا إِلَى إِحْدَاهمَا كَأَنَّمَا أمروا بهَا فَشَرِبُوا مِنْهَا فأذهبت مَا فِي بطونهم من أَذَى أَو قذى أَو بَأْس ثمَّ عَمدُوا إِلَى الأخْرَى فتطهروا مِنْهَا فجرت عَلَيْهِم بنضرة النَّعيم فَلَنْ تَتَغَيَّر أبشارهم تغيرا بعْدهَا أبدًا وَلنْ تشعث أشعارهم كَأَنَّمَا دهنوا بالدهان ثمَّ انْتَهوا إِلَى خَزَنَة الْجنَّة فَقَالُوا ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ الزمر ٣٧ قَالَ ثمَّ تلقاهم أَو يلقاهم الْولدَان يطيفون بهم كمَا يطِيف ولدان أهل الدُّنْيَا بالحميم يقدم من غيبته فَيَقُولُونَ أبشر بِمَا أعد الله لَك من الْكَرَامَة قَالَ ثمَّ ينْطَلق غُلَام من أُولَئِكَ الْولدَان إِلَى بعض أَزوَاجه من الْحور الْعين فَيَقُول قد جَاءَ فلَان باسمه الَّذِي يدعى بِهِ فِي الدُّنْيَا فَتَقول أَنْت رَأَيْته فَيَقُول أَنا رَأَيْته وَهُوَ ذَا بإثري فيستخف إِحْدَاهُنَّ الْفَرح حَتَّى تقوم على أُسْكُفَّة بَابهَا فَإِذا انْتهى إِلَى منزله نظر إِلَى أَي شَيْء أساس بُنْيَانه فَإِذا جندل اللُّؤْلُؤ فَوْقه صرح أَخْضَر وأصفر وأحمر وَمن كل لون ثمَّ رفع رَأسه فَنظر إِلَى سقفه فَإِذا مثل الْبَرْق لَوْلا أَن الله قدر لَهُ الألَم أَن يذهب ببصره ثمَّ طأطأ رَأسه فَنظر إِلَى أَزوَاجه وأكواب مَوْضُوعَة ونمارق مصفوفة وزرابي\n_________\n= الزهد لابن المبارك (١٤٥٠)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٦٩)، والطبري في تفسيره (٢٤/ ٢٢)، وقال ابن حجر في المطالب العالية (١٨/ ٦٤٩) هذا حديث صحيح، وحكمه حكم المرفوع، إذ لا مجال للرأي في مثل هذه الأمور.","vol":"14","page":662},{"text":"مبثوثة فنظروا إِلَى تِلْكَ النِّعْمَة ثمَّ اتكئوا ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الأعْرَاف ٣٤ الآيَة ثمَّ يُنَادي مُنَاد تحيون فَلَا تموتون أبدا وتقيمون فَلا تظعنون أبدا وتصحون أرَاهُ قَالَ فَلا تمرضون أبدا.\n[الجندل]: الحجر.\n[الآسن] بمد الهمزة وكسر السين المهملة: هو المتغير.\n[الحميم]: القريب.\n[الأكواب]: جمع كوب، وهو كوز لا عروة له، وقيل: لا خرطوم له، فإذا كان له خرطوم فهو إبريق.\n[النمارق]: الوسائد، واحدها نمرقة.\n[الزرابي]: البسط الفاخرة، واحدها زريبة.\nما بين مصراعين في الجنة كمسيرة أربعين سنة.\nقوله: \"عن علي -﵁\"- تقدم الكلام على مناقبه وسبب قتله في أول كتاب النكاح. قوله -﵁-: \"أنه سأل رسول الله -ﷺ- عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (^١) الآية\"، الوفد جمعه وفود والوفود قي اللغة القوم المكرمون يفدون من بلادهم جماعتهم إلى ملكهم فيُنزلهم ويُكرمهم. وقال المفسرون: ﴿وَفْدًا﴾ ركبانا، وهي عادة الوفود لأنهم سراة الناس، فشبه أهل الجنة بأولئك كرامة\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٨٥ - ٨٦.","vol":"14","page":663},{"text":"لهم، وعن علي: يحشرون على النوق المحلاة بحلية الجنة خطمها من ياقو وزبرجد. وروي أن كلا منهم يركب ما أحب فمنهم من يركب الخيل ومنهم من يركب السفن فتجيء عائمة بهم. وأما قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (^١) [أي مشاة على وجوههم عطاشا ولفظ السوق يتضمن الهوان] (^٢) فيساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام تسوقهم الملائكة بسياط النار إلى النار كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. [انتهى.] [قال الزمخشري: وحقيقة الورد المسير إلى الماء، قال:\nردى ردى ورد قطاة صما ... كدرية أعجبها برد الما\nفسمى به الواردون. وقرأ الحسن: يحشر المتقون، ويساق المجرمون] (^٣) وقال البغوي: الورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد العطش، اهـ. قوله: \"شرك نعالهم نور يتلألأ\" الشرك جمع شراك، والشراك بكسر الشين وهو أحد سيور النعل وهو الذي يكون على وجهها وعلى ظهر القدم، وتقدم ذكره في مواضع. قوله: \"وينتهون إلى باب الجنة\" الحديث، وفي رواية الحاكم: \"حتى [يقرعوا] باب الجنة\" هذا محمول على الباب المخصوص بجنات المؤمن ولا يكون المراد به الباب الكبير الجامع الشامل لجميع جنات المؤمنين الذي هو باب الجنة الكبرى فإن ذلك الباب يفتحه النبي -ﷺ-\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٨٦.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":664},{"text":"[أولا] كما تقرر في الأحاديث ثم يصير مفتوحا للمؤمنين، [وأما أول من يدخل الجنة من هذه الأمة فقد روى أبو داود في سننه أن النبي -ﷺ- قال لأبي بكر: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي وأنا أول من يدخل بعد أبي بكر، قاله (^١) في حادي [الأرواح] (^٢).\nومنهم من يدخل الجنة من أي [بابها] شاء ومنهم [من يختص بباب] ويشارك غيره فيما عداه مع ما يقترن بذلك من تسليم الملائكة عليهم وملاقاة أهاليهم وحورهم وولدانهم وهدايتهم إلى قصورهم وسرورهم بقصورهم وما تشتمل عليه مساكنهم من عجائب الغرف والتحف وارتفاعها [واتساعها] وغزارة أزهارها والتفاف أشجارها [وتنوع ثمارها] وملابسهم وحللهم وحليهم وأوانيهم الذهب والفضة وحسن هيئاتهم [وكمال] ارجهم وطيب عرفهم وصفاء أوقاتهم وسلامة [عيشهم] من التنغصات واجتماعهم مع أحبابهم في أنعم الحالات وأكمل المسرات وجلوسهم على الأرائك ومنابر النور ومرفقتهم للنبيين والصديقين والشهداء وتنعمهم بمشاهدتهم و[بـ] مجالستهم وزيارتهم لربهم ﷾ وأحضورهم، عنده في مقعد صدق ومشاهدتهم لجمال وجهه الكريم وتشنف سماعهم بمخاطباته تعالى لهم وكمال طمأنينتهم برضاه تعالى عنهم واستقرار البسط التام بدوام رضاه\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١١٣)\n(^٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، ووردت بعد قوله: (ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اهـ.).","vol":"14","page":665},{"text":"سبحانه عنهم ودوام خلودهم في الجنة ما اشتملت عليه من النعم والكرامات إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت حصر النقول ولا إحصاء العقول وكيف يحاط بالجنة علما على جهة التفصيل والحق ﷾ يقول في كتابه العزيز ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^١) وثبت أن النبي -ﷺ- أخبر عن الله تعالى أنه قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اهـ.\nقوله: \"فإذا حلقة من ياقوتة حمراء\" الحلقة بسكون اللام وفتحها لغتان وتقدم الكلام عليها. قوله: \"لم تشعث أبدا\" الشعث هو ترك الدهن [والطيب].\nقوله: \"فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل \" الحديث، الحوراء هي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء شديدة سواد العين وسيأتي الكلام على الحوراء العين مبسوطا إن شاء الله تعالى.\nقوله: \"فيتبعه ويقفو أثره\" فيه لغتان فصيحتان مشهورتان كسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة وبفتحهما والله أعلم.\nقوله: \"فتخرج من الخيمة فتعانقه\" سيأتي الكلام على ذكر الخيمة والخيام في بابه قريبا إن شاء الله تعالى. والمعانقة المحاضنة.\nقوله: \"مبني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر وطرائق صفر\" الحديث، الجندل هو الحجر، قاله الحافظ.\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١٧.","vol":"14","page":666},{"text":"قوله: \"فيأتي الأريكة فإذا عليها سرير على السرير سبعون فراشا\" الحديث. الأريكة قال الأزهوي (^١) كل ما يتكأ عليه فهو أريكة. قال الله تعالى. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ (^٢) وتجمع الأريكة على أرائك والأرائك هي السرر التي تكون في الحجال والحجال هي البشاخين.\nوقال مجاهد، عن ابن عباس في تفسير الأرائك قال: لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة فإن كان سرير بغير حجلة لا يكون أريكة وإن كان حجلة بغير سرير [لم تكن] أريكة، في الحديث أن خاتم النبوة كان مثل زر الحجلة وهو الزر الذي يجمع به بين طرفيها من جملة أزرارها.\nوقال الجوهوي في صحاحه (^٣): الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو بيت ومقتضى كلام الجوهوي هذا أن الأريكة مجموعة من ثلاثة أشياء وهي السرير والفرش والقبة أو البيت وبه قال السهيلي وغيره [فقال: قلت: ههنا ثلاثة أشياء: أحدها السرير والثاني الحجلة وهي البشخانة التي تعلق فوقه والثالث الفراش الذي على السرير ولا يسمى السرير أريكة حتى يجمع ذلك كله، والسرير يجمع أسرّة وسُرُر بضمتين وجاء فتح الراء، وقيل هو مأخوذ من السرور لأنه مجلس السرور.\nقوله -ﷺ-: \"أنهار من ماء غير آسن\"، الآسن قد ضبطة الحافظ وفسّره\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (١٠/ ١٩٣).\n(^٢) سورة يس، الآية: ٥٦.\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤/ ١٥٧٢).","vol":"14","page":667},{"text":"فقال: وهو المتغير. قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ (^١)، الجنى ما يجتنى من شجر الجنة، ودان أي القريب، وهذا الحديث يعني حديث علي وإن كان إسناده ضعيفا والمعروف أنه موقوف على عليّ، فله شواهد من الأحاديث الصحيحة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإنما صدر بذكره قبل غيره لكونه جامعا لكثير من أمور الجنة، والله تعالى أعلم. قوله: \"يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا\"، الزمر جمع زمرة وهي الجماعة.\nقوله: \"حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها\"، الحديث ... واعلم أن أبواب الجنة بعضها فوق بعض كما أن الجنان بعضها فوق بعض، وقد صرح بذلك علي بن أبي طالب -﵁- في ارتفاع أبواب الجنة بأن بعضها فوق بعض، وإذا كان كذلك فالظاهر كما نبه عليه بعضهم أيضا أن باب الجنة المرتفع أوسع من باب الجنة التي تحتها، والله تعالى أعلم ...:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>عدد أبواب الجنة ثمانية:</span>\nفقد صح أن النبي -ﷺ- قال: \"والجنة ثمانية أبواب\": باب يسمى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، وفي حديث آخر: فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم. وقد ورد عدد أبواب الجنة الثمانية في غير ما حديث. واعلم أن لهذه الأمة بابا يخصها وإن كانوا شركاء غيرهم فيما عداه من الأبواب، فقد أخرج الإمام\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية: ٥٤.","vol":"14","page":668},{"text":"أحمد في مسنده (^١) أن النبي -ﷺ- قال: باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب ثلاثمائة أنهم لينضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول، وروى أبو نعيم (^٢) أيضًا يرفع إلى النبي -ﷺ- قال: الباب الذي يدخل منه أهل الجنة مسيرة الراكب المجد ثلاثا ثم أياما وليال، قولهﷺ-: \"ثم إنهم لينضغطون\"، هو من ضغطه يضغطه ضغطا زحمه إلى حائط ونحوه، والمعنى ينضمون. واعلم أنه لا يدخل أحد الجنة المرتفعة إلا بجوار من الله ﷾ كما أخرجه الطبراني في معجمه بسند إلى سلمان الفارسي قال: قال رسول الله -ﷺ-:\"لا يدخل الجنة أحد إلا بجوار بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله تعالى لفلان بن فلان أدهلوه جنة عالية قطوفها دانية\". وعن أبي عثمان النهدى رحمه الله تعالى عن سلمان الفارسي (^٣) أيضا\n_________\n(^١) لم أجده.\n(^٢) أبو نعيم في صفة الجنة (١٧٩)، وأخرجه الترمذي (٢٥٤٨)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥٥٠)، وأبو يعلى في مسنده (٥٥٥٤)، والبيهقي في البعث (٢٤٧)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. سألت محمدا، عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد الله. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٢٦٣) قال البيهقي: وحديث عتبة بن غزوان: أربعين سنة. أصح، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٣١٣) ..\n(^٣) أخرجه الطبرانى (٦/ ٢٧٢/ ٦١٩١)، وفى المعجم الأوسط (٢٩٨٧)، وابن عدى (١/ ٣٤٤)، والخطيب (٧/ ٩٥)، والخليلى في الإرشاد (١٠٧)، والضياء المقدسي في (صفة الجنة) - كما في (تفسرِ ابن كثير) (٨/ ٢٤٢) -، ابنُ الجوزي في العلل المتناهية (١٥٤٧)، وقال ابن الجوزي هذا حديث لا يصح عن رسول الله -ﷺ- أما الطريق الأول =","vol":"14","page":669},{"text":"رضي الله تعالى عنهم أن النبي -ﷺ- قال: يعطى المؤمن جوازا على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان: أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية. وانظر إلى كون المؤمن يكتب له السعادة والجنة في مواطن منها أنه كتب في قبضة اليمين حين قبض الحق قبضتي الجنة والنار كما في الحديث، ومنها عند نفخ الروح فيه، ومنها أنه يكتب عند موته في ديوان أهل الجنة، ومنها أنه يعطى الجواز المذكور قبل دخول الجنة، ثم يعطى هذا المنشور يوم القيامة، فما أسعد المؤمنين بفضل الله ﷾، قاله في حادي القلوب إلى لقاء المحبوب (^١).\nقوله في حديت علي حتى إذا انتهى إلى باب من أبوابها وجدوا شجرة تخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها فشربوا منها ثم عمدوا إلى أخرى، الحديث؛ عمدوا أي قصدوا وهي بفتح الميم في الماضي وكسرها في المضارع. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"ثم انتهوا إلى خزنة الجنة\"، والخزنة جمع خازن، مثل حفظة وحافظ، وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه، وكبير الخزنة اسمه رضوان، وهو اسم مشتق من الرضا.\n_________\n= ففيه: عبد الرحمن بن زياد. قال أحمد بن حنبل: نحن لا نروى عن عبد الرحمن. وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. وأما الطريق الثانى: فقال الدارقطني: تفرد به سعدان عن التميمى. قال ابن الجوزى: سعدان مجهول وكذلك محمد بن هشام.\n(^١) حادى القلوب (لوحة ٣٩/ مخ ٤٢٣٨ تشستربيتى).","vol":"14","page":670},{"text":"وقوله: \"فقالوا: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين\"، فبدءوهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شيء مكروه، أي سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون. ثم قالوا لهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (^١)، أي سلامتكم ودخولها بطيبكم، فإن الله تعالى لو حرمها إلا على الطيبين فبشروهم بالسلامة وبأطيب الدخول والخلود. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"تلقاهم أو يلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم \"، وقد اختلف العلماء في هؤلاء الولدان هل هم من ولدان الدنيا أم أنشأهم الله تعالى في الجنة إنشاء على قولين، فقال علي بن أبي طالب والحسن البصري: هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة يكونون خدم أهل الجنة وولدانهم إذ الجنة لا ولادة فيها. قال الحاكم (^٢): أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن فذكره إلى أن قال: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (^٣)، قال: لم يكن لهم حسنات فيجزون بها ولا سيئات فيعاقبون عليها، فوضعوا بهذا الموضع، ومن أصحاب هذا القول من قال: هم أطفال المشركين يجعلهم الله تعالى خدما لأهل الجنة، وقيل غير ذلك، وتقدم الكلام: هل الولدان في حديث\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٧٣.\n(^٢) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٩) لعبد بن حميد عن الحسن. كذا جاء (الحاكم) وهو غلط والأثر مخرج في تفسير مجاهد (٢/ ٦٤٦) عن الحسن.\n(^٣) سورة الواقعة، الآية: ١٧.","vol":"14","page":671},{"text":"الخليل في ترك الصلاة، واختلاف العلماء في ذلك مبسوطا. والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة كالحور العين خدما لهم وغلمانا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ (^١)، وهؤلاء غير أولادهم فإن من تمام كرامة الله تعالى لهم أن جعل أبناءهم مخدومين معهم، لا يجعلهم غلمانا لهم، واللؤلؤ المكنون المستور الذي لم تبتذله الأيدي، والله تعالى أعلم، قاله في حادي الأرواح (^٢).\nقوله: \"يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم من غيبته\"، الحميم القريب، قاله الحافظ رحمه الله تعالى. قوله: \"وهو ذا بأثري\" تقدم الكلام على لفظ الأثر. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"فيستخف إحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها\" الحديث، أسكفة الباب عتبته السفلى التي توطؤهن، وهي بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء. قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: تبعث الحوراء من الحور العين الوصيف من وصائفها فتقول: ويحك انظر ما فُعل بولي الله تعالى، فتستبطئه فتبعث وصيفا آخر تم آخر، فيأتي الأول فيقول تركته عند الميزان، فيأتي الثاني فيقول: تركته عند الصراط، ويأتي الثالث فيقول: قد دخل باب الجنة، فيستقبله الفرح، فيقف على باب الجنة فإذا أتاها اعتنقته، فيدخل خياشيمه من ريحها ما لا يخرج أبدا.\n_________\n(^١) سورة الطور، الآية: ٢٤.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢١٦).","vol":"14","page":672},{"text":"قوله: \"فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر\"، وتقدم أن الجندل الحجر.\nقوله: \" فنظر إلى أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة\" الحديث، الأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة له، وقيل لا خرطوم له فإذا كان له خرطوم فهوو، (^١) إبريق، اهـ، قاله الحافظ.\nقوله: \"ونمارق مصفوفة\" النمارق الوسائد أي المخدات [واحدها نمرقة، انتهى]. قاله الحافظ، وقال الواحدي: هي الوسائد في قول الجميع، واحدها نمرقة بضم النون، وحكى الفراء نمرقة بكسرها. قال الكلبي: وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض. وقال مقاتل: هي الوسائد مصفوفة على الطنافس. قوله: \"وزرابي مبثوثة\" الزاربي البسط الفاخرة واحدها زربية، اهـ. قاله الحافظ.\nوقال بعضهم: هي البسط الفاخرة والطنافس واحدها زربية في قول جميع أهل اللغة والتفسير ومبثوثة معناه مبسوطة منشورة. وقيل أي منسوجة بالدر والياقوت، وتأمل [يا عبد الله] كيف وصف الله ﷾ الفرش [أنها] مرفوعة والزرابي بأنها مبثوثة والنمارق بأنها مصفوفة فرفع الفرش دال على سمكها ولينها وبثّ الزرابي دال على كثرتها وأنها في كل موضع لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه وصفّ المساند يدل على أنها مهيأة للاستناد إليها دائما ليست مخبة تصف في وقت دون وقت والله أعلم. قوله: \"ثم اتكئوا، وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الآية \".\n_________\n(^١) هذان اللوحان بمِن المعقوفين مثبتان من النسخة الهندية، وسقطا من الأصل.","vol":"14","page":673},{"text":"تنبيه: قد أخبر الله ﷾ عن أهل الجنة أن لهم خمس تحميدات: [الأولى] (^١) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (^٢)، الثانية: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (^٣)، الثالثة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (^٤)، الرابعة: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥)، الخامسة: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٦) وإنما كان لهم خمس تحميدات لأخهم لما قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ربحوا أنفسهم وأولادهم وأموالهم ودنياهم وآخرخهم فثبت بهذا الدليل أن الشكر أفضل من الصبر والله أعلم.\n\n٥٦٢٢ - وَعَن خَالِد بن عُمَيْر قَالَ خَطَبنَا عتبَة بن غَزوَان -﵁-. فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِن الدُّنْيَا قد آذَنت بِصرْم وَوَلَّتْ حذاء وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا صبَابَة كصُبَابَةِ الإِنَاء يصطبها صَاحبهَا وَإِنَّكُمْ منتقلون مِنْهَا إِلَى دَار لا زَوَال لَهَا فانتقلوا بِخَير مَا يحضرنكم وَلَقَد ذكر لنا أَن مصراعين من مصاريع الْجنَّة بَينهمَا مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة وليأتين عَلَيْهِ يَوْم وَهُوَ كظيط من الزحام رواه\n_________\n(^١) سقط هذا اللفظ من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٧٤.\n(^٤) سورة فاطر، الآية: ٣٤.\n(^٥) سورة يونس، الآية: ١٠.\n(^٦) سورة الزمر، الآية: ٧٥.","vol":"14","page":674},{"text":"مسلم (^١) هكذا موقوفا، وتقدم بتمامه في الزهد. ورواه أحمد (^٢) وأبو يعلى (^٣) من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله -ﷺ- مختصرًا، قال: ما بين مصراعين في الجنة كمسيرة أربعين سنة وفي إسناده اضطراب.\nقوله: \"وعن خالد بن عمير قال: خطبنا عتبة بن غزوان \" فذكر الحديث وفيه: \"فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حداء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها\" تقدم الكلام على عتبة بن غزوان قريبا.\nقوله: \"إن الدنيا قد آذنت بصرم\" [معنى] أي أشعرت وأعلمت بزوال وانقطاع. [والصرم الانقطاع]، قوله: \"وولت حذاء\" أي مدبرة سريعة خفيفة ومنه قيل [للقطا حذاء] أي منقطعة الذنب قصيرته. ويقال حمار [أحذّ] إذا كان قصير الذنب، حكاه أبو عبيد، وهذا مثل كأنه قال: إن الدنيا قد انقطعت مسرعة. قوله: \"ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها\" الصبابة بضم الصاد البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء وأما الصبابة بفتح\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤) (٢٩٦٧).\n(^٢) مسند أحمد (١١٢٣٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٥/ ٣٩٧): رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله وثقوا على ضعف فيهم. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٣٠): رواه عبد بن حميد وأحمد بن حنبل وأبو يعلى بسند وأحد مداره على ابن لهيعة. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٩٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٩٤)، وصحيح الجامع الصغير (٢١٩٠).\n(^٣) أبو يعلى (١٢٧٥) وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب (٩٢٦)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٧٧)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٦١).","vol":"14","page":675},{"text":"الصاد فهي رقة الشوق ولطيف المحبة ويتصابها يوم صبها على قلة الماء وضعفه. قوله: \"وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا إلى خير ما بحضرتكم \" [أي ارتحلوا إلى الآخرة بخير ما بحضرتكم من أعمال البر جعل الخير المتمكن منه كالحاضر، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"] وليأتين عليكم يوم وهو كظيظ من الزحام \" أي ممتلئ يقال كظه الشراب كظيظا والكظيظ الزحام ويقال كظه [الغيظ] (^١) إذا ملأ صدره ويقال رأيت على بابه كظيظا أي [زحاما]، اهـ.\nوفي حديث علي قال: ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة والآخرة قد أقبلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ألا وإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، ألا وإن أشد ما أخاف عليكم خصلتين الأمل واتباع الهوى. [أما] طول الأمل فإنه ينسي الآخرة وأما اتباع الهوى فإنه يصد عن سبيل الله، قاله في كتاب العاقبة (^٢).\nقوله في حديث خالد بن عمير: ولقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة. وفي حديث أبي هريرة الذي بعده: إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو هجر ومكة، ورواه ابن حبان مختصرا إلا أنه قال: لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى. وفي\n_________\n(^١) المثبت من الأصل، وفي النسخة الهندية: (الكظيظ)، ولعله خطأ.\n(^٢) العاقبة في ذكر الموت (ص: ٦٤).","vol":"14","page":676},{"text":"لفظ آخر خارج عن الصحيحين (^١): إن ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر (^٢). والمصراعان جانبا الباب ومصاريع الجنة أبوابها ولا يقال مصراع حتى يكونا اثنين وعضادتي الباب بكسر العين.\nقال الجوهري (^٣) عضادتا الباب خشبتاه من جانبيه وأعضاد كل شيء ما يسدّ حواليه من البناء وغيره كأعضاد الحوض وهي حجارة تنصب حول شفيره وقوله فيحديث أبي هريرة (^٤): والذي نفس محمد بيده إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، الحديث. وهجر بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة باليمن هي قاعدة البحرين وقيل قرية من جانب البحرين والمسافة من هجر إلى مكة اثنا عشر يوما.\nقال الجوهري في صحاحه (^٥): هجر اسم بلد [مذكر] مصروف وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث: إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر بلدة قريبة من قرى المدينة كانت القلال تصنع بها وهي غير مصروفة وأما مكة فمعروفة مشهورة ولها أسماء كثيرة تقدم ذكرها في الحج وغيره. وأما بصرى فبضم الباء وهي مدينة معروفة أيضا بينها وبين دمشق [نحو] (^٦) ثلاث مراحل وهي\n_________\n(^١) المسند المستخرج على صحيح مسلم (٤٨٤) انظر: حادي الأرواح (ص/ ٤٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٢٨) (١٩٤).\n(^٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٠٩).\n(^٤) سبق.\n(^٥) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربمِة (٢/ ٨٥٢).\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":677},{"text":"مدينة حوران وبينها وبين مكة شهر وتقدم الكلام عليها في مواضع من هذا التعليق فحديث خالد بن عمير العدوي موقوف وحديث أبي هريرة [مرفوع] فإن كان رسول الله -ﷺ- هو الذاكر لهم ذلك كان هذا سعة باب من أبوابها ولعله الباب الأعظم وإن كان الذاكر ذلك غير رسول الله -ﷺ- لم يقدم على حديث أبي هريرة ولكن قد روى الإمام أحمد في مسنده (^١) من حديث حماد بن سلمة فذكره إلى أن قال [عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- قال] (^٢): أنتم توفّون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى، وما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما وليأتين عليه يوم وله كظيظ. وحديث أبي هريرة أصح، وروى أبو الشيخ (^٣) عن سالم بن عبد الله عن أبيه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٢٠٠١١) (٢٠٠١٥) (٢٠٠٢٥)، وفي فضائل الصحابة (١٧١٠) وعبد بن حميد (٤١١)، والنسائي في الكبرى (١١٤٣١)، والروياني (٩٣٧) الحاكم (٤/ ٨٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٤٢٤/ ١٠٣٠) والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٤٢٧/ ١٠٣٨) - مطولا-، وابن أبي خيثمة في تاريخه- (٣١١٠)، الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤١٦١)، الطبري في التفسير (٢٠/ ٤٠٨)، ابن أخي ميمي الدقاق في الفوائد (٦٠٧)، ابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ١٧٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧) عند الترمذي وغيره بعضه. رواه أحمد، ورجاله ثقات ..\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) حادي الأرواح (ص ٤٣): وروى أبو الشيخ أنبأنا جعفر بن أحمد بن فارس أنبأنا يعقوب بن حميد أنبأنا معن حدثنا خالد بن أبي بكر عن سالم بن عبد الله عن أبيه، فذكره. وأما حديث حكيم بن معاوية فقد اضطرب رواته فحماد بن سلمة ذكر عن الجريري التقدير بإربعين عاما وخالد ذكر عنه التقدير بسبع سنين وحديث أبي سعيد المرفوع فيه التقدير بأربعين عاما على طريقة دراج عن أبي الهيثم قال الأمام أحمد أحاديث دراج مناكير.","vol":"14","page":678},{"text":"أن النبي -ﷺ- قال: الباب الذي يدخل منه أهل الجنة مسيرة الراكب المجد ثلاثا ثم إنهم ليضطغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول، رواه أبو نعيم، وهذا مطابق للحديت المتفق عليه أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وبصرى فإن الراكب المجد غاية الجد [فيه] على أسرع مجرى لا يفتر ليلا ولا نهارا يقطع هذه المسافة في هذا القدر أو قريب منه ولما كانت الجنان درجات بعضها فوق بعض وكانت أبوابها كذلك وباب الجنة العالية فوق باب الجنة التي تحتها وكلما علت الجنة اتسعت فعاليها أوسع [مما] دونه وسعة الباب بحسب وسع الجنة ولعل هذا وجه الاختلاف الذي جاء في مسافة ما بين مصراعي الباب فإن أبوابها بعضها أعلى من بعض ولهذه الأمة باب مختص يدخلون منه دون سائر الأمم كما في المسند (^١) من حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: باب أمتي الذي يدخلون مثه الجنة عرضه مسيرة الراكب المجد ثلاثا، الحديث. تقدم وفيه من حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: أتاني جبريل ﵇ فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، الحديث.\nفائدة: [ورد] في الحديث أن للجنة ثمانية أبواب ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وهذا الحديث في معجم الطبراني (^٢).\n_________\n(^١) سبق وهو وهم.\n(^٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢١١/ ٤٧٧). وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٤/ ١٣ - ١٤) وفي السنة (١١٢٠)، والبخاري في الكبير (٢/ ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، =","vol":"14","page":679},{"text":"بطوله وهذا الظاهر منه أن هذه المسافة بين الباب والباب لأن ما بين مكة وبصرى لا يحتمل التقدير بسبعين عاما ولا يمكن حمله على باب معين لقوله -ﷺ-: ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وذكر عن خليد عن قتادة قال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها تكلم وتُكلم وتفهم ما يقال لها انفتحى انغلقي.\nوقال أبو الشيخ (^١): حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا عبد الله بن غياث عن الفزاري قال: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب باب يدخل منه زواره من الملائكة وباب تدخل عليه أزواجه من الحور العين وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل فيه على ربه إذا شاء، اهـ. قاله في حادي الأرواح إلى\n_________\n= وأبو داود (٣٢٦٦) ابن أبي عاصم في السنة (٥٢٤) و(٦٣٦) ابن قانع في الصحابة (٣/ ٧ - ٨)، والدارقطني في الرؤية (١٩١) الحاكم ٤/ ٥٦٠ وأبو نعيم في صفة الجنة (١٦٨) ابن خزيمة في التوحيد (٢٧١) وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧) وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ضعيف. وقال في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٨ - ٣٤٠): رواه عبد الله والطبراني بنحوه، وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل، ورجالها ثقات. وقال أبن القيم في زاد المعاد (٣/ ٥٨٨ - ٥٩١): هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته وفخامته وعظمته أنه قد خرج من مشكاة النبوة، ... ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم، وتلقوه با لقبول. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٣٣٩): حديث غريب جدا وألفاظه في بعضها نكارة.\n(^١) انظر: حادي الأرواح (ص ٤٤)، التخويف من النار (١/ ١٥٧).","vol":"14","page":680},{"text":"بلاد الأفراح. (^١)\nلطيفة في فتح أبواب الجنة الثمانية في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (^٢) فإن في تفتيح الأبواب لأهل الجنة [إشارة] إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم من الجنة جتا شاءوا ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألفاظ من ربهم ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت وأيضا إشارة إلى أنها دار لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا. قاله في حادي الأرواح (^٣).\n\n٥٦٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن مَا بَين مصراعين من مصاريع الْجنَّة لَكمَا بَين مَكَّة وهجر وهجر وَمَكَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا إِلَّا أَنه قَالَ لَكمَا بَين مَكَّة وهجر أَو كمَا بَين مَكَّة وَبصرى (^٤).\n\n٥٦٢٤ - وَعَن سهل بن سعد -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ليدخلن الْجنَّة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا أَو سَبْعمِائة ألف متماسكون آخذ بَعضهم بِبَعْض لا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم وُجُوههم على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر. رواه\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٦١)\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٧٣.\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٥٤)\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (٣٢٧ و٣٢٨ - ١٩٤)، والترمذى (٢٤٣٤)، وابن حبان (٧٣٨٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":681},{"text":"البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nقوله: \"وعن سهل بن سعد الساعدي \" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبع مائة ألف متماسكون آخذ بعضهم ببعض لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم \" الحديث. هكذا هو في معظم الأصول متماسكون بالواو وآخذ بالرفع ووقع في بعض الأصول متماسكين وآخذا بالباء والألف [وكلاهما صحيح ومعنى بعضهم بيد بعض ويدخلون الجنة معترضين صفا واحدا بعضهم بجنب بعض] (^٣) فهذه هي الزمرة الأولى كما في صحيح مسلم [زمرة] واحدة وهم يدخلونها بغير حساب وهذا تصريح بعظم سعة باب الجنة، نسأل الله الكريم رضاه والجنة لنا ولأحبابنا ولسائر المسلمين. وفي هذا الحديث عظيم ما أكرم الله ﷾ به نبيه -ﷺ- وأمته زادها الله فضلا وشرفًا. وقد جاء في صحيح مسلم: سبعون ألفا مع كل واحد منهم سبعون ألفًا. قاله النووي في شرح مسلم (^٤).\nوفي الغيلانيات (^٥) عن أبي بكر الصديق أن النبي -ﷺ- قال: أعطيت سبعين\n_________\n(^١) البخاري (٦٥٤٣).\n(^٢) مسلم (٣٧٣) (٢١٩).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ٨٩).\n(^٥) كتاب الفوائد (الغيلانيات) (١١٢)، وأخرجه أبو يعلى (١١٢). قال ابن كثير- كما في كنز العمال (١٢/ ١٨٨) -: بكير بن الأخنس ثقة من رجال مسلم ولم يسم شيخه فهو مبهم لا يحتج بمثله في الأحكام والحلال والحرأم ويقبل في الترغيبات والفضائل ويجوز أن يكون =","vol":"14","page":682},{"text":"ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب وجوههم كالقمر ليلة البدر وقلوبهم على قلب رجل واحد فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفا. قال: وفي حفظي قديما أن البزار (^١) رواه كذلك وعدد هؤلاء المذكورين أربعة اَلاف ألف وتسعمائة وسبعون ألفا وهذا لا ينافي الحديث الذي ذكر فيه السبعين فقط لأنه أعم من أن يكون معهم غيرهم أم لا وهذا الحديث يبين أن معهم ما ذكر، اهـ. قوله -ﷺ-: \"وجوههم على صورة القمر ليلة البدر\"، الحديث. أي [على] (^٢) صفته أي أنهم في إشراق وجوههم على [صورة القمر ليلة تمامه وكماله وهي ليلة أربع عشرة وبذلك سمي] (^٣) [صفة] القمر بدرا في تلك الليلة وقد ورد في المعنى ما يقتضي ما هو أبلغ من ذلك، ذكره العراقي في شرح الأحكام (^٤) والله تعالى أعلم.\n\n٥٦٢٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أول زمرة يدْخلُونَ الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَالَّذين يَلُونَهُمْ على أَشد كَوْكَب دري فِي السَّمَاء إضاءة لا يَبُولُونَ وَلا تتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا تتْفلُونَ أمشاطهم الذَّهَب ورشحهم الْمسك ومجامرهم الألوة أَزوَاجهم الْحور الْعين\n_________\n= ثقة وقد يغلب على الظن ذلك في مثل هذا لأن الرواة عن الصديق في الغالب إما صحابة أو كبار التابعين وكلهم أئمة- انتهى.\n(^١) لم أجده.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٥٦).","vol":"14","page":683},{"text":"أَخْلَاقهم على خلق رجل وَاحِد على صُورَة أَبِيهِم آدم سِتُّونَ ذِرَاعا فِي السَّمَاء.\n\n٥٦٢٦ - وَفِي رِوَايَة قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أول زمرة تلج الْجنَّة صورهم على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لا يبصقون فِيهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا ئتَغَوَّطُونَ آنيتهم فِيهَا الذَّهَب أمشاطهم من الذَّهَب وَالْفِضَّة ومجامرهم الألوة ورشحهم الْمسك لكل وَاحِد مِنْهُم زوجتان يرى مخ سوقهما من وَرَاء اللَّحْم من الْحسن لا اخْتِلَاف بَينهم وَلا تباغض قُلُوبهم قلب وَاحِد يسبحون الله بكرَة وعشيا. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) واللفظ لهما، والترمذي (^٣) وابن ماجه (^٤).\n\n٥٦٢٧ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم (^٥): أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أول زمرة يدْخلُونَ الْجنَّة من أمتِي على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ على أَشد نجم فِي السَّمَاء إضاءة ثمَّ هم بعد ذَلِك منَازِل فَذكر الحَدِيث وَقَالَ قَالَ ابْن أبي شيبة على خلق رجل يَعْني بِضَم الْخَاء وَقَالَ أَبُو كريب على خلق يَعْني بِفَتْحِهَا.\n[الألوة] بفتح الهمزة وضمها وبضم اللام وتشديد الواو وفتحها: من أسماء العود الذي يتبخر به. قال الأصمعي: أراها كلمة فارسية عربت.\n_________\n(^١) البخاري (٣٣٢٧).\n(^٢) مسلم (١٥) (٢٨٣٤).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٥٣٧): هذا حديث صحيح.\n(^٤) سنن ابن ماجه (٤٣٣٣).\n(^٥) مسلم (١٦) (٢٨٣٤) ..","vol":"14","page":684},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه -﵁-. قوله -ﷺ-: \"إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة\" الحديث. والزمرة الجماعة في تفرقة بعضها إثر بعض. وفي صحيح البخاري (^١): ليدخلن من أمتى الجنة سبعون ألفا أو سبع مائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، الحديث. والغرض منه أنهم يدخلون الجنة كلهم معا صفا واحدا كما تقدم في الكلام على الحديث قبله فتبين بهذه الرواية عدد هذه الزمرة وفيه دليل على دخول أهل الجنة جماعة بعد جماعة وقد صرح به في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ (^٢) وذلك بحسب الفضل وتفاوت الدرجات فمن كان أفضل كان إلى الجنة أسبق وأول من يدخل الجنة نبينا محمدﷺ-. وفي الحديث الصحيح (^٣): آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ [فأقول] محمد. فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. الحديث.\nتنبيه: وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرا من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم كل زمرة على حدة مشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم مستبشرين أقوياء القلوب كما كانوافيالدنيا وقت اجتماعهم على [الخير]، كذلك يؤنس بعضهم بعضا ويفرح بعضهم ببعض\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٤٧).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٧٣.\n(^٣) صحيح مسلم (٣٣٣) (١٩٧).","vol":"14","page":685},{"text":"وكذلك أصحاب الدار الأخرى يساقون إليها [زمرا] يلعن بعضهم بعضا [ويتأذى] بعضهم ببعض وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة من أن يساقوا واحدا واحدا فلا تهمل تدبر قوله: ﴿زُمَرًا﴾ اهـ. قاله في حادي الأرواح (^١).\nقوله -ﷺ-: \"على صورة القمر ليلة البدر\" الحديث، وسمى القمر قمرا لبياضه ومنه خمار أقمر أي أبيض. وقوله: \"ليلة البدر\" منصوب على الظرفية وكل شيء تم فهو بدر ومنه البدر لتمامه والزمرة التي تليها كالكوكب [الدري] ودري مضموم الدال معناه شديد [الإضاءة] وهو منسوب إلى الدر في صفائه وحسنه وإنما كان الكوكب أكثر ضوءا من الدر وإنما قيل [ككوكب] دري ولم يقل شمس درية أو قمر دري لأن الشمس والقمر يلحقهما الكسوف والخسوف ولا كذلك الكوكب الدري، قاله في شرح مشاردتى الأنوار. قوله -ﷺ-: \"لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يتفلون \" الحديث، [لا يتبولون من] (^٢) البول.\nقوله: \"ولا يتغوطون\" من الغائط وهو كناية عن الخارج من السبيلين [جميعا] (^٣)، فأهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويتنعمون بذلك وبغيره من ملاذها وأنواع نعيمها تنعما دائما لا آخر له ولا انقطاع أبدا وإن تنعمهم بذلك\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٥٢).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":686},{"text":"على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا تشارك نعيم الدنيا إلا في التسمية، وأصل الهيئة، وإلا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبصقون ودلت دلائل الكتاب والسنة أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له، اهـ. [قوله: \"لا يبولون ولا يتغوطون \"، وهو كناية عن الخارج من السبيلين جميعا]، قوله: \"ولا يمتخطون \" من المخاط.\nقوله: \"ولا يتفلون \" بضم الفاء وكسرها حكاهما الجوهري وغيره، أي لا يبصقون ولما كانت أغذية الجنة في غاية اللطافة والاعتدال لا عجم ولا تفل لم يكن لها فضلة تستقذر بل تستطاب وتستلذ فعبر عنها بالمسك بقوله: \"ورشحهم المسك \" الذي هو أطيب طيب الدنيا. قوله: \"وأمشاطهم الذهب\" وفي الرواية الأخرى: أمشاطهم من الذهب والفضة، الحديث يحتمل أن لكل واحد منهم النوعين ويحتمل أن لبعضهم الذهب ولبعضهم الفضة. وفي الحديث الصحيح جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. قال أبو العباس القرطبي (^١): قد يقال هنا أي حاجة في الجنة للأمشاط ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك؟ ويجاب عن ذلك بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم فليس أكلهم عن جوع ولا شربهم عن ظمأ ولا تطيبهم عن نتن إونما هي لذات متوالية ونعم متتابعة ألا ترى قوله\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٣/ ٤٣)، انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٥٧).","vol":"14","page":687},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ (^١) وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله، اهـ.\nفمائدة: ويقال كل شيء في الجنة له نظير في الدنيا فأهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغوطون نظيره في الدنيا الولد في بطن أمه وأهل الجنة لهم خدم إذا [تمنى الرجل] شيئا جاءوا به قبل أن يأمرهم فيعرفون حاجته قبل أن يتكلم، نظيره في الدنيا أعضاؤه إذا احتاج الإنسان إلى شيء عرف ذلك أعضاؤه ويفعلون ذلك من غير أن يأمرهم ويكلمهم؛ وفي الجنة شجرة يقال لها طوبى أصلها في دار محمد -ﷺ- وأصلها وأغصانها في كل دار وفي كل موضع نظيها في الدنيا الشمس قد وصل ضوءها في كل دار وفي كل موضع، والجنة لا ينقطع طعامها وإن أكلوا منها ولا ينقص مثه شيء نظيره في الدنيا القرآن يتعلمه الناس ويعلمونه وهو على حاله لا ينقص منه شيء؟ وفي الجنة ظل ممدود ونظيره في الدنيا الوقت الذي قبل طلوع الشمس، روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: ألا أنبئكم بساعة هي أشبه بساعة أهل الجنة هي التي قبل طلوع الشمس ظلها دائم [كثيرة] باسطة وبركتها واسعة أعظيمة،، اهـ. قاله أبو الليث السمرقندي (^٢).\nقوله: \"ورشحهم المسك\" هو بفتح الراء المهملة وإسكان الشين\n_________\n(^١) سورة طه، الآية: ١١٨ - ١١٩.\n(^٢) بستان العارفين للسمرقندي (ص: ٣٨٩).","vol":"14","page":688},{"text":"المعجمة وبالحاء المهملة أي أن العرق الذي يترشح منهم له رائحة كرائحة المسك وهو قائم مقام التغوط والبول من غيرهم والله أعلم.\nقوله: \"ومجامرهم الألوة\" الألوة بفتح الهمزة وبضم اللام وتشديد الواو وفتحها من أسماء العود الذي يتبخر به. وقال الأصمعي: وأراها كلمة فارسية عربت، اهـ. قاله الحافظ. وحكى الأزهري كسر اللام، قال القاضي عياض، وحكى عن الكسائي آلية. قال القاضي [عياض] (^١)، قال غيره وتشدد وتخفف وتكسر الهمزة وتضم وقيل لوة وليّة [وفي حديث: وقود مجامرهم الألوة، كأنه أراد الجمر الذي يطرح على البخور، والألوّة العود الذي يتبخر به] والله أعلم (^٢).\nتنبيه: فإن قلت: المجامر جمع والألوة مفرد فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر، قلت: الألوة جنس. فإن قلت: مجامر الدنيا كلها أيضا كذلك. قلت: لا إذ في الجنة نفس المجمرة هي العود، اهـ، قاله الكرماني (^٣).\nقوله: أخلاقهم على خلق رجل واحد. قال ابن أبي شيبة على خلق رجل واحد يعني بضم الخاء وقال أبو كريب على خلق رجل واحد يعني بفتحها. قاله الحافظ. قال في حادي الأرواح (^٤): والرواية على خلق\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٧/ ١٩٥).\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ١٨٥).\n(^٤) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٥٣).","vol":"14","page":689},{"text":"بفتح الخاء وسكون اللام وكلاهما صحيح، قال والمراد تساويهم في العرض والطول والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمال ولهذا فسره بقوله أصلى الله تعالى عليه وسلم، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء. وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي الصحيحين لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد بمعنى أنهم على خلق واحد من التودد والتوافق ليس في واحد منهم خلق [يذم].\n[وفي حديث (^١): وقود مجامرهم الألوة كأنه أراد المجمر الذي يطرح على البخور والألوة العود الذي يتبخر به والله أعلم] (^٢). واعلم أن وصف الله ﷾ نساءهم بأنهن أتراب أي في سن واحد ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذة لأنه أكمل بين القوة مع عظم آلات اللذة [و] باجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مائة عذراء كما سيأتي إن شاء الله تعالى ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض وأنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال، وتناسب الخلقة ويصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب، والله أعلم. قاله في حادي الأرواح (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٤٦).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية في هذا الموضع، وتقدم موضعها قريبا.\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٥٤).","vol":"14","page":690},{"text":"تنبيه فإن قلت كيف يكونون على صورة القمر وعلى صورة آدم؟ قلت: هم الزمرة الأولى وهؤلاء غيرهم أو الكل على صورة في الطول والخلقة وبعضهم في الحسن كصورة القمر نورا وإشراقا، اهـ، قاله الكرماني (^١).\nقوله في الرواية الأخرى: لكل واحد منهم زوجتان، هكذا هو في هذه الرواية في جميع الطرق بالتاء وهي لغة متكررة في الأحاديث وكلام العرب والأشمهر حذفها وبه جاء القرآن العزيز وأكثر الأحاديث واستدل به أبو هريرة على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، ففي صحيح مسلم (^٢) عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ: إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب فإذا [خلت] الجنة من العزاب [قوله -ﷺ-:] ولكل واحد منهم زوجتان، كأن النساء مثلي الرجال، ويعارضه الحديث الآخر: إني رأيتكن أكثر أهل النار.\nوفي الحديث الآخر: اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، والجمع بينهما أنهن أكثر [أهل الجنة وأكثر] (^٣) أهل النار لكثرتهن. قال القاضي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ٢٢٦).\n(^٢) مسلم (١٤) (٢٨٣٤).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":691},{"text":"عياض (^١): يخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم. قال: وهذا كله في الآدميات وإلا فقد يكون للواحد في الجنة من الحور العين العدد الكثير، قاله العراقي في شرح الأحكام. [قوله: \"أعزب\"] (^٢)] (^٣) هكذا في جميع النسخ بالألف وهي لغة والمشهور في اللغة عزب بغير ألف، ونقل القاضي أن جميع رواتهم رووه وما في الجنة عزب بغير ألف إلا العذري فرواه بالألف.\nقال القاضي: وليس بشيء. والعزب من لا زوجة له وسمي عزبا لبعده عن النساء. واعلم أنه لم يثبت في الصحيح إلا أن لكل واحد من أهل الجنة زوجتين، وقد قرر بعض العلماء أن ذلك محمول على الزوجتين من بنات آدم، وله في الحديث شواهد والله تعالى أعلم. وإذا تأملت الأحاديث الواردة في الزوجات ظهر لك أن الزوجتين من الآدميات [مما] هو واقع في الجنة لعموم المؤمنين بحيث لا يخلو واحد منهم من ذلك وليس في الأحاديث ما يمنع الزيادة لأفاضل أهل الجنة على الزوجتين والله أعلم، ولا يزال المؤمن في الجنة في نعيمه المقيم مع أهله وحوره وقصوره وحبوره وغلمانه وولدانه يرفل في أنواع كرم الله ﷾ وامتنانه حتى تتعدد لديه المطربات وتغنيه العذارى بمحاسن تلك الأصوات ويزيده الله تعالى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٧٢).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال القاضي: وليس بشيء. والعزب من لا زوجة له وسمي عزبا لبعده عن النساء).","vol":"14","page":692},{"text":"[مع] تلك المادة وما جاءت به الأحاديث المرويات.\nقوله: \"قلوبهم على قلب رجل واحد\" بالإضافة وترك التنوين: أي على قلب شخص واحد يريد أنها مطهرة عن مذموم الأخلاق مكملة بمحاسنها.\nقوله: \"يسبّحون الله بكرة وعشيا\" أي بقدرهما فأوقات الجنة من الأيام والساعات تقديرات فإن ذلك \"يعني البكرة والعشية\" (^١) إنما يجيء من اختلاف الليل والنهار وسير الشمس والقمر وليس في الجنة شيء من ذلك. قال أبو العباس القرطبي (^٢): هذا التسبيح ليس عن تكليف و[لا] (^٣) إلزام لأن الجنة ليست بمحل للتكليف إونما هي محل جزاء وإنما هو عن تيسير وإلهام كما قال في الرواية الأخرى: يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير كما يلهمون النفس ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لابد له منه ولا كلفة عليه ولا مشقة في فعله آحاد التنفسات [مكتسبات] للإنسان وجملتها ضرورية في حقه إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس ولا يتمكن من [جملتها] فكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة وسر ذلك أن قلوبهم تنورت بمعرفته وأبصارهم قد تمتعت برؤيته وقد غمرتهم سوابغ نعمه وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته فألسنتهم ملازمة ذكره ورهبنة شكره فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره، اهـ.\n_________\n(^١) سقطت هذه الطرة من النسخة الهندية.\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٣/ ٤٤).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":693},{"text":"قاله ابن العماد في شرح الأحكام. قوله في رواية مسلم: أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء ثم هم بعد ذلك منازل، الحديث، تقدم الكلام على الزمرة، وقد ورد في معنى الحديث ما يقضي ما هو أبلغ من ذلك، [فروى] الترمذي (^١) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا إلى النبي -ﷺ-: لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم.\nوقوله: \"ثم هم بعد ذلك منازل\" بيّن بذلك أن درجاهم في إشراق اللون متقاربة بحسب علو درجاتهم وتفاوت فضلهم. سؤال: هل الملائكة ينعّمون في الجنة أو لا؟ قال شيخ الإسلام العسقلاني المشهور بابن حجر: قال بعض أشياخنا لم أر فيه نقلا صريحا وإنما يمكن التمسك فيه بالعمومات الواردة في الصالحين وهم منهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ (^٢)، وقال -ﷺ-: لما علم أصحابه التشهد: فإذا قلتموها- يعني السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- أصابت كل عبد صالح لله في السموات والأرض فدخل في ذلك الملائكة جزما.\nوأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة (^٣) من رواية الضحاك عن ابن عباس -﵄-\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٣٨)، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من حديث بن لهيعة.\n(^٢) سورة الكهف، الآية: ١٠٧.\n(^٣) العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (٥/ ١٦٩٥).","vol":"14","page":694},{"text":"قال: الخلق أربعة: فخلق في الجنة كلهم وهم الملائكة وخلق في النار وهم الشياطين وخلقان بعض في الجنة وبعض في النار وهم الجن والإنس لهم الثواب وعليهم العقاب، وجاء عن مجاهد ما يقتضي أنهم لا يأكلون في الجنة ولا يشربون ولا ينكحون وأنهم يكونون كما كانوا في الدنيا يلهمون التقديس والتسبيح فيجدون فيه ما يجده أهل الجنة من [اللذات]، ذكر ذلك أبو بكر الدينوري في كتاب المحامل بسنده إلى مجاهد وهذا هو الموافق لمقتضى الواقع لأنهم لا شهوة لهم وإثما يحتاج إلى التنعم باللذات المحسوسة من الأكل والشرب والجماع من ركبت في الشهوة في الدنيا ثم امتنع من إعمالها في غير ما أذن الله تعالى له إما بعصمة الله تعالى وإما بالمجاهدة. وأما من لم تركب فيه الشهوة أصلا فلا يحتاج إلى التنعم بتلك الأمور بل يكون تنعمه بالأمور المعنوية والله تعالى أعلم بالصواب.\n\n٥٦٢٨ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة جردا مردا مُكَحَّلِينَ بني ثَلَاث وَثَلَاثِينَ. رواه الترمذي (^١) وقال: حديث حسن غريب، ورواه أيضًا (^٢) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَقَالَ غَرِيب وَلَفظه قَالَ رَسُول\nالله -ﷺ- أهل الْجنَّة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم وَلا تبلى ثِيَابهمْ.\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٤٥) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٣٢): أخرجه الترمذي من حديث معاذ وحسنه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٩٨).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٥٣٩) وأخرج الدارمي (٢٨٢٨)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٥٦)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٢٥)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٩٩).","vol":"14","page":695},{"text":"قوله: \"وعن معاذ بن جبل\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"يدخل أهل الجنة الجنة جُرْدًا مردا مكحلين بني ثلاث وثلاثين\" الحديث، الجرد جمع الأجرد وهو الذي لا شعر على جسده، وقال في كتاب النهاية: الأجرد الذي ليس على بدنه شعر، وهو -ﷺ- كان من صفته أنه أجرد ذو مسربة ولم يكن -ﷺكذلك وإنما أراد به أن الشعر [لما] (^١) كان في أماكن من بدنه كالمسربة والساعدين والساقين فإن ضد الأجرد الأشعر وهو الذي على جميع بدنه شعر.\nقوله: \"مردا\" [المراد بـ] (^٢) [و] المرد جمع أمرد وهو الذي لا شعر على ذقنه، وذكر [القابسي] من حديث جابر بن عبد الله عن النبي -ﷺ- قال: أهل الجنة مرد إلا موسى بن عمران ﵊ فإن له لحية إلى سرف والله أعلم.\nتنبيه: هل يحشر الناس يوم القيامة بشعور أم بغيرها؟ فالجواب أنهم يبعثون كذلك ثم يدخلون الجنة جردا مردا كما ثبت في الحديث الصحيح المذكور. قاله العسقلاني. قوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة: كحلى جمع كحيل مثل قتلى وقتيل والكحل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة والرجل أكحل وكحيل، اهـ. قاله في النهاية (^٣).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٥٤).","vol":"14","page":696},{"text":"قوله: \"أبناء ثلاث وثلاثين وهم على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع \" الحديث. قال ابن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هشام فذكره إلى أن قال عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-: يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك على حسن يوسف وعلى ميلاد عيسى ثلاث [وثلاثين] سنة وعلى لسان محمد جرد مرد مكحّلون، قاله في حادي الأرواح (^١). وقال أبو العباس القرطبي (^٢) في قوله: على خلق آدم ستون ذراعا، أي من ذراع نفسه، ويحتمل أن يكون ذلك الذراع مقدرا بأذرعتنا المتعارفة عندنا والله أعلم.\nمسألة: هل يكون الناس في القيامة كلهم طولا واحدا وزيا واحدا أم مختلفين كما هم الآن عليه. فالجواب: أن كل واحد منهم على ما مات عليه ثم عند دخول الجنة يصيرون طول كل شيء واحد، ففي الحديث الصحيح يبعت كل عبد على ما مات عليه. وفي الحديث الصحيح في صفة أهل الجنة ما ذكرت، اهـ، قاله الحافظ العسقلاني (^٣).\n\n٥٦٢٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة جردا مردا بيضًا جِعَادًا مُكَحَّلِينَ أَبنَاء ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وهم على خلق آدم سِتُّونَ ذِرَاعا فِي عرض سَبْعَة أَذْرع رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٥٣).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٣/ ٤٥).\n(^٣) الفواكه الدواني (١/ ٧٤).","vol":"14","page":697},{"text":"وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة عَليّ بن زيد بن جدعَان عَن ابْن الْمسيب عَنهُ (^١).\n\n٥٦٣٠ - وَعَن الْمِقْدَام -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من أحد يَمُوت سقطا وَلا هرما وَإِنَّمَا النَّاس فِيمَا بَين ذَلِك إِلَّا بعث ابْن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة فَإِن كَانَ من أهل الْجنَّة كَانَ على مسحة آدم وَصُورَة يُوسُف وقلب أَيُّوب، وَمن كَانَ من أهل النَّار عظموا وفخموا كالجبال. رواه البيهقي (^٢) بإسناد حسن.\nقوله: \"وعن المقدام\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"ما من أحد يمو سقطا ولا هرما وإنما الناس فيما بين ذلك إلا بعث ابن ثلاث وثلاثين سنة\" الحديث، وقال الترمذي حدثنا سويد بن نصر فذكره إلى أن قال: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا، وكذلك أهل النار فإن كان هذا محفوظا لم يناقض الحديث الآخر، يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين بني ثلاث وتلاثين سنة فإن العرب إذا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٥ (٧٩٣٣)، وابن أبى الدنيا في صفة الجنة (١٣)، والطبرانى في الصغير (٢/ ٧٥ رقم ٨٠٨)، والبمِهقي في البعث (٤١٩) و(٤٢٠). قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٣٩٩: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الترغيب (٣٧٠٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٤٢٢). وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٠/ ٦٦٣)، ومسند الشاميين (١٨٣٩)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٣٤): رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما حسن. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٦٨): إسناد حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٠١)، والصحيحة (٢٥١٢).","vol":"14","page":698},{"text":"ذكرت عددا له نيف فإن لهم طريقين تارة يذكرون النيف للتحرير وتارة يحذفونه وهذا معروف في كلامهم وخطاب غيرهم من الأمم والله تعالى أعلم، قاله حادي القلوب.\nخاتمة في كتاب [خلاصة] الحقائق قال ابن مسعود سئل النبي -ﷺ- كيف صفة أهل الجنة فقال: كلهم شباب جرد مرد على قامة آدم على سن عيسى على صورة يوسف على حلم إبراهيم على خلق محمد -ﷺ- في أصابعهم عشرة خواتيم مكتوب في الأول سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار وعلى الثاني ادخلوها بسلام آمنين وعلى [الثالث] طبتم فادخلوها خالدين وعلى الرابع: رفعت عنكم الأحزان والهموم وعلى الخامس ألبسناكم الحلي والحلل وعلى السادس زوجناكم الحور العين وعلى السابع شرابكم الخمر والماء والعسل واللبن وعلى الثامن ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون وعلى التاسع [رافقتم] النبيين والصديقين وصرتم شبابا لا تهرمون وعلى العاشر سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران، اهـ، قاله في الديباجة.","vol":"14","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>فصل فيما لأدنى أهل الجنة</span>\n٥٦٣١ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- أَن مُوسَى ﵇ سَأل ربه مَا أدنى أهل الْجنَّة منزلَة فَقَالَ رجل يَجِيء بعد مَا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة فَيُقَال لَهُ ادخل الْجنَّة فَيَقُول رب كليفَ وَقد نزل النَّاس مَنَازِلهمْ وَأخذُوا أخذاتهم فَيُقَال لَهُ أترضى أَن يكون لَك مثل ملك من مُلُوك الدُّنْيَا فَيَقُول رضيت رب فَيَقُول لَهُ لَك ذَلِك وَمثله وَمثله وَمثله فَقَالَ فِي الْخَامِسَة رضيت رب فَيَقُول هَذَا لَك وَعشرَة أَمْثَاله وَلَك مَا اشتهت نَفسك ولذت عَيْنك فَيَقُول رضيت رب قَالَ رب فأعلاهم منزلَة قَالَ أُولَئِكَ الَّذين أردْت غرست كرامتهم بيَدي وختمت عَلَيْهَا فَلم ترَ عين وَلم تسمع أذن وَلم يخْطر على قلب بشر. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"عن المغيرة بن شعبة\" المغيرة بضم الميم وكسرها هو ابن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن مغيث وكنيته أبو عبد الله الثقفي أسلم عام الخندق وشهد الحديبية وهو ابن أخي عروة بن مسعود يقال له مغيرة الرأي لكمال عقله ودهائه وشهد اليمامة وأصيبت عينه. قال: أحصنت سبعين امرأة، كان ينكح أربعا جميعا ثم يطلقهن جميعًا. وقيل أنه أحصن ثلاث مائة في الإسلام وبعضهم يقول ألف امرأة، وعزله عمر لما شهدوا عليه عن البصرة وولاه الكوفة ثم أقره عثمان ثم عزله. قوله: \"ثم لحق بمعاوية فولاه الكوفة ثم توفي\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٣١٢) (١٨٩).","vol":"14","page":700},{"text":"بها أميرا سنة تسع وأربعين أو خمسين. قاله في شرح الإلمام وتقدم الكلام على بعضر مناقبه أيضا. قوله -ﷺ-: \"إن موسى ﵊ سأل ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة\" الحديث، فكذا هو في الأصول: ما أدنى وهو صحيح ومعناه ما صفة أو علامة أدنى أهل الجنة.\nقوله: \"فيقال له ادخل الجنة، فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم\" هو بفتح الهمزة والخاء، قال القاضي عياض (^١) ﵀: [معناه سلكوا طرقهم أي درجاتهم وحلوا محالَّهم، وقد يكون معناه] هو ما أخذوا من كرامة مولاهم وحصلوه [وحازوا ما أعطوا منها] أو يكون معناه قصدوا منا زلهم. قال: وذكره ثعلب بكسر الهمزة. قوله: \"فيقول له أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا ومثله ومثله ومثله. فقال له في الخامسة: رضيت رب \" الحديث، المراد بملك ملك من ملوك الدنيا من ملك الدنيا لثمرقا وغربا كسليمان ﵇ وذي القرنين.\n[و] قال النووي (^٢) المراد أن أحد ملوك الدنيا لا ينتهي ملكه إلى جميع الأرض بل يملك بعضا منها ثم منهم من يكثر البعض الذي [يملكه] ومنهم من يَقِلّ فيعطى هذا الرجل مثل أحد ملوك الدنيا خمس مرات وذلك كله قدر الدنيا كلها ثم يقال [له] (^٣) لك عشرة أمثال هذا اهـ.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢١).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٤١).\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":701},{"text":"قوله: \"فأعلاهم منزلة أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي\" الحديث. أما أردت فهو بضم التاء ومعناه اخترت واصطفيت وأما غرست كرامتهم بيدي إلخ، فمعناه اصطفيتهم وتوليتهم فلا يتطرق إلى كرامتهم تغير، وفي آخر الكلام حذف اختصر للعلم به تقديره ولم يخطر على قلب بشر ما أكرمتهم به وأعددته لهم. \"هذا محل قوله بعد: وفي آخر الحديث إلخ إلى قوله ما نصه: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم وح يرجع إلى هذا الحديث\" (^١).\n[قوله -ﷺ-: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة ومثّل له شجرة ذات ظل\" الحديث سئل الشيخ السبكي (^٢) [عن ذلك] من أي شيء يستظل [والشمس] قد كورت أي [جمحت] فأجاب بقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^٣) وبقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ (^٤) الآية، وبأن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، الحديث. قال: ولا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل والاستظلال وإنما الناس ألفوا أن الظل ما تنسخه الشمس وربما في أذهانهم أن الظل عدم الشمس وليس كذلك بل الظل مخلوق لله وليس بعدم بل هو أمر وجودي له\n_________\n(^١) سقطت هذه الطرة من النسخة الهندية.\n(^٢) انظر: مغني المحتاج ج ١/ ص ١٢٢).\n(^٣) سورة الواقعة، الآية: ٣٠.\n(^٤) سورة يس، الآية: ٥٦.","vol":"14","page":702},{"text":"نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها فذلك الخيال يحصل من تلك الشجرة التي يراها ذلك الرجل وليس هو في مكانه الذي يكون فيه ذلك الوقت وطلبه ليحصل به روح وراحة، اهـ.] (^١) وفي آخر الحديث قال ومصداقه في كتاب الله ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٢)، قال ابن سيرين: المراد بقرة الأعين النظر إلى وجه الله ﷿، قال الحسن أخفى القوم أعمالا فأخفى الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والمعنى أن الله تعالى أخبر عن نعيمهم الذي أعده لهم بما لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك، اهـ. قوله: \"ومصداقه من كتاب الله \" هو بكسر الميم ومعناه دليله وما يصدقه.\n\n٥٦٣٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺقَالَ إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة رجل صرف الله وَجهه عَن النَّار قبل الْجنَّة وَمثل لَهُ شَجَرَة ذَات ظلّ فَقَالَ أَي رب قربني من هَذِه الشَّجَرَة أكون فِي ظلها فَذكر الحَدِيث فِي دُخُوله الْجنَّة وتمنيه إِلَى أَن قَالَ فِي آخِره إِذا انْقَطَعت بِهِ الأمَانِي قَالَ الله هُوَ لَك وَعشرَة أَمْثَاله قَالَ ثمَّ يدْخل بَيته فَتدخل عَلَيْهِ زوجتاه من الْحور الْعين فَيَقُولانِ الْحَمد لله الَّذِي أحياك لنا وَأَحْيَانا لَك قَالَ فَيَقُول مَا أعطي أحد مثل مَا أَعْطَيْت، رواه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قوله: (ومصداقه من كتاب الله) هو بكسر الميم ومعناه دليله وما يصدقه. قوله: (وعن أبي سعيد الخدري) تقدم).\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١٧.\n(^٣) صحيح مسلم (٣١١) (١٨٨).","vol":"14","page":703},{"text":"٥٦٣٣ - وَرَوَا أَحْمد (^١) عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ آخر رجلَيْنِ يخرجَانِ من النَّار يَقُول الله ﷿ لأحَدهمَا يَا ابْن آدم مَا أَعدَدْت لهَذَا الْيَوْم هَل عملت خيرا قطّ فَذكر الحَدِيث بِطُولهِ إِلَى أَن قَالَ فِي آخِره فَيَقُول الله ﷿ سعل وتمنه فَيسْأَل ويتمنى مِقْدَار ثَلَاثَة أَيَّام من إَّلام الدُّنْيَا ويلقنه الله مَا لا علم لَهُ بِهِ فَيسْأَل ويتمنى فَإِذا فرغ قَالَ لَك مَا سَأَلت قَالَ أَبُو سعيد وَمثله مَعَه قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَعشرَة أَمْثَاله مَعَه فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه حدث بِمَا سَمِعت وأحدث بِمَا سَمِعت. وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا عَليّ بن زيد وَهُوَ فِي البُخَارِيّ (^٢) بِنَحْوِهِ إِلَّا أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ وَمثله وَقَالَ أَبُو سعيد وَعشرَة أَمْثَاله على الْعَكْس وَتقدم.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله: \"ثم يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك \" الحديث، هكذا ثبت في الروايات والأصول زوجتاه بالتاء تثنية زوجة بالهاء وهي لغة صحيحة معروفة وفيها أبيات كثيرة من شعر العرب وذكرها ابن [السكيت] [وجماعات] من أهل اللغة.\nقوله: \"فتقولان\" هو بالتاء المثناة من فوق إونما ضبطت هذا وإن كان ظاهرا لكونه مما يغلط فيه بعض من لا يميز، فيقوله بالمثناة من تحت وذلك لحن لا شك فيه، قاله النووي (^٣). وأما قولهما: الحمد لله الذي أحيانا لك\n_________\n(^١) مسند أحمد (١١٦٦٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٨٠٦).\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٤٤).","vol":"14","page":704},{"text":"وأحياك لنا فمعناه الذي خلقك لنا وخلقنا لك وجمع بيننا في هذه الدار الدائمة السرور والله أعلم.\nقوله: \"فيقول الله ﷿: سل وتمنّه. فيسأل ويتمنى مقدار ثلاثة أيام من أيام الدنيا ويقلنه الله ما لا علم له به فيسأل ويتمنى فإذا فرغ قال: لك ما سألت \" في هذا الحديث استحباب التمني في [الآخرة] وأن كراهة ذلك خاصة بالدنيا، وقد قال في الحديث: إن الله ليذكره من كذا وكذا ومعناه أنه يقول له تمن من الشيء الفلاني ومن الشيء الآخر يسمي له أجناس ما يتمنى وهذا من عظيم رحمته ﷾ له. قوله: \"قمال أبو سعيد: ومثله معه \". قال أبو هريرة: وعشرة أمثاله معه. قال أحدهما لصاحبه حدِّث بما سمعتَ وأحدِّث بما سمعت وهو في البخاري بنحوه إلا أن أبا هريرة قال: ومثله، وقال أبو سعيد وعشرة أمثاله على العكس. قال النووي (^١): قال العلماء: وجه الجمع بينهما في قوله في حديث أبي سعيد ومثله معه وقوله في حديث أبي هريرة وعشرة أمثاله أن النبي -ﷺ- أعلم أولا بما في حديث أبي سعيد ثم تكرم الله تعالى فزاد ما في حديث أبي هريرة فأخبر به النبي -ﷺ- ولم يسمعه أبو سعيد والله أعلم.\n\n٥٦٣٤ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ إِن آخر أهل الْجنَّة دُخُولا الْجنَّة رجل مر بِهِ ربه ﷿ فَقَالَ لَهُ قُم فَادْخُلْ الْجنَّة فَأقبل عَلَيْهِ عَابِسا فَقَالَ وَهل أبقيت لي شَيْئا قَالَ نعم لَك مثل مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس أَو غربت. رواه\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٤).","vol":"14","page":705},{"text":"الطبراني (^١) بإسناد جيد، وليس في أصلي رفعه، وأرى الكاتب أسقط منه ذكر النبي -ﷺ-.\nقوله: \"وعن عبد الله بن مسعود\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"إن آخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل مرّ به ربه ﷿ فقال له: قم فادخل الجنة فأقبل عليه عابسا\" الحديث، والمراد بقوله: مرّ به ربه أي جند ربه يتأول ذلك على ما يليق به تعالى. جل أربنا، عن المرور وغيره.\nتتمة في آخر التذكرة للقرطبي (^٢) من حديث ابن عمر أن النبي -ﷺ- قال: آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة يقول له: ادخل الجنة عند جهينة الخبر اليقين. رواه الحافظ أبو بكر الخطيب (^٣)، وكذلك رواه الدارقطني (^٤) من رواية مالك وذكره السهيلي (^٥) أيضًا. قال: وقد قيل اسمه هناد. قال الأصمعي وابن الأعرابي هو جفينة بالفاء، وقال عنده خبر رجل مقتول وفيه يقول الشاعر:\nتسائل عن أبيها كل ركب ... وعند جفينة الخبر اليقين\nفسألوا جفينة فأخبرهم خبر القتيل وقال بعضهم هو حفينة بالحاء يضرب\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٩١٨٩/٢٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٥٢) رواه الطبراني، ورجا له رجال الصحيح غير هبيرة بن مريم، وهو ثقة. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٨٣).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩١٢).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"14","page":706},{"text":"هذا المثل في معرفة الشيء حقيقة اهـ.\nيعطى أهل الجنة نورا على قدر أعمالهم.\n\n٥٦٣٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود أَيْضا -﵁- عَن النَّبِي قَالَ يجمع الله ﷿ الأوَّلين والآخرين لميقات يَوْم مَعْلُوم قيَاما أَرْبَعِينَ سنة شاخصة أَبْصَارهم ينتظرون فصل الْقَضَاء فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ ثمَّ يَقُول يَعْيي الرب ﵎ ارْفَعُوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أَعْمَالهم فَمنهمْ من يعْطى نوره مثل الْجَبَل الْعَظِيم يسْعَى بَين يَدَيْهِ وَمِنْهُم من يعْطى نوره أَصْغَر من ذَلِك وَمِنْهُم من يعْطى مثل النَّخْلَة بِيَدِهِ وَمِنْهُم من يعْطى أَصْغَر من ذَلِك حَتَّى يكون آخِرهم رجلا يعْطى نوره على إِبْهَام قَدَمَيْهِ يضيء مرّة ويطفأ مرّة فَإِذا أَضَاء قدم قدمه وَإِذا أطفئ قَامَ فيمرون على قدر نورهم مِنْهُم من يمر كطرفة الْعين وَمِنْهُم من يمر كالبرق وَمِنْهُم من يمر كالسحاب وَمِنْهُم من يمر كانقضاض الْكَوْكَب وَمِنْهُم من يمر كالرِّيحِ وَمِنْهُم من يمر كشد الْفرس وَمِنْهُم من يمر كشد الرجل حَتَّى يمر الَّذِي يعْطى نوره على ظهر قَدَمَيْهِ يحبو على وَجهه وَيَديه وَرجلَيْهِ تَخِر يَد وَتعلق يَد وتخر رجل وَتعلق رجل وتصيب جوانبه النَّار فَلَا يزَال كذَلِك حَتَّى يخلص فَإِذا خلص وقف عَلَيْهَا فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَعْطَانِي مَا لم يُعْط أحدا إِذْ نجاني مِنْهَا بعد إِذْ رَأَيْتهَا قَالَ فَينْطَلق بِهِ إِلَى غَدِير عِنْد بَاب الْجنَّة فيغتسل فَيَعُود إِلَيْهِ ريح أهل الْجنَّة وألوانهم فَيرى مَا فِي الْجنَّة من خلل الْبَاب فَيَقُول رب أدخلني الْجنَّة فَيَقُول لَهُ أتسأل الْجنَّة وَقد نجيتك من النَّار فَيَقُول رب جعل بيني وَبَينهَا حِجَابا لا أسمع حَسِيسهَا قَالَ فَيدْخل الْجنَّة وَيرى أَو يرفع لَهُ منزل أَمَام ذَلِك","vol":"14","page":707},{"text":"كَأَن مَا هُوَ فِيهِ إِلَيْهِ حلم فَيَقُول رب أَعْطِيي ذَلِك الْمنزل فَيَقُول لَهُ لَعَلَّك إِن أعطيتكه تسْأَل غَيره فَيَقُول لا وَعزَّتك لا أَسأَلك غَيره وَأي منزل أحسن مِنْهُ فيعطاه فينزله وَيرى أَمَام ذَلِك منزلا كَأَن مَا هُوَ فِيهِ إِلَيْهِ حلم قَالَ رب أَعْطِيي ذَلِك الْمنزل فَيَقُول الله ﵎ لَهُ فلعلك إِن أعطيتكة تسْأَل غَيره فَيَقُول لا وَعزَّتك يَا رب وَأي منزل أحسن مِنْهُ فيعطاه فينزله ثمَّ يسكت فَيَقُول لله جلّ ذكره مَا لَك لا تسْأَل فَيَقُول رب قد سَأَلتك حَتَّى ستحييتك وَأَقْسَمت حَتَّى ستحييتك فَيَقُول الله جلّ ذكره ألم ترض أَن أُعْطِيك مثل الدُّنْيَا مُنْذُ خلقتها إِلَى يَوْم أفنيتها وَعشرَة أضعافه فَيَقُول أتهزأ بِي وَأَنت رب الْعِزَّة فيضحك الرب ﵎ من قَوْله قَالَ فَرَأَيْت عبد الله بن مَسْعُود إِذا بلغ هَذَا الْمَكَان من هَذَا الحَدِيث ضحك حَتَّى تبدو أَضْرَاسه قَالَ فَيَقُول الرب جلّ ذكره لا وَلَكِنِّي على ذَلِك قَادر سل فَيَقُول ألحقني بِالنَّاسِ فَيَقُول الْحق بِالنَّاسِ فَينْطَلق يرمل فِي الْجنَّة حَتَّى إِذا دنا من النَّاس رفع لَهُ قصر من درة فيخر سَاجِدا فَيُقَالا لَهُ رفع رَأسك مَا لَك فَيَقُول رَأَيْت رَبِّي أَو ترَاءى لي رَبِّي فَيُقَال إِنَّمَا هُوَ منزل من منازلك قَالَ ثمَّ يلقى رجلا فيتهيأ للسُّجُود لَهُ فَيُقَال لَهُ مَه فَيَقُول رَأَيت أنَك ملك من الْمَلَائِكَة فَيَقُول إِنَّمَا أَنا خَازِن من خزانك وَعبد من عبيدك تَحت يَدي ألف قهرمان على مَا أَنا عَلَيْهِ قَالَ فَينْطَلق أَمَامه حَتَّى يفتح لَهُ الْقصر قَالَ وَهُوَ من درة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها مِنْهَا تستقبله جَوْهَرَة خضراء مبطنة بِحَمْرَاء فِيهَا سَبْعُونَ بَابا كل بَاب يُفْضِي إِلَى جَوْهَرَة خضراء مبطنة كل جَوْهَرَة تُفْضِي إِلَى جَوْهَرَة على غير لون الاخرَى فِي كل جَوْهَرَة سرر وَأَزْوَاج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عَلَيْهَا سَبْعُونَ حلَّة يرى","vol":"14","page":708},{"text":"مخ سَاقهَا من وَرَاء حللها كَبِدهَا مرآته وكبده مرآتها إِذا أعرض عَنْهَا إعراضة زدادت فِي عينه سبعين ضعفا فَيُقَال لَهُ شرف فيشرف فَيُقَال لَهُ ملكك مسيرَة مائَة عَام ينفذهُ بَصرك قَالَ فَقَالَ عمر أَلا تسمع مَا يحدثنا بن أم عبد يَا كعْب عَن أدنى أهل الْجنَّة منزلا فَكيف أعلاهم قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا لا عين رَأَتْ وَلا أذن سَمِعت إِن الله جلّ ذكره خلق دَارا جعل فِيهَا مَا شَاءَ من الأزْوَاج والثمرات والأشربة ثمَّ أطبقها فَلم يرهَا أحد من خلقه لا جِبْرِيل وَلا غَيره من الْمَلَائِكَة ثمَّ قَرَأَ كعْب فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ السَّجْدَة ٧١ قَالَ وَخلق دون ذَلِك جنتين وزينهما بِمَا شَاءَ وأراهما من شَاءَ من خلقه ثمَّ قَالَ من كَانَ كتَابه فِي عليين نزل فِي تِلْكَ الدَّار الَّتِي لم يرهَا أحد حَتَّى إِن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير فِي ملكه فَلَا تبقى خيمة من خيم الْجنَّة إِلَّا دَخلهَا من ضوء وَجهه فيستبشرون بريحه فَيَقُولُونَ واها لهَذَا الرّيح هَذَا ريح رجل من أهل عليين قد خرج يسير فِي ملكه قَالَ وَيحك يَا كَعْب إِن هَذِه الْقُلُوب قد سترسلت فاقبضها فَقَالَ كَعْب إِن لِجَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة لزفرة مَا من ملك مقرب وَلا نَبِي مُرْسل إِلَّا خر لِرُكْبَتَيْهِ حَتَّى إِن إِبْرَاهِيم خَلِيل الله ليقول رب نَفسِي نَفسِي حَتَّى لَو كَانَ لَك عمل سبعين نَبيا إِلَى عَمَلك لظنَنْت أَن لا تنجو رواه ابن أبي الدنيا والطبراني (^١) والحاكم (^٢) هكذا عن ابن مسعود مرفوعا وآخره من قوله: إن الله جل ذكره\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٣٥٧/ ٩٧٦٣)، (٩/ ٣٦١/ ٩٧٦٤).\n(^٢) والحاكم (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧ و٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢)، وأخرجه ابن نصر في الصلاة (٢٧٨) وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٨٣ - ٥٨٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٢٠٣) والهيثم بن=","vol":"14","page":709},{"text":"خلق دارا إلى آخره موقوفا على كعب، وأحد طرق الطبراني صحيح واللفظ له، وقال الحاكم صحيح الإسناد وهو في مسلم (^١) بنحوه باختصار عنه.\nقوله: \"وعن عبد الله بن مسعود\" أيضًا تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة\" تقدم هذا الحديث وتقدم الكلام على بعض غريبه. قوله: \"يحبو على وجهه ويديه ورجليه\" قال أهل اللغة (^٢) الحبو المشي على اليدين والرجلين وربما قالوا على اليدين والركبتين وربما قالوا على يديه ومقعدته؛ وأما الزحف فقال ابن دريد وغيره هو المشي على الاست مع إشرافه بصدره فحصل من هذا أن الحبو والزحف متماثلان أو متقاربان لو ثبت اختلافهما حمل على أنه في\n_________\n= كليب (٤١٠)، والدارقطني في الرفلة (١٦٢)، (١٦٣)، وابن منده في الإيمان (٢/ ٨٢٠) وفي التوحيد (٥٣١) (٥٣٢) والبيهقي في البعث (٤٣٤) وأبو موسى المديني في اللطائف من علوم المعارف (٩٢٥) والذهبي في العلو (٢٠١) وقال الحاكم في الموضع الأول: صحيح على شرط الشيخين وقال في الموضع الثاني: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات غير أنّهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في الصحيحين لما ذكر من انحرافه في السنة في ذكر الصحابة فأما الأئمة المتقدمون فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان، والحديث صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالاني فممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة وقال الذهبي: ما أنكره حديثا على جودة إسناده، وأبو خالد شيعي منحرفو قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٣) رواه كله الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٥٩١).\n(^١) صحيح مسلم (٣٠٨) (١٨٦).\n(^٢) انظر: الديباج على مسلم (١/ ٢٤٤).","vol":"14","page":710},{"text":"حال يزحف وفي حال يحبو والله أعلم. قوله: \"فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها\" الحديث أي يخلص من الصراط المضروب على النار. قوله: \"ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه\" فالمراد بالأضعاف الأمثال فإن المختار عند أهل اللغة أن الضعف المثل. قوله: \"فيقول أتهزأ بي وأنت ربي العزة\"، وفي رواية: أتسخر بي، والهزء والسخرية بمعنى واحد، حمل الحديث جماعة من المتأولين على أن الألف ألف استفهام وعلى المقابلة [كما] (^١) في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (^٢) وقيل بل الألف هنا للنفي بمعنى لا أي أنك لا تسخر بي ولا يليق بك السخرية كقوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (^٣) أي إنك لا تفعل ذلك والسخرية بكسر السين الاستهزاء وبضمها من السخرية والتسخير، [و] قرئ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (^٤) بالوجهين والسُّخر في حق الله تعالى لا يجوز لأنه ﷾ متعال عن الخلف في أقواله ومواعده [و] معنى قوله تسخر بي أي تطعمني [فيما] لا أراه من حقي [فكأنها] صورة السخرية ويحتمل أن يكون قائل هذا أصابه من الدهش والحيرة لما رأى من سعة رحمة الله بعد إشرافه على الهلاك وما\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ١٥.\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ١٥٥.\n(^٤) سورة الزخرف، الآية: ٣٢.","vol":"14","page":711},{"text":"ناله من السقوط والزحف على الصراط وما لقيه من حر النار وريحها [والعذاب الضيافة] له بعد بعده عنها [ما لم يحتسبه] ولم يطمع فيه فلم يضبط فرحا ودهشا لفظه وأجرى كلامه على [عادته] مع المخلوق مثله كما قال الآخر من الدهش والفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك وقيل معنى أتسخر بي أنت لا تسخر بي وأنت الملك، الملك القادر على كل شيء المالك لجميع المخلوقات، وأن الهمزة ليس للاستفهام [والتقرير] للسخرية بل لنفيها. قوله: \"فيضحك الرب ﵎ من قوله\" الحديا، الضحك من الله ﷾ هو الرضا بفعل عبده [ومحبته] (^١) وإرادة الخير بمن يشاء رحمته من عباده.\nقوله: \"فرأيت عبد الله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو أضراسه\"، وفي بعض طرق هذا الحديث فرأيت عبد الله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان [ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدث] هذا الحديث مرارا كلما [بلغت] هذا المكان من هذا الحديث ضحكت فقال إني سمعت رسول الله -ﷺ- يحدث [هذا الحديث رآني كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث] ضحك حتى تبدو أضراسه وقيل نواجذه والنواجذ بالجيم والذال المعجمة. قال أبو العباس. (^٢)\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٦٠) شرح النووي على مسلم (٣/ ٤٠)، حياة الحيوان الكبرى (١/ ٢٨٧).","vol":"14","page":712},{"text":"ثعلب وجماهير العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث، وغيرهم: المراد بالنواجذ هنا الأنياب، وقيل المراد بالنواجذ هنا الضواحك، وقيل المراد بها الأضراس وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه، وفي هذا جواز الضحك وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن ولا مسقط للمروءة إذا لم يجاوز به الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال والله أعلم.\nقوله: \"فيرمل في الجنة\" الرمل هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا و[تقدم] له نظائر في هذا التعليق. قوله: \"فقال له مه\"، مه كلمة نهي وزجر، قوله: \"تحت يدي ألف قهرمان على ما أنا عليه\" القهرمان هو بفتح القاف وإسكان الهاء وفتح الراء هو الخازن والقائم بحوائج الإنسان وهو بمعنى الوكيل وهو بلسان الفرس، والله أعلم.\nقوله: \"في كل جوهرة سرور وأزواج ووصائف\" الوصائف جمع وصفية والوصيفة بفتح الواو وكسر المهملة هي الخادم. قوله: \"أدناها حوراء عينا عليها سبعون حلة\" الحديث، والحوراء هي الشابة الجميلة الفائقة في حسنها. وقال الحسن الحوراء هي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها وهو الحَوَر قال الجوهري (^١): الحور بفتح الواو وفسره بما ذكر ويقال لها أيضا عيناء. وقيل العيناء العظيمة العينين. قوله: يُرى مخ ساقها من رواء حللها يعني من شدة صفاء لحم الساقين كما يرى السلك في جوف الدرة الصافية والله أعلم.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٦٣٩).","vol":"14","page":713},{"text":"قوله: \"فيقولون واها لهذا الريح\" الحديث. واها كلمة معناها التلهف وقد توضع للإعجاب بالشيء، والله أعلم.\nقوله: \"إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفا\" الضعف هو المثل كما تقدم عن أهل اللغة. قوله: \"ويحك يا كعب\" الحديث، ويح كلمة ترحم. قوله: \"فمن كان كتابه في عليين نزل في تلك الدار التي لم يرها أحد\" الحديث، عن هلال بن يساف قال: كنا جلسوا إلى كعب يعني الأحبار والربيع بن خثيم وخالد بن عرعرة في أناس فجاء ابن عباس فقيل هذا ابن عم نبيك -ﷺ- فأوسع له: فقال يا كعب كل ما في القرآن [قد عرفت] غير أربعة أشياء فأخبرني [عنهن] ما سجين وما عليون وما سدرة المنتهى وما قول الله ﷿ لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ (^١) فقال أما عليون ففي السماء السابعة فيها أراوح المؤمنين وأما سجين ففي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكافرين وأما قول الله ﷿ لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ فإن الله أوحى إليه إني رافع لك كل يوم مثل أعمال بني آدم وكلمة صديق له من الملائكة أن يكلم له ملك الموت فيؤخره حتى يزداد عملا فحملة بين جناحيه فعرج به حتى إذا كان في السماء الرابعة لقيه ملك الموت فكلمه في حاجته فقال: وأين هو قال هو ذا بين جناحي. قال: فالعجب أني أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة فقبض روحه وأما سدرة المنتهى فإنها سدرة على رءوس حملة العرش ينتهي إليها علم الخلائق ليس لأحد وراءها علم فبذلك\n_________\n(^١) سورة مريم، الآية: ٥٧.","vol":"14","page":714},{"text":"سميت سدرة المنتهى وسيأتي الكلام عليها مبسوطًا في محله.\nقوله: \"وعن عبد الله بن عمرو\" تقدم. قوله: \"فتمتد له الزرابي أربعين سنة\" الزرابي البسط الفاخرة كما تقدم قريبا. قوله: \"فيقال له اقرأ وارقَه\" أي اصعد والرّقيّ الصعود. قوله: \"سعته ميل في ميل\" الميل من الأرض قدر مد البصر وقيل مقدار ثلاث آلاف ذراع إلى أربعة آلاف وسيأتي الكلام عليه قريبا مبسوطا. قوله: \"له فيه فضول\" أي زيادات على ذلك. قوله: \"فيسعى إليه بسبعين صحفة من ذهب\"، قال الكلبي هي قصاع من ذهب.\nقال الليثُ: الصحفة قصعة عريضة الجمع صحاف. قوله: \"فإذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ وظنوا أن لا نعيم أفضل منه تجلى الرب ﵎، التجلي هو الظهور وإزالة المانع من الرؤية والله أعلم. قوله: \"ثم يقول يا داود قم فمجدني كما كنت تمجدني في الدنيا. قال: فيمجد داود ربه ﷿\" [وروى] ابن أبي الدنيا (^١) عن مالك بن دينار في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (^٢) قال: إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة ثم نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا. قال: فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنان. وعن شهر بن حوشب قال: إن الله جل ثناؤه يقولى لملائكته: إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيَدَعونه من أجلي فأسمعوا عبادي\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٤٠).\n(^٢) سورة ص، الآية: ٢٥.","vol":"14","page":715},{"text":"فيأخذون بأصوات من تهليل وتسبيح وتكببير لم يُسمع مثله قط، اهـ.\n\n٥٦٣٦ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول أَلا أخْبركُم بِأَسْفَل أهل الْجنَّة دَرَجَة قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ رجل يدْخل من بَاب الْجنَّة فيتلقاه غلمانه فَيَقُولُونَ مرْحَبًا بسيدنا قد آن لَك أَن تَزُورنَا قَالَ فتمد لَهُ الزرابي أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ ينظر عَن يَمِينه وشماله فَيرى الْجنان فَيَقُول لمن مَا هَهُنَا فَيُقَال لَك حَتَّى إِذا انْتهى رفعت لَهُ ياقوتة حَمْرَاء أَو زبرجدة خضراء لهَا سَبْعُونَ شعبًا فِي كل شعب سَبْعُونَ غرفَة فِي كل غرفَة سَبْعُونَ بَابا فَيُقَال اقْرَأ وارقه فيرقى حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى سَرِير ملكه اتكأ عَلَيْهِ سعته ميل فِي ميل لَهُ فِيهِ قُصُور فيسعى إِلَيْهِ بسبعين صَحْفَة من ذهب لَيْسَ فِيهَا صَحْفَة فِيهَا من لون أُخْتهَا يجد لَذَّة اَخرهَا كمَا يجد لَذَّة أَولهَا ثمَّ يسْعَى إِلَيْهِ بألوان الأشْرِبَة فيشرب مِنْهَا مَا اشْتهى ثمَّ يَقُول الغلمان اتركوه وأزواجه فَينْطَلق الغلمان ثمَّ ينظر فَإِذا حوراء من الْحور الْعين جالسة على سَرِير ملكهَا عَلَيْهَا سَبْعُونَ حلَّة لَيْسَ مِنْهَا حلَّة من لون صاحبتها فَيرى مخ سَاقهَا من وَرَاء اللَّحْم وَالدَّم والعظم وَالْكِسْوَة فَوق ذَلِك فَينْظر إِلَيْهَا فَيَقُول من أَنْت فَتَقول أَنا من الْحور الْعين من اللَّاتِي خبئن لَك فَينْظر إِلَيْهَا أَرْبَعِينَ سنة لا يصرف بَصَره عَنْهَا ثمَّ يرفع بَصَره إِلَى الغرفة فَإِذا أُخْرَى أجمل مِنْهَا فَتَقول مَا آن لَك أَن يكون لنا مِنْك نصيب فيرتقي إِلَيْهَا أَرْبَعِينَ سنة لا يصرف بَصَره عَنْهَا ثمَّ إِذا بلغ النَّعيم مِنْهُم كل مبلغ وظنوا أَن لا نعيم أفضل مِنْهُ تجلى لَهُم الرب تبَارك اسْمه فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجه الرَّحْمَن فَيَقُول يَا أهل الْجنَّة هللوني فيتجاوبون بتهليل","vol":"14","page":716},{"text":"الرَّحْمَن ثمَّ يَقُول يَا دَاوُد قُم فمجدني كمَا كنت تمجدني فِي الدُّنْيَا قَالَ فيمجد دَاوُد ربه ﷿ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَفِي إِسْنَاده من لا أعرفهُ الآن (^١).\n\n٥٦٣٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة لمن ينظر إِلَى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرَة ألف سنة وَأكْرمهمْ على الله من ينظر إِلَى وَجهه غدْوَة وعشيا ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله -ﷺ- ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٢) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ أَحْمد مُخْتَصرا قَالَ إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة لينْظر فِي ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كمَا يرى أدناه ينظر إِلَى أَزوَاجه وخدمه زَاد الْبَيْهَقِيّ على هَذَا فِي لفظ لَهُ وَإِن أفضلهم منزلَة لمن ينظر إِلَى الله ﷿ فِي وَجهه فِي كل يَوْم مرَّتَيْنِ (^٣).\n\n٥٦٣٨ - وروى ابْن أبي الدُّنْيَا عَن الأعْمَش عَن ثُوَيْر قَالَ أرَاهُ عَن ابْن عمر قَالَ إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة لرجل لَهُ ألف قصر بَين كل قَصْرَيْنِ مسيرَة سنة يرى أقصاها كمَا يرى أدناها فِي كل قصر من الْحور الْعين والرياحين\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٣٣٩). وضعفه الألبانى في ضعيف الترغيب (٢١٨٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) سورة القيامة، الآيات: ٢٢ - ٢٣.\n(^٣) أخرجه أحمد ٢/ ١٣ (٤٦٢٣) و٢/ ٦٤ (٥٣١٧)، والترمذى (٢٥٥٣) و(٣٣٣٠)، وأبو يعلى (٥٧١٢) و(٥٧٢٩)، والطبرانى في الكبير (١٣/ ١١٥ - ١١٦ رقم ١٣٧٧١)، والبيهقى في البعث (٤٣٢) و(٤٣٣). وضعفه الألبانى في المشكاة (٥٦٥٧) والضعيفة (١٩٨٥) وضعيف الترغيب (٢١٨٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":717},{"text":"والوالدن مَا يَدْعُو بِشَيْء إِلَّا أُتِي بِهِ رَوَاهُ هَكَذَا مَوْقُوفا (^١).\n\n٥٦٣٩ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أدنى أهل الْجنَّة الَّذِي لَهُ ثَمَانُون ألف خَادِم وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَة وَينصب لَهُ قبَّة من لُؤْلُؤ وَزَبَرْجَد وَيَاقُوت كَمَا بَين الْجَابِيَة إِلَى صنعاء. رواه الترمذي (^٢) وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، يعني عن عمرو بن الحارث عن دراج.\n[قال الحافظ]: قد رواه ابن حبان في صحيحه (^٣) من حديث ابن وهب، وهو أحد الأعلام الثقات الأثبات عن عمرو بن الحارث عن دراج.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله: \"إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة. قال القاضي (^٤): ظاهر هذا الحديث أن النساء أكثر من الرجال وأنهن أكثر أهل الجنة. [وفي] الحديث الآخر أنهن أكثر أهل النار، قال فيحصل من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٣٤). وضعفه الألبانى في ضعيف الترغيب (٢١٨٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) والترمذي (٢٥٦٢) وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٢٢) -زوائد نعيم بن حماد-، أحمد (١١٧٢٣)، وأبو يعلى (١٤٠٤) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢١٤) وابن أبي داود في البعث (٧٧) والبغوي في شرح السنة (٤٣٨١) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٩٩١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٨٧).\n(^٣) ابن حبان (٧٤٠١).\n(^٤) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٧٢).","vol":"14","page":718},{"text":"آدم، قال: وهذا كله في الآدميات وإلا فقد جاء أن للواحد من أهل الجنة من الحور العين العدد الكثير والله أعلم، اهـ كما تقدم. قوله: \"وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء\" الحديث. الجابية بالجيم مكان في الشام معروف وصنعاء هذه هي صنعاء اليمن تمد وتقصر وهي أعظم مدن اليمن تشبه دمشق في كثرة البساتين والمياه نسب إليها غير واحد وصنعاء أيضا قرية قريبة من دمشق من ناحية باب الفراديس واتصلت بالعقبة جذب من أهلها غير واحد والله أعلم، وقد صح أن الله ﷾ يعطي لآخر من يخرج من النار ويدخل الجنة مثل الدنيا منذ خلقها إلى يوم أفناها وعشرة أضعافه وإذا كان هذا ما لأدناهم فكيف بما لأعلاهم وإذا كان هذا ما لأسفلهم درجة فكيف بالمجاهد الذي يرفعه الله مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض بل كيف للشهيد عند ذي الجلال والإكرام من الفضل الجزيل والإنعام والله لا يحصر ما له عند الله فهم ولا يكفيه وهم ولا يحيط به عقل وناهيك قول الله ﷾ فيمن هو دون رتبة الشهداء: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^١) اهـ. قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد وليس بخاف أن للمؤمن في الجنة سراريّ غير الزوجات، وعن أبي هريرة -﵁- (^٢) أنه سأل\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١٧.\n(^٢) الطبراني في المعجم الأوسط ٧١٨)، (٥٢٦٧)، والمعجم الصغير (٧٩٥)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٧٣) انظر: السلسلة الصحيحة (٣٦٧).","vol":"14","page":719},{"text":"النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء.\n\n٥٦٤٠ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁-: قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أَسْفَل أهل الْجنَّة أَجْمَعِينَ دَرَجَة لمن يقوم على رَأسه عشرَة آلاف خَادِم بيد كل وَاحِد صحفتان وَاحِدَة من ذهب وَالأخْرَى من فضَّة فِي كل وَاحِدَة لون لَيْسَ فِي الأخْرَى مثله يَأْكُل من آخرهَا مثل مَا يَأْكُل من أَولهَا تَجِد لآخرها من الطّيب واللذة مثل الَّذِي يجد لأولها ثمَّ يكون ذَلِك ريح الْمسك الأذفر لا يَبُولُونَ وَلا يتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ إخْوَانًا على سرر مُتَقَابلين. رواه ابن أبي الدنيا (^١) والطبراني (^٢) واللفظ له، ورواته ثقات.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم\" فذكره إلى أن قال: \"ثم يكون ذلك ريح المسك الأذفر\" الحديث، والأذفر بالذال المعجمة والتحريك الطيب الريح.\n\n٥٦٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: قَالَ إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة وَلَيْسَ فيهم دني من يَغْدُو عَلَيْهِ كل يَوْم وَيروح خَمْسَة عشر ألف خَادِم لَيْسَ مِنْهُم خَادِم إِلَّا\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٠٨).\n(^٢) المعجم الأوسط (٧٦٧٤). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٧٥) وقال: غريب من حديث صالح لم نكتبه إلا من حديث الهيثم مرفوعا غريب، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠١) رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٣٠٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٨٨).","vol":"14","page":720},{"text":"وَمَعَهُ طرفَة لَيست مَعَ صَاحبه. رواه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفًا.\n[قال الحافظ]: ولا منافاة بين هذه الأحاديث لأنه قال في حديث أبي سعيد: أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم. وقال في حديث أنس: من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم، وفي حديث أبي هريرة: من يغدو عليه ويروح خمسة عشر ألف خادم فيجوز أن يكون له ثمانون ألف خادم يقوم على رأسه منهم عشرة آلاف ويغدو عليه منهم كل يوم خمسة عشر ألفا، والله سبحانه أعلم.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دني من يغدو عليه كل يوم ويروح خمسة عشر ألف خادم\" الحديث. قال الحافظ: ولا منافاة بين هذه الأحاديث لأنه قال في حديث أبي سعيد: أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم وقال في حديث أنس من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم، وفي حديث أبي هريرة من يغدو عليه ويروح خمسة عشرة ألف خادم فيجوز أن يكون له ثمانون ألف خادم تقوم على رأسه منهم عشرة آلاف ويغدو عليه منهم كل يوم خمسة عشر ألفا والله سبحانه أعلم.\n\n٥٦٤٢ - وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يحيى بن أبي طَالب حَدثنَا عبد الْوَهَّاب أَنبأنا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أبي أيُّوب عَن عبد الله بن\n_________\n(^١) أبن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٠٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٨٩)، والضعيفة (٦٩٠١).","vol":"14","page":721},{"text":"عَمْرو قَالَ إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة من يسْعَى عَلَيْهِ ألف خَادِم كل خَادِم على عمل لَيْسَ عَلَيْهِ صَاحبه قَالَ وتلا هَذِه الآيَة إِذا رَأَيْتهمْ حسبتهم لؤلؤا منثورا الإِنْسَان (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقى في البعث (٣٧١). وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٣٧٠٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>فصل في درجات الجنة وغرفها</span>\n٥٦٤٣ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن أهل الْجنَّة ليتراءون أهل الغرف من فَوْقهم كَمَا يتراءون الْكَوْكَب الدُّرِّي الغابر فِي الأُفق من الْمشرق وَالْمغْرب لتفاضل مَا بَينهم قَالُوا يَا رَسُول الله تِلْكَ منَازِل الأنبِيَاء لا يبلغهَا غَيرهم قَالَ بلَى وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ رجال آمنُوا بِالله وَصَدقُوا الْمُرْسلين. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢).\nوَفِي رِوَايَة لَهما كَمَا تراءون الْكَوْكَب الغارب بِتَقْدِيم الرَّاء على الْبَاء.\nورواه الترمذي (^٣) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ وَصَححهُ إِلَّا أَنه قَالَ إِن أهل الْجنَّة ليتراءون الْكَوْكَب الشَّرْقِي أَو الْكَوْكَب الغربي الغارب فِي الأُفق أَو الطالع فِي تفاضل الدَّرَجَات الحَدِيث وَفِي بعض النّسخ والكوكب الغربي أَو الغارب على الشك.\n[الغابر] بالغين المعجمة والباء الموحدة المراد به هنا هو الذاهب الذي تدلى للغروب.\nقوله: \"عن أبي سعيد لخدري\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم\" الحديث، وما أعلاها من منازل وأطيبها لنازل\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٥٥).\n(^٢) صحيح مسلم (١١) (٢٨٣١).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٥٥٦).","vol":"14","page":723},{"text":"والغرف جمع غرفة وهي منزلة رفيعة في الجنة.\nقوله: \"كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب\" الحديث. الدري فيه ثلاث لغات قرأ بها في السبع الأكثرون دري بضم الدال وتشديد الياء بلا همز والثانية بضم الدال مهموز ممدود والثالثة بكسر الدال مهموز ممدود وهو الكوكب العظيم البراق وقيل سمي دريا لبياضه كالدر، وقيل لإضاءته وقيل لشبهه بالدر في كونه أرفع من باقي النجوم كما أن الدر أرفع الجواهر والله أعلم. قاله النووي (^١) في شرح مسلم وغيره.\nوقوله: \"الغابر في الأفق\" الغابر بالغين المعجمة والباء الموحدة والمراد به هنا هو الذاهب الماضي الذي تدلى للغروب، اهـ، قاله الحافظ وغيره وزاد غير الحافظ على ذلك الذي تدلى للغروب وبعد عن العيون والغابر من الغبور وهو البقاء أي الباقي في الأفق بعد انتشار ضوء الفجر. وقال بعضهم وقد رويت هذه اللفظة الغابر وليست بشيء والمشهور من حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه الحميدي الغارب في الأفق بتقديم الغارب في الأفق بتقديم الراء على الباء فأما الغابر فهو السهم الذي لا يدرى من رمى به، اهـ. ومعناه البعيد من رأي العين الداني للغروب، وقيل الذاهب الماضي، والأفق الناحية.\nتنبيه: وفي التمثيل به دون الكواكب المسامتة للرأس وهو أعلى. فائدتان [إحداهما] بعده عن العيون. الثانية أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٨).","vol":"14","page":724},{"text":"وإن تسامت العليا السفلى كالبساتين الممتدة من رأس الجبل إلى ذيله والله أعلم. قاله في حادي الأرواح (^١).\nقوله: \"وفي الرواية الأخرى لهما كما تراءون الكوكب الغارب\" بتقديم الراء على الباء وهذا هو المعروف، ويعني به أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه بعيد عن الأبصار فيظهر صغيرا لبعده وقد بينه بقوله: \"من المشرق أو المغرب\" ويروى الغائر بالهمزة من الغور وهو الانحطاط ويراد به انحطاط في الجانب الغربي وقد روي العازب بالعين المهملة والزاي هكذا جاء في رواية أي البعيد ومعانيها كلها متقاربة والله أعلم. قوله: \"قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\" أي منازل رجال فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وأعرب بإعرابه والمعنى تلك المنازل منازل رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. قاله في شرح مشارق الأنوار.\nفائدة: ولم يذكر هاهنا عملا ولا شيئا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ وتصديق المرسلين من غير سؤال آية وتلجلج وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة ولو كان كذلك لكان جميع الموجدين في أعالي الدرجات وأرفع الغرفات وهذا محال فقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (^٢) والصبر\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٦٢).\n(^٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٥.","vol":"14","page":725},{"text":"بذل النفس [والثبات] له وقوفا بين يديه بالقلوب عبودية وهذه صفة المقربين. وفي آية أخرى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ إلى قوله: ﴿فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (^١) فذكر شيئان القربة وأنها لا تنالى بالأموال والأولاد وأنها تنال بالإيمان والعمل الصالح ثم بيّن لهم جزاء الضعف وأن محلهم الغرفات، اهـ. قاله القرطبي في التذكرة (^٢).\n\n٥٦٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن أهل الْجنَّة ليتراءون فِي الْجنَّة كمَا تراءون أَو ترَوْنَ الْكَوْكَب الدُّرِّي الغارب فِي الأفق الطالع فِي تفاضل الدَّرَجَات قَالُوا يَا رَسُول الله أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ قَالَ بلَى وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ وأقوام آمنُوا بِالله وَصَدقُوا الْمُرْسلين: رواه أحمد (^٣). ورواته محتج بهم في الصحيح وتقديره كما يرون الكوكب الطالع الدري الغارب ورواه الترمذي (^٤) وتقدم لفظه.\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما تتراءون أو ترون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات\" الحديث، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. قوله: \"قال بلى والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\" بلى أي\n_________\n(^١) سورة سبأ، الآية: ٣٧.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٦٦).\n(^٣) مسندأحمد (٨٤٢٣ - ٨٤٧١).\n(^٤) سنن الترمذي (٢٥٥٦).","vol":"14","page":726},{"text":"يبلغها المؤمنون المصدقون. فإن قلت: فحينئذ لا يبقى في غير الغرف أحد لأن أهل الجنة كلهم مؤمنون مصدقون؟ قلت: المصدقون بجميع الرسل ليس إلا أمة محمد -ﷺ- فيبقى مؤمنوا سائر الأمم فيها والله أعلم، قاله الكرماني (^١).\n\n٥٦٤٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا أحدثكُم بغرف الْجنَّة قَالَ قلت بلَى يَا رَسُول الله بأبينا أَنْت وَأمنا قَالَ إِن فِي الْجنَّة غرفا من أَصْنَاف الْجَوْهَر كُله يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا فِيهَا من النَّعيم وَاللَّذَّات والشرف مَا لا عين رَأَتْ وَلا أذن سَمِعت قَالَ قلت لمن هَذِه الغرف قَالَ لمن أفشى السَّلَام وَأطْعم الطَّعَام وأدام الصّيام وَصلى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام الحَدِيث. رواه البيهقي (^٢)، ثم قال وهذا الإسناد غير قوي إلا أنه مع الإسنادين الأولين يقوى بعضه ببعض، والله أعلم.\n[قال الحافظ]: تقدم من هذا النوع غير ما حديث صحيح في قيام الليل وإطعام الطعام وغيره ذلك من حديث أبي مالك عن النبي -ﷺ-: إن في الجنة غرفا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ١٩٠).\n(^٢) البيهقي في البعث (ص ١٧٦ - ١٧٧)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٦) وقال البيهقي: وهذا الإسناد غير قوي قلت: الحسن لم يسمع من جابر كما قال ابن المديني وغيره. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٢٨٦) ثم قال البيهقي: وهذا الإسناد غير قوي، إلا أنه بالإسنادين الأولين يقوي بعضه بعضا. والله أعلم. قال: وروي بإسناد آخر عن جابر. ثم أورده من طريق علي بن حرب، عن حفص بن عمر عن عمرو بن قيس الملائي، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا، بنحوه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٠).","vol":"14","page":727},{"text":"يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام. وحديث عبد الله بن عمرو بنحوه.\nقوله: \"وعن جابر\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن في الجنة غرفا من أصناف الجوهر كله يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فيها من اللذات والنعيم والشرف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت\" الحديث، اهـ. وفي فوائد ابن السماك (^١): فذكر الحديث بنحوه إلى قوله: وصلى بالليل والناس نيام. قال: قلنا يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ قال: أمتي تطيق ذلك، وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه فسلم عليه أو رد عليه فقد أفشى السلام ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام ومن صلى العشاء الآخرة في جماعة فقد صلى بالليل والناس نيام اليهود والنصارى والمجوس، اهـ (^٢)\nقوله -ﷺ- في حديث أبي مالك الأشعري: إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام، الحديث. اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال فبعضها أعلا من بعض وأرفع، قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ (^٣) فأخبر الله تعالى أنها غرف فوق\n_________\n(^١) حادي الأرواح / ص ٩٩).\n(^٢) الفوائد لتمام الرازي (١٤٤٨).\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٢٠.","vol":"14","page":728},{"text":"غرف وأنها مبنية بناء حقيقة لئلا تتوهم النفولس أن ذلك تمثيل وأنه ليس هناك بناء بل تتصور النفولس غرفا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض حتى كأنها تنظر إليها عيانا ومبنية [في الآية] (^١) صفة للغرف الأولى والثانية أي لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها، وروى الترمذي عن علي -﵁-: قال: قال رسول الله -ﷺ- إن في الجنة لغرفا [ترى] ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقال أعرابي: يا رسول الله لمن هي؟ قال: لمن طيّب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام، اهـ، قاله في حادي الأرواح (^٢).\n\n٥٦٤٦ - وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة أعدهَا الله للمجاهدين فِي سَبِيل الله مَا بَين الدرجتين كمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض. رواه البخاري (^٣).\nقوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض\" وفي حديث أبي هريرة أيضا الذي بعده: في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام. وفي الطبراني الأوسط (^٤): ما بين كل درجتين مسيرة خمسمائة عام.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٤٢).\n(^٣) صحيح البخاري (٢٧٩٠).\n(^٤) المعجم الأوسط (٤٣١).","vol":"14","page":729},{"text":"وفي حديث زيد بن أسلم فإن الجنة مائة درجة بين كل درجتين منها مثل ما بين السماء والأرض وأعلى درجة منها الفردوس وعليها يكون العرش وهي أوسط شيء في الجنة ومنها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس، رواه الترمذي (^١) وفيه أيضا: إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم (^٢). قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٣) قال الضحاك (^٤): [وبعضهم] أفضل من بعض فيرى الذي قد فضل [به فضله] ولا يرى الذي أسفل [منه أنه] فضل عليه أحد من الناس، اهـ. قاله عياض. والدرجات جمع درجة. قال الله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ (^٥) قال ابن عباس معناه: رافع السماوات وهو فوق كل شيء [\"أي بقهره\"] (^٦) فهو يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة ولم يجئ رفيع الدرجات في الأسماء\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٣٠)، (٢٥٣١). وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٠)، وقال: إسناده صحيح .. وقال الألباني: صحيح. صحيح الترمذي (ح ٢٠٥٦).\n(^٢) الترمذي (٢٥٣٢)، وأخرجه عبد الملك بن حبيب في وصف الفردوس (٤٣) وأحمد (٣/ ٢٩) وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٨٩) وأبو يعلى (١٣٩٨) وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٣١ و٢٣٢) والبيهقي في البعث (ص ١٦٩) وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٣١) قال الترمذي: هذا حديث غريب.\n(^٣) سورة الأنفال، الآية: ٤.\n(^٤) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٧٧) وقال ابن المبارك: أنبأنا سلمة بن نبيط عن الضحاك.\n(^٥) سورة غافر، الآية: ١٥.\n(^٦) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":730},{"text":"الواردة في السنة لكن أجمعت الأمة عليه لثبوته في القرآن وعدد درجات الجنة عدد آيات القرآن [وهي] ستة آلاف ومائتان وخمس وعشرون آية وعدد الحروف ثلاتمائة ألف حرف وأربعون ألف حرف وسبعمائة حرف وأربعون حرفا، قاله في الديباجة.\nتنبيه: وقد رويت هذه الأحاديث بلفظة في الجنة وبدونها فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة [درجها] وإن كان [المحفوظ] سقوطها فهي الدرج الكبار المتضمنة للدرج الصغار والله أعلم. ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمس مائة لاختلاف السير في السرعة والبطؤ والنبي -ﷺ- ذكر هذا تقريبا للأفهام، ويدل عليه [حديث] زيد بن حسان فساق الحديث إلى أن قال: \"عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض وأبعد مما بين السماء والأرض وهذا يدل على أنها في غاية العلو والارتفاع والله أعلم. فالحديث له لفظان هذا أحدهما، الثاني أن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها للمجاهدين في سبيله، وشيخنا يرجح هذا اللفظ [وهو] لا ينفي أن تكون درج الجنة أكثر من ذلك ونظير هذا قوله في الصحيح: إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة أي من جملة أسمائه هذا العدد فيكون الكلام جملة واحدة في الموضعين ويدل على صحة هذا أن منزلة نبينا -ﷺ- فوق هذا كله في درجة في الجنة ليس فوقها درجة وتلك المائة [تنالها] آحاد أمته بالجهاد","vol":"14","page":731},{"text":"ولعظم سعة الجنة وغاية ارتفاعها يكون الصعود من أدناها إلى أعلاها بالتدريج شيئا فشيئا درجة فوق درجة كما يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها وهذا يحتمل شيئين أن يكون عند آخر حفظه وأن يكون عند آخر تلاوته لمحفوظه والله أعلم، قاله في حادي الأرواح (^١).\n\n٥٦٤٧ - وَعَن أبي هُرَيْرة -﵁- أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ مائَة عَام رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط إِلَّا أَنه قَالَ مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَام (^٢).\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٦٧)\n(^٢) أخرجه الترمذى (٢٥٢٩)، والطبرانى في الأوسط (٦/ ٥١ - ٥٢ رقم ٥٧٦٥). وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٤١٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف. وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٣٧١٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":732},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-535>فصل فِي بِنَاء الْجنَّة وترابها وحصبائها وَغير ذَلِك</span>\n٥٦٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁-: قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله حَدثنَا عَن الْجنَّة مَا بناؤها قَالَ لبنة ذهب ولبنة فضَّة وملاطها الْمسك وحصباؤها اللُّؤْلُؤ والياقوت وترابها الزَّعْفَرَان من يدخلهَا ينعم وَلا يبأس ويخلد لا يَمُوت لا تبلى ثِيَابه وَلا يفنى شبابه الحَدِيث. رواه أحمد (^١) واللفظ له والترمذي (^٢) والبزار والطبراني في الأوسط (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، وهو قطعة من حديث عندهم.\nوروى ابن أبي الدنيا (^٥) عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا قَالَ حَائِط الْجنَّة لبنة من\n_________\n(^١) مسند أحمد (٨٠٤٣)، (٨٧٤٧)، (٩٧٤٤).\n(^٢) الترمذي (٢٥٢٦). وقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل.\n(^٣) الطبراني في الأوسط (٧١١١).\n(^٤) ابن حبان (٨٧٤ و٣٤٢٨ و٧٣٨٧) وأخرجه الطيالسي (ص ٣٣٧) وهناد في الزهد (١٣٠) وأبن أبي شيبة (٣/ ٦ - ٧) وإسحاق في مسند أبي هريرة (٣٠٠) والبخاري في الكنى (ص ٧٤) والحميدي (١١٥٠) والدارمي (٢٨٦٣) وابن ماجه (١٧٥٢) والترمذي (٣٥٩٨)، وعبد بن حميد (١٤٢٠) وابن خزيمة (١٩٠١) والحارث (بغية الباحث ١٠٧١) وابن أبي حاتم في تفسير (٢/ ٥٤٤) والطبراني في الدعاء (١٣١٥) وأبو نعيم في صفة الجنة (١٠٠ و١٣٦) والبيهقي (٣/ ٣٤٥ - ٣٤٦ و٨/ ١٦٢ و١٠/ ٨٨) وفي البعث (٢٥٨) وفي الشعب (٦٦٩٩) والبغوي في شرح السنة (١٣٩٥) قال الترمذي: هذا حديث حسن، وأبو مدلة إنما نعرفه بهذا الحديث وقال ابن حبان: أبو المدلة: اسمه عبيد الله بن عبد الله مدني ثقة وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧١١).\n(^٥) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٤)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (زوائد نعيم ٢٥٢) وعبد=","vol":"14","page":733},{"text":"ذهب ولبنة من فضَّة ودرجها الْيَاقُوت واللؤلؤ قَالَ وَكنَّا نُحدث أَن رَضْرَاض أنهارها اللُّؤْلُؤ وترابها الزَّعْفَرَان.\n[الرضراض] بفتح الراء وبضادين معجمتين.\n[والحصباء] ممدود بمعنى واحد، وهو الحصى، قيل الرضراض صغارها.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتر ابها الزعفران\" الحديث. وفي حديث آخر: وترابها المسك. وفي حديث آخر: فقال النبي -ﷺ-: تربة الجنة الخبزة من الدرمك. تقدم الكلام على اللبنة في الزهد في الدنيا والملاط بكسر الميم هو الطين الذي يجعل بين سافي البناء يعني أن الطين الذي يجعل بين لبن الذهب والفضة في الحائط [مسك، انتهى قاله الحافظ، وقال في النهاية (^١): الملاط الطين الذي يجعل بين سافي البناء غلظ به الحائط] أي يخلط ومنه الحديث: إن الإبل ملاطها الأجرب، أي يخالطها، اهـ. [والرضَاض] بفتح الراء وبضادين والحصباء ممدودا بمعنى واحد وهو الحصا. وقيل [الرضاض] صغارها، قاله الحافظ ﵀. قال في حادي الأرواح (^٢) فهذه ثلاث صفات في تربة الجنة لا\n_________\n= الرزاق (٢٠٨٧٥) وفي تفسيره (٣/ ٢٦٧)، والبغوي في شرح السنة (٤٣٩١) عن أبي هريرة قوله ..\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٥٧).\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٣٧).","vol":"14","page":734},{"text":"تعارض بينها فذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة النوعين المسك والزعفران، [وقال مغيث بن سمي الجنة ترابها المسك والزعفران] (^١) ويحتمل معنيين آخرين أحدهما أن يكون التراب من زعفران فإذا عجن بالماء صار مسكا والطين يسمى ترابا ويدل على هذا قوله في اللفظ الآخر: ملاطها المسك، والملاطة الطين ويدل عليه أن في حديث العلاء بن زياد ترابها الزعفران وطينها المسك فلما كانت تربتها طيبة وماؤها طيبا فانضم أحدهما إلى الآخر حدث لهما طيب آخر فصار مسكا. المعنى الثاني أن يكون زعفرانا فاعتبار اللون مسكا باعتبار الرائحة وهذا من أحسن شيء [لكون] البهجة والإشراق في لون الزعفران والرائحة رائحة المسك وكذلك تشبهها بالدرمك وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها وهذا معنى ما ذكره سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: أرض الجنة من فضة وترابها مسك فاللون في البياض لون الفضة والرائحة رائحة المسك. [قاله] ابن رجب في اللطائف بعد سياق الأحاديث الواردة في تربة الجنة فهذه أربعة أشياء أحدها بناء الجنة ويحتمل أن المراد بنيان قصورها ودورها ويحتمل أن يراد بناء حائطها وسورها المحيط بها وهو أشبه. الثاني: ملاط الجنة وأنه المسك الأذفر والملاط هو الطين ويقال الطين الذي بني منه البنيان والأذفر الخالص وتقدم [ذكر] ذلك [و] قيل أنه أراد بترابها ما خالطه الماء وهو طينها. الثالث حصباء الجنة وأنه اللؤلؤ والياقوت\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"14","page":735},{"text":"والحصباء الحصى الصغار وهو الرضراض وتقدم [ذكر] ذلك. الرابع: تراب الجنة وأنه الزعفران، في رواية أخرى: الزعفران والورس: وقد قيل أن المراد بالتراب [ههنا] تربة الأرض التي لا ماء عليها فأما ما كان عليه ماء فإنه مسك. وفي بعض الروايات حشيشها الزعفران وهو نبات أرضها وترابها فأما حديث ترابها المسك فقد قيل أنه محمول على تراب يخالطه الماء. وقيل: أن المراد أن ريح ترابها ريح المسك ولونه لون الزعفران ويشهد لهذا حديث الكوثر أن حاله \"الحال الطين\" المسك الأبيض فريحه ريح المسك ولونه مشرق لا يشبه لون مسك الدنيا بل هو أبيض وقد يكون منه أبيض ومنه أصفر والله أعلم. والتي تجتمع به الأحاديث الواردة كلها أن تربة الجنة في لونها بيضاء ومنها ما يشبه لون الزعفران في بهجته وإشراقه وريحها ريح المسك الأذفر الخالص وطعمها طعم الخبز الحواري الخالص وقد يختص هذا بالأبيض منها فقد اجتمعت لها الفضائل كلها لا أحرمنا الله منها برحمته وكرمه والله أعلم، اهـ.\nفائدة: في الحديث (^١). أنه -ﷺ- قال لابن صياد: ما تربة الجنة؟ قال درمكة بيضاء، الحديث. التربة التراب والدرمك الدقيق الحواري الخالص البياض. قال العلماء: شبّه تربة الجنة بها لبياضها ونعموتها وبالمسك لطيبها، وابن صياد قد اختلف الناس فيه كثيرا وهو رجل من اليهود يدعي النبوة في المدينة أو دخيل فيهم واسمه صاف فيما قيل مهمل الصاد. [قيل:] قاص ويقال فيه\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٩٢) (٢٩٢٨).","vol":"14","page":736},{"text":"ابن صياد [وابن الصياد] (^١) أيضا، قاله عياض. [فيما قيل] وكان [عنده] شيء من الكهانة والسحر وجملة أمره أنه كان فتنة امتحن الله [به] عباده المؤمنين ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة. وري أنه تاب عن ذلك ثم إنه مات بالمدينة مسلما في الأكثر. وقيل أنه [فُقِد يوم] الحرة فلم يجدوه [والله تعالى أعلم] قاله في النهاية (^٢)]. قوله -ﷺ-: \"من يدخلها ينم ولا يبأس\" [قوله: \"ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه\" الحديث، في هذا الحديث إشارة إلى بقاء الجنة وبقاء جميع ما فيها من النعيم وأن صفات أهلها الكاملة من الشباب لا [تتغير] أبدا وملابسهم التي عليهم من الثياب لا تبلى أبدا وقد دل القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة، (^٣). قال الفارسي: من يدخل الجنة لا يبأس أي لا [يفتقر] ولا يرى البؤس ولا تشتد حاجته فهو بائس [والمبتئس] الكاره الحزين أي [لا تصيبهم شدة] في المال [ولا في] النفس.\n\n٥٦٤٩ - وَعَن ابْن عمر -﵄-. قَالَ سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن الْجنَّة فَقَالَ من يدْخل الْجنَّة يحيى فِيهَا لا يَمُوت وينعم فِيهَا لا يبأس لا تبلى ثِيَابه وَلا يفنى شبابه قيل يَا رَسُول الله مَا بناؤها قَالَ لبنة من ذهب ولبنة من فضَّة وملاطها الْمسك وترابها الزَّعْفَرَان وحصباؤها اللُّؤْلُؤ والياقوت. رواه ابن أبي الدنيا (^٤)\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٦٦).\n(^٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (أي لا تصيبهم شدة في المال ولا في النفس).\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٢).","vol":"14","page":737},{"text":"والطبراني (^١) وإسناده حسن بما قبله.\n[الملاط] بكسر الميم: هو الطين الذي يجعل بين سافي البناء، يعني أن الطين الذي يجعل بين لبن الذهب والفضة، وفي الحائط مسك.\nقوله: \"وعن ابن عمر\" تقدم. قوله: \"سئل رسول الله -ﷺ- عن الجنة\" الحديث، تقدم الكلام على هذا الحديث في الأحاديث قبله وكذلك حديث أبي سعيد الخدري الذي بعده.\nوروى ابن المبارك بسنده عن مجاهد أنه قال: أصل الجنة من ورق وترابها من مسك وأصول أشجارها من ذهب وورق وأفنانها من لؤلؤ وزبرجد وياقوت والورق [والثمر تحت ذلك فمن أكل قائما لم يؤذه ومن أكل مضطجعا لم يؤذه وذللت قطوفها تذليلا. انتهى.\n\n٥٦٥٠ - وَعَن أبي سعيد -﵁- قَالَ خلق الله ﵎ الْجنَّة لبنة من ذهب ولبنة من فضَّة وملاطها الْمسك وَقَالَ لها تكلمي فَقَالَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَت الْمَلَاِئكَة طُوبَى لَك منزل الْمُلُوك. رواه الطبراني (^٢)، والبزار (^٣) واللفظ له\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٣، ١٤/ ٢٤٨/ ١٣٩٩٢). ورواه ابن أبي شيبة (٣٤٩٥٠)، وابن الأعرابي في معجمه (١٤٢٥)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٩٦ و٢٩١) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧)، وقال: \"رواه الطبراني بإسناد حسن الترمذي لرجاله\"!.\nقال البوصيري إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٢٩) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧١٣).\n(^٢) المعجم الأوسط (٣٧٠١).\n(^٣) أخرجه البزار (كشف الأستار ٢٥٠٧) موقوفا. وأخرجه البزار (كشف ٣٥٠٨) وابن =","vol":"14","page":738},{"text":"مرفوعا وموقوفا، وقال لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي بن الفضل يعني عن الجريري عن أبي نضرة عنه وعدي بن الفضل ليس بالحافظ وهو شيخ بصرى انتهى.\nقَالَ الْحَافِظ قد تَابع عدي بن الْفضل على رَفعه وهب بن خَالِد عَن الْجريرِي عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد وَلَفظه قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله ﷿ أحَاط حَائِط الْجنَّة لبنة من ذهب ولبنة من فضَّة ثمَّ شقق فِيهَا الأنْهَار وغرس فِيهَا الأشْجَار فَلَمَّا نظرت الْمَلَاِئكَة إِلَى حسنها قَالَت طُوبَى لَك منَازِل الْمُلُوك. أخرجه البيهقي (^١) وغيره ولكن وقفه هو الأصح المشهور، والله أعلم.\nقوله: \"عن أبى سعيد\"، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنهما. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة\" الحديث، وروى ابن أبي الدنيا من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: \"خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء\" الحديث.\n_________\n= الأعرابي في \"معجمه\" (٢٠٠٥)، وابن بشران في \"أماليه\" (١٠٦٥)، وأبو نعمِم في صفة الجنة (١٤٠ و٢٣٧)، وفي الحلية (٦/ ٢٠٤) وقال البزار: لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي وليس بالحافظ قال الهيثمي (١٠/ ٣٩٧): رواه البزار مرفوعًا وموقوفًا، والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: عن النبي -ﷺ- قال: إن الله خلق جنة عدن بيده، لبنة من ذهب ولبنة من فضة. والباقي بنحوه، ورجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٦٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٧١٤).\n(^١) البيهقي في البعث والنشور (٧٧٨).","vol":"14","page":739},{"text":"قال في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (^١): وقد خلق الله تعالى بعض الجنات وغرسها بيده تفضيلا لها على سائر الجنات، وقد اتخذ الرب تعالى وتقدس من الجنات دارا اصطفاها لنفسه وخصها بالقرب من عرشه وغرسها بيده، فهي سيدة الجنات، والله ﷾ يختار من كل نوع أعلاه وأفضله كما اختار من الملائكة جبريل ﵊، ومن البشر محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن السماوات العلي، ومن البلاد مكة، ومن الأشهر الأشهر الحرم، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الأيام يوم الجمعة، ومن الليل وسطه، ومن الأوقات أوقات الصلوات، إلى غير ذلك، فهو سبحانه يخلق ما يشاء ويختار.\nقال الدارمي (^٢): حدثنا موسى بن إسماعيل فذكره إلى أن قال: حدثنا مجاهد عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: \"خلق الله تعالى أربع أشياء بيده: العرش والقلم وعدن وآدم. ثم قال لسائر الخلق ركن فكان\". قال الدارمي (^٣): وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال: إن الله تعالى لم يمس شيئا من خلقه غير ثلاثة: خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده؛ ثم قال لها تكلمي فقالت:\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٥٦).\n(^٢) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد (١/ ٢٦١).\n(^٣) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد (١/ ٢٦٣)، وأخرجه هناد في الزهد (٤٤)، والطبري في التفسير (١٩/ ٦٩٤) السنة لعبد الله بن أحمد (٥٧٢) عن ميسرة.","vol":"14","page":740},{"text":"﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (^١)، وذكر الحاكم (^٢) عن مجاهد قال: إن الله تعالى غرس جنات عدن بيده، فلما تكاملت أغلقت، فهي تفتح في كل سحر فينظر الله تعالى إليه فيقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، وفي حديث آخر ثم قال لها انطقي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل (^٣).\nوتأمل هذه العناية كيف جعل الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده ولأفضل ذريته اعتناء وتشريفا وإظهارا لفضل ما خلقه تعالى بيده وشرفه وتميزه بذلك عن غيره وبالله ﷾ التوفيق وبمنه وكرمه. فهذه الجنة من الجنات كآدم في نوع الحيوان، انتهى.\n\n٥٦٥١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خلق الله جنَّة عدن بِيَدِهِ ودلى فِيهَا ثمارها وشق فِيهَا أنهارها ثمَّ نظر إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا تكلمي فَقَالَت\n_________\n(^١) سورة المؤمنون، الآية: ١.\n(^٢) الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٩)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٢/ ٥٧٨)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢٢٩)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧٢٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٩٣)، والدارمي في الرد على الجهمية (١١٨).\n(^٣) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١٢/ ١٤٨/ ١٢٧٢٣)، وفي معجمه الأوسط (٥٥١٨)، وقال: الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧) رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأحد إسنادي الطبراني في الأوسط جيد. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٤٧).","vol":"14","page":741},{"text":"﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ فَقَالَ وَعِزَّتِي لا يجاورني فِيك بخيل. رَوَاهُ الطَّبَرانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا جيد (^١) وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث أنس أطول مِنْهُ (^٢) وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- خلق الله جنَّة عدن بِيَدِهِ لبنة من درة بَيْضَاء ولبنة من ياقوتة حَمْرَاء ولبنة من زبرجدة خضراء وملاطها مسك حشيشها الزَّعْفَرَان حصباؤها اللُّؤْلُؤ ترابها العنبر ثمَّ قَالَ لهَا انْطِقِي قَالَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ الله ﷿ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لا يجاورني فِيك بخيل ثمَّ تَلا رَسُول الله -ﷺ- وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون الْحَشْر ٩ والتغابن، ٦١\n\n٥٦٥٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أَرض الْجنَّة بَيْضَاء عرصتها صخور الكافور وَقد أحَاط بِهِ الْمسك مثل كُثْبَان الرمل أَنهَار مطردَة فيجتمع فِيهَا أهل الْجنَّة أَدْنَاهُم وَآخرهمْ فيتعارفون فيبعث الله ريح الرَّحْمَة فتهيج عَلَيْهِم ريح الْمسك فَيرجع الرجل إِلَى زَوجته وَقد ازْدَادَ حسنا وطيبا فَتَقول لَهُ لقد خرجت من عِنْدِي وَأَنا بك معجبة وَأَنا بك الآن أَشد إعجابا رَوَا ابْن أبي الدُّنْيَا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٥/ ٣٤٩ رقم ٥٥١٨) والكبير (١٢/ ١٤٧ رقم ١٢٧٢٣). وضعفه الألبانى في الضعيفة (١٢٨٤) وضعيف الترغيب (١٥٥٢) و(٢١٩١) و(٢٢٤٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٢٠). وضعفه الألبانى جدا في ضعيف الترغيب (١٥٥٣) و(٢١٩٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٢٨). وضعفه الألبانى جدا في ضعيف الترغيب (٢١٩٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"14","page":742},{"text":"٥٦٥٣ - وَعَن سهل بن سعد -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة مراغا من مسك مثل مراغ دوابكم فِي الدُّنْيَا. رواه الطبراني (^١) بإسناد جيد.\nقوله رحمه الله تعالى: \"عن سهل بن سعد\"، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"إِن فِي الْجنَّة مراغا من مسك مثل مراغ دوابكم فِي الدُّنْيَا\" الحديث، المراغ الموضع الذي يتمرغ فيه من ترابها، والتمرغ التقلب في التراب ومنه حديث عمار (^٢): أجنبنا في سفر وليس عندنا ماء فتمرغنا في التراب؛ ظنّ أنّ الجُنُب يحتاج أن يوصل التراب إلى جميع جسده كالماء، قاله في النهاية (^٣).\n\n٥٦٥٤ - وَعَن كريب أَنه سمع أُسَامَة بن زيد -﵁- يَقُول قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلا هَل مشمر للجنة فَإِن الْجنَّة لا حظر لَهَا هِيَ وَرب الْكَعْبَة نور يتلألأ وريحانة تهتز وَقصر مشيد ونهر مطرد وَثَمَرَة نضيجة وَزَوْجَة حسناء جميلَة وحلل كثِيرَة ومقام فِي أَبَد فِي دَار سليمَة وَفَاكهَة وخضرة وحبرة ونعمة فِي محلّة عالية بهية قَالُوا نعم يَا رَسُول الله نَحن المشمرون لَهَا قَالَ قُولُوا إِن شَاءَ الله فَقَالَ الْقَوْم إِن شَاءَ الله.\n_________\n(^١) الطبراقِ في المعجم الكبير (٦/ ١٥٩/ ٥٨٤٥)، والمعجم الأوسط (١٧٦١).، وقال: الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٢) رواه الطبراني في والكبير الأوسط، ورجالهما ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٩٩)، والضعيفة (٣٠١٢).\n(^٢) صحيح البخاري (٣٣٨)، وصحيح مسلم (١١٢) (٣٦٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٢٠).","vol":"14","page":743},{"text":"رواه ابن ماجه (^١)، وابن أبي الدنيا (^٢) والبزار (^٣)، وابن حبان في صحيحه (^٤) والبيهقي (^٥): كلهم من رواية محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى عنه، ورواه ابن أبي الدنيا (^٦) أيضا مختصرا، قال عن محمد بن مهاجر الأنصاري: حدثني: سليمان بن موسى كذا في أصول معتمدة لم يذكر فيه الضحاك، وقال البزار لا نعلم رواة عن النبي -ﷺ-: إلا أسامة ولا نعلم له طريقا عن أسامة إلا هذه الطريق، ولا نعلم رواة عن الضحاك إلا هذا الرجل: محمد بن مهاجر.\n[قال الحافظ] عبد العظيم: محمد بن مهاجر وهو الأنصاري ثقة احتج به\n_________\n(^١) ابن ماجه (٤٣٣٢)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٣٢٥): هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي في طبقات التهذيب: مجهول، وسليمان بن موسى الأموي مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات. وقال البزار: لانعلم من رواه عن النبي -ﷺ- إلا أسامة بن زيد، ولا نعلم له طريقا عن أسمة إلا هذا الطريق، ولا نعلم رواه عن الضحاك إلا هذا الرجل محمد بن مهاجر. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٣٣٦، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٣٠٤، الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٦٢/ ٣٨٨)، ومسند الشاميين (١٤٢١)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٦٠١)، وأبو نعيم فيصفة الجنة (٢٤)، وقوام السنة الترغيب والترهيب (١٠٠٣) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٥)، وضعيف الجامع الصغير (٢١٨٠).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢).\n(^٣) مسند البزار= البحر الزخار (٢٥٩١).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٧٣٨١).\n(^٥) البيهقي في الأسماء والصفات (٣٦٤).\n(^٦) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١).","vol":"14","page":744},{"text":"مسلم وغيره والضحاك ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة أحد غير ابن ماجه، ولم أقف فيه على جرح ولا تعديل لغير ابن حبان: بل هو في عداد المجهولين، وسليمان بن موسى هو الأشدق يأتي ذكره.\nقوله رحمه الله تعالى: \"وعن كريب\"، هو كريب بن أبى مسلم القرشى الهاشمي مولاهم، أبو رشدين الحجازى المدنى، مولى عبد الله بن عباس ذكره محمد بن سعد فى الطبقة الثانية، وقال: كان ثقة حسن الحديث.\nقوله: \"أنه سمع أسامة بن زيد\"، تقدم الكلام على أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"ألا هل مشمر للجنة\" فذكره إلى أن قال: \"ونعمة في محلة عالية بهية\"، الحديث، فقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"ألا هل مشمِّر للجنة\" بكسر الميم الثانية، يقال شمّر إزاره تشميرا أي رفعه، وشمّر عن ساقه في أمره أي خفّ، قاله الكرماني (^١).\nوقال الأصبهاني في شرح الودعانية: أي ألا مجتهد في العمل الصالح وأخذه بكلتى يديه كما يفعل من شمر إزراه وأطراف أكمامه لعمل يريد الإقبال عليه بكليته.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"فإن الجنة لا خطر لها\" أي لا عوض لها ولا مثل، والخطر بالتحريك في الأصل الرهن وما يخاطر عليه ومثَل الشيء وعدله، ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومزية، ومنه الحديث: \"إلا رجل يخاطر بنفسه وماله\"، أي يلقيها في الهلكة بالجهاد ولو لم يمكن من خطر\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤/ ٣٩).","vol":"14","page":745},{"text":"الجنة وشرفها إلا أنه لا يسأل لوجه الله تعالى غيرها لكفاها شرفا وفضلا، كما في سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة (^١).\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"وريحانة تهتز\"، ريحانة، فكل نبت طيب الرائحة. قال الحسن وأبو العالية رحمهما الله تعالى: هو ريحانا، هذا يؤتى بعض من ريحان الجنة فيشمه، قاله في حادي الأرواح (^٢). قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"وحبرة\" الحبرة بالفتح المسرة والنعمة وسعة النفس وكذلك الحبور، انتهى. والحبار الأثر ومنه سميت المسرة حبرة لظهور أثرها على صاحبها، قاله عياض رحمه الله تعالى (^٣).\nقوله \"قالوا نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال قولوا إن شاء الله، فقال القوم إن شاء الله\" في حديث خرجه الطبراني (^٤) رحمه الله تعالى: أن الجنة تفتح في كل ليلة في السحر فينظر الله تعالى إليها فيقول لها: ازدادي طيبا لأهلك، فتزداد طيبا فذلك برد السحر الذي يجده الإنسان. وتقدم هذا في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٦٧١)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٥٧)، وابن عدي في الكامل ٣/ ١١٠٧، والبيهقي، في \"شعب الإيمان\" (٣٢٥٩)، وفي سننه (٤/ ١٩٩)، والخطيب في الموضح ١/ ٣٥٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦٣٥١)، وضعيف الترغيب والترهيب (٥٠٦)، وضعيف أبي داود (٢٩٧).\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٧٦).\n(^٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٧٧).\n(^٤) لم أجده.","vol":"14","page":746},{"text":"صفة الجنة. وروى سعيد الجريري عن سعيد بن أبي الحسن رحمها الله تعالى أن داود ﵊ قال: يا جبريل أي الله أفضل؟ قال: ما أدري غير أن العرش يهتز إذا كان من السحر، ألا ترى أنه يفوح ريح كل السحر.\nشعر:\nقد أزلفت جنة النعيم ... فيا طوبى لقوم بربعها نزلوا\nأكوابهم عسجد يطاف بها ... والخمر والسلسبيل والعسل\nوالحور تلقاهم وقد كشفت ... عن الوجوه الاستار والكلل","vol":"14","page":747},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>فصل في حياض الجنة وعرفها </span>...\n٥٦٥٥ - عَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن لِلْمُؤمنِ فِي الْجنَّة لخيمة من لؤلؤة وَاحِدَة مجوفة طولهَا فِي السَّمَاء سِتُّونَ ميلًا لِلْمُؤمنِ فِيهَا أهلون يطوف عَلَيْهِم الْمُؤمن فَلَا يرى بَعضهم بَعْضًا رواه البخاري (^١) واللفظ له ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) إِلَّا أَنه قَالَ عرضهَا سِتُّونَ ميلًا وَهُوَ رِوَايَة لَهما.\nقوله رحمه الله تعالى: \"عن أبي موسى\" أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"إن للؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا\" الحديث، تقدم الكلام على الجنة واشتقاقها، وأما الخيمة فبيت من بيوت الأعراب معروفة، وهي من خيّم بالمكان إذا أقام فيه، والخيمة اشتقاقها من الخيم بكسر الخاء وهو الأصل، خيم كتمر وتمر ثم جمعوا الخِيَم على خيام كلكب وكلاب، والخيام جمع الجمع، كذا قاله الدَّمِيري (^٤) والواحدي والأزهري وابن الأعرابي. قالوا: والمتخذ من ثياب أو شعر أو صوف، لا\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٨٧٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٤) (٢٨٣٨).\n(^٣) الترمذي (٢٥٢٨ م)، وقال: هذا حديث صحيح.\n(^٤) انظر: النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٤١٣).","vol":"14","page":748},{"text":"يقال له خيمة إلا على وجه التجوز. وقال سيبويه: الخيام جمع كثرة، وخيمات جمع قلة. وقال ابن سيدة: الخيمات والخيام جمع خيمة. وقال ابن عطية وابن حبان: الخيام جمع خيمة، وتكون من الخشب والثياب، وخيام الجنة اللؤلؤ لحديث أبي موسى هذا، وفي الحديث: الشهيد في خيمة الله تحت أستارها تطل رحمة الله ورضوانه وأمنه، وهذه الخيام غير الغرف والقصور بل هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار، قاله في حادي الأرواح (^١).\n\"فائدة\": الفسطاط أيضا هو بيت من شعر وفيه ست لغات فسطاط وفستاط بالضم والكسر فيهما، وفسطاط أيضا كذلك، قاله الكرماني (^٢).\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"مجوفة\"، هكذا هو في عامة النسخ. مجوفة، بالفاء، أي خالية الداخل غير مصمتة. قال القاضي عياض، وفي رواية السمرقندي: مجوبة، بالباء الموحدة، وهي المثقوبة، والمعنى واحد. قال: ورويناه في كتاب الْخطابِيّ (^٣): مجوَّبه، أي قطع داخلها بالمثقب، فتفرغ وخلا، من قولهم جبت الشيء إذا قطعته، والمِجْوَبُ آلة من حديد يقطع بها الآدم قطعًا مستديرًا، فالمجوبة من جوب بناؤه للمبالغة، انتهى. قاله عياض (^٤).\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢١٠).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٦٠).\n(^٣) غريب الحديث للخطابي (١/ ٤٩٦).\n(^٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٦٣).","vol":"14","page":749},{"text":"قوله -ﷺ-: \"طولها في السماء ستون ميلا\" أي من حيث الارتفاع والعلو إلى جهة السماء. (^١) [قال عرضها ستون ميلا] (^٢) والميل اسم لمسافة معلومة متسعة لا يكاد بصر الرجل يحلق آخره وهو أربعة آلاف خطوة كل خطوة ثلاثة أقدام وهو ستة آلاف ذراع كل ذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضات معتدلات كل أصبع ست شعيرات معترضات معتدلات كل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون وتقدم الكلام على ذلك في مواضع مختصرا ومبسوطا والله أعلم. قوله -ﷺ-: للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا. المراد بقوله: أهلون في اللغة أهل البيت. وقوله: فلا يرى بعضهم بعضا أي من سعة الخيمة وكبرها.\n\n٥٦٥٦ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ لكل مُسلم خيرة وَلكُل خيرة خيمة وَلكُل خيمة أَرْبَعَة أَبْوَاب يدْخل عَلَيْهَا من كلل بَاب تحفة وهدية وكرامة لم تكن قبل ذَلِك لا مرحات وَلا دفرات وَلا سخرات وَلا طماحات حور عين كأنهن بيض مَكْنُون رواه ابن أبي الدنيا (^٣) من رواية جابر الجعفي موقوفا.\nقوله: \"وعن عبد الله بن مسعود\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة\" الحديث، الخيرة بفتح الخاء المعمة وإسكان الياء واحدة الخيرات وهي الحور الحسان الخيرات الأخلاق، قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد.\n_________\n(^١) هذان اللوحان ٢٧٢ و٢٧٣ بين المعقوفين سقطا من الأصل وأثبتا من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) أبن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣١٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٦).","vol":"14","page":750},{"text":"قوله: \"ولكل خيرة خيمة\" تقدم الكلام على الخيمة واشتقاقها. قوله -ﷺ-: \"ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها من كل باب تحفة وهدية وكرامة لم تكن قبل ذلك\" الحديث، والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه والطرف محاسنة وملاطفة وقد تفتح الحاء والجمع التحف ثم يستعمل في غير الفاكهة من الألطاف والنعم.\nقال الأزهري: أصل تحفة وُحْفَة فأبدلت الواو تاء [فتكون] على هذا من حرف الواو، اهـ، قاله ابن الأثير (^١) ومنه قوله في الحديث: فما تحفتهم؟ يعني أهل الجنة. قال: زيادة كبد الحوت هو من هذا. أي ما الذي يهدى إليهم يحضون به ويلاطفون ففي الصحيحن أنه -ﷺ- أخبر أن أول طعام يأكله أهل الجنة إذا دخلوا زيادة كبد الحوت وفي لفظ زيادة كبد النون والنون هو الحوت. وفي الصحيح (^٢) أن غداءهم على إثر ذلك أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها وأن شرابهم من عين تسمى سلسبيلا وسيأتي الكلام على ذلك قريبا مبسوطا [إن شاء الله تعالى] والله أعلم. قوله -ﷺ-: \"إلا مرجات ولا ذفرات ولا سخرات ولا طماحات\". قوله: \"ولا مرجات\" هو من المرج وهو الخلط ويطلق أيضا على الفساد ومعناه لم يكن عندهن فساد ومنه قوله في الحديث: كيف أنت إذا [مرِج] الدين أي فسد. قوله: \"ولا ذفرات\" هو من الذفر بالذال المعجمة المفتوحة ويقع على الطيب والكريه\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٣٤ - (٣١٥).","vol":"14","page":751},{"text":"ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به ومنه في صفة الحوض وطينه مسك أذفر أي طيب الريح. قوله: \"ولا سخرات\" هو من السخرية وهي الاستهزاء. قوله: [\"ولا طمِحات\"، هو من طمح بصري إلى الشيء [وعلا] (^١) [أي امتد] ومعناه لا ترفعن أبصارهن إلى غير أزواجهن.\nقوله -ﷺ-: \"حور عين كأنهن بيض مكنون\" الحديث، الحور جمع حوراء وهي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء شديدة سواد العين وقال زيد بن أسلم الحوراء التي يحار فيها الطرف وعين حسان الأعين. قال مجاهد الحوراء التي يحار فيها الطرف من رقة الجلد وصفاء اللون. قال الحسن: الحوراء شديدة بياض العين شديدة سوادها. [و] قال مقاتل العين حسان الأعين، ومن محاسن المرأة اتساع عينها في طول وضيق العين في المرأة من العيوب، [و] قيل غير ذلك [وسيأتي] لذلك زيادة على ما ذكر والله أعلم. وسيأتي أيضًا الكلام على قوله [تعالى]: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (^٢) أو لؤلؤ مكنون قريبًا.\n\n٥٦٥٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ (^٣) قَالَ الْخَيْمَة من درة مجوفة طولهَا فَرسَخ وَلها ألف بَاب من ذهب حولهَا سرادق دوره خَمْسُونَ فرسخا يدْخل عَلَيْهِ من كل بَاب مِنْهَا ملك بهدية من عِنْد الله عز\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة الصافات، الآية: ٤٩.\n(^٣) سورة الرحمن، الآية: ٧٢.","vol":"14","page":752},{"text":"وَجل رواه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفا وفي رواية له (^٢) وللبيهقي (^٣) الْخَيْمَة درة مجوفة فَرسَخ فِي فَرسَخ لَهَا أَرْبَعَة آلاف مصراع من ذهب وَإسْنَاد هَذِه أصح قوله: \"وعن ابن عباس -﵄-\" تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وبنيه وذويه]. قوله: \"حور مقصورات في الخيام\" أي محبوسات في الخيام.\nلطيفة: قال بعضهم: لما ركن أبكارا وعادة الأبكار أن تكون مقصورة في خدرها أي محبوسة حتى يأخذها بعلها أنشأ الله ﷾ الحور وقصورهن في خدور الخيام حتى يجمع بينهن وبين أوليائه في الجنة. قاله في حادي الأرواح (^٤).\nقوله: \"خيمة من درة مجوفة\" ويروى مجوبة ويروى مجبّاة وكله بمعنى قالوا هو اللؤلؤ المجوف الواسع وتقدم الكلام على ذلك في أول [الباب].\n\"طولها فرسخ وعرضها فرسخ\"، أما الفرسخ فهو ثلاثة أميال والميل هو ثلث فرسخ وكل بريد اثنا عشر ميلا وتقدم الكلام على الميل في الباب.\nقوله: \"حولها سرادق ودورة خمسون فرسخًا\" السرادق بضم السين واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف \"هو القطن\"\"\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٩) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٧).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٥).\n(^٣) البيهقي في البعث والنشور (٣٩٣)، وابن جرير الطبري في التفسير (٢٢/ ٢٧١).\n(^٤) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراخ (ص: ٢١٠).","vol":"14","page":753},{"text":"فهو سرادق، قاله الكرماني (^١).\nقوله في رواية البيهقي لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، المصراع جانب الباب وتقدم الكلام عليه قريبا.\n\n٥٦٥٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄-. قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة غرفا يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا فَقَالَ أَبُو مَالك الأشْعَرِيّ لمن هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ لمن أطاب الْكَلام وَأطْعم الطَّعَام وَبَات قَائِما وَالنَّاس نيام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢) وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي مَالك الأشْعَرِيّ إِلَّا أَنه قَالَ أعدهَا الله لمن أطْعم الطَّعَام وَأفْشى السَّلَام وَصلى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام (^٣).\n\n٥٦٥٩ - وَرُوِيَ عَن عمرَان بن حُصَيْن وَأبي هُرَيْرَة -﵁- قَالا سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ (^٤) قَالَ قصر فِي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٦٠).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٣ (٦٦١٥)، والطبرانى في الكبير (١٤/ ٨٠ رقم ١٤٦٨٧)، والحاكم (١/ ٨٠ و٣٢١). ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٤)، وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن، واللفظ له، وفي رواية أحمد: فقال أبو موسى الأشعري\". وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦١٧) و(٩٤٦) و(٢٦٩٢) و(٣٧١٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٢٩٠٥)، وابن خزيمة (٢١٣٧)، وابن حبان (٥٠٩). وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٩٤٧) و(٣٧١٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٤) سورة الصف، الآية: ١٢.","vol":"14","page":754},{"text":"الْجنَّة من لؤلؤة فِيهَا سَبْعُونَ دَارا من ياقوتة حَمْرَاء فِي كل دَار سَبْعُونَ بَيْتا من زمردة خضراء فِي كل بَيت سَبْعُونَ سريرا على كل سَرِير سَبْعُونَ فراشا من كل لون على كل فرَاش امْرَأَة فِي كل بَيت سَبْعُونَ مائدة على كل مائدة سَبْعُونَ لونا من طَعَام فِي كل بَيت سَبْعُونَ وصيفا ووصيفة يعْطى لِلْمُؤمنِ من الْقُوَّة مَا يَأْتِي على ذَلِك كُله فِي غَدَاة وَاحِدَة. رواه الطبراني (^١) والبيهقي (^٢) بنحوه.\nقوله: \"عن عمران بن حصين وأبي هريرة\" تقدم الكلام عليهما -﵄-. قوله: \"قالا سئل رسول الله -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال قصر في الجنة من لؤلؤة بيضاء\" الحديث.\nقال الحافظ شرف الدين الدمياطي رحمه الله تعالى: قلت: ففي هذا\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١٦٠/ ٣٥٣)، والمعجم الأوسط (٤٨٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٢٠) رواه الطبراني، وفيه جسر بن فرقد، وهو ضعيف. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٧٠٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٨): موضوع.\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٢٥٥) والحسين المروزي في زيادات الزهد والرقائق لابن المبارك (١٥٧٧)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٧٧)، والبزار= البحر الزخار (٣٥٦٣)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٦٠٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٧٧) وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه عن النبي -ﷺ- بهذا اللفظ إلا عمران بن حصين وأبا هريرة، ولا نعلم لهما طريقا يروى عنهما إلا هذا الطريق، وجسر بن فرقد لين الحديث وقد روى عنه أهل العلم وحدثوا عنه والحسن فلا يصح سماعه من أبي هريرة من رواية الثقات، عن الحسن.","vol":"14","page":755},{"text":"القصر الشريف تسعون وأربعمائة بيت من زمردة خضراء ومن الأسرة ثمانية وعشرون ألف سرير وستمائة وثلاثون سريرا، ومن الوصائف كذلك ومن الموائد كذلك ومن الفرش ألف ألف فراش وأربعة آلاف فراش ومائة فراش ومن النساء مثل ذلك ومن ألوان الطعام مثل ذلك فسبحان من لا يحصى فضله ولا ينفد عطاؤه. قاله في [كتابه] المتجر الرابح في العمل الصالح.","vol":"14","page":756},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>فصل في أنهار الجنة</span>\n٥٦٦٠ - عَن عبد الله بن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْكَوْثَر نهر فِي الْجنَّة حافتاه من ذهب وَمَجْرَاهُ على الدّرّ والياقوت تربته أطيب من الْمسك وماؤه أحلى من الْعَسَل وأبيض من الثَّلج. رواه ابن ماجه (^١) والترمذي (^٢) وقال: حديث حسن صحيح.\nقوله: \"عن عبد الله بن عمر\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"الكوثر نهر في الجنة حافاته من ذهب ومجراه على الدر والياقوت\" الحديث النهر بفتح الهاء وسكونها لغتان وتقدم ذلك في أماكن من هذا التعليق أما أنهار الجنة فقد مدحها القرآن العظيم. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ (^٣) الآية.\n_________\n(^١) ابن ماجه (٤٣٣٤).\n(^٢) الترمذي (٣٣٦١)، والطيالسي (٢٠٤٥) والدارمى (٢٨٧٩) وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٦٧)، وأخرجه أحمد (٥٣٥٥ - ٦٤٧٦)، وابن أبي شيبة (٣١٦٦٢ - ٣٤٠٩٨). وهناد في الزهد (١٣٢)، والطبري في تفسيره (٣٠/ ٣٢٤) (٣٠/ ٤٢٥)، والآجري في الشريعة (١٠٨٤)، (١٠٨٥)، والحاكم (٣/ ٥٤٣)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٢٦)، والبيهقي في البعث (١٢٩) والبغوي في شرح السنة (٤٣٤١) وفي معالم التنزيل (٧/ ٣٠٢) وابن عساكر في معجم الشيوخ (٩٠٤) وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٤٦١٥).\n(^٣) سورة محمد، الآية: ١٥.","vol":"14","page":757},{"text":"عن عكرمة عن ابن عباس (^١) عن النبي -ﷺ- قال: أنزل الله من الجنة خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند وجيجون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر أهل مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل -﵇- فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع [للناس] في أصناف معايشهم فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فرفع ذلك كله إلى السماء فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (^٣) فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد حرم أهلها خير الدين والدنيا سميت دنيا لدنوها وسبقها الدار الآخرة رواه أحمد بن عدي (^٤) في ترجمة مسلمة بن\n_________\n(^١) أخرجه النحاس في معاني القرآن (٤/ ٤٥٠ - ٤٥١) ابن حبان في المجروحين (٣/ ٣٤ - ٣٥) ابن عدي في الكامل (٦/ ٣١٥) أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٦٧٧)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٠٢) وهذا حديث غريب جدا، بل منكر، ومسلمة بن علي ضعيف الحديث عند الأئمة. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٦٨٦)، وتحقيق إزالة الدهش والوله (ص: ٨٢): موضوع.\n(^٢) سورة المؤمنون، الآية: ١٨.\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ١٨.\n(^٤) ابن عدي في الكامل (٦/ ٣١٥).","vol":"14","page":758},{"text":"عُلي الخشني بالتصغير اهـ، قاله في الديباجة، وقد ذكر الله عيون الجنة في مواضع من كتابه العزيز. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ (^٥) ومشارب أهل الجنة متنوعة منها ما نبّه عليه قوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ (^٦) وبالجملة فأنهار الجنة وعيونها وجميع ما فيها فوق فوق ما تبلغه الأماني من الحسن والجمال، وأهل الجنة يأكلون مما يشتهون ويشربون مما يشتهون ولا يبولون ولا يتغوطون، اهـ.\nوثبت في الصحيح أن أنهار الجنة تفجر من الفردوس وأن الفردوس وسط الجنة وأعلاها.\n\n٥٦٦١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- فِي قَوْله ﷿ إِنَّا أعطي الْكَوْثَر الْكَوْثَر ١ قَالَ هُوَ نهر فِي الْجنَّة عمقه سَبْعُونَ ألف فَرسَخ مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل شاطئاه اللُّؤْلُؤ والزبرجد والياقوت خص الله بِهِ نبيه\n_________\n(^١) سورة الذاريات، الآية: ١٥.\n(^٢) سورة الإنسان، الآية: ٦.\n(^٣) سورة الإنسان، الآية: ١٨.\n(^٤) سورة الرحمن الآية: ٥٠.\n(^٥) سورة الرحمن، الآية: ٦٦.\n(^٦) سورة المطففين، الآية: ٢٥.","vol":"14","page":759},{"text":"-ﷺ- قبل الْأَنْبِيَاء. رواه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفًا.\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم. قوله: \"إنا أعطيناك الكوثر\" قال [ابن عباس رضي الله تعالى عنهما] هو نهر في الجنة عمقه في الأرض سبعون ألف فرسخ ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل شاطئه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت خص الله به نبيه -ﷺ- قبل الأنبياء، [رواه ابن أبي الدنيا موقوفا] اهـ.\n\n٥٦٦٢ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ بَينا أَنا أَسِير فِي الْجنَّة إِذا أَنا بنهر حافتاه قباب اللُّؤْلُؤ المجوف فَقلت مَا هَذَا يَا جِبْرِيل قَالَ هَذَا الْكَوْثَر الَّذِي أَعْطَاك رَبك قَالَ فَضرب الْملك بِيَدِهِ فَإِذا طينه مسك أذفر رواه البخاري (^٢).\nقوله: \"وعن أنس\" هو ابن مالك تقدم. قوله -ﷺ-: \"بينا أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف\" المجوف تقدم الكلام عليه في أول الباب. وفي الحديث: جنابذ اللؤلؤ، كذا في مسلم وفي البخاري في كتاب الأنبياء من غير رواية المروزي [و] فسره [بالقباب واحدتها] جُنْبُذة بالضم والجنبذة ما ارتفع من [البناء] قاله عياض (^٣).\nقوله: \"فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر\" الحديث، الذفر بفتح الفال والذال المعجمة كل ريح [ذكية أو] نتن فأما الدفر بالمهملة وسكون\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٤١) وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٩): منكر جدًا.\n(^٢) صحيح البخاري (٤٩٦٤).\n(^٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٥٥)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥١٠).","vol":"14","page":760},{"text":"الفاء ففي النتن لا غير. قاله عياض (^١) وتقدم ما [يقرب من ذلك].\n\n٥٦٦٤ - وَعَن سماك أَنه لَقِي عبد الله بن عَبَّاس بِالْمَدِينَةِ بعد مَا كف بَصَره فَقَالَ يَا بن عَبَّاس مَا أَرض الْجنَّة قَالَ مرمرة بَيْضَاء من فضَّة كَأَنَّهَا مرْآة قلت مَا نورها قَالَ مَا رَأَيْت السَّاعَة الَّتِي يكون فِيهَا طُلُوع الشَّمْس فَذَلِك نورها إِلَّا أَنه لَيْسَ فِيهَا شمس وَلَا زمهرير قَالَ قلت فَمَا أنهارها أَفِي أخدُود قَالَ لَا وَلكنهَا تجْرِي على أَرض الْجنَّة مستكفة لَا تفيض هَهُنَا وَلَا هَهُنَا قَالَ الله لَهَا كوني فَكَانَت قلت فَمَا حلل الْجنَّة قَالَ فِيهَا شَجَرَة فِيهَا ثَمَر كَأَنَّهُ الرُّمَّان فَإِذا أَرَادَ ولي الله مِنْهَا كسْوَة انحدرت إِلَيْهِ من غصنها فانفلقت لَهُ عَن سبعين حلَّة ألوانا بعد ألوان ثمَّ تنطبق فترجع كَمَا كانَت رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَوْقُوفا بِإِسْنَاد حسن (^٢).\nقوله: \"وعن سماك أنه لقي عبد الله بن عباس بالمدينة\" الحديث، سماك [هذا] هو سماك بن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية الذهلي البكرى، أبو المغيرة الكوفى، \"أخو محمد بن حرب وإبراهيم بن حرب\" رأى المغيرة بن شعبة قال البخاري، عن على ابن المدينى: له نحو مئتى حديث، وقال حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب: أدركت ثمانين من أصحاب النبى -ﷺ- وكان قد ذهب بصرى، فدعوت الله فرد على بصرى، روى عنه الثوري، وشعبة.\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٧١).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (١٤٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٠٠).","vol":"14","page":761},{"text":"قوله: \"قلت لابن عباس فما أنهارها أفي أخدود؟ قال: لا وإنما يجري على أرض الجنة مستكفة لا تفيض ها هنا ولا ها هنا\" الأخدود الشقوق وسيأتي الكلام على ذلك في حديث أنس بعد حديث حكيم بن معاوية.\n\n٥٦٦٥ - وَرُوِيَ عَن حَكِيم بن مُعَاوِيَة الْقشيرِي عَن أَبِيه -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول فِي الْجنَّة بَحر للْمَاء وبحر للبن وبحر للعسل وبحر للخمر ثمَّ تشقق الْأَنْهَار مِنْهَا بعد، رواه البيهقي (^١).\nقوله: \"عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه\" هو حكيم بن معاوية القشيري بن حيدة بن معاوية بن قشير بن كعب القشيرى قال أحمد بن عبد الله العجلى: تابعى ثقة، وقال النسائى: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"كتاب الثقات\". قوله: \"في الجنة بحر للماء وبحر للبن وبحر للعسل وبحر للخمر ثم يشقق الأنهار منها بعد\" تقدم الكلام على الأنهار في الأحاديث قبله.\n\n٥٦٦٦ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ لَعَلَّكُمْ تظنون أَن أَنهَار الْجنَّة أخدُود فِي الأَرْض لَا وَالله إِنَّهَا لسائحة على وَجه الأَرْض إِحْدَى حافتيها\n_________\n(^١) البيهقي في البعث والنشور (ص: ١٦٩). وأخرجه الترمذي (٢٥٧١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، أحمد (٢٠٠٥٢)، والدارمي (٢٨٧٨)، وابن حبان (٧٤٠٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٤٢٤/ ١٠٣٢)، وأبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة (٣٠٧)، وعبد بن حميد في المنتخب من مسنده (٤١٠)، والروياني (٩٤٥)، وابن أبي داود البعث (٧١)، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (٦/ ٢٠٥)، وقال: غريب عن الجريري تفرد به، عن حكيم وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢١٢٢)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٧٢٢).","vol":"14","page":762},{"text":"اللُّؤْلُؤ وَالْأُخْرَى الْيَاقُوت وطينه الْمسك الأذفر قَالَ قلت مَا الأذفر قَالَ الَّذِي لَا خلط لَهُ. رواه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفًا، ورواه غيره مرفوعًا (^٢)، والموقوف أشبه بالصواب.\nقوله: \"عن أنس بن مالك\" تقدم. قوله: \"لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض\" الحديث. الأخدود هو الشق العظيم في الأرض كالنهر وجمعه أخاديد ومنه حديث مسروق: أنهار الجنة تجري في غير أخدود أي في غير شق في الأرض. قاله في النهاية (^٣). قوله: \"وطينه المسك الأذفر\" تقدم تفسيره أنه الطيب الرائحة الذكية.\n\n٥٦٦٧ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- أَيْضا قَالَ: نضاختان الرَّحْمَن ٦٦ بالمسك والعنبر ينضخان على دور الْجنَّة كمَا ينضخ الْمَطَر على دور أهل الدُّنْيَا. رواه ابن أبي شيبة (^٤) موقوفا.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٦٦).\n(^٢) أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٥)، وابن مردويه وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٢٩٢): وقد رواه ابن أبي الدنيا، عن يعقوب بن عبيد، عن يزيد بن هارون به موقوفا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٢٣) انظر الصحيحة (٢٥١٣).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٣).\n(^٤) وضعفه جدًا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٠١) وقال: لم أره في مصنفه، وقد رواه عنه ابن أبي الدنيا في الصفة (٣٧/ ٧٠): ثنا يحيى بن يمان عن أبي إسحاق عن أبان عن أنس. و(أبان) هو ابن أبي عياش؛ متروك، و(أبو إسحاق) عنه لم أعرفه، ورواه أبو نعيم (٢/ ٤٩/ ٢٠٣) عن ابن يمان هذا، وهو ضعيف. ووقع فيه (أبو إسحاق الهزاني)!","vol":"14","page":763},{"text":"قوله: \"عن أنس\" أيضا تقدم. قوله: \"قال نضاختان بالمسك والعنبر تنضخان على دور الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا\" الحديث.\nقال أبو العباس القرطبي (^١): \"نضاختان\" أي بألوان الفواكه والنعيم والجواري المزينات والدواب المسرجات والثياب الملونات وهذا يدل على أن النضخ أكتر من الجري قلت على هذا يدل أقوال أكثر المفسرين، وروي عن ابن عباس نضاختان أي فوارتان بالماء (^٢). وقال بعض العلماء النضخ بالمعجمة هو صب الماء الكثير والنضح بالحاء المهملة هو الرش. وعن ابن عباس أيضا أن المعنى نضاختان بالخير والبركة والله أعلم.\n\n٥٦٦٨ - وَعنهُ -﵁- قَالَ سُئِلَ رَسُول الله مَا الْكَوْثَر قَالَ ذَاك نهر أعطانيه الله يَعْنِي فِي الْجنَّة أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل فِيهِ طير أعناقها كأعناق الجزر قَالَ عمرَان إِن هَذِه لناعمة قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أكلتها أنعم مِنْهَا. رواه الترمذي (^٣) وقال حديث حسن.\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٣٣).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٣٣).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٥٤٢). وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٢٩) غريب من حديث حذيفة ولأحمد من حديث أنس بإسناد صحيح\" إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة قال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطير ناعمة قال \"أكلتها أنعم منها\" قالها ثلاثا \"وإني أرجو أن تكون ممن يأكل منها\" وهو عند الترمذي من وجه آخر ذكر فيه نهر الكوثر وقال \"فيه طير أعناقها كأعناق الجزر\" قال عمر: إن هذه لناعمة ... الحديث. وليس فيه ذكر لأبي بكر وقال حسن. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤) قلت: =","vol":"14","page":764},{"text":"[الجزر] بضم الجيم والزاي: جمع جزور، وهو البعير.\nقوله: \"وعنه أيضا\" تقدم. قوله: \"سئل رسول الله -ﷺ-: ما الكوثر؟ قال: ذلك نهر أعطانيه الله\" يعني في الجنة فذكره إلى أن قال: \"فيه طير أعناقها كأعناق الجزر. فقال عمر بن الخطاب: إن هذه لناعمة\" الحديث. الجزر بضم الجيم والزاي جمع جزور وهو البعير، اهـ. قاله الحافظ رحمه الله تعالى. قوله: \"إن هذه لطير ناعمة\" أي سمان متر فة. قوله: \"أكلتها أنعم منها\" وفي نسخة: آكلها.\n* * *\n_________\n= رواه الترمذي باختصار. رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير سيار بن حاتم، وهو ثقة. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٥١٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٧٢٤). والحديث؛ أخرجه أحمد (١٣٣٠٦)، (١٣٣١١)، وهناد، في \"الزهد\" (١٣٦)، والبيهقي، في \"البعث والنشور\" (١٢٨: ١٣١ و٢٧٩).","vol":"14","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>فصل في شجر الجنة وثمارها</span>\n٥٦٦٩ - عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام لَا يقطعهَا إِن شِئْتُم فاقرؤوا ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ (^١). رواه البخاري (^٢) والترمذي (^٣).\nقوله: \"عن أنس بن مالك\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها إن شئتم فاقرءوا: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٢١)﴾، وإذا تقرر أن الراكب يسير في ظل هذه الشجرة مائة سنة لا يقطعها فيحتمل أن يكون المراد بالسير المذكور السير في ظلها حول أصلها ويدل عليه ما في مسند الإمام أحمد (^٤).\n_________\n(^١) سورة الواقعة، ٣٠ - ٣١.\n(^٢) صحيح البخاري (٣٢٥١).\n(^٣) سنن الترمذي (٣٢٩٣) هذا حديث حسن صحيح ..\n(^٤) أخرجه أحمد (١٧٦٤٢)، وعبد الرزاق في أماليه (١٣٢) ومن طريقه أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٧٣٣) بقي بن مخلد في الحوض والكوثر (١٥) والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ١٢٦) (٣١٢)، (١٧/ ١٢٨) (٣١٣) والمعجم الأوسط (٤٠٢)، ومسند الشاميين (٢٨٦٠)، وعنه أبو نعيم في صفة الجنة (٣٤٦) وابن حبان في الصحيح (٦٤٥٠ و٧٢٤٧ و٧٤١٦) وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٩٧ - ١٩٨)، ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٢٧٤) (ص ١٨٧) وعثمان الدارمي في نقضه على بشر المريسي (٢٧٦ - ٢٧٧) والبيهقي في البعث والنشور (٢٧٤) وابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١) والذهبي في تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٨)، وقال الضياء في صفة الجنة =","vol":"15","page":5},{"text":"في بعض حديث أنه -ﷺ- قال للأعرابي الذي سأله عن طوبى: قال لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما، وسيأتي هذا الحديث بطوله بعد. وقال العلماء: المراد بظلها كنفها وذُراها وهو ما يستره أغصانها والله أعلم.\n\n٥٦٧٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب الْجواد الْمُضمر السَّرِيع مائَة عَام لَا يقطعهَا رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) وَزَاد وَذَلِكَ الظل الْمَمْدُود.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في مائة عام لا يقطعها\"، وزاد الترمذي في روايته لهذا الحديث: وذلك الظل الممدود الجواد بالنصب هو مفعول الراكب وهو الفرس السابق الجيد والمضمر بالنصب هو صفة الجواد وتمضير الخيل هو أن يظاهر بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلا قوتا\n_________\n= (ص ٥٥): لا أعلم لهذا الإسناد علة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤) رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له، وفي الكبير، وأحمد باختصار عنهما، وفيه عامر بن البكالي، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٢٩) التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ٤٠١).\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٥٣).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٨٢٨).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٥٢٤).","vol":"15","page":6},{"text":"لتخف. قال القرطبي (^١): والراكب مرفوع فاعل يسير والجواد منصوب مفعول [بـ] يسير والمضمر نعته وكذلك السريع ومعناه [يجزي] الراكب فرسه السريع الذي قد ضمر هذه المدة فلا يقطعها. قال: وقد قيل هذه الشجرة شجرة طوبى قال: قيل ومعنى ظلها [ذراها] وناحيتها وكنفها كما يقال أنا في ظلك أي في كنفك [وحوطتك]. قال: والذي أحوج إلى هذين التأويلين أن الظل المتعارف عندنا إنما هو وقاية عن حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس وإنما هي أنوار متوالية لا حرّ فيها ولا قرّ بل لذات متوالية ونعم متتابعة.\nوأما قوله في زيادة الترمذي: وذلك الظل الممدود فمعناه [منبسط] دائم لا يتقلص ولا يزول ولا تنسخه شمس كظل أهل الدنيا والعرب تقول: لكل شيء [طويل] لا ينقطع ممدود. قال لبيد: دهر طويل دائم ممدود. وقد شبه جماعة ظل الجنة بما بين الفجر والشمس ومرادهم أنه ظل من غير شمس. [و] قال جماعة أن هذا الظل ليس ظل الأشجار بل ظل [يخلقه] الله تعالى لأن الجنة كلها ظل لا شمس فيها. وقال جماعة: هو ظل الأشجار ويشهد له هذا الحديث المذكور وهذا الحديث نص في حمل الظل الممدود في الآية على ذلك ولا يعارضه دوام ظل الجنة كلها وأنه لا شمس فيها لاحتمال أن يكون ظلها مع دوامه وطيبه متفاوتا فيحصل من تلك الأشجار ظل زائد على الظل الأصلي يزداد المستظل به [به بهجة ويكون نسبته إلى غيره\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٣/ ٣٧).","vol":"15","page":7},{"text":"من ظل الجنة كنسبة ظل الدنيا من عدمه، ولعل الجنة لا يخلو مكان منها من ظل شجرة مضاف إلى الظل الأصلي، ويتنوع ذلك الظل الأصلي بحسب تنوع أشجارها فيزاد بامتداد أصل الظل دوامه وبامتداد ظل الأشجار انبساطه ودوامه، انتهى، قاله في الديباجة.\n\n٥٦٧١ - وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر -﵄- قَالَت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- وَذكر سِدْرَة الْمُنْتَهى فَقَالَ يسير الرَّاكِب فِي ظلّ الفنن مِنْهَا مائَة سنة أَو يستظل بهَا مائَة رَاكب شكّ يحيى فِيهَا فرَاش الذَّهَب كَأَن ثمارها القلال رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث حسن صحيح غريب.\n[الفنن] بفتح الفاء والنون: هو الغصن.\nقوله رحمه الله تعالى: \"وعن أسماء بنت أبى بكر\"، تقدم الكلام عليها رضي الله تعالى عنها. قوله: \"قالت سمعت رسول الله -ﷺ-: وذكر سدرة المنتهى، فقال: يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة، أو يستظل بها مائة راكب، شك يحيى، فيها فراش الذهب كأن ثمارها القلال\"، أما سدرة المنتهى فإنها سدرة على رؤوس حملة العرش ينتهي إليها علم الخلائق ثم ليس لأحد وراءها علم فلذلك سميت سدرة المنتهى. وقيل للضحاك لم سميت سدرة المنتهى؟ قال: لأنه ينتهي إليها علم كل شيء من أمر الله تعالى\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٤١). والحديث؛ أخرجه هناد، في \"الزهد\" (١١٥)، وابن أبي عاصم، في \"الآحاد والمثاني\" (٣١٤١)، والطبراني المعجم الكبير (٢٤/ ٨٧/ ٢٣٤)، وأبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة (٤٣٥)، والحاكم (٢/ ٥١٠) (٣٧٤٨)، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.","vol":"15","page":8},{"text":"لا يعدوها، قاله ابن قيم الجوزية. وروى مسلم (^١) رحمه الله تعالى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم انتُهِيَ به إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها. قال تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ (^٢). قال: فراش من ذهب.\nقوله: \"وهي في السماء السادسة\"، كذا في جميع الأصول السادسة، وفي رواية أخر من حديث أنس أنها فوق السماء السابعة. قال القاضي عياض (^٣): كونها في السابعة هو الأصح، وقول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى، وتسميتها بالمنتهى.\nقلت: ويمكن أن يجمع بين الحديثين فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة، وقد علم أنها في نهاية من العظمة، وقد قال الخليل: هي سدرة في السماء السابعة قد أظلت السماوات والجنة. وحكي عن القاضي في قوله: أن مقتضى خروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصل سدرة المنتهى أن يكون أصلها في الأرض، فإن سلم له هذا أمكن حمله على ما ذكرناه والله تعالى أعلم. والفرات بالتاء المثناة فوق والتاء مجرورة كذا ذكره النووي لأنه رأي من تَصحَّفه ويكتبه بالهاء، وفي تفسير ابن سلام عن بعض العلماء قال: إنما سميت سدرة المنتهى لأن روح المؤمن يُنتهى به إليها فتصلي عليها هناك الملائكة المقربون قال ذلك في تفسير عليين، قاله السهيلي في الروض\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٧٩) (١٧٣).\n(^٢) سورة النجم، الآية: ١٦.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢).","vol":"15","page":9},{"text":"الأنف على سيرة ابن هشام (^١)، قال الله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (^٢)، لا خلاف بين العلماء أن الجنة في السماء لما في هذه الآية، ولأنها دار نعيم فتكون في جهة العلو بخلاف النار -نعوذ بالله منها- فإنها سجين، والسجين يكون في السفل. وقال المعتزلة والجهمية أن الجنة لم تخلق بعد كما قاله في النار.\nقال الجوهري (^٣): السدرة شجر النبق، الواحدة سدرة، والجمع سدرات، واختلفوا لم سميت بهذا الاسم على أقوال: أحدها لأنها ينتهي إليها الأعمال من بني آدم، تعرج بها الملائكة الكتبة إلى السماء ثم تقبض منها، وإليها ينتهي ما يقبض من فوقها، قاله كعب الأحبار، وذكر أنه في التوراة، كذلك. وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (^٤) قال: سألت كعبا عن سدرة المنتهى: فقال: هي سدرة في أصل العرلش إليها ينتهي علم الخلائق فيُرفع منها، تعرج به الملائكة إليها فتقف عندها لا يعدوها شيء، قاله الربيع بن أنس. الثاني: أن الملائكة المقربين تنتهي إليها فلا يتجاسروا أن يتجاوزوها من خوف الله تعالى، قاله الضحاك.\nالثالث: لأنه ينتهي إليها ما يعرج من أرواح المؤمنين، حكاه سفيان. واختلفوا في أي سماء هي، والصحيح ما رواه أبو هريرة رضي قال: قال\n_________\n(^١) الروض الأنف (٣/ ٢٦٣).\n(^٢) سورة النجم، الآية: ١٤ - ١٥.\n(^٣) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (١/ ٢٧١).\n(^٤) أخرجه الطبري في التفسير (٢٧/ ٥٢)، والبغوي في التفسير (٤/ ٢٤٨).","vol":"15","page":10},{"text":"رسول الله -ﷺ-: \"رأيتها بعد السماء السابعة، فقيل: هذه سدرة المنتهى، وإذا شجرة تخرج من أصلها أربعة: نهر من ماء غير آسن، ونهر من. لبن لم يتغير طعمه ونهر من عسل مصفى ونهر من الكافور، والورقة منها تظل أمة من الأمم\"، انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر.\nتنبيه: هل أقسم الله تعالى بشجرة طوبى وسدرة المنتهى في القرآن؟ قيل: نعم. قال ابن عباس في تفسير طسم: طا شجرة طوبى وسين سدرة المنتهى وميم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.\nقوله رضي الله تعالى عنه: \"في ظل الفنن\"، قال الحافظ: \"الفنن\" بفتح الفاء والنون هو الغصن، انتهى. وقال بعض العلماء: والفنن جمعه أفنان وجمع أفنان أفانين.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"كأن ثمارها القلال\"، والقلال بكسر القاف جمع قلة، والقُلة في اللغة الجرة العظيمة التي يقلها الرجل العظيم بيديه أي يرفعها ويحملها، تسع قربتين أو أكثر. وبعض العلماء يعبر عن القلة بالحُبّ العظيم والحُب الزير. وفي حديث سدرة المنتهى: \"وإذا ثمرها كقلال هجر\"، وأيضا: \"وإذا نبقها أمثال القلال وورقها كآذان الفيلة\"، فالسدر شجر النبق، والنبق بفتح النون وكسر الباء الموحدة، وقد تسكن ثمر السدر، واحدته نبِقة ونبْقة وأشبه به العناب قبل أن تشتد حمرته. والفِيلة بكسر الفاء وفتح الياء جمع الفيل. وهجر اسم بلد معروف بالبحرين. وأما هجر التي تنسب إليها القلال فهي قرية من قرى المدينة ينسب إليها لأنه أول ما عملت بها،","vol":"15","page":11},{"text":"وقلال هجر كانت معروفة عندهم. وروى الشافعي رحمه الله تعالى (^١) عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر. والقلة منها تسع قربتين أو قربتين وشياء فاحتاط الشافعي رحمه الله تعالى، وجعل الشيء نصفا لأنه لو كان فوقه لقال ثلاث قربٍ الأشياء، فتكون جملة القربتين خمسمائة رطل، والله تعالى أعلم.\nفائدة: في الحديث (^٢): \"من قطع سدرة صوّب الله رأسه في النار\" الحديث، أراد به سدر مكة لأنها حرم، وقيل سدر المدينة، نهى عن قطه ليكون أنسا وظلا لمن يهاجر إليها، وقيل أراد السدر الذي يكون في الفلاة يستظل به أبناء السبيل والحيوان أو في ملك إنسان فيتاحمل عليه ظلما فيقطعه بغير حق، ومع هذا فالحديث مضطرب الرواية فإن أكثر ما يروى عن عروة بن الزبير وكان هو يقطع السدر ويتخذ منه أبوابا، وأهل العلم مجتمعون على إباحة قطعه، والله تعالى أعلم (^٣).\n_________\n(^١) الأم للشافعي (١/ ١٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٢٣٩)، النسائي في الكبرى (٨٥٥٧)، والبغوي في معجم الصحابة (٤/ ١٨٨)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٦٥)، والطبراني في الأوسط (٢٤٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٣٠) والضياء في المختارة (٢١٥)،، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٨٤) قلت: رواه أبو داود خلا قوله: من سدر الحرم. رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وانظر المقاصد الحسنة (ص: ٤٩٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٧٦)، والصحيحة (٦١٤).\n(^٣) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٣٠) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص: ١٢٢)، المقاصد الحسنة (ص: ٤٩٠).","vol":"15","page":12},{"text":"٥٦٧٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ الظل الْمَمْدُود شَجَرَة فِي الْجنَّة على سَاق قدر مَا يسير الرَّاكِب الْمجد فِي ظلها مائَة عَام فِي كل نَوَاحِيهَا فَيخرج أهل الْجنَّة أهل الغرف وَغَيرهم فيتحدثون فِي ظلها قَالَ فيشتهي بَعضهم وَيذكر لَهو الدُّنْيَا فَيُرْسل الله ريحًا من الْجنَّة فَتحَرك تِلْكَ الشَّجَرَة بِكُل لَهو كَانَ فِي الدُّنْيَا. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَوْقُوفا (^١) من طَرِيق زَمعَة بن صَالح عَن سَلمَة بن وهرام وَقد صححها ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وحسنها التِّرْمِذِيّ.\n\n٥٦٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الله أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر اقرؤوا إِن شِئْتُم وظل مَمْدُود الْوَاقِعَة وَمَوْضِع سَوط من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا واقرؤوا إِن شِئْتُم فَمن زحزح عَن النَّار وَأدْخل الْجنَّة فقد فَازَ [آل عمرَان ٥٨١]. رواه الترمذي (^٢) والنسائي (^٣) وابن ماجه (^٤) وروى البخاري (^٥) ومسلم (^٦) بعضه.\nقوله رحمه الله تعالى: \"وعن أبي هريرة\"، تقدم الكلام عليه رضي الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٤٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٠٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) سنن الترمذي (٣٢٩٢) هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (١١٠١٩).\n(^٤) سنن ابن ماجه (٤٣٢٨).\n(^٥) صحيح البخاري (٣٢٤٤).\n(^٦) صحيح مسلم (٢٨٢٤).","vol":"15","page":13},{"text":"تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^١) \"، قال عبد الله بن مسعود (^٢): مكتوب في التوراة: \"الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\"، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الأمر من هذا أجل وأعظم من أن يعرف تفسيره، وهذه الكرامة إنما هي لأعلى أهل الجنة منزلا وأعلى ما في الجنة النظر وقد خطر على قلوبنا ... أما في وقت النظر يحصل لنا من اللذة والاستغراق ما لم يخطر على قلب بشر؛ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:] (^٣) \"وموضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها\". وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- قال (^٤): لشبر من الجنة خير من الدنيا وما عليها، انفرد به ابن ماجه وهذا الحديث صحيح ويوضحه الحديث الآخر [وموضع سوط أحدكم من الجنة خير] (^٥) من الدنيا وما فيها ولا شك في ذلك لأن موضع السوط والشبر من الجنة باق والدنيا فانية والباقي وإن قل خير من الفاني وإن كثر، اهـ. قاله في\n_________\n(^١) سورة الواقعة، الآية: ٣٠.\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٦/ ١٩٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٠): رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف.\n(^٣) هذان اللوحان ٢٧٨ و٢٧٩ بين المعقوفين سقطا من الأصل وأثبتا من النسخة الهندية.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٠٢٣). وابن ماجه (٤٣٢٩)، وهناد، في \"الزهد\" (٥).\n(^٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"15","page":14},{"text":"الديباجة. قوله: \"واقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ \" الحديث. وفي حديث آخر: يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾، فبلغ ذلك كعبا فقال صدق والذي أنزل التوراة على لسان موسى والفرقان على لسان محمد -ﷺ- ولو أنّ رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما إن الله غرسها بيده ونفخ فيها من روحه وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة.","vol":"15","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>عظم شجرة طوبى</span>\n٥٦٧٤ - وَعَن عتبَة بن عبد -﵁- قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَ مَا حوضك الَّذِي تحدث عَنهُ فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فَقَالَ الْأَعرَابِي يَا رَسُول الله فِيهَا فَاكهَة قَالَ نعم وفيهَا شَجَرَة تدعى طُوبَى هِيَ تطابق الفردوس فَقَالَ أَي شجر أَرْضنَا تشبه قَالَ لَيْسَ تشبه شَيْئا من شجر أَرْضك وَلَكِن أتيت الشَّام قَالَ لَا يَا رَسُول الله قَالَ فَإِنَّهَا تشبه شَجَرَة بِالشَّام تدعى الجوزة تنْبت على سَاق وَاحِد ثمَّ ينتشر أَعْلَاهَا قَالَ فَمَا عظم أَهلهَا قَالَ لَو ارتحلت جَذَعَة من إبل أهلك لما قطعتها حَتَّى تنكسر ترقوتها هرما قَالَ فِيهَا عِنَب قَالَ نعم قَالَ فَمَا عظم العنقود مِنْهَا قَالَ مسيرَة شهر للغراب الأبقع لَا يَقع وَلَا ينثني وَلَا يفتر قَالَ فَمَا عظم الْحبَّة مِنْهُ قَالَ هَل ذبح أَبوك تَيْسًا من غنمه عَظِيما فسلخ إهابه فَأعْطَاهُ أمك فَقَالَ ادبغي هَذَا ثمَّ افري لنا مِنْهُ ذنوبا يروي ماشيتنا قَالَ نعم قَالَ فَإِن تِلْكَ الْحبَّة تشبعني وَأهل بَيْتِي فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- وَعَامة عشيرتك. رواه الطبراني في الكبير (^١) والأوسط (^٢) واللفظ له والبيهقي. (^٣) بنحوه، وابن حبان\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ١٢٦/ ٣١٢).\n(^٢) المعجم الأوسط (٤٠٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤) رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له، وفي الكبير، وأحمد باختصار عنهما، وفيه عامر بن البكالي، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٢٩).\n(^٣) البيهقي في البعث والنشور (٢٧٤)، وأخرجه بقي بن مخلد في الحوض والكوثر (١٥) =","vol":"15","page":16},{"text":"في صحيحه (^١) بذكر الشجرة في موضع، والعنب في آخر، ورواه أحمد (^٢) باختصار.\n[قوله] افري لنا منه ذنوبا، أي شقي واصنعي. [والذنوب] بفتح الذال المعجمة: هو الدلو، وقيل: لا تسمى ذنوبا إلا إذا كانت ملأى أو دون الملأى.\nقوله: \"وعن عتبة بن عبد السلمي\" هو عتبة بن عبد السلمي بن الندر كان اسمه عتلة، فسماه النبي -ﷺ- عتبة، يكنى أبا الوليد، حديثه عند شريح بن عبيد، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة الحضرمي، وخالد بن معدان، وعبد الله بن ناسج، وعقيل بن مدرك، وحبيب بن عبيد الرحبي، وراشد بن سعد، وغيرهم.\nقوله: جاء أعرابي إلى رسول الله -ﷺ- فقال: ما حوضك الذي تحدث عنه؟ فذكر الحديث إلى أن قال: فقال الأعرابي يا رسول الله فيها فاكهة؟ قال: نعم. وفيها شجرة تدعى طوبي هي تضايق الفردوس، الحديث. قال السهيلي\n_________\n= وابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٣٢٠) وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٩٧ - ١٩٨)، وعثمان الدارمي في نقضه على بشر المريسي (٢٧٦ - ٢٧٧، والطبراني في المعجم الأوسط (٤٠٢)، ومسند الشاميين (٢٨٦٠)، وعنه أبو نعيم فىِ صفة الجنة (٣٤٦) والبيهقي في البعث والنشور (٢٧٤) قال الضياء في صفة الجنة (ص ٥٥): لا أعلم لهذا الإسناد علة، والله أعلم. قال ابن حجر فتح الباري (١١/ ٤١٠): وفي صحيح ابن حبان أيضا والطبراني بسند جيد من حديث عتبة بن عبد نحوه بلفظ ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفا ثم يحثى ربي ثلاث حثيات بكفيه وفيه ..\n(^١) وابن حبان في الصحيح (٦٤٥٠ و٧٢٤٧ و٧٤١٦).\n(^٢) مسند أحمد (١٧٦٤٢).","vol":"15","page":17},{"text":"في كتاب التعريف والإعلام في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ (^١) الآية، فقال: طوبى هي شجرة في الجنة أصلها في قصر النبي -ﷺ- ثم تنقسم فروعها على جميع منازل أهل الجنة كما انتشر منه العلم والإيمان على جميع أهل الدنيا. وهذه الشجرة هي شجرة الجوز. كذا روي في الحديث عن النبي -ﷺ-.\nوقال البغوي: اختلفوا في تفسير طوبى، قال ابن عباس إنه فرح وقرة عين (^٢). وقال معمر عن قتادة هي كلمة عربية يقول الرجل للرجل طوبى لك أي أصبت خيرا، وقال إبراهيم: خيرا وكرامة (^٣)، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس. (^٤) طوبى اسم الجنة بالحبشية، وقال الربيع البستان بلغة الهند.\nوروي عن أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قال (^٥): طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها. قال عبيد بن عمير هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار\n_________\n(^١) سورة الرعد، الآية: ٢٩.\n(^٢) الطبري في التفسير (١٣/ ١٤٦). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦٤٢): لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس.\n(^٣) الطبري في التفسير (١٣/ ١٤٦). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦٤٣) لابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة.\n(^٤) الطبري في التفسير (١٣/ ١٤٦). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦٤٣) لابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٥) تفسير القرطبي (٩/ ٣١٦): وذكر بن وهب من حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة الباهلي قال طوبى شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها ولا طير حسن إلا هو فيها ولا ثمرة إلا هي منها وقد قيل إن أصلها في قصر النبي.","vol":"15","page":18},{"text":"النبي -ﷺ- وفي كل دار وغرفة غصن منها، لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها [ما] (^١) ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح، اهـ. والله أعلم. وعن عبد الله بن المبارك عن معمر عن الأشعث عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة (^٢) قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى يقول الله لها تفتقي لعبدي عما يشاء فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء وتنفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما شاء وعن الثياب.\nوعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه (^٣): طوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلى والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة.\nوقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث فذكره إلى أن قال: عن أبي سعيد الخدري (^٤) قال: قال رجل يا رسول الله ما طوبى؟ قال: شجرة في\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٢/ ٣٣٦)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٥٥)، وابن جرير في التفسير (١٦/ ٤٣٨). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٣١).\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٨٨)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٦٣٠)، والضعيفة (٣٨٣٠): موضوع.\n(^٤) أخرجه أحمد (١١٦٧٣)، أبو يعلى (١٣٧٤) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٤٨) الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٩٠) السلفي في الطيوريات (٩٨٦) ابن أبي داود في كتاب البعث (٦٨) ابن جرير في التفسير (١٦/ ٤٤٣)، والأجري في الشريعة (١/ ٣٥٩) =","vol":"15","page":19},{"text":"الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها.\nوعن أبي سعيد أيضا (^١): أن رجلا قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك. قال: طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني. فقال رجل: يا رسول الله وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها.\nقوله: \"لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك حتى تنكسر ترقوتها هرما\" الحديث، الجذعة بالذال المعجمة محركا هي الناقة التي تمّ لها أربع سنين وطعنت في الخامسة والحقة التي طعنت في الرابعة. قوله: \"فما عظم العنقود منها؟ قال مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يقع ولا ينثني ولا يفتر\" الحديث. العنقود بضم العين القطف من العنب بكسر القاف و[يفسره] الحديث الآخر: فتناولت منها عنقودا. والغراب الأبقع هو الذي فيه بياض وسواد وتقدم الكلام عليه في الصوم. وقوله: \"فما عظم الحبة منه؟ قال: هل ذبح أبوك تيسا من غنمه عظيما فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال: ادبغي هذا ثم افري لنا منه ذنوبا يروي ماشيتنا؟ قال: نعم\" تيس الغنم هو الكبش الكبير العظيم السمين من كثرة العلف والإهاب الجلد.\nوقوله: \"افري لنا منه ذنوبا\" أي شقِّي واصنعي. اهـ، قاله الحافظ. وقال\n_________\n= والتصديق بالنظر (٥٧)، وابن حبان (٧٢٣٠ و٧٤١٣) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٩١٨)، والصحيحة (١٩٨٥). صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٣٦).\n(^١) أخرجه عبد بن حميد في المنتخب (١٠٠٠) وابن أبي عاصم في السنة (١٤٨٧).","vol":"15","page":20},{"text":"بعض العلماء: وأصل الفري القطع يقال: فريت الشيء أفريه [فريا] إذا شققته وقطعته للإصلاح فهو مُفرًى [وفرَى] وأفريته إذا شققته على جهة الإفساد. وتقولط العرب تركته يفري الفري إذا عمل العمل فأجاده، اهـ. والذَنوب بفتح الذال المعجمة هي الدلو العظيم، وقيل لا تسمى ذنوبا إلا إذا كانت ملأى أو دون [الملأى، قاله الحافظ].\n\n٥٦٧٥ - وَعَن عبد الله بن أبي الهذيل قَالَ كُنَّا مَعَ عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود بِالشَّام أَو بعمان فتذاكروا الْجنَّة فَقَالَ إِن العنقود من عناقيدها من هَهُنَا إِلَى صنعاء. رواه ابن أبي الدنيا موقوفا (^١).\nقوله: \"عن عبد الله بن أبي الهذيل\" وأبو الهديل اسمه لا يعرف وهو أبو المغيرة العنزى الكوفي روى عن أبي بكر وعمر وعلي وعمار بن ياسر وابن مسعود وعبد الله ابن عمرو وابن خباب بن الأرت وأبي بن كعب وأبي الأحوص الجشمى وجماعة وفي سماعه من أبي بكر نظر وعنه إسماعيل بن رجاء وواصل الأحدب وأبو فروة مسلم بن سالم الجهني والأجلح بن عبد الله الكندي وأشعث بن أبي الشعثاء وسلم بن عطية وأبو سنان ضرار بن مرة وأبو التياح الضبعي وغيرهم وقال النسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات قلت وقال العجلي تابعي ثقة وكان عثمانيا وقال أبو زرعة: ابن أبي الهذيل عن أبي بكر مرسل وقرنه خليفة في الطبقات توفي في ولاية خالد القسري.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٤٧) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٣٠).","vol":"15","page":21},{"text":"قال: \"كنا عند عبد الله\" يعني ابن مسعود \"بالشام أو بعمان\" عمان بتشديد الميم وفتح العين فهي بالشام قرب دمشق سميت بعمان بن لوط بن هاران كان سكنها فيما ذكروا، قاله الخطابي. وحكى أيضا تخفيف الميم. وفي الترمذي إلى عمان البلقاء والبلقاء بالشام في حديث الحوض. قال البكري: ويقال فيها أيضا عُمان بضم العين والتخفيف وزعموا أنه المراد [بالحديث لذكره مع أيلة وجرباء وأدرج، والكل من قرى الشام. وأما عمان التي هي في بلاد اليمن فبالضم والتخفيف لا غير، ووقع في كتاب ابن أبي شيبة ما يدل على أنها المراد] في حديث الحوض والله أعلم. قوله: \"فتذكروا الجنة فقال إن العنقود من عناقيدها من هنا إلى صنعاء\" الحديث، وصنعاء هي صنعاء اليمن وهي مدينة مشهورة لا صنعاء الشام وهي كانت عند دمشق فخربت.\n\n٥٦٧٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ عرضت عَليّ الْجنَّة فَذَهَبت أتناول مِنْهَا قطفا أريكموه فحيل بيني وَبَينه فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله مَا مَاء الْحبَّة من الْعِنَب قَالَ كأعظم دلو فرت أمك قطّ. رواه أبو يعلى (^١) بإسناد حسن.\nقوله: \"عن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"عرضت علي الجنة -وفي حديث آخر: الجنة والنار،- فذهبت أتناول منها قطفا\n_________\n(^١) أبو يعلى (١١٤٧)، ومن طريقه أبو نعيم في صفة الجنة (٣٥٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤): رواه أبو يعلى، وإسناده حسن. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٣٥) رواه أبو يعلى الموصلي، قال الحافظ المنذري: إسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٣١).","vol":"15","page":22},{"text":"أريكموه [فحيل بيني وبينه] \" الحديث، القطف بكسر القاف العنقود ومعنى أتناول أي مددت يدي إليه لآخذه فحيل بيني وبينه. والمناولة مدّك بالشيء إلى غيرك وكأنه من النول وهو الإعطاء. [و] اعلم أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم وأن في الجنة اليوم ثمارا وهذا كله مذهب أصحابنا وسائل أهل السنة خلافا للمعتزلة. وقال القاضي عياض (^١): قال العلماء يحتمل أنه رآهما رؤية عين كشف الله تعالى عنهما وأزال الحجب بينه وبينهما فينظر إليهما بعينيه كما مثل له بيت المقدس حين كذبه الكفار في الإسراء فنظر فجعل يخبرهم عنه وأما عدم أخذه -﵇- منه فلأن طعام الجنة باق أبدا ولا يجوز أن يكون شيء من دار البقاء في دار الفناء وأيضا إنه جزاء الأعمال والدنيا ليست بدار جزاء، وقيل لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب فلا ينفع حينئذ نفسا إيمانها، قاله الكرماني (^٢).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٠٧).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٦/ ١٤٠).","vol":"15","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب</span>\n[٥٦٧٧]- وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب. رواه الترمذي (^١) وابن أبي الدنيا (^٢) وابن حبان في صحيحه (^٣)، كلهم من طريق زياد بن الحسن بن فرات، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب\" الساق هو الأصل، وفي مسند البزار (^٤) عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن في الجنة شجرة مستقلة على ساق واحد عرض ساقها اثنان وسبعون سنة.\n\n٥٦٧٨ - وَعَن جرير بن عبد الله -﵁- قَالَ نزلنَا الصفاح فَإِذا رجل نَائِم تَحت شَجَرَة قد كَادَت الشَّمْس تبلغه قَالَ فَقلت للغلام انْطلق بِهَذَا النطع\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٢٥).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٤٥).\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٧٤١٠)، وأبو يعلى (٦١٩٦)، وابن أبي داود في البعث (٦٦)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٤٠٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٤٧)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٧٣٢).\n(^٤) مسند البزار = البحر الزخار (٤٦٤٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢٦٦/ ٧٠٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤) رواه البزار، والطبراني، وإسناد الطبراني حسن .. وقال ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار (٢/ ٩٥٧) هذا إسناد ضعيف.","vol":"15","page":24},{"text":"فأظله قَالَ فَانْطَلق فأظله فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ فَإِذا هُوَ سلمَان -﵁- فَأَتَيْته أسلم عَلَيْهِ فَقَالَ يَا جرير تواضع لله فَإِنَّهُ من تواضع لله فِي الدُّنْيَا رَفعه الله يَوْم الْقِيَامَة يَا جرير هَل تَدْرِي مَا الظُّلُمَات يَوْم الْقِيَامَة قلت لَا أَدْرِي قَالَ ظلم النَّاس بَينهم ثمَّ أَخذ عويدا لَا أكاد أرَاهُ بَين أصبعيه فَقَالَ يَا جرير لَو طلبت فِي الْجنَّة مثل هَذَا لم تَجدهُ قلت يَا أَبَا عبد الله فَأَيْنَ النّخل وَالشَّجر قَالَ أُصُولهَا اللُّؤْلُؤ وَالذَّهَب وَأَعلاهُ التَّمْر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإسْنَاد حسن (^١).\nقوله: \"عن جرير بن عبد الله\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"نزلنا الصّفاح\" الصّفاح بكسر الصاد وتخفيف الفاء موضع بين [حنين] وأنصاب الحرم [يسيره] الداخل إلى مكة. قوله: \"فقلت للغلام: انطلق بهذا النطع فأظله\" النطع بكسر النون المشددة وفتح الطاء معروف وتقدم الكلام عليه في الغلول في الجهاد وفي غيره من أبواب الجهاد. [وكربها ذهبا أحمر].\n\n٥٦٧٩ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- فِي قَوْله وذللت قطوفها تذليلا الْإِنْسَان قَالَ إِن أهل الْجنَّة يَأْكُلُون من ثمار الْجنَّة قيَاما وقعودا ومضطجعين رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره مَوْقُوفا بِإِسْنَاد حسن (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في البعث (٢٨٨) و(٢٨٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٣٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (١١٦)، والحاكم (٢/ ٥١١)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٥١)، والبيهقي في البعث (٢٨٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٣٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":25},{"text":"٥٦٨٠ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ فتهب لَهَا ريح فتصطفق فَمَا سمع السامعون بِصَوْت شَيْء قطّ ألذ مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي صفة الْجنَّة (^١).\n\n٥٦٨١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ نخل الْجنَّة جذوعها من زمرد خضر وكربها ذهب أَحْمَر وسعفها كسْوَة لأهل الْجنَّة مِنْهَا مقطعاتهم وحللهم وَثَمَرهَا أَمْثَال القلال والدلاء أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل وألين من الزّبد لَيْسَ فِيهَا عجم. رواه ابن أبي الدنيا (^٢).\nموقوفا بإسناد جيد، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.\n[الكرب] بفتح الكاف والراء بعدها باء موحدة: هو أصول السعف الغلاظ العراض.\nقوله: \"عن ابن عباس\" قدم. قوله: \"قال نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة\" الحديث. قوله: \"وكربها ذهب أحمر\" الكرب بفتح الكاف والراء بعدهما باء موحدة هو\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة (٤٣٣). وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٢٢٠٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٥١)، وابن أبي حاتم [١٨٧٥٨]، المستدرك للحاكم (٢/ ٥١٦)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في البعث والنشور (١/ ١٧٣/ ٢٧١). أبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة (٣٥٤) الزهد لهناد بن السري (٩٩) العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (٥٧٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٣٥).","vol":"15","page":26},{"text":"أصول السعف الغلاظ العراض، اهـ. قاله الحافظ. قوله: \"وسعفها كسوة لأهل الجنة\" السعف الجريد، وقيل السعف أغصان النخيل [إذا يبس، وقال في النهاية (^١): السعف جمع سعفة بالتحريك، وهي أغصان النخيل]، وقيل: إذا يبست سميت سعفة وإذا كانت رطبة فهي شظية. قوله: \"منها مقطعاتهم وحللهم\" الحديث، لم [يوصف] شجر الجنة بالقصر لأنه عيب وقيل المقطع من الثياب كل ما يفصل ويخاط من قميص وغيره وما لا يقطع منها كالإزار والأردية. وقيل المقطعات: لا واحد لها، والله أعلم.\nخاتمة للباب: رأيت في بعض الكتب (^٢) أن جبريل ﵊ قال لرسول الله -ﷺ- ليلة الإسراء: يا رسول الله صلى الله عليك إن في الجنة شجرة اسمها التحيات عليها طير خضر اسمها الصلوات ومن تحتها عين اسمها الطيبات خلق الله تعالى رأس هذا الطير ولسانه من نور فاطمة الزهراء وخلق عينيه من نور الحسن والحسين وخلق رقبته من نور خديجة وخلق صدره من نور علي وخلق جناحيه من نور أبي بكر وخلق ظهره من نور عثمان وخلق جبينه من نور طلحة والزبير وخلق وركيه من نور سعد وسعيد وخلق رجليه من نور عبد الرحمن وأبي عبيدة وخلق قلبه وحوصلته من نوره -ﷺ- وخلق بقية أعضائه وجميع بدنه من نور الصحابة أصحاب رسول الله\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) ذكره الفشني في شرح الأربعين انظر: إعانة الطالبين (١/ ١٦٩) حاشية الجمل على شرح المنهج (١/ ٣٨٥)، حاشية البجيرمي (١/ ٢١٩).","vol":"15","page":27},{"text":"-ﷺ-. فإذا قال العبد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم ينزل ذلك الطير من تلك الشجرة وينغمس في تلك العين ثم يطلع إلى الشجرة فينتفض فكل قطرة تقطر من ذلك الطير يخلق الله من تلك القطرة ملكا من الملائكة يسبح الله تعالى ويهلله إلى يوم القيامة ويكون ثواب ذلك التكبير والتسبيح والتهليل لذلك العبد.\n\n٥٦٨٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ لَهُ رجل يَا رَسُول الله مَا طُوبَى قَالَ شَجَرَة مسيرَة مائَة سنة ثِيَاب أهل الْجنَّة تخرج من أكمامها رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان (٧٤١٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٣٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>فصل في أكل أهل الجنة وشربهم وغير ذلك</span>\n٥٦٨٣ - عَن جَابر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَأْكُل أهل الْجنَّة وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ طعامهم ذَلِك جشاء كريح الْمسك يُلْهمُون التَّسْبِيح وَالتَّكبِير كَمَا يُلْهمُون النَّفس رواه مسلم (^١) وأبو داود (^٢).\nقوله: \"عن جابر\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون لا يتغوطون ولا يبولون\" الحديث، وقد ذهب أهل السنة وعامة المسلمين إلى أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويتنعمون بذلك وغيره من ملاذها وأنواع نعيمها تنعما دائما لا آخر له ولا انقطاع أبدا وأن تنعمهم بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا تشارك نعيم الدنيا إلا في التسمية وأصل الهيئة. قوله: طعامهم ذلك جشاء كريح المسك\" يعني أن فضول طعامهم يخرج في الجشاء وهو تنفس المعدة.\nقوله: \"يسبحون الله بكرة وعشيا\" فإن قلت التسبيح إنما يكون في دار التكليف والجنة دار جزاء. قلت: إنما هو للتلذذ. فإن قلت: لا بكرة ثمة ولا عشية إذ لا طلوع ولا غروب.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٨) (٢٨٣٥).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٧٤١).","vol":"15","page":29},{"text":"قلت: المراد مقدارهما.\nقوله ﷺ: \"يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس\" الحديث، يعني أن تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس كما تلهمون أنتم النفس، اهـ.\nقال الإمام محيي السنة (^١): أراد به والله أعلم أن مجرى التسبيح فيهم كمجرى النفس من ابن آدم لا يشغله [التنفس] عن شيء.\nفائدة: الإلهام أن يلقي الله ﷾ في النفس أمرا [تحمل] على فعل الشيء أو تركه، والله أعلم.\n\n٥٦٨٤ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ: إِن الرجل من أهل الْجنَّة ليشتهي الشَّرَاب من شراب الْجنَّة فَيَجِيء الإبريق فَيَقَع فِي يَده فيشرب ثمَّ يعود إِلَى مَكَانَهُ، رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَوْقُوفا بِإِسْنَاد جيد (^٢).\n\n٥٦٨٥ - وَعَن زيد بن أَرقم -﵁- قَالَ جَاءَ رجل من أهل الْكتاب إِلَى النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم تزْعم أَن أهل الْجنَّة يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ قَالَ نعم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن أحدهم ليُعْطى قُوَّة مائَة رجل فِي الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع قَالَ فَإِن الَّذِي يَأْكُل وَيشْرب تكون لَهُ الْحَاجة وَلَيْسَ فِي الْجنَّة أَذَى قَالَ تكون حَاجَة أحدهم رشحا يفِيض من جُلُودهمْ كرَشْحِ الْمسك فيضمر\n_________\n(^١) شرح السنة (١٥/ ٢١٣).\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (١٣٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٣٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":30},{"text":"بَطْنه. رواه أحمد (^١). والنسائي (^٢) ورواته محتج بهم في الصحيح.\n\n٥٦٨٦ - وَالطَّبَرَانِيّ (^٣) بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ بَينا نَحن عِنْد النَّبِي -ﷺ- إِذْ أقبل رجل من الْيَهُود يُقَال لَهُ ثَعْلَبَة بن الْحَارِث فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَقَالَ وَعَلَيْكُم فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ تزْعم أَن فِي الْجنَّة طَعَاما وَشَرَابًا وأزواجا فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- نعم تؤمن بشجرة الْمسك قَالَ نعم قَالَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥١٢٧) وأحمد (١٩٤٨٤) (١٩٥٢٩) وهناد بن السري في الزهد (٦٣ و٩٠) والحسين المروزي في زوائد الزهد لابن المبارك (١٤٥٩) وعبد بن حميد (٢٦٣) والدارمي (٢٨٢٨) وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١١١) والبزار في المسند (٤٣٠١) و(٤٣٠٢)، والسمرقندي في تنبيه الغافلين (ص ٥٣) وأبو الشيخ في العظمة (٦٠٨) وابن المقرئ في المعجم (٥١٤) وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٢٩) وفي الحلية (٨/ ١١٦) والبيهقي في البعث (٣١٧) والمزي في التهذيب (٤/ ٤٠٩) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٢٠): قال الضياء المقدسي: وهذا عندي على شرط مسلم لأنّ ثمامة ثقة وقد صرّح بسماعه من زيد بن أرقم قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٦) رواه كله الطبراني في الأوسط وفي الكبير بنحوه، وأحمد .... ورواه البزار، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح غير ثمامة بن عقبة، وهو ثقة. وقال ابن القيم: وفي المسند وسنن النسائي بإسناد صحيح على شرط الصحيح من حديث الأعمش عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم قال: الحديث حادي الأرواح (ص ١٨٧)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٣٥): إسناده صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٣)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٧٣٨١).\n(^٢) النسائي في السنن الكبرى (١١٤١٤) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٢٩) أخرجه النسائي في الكبرى بإسناد صحيح ..\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ١٧٧ - ١٧٩/ ٥٠٠٤ و٥٠٠٥ و٥٠٠٦ و٥٠٠٧ و٥٠٠٨ و٥٠٠٩) وفي الأوسط (١٧٢٢ - ٨٨٧٦).","vol":"15","page":31},{"text":"وتجدها فِي كتابكُمْ قَالَ نعم قَالَ فَإِن الْبَوْل والجنابة عرق يسيل من تَحت ذوائبهم إِلَى أَقْدَامهم مسك.\n\n٥٦٨٧ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَالْحَاكِم (^٢) وَلَفْظهمَا أَتَى النَّبِي -ﷺ- رجل من الْيَهُود فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم أَلَسْت تزْعم أَن أهل الْجنَّة يَأْكُلُون فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَيَقُول لأَصْحَابه إِن أقرّ لي بِهَذَا خصمته فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- بلَى وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن أحدهم ليُعْطى قُوَّة مائَة رجل فِي الْمطعم وَالْمشْرَب والشهوة وَالْجِمَاع فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ فَإِن الَّذِي يَأْكُل وَيشْرب تكون لَهُ الْحَاجة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- حَاجتهم عرق يفِيض من جُلُودهمْ مثل الْمسك فَإِذا الْبَطن قد ضمر. ولفظ النسائي نحو هذا.\nقوله: \"وعن زيد بن أرقم\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي -ﷺ- فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: نعم، والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع\" الحديث. قوله: \"جاء رجل من أهل الكتاب\" أهل الكتاب اليهود والنصارى وكتابهما التوراة والإنجيل، وهذا الرجل من اليهود يقال له ثعلبة بن الحارث [قاله] الطبراني. وقوله: \"فقال يا أبا القاسم\" هي كنية النبي -ﷺ- وكني بذلك لأن القاسم [من أولاده صلى الله\n_________\n(^١) وابن حبان (٧٤٢٤).\n(^٢) وذكر الحافظ هنا وابن القيم في الحادي (ص ١٨٧) والمنذري في الترغيب (٤/ ٥٢٥) أنّ الحاكم أخرجه في المستدرك ولم أجده فيه بعد البحث الشديد.","vol":"15","page":32},{"text":"تعالى عليه وسلم] [قوله] (^١) وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا مع اختلاف العلماء [في تكني غير النبي -ﷺ- بذلك] (^٢) وفي قوله: \"تزعم\" مع تصديق رسول الله -ﷺ- إياه دليل على أن زعم ليس مخصوصا بالكذب والقول المشكوك فيه بل يكون أيضا في القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه، وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث، وعن النبي -ﷺ- قال: زعم جبريل كذا. وقد أكثر سيبويه وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبو الخطاب، يريد بذلك القول المحقق. وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم؛ فمعنى زعم في كل هذا قال والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"يكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فتضمر بطنه\" الحديث. وفي حديث آخر: إنما هو عرق يجري [من أعراضهم مثل المسك أي من معاطف أبدانهم وهي المواضع التي تعرق] (^٣) من الجسد، قاله في النهاية (^٤). قوله: \"في رواية الطبراني إذ أقبل رجل من اليهود يقال له ثعلبة بن الحارث، فقال: السلام عليك يا محمد. فقال وعليكم\" الحديث تقدم الكلام على أهل الكتاب وكيفيته والأحاديث الواردة فيه وما قاله العلماء.\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٠٩).","vol":"15","page":33},{"text":"تنبيه: في النداء له -ﷺ-: يا محمد، قال العلماء: لعل هذا كان قبل النهي عن مخاطبة النبي -ﷺ- باسمه قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (^١) على أحد التفسيرين، أي لا تقولوا: يا محمد، بل قولوا يا رسول الله، يا نبي الله. ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية ولم تبلغ الآية هذا القائل والله أعلم. قوله: \"فإن البول والجنابة عرق يسيل من تحت ذوائبهم إلى أقدامهم مسك\" الحديث، الذوائب جمع ذؤابة وهي الشعر.\nسؤال: ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وفي حديث: ما نزلهم يعني أهل الجنة؟ بضم الزاي والنون، أي ما طعامهم الذي ينزلون عليه لأول ورودهم؟ يقال [أعددت] لفلان نزله. قيل: قال النيسابوري: من كبد السمكة والبقرة الذي تحت الأرض، وجاء في [الصحيح] (^٢) عنه -ﷺ- أنه أخبر أن أول طعام يأكله أهل الجنة إذا دخلوا زيادة كبد الحوت أي طرف كبد الحوت وفي لفظ زيادة كبد النون والنون هو الحوت. وفي الصحيح (^٣) أن غذاءهم على إثر ذلك أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها وأن شرابهم من عين تسمى سلسبيلا، وزيادة كبد الحوت، فالزيادة والزائد شيء واحد وهو في طرف الكبد وهو أطيبها. وقال بعض العلماء هو القطعة المنفردة المتعلقة فيها وهو أطيبها. وأما غذاؤهم فروي على وجهين: أحدهما بكسر الغين\n_________\n(^١) سورة النور، الآية: ٦٣.\n(^٢) صحيح البخاري (٣٩٣٨).\n(^٣) صحيح مسلم (٣٤) (٣١٥).","vol":"15","page":34},{"text":"وبالذال المعجمة. الثاني بفتح الغين وبالدال المهملة. قال القاضي (^١): هذا هو الصحيح. قال: والأول ليس بشيء. قلت: وله وجه تقديره ما غذاؤهم في ذلك الوقت، وليس المراد السؤال عن غذائهم دائما والله أعلم.\nتنبيه: قيل الحكمة فيه الإعلام بانقراض الدنيا وفناء ما بقي منها والله أعلم.\nلطيفة: ورد في الخبر أن أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت وأول طعام يأكله أهل النار طحال الثور فالإشارة في الأول أن الحوت حيوان مائي فهو من عنصر الحياة [المناسبة] للجنة فإنه ﷾ جعل من الماء كل شيء حي، وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٢) إشارة إلى هذا المعنى. والكبد بيت الدم وهو سبب الحياة والحياة حارة رطبة وبخار ذلك الدم النفس المعبر عنه بالروح الحيواني الذي به حياة البدن وزيادة الكبد ألطف شيء منه فهو بشارة لأهل الجنة ببقاء الحياة عليهم وأنه لا موت فيه. وأما الطحال فهو بيت للأوساخ وفيه يجتمع ما يلقيه الكبد من الدم الفاسد وهو مع ذلك من الثور والثور حيوان ترابي طبعه البرد واليبس فما أشد هذا مناسبة [لغذاء] لأهل النار فهم بما فيه الدمية لا يموتون وبما فيه من الوسخ [فإنه] من أوساخ البدن من الدم الفاسد المؤلم لا [يحيون] فما أوسع حكمة سيد الأولين والآخرين. [تقدمت أحاديث، ليس تفسير، وهي واضحة لم أكتبها].\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ١٥٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢٢٧).\n(^٢) سورة هود، الآية: ٧.","vol":"15","page":35},{"text":"٥٦٨٨ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- يرفعهُ قَالَ إِن أَسْفَل أهل الْجنَّة أَجْمَعِينَ من يقوم على رَأسه عشرَة آلَاف خَادِم مَعَ كل خَادِم صحفتان وَاحِدَة من فضَّة وَوَاحِدَة من ذهب فِي كل صَحْفَة لون لَيْسَ فِي الْأُخْرَى مثلهَا يَأْكُل من آخِره كَمَا يَأْكُل من أَوله يجد لآخره من اللَّذَّة والطعم مَا لَا يجد لأوله ثمَّ يكون فَوق ذَلِك رشح مسك وجشاء مسك لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَاللَّفْظ لَهُ وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (^١).\n\n٥٦٨٩ - وَعَن أبي هُرَيرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة إِن لَهُ لسبع دَرَجَات وَهُوَ على السَّادِسَة وفوقه السَّابِعَة إِن لَهُ لثلاثمائة خَادِم ويغذى عَلَيْهِ كل يَوْم وَيرَاح بثلاثمائة صَحْفَة وَلَا أعلمهُ إِلَّا قَالَ من ذهب فِي كل صَحْفَة لون لَيْسَ فِي الْأُخْرَى وَإنَّهُ ليلذ أَوله كَمَا يلذ آخِره وَمن الْأَشْرِبَة ثَلَاثمِائَة إِنَاء فِي كل إِنَاء لون لَيْسَ فِي الآخر وَإنَّهُ ليلذ أَوله كَمَا يلذ آخِره وَإنَّهُ ليقول يَا رب لَو أَذِنت لي لأطعمت أهل الْجنَّة وسقيتهم لم ينقص مِمَّا عِنْدِي شَيْء الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد عَن شهر عَنهُ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في زوائد الزهد (١٥٣٠)، وابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٢٠٨)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٤٢ - ٣٤٣ رقم ٧٦٧٤). قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٤٠١: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٠٥) وضعيف الترغيب (٢١٨٨) و(٢٢٠٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٥٣٧ (١٠٩٣٢)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٢٩). قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٤٠٠: رواه أحمد، ورجاله ثقات على ضعف في بعضهم. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦١٠٥) وضعيف الترغيب (٢٢٠٦). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":36},{"text":"٥٦٩٠ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن طير الْجنَّة كأمثال البخت ترعى فِي شجر الْجنَّة فَقَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله إِن هَذِه لطير ناعمة فَقَالَ أكلتها أنعم مِنْهَا قَالَهَا ثَلَاثًا وَإِنِّي لأرجو أَن تكون مِمَّن يَأْكُل مِنْهَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (^١) وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^٢) وَلَفظه قَالَ سُئِلَ النَّبِي -ﷺ- مَا الْكَوْثَر قَالَ ذَاك نهر أعطانيه الله يَعْنِي فِي الْجنَّة أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل فِيهِ طير أعناقها كأعناق الجزر قَالَ عمرَان هَذِه لناعمة فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أكلتها أنعم مِنْهَا.\nالبخت بِضَم الْمُوَحدَة وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة هِيَ الْإِبِل الخراسانية.\n\n٥٦٩١ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِنَّك لتنظر إِلَى الطير فِي الْجنَّة فتشتهيه فَيَجِيء مشويا بَين يَديك. رواه ابن أبي الدنيا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٢١ (١٣٣١١). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٤١٤١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير سيار بن حاتم، وهو ثقة. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٤٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه أحمد ٣/ ٢٣٦ (١٣٤٨٠)، والترمذي (٢٥٤٢). وحسنه الألباني في المشكاة (٥٦٤١) والصحيحة (٢٥١٤) وصحيح الترغيب (٣٧٢٤) و(٣٧٤٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٠٠)، (٣٢٢)، وسعيد بن منصور التفسير من سننه (١١٧١) وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٤١) والحسن بن عرفة في جزئه (ص ٥٣: ٢٢)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢٦٨)، والشاشي (٨٥٨) والحسين المروزي في زيادات الزهد لابن المبارك (١٤٥٢) البزار والبيهقي في البعث والنشور (ص ٣١٨)، وأبو يعلى في \"المسند\" كما في المطالب العالية (١٨/ ٦٩٤) وقال ابن حجر: وحميد هو ابن عطاء =","vol":"15","page":37},{"text":"والبزار (^١) والبيهقي (^٢).\nقوله: \"عن عبد الله بن مسعود\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر مشويا بين يديك\". إن قيل: فأين يُشوى اللحم وليس في الجنة نار؟ فقد أجاب عن هذا بعضهم بأنه يُشوى بكن. وأجاب آخرون بأنه يشوى خارج الجنة ثم يؤتى به إليهم والصواب أنه يشوى في الجنة بأسباب قدرها العزيز الحكيم لإنضاجه وإصلاحه كما قدر هناك [أسبابا] لإنضاج الثمر والطعام على أنه لا يمنع أن يكون فيها نار تصلح لا تفسد شيئا، وقد صح عنه -ﷺ- أنه قال: مجامرهم الألوة، والمجامر جمع مجمر وهو البخور الذي يتبخر بإحراقه [والألوة العود المُطرَّى، فأخبر صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم يتجمرون بإحراقه] لتسطع لهم رائحته، اهـ. قاله في حادي الأرواح (^٣).\n_________\n= كوفي ضعيف. وذكره ابن حجر في الفتح (٦/ ٣٧٤)، وعزاه للترمذي، ولم أجده فيه، فلعله وهم ﵀، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/ ١٠)، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وابن مردويه.\n(^١) مسند البزار = البحر الزخار (٢٠٣٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٤) رواه البزار، وفيه حميد بن عطاء الأعرج، وهو ضعيف. وضعفه جدًا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٠٧).\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٣١٨).\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٩١).","vol":"15","page":38},{"text":"٥٦٩٢ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- أَن الرجل من أهل الْجنَّة ليشتهي الطير من طيور الْجنَّة فَيَقَع فِي يَده منفلقا نضجا. رواه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفا.\nقوله: \"عن أبي أمامة\" هو الباهلي واسمه صدي بن عجلان. تقدم. وتقدم أيضا معنى الحديث في الحديث قبله.\n\n٥٦٩٣ - وَرُوِيَ عَن مَيْمُونَة -﵂- أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي -ﷺ- يَقُول إِن الرجل ليشتهي الطير فِي الْجنَّة فَيَجِيء مثل البختي حَتَّى يَقع على خوانه لم يصبهُ دُخان وَلم تمسه نَار، فيأكل مِنْهُ حَتَّى يشْبع ثمَّ يطير. رواه ابن أبي الدنيا (^٢).\nقوله: \"عن ميمونة\" هي ميمونة بنت الحارث بالمثلثة بن حزن بن بجير الهلالية العامرية أم المؤمنين أخت أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب أم عبد الله بن عامر وأخت أم خالد بن الوليد كانت ميمونة في الجاهلية عند مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي ففارقها وخلفه عليها أبو رهم أخو حويطب بن عبد العزى فتوفي عنها فتزوجها رسول الله -ﷺ- زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب وكان يلي أمرها في شوال سنة سبع من الهجرة. وكان اسمها برة فسماها رسول الله -ﷺ- ميمونة، روي لها عن رسول الله -ﷺ- ستة وأربعون\n_________\n(^١) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٤١): في الدر المنثور (٦/ ١٥٦): مقليا، ولعله الصواب. وعزاه لابن أبي الدنيا في صفة الجنة، ولم أجده في النسخة المطبوعة منه، وقد توسعت قليلا في الكلام على هذا الحديث في الضعيفة تحت الحديث (٦٧٨٤).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١١٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٠٨).","vol":"15","page":39},{"text":"حديثا خرج البخاري منها ثمانية. توفيت سنة إحدى وخمسين على الأصح وقيل سنة ست وستين وقد بلغت ثمانين سنة ودفنت بسرف بفتح السين المهملة وكسر الراء وبالفاء وصلى عليها عبد الله بن عباس، وسرف على أميال مختلف فيها من مكة أشهرها عشرة أميال والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيجيء مثل البختي حتى يقع على خوانه\" تقدم أن البخت الإبل الخراسانية، قاله الحافظ، وتقدم الكلام على الخوان في عيش السلف -﵃- مبسوطا.\n\n٥٦٩٤ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة طائرا لَهُ سَبْعُونَ ألف ريشة يَجِيء فَيَقَع على صَحْفَة الرجل من أهل الْجنَّة فينتفض فَيَقَع من كل ريشة لون أَبيض من الثَّلج وألين من الزّبد وألذ من الشهد لَيْسَ مِنْهَا لون يشبه صَاحبه ثمَّ يطير رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَقد حسن التِّرْمِذِيّ إِسْنَاده لغير هَذَا الْمَتْن (^١).\n\n٥٦٩٥ - وَعَن سليم بن عَامر -﵁- قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- يَقُولُونَ إِن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم قَالَ أقبل أَعْرَابِي يَوْمًا فَقَالَ يَا رَسُول الله ذكر الله ﷿ فِي الْجنَّة شَجَرَة مؤذية وَمَا كنت أرى أَن فِي الْجنَّة شَجَرَة تؤذي صَاحبهَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- وَمَا هِيَ قَالَ السدر فَإِن لَهُ شوكا مُؤْذِيًا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَلَيْسَ الله يَقُول فِي سدر مخضود الْوَاقِعَة خضد\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (١٠٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٠٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":40},{"text":"الله شوكه فَجعل مَكَان كل شَوْكَة ثَمَرَة فَإِنَّهَا لتنبت ثمرا تفتق الثَّمَرَة مِنْهَا عَن اثْنَيْنِ وَسبعين لونا من طَعَام مَا فِيهَا لون يشبه الآخر. رواه ابن أبي الدنيا (^١) وإسناده حسن، ورواه أيضا (^٢) عن سليم بن عامر عن أبي أمامة الباهلي عن النبي -ﷺ- مثله.\nقوله: \"وعن سليم بن عامر\" ابن سواد بن عمرو بن الكلاع بن شرحبيل أبو يحيى، وقيل: أبو ليلى الكلاعى، بفتح الكاف، الخبائري، بخاء معجمة مفتوحة ثم موحدة مخففة وألف ثم همزة ثم راء، منسوب إلى الخبائر، وهو حمصى تابعي.\nسمع المقداد بن الأسود، والمقدام بن معد يكرب، وأبا الدرداء، وعبد الله بن الزبير، وأبا أمامة، وعوف بن مالك، وتميما الداري، وغيرهم من الصحابة، وخلائق من التابعين. وروى عنه جماعات من التابعين وغيرهم. واتفقوا على توثيقه. وروى له مسلم في صحيحه. قال محمد بن سعد: توفى سنة ثلاثين ومائة، وكان ثقة قديما معروفا، ﵁.\nقوله: \"كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، ثم قال: أقبل أعرابي يوما فقال يا رسول الله ذكر الله في الجنة\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٠٥)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٢٦٣)، والحافظ أبو بكر بن سلمان النجّاد.- كما في تفسير ابن كثير (٧/ ٥٢٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٦)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في البعث والنشور (٢٦٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٤٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٠٥)، وعنه: أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٣٣٠).","vol":"15","page":41},{"text":"شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها. قال رسول الله -ﷺ-: وما هي؟ قال السدر فإن له شوكا مؤذيا. قال رسول الله -ﷺ-: أليس الله يقول في سدر مخضود؟ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، الحديث. الأعرابي بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية وأرى بضم الهمزة معناها أظن. قوله: \"أليس يقول الله في سدر مخضود\" الحديث. والمخضود هو الذي خضد شوكه أي نزع وقطع فلا شوك فيه، هذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة وأبي الأحوص وجماعة. والخضد في اللغة القطع وخضدت الشجر قطعت شوكه فهو خضد ومخضود، قاله في حادي الأرواح (^١).\nلطيفة: قال بعض السلف إن الله وصف الجنة بصفة الصيف لا بصفة الشتاء فقال في سدر مخضود وطلح منضود [قوله تعالى:] ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢)﴾ (^٢)، وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾ (^٣)، فنفى عنهم شدة الحر والبرد. [و] قال قتادة علم الله أن شدة الحر تؤذي وشدة البرد تؤذي فوقاهم أذاهما جميعا، اهـ] (^٤). [و] أما الطلح المنضود فأكثر المفسرين قالوا: أنه شجر الموز، وقالت طائفة أخرى: بل هو شجر\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٦٥).\n(^٢) سورة الواقعة، الآية: ٣٠ - ٣٢.\n(^٣) سورة الإنسان، الآية: ١٣.\n(^٤) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقيل الجاري في غير الأخدود أي في غير الشقوق).","vol":"15","page":42},{"text":"عظام طوال وهو من شجر البوادي الكثير الشوك عند العرب ولهذا الشجر نور ورائحة طيبة وظل ظليل وقد نضد بالحمل والثمر مكان الشوك. وقال السدي: هو شجر يشبه طلح الدنيا لكنه ثمر أحلى من العسل. وقال الليث: الطلح شجر أم غيلان له شوك والظاهر أن من فسر الطلح بالموز إنما أراد التمثيل به لحسن منظره وإلا فالطلح في اللغة [هو] الشجر [العظام] من شجر البوادي والله أعلم، قاله في حادي الأرواح (^١). [قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾]، وأما الماء المسكوب فهو الجاري الذي لا ينقطع [جريانه] وقيل الجاري في غير الأخدود أي في غير الشقوق.\n\n٥٦٩٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ الرمانة من رمان الْجنَّة يجْتَمع حولهَا بشر كثير يَأْكُلُون مِنْهَا فَإِن جرى على ذكر أحدهم شَيْء يُريدهُ وجده فِي مَوضِع يَده حَيْثُ يَأْكُل. رواه ابن أبي الدنيا، (^٢) وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضا عَنهُ قَالَ إِن التمرة من تمر الْجنَّة طولهَا اثْنَا عشر ذِرَاعا لَيْسَ لَهَا عجم (^٣).\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"إن الرمانة من رمان الجنة يجتمع حولها بشر كثير يأكلون منها، قال الله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ (^٤) وقال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة لأن الشيء لا\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٦٧).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٢٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢١٠).\n(^٣) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٢٣) انظر: ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢١١).\n(^٤) سورة الرحمن، الآية: ٦٨.","vol":"15","page":43},{"text":"يعطف على نفسه وهذا ظاهر الكلام، وقال الجمهور هما من الفاكهة وإنما عاد ذكر النخل والرمان لفضلهما على الفاكهة كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^١) انتهى قاله القرطبي (^٢). قوله: \"عنه أيضا\" تقدم الكلام عليه. قوله: \"إن الثمرة من ثمر الجنة طولها اثنا عشر ذراعا ليس لها عجم\" العجم النواة.\nخاتمة لطيفة ذكر الإمام أبو الحسن الواحدي (^٣) قال: أهدي لرسول الله -ﷺ- طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذا لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس\" اهـ.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٧.\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٣٣).\n(^٣) قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٤/ ٢٤١) رواه أبو نعيم الحافظ في كتاب الطب، وابن الجوزي في كتابه المسمى بلفظ المنافع في الطب، والثعلبي في تفسيره. أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٥١)، والديلمي في الفردوس (٤٧١٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٠١)، والضعيفة (١٦٥).","vol":"15","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>فصل في ثيابهم وحللهم</span>\n٥٦٩٧ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من يدْخل الْجنَّة ينعم وَلَا يبأس لَا تبلى ثِيَابه وَلَا يفنى شبابه فِي الْجنَّة مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله: \"من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه\" الحديث، ينعم بفتح أوله والعين معناه تدوم له النعمة. وقوله: \"لا يبأس\" معناه لا يصيبه بأس وهو شدة الحال وتغيره وهو البأس والبأساء والبؤس والبؤساء. وقوله: \"لا تبلى ثيابه\" الظاهر أن المراد به الثياب المعهودة أي لا يحلقها البلى ويحتمل أن يراد به الجنس بأن لا يزال عليه الثياب الجدد كما أنها لا ينقطع أكلها في جنسه بل كل مأكول يخلفه مأكول آخر، والله أعلم. وفي حديث عبد الله بن عمر (^٢)، وقال: جاء أعرابي فذكر الحديث إلى أن قال: \"فقام رجل فقال: يا رسول الله أخبرني عن ثياب\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢١) (٢٨٣٦).\n(^٢) أخرجه الطيالسي (٢٣٩١)، وأحمد (٦٨٩٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥٨٤١)، وابن أبي الدنيا صفة الجنة (١٦٩)، والبزار (٢٤٣٤)، (٧٠٩٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١١٢)، أبو يعلى الموصلي في \"المسند\" (إتحاف الخيرة المهرة (٤٢٩٣)، والطبراني (١٤٥٦٢ و١٤٥٦٣)، وأبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة (٣٥٥)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٥) رواه البزار في حديث طويل، ورجاله ثقات .. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٨٥).","vol":"15","page":45},{"text":"الجنة أتُخلق خلقا أم تُنسَج نسجا؟ قال: فضحك بعض القوم. فقال رسول الله -ﷺ-: تضحكون من جاهل سأل [عالما]. فسكت النبي -ﷺ- ساعة ثم قال: أين السائل عن ثياب الجنة؟ قال: ها هو ذا يا رسول الله. قال: لا بل تشقق عنها ثمار الجنة ثلاث مرات والله أعلم\".\n\n٥٦٩٨ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ أول زمرة يدْخلُونَ الْجنَّة كَأَن وُجُوههم ضوء الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر والزمرة الثَّانِيَة على لون أحسن كَوْكَب دري فِي السَّمَاء لكل وَاحِد مِنْهُم زوجتان من الْحور الْعين على كل زَوْجَة سَبْعُونَ حلَّة، يرى مخ سوقهما من وَرَاء لحومهما وحللهما كَمَا يرى الشَّرَاب الْأَحْمَر فِي الزجاجة الْبَيْضَاء. رواه الطبراني (^١) بإسناد\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٠/ ١٠٣٢١)، وفي الأوسط (٩١٥) وذكره الهيثمي في المجمع ١٠/ ٤١١ - ٤١٢ من حديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناد ابن مسعود صحيح، وأخرجه هناد في الزهد (١١)، والترمذي (٢٥٣٣) والطبري في التفسير (٢٧/ ١٥٢)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٧٩)، ابن حبان (٧٣٩٦) وأبو الشيخ في العظمة (٥٨٤). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١٠٧)، والطبري (٢٧/ ١٥٢) وهناد في الزهد (١٠)، والترمذي (٢٥٣٤) والطبري (٢٧/ ١٥٢) عن ابن مسعود موقوفا. وقال الترمذي: وهكذا روى جرير وغير واحد عن عطاء بن السائب ولم يرفعوه، وهذا أصح. وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٨٦٧)، وفي التفسير (٣/ ١٧٧) ونعيم بن حماد في زيادات الزهد لابن المبارك: (٢٦٠)، والطبراني في الكبير (٨٨٦٤) من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود موقوفا. ولفظه: إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٣٦)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٧٤٥).","vol":"15","page":46},{"text":"صحيح، والبيهقي بإسناد حسن، وتقدم حديث أبي هريرة المتفق عليه بنحوه.\nقوله: \"وعن عبد الله بن مسعود\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء\" أي أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه وكماله وهي ليلة أربع عشرة كما تقدم. والزمرة الجماعة والزمرة الأولى هم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أو سبعمائة ألف متماسكون آخذ بعضهم ببعض لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ويحتمل أنه عبر عن السبعين ألفا بالعدد الكثير من غير إرادة حصر والله أعلم واقتصر في هذه الرواية على [ذكر صفة] الزمرة الأولى وبين في الرواية الأخرى أن الثانية على أشد كوكب دري في السماء إضاءة والدري هو الكوكب العظيم.\nقيل سمي دريا لبياضه كالدر، وقيل لإضاءته وقيل لشبهه بالدر في كونه أرفع من باقي النجوم كالدر أرفع الجواهر والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: \"لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين\" الحديث، والزوجتان بالتاء والمشهور حذفها.\nفإن قلت: ما [وجه] التثنية وقد تكون أكثر، قلت: قد تكون التثنية نظرا إلى ما ورد في قوله تعالى: جثتان وعينان ومدهامتان، أو يراد به تثنية التكرير نحو لبيك وسعديك، أو هو باعتبار الصنفين نحو زوجة طويلة والأخرى قصيرة أو إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، اهـ. قاله الكرماني (^١).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ١٨٦).","vol":"15","page":47},{"text":"وقال الإمام القرطبي في التذكرة (^١): وفي حديث عمران بن حصين أن أقل ساكني الجنة النساء. قال علماؤنا: لم يختلفوا في نوع من الجنس وهو نساء الدنيا [ورجالها] أيهما أكثر في الجنة فإن كان اختلفوا في المعنى الأول وهو جنس النساء مطلقا فحديث أبي هريرة حجة أن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر إلى قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم]: ولكل واحد منهم زوجتان وإن كان اختلفوا في نوع من الجنس وهم أهل الدنيا فالنساء في الجنة أقل.\nقلت: يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار وأما بعد خروجهن بالشفاعة ورحمة الله تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال لا إله إلا الله فالنساء في الجنة أكثر وحينئذ يكون لكل واحد منهم زوجتان [أي] من نساء الدنيا. وأما الحور العين فقد يكون لكل واحد منهم الكثير منهن. وفي الترمذي (^٢) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم أو ثنتان وسبعون زوجة، اهـ والله أعلم.\nقوله: \"يرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء\" تقدم تفسير ذلك.\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٨١٨).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (زيادات نعيم بن حماد ٤٢٢) وأحمد (٣/ ٧٥ - ٧٦) والترمذي (٢٥٦٢) وأبو يعلى (١٤٠٤) وابن أبي داود في البعث (٧٧) وابن حبان (٧٤٠١) والبغوي في شرح السنة (٤٣٨١) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٩٩١) قال الترمذي: هذا حديث غريب وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٨٧)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٦٦).","vol":"15","page":48},{"text":"ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى.\n\n٥٦٩٩ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا مِنْكُم من أحد يدْخل الْجنَّة إِلَّا انْطلق بِهِ إِلَى طُوبَى فتفتح لَهُ أكمامها فَيَأْخُذ من أَي ذَلِك شَاءَ إِن شَاءَ أَبيض وَإِن شَاءَ أَحْمَر وَإِن شَاءَ أَخْضَر وَإِن شَاءَ أصفر وَإِن شَاءَ أسود مثل شقائق النُّعْمَان وأرق وَأحسن. رواه ابن أبي الدنيا (^١).\nقوله: \"عن أبي أمامة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى فتفتح له أكمامها\" فذكره إلى أن قال: \"مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن\" وفي حديث أبي رافع (^٢): إن في الجنة لشجرة تحمل كسوة أهلها أشد حمرة من شقائق النعمان. الشقائق جمع شقيقة وهو هذا الزهر الأحمر المعروف وأصله من الشقيقة وهي الفرجة بين الرمل الغليظ تنبت العشب والشجر وإنما أضيف إلى النعمان وهو ابن المنذر ملك من العرب يقال أنه نزل شقائق رمل قد أنبتت هذا الزهر الأحمر فاستحسنه فأمر أن يحمى له فأضيفت إليه وسميت شقائق النعمان، وغلب اسم الشقائق عليها، وقيل النعمان اسم الدم وشقائقه قطعه فشبهت به لحمرتها والأول أكثر وأشهر والله أعلم.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٤٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢١٢).\n(^٢) لم أجده. انظر: النهاية في غريب الأثر (٢/ ٤٩٢)، تاج العروس (٢٥/ ٥٢٠)، لسان العرب (١٠/ ١٨٢).","vol":"15","page":49},{"text":"٥٧٠٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الرجل ليتكئ فِي الْجنَّة سبعين سنة قبل أَن يتَحَوَّل ثمَّ تَأتيه امْرَأَة فَتضْرب مَنْكِبه فَينْظر وَجهه فِي خدها أصفى من الْمرْآة وَإِن أدنى لؤلؤة عَلَيْهَا تضيء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب فتسلم عَلَيْهِ فَيرد السَّلَام ويسألها من أَنْت فَتَقول أَنا من الْمَزِيد وَإنَّهُ ليَكُون عَلَيْهَا سَبْعُونَ ثوبا أدناها مثل النُّعْمَان من طُوبَى فينفذها بَصَره حَتَّى يرى مخ سَاقهَا من وَرَاء ذَلِك وَإِن عَلَيْهَا من التيجان إِن أدنى لؤلؤة مِنْهَا لتضيء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن دراج عَن أبي الْهَيْثَم وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق عَمْرو بن الْحَارِث عَن دراج عَن أبي الْهَيْثَم. وروي التِّرْمِذِيّ مِنْهُ ذكر التيجان فَقَط من رِوَايَة رشدين عَن عَمْرو بن الْحَارِث وَقَالَ لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث رشدين (^١).\n\n٥٧٠١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ دَار الْمُؤمن فِي الْجنَّة لؤلؤة فِيهَا أَرْبَعُونَ ألف دَار فِيهَا شَجَرَة تنْبت الْحلَل فَيَأْخُذ الرجل بِأُصْبُعَيْهِ وَأَشَارَ بالسبابة والإبهام سبعين حلَّة متمنطقة بِاللُّؤْلُؤِ والمرجان. رواه ابن أبي الدنيا (^٢) موقوفا.\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٣/ ٧٥ (١١٧١٥)، والترمذي (٢٥٦٢)، وابن حبان (٧٣٩٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢١٣). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٤٩) وضعفه ضعيف جدًا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢١٤).","vol":"15","page":50},{"text":"قوله: \"فيأخذ الرجل بأصبعيه -وأشار بالسبابة والإبهام- سبعين حلة\" الحديث، السبابة هي التي تلي الإبهام، [وتقدم سبب تسميتها بذلك] (^١) [ونبهت على ذلك] في أوائل هذا التعليق والله أعلم. إلى هنا انتهى اللوح ٢٨٧.\nخاتمة: روى ابن أبي الدنيا بسنده عن كعب قال: إن لله ﵎ ملكا منذ خلق يصوغ حليّ أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة لو أن قلبا \"القلب السوار ومنه قوله في الحديث: رأى في يد عائشة قلبين، اهـ من حاشية الأصل\" (^٢) من حلي أهل الجنة أخرج لذهب بضوء شعاع الشمس فلا تسألوا بعد هذا عن حلي أهل الجنة.\nوعن الحسن قال: الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء.\nوفي الحديث أنه -ﷺ- قال في صفة أهل الجنة: مُسوَّرون بالذهب والفضة مكللون بالدر عليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة وعليهم تاج كتاج الملوك شباب جرد مكحلون، اهـ، قاله في حادي الأرواح (^٣).\n\n٥٧٠٢ - وَعَن شُرَيْح بن عبيد -﵁- قَالَ قَالَ كَعْب لَو أَن ثوبا من ثِيَاب أهل الْجنَّة لبس الْيَوْم فِي الدُّنْيَا لصعق من ينظر إِلَيْهِ وَمَا حَملته أَبْصَارهم رَوَاهُ ابْن\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) هذه الحاشية مثبتة أيضا في النسخة الهندية.\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٠٠).","vol":"15","page":51},{"text":"أبي الدُّنْيَا (^١) وَيَأْتِي حَدِيث أنس الْمَرْفُوع وَلَو اطَّلَعت امْرَأَة من نسَاء أهل الْجنَّة إِلَى الأَرْض لملأت مَا بَينهمَا ريحًا ولأضاءت بَينهمَا وَلنَصِيفهَا يَعْنِي خمارها على رَأسهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (١٥٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢١٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٩٦) و(٦٥٦٧، ٦٥٦٨)، والترمذي (١٦٥١). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>فصل في فرش الجنة</span>\n٥٧٠٣ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الْوَاقِعَة: ٣٤] قَالَ ارتفاعها كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ومسيرة مَا بَينهمَا خَمْسمِائَة عَام. رواه ابن أبي الدنيا (^١) والترمذي (^٢)، وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين، يعني عن عمرو بن الحارث عن دراج.\n[قال الحافظ]: قد رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما من حديث ابن وهب أيضا عن عمرو بن الحارث عن دراج.\nقوله: \"عن أبي سعيد الخدري\" تقدم. قوله: \"عن النبي -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ (^٣) قال: ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام\"، قال بعض أهل العلم: في تفسير هذا الخبر أن معناه الفرش في الدرجات وبين الدرجات كما بين السماء والأرض، [و] روى\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٥٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٤٠ و٣٢٩٤)، وأخرجه أحمد (١١٧١٩)، وأبو يعلى (١٣٩٥) والطبري في تفسيره (٢٧/ ١٨٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٩٣) وابن أبي حاتم في تفسيره والضياء في صفة الجنة كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٢٩١)، وابن حبان (٧٤٠٥)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٥٧)، والبيهقي في البعث (٣١١)، والبغوي في تفسيره (٧/ ١٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢١٦)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٦١٠٩).\n(^٣) سورة الواقعة، الآية: ٣٤.","vol":"15","page":53},{"text":"الترمذي (^١) عن أبي سعيد الخدري أيضا قال: قال رسول الله -ﷺ- أن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم حديث غريب.\nقال الإمام القرطبي (^٢): وقد قيل إن الفرش كناية عن النساء اللواتي في الجنة ذوات الفرش والمعنى ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا ونعجة على الاستعارة لأن الفرش محلها [\"لعل في العبارة قلبا أي لأن النساء محلهن الفرش تسمية المحال باسم المحل، والله أعلم\"] (^٣) النساء وفي الحديث: الولد للفراش، وقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (^٥) ولكن قوله: \"مرفوعة\" يأبى هذا إلا أن يقال: المراد رفعة القدر أي [رفعن] بالجمال على نساء أهل الدنيا وكل فاضل رفيع، اهـ.\nوقيل فرش مرفوعة أي [بقدر] ارتفاع أعمالهم ولما ذكر الله ﷾ الفرش المرفوعة ذكر أيضا أن السرر مرفوعة أيضا ولا يخفى أن\n_________\n(^١) الترمذي (٢٥٣٢) والحديث؛ أخرجه أبو نعيم، في \"صفة الجنة\" (٢٤٥ و٢٤٦)، والبيهقي، في \"البعث والنشور\" (٢٤٩)، وأحمد (١١٢٥٦)، وأبو يعلى (١٣٩٨)، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب ..\n(^٢) تفسير القرطبي (١٧/ ٢١٠).\n(^٣) سقطت هذه الحاشية من النسخة الهندية.\n(^٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.\n(^٥) سورة ص، الآية: ٢٣.","vol":"15","page":54},{"text":"ارتفاع السرير أكثر من ارتفاع الفرش، قال ابن عباس -﵄- (^١): في قوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ (^٢) ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت والسرير كما بين مكة وأيلة، تقدم الكلام على أيلة في ذكر الحوض عن الكلبي أن طول السرير في السماء مائة عام وأن السرر مرتفعة ما لم يجئ أهلها فإذا أراد الرجل أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ثم ترتفع إلى موضعها. قال الله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ (^٣) إعلاما بتقاربها وحسن ترتيبها وعدم تدابرها وكمال تقابلها، وقال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ (^٤) المنضودة المزينة، المنضودة التي هي على نسج واحد وإذا تأملت ارتفاع الفرش وارتفاع الأسرة ظهر لك من ذلك أن ارتفاع القصور والغرف التي تكون فيها هذه الأسرة لا تكاد تحاط وما الظن بارتفاع جملة الغرف التي بعضها فوق بعض، قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٥) الآية. ثم إنك قد علمت أن للمؤمن على هذه السرر أهلين وزوجات وما جاء عن النبي -ﷺ- من صفات نساء الجنة وحورها فكثير يذهل عقول المتفكرين ويذهب بلبّ المتبصرين وبالجملة فلا شك أن نساء الجنة\n_________\n(^١) تفسير البغوي (٤/ ٤٧٩).\n(^٢) سورة الغاشية، الآية: ١٣.\n(^٣) سورة الطور، الآية: ٢٠.\n(^٤) سورة الواقعة، الآية: ١٥ - ١٦.\n(^٥) سورة الزمر، الآية: ٢٠.","vol":"15","page":55},{"text":"من الآدميات والحور في أكمل الصور جمالا وحسنا وريحا طيبا وصفاء وضياء. وفي البخاري (^١) من حديث مرفوع لو اطلعت امرأة [أي أشرفت] من نساء أهل الجنة إلى الأرض [لملأت] ما بينهما ريحا ولأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها. النصيف ما يغطى به الرأس وتقدم لك بعض صفاتهن، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ (^٢)، واختلف في وجه طهارتهن ومجموع ما قيل في طهارتهن أنهن مطهرات الأبدان من كل ما يستقذر كالحيض والنفاس والمذي والمني والبصاق والمخاط والصّنان والعمش والبكاء وطول [الأظافير وتشعث] الأبشار ونحو ذلك مطهرات الأخلاق من كل سوء ومطهرات في جميع عوالمهن ومعالمهن من كل إثم وقبيح، اهـ.\n\n٥٧٠٤ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن الْفرش المرفوعة فَقَالَ لَو طرح فرَاش من أَعْلَاهَا لهوى إِلَى قَرَارهَا مائَة خريف. رواه الطبراني (^٣)، ورواه غيره موقوفًا (^٤) على أبي أمامة، وهو أشبه بالصواب.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٥٦٨).\n(^٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥.\n(^٣) الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٧٩٤٧/٢٤٢)، وأبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة (٣٥٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٢٠) رواه الطبراني، وفيه جعفر بن الزبير الحنفي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٩٤٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٢١٧)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٤٨٢٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١٤٠)، وهناد في الزهد (٧٩).","vol":"15","page":56},{"text":"قوله: \"عن أبي أمامة\" تقدم. قوله: \"سئل رسول الله -ﷺ- عن الفرش المرفوعة فقال: لو طرح فراش من أعلاها لهوى إلى قاراها مائة خريف\" الخريف هو العام، وتقدم ذكره في مواضع كثيرة وقد ذكر الله ﷾ [فرش الجنة]، فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ (^٢)، [وروى الترمذي (^٣) قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله تعالى:] قال ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام، وتقدم في أول الباب، وقال بعض العلماء: يحتمل أن يكون المراد بارتفاعها ارتفاع محلها ويؤيده ما رواه ابن وهب عنه -ﷺ- أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾، قال ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض. وقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ (^٤)، قال سعيد بن جبير: الرفرف رياض الجنة، والعبقري عتاق الزاربي والرفرف جمع رفرفة وجمع الرفرف رفارف. وقال الليث: الرفرف ضرب من الثياب خضر تبسط، الواحدة رفرفة. وقال أبو عبيد (^٥) الرفارف البسط [وقالوا] الرفرف الوسائد، وقالوا: الرفرف المحاسن.\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية: ٥٤.\n(^٢) سورة الواقعة، ٣٤.\n(^٣) سبق.\n(^٤) سورة الرحمن، الآية: ٧٦.\n(^٥) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٠٧).","vol":"15","page":57},{"text":"وقال المبرد: هو فضول الثياب التي تتخذ للملوك في الفرش وغيره وقال الواحدي: وكأن الأقرب هذا لأن العرب تسمي [كيس] الخباء والخربة التي تخاط في أسفل الخباء رفرفا ومنه الحديث في وفاة النبي -ﷺ-: فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة. وقال قتادة والضحاك: الرفرف محاسن خضر فوق [الفرش]، وقيل كل ثوب عريض يسمى عند العرب رفرفا. قوله: \"وعبقري حسان\" والعبقري منسوب إلى عبقر [تزعم] العرب أنه بلد الجن ينسبون إليه كل شيء عجيب والله تعالى أعلم.\n\n٥٧٠٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- فِي قَوْله ﷿ ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قَالَ أخبرتم بالبطائن فَكيف بالظهائر؟ رواه البيهقي (^١) موقوفا بإسناد حسن.\nقوله: \"عن ابن مسعود\" تقدم. قوله في قوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾، \"قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر\" الحديث، فوصف الفرش بكونها مبطنة بالاستبرق وهذا يدل على أمرين: أحدهما أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها لأن بطائنها للأرض وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة. قال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق عن هبيرة بن مريم عن [أبيه] في قوله: بطائنها من استبرق، قال هذه البطائن قد أخبرتم بها فكيف بالظهائر، فذكر نحو قول ابن مسعود. والثاني: يدل على أنها فرش عالية لها سمك\n_________\n(^١) البيهقي في البعث والنشور (٣٠٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٥)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٥٦)، والطبري في التفسير (٢٣/ ٦١) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٤٦).","vol":"15","page":58},{"text":"وحشو [بين] البطانة والظهارة وقد روي في سمكها وارتفاعها آثار إن كانت محفوظة فالمراد ارتفاع محلها كما رواه الترمذي (^١) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ (^٢) في أول الباب وقيل: ومعناه أن الارتفاع المذكور للدرجات والفرش عليها والله أعلم. قاله في حادي الأرواح (^٣). وقوله: \"بطائنها من استبرق\" والاستبرق نوع من الحرير وهو الغليظ منه فجيد الحرير هو الديباج ورديء الحرير هو الاستبرق وسيأتي الكلام عليه أبسط من هذا.\n_________\n(^١) الترمذي (٢٥٤٠ و٣٢٩٤).\n(^٢) سورة الواقعة، ٣٤.\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٠٦).","vol":"15","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>فصل في صفة نساء أهل الجنة</span>\n[قال الحافظ]: تقدم حديث ابن عمر في أسفل أهل الجنة، وفيه: فينظر فإذا حوراء من الحور العين جالسة على سرير ملكها عليها سبعون حلة ليس منها حلة من لون صاحبتها فيرى مخ ساقها من وراء اللحم والدم والعظم، والكسوة فوق ذلك فينظر إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من الحور العين من اللاتي خبئن لك فينظر إليها أربعين سنة لا يصرف بصره عنها، ثم يرفع بصره إلى الغرفة فإذا أخرى أجمل منها فتقول: ما آن لك أن يكون لنا منك نصيب؟ فيرتقي إليها أربعين سنة لا يصرف بصره عنها، الحديث.\nتقدم الكلام على حديث ابن عمر في أسفل أهل الجنة.\n\n٥٧٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة إِن لَهُ لسبع دَرَجَات وَهُوَ على السَّادِسَة وفوقه السَّابِعَة وَإِن لَهُ لثلاثمائة خَادِم وَيغدى عَلَيْهِ كل يَوْم وَيرَاح بثلاثمائة صَحْفَة وَلَا أعلمهُ إِلَّا قَالَ من ذهب فِي كل صَحْفَة لون لَيْسَ في الْأُخْرَى وَإنَّهُ ليلذ أَوله كما يلذ آخِره وَإنَّهُ ليقول يَا رب لَو أَذِنت لي لأطعمت أهل الْجنَّة وسقيتهم لم ينقص مِمَّا عِنْدِي شَيء وَإِن لَهُ من الْحور الْعين لاثْنَتَيْنِ وَسبعين زَوْجَة سوى أَزوَاجه من الدُّنْيَا وَإِن الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ لتأْخذ مقعدتها قدر ميل من الأَرْض. رواه أحمد (^١) عن شهر عنه.\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٠٩٣٢) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة (٤٥٠) وأخرجه أبو نعيم أيضًا (٢٢٩) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٣١٩) تفرد به أحمد، وهو =","vol":"15","page":60},{"text":"قوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"وإن له من الحور العين لاثنين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا وإن واحدة منهن لتأخذ مقعدتها من الأرض قد ميل\" الحديث. رواه الإمام أحمد عن شهر عنه. تقدم أن الميل أربعة آلاف خطوة وهو ستة آلاف ذراع، وقيل غير ذلك. قال في حادي الأرواح (^١) الحديث منكر مخالف للأحاديث الصحيحة فإن طول ستين ذراعا لا يحتمل أن يكون مقعدة صاحبه بقدر ميل من الأرض، وأيضا فالذي في الصحيحين في أول زمرة تلج الجنة لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين فكيف يكون لأدناهم ثنتان وسبعون زوجة من الحور العين وأقل ساكني الجنة نساء الدنيا فكيف يكون لأدنى أهل الجنة جماعة منهن وفي إسناد هذا الحديث شهر بن حوشب وسكين بن عبد العزيز ضعفه النسائي، اهـ.\n\n٥٧٠٧ - وَعَن عبد الله بن أبي أوفى -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الرجل من أهل الْجنَّة ليزوج خَمْسمِائَة حوراء وَأَرْبَعَة آلَاف بكر وَثَمَانِية آلَاف ثيب يعانق كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ مِقْدَار عمره فِي الدُّنْيَا. رواه البيهقي (^٢) وفي إسناده راو لم يسم.\n_________\n= غريب، وفيه انقطاع، وله شاهد عن عبادة بن الصامت. وقال الهيثمي: رجاله ثقات على ضعف في بعضهم المجمع ١٠/ ٤٠٠ وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٠٦).\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٥٦).\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٣٧٣)، وقال: العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٣٠) أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين وفي كتاب العظمة من حديث ابن أبي أوفى إلا أنه قال \"مائة حوراء\" ولم يذكر فيه عناقه لهن، وإسناده ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢١٩)، والضعيفة (٦١٠٣).","vol":"15","page":61},{"text":"قوله: \"عن عبد الله بن أبي أوفى\" تقدم.\nقوله: إن الرجل من أهل الجنة ليزوج خمسمائة حوراء وأربعة آلاف بكر وثمانية آلاف ثيب الحديث. الحوراء واحدة الحور العين والثيب التي لا زوج لها، والبكر هي العذراء التي لم يمسها رجل.\n\n٥٧٠٨ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لغدوة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم أَو مَوضِع قَيده يَعْنِي سَوْطه من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو اطَّلَعت امْرَأَة من نسَاء أهل الْجنَّة إِلَى الأَرْض لملأت مَا بَينهمَا ريحًا ولأضاءت مَا بَينهمَا وَلنَصِيفهَا على رَأسهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والطبراني (^٣) مختصرا بإسناد جيد إلا أنه قال: ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها.\n[النصيف]: الخمار.\n[والقاب]: هو القدر، وقال أبو معمر: قاب القوس من مقبضه إلى رأسه.\nقوله: \"عن أنس بن مالك\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها\" تقدم تفسير ذلك في كتاب الجهاد وغيره.\nقوله -ﷺ-: \"ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده\" يعني سوطه \"من الجنة خير من الدنيا وما فيها\" الحديث. القاب هو القدر أي قدر طولها، قال أبو\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٧٩٢).\n(^٢) صحيح مسلم (١١٢) (١٨٨٠).\n(^٣) المعجم الأوسط (٣١٤٨).","vol":"15","page":62},{"text":"معمر قاب القوس من مقبضه إلى رأسه، اهـ. قاله الحافظ. ويحتمل قدر رميتها يقال هو قاب رمح وقاد رمح وقيد رمح. قال العلماء: إنما أراد به ذم الدنيا والزهد فيها والترغيب في الآخرة فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها وإنما أراد بذكر السوط والله أعلم التقليل لا أنه أراد موضع السوط بعينه بل موضع نصف سوط وربع سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية، قاله العراقي في شرح الأحكام (^١).\n\n٥٧٠٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن أول زمرة يدْخلُونَ الْجنَّة على صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَالَّتِي تَلِيهَا على أضواء كَوْكب دري فِي السَّمَاء وَلكُل امرئ مِنْهُم زوجتان اثْنَتَانِ يرى مخ سوقهما من وَرَاء اللَّحْم وَمَا فِي الْجنَّة أعزب، رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر\" المراد بالصورة الصفة يعني أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه وهي ليلة أربعة عشر ويؤخذ منه أن أنوار أهل الجنة يتفاوت بحسب درجاتهم، والزمرة بضم الزاي وسكون الميم هي الجماعة إذا كان بعضهم إثر بعض، اهـ.\nقوله: \"ولكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما\" الحديث. قال\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب ج ٦/ ٤٦.\n(^٢) صحيح البخاري (٣٢٤٥).\n(^٣) صحيح مسلم (١٤) (٢٨٣٤).","vol":"15","page":63},{"text":"في حادي الأرواح (^١): فإن كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال وإن كن من الحور العين لم يلزم أن يكن في الدنيا أكثر والظاهر أنهن من الحور العين لما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون ألف حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب، اهـ. قوله -ﷺ-: \"وما في الجنة أعزب\" هذه لغة قليلة وفي بعضها عزب، وهي اللغة الفصيحة وتقدم ذلك، فإن قلت العزب هو الذي لا زوج له فما فائدة لفظ لا أهل له؟ قلت: فائدته التوكيد أو التعميم لأن الأهل أعم من الزوجة والله أعلم، قاله الكرماني (^٢).\n\n٥٧١٠ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْمَرْأَة من نسَاء أهل الْجنَّة ليرى بَيَاض سَاقهَا من وَرَاء سبعين حلَّة حَتَّى يرى مخها وَذَلِكَ بِأَن الله ﷿ يَقُول ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرَّحْمَن: ٥٨] فَأَما الْيَاقُوت فَإِنَّهُ حجر لَو أدخلت فِيهِ سلكا ثمَّ استصفيته لأريته من وَرَائه. رواه ابن أبي الدنيا (^٣) وابن حبان في صحيحه. (^٤) والترمذي (^٥) واللفظ له، وقال: وقد روي عن ابن مسعود\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٢٥).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٤/ ١٠٠).\n(^٣) صفة الجنة لابن أبي الدنيا (١٣٨).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٧٣٩٦).\n(^٥) سنن الترمذي (٢٥٣٣). وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٨٦٧)، وابن أبي شيبة (٣٥١٢٢) موقوف. وأخرجه الترمذي (٢٥٣٤ م)، وقال: ولم يرفعه أصحاب عطاء. وقال الترمذي: وهذا أصح. وأخرجه الترمذي (٢٥٣٤) عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود: عن النبي -ﷺ- =","vol":"15","page":64},{"text":"ولم يرفعه وهو أصح.\nقوله: \"عن ابن مسعود\" تقدم. قوله: \"وذلك بأن الله ﷿ يقول: كأنهن الياقوت والمرجان\" الحديث، أي في الصفاء. قوله: \"أما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لأريته من ورائها\" السلك بكسر السين هو الخيط الذي ينظم فيه اللؤلؤ ونحوه.\n\n٥٧١١ - وَعَن سعيد بن عَامر بن خريم -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَو أَن امْرَأَة من نسَاء أهل الْجنَّة أشرفت لملأت الأَرْض ريح مسك ولأذهبت ضوء الشَّمْس وَالْقَمَر الحديث رواه الطبراني (^١) والبزار (^٢) وإسناده حسن في المتابعات.\nقوله: \"عن سعيد بن عامر بن حذيم\" هو سعيد بن عامر بن حذيم بن سلامان بن ربيعة الجمحي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، أسلم قبل غزاة\n_________\n= نحوه بمعناه ولم يرفعه. وقال الترمذي: هذا أصح من حديث عبيدة بن حميد. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٣٠): ورواه عنه موقوفا قال وهذا أصح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٢٠)، وضعيف الجامع الصغير (١٧٧٦).\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٥٩/ ٥٥١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٧) رواه الطبراني مطولا ... ورواه البزار باختصار كثير، وفيهما الحسن بن عنبسة الوراق ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف.\n(^٢) أخرجه البزار كشف الأستار (٣٥٢٨) وأخرجه ابن صاعد في زيادات زهد ابن المبارك (٢٢٦) وابن أبي داود في البعث (٨٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٥٩/ ٥٥١٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٤٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٤٤) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٣٤٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٢١).","vol":"15","page":65},{"text":"خيبر، وشهد ما بعدها من المشاهد مع رسول الله -ﷺ-، وأمه أروى بنت أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجر إلى المدينة، وولاه عمر رضوان الله عليه حمص وما يليها من الشام فبلغه أنه يصيبه لمم، فأمره بالقدوم عليه، فلم ير معه إلا عكازا وقدحا، فقال له عمر: ليس معك إلا ما أرى؟ فقال له سعيد: وما أكثر من هذا؟ عكاز أحمل عليه زادي، وقدح آكل فيه، فقال له عمر: أبك لمم؟ قال: لا.\nقال: فما غشية بلغني أنها تصيبك؟ قال: حضرت خبيب بن عدي حين صلب، فدعا على قريش وأنا فيهم، فربما ذكرت ذلك، فأجد فترة حتى يغشى علي، فقال له عمر: ارجع إلى عملك، فأبى، وناشده إلا أعفاه، فقيل: إنه أعفاه، وقيل: إنه لما مات أبو عبيد، ومعاذ ويزيد ولاه عمر حفص، فلم يزل عليها حتى مات، وقيل: استخلفة عياض بن غنم الفهري، فأقره عمر -﵁-.\nوروى أنه لما اجتمعت الروم يوم اليرموك استغاث أبو عبيدة عمر، فأمده بسعيد بن عامر بن حذيم، وله أخبار عجيبة في زهده. وحديثه واضح.\n\n٥٧١٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ حَدثنِي رَسُول الله -ﷺ- قَالَ حَدثنِي جِبْرِيل -﵇- قَالَ يدْخل الرجل على الْحَوْرَاء فتستقبله بالمعانقة والمصافحة قَالَ رَسُول الله -ﷺ- فَبِأَي بنان تعاطيه لَو أَن بعض بنانها بدا لغلب ضوؤه ضوء الشَّمْس وَالْقَمَر وَلَو أَن طَاقَة من شعرهَا بَدَت لملأت مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب من طيب رِيحهَا فَبينا هُوَ متكئ مَعهَا على أريكته إِذْ أشرف عَلَيْهِ نور من فَوْقه فيظن أَن الله ﷿ قد أشرف على خلقه فَإِذا","vol":"15","page":66},{"text":"حوراء تناديه يَا ولي الله أما لنا فِيك من دولة فَيَقُول من أَنْت يَا هَذِه فَتَقول أَنا من اللواتي قَالَ الله ﵎ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] فيتحول عِنْدهَا فَإِذا عِنْدهَا من الْجمال والكمال مَا لَيْسَ مَعَ الأولى فَبينا هُوَ متكئ مَعهَا على أريكته وَإِذا حوراء أُخْرَى تناديه يَا ولي الله أما لنا فِيك من دولة فَيَقُول من أَنْت يَا هَذِه فَتَقول أَنا من اللواتي قَالَ الله ﷿ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السَّجْدَة: ١٧] فَلَا يزَال يتَحَوَّل من زَوْجَة إِلَى زَوْجَة. رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: \"عن أنس بن مالك\" تقدم. قوله: \"فبأي بنان تعاطبه لو أن بعض بنانها بدا لغلب ضوء الشمس والقمر\" الحديث. البنان هو رءوس الأصابع، الواحدة بنانة. وقوله: \"بدا\" بغير همز أي ظهر واستبان. قوله: \"فبينما هو معها متكئ على أريكته\" الحديث، الأريكة هي السرير في البشخانة (^٢)، قاله الحافظ شرف الدين الدمياطي واسمه عبد المؤمن.\n\n٥٧١٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- فِي قَوْله: [﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرَّحْمَن: ٥٨]، قَالَ ينظر إِلَى وَجهه فِي خدها أصفى من الْمرْآة وَإِن أدنى لؤلؤة عَلَيْهَا لتضيء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَإنَّهُ ليَكُون\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٨٨٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٨) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعيد بن زربي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٢٢).\n(^٢) انظر: حادي الأرواح (١/ ١٤٦).","vol":"15","page":67},{"text":"عَلَيْهَا سَبْعُونَ حلَّة ينفذها بَصَره حَتَّى يرى مخ سَاقهَا من وَرَاء ذَلِك. رواه أحمد (^١) وابن حبان في صحيحه (^٢) في حديث تقدم بنحوه والبيهقي (^٣) بإسناد ابن حبان واللفظ له.\nقوله: \"عن أبي سعيد\" هو الخدري. تقدم. قوله: \"أصفى من المرآة\" المرآة بكسر الميم وسكون الراء.\n\n٥٧١٤ - وَعَن مُحَمَّد بن كعْب الْقرظِيّ عَن رجل من الْأَنْصَار عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ حَدثنَا رَسُول الله -ﷺ- وَهُوَ فِي طَائِفَة من أَصْحَابه فَذكر حَدِيث الصُّور بِطُولِهِ إِلَى أَن قَالَ فَأَقُول يَا رب وَعَدتنِي الشَّفَاعَة فشفعني فِي أهل الْجنَّة يدْخلُونَ الْجنَّة فَيَقُول الله قد شفعتك وأذنت لَهُم فِي دُخُول الْجنَّة فَكَانَ رَسُول الله -ﷺ- يَقُول وَالَّذِي بَعَثَني بِالْحَقِّ مَا أنتُم فِي الدُّنْيَا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الْجنَّة بأزواجهم ومساكنهم فَيدْخل رجل مِنْهُم على ثِنْتَيْنِ\n_________\n(^١) مسند أحمد (١١٧١٥).\n(^٢) ابن حبان (٧٣٩٧).\n(^٣) والبيهقي في البعث والنشور (٣٣٠) و(٣٧٥) وأخرجه أبو يعلى (١٣٨٦) وأخرجه مختصرا ومطولا ابن المبارك في الزهد (٢٣٦) و(٢٥٨) -زوائد نعيم بن حماد-، والترمذي (٢٥٦٢)، ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٨١) والطبري في التفسير (٢٦/ ١٧٥ - ١٧٦) والحاكم ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧ و٤٧٥، والبغوي في شرح السنة (٤٣٨١)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وصححه الحكم، وتعقبه الذهبي بقوله: دراج صاحب عجائب. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٩) رواه أحمد وأبو يعلى، وإسنادهما حسن. وضعفه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١٠/ ٣٩٢)، والتعليق الرغيب (٤/ ٤٦١)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٢١٣).","vol":"15","page":68},{"text":"وَسبعين زَوْجَة مِمَّا ينشئ الله وثنتين من ولد آدم لَهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما الله فِي الدُّنْيَا يدْخل على الأولى مِنْهُمَا فِي غرفَة من ياقوتة على سَرِير من ذهب مكلل بِاللُّؤْلُؤِ عَلَيْهِ سَبْعُونَ زوجا من سندس وإستبرق ثمَّ يضع يَده بَين كتفيها ثمَّ ينظر إِلَى يَده من صدرها من وَرَاء ثِيَابهَا وجلدها ولحمها وَإنَّهُ لينْظر إِلَى مخ سَاقهَا كَمَا ينظر أحدكُم إِلَى السلك فِي قَصَبَة الْيَاقُوت كبده لَهَا مرْآة وكبدها لَهُ مرْآة فَبينا هُوَ عِنْدهَا لَا يملها وَلَا تمله وَلَا يَأْتِيهَا مرّة إِلَّا وجدهَا عذراء مَا يفتر ذكره وَلَا يشتكي قبلهَا فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ نُودي إِنَّا قد عرفنَا أَنَّك لَا تمل وَلَا تمل إِلَّا أَنه لَا مني وَلَا منية إِلَّا أَن لَك أَزْوَاجًا غَيرهَا فَيخرج فيأتيهن وَاحِدَة وَاحِدَة بعد كلما جَاءَ وَاحِدَة قَالَت وَالله مَا فِي الْجنَّة شَيْء أحسن مِنْك وَمَا فِي الْجنَّة شَيْء أحب إِلَيّ مِنْك الحَدِيث. رواه أبو يعلى (^١) والبيهقي (^٢) في آخر كتابه من رواية إسماعيل بن رافع بن أبي رافع، انفرد به عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب.\nقوله: \"عن محمد بن كعب القرظي\" تقدم. قوله: \"فكأن رسول الله -ﷺ- يقول: والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف من أزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم \"الحديث. ويشير إلى ما في الحديث\n_________\n(^١) أبو يعلى الموصلي في \"المسند\" (إتحاف الخيرة المهرة ٨/ ١٤٧)، وأخرجه إسحاق بن راهويه (١٠)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (٥٥)، وقال ابن حجر في المطالب العالية (١٢/ ٥٧١): هذا إسناده ضعيف.\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٦٠٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٢٤).","vol":"15","page":69},{"text":"قول مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ (^١) [أي] يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون وكأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هم أعرف بمنازلهم من أهل الجنة إذا انصرفوا إلى منازلهم. وقال محمد بن كعب يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم [من] يوم الجمعة، هذا قول جمهور المفسرين وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة، ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال قال مقاتل بن حيان بلغنا أن الملك الموكل بحفظ عمل بني آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرّفه كل شيء أعطاه الله له في الجنة فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف ذلك الملك عنه اهـ. قاله في حادي الأرواح (^٢).\nتنبيه: وقيل أن حول الجنة أماكن متسعة ومتنزهات يخرج إليها أهل الجنة مع أنه يبقى في الجنة مع كثرة من فيها من خلق الله تعالى وسعة ما وهبوا منها أماكن كثيرة لم تسكن فينشئ الله تعالى لها خلقا يسكنهم إياها والله أعلم.\nقوله -ﷺ-: فيدخل رجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله تعالى وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا، الحديث. هذا ما ذكر في حديث محمد بن كعب القرظي وفي حديث أبي سعيد أن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعين\n_________\n(^١) سورة محمد، الآية: ٦.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٤٦).","vol":"15","page":70},{"text":"زوجة [وفي حديث أبي أمامة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: \"ما من عبد يدخل الجنة إلا ويزوج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتان من الحور العين وسبعين من أهل ميراثه من أهل الدنيا ليس منهن امرأة إلا ولها قبل شهيّ، وله ذكر لا ينثني\"، قال هشام بن خالد: \"من ميراثه من أهل النار\"، يعني رجالا دخلوا النار فورثت أهل الجنة نساءهم كما ورثن امرأة فرعون، انفرد به ابن ماجه (^١)، ورواه الفريابي (^٢) عن أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن خالد بن يزيد إلى آخره كما رواه ابن ماجه، وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٧) والحديث؛ أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ٢٥٤) وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٧٠)، والبيهقي، في \"البعث والنشور\" (٣٩٣). وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٤٠) وخالد بن يزيد بن أبي مالك هذا تكلم فيه الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما، وضعفوه، ومثله قد يغلط ولا يتقن. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ٢٦٦) هذا إسناد فيه مقال خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك وثقه العجلي وأحمد بن صالح المعري وضعفه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي وابن الجارود والساجي والعقيلي وغيرهم وله شاهد من حديث أبي هريرة وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٣٢٥): سنده ضعيف جدًا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥١٤٣)، والضعيفة (٤٤٧٣) ..\n(^٢) البداية والنهاية (٢٠/ ٣٤٠).\n(^٣) هو حديث الصور نسبه في المطالب (٣٠١٣)، والإتحاف (٢٦٢/ ٢٣٤) (٨٦٦١/ ٧٦٧٩) لإسحاق وأبي يعلى مطولًا ومختصرًا، وضعفه ابن حجر والبوصيري. وقال ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٦٨): ومداره على إسماعيل بن رافع، واضطرب في سنده مع ضعفه، فرواه عن محمد بن كعب القرظي تارة بلا واسطة، وتارة بواسطة رجل مبهم، ومحمد عن أبي =","vol":"15","page":71},{"text":"من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي -ﷺ- قال: إن الرجل من أهل الجنة ليدخل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله تعالى وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله تعالى لعبادتهما لله ﷿ في الدنيا. الحديث، قال الحافظ المزي أنه مجموع من عدة أحاديث والذي في الأحاديث الصحيحة إنما هو لكل منهم زوجتان وليس في الصحيح زيادة على ذلك، فإن كانت هذه الأحاديث محفوظة فإما أن يراد بها ما لكل واحد من السراري زيادة على الزوجتين ويكونون في ذلك على حسب منازلهم في القلة والكثرة كالخدم والولدان، وإما أن يراد به يعطى قوة من مجامع هذا العدد، ويكون هذا هو المحفوظ، فرواه بعض هؤلاء بالمعنى فقال: وكذا وكذا زوجة، وروى الترمذي (^١) من حديث قتادة رحمه الله تعالى عن أنس\n_________\n= هريرة تارة بلا واسطة، وتارة بواسطة رجل من الأنصار مبهم أيضًا.\nوضعف الألباني إسناده في تخريج العقيدة الطحاوية (ص ٢٣٢). قلت: وهو حديث طويل جدًا، في نحو ثمان صفحات، لا أعلم له شبيهًا، تفرد به (إسماعيل) هذا -وهو ضعيف- عن محمد بن يزيد -وهو مجهول-، وفوقه الرجل الأنصاري الذي لم يسم، فهو إسناد ظلمات بعضها فوق بعض، مما لا يشك الباحث أنه حديث مركب، وقد ذكر بعض الحفاظ أن إسماعيل جمعه من أحاديث متفرقة، وفيه جمل مستنكرة. وقال البخاري في ترجمة (محمد بن يزيد) من التاريخ الكبير (١/ ١/ ٢٦٠/ ٨٢٩): روى عنه (إسماعيل بن رافع) حديث الصور، مرسل، ولم يصح. وهو عند البيهقي في آخر البعث (٣٢٥ - ٣٣٤)، وأخرجه جمع من الحفاظ، منهم الطبراني في الأحاديث الطوال (٢٥/ ٢٦٦ - ٢٧٧).، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٢٤).\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٣٦): \"هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه من حديث قتادة، عن أنس إلا من حديث عمران القطان\". الألباني: حسن صحيح.","vol":"15","page":72},{"text":"رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: \"يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع\"، قيل: يا رسول الله أو يطيق ذلك؟ قال: \"يعطى قوة مائة\"، هذا حديث صحيح، ولعل من رواه يفضي إلى مائة عذراء، رواه بالمعنى أو يكون تفاوتهم في عدد النساء بحسب تفاوتهم في الدرجات، ولا ريب أن للمؤمن في الجنة أكثر من اثنين لما في الصحيحين (^١) من حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلا في كل زاوية منها أهلون ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن\"، وغيره من الأحاديث، وفي حديث قتادة عن أنس (^٢) قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"للمؤمن في الجنة ثلاث وسبعون زوجة\"، فقلنا: يا رسول الله وله قوة ذلك؟ قال: \"ليعطى قوة مائة رجل\"، وفي حديث أبي هريرة (^٣) قال: قيل يا رسول الله: نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: \"إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء\"، والأحاديث الصحيحة إنما فيها أن لكل منهم زوجتين وليس في الصحيح زيادة على ذلك، فإن كانت هذه\n_________\n(^١) البخاري (٣٢٤٣)، ومسلم (٢٣) (٢٨٣٨).\n(^٢) سبق.\n(^٣) البزار في المسند (٣٥٢٥ كشف) والطبراني في الصغير (٧٩٥)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٧٣) وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤١٧) وقال: رواه البزار والطبراني، ورجال هذه الرواية رجال الصحيح غير محمد بن ثواب وهو ثقة. وذكره الشيخ الألباني في الصحيحة (٣٦٧).","vol":"15","page":73},{"text":"الأحاديث محفوظة فإما أن يراد بها ما لكل واحد من السراري زيادة على الزوجتين ويكونون في ذلك على حسب منازلهم في القلة والكثرة كالخدم والولدان، وإما أن يراد أنه يعطى قوة من يجامع هذا العدد، ويكون هذا هو المحفوظ، فرواه بعض هؤلاء بالمعنى فقال له: كذا وكذا زوجة، وقد روى الترمذي في جامعه (^١) من حديث قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: \"يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع\"، قيل: يا رسول الله أو يطيق ذلك؟ قال: \"يعطى قوة مائة\"، هذا حديث صحيح، ولعل من رواه يفضي إلى مائة عذراء، رواه بالمعنى أو يكون تفاوتهم في عدد النساء بحسب تفاوتهم في الدرجات، والله تعالى أعلم. ولا ريب أن للمؤمن في الجنة أكثر من اثنين لما في الصحيحين (^٢) من حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"إن للعبد المؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلا للعبد المؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضا\"، انتهى.\nقوله: \" ... \"، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \" ... \"، أي السرير \" ... \" الحديث. قال جماعة: السندس ما رق من الديباج وقد تفتح داله، وقيل الديباج المنسوج بالذهب، والديباج هو الثوب المتخذ من الإبريسم فارسي\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٣٦).\n(^٢) سبق.","vol":"15","page":74},{"text":"معرّب. والاستبرق ما غلظ منه، وقالت طائفة: ليس المراد به الغليظ، ولكن المراد الصفيق. وقال الزجاج: هما نوعان من الحرير، وأحسن الألون وألين الملابس الحرير، فجُمِع لهم بين حسن منظر الحرير والتذاذ العين به وبين نعموته والتذاذ الجسم، قاله في حادي الأرواح (^١). قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \" ... \"، تقدم تفسير السلك، والعذراء الجارية التي لم يسمها رجل وهي البكر، والعذرة ما للبكر من الالتحام قبل الافتضاض، وأصل العَذْر القطع، وعذرت المرأت وأعذرتها ذهبت بعذرتها، انتهى. قاله صاحب المغيث (^٢).\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \" ... \"، الحديث. القُبُل الفرج وهو معروف، وروى أبو نعيم حديثا فذكره إلى أن قال: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (^٣) عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه سئل هل يمس\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٩٧).\n(^٢) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ٤١٤).\n(^٣) أخرجه ابن أبي عمر في \"المسند\" كما في المطالب العالية (٤٦٠٣)، والبزار في مسنده (٣٥٤٢ كشف)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٧٨/ ٧٦٧٤) أبو نعيم في صفة الجنة (٣٩٠) قال البزار: قال: عمارة لا نعلم حدث عنه إلا عبد الرحمن بن زياد، وعبد الرحمن كان حسن العقل، ولكنه وقع على شيوخ مجاهيل فحدث عنهم بأحاديث مناكير فضُعف حديثه، وهذا مما ينكر عليه ولم يشاركه فيه غيره. ا. هـ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٧) رواه البزار. وفي رواية عنده، وعند الطبراني في الصغير والأوسط ... ورجال هذه الرواية الثانية رجال الصحيح غير محمد بن ثواب، وهو ثقة، وفي الرواية الأولى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف بغير كذب، وبقية رجالها ثقات. وقال البوصيري في =","vol":"15","page":75},{"text":"أهل الجنة أزواجهم؟ قال: نعم، بذكَر لا يملّ وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع. وعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى أن شهوته لتجري في جسدها سبعين عاما تجد اللذة ولا يلحقهم بذلك جنابة فيحتاجون إلى التطهر ولا ضعف ولا انحلال قوة بل وطئهم وطئ التذاذ وتنعيم لا آفة فيه بوجه من الوجوه، وأكمل الناس فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، كما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن أكل من صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: \"إنها لهم في الدينا ولكم في الآخرة\" (^١)، فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها هناك كما نفى سبحانه على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها، ولذلك كانت الصحابة رضي الله تعالى عنه ومن تبعهم يخافون من ذلك أشدّ الخوف. ذكر الإمام أحمد. (^٢)\n_________\n= إتحاف الخيرة المهرة (٧٨٦٦): رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر، والبزار بسند واحد، مداره على الأفريقي وهو ضعيف. وله شاهد من حديث أبي أمامة، رواه ابن ماجه بإسناد حسن. انظر: السلسلة الصحيحة (٧/ ١٠٦١).\n(^١) صحيح البخاري (٢٤٦٨)، وصحيح مسلم (٣٤) (١٤٧٩).\n(^٢) أحمد بن حنبل في الزهد (٦٥٣)، وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٣٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٥٢٤)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٩/ ١٥)، والبيهقي في الشعب (٥٦٧٣)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند عمر بن الخطاب (٢/ ٧١٨/ ١٠٣٨)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٩)، وابن المبارك في الزهد (٥٧٩)، =","vol":"15","page":76},{"text":"عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم، فقال: ما هذا؟ قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم فقال: أكلما اشتهيتم اشتريتم، أين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (^١)، الآية. فمن ترك اللذلة المحرمة في الدنيا لله ﷿ استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون، ومن استوفاها ههنا يحرمها هناك أو نقص كمالها، فلا يجعل الله تعالى لذة من وضعها في معاصيه ومحارمه كلذة من ترك شهوته لله تعالى أبدا، والله تعالى أعلم، قاله في حادي الأرواح (^٢).\nفائدة: فإن قيل: فهل في الجنة توالد؟ فالجواب: إن فيه قولين: أحدهما أنه لا يولد ولا يكون فيها توالد لأن الولادة محل الأقذار، والجنة طاهرة. والثاني: أنه يكون فيها التوالد، وقد دل عليه الحديث، قال الترمذي في جامعه (^٣): حدثنا بندار فذكره إلى أن قال: عن أبي الصديق الناجي عن أبي\n_________\n= ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٩٧)، وابن شبة في تاريخ المدينة (٣/ ٨٠٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٤٩). وأخرجه الحاكم (٣/ ٤٩٤)، وقد تعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: القاسم واه. وقال ابن الملقن في الخلاصة (٢/ ٤١٦/ ٢٨٠٧): غريب كذلك وفي الحاكم نحوه بإسناد قال فيه إنه على شرط البخاري ومسلم. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٧٣٨).\n(^١) سورة الأحقاف، الآية: ٢٠.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٤١).\n(^٣) موطأ مالك (٢/ ٩٣٦) وابن ماجه في السنن (٤٣٣٨)، والترمذي في السنن (٢٥٦٣)، وفي العلل (٦٢٥) وأبو يعلى في المسند (١٠٥١)، وعنه ابن حبان في صحيحه (٧٤٠٤)، والدارمي في السنن (٢٨٣٧). والخطيب البغدادي في المتفق والمفترق (٢٠٥) أحمد في =","vol":"15","page":77},{"text":"سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي\"، هذا حديث حسن غريب، وقد اختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم: في الجنة جماع ولا يكون ولد، هكذا روي عن طاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي، وقال محمد يعني البخاري: قال إسحاق بن إبراهيم في حديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: \"إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان في ساعة كما يشتهي ولكن لا يشتهي\"، قال محمد: وقد روي عن أبي رزين العقيلي (^١) عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد، انتهى. وقال إبراهيم حدثنا عبدان بن أحمد فذكره إلى أن قال: عن أبان عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري (^٢) قال: قيل\n_________\n= مسنده (٣/ ٩، ٨٠)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٧٥ م) وأبو الشيخ في العظمة (٥٨٥) هناد في الزهد (٩٣). وعبد بن حميد في المسند (٩٣٩). أبو يعلى الخليلي في الإرشاد (٢/ ٦٧١ - ٦٧٢) والبيهقي في البعث والنشور (٣٩٨)، وقال الضياء المقدسي: هذا الحديث عندي على شرط مسلم والله أعلم. انظر: صفة الجنة للضياء (١/ ٣٦)، وقال ابن القيم: إسناد حديث أبي سعيد على شرط الصحيح، فرجاله محتج بهم فيه، ولكنه غريب جدا. انظر: حادي الأرواح (ص ١٦٧). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٤٩).\n(^١) الترمذي معلقا تحت الحديث (٢٥٦٣)، وقال الترمذي: سألت مُحمدًا عن هذا الحديث فقال هذا حديث هشام الدستوائي لم يعرفه إلا من هذا الوجه، قال محمد: وفي حديث أبي رزين عن النبي -ﷺ- في قصة أهل الجنة قال ولكن لا يتوالدون. انظر: ترتيب علل الترمذي (٦٢٥).\n(^٢) سبق.","vol":"15","page":78},{"text":"يا رسول الله: لا يولد لأهل الجنة فإن الولد من تمام السرور؟ فقال: نعم، والذي نفسي بيده، وما هو إلا بقدر ما يتمنى أحدهم فيكون حمله ووضعه وشبابه، أي في ساعة واحدة، والله تعالى أعلم. وأما حديث أبي رزين الذي أشار إليه البخاري وفيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: \"لا توالد في الجنة\"، وهو صريح في أن لا توالد، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ (^١)، وهن اللاتي تطهرن من الحيض والنفاس والغائط والبول والنخام والبصاق والأذى، ولكن في الحديث الصحيح (^٢) (^٣) عن النبي -ﷺ- أنه قال يبقى في الجنة فضل فينشئ الله [لها] خلقا يسكنهم إياها ولو كان في الجنة إيلاد لكان الفضل لأولادهم وكانوا أحق به من غيرهم ولأن الله تعالى قدر هذا التناسل في الدنيا لأنه قدر الموت وإخراجهم إلى هذه الدار قرنا بعد قرن وجعل لهم أمدا ينتهون إليه فلولا التناسل لبطل النوع الإنساني ولهذا الملائكة لا يتناسلون لأنهم لا يموتون كما يموت الإنس والجن فإذا كان يوم القيامة أخرج الله تعالى الناس كلهم من الأرض وأنشأهم للبقاء ولا يحتاجون إلى تناسل الحفظ النوع الإنساني إذ هو منشأ للبقاء والدوام فلا أهل الجنة يتناسلون ولا أهل النار يتناسلون، اهـ، [قاله] في الديباجة.\n_________\n(^١) سورة البقرة، الآية: ٢٥.\n(^٢) صحيح البخاري (٧٣٨٤) صحيح مسلم (٣٨) (٢٨٤٨).\n(^٣) هذان اللوحان ٢٩٢ و٢٩٣ بين المعقوفين سقطا من الأصل وأثبتا من النسخة الهندية.","vol":"15","page":79},{"text":"تنبيه: أبو الصديق الناجي المذكور في متن الحديث اسمه: بكر بن [عمرو] ويقال: بكر بن قيس.\n\n٥٧١٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ لَو أَن حوراء أخرجت كفها بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لافتتن الْخَلائق بحسنها وَلَو أخرجت نصيفها لكَانَتْ الشَّمْس عِنْد حسنه مثل الفتيلة فِي الشَّمْس لَا ضوء لَهَا وَلَو أخرجت وَجههَا لأضاء حسنها مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. رواه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفا.\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم. قوله: \"لو أن حوراء أخرجت كفها بين السماء والأرض لافتتن الخلائق بحسنها\" الحديث، الحوراء واحدة الحور.\n\n٥٧١٦ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَو أَن حوراء بزقت فِي بَحر لعذب ذَلِك الْبَحْر من عذوبة رِيقهَا. رواه ابن أبي الدنيا (^٢) عن شيخ من أهل البصرة لم يسمه عنه.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله: \"لو أن حوراء بزقت في بحر لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها\" وفي الحديث الآخر عن ابن عباس لو أن\n_________\n(^١) أبو بكر بن أبي الدنيا كما في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٤٣). وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٤٤٢) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٢٥)، وقال: ليس هو في مطبوعة صفة الجنة لابن أبي الدنيا، وقد عزاه إليه ابن القيم في حادي الأرواح (١/ ٣٧٦)، وفيه (سعيد بن زربي)، وعنده عجائب من المناكير كما قال أبو حاتم، وعنه بشر بن الوليد، وفيه ضعف.\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٦٠) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٩٠٣)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٢٦).","vol":"15","page":80},{"text":"امرأة من نساء أهل الجنة بصقت في سبعة أبحر لكانت تلك الأبحر أحلى من العسل. البزاق بالزاي والصاد معروف. قال الشاعر:\nفلو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا\n\n٥٧١٧ - وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا قَالَ لَو أَن امْرَأَة من نسَاء أهل الْجنَّة بصقت فِي سَبْعَة أبحر لكَانَتْ تِلْكَ الأبحر أحلى من الْعَسَل (^١).\n\n٥٧١٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ كَعْب يَوْمًا فَقَالَ لَو أَن يدا من الْحور من السَّمَاء ببياضها وخواتيمها دليت لَأَضَاءَتْ لَهَا الأَرْض كَمَا تضيء الشَّمْس لأهل الدُّنْيَا ثمَّ قَالَ إِنَّمَا قلت يَدهَا فَكيف بِالْوَجْهِ بياضه وَحسنه وجماله وتاجه وياقوته ولؤلؤه وزبرجده: رواه ابن أبي الدنيا (^٢) وفي إسناده عبيد الله بن زحر.\nقوله: \"عن ابن عباس\" تقدم. قوله: \"كنا جلوسا مع كعب يوما فقال: لو أن يدا من الحور ببياضها وخواتيمها دليت من السماء لأضاءت لها الدنيا كما تضيء الشمس لأهل الدنيا\" الحديث. وفي حديث آخر [رواه أبو نعيم (^٣) من\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٢٩٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٢٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٩٤) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٢٨).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة (٣٨١)، وفي الحلية (٦/ ٣٧٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٢٦)، والخطيب في تاريخه (٨/ ٢٥٣)، وفيه حلبس بن محمد قال الذهبي في الضعفاء: مجهول قال في الميزان: إن الحديث باطل، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٦٦)، والضعيفة (٣٦٩٩): موضوع.","vol":"15","page":81},{"text":"حديث عيسى بن يونس فذكره إلى أن قال: عن علقمة] (^١)، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ- سطع نور في الجنة فرفعوا رءوسهم فإذا هو من ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها. وروى البيهقي (^٢) عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: الحور العين خلقهن من الزعفران، اهـ.\nلطيفة: وإذا كانت هذه الخلقة الآدمية التي هي من أحسن الصور وأجملها مادتها من تراب وجاءت الصورة من أحسن الصور فما الظن بصورة مخلوقة من مادة الزعفران الذي هناك فالله المستعان، قاله في حادي الأرواح (^٣).\n\n٥٧١٩ - وَرُوِيَ عَن عِكْرِمَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْحور الْعين لأكْثر عددا مِنْكُن يدعونَ لِأَزْوَاجِهِنَّ يقلن اللَّهُمَّ أعنه على دينك بعزتك وَأَقْبل بِقَلْبِه على طَاعَتك وبلغه إِلَيْنَا بقربك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مُرْسلا (^٤).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٣٥٥)، وقال: هذا منكر بهذا الإسناد لا يصح عن ابن علية. وابن المقرئ في المعجم (٩٥١)، وابن الأعرابي في المعجم (٢٦٨) وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٨٤)، والخطيب في تاريخه (٧/ ٩٨)، قال المناوى (٣/ ٤٢٣): فيه الحارث بن خليفة قال الذهبي في الذيل: مجهول، وقال ابن القيم وقفه أشبه بالصواب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٠٣)، والضعيفة (٣٥٣٩).\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٣٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٣٠٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٢٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":82},{"text":"٥٧٢٠ - وَرُوِيَ عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي -ﷺ- -﵂- قَالَت قلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي عَن قَول الله ﷿ حور عين قَالَ حور بيض عين ضخام شفر الْحَوْرَاء بِمَنْزِلَة جنَاح النسْر قلت يَا رَسُول الله فَأَخْبرنِي عَن قَول الله ﷿ كأنهن الْيَاقُوت والمرجان قَالَ صفاؤهن كصفاء الدّرّ الَّذِي فِي الأصداف الَّذِي لَا تمسه الْأَيْدِي قلت يَا رَسُول الله فَأَخْبرنِي عَن قَول الله ﷿ فِيهِنَّ خيرات حسان قَالَ خيرات الْأَخْلَاق حسان الْوُجُوه قلت يَا رَسُول الله فَأَخْبرنِي عَن قَول الله ﷿ كأنهن بيض مَكْنُون قَالَ رقتهن كرقة الْجلد الَّذِي فِي دَاخل الْبَيْضَة مِمَّا يَلِي القشر قلت يَا رَسُول الله فَأَخْبرنِي عَن قَول الله ﷿ ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الْوَاقِعَة: ٣٧] قَالَ هن اللواتي قبضن فِي دَار الدُّنْيَا عَجَائِز رمصا شُمْطًا خَلقهنَّ الله بعد الْكبر فجعلهن عذراى عربا مُتَعَشقَات مُتَحَببَات أَتْرَابًا على مِيلَاد وَاحِد قلت يَا رَسُول الله أنساء الدُّنْيَا أفضل أم الْحور الْعين قَالَ نسَاء الدُّنْيَا أفضل من الْحور الْعين كفضل الظهارة على البطانة قلت يَا رَسُول الله وَبِمَ ذَاك قَالَ بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ﷿ ألبس الله ﷿ وجوههن النُّور وأجسادهن الْحَرِير بيض الألوان خضر الثِّيَاب صفر الْحلِيّ مجامرهن الدّرّ وأمشاطهن الذَّهَب يقلن أَلا نَحن الخالدات فَلَا نموت أبدا أَلا نَحن الناعمات فَلَا نبأس أبدا أَلا وَنحن المقيمات فَلَا نظعن أبدا أَلا وَنحن الراضيات فَلَا نسخط أبدا طُوبَى لمن كُنَّا لَهُ وَكَانَ لنا قلت يَا رَسُول الله الْمَرْأَة منا تتَزَوَّج الزَّوْجَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة فِي الدُّنْيَا ثمَّ تَمُوت فَتدخل الْجنَّة ويدخلون مَعهَا من يكون زَوجهَا مِنْهُم قَالَ يَا أم سَلمَة إِنَّهَا تخير فتختار","vol":"15","page":83},{"text":"أحْسنهم خلقا فَتَقول أَي رب إِن هَذَا كَانَ أحْسنهم معي خلقا فِي دَار الدُّنْيَا فزوجنيه يَا أم سَلمَة ذهب حسن الْخلق بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. رواه الطبراني في الكبير (^١) والأوسط (^٢) وهذا لفظه.\nقوله: \"عن أم سلمة زوج النبي -ﷺ-\" تقدم الكلام على مناقبها في مواضع من هذا التعليق.\nفائدة في ذكر أزواج رسول الله -ﷺ- فأولهن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى تزوجها رسول الله -ﷺ- وهو ابن خمس وعشرين سنة وآمنت به -﵂-، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين فتزوج بعد موتها سودة بنت زمعة من بني عامر بن لؤي ثم تزوج عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة وبنى بها بعد الهجرة بسبعة أشهر ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب بعد الهجرة بسنتين وأشهر ثم تزوج زينب بنت خزيمة من بني هلال بن عامر وتوفيت عنده بعد ضمه لها بشهرين وتزوج أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم وهي آخر نسائه موتا. وقيل آخرهن صفية وتزوج زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة ماتت في أول\n_________\n(^١) الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٦٧/ ٨٧٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٩) رواه الطبراني، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣٠).\n(^٢) المعجم الأوسط (٣١٤١)، والعقيلي الضعفاء الكبير (٢/ ١٣٨) في ترجمة: سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان، يحدث بمناكير ولا يتابع على كثير من حديثه، لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به.","vol":"15","page":84},{"text":"خلافة عمر ثم تزوج جويرية بنت الحارث من بني المصطلق من خزاعة ثم تزوج أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية وقيل اسمها هند تزوجها وهي ببلاد الحبشة وكانت هناك مهاجرة وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وسيقت له من هناك وماتت في أيام أخيها معاوية وتزوج إثر فتح خيبر صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير من ولد هارون بن عمران -﵇- ثم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية وهي آخر من تزوج تزوجها في مكة في عمرة القضاء وماتت أيام معاوية وقبرها بسرف قريب من مكة ولم يتزوج بكرا غير عائشة والله أعلم، قاله ابن القصار في شرح البردة. قول أم سلمة: \"قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله ﷿: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (^١)، قال: حور بيض عين ضخام شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر\" الحديث. قال العلماء: الحور جمع حوراء وهي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء شديدة سواد العين والعِين معناه حسان الأعين، اهـ. قال أبو عمر الشيباني: الحوراء السوداء العين التي ليس في عينها بياض ولا يكون هذا في الإنسان إنما يكون في الوحش كالبقر والظباء وكذلك قاله سعيد بن جبير. قال ابن السكيت: [الحور عند العرب سعة العين وكبر المقلة وكثرة البياض وقيل] (^٢) الحوراء الشديدة [شدة] (^٣) بياض البياض في شدة\n_________\n(^١) سورة الواقعة، الآية: ٢٢.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"15","page":85},{"text":"سواد السواد. وقال الأصمعي ما أدري ما الحور، اهـ. قاله صاحب المغيث (^١)، واختلف في اشتقاق هذه اللفظة فقال ابن عباس: الحور في كلام العرب البيض وكذلك قال قتادة الحور البيض والصحيح أن الحور مأخوذ من الحور في العين وهو شدة بياضها مع قوة سوادها فهو يتضمن الأمرين وفي الصحاح الحور شدة بياض العين في شدة سوادها، قال مقاتل: العين حسان الأعين ومن محاسن المرأة اتساع عينها في طول وضيق العين في المرأة من العيوب.\nتنبيه: وإنما يستحب الضيق منها في أربعة مواضع في فمها وخرق أذنها وأنفها وما هنالك ويستحب السعة منها في أربعة مواضع وجهها وصدرها وكاهلها وهو ما بين كتفيها وجبهتها ويستحب البياض منها في أربعة لونها وفرقها وثغرها وبياض عينها، ويستحب السواد منها في أربعة عينها وحاجبها وهدبها وشعرها ويستحب الطول منها في أربعة قوامها وعنقها وشعرها وبنانها ويستحب القصر منها في أربعة وهي معنوية لسانها ويدها ورجلها وعينها فتكون قاصرة الطرف قصيرة الرجل واللسان عن الخروج وكثرة الكلام قصيرة اليد عن تناول ما يكره الزوج وعن بذله؛ ويستحب الرقة منها في أربعة: خصرها وفرقها وحاجباها وأنفها، اهـ، قاله في حادي الأرواح (^٢).\nقوله: \"قالت: قلت: يا رسول الله فأخبرني عن قول الله ﷿ ﴿كَأَنَّهُنَّ\n_________\n(^١) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ٥٢٢).\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢١٩).","vol":"15","page":86},{"text":"الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ (^١) قال صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي\" قال الحسن وعامة المفسرين أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان شبههن في صفاء اللون وبياضه وبالياقوت والمرجان ويدل عليه ما قاله عبد الله إن المرأة من النساء أهل الجنة لتلبس عليها سبعين حلة من حرير فيرى بياض ساقيها من ورائهن ذلك بأن الله يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ إلا وإن الياقوت حجر لو جعلت فيه سلكا ثم استصفيته نظرت إلى السلك من وراء الحجر.\nقوله: \"قالت: يا رسول الله فأخبرني عن قول الله ﷿ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ (^٢)، قال: خيِّرات الأخلاق حسان الوجوه\" الحديث، فالخيرات جمع خيرة كسيدة ولينة وحسان جمع حسنة فهن خيِّرات الصفات والأخلاق والشيم حسان الوجوه. قوله: \"قالت: فقلت يا رسول الله فأخبرني عن قول الله ﷿ كأنهن بيض مكنون. قال: رقتهن كرقة الجلد الذي في داخل البيضة مما يلي القشر\" الحديث كذا كذا قوله: \"قالت يا رسول الله فأخبرني عن قول الله ﷿ ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ (^٣) قال: هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصا شمطا\" الحديث، العُرب بضمتين وبسكون الراء جمع العروب وهي المرأة الحسناء [المحببة] إلى زوجها الحسنة التبعّل\n_________\n(^١) سورة الرحمن، الآية: ٥٨.\n(^٢) سورة الرحمن، الآية: ٧٠.\n(^٣) سورة الواقعة، الآية: ٣٧.","vol":"15","page":87},{"text":"وأهل مكة يسمونها العرِبة بكسر الراء وأهل المدينة يسمونها الغنجة بكسر النون وأهل العراق يسمونها الشكلة بفتح الشين وكسر الكاف. وقال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة إليه. وقال أبو عبيدة (^١): العروب الحسنة التبعل. قلت: يريد حسن موافقتها وملاطفتها لزوجها عند الجماع. وقال المبرد: هي العاشقة لزوجها. وذكر المفسرون في تفسير العرب أنهن العواشق المتحببات الشكلات المتعشقات الغلمات المغنوجات، كل ذلك من ألفاظهن والغلمة شدة الهيجان، وأما الأتراب فجمع ترب، وهو لِدَة الأسنان. قال أبو عبيدة: أقران أسنانهن واحدة. قال ابن عباس وسائر المفسرين مستويات عن سن واحدة وميلاد واحد بنات ثلاث وثلاثين سنة (^٢).\nوقال أبو إسحاق: أي [هن] في غاية الشباب والحسن، المعنى من الإخبار باستواء أسنانهن أنهن ليس فيها عجائز قد فات حسنهن ولا ولائد لا يطقن الوطء بخلاف الذكور فإن فيهم الولدان وهم الخدم المخلدون (^٣).\nوقال ابن عباس -﵄-: يريد نساء الآدميات. وقال الكلبي ومقاتل يعني نساء أهل الدنيا العجز الشمط، يقول تعالى: خلقناهن بعد الكبر والهرم بعد الخلق في الدنيا. ويؤيد هذا التفسير حديث أنس المرفوع هن عجائزكم\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٢٧).\n(^٢) التفسير البسيط (٢١/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، وحادى الأرواح (ص: ٢٢٧).\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٢١).","vol":"15","page":88},{"text":"العمش الرمص. رواه الثوري [عن] موسى بن عبيدة، عن يزيد الرقاشي [عنه]، ويؤيده ما رواه يحيى الحماني قال حدثنا ابن إدريس عن [ليث] عن مجاهد عن عائشة أن النبي -ﷺ- دخل عليها وعندها عجوز فقال: من هذه؟ فقالت: إحدى خالاتي. قال: أما إنه لا يدخل الجنة العجز. فدخل العجوز من ذلك ما شاء الله. فقال النبي -ﷺ-: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ خلقًا آخر ثم قرأ النبي -ﷺ-: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ (^١) [قال آدم بن أبي إياس (^٢) حدثنا شيبان عن جابر الجعفي عن يزيد بن مرة عن سلمة بن يزيد قال. سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾] قال يعني الثيب والأبكار واللاتي كن في الدنيا. قال آدم (^٣): وحدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله -ﷺ-: لا يدخل الجنة العجز، فبكت عجوز. فقال رسول الله -ﷺ-: أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز شابة إن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾. وقال ابن أبي شيبة (^٤): حدثنا أحمد بن طارق حدثنا مسعدة بن اليسع حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد ابن المسيب عن عائشة (^٥) أن النبي -ﷺ- أتته عجوز من الأنصار\n_________\n(^١) سورة الواقعة، الآية: ٣٥.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٢٥).\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٢٥).\n(^٤) حادي الأرواح (ص ١٥٥).\n(^٥) الطبراني في المعجم الأوسط (٥٥٤٥)، وهناد بن السري في الزهد (٢٤) ورواه البيهقي في البعث والنشور كما في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ٤٠٧)، وقال الهيثمي في مجمع =","vol":"15","page":89},{"text":"فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال النبي -ﷺ-: إن الجنة لا [تدخلها] عجوز، فذهب رسول الله -ﷺ- ثم رجع إلى عائشة -﵂- فقالت عائشة لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة فقال نبي الله -ﷺ- إن ذاك كذاك إن الله تعالى إذا [أدخلكن] الجنة [حولكن] أبكارا. وفي الحديث (^١) أيضا أن النبي -ﷺ- قال لعجوز إن الجنة لا [تدخلها] العُجز، فولت تبكي. قال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، فأنزل الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ (^٢) أي خلقناهن خلقا وصيرناهن. العجز بضم العين والجيم جمع عجوز.\nقوله: \"فولت\" أي أعرضت باكية لأنها ظنت أن العجوز لا تدخل الجنة قط. فقال -ﷺ-: أخبروها أنها لا تدخل الجنة حال كونها عجوزا بل يصيرها الله تعالى شابة بكرا وكذا جميع الإنسان يكون على سن من له ثلاثون سنة والله أعلم. قوله: \"خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى\" والعذارى جمع العذراء وهي البكر كما تقدم، ومنه حديث جابر: مالكَ والعذارى ولِعَابها، أي ملاعبتهن. قوله: \"وعربا\" أي مستويات عن سن واحدة.\nقوله: \"قالت: قلت يا رسول الله أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال:\n_________\n= الزوائد (١٠/ ٤١٩): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مسعدة بن اليسع، وهو ضعيف. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٩٨٧).\n(^١) سبق.\n(^٢) سورة الواقعة، الآية: ٣٥ - ٣٦.","vol":"15","page":90},{"text":"نساء الدنيا أفضل من الحور العين\" الحديث.\nتنبيه: روي مرفوعا إلى النبي -ﷺ- أن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف، ذكره القرطبي في التذكرة (^١). قوله: \"بيض الألوان خضر الثياب\".\nتنبيه: وخص الأخضر بذلك لأنه الموافق للبصر لأن البياض [يبدد] النظر ويؤلم والسواد يورم والخضرة لون بين البياض والسواد وذلك يجمع الشعاع (^٢). قول أم سلمة: \"قلت يا رسول الله المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة في الدنيا ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها منهم؟ \" الحديث. قال الفقيه أبو الليث السمرقندي (^٣): اختلف الناس في المرأة إذا كان لها زوجان في الدنيا لأيهما تكون في الآخرة، قال بعضهم تكون لآخرهما وقال بعضهم أنها تخير فتختار أيهما شاءت وقد جاء في الأثر ما [يرد] قول كلا القولين. أما من قال هي لآخرهما فقد ذهب إلى ما روي عن معاوية بن أبي سفيان (^٤) أنه خطب أم الدرداء فأبت وقالت سمعت أبا\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٨٧).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٠٢٤).\n(^٣) بستان العارفين للسمرقندي (ص: ٣٨٢).\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٧٠)، وفي الأوسط (٣١٣٠)، والكلاباذي في بحر الفوائد (٦٣٨) عن أبي الدرداء،، أبو يعلى الموصلي في \"المسند كما في إتحاف الخيرة المهرة (٣٢٦٤) - وقال البوصيري: \"هذا إسناد رجاله ثقات\". وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٩١) والصحيحة (١٢٨١).","vol":"15","page":91},{"text":"الدرداء يحدث عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: المرأة لآخر زوجها [في الآخرة]. وقال لي: إن أردت أن تكوني زوجي في الآخرة فلا تتزوجي بعدي. وأما من قال يختار أيهما شاءت فذهب إلى ما روي عن أم سلمة وهو هذا الحديث.\nقوله: \"يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا\"، [وخلقا بضم اللام وسكونها، والضم أكثر،] وتقدم الكلام على حسن الخلق في بابه مبسوطا.","vol":"15","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>فصل في غناء الحور العين</span>\n٥٧٢١ - وَرُوِيَ عَن عَليّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة لمجتمعا للحور الْعين يرفعن بِأَصْوَات لم يسمع الْخَلَائق بِمِثْلِهَا يقلن نَحن الخالدات فَلَا نبيد وَنحن الناعمات فَلَا نبأس وَنحن الراضيات فَلَا نسخط طُوبَى لمن كَانَ لنا وَكُنَّا لَهُ. رواه الترمذي (^١)، وقال: حديث غريب والبيهقي (^٢).\nقوله: \"روي عن علي بن أبي طالب -﵁-\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن في الجنة لمجتمعا للحور العين\" الحديث، والحور العين هن نساء أهل الجنة واحدتهن حوارء وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها والعين جمع عيناء وهي الواسعة العين والرجل أعين وأصل جمعها بضم العين وكسرت\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٢٥٦٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٩٧١)، وأحمد (١٣٤٣)، وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٩٣٢ وفى الموضوعات ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧ عن المسند وقال: هذا حديث لا يصح والمتهم به عبد الرحمن بن إسحاق وهو أبو شيبة الواسطي، قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وقال يحيى: متروك. وأخرجه هناد في الزهد، والمروزي في زياداته على زهد ابن المبارك (١٤٨٧)، والترمذي (٢٥٥٠) و(٢٥٦٤)، والبزار (٧٠٣)، وأبو يعلى (٤٢٩)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٧٦)، والبغوي في شرح السنة (٤٣٨٨).\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٣٧٦)، والبزار= البحر الزخار (٧٠٣)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٥٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣١).","vol":"15","page":93},{"text":"لأجل الياء كأبيض وبيض ومنه الحديث، أمر رسول الله -ﷺ- بقتل الكلاب العين، جمع أعين. اهـ. قاله في النهاية (^١).\n[لطيفة: ذكر ابن حزم في المحلى (^٢) أنه لا يكمل حسن الحور العين في الجنة إلا بسواد بلال فإنه يفرق سواده شامات في خدودهن فسبحان من أكرم أهل طاعته. وروى الحاكم (^٣) عن النبي -ﷺ- أنه قال: خير السودان ثلاثة بلال ولقمان ومهجع، هو مولى عمر وهو أول قتيل قتل من المسلمين يوم بدر] (^٤).\nقوله: \"يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس\" الحديث، فلا نبيد أي لا نهلك ولا نموت. وقالت عائشة -﵂- أن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصليات وما صليتن ونحن الصائمات وما صمتن ونحن المتوضئات وما توضأتن ونحن المتصدقات وما تصدقتن. قالت عائشة: فغلبنهن والله.\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٣٣).\n(^٢) انظر: النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٤٤).\n(^٣) أخرجه الحاكم (٣/ ٣٢١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٩٢)، وقال في الضعيفة (١٤٥٥) منكر. الحديث أخرجه ابن عساكر - كما في كنز العمال (١١/ ٦٥٢ رقم ٣٣١٥٦) في معضلًا عن الأوزاعي بلفظ: خير السودان أربعة: لقمان، وبلال، والنجاشي، ومهجع.\n(^٤) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (فصل في غناء الحور العين).","vol":"15","page":94},{"text":"فائدة: في خلق الحور العين: روى الطبراني (^١) عن مجاهد عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ- قال: خلق الحور العين من الزعفران وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن أن لولي الله تعالى في الجنة عروسا لم يلدها آدم ولا حواء ولكن خلقت من زعفران، وهذا مروي عن صحابيين وهما ابن عباس وأنس وعن تابعيين وهما أبو سلمة ومجاهد وبكل حال فهن من المنشئات في الجنة [لسن] مولودات بين الآباء والأمهات. قال الله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ (^٣) الآية. وصفهن ﷾ بقصر الطرف في ثلاثة مواضع: أحدها في سورة الرحمن، الثاني قوله في الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ (^٤) والثالث قوله في ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾ (^٥). المقصورات المحبوسات في قول جماعة وفيه معنى آخر وهو أن يكون المراد بهن محبوسات على أزواجهن لا يردن غيرهم وهم في الخيام.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٠٠/ ٧٨١٣)، والمعجم الأوسط (٢٨٨)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٤٠٩)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٤٤) وهذا حديث غريب. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٩) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفي إسنادهما ضعفاء. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٨٤٠).\n(^٢) سورة الرحمن، الآية: ٧٢.\n(^٣) سورة الرحمن، الآية: ٥٦.\n(^٤) سورة الصافات، الآية: ٤٨.\n(^٥) سورة ص، الآية: ٥٢.","vol":"15","page":95},{"text":"والمفسرون كلهم على أن المعنى قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يطمحن إلى غيرهم. وقيل قُصرت طرف أزواجهن عليهن فلا [يدعهم] (^١) حسنهن وجمالهن أن ينظروا إلى غيرهن وهذا صحيح من جهة المعنى وأصله قاصرات طرفهن أي ليس بطامح متعد. وعن مجاهد في قوله: ﴿قَاصِرَاتُ﴾ أي على أزواجهن فلا يبغين غير أزواجهن. وعن الحسن قال: قصرهن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم والله ما هن متبرجات ولا متطلعات. وقيل: قصرن أطراف أزواجهن عليهن بحسنهن فلا يدعن في أطراف أزواجهن فضلة استحسان لغيرهن. وقال منصور عن مجاهد قصرن أبصارهن وقلوبهن وأنفسهن على أزواجهن فلم يردن غيرهم والله أعلم. وقوله: \"لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان\" قال أبو عبيدة (^٢) لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه. قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن، هذه ألفاظهم وهم مختلفون في هؤلاء فبعضهم يقول هن أنشئن في الجنة من حورها وبعضهم يقول يعني نساء الدنيا أُنشئِن خلقا آخر أبكارا كما وُصفِن. قال الشعبي: نساء من [نساء] الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقا، وقال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة. وقال عطاء عن ابن عباس: هن الآدميات التي متن أبكارا. قلت: ظاهر القرآن أن هؤلاء النسوة لسن من نساء الدنيا وإنما هن من الحور العين وأما نساء الدنيا فقد طمثهن الإنس\n_________\n(^١) هكذا في الأصل، والمثبت في النسخة الهندية: (يدعهن)، ولعله خطأ.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٢١).","vol":"15","page":96},{"text":"ونساء الجن قد طمثهن الجن، والآية تدل على ذلك، وفيه إعلام بكمال اللذة بهن فإن لذة الرجل بالمرأة التي لم يطأها سواه [لها] فضل على لذته [بغيرها]، وكذلك هي أيضا. قال أبو إسحاق وفي هذه الآية دليل على أن الجني يغشى كما أن الإنسي يغشى. قال الإمام أحمد: والحور العين لا يمتن عند النفخة في الصور لأنهن خلقن للبقاء. وقال مجاهد في هذه الآية إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه، قاله في حادي الأرواح (^١).\n\n٥٧٢٢ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من عبد يدْخل الْجنَّة إِلَّا عِنْد رَأسه وَعند رجلَيْهِ ثِنْتَانِ من الْحور الْعين تُغنيَانِ بِأَحْسَن صَوت سَمعه الْإِنْس وَالْجِنّ وَلَيْسَ بمزامير الشَّيْطَان وَلَكِن بتحميد الله وتقديسه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).\n\n٥٧٢٣ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أَزوَاج أهل الْجنَّة ليغنين أَزوَاجهنَّ بِأَحْسَن أصوات سَمعهَا أحد قطّ إِن مِمَّا يغنين بِهِ نَحن الْخيرَات الحسان أَزوَاج قوم كرام ينظرُونَ بقرة أَعْيَان وَإِن مِمَّا يغنين بِهِ نَحن الخالدات فَلَا نمتنه نَحن الآمنات فَلَا نخفنه نَحن المقيمات فَلَا نظعنه رَوَاهُ\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٢٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٨/ ٩٥ (٧٤٧٨) والشاميين (١٦١٨)، والبيهقي في البعث (٤٢١). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٤١٩: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٠٢٨)، وضعيف الترغيب (٢٢٣٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":97},{"text":"الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط ورواتهما رُوَاة الصَّحِيح (^١).\n\n٥٧٢٤ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْحور في الْجنَّة يغنين يقلن نَحن الْحور الحسان هدينَا لِأَزْوَاج كرام رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَإِسْنَاده مقارب وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن لأنس بن مَالك لم يسمه عَن أنس (^٢).\n\n٥٧٢٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن أبي أوفى -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يُزَوّج كل رجل من أهل الْجنَّة أَرْبَعَة آلاف بكر وَثَمَانِية آلَاف أيم وَمِائَة حوراء فيجتمعن فِي كل سَبْعَة أَيَّام فيقلن بِأَصْوَات حسان لم يسمع الْخَلَائق بمثلهن نَحن الخالدات فَلَا نبيد وَنحن الناعمات فَلَا نبأس وَنحن الراضيات فَلَا نسخط وَنحن المقيمات فَلَا نظعن طُوبَى لمن كَانَ لنا وَكُنَّا لَهُ. رواه أبو نعيم في صفة الجنة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٤٩ - ١٥٠ رقم ٤٩١٧) والصغير ٢/ ٣٥ (٧٤٩). قال الهيثمي في المجمع ١٠٤١٩: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٤٩). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٢٥٧)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣١٢ رقم ٦٤٩٧)، والبيهقي في البعث (٣٧٨). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٤١٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٥٠). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.\n(^٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦٠٣) وفي الطبقات (٩٥٤) وعنه أبو نعيم في صفة الجنة (٤٣١) أبو سعد الماليني في الأربعين في شيوخ الصوفية (ص ٢٠٢ - ٢٠٣) والبيهقي في البعث (٣٧٣) وإسناده ضعيف ورواه ليث بن أبي سليم عن ابن سابط قوله. أخرجه =","vol":"15","page":98},{"text":"قوله: \"وروي عن ابن أبي أوفى\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء\" الحديث. الأيم هي التي لا زوج لها، وتقدم ذلك، وتقدم الكلام على البكر وأما الحوراء فهي واحدة الحور العين وتقدم الكلام عليهن مبسوطا. قال أبو هريرة -﵁-: يتزوج أحدكم فلانة بنت فلان بالمال الكثير ويدع الحور العين باللقمة والتمرة [والكسرة]. وروي في حديث مرفوع عن أنس -﵁- (^١) أن النبي -ﷺ- قال: كنس المساجد مهور الحور العين، وتقدم هذا الحديث في تنظيف المساجد.\n\n٥٧٢٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ إِن فِي الْجنَّة نَهرا طول الْجنَّة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بِأَحْسَن أصوات يسْمعهَا الْخَلَائق حَتَّى مَا يرَوْنَ أَن فِي الْجنَّة لَذَّة مثلهَا قُلْنَا يَا أَبَا هُرَيْرَة وَمَا ذَاك الْغناء قَالَ إِن شَاءَ الله التَّسْبِيح والتحميد وَالتَّقْدِيس وثناء على الرب ﷿. رواه البيهقي (^٢). موقوفا.\n_________\n= البيهقي في البعث (٣٧٢) وأبو الشيخ في العظمة (٥٨٩) قال البيهقي: هذا هو الصحيح من قول ابن سابط. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٣٠) ولأبي الشيخ في كتاب العظمة حديث ابن أبي أوفى بسند ضعيف. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٩٢) وهو حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣٣).\n(^١) أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٠١)، وانظر كذلك الموضوعات (٣/ ٢١٥)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٢٨٠)، والضعيفة (٤١٤٧): موضوع.\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٣٨٣) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٥١).","vol":"15","page":99},{"text":"قوله: \"وعن أبي هريرة\" تقدمت ترجمته. قوله: \"إن في الجنة نهرا طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأحسن أصوات يسمعها الخلائق\" الحديث، النهر [فيه] لغتان الفتح والسكون والعذارى جمع العذراء وهي الجارية البكر من النساء وعذرتهن بكارتهن وبذلك سمين عذارى وتقدم.\nخاتمة: ولأهل الجنة سماع [أعلى] (^١) من غناء الحور العين لأزواجهن. قال ابن أبي الدنيا عن الأوزاعي قال: بلغني أنه ليس من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل ﵊ فيأمره الله ﵎ فيأخذ في السماع فما يبقى ملك في السماوات إلا قطع عليه صلاته فيمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث فيقول الله ﷿: وعزتي لو يعلم العباد قدر عظمتي ما عبدوا غيري ولأهل الجنة سماع أعلا من هذا يضمحل دونه كل سماع، وذلك حين يسمعون كلام الرب ﷻ وخطابه وسلامه عليهم ومحاضرته لهم ويقرأ عليهم كلامه فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك، وسيمر بك أيها السنيّ من الأحاديث الصحاح [و] الحسان في ذلك ما هو [من] (^٢) أحب سماع لك في الدنيا وألذه لأذنك وأقره لعينك إذ ليس في الجنة لذة أعظم من النظر إلى وجه الرب ﵎ وسماع كلامه منه ولا يُعطى أهل الجنة شيئا أحب إليهم من ذلك. وقد ذكر أبو الشيخ عن صالح بن حيان عن عبد الله بن بريدة قال: إن أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار ﷻ فيقرأ\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"15","page":100},{"text":"عليهم القرآن وقد جلس كل امرئ منهم [مجلسه] الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزبرجد والذهب والزمرد فلم تقر أعينهم بشيء ولم يسمعوا شيئا قط أعظم ولا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم ناعمين قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد، قاله في حادي الأرواح (^١).\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٥٥).","vol":"15","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>فصل في سوق الجنة</span>\n٥٧٢٧ - عَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن فِي الْجنَّة لسوقا يأتونها كل جُمُعَة فتهب ريح الشمَال فتحثو فِي وجوهم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إِلَى أَهْليهمْ وَقد ازدادوا حسنا وجمالا فَتَقول لَهُم أهلوهم وَالله لقد ازددتم بَعدنَا حسنا وجمالا فَيَقُولُونَ وَأَنْتُم وَالله لقد ازددتم بَعدنَا حسنا وجمالا. رواه مسلم (^١).\nقوله: \"عن أنس بن مالك\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إن في الجنة لَسوقا يأتونها كل جمعة\" الحديث. قال النووي (^٢): المراد بالسوق هنا مجمع لهم يجتمعون فيه كما تجتمع الناس في الدنيا في السوق، والسوق يذكر ويؤنث وهو أفصح وسميت السوق سوقا لسوق من يأتيها من الناس بضائعهم إليها. وقيل سميت سوقا لقيام الناس فيها على سوقهم وقيل لسوق الناس بعضهم بعضا إليها، [فيحتمل] أن يكون سوق الجنة هذا عبارة عن مجتمع أهل الجنة ومحل تزاورهم ويسمى سوقا بالمعنى الأول ويؤيد هذا أن أهل الجنة لا يفقدون شيئا حتى يحتاجوا إلى شرائه من السوق ويحتمل أن يكون سوقا مشتملا على محاسن ومشتهيات ومستلذات تجمع هنالك مرتبة محسنة كما تجمع في الأسواق حتى إذا جاء أهل الجنة فرأوها فمن اشتهى شيئا وصل\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٣) (٢٨٣٣).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٧٠).","vol":"15","page":102},{"text":"إليه من غير ممانعة ولا معارضة، ونعيم الجنة وخيرها أعظم وأوسع من ذلك كله وخص يوم الجمعة بذلك لتفضيله ولما خصه الله تعالى به من الأمور التي تقدم ذكرها ولأنه يوم المزيد أي اليوم الذي يوفى لهم ما وعدوا به من الزيادة وأيام الجنة تقديرات إذ لا ليل هناك ولا نهار وإنما هناك أنوار متوالية لا ظلمة معها، اهـ. ومعنى يأتونها في كل جمعة أي في مقدار كل جمعة أي أسبوع وليس هناك حقيقة أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار.\nقوله: \"فتهب ريح الشمال\" الحديث. الشمال بفتح الشين والميم بغير همز هكذا الرواية في صحيح مسلم. قال صاحب العين هي الشمال والشمْأل بإسكان الميم مهموز والشأملة بهمزة قبل الميم والشَمْل بفتح الميم بغير ألف والشمول بفتح الشين وضم الميم، اهـ. والشمال بكسر الشين ضد اليمين وريح الشمال بفتح الشين والجمع شمالات وغديو مشمول إذا هبت عليه ريح الشمال [والشمول] الخمر. اهـ.\n[وريح الشمال] (^١) [و] هي التي تهب من نواحي القبلة وعبارة بعضهم من دبر القبلة، قال القاضي عياض (^٢): وخص ريح الجنة بالشمال لأنها ريح المطر عند العرب كانت تهب من جهة الشمال وبها يأتي سحاب المطر وكانوا يرجون السحابة الشآمية وجاء في الحديث تسمية هذه الريح المثيرة أي المحركة لأنه تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٣٦٤).","vol":"15","page":103},{"text":"نعيمها، قاله النووي في شرح مسلم (^١). وريح الشمال مقابلة الجنوب. وقال الجوهري: الشمال الريح التي تمر من ناحية القطب.\nفائدة لطيفة: والرياح أربع: التي من تجاه الكعبة الصبا وهي مقصورة وهي الشرقية. فالصبا هي الريح التي تجيء من ظهرك إذا استقبلت القبلة وهذا في يوم [حُصِر] هو وقريظة بالمدينة يوم الخندق ونزلوا قريبا بالمدينة وهي التي تأتي من المشرق [و] قيل التي تخرج من وسط المشرق إلى القطب الأعلى [على] (^٢) حذاء الجدي فقد جاء في الحديث أن النبي -ﷺ- قال: نصرت بالصبا. روي أن الأحزاب لما حاصروا المدينة يوم الخندق وهبت ريح الصبا وكانت شديدة فقطعت خيامهم وألقى الله في قلوبهم الرعب فهزموا. قاله الكرماني (^٣). والتي من الكعبة الدبور بفتح الدال الريح الغربية التي [تجري] من قبل وجهك إذا استقبلت القبلة وأهلكت عاد بالدبور وفي الحديث: كان النبي -ﷺ- إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به.\nوفي الحديث: لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ونعوذ بك من شر\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٧١).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ١٦٢).","vol":"15","page":104},{"text":"هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به. عن ابن عباس (^١).\nقال: ما هبت ريح قط إلَّا جثى النبي -ﷺ- على ركبتيه \"أي من التواضع والشفقة على أمته\" وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا اللهم اجعلها رياحًا \"أي مبشرات\" ولا تجعلها ريحًا. قال في ابن عباس في كتاب الله ﷿: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (^٢)، ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (^٤) ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (^٥). وعن ابن عمر (^٦) أن النبي -ﷺ- كان إذا سمع صوت الرعد\n_________\n(^١) وأخرجه الشافعي (١/ ٨١)، وعنه: البيهقي في الدعوات الكبير (٣٦٩)، وفي معرفة السنن والآثار (٢٠٩٦)، والبغوي في التفسير (٤/ ٣٧٦) ابن عدي في الكامل (٣/ ٥٧٩)، الطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٢١٤/ ١١٥٣٣) وأبو يعلى (٢٤٥٦)، وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (٣/ ٥٩) ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بحسين بن قيس ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي. وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٤٦١)، والضعيفة (٤٢١٧): ضعيف جدًا.\n(^٢) سورة القمر، الآية: ١٩.\n(^٣) سورة الذاريات: الآية: ٤١.\n(^٤) سورة الحجر، الآية: ٢٢.\n(^٥) سورة الروم، الآية: ٤٦.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٢١٧)، وأحمد (٥٧٦٣)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٢١)، والترمذي (٣٤٥٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٦٩٨)، وأبو يعلى (٥٥٠٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣١٨/ ١٣٢٣٠)، والحاكم (٤/ ٢٨٦) - والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٥٠٥)، وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. الحاكم فقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وضعفه الألباني في ضعيف =","vol":"15","page":105},{"text":"والصواعق قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك. الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب والصاعقة بأن تسقط من السماء. وقيل الصاعقة صيحة العذاب أيضا. و[أما الريح] (^١) التي من جهة يمين الكعبة [تسمى] الجنوب والتي من شمال الكعبة تسمى الشمال بفتح الشين وفيها خمس لغات كما تقدم نقله عن صاحب العين ولكل من هذه الرياح طبع ونفع لفصول السنة فالصبا حارة يابسة والدبور رطبة باردة والجنوب حارة رطبة وهي الأرنب وفي الحديث اسمها عند الله الأرنب وعندكم الجنوب وأهل مكة يستعملون هذا الاسم كثيرا والشمال باردة يابسة وهي ريح الجنة التي تهب عليهم كما في حديث أنس هذا عن النبي -ﷺ-.\nتنبيه: يكره سب الريح لأنه خلق من خلق الله تعالى وجند من أجناده، وفي الحديث (^٢): الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا\n_________\n= الجامع (٤٤٢١)، والسلسلة الضعيفة (١٠٤٢). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٣٨٧) أخرجه الترمذي وقال غريب والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن عمر وابن السني بإسناد حسن.، وقال: النووي في خلاصة الأحكام (٢/ ٨٨٩) رواه البيهقي بإسناد ضعيف، من رواية الحجاج بن أرطأة.\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب (٩٠٦، ٧٢٠)، وأبو داود (٥٠٩٧)، والحاكم (٤/ ٣١٨)، وعبد الرزاق (٢٠٠٠٤). وابن أبي شيبة (٢٦٣٠٢ و٢٩٢٠٩)، وأحمد (٢/ ٢٥٠ و٤٣٦ و٢٦٧ و٤٠٩ و٥١٨)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٠١ و١٠٧٠٢)، وأبو يعلى (٦١٤٢). وابن حبان (١٠٠٧ و٥٧٣٢)، والطحاوي في المشكل (٣/ ٣٨٠)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٤/ ١٣١٣ و١٣١٤) وقال النووي في الخلاصة =","vol":"15","page":106},{"text":"تسبوها وسألوا الله خيرها واستعيذوا به من شرها. قوله: \"من روح الله\" بفتح الراء ومعناه من رحمة الله بعباده. وروى الإمام الشافعي ﵀ أن رجلا شكى إلى النبي -ﷺ- الفقر فقال: لعلك تسب الريح؟ وكان السبب في ذلك [أنها] لما كانت سبب المطر والمطر سبب الرزق فمن سبها منع الرزق بذلك، اهـ. ذكره الكمال الدميري (^١).\n\n٥٧٢٨ - وَعَن سعيد بن الْمسيب أَنه لَقِي أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أسأَل الله أَن يجمع بيني وَبَيْنك فِي سوق الْجنَّة قَالَ سعيد أَو فِيهَا سوق قَالَ نعم أَخْبرنِي رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن أهل الْجنَّة إِذا دخلوها نزلُوا فِيهَا بِفضل أَعْمَالهم فَيُؤذن لَهُم فِي مِقْدَار يَوْم الْجُمُعَة من أَيَّام الدُّنْيَا فيزورون الله ويبرز لَهُم عَرْشه ويتبدى لَهُم فِي رَوْضَة من رياض الْجنَّة فتوضع لَهُم مَنَابِر من نور ومنابر من لُؤْلُؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضَّة وَيجْلس أَدْنَاهُم وَمَا فيهم دنيء على كُثْبَان الْمسك والكافور مَا يرَوْنَ أَن أَصْحَاب الكراسي أفضل مِنْهُم مَجْلِسا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة قلت يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا قَالَ نعم هَل تتمارون فِي رُؤْيَة الشَمْس وَالْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر قُلْنَا لَا قَالَ كَذَلِك لَا تتمارون فِي رُؤْيَة ربكُم ﷿ وَلَا يبْقى فِي ذَلِك الْمجْلس أحد إِلَّا حاضره الله محاضرة حَتَّى إِنَّه ليقول للرجل مِنْكُم أَلا تذكر يَا فلَان\n_________\n= (٢/ ٨٨٦): رواه أبو داود بإسناد حسن وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٦٤)، والصحيحة (٢٧٥٦).\n(^١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٥٨٦).","vol":"15","page":107},{"text":"يَوْم عملت كذَا وَكَذَا يذكرهُ بعض غدراته فِي الدُّنْيَا فَيَقُول يَا رب أفلم تغْفر لي فَيَقُول بلَى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هَذِه فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك غشيتهم سَحَابَة من فَوْقهم فأمطرت عَلَيْهِم طيبا لم يَجدوا مثل رِيحه شَيْئا قطّ ثمَّ يَقُول رَبنَا ﵎ قومُوا إِلَى مَا أَعدَدْت لكم من الْكَرَامَة فَخُذُوا مَا اشتهيتم قَالَ فنأتي سوقا قد حفت بِهِ الْمَلَائِكَة فِيهِ مَا لم تنظر الْعُيُون إِلَى مثله وَلم تسمع الآذان وَلم يخْطر على الْقُلُوب قَالَ فَيحمل لنا مَا اشتهينا لَيْسَ يُبَاع فِيهِ شَيْء وَلَا يشترى وَفِي ذَلِك السُّوق يلقى أهل الْجنَّة بَعضهم بَعْضًا قَالَ فَيقبل الرجل ذُو الْمنزلَة المرتفعة فَيلقى من دونه وَمَا فيهم دنيء فيروعه مَا يرى عَلَيْهِ من اللبَاس فَمَا يَنْقَضِي آخر حَدِيثه حَتَّى يتَمَثَّل عَلَيْهِ أحسن مِنْهُ وَذَلِكَ أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يحزن فِيهَا قَالَ ثمَّ ننصرف إِلَى مَنَازلنَا فتتلقانا أَزوَاجنَا فيقلن مرْحَبًا وَأهلا لقد جِئْت وَإِن بك من الْجمال وَالطّيب أفضل مِمَّا فارقتنا عَلَيْهِ فَيَقُول إِنَّا جالسنا الْيَوْم رَبنَا الْجَبَّار ﷿ وبحقنا أَن ننقلب بِمثل مَا انقلبنا. رواه الترمذي (^١). وابن ماجه (^٢). كلاهما من رواية عبد الحميد بن حبيب ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد، وقال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n[قال الحافظ]: وعبد الحميد هو كاتب الأوزاعي مختلف فيه كما سيأتي وبقية\n_________\n(^١) الترمذي (٢٧٢٥).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٤٣٣٦) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣٤)، وفي السلسلة الضعيفة (١٧٢٢).","vol":"15","page":108},{"text":"رواة الإسناد ثقات، وقد رواه ابن أبي الدنيا عن هقل بن زياد كاتب الأوزاعي أيضا، واسمه محمد، وقيل عبد الله، وهو ثقة ثبت احتج به مسلم وغيره، عن الأوزاعي قال: نبئت أن سعيد بن المسيب لقي أبا هريرة فذكر الحديث.\nقوله: \"وعن سعيد بن المسيب\" هو الإمام الجليل أبو محمد سعيد بن المسيب ابن حزن بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ، بالذال المعجمة، ابن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القريشى المخزومي التابعي، إمام التابعين. وأبوه المسيب، وجده حزن صحابيان، أسلما يوم فتح مكة، ويقال: المسيب، بفتح الياء وكسرها، والفتح هو المشهور، وحكى عنه أنه كان يكرهه، ومذهب أهل المدينة الكسر.\nولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل: لأربع سنين، ورأى عمر وسمع منه، ومن عثمان، وعلى، وسعد بن أبى وقاص، وغيرهم، روى عنه جماعات من أعلام التابعين، منهم عطاء بن أبى رباح، ومحمد الباقر، وعمرو بن دينار، ويحيى الأنصاري، والزهري، وأكثر عنه، وخلائق غيرهم. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتقدمه على أهل عصره في العلم، والفضيلة، ووجوه الخير.\nقال محمد بن يحيى بن حبان: كان رأس أهل المدينة في دهره، المقدم عليهم في الفتوى سعيد بن المسيب، ويقال له: فقيه الفقهاء. وقال قتادة: ما رأيت أحدا أعلم بحلال الله وحرامه من سعيد بن المسيب. وقال مكحول: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أحدا أعلم من سعيد بن","vol":"15","page":109},{"text":"المسيب. وقال سليمان بن موسى: كان سعيد بن المسيب أفقه التابعين.\nوقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب، وهو أثبتهم في أبى هريرة. قال الحافظ: كان أعلم الناس بحديث أبى هريرة سعيد بن المسيب، وكان زوج بنت أبى هريرة. قال أحمد بن عبد الله: كان سعيد فقيها، صالحا، لا يأخذ العطاء، له بضاعة أربعمائة دينار يتجر فيها في الزيت. وروى البخاري في تاريخه أن ابن المسيب حج أربعين حجة. وأقوال السلف والخلف متظاهرة على إمامته، وجلالته، وعظم محله في العلم والدين.\nتوفى سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة أربع وتسعين، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها من الفقهاء، وقد ذكرنا مرارا أن سعيد بن المسيب أحد فقهاء المدينة السبعة، وسبق بيانهم في ترجمة خارجة بن زيد.\nقوله: \"أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة\" الحديث، المراد بالسوق هنا مجمع لهم يجتمعون فيه كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق كما تقدم أول الباب في حديث أنس.\nقوله: \"قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله هل نرى ربنا؟ قال: نعم، هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: قال: كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم ﷿\" الحديث. اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله","vol":"15","page":110},{"text":"تعالى في الآخرة للمؤمنين ورواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله -ﷺ- وآيات القرآن فيها مشهورة وزعمت طوائف من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح والله أعلم. قوله: \"ولا يبقى أحد في ذلك المجلس إلا حاضره الله محاضرة\" وحاضره هو بالحاء المهملة والضاد المعجمة أي كالمه الله بكلام بحيث لا يسمع الكلام غيره ممن هو حاضر معه فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة ويا قرة عين الأبرار بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة ويا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ (^١). قاله في حادي الأرواح (^٢).\nقوله: \"فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس\" الحديث، يروعه أي يعجبه حسنه ومنه حديث عطاء يكره [للمحرم] كل زينة رائعة أي حسنة وقيل معجبة رائقة. قاله في النهاية (^٣).\nقوله: \"فيتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبًا وأهلًا\" تقدم الكلام على ذلك. قوله: \"عبد الحميد بن حبيب\" قال الحافظ هو كاتب الأوزاعي والأوزاعي هو\n_________\n(^١) سورة القيامة، الآيات: ٢٢ - ٢٥.\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٨٤).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٧٨).","vol":"15","page":111},{"text":"الإمام الكبير الجليل عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد كثيته أبو عمرو الشامي الدمشقي، كان إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة، كان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك ﵀، روينا عن الإمام الحافظ الحاكم محمد بن محمد بن إسحاق، وهو شيخ الحاكم أبى عبد الله بن البيع النيسابوري، قال: هو منسوب إلى الأوزاع من حمير، قال: وقيل: الأوزاع قرية بدمشق خارج باب الفراديس. قال: وعرضت هذا القول على أحمد بن عمير، يعنى ابن جوصا، بفتح الجيم وإسكان الواو وبالصاد المهملة، قال: وكان علامة بحديث الشام وأنساب أهلها، فلم يرضه، وقال: إنما قيل: الأوزاعي؛ لأنه من أوزاع القبائل. ولد الأوزاعي، ﵁، سنة ثمان وثمانين من الهجرة، ومات سنة سبع وخمسين ومائة. قال أبو زرعة الدمشقي: كان اسم الأوزاعي: عبد العزيز، فسمى نفسه عبد الرحمن.\nقلت: وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته، وعلو مرتبته، وكمال فضله، وأقاويل السلف، ﵏، كثيرة مشهورة مصرحة بورعه، وزهده، وعبادته، وقيامه بالحق، وكثرة حديثه، وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة، وبراعته في الفصاحة، وإجلال أعيان أئمة عصره من الأقطار له، واعترافهم بمرتبته، وروينا عن هقل، بكسر الهاء وإسكان القاف، وهو أثبت الناس بالرواية عن الأوزاعي، قال: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها. وعن غيره: أنه أفتى في ثمانين ألف مسألة.","vol":"15","page":112},{"text":"وقوله: \"عن حسان بن عطية\" وحسان بن عطية هو أبو بكر: حسان بن عطية المحاربي مولاهم. من ثقات الشاميين، روى عن نافع مولى ابن عمر، وأبي صالح الأشعري، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن المنكدر وقال بن أبي خيثمة عن بن معين كان قدريا وقال سعيد بن عبد العزيز هو قدري فبلغ ذلك الأوزاعي فقال ما أغر سعيدا بالله ما أدركت أحدًا أشد اجتهادًا ولا أعمل منه وقال الجوزجاني كان ممن يتوهم عليه القدر وقال العجلي شامي ثقة وقال الأوزاعي كان حسان يتنحى إذا صلى العصر في ناحية المسجد فيذكر الله حتى تغيب الشمس وقال خالد بن نزار قلت للأوزاعي حسان بن عطية عن من قال فقال لي مثل حسان كنا نقول له عن من قلت وذكره بن حبان في الثقات وذكره البخاري في الأوسط في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة وقال كان من أفاضل أهل زمانه، سمع منه الأوزاعي، وعبد الرحمن بن ثابت.\n\n٥٧٢٩ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة لسوقا مَا فِيهَا شِرَاء وَلَا بيع إِلَّا الصُّور من الرِّجَال وَالنِّسَاء فَإِذا اشْتهى الرجل صُورَة دخل فِيهَا. رواه ابن أبي الدنيا (^١). والترمذي (^٢)، وقال: حديث غريب.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٩٧١)، وأحمد (١٣٤٣)، والمروزي في زياداته على زهد ابن المبارك (١٤٨٧)، والترمذي (٢٥٥٠) و(٢٥٦٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٤٤)، والبزار (٧٠٣)، وأبو يعلى (٤٢٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣١).\n(^٢) الترمذي (٢٥٦٤).","vol":"15","page":113},{"text":"وَتقدم فِي عقوق الْوَالِدين حَدِيث جَابر عَن رَسُول الله -ﷺ- وَفِيه وَإِن فِي الْجنَّة لسوقا مَا يُبَاع فِيهَا وَلَا يشترى لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الصُّور فَمن أحب صُورَة من رجل أَو امْرَأَة دخل فِيهَا. رواه الطبراني في الأوسط (^١).\nقوله: \"عن علي بن أبي طالب\" تقدم. قوله: \"إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها\" الحديث، [في معنى الحديث تأويلان: أحدهما: أنه أراد بالصورة التي يختار الإنسان ما يكون عليها من التزين والتلبس، ويشهد لهذا التأويل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث: \"فيروعه ما يرى عليه من اللباس\" أي يعجبه حسنه، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل عليه ما هو أحسن منه. وثانيهما: أن] المراد الصورة التي تمثل للشخص من الصور المستحسنة فإذا اشتهى المرء صورة منها غيّره تعالى بها وبدّله بصورته فتتغير الهيئة والذات باقية كما كان، اهـ والله أعلم. وقال ابن اللبان: وإن نزّلت على ما قررناه علمت أن تلك الصور حقائق آيات من آيات أسمائه وصفاته تعالى وأخلاقه فما من آية تخلّق بها العبد في الدنيا إلا وقد تعرف الله تعالى إليه بها فإذا دخل\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٥٦٦٤) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٣٧٥) جابر بن يزيد الجعفي ضعيف الحديث. والله أعلم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢٥) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن كثير الكوفي، وهو ضعيف جدا. وقال في (٨/ ١٤٩) رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن كثير، عن جابر الجعفي، وكلاهما ضعيف جدا. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٣٦٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٤٨٥) جدًا.","vol":"15","page":114},{"text":"الجنة [ورآها] في سوق المعرفة عرفها فدخل فيها فكانت زيادة في معرفته بربه وتجلّيه له بنعيم رؤيته.\nفإن قلت: فما معنى قوله: إلا الصور من الرجال والنساء وما مناسبة الرجال والنساء لصور آيات الصفات والأسماء؟ قلت: ما من آية يتخلق بها عبد إلا وقد اشتقها الله من اسمه الرحمن للرحمة الإيمانية وانتقلت إليه إرثا من أب إيماني أم أم إيمانية ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (^١) وهو أب لهم [فلعل هذا معنى قوله من الرجال والنساء، اهـ، والله أعلم] (^٢).\n\n٥٧٣٠ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ يَقُول أهل الْجنَّة انْطَلقُوا إِلَى السُّوق فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى كُثْبَان الْمسك فَإِذا رجعُوا إِلَى أَزوَاجهم قَالُوا إِنَّا لنجد لَكِن ريحًا مَا كانَت لَكِن قَالَ فيقلن وَلَقَد رجعتم برِيح مَا كَانَت لكم إِذْ خَرجْتُمْ من عندنَا. رواه ابن أبي الدنيا (^٣). موقوفا بإسناد جيد.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم. قوله: \"قال يقول أهل الجنة انطلقوا بنا إلى السوق، فينطلقون إلى كثبان المسك\" الحديث، تقدم الكلام على ذكر السوق والكثبان جمع كثيب وهو ما تراكم من الرمل. تقدم أيضًا.\n_________\n(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٦٠.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٤٦) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٥٣).","vol":"15","page":115},{"text":"تنبيه: وحيث ذكر الله تعالى في كتابه العزيز أهل الجنة لم يذكر قسيمهم من أهل النار إلا [الكافرين أو] المكذبين أو المجرمين أو الضالين أو الظالمين أو الفاسقين ونحو ذلك يريد بذلك كله أهل الكفر على اختلاف طبقاتهم وتعدد جهالاتهم، اهـ، قاله ابن الميلق في حادي القلوب.\n\n٥٧٣١ - وَعنهُ -﵁- قَالَ إِن فِي الْجنَّة لسوقا كُثْبَان مسك يخرجُون إِلَيْهَا ويجتمعون إِلَيْهَا فيبعث الله ريحًا فيدخلها بُيُوتهم فَيَقُول لَهُم أهلوهم إِذا رجعُوا إِلَيْهِم قد ازددتم حسنا بَعدنَا فَيَقُولُونَ لأهليهم قد ازددتم أَيْضا حسنا بَعدنَا. رواه ابن أبي الدنيا (^١). موقوفا أيضا والبيهقي (^٢).\nقوله: \"وعنه -﵁-\" تقدم. قوله: \"فيبعث الله ريحا فيدخلها بيوتهم\" الحديث، هذه الريح تسمى المثيرة، تقدم ذكرها. قوله: \"فيقول لهم أهلوهم إذا رجعوا إليهم قد ازددتم بعدنا حسنا\" المراد بالأهل زوجاته من الآدميات والسراري من الحور العين.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٥٥) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٥٤).\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٣٧٥).","vol":"15","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>فصل في تزاورهم ومراكبهم</span>\n٥٧٣٢ - عَن شفي بن ماتع أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن من نعيم أهل الْجنَّة أَنهم يتزاورون على المطايا والنجب وَإِنَّهُم يُؤْتونَ فِي الْجنَّة بخيل مسرجة ملجمة لَا تروث وَلَا تبول فيركبونها حَتَّى ينْتَهوا حَيْثُ شَاءَ الله ﷿ فيأتيهم مثل السحابة فِيهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت فَيَقُولُونَ امطري علينا فَمَا يزَال الْمَطَر عَلَيْهِم حَتَّى يَنْتَهِي ذَلِك فَوق أمانيهم ثمَّ يبْعَث الله ريحًا غير مؤذية فتنسف كثبانا من مسك عَن أَيْمَانهم وَعَن شمائلهم فَيَأْخُذُونَ ذَلِك الْمسك فِي نواصي خيولهم وَفِي معارفها وَفِي رؤوسهم وَلكُل رجل مِنْهُم جمة على مَا اشتهت نَفسه فَيتَعَلَّق ذَلِك الْمسك فِي تِلْكَ الجمام وَفِي الْخَيل وَفِيمَا سوى ذَلِك من الثِّيَاب ثمَّ يقبلُونَ حَتَّى ينْتَهوا إِلَى مَا شَاءَ الله فَإِذا الْمَرْأَة تنادي بعض أُولَئِكَ يَا عبد الله أما لَك فِينَا حَاجَة فَيَقُول مَا أَنْت وَمن أَنْت فَتَقول أَنا زَوجتك وحبك فَيَقُول مَا كنت علمت بمكانك فَتَقول الْمَرْأَة أَو مَا تعلم أَن الله تَعَالَى قَالَ فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ فَيَقُول بلَى وربي فَلَعَلَّهُ يشغل عَنْهَا بعد ذَلِك الْموقف أَرْبَعِينَ خَرِيفًا لَا يلْتَفت وَلَا يعود وَمَا يشْغلهُ عَنْهَا إِلَّا مَا هُوَ فِيهِ من النَّعيم والكرامة. رواه ابن أبي الدنيا (^١). من رواية إسماعيل بن عياش.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٤٣) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٤٠٥) وهذا حديث مرسل غريب جدا، والله أعلم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣٦).","vol":"15","page":117},{"text":"[قال الحافظ]: وشفي ذكره البخاري وابن حبان في التابعين ولا تثبت له صحبة، وقال أبو نعيم. مختلف فيه فقيل له صحبة كذا والله أعلم.\nقوله: \"عن شفي بن ماتع\" قال أبو نعيم: شفي بن ماتع مختلف في صحبته، وقال البخاري وابن حبان لا تثبت له صحبة وهو من التابعين، قاله المنذري.\nقوله -ﷺ-: \"إن من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب\" الحديث، المطايا جمع مطية وهي الناقة التي تصلح للركوب، سميت بذلك لأنه يركب مطاها وهو ظهرها. وقال الأصمعي المطية التي تمطو في سيرها أي تمد فهي مشتقة من المطو وهو المدّ والله أعلم والنّجب جمع نجباء وأنجاب والنجيب من الإبل والخيل ومن الرجال الكريم والنجائب جمع نجيبة، روى أبو داود عن ابن عمر أنه أهدي نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار. وفي الحديث أن الله تعالى يحب التاجر النجيب، أي الفاضل الكريم السخي.\nوقال ابن مسعود: سورة الأنعام من نجائب القرآن أي من أفاضل سوره وذلك رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه، وأنجبت المرأة إذا ولدت والنجباء والمنتجب المختار من كل شيء، اهـ (^١).\nقوله: \"فيأتيهم مثل السحابة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت فيقول أمطري علينا\" الحديث. وفي حديث: فتأتيتهم سحابة مثل الترس. ظاهره أنها كانت بقدر الترس، قال ثابت: إنما أراد أنها مستديرة وهي أحمد السحاب،\n_________\n(^١) انظر: النهاية في غريب الأثر (ج ٥/ ١٦)، تاج العروس (ج ٤/ ٢٣٧)، لسان العرب (١/ ٧٤٨).","vol":"15","page":118},{"text":"انتهى، قاله عياض (^١). وقد جعل الله ﷾ السحاب وما يمطره سببا للرحمة والحياة في هذه الدار ويجعله سببا لحياة الخلق في قبورهم حيث يمطر على الأرض أربعين صباحا مطرا [متداركا] من تحت العرش فينبتون تحت الأرض كنبات الزرع ويبعثون يوم القيامة والسماء تطشّ عليهم وكأنه والله أعلم أثر ذلك المطر العظيم كما يكون في الدنيا ويثير لهم [سحابا] في الجنة يمطرهم ما شاءوا من الطيب وغيره وكذلك أهل النار ينشئ الله لهم سحابا يمطر عليهم عذابا إلى عذابهم كما أنشأ لقوم هود وقوم شعيب سحابا أمطرهم عذابا أهلكم فهو ﷾ ينشئه للرحمة والعذاب، اهـ، قاله في حادي الأرواح (^٢).\nقوله -ﷺ-: \"ولكل رجل منهم جمة على ما اشتهت نفسه\" الحديث، الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين.\nفائدة: ولأهل الجنة زيارة أخرى أعلى من هذه وأجل وذلك حين يزورون ربهم ﵎ فيريهم وجهه ويسمعهم كلامه ويحل عليهم رضوانه وستمر بك هذه الزيارة عن قرب إن شاء الله تعالى، قاله في حادي الأرواح (^٣).\nوقال ابن النحاس بعد [سياق] الحديث أخبار الأوطان عند الغريب لا تُمل ووصف الأحباب عند المشتاق لا تسأم وذكر معاهد الوصال تثير لواعج\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٢١).\n(^٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٧٣).\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢٦٣).","vol":"15","page":119},{"text":"الغرام وتذكر دار التلاق يضرم نار الاشتياق ووصف الجنة وحورها وقصورها ونعيمها كثير لو استقصيناه لخرجنا عن المقصود والله أعلم.\n\n٥٧٣٣ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة فيشتاق الإخوان بَعضهم إِلَى بعض فيسير سَرِير هَذَا إِلَى سَرِير هَذَا وسرير هَذَا إِلَى سَرِير هَذَا حَتَّى يجتمعا جَمِيعًا فيتكئ هَذَا ويتكئ هَذَا فَيَقُول أَحدهمَا لصَاحبه أتعلم مَتى غفر الله لنا فَيَقُول صَاحبه نعم يَوْم كُنَّا فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا فدعونا الله فغفر لنا. رواه ابن أبي الدنيا (^١). والبزار (^٢).\nقوله: \"وعن أنس\" تقدم. قوله -ﷺ-: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة فتشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا\" فذكره إلى أن قال \"فيقول أحدهما لصاحبه تعالى متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم يوم كنا كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا\".\nلطيفة: وإذا تذاكروا ما كان بينهم في الدنيا فتذاكرهم فيما كان يشكل عليهم في الدنيا من مسائل العلم وفهم القرآن والسنة وصحة الأحاديث أولى\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٣٩)، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٦١٠)، والبيهقي في البعث (٤٤٣)، وأعله الهيثمي، فقال (١٠/ ٤٢١): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح؛ غير سعيد بن دينار، والربيع بن صبيح؛ وهما ضعيفان، وقد وثقا.\n(^٢) والبزار في مسنده (٣٥٥٣)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٩٣٢) أخرجه البزار من رواية الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس وقال: لا نعلمه يروى عن النبي -ﷺ- إلا بهذا الإسناد تفرد به أنس انتهى. والربيع بن صبيح ضعيف جدا ورواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب مرسلا دون ذكر أنس. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٠٢٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣٧).","vol":"15","page":120},{"text":"وأحرى أي أحق فإن المذاكرة في الدنيا في ذلك ألذ من الطعام والشراب والجماع فتذاكر ذلك في الجنة أعظم لذة وهذه لذة يختص بها أهل العلم ويتميزون بها ممن عداهم والله المستعان.\nفائدة: إذا دخل أهل الجنة الجنة وذكر ابن مردوية في تفسيره (^١) من حديث [عن] (^٢) شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، [و] (^٣) قال شريك أظنه حكاه عن النبي -ﷺ- قال: إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك فيقول يا رب فقد عملت لي ولهم فيؤمرون بالإلحاق بهم ثم تلا ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ (^٤) الآية، وروي عن قيس عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (^٥).\n_________\n(^١) قال الآلوسي في روح المعاني ج (٤/ ٢٢٨) أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (الروض الداني) (٦٤٠)، والمعجم الكبير (١١/ ٤٤٠/ ١٢٢٤٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٧/ ١١٤): رواه الطبراني في الصغير والكبير وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان وهو ضعيف.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(^٥) الطحاوي في المشكل (٣/ ١٠٦) أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٩/ ١٢٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٢)، والبغوي في التفسير (٧/ ٣٨٩)، والبزار كشف الأستار (٢٢٦٠) مختصر زوائد مسند البزار (١٥٠٨)، وقال البزار: [لا نعلم أسنده إلا الحسن عن قيس، وقد] رواه الثوري عن عمرو بن مروة عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن =","vol":"15","page":121},{"text":"قال: قال رسول الله -ﷺ- إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^١) قال ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية هل المراد بالذرية الصغار أو الكبار أو النوعان على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة المعنى: والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم. قالوا: وقد أطلق الله سبحانه الذرية على الكبار كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (^٢) وقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (^٤) وهذا قول الكبار العقلاء. وقالت طائفة أخرى الذرية ها هنا الصغار والمعنى: والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم في إيمان الآباء، والذرية تتبع الآباء وإن كانوا صغارا في الإيمان، وأحكامه من الميراث والصلاة عليهم والدفن في قبور المسلمين وغير ذلك إلا فيما كان من أحكام البالغين. [و] قالت فرقة منهم الواحدي الوجه أن تحمل الذرية\n_________\n= عَبَّاس. موقوفا. قلت: وهو احفظ من قيس وأوثق. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٤): رواه البزار وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف. والحديث، صححه عبد الحق في الأحكام الكبرى (٤/ ٢١٣)، والألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٩٠).\n(^١) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٨٤.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٣.\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ١٧٣.","vol":"15","page":122},{"text":"على الصغار والكبار لأن الكبير يتبع الأب [بالإيمان] نفسه والصغير يتبع الأب بإيمان الأب. قالوا: والذرية تقع على الصغير والكبير والواحد والكثير والابن والأب، اهـ، قاله في حادي الأرواح (^١).\n\n٥٧٣٤ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ إِن أهل الْجنَّة ليتزاورون على العيس الجون عَلَيْهَا رحال الميس ويثير مناسمها غُبَار الْمسك خطام أَو زِمَام أَحدهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رواه ابن أبي الدنيا (^٢). موقوفًا.\n[العيس] إبل بيض في بياضها ظلمة خفية. [والمناسم] بالنون والسين المهملة: جمع منسم، وهو باطن خف البعير. مراكب أهل الجنة.\nقوله: \"وروي عن أبي هريرة\" تقدمت ترجمته. قوله: \"قال: إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس الجون عليها رحال الميس تُثِير مناسمها غبار المسك\" الحديث، قال الحافظ ﵀: العيس إبل بيض في بياضها ظلمة خفية، اهـ.\nوقال بعض العلماء العيس بكسر العين الإبل البيض يخالط بياضها شيء [يسير] من الشقرة واحدها أعيس والأنثى عيساء ويقال هي كرام الإبل ومنه حديث سواد بن قارب وشدّها العيس بأحلاسها، وما أحسن قول الأول:\nومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الحبيب وما إليه وصول\nكالعيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول\nوالجُون بالضم من الأضداد. قوله: \"عليها رحال الميس\" والميس شجر\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٣٩٨).\n(^٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٤٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣٨).","vol":"15","page":123},{"text":"صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها ذكره الجوهري في صحاحه. وقوله: تنثر مناسمها غباس المسك، والمناسم بالنون والسين جمع منسم وهو باطن خف البعير، اهـ، قاله الحافظ، وكذا قال ابن فارس (^١) هو باطن خف البعير. وقال الجوهري في صحاحه (^٢) هو خف البعير. قوله: \"خطام أو زمام أو أحدهما\" هو شك من الراوي. الخطام والزمام ما تقاد به الدابة.\n\n٥٧٣٥ - وَرُوِيَ عَن عَليّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن فِي الْجنَّة لشَجَرَة يخرج من أَعْلَاهَا حلل وَمن أَسْفَلهَا خيل من ذهب مسرجة ملجمة من در وَيَاقُوت لَا تروث وَلَا تبول لَهَا أَجْنِحَة خطوها مد الْبَصَر فَيركبهَا أهل الْجنَّة فتطير بهم حَيْثُ شاؤوا فَيَقُول الَّذين أَسْفَل مِنْهُم دَرَجَة يَا رب بِمَا بلغ عِبَادك هَذِه الْكَرَامَة كلهَا قَالَ فَيُقَال لَهُم كانُوا يصلونَ بِاللَّيْلِ وكنتم تنامون وَكانُوا يَصُومُونَ وكنتم تَأْكُلُونَ وَكانُوا يُنْفقُونَ وكنتم تبخلون وَكانُوا يُقَاتلُون وكنتم تجبنون. رواه ابن أبي الدنيا (^٣).\nقوله: \"وروي عن علي -﵁-\" تقدم. قوله: \"وكانوا يقاتلون وكنت تجبنون\" الحديث. الجبن هو الخوف وعدم الإقدام على الشيء وتقدم الكلام على هذا الحديث في قيام الليل مبسوطًا.\n\n٥٧٣٦ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن سَاعِدَة -﵁- قَالَ كنت أحب الْخَيل فَقلت\n_________\n(^١) مجمل اللغة لابن فارس (ص: ٨٦٥).\n(^٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٥/ ٢٠٤٠).\n(^٣) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢٤٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٣٩).","vol":"15","page":124},{"text":"يَا رَسُول الله هَل فِي الْجنَّة خيل فَقَالَ إِن أدْخلك الله الْجنَّة يَا عبد الرَّحْمَن كَانَ لَك فِيهَا فرس من ياقوت لَهُ جَنَاحَانِ تطير بك حَيْثُ شِئْت. رواه الطبراني (^١) ورواته ثقات.\nقوله: \"وعن عبد الرحمن بن ساعدة\" هو عبد الرحمن بن ساعدة بن عيينة بن عويم بن ساعدة، روى عنه علقمة بن مرثد.\n\n٥٧٣٧ - وَعَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ يَا رَسُول الله هَل فِي الْجنَّة من خيل فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله أدْخلك الْجنَّة فَلَا تشَاء أَن تحمل فِيهَا على فرس من ياقوتة حَمْرَاء تطير بك فِي الْجنَّة حَيْثُ شِئْت إِلَّا كَانَ قَالَ وَسَأَلَهُ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله هَل فِي الْجنَّة من إبل قَالَ فَلم يقل لَهُ مَا قَالَ لصَاحبه قَالَ إِن يدْخلك الله الْجنَّة يكن لَك فِيهَا مَا اشتهت نَفسك ولذت عَيْنك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق المَسْعُودِيّ عَن عَلْقَمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ نَحوه بمَعْنَاهُ وَهَذَا أصح من حَدِيث المَسْعُودِيّ يَعْنِي الْمُرْسل (^٢).\nقوله: \"وعن سليمان بن بريدة عن أبيه\" هو سليمان بن بريدة بن الحصيب\n_________\n(^١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٣) رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وعزاه ابن كثير في جامع المسانيد والسُّنَن (٥/ ٤٩٦) للطبراني. وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة (٤٢٤)، وفي معرفة الصحابة (٤٦١٨)، والدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٢٧٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١٥٦)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٩٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٥٥) الصحيحة (٣٠٠١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥٤٣). وضعفه الألباني في المشكاة (٥٦٤٢)، الضعيفة (١٩٨٠)، وحسنه في صحيح الترغيب (٣٧٥٦).","vol":"15","page":125},{"text":"الأسلمي المروزي، أخو عبد الله بن بريدة، ولدا في بطن واحد على عهد عمر بن الخطاب وثقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما.\nقوله: \"أن رجلا سأل النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ \" فذكر الحديث إلى أن قال: \"وسأله رجل فقال يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ فلم يقل له ما قال لصاحبه\" الحديث.\nخاتمة: روى ابن عدي (^١) بإسناد ضعيف عن واصل بن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي -ﷺ- قال: إن أهل الجنة يتزاورون على نُحب بيض كأنهن الياقوت وليس شيء في الجنة من البهائم إلا الإبل، اهـ.\nوقال خالد بن معدان: ليس في الجنة من الدواب سوى كلب أهل الكهف وحمار لعزير وناقة صالح، روى البزار (^٢) وابن قانع (^٣) أن النبي -ﷺ- قال: أحسنوا إلى المعزى وأميطوا عنها الأذى فإنها من دواب الجنة. وفي الحديث (^٤)\n_________\n(^١) ابن عدي في الكامل (١٠/ ٢٨٩) قال: ولواصل غير ما ذكرت، وأحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات. وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٠١).\n(^٢) أخرجه البزار (٢١٧٣) وقال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن داود، عن أبي هريرة إلا يزيد بن عبد الملك النوفلي وليس هو بالحافظ، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٦٦) وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو متروك. وقال الحافظ في التقريب (٧٧٥١) ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٣٢) والضعيفة (٢٠٧٠).\n(^٣) معجم الصحابة لابن قانع (٣/ ٨٨) أخرجه عبد بن حميد (٩٨٧). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٣١) لضعف يزيد بن عبد الملك النوفلي.\n(^٤) أخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ (٤٦٦٧) ابن عدي في الكامل (٤/ ٥٥) أبو نعيم في صفة الجنة (١٣٠)، وفيه: حمزة بن أبي حمزة النصيبي. يضع الحديث. قال ابن عدي: وهذان =","vol":"15","page":126},{"text":"أيضا: استوصوا بالمعزى خيرا فإنه رفيق وانقشوا عطَنه أي نقّوا مرابضها مما يؤذونها من حجارة وشوك وغير ذلك اهـ.\n\n٥٧٣٨ - وَرُوِيَ عَن أبي أَيُّوب -﵁- قَالَ أَتَى النَّبِي -ﷺ- أَعْرَابِي فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي أحب الْخَيل أَفِي الْجنَّة خيل قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن دخلت الْجنَّة أُوتيت بفرس من ياقوتة لَهُ جَنَاحَانِ فَحملت عَلَيْهِ ثمَّ طَار بك حَيْثُ شِئْت رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (^١) وَيَأْتِي حَدِيث مُحَمَّد بن الْحُسَيْن فِي الْفَصْل بعده إِن شَاءَ الله.\n_________\n= الحديثان عن عَمرو بن دينار معضلان، لا يرويهما غير حمزة عن عَمرو.\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥٤٤). وضعفه الألباني في المشكاة (٥٦٤٣) وصححه في صحيح الترغيب (٣٧٥٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.","vol":"15","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>فصل في زيارة أهل الجنة ربهم ﵎</span>\n٥٧٣٩ - وَرُوِيَ عَن عَليّ -﵁- قَالَ إِذا سكن أهل الْجنَّة الْجنَّة أَتَاهُم ملك فَيَقُول إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تزوروه فيجتمعون فيأمر الله تَعَالَى دَاوُد ﵊ فيرفع صَوته بالتسبيح والتهليل ثمَّ تُوضَع مائدة الْخلد قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا مائدة الْخلد قَالَ زَاوِيَة من زواياها أوسع مِمَّا بَين الْمشرق وَالْمغْرب فيطعمون ثمَّ يسقون ثمَّ يكسون فَيَقُولُونَ لم يبْق إِلَّا النّظر فِي وَجه رَبنَا ﷿ فيتجلى لَهُم فَيَخِرُّونَ سجدا فَيُقَال لَسْتُم فِي دَار عمل إِنَّمَا أَنْتُم فِي دَار جَزَاء. رواه أبو نعيم في صفة الجنة (^١).\nقوله: \"روي عن علي\" تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنه. قوله: \"فيأمر الله تعالى داود ﵊ فيرفع صوته بالتسبيح والتهليل\" فذكر الحديث إلى قوله: قالوا يا رسول الله: وما فائدة الخلد؟ قال: زاوية من زواياها أوسع مما بين المشرق والمغرب، الزاوية الناحية. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين فذكره إلى أن قال: عن مالك بن دينار في قوله ﷿: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (^٢) الآية قال: إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة ثم نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمدني به في دار الدنيا. قال: فيستفرغ صوت داود\n_________\n(^١) صفة الجنة (٣٩٧) وضعفه جدًا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٤٠).\n(^٢) سورة ص، الآية: ٢٥.","vol":"15","page":128},{"text":"نعيم أهل الجنان، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. وذكر حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحجاج الأسود عن شهر بن حوشب (^١) قال: إن الله جل ثناؤه يقول للملائكة: إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيَدعونه من أجلي فأسمعوا عبادي فيأخذوا بأصوات من تهليل وتسبيح وتكبير لم يسمعوا بمثله قط. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد (^٢) لأبيه: حدثني علي بن مسلم الطوسي فذكره إلى أن قال: حدثنا مالك بن دينار في قول الله ﷿: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: يقيم الله ﷾ داود -﵇- عند ساق العرش فيقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم فيقول: يا إلهي كيف أمجدك وقد سلبتنيه في دار الدنيا فيقول ﷿ فإني أرده عليك. قال: فيزداد صوته، قال: فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة، اهـ. الصوت الحسن الرخيم هو الرقيق الشجي الطيب النغمة، وساق العرش هو كذا (^٣) قوله: \"فيتجلى لهم فيخرون سجدا\" الحديث، التجلي هو الظهور وإزالة المانع من الرؤية. والله أعلم.\n_________\n(^١) حادي الأرواح (١/ ١٧٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٠/ ٣٢٤٠). وعزاه ابن القيم في حادي الأرواح (ص/ ١٧٦): لعبد الله بن الإمام احمد في كتاب الزهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (ج ٧/ ١٦٧) لأحمد في الزهد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك.\n(^٣) بياض بالأصل.","vol":"15","page":129},{"text":"٥٧٤٠ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن أَبِيه عَن صَيْفِي اليمامي قَالَ سَأَلَهُ عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان عَن وَفد أهل الْجنَّة قَالَ إِنَّهُم يفدون إِلَى الله سُبْحَانَهُ كل يَوْم خَمِيس فتوضع لَهُم أسرة كل إِنْسَان مِنْهُم أعرف بسريره مِنْك بسريرك هَذَا الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ فَإِذا قعدوا عَلَيْهِ وَأخذ الْقَوْم مجَالِسهمْ قَالَ ﵎ أطعموا عبَادي وَخلقِي وجيراني ووفدي فيطعمون ثمَّ يَقُول اسقوهم قَالَ فيؤتون بآنية من ألوان شَتَّى مختمة فيشربون مِنْهَا ثمَّ يَقُول عبَادي وَخلقِي وجيراني ووفدي قد طعموا وَشَرِبُوا فكهوهم فتجيء ثَمَرَات شجر مدلى فَيَأْكُلُونَ مِنْهَا مَا شاؤوا ثمَّ يَقُول عبَادي وَخلقِي وجيراني ووفدي قد طعموا وَشَرِبُوا وفكهوا اكسوهم فتجيء ثَمَرَات شجر أَخْضَر وأصفر وأحمر وكل لون لم تنْبت إِلَّا الْحلَل فينشر عَلَيْهِم حللا وقمصا ثمَّ يَقُول عبَادي وجيراني ووفدي قد طعموا وَشَرِبُوا وفكهوا وكسوا طيبوهم فيتناثر عَلَيْهِم الْمسك مثل رذاذ الْمَطَر ثمَّ يَقُول عبَادي وَخلقِي وجيراني ووفدي قد طعموا وَشَرِبُوا وفكهوا وطيبوا لأتجلين عَلَيْهِم حَتَّى ينْظرُوا إِلَيّ فَإِذا تجلى لَهُم فنظروا إِلَيْهِ نضرت وُجُوههم ثمَّ يُقَال ارْجعُوا إِلَى مَنَازِلكُمْ فَتَقول لَهُم أَزوَاجهم خَرجْتُمْ من عندنَا على صُورَة وَرَجَعْتُمْ على غَيرهَا فَيَقُولُونَ ذَلِك أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ تجلى لنا فَنَظَرْنَا إِلَيْهِ فنضرت وُجُوهنَا. رواه ابن أبي الدنيا (^١). موقوفا.\nقوله: \"وعن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن صيفي اليمامي قال: سأله عبد العزيز بن مروان عن وفد أهل الجنة\" الحديث، عبد الرحمن بن يزيد عن\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٣٦)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٤١).","vol":"15","page":130},{"text":"أبيه هو عبد الرحمن بن يزيد بن كذا هو في الأصل وإنما هو عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة العقيلى البصرى وثقه الطيالسى وضعفه ابن معين وأبوه ثقة معروف وصيفي اليمامي هو كذا كذا (^١) وعبد العزيز بن مروان هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية القرشي الأموى، أبو الأصبغ المدني، والد عمر بن عبد العزيز. وأمه ليلى بنت زبان بن الأصبغ ابن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم الكلبية من كلب بن وبرة، ولاه أبوه مصر، وجعله ولى عهد بعد أخيه عبد الملك بن مروان، وكانت داره بدمشق الملاصقة للجامع التي هى اليوم للصوفية وكانت بعده لابنه عمر بن عبد العزيز، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقة، قليل الحديث، وذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الثالثة من أهل الشام، وقال النسائي: ثقة. والوفد الركب وهم الجماعة المختارة من القوم وتقدم الكلام على الوفد مبسوطا.\nقوله: \"فيتناثر عليهم المسك مثل رذاذ المطر\" الحديث. قال في النهاية (^٢) الرذاذ أقل ما يكون من المطر، قيل هو كالغبار، اهـ، وهو بإعجام الذالين.\nقوله: \"لا تجلين عليهم حتى ينظروا إلي\" تقدم الكلام على التجلي في آخر الحديث قبله.\n_________\n(^١) بياض بالأصل ولم نهتد لترجمته.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢١٧).","vol":"15","page":131},{"text":"قوله: \"فإذا تجلى عليهم فنظروا إليه نضِرت وجوههم\" الحديث. النضرة تكون في الوجه والسرور في القلب.\n\n٥٧٤١ - وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يُقَال لَهَا طُوبَى لَو يسخر الرَّاكِب الْجواد يسير فِي ظلها لسار فِيهِ مائَة عَام وَرقهَا برود خضر وزهرها رياط صفر وأفنانها سندس وإستبرق وَثَمَرهَا حلل وصمغها زنجبيل وَعسل وبطحاؤها ياقوت أَحْمَر وزمرد أَخْضَر وترابها مسك وَعَنْبَر وكافور أصفر وحشيشها زعفران مونع والألنجوج يتأججان من غير وقود يتفجر من أَصْلهَا السلسبيل والمعين والرحيق وَأَصلهَا مجْلِس من مجَالِس أهل الْجنَّة يألفونه ومتحدث يجمعهُمْ فَبينا هم يَوْمًا فِي ظلها يتحدثون إِذْ جَاءَتْهُم الْمَلَائِكَة يقودون نجبا جبلت من الْيَاقُوت ثمَّ نفخ فِيهَا الرّوح مزمومة بسلاسل من ذهب كَأَن وجوهها المصابيح نضارة وحسنا وبرها خَز أَحْمَر ومرعزي أَبيض مختلطان لم ينظر الناظرون إِلَى مثلهَا حسنا وبهاء ذلل من غير مهابة نجب من غير رياضة عَلَيْهَا رحائل ألواحها من الدّرّ والياقوت مفضضة بِاللُّؤْلُؤِ والمرجان صفائحها من الذَّهَب الْأَحْمَر ملبسة بالعبقري والأرجوان فأناخوا لَهُم تِلْكَ النجائب ثمَّ قَالُوا لَهُم إِن ربكُم يقرئكم السَّلَام ويستزيركم لتنظروا إِلَيْهِ وَينظر إِلَيْكُم وتكلمونه ويكلمكم وتحيونه ويحييكم ويزيدكم من فَضله وَمن سعته إِنَّه ذُو رَحْمَة وَاسِعَة وَفضل عَظِيم فيتحول كل رجل مِنْهُم على رَاحِلَته ثمَّ ينطلقون صفا معتدلا لَا يفوت شَيْء مِنْهُ شَيْئا وَلَا تفوت أذن نَاقَة أذن صاحبتها وَلَا","vol":"15","page":132},{"text":"يَمرونَ بشجرة من أَشجَار الْجنَّة إِلَّا أتحفتهم بثمرها وزحلت لَهُم عَن طريقهم كَرَاهِيَة أَن ينثلم صفهم أَو تفرق بَين الرجل ورفيقه فَلَمَّا دفعُوا إِلَى الْجَبَّار ﵎ أَسْفر لَهُم عَن وَجهه الْكَرِيم وتجلى لَهُم فِي عَظمته الْعَظِيمَة تحيتهم فِيهَا السَّلَام قَالُوا رَبنَا أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام وَلَك حق الْجلَال وَالْإِكْرَام فَقَالَ لَهُم رَبهم إِنِّي أَنا السَّلَام ومني السَّلَام ولي حق الْجلَال وَالْإِكْرَام فمرحبا بعبادي الَّذين حفظوا وصيتي ورعوا عهدي وخافوني بِالْغَيْبِ وَكَانُوا مني على كل حَال مشفقين قَالُوا أما وَعزَّتك وجلالك وعلو مَكَانك مَا قدرناك حق قدرك وَلَا أدينا إِلَيْك كل حَقك فائذن لنا بِالسُّجُود لَك فَقَالَ لَهُم رَبهم ﵎ إِنِّي قد وضعت عَنْكُم مؤونة الْعِبَادَة وأبحت لكم أبدانكم فطالما أنصبتم الْأَبدَان وأعنيتم الْوُجُوه فَالْآن أفضيتم إِلَى روحي ورحمتي وكرامتي فسلوني مَا شِئْتُم وتمنوا عَليّ أعطكم أمانيكم فَإِنِّي لن أجزيكم الْيَوْم بِقدر أَعمالكُم وَلَكِن بِقدر رَحْمَتي وكرامتي وطولي وَجَلَالِي وعلو مَكَاني وعظمة شأني فَمَا يزالون فِي الْأَمَانِي والمواهب والعطايا حَتَّى إِن المقصر مِنْهُم ليتمنى مثل جَمِيع الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْم خلقهَا الله ﷿ إِلَى يَوْم أفناها قَالَ رَبهم لقد قصرتم فِي أمانييكم ورضيتم بِدُونِ مَا يحِق لكم فقد أوجبت لكم مَا سَأَلْتُم وتمنيتم وزدتكم على مَا قصرت عَنهُ أمانيكم فانظروا إِلَى مواهب ربكُم الَّذِي وهب لكم فَإِذا بقباب فِي الرفيع الْأَعْلَى وغرف مَبْنِيَّة من الدّرّ والمرجان أَبْوَابهَا من ذهب وسررها من ياقوت وفرشها من سندس وإستبرق ومنابرها من نور يثور من أَبْوَابهَا وأعراضها نور كشعاع الشَّمْس","vol":"15","page":133},{"text":"مثل الْكَوْكَب الدُّرِّي فِي النَّهَار المضيء وَإِذا قُصُور شامخة فِي أَعلَى عليين من الْيَاقُوت يزهو نورها فلولا أَنه سخر لالتمع الْأبْصَار فَمَا كَانَ من تِلْكَ الْقُصُور من الْيَاقُوت الْأَبْيَض فَهُوَ مفروش بالحرير الْأَبْيَض وَمَا كَانَ مِنْهَا من الْيَاقُوت الْأَحْمَر فَهُوَ مفروش بالعبقري الْأَحْمَر وَمَا كانَ مِنْهَا من الْيَاقُوت الْأَخْضَر فَهُوَ مفروش بالسندس الْأَخْضَر وَمَا كَانَ مِنْهَا من الْيَاقُوت الْأَصْفَر فَهُوَ مفروش بالأرجوان الْأَصْفَر مموه بالزمرد الْأَخْضَر وَالذَّهَب الْأَحْمَر وَالْفِضَّة الْبَيْضَاء قواعدها وأركانها من الْيَاقُوت وشرفها قباب اللُّؤْلُؤ وبروجها غرف المرجان فَلَمَّا انصرفوا إِلَى مَا أَعْطَاهُم رَبهم قربت لَهُم براذين من الْيَاقُوت الْأَبْيَض منفوخ فِيهَا الرّوح يجنبها الْولدَان المخلدون وبيد كل وليد مِنْهُم حِكْمَة برذون ولجمها وأعنتها من فضَّة بَيْضَاء متطوقة بالدر والياقوت وسرجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق فَانْطَلَقت بهم تِلْكَ البراذين تزف بهم وَتنظر رياض الْجنَّة فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى مَنَازِلهمْ وجدوا فِيهَا جَمِيع مَا تطول بِهِ رَبهم عَلَيْهِم مِمَّا سَأَلُوهُ وتمنوا وَإِذا على بَاب كل قصر من تِلْكَ الْقُصُور أَربع جنان جنتان ذواتا أفنان وجنتان مدهامتان وَفِيهِمَا عينان نضاختان وَفِيهِمَا من كل فَاكهَة زوجان وحور مقصورات فِي الْخيام فَلَمَّا تبوأوا مَنَازِلهمْ وَاسْتقر بهم قرارهم قَالَ لَهُم رَبهم هَل وجدْتُم مَا وَعدكُم ربكُم حَقًا قَالُوا نعم رَضِينَا فارض عَنَّا قَالَ برضاي عَنْكُم حللتم دَاري ونظرتم إِلَى وَجْهي وصافحتكم ملائكتي فهنيئا هَنِيئًا عَطاء غير مجذوذ لَيْسَ فِيهِ تنغيص وَلَا تصريد فَعِنْدَ ذَلِك قَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن وأحلنا دَار المقامة من فَضله لَا يمسنا","vol":"15","page":134},{"text":"فِيهَا نصب وَلَا يمسنا فِيهَا لغوب إِن رَبنَا لغَفُور شكور. رواه ابن أبي الدنيا (^١). وأبو نعيم (^٢). هكذا معضلا، ورفعه منكر، والله أعلم.\n[الرياط] بالياء المثناة تحت: جمع ريطة، وهي كل ملاءة تكون نسجا واحدا ليس لها لفقين، وقيل: ثوب لين رقيق حكاه ابن السكيت، والظاهر أنه المراد في هذا الحديث.\n[والألنجوج] بفتح الهمزة واللام وإسكان النون وجيمين الأولى مضمومة: هو عود البخور.\n[تتأججان] تتلهبان وزنه ومعناه.\n[زحلت] بزاي وحاء مهملة مفتوحتين معناه تنحت لهم عن الطريق.\n[أنصبتم]: أي أتعبتم، والنصب: التعب.\n[وأعنيتم]: هو من قوله تعالى: وعنت الوجوه للحي القيوم: أي خضعت وذلت.\n[والحكمة] بفتح الحاء والكاف: هي ما تقاد به الدابة كاللجام ونحوه.\n[المجذوذ] بجيم وذالين معجمتين: هو المقطوع.\n[والتصريد]: التقليل كأنه قال: عطاء ليس بمقطوع ولا منغص ولا متملل.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٥٤) وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢٠/ ٤١٠) وهذا مرسل ضعيف غريب جدا، وفيه ألفاظ منكرة وأحسن أحواله أن يكون من بعض كلام التابعين، أو من كلام بعض السلف، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا، وليس كذلك. والله أعلم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٤٢) موضوع.\n(^٢) أبو نعيم (البداية والنهاية ٢٠/ ٤٠٧).","vol":"15","page":135},{"text":"قوله: \"وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين\" هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر، سمع أباه زين العابدين، وجابر بن عبد الله، روى عنه ابنه جعفر الصادق، وعمرو بن دينار، والحكم، وعطاء.\nولد سنة ست وخمسين، ومات بالمدينة سنة سبع عشرة، وقيل: ثماني عشرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: غير ذلك، ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن بن علي بن أبي طالب وهو في قبة بالبقيع بها قبر العباس بن عبد المطلب، وسمي الباقر لأنه تبقر في العلم، أي توسع.\nقوله -ﷺ-: \"إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى\" تقدم الكلام على شجرة طوبى.\nقوله: \"وزهرها رياط صفر\" الحديث. الرياط جمع ريطة وهي كل ملاءة تكون نسجا واحدا ليس له لقفان، وقيل كل ثوب لين رقيق. حكاه ابن السكيت، والظاهر أنه المراد في هذا الحديث، اهـ. قاله الحافظ. قال ابن الأثير الجميع رِيَط ورِياط ومنه حديث أبي سعيد في ذكر الموت ومع كل واحد منهم ريطة من رياط الجنة، قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"وأفنانها سندس وإستبرق\" والأفنان جمع فَنَن وهو الغصن وأفنان جمعها أفانين وتقدم ذلك قريبا والسندس ما رقّ من الديباج وقيل السندس هو الرفيع من الحرير والديباج وقد تفتح داله وقيل الديباج المنسوج بالذهب\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٨٩).","vol":"15","page":136},{"text":"والديباج هو الثوب المتخذ من الإبريسم وتقدم أيضا والاستبرق نوع من الحرير وهو الغليظ منه، فجيد الحرير هو الديباج وردئيه هو الاستبرق والله أعلم.\nقوله: وحشيشها زعفران مونع هو من قولهم دم يانع أي محمار، قوله: \"والألنجوج يتأججان من غير وقود\" الألنجوج بفتح الهمزة واللام وإسكان النون وجيمين الأولى مضمومة هو البخور أي الهندي، اهـ، قاله الحافظ.\nوقال شيخ الإسلام العراقي في شرح الأحكام (^١) ويقال فيه أيضا يلنجوج بالياء أوله بدل الهمزة ويقال فيها أيضا ألنجج بحذف الواو التي تلي الجيمين والألف والنون فيه زائدتان كأنه يلجّ في تضوع رائحته وانتشارها ويقال له أيضا اليلنجوج والألنجج. قاله عياض (^٢). فإن قلت: إنما تفوح رائحة العود بوضعه في النار كما قال الشاعر:\nلولا اشتعال النار فيها حاولت ... ما كان يعرف طيب نشر العود\nوالجنة لا نار فيها؟ قلت: قد يشتعل بغير نار وقد تفور رائحته بلا اشتعال وليست أمور الآخرة على قياس أمور الدنيا وهذا الطير يشتهيه الإنسان فينزل مشويا بلا شيّ بنار ولا غيرها، والله أعلم. قوله: \"يتأججان من غير وقود\" أي يلتهبان وزنه ومعناه قاله الحافظ.\nوقال الخطابي: كأنه أراد به الجمر الذي عليه البخور. فإن قلت: هذا فيه نوع منافاة لما تقدم في الرواية السابقة أن مجامرهم الألوة. قلت: لا ينافي كون\n_________\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (ج ٨/ ٢٥٧).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣١).","vol":"15","page":137},{"text":"نفس المجمرة عودا أن تكون نفسها أيضا عودا، اهـ، قاله الكرماني (^١). قوله: \"إذ جاءتهم الملائكة يقودون نجبا جبلت من الياقوت\" تقدم الكلام على النجب في الباب قبله.\nقوله: \"وَبَرها خز أحمر\" الوبر هو الشعر. قوله: \"ذلل من غير مهانة\" قال الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ (^٢)، ومعنى ذللناها لهم أي سخرناها لهم. قوله: \"ملبسة بالعبقري والأرجوان\" العبقري البسط والزرابي ونحوها. قال سعيد بن جبير عتاق الزرابي، وقال ابن عيينة والزرابي هي البسط العريضة ذات ألوان تشبيها لها بزرابي النبات وهي ألوانه. وقال بعضهم الزرابي المخملة أي التي لها أهداب في أثناء قيامها [وحمها] والعبقري منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن ينسبون إليه كل شيء عجيب، والعبقري جمع واحدته عبقرية وقال مجاهد هي الديباج الغليظ والأرجوان بضم الهمزة والجيم، قال النووي (^٣): هذا هو الصواب المعروف في روايات الحديث وفي كتب الغريب وفي كتب اللغة وغيرها وكذا صرح به القاضي عياض في المشارق وفي شرح القاضي عياض (^٤) في موضعين منه أنه بفتح الهمزة وضم الجيم وهذا غلط ظاهر من النساخ لا من القاضي فإنه صرح في المشارق\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ١٨٦).\n(^٢) سورة يس، الآية: ٧٢.\n(^٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٢).\n(^٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٦).","vol":"15","page":138},{"text":"بضم الهمزة وحكى النووي عن أهل اللغة وغيرهم أنه صبغ أحمر شديد الحمرة هكذا قاله أبو عبيد والجمهور، اهـ. وصدّر في المشارق كلامه بأنه الصوف الأحمر، وقال ابن [فارس] هو كل لون أحمر وقال الجوهري في الصحاح بعد أن ذكر أنه صبغ أحمر شديد [الحمرة] وكل شجر له نور أحمر أحسن ما يكون وكل لون يشبهه فهو أرجوان وكذا قال ابن الأثير (^١) أنه شجر له نور أحمر وزاد وقيل هو الصبغ الأحمر الذي يقال له النَّشاسْتَجُ والذكر والأنثى فيه سواءٌ. يقال: ثوب أرجوان وقطيفة أرجوان. اهـ. قوله: \"ولا يمرون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفهم بثمرها وزحلت لهم عن طريقهم\" معناه تنحّت لهم عن الطريق، اهـ، قاله الحافظ.\nقوله: \"فطال ما أنصبتم لي الأبدان\" أي أتعبتم والنصب هو التعب، قاله الحافظ. قوله: \"وأعنيتم لي الوجوه\" وهو من قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (^٢) أي خضعت وذلت. قوله: \"فسلوني ما شئتم أعطكم أمانيكم\" الأماني جمع أمنية والأمنية هو ما يشتهى ويطلب؛ يعني: يقول الله جل وعز لعبده المغفور في جنته: اطلب مني ما تريد، فيشتهي من حضرته ما يشاء، حتى يصل إلى منتهى مراده قوله: \"قربت لهم براذين من الياقوت الأبيض\" البراذين جمع برذون ويقال له [العقيق] والبرذون كنيته أبو الأخطل كني به لخطل أذنيه وهو استرخاؤهما بخلاف أذن الفرس\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٠٦).\n(^٢) سورة طه، الآية: ١١١.","vol":"15","page":139},{"text":"العربي وهو بكسر الباء وبالذال المعجمة والجمع براذين والأنثى برذونة وهو الذي أبواه أعجميان والذي أبوه عربي وأمه عجمية هو الهجين والذي أبوه عجمي وأمه عربية هو المقرف والبراذين خيل غير عراب والأعتاق سميت بذلك من البرذنة وهي الثقالة يقال برذون الرجل إذا ثقل، اهـ، قاله عياض (^١). والأعجمي من الناس الذي لا يفصح بالكلام عجميا كان أو غيره ألا تراهم قالوا: زياد الأعجم لعجمة كانت في لسانه وهو عربي.\nوقال -ﷺ- (^٢): صلاة النهار عجمى لخفاء القراءة فيها لكن قال النووي (^٣) أنه حديث باطل. ويطلق العجمي والأعجمي على من ليس من أهل الكلام. وقال صاحب منظومة الطير: البرذون يقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم، قاله الكمال الدميري في [كتابه] حياة الحيوان (^٤).\nقوله: \"يجنبها الولدان المخلدون\" أي يقودها الولدان المخلدون. قال أبو عبيدة والفراء: مخلدون لا يهرمون ولا يتغيرون. قال: والعرب تقول للرجل\n_________\n(^١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٨٣).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٤٩٣) عن الحسن مقطوعًا.\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٦): قال الدارقطني وغيره من الحفاظ: هذا ليس من كلام النبي -ﷺ- يرو عنه وإنما هو قول بعض الفقهاء قال الشيخ أبو حامد وسألت عنه أبا الحسن الدارقطني فقال: لا أعرفه عن النبي -ﷺ- صحيحا ولا فاسدا. وقال ابن رجب في فتح الباري (٧/ ٨٤): وكثير من العلماء جعله حديثا مرفوعا، منهم: ابن عبد البر وابن الجوزي، ولا أصل لذلك.\n(^٤) حياة الحيوان الكبرى (١/ ١٧٣).","vol":"15","page":140},{"text":"إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل هو مخلد.\nوقال آخرون: مقرطون مسورون في آذانهم [القرط] وفي أيديهم الأساور، وهذا اختيار ابن الأعرابي. وقال ابن عباس: غلمان لا يموتون، وقول ترجمان القرآن في هذا كاف، وهذا مع قول مجاهد والكلبي ومقاتل، قالوا: لا يكبَرون ولا يهرمون ولا يتغيرون. وقد جمعت طائفة بين القولين: [و] قالوا هم ولدان لا يعرض لهم الكبر والهرم وفي آذانهم القرطة. قال الله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ (^١) وشبههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة، [وفي كونه منثورًا فائدتان، إحداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين بل مبثوثون في خدمتهم] وحوائجهم، والثاني أن اللؤلؤ إذا كان منثورا ولا سيما على بساط من الذهب أو سرير كان أحسن لمنظره وأبهى من كونه مجموعا في مكان واحد، وقد اختلف في هؤلاء الولدان هل هم من ولدان الدنيا أم أنشأهم الله تعالى في الجنة على قولين: فقال علي بن أبي طالب والحسن البصري هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة يكونون خدام أهل الجنة وولدانهم إذ الجنة لا ولادة فيها. [و] قال الحاكم (^٢): أخبرنا عبد الرحمن عن الحسن في قوله: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ قال لم تكن لهم حسنات فيجيزون بها ولا سيئات فيعاقبون عليها فوضعوا بهذا الموضع ومن أصحاب\n_________\n(^١) سورة الإنسان، الآية: ١٩.\n(^٢) كذا وهو غلط إنما هو كتاب التفسير لمجاهد.","vol":"15","page":141},{"text":"هذا القول من قال هم أطفال المشركين يجعلهم الله خدما لأهل الجنة [قال: وأصحاب القول الأول لا يقولون أن هؤلاء أولاد ولدوا لأهل الجنة] (^١) فيها وإنما يقولون هم غلمان أنشأهم الله في الجنة إنشاء كما أنشأ الحور العين، قالوا: وأما ولدان أهل الدنيا فيكونون يوم القيامة فيكونون أبناء ثلاث وثلاثين سنة للحديث من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير إلا بعث ابن ثلاث وثلاثين سنة، الحديث. والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة كالحور العين خدما لهم وغلمانا كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ (^٢) وهؤلاء غير أولادهم فإن من تمام كرامة الله لهم أن يجعل أبناءهم مخدومين معهم لا يجعلهم غلمانا لهم. وفي الحديث: يطوف على المؤمن ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون، والمكنون المستور المصون الذي لم تتَبدّ له الأيدي والله أعلم. قاله في حادي الأرواح (^٣).\nقوله: \"وبيد كل وليد منهم حكمة برذون\" الحَكمَة هي ما يقاد به الدابة كاللجام ونحوه. قاله الحافظ. قوله: \"وسرجها سرر موضونة\" السرر جمع سرير، قال الله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ (^٤) أي منسوجة بالجواهر ومنه وضين الناقة وهو كالحزام للسرج والله أعلم. قوله: \"وإذا على باب كل\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة الطور، الآية: ٢٤.\n(^٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢١٦).\n(^٤) سورة الواقعة، الآية: ١٥.","vol":"15","page":142},{"text":"قصر من تلك القصور أربع جنان جنتان ذواتا أفنان\" أي أغصان. قوله: \"وجنتان مدهامتان\" أي خضروات من الري حتى تغيرت خضرتها إلى سواد قليل، وقال بعضهم: الدهمة: عند العرب السواد، وإنما قيل للجنة مدهامة لشدة خضرتها، يقال: اسودت الخضرة إذا اشتدت، فهذه أربع جنان وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ (^١) وقد اختلف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ هل المراد به أنهما فوقهما أو تحتهما على قولين فقالت طائفة من دونهما أي أقرب منهما إلى العرش فيكونان فوقهما وقالت طائفة بل معنى من دونهما تحتهما. قالوا وهذا المنقول في لغة العرب. قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (^٢) المجذوذ هو المقطوع. قوله: \"ليس فيه تنغيص ولا تصريد\" التصريد التقليل كأنه قال عطاء ليس بمقطوع ولا مُنغّص ولا مقلل. رواه ابن أبي الدنيا وأبو نعيم هكذا معضلا ورفعه منكر. قال شيخ الإسلام الشهير بابن حجر ليس هو بمعضل بل هو حديث مرسل لأن أبا جعفر تابعي، اهـ. والمعضل ما سقط من رواته راويان أو أكثر.\n\n٥٧٤٢ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ إِن أهل الْجنَّة لَا يتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يمنون إِنَّمَا نعيمهم الَّذِي هم فِيهِ مسك يتحدر من جُلُودهمْ كالجمان وعَلى أَبْوَابهم كُثْبَان من مسك يزورون الله جلّ وَعلا فِي الْجُمُعَة مرَّتَيْنِ فَيَجْلِسُونَ على كراسي من ذهب مكللة بِاللُّؤْلُؤِ والياقوت والزبرجد\n_________\n(^١) سورة الرحمن الآية: ٦٢.\n(^٢) سورة هود، الآية: ١٠٨.","vol":"15","page":143},{"text":"ينظرُونَ إِلَى الله ﷿ وَينظر إِلَيْهِم فَإِذا قَامُوا انْقَلب أحدهم إِلَى الغرفة من غرفَة لهَا سَبْعُونَ بَابا مكللة بالياقوت والزبرجد. رواه ابن أبي الدنيا (^١). موقوفا. [الجمان] الدر.\nقوله: \"وروي عن أبي أمامة\" هو الباهلي تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"إنما نعيم أهل الجنة الذي هم فيه مسك ينحدر من جلودهم كالجمان\" الحديث. الجمان الدر، اهـ. قاله الحافظ، وكذا قال في المجمل الجمان الدر. وقال بعض العلماء الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم جمع الجمانة وهي حبات مدحرجة أمثال اللؤلؤ تعمل من الفضة وغيرها تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. وقيل: الجمان هو اللؤلؤ الصغار، اهـ، قاله ابن الأثير في النهاية (^٢) وغيره.\n[قوله: رواه ابن أبي الدنيا موقوفا، الحديث. الموقوف تقدم الكلام عليه في مواضع من هذا التعليق] (^٣). وقال ابن دريد: وقد سموا الدر جمانا وهو بتخفيف الميم. وفي حديث عيسى ينحدر منه جمان كاللؤلؤ؛ يريد بذلك ما ينحدر من رأسه.\n_________\n(^١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩٩)، وضعفه جدًا الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢٢٤٣).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠١).\n(^٣) حصل تأخير لهذه الجملة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد تمام الجملة التي بعدها، أي بعد قوله: (يريد بذلك ما ينحدر من رأسه).","vol":"15","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>فصل في نظر أهل الجنة إلى ربهم ﵎</span>\n٥٧٤٣ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن نَاسا قَالُوا يَا رَسُول الله هَل نرى رَبنَا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر قَالُوا لَا يَا رَسُول الله قَالَ هَل تضَارونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دونهَا سَحَاب قَالُوا لَا قَالَ فَإِنَّكُم ترَوْنَهُ كَذَا. فذكر الحديث بطوله رواه البخاري ومسلم (^١).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"إن ناسا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله -ﷺ-: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك\" الحديث. روي تضارون بتشديد الراء وبتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى المشددة لا تتخالفون وتتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره. يقال ضارّه يضارّه مثل ضرّه يضره وأراد بالمضارة الاجتماع والازدحام عند النظر إليه، قاله في النهاية (^٢). ومعنى المخففة هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر، والمعنى فيه كالأول. وروي تضارون بفتح التاء وتشديد الراء وأصله تتضارون فحذفت إحدى التاءين أي لا تتجادلون في صحة النظر إليه لظهوره.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (٢٩٩) (١٨٢).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٨٢).","vol":"15","page":145},{"text":"قوله: \"في رؤية القمر ليلة البدر\" وسميت ليلة أربعة عشر بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع كأنه تعجّلها المغيب. [ويقال] (^١) سمي بدرا لتمامه وامتلائه وكل شيء تمّ فهو بدر. وروي في حديث آخر هل تضارون في [رؤية] الشمس في الظهيرة؟ والظهيرة اشتداد الحر. وقد روي: لا تضامون، بتشديد الميم وبتخفيفها فمن شددها فتح التاء أول الكلمة ومن خففها ضم التاء من المضامة وهي الازدحام أي لا تزدحمون عند رؤيته ﷾ إلا كما تزدحمون عند رؤية الأهلة ومعناه هل يلحقكم ضيم وهو المشقة والتعب في الرؤية من الضيم الذي هو الذل لا يذل بعضكم بعضا بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة ومعنى المشددة هل تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته [والمعنى أن أهل الجنة إذا امتن الله ﷾ عليهم برؤيته] (^٢) تجلى لهم ظاهرا بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ولا يضره ولا يزاحمه وبلا يجادله كما يفعل عند الأهلة بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه.\nقوله: \"فإنكم ترونه كذلك\" أي ترون الله رؤية لا شك فيها، هذا تشبيه للرؤية وبحال الرائي لا المرئي لأن الله ﷾ لا يحاط به وليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء ﷾. [والرؤية مختصة بالمؤمنين وفي الحديث أن رؤية الله تعالى ممكنة وأنه ستقع في الآخرة للمؤمنين كما هو مذهب الجماعة وأما الكفار فلا يرونه ﷾. وقيل يراه منافقوا هذه\n_________\n(^١) هكذا في الأصل ولعله الصواب، وفي النسخة الهندية: (ويقول).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"15","page":146},{"text":"الأمة وهو ضعيف، والصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة أن المنافقين لا يرونه كما لا يراه باقي الكفار باتفاق العلماء] (^١). [لا تضامون أو لا تضاهون على الشك، ومعناه لا يشتبه عليكم وترتابون فيه بتعارض بعضكم بعضا في رؤيته، وفي رواية أنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر أي ترونه رؤية محققة [لا شك فيها ولا مشقة كما ترون هذا القمر رؤية محققه] (^٢) بلا مشقة فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي] (^٣). [وفي رواية للبخاري]: \"لا تضامون\".\nقال الخطابي (^٤): هو من الانضمام يريد أنكم لا تختلفون في رؤيته حتى تجتمعوا للنظر [وينظم] بعضكم إلى بعض فيقول واحد هو ذلك ويقول الآخر ليس ذلك على ما جرت به عادة الناس عند النظر إلى الهلال أول ليلة من الشهر والله أعلم.\n\n٥٧٤٤ - وَعَن صُهَيْب -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة يَقُول الله ﷿ تُرِيدُونَ شَيْئا أَزِيدكُم فَيَقُولُونَ ألم تبيض وُجُوهنَا ألم تُدْخِلنَا الْجنَّة وتنجنا من النَّار قَالَ فَيكْشف الْحجاب فَمَا أعْطوا شَيْئا أحب\n_________\n(^١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ويقول الآخر ليس ذلك على ما جرت به عادة الناس عند النظر إلى الهلال أول ليلة من الشهر والله أعلم).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (رؤية محققة بلا مشقة فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي).\n(^٤) معالم السنن (٤/ ٣٢٩) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٥٩).","vol":"15","page":147},{"text":"إِلَيْهِم من النّظر إِلَى رَبهم ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. رواه مسلم (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣).\nقوله: \"وعن صهيب\" هو الرومي تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﷿: تريدون شيئا أزيدكم\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم\" الحديث. الحجاب أصله الستر الحائل بين الرائي والمرئي فلا [يراه] وهو ها هنا راجع إلى منع الأبصار من إدراكه بالرؤية فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل فعبر عنه به إذ هو المقدس عن الجهة والنهاية والقدر والحد المنزه عن أن يحيط به شيء أو يحول [بينه] حجاب، اهـ. قاله عياض (^٤). فكشف الحجاب معناه أنه يرفع الموانع من الإدراك عن أبصارهم حتى يروه على ما هو عليه من نعوت العظمة والجلال والبهاء والجمال والرفعة والكمال لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يقول الزائغون والمبطلون فذكر الحجاب إنما هو في حق الخلق لا في حق الخالق فهم المحجوبون والباري جل اسمه وتقدست أسماؤه منزه عما يحجبه إذ الحجب إنما يحيط بمقدّر\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٩٧ - ١٨١).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٥٥٢)، وقال: هذا حدبث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه. وروى سليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد، هذا الحديث عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قوله.\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (٧٧١٨)، (١١١٧٠).\n(^٤) انظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٣٣).","vol":"15","page":148},{"text":"محسوس وذلك من نعوتنا ولكن حجبه عن أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء، اهـ ذكره القرطبي (^١).\nسؤال: إن قيل لم جعل الله الخلق في حجاب من نفسه. قلنا لوجوه أحدها لزيادة المحبة كما قيل سرور الأوبة على قدر طول الغربة. والثاني [لزيادة المحبة. والثالث: لزيادة] (^٢) الهيبة. والرابع: ليكون فضلا للمستدلين على غيرهم. والخامس: لو كشف عنهم الحجاب حتى يشاهدوه في الدنيا لاشتغلوا بالنظر إلى جماله عن أنفسهم وعمارة الدنيا، ألا ترى أن امرأة العزيز أعطت النسوة كل واحدة منهن سكينا وأترجا وأمرتهن أن يقطعن الأترج وقالت ليوسف ﵊ اخرج عليهن فلما رأينه دهشن من حسنه وغبن عن حواسهن حتى قطعن أيديهن بالسكاكين ولم يعرفن بالألم، إذا كان هذا حصل لهن بنظرهن إلى جمال مخلوق فما ظنك بما يحصل بالنظر إلى جمال الخالق. واعلم أن الله تعالى ليس بمحجوب لأنه لو حجبه شيء لستره وهو تعالى ليس في جهة ولا مكان وإنما المحجوب أنت، انتهى ذكره النعيمي.\nقوله -ﷺ- في الحديث: فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم. اعلم أن أعلى نعيم المتنعمين في الجنة شيئان زيارتهم ربهم تعالى ونظرهم إليه ﷾. قوله: \"ثم تلى رسول الله -ﷺ- هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٠١٢).\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"15","page":149},{"text":"الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^١) \" أي للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة وزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، هذا قول جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى وعبادة بن الصامت وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدّي قاله البغوي.\nلطيفة: جمع الله تعالى لأولياءه بين النعيمين في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فالحسنى الجنة والزيادة رؤية وجهه الكريم. وجمع لأهله بين العذابين في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ (^٢)، اهـ.\nسؤال: لم سمى الله تعالى الرؤية إليه زيادة في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾؟ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والمراد أحسنوا بقولهم: لا إله إلا الله، والحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجهه الكريم والنظر إلى وجهه أكبر من الجنة والزيادة في الدنيا تكون أقل من رأس المال. قيل: المراد بالزيادة في الآية الكريم الزيادة على الموعود والموعود الجنة والزيادة أكبر والرضوان من الله أكبر والنظر إلى وجهه الكريم أكبر.\nسؤال آخر: لم أعطى الله تعالى الجنة في مقابلة الأعمال وأعطى النظر إلى وجهه الكريم زيادة ولم يجعله في ثواب العمل فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا\n_________\n(^١) سورة يونس، الآية: ٢٦.\n(^٢) سورة المطففين، الآية: ١٥ - ١٦.","vol":"15","page":150},{"text":"الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والحسنى الجنة والنظر إلى وجهه الكريم الزيادة. قيل: لأن هذه الزيادة عظيمة ليس من الأعمال شيء يكون في مقابلتها لأنها أفضل من الجنة. اهـ.\n\n٥٧٤٥ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن فِي الْجنَّة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضهَا سِتُّونَ ميلًا فِي كل زَاوِيَة مِنْهَا أهل مَا يرَوْنَ الآخرين يطوف عَلَيْهِم الْمُؤمن وجنتان من فضَّة آنيتهما وَمَا فيهمَا وجنتان من ذهب آنيتهما وَمَا فيهمَا وَمَا بَين الْقَوْم وَبَين أَن ينْظرُوا إِلَى رَبهم إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء على وَجهه فِي جنَّات عدن. رواه البخاري واللفظ له ومسلم والترمذي (^١).\nقوله: \"وعن أبي موسى\" اسمه عبد الله بن قيس الأشعري تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة\" يعني خالية الداخل غير مصمَتة كما تقدم. عرضها ستون ميلا. الحديث. تقدم الكلام على الخيمة واشتقاقها وعلى الميل.\nقوله -ﷺ-: \"في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن\" تقدم الكلام على الأهل وأنهم الزوجات من الحور العين. والزاوية الجانب والناحية يعني لسعته وبعد أقطاره.\nقوله -ﷺ-: \"وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما\" الحديث، ولا شك أن آنية الجنة منها ما هو من ذهب ومنها ما مهو من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨٧٩)، ومسلم (٢٣ - ٢٨٣٨)، والترمذي (٢٥٢٨).","vol":"15","page":151},{"text":"فضة ثم إن هذه الآنية منها ما هو للشراب بأنواعه ومنها ما هو للطعام بأنواعه وتقدم التنبيه على بعض ذلك في مواضعه وفي نوادر الأصول (^١) عن عبد الله بن قيس عنه -ﷺ-: جنان الفردوس أربع: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، الحديث. هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (^٢).\nوقوله: \"ومن دونهما جنتان\" قوله -ﷺ-: \"وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن\" الرداء هنا مستعار كنى به عن كبريائه وعظمته بينه الحديث الآخر، الكبرياء رداءي والعظمة إزاري، يريد صفتي. فقوله: رداء الكبرياء، يريد صفة الكبرياء والعظمة. قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ (^٣) والمراد هنا والله أعلم صفته اللازمة [له] المختصة به التي لا تليق بغيره اختصاص الرداء والإزار بالجسد ولهذا قال في الحديث: فمن نازعني فيهما قصمته، اهـ. قاله عياض (^٤) فهو بكبريائه وعظمته لا يريد\n_________\n(^١) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (١/ ٤٢٤). وأخرجه الطيالسي (٥٢٩)، وأحمد (١٩٧٣١)، وعبد بن حميد (٥٤٥)، والدارمي (٢٨٢٢) وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٨٤)، وابن منده في الإيمان (٧٨١)، وأبو نعيم في الحلية ٢/ ٣١٦ - ٣١٧، وفي صفة الجنة (١٤١) و(٤٣٦)، والبيهقي في البعث والنشور (٢٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٨) رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣٤٦٥)، وضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٦٣٥).\n(^٢) سورة الرحمن، الآية: ٤٦.\n(^٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٦.\n(^٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٩).","vol":"15","page":152},{"text":"أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية القيامة حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن فإذا دخلوها أراد أن يروه فيروه وهم في جنة عدن. قال البيهقي وغيره: معناه وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة وإنما هي توسعات ووجه المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به لا يشاركه فيهما غيره عبر عن عظمته وكبريائه بهما لأنهما مما لا يجوز مشاركة الله فيهما ألا ترى آخر الحديث: فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم قذفته في النار. قاله القرطبي (^١).\nتنبيه: قال العلماء: كان النبي -ﷺ- يخاطب العرب بما يفهمونه ويقرب الكلام إلى أفهامهم ويستعمل الاستعارة وغيرها من أنواع المجاز ليقرب متناولها فعبر -ﷺ- عن زوال المانع ورفعه عن الأبصار بإزالة الرداء. وقوله في جنة عدن أي والناظرون في جنة عدن فهي ظرف للناظر (^٢) والله أعلم. فجنة عدن دار الرحمن [ومقصورته] والفردوس جنان الأنبياء والأولياء بقرب جنة عدن فعدن كالمدينة وفردوس كالقرى حولها فإذا تجلى لأهل الفردوس رفع الحجاب \"الحجاب أصلها الستر الحائل بين الرائي والمرئي (^٣) كما تقدم\" وهو رداء الكبرياء فينظرون إلى جلاله وجماله فحجابه في جنات عدن رداء الكبرياء وفي الدنيا النار. قال -ﷺ-: \"حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ١٠١٤).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٦).\n(^٣) مطالع الأنوار (٢/ ٢٣٣).","vol":"15","page":153},{"text":"وجهه كل شيء أدركه بصره\". وهذا لأن أيام الدنيا أيام الملك والسلطان والربوبية وأيام الآخرة أيام المجد والكرم والبر. فقال: ها هنا حجاب وهناك رداء الكبرياء. والكبرياء الترفع على الانقياد وذلك لا يستحقه غير الله تعالى وأهل اللغة يقولون: الكبر والكبرياء والعظمة كذا في الميسر (^١). وقيل الكبرياء عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يوصف بها إلا الله تعالى، كذا في التحفة (^٢). وجنة عدن أي دار إقامة [وبقاء] لا [تفنى ولا تبيد] وأصل العدن الثبوت [والإقامة] من عدن بالمكان عدنا إذا ألزمه ولم يبرح ومنه سمي المعدن لثبوت ما فيه. وقيل: لإقامة [الناس] عليه لاستخراجه. قاله عياض (^٣).\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٦٩٨).\n(^٢) النهاية (٤/ ١٤٠).\n(^٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٧٠).","vol":"15","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>رؤية أهل الجنة ربهم ﷿</span>\n٥٧٤٦ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- بَينا أهل الْجنَّة فِي مجْلِس لَهُم إِذْ سَطَعَ لَهُم نور على بَاب الْجنَّة فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا الرب ﵎ قد أشرف عَلَيْهِم فَقَالَ يَا أهل الْجنَّة سلوني فَقَالُوا نَسْأَلك الرِّضَا عَنَّا. قَالَ رضائي أحلكم دَاري وأنالكم كَرَامَتِي وَهَذَا أوانها فسلوني قَالُوا نَسْأَلك الزِّيَادَة قَالَ: فيؤتون بنجائب من ياقوت أَحْمَر أزمتها من زمرد أَخْضَر وَيَاقُوت أَحْمَر فيحملون عَلَيْهَا تضع حوافرها عِنْد مُنْتَهى طرفيها فيأمر الله ﷿ بأشجار عَلَيْهَا الثِّمَار فتجيء جوَار من الْحور الْعين وَهن يقلن نَحن الناعمات فَلَا نبأس وَنحن الخالدات فَلَا نموت أَزوَاج قوم مُؤمنين كرام وَيَأْمُر الله ﷿ بكثبان من مسك أَبيض أذفر فينثر عَلَيْهِم ريحًا يُقَال لَهَا المثيرة حَتَّى تَنْتَهِي بهم إِلَى جنَّة عدن وَهِي قَصَبَة الْجنَّة فَتَقول الْمَلَائِكَة يَا رَبنَا قد جَاءَ الْقَوْم فَيَقُول مرْحَبًا بالصادقين مرْحَبًا بالطائعين. قَالَ فَيكْشف لَهُم الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَى الله ﵎ فيتمتعون بِنور الرَّحْمَن حَتَّى لَا ينظر بَعضهم بَعْضًا ثمَّ يَقُول أرجعوهم إِلَى الْقُصُور بالتحف فيرجعون وَقد أبْصر بَعضهم بَعْضًا فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- فَذَلِك قَوْله ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (^١). رواه أبو نعيم والبيهقي واللفظ له وقال: قد مضى في هذا الكتاب يعني في\n_________\n(^١) سورة فصلت، الآية: ٢٣.","vol":"15","page":155},{"text":"كتاب البعث، وفي كتاب الرؤية ما يؤكد ما روي في هذا الخبر انتهى. وهو عند ابن ماجه وابن أبي الدنيا (^١) مُخْتَصر قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- بَينا أهل الْجنَّة فِي نعيمهم إِذْ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا الرب ﷻ قد أشرف عَلَيْهِم من فَوْقهم فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْجنَّة وَهُوَ قَوْله ﷿: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^٢) فَلَا يلتفتون إِلَى شَيْء مِمَّا هم فِيهِ من النَّعيم مَا داموا ينظرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يحتجب عَنْهُم وَتبقى فيهم بركته ونوره. هذا لفظ ابن ماجه والآخر بنحوه.\nقوله: \"وروي عن جابر بن عبد الله\" تقدم الكلام على مناقبه. قوله -ﷺ-: \"بينا أهل الجنة في مجلس لهم إذ سطع لهم نور على باب الجنة فرفعوا رءوسهم فإذا الرب ﵎ قد أشرف عليهم فقال يا أهل الجنة سلوني. فقالوا: نسألك الرضى عنا\". وفي رواية ابن أبي الدنيا: فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قوله ﷿: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^٣) الحديث. أشرف عليهم أي اطلع كما يقال: فلان مشرف عليك أي مطلع عليك من مكان عال والله تعالى لا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٩٤) وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ١٠٢٧) (٦/ ٢٠٨)، البيهقي في البعث والنشور (٤٤٨). وقال الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢٤٤): موضوع.\n(^٢) سورة يس، الآية: ٨٥.\n(^٣) سورة يس، الآية: ٨٥.","vol":"15","page":156},{"text":"يوصف بالمكان من جهة الحلول والتمكن وإنما يوصف من جهة العلو والرفعة، فعبر عن اطلاعه عليهم ونظره إليهم بالإشراف ولما كان الله سبحانه قائلا متكلما وكان الكلام له صفة في ذاته لم يزل ولا يزال فهو يسلم عليهم سلاما هو قول منه كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^١).\nقوله: \"فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة\" أي لهوا عنه بلذة النظر إلى وجهه الكريم وذلك أن ما دون الله ﷿ لا يقاوم تجليه ولولا أن الله تعالى ثبتهم لحل بهم ما حل بالجبل حين تجلى له. قوله: \"حتى يحتجب عنهم\" فيجوز أن يكون معناه حتى يردهم إلى نعيم الجنة الذي نسوه وإلى حظوظ أنفسهم وشهواتها التي سهوا عنها فيتمتعوا بنعيم الجنة الذي وعده لهم ويتنعمون بشهوات النفوس التي أعدت لهم وليس ذلك إن شاء الله تعالى على معنى الاحتجاب عنهم الذي هو بمعنى الغيبة والاستتار فيكونوا له ناسين وعن شهوده محجوبين وإلى نعيم الجنة ساكنين ولكنه يردهم إلى ما نسوه ولا يحجبوه عما شاهدوه حجبة غيبة واستتار، يدل على ذلك قوله: \"ويبقى فيهم نوره وبركته\" أي في ديارهم، وكيف يحجبهم عنه وقد وعدهم المزيد. بل يكونون في كل حال مشاهدين وبكل [جارحة] ناظرين كما حكى عن قيس المجنون أنه قيل له ندعو لك ليلى، فقال: وهل غابت عني فتدعى؟ فقيل: أتحب ليلى؟ قال: المحبة ذريعة الوصلة وقد وقعت الوصلة فأنا ليلى وليلى أنا. قوله في حديث جابر: \"فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر أزمتها\n_________\n(^١) سورة يس، الآية: ٨٥.","vol":"15","page":157},{"text":"زمرد أخضر وياقوت أحمر\" الحديث. تقدم الكلام على تفسير النجائب والأزمة قريبا. قوله -ﷺ-: \"فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة\" وهو قوله ﷿: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (^١) الرب معناه المالك، وقيل الرب السيد وهو بالألف واللام مختص بالله تعالى ولم يرد في خبر الأسماء والرحيم والرحمن اسمان مشتقان مثل نديم وندمان من أبنية المبالغة ورحمان أبلغ من رحيم والرحمن خاص بالله تعالى لا يسمى به غيره ولا يوصف [به غير الله تعالى]، [والرحيم يوصف به غير الله تعالى] (^٢)، يقال رجل رحيم ولا يقال رحمان، قيل في اسمه الرحمن أنه اسم الله الأعظم.\nفائدة جليلة في الأحاديث الواردة ما يدل على أن سماع أهل الجنة يكون تارة من إسرافيل ﵊ وتارة من داود ﵊ وتارة من ملائكة آخرين وتارة من الحور العين وتارة من أصوات الأشجار وتارة من غير ذلك وأن من أجل ما يرد عليهم من المنح النفيسة في الجنة سماع سلام الحق سبحانه عليهم إذا أشرف عليهم في الجنة وقال لهم: سلام عليكم يا أهل الجنة ويرونه عيانا كما ثبت ذلك في الأحاديث وكيف إذا دُعوا إلى حضرة قربه ومشاهدة قدسه سبحانه ونصبت لهم منابر بين يديه وشاهدوه وتشنفت أسماعهم بكلامه سبحانه لهم وقراءته سبحانه عليهم\n_________\n(^١) سورة يس، الآية: ٨٥.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.","vol":"15","page":158},{"text":"وتودده إليهم، اهـ، قاله في حادي الأرواح (^١).\nتنبيه: في الحديث إذا أخذ أهل الجنة في السماع ورّدت كل شجرة في الجنة، أي أظهرت وردها وهو نَوْرٌ طيب الرائحة ونور كل شجرة ورد والله أعلم، قاله صاحب المغيث (^٢).\n\n٥٧٤٧ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ وَفِي يَده مرْآة بَيْضَاء فِيهَا نُكْتَة سَوْدَاء فَقلت مَا هَذِه يَا جِبْرِيل قَالَ هَذِه الْجُمُعَة يعرضهَا عَلَيْك رَبك لتَكون لَك عيدا ولقومك من بعْدك تكون أَنْت الأول وَتَكون الْيَهُود وَالنَّصَارَى من بعْدك قَالَ مَا لنا فِيهَا قَالَ فِيهَا خير لكم فِيهَا سَاعَة من دَعَا ربه فِيهَا بِخَير هُوَ لَهُ قسم إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه أَو لَيْسَ لَهُ يقسم إِلَّا ادخر لَهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ أَو تعوذ فِيهَا من شَرّ هُوَ عَلَيْهِ مَكْتُوب إِلَّا أَعَاذَهُ أَو لَيْسَ عَلَيْهِ مَكْتُوب إِلَّا أَعَاذَهُ من أعظم مِنْهُ قلت مَا هَذِه النُّكْتَة السَّوْدَاء فِيهَا قَالَ هَذِه السَّاعَة تقوم يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ سيد الْأَيَّام عندنَا وَنحن نَدْعُوهُ فِي الْآخِرَة يَوْم الْمَزِيد قَالَ قلت لم تَدعُونَهُ يَوْم الْمَزِيد قَالَ إِن رَبك ﷿ اتخذ فِي الْجنَّة وَاديا أفيح من مسك أَبيض فَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة نزل ﵎ من عليين على كرسيه ثمَّ حف الْكُرْسِيّ بمنابر من نور وَجَاء النَّبِيُّونَ حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ثمَّ حف المنابر بكراسي من ذهب ثمَّ جَاءَ الصديقون وَالشُّهَدَاء حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ثمَّ يَجِيء أهل الْجنَّة حَتَّى يجلسوا على الْكَثِيب فيتجلى لَهُم\n_________\n(^١) لم أجده.\n(^٢) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٣/ ٤٠٣).","vol":"15","page":159},{"text":"رَبهم ﵎ حَتَّى ينْظرُوا إِلَى وَجهه وَهُوَ يَقُول أَنا الَّذِي صدقتكم وعدي وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي هَذَا مَحل كَرَامَتِي فسلوني فيسألونه الرِّضَا فَيَقُول الله ﷿ رضائي أحلكم دَاري وأنالكم كَرَامَتِي فسلوني فيسألونه حَتَّى تَنْتَهِي رغبتهم فَيفتح لَهُم عِنْد ذَلِك مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر إِلَى مِقْدَار منصرف النَّاس يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ يصعد الرب ﵎ على كرسيه فيصعد مَعَه الشُّهَدَاء وَالصِّدِّيقُونَ أَحْسبهُ قَالَ وَيرجع أهل الغرف إِلَى غرفهم درة بَيْضَاء لَا فَصم فِيهَا وَلَا وصم أَو ياقوتة حَمْرَاء أَو زبرجدة خضراء مِنْهَا غرفها وأبوابها مطردَة فِيهَا أنهارها متدلية فِيهَا ثمارها فِيهَا أزواجها وخدمها فليسوا إِلَى شَيْء أحْوج مِنْهُم إِلَى يَوْم الْجُمُعَة ليزدادوا فِيهِ كَرَامَة وليزدادوا فِيهِ نظرا إِلَى وَجهه ﵎ وَلذَلِك دعِي يَوْم الْمَزِيد. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما جيد قوي، وأبو يعلى مختصرا ورواته رواة الصحيح، والبزار (^١) واللفظ له.\n[الفصم] بالفاء: هو كسر الشيء من غير أن تفصله. [والوصم] بالواو:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٨٨)، البزار (٧٥٢٧)، وأبو يعلى (٤٢٢٨)، الطبراني في الأوسط (٢/ ٣١٤ رقم ٢٠٨٤). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٦٤) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وروى أبو يعلى طرفا منه. وقال الهيثمي في (١٠/ ٤٢١) رواه البزار، والطبراني في الأوسط بنحوه، وأبو يعلى باختصار، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقد وثقه غير واحد، وضعفه غيرهم، وإسناد البزار فيه خلاف. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٤).","vol":"15","page":160},{"text":"الصدع والعيب.\nقوله: \"وعن أنس بن مالك\" تقدم الكلام على ترجمته.\nقوله -ﷺ-: \"أتاني جبريل ﵇ وفي يده مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء\" الحديث. جبريل هو رسول رب العالمين إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وتقدم الكلام عليه في الجمعة وفضلها مبسوطًا. والنكتة السوداء أي أثر قليل كالنقطة شبه الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما. قاله في النهاية (^١).\nقوله: \"فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا لقومك من بعدك\" الحديث.\nتنبيه: وأما أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربهم ﷿ فيرونه ويكرمهم غاية الكرامة ويتجلى لهم وينظرون إليه فما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم من ذلك وهو الزيادة التي [قال] فيها [﷿: ﴿لِلَّذِينَ] أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٢) كل يوم كان للمسلمين عيدا في الدنيا فإنه عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه ويوم الجمعة يدعى في الجنة يوم المزيد ويوما الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما كما كنّ يشهدن العيد مع الرجال دون الجمعة، فهذا لعموم أهل الجنة، وأما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورون ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا الخواص كانت أيام الدنيا كلها لهم أعيادا\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١١٤).\n(^٢) سورة يونس، الآية: ٢٦.","vol":"15","page":161},{"text":"فصارت أيامهم في الآخرة كلها أعيادًا. قال الحسن كل يوم لا يعصى الله فيه [فهو] (^١) عيد، كل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد، اهـ. قاله ابن رجب في اللطائف (^٢).\nقوله: \"فيها ساعة من دعا ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه إياه\" تقدم الكلام على الساعة التي يستجاب فيها الدعاء في يوم الجمعة [في كتاب الجمعة]، وورد فيها أحاديث كثيرة وأقوال السلف والخلف والذي عليه الجمهور وصححه النووي أنها من صعود الخطيب على المنبر إلى أن يفرغ من الصلاة لحديث ورد في ذلك في صحيح مسلم.\nقوله -ﷺ-: \"إن ربك ﷿ اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض\" الحديث، الأفيح هو بالفاء وبالحاء المهملة هو الواسع فكل موضع واسع يقال له أفيح وروضة فيحاء ودار فيحاء أي واسعة وفاحت الغارة أي اتسعت، قاله ابن الأثير (^٣) وغيره. قوله: \"فيتجلى لهم ربهم ﵎ حين ينظروا إلى وجهه\" تقدم الكلام على معنى التجلي قريبا.\nقوله: \"فسلوني. فيسألونه الرضى\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"فسلوني فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم فيفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\" الحديث. واعلم أنه ﷾\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٧٨).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٨٤).","vol":"15","page":162},{"text":"يعطي المؤمنين ما يتمنون ولا يزالون يتمنون بإذن ربهم ﷾ حتى تعجز عقولهم وتدبيراتهم وشهواتهم عن الأماني والمسائل لأنهم نالوا كل ما يخطر لهم من النعيم فيقول الله ﵎: ذلك كله تمنوا علي فلا يعرفون ما يتمنون فيرجعون إلى علمائهم فيسألونهم ما يتمنون فيستنبطون لهم أشياء يتمنونها؟ قال القاضي ناصر الدين الميلق الشاذلي قدس الله روحه ولقد خطر لي أن العلماء -﵃- يستنبطون ذلك من أسرار أسماء الله تعالى وآثار صفاته سبحانه ويتوصلون بالأسماء والصفات إلى كنوز مواهب خفيت على غيرهم اهـ، قاله في حادي القلوب وفي الحديث عن جابر بن عبد الله (^١).\nقال: قال رسول الله -ﷺ-: إن أهل الجنة يحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم وذلك أنهم يزورون ربهم في كل جمعة فيقول تمنوا عليّ ما شئتم فيلتفتون إلى العلماء فيقولون ما نتمنى على ربنا فيقولون: تمنوا النظر إلى وجه الله تعالى. اهـ. وعلى كل حال فأهل الجنة ملوك وأي ملوك. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ (^٢) [أفتستغلي] هذا الملك بما فيه مما لا تصل إليه الأماني ولا تبلغه الشهوات ببذل الروح بالموت لا والله هذا هو المطلب الأعز والوصل [الأخص والقرب الأنص]\n_________\n(^١) الفردوس بمأثور الخطاب (٨٨٠) والذهبي في في ميزان الاعتدال (٦/ ٢٢) في ترجمة: مجاشع بن عمرو قلت وهذا موضوع ومجاشع هو راوي كتاب الأهوال والقيامة وهو جزآن كله خبر واحد موضوع.\n(^٢) سورة الإنسان، الآية: ٢٠.","vol":"15","page":163},{"text":"[كيف بك أيها المؤمن] (^١) وقد [أخذت] مداركك كلها مأربها على حسبها وانتهيت إلى حضرة المواصلة ونلت منها معالي رتبها وحصلت على رضى محبوبك عنك على الدوام وبلغت ما لا يبلغ حصره المبالغات ولا تحيط بكنهه الأحلام ولقد حق لي أن أقول:\nشراء هذا الوصل بالموت لا يغلو ... وكل عناء دون هذا الهناء يحلو\nإذا كانت العقبى وصالا وقربة ... وودا وتكريما فكل عناء سهل\n[ومما أفاده] الشيخ الكبير الأستاذ [موفق] الدين [المحلى] (^٢) على هذين البيتين:\nوأي عناء يبقى إذا انكشف الغطاء ... وقد زالت الآلام واتسع الفضل\nوشاهد من يهواه قلبي جهرة ... وبالأهل والأحباب قد جمع الشمل\nفلست أخاف الموت كلا وإنه ... لقصري من الرحمن كي يصل الوصل اهـ\nقاله ابن الميلق في آخر كتابه حادي القلوب إلى لقاء المحبوب في الموت وفوائده ونتائجه (^٣).\n_________\n(^١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٣) حادى القلوب (لوحة ٥٢/ مخ ٤٢٨٣ تشستربيتى).","vol":"15","page":164},{"text":"قوله -ﷺ-: \"ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم\" الحديث. الفصم بالفاء هو كسر الشيء من غير أن تفصله، اهـ. قاله الحافظ: وقال في النهاية (^١) الفصم أن ينصدع الشيء فلا يبين: تقول: فصمته فانفصم، ومنه حديث أبي بكر إني وجدت في ظهري انفصاما أي انصداعا. يروى بالقاف وهو قريب منه ومنه الحديث استغنوا عن الناس ولو عن فصمة السواك أي ما انكسر منها. ويروى بالقاف اهـ. وقال الكرماني (^٢): الفصم القطع، قال الله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (^٣) أي لا انقطاع، ويقال الفصم الصدع أو الشق من غير إبانة، والقصم بالقاف الكسر مع الإبانة. اهـ، ومنه الحديث: والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله تعالى، يقال: فصم الشيء إذا انصدع من غير بينونة يفصم فصما فهو أفصم ويجيء متعديا أيضا ومنه قوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾، قوله: \"ولا وصم\" والوصم بالواو الصدع والعيب، قاله الحافظ.\n\n٥٧٤٨ - وَرُوِيَ عَن حُذَيْفَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَتَانِي جِبْرِيل فَإِذا كَفه مرْآة كأصفى المرايا وأحسنها وَإِذا فِي وَسطهَا نُكْتَة سَوْدَاء قَالَ قلت يَا جِبْرِيل مَا هَذِه قَالَ هَذِه الدُّنْيَا صفاؤها وحسنها قَالَ قلت وَمَا هَذِه اللمْعَة السَّوْدَاء فِي وَسطهَا قَالَ هَذِه الْجُمُعَة قَالَ قلت وَمَا الْجُمُعَة قَالَ يَوْم من أَيَّام\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٥٢).\n(^٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ٢٧).\n(^٣) سورة البقرة، الآية: ٢٥٦.","vol":"15","page":165},{"text":"رَبك عَظِيم وسأخبرك بشرفه وفضله واسْمه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أما شرفه وفضله واسْمه فِي الدُّنْيَا فَإِن الله ﵎ جمع فِيهِ أَمر الْخلق وَأما مَا يُرْجَى فِيهِ فَإِن فِيهِ سَاعَة لَا يُوَافِقهَا عبد مُسلم أَو أمة مسلمة يسألان الله فِيهَا خيرا إِلَّا أعطاهما إِيَّاه وَأما شرفه وفضله واسْمه فِي الْآخِرَة فَإِن الله تَعَالَى إِذا صير أهل الْجنَّة إِلَى الْجنَّة وَأدْخل أهل النَّار النَّار وَجَرت عَلَيْهِم أَيَّامهَا وساعاتها قَالَ حُذَيْفَة وَإنَّهُ لَهو أَشد بَيَاضًا من دقيقكم هَذَا قَالَ فَيخرج غلْمَان الْأَنْبِيَاء بمنابر من نور وَيخرج غلْمَان الْمُؤمنِينَ بكراسي من ياقوت قَالَ فَإِذا وضعت لَهُم وَأخذ الْقَوْم مجَالِسهمْ بعث الله ﵎ عَلَيْهِم ريحًا تدعى المثيرة تثير عَلَيْهِم أثابير الْمسك الْأَبْيَض فتدخله من تَحت ثِيَابَهمْ وتخرجه فِي وُجُوههم وأشعارهم فَتلك الرّيح أعلم كَيفَ تصنع بذلك الْمسك من امْرَأَة أحدكُم لَو دفع إِلَيْهَا كل طيب على وَجه الأَرْض لكَانَتْ تِلْكَ الرّيح أعلم كَيفَ تصنع بذلك الْمسك من تِلْكَ الْمَرْأَة لَو دفع إِلَيْهَا ذَلِك الطّيب بِإِذن الله ﷿ قَالَ ثمَّ يوحي الله سُبْحَانَهُ إِلَى حَملَة الْعَرْش فَيُوضَع بَين ظهراني الْجنَّة وَبَينه وَبينهمْ الْحجب فَيكون أول مَا يسمعُونَ مِنْهُ أَن يَقُول أَيْن عبَادي الَّذين أطاعوني بِالْغَيْبِ وَلم يروني وَصَدقُوا رُسُلِي وَاتبعُوا أَمْرِي فسلوني فَهَذَا يَوْم الْمَزِيد قَالَ فيجتمعون على كلمة وَاحِدَة رب رَضِينَا عَنْك فارض عَنَّا قَالَ فَيرجع الله تَعَالَى فِي قَوْلهم أَن يَا أهل الْجنَّة إِنِّي لَو لم أَرض عَنْكُم لما أسكنتكم جنتي فسلوني فَهَذَا يَوْم الْمَزِيد قَالَ فيجتمعون على كلمة وَاحِدَة رب وَجهك أرنا نَنْظُر إِلَيْهِ قَالَ فَيكْشف الله ﵎ تِلْكَ الْحجب","vol":"15","page":166},{"text":"ويتجلى لَهُم فيغشاهم من نوره شَيْء لَوْلَا أَنه قضى عَلَيْهِم أَن لَا يحترقوا لَاحْترقُوا مِمَّا غشيهم من نوره قَالَ ثمَّ يُقَال لَهُم ارْجعُوا إِلَى مَنَازِلكُمْ قَالَ فيرجعون إِلَى مَنَازِلهمْ وَقد خفوا على أَزوَاجهم وخفين عَلَيْهِم مِمَّا غشيهم من نوره ﵎ فَإِذا صَارُوا إِلَى مَنَازِلهمْ ترَاد النُّور وَأمكن حَتَّى يرجِعوا إِلَى صورهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَالَ فَتَقول لَهُم أَزوَاجهم لقد خَرجْتُمْ من عندنَا على صُورَة وَرَجَعْتُمْ على غَيرهَا قالَ فَيَقُولُونَ ذَلِك بِأَن الله ﵎ تجلى لنا فَنَظَرْنَا مِنْهُ إِلَى مَا خفينا بِهِ عَلَيْكُم قَالَ فَلهم فِي كل سَبْعَة أَيَّام الضعْف على مَا كَانُوا قَالَ وَذَلِكَ قَوْله ﷿ فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كانُوا يعْملُونَ. رواه البزار (^١).\nقوله: \"وروي عن حذيفة\" هو ابن اليمان تقدم الكلام على مناقبه. قوله: \"أتاني جبريل ﵇ فإذا في كفه مرآة وإذا في وسطها نكتة سوداء\" الحديث، تقدم الكلام على جبريل ﵇ والنكتة بالتاء المثناة من فوق كالنقطة تقدم الكلام عليها أيضا. قوله: \"قلت: وما هذه اللمعة السوداء؟ \" اللمعة بالضم تقدم الكلام عليها في الاستغفار. قوله: \"وأما ما يرجى فيه فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه\" تقدم\n_________\n(^١) البزار في المسند (٧٥٢٧)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٦٠)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٣٥) ومن طريقه ابن سمعون في أماليه (٢٢٧)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٧٨٦)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٣٩) وابن بطة في الإبانة (٢٦) قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح قال يحيى: عبد الله بن عرادة ليس بشيء، وقال ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه.","vol":"15","page":167},{"text":"الكلام على الساعة التي يستجاب فيها الدعاء مبسوطا في محله. قوله -ﷺ-: \"إن الله ﵎ إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار\" الحديث، قال أهل السنة والجماعة: الجنة والنار مخلوقتان اليوم خلافا للمعتزلة فإنهم يقولون يخلقان يوم القيامة، قاله الكرماني (^١).\nقوله -ﷺ-: \"ليس بها ليل ولا نهار إلا أن الله قد علم مقدار ذلك وساعاته\".\nفائدة: قال العلماء ليس في الجنة ليل ولا نهار وإنما هم في نور أبدا وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، [ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب]، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي (^٢).\nتنبيه: هل في القيامة شمس؟ فالجواب: نعم، لكن في الموقف فقط، تم تكون الشمس والقمر بعد ذلك في النار إذا انقضى أمر الموقف، قاله الحافظ العسقلاني. قوله -ﷺ-: \"فيكشف الله ﵎ تلك الحجب ويتجلى لهم\" تقدم الكلام على كشف الحجب والتجلي قريبا.\n\n٥٧٤٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة لمن ينظر إِلَى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرَة ألف سنة وَأكْرمهمْ على الله من ينظر إِلَى وَجهه غدْوَة وَعَشِيَّة ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله -ﷺ- ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (^٣) رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٣/ ١٨٢).\n(^٢) انظر: تفسير البغوي (٣/ ٢٠٢)، تفسير ابن كثير (٣/ ١٣٠)، الدر المنثور (٥/ ٥٢٩).\n(^٣) سورة القيامة، الآيات: ٢٢ - ٢٣.","vol":"15","page":168},{"text":"وَتقدم (^١) وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مُخْتَصرا إِلَّا أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أفضل أهل الْجنَّة منزلَة من ينظر إِلَى وَجه الله تَعَالَى كل يَوْم مرَّتَيْنِ (^٢).\n\n٥٧٥٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله ﷿ يَقُول لأهل الْجنَّة يَا أهل الْجنَّة فَيَقُولُونَ لبيْك رَبنَا وَسَعْديك وَالْخَيْر فِي يَديك فَيَقُول هَل رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لنا لَا نرضى يَا رَبنَا وَقد أَعطيتنَا مَا لم تعط أحدا من خلقك فَيَقُول أَلا أُعْطِيكُم أفضل من ذَلِك فَيَقُولُونَ وَأي شَيْء أفضل من ذَلِك فَيَقُول أحل عَلَيْكُم رِضْوَانِي فَلَا أَسخط عَلَيْكُم بعده أبدا. رواه البخاري (^٣) ومسلم (^٤) والترمذي (^٥).\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم، قوله -ﷺ-: \"إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ \" الحديث، وما ألذ هذا الخطابي الشفاهي وأعظم هذا الإفضال، قاله في حدائق الأولياء. قوله: \"فيقولون لبيك\" ومعنى لبيك دواما على طاعتك وإقامة عليها مرة بعد أخرى من ألبّ بالمكان إذا أقام به وألب عليه إذا لم يفارقه والتلبية بمعنى التهليل من لا إله إلا الله. ومعنى سعديك\n_________\n(^١) تقدم برقم ٥٦٣٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٩٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١٨٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٣) صحيح البخاري (٦٥٤٩).\n(^٤) صحيح مسلم (٢٨٢٩).\n(^٥) سنن الترمذي (٢٥٥٥).","vol":"15","page":169},{"text":"مساعدة، والمساعدة المطاوعة كأنه قال: أطيعك طاعة ولم يسمع بسعديك منفردا وحكي عن العرب سبحانه وسعدانه على أسبحه وأطيعه تسمية للإسعاد بسعدان كما سمى التسبيح بسبحان كذا في الفائق (^١).\nقوله: \"والخير في يديك أي عندك كالشيء المقبوض عليه يجرى مجاري قضائك وقدرك لا يدرك من غيرك ما لم تسبق به كلمتك\" قاله شارح مشارق الأنوار.\nقوله تعالى: \"أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا\" قال القاضي عياض (^٢) في المشارق: أي أنزله عليكم والرضوان بكسر الراء وضمها، قرئ بهما في السبع والله أعلم.\n_________\n(^١) الفائق (٢/ ١٧٩).\n(^٢) مشارق الأنوار (١/ ١٩٥).","vol":"15","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>فصل فِي أَن أَعلَى مَا يخْطر على البال أَو يجوزه الْعقل من حسن الصِّفَات الْمُتَقَدّمَة فالجنة وَأَهْلهَا فَوق ذَلِك</span>\n٥٧٥١ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قَالَ الله ﷿ أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر واقرؤوا إِن شِئْتُم فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) والنسائي (^٤) وابن ماجه (^٥).\nقوله: \"عن أبي هريرة\" تقدم الكلام على مناقبه.\nقوله -ﷺ-: \"قال الله ﷿ أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\" الحديث، معناه أن الله ادخر في الجنة من النعيم والخيرات واللذات ما لم يطلع عليه أحد من الخلق بطريق من الطرق، وذكر الرؤية والسمع لأنه يدرك بهما أكثر المحسوسات والإدراك بالذوق والشم واللمس أقل من ذلك، ثم زاد على ذلك أنه لم يجعل لأحد طريقا إلى توهمها بفكر وخطور على قلب فقد جلت وعظمت\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٢٤٤).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٨٢٤).\n(^٣) سنن الترمذي (٣١٩٧).\n(^٤) سنن النسائي -طبعة التأصيل- (١١١٩٥).\n(^٥) سنن ابن ماجه (٤٣٢٨).","vol":"15","page":171},{"text":"عن أن يدركها [فكر] أو خاطر ولا غاية فوق هذا في إخفائها، والإخبار عن عظم شأنها على طريق الإجمال دون التفصيل.\nفائدة: إن قلت: روى أبو داود (^١) والترمذي (^٢) عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: لما خلق الله الجنة أرسل إليها جبريل ﵊ فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فرجع إليه فقال: \"وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها\" الحديث. فقد دل هذا الحديث على أن الله قد أطلع جبريل ﵊ على ما أعد لعباده فيها فقد رأته عين. قلت: الجواب عنه من أوجه: أحدهما: أنه تعالى خلق فيها بعد رؤية جبريل ﵇ أمورًا كثيرة لم يطلع عليها جبريل ولا غيره فتلك الأمور هي المشار إليها في هذا الحديث. ثانيها: أن المراد بالأعين والآذان أعين البشر وآذانها بدليل قوله: \"ولا خطر على قلب بشر\"، فأما الملائكة عليهم الصلاة والسلام فلا مانع من اطلاع بعضهم على ذلك. ثالثها: أن ذلك يتجدد لهم في الجنة في كل وقت ويدل له ما رواه الترمذي وابن ماجه (^٣) عن أبي هريرة عن\n_________\n(^١) أبو داود (٤٧٤٤).\n(^٢) سنن الترمذي (٢٥٦٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٦/ ٦٠)، وتخريج التنكيل (٢/ ١٧٧).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٦). والترمذي (٢٥٤٩) -وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قد روى سويد بن عمرو، عن الأوزاعي شيئا من هذا الحديث. وأخرجه العقيلي، في \"الضعفاء\" ٣/ ٥١١، في ترجمة عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، وقال: ليس مخرج الحديث بصحيح.- قال أبو داود في \"مسائل أبي داود لأحمد\" (١٨٧٤): =","vol":"15","page":172},{"text":"[النبي] الله -ﷺ-، فذكر الحديث إلى أن قال: يقول ربنا قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب فيحمل لنا ما اشتهينا، الحديث. ولا يمنع من ذلك قوله: أعددت لأن هذا لما كان محقق الوقوع نزّل منزلة الواقع، اهـ. قاله العراقي في شرح الأحكام (^١).\nقوله: \"واقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^٢) الآية\" المراد بذلك الفرح والسرور، يقال: أقر الله عينك أي [أبرد الله دمعها لأن دمع الفرح والسرور بارد. وقيل معنى أقرّ الله عينك] (^٣) بلّغك الله أمنيتك حتى ترضى به نفسك وتقر عينك فلا تستشرف إلى غيره، قاله في النهاية (^٤).\n\n٥٧٥٢ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ -﵁- قَالَ شهِدت من رَسُول الله -ﷺ- مَجْلِسا وصف فِيهِ الْجنَّة حَتَّى انْتهى ثمَّ قَالَ فِي آخر حَدِيثه فِيهَا مَا لَا عين\n_________\n= سمعت أحمد ذكر له حديث ابن أبي العشرين، الذي يرويه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، في سوق الجنة؟ فقال: حدثنا به أبو المغيرة، عن الأوزاعي مرسلا. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٨٣١)، وانظر: الضعيفة (١٧٢٢).\n(^١) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٧٤).\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١٧.\n(^٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٩).","vol":"15","page":173},{"text":"رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ثمَّ قَرَأَ هَاتين الآيْتَيْنِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (^١). رواه مسلم (^٢).\nقوله: \"وعن سهل بن سعد الساعدي\" تقدم الكلام على مناقبه، قوله: \"فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر\" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.\n\n٥٧٥٣ - وَعَن دَاوُد بن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه عَن جده -﵃- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَو أَن مَا يقل ظفر مِمَّا فِي الْجنَّة بدا لتزخرف لَهُ مَا بَين خوافق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَو أَن رجلا من أهل الْجنَّة اطلع فَبَدَا سواره لطمس ضوء الشَّمْس كَمَا تطمس الشَّمْس ضوء النُّجُوم رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٣).\nقوله: \"وعن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص\" هو داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي المدني يروي عن أبيه عامر بن سعد وعنه يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن عبد الله بن قسيط ومحمد بن إسحاق\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١٦ - ١٧.\n(^٢) صحيح مسلم (٥) (٢٨٢٥).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٣٨)، وابن أبى الدنيا في صفة الجنة (٢٨٦ و٢٢٣). وصححه الألباني في المشكاة (٥٦٣٧)، وصحيح الترغيب (٣٧٦٥).","vol":"15","page":174},{"text":"وغيرهم وهو مقل ثقة وثقه العجلي وابن حبان ومسلم وقال البخاري حجازي قال الذهبي أظنه مات شابًا.\nقوله -ﷺ-: \"لو أن مما يقل ظفر مما في الجنة بدا\" الحديث، يُقل معناه يحمل من الإقلال والإقلال الرفع والحمل وظفر مرفوع فاعل يقل والعائد إلى الموصول محذوف أي ما يحمله ظفر، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ (^١).\nتنبيه: وفي الظفر لغات أجودها ضم الظاء والفاء [وبها جاء القرآن العزيز، ويجوز إسكان الفاء على هذا ويقال ظفر بكسر الظاء وإسكان الفاء وظفر بكسرهما وقرئ بهما في الشواذ، وجمعه أظفار، وجمع الجمع أظافير، ويقال في الواحد أحد أظفور، انتهى، قاله في الديباجة.\nوقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"ما في الجنة بدا\" بدا بغير همز أي ظهر واستبان. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"لتزخرف لَهُ مَا بَين خوافق السَّمَاوَات وَالْأَرْض\"، أي حسنت وتزينت، والزخرف كمال حسن الشيء. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ (^٢)، أي تزينت بألوان النبات، والزخرف في الأصل الذهب، فيقال للذهب زخرف، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ (^٣)، قيل أي من ذهب، قاله\n_________\n(^١) سورة الأعراف، الآية: ٥٧.\n(^٢) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(^٣) سورة الإسراء، الآية: ٩٣.","vol":"15","page":175},{"text":"ابن الأثير (^١) وغيره. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"خوافق السَّمَاوَات وَالْأَرْض\"، قال الأصمعي الخافقان طرفا السماء، وخوافق السماء الجهات التي تخرج منها الرياح الأربع.\nوقال ابن الهيثم: الخافقان المشرق والمغرب، وذلك أن المغرب يقال له الخافق لأن الخافق هو الغائب، يقال خفق النجم إذا غاب، فغلبوا المشرق على المغرب فقالوا الخافقان كما قالوا الأبوان، انتهى قاله ابن الأثير في النهاية (^٢)، وغيره.\n\n٥٧٥٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لما خلق الله جنَّة عدن خلق فِيهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ثمَّ قَالَ لهَا تكلمي فَقَالَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (^٣).\nقوله رحمه الله تعالى: \"وعن ابن عباس\"، تقدم الكلام على مناقبه رضي الله تعالى عنهما. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"لما خلق الله جنَّة عدن خلق فِيهَا مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ثمَّ قَالَ لَهَا تكلمي فَقَالَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ \"، الحديث تقدم له الباب في بناء الجنة.\n\n٥٧٥٥ - وَفِي رِوَايَة خلق الله جنَّة عدن بِيَدِهِ ودلى فِيهَا ثمارها وشق فِيهَا أنهارها ثمَّ نظر إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا تكلمي فَقَالَت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٩٩).\n(^٢) النهاية لابن الأثير (٢/ ٥٦)، انظر: الغريبين في القرآن والحديث (٢/ ٥٧٦).\n(^٣) سورة المؤمنون، الآية: ١.","vol":"15","page":176},{"text":"وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يجاورني فِيك بخيل رَوَاهُ الطَّبَرَانِى فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا جيد (^١) وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث أنس بِنَحْوِهِ وَتقدم لَفظه (^٢).\n\n٥٧٥٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت النَّبِي -ﷺ- يَقُول فِي الْجنَّة مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح (^٣).\n\n٥٧٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- قيد سَوط أحدكُم فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا ولنصيف امْرَأَة من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم وَمثلهَا مَعهَا قلت يَا أَبَا هُرَيْرَة مَا النصيف قَالَ الْخمار. رواه أحمد (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٤٩ رقم ٥٥١٨) والكبير (١٢/ ١٤٧ رقم ١٢٧٢٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٨٤) وضعيف الترغيب (١٥٥٢) و(٢١٩١) و(٢٢٤٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه البزار (٣٥٠٨ و٣٥٠٩ / كشف)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٩٩ رقم ٣٧٠١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٩٧: رواه البزار مرفوعا وموقوفا، والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: عن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله خلق جنة عدن بيده، لبنة من ذهب، ولبنة من فضة\". والباقي بنحوه، ورجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٦٢) وصحيح الترغيب (٣٧١٤). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.\n(^٤) مسند أحمد (٩٦٥١).","vol":"15","page":177},{"text":"بإسناد جيد، والبخاري وَلَفظه أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَقَاب قَوس فِي الْجنَّة خير مِمَّا تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس وَقَالَ لغدوة أَوْ رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ. ورواه الترمذي (^١) وصححه، وَلَفظه قالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: وَمَوْضِعُ سَوْطٍ في الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَمَا فِيهَا واقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (^٢). رواه الطبراني في الأوسط (^٣) مختصرًا بإسناد رواته رواة الصحيح، وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: \"لموْضِع سَوط فِي الْجنَّة خير مِمَّا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض\". وابن حبان في صحيحه (^٤)، وَلَفظه قَالَ غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكم أَو مَوضِع قدم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو أَن امْرَأَة اطَّلَعت إِلَى الأَرْض من نسَاء أهل الْجنَّة لَأَضَاءَتْ مَا بَينهمَا ولملأت مَا بَينهمَا ريحًا وَلنَصِيفهَا على رَأسهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.\nقوله: \"عن أبى هريرة\"، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"قيد سَوط\"، الحديث، القيد هو القدر، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"وَلَقَاب قَوس\" الحديث، القاب والقيد هنا قيل هو القدر\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٣٠١٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح ..\n(^٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.\n(^٣) المعجم الأوسط (٨٠٤٢).\n(^٤) صحيح ابن حبان (٧٤١٧).","vol":"15","page":178},{"text":"وقيل من مقبض القوس إلى سنيته ولكل قوس قالبان، انتهى قاله الحافظ، يقال: بيني وبينه قاب رمح وقاب قوس أي مقدارهما، قاله ابن الأثير. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"خير من الدنيا\"، قال النووي في تحريره في كتاب الطلاق: \"الدنيا\"، بضم الدال على المشهور، وحكى ابن قتيبة في أدب الكاتب كسرها وجمعها دُنًى ككبرى وكُبَر، وهي من دنوت لدنوها وسبقها الدار الآخرة. قال: وفي حقيقة الدنيا قولان: أحدهما أنها ما عدى الأرض من الهواء والجو، والثاني: كل المخلوقات والجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة. قال: وهو الأظهر، والله تعالى أعلم (^١).\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"ولنصيف امْرَأَة\"، وفي آخر الحديث: \"مَا النصيف قَالَ الْخمار\"، انتهى، الخمار ما يغطى به الرأس، ويقال أيضا للعمامة، وكلما غطى الرأس نصيف، والله تعالى أعلم.\n\"قوله\"، وفي رواية: خير مما بين السماء والأرض؛ وفي رواية: خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب. وفي حديث أبي هريرة الذي تقدم: \"خير من الدنيا ومثلها معها\"، فكل هذه الروايات ترجع إلى معنى واحد ويراد بها شيء واحد. قال: كلما بين السماء والأرض تطلع عليه الشمس وتغرب، وهو عبارة عن الدنيا.\n_________\n(^١) انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن (١/ ١١١)، تحرير ألفاظ التنبيه (١/ ٢٦٥)، البدر المنير (١/ ٦٦٤).","vol":"15","page":179},{"text":"٥٧٥٨ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم أَو مَوضِع قده فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو أَن امْرَأَة من نسَاء أهل الْجنَّة اطَّلَعت إِلَى أهل الأرْض لَأَضَاءَتْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ولملأت مَا بَينهمَا ريحًا وَلنَصِيفهَا يَعْنِي خمارها خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) وصححه واللفظ له.\n[القاب] هنا قيل هو القدر، وقيل: من مقبض القوس إلى سيته، ولكل قوس قوبان. [والقد] بكسر القاف وتشديد الدال: هو السوط، ومعنى الحديث ولقدر قوس أحدكم أو قدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها. وقد رواه البزار مختصرا بإسناد حسن قال: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها.\nقوله رحمه الله تعالى: \"وعن أنس\"، هو ابن مالك، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"غدوة في سبيل الله أو روحة\"، تقدم الكلام على الغدوة والروحة في باب الجهاد وغيره. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"ولقاب قوس\"، تقدم معنى قاب قوسين. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"أو موضع قد\"، والقدّ بكسر القاف وتشديد الدال هو\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢٧٩٦).\n(^٢) لعله وهم.\n(^٣) سنن الترمذي (١٦٥١).","vol":"15","page":180},{"text":"السوط، قاله الحافظ رحمه الله تعالى. وقال بعض العلماء: المراد بالقد هنا السوط، وهو في الأصل سير يقد من جلد غير مدبوغ، وسمي السوط بذلك لأنه يقد أي يقطع طولا، والقدّ الشقّ بالطول، قال في الصحاح (^١) القدة أخص منه. وحكى القاضي عياض (^٢) في المشارق قولا آخر أن المراد بالقد هنا الشراك، ويحتمل أن يكون في لفظه تقيدر أي كقدر الموضع الذي يسعه بسوطه من الجنة ويحتمل أن لا يقدر ذلك على كلا الاحتمالين ففيه تعظيم شأن الجنة وأن السير منها وإن لم ينتفع به في العادة خير من مجموع الدنيا بحذافيرها وجميع ما فيها، انتهى، قاله العراقي (^٣). وقال الحافظ رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث ولقدر قوس أحدكم أو قدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها، وقد رواه البزار مختصرا بإسناد حسن. قال: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، انتهى.\n\n٥٧٥٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ لَيْسَ فِي الْجنَّة شَيْء مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاء. رواه البيهقي (^٤) موقوفا بإسناد جيد.\n_________\n(^١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٢٢).\n(^٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ١٧٢).\n(^٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٨/ ٢٦٠).\n(^٤) البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٦٦)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ١٧٤)، وهناد في الزهد (١/ ٣٤٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٦٩)، والسلسلة الصحيحة (٢١٨٨)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٤١٠).","vol":"15","page":181},{"text":"قوله: \"عن ابن عباس\"، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله رضي الله تعالى عنه: \"ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء\" أي أسماء كأسماء ما في الدنيا لكن الطعوم مختلفة. قال الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (^١) أي الرزق، قال ابن عباس ومجاهد والربيع: متشابها في الألوان مختلفا في الطعم. وقيل متشابها في الاسم مختلفا في الطعم. وقال محمد بن كعب: يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب، قاله البغوي في تفسيره (^٢) والله تعالى أعلم. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"رواه البيهقي موقوفا\"، تقدم الكلام على الحديث الموقوف وأنه من قول الصحابي لم يرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.\n_________\n(^١) سورة البقرة الآية: ٢٥.\n(^٢) تفسير البغوي (١/ ٥٦).","vol":"15","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>فصل فِي خُلُود أهل الْجنَّة فِيهَا وَأهل النَّار فِيهَا وَمَا جَاءَ فِي ذبح الْمَوْت</span>\n٥٧٦٠ - عَن معَاذ بن جبل -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- بَعثه إِلَى الْيمن فَلَمَّا قدم عَلَيْهِم قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول رَسُول الله -ﷺ- إِلَيْكُم يُخْبِركُمْ أَن المرد إِلَى الله إِلَى جنَّة أَو نَار خُلُود بِلَا موت وَإِقَامَة بِلَا ظعن. رواه الطبراني في الكبير (^١) بإسناد جيد إلا أن فيه انقطاعا. وتقدم حديث أبي هريرة في بناء الجنة، وَفِيه من يدخلهَا ينعم وَلَا يبأس ويخلد لَا يَمُوت لَا تبلى ثِيَابه وَلَا يفنى شبابه وَحَدِيث ابْن عمر أَيْضا بِمثلِهِ.\nقوله: \"عن معاذ بن جبل\" تقدم الكلام على مناقب معاذ رضي الله تعالى عنه. قوله: \"أن رسول الله -ﷺ- بعثه إلى اليمن\"، واليمن إقليم معروف.\nقوله: \"خلود بلا موت\"، الحديث، الخلود هو البقاء الدائم الغير المنقطع.\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (١٦٥١)، ومسند الشاميين (١١١٧) أخرجه البزار (كشف الأستار ٣٦٨٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٦)، والخطيب: في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٦): رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، وزاد فيه: \"في أجساد لا تموت\". وإسناد الكبير جيد إلا أن ابن سابط لم يدرك معاذا. ورواه موقوفا: الحاكم في المستدرك (١/ ٨٣)، وعنه: البيهقي في البعث والنشور (٥٨٦) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد رواته مكيون، ومسلم بن خالد الزنجي إمام أهل مكة ومفتيهم إلا أن الشيخين قد نسباه إلى أن الحديث ليس من صنعته، والله أعلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٧٠)، وصحيح الجامع الصغير (١٩٤٦)، والصحيحة (١٦٦٨).","vol":"15","page":183},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (^١)، دلّ الحديث على خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما من غير انقطاع، وعلى مذهب أهل السنة، انتهى. قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"وإقامة بلا ظعن\"، الظعن هو بالظاء المشالة وفتح العين المهملة هو السفر. قوله: \"وتقدم حديث أبي هريرة في بناء الجنة وفيه من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت\" الحديث، ينعم بفتح أوله، والعين، معناه تدوم له النعمة.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"ولا يبأس\"، معناه لا يصيبه بأس وهو شدة الحال وتغيره، وهو البأس والبأساء والبُؤس والبُؤساء؛ والبؤس ضد النعيم، ففي هذا الحديث إشارة إلى بقاء الجنة وبقاء جميع ما فيها من النعيم، وأن صفات أهلها الكاملة من الشباب لا تتغير أبدًا وملابسهم التي عليهم من الثياب لا تبلى أبدا، وقد دل القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (^٤)، وفيما ذكره صلى الله تعالى من صفة من يدخلها تعريض بذم الدنيا الفانية فإنه من يدخلها وإن نعم فيها فإنه يبأس ومن أقام فيها فإنه يموت ولا يخلد ويفنى شبابه وتبلى ثيابه\n_________\n(^١) سورة الأنبياء، الآية: ٣٤.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٢١.\n(^٣) سورة الرعد، الآية: ٣٥.\n(^٤) سورة الأحزاب، الآية: ٦٥.","vol":"15","page":184},{"text":"وتبلى أجسامهم، وفي القرآن نظير هذا، (^١) التعريض بذم الدنيا وفنائها مع مدح الآخرة وذكر كمالها وبقائها كما قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (^٢) والآيات في ذلك كثيرة فما عيبت بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها وهذا أدل دليل على انقضائها وزوالها فتتبدل صحتها بالسقم ووجودها بالعدم وشبيبتها بالهرم ونعيمها بالبؤس وحياتها بالموت فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب، قاله في اللطائف (^٣).\n\n٥٧٦١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة يُنَادي مُنَاد إِن لكم أَن تصحوا فَلَا تسقموا أبدا وَإِن لكم أَن تحيوا فَلَا تَمُوتُوا أبدا وَإِن لكم أَن تشبوا فَلَا تهرموا أبدا وَإِن لكم أَن تنعموا فَلَا تبأسوا أبدا وَذَلِكَ قَول الله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٤). رواه مسلم (^٥) والترمذي (^٦).\n_________\n(^١) هذان اللوحان ٣١٨ و٣١٩ بين المعقوفين سقطًا من الأصل وأثبتا من النسخة الهندية.\n(^٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٤ - ١٥.\n(^٣) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٨).\n(^٤) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.\n(^٥) مسلم (٢٢) (٢٨٣٧).\n(^٦) الترمذي (٣٢٤٦).","vol":"15","page":185},{"text":"قوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" وأبي هريرة -﵄-، تقدم الكلام على مناقبهما. قوله -ﷺ-: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي منادٍ أن لكم أن تصحوا قلا تسقموا أبدا\" الحديث، وهذه المناداة تكون في الجنة ويشهد لهذا القول لفظ الحديث، وقيل [تكون] إذا رأوها من بعيد. قاله في شرح مشارق الأنوار.\nقوله: \"وإن لكم\" بكسر إِنّ. وقوله: \"فلا تبأسوا أبدًا\" والمبتئِس هو الكاره الحزين، قاله ابن الأثير (^١)، وقال الفارسي: من يدخل الجنة لا يبأس أي لا يفتقر ولا يرى البؤس ولا تشتد حاجته فهو يائس أي لا تصيبهم شدة في [المال] ولا في النفس، والله أعلم. وتقدم الكلام على بقية ألفاظ الحديث في أحاديث الجنة المتقدمة.\n\n٥٧٦٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يُؤْتى بِالْمَوْتِ كَهَيئَةِ كَبْش أَمْلَح فينادي بِهِ مُنَاد يَا أهل الْجنَّة فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُول هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت وَكلهمْ قد رَآهُ ثمَّ يُنَادي مُنَاد يَا أهل النَّار فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُول هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت وَكلهمْ قد رَآهُ فَيذْبَح بَين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ يَقُول يَا أهل الْجنَّة خُلُود فَلَا موت وَيَا أهل النَّار خُلُود فَلَا موت ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ (^٢) وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا. رواه\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٩).\n(^٢) مريم، الآية: ٩٣.","vol":"15","page":186},{"text":"البخاري (^١) ومسلم (^٢) والنسائي (^٣) والترمذي (^٤)، ولفظه: قَالَ إِذا كانَ يَوْم الْقِيَامَة أُتِي بِالْمَوْتِ كالكبش الأملح فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار فَيذْبَح وهم ينظرُونَ فَلَو أَن أحدا مَاتَ فَرحا لمات أهل الْجنَّة وَلَو أَن أحدا مَاتَ حزنا لمات أهل النَّار.\n[يشرئبون] بشين معجمة ساكنة ثم راء ثم همزة مكسورة ثم باء موحدة مشددة: أي يمدون أعناقهم لنظروا.\nقوله: \"وعن أبي سعيد الخدري\" تقدم الكلام على ترجمته. قوله -ﷺ-: \"يُؤتى بالموت كهيئة كبش أملح\" وفي لفظ آخر: \"يُجاء بالموت كأنه كبش أملح\" وهما بمعنى واحد قال: \"هذا آخر ما وجد من هذا الجزء\". [قال الإمام المازري رحمه الله تعالى (^٥): الموت عند أهل السنة عرض من الأعراض يضاد الحياة. وقال بعض المعتزلة ليس بعرض بل معناه عدم الحياة، وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (^٦)، فأثبت الموت مخلوقا، وقد اتفق مذهب أهل السنة والمعتزلة على أن الموت ليس بجسم وإنما المراد به التشبيه والتمثيل وبيان أنه لا يموت أحد بعد ذلك\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤٧٣٠).\n(^٢) صحيح مسلم (٤٠) (٢٨٤٩).\n(^٣) السنن الكبرى للنسائي (١١٢٥٤).\n(^٤) سنن الترمذي (٣١٥٦).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٨٤).\n(^٦) سورة الملك، الآية: ٢.","vol":"15","page":187},{"text":"فيتناول الحديث عليه. الله ﷾ يخلق هذا الجسم ثم يذبح مثالا لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة، انتهى.\nوقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى (^١): الموت معنًى والكلام في ذلك وفي الأعمال فإنها لا تنقلب جواهر، فإن قيل كيف تنقلب الأعمال أشخاصا وهي في نفسها أعراض؟ الجواب أن الله تعالى يخلق من ثواب الأعمال أشخاصا حسنة وقبيحة لأن العرض ينقلب جواهرا إذ ليس من قبيل الجواهر، ومثل هذا ما صح في الحديث أنه يؤتى بالموت كأنه كبش أملح، الحديث. ومحال أن ينقلب الموت كبشا لأن الموت عرض، وإنما المعنى أن الله ﷾ يخلق كبشا يسميه الموت فيذبح بين الجنة والنار، ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين، وهكذا كل ورد عليك من الهذا الباب التأويل فيه على ما ذكرت لك، والله تعالى أعلم، انتهى. وإنما جيء بالموت على هيئة كبش لما جاء أن ملك الموت لما أتى آدم عليهما الصلاة والسلام أتاه في صورة كبش أملح قد نشر من أجنحته أربعمائة جناح، وفي بعض النسخ أربعة آلاف جناح، وقال مقاتل والكلبي في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (^٢)، خلقهما جسمين جعل الموت على هيئة كبش لا يمر على شيء إلا مات، والحياة على هيئة فرس أنثى بلقاء وهي التي كان جبريل ﵊\n_________\n(^١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٨٥).\n(^٢) سورة الملك، الآية: ٢.","vol":"15","page":188},{"text":"والأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين يركبونها خطوها مد البصر لا تمر على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري من ترابها فألقاه على العجل، وهذه هي الحكمة في فداء الذبيح بكبش ليكون فدى من الموت بشكل الموت، ولما سر برؤيته سر أهل الجنة بذبحه منة عليهم. والكبش هو الذبح العظيم الذي فدى الله تعالى به إسماعيل ﵊، وإنما سمي عظيما لأنه رعى في الجنة أربعين عاما، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال: وهو الكبش الذي قرّبه هابيل فتقبل منه، قالوا: ولو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أبناءهم. واستشهد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بهذه القصة على من نذر ذبح ولده يلزمه ذبح شاة، ومنع الجمهور ذلك لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم (^١): \"لا نذر في معصية الله ولا نذر لابن آدم فيما لا يملك\" والله تعالى أعلم.\nفائدة: الصخرة في المسجد الأقصى كالحجر الأسود في المسجد الحرام. ولما فدى إبراهيم ﵊ بالكبش ونحر إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فاختار الله ﷿ ذلك الموضع للقربان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم. ومنّ عليه بفداء ابنه، فهو محل الرحمة. قال قاضي القضاة أبي سعد الدين الديري الحنفي أمتع الله تعالى بوجوده القائل بأن الذبح كان على الصخرة، فذهب إلى أن الذبيح إسحاق ﵊، ومن قال أنه إسماعيل صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: كان الذبح بمكة، كذا أفاده.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٨) (١٦٤١).","vol":"15","page":189},{"text":"وأما قوله: \"كهيئة كبش أملح\"، اختلف أهل اللغة في الأملح، فقال الأصمعي هو الذي يشوب بياضه شيء من السواد، وقال أبو حاتم هو الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل هو الذي يعلو سواد حمرة، وقال ابن الأعرابي هو النقي البياض.\nوقال الخطابي (^١): هو الأبيض الذي في خلل صوفه طاقات سود، وقال الداودي هو المتغير الشعر بياض وسواد، وقال الكسائي هو الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، قاله صاحب العلم المشهور. قال في سلاح المؤمن، قال بعض أصحاب المعاني: يحتمل أن اختلاف اللونين على هذا في هذا المثال لاختلاف الحالين البياض لجهة أهل الجنة الذين ابيضت وجوههم والسواد لجهة أهل النار الذين اسودت وجوههم، انتهى.\nوقال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى (^٢): يحتمل أن تكون الحكمة في كون الكبش أملح أن البياض من جهة الجنة والسواد من جهة النار. ثم قال: وظاهر هذا الحديث مستحيل، وإذا تقرر ذلك استحال أن ينقلب الموت كبشا لأن ذلك من انقلاب الحقائق وهو محال، وقد تأول الناس هذا الخبر على وجهين أحدهما: أن الله تعالى خلق صورة كبش خلق فيها الموت، فلما أراه أهل الجنة وأهل النار وعرفوه فعل الله تعالى فيه فعلا يشبه الذبح أعدمه عند ذلك العقر حتى يأمن أهل الجنة فيزدادوا سرورا إلى\n_________\n(^١) معالم السنن (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٣/ ٥٠).","vol":"15","page":190},{"text":"سرورهم وييأس منه أهل النار فيزدادوا حزنا إلى حزنهم، وعلى هذا يدل باقي الحديث، ولا إحالة في شيء من ذلك ولا بعد انتهى.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"فينادي به مناد يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون\"، الحديث، يشرئبون قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي يمدون أعناقهم لينظروا، انتهى، أي يتشوّفون ليبصروا ما عرض لهم. وقال ابن الأثير (^١) وغيره: أي رافعي رؤوسهم متشوقين متطاولين لينظروا إليه، وكل رافع رأسه مشرئب، انتهى.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"يجاء بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط\"، الحديث. قال الإمام القرطبي في التذكرة (^٢): قلت: هذه الأحاديث مع صحتها نص في خلود أهل النار فيها لا إلى غاية ولا إلى أمد مقيمين على الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة، بل كما قال تعالى في كتابه الكريم وأوضح فيه من عذاب الكافرين والذين كفروا ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (^٤) الآية. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٥٥).\n(^٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٢٦).\n(^٣) سورة فاطر، الآية: ٣٦ - ٣٧.\n(^٤) سورة النساء، الآية: ٥٦.","vol":"15","page":191},{"text":"قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ (^١) الآية، فمن قال أنهم يخرجون منها وأن النار تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها وأنها تفنى وتزول فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما اجتمع عليه أهل السنة والأئمة العدول ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ (^٢) الآية، وإنما تخلّى جهنم وهي الطبقة العليا التي فيها العصاة من أهل التوحيد، انتهى. قوله: \"ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ (^٣)، وأشار بيده إلى الدنيا\" الحديث. قال العلماء: إذ الآخرة ليست دار غفلة، ومعنى أنذرهم أعلمه وحذرهم، والنذارة إعلام بالشر والبشارة إعلام بالخير، ويوم الحسرة يعني به زمن ذبح الموت إذا سمعوا خلود فلا موت، وقضي يعن انختم وتُمِّم، والأمر يعني خلود أهل النار فيها. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، استئناف خبر عما كانوا عليه في الدنيا لا تعلق له بما قبله.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في رواية الترمذي رحمه الله تعالى: \"إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح فيوقف بين الجنة والنار فيذبح\"، الحديث ... فقد استفتى بعض الناس علماء زمانه عن هذا الحديث، فذكر كلاما مطولا وفي آخره: ولا يجوز أن يظن أن الموت الذي\n_________\n(^١) سورة الحج، الآية: ١٩.\n(^٢) سورة النساء، الآية: ١١٥.\n(^٣) سورة مريم، الآية: ٩٣.","vol":"15","page":192},{"text":"يذبح هو ملك الموت -معاذ الله من ذلك- فلا يظن بملائكة الله ﷿ المقربين صلوات الله تعالى عليهم وسلم شيء من ذلك، إنما الموت معنى من المعاني جسّده الله ﵎ يعرفه بها أهل الجنة لدوام سرورهم ويعرفه بها أهل النار لدوام حزنهم وحسرتهم ولم يكن يشهد أهل الجنة قبل ذبح الموت تكدير ولا خول فإنها دار أمن من أول دخلوهم. وإنما قال في الحديث: \"يزدادون فرحا إلى فرحهم\"، وهم لا يزالون في زيادة من الفرح لما أنعم الله تعالى عليهم ويرضاه عنهم ورؤيتهم لربهم الدائم الباقي ﷻ، فيراه أهل الجنة بأعين باقية خالدة لا موت فيها. وقال بعضهم فظاهر عمومات أدلة الكتاب والسنة تدل على أن الموت ثمّ كغيره من الجن والإنس والملائكة، قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (^١)، ولم يستثني بذكر الموت ولا أنه يذوق موتتين دون غيره، فكل مخلوق يموت وكل من يموت يحيى بعد موته، وإنما جيء بالموت في صورة كبش لتمام النعمة عليه إشارة إلى أني قد فديتكم من الموت بمثل ما فديت به يعني إسماعيل صادق الوعد أو إسحاق على الخلاف في ذلك، انتهى. وقال بعض الناس في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"يؤتى بالموت كهيئة كبش\" الحديث، الموت معنى من المعاني فالمذبوح الموت وهو غير ملك الموت.\n_________\n(^١) سورة الدخان، الآية: ٥٦.","vol":"15","page":193},{"text":"وجاء في سورة السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ (^١)، وفي سورة الأنعام: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (^٢)، وفي الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (^٣)، والوجه فيه أنه يتوفى الأنفس بقدرته ﷿ بواسطة الملائكة، وملك الموت هو المقدم على ملائكة القبض، والملائكة الأعوان بالمباشرة، فيقال: أنهم يعالجون الخروج إلى أن تبلغ الروح إلى الفم فيقبضها ملك الموت، وإنما جيء به في صورة كبش لتمام النعمة عليهم إشارة إلى أني قد فديتكم من الموت بمثل ما فديت به نببي إسماعيل صادق الوعد صلى الله تعالى عليه وسلم أو إسحاق ﵊ على الخلاف فيه، انتهى.\nقوله \"كالكبش الأملح فيوقف بين الجنة والنار فيذبح\" أيضا نقل القرطبي رحمه الله تعالى عن كتاب خلع النعلين: أن الذابح للكبش بين الجنة والنار يحيى بن زكريا صلى الله تعالى عليهما وسلم بين يدي النبي عليه أفضل الصلاة والسلام إذ في اسمه -ﷺ- إشارة إلى الحياة الأبدية (^٤). وذكر صاحب كتاب العروس وكذا صاحب الفردوس أن الذي يذبحه جبريل ﵊ (^٥) انتهى.\n_________\n(^١) سورة السجدة، الآية: ١١.\n(^٢) سورة الأنعام، الآية: ٦١.\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٤٢.\n(^٤) خلع النعلين (ص ٣١٧)، والتذكرة (ص ٩٢٨).\n(^٥) التذكرة (ص ٩٢٨).","vol":"15","page":194},{"text":"٥٧٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يُؤْتى بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقف على الصِّرَاط فَيُقَال يَا أهل الْجنَّة فيطلعون خَائِفين وجلين أَن يخرجُوا من مكانهم الَّذِي هم فِيهِ ثمَّ يُقَال يَا أهل النَّار فيطلعون مستبشرين فرحين أَن يخرجُوا من مكانهم الَّذِي هم فِيهِ فَيُقَال هَل تعرفُون هَذَا قَالُوا نعم هَذَا الْمَوْت قَالَ فَيُؤْمَر بِهِ فَيذْبَح على الصِّرَاط ثمَّ يُقَال لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا خُلُود فِيمَا يَجدونَ لَا موت فِيهَا أبدا. رواه ابن ماجه (^١) بإسناد جيد.\nقوله: \"عن أبى هريرة\" تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه.\nقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم ينادي مناد يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا قال فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم ربنا هذا الموت\" الحديث، وفي رواية للترمذي: فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضطجع فيذبح، فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء لماتوا فرحا\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (٤٣٢٧)، وأخرجه أحمد (٧٥٤٦) و(٨٩٠٦ و١٠٦٥٦)، وابن حبان (٧٤٥٠) وهناد في الزهد (٢١٢)، والحاكم (١/ ٨٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وقال البوصيري المصباح (٤/ ٢٦٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وقال ابن كثير: إسناده جيد قوي على شرط الصحيح النهاية (ص ٣٤٢) وأخرجه بنحوه ضمن حديث مطول الترمذي (٢٧٣٤) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٧٣)، وصحيح الجامع الصغير (٧٩٩٩).","vol":"15","page":195},{"text":"ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار بالحياة فيها والبقاء لماتوا ترحا، قاله في حادي الأرواح (^١).\nوهذا الكبش والاضجاع والذبح ومعانيه الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطأ قبيحًا. وقال الموت عرض والعرض لا يتجسم فضلا عن أن يذبح وهذا لا يصح فإن الله ﷾ ينشيء من الموت صورة كبش يذبح كما ينشيء من الأعمال صورا معاينة يثاب بها ويعاقب، والله تعالى ينشيء من الأعراض أجساما تكون الأعراض مادة لها، وينشئ من الأجسام أعراضا كما ينشئ ﷾ من الأعراض أعراضا ومن الأجسام أجساما فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة للرب ﷾، فالله ﷾ ينشيء من الأعراض أجساما يجعلها مادة لها كما في الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم: \"تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان\"، الحديث، فهذه القراءة ينشئها الله تعالى غمامتين، وكذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث (^٢):\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٣٤٧).\n(^٢) أحمد (١٨٣٦٢)، (١٨٣٨٨)، وأخرجه ابن ماجه (٣٨٠٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٠٦)، (٣٦٠٤٦) ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٦٩٣)، وفي المعجم الكبير (٢١/ ٢١/ ٢٤/ ٢) البزار = البحر الزخار (٣٢٣٦)، والحاكم ١/ ٥٠٠، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٦٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص: ٢١٢)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٣٥٥) أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه على شرط مسلم. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤/ ١٣٢) هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه ابن أبي =","vol":"15","page":196},{"text":"\"إنهما يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتمجيده وتحميده ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن حول العرش\" الحديث، رواه الإمام أحمد، وكذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الآخر في عذاب القبر ونعيمه للصور التي يراها فيقول من أنت فيقول أنا عملك الصالح، وأنا عملك الشيِّن. وهذا حقيقة لا خيال ولكن الله ﷾ أنشأ له وعليه صورة حسنة وصورة قبيحة وهذا النور الذي يقسم بين المؤمنين يوم القيامة إلى نفس إيمانهم أنشأ الله ﷾ لهم منه نورا يسعى بين أيديهم، فهذا أمر معقول لو لم يرد النص، فورود النص به من باب تطابق السمع والعقل انتهى. فهذا ملخص من كلام صاحب حادي الأرواح (^١).\n\n٥٧٦٤ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يُؤْتى بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ يُنَادي مُنَاد يَا أهل الْجنَّة فَيَقُولُونَ لبيْك رَبنَا قَالَ فَيُقَال هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم رَبنَا هَذَا الْمَوْت ثمَّ يُنَادي مُنَاد يَا أهل النَّار فَيَقُولُونَ لبيْك رَبنَا قَالَ فَيُقَال لَهُم هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم رَبنَا هَذَا الْمَوْت فَيذْبَح كَمَا تذبح الشَّاة فَيَأْمَن هَؤُلَاءِ وَيَنْقَطِع رَجَاء\n_________\n= الدنيا والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ورواه مسدد في مسنده ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٥٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (١٥٦٨).\n(^١) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٤٠٠) وما بعدها.","vol":"15","page":197},{"text":"هَؤُلَاءِ. رواه أبو يعلى (^١) واللفظ له والطبراني (^٢) والبزار (^٣) وأسانيدهم صحاح.\nقوله رحمه الله تعالى: \"وعن أنس\"، هو ابن مالك، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار\"، الحديث، تقدم الكلام على الكبش الأملح في الأحاديث قبله. قوله -ﷺ-: \"ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! \"، الحديث، تقدم الكلام على قوله: \"لبيك ربنا\" في الباب قبله وغيره. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: \"فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم ربنا، هذا الموت\"، الحديث، كان يزيد الرقاشي رحمه الله تعالى يقول في كلامه: \"أمن أهل الجنة من الموت فطاب لهم العبش، وأمنوا من الأسقام فهنأ لهم في جوار الله ﷿ طول المقام\"، ثم يبكي حتى تجري دموعه على لحيته، قاله في حادي الأرواح (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٢٨٩٨)، وفي المعجم (٣١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٥): رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بنحوه والبزار ورجالهم رجال الصحيح غير نافع بن خالد الطاحي وهو ثقة. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٧٦): رواه أبو يعلى والطبراني والبزار، وأسانيدهم صحاح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٧٤).\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط \" (٣٦٧٢).\n(^٣) أخرجه البزار (٧٢٤٠).\n(^٤) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٤٠٣).","vol":"15","page":198},{"text":"٥٧٦٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا صَار أهل الْجنَّة إِلَى الْجنَّة وَأهل النَّار إِلَى النَّار جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجْعَل بَين الْجنَّة وَالنَّار فَيذْبَح ثمَّ يُنَادي مُنَاد يَا أهل الْجنَّة لَا موت يَا أهل النَّار لَا موت فَيَزْدَاد أهل الْجنَّة فَرحا إِلَى فَرَحهمْ وَأهل النَّار حزنا إِلَى حزنهمْ.\n\n٥٧٦٦ - وَفِي رِوَايَة أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: يدْخل الله أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار ثمَّ يقوم مُؤذن بَينهم فَيَقُول يَا أهل الْجنَّة لَا موت وَيَا أهل النَّار لَا موت كل خَالِد فِيمَا هُوَ فِيهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١) ولنختم الْكتاب بِمَا ختم بِهِ البُخَارِيّ ﵀ كِتَابه وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كلمتان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم (^٢).\nقَالَ الْحَافِظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم مملي هَذَا الْكتاب -﵁- وَقد تمّ مَا أرادنا الله بِهِ من هَذَا الْإِمْلَاء الْمُبَارك ونستغفر الله سُبْحَانَهُ مِمَّا زل بِهِ اللِّسَان أَو دَاخله ذُهُول أَو غلب عَلَيْهِ نِسْيَان فَإِن كل مُصَنف مَعَ التؤدة والتأني وإمعان النّظر وَطول الْفِكر قل أَن يَنْفَكّ عَن شَيْء من ذَلِك فَكيف بالمملى مَعَ ضيق وقته وترادف همومه واشتغال باله وغربة وَطنه وغيبة كتبه وَقد اتّفق إملاء عدَّة من الْأَبْوَاب فِي أَمَاكِن كَانَ الْأَلْيَق بهَا أَن تذكر فِي غَيرهَا وَسبب ذَلِك عدم استحضارها فِي تِلْكَ الْأَمَاكِن ونذكرها فِي غَيرهَا فأمليناه حسب مَا اتّفق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٤٨)، ومسلم (٤٢ و٤٣ - ٢٨٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٦) و(٦٦٨٢) و(٧٥٦٣)، ومسلم (٣١ - ٢٦٩٤).","vol":"15","page":199},{"text":"وَقدمنَا فهرست الْأَبْوَاب أول الْكتاب لأجل ذَلِك وَكَذَلِكَ تقدم فِي هَذَا الْإِمْلَاء أَحَادِيث كَثِيرَة جدا صِحَاح وعَلى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا وَلَكِن لم ننبه على كثير من ذَلِك بل قلت غَالِبا إِسْنَاد جيد أَو رُوَاته ثِقَات أَو رُوَاة الصَّحِيح أَو نَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا منع من النَّص على ذَلِك تَجْوِيز وجود عِلّة لم تحضرني مَعَ الْإِمْلَاء وَكذَلِكَ تقدم أَحَادِيث كَثِيرَة غَرِيبَة وشاذة متْنا أَو إِسْنَادًا لم أتعرض لذكر غرابتها وشذوذها وَالله أسأَل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم وَأَن ينفع بِهِ إِنَّه ذُو الطول الْوَاسِع الْعَظِيم.\nقوله رحمه الله تعالى: \"وفي رواية: يدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت\" الحديث. وهذا الأذان فإن كان بين الجنة والنار فهو يبلغ جميع أهل الجنة والنار، ولهم نداء آخر يوم زيارتهم ربهم ﵎ يرسل إليهم ملكا فيؤذن فيهم بذلك فيسارعون إلى الزيارة كما يؤذّن مؤذن الجمعة إليها، وذلك في مقدار يوم الجمعة كما مر فيباب زيارتهم الرب ﷿، والله تعالى أعلم، قاله أيضا في حادي الأرواح (^١).\nسؤال: ملك الموت هل يجيء بعدما يموت وهل قول من قال بأنه لا يجيء لئلا تكدر حياته عيش أهل الجنة حق أم لا؟ وهل في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أو الآثار المعتمدة التي يرجع الحكم إليها في مثل هذه الواقعة ما يدل على ذلك أو لا. قال شيخ الإسلام\n_________\n(^١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٦٤).","vol":"15","page":200},{"text":"ابن حجر الشافعي رحمه الله تعالى (^١) برحمته كلفني السائل الكتابة عن هذا السؤال فرأيت أن أتبع المنقول في ذلك لقول شيخنا حافظ العصر أبي الفضل رحمه الله تعالى في جوابه أنه لم ينقل لنا أن ملك الموت لا يجيء بعد موته، وأشار قبل ذلك إلى تصحيح أنه يموت مع من يموت. فأما كونه يموت مع من يموت فورد ذلك في عدة آثار منها ما أخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور (^٢) من طريق زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٣). قال: فكان ممن استثنى الله ﷿ ثلاثة جبريل وميكائيل وملك الموت. فيقول الله ﷿وهو أعلم- يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: بقي وجهك الكريم الباقي الكرم وعبدك جبريل وميكائيل وملك الموت. فيقول ﷿: توف نفس ميكائيل. ثم يقول -وهو أعلم-: من بقي؟ فيقول: بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك جبريل وملك الموت. فيقول ﷿: توف نفس جبريل. ثم يقول -وهو أعلم-: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: بقي وجهك الكريم الباقي وعبدك ملك الموت وهو ميت. فيقول ﷿: مت، فيموت. ثم ينادي ﷿: أنا بدأت الخلق ثم أعيدهم. هذا\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٣٧١).\n(^٢) البيهقي في البعث والنشور (٢٣٩).\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٦٨.","vol":"15","page":201},{"text":"حديث غريب قال البيهقي بعد تخريجه، في رواته من يُضعَّف. وجاء من طريق آخر، فوجدنا الطبري قد أخرج في التفسير (^١) في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) الآية من طريق الفضل بن عيسى عن يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قرأ رسول الله -ﷺ- هذه الآية. فقيل: من هؤلاء الذين استثنى الله تعالى يا رسول الله؟ قال: جبريل وميكائيل وملك الموت، فإذا لم يبق غيرهم قال: يا ملك الموت من بقي -وهو ﷾ أعلم- فذكر نحو رواية النميري إلا أنه خالف في بعض الترتيب فوافقه في أن أول من يموت من الملائكة ميكائيل. وقال في روايته: فيقع كالطود العظيم ثم يقول الله ﵎: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: بقي جبريل وملك الموت، فيقول: يا ملك الموت مت، فيموت ثم يقول: يا جبريل من بقي، فيقول: بقي جبريل. فيقول: يا جبريل ما بُدٌّ من موتة، فيقع ساجدًا يخفق بجناحيه لا إله إلا أنت الحي الباقي وجبريل الميت الفاني، وهذا الإسناد أضعف من الذي قبله. ولأصل هذه القصة شاهد من حديث أبي هريرة -﵁- وفيه (^٣): إن الذين استثنوا في نفخة الفزع هم\n_________\n(^١) الطبري في التفسير (٢٠/ ٢٥٤).\n(^٢) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٣) هو حديث الصور الطويل: أخرجه ابن راهويه في \"المسند\" (١٠)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (١٧٣)، والطبري في التفسير (٢٠/ ٥٤٢)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦)، والشافعي في الغيلانيات (١١١١)، و(١١٢٦) أبو يعلى الموصلي في مسنده كما في البداية والنهاية (١٩/ ٣١٠)، وابن المقرئ في المعجم (١١٠٨)، والبيهقي في البعث =","vol":"15","page":202},{"text":"الشهداء وإن الذين استثنوا في نفخة الصعق حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول الله ﷿: \"إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي\"، قال: فيأمر ملك الموت، فيقول: لِيمت حملة العرش فيموتون. فيقول تعالى -وهو أعلم- من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقيت أنا.\nفيقول ﷿ أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت لا تحَيى، فيموت [...] (^١) قاله الطبري (^٢). وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه نحوه وزاد فيهم إسرافيل، فقال: جملتهم اثنا عشر. وحكى البكري والثعلبي وغيرهم اختلافا في تعيين الذين استثنى الله تعالى فقال البكري: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، زاد على الأخبار المرفوعة اسم إسرافيل، وكذا أخرجه البيهقي في تفسير مقاتل بن سليمان، ومن طريق سعيد بن المسيب قال: قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ\n_________\n= والنشور (٦٠٩)، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٨٩٨) قال البخاري ولم يصح وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١/ ١٨٧) هذا إسناد ضعيف. وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٣٦٩) وقد صحح الحديث من طريق إسماعيل بن رافع القاضي أبو بكر بن العربي في سراجه وتبعه القرطبي في التذكرة وقول عبد الحق في تضعيفه أولى وضعفه قبله البيهقي قوله: رواته كلهم ثقات غير إسماعيل بن رافع فإنهما لم يحتجا به وتعقبه الذهبي في التلخيص: في إسناده إسماعيل بن رافع هالك وضعف الألباني إسناده في تخريج العقيدة الطحاوية (ص ٢٣٢) ..\n(^١) ما بين المعقوفين عبارة غير واضحة.\n(^٢) الطبري في التفسير (٢٠/ ٢٥٤) وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بالاستثناء في هذه الآية، فقال بعضهم عنى به جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.","vol":"15","page":203},{"text":"وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^١) ليس حملة العرش منهم لأنهم فوق السماوات وليسوا من سكان السماوات، وجبريل وميكائيل من الصافين حول العرش، وقيل المستثنى موسى ﵊، أخرجه الطبري (^٢) من طريق الحسن وقتادة والثعلبي من طريق جابر، وأخرج أيضا من طريق الحسن قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٣) قال الله وحده.\nوقيل: المستثنى الولدان الذين في الجنة والحور العين وقيل خزان الجنة والنار ومن فيهما من الحور والولدان ومن الحيات والعقارب، حكاه الثعلبي عن الضحاك بن مزاحم. قال الثعلبي (^٤): استضعف بعض أهل النظر هذه الأخبار بأن الاستثناء في الآية الكريمة وقع في سكان السماوت والأرض وليس جميع من ذكر منهم إلا الشهداء وموسى ﵊، والله تعالى أعلم. وأما كونه يحيى مع من يحيى فإن الأخبار الواردة في ذلك مع ضعفها اختلفت هل يحيى بعد موته أو لا؟ فأما الخبر الذي جاء فيه أنه يحيى فأخرج إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء في تفسيره عن جويبر بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو منقطع بين الضحاك وابن عباس، قال في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (^٥)\n_________\n(^١) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٢) الطبري في التفسير (٢٠/ ٢٥٨) عن قتادة. الطبري في التفسير (٢٠/ ٢٥٩) عن الحسن.\n(^٣) سورة الزمر، الآية: ٦٨.\n(^٤) فتح الباري (١١/ ٣٧١).\n(^٥) سورة الزمر، الآية: ٦٨.","vol":"15","page":204},{"text":"الآية، فكان ممن استثنى إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول الله تعالى يا ملك الموت اقبض روح عبدي ميكائيل فيقبض روحه. ثم يقول ﷿: اقبض روح عبدي جبريل فيقبض روحه. ثم يقول: اقبض روح عبدي إسرافيل، ثم يقول تعالى لملك الموت: مت فيموت وهو آخر الخلق موتا فيبقى الجبار ﷿ فردًا صمدًا فيمكثون أربعين لا أدري سنة أو شهرا أو يوما، فيحيى الله تعالى ملك الموت وجبريل وميكائيل وإسرافيل فذكر الحديث، وسيأتي في الفصل بعده عن وهب بن منبه التصريح بأن ملك الموت يموت ثم يحيى. وقد أنكر أبو محمد بن حزم في الملل والنحل موت الملائكة فقال: الملائكة أرواح لا أرواح فيها فلا يموتون أصلًا. وقسّم هو وغيره الخلق إلى أربعة أقسام، قسم كان معدوما ثم أوجد ثم يعدم فلا يوجد وهو -الجمادات- وقسم مثله لكن اختلف في إيجادهم بعد العدم ثم يعدمون وهم الخلق عدا الإنس والجن والملائكة والشياطين، وقسم يوجد ثم يعدم ثم يوجد فلا يعدم بعدها وهو الملائكة وما في الجنة والنار، والله تعالى أعلم.\nوأما الخبر الذي جاء فيه أن ملك الموت لا يحيى بعد أن يموت، فذكر البيهقي في البعث والنشور (^١) بعد سياق حديث الطور بطوله من طريق المكي عن إسماعيل بن رافع عن محمد بن يزيد ابن أبي زياد عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة -﵁- وأخرجه إسحاق بن راهويه في تفسيره، وذكر البيهقي أن في بعض طرق هذا الحديث أنه يقال لملك الموت:\n_________\n(^١) هو حديث الصور الطويل، سبق تخريجه.","vol":"15","page":205},{"text":"\"مت موتة لا حياة بعدها\"، وأشار البيهقي إلى شذوذ هذه الزيادة. وأما ما أورده المسئول عنه من المناسبة بكونه يموت فلا يحيى، وهو أن ذلك مراعاة لقلوب أهل الجنة حتى لا يقع لهم تكدير إذا رأوه مثلا أو يسمعون بوجوده فهي مناسبة لا بأس به إن ثبت الخبر بذلك ولا يقدح فيها كون الأصل في سكان الجنة أن لا يحصل لهم تكدير لأن ذلك لا يمنع من رفع أسبابه [...] (^١) ولعل الذي استنبط هذه المناسبة تلقاها من تصوير الموت في صورة الكبش وذبحه بين الجنة والنار الحديث، وقد سبق إيراده في الأجوبة، وأشير في نفس سياق الحديث إلى نفس المناسبة المذكورة وهو أن أهل الجنة يزدادون فرحا إلى فرحهم وأهل النار حزنا إلى حزنهم، فيقال في جواب هذا لا يحتاج أهل الجنة إلى زيادة فرح لأنهم كل يوم في مزيد الفرح كذلك أسباب الفرح كثيرة وأنواعه متعددة بإيجاد ما يقتضيه وإعدام ما يقتضي عكسه.\nوأما قول من قال: أن الكبش الذي يؤتى به بين الجنة والنار فيذبح هو ملك الموت نفسه فلم أر في ذلك بعد طول البحث والتفتيش نقلا. ولعل شبهة من زعم ذلك ما ورد من بعض الأخبار الواهية أن ملك الموت نفسه على صورة كبش، وها أنا أذكر ذلك وأبيّن وَهَاهُ وأئمة على تقدير وثبوته لم يرد التصريح بأنه الذي يذبح بل الوارد يقدم على تقدير ثبوته، ربنا يقول: \"مت ولا تحيى بعدها\" وذلك قبل -الصعقة- والنشر والقصاص، يموت أولا ثم يعيش ثم يذبح لأنه مخالف قوله: \"لا تحيى بعدها\"، ولا أنه يذبح حين يقال له مت لأن\n_________\n(^١) كلمة غير واضحة.","vol":"15","page":206},{"text":"ذلك قبل استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. والكبش إنما يذبح بعد الاستقرار جزما، فبطل ما تجبله الذكر فإن الخبر الذي أشرت إليه.\nفأخرج أبو الشيخ ابن حيان وهو الحافظ أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان بمهملة وياء آخر الحروف ثقيلة، وأبو الشيخ لقبه. في كتاب الآخرة من كتاب المبتدأ، فذكر في موضع منه بسنده إلى وهب قال: ثم قال الله تعالى: \"كن\"، فكان الصور وهو من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة. ثم قال للعرش خذ الصور فتعلق به، ثم قال: \"كن\" فكان إسرافيل وهو من أقرب الملائكة إلى الله تعالى، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة فذكر صفة الصور مطولًا (^١)، ثم قال في موضع آخر بسنده فإذا كان يوم القيامة، يقول الله ﷿: \"يا إسرافيل هات ما وكلتك به\"، فيقول: نعم يا رب في الصور كذا وكذا ثقبة، وللإنس منها كذا وكذا، وللجن كذا وكذا، وللحيتان والبهائم كذا وكذا، وللوحش كذا وكذا، وللمطر كذا وكذا، فيقول انظره في اللوح المحفوظ، فإذا هو مثل بمثل لا يزيد ولا ينقص، فذكر الحديث بطوله، وفيه ذكر خلق جبريل وميكائيل، ثم يقول لملك الموت يا عزرائيل هات ما وكلتك، فيقول قبضت روح كذا وكذا إنسي وكذا وكذا جني وكذا وكذا شيطان وكذا كذا غريق، وكذا كذا حريق، فذكره بطوله (^٢)، وقال في موضع بسنده: ثم يجمعون في الصور، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل\n_________\n(^١) العظمة (٣/ ٨٤٠ - ٨٤٢).\n(^٢) العظمة (٣/ ٨٤٧ - ٨٤٨).","vol":"15","page":207},{"text":"﵊ فينفخ فتدخل كل روح في جسدها بإذن الله ﷿ (^١).\nوقال في موضع آخر منه -بسنده عن وهب- ثم قال: كن فكان عزرائيل، ثم قال ﷿: كن فيكون كبشا أملح مستتر السواد وبياض، له أربعة أجنحة جناح تحت العرش وجناح في العرش وجناح في المشرق وجناح في المغرب إلى أن قال: ثم يقول للموت أبرز، فيبرز الموت لعزرائيل فذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (^٢)، قال فهؤلاء الأربعة الأملاك جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت [أول من خلقهم الله ﷿ من الخلق، وآخر من يميتهم الله وأول من يحييهم وهم المدبرات أمرا والمقسمات أمرًا (^٣)].] (^٤). (^٥)\n* * *\n_________\n(^١) العظمة (٣/ ٨٤٩).\n(^٢) سورة السجدة، الآية: ١١.\n(^٣) العظمة (٣/ ٨٩٩ - ٩٠٠).\n(^٤) اللوحات: من ٣٢١ إلى ٣٢٥ بين [] سقطت من الأصل وأثبتها من النسخة الهندية وهى آخر الشرح.\n(^٥) هذا آخر الكتاب والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، حمدا دائما بدوامه، باقيا ببقائه. وأفضل الصلاة والسلام، على عبده ورسوله محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. وكان الفراغ منه في خاتمة جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة النبوية. كتب محققه محمد إسحاق محمد آل إبراهيم لطف الله به وبوالديه وغفر لهم وعفا عنهم.","vol":"15","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>فهرس المصادر والمراجع</span>\n* إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري، تحقيق دار المشكاة. طبعة دار الوطن الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n* إحكام الأحكام لابن دقيق العيد، تحقيق فواز أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n* الأحكام الشرعية الصغرى \"الصحيحة\" لابن الخراط تحقيق: أم محمد بنت أحمد الهليس. أشرف عليه وراجعه وقدم له: خالد بن علي بن محمد العنبري. الناشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة - جمهورية مصر العربية، مكتبة العلم، جدة - المملكة العربية السعودية. الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n* الأحكام الشرعية الكبرى لابن الخراط تحقيق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة ط: مكتبة الرشد - السعودية/ الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n* أحكام القرآن للجصاص، ضبط عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n* إحياء علوم الدين لأبو حامد الغزالي ط دار المعرفة - بيروت.\n* أخبار أصبهان لأبي نعيم، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"15","page":690},{"text":"* أخبار مكة في قديم الدهر وحديته للفاكهي تحقيق: د. عبد الملك عبد الله دهيش ط: دار خضر- بيروت الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ.\n* أخلاق العلماء للآجري، تحقيق بدر البدر، دار الخلفاء الكويت.\n* أخلاق النبي -ﷺ- وآدابه لأبي الشيخ، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ، دار الكتاب العربي بيروت.\n* أخلاق النبي وآدابه لأبِي الشيخ الأصبهاني تحقيق صالح بن محمد الونيان دار المسلم للنشر والتوزيع الطبعة: الأولى، ١٩٩٨\n* الآداب الشرعية لابن مفلح، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ، مؤسسة الريان بيروت.\n* أدب الكتّاب المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: ٢٧٦ هـ). تحقيق: محمد الدالي ط: مؤسسة الرسالة.\n* الأدب المفرد للبخاري (ت ٢٥٦ هـ)، ترتيب وتقديم كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، بيروت، ط ١، عام ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ هـ.\n* الأدب المفرد للبخاري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة ١٤٠٩ هـ دار البشائر الإسلامية بيروت.\n* الأذكارالنووية للإمام النووي تحقيق محيي الدين مستو- ط دار ابن كثير - دمشق - بيروت - الطبعة الثانية - ١٩٩٠.\n* الاستذكار لابن عبد البر، تحقيق عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى","vol":"15","page":691},{"text":" (١٤١٤ هـ) دار قتيبة، دمشق، ودار الوعي - حلب.\n* الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر، تحقيق علي محمد البجاوي. مكتبة نهضة مصر القاهرة.\n* أسد الغابة في معرفة الصحابة، لعز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري، اعتنى بتصحيحها الشيخ عادل أحمد الرفاعي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n* الأسماء والصفات للبيهقي، طبعة: دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n* أسنى المطالب لمحمد الحوت، طبعة سنة ١٤٠٣ هـ، دار الكتاب العربي بيروت.\n* الإشارة في أصول الفقه للباجي الأندلسي تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل ط: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ -٢٠٠٣ م.\n* الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر، تحقيق محمد نجيب، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ دار الثقافة مصر.\n* إصلاح المال لابن أبي الدنيا، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مؤسسة الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n* إصلاح غلط المحدثين تحقيق د. حاتم الضامن ط: مؤسسة الرسالة الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م ..","vol":"15","page":692},{"text":"* أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) المؤلف: أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) تحقيق: د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود ط: جامعة أم القرى. الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ هـ -١٩٨٨ م.\n* إعلام الساجد بأحكام المساجد للشافعي تحقيق: أبو الوفا مصطفى المراغي. ط: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الطبعة: الرابعة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n* الإعلام بفوائد عمدة الأحكام تحقيق عبد العزيز بن أحمد بن محمد المشيقح. ط: دار العاصمة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م.\n* الأفعال لابن القَطَّاع الصقلي ط: عالم الكتب الطبعة: الأولى ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n* الإقناع لابن المنذر، تحقيق عبد الله الجبرين، الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ، مكتبة الرشد الرياض.\n* الإلزامات والتتبع للدارقطني تحقيق: الشيخ أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوداعي. ط: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.\n* الإلمام بآداب دخول الحمام للحسيني تحقيق: الدكتور نور الدين بن شكري بن علي بويا جيلار البردوري ط: أضواء السلف الطبعة: الأولى ١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م.","vol":"15","page":693},{"text":"* الأم للشافعي (ت ٢٠٤ هـ)، تحقيق الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، مصر، ط ١، عام ١٤٢٢ هـ، ٢٠٠١ م.\n* الأمالي للمحاملي، تحقيق إبراهيم القيسي، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ، المكتبة الإسلامية عمان.\n* الأمثال للرامهرمزي، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ مؤسسة الكتب الثقافية بيروت.\n* الأنساب للسمعاني (ت ٥٦٩ هـ)، طبعة: دار الجنان، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، تحقيق عبد الله عمر البارودي.\n* الأوائل تحقيق: محمد بن ناصر العجمي. الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت. الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n* الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر (خمسة مجلدات فقط)، تحقيق الدكتور صغير أحمد بن محمد حنيف. الطبعة الأولى (١٤٠٥ هـ - ١٤١٣ هـ). دار طيبة - الرياض.\n* الأولياء لابن أبي الدنيا، تحقيق محمد السيد زغلول، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت.\n* بحر المذهب الروياني تحقيق: طارق فتحي السيد. الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، ٢٠٠٩ م.\n* البداية والنهاية لابن كثير القرشي الدمشقي، طبعة: دار الكتب العلمية بيروت، تحقيق د. أحمد أبو ملحم، ود. علي نجيب عطوي وإخوانهم.","vol":"15","page":694},{"text":"* البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير تحقيق مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال ط دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض - السعودية. الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n* بستان العارفين للسمرقندي ط مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الثالثة - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n* بستان العارفين للنووي ط دار الريان للتراث.\n* تاريخ ابن يونس المصري المؤلف: عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي، أبو سعيد (المتوفى: ٣٤٧ هـ) ط: دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ.\n* تاريخ الأمم والملوك الطبري دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n* تاريخ المدينة لابن شبة تحقيق فهيم محمد شلتوت عام النشر: ١٣٩٩ هـ.\n* تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، تحقيق - مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n* تاريخ جرجان لحمزة بن يوسف السهمي. تحت مراقبة محمد عبد المعيد خان. الناشر عالم الكتب بيروت، (١٤٠١ هـ).","vol":"15","page":695},{"text":"* تاريخ دمشق لابن عساكر، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n* تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف لابن الضياء. تحقيق: علاء إبراهيم، أيمن نصر ط: دار الكتب العلمية - بيروت/ لبنان الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ -٢٠٠٤ م.\n* التثريب في شرح التقريب الطبعة المصرية القديمة.\n* تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت. عام النشر: ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n* تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للمزي. تحقيق عبد الصمد شرف الدين. الطبعة الثانية (١٤٠٣ هـ). المكتب الإسلامي. بيروت، والدار القيمة الهند.\n* تحفة السلاك في فضائل السواك تأليف: أحمد الزاهد تحقيق: الدكتور جميل عبد الله عويضة ١٤٣٠ هـ / ٢٠٠٩ م.\n* تذكرة الحفاظ للذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، وضع حواشيه الشيخ.\n* التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي تحقيق: الدكتور: الصادق بن محمد بن إبراهيم. ط: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n* الترغيب والترهيب لأبي القاسم الأصبهاني (ت ٥٣٥).","vol":"15","page":696},{"text":"* الترغيب والترهيب للمنذري، دار إحياء التراث العربي بيروت.\n* التعريفات للجرجاني تحقيق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر. ط: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة: الأولى ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n* تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي، تحقيق الدكتور عبد الرحمن بن عبد.\n* تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن، تحفيف الإمام أبي محمد بن عاشور مراجعة الأستاذ نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان - الطبعة الأولى ٢٠٠٢.\n* تفسير الطبري = جامع البيان جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري تحقيق أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ -٢٠٠٠ م.\n* تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم تحقيق: أسعد محمد الطيب ط: مكتبة نزار مصطفى الباز المملكة العربية السعودية الطبعة: الثالثة - ١٤١٩ هـ.\n* تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط دار الكتب المصرية - القاهرة - الطبعة الثانية - ١٩٦٤.","vol":"15","page":697},{"text":"* تفسير عبد الرزاق تحقيق مصطفى مسلم، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ، مكتبة الرشد الرياض.\n* تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم دار النشر: مكتبة السنة - القاهرة - مصر - ١٤١٥ - ١٩٩٥ الطبعة: الأولى تحقيق: الدكتورة: زبيدة محمد سعيد عبد العزيز.\n* التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢) ت/ شعبان إسماعيل، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٣٩٩ هـ.\n* تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير. المؤلف: جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي ٥٠٨ هـ - ٥٩٧ هـ. ط: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٩٧ م.\n* التمهيد لابن عبد البر، تحقيق جماعة من تحقيقين، إشراف وزارة الشؤون الإسلامية، بالمغرب.\n* التمييز للإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) تحقيق محمد الأعظمي. ط شركة الطباعة العربية السعودية المحدودة الرياض. الطبعة الثانية عام (١٤٠٢ هـ).\n* تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي تحقيق يوسف علي بديوي دار ابن كثير، دمشق - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤٢١ هـ -٢٠٠٠ م.","vol":"15","page":698},{"text":"* تهذيب الأسماء واللغات للنووي دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.\n* تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، باعتناء - إبراهيم الزيبق وعادل مرشد.\n* تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي تحقيق د بشار عواد، ط مؤسسة الرسالة - بيروت - الطبعة الأولى ١٩٨٠ م.\n* التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن دار النوادر، دمشق - سوريا.\n* الثالث من الفوائد المنتقاة للحربي. ط: مخطوط نُشر في برنامج جوامع الكلم المجاني التابع لموقع الشبكة الإسلامية. الطبعة: الأولى، ٢٠٠٤.\n* ثمار القلوب في المضاف والمنسوب. المؤلف: عبد الملك بن محمد بن اسماعيل أبو منصور الثعالبي (المتوفى: ٤٢٩ هـ). الناشر: دار المعارف - القاهرة.\n* جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي. تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس. الطبعة الثانية (١٤١٢ هـ). مؤسسة الرسالة بيروت.\n* جامع المسانيد للخوارزمي دار الكتب العلمية.\n* جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر. تحقيق أبو الأشبال الزهيري. الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ) دار ابن الجوزي - الدمام.\n* الجامع في الحديث لابن وهب، تحقيق مصطفى أبو الخير، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، دار ابن الجوزي السعودية.","vol":"15","page":699},{"text":"* جمل من أنساب الأشراف للبَلَاذُري. تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي ط: دار الفكر- بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n* جمهرة اللغة تحقيق: رمزي منير بعلبكي ط: دار العلم للملايين - بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٨٧ م.\n* جمهرة نسب قريش وأخبارها تحقيق: محمود محمد شاكر ط: مطبعة المدني عام النشر: ١٣٨١ هـ.\n* الجهاد لابن أبي عاصم، تحقيق مساعد الراشد، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة.\n* الجواب الشافي عن السؤال الخافي تحقيق: الدكتور عبد الرؤوف بن محمد بن أحمد الكمالي ط: دار البشائر الإسلامية الطبعة: الأولى ١٤٣١ هـ -٢٠١٠ م.\n* حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح. المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ). ط: دار الكتب العلمية - بيروت.\n* حاشية ابن عابدين دار الفكر للطباعة والنشر. ١٤٢١ هـ -٢٠٠٠ م. بيروت.\n* حاشيتا قليوبي وعميرة. المؤلف: أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة. الناشر: دار الفكر - بيروت.","vol":"15","page":700},{"text":"* الحاوى الكبير- الماوردي ط/ دار الفكر- بيروت.\n* الحاوي الكبير للماوردي. تحقيق: علي معوض وعادل أحمد. ط الناشر: مكتبة الباز - مكة المكرمة. الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ).\n* حلية الأولياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، الطبعة الرابعة ١٤٠٥ هـ، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت.\n* حياة الحيوان الكبرى ط: دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n* خاص الخاص تحقيق: حسن الأمين. الناشر: دار مكتبة الحياة - بيروت/ لبنان.\n* خريدة العجائب وفريدة الغرائب تحقيق: أنور محمود زناتي - كلية التربية، جامعة عين شمس. ط: مكتبة الثقافة الإسلامية، القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م.\n* الخطب والمواعظ لأبي عبيد تحقيق الدكتور رمضان عبد التواب ط: مكتبة التقافة الدينية. الطبعة ١.\n* دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n* الدر الفريد وبيت القصيد للمستعصمي تحقيق: الدكتور كامل سلمان الجبوري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م.","vol":"15","page":701},{"text":"* الدعوات الكبير للبيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، دار النشر: منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م، تحقيق: بدر بن عبد الله البدر.\n* الديباجة على سنن ابن ماجه لكمال الدين، محمد بن موسى بن عيسى الشافعي المعروف بالدميري (ت: ٨٠٨ هـ)، رسائل ماجستير في جامعة أم القرى، بمكة المكرمة.\n* ذم الغيبة والنميمة لابن أبي الدنيا تحقيق بشير محمد عون مكتبة دار البيان - دمشق - سوريا - مكتبة المؤيد الرياض - السعودية الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.\n* ذم الكذب - من الصمت وآداب اللسان لابن أبي الدنيا تحقيق محمد غسان نصوح عزقول اشر: دار السنابل، سوريا - دمشق عام النشر: ١٩٩٣ هـ.\n* الرقة والبكاء ابن أبى الدنيا تحقيق: محمد خير رمضان يوسف ط: دار ابن حزم، بيروت - لبنان الطبعة: الثالثة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n* الروض الأنف شرح سيرة ابن هشام للسهيلي، الناشر مكتبة ابن تيمية القاهرة ١٤١٠ هـ.\n* روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي: أبو زكريا يحيى بن شرف، دار النشر: المكتب الإسلامي - بيروت - ١٤٠٥، الطبعة: الثانية.","vol":"15","page":702},{"text":"* رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام تحقيق ودراسة: نور الدين طالب. الناشر: دار النوادر، سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n* رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين للنووي: أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، دار النشر: دار الفكر- بيروت - ١٤٢١ هـ -٢٠٠٠ م، الطبعة: الثالثة.\n* الزهد لابن أبي عاصم، تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد، دار الريان للتراث، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ.\n* الزهد لابن المبارك، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية بيروت.\n* الزهد لأسد بن موسى، تحقيق أبو إسحاق الحويني، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، مكتبة التوعية الإسلامية ومكتبة الوعي الإسلامي مصر.\n* الزهد للإمام أحمد، تحقيق محمد بسيوني، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، دار الكتاب العربي بيروت.\n* الزيادات على الموضوعات = ذيل الآلئ المصنوعة للسيوطي، تحقيق رامز خالد حاج حسن ط مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض - المملكة العربية السعودية. الطبعة الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م.\n* السلسلة الصحيحة للألباني ط: مكتبة المعارف - الرياض.\n* السلسلة الضعيفة للألباني ط: مكتبة المعارف - الرياض.","vol":"15","page":703},{"text":"* سنن ابن ماجه لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٥ هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى الحلبي البابي، القاهرة.\n* سنن ابن ماجه، تحقيق شعيب الأرنؤوط دار الرسالة العالمية ٢٠٠٩ م.\n* سنن أبي داود سلميان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥). تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر بيروت.\n* سنن الترمذي. تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض. تصوير دار إحياء التراث العربي بيروت.\n* سنن الدارقطني لأبي الحسن عمر بن علي الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، صححه عبد الله هاشم اليماني، دار المحاسن القاهرة، عام ١٣٨٦ هـ.\n* سنن الدارمي لعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي تحقيق فواز أحمد زمرلي وخالد السبع، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ، دار الكتاب العربي بيروت.\n* السنن الكبرى للبيهقي لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) دار المعرفة، بيروت. ط ١٤١٣ هـ.\n* السنن الكبرى للنسائي: أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n* سنن النسائي (المجتبى) لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣ هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.","vol":"15","page":704},{"text":"* شأن الدعاء الخطابي تحقيق: أحمد يوسف الدّقاق ط: دار الثقافة العربية الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ -١٩٨٤ م الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.\n* شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية لابن دقيق العيد ط: مؤسسة الريان الطبعة: السادسة ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n* شرح الإلمام بأحاديث الأحكام تحقيق محمد خلوف العبد الله دار النوادر، سوريا الطبعة: الثانية، ١٤٣٠ هـ -٢٠٠٩ م.\n* شرح الترمذي \"النفح الشذي شرح جامع الترمذي\" تحقيق: أبو جابر الأنصاري، عبد العزيز أبو رحلة، صالح اللحام ط: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م.\n* شرح السنة للبغوي: الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت، عام ١٣٩٠ هـ.\n* شرح المشكاة للطيبي تحقيق د عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة - الرياض - الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م.\n* شرح سنن أبي داود للعينى تحقيق: أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري. ط: مكتبة الرشد - الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ -١٩٩٩ م.","vol":"15","page":705},{"text":"* شرح صحيح البخاري لابن بطال تحقيق أبو تميم ياسر بن إبراهيم، ط مكتبة الرشد - السعودية - الرياض - الطبعة الثانية - ١٤٢٣ هـ - ٢٠٣٣ م.\n* شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم تحقيق د يحْيَى إِسْمَاعِيل دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n* شَرحُ مشكِل الوَسِيطِ تحقيق د. عبد المنعم خليفة أحمد بلال. ط: دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية. الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ -٢٠١١ م.\n* الشريعة للآجري تحقيق الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي دار الوطن - الرياض/ السعودية الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n* شعب الإيمان للبيهقي تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى ١٤١٠.\n* الشكر لله ﷿ لابن أبي الدنيا، تحقيق ياسين السواس، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ، دار ابن كثير دمشق.\n* شَوَاهِد التَّوضيح وَالتَّصحيح لمشكلات الجامع الصَّحيح تحقيق الدكتور طَه مُحسِن. ط: مكتبة ابن تيمية الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n* الصحاح في اللغة للجوهري تحقيق أحمد عبد الغفور عطار وعبد السلام هارون دار العلم للملايين بيروت ١٣٩٩.","vol":"15","page":706},{"text":"* صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان تحقيق شعيب الأرنؤوط ط مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الثانية -١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n* صحيح ابن خزيمة لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.\n* صحيح أبي داود - الأم ط مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت. الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ -٢٠٠٢ م.\n* صحيح البخاري للإمام البخاري، رقم كتبه وأبوابه وصنع فهارسه محمد وهيثم نزار تميم، دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت.\n* صحيح الترغيب والترهيب للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. الطبعة الثالثة (١٤٠٩ هـ) مكتبة المعارف الرياض.\n* صحيح الجامع الصغير وزياداته المكتب الإسلامي\n* صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر إدارات البحوث العلمية بالرياض.\n* صفة الصفوة تحقيق: محمود فاخوري - د. محمد رواس قلعه جي دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ - ١٩٧٩ م.\n* صفة النفاق للفريابي، تحقيق أبي عبد الرحمن المصري، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، دار الصحابة مصر.","vol":"15","page":707},{"text":"* صفة النفاق ونعت المنافقين لأبي نعيم تحقيق عامر حسن صبري دار البشائر الإسلامية الطبعة: الأولى، ٢٠٠١ م\n* صفوة الصفوة لابن الجوزي: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، صنع.\n* الصلاة على النبي ﷺ لابن أبي عاصم. تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي ط: دار المأمون للتراث - دمشق الطبعة: الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n* الصمت وآداب اللسان لابن أبي الدنيا: عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي. تحقيق أبو إسحاق الحويني الأثري. الطبعة الأولى (١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م) الكتاب العربي.\n* الضعفاء الكبير للعقيلي: أبو جعفر محمد بن عمروالعقيلي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n* ضعيف الترغيب لمحمد ناصر الدين الألباني - مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض - المملكة العربية السعودية - ٢٠٠٠.\n* ضعيف الجامع الصغير وزياداته للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. الطبعة الثانية (١٤٠٨ هـ). المكتب الإسلامي - بيروت.\n* ضعيف سنن أبي داود للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. الطبعة الأولى (١٤١١ هـ) المكتب الإسلامي.","vol":"15","page":708},{"text":"* ضعيف سنن النسائي للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. الطبعة الأولى (١٤١١ هـ) المكتب الإسلامي.\n* الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n* طبقات الشافعيين تحقيق: د أحمد عمر هاشم، د محمد زينهم محمد عزب. الناشر: مكتبة الثقافة الدينية تاريخ النشر: ١٤١٣ هـ -١٩٩٣ م.\n* الطبقات الكبرى لابن سعد: محمد بن سعد بن منيع الزهري كاتب الواقدي (أ) تحقيق إحسان عباس. تصوير دار صادر - بيروت. (ب) تحقيق زياد محمد الطبعة الثانية (١٤٠٨ هـ) مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة. (ج) تحقيق د. محمد بن صامل السلمي. الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ) مكتبة الصديق - الطائف.\n* طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها لأبي الشيخ الأصبهاني: محمد عبد الله بن محمد ابن جعفر بن حيان. دراسة وتحقيق عبد الغفور عبد الحق البلوشي، الطبعة الأولى (١٤٠٧ هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n* العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير للقزويني، تحقيق علي محمد عوض - عادل أحمد عبد الموجود ط دار الكتب العلمية - ببيروت- لبنان - الطبعة الأولى ١٩٩٧.\n* العظمة لأبي الشيخ، طبعة: دار العاصمة الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، تحقيق رضاء الله المباركفوري.","vol":"15","page":709},{"text":"* العقد الفريد دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n* العقوبات لابن أبي الدنيا، تحقيق محمد يوسف، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، دار ابن حزم بيروت.\n* العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي، طبعة: دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، تحقيق إرشاد الحق الأثري.\n* عمدة القاري شرح صحيح البخاري دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n* عمل اليوم والليلة لابن السني: أبو بكر أحمد بن محمد الدينوري، تحقيق عبد الرحمن بن كوثر البرني، دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، مؤسسة علوم القرآن، بيروت.\n* العيال لابن أبي الدنيا: عبد الله بن محمد (ت ٢٨١) ت/ نجم خلف، دار ابن القيم، ١٤١٠ هـ.\n* الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، المؤلف: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: ٩٢٦ هـ) ط: المطبعة الميمنية.\n* غريب الحديث لابن قتيبة، دار الكتب العلمية بيروت.\n* غريب الحديث للقاسم بن سلّام تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان ط: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن الطبعة: الأولى، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.","vol":"15","page":710},{"text":"* غريبين في القرآن والحديث تحقيق ودراسة: أحمد فريد المزيدي ط: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n* غوامض الأسماء المبهمة تحقيق: د. عز الدين علي السيد، محمد كمال الدين عز الدين. ط: عالم الكتب - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n* الغيلانيات فوائد أبي بكر الشافعي، تحقيق فاروق عبد العليم، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، مكتبة أضواء السلف، الرياض.\n* الفتاوى الفقهية الكبرى ط المكتبة الإسلامية.\n* فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، مصورة الطبعة السلفية - دار المعرفة بيروت.\n* فتح العزيز بشرح الوجيز = الشرح الكبير المؤلف: عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: ٦٢٣ هـ) ط: دار الفكر.\n* فتوح مصر والمغرب لأبو القاسم المصري - مكتبة الثقافة الدينية ١٤١٥ هـ.\n* فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل المؤلف: سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل (المتوفى: ١٢٠٤ هـ) ط: دار الفكر.\n* فضائل الخلفاء الأربعة وغيرهم لأبي نعيم الأصبهاني تحقيق: صالح بن محمد العقيل. الناشر: دار البخاري للنشر والتوزيع، المدينة المنورة","vol":"15","page":711},{"text":"الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م.\n* فوات الوفيات المؤلف: محمد بن شاكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن شاكر بن هارون بن شاكر الملقب بصلاح الدين (المتوفى: ٧٦٤ هـ) تحقيق: إحسان عباس ط: دار صادر - بيروت الطبعة: الأولى.\n* القبس في شرح موطأ مالك بن أنس تحقيق: الدكتور محمد عبد الله ولد كريم. الناشر: دار الغرب الإسلامي. الطبعة: الأولى، ١٩٩٢ م.\n* قصص الأنبياء تحقيق: مصطفى عبد الواحد مطبعة دار التأليف - القاهرة الطبعة: الأولى، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.\n* قوت القلوب في معاملة المحبوب تحقيق د. عاصم إبراهيم الكيالي دار الكتب العلمية - بيروت/ لبنان الطبعة: الثانية، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n* الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للذهبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، قدم له وعلق عليه محمد عوامة، خرج نصوصه أحمد محمد نمر الخطيب، دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علوم القرآن، جدة، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n* الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي: أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وآخرون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n* الكبائر للذهبي تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان ط: مكتبة الفرقان الطبعة: الثانية ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.","vol":"15","page":712},{"text":"* كتاب المجروحين لابن حبان: أبو حاتم محمد بن حبان السبتي (ت ٢٥٤) تحقيق محمود إبراهيم زايد - دار الوعي - حلب.\n* الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٧ هـ.\n* كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ). تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. الطبعة الأولى (١٣٩٩ هـ ١٤٠٥ هـ). مؤسسة الرسالة بيروت.\n* كشف المشكل من حديث الصحيحين تحقيق علي حسين البواب الناشر: دار الوطن - الرياض.\n* كَشْفُ المنَاهِجِ وَالتَّنَاقِيحِ في تَخْريِج أحَادِيثِ المَصَابِيحِ تحقيق: د. مُحمَّد إِسْحَاق مُحَمَّد إبْرَاهِيم تقديم: الشيخ صالح بن محمد اللحيدان الدار العربية للموسوعات، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ -٢٠٠٤ م.\n* كفاية الأخيار في حل غاية الإختصار تحقيق علي عبد الحميد بلطجي ومحمد وهبي سليمان، الناشر: دار الخير - دمشق الطبعة: الأولى، ١٩٩٤ م.\n* كفاية النبيه في شرح التنبيه لابن الرفعة تحقيق مجدي محمد سرور باسلوم - ط دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى ٢٠٠٩ م.","vol":"15","page":713},{"text":"* كنز الدرر وجامع الغرر ط: عيسى البابي الحلبي.\n* الكنى والأسماء للدولابي: أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي. الطبعة الأولى (١٢٣ هـ). مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية الهند.\n* الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان طبعة أولى: ١٣٥٦ هـ -١٩٣٧ م طبعة ثانية: ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n* لآحاد والمثاني لابن أبي عاصم تحقيق: باسم فيصل أحمد الجوابرة ط: دار الراية - الرياض. الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n* لسان العرب لابن منظور: جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور المصري. الطبعة الأولى (١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م) دار الفكر دار صادر بيروت.\n* لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف دار ابن حزم للطبعة والنشر الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n* اللطائف في اللغة = معجم أسماء الأشياء المؤلف: أحمد بن مصطفى اللَّبَابِيدي الدمشقي (المتوفى: ١٣١٨ هـ) ط: دار الفضيلة - القاهرة.\n* اللمحة في شرح الملحة. المؤلف: محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: ٧٢٠ هـ) تحقيق: إبراهيم بن سالم الصاعدي ط: عمادة البحث العلمي","vol":"15","page":714},{"text":"بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٤ م.\n* ما انتقاه ابن مردويه على الطبراني تحقيق بدر بن عبد الله البدر ط أضواء السلف.\n* المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح دراسة وتحقيق أ. د. عبد الملك بن عبد الله بن دهيش. مكتبة دار البيان.\n* المجالسة للدينوري، تحقيق الشيخ مشهور سلمان، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ، دار ابن حزم بيروت.\n* مجمع الأحباب، وتذكرة أولي الألباب لمحمد بن حسن بن عبد الله بن محمد بن القاسم الحسيني، الشافعي (٧١٧ - ٧٧٦ هـ) عني به: عبد الله حميدان ومحمد الخضر ومحمد زكريا المقداد.\n* مجمع الزوائد للهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت.\n* مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ)، مكتبة القدسي، القاهرة، عام ١٣٥٢ هـ.\n* مجمل اللغة لابن فارس تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان. دار النشر: مؤسسة الرسالة - بيروت. الطبعة الثانية - ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n* المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث تحقيق عبد الكريم العزباوي. جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث","vol":"15","page":715},{"text":"الإسلامي، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - مكة المكرمة، دار المدني للطباعة والنشر والتوزيع، جدة - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى جـ ١ (١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م) جـ ٢، ٣ (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م).\n* المجموع شرح المهذب للنووي ط دار الفكر.\n* محاسن الاصطلاح للبلقيني: عمر بن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ)، المطبوع مقدمة ابن الصلاح، تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن، دار الكتب المصرية، ١٩٧٤ م.\n* محاسن الشريعة الناشر الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. الطبعة: العدد الأول - السنة السادسة - ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.\n* المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد. الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.\n* المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة ﵁، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي ط: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n* مختصر اختلاف العلماء تحقيق: د. عبد الله نذير أحمد. الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت. الطبعة: الثانية، ١٤١٧ هـ.\n* مُخْتَصَرُ مِنْهَاجِ القَاصِدِينْ مكتبَةُ دَارِ البَيَانْ، دمشق عام النشر: ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.","vol":"15","page":716},{"text":"* المخصص تأليف علي بن إسماعيل أبو الحسن ابن سيده ط دار الكتب العلمية.\n* مدارج السالكين لابن قيم الجوزية - تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، ط دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الثانية - ١٩٩٦ م.\n* المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي: أحمد بن الحسين البيهقي. تحقيق الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي. الطبعة الأولى. دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت.\n* المدخل لابن الحاج، ط دار الفكر - ١٩٨١ م.\n* مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان. المؤلف: أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (المتوفى: ٧٦٨ هـ) وضع حواشيه: خليل المنصور ط: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م.\n* المراسيل لأبي داود تحقيق: شعيب الأرناؤوط ط: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n* مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح دار الفكر بيروت لبنان الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n* المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك دَار الغَرب الإسلامي. الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.","vol":"15","page":717},{"text":"* مساوئ الأخلاق للخرائطي، تحقيق مصطفى عطا، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت.\n* مساوئ الأخلاق ومذمومها للخرائطي تحقيق: مصطفى بن أبو النصر الشلبي، ط: مكتبة السوادي للتوزيع، جدة الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n* المستدرك على الصحيحين للحاكم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري. الطبعة الأولى (١٣٣٤ هـ) دائرة المعارف العثمانية - الهند. تصوير دار المعرفة.\n* مسند أبي داود الطيالسي لسليمان بن داود بن الجارود (ت ٢٠٤ هـ)، تحقيق الدكتور محمد التركي، دار هجر.\n* مسند أبي عوانة تحقيق أيمن بن عارف الدمشقي ط: دار المعرفة - بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٩٨ م.\n* مسند أبي عوانه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد النيسابوري. ت عام ٣١٦ هـ. تصوير لبنان. الطبعة الأولى مطبعة مجلس دائرة المعارف بحيدر أباد الدكن ١٣٨٥ هـ.\n* مسند أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت ٣٠٧ هـ)، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، دار المأمون للتراث، سوريا، عام ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.","vol":"15","page":718},{"text":"* مسند الإمام أحمد، دار الفكر، بيروت.\n* مسند الروياني تحقيق أيمن علي، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، مؤسسة قرطبة مصر.\n* المسند الشاشي للهيثم بن كليب الشاشي، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة.\n* مسند الشاميين للطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠) ت/ حمدى السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n* مسند الشهاب للقضاعي: أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n* مسند الفاروق تحقيق: عبد المعطي قلعجي ط: دار الوفاء - المنصورة الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n* مسند عبد بن حميد، تحقيق صبحي السامرائي، مكتبة السنة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n* مشارق الأنوار على صحاح الآثار للبستي المالكي ط المكتبة العتيقة ودار التراث.\n* مشكل الآثار للطحاوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة بيروت.","vol":"15","page":719},{"text":"* مصنف ابن أبي شيبة لأبي بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي. تقديم وضبط كمال يوسف الحوت. الطبعة الأولى (١٤٠٩ هـ) دار التاج بيروت.\n* مطالع الأنوار على صحاح الآثار دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة قطر الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ / ٢٠١٢ م.\n* معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي تحقيق عبد الرزاق المهدي.\n* معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الرابعة، ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م.\n* معالم السنن (شرح سنن أبي داود) لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (مع مختصر سنن أبي داود) لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (مع مختصر سنن أبي داود للمنذري، وتهذيب ابن قيم الجوزية). تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد فقي. الطبعة (١٤٠٠ هـ) دار المعرفة بيروت.\n* المعجم الأوسط للطبراني (ت ٣٦٠ هـ)، تحقيق طارق عوض وزملائه. ط. دار الحرمين. الطبعة الأولى (١٤١٦ هـ).","vol":"15","page":720},{"text":"* المعجم الأوسط للطبراني، تحقيق الدكتور محمد الطحان، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ، مكتبة المعارف الرياض. وطبعة مصر.\n* المعجم الصغير للطبراني، تحقيق عبد الرحمن عثمان، المكتبة السلفية المدينة المنورة، وطبعة المكتب الإسلامي بيروت.\n* المعجم الكبير للطبراني: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠) تحقيق حمدى السلفي، دار العلوم.\n* معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا. تحقيق عبد السلام محمد هارون. تصوير دار الكتب العلمية - بيروت.\n* معرفة الصحابة لأبي نعيم: أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)، تحقيق عادل يوسف العزازي، دار الوطن، الرياض، عام ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.\n* مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق: د. مازن المبارك/ محمد علي حمد الله. ط: دار الفكر - دمشق الطبعة: السادسة، ١٩٨٥ م.\n* مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ط دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n* مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n* المغني لابن قدامة ط: مكتبة القاهرة. الترغيب في فضائل الأعمال","vol":"15","page":721},{"text":"وثواب ذلك لابن شاهين تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل ط: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n* مفاتيح الغيب = التفسير الكبير دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ.\n* المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري، دار النوادر - وزارة الأوقاف الكويتية الطبعة الأولى -١٤٢٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n* المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي. تحقيق محيي الدين ديب مستو ويوسف علي بديوي وأحمد محمد السيد ومحمود إبراهيم بزال. الطبعة الأولى (١٤١٧ هـ). دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب.\n* مكارم الأخلاق للخرائطي، تحقيق مطيع الحافظ وغزوة بدير، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ، دار الفكر دمشق.\n* المنامات لابن أبي الدنيا تحقيق: فاضل بن خلف الحمادة الرقي ط: دار أطلس الخضراء الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م.\n* المنتخب من غريب كلام العرب. المؤلف: علي بن الحسن الهُنائي الأزدي، أبو الحسن الملقب بـ \"كراع النمل\" (المتوفى: بعد ٣٠٩ هـ) تحقيق: د محمد بن أحمد العمري ط: جامعة أم القرى الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.","vol":"15","page":722},{"text":"* المنتخب من معجم شيوخ السمعاني تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر ط: دار عالم الكتب، الرياض الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n* المنتقى من السنن المسندة لابن الجارود: أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود، طبعة: مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت، ط الأولى ١٤٠٨ هـ، تحقيق: عبد الله عمر البارودي.\n* منحة الباري بشرح صحيح البخاري المسمى \"تحفة الباري\" ط مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n* المهذب في فقة الإمام الشافعي. المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: ٤٧٦ هـ) ط: دار الكتب العلمية.\n* المؤتلف والمختلف لأبي الحسن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، تحقيق مؤفق عبد القادر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م. مؤسسة الرسالة، ١٤٠٣ هـ.\n* الموضوعات لابن الجوزي، تحقيق عبد الرحمن عثمان، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، دار الفكر بيروت.\n* موطأ مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، المكتبة العلمية، بيروت، الطبعة الثانية.\n* موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة، ١٤٢١ هـ.","vol":"15","page":723},{"text":"* موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري (ت ٢٤٢ هـ)، تحقيق الدكتور بشار عواد، مؤسسة الرسالة، بيوت، ط ١، عام ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م.\n* ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق علي محمد البجاوي. الطبعة الأولى (١٤١٢ هـ). دار المعرفة بيروت.\n* الميسر في شرح مصابيح السنة تحقيق د. عبد الحميد هنداوي الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز الطبعة: الثانية، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ هـ.\n* نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار لابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ج ١٢). تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي. الطبعة الأولى (١٤٠٦ هـ - ١٤١١ هـ). مكتبة المثنى بغداد، ومكتبة ابن تيمية القاهرة.\n* النجم الوهاج في شرح المنهاج لأبو البقاء الشافعي دار المنهاج - جدة - الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ -٢٠٠٤ م.\n* نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار لبدر الدين العينى تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - قطر الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n* النَّظْمُ المُسْتَعْذَبُ فِي تفْسِير غريبِ ألْفَاظِ المهَذّبِ تحقيق د. مصطفى عبد الحفيظ سَالِم. ط: المكتبة التجارية، مكة المكرمة عام النشر: ١٩٨٨ م (جزء ١)، ١٩٩١ م (جزء ٢).","vol":"15","page":724},{"text":"* نفائس الأصول في شرح المحصول، المؤلف: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت ٦٨٤ هـ). تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض ط: مكتبة نزار مصطفى الباز الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n* نهاية المطلب في دراية المذهب إمام الحرمين حققه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب ط: دار المنهاج الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.\n* النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير تحقيق أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي - المكتبة العلمية - بيروت ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n* نوادر الأصول في أحاديث الرسول -ﷺ-، للحكيم الترمذي: محمد بن علي بن الحسن أبو عبد الله الحكيم الترمذي، دار النشر: دار الجيل - بيروت - ١٩٩٢ م، تحقيق: عبد الرحمن عميرة.\n* الهداية إلى أوهام الكفاية تحقيق: مجدي محمد سرور باسلوم ط: دار الكتب العلمي، مطبوع بخاتمة (كفاية النبيه) لابن الرفعة سنة النشر: ٢٠٠٩ م.\n* الوابل الصيب من الكلم الطيب لابن قيم الجوزية. تحقيق: سيد إبراهيم ط: دار الحديث - القاهرة الطبعة: الثالثة، ١٩٩٩ م.\n* * *","vol":"15","page":725}]}